Lafzullah

Tafsir Al-Razi — الأنبياء 21:37 – الأنبياء 21:83

المؤلف / المصدر: Tafsir Al-Razi

المحتويات
  1. الأنبياء 21:37
  2. الأنبياء 21:38
  3. الأنبياء 21:39
  4. الأنبياء 21:40
  5. الأنبياء 21:41
  6. الأنبياء 21:42
  7. الأنبياء 21:43
  8. الأنبياء 21:44
  9. الأنبياء 21:45
  10. الأنبياء 21:46
  11. الأنبياء 21:47
  12. الأنبياء 21:48
  13. الأنبياء 21:49
  14. الأنبياء 21:50
  15. الأنبياء 21:51
  16. الأنبياء 21:52
  17. الأنبياء 21:53
  18. الأنبياء 21:54
  19. الأنبياء 21:55
  20. الأنبياء 21:56
  21. الأنبياء 21:57
  22. الأنبياء 21:58
  23. الأنبياء 21:59
  24. الأنبياء 21:60
  25. الأنبياء 21:61
  26. الأنبياء 21:62
  27. الأنبياء 21:63
  28. الأنبياء 21:64
  29. الأنبياء 21:65
  30. الأنبياء 21:66
  31. الأنبياء 21:67
  32. الأنبياء 21:68
  33. الأنبياء 21:69
  34. الأنبياء 21:70
  35. الأنبياء 21:71
  36. الأنبياء 21:72
  37. الأنبياء 21:73
  38. الأنبياء 21:74
  39. الأنبياء 21:75
  40. الأنبياء 21:76
  41. الأنبياء 21:77
  42. الأنبياء 21:78
  43. الأنبياء 21:79
  44. الأنبياء 21:80
  45. الأنبياء 21:81
  46. الأنبياء 21:82
  47. الأنبياء 21:83

الأنبياء 21:37

صفحة ١٤٨ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خُلِقَ الإنْسانُ مِن عَجَلٍ سَأُرِيكم آياتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ﴾ ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النّارَ ولا عَنْ ظُهُورِهِمْ ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ ﴿بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهم فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّها ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ ﴿ولَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِن قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنهم ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ . أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خُلِقَ الإنْسانُ مِن عَجَلٍ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: في المُرادِ مِنَ الإنْسانِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ النَّوْعُ. والثّانِي: أنَّهُ شَخْصٌ مُعَيَّنٌ. أمّا القَوْلُ الأوَّلُ فَتَقْرِيرُهُ أنَّهم كانُوا يَسْتَعْجِلُونَ عَذابَ اللَّهِ تَعالى وآياتِهِ المُلْجِئَةَ إلى العِلْمِ والإقْرارِ: ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ﴾ فَأرادَ زَجْرَهم عَنْ ذَلِكَ، فَقَدَّمَ أوَّلًا ذَمَّ الإنْسانِ عَلى إفْراطِ العَجَلَةِ، ثُمَّ نَهاهم وزَجَرَهم كَأنَّهُ قالَ: لا يَبْعُدُ مِنكم أنْ تَسْتَعْجِلُوا فَإنَّكم مَجْبُولُونَ عَلى ذَلِكَ وهو طَبْعُكم وسَجِيَّتُكم، فَإنْ قِيلَ: مُقَدِّمَةُ الكَلامِ لا بُدَّ وأنْ تَكُونَ مُناسِبَةً لِلْكَلامِ، وكَوْنُ الإنْسانِ مَخْلُوقًا مِنَ العَجَلِ يُناسِبُ كَوْنَهُ مَعْذُورًا فِيهِ، فَلِمَ رَتَّبَ عَلى هَذِهِ المُقَدِّمَةِ قَوْلَهُ: ﴿فَلا تَسْتَعْجِلُونِ﴾ ؟ قُلْنا: لِأنَّ العائِقَ كُلَّما كانَ أشَدَّ كانَتِ القُدْرَةُ عَلى مُخالَفَتِهِ أكْمَلَ، فَكَأنَّهُ سُبْحانَهُ نَبَّهَ بِهَذا عَلى أنَّ تَرْكَ الِاسْتِعْجالِ حالَةٌ شَرِيفَةٌ عالِيَةٌ مَرْغُوبٌ فِيها. أمّا القَوْلُ الثّانِي: وهو أنَّ المُرادَ شَخْصٌ مُعَيَّنٌ فَهَذا فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ المُرادَ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وعِكْرِمَةَ والسُّدِّيِّ والكَلْبِيِّ ومُقاتِلٍ والضَّحّاكِ، ورَوى ابْنُ جَرِيرٍ ولَيْثُ بْنُ أبِي سُلَيْمٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ كُلِّ شَيْءٍ مِن آخِرِ نَهارِ الجُمُعَةِ، فَلَمّا دَخَلَ الرُّوحُ رَأْسَهُ ولَمْ يَبْلُغْ أسْفَلَهُ، قالَ: يا رَبِّ اسْتَعْجِلْ خَلْقِي قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، قالَ لَيْثٌ: فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خُلِقَ الإنْسانُ مِن عَجَلٍ﴾ . وعَنِ السُّدِّيِّ لَمّا نَفَخَ فِيهِ الرُّوحَ فَدَخَلَ في رَأْسِهِ عَطَسَ، فَقالَتْ لَهُ المَلائِكَةُ: قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ، فَقالَ ذَلِكَ، فَقالَ اللَّهُ لَهُ: يَرْحَمُكَ رَبُّكَ. فَلَمّا دَخَلَ الرُّوحُ في عَيْنَيْهِ نَظَرَ إلى ثِمارِ الجَنَّةِ، ولَمّا دَخَلَ الرُّوحُ في جَوْفِهِ اشْتَهى الطَّعامَ، فَوَثَبَ قَبْلَ أنْ تَبْلُغَ الرُّوحُ رِجْلَيْهِ إلى ثِمارِ الجَنَّةِ، وهَذا هو الَّذِي أوْرَثَ أوْلادَهُ العَجَلَةَ. وثانِيهِما: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما في رِوايَةِ عَطاءٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ والمُرادُ بِالإنْسانِ هو، واعْلَمْ أنَّ القَوْلَ الأوَّلَ أوْلى لِأنَّ الغَرَضَ ذَمُّ القَوْمِ، وذَلِكَ لا يَحْصُلُ إلّا إذا حَمَلْنا لَفْظَ الإنْسانِ عَلى النَّوْعِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: مِنَ المُفَسِّرِينَ مَن أجْرى هَذِهِ الآيَةَ عَلى ظاهِرِها، ومِنهم مَن قَلَبَها، أمّا الأوَّلُونَ فَلَهم فِيها أقْوالٌ: أحَدُها: قَوْلُ المُحَقِّقِينَ وهو أنَّ قَوْلَهُ: ﴿خُلِقَ الإنْسانُ مِن عَجَلٍ﴾ أيْ خُلِقَ عَجُولًا، وذَلِكَ عَلى المُبالَغَةِ كَما قِيلَ لِلرَّجُلِ الذَّكِيِّ: هو نارٌ تَشْتَعِلُ، والعَرَبُ قَدْ تُسَمِّي المَرْءَ بِما يَكْثُرُ مِنهُ فَتَقُولُ: ما أنْتَ إلّا أكْلٌ ونَوْمٌ، وما هو إلّا إقْبالٌ وإدْبارٌ، قالَ الشّاعِرُ: أمّا إذا ذُكِرَتْ حَتّى إذا غَفَلَتْ فَإنَّما هي إقْبالٌ وإدْبارُ وهَذا الوَجْهُ مُتَأكِّدٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكانَ الإنْسانُ عَجُولًا﴾ [الإسْراءِ: ١١] قالَ المُبَرِّدُ: ﴿خُلِقَ الإنْسانُ مِن عَجَلٍ﴾ أيْ مِن شَأْنِهِ العَجَلَةُ كَقَوْلِهِ: ﴿خَلَقَكم مِن ضَعْفٍ﴾ [الرُّومِ: ٥٤] أيْ ضُعَفاءَ. وثانِيها: قالَ أبُو عُبَيْدٍ: العَجَلُ الطِّينُ بِلُغَةِ حِمْيَرَ وأنْشَدُوا: والنَّخْلُ يَثْبُتُ بَيْنَ الماءِ والعَجَلِ صفحة ١٤٩ وثالِثُها: قالَ الأخْفَشُ: ”مِن عَجَلٍ“ أيْ مِن تَعْجِيلٍ مِنَ الأمْرِ وهو قَوْلُهُ كُنْ. ورابِعُها: مِن عَجَلٍ، أيْ مِن ضَعْفٍ عَنِ الحَسَنِ. أمّا الَّذِينَ قَلَبُوها فَقالُوا المَعْنى: خُلِقَ العَجَلُ مِنَ الإنْسانِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ويَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلى النّارِ﴾ أيْ تُعْرَضُ النّارُ عَلَيْهِمْ، والقَوْلُ الأوَّلُ أقْرَبُ إلى الصَّوابِ وأبْعَدُ الأقْوالِ هَذا القَلْبُ لِأنَّهُ إذا أمْكَنَ حَمْلُ الكَلامِ عَلى مَعْنى صَحِيحٍ وهو عَلى تَرْتِيبِهِ فَهو أوْلى مِن أنْ يُحْمَلَ عَلى أنَّهُ مَقْلُوبٌ، وأيْضًا فَإنَّ قَوْلَهُ: خُلِقَتِ العَجَلَةُ مِنَ الإنْسانِ فِيهِ وُجُوهٌ مِنَ المَجازِ، فَما الفائِدَةُ في تَغْيِيرِ النَّظْمِ إلى ما يَجْرِي مَجْراهُ في المَجازِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: القَوْمُ اسْتَعْجَلُوا الوَعْدَ عَلى وجْهِ التَّكْذِيبِ ومَن هَذا حالُهُ لا يَكُونُ مُسْتَعْجِلًا عَلى الحَقِيقَةِ، قُلْنا: اسْتِعْجالُهم عَلى هَذا الوَجْهِ أدْخَلُ في الذَّمِّ لِأنَّهُ إذا ذَمَّ المَرْءُ اسْتِعْجالَ الأمْرِ المَعْلُومِ فَبِأنْ يَذُمَّ عَلى اسْتِعْجالِ ما لا يَكُونُ مَعْلُومًا لَهُ كانَ أُولى، وأيْضًا فَإنَّ اسْتِعْجالَهم بِما تَوَعَّدَهم مِن عِقابِ الآخِرَةِ أوْ هَلاكِ الدُّنْيا يَتَضَمَّنُ اسْتِعْجالَ المَوْتِ وهم عالِمُونَ بِذَلِكَ فَكانُوا مُسْتَعْجِلِينَ في الحَقِيقَةِ. * * * أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَأُرِيكم آياتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ﴾ فَقَدِ اخْتَلَفُوا في المُرادِ بِالآياتِ عَلى أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ هي الهَلاكُ المُعَجَّلُ في الدُّنْيا والعَذابُ في الآخِرَةِ، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿فَلا تَسْتَعْجِلُونِ﴾ أيْ أنَّها سَتَأْتِي لا مَحالَةَ في وقْتِها. وثانِيها: أنَّها أدِلَّةُ التَّوْحِيدِ وصِدْقُ الرَّسُولِ. وثالِثُها: أنَّها آثارُ القُرُونِ الماضِيَةِ بِالشّامِ واليَمَنِ والأوَّلُ أقْرَبُ إلى النَّظْمِ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ فاعْلَمْ أنَّ هَذا هو الِاسْتِعْجالُ المَذْمُومُ المَذْكُورُ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ وهو كَقَوْلِهِ: ﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ ولَوْلا أجَلٌ مُسَمًّى لَجاءَهُمُ العَذابُ﴾ [العَنْكَبُوتِ: ٥٣] فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهم يَقُولُونَ ذَلِكَ لِجَهْلِهِمْ وغَفْلَتِهِمْ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ ذَكَرَ في رَفْعِ هَذا الحُزْنِ عَنْ قَلْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: بِأنْ بَيَّنَ ما لِصاحِبِ هَذا الِاسْتِهْزاءِ مِنَ العِقابِ الشَّدِيدِ فَقالَ: ﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النّارَ ولا عَنْ ظُهُورِهِمْ ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: جَوابُ لَوْ مَحْذُوفٌ وحِينَ مَفْعُولٌ بِهِ لِيَعْلَمُ أيْ لَوْ يَعْلَمُونَ الوَقْتَ الَّذِي يَسْألُونَ عَنْهُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿مَتى هَذا الوَعْدُ﴾ وهو وقْتٌ صَعْبٌ شَدِيدٌ تُحِيطُ بِهِمْ فِيهِ النّارُ مِن قُدّامٍ ومِن خَلْفٍ فَلا يَقْدِرُونَ عَلى دَفْعِها عَنْ أنْفُسِهِمْ ولا يَجِدُونَ أيْضًا ناصِرًا يَنْصُرُهم لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن يَنْصُرُنا مِن بَأْسِ اللَّهِ إنْ جاءَنا﴾ [غافِرٍ: ٢٩] لِما كانُوا بِتِلْكَ الصِّفَةِ مِنَ الكُفْرِ والِاسْتِهْزاءِ والِاسْتِعْجالِ ولَكِنَّ جَهْلَهم بِهِ هو الَّذِي هَوَّنَهُ عَلَيْهِمْ وإنَّما حَسُنَ حَذْفُ الجَوابِ لِأنَّ ما تَقَدَّمَ يَدُلُّ عَلَيْهِ. وهَذا أبْلَغُ ومِثْلُهُ: ﴿ولَوْ يَرى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [البَقَرَةِ: ١٦٥]، ﴿ولَوْ تَرى إذْ يَتَوَفّى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنْفالِ: ٥٠]، ﴿ولَوْ أنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الجِبالُ﴾ [الرَّعْدِ: ٣١] وإنَّما خَصَّ الوُجُوهَ والظُّهُورَ لِأنَّ مَسَّ العَذابِ لَهُما أعْظَمُ مَوْقِعًا ولِكَثْرَةِ ما يُسْتَعْمَلُ ذِكْرُهُما في دَفْعِ المَضَرَّةِ عَنِ النَّفْسِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ شِدَّةَ هَذا العَذابِ بَيَّنَ أنَّ وقْتَ مَجِيئِهِ غَيْرُ مَعْلُومٍ لَهم بَلْ تَأْتِيهِمُ السّاعَةُ بَغْتَةً وهم لَها غَيْرُ مُحْتَسِبِينَ ولا لِأمْرِها مُسْتَعِدِّينَ فَتَبْهَتُهم أيْ تَدَعُهم حائِرِينَ واقِفِينَ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً في رَدِّها ولا عَمّا يَأْتِيهِمْ مِنها مَصْرِفًا، ولا هم يُنْظَرُونَ أيْ لا يُمْهَلُونَ لِتَوْبَةٍ ولا مَعْذِرَةٍ. واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى إنَّما لَمْ يُعْلِمِ المُكَلَّفِينَ وقْتَ المَوْتِ والقِيامَةِ لِما فِيهِ مِنَ المَصْلَحَةِ؛ لِأنَّ المَرْءَ مَعَ كِتْمانِ ذَلِكَ أشَدُّ حَذَرًا وأقْرَبُ إلى التَّلافِي، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ ذَكَرَ الوَجْهَ الثّانِيَ في دَفْعِ الحُزْنِ عَنْ قَلْبِ رَسُولِهِ فَقالَ: ﴿ولَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِن قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنهم ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ صفحة ١٥٠ والمَعْنى ﴿ولَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِن قَبْلِكَ﴾ يا مُحَمَّدُ كَما اسْتَهْزَأ بِكَ قَوْمُكَ ﴿فَحاقَ﴾ أيْ نَزَلَ وأحاطَ ﴿بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنهم ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أيْ عُقُوبَةُ اسْتِهْزائِهِمْ، وحاقَ وحَقَّ بِمَعْنى كَزالَّ وزَلَّ وفي هَذا تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ والمَعْنى فَكَذَلِكَ يَحِيقُ بِهَؤُلاءِ وبالُ اسْتِهْزائِهِمْ.

الأنبياء 21:38

صفحة ١٤٨ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خُلِقَ الإنْسانُ مِن عَجَلٍ سَأُرِيكم آياتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ﴾ ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النّارَ ولا عَنْ ظُهُورِهِمْ ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ ﴿بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهم فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّها ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ ﴿ولَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِن قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنهم ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ . أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خُلِقَ الإنْسانُ مِن عَجَلٍ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: في المُرادِ مِنَ الإنْسانِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ النَّوْعُ. والثّانِي: أنَّهُ شَخْصٌ مُعَيَّنٌ. أمّا القَوْلُ الأوَّلُ فَتَقْرِيرُهُ أنَّهم كانُوا يَسْتَعْجِلُونَ عَذابَ اللَّهِ تَعالى وآياتِهِ المُلْجِئَةَ إلى العِلْمِ والإقْرارِ: ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ﴾ فَأرادَ زَجْرَهم عَنْ ذَلِكَ، فَقَدَّمَ أوَّلًا ذَمَّ الإنْسانِ عَلى إفْراطِ العَجَلَةِ، ثُمَّ نَهاهم وزَجَرَهم كَأنَّهُ قالَ: لا يَبْعُدُ مِنكم أنْ تَسْتَعْجِلُوا فَإنَّكم مَجْبُولُونَ عَلى ذَلِكَ وهو طَبْعُكم وسَجِيَّتُكم، فَإنْ قِيلَ: مُقَدِّمَةُ الكَلامِ لا بُدَّ وأنْ تَكُونَ مُناسِبَةً لِلْكَلامِ، وكَوْنُ الإنْسانِ مَخْلُوقًا مِنَ العَجَلِ يُناسِبُ كَوْنَهُ مَعْذُورًا فِيهِ، فَلِمَ رَتَّبَ عَلى هَذِهِ المُقَدِّمَةِ قَوْلَهُ: ﴿فَلا تَسْتَعْجِلُونِ﴾ ؟ قُلْنا: لِأنَّ العائِقَ كُلَّما كانَ أشَدَّ كانَتِ القُدْرَةُ عَلى مُخالَفَتِهِ أكْمَلَ، فَكَأنَّهُ سُبْحانَهُ نَبَّهَ بِهَذا عَلى أنَّ تَرْكَ الِاسْتِعْجالِ حالَةٌ شَرِيفَةٌ عالِيَةٌ مَرْغُوبٌ فِيها. أمّا القَوْلُ الثّانِي: وهو أنَّ المُرادَ شَخْصٌ مُعَيَّنٌ فَهَذا فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ المُرادَ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وعِكْرِمَةَ والسُّدِّيِّ والكَلْبِيِّ ومُقاتِلٍ والضَّحّاكِ، ورَوى ابْنُ جَرِيرٍ ولَيْثُ بْنُ أبِي سُلَيْمٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ كُلِّ شَيْءٍ مِن آخِرِ نَهارِ الجُمُعَةِ، فَلَمّا دَخَلَ الرُّوحُ رَأْسَهُ ولَمْ يَبْلُغْ أسْفَلَهُ، قالَ: يا رَبِّ اسْتَعْجِلْ خَلْقِي قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، قالَ لَيْثٌ: فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خُلِقَ الإنْسانُ مِن عَجَلٍ﴾ . وعَنِ السُّدِّيِّ لَمّا نَفَخَ فِيهِ الرُّوحَ فَدَخَلَ في رَأْسِهِ عَطَسَ، فَقالَتْ لَهُ المَلائِكَةُ: قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ، فَقالَ ذَلِكَ، فَقالَ اللَّهُ لَهُ: يَرْحَمُكَ رَبُّكَ. فَلَمّا دَخَلَ الرُّوحُ في عَيْنَيْهِ نَظَرَ إلى ثِمارِ الجَنَّةِ، ولَمّا دَخَلَ الرُّوحُ في جَوْفِهِ اشْتَهى الطَّعامَ، فَوَثَبَ قَبْلَ أنْ تَبْلُغَ الرُّوحُ رِجْلَيْهِ إلى ثِمارِ الجَنَّةِ، وهَذا هو الَّذِي أوْرَثَ أوْلادَهُ العَجَلَةَ. وثانِيهِما: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما في رِوايَةِ عَطاءٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ والمُرادُ بِالإنْسانِ هو، واعْلَمْ أنَّ القَوْلَ الأوَّلَ أوْلى لِأنَّ الغَرَضَ ذَمُّ القَوْمِ، وذَلِكَ لا يَحْصُلُ إلّا إذا حَمَلْنا لَفْظَ الإنْسانِ عَلى النَّوْعِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: مِنَ المُفَسِّرِينَ مَن أجْرى هَذِهِ الآيَةَ عَلى ظاهِرِها، ومِنهم مَن قَلَبَها، أمّا الأوَّلُونَ فَلَهم فِيها أقْوالٌ: أحَدُها: قَوْلُ المُحَقِّقِينَ وهو أنَّ قَوْلَهُ: ﴿خُلِقَ الإنْسانُ مِن عَجَلٍ﴾ أيْ خُلِقَ عَجُولًا، وذَلِكَ عَلى المُبالَغَةِ كَما قِيلَ لِلرَّجُلِ الذَّكِيِّ: هو نارٌ تَشْتَعِلُ، والعَرَبُ قَدْ تُسَمِّي المَرْءَ بِما يَكْثُرُ مِنهُ فَتَقُولُ: ما أنْتَ إلّا أكْلٌ ونَوْمٌ، وما هو إلّا إقْبالٌ وإدْبارٌ، قالَ الشّاعِرُ: أمّا إذا ذُكِرَتْ حَتّى إذا غَفَلَتْ فَإنَّما هي إقْبالٌ وإدْبارُ وهَذا الوَجْهُ مُتَأكِّدٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكانَ الإنْسانُ عَجُولًا﴾ [الإسْراءِ: ١١] قالَ المُبَرِّدُ: ﴿خُلِقَ الإنْسانُ مِن عَجَلٍ﴾ أيْ مِن شَأْنِهِ العَجَلَةُ كَقَوْلِهِ: ﴿خَلَقَكم مِن ضَعْفٍ﴾ [الرُّومِ: ٥٤] أيْ ضُعَفاءَ. وثانِيها: قالَ أبُو عُبَيْدٍ: العَجَلُ الطِّينُ بِلُغَةِ حِمْيَرَ وأنْشَدُوا: والنَّخْلُ يَثْبُتُ بَيْنَ الماءِ والعَجَلِ صفحة ١٤٩ وثالِثُها: قالَ الأخْفَشُ: ”مِن عَجَلٍ“ أيْ مِن تَعْجِيلٍ مِنَ الأمْرِ وهو قَوْلُهُ كُنْ. ورابِعُها: مِن عَجَلٍ، أيْ مِن ضَعْفٍ عَنِ الحَسَنِ. أمّا الَّذِينَ قَلَبُوها فَقالُوا المَعْنى: خُلِقَ العَجَلُ مِنَ الإنْسانِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ويَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلى النّارِ﴾ أيْ تُعْرَضُ النّارُ عَلَيْهِمْ، والقَوْلُ الأوَّلُ أقْرَبُ إلى الصَّوابِ وأبْعَدُ الأقْوالِ هَذا القَلْبُ لِأنَّهُ إذا أمْكَنَ حَمْلُ الكَلامِ عَلى مَعْنى صَحِيحٍ وهو عَلى تَرْتِيبِهِ فَهو أوْلى مِن أنْ يُحْمَلَ عَلى أنَّهُ مَقْلُوبٌ، وأيْضًا فَإنَّ قَوْلَهُ: خُلِقَتِ العَجَلَةُ مِنَ الإنْسانِ فِيهِ وُجُوهٌ مِنَ المَجازِ، فَما الفائِدَةُ في تَغْيِيرِ النَّظْمِ إلى ما يَجْرِي مَجْراهُ في المَجازِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: القَوْمُ اسْتَعْجَلُوا الوَعْدَ عَلى وجْهِ التَّكْذِيبِ ومَن هَذا حالُهُ لا يَكُونُ مُسْتَعْجِلًا عَلى الحَقِيقَةِ، قُلْنا: اسْتِعْجالُهم عَلى هَذا الوَجْهِ أدْخَلُ في الذَّمِّ لِأنَّهُ إذا ذَمَّ المَرْءُ اسْتِعْجالَ الأمْرِ المَعْلُومِ فَبِأنْ يَذُمَّ عَلى اسْتِعْجالِ ما لا يَكُونُ مَعْلُومًا لَهُ كانَ أُولى، وأيْضًا فَإنَّ اسْتِعْجالَهم بِما تَوَعَّدَهم مِن عِقابِ الآخِرَةِ أوْ هَلاكِ الدُّنْيا يَتَضَمَّنُ اسْتِعْجالَ المَوْتِ وهم عالِمُونَ بِذَلِكَ فَكانُوا مُسْتَعْجِلِينَ في الحَقِيقَةِ. * * * أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَأُرِيكم آياتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ﴾ فَقَدِ اخْتَلَفُوا في المُرادِ بِالآياتِ عَلى أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ هي الهَلاكُ المُعَجَّلُ في الدُّنْيا والعَذابُ في الآخِرَةِ، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿فَلا تَسْتَعْجِلُونِ﴾ أيْ أنَّها سَتَأْتِي لا مَحالَةَ في وقْتِها. وثانِيها: أنَّها أدِلَّةُ التَّوْحِيدِ وصِدْقُ الرَّسُولِ. وثالِثُها: أنَّها آثارُ القُرُونِ الماضِيَةِ بِالشّامِ واليَمَنِ والأوَّلُ أقْرَبُ إلى النَّظْمِ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ فاعْلَمْ أنَّ هَذا هو الِاسْتِعْجالُ المَذْمُومُ المَذْكُورُ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ وهو كَقَوْلِهِ: ﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ ولَوْلا أجَلٌ مُسَمًّى لَجاءَهُمُ العَذابُ﴾ [العَنْكَبُوتِ: ٥٣] فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهم يَقُولُونَ ذَلِكَ لِجَهْلِهِمْ وغَفْلَتِهِمْ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ ذَكَرَ في رَفْعِ هَذا الحُزْنِ عَنْ قَلْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: بِأنْ بَيَّنَ ما لِصاحِبِ هَذا الِاسْتِهْزاءِ مِنَ العِقابِ الشَّدِيدِ فَقالَ: ﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النّارَ ولا عَنْ ظُهُورِهِمْ ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: جَوابُ لَوْ مَحْذُوفٌ وحِينَ مَفْعُولٌ بِهِ لِيَعْلَمُ أيْ لَوْ يَعْلَمُونَ الوَقْتَ الَّذِي يَسْألُونَ عَنْهُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿مَتى هَذا الوَعْدُ﴾ وهو وقْتٌ صَعْبٌ شَدِيدٌ تُحِيطُ بِهِمْ فِيهِ النّارُ مِن قُدّامٍ ومِن خَلْفٍ فَلا يَقْدِرُونَ عَلى دَفْعِها عَنْ أنْفُسِهِمْ ولا يَجِدُونَ أيْضًا ناصِرًا يَنْصُرُهم لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن يَنْصُرُنا مِن بَأْسِ اللَّهِ إنْ جاءَنا﴾ [غافِرٍ: ٢٩] لِما كانُوا بِتِلْكَ الصِّفَةِ مِنَ الكُفْرِ والِاسْتِهْزاءِ والِاسْتِعْجالِ ولَكِنَّ جَهْلَهم بِهِ هو الَّذِي هَوَّنَهُ عَلَيْهِمْ وإنَّما حَسُنَ حَذْفُ الجَوابِ لِأنَّ ما تَقَدَّمَ يَدُلُّ عَلَيْهِ. وهَذا أبْلَغُ ومِثْلُهُ: ﴿ولَوْ يَرى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [البَقَرَةِ: ١٦٥]، ﴿ولَوْ تَرى إذْ يَتَوَفّى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنْفالِ: ٥٠]، ﴿ولَوْ أنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الجِبالُ﴾ [الرَّعْدِ: ٣١] وإنَّما خَصَّ الوُجُوهَ والظُّهُورَ لِأنَّ مَسَّ العَذابِ لَهُما أعْظَمُ مَوْقِعًا ولِكَثْرَةِ ما يُسْتَعْمَلُ ذِكْرُهُما في دَفْعِ المَضَرَّةِ عَنِ النَّفْسِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ شِدَّةَ هَذا العَذابِ بَيَّنَ أنَّ وقْتَ مَجِيئِهِ غَيْرُ مَعْلُومٍ لَهم بَلْ تَأْتِيهِمُ السّاعَةُ بَغْتَةً وهم لَها غَيْرُ مُحْتَسِبِينَ ولا لِأمْرِها مُسْتَعِدِّينَ فَتَبْهَتُهم أيْ تَدَعُهم حائِرِينَ واقِفِينَ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً في رَدِّها ولا عَمّا يَأْتِيهِمْ مِنها مَصْرِفًا، ولا هم يُنْظَرُونَ أيْ لا يُمْهَلُونَ لِتَوْبَةٍ ولا مَعْذِرَةٍ. واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى إنَّما لَمْ يُعْلِمِ المُكَلَّفِينَ وقْتَ المَوْتِ والقِيامَةِ لِما فِيهِ مِنَ المَصْلَحَةِ؛ لِأنَّ المَرْءَ مَعَ كِتْمانِ ذَلِكَ أشَدُّ حَذَرًا وأقْرَبُ إلى التَّلافِي، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ ذَكَرَ الوَجْهَ الثّانِيَ في دَفْعِ الحُزْنِ عَنْ قَلْبِ رَسُولِهِ فَقالَ: ﴿ولَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِن قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنهم ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ صفحة ١٥٠ والمَعْنى ﴿ولَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِن قَبْلِكَ﴾ يا مُحَمَّدُ كَما اسْتَهْزَأ بِكَ قَوْمُكَ ﴿فَحاقَ﴾ أيْ نَزَلَ وأحاطَ ﴿بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنهم ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أيْ عُقُوبَةُ اسْتِهْزائِهِمْ، وحاقَ وحَقَّ بِمَعْنى كَزالَّ وزَلَّ وفي هَذا تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ والمَعْنى فَكَذَلِكَ يَحِيقُ بِهَؤُلاءِ وبالُ اسْتِهْزائِهِمْ.

الأنبياء 21:39

صفحة ١٤٨ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خُلِقَ الإنْسانُ مِن عَجَلٍ سَأُرِيكم آياتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ﴾ ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النّارَ ولا عَنْ ظُهُورِهِمْ ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ ﴿بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهم فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّها ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ ﴿ولَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِن قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنهم ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ . أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خُلِقَ الإنْسانُ مِن عَجَلٍ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: في المُرادِ مِنَ الإنْسانِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ النَّوْعُ. والثّانِي: أنَّهُ شَخْصٌ مُعَيَّنٌ. أمّا القَوْلُ الأوَّلُ فَتَقْرِيرُهُ أنَّهم كانُوا يَسْتَعْجِلُونَ عَذابَ اللَّهِ تَعالى وآياتِهِ المُلْجِئَةَ إلى العِلْمِ والإقْرارِ: ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ﴾ فَأرادَ زَجْرَهم عَنْ ذَلِكَ، فَقَدَّمَ أوَّلًا ذَمَّ الإنْسانِ عَلى إفْراطِ العَجَلَةِ، ثُمَّ نَهاهم وزَجَرَهم كَأنَّهُ قالَ: لا يَبْعُدُ مِنكم أنْ تَسْتَعْجِلُوا فَإنَّكم مَجْبُولُونَ عَلى ذَلِكَ وهو طَبْعُكم وسَجِيَّتُكم، فَإنْ قِيلَ: مُقَدِّمَةُ الكَلامِ لا بُدَّ وأنْ تَكُونَ مُناسِبَةً لِلْكَلامِ، وكَوْنُ الإنْسانِ مَخْلُوقًا مِنَ العَجَلِ يُناسِبُ كَوْنَهُ مَعْذُورًا فِيهِ، فَلِمَ رَتَّبَ عَلى هَذِهِ المُقَدِّمَةِ قَوْلَهُ: ﴿فَلا تَسْتَعْجِلُونِ﴾ ؟ قُلْنا: لِأنَّ العائِقَ كُلَّما كانَ أشَدَّ كانَتِ القُدْرَةُ عَلى مُخالَفَتِهِ أكْمَلَ، فَكَأنَّهُ سُبْحانَهُ نَبَّهَ بِهَذا عَلى أنَّ تَرْكَ الِاسْتِعْجالِ حالَةٌ شَرِيفَةٌ عالِيَةٌ مَرْغُوبٌ فِيها. أمّا القَوْلُ الثّانِي: وهو أنَّ المُرادَ شَخْصٌ مُعَيَّنٌ فَهَذا فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ المُرادَ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وعِكْرِمَةَ والسُّدِّيِّ والكَلْبِيِّ ومُقاتِلٍ والضَّحّاكِ، ورَوى ابْنُ جَرِيرٍ ولَيْثُ بْنُ أبِي سُلَيْمٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ كُلِّ شَيْءٍ مِن آخِرِ نَهارِ الجُمُعَةِ، فَلَمّا دَخَلَ الرُّوحُ رَأْسَهُ ولَمْ يَبْلُغْ أسْفَلَهُ، قالَ: يا رَبِّ اسْتَعْجِلْ خَلْقِي قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، قالَ لَيْثٌ: فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خُلِقَ الإنْسانُ مِن عَجَلٍ﴾ . وعَنِ السُّدِّيِّ لَمّا نَفَخَ فِيهِ الرُّوحَ فَدَخَلَ في رَأْسِهِ عَطَسَ، فَقالَتْ لَهُ المَلائِكَةُ: قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ، فَقالَ ذَلِكَ، فَقالَ اللَّهُ لَهُ: يَرْحَمُكَ رَبُّكَ. فَلَمّا دَخَلَ الرُّوحُ في عَيْنَيْهِ نَظَرَ إلى ثِمارِ الجَنَّةِ، ولَمّا دَخَلَ الرُّوحُ في جَوْفِهِ اشْتَهى الطَّعامَ، فَوَثَبَ قَبْلَ أنْ تَبْلُغَ الرُّوحُ رِجْلَيْهِ إلى ثِمارِ الجَنَّةِ، وهَذا هو الَّذِي أوْرَثَ أوْلادَهُ العَجَلَةَ. وثانِيهِما: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما في رِوايَةِ عَطاءٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ والمُرادُ بِالإنْسانِ هو، واعْلَمْ أنَّ القَوْلَ الأوَّلَ أوْلى لِأنَّ الغَرَضَ ذَمُّ القَوْمِ، وذَلِكَ لا يَحْصُلُ إلّا إذا حَمَلْنا لَفْظَ الإنْسانِ عَلى النَّوْعِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: مِنَ المُفَسِّرِينَ مَن أجْرى هَذِهِ الآيَةَ عَلى ظاهِرِها، ومِنهم مَن قَلَبَها، أمّا الأوَّلُونَ فَلَهم فِيها أقْوالٌ: أحَدُها: قَوْلُ المُحَقِّقِينَ وهو أنَّ قَوْلَهُ: ﴿خُلِقَ الإنْسانُ مِن عَجَلٍ﴾ أيْ خُلِقَ عَجُولًا، وذَلِكَ عَلى المُبالَغَةِ كَما قِيلَ لِلرَّجُلِ الذَّكِيِّ: هو نارٌ تَشْتَعِلُ، والعَرَبُ قَدْ تُسَمِّي المَرْءَ بِما يَكْثُرُ مِنهُ فَتَقُولُ: ما أنْتَ إلّا أكْلٌ ونَوْمٌ، وما هو إلّا إقْبالٌ وإدْبارٌ، قالَ الشّاعِرُ: أمّا إذا ذُكِرَتْ حَتّى إذا غَفَلَتْ فَإنَّما هي إقْبالٌ وإدْبارُ وهَذا الوَجْهُ مُتَأكِّدٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكانَ الإنْسانُ عَجُولًا﴾ [الإسْراءِ: ١١] قالَ المُبَرِّدُ: ﴿خُلِقَ الإنْسانُ مِن عَجَلٍ﴾ أيْ مِن شَأْنِهِ العَجَلَةُ كَقَوْلِهِ: ﴿خَلَقَكم مِن ضَعْفٍ﴾ [الرُّومِ: ٥٤] أيْ ضُعَفاءَ. وثانِيها: قالَ أبُو عُبَيْدٍ: العَجَلُ الطِّينُ بِلُغَةِ حِمْيَرَ وأنْشَدُوا: والنَّخْلُ يَثْبُتُ بَيْنَ الماءِ والعَجَلِ صفحة ١٤٩ وثالِثُها: قالَ الأخْفَشُ: ”مِن عَجَلٍ“ أيْ مِن تَعْجِيلٍ مِنَ الأمْرِ وهو قَوْلُهُ كُنْ. ورابِعُها: مِن عَجَلٍ، أيْ مِن ضَعْفٍ عَنِ الحَسَنِ. أمّا الَّذِينَ قَلَبُوها فَقالُوا المَعْنى: خُلِقَ العَجَلُ مِنَ الإنْسانِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ويَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلى النّارِ﴾ أيْ تُعْرَضُ النّارُ عَلَيْهِمْ، والقَوْلُ الأوَّلُ أقْرَبُ إلى الصَّوابِ وأبْعَدُ الأقْوالِ هَذا القَلْبُ لِأنَّهُ إذا أمْكَنَ حَمْلُ الكَلامِ عَلى مَعْنى صَحِيحٍ وهو عَلى تَرْتِيبِهِ فَهو أوْلى مِن أنْ يُحْمَلَ عَلى أنَّهُ مَقْلُوبٌ، وأيْضًا فَإنَّ قَوْلَهُ: خُلِقَتِ العَجَلَةُ مِنَ الإنْسانِ فِيهِ وُجُوهٌ مِنَ المَجازِ، فَما الفائِدَةُ في تَغْيِيرِ النَّظْمِ إلى ما يَجْرِي مَجْراهُ في المَجازِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: القَوْمُ اسْتَعْجَلُوا الوَعْدَ عَلى وجْهِ التَّكْذِيبِ ومَن هَذا حالُهُ لا يَكُونُ مُسْتَعْجِلًا عَلى الحَقِيقَةِ، قُلْنا: اسْتِعْجالُهم عَلى هَذا الوَجْهِ أدْخَلُ في الذَّمِّ لِأنَّهُ إذا ذَمَّ المَرْءُ اسْتِعْجالَ الأمْرِ المَعْلُومِ فَبِأنْ يَذُمَّ عَلى اسْتِعْجالِ ما لا يَكُونُ مَعْلُومًا لَهُ كانَ أُولى، وأيْضًا فَإنَّ اسْتِعْجالَهم بِما تَوَعَّدَهم مِن عِقابِ الآخِرَةِ أوْ هَلاكِ الدُّنْيا يَتَضَمَّنُ اسْتِعْجالَ المَوْتِ وهم عالِمُونَ بِذَلِكَ فَكانُوا مُسْتَعْجِلِينَ في الحَقِيقَةِ. * * * أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَأُرِيكم آياتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ﴾ فَقَدِ اخْتَلَفُوا في المُرادِ بِالآياتِ عَلى أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ هي الهَلاكُ المُعَجَّلُ في الدُّنْيا والعَذابُ في الآخِرَةِ، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿فَلا تَسْتَعْجِلُونِ﴾ أيْ أنَّها سَتَأْتِي لا مَحالَةَ في وقْتِها. وثانِيها: أنَّها أدِلَّةُ التَّوْحِيدِ وصِدْقُ الرَّسُولِ. وثالِثُها: أنَّها آثارُ القُرُونِ الماضِيَةِ بِالشّامِ واليَمَنِ والأوَّلُ أقْرَبُ إلى النَّظْمِ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ فاعْلَمْ أنَّ هَذا هو الِاسْتِعْجالُ المَذْمُومُ المَذْكُورُ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ وهو كَقَوْلِهِ: ﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ ولَوْلا أجَلٌ مُسَمًّى لَجاءَهُمُ العَذابُ﴾ [العَنْكَبُوتِ: ٥٣] فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهم يَقُولُونَ ذَلِكَ لِجَهْلِهِمْ وغَفْلَتِهِمْ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ ذَكَرَ في رَفْعِ هَذا الحُزْنِ عَنْ قَلْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: بِأنْ بَيَّنَ ما لِصاحِبِ هَذا الِاسْتِهْزاءِ مِنَ العِقابِ الشَّدِيدِ فَقالَ: ﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النّارَ ولا عَنْ ظُهُورِهِمْ ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: جَوابُ لَوْ مَحْذُوفٌ وحِينَ مَفْعُولٌ بِهِ لِيَعْلَمُ أيْ لَوْ يَعْلَمُونَ الوَقْتَ الَّذِي يَسْألُونَ عَنْهُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿مَتى هَذا الوَعْدُ﴾ وهو وقْتٌ صَعْبٌ شَدِيدٌ تُحِيطُ بِهِمْ فِيهِ النّارُ مِن قُدّامٍ ومِن خَلْفٍ فَلا يَقْدِرُونَ عَلى دَفْعِها عَنْ أنْفُسِهِمْ ولا يَجِدُونَ أيْضًا ناصِرًا يَنْصُرُهم لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن يَنْصُرُنا مِن بَأْسِ اللَّهِ إنْ جاءَنا﴾ [غافِرٍ: ٢٩] لِما كانُوا بِتِلْكَ الصِّفَةِ مِنَ الكُفْرِ والِاسْتِهْزاءِ والِاسْتِعْجالِ ولَكِنَّ جَهْلَهم بِهِ هو الَّذِي هَوَّنَهُ عَلَيْهِمْ وإنَّما حَسُنَ حَذْفُ الجَوابِ لِأنَّ ما تَقَدَّمَ يَدُلُّ عَلَيْهِ. وهَذا أبْلَغُ ومِثْلُهُ: ﴿ولَوْ يَرى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [البَقَرَةِ: ١٦٥]، ﴿ولَوْ تَرى إذْ يَتَوَفّى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنْفالِ: ٥٠]، ﴿ولَوْ أنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الجِبالُ﴾ [الرَّعْدِ: ٣١] وإنَّما خَصَّ الوُجُوهَ والظُّهُورَ لِأنَّ مَسَّ العَذابِ لَهُما أعْظَمُ مَوْقِعًا ولِكَثْرَةِ ما يُسْتَعْمَلُ ذِكْرُهُما في دَفْعِ المَضَرَّةِ عَنِ النَّفْسِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ شِدَّةَ هَذا العَذابِ بَيَّنَ أنَّ وقْتَ مَجِيئِهِ غَيْرُ مَعْلُومٍ لَهم بَلْ تَأْتِيهِمُ السّاعَةُ بَغْتَةً وهم لَها غَيْرُ مُحْتَسِبِينَ ولا لِأمْرِها مُسْتَعِدِّينَ فَتَبْهَتُهم أيْ تَدَعُهم حائِرِينَ واقِفِينَ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً في رَدِّها ولا عَمّا يَأْتِيهِمْ مِنها مَصْرِفًا، ولا هم يُنْظَرُونَ أيْ لا يُمْهَلُونَ لِتَوْبَةٍ ولا مَعْذِرَةٍ. واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى إنَّما لَمْ يُعْلِمِ المُكَلَّفِينَ وقْتَ المَوْتِ والقِيامَةِ لِما فِيهِ مِنَ المَصْلَحَةِ؛ لِأنَّ المَرْءَ مَعَ كِتْمانِ ذَلِكَ أشَدُّ حَذَرًا وأقْرَبُ إلى التَّلافِي، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ ذَكَرَ الوَجْهَ الثّانِيَ في دَفْعِ الحُزْنِ عَنْ قَلْبِ رَسُولِهِ فَقالَ: ﴿ولَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِن قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنهم ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ صفحة ١٥٠ والمَعْنى ﴿ولَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِن قَبْلِكَ﴾ يا مُحَمَّدُ كَما اسْتَهْزَأ بِكَ قَوْمُكَ ﴿فَحاقَ﴾ أيْ نَزَلَ وأحاطَ ﴿بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنهم ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أيْ عُقُوبَةُ اسْتِهْزائِهِمْ، وحاقَ وحَقَّ بِمَعْنى كَزالَّ وزَلَّ وفي هَذا تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ والمَعْنى فَكَذَلِكَ يَحِيقُ بِهَؤُلاءِ وبالُ اسْتِهْزائِهِمْ.

الأنبياء 21:40

صفحة ١٤٨ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خُلِقَ الإنْسانُ مِن عَجَلٍ سَأُرِيكم آياتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ﴾ ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النّارَ ولا عَنْ ظُهُورِهِمْ ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ ﴿بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهم فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّها ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ ﴿ولَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِن قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنهم ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ . أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خُلِقَ الإنْسانُ مِن عَجَلٍ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: في المُرادِ مِنَ الإنْسانِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ النَّوْعُ. والثّانِي: أنَّهُ شَخْصٌ مُعَيَّنٌ. أمّا القَوْلُ الأوَّلُ فَتَقْرِيرُهُ أنَّهم كانُوا يَسْتَعْجِلُونَ عَذابَ اللَّهِ تَعالى وآياتِهِ المُلْجِئَةَ إلى العِلْمِ والإقْرارِ: ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ﴾ فَأرادَ زَجْرَهم عَنْ ذَلِكَ، فَقَدَّمَ أوَّلًا ذَمَّ الإنْسانِ عَلى إفْراطِ العَجَلَةِ، ثُمَّ نَهاهم وزَجَرَهم كَأنَّهُ قالَ: لا يَبْعُدُ مِنكم أنْ تَسْتَعْجِلُوا فَإنَّكم مَجْبُولُونَ عَلى ذَلِكَ وهو طَبْعُكم وسَجِيَّتُكم، فَإنْ قِيلَ: مُقَدِّمَةُ الكَلامِ لا بُدَّ وأنْ تَكُونَ مُناسِبَةً لِلْكَلامِ، وكَوْنُ الإنْسانِ مَخْلُوقًا مِنَ العَجَلِ يُناسِبُ كَوْنَهُ مَعْذُورًا فِيهِ، فَلِمَ رَتَّبَ عَلى هَذِهِ المُقَدِّمَةِ قَوْلَهُ: ﴿فَلا تَسْتَعْجِلُونِ﴾ ؟ قُلْنا: لِأنَّ العائِقَ كُلَّما كانَ أشَدَّ كانَتِ القُدْرَةُ عَلى مُخالَفَتِهِ أكْمَلَ، فَكَأنَّهُ سُبْحانَهُ نَبَّهَ بِهَذا عَلى أنَّ تَرْكَ الِاسْتِعْجالِ حالَةٌ شَرِيفَةٌ عالِيَةٌ مَرْغُوبٌ فِيها. أمّا القَوْلُ الثّانِي: وهو أنَّ المُرادَ شَخْصٌ مُعَيَّنٌ فَهَذا فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ المُرادَ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وعِكْرِمَةَ والسُّدِّيِّ والكَلْبِيِّ ومُقاتِلٍ والضَّحّاكِ، ورَوى ابْنُ جَرِيرٍ ولَيْثُ بْنُ أبِي سُلَيْمٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ كُلِّ شَيْءٍ مِن آخِرِ نَهارِ الجُمُعَةِ، فَلَمّا دَخَلَ الرُّوحُ رَأْسَهُ ولَمْ يَبْلُغْ أسْفَلَهُ، قالَ: يا رَبِّ اسْتَعْجِلْ خَلْقِي قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، قالَ لَيْثٌ: فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خُلِقَ الإنْسانُ مِن عَجَلٍ﴾ . وعَنِ السُّدِّيِّ لَمّا نَفَخَ فِيهِ الرُّوحَ فَدَخَلَ في رَأْسِهِ عَطَسَ، فَقالَتْ لَهُ المَلائِكَةُ: قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ، فَقالَ ذَلِكَ، فَقالَ اللَّهُ لَهُ: يَرْحَمُكَ رَبُّكَ. فَلَمّا دَخَلَ الرُّوحُ في عَيْنَيْهِ نَظَرَ إلى ثِمارِ الجَنَّةِ، ولَمّا دَخَلَ الرُّوحُ في جَوْفِهِ اشْتَهى الطَّعامَ، فَوَثَبَ قَبْلَ أنْ تَبْلُغَ الرُّوحُ رِجْلَيْهِ إلى ثِمارِ الجَنَّةِ، وهَذا هو الَّذِي أوْرَثَ أوْلادَهُ العَجَلَةَ. وثانِيهِما: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما في رِوايَةِ عَطاءٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ والمُرادُ بِالإنْسانِ هو، واعْلَمْ أنَّ القَوْلَ الأوَّلَ أوْلى لِأنَّ الغَرَضَ ذَمُّ القَوْمِ، وذَلِكَ لا يَحْصُلُ إلّا إذا حَمَلْنا لَفْظَ الإنْسانِ عَلى النَّوْعِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: مِنَ المُفَسِّرِينَ مَن أجْرى هَذِهِ الآيَةَ عَلى ظاهِرِها، ومِنهم مَن قَلَبَها، أمّا الأوَّلُونَ فَلَهم فِيها أقْوالٌ: أحَدُها: قَوْلُ المُحَقِّقِينَ وهو أنَّ قَوْلَهُ: ﴿خُلِقَ الإنْسانُ مِن عَجَلٍ﴾ أيْ خُلِقَ عَجُولًا، وذَلِكَ عَلى المُبالَغَةِ كَما قِيلَ لِلرَّجُلِ الذَّكِيِّ: هو نارٌ تَشْتَعِلُ، والعَرَبُ قَدْ تُسَمِّي المَرْءَ بِما يَكْثُرُ مِنهُ فَتَقُولُ: ما أنْتَ إلّا أكْلٌ ونَوْمٌ، وما هو إلّا إقْبالٌ وإدْبارٌ، قالَ الشّاعِرُ: أمّا إذا ذُكِرَتْ حَتّى إذا غَفَلَتْ فَإنَّما هي إقْبالٌ وإدْبارُ وهَذا الوَجْهُ مُتَأكِّدٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكانَ الإنْسانُ عَجُولًا﴾ [الإسْراءِ: ١١] قالَ المُبَرِّدُ: ﴿خُلِقَ الإنْسانُ مِن عَجَلٍ﴾ أيْ مِن شَأْنِهِ العَجَلَةُ كَقَوْلِهِ: ﴿خَلَقَكم مِن ضَعْفٍ﴾ [الرُّومِ: ٥٤] أيْ ضُعَفاءَ. وثانِيها: قالَ أبُو عُبَيْدٍ: العَجَلُ الطِّينُ بِلُغَةِ حِمْيَرَ وأنْشَدُوا: والنَّخْلُ يَثْبُتُ بَيْنَ الماءِ والعَجَلِ صفحة ١٤٩ وثالِثُها: قالَ الأخْفَشُ: ”مِن عَجَلٍ“ أيْ مِن تَعْجِيلٍ مِنَ الأمْرِ وهو قَوْلُهُ كُنْ. ورابِعُها: مِن عَجَلٍ، أيْ مِن ضَعْفٍ عَنِ الحَسَنِ. أمّا الَّذِينَ قَلَبُوها فَقالُوا المَعْنى: خُلِقَ العَجَلُ مِنَ الإنْسانِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ويَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلى النّارِ﴾ أيْ تُعْرَضُ النّارُ عَلَيْهِمْ، والقَوْلُ الأوَّلُ أقْرَبُ إلى الصَّوابِ وأبْعَدُ الأقْوالِ هَذا القَلْبُ لِأنَّهُ إذا أمْكَنَ حَمْلُ الكَلامِ عَلى مَعْنى صَحِيحٍ وهو عَلى تَرْتِيبِهِ فَهو أوْلى مِن أنْ يُحْمَلَ عَلى أنَّهُ مَقْلُوبٌ، وأيْضًا فَإنَّ قَوْلَهُ: خُلِقَتِ العَجَلَةُ مِنَ الإنْسانِ فِيهِ وُجُوهٌ مِنَ المَجازِ، فَما الفائِدَةُ في تَغْيِيرِ النَّظْمِ إلى ما يَجْرِي مَجْراهُ في المَجازِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: القَوْمُ اسْتَعْجَلُوا الوَعْدَ عَلى وجْهِ التَّكْذِيبِ ومَن هَذا حالُهُ لا يَكُونُ مُسْتَعْجِلًا عَلى الحَقِيقَةِ، قُلْنا: اسْتِعْجالُهم عَلى هَذا الوَجْهِ أدْخَلُ في الذَّمِّ لِأنَّهُ إذا ذَمَّ المَرْءُ اسْتِعْجالَ الأمْرِ المَعْلُومِ فَبِأنْ يَذُمَّ عَلى اسْتِعْجالِ ما لا يَكُونُ مَعْلُومًا لَهُ كانَ أُولى، وأيْضًا فَإنَّ اسْتِعْجالَهم بِما تَوَعَّدَهم مِن عِقابِ الآخِرَةِ أوْ هَلاكِ الدُّنْيا يَتَضَمَّنُ اسْتِعْجالَ المَوْتِ وهم عالِمُونَ بِذَلِكَ فَكانُوا مُسْتَعْجِلِينَ في الحَقِيقَةِ. * * * أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَأُرِيكم آياتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ﴾ فَقَدِ اخْتَلَفُوا في المُرادِ بِالآياتِ عَلى أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ هي الهَلاكُ المُعَجَّلُ في الدُّنْيا والعَذابُ في الآخِرَةِ، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿فَلا تَسْتَعْجِلُونِ﴾ أيْ أنَّها سَتَأْتِي لا مَحالَةَ في وقْتِها. وثانِيها: أنَّها أدِلَّةُ التَّوْحِيدِ وصِدْقُ الرَّسُولِ. وثالِثُها: أنَّها آثارُ القُرُونِ الماضِيَةِ بِالشّامِ واليَمَنِ والأوَّلُ أقْرَبُ إلى النَّظْمِ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ فاعْلَمْ أنَّ هَذا هو الِاسْتِعْجالُ المَذْمُومُ المَذْكُورُ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ وهو كَقَوْلِهِ: ﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ ولَوْلا أجَلٌ مُسَمًّى لَجاءَهُمُ العَذابُ﴾ [العَنْكَبُوتِ: ٥٣] فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهم يَقُولُونَ ذَلِكَ لِجَهْلِهِمْ وغَفْلَتِهِمْ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ ذَكَرَ في رَفْعِ هَذا الحُزْنِ عَنْ قَلْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: بِأنْ بَيَّنَ ما لِصاحِبِ هَذا الِاسْتِهْزاءِ مِنَ العِقابِ الشَّدِيدِ فَقالَ: ﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النّارَ ولا عَنْ ظُهُورِهِمْ ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: جَوابُ لَوْ مَحْذُوفٌ وحِينَ مَفْعُولٌ بِهِ لِيَعْلَمُ أيْ لَوْ يَعْلَمُونَ الوَقْتَ الَّذِي يَسْألُونَ عَنْهُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿مَتى هَذا الوَعْدُ﴾ وهو وقْتٌ صَعْبٌ شَدِيدٌ تُحِيطُ بِهِمْ فِيهِ النّارُ مِن قُدّامٍ ومِن خَلْفٍ فَلا يَقْدِرُونَ عَلى دَفْعِها عَنْ أنْفُسِهِمْ ولا يَجِدُونَ أيْضًا ناصِرًا يَنْصُرُهم لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن يَنْصُرُنا مِن بَأْسِ اللَّهِ إنْ جاءَنا﴾ [غافِرٍ: ٢٩] لِما كانُوا بِتِلْكَ الصِّفَةِ مِنَ الكُفْرِ والِاسْتِهْزاءِ والِاسْتِعْجالِ ولَكِنَّ جَهْلَهم بِهِ هو الَّذِي هَوَّنَهُ عَلَيْهِمْ وإنَّما حَسُنَ حَذْفُ الجَوابِ لِأنَّ ما تَقَدَّمَ يَدُلُّ عَلَيْهِ. وهَذا أبْلَغُ ومِثْلُهُ: ﴿ولَوْ يَرى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [البَقَرَةِ: ١٦٥]، ﴿ولَوْ تَرى إذْ يَتَوَفّى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنْفالِ: ٥٠]، ﴿ولَوْ أنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الجِبالُ﴾ [الرَّعْدِ: ٣١] وإنَّما خَصَّ الوُجُوهَ والظُّهُورَ لِأنَّ مَسَّ العَذابِ لَهُما أعْظَمُ مَوْقِعًا ولِكَثْرَةِ ما يُسْتَعْمَلُ ذِكْرُهُما في دَفْعِ المَضَرَّةِ عَنِ النَّفْسِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ شِدَّةَ هَذا العَذابِ بَيَّنَ أنَّ وقْتَ مَجِيئِهِ غَيْرُ مَعْلُومٍ لَهم بَلْ تَأْتِيهِمُ السّاعَةُ بَغْتَةً وهم لَها غَيْرُ مُحْتَسِبِينَ ولا لِأمْرِها مُسْتَعِدِّينَ فَتَبْهَتُهم أيْ تَدَعُهم حائِرِينَ واقِفِينَ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً في رَدِّها ولا عَمّا يَأْتِيهِمْ مِنها مَصْرِفًا، ولا هم يُنْظَرُونَ أيْ لا يُمْهَلُونَ لِتَوْبَةٍ ولا مَعْذِرَةٍ. واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى إنَّما لَمْ يُعْلِمِ المُكَلَّفِينَ وقْتَ المَوْتِ والقِيامَةِ لِما فِيهِ مِنَ المَصْلَحَةِ؛ لِأنَّ المَرْءَ مَعَ كِتْمانِ ذَلِكَ أشَدُّ حَذَرًا وأقْرَبُ إلى التَّلافِي، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ ذَكَرَ الوَجْهَ الثّانِيَ في دَفْعِ الحُزْنِ عَنْ قَلْبِ رَسُولِهِ فَقالَ: ﴿ولَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِن قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنهم ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ صفحة ١٥٠ والمَعْنى ﴿ولَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِن قَبْلِكَ﴾ يا مُحَمَّدُ كَما اسْتَهْزَأ بِكَ قَوْمُكَ ﴿فَحاقَ﴾ أيْ نَزَلَ وأحاطَ ﴿بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنهم ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أيْ عُقُوبَةُ اسْتِهْزائِهِمْ، وحاقَ وحَقَّ بِمَعْنى كَزالَّ وزَلَّ وفي هَذا تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ والمَعْنى فَكَذَلِكَ يَحِيقُ بِهَؤُلاءِ وبالُ اسْتِهْزائِهِمْ.

الأنبياء 21:41

صفحة ١٤٨ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خُلِقَ الإنْسانُ مِن عَجَلٍ سَأُرِيكم آياتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ﴾ ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النّارَ ولا عَنْ ظُهُورِهِمْ ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ ﴿بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهم فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّها ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ ﴿ولَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِن قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنهم ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ . أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خُلِقَ الإنْسانُ مِن عَجَلٍ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: في المُرادِ مِنَ الإنْسانِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ النَّوْعُ. والثّانِي: أنَّهُ شَخْصٌ مُعَيَّنٌ. أمّا القَوْلُ الأوَّلُ فَتَقْرِيرُهُ أنَّهم كانُوا يَسْتَعْجِلُونَ عَذابَ اللَّهِ تَعالى وآياتِهِ المُلْجِئَةَ إلى العِلْمِ والإقْرارِ: ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ﴾ فَأرادَ زَجْرَهم عَنْ ذَلِكَ، فَقَدَّمَ أوَّلًا ذَمَّ الإنْسانِ عَلى إفْراطِ العَجَلَةِ، ثُمَّ نَهاهم وزَجَرَهم كَأنَّهُ قالَ: لا يَبْعُدُ مِنكم أنْ تَسْتَعْجِلُوا فَإنَّكم مَجْبُولُونَ عَلى ذَلِكَ وهو طَبْعُكم وسَجِيَّتُكم، فَإنْ قِيلَ: مُقَدِّمَةُ الكَلامِ لا بُدَّ وأنْ تَكُونَ مُناسِبَةً لِلْكَلامِ، وكَوْنُ الإنْسانِ مَخْلُوقًا مِنَ العَجَلِ يُناسِبُ كَوْنَهُ مَعْذُورًا فِيهِ، فَلِمَ رَتَّبَ عَلى هَذِهِ المُقَدِّمَةِ قَوْلَهُ: ﴿فَلا تَسْتَعْجِلُونِ﴾ ؟ قُلْنا: لِأنَّ العائِقَ كُلَّما كانَ أشَدَّ كانَتِ القُدْرَةُ عَلى مُخالَفَتِهِ أكْمَلَ، فَكَأنَّهُ سُبْحانَهُ نَبَّهَ بِهَذا عَلى أنَّ تَرْكَ الِاسْتِعْجالِ حالَةٌ شَرِيفَةٌ عالِيَةٌ مَرْغُوبٌ فِيها. أمّا القَوْلُ الثّانِي: وهو أنَّ المُرادَ شَخْصٌ مُعَيَّنٌ فَهَذا فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ المُرادَ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وعِكْرِمَةَ والسُّدِّيِّ والكَلْبِيِّ ومُقاتِلٍ والضَّحّاكِ، ورَوى ابْنُ جَرِيرٍ ولَيْثُ بْنُ أبِي سُلَيْمٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ كُلِّ شَيْءٍ مِن آخِرِ نَهارِ الجُمُعَةِ، فَلَمّا دَخَلَ الرُّوحُ رَأْسَهُ ولَمْ يَبْلُغْ أسْفَلَهُ، قالَ: يا رَبِّ اسْتَعْجِلْ خَلْقِي قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، قالَ لَيْثٌ: فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خُلِقَ الإنْسانُ مِن عَجَلٍ﴾ . وعَنِ السُّدِّيِّ لَمّا نَفَخَ فِيهِ الرُّوحَ فَدَخَلَ في رَأْسِهِ عَطَسَ، فَقالَتْ لَهُ المَلائِكَةُ: قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ، فَقالَ ذَلِكَ، فَقالَ اللَّهُ لَهُ: يَرْحَمُكَ رَبُّكَ. فَلَمّا دَخَلَ الرُّوحُ في عَيْنَيْهِ نَظَرَ إلى ثِمارِ الجَنَّةِ، ولَمّا دَخَلَ الرُّوحُ في جَوْفِهِ اشْتَهى الطَّعامَ، فَوَثَبَ قَبْلَ أنْ تَبْلُغَ الرُّوحُ رِجْلَيْهِ إلى ثِمارِ الجَنَّةِ، وهَذا هو الَّذِي أوْرَثَ أوْلادَهُ العَجَلَةَ. وثانِيهِما: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما في رِوايَةِ عَطاءٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ والمُرادُ بِالإنْسانِ هو، واعْلَمْ أنَّ القَوْلَ الأوَّلَ أوْلى لِأنَّ الغَرَضَ ذَمُّ القَوْمِ، وذَلِكَ لا يَحْصُلُ إلّا إذا حَمَلْنا لَفْظَ الإنْسانِ عَلى النَّوْعِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: مِنَ المُفَسِّرِينَ مَن أجْرى هَذِهِ الآيَةَ عَلى ظاهِرِها، ومِنهم مَن قَلَبَها، أمّا الأوَّلُونَ فَلَهم فِيها أقْوالٌ: أحَدُها: قَوْلُ المُحَقِّقِينَ وهو أنَّ قَوْلَهُ: ﴿خُلِقَ الإنْسانُ مِن عَجَلٍ﴾ أيْ خُلِقَ عَجُولًا، وذَلِكَ عَلى المُبالَغَةِ كَما قِيلَ لِلرَّجُلِ الذَّكِيِّ: هو نارٌ تَشْتَعِلُ، والعَرَبُ قَدْ تُسَمِّي المَرْءَ بِما يَكْثُرُ مِنهُ فَتَقُولُ: ما أنْتَ إلّا أكْلٌ ونَوْمٌ، وما هو إلّا إقْبالٌ وإدْبارٌ، قالَ الشّاعِرُ: أمّا إذا ذُكِرَتْ حَتّى إذا غَفَلَتْ فَإنَّما هي إقْبالٌ وإدْبارُ وهَذا الوَجْهُ مُتَأكِّدٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكانَ الإنْسانُ عَجُولًا﴾ [الإسْراءِ: ١١] قالَ المُبَرِّدُ: ﴿خُلِقَ الإنْسانُ مِن عَجَلٍ﴾ أيْ مِن شَأْنِهِ العَجَلَةُ كَقَوْلِهِ: ﴿خَلَقَكم مِن ضَعْفٍ﴾ [الرُّومِ: ٥٤] أيْ ضُعَفاءَ. وثانِيها: قالَ أبُو عُبَيْدٍ: العَجَلُ الطِّينُ بِلُغَةِ حِمْيَرَ وأنْشَدُوا: والنَّخْلُ يَثْبُتُ بَيْنَ الماءِ والعَجَلِ صفحة ١٤٩ وثالِثُها: قالَ الأخْفَشُ: ”مِن عَجَلٍ“ أيْ مِن تَعْجِيلٍ مِنَ الأمْرِ وهو قَوْلُهُ كُنْ. ورابِعُها: مِن عَجَلٍ، أيْ مِن ضَعْفٍ عَنِ الحَسَنِ. أمّا الَّذِينَ قَلَبُوها فَقالُوا المَعْنى: خُلِقَ العَجَلُ مِنَ الإنْسانِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ويَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلى النّارِ﴾ أيْ تُعْرَضُ النّارُ عَلَيْهِمْ، والقَوْلُ الأوَّلُ أقْرَبُ إلى الصَّوابِ وأبْعَدُ الأقْوالِ هَذا القَلْبُ لِأنَّهُ إذا أمْكَنَ حَمْلُ الكَلامِ عَلى مَعْنى صَحِيحٍ وهو عَلى تَرْتِيبِهِ فَهو أوْلى مِن أنْ يُحْمَلَ عَلى أنَّهُ مَقْلُوبٌ، وأيْضًا فَإنَّ قَوْلَهُ: خُلِقَتِ العَجَلَةُ مِنَ الإنْسانِ فِيهِ وُجُوهٌ مِنَ المَجازِ، فَما الفائِدَةُ في تَغْيِيرِ النَّظْمِ إلى ما يَجْرِي مَجْراهُ في المَجازِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: القَوْمُ اسْتَعْجَلُوا الوَعْدَ عَلى وجْهِ التَّكْذِيبِ ومَن هَذا حالُهُ لا يَكُونُ مُسْتَعْجِلًا عَلى الحَقِيقَةِ، قُلْنا: اسْتِعْجالُهم عَلى هَذا الوَجْهِ أدْخَلُ في الذَّمِّ لِأنَّهُ إذا ذَمَّ المَرْءُ اسْتِعْجالَ الأمْرِ المَعْلُومِ فَبِأنْ يَذُمَّ عَلى اسْتِعْجالِ ما لا يَكُونُ مَعْلُومًا لَهُ كانَ أُولى، وأيْضًا فَإنَّ اسْتِعْجالَهم بِما تَوَعَّدَهم مِن عِقابِ الآخِرَةِ أوْ هَلاكِ الدُّنْيا يَتَضَمَّنُ اسْتِعْجالَ المَوْتِ وهم عالِمُونَ بِذَلِكَ فَكانُوا مُسْتَعْجِلِينَ في الحَقِيقَةِ. * * * أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَأُرِيكم آياتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ﴾ فَقَدِ اخْتَلَفُوا في المُرادِ بِالآياتِ عَلى أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ هي الهَلاكُ المُعَجَّلُ في الدُّنْيا والعَذابُ في الآخِرَةِ، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿فَلا تَسْتَعْجِلُونِ﴾ أيْ أنَّها سَتَأْتِي لا مَحالَةَ في وقْتِها. وثانِيها: أنَّها أدِلَّةُ التَّوْحِيدِ وصِدْقُ الرَّسُولِ. وثالِثُها: أنَّها آثارُ القُرُونِ الماضِيَةِ بِالشّامِ واليَمَنِ والأوَّلُ أقْرَبُ إلى النَّظْمِ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ فاعْلَمْ أنَّ هَذا هو الِاسْتِعْجالُ المَذْمُومُ المَذْكُورُ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ وهو كَقَوْلِهِ: ﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ ولَوْلا أجَلٌ مُسَمًّى لَجاءَهُمُ العَذابُ﴾ [العَنْكَبُوتِ: ٥٣] فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهم يَقُولُونَ ذَلِكَ لِجَهْلِهِمْ وغَفْلَتِهِمْ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ ذَكَرَ في رَفْعِ هَذا الحُزْنِ عَنْ قَلْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: بِأنْ بَيَّنَ ما لِصاحِبِ هَذا الِاسْتِهْزاءِ مِنَ العِقابِ الشَّدِيدِ فَقالَ: ﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النّارَ ولا عَنْ ظُهُورِهِمْ ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: جَوابُ لَوْ مَحْذُوفٌ وحِينَ مَفْعُولٌ بِهِ لِيَعْلَمُ أيْ لَوْ يَعْلَمُونَ الوَقْتَ الَّذِي يَسْألُونَ عَنْهُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿مَتى هَذا الوَعْدُ﴾ وهو وقْتٌ صَعْبٌ شَدِيدٌ تُحِيطُ بِهِمْ فِيهِ النّارُ مِن قُدّامٍ ومِن خَلْفٍ فَلا يَقْدِرُونَ عَلى دَفْعِها عَنْ أنْفُسِهِمْ ولا يَجِدُونَ أيْضًا ناصِرًا يَنْصُرُهم لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن يَنْصُرُنا مِن بَأْسِ اللَّهِ إنْ جاءَنا﴾ [غافِرٍ: ٢٩] لِما كانُوا بِتِلْكَ الصِّفَةِ مِنَ الكُفْرِ والِاسْتِهْزاءِ والِاسْتِعْجالِ ولَكِنَّ جَهْلَهم بِهِ هو الَّذِي هَوَّنَهُ عَلَيْهِمْ وإنَّما حَسُنَ حَذْفُ الجَوابِ لِأنَّ ما تَقَدَّمَ يَدُلُّ عَلَيْهِ. وهَذا أبْلَغُ ومِثْلُهُ: ﴿ولَوْ يَرى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [البَقَرَةِ: ١٦٥]، ﴿ولَوْ تَرى إذْ يَتَوَفّى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنْفالِ: ٥٠]، ﴿ولَوْ أنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الجِبالُ﴾ [الرَّعْدِ: ٣١] وإنَّما خَصَّ الوُجُوهَ والظُّهُورَ لِأنَّ مَسَّ العَذابِ لَهُما أعْظَمُ مَوْقِعًا ولِكَثْرَةِ ما يُسْتَعْمَلُ ذِكْرُهُما في دَفْعِ المَضَرَّةِ عَنِ النَّفْسِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ شِدَّةَ هَذا العَذابِ بَيَّنَ أنَّ وقْتَ مَجِيئِهِ غَيْرُ مَعْلُومٍ لَهم بَلْ تَأْتِيهِمُ السّاعَةُ بَغْتَةً وهم لَها غَيْرُ مُحْتَسِبِينَ ولا لِأمْرِها مُسْتَعِدِّينَ فَتَبْهَتُهم أيْ تَدَعُهم حائِرِينَ واقِفِينَ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً في رَدِّها ولا عَمّا يَأْتِيهِمْ مِنها مَصْرِفًا، ولا هم يُنْظَرُونَ أيْ لا يُمْهَلُونَ لِتَوْبَةٍ ولا مَعْذِرَةٍ. واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى إنَّما لَمْ يُعْلِمِ المُكَلَّفِينَ وقْتَ المَوْتِ والقِيامَةِ لِما فِيهِ مِنَ المَصْلَحَةِ؛ لِأنَّ المَرْءَ مَعَ كِتْمانِ ذَلِكَ أشَدُّ حَذَرًا وأقْرَبُ إلى التَّلافِي، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ ذَكَرَ الوَجْهَ الثّانِيَ في دَفْعِ الحُزْنِ عَنْ قَلْبِ رَسُولِهِ فَقالَ: ﴿ولَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِن قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنهم ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ صفحة ١٥٠ والمَعْنى ﴿ولَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِن قَبْلِكَ﴾ يا مُحَمَّدُ كَما اسْتَهْزَأ بِكَ قَوْمُكَ ﴿فَحاقَ﴾ أيْ نَزَلَ وأحاطَ ﴿بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنهم ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أيْ عُقُوبَةُ اسْتِهْزائِهِمْ، وحاقَ وحَقَّ بِمَعْنى كَزالَّ وزَلَّ وفي هَذا تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ والمَعْنى فَكَذَلِكَ يَحِيقُ بِهَؤُلاءِ وبالُ اسْتِهْزائِهِمْ.

الأنبياء 21:42

صفحة ١٤٨ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خُلِقَ الإنْسانُ مِن عَجَلٍ سَأُرِيكم آياتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ﴾ ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النّارَ ولا عَنْ ظُهُورِهِمْ ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ ﴿بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهم فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّها ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ ﴿ولَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِن قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنهم ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ . أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خُلِقَ الإنْسانُ مِن عَجَلٍ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: في المُرادِ مِنَ الإنْسانِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ النَّوْعُ. والثّانِي: أنَّهُ شَخْصٌ مُعَيَّنٌ. أمّا القَوْلُ الأوَّلُ فَتَقْرِيرُهُ أنَّهم كانُوا يَسْتَعْجِلُونَ عَذابَ اللَّهِ تَعالى وآياتِهِ المُلْجِئَةَ إلى العِلْمِ والإقْرارِ: ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ﴾ فَأرادَ زَجْرَهم عَنْ ذَلِكَ، فَقَدَّمَ أوَّلًا ذَمَّ الإنْسانِ عَلى إفْراطِ العَجَلَةِ، ثُمَّ نَهاهم وزَجَرَهم كَأنَّهُ قالَ: لا يَبْعُدُ مِنكم أنْ تَسْتَعْجِلُوا فَإنَّكم مَجْبُولُونَ عَلى ذَلِكَ وهو طَبْعُكم وسَجِيَّتُكم، فَإنْ قِيلَ: مُقَدِّمَةُ الكَلامِ لا بُدَّ وأنْ تَكُونَ مُناسِبَةً لِلْكَلامِ، وكَوْنُ الإنْسانِ مَخْلُوقًا مِنَ العَجَلِ يُناسِبُ كَوْنَهُ مَعْذُورًا فِيهِ، فَلِمَ رَتَّبَ عَلى هَذِهِ المُقَدِّمَةِ قَوْلَهُ: ﴿فَلا تَسْتَعْجِلُونِ﴾ ؟ قُلْنا: لِأنَّ العائِقَ كُلَّما كانَ أشَدَّ كانَتِ القُدْرَةُ عَلى مُخالَفَتِهِ أكْمَلَ، فَكَأنَّهُ سُبْحانَهُ نَبَّهَ بِهَذا عَلى أنَّ تَرْكَ الِاسْتِعْجالِ حالَةٌ شَرِيفَةٌ عالِيَةٌ مَرْغُوبٌ فِيها. أمّا القَوْلُ الثّانِي: وهو أنَّ المُرادَ شَخْصٌ مُعَيَّنٌ فَهَذا فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ المُرادَ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وعِكْرِمَةَ والسُّدِّيِّ والكَلْبِيِّ ومُقاتِلٍ والضَّحّاكِ، ورَوى ابْنُ جَرِيرٍ ولَيْثُ بْنُ أبِي سُلَيْمٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ كُلِّ شَيْءٍ مِن آخِرِ نَهارِ الجُمُعَةِ، فَلَمّا دَخَلَ الرُّوحُ رَأْسَهُ ولَمْ يَبْلُغْ أسْفَلَهُ، قالَ: يا رَبِّ اسْتَعْجِلْ خَلْقِي قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، قالَ لَيْثٌ: فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خُلِقَ الإنْسانُ مِن عَجَلٍ﴾ . وعَنِ السُّدِّيِّ لَمّا نَفَخَ فِيهِ الرُّوحَ فَدَخَلَ في رَأْسِهِ عَطَسَ، فَقالَتْ لَهُ المَلائِكَةُ: قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ، فَقالَ ذَلِكَ، فَقالَ اللَّهُ لَهُ: يَرْحَمُكَ رَبُّكَ. فَلَمّا دَخَلَ الرُّوحُ في عَيْنَيْهِ نَظَرَ إلى ثِمارِ الجَنَّةِ، ولَمّا دَخَلَ الرُّوحُ في جَوْفِهِ اشْتَهى الطَّعامَ، فَوَثَبَ قَبْلَ أنْ تَبْلُغَ الرُّوحُ رِجْلَيْهِ إلى ثِمارِ الجَنَّةِ، وهَذا هو الَّذِي أوْرَثَ أوْلادَهُ العَجَلَةَ. وثانِيهِما: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما في رِوايَةِ عَطاءٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ والمُرادُ بِالإنْسانِ هو، واعْلَمْ أنَّ القَوْلَ الأوَّلَ أوْلى لِأنَّ الغَرَضَ ذَمُّ القَوْمِ، وذَلِكَ لا يَحْصُلُ إلّا إذا حَمَلْنا لَفْظَ الإنْسانِ عَلى النَّوْعِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: مِنَ المُفَسِّرِينَ مَن أجْرى هَذِهِ الآيَةَ عَلى ظاهِرِها، ومِنهم مَن قَلَبَها، أمّا الأوَّلُونَ فَلَهم فِيها أقْوالٌ: أحَدُها: قَوْلُ المُحَقِّقِينَ وهو أنَّ قَوْلَهُ: ﴿خُلِقَ الإنْسانُ مِن عَجَلٍ﴾ أيْ خُلِقَ عَجُولًا، وذَلِكَ عَلى المُبالَغَةِ كَما قِيلَ لِلرَّجُلِ الذَّكِيِّ: هو نارٌ تَشْتَعِلُ، والعَرَبُ قَدْ تُسَمِّي المَرْءَ بِما يَكْثُرُ مِنهُ فَتَقُولُ: ما أنْتَ إلّا أكْلٌ ونَوْمٌ، وما هو إلّا إقْبالٌ وإدْبارٌ، قالَ الشّاعِرُ: أمّا إذا ذُكِرَتْ حَتّى إذا غَفَلَتْ فَإنَّما هي إقْبالٌ وإدْبارُ وهَذا الوَجْهُ مُتَأكِّدٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكانَ الإنْسانُ عَجُولًا﴾ [الإسْراءِ: ١١] قالَ المُبَرِّدُ: ﴿خُلِقَ الإنْسانُ مِن عَجَلٍ﴾ أيْ مِن شَأْنِهِ العَجَلَةُ كَقَوْلِهِ: ﴿خَلَقَكم مِن ضَعْفٍ﴾ [الرُّومِ: ٥٤] أيْ ضُعَفاءَ. وثانِيها: قالَ أبُو عُبَيْدٍ: العَجَلُ الطِّينُ بِلُغَةِ حِمْيَرَ وأنْشَدُوا: والنَّخْلُ يَثْبُتُ بَيْنَ الماءِ والعَجَلِ صفحة ١٤٩ وثالِثُها: قالَ الأخْفَشُ: ”مِن عَجَلٍ“ أيْ مِن تَعْجِيلٍ مِنَ الأمْرِ وهو قَوْلُهُ كُنْ. ورابِعُها: مِن عَجَلٍ، أيْ مِن ضَعْفٍ عَنِ الحَسَنِ. أمّا الَّذِينَ قَلَبُوها فَقالُوا المَعْنى: خُلِقَ العَجَلُ مِنَ الإنْسانِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ويَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلى النّارِ﴾ أيْ تُعْرَضُ النّارُ عَلَيْهِمْ، والقَوْلُ الأوَّلُ أقْرَبُ إلى الصَّوابِ وأبْعَدُ الأقْوالِ هَذا القَلْبُ لِأنَّهُ إذا أمْكَنَ حَمْلُ الكَلامِ عَلى مَعْنى صَحِيحٍ وهو عَلى تَرْتِيبِهِ فَهو أوْلى مِن أنْ يُحْمَلَ عَلى أنَّهُ مَقْلُوبٌ، وأيْضًا فَإنَّ قَوْلَهُ: خُلِقَتِ العَجَلَةُ مِنَ الإنْسانِ فِيهِ وُجُوهٌ مِنَ المَجازِ، فَما الفائِدَةُ في تَغْيِيرِ النَّظْمِ إلى ما يَجْرِي مَجْراهُ في المَجازِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: القَوْمُ اسْتَعْجَلُوا الوَعْدَ عَلى وجْهِ التَّكْذِيبِ ومَن هَذا حالُهُ لا يَكُونُ مُسْتَعْجِلًا عَلى الحَقِيقَةِ، قُلْنا: اسْتِعْجالُهم عَلى هَذا الوَجْهِ أدْخَلُ في الذَّمِّ لِأنَّهُ إذا ذَمَّ المَرْءُ اسْتِعْجالَ الأمْرِ المَعْلُومِ فَبِأنْ يَذُمَّ عَلى اسْتِعْجالِ ما لا يَكُونُ مَعْلُومًا لَهُ كانَ أُولى، وأيْضًا فَإنَّ اسْتِعْجالَهم بِما تَوَعَّدَهم مِن عِقابِ الآخِرَةِ أوْ هَلاكِ الدُّنْيا يَتَضَمَّنُ اسْتِعْجالَ المَوْتِ وهم عالِمُونَ بِذَلِكَ فَكانُوا مُسْتَعْجِلِينَ في الحَقِيقَةِ. * * * أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَأُرِيكم آياتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ﴾ فَقَدِ اخْتَلَفُوا في المُرادِ بِالآياتِ عَلى أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ هي الهَلاكُ المُعَجَّلُ في الدُّنْيا والعَذابُ في الآخِرَةِ، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿فَلا تَسْتَعْجِلُونِ﴾ أيْ أنَّها سَتَأْتِي لا مَحالَةَ في وقْتِها. وثانِيها: أنَّها أدِلَّةُ التَّوْحِيدِ وصِدْقُ الرَّسُولِ. وثالِثُها: أنَّها آثارُ القُرُونِ الماضِيَةِ بِالشّامِ واليَمَنِ والأوَّلُ أقْرَبُ إلى النَّظْمِ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ فاعْلَمْ أنَّ هَذا هو الِاسْتِعْجالُ المَذْمُومُ المَذْكُورُ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ وهو كَقَوْلِهِ: ﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ ولَوْلا أجَلٌ مُسَمًّى لَجاءَهُمُ العَذابُ﴾ [العَنْكَبُوتِ: ٥٣] فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهم يَقُولُونَ ذَلِكَ لِجَهْلِهِمْ وغَفْلَتِهِمْ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ ذَكَرَ في رَفْعِ هَذا الحُزْنِ عَنْ قَلْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: بِأنْ بَيَّنَ ما لِصاحِبِ هَذا الِاسْتِهْزاءِ مِنَ العِقابِ الشَّدِيدِ فَقالَ: ﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النّارَ ولا عَنْ ظُهُورِهِمْ ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: جَوابُ لَوْ مَحْذُوفٌ وحِينَ مَفْعُولٌ بِهِ لِيَعْلَمُ أيْ لَوْ يَعْلَمُونَ الوَقْتَ الَّذِي يَسْألُونَ عَنْهُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿مَتى هَذا الوَعْدُ﴾ وهو وقْتٌ صَعْبٌ شَدِيدٌ تُحِيطُ بِهِمْ فِيهِ النّارُ مِن قُدّامٍ ومِن خَلْفٍ فَلا يَقْدِرُونَ عَلى دَفْعِها عَنْ أنْفُسِهِمْ ولا يَجِدُونَ أيْضًا ناصِرًا يَنْصُرُهم لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن يَنْصُرُنا مِن بَأْسِ اللَّهِ إنْ جاءَنا﴾ [غافِرٍ: ٢٩] لِما كانُوا بِتِلْكَ الصِّفَةِ مِنَ الكُفْرِ والِاسْتِهْزاءِ والِاسْتِعْجالِ ولَكِنَّ جَهْلَهم بِهِ هو الَّذِي هَوَّنَهُ عَلَيْهِمْ وإنَّما حَسُنَ حَذْفُ الجَوابِ لِأنَّ ما تَقَدَّمَ يَدُلُّ عَلَيْهِ. وهَذا أبْلَغُ ومِثْلُهُ: ﴿ولَوْ يَرى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [البَقَرَةِ: ١٦٥]، ﴿ولَوْ تَرى إذْ يَتَوَفّى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنْفالِ: ٥٠]، ﴿ولَوْ أنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الجِبالُ﴾ [الرَّعْدِ: ٣١] وإنَّما خَصَّ الوُجُوهَ والظُّهُورَ لِأنَّ مَسَّ العَذابِ لَهُما أعْظَمُ مَوْقِعًا ولِكَثْرَةِ ما يُسْتَعْمَلُ ذِكْرُهُما في دَفْعِ المَضَرَّةِ عَنِ النَّفْسِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ شِدَّةَ هَذا العَذابِ بَيَّنَ أنَّ وقْتَ مَجِيئِهِ غَيْرُ مَعْلُومٍ لَهم بَلْ تَأْتِيهِمُ السّاعَةُ بَغْتَةً وهم لَها غَيْرُ مُحْتَسِبِينَ ولا لِأمْرِها مُسْتَعِدِّينَ فَتَبْهَتُهم أيْ تَدَعُهم حائِرِينَ واقِفِينَ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً في رَدِّها ولا عَمّا يَأْتِيهِمْ مِنها مَصْرِفًا، ولا هم يُنْظَرُونَ أيْ لا يُمْهَلُونَ لِتَوْبَةٍ ولا مَعْذِرَةٍ. واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى إنَّما لَمْ يُعْلِمِ المُكَلَّفِينَ وقْتَ المَوْتِ والقِيامَةِ لِما فِيهِ مِنَ المَصْلَحَةِ؛ لِأنَّ المَرْءَ مَعَ كِتْمانِ ذَلِكَ أشَدُّ حَذَرًا وأقْرَبُ إلى التَّلافِي، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ ذَكَرَ الوَجْهَ الثّانِيَ في دَفْعِ الحُزْنِ عَنْ قَلْبِ رَسُولِهِ فَقالَ: ﴿ولَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِن قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنهم ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ صفحة ١٥٠ والمَعْنى ﴿ولَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِن قَبْلِكَ﴾ يا مُحَمَّدُ كَما اسْتَهْزَأ بِكَ قَوْمُكَ ﴿فَحاقَ﴾ أيْ نَزَلَ وأحاطَ ﴿بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنهم ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أيْ عُقُوبَةُ اسْتِهْزائِهِمْ، وحاقَ وحَقَّ بِمَعْنى كَزالَّ وزَلَّ وفي هَذا تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ والمَعْنى فَكَذَلِكَ يَحِيقُ بِهَؤُلاءِ وبالُ اسْتِهْزائِهِمْ.

الأنبياء 21:43

صفحة ١٤٨ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خُلِقَ الإنْسانُ مِن عَجَلٍ سَأُرِيكم آياتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ﴾ ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النّارَ ولا عَنْ ظُهُورِهِمْ ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ ﴿بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهم فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّها ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ ﴿ولَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِن قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنهم ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ . أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خُلِقَ الإنْسانُ مِن عَجَلٍ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: في المُرادِ مِنَ الإنْسانِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ النَّوْعُ. والثّانِي: أنَّهُ شَخْصٌ مُعَيَّنٌ. أمّا القَوْلُ الأوَّلُ فَتَقْرِيرُهُ أنَّهم كانُوا يَسْتَعْجِلُونَ عَذابَ اللَّهِ تَعالى وآياتِهِ المُلْجِئَةَ إلى العِلْمِ والإقْرارِ: ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ﴾ فَأرادَ زَجْرَهم عَنْ ذَلِكَ، فَقَدَّمَ أوَّلًا ذَمَّ الإنْسانِ عَلى إفْراطِ العَجَلَةِ، ثُمَّ نَهاهم وزَجَرَهم كَأنَّهُ قالَ: لا يَبْعُدُ مِنكم أنْ تَسْتَعْجِلُوا فَإنَّكم مَجْبُولُونَ عَلى ذَلِكَ وهو طَبْعُكم وسَجِيَّتُكم، فَإنْ قِيلَ: مُقَدِّمَةُ الكَلامِ لا بُدَّ وأنْ تَكُونَ مُناسِبَةً لِلْكَلامِ، وكَوْنُ الإنْسانِ مَخْلُوقًا مِنَ العَجَلِ يُناسِبُ كَوْنَهُ مَعْذُورًا فِيهِ، فَلِمَ رَتَّبَ عَلى هَذِهِ المُقَدِّمَةِ قَوْلَهُ: ﴿فَلا تَسْتَعْجِلُونِ﴾ ؟ قُلْنا: لِأنَّ العائِقَ كُلَّما كانَ أشَدَّ كانَتِ القُدْرَةُ عَلى مُخالَفَتِهِ أكْمَلَ، فَكَأنَّهُ سُبْحانَهُ نَبَّهَ بِهَذا عَلى أنَّ تَرْكَ الِاسْتِعْجالِ حالَةٌ شَرِيفَةٌ عالِيَةٌ مَرْغُوبٌ فِيها. أمّا القَوْلُ الثّانِي: وهو أنَّ المُرادَ شَخْصٌ مُعَيَّنٌ فَهَذا فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ المُرادَ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وعِكْرِمَةَ والسُّدِّيِّ والكَلْبِيِّ ومُقاتِلٍ والضَّحّاكِ، ورَوى ابْنُ جَرِيرٍ ولَيْثُ بْنُ أبِي سُلَيْمٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ كُلِّ شَيْءٍ مِن آخِرِ نَهارِ الجُمُعَةِ، فَلَمّا دَخَلَ الرُّوحُ رَأْسَهُ ولَمْ يَبْلُغْ أسْفَلَهُ، قالَ: يا رَبِّ اسْتَعْجِلْ خَلْقِي قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، قالَ لَيْثٌ: فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خُلِقَ الإنْسانُ مِن عَجَلٍ﴾ . وعَنِ السُّدِّيِّ لَمّا نَفَخَ فِيهِ الرُّوحَ فَدَخَلَ في رَأْسِهِ عَطَسَ، فَقالَتْ لَهُ المَلائِكَةُ: قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ، فَقالَ ذَلِكَ، فَقالَ اللَّهُ لَهُ: يَرْحَمُكَ رَبُّكَ. فَلَمّا دَخَلَ الرُّوحُ في عَيْنَيْهِ نَظَرَ إلى ثِمارِ الجَنَّةِ، ولَمّا دَخَلَ الرُّوحُ في جَوْفِهِ اشْتَهى الطَّعامَ، فَوَثَبَ قَبْلَ أنْ تَبْلُغَ الرُّوحُ رِجْلَيْهِ إلى ثِمارِ الجَنَّةِ، وهَذا هو الَّذِي أوْرَثَ أوْلادَهُ العَجَلَةَ. وثانِيهِما: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما في رِوايَةِ عَطاءٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ والمُرادُ بِالإنْسانِ هو، واعْلَمْ أنَّ القَوْلَ الأوَّلَ أوْلى لِأنَّ الغَرَضَ ذَمُّ القَوْمِ، وذَلِكَ لا يَحْصُلُ إلّا إذا حَمَلْنا لَفْظَ الإنْسانِ عَلى النَّوْعِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: مِنَ المُفَسِّرِينَ مَن أجْرى هَذِهِ الآيَةَ عَلى ظاهِرِها، ومِنهم مَن قَلَبَها، أمّا الأوَّلُونَ فَلَهم فِيها أقْوالٌ: أحَدُها: قَوْلُ المُحَقِّقِينَ وهو أنَّ قَوْلَهُ: ﴿خُلِقَ الإنْسانُ مِن عَجَلٍ﴾ أيْ خُلِقَ عَجُولًا، وذَلِكَ عَلى المُبالَغَةِ كَما قِيلَ لِلرَّجُلِ الذَّكِيِّ: هو نارٌ تَشْتَعِلُ، والعَرَبُ قَدْ تُسَمِّي المَرْءَ بِما يَكْثُرُ مِنهُ فَتَقُولُ: ما أنْتَ إلّا أكْلٌ ونَوْمٌ، وما هو إلّا إقْبالٌ وإدْبارٌ، قالَ الشّاعِرُ: أمّا إذا ذُكِرَتْ حَتّى إذا غَفَلَتْ فَإنَّما هي إقْبالٌ وإدْبارُ وهَذا الوَجْهُ مُتَأكِّدٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكانَ الإنْسانُ عَجُولًا﴾ [الإسْراءِ: ١١] قالَ المُبَرِّدُ: ﴿خُلِقَ الإنْسانُ مِن عَجَلٍ﴾ أيْ مِن شَأْنِهِ العَجَلَةُ كَقَوْلِهِ: ﴿خَلَقَكم مِن ضَعْفٍ﴾ [الرُّومِ: ٥٤] أيْ ضُعَفاءَ. وثانِيها: قالَ أبُو عُبَيْدٍ: العَجَلُ الطِّينُ بِلُغَةِ حِمْيَرَ وأنْشَدُوا: والنَّخْلُ يَثْبُتُ بَيْنَ الماءِ والعَجَلِ صفحة ١٤٩ وثالِثُها: قالَ الأخْفَشُ: ”مِن عَجَلٍ“ أيْ مِن تَعْجِيلٍ مِنَ الأمْرِ وهو قَوْلُهُ كُنْ. ورابِعُها: مِن عَجَلٍ، أيْ مِن ضَعْفٍ عَنِ الحَسَنِ. أمّا الَّذِينَ قَلَبُوها فَقالُوا المَعْنى: خُلِقَ العَجَلُ مِنَ الإنْسانِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ويَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلى النّارِ﴾ أيْ تُعْرَضُ النّارُ عَلَيْهِمْ، والقَوْلُ الأوَّلُ أقْرَبُ إلى الصَّوابِ وأبْعَدُ الأقْوالِ هَذا القَلْبُ لِأنَّهُ إذا أمْكَنَ حَمْلُ الكَلامِ عَلى مَعْنى صَحِيحٍ وهو عَلى تَرْتِيبِهِ فَهو أوْلى مِن أنْ يُحْمَلَ عَلى أنَّهُ مَقْلُوبٌ، وأيْضًا فَإنَّ قَوْلَهُ: خُلِقَتِ العَجَلَةُ مِنَ الإنْسانِ فِيهِ وُجُوهٌ مِنَ المَجازِ، فَما الفائِدَةُ في تَغْيِيرِ النَّظْمِ إلى ما يَجْرِي مَجْراهُ في المَجازِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: القَوْمُ اسْتَعْجَلُوا الوَعْدَ عَلى وجْهِ التَّكْذِيبِ ومَن هَذا حالُهُ لا يَكُونُ مُسْتَعْجِلًا عَلى الحَقِيقَةِ، قُلْنا: اسْتِعْجالُهم عَلى هَذا الوَجْهِ أدْخَلُ في الذَّمِّ لِأنَّهُ إذا ذَمَّ المَرْءُ اسْتِعْجالَ الأمْرِ المَعْلُومِ فَبِأنْ يَذُمَّ عَلى اسْتِعْجالِ ما لا يَكُونُ مَعْلُومًا لَهُ كانَ أُولى، وأيْضًا فَإنَّ اسْتِعْجالَهم بِما تَوَعَّدَهم مِن عِقابِ الآخِرَةِ أوْ هَلاكِ الدُّنْيا يَتَضَمَّنُ اسْتِعْجالَ المَوْتِ وهم عالِمُونَ بِذَلِكَ فَكانُوا مُسْتَعْجِلِينَ في الحَقِيقَةِ. * * * أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَأُرِيكم آياتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ﴾ فَقَدِ اخْتَلَفُوا في المُرادِ بِالآياتِ عَلى أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ هي الهَلاكُ المُعَجَّلُ في الدُّنْيا والعَذابُ في الآخِرَةِ، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿فَلا تَسْتَعْجِلُونِ﴾ أيْ أنَّها سَتَأْتِي لا مَحالَةَ في وقْتِها. وثانِيها: أنَّها أدِلَّةُ التَّوْحِيدِ وصِدْقُ الرَّسُولِ. وثالِثُها: أنَّها آثارُ القُرُونِ الماضِيَةِ بِالشّامِ واليَمَنِ والأوَّلُ أقْرَبُ إلى النَّظْمِ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ فاعْلَمْ أنَّ هَذا هو الِاسْتِعْجالُ المَذْمُومُ المَذْكُورُ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ وهو كَقَوْلِهِ: ﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ ولَوْلا أجَلٌ مُسَمًّى لَجاءَهُمُ العَذابُ﴾ [العَنْكَبُوتِ: ٥٣] فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهم يَقُولُونَ ذَلِكَ لِجَهْلِهِمْ وغَفْلَتِهِمْ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ ذَكَرَ في رَفْعِ هَذا الحُزْنِ عَنْ قَلْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: بِأنْ بَيَّنَ ما لِصاحِبِ هَذا الِاسْتِهْزاءِ مِنَ العِقابِ الشَّدِيدِ فَقالَ: ﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النّارَ ولا عَنْ ظُهُورِهِمْ ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: جَوابُ لَوْ مَحْذُوفٌ وحِينَ مَفْعُولٌ بِهِ لِيَعْلَمُ أيْ لَوْ يَعْلَمُونَ الوَقْتَ الَّذِي يَسْألُونَ عَنْهُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿مَتى هَذا الوَعْدُ﴾ وهو وقْتٌ صَعْبٌ شَدِيدٌ تُحِيطُ بِهِمْ فِيهِ النّارُ مِن قُدّامٍ ومِن خَلْفٍ فَلا يَقْدِرُونَ عَلى دَفْعِها عَنْ أنْفُسِهِمْ ولا يَجِدُونَ أيْضًا ناصِرًا يَنْصُرُهم لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن يَنْصُرُنا مِن بَأْسِ اللَّهِ إنْ جاءَنا﴾ [غافِرٍ: ٢٩] لِما كانُوا بِتِلْكَ الصِّفَةِ مِنَ الكُفْرِ والِاسْتِهْزاءِ والِاسْتِعْجالِ ولَكِنَّ جَهْلَهم بِهِ هو الَّذِي هَوَّنَهُ عَلَيْهِمْ وإنَّما حَسُنَ حَذْفُ الجَوابِ لِأنَّ ما تَقَدَّمَ يَدُلُّ عَلَيْهِ. وهَذا أبْلَغُ ومِثْلُهُ: ﴿ولَوْ يَرى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [البَقَرَةِ: ١٦٥]، ﴿ولَوْ تَرى إذْ يَتَوَفّى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنْفالِ: ٥٠]، ﴿ولَوْ أنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الجِبالُ﴾ [الرَّعْدِ: ٣١] وإنَّما خَصَّ الوُجُوهَ والظُّهُورَ لِأنَّ مَسَّ العَذابِ لَهُما أعْظَمُ مَوْقِعًا ولِكَثْرَةِ ما يُسْتَعْمَلُ ذِكْرُهُما في دَفْعِ المَضَرَّةِ عَنِ النَّفْسِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ شِدَّةَ هَذا العَذابِ بَيَّنَ أنَّ وقْتَ مَجِيئِهِ غَيْرُ مَعْلُومٍ لَهم بَلْ تَأْتِيهِمُ السّاعَةُ بَغْتَةً وهم لَها غَيْرُ مُحْتَسِبِينَ ولا لِأمْرِها مُسْتَعِدِّينَ فَتَبْهَتُهم أيْ تَدَعُهم حائِرِينَ واقِفِينَ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً في رَدِّها ولا عَمّا يَأْتِيهِمْ مِنها مَصْرِفًا، ولا هم يُنْظَرُونَ أيْ لا يُمْهَلُونَ لِتَوْبَةٍ ولا مَعْذِرَةٍ. واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى إنَّما لَمْ يُعْلِمِ المُكَلَّفِينَ وقْتَ المَوْتِ والقِيامَةِ لِما فِيهِ مِنَ المَصْلَحَةِ؛ لِأنَّ المَرْءَ مَعَ كِتْمانِ ذَلِكَ أشَدُّ حَذَرًا وأقْرَبُ إلى التَّلافِي، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ ذَكَرَ الوَجْهَ الثّانِيَ في دَفْعِ الحُزْنِ عَنْ قَلْبِ رَسُولِهِ فَقالَ: ﴿ولَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِن قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنهم ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ صفحة ١٥٠ والمَعْنى ﴿ولَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِن قَبْلِكَ﴾ يا مُحَمَّدُ كَما اسْتَهْزَأ بِكَ قَوْمُكَ ﴿فَحاقَ﴾ أيْ نَزَلَ وأحاطَ ﴿بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنهم ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أيْ عُقُوبَةُ اسْتِهْزائِهِمْ، وحاقَ وحَقَّ بِمَعْنى كَزالَّ وزَلَّ وفي هَذا تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ والمَعْنى فَكَذَلِكَ يَحِيقُ بِهَؤُلاءِ وبالُ اسْتِهْزائِهِمْ.

الأنبياء 21:44

﴿قُلْ مَن يَكْلَؤُكم بِاللَّيْلِ والنَّهارِ مِنَ الرَّحْمَنِ بَلْ هم عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ﴾ ﴿أمْ لَهم آلِهَةٌ تَمْنَعُهم مِن دُونِنا لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أنْفُسِهِمْ ولا هم مِنّا يُصْحَبُونَ﴾ ﴿بَلْ مَتَّعْنا هَؤُلاءِ وآباءَهم حَتّى طالَ عَلَيْهِمُ العُمُرُ أفَلا يَرَوْنَ أنّا نَأْتِي الأرْضَ نَنْقُصُها مِن أطْرافِها أفَهُمُ الغالِبُونَ﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ الكُفّارَ في الآخِرَةِ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النّارَ بِسائِرِ ما وصَفَهم بِهِ، أتْبَعُهُ بِأنَّهم في الدُّنْيا أيْضًا لَوْلا أنَّ اللَّهَ تَعالى يَحْرُسُهم ويَحْفَظُهم لَما بَقُوا في السَّلامَةِ، فَقالَ لِرَسُولِهِ: قُلْ لِهَؤُلاءِ الكُفّارِ الَّذِينَ يَسْتَهْزِئُونَ ويَغْتَرُّونَ بِما هم عَلَيْهِ: (مَن يَكْلَؤُكم بِاللَّيْلِ والنَّهارِ) وهَذا كَقَوْلِ الرَّجُلِ لِمَن حَصَلَ في قَبْضَتِهِ ولا مُخَلِّصَ لَهُ مِنهُ إلى أيْنَ مَفَرُّكَ مِنِّي ! هَلْ لَكَ مَحِيصٌ عَنِّي ! والكالِئُ الحافِظُ. * * * وأمّا قَوْلُهُ: ﴿مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: في مَعْناهُ وُجُوهٌ: أحَدُها: (مَن يَكْلَؤُكم مِنَ الرَّحْمَنِ) أيْ مِمّا يَقْدِرُ عَلى إنْزالِهِ بِكم مِن عَذابٍ تَسْتَحِقُّونَهُ. وثانِيها: مِن بَأْسِ اللَّهِ في الآخِرَةِ. وثالِثُها: مِنَ القَتْلِ والسَّبْيِ وسائِرِ ما أباحَهُ اللَّهُ لِكُفْرِهِمْ فَبَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّهُ لا حافِظَ لَهم ولا دافِعَ عَنْ هَذِهِ الأُمُورِ لَوْ أنْزَلَها بِهِمْ ولَوْلا تَفَضُّلُهُ بِحِفْظِهِمْ لَما عاشُوا ولَما مُتِّعُوا بِالدُّنْيا. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: إنَّما خَصَّ هَهُنا اسْمَ الرَّحْمَنِ بِالذِّكْرِ تَلْقِينًا لِلْجَوابِ حَتّى يَقُولَ العاقِلُ: أنْتَ الكالِئُ يا إلَهُنا لِكُلِّ الخَلائِقِ بِرَحْمَتِكَ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الكَرِيمِ﴾ [الِانْفِطارِ: ٦] إنَّما خَصَّ اسْمَ الكَرِيمِ بِالذِّكْرِ تَلْقِينًا لِلْجَوابِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: إنَّما ذَكَرَ اللَّيْلَ والنَّهارَ لِأنَّ لِكُلِّ واحِدٍ مِنَ الوَقْتَيْنِ آفاتٍ تَخْتَصُّ بِهِ، والمَعْنى مَن يَحْفَظُكم بِاللَّيْلِ إذا نِمْتُمْ وبِالنَّهارِ إذا تَصَرَّفْتُمْ في مَعايِشِكم. أمّا قَوْلُهُ: ﴿بَلْ هم عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ﴾ فالمَعْنى أنَّهُ تَعالى مَعَ إنْعامِهِ عَلَيْهِمْ لَيْلًا ونَهارًا بِالحِفْظِ والحِراسَةِ فَهم عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمُ الَّذِي هو الدَّلائِلُ العَقْلِيَّةُ والنَّقْلِيَّةُ ولَطائِفُ القُرْآنِ مُعْرِضُونَ فَلا يَتَأمَّلُونَ في شَيْءٍ مِنها لِيَعْرِفُوا أنَّهُ لا كالِئَ لَهم سِواهُ ويَتْرُكُونَ عِبادَةَ الأصْنامِ الَّتِي لا حَظَّ لَها في حِفْظِهِمْ ولا في الإنْعامِ عَلَيْهِمْ. صفحة ١٥١ أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ لَهم آلِهَةٌ تَمْنَعُهم مِن دُونِنا لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أنْفُسِهِمْ ولا هم مِنّا يُصْحَبُونَ﴾ فاعْلَمْ أنَّ المِيمَ صِلَةٌ يَعْنِي: ألَهم آلِهَةٌ تَكْلَؤُهم مِن دُونِنا ؟ والتَّقْدِيرُ ألَهم آلِهَةٌ مِن دُونِنا تَمْنَعُهم ؟ وتَمَّ الكَلامُ. ثُمَّ وصَفَ آلِهَتَهم بِالضَّعْفِ فَقالَ: ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أنْفُسِهِمْ﴾ وهَذا خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ فَهَذِهِ الآلِهَةُ لا تَسْتَطِيعُ حِمايَةَ أنْفُسِها عَنِ الآفاتِ، وحِمايَةُ النَّفْسِ أوْلى مِن حِمايَةِ الغَيْرِ، فَإذا لَمْ تَقْدِرْ عَلى حِمايَةِ نَفْسِها فَكَيْفَ تَقْدِرُ عَلى حِمايَةِ غَيْرِها، وفي قَوْلِهِ: ﴿ولا هم مِنّا يُصْحَبُونَ﴾ قَوْلانِ: الأوَّلُ: قالَ المازِنِيُّ: أصْحَبْتُ الرَّجُلَ إذا مَنَعْتَهُ فَقَوْلُهُ: ﴿ولا هم مِنّا يُصْحَبُونَ﴾ مِن ذَلِكَ لا مِنَ الصُّحْبَةِ. الثّانِي: أنَّ الصُّحْبَةَ هَهُنا بِمَعْنى النُّصْرَةِ والمَعُونَةِ وكُلُّها سَواءٌ في المَعْنى، يُقالُ: صَحِبَكَ اللَّهُ ونَصَرَكَ اللَّهُ ويُقالُ لِلْمُسافِرِ: في صُحْبَةِ اللَّهِ وفي حِفْظِ اللَّهِ فالمَعْنى ولا هم مِنّا في نُصْرَةٍ ولا إعانَةٍ، والحاصِلُ أنَّ مَن لا يَكُونُ قادِرًا عَلى دَفْعِ الآفاتِ ولا يَكُونُ مَصْحُوبًا مِنَ اللَّهِ بِالإعانَةِ كَيْفَ يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ تَفَضُّلَهُ عَلَيْهِمْ مَعَ كُلِّ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿بَلْ مَتَّعْنا هَؤُلاءِ وآباءَهم حَتّى طالَ عَلَيْهِمُ العُمُرُ﴾ يَعْنِي ما حَمَلَهم عَلى الإعْراضِ إلّا الِاغْتِرارُ بِطُولِ المُهْلَةِ، يَعْنِي طالَتْ أعْمارُهم في الغَفْلَةِ فَنَسُوا عَهْدَنا وجَهِلُوا مَوْقِعَ مَواقِعِ نِعْمَتِنا واغْتَرُّوا بِذَلِكَ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَلا يَرَوْنَ أنّا نَأْتِي الأرْضَ نَنْقُصُها﴾ فالمَعْنى أفَلا يَرى هَؤُلاءِ المُشْرِكُونَ بِاللَّهِ المُسْتَعْجِلُونَ بِالعَذابِ آثارَ قُدْرَتِنا في إتْيانِ الأرْضِ مِن جَوانِبِها، نَأْخُذُ الواحِدَ بَعْدَ الواحِدِ، ونَفْتَحُ البِلادَ والقُرى مِمّا حَوْلَ مَكَّةَ ونَزِيدُها في مُلْكِ مُحَمَّدٍ ﷺ، ونُمِيتُ رُؤَساءَ المُشْرِكِينَ المُمَتَّعِينَ بِالدُّنْيا، ونُنْقِصُ مِنَ الشِّرْكِ بِإهْلاكِ أهْلِهِ، أما كانَ لَهم في ذَلِكَ عِبْرَةٌ فَيُؤْمِنُوا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ويَعْلَمُوا أنَّهم لا يَقْدِرُونَ عَلى الِامْتِناعِ مِنَ اللَّهِ وإرادَتِهِ فِيهِمْ، ولا يَقْدِرُونَ عَلى مُغالَبَتِهِ ثُمَّ قالَ: ﴿أفَهُمُ الغالِبُونَ﴾ أيْ فَهَؤُلاءِ هُمُ الغالِبُونَ أمْ نَحْنُ ؟ وهو اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى التَّقْرِيرِ والتَّقْرِيعِ، والمَعْنى: بَلْ نَحْنُ الغالِبُونَ وهُمُ المَغْلُوبُونَ، وقَدْ مَضى الكَلامُ في هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ الرَّعْدِ. وفي تَفْسِيرِ النُّقْصانِ وُجُوهٌ: أحَدُها: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُقاتِلٌ والكَلْبِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم: نَنْقُصُها بِفَتْحِ البُلْدانِ. وثانِيها: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةٍ أُخْرى: يُرِيدُ نُقْصانَ أهْلِها وبَرَكَتِها. وثالِثُها: قالَ عِكْرِمَةُ: تَخْرِيبُ القُرى عِنْدَ مَوْتِ أهْلِها. ورابِعُها: بِمَوْتِ العُلَماءِ، وهَذِهِ الرِّوايَةُ إنْ صَحَّتْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلا يُعْدَلُ عَنْها، وإلّا فالأظْهَرُ مِنَ الأقاوِيلِ ما يَتَعَلَّقُ بِالغَلَبَةِ فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿أفَهُمُ الغالِبُونَ﴾ والَّذِي يَلِيقُ بِذَلِكَ أنَّهُ يَنْقُصُها عَنْهم ويَزِيدُها في بِلادِ الإسْلامِ، قالَ القَفّالُ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في كُفّارِ مَكَّةَ فَكَيْفَ يَدْخُلُ فِيها العُلَماءُ والفُقَهاءُ فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ كُلَّ ذَلِكَ مِنَ العِبَرِ الَّتِي لَوِ اسْتَعْمَلُوا عَقْلَهم فِيها لَأعْرَضُوا عَنْ جَهْلِهِمْ.

الأنبياء 21:45

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّما أُنْذِرُكم بِالوَحْيِ ولا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعاءَ إذا ما يُنْذَرُونَ﴾ ﴿ولَئِنْ مَسَّتْهم نَفْحَةٌ مِن عَذابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ ياوَيْلَنا إنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ ﴿ونَضَعُ المَوازِينَ القِسْطَ لِيَوْمِ القِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وإنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ أتَيْنا بِها وكَفى بِنا حاسِبِينَ﴾ صفحة ١٥٢ . اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا كَرَّرَ في القُرْآنِ الأدِلَّةَ وبالَغَ في التَّنْبِيهِ عَلَيْها عَلى ما تَقَدَّمَ أتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنَّما أُنْذِرُكم بِالوَحْيِ﴾ أيْ بِالقُرْآنِ الَّذِي هو كَلامُ رَبِّكم فَلا تَظُنُّوا أنَّ ذَلِكَ مِن قِبَلِي بَلِ اللَّهُ آتِيكم بِهِ، وأمَرَنِي بِإنْذارِكم فَإذا قُمْتُ بِما ألْزَمَنِي رَبِّي فَلَمْ يَقَعْ مِنكُمُ القَبُولُ والإجابَةُ فالوَبالُ عَلَيْكم يَعُودُ، ومَثَّلَهم مِن حَيْثُ لَمْ يَنْتَفِعُوا بِما سَمِعُوا مِن إنْذارِهِ مَعَ كَثْرَتِهِ وتَوالِيهِ بِالصُّمِّ الَّذِينَ لا يَسْمَعُونَ أصْلًا إذِ الغَرَضُ بِالإنْذارِ لَيْسَ السَّماعَ بَلِ التَّمَسُّكَ بِهِ في إقْدامٍ عَلى واجِبٍ وتَحَرُّزٍ عَنْ مُحَرَّمٍ ومَعْرِفَةٍ بِالحَقِّ، فَإذا لَمْ يَحْصُلْ هَذا الغَرَضُ صارَ كَأنَّهُ لَمْ يُسْمَعْ. قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قُرِئَ ولا تُسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعاءَ بِالتّاءِ والياءِ أيْ لا تُسْمِعُ أنْتَ أوْ لا يُسْمِعُ رَسُولُ اللَّهِ أوْ لا يُسْمِعُ الصُّمَّ مَن أسْمَعَ، فَإنْ قُلْتَ: الصُّمُّ لا تَسْمَعُ دُعاءَ البَشَرِ كَما لا يَسْمَعُونَ دُعاءَ المُنْذِرِ، فَكَيْفَ قالَ ﴿إذا ما يُنْذَرُونَ﴾ ؟ قُلْتُ: اللّامُ في الصُّمِّ إشارَةٌ إلى هَؤُلاءِ المُنْذَرِينَ، كائِنَةٌ لِلْعَهْدِ لا لِلْجِنْسِ، والأصْلُ ولا يَسْمَعُونَ الدُّعاءَ إذا ما يُنْذَرُونَ فَوَضَعَ الظّاهِرَ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَصامُمِهِمْ وسَدِّهِمْ أسْماعَهم إذا أُنْذَرُوا أيْ هم عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ مِنَ الجَراءَةِ والجَسارَةِ عَلى التَّصامُمِ عَنْ آياتِ الإنْذارِ. ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ حالَهم سَيَتَغَيَّرُ إلى أنْ يَصِيرُوا بِحَيْثُ إذا شاهَدُوا اليَسِيرَ مِمّا أُنْذَرُوا بِهِ فَعِنْدَهُ يَسْمَعُونَ ويَعْتَذِرُونَ ويَعْتَرِفُونَ حِينَ لا يَنْتَفِعُونَ وهَذا هو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَئِنْ مَسَّتْهم نَفْحَةٌ مِن عَذابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ ياوَيْلَنا إنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ وأصْلُ النَّفْحِ مِنَ الرِّيحِ اللَّيِّنَةِ، والمَعْنى ولَئِنْ مَسَّهم شَيْءٌ قَلِيلٌ مِن عَذابِ اللَّهِ كالرّائِحَةِ مِنَ الشَّيْءِ دُونَ جِسْمِهِ لَتَنادَوْا بِالوَيْلِ واعْتَرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ بِالظُّلْمِ. قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ في المَسِّ والنَّفْحَةِ ثَلاثُ مُبالَغاتٍ: لَفْظُ المَسِّ وما في النَّفْحِ مِن مَعْنى القِلَّةِ والنَّزارَةِ، يُقالُ: نَفَحَتْهُ الدّابَّةُ وهو رُمْحٌ يَسِيرٌ ونَفَحَهُ بِعَطِيَّةٍ رَضَخَهُ، ولَفْظُ المَرَّةِ، ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ وتَعالى أنَّ جَمِيعَ ما يَنْزِلُ بِهِمْ في الآخِرَةِ لا يَكُونُ إلّا عَدْلًا فَهم وإنْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم في الدُّنْيا فَلَنْ يُظْلَمُوا في الآخِرَةِ، وهَذا مَعْنى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ونَضَعُ المَوازِينَ القِسْطَ﴾ وصَفَها اللَّهُ تَعالى بِذَلِكَ لِأنَّ المِيزانَ قَدْ يَكُونُ مُسْتَقِيمًا وقَدْ يَكُونُ بِخِلافِهِ، فَبَيَّنَ أنَّ تِلْكَ المَوازِينَ تَجْرِي عَلى حَدِّ العَدْلِ والقِسْطِ، وأكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ وهَهُنا مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: مَعْنى وضْعِها إحْضارُها، قالَ الفَرّاءُ: القِسْطُ صِفَةُ المَوازِينِ وإنْ كانَ مُوَحَّدًا، وهو كَقَوْلِكَ لِلْقَوْمِ: أنْتُمْ عَدْلٌ، وقالَ الزَّجّاجُ: ونَضَعُ المَوازِينَ ذَواتَ القِسْطِ وقَوْلُهُ: ﴿لِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ قالَ الفَرّاءُ: في يَوْمِ القِيامَةِ وقِيلَ لِأهْلِ يَوْمِ القِيامَةِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في وضْعِ المَوازِينِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: قالَ مُجاهِدٌ: هَذا مَثَلٌ والمُرادُ بِالمَوازِينِ العَدْلُ، ويُرْوى مِثْلُهُ عَنْ قَتادَةَ والضَّحّاكِ والمَعْنى بِالوَزْنِ القِسْطُ بَيْنَهم في الأعْمالِ فَمَن أحاطَتْ حَسَناتُهُ بِسَيِّئاتِهِ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ يَعْنِي أنَّ حَسَناتِهِ تَذْهَبُ بِسَيِّئاتِهِ ومَن أحاطَتْ سَيِّئاتُهُ بِحَسَناتِهِ فَقَدَ (خَفَّتْ مَوازِينُهُ) [الأعْرافِ: ٩] أيْ أنَّ سَيِّئاتِهِ تَذْهَبُ بِحَسَناتِهِ، حَكاهُ ابْنُ جَرِيرٍ هَكَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما. الثّانِي: وهو قَوْلُ أئِمَّةِ السَّلَفِ أنَّهُ سُبْحانَهُ يَضَعُ المَوازِينَ الحَقِيقِيَّةَ فَتُوزَنُ بِها الأعْمالُ، وعَنِ الحَسَنِ: هو مِيزانٌ لَهُ كِفَّتانِ ولِسانٌ وهو بَيْدِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ. ويُرْوى: ”أنَّ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ سَألَ رَبَّهُ أنْ يُرِيَهُ المِيزانَ فَلَمّا رَآهُ غُشِيَ عَلَيْهِ، فَلَمّا أفاقَ قالَ: يا إلَهِي مَنِ الَّذِي يَقْدِرُ أنْ يَمْلَأ كِفَّتَهُ حَسَناتٍ، فَقالَ: يا داوُدُ إنِّي إذا رَضِيتُ عَنْ عَبْدِي مَلَأْتُها بِتَمْرَةٍ“ ثُمَّ عَلى هَذا القَوْلِ في كَيْفِيَّةِ وزْنِ الأعْمالِ طَرِيقانِ. أحَدُهُما: أنْ تُوزَنَ صَحائِفُ الأعْمالِ. والثّانِي: يُجْعَلُ في صفحة ١٥٣ كِفَّةِ الحَسَناتِ جَواهِرُ بِيضٌ مُشْرِقَةٌ، وفي كِفَّةِ السَّيِّئاتِ جَواهِرُ سُودٌ مُظْلِمَةٌ، فَإنْ قِيلَ: أهْلُ القِيامَةِ إمّا أنْ يَكُونُوا عالِمِينَ بِكَوْنِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى عادِلًا غَيْرَ ظالِمٍ أوْ لا يَعْلَمُونَ ذَلِكَ، فَإنْ عَلِمُوا ذَلِكَ كانَ مُجَرَّدُ حُكْمِهِ كافِيًا في مَعْرِفَةِ أنَّ الغالِبَ هو الحَسَناتُ أوِ السَّيِّئاتُ فَلا يَكُونُ في وضْعِ المِيزانِ فائِدَةٌ البَتَّةَ، وإنْ لَمْ يَعْلَمُوا لَمْ تَحْصُلِ الفائِدَةُ في وزْنِ الصَّحائِفِ لِاحْتِمالِ أنَّهُ سُبْحانَهُ جَعَلَ إحْدى الصَّحِيفَتَيْنِ أثْقَلَ أوْ أخَفَّ ظُلْمًا، فَثَبَتَ أنَّ وضْعَ المِيزانِ عَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ خالٍ عَنِ الفائِدَةِ. وجَوابُهُ عَلى قَوْلِنا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ وهم يُسْألُونَ﴾ [الأنْبِياءِ: ٢٣] وأيْضًا فَفِيهِ ظُهُورُ حالِ الوَلِيِّ مِنَ العَدُّوِ في مَجْمَعِ الخَلائِقِ، فَيَكُونُ لِأحَدِ القَبِيلَيْنِ في ذَلِكَ أعْظَمُ السُّرُورِ ولِلْآخَرِ أعْظَمُ الغَمِّ، ويَكُونُ ذَلِكَ بِمَنزِلَةِ نَشْرِ الصُّحُفِ وغَيْرِهِ. إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: الدَّلِيلُ عَلى وُجُودِ المَوازِينِ الحَقِيقِيَّةِ أنَّ حَمْلَ هَذا اللَّفْظِ عَلى مُجَرَّدِ العَدْلِ مَجازٌ، وصَرْفُ اللَّفْظِ عَنِ الحَقِيقَةِ إلى المَجازِ مِن غَيْرِ ضَرُورَةٍ غَيْرُ جائِزٍ، لا سِيَّما وقَدْ جاءَتِ الأحادِيثُ الكَثِيرَةُ بِالأسانِيدِ الصَّحِيحَةِ في هَذا البابِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ قَوْمٌ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ يُناقِضُها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا نُقِيمُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ وزْنًا﴾ [الكَهْفِ: ١٠٥]، والجَوابُ: أنَّهُ لا يُكْرِمُهم ولا يُعَظِّمُهم. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: إنَّما جَمَعَ المُوازِينَ لِكَثْرَةِ مَن تُوزَنُ أعْمالُهم وهو جَمْعُ تَفْخِيمٍ، ويَجُوزُ أنْ يَرْجِعَ إلى المَوْزُوناتِ. * * * أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ أتَيْنا بِها﴾ فالمَعْنى أنَّهُ لا يُنْقَصُ مِن إحْسانِ مُحْسِنٍ ولا يُزادُ في إساءَةِ مُسِيءٍ، وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قُرِئَ: (مِثْقالُ حَبَّةٍ) عَلى كانَ التّامَّةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٨٠] وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما (آتَيْنا بِها) وهي مُفاعَلَةٌ مِنَ الإتْيانِ بِمَعْنى المُجازاةِ والمُكافَأةِ لِأنَّهم أتَوْهُ بِالأعْمالِ وأتاهم بِالجَزاءِ، وقَرَأ حُمَيْدٌ: أثَبْنا بِها مِنَ الثَّوابِ، وفي حَرْفِ أُبَيٍّ: جِئْنا بِها. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لِمَ أُنِّثَ ضَمِيرُ المِثْقالِ ؟ قُلْنا: لِإضافَتِهِ إلى الحَبَّةِ كَقَوْلِهِمْ ذَهَبَتْ بَعْضُ أصابِعِهِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: زَعَمَ الجُبّائِيُّ أنَّ مَنِ اسْتَحَقَّ مِائَةَ جُزْءٍ مِنَ العِقابِ فَأتى بِطاعَةٍ يَسْتَحِقُّ بِها خَمْسِينَ جُزْءًا مِنَ الثَّوابِ فَهَذا الأقَلُّ يَنْحَبِطُ بِالأكْثَرِ ويَبْقى الأكْثَرُ كَما كانَ. واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تُبْطِلُ قَوْلَهُ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى تَمَدَّحَ بِأنَّ اليَسِيرَ مِنَ الطّاعَةِ لا يَسْقُطُ، ولَوْ كانَ الأمْرُ كَما قالَ الجُبّائِيُّ لَسَقَطَتِ الطّاعَةُ مِن غَيْرِ فائِدَةٍ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: قَوْلُهُ: ﴿فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ فِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ مِثْلَ ذَلِكَ لَوِ ابْتَدَأهُ اللَّهُ تَعالى لَكانَ قَدْ ظَلَمَ، فَدَلَّ هَذا الوَجْهُ عَلى أنَّهُ تَعالى لا يُعَذِّبُ مَن لا يَسْتَحِقُّ ولا يَفْعَلُ المَضارَّ في الدُّنْيا إلّا لِلْمَنافِعِ والمَصالِحِ. والجَوابُ: الظُّلْمُ هو التَّصَرُّفُ في مِلْكِ الغَيْرِ وذَلِكَ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى مُحالٌ لِأنَّهُ المالِكُ المُطْلَقُ، ثُمَّ الَّذِي يَدُلُّ عَلى اسْتِحالَةِ الظُّلْمِ عَلَيْهِ عَقْلًا أنَّ الظُّلْمَ عِنْدَ الخَصْمِ مُسْتَلْزِمٌ لِلْجَهْلِ أوِ الحاجَةِ المُحالَيْنِ عَلى اللَّهِ تَعالى ومُسْتَلْزِمُ المُحالِ مُحالٌ، فالظُّلْمُ عَلى اللَّهِ تَعالى مُحالٌ. وأيْضًا فَإنَّ الظّالِمَ سَفِيهٌ خارِجٌ عَنِ الإلَهِيَّةِ فَلَوْ صَحَّ مِنهُ الظُّلْمُ لَصَحَّ خُرُوجُهُ عَنِ الإلَهِيَّةِ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ كَوْنُهُ إلَهًا مِنَ الجائِزاتِ لا مِنَ الواجِباتِ، وذَلِكَ يَقْدَحُ في إلَهِيَّتِهِ. المَسْألَةُ الخامِسَةُ: إنْ قِيلَ: الحَبَّةُ أعْظَمُ مِنَ الخَرْدَلَةِ، فَكَيْفَ قالَ: (حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ) ؟ قُلْنا: الوَجْهُ فِيهِ أنْ صفحة ١٥٤ تَفْرِضَ الخَرْدَلَةَ كالدِّينارِ ثُمَّ تَعْتَبِرَ الحَبَّةَ مِن ذَلِكَ الدِّينارِ، والغَرَضُ المُبالَغَةُ في أنَّ شَيْئًا مِنَ الأعْمالِ صَغِيرًا كانَ أوْ كَبِيرًا غَيْرُ ضائِعٍ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَفى بِنا حاسِبِينَ﴾ فالغَرَضُ مِنهُ التَّحْذِيرُ فَإنَّ المُحاسِبَ إذا كانَ في العِلْمِ بِحَيْثُ لا يُمْكِنُ أنْ يَشْتَبِهَ عَلَيْهِ شَيْءٌ، وفي القُدْرَةِ بِحَيْثُ لا يَعْجِزُ عَنْ شَيْءٍ، حَقِيقٌ بِالعاقِلِ أنْ يَكُونَ في أشَدِّ الخَوْفِ مِنهُ، ويُرْوى عَنِ الشِّبْلِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ رُئِيَ في المَنامِ فَقِيلَ لَهُ: ما فَعَلَ اللَّهُ بِكَ فَقالَ: حاسَبُونا فَدَقَّقُوا ثُمَّ مَنُّوا فَأعْتَقُوا

الأنبياء 21:46

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّما أُنْذِرُكم بِالوَحْيِ ولا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعاءَ إذا ما يُنْذَرُونَ﴾ ﴿ولَئِنْ مَسَّتْهم نَفْحَةٌ مِن عَذابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ ياوَيْلَنا إنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ ﴿ونَضَعُ المَوازِينَ القِسْطَ لِيَوْمِ القِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وإنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ أتَيْنا بِها وكَفى بِنا حاسِبِينَ﴾ صفحة ١٥٢ . اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا كَرَّرَ في القُرْآنِ الأدِلَّةَ وبالَغَ في التَّنْبِيهِ عَلَيْها عَلى ما تَقَدَّمَ أتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنَّما أُنْذِرُكم بِالوَحْيِ﴾ أيْ بِالقُرْآنِ الَّذِي هو كَلامُ رَبِّكم فَلا تَظُنُّوا أنَّ ذَلِكَ مِن قِبَلِي بَلِ اللَّهُ آتِيكم بِهِ، وأمَرَنِي بِإنْذارِكم فَإذا قُمْتُ بِما ألْزَمَنِي رَبِّي فَلَمْ يَقَعْ مِنكُمُ القَبُولُ والإجابَةُ فالوَبالُ عَلَيْكم يَعُودُ، ومَثَّلَهم مِن حَيْثُ لَمْ يَنْتَفِعُوا بِما سَمِعُوا مِن إنْذارِهِ مَعَ كَثْرَتِهِ وتَوالِيهِ بِالصُّمِّ الَّذِينَ لا يَسْمَعُونَ أصْلًا إذِ الغَرَضُ بِالإنْذارِ لَيْسَ السَّماعَ بَلِ التَّمَسُّكَ بِهِ في إقْدامٍ عَلى واجِبٍ وتَحَرُّزٍ عَنْ مُحَرَّمٍ ومَعْرِفَةٍ بِالحَقِّ، فَإذا لَمْ يَحْصُلْ هَذا الغَرَضُ صارَ كَأنَّهُ لَمْ يُسْمَعْ. قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قُرِئَ ولا تُسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعاءَ بِالتّاءِ والياءِ أيْ لا تُسْمِعُ أنْتَ أوْ لا يُسْمِعُ رَسُولُ اللَّهِ أوْ لا يُسْمِعُ الصُّمَّ مَن أسْمَعَ، فَإنْ قُلْتَ: الصُّمُّ لا تَسْمَعُ دُعاءَ البَشَرِ كَما لا يَسْمَعُونَ دُعاءَ المُنْذِرِ، فَكَيْفَ قالَ ﴿إذا ما يُنْذَرُونَ﴾ ؟ قُلْتُ: اللّامُ في الصُّمِّ إشارَةٌ إلى هَؤُلاءِ المُنْذَرِينَ، كائِنَةٌ لِلْعَهْدِ لا لِلْجِنْسِ، والأصْلُ ولا يَسْمَعُونَ الدُّعاءَ إذا ما يُنْذَرُونَ فَوَضَعَ الظّاهِرَ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَصامُمِهِمْ وسَدِّهِمْ أسْماعَهم إذا أُنْذَرُوا أيْ هم عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ مِنَ الجَراءَةِ والجَسارَةِ عَلى التَّصامُمِ عَنْ آياتِ الإنْذارِ. ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ حالَهم سَيَتَغَيَّرُ إلى أنْ يَصِيرُوا بِحَيْثُ إذا شاهَدُوا اليَسِيرَ مِمّا أُنْذَرُوا بِهِ فَعِنْدَهُ يَسْمَعُونَ ويَعْتَذِرُونَ ويَعْتَرِفُونَ حِينَ لا يَنْتَفِعُونَ وهَذا هو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَئِنْ مَسَّتْهم نَفْحَةٌ مِن عَذابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ ياوَيْلَنا إنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ وأصْلُ النَّفْحِ مِنَ الرِّيحِ اللَّيِّنَةِ، والمَعْنى ولَئِنْ مَسَّهم شَيْءٌ قَلِيلٌ مِن عَذابِ اللَّهِ كالرّائِحَةِ مِنَ الشَّيْءِ دُونَ جِسْمِهِ لَتَنادَوْا بِالوَيْلِ واعْتَرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ بِالظُّلْمِ. قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ في المَسِّ والنَّفْحَةِ ثَلاثُ مُبالَغاتٍ: لَفْظُ المَسِّ وما في النَّفْحِ مِن مَعْنى القِلَّةِ والنَّزارَةِ، يُقالُ: نَفَحَتْهُ الدّابَّةُ وهو رُمْحٌ يَسِيرٌ ونَفَحَهُ بِعَطِيَّةٍ رَضَخَهُ، ولَفْظُ المَرَّةِ، ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ وتَعالى أنَّ جَمِيعَ ما يَنْزِلُ بِهِمْ في الآخِرَةِ لا يَكُونُ إلّا عَدْلًا فَهم وإنْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم في الدُّنْيا فَلَنْ يُظْلَمُوا في الآخِرَةِ، وهَذا مَعْنى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ونَضَعُ المَوازِينَ القِسْطَ﴾ وصَفَها اللَّهُ تَعالى بِذَلِكَ لِأنَّ المِيزانَ قَدْ يَكُونُ مُسْتَقِيمًا وقَدْ يَكُونُ بِخِلافِهِ، فَبَيَّنَ أنَّ تِلْكَ المَوازِينَ تَجْرِي عَلى حَدِّ العَدْلِ والقِسْطِ، وأكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ وهَهُنا مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: مَعْنى وضْعِها إحْضارُها، قالَ الفَرّاءُ: القِسْطُ صِفَةُ المَوازِينِ وإنْ كانَ مُوَحَّدًا، وهو كَقَوْلِكَ لِلْقَوْمِ: أنْتُمْ عَدْلٌ، وقالَ الزَّجّاجُ: ونَضَعُ المَوازِينَ ذَواتَ القِسْطِ وقَوْلُهُ: ﴿لِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ قالَ الفَرّاءُ: في يَوْمِ القِيامَةِ وقِيلَ لِأهْلِ يَوْمِ القِيامَةِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في وضْعِ المَوازِينِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: قالَ مُجاهِدٌ: هَذا مَثَلٌ والمُرادُ بِالمَوازِينِ العَدْلُ، ويُرْوى مِثْلُهُ عَنْ قَتادَةَ والضَّحّاكِ والمَعْنى بِالوَزْنِ القِسْطُ بَيْنَهم في الأعْمالِ فَمَن أحاطَتْ حَسَناتُهُ بِسَيِّئاتِهِ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ يَعْنِي أنَّ حَسَناتِهِ تَذْهَبُ بِسَيِّئاتِهِ ومَن أحاطَتْ سَيِّئاتُهُ بِحَسَناتِهِ فَقَدَ (خَفَّتْ مَوازِينُهُ) [الأعْرافِ: ٩] أيْ أنَّ سَيِّئاتِهِ تَذْهَبُ بِحَسَناتِهِ، حَكاهُ ابْنُ جَرِيرٍ هَكَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما. الثّانِي: وهو قَوْلُ أئِمَّةِ السَّلَفِ أنَّهُ سُبْحانَهُ يَضَعُ المَوازِينَ الحَقِيقِيَّةَ فَتُوزَنُ بِها الأعْمالُ، وعَنِ الحَسَنِ: هو مِيزانٌ لَهُ كِفَّتانِ ولِسانٌ وهو بَيْدِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ. ويُرْوى: ”أنَّ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ سَألَ رَبَّهُ أنْ يُرِيَهُ المِيزانَ فَلَمّا رَآهُ غُشِيَ عَلَيْهِ، فَلَمّا أفاقَ قالَ: يا إلَهِي مَنِ الَّذِي يَقْدِرُ أنْ يَمْلَأ كِفَّتَهُ حَسَناتٍ، فَقالَ: يا داوُدُ إنِّي إذا رَضِيتُ عَنْ عَبْدِي مَلَأْتُها بِتَمْرَةٍ“ ثُمَّ عَلى هَذا القَوْلِ في كَيْفِيَّةِ وزْنِ الأعْمالِ طَرِيقانِ. أحَدُهُما: أنْ تُوزَنَ صَحائِفُ الأعْمالِ. والثّانِي: يُجْعَلُ في صفحة ١٥٣ كِفَّةِ الحَسَناتِ جَواهِرُ بِيضٌ مُشْرِقَةٌ، وفي كِفَّةِ السَّيِّئاتِ جَواهِرُ سُودٌ مُظْلِمَةٌ، فَإنْ قِيلَ: أهْلُ القِيامَةِ إمّا أنْ يَكُونُوا عالِمِينَ بِكَوْنِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى عادِلًا غَيْرَ ظالِمٍ أوْ لا يَعْلَمُونَ ذَلِكَ، فَإنْ عَلِمُوا ذَلِكَ كانَ مُجَرَّدُ حُكْمِهِ كافِيًا في مَعْرِفَةِ أنَّ الغالِبَ هو الحَسَناتُ أوِ السَّيِّئاتُ فَلا يَكُونُ في وضْعِ المِيزانِ فائِدَةٌ البَتَّةَ، وإنْ لَمْ يَعْلَمُوا لَمْ تَحْصُلِ الفائِدَةُ في وزْنِ الصَّحائِفِ لِاحْتِمالِ أنَّهُ سُبْحانَهُ جَعَلَ إحْدى الصَّحِيفَتَيْنِ أثْقَلَ أوْ أخَفَّ ظُلْمًا، فَثَبَتَ أنَّ وضْعَ المِيزانِ عَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ خالٍ عَنِ الفائِدَةِ. وجَوابُهُ عَلى قَوْلِنا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ وهم يُسْألُونَ﴾ [الأنْبِياءِ: ٢٣] وأيْضًا فَفِيهِ ظُهُورُ حالِ الوَلِيِّ مِنَ العَدُّوِ في مَجْمَعِ الخَلائِقِ، فَيَكُونُ لِأحَدِ القَبِيلَيْنِ في ذَلِكَ أعْظَمُ السُّرُورِ ولِلْآخَرِ أعْظَمُ الغَمِّ، ويَكُونُ ذَلِكَ بِمَنزِلَةِ نَشْرِ الصُّحُفِ وغَيْرِهِ. إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: الدَّلِيلُ عَلى وُجُودِ المَوازِينِ الحَقِيقِيَّةِ أنَّ حَمْلَ هَذا اللَّفْظِ عَلى مُجَرَّدِ العَدْلِ مَجازٌ، وصَرْفُ اللَّفْظِ عَنِ الحَقِيقَةِ إلى المَجازِ مِن غَيْرِ ضَرُورَةٍ غَيْرُ جائِزٍ، لا سِيَّما وقَدْ جاءَتِ الأحادِيثُ الكَثِيرَةُ بِالأسانِيدِ الصَّحِيحَةِ في هَذا البابِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ قَوْمٌ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ يُناقِضُها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا نُقِيمُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ وزْنًا﴾ [الكَهْفِ: ١٠٥]، والجَوابُ: أنَّهُ لا يُكْرِمُهم ولا يُعَظِّمُهم. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: إنَّما جَمَعَ المُوازِينَ لِكَثْرَةِ مَن تُوزَنُ أعْمالُهم وهو جَمْعُ تَفْخِيمٍ، ويَجُوزُ أنْ يَرْجِعَ إلى المَوْزُوناتِ. * * * أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ أتَيْنا بِها﴾ فالمَعْنى أنَّهُ لا يُنْقَصُ مِن إحْسانِ مُحْسِنٍ ولا يُزادُ في إساءَةِ مُسِيءٍ، وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قُرِئَ: (مِثْقالُ حَبَّةٍ) عَلى كانَ التّامَّةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٨٠] وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما (آتَيْنا بِها) وهي مُفاعَلَةٌ مِنَ الإتْيانِ بِمَعْنى المُجازاةِ والمُكافَأةِ لِأنَّهم أتَوْهُ بِالأعْمالِ وأتاهم بِالجَزاءِ، وقَرَأ حُمَيْدٌ: أثَبْنا بِها مِنَ الثَّوابِ، وفي حَرْفِ أُبَيٍّ: جِئْنا بِها. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لِمَ أُنِّثَ ضَمِيرُ المِثْقالِ ؟ قُلْنا: لِإضافَتِهِ إلى الحَبَّةِ كَقَوْلِهِمْ ذَهَبَتْ بَعْضُ أصابِعِهِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: زَعَمَ الجُبّائِيُّ أنَّ مَنِ اسْتَحَقَّ مِائَةَ جُزْءٍ مِنَ العِقابِ فَأتى بِطاعَةٍ يَسْتَحِقُّ بِها خَمْسِينَ جُزْءًا مِنَ الثَّوابِ فَهَذا الأقَلُّ يَنْحَبِطُ بِالأكْثَرِ ويَبْقى الأكْثَرُ كَما كانَ. واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تُبْطِلُ قَوْلَهُ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى تَمَدَّحَ بِأنَّ اليَسِيرَ مِنَ الطّاعَةِ لا يَسْقُطُ، ولَوْ كانَ الأمْرُ كَما قالَ الجُبّائِيُّ لَسَقَطَتِ الطّاعَةُ مِن غَيْرِ فائِدَةٍ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: قَوْلُهُ: ﴿فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ فِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ مِثْلَ ذَلِكَ لَوِ ابْتَدَأهُ اللَّهُ تَعالى لَكانَ قَدْ ظَلَمَ، فَدَلَّ هَذا الوَجْهُ عَلى أنَّهُ تَعالى لا يُعَذِّبُ مَن لا يَسْتَحِقُّ ولا يَفْعَلُ المَضارَّ في الدُّنْيا إلّا لِلْمَنافِعِ والمَصالِحِ. والجَوابُ: الظُّلْمُ هو التَّصَرُّفُ في مِلْكِ الغَيْرِ وذَلِكَ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى مُحالٌ لِأنَّهُ المالِكُ المُطْلَقُ، ثُمَّ الَّذِي يَدُلُّ عَلى اسْتِحالَةِ الظُّلْمِ عَلَيْهِ عَقْلًا أنَّ الظُّلْمَ عِنْدَ الخَصْمِ مُسْتَلْزِمٌ لِلْجَهْلِ أوِ الحاجَةِ المُحالَيْنِ عَلى اللَّهِ تَعالى ومُسْتَلْزِمُ المُحالِ مُحالٌ، فالظُّلْمُ عَلى اللَّهِ تَعالى مُحالٌ. وأيْضًا فَإنَّ الظّالِمَ سَفِيهٌ خارِجٌ عَنِ الإلَهِيَّةِ فَلَوْ صَحَّ مِنهُ الظُّلْمُ لَصَحَّ خُرُوجُهُ عَنِ الإلَهِيَّةِ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ كَوْنُهُ إلَهًا مِنَ الجائِزاتِ لا مِنَ الواجِباتِ، وذَلِكَ يَقْدَحُ في إلَهِيَّتِهِ. المَسْألَةُ الخامِسَةُ: إنْ قِيلَ: الحَبَّةُ أعْظَمُ مِنَ الخَرْدَلَةِ، فَكَيْفَ قالَ: (حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ) ؟ قُلْنا: الوَجْهُ فِيهِ أنْ صفحة ١٥٤ تَفْرِضَ الخَرْدَلَةَ كالدِّينارِ ثُمَّ تَعْتَبِرَ الحَبَّةَ مِن ذَلِكَ الدِّينارِ، والغَرَضُ المُبالَغَةُ في أنَّ شَيْئًا مِنَ الأعْمالِ صَغِيرًا كانَ أوْ كَبِيرًا غَيْرُ ضائِعٍ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَفى بِنا حاسِبِينَ﴾ فالغَرَضُ مِنهُ التَّحْذِيرُ فَإنَّ المُحاسِبَ إذا كانَ في العِلْمِ بِحَيْثُ لا يُمْكِنُ أنْ يَشْتَبِهَ عَلَيْهِ شَيْءٌ، وفي القُدْرَةِ بِحَيْثُ لا يَعْجِزُ عَنْ شَيْءٍ، حَقِيقٌ بِالعاقِلِ أنْ يَكُونَ في أشَدِّ الخَوْفِ مِنهُ، ويُرْوى عَنِ الشِّبْلِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ رُئِيَ في المَنامِ فَقِيلَ لَهُ: ما فَعَلَ اللَّهُ بِكَ فَقالَ: حاسَبُونا فَدَقَّقُوا ثُمَّ مَنُّوا فَأعْتَقُوا

الأنبياء 21:47

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّما أُنْذِرُكم بِالوَحْيِ ولا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعاءَ إذا ما يُنْذَرُونَ﴾ ﴿ولَئِنْ مَسَّتْهم نَفْحَةٌ مِن عَذابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ ياوَيْلَنا إنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ ﴿ونَضَعُ المَوازِينَ القِسْطَ لِيَوْمِ القِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وإنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ أتَيْنا بِها وكَفى بِنا حاسِبِينَ﴾ صفحة ١٥٢ . اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا كَرَّرَ في القُرْآنِ الأدِلَّةَ وبالَغَ في التَّنْبِيهِ عَلَيْها عَلى ما تَقَدَّمَ أتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنَّما أُنْذِرُكم بِالوَحْيِ﴾ أيْ بِالقُرْآنِ الَّذِي هو كَلامُ رَبِّكم فَلا تَظُنُّوا أنَّ ذَلِكَ مِن قِبَلِي بَلِ اللَّهُ آتِيكم بِهِ، وأمَرَنِي بِإنْذارِكم فَإذا قُمْتُ بِما ألْزَمَنِي رَبِّي فَلَمْ يَقَعْ مِنكُمُ القَبُولُ والإجابَةُ فالوَبالُ عَلَيْكم يَعُودُ، ومَثَّلَهم مِن حَيْثُ لَمْ يَنْتَفِعُوا بِما سَمِعُوا مِن إنْذارِهِ مَعَ كَثْرَتِهِ وتَوالِيهِ بِالصُّمِّ الَّذِينَ لا يَسْمَعُونَ أصْلًا إذِ الغَرَضُ بِالإنْذارِ لَيْسَ السَّماعَ بَلِ التَّمَسُّكَ بِهِ في إقْدامٍ عَلى واجِبٍ وتَحَرُّزٍ عَنْ مُحَرَّمٍ ومَعْرِفَةٍ بِالحَقِّ، فَإذا لَمْ يَحْصُلْ هَذا الغَرَضُ صارَ كَأنَّهُ لَمْ يُسْمَعْ. قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قُرِئَ ولا تُسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعاءَ بِالتّاءِ والياءِ أيْ لا تُسْمِعُ أنْتَ أوْ لا يُسْمِعُ رَسُولُ اللَّهِ أوْ لا يُسْمِعُ الصُّمَّ مَن أسْمَعَ، فَإنْ قُلْتَ: الصُّمُّ لا تَسْمَعُ دُعاءَ البَشَرِ كَما لا يَسْمَعُونَ دُعاءَ المُنْذِرِ، فَكَيْفَ قالَ ﴿إذا ما يُنْذَرُونَ﴾ ؟ قُلْتُ: اللّامُ في الصُّمِّ إشارَةٌ إلى هَؤُلاءِ المُنْذَرِينَ، كائِنَةٌ لِلْعَهْدِ لا لِلْجِنْسِ، والأصْلُ ولا يَسْمَعُونَ الدُّعاءَ إذا ما يُنْذَرُونَ فَوَضَعَ الظّاهِرَ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَصامُمِهِمْ وسَدِّهِمْ أسْماعَهم إذا أُنْذَرُوا أيْ هم عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ مِنَ الجَراءَةِ والجَسارَةِ عَلى التَّصامُمِ عَنْ آياتِ الإنْذارِ. ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ حالَهم سَيَتَغَيَّرُ إلى أنْ يَصِيرُوا بِحَيْثُ إذا شاهَدُوا اليَسِيرَ مِمّا أُنْذَرُوا بِهِ فَعِنْدَهُ يَسْمَعُونَ ويَعْتَذِرُونَ ويَعْتَرِفُونَ حِينَ لا يَنْتَفِعُونَ وهَذا هو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَئِنْ مَسَّتْهم نَفْحَةٌ مِن عَذابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ ياوَيْلَنا إنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ وأصْلُ النَّفْحِ مِنَ الرِّيحِ اللَّيِّنَةِ، والمَعْنى ولَئِنْ مَسَّهم شَيْءٌ قَلِيلٌ مِن عَذابِ اللَّهِ كالرّائِحَةِ مِنَ الشَّيْءِ دُونَ جِسْمِهِ لَتَنادَوْا بِالوَيْلِ واعْتَرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ بِالظُّلْمِ. قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ في المَسِّ والنَّفْحَةِ ثَلاثُ مُبالَغاتٍ: لَفْظُ المَسِّ وما في النَّفْحِ مِن مَعْنى القِلَّةِ والنَّزارَةِ، يُقالُ: نَفَحَتْهُ الدّابَّةُ وهو رُمْحٌ يَسِيرٌ ونَفَحَهُ بِعَطِيَّةٍ رَضَخَهُ، ولَفْظُ المَرَّةِ، ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ وتَعالى أنَّ جَمِيعَ ما يَنْزِلُ بِهِمْ في الآخِرَةِ لا يَكُونُ إلّا عَدْلًا فَهم وإنْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم في الدُّنْيا فَلَنْ يُظْلَمُوا في الآخِرَةِ، وهَذا مَعْنى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ونَضَعُ المَوازِينَ القِسْطَ﴾ وصَفَها اللَّهُ تَعالى بِذَلِكَ لِأنَّ المِيزانَ قَدْ يَكُونُ مُسْتَقِيمًا وقَدْ يَكُونُ بِخِلافِهِ، فَبَيَّنَ أنَّ تِلْكَ المَوازِينَ تَجْرِي عَلى حَدِّ العَدْلِ والقِسْطِ، وأكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ وهَهُنا مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: مَعْنى وضْعِها إحْضارُها، قالَ الفَرّاءُ: القِسْطُ صِفَةُ المَوازِينِ وإنْ كانَ مُوَحَّدًا، وهو كَقَوْلِكَ لِلْقَوْمِ: أنْتُمْ عَدْلٌ، وقالَ الزَّجّاجُ: ونَضَعُ المَوازِينَ ذَواتَ القِسْطِ وقَوْلُهُ: ﴿لِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ قالَ الفَرّاءُ: في يَوْمِ القِيامَةِ وقِيلَ لِأهْلِ يَوْمِ القِيامَةِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في وضْعِ المَوازِينِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: قالَ مُجاهِدٌ: هَذا مَثَلٌ والمُرادُ بِالمَوازِينِ العَدْلُ، ويُرْوى مِثْلُهُ عَنْ قَتادَةَ والضَّحّاكِ والمَعْنى بِالوَزْنِ القِسْطُ بَيْنَهم في الأعْمالِ فَمَن أحاطَتْ حَسَناتُهُ بِسَيِّئاتِهِ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ يَعْنِي أنَّ حَسَناتِهِ تَذْهَبُ بِسَيِّئاتِهِ ومَن أحاطَتْ سَيِّئاتُهُ بِحَسَناتِهِ فَقَدَ (خَفَّتْ مَوازِينُهُ) [الأعْرافِ: ٩] أيْ أنَّ سَيِّئاتِهِ تَذْهَبُ بِحَسَناتِهِ، حَكاهُ ابْنُ جَرِيرٍ هَكَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما. الثّانِي: وهو قَوْلُ أئِمَّةِ السَّلَفِ أنَّهُ سُبْحانَهُ يَضَعُ المَوازِينَ الحَقِيقِيَّةَ فَتُوزَنُ بِها الأعْمالُ، وعَنِ الحَسَنِ: هو مِيزانٌ لَهُ كِفَّتانِ ولِسانٌ وهو بَيْدِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ. ويُرْوى: ”أنَّ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ سَألَ رَبَّهُ أنْ يُرِيَهُ المِيزانَ فَلَمّا رَآهُ غُشِيَ عَلَيْهِ، فَلَمّا أفاقَ قالَ: يا إلَهِي مَنِ الَّذِي يَقْدِرُ أنْ يَمْلَأ كِفَّتَهُ حَسَناتٍ، فَقالَ: يا داوُدُ إنِّي إذا رَضِيتُ عَنْ عَبْدِي مَلَأْتُها بِتَمْرَةٍ“ ثُمَّ عَلى هَذا القَوْلِ في كَيْفِيَّةِ وزْنِ الأعْمالِ طَرِيقانِ. أحَدُهُما: أنْ تُوزَنَ صَحائِفُ الأعْمالِ. والثّانِي: يُجْعَلُ في صفحة ١٥٣ كِفَّةِ الحَسَناتِ جَواهِرُ بِيضٌ مُشْرِقَةٌ، وفي كِفَّةِ السَّيِّئاتِ جَواهِرُ سُودٌ مُظْلِمَةٌ، فَإنْ قِيلَ: أهْلُ القِيامَةِ إمّا أنْ يَكُونُوا عالِمِينَ بِكَوْنِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى عادِلًا غَيْرَ ظالِمٍ أوْ لا يَعْلَمُونَ ذَلِكَ، فَإنْ عَلِمُوا ذَلِكَ كانَ مُجَرَّدُ حُكْمِهِ كافِيًا في مَعْرِفَةِ أنَّ الغالِبَ هو الحَسَناتُ أوِ السَّيِّئاتُ فَلا يَكُونُ في وضْعِ المِيزانِ فائِدَةٌ البَتَّةَ، وإنْ لَمْ يَعْلَمُوا لَمْ تَحْصُلِ الفائِدَةُ في وزْنِ الصَّحائِفِ لِاحْتِمالِ أنَّهُ سُبْحانَهُ جَعَلَ إحْدى الصَّحِيفَتَيْنِ أثْقَلَ أوْ أخَفَّ ظُلْمًا، فَثَبَتَ أنَّ وضْعَ المِيزانِ عَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ خالٍ عَنِ الفائِدَةِ. وجَوابُهُ عَلى قَوْلِنا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ وهم يُسْألُونَ﴾ [الأنْبِياءِ: ٢٣] وأيْضًا فَفِيهِ ظُهُورُ حالِ الوَلِيِّ مِنَ العَدُّوِ في مَجْمَعِ الخَلائِقِ، فَيَكُونُ لِأحَدِ القَبِيلَيْنِ في ذَلِكَ أعْظَمُ السُّرُورِ ولِلْآخَرِ أعْظَمُ الغَمِّ، ويَكُونُ ذَلِكَ بِمَنزِلَةِ نَشْرِ الصُّحُفِ وغَيْرِهِ. إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: الدَّلِيلُ عَلى وُجُودِ المَوازِينِ الحَقِيقِيَّةِ أنَّ حَمْلَ هَذا اللَّفْظِ عَلى مُجَرَّدِ العَدْلِ مَجازٌ، وصَرْفُ اللَّفْظِ عَنِ الحَقِيقَةِ إلى المَجازِ مِن غَيْرِ ضَرُورَةٍ غَيْرُ جائِزٍ، لا سِيَّما وقَدْ جاءَتِ الأحادِيثُ الكَثِيرَةُ بِالأسانِيدِ الصَّحِيحَةِ في هَذا البابِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ قَوْمٌ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ يُناقِضُها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا نُقِيمُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ وزْنًا﴾ [الكَهْفِ: ١٠٥]، والجَوابُ: أنَّهُ لا يُكْرِمُهم ولا يُعَظِّمُهم. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: إنَّما جَمَعَ المُوازِينَ لِكَثْرَةِ مَن تُوزَنُ أعْمالُهم وهو جَمْعُ تَفْخِيمٍ، ويَجُوزُ أنْ يَرْجِعَ إلى المَوْزُوناتِ. * * * أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ أتَيْنا بِها﴾ فالمَعْنى أنَّهُ لا يُنْقَصُ مِن إحْسانِ مُحْسِنٍ ولا يُزادُ في إساءَةِ مُسِيءٍ، وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قُرِئَ: (مِثْقالُ حَبَّةٍ) عَلى كانَ التّامَّةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٨٠] وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما (آتَيْنا بِها) وهي مُفاعَلَةٌ مِنَ الإتْيانِ بِمَعْنى المُجازاةِ والمُكافَأةِ لِأنَّهم أتَوْهُ بِالأعْمالِ وأتاهم بِالجَزاءِ، وقَرَأ حُمَيْدٌ: أثَبْنا بِها مِنَ الثَّوابِ، وفي حَرْفِ أُبَيٍّ: جِئْنا بِها. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لِمَ أُنِّثَ ضَمِيرُ المِثْقالِ ؟ قُلْنا: لِإضافَتِهِ إلى الحَبَّةِ كَقَوْلِهِمْ ذَهَبَتْ بَعْضُ أصابِعِهِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: زَعَمَ الجُبّائِيُّ أنَّ مَنِ اسْتَحَقَّ مِائَةَ جُزْءٍ مِنَ العِقابِ فَأتى بِطاعَةٍ يَسْتَحِقُّ بِها خَمْسِينَ جُزْءًا مِنَ الثَّوابِ فَهَذا الأقَلُّ يَنْحَبِطُ بِالأكْثَرِ ويَبْقى الأكْثَرُ كَما كانَ. واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تُبْطِلُ قَوْلَهُ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى تَمَدَّحَ بِأنَّ اليَسِيرَ مِنَ الطّاعَةِ لا يَسْقُطُ، ولَوْ كانَ الأمْرُ كَما قالَ الجُبّائِيُّ لَسَقَطَتِ الطّاعَةُ مِن غَيْرِ فائِدَةٍ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: قَوْلُهُ: ﴿فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ فِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ مِثْلَ ذَلِكَ لَوِ ابْتَدَأهُ اللَّهُ تَعالى لَكانَ قَدْ ظَلَمَ، فَدَلَّ هَذا الوَجْهُ عَلى أنَّهُ تَعالى لا يُعَذِّبُ مَن لا يَسْتَحِقُّ ولا يَفْعَلُ المَضارَّ في الدُّنْيا إلّا لِلْمَنافِعِ والمَصالِحِ. والجَوابُ: الظُّلْمُ هو التَّصَرُّفُ في مِلْكِ الغَيْرِ وذَلِكَ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى مُحالٌ لِأنَّهُ المالِكُ المُطْلَقُ، ثُمَّ الَّذِي يَدُلُّ عَلى اسْتِحالَةِ الظُّلْمِ عَلَيْهِ عَقْلًا أنَّ الظُّلْمَ عِنْدَ الخَصْمِ مُسْتَلْزِمٌ لِلْجَهْلِ أوِ الحاجَةِ المُحالَيْنِ عَلى اللَّهِ تَعالى ومُسْتَلْزِمُ المُحالِ مُحالٌ، فالظُّلْمُ عَلى اللَّهِ تَعالى مُحالٌ. وأيْضًا فَإنَّ الظّالِمَ سَفِيهٌ خارِجٌ عَنِ الإلَهِيَّةِ فَلَوْ صَحَّ مِنهُ الظُّلْمُ لَصَحَّ خُرُوجُهُ عَنِ الإلَهِيَّةِ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ كَوْنُهُ إلَهًا مِنَ الجائِزاتِ لا مِنَ الواجِباتِ، وذَلِكَ يَقْدَحُ في إلَهِيَّتِهِ. المَسْألَةُ الخامِسَةُ: إنْ قِيلَ: الحَبَّةُ أعْظَمُ مِنَ الخَرْدَلَةِ، فَكَيْفَ قالَ: (حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ) ؟ قُلْنا: الوَجْهُ فِيهِ أنْ صفحة ١٥٤ تَفْرِضَ الخَرْدَلَةَ كالدِّينارِ ثُمَّ تَعْتَبِرَ الحَبَّةَ مِن ذَلِكَ الدِّينارِ، والغَرَضُ المُبالَغَةُ في أنَّ شَيْئًا مِنَ الأعْمالِ صَغِيرًا كانَ أوْ كَبِيرًا غَيْرُ ضائِعٍ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَفى بِنا حاسِبِينَ﴾ فالغَرَضُ مِنهُ التَّحْذِيرُ فَإنَّ المُحاسِبَ إذا كانَ في العِلْمِ بِحَيْثُ لا يُمْكِنُ أنْ يَشْتَبِهَ عَلَيْهِ شَيْءٌ، وفي القُدْرَةِ بِحَيْثُ لا يَعْجِزُ عَنْ شَيْءٍ، حَقِيقٌ بِالعاقِلِ أنْ يَكُونَ في أشَدِّ الخَوْفِ مِنهُ، ويُرْوى عَنِ الشِّبْلِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ رُئِيَ في المَنامِ فَقِيلَ لَهُ: ما فَعَلَ اللَّهُ بِكَ فَقالَ: حاسَبُونا فَدَقَّقُوا ثُمَّ مَنُّوا فَأعْتَقُوا

الأنبياء 21:48

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى وهارُونَ الفُرْقانَ وضِياءً وذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم بِالغَيْبِ وهم مِنَ السّاعَةِ مُشْفِقُونَ﴾ ﴿وهَذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أنْزَلْناهُ أفَأنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا تَكَلَّمَ في دَلائِلِ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ والمَعادِ شَرَعَ في قِصَصِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ؛ تَسْلِيَةً لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ فِيما يَنالُهُ مِن قَوْمِهِ، وتَقْوِيَةً لِقَلْبِهِ عَلى أداءِ الرِّسالَةِ، والصَّبْرِ عَلى كُلِّ عارِضٍ دُونَها، وذَكَرَ هَهُنا مِنها قِصَصًا: (القِصَّةُ الأُولى، قِصَّةُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ) ووَجْهُ الِاتِّصالِ أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ رَسُولَهُ ﷺ أنْ يَقُولَ: ﴿إنَّما أُنْذِرُكم بِالوَحْيِ﴾ أتْبَعَهُ بِأنَّ هَذِهِ عادَةُ اللَّهِ تَعالى في الأنْبِياءِ قَبْلَهُ فَقالَ: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى وهارُونَ الفُرْقانَ وضِياءً وذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ﴾ واخْتَلَفُوا في المُرادِ بِالفُرْقانِ عَلى أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ هو التَّوْراةُ، فَكانَ فُرْقانًا إذْ كانَ يُفَرَّقُ بِهِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، وكانَ ضِياءً إذْ كانَ لِغايَةِ وُضُوحِهِ يُتَوَصَّلُ بِهِ إلى طُرُقِ الهُدى وسُبُلِ النَّجاةِ في مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى ومَعْرِفَةِ الشَّرائِعِ، وكانَ ذِكْرًا أيْ مَوْعِظَةً أوْ ذِكْرَ ما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ في دِينِهِمْ ومَصالِحِهِمْ أوِ الشَّرَفِ، أمّا الواوُ في قَوْلِهِ: ﴿وضِياءً﴾ فَرَوى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّهُ قَرَأ ضِياءً بِغَيْرِ واوٍ وهو حالٌ مِنَ الفُرْقانِ، وأمّا القِراءَةُ المَشْهُورَةُ فالمَعْنى آتَيْناهُمُ الفُرْقانَ وهو التَّوْراةُ وآتَيْنا بِهِ ضِياءً وذِكْرى لِلْمُتَّقِينَ. والمَعْنى أنَّهُ في نَفْسِهِ ضِياءٌ وذِكْرى أوْ آتَيْناهُما بِما فِيهِ مِنَ الشَّرائِعِ والمَواعِظِ ضِياءً وذِكْرى. القَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ مِنَ الفُرْقانِ لَيْسَ التَّوْراةَ ثُمَّ فِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: الفُرْقانُ هو النَّصْرُ الَّذِي أُوتِيَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كَقَوْلِهِ: صفحة ١٥٥ ﴿وما أنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الفُرْقانِ﴾ [الأنْفالِ: ٤١] يَعْنِي يَوْمَ بَدْرٍ حِينَ فَرَّقَ بَيْنَ الحَقِّ وغَيْرِهِ مِنَ الأدْيانِ الباطِلَةِ. وثانِيها: هو البُرْهانُ الَّذِي فَرَّقَ بِهِ دِينَ الحَقِّ عَنِ الأدْيانِ الباطِلَةِ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ. وثالِثُها: فَلَقَ البَحْرَ عَنِ الضَّحّاكِ. ورابِعُها: الخُرُوجُ عَنِ الشُّبُهاتِ، قالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى إنَّما خَصَّصَ الذِّكْرى بِالمُتَّقِينَ لِما في قَوْلِهِ: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البَقَرَةِ: ٢] أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم بِالغَيْبِ﴾ فَقالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: مَحَلُّ الَّذِينَ جَرٌّ عَلى الوَصْفِيَّةِ أوْ نَصْبٌ عَلى المَدْحِ أوْ رَفْعٌ عَلَيْهِ، وفي مَعْنى الغَيْبِ وُجُوهٌ: أحَدُها: يَخْشَوْنَ عَذابَ رَبِّهِمْ فَيَأْتَمِرُونَ بِأوامِرِهِ ويَنْتَهُونَ عَنْ نَواهِيهِ، وإيمانُهم بِاللَّهِ غَيْبِيٌّ اسْتِدْلالِيٌّ، فالعِبادُ يَعْمَلُونَ لِلَّهِ في الغَيْبِ واللَّهُ لا يَغِيبُ عَنْهُ شَيْءٌ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما. وثانِيها: يَخْشَوْنَ رَبَّهم وهم غائِبُونَ عَنِ الآخِرَةِ وأحْكامِها. وثالِثُها: يَخْشَوْنَ رَبَّهم في الخَلَواتِ إذا غابُوا عَنِ النّاسِ وهَذا هو الأقْرَبُ، والمَعْنى أنَّ خَشْيَتَهم مِن عِقابِ اللَّهِ لازِمٌ لِقُلُوبِهِمْ إلّا أنَّ ذَلِكَ مِمّا يُظْهِرُونَهُ في المَلا دُونَ الخَلا ﴿وهم مِنَ﴾ عَذابِ ﴿السّاعَةِ﴾ وسائِرِ ما يَجْرِي فِيها مِنَ الحِسابِ والسُّؤالِ ﴿مُشْفِقُونَ﴾ فَيَعْدِلُونَ بِسَبَبِ ذَلِكَ الإشْفاقِ عَنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ قالَ: وكَما أنْزَلْتُ عَلَيْهِمُ الفُرْقانَ فَكَذَلِكَ هَذا القُرْآنُ المُنَزَّلُ عَلَيْكَ وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وهَذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ﴾ بَرَكَتُهُ كَثْرَةُ مَنافِعِهِ وغَزارَةُ عُلُومِهِ. وقَوْلُهُ: ﴿أفَأنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ فالمَعْنى أنَّهُ لا إنْكارَ في إنْزالِهِ وفي عَجائِبِ ما فِيهِ فَقَدْ آتَيْنا مُوسى وهارُونَ التَّوْراةَ، ثُمَّ هَذا القُرْآنُ مُعْجِزٌ لِاشْتِمالِهِ عَلى النَّظْمِ العَجِيبِ والبَلاغَةِ البَدِيعَةِ، واشْتِمالِهِ عَلى الأدِلَّةِ العَقْلِيَّةِ وبَيانِ الشَّرائِعِ، فَمِثْلُ هَذا الكِتابِ مَعَ كَثْرَةِ مَنافِعِهِ كَيْفَ يُمْكِنُكم إنْكارُهُ.

الأنبياء 21:49

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى وهارُونَ الفُرْقانَ وضِياءً وذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم بِالغَيْبِ وهم مِنَ السّاعَةِ مُشْفِقُونَ﴾ ﴿وهَذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أنْزَلْناهُ أفَأنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا تَكَلَّمَ في دَلائِلِ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ والمَعادِ شَرَعَ في قِصَصِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ؛ تَسْلِيَةً لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ فِيما يَنالُهُ مِن قَوْمِهِ، وتَقْوِيَةً لِقَلْبِهِ عَلى أداءِ الرِّسالَةِ، والصَّبْرِ عَلى كُلِّ عارِضٍ دُونَها، وذَكَرَ هَهُنا مِنها قِصَصًا: (القِصَّةُ الأُولى، قِصَّةُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ) ووَجْهُ الِاتِّصالِ أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ رَسُولَهُ ﷺ أنْ يَقُولَ: ﴿إنَّما أُنْذِرُكم بِالوَحْيِ﴾ أتْبَعَهُ بِأنَّ هَذِهِ عادَةُ اللَّهِ تَعالى في الأنْبِياءِ قَبْلَهُ فَقالَ: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى وهارُونَ الفُرْقانَ وضِياءً وذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ﴾ واخْتَلَفُوا في المُرادِ بِالفُرْقانِ عَلى أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ هو التَّوْراةُ، فَكانَ فُرْقانًا إذْ كانَ يُفَرَّقُ بِهِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، وكانَ ضِياءً إذْ كانَ لِغايَةِ وُضُوحِهِ يُتَوَصَّلُ بِهِ إلى طُرُقِ الهُدى وسُبُلِ النَّجاةِ في مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى ومَعْرِفَةِ الشَّرائِعِ، وكانَ ذِكْرًا أيْ مَوْعِظَةً أوْ ذِكْرَ ما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ في دِينِهِمْ ومَصالِحِهِمْ أوِ الشَّرَفِ، أمّا الواوُ في قَوْلِهِ: ﴿وضِياءً﴾ فَرَوى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّهُ قَرَأ ضِياءً بِغَيْرِ واوٍ وهو حالٌ مِنَ الفُرْقانِ، وأمّا القِراءَةُ المَشْهُورَةُ فالمَعْنى آتَيْناهُمُ الفُرْقانَ وهو التَّوْراةُ وآتَيْنا بِهِ ضِياءً وذِكْرى لِلْمُتَّقِينَ. والمَعْنى أنَّهُ في نَفْسِهِ ضِياءٌ وذِكْرى أوْ آتَيْناهُما بِما فِيهِ مِنَ الشَّرائِعِ والمَواعِظِ ضِياءً وذِكْرى. القَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ مِنَ الفُرْقانِ لَيْسَ التَّوْراةَ ثُمَّ فِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: الفُرْقانُ هو النَّصْرُ الَّذِي أُوتِيَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كَقَوْلِهِ: صفحة ١٥٥ ﴿وما أنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الفُرْقانِ﴾ [الأنْفالِ: ٤١] يَعْنِي يَوْمَ بَدْرٍ حِينَ فَرَّقَ بَيْنَ الحَقِّ وغَيْرِهِ مِنَ الأدْيانِ الباطِلَةِ. وثانِيها: هو البُرْهانُ الَّذِي فَرَّقَ بِهِ دِينَ الحَقِّ عَنِ الأدْيانِ الباطِلَةِ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ. وثالِثُها: فَلَقَ البَحْرَ عَنِ الضَّحّاكِ. ورابِعُها: الخُرُوجُ عَنِ الشُّبُهاتِ، قالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى إنَّما خَصَّصَ الذِّكْرى بِالمُتَّقِينَ لِما في قَوْلِهِ: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البَقَرَةِ: ٢] أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم بِالغَيْبِ﴾ فَقالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: مَحَلُّ الَّذِينَ جَرٌّ عَلى الوَصْفِيَّةِ أوْ نَصْبٌ عَلى المَدْحِ أوْ رَفْعٌ عَلَيْهِ، وفي مَعْنى الغَيْبِ وُجُوهٌ: أحَدُها: يَخْشَوْنَ عَذابَ رَبِّهِمْ فَيَأْتَمِرُونَ بِأوامِرِهِ ويَنْتَهُونَ عَنْ نَواهِيهِ، وإيمانُهم بِاللَّهِ غَيْبِيٌّ اسْتِدْلالِيٌّ، فالعِبادُ يَعْمَلُونَ لِلَّهِ في الغَيْبِ واللَّهُ لا يَغِيبُ عَنْهُ شَيْءٌ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما. وثانِيها: يَخْشَوْنَ رَبَّهم وهم غائِبُونَ عَنِ الآخِرَةِ وأحْكامِها. وثالِثُها: يَخْشَوْنَ رَبَّهم في الخَلَواتِ إذا غابُوا عَنِ النّاسِ وهَذا هو الأقْرَبُ، والمَعْنى أنَّ خَشْيَتَهم مِن عِقابِ اللَّهِ لازِمٌ لِقُلُوبِهِمْ إلّا أنَّ ذَلِكَ مِمّا يُظْهِرُونَهُ في المَلا دُونَ الخَلا ﴿وهم مِنَ﴾ عَذابِ ﴿السّاعَةِ﴾ وسائِرِ ما يَجْرِي فِيها مِنَ الحِسابِ والسُّؤالِ ﴿مُشْفِقُونَ﴾ فَيَعْدِلُونَ بِسَبَبِ ذَلِكَ الإشْفاقِ عَنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ قالَ: وكَما أنْزَلْتُ عَلَيْهِمُ الفُرْقانَ فَكَذَلِكَ هَذا القُرْآنُ المُنَزَّلُ عَلَيْكَ وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وهَذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ﴾ بَرَكَتُهُ كَثْرَةُ مَنافِعِهِ وغَزارَةُ عُلُومِهِ. وقَوْلُهُ: ﴿أفَأنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ فالمَعْنى أنَّهُ لا إنْكارَ في إنْزالِهِ وفي عَجائِبِ ما فِيهِ فَقَدْ آتَيْنا مُوسى وهارُونَ التَّوْراةَ، ثُمَّ هَذا القُرْآنُ مُعْجِزٌ لِاشْتِمالِهِ عَلى النَّظْمِ العَجِيبِ والبَلاغَةِ البَدِيعَةِ، واشْتِمالِهِ عَلى الأدِلَّةِ العَقْلِيَّةِ وبَيانِ الشَّرائِعِ، فَمِثْلُ هَذا الكِتابِ مَعَ كَثْرَةِ مَنافِعِهِ كَيْفَ يُمْكِنُكم إنْكارُهُ.

الأنبياء 21:50

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى وهارُونَ الفُرْقانَ وضِياءً وذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم بِالغَيْبِ وهم مِنَ السّاعَةِ مُشْفِقُونَ﴾ ﴿وهَذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أنْزَلْناهُ أفَأنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا تَكَلَّمَ في دَلائِلِ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ والمَعادِ شَرَعَ في قِصَصِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ؛ تَسْلِيَةً لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ فِيما يَنالُهُ مِن قَوْمِهِ، وتَقْوِيَةً لِقَلْبِهِ عَلى أداءِ الرِّسالَةِ، والصَّبْرِ عَلى كُلِّ عارِضٍ دُونَها، وذَكَرَ هَهُنا مِنها قِصَصًا: (القِصَّةُ الأُولى، قِصَّةُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ) ووَجْهُ الِاتِّصالِ أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ رَسُولَهُ ﷺ أنْ يَقُولَ: ﴿إنَّما أُنْذِرُكم بِالوَحْيِ﴾ أتْبَعَهُ بِأنَّ هَذِهِ عادَةُ اللَّهِ تَعالى في الأنْبِياءِ قَبْلَهُ فَقالَ: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى وهارُونَ الفُرْقانَ وضِياءً وذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ﴾ واخْتَلَفُوا في المُرادِ بِالفُرْقانِ عَلى أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ هو التَّوْراةُ، فَكانَ فُرْقانًا إذْ كانَ يُفَرَّقُ بِهِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، وكانَ ضِياءً إذْ كانَ لِغايَةِ وُضُوحِهِ يُتَوَصَّلُ بِهِ إلى طُرُقِ الهُدى وسُبُلِ النَّجاةِ في مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى ومَعْرِفَةِ الشَّرائِعِ، وكانَ ذِكْرًا أيْ مَوْعِظَةً أوْ ذِكْرَ ما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ في دِينِهِمْ ومَصالِحِهِمْ أوِ الشَّرَفِ، أمّا الواوُ في قَوْلِهِ: ﴿وضِياءً﴾ فَرَوى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّهُ قَرَأ ضِياءً بِغَيْرِ واوٍ وهو حالٌ مِنَ الفُرْقانِ، وأمّا القِراءَةُ المَشْهُورَةُ فالمَعْنى آتَيْناهُمُ الفُرْقانَ وهو التَّوْراةُ وآتَيْنا بِهِ ضِياءً وذِكْرى لِلْمُتَّقِينَ. والمَعْنى أنَّهُ في نَفْسِهِ ضِياءٌ وذِكْرى أوْ آتَيْناهُما بِما فِيهِ مِنَ الشَّرائِعِ والمَواعِظِ ضِياءً وذِكْرى. القَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ مِنَ الفُرْقانِ لَيْسَ التَّوْراةَ ثُمَّ فِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: الفُرْقانُ هو النَّصْرُ الَّذِي أُوتِيَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كَقَوْلِهِ: صفحة ١٥٥ ﴿وما أنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الفُرْقانِ﴾ [الأنْفالِ: ٤١] يَعْنِي يَوْمَ بَدْرٍ حِينَ فَرَّقَ بَيْنَ الحَقِّ وغَيْرِهِ مِنَ الأدْيانِ الباطِلَةِ. وثانِيها: هو البُرْهانُ الَّذِي فَرَّقَ بِهِ دِينَ الحَقِّ عَنِ الأدْيانِ الباطِلَةِ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ. وثالِثُها: فَلَقَ البَحْرَ عَنِ الضَّحّاكِ. ورابِعُها: الخُرُوجُ عَنِ الشُّبُهاتِ، قالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى إنَّما خَصَّصَ الذِّكْرى بِالمُتَّقِينَ لِما في قَوْلِهِ: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البَقَرَةِ: ٢] أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم بِالغَيْبِ﴾ فَقالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: مَحَلُّ الَّذِينَ جَرٌّ عَلى الوَصْفِيَّةِ أوْ نَصْبٌ عَلى المَدْحِ أوْ رَفْعٌ عَلَيْهِ، وفي مَعْنى الغَيْبِ وُجُوهٌ: أحَدُها: يَخْشَوْنَ عَذابَ رَبِّهِمْ فَيَأْتَمِرُونَ بِأوامِرِهِ ويَنْتَهُونَ عَنْ نَواهِيهِ، وإيمانُهم بِاللَّهِ غَيْبِيٌّ اسْتِدْلالِيٌّ، فالعِبادُ يَعْمَلُونَ لِلَّهِ في الغَيْبِ واللَّهُ لا يَغِيبُ عَنْهُ شَيْءٌ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما. وثانِيها: يَخْشَوْنَ رَبَّهم وهم غائِبُونَ عَنِ الآخِرَةِ وأحْكامِها. وثالِثُها: يَخْشَوْنَ رَبَّهم في الخَلَواتِ إذا غابُوا عَنِ النّاسِ وهَذا هو الأقْرَبُ، والمَعْنى أنَّ خَشْيَتَهم مِن عِقابِ اللَّهِ لازِمٌ لِقُلُوبِهِمْ إلّا أنَّ ذَلِكَ مِمّا يُظْهِرُونَهُ في المَلا دُونَ الخَلا ﴿وهم مِنَ﴾ عَذابِ ﴿السّاعَةِ﴾ وسائِرِ ما يَجْرِي فِيها مِنَ الحِسابِ والسُّؤالِ ﴿مُشْفِقُونَ﴾ فَيَعْدِلُونَ بِسَبَبِ ذَلِكَ الإشْفاقِ عَنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ قالَ: وكَما أنْزَلْتُ عَلَيْهِمُ الفُرْقانَ فَكَذَلِكَ هَذا القُرْآنُ المُنَزَّلُ عَلَيْكَ وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وهَذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ﴾ بَرَكَتُهُ كَثْرَةُ مَنافِعِهِ وغَزارَةُ عُلُومِهِ. وقَوْلُهُ: ﴿أفَأنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ فالمَعْنى أنَّهُ لا إنْكارَ في إنْزالِهِ وفي عَجائِبِ ما فِيهِ فَقَدْ آتَيْنا مُوسى وهارُونَ التَّوْراةَ، ثُمَّ هَذا القُرْآنُ مُعْجِزٌ لِاشْتِمالِهِ عَلى النَّظْمِ العَجِيبِ والبَلاغَةِ البَدِيعَةِ، واشْتِمالِهِ عَلى الأدِلَّةِ العَقْلِيَّةِ وبَيانِ الشَّرائِعِ، فَمِثْلُ هَذا الكِتابِ مَعَ كَثْرَةِ مَنافِعِهِ كَيْفَ يُمْكِنُكم إنْكارُهُ.

الأنبياء 21:51

(القِصَّةُ الثّانِيَةُ، [ قِصَّةُ] إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ) قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا إبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وكُنّا بِهِ عالِمِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ ما هَذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أنْتُمْ لَها عاكِفُونَ﴾ ﴿قالُوا وجَدْنا آباءَنا لَها عابِدِينَ﴾ ﴿قالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أنْتُمْ وآباؤُكم في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ﴿قالُوا أجِئْتَنا بِالحَقِّ أمْ أنْتَ مِنَ اللّاعِبِينَ﴾ . اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا إبْراهِيمَ رُشْدَهُ﴾ فِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: في الرُّشْدِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ النُّبُوَّةُ واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وكُنّا بِهِ عالِمِينَ﴾ قالُوا: لِأنَّهُ تَعالى إنَّما يَخُصُّ بِالنُّبُوَّةِ مَن يَعْلَمُ مِن حالِهِ أنَّهُ في المُسْتَقْبَلِ يَقُومُ بِحَقِّها ويَجْتَنِبُ ما لا يَلِيقُ بِها ويَحْتَرِزُ عَمّا يُنَفِّرُ قَوْمَهُ مِنَ القَبُولِ. والثّانِي: أنَّهُ الِاهْتِداءُ لِوُجُوهِ الصَّلاحِ في الدِّينِ والدُّنْيا قالَ تَعالى: ﴿فَإنْ آنَسْتُمْ مِنهم رُشْدًا فادْفَعُوا إلَيْهِمْ أمْوالَهُمْ﴾ [النِّساءِ: ٦]، وفِيهِ قَوْلٌ ثالِثٌ: وهو أنْ تَدْخُلَ النُّبُوَّةُ والِاهْتِداءُ تَحْتَ الرُّشْدِ إذْ لا يَجُوزُ أنْ يُبْعَثَ نَبِيٌّ إلّا وقَدْ دَلَّهُ اللَّهُ تَعالى عَلى ذاتِهِ وصِفاتِهِ، ودَلَّهُ أيْضًا عَلى مَصالِحِ نَفْسِهِ ومَصالِحِ قَوْمِهِ وكُلُّ ذَلِكَ مِنَ الرُّشْدِ. صفحة ١٥٦ المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا في أنَّ الإيمانَ مَخْلُوقٌ لِلَّهِ تَعالى بِهَذِهِ الآيَةِ، فَإنَّهُ لَوْ كانَ الرُّشْدُ هو التَّوْفِيقُ والبَيانُ فَقَدْ فَعَلَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ بِالكُفّارِ، فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ قَدْ آتاهم رُشْدَهم. أجابَ الكَعْبِيُّ بِأنَّ هَذا يُقالُ فِيمَن قَبِلَ لا فِيمَن رَدَّ، وذَلِكَ كَمَن أعْطى المالَ لِوَلَدَيْنِ فَقَبِلَهُ أحَدُهُما وثَمَّرَهُ ورَدَّهُ الآخَرُ أوْ أخَذَهُ ثُمَّ ضَيَّعَهُ. فَيُقالُ: أغْنى فُلانٌ ابْنَهُ فِيمَن أثْمَرَ المالُ، ولا يُقالُ مِثْلُهُ فِيمَن ضَيَّعَ، والجَوابُ عَنْهُ: هَذا الجَوابُ لا يَتِمُّ إلّا إذا جَعَلْنا قَبُولَهُ جُزْءًا مِن مُسَمّى الرُّشْدِ وذَلِكَ باطِلٌ، لِأنَّ المُسَمّى إذا كانَ مُرَكَّبًا مِن جُزْأيْنِ ولا يَكُونُ أحَدُهُما مَقْدُورَ الفاعِلِ لَمْ يَجُزْ إضافَةُ ذَلِكَ المُسَمّى إلى ذَلِكَ الفاعِلِ فَكانَ يَلْزَمُ أنْ لا يَجُوزَ إضافَةُ الرُّشْدِ إلى اللَّهِ تَعالى بِالمَفْعُولِيَّةِ لَكِنَّ النَّصَّ وهو قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا إبْراهِيمَ رُشْدَهُ﴾ صَرِيحٌ أنَّ ذَلِكَ الرُّشْدَ إنَّما حَصَلَ مِنَ اللَّهِ تَعالى فَبَطَلَ ما قالُوهُ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قُرِئَ رَشَدَهُ كالعَدَمِ والعُدْمِ، ومَعْنى إضافَتِهِ إلَيْهِ أنَّهُ رُشْدٌ مِثْلُهُ وأنَّهُ رُشْدٌ لَهُ شَأْنٌ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن قَبْلُ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: آتَيْنا إبْراهِيمَ نُبُوَّتَهُ واهْتِداءَهُ مِن قَبْلِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ جَرِيرٍ. وثانِيها: في صِغَرِهِ قَبْلَ بُلُوغِهِ حِينَ كانَ في السِّرْبِ وظَهَرَتْ لَهُ الكَواكِبُ فاسْتَدَلَّ بِها. وهَذا عَلى قَوْلِ مَن حَمَلَ الرُّشْدَ عَلى الِاهْتِداءِ وإلّا لَزِمَهُ أنْ يَحْكُمَ بِنُبُوَّتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ قَبْلَ البُلُوغِ عَنْ مُقاتِلٍ. وثالِثُها: يَعْنِي حِينَ كانَ في صُلْبِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما في رِوايَةِ الضَّحّاكِ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكُنّا بِهِ عالِمِينَ﴾ فالمُرادُ أنَّهُ سُبْحانَهُ عَلِمَ مِنهُ أحْوالًا بَدِيعَةً وأسْرارًا عَجِيبَةً وصِفاتٍ قَدْ رَضِيَها حَتّى أهَّلَهُ لِأنْ يَكُونَ خَلِيلًا لَهُ، وهَذا كَقَوْلِكَ في رَجُلٍ كَبِيرٍ: أنا عالِمٌ بِفُلانٍ فَإنَّ هَذا الكَلامَ في الدَّلالَةِ عَلى تَعْظِيمِهِ أدَلُّ مِمّا إذا شَرَحْتَ جَلالَ كَمالِهِ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ قالَ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ﴾ فَقالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: إذْ إمّا أنْ تَتَعَلَّقَ بِآتَيْنا أوْ بِرُشْدِهِ أوْ بِمَحْذُوفٍ أيِ اذْكُرْ مِن أوْقاتِ رُشْدِهِ هَذا الوَقْتَ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿ما هَذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أنْتُمْ لَها عاكِفُونَ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: التِّمْثالُ اسْمٌ لِلشَّيْءِ المَصْنُوعِ مُشَبَّهًا بِخَلْقٍ مِن خَلْقِ اللَّهِ تَعالى، وأصْلُهُ مِن مَثَّلْتُ الشَّيْءَ بِالشَّيْءِ إذا شَبَّهْتَهُ بِهِ واسْمُ ذَلِكَ المُمَثَّلِ تِمْثالٌ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّ القَوْمَ كانُوا عُبّادَ أصْنامٍ عَلى صُوَرٍ مَخْصُوصَةٍ كَصُورَةِ الإنْسانِ أوْ غَيْرِهِ، فَجَعَلَ عَلَيْهِ السَّلامُ هَذا القَوْلَ مِنهُ ابْتِداءَ كَلامِهِ لِيَنْظُرَ فِيما عَساهم يُورِدُونَهُ مِن شُبْهَةٍ فَيُبْطِلَها عَلَيْهِمْ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: لَمْ يَنْوِ لِلْعاكِفِينَ مَفْعُولًا وأجْراهُ مَجْرى ما لا يَتَعَدّى، كَقَوْلِكَ فاعِلُونَ لِلْعُكُوفِ أوْ واقِفُونَ لَها، قالَ: فَإنْ قُلْتَ هَلّا قِيلَ عَلَيْها عاكِفُونَ كَقَوْلِهِ: ﴿يَعْكُفُونَ عَلى أصْنامٍ لَهُمْ﴾ [ الأعْرافِ: ١٣٨] قُلْتُ: لَوْ قَصَدَ التَّعْدِيَةَ لَعَدّاهُ بِصِلَتِهِ الَّتِي هي عَلى. أمّا قَوْلُهُ: ﴿قالُوا وجَدْنا آباءَنا لَها عابِدِينَ﴾ فاعْلَمْ أنَّ القَوْمَ لَمْ يَجِدُوا في جَوابِهِ إلّا طَرِيقَةَ التَّقْلِيدِ الَّذِي يُوجِبُ مَزِيدَ التَّنْكِيرِ لِأنَّهم إذا كانُوا عَلى خَطَأٍ مِن أمْرِهِمْ لَمْ يَعْصِمْهم مِن هَذا الخَطَأِ أنَّ آباءَهم أيْضًا سَلَكُوا صفحة ١٥٧ هَذا الطَّرِيقَ، فَلا جَرَمَ أجابَهم إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ كُنْتُمْ أنْتُمْ وآباؤُكم في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ فَبَيَّنَ أنَّ الباطِلَ لا يَصِيرُ حَقًّا بِسَبَبِ كَثْرَةِ المُتَمَسِّكِينَ بِهِ، فَلَمّا حَقَّقَ عَلَيْهِ السَّلامُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ ولَمْ يَجِدُوا مِن كَلامِهِ مَخْلَصًا، ورَأوْهُ ثابِتًا عَلى الإنْكارِ، قَوِيَّ القَلْبِ فِيهِ وكانُوا يَسْتَبْعِدُونَ أنْ يَجْرِيَ مِثْلُ هَذا الإنْكارِ عَلَيْهِمْ مَعَ كَثْرَتِهِمْ وطُولِ العَهْدِ بِمَذْهَبِهِمْ، فَعِنْدَ ذَلِكَ قالُوا لَهُ: ﴿أجِئْتَنا بِالحَقِّ أمْ أنْتَ مِنَ اللّاعِبِينَ﴾ مُوهِمِينَ بِهَذا الكَلامِ أنَّهُ يَبْعُدُ أنْ يُقْدِمَ عَلى الإنْكارِ عَلَيْهِمْ، جادًّا في ذَلِكَ، فَعِنْدَهُ عَدَلَ ﷺ إلى بَيانِ التَّوْحِيدِ.

الأنبياء 21:52

(القِصَّةُ الثّانِيَةُ، [ قِصَّةُ] إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ) قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا إبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وكُنّا بِهِ عالِمِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ ما هَذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أنْتُمْ لَها عاكِفُونَ﴾ ﴿قالُوا وجَدْنا آباءَنا لَها عابِدِينَ﴾ ﴿قالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أنْتُمْ وآباؤُكم في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ﴿قالُوا أجِئْتَنا بِالحَقِّ أمْ أنْتَ مِنَ اللّاعِبِينَ﴾ . اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا إبْراهِيمَ رُشْدَهُ﴾ فِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: في الرُّشْدِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ النُّبُوَّةُ واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وكُنّا بِهِ عالِمِينَ﴾ قالُوا: لِأنَّهُ تَعالى إنَّما يَخُصُّ بِالنُّبُوَّةِ مَن يَعْلَمُ مِن حالِهِ أنَّهُ في المُسْتَقْبَلِ يَقُومُ بِحَقِّها ويَجْتَنِبُ ما لا يَلِيقُ بِها ويَحْتَرِزُ عَمّا يُنَفِّرُ قَوْمَهُ مِنَ القَبُولِ. والثّانِي: أنَّهُ الِاهْتِداءُ لِوُجُوهِ الصَّلاحِ في الدِّينِ والدُّنْيا قالَ تَعالى: ﴿فَإنْ آنَسْتُمْ مِنهم رُشْدًا فادْفَعُوا إلَيْهِمْ أمْوالَهُمْ﴾ [النِّساءِ: ٦]، وفِيهِ قَوْلٌ ثالِثٌ: وهو أنْ تَدْخُلَ النُّبُوَّةُ والِاهْتِداءُ تَحْتَ الرُّشْدِ إذْ لا يَجُوزُ أنْ يُبْعَثَ نَبِيٌّ إلّا وقَدْ دَلَّهُ اللَّهُ تَعالى عَلى ذاتِهِ وصِفاتِهِ، ودَلَّهُ أيْضًا عَلى مَصالِحِ نَفْسِهِ ومَصالِحِ قَوْمِهِ وكُلُّ ذَلِكَ مِنَ الرُّشْدِ. صفحة ١٥٦ المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا في أنَّ الإيمانَ مَخْلُوقٌ لِلَّهِ تَعالى بِهَذِهِ الآيَةِ، فَإنَّهُ لَوْ كانَ الرُّشْدُ هو التَّوْفِيقُ والبَيانُ فَقَدْ فَعَلَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ بِالكُفّارِ، فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ قَدْ آتاهم رُشْدَهم. أجابَ الكَعْبِيُّ بِأنَّ هَذا يُقالُ فِيمَن قَبِلَ لا فِيمَن رَدَّ، وذَلِكَ كَمَن أعْطى المالَ لِوَلَدَيْنِ فَقَبِلَهُ أحَدُهُما وثَمَّرَهُ ورَدَّهُ الآخَرُ أوْ أخَذَهُ ثُمَّ ضَيَّعَهُ. فَيُقالُ: أغْنى فُلانٌ ابْنَهُ فِيمَن أثْمَرَ المالُ، ولا يُقالُ مِثْلُهُ فِيمَن ضَيَّعَ، والجَوابُ عَنْهُ: هَذا الجَوابُ لا يَتِمُّ إلّا إذا جَعَلْنا قَبُولَهُ جُزْءًا مِن مُسَمّى الرُّشْدِ وذَلِكَ باطِلٌ، لِأنَّ المُسَمّى إذا كانَ مُرَكَّبًا مِن جُزْأيْنِ ولا يَكُونُ أحَدُهُما مَقْدُورَ الفاعِلِ لَمْ يَجُزْ إضافَةُ ذَلِكَ المُسَمّى إلى ذَلِكَ الفاعِلِ فَكانَ يَلْزَمُ أنْ لا يَجُوزَ إضافَةُ الرُّشْدِ إلى اللَّهِ تَعالى بِالمَفْعُولِيَّةِ لَكِنَّ النَّصَّ وهو قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا إبْراهِيمَ رُشْدَهُ﴾ صَرِيحٌ أنَّ ذَلِكَ الرُّشْدَ إنَّما حَصَلَ مِنَ اللَّهِ تَعالى فَبَطَلَ ما قالُوهُ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قُرِئَ رَشَدَهُ كالعَدَمِ والعُدْمِ، ومَعْنى إضافَتِهِ إلَيْهِ أنَّهُ رُشْدٌ مِثْلُهُ وأنَّهُ رُشْدٌ لَهُ شَأْنٌ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن قَبْلُ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: آتَيْنا إبْراهِيمَ نُبُوَّتَهُ واهْتِداءَهُ مِن قَبْلِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ جَرِيرٍ. وثانِيها: في صِغَرِهِ قَبْلَ بُلُوغِهِ حِينَ كانَ في السِّرْبِ وظَهَرَتْ لَهُ الكَواكِبُ فاسْتَدَلَّ بِها. وهَذا عَلى قَوْلِ مَن حَمَلَ الرُّشْدَ عَلى الِاهْتِداءِ وإلّا لَزِمَهُ أنْ يَحْكُمَ بِنُبُوَّتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ قَبْلَ البُلُوغِ عَنْ مُقاتِلٍ. وثالِثُها: يَعْنِي حِينَ كانَ في صُلْبِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما في رِوايَةِ الضَّحّاكِ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكُنّا بِهِ عالِمِينَ﴾ فالمُرادُ أنَّهُ سُبْحانَهُ عَلِمَ مِنهُ أحْوالًا بَدِيعَةً وأسْرارًا عَجِيبَةً وصِفاتٍ قَدْ رَضِيَها حَتّى أهَّلَهُ لِأنْ يَكُونَ خَلِيلًا لَهُ، وهَذا كَقَوْلِكَ في رَجُلٍ كَبِيرٍ: أنا عالِمٌ بِفُلانٍ فَإنَّ هَذا الكَلامَ في الدَّلالَةِ عَلى تَعْظِيمِهِ أدَلُّ مِمّا إذا شَرَحْتَ جَلالَ كَمالِهِ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ قالَ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ﴾ فَقالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: إذْ إمّا أنْ تَتَعَلَّقَ بِآتَيْنا أوْ بِرُشْدِهِ أوْ بِمَحْذُوفٍ أيِ اذْكُرْ مِن أوْقاتِ رُشْدِهِ هَذا الوَقْتَ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿ما هَذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أنْتُمْ لَها عاكِفُونَ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: التِّمْثالُ اسْمٌ لِلشَّيْءِ المَصْنُوعِ مُشَبَّهًا بِخَلْقٍ مِن خَلْقِ اللَّهِ تَعالى، وأصْلُهُ مِن مَثَّلْتُ الشَّيْءَ بِالشَّيْءِ إذا شَبَّهْتَهُ بِهِ واسْمُ ذَلِكَ المُمَثَّلِ تِمْثالٌ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّ القَوْمَ كانُوا عُبّادَ أصْنامٍ عَلى صُوَرٍ مَخْصُوصَةٍ كَصُورَةِ الإنْسانِ أوْ غَيْرِهِ، فَجَعَلَ عَلَيْهِ السَّلامُ هَذا القَوْلَ مِنهُ ابْتِداءَ كَلامِهِ لِيَنْظُرَ فِيما عَساهم يُورِدُونَهُ مِن شُبْهَةٍ فَيُبْطِلَها عَلَيْهِمْ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: لَمْ يَنْوِ لِلْعاكِفِينَ مَفْعُولًا وأجْراهُ مَجْرى ما لا يَتَعَدّى، كَقَوْلِكَ فاعِلُونَ لِلْعُكُوفِ أوْ واقِفُونَ لَها، قالَ: فَإنْ قُلْتَ هَلّا قِيلَ عَلَيْها عاكِفُونَ كَقَوْلِهِ: ﴿يَعْكُفُونَ عَلى أصْنامٍ لَهُمْ﴾ [ الأعْرافِ: ١٣٨] قُلْتُ: لَوْ قَصَدَ التَّعْدِيَةَ لَعَدّاهُ بِصِلَتِهِ الَّتِي هي عَلى. أمّا قَوْلُهُ: ﴿قالُوا وجَدْنا آباءَنا لَها عابِدِينَ﴾ فاعْلَمْ أنَّ القَوْمَ لَمْ يَجِدُوا في جَوابِهِ إلّا طَرِيقَةَ التَّقْلِيدِ الَّذِي يُوجِبُ مَزِيدَ التَّنْكِيرِ لِأنَّهم إذا كانُوا عَلى خَطَأٍ مِن أمْرِهِمْ لَمْ يَعْصِمْهم مِن هَذا الخَطَأِ أنَّ آباءَهم أيْضًا سَلَكُوا صفحة ١٥٧ هَذا الطَّرِيقَ، فَلا جَرَمَ أجابَهم إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ كُنْتُمْ أنْتُمْ وآباؤُكم في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ فَبَيَّنَ أنَّ الباطِلَ لا يَصِيرُ حَقًّا بِسَبَبِ كَثْرَةِ المُتَمَسِّكِينَ بِهِ، فَلَمّا حَقَّقَ عَلَيْهِ السَّلامُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ ولَمْ يَجِدُوا مِن كَلامِهِ مَخْلَصًا، ورَأوْهُ ثابِتًا عَلى الإنْكارِ، قَوِيَّ القَلْبِ فِيهِ وكانُوا يَسْتَبْعِدُونَ أنْ يَجْرِيَ مِثْلُ هَذا الإنْكارِ عَلَيْهِمْ مَعَ كَثْرَتِهِمْ وطُولِ العَهْدِ بِمَذْهَبِهِمْ، فَعِنْدَ ذَلِكَ قالُوا لَهُ: ﴿أجِئْتَنا بِالحَقِّ أمْ أنْتَ مِنَ اللّاعِبِينَ﴾ مُوهِمِينَ بِهَذا الكَلامِ أنَّهُ يَبْعُدُ أنْ يُقْدِمَ عَلى الإنْكارِ عَلَيْهِمْ، جادًّا في ذَلِكَ، فَعِنْدَهُ عَدَلَ ﷺ إلى بَيانِ التَّوْحِيدِ.

الأنبياء 21:53

(القِصَّةُ الثّانِيَةُ، [ قِصَّةُ] إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ) قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا إبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وكُنّا بِهِ عالِمِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ ما هَذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أنْتُمْ لَها عاكِفُونَ﴾ ﴿قالُوا وجَدْنا آباءَنا لَها عابِدِينَ﴾ ﴿قالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أنْتُمْ وآباؤُكم في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ﴿قالُوا أجِئْتَنا بِالحَقِّ أمْ أنْتَ مِنَ اللّاعِبِينَ﴾ . اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا إبْراهِيمَ رُشْدَهُ﴾ فِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: في الرُّشْدِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ النُّبُوَّةُ واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وكُنّا بِهِ عالِمِينَ﴾ قالُوا: لِأنَّهُ تَعالى إنَّما يَخُصُّ بِالنُّبُوَّةِ مَن يَعْلَمُ مِن حالِهِ أنَّهُ في المُسْتَقْبَلِ يَقُومُ بِحَقِّها ويَجْتَنِبُ ما لا يَلِيقُ بِها ويَحْتَرِزُ عَمّا يُنَفِّرُ قَوْمَهُ مِنَ القَبُولِ. والثّانِي: أنَّهُ الِاهْتِداءُ لِوُجُوهِ الصَّلاحِ في الدِّينِ والدُّنْيا قالَ تَعالى: ﴿فَإنْ آنَسْتُمْ مِنهم رُشْدًا فادْفَعُوا إلَيْهِمْ أمْوالَهُمْ﴾ [النِّساءِ: ٦]، وفِيهِ قَوْلٌ ثالِثٌ: وهو أنْ تَدْخُلَ النُّبُوَّةُ والِاهْتِداءُ تَحْتَ الرُّشْدِ إذْ لا يَجُوزُ أنْ يُبْعَثَ نَبِيٌّ إلّا وقَدْ دَلَّهُ اللَّهُ تَعالى عَلى ذاتِهِ وصِفاتِهِ، ودَلَّهُ أيْضًا عَلى مَصالِحِ نَفْسِهِ ومَصالِحِ قَوْمِهِ وكُلُّ ذَلِكَ مِنَ الرُّشْدِ. صفحة ١٥٦ المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا في أنَّ الإيمانَ مَخْلُوقٌ لِلَّهِ تَعالى بِهَذِهِ الآيَةِ، فَإنَّهُ لَوْ كانَ الرُّشْدُ هو التَّوْفِيقُ والبَيانُ فَقَدْ فَعَلَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ بِالكُفّارِ، فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ قَدْ آتاهم رُشْدَهم. أجابَ الكَعْبِيُّ بِأنَّ هَذا يُقالُ فِيمَن قَبِلَ لا فِيمَن رَدَّ، وذَلِكَ كَمَن أعْطى المالَ لِوَلَدَيْنِ فَقَبِلَهُ أحَدُهُما وثَمَّرَهُ ورَدَّهُ الآخَرُ أوْ أخَذَهُ ثُمَّ ضَيَّعَهُ. فَيُقالُ: أغْنى فُلانٌ ابْنَهُ فِيمَن أثْمَرَ المالُ، ولا يُقالُ مِثْلُهُ فِيمَن ضَيَّعَ، والجَوابُ عَنْهُ: هَذا الجَوابُ لا يَتِمُّ إلّا إذا جَعَلْنا قَبُولَهُ جُزْءًا مِن مُسَمّى الرُّشْدِ وذَلِكَ باطِلٌ، لِأنَّ المُسَمّى إذا كانَ مُرَكَّبًا مِن جُزْأيْنِ ولا يَكُونُ أحَدُهُما مَقْدُورَ الفاعِلِ لَمْ يَجُزْ إضافَةُ ذَلِكَ المُسَمّى إلى ذَلِكَ الفاعِلِ فَكانَ يَلْزَمُ أنْ لا يَجُوزَ إضافَةُ الرُّشْدِ إلى اللَّهِ تَعالى بِالمَفْعُولِيَّةِ لَكِنَّ النَّصَّ وهو قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا إبْراهِيمَ رُشْدَهُ﴾ صَرِيحٌ أنَّ ذَلِكَ الرُّشْدَ إنَّما حَصَلَ مِنَ اللَّهِ تَعالى فَبَطَلَ ما قالُوهُ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قُرِئَ رَشَدَهُ كالعَدَمِ والعُدْمِ، ومَعْنى إضافَتِهِ إلَيْهِ أنَّهُ رُشْدٌ مِثْلُهُ وأنَّهُ رُشْدٌ لَهُ شَأْنٌ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن قَبْلُ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: آتَيْنا إبْراهِيمَ نُبُوَّتَهُ واهْتِداءَهُ مِن قَبْلِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ جَرِيرٍ. وثانِيها: في صِغَرِهِ قَبْلَ بُلُوغِهِ حِينَ كانَ في السِّرْبِ وظَهَرَتْ لَهُ الكَواكِبُ فاسْتَدَلَّ بِها. وهَذا عَلى قَوْلِ مَن حَمَلَ الرُّشْدَ عَلى الِاهْتِداءِ وإلّا لَزِمَهُ أنْ يَحْكُمَ بِنُبُوَّتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ قَبْلَ البُلُوغِ عَنْ مُقاتِلٍ. وثالِثُها: يَعْنِي حِينَ كانَ في صُلْبِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما في رِوايَةِ الضَّحّاكِ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكُنّا بِهِ عالِمِينَ﴾ فالمُرادُ أنَّهُ سُبْحانَهُ عَلِمَ مِنهُ أحْوالًا بَدِيعَةً وأسْرارًا عَجِيبَةً وصِفاتٍ قَدْ رَضِيَها حَتّى أهَّلَهُ لِأنْ يَكُونَ خَلِيلًا لَهُ، وهَذا كَقَوْلِكَ في رَجُلٍ كَبِيرٍ: أنا عالِمٌ بِفُلانٍ فَإنَّ هَذا الكَلامَ في الدَّلالَةِ عَلى تَعْظِيمِهِ أدَلُّ مِمّا إذا شَرَحْتَ جَلالَ كَمالِهِ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ قالَ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ﴾ فَقالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: إذْ إمّا أنْ تَتَعَلَّقَ بِآتَيْنا أوْ بِرُشْدِهِ أوْ بِمَحْذُوفٍ أيِ اذْكُرْ مِن أوْقاتِ رُشْدِهِ هَذا الوَقْتَ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿ما هَذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أنْتُمْ لَها عاكِفُونَ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: التِّمْثالُ اسْمٌ لِلشَّيْءِ المَصْنُوعِ مُشَبَّهًا بِخَلْقٍ مِن خَلْقِ اللَّهِ تَعالى، وأصْلُهُ مِن مَثَّلْتُ الشَّيْءَ بِالشَّيْءِ إذا شَبَّهْتَهُ بِهِ واسْمُ ذَلِكَ المُمَثَّلِ تِمْثالٌ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّ القَوْمَ كانُوا عُبّادَ أصْنامٍ عَلى صُوَرٍ مَخْصُوصَةٍ كَصُورَةِ الإنْسانِ أوْ غَيْرِهِ، فَجَعَلَ عَلَيْهِ السَّلامُ هَذا القَوْلَ مِنهُ ابْتِداءَ كَلامِهِ لِيَنْظُرَ فِيما عَساهم يُورِدُونَهُ مِن شُبْهَةٍ فَيُبْطِلَها عَلَيْهِمْ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: لَمْ يَنْوِ لِلْعاكِفِينَ مَفْعُولًا وأجْراهُ مَجْرى ما لا يَتَعَدّى، كَقَوْلِكَ فاعِلُونَ لِلْعُكُوفِ أوْ واقِفُونَ لَها، قالَ: فَإنْ قُلْتَ هَلّا قِيلَ عَلَيْها عاكِفُونَ كَقَوْلِهِ: ﴿يَعْكُفُونَ عَلى أصْنامٍ لَهُمْ﴾ [ الأعْرافِ: ١٣٨] قُلْتُ: لَوْ قَصَدَ التَّعْدِيَةَ لَعَدّاهُ بِصِلَتِهِ الَّتِي هي عَلى. أمّا قَوْلُهُ: ﴿قالُوا وجَدْنا آباءَنا لَها عابِدِينَ﴾ فاعْلَمْ أنَّ القَوْمَ لَمْ يَجِدُوا في جَوابِهِ إلّا طَرِيقَةَ التَّقْلِيدِ الَّذِي يُوجِبُ مَزِيدَ التَّنْكِيرِ لِأنَّهم إذا كانُوا عَلى خَطَأٍ مِن أمْرِهِمْ لَمْ يَعْصِمْهم مِن هَذا الخَطَأِ أنَّ آباءَهم أيْضًا سَلَكُوا صفحة ١٥٧ هَذا الطَّرِيقَ، فَلا جَرَمَ أجابَهم إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ كُنْتُمْ أنْتُمْ وآباؤُكم في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ فَبَيَّنَ أنَّ الباطِلَ لا يَصِيرُ حَقًّا بِسَبَبِ كَثْرَةِ المُتَمَسِّكِينَ بِهِ، فَلَمّا حَقَّقَ عَلَيْهِ السَّلامُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ ولَمْ يَجِدُوا مِن كَلامِهِ مَخْلَصًا، ورَأوْهُ ثابِتًا عَلى الإنْكارِ، قَوِيَّ القَلْبِ فِيهِ وكانُوا يَسْتَبْعِدُونَ أنْ يَجْرِيَ مِثْلُ هَذا الإنْكارِ عَلَيْهِمْ مَعَ كَثْرَتِهِمْ وطُولِ العَهْدِ بِمَذْهَبِهِمْ، فَعِنْدَ ذَلِكَ قالُوا لَهُ: ﴿أجِئْتَنا بِالحَقِّ أمْ أنْتَ مِنَ اللّاعِبِينَ﴾ مُوهِمِينَ بِهَذا الكَلامِ أنَّهُ يَبْعُدُ أنْ يُقْدِمَ عَلى الإنْكارِ عَلَيْهِمْ، جادًّا في ذَلِكَ، فَعِنْدَهُ عَدَلَ ﷺ إلى بَيانِ التَّوْحِيدِ.

الأنبياء 21:54

(القِصَّةُ الثّانِيَةُ، [ قِصَّةُ] إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ) قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا إبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وكُنّا بِهِ عالِمِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ ما هَذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أنْتُمْ لَها عاكِفُونَ﴾ ﴿قالُوا وجَدْنا آباءَنا لَها عابِدِينَ﴾ ﴿قالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أنْتُمْ وآباؤُكم في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ﴿قالُوا أجِئْتَنا بِالحَقِّ أمْ أنْتَ مِنَ اللّاعِبِينَ﴾ . اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا إبْراهِيمَ رُشْدَهُ﴾ فِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: في الرُّشْدِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ النُّبُوَّةُ واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وكُنّا بِهِ عالِمِينَ﴾ قالُوا: لِأنَّهُ تَعالى إنَّما يَخُصُّ بِالنُّبُوَّةِ مَن يَعْلَمُ مِن حالِهِ أنَّهُ في المُسْتَقْبَلِ يَقُومُ بِحَقِّها ويَجْتَنِبُ ما لا يَلِيقُ بِها ويَحْتَرِزُ عَمّا يُنَفِّرُ قَوْمَهُ مِنَ القَبُولِ. والثّانِي: أنَّهُ الِاهْتِداءُ لِوُجُوهِ الصَّلاحِ في الدِّينِ والدُّنْيا قالَ تَعالى: ﴿فَإنْ آنَسْتُمْ مِنهم رُشْدًا فادْفَعُوا إلَيْهِمْ أمْوالَهُمْ﴾ [النِّساءِ: ٦]، وفِيهِ قَوْلٌ ثالِثٌ: وهو أنْ تَدْخُلَ النُّبُوَّةُ والِاهْتِداءُ تَحْتَ الرُّشْدِ إذْ لا يَجُوزُ أنْ يُبْعَثَ نَبِيٌّ إلّا وقَدْ دَلَّهُ اللَّهُ تَعالى عَلى ذاتِهِ وصِفاتِهِ، ودَلَّهُ أيْضًا عَلى مَصالِحِ نَفْسِهِ ومَصالِحِ قَوْمِهِ وكُلُّ ذَلِكَ مِنَ الرُّشْدِ. صفحة ١٥٦ المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا في أنَّ الإيمانَ مَخْلُوقٌ لِلَّهِ تَعالى بِهَذِهِ الآيَةِ، فَإنَّهُ لَوْ كانَ الرُّشْدُ هو التَّوْفِيقُ والبَيانُ فَقَدْ فَعَلَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ بِالكُفّارِ، فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ قَدْ آتاهم رُشْدَهم. أجابَ الكَعْبِيُّ بِأنَّ هَذا يُقالُ فِيمَن قَبِلَ لا فِيمَن رَدَّ، وذَلِكَ كَمَن أعْطى المالَ لِوَلَدَيْنِ فَقَبِلَهُ أحَدُهُما وثَمَّرَهُ ورَدَّهُ الآخَرُ أوْ أخَذَهُ ثُمَّ ضَيَّعَهُ. فَيُقالُ: أغْنى فُلانٌ ابْنَهُ فِيمَن أثْمَرَ المالُ، ولا يُقالُ مِثْلُهُ فِيمَن ضَيَّعَ، والجَوابُ عَنْهُ: هَذا الجَوابُ لا يَتِمُّ إلّا إذا جَعَلْنا قَبُولَهُ جُزْءًا مِن مُسَمّى الرُّشْدِ وذَلِكَ باطِلٌ، لِأنَّ المُسَمّى إذا كانَ مُرَكَّبًا مِن جُزْأيْنِ ولا يَكُونُ أحَدُهُما مَقْدُورَ الفاعِلِ لَمْ يَجُزْ إضافَةُ ذَلِكَ المُسَمّى إلى ذَلِكَ الفاعِلِ فَكانَ يَلْزَمُ أنْ لا يَجُوزَ إضافَةُ الرُّشْدِ إلى اللَّهِ تَعالى بِالمَفْعُولِيَّةِ لَكِنَّ النَّصَّ وهو قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا إبْراهِيمَ رُشْدَهُ﴾ صَرِيحٌ أنَّ ذَلِكَ الرُّشْدَ إنَّما حَصَلَ مِنَ اللَّهِ تَعالى فَبَطَلَ ما قالُوهُ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قُرِئَ رَشَدَهُ كالعَدَمِ والعُدْمِ، ومَعْنى إضافَتِهِ إلَيْهِ أنَّهُ رُشْدٌ مِثْلُهُ وأنَّهُ رُشْدٌ لَهُ شَأْنٌ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن قَبْلُ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: آتَيْنا إبْراهِيمَ نُبُوَّتَهُ واهْتِداءَهُ مِن قَبْلِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ جَرِيرٍ. وثانِيها: في صِغَرِهِ قَبْلَ بُلُوغِهِ حِينَ كانَ في السِّرْبِ وظَهَرَتْ لَهُ الكَواكِبُ فاسْتَدَلَّ بِها. وهَذا عَلى قَوْلِ مَن حَمَلَ الرُّشْدَ عَلى الِاهْتِداءِ وإلّا لَزِمَهُ أنْ يَحْكُمَ بِنُبُوَّتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ قَبْلَ البُلُوغِ عَنْ مُقاتِلٍ. وثالِثُها: يَعْنِي حِينَ كانَ في صُلْبِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما في رِوايَةِ الضَّحّاكِ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكُنّا بِهِ عالِمِينَ﴾ فالمُرادُ أنَّهُ سُبْحانَهُ عَلِمَ مِنهُ أحْوالًا بَدِيعَةً وأسْرارًا عَجِيبَةً وصِفاتٍ قَدْ رَضِيَها حَتّى أهَّلَهُ لِأنْ يَكُونَ خَلِيلًا لَهُ، وهَذا كَقَوْلِكَ في رَجُلٍ كَبِيرٍ: أنا عالِمٌ بِفُلانٍ فَإنَّ هَذا الكَلامَ في الدَّلالَةِ عَلى تَعْظِيمِهِ أدَلُّ مِمّا إذا شَرَحْتَ جَلالَ كَمالِهِ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ قالَ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ﴾ فَقالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: إذْ إمّا أنْ تَتَعَلَّقَ بِآتَيْنا أوْ بِرُشْدِهِ أوْ بِمَحْذُوفٍ أيِ اذْكُرْ مِن أوْقاتِ رُشْدِهِ هَذا الوَقْتَ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿ما هَذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أنْتُمْ لَها عاكِفُونَ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: التِّمْثالُ اسْمٌ لِلشَّيْءِ المَصْنُوعِ مُشَبَّهًا بِخَلْقٍ مِن خَلْقِ اللَّهِ تَعالى، وأصْلُهُ مِن مَثَّلْتُ الشَّيْءَ بِالشَّيْءِ إذا شَبَّهْتَهُ بِهِ واسْمُ ذَلِكَ المُمَثَّلِ تِمْثالٌ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّ القَوْمَ كانُوا عُبّادَ أصْنامٍ عَلى صُوَرٍ مَخْصُوصَةٍ كَصُورَةِ الإنْسانِ أوْ غَيْرِهِ، فَجَعَلَ عَلَيْهِ السَّلامُ هَذا القَوْلَ مِنهُ ابْتِداءَ كَلامِهِ لِيَنْظُرَ فِيما عَساهم يُورِدُونَهُ مِن شُبْهَةٍ فَيُبْطِلَها عَلَيْهِمْ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: لَمْ يَنْوِ لِلْعاكِفِينَ مَفْعُولًا وأجْراهُ مَجْرى ما لا يَتَعَدّى، كَقَوْلِكَ فاعِلُونَ لِلْعُكُوفِ أوْ واقِفُونَ لَها، قالَ: فَإنْ قُلْتَ هَلّا قِيلَ عَلَيْها عاكِفُونَ كَقَوْلِهِ: ﴿يَعْكُفُونَ عَلى أصْنامٍ لَهُمْ﴾ [ الأعْرافِ: ١٣٨] قُلْتُ: لَوْ قَصَدَ التَّعْدِيَةَ لَعَدّاهُ بِصِلَتِهِ الَّتِي هي عَلى. أمّا قَوْلُهُ: ﴿قالُوا وجَدْنا آباءَنا لَها عابِدِينَ﴾ فاعْلَمْ أنَّ القَوْمَ لَمْ يَجِدُوا في جَوابِهِ إلّا طَرِيقَةَ التَّقْلِيدِ الَّذِي يُوجِبُ مَزِيدَ التَّنْكِيرِ لِأنَّهم إذا كانُوا عَلى خَطَأٍ مِن أمْرِهِمْ لَمْ يَعْصِمْهم مِن هَذا الخَطَأِ أنَّ آباءَهم أيْضًا سَلَكُوا صفحة ١٥٧ هَذا الطَّرِيقَ، فَلا جَرَمَ أجابَهم إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ كُنْتُمْ أنْتُمْ وآباؤُكم في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ فَبَيَّنَ أنَّ الباطِلَ لا يَصِيرُ حَقًّا بِسَبَبِ كَثْرَةِ المُتَمَسِّكِينَ بِهِ، فَلَمّا حَقَّقَ عَلَيْهِ السَّلامُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ ولَمْ يَجِدُوا مِن كَلامِهِ مَخْلَصًا، ورَأوْهُ ثابِتًا عَلى الإنْكارِ، قَوِيَّ القَلْبِ فِيهِ وكانُوا يَسْتَبْعِدُونَ أنْ يَجْرِيَ مِثْلُ هَذا الإنْكارِ عَلَيْهِمْ مَعَ كَثْرَتِهِمْ وطُولِ العَهْدِ بِمَذْهَبِهِمْ، فَعِنْدَ ذَلِكَ قالُوا لَهُ: ﴿أجِئْتَنا بِالحَقِّ أمْ أنْتَ مِنَ اللّاعِبِينَ﴾ مُوهِمِينَ بِهَذا الكَلامِ أنَّهُ يَبْعُدُ أنْ يُقْدِمَ عَلى الإنْكارِ عَلَيْهِمْ، جادًّا في ذَلِكَ، فَعِنْدَهُ عَدَلَ ﷺ إلى بَيانِ التَّوْحِيدِ.

الأنبياء 21:55

(القِصَّةُ الثّانِيَةُ، [ قِصَّةُ] إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ) قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا إبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وكُنّا بِهِ عالِمِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ ما هَذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أنْتُمْ لَها عاكِفُونَ﴾ ﴿قالُوا وجَدْنا آباءَنا لَها عابِدِينَ﴾ ﴿قالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أنْتُمْ وآباؤُكم في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ﴿قالُوا أجِئْتَنا بِالحَقِّ أمْ أنْتَ مِنَ اللّاعِبِينَ﴾ . اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا إبْراهِيمَ رُشْدَهُ﴾ فِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: في الرُّشْدِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ النُّبُوَّةُ واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وكُنّا بِهِ عالِمِينَ﴾ قالُوا: لِأنَّهُ تَعالى إنَّما يَخُصُّ بِالنُّبُوَّةِ مَن يَعْلَمُ مِن حالِهِ أنَّهُ في المُسْتَقْبَلِ يَقُومُ بِحَقِّها ويَجْتَنِبُ ما لا يَلِيقُ بِها ويَحْتَرِزُ عَمّا يُنَفِّرُ قَوْمَهُ مِنَ القَبُولِ. والثّانِي: أنَّهُ الِاهْتِداءُ لِوُجُوهِ الصَّلاحِ في الدِّينِ والدُّنْيا قالَ تَعالى: ﴿فَإنْ آنَسْتُمْ مِنهم رُشْدًا فادْفَعُوا إلَيْهِمْ أمْوالَهُمْ﴾ [النِّساءِ: ٦]، وفِيهِ قَوْلٌ ثالِثٌ: وهو أنْ تَدْخُلَ النُّبُوَّةُ والِاهْتِداءُ تَحْتَ الرُّشْدِ إذْ لا يَجُوزُ أنْ يُبْعَثَ نَبِيٌّ إلّا وقَدْ دَلَّهُ اللَّهُ تَعالى عَلى ذاتِهِ وصِفاتِهِ، ودَلَّهُ أيْضًا عَلى مَصالِحِ نَفْسِهِ ومَصالِحِ قَوْمِهِ وكُلُّ ذَلِكَ مِنَ الرُّشْدِ. صفحة ١٥٦ المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا في أنَّ الإيمانَ مَخْلُوقٌ لِلَّهِ تَعالى بِهَذِهِ الآيَةِ، فَإنَّهُ لَوْ كانَ الرُّشْدُ هو التَّوْفِيقُ والبَيانُ فَقَدْ فَعَلَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ بِالكُفّارِ، فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ قَدْ آتاهم رُشْدَهم. أجابَ الكَعْبِيُّ بِأنَّ هَذا يُقالُ فِيمَن قَبِلَ لا فِيمَن رَدَّ، وذَلِكَ كَمَن أعْطى المالَ لِوَلَدَيْنِ فَقَبِلَهُ أحَدُهُما وثَمَّرَهُ ورَدَّهُ الآخَرُ أوْ أخَذَهُ ثُمَّ ضَيَّعَهُ. فَيُقالُ: أغْنى فُلانٌ ابْنَهُ فِيمَن أثْمَرَ المالُ، ولا يُقالُ مِثْلُهُ فِيمَن ضَيَّعَ، والجَوابُ عَنْهُ: هَذا الجَوابُ لا يَتِمُّ إلّا إذا جَعَلْنا قَبُولَهُ جُزْءًا مِن مُسَمّى الرُّشْدِ وذَلِكَ باطِلٌ، لِأنَّ المُسَمّى إذا كانَ مُرَكَّبًا مِن جُزْأيْنِ ولا يَكُونُ أحَدُهُما مَقْدُورَ الفاعِلِ لَمْ يَجُزْ إضافَةُ ذَلِكَ المُسَمّى إلى ذَلِكَ الفاعِلِ فَكانَ يَلْزَمُ أنْ لا يَجُوزَ إضافَةُ الرُّشْدِ إلى اللَّهِ تَعالى بِالمَفْعُولِيَّةِ لَكِنَّ النَّصَّ وهو قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا إبْراهِيمَ رُشْدَهُ﴾ صَرِيحٌ أنَّ ذَلِكَ الرُّشْدَ إنَّما حَصَلَ مِنَ اللَّهِ تَعالى فَبَطَلَ ما قالُوهُ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قُرِئَ رَشَدَهُ كالعَدَمِ والعُدْمِ، ومَعْنى إضافَتِهِ إلَيْهِ أنَّهُ رُشْدٌ مِثْلُهُ وأنَّهُ رُشْدٌ لَهُ شَأْنٌ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن قَبْلُ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: آتَيْنا إبْراهِيمَ نُبُوَّتَهُ واهْتِداءَهُ مِن قَبْلِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ جَرِيرٍ. وثانِيها: في صِغَرِهِ قَبْلَ بُلُوغِهِ حِينَ كانَ في السِّرْبِ وظَهَرَتْ لَهُ الكَواكِبُ فاسْتَدَلَّ بِها. وهَذا عَلى قَوْلِ مَن حَمَلَ الرُّشْدَ عَلى الِاهْتِداءِ وإلّا لَزِمَهُ أنْ يَحْكُمَ بِنُبُوَّتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ قَبْلَ البُلُوغِ عَنْ مُقاتِلٍ. وثالِثُها: يَعْنِي حِينَ كانَ في صُلْبِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما في رِوايَةِ الضَّحّاكِ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكُنّا بِهِ عالِمِينَ﴾ فالمُرادُ أنَّهُ سُبْحانَهُ عَلِمَ مِنهُ أحْوالًا بَدِيعَةً وأسْرارًا عَجِيبَةً وصِفاتٍ قَدْ رَضِيَها حَتّى أهَّلَهُ لِأنْ يَكُونَ خَلِيلًا لَهُ، وهَذا كَقَوْلِكَ في رَجُلٍ كَبِيرٍ: أنا عالِمٌ بِفُلانٍ فَإنَّ هَذا الكَلامَ في الدَّلالَةِ عَلى تَعْظِيمِهِ أدَلُّ مِمّا إذا شَرَحْتَ جَلالَ كَمالِهِ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ قالَ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ﴾ فَقالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: إذْ إمّا أنْ تَتَعَلَّقَ بِآتَيْنا أوْ بِرُشْدِهِ أوْ بِمَحْذُوفٍ أيِ اذْكُرْ مِن أوْقاتِ رُشْدِهِ هَذا الوَقْتَ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿ما هَذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أنْتُمْ لَها عاكِفُونَ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: التِّمْثالُ اسْمٌ لِلشَّيْءِ المَصْنُوعِ مُشَبَّهًا بِخَلْقٍ مِن خَلْقِ اللَّهِ تَعالى، وأصْلُهُ مِن مَثَّلْتُ الشَّيْءَ بِالشَّيْءِ إذا شَبَّهْتَهُ بِهِ واسْمُ ذَلِكَ المُمَثَّلِ تِمْثالٌ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّ القَوْمَ كانُوا عُبّادَ أصْنامٍ عَلى صُوَرٍ مَخْصُوصَةٍ كَصُورَةِ الإنْسانِ أوْ غَيْرِهِ، فَجَعَلَ عَلَيْهِ السَّلامُ هَذا القَوْلَ مِنهُ ابْتِداءَ كَلامِهِ لِيَنْظُرَ فِيما عَساهم يُورِدُونَهُ مِن شُبْهَةٍ فَيُبْطِلَها عَلَيْهِمْ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: لَمْ يَنْوِ لِلْعاكِفِينَ مَفْعُولًا وأجْراهُ مَجْرى ما لا يَتَعَدّى، كَقَوْلِكَ فاعِلُونَ لِلْعُكُوفِ أوْ واقِفُونَ لَها، قالَ: فَإنْ قُلْتَ هَلّا قِيلَ عَلَيْها عاكِفُونَ كَقَوْلِهِ: ﴿يَعْكُفُونَ عَلى أصْنامٍ لَهُمْ﴾ [ الأعْرافِ: ١٣٨] قُلْتُ: لَوْ قَصَدَ التَّعْدِيَةَ لَعَدّاهُ بِصِلَتِهِ الَّتِي هي عَلى. أمّا قَوْلُهُ: ﴿قالُوا وجَدْنا آباءَنا لَها عابِدِينَ﴾ فاعْلَمْ أنَّ القَوْمَ لَمْ يَجِدُوا في جَوابِهِ إلّا طَرِيقَةَ التَّقْلِيدِ الَّذِي يُوجِبُ مَزِيدَ التَّنْكِيرِ لِأنَّهم إذا كانُوا عَلى خَطَأٍ مِن أمْرِهِمْ لَمْ يَعْصِمْهم مِن هَذا الخَطَأِ أنَّ آباءَهم أيْضًا سَلَكُوا صفحة ١٥٧ هَذا الطَّرِيقَ، فَلا جَرَمَ أجابَهم إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ كُنْتُمْ أنْتُمْ وآباؤُكم في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ فَبَيَّنَ أنَّ الباطِلَ لا يَصِيرُ حَقًّا بِسَبَبِ كَثْرَةِ المُتَمَسِّكِينَ بِهِ، فَلَمّا حَقَّقَ عَلَيْهِ السَّلامُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ ولَمْ يَجِدُوا مِن كَلامِهِ مَخْلَصًا، ورَأوْهُ ثابِتًا عَلى الإنْكارِ، قَوِيَّ القَلْبِ فِيهِ وكانُوا يَسْتَبْعِدُونَ أنْ يَجْرِيَ مِثْلُ هَذا الإنْكارِ عَلَيْهِمْ مَعَ كَثْرَتِهِمْ وطُولِ العَهْدِ بِمَذْهَبِهِمْ، فَعِنْدَ ذَلِكَ قالُوا لَهُ: ﴿أجِئْتَنا بِالحَقِّ أمْ أنْتَ مِنَ اللّاعِبِينَ﴾ مُوهِمِينَ بِهَذا الكَلامِ أنَّهُ يَبْعُدُ أنْ يُقْدِمَ عَلى الإنْكارِ عَلَيْهِمْ، جادًّا في ذَلِكَ، فَعِنْدَهُ عَدَلَ ﷺ إلى بَيانِ التَّوْحِيدِ.

الأنبياء 21:56

(القِصَّةُ الثّانِيَةُ، [ قِصَّةُ] إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ) قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا إبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وكُنّا بِهِ عالِمِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ ما هَذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أنْتُمْ لَها عاكِفُونَ﴾ ﴿قالُوا وجَدْنا آباءَنا لَها عابِدِينَ﴾ ﴿قالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أنْتُمْ وآباؤُكم في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ﴿قالُوا أجِئْتَنا بِالحَقِّ أمْ أنْتَ مِنَ اللّاعِبِينَ﴾ . اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا إبْراهِيمَ رُشْدَهُ﴾ فِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: في الرُّشْدِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ النُّبُوَّةُ واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وكُنّا بِهِ عالِمِينَ﴾ قالُوا: لِأنَّهُ تَعالى إنَّما يَخُصُّ بِالنُّبُوَّةِ مَن يَعْلَمُ مِن حالِهِ أنَّهُ في المُسْتَقْبَلِ يَقُومُ بِحَقِّها ويَجْتَنِبُ ما لا يَلِيقُ بِها ويَحْتَرِزُ عَمّا يُنَفِّرُ قَوْمَهُ مِنَ القَبُولِ. والثّانِي: أنَّهُ الِاهْتِداءُ لِوُجُوهِ الصَّلاحِ في الدِّينِ والدُّنْيا قالَ تَعالى: ﴿فَإنْ آنَسْتُمْ مِنهم رُشْدًا فادْفَعُوا إلَيْهِمْ أمْوالَهُمْ﴾ [النِّساءِ: ٦]، وفِيهِ قَوْلٌ ثالِثٌ: وهو أنْ تَدْخُلَ النُّبُوَّةُ والِاهْتِداءُ تَحْتَ الرُّشْدِ إذْ لا يَجُوزُ أنْ يُبْعَثَ نَبِيٌّ إلّا وقَدْ دَلَّهُ اللَّهُ تَعالى عَلى ذاتِهِ وصِفاتِهِ، ودَلَّهُ أيْضًا عَلى مَصالِحِ نَفْسِهِ ومَصالِحِ قَوْمِهِ وكُلُّ ذَلِكَ مِنَ الرُّشْدِ. صفحة ١٥٦ المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا في أنَّ الإيمانَ مَخْلُوقٌ لِلَّهِ تَعالى بِهَذِهِ الآيَةِ، فَإنَّهُ لَوْ كانَ الرُّشْدُ هو التَّوْفِيقُ والبَيانُ فَقَدْ فَعَلَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ بِالكُفّارِ، فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ قَدْ آتاهم رُشْدَهم. أجابَ الكَعْبِيُّ بِأنَّ هَذا يُقالُ فِيمَن قَبِلَ لا فِيمَن رَدَّ، وذَلِكَ كَمَن أعْطى المالَ لِوَلَدَيْنِ فَقَبِلَهُ أحَدُهُما وثَمَّرَهُ ورَدَّهُ الآخَرُ أوْ أخَذَهُ ثُمَّ ضَيَّعَهُ. فَيُقالُ: أغْنى فُلانٌ ابْنَهُ فِيمَن أثْمَرَ المالُ، ولا يُقالُ مِثْلُهُ فِيمَن ضَيَّعَ، والجَوابُ عَنْهُ: هَذا الجَوابُ لا يَتِمُّ إلّا إذا جَعَلْنا قَبُولَهُ جُزْءًا مِن مُسَمّى الرُّشْدِ وذَلِكَ باطِلٌ، لِأنَّ المُسَمّى إذا كانَ مُرَكَّبًا مِن جُزْأيْنِ ولا يَكُونُ أحَدُهُما مَقْدُورَ الفاعِلِ لَمْ يَجُزْ إضافَةُ ذَلِكَ المُسَمّى إلى ذَلِكَ الفاعِلِ فَكانَ يَلْزَمُ أنْ لا يَجُوزَ إضافَةُ الرُّشْدِ إلى اللَّهِ تَعالى بِالمَفْعُولِيَّةِ لَكِنَّ النَّصَّ وهو قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا إبْراهِيمَ رُشْدَهُ﴾ صَرِيحٌ أنَّ ذَلِكَ الرُّشْدَ إنَّما حَصَلَ مِنَ اللَّهِ تَعالى فَبَطَلَ ما قالُوهُ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قُرِئَ رَشَدَهُ كالعَدَمِ والعُدْمِ، ومَعْنى إضافَتِهِ إلَيْهِ أنَّهُ رُشْدٌ مِثْلُهُ وأنَّهُ رُشْدٌ لَهُ شَأْنٌ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن قَبْلُ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: آتَيْنا إبْراهِيمَ نُبُوَّتَهُ واهْتِداءَهُ مِن قَبْلِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ جَرِيرٍ. وثانِيها: في صِغَرِهِ قَبْلَ بُلُوغِهِ حِينَ كانَ في السِّرْبِ وظَهَرَتْ لَهُ الكَواكِبُ فاسْتَدَلَّ بِها. وهَذا عَلى قَوْلِ مَن حَمَلَ الرُّشْدَ عَلى الِاهْتِداءِ وإلّا لَزِمَهُ أنْ يَحْكُمَ بِنُبُوَّتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ قَبْلَ البُلُوغِ عَنْ مُقاتِلٍ. وثالِثُها: يَعْنِي حِينَ كانَ في صُلْبِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما في رِوايَةِ الضَّحّاكِ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكُنّا بِهِ عالِمِينَ﴾ فالمُرادُ أنَّهُ سُبْحانَهُ عَلِمَ مِنهُ أحْوالًا بَدِيعَةً وأسْرارًا عَجِيبَةً وصِفاتٍ قَدْ رَضِيَها حَتّى أهَّلَهُ لِأنْ يَكُونَ خَلِيلًا لَهُ، وهَذا كَقَوْلِكَ في رَجُلٍ كَبِيرٍ: أنا عالِمٌ بِفُلانٍ فَإنَّ هَذا الكَلامَ في الدَّلالَةِ عَلى تَعْظِيمِهِ أدَلُّ مِمّا إذا شَرَحْتَ جَلالَ كَمالِهِ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ قالَ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ﴾ فَقالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: إذْ إمّا أنْ تَتَعَلَّقَ بِآتَيْنا أوْ بِرُشْدِهِ أوْ بِمَحْذُوفٍ أيِ اذْكُرْ مِن أوْقاتِ رُشْدِهِ هَذا الوَقْتَ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿ما هَذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أنْتُمْ لَها عاكِفُونَ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: التِّمْثالُ اسْمٌ لِلشَّيْءِ المَصْنُوعِ مُشَبَّهًا بِخَلْقٍ مِن خَلْقِ اللَّهِ تَعالى، وأصْلُهُ مِن مَثَّلْتُ الشَّيْءَ بِالشَّيْءِ إذا شَبَّهْتَهُ بِهِ واسْمُ ذَلِكَ المُمَثَّلِ تِمْثالٌ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّ القَوْمَ كانُوا عُبّادَ أصْنامٍ عَلى صُوَرٍ مَخْصُوصَةٍ كَصُورَةِ الإنْسانِ أوْ غَيْرِهِ، فَجَعَلَ عَلَيْهِ السَّلامُ هَذا القَوْلَ مِنهُ ابْتِداءَ كَلامِهِ لِيَنْظُرَ فِيما عَساهم يُورِدُونَهُ مِن شُبْهَةٍ فَيُبْطِلَها عَلَيْهِمْ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: لَمْ يَنْوِ لِلْعاكِفِينَ مَفْعُولًا وأجْراهُ مَجْرى ما لا يَتَعَدّى، كَقَوْلِكَ فاعِلُونَ لِلْعُكُوفِ أوْ واقِفُونَ لَها، قالَ: فَإنْ قُلْتَ هَلّا قِيلَ عَلَيْها عاكِفُونَ كَقَوْلِهِ: ﴿يَعْكُفُونَ عَلى أصْنامٍ لَهُمْ﴾ [ الأعْرافِ: ١٣٨] قُلْتُ: لَوْ قَصَدَ التَّعْدِيَةَ لَعَدّاهُ بِصِلَتِهِ الَّتِي هي عَلى. أمّا قَوْلُهُ: ﴿قالُوا وجَدْنا آباءَنا لَها عابِدِينَ﴾ فاعْلَمْ أنَّ القَوْمَ لَمْ يَجِدُوا في جَوابِهِ إلّا طَرِيقَةَ التَّقْلِيدِ الَّذِي يُوجِبُ مَزِيدَ التَّنْكِيرِ لِأنَّهم إذا كانُوا عَلى خَطَأٍ مِن أمْرِهِمْ لَمْ يَعْصِمْهم مِن هَذا الخَطَأِ أنَّ آباءَهم أيْضًا سَلَكُوا صفحة ١٥٧ هَذا الطَّرِيقَ، فَلا جَرَمَ أجابَهم إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ كُنْتُمْ أنْتُمْ وآباؤُكم في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ فَبَيَّنَ أنَّ الباطِلَ لا يَصِيرُ حَقًّا بِسَبَبِ كَثْرَةِ المُتَمَسِّكِينَ بِهِ، فَلَمّا حَقَّقَ عَلَيْهِ السَّلامُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ ولَمْ يَجِدُوا مِن كَلامِهِ مَخْلَصًا، ورَأوْهُ ثابِتًا عَلى الإنْكارِ، قَوِيَّ القَلْبِ فِيهِ وكانُوا يَسْتَبْعِدُونَ أنْ يَجْرِيَ مِثْلُ هَذا الإنْكارِ عَلَيْهِمْ مَعَ كَثْرَتِهِمْ وطُولِ العَهْدِ بِمَذْهَبِهِمْ، فَعِنْدَ ذَلِكَ قالُوا لَهُ: ﴿أجِئْتَنا بِالحَقِّ أمْ أنْتَ مِنَ اللّاعِبِينَ﴾ مُوهِمِينَ بِهَذا الكَلامِ أنَّهُ يَبْعُدُ أنْ يُقْدِمَ عَلى الإنْكارِ عَلَيْهِمْ، جادًّا في ذَلِكَ، فَعِنْدَهُ عَدَلَ ﷺ إلى بَيانِ التَّوْحِيدِ.

الأنبياء 21:57

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ بَل رَبُّكم رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وأنا عَلى ذَلِكم مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ ﴿وتاللَّهِ لَأكِيدَنَّ أصْنامَكم بَعْدَ أنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ﴾ ﴿فَجَعَلَهم جُذاذًا إلّا كَبِيرًا لَهم لَعَلَّهم إلَيْهِ يَرْجِعُونَ﴾ ﴿قالُوا مَن فَعَلَ هَذا بِآلِهَتِنا إنَّهُ لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ ﴿قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهم يُقالُ لَهُ إبْراهِيمُ﴾ اعْلَمْ أنَّ القَوْمَ لَمّا أُوهِمُوا أنَّهُ يُمازِحُ بِما خاطَبَهم بِهِ في أصْنامِهِمْ، أظْهَرَ عَلَيْهِ السَّلامُ ما يَعْلَمُونَ بِهِ أنَّهُ مُجِدٌّ في إظْهارِ الحَقِّ الَّذِي هو التَّوْحِيدُ، وذَلِكَ بِالقَوْلِ أوَّلًا وبِالفِعْلِ ثانِيًا؛ أمّا الطَّرِيقَةُ القَوْلِيَّةُ فَهي قَوْلُهُ: ﴿بَل رَبُّكم رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ﴾ وهَذِهِ الدَّلالَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ الخالِقَ الَّذِي خَلَقَهُما لِمَنافِعِ العِبادِ هو الَّذِي يَحْسُنُ أنْ يُعْبَدَ؛ لِأنَّ مَن يَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ يَقْدِرُ عَلى أنْ يَضُرَّ ويَنْفَعَ في الدّارِ الآخِرَةِ بِالعِقابِ والثَّوابِ. فَيَرْجَعُ حاصِلُ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ إلى الطَّرِيقَةِ الَّتِي ذَكَرَها لِأبِيهِ في قَوْلِهِ: ﴿ياأبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ ولا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريم: ٤٢] قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: الضَّمِيرُ في ”فَطَرَهُنَّ“ لِلسَّماواتِ والأرْضِ أوْ لِلتَّماثِيلِ، وكَوْنُهُ لِلتَّماثِيلِ أدْخَلَ في الِاحْتِجاجِ عَلَيْهِمْ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿وأنا عَلى ذَلِكم مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ فَفِيهِ وجْهانِ؛ الأوَّلُ: أنَّ المَقْصُودَ مِنهُ المُبالَغَةُ في التَّأْكِيدِ والتَّحْقِيقِ كَقَوْلِ الرَّجُلِ إذا بالَغَ في مَدْحِ أحَدٍ أوْ ذَمِّهِ أشْهَدُ أنَّهُ كَرِيمٌ أوْ ذَمِيمٌ. والثّانِي: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنى بِقَوْلِهِ: ﴿وأنا عَلى ذَلِكم مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ ادِّعاءَ أنَّهُ قادِرٌ عَلى إثْباتِ ما ذَكَرَهُ بِالحُجَّةِ، وأنِّي لَسْتُ مِثْلَكم فَأقُولُ ما لا أقْدِرُ عَلى إثْباتِهِ بِالحُجَّةِ، كَما لَمْ تَقْدِرُوا عَلى الِاحْتِجاجِ لِمَذْهَبِكم، ولَمْ تَزِيدُوا عَلى أنَّكم وجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكم، وأمّا الطَّرِيقَةُ الفِعْلِيَّةُ فَهي قَوْلُهُ: ﴿وتاللَّهِ لَأكِيدَنَّ أصْنامَكم بَعْدَ أنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ﴾ فَإنَّ القَوْمَ لَمّا لَمْ يَنْتَفِعُوا بِالدَّلالَةِ العَقْلِيَّةِ عَدَلَ إلى أنْ أراهم عَدَمَ الفائِدَةِ في عِبادَتِها، وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قَرَأ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وبِاللَّهِ، وقُرِئَ ”تَوَلَّوْا“ بِمَعْنى تَتَوَلَّوْا ويُقَوِّيها قَوْلُهُ: ﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ﴾ فَإنْ قُلْتَ: ما الفَرْقُ بَيْنَ الباءِ والتّاءِ ؟ قُلْتُ: إنَّ الباءَ هي الأصْلُ، والتّاءَ بَدَلٌ مِنَ الواوِ المُبْدَلِ مِنها، والتّاءُ فِيها زِيادَةُ مَعْنًى وهو التَّعَجُّبُ، كَأنَّهُ تَعَجَّبَ مِن تَسْهِيلِ الكَيْدِ عَلى يَدِهِ؛ لِأنَّ صفحة ١٥٨ ذَلِكَ كانَ أمْرًا مَقْنُوطًا مِنهُ لِصُعُوبَتِهِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: إنْ قِيلَ لِماذا قالَ: ﴿لَأكِيدَنَّ أصْنامَكُمْ﴾ والكَيْدُ هو الِاحْتِيالُ عَلى الغَيْرِ في ضَرَرٍ لا يَشْعُرُ بِهِ، وذَلِكَ لا يَتَأتّى في الأصْنامِ ؟ وجَوابُهُ: قالَ ذَلِكَ تَوَسُّعًا لَمّا كانَ عِنْدَهم أنَّ الضَّرَرَ يَجُوزُ عَلَيْها، وقِيلَ: المُرادُ لَأكِيدَنَّكم في أصْنامِكم؛ لِأنَّهُ بِذَلِكَ الفِعْلِ قَدْ أنْزَلَ بِهِمُ الغَمَّ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في كَيْفِيَّةِ أوَّلِ القِصَّةِ وجْهانِ؛ أحَدُهُما: قالَ السُّدِّيُّ: كانُوا إذا رَجَعُوا مِن عِيدِهِمْ دَخَلُوا عَلى الأصْنامِ فَسَجَدُوا لَها ثُمَّ عادُوا إلى مَنازِلِهِمْ، فَلَمّا كانَ هَذا الوَقْتُ قالَ آزَرُ لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ: لَوْ خَرَجْتَ مَعَنا، فَخَرَجَ مَعَهم، فَلَمّا كانَ بِبَعْضِ الطَّرِيقِ ألْقى نَفْسَهُ وقالَ: إنِّي سَقِيمٌ، أشْتَكِي رِجْلِي، فَلَمّا مَضَوْا وبَقِيَ ضُعَفاءُ النّاسِ نادى وقالَ: ﴿وتاللَّهِ لَأكِيدَنَّ أصْنامَكُمْ﴾ واحْتَجَّ هَذا القائِلُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهم يُقالُ لَهُ إبْراهِيمُ﴾ . وثانِيها: قالَ الكَلْبِيُّ: كانَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن أهْلِ بَيْتٍ يَنْظُرُونَ في النُّجُومِ، وكانُوا إذا خَرَجُوا إلى عِيدِهِمْ لَمْ يَتْرُكُوا إلّا مَرِيضًا، فَلَمّا هَمَّ إبْراهِيمُ بِالَّذِي هَمَّ بِهِ مِن كَسْرِ الأصْنامِ نَظَرَ قَبْلَ يَوْمِ العِيدِ إلى السَّماءِ فَقالَ لِأصْحابِهِ: أرانِي أشْتَكِي غَدًا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً في النُّجُومِ﴾ ﴿فَقالَ إنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩] وأصْبَحَ مِنَ الغَدِ مَعْصُوبًا رَأْسُهُ فَخَرَجَ القَوْمُ لِعِيدِهِمْ ولَمْ يَتَخَلَّفْ أحَدٌ غَيْرُهُ، فَقالَ: أما واللَّهِ لَأكِيدَنَّ أصْنامَكم، وسَمِعَ رَجُلٌ مِنهم هَذا القَوْلَ فَحَفِظَهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ إنَّ ذَلِكَ الرَّجُلَ أخْبَرَ غَيْرَهُ وانْتَشَرَ ذَلِكَ في جَماعَةٍ؛ فَلِذَلِكَ قالَ تَعالى: ﴿قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ﴾ واعْلَمْ أنَّ كِلا الوَجْهَيْنِ مُمْكِنٌ، ثُمَّ تَمامُ القِصَّةِ أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا دَخَلَ بَيْتَ الأصْنامِ وجَدَ سَبْعِينَ صَنَمًا مُصْطَفَّةً، وثَمَّ صَنَمٌ عَظِيمٌ مُسْتَقْبِلٌ البابَ، وكانَ مِن ذَهَبٍ، وكانَ في عَيْنَيْهِ جَوْهَرَتانِ تُضِيئانِ بِاللَّيْلِ، فَكَسَرَها كُلَّها بِفَأْسٍ في يَدِهِ حَتّى لَمْ يُبْقِ إلّا الكَبِيرَ، ثُمَّ عَلَّقَ الفَأْسَ في عُنُقِهِ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَجَعَلَهم جُذاذًا إلّا كَبِيرًا لَهم لَعَلَّهم إلَيْهِ يَرْجِعُونَ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: إنْ قِيلَ: لِمَ قالَ: ﴿فَجَعَلَهم جُذاذًا﴾ وهَذا جَمْعٌ لا يَلِيقُ إلّا بِالنّاسِ ؟ جَوابُهُ: مِن حَيْثُ اعْتَقَدُوا فِيها أنَّها كالنّاسِ في أنَّها تُعَظَّمُ ويُتَقَرَّبُ إلَيْها، ولَعَلَّ كانَ فِيهِمْ مَن يَظُنُّ أنَّها تَضُرُّ وتَنْفَعُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: جُذاذًا قِطَعًا مِنَ الجَذِّ وهو القَطْعُ، وقُرِئَ بِالكَسْرِ والفَتْحِ، وقُرِئَ جُذاذًا جَمْعَ جَذِيذٍ، وجِذَذًا جَمْعَ جُذَّةٍ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: إنْ قِيلَ: ما مَعْنى: ﴿إلّا كَبِيرًا لَهُمْ﴾ قُلْنا: يُحْتَمَلُ الكَبِيرُ في الخِلْقَةِ، ويُحْتَمَلُ في التَّعْظِيمِ، ويُحْتَمَلُ في الأمْرَيْنِ. * * * وأمّا قَوْلُهُ: ﴿لَعَلَّهم إلَيْهِ يَرْجِعُونَ﴾ فَيُحْتَمَلُ رُجُوعُهم إلى إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ويُحْتَمَلُ رُجُوعُهم إلى الكَبِيرِ؛ أمّا الأوَّلُ: فَتَقْرِيرُهُ مِن وجْهَيْنِ؛ الأوَّلُ: أنَّ المَعْنى أنَّهم لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ إلى مَقالَةِ إبْراهِيمَ، ويَعْدِلُونَ عَنِ الباطِلِ. والثّانِي: أنَّهُ غَلَبَ عَلى ظَنِّهِ أنَّهم لا يَرْجِعُونَ إلّا إلَيْهِ لِما تَسامَعُوهُ مِن إنْكارِهِ لِدِينِهِمْ وسَبِّهِ لِآلِهَتِهِمْ، فَبَكَّتَهم بِما أجابَ بِهِ مِن قَوْلِهِ: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا فاسْألُوهُمْ﴾ [الأنبياء: ٦٣] أمّا إذا قُلْنا: الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى الكَبِيرِ فَفِيهِ وجْهانِ؛ الأوَّلُ: أنَّ المَعْنى لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ إلَيْهِ كَما يُرْجَعُ إلى العالِمِ في حَلِّ المُشْكِلاتِ، فَيَقُولُونَ: ما لِهَؤُلاءِ مَكْسُورَةً، وما لَكَ صَحِيحًا والفَأْسُ عَلى عاتِقِكَ ؟ ! وهَذا قَوْلُ الكَلْبِيِّ، وإنَّما قالَ ذَلِكَ بِناءً عَلى كَثْرَةِ جَهالاتِهِمْ صفحة ١٥٩ فَلَعَلَّهم كانُوا يَعْتَقِدُونَ فِيها أنَّها تُجِيبُ وتَتَكَلَّمُ. والثّانِي: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ ذَلِكَ مَعَ عِلْمِهِ أنَّهم لا يَرْجِعُونَ إلَيْهِ اسْتِهْزاءً بِهِمْ، وإنَّ قِياسَ حالِ مَن يُسْجَدُ لَهُ ويُؤَهَّلُ لِلْعِبادَةِ أنْ يُرْجَعَ إلَيْهِ في حَلِّ المُشْكِلاتِ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: إنْ قِيلَ: أُولَئِكَ الأقْوامُ إمّا أنْ يُقالَ: إنَّهم كانُوا عُقَلاءَ أوْ ما كانُوا عُقَلاءَ؛ فَإنْ كانُوا عُقَلاءَ وجَبَ أنْ يَكُونُوا عالِمِينَ بِالضَّرُورَةِ أنَّ تِلْكَ الأصْنامَ لا تَسْمَعُ ولا تُبْصِرُ، ولا تَنْفَعُ ولا تَضُرُّ، فَأيُّ حاجَةٍ في إثْباتِ ذَلِكَ إلى كَسْرِها ؟ أقْصى ما في البابِ أنْ يُقالَ: القَوْمُ كانُوا يُعَظِّمُونَها كَما يُعَظِّمُ الواحِدُ مِنّا المُصْحَفَ والمَسْجِدَ والمِحْرابَ، وكَسْرُها لا يَقْدَحُ في كَوْنِها مُعَظَّمَةً مِن هَذا الوَجْهِ. وإنْ قُلْنا: إنَّهم ما كانُوا عُقَلاءَ وجَبَ أنْ لا تَحْسُنَ المُناظَرَةُ مَعَهم ولا بَعْثَةُ الرُّسُلِ إلَيْهِمْ، الجَوابُ: أنَّهم كانُوا عُقَلاءَ، وكانُوا عالِمِينَ بِالضَّرُورَةِ أنَّها جَماداتٌ، ولَكِنْ لَعَلَّهم كانُوا يَعْتَقِدُونَ فِيها أنَّها تَماثِيلُ الكَواكِبِ، وأنَّها طَلْسَماتٌ مَوْضُوعَةٌ، بِحَيْثُ إنَّ كُلَّ مَن عَبَدَها انْتَفَعَ بِها، وكُلَّ مَنِ اسْتَخَفَّ بِها نالَهُ مِنها ضَرَرٌ شَدِيدٌ، ثُمَّ إنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كَسَرَها مَعَ أنَّهُ ما نالَهُ مِنها البَتَّةَ ضَرَرٌ، فَكانَ فِعْلُهُ دالًّا عَلى فَسادِ مَذْهَبِهِمْ مِن هَذا الوَجْهِ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا مَن فَعَلَ هَذا بِآلِهَتِنا إنَّهُ لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ أيْ [ أنَّ ] مَن فَعَلَ هَذا الكَسْرَ والحَطْمَ لَشَدِيدُ الظُّلْمِ مَعْدُودٌ في الظَلَمَةِ؛ إمّا لِجَراءَتِهِ عَلى الآلِهَةِ الحَقِيقَةِ بِالتَّوْقِيرِ والإعْظامِ، وإمّا لِأنَّهم رَأوْا إفْراطًا في كَسْرِها، وتَمادِيًا في الِاسْتِهانَةِ بِها. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهم يُقالُ لَهُ إبْراهِيمُ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الزَّجّاجُ: ارْتَفَعَ إبْراهِيمُ عَلى وجْهَيْنِ؛ أحَدُهُما: عَلى مَعْنًى يُقالُ هو إبْراهِيمُ. والثّانِي: عَلى النِّداءِ عَلى مَعْنًى يُقالُ لَهُ: يا إبْراهِيمُ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: والصَّحِيحُ أنَّهُ فاعِلُ يُقالُ لِأنَّ المُرادَ الِاسْمُ دُونَ المُسَمّى. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ القائِلِينَ جَماعَةٌ لا واحِدٌ، فَكَأنَّهم كانُوا مِن قَبْلُ قَدْ عَرَفُوا مِنهُ وسَمِعُوا ما يَقُولُهُ في آلِهَتِهِمْ فَغَلَبَ عَلى قُلُوبِهِمْ أنَّهُ الفاعِلُ، ولَوْ لَمْ يَكُنْ إلّا قَوْلُهُ: ما هَذِهِ التَّماثِيلُ إلى غَيْرِ ذَلِكَ لَكَفى.

الأنبياء 21:58

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ بَل رَبُّكم رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وأنا عَلى ذَلِكم مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ ﴿وتاللَّهِ لَأكِيدَنَّ أصْنامَكم بَعْدَ أنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ﴾ ﴿فَجَعَلَهم جُذاذًا إلّا كَبِيرًا لَهم لَعَلَّهم إلَيْهِ يَرْجِعُونَ﴾ ﴿قالُوا مَن فَعَلَ هَذا بِآلِهَتِنا إنَّهُ لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ ﴿قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهم يُقالُ لَهُ إبْراهِيمُ﴾ اعْلَمْ أنَّ القَوْمَ لَمّا أُوهِمُوا أنَّهُ يُمازِحُ بِما خاطَبَهم بِهِ في أصْنامِهِمْ، أظْهَرَ عَلَيْهِ السَّلامُ ما يَعْلَمُونَ بِهِ أنَّهُ مُجِدٌّ في إظْهارِ الحَقِّ الَّذِي هو التَّوْحِيدُ، وذَلِكَ بِالقَوْلِ أوَّلًا وبِالفِعْلِ ثانِيًا؛ أمّا الطَّرِيقَةُ القَوْلِيَّةُ فَهي قَوْلُهُ: ﴿بَل رَبُّكم رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ﴾ وهَذِهِ الدَّلالَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ الخالِقَ الَّذِي خَلَقَهُما لِمَنافِعِ العِبادِ هو الَّذِي يَحْسُنُ أنْ يُعْبَدَ؛ لِأنَّ مَن يَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ يَقْدِرُ عَلى أنْ يَضُرَّ ويَنْفَعَ في الدّارِ الآخِرَةِ بِالعِقابِ والثَّوابِ. فَيَرْجَعُ حاصِلُ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ إلى الطَّرِيقَةِ الَّتِي ذَكَرَها لِأبِيهِ في قَوْلِهِ: ﴿ياأبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ ولا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريم: ٤٢] قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: الضَّمِيرُ في ”فَطَرَهُنَّ“ لِلسَّماواتِ والأرْضِ أوْ لِلتَّماثِيلِ، وكَوْنُهُ لِلتَّماثِيلِ أدْخَلَ في الِاحْتِجاجِ عَلَيْهِمْ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿وأنا عَلى ذَلِكم مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ فَفِيهِ وجْهانِ؛ الأوَّلُ: أنَّ المَقْصُودَ مِنهُ المُبالَغَةُ في التَّأْكِيدِ والتَّحْقِيقِ كَقَوْلِ الرَّجُلِ إذا بالَغَ في مَدْحِ أحَدٍ أوْ ذَمِّهِ أشْهَدُ أنَّهُ كَرِيمٌ أوْ ذَمِيمٌ. والثّانِي: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنى بِقَوْلِهِ: ﴿وأنا عَلى ذَلِكم مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ ادِّعاءَ أنَّهُ قادِرٌ عَلى إثْباتِ ما ذَكَرَهُ بِالحُجَّةِ، وأنِّي لَسْتُ مِثْلَكم فَأقُولُ ما لا أقْدِرُ عَلى إثْباتِهِ بِالحُجَّةِ، كَما لَمْ تَقْدِرُوا عَلى الِاحْتِجاجِ لِمَذْهَبِكم، ولَمْ تَزِيدُوا عَلى أنَّكم وجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكم، وأمّا الطَّرِيقَةُ الفِعْلِيَّةُ فَهي قَوْلُهُ: ﴿وتاللَّهِ لَأكِيدَنَّ أصْنامَكم بَعْدَ أنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ﴾ فَإنَّ القَوْمَ لَمّا لَمْ يَنْتَفِعُوا بِالدَّلالَةِ العَقْلِيَّةِ عَدَلَ إلى أنْ أراهم عَدَمَ الفائِدَةِ في عِبادَتِها، وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قَرَأ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وبِاللَّهِ، وقُرِئَ ”تَوَلَّوْا“ بِمَعْنى تَتَوَلَّوْا ويُقَوِّيها قَوْلُهُ: ﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ﴾ فَإنْ قُلْتَ: ما الفَرْقُ بَيْنَ الباءِ والتّاءِ ؟ قُلْتُ: إنَّ الباءَ هي الأصْلُ، والتّاءَ بَدَلٌ مِنَ الواوِ المُبْدَلِ مِنها، والتّاءُ فِيها زِيادَةُ مَعْنًى وهو التَّعَجُّبُ، كَأنَّهُ تَعَجَّبَ مِن تَسْهِيلِ الكَيْدِ عَلى يَدِهِ؛ لِأنَّ صفحة ١٥٨ ذَلِكَ كانَ أمْرًا مَقْنُوطًا مِنهُ لِصُعُوبَتِهِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: إنْ قِيلَ لِماذا قالَ: ﴿لَأكِيدَنَّ أصْنامَكُمْ﴾ والكَيْدُ هو الِاحْتِيالُ عَلى الغَيْرِ في ضَرَرٍ لا يَشْعُرُ بِهِ، وذَلِكَ لا يَتَأتّى في الأصْنامِ ؟ وجَوابُهُ: قالَ ذَلِكَ تَوَسُّعًا لَمّا كانَ عِنْدَهم أنَّ الضَّرَرَ يَجُوزُ عَلَيْها، وقِيلَ: المُرادُ لَأكِيدَنَّكم في أصْنامِكم؛ لِأنَّهُ بِذَلِكَ الفِعْلِ قَدْ أنْزَلَ بِهِمُ الغَمَّ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في كَيْفِيَّةِ أوَّلِ القِصَّةِ وجْهانِ؛ أحَدُهُما: قالَ السُّدِّيُّ: كانُوا إذا رَجَعُوا مِن عِيدِهِمْ دَخَلُوا عَلى الأصْنامِ فَسَجَدُوا لَها ثُمَّ عادُوا إلى مَنازِلِهِمْ، فَلَمّا كانَ هَذا الوَقْتُ قالَ آزَرُ لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ: لَوْ خَرَجْتَ مَعَنا، فَخَرَجَ مَعَهم، فَلَمّا كانَ بِبَعْضِ الطَّرِيقِ ألْقى نَفْسَهُ وقالَ: إنِّي سَقِيمٌ، أشْتَكِي رِجْلِي، فَلَمّا مَضَوْا وبَقِيَ ضُعَفاءُ النّاسِ نادى وقالَ: ﴿وتاللَّهِ لَأكِيدَنَّ أصْنامَكُمْ﴾ واحْتَجَّ هَذا القائِلُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهم يُقالُ لَهُ إبْراهِيمُ﴾ . وثانِيها: قالَ الكَلْبِيُّ: كانَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن أهْلِ بَيْتٍ يَنْظُرُونَ في النُّجُومِ، وكانُوا إذا خَرَجُوا إلى عِيدِهِمْ لَمْ يَتْرُكُوا إلّا مَرِيضًا، فَلَمّا هَمَّ إبْراهِيمُ بِالَّذِي هَمَّ بِهِ مِن كَسْرِ الأصْنامِ نَظَرَ قَبْلَ يَوْمِ العِيدِ إلى السَّماءِ فَقالَ لِأصْحابِهِ: أرانِي أشْتَكِي غَدًا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً في النُّجُومِ﴾ ﴿فَقالَ إنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩] وأصْبَحَ مِنَ الغَدِ مَعْصُوبًا رَأْسُهُ فَخَرَجَ القَوْمُ لِعِيدِهِمْ ولَمْ يَتَخَلَّفْ أحَدٌ غَيْرُهُ، فَقالَ: أما واللَّهِ لَأكِيدَنَّ أصْنامَكم، وسَمِعَ رَجُلٌ مِنهم هَذا القَوْلَ فَحَفِظَهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ إنَّ ذَلِكَ الرَّجُلَ أخْبَرَ غَيْرَهُ وانْتَشَرَ ذَلِكَ في جَماعَةٍ؛ فَلِذَلِكَ قالَ تَعالى: ﴿قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ﴾ واعْلَمْ أنَّ كِلا الوَجْهَيْنِ مُمْكِنٌ، ثُمَّ تَمامُ القِصَّةِ أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا دَخَلَ بَيْتَ الأصْنامِ وجَدَ سَبْعِينَ صَنَمًا مُصْطَفَّةً، وثَمَّ صَنَمٌ عَظِيمٌ مُسْتَقْبِلٌ البابَ، وكانَ مِن ذَهَبٍ، وكانَ في عَيْنَيْهِ جَوْهَرَتانِ تُضِيئانِ بِاللَّيْلِ، فَكَسَرَها كُلَّها بِفَأْسٍ في يَدِهِ حَتّى لَمْ يُبْقِ إلّا الكَبِيرَ، ثُمَّ عَلَّقَ الفَأْسَ في عُنُقِهِ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَجَعَلَهم جُذاذًا إلّا كَبِيرًا لَهم لَعَلَّهم إلَيْهِ يَرْجِعُونَ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: إنْ قِيلَ: لِمَ قالَ: ﴿فَجَعَلَهم جُذاذًا﴾ وهَذا جَمْعٌ لا يَلِيقُ إلّا بِالنّاسِ ؟ جَوابُهُ: مِن حَيْثُ اعْتَقَدُوا فِيها أنَّها كالنّاسِ في أنَّها تُعَظَّمُ ويُتَقَرَّبُ إلَيْها، ولَعَلَّ كانَ فِيهِمْ مَن يَظُنُّ أنَّها تَضُرُّ وتَنْفَعُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: جُذاذًا قِطَعًا مِنَ الجَذِّ وهو القَطْعُ، وقُرِئَ بِالكَسْرِ والفَتْحِ، وقُرِئَ جُذاذًا جَمْعَ جَذِيذٍ، وجِذَذًا جَمْعَ جُذَّةٍ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: إنْ قِيلَ: ما مَعْنى: ﴿إلّا كَبِيرًا لَهُمْ﴾ قُلْنا: يُحْتَمَلُ الكَبِيرُ في الخِلْقَةِ، ويُحْتَمَلُ في التَّعْظِيمِ، ويُحْتَمَلُ في الأمْرَيْنِ. * * * وأمّا قَوْلُهُ: ﴿لَعَلَّهم إلَيْهِ يَرْجِعُونَ﴾ فَيُحْتَمَلُ رُجُوعُهم إلى إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ويُحْتَمَلُ رُجُوعُهم إلى الكَبِيرِ؛ أمّا الأوَّلُ: فَتَقْرِيرُهُ مِن وجْهَيْنِ؛ الأوَّلُ: أنَّ المَعْنى أنَّهم لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ إلى مَقالَةِ إبْراهِيمَ، ويَعْدِلُونَ عَنِ الباطِلِ. والثّانِي: أنَّهُ غَلَبَ عَلى ظَنِّهِ أنَّهم لا يَرْجِعُونَ إلّا إلَيْهِ لِما تَسامَعُوهُ مِن إنْكارِهِ لِدِينِهِمْ وسَبِّهِ لِآلِهَتِهِمْ، فَبَكَّتَهم بِما أجابَ بِهِ مِن قَوْلِهِ: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا فاسْألُوهُمْ﴾ [الأنبياء: ٦٣] أمّا إذا قُلْنا: الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى الكَبِيرِ فَفِيهِ وجْهانِ؛ الأوَّلُ: أنَّ المَعْنى لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ إلَيْهِ كَما يُرْجَعُ إلى العالِمِ في حَلِّ المُشْكِلاتِ، فَيَقُولُونَ: ما لِهَؤُلاءِ مَكْسُورَةً، وما لَكَ صَحِيحًا والفَأْسُ عَلى عاتِقِكَ ؟ ! وهَذا قَوْلُ الكَلْبِيِّ، وإنَّما قالَ ذَلِكَ بِناءً عَلى كَثْرَةِ جَهالاتِهِمْ صفحة ١٥٩ فَلَعَلَّهم كانُوا يَعْتَقِدُونَ فِيها أنَّها تُجِيبُ وتَتَكَلَّمُ. والثّانِي: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ ذَلِكَ مَعَ عِلْمِهِ أنَّهم لا يَرْجِعُونَ إلَيْهِ اسْتِهْزاءً بِهِمْ، وإنَّ قِياسَ حالِ مَن يُسْجَدُ لَهُ ويُؤَهَّلُ لِلْعِبادَةِ أنْ يُرْجَعَ إلَيْهِ في حَلِّ المُشْكِلاتِ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: إنْ قِيلَ: أُولَئِكَ الأقْوامُ إمّا أنْ يُقالَ: إنَّهم كانُوا عُقَلاءَ أوْ ما كانُوا عُقَلاءَ؛ فَإنْ كانُوا عُقَلاءَ وجَبَ أنْ يَكُونُوا عالِمِينَ بِالضَّرُورَةِ أنَّ تِلْكَ الأصْنامَ لا تَسْمَعُ ولا تُبْصِرُ، ولا تَنْفَعُ ولا تَضُرُّ، فَأيُّ حاجَةٍ في إثْباتِ ذَلِكَ إلى كَسْرِها ؟ أقْصى ما في البابِ أنْ يُقالَ: القَوْمُ كانُوا يُعَظِّمُونَها كَما يُعَظِّمُ الواحِدُ مِنّا المُصْحَفَ والمَسْجِدَ والمِحْرابَ، وكَسْرُها لا يَقْدَحُ في كَوْنِها مُعَظَّمَةً مِن هَذا الوَجْهِ. وإنْ قُلْنا: إنَّهم ما كانُوا عُقَلاءَ وجَبَ أنْ لا تَحْسُنَ المُناظَرَةُ مَعَهم ولا بَعْثَةُ الرُّسُلِ إلَيْهِمْ، الجَوابُ: أنَّهم كانُوا عُقَلاءَ، وكانُوا عالِمِينَ بِالضَّرُورَةِ أنَّها جَماداتٌ، ولَكِنْ لَعَلَّهم كانُوا يَعْتَقِدُونَ فِيها أنَّها تَماثِيلُ الكَواكِبِ، وأنَّها طَلْسَماتٌ مَوْضُوعَةٌ، بِحَيْثُ إنَّ كُلَّ مَن عَبَدَها انْتَفَعَ بِها، وكُلَّ مَنِ اسْتَخَفَّ بِها نالَهُ مِنها ضَرَرٌ شَدِيدٌ، ثُمَّ إنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كَسَرَها مَعَ أنَّهُ ما نالَهُ مِنها البَتَّةَ ضَرَرٌ، فَكانَ فِعْلُهُ دالًّا عَلى فَسادِ مَذْهَبِهِمْ مِن هَذا الوَجْهِ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا مَن فَعَلَ هَذا بِآلِهَتِنا إنَّهُ لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ أيْ [ أنَّ ] مَن فَعَلَ هَذا الكَسْرَ والحَطْمَ لَشَدِيدُ الظُّلْمِ مَعْدُودٌ في الظَلَمَةِ؛ إمّا لِجَراءَتِهِ عَلى الآلِهَةِ الحَقِيقَةِ بِالتَّوْقِيرِ والإعْظامِ، وإمّا لِأنَّهم رَأوْا إفْراطًا في كَسْرِها، وتَمادِيًا في الِاسْتِهانَةِ بِها. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهم يُقالُ لَهُ إبْراهِيمُ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الزَّجّاجُ: ارْتَفَعَ إبْراهِيمُ عَلى وجْهَيْنِ؛ أحَدُهُما: عَلى مَعْنًى يُقالُ هو إبْراهِيمُ. والثّانِي: عَلى النِّداءِ عَلى مَعْنًى يُقالُ لَهُ: يا إبْراهِيمُ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: والصَّحِيحُ أنَّهُ فاعِلُ يُقالُ لِأنَّ المُرادَ الِاسْمُ دُونَ المُسَمّى. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ القائِلِينَ جَماعَةٌ لا واحِدٌ، فَكَأنَّهم كانُوا مِن قَبْلُ قَدْ عَرَفُوا مِنهُ وسَمِعُوا ما يَقُولُهُ في آلِهَتِهِمْ فَغَلَبَ عَلى قُلُوبِهِمْ أنَّهُ الفاعِلُ، ولَوْ لَمْ يَكُنْ إلّا قَوْلُهُ: ما هَذِهِ التَّماثِيلُ إلى غَيْرِ ذَلِكَ لَكَفى.

الأنبياء 21:59

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ بَل رَبُّكم رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وأنا عَلى ذَلِكم مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ ﴿وتاللَّهِ لَأكِيدَنَّ أصْنامَكم بَعْدَ أنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ﴾ ﴿فَجَعَلَهم جُذاذًا إلّا كَبِيرًا لَهم لَعَلَّهم إلَيْهِ يَرْجِعُونَ﴾ ﴿قالُوا مَن فَعَلَ هَذا بِآلِهَتِنا إنَّهُ لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ ﴿قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهم يُقالُ لَهُ إبْراهِيمُ﴾ اعْلَمْ أنَّ القَوْمَ لَمّا أُوهِمُوا أنَّهُ يُمازِحُ بِما خاطَبَهم بِهِ في أصْنامِهِمْ، أظْهَرَ عَلَيْهِ السَّلامُ ما يَعْلَمُونَ بِهِ أنَّهُ مُجِدٌّ في إظْهارِ الحَقِّ الَّذِي هو التَّوْحِيدُ، وذَلِكَ بِالقَوْلِ أوَّلًا وبِالفِعْلِ ثانِيًا؛ أمّا الطَّرِيقَةُ القَوْلِيَّةُ فَهي قَوْلُهُ: ﴿بَل رَبُّكم رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ﴾ وهَذِهِ الدَّلالَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ الخالِقَ الَّذِي خَلَقَهُما لِمَنافِعِ العِبادِ هو الَّذِي يَحْسُنُ أنْ يُعْبَدَ؛ لِأنَّ مَن يَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ يَقْدِرُ عَلى أنْ يَضُرَّ ويَنْفَعَ في الدّارِ الآخِرَةِ بِالعِقابِ والثَّوابِ. فَيَرْجَعُ حاصِلُ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ إلى الطَّرِيقَةِ الَّتِي ذَكَرَها لِأبِيهِ في قَوْلِهِ: ﴿ياأبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ ولا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريم: ٤٢] قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: الضَّمِيرُ في ”فَطَرَهُنَّ“ لِلسَّماواتِ والأرْضِ أوْ لِلتَّماثِيلِ، وكَوْنُهُ لِلتَّماثِيلِ أدْخَلَ في الِاحْتِجاجِ عَلَيْهِمْ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿وأنا عَلى ذَلِكم مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ فَفِيهِ وجْهانِ؛ الأوَّلُ: أنَّ المَقْصُودَ مِنهُ المُبالَغَةُ في التَّأْكِيدِ والتَّحْقِيقِ كَقَوْلِ الرَّجُلِ إذا بالَغَ في مَدْحِ أحَدٍ أوْ ذَمِّهِ أشْهَدُ أنَّهُ كَرِيمٌ أوْ ذَمِيمٌ. والثّانِي: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنى بِقَوْلِهِ: ﴿وأنا عَلى ذَلِكم مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ ادِّعاءَ أنَّهُ قادِرٌ عَلى إثْباتِ ما ذَكَرَهُ بِالحُجَّةِ، وأنِّي لَسْتُ مِثْلَكم فَأقُولُ ما لا أقْدِرُ عَلى إثْباتِهِ بِالحُجَّةِ، كَما لَمْ تَقْدِرُوا عَلى الِاحْتِجاجِ لِمَذْهَبِكم، ولَمْ تَزِيدُوا عَلى أنَّكم وجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكم، وأمّا الطَّرِيقَةُ الفِعْلِيَّةُ فَهي قَوْلُهُ: ﴿وتاللَّهِ لَأكِيدَنَّ أصْنامَكم بَعْدَ أنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ﴾ فَإنَّ القَوْمَ لَمّا لَمْ يَنْتَفِعُوا بِالدَّلالَةِ العَقْلِيَّةِ عَدَلَ إلى أنْ أراهم عَدَمَ الفائِدَةِ في عِبادَتِها، وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قَرَأ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وبِاللَّهِ، وقُرِئَ ”تَوَلَّوْا“ بِمَعْنى تَتَوَلَّوْا ويُقَوِّيها قَوْلُهُ: ﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ﴾ فَإنْ قُلْتَ: ما الفَرْقُ بَيْنَ الباءِ والتّاءِ ؟ قُلْتُ: إنَّ الباءَ هي الأصْلُ، والتّاءَ بَدَلٌ مِنَ الواوِ المُبْدَلِ مِنها، والتّاءُ فِيها زِيادَةُ مَعْنًى وهو التَّعَجُّبُ، كَأنَّهُ تَعَجَّبَ مِن تَسْهِيلِ الكَيْدِ عَلى يَدِهِ؛ لِأنَّ صفحة ١٥٨ ذَلِكَ كانَ أمْرًا مَقْنُوطًا مِنهُ لِصُعُوبَتِهِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: إنْ قِيلَ لِماذا قالَ: ﴿لَأكِيدَنَّ أصْنامَكُمْ﴾ والكَيْدُ هو الِاحْتِيالُ عَلى الغَيْرِ في ضَرَرٍ لا يَشْعُرُ بِهِ، وذَلِكَ لا يَتَأتّى في الأصْنامِ ؟ وجَوابُهُ: قالَ ذَلِكَ تَوَسُّعًا لَمّا كانَ عِنْدَهم أنَّ الضَّرَرَ يَجُوزُ عَلَيْها، وقِيلَ: المُرادُ لَأكِيدَنَّكم في أصْنامِكم؛ لِأنَّهُ بِذَلِكَ الفِعْلِ قَدْ أنْزَلَ بِهِمُ الغَمَّ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في كَيْفِيَّةِ أوَّلِ القِصَّةِ وجْهانِ؛ أحَدُهُما: قالَ السُّدِّيُّ: كانُوا إذا رَجَعُوا مِن عِيدِهِمْ دَخَلُوا عَلى الأصْنامِ فَسَجَدُوا لَها ثُمَّ عادُوا إلى مَنازِلِهِمْ، فَلَمّا كانَ هَذا الوَقْتُ قالَ آزَرُ لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ: لَوْ خَرَجْتَ مَعَنا، فَخَرَجَ مَعَهم، فَلَمّا كانَ بِبَعْضِ الطَّرِيقِ ألْقى نَفْسَهُ وقالَ: إنِّي سَقِيمٌ، أشْتَكِي رِجْلِي، فَلَمّا مَضَوْا وبَقِيَ ضُعَفاءُ النّاسِ نادى وقالَ: ﴿وتاللَّهِ لَأكِيدَنَّ أصْنامَكُمْ﴾ واحْتَجَّ هَذا القائِلُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهم يُقالُ لَهُ إبْراهِيمُ﴾ . وثانِيها: قالَ الكَلْبِيُّ: كانَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن أهْلِ بَيْتٍ يَنْظُرُونَ في النُّجُومِ، وكانُوا إذا خَرَجُوا إلى عِيدِهِمْ لَمْ يَتْرُكُوا إلّا مَرِيضًا، فَلَمّا هَمَّ إبْراهِيمُ بِالَّذِي هَمَّ بِهِ مِن كَسْرِ الأصْنامِ نَظَرَ قَبْلَ يَوْمِ العِيدِ إلى السَّماءِ فَقالَ لِأصْحابِهِ: أرانِي أشْتَكِي غَدًا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً في النُّجُومِ﴾ ﴿فَقالَ إنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩] وأصْبَحَ مِنَ الغَدِ مَعْصُوبًا رَأْسُهُ فَخَرَجَ القَوْمُ لِعِيدِهِمْ ولَمْ يَتَخَلَّفْ أحَدٌ غَيْرُهُ، فَقالَ: أما واللَّهِ لَأكِيدَنَّ أصْنامَكم، وسَمِعَ رَجُلٌ مِنهم هَذا القَوْلَ فَحَفِظَهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ إنَّ ذَلِكَ الرَّجُلَ أخْبَرَ غَيْرَهُ وانْتَشَرَ ذَلِكَ في جَماعَةٍ؛ فَلِذَلِكَ قالَ تَعالى: ﴿قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ﴾ واعْلَمْ أنَّ كِلا الوَجْهَيْنِ مُمْكِنٌ، ثُمَّ تَمامُ القِصَّةِ أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا دَخَلَ بَيْتَ الأصْنامِ وجَدَ سَبْعِينَ صَنَمًا مُصْطَفَّةً، وثَمَّ صَنَمٌ عَظِيمٌ مُسْتَقْبِلٌ البابَ، وكانَ مِن ذَهَبٍ، وكانَ في عَيْنَيْهِ جَوْهَرَتانِ تُضِيئانِ بِاللَّيْلِ، فَكَسَرَها كُلَّها بِفَأْسٍ في يَدِهِ حَتّى لَمْ يُبْقِ إلّا الكَبِيرَ، ثُمَّ عَلَّقَ الفَأْسَ في عُنُقِهِ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَجَعَلَهم جُذاذًا إلّا كَبِيرًا لَهم لَعَلَّهم إلَيْهِ يَرْجِعُونَ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: إنْ قِيلَ: لِمَ قالَ: ﴿فَجَعَلَهم جُذاذًا﴾ وهَذا جَمْعٌ لا يَلِيقُ إلّا بِالنّاسِ ؟ جَوابُهُ: مِن حَيْثُ اعْتَقَدُوا فِيها أنَّها كالنّاسِ في أنَّها تُعَظَّمُ ويُتَقَرَّبُ إلَيْها، ولَعَلَّ كانَ فِيهِمْ مَن يَظُنُّ أنَّها تَضُرُّ وتَنْفَعُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: جُذاذًا قِطَعًا مِنَ الجَذِّ وهو القَطْعُ، وقُرِئَ بِالكَسْرِ والفَتْحِ، وقُرِئَ جُذاذًا جَمْعَ جَذِيذٍ، وجِذَذًا جَمْعَ جُذَّةٍ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: إنْ قِيلَ: ما مَعْنى: ﴿إلّا كَبِيرًا لَهُمْ﴾ قُلْنا: يُحْتَمَلُ الكَبِيرُ في الخِلْقَةِ، ويُحْتَمَلُ في التَّعْظِيمِ، ويُحْتَمَلُ في الأمْرَيْنِ. * * * وأمّا قَوْلُهُ: ﴿لَعَلَّهم إلَيْهِ يَرْجِعُونَ﴾ فَيُحْتَمَلُ رُجُوعُهم إلى إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ويُحْتَمَلُ رُجُوعُهم إلى الكَبِيرِ؛ أمّا الأوَّلُ: فَتَقْرِيرُهُ مِن وجْهَيْنِ؛ الأوَّلُ: أنَّ المَعْنى أنَّهم لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ إلى مَقالَةِ إبْراهِيمَ، ويَعْدِلُونَ عَنِ الباطِلِ. والثّانِي: أنَّهُ غَلَبَ عَلى ظَنِّهِ أنَّهم لا يَرْجِعُونَ إلّا إلَيْهِ لِما تَسامَعُوهُ مِن إنْكارِهِ لِدِينِهِمْ وسَبِّهِ لِآلِهَتِهِمْ، فَبَكَّتَهم بِما أجابَ بِهِ مِن قَوْلِهِ: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا فاسْألُوهُمْ﴾ [الأنبياء: ٦٣] أمّا إذا قُلْنا: الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى الكَبِيرِ فَفِيهِ وجْهانِ؛ الأوَّلُ: أنَّ المَعْنى لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ إلَيْهِ كَما يُرْجَعُ إلى العالِمِ في حَلِّ المُشْكِلاتِ، فَيَقُولُونَ: ما لِهَؤُلاءِ مَكْسُورَةً، وما لَكَ صَحِيحًا والفَأْسُ عَلى عاتِقِكَ ؟ ! وهَذا قَوْلُ الكَلْبِيِّ، وإنَّما قالَ ذَلِكَ بِناءً عَلى كَثْرَةِ جَهالاتِهِمْ صفحة ١٥٩ فَلَعَلَّهم كانُوا يَعْتَقِدُونَ فِيها أنَّها تُجِيبُ وتَتَكَلَّمُ. والثّانِي: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ ذَلِكَ مَعَ عِلْمِهِ أنَّهم لا يَرْجِعُونَ إلَيْهِ اسْتِهْزاءً بِهِمْ، وإنَّ قِياسَ حالِ مَن يُسْجَدُ لَهُ ويُؤَهَّلُ لِلْعِبادَةِ أنْ يُرْجَعَ إلَيْهِ في حَلِّ المُشْكِلاتِ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: إنْ قِيلَ: أُولَئِكَ الأقْوامُ إمّا أنْ يُقالَ: إنَّهم كانُوا عُقَلاءَ أوْ ما كانُوا عُقَلاءَ؛ فَإنْ كانُوا عُقَلاءَ وجَبَ أنْ يَكُونُوا عالِمِينَ بِالضَّرُورَةِ أنَّ تِلْكَ الأصْنامَ لا تَسْمَعُ ولا تُبْصِرُ، ولا تَنْفَعُ ولا تَضُرُّ، فَأيُّ حاجَةٍ في إثْباتِ ذَلِكَ إلى كَسْرِها ؟ أقْصى ما في البابِ أنْ يُقالَ: القَوْمُ كانُوا يُعَظِّمُونَها كَما يُعَظِّمُ الواحِدُ مِنّا المُصْحَفَ والمَسْجِدَ والمِحْرابَ، وكَسْرُها لا يَقْدَحُ في كَوْنِها مُعَظَّمَةً مِن هَذا الوَجْهِ. وإنْ قُلْنا: إنَّهم ما كانُوا عُقَلاءَ وجَبَ أنْ لا تَحْسُنَ المُناظَرَةُ مَعَهم ولا بَعْثَةُ الرُّسُلِ إلَيْهِمْ، الجَوابُ: أنَّهم كانُوا عُقَلاءَ، وكانُوا عالِمِينَ بِالضَّرُورَةِ أنَّها جَماداتٌ، ولَكِنْ لَعَلَّهم كانُوا يَعْتَقِدُونَ فِيها أنَّها تَماثِيلُ الكَواكِبِ، وأنَّها طَلْسَماتٌ مَوْضُوعَةٌ، بِحَيْثُ إنَّ كُلَّ مَن عَبَدَها انْتَفَعَ بِها، وكُلَّ مَنِ اسْتَخَفَّ بِها نالَهُ مِنها ضَرَرٌ شَدِيدٌ، ثُمَّ إنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كَسَرَها مَعَ أنَّهُ ما نالَهُ مِنها البَتَّةَ ضَرَرٌ، فَكانَ فِعْلُهُ دالًّا عَلى فَسادِ مَذْهَبِهِمْ مِن هَذا الوَجْهِ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا مَن فَعَلَ هَذا بِآلِهَتِنا إنَّهُ لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ أيْ [ أنَّ ] مَن فَعَلَ هَذا الكَسْرَ والحَطْمَ لَشَدِيدُ الظُّلْمِ مَعْدُودٌ في الظَلَمَةِ؛ إمّا لِجَراءَتِهِ عَلى الآلِهَةِ الحَقِيقَةِ بِالتَّوْقِيرِ والإعْظامِ، وإمّا لِأنَّهم رَأوْا إفْراطًا في كَسْرِها، وتَمادِيًا في الِاسْتِهانَةِ بِها. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهم يُقالُ لَهُ إبْراهِيمُ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الزَّجّاجُ: ارْتَفَعَ إبْراهِيمُ عَلى وجْهَيْنِ؛ أحَدُهُما: عَلى مَعْنًى يُقالُ هو إبْراهِيمُ. والثّانِي: عَلى النِّداءِ عَلى مَعْنًى يُقالُ لَهُ: يا إبْراهِيمُ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: والصَّحِيحُ أنَّهُ فاعِلُ يُقالُ لِأنَّ المُرادَ الِاسْمُ دُونَ المُسَمّى. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ القائِلِينَ جَماعَةٌ لا واحِدٌ، فَكَأنَّهم كانُوا مِن قَبْلُ قَدْ عَرَفُوا مِنهُ وسَمِعُوا ما يَقُولُهُ في آلِهَتِهِمْ فَغَلَبَ عَلى قُلُوبِهِمْ أنَّهُ الفاعِلُ، ولَوْ لَمْ يَكُنْ إلّا قَوْلُهُ: ما هَذِهِ التَّماثِيلُ إلى غَيْرِ ذَلِكَ لَكَفى.

الأنبياء 21:60

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ بَل رَبُّكم رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وأنا عَلى ذَلِكم مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ ﴿وتاللَّهِ لَأكِيدَنَّ أصْنامَكم بَعْدَ أنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ﴾ ﴿فَجَعَلَهم جُذاذًا إلّا كَبِيرًا لَهم لَعَلَّهم إلَيْهِ يَرْجِعُونَ﴾ ﴿قالُوا مَن فَعَلَ هَذا بِآلِهَتِنا إنَّهُ لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ ﴿قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهم يُقالُ لَهُ إبْراهِيمُ﴾ اعْلَمْ أنَّ القَوْمَ لَمّا أُوهِمُوا أنَّهُ يُمازِحُ بِما خاطَبَهم بِهِ في أصْنامِهِمْ، أظْهَرَ عَلَيْهِ السَّلامُ ما يَعْلَمُونَ بِهِ أنَّهُ مُجِدٌّ في إظْهارِ الحَقِّ الَّذِي هو التَّوْحِيدُ، وذَلِكَ بِالقَوْلِ أوَّلًا وبِالفِعْلِ ثانِيًا؛ أمّا الطَّرِيقَةُ القَوْلِيَّةُ فَهي قَوْلُهُ: ﴿بَل رَبُّكم رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ﴾ وهَذِهِ الدَّلالَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ الخالِقَ الَّذِي خَلَقَهُما لِمَنافِعِ العِبادِ هو الَّذِي يَحْسُنُ أنْ يُعْبَدَ؛ لِأنَّ مَن يَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ يَقْدِرُ عَلى أنْ يَضُرَّ ويَنْفَعَ في الدّارِ الآخِرَةِ بِالعِقابِ والثَّوابِ. فَيَرْجَعُ حاصِلُ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ إلى الطَّرِيقَةِ الَّتِي ذَكَرَها لِأبِيهِ في قَوْلِهِ: ﴿ياأبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ ولا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريم: ٤٢] قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: الضَّمِيرُ في ”فَطَرَهُنَّ“ لِلسَّماواتِ والأرْضِ أوْ لِلتَّماثِيلِ، وكَوْنُهُ لِلتَّماثِيلِ أدْخَلَ في الِاحْتِجاجِ عَلَيْهِمْ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿وأنا عَلى ذَلِكم مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ فَفِيهِ وجْهانِ؛ الأوَّلُ: أنَّ المَقْصُودَ مِنهُ المُبالَغَةُ في التَّأْكِيدِ والتَّحْقِيقِ كَقَوْلِ الرَّجُلِ إذا بالَغَ في مَدْحِ أحَدٍ أوْ ذَمِّهِ أشْهَدُ أنَّهُ كَرِيمٌ أوْ ذَمِيمٌ. والثّانِي: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنى بِقَوْلِهِ: ﴿وأنا عَلى ذَلِكم مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ ادِّعاءَ أنَّهُ قادِرٌ عَلى إثْباتِ ما ذَكَرَهُ بِالحُجَّةِ، وأنِّي لَسْتُ مِثْلَكم فَأقُولُ ما لا أقْدِرُ عَلى إثْباتِهِ بِالحُجَّةِ، كَما لَمْ تَقْدِرُوا عَلى الِاحْتِجاجِ لِمَذْهَبِكم، ولَمْ تَزِيدُوا عَلى أنَّكم وجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكم، وأمّا الطَّرِيقَةُ الفِعْلِيَّةُ فَهي قَوْلُهُ: ﴿وتاللَّهِ لَأكِيدَنَّ أصْنامَكم بَعْدَ أنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ﴾ فَإنَّ القَوْمَ لَمّا لَمْ يَنْتَفِعُوا بِالدَّلالَةِ العَقْلِيَّةِ عَدَلَ إلى أنْ أراهم عَدَمَ الفائِدَةِ في عِبادَتِها، وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قَرَأ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وبِاللَّهِ، وقُرِئَ ”تَوَلَّوْا“ بِمَعْنى تَتَوَلَّوْا ويُقَوِّيها قَوْلُهُ: ﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ﴾ فَإنْ قُلْتَ: ما الفَرْقُ بَيْنَ الباءِ والتّاءِ ؟ قُلْتُ: إنَّ الباءَ هي الأصْلُ، والتّاءَ بَدَلٌ مِنَ الواوِ المُبْدَلِ مِنها، والتّاءُ فِيها زِيادَةُ مَعْنًى وهو التَّعَجُّبُ، كَأنَّهُ تَعَجَّبَ مِن تَسْهِيلِ الكَيْدِ عَلى يَدِهِ؛ لِأنَّ صفحة ١٥٨ ذَلِكَ كانَ أمْرًا مَقْنُوطًا مِنهُ لِصُعُوبَتِهِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: إنْ قِيلَ لِماذا قالَ: ﴿لَأكِيدَنَّ أصْنامَكُمْ﴾ والكَيْدُ هو الِاحْتِيالُ عَلى الغَيْرِ في ضَرَرٍ لا يَشْعُرُ بِهِ، وذَلِكَ لا يَتَأتّى في الأصْنامِ ؟ وجَوابُهُ: قالَ ذَلِكَ تَوَسُّعًا لَمّا كانَ عِنْدَهم أنَّ الضَّرَرَ يَجُوزُ عَلَيْها، وقِيلَ: المُرادُ لَأكِيدَنَّكم في أصْنامِكم؛ لِأنَّهُ بِذَلِكَ الفِعْلِ قَدْ أنْزَلَ بِهِمُ الغَمَّ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في كَيْفِيَّةِ أوَّلِ القِصَّةِ وجْهانِ؛ أحَدُهُما: قالَ السُّدِّيُّ: كانُوا إذا رَجَعُوا مِن عِيدِهِمْ دَخَلُوا عَلى الأصْنامِ فَسَجَدُوا لَها ثُمَّ عادُوا إلى مَنازِلِهِمْ، فَلَمّا كانَ هَذا الوَقْتُ قالَ آزَرُ لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ: لَوْ خَرَجْتَ مَعَنا، فَخَرَجَ مَعَهم، فَلَمّا كانَ بِبَعْضِ الطَّرِيقِ ألْقى نَفْسَهُ وقالَ: إنِّي سَقِيمٌ، أشْتَكِي رِجْلِي، فَلَمّا مَضَوْا وبَقِيَ ضُعَفاءُ النّاسِ نادى وقالَ: ﴿وتاللَّهِ لَأكِيدَنَّ أصْنامَكُمْ﴾ واحْتَجَّ هَذا القائِلُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهم يُقالُ لَهُ إبْراهِيمُ﴾ . وثانِيها: قالَ الكَلْبِيُّ: كانَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن أهْلِ بَيْتٍ يَنْظُرُونَ في النُّجُومِ، وكانُوا إذا خَرَجُوا إلى عِيدِهِمْ لَمْ يَتْرُكُوا إلّا مَرِيضًا، فَلَمّا هَمَّ إبْراهِيمُ بِالَّذِي هَمَّ بِهِ مِن كَسْرِ الأصْنامِ نَظَرَ قَبْلَ يَوْمِ العِيدِ إلى السَّماءِ فَقالَ لِأصْحابِهِ: أرانِي أشْتَكِي غَدًا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً في النُّجُومِ﴾ ﴿فَقالَ إنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩] وأصْبَحَ مِنَ الغَدِ مَعْصُوبًا رَأْسُهُ فَخَرَجَ القَوْمُ لِعِيدِهِمْ ولَمْ يَتَخَلَّفْ أحَدٌ غَيْرُهُ، فَقالَ: أما واللَّهِ لَأكِيدَنَّ أصْنامَكم، وسَمِعَ رَجُلٌ مِنهم هَذا القَوْلَ فَحَفِظَهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ إنَّ ذَلِكَ الرَّجُلَ أخْبَرَ غَيْرَهُ وانْتَشَرَ ذَلِكَ في جَماعَةٍ؛ فَلِذَلِكَ قالَ تَعالى: ﴿قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ﴾ واعْلَمْ أنَّ كِلا الوَجْهَيْنِ مُمْكِنٌ، ثُمَّ تَمامُ القِصَّةِ أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا دَخَلَ بَيْتَ الأصْنامِ وجَدَ سَبْعِينَ صَنَمًا مُصْطَفَّةً، وثَمَّ صَنَمٌ عَظِيمٌ مُسْتَقْبِلٌ البابَ، وكانَ مِن ذَهَبٍ، وكانَ في عَيْنَيْهِ جَوْهَرَتانِ تُضِيئانِ بِاللَّيْلِ، فَكَسَرَها كُلَّها بِفَأْسٍ في يَدِهِ حَتّى لَمْ يُبْقِ إلّا الكَبِيرَ، ثُمَّ عَلَّقَ الفَأْسَ في عُنُقِهِ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَجَعَلَهم جُذاذًا إلّا كَبِيرًا لَهم لَعَلَّهم إلَيْهِ يَرْجِعُونَ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: إنْ قِيلَ: لِمَ قالَ: ﴿فَجَعَلَهم جُذاذًا﴾ وهَذا جَمْعٌ لا يَلِيقُ إلّا بِالنّاسِ ؟ جَوابُهُ: مِن حَيْثُ اعْتَقَدُوا فِيها أنَّها كالنّاسِ في أنَّها تُعَظَّمُ ويُتَقَرَّبُ إلَيْها، ولَعَلَّ كانَ فِيهِمْ مَن يَظُنُّ أنَّها تَضُرُّ وتَنْفَعُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: جُذاذًا قِطَعًا مِنَ الجَذِّ وهو القَطْعُ، وقُرِئَ بِالكَسْرِ والفَتْحِ، وقُرِئَ جُذاذًا جَمْعَ جَذِيذٍ، وجِذَذًا جَمْعَ جُذَّةٍ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: إنْ قِيلَ: ما مَعْنى: ﴿إلّا كَبِيرًا لَهُمْ﴾ قُلْنا: يُحْتَمَلُ الكَبِيرُ في الخِلْقَةِ، ويُحْتَمَلُ في التَّعْظِيمِ، ويُحْتَمَلُ في الأمْرَيْنِ. * * * وأمّا قَوْلُهُ: ﴿لَعَلَّهم إلَيْهِ يَرْجِعُونَ﴾ فَيُحْتَمَلُ رُجُوعُهم إلى إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ويُحْتَمَلُ رُجُوعُهم إلى الكَبِيرِ؛ أمّا الأوَّلُ: فَتَقْرِيرُهُ مِن وجْهَيْنِ؛ الأوَّلُ: أنَّ المَعْنى أنَّهم لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ إلى مَقالَةِ إبْراهِيمَ، ويَعْدِلُونَ عَنِ الباطِلِ. والثّانِي: أنَّهُ غَلَبَ عَلى ظَنِّهِ أنَّهم لا يَرْجِعُونَ إلّا إلَيْهِ لِما تَسامَعُوهُ مِن إنْكارِهِ لِدِينِهِمْ وسَبِّهِ لِآلِهَتِهِمْ، فَبَكَّتَهم بِما أجابَ بِهِ مِن قَوْلِهِ: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا فاسْألُوهُمْ﴾ [الأنبياء: ٦٣] أمّا إذا قُلْنا: الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى الكَبِيرِ فَفِيهِ وجْهانِ؛ الأوَّلُ: أنَّ المَعْنى لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ إلَيْهِ كَما يُرْجَعُ إلى العالِمِ في حَلِّ المُشْكِلاتِ، فَيَقُولُونَ: ما لِهَؤُلاءِ مَكْسُورَةً، وما لَكَ صَحِيحًا والفَأْسُ عَلى عاتِقِكَ ؟ ! وهَذا قَوْلُ الكَلْبِيِّ، وإنَّما قالَ ذَلِكَ بِناءً عَلى كَثْرَةِ جَهالاتِهِمْ صفحة ١٥٩ فَلَعَلَّهم كانُوا يَعْتَقِدُونَ فِيها أنَّها تُجِيبُ وتَتَكَلَّمُ. والثّانِي: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ ذَلِكَ مَعَ عِلْمِهِ أنَّهم لا يَرْجِعُونَ إلَيْهِ اسْتِهْزاءً بِهِمْ، وإنَّ قِياسَ حالِ مَن يُسْجَدُ لَهُ ويُؤَهَّلُ لِلْعِبادَةِ أنْ يُرْجَعَ إلَيْهِ في حَلِّ المُشْكِلاتِ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: إنْ قِيلَ: أُولَئِكَ الأقْوامُ إمّا أنْ يُقالَ: إنَّهم كانُوا عُقَلاءَ أوْ ما كانُوا عُقَلاءَ؛ فَإنْ كانُوا عُقَلاءَ وجَبَ أنْ يَكُونُوا عالِمِينَ بِالضَّرُورَةِ أنَّ تِلْكَ الأصْنامَ لا تَسْمَعُ ولا تُبْصِرُ، ولا تَنْفَعُ ولا تَضُرُّ، فَأيُّ حاجَةٍ في إثْباتِ ذَلِكَ إلى كَسْرِها ؟ أقْصى ما في البابِ أنْ يُقالَ: القَوْمُ كانُوا يُعَظِّمُونَها كَما يُعَظِّمُ الواحِدُ مِنّا المُصْحَفَ والمَسْجِدَ والمِحْرابَ، وكَسْرُها لا يَقْدَحُ في كَوْنِها مُعَظَّمَةً مِن هَذا الوَجْهِ. وإنْ قُلْنا: إنَّهم ما كانُوا عُقَلاءَ وجَبَ أنْ لا تَحْسُنَ المُناظَرَةُ مَعَهم ولا بَعْثَةُ الرُّسُلِ إلَيْهِمْ، الجَوابُ: أنَّهم كانُوا عُقَلاءَ، وكانُوا عالِمِينَ بِالضَّرُورَةِ أنَّها جَماداتٌ، ولَكِنْ لَعَلَّهم كانُوا يَعْتَقِدُونَ فِيها أنَّها تَماثِيلُ الكَواكِبِ، وأنَّها طَلْسَماتٌ مَوْضُوعَةٌ، بِحَيْثُ إنَّ كُلَّ مَن عَبَدَها انْتَفَعَ بِها، وكُلَّ مَنِ اسْتَخَفَّ بِها نالَهُ مِنها ضَرَرٌ شَدِيدٌ، ثُمَّ إنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كَسَرَها مَعَ أنَّهُ ما نالَهُ مِنها البَتَّةَ ضَرَرٌ، فَكانَ فِعْلُهُ دالًّا عَلى فَسادِ مَذْهَبِهِمْ مِن هَذا الوَجْهِ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا مَن فَعَلَ هَذا بِآلِهَتِنا إنَّهُ لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ أيْ [ أنَّ ] مَن فَعَلَ هَذا الكَسْرَ والحَطْمَ لَشَدِيدُ الظُّلْمِ مَعْدُودٌ في الظَلَمَةِ؛ إمّا لِجَراءَتِهِ عَلى الآلِهَةِ الحَقِيقَةِ بِالتَّوْقِيرِ والإعْظامِ، وإمّا لِأنَّهم رَأوْا إفْراطًا في كَسْرِها، وتَمادِيًا في الِاسْتِهانَةِ بِها. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهم يُقالُ لَهُ إبْراهِيمُ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الزَّجّاجُ: ارْتَفَعَ إبْراهِيمُ عَلى وجْهَيْنِ؛ أحَدُهُما: عَلى مَعْنًى يُقالُ هو إبْراهِيمُ. والثّانِي: عَلى النِّداءِ عَلى مَعْنًى يُقالُ لَهُ: يا إبْراهِيمُ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: والصَّحِيحُ أنَّهُ فاعِلُ يُقالُ لِأنَّ المُرادَ الِاسْمُ دُونَ المُسَمّى. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ القائِلِينَ جَماعَةٌ لا واحِدٌ، فَكَأنَّهم كانُوا مِن قَبْلُ قَدْ عَرَفُوا مِنهُ وسَمِعُوا ما يَقُولُهُ في آلِهَتِهِمْ فَغَلَبَ عَلى قُلُوبِهِمْ أنَّهُ الفاعِلُ، ولَوْ لَمْ يَكُنْ إلّا قَوْلُهُ: ما هَذِهِ التَّماثِيلُ إلى غَيْرِ ذَلِكَ لَكَفى.

الأنبياء 21:61

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ بَل رَبُّكم رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وأنا عَلى ذَلِكم مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ ﴿وتاللَّهِ لَأكِيدَنَّ أصْنامَكم بَعْدَ أنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ﴾ ﴿فَجَعَلَهم جُذاذًا إلّا كَبِيرًا لَهم لَعَلَّهم إلَيْهِ يَرْجِعُونَ﴾ ﴿قالُوا مَن فَعَلَ هَذا بِآلِهَتِنا إنَّهُ لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ ﴿قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهم يُقالُ لَهُ إبْراهِيمُ﴾ اعْلَمْ أنَّ القَوْمَ لَمّا أُوهِمُوا أنَّهُ يُمازِحُ بِما خاطَبَهم بِهِ في أصْنامِهِمْ، أظْهَرَ عَلَيْهِ السَّلامُ ما يَعْلَمُونَ بِهِ أنَّهُ مُجِدٌّ في إظْهارِ الحَقِّ الَّذِي هو التَّوْحِيدُ، وذَلِكَ بِالقَوْلِ أوَّلًا وبِالفِعْلِ ثانِيًا؛ أمّا الطَّرِيقَةُ القَوْلِيَّةُ فَهي قَوْلُهُ: ﴿بَل رَبُّكم رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ﴾ وهَذِهِ الدَّلالَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ الخالِقَ الَّذِي خَلَقَهُما لِمَنافِعِ العِبادِ هو الَّذِي يَحْسُنُ أنْ يُعْبَدَ؛ لِأنَّ مَن يَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ يَقْدِرُ عَلى أنْ يَضُرَّ ويَنْفَعَ في الدّارِ الآخِرَةِ بِالعِقابِ والثَّوابِ. فَيَرْجَعُ حاصِلُ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ إلى الطَّرِيقَةِ الَّتِي ذَكَرَها لِأبِيهِ في قَوْلِهِ: ﴿ياأبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ ولا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريم: ٤٢] قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: الضَّمِيرُ في ”فَطَرَهُنَّ“ لِلسَّماواتِ والأرْضِ أوْ لِلتَّماثِيلِ، وكَوْنُهُ لِلتَّماثِيلِ أدْخَلَ في الِاحْتِجاجِ عَلَيْهِمْ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿وأنا عَلى ذَلِكم مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ فَفِيهِ وجْهانِ؛ الأوَّلُ: أنَّ المَقْصُودَ مِنهُ المُبالَغَةُ في التَّأْكِيدِ والتَّحْقِيقِ كَقَوْلِ الرَّجُلِ إذا بالَغَ في مَدْحِ أحَدٍ أوْ ذَمِّهِ أشْهَدُ أنَّهُ كَرِيمٌ أوْ ذَمِيمٌ. والثّانِي: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنى بِقَوْلِهِ: ﴿وأنا عَلى ذَلِكم مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ ادِّعاءَ أنَّهُ قادِرٌ عَلى إثْباتِ ما ذَكَرَهُ بِالحُجَّةِ، وأنِّي لَسْتُ مِثْلَكم فَأقُولُ ما لا أقْدِرُ عَلى إثْباتِهِ بِالحُجَّةِ، كَما لَمْ تَقْدِرُوا عَلى الِاحْتِجاجِ لِمَذْهَبِكم، ولَمْ تَزِيدُوا عَلى أنَّكم وجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكم، وأمّا الطَّرِيقَةُ الفِعْلِيَّةُ فَهي قَوْلُهُ: ﴿وتاللَّهِ لَأكِيدَنَّ أصْنامَكم بَعْدَ أنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ﴾ فَإنَّ القَوْمَ لَمّا لَمْ يَنْتَفِعُوا بِالدَّلالَةِ العَقْلِيَّةِ عَدَلَ إلى أنْ أراهم عَدَمَ الفائِدَةِ في عِبادَتِها، وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قَرَأ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وبِاللَّهِ، وقُرِئَ ”تَوَلَّوْا“ بِمَعْنى تَتَوَلَّوْا ويُقَوِّيها قَوْلُهُ: ﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ﴾ فَإنْ قُلْتَ: ما الفَرْقُ بَيْنَ الباءِ والتّاءِ ؟ قُلْتُ: إنَّ الباءَ هي الأصْلُ، والتّاءَ بَدَلٌ مِنَ الواوِ المُبْدَلِ مِنها، والتّاءُ فِيها زِيادَةُ مَعْنًى وهو التَّعَجُّبُ، كَأنَّهُ تَعَجَّبَ مِن تَسْهِيلِ الكَيْدِ عَلى يَدِهِ؛ لِأنَّ صفحة ١٥٨ ذَلِكَ كانَ أمْرًا مَقْنُوطًا مِنهُ لِصُعُوبَتِهِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: إنْ قِيلَ لِماذا قالَ: ﴿لَأكِيدَنَّ أصْنامَكُمْ﴾ والكَيْدُ هو الِاحْتِيالُ عَلى الغَيْرِ في ضَرَرٍ لا يَشْعُرُ بِهِ، وذَلِكَ لا يَتَأتّى في الأصْنامِ ؟ وجَوابُهُ: قالَ ذَلِكَ تَوَسُّعًا لَمّا كانَ عِنْدَهم أنَّ الضَّرَرَ يَجُوزُ عَلَيْها، وقِيلَ: المُرادُ لَأكِيدَنَّكم في أصْنامِكم؛ لِأنَّهُ بِذَلِكَ الفِعْلِ قَدْ أنْزَلَ بِهِمُ الغَمَّ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في كَيْفِيَّةِ أوَّلِ القِصَّةِ وجْهانِ؛ أحَدُهُما: قالَ السُّدِّيُّ: كانُوا إذا رَجَعُوا مِن عِيدِهِمْ دَخَلُوا عَلى الأصْنامِ فَسَجَدُوا لَها ثُمَّ عادُوا إلى مَنازِلِهِمْ، فَلَمّا كانَ هَذا الوَقْتُ قالَ آزَرُ لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ: لَوْ خَرَجْتَ مَعَنا، فَخَرَجَ مَعَهم، فَلَمّا كانَ بِبَعْضِ الطَّرِيقِ ألْقى نَفْسَهُ وقالَ: إنِّي سَقِيمٌ، أشْتَكِي رِجْلِي، فَلَمّا مَضَوْا وبَقِيَ ضُعَفاءُ النّاسِ نادى وقالَ: ﴿وتاللَّهِ لَأكِيدَنَّ أصْنامَكُمْ﴾ واحْتَجَّ هَذا القائِلُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهم يُقالُ لَهُ إبْراهِيمُ﴾ . وثانِيها: قالَ الكَلْبِيُّ: كانَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن أهْلِ بَيْتٍ يَنْظُرُونَ في النُّجُومِ، وكانُوا إذا خَرَجُوا إلى عِيدِهِمْ لَمْ يَتْرُكُوا إلّا مَرِيضًا، فَلَمّا هَمَّ إبْراهِيمُ بِالَّذِي هَمَّ بِهِ مِن كَسْرِ الأصْنامِ نَظَرَ قَبْلَ يَوْمِ العِيدِ إلى السَّماءِ فَقالَ لِأصْحابِهِ: أرانِي أشْتَكِي غَدًا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً في النُّجُومِ﴾ ﴿فَقالَ إنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩] وأصْبَحَ مِنَ الغَدِ مَعْصُوبًا رَأْسُهُ فَخَرَجَ القَوْمُ لِعِيدِهِمْ ولَمْ يَتَخَلَّفْ أحَدٌ غَيْرُهُ، فَقالَ: أما واللَّهِ لَأكِيدَنَّ أصْنامَكم، وسَمِعَ رَجُلٌ مِنهم هَذا القَوْلَ فَحَفِظَهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ إنَّ ذَلِكَ الرَّجُلَ أخْبَرَ غَيْرَهُ وانْتَشَرَ ذَلِكَ في جَماعَةٍ؛ فَلِذَلِكَ قالَ تَعالى: ﴿قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ﴾ واعْلَمْ أنَّ كِلا الوَجْهَيْنِ مُمْكِنٌ، ثُمَّ تَمامُ القِصَّةِ أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا دَخَلَ بَيْتَ الأصْنامِ وجَدَ سَبْعِينَ صَنَمًا مُصْطَفَّةً، وثَمَّ صَنَمٌ عَظِيمٌ مُسْتَقْبِلٌ البابَ، وكانَ مِن ذَهَبٍ، وكانَ في عَيْنَيْهِ جَوْهَرَتانِ تُضِيئانِ بِاللَّيْلِ، فَكَسَرَها كُلَّها بِفَأْسٍ في يَدِهِ حَتّى لَمْ يُبْقِ إلّا الكَبِيرَ، ثُمَّ عَلَّقَ الفَأْسَ في عُنُقِهِ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَجَعَلَهم جُذاذًا إلّا كَبِيرًا لَهم لَعَلَّهم إلَيْهِ يَرْجِعُونَ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: إنْ قِيلَ: لِمَ قالَ: ﴿فَجَعَلَهم جُذاذًا﴾ وهَذا جَمْعٌ لا يَلِيقُ إلّا بِالنّاسِ ؟ جَوابُهُ: مِن حَيْثُ اعْتَقَدُوا فِيها أنَّها كالنّاسِ في أنَّها تُعَظَّمُ ويُتَقَرَّبُ إلَيْها، ولَعَلَّ كانَ فِيهِمْ مَن يَظُنُّ أنَّها تَضُرُّ وتَنْفَعُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: جُذاذًا قِطَعًا مِنَ الجَذِّ وهو القَطْعُ، وقُرِئَ بِالكَسْرِ والفَتْحِ، وقُرِئَ جُذاذًا جَمْعَ جَذِيذٍ، وجِذَذًا جَمْعَ جُذَّةٍ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: إنْ قِيلَ: ما مَعْنى: ﴿إلّا كَبِيرًا لَهُمْ﴾ قُلْنا: يُحْتَمَلُ الكَبِيرُ في الخِلْقَةِ، ويُحْتَمَلُ في التَّعْظِيمِ، ويُحْتَمَلُ في الأمْرَيْنِ. * * * وأمّا قَوْلُهُ: ﴿لَعَلَّهم إلَيْهِ يَرْجِعُونَ﴾ فَيُحْتَمَلُ رُجُوعُهم إلى إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ويُحْتَمَلُ رُجُوعُهم إلى الكَبِيرِ؛ أمّا الأوَّلُ: فَتَقْرِيرُهُ مِن وجْهَيْنِ؛ الأوَّلُ: أنَّ المَعْنى أنَّهم لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ إلى مَقالَةِ إبْراهِيمَ، ويَعْدِلُونَ عَنِ الباطِلِ. والثّانِي: أنَّهُ غَلَبَ عَلى ظَنِّهِ أنَّهم لا يَرْجِعُونَ إلّا إلَيْهِ لِما تَسامَعُوهُ مِن إنْكارِهِ لِدِينِهِمْ وسَبِّهِ لِآلِهَتِهِمْ، فَبَكَّتَهم بِما أجابَ بِهِ مِن قَوْلِهِ: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا فاسْألُوهُمْ﴾ [الأنبياء: ٦٣] أمّا إذا قُلْنا: الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى الكَبِيرِ فَفِيهِ وجْهانِ؛ الأوَّلُ: أنَّ المَعْنى لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ إلَيْهِ كَما يُرْجَعُ إلى العالِمِ في حَلِّ المُشْكِلاتِ، فَيَقُولُونَ: ما لِهَؤُلاءِ مَكْسُورَةً، وما لَكَ صَحِيحًا والفَأْسُ عَلى عاتِقِكَ ؟ ! وهَذا قَوْلُ الكَلْبِيِّ، وإنَّما قالَ ذَلِكَ بِناءً عَلى كَثْرَةِ جَهالاتِهِمْ صفحة ١٥٩ فَلَعَلَّهم كانُوا يَعْتَقِدُونَ فِيها أنَّها تُجِيبُ وتَتَكَلَّمُ. والثّانِي: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ ذَلِكَ مَعَ عِلْمِهِ أنَّهم لا يَرْجِعُونَ إلَيْهِ اسْتِهْزاءً بِهِمْ، وإنَّ قِياسَ حالِ مَن يُسْجَدُ لَهُ ويُؤَهَّلُ لِلْعِبادَةِ أنْ يُرْجَعَ إلَيْهِ في حَلِّ المُشْكِلاتِ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: إنْ قِيلَ: أُولَئِكَ الأقْوامُ إمّا أنْ يُقالَ: إنَّهم كانُوا عُقَلاءَ أوْ ما كانُوا عُقَلاءَ؛ فَإنْ كانُوا عُقَلاءَ وجَبَ أنْ يَكُونُوا عالِمِينَ بِالضَّرُورَةِ أنَّ تِلْكَ الأصْنامَ لا تَسْمَعُ ولا تُبْصِرُ، ولا تَنْفَعُ ولا تَضُرُّ، فَأيُّ حاجَةٍ في إثْباتِ ذَلِكَ إلى كَسْرِها ؟ أقْصى ما في البابِ أنْ يُقالَ: القَوْمُ كانُوا يُعَظِّمُونَها كَما يُعَظِّمُ الواحِدُ مِنّا المُصْحَفَ والمَسْجِدَ والمِحْرابَ، وكَسْرُها لا يَقْدَحُ في كَوْنِها مُعَظَّمَةً مِن هَذا الوَجْهِ. وإنْ قُلْنا: إنَّهم ما كانُوا عُقَلاءَ وجَبَ أنْ لا تَحْسُنَ المُناظَرَةُ مَعَهم ولا بَعْثَةُ الرُّسُلِ إلَيْهِمْ، الجَوابُ: أنَّهم كانُوا عُقَلاءَ، وكانُوا عالِمِينَ بِالضَّرُورَةِ أنَّها جَماداتٌ، ولَكِنْ لَعَلَّهم كانُوا يَعْتَقِدُونَ فِيها أنَّها تَماثِيلُ الكَواكِبِ، وأنَّها طَلْسَماتٌ مَوْضُوعَةٌ، بِحَيْثُ إنَّ كُلَّ مَن عَبَدَها انْتَفَعَ بِها، وكُلَّ مَنِ اسْتَخَفَّ بِها نالَهُ مِنها ضَرَرٌ شَدِيدٌ، ثُمَّ إنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كَسَرَها مَعَ أنَّهُ ما نالَهُ مِنها البَتَّةَ ضَرَرٌ، فَكانَ فِعْلُهُ دالًّا عَلى فَسادِ مَذْهَبِهِمْ مِن هَذا الوَجْهِ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا مَن فَعَلَ هَذا بِآلِهَتِنا إنَّهُ لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ أيْ [ أنَّ ] مَن فَعَلَ هَذا الكَسْرَ والحَطْمَ لَشَدِيدُ الظُّلْمِ مَعْدُودٌ في الظَلَمَةِ؛ إمّا لِجَراءَتِهِ عَلى الآلِهَةِ الحَقِيقَةِ بِالتَّوْقِيرِ والإعْظامِ، وإمّا لِأنَّهم رَأوْا إفْراطًا في كَسْرِها، وتَمادِيًا في الِاسْتِهانَةِ بِها. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهم يُقالُ لَهُ إبْراهِيمُ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الزَّجّاجُ: ارْتَفَعَ إبْراهِيمُ عَلى وجْهَيْنِ؛ أحَدُهُما: عَلى مَعْنًى يُقالُ هو إبْراهِيمُ. والثّانِي: عَلى النِّداءِ عَلى مَعْنًى يُقالُ لَهُ: يا إبْراهِيمُ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: والصَّحِيحُ أنَّهُ فاعِلُ يُقالُ لِأنَّ المُرادَ الِاسْمُ دُونَ المُسَمّى. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ القائِلِينَ جَماعَةٌ لا واحِدٌ، فَكَأنَّهم كانُوا مِن قَبْلُ قَدْ عَرَفُوا مِنهُ وسَمِعُوا ما يَقُولُهُ في آلِهَتِهِمْ فَغَلَبَ عَلى قُلُوبِهِمْ أنَّهُ الفاعِلُ، ولَوْ لَمْ يَكُنْ إلّا قَوْلُهُ: ما هَذِهِ التَّماثِيلُ إلى غَيْرِ ذَلِكَ لَكَفى.

الأنبياء 21:62

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ بَل رَبُّكم رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وأنا عَلى ذَلِكم مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ ﴿وتاللَّهِ لَأكِيدَنَّ أصْنامَكم بَعْدَ أنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ﴾ ﴿فَجَعَلَهم جُذاذًا إلّا كَبِيرًا لَهم لَعَلَّهم إلَيْهِ يَرْجِعُونَ﴾ ﴿قالُوا مَن فَعَلَ هَذا بِآلِهَتِنا إنَّهُ لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ ﴿قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهم يُقالُ لَهُ إبْراهِيمُ﴾ اعْلَمْ أنَّ القَوْمَ لَمّا أُوهِمُوا أنَّهُ يُمازِحُ بِما خاطَبَهم بِهِ في أصْنامِهِمْ، أظْهَرَ عَلَيْهِ السَّلامُ ما يَعْلَمُونَ بِهِ أنَّهُ مُجِدٌّ في إظْهارِ الحَقِّ الَّذِي هو التَّوْحِيدُ، وذَلِكَ بِالقَوْلِ أوَّلًا وبِالفِعْلِ ثانِيًا؛ أمّا الطَّرِيقَةُ القَوْلِيَّةُ فَهي قَوْلُهُ: ﴿بَل رَبُّكم رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ﴾ وهَذِهِ الدَّلالَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ الخالِقَ الَّذِي خَلَقَهُما لِمَنافِعِ العِبادِ هو الَّذِي يَحْسُنُ أنْ يُعْبَدَ؛ لِأنَّ مَن يَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ يَقْدِرُ عَلى أنْ يَضُرَّ ويَنْفَعَ في الدّارِ الآخِرَةِ بِالعِقابِ والثَّوابِ. فَيَرْجَعُ حاصِلُ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ إلى الطَّرِيقَةِ الَّتِي ذَكَرَها لِأبِيهِ في قَوْلِهِ: ﴿ياأبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ ولا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريم: ٤٢] قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: الضَّمِيرُ في ”فَطَرَهُنَّ“ لِلسَّماواتِ والأرْضِ أوْ لِلتَّماثِيلِ، وكَوْنُهُ لِلتَّماثِيلِ أدْخَلَ في الِاحْتِجاجِ عَلَيْهِمْ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿وأنا عَلى ذَلِكم مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ فَفِيهِ وجْهانِ؛ الأوَّلُ: أنَّ المَقْصُودَ مِنهُ المُبالَغَةُ في التَّأْكِيدِ والتَّحْقِيقِ كَقَوْلِ الرَّجُلِ إذا بالَغَ في مَدْحِ أحَدٍ أوْ ذَمِّهِ أشْهَدُ أنَّهُ كَرِيمٌ أوْ ذَمِيمٌ. والثّانِي: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنى بِقَوْلِهِ: ﴿وأنا عَلى ذَلِكم مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ ادِّعاءَ أنَّهُ قادِرٌ عَلى إثْباتِ ما ذَكَرَهُ بِالحُجَّةِ، وأنِّي لَسْتُ مِثْلَكم فَأقُولُ ما لا أقْدِرُ عَلى إثْباتِهِ بِالحُجَّةِ، كَما لَمْ تَقْدِرُوا عَلى الِاحْتِجاجِ لِمَذْهَبِكم، ولَمْ تَزِيدُوا عَلى أنَّكم وجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكم، وأمّا الطَّرِيقَةُ الفِعْلِيَّةُ فَهي قَوْلُهُ: ﴿وتاللَّهِ لَأكِيدَنَّ أصْنامَكم بَعْدَ أنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ﴾ فَإنَّ القَوْمَ لَمّا لَمْ يَنْتَفِعُوا بِالدَّلالَةِ العَقْلِيَّةِ عَدَلَ إلى أنْ أراهم عَدَمَ الفائِدَةِ في عِبادَتِها، وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قَرَأ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وبِاللَّهِ، وقُرِئَ ”تَوَلَّوْا“ بِمَعْنى تَتَوَلَّوْا ويُقَوِّيها قَوْلُهُ: ﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ﴾ فَإنْ قُلْتَ: ما الفَرْقُ بَيْنَ الباءِ والتّاءِ ؟ قُلْتُ: إنَّ الباءَ هي الأصْلُ، والتّاءَ بَدَلٌ مِنَ الواوِ المُبْدَلِ مِنها، والتّاءُ فِيها زِيادَةُ مَعْنًى وهو التَّعَجُّبُ، كَأنَّهُ تَعَجَّبَ مِن تَسْهِيلِ الكَيْدِ عَلى يَدِهِ؛ لِأنَّ صفحة ١٥٨ ذَلِكَ كانَ أمْرًا مَقْنُوطًا مِنهُ لِصُعُوبَتِهِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: إنْ قِيلَ لِماذا قالَ: ﴿لَأكِيدَنَّ أصْنامَكُمْ﴾ والكَيْدُ هو الِاحْتِيالُ عَلى الغَيْرِ في ضَرَرٍ لا يَشْعُرُ بِهِ، وذَلِكَ لا يَتَأتّى في الأصْنامِ ؟ وجَوابُهُ: قالَ ذَلِكَ تَوَسُّعًا لَمّا كانَ عِنْدَهم أنَّ الضَّرَرَ يَجُوزُ عَلَيْها، وقِيلَ: المُرادُ لَأكِيدَنَّكم في أصْنامِكم؛ لِأنَّهُ بِذَلِكَ الفِعْلِ قَدْ أنْزَلَ بِهِمُ الغَمَّ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في كَيْفِيَّةِ أوَّلِ القِصَّةِ وجْهانِ؛ أحَدُهُما: قالَ السُّدِّيُّ: كانُوا إذا رَجَعُوا مِن عِيدِهِمْ دَخَلُوا عَلى الأصْنامِ فَسَجَدُوا لَها ثُمَّ عادُوا إلى مَنازِلِهِمْ، فَلَمّا كانَ هَذا الوَقْتُ قالَ آزَرُ لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ: لَوْ خَرَجْتَ مَعَنا، فَخَرَجَ مَعَهم، فَلَمّا كانَ بِبَعْضِ الطَّرِيقِ ألْقى نَفْسَهُ وقالَ: إنِّي سَقِيمٌ، أشْتَكِي رِجْلِي، فَلَمّا مَضَوْا وبَقِيَ ضُعَفاءُ النّاسِ نادى وقالَ: ﴿وتاللَّهِ لَأكِيدَنَّ أصْنامَكُمْ﴾ واحْتَجَّ هَذا القائِلُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهم يُقالُ لَهُ إبْراهِيمُ﴾ . وثانِيها: قالَ الكَلْبِيُّ: كانَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن أهْلِ بَيْتٍ يَنْظُرُونَ في النُّجُومِ، وكانُوا إذا خَرَجُوا إلى عِيدِهِمْ لَمْ يَتْرُكُوا إلّا مَرِيضًا، فَلَمّا هَمَّ إبْراهِيمُ بِالَّذِي هَمَّ بِهِ مِن كَسْرِ الأصْنامِ نَظَرَ قَبْلَ يَوْمِ العِيدِ إلى السَّماءِ فَقالَ لِأصْحابِهِ: أرانِي أشْتَكِي غَدًا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً في النُّجُومِ﴾ ﴿فَقالَ إنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩] وأصْبَحَ مِنَ الغَدِ مَعْصُوبًا رَأْسُهُ فَخَرَجَ القَوْمُ لِعِيدِهِمْ ولَمْ يَتَخَلَّفْ أحَدٌ غَيْرُهُ، فَقالَ: أما واللَّهِ لَأكِيدَنَّ أصْنامَكم، وسَمِعَ رَجُلٌ مِنهم هَذا القَوْلَ فَحَفِظَهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ إنَّ ذَلِكَ الرَّجُلَ أخْبَرَ غَيْرَهُ وانْتَشَرَ ذَلِكَ في جَماعَةٍ؛ فَلِذَلِكَ قالَ تَعالى: ﴿قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ﴾ واعْلَمْ أنَّ كِلا الوَجْهَيْنِ مُمْكِنٌ، ثُمَّ تَمامُ القِصَّةِ أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا دَخَلَ بَيْتَ الأصْنامِ وجَدَ سَبْعِينَ صَنَمًا مُصْطَفَّةً، وثَمَّ صَنَمٌ عَظِيمٌ مُسْتَقْبِلٌ البابَ، وكانَ مِن ذَهَبٍ، وكانَ في عَيْنَيْهِ جَوْهَرَتانِ تُضِيئانِ بِاللَّيْلِ، فَكَسَرَها كُلَّها بِفَأْسٍ في يَدِهِ حَتّى لَمْ يُبْقِ إلّا الكَبِيرَ، ثُمَّ عَلَّقَ الفَأْسَ في عُنُقِهِ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَجَعَلَهم جُذاذًا إلّا كَبِيرًا لَهم لَعَلَّهم إلَيْهِ يَرْجِعُونَ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: إنْ قِيلَ: لِمَ قالَ: ﴿فَجَعَلَهم جُذاذًا﴾ وهَذا جَمْعٌ لا يَلِيقُ إلّا بِالنّاسِ ؟ جَوابُهُ: مِن حَيْثُ اعْتَقَدُوا فِيها أنَّها كالنّاسِ في أنَّها تُعَظَّمُ ويُتَقَرَّبُ إلَيْها، ولَعَلَّ كانَ فِيهِمْ مَن يَظُنُّ أنَّها تَضُرُّ وتَنْفَعُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: جُذاذًا قِطَعًا مِنَ الجَذِّ وهو القَطْعُ، وقُرِئَ بِالكَسْرِ والفَتْحِ، وقُرِئَ جُذاذًا جَمْعَ جَذِيذٍ، وجِذَذًا جَمْعَ جُذَّةٍ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: إنْ قِيلَ: ما مَعْنى: ﴿إلّا كَبِيرًا لَهُمْ﴾ قُلْنا: يُحْتَمَلُ الكَبِيرُ في الخِلْقَةِ، ويُحْتَمَلُ في التَّعْظِيمِ، ويُحْتَمَلُ في الأمْرَيْنِ. * * * وأمّا قَوْلُهُ: ﴿لَعَلَّهم إلَيْهِ يَرْجِعُونَ﴾ فَيُحْتَمَلُ رُجُوعُهم إلى إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ويُحْتَمَلُ رُجُوعُهم إلى الكَبِيرِ؛ أمّا الأوَّلُ: فَتَقْرِيرُهُ مِن وجْهَيْنِ؛ الأوَّلُ: أنَّ المَعْنى أنَّهم لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ إلى مَقالَةِ إبْراهِيمَ، ويَعْدِلُونَ عَنِ الباطِلِ. والثّانِي: أنَّهُ غَلَبَ عَلى ظَنِّهِ أنَّهم لا يَرْجِعُونَ إلّا إلَيْهِ لِما تَسامَعُوهُ مِن إنْكارِهِ لِدِينِهِمْ وسَبِّهِ لِآلِهَتِهِمْ، فَبَكَّتَهم بِما أجابَ بِهِ مِن قَوْلِهِ: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا فاسْألُوهُمْ﴾ [الأنبياء: ٦٣] أمّا إذا قُلْنا: الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى الكَبِيرِ فَفِيهِ وجْهانِ؛ الأوَّلُ: أنَّ المَعْنى لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ إلَيْهِ كَما يُرْجَعُ إلى العالِمِ في حَلِّ المُشْكِلاتِ، فَيَقُولُونَ: ما لِهَؤُلاءِ مَكْسُورَةً، وما لَكَ صَحِيحًا والفَأْسُ عَلى عاتِقِكَ ؟ ! وهَذا قَوْلُ الكَلْبِيِّ، وإنَّما قالَ ذَلِكَ بِناءً عَلى كَثْرَةِ جَهالاتِهِمْ صفحة ١٥٩ فَلَعَلَّهم كانُوا يَعْتَقِدُونَ فِيها أنَّها تُجِيبُ وتَتَكَلَّمُ. والثّانِي: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ ذَلِكَ مَعَ عِلْمِهِ أنَّهم لا يَرْجِعُونَ إلَيْهِ اسْتِهْزاءً بِهِمْ، وإنَّ قِياسَ حالِ مَن يُسْجَدُ لَهُ ويُؤَهَّلُ لِلْعِبادَةِ أنْ يُرْجَعَ إلَيْهِ في حَلِّ المُشْكِلاتِ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: إنْ قِيلَ: أُولَئِكَ الأقْوامُ إمّا أنْ يُقالَ: إنَّهم كانُوا عُقَلاءَ أوْ ما كانُوا عُقَلاءَ؛ فَإنْ كانُوا عُقَلاءَ وجَبَ أنْ يَكُونُوا عالِمِينَ بِالضَّرُورَةِ أنَّ تِلْكَ الأصْنامَ لا تَسْمَعُ ولا تُبْصِرُ، ولا تَنْفَعُ ولا تَضُرُّ، فَأيُّ حاجَةٍ في إثْباتِ ذَلِكَ إلى كَسْرِها ؟ أقْصى ما في البابِ أنْ يُقالَ: القَوْمُ كانُوا يُعَظِّمُونَها كَما يُعَظِّمُ الواحِدُ مِنّا المُصْحَفَ والمَسْجِدَ والمِحْرابَ، وكَسْرُها لا يَقْدَحُ في كَوْنِها مُعَظَّمَةً مِن هَذا الوَجْهِ. وإنْ قُلْنا: إنَّهم ما كانُوا عُقَلاءَ وجَبَ أنْ لا تَحْسُنَ المُناظَرَةُ مَعَهم ولا بَعْثَةُ الرُّسُلِ إلَيْهِمْ، الجَوابُ: أنَّهم كانُوا عُقَلاءَ، وكانُوا عالِمِينَ بِالضَّرُورَةِ أنَّها جَماداتٌ، ولَكِنْ لَعَلَّهم كانُوا يَعْتَقِدُونَ فِيها أنَّها تَماثِيلُ الكَواكِبِ، وأنَّها طَلْسَماتٌ مَوْضُوعَةٌ، بِحَيْثُ إنَّ كُلَّ مَن عَبَدَها انْتَفَعَ بِها، وكُلَّ مَنِ اسْتَخَفَّ بِها نالَهُ مِنها ضَرَرٌ شَدِيدٌ، ثُمَّ إنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كَسَرَها مَعَ أنَّهُ ما نالَهُ مِنها البَتَّةَ ضَرَرٌ، فَكانَ فِعْلُهُ دالًّا عَلى فَسادِ مَذْهَبِهِمْ مِن هَذا الوَجْهِ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا مَن فَعَلَ هَذا بِآلِهَتِنا إنَّهُ لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ أيْ [ أنَّ ] مَن فَعَلَ هَذا الكَسْرَ والحَطْمَ لَشَدِيدُ الظُّلْمِ مَعْدُودٌ في الظَلَمَةِ؛ إمّا لِجَراءَتِهِ عَلى الآلِهَةِ الحَقِيقَةِ بِالتَّوْقِيرِ والإعْظامِ، وإمّا لِأنَّهم رَأوْا إفْراطًا في كَسْرِها، وتَمادِيًا في الِاسْتِهانَةِ بِها. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهم يُقالُ لَهُ إبْراهِيمُ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الزَّجّاجُ: ارْتَفَعَ إبْراهِيمُ عَلى وجْهَيْنِ؛ أحَدُهُما: عَلى مَعْنًى يُقالُ هو إبْراهِيمُ. والثّانِي: عَلى النِّداءِ عَلى مَعْنًى يُقالُ لَهُ: يا إبْراهِيمُ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: والصَّحِيحُ أنَّهُ فاعِلُ يُقالُ لِأنَّ المُرادَ الِاسْمُ دُونَ المُسَمّى. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ القائِلِينَ جَماعَةٌ لا واحِدٌ، فَكَأنَّهم كانُوا مِن قَبْلُ قَدْ عَرَفُوا مِنهُ وسَمِعُوا ما يَقُولُهُ في آلِهَتِهِمْ فَغَلَبَ عَلى قُلُوبِهِمْ أنَّهُ الفاعِلُ، ولَوْ لَمْ يَكُنْ إلّا قَوْلُهُ: ما هَذِهِ التَّماثِيلُ إلى غَيْرِ ذَلِكَ لَكَفى.

الأنبياء 21:63

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ بَل رَبُّكم رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وأنا عَلى ذَلِكم مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ ﴿وتاللَّهِ لَأكِيدَنَّ أصْنامَكم بَعْدَ أنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ﴾ ﴿فَجَعَلَهم جُذاذًا إلّا كَبِيرًا لَهم لَعَلَّهم إلَيْهِ يَرْجِعُونَ﴾ ﴿قالُوا مَن فَعَلَ هَذا بِآلِهَتِنا إنَّهُ لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ ﴿قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهم يُقالُ لَهُ إبْراهِيمُ﴾ اعْلَمْ أنَّ القَوْمَ لَمّا أُوهِمُوا أنَّهُ يُمازِحُ بِما خاطَبَهم بِهِ في أصْنامِهِمْ، أظْهَرَ عَلَيْهِ السَّلامُ ما يَعْلَمُونَ بِهِ أنَّهُ مُجِدٌّ في إظْهارِ الحَقِّ الَّذِي هو التَّوْحِيدُ، وذَلِكَ بِالقَوْلِ أوَّلًا وبِالفِعْلِ ثانِيًا؛ أمّا الطَّرِيقَةُ القَوْلِيَّةُ فَهي قَوْلُهُ: ﴿بَل رَبُّكم رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ﴾ وهَذِهِ الدَّلالَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ الخالِقَ الَّذِي خَلَقَهُما لِمَنافِعِ العِبادِ هو الَّذِي يَحْسُنُ أنْ يُعْبَدَ؛ لِأنَّ مَن يَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ يَقْدِرُ عَلى أنْ يَضُرَّ ويَنْفَعَ في الدّارِ الآخِرَةِ بِالعِقابِ والثَّوابِ. فَيَرْجَعُ حاصِلُ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ إلى الطَّرِيقَةِ الَّتِي ذَكَرَها لِأبِيهِ في قَوْلِهِ: ﴿ياأبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ ولا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريم: ٤٢] قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: الضَّمِيرُ في ”فَطَرَهُنَّ“ لِلسَّماواتِ والأرْضِ أوْ لِلتَّماثِيلِ، وكَوْنُهُ لِلتَّماثِيلِ أدْخَلَ في الِاحْتِجاجِ عَلَيْهِمْ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿وأنا عَلى ذَلِكم مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ فَفِيهِ وجْهانِ؛ الأوَّلُ: أنَّ المَقْصُودَ مِنهُ المُبالَغَةُ في التَّأْكِيدِ والتَّحْقِيقِ كَقَوْلِ الرَّجُلِ إذا بالَغَ في مَدْحِ أحَدٍ أوْ ذَمِّهِ أشْهَدُ أنَّهُ كَرِيمٌ أوْ ذَمِيمٌ. والثّانِي: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنى بِقَوْلِهِ: ﴿وأنا عَلى ذَلِكم مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ ادِّعاءَ أنَّهُ قادِرٌ عَلى إثْباتِ ما ذَكَرَهُ بِالحُجَّةِ، وأنِّي لَسْتُ مِثْلَكم فَأقُولُ ما لا أقْدِرُ عَلى إثْباتِهِ بِالحُجَّةِ، كَما لَمْ تَقْدِرُوا عَلى الِاحْتِجاجِ لِمَذْهَبِكم، ولَمْ تَزِيدُوا عَلى أنَّكم وجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكم، وأمّا الطَّرِيقَةُ الفِعْلِيَّةُ فَهي قَوْلُهُ: ﴿وتاللَّهِ لَأكِيدَنَّ أصْنامَكم بَعْدَ أنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ﴾ فَإنَّ القَوْمَ لَمّا لَمْ يَنْتَفِعُوا بِالدَّلالَةِ العَقْلِيَّةِ عَدَلَ إلى أنْ أراهم عَدَمَ الفائِدَةِ في عِبادَتِها، وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قَرَأ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وبِاللَّهِ، وقُرِئَ ”تَوَلَّوْا“ بِمَعْنى تَتَوَلَّوْا ويُقَوِّيها قَوْلُهُ: ﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ﴾ فَإنْ قُلْتَ: ما الفَرْقُ بَيْنَ الباءِ والتّاءِ ؟ قُلْتُ: إنَّ الباءَ هي الأصْلُ، والتّاءَ بَدَلٌ مِنَ الواوِ المُبْدَلِ مِنها، والتّاءُ فِيها زِيادَةُ مَعْنًى وهو التَّعَجُّبُ، كَأنَّهُ تَعَجَّبَ مِن تَسْهِيلِ الكَيْدِ عَلى يَدِهِ؛ لِأنَّ صفحة ١٥٨ ذَلِكَ كانَ أمْرًا مَقْنُوطًا مِنهُ لِصُعُوبَتِهِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: إنْ قِيلَ لِماذا قالَ: ﴿لَأكِيدَنَّ أصْنامَكُمْ﴾ والكَيْدُ هو الِاحْتِيالُ عَلى الغَيْرِ في ضَرَرٍ لا يَشْعُرُ بِهِ، وذَلِكَ لا يَتَأتّى في الأصْنامِ ؟ وجَوابُهُ: قالَ ذَلِكَ تَوَسُّعًا لَمّا كانَ عِنْدَهم أنَّ الضَّرَرَ يَجُوزُ عَلَيْها، وقِيلَ: المُرادُ لَأكِيدَنَّكم في أصْنامِكم؛ لِأنَّهُ بِذَلِكَ الفِعْلِ قَدْ أنْزَلَ بِهِمُ الغَمَّ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في كَيْفِيَّةِ أوَّلِ القِصَّةِ وجْهانِ؛ أحَدُهُما: قالَ السُّدِّيُّ: كانُوا إذا رَجَعُوا مِن عِيدِهِمْ دَخَلُوا عَلى الأصْنامِ فَسَجَدُوا لَها ثُمَّ عادُوا إلى مَنازِلِهِمْ، فَلَمّا كانَ هَذا الوَقْتُ قالَ آزَرُ لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ: لَوْ خَرَجْتَ مَعَنا، فَخَرَجَ مَعَهم، فَلَمّا كانَ بِبَعْضِ الطَّرِيقِ ألْقى نَفْسَهُ وقالَ: إنِّي سَقِيمٌ، أشْتَكِي رِجْلِي، فَلَمّا مَضَوْا وبَقِيَ ضُعَفاءُ النّاسِ نادى وقالَ: ﴿وتاللَّهِ لَأكِيدَنَّ أصْنامَكُمْ﴾ واحْتَجَّ هَذا القائِلُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهم يُقالُ لَهُ إبْراهِيمُ﴾ . وثانِيها: قالَ الكَلْبِيُّ: كانَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن أهْلِ بَيْتٍ يَنْظُرُونَ في النُّجُومِ، وكانُوا إذا خَرَجُوا إلى عِيدِهِمْ لَمْ يَتْرُكُوا إلّا مَرِيضًا، فَلَمّا هَمَّ إبْراهِيمُ بِالَّذِي هَمَّ بِهِ مِن كَسْرِ الأصْنامِ نَظَرَ قَبْلَ يَوْمِ العِيدِ إلى السَّماءِ فَقالَ لِأصْحابِهِ: أرانِي أشْتَكِي غَدًا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً في النُّجُومِ﴾ ﴿فَقالَ إنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩] وأصْبَحَ مِنَ الغَدِ مَعْصُوبًا رَأْسُهُ فَخَرَجَ القَوْمُ لِعِيدِهِمْ ولَمْ يَتَخَلَّفْ أحَدٌ غَيْرُهُ، فَقالَ: أما واللَّهِ لَأكِيدَنَّ أصْنامَكم، وسَمِعَ رَجُلٌ مِنهم هَذا القَوْلَ فَحَفِظَهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ إنَّ ذَلِكَ الرَّجُلَ أخْبَرَ غَيْرَهُ وانْتَشَرَ ذَلِكَ في جَماعَةٍ؛ فَلِذَلِكَ قالَ تَعالى: ﴿قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ﴾ واعْلَمْ أنَّ كِلا الوَجْهَيْنِ مُمْكِنٌ، ثُمَّ تَمامُ القِصَّةِ أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا دَخَلَ بَيْتَ الأصْنامِ وجَدَ سَبْعِينَ صَنَمًا مُصْطَفَّةً، وثَمَّ صَنَمٌ عَظِيمٌ مُسْتَقْبِلٌ البابَ، وكانَ مِن ذَهَبٍ، وكانَ في عَيْنَيْهِ جَوْهَرَتانِ تُضِيئانِ بِاللَّيْلِ، فَكَسَرَها كُلَّها بِفَأْسٍ في يَدِهِ حَتّى لَمْ يُبْقِ إلّا الكَبِيرَ، ثُمَّ عَلَّقَ الفَأْسَ في عُنُقِهِ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَجَعَلَهم جُذاذًا إلّا كَبِيرًا لَهم لَعَلَّهم إلَيْهِ يَرْجِعُونَ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: إنْ قِيلَ: لِمَ قالَ: ﴿فَجَعَلَهم جُذاذًا﴾ وهَذا جَمْعٌ لا يَلِيقُ إلّا بِالنّاسِ ؟ جَوابُهُ: مِن حَيْثُ اعْتَقَدُوا فِيها أنَّها كالنّاسِ في أنَّها تُعَظَّمُ ويُتَقَرَّبُ إلَيْها، ولَعَلَّ كانَ فِيهِمْ مَن يَظُنُّ أنَّها تَضُرُّ وتَنْفَعُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: جُذاذًا قِطَعًا مِنَ الجَذِّ وهو القَطْعُ، وقُرِئَ بِالكَسْرِ والفَتْحِ، وقُرِئَ جُذاذًا جَمْعَ جَذِيذٍ، وجِذَذًا جَمْعَ جُذَّةٍ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: إنْ قِيلَ: ما مَعْنى: ﴿إلّا كَبِيرًا لَهُمْ﴾ قُلْنا: يُحْتَمَلُ الكَبِيرُ في الخِلْقَةِ، ويُحْتَمَلُ في التَّعْظِيمِ، ويُحْتَمَلُ في الأمْرَيْنِ. * * * وأمّا قَوْلُهُ: ﴿لَعَلَّهم إلَيْهِ يَرْجِعُونَ﴾ فَيُحْتَمَلُ رُجُوعُهم إلى إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ويُحْتَمَلُ رُجُوعُهم إلى الكَبِيرِ؛ أمّا الأوَّلُ: فَتَقْرِيرُهُ مِن وجْهَيْنِ؛ الأوَّلُ: أنَّ المَعْنى أنَّهم لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ إلى مَقالَةِ إبْراهِيمَ، ويَعْدِلُونَ عَنِ الباطِلِ. والثّانِي: أنَّهُ غَلَبَ عَلى ظَنِّهِ أنَّهم لا يَرْجِعُونَ إلّا إلَيْهِ لِما تَسامَعُوهُ مِن إنْكارِهِ لِدِينِهِمْ وسَبِّهِ لِآلِهَتِهِمْ، فَبَكَّتَهم بِما أجابَ بِهِ مِن قَوْلِهِ: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا فاسْألُوهُمْ﴾ [الأنبياء: ٦٣] أمّا إذا قُلْنا: الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى الكَبِيرِ فَفِيهِ وجْهانِ؛ الأوَّلُ: أنَّ المَعْنى لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ إلَيْهِ كَما يُرْجَعُ إلى العالِمِ في حَلِّ المُشْكِلاتِ، فَيَقُولُونَ: ما لِهَؤُلاءِ مَكْسُورَةً، وما لَكَ صَحِيحًا والفَأْسُ عَلى عاتِقِكَ ؟ ! وهَذا قَوْلُ الكَلْبِيِّ، وإنَّما قالَ ذَلِكَ بِناءً عَلى كَثْرَةِ جَهالاتِهِمْ صفحة ١٥٩ فَلَعَلَّهم كانُوا يَعْتَقِدُونَ فِيها أنَّها تُجِيبُ وتَتَكَلَّمُ. والثّانِي: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ ذَلِكَ مَعَ عِلْمِهِ أنَّهم لا يَرْجِعُونَ إلَيْهِ اسْتِهْزاءً بِهِمْ، وإنَّ قِياسَ حالِ مَن يُسْجَدُ لَهُ ويُؤَهَّلُ لِلْعِبادَةِ أنْ يُرْجَعَ إلَيْهِ في حَلِّ المُشْكِلاتِ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: إنْ قِيلَ: أُولَئِكَ الأقْوامُ إمّا أنْ يُقالَ: إنَّهم كانُوا عُقَلاءَ أوْ ما كانُوا عُقَلاءَ؛ فَإنْ كانُوا عُقَلاءَ وجَبَ أنْ يَكُونُوا عالِمِينَ بِالضَّرُورَةِ أنَّ تِلْكَ الأصْنامَ لا تَسْمَعُ ولا تُبْصِرُ، ولا تَنْفَعُ ولا تَضُرُّ، فَأيُّ حاجَةٍ في إثْباتِ ذَلِكَ إلى كَسْرِها ؟ أقْصى ما في البابِ أنْ يُقالَ: القَوْمُ كانُوا يُعَظِّمُونَها كَما يُعَظِّمُ الواحِدُ مِنّا المُصْحَفَ والمَسْجِدَ والمِحْرابَ، وكَسْرُها لا يَقْدَحُ في كَوْنِها مُعَظَّمَةً مِن هَذا الوَجْهِ. وإنْ قُلْنا: إنَّهم ما كانُوا عُقَلاءَ وجَبَ أنْ لا تَحْسُنَ المُناظَرَةُ مَعَهم ولا بَعْثَةُ الرُّسُلِ إلَيْهِمْ، الجَوابُ: أنَّهم كانُوا عُقَلاءَ، وكانُوا عالِمِينَ بِالضَّرُورَةِ أنَّها جَماداتٌ، ولَكِنْ لَعَلَّهم كانُوا يَعْتَقِدُونَ فِيها أنَّها تَماثِيلُ الكَواكِبِ، وأنَّها طَلْسَماتٌ مَوْضُوعَةٌ، بِحَيْثُ إنَّ كُلَّ مَن عَبَدَها انْتَفَعَ بِها، وكُلَّ مَنِ اسْتَخَفَّ بِها نالَهُ مِنها ضَرَرٌ شَدِيدٌ، ثُمَّ إنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كَسَرَها مَعَ أنَّهُ ما نالَهُ مِنها البَتَّةَ ضَرَرٌ، فَكانَ فِعْلُهُ دالًّا عَلى فَسادِ مَذْهَبِهِمْ مِن هَذا الوَجْهِ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا مَن فَعَلَ هَذا بِآلِهَتِنا إنَّهُ لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ أيْ [ أنَّ ] مَن فَعَلَ هَذا الكَسْرَ والحَطْمَ لَشَدِيدُ الظُّلْمِ مَعْدُودٌ في الظَلَمَةِ؛ إمّا لِجَراءَتِهِ عَلى الآلِهَةِ الحَقِيقَةِ بِالتَّوْقِيرِ والإعْظامِ، وإمّا لِأنَّهم رَأوْا إفْراطًا في كَسْرِها، وتَمادِيًا في الِاسْتِهانَةِ بِها. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهم يُقالُ لَهُ إبْراهِيمُ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الزَّجّاجُ: ارْتَفَعَ إبْراهِيمُ عَلى وجْهَيْنِ؛ أحَدُهُما: عَلى مَعْنًى يُقالُ هو إبْراهِيمُ. والثّانِي: عَلى النِّداءِ عَلى مَعْنًى يُقالُ لَهُ: يا إبْراهِيمُ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: والصَّحِيحُ أنَّهُ فاعِلُ يُقالُ لِأنَّ المُرادَ الِاسْمُ دُونَ المُسَمّى. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ القائِلِينَ جَماعَةٌ لا واحِدٌ، فَكَأنَّهم كانُوا مِن قَبْلُ قَدْ عَرَفُوا مِنهُ وسَمِعُوا ما يَقُولُهُ في آلِهَتِهِمْ فَغَلَبَ عَلى قُلُوبِهِمْ أنَّهُ الفاعِلُ، ولَوْ لَمْ يَكُنْ إلّا قَوْلُهُ: ما هَذِهِ التَّماثِيلُ إلى غَيْرِ ذَلِكَ لَكَفى.

الأنبياء 21:64

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ بَل رَبُّكم رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وأنا عَلى ذَلِكم مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ ﴿وتاللَّهِ لَأكِيدَنَّ أصْنامَكم بَعْدَ أنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ﴾ ﴿فَجَعَلَهم جُذاذًا إلّا كَبِيرًا لَهم لَعَلَّهم إلَيْهِ يَرْجِعُونَ﴾ ﴿قالُوا مَن فَعَلَ هَذا بِآلِهَتِنا إنَّهُ لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ ﴿قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهم يُقالُ لَهُ إبْراهِيمُ﴾ اعْلَمْ أنَّ القَوْمَ لَمّا أُوهِمُوا أنَّهُ يُمازِحُ بِما خاطَبَهم بِهِ في أصْنامِهِمْ، أظْهَرَ عَلَيْهِ السَّلامُ ما يَعْلَمُونَ بِهِ أنَّهُ مُجِدٌّ في إظْهارِ الحَقِّ الَّذِي هو التَّوْحِيدُ، وذَلِكَ بِالقَوْلِ أوَّلًا وبِالفِعْلِ ثانِيًا؛ أمّا الطَّرِيقَةُ القَوْلِيَّةُ فَهي قَوْلُهُ: ﴿بَل رَبُّكم رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ﴾ وهَذِهِ الدَّلالَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ الخالِقَ الَّذِي خَلَقَهُما لِمَنافِعِ العِبادِ هو الَّذِي يَحْسُنُ أنْ يُعْبَدَ؛ لِأنَّ مَن يَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ يَقْدِرُ عَلى أنْ يَضُرَّ ويَنْفَعَ في الدّارِ الآخِرَةِ بِالعِقابِ والثَّوابِ. فَيَرْجَعُ حاصِلُ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ إلى الطَّرِيقَةِ الَّتِي ذَكَرَها لِأبِيهِ في قَوْلِهِ: ﴿ياأبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ ولا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريم: ٤٢] قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: الضَّمِيرُ في ”فَطَرَهُنَّ“ لِلسَّماواتِ والأرْضِ أوْ لِلتَّماثِيلِ، وكَوْنُهُ لِلتَّماثِيلِ أدْخَلَ في الِاحْتِجاجِ عَلَيْهِمْ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿وأنا عَلى ذَلِكم مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ فَفِيهِ وجْهانِ؛ الأوَّلُ: أنَّ المَقْصُودَ مِنهُ المُبالَغَةُ في التَّأْكِيدِ والتَّحْقِيقِ كَقَوْلِ الرَّجُلِ إذا بالَغَ في مَدْحِ أحَدٍ أوْ ذَمِّهِ أشْهَدُ أنَّهُ كَرِيمٌ أوْ ذَمِيمٌ. والثّانِي: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنى بِقَوْلِهِ: ﴿وأنا عَلى ذَلِكم مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ ادِّعاءَ أنَّهُ قادِرٌ عَلى إثْباتِ ما ذَكَرَهُ بِالحُجَّةِ، وأنِّي لَسْتُ مِثْلَكم فَأقُولُ ما لا أقْدِرُ عَلى إثْباتِهِ بِالحُجَّةِ، كَما لَمْ تَقْدِرُوا عَلى الِاحْتِجاجِ لِمَذْهَبِكم، ولَمْ تَزِيدُوا عَلى أنَّكم وجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكم، وأمّا الطَّرِيقَةُ الفِعْلِيَّةُ فَهي قَوْلُهُ: ﴿وتاللَّهِ لَأكِيدَنَّ أصْنامَكم بَعْدَ أنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ﴾ فَإنَّ القَوْمَ لَمّا لَمْ يَنْتَفِعُوا بِالدَّلالَةِ العَقْلِيَّةِ عَدَلَ إلى أنْ أراهم عَدَمَ الفائِدَةِ في عِبادَتِها، وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قَرَأ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وبِاللَّهِ، وقُرِئَ ”تَوَلَّوْا“ بِمَعْنى تَتَوَلَّوْا ويُقَوِّيها قَوْلُهُ: ﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ﴾ فَإنْ قُلْتَ: ما الفَرْقُ بَيْنَ الباءِ والتّاءِ ؟ قُلْتُ: إنَّ الباءَ هي الأصْلُ، والتّاءَ بَدَلٌ مِنَ الواوِ المُبْدَلِ مِنها، والتّاءُ فِيها زِيادَةُ مَعْنًى وهو التَّعَجُّبُ، كَأنَّهُ تَعَجَّبَ مِن تَسْهِيلِ الكَيْدِ عَلى يَدِهِ؛ لِأنَّ صفحة ١٥٨ ذَلِكَ كانَ أمْرًا مَقْنُوطًا مِنهُ لِصُعُوبَتِهِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: إنْ قِيلَ لِماذا قالَ: ﴿لَأكِيدَنَّ أصْنامَكُمْ﴾ والكَيْدُ هو الِاحْتِيالُ عَلى الغَيْرِ في ضَرَرٍ لا يَشْعُرُ بِهِ، وذَلِكَ لا يَتَأتّى في الأصْنامِ ؟ وجَوابُهُ: قالَ ذَلِكَ تَوَسُّعًا لَمّا كانَ عِنْدَهم أنَّ الضَّرَرَ يَجُوزُ عَلَيْها، وقِيلَ: المُرادُ لَأكِيدَنَّكم في أصْنامِكم؛ لِأنَّهُ بِذَلِكَ الفِعْلِ قَدْ أنْزَلَ بِهِمُ الغَمَّ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في كَيْفِيَّةِ أوَّلِ القِصَّةِ وجْهانِ؛ أحَدُهُما: قالَ السُّدِّيُّ: كانُوا إذا رَجَعُوا مِن عِيدِهِمْ دَخَلُوا عَلى الأصْنامِ فَسَجَدُوا لَها ثُمَّ عادُوا إلى مَنازِلِهِمْ، فَلَمّا كانَ هَذا الوَقْتُ قالَ آزَرُ لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ: لَوْ خَرَجْتَ مَعَنا، فَخَرَجَ مَعَهم، فَلَمّا كانَ بِبَعْضِ الطَّرِيقِ ألْقى نَفْسَهُ وقالَ: إنِّي سَقِيمٌ، أشْتَكِي رِجْلِي، فَلَمّا مَضَوْا وبَقِيَ ضُعَفاءُ النّاسِ نادى وقالَ: ﴿وتاللَّهِ لَأكِيدَنَّ أصْنامَكُمْ﴾ واحْتَجَّ هَذا القائِلُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهم يُقالُ لَهُ إبْراهِيمُ﴾ . وثانِيها: قالَ الكَلْبِيُّ: كانَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن أهْلِ بَيْتٍ يَنْظُرُونَ في النُّجُومِ، وكانُوا إذا خَرَجُوا إلى عِيدِهِمْ لَمْ يَتْرُكُوا إلّا مَرِيضًا، فَلَمّا هَمَّ إبْراهِيمُ بِالَّذِي هَمَّ بِهِ مِن كَسْرِ الأصْنامِ نَظَرَ قَبْلَ يَوْمِ العِيدِ إلى السَّماءِ فَقالَ لِأصْحابِهِ: أرانِي أشْتَكِي غَدًا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً في النُّجُومِ﴾ ﴿فَقالَ إنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩] وأصْبَحَ مِنَ الغَدِ مَعْصُوبًا رَأْسُهُ فَخَرَجَ القَوْمُ لِعِيدِهِمْ ولَمْ يَتَخَلَّفْ أحَدٌ غَيْرُهُ، فَقالَ: أما واللَّهِ لَأكِيدَنَّ أصْنامَكم، وسَمِعَ رَجُلٌ مِنهم هَذا القَوْلَ فَحَفِظَهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ إنَّ ذَلِكَ الرَّجُلَ أخْبَرَ غَيْرَهُ وانْتَشَرَ ذَلِكَ في جَماعَةٍ؛ فَلِذَلِكَ قالَ تَعالى: ﴿قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ﴾ واعْلَمْ أنَّ كِلا الوَجْهَيْنِ مُمْكِنٌ، ثُمَّ تَمامُ القِصَّةِ أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا دَخَلَ بَيْتَ الأصْنامِ وجَدَ سَبْعِينَ صَنَمًا مُصْطَفَّةً، وثَمَّ صَنَمٌ عَظِيمٌ مُسْتَقْبِلٌ البابَ، وكانَ مِن ذَهَبٍ، وكانَ في عَيْنَيْهِ جَوْهَرَتانِ تُضِيئانِ بِاللَّيْلِ، فَكَسَرَها كُلَّها بِفَأْسٍ في يَدِهِ حَتّى لَمْ يُبْقِ إلّا الكَبِيرَ، ثُمَّ عَلَّقَ الفَأْسَ في عُنُقِهِ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَجَعَلَهم جُذاذًا إلّا كَبِيرًا لَهم لَعَلَّهم إلَيْهِ يَرْجِعُونَ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: إنْ قِيلَ: لِمَ قالَ: ﴿فَجَعَلَهم جُذاذًا﴾ وهَذا جَمْعٌ لا يَلِيقُ إلّا بِالنّاسِ ؟ جَوابُهُ: مِن حَيْثُ اعْتَقَدُوا فِيها أنَّها كالنّاسِ في أنَّها تُعَظَّمُ ويُتَقَرَّبُ إلَيْها، ولَعَلَّ كانَ فِيهِمْ مَن يَظُنُّ أنَّها تَضُرُّ وتَنْفَعُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: جُذاذًا قِطَعًا مِنَ الجَذِّ وهو القَطْعُ، وقُرِئَ بِالكَسْرِ والفَتْحِ، وقُرِئَ جُذاذًا جَمْعَ جَذِيذٍ، وجِذَذًا جَمْعَ جُذَّةٍ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: إنْ قِيلَ: ما مَعْنى: ﴿إلّا كَبِيرًا لَهُمْ﴾ قُلْنا: يُحْتَمَلُ الكَبِيرُ في الخِلْقَةِ، ويُحْتَمَلُ في التَّعْظِيمِ، ويُحْتَمَلُ في الأمْرَيْنِ. * * * وأمّا قَوْلُهُ: ﴿لَعَلَّهم إلَيْهِ يَرْجِعُونَ﴾ فَيُحْتَمَلُ رُجُوعُهم إلى إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ويُحْتَمَلُ رُجُوعُهم إلى الكَبِيرِ؛ أمّا الأوَّلُ: فَتَقْرِيرُهُ مِن وجْهَيْنِ؛ الأوَّلُ: أنَّ المَعْنى أنَّهم لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ إلى مَقالَةِ إبْراهِيمَ، ويَعْدِلُونَ عَنِ الباطِلِ. والثّانِي: أنَّهُ غَلَبَ عَلى ظَنِّهِ أنَّهم لا يَرْجِعُونَ إلّا إلَيْهِ لِما تَسامَعُوهُ مِن إنْكارِهِ لِدِينِهِمْ وسَبِّهِ لِآلِهَتِهِمْ، فَبَكَّتَهم بِما أجابَ بِهِ مِن قَوْلِهِ: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا فاسْألُوهُمْ﴾ [الأنبياء: ٦٣] أمّا إذا قُلْنا: الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى الكَبِيرِ فَفِيهِ وجْهانِ؛ الأوَّلُ: أنَّ المَعْنى لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ إلَيْهِ كَما يُرْجَعُ إلى العالِمِ في حَلِّ المُشْكِلاتِ، فَيَقُولُونَ: ما لِهَؤُلاءِ مَكْسُورَةً، وما لَكَ صَحِيحًا والفَأْسُ عَلى عاتِقِكَ ؟ ! وهَذا قَوْلُ الكَلْبِيِّ، وإنَّما قالَ ذَلِكَ بِناءً عَلى كَثْرَةِ جَهالاتِهِمْ صفحة ١٥٩ فَلَعَلَّهم كانُوا يَعْتَقِدُونَ فِيها أنَّها تُجِيبُ وتَتَكَلَّمُ. والثّانِي: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ ذَلِكَ مَعَ عِلْمِهِ أنَّهم لا يَرْجِعُونَ إلَيْهِ اسْتِهْزاءً بِهِمْ، وإنَّ قِياسَ حالِ مَن يُسْجَدُ لَهُ ويُؤَهَّلُ لِلْعِبادَةِ أنْ يُرْجَعَ إلَيْهِ في حَلِّ المُشْكِلاتِ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: إنْ قِيلَ: أُولَئِكَ الأقْوامُ إمّا أنْ يُقالَ: إنَّهم كانُوا عُقَلاءَ أوْ ما كانُوا عُقَلاءَ؛ فَإنْ كانُوا عُقَلاءَ وجَبَ أنْ يَكُونُوا عالِمِينَ بِالضَّرُورَةِ أنَّ تِلْكَ الأصْنامَ لا تَسْمَعُ ولا تُبْصِرُ، ولا تَنْفَعُ ولا تَضُرُّ، فَأيُّ حاجَةٍ في إثْباتِ ذَلِكَ إلى كَسْرِها ؟ أقْصى ما في البابِ أنْ يُقالَ: القَوْمُ كانُوا يُعَظِّمُونَها كَما يُعَظِّمُ الواحِدُ مِنّا المُصْحَفَ والمَسْجِدَ والمِحْرابَ، وكَسْرُها لا يَقْدَحُ في كَوْنِها مُعَظَّمَةً مِن هَذا الوَجْهِ. وإنْ قُلْنا: إنَّهم ما كانُوا عُقَلاءَ وجَبَ أنْ لا تَحْسُنَ المُناظَرَةُ مَعَهم ولا بَعْثَةُ الرُّسُلِ إلَيْهِمْ، الجَوابُ: أنَّهم كانُوا عُقَلاءَ، وكانُوا عالِمِينَ بِالضَّرُورَةِ أنَّها جَماداتٌ، ولَكِنْ لَعَلَّهم كانُوا يَعْتَقِدُونَ فِيها أنَّها تَماثِيلُ الكَواكِبِ، وأنَّها طَلْسَماتٌ مَوْضُوعَةٌ، بِحَيْثُ إنَّ كُلَّ مَن عَبَدَها انْتَفَعَ بِها، وكُلَّ مَنِ اسْتَخَفَّ بِها نالَهُ مِنها ضَرَرٌ شَدِيدٌ، ثُمَّ إنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كَسَرَها مَعَ أنَّهُ ما نالَهُ مِنها البَتَّةَ ضَرَرٌ، فَكانَ فِعْلُهُ دالًّا عَلى فَسادِ مَذْهَبِهِمْ مِن هَذا الوَجْهِ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا مَن فَعَلَ هَذا بِآلِهَتِنا إنَّهُ لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ أيْ [ أنَّ ] مَن فَعَلَ هَذا الكَسْرَ والحَطْمَ لَشَدِيدُ الظُّلْمِ مَعْدُودٌ في الظَلَمَةِ؛ إمّا لِجَراءَتِهِ عَلى الآلِهَةِ الحَقِيقَةِ بِالتَّوْقِيرِ والإعْظامِ، وإمّا لِأنَّهم رَأوْا إفْراطًا في كَسْرِها، وتَمادِيًا في الِاسْتِهانَةِ بِها. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهم يُقالُ لَهُ إبْراهِيمُ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الزَّجّاجُ: ارْتَفَعَ إبْراهِيمُ عَلى وجْهَيْنِ؛ أحَدُهُما: عَلى مَعْنًى يُقالُ هو إبْراهِيمُ. والثّانِي: عَلى النِّداءِ عَلى مَعْنًى يُقالُ لَهُ: يا إبْراهِيمُ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: والصَّحِيحُ أنَّهُ فاعِلُ يُقالُ لِأنَّ المُرادَ الِاسْمُ دُونَ المُسَمّى. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ القائِلِينَ جَماعَةٌ لا واحِدٌ، فَكَأنَّهم كانُوا مِن قَبْلُ قَدْ عَرَفُوا مِنهُ وسَمِعُوا ما يَقُولُهُ في آلِهَتِهِمْ فَغَلَبَ عَلى قُلُوبِهِمْ أنَّهُ الفاعِلُ، ولَوْ لَمْ يَكُنْ إلّا قَوْلُهُ: ما هَذِهِ التَّماثِيلُ إلى غَيْرِ ذَلِكَ لَكَفى.

الأنبياء 21:65

صفحة ١٦٠ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلى أعْيُنِ النّاسِ لَعَلَّهم يَشْهَدُونَ﴾ ﴿قالُوا أأنْتَ فَعَلْتَ هَذا بِآلِهَتِنا ياإبْراهِيمُ﴾ قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا فاسْألُوهم إنْ كانُوا يَنْطِقُونَ ﴿فَرَجَعُوا إلى أنْفُسِهِمْ فَقالُوا إنَّكم أنْتُمُ الظّالِمُونَ﴾ ﴿ثُمَّ نُكِسُوا عَلى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ ما هَؤُلاءِ يَنْطِقُونَ﴾ ﴿قالَ أفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكم شَيْئًا ولا يَضُرُّكُمْ﴾ ﴿أُفٍّ لَكم ولِما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّ القَوْمَ لَمّا شاهَدُوا كَسْرَ الأصْنامِ، وقِيلَ: إنَّ فاعِلَهُ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالُوا فِيما بَيْنَهم: ﴿فَأْتُوا بِهِ عَلى أعْيُنِ النّاسِ﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: عَلى أعْيُنِ النّاسِ في مَحَلِّ الحالِ، أيْ فَأْتُوا بِهِ مُشاهَدًا، أيْ بِمَرْأًى مِنهم ومَنظَرٍ، فَإنْ قُلْتَ: ما مَعْنى الِاسْتِعْلاءِ في عَلى ؟ قُلْتُ: هو وارِدٌ عَلى طَرِيقِ المَثَلِ أيْ يَثْبُتُ إثْباتُهُ في الأعْيُنِ ثَباتَ الرّاكِبِ عَلى المَرْكُوبِ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَعَلَّهم يَشْهَدُونَ﴾ فَفِيهِ وجْهانِ؛ أحَدُهُما: أنَّهم كَرِهُوا أنْ يَأْخُذُوهُ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ، فَأرادُوا أنْ يَجِيئُوا بِهِ عَلى أعْيُنِ النّاسِ لَعَلَّهم يَشْهَدُونَ عَلَيْهِ بِما قالَهُ، فَيَكُونُ حُجَّةً عَلَيْهِ بِما فَعَلَ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ وقَتادَةَ والسُّدِّيِّ وعَطاءٍ وابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وثانِيهُما: وهو قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ أيْ يَحْضُرُونَ فَيُبْصِرُونَ ما يُصْنَعُ بِهِ فَيَكُونُ ذَلِكَ زاجِرًا لَهم عَنِ الإقْدامِ عَلى مِثْلِ فِعْلِهِ، وفِيهِ قَوْلٌ ثالِثٌ: وهو قَوْلُ مُقاتِلٍ والكَلْبِيِّ: أنَّ المُرادَ مَجْمُوعُ الوَجْهَيْنِ، فَيَشْهَدُونَ عَلَيْهِ بِفِعْلِهِ ويَشْهَدُونَ عِقابَهُ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا أأنْتَ فَعَلْتَ هَذا﴾ فاعْلَمْ أنَّ في الكَلامِ حَذْفًا، وهو: فَأتَوْا بِهِ، وقالُوا: أأنْتَ فَعَلْتَ ؟ طَلَبُوا مِنهُ الِاعْتِرافَ بِذَلِكَ لِيُقْدِمُوا عَلى إيذائِهِ، فَظَهَرَ مِنهُ ما انْقَلَبَ الأمْرُ عَلَيْهِمْ حَتّى تَمَنَّوُا الخَلاصَ مِنهُ، فَقالَ: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا﴾ وقَدْ عَلَّقَ الفَأْسَ عَلى رَقَبَتِهِ لِكَيْ يُورِدَ هَذا القَوْلَ فَيَظْهَرَ جَهْلُهم في عِبادَةِ الأوْثانِ، فَإنْ قِيلَ قَوْلُهُ: بَلْ فَعَلُهُ كَبِيرُهم كَذِبٌ. والجَوابُ لِلنّاسِ فِيهِ قَوْلانِ؛ أحَدُهُما: وهو قَوْلُ كافَّةِ المُحَقِّقِينَ: أنَّهُ لَيْسَ بِكَذِبٍ، وذَكَرُوا في الِاعْتِذارِ عَنْهُ وُجُوهًا. أحَدُها: أنَّ قَصْدَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَكُنْ إلى أنْ يَنْسُبَ الفِعْلَ الصّادِرَ عَنْهُ إلى الصَّنَمِ، إنَّما قَصَدَ تَقْرِيرَهُ لِنَفْسِهِ وإثْباتَهُ لَها عَلى أُسْلُوبٍ تَعْرِيضِيٍّ يُبَلِّغُ فِيهِ غَرَضَهُ مِن إلْزامِهِمُ الحُجَّةَ وتَبْكِيتِهِمْ، وهَذا كَما لَوْ قالَ لَكَ صاحِبُكَ وقَدْ كَتَبْتَ كِتابًا بِخَطٍّ رَشِيقٍ، وأنْتَ شَهِيرٌ بِحُسْنِ الخَطِّ، أأنْتَ كَتَبْتَ هَذا ؟ وصاحِبُكَ أُمِّيٌّ لا يُحْسِنُ الخَطَّ، ولا يَقْدِرُ إلّا عَلى خَرْمَشَةٍ فاسِدَةٍ، فَقُلْتَ لَهُ: بَلْ كَتَبْتَهُ أنْتَ، كَأنَّ قَصْدَكَ بِهَذا الجَوابِ تَقْرِيرُ ذَلِكَ مَعَ الِاسْتِهْزاءِ بِهِ، لا نَفْيُهُ عَنْكَ وإثْباتُهُ لِلْأُمِّيِّ أوِ المُخَرْمِشِ؛ لِأنَّ إثْباتَهُ والأمْرُ دائِرٌ بَيْنَهُما لِلْعاجِزِ مِنهُما اسْتِهْزاءٌ بِهِ وإثْباتٌ لِلْقادِرِ. وثانِيها: أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ غاظَتْهُ تِلْكَ الأصْنامُ حِينَ أبْصَرَها مُصْطَفَّةً مُزَيَّنَةً؛ وكانَ غَيْظُهُ مِن كَبِيرِها أشَدَّ لِما رَأى مِن زِيادَةِ تَعْظِيمِهِمْ لَهُ، فَأسْنَدَ الفِعْلَ إلَيْهِ؛ لِأنَّهُ هو السَّبَبُ في اسْتِهانَتِهِ بِها وحَطْمِهِ لَها، والفِعْلُ كَما يُسْنَدُ إلى مُباشِرِهِ يُسْنَدُ إلى الحامِلِ عَلَيْهِ. وثالِثُها: أنْ يَكُونَ حِكايَةً لِما يَلْزَمُ عَلى مَذْهَبِهِمْ، كَأنَّهُ قالَ لَهم: ما تُنْكِرُونَ أنْ يَفْعَلَهُ كَبِيرُهم، فَإنَّ مِن حَقِّ مَن يُعْبَدُ ويُدْعى إلَهًا أنْ يَقْدِرَ عَلى هَذا وأشَدَّ مِنهُ. وهَذِهِ الوُجُوهُ الثَّلاثَةُ ذَكَرَها صاحِبُ ”الكَشّافِ“ . ورابِعُها: أنَّهُ كِنايَةٌ عَنْ غَيْرِ مَذْكُورٍ، أيْ فَعَلَهُ مَن فَعَلَهُ، وكَبِيرُهم هَذا ابْتِداءُ الكَلامِ، ويُرْوى عَنِ الكِسائِيِّ أنَّهُ كانَ يَقِفُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿بَلْ فَعَلَهُ﴾ ثُمَّ يَبْتَدِئُ ﴿كَبِيرُهم هَذا﴾ . وخامِسُها: أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ فِيهِ وقْفٌ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿كَبِيرُهُمْ﴾، ثُمَّ يَبْتَدِئُ فَيَقُولُ: ﴿هَذا فاسْألُوهُمْ﴾ والمَعْنى بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهم، وعَنى نَفْسَهُ؛ لِأنَّ الإنْسانَ أكْبَرُ مِن كُلِّ صَنَمٍ. وسادِسُها: أنْ يَكُونَ في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، كَأنَّهُ قالَ: بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا إنْ كانُوا يَنْطِقُونَ فاسْألُوهم، فَتَكُونُ إضافَةُ الفِعْلِ إلى كَبِيرِهِمْ مَشْرُوطًا بِكَوْنِهِمْ ناطِقِينَ، فَلَمّا لَمْ يَكُونُوا ناطِقِينَ امْتَنَعَ أنْ يَكُونُوا فاعِلِينَ. وسابِعُها: قَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ السَّمَيْفَعِ: ”فَعَلَّهُ كَبِيرُهم“ أيْ فَلَعَلَّ الفاعِلَ كَبِيرُهم. القَوْلُ الثّانِي: وهو قَوْلُ طائِفَةٍ مِن أهْلِ الحِكاياتِ، أنَّ ذَلِكَ كَذِبٌ؛ واحْتَجُّوا بِما صفحة ١٦١ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «لَمْ يَكْذِبْ إبْراهِيمُ إلّا ثَلاثَ كَذِباتٍ كُلَّها في ذاتِ اللَّهِ تَعالى، قَوْلُهُ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩] وقَوْلُهُ: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا﴾ وقَوْلُهُ لِسارَّةَ: ”هي أُخْتِي“» وفي خَبَرٍ آخَرَ: ”«أنَّ أهْلَ المَوْقِفِ إذا سَألُوا إبْراهِيمَ الشَّفاعَةَ قالَ: إنِّي كَذَبْتُ ثَلاثَ كَذِباتٍ» “ ثُمَّ قَرَّرُوا قَوْلَهم مِن جِهَةِ العَقْلِ، وقالُوا: الكَذِبُ لَيْسَ قَبِيحًا لِذاتِهِ، فَإنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلامُ إذا هَرَبَ مِن ظالِمٍ واخْتَفى في دارِ إنْسانٍ، وجاءَ الظّالِمُ وسَألَ عَنْ حالِهِ فَإنَّهُ يَجِبُ الكَذِبُ فِيهِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَأيُّ بُعْدٍ في أنْ يَأْذَنَ اللَّهُ تَعالى في ذَلِكَ لِمَصْلَحَةٍ لا يَعْرِفُها إلّا هو ؟ واعْلَمْ أنَّ هَذا القَوْلَ مَرْغُوبٌ عَنْهُ، أمّا الخَبَرُ الأوَّلُ وهو الَّذِي رَوَوْهُ، فَلَأنْ يُضافَ الكَذِبُ إلى رُواتِهِ أوْلى مِن أنْ يُضافَ إلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، والدَّلِيلُ القاطِعُ عَلَيْهِ أنَّهُ لَوْ جازَ أنْ يَكْذِبُوا لِمَصْلَحَةٍ ويَأْذَنَ اللَّهُ تَعالى فِيهِ، فَلْنُجَوِّزْ هَذا الِاحْتِمالَ في كُلِّ ما أخْبَرُوا عَنْهُ، وفي كُلِّ ما أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وذَلِكَ يُبْطِلُ الوُثُوقَ بِالشَّرائِعِ وتَطَّرَّقُ التُّهْمَةُ إلى كُلِّها، ثُمَّ إنَّ ذَلِكَ الخَبَرَ لَوْ صَحَّ فَهو مَحْمُولٌ عَلى المَعارِيضِ عَلى ما قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «إنَّ في المَعارِيضِ لَمَندُوحَةً عَنِ الكَذِبِ» . فَأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ فَلَعَلَّهُ كانَ بِهِ سَقَمٌ قَلِيلٌ، واسْتِقْصاءُ الكَلامِ فِيهِ يَجِيءُ في مَوْضِعِهِ. * * * وأمّا قَوْلُهُ: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ﴾ فَقَطْ ظَهَرَ الجَوابُ عَنْهُ. أمّا قَوْلُهُ لِسارَّةَ: إنَّها أُخْتِي، فالمُرادُ أنَّها أُخْتُهُ في الدِّينِ، وإذا أمْكَنَ حَمْلُ الكَلامِ عَلى ظاهِرِهِ مِن غَيْرِ نِسْبَةِ الكَذِبِ إلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، فَحِينَئِذٍ لا يَحْكُمُ بِنِسْبَةِ الكَذِبِ إلَيْهِمْ إلّا زِنْدِيقٌ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَرَجَعُوا إلى أنْفُسِهِمْ فَقالُوا إنَّكم أنْتُمُ الظّالِمُونَ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ؛ الأوَّلُ: أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا نَبَّهَهم بِما أوْرَدَهُ عَلَيْهِمْ عَلى قُبْحِ طَرِيقِهِمْ تَنَبَّهُوا، فَعَلِمُوا أنَّ عِبادَةَ الأصْنامِ باطِلَةٌ، وأنَّهم عَلى غُرُورٍ وجَهْلٍ في ذَلِكَ. والثّانِي: قالَ مُقاتِلٌ: فَرَجَعُوا إلى أنْفُسِهِمْ فَلامُوها وقالُوا: إنَّكم أنْتُمُ الظّالِمُونَ لِإبْراهِيمَ حَيْثُ تَزْعُمُونَ أنَّهُ كَسَرَها مَعَ أنَّ الفَأْسَ بَيْنَ يَدَيِ الصَّنَمِ الكَبِيرِ. وثالِثُها: المَعْنى أنَّكم أنْتُمُ الظّالِمُونَ لِأنْفُسِكم حَيْثُ سَألْتُمْ مِنهُ عَنْ ذَلِكَ حَتّى أخَذَ يَسْتَهْزِئُ بِكم في الجَوابِ، والأقْرَبُ هو الأوَّلُ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ نُكِسُوا عَلى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ ما هَؤُلاءِ يَنْطِقُونَ﴾ فَقالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: نَكَسَهُ قَلَبَهُ فَجَعَلَ أسْفَلَهُ أعْلاهُ، وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: في المَعْنى وُجُوهٌ، أحَدُها: أنَّ المُرادَ اسْتَقامُوا حِينَ رَجَعُوا إلى أنْفُسِهِمْ وأتَوْا بِالفِكْرَةِ الصّالِحَةِ، ثُمَّ انْتَكَسُوا فَقُلِبُوا عَنْ تِلْكَ الحالَةِ، فَأخَذُوا [ في ] المُجادَلَةِ بِالباطِلِ، وأنَّ هَؤُلاءِ مَعَ تَقاصُرِ حالِها عَنْ حالِ الحَيَوانِ النّاطِقِ آلِهَةٌ مَعْبُودَةٌ. وثانِيها: قُلِبُوا عَلى رُءُوسِهِمْ حَقِيقَةً لِفَرْطِ إطْراقِهِمْ خَجَلًا وانْكِسارًا وانْخِذالًا مِمّا بَهَتَهم بِهِ إبْراهِيمُ فَما أحارُوا جَوابًا إلّا ما هو حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ. وثالِثُها: قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: ثُمَّ نُكِسُوا عَلى رُءُوسِهِمْ في الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ لِإبْراهِيمَ حِينَ جادَلَهم. أيْ قُلِبُوا في الحُجَّةِ واحْتَجُّوا عَلى إبْراهِيمَ بِما هو الحُجَّةُ لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِمْ، فَقالُوا: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ ما هَؤُلاءِ يَنْطِقُونَ﴾ فَأقَرُّوا بِهَذِهِ لِلْحَيْرَةِ الَّتِي لَحِقَتْهم، قالَ: والمَعْنى نُكِسَتْ حُجَّتُهم؛ فَأُقِيمَ الخَبَرُ عَنْهم مَقامَ الخَبَرِ عَنْ حُجَّتِهِمْ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قُرِئَ ”نُكِّسُوا“ بِالتَّشْدِيدِ، ونُكِسُوا عَلى لَفْظِ ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، أيْ نَكَّسُوا أنْفُسَهم عَلى رُءُوسِهِمْ، وهي قِراءَةُ رِضْوانَ بْنِ عَبْدِ المَعْبُودِ. صفحة ١٦٢ أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ أفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكم شَيْئًا ولا يَضُرُّكُمْ﴾ ﴿أُفٍّ لَكم ولِما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ فالمَعْنى ظاهِرٌ. قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: أُفٍّ صَوْتٌ إذا صُوِّتَ بِهِ عُلِمَ أنَّ صاحِبَهُ مُتَضَجِّرٌ، وإنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أضْجَرَهُ ما رَأى مِن ثَباتِهِمْ عَلى عِبادَتِها بَعْدَ انْقِطاعِ عُذْرِهِمْ، وبَعْدَ وُضُوحِ الحَقِّ وزُهُوقِ الباطِلِ، فَتَأفَّفَ بِهِمْ. ثُمَّ يُحْتَمَلُ أنَّهُ قالَ لَهم ذَلِكَ، وقَدْ عَرَفُوا صِحَّةَ قَوْلِهِ. ويُحْتَمَلُ أنَّهُ قالَ لَهم ذَلِكَ وقَدْ ظَهَرَتِ الحُجَّةُ وإنْ لَمْ يَعْقِلُوا. وهَذا هو الأقْرَبُ لِقَوْلِهِ: ﴿أفَتَعْبُدُونَ﴾ ولِقَوْلِهِ: ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ .

الأنبياء 21:66

صفحة ١٦٠ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلى أعْيُنِ النّاسِ لَعَلَّهم يَشْهَدُونَ﴾ ﴿قالُوا أأنْتَ فَعَلْتَ هَذا بِآلِهَتِنا ياإبْراهِيمُ﴾ قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا فاسْألُوهم إنْ كانُوا يَنْطِقُونَ ﴿فَرَجَعُوا إلى أنْفُسِهِمْ فَقالُوا إنَّكم أنْتُمُ الظّالِمُونَ﴾ ﴿ثُمَّ نُكِسُوا عَلى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ ما هَؤُلاءِ يَنْطِقُونَ﴾ ﴿قالَ أفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكم شَيْئًا ولا يَضُرُّكُمْ﴾ ﴿أُفٍّ لَكم ولِما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّ القَوْمَ لَمّا شاهَدُوا كَسْرَ الأصْنامِ، وقِيلَ: إنَّ فاعِلَهُ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالُوا فِيما بَيْنَهم: ﴿فَأْتُوا بِهِ عَلى أعْيُنِ النّاسِ﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: عَلى أعْيُنِ النّاسِ في مَحَلِّ الحالِ، أيْ فَأْتُوا بِهِ مُشاهَدًا، أيْ بِمَرْأًى مِنهم ومَنظَرٍ، فَإنْ قُلْتَ: ما مَعْنى الِاسْتِعْلاءِ في عَلى ؟ قُلْتُ: هو وارِدٌ عَلى طَرِيقِ المَثَلِ أيْ يَثْبُتُ إثْباتُهُ في الأعْيُنِ ثَباتَ الرّاكِبِ عَلى المَرْكُوبِ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَعَلَّهم يَشْهَدُونَ﴾ فَفِيهِ وجْهانِ؛ أحَدُهُما: أنَّهم كَرِهُوا أنْ يَأْخُذُوهُ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ، فَأرادُوا أنْ يَجِيئُوا بِهِ عَلى أعْيُنِ النّاسِ لَعَلَّهم يَشْهَدُونَ عَلَيْهِ بِما قالَهُ، فَيَكُونُ حُجَّةً عَلَيْهِ بِما فَعَلَ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ وقَتادَةَ والسُّدِّيِّ وعَطاءٍ وابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وثانِيهُما: وهو قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ أيْ يَحْضُرُونَ فَيُبْصِرُونَ ما يُصْنَعُ بِهِ فَيَكُونُ ذَلِكَ زاجِرًا لَهم عَنِ الإقْدامِ عَلى مِثْلِ فِعْلِهِ، وفِيهِ قَوْلٌ ثالِثٌ: وهو قَوْلُ مُقاتِلٍ والكَلْبِيِّ: أنَّ المُرادَ مَجْمُوعُ الوَجْهَيْنِ، فَيَشْهَدُونَ عَلَيْهِ بِفِعْلِهِ ويَشْهَدُونَ عِقابَهُ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا أأنْتَ فَعَلْتَ هَذا﴾ فاعْلَمْ أنَّ في الكَلامِ حَذْفًا، وهو: فَأتَوْا بِهِ، وقالُوا: أأنْتَ فَعَلْتَ ؟ طَلَبُوا مِنهُ الِاعْتِرافَ بِذَلِكَ لِيُقْدِمُوا عَلى إيذائِهِ، فَظَهَرَ مِنهُ ما انْقَلَبَ الأمْرُ عَلَيْهِمْ حَتّى تَمَنَّوُا الخَلاصَ مِنهُ، فَقالَ: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا﴾ وقَدْ عَلَّقَ الفَأْسَ عَلى رَقَبَتِهِ لِكَيْ يُورِدَ هَذا القَوْلَ فَيَظْهَرَ جَهْلُهم في عِبادَةِ الأوْثانِ، فَإنْ قِيلَ قَوْلُهُ: بَلْ فَعَلُهُ كَبِيرُهم كَذِبٌ. والجَوابُ لِلنّاسِ فِيهِ قَوْلانِ؛ أحَدُهُما: وهو قَوْلُ كافَّةِ المُحَقِّقِينَ: أنَّهُ لَيْسَ بِكَذِبٍ، وذَكَرُوا في الِاعْتِذارِ عَنْهُ وُجُوهًا. أحَدُها: أنَّ قَصْدَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَكُنْ إلى أنْ يَنْسُبَ الفِعْلَ الصّادِرَ عَنْهُ إلى الصَّنَمِ، إنَّما قَصَدَ تَقْرِيرَهُ لِنَفْسِهِ وإثْباتَهُ لَها عَلى أُسْلُوبٍ تَعْرِيضِيٍّ يُبَلِّغُ فِيهِ غَرَضَهُ مِن إلْزامِهِمُ الحُجَّةَ وتَبْكِيتِهِمْ، وهَذا كَما لَوْ قالَ لَكَ صاحِبُكَ وقَدْ كَتَبْتَ كِتابًا بِخَطٍّ رَشِيقٍ، وأنْتَ شَهِيرٌ بِحُسْنِ الخَطِّ، أأنْتَ كَتَبْتَ هَذا ؟ وصاحِبُكَ أُمِّيٌّ لا يُحْسِنُ الخَطَّ، ولا يَقْدِرُ إلّا عَلى خَرْمَشَةٍ فاسِدَةٍ، فَقُلْتَ لَهُ: بَلْ كَتَبْتَهُ أنْتَ، كَأنَّ قَصْدَكَ بِهَذا الجَوابِ تَقْرِيرُ ذَلِكَ مَعَ الِاسْتِهْزاءِ بِهِ، لا نَفْيُهُ عَنْكَ وإثْباتُهُ لِلْأُمِّيِّ أوِ المُخَرْمِشِ؛ لِأنَّ إثْباتَهُ والأمْرُ دائِرٌ بَيْنَهُما لِلْعاجِزِ مِنهُما اسْتِهْزاءٌ بِهِ وإثْباتٌ لِلْقادِرِ. وثانِيها: أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ غاظَتْهُ تِلْكَ الأصْنامُ حِينَ أبْصَرَها مُصْطَفَّةً مُزَيَّنَةً؛ وكانَ غَيْظُهُ مِن كَبِيرِها أشَدَّ لِما رَأى مِن زِيادَةِ تَعْظِيمِهِمْ لَهُ، فَأسْنَدَ الفِعْلَ إلَيْهِ؛ لِأنَّهُ هو السَّبَبُ في اسْتِهانَتِهِ بِها وحَطْمِهِ لَها، والفِعْلُ كَما يُسْنَدُ إلى مُباشِرِهِ يُسْنَدُ إلى الحامِلِ عَلَيْهِ. وثالِثُها: أنْ يَكُونَ حِكايَةً لِما يَلْزَمُ عَلى مَذْهَبِهِمْ، كَأنَّهُ قالَ لَهم: ما تُنْكِرُونَ أنْ يَفْعَلَهُ كَبِيرُهم، فَإنَّ مِن حَقِّ مَن يُعْبَدُ ويُدْعى إلَهًا أنْ يَقْدِرَ عَلى هَذا وأشَدَّ مِنهُ. وهَذِهِ الوُجُوهُ الثَّلاثَةُ ذَكَرَها صاحِبُ ”الكَشّافِ“ . ورابِعُها: أنَّهُ كِنايَةٌ عَنْ غَيْرِ مَذْكُورٍ، أيْ فَعَلَهُ مَن فَعَلَهُ، وكَبِيرُهم هَذا ابْتِداءُ الكَلامِ، ويُرْوى عَنِ الكِسائِيِّ أنَّهُ كانَ يَقِفُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿بَلْ فَعَلَهُ﴾ ثُمَّ يَبْتَدِئُ ﴿كَبِيرُهم هَذا﴾ . وخامِسُها: أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ فِيهِ وقْفٌ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿كَبِيرُهُمْ﴾، ثُمَّ يَبْتَدِئُ فَيَقُولُ: ﴿هَذا فاسْألُوهُمْ﴾ والمَعْنى بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهم، وعَنى نَفْسَهُ؛ لِأنَّ الإنْسانَ أكْبَرُ مِن كُلِّ صَنَمٍ. وسادِسُها: أنْ يَكُونَ في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، كَأنَّهُ قالَ: بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا إنْ كانُوا يَنْطِقُونَ فاسْألُوهم، فَتَكُونُ إضافَةُ الفِعْلِ إلى كَبِيرِهِمْ مَشْرُوطًا بِكَوْنِهِمْ ناطِقِينَ، فَلَمّا لَمْ يَكُونُوا ناطِقِينَ امْتَنَعَ أنْ يَكُونُوا فاعِلِينَ. وسابِعُها: قَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ السَّمَيْفَعِ: ”فَعَلَّهُ كَبِيرُهم“ أيْ فَلَعَلَّ الفاعِلَ كَبِيرُهم. القَوْلُ الثّانِي: وهو قَوْلُ طائِفَةٍ مِن أهْلِ الحِكاياتِ، أنَّ ذَلِكَ كَذِبٌ؛ واحْتَجُّوا بِما صفحة ١٦١ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «لَمْ يَكْذِبْ إبْراهِيمُ إلّا ثَلاثَ كَذِباتٍ كُلَّها في ذاتِ اللَّهِ تَعالى، قَوْلُهُ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩] وقَوْلُهُ: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا﴾ وقَوْلُهُ لِسارَّةَ: ”هي أُخْتِي“» وفي خَبَرٍ آخَرَ: ”«أنَّ أهْلَ المَوْقِفِ إذا سَألُوا إبْراهِيمَ الشَّفاعَةَ قالَ: إنِّي كَذَبْتُ ثَلاثَ كَذِباتٍ» “ ثُمَّ قَرَّرُوا قَوْلَهم مِن جِهَةِ العَقْلِ، وقالُوا: الكَذِبُ لَيْسَ قَبِيحًا لِذاتِهِ، فَإنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلامُ إذا هَرَبَ مِن ظالِمٍ واخْتَفى في دارِ إنْسانٍ، وجاءَ الظّالِمُ وسَألَ عَنْ حالِهِ فَإنَّهُ يَجِبُ الكَذِبُ فِيهِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَأيُّ بُعْدٍ في أنْ يَأْذَنَ اللَّهُ تَعالى في ذَلِكَ لِمَصْلَحَةٍ لا يَعْرِفُها إلّا هو ؟ واعْلَمْ أنَّ هَذا القَوْلَ مَرْغُوبٌ عَنْهُ، أمّا الخَبَرُ الأوَّلُ وهو الَّذِي رَوَوْهُ، فَلَأنْ يُضافَ الكَذِبُ إلى رُواتِهِ أوْلى مِن أنْ يُضافَ إلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، والدَّلِيلُ القاطِعُ عَلَيْهِ أنَّهُ لَوْ جازَ أنْ يَكْذِبُوا لِمَصْلَحَةٍ ويَأْذَنَ اللَّهُ تَعالى فِيهِ، فَلْنُجَوِّزْ هَذا الِاحْتِمالَ في كُلِّ ما أخْبَرُوا عَنْهُ، وفي كُلِّ ما أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وذَلِكَ يُبْطِلُ الوُثُوقَ بِالشَّرائِعِ وتَطَّرَّقُ التُّهْمَةُ إلى كُلِّها، ثُمَّ إنَّ ذَلِكَ الخَبَرَ لَوْ صَحَّ فَهو مَحْمُولٌ عَلى المَعارِيضِ عَلى ما قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «إنَّ في المَعارِيضِ لَمَندُوحَةً عَنِ الكَذِبِ» . فَأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ فَلَعَلَّهُ كانَ بِهِ سَقَمٌ قَلِيلٌ، واسْتِقْصاءُ الكَلامِ فِيهِ يَجِيءُ في مَوْضِعِهِ. * * * وأمّا قَوْلُهُ: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ﴾ فَقَطْ ظَهَرَ الجَوابُ عَنْهُ. أمّا قَوْلُهُ لِسارَّةَ: إنَّها أُخْتِي، فالمُرادُ أنَّها أُخْتُهُ في الدِّينِ، وإذا أمْكَنَ حَمْلُ الكَلامِ عَلى ظاهِرِهِ مِن غَيْرِ نِسْبَةِ الكَذِبِ إلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، فَحِينَئِذٍ لا يَحْكُمُ بِنِسْبَةِ الكَذِبِ إلَيْهِمْ إلّا زِنْدِيقٌ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَرَجَعُوا إلى أنْفُسِهِمْ فَقالُوا إنَّكم أنْتُمُ الظّالِمُونَ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ؛ الأوَّلُ: أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا نَبَّهَهم بِما أوْرَدَهُ عَلَيْهِمْ عَلى قُبْحِ طَرِيقِهِمْ تَنَبَّهُوا، فَعَلِمُوا أنَّ عِبادَةَ الأصْنامِ باطِلَةٌ، وأنَّهم عَلى غُرُورٍ وجَهْلٍ في ذَلِكَ. والثّانِي: قالَ مُقاتِلٌ: فَرَجَعُوا إلى أنْفُسِهِمْ فَلامُوها وقالُوا: إنَّكم أنْتُمُ الظّالِمُونَ لِإبْراهِيمَ حَيْثُ تَزْعُمُونَ أنَّهُ كَسَرَها مَعَ أنَّ الفَأْسَ بَيْنَ يَدَيِ الصَّنَمِ الكَبِيرِ. وثالِثُها: المَعْنى أنَّكم أنْتُمُ الظّالِمُونَ لِأنْفُسِكم حَيْثُ سَألْتُمْ مِنهُ عَنْ ذَلِكَ حَتّى أخَذَ يَسْتَهْزِئُ بِكم في الجَوابِ، والأقْرَبُ هو الأوَّلُ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ نُكِسُوا عَلى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ ما هَؤُلاءِ يَنْطِقُونَ﴾ فَقالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: نَكَسَهُ قَلَبَهُ فَجَعَلَ أسْفَلَهُ أعْلاهُ، وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: في المَعْنى وُجُوهٌ، أحَدُها: أنَّ المُرادَ اسْتَقامُوا حِينَ رَجَعُوا إلى أنْفُسِهِمْ وأتَوْا بِالفِكْرَةِ الصّالِحَةِ، ثُمَّ انْتَكَسُوا فَقُلِبُوا عَنْ تِلْكَ الحالَةِ، فَأخَذُوا [ في ] المُجادَلَةِ بِالباطِلِ، وأنَّ هَؤُلاءِ مَعَ تَقاصُرِ حالِها عَنْ حالِ الحَيَوانِ النّاطِقِ آلِهَةٌ مَعْبُودَةٌ. وثانِيها: قُلِبُوا عَلى رُءُوسِهِمْ حَقِيقَةً لِفَرْطِ إطْراقِهِمْ خَجَلًا وانْكِسارًا وانْخِذالًا مِمّا بَهَتَهم بِهِ إبْراهِيمُ فَما أحارُوا جَوابًا إلّا ما هو حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ. وثالِثُها: قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: ثُمَّ نُكِسُوا عَلى رُءُوسِهِمْ في الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ لِإبْراهِيمَ حِينَ جادَلَهم. أيْ قُلِبُوا في الحُجَّةِ واحْتَجُّوا عَلى إبْراهِيمَ بِما هو الحُجَّةُ لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِمْ، فَقالُوا: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ ما هَؤُلاءِ يَنْطِقُونَ﴾ فَأقَرُّوا بِهَذِهِ لِلْحَيْرَةِ الَّتِي لَحِقَتْهم، قالَ: والمَعْنى نُكِسَتْ حُجَّتُهم؛ فَأُقِيمَ الخَبَرُ عَنْهم مَقامَ الخَبَرِ عَنْ حُجَّتِهِمْ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قُرِئَ ”نُكِّسُوا“ بِالتَّشْدِيدِ، ونُكِسُوا عَلى لَفْظِ ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، أيْ نَكَّسُوا أنْفُسَهم عَلى رُءُوسِهِمْ، وهي قِراءَةُ رِضْوانَ بْنِ عَبْدِ المَعْبُودِ. صفحة ١٦٢ أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ أفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكم شَيْئًا ولا يَضُرُّكُمْ﴾ ﴿أُفٍّ لَكم ولِما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ فالمَعْنى ظاهِرٌ. قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: أُفٍّ صَوْتٌ إذا صُوِّتَ بِهِ عُلِمَ أنَّ صاحِبَهُ مُتَضَجِّرٌ، وإنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أضْجَرَهُ ما رَأى مِن ثَباتِهِمْ عَلى عِبادَتِها بَعْدَ انْقِطاعِ عُذْرِهِمْ، وبَعْدَ وُضُوحِ الحَقِّ وزُهُوقِ الباطِلِ، فَتَأفَّفَ بِهِمْ. ثُمَّ يُحْتَمَلُ أنَّهُ قالَ لَهم ذَلِكَ، وقَدْ عَرَفُوا صِحَّةَ قَوْلِهِ. ويُحْتَمَلُ أنَّهُ قالَ لَهم ذَلِكَ وقَدْ ظَهَرَتِ الحُجَّةُ وإنْ لَمْ يَعْقِلُوا. وهَذا هو الأقْرَبُ لِقَوْلِهِ: ﴿أفَتَعْبُدُونَ﴾ ولِقَوْلِهِ: ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ .

الأنبياء 21:67

صفحة ١٦٠ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلى أعْيُنِ النّاسِ لَعَلَّهم يَشْهَدُونَ﴾ ﴿قالُوا أأنْتَ فَعَلْتَ هَذا بِآلِهَتِنا ياإبْراهِيمُ﴾ قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا فاسْألُوهم إنْ كانُوا يَنْطِقُونَ ﴿فَرَجَعُوا إلى أنْفُسِهِمْ فَقالُوا إنَّكم أنْتُمُ الظّالِمُونَ﴾ ﴿ثُمَّ نُكِسُوا عَلى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ ما هَؤُلاءِ يَنْطِقُونَ﴾ ﴿قالَ أفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكم شَيْئًا ولا يَضُرُّكُمْ﴾ ﴿أُفٍّ لَكم ولِما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّ القَوْمَ لَمّا شاهَدُوا كَسْرَ الأصْنامِ، وقِيلَ: إنَّ فاعِلَهُ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالُوا فِيما بَيْنَهم: ﴿فَأْتُوا بِهِ عَلى أعْيُنِ النّاسِ﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: عَلى أعْيُنِ النّاسِ في مَحَلِّ الحالِ، أيْ فَأْتُوا بِهِ مُشاهَدًا، أيْ بِمَرْأًى مِنهم ومَنظَرٍ، فَإنْ قُلْتَ: ما مَعْنى الِاسْتِعْلاءِ في عَلى ؟ قُلْتُ: هو وارِدٌ عَلى طَرِيقِ المَثَلِ أيْ يَثْبُتُ إثْباتُهُ في الأعْيُنِ ثَباتَ الرّاكِبِ عَلى المَرْكُوبِ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَعَلَّهم يَشْهَدُونَ﴾ فَفِيهِ وجْهانِ؛ أحَدُهُما: أنَّهم كَرِهُوا أنْ يَأْخُذُوهُ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ، فَأرادُوا أنْ يَجِيئُوا بِهِ عَلى أعْيُنِ النّاسِ لَعَلَّهم يَشْهَدُونَ عَلَيْهِ بِما قالَهُ، فَيَكُونُ حُجَّةً عَلَيْهِ بِما فَعَلَ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ وقَتادَةَ والسُّدِّيِّ وعَطاءٍ وابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وثانِيهُما: وهو قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ أيْ يَحْضُرُونَ فَيُبْصِرُونَ ما يُصْنَعُ بِهِ فَيَكُونُ ذَلِكَ زاجِرًا لَهم عَنِ الإقْدامِ عَلى مِثْلِ فِعْلِهِ، وفِيهِ قَوْلٌ ثالِثٌ: وهو قَوْلُ مُقاتِلٍ والكَلْبِيِّ: أنَّ المُرادَ مَجْمُوعُ الوَجْهَيْنِ، فَيَشْهَدُونَ عَلَيْهِ بِفِعْلِهِ ويَشْهَدُونَ عِقابَهُ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا أأنْتَ فَعَلْتَ هَذا﴾ فاعْلَمْ أنَّ في الكَلامِ حَذْفًا، وهو: فَأتَوْا بِهِ، وقالُوا: أأنْتَ فَعَلْتَ ؟ طَلَبُوا مِنهُ الِاعْتِرافَ بِذَلِكَ لِيُقْدِمُوا عَلى إيذائِهِ، فَظَهَرَ مِنهُ ما انْقَلَبَ الأمْرُ عَلَيْهِمْ حَتّى تَمَنَّوُا الخَلاصَ مِنهُ، فَقالَ: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا﴾ وقَدْ عَلَّقَ الفَأْسَ عَلى رَقَبَتِهِ لِكَيْ يُورِدَ هَذا القَوْلَ فَيَظْهَرَ جَهْلُهم في عِبادَةِ الأوْثانِ، فَإنْ قِيلَ قَوْلُهُ: بَلْ فَعَلُهُ كَبِيرُهم كَذِبٌ. والجَوابُ لِلنّاسِ فِيهِ قَوْلانِ؛ أحَدُهُما: وهو قَوْلُ كافَّةِ المُحَقِّقِينَ: أنَّهُ لَيْسَ بِكَذِبٍ، وذَكَرُوا في الِاعْتِذارِ عَنْهُ وُجُوهًا. أحَدُها: أنَّ قَصْدَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَكُنْ إلى أنْ يَنْسُبَ الفِعْلَ الصّادِرَ عَنْهُ إلى الصَّنَمِ، إنَّما قَصَدَ تَقْرِيرَهُ لِنَفْسِهِ وإثْباتَهُ لَها عَلى أُسْلُوبٍ تَعْرِيضِيٍّ يُبَلِّغُ فِيهِ غَرَضَهُ مِن إلْزامِهِمُ الحُجَّةَ وتَبْكِيتِهِمْ، وهَذا كَما لَوْ قالَ لَكَ صاحِبُكَ وقَدْ كَتَبْتَ كِتابًا بِخَطٍّ رَشِيقٍ، وأنْتَ شَهِيرٌ بِحُسْنِ الخَطِّ، أأنْتَ كَتَبْتَ هَذا ؟ وصاحِبُكَ أُمِّيٌّ لا يُحْسِنُ الخَطَّ، ولا يَقْدِرُ إلّا عَلى خَرْمَشَةٍ فاسِدَةٍ، فَقُلْتَ لَهُ: بَلْ كَتَبْتَهُ أنْتَ، كَأنَّ قَصْدَكَ بِهَذا الجَوابِ تَقْرِيرُ ذَلِكَ مَعَ الِاسْتِهْزاءِ بِهِ، لا نَفْيُهُ عَنْكَ وإثْباتُهُ لِلْأُمِّيِّ أوِ المُخَرْمِشِ؛ لِأنَّ إثْباتَهُ والأمْرُ دائِرٌ بَيْنَهُما لِلْعاجِزِ مِنهُما اسْتِهْزاءٌ بِهِ وإثْباتٌ لِلْقادِرِ. وثانِيها: أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ غاظَتْهُ تِلْكَ الأصْنامُ حِينَ أبْصَرَها مُصْطَفَّةً مُزَيَّنَةً؛ وكانَ غَيْظُهُ مِن كَبِيرِها أشَدَّ لِما رَأى مِن زِيادَةِ تَعْظِيمِهِمْ لَهُ، فَأسْنَدَ الفِعْلَ إلَيْهِ؛ لِأنَّهُ هو السَّبَبُ في اسْتِهانَتِهِ بِها وحَطْمِهِ لَها، والفِعْلُ كَما يُسْنَدُ إلى مُباشِرِهِ يُسْنَدُ إلى الحامِلِ عَلَيْهِ. وثالِثُها: أنْ يَكُونَ حِكايَةً لِما يَلْزَمُ عَلى مَذْهَبِهِمْ، كَأنَّهُ قالَ لَهم: ما تُنْكِرُونَ أنْ يَفْعَلَهُ كَبِيرُهم، فَإنَّ مِن حَقِّ مَن يُعْبَدُ ويُدْعى إلَهًا أنْ يَقْدِرَ عَلى هَذا وأشَدَّ مِنهُ. وهَذِهِ الوُجُوهُ الثَّلاثَةُ ذَكَرَها صاحِبُ ”الكَشّافِ“ . ورابِعُها: أنَّهُ كِنايَةٌ عَنْ غَيْرِ مَذْكُورٍ، أيْ فَعَلَهُ مَن فَعَلَهُ، وكَبِيرُهم هَذا ابْتِداءُ الكَلامِ، ويُرْوى عَنِ الكِسائِيِّ أنَّهُ كانَ يَقِفُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿بَلْ فَعَلَهُ﴾ ثُمَّ يَبْتَدِئُ ﴿كَبِيرُهم هَذا﴾ . وخامِسُها: أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ فِيهِ وقْفٌ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿كَبِيرُهُمْ﴾، ثُمَّ يَبْتَدِئُ فَيَقُولُ: ﴿هَذا فاسْألُوهُمْ﴾ والمَعْنى بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهم، وعَنى نَفْسَهُ؛ لِأنَّ الإنْسانَ أكْبَرُ مِن كُلِّ صَنَمٍ. وسادِسُها: أنْ يَكُونَ في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، كَأنَّهُ قالَ: بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا إنْ كانُوا يَنْطِقُونَ فاسْألُوهم، فَتَكُونُ إضافَةُ الفِعْلِ إلى كَبِيرِهِمْ مَشْرُوطًا بِكَوْنِهِمْ ناطِقِينَ، فَلَمّا لَمْ يَكُونُوا ناطِقِينَ امْتَنَعَ أنْ يَكُونُوا فاعِلِينَ. وسابِعُها: قَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ السَّمَيْفَعِ: ”فَعَلَّهُ كَبِيرُهم“ أيْ فَلَعَلَّ الفاعِلَ كَبِيرُهم. القَوْلُ الثّانِي: وهو قَوْلُ طائِفَةٍ مِن أهْلِ الحِكاياتِ، أنَّ ذَلِكَ كَذِبٌ؛ واحْتَجُّوا بِما صفحة ١٦١ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «لَمْ يَكْذِبْ إبْراهِيمُ إلّا ثَلاثَ كَذِباتٍ كُلَّها في ذاتِ اللَّهِ تَعالى، قَوْلُهُ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩] وقَوْلُهُ: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا﴾ وقَوْلُهُ لِسارَّةَ: ”هي أُخْتِي“» وفي خَبَرٍ آخَرَ: ”«أنَّ أهْلَ المَوْقِفِ إذا سَألُوا إبْراهِيمَ الشَّفاعَةَ قالَ: إنِّي كَذَبْتُ ثَلاثَ كَذِباتٍ» “ ثُمَّ قَرَّرُوا قَوْلَهم مِن جِهَةِ العَقْلِ، وقالُوا: الكَذِبُ لَيْسَ قَبِيحًا لِذاتِهِ، فَإنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلامُ إذا هَرَبَ مِن ظالِمٍ واخْتَفى في دارِ إنْسانٍ، وجاءَ الظّالِمُ وسَألَ عَنْ حالِهِ فَإنَّهُ يَجِبُ الكَذِبُ فِيهِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَأيُّ بُعْدٍ في أنْ يَأْذَنَ اللَّهُ تَعالى في ذَلِكَ لِمَصْلَحَةٍ لا يَعْرِفُها إلّا هو ؟ واعْلَمْ أنَّ هَذا القَوْلَ مَرْغُوبٌ عَنْهُ، أمّا الخَبَرُ الأوَّلُ وهو الَّذِي رَوَوْهُ، فَلَأنْ يُضافَ الكَذِبُ إلى رُواتِهِ أوْلى مِن أنْ يُضافَ إلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، والدَّلِيلُ القاطِعُ عَلَيْهِ أنَّهُ لَوْ جازَ أنْ يَكْذِبُوا لِمَصْلَحَةٍ ويَأْذَنَ اللَّهُ تَعالى فِيهِ، فَلْنُجَوِّزْ هَذا الِاحْتِمالَ في كُلِّ ما أخْبَرُوا عَنْهُ، وفي كُلِّ ما أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وذَلِكَ يُبْطِلُ الوُثُوقَ بِالشَّرائِعِ وتَطَّرَّقُ التُّهْمَةُ إلى كُلِّها، ثُمَّ إنَّ ذَلِكَ الخَبَرَ لَوْ صَحَّ فَهو مَحْمُولٌ عَلى المَعارِيضِ عَلى ما قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «إنَّ في المَعارِيضِ لَمَندُوحَةً عَنِ الكَذِبِ» . فَأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ فَلَعَلَّهُ كانَ بِهِ سَقَمٌ قَلِيلٌ، واسْتِقْصاءُ الكَلامِ فِيهِ يَجِيءُ في مَوْضِعِهِ. * * * وأمّا قَوْلُهُ: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ﴾ فَقَطْ ظَهَرَ الجَوابُ عَنْهُ. أمّا قَوْلُهُ لِسارَّةَ: إنَّها أُخْتِي، فالمُرادُ أنَّها أُخْتُهُ في الدِّينِ، وإذا أمْكَنَ حَمْلُ الكَلامِ عَلى ظاهِرِهِ مِن غَيْرِ نِسْبَةِ الكَذِبِ إلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، فَحِينَئِذٍ لا يَحْكُمُ بِنِسْبَةِ الكَذِبِ إلَيْهِمْ إلّا زِنْدِيقٌ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَرَجَعُوا إلى أنْفُسِهِمْ فَقالُوا إنَّكم أنْتُمُ الظّالِمُونَ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ؛ الأوَّلُ: أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا نَبَّهَهم بِما أوْرَدَهُ عَلَيْهِمْ عَلى قُبْحِ طَرِيقِهِمْ تَنَبَّهُوا، فَعَلِمُوا أنَّ عِبادَةَ الأصْنامِ باطِلَةٌ، وأنَّهم عَلى غُرُورٍ وجَهْلٍ في ذَلِكَ. والثّانِي: قالَ مُقاتِلٌ: فَرَجَعُوا إلى أنْفُسِهِمْ فَلامُوها وقالُوا: إنَّكم أنْتُمُ الظّالِمُونَ لِإبْراهِيمَ حَيْثُ تَزْعُمُونَ أنَّهُ كَسَرَها مَعَ أنَّ الفَأْسَ بَيْنَ يَدَيِ الصَّنَمِ الكَبِيرِ. وثالِثُها: المَعْنى أنَّكم أنْتُمُ الظّالِمُونَ لِأنْفُسِكم حَيْثُ سَألْتُمْ مِنهُ عَنْ ذَلِكَ حَتّى أخَذَ يَسْتَهْزِئُ بِكم في الجَوابِ، والأقْرَبُ هو الأوَّلُ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ نُكِسُوا عَلى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ ما هَؤُلاءِ يَنْطِقُونَ﴾ فَقالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: نَكَسَهُ قَلَبَهُ فَجَعَلَ أسْفَلَهُ أعْلاهُ، وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: في المَعْنى وُجُوهٌ، أحَدُها: أنَّ المُرادَ اسْتَقامُوا حِينَ رَجَعُوا إلى أنْفُسِهِمْ وأتَوْا بِالفِكْرَةِ الصّالِحَةِ، ثُمَّ انْتَكَسُوا فَقُلِبُوا عَنْ تِلْكَ الحالَةِ، فَأخَذُوا [ في ] المُجادَلَةِ بِالباطِلِ، وأنَّ هَؤُلاءِ مَعَ تَقاصُرِ حالِها عَنْ حالِ الحَيَوانِ النّاطِقِ آلِهَةٌ مَعْبُودَةٌ. وثانِيها: قُلِبُوا عَلى رُءُوسِهِمْ حَقِيقَةً لِفَرْطِ إطْراقِهِمْ خَجَلًا وانْكِسارًا وانْخِذالًا مِمّا بَهَتَهم بِهِ إبْراهِيمُ فَما أحارُوا جَوابًا إلّا ما هو حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ. وثالِثُها: قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: ثُمَّ نُكِسُوا عَلى رُءُوسِهِمْ في الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ لِإبْراهِيمَ حِينَ جادَلَهم. أيْ قُلِبُوا في الحُجَّةِ واحْتَجُّوا عَلى إبْراهِيمَ بِما هو الحُجَّةُ لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِمْ، فَقالُوا: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ ما هَؤُلاءِ يَنْطِقُونَ﴾ فَأقَرُّوا بِهَذِهِ لِلْحَيْرَةِ الَّتِي لَحِقَتْهم، قالَ: والمَعْنى نُكِسَتْ حُجَّتُهم؛ فَأُقِيمَ الخَبَرُ عَنْهم مَقامَ الخَبَرِ عَنْ حُجَّتِهِمْ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قُرِئَ ”نُكِّسُوا“ بِالتَّشْدِيدِ، ونُكِسُوا عَلى لَفْظِ ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، أيْ نَكَّسُوا أنْفُسَهم عَلى رُءُوسِهِمْ، وهي قِراءَةُ رِضْوانَ بْنِ عَبْدِ المَعْبُودِ. صفحة ١٦٢ أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ أفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكم شَيْئًا ولا يَضُرُّكُمْ﴾ ﴿أُفٍّ لَكم ولِما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ فالمَعْنى ظاهِرٌ. قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: أُفٍّ صَوْتٌ إذا صُوِّتَ بِهِ عُلِمَ أنَّ صاحِبَهُ مُتَضَجِّرٌ، وإنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أضْجَرَهُ ما رَأى مِن ثَباتِهِمْ عَلى عِبادَتِها بَعْدَ انْقِطاعِ عُذْرِهِمْ، وبَعْدَ وُضُوحِ الحَقِّ وزُهُوقِ الباطِلِ، فَتَأفَّفَ بِهِمْ. ثُمَّ يُحْتَمَلُ أنَّهُ قالَ لَهم ذَلِكَ، وقَدْ عَرَفُوا صِحَّةَ قَوْلِهِ. ويُحْتَمَلُ أنَّهُ قالَ لَهم ذَلِكَ وقَدْ ظَهَرَتِ الحُجَّةُ وإنْ لَمْ يَعْقِلُوا. وهَذا هو الأقْرَبُ لِقَوْلِهِ: ﴿أفَتَعْبُدُونَ﴾ ولِقَوْلِهِ: ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ .

الأنبياء 21:68

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا حَرِّقُوهُ وانْصُرُوا آلِهَتَكم إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ ﴿قُلْنا يانارُ كُونِي بَرْدًا وسَلامًا عَلى إبْراهِيمَ﴾ ﴿وأرادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْناهُمُ الأخْسَرِينَ﴾ ﴿ونَجَّيْناهُ ولُوطًا إلى الأرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ ما أظْهَرَهُ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن دَلائِلِ التَّوْحِيدِ وإبْطالِ ما كانُوا عَلَيْهِ مِن عِبادَةِ التَّماثِيلِ أتْبَعَهُ بِما يَدُلُّ عَلى جَهْلِهِمْ، وأنَّهم: ﴿قالُوا حَرِّقُوهُ وانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ﴾ وهاهُنا مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: لَيْسَ في القُرْآنِ مَنِ القائِلُ لِذَلِكَ، والمَشْهُورُ أنَّهُ نُمْرُوذُ بْنُ كَنْعانَ بْنِ سَنْجارِيبَ بْنِ نُمْرُوذَ بْنِ كُوشِ بْنِ حامِ بْنِ نُوحٍ، وقالَ مُجاهِدٌ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: إنَّما أشارَ بِتَحْرِيقِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ رَجُلٌ مِنَ الكُرْدِ مِن أعْرابِ فارِسَ، ورَوى ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ وهْبٍ، عَنْ شُعَيْبٍ الجُبّائِيِّ قالَ: إنَّ الَّذِي قالَ: حَرِّقُوهُ. رَجُلٌ اسْمُهُ هِيرِينُ، فَخَسَفَ اللَّهُ تَعالى بِهِ الأرْضَ فَهو يَتَجَلْجَلُ فِيها إلى يَوْمِ القِيامَةِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أمّا كَيْفِيَّةُ القِصَّةِ فَقالَ مُقاتِلٌ: لَمّا اجْتَمَعَ نُمْرُوذُ وقَوْمُهُ لِإحْراقِ إبْراهِيمَ حَبَسُوهُ في بَيْتٍ وبَنَوْا بُنْيانًا كالحَظِيرَةِ، وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿قالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيانًا فَألْقُوهُ في الجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٩٧] ثُمَّ جَمَعُوا لَهُ الحَطَبَ الكَثِيرَ حَتّى إنَّ المَرْأةَ لَوْ مَرِضَتْ قالَتْ: إنْ عافانِي اللَّهُ لَأجْعَلَنَّ حَطَبًا لِإبْراهِيمَ، ونَقَلُوا لَهُ الحَطَبَ عَلى الدَّوابِّ أرْبَعِينَ يَوْمًا، فَلَمّا اشْتَعَلَتِ النّارُ اشْتَدَّتْ وصارَ الهَواءُ بِحَيْثُ لَوْ مَرَّ الطَّيْرُ في أقْصى الهَواءِ لاحْتَرَقَ، ثُمَّ أخَذُوا إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ورَفَعُوهُ عَلى رَأْسِ البُنْيانِ وقَيَّدُوهُ، ثُمَّ اتَّخَذُوا مَنجَنِيقًا ووَضَعُوهُ فِيهِ مُقَيَّدًا مَغْلُولًا، فَصاحَتِ السَّماءُ والأرْضُ ومَن فِيها مِنَ المَلائِكَةِ إلّا الثَّقَلَيْنِ صَيْحَةً واحِدَةً، أيْ رَبَّنا لَيْسَ في أرْضِكَ أحَدٌ يَعْبُدُكَ غَيْرُ إبْراهِيمَ، وإنَّهُ يُحَرَّقُ فِيكَ، فَأْذَنْ لَنا في نُصْرَتِهِ، فَقالَ سُبْحانَهُ: إنِ اسْتَغاثَ بِأحَدٍ مِنكم فَأغِيثُوهُ، وإنْ لَمْ يَدْعُ غَيْرِي فَأنا أعْلَمُ بِهِ، وأنا ولِيُّهُ، فَخَلُّوا بَيْنِي وبَيْنَهُ، فَلَمّا أرادُوا إلْقاءَهُ في النّارِ، أتاهُ خازِنُ الرِّياحِ فَقالَ: إنْ شِئْتَ طَيَّرْتُ النّارَ في الهَواءِ، فَقالَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ: لا حاجَةَ بِي إلَيْكم، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ إلى السَّماءِ وقالَ: ”اللَّهُمَّ أنْتَ الواحِدُ في السَّماءِ، وأنا الواحِدُ في الأرْضِ، لَيْسَ في الأرْضِ أحَدٌ يَعْبُدُكَ غَيْرِي، أنْتَ حَسْبُنا ونِعْمَ الوَكِيلُ“ وقِيلَ: إنَّهُ حِينَ أُلْقِيَ في النّارِ قالَ: ”لا إلَهَ إلّا أنْتَ سُبْحانَكَ، رَبَّ العالَمِينَ، لَكَ الحَمْدُ ولَكَ المُلْكُ، لا شَرِيكَ لَكَ“ ثُمَّ وضَعُوهُ في المَنجَنِيقِ ورَمَوْا بِهِ في النّارِ، فَأتاهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ وقالَ: يا إبْراهِيمُ، هَلْ لَكَ حاجَةٌ، قالَ: أمّا إلَيْكَ فَلا ؟ قالَ: فاسْألْ رَبَّكَ، قالَ: حَسْبِي مِن سُؤالِي عِلْمُهُ صفحة ١٦٣ بِحالِي؛ فَقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿يا نارُ كُونِي بَرْدًا وسَلامًا عَلى إبْراهِيمَ﴾ . وقالَ السُّدِّيُّ: إنَّما قالَ ذَلِكَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - في رِوايَةِ مُجاهِدٍ: ولَوْ لَمْ يُتْبِعْ بَرْدًا سَلامًا لَماتَ إبْراهِيمُ مِن بَرْدِها، قالَ: ولَمْ يَبْقَ يَوْمَئِذٍ في الدُّنْيا نارٌ إلّا طُفِئَتْ، ثُمَّ قالَ السُّدِّيُّ: فَأخَذَتِ المَلائِكَةُ بِضَبْعَيْ إبْراهِيمَ وأقْعَدُوهُ في الأرْضِ، فَإذا عَيْنُ ماءٍ عَذْبٍ، ووَرْدٌ أحْمَرُ ونَرْجِسُ. ولَمْ تُحْرِقِ النّارُ مِنهُ إلّا وِثاقَهُ، وقالَ المِنهالُ بْنُ عَمْرٍو: أُخْبِرْتُ أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا أُلْقِيَ في النّارِ كانَ فِيها إمّا أرْبَعِينَ يَوْمًا أوْ خَمْسِينَ يَوْمًا، وقالَ: ما كُنْتُ أيّامًا أطْيَبَ عَيْشًا مِنِّي إذْ كُنْتُ فِيها، وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: بَعَثَ اللَّهُ مَلَكَ الظِّلِّ في صُورَةِ إبْراهِيمَ، فَقَعَدَ إلى جَنْبِ إبْراهِيمَ يُؤْنِسُهُ، وأتاهُ جِبْرِيلُ بِقَمِيصٍ مِن حَرِيرِ الجَنَّةِ، وقالَ: يا إبْراهِيمُ، إنَّ رَبَّكَ يَقُولُ: أما عَلِمْتَ أنَّ النّارَ لا تَضُرُّ أحْبابِي، ثُمَّ نَظَرَ نُمْرُوذُ مِن صَرْحٍ لَهُ وأشْرَفَ عَلى إبْراهِيمَ، فَرَآهُ جالِسًا في رَوْضَةٍ، ورَأى المَلَكَ قاعِدًا إلى جَنْبِهِ وما حَوْلَهُ نارٌ تُحْرِقُ الحَطَبَ، فَناداهُ نُمْرُوذُ: يا إبْراهِيمُ، هَلْ تَسْتَطِيعُ أنْ تَخْرُجَ مِنها ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: قُمْ فاخْرُجْ، فَقامَ يَمْشِي حَتّى خَرَجَ مِنها، فَلَمّا خَرَجَ قالَ لَهُ نُمْرُوذُ: مَنِ الرَّجُلُ الَّذِي رَأيْتُهُ مَعَكَ في صُورَتِكَ ؟ قالَ: ذاكَ مَلَكُ الظِّلِّ أرْسَلَهُ رَبِّي لِيُؤْنِسَنِي فِيها. فَقالَ نُمْرُوذُ: إنِّي مُقَرِّبٌ إلى رَبِّكَ قُرْبانًا لِما رَأيْتُ مِن قُدْرَتِهِ وعِزَّتِهِ فِيما صَنَعَ بِكَ، فَإنِّي ذابِحٌ لَهُ أرْبَعَةَ آلافِ بَقَرَةٍ، فَقالَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ: لا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنكَ ما دُمْتَ عَلى دِينِكَ، فَقالَ نُمْرُوذُ: لا أسْتَطِيعُ تَرْكَ مُلْكِي، ولَكِنْ سَوْفَ أذْبَحُها لَهُ، ثُمَّ ذَبَحَها لَهُ وكَفَّ عَنْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِصَّةُ عَلى وجْهٍ آخَرَ، وهي أنَّهم بَنَوْا لِإبْراهِيمَ بُنْيانًا وألْقَوْهُ فِيهِ، ثُمَّ أوْقَدُوا عَلَيْهِ النّارَ سَبْعَةَ أيّامٍ، ثُمَّ أطْبَقُوا عَلَيْهِ، ثُمَّ فَتَحُوا عَلَيْهِ مِنَ الغَدِ، فَإذا هو غَيْرُ مُحْتَرِقٍ يَعْرَقُ عَرَقًا، فَقالَ لَهم هارانُ أبُو لُوطٍ: إنَّ النّارَ لا تُحْرِقُهُ لِأنَّهُ سَحَرَ النّارَ، ولَكِنِ اجْعَلُوهُ عَلى شَيْءٍ وأوْقِدُوا تَحْتَهُ فَإنَّ الدُّخانَ يَقْتُلُهُ، فَجَعَلُوهُ فَوْقَ بِئْرٍ وأوْقَدُوا تَحْتَهُ، فَطارَتْ شَرارَةٌ فَوَقَعَتْ في لِحْيَةِ أبِي لُوطٍ فَأحْرَقَتْهُ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: إنَّما اخْتارُوا المُعاقَبَةَ بِالنّارِ لِأنَّها أشَدُّ العُقُوباتِ، ولِهَذا قِيلَ: ﴿إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ أيْ إنْ كُنْتُمْ تَنْصُرُونَ آلِهَتَكم نَصْرًا شَدِيدًا، فاخْتارُوا أشَدَّ العُقُوباتِ وهي الإحْراقُ. * * * أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْنا يانارُ كُونِي بَرْدًا وسَلامًا عَلى إبْراهِيمَ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ أبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْنا يانارُ كُونِي بَرْدًا﴾ المَعْنى أنَّهُ سُبْحانَهُ جَعَلَ النّارَ بَرْدًا وسَلامًا، لا أنَّ هُناكَ كَلامًا كَقَوْلِهِ: ﴿أنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ أيْ يَكُونُهُ، وقَدِ احْتُجَّ عَلَيْهِ بِأنَّ النّارَ جَمادٌ فَلا يَجُوزُ خِطابُهُ، والأكْثَرُونَ عَلى أنَّهُ وُجِدَ ذَلِكَ القَوْلُ. ثُمَّ هَؤُلاءِ لَهم قَوْلانِ؛ أحَدُهُما: وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ: أنَّ القائِلَ هو جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ. والثّانِي: وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ أنَّ القائِلَ هو اللَّهُ تَعالى، وهَذا هو الألْيَقُ الأقْرَبُ بِالظّاهِرِ، وقَوْلُهُ: النّارُ جَمادٌ فَلا يَكُونُ في خِطابِها فائِدَةٌ، قُلْنا: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَقْصُودُ مِن ذَلِكَ الأمْرِ مَصْلَحَةً عائِدَةً إلى المَلائِكَةِ؟ . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ النّارَ كَيْفَ بَرَدَتْ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ؛ أحَدُها: أنَّ اللَّهَ تَعالى أزالَ عَنْها ما فِيها مِنَ الحَرِّ والإحْراقِ، وأبْقى ما فِيها مِنَ الإضاءَةِ والإشْراقِ، واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. وثانِيها: أنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ في جِسْمِ إبْراهِيمَ كَيْفِيَّةً مانِعَةً مِن وُصُولِ أذى النّارِ إلَيْهِ، كَما يَفْعَلُ بِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ في الآخِرَةِ، وكَما أنَّهُ رَكَّبَ بِنْيَةَ النَّعامَةِ بِحَيْثُ لا يَضُرُّها ابْتِلاعُ الحَدِيدَةِ المُحْماةِ، وبَدَنَ السَّمَندَلِ بِحَيْثُ لا يَضُرُّهُ المُكْثُ في النّارِ. وثالِثُها: أنَّهُ سُبْحانَهُ خَلَقَ بَيْنَهُ وبَيْنَ النّارِ حائِلًا يَمْنَعُ مِن وُصُولِ أثَرِ النّارِ إلَيْهِ، قالَ المُحَقِّقُونَ: والأوَّلُ أوْلى؛ لِأنَّ صفحة ١٦٤ ظاهِرَ قَوْلِهِ: ﴿قُلْنا يانارُ كُونِي بَرْدًا﴾ أنَّ نَفْسَ النّارِ صارَتْ بارِدَةً حَتّى سَلِمَ إبْراهِيمُ مِن تَأْثِيرِها، لا أنَّ النّارَ بَقِيَتْ كَما كانَتْ، فَإنْ قِيلَ: النّارُ جِسْمٌ مَوْصُوفٌ بِالحَرارَةِ واللَّطافَةِ، فَإذا كانَتِ الحَرارَةُ جُزْءًا مِن مُسَمّى النّارِ امْتَنَعَ كَوْنُ النّارِ بارِدَةً، فَإذا وجَبَ أنْ يُقالَ: المُرادُ مِنَ النّارِ الجِسْمُ الَّذِي هو أحَدُ أجْزاءِ مُسَمّى النّارِ، وذَلِكَ مَجازٌ فَلِمَ كانَ مَجازُكم أوْلى مِنَ المَجازَيْنِ الآخَرَيْنِ ؟ قُلْنا: المَجازُ الَّذِي ذَكَرْناهُ يَبْقى مَعَهُ حُصُولُ البَرْدِ، وفي المَجازَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرْتُمُوهُما لا يَبْقى ذَلِكَ، فَكانَ مَجازُنا أوْلى. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُونِي بَرْدًا وسَلامًا عَلى إبْراهِيمَ﴾ فالمَعْنى أنَّ البَرْدَ إذا أفْرَطَ أهْلَكَ كالحَرِّ، بَلْ لا بُدَّ مِنَ الِاعْتِدالِ، ثُمَّ في حُصُولِ الِاعْتِدالِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ يُقَدِّرُ اللَّهُ تَعالى بَرْدَها بِالمِقْدارِ الَّذِي لا يُؤَثِّرُ. وثانِيها: أنَّ بَعْضَ النّارِ صارَ بَرْدًا وبَقِيَ بَعْضُها عَلى حَرارَتِهِ، فَتَعادَلَ الحَرُّ والبَرْدُ. وثالِثُها: أنَّهُ تَعالى جَعَلَ في جِسْمِهِ مَزِيدَ حَرٍّ فَسَلِمَ مِن ذَلِكَ البَرْدِ، بَلْ قَدِ انْتَفَعَ بِهِ والتَذَّ، ثُمَّ هاهُنا سُؤالاتٌ: السُّؤالُ الأوَّلُ: أوَكُلُّ النّارِ زالَتْ وصارَتْ بَرْدًا ؟ الجَوابُ: أنَّ النّارَ هو اسْمُ الماهِيَّةِ، فَلا بُدَّ وأنْ يَحْصُلَ هَذا البَرْدُ في الماهِيَّةِ، ويَلْزَمَ مِنهُ عُمُومُهُ في كُلِّ أفْرادِ الماهِيَّةِ، وقِيلَ: بَلِ اخْتُصَّ بِتِلْكَ النّارِ؛ لِأنَّ الغَرَضَ إنَّما تَعَلَّقَ بِبَرْدِ تِلْكَ النّارِ، وفي النّارِ مَنافِعُ لِلْخَلْقِ، فَلا يَجُوزُ تَعْطِيلُها، والمُرادُ خَلاصُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لا إيصالُ الضَّرَرِ إلى سائِرِ الخَلْقِ. السُّؤالُ الثّانِي: هَلْ يَجُوزُ ما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ مِن أنَّهُ سَلامٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى عَلى إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ؟ الجَوابُ الظّاهِرُ كَما أنَّهُ جَعَلَ النّارَ بَرْدًا جَعَلَها سَلامًا عَلَيْهِ حَتّى يَخْلُصَ، فالَّذِي قالَهُ يَبْعُدُ، وفِيهِ تَشْتِيتُ الكَلامِ المُرَتَّبِ. السُّؤالُ الثّالِثُ: أفَيَجُوزُ ما رُوِيَ مِن أنَّهُ لَوْ لَمْ يَقُلْ: وسَلامًا لَأتى البَرْدُ عَلَيْهِ ؟ والجَوابُ: ذَلِكَ بَعِيدٌ؛ لِأنَّ بَرْدَ النّارِ لَمْ يَحْصُلْ مِنها، وإنَّما حَصَلَ مِن جِهَةِ اللَّهِ تَعالى فَهو القادِرُ عَلى الحَرِّ والبَرْدِ، فَلا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: كانَ البَرْدُ يَعْظُمُ لَوْلا قَوْلُهُ سَلامًا. السُّؤالُ الرّابِعُ: أفَيَجُوزُ ما قِيلَ مِن أنَّهُ كانَ في النّارِ أنْعَمَ عَيْشًا مِنهُ في سائِرِ أحْوالِهِ ؟ والجَوابُ: لا يَمْتَنِعُ ذَلِكَ لِما فِيهِ مِن مَزِيدِ النِّعْمَةِ عَلَيْهِ وكَمالِها، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ إنَّما صارَ أنْعَمَ عَيْشًا هُناكَ لِعِظَمِ ما نالَهُ مِنَ السُّرُورِ بِخَلاصِهِ مِن ذَلِكَ الأمْرِ العَظِيمِ، ولِعِظَمِ سُرُورِهِ بِظَفَرِهِ بِأعْدائِهِ وبِما أظْهَرُهُ مِن دِينِ اللَّهِ تَعالى. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأرادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْناهُمُ الأخْسَرِينَ﴾ أيْ أرادُوا أنْ يَكِيدُوهُ فَما كانُوا إلّا مَغْلُوبِينَ، غالَبُوهُ بِالجِدالِ فَلَقَّنَهُ اللَّهُ تَعالى الحُجَّةَ المُبَكِّتَةَ، ثُمَّ عَدَلُوا القُوَّةَ والجَبَرُوتَ فَنَصَرَهُ وقَوّاهُ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ أتَمَّ النِّعْمَةَ عَلَيْهِ بِأنْ نَجّاهُ ونَجّى لُوطًا مَعَهُ، وهو ابْنُ أخِيهِ، وهو لُوطُ بْنُ هارانَ إلى الأرْضِ الَّتِي بارَكَ فِيها لِلْعالَمِينَ. وفي الأخْبارِ أنَّ هَذِهِ الواقِعَةَ كانَتْ في حُدُودِ بابِلَ فَنَجّاهُ اللَّهُ تَعالى مِن تِلْكَ البُقْعَةِ إلى الأرْضِ المُبارَكَةِ، ثُمَّ قِيلَ: إنَّها مَكَّةُ، وقِيلَ أرْضُ الشّامِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلى المَسْجِدِ الأقْصى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ﴾ [الإسراء: ١] والسَّبَبُ في بَرَكَتِها، أمّا في الدِّينِ فَلِأنَّ أكْثَرَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بُعِثُوا مِنها، وانْتَشَرَتْ شَرائِعُهم وآثارُهُمُ الدِّينِيَّةُ فِيها، وأمّا في الدُّنْيا فَلِأنَّ اللَّهَ تَعالى بارَكَ فِيها بِكَثْرَةِ الماءِ والشَّجَرِ والثَّمَرِ والخِصْبِ وطِيبِ العَيْشِ، وقِيلَ: ما مِن ماءٍ عَذْبٍ إلّا ويَنْبُعُ أصْلُهُ مِن تَحْتِ الصَّخْرَةِ الَّتِي بِبَيْتِ المَقْدِسِ.

الأنبياء 21:69

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا حَرِّقُوهُ وانْصُرُوا آلِهَتَكم إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ ﴿قُلْنا يانارُ كُونِي بَرْدًا وسَلامًا عَلى إبْراهِيمَ﴾ ﴿وأرادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْناهُمُ الأخْسَرِينَ﴾ ﴿ونَجَّيْناهُ ولُوطًا إلى الأرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ ما أظْهَرَهُ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن دَلائِلِ التَّوْحِيدِ وإبْطالِ ما كانُوا عَلَيْهِ مِن عِبادَةِ التَّماثِيلِ أتْبَعَهُ بِما يَدُلُّ عَلى جَهْلِهِمْ، وأنَّهم: ﴿قالُوا حَرِّقُوهُ وانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ﴾ وهاهُنا مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: لَيْسَ في القُرْآنِ مَنِ القائِلُ لِذَلِكَ، والمَشْهُورُ أنَّهُ نُمْرُوذُ بْنُ كَنْعانَ بْنِ سَنْجارِيبَ بْنِ نُمْرُوذَ بْنِ كُوشِ بْنِ حامِ بْنِ نُوحٍ، وقالَ مُجاهِدٌ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: إنَّما أشارَ بِتَحْرِيقِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ رَجُلٌ مِنَ الكُرْدِ مِن أعْرابِ فارِسَ، ورَوى ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ وهْبٍ، عَنْ شُعَيْبٍ الجُبّائِيِّ قالَ: إنَّ الَّذِي قالَ: حَرِّقُوهُ. رَجُلٌ اسْمُهُ هِيرِينُ، فَخَسَفَ اللَّهُ تَعالى بِهِ الأرْضَ فَهو يَتَجَلْجَلُ فِيها إلى يَوْمِ القِيامَةِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أمّا كَيْفِيَّةُ القِصَّةِ فَقالَ مُقاتِلٌ: لَمّا اجْتَمَعَ نُمْرُوذُ وقَوْمُهُ لِإحْراقِ إبْراهِيمَ حَبَسُوهُ في بَيْتٍ وبَنَوْا بُنْيانًا كالحَظِيرَةِ، وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿قالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيانًا فَألْقُوهُ في الجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٩٧] ثُمَّ جَمَعُوا لَهُ الحَطَبَ الكَثِيرَ حَتّى إنَّ المَرْأةَ لَوْ مَرِضَتْ قالَتْ: إنْ عافانِي اللَّهُ لَأجْعَلَنَّ حَطَبًا لِإبْراهِيمَ، ونَقَلُوا لَهُ الحَطَبَ عَلى الدَّوابِّ أرْبَعِينَ يَوْمًا، فَلَمّا اشْتَعَلَتِ النّارُ اشْتَدَّتْ وصارَ الهَواءُ بِحَيْثُ لَوْ مَرَّ الطَّيْرُ في أقْصى الهَواءِ لاحْتَرَقَ، ثُمَّ أخَذُوا إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ورَفَعُوهُ عَلى رَأْسِ البُنْيانِ وقَيَّدُوهُ، ثُمَّ اتَّخَذُوا مَنجَنِيقًا ووَضَعُوهُ فِيهِ مُقَيَّدًا مَغْلُولًا، فَصاحَتِ السَّماءُ والأرْضُ ومَن فِيها مِنَ المَلائِكَةِ إلّا الثَّقَلَيْنِ صَيْحَةً واحِدَةً، أيْ رَبَّنا لَيْسَ في أرْضِكَ أحَدٌ يَعْبُدُكَ غَيْرُ إبْراهِيمَ، وإنَّهُ يُحَرَّقُ فِيكَ، فَأْذَنْ لَنا في نُصْرَتِهِ، فَقالَ سُبْحانَهُ: إنِ اسْتَغاثَ بِأحَدٍ مِنكم فَأغِيثُوهُ، وإنْ لَمْ يَدْعُ غَيْرِي فَأنا أعْلَمُ بِهِ، وأنا ولِيُّهُ، فَخَلُّوا بَيْنِي وبَيْنَهُ، فَلَمّا أرادُوا إلْقاءَهُ في النّارِ، أتاهُ خازِنُ الرِّياحِ فَقالَ: إنْ شِئْتَ طَيَّرْتُ النّارَ في الهَواءِ، فَقالَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ: لا حاجَةَ بِي إلَيْكم، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ إلى السَّماءِ وقالَ: ”اللَّهُمَّ أنْتَ الواحِدُ في السَّماءِ، وأنا الواحِدُ في الأرْضِ، لَيْسَ في الأرْضِ أحَدٌ يَعْبُدُكَ غَيْرِي، أنْتَ حَسْبُنا ونِعْمَ الوَكِيلُ“ وقِيلَ: إنَّهُ حِينَ أُلْقِيَ في النّارِ قالَ: ”لا إلَهَ إلّا أنْتَ سُبْحانَكَ، رَبَّ العالَمِينَ، لَكَ الحَمْدُ ولَكَ المُلْكُ، لا شَرِيكَ لَكَ“ ثُمَّ وضَعُوهُ في المَنجَنِيقِ ورَمَوْا بِهِ في النّارِ، فَأتاهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ وقالَ: يا إبْراهِيمُ، هَلْ لَكَ حاجَةٌ، قالَ: أمّا إلَيْكَ فَلا ؟ قالَ: فاسْألْ رَبَّكَ، قالَ: حَسْبِي مِن سُؤالِي عِلْمُهُ صفحة ١٦٣ بِحالِي؛ فَقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿يا نارُ كُونِي بَرْدًا وسَلامًا عَلى إبْراهِيمَ﴾ . وقالَ السُّدِّيُّ: إنَّما قالَ ذَلِكَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - في رِوايَةِ مُجاهِدٍ: ولَوْ لَمْ يُتْبِعْ بَرْدًا سَلامًا لَماتَ إبْراهِيمُ مِن بَرْدِها، قالَ: ولَمْ يَبْقَ يَوْمَئِذٍ في الدُّنْيا نارٌ إلّا طُفِئَتْ، ثُمَّ قالَ السُّدِّيُّ: فَأخَذَتِ المَلائِكَةُ بِضَبْعَيْ إبْراهِيمَ وأقْعَدُوهُ في الأرْضِ، فَإذا عَيْنُ ماءٍ عَذْبٍ، ووَرْدٌ أحْمَرُ ونَرْجِسُ. ولَمْ تُحْرِقِ النّارُ مِنهُ إلّا وِثاقَهُ، وقالَ المِنهالُ بْنُ عَمْرٍو: أُخْبِرْتُ أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا أُلْقِيَ في النّارِ كانَ فِيها إمّا أرْبَعِينَ يَوْمًا أوْ خَمْسِينَ يَوْمًا، وقالَ: ما كُنْتُ أيّامًا أطْيَبَ عَيْشًا مِنِّي إذْ كُنْتُ فِيها، وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: بَعَثَ اللَّهُ مَلَكَ الظِّلِّ في صُورَةِ إبْراهِيمَ، فَقَعَدَ إلى جَنْبِ إبْراهِيمَ يُؤْنِسُهُ، وأتاهُ جِبْرِيلُ بِقَمِيصٍ مِن حَرِيرِ الجَنَّةِ، وقالَ: يا إبْراهِيمُ، إنَّ رَبَّكَ يَقُولُ: أما عَلِمْتَ أنَّ النّارَ لا تَضُرُّ أحْبابِي، ثُمَّ نَظَرَ نُمْرُوذُ مِن صَرْحٍ لَهُ وأشْرَفَ عَلى إبْراهِيمَ، فَرَآهُ جالِسًا في رَوْضَةٍ، ورَأى المَلَكَ قاعِدًا إلى جَنْبِهِ وما حَوْلَهُ نارٌ تُحْرِقُ الحَطَبَ، فَناداهُ نُمْرُوذُ: يا إبْراهِيمُ، هَلْ تَسْتَطِيعُ أنْ تَخْرُجَ مِنها ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: قُمْ فاخْرُجْ، فَقامَ يَمْشِي حَتّى خَرَجَ مِنها، فَلَمّا خَرَجَ قالَ لَهُ نُمْرُوذُ: مَنِ الرَّجُلُ الَّذِي رَأيْتُهُ مَعَكَ في صُورَتِكَ ؟ قالَ: ذاكَ مَلَكُ الظِّلِّ أرْسَلَهُ رَبِّي لِيُؤْنِسَنِي فِيها. فَقالَ نُمْرُوذُ: إنِّي مُقَرِّبٌ إلى رَبِّكَ قُرْبانًا لِما رَأيْتُ مِن قُدْرَتِهِ وعِزَّتِهِ فِيما صَنَعَ بِكَ، فَإنِّي ذابِحٌ لَهُ أرْبَعَةَ آلافِ بَقَرَةٍ، فَقالَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ: لا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنكَ ما دُمْتَ عَلى دِينِكَ، فَقالَ نُمْرُوذُ: لا أسْتَطِيعُ تَرْكَ مُلْكِي، ولَكِنْ سَوْفَ أذْبَحُها لَهُ، ثُمَّ ذَبَحَها لَهُ وكَفَّ عَنْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِصَّةُ عَلى وجْهٍ آخَرَ، وهي أنَّهم بَنَوْا لِإبْراهِيمَ بُنْيانًا وألْقَوْهُ فِيهِ، ثُمَّ أوْقَدُوا عَلَيْهِ النّارَ سَبْعَةَ أيّامٍ، ثُمَّ أطْبَقُوا عَلَيْهِ، ثُمَّ فَتَحُوا عَلَيْهِ مِنَ الغَدِ، فَإذا هو غَيْرُ مُحْتَرِقٍ يَعْرَقُ عَرَقًا، فَقالَ لَهم هارانُ أبُو لُوطٍ: إنَّ النّارَ لا تُحْرِقُهُ لِأنَّهُ سَحَرَ النّارَ، ولَكِنِ اجْعَلُوهُ عَلى شَيْءٍ وأوْقِدُوا تَحْتَهُ فَإنَّ الدُّخانَ يَقْتُلُهُ، فَجَعَلُوهُ فَوْقَ بِئْرٍ وأوْقَدُوا تَحْتَهُ، فَطارَتْ شَرارَةٌ فَوَقَعَتْ في لِحْيَةِ أبِي لُوطٍ فَأحْرَقَتْهُ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: إنَّما اخْتارُوا المُعاقَبَةَ بِالنّارِ لِأنَّها أشَدُّ العُقُوباتِ، ولِهَذا قِيلَ: ﴿إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ أيْ إنْ كُنْتُمْ تَنْصُرُونَ آلِهَتَكم نَصْرًا شَدِيدًا، فاخْتارُوا أشَدَّ العُقُوباتِ وهي الإحْراقُ. * * * أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْنا يانارُ كُونِي بَرْدًا وسَلامًا عَلى إبْراهِيمَ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ أبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْنا يانارُ كُونِي بَرْدًا﴾ المَعْنى أنَّهُ سُبْحانَهُ جَعَلَ النّارَ بَرْدًا وسَلامًا، لا أنَّ هُناكَ كَلامًا كَقَوْلِهِ: ﴿أنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ أيْ يَكُونُهُ، وقَدِ احْتُجَّ عَلَيْهِ بِأنَّ النّارَ جَمادٌ فَلا يَجُوزُ خِطابُهُ، والأكْثَرُونَ عَلى أنَّهُ وُجِدَ ذَلِكَ القَوْلُ. ثُمَّ هَؤُلاءِ لَهم قَوْلانِ؛ أحَدُهُما: وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ: أنَّ القائِلَ هو جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ. والثّانِي: وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ أنَّ القائِلَ هو اللَّهُ تَعالى، وهَذا هو الألْيَقُ الأقْرَبُ بِالظّاهِرِ، وقَوْلُهُ: النّارُ جَمادٌ فَلا يَكُونُ في خِطابِها فائِدَةٌ، قُلْنا: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَقْصُودُ مِن ذَلِكَ الأمْرِ مَصْلَحَةً عائِدَةً إلى المَلائِكَةِ؟ . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ النّارَ كَيْفَ بَرَدَتْ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ؛ أحَدُها: أنَّ اللَّهَ تَعالى أزالَ عَنْها ما فِيها مِنَ الحَرِّ والإحْراقِ، وأبْقى ما فِيها مِنَ الإضاءَةِ والإشْراقِ، واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. وثانِيها: أنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ في جِسْمِ إبْراهِيمَ كَيْفِيَّةً مانِعَةً مِن وُصُولِ أذى النّارِ إلَيْهِ، كَما يَفْعَلُ بِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ في الآخِرَةِ، وكَما أنَّهُ رَكَّبَ بِنْيَةَ النَّعامَةِ بِحَيْثُ لا يَضُرُّها ابْتِلاعُ الحَدِيدَةِ المُحْماةِ، وبَدَنَ السَّمَندَلِ بِحَيْثُ لا يَضُرُّهُ المُكْثُ في النّارِ. وثالِثُها: أنَّهُ سُبْحانَهُ خَلَقَ بَيْنَهُ وبَيْنَ النّارِ حائِلًا يَمْنَعُ مِن وُصُولِ أثَرِ النّارِ إلَيْهِ، قالَ المُحَقِّقُونَ: والأوَّلُ أوْلى؛ لِأنَّ صفحة ١٦٤ ظاهِرَ قَوْلِهِ: ﴿قُلْنا يانارُ كُونِي بَرْدًا﴾ أنَّ نَفْسَ النّارِ صارَتْ بارِدَةً حَتّى سَلِمَ إبْراهِيمُ مِن تَأْثِيرِها، لا أنَّ النّارَ بَقِيَتْ كَما كانَتْ، فَإنْ قِيلَ: النّارُ جِسْمٌ مَوْصُوفٌ بِالحَرارَةِ واللَّطافَةِ، فَإذا كانَتِ الحَرارَةُ جُزْءًا مِن مُسَمّى النّارِ امْتَنَعَ كَوْنُ النّارِ بارِدَةً، فَإذا وجَبَ أنْ يُقالَ: المُرادُ مِنَ النّارِ الجِسْمُ الَّذِي هو أحَدُ أجْزاءِ مُسَمّى النّارِ، وذَلِكَ مَجازٌ فَلِمَ كانَ مَجازُكم أوْلى مِنَ المَجازَيْنِ الآخَرَيْنِ ؟ قُلْنا: المَجازُ الَّذِي ذَكَرْناهُ يَبْقى مَعَهُ حُصُولُ البَرْدِ، وفي المَجازَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرْتُمُوهُما لا يَبْقى ذَلِكَ، فَكانَ مَجازُنا أوْلى. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُونِي بَرْدًا وسَلامًا عَلى إبْراهِيمَ﴾ فالمَعْنى أنَّ البَرْدَ إذا أفْرَطَ أهْلَكَ كالحَرِّ، بَلْ لا بُدَّ مِنَ الِاعْتِدالِ، ثُمَّ في حُصُولِ الِاعْتِدالِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ يُقَدِّرُ اللَّهُ تَعالى بَرْدَها بِالمِقْدارِ الَّذِي لا يُؤَثِّرُ. وثانِيها: أنَّ بَعْضَ النّارِ صارَ بَرْدًا وبَقِيَ بَعْضُها عَلى حَرارَتِهِ، فَتَعادَلَ الحَرُّ والبَرْدُ. وثالِثُها: أنَّهُ تَعالى جَعَلَ في جِسْمِهِ مَزِيدَ حَرٍّ فَسَلِمَ مِن ذَلِكَ البَرْدِ، بَلْ قَدِ انْتَفَعَ بِهِ والتَذَّ، ثُمَّ هاهُنا سُؤالاتٌ: السُّؤالُ الأوَّلُ: أوَكُلُّ النّارِ زالَتْ وصارَتْ بَرْدًا ؟ الجَوابُ: أنَّ النّارَ هو اسْمُ الماهِيَّةِ، فَلا بُدَّ وأنْ يَحْصُلَ هَذا البَرْدُ في الماهِيَّةِ، ويَلْزَمَ مِنهُ عُمُومُهُ في كُلِّ أفْرادِ الماهِيَّةِ، وقِيلَ: بَلِ اخْتُصَّ بِتِلْكَ النّارِ؛ لِأنَّ الغَرَضَ إنَّما تَعَلَّقَ بِبَرْدِ تِلْكَ النّارِ، وفي النّارِ مَنافِعُ لِلْخَلْقِ، فَلا يَجُوزُ تَعْطِيلُها، والمُرادُ خَلاصُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لا إيصالُ الضَّرَرِ إلى سائِرِ الخَلْقِ. السُّؤالُ الثّانِي: هَلْ يَجُوزُ ما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ مِن أنَّهُ سَلامٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى عَلى إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ؟ الجَوابُ الظّاهِرُ كَما أنَّهُ جَعَلَ النّارَ بَرْدًا جَعَلَها سَلامًا عَلَيْهِ حَتّى يَخْلُصَ، فالَّذِي قالَهُ يَبْعُدُ، وفِيهِ تَشْتِيتُ الكَلامِ المُرَتَّبِ. السُّؤالُ الثّالِثُ: أفَيَجُوزُ ما رُوِيَ مِن أنَّهُ لَوْ لَمْ يَقُلْ: وسَلامًا لَأتى البَرْدُ عَلَيْهِ ؟ والجَوابُ: ذَلِكَ بَعِيدٌ؛ لِأنَّ بَرْدَ النّارِ لَمْ يَحْصُلْ مِنها، وإنَّما حَصَلَ مِن جِهَةِ اللَّهِ تَعالى فَهو القادِرُ عَلى الحَرِّ والبَرْدِ، فَلا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: كانَ البَرْدُ يَعْظُمُ لَوْلا قَوْلُهُ سَلامًا. السُّؤالُ الرّابِعُ: أفَيَجُوزُ ما قِيلَ مِن أنَّهُ كانَ في النّارِ أنْعَمَ عَيْشًا مِنهُ في سائِرِ أحْوالِهِ ؟ والجَوابُ: لا يَمْتَنِعُ ذَلِكَ لِما فِيهِ مِن مَزِيدِ النِّعْمَةِ عَلَيْهِ وكَمالِها، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ إنَّما صارَ أنْعَمَ عَيْشًا هُناكَ لِعِظَمِ ما نالَهُ مِنَ السُّرُورِ بِخَلاصِهِ مِن ذَلِكَ الأمْرِ العَظِيمِ، ولِعِظَمِ سُرُورِهِ بِظَفَرِهِ بِأعْدائِهِ وبِما أظْهَرُهُ مِن دِينِ اللَّهِ تَعالى. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأرادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْناهُمُ الأخْسَرِينَ﴾ أيْ أرادُوا أنْ يَكِيدُوهُ فَما كانُوا إلّا مَغْلُوبِينَ، غالَبُوهُ بِالجِدالِ فَلَقَّنَهُ اللَّهُ تَعالى الحُجَّةَ المُبَكِّتَةَ، ثُمَّ عَدَلُوا القُوَّةَ والجَبَرُوتَ فَنَصَرَهُ وقَوّاهُ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ أتَمَّ النِّعْمَةَ عَلَيْهِ بِأنْ نَجّاهُ ونَجّى لُوطًا مَعَهُ، وهو ابْنُ أخِيهِ، وهو لُوطُ بْنُ هارانَ إلى الأرْضِ الَّتِي بارَكَ فِيها لِلْعالَمِينَ. وفي الأخْبارِ أنَّ هَذِهِ الواقِعَةَ كانَتْ في حُدُودِ بابِلَ فَنَجّاهُ اللَّهُ تَعالى مِن تِلْكَ البُقْعَةِ إلى الأرْضِ المُبارَكَةِ، ثُمَّ قِيلَ: إنَّها مَكَّةُ، وقِيلَ أرْضُ الشّامِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلى المَسْجِدِ الأقْصى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ﴾ [الإسراء: ١] والسَّبَبُ في بَرَكَتِها، أمّا في الدِّينِ فَلِأنَّ أكْثَرَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بُعِثُوا مِنها، وانْتَشَرَتْ شَرائِعُهم وآثارُهُمُ الدِّينِيَّةُ فِيها، وأمّا في الدُّنْيا فَلِأنَّ اللَّهَ تَعالى بارَكَ فِيها بِكَثْرَةِ الماءِ والشَّجَرِ والثَّمَرِ والخِصْبِ وطِيبِ العَيْشِ، وقِيلَ: ما مِن ماءٍ عَذْبٍ إلّا ويَنْبُعُ أصْلُهُ مِن تَحْتِ الصَّخْرَةِ الَّتِي بِبَيْتِ المَقْدِسِ.

الأنبياء 21:70

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا حَرِّقُوهُ وانْصُرُوا آلِهَتَكم إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ ﴿قُلْنا يانارُ كُونِي بَرْدًا وسَلامًا عَلى إبْراهِيمَ﴾ ﴿وأرادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْناهُمُ الأخْسَرِينَ﴾ ﴿ونَجَّيْناهُ ولُوطًا إلى الأرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ ما أظْهَرَهُ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن دَلائِلِ التَّوْحِيدِ وإبْطالِ ما كانُوا عَلَيْهِ مِن عِبادَةِ التَّماثِيلِ أتْبَعَهُ بِما يَدُلُّ عَلى جَهْلِهِمْ، وأنَّهم: ﴿قالُوا حَرِّقُوهُ وانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ﴾ وهاهُنا مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: لَيْسَ في القُرْآنِ مَنِ القائِلُ لِذَلِكَ، والمَشْهُورُ أنَّهُ نُمْرُوذُ بْنُ كَنْعانَ بْنِ سَنْجارِيبَ بْنِ نُمْرُوذَ بْنِ كُوشِ بْنِ حامِ بْنِ نُوحٍ، وقالَ مُجاهِدٌ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: إنَّما أشارَ بِتَحْرِيقِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ رَجُلٌ مِنَ الكُرْدِ مِن أعْرابِ فارِسَ، ورَوى ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ وهْبٍ، عَنْ شُعَيْبٍ الجُبّائِيِّ قالَ: إنَّ الَّذِي قالَ: حَرِّقُوهُ. رَجُلٌ اسْمُهُ هِيرِينُ، فَخَسَفَ اللَّهُ تَعالى بِهِ الأرْضَ فَهو يَتَجَلْجَلُ فِيها إلى يَوْمِ القِيامَةِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أمّا كَيْفِيَّةُ القِصَّةِ فَقالَ مُقاتِلٌ: لَمّا اجْتَمَعَ نُمْرُوذُ وقَوْمُهُ لِإحْراقِ إبْراهِيمَ حَبَسُوهُ في بَيْتٍ وبَنَوْا بُنْيانًا كالحَظِيرَةِ، وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿قالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيانًا فَألْقُوهُ في الجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٩٧] ثُمَّ جَمَعُوا لَهُ الحَطَبَ الكَثِيرَ حَتّى إنَّ المَرْأةَ لَوْ مَرِضَتْ قالَتْ: إنْ عافانِي اللَّهُ لَأجْعَلَنَّ حَطَبًا لِإبْراهِيمَ، ونَقَلُوا لَهُ الحَطَبَ عَلى الدَّوابِّ أرْبَعِينَ يَوْمًا، فَلَمّا اشْتَعَلَتِ النّارُ اشْتَدَّتْ وصارَ الهَواءُ بِحَيْثُ لَوْ مَرَّ الطَّيْرُ في أقْصى الهَواءِ لاحْتَرَقَ، ثُمَّ أخَذُوا إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ورَفَعُوهُ عَلى رَأْسِ البُنْيانِ وقَيَّدُوهُ، ثُمَّ اتَّخَذُوا مَنجَنِيقًا ووَضَعُوهُ فِيهِ مُقَيَّدًا مَغْلُولًا، فَصاحَتِ السَّماءُ والأرْضُ ومَن فِيها مِنَ المَلائِكَةِ إلّا الثَّقَلَيْنِ صَيْحَةً واحِدَةً، أيْ رَبَّنا لَيْسَ في أرْضِكَ أحَدٌ يَعْبُدُكَ غَيْرُ إبْراهِيمَ، وإنَّهُ يُحَرَّقُ فِيكَ، فَأْذَنْ لَنا في نُصْرَتِهِ، فَقالَ سُبْحانَهُ: إنِ اسْتَغاثَ بِأحَدٍ مِنكم فَأغِيثُوهُ، وإنْ لَمْ يَدْعُ غَيْرِي فَأنا أعْلَمُ بِهِ، وأنا ولِيُّهُ، فَخَلُّوا بَيْنِي وبَيْنَهُ، فَلَمّا أرادُوا إلْقاءَهُ في النّارِ، أتاهُ خازِنُ الرِّياحِ فَقالَ: إنْ شِئْتَ طَيَّرْتُ النّارَ في الهَواءِ، فَقالَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ: لا حاجَةَ بِي إلَيْكم، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ إلى السَّماءِ وقالَ: ”اللَّهُمَّ أنْتَ الواحِدُ في السَّماءِ، وأنا الواحِدُ في الأرْضِ، لَيْسَ في الأرْضِ أحَدٌ يَعْبُدُكَ غَيْرِي، أنْتَ حَسْبُنا ونِعْمَ الوَكِيلُ“ وقِيلَ: إنَّهُ حِينَ أُلْقِيَ في النّارِ قالَ: ”لا إلَهَ إلّا أنْتَ سُبْحانَكَ، رَبَّ العالَمِينَ، لَكَ الحَمْدُ ولَكَ المُلْكُ، لا شَرِيكَ لَكَ“ ثُمَّ وضَعُوهُ في المَنجَنِيقِ ورَمَوْا بِهِ في النّارِ، فَأتاهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ وقالَ: يا إبْراهِيمُ، هَلْ لَكَ حاجَةٌ، قالَ: أمّا إلَيْكَ فَلا ؟ قالَ: فاسْألْ رَبَّكَ، قالَ: حَسْبِي مِن سُؤالِي عِلْمُهُ صفحة ١٦٣ بِحالِي؛ فَقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿يا نارُ كُونِي بَرْدًا وسَلامًا عَلى إبْراهِيمَ﴾ . وقالَ السُّدِّيُّ: إنَّما قالَ ذَلِكَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - في رِوايَةِ مُجاهِدٍ: ولَوْ لَمْ يُتْبِعْ بَرْدًا سَلامًا لَماتَ إبْراهِيمُ مِن بَرْدِها، قالَ: ولَمْ يَبْقَ يَوْمَئِذٍ في الدُّنْيا نارٌ إلّا طُفِئَتْ، ثُمَّ قالَ السُّدِّيُّ: فَأخَذَتِ المَلائِكَةُ بِضَبْعَيْ إبْراهِيمَ وأقْعَدُوهُ في الأرْضِ، فَإذا عَيْنُ ماءٍ عَذْبٍ، ووَرْدٌ أحْمَرُ ونَرْجِسُ. ولَمْ تُحْرِقِ النّارُ مِنهُ إلّا وِثاقَهُ، وقالَ المِنهالُ بْنُ عَمْرٍو: أُخْبِرْتُ أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا أُلْقِيَ في النّارِ كانَ فِيها إمّا أرْبَعِينَ يَوْمًا أوْ خَمْسِينَ يَوْمًا، وقالَ: ما كُنْتُ أيّامًا أطْيَبَ عَيْشًا مِنِّي إذْ كُنْتُ فِيها، وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: بَعَثَ اللَّهُ مَلَكَ الظِّلِّ في صُورَةِ إبْراهِيمَ، فَقَعَدَ إلى جَنْبِ إبْراهِيمَ يُؤْنِسُهُ، وأتاهُ جِبْرِيلُ بِقَمِيصٍ مِن حَرِيرِ الجَنَّةِ، وقالَ: يا إبْراهِيمُ، إنَّ رَبَّكَ يَقُولُ: أما عَلِمْتَ أنَّ النّارَ لا تَضُرُّ أحْبابِي، ثُمَّ نَظَرَ نُمْرُوذُ مِن صَرْحٍ لَهُ وأشْرَفَ عَلى إبْراهِيمَ، فَرَآهُ جالِسًا في رَوْضَةٍ، ورَأى المَلَكَ قاعِدًا إلى جَنْبِهِ وما حَوْلَهُ نارٌ تُحْرِقُ الحَطَبَ، فَناداهُ نُمْرُوذُ: يا إبْراهِيمُ، هَلْ تَسْتَطِيعُ أنْ تَخْرُجَ مِنها ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: قُمْ فاخْرُجْ، فَقامَ يَمْشِي حَتّى خَرَجَ مِنها، فَلَمّا خَرَجَ قالَ لَهُ نُمْرُوذُ: مَنِ الرَّجُلُ الَّذِي رَأيْتُهُ مَعَكَ في صُورَتِكَ ؟ قالَ: ذاكَ مَلَكُ الظِّلِّ أرْسَلَهُ رَبِّي لِيُؤْنِسَنِي فِيها. فَقالَ نُمْرُوذُ: إنِّي مُقَرِّبٌ إلى رَبِّكَ قُرْبانًا لِما رَأيْتُ مِن قُدْرَتِهِ وعِزَّتِهِ فِيما صَنَعَ بِكَ، فَإنِّي ذابِحٌ لَهُ أرْبَعَةَ آلافِ بَقَرَةٍ، فَقالَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ: لا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنكَ ما دُمْتَ عَلى دِينِكَ، فَقالَ نُمْرُوذُ: لا أسْتَطِيعُ تَرْكَ مُلْكِي، ولَكِنْ سَوْفَ أذْبَحُها لَهُ، ثُمَّ ذَبَحَها لَهُ وكَفَّ عَنْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِصَّةُ عَلى وجْهٍ آخَرَ، وهي أنَّهم بَنَوْا لِإبْراهِيمَ بُنْيانًا وألْقَوْهُ فِيهِ، ثُمَّ أوْقَدُوا عَلَيْهِ النّارَ سَبْعَةَ أيّامٍ، ثُمَّ أطْبَقُوا عَلَيْهِ، ثُمَّ فَتَحُوا عَلَيْهِ مِنَ الغَدِ، فَإذا هو غَيْرُ مُحْتَرِقٍ يَعْرَقُ عَرَقًا، فَقالَ لَهم هارانُ أبُو لُوطٍ: إنَّ النّارَ لا تُحْرِقُهُ لِأنَّهُ سَحَرَ النّارَ، ولَكِنِ اجْعَلُوهُ عَلى شَيْءٍ وأوْقِدُوا تَحْتَهُ فَإنَّ الدُّخانَ يَقْتُلُهُ، فَجَعَلُوهُ فَوْقَ بِئْرٍ وأوْقَدُوا تَحْتَهُ، فَطارَتْ شَرارَةٌ فَوَقَعَتْ في لِحْيَةِ أبِي لُوطٍ فَأحْرَقَتْهُ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: إنَّما اخْتارُوا المُعاقَبَةَ بِالنّارِ لِأنَّها أشَدُّ العُقُوباتِ، ولِهَذا قِيلَ: ﴿إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ أيْ إنْ كُنْتُمْ تَنْصُرُونَ آلِهَتَكم نَصْرًا شَدِيدًا، فاخْتارُوا أشَدَّ العُقُوباتِ وهي الإحْراقُ. * * * أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْنا يانارُ كُونِي بَرْدًا وسَلامًا عَلى إبْراهِيمَ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ أبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْنا يانارُ كُونِي بَرْدًا﴾ المَعْنى أنَّهُ سُبْحانَهُ جَعَلَ النّارَ بَرْدًا وسَلامًا، لا أنَّ هُناكَ كَلامًا كَقَوْلِهِ: ﴿أنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ أيْ يَكُونُهُ، وقَدِ احْتُجَّ عَلَيْهِ بِأنَّ النّارَ جَمادٌ فَلا يَجُوزُ خِطابُهُ، والأكْثَرُونَ عَلى أنَّهُ وُجِدَ ذَلِكَ القَوْلُ. ثُمَّ هَؤُلاءِ لَهم قَوْلانِ؛ أحَدُهُما: وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ: أنَّ القائِلَ هو جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ. والثّانِي: وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ أنَّ القائِلَ هو اللَّهُ تَعالى، وهَذا هو الألْيَقُ الأقْرَبُ بِالظّاهِرِ، وقَوْلُهُ: النّارُ جَمادٌ فَلا يَكُونُ في خِطابِها فائِدَةٌ، قُلْنا: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَقْصُودُ مِن ذَلِكَ الأمْرِ مَصْلَحَةً عائِدَةً إلى المَلائِكَةِ؟ . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ النّارَ كَيْفَ بَرَدَتْ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ؛ أحَدُها: أنَّ اللَّهَ تَعالى أزالَ عَنْها ما فِيها مِنَ الحَرِّ والإحْراقِ، وأبْقى ما فِيها مِنَ الإضاءَةِ والإشْراقِ، واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. وثانِيها: أنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ في جِسْمِ إبْراهِيمَ كَيْفِيَّةً مانِعَةً مِن وُصُولِ أذى النّارِ إلَيْهِ، كَما يَفْعَلُ بِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ في الآخِرَةِ، وكَما أنَّهُ رَكَّبَ بِنْيَةَ النَّعامَةِ بِحَيْثُ لا يَضُرُّها ابْتِلاعُ الحَدِيدَةِ المُحْماةِ، وبَدَنَ السَّمَندَلِ بِحَيْثُ لا يَضُرُّهُ المُكْثُ في النّارِ. وثالِثُها: أنَّهُ سُبْحانَهُ خَلَقَ بَيْنَهُ وبَيْنَ النّارِ حائِلًا يَمْنَعُ مِن وُصُولِ أثَرِ النّارِ إلَيْهِ، قالَ المُحَقِّقُونَ: والأوَّلُ أوْلى؛ لِأنَّ صفحة ١٦٤ ظاهِرَ قَوْلِهِ: ﴿قُلْنا يانارُ كُونِي بَرْدًا﴾ أنَّ نَفْسَ النّارِ صارَتْ بارِدَةً حَتّى سَلِمَ إبْراهِيمُ مِن تَأْثِيرِها، لا أنَّ النّارَ بَقِيَتْ كَما كانَتْ، فَإنْ قِيلَ: النّارُ جِسْمٌ مَوْصُوفٌ بِالحَرارَةِ واللَّطافَةِ، فَإذا كانَتِ الحَرارَةُ جُزْءًا مِن مُسَمّى النّارِ امْتَنَعَ كَوْنُ النّارِ بارِدَةً، فَإذا وجَبَ أنْ يُقالَ: المُرادُ مِنَ النّارِ الجِسْمُ الَّذِي هو أحَدُ أجْزاءِ مُسَمّى النّارِ، وذَلِكَ مَجازٌ فَلِمَ كانَ مَجازُكم أوْلى مِنَ المَجازَيْنِ الآخَرَيْنِ ؟ قُلْنا: المَجازُ الَّذِي ذَكَرْناهُ يَبْقى مَعَهُ حُصُولُ البَرْدِ، وفي المَجازَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرْتُمُوهُما لا يَبْقى ذَلِكَ، فَكانَ مَجازُنا أوْلى. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُونِي بَرْدًا وسَلامًا عَلى إبْراهِيمَ﴾ فالمَعْنى أنَّ البَرْدَ إذا أفْرَطَ أهْلَكَ كالحَرِّ، بَلْ لا بُدَّ مِنَ الِاعْتِدالِ، ثُمَّ في حُصُولِ الِاعْتِدالِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ يُقَدِّرُ اللَّهُ تَعالى بَرْدَها بِالمِقْدارِ الَّذِي لا يُؤَثِّرُ. وثانِيها: أنَّ بَعْضَ النّارِ صارَ بَرْدًا وبَقِيَ بَعْضُها عَلى حَرارَتِهِ، فَتَعادَلَ الحَرُّ والبَرْدُ. وثالِثُها: أنَّهُ تَعالى جَعَلَ في جِسْمِهِ مَزِيدَ حَرٍّ فَسَلِمَ مِن ذَلِكَ البَرْدِ، بَلْ قَدِ انْتَفَعَ بِهِ والتَذَّ، ثُمَّ هاهُنا سُؤالاتٌ: السُّؤالُ الأوَّلُ: أوَكُلُّ النّارِ زالَتْ وصارَتْ بَرْدًا ؟ الجَوابُ: أنَّ النّارَ هو اسْمُ الماهِيَّةِ، فَلا بُدَّ وأنْ يَحْصُلَ هَذا البَرْدُ في الماهِيَّةِ، ويَلْزَمَ مِنهُ عُمُومُهُ في كُلِّ أفْرادِ الماهِيَّةِ، وقِيلَ: بَلِ اخْتُصَّ بِتِلْكَ النّارِ؛ لِأنَّ الغَرَضَ إنَّما تَعَلَّقَ بِبَرْدِ تِلْكَ النّارِ، وفي النّارِ مَنافِعُ لِلْخَلْقِ، فَلا يَجُوزُ تَعْطِيلُها، والمُرادُ خَلاصُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لا إيصالُ الضَّرَرِ إلى سائِرِ الخَلْقِ. السُّؤالُ الثّانِي: هَلْ يَجُوزُ ما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ مِن أنَّهُ سَلامٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى عَلى إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ؟ الجَوابُ الظّاهِرُ كَما أنَّهُ جَعَلَ النّارَ بَرْدًا جَعَلَها سَلامًا عَلَيْهِ حَتّى يَخْلُصَ، فالَّذِي قالَهُ يَبْعُدُ، وفِيهِ تَشْتِيتُ الكَلامِ المُرَتَّبِ. السُّؤالُ الثّالِثُ: أفَيَجُوزُ ما رُوِيَ مِن أنَّهُ لَوْ لَمْ يَقُلْ: وسَلامًا لَأتى البَرْدُ عَلَيْهِ ؟ والجَوابُ: ذَلِكَ بَعِيدٌ؛ لِأنَّ بَرْدَ النّارِ لَمْ يَحْصُلْ مِنها، وإنَّما حَصَلَ مِن جِهَةِ اللَّهِ تَعالى فَهو القادِرُ عَلى الحَرِّ والبَرْدِ، فَلا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: كانَ البَرْدُ يَعْظُمُ لَوْلا قَوْلُهُ سَلامًا. السُّؤالُ الرّابِعُ: أفَيَجُوزُ ما قِيلَ مِن أنَّهُ كانَ في النّارِ أنْعَمَ عَيْشًا مِنهُ في سائِرِ أحْوالِهِ ؟ والجَوابُ: لا يَمْتَنِعُ ذَلِكَ لِما فِيهِ مِن مَزِيدِ النِّعْمَةِ عَلَيْهِ وكَمالِها، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ إنَّما صارَ أنْعَمَ عَيْشًا هُناكَ لِعِظَمِ ما نالَهُ مِنَ السُّرُورِ بِخَلاصِهِ مِن ذَلِكَ الأمْرِ العَظِيمِ، ولِعِظَمِ سُرُورِهِ بِظَفَرِهِ بِأعْدائِهِ وبِما أظْهَرُهُ مِن دِينِ اللَّهِ تَعالى. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأرادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْناهُمُ الأخْسَرِينَ﴾ أيْ أرادُوا أنْ يَكِيدُوهُ فَما كانُوا إلّا مَغْلُوبِينَ، غالَبُوهُ بِالجِدالِ فَلَقَّنَهُ اللَّهُ تَعالى الحُجَّةَ المُبَكِّتَةَ، ثُمَّ عَدَلُوا القُوَّةَ والجَبَرُوتَ فَنَصَرَهُ وقَوّاهُ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ أتَمَّ النِّعْمَةَ عَلَيْهِ بِأنْ نَجّاهُ ونَجّى لُوطًا مَعَهُ، وهو ابْنُ أخِيهِ، وهو لُوطُ بْنُ هارانَ إلى الأرْضِ الَّتِي بارَكَ فِيها لِلْعالَمِينَ. وفي الأخْبارِ أنَّ هَذِهِ الواقِعَةَ كانَتْ في حُدُودِ بابِلَ فَنَجّاهُ اللَّهُ تَعالى مِن تِلْكَ البُقْعَةِ إلى الأرْضِ المُبارَكَةِ، ثُمَّ قِيلَ: إنَّها مَكَّةُ، وقِيلَ أرْضُ الشّامِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلى المَسْجِدِ الأقْصى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ﴾ [الإسراء: ١] والسَّبَبُ في بَرَكَتِها، أمّا في الدِّينِ فَلِأنَّ أكْثَرَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بُعِثُوا مِنها، وانْتَشَرَتْ شَرائِعُهم وآثارُهُمُ الدِّينِيَّةُ فِيها، وأمّا في الدُّنْيا فَلِأنَّ اللَّهَ تَعالى بارَكَ فِيها بِكَثْرَةِ الماءِ والشَّجَرِ والثَّمَرِ والخِصْبِ وطِيبِ العَيْشِ، وقِيلَ: ما مِن ماءٍ عَذْبٍ إلّا ويَنْبُعُ أصْلُهُ مِن تَحْتِ الصَّخْرَةِ الَّتِي بِبَيْتِ المَقْدِسِ.

الأنبياء 21:71

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا حَرِّقُوهُ وانْصُرُوا آلِهَتَكم إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ ﴿قُلْنا يانارُ كُونِي بَرْدًا وسَلامًا عَلى إبْراهِيمَ﴾ ﴿وأرادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْناهُمُ الأخْسَرِينَ﴾ ﴿ونَجَّيْناهُ ولُوطًا إلى الأرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ ما أظْهَرَهُ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن دَلائِلِ التَّوْحِيدِ وإبْطالِ ما كانُوا عَلَيْهِ مِن عِبادَةِ التَّماثِيلِ أتْبَعَهُ بِما يَدُلُّ عَلى جَهْلِهِمْ، وأنَّهم: ﴿قالُوا حَرِّقُوهُ وانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ﴾ وهاهُنا مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: لَيْسَ في القُرْآنِ مَنِ القائِلُ لِذَلِكَ، والمَشْهُورُ أنَّهُ نُمْرُوذُ بْنُ كَنْعانَ بْنِ سَنْجارِيبَ بْنِ نُمْرُوذَ بْنِ كُوشِ بْنِ حامِ بْنِ نُوحٍ، وقالَ مُجاهِدٌ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: إنَّما أشارَ بِتَحْرِيقِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ رَجُلٌ مِنَ الكُرْدِ مِن أعْرابِ فارِسَ، ورَوى ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ وهْبٍ، عَنْ شُعَيْبٍ الجُبّائِيِّ قالَ: إنَّ الَّذِي قالَ: حَرِّقُوهُ. رَجُلٌ اسْمُهُ هِيرِينُ، فَخَسَفَ اللَّهُ تَعالى بِهِ الأرْضَ فَهو يَتَجَلْجَلُ فِيها إلى يَوْمِ القِيامَةِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أمّا كَيْفِيَّةُ القِصَّةِ فَقالَ مُقاتِلٌ: لَمّا اجْتَمَعَ نُمْرُوذُ وقَوْمُهُ لِإحْراقِ إبْراهِيمَ حَبَسُوهُ في بَيْتٍ وبَنَوْا بُنْيانًا كالحَظِيرَةِ، وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿قالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيانًا فَألْقُوهُ في الجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٩٧] ثُمَّ جَمَعُوا لَهُ الحَطَبَ الكَثِيرَ حَتّى إنَّ المَرْأةَ لَوْ مَرِضَتْ قالَتْ: إنْ عافانِي اللَّهُ لَأجْعَلَنَّ حَطَبًا لِإبْراهِيمَ، ونَقَلُوا لَهُ الحَطَبَ عَلى الدَّوابِّ أرْبَعِينَ يَوْمًا، فَلَمّا اشْتَعَلَتِ النّارُ اشْتَدَّتْ وصارَ الهَواءُ بِحَيْثُ لَوْ مَرَّ الطَّيْرُ في أقْصى الهَواءِ لاحْتَرَقَ، ثُمَّ أخَذُوا إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ورَفَعُوهُ عَلى رَأْسِ البُنْيانِ وقَيَّدُوهُ، ثُمَّ اتَّخَذُوا مَنجَنِيقًا ووَضَعُوهُ فِيهِ مُقَيَّدًا مَغْلُولًا، فَصاحَتِ السَّماءُ والأرْضُ ومَن فِيها مِنَ المَلائِكَةِ إلّا الثَّقَلَيْنِ صَيْحَةً واحِدَةً، أيْ رَبَّنا لَيْسَ في أرْضِكَ أحَدٌ يَعْبُدُكَ غَيْرُ إبْراهِيمَ، وإنَّهُ يُحَرَّقُ فِيكَ، فَأْذَنْ لَنا في نُصْرَتِهِ، فَقالَ سُبْحانَهُ: إنِ اسْتَغاثَ بِأحَدٍ مِنكم فَأغِيثُوهُ، وإنْ لَمْ يَدْعُ غَيْرِي فَأنا أعْلَمُ بِهِ، وأنا ولِيُّهُ، فَخَلُّوا بَيْنِي وبَيْنَهُ، فَلَمّا أرادُوا إلْقاءَهُ في النّارِ، أتاهُ خازِنُ الرِّياحِ فَقالَ: إنْ شِئْتَ طَيَّرْتُ النّارَ في الهَواءِ، فَقالَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ: لا حاجَةَ بِي إلَيْكم، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ إلى السَّماءِ وقالَ: ”اللَّهُمَّ أنْتَ الواحِدُ في السَّماءِ، وأنا الواحِدُ في الأرْضِ، لَيْسَ في الأرْضِ أحَدٌ يَعْبُدُكَ غَيْرِي، أنْتَ حَسْبُنا ونِعْمَ الوَكِيلُ“ وقِيلَ: إنَّهُ حِينَ أُلْقِيَ في النّارِ قالَ: ”لا إلَهَ إلّا أنْتَ سُبْحانَكَ، رَبَّ العالَمِينَ، لَكَ الحَمْدُ ولَكَ المُلْكُ، لا شَرِيكَ لَكَ“ ثُمَّ وضَعُوهُ في المَنجَنِيقِ ورَمَوْا بِهِ في النّارِ، فَأتاهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ وقالَ: يا إبْراهِيمُ، هَلْ لَكَ حاجَةٌ، قالَ: أمّا إلَيْكَ فَلا ؟ قالَ: فاسْألْ رَبَّكَ، قالَ: حَسْبِي مِن سُؤالِي عِلْمُهُ صفحة ١٦٣ بِحالِي؛ فَقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿يا نارُ كُونِي بَرْدًا وسَلامًا عَلى إبْراهِيمَ﴾ . وقالَ السُّدِّيُّ: إنَّما قالَ ذَلِكَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - في رِوايَةِ مُجاهِدٍ: ولَوْ لَمْ يُتْبِعْ بَرْدًا سَلامًا لَماتَ إبْراهِيمُ مِن بَرْدِها، قالَ: ولَمْ يَبْقَ يَوْمَئِذٍ في الدُّنْيا نارٌ إلّا طُفِئَتْ، ثُمَّ قالَ السُّدِّيُّ: فَأخَذَتِ المَلائِكَةُ بِضَبْعَيْ إبْراهِيمَ وأقْعَدُوهُ في الأرْضِ، فَإذا عَيْنُ ماءٍ عَذْبٍ، ووَرْدٌ أحْمَرُ ونَرْجِسُ. ولَمْ تُحْرِقِ النّارُ مِنهُ إلّا وِثاقَهُ، وقالَ المِنهالُ بْنُ عَمْرٍو: أُخْبِرْتُ أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا أُلْقِيَ في النّارِ كانَ فِيها إمّا أرْبَعِينَ يَوْمًا أوْ خَمْسِينَ يَوْمًا، وقالَ: ما كُنْتُ أيّامًا أطْيَبَ عَيْشًا مِنِّي إذْ كُنْتُ فِيها، وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: بَعَثَ اللَّهُ مَلَكَ الظِّلِّ في صُورَةِ إبْراهِيمَ، فَقَعَدَ إلى جَنْبِ إبْراهِيمَ يُؤْنِسُهُ، وأتاهُ جِبْرِيلُ بِقَمِيصٍ مِن حَرِيرِ الجَنَّةِ، وقالَ: يا إبْراهِيمُ، إنَّ رَبَّكَ يَقُولُ: أما عَلِمْتَ أنَّ النّارَ لا تَضُرُّ أحْبابِي، ثُمَّ نَظَرَ نُمْرُوذُ مِن صَرْحٍ لَهُ وأشْرَفَ عَلى إبْراهِيمَ، فَرَآهُ جالِسًا في رَوْضَةٍ، ورَأى المَلَكَ قاعِدًا إلى جَنْبِهِ وما حَوْلَهُ نارٌ تُحْرِقُ الحَطَبَ، فَناداهُ نُمْرُوذُ: يا إبْراهِيمُ، هَلْ تَسْتَطِيعُ أنْ تَخْرُجَ مِنها ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: قُمْ فاخْرُجْ، فَقامَ يَمْشِي حَتّى خَرَجَ مِنها، فَلَمّا خَرَجَ قالَ لَهُ نُمْرُوذُ: مَنِ الرَّجُلُ الَّذِي رَأيْتُهُ مَعَكَ في صُورَتِكَ ؟ قالَ: ذاكَ مَلَكُ الظِّلِّ أرْسَلَهُ رَبِّي لِيُؤْنِسَنِي فِيها. فَقالَ نُمْرُوذُ: إنِّي مُقَرِّبٌ إلى رَبِّكَ قُرْبانًا لِما رَأيْتُ مِن قُدْرَتِهِ وعِزَّتِهِ فِيما صَنَعَ بِكَ، فَإنِّي ذابِحٌ لَهُ أرْبَعَةَ آلافِ بَقَرَةٍ، فَقالَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ: لا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنكَ ما دُمْتَ عَلى دِينِكَ، فَقالَ نُمْرُوذُ: لا أسْتَطِيعُ تَرْكَ مُلْكِي، ولَكِنْ سَوْفَ أذْبَحُها لَهُ، ثُمَّ ذَبَحَها لَهُ وكَفَّ عَنْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِصَّةُ عَلى وجْهٍ آخَرَ، وهي أنَّهم بَنَوْا لِإبْراهِيمَ بُنْيانًا وألْقَوْهُ فِيهِ، ثُمَّ أوْقَدُوا عَلَيْهِ النّارَ سَبْعَةَ أيّامٍ، ثُمَّ أطْبَقُوا عَلَيْهِ، ثُمَّ فَتَحُوا عَلَيْهِ مِنَ الغَدِ، فَإذا هو غَيْرُ مُحْتَرِقٍ يَعْرَقُ عَرَقًا، فَقالَ لَهم هارانُ أبُو لُوطٍ: إنَّ النّارَ لا تُحْرِقُهُ لِأنَّهُ سَحَرَ النّارَ، ولَكِنِ اجْعَلُوهُ عَلى شَيْءٍ وأوْقِدُوا تَحْتَهُ فَإنَّ الدُّخانَ يَقْتُلُهُ، فَجَعَلُوهُ فَوْقَ بِئْرٍ وأوْقَدُوا تَحْتَهُ، فَطارَتْ شَرارَةٌ فَوَقَعَتْ في لِحْيَةِ أبِي لُوطٍ فَأحْرَقَتْهُ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: إنَّما اخْتارُوا المُعاقَبَةَ بِالنّارِ لِأنَّها أشَدُّ العُقُوباتِ، ولِهَذا قِيلَ: ﴿إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ أيْ إنْ كُنْتُمْ تَنْصُرُونَ آلِهَتَكم نَصْرًا شَدِيدًا، فاخْتارُوا أشَدَّ العُقُوباتِ وهي الإحْراقُ. * * * أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْنا يانارُ كُونِي بَرْدًا وسَلامًا عَلى إبْراهِيمَ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ أبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْنا يانارُ كُونِي بَرْدًا﴾ المَعْنى أنَّهُ سُبْحانَهُ جَعَلَ النّارَ بَرْدًا وسَلامًا، لا أنَّ هُناكَ كَلامًا كَقَوْلِهِ: ﴿أنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ أيْ يَكُونُهُ، وقَدِ احْتُجَّ عَلَيْهِ بِأنَّ النّارَ جَمادٌ فَلا يَجُوزُ خِطابُهُ، والأكْثَرُونَ عَلى أنَّهُ وُجِدَ ذَلِكَ القَوْلُ. ثُمَّ هَؤُلاءِ لَهم قَوْلانِ؛ أحَدُهُما: وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ: أنَّ القائِلَ هو جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ. والثّانِي: وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ أنَّ القائِلَ هو اللَّهُ تَعالى، وهَذا هو الألْيَقُ الأقْرَبُ بِالظّاهِرِ، وقَوْلُهُ: النّارُ جَمادٌ فَلا يَكُونُ في خِطابِها فائِدَةٌ، قُلْنا: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَقْصُودُ مِن ذَلِكَ الأمْرِ مَصْلَحَةً عائِدَةً إلى المَلائِكَةِ؟ . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ النّارَ كَيْفَ بَرَدَتْ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ؛ أحَدُها: أنَّ اللَّهَ تَعالى أزالَ عَنْها ما فِيها مِنَ الحَرِّ والإحْراقِ، وأبْقى ما فِيها مِنَ الإضاءَةِ والإشْراقِ، واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. وثانِيها: أنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ في جِسْمِ إبْراهِيمَ كَيْفِيَّةً مانِعَةً مِن وُصُولِ أذى النّارِ إلَيْهِ، كَما يَفْعَلُ بِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ في الآخِرَةِ، وكَما أنَّهُ رَكَّبَ بِنْيَةَ النَّعامَةِ بِحَيْثُ لا يَضُرُّها ابْتِلاعُ الحَدِيدَةِ المُحْماةِ، وبَدَنَ السَّمَندَلِ بِحَيْثُ لا يَضُرُّهُ المُكْثُ في النّارِ. وثالِثُها: أنَّهُ سُبْحانَهُ خَلَقَ بَيْنَهُ وبَيْنَ النّارِ حائِلًا يَمْنَعُ مِن وُصُولِ أثَرِ النّارِ إلَيْهِ، قالَ المُحَقِّقُونَ: والأوَّلُ أوْلى؛ لِأنَّ صفحة ١٦٤ ظاهِرَ قَوْلِهِ: ﴿قُلْنا يانارُ كُونِي بَرْدًا﴾ أنَّ نَفْسَ النّارِ صارَتْ بارِدَةً حَتّى سَلِمَ إبْراهِيمُ مِن تَأْثِيرِها، لا أنَّ النّارَ بَقِيَتْ كَما كانَتْ، فَإنْ قِيلَ: النّارُ جِسْمٌ مَوْصُوفٌ بِالحَرارَةِ واللَّطافَةِ، فَإذا كانَتِ الحَرارَةُ جُزْءًا مِن مُسَمّى النّارِ امْتَنَعَ كَوْنُ النّارِ بارِدَةً، فَإذا وجَبَ أنْ يُقالَ: المُرادُ مِنَ النّارِ الجِسْمُ الَّذِي هو أحَدُ أجْزاءِ مُسَمّى النّارِ، وذَلِكَ مَجازٌ فَلِمَ كانَ مَجازُكم أوْلى مِنَ المَجازَيْنِ الآخَرَيْنِ ؟ قُلْنا: المَجازُ الَّذِي ذَكَرْناهُ يَبْقى مَعَهُ حُصُولُ البَرْدِ، وفي المَجازَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرْتُمُوهُما لا يَبْقى ذَلِكَ، فَكانَ مَجازُنا أوْلى. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُونِي بَرْدًا وسَلامًا عَلى إبْراهِيمَ﴾ فالمَعْنى أنَّ البَرْدَ إذا أفْرَطَ أهْلَكَ كالحَرِّ، بَلْ لا بُدَّ مِنَ الِاعْتِدالِ، ثُمَّ في حُصُولِ الِاعْتِدالِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ يُقَدِّرُ اللَّهُ تَعالى بَرْدَها بِالمِقْدارِ الَّذِي لا يُؤَثِّرُ. وثانِيها: أنَّ بَعْضَ النّارِ صارَ بَرْدًا وبَقِيَ بَعْضُها عَلى حَرارَتِهِ، فَتَعادَلَ الحَرُّ والبَرْدُ. وثالِثُها: أنَّهُ تَعالى جَعَلَ في جِسْمِهِ مَزِيدَ حَرٍّ فَسَلِمَ مِن ذَلِكَ البَرْدِ، بَلْ قَدِ انْتَفَعَ بِهِ والتَذَّ، ثُمَّ هاهُنا سُؤالاتٌ: السُّؤالُ الأوَّلُ: أوَكُلُّ النّارِ زالَتْ وصارَتْ بَرْدًا ؟ الجَوابُ: أنَّ النّارَ هو اسْمُ الماهِيَّةِ، فَلا بُدَّ وأنْ يَحْصُلَ هَذا البَرْدُ في الماهِيَّةِ، ويَلْزَمَ مِنهُ عُمُومُهُ في كُلِّ أفْرادِ الماهِيَّةِ، وقِيلَ: بَلِ اخْتُصَّ بِتِلْكَ النّارِ؛ لِأنَّ الغَرَضَ إنَّما تَعَلَّقَ بِبَرْدِ تِلْكَ النّارِ، وفي النّارِ مَنافِعُ لِلْخَلْقِ، فَلا يَجُوزُ تَعْطِيلُها، والمُرادُ خَلاصُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لا إيصالُ الضَّرَرِ إلى سائِرِ الخَلْقِ. السُّؤالُ الثّانِي: هَلْ يَجُوزُ ما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ مِن أنَّهُ سَلامٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى عَلى إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ؟ الجَوابُ الظّاهِرُ كَما أنَّهُ جَعَلَ النّارَ بَرْدًا جَعَلَها سَلامًا عَلَيْهِ حَتّى يَخْلُصَ، فالَّذِي قالَهُ يَبْعُدُ، وفِيهِ تَشْتِيتُ الكَلامِ المُرَتَّبِ. السُّؤالُ الثّالِثُ: أفَيَجُوزُ ما رُوِيَ مِن أنَّهُ لَوْ لَمْ يَقُلْ: وسَلامًا لَأتى البَرْدُ عَلَيْهِ ؟ والجَوابُ: ذَلِكَ بَعِيدٌ؛ لِأنَّ بَرْدَ النّارِ لَمْ يَحْصُلْ مِنها، وإنَّما حَصَلَ مِن جِهَةِ اللَّهِ تَعالى فَهو القادِرُ عَلى الحَرِّ والبَرْدِ، فَلا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: كانَ البَرْدُ يَعْظُمُ لَوْلا قَوْلُهُ سَلامًا. السُّؤالُ الرّابِعُ: أفَيَجُوزُ ما قِيلَ مِن أنَّهُ كانَ في النّارِ أنْعَمَ عَيْشًا مِنهُ في سائِرِ أحْوالِهِ ؟ والجَوابُ: لا يَمْتَنِعُ ذَلِكَ لِما فِيهِ مِن مَزِيدِ النِّعْمَةِ عَلَيْهِ وكَمالِها، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ إنَّما صارَ أنْعَمَ عَيْشًا هُناكَ لِعِظَمِ ما نالَهُ مِنَ السُّرُورِ بِخَلاصِهِ مِن ذَلِكَ الأمْرِ العَظِيمِ، ولِعِظَمِ سُرُورِهِ بِظَفَرِهِ بِأعْدائِهِ وبِما أظْهَرُهُ مِن دِينِ اللَّهِ تَعالى. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأرادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْناهُمُ الأخْسَرِينَ﴾ أيْ أرادُوا أنْ يَكِيدُوهُ فَما كانُوا إلّا مَغْلُوبِينَ، غالَبُوهُ بِالجِدالِ فَلَقَّنَهُ اللَّهُ تَعالى الحُجَّةَ المُبَكِّتَةَ، ثُمَّ عَدَلُوا القُوَّةَ والجَبَرُوتَ فَنَصَرَهُ وقَوّاهُ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ أتَمَّ النِّعْمَةَ عَلَيْهِ بِأنْ نَجّاهُ ونَجّى لُوطًا مَعَهُ، وهو ابْنُ أخِيهِ، وهو لُوطُ بْنُ هارانَ إلى الأرْضِ الَّتِي بارَكَ فِيها لِلْعالَمِينَ. وفي الأخْبارِ أنَّ هَذِهِ الواقِعَةَ كانَتْ في حُدُودِ بابِلَ فَنَجّاهُ اللَّهُ تَعالى مِن تِلْكَ البُقْعَةِ إلى الأرْضِ المُبارَكَةِ، ثُمَّ قِيلَ: إنَّها مَكَّةُ، وقِيلَ أرْضُ الشّامِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلى المَسْجِدِ الأقْصى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ﴾ [الإسراء: ١] والسَّبَبُ في بَرَكَتِها، أمّا في الدِّينِ فَلِأنَّ أكْثَرَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بُعِثُوا مِنها، وانْتَشَرَتْ شَرائِعُهم وآثارُهُمُ الدِّينِيَّةُ فِيها، وأمّا في الدُّنْيا فَلِأنَّ اللَّهَ تَعالى بارَكَ فِيها بِكَثْرَةِ الماءِ والشَّجَرِ والثَّمَرِ والخِصْبِ وطِيبِ العَيْشِ، وقِيلَ: ما مِن ماءٍ عَذْبٍ إلّا ويَنْبُعُ أصْلُهُ مِن تَحْتِ الصَّخْرَةِ الَّتِي بِبَيْتِ المَقْدِسِ.

الأنبياء 21:72

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ووَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ نافِلَةً وكُلًّا جَعَلْنا صالِحِينَ﴾ ﴿وجَعَلْناهم أئِمَّةً يَهْدُونَ بِأمْرِنا وأوْحَيْنا إلَيْهِمْ فِعْلَ الخَيْراتِ وإقامَ الصَّلاةِ وإيتاءَ الزَّكاةِ وكانُوا لَنا عابِدِينَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى بَعْدَ ذِكْرِهِ لِإنْعامِهِ عَلى إبْراهِيمَ وعَلى لُوطٍ بِأنْ نَجّاهُما إلى الأرْضِ المُبارَكَةِ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ غَيْرِهِ مِنَ النِّعَمِ، وإنَّما جَمَعَ بَيْنَهُما؛ لِأنَّ في كَوْنِ لُوطٍ مَعَهُ مَعَ ما كانَ بَيْنَهُما مِنَ القَرابَةِ والشَّرِكَةِ في النُّبُوَّةِ مَزِيدَ إنْعامٍ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ ذَكَرَ النِّعَمَ الَّتِي أفاضَها عَلى إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ثُمَّ النِّعَمَ الَّتِي أفاضَها عَلى لُوطٍ، أمّا الأوَّلُ فَمِن وُجُوهٍ: أحَدُها: ﴿ووَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ نافِلَةً﴾ واعْلَمْ أنَّ النّافِلَةَ العَطِيَّةُ خاصَّةً، وكَذَلِكَ النَّفْلُ، ويُسَمّى الرَّجُلُ الكَثِيرُ العَطايا نَوْفَلًا، ثُمَّ لِلْمُفَسِّرِينَ هاهُنا قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ هاهُنا مَصْدَرٌ مِن وهَبْنا لَهُ مَصْدَرٌ مِن غَيْرِ لَفْظِهِ، ولا فَرْقَ بَيْنَ ذَلِكَ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿ووَهَبْنا لَهُ﴾ هِبَةً أيْ وهَبْناهُما لَهُ عَطِيَّةً وفَضْلًا مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ جَزاءً مُسْتَحَقًّا، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ وعَطاءٍ. والثّانِي: وهو قَوْلُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ والفَرّاءِ والزَّجّاجِ: أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا سَألَ اللَّهَ ولَدًا قالَ: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصّالِحِينَ﴾ [الصافات: ١٠٠] فَأجابَ اللَّهُ دُعاءَهُ: ووَهَبَ لَهُ إسْحاقَ وأعْطاهُ يَعْقُوبَ مِن غَيْرِ دُعائِهِ، فَكانَ ذَلِكَ: ﴿نافِلَةً﴾ كالشَّيْءِ المُتَطَوَّعِ بِهِ مِنَ الآدَمِيِّينَ فَكَأنَّهُ قالَ: ﴿ووَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ﴾ إجابَةً لِدُعائِهِ؛ ووَهَبْنا لَهُ ﴿ويَعْقُوبَ نافِلَةً﴾ عَلى ما سَألَ كالصَّلاةِ النّافِلَةِ الَّتِي هي زِيادَةٌ عَلى الفَرْضِ؛ وعَلى هَذا النّافِلَةُ يَعْقُوبُ خاصَّةً. والوَجْهُ الأوَّلُ: أقْرَبُ؛ لِأنَّهُ تَعالى جَمَعَ بَيْنَهُما، ثُمَّ ذَكَرَ قَوْلَهُ: ﴿نافِلَةً﴾ فَإذا صَلُحَ أنْ يَكُونَ وصْفًا لَهُما فَهو أوْلى. النِّعْمَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكُلًّا جَعَلْنا صالِحِينَ﴾ أيْ وكُلًّا مِن إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ أنْبِياءَ مُرْسَلِينَ، هَذا قَوْلُ الضَّحّاكِ، وقالَ آخَرُونَ: عامِلِينَ بِطاعَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، مُجْتَنِبِينَ مَحارِمَهُ. والوَجْهُ الثّانِي: أقْرَبُ؛ لِأنَّ لَفْظَ الصَّلاحِ يَتَناوَلُ الكُلَّ؛ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿وأوْحَيْنا إلَيْهِمْ فِعْلَ الخَيْراتِ﴾ فَلَوْ حَمَلْنا الصَّلاحَ عَلى النُّبُوَّةِ لَزِمَ التَّكْرارُ، واحْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ أفْعالَ العِبادِ مَخْلُوقَةٌ لِلَّهِ تَعالى؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وكُلًّا جَعَلْنا صالِحِينَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ الصَّلاحَ مِن قِبَلِهِ، أجابَ الجُبّائِيُّ بِأنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَما وصَفَهم بِكَوْنِهِمْ صالِحِينَ، وبِكَوْنِهِمْ أئِمَّةً، وبِكَوْنِهِمْ عابِدِينَ، ولَما مَدَحَهم بِذَلِكَ، ولَما أثْنى عَلَيْهِمْ، وإذا ثَبَتَ ذَلِكَ فَلا بُدَّ مِنَ التَّأْوِيلِ، وهو مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهُ سُبْحانَهُ آتاهم مِن لُطْفِهِ وتَوْفِيقِهِ ما صَلُحُوا بِهِ. والثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهُ سَمّاهم بِذَلِكَ كَما يُقالُ: زَيْدٌ فَسَّقَ فُلانًا وضَلَّلَهُ وكَفَّرَهُ، إذا وصَفَهُ بِذَلِكَ، وكانَ مُصَدَّقًا عِنْدَ النّاسِ، وكَما يُقالُ في الحاكِمِ: زَكّى فُلانًا وعَدَّلَهُ وجَرَّحَهُ إذا حَكَمَ بِذَلِكَ. واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الوُجُوهَ مُخْتَلَّةٌ، أمّا اعْتِمادُهم عَلى المَدْحِ والذَّمِّ. فالجَوابُ المَعْهُودُ أنْ نُعارِضَهُ بِمَسْألَتَيِ الدّاعِي والعِلْمِ، وأمّا الحَمْلُ عَلى اللُّطْفِ فَباطِلٌ؛ لِأنَّ فِعْلَ الإلْطافِ عامٌّ في المُكَلَّفِينَ، فَلا بُدَّ في هَذا التَّخْصِيصِ مِن صفحة ١٦٦ مَزِيدِ فائِدَةٍ، وأيْضًا فَلِأنَّ قَوْلَهُ: جَعَلْتُهُ صالِحًا، كَقَوْلِهِ: جَعَلْتُهُ مُتَحَرِّكًا؛ فَحَمْلُهُ عَلى تَحْصِيلِ شَيْءٍ سِوى الصَّلاحِ تَرْكٌ لِلظّاهِرِ، وأمّا الحَمْلُ عَلى التَّسْمِيَةِ فَهو أيْضًا مَجازٌ، أقْصى ما في البابِ أنَّهُ قَدْ يُصارُ إلَيْهِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ في بَعْضِ المَواضِعِ، وهاهُنا لا ضَرُورَةَ إلّا أنْ يَرْجِعُوا مَرَّةً أُخْرى إلى فَصْلِ المَدْحِ والذَّمِّ، فَحِينَئِذٍ نَرْجِعُ أيْضًا إلى مَسْألَتَيِ الدّاعِي والعِلْمِ. النِّعْمَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلْناهم أئِمَّةً يَهْدُونَ بِأمْرِنا﴾ وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أيْ جَعَلْناهم أئِمَّةً يَدْعُونَ النّاسَ إلى دِينِ اللَّهِ تَعالى والخَيْراتِ بِأمْرِنا وإذْنِنا. الثّانِي: قَوْلُ أبِي مُسْلِمٍ أنَّ هَذِهِ الإمامَةَ هي النُّبُوَّةُ. والأوَّلُ أوْلى لِئَلّا يَلْزَمَ التَّكْرارُ، واحْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أمْرَيْنِ: أحَدُهُما: عَلى خَلْقِ الأفْعالِ بِقَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْناهم أئِمَّةً﴾ وتَقْرِيرُهُ ما مَضى. والثّانِي: عَلى أنَّ الدَّعْوَةَ إلى الحَقِّ والمَنعَ عَنِ الباطِلِ لا يَجُوزُ إلّا بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّ الأمْرَ لَوْ لَمْ يَكُنْ مُعْتَبَرًا لَما كانَ في قَوْلِهِ بِأمْرِنا فائِدَةٌ. النِّعْمَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأوْحَيْنا إلَيْهِمْ فِعْلَ الخَيْراتِ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ خَصَّهم بِشَرَفِ النُّبُوَّةِ، وذَلِكَ مِن أعْظَمِ النِّعَمِ عَلى الأبِ، قالَ الزَّجّاجُ: حَذَفَ الهاءَ مِن إقامَةِ الصَّلاةِ؛ لِأنَّ الإضافَةَ عِوَضٌ عَنْهُ، وقالَ غَيْرُهُ: الإقامُ والإقامَةُ مَصْدَرٌ، قالَ أبُو القاسِمِ الأنْصارِيُّ: الصَّلاةُ أشْرَفُ العِباداتِ البَدَنِيَّةِ، وشُرِعَتْ لِذِكْرِ اللَّهِ تَعالى، والزَّكاةُ أشْرَفُ العِباداتِ المالِيَّةِ ومَجْمُوعُهُما التَّعْظِيمُ لِأمْرِ اللَّهِ تَعالى والشَّفَقَةُ عَلى خَلْقِ اللَّهِ. واعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وصَفَهم أوَّلًا بِالصَّلاحِ؛ لِأنَّهُ أوَّلُ مَراتِبِ السّائِرِينَ إلى اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ تَرَقّى فَوَصَفَهم بِالإمامَةِ. ثُمَّ تَرَقّى فَوَصَفَهم بِالنُّبُوَّةِ والوَحْيِ. وإذا كانَ الصَّلاحُ الَّذِي هو العِصْمَةُ أوَّلَ مَراتِبَ النُّبُوَّةِ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ الأنْبِياءَ مَعْصُومُونَ، فَإنَّ المَحْرُومَ عَنْ أوَّلِ المَراتِبِ أوْلى بِأنْ يَكُونَ مَحْرُومًا عَنِ النِّهايَةِ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ كَما بَيَّنَ أصْنافَ نِعَمِهِ عَلَيْهِمْ بَيَّنَ بَعْدِ ذَلِكَ اشْتِغالَهم بِعُبُودِيَّتِهِ فَقالَ: ﴿وكانُوا لَنا عابِدِينَ﴾ كَأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا وفى بِعَهْدِ الرُّبُوبِيَّةِ في الإحْسانِ والإنْعامِ فَهم أيْضًا وفَوْا بِعَهْدِ العُبُودِيَّةِ وهو الِاشْتِغالُ بِالطّاعَةِ والعِبادَةِ.

الأنبياء 21:73

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ووَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ نافِلَةً وكُلًّا جَعَلْنا صالِحِينَ﴾ ﴿وجَعَلْناهم أئِمَّةً يَهْدُونَ بِأمْرِنا وأوْحَيْنا إلَيْهِمْ فِعْلَ الخَيْراتِ وإقامَ الصَّلاةِ وإيتاءَ الزَّكاةِ وكانُوا لَنا عابِدِينَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى بَعْدَ ذِكْرِهِ لِإنْعامِهِ عَلى إبْراهِيمَ وعَلى لُوطٍ بِأنْ نَجّاهُما إلى الأرْضِ المُبارَكَةِ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ غَيْرِهِ مِنَ النِّعَمِ، وإنَّما جَمَعَ بَيْنَهُما؛ لِأنَّ في كَوْنِ لُوطٍ مَعَهُ مَعَ ما كانَ بَيْنَهُما مِنَ القَرابَةِ والشَّرِكَةِ في النُّبُوَّةِ مَزِيدَ إنْعامٍ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ ذَكَرَ النِّعَمَ الَّتِي أفاضَها عَلى إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ثُمَّ النِّعَمَ الَّتِي أفاضَها عَلى لُوطٍ، أمّا الأوَّلُ فَمِن وُجُوهٍ: أحَدُها: ﴿ووَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ نافِلَةً﴾ واعْلَمْ أنَّ النّافِلَةَ العَطِيَّةُ خاصَّةً، وكَذَلِكَ النَّفْلُ، ويُسَمّى الرَّجُلُ الكَثِيرُ العَطايا نَوْفَلًا، ثُمَّ لِلْمُفَسِّرِينَ هاهُنا قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ هاهُنا مَصْدَرٌ مِن وهَبْنا لَهُ مَصْدَرٌ مِن غَيْرِ لَفْظِهِ، ولا فَرْقَ بَيْنَ ذَلِكَ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿ووَهَبْنا لَهُ﴾ هِبَةً أيْ وهَبْناهُما لَهُ عَطِيَّةً وفَضْلًا مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ جَزاءً مُسْتَحَقًّا، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ وعَطاءٍ. والثّانِي: وهو قَوْلُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ والفَرّاءِ والزَّجّاجِ: أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا سَألَ اللَّهَ ولَدًا قالَ: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصّالِحِينَ﴾ [الصافات: ١٠٠] فَأجابَ اللَّهُ دُعاءَهُ: ووَهَبَ لَهُ إسْحاقَ وأعْطاهُ يَعْقُوبَ مِن غَيْرِ دُعائِهِ، فَكانَ ذَلِكَ: ﴿نافِلَةً﴾ كالشَّيْءِ المُتَطَوَّعِ بِهِ مِنَ الآدَمِيِّينَ فَكَأنَّهُ قالَ: ﴿ووَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ﴾ إجابَةً لِدُعائِهِ؛ ووَهَبْنا لَهُ ﴿ويَعْقُوبَ نافِلَةً﴾ عَلى ما سَألَ كالصَّلاةِ النّافِلَةِ الَّتِي هي زِيادَةٌ عَلى الفَرْضِ؛ وعَلى هَذا النّافِلَةُ يَعْقُوبُ خاصَّةً. والوَجْهُ الأوَّلُ: أقْرَبُ؛ لِأنَّهُ تَعالى جَمَعَ بَيْنَهُما، ثُمَّ ذَكَرَ قَوْلَهُ: ﴿نافِلَةً﴾ فَإذا صَلُحَ أنْ يَكُونَ وصْفًا لَهُما فَهو أوْلى. النِّعْمَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكُلًّا جَعَلْنا صالِحِينَ﴾ أيْ وكُلًّا مِن إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ أنْبِياءَ مُرْسَلِينَ، هَذا قَوْلُ الضَّحّاكِ، وقالَ آخَرُونَ: عامِلِينَ بِطاعَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، مُجْتَنِبِينَ مَحارِمَهُ. والوَجْهُ الثّانِي: أقْرَبُ؛ لِأنَّ لَفْظَ الصَّلاحِ يَتَناوَلُ الكُلَّ؛ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿وأوْحَيْنا إلَيْهِمْ فِعْلَ الخَيْراتِ﴾ فَلَوْ حَمَلْنا الصَّلاحَ عَلى النُّبُوَّةِ لَزِمَ التَّكْرارُ، واحْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ أفْعالَ العِبادِ مَخْلُوقَةٌ لِلَّهِ تَعالى؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وكُلًّا جَعَلْنا صالِحِينَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ الصَّلاحَ مِن قِبَلِهِ، أجابَ الجُبّائِيُّ بِأنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَما وصَفَهم بِكَوْنِهِمْ صالِحِينَ، وبِكَوْنِهِمْ أئِمَّةً، وبِكَوْنِهِمْ عابِدِينَ، ولَما مَدَحَهم بِذَلِكَ، ولَما أثْنى عَلَيْهِمْ، وإذا ثَبَتَ ذَلِكَ فَلا بُدَّ مِنَ التَّأْوِيلِ، وهو مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهُ سُبْحانَهُ آتاهم مِن لُطْفِهِ وتَوْفِيقِهِ ما صَلُحُوا بِهِ. والثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهُ سَمّاهم بِذَلِكَ كَما يُقالُ: زَيْدٌ فَسَّقَ فُلانًا وضَلَّلَهُ وكَفَّرَهُ، إذا وصَفَهُ بِذَلِكَ، وكانَ مُصَدَّقًا عِنْدَ النّاسِ، وكَما يُقالُ في الحاكِمِ: زَكّى فُلانًا وعَدَّلَهُ وجَرَّحَهُ إذا حَكَمَ بِذَلِكَ. واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الوُجُوهَ مُخْتَلَّةٌ، أمّا اعْتِمادُهم عَلى المَدْحِ والذَّمِّ. فالجَوابُ المَعْهُودُ أنْ نُعارِضَهُ بِمَسْألَتَيِ الدّاعِي والعِلْمِ، وأمّا الحَمْلُ عَلى اللُّطْفِ فَباطِلٌ؛ لِأنَّ فِعْلَ الإلْطافِ عامٌّ في المُكَلَّفِينَ، فَلا بُدَّ في هَذا التَّخْصِيصِ مِن صفحة ١٦٦ مَزِيدِ فائِدَةٍ، وأيْضًا فَلِأنَّ قَوْلَهُ: جَعَلْتُهُ صالِحًا، كَقَوْلِهِ: جَعَلْتُهُ مُتَحَرِّكًا؛ فَحَمْلُهُ عَلى تَحْصِيلِ شَيْءٍ سِوى الصَّلاحِ تَرْكٌ لِلظّاهِرِ، وأمّا الحَمْلُ عَلى التَّسْمِيَةِ فَهو أيْضًا مَجازٌ، أقْصى ما في البابِ أنَّهُ قَدْ يُصارُ إلَيْهِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ في بَعْضِ المَواضِعِ، وهاهُنا لا ضَرُورَةَ إلّا أنْ يَرْجِعُوا مَرَّةً أُخْرى إلى فَصْلِ المَدْحِ والذَّمِّ، فَحِينَئِذٍ نَرْجِعُ أيْضًا إلى مَسْألَتَيِ الدّاعِي والعِلْمِ. النِّعْمَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلْناهم أئِمَّةً يَهْدُونَ بِأمْرِنا﴾ وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أيْ جَعَلْناهم أئِمَّةً يَدْعُونَ النّاسَ إلى دِينِ اللَّهِ تَعالى والخَيْراتِ بِأمْرِنا وإذْنِنا. الثّانِي: قَوْلُ أبِي مُسْلِمٍ أنَّ هَذِهِ الإمامَةَ هي النُّبُوَّةُ. والأوَّلُ أوْلى لِئَلّا يَلْزَمَ التَّكْرارُ، واحْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أمْرَيْنِ: أحَدُهُما: عَلى خَلْقِ الأفْعالِ بِقَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْناهم أئِمَّةً﴾ وتَقْرِيرُهُ ما مَضى. والثّانِي: عَلى أنَّ الدَّعْوَةَ إلى الحَقِّ والمَنعَ عَنِ الباطِلِ لا يَجُوزُ إلّا بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّ الأمْرَ لَوْ لَمْ يَكُنْ مُعْتَبَرًا لَما كانَ في قَوْلِهِ بِأمْرِنا فائِدَةٌ. النِّعْمَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأوْحَيْنا إلَيْهِمْ فِعْلَ الخَيْراتِ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ خَصَّهم بِشَرَفِ النُّبُوَّةِ، وذَلِكَ مِن أعْظَمِ النِّعَمِ عَلى الأبِ، قالَ الزَّجّاجُ: حَذَفَ الهاءَ مِن إقامَةِ الصَّلاةِ؛ لِأنَّ الإضافَةَ عِوَضٌ عَنْهُ، وقالَ غَيْرُهُ: الإقامُ والإقامَةُ مَصْدَرٌ، قالَ أبُو القاسِمِ الأنْصارِيُّ: الصَّلاةُ أشْرَفُ العِباداتِ البَدَنِيَّةِ، وشُرِعَتْ لِذِكْرِ اللَّهِ تَعالى، والزَّكاةُ أشْرَفُ العِباداتِ المالِيَّةِ ومَجْمُوعُهُما التَّعْظِيمُ لِأمْرِ اللَّهِ تَعالى والشَّفَقَةُ عَلى خَلْقِ اللَّهِ. واعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وصَفَهم أوَّلًا بِالصَّلاحِ؛ لِأنَّهُ أوَّلُ مَراتِبِ السّائِرِينَ إلى اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ تَرَقّى فَوَصَفَهم بِالإمامَةِ. ثُمَّ تَرَقّى فَوَصَفَهم بِالنُّبُوَّةِ والوَحْيِ. وإذا كانَ الصَّلاحُ الَّذِي هو العِصْمَةُ أوَّلَ مَراتِبَ النُّبُوَّةِ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ الأنْبِياءَ مَعْصُومُونَ، فَإنَّ المَحْرُومَ عَنْ أوَّلِ المَراتِبِ أوْلى بِأنْ يَكُونَ مَحْرُومًا عَنِ النِّهايَةِ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ كَما بَيَّنَ أصْنافَ نِعَمِهِ عَلَيْهِمْ بَيَّنَ بَعْدِ ذَلِكَ اشْتِغالَهم بِعُبُودِيَّتِهِ فَقالَ: ﴿وكانُوا لَنا عابِدِينَ﴾ كَأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا وفى بِعَهْدِ الرُّبُوبِيَّةِ في الإحْسانِ والإنْعامِ فَهم أيْضًا وفَوْا بِعَهْدِ العُبُودِيَّةِ وهو الِاشْتِغالُ بِالطّاعَةِ والعِبادَةِ.

الأنبياء 21:74

(القِصَّةُ الثّالِثَةُ، قِصَّةُ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ) قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولُوطًا آتَيْناهُ حُكْمًا وعِلْمًا ونَجَّيْناهُ مِنَ القَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ تَعْمَلُ الخَبائِثَ إنَّهم كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فاسِقِينَ﴾ ﴿وأدْخَلْناهُ في رَحْمَتِنا إنَّهُ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ بَعْدَ بَيانِ ما أنْعَمَ بِهِ عَلى إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ نِعَمِهِ عَلى لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا جَمَعَ بَيْنَهُما مِن قَبْلُ، وهاهُنا مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: في الواوِ في قَوْلِهِ: ﴿ولُوطًا﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: وهو قَوْلُ الزَّجّاجِ أنَّهُ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وأوْحَيْنا إلَيْهِمْ﴾ . والثّانِي: قَوْلُ أبِي مُسْلِمٍ أنَّهُ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿آتَيْنا إبْراهِيمَ رُشْدَهُ﴾ ولا بُدَّ مِن ضَمِيرٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولُوطًا﴾ فَكَأنَّهُ قالَ: وآتَيْنا لُوطًا فَأضْمَرَ ذِكْرَهُ. صفحة ١٦٧ المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في أصْنافِ النِّعَمِ، وهي أرْبَعَةُ وُجُوهٍ: أحَدُها: الحُكْمُ؛ أيِ الحِكْمَةُ وهي الَّتِي يَجِبُ فِعْلُها أوِ الفَصْلُ بَيْنَ الخُصُومِ، وقِيلَ هي النُّبُوَّةُ. وثانِيها: العِلْمُ، واعْلَمْ أنَّ إدْخالَ التَّنْوِينِ عَلَيْهِما يَدُلُّ عَلى عُلُوِّ شَأْنِ ذَلِكَ العِلْمِ وذَلِكَ الحُكْمِ. وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿ونَجَّيْناهُ مِنَ القَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ تَعْمَلُ الخَبائِثَ﴾ والمُرادُ أهْلُ القَرْيَةِ؛ لِأنَّهم هُمُ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الخَبائِثَ دُونَ نَفْسِ القَرْيَةِ، ولِأنَّ الهَلاكَ بِهِمْ نَزَلَ فَنَجّاهُ اللَّهُ تَعالى مِن ذَلِكَ، ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ وتَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهم كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فاسِقِينَ﴾ ما أرادَهُ بِالخَبائِثِ، وأمْرِهِمْ فِيما كانُوا يُقْدِمُونَ عَلَيْهِ ظاهِرٌ. ورابِعُها: قَوْلُهُ: ﴿وأدْخَلْناهُ في رَحْمَتِنا إنَّهُ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ وفي تَفْسِيرِ الرَّحْمَةِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ النُّبُوَّةُ، أيْ أنَّهُ لَمّا كانَ صالِحًا لِلنُّبُوَّةِ أدْخَلَهُ اللَّهُ في رَحْمَتِهِ لِكَيْ يَقُومَ بِحَقِّها عَنْ مُقاتِلٍ. الثّانِي: أنَّهُ الثَّوابُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والضَّحّاكِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا آتاهُ اللَّهُ الحُكْمَ والعِلْمَ وتَخَلَّصَ عَنْ جُلَساءِ السُّوءِ فُتِحَتْ عَلَيْهِ أبْوابُ المُكاشَفاتِ، وتَجَلَّتْ لَهُ أنْوارُ الإلَهِيَّةِ، وهي بَحْرٌ لا ساحِلَ لَهُ، وهي الرَّحْمَةُ في الحَقِيقَةِ.

الأنبياء 21:75

(القِصَّةُ الثّالِثَةُ، قِصَّةُ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ) قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولُوطًا آتَيْناهُ حُكْمًا وعِلْمًا ونَجَّيْناهُ مِنَ القَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ تَعْمَلُ الخَبائِثَ إنَّهم كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فاسِقِينَ﴾ ﴿وأدْخَلْناهُ في رَحْمَتِنا إنَّهُ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ بَعْدَ بَيانِ ما أنْعَمَ بِهِ عَلى إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ نِعَمِهِ عَلى لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا جَمَعَ بَيْنَهُما مِن قَبْلُ، وهاهُنا مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: في الواوِ في قَوْلِهِ: ﴿ولُوطًا﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: وهو قَوْلُ الزَّجّاجِ أنَّهُ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وأوْحَيْنا إلَيْهِمْ﴾ . والثّانِي: قَوْلُ أبِي مُسْلِمٍ أنَّهُ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿آتَيْنا إبْراهِيمَ رُشْدَهُ﴾ ولا بُدَّ مِن ضَمِيرٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولُوطًا﴾ فَكَأنَّهُ قالَ: وآتَيْنا لُوطًا فَأضْمَرَ ذِكْرَهُ. صفحة ١٦٧ المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في أصْنافِ النِّعَمِ، وهي أرْبَعَةُ وُجُوهٍ: أحَدُها: الحُكْمُ؛ أيِ الحِكْمَةُ وهي الَّتِي يَجِبُ فِعْلُها أوِ الفَصْلُ بَيْنَ الخُصُومِ، وقِيلَ هي النُّبُوَّةُ. وثانِيها: العِلْمُ، واعْلَمْ أنَّ إدْخالَ التَّنْوِينِ عَلَيْهِما يَدُلُّ عَلى عُلُوِّ شَأْنِ ذَلِكَ العِلْمِ وذَلِكَ الحُكْمِ. وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿ونَجَّيْناهُ مِنَ القَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ تَعْمَلُ الخَبائِثَ﴾ والمُرادُ أهْلُ القَرْيَةِ؛ لِأنَّهم هُمُ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الخَبائِثَ دُونَ نَفْسِ القَرْيَةِ، ولِأنَّ الهَلاكَ بِهِمْ نَزَلَ فَنَجّاهُ اللَّهُ تَعالى مِن ذَلِكَ، ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ وتَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهم كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فاسِقِينَ﴾ ما أرادَهُ بِالخَبائِثِ، وأمْرِهِمْ فِيما كانُوا يُقْدِمُونَ عَلَيْهِ ظاهِرٌ. ورابِعُها: قَوْلُهُ: ﴿وأدْخَلْناهُ في رَحْمَتِنا إنَّهُ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ وفي تَفْسِيرِ الرَّحْمَةِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ النُّبُوَّةُ، أيْ أنَّهُ لَمّا كانَ صالِحًا لِلنُّبُوَّةِ أدْخَلَهُ اللَّهُ في رَحْمَتِهِ لِكَيْ يَقُومَ بِحَقِّها عَنْ مُقاتِلٍ. الثّانِي: أنَّهُ الثَّوابُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والضَّحّاكِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا آتاهُ اللَّهُ الحُكْمَ والعِلْمَ وتَخَلَّصَ عَنْ جُلَساءِ السُّوءِ فُتِحَتْ عَلَيْهِ أبْوابُ المُكاشَفاتِ، وتَجَلَّتْ لَهُ أنْوارُ الإلَهِيَّةِ، وهي بَحْرٌ لا ساحِلَ لَهُ، وهي الرَّحْمَةُ في الحَقِيقَةِ.

الأنبياء 21:76

(القِصَّةُ الرّابِعَةُ، قِصَّةُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ) قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ونُوحًا إذْ نادى مِن قَبْلُ فاسْتَجَبْنا لَهُ فَنَجَّيْناهُ وأهْلَهُ مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ ﴿ونَصَرْناهُ مِنَ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا إنَّهم كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأغْرَقْناهم أجْمَعِينَ﴾ أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ نادى مِن قَبْلُ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: لا شُبْهَةَ في أنَّ المُرادَ مِن هَذا النِّداءِ دُعاؤُهُ عَلى قَوْمِهِ بِالعَذابِ، ويُؤَكِّدُهُ حِكايَةُ اللَّهِ تَعالى عَنْهُ ذَلِكَ تارَةً عَلى الإجْمالِ وهو قَوْلُهُ: ﴿فَدَعا رَبَّهُ أنِّي مَغْلُوبٌ فانْتَصِرْ﴾ [القمر: ١٠] وتارَةً عَلى التَّفْصِيلِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿وقالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلى الأرْضِ مِنَ الكافِرِينَ دَيّارًا﴾ [نوح: ٢٦] ويَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا أنَّ اللَّهَ تَعالى أجابَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فاسْتَجَبْنا لَهُ فَنَجَّيْناهُ وأهْلَهُ مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ وهَذا الجَوابُ يَدُلُّ عَلى أنَّ الإنْجاءَ المَذْكُورَ فِيهِ كانَ هو المَطْلُوبُ في السُّؤالِ، فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّ نِداءَهُ ودُعاءَهُ كانَ بِأنْ يُنْجِيَهُ مِمّا يَلْحِقُهُ مِن جِهَتِهِمْ مِن ضُرُوبِ الأذى بِالتَّكْذِيبِ والرَّدِّ عَلَيْهِ، وبِأنْ يَنْصُرَهُ عَلَيْهِمْ وأنْ يُهْلِكَهم. فَلِذَلِكَ قالَ بَعْدَهُ: ﴿ونَصَرْناهُ مِنَ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أجْمَعَ المُحَقِّقُونَ عَلى أنَّ ذَلِكَ النِّداءَ كانَ بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ بِأمْرِهِ لَمْ يُؤْمَن أنْ يَكُونَ الصَّلاحُ أنْ لا يُجابَ إلَيْهِ، فَيَصِيرُ ذَلِكَ سَبَبًا لِنُقْصانِ حالِ الأنْبِياءِ، ولِأنَّ الإقْدامَ عَلى أمْثالِ هَذِهِ المَطالِبِ لَوْ لَمْ يَكُنْ بِالأمْرِ لَكانَ ذَلِكَ مُبالَغَةً في الإضْرارِ، وقالَ آخَرُونَ: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَكُنْ مَأْذُونًا لَهُ في ذَلِكَ. وقالَ أبُو أُمامَةَ: لَمْ يَتَحَسَّرْ أحَدٌ مِن خَلْقِ اللَّهِ تَعالى كَحَسْرَةِ آدَمَ ونُوحٍ، فَحَسْرَةُ آدَمَ عَلى قَبُولِ وسُوسَةِ إبْلِيسَ، وحَسْرَةُ نُوحٍ عَلى دُعائِهِ عَلى قَوْمِهِ. فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ أنْ لا تَتَحَسَّرَ فَإنَّ دَعْوَتَكَ وافَقَتْ قَدَرِي. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَنَجَّيْناهُ وأهْلَهُ مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ فالمُرادُ بِالأهْلِ هاهُنا أهْلُ دِينِهِ، وفي تَفْسِيرِ الكَرْبِ وُجُوهٌ: أحَدُها: أنَّهُ العَذابُ النّازِلُ بِالكُفّارِ وهو الغَرَقُ، وهو قَوْلُ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ. وثانِيها: أنَّهُ تَكْذِيبُ قَوْمِهِ إيّاهُ صفحة ١٦٨ وما لَقِيَ مِنهم مِنَ الأذى. وثالِثُها: أنَّهُ مَجْمُوعُ الأمْرَيْنِ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - وهو الأقْرَبُ؛ لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ قَدْ دَعاهم إلى اللَّهِ تَعالى مُدَّةً طَوِيلَةً، وكانَ قَدْ يَنالُ مِنهم كُلَّ مَكْرُوهٍ، وكانَ الغَمُّ يَتَزايَدُ بِسَبَبِ ذَلِكَ، وعِنْدَ إعْلامِ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ أنَّهُ يُغْرِقُهم وأمَرَهُ بِاتِّخاذِ الفُلْكِ، كانَ أيْضًا عَلى غَمٍّ وخَوْفٍ مِن حَيْثُ لَمْ يَعْلَمْ مَنِ الَّذِي يَتَخَلَّصُ مِنَ الغَرَقِ، ومَنِ الَّذِي يَغْرَقُ، فَأزالَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ الكَرْبَ العَظِيمَ بِأنْ خَلَّصَهُ مِن جَمِيعِ ذَلِكَ، وخَلَّصَ جَمِيعَ مَن آمَنَ بِهِ مَعَهُ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ونَصَرْناهُ مِنَ القَوْمِ﴾ فَقِراءَةُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ”ونَصَرْناهُ عَلى القَوْمِ“ ثُمَّ قالَ المُبَرِّدُ: تَقْدِيرُهُ ونَصَرْناهُ مِن مَكْرُوهِ القَوْمِ، وقالَ تَعالى: ﴿فَمَن يَنْصُرُنا مِن بَأْسِ اللَّهِ﴾ [غافر: ٢٩] أيْ يَعْصِمُنا مِن عَذابِهِ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مِن بِمَعْنى عَلى. وقالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: إنَّهُ نَصَرَ الَّذِي مُطاوِعُهُ انْتَصَرَ، وسَمِعْتُ هُذَلِيًّا يَدْعُو عَلى سارِقٍ: اللَّهُمَّ انْصُرْهم مِنهُ، أيِ اجْعَلْهم مُنْتَصِرِينَ مِنهُ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهم كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ﴾ فالمَعْنى أنَّهم كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ لِأجْلِ رَدِّهِمْ عَلَيْهِ، وتَكْذِيبِهِمْ لَهُ، فَأغْرَقْناهم أجْمَعِينَ، فَبَيَّنَ ذَلِكَ الوَجْهَ الَّذِي بِهِ خَلَّصَهُ مِنهم.

الأنبياء 21:77

(القِصَّةُ الرّابِعَةُ، قِصَّةُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ) قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ونُوحًا إذْ نادى مِن قَبْلُ فاسْتَجَبْنا لَهُ فَنَجَّيْناهُ وأهْلَهُ مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ ﴿ونَصَرْناهُ مِنَ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا إنَّهم كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأغْرَقْناهم أجْمَعِينَ﴾ أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ نادى مِن قَبْلُ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: لا شُبْهَةَ في أنَّ المُرادَ مِن هَذا النِّداءِ دُعاؤُهُ عَلى قَوْمِهِ بِالعَذابِ، ويُؤَكِّدُهُ حِكايَةُ اللَّهِ تَعالى عَنْهُ ذَلِكَ تارَةً عَلى الإجْمالِ وهو قَوْلُهُ: ﴿فَدَعا رَبَّهُ أنِّي مَغْلُوبٌ فانْتَصِرْ﴾ [القمر: ١٠] وتارَةً عَلى التَّفْصِيلِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿وقالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلى الأرْضِ مِنَ الكافِرِينَ دَيّارًا﴾ [نوح: ٢٦] ويَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا أنَّ اللَّهَ تَعالى أجابَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فاسْتَجَبْنا لَهُ فَنَجَّيْناهُ وأهْلَهُ مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ وهَذا الجَوابُ يَدُلُّ عَلى أنَّ الإنْجاءَ المَذْكُورَ فِيهِ كانَ هو المَطْلُوبُ في السُّؤالِ، فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّ نِداءَهُ ودُعاءَهُ كانَ بِأنْ يُنْجِيَهُ مِمّا يَلْحِقُهُ مِن جِهَتِهِمْ مِن ضُرُوبِ الأذى بِالتَّكْذِيبِ والرَّدِّ عَلَيْهِ، وبِأنْ يَنْصُرَهُ عَلَيْهِمْ وأنْ يُهْلِكَهم. فَلِذَلِكَ قالَ بَعْدَهُ: ﴿ونَصَرْناهُ مِنَ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أجْمَعَ المُحَقِّقُونَ عَلى أنَّ ذَلِكَ النِّداءَ كانَ بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ بِأمْرِهِ لَمْ يُؤْمَن أنْ يَكُونَ الصَّلاحُ أنْ لا يُجابَ إلَيْهِ، فَيَصِيرُ ذَلِكَ سَبَبًا لِنُقْصانِ حالِ الأنْبِياءِ، ولِأنَّ الإقْدامَ عَلى أمْثالِ هَذِهِ المَطالِبِ لَوْ لَمْ يَكُنْ بِالأمْرِ لَكانَ ذَلِكَ مُبالَغَةً في الإضْرارِ، وقالَ آخَرُونَ: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَكُنْ مَأْذُونًا لَهُ في ذَلِكَ. وقالَ أبُو أُمامَةَ: لَمْ يَتَحَسَّرْ أحَدٌ مِن خَلْقِ اللَّهِ تَعالى كَحَسْرَةِ آدَمَ ونُوحٍ، فَحَسْرَةُ آدَمَ عَلى قَبُولِ وسُوسَةِ إبْلِيسَ، وحَسْرَةُ نُوحٍ عَلى دُعائِهِ عَلى قَوْمِهِ. فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ أنْ لا تَتَحَسَّرَ فَإنَّ دَعْوَتَكَ وافَقَتْ قَدَرِي. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَنَجَّيْناهُ وأهْلَهُ مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ فالمُرادُ بِالأهْلِ هاهُنا أهْلُ دِينِهِ، وفي تَفْسِيرِ الكَرْبِ وُجُوهٌ: أحَدُها: أنَّهُ العَذابُ النّازِلُ بِالكُفّارِ وهو الغَرَقُ، وهو قَوْلُ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ. وثانِيها: أنَّهُ تَكْذِيبُ قَوْمِهِ إيّاهُ صفحة ١٦٨ وما لَقِيَ مِنهم مِنَ الأذى. وثالِثُها: أنَّهُ مَجْمُوعُ الأمْرَيْنِ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - وهو الأقْرَبُ؛ لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ قَدْ دَعاهم إلى اللَّهِ تَعالى مُدَّةً طَوِيلَةً، وكانَ قَدْ يَنالُ مِنهم كُلَّ مَكْرُوهٍ، وكانَ الغَمُّ يَتَزايَدُ بِسَبَبِ ذَلِكَ، وعِنْدَ إعْلامِ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ أنَّهُ يُغْرِقُهم وأمَرَهُ بِاتِّخاذِ الفُلْكِ، كانَ أيْضًا عَلى غَمٍّ وخَوْفٍ مِن حَيْثُ لَمْ يَعْلَمْ مَنِ الَّذِي يَتَخَلَّصُ مِنَ الغَرَقِ، ومَنِ الَّذِي يَغْرَقُ، فَأزالَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ الكَرْبَ العَظِيمَ بِأنْ خَلَّصَهُ مِن جَمِيعِ ذَلِكَ، وخَلَّصَ جَمِيعَ مَن آمَنَ بِهِ مَعَهُ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ونَصَرْناهُ مِنَ القَوْمِ﴾ فَقِراءَةُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ”ونَصَرْناهُ عَلى القَوْمِ“ ثُمَّ قالَ المُبَرِّدُ: تَقْدِيرُهُ ونَصَرْناهُ مِن مَكْرُوهِ القَوْمِ، وقالَ تَعالى: ﴿فَمَن يَنْصُرُنا مِن بَأْسِ اللَّهِ﴾ [غافر: ٢٩] أيْ يَعْصِمُنا مِن عَذابِهِ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مِن بِمَعْنى عَلى. وقالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: إنَّهُ نَصَرَ الَّذِي مُطاوِعُهُ انْتَصَرَ، وسَمِعْتُ هُذَلِيًّا يَدْعُو عَلى سارِقٍ: اللَّهُمَّ انْصُرْهم مِنهُ، أيِ اجْعَلْهم مُنْتَصِرِينَ مِنهُ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهم كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ﴾ فالمَعْنى أنَّهم كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ لِأجْلِ رَدِّهِمْ عَلَيْهِ، وتَكْذِيبِهِمْ لَهُ، فَأغْرَقْناهم أجْمَعِينَ، فَبَيَّنَ ذَلِكَ الوَجْهَ الَّذِي بِهِ خَلَّصَهُ مِنهم.

الأنبياء 21:78

القِصَّةُ الخامِسَةُ، قِصَّةُ داوُدَ وسُلَيْمانَ عَلَيْهِما السَّلامُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وداوُدَ وسُلَيْمانَ إذْ يَحْكُمانِ في الحَرْثِ إذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ القَوْمِ وكُنّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ﴾ ﴿فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ وكُلًّا آتَيْنا حُكْمًا وعِلْمًا وسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الجِبالَ يُسَبِّحْنَ والطَّيْرَ وكُنّا فاعِلِينَ﴾ ﴿وعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكم لِتُحْصِنَكم مِن بَأْسِكم فَهَلْ أنْتُمْ شاكِرُونَ﴾ ﴿ولِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً تَجْرِي بِأمْرِهِ إلى الأرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها وكُنّا بِكُلِّ شَيْءٍ عالِمِينَ﴾ ﴿ومِنَ الشَّياطِينِ مَن يَغُوصُونَ لَهُ ويَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ وكُنّا لَهم حافِظِينَ﴾ اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: وداوُدَ، وسُلَيْمانَ، وأيُّوبَ، وزَكَرِيّا، وذا النُّونِ، كُلَّهُ نَسَقٌ عَلى ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا إبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ﴾، ومِن قَوْلِهِ: ﴿ولُوطًا آتَيْناهُ حُكْمًا وعِلْمًا﴾ واعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ ذِكْرُ نِعَمِ اللَّهِ تَعالى عَلى داوُدَ وسُلَيْمانَ، فَذَكَرَ أوَّلًا النِّعْمَةَ المُشْتَرَكَةَ بَيْنَهُما، ثُمَّ ذَكَرَ ما يَخْتَصُّ بِهِ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما مِنَ النِّعَمِ. أمّا النِّعْمَةُ المُشْتَرَكَةُ فَهي القِصَّةُ المَذْكُورَةُ وهي قِصَّةُ الحُكُومَةِ، ووَجْهُ النِّعْمَةِ فِيها أنَّ اللَّهَ تَعالى زَيَّنَهُما بِالعِلْمِ صفحة ١٦٩ والفَهْمِ في قَوْلِهِ: ﴿وكُلًّا آتَيْنا حُكْمًا وعِلْمًا﴾ ثُمَّ في هَذا تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ العِلْمَ أفْضَلُ الكَمالاتِ وأعْظَمُها، وذَلِكَ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قَدَّمَ ذِكْرَهُ هاهُنا عَلى سائِرِ النِّعَمِ الجَلِيلَةِ، مِثْلَ تَسْخِيرِ الجِبالِ والطَّيْرِ والرِّيحِ والجِنِّ. وإذا كانَ العِلْمُ مُقَدَّمًا عَلى أمْثالِ هَذِهِ الأشْياءِ فَما ظَنُّكَ بِغَيْرِها؛ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ ابْنُ السِّكِّيتِ النَّفْشُ أنْ تَنْتَشِرَ الغَنَمُ بِاللَّيْلِ تَرْعى بِلا راعٍ، وهَذا قَوْلُ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ، وعَنِ الحَسَنِ أنَّهُ يَجُوزُ ذَلِكَ لَيْلًا ونَهارًا. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ الحَرْثَ هو الزَّرْعُ، وقالَ بَعْضُهم: هو الكَرْمُ، والأوَّلُ أشْبَهُ بِالعُرْفِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: احْتَجَّ مَن قالَ: أقَلُّ الجَمْعِ اثْنانِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكُنّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ﴾ مَعَ أنَّ المُرادَ داوُدُ وسُلَيْمانُ ؟ جَوابُهُ: أنَّ الحُكْمَ كَما يُضافُ إلى الحاكِمِ فَقَدْ يُضافُ إلى المَحْكُومِ لَهُ، فَإذا أُضِيفَ الحُكْمُ إلى المُتَحاكِمِينَ كانَ المَجْمُوعُ أكْثَرَ مِنَ الِاثْنَيْنِ، وقُرِئَ وكُنّا لِحُكْمِهِما شاهِدِينَ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: في كَيْفِيَّةِ القِصَّةِ وجْهانِ: الأوَّلُ: قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: دَخَلَ رَجُلانِ عَلى داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ، أحَدُهُما صاحِبُ حَرْثٍ والآخَرُ صاحِبُ غَنَمٍ، فَقالَ صاحِبُ الحَرْثِ: إنَّ غَنَمَ هَذا دَخَلَتْ حَرْثِي وما أبْقَتْ مِنهُ شَيْئًا، فَقالَ داوُدُ عَلَيْهِ السَّلامُ: اذْهَبْ فَإنَّ الغَنَمَ لَكَ، فَخَرَجا فَمَرّا عَلى سُلَيْمانَ، فَقالَ: كَيْفَ قَضى بَيْنَكُما ؟ فَأخْبَراهُ: فَقالَ: لَوْ كُنْتُ أنا القاضِيَ لَقَضَيْتُ بِغَيْرِ هَذا. فَأُخْبِرَ بِذَلِكَ داوُدُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَدَعاهُ وقالَ: كَيْفَ كُنْتَ تَقْضِي بَيْنَهُما، فَقالَ: أدْفَعُ الغَنَمَ إلى صاحِبِ الحَرْثِ فَيَكُونُ لَهُ مَنافِعُها مِنَ الدَّرِّ والنَّسْلِ والوَبَرِ حَتّى إذا كانَ الحَرْثُ مِنَ العامِ المُسْتَقْبَلِ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ أُكِلَ دَفَعْتُ الغَنَمَ إلى أهْلِها وقَبَضَ صاحِبُ الحَرْثِ حَرْثَهُ. الثّانِي: قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وشُرَيْحٌ ومُقاتِلٌ رَحِمَهُمُ اللَّهُ: أنَّ راعِيًا نَزَلَ ذاتَ لَيْلَةٍ بِجَنْبِ كَرْمٍ، فَدَخَلَتِ الأغْنامُ الكَرْمَ وهو لا يَشْعُرُ فَأكَلَتِ القُضْبانَ وأفْسَدَتِ الكَرْمَ، فَذَهَبَ صاحِبُ الكَرْمِ مِنَ الغَدِ إلى داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقَضى لَهُ بِالغَنَمِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ ثَمَنِ الكَرْمِ وثَمَنِ الغَنَمِ تَفاوَتٌ، فَخَرَجُوا ومَرُّوا بِسُلَيْمانَ فَقالَ لَهم: كَيْفَ قَضى بَيْنَكُما ؟ فَأخْبَراهُ بِهِ، فَقالَ غَيْرُ هَذا أرْفَقُ بِالفَرِيقَيْنِ، فَأُخْبِرَ داوُدُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِذَلِكَ؛ فَدَعا سُلَيْمانَ وقالَ لَهُ: بِحَقِّ الأُبُوَّةِ والنُّبُوَّةِ إلّا أخْبَرْتَنِي بِالَّذِي هو أرْفَقُ بِالفَرِيقَيْنِ، فَقالَ: تُسَلِّمُ الغَنَمَ إلى صاحِبِ الكَرْمِ حَتّى يَرْتَفِقَ بِمَنافِعِها ويَعْمَلُ الرّاعِي في إصْلاحِ الكَرْمِ حَتّى يَصِيرَ كَما كانَ، ثُمَّ تَرُدُّ الغَنَمَ إلى صاحِبِها، فَقالَ داوُدُ عَلَيْهِ السَّلامُ: إنَّما القَضاءُ ما قَضَيْتَ وحَكَمَ بِذَلِكَ. * * * قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: حَكَمَ سُلَيْمانُ بِذَلِكَ وهو ابْنُ إحْدى عَشْرَةَ سَنَةً، وهاهُنا أُمُورٌ ولا بُدَّ مِنَ البَحْثِ عَنْها. السُّؤالُ الأوَّلُ: هَلْ في الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُما عَلَيْهِما السَّلامُ اخْتَلَفا في الحُكْمِ أمْ لا ؟ فَإنَّ أبا بَكْرٍ الأصَمَّ قالَ: إنَّهُما لَمْ يَخْتَلِفا البَتَّةَ، وأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ لَهُما الحُكْمَ لَكِنَّهُ بَيَّنَهُ عَلى لِسانِ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ. الجَوابُ: الصَّوابُ أنَّهُما اخْتَلَفا والدَّلِيلُ إجْماعُ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم عَلى ما رَوَيْناهُ، وأيْضًا فَقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وكُنّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ﴾ والفاءُ لِلتَّعْقِيبِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الحُكْمُ سابِقًا عَلى هَذا التَّفْهِيمِ، وذَلِكَ الحُكْمُ السّابِقُ إمّا أنْ يُقالَ: اتَّفَقا فِيهِ أوِ اخْتَلَفا فِيهِ، فَإنِ اتَّفَقا فِيهِ لَمْ يَبْقَ لِقَوْلِهِ: ﴿فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ﴾ فائِدَةٌ وإنِ اخْتَلَفا فِيهِ فَذَلِكَ هو المَطْلُوبُ. السُّؤالُ الثّانِي: سَلَّمْنا أنَّهُما اخْتَلَفا في الحُكْمِ، ولَكِنْ هَلْ كانَ الحُكْمانِ صادِرَيْنِ عَنِ النَّصِّ أوْ عَنِ صفحة ١٧٠ الِاجْتِهادِ؟ . الجَوابُ: الأمْرانِ جائِزانِ عِنْدَنا، وزَعَمَ الجُبّائِيُّ أنَّهُما كانا صادِرَيْنِ عَنِ النَّصِّ، ثُمَّ إنَّهُ تارَةً يَبْنِي ذَلِكَ عَلى أنَّ الِاجْتِهادَ غَيْرُ جائِزٍ مِنَ الأنْبِياءِ، وأُخْرى عَلى أنَّ الِاجْتِهادَ وإنْ كانَ جائِزًا مِنهم في الجُمْلَةِ، ولَكِنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ في هَذِهِ المَسْألَةِ. أمّا المَأْخَذُ الأوَّلُ: فَقَدْ تَكَلَّمْنا فِيهِ في الجُمْلَةِ في كِتابِنا المُسَمّى بِالمَحْصُولِ في الأُصُولِ، ولْنَذْكُرْ هاهُنا أُصُولَ الكَلامِ مِنَ الطَّرَفَيْنِ، احْتَجَّ الجُبّائِيُّ عَلى أنَّ الِاجْتِهادَ غَيْرُ جائِزٍ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بِأُمُورٍ: أحَدُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ ما يَكُونُ لِي أنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقاءِ نَفْسِي إنْ أتَّبِعُ إلّا ما يُوحى إلَيَّ﴾ [يونس: ١٥] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما يَنْطِقُ عَنِ الهَوى﴾ [النجم: ٣] . وثانِيها: أنَّ الِاجْتِهادَ طَرِيقُهُ الظَّنُّ، وهو قادِرٌ عَلى إدْراكِهِ يَقِينًا، فَلا يَجُوزُ مَصِيرُهُ إلى الظَّنِّ كالمُعايِنِ لِلْقِبْلَةِ، لا يَجُوزُ لَهُ أنْ يَجْتَهِدَ. ثالِثُها: أنَّ مُخالَفَةَ الرَّسُولِ تُوجِبُ الكُفْرَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: ٦٥] ومُخالَفَةُ المَظْنُونِ والمُجْتَهَداتِ لا تُوجِبُ الكُفْرَ. ورابِعُها: لَوْ جازَ أنْ يَجْتَهِدَ في الأحْكامِ لَكانَ لا يَقِفُ في شَيْءٍ مِنها، ولَمّا وقَفَ في مَسْألَةِ الظِّهارِ واللِّعانِ إلى وُرُودِ الوَحْيِ دَلَّ عَلى أنَّ الِاجْتِهادَ غَيْرُ جائِزٍ عَلَيْهِ. وخامِسُها: أنَّ الِاجْتِهادَ إنَّما يَجُوزُ المَصِيرُ إلَيْهِ عِنْدَ فَقْدِ النَّصِّ، لَكِنَّ فِقْدانَ النَّصِّ في حَقِّ الرَّسُولِ كالمُمْتَنِعِ؛ فَوَجَبَ أنْ لا يَجُوزَ الِاجْتِهادُ مِنهُ. وسادِسُها: لَوْ جازَ الِاجْتِهادُ مِنَ الرَّسُولِ لَجازَ أيْضًا مِن جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ وحِينَئِذٍ لا يَحْصُلُ الأمانُ بِأنَّ هَذِهِ الشَّرائِعَ الَّتِي جاءَ بِها أهِيَ مِن نُصُوصِ اللَّهِ تَعالى أوْ مِنَ اجْتِهادِ جِبْرِيلَ ؟ والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿قُلْ ما يَكُونُ لِي أنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقاءِ نَفْسِي إنْ أتَّبِعُ إلّا ما يُوحى إلَيَّ﴾ لا يَدُلُّ عَلى قَوْلِكم؛ لِأنَّهُ وارِدٌ في إبْدالِ آيَةٍ بِآيَةٍ، لِأنَّهُ عَقِيبَ قَوْلِهِ: ﴿قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا أوْ بَدِّلْهُ﴾ [يونس: ١٥] ولا مَدْخَلَ لِلِاجْتِهادِ في ذَلِكَ. وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما يَنْطِقُ عَنِ الهَوى﴾ فَبَعِيدٌ؛ لِأنَّ مَن يَجُوزُ لَهُ الِاجْتِهادُ يَقُولُ: إنَّ الَّذِي أجْتَهِدُ فِيهِ هو عَنْ وحْيٍ عَلى الجُمْلَةِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ عَلى التَّفْصِيلِ، وإنَّ الآيَةَ وارِدَةٌ في الأداءِ عَنِ اللَّهِ تَعالى لا في حُكْمِهِ الَّذِي يَكُونُ بِالعَقْلِ. والجَوابُ عَنِ الثّانِي: أنَّ اللَّهَ تَعالى إذا قالَ لَهُ إذا غَلَبَ عَلى ظَنِّكَ كَوْنُ الحُكْمِ مُعَلَّلًا في الأصْلِ بِكَذا، ثُمَّ غَلَبَ عَلى ظَنِّكَ قِيامُ ذَلِكَ المَعْنى في صُورَةٍ أُخْرى فاحْكم بِذَلِكَ فَهاهُنا الحُكْمُ مَقْطُوعٌ بِهِ، والظَّنُّ غَيْرُ واقِعٍ فِيهِ بَلْ في طَرِيقِهِ. والجَوابُ عَنِ الثّالِثِ: أنّا لا نُسَلِّمُ أنَّ مُخالَفَةَ المُجْتَهَداتِ جائِزَةٌ مُطْلَقًا بَلْ جَوازُ مُخالَفَتِها مَشْرُوطٌ بِصُدُورِها عَنْ غَيْرِ المَعْصُومِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ يَجُوزُ عَلى الأُمَّةِ أنْ يُجْمِعُوا اجْتِهادًا ثُمَّ يَمْتَنِعُ مُخالَفَتُهم وحالُ الرَّسُولِ أوْكَدُ. والجَوابُ عَنِ الرّابِعِ: لَعَلَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مَمْنُوعًا مِنَ الِاجْتِهادِ في بَعْضِ الأنْواعِ أوْ كانَ مَأْذُونًا مُطْلَقًا لَكِنَّهُ لَمْ يَظْهَرْ لَهُ في تِلْكَ الصُّورَةِ وجْهُ الِاجْتِهادِ، فَلا جَرَمَ أنَّهُ تَوَقَّفَ. والجَوابُ عَنِ الخامِسِ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُحْبَسَ النَّصُّ عَنْهُ في بَعْضِ الصُّوَرِ؟ فَحِينَئِذٍ يَحْصُلُ شَرْطُ جَوازِ الِاجْتِهادِ. والجَوابُ عَنِ السّادِسِ: أنَّ هَذا الِاحْتِمالَ مَدْفُوعٌ بِإجْماعِ الأُمَّةِ عَلى خِلافِهِ. فَهَذا هو الجَوابُ عَنْ شُبَهِ المُنْكِرِينَ، والَّذِي يَدُلُّ عَلى جَوازِ الِاجْتِهادِ عَلَيْهِمْ وُجُوهٌ: أحَدُها: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إذا غَلَبَ عَلى ظَنِّهِ أنَّ الحُكْمَ في الأصْلِ مُعَلَّلٌ بِمَعْنًى ثُمَّ عَلِمَ أوْ ظَنَّ قِيامَ ذَلِكَ المَعْنى في صُورَةٍ أُخْرى فَلا بُدَّ وأنْ يَغْلِبَ عَلى ظَنِّهِ أنَّ حُكْمَ اللَّهِ تَعالى في هَذِهِ الصُّورَةِ مِثْلُ ما في الأصْلِ، وعِنْدَهُ مُقَدِّمَةٌ يَقِينِيَّةٌ وهي أنَّ مُخالَفَةَ حُكْمِ اللَّهِ تَعالى سَبَبٌ لِاسْتِحْقاقِ العِقابِ فَيَتَوَلَّدُ مِن هاتَيْنِ المُقَدِّمَتَيْنِ ظَنُّ اسْتِحْقاقِ العِقابِ لِمُخالَفَةِ هَذا الحُكْمِ المَظْنُونِ. وعِنْدَ هَذا، إمّا أنْ يُقْدِمَ عَلى الفِعْلِ والتَّرْكِ مَعًا، وهو مُحالٌ لِاسْتِحالَةِ الجَمْعِ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ، أوْ يَتْرُكُهُما وهو مُحالٌ لِاسْتِحالَةِ الخُلُوِّ عَنِ النَّقِيضَيْنِ، أوْ يُرَجِّحُ المَرْجُوحَ عَلى الرّاجِحِ وهو باطِلٌ بِبَدِيهَةِ العَقْلِ، أوْ يُرَجِّحُ صفحة ١٧١ الرّاجِحَ عَلى المَرْجُوحِ وذَلِكَ هو العَمَلُ بِالقِياسِ. وهَذِهِ النُّكْتَةُ هي الَّتِي عَلَيْها التَّعْوِيلُ في العَمَلِ بِالقِياسِ، وهي قائِمَةٌ أيْضًا في حَقِّ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وهَذا يَتَوَجَّهُ عَلى جَوازِ الِاجْتِهادِ مِن جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ. وثانِيها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاعْتَبِرُوا﴾ [الحشر: ٢] أمْرٌ لِلْكُلِّ بِالِاعْتِبارِ فَوَجَبَ انْدِراجُ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ فِيهِ لِأنَّهُ إمامُ المُعْتَبِرِينَ وأفْضَلُهم. وثالِثُها: أنَّ الِاسْتِنْباطَ أرْفَعُ دَرَجاتِ العُلَماءِ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ لِلرَّسُولِ فِيهِ مَدْخَلٌ وإلّا لَكانَ كُلُّ واحِدٍ مِن آحادِ المُجْتَهِدِينَ أفْضَلَ مِنهُ في هَذا البابِ. فَإنْ قِيلَ: هَذا إنَّما يَلْزَمُ لَوْ لَمْ تَكُنْ دَرَجَةٌ أعْلى مِنَ الِاعْتِبارِ، ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ؛ لِأنَّهُ كانَ يَسْتَدْرِكُ الأحْكامَ وحْيًا عَلى سَبِيلِ اليَقِينِ، فَكانَ أرْفَعَ دَرَجَةً مِنَ الِاجْتِهادِ الَّذِي لَيْسَ قُصاراهُ إلّا الظَّنَّ. قُلْنا: لا يَمْتَنِعُ أنْ لا يَجِدَ النَّصَّ في بَعْضِ المَواضِعِ، فَلَوْ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنَ الِاجْتِهادِ لَكانَ أقَلَّ دَرَجَةً مِنَ المُجْتَهِدِ الَّذِي يُمْكِنُهُ أنْ يَعْرِفَ ذَلِكَ الحُكْمَ مِنَ الِاجْتِهادِ، وأيْضًا قَدْ بَيَّنّا أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا أمَرَهُ بِالِاجْتِهادِ كانَ ذَلِكَ مُفِيدًا لِلْقَطْعِ بِالحُكْمِ. ورابِعُها: قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «العُلَماءُ ورَثَةُ الأنْبِياءِ» فَوَجَبَ أنْ يَثْبُتَ لِلْأنْبِياءِ دَرَجَةُ الِاجْتِهادِ لِيَرِثَ العُلَماءُ عَنْهم ذَلِكَ. هَذا تَمامُ القَوْلِ في هَذِهِ المَسْألَةِ. وخامِسُها: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٣] فَذاكَ الإذْنُ إنْ كانَ بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى اسْتَحالَ أنْ يَقُولَ: لِمَ أذِنْتَ لَهم، وإنْ كانَ بِهَوى النَّفْسِ فَهو غَيْرُ جائِزٍ، وإنْ كانَ بِالِاجْتِهادِ فَهو المَطْلُوبُ. المَأْخَذُ الثّانِي: قالَ الجُبّائِيُّ: لَوْ جَوَّزْنا الِاجْتِهادَ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فَفي هَذِهِ المَسْألَةِ يَجِبُ أنْ لا يَجُوزَ لِوُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ الَّذِي وصَلَ إلى صاحِبِ الزَّرْعِ مِن دَرِّ الماشِيَةِ ومِن مَنافِعِها مَجْهُولُ المِقْدارِ، فَكَيْفَ يَجُوزُ في الِاجْتِهادِ جَعْلُ أحَدِهِما عِوَضًا عَنِ الآخَرِ وثانِيها: أنَّ اجْتِهادَ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ إنْ كانَ صَوابًا لَزِمَ أنْ لا يُنْقَضَ؛ لِأنَّ الِاجْتِهادَ لا يُنْقَضُ بِالِاجْتِهادِ، وإنْ كانَ خَطَأً وجَبَ أنْ يُبَيِّنَ اللَّهُ تَعالى تَوْبَتَهُ كَسائِرِ ما حَكاهُ عَنِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، فَلَمّا مَدَحَهُما بِقَوْلِهِ: ﴿وكُلًّا آتَيْنا حُكْمًا وعِلْمًا﴾ دَلَّ عَلى أنَّهُ لَمْ يَقَعِ الخَطَأُ مِن داوُدَ. وثالِثُها: لَوْ حَكَمَ بِالِاجْتِهادِ لَكانَ الحاصِلُ هُناكَ ظَنًّا لا عِلْمًا لَأنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿وكُلًّا آتَيْنا حُكْمًا وعِلْمًا﴾ . ورابِعُها: كَيْفَ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَنِ اجْتِهادٍ مَعَ قَوْلِهِ: ﴿فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ﴾ . والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: أنَّ الجَهالَةَ في القَدْرِ لا تَمْنَعُ مِنَ الِاجْتِهادِ كالجَعالاتِ وحُكْمِ المُصَرّاةِ. وعَنِ الثّانِي: لَعَلَّهُ كانَ خَطَأً مِن بابِ الصَّغائِرِ. وعَنِ الثّالِثِ: بَيَّنّا أنَّ مَن تَمَسَّكَ بِالقِياسِ فالظَّنُّ واقِعٌ في طَرِيقِ إثْباتِ الحُكْمِ، فَأمّا الحُكْمُ فَمَقْطُوعٌ بِهِ. وعَنِ الرّابِعِ: أنَّهُ إذا تَأمَّلَ واجْتَهَدَ فَأدّاهُ اجْتِهادُهُ إلى ما ذَكَرْنا كانَ اللَّهُ تَعالى فَهَّمَهُ مِن حَيْثُ بَيَّنَ لَهُ طَرِيقَ ذَلِكَ. فَهَذِهِ جُمْلَةُ الكَلامِ في بَيانِ أنَّهُ لا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ اخْتِلافُ داوُدَ وسُلَيْمانَ عَلَيْهِما السَّلامُ في ذَلِكَ الحُكْمِ إنَّما كانَ بِسَبَبِ الِاجْتِهادِ. وأمّا بَيانُ أنَّهُ لا يَمْتَنِعُ أيْضًا أنْ يَكُونَ اخْتِلافُهُما فِيهِ بِسَبَبِ النَّصِّ فَطَرِيقُهُ أنْ يُقالَ: إنَّ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مَأْمُورًا مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى في هَذِهِ المَسْألَةِ بِالحُكْمِ الَّذِي حَكَمَ بِهِ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ نَسَخَ ذَلِكَ بِالوَحْيِ إلى سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ خاصَّةً وأمَرَهُ أنْ يُعَرِّفَ داوُدَ ذَلِكَ فَصارَ ذَلِكَ الحُكْمُ حُكْمَهُما جَمِيعًا فَقَوْلُهُ: ﴿فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ﴾ أيْ أوْحَيْنا إلَيْهِ فَإنْ قِيلَ: هَذا باطِلٌ لِوَجْهَيْنِ: الأوَّلُ: لَمّا أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى الحُكْمَ الأوَّلَ عَلى داوُدَ وجَبَ أنْ يَنْزِلَ نَسْخُهُ أيْضًا عَلى داوُدَ لا عَلى سُلَيْمانَ. الثّانِي: أنَّ اللَّهَ تَعالى مَدَحَ كُلًّا مِنهُما عَلى الفَهْمِ، ولَوْ كانَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ النَّصِّ لَمْ يَكُنْ في فَهْمِهِ كَثِيرُ مَدْحٍ إنَّما المَدْحُ الكَثِيرُ عَلى قُوَّةِ الخاطِرِ والحَذاقَةِ في الِاسْتِنْباطِ.

الأنبياء 21:79

السُّؤالُ الثّالِثُ: إذا أثْبَتُّمْ أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ اخْتِلافُهُما لِأجْلِ النَّصِّ، وأنْ يَكُونَ لِأجْلِ الِاجْتِهادِ فَأيُّ صفحة ١٧٢ القَوْلَيْنِ أوْلى ؟ والجَوابُ: الِاجْتِهادُ أرْجَحُ لِوُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّهُ رُوِيَ في الأخْبارِ الكَثِيرَةِ أنَّ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَكُنْ قَدْ بَتَّ الحُكْمَ في ذَلِكَ حَتّى سَمِعَ مِن سُلَيْمانَ أنَّ غَيْرَ ذَلِكَ أوْلى، وفي بَعْضِها أنَّ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ ناشَدَهُ لِكَيْ يُورِدَ ما عِنْدَهُ، وكُلُّ ذَلِكَ لا يَلِيقُ بِالنَّصِّ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ نَصًّا لَكانَ يُظْهِرُهُ ولا يَكْتُمُهُ. السُّؤالُ الرّابِعُ: بَيِّنُوا أنَّهُ كَيْفَ كانَ طَرِيقُ الِاجْتِهادِ ؟ الجَوابُ: أنَّ وجْهَ الِاجْتِهادِ فِيهِ ما ذَكَرَهُ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - مِن أنَّ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ قَوَّمَ قَدْرَ الضَّرَرِ بِالكَرْمِ، فَكانَ مُساوِيًا لِقِيمَةِ الغَنَمِ، فَكانَ عِنْدَهُ أنَّ الواجِبَ في ذَلِكَ الضَّرَرِ أنْ يُزالَ بِمِثْلِهِ مِنَ النَّفْعِ، فَلا جَرَمَ سَلَّمَ الغَنَمَ إلى المَجْنِيِّ عَلَيْهِ، كَما قالَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ في العَبْدِ: إذا جَنى عَلى النَّفْسِ يَدْفَعُهُ المَوْلى بِذَلِكَ أوْ يَفْدِيهِ، وأمّا سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَإنَّ اجْتِهادَهُ أدّى إلى أنْ يَجِبَ مُقابَلَةُ الأُصُولِ بِالأُصُولِ والزَّوائِدِ بِالزَّوائِدِ، فَأمّا مُقابَلَةُ الأُصُولِ بِالزَّوائِدِ فَغَيْرُ جائِزٍ؛ لِأنَّهُ يَقْتَضِي الحَيْفَ والجَوْرَ، ولَعَلَّ مَنافِعَ الغَنَمِ في تِلْكَ السَّنَةِ كانَتْ مُوازِيَةً لِمَنافِعِ الكَرْمِ فَحَكَمَ بِهِ، كَما قالَ الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: فِيمَن غَصَبَ عَبْدًا فَأبَقَ مِن يَدِهِ أنَّهُ يَضْمَنُ القِيمَةَ لِيَنْتَفِعَ بِها المَغْصُوبُ مِنهُ بِإزاءِ ما فَوَّتَهُ الغاصِبُ مِن مَنافِعِ العَبْدِ، فَإذا ظَهَرَ تَرادّا. السُّؤالُ الخامِسُ: عَلى تَقْدِيرِ أنْ ثَبَتَ قَطْعًا أنَّ تِلْكَ المُخالَفَةَ كانَتْ مَبْنِيَّةً عَلى الِاجْتِهادِ، فَهَلْ تَدُلُّ هَذِهِ القِصَّةُ عَلى أنَّ المُصِيبَ واحِدٌ أوِ الكُلَّ مُصِيبُونَ ؟ الجَوابُ: أمّا القائِلُونَ بِأنَّ المُصِيبَ واحِدٌ فَفِيهِمْ مَنِ اسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ﴾ قالَ: ولَوْ كانَ الكُلُّ مُصِيبًا لَمْ يَكُنْ لِتَخْصِيصِ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِهَذا التَّفْهِيمِ فائِدَةٌ، وأمّا القائِلُونَ بِأنَّ الكُلَّ مُصِيبُونَ فَفِيهِمْ مَنِ اسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ: ﴿وكُلًّا آتَيْنا حُكْمًا وعِلْمًا﴾ ولَوْ كانَ المُصِيبُ واحِدًا ومُخالِفُهُ مُخْطِئًا لَما صَحَّ أنْ يُقالَ: ﴿وكُلًّا آتَيْنا حُكْمًا وعِلْمًا﴾ واعْلَمْ أنَّ الِاسْتِدْلالَيْنِ ضَعِيفانِ. أمّا الأوَّلُ: فَلِأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَقُلْ: إنَّهُ فَهَّمَهُ الصَّوابَ، فَيُحْتَمَلُ أنَّهُ فَهَّمَهُ النّاسِخَ ولَمْ يُفَهِّمْ ذَلِكَ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُ وكُلُّ واحِدٍ مِنهُما مُصِيبٌ فِيما حَكَمَ بِهِ، عَلى أنَّ أكْثَرَ ما في الآيَةِ أنَّها دالَّةٌ عَلى أنَّ داوُدَ وسُلَيْمانَ عَلَيْهِما السَّلامُ ما كانا مُصِيبَيْنِ وذَلِكَ لا يُوجِبُ أنْ يَكُونَ الأمْرُ كَذَلِكَ في شَرْعِنا. وأمّا الثّانِي: فَلِأنَّهُ تَعالى لَمْ يَقُلْ: إنَّ كُلًّا آتَيْناهُ حُكْمًا وعِلْمًا بِما حَكَمَ بِهِ، بَلْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ آتَيْناهُ حُكْمًا وعِلْمًا بِوُجُوهِ الِاجْتِهادِ وطُرُقِ الأحْكامِ، عَلى أنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن كَوْنِ كُلِّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبًا في شَرْعِهِمْ أنْ يَكُونَ الأمْرُ كَذَلِكَ في شَرْعِنا. * * * السُّؤالُ السّادِسُ: لَوْ وقَعَتْ هَذِهِ الواقِعَةُ في شَرْعِنا ما حُكْمُها ؟ الجَوابُ: قالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: هَذِهِ الآيَةُ مُحْكَمَةٌ، والقُضاةُ بِذَلِكَ يَقْضُونَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، واعْلَمْ أنَّ كَثِيرًا مِنَ العُلَماءِ يَزْعُمُونَ أنَّهُ مَنسُوخٌ بِالإجْماعِ ثُمَّ اخْتَلَفُوا في حُكْمِهِ فَقالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: إنْ كانَ ذَلِكَ بِالنَّهارِ لا ضَمانَ؛ لِأنَّ لِصاحِبِ الماشِيَةِ تَسْيِيبَ ماشِيَتِهِ بِالنَّهارِ، وحِفْظَ الزَّرْعِ بِالنَّهارِ عَلى صاحِبِهِ. وإنْ كانَ لَيْلًا يَلْزَمُهُ الضَّمانُ؛ لِأنَّ حِفْظَها بِاللَّيْلِ عَلَيْهِ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: لا ضَمانَ عَلَيْهِ لَيْلًا كانَ أوْ نَهارًا إذا لَمْ يَكُنْ مُتَعَدِّيًا بِالإرْسالِ؛ لِقَوْلِهِ ﷺ: «جُرْحُ العَجْماءِ جُبارٌ» واحْتَجَّ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ بِما رُوِيَ عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ أنَّهُ قالَ: «كانَتْ ناقَةٌ ضارِيَةٌ فَدَخَلَتْ حائِطًا فَأفْسَدَتْهُ، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَضى أنَّ حِفْظَ الحَوائِطِ بِالنَّهارِ عَلى أهْلِها، وأنَّ حِفْظَ الماشِيَةِ بِاللَّيْلِ عَلى أهْلِها، وأنَّ عَلى أهْلِ الماشِيَةِ ما أصابَتْ ماشِيَتُهم بِاللَّيْلِ» وهَذا تَمامُ القَوْلِ في هَذِهِ الآيَةِ. * * * ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ النِّعَمِ الَّتِي خَصَّ بِها داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ أمْرَيْنِ: الأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الجِبالَ يُسَبِّحْنَ والطَّيْرَ وكُنّا فاعِلِينَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: صفحة ١٧٣ المَسْألَةُ الأُولى: في تَفْسِيرِ هَذا التَّسْبِيحِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ الجِبالَ كانَتْ تُسَبِّحُ ثُمَّ ذَكَرُوا وُجُوهًا: أحَدُها: قالَ مُقاتِلٌ: إذا ذَكَرَ داوُدُ عَلَيْهِ السَّلامُ رَبَّهُ ذَكَرَتِ الجِبالُ والطَّيْرُ رَبَّها مَعَهُ. وثانِيها: قالَ الكَلْبِيُّ: إذا سَبَّحَ داوُدُ أجابَتْهُ الجِبالُ. وثالِثُها: قالَ سُلَيْمانُ بْنُ حَيّانَ: كانَ داوُدُ عَلَيْهِ السَّلامُ إذا وجَدَ فَتْرَةً أمَرَ اللَّهُ تَعالى الجِبالَ فَسَبَّحَتْ فَيَزْدادُ نَشاطًا واشْتِياقًا. القَوْلُ الثّانِي: وهو اخْتِيارُ بَعْضِ أصْحابِ المَعانِي أنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ تَسْبِيحُ الجِبالِ والطَّيْرِ بِمَثابَةِ قَوْلِهِ: ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤] وتَخْصِيصُ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِذَلِكَ إنَّما كانَ بِسَبَبِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَعْرِفُ ذَلِكَ ضَرُورَةً فَيَزْدادُ يَقِينًا وتَعْظِيمًا، والقَوْلُ الأوَّلُ أقْرَبُ؛ لِأنَّهُ لا ضَرُورَةَ في صَرْفِ اللَّفْظِ عَنْ ظاهِرِهِ. وأمّا المُعْتَزِلَةُ فَقالُوا: لَوْ حَصَلَ الكَلامُ مِنَ الجَبَلِ لَحَصَلَ إمّا بِفِعْلِهِ أوْ بِفِعْلِ اللَّهِ تَعالى فِيهِ؛ والأوَّلُ: مُحالٌ؛ لِأنَّ بِنْيَةَ الجَبَلِ لا تَحْتَمِلُ الحَياةَ والعِلْمَ والقُدْرَةَ، وما لا يَكُونُ حَيًّا عالِمًا قادِرًا يَسْتَحِيلُ مِنهُ الفِعْلُ، والثّانِي: أيْضًا مُحالٌ؛ لِأنَّ المُتَكَلِّمَ عِنْدَهم مَن كانَ فاعِلًا لِلْكَلامِ، لا مَن كانَ مَحَلًّا لِلْكَلامِ، فَلَوْ كانَ فاعِلُ ذَلِكَ الكَلامِ هو اللَّهُ تَعالى لَكانَ المُتَكَلِّمُ هو اللَّهُ تَعالى لا الجَبَلُ، فَثَبَتَ أنَّهُ لا يُمْكِنُ إجْراؤُهُ عَلى ظاهِرِهِ، فَعِنْدَ هَذا قالُوا في: ﴿وسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الجِبالَ يُسَبِّحْنَ﴾ ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياجِبالُ أوِّبِي مَعَهُ﴾ [سبأ: ١٠] مَعْناهُ تَصَرَّفِي مَعَهُ وسِيرِي بِأمْرِهِ، ويُسَبِّحْنَ مِنَ السَّبْحِ الَّذِي السِّباحَةُ خَرَجَ اللَّفْظُ فِيهِ عَلى التَّكْثِيرِ، ولَوْ لَمْ يَقْصِدِ التَّكْثِيرَ لَقِيلَ: يَسْبَحْنَ، فَلَمّا كَثُرَ قِيلَ: يُسَبِّحْنَ مَعَهُ، أيْ سِيرِي وهو كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ لَكَ في اَلنَّهارِ سَبْحًا طَوِيلًا﴾ [المزمل: ٧] أيْ تَصَرُّفًا ومَذْهَبًا. إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّ سَيْرَها هو التَّسْبِيحُ لِدَلالَتِهِ عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وعَلى سائِرِ ما تَنَزَّهَ عَنْهُ، واعْلَمْ أنَّ مَدارَ هَذا القَوْلِ عَلى أنَّ بِنْيَةَ الجَبَلِ لا تَقْبَلُ الحَياةَ، وهَذا مَمْنُوعٌ، وعَلى أنَّ التَّكَلُّمَ مِن فِعْلِ اللَّهِ، وهو أيْضًا مَمْنُوعٌ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أمّا الطَّيْرُ فَلا امْتِناعَ في أنْ يَصْدُرَ عَنْها الكَلامُ، ولَكِنْ أجْمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى أنَّ المُكَلَّفِينَ إمّا الجِنُّ أوِ الإنْسُ أوِ المَلائِكَةُ فَيَمْتَنِعُ فِيها أنْ تَبْلُغَ في العَقْلِ إلى دَرَجَةِ التَّكْلِيفِ، بَلْ تَكُونُ عَلى حالَةٍ كَحالِ الطِّفْلِ في أنْ يُؤْمَرَ ويُنْهى، وإنْ لَمْ يَكُنْ مُكَلَّفًا فَصارَ ذَلِكَ مُعْجِزَةً مِن حَيْثُ جَعَلَها في الفَهْمِ بِمَنزِلَةِ المُراهِقِ، وأيْضًا فِيهِ دَلالَةٌ عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وعَلى تَنَزُّهِهِ عَمّا لا يَجُوزُ؛ فَيَكُونُ القَوْلُ فِيهِ كالقَوْلِ في الجِبالِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: يُسَبِّحْنَ حالٌ بِمَعْنى مُسَبِّحاتٍ أوِ اسْتِئْنافٌ، كَأنَّ قائِلًا قالَ: كَيْفَ سَخَّرَهُنَّ ؟ فَقالَ: يُسَبِّحْنَ. ”والطَّيْرَ“ إمّا مَعْطُوفٌ عَلى الجِبالِ وإمّا مَفْعُولٌ مَعَهُ. فَإنْ قُلْتَ: لِمَ قُدِّمَتِ الجِبالُ عَلى الطَّيْرِ ؟ قُلْتُ: لِأنَّ تَسْخِيرَها وتَسْبِيحَها أعْجَبُ وأدَلُّ عَلى القُدْرَةِ وأدْخَلُ في الإعْجازِ؛ لِأنَّها جَمادٌ، والطَّيْرُ حَيَوانٌ ناطِقٌ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿وكُنّا فاعِلِينَ﴾ فالمَعْنى أنّا قادِرُونَ عَلى أنْ نَفْعَلَ هَذا، وإنْ كانَ عَجَبًا عِنْدَكم، وقِيلَ: نَفْعَلُ ذَلِكَ بِالأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ. الإنْعامُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكم لِتُحْصِنَكم مِن بَأْسِكم فَهَلْ أنْتُمْ شاكِرُونَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اللَّبُوسُ اللِّباسُ، قالَ: البَسْ لِكُلِّ حالَةٍ لَبُوسَها. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ”لِتُحْصِنَكم“ قُرِئَ بِالنُّونِ والياءِ والتّاءِ وتَخْفِيفِ الصّادِ وتَشْدِيدِها، فالنُّونُ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ، والتّاءُ لِلصَّنْعَةِ أوْ لِلَّبُوسِ عَلى تَأْوِيلِ الدِّرْعِ، والياءُ لِلَّهِ تَعالى أوْ لِداوُدَ أوْ لِلَّبُوسِ. صفحة ١٧٤ المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ قَتادَةُ: أوَّلُ مَن صَنَعَ الدِّرْعَ داوُدُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وإنَّما كانَتْ صَفائِحَ قَبْلَهُ، فَهو أوَّلُ مَن سَرَدَها واتَّخَذَها حِلَقًا، ذَكَرَ الحَسَنُ أنَّ لُقْمانَ الحَكِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ حَضَرَهُ وهو يَعْمَلُ الدِّرْعَ، فَأرادَ أنْ يَسْألَ عَمّا يَفْعَلُ ثُمَّ سَكَتَ حَتّى فَرَغَ مِنها ولَبِسَها عَلى نَفْسِهِ، فَقالَ: الصَّمْتُ حِكْمَةٌ وقَلِيلٌ فاعِلُهُ؛ قالُوا: إنَّ اللَّهَ تَعالى ألانَ الحَدِيدَ لَهُ يَعْمَلُ مِنهُ بِغَيْرِ نارٍ كَأنَّهُ طِينٌ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: البَأْسُ هاهُنا الحَرْبُ، وإنْ وقَعَ عَلى السُّوءِ كُلِّهِ، والمَعْنى لِيَمْنَعَكم ويَحْرُسَكم مِن بَأْسِكم، أيْ مِنَ الجَرْحِ والقَتْلِ والسَّيْفِ والسَّهْمِ والرُّمْحِ. المَسْألَةُ الخامِسَةُ: فِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ أوَّلَ مَن عَمِلَ الدِّرْعَ داوُدُ ثُمَّ تَعَلَّمُ النّاسُ مِنهُ، فَتَوارَثَ النّاسُ عَنْهُ ذَلِكَ، فَعَمَّتِ النِّعْمَةُ بِها كُلَّ المُحارِبِينَ مِنَ الخَلْقِ إلى آخِرِ الدَّهْرِ، فَلَزِمَهم شُكْرُ اللَّهِ تَعالى عَلى النِّعْمَةِ فَقالَ: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ شاكِرُونَ﴾ أيِ اشْكُرُوا اللَّهَ عَلى ما يَسَّرَ عَلَيْكم مِن هَذِهِ الصَّنْعَةِ، واعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا ذَكَرَ النِّعَمَ الَّتِي خَصَّ داوُدَ بِها ذَكَرَ بَعْدَهُ النِّعَمَ الَّتِي خَصَّ بِها سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقالَ قَتادَةُ: ورَّثَ اللَّهُ تَعالى سُلَيْمانَ مِن داوُدَ مُلْكَهُ ونُبُوَّتَهُ وزادَهُ عَلَيْهِ أمْرَيْنِ سَخَّرَ لَهُ الرِّيحَ والشَّياطِينَ. الإنْعامُ الأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً تَجْرِي بِأمْرِهِ﴾ أيْ جَعَلْناها طائِعَةً مُنْقادَةً لَهُ، بِمَعْنى أنَّهُ إنْ أرادَها عاصِفَةً كانَتْ عاصِفَةً، وإنْ أرادَها لَيِّنَةً كانَتْ لَيِّنَةً، واللَّهُ تَعالى مُسَخِّرُها في الحالَتَيْنِ، فَإنْ قِيلَ: العاصِفُ الشَّدِيدَةُ الهُبُوبِ، وقَدْ وصَفَها اللَّهُ تَعالى بِالرَّخاوَةِ في قَوْلِهِ: ﴿رُخاءً حَيْثُ أصابَ﴾ [ص: ٣٦] فَكَيْفَ يَكُونُ الجَمْعُ بَيْنَهُما ؟ والجَوابُ: مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّها كانَتْ في نَفْسِها رَخِيَّةً طَيِّبَةً كالنَّسِيمِ، فَإذا مَرَّتْ بِكُرْسِيِّهِ أبْعَدَتْ بِهِ في مُدَّةٍ يَسِيرَةٍ عَلى ما قالَ: ﴿غُدُوُّها شَهْرٌ ورَواحُها شَهْرٌ﴾ [سبأ: ١٢] وكانَتْ جامِعَةً بَيْنَ الأمْرَيْنِ رُخاءٍ في نَفْسِها وعاصِفَةٍ في عَمَلِها مَعَ طاعَتِها لِسُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وهُبُوبُها عَلى حَسَبِ ما يُرِيدُ ويُحْكِمُ آيَةً إلى آيَةٍ، ومُعْجِزَةً إلى مُعْجِزَةٍ. الثّانِي: أنَّها كانَتْ في وقْتٍ رُخاءً وفي وقْتٍ عاصِفًا، لِأجْلِ هُبُوبِها عَلى حُكْمِ إرادَتِهِ. المَسْألَةُ السّادِسَةُ: قُرِئَ ”الرِّيحُ“ و”الرِّياحُ“ بِالرَّفْعِ والنَّصْبِ فِيهِما، فالرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ، والنَّصْبُ لِلْعَطْفِ عَلى الجِبالِ، فَإنْ قِيلَ: قالَ في داوُدَ: ﴿وسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الجِبالَ﴾ وقالَ في حَقِّ سُلَيْمانَ: ﴿ولِسُلَيْمانَ الرِّيحَ﴾ فَذَكَرَهُ في حَقِّ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِكَلِمَةِ مَعَ وفي حَقِّ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِاللّامِ وراعى هَذا التَّرْتِيبَ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿ياجِبالُ أوِّبِي مَعَهُ والطَّيْرَ﴾ [سبأ: ١٠] وقالَ: ﴿فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأمْرِهِ﴾ [ص: ٣٦] فَما الفائِدَةُ في تَخْصِيصِ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِلَفْظِ مَعَ، وسُلَيْمانَ بِاللّامِ ؟ قُلْنا: يُحْتَمَلُ أنَّ الجَبَلَ لَمّا اشْتَغَلَ بِالتَّسْبِيحِ حَصَلَ لَهُ نَوْعُ شَرَفٍ، فَما أُضِيفَ إلَيْهِ بِلامِ التَّمْلِيكِ، أمّا الرِّيحُ فَلَمْ يَصْدُرْ عَنْهُ إلّا ما يَجْرِي مَجْرى الخِدْمَةِ، فَلا جَرَمَ أُضِيفَ إلى سُلَيْمانَ بِلامِ التَّمْلِيكِ، وهَذا إقْناعِي. * * * أمّا قَوْلُهُ: ﴿إلى الأرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ﴾ أيْ إلى المُضِيِّ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، قالَ الكَلْبِيُّ: كانَتْ تَسِيرُ مِن إصْطَخْرَ إلى الشّامِ يَرْكَبُ عَلَيْها سُلَيْمانُ وأصْحابُهُ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿وكُنّا بِكُلِّ شَيْءٍ عالِمِينَ﴾ أيْ لِعِلْمِنا بِالأشْياءِ صَحَّ مِنّا أنْ نُدَبِّرَ هَذا التَّدْبِيرَ في رُسُلِنا، وفي صفحة ١٧٥ خَلْقِنا، وأنْ نَفْعَلَ هَذِهِ المُعْجِزاتِ القاهِرَةَ. الإنْعامُ الثّانِي: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِنَ الشَّياطِينِ مَن يَغُوصُونَ لَهُ ويَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ وكُنّا لَهم حافِظِينَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: المُرادُ أنَّهم يَغُوصُونَ لَهُ في البِحارِ فَيَسْتَخْرِجُونَ الجَواهِرَ ويَتَجاوَزُونَ ذَلِكَ إلى الأعْمالِ والمِهَنِ، وبِناءِ المُدُنِ والقُصُورِ، واخْتِراعِ الصَّنائِعِ العَجِيبَةِ؛ كَما قالَ: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِن مَحارِيبَ وتَماثِيلَ وجِفانٍ﴾ [سَبَأٍ: ١٣ ] وأمّا الصِّناعاتُ فَكاتِّخاذِ الحَمّامِ والنَّوْرَةِ والطَّواحِينِ والقَوارِيرِ والصّابُونِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ومِنَ الشَّياطِينِ مَن يَغُوصُونَ لَهُ﴾ يَعْنِي وسَخَّرْنا لِسُلَيْمانَ مِنَ الشَّياطِينِ مَن يَغُوصُونَ لَهُ، فَيَكُونُ في مَوْضِعِ النَّصْبِ نَسَقًا عَلى الرِّيحِ؛ قالَ الزَّجّاجُ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: النَّسَقُ عَلى الرِّيحِ، وأنْ يَكُونَ المَعْنى: ولِسُلَيْمانَ الرِّيحُ، ولَهُ مَن يَغُوصُونَ لَهُ مِنَ الشَّياطِينِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ رَفْعًا عَلى الِابْتِداءِ، ويَكُونُ ”لَهُ“ هو الخَبَرُ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَن يَغُوصُ مِنهم هو الَّذِي يَعْمَلُ سائِرَ الأعْمالِ، ويُحْتَمَلُ أنَّهم فِرْقَةٌ أُخْرى، ويَكُونُ الكُلُّ داخِلِينَ في لَفْظَةِ مَن، وإنْ كانَ الأوَّلُ هو الأقْرَبَ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: لَيْسَ في الظّاهِرِ إلّا أنَّهُ سَخَّرَهم، لَكِنَّهُ قَدْ رُوِيَ أنَّهُ تَعالى سَخَّرَ كُفّارَهم دُونَ المُؤْمِنِينَ، وهو الأقْرَبُ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: إطْلاقُ لَفْظِ الشَّياطِينِ. والثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿وكُنّا لَهم حافِظِينَ﴾ فَإنَّ المُؤْمِنَ إذا سُخِّرَ في أمْرٍ لا يَجِبُ أنْ يُحْفَظَ لِئَلّا يُفْسِدَ، وإنَّما يَجِبُ ذَلِكَ في الكافِرِ. المَسْألَةُ الخامِسَةُ: في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿وكُنّا لَهم حافِظِينَ﴾ وُجُوهٌ: أحَدُها: أنَّهُ تَعالى وكَّلَ بِهِمْ جَمْعًا مِنَ المَلائِكَةِ، أوْ جَمْعًا مِن مُؤْمِنِي الجِنِّ. وثانِيها: سَخَّرَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِأنْ حَبَّبَ إلَيْهِمْ طاعَتَهُ وخَوَّفَهم مِن مُخالَفَتِهِ. وثالِثُها: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: يُرِيدُ وسُلْطانُهُ مُقِيمٌ عَلَيْهِمْ يَفْعَلُ بِهِمْ ما يَشاءُ، فَإنْ قِيلَ: وعَنْ أيِّ شَيْءٍ كانُوا مَحْفُوظِينَ ؟ قُلْنا: فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ تَعالى كانَ يَحْفَظُهم عَلَيْهِ لِئَلّا يَذْهَبُوا ويَتْرُكُوهُ. وثانِيها: قالَ الكَلْبِيُّ: كانَ يَحْفَظُهم مِن أنْ يُهَيِّجُوا أحَدًا في زَمانِهِ. وثالِثُها: كانَ يَحْفَظُهم مِن أنْ يُفْسِدُوا ما عَمِلُوا، فَكانَ دَأْبُهم أنَّهم يَعْمَلُونَ بِالنَّهارِ ثُمَّ يُفْسِدُونَهُ في اللَّيْلِ. المَسْألَةُ السّادِسَةُ: سَألَ الجُبّائِيُّ نَفْسَهُ، وقالَ: كَيْفَ يَتَهَيَّأُ لَهم هَذِهِ الأعْمالُ وأجْسامُهم رَقِيقَةٌ لا يَقْدِرُونَ عَلى عَمَلِ الثَّقِيلِ، وإنَّما يُمْكِنُهُمُ الوَسْوَسَةُ ؟ وأجابَ بِأنَّهُ سُبْحانَهُ كَثَّفَ أجْسامَهم خاصَّةً وقَوّاهم، وزادَ في عَظْمِهِمْ؛ لِيَكُونَ ذَلِكَ مُعْجِزًا لِسُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلَمّا ماتَ سُلَيْمانُ رَدَّهُمُ اللَّهُ إلى الخِلْقَةِ الأُولى؛ لِأنَّهُ لَوْ بَقّاهم عَلى الخِلْقَةِ الثّانِيَةِ لَصارَ شُبْهَةً عَلى النّاسِ، ولَوِ ادَّعى مُتَنَبِّئٌ النُّبُوَّةَ وجَعَلَهُ دَلالَةً، لَكانَ كَمُعْجِزاتِ الرُّسُلِ؛ فَلِذا رَدَّهم إلى خِلْقَتِهِمُ الأُولى، واعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ ساقِطٌ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: لِمَ قُلْتَ: إنَّ الجِنَّ مِنَ الأجْسامِ ؟ ولِمَ لا يَجُوزُ وُجُودُ مُحْدَثٍ لَيْسَ بِمُتَحَيِّزٍ ولا قائِمٍ بِالمُتَحَيِّزِ، ويَكُونُ الجِنُّ مِنهم ؟ فَإنْ قُلْتَ: لَوْ كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ لَكانَ مِثْلًا لِلْبارِي تَعالى؟، قُلْتُ: هَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ الِاشْتِراكَ في اللَّوازِمِ الثُّبُوتِيَّةِ لا يَدُلُّ عَلى الِاشْتِراكِ في المَلْزُوماتِ فَكَيْفَ اللَّوازِمُ السَّلْبِيَّةُ، سَلَّمْنا أنَّهُ جِسْمٌ، لَكِنْ لا يَجُوزُ حُصُولُ القُدْرَةِ عَلى هَذِهِ الأعْمالِ الشّاقَّةِ في الجِسْمِ اللَّطِيفِ، وكَلامُهُ بِناءً عَلى البِنْيَةِ شَرْطٌ ولَيْسَ في يَدِهِ إلّا الِاسْتِقْراءُ الضَّعِيفُ؛ سَلَّمْنا أنَّهُ لا صفحة ١٧٦ بُدَّ مِن تَكْثِيفِ أجْسامِهِمْ لَكِنْ لِمَ قُلْتَ: بِأنَّهُ لا بُدَّ مِن رَدِّها إلى الخِلْقَةِ الأُولى بَعْدَ مَوْتِ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإنْ قالَ: لِئَلّا يُفْضِيَ إلى التَّلْبِيسِ؛ قُلْنا: التَّلْبِيسُ غَيْرُ لازِمٍ؛ لِأنَّ المُتَنَبِّيَ إذا جَعَلَ ذَلِكَ مُعْجِزَةً لِنَفْسِهِ، فَلِلْمُدَّعِي أنْ يَقُولَ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ قُوَّةَ أجْسادِهِمْ كانَتْ مُعْجِزَةً لِنَبِيٍّ آخَرَ قَبْلَكَ، ومَعَ قِيامِ هَذا الِاحْتِمالِ لا يَتَمَكَّنُ المُتَنَبِّي مِنَ الِاسْتِدْلالِ بِهِ، واعْلَمْ أنَّ أجْسامَ هَذا العالَمِ إمّا كَثِيفَةٌ أوْ لَطِيفَةٌ، أمّا الكَثِيفُ فَأكْثَفُ الأجْسامِ الحِجارَةُ والحَدِيدُ، وقَدْ جَعَلَهُما اللَّهُ تَعالى مُعْجِزَةً لِداوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَأنْطَقَ الحَجْرَ ولَيَّنَ الحَدِيدَ، وكُلُّ واحِدٍ مِنهُما كَما يَدُلُّ عَلى التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ الحَشْرِ؛ لِأنَّهُ لَمّا قَدَرَ عَلى إحْياءِ الحِجارَةِ فَأيُّ بُعْدٍ في إحْياءِ العِظامِ الرَّمِيمَةِ، وإذا قَدَرَ عَلى أنْ يَجْعَلَ في إصْبَعِ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ قُوَّةَ النّارِ مَعَ كَوْنِ الإصْبَعِ في نِهايَةِ اللَّطافَةِ، فَأيُّ بُعْدٍ في أنْ يَجْعَلَ التُّرابَ اليابِسَ جِسْمًا حَيَوانِيًّا، وألْطَفُ الأشْياءِ في هَذا العالَمِ الهَواءُ والنّارُ، وقَدْ جَعَلَهُما اللَّهُ مُعْجِزَةً لِسُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ، أمّا الهَواءُ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ﴾ [ص: ٣٦] وأمّا النّارُ فَلِأنَّ الشَّياطِينَ مَخْلُوقُونَ مِنها، وقَدْ سَخَّرَهُمُ اللَّهُ تَعالى، فَكانَ يَأْمُرُهم بِالغَوْصِ في المِياهِ، والنّارُ تَنْطَفِئُ بِالماءِ، وهم ما كانَ يَضُرُّهم ذَلِكَ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى قُدْرَتِهِ عَلى إظْهارِ الضِّدِّ مِنَ الضِّدِّ.

الأنبياء 21:80

السُّؤالُ الثّالِثُ: إذا أثْبَتُّمْ أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ اخْتِلافُهُما لِأجْلِ النَّصِّ، وأنْ يَكُونَ لِأجْلِ الِاجْتِهادِ فَأيُّ صفحة ١٧٢ القَوْلَيْنِ أوْلى ؟ والجَوابُ: الِاجْتِهادُ أرْجَحُ لِوُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّهُ رُوِيَ في الأخْبارِ الكَثِيرَةِ أنَّ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَكُنْ قَدْ بَتَّ الحُكْمَ في ذَلِكَ حَتّى سَمِعَ مِن سُلَيْمانَ أنَّ غَيْرَ ذَلِكَ أوْلى، وفي بَعْضِها أنَّ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ ناشَدَهُ لِكَيْ يُورِدَ ما عِنْدَهُ، وكُلُّ ذَلِكَ لا يَلِيقُ بِالنَّصِّ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ نَصًّا لَكانَ يُظْهِرُهُ ولا يَكْتُمُهُ. السُّؤالُ الرّابِعُ: بَيِّنُوا أنَّهُ كَيْفَ كانَ طَرِيقُ الِاجْتِهادِ ؟ الجَوابُ: أنَّ وجْهَ الِاجْتِهادِ فِيهِ ما ذَكَرَهُ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - مِن أنَّ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ قَوَّمَ قَدْرَ الضَّرَرِ بِالكَرْمِ، فَكانَ مُساوِيًا لِقِيمَةِ الغَنَمِ، فَكانَ عِنْدَهُ أنَّ الواجِبَ في ذَلِكَ الضَّرَرِ أنْ يُزالَ بِمِثْلِهِ مِنَ النَّفْعِ، فَلا جَرَمَ سَلَّمَ الغَنَمَ إلى المَجْنِيِّ عَلَيْهِ، كَما قالَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ في العَبْدِ: إذا جَنى عَلى النَّفْسِ يَدْفَعُهُ المَوْلى بِذَلِكَ أوْ يَفْدِيهِ، وأمّا سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَإنَّ اجْتِهادَهُ أدّى إلى أنْ يَجِبَ مُقابَلَةُ الأُصُولِ بِالأُصُولِ والزَّوائِدِ بِالزَّوائِدِ، فَأمّا مُقابَلَةُ الأُصُولِ بِالزَّوائِدِ فَغَيْرُ جائِزٍ؛ لِأنَّهُ يَقْتَضِي الحَيْفَ والجَوْرَ، ولَعَلَّ مَنافِعَ الغَنَمِ في تِلْكَ السَّنَةِ كانَتْ مُوازِيَةً لِمَنافِعِ الكَرْمِ فَحَكَمَ بِهِ، كَما قالَ الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: فِيمَن غَصَبَ عَبْدًا فَأبَقَ مِن يَدِهِ أنَّهُ يَضْمَنُ القِيمَةَ لِيَنْتَفِعَ بِها المَغْصُوبُ مِنهُ بِإزاءِ ما فَوَّتَهُ الغاصِبُ مِن مَنافِعِ العَبْدِ، فَإذا ظَهَرَ تَرادّا. السُّؤالُ الخامِسُ: عَلى تَقْدِيرِ أنْ ثَبَتَ قَطْعًا أنَّ تِلْكَ المُخالَفَةَ كانَتْ مَبْنِيَّةً عَلى الِاجْتِهادِ، فَهَلْ تَدُلُّ هَذِهِ القِصَّةُ عَلى أنَّ المُصِيبَ واحِدٌ أوِ الكُلَّ مُصِيبُونَ ؟ الجَوابُ: أمّا القائِلُونَ بِأنَّ المُصِيبَ واحِدٌ فَفِيهِمْ مَنِ اسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ﴾ قالَ: ولَوْ كانَ الكُلُّ مُصِيبًا لَمْ يَكُنْ لِتَخْصِيصِ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِهَذا التَّفْهِيمِ فائِدَةٌ، وأمّا القائِلُونَ بِأنَّ الكُلَّ مُصِيبُونَ فَفِيهِمْ مَنِ اسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ: ﴿وكُلًّا آتَيْنا حُكْمًا وعِلْمًا﴾ ولَوْ كانَ المُصِيبُ واحِدًا ومُخالِفُهُ مُخْطِئًا لَما صَحَّ أنْ يُقالَ: ﴿وكُلًّا آتَيْنا حُكْمًا وعِلْمًا﴾ واعْلَمْ أنَّ الِاسْتِدْلالَيْنِ ضَعِيفانِ. أمّا الأوَّلُ: فَلِأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَقُلْ: إنَّهُ فَهَّمَهُ الصَّوابَ، فَيُحْتَمَلُ أنَّهُ فَهَّمَهُ النّاسِخَ ولَمْ يُفَهِّمْ ذَلِكَ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُ وكُلُّ واحِدٍ مِنهُما مُصِيبٌ فِيما حَكَمَ بِهِ، عَلى أنَّ أكْثَرَ ما في الآيَةِ أنَّها دالَّةٌ عَلى أنَّ داوُدَ وسُلَيْمانَ عَلَيْهِما السَّلامُ ما كانا مُصِيبَيْنِ وذَلِكَ لا يُوجِبُ أنْ يَكُونَ الأمْرُ كَذَلِكَ في شَرْعِنا. وأمّا الثّانِي: فَلِأنَّهُ تَعالى لَمْ يَقُلْ: إنَّ كُلًّا آتَيْناهُ حُكْمًا وعِلْمًا بِما حَكَمَ بِهِ، بَلْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ آتَيْناهُ حُكْمًا وعِلْمًا بِوُجُوهِ الِاجْتِهادِ وطُرُقِ الأحْكامِ، عَلى أنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن كَوْنِ كُلِّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبًا في شَرْعِهِمْ أنْ يَكُونَ الأمْرُ كَذَلِكَ في شَرْعِنا. * * * السُّؤالُ السّادِسُ: لَوْ وقَعَتْ هَذِهِ الواقِعَةُ في شَرْعِنا ما حُكْمُها ؟ الجَوابُ: قالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: هَذِهِ الآيَةُ مُحْكَمَةٌ، والقُضاةُ بِذَلِكَ يَقْضُونَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، واعْلَمْ أنَّ كَثِيرًا مِنَ العُلَماءِ يَزْعُمُونَ أنَّهُ مَنسُوخٌ بِالإجْماعِ ثُمَّ اخْتَلَفُوا في حُكْمِهِ فَقالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: إنْ كانَ ذَلِكَ بِالنَّهارِ لا ضَمانَ؛ لِأنَّ لِصاحِبِ الماشِيَةِ تَسْيِيبَ ماشِيَتِهِ بِالنَّهارِ، وحِفْظَ الزَّرْعِ بِالنَّهارِ عَلى صاحِبِهِ. وإنْ كانَ لَيْلًا يَلْزَمُهُ الضَّمانُ؛ لِأنَّ حِفْظَها بِاللَّيْلِ عَلَيْهِ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: لا ضَمانَ عَلَيْهِ لَيْلًا كانَ أوْ نَهارًا إذا لَمْ يَكُنْ مُتَعَدِّيًا بِالإرْسالِ؛ لِقَوْلِهِ ﷺ: «جُرْحُ العَجْماءِ جُبارٌ» واحْتَجَّ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ بِما رُوِيَ عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ أنَّهُ قالَ: «كانَتْ ناقَةٌ ضارِيَةٌ فَدَخَلَتْ حائِطًا فَأفْسَدَتْهُ، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَضى أنَّ حِفْظَ الحَوائِطِ بِالنَّهارِ عَلى أهْلِها، وأنَّ حِفْظَ الماشِيَةِ بِاللَّيْلِ عَلى أهْلِها، وأنَّ عَلى أهْلِ الماشِيَةِ ما أصابَتْ ماشِيَتُهم بِاللَّيْلِ» وهَذا تَمامُ القَوْلِ في هَذِهِ الآيَةِ. * * * ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ النِّعَمِ الَّتِي خَصَّ بِها داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ أمْرَيْنِ: الأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الجِبالَ يُسَبِّحْنَ والطَّيْرَ وكُنّا فاعِلِينَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: صفحة ١٧٣ المَسْألَةُ الأُولى: في تَفْسِيرِ هَذا التَّسْبِيحِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ الجِبالَ كانَتْ تُسَبِّحُ ثُمَّ ذَكَرُوا وُجُوهًا: أحَدُها: قالَ مُقاتِلٌ: إذا ذَكَرَ داوُدُ عَلَيْهِ السَّلامُ رَبَّهُ ذَكَرَتِ الجِبالُ والطَّيْرُ رَبَّها مَعَهُ. وثانِيها: قالَ الكَلْبِيُّ: إذا سَبَّحَ داوُدُ أجابَتْهُ الجِبالُ. وثالِثُها: قالَ سُلَيْمانُ بْنُ حَيّانَ: كانَ داوُدُ عَلَيْهِ السَّلامُ إذا وجَدَ فَتْرَةً أمَرَ اللَّهُ تَعالى الجِبالَ فَسَبَّحَتْ فَيَزْدادُ نَشاطًا واشْتِياقًا. القَوْلُ الثّانِي: وهو اخْتِيارُ بَعْضِ أصْحابِ المَعانِي أنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ تَسْبِيحُ الجِبالِ والطَّيْرِ بِمَثابَةِ قَوْلِهِ: ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤] وتَخْصِيصُ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِذَلِكَ إنَّما كانَ بِسَبَبِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَعْرِفُ ذَلِكَ ضَرُورَةً فَيَزْدادُ يَقِينًا وتَعْظِيمًا، والقَوْلُ الأوَّلُ أقْرَبُ؛ لِأنَّهُ لا ضَرُورَةَ في صَرْفِ اللَّفْظِ عَنْ ظاهِرِهِ. وأمّا المُعْتَزِلَةُ فَقالُوا: لَوْ حَصَلَ الكَلامُ مِنَ الجَبَلِ لَحَصَلَ إمّا بِفِعْلِهِ أوْ بِفِعْلِ اللَّهِ تَعالى فِيهِ؛ والأوَّلُ: مُحالٌ؛ لِأنَّ بِنْيَةَ الجَبَلِ لا تَحْتَمِلُ الحَياةَ والعِلْمَ والقُدْرَةَ، وما لا يَكُونُ حَيًّا عالِمًا قادِرًا يَسْتَحِيلُ مِنهُ الفِعْلُ، والثّانِي: أيْضًا مُحالٌ؛ لِأنَّ المُتَكَلِّمَ عِنْدَهم مَن كانَ فاعِلًا لِلْكَلامِ، لا مَن كانَ مَحَلًّا لِلْكَلامِ، فَلَوْ كانَ فاعِلُ ذَلِكَ الكَلامِ هو اللَّهُ تَعالى لَكانَ المُتَكَلِّمُ هو اللَّهُ تَعالى لا الجَبَلُ، فَثَبَتَ أنَّهُ لا يُمْكِنُ إجْراؤُهُ عَلى ظاهِرِهِ، فَعِنْدَ هَذا قالُوا في: ﴿وسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الجِبالَ يُسَبِّحْنَ﴾ ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياجِبالُ أوِّبِي مَعَهُ﴾ [سبأ: ١٠] مَعْناهُ تَصَرَّفِي مَعَهُ وسِيرِي بِأمْرِهِ، ويُسَبِّحْنَ مِنَ السَّبْحِ الَّذِي السِّباحَةُ خَرَجَ اللَّفْظُ فِيهِ عَلى التَّكْثِيرِ، ولَوْ لَمْ يَقْصِدِ التَّكْثِيرَ لَقِيلَ: يَسْبَحْنَ، فَلَمّا كَثُرَ قِيلَ: يُسَبِّحْنَ مَعَهُ، أيْ سِيرِي وهو كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ لَكَ في اَلنَّهارِ سَبْحًا طَوِيلًا﴾ [المزمل: ٧] أيْ تَصَرُّفًا ومَذْهَبًا. إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّ سَيْرَها هو التَّسْبِيحُ لِدَلالَتِهِ عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وعَلى سائِرِ ما تَنَزَّهَ عَنْهُ، واعْلَمْ أنَّ مَدارَ هَذا القَوْلِ عَلى أنَّ بِنْيَةَ الجَبَلِ لا تَقْبَلُ الحَياةَ، وهَذا مَمْنُوعٌ، وعَلى أنَّ التَّكَلُّمَ مِن فِعْلِ اللَّهِ، وهو أيْضًا مَمْنُوعٌ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أمّا الطَّيْرُ فَلا امْتِناعَ في أنْ يَصْدُرَ عَنْها الكَلامُ، ولَكِنْ أجْمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى أنَّ المُكَلَّفِينَ إمّا الجِنُّ أوِ الإنْسُ أوِ المَلائِكَةُ فَيَمْتَنِعُ فِيها أنْ تَبْلُغَ في العَقْلِ إلى دَرَجَةِ التَّكْلِيفِ، بَلْ تَكُونُ عَلى حالَةٍ كَحالِ الطِّفْلِ في أنْ يُؤْمَرَ ويُنْهى، وإنْ لَمْ يَكُنْ مُكَلَّفًا فَصارَ ذَلِكَ مُعْجِزَةً مِن حَيْثُ جَعَلَها في الفَهْمِ بِمَنزِلَةِ المُراهِقِ، وأيْضًا فِيهِ دَلالَةٌ عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وعَلى تَنَزُّهِهِ عَمّا لا يَجُوزُ؛ فَيَكُونُ القَوْلُ فِيهِ كالقَوْلِ في الجِبالِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: يُسَبِّحْنَ حالٌ بِمَعْنى مُسَبِّحاتٍ أوِ اسْتِئْنافٌ، كَأنَّ قائِلًا قالَ: كَيْفَ سَخَّرَهُنَّ ؟ فَقالَ: يُسَبِّحْنَ. ”والطَّيْرَ“ إمّا مَعْطُوفٌ عَلى الجِبالِ وإمّا مَفْعُولٌ مَعَهُ. فَإنْ قُلْتَ: لِمَ قُدِّمَتِ الجِبالُ عَلى الطَّيْرِ ؟ قُلْتُ: لِأنَّ تَسْخِيرَها وتَسْبِيحَها أعْجَبُ وأدَلُّ عَلى القُدْرَةِ وأدْخَلُ في الإعْجازِ؛ لِأنَّها جَمادٌ، والطَّيْرُ حَيَوانٌ ناطِقٌ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿وكُنّا فاعِلِينَ﴾ فالمَعْنى أنّا قادِرُونَ عَلى أنْ نَفْعَلَ هَذا، وإنْ كانَ عَجَبًا عِنْدَكم، وقِيلَ: نَفْعَلُ ذَلِكَ بِالأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ. الإنْعامُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكم لِتُحْصِنَكم مِن بَأْسِكم فَهَلْ أنْتُمْ شاكِرُونَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اللَّبُوسُ اللِّباسُ، قالَ: البَسْ لِكُلِّ حالَةٍ لَبُوسَها. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ”لِتُحْصِنَكم“ قُرِئَ بِالنُّونِ والياءِ والتّاءِ وتَخْفِيفِ الصّادِ وتَشْدِيدِها، فالنُّونُ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ، والتّاءُ لِلصَّنْعَةِ أوْ لِلَّبُوسِ عَلى تَأْوِيلِ الدِّرْعِ، والياءُ لِلَّهِ تَعالى أوْ لِداوُدَ أوْ لِلَّبُوسِ. صفحة ١٧٤ المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ قَتادَةُ: أوَّلُ مَن صَنَعَ الدِّرْعَ داوُدُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وإنَّما كانَتْ صَفائِحَ قَبْلَهُ، فَهو أوَّلُ مَن سَرَدَها واتَّخَذَها حِلَقًا، ذَكَرَ الحَسَنُ أنَّ لُقْمانَ الحَكِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ حَضَرَهُ وهو يَعْمَلُ الدِّرْعَ، فَأرادَ أنْ يَسْألَ عَمّا يَفْعَلُ ثُمَّ سَكَتَ حَتّى فَرَغَ مِنها ولَبِسَها عَلى نَفْسِهِ، فَقالَ: الصَّمْتُ حِكْمَةٌ وقَلِيلٌ فاعِلُهُ؛ قالُوا: إنَّ اللَّهَ تَعالى ألانَ الحَدِيدَ لَهُ يَعْمَلُ مِنهُ بِغَيْرِ نارٍ كَأنَّهُ طِينٌ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: البَأْسُ هاهُنا الحَرْبُ، وإنْ وقَعَ عَلى السُّوءِ كُلِّهِ، والمَعْنى لِيَمْنَعَكم ويَحْرُسَكم مِن بَأْسِكم، أيْ مِنَ الجَرْحِ والقَتْلِ والسَّيْفِ والسَّهْمِ والرُّمْحِ. المَسْألَةُ الخامِسَةُ: فِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ أوَّلَ مَن عَمِلَ الدِّرْعَ داوُدُ ثُمَّ تَعَلَّمُ النّاسُ مِنهُ، فَتَوارَثَ النّاسُ عَنْهُ ذَلِكَ، فَعَمَّتِ النِّعْمَةُ بِها كُلَّ المُحارِبِينَ مِنَ الخَلْقِ إلى آخِرِ الدَّهْرِ، فَلَزِمَهم شُكْرُ اللَّهِ تَعالى عَلى النِّعْمَةِ فَقالَ: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ شاكِرُونَ﴾ أيِ اشْكُرُوا اللَّهَ عَلى ما يَسَّرَ عَلَيْكم مِن هَذِهِ الصَّنْعَةِ، واعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا ذَكَرَ النِّعَمَ الَّتِي خَصَّ داوُدَ بِها ذَكَرَ بَعْدَهُ النِّعَمَ الَّتِي خَصَّ بِها سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقالَ قَتادَةُ: ورَّثَ اللَّهُ تَعالى سُلَيْمانَ مِن داوُدَ مُلْكَهُ ونُبُوَّتَهُ وزادَهُ عَلَيْهِ أمْرَيْنِ سَخَّرَ لَهُ الرِّيحَ والشَّياطِينَ. الإنْعامُ الأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً تَجْرِي بِأمْرِهِ﴾ أيْ جَعَلْناها طائِعَةً مُنْقادَةً لَهُ، بِمَعْنى أنَّهُ إنْ أرادَها عاصِفَةً كانَتْ عاصِفَةً، وإنْ أرادَها لَيِّنَةً كانَتْ لَيِّنَةً، واللَّهُ تَعالى مُسَخِّرُها في الحالَتَيْنِ، فَإنْ قِيلَ: العاصِفُ الشَّدِيدَةُ الهُبُوبِ، وقَدْ وصَفَها اللَّهُ تَعالى بِالرَّخاوَةِ في قَوْلِهِ: ﴿رُخاءً حَيْثُ أصابَ﴾ [ص: ٣٦] فَكَيْفَ يَكُونُ الجَمْعُ بَيْنَهُما ؟ والجَوابُ: مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّها كانَتْ في نَفْسِها رَخِيَّةً طَيِّبَةً كالنَّسِيمِ، فَإذا مَرَّتْ بِكُرْسِيِّهِ أبْعَدَتْ بِهِ في مُدَّةٍ يَسِيرَةٍ عَلى ما قالَ: ﴿غُدُوُّها شَهْرٌ ورَواحُها شَهْرٌ﴾ [سبأ: ١٢] وكانَتْ جامِعَةً بَيْنَ الأمْرَيْنِ رُخاءٍ في نَفْسِها وعاصِفَةٍ في عَمَلِها مَعَ طاعَتِها لِسُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وهُبُوبُها عَلى حَسَبِ ما يُرِيدُ ويُحْكِمُ آيَةً إلى آيَةٍ، ومُعْجِزَةً إلى مُعْجِزَةٍ. الثّانِي: أنَّها كانَتْ في وقْتٍ رُخاءً وفي وقْتٍ عاصِفًا، لِأجْلِ هُبُوبِها عَلى حُكْمِ إرادَتِهِ. المَسْألَةُ السّادِسَةُ: قُرِئَ ”الرِّيحُ“ و”الرِّياحُ“ بِالرَّفْعِ والنَّصْبِ فِيهِما، فالرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ، والنَّصْبُ لِلْعَطْفِ عَلى الجِبالِ، فَإنْ قِيلَ: قالَ في داوُدَ: ﴿وسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الجِبالَ﴾ وقالَ في حَقِّ سُلَيْمانَ: ﴿ولِسُلَيْمانَ الرِّيحَ﴾ فَذَكَرَهُ في حَقِّ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِكَلِمَةِ مَعَ وفي حَقِّ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِاللّامِ وراعى هَذا التَّرْتِيبَ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿ياجِبالُ أوِّبِي مَعَهُ والطَّيْرَ﴾ [سبأ: ١٠] وقالَ: ﴿فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأمْرِهِ﴾ [ص: ٣٦] فَما الفائِدَةُ في تَخْصِيصِ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِلَفْظِ مَعَ، وسُلَيْمانَ بِاللّامِ ؟ قُلْنا: يُحْتَمَلُ أنَّ الجَبَلَ لَمّا اشْتَغَلَ بِالتَّسْبِيحِ حَصَلَ لَهُ نَوْعُ شَرَفٍ، فَما أُضِيفَ إلَيْهِ بِلامِ التَّمْلِيكِ، أمّا الرِّيحُ فَلَمْ يَصْدُرْ عَنْهُ إلّا ما يَجْرِي مَجْرى الخِدْمَةِ، فَلا جَرَمَ أُضِيفَ إلى سُلَيْمانَ بِلامِ التَّمْلِيكِ، وهَذا إقْناعِي. * * * أمّا قَوْلُهُ: ﴿إلى الأرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ﴾ أيْ إلى المُضِيِّ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، قالَ الكَلْبِيُّ: كانَتْ تَسِيرُ مِن إصْطَخْرَ إلى الشّامِ يَرْكَبُ عَلَيْها سُلَيْمانُ وأصْحابُهُ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿وكُنّا بِكُلِّ شَيْءٍ عالِمِينَ﴾ أيْ لِعِلْمِنا بِالأشْياءِ صَحَّ مِنّا أنْ نُدَبِّرَ هَذا التَّدْبِيرَ في رُسُلِنا، وفي صفحة ١٧٥ خَلْقِنا، وأنْ نَفْعَلَ هَذِهِ المُعْجِزاتِ القاهِرَةَ. الإنْعامُ الثّانِي: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِنَ الشَّياطِينِ مَن يَغُوصُونَ لَهُ ويَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ وكُنّا لَهم حافِظِينَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: المُرادُ أنَّهم يَغُوصُونَ لَهُ في البِحارِ فَيَسْتَخْرِجُونَ الجَواهِرَ ويَتَجاوَزُونَ ذَلِكَ إلى الأعْمالِ والمِهَنِ، وبِناءِ المُدُنِ والقُصُورِ، واخْتِراعِ الصَّنائِعِ العَجِيبَةِ؛ كَما قالَ: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِن مَحارِيبَ وتَماثِيلَ وجِفانٍ﴾ [سَبَأٍ: ١٣ ] وأمّا الصِّناعاتُ فَكاتِّخاذِ الحَمّامِ والنَّوْرَةِ والطَّواحِينِ والقَوارِيرِ والصّابُونِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ومِنَ الشَّياطِينِ مَن يَغُوصُونَ لَهُ﴾ يَعْنِي وسَخَّرْنا لِسُلَيْمانَ مِنَ الشَّياطِينِ مَن يَغُوصُونَ لَهُ، فَيَكُونُ في مَوْضِعِ النَّصْبِ نَسَقًا عَلى الرِّيحِ؛ قالَ الزَّجّاجُ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: النَّسَقُ عَلى الرِّيحِ، وأنْ يَكُونَ المَعْنى: ولِسُلَيْمانَ الرِّيحُ، ولَهُ مَن يَغُوصُونَ لَهُ مِنَ الشَّياطِينِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ رَفْعًا عَلى الِابْتِداءِ، ويَكُونُ ”لَهُ“ هو الخَبَرُ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَن يَغُوصُ مِنهم هو الَّذِي يَعْمَلُ سائِرَ الأعْمالِ، ويُحْتَمَلُ أنَّهم فِرْقَةٌ أُخْرى، ويَكُونُ الكُلُّ داخِلِينَ في لَفْظَةِ مَن، وإنْ كانَ الأوَّلُ هو الأقْرَبَ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: لَيْسَ في الظّاهِرِ إلّا أنَّهُ سَخَّرَهم، لَكِنَّهُ قَدْ رُوِيَ أنَّهُ تَعالى سَخَّرَ كُفّارَهم دُونَ المُؤْمِنِينَ، وهو الأقْرَبُ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: إطْلاقُ لَفْظِ الشَّياطِينِ. والثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿وكُنّا لَهم حافِظِينَ﴾ فَإنَّ المُؤْمِنَ إذا سُخِّرَ في أمْرٍ لا يَجِبُ أنْ يُحْفَظَ لِئَلّا يُفْسِدَ، وإنَّما يَجِبُ ذَلِكَ في الكافِرِ. المَسْألَةُ الخامِسَةُ: في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿وكُنّا لَهم حافِظِينَ﴾ وُجُوهٌ: أحَدُها: أنَّهُ تَعالى وكَّلَ بِهِمْ جَمْعًا مِنَ المَلائِكَةِ، أوْ جَمْعًا مِن مُؤْمِنِي الجِنِّ. وثانِيها: سَخَّرَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِأنْ حَبَّبَ إلَيْهِمْ طاعَتَهُ وخَوَّفَهم مِن مُخالَفَتِهِ. وثالِثُها: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: يُرِيدُ وسُلْطانُهُ مُقِيمٌ عَلَيْهِمْ يَفْعَلُ بِهِمْ ما يَشاءُ، فَإنْ قِيلَ: وعَنْ أيِّ شَيْءٍ كانُوا مَحْفُوظِينَ ؟ قُلْنا: فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ تَعالى كانَ يَحْفَظُهم عَلَيْهِ لِئَلّا يَذْهَبُوا ويَتْرُكُوهُ. وثانِيها: قالَ الكَلْبِيُّ: كانَ يَحْفَظُهم مِن أنْ يُهَيِّجُوا أحَدًا في زَمانِهِ. وثالِثُها: كانَ يَحْفَظُهم مِن أنْ يُفْسِدُوا ما عَمِلُوا، فَكانَ دَأْبُهم أنَّهم يَعْمَلُونَ بِالنَّهارِ ثُمَّ يُفْسِدُونَهُ في اللَّيْلِ. المَسْألَةُ السّادِسَةُ: سَألَ الجُبّائِيُّ نَفْسَهُ، وقالَ: كَيْفَ يَتَهَيَّأُ لَهم هَذِهِ الأعْمالُ وأجْسامُهم رَقِيقَةٌ لا يَقْدِرُونَ عَلى عَمَلِ الثَّقِيلِ، وإنَّما يُمْكِنُهُمُ الوَسْوَسَةُ ؟ وأجابَ بِأنَّهُ سُبْحانَهُ كَثَّفَ أجْسامَهم خاصَّةً وقَوّاهم، وزادَ في عَظْمِهِمْ؛ لِيَكُونَ ذَلِكَ مُعْجِزًا لِسُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلَمّا ماتَ سُلَيْمانُ رَدَّهُمُ اللَّهُ إلى الخِلْقَةِ الأُولى؛ لِأنَّهُ لَوْ بَقّاهم عَلى الخِلْقَةِ الثّانِيَةِ لَصارَ شُبْهَةً عَلى النّاسِ، ولَوِ ادَّعى مُتَنَبِّئٌ النُّبُوَّةَ وجَعَلَهُ دَلالَةً، لَكانَ كَمُعْجِزاتِ الرُّسُلِ؛ فَلِذا رَدَّهم إلى خِلْقَتِهِمُ الأُولى، واعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ ساقِطٌ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: لِمَ قُلْتَ: إنَّ الجِنَّ مِنَ الأجْسامِ ؟ ولِمَ لا يَجُوزُ وُجُودُ مُحْدَثٍ لَيْسَ بِمُتَحَيِّزٍ ولا قائِمٍ بِالمُتَحَيِّزِ، ويَكُونُ الجِنُّ مِنهم ؟ فَإنْ قُلْتَ: لَوْ كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ لَكانَ مِثْلًا لِلْبارِي تَعالى؟، قُلْتُ: هَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ الِاشْتِراكَ في اللَّوازِمِ الثُّبُوتِيَّةِ لا يَدُلُّ عَلى الِاشْتِراكِ في المَلْزُوماتِ فَكَيْفَ اللَّوازِمُ السَّلْبِيَّةُ، سَلَّمْنا أنَّهُ جِسْمٌ، لَكِنْ لا يَجُوزُ حُصُولُ القُدْرَةِ عَلى هَذِهِ الأعْمالِ الشّاقَّةِ في الجِسْمِ اللَّطِيفِ، وكَلامُهُ بِناءً عَلى البِنْيَةِ شَرْطٌ ولَيْسَ في يَدِهِ إلّا الِاسْتِقْراءُ الضَّعِيفُ؛ سَلَّمْنا أنَّهُ لا صفحة ١٧٦ بُدَّ مِن تَكْثِيفِ أجْسامِهِمْ لَكِنْ لِمَ قُلْتَ: بِأنَّهُ لا بُدَّ مِن رَدِّها إلى الخِلْقَةِ الأُولى بَعْدَ مَوْتِ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإنْ قالَ: لِئَلّا يُفْضِيَ إلى التَّلْبِيسِ؛ قُلْنا: التَّلْبِيسُ غَيْرُ لازِمٍ؛ لِأنَّ المُتَنَبِّيَ إذا جَعَلَ ذَلِكَ مُعْجِزَةً لِنَفْسِهِ، فَلِلْمُدَّعِي أنْ يَقُولَ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ قُوَّةَ أجْسادِهِمْ كانَتْ مُعْجِزَةً لِنَبِيٍّ آخَرَ قَبْلَكَ، ومَعَ قِيامِ هَذا الِاحْتِمالِ لا يَتَمَكَّنُ المُتَنَبِّي مِنَ الِاسْتِدْلالِ بِهِ، واعْلَمْ أنَّ أجْسامَ هَذا العالَمِ إمّا كَثِيفَةٌ أوْ لَطِيفَةٌ، أمّا الكَثِيفُ فَأكْثَفُ الأجْسامِ الحِجارَةُ والحَدِيدُ، وقَدْ جَعَلَهُما اللَّهُ تَعالى مُعْجِزَةً لِداوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَأنْطَقَ الحَجْرَ ولَيَّنَ الحَدِيدَ، وكُلُّ واحِدٍ مِنهُما كَما يَدُلُّ عَلى التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ الحَشْرِ؛ لِأنَّهُ لَمّا قَدَرَ عَلى إحْياءِ الحِجارَةِ فَأيُّ بُعْدٍ في إحْياءِ العِظامِ الرَّمِيمَةِ، وإذا قَدَرَ عَلى أنْ يَجْعَلَ في إصْبَعِ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ قُوَّةَ النّارِ مَعَ كَوْنِ الإصْبَعِ في نِهايَةِ اللَّطافَةِ، فَأيُّ بُعْدٍ في أنْ يَجْعَلَ التُّرابَ اليابِسَ جِسْمًا حَيَوانِيًّا، وألْطَفُ الأشْياءِ في هَذا العالَمِ الهَواءُ والنّارُ، وقَدْ جَعَلَهُما اللَّهُ مُعْجِزَةً لِسُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ، أمّا الهَواءُ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ﴾ [ص: ٣٦] وأمّا النّارُ فَلِأنَّ الشَّياطِينَ مَخْلُوقُونَ مِنها، وقَدْ سَخَّرَهُمُ اللَّهُ تَعالى، فَكانَ يَأْمُرُهم بِالغَوْصِ في المِياهِ، والنّارُ تَنْطَفِئُ بِالماءِ، وهم ما كانَ يَضُرُّهم ذَلِكَ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى قُدْرَتِهِ عَلى إظْهارِ الضِّدِّ مِنَ الضِّدِّ.

الأنبياء 21:81

السُّؤالُ الثّالِثُ: إذا أثْبَتُّمْ أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ اخْتِلافُهُما لِأجْلِ النَّصِّ، وأنْ يَكُونَ لِأجْلِ الِاجْتِهادِ فَأيُّ صفحة ١٧٢ القَوْلَيْنِ أوْلى ؟ والجَوابُ: الِاجْتِهادُ أرْجَحُ لِوُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّهُ رُوِيَ في الأخْبارِ الكَثِيرَةِ أنَّ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَكُنْ قَدْ بَتَّ الحُكْمَ في ذَلِكَ حَتّى سَمِعَ مِن سُلَيْمانَ أنَّ غَيْرَ ذَلِكَ أوْلى، وفي بَعْضِها أنَّ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ ناشَدَهُ لِكَيْ يُورِدَ ما عِنْدَهُ، وكُلُّ ذَلِكَ لا يَلِيقُ بِالنَّصِّ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ نَصًّا لَكانَ يُظْهِرُهُ ولا يَكْتُمُهُ. السُّؤالُ الرّابِعُ: بَيِّنُوا أنَّهُ كَيْفَ كانَ طَرِيقُ الِاجْتِهادِ ؟ الجَوابُ: أنَّ وجْهَ الِاجْتِهادِ فِيهِ ما ذَكَرَهُ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - مِن أنَّ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ قَوَّمَ قَدْرَ الضَّرَرِ بِالكَرْمِ، فَكانَ مُساوِيًا لِقِيمَةِ الغَنَمِ، فَكانَ عِنْدَهُ أنَّ الواجِبَ في ذَلِكَ الضَّرَرِ أنْ يُزالَ بِمِثْلِهِ مِنَ النَّفْعِ، فَلا جَرَمَ سَلَّمَ الغَنَمَ إلى المَجْنِيِّ عَلَيْهِ، كَما قالَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ في العَبْدِ: إذا جَنى عَلى النَّفْسِ يَدْفَعُهُ المَوْلى بِذَلِكَ أوْ يَفْدِيهِ، وأمّا سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَإنَّ اجْتِهادَهُ أدّى إلى أنْ يَجِبَ مُقابَلَةُ الأُصُولِ بِالأُصُولِ والزَّوائِدِ بِالزَّوائِدِ، فَأمّا مُقابَلَةُ الأُصُولِ بِالزَّوائِدِ فَغَيْرُ جائِزٍ؛ لِأنَّهُ يَقْتَضِي الحَيْفَ والجَوْرَ، ولَعَلَّ مَنافِعَ الغَنَمِ في تِلْكَ السَّنَةِ كانَتْ مُوازِيَةً لِمَنافِعِ الكَرْمِ فَحَكَمَ بِهِ، كَما قالَ الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: فِيمَن غَصَبَ عَبْدًا فَأبَقَ مِن يَدِهِ أنَّهُ يَضْمَنُ القِيمَةَ لِيَنْتَفِعَ بِها المَغْصُوبُ مِنهُ بِإزاءِ ما فَوَّتَهُ الغاصِبُ مِن مَنافِعِ العَبْدِ، فَإذا ظَهَرَ تَرادّا. السُّؤالُ الخامِسُ: عَلى تَقْدِيرِ أنْ ثَبَتَ قَطْعًا أنَّ تِلْكَ المُخالَفَةَ كانَتْ مَبْنِيَّةً عَلى الِاجْتِهادِ، فَهَلْ تَدُلُّ هَذِهِ القِصَّةُ عَلى أنَّ المُصِيبَ واحِدٌ أوِ الكُلَّ مُصِيبُونَ ؟ الجَوابُ: أمّا القائِلُونَ بِأنَّ المُصِيبَ واحِدٌ فَفِيهِمْ مَنِ اسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ﴾ قالَ: ولَوْ كانَ الكُلُّ مُصِيبًا لَمْ يَكُنْ لِتَخْصِيصِ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِهَذا التَّفْهِيمِ فائِدَةٌ، وأمّا القائِلُونَ بِأنَّ الكُلَّ مُصِيبُونَ فَفِيهِمْ مَنِ اسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ: ﴿وكُلًّا آتَيْنا حُكْمًا وعِلْمًا﴾ ولَوْ كانَ المُصِيبُ واحِدًا ومُخالِفُهُ مُخْطِئًا لَما صَحَّ أنْ يُقالَ: ﴿وكُلًّا آتَيْنا حُكْمًا وعِلْمًا﴾ واعْلَمْ أنَّ الِاسْتِدْلالَيْنِ ضَعِيفانِ. أمّا الأوَّلُ: فَلِأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَقُلْ: إنَّهُ فَهَّمَهُ الصَّوابَ، فَيُحْتَمَلُ أنَّهُ فَهَّمَهُ النّاسِخَ ولَمْ يُفَهِّمْ ذَلِكَ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُ وكُلُّ واحِدٍ مِنهُما مُصِيبٌ فِيما حَكَمَ بِهِ، عَلى أنَّ أكْثَرَ ما في الآيَةِ أنَّها دالَّةٌ عَلى أنَّ داوُدَ وسُلَيْمانَ عَلَيْهِما السَّلامُ ما كانا مُصِيبَيْنِ وذَلِكَ لا يُوجِبُ أنْ يَكُونَ الأمْرُ كَذَلِكَ في شَرْعِنا. وأمّا الثّانِي: فَلِأنَّهُ تَعالى لَمْ يَقُلْ: إنَّ كُلًّا آتَيْناهُ حُكْمًا وعِلْمًا بِما حَكَمَ بِهِ، بَلْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ آتَيْناهُ حُكْمًا وعِلْمًا بِوُجُوهِ الِاجْتِهادِ وطُرُقِ الأحْكامِ، عَلى أنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن كَوْنِ كُلِّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبًا في شَرْعِهِمْ أنْ يَكُونَ الأمْرُ كَذَلِكَ في شَرْعِنا. * * * السُّؤالُ السّادِسُ: لَوْ وقَعَتْ هَذِهِ الواقِعَةُ في شَرْعِنا ما حُكْمُها ؟ الجَوابُ: قالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: هَذِهِ الآيَةُ مُحْكَمَةٌ، والقُضاةُ بِذَلِكَ يَقْضُونَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، واعْلَمْ أنَّ كَثِيرًا مِنَ العُلَماءِ يَزْعُمُونَ أنَّهُ مَنسُوخٌ بِالإجْماعِ ثُمَّ اخْتَلَفُوا في حُكْمِهِ فَقالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: إنْ كانَ ذَلِكَ بِالنَّهارِ لا ضَمانَ؛ لِأنَّ لِصاحِبِ الماشِيَةِ تَسْيِيبَ ماشِيَتِهِ بِالنَّهارِ، وحِفْظَ الزَّرْعِ بِالنَّهارِ عَلى صاحِبِهِ. وإنْ كانَ لَيْلًا يَلْزَمُهُ الضَّمانُ؛ لِأنَّ حِفْظَها بِاللَّيْلِ عَلَيْهِ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: لا ضَمانَ عَلَيْهِ لَيْلًا كانَ أوْ نَهارًا إذا لَمْ يَكُنْ مُتَعَدِّيًا بِالإرْسالِ؛ لِقَوْلِهِ ﷺ: «جُرْحُ العَجْماءِ جُبارٌ» واحْتَجَّ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ بِما رُوِيَ عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ أنَّهُ قالَ: «كانَتْ ناقَةٌ ضارِيَةٌ فَدَخَلَتْ حائِطًا فَأفْسَدَتْهُ، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَضى أنَّ حِفْظَ الحَوائِطِ بِالنَّهارِ عَلى أهْلِها، وأنَّ حِفْظَ الماشِيَةِ بِاللَّيْلِ عَلى أهْلِها، وأنَّ عَلى أهْلِ الماشِيَةِ ما أصابَتْ ماشِيَتُهم بِاللَّيْلِ» وهَذا تَمامُ القَوْلِ في هَذِهِ الآيَةِ. * * * ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ النِّعَمِ الَّتِي خَصَّ بِها داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ أمْرَيْنِ: الأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الجِبالَ يُسَبِّحْنَ والطَّيْرَ وكُنّا فاعِلِينَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: صفحة ١٧٣ المَسْألَةُ الأُولى: في تَفْسِيرِ هَذا التَّسْبِيحِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ الجِبالَ كانَتْ تُسَبِّحُ ثُمَّ ذَكَرُوا وُجُوهًا: أحَدُها: قالَ مُقاتِلٌ: إذا ذَكَرَ داوُدُ عَلَيْهِ السَّلامُ رَبَّهُ ذَكَرَتِ الجِبالُ والطَّيْرُ رَبَّها مَعَهُ. وثانِيها: قالَ الكَلْبِيُّ: إذا سَبَّحَ داوُدُ أجابَتْهُ الجِبالُ. وثالِثُها: قالَ سُلَيْمانُ بْنُ حَيّانَ: كانَ داوُدُ عَلَيْهِ السَّلامُ إذا وجَدَ فَتْرَةً أمَرَ اللَّهُ تَعالى الجِبالَ فَسَبَّحَتْ فَيَزْدادُ نَشاطًا واشْتِياقًا. القَوْلُ الثّانِي: وهو اخْتِيارُ بَعْضِ أصْحابِ المَعانِي أنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ تَسْبِيحُ الجِبالِ والطَّيْرِ بِمَثابَةِ قَوْلِهِ: ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤] وتَخْصِيصُ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِذَلِكَ إنَّما كانَ بِسَبَبِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَعْرِفُ ذَلِكَ ضَرُورَةً فَيَزْدادُ يَقِينًا وتَعْظِيمًا، والقَوْلُ الأوَّلُ أقْرَبُ؛ لِأنَّهُ لا ضَرُورَةَ في صَرْفِ اللَّفْظِ عَنْ ظاهِرِهِ. وأمّا المُعْتَزِلَةُ فَقالُوا: لَوْ حَصَلَ الكَلامُ مِنَ الجَبَلِ لَحَصَلَ إمّا بِفِعْلِهِ أوْ بِفِعْلِ اللَّهِ تَعالى فِيهِ؛ والأوَّلُ: مُحالٌ؛ لِأنَّ بِنْيَةَ الجَبَلِ لا تَحْتَمِلُ الحَياةَ والعِلْمَ والقُدْرَةَ، وما لا يَكُونُ حَيًّا عالِمًا قادِرًا يَسْتَحِيلُ مِنهُ الفِعْلُ، والثّانِي: أيْضًا مُحالٌ؛ لِأنَّ المُتَكَلِّمَ عِنْدَهم مَن كانَ فاعِلًا لِلْكَلامِ، لا مَن كانَ مَحَلًّا لِلْكَلامِ، فَلَوْ كانَ فاعِلُ ذَلِكَ الكَلامِ هو اللَّهُ تَعالى لَكانَ المُتَكَلِّمُ هو اللَّهُ تَعالى لا الجَبَلُ، فَثَبَتَ أنَّهُ لا يُمْكِنُ إجْراؤُهُ عَلى ظاهِرِهِ، فَعِنْدَ هَذا قالُوا في: ﴿وسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الجِبالَ يُسَبِّحْنَ﴾ ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياجِبالُ أوِّبِي مَعَهُ﴾ [سبأ: ١٠] مَعْناهُ تَصَرَّفِي مَعَهُ وسِيرِي بِأمْرِهِ، ويُسَبِّحْنَ مِنَ السَّبْحِ الَّذِي السِّباحَةُ خَرَجَ اللَّفْظُ فِيهِ عَلى التَّكْثِيرِ، ولَوْ لَمْ يَقْصِدِ التَّكْثِيرَ لَقِيلَ: يَسْبَحْنَ، فَلَمّا كَثُرَ قِيلَ: يُسَبِّحْنَ مَعَهُ، أيْ سِيرِي وهو كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ لَكَ في اَلنَّهارِ سَبْحًا طَوِيلًا﴾ [المزمل: ٧] أيْ تَصَرُّفًا ومَذْهَبًا. إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّ سَيْرَها هو التَّسْبِيحُ لِدَلالَتِهِ عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وعَلى سائِرِ ما تَنَزَّهَ عَنْهُ، واعْلَمْ أنَّ مَدارَ هَذا القَوْلِ عَلى أنَّ بِنْيَةَ الجَبَلِ لا تَقْبَلُ الحَياةَ، وهَذا مَمْنُوعٌ، وعَلى أنَّ التَّكَلُّمَ مِن فِعْلِ اللَّهِ، وهو أيْضًا مَمْنُوعٌ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أمّا الطَّيْرُ فَلا امْتِناعَ في أنْ يَصْدُرَ عَنْها الكَلامُ، ولَكِنْ أجْمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى أنَّ المُكَلَّفِينَ إمّا الجِنُّ أوِ الإنْسُ أوِ المَلائِكَةُ فَيَمْتَنِعُ فِيها أنْ تَبْلُغَ في العَقْلِ إلى دَرَجَةِ التَّكْلِيفِ، بَلْ تَكُونُ عَلى حالَةٍ كَحالِ الطِّفْلِ في أنْ يُؤْمَرَ ويُنْهى، وإنْ لَمْ يَكُنْ مُكَلَّفًا فَصارَ ذَلِكَ مُعْجِزَةً مِن حَيْثُ جَعَلَها في الفَهْمِ بِمَنزِلَةِ المُراهِقِ، وأيْضًا فِيهِ دَلالَةٌ عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وعَلى تَنَزُّهِهِ عَمّا لا يَجُوزُ؛ فَيَكُونُ القَوْلُ فِيهِ كالقَوْلِ في الجِبالِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: يُسَبِّحْنَ حالٌ بِمَعْنى مُسَبِّحاتٍ أوِ اسْتِئْنافٌ، كَأنَّ قائِلًا قالَ: كَيْفَ سَخَّرَهُنَّ ؟ فَقالَ: يُسَبِّحْنَ. ”والطَّيْرَ“ إمّا مَعْطُوفٌ عَلى الجِبالِ وإمّا مَفْعُولٌ مَعَهُ. فَإنْ قُلْتَ: لِمَ قُدِّمَتِ الجِبالُ عَلى الطَّيْرِ ؟ قُلْتُ: لِأنَّ تَسْخِيرَها وتَسْبِيحَها أعْجَبُ وأدَلُّ عَلى القُدْرَةِ وأدْخَلُ في الإعْجازِ؛ لِأنَّها جَمادٌ، والطَّيْرُ حَيَوانٌ ناطِقٌ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿وكُنّا فاعِلِينَ﴾ فالمَعْنى أنّا قادِرُونَ عَلى أنْ نَفْعَلَ هَذا، وإنْ كانَ عَجَبًا عِنْدَكم، وقِيلَ: نَفْعَلُ ذَلِكَ بِالأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ. الإنْعامُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكم لِتُحْصِنَكم مِن بَأْسِكم فَهَلْ أنْتُمْ شاكِرُونَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اللَّبُوسُ اللِّباسُ، قالَ: البَسْ لِكُلِّ حالَةٍ لَبُوسَها. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ”لِتُحْصِنَكم“ قُرِئَ بِالنُّونِ والياءِ والتّاءِ وتَخْفِيفِ الصّادِ وتَشْدِيدِها، فالنُّونُ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ، والتّاءُ لِلصَّنْعَةِ أوْ لِلَّبُوسِ عَلى تَأْوِيلِ الدِّرْعِ، والياءُ لِلَّهِ تَعالى أوْ لِداوُدَ أوْ لِلَّبُوسِ. صفحة ١٧٤ المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ قَتادَةُ: أوَّلُ مَن صَنَعَ الدِّرْعَ داوُدُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وإنَّما كانَتْ صَفائِحَ قَبْلَهُ، فَهو أوَّلُ مَن سَرَدَها واتَّخَذَها حِلَقًا، ذَكَرَ الحَسَنُ أنَّ لُقْمانَ الحَكِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ حَضَرَهُ وهو يَعْمَلُ الدِّرْعَ، فَأرادَ أنْ يَسْألَ عَمّا يَفْعَلُ ثُمَّ سَكَتَ حَتّى فَرَغَ مِنها ولَبِسَها عَلى نَفْسِهِ، فَقالَ: الصَّمْتُ حِكْمَةٌ وقَلِيلٌ فاعِلُهُ؛ قالُوا: إنَّ اللَّهَ تَعالى ألانَ الحَدِيدَ لَهُ يَعْمَلُ مِنهُ بِغَيْرِ نارٍ كَأنَّهُ طِينٌ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: البَأْسُ هاهُنا الحَرْبُ، وإنْ وقَعَ عَلى السُّوءِ كُلِّهِ، والمَعْنى لِيَمْنَعَكم ويَحْرُسَكم مِن بَأْسِكم، أيْ مِنَ الجَرْحِ والقَتْلِ والسَّيْفِ والسَّهْمِ والرُّمْحِ. المَسْألَةُ الخامِسَةُ: فِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ أوَّلَ مَن عَمِلَ الدِّرْعَ داوُدُ ثُمَّ تَعَلَّمُ النّاسُ مِنهُ، فَتَوارَثَ النّاسُ عَنْهُ ذَلِكَ، فَعَمَّتِ النِّعْمَةُ بِها كُلَّ المُحارِبِينَ مِنَ الخَلْقِ إلى آخِرِ الدَّهْرِ، فَلَزِمَهم شُكْرُ اللَّهِ تَعالى عَلى النِّعْمَةِ فَقالَ: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ شاكِرُونَ﴾ أيِ اشْكُرُوا اللَّهَ عَلى ما يَسَّرَ عَلَيْكم مِن هَذِهِ الصَّنْعَةِ، واعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا ذَكَرَ النِّعَمَ الَّتِي خَصَّ داوُدَ بِها ذَكَرَ بَعْدَهُ النِّعَمَ الَّتِي خَصَّ بِها سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقالَ قَتادَةُ: ورَّثَ اللَّهُ تَعالى سُلَيْمانَ مِن داوُدَ مُلْكَهُ ونُبُوَّتَهُ وزادَهُ عَلَيْهِ أمْرَيْنِ سَخَّرَ لَهُ الرِّيحَ والشَّياطِينَ. الإنْعامُ الأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً تَجْرِي بِأمْرِهِ﴾ أيْ جَعَلْناها طائِعَةً مُنْقادَةً لَهُ، بِمَعْنى أنَّهُ إنْ أرادَها عاصِفَةً كانَتْ عاصِفَةً، وإنْ أرادَها لَيِّنَةً كانَتْ لَيِّنَةً، واللَّهُ تَعالى مُسَخِّرُها في الحالَتَيْنِ، فَإنْ قِيلَ: العاصِفُ الشَّدِيدَةُ الهُبُوبِ، وقَدْ وصَفَها اللَّهُ تَعالى بِالرَّخاوَةِ في قَوْلِهِ: ﴿رُخاءً حَيْثُ أصابَ﴾ [ص: ٣٦] فَكَيْفَ يَكُونُ الجَمْعُ بَيْنَهُما ؟ والجَوابُ: مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّها كانَتْ في نَفْسِها رَخِيَّةً طَيِّبَةً كالنَّسِيمِ، فَإذا مَرَّتْ بِكُرْسِيِّهِ أبْعَدَتْ بِهِ في مُدَّةٍ يَسِيرَةٍ عَلى ما قالَ: ﴿غُدُوُّها شَهْرٌ ورَواحُها شَهْرٌ﴾ [سبأ: ١٢] وكانَتْ جامِعَةً بَيْنَ الأمْرَيْنِ رُخاءٍ في نَفْسِها وعاصِفَةٍ في عَمَلِها مَعَ طاعَتِها لِسُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وهُبُوبُها عَلى حَسَبِ ما يُرِيدُ ويُحْكِمُ آيَةً إلى آيَةٍ، ومُعْجِزَةً إلى مُعْجِزَةٍ. الثّانِي: أنَّها كانَتْ في وقْتٍ رُخاءً وفي وقْتٍ عاصِفًا، لِأجْلِ هُبُوبِها عَلى حُكْمِ إرادَتِهِ. المَسْألَةُ السّادِسَةُ: قُرِئَ ”الرِّيحُ“ و”الرِّياحُ“ بِالرَّفْعِ والنَّصْبِ فِيهِما، فالرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ، والنَّصْبُ لِلْعَطْفِ عَلى الجِبالِ، فَإنْ قِيلَ: قالَ في داوُدَ: ﴿وسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الجِبالَ﴾ وقالَ في حَقِّ سُلَيْمانَ: ﴿ولِسُلَيْمانَ الرِّيحَ﴾ فَذَكَرَهُ في حَقِّ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِكَلِمَةِ مَعَ وفي حَقِّ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِاللّامِ وراعى هَذا التَّرْتِيبَ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿ياجِبالُ أوِّبِي مَعَهُ والطَّيْرَ﴾ [سبأ: ١٠] وقالَ: ﴿فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأمْرِهِ﴾ [ص: ٣٦] فَما الفائِدَةُ في تَخْصِيصِ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِلَفْظِ مَعَ، وسُلَيْمانَ بِاللّامِ ؟ قُلْنا: يُحْتَمَلُ أنَّ الجَبَلَ لَمّا اشْتَغَلَ بِالتَّسْبِيحِ حَصَلَ لَهُ نَوْعُ شَرَفٍ، فَما أُضِيفَ إلَيْهِ بِلامِ التَّمْلِيكِ، أمّا الرِّيحُ فَلَمْ يَصْدُرْ عَنْهُ إلّا ما يَجْرِي مَجْرى الخِدْمَةِ، فَلا جَرَمَ أُضِيفَ إلى سُلَيْمانَ بِلامِ التَّمْلِيكِ، وهَذا إقْناعِي. * * * أمّا قَوْلُهُ: ﴿إلى الأرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ﴾ أيْ إلى المُضِيِّ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، قالَ الكَلْبِيُّ: كانَتْ تَسِيرُ مِن إصْطَخْرَ إلى الشّامِ يَرْكَبُ عَلَيْها سُلَيْمانُ وأصْحابُهُ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿وكُنّا بِكُلِّ شَيْءٍ عالِمِينَ﴾ أيْ لِعِلْمِنا بِالأشْياءِ صَحَّ مِنّا أنْ نُدَبِّرَ هَذا التَّدْبِيرَ في رُسُلِنا، وفي صفحة ١٧٥ خَلْقِنا، وأنْ نَفْعَلَ هَذِهِ المُعْجِزاتِ القاهِرَةَ. الإنْعامُ الثّانِي: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِنَ الشَّياطِينِ مَن يَغُوصُونَ لَهُ ويَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ وكُنّا لَهم حافِظِينَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: المُرادُ أنَّهم يَغُوصُونَ لَهُ في البِحارِ فَيَسْتَخْرِجُونَ الجَواهِرَ ويَتَجاوَزُونَ ذَلِكَ إلى الأعْمالِ والمِهَنِ، وبِناءِ المُدُنِ والقُصُورِ، واخْتِراعِ الصَّنائِعِ العَجِيبَةِ؛ كَما قالَ: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِن مَحارِيبَ وتَماثِيلَ وجِفانٍ﴾ [سَبَأٍ: ١٣ ] وأمّا الصِّناعاتُ فَكاتِّخاذِ الحَمّامِ والنَّوْرَةِ والطَّواحِينِ والقَوارِيرِ والصّابُونِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ومِنَ الشَّياطِينِ مَن يَغُوصُونَ لَهُ﴾ يَعْنِي وسَخَّرْنا لِسُلَيْمانَ مِنَ الشَّياطِينِ مَن يَغُوصُونَ لَهُ، فَيَكُونُ في مَوْضِعِ النَّصْبِ نَسَقًا عَلى الرِّيحِ؛ قالَ الزَّجّاجُ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: النَّسَقُ عَلى الرِّيحِ، وأنْ يَكُونَ المَعْنى: ولِسُلَيْمانَ الرِّيحُ، ولَهُ مَن يَغُوصُونَ لَهُ مِنَ الشَّياطِينِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ رَفْعًا عَلى الِابْتِداءِ، ويَكُونُ ”لَهُ“ هو الخَبَرُ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَن يَغُوصُ مِنهم هو الَّذِي يَعْمَلُ سائِرَ الأعْمالِ، ويُحْتَمَلُ أنَّهم فِرْقَةٌ أُخْرى، ويَكُونُ الكُلُّ داخِلِينَ في لَفْظَةِ مَن، وإنْ كانَ الأوَّلُ هو الأقْرَبَ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: لَيْسَ في الظّاهِرِ إلّا أنَّهُ سَخَّرَهم، لَكِنَّهُ قَدْ رُوِيَ أنَّهُ تَعالى سَخَّرَ كُفّارَهم دُونَ المُؤْمِنِينَ، وهو الأقْرَبُ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: إطْلاقُ لَفْظِ الشَّياطِينِ. والثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿وكُنّا لَهم حافِظِينَ﴾ فَإنَّ المُؤْمِنَ إذا سُخِّرَ في أمْرٍ لا يَجِبُ أنْ يُحْفَظَ لِئَلّا يُفْسِدَ، وإنَّما يَجِبُ ذَلِكَ في الكافِرِ. المَسْألَةُ الخامِسَةُ: في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿وكُنّا لَهم حافِظِينَ﴾ وُجُوهٌ: أحَدُها: أنَّهُ تَعالى وكَّلَ بِهِمْ جَمْعًا مِنَ المَلائِكَةِ، أوْ جَمْعًا مِن مُؤْمِنِي الجِنِّ. وثانِيها: سَخَّرَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِأنْ حَبَّبَ إلَيْهِمْ طاعَتَهُ وخَوَّفَهم مِن مُخالَفَتِهِ. وثالِثُها: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: يُرِيدُ وسُلْطانُهُ مُقِيمٌ عَلَيْهِمْ يَفْعَلُ بِهِمْ ما يَشاءُ، فَإنْ قِيلَ: وعَنْ أيِّ شَيْءٍ كانُوا مَحْفُوظِينَ ؟ قُلْنا: فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ تَعالى كانَ يَحْفَظُهم عَلَيْهِ لِئَلّا يَذْهَبُوا ويَتْرُكُوهُ. وثانِيها: قالَ الكَلْبِيُّ: كانَ يَحْفَظُهم مِن أنْ يُهَيِّجُوا أحَدًا في زَمانِهِ. وثالِثُها: كانَ يَحْفَظُهم مِن أنْ يُفْسِدُوا ما عَمِلُوا، فَكانَ دَأْبُهم أنَّهم يَعْمَلُونَ بِالنَّهارِ ثُمَّ يُفْسِدُونَهُ في اللَّيْلِ. المَسْألَةُ السّادِسَةُ: سَألَ الجُبّائِيُّ نَفْسَهُ، وقالَ: كَيْفَ يَتَهَيَّأُ لَهم هَذِهِ الأعْمالُ وأجْسامُهم رَقِيقَةٌ لا يَقْدِرُونَ عَلى عَمَلِ الثَّقِيلِ، وإنَّما يُمْكِنُهُمُ الوَسْوَسَةُ ؟ وأجابَ بِأنَّهُ سُبْحانَهُ كَثَّفَ أجْسامَهم خاصَّةً وقَوّاهم، وزادَ في عَظْمِهِمْ؛ لِيَكُونَ ذَلِكَ مُعْجِزًا لِسُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلَمّا ماتَ سُلَيْمانُ رَدَّهُمُ اللَّهُ إلى الخِلْقَةِ الأُولى؛ لِأنَّهُ لَوْ بَقّاهم عَلى الخِلْقَةِ الثّانِيَةِ لَصارَ شُبْهَةً عَلى النّاسِ، ولَوِ ادَّعى مُتَنَبِّئٌ النُّبُوَّةَ وجَعَلَهُ دَلالَةً، لَكانَ كَمُعْجِزاتِ الرُّسُلِ؛ فَلِذا رَدَّهم إلى خِلْقَتِهِمُ الأُولى، واعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ ساقِطٌ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: لِمَ قُلْتَ: إنَّ الجِنَّ مِنَ الأجْسامِ ؟ ولِمَ لا يَجُوزُ وُجُودُ مُحْدَثٍ لَيْسَ بِمُتَحَيِّزٍ ولا قائِمٍ بِالمُتَحَيِّزِ، ويَكُونُ الجِنُّ مِنهم ؟ فَإنْ قُلْتَ: لَوْ كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ لَكانَ مِثْلًا لِلْبارِي تَعالى؟، قُلْتُ: هَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ الِاشْتِراكَ في اللَّوازِمِ الثُّبُوتِيَّةِ لا يَدُلُّ عَلى الِاشْتِراكِ في المَلْزُوماتِ فَكَيْفَ اللَّوازِمُ السَّلْبِيَّةُ، سَلَّمْنا أنَّهُ جِسْمٌ، لَكِنْ لا يَجُوزُ حُصُولُ القُدْرَةِ عَلى هَذِهِ الأعْمالِ الشّاقَّةِ في الجِسْمِ اللَّطِيفِ، وكَلامُهُ بِناءً عَلى البِنْيَةِ شَرْطٌ ولَيْسَ في يَدِهِ إلّا الِاسْتِقْراءُ الضَّعِيفُ؛ سَلَّمْنا أنَّهُ لا صفحة ١٧٦ بُدَّ مِن تَكْثِيفِ أجْسامِهِمْ لَكِنْ لِمَ قُلْتَ: بِأنَّهُ لا بُدَّ مِن رَدِّها إلى الخِلْقَةِ الأُولى بَعْدَ مَوْتِ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإنْ قالَ: لِئَلّا يُفْضِيَ إلى التَّلْبِيسِ؛ قُلْنا: التَّلْبِيسُ غَيْرُ لازِمٍ؛ لِأنَّ المُتَنَبِّيَ إذا جَعَلَ ذَلِكَ مُعْجِزَةً لِنَفْسِهِ، فَلِلْمُدَّعِي أنْ يَقُولَ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ قُوَّةَ أجْسادِهِمْ كانَتْ مُعْجِزَةً لِنَبِيٍّ آخَرَ قَبْلَكَ، ومَعَ قِيامِ هَذا الِاحْتِمالِ لا يَتَمَكَّنُ المُتَنَبِّي مِنَ الِاسْتِدْلالِ بِهِ، واعْلَمْ أنَّ أجْسامَ هَذا العالَمِ إمّا كَثِيفَةٌ أوْ لَطِيفَةٌ، أمّا الكَثِيفُ فَأكْثَفُ الأجْسامِ الحِجارَةُ والحَدِيدُ، وقَدْ جَعَلَهُما اللَّهُ تَعالى مُعْجِزَةً لِداوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَأنْطَقَ الحَجْرَ ولَيَّنَ الحَدِيدَ، وكُلُّ واحِدٍ مِنهُما كَما يَدُلُّ عَلى التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ الحَشْرِ؛ لِأنَّهُ لَمّا قَدَرَ عَلى إحْياءِ الحِجارَةِ فَأيُّ بُعْدٍ في إحْياءِ العِظامِ الرَّمِيمَةِ، وإذا قَدَرَ عَلى أنْ يَجْعَلَ في إصْبَعِ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ قُوَّةَ النّارِ مَعَ كَوْنِ الإصْبَعِ في نِهايَةِ اللَّطافَةِ، فَأيُّ بُعْدٍ في أنْ يَجْعَلَ التُّرابَ اليابِسَ جِسْمًا حَيَوانِيًّا، وألْطَفُ الأشْياءِ في هَذا العالَمِ الهَواءُ والنّارُ، وقَدْ جَعَلَهُما اللَّهُ مُعْجِزَةً لِسُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ، أمّا الهَواءُ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ﴾ [ص: ٣٦] وأمّا النّارُ فَلِأنَّ الشَّياطِينَ مَخْلُوقُونَ مِنها، وقَدْ سَخَّرَهُمُ اللَّهُ تَعالى، فَكانَ يَأْمُرُهم بِالغَوْصِ في المِياهِ، والنّارُ تَنْطَفِئُ بِالماءِ، وهم ما كانَ يَضُرُّهم ذَلِكَ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى قُدْرَتِهِ عَلى إظْهارِ الضِّدِّ مِنَ الضِّدِّ.

الأنبياء 21:82

السُّؤالُ الثّالِثُ: إذا أثْبَتُّمْ أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ اخْتِلافُهُما لِأجْلِ النَّصِّ، وأنْ يَكُونَ لِأجْلِ الِاجْتِهادِ فَأيُّ صفحة ١٧٢ القَوْلَيْنِ أوْلى ؟ والجَوابُ: الِاجْتِهادُ أرْجَحُ لِوُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّهُ رُوِيَ في الأخْبارِ الكَثِيرَةِ أنَّ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَكُنْ قَدْ بَتَّ الحُكْمَ في ذَلِكَ حَتّى سَمِعَ مِن سُلَيْمانَ أنَّ غَيْرَ ذَلِكَ أوْلى، وفي بَعْضِها أنَّ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ ناشَدَهُ لِكَيْ يُورِدَ ما عِنْدَهُ، وكُلُّ ذَلِكَ لا يَلِيقُ بِالنَّصِّ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ نَصًّا لَكانَ يُظْهِرُهُ ولا يَكْتُمُهُ. السُّؤالُ الرّابِعُ: بَيِّنُوا أنَّهُ كَيْفَ كانَ طَرِيقُ الِاجْتِهادِ ؟ الجَوابُ: أنَّ وجْهَ الِاجْتِهادِ فِيهِ ما ذَكَرَهُ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - مِن أنَّ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ قَوَّمَ قَدْرَ الضَّرَرِ بِالكَرْمِ، فَكانَ مُساوِيًا لِقِيمَةِ الغَنَمِ، فَكانَ عِنْدَهُ أنَّ الواجِبَ في ذَلِكَ الضَّرَرِ أنْ يُزالَ بِمِثْلِهِ مِنَ النَّفْعِ، فَلا جَرَمَ سَلَّمَ الغَنَمَ إلى المَجْنِيِّ عَلَيْهِ، كَما قالَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ في العَبْدِ: إذا جَنى عَلى النَّفْسِ يَدْفَعُهُ المَوْلى بِذَلِكَ أوْ يَفْدِيهِ، وأمّا سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَإنَّ اجْتِهادَهُ أدّى إلى أنْ يَجِبَ مُقابَلَةُ الأُصُولِ بِالأُصُولِ والزَّوائِدِ بِالزَّوائِدِ، فَأمّا مُقابَلَةُ الأُصُولِ بِالزَّوائِدِ فَغَيْرُ جائِزٍ؛ لِأنَّهُ يَقْتَضِي الحَيْفَ والجَوْرَ، ولَعَلَّ مَنافِعَ الغَنَمِ في تِلْكَ السَّنَةِ كانَتْ مُوازِيَةً لِمَنافِعِ الكَرْمِ فَحَكَمَ بِهِ، كَما قالَ الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: فِيمَن غَصَبَ عَبْدًا فَأبَقَ مِن يَدِهِ أنَّهُ يَضْمَنُ القِيمَةَ لِيَنْتَفِعَ بِها المَغْصُوبُ مِنهُ بِإزاءِ ما فَوَّتَهُ الغاصِبُ مِن مَنافِعِ العَبْدِ، فَإذا ظَهَرَ تَرادّا. السُّؤالُ الخامِسُ: عَلى تَقْدِيرِ أنْ ثَبَتَ قَطْعًا أنَّ تِلْكَ المُخالَفَةَ كانَتْ مَبْنِيَّةً عَلى الِاجْتِهادِ، فَهَلْ تَدُلُّ هَذِهِ القِصَّةُ عَلى أنَّ المُصِيبَ واحِدٌ أوِ الكُلَّ مُصِيبُونَ ؟ الجَوابُ: أمّا القائِلُونَ بِأنَّ المُصِيبَ واحِدٌ فَفِيهِمْ مَنِ اسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ﴾ قالَ: ولَوْ كانَ الكُلُّ مُصِيبًا لَمْ يَكُنْ لِتَخْصِيصِ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِهَذا التَّفْهِيمِ فائِدَةٌ، وأمّا القائِلُونَ بِأنَّ الكُلَّ مُصِيبُونَ فَفِيهِمْ مَنِ اسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ: ﴿وكُلًّا آتَيْنا حُكْمًا وعِلْمًا﴾ ولَوْ كانَ المُصِيبُ واحِدًا ومُخالِفُهُ مُخْطِئًا لَما صَحَّ أنْ يُقالَ: ﴿وكُلًّا آتَيْنا حُكْمًا وعِلْمًا﴾ واعْلَمْ أنَّ الِاسْتِدْلالَيْنِ ضَعِيفانِ. أمّا الأوَّلُ: فَلِأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَقُلْ: إنَّهُ فَهَّمَهُ الصَّوابَ، فَيُحْتَمَلُ أنَّهُ فَهَّمَهُ النّاسِخَ ولَمْ يُفَهِّمْ ذَلِكَ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُ وكُلُّ واحِدٍ مِنهُما مُصِيبٌ فِيما حَكَمَ بِهِ، عَلى أنَّ أكْثَرَ ما في الآيَةِ أنَّها دالَّةٌ عَلى أنَّ داوُدَ وسُلَيْمانَ عَلَيْهِما السَّلامُ ما كانا مُصِيبَيْنِ وذَلِكَ لا يُوجِبُ أنْ يَكُونَ الأمْرُ كَذَلِكَ في شَرْعِنا. وأمّا الثّانِي: فَلِأنَّهُ تَعالى لَمْ يَقُلْ: إنَّ كُلًّا آتَيْناهُ حُكْمًا وعِلْمًا بِما حَكَمَ بِهِ، بَلْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ آتَيْناهُ حُكْمًا وعِلْمًا بِوُجُوهِ الِاجْتِهادِ وطُرُقِ الأحْكامِ، عَلى أنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن كَوْنِ كُلِّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبًا في شَرْعِهِمْ أنْ يَكُونَ الأمْرُ كَذَلِكَ في شَرْعِنا. * * * السُّؤالُ السّادِسُ: لَوْ وقَعَتْ هَذِهِ الواقِعَةُ في شَرْعِنا ما حُكْمُها ؟ الجَوابُ: قالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: هَذِهِ الآيَةُ مُحْكَمَةٌ، والقُضاةُ بِذَلِكَ يَقْضُونَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، واعْلَمْ أنَّ كَثِيرًا مِنَ العُلَماءِ يَزْعُمُونَ أنَّهُ مَنسُوخٌ بِالإجْماعِ ثُمَّ اخْتَلَفُوا في حُكْمِهِ فَقالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: إنْ كانَ ذَلِكَ بِالنَّهارِ لا ضَمانَ؛ لِأنَّ لِصاحِبِ الماشِيَةِ تَسْيِيبَ ماشِيَتِهِ بِالنَّهارِ، وحِفْظَ الزَّرْعِ بِالنَّهارِ عَلى صاحِبِهِ. وإنْ كانَ لَيْلًا يَلْزَمُهُ الضَّمانُ؛ لِأنَّ حِفْظَها بِاللَّيْلِ عَلَيْهِ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: لا ضَمانَ عَلَيْهِ لَيْلًا كانَ أوْ نَهارًا إذا لَمْ يَكُنْ مُتَعَدِّيًا بِالإرْسالِ؛ لِقَوْلِهِ ﷺ: «جُرْحُ العَجْماءِ جُبارٌ» واحْتَجَّ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ بِما رُوِيَ عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ أنَّهُ قالَ: «كانَتْ ناقَةٌ ضارِيَةٌ فَدَخَلَتْ حائِطًا فَأفْسَدَتْهُ، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَضى أنَّ حِفْظَ الحَوائِطِ بِالنَّهارِ عَلى أهْلِها، وأنَّ حِفْظَ الماشِيَةِ بِاللَّيْلِ عَلى أهْلِها، وأنَّ عَلى أهْلِ الماشِيَةِ ما أصابَتْ ماشِيَتُهم بِاللَّيْلِ» وهَذا تَمامُ القَوْلِ في هَذِهِ الآيَةِ. * * * ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ النِّعَمِ الَّتِي خَصَّ بِها داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ أمْرَيْنِ: الأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الجِبالَ يُسَبِّحْنَ والطَّيْرَ وكُنّا فاعِلِينَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: صفحة ١٧٣ المَسْألَةُ الأُولى: في تَفْسِيرِ هَذا التَّسْبِيحِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ الجِبالَ كانَتْ تُسَبِّحُ ثُمَّ ذَكَرُوا وُجُوهًا: أحَدُها: قالَ مُقاتِلٌ: إذا ذَكَرَ داوُدُ عَلَيْهِ السَّلامُ رَبَّهُ ذَكَرَتِ الجِبالُ والطَّيْرُ رَبَّها مَعَهُ. وثانِيها: قالَ الكَلْبِيُّ: إذا سَبَّحَ داوُدُ أجابَتْهُ الجِبالُ. وثالِثُها: قالَ سُلَيْمانُ بْنُ حَيّانَ: كانَ داوُدُ عَلَيْهِ السَّلامُ إذا وجَدَ فَتْرَةً أمَرَ اللَّهُ تَعالى الجِبالَ فَسَبَّحَتْ فَيَزْدادُ نَشاطًا واشْتِياقًا. القَوْلُ الثّانِي: وهو اخْتِيارُ بَعْضِ أصْحابِ المَعانِي أنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ تَسْبِيحُ الجِبالِ والطَّيْرِ بِمَثابَةِ قَوْلِهِ: ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤] وتَخْصِيصُ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِذَلِكَ إنَّما كانَ بِسَبَبِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَعْرِفُ ذَلِكَ ضَرُورَةً فَيَزْدادُ يَقِينًا وتَعْظِيمًا، والقَوْلُ الأوَّلُ أقْرَبُ؛ لِأنَّهُ لا ضَرُورَةَ في صَرْفِ اللَّفْظِ عَنْ ظاهِرِهِ. وأمّا المُعْتَزِلَةُ فَقالُوا: لَوْ حَصَلَ الكَلامُ مِنَ الجَبَلِ لَحَصَلَ إمّا بِفِعْلِهِ أوْ بِفِعْلِ اللَّهِ تَعالى فِيهِ؛ والأوَّلُ: مُحالٌ؛ لِأنَّ بِنْيَةَ الجَبَلِ لا تَحْتَمِلُ الحَياةَ والعِلْمَ والقُدْرَةَ، وما لا يَكُونُ حَيًّا عالِمًا قادِرًا يَسْتَحِيلُ مِنهُ الفِعْلُ، والثّانِي: أيْضًا مُحالٌ؛ لِأنَّ المُتَكَلِّمَ عِنْدَهم مَن كانَ فاعِلًا لِلْكَلامِ، لا مَن كانَ مَحَلًّا لِلْكَلامِ، فَلَوْ كانَ فاعِلُ ذَلِكَ الكَلامِ هو اللَّهُ تَعالى لَكانَ المُتَكَلِّمُ هو اللَّهُ تَعالى لا الجَبَلُ، فَثَبَتَ أنَّهُ لا يُمْكِنُ إجْراؤُهُ عَلى ظاهِرِهِ، فَعِنْدَ هَذا قالُوا في: ﴿وسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الجِبالَ يُسَبِّحْنَ﴾ ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياجِبالُ أوِّبِي مَعَهُ﴾ [سبأ: ١٠] مَعْناهُ تَصَرَّفِي مَعَهُ وسِيرِي بِأمْرِهِ، ويُسَبِّحْنَ مِنَ السَّبْحِ الَّذِي السِّباحَةُ خَرَجَ اللَّفْظُ فِيهِ عَلى التَّكْثِيرِ، ولَوْ لَمْ يَقْصِدِ التَّكْثِيرَ لَقِيلَ: يَسْبَحْنَ، فَلَمّا كَثُرَ قِيلَ: يُسَبِّحْنَ مَعَهُ، أيْ سِيرِي وهو كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ لَكَ في اَلنَّهارِ سَبْحًا طَوِيلًا﴾ [المزمل: ٧] أيْ تَصَرُّفًا ومَذْهَبًا. إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّ سَيْرَها هو التَّسْبِيحُ لِدَلالَتِهِ عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وعَلى سائِرِ ما تَنَزَّهَ عَنْهُ، واعْلَمْ أنَّ مَدارَ هَذا القَوْلِ عَلى أنَّ بِنْيَةَ الجَبَلِ لا تَقْبَلُ الحَياةَ، وهَذا مَمْنُوعٌ، وعَلى أنَّ التَّكَلُّمَ مِن فِعْلِ اللَّهِ، وهو أيْضًا مَمْنُوعٌ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أمّا الطَّيْرُ فَلا امْتِناعَ في أنْ يَصْدُرَ عَنْها الكَلامُ، ولَكِنْ أجْمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى أنَّ المُكَلَّفِينَ إمّا الجِنُّ أوِ الإنْسُ أوِ المَلائِكَةُ فَيَمْتَنِعُ فِيها أنْ تَبْلُغَ في العَقْلِ إلى دَرَجَةِ التَّكْلِيفِ، بَلْ تَكُونُ عَلى حالَةٍ كَحالِ الطِّفْلِ في أنْ يُؤْمَرَ ويُنْهى، وإنْ لَمْ يَكُنْ مُكَلَّفًا فَصارَ ذَلِكَ مُعْجِزَةً مِن حَيْثُ جَعَلَها في الفَهْمِ بِمَنزِلَةِ المُراهِقِ، وأيْضًا فِيهِ دَلالَةٌ عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وعَلى تَنَزُّهِهِ عَمّا لا يَجُوزُ؛ فَيَكُونُ القَوْلُ فِيهِ كالقَوْلِ في الجِبالِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: يُسَبِّحْنَ حالٌ بِمَعْنى مُسَبِّحاتٍ أوِ اسْتِئْنافٌ، كَأنَّ قائِلًا قالَ: كَيْفَ سَخَّرَهُنَّ ؟ فَقالَ: يُسَبِّحْنَ. ”والطَّيْرَ“ إمّا مَعْطُوفٌ عَلى الجِبالِ وإمّا مَفْعُولٌ مَعَهُ. فَإنْ قُلْتَ: لِمَ قُدِّمَتِ الجِبالُ عَلى الطَّيْرِ ؟ قُلْتُ: لِأنَّ تَسْخِيرَها وتَسْبِيحَها أعْجَبُ وأدَلُّ عَلى القُدْرَةِ وأدْخَلُ في الإعْجازِ؛ لِأنَّها جَمادٌ، والطَّيْرُ حَيَوانٌ ناطِقٌ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿وكُنّا فاعِلِينَ﴾ فالمَعْنى أنّا قادِرُونَ عَلى أنْ نَفْعَلَ هَذا، وإنْ كانَ عَجَبًا عِنْدَكم، وقِيلَ: نَفْعَلُ ذَلِكَ بِالأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ. الإنْعامُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكم لِتُحْصِنَكم مِن بَأْسِكم فَهَلْ أنْتُمْ شاكِرُونَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اللَّبُوسُ اللِّباسُ، قالَ: البَسْ لِكُلِّ حالَةٍ لَبُوسَها. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ”لِتُحْصِنَكم“ قُرِئَ بِالنُّونِ والياءِ والتّاءِ وتَخْفِيفِ الصّادِ وتَشْدِيدِها، فالنُّونُ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ، والتّاءُ لِلصَّنْعَةِ أوْ لِلَّبُوسِ عَلى تَأْوِيلِ الدِّرْعِ، والياءُ لِلَّهِ تَعالى أوْ لِداوُدَ أوْ لِلَّبُوسِ. صفحة ١٧٤ المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ قَتادَةُ: أوَّلُ مَن صَنَعَ الدِّرْعَ داوُدُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وإنَّما كانَتْ صَفائِحَ قَبْلَهُ، فَهو أوَّلُ مَن سَرَدَها واتَّخَذَها حِلَقًا، ذَكَرَ الحَسَنُ أنَّ لُقْمانَ الحَكِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ حَضَرَهُ وهو يَعْمَلُ الدِّرْعَ، فَأرادَ أنْ يَسْألَ عَمّا يَفْعَلُ ثُمَّ سَكَتَ حَتّى فَرَغَ مِنها ولَبِسَها عَلى نَفْسِهِ، فَقالَ: الصَّمْتُ حِكْمَةٌ وقَلِيلٌ فاعِلُهُ؛ قالُوا: إنَّ اللَّهَ تَعالى ألانَ الحَدِيدَ لَهُ يَعْمَلُ مِنهُ بِغَيْرِ نارٍ كَأنَّهُ طِينٌ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: البَأْسُ هاهُنا الحَرْبُ، وإنْ وقَعَ عَلى السُّوءِ كُلِّهِ، والمَعْنى لِيَمْنَعَكم ويَحْرُسَكم مِن بَأْسِكم، أيْ مِنَ الجَرْحِ والقَتْلِ والسَّيْفِ والسَّهْمِ والرُّمْحِ. المَسْألَةُ الخامِسَةُ: فِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ أوَّلَ مَن عَمِلَ الدِّرْعَ داوُدُ ثُمَّ تَعَلَّمُ النّاسُ مِنهُ، فَتَوارَثَ النّاسُ عَنْهُ ذَلِكَ، فَعَمَّتِ النِّعْمَةُ بِها كُلَّ المُحارِبِينَ مِنَ الخَلْقِ إلى آخِرِ الدَّهْرِ، فَلَزِمَهم شُكْرُ اللَّهِ تَعالى عَلى النِّعْمَةِ فَقالَ: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ شاكِرُونَ﴾ أيِ اشْكُرُوا اللَّهَ عَلى ما يَسَّرَ عَلَيْكم مِن هَذِهِ الصَّنْعَةِ، واعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا ذَكَرَ النِّعَمَ الَّتِي خَصَّ داوُدَ بِها ذَكَرَ بَعْدَهُ النِّعَمَ الَّتِي خَصَّ بِها سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقالَ قَتادَةُ: ورَّثَ اللَّهُ تَعالى سُلَيْمانَ مِن داوُدَ مُلْكَهُ ونُبُوَّتَهُ وزادَهُ عَلَيْهِ أمْرَيْنِ سَخَّرَ لَهُ الرِّيحَ والشَّياطِينَ. الإنْعامُ الأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً تَجْرِي بِأمْرِهِ﴾ أيْ جَعَلْناها طائِعَةً مُنْقادَةً لَهُ، بِمَعْنى أنَّهُ إنْ أرادَها عاصِفَةً كانَتْ عاصِفَةً، وإنْ أرادَها لَيِّنَةً كانَتْ لَيِّنَةً، واللَّهُ تَعالى مُسَخِّرُها في الحالَتَيْنِ، فَإنْ قِيلَ: العاصِفُ الشَّدِيدَةُ الهُبُوبِ، وقَدْ وصَفَها اللَّهُ تَعالى بِالرَّخاوَةِ في قَوْلِهِ: ﴿رُخاءً حَيْثُ أصابَ﴾ [ص: ٣٦] فَكَيْفَ يَكُونُ الجَمْعُ بَيْنَهُما ؟ والجَوابُ: مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّها كانَتْ في نَفْسِها رَخِيَّةً طَيِّبَةً كالنَّسِيمِ، فَإذا مَرَّتْ بِكُرْسِيِّهِ أبْعَدَتْ بِهِ في مُدَّةٍ يَسِيرَةٍ عَلى ما قالَ: ﴿غُدُوُّها شَهْرٌ ورَواحُها شَهْرٌ﴾ [سبأ: ١٢] وكانَتْ جامِعَةً بَيْنَ الأمْرَيْنِ رُخاءٍ في نَفْسِها وعاصِفَةٍ في عَمَلِها مَعَ طاعَتِها لِسُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وهُبُوبُها عَلى حَسَبِ ما يُرِيدُ ويُحْكِمُ آيَةً إلى آيَةٍ، ومُعْجِزَةً إلى مُعْجِزَةٍ. الثّانِي: أنَّها كانَتْ في وقْتٍ رُخاءً وفي وقْتٍ عاصِفًا، لِأجْلِ هُبُوبِها عَلى حُكْمِ إرادَتِهِ. المَسْألَةُ السّادِسَةُ: قُرِئَ ”الرِّيحُ“ و”الرِّياحُ“ بِالرَّفْعِ والنَّصْبِ فِيهِما، فالرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ، والنَّصْبُ لِلْعَطْفِ عَلى الجِبالِ، فَإنْ قِيلَ: قالَ في داوُدَ: ﴿وسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الجِبالَ﴾ وقالَ في حَقِّ سُلَيْمانَ: ﴿ولِسُلَيْمانَ الرِّيحَ﴾ فَذَكَرَهُ في حَقِّ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِكَلِمَةِ مَعَ وفي حَقِّ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِاللّامِ وراعى هَذا التَّرْتِيبَ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿ياجِبالُ أوِّبِي مَعَهُ والطَّيْرَ﴾ [سبأ: ١٠] وقالَ: ﴿فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأمْرِهِ﴾ [ص: ٣٦] فَما الفائِدَةُ في تَخْصِيصِ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِلَفْظِ مَعَ، وسُلَيْمانَ بِاللّامِ ؟ قُلْنا: يُحْتَمَلُ أنَّ الجَبَلَ لَمّا اشْتَغَلَ بِالتَّسْبِيحِ حَصَلَ لَهُ نَوْعُ شَرَفٍ، فَما أُضِيفَ إلَيْهِ بِلامِ التَّمْلِيكِ، أمّا الرِّيحُ فَلَمْ يَصْدُرْ عَنْهُ إلّا ما يَجْرِي مَجْرى الخِدْمَةِ، فَلا جَرَمَ أُضِيفَ إلى سُلَيْمانَ بِلامِ التَّمْلِيكِ، وهَذا إقْناعِي. * * * أمّا قَوْلُهُ: ﴿إلى الأرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ﴾ أيْ إلى المُضِيِّ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، قالَ الكَلْبِيُّ: كانَتْ تَسِيرُ مِن إصْطَخْرَ إلى الشّامِ يَرْكَبُ عَلَيْها سُلَيْمانُ وأصْحابُهُ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿وكُنّا بِكُلِّ شَيْءٍ عالِمِينَ﴾ أيْ لِعِلْمِنا بِالأشْياءِ صَحَّ مِنّا أنْ نُدَبِّرَ هَذا التَّدْبِيرَ في رُسُلِنا، وفي صفحة ١٧٥ خَلْقِنا، وأنْ نَفْعَلَ هَذِهِ المُعْجِزاتِ القاهِرَةَ. الإنْعامُ الثّانِي: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِنَ الشَّياطِينِ مَن يَغُوصُونَ لَهُ ويَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ وكُنّا لَهم حافِظِينَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: المُرادُ أنَّهم يَغُوصُونَ لَهُ في البِحارِ فَيَسْتَخْرِجُونَ الجَواهِرَ ويَتَجاوَزُونَ ذَلِكَ إلى الأعْمالِ والمِهَنِ، وبِناءِ المُدُنِ والقُصُورِ، واخْتِراعِ الصَّنائِعِ العَجِيبَةِ؛ كَما قالَ: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِن مَحارِيبَ وتَماثِيلَ وجِفانٍ﴾ [سَبَأٍ: ١٣ ] وأمّا الصِّناعاتُ فَكاتِّخاذِ الحَمّامِ والنَّوْرَةِ والطَّواحِينِ والقَوارِيرِ والصّابُونِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ومِنَ الشَّياطِينِ مَن يَغُوصُونَ لَهُ﴾ يَعْنِي وسَخَّرْنا لِسُلَيْمانَ مِنَ الشَّياطِينِ مَن يَغُوصُونَ لَهُ، فَيَكُونُ في مَوْضِعِ النَّصْبِ نَسَقًا عَلى الرِّيحِ؛ قالَ الزَّجّاجُ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: النَّسَقُ عَلى الرِّيحِ، وأنْ يَكُونَ المَعْنى: ولِسُلَيْمانَ الرِّيحُ، ولَهُ مَن يَغُوصُونَ لَهُ مِنَ الشَّياطِينِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ رَفْعًا عَلى الِابْتِداءِ، ويَكُونُ ”لَهُ“ هو الخَبَرُ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَن يَغُوصُ مِنهم هو الَّذِي يَعْمَلُ سائِرَ الأعْمالِ، ويُحْتَمَلُ أنَّهم فِرْقَةٌ أُخْرى، ويَكُونُ الكُلُّ داخِلِينَ في لَفْظَةِ مَن، وإنْ كانَ الأوَّلُ هو الأقْرَبَ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: لَيْسَ في الظّاهِرِ إلّا أنَّهُ سَخَّرَهم، لَكِنَّهُ قَدْ رُوِيَ أنَّهُ تَعالى سَخَّرَ كُفّارَهم دُونَ المُؤْمِنِينَ، وهو الأقْرَبُ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: إطْلاقُ لَفْظِ الشَّياطِينِ. والثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿وكُنّا لَهم حافِظِينَ﴾ فَإنَّ المُؤْمِنَ إذا سُخِّرَ في أمْرٍ لا يَجِبُ أنْ يُحْفَظَ لِئَلّا يُفْسِدَ، وإنَّما يَجِبُ ذَلِكَ في الكافِرِ. المَسْألَةُ الخامِسَةُ: في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿وكُنّا لَهم حافِظِينَ﴾ وُجُوهٌ: أحَدُها: أنَّهُ تَعالى وكَّلَ بِهِمْ جَمْعًا مِنَ المَلائِكَةِ، أوْ جَمْعًا مِن مُؤْمِنِي الجِنِّ. وثانِيها: سَخَّرَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِأنْ حَبَّبَ إلَيْهِمْ طاعَتَهُ وخَوَّفَهم مِن مُخالَفَتِهِ. وثالِثُها: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: يُرِيدُ وسُلْطانُهُ مُقِيمٌ عَلَيْهِمْ يَفْعَلُ بِهِمْ ما يَشاءُ، فَإنْ قِيلَ: وعَنْ أيِّ شَيْءٍ كانُوا مَحْفُوظِينَ ؟ قُلْنا: فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ تَعالى كانَ يَحْفَظُهم عَلَيْهِ لِئَلّا يَذْهَبُوا ويَتْرُكُوهُ. وثانِيها: قالَ الكَلْبِيُّ: كانَ يَحْفَظُهم مِن أنْ يُهَيِّجُوا أحَدًا في زَمانِهِ. وثالِثُها: كانَ يَحْفَظُهم مِن أنْ يُفْسِدُوا ما عَمِلُوا، فَكانَ دَأْبُهم أنَّهم يَعْمَلُونَ بِالنَّهارِ ثُمَّ يُفْسِدُونَهُ في اللَّيْلِ. المَسْألَةُ السّادِسَةُ: سَألَ الجُبّائِيُّ نَفْسَهُ، وقالَ: كَيْفَ يَتَهَيَّأُ لَهم هَذِهِ الأعْمالُ وأجْسامُهم رَقِيقَةٌ لا يَقْدِرُونَ عَلى عَمَلِ الثَّقِيلِ، وإنَّما يُمْكِنُهُمُ الوَسْوَسَةُ ؟ وأجابَ بِأنَّهُ سُبْحانَهُ كَثَّفَ أجْسامَهم خاصَّةً وقَوّاهم، وزادَ في عَظْمِهِمْ؛ لِيَكُونَ ذَلِكَ مُعْجِزًا لِسُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلَمّا ماتَ سُلَيْمانُ رَدَّهُمُ اللَّهُ إلى الخِلْقَةِ الأُولى؛ لِأنَّهُ لَوْ بَقّاهم عَلى الخِلْقَةِ الثّانِيَةِ لَصارَ شُبْهَةً عَلى النّاسِ، ولَوِ ادَّعى مُتَنَبِّئٌ النُّبُوَّةَ وجَعَلَهُ دَلالَةً، لَكانَ كَمُعْجِزاتِ الرُّسُلِ؛ فَلِذا رَدَّهم إلى خِلْقَتِهِمُ الأُولى، واعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ ساقِطٌ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: لِمَ قُلْتَ: إنَّ الجِنَّ مِنَ الأجْسامِ ؟ ولِمَ لا يَجُوزُ وُجُودُ مُحْدَثٍ لَيْسَ بِمُتَحَيِّزٍ ولا قائِمٍ بِالمُتَحَيِّزِ، ويَكُونُ الجِنُّ مِنهم ؟ فَإنْ قُلْتَ: لَوْ كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ لَكانَ مِثْلًا لِلْبارِي تَعالى؟، قُلْتُ: هَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ الِاشْتِراكَ في اللَّوازِمِ الثُّبُوتِيَّةِ لا يَدُلُّ عَلى الِاشْتِراكِ في المَلْزُوماتِ فَكَيْفَ اللَّوازِمُ السَّلْبِيَّةُ، سَلَّمْنا أنَّهُ جِسْمٌ، لَكِنْ لا يَجُوزُ حُصُولُ القُدْرَةِ عَلى هَذِهِ الأعْمالِ الشّاقَّةِ في الجِسْمِ اللَّطِيفِ، وكَلامُهُ بِناءً عَلى البِنْيَةِ شَرْطٌ ولَيْسَ في يَدِهِ إلّا الِاسْتِقْراءُ الضَّعِيفُ؛ سَلَّمْنا أنَّهُ لا صفحة ١٧٦ بُدَّ مِن تَكْثِيفِ أجْسامِهِمْ لَكِنْ لِمَ قُلْتَ: بِأنَّهُ لا بُدَّ مِن رَدِّها إلى الخِلْقَةِ الأُولى بَعْدَ مَوْتِ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإنْ قالَ: لِئَلّا يُفْضِيَ إلى التَّلْبِيسِ؛ قُلْنا: التَّلْبِيسُ غَيْرُ لازِمٍ؛ لِأنَّ المُتَنَبِّيَ إذا جَعَلَ ذَلِكَ مُعْجِزَةً لِنَفْسِهِ، فَلِلْمُدَّعِي أنْ يَقُولَ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ قُوَّةَ أجْسادِهِمْ كانَتْ مُعْجِزَةً لِنَبِيٍّ آخَرَ قَبْلَكَ، ومَعَ قِيامِ هَذا الِاحْتِمالِ لا يَتَمَكَّنُ المُتَنَبِّي مِنَ الِاسْتِدْلالِ بِهِ، واعْلَمْ أنَّ أجْسامَ هَذا العالَمِ إمّا كَثِيفَةٌ أوْ لَطِيفَةٌ، أمّا الكَثِيفُ فَأكْثَفُ الأجْسامِ الحِجارَةُ والحَدِيدُ، وقَدْ جَعَلَهُما اللَّهُ تَعالى مُعْجِزَةً لِداوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَأنْطَقَ الحَجْرَ ولَيَّنَ الحَدِيدَ، وكُلُّ واحِدٍ مِنهُما كَما يَدُلُّ عَلى التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ الحَشْرِ؛ لِأنَّهُ لَمّا قَدَرَ عَلى إحْياءِ الحِجارَةِ فَأيُّ بُعْدٍ في إحْياءِ العِظامِ الرَّمِيمَةِ، وإذا قَدَرَ عَلى أنْ يَجْعَلَ في إصْبَعِ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ قُوَّةَ النّارِ مَعَ كَوْنِ الإصْبَعِ في نِهايَةِ اللَّطافَةِ، فَأيُّ بُعْدٍ في أنْ يَجْعَلَ التُّرابَ اليابِسَ جِسْمًا حَيَوانِيًّا، وألْطَفُ الأشْياءِ في هَذا العالَمِ الهَواءُ والنّارُ، وقَدْ جَعَلَهُما اللَّهُ مُعْجِزَةً لِسُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ، أمّا الهَواءُ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ﴾ [ص: ٣٦] وأمّا النّارُ فَلِأنَّ الشَّياطِينَ مَخْلُوقُونَ مِنها، وقَدْ سَخَّرَهُمُ اللَّهُ تَعالى، فَكانَ يَأْمُرُهم بِالغَوْصِ في المِياهِ، والنّارُ تَنْطَفِئُ بِالماءِ، وهم ما كانَ يَضُرُّهم ذَلِكَ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى قُدْرَتِهِ عَلى إظْهارِ الضِّدِّ مِنَ الضِّدِّ.

الأنبياء 21:83

[ القِصَّةُ السّادِسَةُ، قِصَّةُ أيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ ] قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأيُّوبَ إذْ نادى رَبَّهُ أنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وأنْتَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ ﴿فاسْتَجَبْنا لَهُ فَكَشَفْنا ما بِهِ مِن ضُرٍّ وآتَيْناهُ أهْلَهُ ومِثْلَهم مَعَهم رَحْمَةً مِن عِنْدِنا وذِكْرى لِلْعابِدِينَ﴾ اعْلَمْ أنَّ في أمْرِ أيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى مِن شَأْنِهِ هاهُنا، وفي غَيْرِهِ مِنَ القُرْآنِ مِنَ العِبَرِ والدَّلائِلِ ما لَيْسَ في غَيْرِهِ؛ لِأنَّهُ تَعالى مَعَ عَظِيمِ فَضْلِهِ أنْزَلَ بِهِ مِنَ المَرَضِ العَظِيمِ ما أنْزَلَهُ مِمّا كانَ غَيْرُهُ لَهُ ولِغَيْرِهِ، ولِسائِرِ مَن سَمِعَ بِذَلِكَ وتَعْرِيفًا لَهم أنَّ الدُّنْيا مَزْرَعَةُ الآخِرَةِ، وأنَّ الواجِبَ عَلى المَرْءِ أنْ يَصْبِرَ عَلى ما يَنالُهُ مِنَ البَلاءِ فِيها، ويَجْتَهِدَ في القِيامِ بِحَقِّ اللَّهِ تَعالى، ويَصْبِرَ عَلى حالَتَيِ الضَّرّاءِ والسَّرّاءِ؛ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: كانَ أيُّوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ رَجُلًا مِنَ الرُّومِ، وهو أيُّوبُ بْنُ أنُوصَ، وكانَ مِن ولَدِ عِيصِ بْنِ إسْحاقَ، وكانَتْ أُمُّهُ مِن ولَدِ لُوطٍ، وكانَ اللَّهُ تَعالى قَدِ اصْطَفاهُ وجَعَلَهُ نَبِيًّا، وكانَ مَعَ ذَلِكَ قَدْ أعْطاهُ مِنَ الدُّنْيا حَظًّا وافِرًا مِنَ النِّعَمِ والدَّوابِّ والبَساتِينِ، وأعْطاهُ أهْلًا ووَلَدًا مِن رِجالٍ ونِساءٍ، وكانَ رَحِيمًا بِالمَساكِينِ، وكانَ يَكْفُلُ الأيْتامَ والأرامِلَ ويُكْرِمُ الضَّيْفَ وكانَ مَعَهُ ثَلاثَةُ نَفَرٍ قَدْ آمَنُوا بِهِ وعَرَفُوا فَضْلَهُ، قالَ وهْبٌ: وإنَّ لِجِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ تَعالى مَقامًا لَيْسَ لِأحَدٍ مِنَ المَلائِكَةِ مِثْلُهُ في القُرْبَةِ والفَضِيلَةِ، وهو الَّذِي يَتَلَقّى الكَلامَ فَإذا ذَكَرَ اللَّهُ عَبْدًا بِخَيْرٍ تَلَقّاهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، ثُمَّ تَلَقّاهُ مِيكائِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ ثُمَّ مَن حَوْلَهُ مِنَ المَلائِكَةِ المُقَرَّبِينَ، فَإذا شاعَ ذَلِكَ فَهم يُصَلُّونَ عَلَيْهِ، ثُمَّ صَلَّتْ مَلائِكَةُ السَّماواتِ ثُمَّ مَلائِكَةُ الأرْضِ، وكانَ إبْلِيسُ لَمْ يُحْجَبْ عَنْ شَيْءٍ مِنَ السَّماواتِ، وكانَ يَقِفُ فِيهِنَّ حَيْثُما أرادَ، ومِن هُناكَ وصَلَ إلى صفحة ١٧٧ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ حَتّى أخْرَجَهُ مِنَ الجَنَّةِ، ولَمْ يَزَلْ عَلى ذَلِكَ حَتّى رُفِعَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَحُجِبَ عَنْ أرْبَعٍ، فَكانَ يَصْعَدُ بَعْدَ ذَلِكَ إلى ثَلاثٍ إلى زَمانِ نَبِيِّنا مُحَمَّدٍ ﷺ فَحُجِبَ عِنْدَ ذَلِكَ عَنْ جَمِيعِ السَّماواتِ إلّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ، قالَ: فَسَمِعَ إبْلِيسُ تَجاوُبَ المَلائِكَةِ بِالصَّلاةِ عَلى أيُّوبَ فَأدْرَكَهُ الحَسَدُ، فَصَعِدَ سَرِيعًا حَتّى وقَفَ مِنَ السَّماءِ مَوْقِفًا كانَ يَقِفُهُ، فَقالَ: يا رَبِّ، إنَّكَ أنْعَمْتَ عَلى عَبْدِكَ أيُّوبَ فَشَكَرَكَ، وعافَيْتَهُ فَحَمِدَكَ، ثُمَّ لَمْ تُجَرِّبْهُ بِشِدَّةٍ ولا بَلاءٍ، وأنا لَكَ زَعِيمٌ لَئِنْ ضَرَبْتَهُ بِالبَلاءِ لَيَكْفُرَنَّ بِكَ، فَقالَ اللَّهُ تَعالى: انْطَلِقْ فَقَدْ سَلَّطْتُكَ عَلى مالِهِ. فانْقَضَّ المَلْعُونُ حَتّى وقَعَ إلى الأرْضِ وجَمَعَ عَفارِيتَ الشَّياطِينِ، وقالَ لَهم: ماذا عِنْدَكم مِنَ القُوَّةِ فَإنِّي سُلِّطْتُ عَلى مالِ أيُّوبَ ؟ قالَ عِفْرِيتٌ: أُعْطِيتُ مِنَ القُوَّةِ ما إذا شِئْتُ تَحَوَّلْتُ إعْصارًا مِن نارٍ فَأحْرَقْتُ كُلَّ شَيْءٍ آتِي عَلَيْهِ، فَقالَ إبْلِيسُ: فَأْتِ الإبِلَ ورِعاءَها، فَذَهَبَ ولَمْ يَشْعُرِ النّاسُ حَتّى ثارَ مِن تَحْتِ الأرْضِ إعْصارٌ مِن نارٍ لا يَدْنُو مِنها شَيْءٌ إلّا احْتَرَقَ، فَلَمْ يَزَلْ يُحْرِقُها ورِعاءَها حَتّى أتى عَلى آخِرِها، فَذَهَبَ إبْلِيسُ عَلى شَكْلِ بَعْضِ أُولَئِكَ الرُّعاةِ إلى أيُّوبَ، فَوَجَدَهُ قائِمًا يُصَلِّي، فَلَمّا فَرَغَ مِنَ الصَّلاةِ قالَ: يا أيُّوبُ، هَلْ تَدْرِي ما صَنَعَ رَبُّكَ الَّذِي اخْتَرْتَهُ بِإبِلِكَ ورِعائِها ؟ فَقالَ أيُّوبُ: إنَّها مالُهُ أعارَنِيهِ، وهو أوْلى بِهِ؛ إذا شاءَ نَزَعَهُ. قالَ إبْلِيسُ: فَإنَّ رَبَّكَ أرْسَلَ عَلَيْها نارًا مِنَ السَّماءِ فاحْتَرَقَتْ، ورِعاؤُها كُلُّها، وتَرَكَتِ النّاسَ مَبْهُوتِينَ مُتَعَجِّبِينَ مِنها، فَمِن قائِلٍ يَقُولُ: ما كانَ أيُّوبُ يَعْبُدُ شَيْئًا، وما كانَ إلّا في غُرُورٍ، ومِن قائِلٍ يَقُولُ: لَوْ كانَ إلَهُ أيُّوبَ يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ لَمَنَعَ مِن ولِيِّهِ، ومِن قائِلٍ آخَرَ يَقُولُ: بَلْ هو الَّذِي فَعَلَ ما فَعَلَ لِيُشْمِتَ عَدُوَّهُ بِهِ ويُفْجِعَ بِهِ صَدِيقَهُ. فَقالَ أيُّوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ: الحَمْدُ لِلَّهِ حِينَ أعْطانِي وحِينَ نَزَعَ مِنِّي، عُرْيانًا خَرَجْتُ مِن بَطْنِ أُمِّي، وعُرْيانًا أعُودُ في التُّرابِ، وعُرْيانًا أُحْشَرُ إلى اللَّهِ تَعالى، ولَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيكَ أيُّها العَبْدُ خَيْرًا لَنَقَلَ رُوحَكَ مَعَ تِلْكَ الأرْواحِ، وصِرْتَ شَهِيدًا وآجَرَنِي فِيكَ، ولَكِنَّ اللَّهَ عَلِمَ مِنكَ شَرًّا فَأخَّرَكَ. فَرَجَعَ إبْلِيسُ إلى أصْحابِهِ خاسِئًا. فَقالَ عِفْرِيتٌ آخَرُ: عِنْدِي مِنَ القُوَّةِ ما إذا شِئْتْ صِحْتُ صَوْتًا لا يَسْمَعُهُ ذُو رُوحٍ إلّا خَرَجَتْ رُوحُهُ، فَقالَ إبْلِيسُ: فَأْتِ الغَنَمَ ورِعاءَها، فانْطَلَقَ فَصاحَ بِها فَماتَتْ وماتَ رِعاؤُها؛ فَخَرَجَ إبْلِيسُ مُتَمَثِّلًا بِقَهْرَمانِ الرُّعاةِ إلى أيُّوبَ، فَقالَ لَهُ القَوْلَ الأوَّلَ، ورَدَّ عَلَيْهِ أيُّوبُ الرَّدَّ الأوَّلَ، فَرَجَعَ إبْلِيسُ صاغِرًا. فَقالَ عِفْرِيتٌ آخَرُ: عِنْدِي مِنَ القُوَّةِ ما إذا شِئْتُ تَحَوَّلْتُ رِيحًا عاصِفَةً أقْلَعُ كُلَّ شَيْءٍ أتَيْتُ عَلَيْهِ، قالَ: فاذْهَبْ إلى الحَرْثِ والثِّيرانِ. فَأتاهم فَأهْلَكَهم ثُمَّ رَجَعَ إبْلِيسُ مُتَمَثِّلًا حَتّى جاءَ أيُّوبَ وهو يُصَلِّي، فَقالَ مِثْلَ قَوْلِهِ الأوَّلِ، فَرَدَّ عَلَيْهِ أيُّوبُ الرَّدَّ الأوَّلَ، فَجَعَلَ إبْلِيسُ يُصِيبُ أمْوالَهُ شَيْئًا فَشَيْئًا حَتّى أتى عَلى جَمِيعِها، فَلَمّا رَأى إبْلِيسُ صَبْرَهُ عَلى ذَلِكَ وقَفَ المَوْقِفَ الَّذِي كانَ يَقِفُهُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، وقالَ: يا إلَهِي، هَلْ أنْتَ مُسَلِّطِي عَلى ولَدِهِ، فَإنَّها الفِتْنَةُ المُضِلَّةُ؛ فَقالَ اللَّهُ تَعالى: انْطَلِقَ فَقَدْ سَلَّطْتُكَ عَلى ولَدِهِ، فَأتى أوْلادَ أيُّوبَ في قَصْرِهِمْ فَلَمْ يَزَلْ يُزَلْزِلُهُ بِهِمْ مِن قَواعِدِهِ حَتّى قَلَبَ القَصْرَ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ جاءَ إلى أيُّوبَ مُتَمَثِّلًا بِالمُعَلِّمِ، وهو جَرِيحٌ مَشْدُوخُ الرَّأْسِ يَسِيلُ دَمُهُ ودِماغُهُ، فَقالَ: لَوْ رَأيْتَ بَنِيكَ كَيْفَ انْقَلَبُوا مَنكُوسِينَ عَلى رُءُوسِهِمْ تَسِيلُ أدْمِغَتُهم مِن أُنُوفِهِمْ لَتَقَطَّعَ قَلْبُكَ، فَلَمْ يَزَلْ يَقُولُ هَذا ويُرَقِّقُهُ حَتّى رَقَّ أيُّوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ وبَكى، وقَبَضَ قَبْضَةً مِنَ التُّرابِ ووَضَعَها عَلى رَأْسِهِ، فاغْتَنَمَ ذَلِكَ إبْلِيسُ، ثُمَّ لَمْ يَلْبَثْ أيُّوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ حَتّى اسْتَغْفَرَ واسْتَرْجَعَ فَصَعِدَ إبْلِيسُ ووَقَفَ مَوْقِفَهُ، وقالَ: يا إلَهِي، إنَّما يَهُونُ عَلى أيُّوبَ خَطَرُ المالِ والوَلَدِ، لِعِلْمِهِ أنَّكَ تُعِيدُ لَهُ المالَ والوَلَدَ، فَهَلْ أنْتَ مُسَلِّطِي عَلى جَسَدِهِ، وإنِّي لَكَ زَعِيمٌ، لَوِ ابْتَلَيْتَهُ في جَسَدِهِ لَيَكْفُرَنَّ بِكَ، فَقالَ تَعالى: انْطَلِقْ فَقَدْ سَلَّطْتُكَ عَلى جَسَدِهِ، ولَيْسَ لَكَ سُلْطانٌ عَلى عَقْلِهِ وقَلْبِهِ ولِسانِهِ؛ فانْقَضَّ عَدُوُّ اللَّهِ سَرِيعًا؛ فَوَجَدَ أيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ ساجِدًا لِلَّهِ تَعالى، فَأتاهُ مِن قِبَلِ الأرْضِ فَنَفَخَ في مَنخَرِهِ نَفْخَةً اشْتَعَلَ مِنها جَسَدُهُ، وخَرَجَ بِهِ مِن فَرْقِهِ إلى قَدَمِهِ صفحة ١٧٨ ثَآلِيلُ، وقَدْ وقَعَتْ فِيهِ حَكَّةٌ لا يَمْلِكُها، وكانَ يَحُكُّ بِأظْفارِهِ حَتّى سَقَطَتْ أظْفارُهُ، ثُمَّ حَكَّها بِالمُسُوحِ الخَشِنَةِ ثُمَّ بِالفَخّارِ والحِجارَةِ، ولَمْ يَزَلْ يَحُكُّها حَتّى تَقَطَّعَ لَحْمُهُ وتَغَيَّرَ ونَتَنَ، فَأخْرَجَهُ أهْلُ القَرْيَةِ وجَعَلُوهُ عَلى كُناسَةٍ وجَعَلُوا لَهُ عَرِيشًا ورَفَضَهُ النّاسُ كُلُّهم غَيْرَ امْرَأتِهِ رَحْمَةَ بِنْتِ أفْرايِمَ بْنِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَكانَتْ تُصْلِحُ أُمُورَهُ. ثُمَّ إنَّ وهْبًا طَوَّلَ في الحِكايَةِ إلى أنْ قالَ: إنَّ أيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ أقْبَلَ عَلى اللَّهِ تَعالى مُسْتَغِيثًا مُتَضَرِّعًا إلَيْهِ، فَقالَ: يا رَبِّ، لِأيِّ شَيْءٍ خَلَقْتَنِي يا لَيْتَنِي، كُنْتُ حَيْضَةً ألْقَتْنِي أُمِّي، ويا لَيْتَنِي، كُنْتُ عَرَفْتُ الذَّنْبَ الَّذِي أذْنَبْتُهُ، والعَمَلَ الَّذِي عَمِلْتُ حَتّى صَرَفْتَ وجْهَكَ الكَرِيمَ عَنِّي، ألَمْ أكُنْ لِلْغَرِيبِ دارًا، ولِلْمِسْكِينِ قَرارًا، ولِلْيَتِيمِ ولِيًّا، ولِلْأرْمَلَةِ قَيِّمًا، إلَهِي أنا عَبْدٌ ذَلِيلٌ؛ إنْ أحْسَنْتُ فالمَنُّ لَكَ، وإنْ أسَأْتُ فَبِيَدِكَ عُقُوبَتِي، جَعَلْتَنِي لِلْبَلاءِ غَرَضًا، ولِلْفِتْنَةِ نَصْبًا، وسَلَّطْتَ عَلَيَّ ما لَوْ سَلَّطْتَهُ عَلى جَبَلٍ لَضَعُفَ مِن حَمْلِهِ؛ إلَهِي تَقَطَّعَتْ أصابِعِي، وتَساقَطَتْ لَهَواتِي، وتَناثَرَ شَعْرِي، وذَهَبَ المالُ، وصِرْتُ أسْألُ اللُّقْمَةَ فَيُطْعِمُنِي مَن يَمُنُّ بِها عَلَيَّ، ويُعَيِّرُنِي بِفَقْرِي وهَلاكِ أوْلادِي. قالَ الإمامُ أبُو القاسِمِ الأنْصارِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: وفي جُمْلَةِ هَذا الكَلامِ: لَيْتَكَ لَوْ كَرِهْتَنِي لَمْ تَخْلُقْنِي، ثُمَّ قالَ: ولَوْ كانَ ذَلِكَ صَحِيحًا لاغْتَنَمَهُ إبْلِيسُ، فَإنَّ قَصْدَهُ أنْ يَحْمِلَهُ عَلى الشَّكْوى، وأنْ يُخْرِجَهُ عَنْ حِلْيَةِ الصّابِرِينَ، واللَّهُ تَعالى لَمْ يُخْبِرْ عَنْهُ إلّا قَوْلَهُ: ﴿أنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وأنْتَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿إنّا وجَدْناهُ صابِرًا نِعْمَ العَبْدُ إنَّهُ أوّابٌ﴾ [ص: ٤٤] واخْتَلَفَ العُلَماءُ في السَّبَبِ الَّذِي قالَ لِأجْلِهِ: ﴿أنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وأنْتَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ وفي مُدَّةِ بَلائِهِ. فالرِّوايَةُ الأُولى: رَوى ابْنُ شِهابٍ عَنْ أنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ أيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ بَقِيَ في البَلاءِ ثَمانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَرَفَضَهُ القَرِيبُ والبَعِيدُ إلّا رَجُلَيْنِ مِن إخْوانِهِ كانا يَغْدُوانِ ويَرُوحانِ إلَيْهِ، فَقالَ أحَدُهُما لِلْآخَرِ ذاتَ يَوْمٍ: واللَّهِ، لَقَدْ أذْنَبَ أيُّوبُ ذَنْبًا ما أذَنَبَهُ أحَدٌ مِنَ العالَمِينَ، فَقالَ لَهُ صاحِبُهُ: وما ذاكَ ؟ فَقالَ: مُنْذُ ثَمانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً لَمْ يَرْحَمْهُ اللَّهُ تَعالى، ولَمْ يَكْشِفْ ما بِهِ، فَلَمّا راما إلى أيُّوبَ لَمْ يَصْبِرِ الرَّجُلُ حَتّى ذَكَرَ ذَلِكَ لِأيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ؛ فَقالَ أيُّوبُ: ما أدْرِي ما تَقُولُونَ، غَيْرَ أنَّ اللَّهَ تَعالى يَعْلَمُ أنِّي كُنْتُ أمُرُّ عَلى الرَّجُلَيْنِ يَتَنازَعانِ فَيَذْكُرانِ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ فَأرْجِعُ إلى بَيْتِي، فَأُكَفِّرُ عَنْهُما كَراهِيَةَ أنْ يُذْكَرَ اللَّهُ إلّا في حَقٍّ» . وفي رِوايَةٍ أُخْرى: «أنَّ الرَّجُلَيْنِ لَمّا دَخَلا عَلَيْهِ وجَدا رِيحًا، فَقالا: لَوْ كانَ لِأيُّوبَ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ ما بَلَغَ إلى هَذِهِ الحالَةِ، قالَ: فَما شَقَّ عَلى أيُّوبَ شَيْءٌ مِمّا ابْتُلِيَ بِهِ أشَدُّ مِمّا سَمِعَ مِنهُما، فَقالَ: اللَّهُمَّ إنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أنِّي لَمْ أبِتْ شَبْعانًا، وأنا أعْلَمُ بِمَكانِ جائِعٍ فَصَدِّقْنِي فَصَدَّقَهُ وهُما يَسْمَعانِ، ثُمَّ خَرَّ أيُّوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ ساجِدًا، ثُمَّ قالَ: اللَّهُمَّ، إنِّي لا أرْفَعَ رَأْسِي حَتّى تَكْشِفَ ما بِي، قالَ: فَكَشَفَ اللَّهُ ما بِهِ» . الرِّوايَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الحَسَنُ رَحِمَهُ اللَّهُ: ”مَكَثَ أيُّوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ ما أُلْقِيَ عَلى الكُناسَةِ سَبْعَ سِنِينَ وأشْهُرًا، ولَمْ يَبْقَ لَهُ مالٌ ولا ولَدٌ ولا صَدِيقٌ غَيْرَ امْرَأتِهِ رَحْمَةَ صَبَرَتْ مَعَهُ، وكانَتْ تَأْتِيهِ بِالطَّعامِ وتَحْمَدُ اللَّهَ تَعالى مَعَ أيُّوبَ، وكانَ أيُّوبُ مُواظِبًا عَلى حَمْدِ اللَّهِ تَعالى والثَّناءِ عَلَيْهِ، والصَّبْرِ عَلى ما ابْتَلاهُ، فَصَرَخَ إبْلِيسُ صَرْخَةً جَزَعًا مِن صَبْرِ أيُّوبَ، فاجْتَمَعَ جُنُودُهُ مِن أقْطارِ الأرْضِ وقالُوا لَهُ: ما خَبَرُكَ ؟ قالَ: أعْيانِي هَذا العَبْدُ الَّذِي سَألْتُ اللَّهَ أنْ يُسَلِّطَنِي عَلَيْهِ وعَلى مالِهِ ووَلَدِهِ؛ فَلَمْ أدَعْ لَهُ مالًا ولا ولَدًا، ولَمْ يَزْدَدْ بِذَلِكَ إلّا صَبْرًا وحَمْدًا لِلَّهِ تَعالى، ثُمَّ سُلِّطْتُ عَلى جَسَدِهِ؛ فَتَرَكْتُهُ مُلْقًى في كُناسَةٍ وما يَقْرَبُهُ إلّا امْرَأتُهُ، وهو مَعَ ذَلِكَ لا يَفْتُرُ عَنِ الذِّكْرِ والحَمْدِ لِلَّهِ، فاسْتَعَنْتُ بِكم لِتُعِينُونِي عَلَيْهِ فَقالُوا لَهُ: أيْنَ مَكْرُكَ ! أيْنَ عَمَلُكَ الَّذِي أهْلَكْتَ بِهِ مَن مَضى ؟ قالَ: بَطَلَ ذَلِكَ كُلُّهُ فِيأيُّوبَ فَأشِيرُوا عَلَيَّ، قالُوا: أدْلَيْتَ آدَمَ حِينَ أخْرَجْتَهُ مِنَ الجَنَّةِ مِن أيْنَ أتَيْتَهُ ؟ قالَ مِن قِبَلِ امْرَأتِهِ، قالُوا: صفحة ١٧٩ فَشَأْنُكَ بِأيُّوبَ مِن قِبَلِ امْرَأتِهِ، فَإنَّهُ لا يَسْتَطِيعُ أنْ يَعْصِيَها؛ لِأنَّهُ لا يَقْرُبُهُ أحَدٌ غَيْرَها، قالَ: أصَبْتُمْ، فانْطَلَقَ حَتّى أتى امْرَأتَهُ؛ فَتَمَثَّلَ لَها في صُورَةِ رَجُلٍ، فَقالَ: أيْنَ بَعْلُكِ يا أمَةَ اللَّهِ ؟ قالَتْ: هو هَذا يَحُكُّ قُرُوحَهُ، وتَتَرَدَّدُ الدَّوابُّ في جَسَدِهِ، فَلَمّا سَمِعَها طَمِعَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ كُلُّهُ جَزَعًا، فَوَسْوَسَ إلَيْها، وذَكَّرَها ما كانَ لَها مِنَ النِّعَمِ والمالِ، وذَكَّرَها جَمالَ أيُّوبَ وشَبابَهُ - قالَ الحَسَنُ رَحِمَهُ اللَّهُ: - فَصَرَخَتْ، فَلَمّا صَرَخَتْ عَلِمَ أنَّها قَدْ جَزِعَتْ فَأتاها بِسَخْلَةٍ، وقالَ: لِيَذْبَحْ هَذِهِ لِي أيُّوبُ ويَبْرَأْ، قالَ: فَجاءَتْ تَصْرُخُ إلى أيُّوبَ يا أيُّوبُ، حَتّى مَتى يُعَذِّبُكَ رَبُّكَ، ألا يَرْحَمُكَ أيْنَ المالُ ؟ أيْنَ الماشِيَةُ ؟ أيْنَ الوَلَدُ ؟ أيْنَ الصَّدِيقُ ؟ أيْنَ اللَّوْنُ الحَسَنُ ؟ أيْنَ جِسْمُكَ الَّذِي قَدْ بَلِيَ وصارَ مِثْلَ الرَّمادِ ؟ وتَرَدَّدَ فِيهِ الدَّوابُّ؛ اذْبَحْ هَذِهِ السَّخْلَةِ واسْتَرِحْ. فَقالَ أيُّوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ: أتاكِ عَدُوُّ اللَّهِ، ونَفَخَ فِيكِ فَأجَبْتِيهِ ! ويْلَكِ ! أتَرَيْنَ ما تَبْكِينَ عَلَيْهِ مِمّا تَذْكُرِينَ مِمّا كُنّا فِيهِ مِنَ المالِ والوَلَدِ والصِّحَّةِ، مَن أعْطانا ذَلِكَ ؟ قالَتِ: اللَّهُ. قالَ: فَكَمْ مَتَّعَنا بِهِ ؟ قالَتْ: ثَمانِينَ سَنَةً. قالَ: فَمُنْذُ كَمِ ابْتَلانا اللَّهُ بِهَذا البَلاءِ ؟ قالَتْ: مُنْذُ سَبْعِ سِنِينَ وأشْهُرٍ، قالَ: ويْلَكِ ! واللَّهِ ما أنْصَفْتِ رَبَّكِ، ألا صَبَرْتِ في البَلاءِ ثَمانِينَ سَنَةً كَما كُنّا في الرَّخاءِ ثَمانِينَ سَنَةً، واللَّهِ لَئِنْ شَفانِي اللَّهُ لَأجْلِدَنَّكِ مِائَةَ جَلْدَةٍ، أمَرْتِنِي أنْ أذْبَحَ لِغَيْرِ اللَّهِ، وحَرامٌ عَلَيَّ أنْ أذُوقَ بَعْدَ هَذا شَيْئًا مِن طَعامِكِ وشَرابِكِ الَّذِي تَأْتِينِي بِهِ، فَطَرَدَها فَذَهَبَتْ، فَلَمّا نَظَرَ أيُّوبُ في شَأْنِهِ، ولَيْسَ عِنْدَهُ طَعامٌ ولا شَرابٌ ولا صَدِيقٌ، وقَدْ ذَهَبَتِ امْرَأتُهُ خَرَّ ساجِدًا، وقالَ: ﴿أنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وأنْتَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ فَقالَ: ارْفَعْ رَأْسَكَ، فَقَدِ اسْتَجَبْتُ لَكَ: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾ [ص: ٤٢] فَرَكَضَ بِرِجْلِهِ فَنَبَعَتْ عَيْنُ ماءٍ فاغْتَسَلَ مِنها، فَلَمْ يَبْقَ في ظاهِرِ بَدَنِهِ دابَّةٌ إلّا سَقَطَتْ مِنهُ، ثُمَّ ضَرَبَ بِرِجْلِهِ مَرَّةً أُخْرى فَنَبَعَتْ عَيْنٌ أُخْرى فَشَرِبَ مِنها، فَلَمْ يَبْقَ في جَوْفِهِ داءٌ إلّا خَرَجَ، وقامَ صَحِيحًا، وعادَ إلَيْهِ شَبابُهُ وجِمالُهُ حَتّى صارَ أحْسَنَ ما كانَ، ثُمَّ كُسِيَ حُلَّةً؛ فَلَمّا قامَ جَعَلَ يَلْتَفِتُ فَلا يَرى شَيْئًا مِمّا كانَ لَهُ مِنَ الأهْلِ والوَلَدِ والمالِ، إلّا وقَدْ ضَعَّفَهُ اللَّهُ تَعالى حَتّى صارَ أحْسَنَ مِمّا كانَ، حَتّى ذُكِرَ أنَّ الماءَ الَّذِي اغْتَسَلَ مِنهُ تَطايَرَ عَلى صَدْرِهِ جَرادًا مِن ذَهَبٍ. قالَ: فَجَعَلَ يَضُمُّهُ بِيَدِهِ، فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ يا أيُّوبُ، ألَمْ أُغْنِكَ ؟ قالَ: بَلى، ولَكِنَّها بَرَكَتُكَ فَمَن يَشْبَعُ مِنها، قالَ: فَخَرَجَ حَتّى جَلَسَ عَلى مَكانٍ مُشْرِفٍ، ثُمَّ إنَّ امْرَأتَهُ قالَتْ: هَبْ أنَّهُ طَرَدَنِي، أفَأتْرُكُهُ حَتّى يَمُوتَ جُوعًا وتَأْكُلَهُ السِّباعُ، لَأرْجِعَنَّ إلَيْهِ، فَلَمّا رَجَعَتْ ما رَأتْ تِلْكَ الكُناسَةَ ولا تِلْكَ الحالَ، وإذا بِالأُمُورِ قَدْ تَغَيَّرَتْ، فَجَعَلَتْ تَطُوفُ حَيْثُ كانَتِ الكُناسَةُ وتَبْكِي، وذَلِكَ بِعَيْنِ أيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وهابَتْ صاحِبَ الحُلَّةِ أنْ تَأْتِيَهُ وتَسْألَهُ عَنْهُ فَأرْسَلَ إلَيْها أيُّوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ ودَعاها، وقالَ: ما تُرِيدِينَ يا أمَةَ اللَّهَ ؟ فَبَكَتْ وقالَتْ: أرَدْتُ ذَلِكَ المُبْتَلى الَّذِي كانَ مُلْقًى عَلى الكُناسَةِ، فَقالَ لَها أيُّوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ما كانَ مِنكِ، فَبَكَتْ وقالَتْ: بَعْلِي، فَقالَ: أتَعْرِفِينَهُ إذا رَأيْتِهِ، قالَتْ: وهَلْ يَخْفى عَلى أحَدٍ يَراهُ ! فَتَبَسَّمَ وقالَ: أنا هو، فَعَرَفَتْهُ بِضَحِكِهِ، فاعْتَنَقَتْهُ ثُمَّ قالَ: إنَّكِ أمَرْتِنِي أنْ أذْبَحَ سَخْلَةً لِإبْلِيسَ، وإنِّي أطَعْتُ اللَّهَ وعَصَيْتُ الشَّيْطانَ، ودَعَوْتُ اللَّهَ تَعالى فَرَدَّ عَلَيَّ ما تَرَيْنَ“ . الرِّوايَةُ الثّالِثَةُ: قالَ الضَّحّاكُ ومُقاتِلٌ: بَقِيَ في البَلاءِ سَبْعَ سِنِينَ وسَبْعَةَ أشْهُرٍ وسَبْعَةَ أيّامٍ وسَبْعَ ساعاتٍ، وقالَ وهْبٌ رَحِمَهُ اللَّهُ: بَقِيَ في البَلاءِ ثَلاثَ سِنِينَ، فَلَمّا غَلَبَ أيُّوبُ إبْلِيسَ لَعَنَهُ اللَّهُ، ذَهَبَ إبْلِيسُ إلى امْرَأتِهِ عَلى هَيْئَةٍ لَيْسَتْ كَهَيْئَةِ بَنِي آدَمَ في العِظَمِ والجَمالِ، عَلى مَرْكَبٍ لَيْسَ كَمَراكِبَ النّاسِ، وقالَ لَها: أنْتِ صاحِبَةُ أيُّوبَ ؟ قالَتْ: نَعَمْ، قالَ: فَهَلْ تَعْرِفِينِي ؟ قالَتْ: لا؛ قالَ: أنا إلَهُ الأرْضِ، أنا صَنَعْتُ بِأيُّوبَ ما صَنَعْتُ، وذَلِكَ أنَّهُ عَبَدَ إلَهَ السَّماءِ وتَرَكَنِي فَأغْضَبَنِي، ولَوْ سَجَدَ لِي سَجْدَةً واحِدَةً رَدَدْتُ عَلَيْكِ وعَلَيْهِ جَمِيعَ ما لَكُما مِن مالٍ ووَلَدٍ، فَإنَّ ذَلِكَ عِنْدِي، قالَ وهْبٌ: وسَمِعْتُ أنَّهُ قالَ: لَوْ أنَّ صاحِبَكِ أكَلَ طَعامًا، ولَمْ يُسَمِّ اللَّهَ تَعالى لَعُوفِيَ مِمّا هو فِيهِ، صفحة ١٨٠ مِنَ البَلاءِ، وفي رِوايَةٍ أُخْرى: بَلْ قالَ لَها: لَوْ شِئْتِ فاسْجُدِي لِي سَجْدَةً واحِدَةً حَتّى أرُدَّ عَلَيْكِ المالَ والوَلَدَ وأُعافِيَ زَوْجَكِ، فَرَجَعَتْ إلى أيُّوبَ فَأخْبَرَتْهُ بِما قالَ لَها، فَقالَ لَها أيُّوبُ: أتاكِ عَدُوُّ اللَّهِ لِيَفْتِنَكِ عَنْ دِينِكِ، ثُمَّ أقْسَمَ لَئِنْ عافانِي اللَّهُ لَأجْلِدَنَّكِ مِائَةَ جَلْدَةٍ، وقالَ عِنْدَ ذَلِكَ: ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ يَعْنِي مِن طَمَعِ إبْلِيسَ في سُجُودِي لَهُ، وسُجُودِ زَوْجَتِي ودُعائِهِ إيّاها وإيّايَ إلى الكُفْرِ. الرِّوايَةُ الرّابِعَةُ: قالَ وهْبٌ: كانَتِ امْرَأةُ أيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ تَعْمَلُ لِلنّاسِ وتَأْتِيهِ بِقُوتِهِ، فَلَمّا طالَ عَلَيْهِ البَلاءُ سَئِمَها النّاسُ، فَلَمْ يَسْتَعْمِلُوها فالتَمَسَتْ ذاتَ يَوْمٍ شَيْئًا مِنَ الطَّعامِ، فَلَمْ تَجِدْ شَيْئًا فَجَزَّتْ قَرْنًا مِن رَأْسِها فَباعَتْهُ بِرَغِيفٍ، فَأتَتْهُ بِهِ فَقالَ لَها: أيْنَ قَرْنُكِ فَأخْبَرَتْهُ بِذَلِكَ، فَحِينَئِذٍ قالَ: ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ . الرِّوايَةُ الخامِسَةُ: قالَ إسْماعِيلُ السُّدِّيُّ: لَمْ يَقُلْ أيُّوبُ ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ إلّا لِأشْياءَ ثَلاثٍ: أحَدُها: قَوْلُ الرَّجُلَيْنِ لَهُ: لَوْ كانَ عَمَلُكَ الَّذِي كُنّا نَرى لِلَّهِ تَعالى لَما أصابَكَ الَّذِي أصابَكَ. وثانِيها: كانَ لِامْرَأتِهِ ثَلاثُ ذَوائِبَ فَعَمَدَتْ إلى إحْداها وقَطَعَتْها وباعَتْها، فَأعْطَوْها بِذَلِكَ خُبْزًا ولَحْمًا؛ فَجاءَتْ إلى أيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ: مِن أيْنَ هَذا ؟ فَقالَتْ: كُلْ؛ فَإنَّهُ حَلالٌ، فَلَمّا كانَ مِنَ الغَدِ لَمْ تَجِدْ شَيْئًا، فَباعَتِ الثّانِيَةَ، وكَذَلِكَ فَعَلَتْ في اليَوْمِ الثّالِثِ، وقالَتْ: كُلْ، فَإنَّهُ حَلالٌ؛ فَقالَ: لا آكُلُ ما لَمْ تُخْبِرِينِي فَأخْبَرَتْهُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ مِن أيُّوبَ ما اللَّهُ بِهِ عَلِيمٌ، وقِيلَ: إنَّما باعَتْ ذَوائِبَها؛ لِأنَّ إبْلِيسَ تَمَثَّلَ لِقَوْمٍ في صُورَةِ بَشَرٍ، وقالَ: لَئِنْ تَرَكْتُمْ أيُّوبَ في قَرْيَتِكم، فَإنِّي أخافُ أنْ يُعْدِيَ إلَيْكم ما بِهِ مِنَ العِلَّةِ، فَأخْرَجُوهُ إلى بابِ البَلَدِ، ثُمَّ قالَ لَهم: إنَّ امْرَأتَهُ تَدْخُلُ في بُيُوتِكم، وتَعْمَلُ وتَمَسُّ زَوْجَها، أما تَخافُونَ أنْ تُعْدِيَ إلَيْكم عِلَّتَهُ، فَحِينَئِذٍ لَمْ يَسْتَعْمِلْها أحَدٌ فَباعَتْ ضَفِيرَتَها. وثالِثُها: حِينَ قالَتْ لَهُ امْرَأتُهُ ما قالَتْ فَحِينَئِذٍ دَعا. الرِّوايَةُ السّادِسَةُ: قِيلَ: سَقَطَتْ دُودَةٌ مِن فَخْذِهِ فَرَفَعَها ورَدَّها إلى مَوْضِعِها، وقالَ: قَدْ جَعَلَنِي اللَّهُ تَعالى طُعْمَةً لَكِ، فَعَضَّتْهُ عَضَّةً شَدِيدَةً، فَقالَ: ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ . فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ لَوْلا أنِّي جَعَلْتُ تَحْتَ كُلِّ شَعْرَةٍ مِنكَ صَبْرًا لَما صَبَرْتَ. * * * المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ المُعْتَزِلَةَ قَدْ طَعَنُوا في هَذِهِ القِصَّةِ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: قالَ الجُبّائِيُّ: ذَهَبَ بَعْضُ الجُهّالِ إلى أنَّ ما كانَ بِهِ مِنَ المَرَضِ كانَ فِعْلًا لِلشَّيْطانِ سَلَّطَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى حِكايَةً عَنْهُ: ﴿مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وعَذابٍ﴾ [ص: ٤١] وهَذا جَهْلٌ، أمّا أوَّلًا فَلِأنَّهُ لَوْ قَدَرَ عَلى إحْداثِ الأمْراضِ والأسْقامِ وضِدِّهِما مِنَ العافِيَةِ لَتَهَيَّأ لَهُ فِعْلُ الأجْسامِ، ومَن هَذا حالُهُ يَكُونُ إلَهًا، وأمّا ثانِيًا فَلِأنَّ اللَّهَ تَعالى أخْبَرَ عَنْهُ وعَنْ جُنُودِهِ بِأنَّهُ قالَ: ﴿وما كانَ لِي عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ إلّا أنْ دَعَوْتُكم فاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ [إبراهيم: ٢٢]، والواجِبُ تَصْدِيقُ خَبَرِ اللَّهِ تَعالى، دُونَ الرُّجُوعِ إلى ما يُرْوى عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. واعْلَمْ أنَّ هَذا الِاعْتِراضَ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ المَذْكُورَ في الحِكايَةِ أنَّ الشَّيْطانَ نَفَخَ في مَنخَرِهِ، فَوَقَعَتِ الحَكَّةُ فِيهِ، فَلِمَ قُلْتُمْ: إنَّ القادِرَ عَلى النَّفْخَةِ الَّتِي تُوَلِّدُ مِثْلَ هَذِهِ الحَكَّةِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ قادِرًا عَلى خَلْقِ الأجْسامِ ؟ وهَلْ هَذا إلّا مَحْضُ التَّحَكُّمِ ؟ وأمّا التَّمَسُّكُ بِالنَّصِّ فَضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ إنَّما يُقْدِمُ عَلى هَذا الفِعْلِ مَتى عَلِمَ أنَّهُ لَوْ أقْدَمَ عَلَيْهِ لَما مَنَعَهُ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وهَذِهِ الحالَةُ لَمْ تَحْصُلْ إلّا في حَقِّ أيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى ما دَلَّتِ الحِكايَةُ عَلَيْهِ مِن أنَّهُ اسْتَأْذَنَ اللَّهَ تَعالى فَأذِنَ لَهُ فِيهِ، ومَتى كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَبْقَ بَيْنَ ذَلِكَ النَّصِّ وبَيْنَ هَذِهِ الحِكايَةِ مُناقَضَةٌ. وثانِيها: قالُوا: ما رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَسْألْ إلّا عِنْدَ أُمُورٍ مَخْصُوصَةٍ فَبَعِيدٌ؛ لِأنَّ الثّابِتَ في العَقْلِ أنَّهُ يَحْسُنُ مِنَ المَرْءِ أنْ يَسْألَ في ذَلِكَ رَبَّهُ، ويَفْزَعَ إلَيْهِ كَما يَحْسُنُ مِنهُ المُداواةُ، وإذا جازَ أنْ يَسْألَ رَبَّهُ عِنْدَ الغَمِّ مِمّا يَراهُ مِن إخْوانِهِ وأهْلِهِ، جازَ أيْضًا أنْ يَسْألَ رَبَّهُ صفحة ١٨١ مِن قِبَلِ نَفْسِهِ. فَإنْ قِيلَ: أفَلا يَجُوزُ أنَّهُ تَعالى تَعَبَّدَهُ بِأنْ لا يَسْألَ الكَشْفَ إلّا في آخِرِ أمْرِهِ، قُلْنا: يَجُوزُ ذَلِكَ بِأنْ يُعْلِمَهُ بِأنَّ إنْزالَ ذَلِكَ بِهِ مُدَّةً مَخْصُوصَةً مِن مَصالِحِهِ ومَصالِحِ غَيْرِهِ لا مَحالَةَ، فَعَلِمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ لا وجْهَ لِلْمَسْألَةِ في هَذا الأمْرِ الخاصِّ، فَإذا قَرُبَ الوَقْتُ جازَ أنْ يَسْألَ ذَلِكَ، مِن حَيْثُ يَجُوزُ أنْ يَدُومَ، ويَجُوزُ أنْ يَنْقَطِعَ. وثالِثُها قالُوا: انْتِهاءُ ذَلِكَ المَرَضِ إلى حَدِّ التَّنْفِيرِ عَنْهُ غَيْرُ جائِزٍ؛ لِأنَّ الأمْراضَ المُنَفِّرَةَ مِنَ القَبُولِ غَيْرُ جائِزَةٍ عَلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ؛ فَهَذا جُمْلَةُ ما قِيلَ في هَذِهِ الحِكايَةِ. * * * المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ أيْ ناداهُ بِأنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ، وقُرِئَ ”إنِّي“ بِالكَسْرِ عَلى إضْمارِ القَوْلِ، أوْ لِتَضْمِينِ النِّداءِ مَعْناهُ، والضَّرُّ بِالفَتْحِ؛ الضَّرَرُ في كُلِّ شَيْءٍ، وبِالضَّمِّ الضَّرَرُ في النَّفْسِ مِن مَرَضٍ وهُزالٍ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ألْطَفَ في السُّؤالِ حَيْثُ ذَكَرَ نَفْسَهُ بِما يُوجِبُ الرَّحْمَةَ، وذَكَرَ رَبَّهُ بِغايَةِ الرَّحْمَةِ ولَمْ يُصَرِّحْ بِالمَطْلُوبِ، فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ أنَّ الشَّكْوى تَقْدَحُ في كَوْنِهِ صابِرًا ؟ الجَوابُ: قالَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ مَن شَكا إلى اللَّهِ تَعالى فَإنَّهُ لا يُعَدُّ ذَلِكَ جَزَعًا إذا كانَ في شَكْواهُ راضِيًا بِقَضاءِ اللَّهِ إذْ لَيْسَ مِن شَرْطِ الصَّبْرِ اسْتِحْلاءُ البَلاءِ، ألَمْ تَسْمَعْ قَوْلَ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿إنَّما أشْكُو بَثِّي وحُزْنِي إلى اللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٦] أمّا قَوْلُهُ: ﴿وأنْتَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ فالدَّلِيلُ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ: ﴿أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ أُمُورٌ: أحَدُها: أنَّ كُلَّ مَن رَحِمَ غَيْرَهُ فَأمّا أنْ يَرْحَمَهُ طَلَبًا لِلثَّناءِ في الدُّنْيا، أوِ الثَّوابِ في الآخِرَةِ، أوْ دَفْعًا لِلرِّقَّةِ الجِنْسِيَّةِ عَنِ الطَّبْعِ، وحِينَئِذٍ يَكُونُ مَطْلُوبُ ذَلِكَ الرّاحِمِ مَنفَعَةَ نَفْسِهِ، أمّا الحَقُّ سُبْحانَهُ فَإنَّهُ يَرْحَمُ عِبادَهُ مِن غَيْرِ وجْهٍ مِن هَذِهِ الوُجُوهِ، ومِن غَيْرِ أنْ يَعُودَ إلَيْهِ مِن تِلْكَ الرَّحْمَةِ زِيادَةٌ ولا نُقْصانٌ مِنَ الثَّناءِ، ومِن صِفاتِ الكَمالِ، فَكانَ سُبْحانَهُ أرْحَمَ الرّاحِمِينَ. وثانِيها: أنَّ كُلَّ مَن يَرْحَمُ غَيْرَهُ فَلا يَكُونُ ذَلِكَ إلّا بِمَعُونَةِ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّ مَن أعْطى غَيْرَهُ طَعامًا أوْ ثَوْبًا أوْ دَفَعَ عَنْهُ بَلاءً، فَلَوْلا أنَّهُ سُبْحانَهُ خَلَقَ المَطْعُومَ والمَلْبُوسَ والأدْوِيَةَ والأغْذِيَةَ، وإلّا لَما قَدَرَ أحَدٌ عَلى إعْطاءِ ذَلِكَ الشَّيْءِ، ثُمَّ بَعْدَ وُصُولِ تِلْكَ العَطِيَّةِ إلَيْهِ، فَلَوْلا أنَّهُ سُبْحانَهُ جَعَلَهُ سَبَبًا لِلرّاحَةِ لَما حَصَلَ النَّفْعُ بِذَلِكَ، فَإذا رَحْمَةُ العِبادِ مَسْبُوقَةٌ بِرَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى ومَلْحُوقَةٌ بِرَحْمَتِهِ، بَلْ رَحْمَتُهم فِيما بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ كالقَطْرَةِ في البَحْرِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ تَعالى هو أرْحَمُ الرّاحِمِينَ. وثالِثُها: أنَّ اللَّهَ تَعالى لَوْ لَمْ يَخْلُقْ في قَلْبِ العَبْدِ تِلْكَ الدَّواعِيَ والإراداتِ لاسْتَحالَ صُدُورُ ذَلِكَ الفِعْلِ عَنْهُ، فَكانَ الرّاحِمُ هو الحَقُّ سُبْحانَهُ، مِن حَيْثُ إنَّهُ هو الَّذِي أنْشَأ تِلْكَ الدّاعِيَةَ، فَثَبَتَ أنَّهُ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ؛ فَإنْ قِيلَ؛ كَيْفَ يَكُونُ أرْحَمَ الرّاحِمِينَ مَعَ أنَّهُ سُبْحانَهُ مَلَأ الدُّنْيا مِنَ الآفاتِ والأسْقامِ والأمْراضِ والآلامِ، وسَلَّطَ البَعْضَ عَلى البَعْضِ بِالذَّبْحِ والكَسْرِ والإيذاءِ، وكانَ قادِرًا عَلى أنْ يُغْنِيَ كُلَّ واحِدٍ عَنْ إيلامِ الآخَرِ وإيذائِهِ ؟ والجَوابُ: أنَّ كَوْنَهُ سُبْحانَهُ ضارًّا لا يُنافِي كَوْنَهُ نافِعًا، بَلْ هو الضّارُّ النّافِعُ؛ فَإضْرارُهُ لَيْسَ لِدَفْعِ مَشَقَّةٍ، وإنْفاعُهُ لَيْسَ لِجَلْبِ مَنفَعَةٍ، بَلْ لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاسْتَجَبْنا لَهُ﴾ فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ دَعا رَبَّهُ، لَكِنَّ هَذا الدُّعاءَ قَدْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ واقِعًا مِنهُ عَلى سَبِيلِ التَّعْرِيضِ، كَما يُقالُ: إنْ رَأيْتَ أوْ أرَدْتَ أوْ أحْبَبْتَ فافْعَلْ كَذا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى سَبِيلِ التَّصْرِيحِ؛ وإنْ كانَ الألْيَقُ بِالأدَبِ وبِدَلالَةِ الآيَةِ هو الأوَّلُ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ بَيَّنَ أنَّهُ كَشَفَ ما بِهِ مِن ضُرٍّ، وذَلِكَ يَقْتَضِي إعادَتَهُ إلى ما كانَ في بَدَنِهِ وأحْوالِهِ، وبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ آتاهُ أهْلَهُ، ويَدْخُلُ فِيهِ مَن يُنْسَبُ إلَيْهِ مِن زَوْجَةٍ ووَلَدٍ صفحة ١٨٢ وغَيْرِهِما؛ ثُمَّ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: وهو قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ وابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ ومُقاتِلٍ والكَلْبِيِّ وكَعْبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم -: إنَّ اللَّهَ تَعالى أحْيا لَهُ أهْلَهُ يَعْنِي أوْلادَهُ بِأعْيانِهِمْ؛ والثّانِي: رَوى اللَّيْثُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قالَ: أرْسَلَ مُجاهِدٌ إلى عِكْرِمَةَ وسَألَهُ عَنِ الآيَةِ فَقالَ: قِيلَ لَهُ: إنَّ أهْلَكَ لَكَ في الآخِرَةِ، فَإنْ شِئْتَ عَجَّلْناهم لَكَ في الدُّنْيا، وإنْ شِئْتَ كانُوا لَكَ في الآخِرَةِ وآتَيْناكَ مِثْلَهم في الدُّنْيا. فَقالَ: يَكُونُونَ لِي في الآخِرَةِ وأُوتى مِثْلَهم في الدُّنْيا. والقَوْلُ الأوَّلُ أوْلى؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وآتَيْناهُ أهْلَهُ﴾ يَدُلُّ بِظاهِرِهِ عَلى أنَّهُ تَعالى أعادَهم في الدُّنْيا، وأعْطاهُ مَعَهم مِثْلَهم أيْضًا. * * * وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وذِكْرى لِلْعابِدِينَ﴾ فَفِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ تَعالى فَعَلَ ذَلِكَ لِكَيْ يَتَفَكَّرَ فِيهِ؛ فَيَكُونَ داعِيَةً لِلْعابِدِينَ في الصَّبْرِ والِاحْتِسابِ، وإنَّما خَصَّ العابِدِينَ بِالذِّكْرِ [ ى ] لِأنَّهم يَخْتَصُّونَ بِالِانْتِفاعِ بِذَلِكَ.