Tafsir Al-Razi — الحج 22:56 – المؤمنون 23:9
المحتويات
- الحج 22:56
- الحج 22:57
- الحج 22:58
- الحج 22:59
- الحج 22:60
- الحج 22:61
- الحج 22:62
- الحج 22:63
- الحج 22:64
- الحج 22:65
- الحج 22:66
- الحج 22:67
- الحج 22:68
- الحج 22:69
- الحج 22:70
- الحج 22:71
- الحج 22:72
- الحج 22:73
- الحج 22:74
- الحج 22:75
- الحج 22:76
- الحج 22:77
- الحج 22:78
- المؤمنون 23:1
- المؤمنون 23:2
- المؤمنون 23:3
- المؤمنون 23:4
- المؤمنون 23:5
- المؤمنون 23:6
- المؤمنون 23:7
- المؤمنون 23:8
- المؤمنون 23:9
الحج 22:56
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ ولا نَبِيٍّ إلّا إذا تَمَنّى ألْقى الشَّيْطانُ في أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ ﴿لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ والقاسِيَةِ قُلُوبُهم وإنَّ الظّالِمِينَ لَفي شِقاقٍ بَعِيدٍ﴾ ﴿ولِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ أنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهم وإنَّ اللَّهَ لَهادِي الَّذِينَ آمَنُوا إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ﴿ولا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا في مِرْيَةٍ مِنهُ حَتّى تَأْتِيَهُمُ السّاعَةُ بَغْتَةً أوْ يَأْتِيَهم عَذابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾ ﴿المُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهم فالَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ في جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا فَأُولَئِكَ لَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾ .
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ ولا نَبِيٍّ إلّا إذا تَمَنّى ألْقى الشَّيْطانُ في أُمْنِيَّتِهِ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: مِنَ النّاسِ مَن قالَ: الرَّسُولُ هو الَّذِي حُدِّثَ وأُرْسِلَ، والنَّبِيُّ هو الَّذِي لَمْ يُرْسَلْ، ولَكِنَّهُ أُلْهِمَ أوْ رَأى في النَّوْمِ، ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: إنَّ كُلَّ رَسُولٍ نَبِيٌّ، ولَيْسَ كُلُّ نَبِيٍّ يَكُونُ رَسُولًا، وهو قَوْلُ الكَلْبِيِّ والفَرّاءِ. وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: كُلُّ رَسُولٍ نَبِيٌّ، وكُلُّ نَبِيٍّ رَسُولٌ، ولا فَرْقَ بَيْنَهُما. واحْتَجُّوا عَلى فَسادِ القَوْلِ الأوَّلِ بِوُجُوهٍ:
أحَدُها: هَذِهِ الآيَةُ فَإنَّها دالَّةٌ عَلى أنَّ النَّبِيَّ قَدْ يَكُونُ مُرْسَلًا، وكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْنا في قَرْيَةٍ مِن نَبِيٍّ﴾ [الأعراف: ٩٤]، وثانِيها: أنَّ اللَّهَ تَعالى خاطَبَ مُحَمَّدًا مَرَّةً بِالنَّبِيِّ ومَرَّةً بِالرَّسُولِ، فَدَلَّ عَلى أنَّهُ لا مُنافاةَ بَيْنَ الأمْرَيْنِ، وعَلى القَوْلِ الأوَّلِ المُنافاةُ حاصِلَةٌ. وثالِثُها: أنَّهُ تَعالى نَصَّ عَلى أنَّهُ خاتَمُ النَّبِيِّينَ. ورابِعُها: أنَّ اشْتِقاقَ لَفْظِ النَّبِيِّ إمّا مِنَ النَّبَأِ وهو الخَبَرُ، أوْ مِن قَوْلِهِمْ نَبَأ إذا ارْتَفَعَ، والمَعْنَيانِ لا يَحْصُلانِ إلّا بِقَبُولِ الرِّسالَةِ. أمّا القَوْلُ الثّانِي: فاعْلَمْ أنَّ شَيْئًا مِن تِلْكَ الوُجُوهِ لا يُبْطِلُهُ، بَلْ هَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلَيْهِ؛ لِأنَّهُ عَطَفَ النَّبِيَّ عَلى الرَّسُولِ، وذَلِكَ يُوجِبُ المُغايَرَةَ وهو مِن بابِ عَطْفِ العامِّ عَلى الخاصِّ. وقالَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿وكَمْ أرْسَلْنا مِن نَبِيٍّ في الأوَّلِينَ﴾ [الزخرف: ٦] وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ نَبِيًّا، فَجَعَلَهُ اللَّهُ مُرْسَلًا وهو يَدُلُّ عَلى قَوْلِنا: ”«وقِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَمِ المُرْسَلُونَ ؟ فَقالَ: ثَلاثُمِائَةٍ وثَلاثَةَ عَشَرَ، فَقِيلَ: وكَمِ الأنْبِياءُ ؟ فَقالَ: مِائَةُ ألْفٍ وأرْبَعَةٌ وعِشْرُونَ ألْفًا الجَمُّ الغَفِيرُ» “ إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: ذَكَرُوا في الفَرْقِ بَيْنَ الرَّسُولِ والنَّبِيِّ أُمُورًا:
أحَدُها: أنَّ الرَّسُولَ مِنَ الأنْبِياءِ مَن جَمَعَ إلى المُعْجِزَةِ الكِتابَ المُنَزَّلَ عَلَيْهِ، والنَّبِيُّ غَيْرُ الرَّسُولِ مَن لَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِ كِتابٌ، وإنَّما أُمِرَ أنْ يَدْعُوَ إلى كِتابِ مَن قَبْلَهُ.
والثّانِي: أنَّ مَن كانَ صاحِبَ المُعْجِزَةِ وصاحِبَ الكِتابِ ونَسَخَ شَرْعَ مَن قَبْلَهُ فَهو الرَّسُولُ، ومَن لَمْ يَكُنْ مُسْتَجْمِعًا لِهَذِهِ الخِصالِ فَهو النَّبِيُّ غَيْرُ الرَّسُولِ، وهَؤُلاءِ
صفحة ٤٤
يَلْزَمُهم أنْ لا يَجْعَلُوا إسْحاقَ ويَعْقُوبَ وأيُّوبَ ويُونُسَ وهارُونَ وداوُدَ وسُلَيْمانَ رُسُلًا؛ لِأنَّهم ما جاءُوا بِكِتابٍ ناسِخٍ.
والثّالِثُ: أنَّ مَن جاءَهُ المَلَكُ ظاهِرًا وأمَرَهُ بِدَعْوَةِ الخَلْقِ فَهو الرَّسُولُ، ومَن لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ بَلْ رَأى في النَّوْمِ كَوْنَهُ رَسُولًا، أوْ أخْبَرَهُ أحَدٌ مِنَ الرُّسُلِ بِأنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ، فَهو النَّبِيُّ الَّذِي لا يَكُونُ رَسُولًا وهَذا هو الأوْلى.
* * *
المسألة الثّانِيَةُ: ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ «أنَّ الرَّسُولَ ﷺ لَمّا رَأى إعْراضَ قَوْمِهِ عَنْهُ، وشَقَّ عَلَيْهِ ما رَأى مِن مُباعَدَتِهِمْ عَمّا جاءَهم بِهِ تَمَنّى في نَفْسِهِ أنْ يَأْتِيَهم مِنَ اللَّهِ ما يُقارِبُ بَيْنَهُ وبَيْنَ قَوْمِهِ، وذَلِكَ لِحِرْصِهِ عَلى إيمانِهِمْ، فَجَلَسَ ذاتَ يَوْمٍ في نادٍ مِن أنْدِيَةِ قُرَيْشٍ كَثِيرٍ أهْلُهُ، وأحَبَّ يَوْمَئِذٍ أنْ لا يَأْتِيَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْءٌ يَنْفِرُوا عَنْهُ وتَمَنّى ذَلِكَ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى سُورَةَ ﴿والنَّجْمِ إذا هَوى﴾ [النجم: ١] فَقَرَأها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتّى بَلَغَ قَوْلَهُ: ﴿أفَرَأيْتُمُ اللّاتَ والعُزّى﴾ ﴿ومَناةَ الثّالِثَةَ الأُخْرى﴾ [النجم: ١٩] ألْقى الشَّيْطانُ عَلى لِسانِهِ ”تِلْكَ الغَرانِيقُ العُلا مِنها الشَّفاعَةُ تُرْتَجى“ فَلَمّا سَمِعَتْ قُرَيْشٌ ذَلِكَ فَرِحُوا ومَضى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في قِراءَتِهِ فَقَرَأ السُّورَةَ كُلَّها فَسَجَدَ وسَجَدَ المُسْلِمُونَ لِسُجُودِهِ وسَجَدَ جَمِيعُ مَن في المَسْجِدِ مِنَ المُشْرِكِينَ، فَلَمْ يَبْقَ في المَسْجِدِ مُؤْمِنٌ ولا كافِرٌ إلّا سَجَدَ سِوى الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ وأبِي أُحَيْحَةَ سَعِيدِ بْنِ العاصِي فَإنَّهُما أخَذا حَفْنَةً مِنَ التُّرابِ مِنَ البَطْحاءِ ورَفَعاها إلى جَبْهَتَيْهِما وسَجَدا عَلَيْها؛ لِأنَّهُما كانا شَيْخَيْنِ كَبِيرَيْنِ فَلَمْ يَسْتَطِيعا السُّجُودَ، وتَفَرَّقَتْ قُرَيْشٌ وقَدْ سَرَّهم ما سَمِعُوا، وقالُوا: قَدْ ذَكَرَ مُحَمَّدٌ آلِهَتَنا بِأحْسَنِ الذِّكْرِ فَلَمّا أمْسى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أتاهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ: ماذا صَنَعْتَ ؟ تَلَوْتَ عَلى النّاسِ ما لَمْ آتِكَ بِهِ عَنِ اللَّهِ وقُلْتَ ما لَمْ أقُلْ لَكَ ؟ فَحَزِنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حُزْنًا شَدِيدًا وخافَ مِنَ اللَّهِ خَوْفًا عَظِيمًا حَتّى نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ ولا نَبِيٍّ إلّا إذا تَمَنّى ألْقى الشَّيْطانُ في أُمْنِيَّتِهِ»﴾ الآيَةَ. هَذا رِوايَةُ عامَّةِ المُفَسِّرِينَ الظّاهِرِيِّينَ، أمّا أهْلُ التَّحْقِيقِ فَقَدْ قالُوا: هَذِهِ الرِّوايَةُ باطِلَةٌ مَوْضُوعَةٌ واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِالقُرْآنِ والسُّنَّةِ والمَعْقُولِ. أمّا القُرْآنُ فَوُجُوهٌ:
أحَدُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الأقاوِيلِ﴾ ﴿لَأخَذْنا مِنهُ بِاليَمِينِ﴾ ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنهُ الوَتِينَ﴾ [ الحاقَّةِ: ٤٤ - ٤٦]، وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿قُلْ ما يَكُونُ لِي أنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقاءِ نَفْسِي إنْ أتَّبِعُ إلّا ما يُوحى إلَيَّ﴾ [يونس: ١٥] . وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿وما يَنْطِقُ عَنِ الهَوى﴾ ﴿إنْ هو إلّا وحْيٌ يُوحى﴾ [ النَّجْمِ: ٣ - ٤] فَلَوْ أنَّهُ قَرَأ عَقِيبَ هَذِهِ الآيَةِ تِلْكَ الغَرانِيقُ العُلا لَكانَ قَدْ ظَهَرَ كَذِبُ اللَّهِ تَعالى في الحالِ وذَلِكَ لا يَقُولُهُ مُسْلِمٌ. ورابِعُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ وإذًا لاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٣] وكَلِمَةُ كادَ عِنْدَ بَعْضِهِمْ مَعْناهُ قَرُبَ أنْ يَكُونَ الأمْرُ كَذَلِكَ مَعَ أنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ. وخامِسُها: قَوْلُهُ: ﴿ولَوْلا أنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٤] وكَلِمَةُ لَوْلا تُفِيدُ انْتِفاءَ الشَّيْءِ لِانْتِفاءِ غَيْرِهِ فَدَلَّ عَلى أنَّ ذَلِكَ الرُّكُونَ القَلِيلَ لَمْ يَحْصُلْ. وسادِسُها: قَوْلُهُ: ﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ﴾ [الفرقان: ٣٢] . وسابِعُها: قَوْلُهُ: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ [الأعلى: ٦] . وأمّا السُّنَّةُ فَهي ما رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ القِصَّةِ فَقالَ: هَذا وُضْعٌ مِنَ الزَّنادِقَةِ وصَنَّفَ فِيهِ كِتابًا. وقالَ الإمامُ أبُو بَكْرٍ أحْمَدُ بْنُ الحُسَيْنِ البَيْهَقِيُّ: هَذِهِ القِصَّةُ غَيْرُ ثابِتَةٍ مِن جِهَةِ النَّقْلِ ثُمَّ أخَذَ يَتَكَلَّمُ في أنَّ رُواةَ هَذِهِ القِصَّةِ مَطْعُونٌ فِيهِمْ، وأيْضًا فَقَدْ رَوىالبُخارِيُّ في صَحِيحِهِ «أنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلامُ قَرَأ سُورَةَ النَّجْمِ وسَجَدَ فِيها المُسْلِمُونَ والمُشْرِكُونَ والإنْسُ والجِنُّ» ولَيْسَ فِيهِ حَدِيثُ الغَرانِيقِ. ورُوِيَ هَذا الحَدِيثُ مِن طُرُقٍ كَثِيرَةٍ، ولَيْسَ فِيها البَتَّةَ حَدِيثُ الغَرانِيقِ. وأمّا المَعْقُولُ فَمِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ مَن جَوَّزَ عَلى الرَّسُولِ ﷺ تَعْظِيمَ الأوْثانِ فَقَدْ كَفَرَ؛ لِأنَّ مِنَ المَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ أنَّ أعْظَمَ سَعْيِهِ كانَ في نَفْيِ الأوْثانِ. وثانِيها: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ما كانَ يُمْكِنُهُ في أوَّلِ الأمْرِ أنْ يُصَلِّيَ ويَقْرَأ القُرْآنَ عِنْدَ الكَعْبَةِ
صفحة ٤٥
آمِنًا أذى المُشْرِكِينَ لَهُ حَتّى كانُوا رُبَّما مَدُّوا أيْدِيَهم إلَيْهِ، وإنَّما كانَ يُصَلِّي إذا لَمْ يَحْضُرُوها لَيْلًا أوْ في أوْقاتِ خَلْوَةٍ، وذَلِكَ يُبْطِلُ قَوْلَهم. وثالِثُها: أنَّ مُعاداتَهم لِلرَّسُولِ كانَتْ أعْظَمَ مِن أنْ يُقِرُّوا بِهَذا القَدْرِ مِنَ القِراءَةِ دُونَ أنْ يَقِفُوا عَلى حَقِيقَةِ الأمْرِ، فَكَيْفَ أجْمَعُوا عَلى أنَّهُ عَظَّمَ آلِهَتَهم حَتّى خَرُّوا سُجَّدًا مَعَ أنَّهُ لَمْ يُظْهِرْ عِنْدَهم مُوافَقَتَهُ لَهم ؟ ورابِعُها: قَوْلُهُ: ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ إحْكامَ الآياتِ بِإزالَةِ ما يُلْقِيهِ الشَّيْطانُ عَنِ الرَّسُولِ أقْوى مِن نَسْخِهِ بِهَذِهِ الآياتِ الَّتِي تَبْقى الشُّبْهَةُ مَعَها، فَإذا أرادَ اللَّهُ إحْكامَ الآياتِ لِئَلّا يَلْتَبِسَ ما لَيْسَ بِقُرْآنٍ قُرْآنًا، فَبِأنْ يُمْنَعَ الشَّيْطانُ مِن ذَلِكَ أصْلًا أوْلى. وخامِسُها: وهو أقْوى الوُجُوهِ أنّا لَوْ جَوَّزْنا ذَلِكَ ارْتَفَعَ الأمانُ عَنْ شَرْعِهِ وجَوَّزْنا في كُلِّ واحِدٍ مِنَ الأحْكامِ والشَّرائِعِ أنْ يَكُونَ كَذَلِكَ، ويَبْطُلُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ وإنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧] فَإنَّهُ لا فَرْقَ في العَقْلِ بَيْنَ النُّقْصانِ عَنِ الوَحْيِ وبَيْنَ الزِّيادَةِ فِيهِ، فَبِهَذِهِ الوُجُوهِ عَرَفْنا عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ أنَّ هَذِهِ القِصَّةَ مَوْضُوعَةٌ، أكْثَرُ ما في البابِ أنَّ جَمْعًا مِنَ المُفَسِّرِينَ ذَكَرُوها لَكِنَّهم ما بَلَغُوا حَدَّ التَّواتُرِ، وخَبَرُ الواحِدِ لا يُعارِضُ الدَّلائِلَ النَّقْلِيَّةَ والعَقْلِيَّةَ المُتَواتِرَةَ، ولْنَشْرَعِ الآنَ في التَّفْصِيلِ فَنَقُولُ: التَّمَنِّي جاءَ في اللُّغَةِ لِأمْرَيْنِ: أحَدُهُما: تَمَنِّي القَلْبِ والثّانِي: القِراءَةُ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ومِنهم أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الكِتابَ إلّا أمانِيَّ﴾ [البقرة: ٧٨] أيْ إلّا قِراءَةً لِأنَّ الأُمِّيَّ لا يَعْلَمُ القُرْآنَ مِنَ المُصْحَفِ وإنَّما يَعْلَمُهُ قِراءَةً، وقالَ حَسّانُ:
تَمَنّى كِتابَ اللَّهِ أوَّلَ لَيْلَةٍ وآخِرَها لاقى حِمامَ المَقادِرِ
قِيلَ: إنَّما سُمِّيَتِ القِراءَةُ أُمْنِيَّةً لِأنَّ القارِئَ إذا انْتَهى إلى آيَةِ رَحْمَةٍ تَمَنّى حُصُولَها، وإذا انْتَهى إلى آيَةِ عَذابٍ تَمَنّى أنْ لا يُبْتَلى بِها، وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: التَّمَنِّي هو التَّقْدِيرُ، وتَمَنّى هو تَفَعَّلَ مِن مُنِيتُ، والمَنِيَّةُ وفاةُ الإنْسانِ في الوَقْتِ الَّذِي قَدَّرَهُ اللَّهُ تَعالى، ومَنى اللَّهُ لَكَ أيْ قَدَّرَ لَكَ. وقالَ رُواةُ اللُّغَةِ: الأمْنِيَّةُ القِراءَةُ. واحْتَجُّوا بِبَيْتِ حَسّانَ، وذَلِكَ راجِعٌ إلى الأصْلِ الَّذِي ذَكَرْناهُ، فَإنَّ التّالِيَ مُقَدِّرٌ لِلْحُرُوفِ ويَذْكُرُها شَيْئًا فَشَيْئًا، فالحاصِلُ مِن هَذا البَحْثِ أنَّ الأمْنِيَّةَ إمّا القِراءَةُ، وإمّا الخاطِرُ، أمّا إذا فَسَّرْناها بِالقِراءَةِ فَفِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى أرادَ بِذَلِكَ ما يَجُوزُ أنْ يَسْهُوَ الرَّسُولُ ﷺ فِيهِ ويَشْتَبِهَ عَلى القارِئِ دُونَ ما رَوَوْهُ مِن قَوْلِهِ تِلْكَ الغَرانِيقُ العُلا. الثّانِي: المُرادُ مِنهُ وُقُوعُ هَذِهِ الكَلِمَةِ في قِراءَتِهِ ثُمَّ اخْتَلَفَ القائِلُونَ بِهَذا عَلى وُجُوهٍ:
الوجه الأوَّلُ: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَتَكَلَّمْ بِقَوْلِهِ: تِلْكَ الغَرانِيقُ العُلا ولا الشَّيْطانُ تَكَلَّمَ بِهِ ولا أحَدٌ تَكَلَّمَ بِهِ، لَكِنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا قَرَأ سُورَةَ النَّجْمِ اشْتَبَهَ الأمْرُ عَلى الكُفّارِ فَحَسِبُوا بَعْضَ ألْفاظِهِ ما رَوَوْهُ مِن قَوْلِهِمْ تِلْكَ الغَرانِيقُ العُلا، وذَلِكَ عَلى حَسَبِ ما جَرَتِ العادَةُ بِهِ مِن تَوَهُّمِ بَعْضِ الكَلِماتِ عَلى غَيْرِ ما يُقالُ، وهَذا الوجه ذَهَبَ إلَيْهِ جَماعَةٌ وهو ضَعِيفٌ لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ التَّوَهُّمَ في مِثْلِ ذَلِكَ إنَّما يَصِحُّ فِيما قَدْ جَرَتِ العادَةُ بِسَماعِهِ فَأمّا غَيْرُ المَسْمُوعِ فَلا يَقَعُ ذَلِكَ فِيهِ. وثانِيها: أنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَوَقَعَ هَذا التَّوَهُّمُ لِبَعْضِ السّامِعِينَ دُونَ البَعْضِ فَإنَّ العادَةَ مانِعَةٌ مِنَ اتِّفاقِ الجَمِّ العَظِيمِ في السّاعَةِ الواحِدَةِ عَلى خَيالٍ واحِدٍ فاسِدٍ في المَحْسُوساتِ. وثالِثُها: لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مُضافًا إلى الشَّيْطانِ. الوجه الثّانِي: قالُوا: إنَّ ذَلِكَ الكَلامَ كَلامُ شَيْطانِ الجِنِّ، وذَلِكَ بِأنْ تَلَفَّظَ بِكَلامٍ مِن تِلْقاءِ نَفْسِهِ أوْقَعَهُ في دَرَجِ تِلْكَ التِّلاوَةِ في بَعْضِ وقَفاتِهِ لِيُظَنَّ أنَّهُ مِن جِنْسِ الكَلامِ المَسْمُوعِ مِنَ الرَّسُولِ ﷺ، قالُوا: والَّذِي يُؤَكِّدُهُ أنَّهُ لا خِلافَ في أنَّ الجِنَّ والشَّياطِينَ مُتَكَلِّمُونَ فَلا يَمْتَنِعُ أنْ يَأْتِيَ الشَّيْطانُ بِصَوْتٍ مِثْلِ صَوْتِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ
صفحة ٤٦
السَّلامُ فَيَتَكَلَّمَ بِهَذِهِ الكَلِماتِ في أثْناءِ كَلامِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وعِنْدَ سُكُوتِهِ فَإذا سَمِعَ الحاضِرُونَ تِلْكَ الكَلِمَةَ بِصَوْتٍ مِثْلِ صَوْتِ الرَّسُولِ وما رَأوْا شَخْصًا آخَرَ ظَنَّ الحاضِرُونَ أنَّهُ كَلامُ الرَّسُولِ، ثُمَّ هَذا لا يَكُونُ قادِحًا في النُّبُوَّةِ لَمّا لَمْ يَكُنْ فِعْلًا لَهُ، وهَذا أيْضًا ضَعِيفٌ، فَإنَّكَ إذا جَوَّزْتَ أنْ يَتَكَلَّمَ الشَّيْطانُ في أثْناءِ كَلامِ الرَّسُولِ ﷺ بِما يَشْتَبِهُ عَلى كُلِّ السّامِعِينَ كَوْنُهُ كَلامًا لِلرَّسُولِ بَقِيَ هَذا الِاحْتِمالُ في كُلِّ ما يَتَكَلَّمُ بِهِ الرَّسُولُ فَيُفْضِي إلى ارْتِفاعِ الوُثُوقِ عَنْ كُلِّ الشَّرْعِ، فَإنْ قِيلَ: هَذا الِاحْتِمالُ قائِمٌ في الكُلِّ، ولَكِنَّهُ لَوْ وقَعَ لَوَجَبَ في حِكْمَةِ اللَّهِ تَعالى أنْ يُشْرَحَ الحالُ فِيهِ كَما في هَذِهِ الواقِعَةِ إزالَةً لِلتَّلْبِيسِ، قُلْنا: لا يَجِبُ عَلى اللَّهِ إزالَةُ الِاحْتِمالاتِ كَما في المُتَشابِهاتِ وإذا لَمْ يَجِبْ عَلى اللَّهِ ذَلِكَ تَمَكَّنَ الِاحْتِمالُ مِنَ الكُلِّ.
الوجه الثّالِثُ: أنْ يُقالَ: المُتَكَلِّمُ بِذَلِكَ بَعْضُ شَياطِينِ الإنْسِ وهُمُ الكَفَرَةُ، فَإنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا انْتَهى في قِراءَةِ هَذِهِ السُّورَةِ إلى هَذا المَوْضِعِ وذَكَرَ أسْماءَ آلِهَتِهِمْ، وقَدْ عَلِمُوا مِن عادَتِهِ أنَّهُ يَعِيبُها، فَقالَ بَعْضُ مَن حَضَرَ تِلْكَ الغَرانِيقُ العُلا فاشْتَبَهَ الأمْرُ عَلى القَوْمِ لِكَثْرَةِ لَغَطِ القَوْمِ وكَثْرَةِ صِياحِهِمْ وطَلَبِهِمْ تَغْلِيطَهُ وإخْفاءَ قِراءَتِهِ، ولَعَلَّ ذَلِكَ كانَ في صَلاتِهِ؛ لِأنَّهم كانُوا يَقْرُبُونَ مِنهُ في حالِ صَلاتِهِ ويَسْمَعُونَ قِراءَتَهُ ويَلْغُونَ فِيها، وقِيلَ: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ إذا تَلا القُرْآنَ عَلى قُرَيْشٍ تَوَقَّفَ في فُصُولِ الآياتِ، فَألْقى بَعْضُ الحاضِرِينَ ذَلِكَ الكَلامَ في تِلْكَ الوَقَفاتِ فَتَوَهَّمَ القَوْمُ أنَّهُ مِن قِراءَةِ الرَّسُولِ ﷺ ثُمَّ أضافَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ إلى الشَّيْطانِ؛ لِأنَّهُ بِوَسْوَسَتِهِ يَحْصُلُ أوَّلًا ولِأنَّهُ سُبْحانَهُ جَعَلَ ذَلِكَ المُتَكَلِّمَ في نَفْسِهِ شَيْطانًا، وهَذا أيْضًا ضَعِيفٌ لِوَجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَكانَ يَجِبُ عَلى الرَّسُولِ ﷺ إزالَةُ الشُّبْهَةِ، وتَصْرِيحُ الحَقِّ، وتَبْكِيتُ ذَلِكَ القائِلِ، وإظْهارُ أنَّ هَذِهِ الكَلِمَةَ مِنهُ صَدَرَتْ.
وثانِيهِما: لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ لَكانَ ذَلِكَ أوْلى بِالنَّقْلِ، فَإنْ قِيلَ: إنَّما لَمْ يَفْعَلِ الرَّسُولُ ﷺ ذَلِكَ لِأنَّهُ كانَ قَدْ أدّى السُّورَةَ بِكَمالِها إلى الأُمَّةِ مِن دُونِ هَذِهِ الزِّيادَةِ فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُؤَدِّيًا إلى التَّلْبِيسِ كَما يُؤَدِّي سَهْوُهُ في الصَّلاةِ بَعْدَ أنْ وصَفَها إلى اللَّبْسِ، قُلْنا: إنَّ القُرْآنَ لَمْ يَكُنْ مُسْتَقِرًّا عَلى حالَةٍ واحِدَةٍ في زَمانِ حَياتِهِ؛ لِأنَّهُ كانَ تَأْتِيهِ الآياتُ فَيُلْحِقُها بِالسُّورِ فَلَمْ يَكُنْ تَأْدِيَةُ تِلْكَ السُّورَةِ بِدُونِ هَذِهِ الزِّيادَةِ سَبَبًا لِزَوالِ اللَّبْسِ، وأيْضًا فَلَوْ كانَ كَذَلِكَ لَما اسْتَحَقَّ العِتابَ مِنَ اللَّهِ تَعالى عَلى ما رَواهُ القَوْمُ.
الوجه الرّابِعُ: هو أنَّ المُتَكَلِّمَ بِهَذا هو الرَّسُولُ ﷺ ثُمَّ هَذا يَحْتَمِلُ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ، فَإنَّهُ إمّا أنْ يَكُونَ قالَ هَذِهِ الكَلِمَةَ سَهْوًا أوْ قَسْرًا أوِ اخْتِيارًا.
أمّا الوجه الأوَّلُ: وهو أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ هَذِهِ الكَلِمَةَ سَهْوًا، فَكَما يُرْوى عَنْ قَتادَةَ ومُقاتِلٍ أنَّهُما قالا: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يُصَلِّي عِنْدَ المَقامِ فَنَعَسَ وجَرى عَلى لِسانِهِ هاتانِ الكَلِمَتانِ، فَلَمّا فَرَغَ مِنَ السُّورَةِ سَجَدَ وسَجَدَ كُلُّ مَن في المَسْجِدِ، وفَرِحَ المُشْرِكُونَ بِما سَمِعُوهُ وأتاهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فاسْتَقْرَأهُ، فَلَمّا انْتَهى إلى الغَرانِيقِ قالَ: لَمْ آتِكَ بِهَذا، فَحَزِنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى أنْ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ وهَذا ضَعِيفٌ أيْضًا لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ لَوْ جازَ هَذا السَّهْوُ لَجازَ في سائِرِ المَواضِعِ، وحِينَئِذٍ تَزُولُ الثِّقَةُ عَنِ الشَّرْعِ. وثانِيها: أنَّ السّاهِيَ لا يَجُوزُ أنْ يَقَعَ مِنهُ مِثْلُ هَذِهِ الألْفاظِ المُطابِقَةِ لِوَزْنِ السُّورَةِ وطَرِيقَتِها ومَعْناها، فَإنّا نَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أنَّ واحِدًا لَوْ أنْشَدَ قَصِيدَةً لَما جازَ أنْ يَسْهُوَ حَتّى يَتَّفِقَ مِنهُ بَيْتُ شِعْرٍ في وزْنِها ومَعْناها وطَرِيقَتِها. وثالِثُها: هَبْ أنَّهُ تَكَلَّمَ بِذَلِكَ سَهْوًا، فَكَيْفَ لَمْ يُنَبَّهْ لِذَلِكَ حِينَ قَرَأها عَلى جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ وذَلِكَ ظاهِرٌ. أمّا الوجه الثّانِي: وهو أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ تَكَلَّمَ بِذَلِكَ قَسْرًا وهو الَّذِي قالَ قَوْمٌ: إنَّ الشَّيْطانَ أجْبَرَ النَّبِيَّ ﷺ
صفحة ٤٧
عَلى أنْ يَتَكَلَّمَ بِهَذا فَهَذا أيْضًا فاسِدٌ لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ الشَّيْطانَ لَوْ قَدَرَ عَلى ذَلِكَ في حَقِّ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ لَكانَ اقْتِدارُهُ عَلَيْنا أكْثَرَ، فَوَجَبَ أنْ يُزِيلَ الشَّيْطانُ النّاسَ عَنِ الدِّينِ ولَجازَ في أكْثَرِ ما يَتَكَلَّمُ بِهِ الواحِدُ مِنّا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِإجْبارِ الشَّياطِينِ. وثانِيها: أنَّ الشَّيْطانَ لَوْ قَدَرَ عَلى هَذا الإجْبارِ لارْتَفَعَ الأمانُ عَنِ الوَحْيِ لِقِيامِ هَذا الِاحْتِمالِ، وثالِثُها: أنَّهُ باطِلٌ بِدَلالَةِ قَوْلِهِ تَعالى حاكِيًا عَنِ الشَّيْطانِ ﴿وما كانَ لِي عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ إلّا أنْ دَعَوْتُكم فاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي ولُومُوا أنْفُسَكُمْ﴾ [إبراهيم: ٢٢] وقالَ تَعالى: ﴿إنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ ﴿إنَّما سُلْطانُهُ عَلى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ﴾ [النحل: ١٠٠] وقالَ: ﴿إلّا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ﴾ [الحجر: ٤٠] ولا شَكَّ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ سَيِّدَ المُخْلَصِينَ.
أمّا الوجه الثّالِثُ: وهو أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ تَكَلَّمَ بِذَلِكَ اخْتِيارًا فَهاهُنا وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنْ نَقُولَ إنَّ هَذِهِ الكَلِمَةَ باطِلَةٌ. والثّانِي: أنْ نَقُولَ إنَّها لَيْسَتْ كَلِمَةً باطِلَةً. أمّا عَلى الوجه الأوَّلِ فَذَكَرُوا فِيهِ طَرِيقَيْنِ: الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما في رِوايَةِ عَطاءٍ: إنَّ شَيْطانًا يُقالُ لَهُ الأبْيَضُ أتاهُ عَلى صُورَةِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وألْقى عَلَيْهِ هَذِهِ الكَلِمَةَ فَقَرَأها فَلَمّا سَمِعَ المُشْرِكُونَ ذَلِكَ أعْجَبَهم، فَجاءَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فاسْتَعْرَضَهُ فَقَرَأها فَلَمّا بَلَغَ إلى تِلْكَ الكَلِمَةِ قالَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ: أنا ما جِئْتُكَ بِهَذِهِ. قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إنَّهُ أتانِي آتٍ عَلى صُورَتِكَ فَألْقاها عَلى لِسانِي. الطَّرِيقُ الثّانِي: قالَ بَعْضُ الجُهّالِ: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِشِدَّةِ حِرْصِهِ عَلى إيمانِ القَوْمِ أدْخَلَ هَذِهِ الكَلِمَةَ مِن عِنْدِ نَفْسِهِ ثُمَّ رَجَعَ عَنْها، وهَذانَ القَوْلانِ لا يَرْغَبُ فِيهِما مُسْلِمٌ البَتَّةَ؛ لِأنَّ الأوَّلَ يَقْتَضِي أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ما كانَ يُمَيِّزُ بَيْنَ المَلَكِ المَعْصُومِ والشَّيْطانِ الخَبِيثِ، والثّانِي يَقْتَضِي أنَّهُ كانَ خائِنًا في الوَحْيِ، وكُلُّ واحِدٍ مِنهُما خُرُوجٌ عَنِ الدِّينِ.
أمّا الوجه الثّانِي: وهو أنَّ هَذِهِ الكَلِمَةَ لَيْسَتْ باطِلَةً فَهاهُنا أيْضًا طُرُقٌ: الأوَّلُ: أنْ يُقالَ: الغَرانِيقُ هُمُ المَلائِكَةُ، وقَدْ كانَ ذَلِكَ قُرْآنًا مُنَزَّلًا في وصْفِ المَلائِكَةِ. فَلَمّا تَوَهَّمَ المُشْرِكُونَ أنَّهُ يُرِيدُ آلِهَتَهم نَسَخَ اللَّهُ تِلاوَتَهُ. الثّانِي: أنْ يُقالَ: المُرادُ مِنهُ الِاسْتِفْهامُ عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ، فَكَأنَّهُ قالَ: أشَفاعَتُهُنَّ تُرْتَجى ؟ الثّالِثُ: أنْ يُقالَ إنَّهُ ذَكَرَ الإثْباتَ وأرادَ النَّفْيَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم أنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦] أيْ لا تَضِلُّوا كَما قَدْ يَذْكُرُ النَّفْيَ ويُرِيدُ بِهِ الإثْباتَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ تَعالَوْا أتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكم عَلَيْكم ألّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [الأنعام: ١٥١] والمَعْنى أنْ تُشْرِكُوا، وهَذانَ الوَجْهانِ الأخِيرانِ يُعْتَرَضُ عَلَيْهِما بِأنَّهُ لَوْ جازَ ذَلِكَ بِناءً عَلى هَذا التَّأْوِيلِ فَلِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُظْهِرُوا كَلِمَةَ الكُفْرِ في جُمْلَةِ القُرْآنِ أوْ في الصَّلاةِ بِناءً عَلى هَذا التَّأْوِيلِ ؟ ولَكِنَّ الأصْلَ في الدِّينِ أنْ لا يَجُوزَ عَلَيْهِمْ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ نَصَبَهم حُجَّةً واصْطَفاهم لِلرِّسالَةِ، فَلا يَجُوزُ عَلَيْهِمْ ما يَطْعَنُ في ذَلِكَ أوْ يُنَفِّرُ، ومِثْلُ ذَلِكَ في التَّنْفِيرِ أعْظَمُ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي حَثَّهُ اللَّهُ تَعالى عَلى تَرْكِها كَنَحْوِ الفَظاظَةِ والكِتابَةِ وقَوْلِ الشِّعْرِ، فَهَذِهِ الوُجُوهُ المَذْكُورَةُ في قَوْلِهِ: ”تِلْكَ الغَرانِيقُ العُلا“ قَدْ ظَهَرَ عَلى القَطْعِ كَذِبُها، فَهَذا كُلُّهُ إذا فَسَّرْنا التَّمَنِّيَ بِالتِّلاوَةِ. وأمّا إذا فَسَّرْناها بِالخاطِرِ وتَمَنِّي القَلْبِ فالمَعْنى أنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَتى تَمَنّى بَعْضَ ما يَتَمَنّاهُ مِنَ الأُمُورِ يُوَسْوِسُ الشَّيْطانُ إلَيْهِ بِالباطِلِ، ويَدْعُوهُ إلى ما لا يَنْبَغِي ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى يَنْسَخُ ذَلِكَ ويُبْطِلُهُ ويَهْدِيهِ إلى تَرْكِ الِالتِفاتِ إلى وسْوَسَتِهِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا في كَيْفِيَّةِ تِلْكَ الوَسْوَسَةِ عَلى وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ يَتَمَنّى ما يَتَقَرَّبُ بِهِ إلى المُشْرِكِينَ مِن ذِكْرِ آلِهَتِهِمْ بِالثَّناءِ. قالُوا: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يُحِبُّ أنْ يَتَألَّفَهم، وكانَ يُرَدِّدُ ذَلِكَ في نَفْسِهِ فَعِنْدَما لَحِقَهُ النُّعاسُ زادَ تِلْكَ الزِّيادَةَ مِن حَيْثُ كانَتْ في نَفْسِهِ وهَذا أيْضًا
صفحة ٤٨
خُرُوجٌ عَنِ الدِّينِ، وبَيانُهُ ما تَقَدَّمَ. وثانِيها: ما قالَ مُجاهِدٌ مِن أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَتَمَنّى إنْزالَ الوَحْيِ عَلَيْهِ عَلى سُرْعَةٍ دُونَ تَأْخِيرٍ، فَنَسَخَ اللَّهُ ذَلِكَ بِأنْ عَرَّفَهُ بِأنَّ إنْزالَ ذَلِكَ بِحَسَبِ المَصالِحِ في الحَوادِثِ والنَّوازِلِ وغَيْرِها. وثالِثُها: يُحْتَمَلُ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عِنْدَ نُزُولِ الوَحْيِ كانَ يَتَفَكَّرُ في تَأْوِيلِهِ إنْ كانَ مُجْمَلًا فَيُلْقِي الشَّيْطانُ في جُمْلَتِهِ ما لَمْ يُرِدْهُ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهُ يَنْسَخُ ذَلِكَ بِالإبْطالِ ويَحْكُمُ ما أرادَهُ اللَّهُ تَعالى بِأدِلَّتِهِ وآياتِهِ. ورابِعُها: مَعْنى الآيَةِ إذا تَمَنّى، إذا أرادَ فِعْلًا مُقَرَّبًا إلى اللَّهِ تَعالى ألْقى الشَّيْطانُ في فِكْرِهِ ما يُخالِفُهُ فَيَرْجِعُ إلى اللَّهِ تَعالى في ذَلِكَ، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إذا مَسَّهم طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإذا هم مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠١] وكَقَوْلِهِ: ﴿وإمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [الأعراف: ٢٠٠] ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: لا يَجُوزُ حَمْلُ الأُمْنِيَّةِ عَلى تَمَنِّي القَلْبِ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ ما يَخْطُرُ بِبالِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِتْنَةً لِلْكُفّارِ وذَلِكَ يُبْطِلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ والقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾، والجَوابُ: لا يَبْعُدُ أنَّهُ إذا قَوِيَ التَّمَنِّي اشْتَغَلَ الخاطِرُ بِهِ فَحَصَلَ السَّهْوُ في الأفْعالِ الظّاهِرَةِ بِسَبَبِهِ، فَيَصِيرُ ذَلِكَ فِتْنَةً لِلْكُفّارِ فَهَذا آخِرُ القَوْلِ في هَذِهِ المسألة.
* * *
المسألة الثّالِثَةُ: يَرْجِعُ حاصِلُ البَحْثِ إلى أنَّ الغَرَضَ مِن هَذِهِ الآيَةِ بَيانُ أنَّ الرُّسُلَ الَّذِينَ أرْسَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى وإنْ عَصَمَهم عَنِ الخَطَأِ مَعَ العِلْمِ، فَلَمْ يَعْصِمْهم مِن جَوازِ السَّهْوِ ووَسْوَسَةِ الشَّيْطانِ، بَلْ حالُهم في جَوازِ ذَلِكَ كَحالِ سائِرِ البَشَرِ، فالواجِبُ أنْ لا يُتَّبَعُوا إلّا فِيما يَفْعَلُونَهُ عَنْ عِلْمٍ فَذَلِكَ هو المُحْكَمُ، وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: مَعْنى الآيَةِ أنَّهُ لَمْ يُرْسِلْ نَبِيًّا إلّا إذا تَمَنّى. كَأنَّهُ قِيلَ: وما أرْسَلْنا إلى البَشَرِ مَلَكًا وما أرْسَلْنا إلَيْهِمْ نَبِيًّا إلّا مِنهم، وما أرْسَلْنا نَبِيًّا خَلا عِنْدَ تِلاوَتِهِ الوَحْيَ مِن وسْوَسَةِ الشَّيْطانِ، وأنْ يُلْقِيَ في خاطِرِهِ ما يُضادُّ الوَحْيَ ويَشْغَلُهُ عَنْ حِفْظِهِ فَيُثَبِّتُ اللَّهُ النَّبِيَّ عَلى الوَحْيِ وعَلى حِفْظِهِ ويُعْلِمُهُ صَوابَ ذَلِكَ وبُطْلانَ ما يَكُونُ مِنَ الشَّيْطانِ، قالَ: وفِيما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿قُلْ ياأيُّها النّاسُ إنَّما أنا لَكم نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [الحج: ٤٩] تَقْوِيَةٌ لِهَذا التَّأْوِيلِ، فَكَأنَّهُ تَعالى أمَرَهُ أنْ يَقُولَ لِلْكافِرِينَ: أنا نَذِيرٌ لَكم لَكِنِّي مِنَ البَشَرِ لا مِنَ المَلائِكَةِ، ولَمْ يُرْسِلِ اللَّهُ تَعالى مِثْلِي مَلَكًا بَلْ أرْسَلَ رِجالًا فَقَدْ وسْوَسَ الشَّيْطانُ إلَيْهِمْ، فَإنْ قِيلَ: هَذا إنَّما يَصِحُّ لَوْ كانَ السَّهْوُ لا يَجُوزُ عَلى المَلائِكَةِ، قُلْنا: إذا كانَتِ المَلائِكَةُ أعْظَمَ دَرَجَةً مِنَ الأنْبِياءِ لَمْ يَلْزَمْ مِنِ اسْتِيلائِهِمْ بِالوَسْوَسَةِ عَلى الأنْبِياءِ اسْتِيلاؤُهم بِالوَسْوَسَةِ عَلى المَلائِكَةِ.
* * *
واعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا شَرَحَ حالَ هَذِهِ الوَسْوَسَةِ أرْدَفَ ذَلِكَ بِبَحْثَيْنِ:
البَحْثُ الأوَّلُ: كَيْفِيَّةُ إزالَتِها، وذَلِكَ هو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ﴾ فالمُرادُ إزالَتُهُ وإزالَةُ تَأْثِيرِهِ فَهو النَّسْخُ اللُّغَوِيُّ لا النَّسْخُ الشَّرْعِيُّ المُسْتَعْمَلُ في الأحْكامِ. أمّا قَوْلُهُ: (﴿ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ﴾ فَإذا حُمِلَ التَّمَنِّي عَلى القِراءَةِ فالمُرادُ بِهِ آياتُ القُرْآنِ، وإلّا فَيُحْمَلُ عَلى أحْكامِ الأدِلَّةِ الَّتِي لا يَجُوزُ فِيها الغَلَطُ.
البَحْثُ الثّانِي: أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أثَرَ تِلْكَ الوَسْوَسَةِ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ شَرَحَ أثَرَها في حَقِّ الكُفّارِ أوَّلًا، ثُمَّ في حَقِّ المُؤْمِنِينَ ثانِيًا، أمّا في حَقِّ الكُفّارِ فَهو قَوْلُهُ: ﴿لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً﴾ والمُرادُ بِهِ تَشْدِيدُ التَّبْعِيدِ؛ لِأنَّ عِنْدَما يَظْهَرُ مِنَ الرَّسُولِ ﷺ الِاشْتِباهُ في القُرْآنِ سَهْوًا يَلْزَمُهُمُ البَحْثُ عَنْ ذَلِكَ لِيُمَيِّزُوا السَّهْوَ مِنَ العَمْدِ، ولِيَعْلَمُوا أنَّ العَمْدَ صَوابٌ والسَّهْوَ قَدْ لا يَكُونُ صَوابًا.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿لِلَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ والقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ فَفِيهِ سُؤالانِ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: لِمَ قالَ: ﴿فِتْنَةً لِلَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ ؟ ولِمَ خَصَّهم بِذَلِكَ الجَوابِ ؟ لِأنَّهم مَعَ
صفحة ٤٩
كُفْرِهِمْ يَحْتاجُونَ إلى ذَلِكَ التَّدَبُّرِ، وأمّا المُؤْمِنُونَ فَقَدْ تَقَدَّمَ عِلْمُهم بِذَلِكَ فَلا يَحْتاجُونَ إلى التَّدَبُّرِ.
السُّؤالُ الثّانِي: ما مَرَضُ القَلْبِ ؟ الجَوابُ: أنَّهُ الشَّكُّ والشُّبْهَةُ وهُمُ المُنافِقُونَ كَما قالَ: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ وأمّا القاسِيَةُ قُلُوبُهم فَهُمُ المُشْرِكُونَ المُصِرُّونَ عَلى جَهْلِهِمْ ظاهِرًا وباطِنًا.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّ الظّالِمِينَ لَفي شِقاقٍ بَعِيدٍ﴾ يُرِيدُ أنَّ هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ والمُشْرِكِينَ فَأصْلُهُ وإنَّهم، فَوَضَعَ الظّاهِرَ مَوْضِعَ المُضْمَرِ قَضاءً عَلَيْهِمْ بِالظُّلْمِ والشِّقاقِ والمُشاقَّةِ والمُعاداةِ والمُباعَدَةِ سَواءٌ، وأمّا في حَقِّ المُؤْمِنِينَ فَهو قَوْلُهُ: ﴿ولِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ أنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّكَ﴾ وفي الكِنايَةِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: أنَّها عائِدَةٌ إلى نَسْخِ ما ألْقاهُ الشَّيْطانُ، عَنِ الكَلْبِيِّ. وثانِيها: أنَّهُ الحَقُّ أيِ القُرْآنُ عَنْ مُقاتِلٍ. وثالِثُها: أنَّ تَمَكُّنَ الشَّيْطانِ مِن ذَلِكَ الإلْقاءِ هو الحَقُّ، أمّا عَلى قَوْلِنا فَلِأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أيَّ شَيْءٍ فَعَلَ فَقَدْ تَصَرَّفَ في مُلْكِهِ ومِلْكِهِ - بِضَمِّ المِيمِ وكَسْرِها - فَكانَ حَقًّا، وأمّا عَلى قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ فَلِأنَّهُ سُبْحانَهُ حَكِيمٌ فَتَكُونُ كُلُّ أفْعالِهِ صَوابًا فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهم أيْ تَخْضَعُ وتَسْكُنُ لِعِلْمِهِمْ بِأنَّ المَقْضِيَّ كائِنٌ، وكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خَلَقَهُ لَهُ، ﴿وإنَّ اللَّهَ لَهادِي الَّذِينَ آمَنُوا﴾ إلى أنْ يَتَأوَّلُوا ما يَتَشابَهُ في الدِّينِ بِالتَّأْوِيلاتِ الصَّحِيحَةِ ويَطْلُبُوا ما أشْكَلَ مِنهُ مِنَ المُجْمَلِ الَّذِي تَقْتَضِيهِ الأُصُولُ المُحْكَمَةُ حَتّى لا تَلْحَقَهم حَيْرَةٌ ولا تَعْتَرِيَهم شُبْهَةٌ، وقُرِئَ: ”لَهادٍ الَّذِينَ آمَنُوا“ بِالتَّنْوِينِ، ولَمّا بَيَّنَ سُبْحانَهُ حالَ الكافِرِينَ أوَّلًا، ثُمَّ حالَ المُؤْمِنِينَ ثانِيًا عادَ إلى شَرْحِ حالِ الكافِرِينَ مَرَّةً أُخْرى فَقالَ: ﴿ولا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا في مِرْيَةٍ مِنهُ﴾ أيْ مِنَ القُرْآنِ أوْ مِنَ الرَّسُولِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الأعْصارَ إلى قِيامِ السّاعَةِ لا تَخْلُو مِمَّنْ هَذا وصْفُهُ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى تَأْتِيَهُمُ السّاعَةُ بَغْتَةً﴾ أيْ فَجْأةً مِن دُونِ أنْ يَشْعُرُوا ثُمَّ جَعَلَ السّاعَةَ غايَةً لِكُفْرِهِمْ، وأنَّهم يُؤْمِنُونَ عِنْدَ أشْراطِ السّاعَةِ عَلى وجْهِ الإلْجاءِ. واخْتُلِفَ في المُرادِ بِاليَوْمِ العَقِيمِ وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ يَوْمُ بَدْرٍ، وإنَّما وُصِفَ يَوْمُ الحَرْبِ بِالعَقِيمِ لِوُجُوهٍ أرْبَعَةٍ:
أحَدُها: أنَّ أوْلادَ النِّساءِ يُقْتَلُونَ فِيهِ فَيَصِرْنَ كَأنَّهُنَّ عُقُمٌ لَمْ يَلِدْنَ. وثانِيها: أنَّ المُقاتِلِينَ يُقالُ لَهم أبْناءُ الحَرْبِ فَإذا قُتِلُوا وُصِفَ يَوْمُ الحَرْبِ بِالعَقِيمِ عَلى سَبِيلِ المَجازِ. وثالِثُها: هو الَّذِي لا خَيْرَ فِيهِ، يُقالُ: رِيحٌ عَقِيمٌ إذا لَمْ تُنْشِئْ مَطَرًا ولَمْ تُلَقِّحْ شَجَرًا. ورابِعُها: أنَّهُ لا مِثْلَ لَهُ في عِظَمِ أمْرِهِ، وذَلِكَ لِقِتالِ المَلائِكَةِ فِيهِ. القَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ يَوْمُ القِيامَةِ، وإنَّما وُصِفَ بِالعَقِيمِ لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّهم لا يَرَوْنَ فِيهِ خَيْرًا، وثانِيها: أنَّهُ لا لَيْلَ فِيهِ فَيَسْتَمِرُّ كاسْتِمْرارِ المَرْأةِ عَلى تَعَطُّلِ الوِلادَةِ. وثالِثُها: أنَّ كُلَّ ذاتِ حَمْلٍ تَضَعُ حَمْلَها في ذَلِكَ اليَوْمِ فَكَيْفَ يَحْصُلُ الحَمْلُ فِيهِ، وهَذا القَوْلُ أوْلى؛ لِأنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَقُولَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ولا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ويَكُونَ المُرادُ يَوْمَ بَدْرٍ؛ لِأنَّ مِنَ المَعْلُومِ أنَّهم في مِرْيَةٍ بَعْدَ يَوْمِ بَدْرٍ، فَإنْ قِيلَ لَمّا ذَكَرَ السّاعَةَ: فَلَوْ حَمَلْتُمُ اليَوْمَ العَقِيمَ عَلى يَوْمِ القِيامَةِ لَزِمَ التَّكْرارُ؛ قُلْنا: لَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ السّاعَةَ مِن مُقَدِّماتِ القِيامَةِ، واليَوْمُ العَقِيمُ هو نَفْسُ ذَلِكَ اليَوْمِ، وعَلى أنَّ الأمْرَ لَوْ كانَ كَما قالَهُ لَمْ يَكُنْ تَكْرارًا؛ لَأنَّ في الأوَّلِ ذَكَرَ السّاعَةَ، وفي الثّانِي ذَكَرَ عَذابَ ذَلِكَ اليَوْمِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالسّاعَةِ وقْتَ مَوْتِ كُلِّ أحَدٍ، وبِعَذابِ يَوْمٍ عَقِيمٍ القِيامَةَ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿المُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ فَمِن أقْوى ما يَدُلُّ عَلى أنَّ اليَوْمَ العَقِيمَ هو ذَلِكَ اليَوْمُ، وأرادَ بِذَلِكَ أنَّهُ لا مالِكَ في ذَلِكَ اليَوْمِ سِواهُ فَهو بِخِلافِ أيّامِ الدُّنْيا الَّتِي مَلَّكَ اللَّهُ الأُمُورَ غَيْرَهُ، وبَيَّنَ أنَّهُ الحاكِمُ بَيْنَهم لا حاكِمَ سِواهُ وذَلِكَ زَجْرٌ عَنْ مَعْصِيَتِهِ ثُمَّ بَيَّنَ كَيْفَ يَحْكُمُ بَيْنَهم، وأنَّهُ يُصَيِّرُ المُؤْمِنِينَ إلى جَنّاتِ النَّعِيمِ، والكافِرِينَ
صفحة ٥٠
فِي العَذابِ المُهِينِ، وقَدْ تَقَدَّمَ وصْفُ الجَنَّةِ والنّارِ، فَإنْ قِيلَ: التَّنْوِينُ في يَوْمَئِذٍ عَنْ أيِّ جُمْلَةٍ يَنُوبُ ؟ قُلْنا: تَقْدِيرُهُ: المُلْكُ يَوْمَ يُؤْمِنُونَ أوْ يَوْمَ تَزُولُ مِرْيَتُهم لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا في مِرْيَةٍ مِنهُ حَتّى تَأْتِيَهُمُ السّاعَةُ﴾ .
الحج 22:57
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ ولا نَبِيٍّ إلّا إذا تَمَنّى ألْقى الشَّيْطانُ في أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ ﴿لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ والقاسِيَةِ قُلُوبُهم وإنَّ الظّالِمِينَ لَفي شِقاقٍ بَعِيدٍ﴾ ﴿ولِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ أنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهم وإنَّ اللَّهَ لَهادِي الَّذِينَ آمَنُوا إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ﴿ولا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا في مِرْيَةٍ مِنهُ حَتّى تَأْتِيَهُمُ السّاعَةُ بَغْتَةً أوْ يَأْتِيَهم عَذابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾ ﴿المُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهم فالَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ في جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا فَأُولَئِكَ لَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾ .
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ ولا نَبِيٍّ إلّا إذا تَمَنّى ألْقى الشَّيْطانُ في أُمْنِيَّتِهِ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: مِنَ النّاسِ مَن قالَ: الرَّسُولُ هو الَّذِي حُدِّثَ وأُرْسِلَ، والنَّبِيُّ هو الَّذِي لَمْ يُرْسَلْ، ولَكِنَّهُ أُلْهِمَ أوْ رَأى في النَّوْمِ، ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: إنَّ كُلَّ رَسُولٍ نَبِيٌّ، ولَيْسَ كُلُّ نَبِيٍّ يَكُونُ رَسُولًا، وهو قَوْلُ الكَلْبِيِّ والفَرّاءِ. وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: كُلُّ رَسُولٍ نَبِيٌّ، وكُلُّ نَبِيٍّ رَسُولٌ، ولا فَرْقَ بَيْنَهُما. واحْتَجُّوا عَلى فَسادِ القَوْلِ الأوَّلِ بِوُجُوهٍ:
أحَدُها: هَذِهِ الآيَةُ فَإنَّها دالَّةٌ عَلى أنَّ النَّبِيَّ قَدْ يَكُونُ مُرْسَلًا، وكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْنا في قَرْيَةٍ مِن نَبِيٍّ﴾ [الأعراف: ٩٤]، وثانِيها: أنَّ اللَّهَ تَعالى خاطَبَ مُحَمَّدًا مَرَّةً بِالنَّبِيِّ ومَرَّةً بِالرَّسُولِ، فَدَلَّ عَلى أنَّهُ لا مُنافاةَ بَيْنَ الأمْرَيْنِ، وعَلى القَوْلِ الأوَّلِ المُنافاةُ حاصِلَةٌ. وثالِثُها: أنَّهُ تَعالى نَصَّ عَلى أنَّهُ خاتَمُ النَّبِيِّينَ. ورابِعُها: أنَّ اشْتِقاقَ لَفْظِ النَّبِيِّ إمّا مِنَ النَّبَأِ وهو الخَبَرُ، أوْ مِن قَوْلِهِمْ نَبَأ إذا ارْتَفَعَ، والمَعْنَيانِ لا يَحْصُلانِ إلّا بِقَبُولِ الرِّسالَةِ. أمّا القَوْلُ الثّانِي: فاعْلَمْ أنَّ شَيْئًا مِن تِلْكَ الوُجُوهِ لا يُبْطِلُهُ، بَلْ هَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلَيْهِ؛ لِأنَّهُ عَطَفَ النَّبِيَّ عَلى الرَّسُولِ، وذَلِكَ يُوجِبُ المُغايَرَةَ وهو مِن بابِ عَطْفِ العامِّ عَلى الخاصِّ. وقالَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿وكَمْ أرْسَلْنا مِن نَبِيٍّ في الأوَّلِينَ﴾ [الزخرف: ٦] وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ نَبِيًّا، فَجَعَلَهُ اللَّهُ مُرْسَلًا وهو يَدُلُّ عَلى قَوْلِنا: ”«وقِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَمِ المُرْسَلُونَ ؟ فَقالَ: ثَلاثُمِائَةٍ وثَلاثَةَ عَشَرَ، فَقِيلَ: وكَمِ الأنْبِياءُ ؟ فَقالَ: مِائَةُ ألْفٍ وأرْبَعَةٌ وعِشْرُونَ ألْفًا الجَمُّ الغَفِيرُ» “ إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: ذَكَرُوا في الفَرْقِ بَيْنَ الرَّسُولِ والنَّبِيِّ أُمُورًا:
أحَدُها: أنَّ الرَّسُولَ مِنَ الأنْبِياءِ مَن جَمَعَ إلى المُعْجِزَةِ الكِتابَ المُنَزَّلَ عَلَيْهِ، والنَّبِيُّ غَيْرُ الرَّسُولِ مَن لَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِ كِتابٌ، وإنَّما أُمِرَ أنْ يَدْعُوَ إلى كِتابِ مَن قَبْلَهُ.
والثّانِي: أنَّ مَن كانَ صاحِبَ المُعْجِزَةِ وصاحِبَ الكِتابِ ونَسَخَ شَرْعَ مَن قَبْلَهُ فَهو الرَّسُولُ، ومَن لَمْ يَكُنْ مُسْتَجْمِعًا لِهَذِهِ الخِصالِ فَهو النَّبِيُّ غَيْرُ الرَّسُولِ، وهَؤُلاءِ
صفحة ٤٤
يَلْزَمُهم أنْ لا يَجْعَلُوا إسْحاقَ ويَعْقُوبَ وأيُّوبَ ويُونُسَ وهارُونَ وداوُدَ وسُلَيْمانَ رُسُلًا؛ لِأنَّهم ما جاءُوا بِكِتابٍ ناسِخٍ.
والثّالِثُ: أنَّ مَن جاءَهُ المَلَكُ ظاهِرًا وأمَرَهُ بِدَعْوَةِ الخَلْقِ فَهو الرَّسُولُ، ومَن لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ بَلْ رَأى في النَّوْمِ كَوْنَهُ رَسُولًا، أوْ أخْبَرَهُ أحَدٌ مِنَ الرُّسُلِ بِأنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ، فَهو النَّبِيُّ الَّذِي لا يَكُونُ رَسُولًا وهَذا هو الأوْلى.
* * *
المسألة الثّانِيَةُ: ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ «أنَّ الرَّسُولَ ﷺ لَمّا رَأى إعْراضَ قَوْمِهِ عَنْهُ، وشَقَّ عَلَيْهِ ما رَأى مِن مُباعَدَتِهِمْ عَمّا جاءَهم بِهِ تَمَنّى في نَفْسِهِ أنْ يَأْتِيَهم مِنَ اللَّهِ ما يُقارِبُ بَيْنَهُ وبَيْنَ قَوْمِهِ، وذَلِكَ لِحِرْصِهِ عَلى إيمانِهِمْ، فَجَلَسَ ذاتَ يَوْمٍ في نادٍ مِن أنْدِيَةِ قُرَيْشٍ كَثِيرٍ أهْلُهُ، وأحَبَّ يَوْمَئِذٍ أنْ لا يَأْتِيَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْءٌ يَنْفِرُوا عَنْهُ وتَمَنّى ذَلِكَ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى سُورَةَ ﴿والنَّجْمِ إذا هَوى﴾ [النجم: ١] فَقَرَأها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتّى بَلَغَ قَوْلَهُ: ﴿أفَرَأيْتُمُ اللّاتَ والعُزّى﴾ ﴿ومَناةَ الثّالِثَةَ الأُخْرى﴾ [النجم: ١٩] ألْقى الشَّيْطانُ عَلى لِسانِهِ ”تِلْكَ الغَرانِيقُ العُلا مِنها الشَّفاعَةُ تُرْتَجى“ فَلَمّا سَمِعَتْ قُرَيْشٌ ذَلِكَ فَرِحُوا ومَضى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في قِراءَتِهِ فَقَرَأ السُّورَةَ كُلَّها فَسَجَدَ وسَجَدَ المُسْلِمُونَ لِسُجُودِهِ وسَجَدَ جَمِيعُ مَن في المَسْجِدِ مِنَ المُشْرِكِينَ، فَلَمْ يَبْقَ في المَسْجِدِ مُؤْمِنٌ ولا كافِرٌ إلّا سَجَدَ سِوى الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ وأبِي أُحَيْحَةَ سَعِيدِ بْنِ العاصِي فَإنَّهُما أخَذا حَفْنَةً مِنَ التُّرابِ مِنَ البَطْحاءِ ورَفَعاها إلى جَبْهَتَيْهِما وسَجَدا عَلَيْها؛ لِأنَّهُما كانا شَيْخَيْنِ كَبِيرَيْنِ فَلَمْ يَسْتَطِيعا السُّجُودَ، وتَفَرَّقَتْ قُرَيْشٌ وقَدْ سَرَّهم ما سَمِعُوا، وقالُوا: قَدْ ذَكَرَ مُحَمَّدٌ آلِهَتَنا بِأحْسَنِ الذِّكْرِ فَلَمّا أمْسى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أتاهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ: ماذا صَنَعْتَ ؟ تَلَوْتَ عَلى النّاسِ ما لَمْ آتِكَ بِهِ عَنِ اللَّهِ وقُلْتَ ما لَمْ أقُلْ لَكَ ؟ فَحَزِنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حُزْنًا شَدِيدًا وخافَ مِنَ اللَّهِ خَوْفًا عَظِيمًا حَتّى نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ ولا نَبِيٍّ إلّا إذا تَمَنّى ألْقى الشَّيْطانُ في أُمْنِيَّتِهِ»﴾ الآيَةَ. هَذا رِوايَةُ عامَّةِ المُفَسِّرِينَ الظّاهِرِيِّينَ، أمّا أهْلُ التَّحْقِيقِ فَقَدْ قالُوا: هَذِهِ الرِّوايَةُ باطِلَةٌ مَوْضُوعَةٌ واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِالقُرْآنِ والسُّنَّةِ والمَعْقُولِ. أمّا القُرْآنُ فَوُجُوهٌ:
أحَدُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الأقاوِيلِ﴾ ﴿لَأخَذْنا مِنهُ بِاليَمِينِ﴾ ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنهُ الوَتِينَ﴾ [ الحاقَّةِ: ٤٤ - ٤٦]، وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿قُلْ ما يَكُونُ لِي أنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقاءِ نَفْسِي إنْ أتَّبِعُ إلّا ما يُوحى إلَيَّ﴾ [يونس: ١٥] . وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿وما يَنْطِقُ عَنِ الهَوى﴾ ﴿إنْ هو إلّا وحْيٌ يُوحى﴾ [ النَّجْمِ: ٣ - ٤] فَلَوْ أنَّهُ قَرَأ عَقِيبَ هَذِهِ الآيَةِ تِلْكَ الغَرانِيقُ العُلا لَكانَ قَدْ ظَهَرَ كَذِبُ اللَّهِ تَعالى في الحالِ وذَلِكَ لا يَقُولُهُ مُسْلِمٌ. ورابِعُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ وإذًا لاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٣] وكَلِمَةُ كادَ عِنْدَ بَعْضِهِمْ مَعْناهُ قَرُبَ أنْ يَكُونَ الأمْرُ كَذَلِكَ مَعَ أنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ. وخامِسُها: قَوْلُهُ: ﴿ولَوْلا أنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٤] وكَلِمَةُ لَوْلا تُفِيدُ انْتِفاءَ الشَّيْءِ لِانْتِفاءِ غَيْرِهِ فَدَلَّ عَلى أنَّ ذَلِكَ الرُّكُونَ القَلِيلَ لَمْ يَحْصُلْ. وسادِسُها: قَوْلُهُ: ﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ﴾ [الفرقان: ٣٢] . وسابِعُها: قَوْلُهُ: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ [الأعلى: ٦] . وأمّا السُّنَّةُ فَهي ما رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ القِصَّةِ فَقالَ: هَذا وُضْعٌ مِنَ الزَّنادِقَةِ وصَنَّفَ فِيهِ كِتابًا. وقالَ الإمامُ أبُو بَكْرٍ أحْمَدُ بْنُ الحُسَيْنِ البَيْهَقِيُّ: هَذِهِ القِصَّةُ غَيْرُ ثابِتَةٍ مِن جِهَةِ النَّقْلِ ثُمَّ أخَذَ يَتَكَلَّمُ في أنَّ رُواةَ هَذِهِ القِصَّةِ مَطْعُونٌ فِيهِمْ، وأيْضًا فَقَدْ رَوىالبُخارِيُّ في صَحِيحِهِ «أنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلامُ قَرَأ سُورَةَ النَّجْمِ وسَجَدَ فِيها المُسْلِمُونَ والمُشْرِكُونَ والإنْسُ والجِنُّ» ولَيْسَ فِيهِ حَدِيثُ الغَرانِيقِ. ورُوِيَ هَذا الحَدِيثُ مِن طُرُقٍ كَثِيرَةٍ، ولَيْسَ فِيها البَتَّةَ حَدِيثُ الغَرانِيقِ. وأمّا المَعْقُولُ فَمِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ مَن جَوَّزَ عَلى الرَّسُولِ ﷺ تَعْظِيمَ الأوْثانِ فَقَدْ كَفَرَ؛ لِأنَّ مِنَ المَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ أنَّ أعْظَمَ سَعْيِهِ كانَ في نَفْيِ الأوْثانِ. وثانِيها: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ما كانَ يُمْكِنُهُ في أوَّلِ الأمْرِ أنْ يُصَلِّيَ ويَقْرَأ القُرْآنَ عِنْدَ الكَعْبَةِ
صفحة ٤٥
آمِنًا أذى المُشْرِكِينَ لَهُ حَتّى كانُوا رُبَّما مَدُّوا أيْدِيَهم إلَيْهِ، وإنَّما كانَ يُصَلِّي إذا لَمْ يَحْضُرُوها لَيْلًا أوْ في أوْقاتِ خَلْوَةٍ، وذَلِكَ يُبْطِلُ قَوْلَهم. وثالِثُها: أنَّ مُعاداتَهم لِلرَّسُولِ كانَتْ أعْظَمَ مِن أنْ يُقِرُّوا بِهَذا القَدْرِ مِنَ القِراءَةِ دُونَ أنْ يَقِفُوا عَلى حَقِيقَةِ الأمْرِ، فَكَيْفَ أجْمَعُوا عَلى أنَّهُ عَظَّمَ آلِهَتَهم حَتّى خَرُّوا سُجَّدًا مَعَ أنَّهُ لَمْ يُظْهِرْ عِنْدَهم مُوافَقَتَهُ لَهم ؟ ورابِعُها: قَوْلُهُ: ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ إحْكامَ الآياتِ بِإزالَةِ ما يُلْقِيهِ الشَّيْطانُ عَنِ الرَّسُولِ أقْوى مِن نَسْخِهِ بِهَذِهِ الآياتِ الَّتِي تَبْقى الشُّبْهَةُ مَعَها، فَإذا أرادَ اللَّهُ إحْكامَ الآياتِ لِئَلّا يَلْتَبِسَ ما لَيْسَ بِقُرْآنٍ قُرْآنًا، فَبِأنْ يُمْنَعَ الشَّيْطانُ مِن ذَلِكَ أصْلًا أوْلى. وخامِسُها: وهو أقْوى الوُجُوهِ أنّا لَوْ جَوَّزْنا ذَلِكَ ارْتَفَعَ الأمانُ عَنْ شَرْعِهِ وجَوَّزْنا في كُلِّ واحِدٍ مِنَ الأحْكامِ والشَّرائِعِ أنْ يَكُونَ كَذَلِكَ، ويَبْطُلُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ وإنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧] فَإنَّهُ لا فَرْقَ في العَقْلِ بَيْنَ النُّقْصانِ عَنِ الوَحْيِ وبَيْنَ الزِّيادَةِ فِيهِ، فَبِهَذِهِ الوُجُوهِ عَرَفْنا عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ أنَّ هَذِهِ القِصَّةَ مَوْضُوعَةٌ، أكْثَرُ ما في البابِ أنَّ جَمْعًا مِنَ المُفَسِّرِينَ ذَكَرُوها لَكِنَّهم ما بَلَغُوا حَدَّ التَّواتُرِ، وخَبَرُ الواحِدِ لا يُعارِضُ الدَّلائِلَ النَّقْلِيَّةَ والعَقْلِيَّةَ المُتَواتِرَةَ، ولْنَشْرَعِ الآنَ في التَّفْصِيلِ فَنَقُولُ: التَّمَنِّي جاءَ في اللُّغَةِ لِأمْرَيْنِ: أحَدُهُما: تَمَنِّي القَلْبِ والثّانِي: القِراءَةُ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ومِنهم أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الكِتابَ إلّا أمانِيَّ﴾ [البقرة: ٧٨] أيْ إلّا قِراءَةً لِأنَّ الأُمِّيَّ لا يَعْلَمُ القُرْآنَ مِنَ المُصْحَفِ وإنَّما يَعْلَمُهُ قِراءَةً، وقالَ حَسّانُ:
تَمَنّى كِتابَ اللَّهِ أوَّلَ لَيْلَةٍ وآخِرَها لاقى حِمامَ المَقادِرِ
قِيلَ: إنَّما سُمِّيَتِ القِراءَةُ أُمْنِيَّةً لِأنَّ القارِئَ إذا انْتَهى إلى آيَةِ رَحْمَةٍ تَمَنّى حُصُولَها، وإذا انْتَهى إلى آيَةِ عَذابٍ تَمَنّى أنْ لا يُبْتَلى بِها، وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: التَّمَنِّي هو التَّقْدِيرُ، وتَمَنّى هو تَفَعَّلَ مِن مُنِيتُ، والمَنِيَّةُ وفاةُ الإنْسانِ في الوَقْتِ الَّذِي قَدَّرَهُ اللَّهُ تَعالى، ومَنى اللَّهُ لَكَ أيْ قَدَّرَ لَكَ. وقالَ رُواةُ اللُّغَةِ: الأمْنِيَّةُ القِراءَةُ. واحْتَجُّوا بِبَيْتِ حَسّانَ، وذَلِكَ راجِعٌ إلى الأصْلِ الَّذِي ذَكَرْناهُ، فَإنَّ التّالِيَ مُقَدِّرٌ لِلْحُرُوفِ ويَذْكُرُها شَيْئًا فَشَيْئًا، فالحاصِلُ مِن هَذا البَحْثِ أنَّ الأمْنِيَّةَ إمّا القِراءَةُ، وإمّا الخاطِرُ، أمّا إذا فَسَّرْناها بِالقِراءَةِ فَفِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى أرادَ بِذَلِكَ ما يَجُوزُ أنْ يَسْهُوَ الرَّسُولُ ﷺ فِيهِ ويَشْتَبِهَ عَلى القارِئِ دُونَ ما رَوَوْهُ مِن قَوْلِهِ تِلْكَ الغَرانِيقُ العُلا. الثّانِي: المُرادُ مِنهُ وُقُوعُ هَذِهِ الكَلِمَةِ في قِراءَتِهِ ثُمَّ اخْتَلَفَ القائِلُونَ بِهَذا عَلى وُجُوهٍ:
الوجه الأوَّلُ: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَتَكَلَّمْ بِقَوْلِهِ: تِلْكَ الغَرانِيقُ العُلا ولا الشَّيْطانُ تَكَلَّمَ بِهِ ولا أحَدٌ تَكَلَّمَ بِهِ، لَكِنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا قَرَأ سُورَةَ النَّجْمِ اشْتَبَهَ الأمْرُ عَلى الكُفّارِ فَحَسِبُوا بَعْضَ ألْفاظِهِ ما رَوَوْهُ مِن قَوْلِهِمْ تِلْكَ الغَرانِيقُ العُلا، وذَلِكَ عَلى حَسَبِ ما جَرَتِ العادَةُ بِهِ مِن تَوَهُّمِ بَعْضِ الكَلِماتِ عَلى غَيْرِ ما يُقالُ، وهَذا الوجه ذَهَبَ إلَيْهِ جَماعَةٌ وهو ضَعِيفٌ لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ التَّوَهُّمَ في مِثْلِ ذَلِكَ إنَّما يَصِحُّ فِيما قَدْ جَرَتِ العادَةُ بِسَماعِهِ فَأمّا غَيْرُ المَسْمُوعِ فَلا يَقَعُ ذَلِكَ فِيهِ. وثانِيها: أنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَوَقَعَ هَذا التَّوَهُّمُ لِبَعْضِ السّامِعِينَ دُونَ البَعْضِ فَإنَّ العادَةَ مانِعَةٌ مِنَ اتِّفاقِ الجَمِّ العَظِيمِ في السّاعَةِ الواحِدَةِ عَلى خَيالٍ واحِدٍ فاسِدٍ في المَحْسُوساتِ. وثالِثُها: لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مُضافًا إلى الشَّيْطانِ. الوجه الثّانِي: قالُوا: إنَّ ذَلِكَ الكَلامَ كَلامُ شَيْطانِ الجِنِّ، وذَلِكَ بِأنْ تَلَفَّظَ بِكَلامٍ مِن تِلْقاءِ نَفْسِهِ أوْقَعَهُ في دَرَجِ تِلْكَ التِّلاوَةِ في بَعْضِ وقَفاتِهِ لِيُظَنَّ أنَّهُ مِن جِنْسِ الكَلامِ المَسْمُوعِ مِنَ الرَّسُولِ ﷺ، قالُوا: والَّذِي يُؤَكِّدُهُ أنَّهُ لا خِلافَ في أنَّ الجِنَّ والشَّياطِينَ مُتَكَلِّمُونَ فَلا يَمْتَنِعُ أنْ يَأْتِيَ الشَّيْطانُ بِصَوْتٍ مِثْلِ صَوْتِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ
صفحة ٤٦
السَّلامُ فَيَتَكَلَّمَ بِهَذِهِ الكَلِماتِ في أثْناءِ كَلامِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وعِنْدَ سُكُوتِهِ فَإذا سَمِعَ الحاضِرُونَ تِلْكَ الكَلِمَةَ بِصَوْتٍ مِثْلِ صَوْتِ الرَّسُولِ وما رَأوْا شَخْصًا آخَرَ ظَنَّ الحاضِرُونَ أنَّهُ كَلامُ الرَّسُولِ، ثُمَّ هَذا لا يَكُونُ قادِحًا في النُّبُوَّةِ لَمّا لَمْ يَكُنْ فِعْلًا لَهُ، وهَذا أيْضًا ضَعِيفٌ، فَإنَّكَ إذا جَوَّزْتَ أنْ يَتَكَلَّمَ الشَّيْطانُ في أثْناءِ كَلامِ الرَّسُولِ ﷺ بِما يَشْتَبِهُ عَلى كُلِّ السّامِعِينَ كَوْنُهُ كَلامًا لِلرَّسُولِ بَقِيَ هَذا الِاحْتِمالُ في كُلِّ ما يَتَكَلَّمُ بِهِ الرَّسُولُ فَيُفْضِي إلى ارْتِفاعِ الوُثُوقِ عَنْ كُلِّ الشَّرْعِ، فَإنْ قِيلَ: هَذا الِاحْتِمالُ قائِمٌ في الكُلِّ، ولَكِنَّهُ لَوْ وقَعَ لَوَجَبَ في حِكْمَةِ اللَّهِ تَعالى أنْ يُشْرَحَ الحالُ فِيهِ كَما في هَذِهِ الواقِعَةِ إزالَةً لِلتَّلْبِيسِ، قُلْنا: لا يَجِبُ عَلى اللَّهِ إزالَةُ الِاحْتِمالاتِ كَما في المُتَشابِهاتِ وإذا لَمْ يَجِبْ عَلى اللَّهِ ذَلِكَ تَمَكَّنَ الِاحْتِمالُ مِنَ الكُلِّ.
الوجه الثّالِثُ: أنْ يُقالَ: المُتَكَلِّمُ بِذَلِكَ بَعْضُ شَياطِينِ الإنْسِ وهُمُ الكَفَرَةُ، فَإنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا انْتَهى في قِراءَةِ هَذِهِ السُّورَةِ إلى هَذا المَوْضِعِ وذَكَرَ أسْماءَ آلِهَتِهِمْ، وقَدْ عَلِمُوا مِن عادَتِهِ أنَّهُ يَعِيبُها، فَقالَ بَعْضُ مَن حَضَرَ تِلْكَ الغَرانِيقُ العُلا فاشْتَبَهَ الأمْرُ عَلى القَوْمِ لِكَثْرَةِ لَغَطِ القَوْمِ وكَثْرَةِ صِياحِهِمْ وطَلَبِهِمْ تَغْلِيطَهُ وإخْفاءَ قِراءَتِهِ، ولَعَلَّ ذَلِكَ كانَ في صَلاتِهِ؛ لِأنَّهم كانُوا يَقْرُبُونَ مِنهُ في حالِ صَلاتِهِ ويَسْمَعُونَ قِراءَتَهُ ويَلْغُونَ فِيها، وقِيلَ: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ إذا تَلا القُرْآنَ عَلى قُرَيْشٍ تَوَقَّفَ في فُصُولِ الآياتِ، فَألْقى بَعْضُ الحاضِرِينَ ذَلِكَ الكَلامَ في تِلْكَ الوَقَفاتِ فَتَوَهَّمَ القَوْمُ أنَّهُ مِن قِراءَةِ الرَّسُولِ ﷺ ثُمَّ أضافَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ إلى الشَّيْطانِ؛ لِأنَّهُ بِوَسْوَسَتِهِ يَحْصُلُ أوَّلًا ولِأنَّهُ سُبْحانَهُ جَعَلَ ذَلِكَ المُتَكَلِّمَ في نَفْسِهِ شَيْطانًا، وهَذا أيْضًا ضَعِيفٌ لِوَجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَكانَ يَجِبُ عَلى الرَّسُولِ ﷺ إزالَةُ الشُّبْهَةِ، وتَصْرِيحُ الحَقِّ، وتَبْكِيتُ ذَلِكَ القائِلِ، وإظْهارُ أنَّ هَذِهِ الكَلِمَةَ مِنهُ صَدَرَتْ.
وثانِيهِما: لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ لَكانَ ذَلِكَ أوْلى بِالنَّقْلِ، فَإنْ قِيلَ: إنَّما لَمْ يَفْعَلِ الرَّسُولُ ﷺ ذَلِكَ لِأنَّهُ كانَ قَدْ أدّى السُّورَةَ بِكَمالِها إلى الأُمَّةِ مِن دُونِ هَذِهِ الزِّيادَةِ فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُؤَدِّيًا إلى التَّلْبِيسِ كَما يُؤَدِّي سَهْوُهُ في الصَّلاةِ بَعْدَ أنْ وصَفَها إلى اللَّبْسِ، قُلْنا: إنَّ القُرْآنَ لَمْ يَكُنْ مُسْتَقِرًّا عَلى حالَةٍ واحِدَةٍ في زَمانِ حَياتِهِ؛ لِأنَّهُ كانَ تَأْتِيهِ الآياتُ فَيُلْحِقُها بِالسُّورِ فَلَمْ يَكُنْ تَأْدِيَةُ تِلْكَ السُّورَةِ بِدُونِ هَذِهِ الزِّيادَةِ سَبَبًا لِزَوالِ اللَّبْسِ، وأيْضًا فَلَوْ كانَ كَذَلِكَ لَما اسْتَحَقَّ العِتابَ مِنَ اللَّهِ تَعالى عَلى ما رَواهُ القَوْمُ.
الوجه الرّابِعُ: هو أنَّ المُتَكَلِّمَ بِهَذا هو الرَّسُولُ ﷺ ثُمَّ هَذا يَحْتَمِلُ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ، فَإنَّهُ إمّا أنْ يَكُونَ قالَ هَذِهِ الكَلِمَةَ سَهْوًا أوْ قَسْرًا أوِ اخْتِيارًا.
أمّا الوجه الأوَّلُ: وهو أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ هَذِهِ الكَلِمَةَ سَهْوًا، فَكَما يُرْوى عَنْ قَتادَةَ ومُقاتِلٍ أنَّهُما قالا: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يُصَلِّي عِنْدَ المَقامِ فَنَعَسَ وجَرى عَلى لِسانِهِ هاتانِ الكَلِمَتانِ، فَلَمّا فَرَغَ مِنَ السُّورَةِ سَجَدَ وسَجَدَ كُلُّ مَن في المَسْجِدِ، وفَرِحَ المُشْرِكُونَ بِما سَمِعُوهُ وأتاهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فاسْتَقْرَأهُ، فَلَمّا انْتَهى إلى الغَرانِيقِ قالَ: لَمْ آتِكَ بِهَذا، فَحَزِنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى أنْ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ وهَذا ضَعِيفٌ أيْضًا لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ لَوْ جازَ هَذا السَّهْوُ لَجازَ في سائِرِ المَواضِعِ، وحِينَئِذٍ تَزُولُ الثِّقَةُ عَنِ الشَّرْعِ. وثانِيها: أنَّ السّاهِيَ لا يَجُوزُ أنْ يَقَعَ مِنهُ مِثْلُ هَذِهِ الألْفاظِ المُطابِقَةِ لِوَزْنِ السُّورَةِ وطَرِيقَتِها ومَعْناها، فَإنّا نَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أنَّ واحِدًا لَوْ أنْشَدَ قَصِيدَةً لَما جازَ أنْ يَسْهُوَ حَتّى يَتَّفِقَ مِنهُ بَيْتُ شِعْرٍ في وزْنِها ومَعْناها وطَرِيقَتِها. وثالِثُها: هَبْ أنَّهُ تَكَلَّمَ بِذَلِكَ سَهْوًا، فَكَيْفَ لَمْ يُنَبَّهْ لِذَلِكَ حِينَ قَرَأها عَلى جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ وذَلِكَ ظاهِرٌ. أمّا الوجه الثّانِي: وهو أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ تَكَلَّمَ بِذَلِكَ قَسْرًا وهو الَّذِي قالَ قَوْمٌ: إنَّ الشَّيْطانَ أجْبَرَ النَّبِيَّ ﷺ
صفحة ٤٧
عَلى أنْ يَتَكَلَّمَ بِهَذا فَهَذا أيْضًا فاسِدٌ لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ الشَّيْطانَ لَوْ قَدَرَ عَلى ذَلِكَ في حَقِّ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ لَكانَ اقْتِدارُهُ عَلَيْنا أكْثَرَ، فَوَجَبَ أنْ يُزِيلَ الشَّيْطانُ النّاسَ عَنِ الدِّينِ ولَجازَ في أكْثَرِ ما يَتَكَلَّمُ بِهِ الواحِدُ مِنّا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِإجْبارِ الشَّياطِينِ. وثانِيها: أنَّ الشَّيْطانَ لَوْ قَدَرَ عَلى هَذا الإجْبارِ لارْتَفَعَ الأمانُ عَنِ الوَحْيِ لِقِيامِ هَذا الِاحْتِمالِ، وثالِثُها: أنَّهُ باطِلٌ بِدَلالَةِ قَوْلِهِ تَعالى حاكِيًا عَنِ الشَّيْطانِ ﴿وما كانَ لِي عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ إلّا أنْ دَعَوْتُكم فاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي ولُومُوا أنْفُسَكُمْ﴾ [إبراهيم: ٢٢] وقالَ تَعالى: ﴿إنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ ﴿إنَّما سُلْطانُهُ عَلى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ﴾ [النحل: ١٠٠] وقالَ: ﴿إلّا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ﴾ [الحجر: ٤٠] ولا شَكَّ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ سَيِّدَ المُخْلَصِينَ.
أمّا الوجه الثّالِثُ: وهو أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ تَكَلَّمَ بِذَلِكَ اخْتِيارًا فَهاهُنا وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنْ نَقُولَ إنَّ هَذِهِ الكَلِمَةَ باطِلَةٌ. والثّانِي: أنْ نَقُولَ إنَّها لَيْسَتْ كَلِمَةً باطِلَةً. أمّا عَلى الوجه الأوَّلِ فَذَكَرُوا فِيهِ طَرِيقَيْنِ: الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما في رِوايَةِ عَطاءٍ: إنَّ شَيْطانًا يُقالُ لَهُ الأبْيَضُ أتاهُ عَلى صُورَةِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وألْقى عَلَيْهِ هَذِهِ الكَلِمَةَ فَقَرَأها فَلَمّا سَمِعَ المُشْرِكُونَ ذَلِكَ أعْجَبَهم، فَجاءَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فاسْتَعْرَضَهُ فَقَرَأها فَلَمّا بَلَغَ إلى تِلْكَ الكَلِمَةِ قالَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ: أنا ما جِئْتُكَ بِهَذِهِ. قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إنَّهُ أتانِي آتٍ عَلى صُورَتِكَ فَألْقاها عَلى لِسانِي. الطَّرِيقُ الثّانِي: قالَ بَعْضُ الجُهّالِ: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِشِدَّةِ حِرْصِهِ عَلى إيمانِ القَوْمِ أدْخَلَ هَذِهِ الكَلِمَةَ مِن عِنْدِ نَفْسِهِ ثُمَّ رَجَعَ عَنْها، وهَذانَ القَوْلانِ لا يَرْغَبُ فِيهِما مُسْلِمٌ البَتَّةَ؛ لِأنَّ الأوَّلَ يَقْتَضِي أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ما كانَ يُمَيِّزُ بَيْنَ المَلَكِ المَعْصُومِ والشَّيْطانِ الخَبِيثِ، والثّانِي يَقْتَضِي أنَّهُ كانَ خائِنًا في الوَحْيِ، وكُلُّ واحِدٍ مِنهُما خُرُوجٌ عَنِ الدِّينِ.
أمّا الوجه الثّانِي: وهو أنَّ هَذِهِ الكَلِمَةَ لَيْسَتْ باطِلَةً فَهاهُنا أيْضًا طُرُقٌ: الأوَّلُ: أنْ يُقالَ: الغَرانِيقُ هُمُ المَلائِكَةُ، وقَدْ كانَ ذَلِكَ قُرْآنًا مُنَزَّلًا في وصْفِ المَلائِكَةِ. فَلَمّا تَوَهَّمَ المُشْرِكُونَ أنَّهُ يُرِيدُ آلِهَتَهم نَسَخَ اللَّهُ تِلاوَتَهُ. الثّانِي: أنْ يُقالَ: المُرادُ مِنهُ الِاسْتِفْهامُ عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ، فَكَأنَّهُ قالَ: أشَفاعَتُهُنَّ تُرْتَجى ؟ الثّالِثُ: أنْ يُقالَ إنَّهُ ذَكَرَ الإثْباتَ وأرادَ النَّفْيَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم أنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦] أيْ لا تَضِلُّوا كَما قَدْ يَذْكُرُ النَّفْيَ ويُرِيدُ بِهِ الإثْباتَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ تَعالَوْا أتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكم عَلَيْكم ألّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [الأنعام: ١٥١] والمَعْنى أنْ تُشْرِكُوا، وهَذانَ الوَجْهانِ الأخِيرانِ يُعْتَرَضُ عَلَيْهِما بِأنَّهُ لَوْ جازَ ذَلِكَ بِناءً عَلى هَذا التَّأْوِيلِ فَلِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُظْهِرُوا كَلِمَةَ الكُفْرِ في جُمْلَةِ القُرْآنِ أوْ في الصَّلاةِ بِناءً عَلى هَذا التَّأْوِيلِ ؟ ولَكِنَّ الأصْلَ في الدِّينِ أنْ لا يَجُوزَ عَلَيْهِمْ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ نَصَبَهم حُجَّةً واصْطَفاهم لِلرِّسالَةِ، فَلا يَجُوزُ عَلَيْهِمْ ما يَطْعَنُ في ذَلِكَ أوْ يُنَفِّرُ، ومِثْلُ ذَلِكَ في التَّنْفِيرِ أعْظَمُ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي حَثَّهُ اللَّهُ تَعالى عَلى تَرْكِها كَنَحْوِ الفَظاظَةِ والكِتابَةِ وقَوْلِ الشِّعْرِ، فَهَذِهِ الوُجُوهُ المَذْكُورَةُ في قَوْلِهِ: ”تِلْكَ الغَرانِيقُ العُلا“ قَدْ ظَهَرَ عَلى القَطْعِ كَذِبُها، فَهَذا كُلُّهُ إذا فَسَّرْنا التَّمَنِّيَ بِالتِّلاوَةِ. وأمّا إذا فَسَّرْناها بِالخاطِرِ وتَمَنِّي القَلْبِ فالمَعْنى أنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَتى تَمَنّى بَعْضَ ما يَتَمَنّاهُ مِنَ الأُمُورِ يُوَسْوِسُ الشَّيْطانُ إلَيْهِ بِالباطِلِ، ويَدْعُوهُ إلى ما لا يَنْبَغِي ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى يَنْسَخُ ذَلِكَ ويُبْطِلُهُ ويَهْدِيهِ إلى تَرْكِ الِالتِفاتِ إلى وسْوَسَتِهِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا في كَيْفِيَّةِ تِلْكَ الوَسْوَسَةِ عَلى وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ يَتَمَنّى ما يَتَقَرَّبُ بِهِ إلى المُشْرِكِينَ مِن ذِكْرِ آلِهَتِهِمْ بِالثَّناءِ. قالُوا: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يُحِبُّ أنْ يَتَألَّفَهم، وكانَ يُرَدِّدُ ذَلِكَ في نَفْسِهِ فَعِنْدَما لَحِقَهُ النُّعاسُ زادَ تِلْكَ الزِّيادَةَ مِن حَيْثُ كانَتْ في نَفْسِهِ وهَذا أيْضًا
صفحة ٤٨
خُرُوجٌ عَنِ الدِّينِ، وبَيانُهُ ما تَقَدَّمَ. وثانِيها: ما قالَ مُجاهِدٌ مِن أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَتَمَنّى إنْزالَ الوَحْيِ عَلَيْهِ عَلى سُرْعَةٍ دُونَ تَأْخِيرٍ، فَنَسَخَ اللَّهُ ذَلِكَ بِأنْ عَرَّفَهُ بِأنَّ إنْزالَ ذَلِكَ بِحَسَبِ المَصالِحِ في الحَوادِثِ والنَّوازِلِ وغَيْرِها. وثالِثُها: يُحْتَمَلُ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عِنْدَ نُزُولِ الوَحْيِ كانَ يَتَفَكَّرُ في تَأْوِيلِهِ إنْ كانَ مُجْمَلًا فَيُلْقِي الشَّيْطانُ في جُمْلَتِهِ ما لَمْ يُرِدْهُ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهُ يَنْسَخُ ذَلِكَ بِالإبْطالِ ويَحْكُمُ ما أرادَهُ اللَّهُ تَعالى بِأدِلَّتِهِ وآياتِهِ. ورابِعُها: مَعْنى الآيَةِ إذا تَمَنّى، إذا أرادَ فِعْلًا مُقَرَّبًا إلى اللَّهِ تَعالى ألْقى الشَّيْطانُ في فِكْرِهِ ما يُخالِفُهُ فَيَرْجِعُ إلى اللَّهِ تَعالى في ذَلِكَ، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إذا مَسَّهم طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإذا هم مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠١] وكَقَوْلِهِ: ﴿وإمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [الأعراف: ٢٠٠] ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: لا يَجُوزُ حَمْلُ الأُمْنِيَّةِ عَلى تَمَنِّي القَلْبِ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ ما يَخْطُرُ بِبالِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِتْنَةً لِلْكُفّارِ وذَلِكَ يُبْطِلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ والقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾، والجَوابُ: لا يَبْعُدُ أنَّهُ إذا قَوِيَ التَّمَنِّي اشْتَغَلَ الخاطِرُ بِهِ فَحَصَلَ السَّهْوُ في الأفْعالِ الظّاهِرَةِ بِسَبَبِهِ، فَيَصِيرُ ذَلِكَ فِتْنَةً لِلْكُفّارِ فَهَذا آخِرُ القَوْلِ في هَذِهِ المسألة.
* * *
المسألة الثّالِثَةُ: يَرْجِعُ حاصِلُ البَحْثِ إلى أنَّ الغَرَضَ مِن هَذِهِ الآيَةِ بَيانُ أنَّ الرُّسُلَ الَّذِينَ أرْسَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى وإنْ عَصَمَهم عَنِ الخَطَأِ مَعَ العِلْمِ، فَلَمْ يَعْصِمْهم مِن جَوازِ السَّهْوِ ووَسْوَسَةِ الشَّيْطانِ، بَلْ حالُهم في جَوازِ ذَلِكَ كَحالِ سائِرِ البَشَرِ، فالواجِبُ أنْ لا يُتَّبَعُوا إلّا فِيما يَفْعَلُونَهُ عَنْ عِلْمٍ فَذَلِكَ هو المُحْكَمُ، وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: مَعْنى الآيَةِ أنَّهُ لَمْ يُرْسِلْ نَبِيًّا إلّا إذا تَمَنّى. كَأنَّهُ قِيلَ: وما أرْسَلْنا إلى البَشَرِ مَلَكًا وما أرْسَلْنا إلَيْهِمْ نَبِيًّا إلّا مِنهم، وما أرْسَلْنا نَبِيًّا خَلا عِنْدَ تِلاوَتِهِ الوَحْيَ مِن وسْوَسَةِ الشَّيْطانِ، وأنْ يُلْقِيَ في خاطِرِهِ ما يُضادُّ الوَحْيَ ويَشْغَلُهُ عَنْ حِفْظِهِ فَيُثَبِّتُ اللَّهُ النَّبِيَّ عَلى الوَحْيِ وعَلى حِفْظِهِ ويُعْلِمُهُ صَوابَ ذَلِكَ وبُطْلانَ ما يَكُونُ مِنَ الشَّيْطانِ، قالَ: وفِيما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿قُلْ ياأيُّها النّاسُ إنَّما أنا لَكم نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [الحج: ٤٩] تَقْوِيَةٌ لِهَذا التَّأْوِيلِ، فَكَأنَّهُ تَعالى أمَرَهُ أنْ يَقُولَ لِلْكافِرِينَ: أنا نَذِيرٌ لَكم لَكِنِّي مِنَ البَشَرِ لا مِنَ المَلائِكَةِ، ولَمْ يُرْسِلِ اللَّهُ تَعالى مِثْلِي مَلَكًا بَلْ أرْسَلَ رِجالًا فَقَدْ وسْوَسَ الشَّيْطانُ إلَيْهِمْ، فَإنْ قِيلَ: هَذا إنَّما يَصِحُّ لَوْ كانَ السَّهْوُ لا يَجُوزُ عَلى المَلائِكَةِ، قُلْنا: إذا كانَتِ المَلائِكَةُ أعْظَمَ دَرَجَةً مِنَ الأنْبِياءِ لَمْ يَلْزَمْ مِنِ اسْتِيلائِهِمْ بِالوَسْوَسَةِ عَلى الأنْبِياءِ اسْتِيلاؤُهم بِالوَسْوَسَةِ عَلى المَلائِكَةِ.
* * *
واعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا شَرَحَ حالَ هَذِهِ الوَسْوَسَةِ أرْدَفَ ذَلِكَ بِبَحْثَيْنِ:
البَحْثُ الأوَّلُ: كَيْفِيَّةُ إزالَتِها، وذَلِكَ هو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ﴾ فالمُرادُ إزالَتُهُ وإزالَةُ تَأْثِيرِهِ فَهو النَّسْخُ اللُّغَوِيُّ لا النَّسْخُ الشَّرْعِيُّ المُسْتَعْمَلُ في الأحْكامِ. أمّا قَوْلُهُ: (﴿ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ﴾ فَإذا حُمِلَ التَّمَنِّي عَلى القِراءَةِ فالمُرادُ بِهِ آياتُ القُرْآنِ، وإلّا فَيُحْمَلُ عَلى أحْكامِ الأدِلَّةِ الَّتِي لا يَجُوزُ فِيها الغَلَطُ.
البَحْثُ الثّانِي: أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أثَرَ تِلْكَ الوَسْوَسَةِ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ شَرَحَ أثَرَها في حَقِّ الكُفّارِ أوَّلًا، ثُمَّ في حَقِّ المُؤْمِنِينَ ثانِيًا، أمّا في حَقِّ الكُفّارِ فَهو قَوْلُهُ: ﴿لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً﴾ والمُرادُ بِهِ تَشْدِيدُ التَّبْعِيدِ؛ لِأنَّ عِنْدَما يَظْهَرُ مِنَ الرَّسُولِ ﷺ الِاشْتِباهُ في القُرْآنِ سَهْوًا يَلْزَمُهُمُ البَحْثُ عَنْ ذَلِكَ لِيُمَيِّزُوا السَّهْوَ مِنَ العَمْدِ، ولِيَعْلَمُوا أنَّ العَمْدَ صَوابٌ والسَّهْوَ قَدْ لا يَكُونُ صَوابًا.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿لِلَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ والقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ فَفِيهِ سُؤالانِ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: لِمَ قالَ: ﴿فِتْنَةً لِلَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ ؟ ولِمَ خَصَّهم بِذَلِكَ الجَوابِ ؟ لِأنَّهم مَعَ
صفحة ٤٩
كُفْرِهِمْ يَحْتاجُونَ إلى ذَلِكَ التَّدَبُّرِ، وأمّا المُؤْمِنُونَ فَقَدْ تَقَدَّمَ عِلْمُهم بِذَلِكَ فَلا يَحْتاجُونَ إلى التَّدَبُّرِ.
السُّؤالُ الثّانِي: ما مَرَضُ القَلْبِ ؟ الجَوابُ: أنَّهُ الشَّكُّ والشُّبْهَةُ وهُمُ المُنافِقُونَ كَما قالَ: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ وأمّا القاسِيَةُ قُلُوبُهم فَهُمُ المُشْرِكُونَ المُصِرُّونَ عَلى جَهْلِهِمْ ظاهِرًا وباطِنًا.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّ الظّالِمِينَ لَفي شِقاقٍ بَعِيدٍ﴾ يُرِيدُ أنَّ هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ والمُشْرِكِينَ فَأصْلُهُ وإنَّهم، فَوَضَعَ الظّاهِرَ مَوْضِعَ المُضْمَرِ قَضاءً عَلَيْهِمْ بِالظُّلْمِ والشِّقاقِ والمُشاقَّةِ والمُعاداةِ والمُباعَدَةِ سَواءٌ، وأمّا في حَقِّ المُؤْمِنِينَ فَهو قَوْلُهُ: ﴿ولِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ أنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّكَ﴾ وفي الكِنايَةِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: أنَّها عائِدَةٌ إلى نَسْخِ ما ألْقاهُ الشَّيْطانُ، عَنِ الكَلْبِيِّ. وثانِيها: أنَّهُ الحَقُّ أيِ القُرْآنُ عَنْ مُقاتِلٍ. وثالِثُها: أنَّ تَمَكُّنَ الشَّيْطانِ مِن ذَلِكَ الإلْقاءِ هو الحَقُّ، أمّا عَلى قَوْلِنا فَلِأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أيَّ شَيْءٍ فَعَلَ فَقَدْ تَصَرَّفَ في مُلْكِهِ ومِلْكِهِ - بِضَمِّ المِيمِ وكَسْرِها - فَكانَ حَقًّا، وأمّا عَلى قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ فَلِأنَّهُ سُبْحانَهُ حَكِيمٌ فَتَكُونُ كُلُّ أفْعالِهِ صَوابًا فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهم أيْ تَخْضَعُ وتَسْكُنُ لِعِلْمِهِمْ بِأنَّ المَقْضِيَّ كائِنٌ، وكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خَلَقَهُ لَهُ، ﴿وإنَّ اللَّهَ لَهادِي الَّذِينَ آمَنُوا﴾ إلى أنْ يَتَأوَّلُوا ما يَتَشابَهُ في الدِّينِ بِالتَّأْوِيلاتِ الصَّحِيحَةِ ويَطْلُبُوا ما أشْكَلَ مِنهُ مِنَ المُجْمَلِ الَّذِي تَقْتَضِيهِ الأُصُولُ المُحْكَمَةُ حَتّى لا تَلْحَقَهم حَيْرَةٌ ولا تَعْتَرِيَهم شُبْهَةٌ، وقُرِئَ: ”لَهادٍ الَّذِينَ آمَنُوا“ بِالتَّنْوِينِ، ولَمّا بَيَّنَ سُبْحانَهُ حالَ الكافِرِينَ أوَّلًا، ثُمَّ حالَ المُؤْمِنِينَ ثانِيًا عادَ إلى شَرْحِ حالِ الكافِرِينَ مَرَّةً أُخْرى فَقالَ: ﴿ولا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا في مِرْيَةٍ مِنهُ﴾ أيْ مِنَ القُرْآنِ أوْ مِنَ الرَّسُولِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الأعْصارَ إلى قِيامِ السّاعَةِ لا تَخْلُو مِمَّنْ هَذا وصْفُهُ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى تَأْتِيَهُمُ السّاعَةُ بَغْتَةً﴾ أيْ فَجْأةً مِن دُونِ أنْ يَشْعُرُوا ثُمَّ جَعَلَ السّاعَةَ غايَةً لِكُفْرِهِمْ، وأنَّهم يُؤْمِنُونَ عِنْدَ أشْراطِ السّاعَةِ عَلى وجْهِ الإلْجاءِ. واخْتُلِفَ في المُرادِ بِاليَوْمِ العَقِيمِ وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ يَوْمُ بَدْرٍ، وإنَّما وُصِفَ يَوْمُ الحَرْبِ بِالعَقِيمِ لِوُجُوهٍ أرْبَعَةٍ:
أحَدُها: أنَّ أوْلادَ النِّساءِ يُقْتَلُونَ فِيهِ فَيَصِرْنَ كَأنَّهُنَّ عُقُمٌ لَمْ يَلِدْنَ. وثانِيها: أنَّ المُقاتِلِينَ يُقالُ لَهم أبْناءُ الحَرْبِ فَإذا قُتِلُوا وُصِفَ يَوْمُ الحَرْبِ بِالعَقِيمِ عَلى سَبِيلِ المَجازِ. وثالِثُها: هو الَّذِي لا خَيْرَ فِيهِ، يُقالُ: رِيحٌ عَقِيمٌ إذا لَمْ تُنْشِئْ مَطَرًا ولَمْ تُلَقِّحْ شَجَرًا. ورابِعُها: أنَّهُ لا مِثْلَ لَهُ في عِظَمِ أمْرِهِ، وذَلِكَ لِقِتالِ المَلائِكَةِ فِيهِ. القَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ يَوْمُ القِيامَةِ، وإنَّما وُصِفَ بِالعَقِيمِ لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّهم لا يَرَوْنَ فِيهِ خَيْرًا، وثانِيها: أنَّهُ لا لَيْلَ فِيهِ فَيَسْتَمِرُّ كاسْتِمْرارِ المَرْأةِ عَلى تَعَطُّلِ الوِلادَةِ. وثالِثُها: أنَّ كُلَّ ذاتِ حَمْلٍ تَضَعُ حَمْلَها في ذَلِكَ اليَوْمِ فَكَيْفَ يَحْصُلُ الحَمْلُ فِيهِ، وهَذا القَوْلُ أوْلى؛ لِأنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَقُولَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ولا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ويَكُونَ المُرادُ يَوْمَ بَدْرٍ؛ لِأنَّ مِنَ المَعْلُومِ أنَّهم في مِرْيَةٍ بَعْدَ يَوْمِ بَدْرٍ، فَإنْ قِيلَ لَمّا ذَكَرَ السّاعَةَ: فَلَوْ حَمَلْتُمُ اليَوْمَ العَقِيمَ عَلى يَوْمِ القِيامَةِ لَزِمَ التَّكْرارُ؛ قُلْنا: لَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ السّاعَةَ مِن مُقَدِّماتِ القِيامَةِ، واليَوْمُ العَقِيمُ هو نَفْسُ ذَلِكَ اليَوْمِ، وعَلى أنَّ الأمْرَ لَوْ كانَ كَما قالَهُ لَمْ يَكُنْ تَكْرارًا؛ لَأنَّ في الأوَّلِ ذَكَرَ السّاعَةَ، وفي الثّانِي ذَكَرَ عَذابَ ذَلِكَ اليَوْمِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالسّاعَةِ وقْتَ مَوْتِ كُلِّ أحَدٍ، وبِعَذابِ يَوْمٍ عَقِيمٍ القِيامَةَ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿المُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ فَمِن أقْوى ما يَدُلُّ عَلى أنَّ اليَوْمَ العَقِيمَ هو ذَلِكَ اليَوْمُ، وأرادَ بِذَلِكَ أنَّهُ لا مالِكَ في ذَلِكَ اليَوْمِ سِواهُ فَهو بِخِلافِ أيّامِ الدُّنْيا الَّتِي مَلَّكَ اللَّهُ الأُمُورَ غَيْرَهُ، وبَيَّنَ أنَّهُ الحاكِمُ بَيْنَهم لا حاكِمَ سِواهُ وذَلِكَ زَجْرٌ عَنْ مَعْصِيَتِهِ ثُمَّ بَيَّنَ كَيْفَ يَحْكُمُ بَيْنَهم، وأنَّهُ يُصَيِّرُ المُؤْمِنِينَ إلى جَنّاتِ النَّعِيمِ، والكافِرِينَ
صفحة ٥٠
فِي العَذابِ المُهِينِ، وقَدْ تَقَدَّمَ وصْفُ الجَنَّةِ والنّارِ، فَإنْ قِيلَ: التَّنْوِينُ في يَوْمَئِذٍ عَنْ أيِّ جُمْلَةٍ يَنُوبُ ؟ قُلْنا: تَقْدِيرُهُ: المُلْكُ يَوْمَ يُؤْمِنُونَ أوْ يَوْمَ تَزُولُ مِرْيَتُهم لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا في مِرْيَةٍ مِنهُ حَتّى تَأْتِيَهُمُ السّاعَةُ﴾ .
الحج 22:58
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ هاجَرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أوْ ماتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وإنَّ اللَّهَ لَهو خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ ﴿لَيُدْخِلَنَّهم مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ وإنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ ﴿ذَلِكَ ومَن عاقَبَ بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ إنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ ﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ ويُولِجُ النَّهارَ في اللَّيْلِ وأنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ ﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ وأنَّ ما يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هو الباطِلُ وأنَّ اللَّهَ هو العَلِيُّ الكَبِيرُ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أنَّ المُلْكَ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ وأنَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهم ويُدْخِلُ المُؤْمِنِينَ الجَنّاتِ، أتْبَعَهُ بِذِكْرِ وعْدِهِ الكَرِيمِ لِلْمُهاجِرِينَ، وأفْرَدَهم بِالذِّكْرِ تَفْخِيمًا لِشَأْنِهِمْ، فَقالَ عَزَّ مِن قائِلٍ: ﴿والَّذِينَ هاجَرُوا﴾ واخْتَلَفُوا فِيمَن أُرِيدَ بِذَلِكَ، فَقالَ بَعْضُهم: مَن هاجَرَ إلى المَدِينَةِ طالِبًا لِنُصْرَةِ الرَّسُولِ ﷺ وتَقَرُّبًا إلى اللَّهِ تَعالى. وقالَ آخَرُونَ: بَلِ المُرادُ مَن جاهَدَ فَخَرَجَ مَعَ الرَّسُولِ ﷺ أوْ في سَراياهُ لِنُصْرَةِ الدِّينِ، ولِذَلِكَ ذَكَرَ القَتْلَ بَعْدَهُ. ومِنهم مَن حَمَلَهُ عَلى الأمْرَيْنِ. واخْتَلَفُوا مِن وجْهٍ آخَرَ فَقالَ قَوْمٌ: المُرادُ قَوْمٌ مَخْصُوصُونَ، رَوى مُجاهِدٌ أنَّها نَزَلَتْ في طَوائِفَ خَرَجُوا مِن مَكَّةَ إلى المَدِينَةِ لِلْهِجْرَةِ فَتَبِعَهُمُ المُشْرِكُونَ فَقاتَلُوهم، وظاهِرُ الكَلامِ لِلْعُمُومِ. ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى وصَفَهم بِرِزْقِهِمْ ومَسْكَنِهِمْ. أمّا الرِّزْقُ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وإنَّ اللَّهَ لَهو خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: لا شُبْهَةَ في أنَّ الرِّزْقَ الحَسَنَ هو نَعِيمُ الجَنَّةِ، وقالَ الأصَمُّ: إنَّهُ العِلْمُ والفَهْمُ كَقَوْلِ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿ورَزَقَنِي مِنهُ رِزْقًا حَسَنًا﴾ [هود: ٨٨] فَهَذا في الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ الجَنَّةُ، وقالَ الكَلْبِيُّ: رِزْقًا حَسَنًا حَلالًا وهو الغَنِيمَةُ. وهَذانَ الوَجْهانِ ضَعِيفانِ؛ لِأنَّهُ تَعالى جَعَلَهُ جَزاءً عَلى هِجْرَتِهِمْ في سَبِيلِ اللَّهِ بَعْدَ القَتْلِ والمَوْتِ وبَعْدَهُما لا يَكُونُ إلّا نَعِيمُ الجَنَّةِ.
* * *
صفحة ٥١
المسألة الثّانِيَةُ: لا بُدَّ مِن شَرْطِ اجْتِنابِ الكَبائِرِ في كُلِّ وعْدٍ في القُرْآنِ؛ لِأنَّ هَذا المُهاجِرَ لَوِ ارْتَكَبَ كَبِيرَةً لَكانَ حُكْمُهُ في المَشِيئَةِ عَلى قَوْلِنا، ولَخَرَجَ عَنْ أنْ يَكُونَ أهْلًا لِلْجَنَّةِ قَطْعًا عَلى قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ. فَإنْ قِيلَ: فَما فَضْلُهُ عَلى سائِرِ المُؤْمِنِينَ في الوَعْدِ إنْ كانَ كَما قُلْتُمْ ؟ قُلْنا: فَضْلُهم يَظْهَرُ لِأنَّ ثَوابَهم أعْظَمُ وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿لا يَسْتَوِي مِنكم مَن أنْفَقَ مِن قَبْلِ الفَتْحِ وقاتَلَ﴾ [الحديد: ١٠] فَمَعْلُومٌ أنَّ مَن هاجَرَ مَعَ الرَّسُولِ ﷺ وفارَقَ دِيارَهُ وأهْلَهُ لِتَقْوِيَتِهِ ونُصْرَةِ دِينِهِ مَعَ شِدَّةِ قُوَّةِ الكُفّارِ وظُهُورِ صَوْلَتِهِمْ صارَ فِعْلُهُ كالسَّبَبِ لِقُوَّةِ الدِّينِ، وعَلى هَذا الوجه عَظُمَ مَحَلُّ الأنْصارِ حَتّى صارَ ذِكْرُهم والثَّناءُ عَلَيْهِمْ تالِيًا لِذِكْرِ المُهاجِرِينَ لَمّا آوَوْهُ ونَصَرُوهُ.
* * *
المسألة الثّالِثَةُ: اخْتَلَفُوا في مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وإنَّ اللَّهَ لَهو خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ مَعَ العِلْمِ بِأنَّ كُلَّ الرِّزْقِ مِن عِنْدِهِ عَلى وُجُوهٍ:
أحَدُها: التَّفاوُتُ إنَّما كانَ بِسَبَبِ أنَّهُ سُبْحانَهُ مُخْتَصٌّ بِأنْ يَرْزُقَ ما لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ. وثانِيها: أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهُ الأصْلُ في الرِّزْقِ، وغَيْرُهُ إنَّما يَرْزُقُ بِما تَقَدَّمَ مِنَ الرِّزْقِ مِن جِهَةِ اللَّهِ تَعالى. وثالِثُها: أنَّ غَيْرَهُ يَنْقُلُ الرِّزْقَ مِن يَدِهِ إلى يَدِ غَيْرِهِ لا أنَّهُ يَفْعَلُ نَفْسَ الرِّزْقِ. ورابِعُها: أنَّ غَيْرَهُ إذا رَزَقَ فَإنَّما يَرْزُقُ لِانْتِفاعِهِ بِهِ، إمّا لِأجْلِ أنْ يَخْرُجَ عَنِ الواجِبِ، وإمّا لِأجْلِ أنْ يَسْتَحِقَّ بِهِ حَمْدًا أوْ ثَناءً، وإمّا لِأجْلِ دَفْعِ الرِّقَّةِ الجِنْسِيَّةِ. فَكانَ الواحِدُ مِنّا إذا رَزَقَ فَقَدْ طَلَبَ العِوَضَ، أمّا الحَقُّ سُبْحانَهُ فَإنَّ كَمالَهُ صِفَةٌ ذاتِيَّةٌ لَهُ، فَلا يَسْتَفِيدُ مِن شَيْءٍ كَمالًا زائِدًا، فَكانَ الرِّزْقُ الصّادِرُ مِنهُ لِمَحْضِ الإحْسانِ. وخامِسُها: أنَّ غَيْرَهُ إنَّما يَرْزُقُ لَوْ حَصَلَ في قَلْبِهِ إرادَةُ ذَلِكَ الفِعْلِ، وتِلْكَ الإرادَةُ مِنَ اللَّهِ، فالرّازِقُ في الحَقِيقَةِ هو اللَّهُ تَعالى. وسادِسُها: أنَّ المَرْزُوقَ يَكُونُ تَحْتَ مِنَّةِ الرّازِقِ، ومِنَّةُ اللَّهِ تَعالى أسْهَلُ تَحَمُّلًا مِن مِنَّةِ الغَيْرِ، فَكانَ هو: ﴿خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ . وسابِعُها: أنَّ الغَيْرَ إذا رُزِقَ فَلَوْلا أنَّ اللَّهَ تَعالى أعْطى ذَلِكَ الإنْسانَ أنْواعَ الحَواسِّ وأعْطاهُ السَّلامَةَ والصِّحَّةَ والقُدْرَةَ عَلى الِانْتِفاعِ بِذَلِكَ الرِّزْقِ لَما أمْكَنَهُ الِانْتِفاعُ بِهِ، ورِزْقُ الغَيْرِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مَسْبُوقًا بِرِزْقِ اللَّهِ ومَلْحُوقًا بِهِ حَتّى يَحْصُلَ الِانْتِفاعُ. وأمّا رِزْقُ اللَّهِ تَعالى فَإنَّهُ لا حاجَةَ بِهِ إلى رِزْقِ غَيْرِهِ، فَثَبَتَ أنَّهُ سُبْحانَهُ ﴿خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ .
* * *
المسألة الرّابِعَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أُمُورٍ ثَلاثَةٍ:
أحَدُها: أنَّ اللَّهَ تَعالى قادِرٌ.
وثانِيها: أنَّ غَيْرَ اللَّهِ يَصِحُّ مِنهُ أنْ يَرْزُقَ ويَمْلِكَ، ولَوْلا كَوْنُهُ قادِرًا فاعِلًا لَما صَحَّ ذَلِكَ.
وثالِثُها: أنَّ الرِّزْقَ لا يَكُونُ إلّا حَلالًا؛ لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ دَلالَةٌ عَلى كَوْنِهِمْ مَمْدُوحِينَ، والجَوابُ: لا نِزاعَ في كَوْنِ العَبْدِ قادِرًا، فَإنَّ عِنْدَنا القُدْرَةَ مَعَ الدّاعِي مُؤَثِّرَةٌ في الفِعْلِ بِمَعْنى الِاسْتِلْزامِ. وأمّا الثّالِثُ فَبَحْثٌ لَفْظِيٌّ وقَدْ سَبَقَ الكَلامُ فِيهِ.
المسألة الخامِسَةُ: لَمّا قالَ تَعالى: ﴿ثُمَّ قُتِلُوا أوْ ماتُوا﴾ فَسَوّى بَيْنَهُما في الوَعْدِ، ظَنَّ قَوْمٌ أنَّ حالَ المَقْتُولِ في الجِهادِ والمَيِّتِ عَلى فِراشِهِ سَواءٌ، وهَذا إنْ أخَذُوهُ مِنَ الظّاهِرِ فَلا دَلالَةَ فِيهِ؛ لِأنَّ الجَمْعَ بَيْنَهُما في الوَعْدِ لا يَدُلُّ عَلى تَفْضِيلٍ ولا تَسْوِيَةٍ، كَما أنَّ الجَمْعَ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ لا يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ. وإنْ أخَذُوهُ مِن دَلِيلٍ آخَرَ فَهو حَقٌّ، فَإنَّهُ رَوى أنَسٌ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «المَقْتُولُ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى، والمُتَوَفّى في سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ قَتْلٍ، هُما في الخَيْرِ والأجْرِ شَرِيكانِ» ولَفْظُ الشَّرِكَةِ مُشْعِرٌ بِالتَّسْوِيَةِ، وإلّا فَلا يَبْقى لِتَخْصِيصِهِما بِالذِّكْرِ فائِدَةٌ. ورُوِيَ أيْضًا: «أنَّ طَوائِفَ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ هَؤُلاءِ الَّذِينَ قُتِلُوا قَدْ عَلِمْنا ما أعْطاهُمُ اللَّهُ مِنَ الخَيْرِ، ونَحْنُ نُجاهِدُ مَعَكَ كَما جاهَدُوا، فَما لَنا إنْ مِتْنا مَعَكَ ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ» . وهَذا يَدُلُّ عَلى التَّسْوِيَةِ؛ لِأنَّهم لَمّا طَلَبُوا مِقْدارَ الأجْرِ، فَلَوْلا التَّسْوِيَةُ لَمْ يَكُنِ الجَوابُ مُفِيدًا.
الحج 22:59
أمّا المَسْكَنُ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيُدْخِلَنَّهم مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ وإنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
صفحة ٥٢
المسألة الأُولى: قُرِئَ مُدْخَلًا بِضَمِّ المِيمِ وهو مِنَ الإدْخالِ، ومَن قَرَأ بِالفَتْحِ فالمُرادُ المَوْضِعُ.
المسألة الثّانِيَةُ: قِيلَ في المُدْخَلِ الَّذِي يَرْضَوْنَهُ: إنَّهُ خَيْمَةٌ مِن دُرَّةٍ بَيْضاءَ لا فَصْمَ فِيها ولا وصْمَ، لَها سَبْعُونَ ألْفَ مِصْراعٍ، وقالَ أبُو القاسِمِ القُشَيْرِيُّ: هو أنْ يُدْخِلَهُمُ الجَنَّةَ مِن غَيْرِ مَكْرُوهٍ تَقَدَّمَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: إنَّما قالَ يَرْضَوْنَهُ لِأنَّهم يَرَوْنَ في الجَنَّةِ ما لا عَيْنٌ رَأتْ ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ، ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ فَيَرْضَوْنَهُ ولا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلًا، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَساكِنُ تَرْضَوْنَها﴾ [التوبة: ٢٤] وقَوْلُهُ: ﴿فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٢١] وقَوْلُهُ: ﴿ارْجِعِي إلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ [الفجر: ٢٨] وقَوْلُهُ: ﴿ومَساكِنَ طَيِّبَةً في جَنّاتِ عَدْنٍ ورِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أكْبَرُ﴾ [التوبة: ٧٢] .
المسألة الثّالِثَةُ: إنْ قِيلَ: ما مَعْنى ﴿وإنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ ؟ وما تَعَلُّقُهُ بِما تَقَدَّمَ ؟ قُلْنا: يُحْتَمَلُ أنَّهُ عَلِيمٌ بِما يَسْتَحِقُّونَهُ فَيَفْعَلُهُ بِهِمْ ويَزِيدُهم، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهُ عَلِيمٌ بِما يَرْضَوْنَهُ فَيُعْطِيهِمْ ذَلِكَ في الجَنَّةِ، وأمّا الحَلِيمُ فالمُرادُ أنَّهُ لِحِلْمِهِ لا يُعَجِّلُ بِالعُقُوبَةِ فِيمَن يُقْدِمُ عَلى المَعْصِيَةِ، بَلْ يُمْهِلُ لِيَقَعَ مِنهُ التَّوْبَةُ فَيَسْتَحِقَّ مِنهُ الجَنَّةَ.
الحج 22:60
أمّا المَسْكَنُ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيُدْخِلَنَّهم مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ وإنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
صفحة ٥٢
المسألة الأُولى: قُرِئَ مُدْخَلًا بِضَمِّ المِيمِ وهو مِنَ الإدْخالِ، ومَن قَرَأ بِالفَتْحِ فالمُرادُ المَوْضِعُ.
المسألة الثّانِيَةُ: قِيلَ في المُدْخَلِ الَّذِي يَرْضَوْنَهُ: إنَّهُ خَيْمَةٌ مِن دُرَّةٍ بَيْضاءَ لا فَصْمَ فِيها ولا وصْمَ، لَها سَبْعُونَ ألْفَ مِصْراعٍ، وقالَ أبُو القاسِمِ القُشَيْرِيُّ: هو أنْ يُدْخِلَهُمُ الجَنَّةَ مِن غَيْرِ مَكْرُوهٍ تَقَدَّمَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: إنَّما قالَ يَرْضَوْنَهُ لِأنَّهم يَرَوْنَ في الجَنَّةِ ما لا عَيْنٌ رَأتْ ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ، ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ فَيَرْضَوْنَهُ ولا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلًا، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَساكِنُ تَرْضَوْنَها﴾ [التوبة: ٢٤] وقَوْلُهُ: ﴿فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٢١] وقَوْلُهُ: ﴿ارْجِعِي إلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ [الفجر: ٢٨] وقَوْلُهُ: ﴿ومَساكِنَ طَيِّبَةً في جَنّاتِ عَدْنٍ ورِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أكْبَرُ﴾ [التوبة: ٧٢] .
المسألة الثّالِثَةُ: إنْ قِيلَ: ما مَعْنى ﴿وإنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ ؟ وما تَعَلُّقُهُ بِما تَقَدَّمَ ؟ قُلْنا: يُحْتَمَلُ أنَّهُ عَلِيمٌ بِما يَسْتَحِقُّونَهُ فَيَفْعَلُهُ بِهِمْ ويَزِيدُهم، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهُ عَلِيمٌ بِما يَرْضَوْنَهُ فَيُعْطِيهِمْ ذَلِكَ في الجَنَّةِ، وأمّا الحَلِيمُ فالمُرادُ أنَّهُ لِحِلْمِهِ لا يُعَجِّلُ بِالعُقُوبَةِ فِيمَن يُقْدِمُ عَلى المَعْصِيَةِ، بَلْ يُمْهِلُ لِيَقَعَ مِنهُ التَّوْبَةُ فَيَسْتَحِقَّ مِنهُ الجَنَّةَ.
الحج 22:61
أمّا قَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ ومَن عاقَبَ بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ إنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ﴾ قَدْ مَضى الكَلامُ فِيهِ في هَذِهِ الآيَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ. وقالَ الزَّجّاجُ: أيِ الأمْرُ ما قَصَصْنا عَلَيْكَ مِن إنْجازِ الوَعْدِ لِلْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ قُتِلُوا أوْ ماتُوا.
المسألة الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ ومَن عاقَبَ بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ﴾ مَعْناهُ: قاتَلَ مَن كانَ يُقاتِلُهُ، ثُمَّ كانَ المُقاتِلُ مَبْغِيًّا عَلَيْهِ بِأنِ اضْطُرَّ إلى الهِجْرَةِ ومُفارَقَةِ الوَطَنِ وابْتُدِئَ بِالقِتالِ، قالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ في قَوْمٍ مِنَ المُشْرِكِينَ لَقُوا قَوْمًا مِنَ المُسْلِمِينَ لِلَيْلَتَيْنِ بَقِيَتا مِنَ المُحَرَّمِ، فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: إنَّ أصْحابَ مُحَمَّدٍ يَكْرَهُونَ القِتالَ في الشَّهْرِ الحَرامِ فاحْمِلُوا عَلَيْهِمْ، فَناشَدَهُمُ المُسْلِمُونَ أنْ يَكُفُّوا عَنْ قِتالِهِمْ لِحُرْمَةِ الشَّهْرِ، فَأبَوْا وقاتَلُوهم. فَذَلِكَ بَغْيُهم عَلَيْهِمْ، وثَبَتَ المُسْلِمُونَ لَهم فَنُصِرُوا عَلَيْهِمْ. فَوَقَعَ في أنْفُسِ المُسْلِمِينَ مِنَ القِتالِ في الشَّهْرِ الحَرامِ ما وقَعَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ وعَفا عَنْهم وغَفَرَ لَهم وهاهُنا سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: أيُّ تَعَلُّقٍ لِهَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها ؟ الجَوابُ: كَأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى قالَ: مَعَ إكْرامِي لَهم في الآخِرَةِ بِهَذا الوَعْدِ لا أدَعُ نُصْرَتَهم في الدُّنْيا عَلى مَن بَغى عَلَيْهِمْ.
السُّؤالُ الثّانِي: هَلْ يَرْجِعُ ذَلِكَ إلى المُهاجِرِينَ خاصَّةً أوْ إلَيْهِمْ وإلى المُؤْمِنِينَ ؟ الجَوابُ: الأقْرَبُ أنَّهُ يَعُودُ إلى الفَرِيقَيْنِ فَإنَّهُ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُما، وبَيَّنَ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ﴾ وبَعْدَ القَتْلِ والمَوْتِ لا يُمْكِنُ ذَلِكَ في الدُّنْيا.
السُّؤالُ الثّالِثُ: ما المُرادُ بِالعُقُوبَةِ المَذْكُورَةِ ؟ الجَوابُ: فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: المُرادُ ما فَعَلَهُ مُشْرِكُو مَكَّةَ مَعَ المُهاجِرِينَ بِمَكَّةَ مِن طَلَبِ آثارِهِمْ ورَدِّ بَعْضِهِمْ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ مَن عاقَبَ هَؤُلاءِ الكُفّارَ بِمِثْلِ ما فَعَلُوا فَسَيَنْصُرُهُ عَلَيْهِمْ، وهَذِهِ النُّصْرَةُ المَذْكُورَةُ تُقَوِّي تَأْوِيلَ مَن تَأوَّلَهُ عَلى مُجاهَدَةِ الكُفّارِ لا عَلى القِصاصِ؛ لِأنَّ ظاهِرَ النَّصِّ لا يَلِيقُ إلّا بِذَلِكَ.
والجَوابُ الثّانِي: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ في القِصاصِ والجِراحاتِ، وهي آيَةٌ مَدَنِيَّةٌ عَنِ الضَّحّاكِ.
صفحة ٥٣
السُّؤالُ الرّابِعُ: لِمَ سَمّى ابْتِداءَ فِعْلِهِمْ بِالعُقُوبَةِ ؟ الجَوابُ: أطْلَقَ اسْمَ العُقُوبَةِ عَلى الأوَّلِ لِلتَّعَلُّقِ الَّذِي بَيْنَهُ وبَيْنَ الثّانِي كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشورى: ٤٠] ﴿يُخادِعُونَ اللَّهَ وهو خادِعُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٢] .
السُّؤالُ الخامِسُ: أيُّ تَعَلُّقٍ لِقَوْلِهِ: ﴿وإنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ بِما تَقَدَّمَ ؟ الجَوابُ فِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّ اللَّهَ تَعالى نَدَبَ المُعاقِبَ إلى العَفْوِ عَنِ الجانِي بِقَوْلِهِ: ﴿فَمَن عَفا وأصْلَحَ فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ﴾ [الشورى: ٤٠] ﴿وأنْ تَعْفُوا أقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾ [البقرة: ٢٣٧]، ﴿ولَمَن صَبَرَ وغَفَرَ إنَّ ذَلِكَ لَمِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ [الشورى: ٤٣] فَلَمّا لَمْ يَأْتِ بِهَذا المَندُوبِ فَهو نَوْعُ إساءَةٍ، فَكَأنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ: إنِّي قَدْ عَفَوْتُ عَنْ هَذِهِ الإساءَةِ وغَفَرْتُها، فَإنِّي أنا الَّذِي أذِنْتُ لَكَ فِيهِ. وثانِيها: أنَّهُ سُبْحانَهُ وإنْ ضَمِنَ لَهُ النَّصْرَ عَلى الباغِي، لَكِنَّهُ عَرَّضَ مَعَ ذَلِكَ بِما كانَ أوْلى بِهِ مِنَ العَفْوِ والمَغْفِرَةِ فَلَوَّحَ بِذِكْرِ هاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ. وثالِثُها: أنَّهُ سُبْحانَهُ دَلَّ بِذِكْرِ العَفْوِ والمَغْفِرَةِ عَلى أنَّهُ قادِرٌ عَلى العُقُوبَةِ،؛ لِأنَّهُ لا يُوصَفُ بِالعَفْوِ إلّا القادِرُ عَلى ضِدِّهِ.
السُّؤالُ السّادِسُ: أيُّ تَعَلُّقٍ لِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ ويُولِجُ النَّهارَ في اللَّيْلِ﴾ بِما قَبْلَهُ ؟ والجَوابُ: مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: ذَلِكَ أيْ ذَلِكَ النَّصْرُ بِسَبَبِ أنَّهُ قادِرٌ ومِن آياتِ قُدْرَتِهِ البالِغَةِ كَوْنُهُ خالِقًا لِلَّيْلِ والنَّهارِ ومُتَصَرِّفًا فِيهِما، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ قادِرًا عالِمًا بِما يَجْرِي فِيهِما، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ قادِرًا عَلى النَّصْرِ مُصِيبًا فِيهِ.
وثانِيها: المُرادُ أنَّهُ سُبْحانَهُ مَعَ ذَلِكَ النَّصْرِ يَنْعَمُ في الدُّنْيا بِما يَفْعَلُهُ مِن تَعاقُبِ اللَّيْلِ والنَّهارِ ووُلُوجِ أحَدِهِما في الآخَرِ.
السُّؤالُ السّابِعُ: ما مَعْنى إيلاجِ اللَّيْلِ في النَّهارِ وإيلاجِ النَّهارِ في اللَّيْلِ ؟ الجَوابُ: فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: يَحْصُلُ ظُلْمَةُ هَذا في مَكانِ ضِياءِ ذَلِكَ بِغَيْبُوبَةِ الشَّمْسِ، وضِياءُ ذَلِكَ في مَكانِ ظُلْمَةِ هَذا بِطُلُوعِها، كَما يُضِيءُ البَيْتُ بِالسِّراجِ ويُظْلِمُ بِفَقْدِهِ.
وثانِيهِما: أنَّهُ سُبْحانَهُ يَزِيدُ في أحَدِهِما ما يَنْقُصُ مِنَ الآخَرِ مِنَ السّاعاتِ.
السُّؤالُ الثّامِنُ: أيُّ تَعَلُّقٍ لِقَوْلِهِ: ﴿وأنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ بِما تَقَدَّمَ ؟ الجَوابُ: المُرادُ أنَّهُ كَما يَقْدِرُ عَلى ما لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، فَكَذَلِكَ يُدْرِكُ المَسْمُوعَ والمُبْصَرَ، ولا يَجُوزُ المَنعُ عَلَيْهِ، ويَكُونُ ذَلِكَ كالتَّحْذِيرِ مِنَ الإقْدامِ عَلى ما لا يَجُوزُ في المَسْمُوعِ والمُبْصَرِ.
السُّؤالُ التّاسِعُ: ما مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ﴾ وأيُّ تَعَلُّقٍ لَهُ بِما تَقَدَّمَ ؟ الجَوابُ: فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: المُرادُ أنَّ ذَلِكَ الوَصْفَ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ القُدْرَةِ عَلى هَذِهِ الأُمُورِ إنَّما حَصَلَ لِأجْلِ أنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ، أيْ هو المَوْجُودُ الواجِبُ لِذاتِهِ الَّذِي يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ التَّغَيُّرُ والزَّوالُ فَلا جَرَمَ أتى بِالوَعْدِ والوَعِيدِ.
ثانِيهِما: أنَّ ما يُفْعَلُ مِن عِبادَتِهِ هو الحَقُّ وما يُفْعَلُ مِن عِبادَةِ غَيْرِهِ فَهو الباطِلُ كَما قالَ: ﴿لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ﴾ [غافر: ٤٣] .
السُّؤالُ العاشِرُ: أيُّ تَعَلُّقٍ لِقَوْلِهِ: ﴿وأنَّ اللَّهَ هو العَلِيُّ الكَبِيرُ﴾ بِما تَقَدَّمَ ؟ والجَوابُ: مَعْنى العَلِيِّ القاهِرُ المُقْتَدِرُ الَّذِي لا يُغْلَبُ، فَنَبَّهَ بِذَلِكَ عَلى أنَّهُ القادِرُ عَلى الضُّرِّ والنَّفْعِ دُونَ سائِرِ مَن يُعْبَدُ مُرَغِّبًا بِذَلِكَ في عِبادَتِهِ زاجِرًا عَنْ عِبادَةِ غَيْرِهِ، فَأمّا الكَبِيرُ فَهو العَظِيمُ في قُدْرَتِهِ وسُلْطانِهِ، وذَلِكَ أيْضًا يُفِيدُ كَمالَ القُدْرَةِ.
صفحة ٥٤
المسألة الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ﴾ إخْبارٌ عَنِ الغَيْبِ فَإنَّهُ وجَدَ مُخْبِرَهُ كَما أُخْبِرَ فَكانَ مِنَ المُعْجِزاتِ.
المسألة الرّابِعَةُ: قالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: مَن حَرَقَ حَرَقْناهُ، ومَن غَرَّقَ غَرَّقْناهُ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: بَلْ يُقْتَلُ بِالسَّيْفِ. واحْتَجَّ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى جَوَّزَ لِلْمَظْلُومِ أنْ يُعاقِبَ بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ ووَعَدَهُ النَّصْرَ عَلَيْهِ.
المسألة الخامِسَةُ: قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ ”تَدْعُونَ“ بِالتّاءِ هاهُنا، وفي ”لُقْمانَ“ وفي ”المُؤْمِنُونَ“ وفي ”العَنْكَبُوتِ“ . وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو كُلَّها بِالياءِ عَلى الخَبَرِ، والعَرَبُ قَدْ تَنْصَرِفُ مِنَ الخِطابِ إلى الإخْبارِ ومِنَ الإخْبارِ إلى الخِطابِ.
الحج 22:62
أمّا قَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ ومَن عاقَبَ بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ إنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ﴾ قَدْ مَضى الكَلامُ فِيهِ في هَذِهِ الآيَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ. وقالَ الزَّجّاجُ: أيِ الأمْرُ ما قَصَصْنا عَلَيْكَ مِن إنْجازِ الوَعْدِ لِلْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ قُتِلُوا أوْ ماتُوا.
المسألة الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ ومَن عاقَبَ بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ﴾ مَعْناهُ: قاتَلَ مَن كانَ يُقاتِلُهُ، ثُمَّ كانَ المُقاتِلُ مَبْغِيًّا عَلَيْهِ بِأنِ اضْطُرَّ إلى الهِجْرَةِ ومُفارَقَةِ الوَطَنِ وابْتُدِئَ بِالقِتالِ، قالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ في قَوْمٍ مِنَ المُشْرِكِينَ لَقُوا قَوْمًا مِنَ المُسْلِمِينَ لِلَيْلَتَيْنِ بَقِيَتا مِنَ المُحَرَّمِ، فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: إنَّ أصْحابَ مُحَمَّدٍ يَكْرَهُونَ القِتالَ في الشَّهْرِ الحَرامِ فاحْمِلُوا عَلَيْهِمْ، فَناشَدَهُمُ المُسْلِمُونَ أنْ يَكُفُّوا عَنْ قِتالِهِمْ لِحُرْمَةِ الشَّهْرِ، فَأبَوْا وقاتَلُوهم. فَذَلِكَ بَغْيُهم عَلَيْهِمْ، وثَبَتَ المُسْلِمُونَ لَهم فَنُصِرُوا عَلَيْهِمْ. فَوَقَعَ في أنْفُسِ المُسْلِمِينَ مِنَ القِتالِ في الشَّهْرِ الحَرامِ ما وقَعَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ وعَفا عَنْهم وغَفَرَ لَهم وهاهُنا سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: أيُّ تَعَلُّقٍ لِهَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها ؟ الجَوابُ: كَأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى قالَ: مَعَ إكْرامِي لَهم في الآخِرَةِ بِهَذا الوَعْدِ لا أدَعُ نُصْرَتَهم في الدُّنْيا عَلى مَن بَغى عَلَيْهِمْ.
السُّؤالُ الثّانِي: هَلْ يَرْجِعُ ذَلِكَ إلى المُهاجِرِينَ خاصَّةً أوْ إلَيْهِمْ وإلى المُؤْمِنِينَ ؟ الجَوابُ: الأقْرَبُ أنَّهُ يَعُودُ إلى الفَرِيقَيْنِ فَإنَّهُ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُما، وبَيَّنَ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ﴾ وبَعْدَ القَتْلِ والمَوْتِ لا يُمْكِنُ ذَلِكَ في الدُّنْيا.
السُّؤالُ الثّالِثُ: ما المُرادُ بِالعُقُوبَةِ المَذْكُورَةِ ؟ الجَوابُ: فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: المُرادُ ما فَعَلَهُ مُشْرِكُو مَكَّةَ مَعَ المُهاجِرِينَ بِمَكَّةَ مِن طَلَبِ آثارِهِمْ ورَدِّ بَعْضِهِمْ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ مَن عاقَبَ هَؤُلاءِ الكُفّارَ بِمِثْلِ ما فَعَلُوا فَسَيَنْصُرُهُ عَلَيْهِمْ، وهَذِهِ النُّصْرَةُ المَذْكُورَةُ تُقَوِّي تَأْوِيلَ مَن تَأوَّلَهُ عَلى مُجاهَدَةِ الكُفّارِ لا عَلى القِصاصِ؛ لِأنَّ ظاهِرَ النَّصِّ لا يَلِيقُ إلّا بِذَلِكَ.
والجَوابُ الثّانِي: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ في القِصاصِ والجِراحاتِ، وهي آيَةٌ مَدَنِيَّةٌ عَنِ الضَّحّاكِ.
صفحة ٥٣
السُّؤالُ الرّابِعُ: لِمَ سَمّى ابْتِداءَ فِعْلِهِمْ بِالعُقُوبَةِ ؟ الجَوابُ: أطْلَقَ اسْمَ العُقُوبَةِ عَلى الأوَّلِ لِلتَّعَلُّقِ الَّذِي بَيْنَهُ وبَيْنَ الثّانِي كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشورى: ٤٠] ﴿يُخادِعُونَ اللَّهَ وهو خادِعُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٢] .
السُّؤالُ الخامِسُ: أيُّ تَعَلُّقٍ لِقَوْلِهِ: ﴿وإنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ بِما تَقَدَّمَ ؟ الجَوابُ فِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّ اللَّهَ تَعالى نَدَبَ المُعاقِبَ إلى العَفْوِ عَنِ الجانِي بِقَوْلِهِ: ﴿فَمَن عَفا وأصْلَحَ فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ﴾ [الشورى: ٤٠] ﴿وأنْ تَعْفُوا أقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾ [البقرة: ٢٣٧]، ﴿ولَمَن صَبَرَ وغَفَرَ إنَّ ذَلِكَ لَمِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ [الشورى: ٤٣] فَلَمّا لَمْ يَأْتِ بِهَذا المَندُوبِ فَهو نَوْعُ إساءَةٍ، فَكَأنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ: إنِّي قَدْ عَفَوْتُ عَنْ هَذِهِ الإساءَةِ وغَفَرْتُها، فَإنِّي أنا الَّذِي أذِنْتُ لَكَ فِيهِ. وثانِيها: أنَّهُ سُبْحانَهُ وإنْ ضَمِنَ لَهُ النَّصْرَ عَلى الباغِي، لَكِنَّهُ عَرَّضَ مَعَ ذَلِكَ بِما كانَ أوْلى بِهِ مِنَ العَفْوِ والمَغْفِرَةِ فَلَوَّحَ بِذِكْرِ هاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ. وثالِثُها: أنَّهُ سُبْحانَهُ دَلَّ بِذِكْرِ العَفْوِ والمَغْفِرَةِ عَلى أنَّهُ قادِرٌ عَلى العُقُوبَةِ،؛ لِأنَّهُ لا يُوصَفُ بِالعَفْوِ إلّا القادِرُ عَلى ضِدِّهِ.
السُّؤالُ السّادِسُ: أيُّ تَعَلُّقٍ لِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ ويُولِجُ النَّهارَ في اللَّيْلِ﴾ بِما قَبْلَهُ ؟ والجَوابُ: مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: ذَلِكَ أيْ ذَلِكَ النَّصْرُ بِسَبَبِ أنَّهُ قادِرٌ ومِن آياتِ قُدْرَتِهِ البالِغَةِ كَوْنُهُ خالِقًا لِلَّيْلِ والنَّهارِ ومُتَصَرِّفًا فِيهِما، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ قادِرًا عالِمًا بِما يَجْرِي فِيهِما، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ قادِرًا عَلى النَّصْرِ مُصِيبًا فِيهِ.
وثانِيها: المُرادُ أنَّهُ سُبْحانَهُ مَعَ ذَلِكَ النَّصْرِ يَنْعَمُ في الدُّنْيا بِما يَفْعَلُهُ مِن تَعاقُبِ اللَّيْلِ والنَّهارِ ووُلُوجِ أحَدِهِما في الآخَرِ.
السُّؤالُ السّابِعُ: ما مَعْنى إيلاجِ اللَّيْلِ في النَّهارِ وإيلاجِ النَّهارِ في اللَّيْلِ ؟ الجَوابُ: فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: يَحْصُلُ ظُلْمَةُ هَذا في مَكانِ ضِياءِ ذَلِكَ بِغَيْبُوبَةِ الشَّمْسِ، وضِياءُ ذَلِكَ في مَكانِ ظُلْمَةِ هَذا بِطُلُوعِها، كَما يُضِيءُ البَيْتُ بِالسِّراجِ ويُظْلِمُ بِفَقْدِهِ.
وثانِيهِما: أنَّهُ سُبْحانَهُ يَزِيدُ في أحَدِهِما ما يَنْقُصُ مِنَ الآخَرِ مِنَ السّاعاتِ.
السُّؤالُ الثّامِنُ: أيُّ تَعَلُّقٍ لِقَوْلِهِ: ﴿وأنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ بِما تَقَدَّمَ ؟ الجَوابُ: المُرادُ أنَّهُ كَما يَقْدِرُ عَلى ما لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، فَكَذَلِكَ يُدْرِكُ المَسْمُوعَ والمُبْصَرَ، ولا يَجُوزُ المَنعُ عَلَيْهِ، ويَكُونُ ذَلِكَ كالتَّحْذِيرِ مِنَ الإقْدامِ عَلى ما لا يَجُوزُ في المَسْمُوعِ والمُبْصَرِ.
السُّؤالُ التّاسِعُ: ما مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ﴾ وأيُّ تَعَلُّقٍ لَهُ بِما تَقَدَّمَ ؟ الجَوابُ: فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: المُرادُ أنَّ ذَلِكَ الوَصْفَ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ القُدْرَةِ عَلى هَذِهِ الأُمُورِ إنَّما حَصَلَ لِأجْلِ أنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ، أيْ هو المَوْجُودُ الواجِبُ لِذاتِهِ الَّذِي يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ التَّغَيُّرُ والزَّوالُ فَلا جَرَمَ أتى بِالوَعْدِ والوَعِيدِ.
ثانِيهِما: أنَّ ما يُفْعَلُ مِن عِبادَتِهِ هو الحَقُّ وما يُفْعَلُ مِن عِبادَةِ غَيْرِهِ فَهو الباطِلُ كَما قالَ: ﴿لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ﴾ [غافر: ٤٣] .
السُّؤالُ العاشِرُ: أيُّ تَعَلُّقٍ لِقَوْلِهِ: ﴿وأنَّ اللَّهَ هو العَلِيُّ الكَبِيرُ﴾ بِما تَقَدَّمَ ؟ والجَوابُ: مَعْنى العَلِيِّ القاهِرُ المُقْتَدِرُ الَّذِي لا يُغْلَبُ، فَنَبَّهَ بِذَلِكَ عَلى أنَّهُ القادِرُ عَلى الضُّرِّ والنَّفْعِ دُونَ سائِرِ مَن يُعْبَدُ مُرَغِّبًا بِذَلِكَ في عِبادَتِهِ زاجِرًا عَنْ عِبادَةِ غَيْرِهِ، فَأمّا الكَبِيرُ فَهو العَظِيمُ في قُدْرَتِهِ وسُلْطانِهِ، وذَلِكَ أيْضًا يُفِيدُ كَمالَ القُدْرَةِ.
صفحة ٥٤
المسألة الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ﴾ إخْبارٌ عَنِ الغَيْبِ فَإنَّهُ وجَدَ مُخْبِرَهُ كَما أُخْبِرَ فَكانَ مِنَ المُعْجِزاتِ.
المسألة الرّابِعَةُ: قالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: مَن حَرَقَ حَرَقْناهُ، ومَن غَرَّقَ غَرَّقْناهُ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: بَلْ يُقْتَلُ بِالسَّيْفِ. واحْتَجَّ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى جَوَّزَ لِلْمَظْلُومِ أنْ يُعاقِبَ بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ ووَعَدَهُ النَّصْرَ عَلَيْهِ.
المسألة الخامِسَةُ: قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ ”تَدْعُونَ“ بِالتّاءِ هاهُنا، وفي ”لُقْمانَ“ وفي ”المُؤْمِنُونَ“ وفي ”العَنْكَبُوتِ“ . وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو كُلَّها بِالياءِ عَلى الخَبَرِ، والعَرَبُ قَدْ تَنْصَرِفُ مِنَ الخِطابِ إلى الإخْبارِ ومِنَ الإخْبارِ إلى الخِطابِ.
الحج 22:63
أمّا قَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ ومَن عاقَبَ بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ إنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ﴾ قَدْ مَضى الكَلامُ فِيهِ في هَذِهِ الآيَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ. وقالَ الزَّجّاجُ: أيِ الأمْرُ ما قَصَصْنا عَلَيْكَ مِن إنْجازِ الوَعْدِ لِلْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ قُتِلُوا أوْ ماتُوا.
المسألة الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ ومَن عاقَبَ بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ﴾ مَعْناهُ: قاتَلَ مَن كانَ يُقاتِلُهُ، ثُمَّ كانَ المُقاتِلُ مَبْغِيًّا عَلَيْهِ بِأنِ اضْطُرَّ إلى الهِجْرَةِ ومُفارَقَةِ الوَطَنِ وابْتُدِئَ بِالقِتالِ، قالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ في قَوْمٍ مِنَ المُشْرِكِينَ لَقُوا قَوْمًا مِنَ المُسْلِمِينَ لِلَيْلَتَيْنِ بَقِيَتا مِنَ المُحَرَّمِ، فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: إنَّ أصْحابَ مُحَمَّدٍ يَكْرَهُونَ القِتالَ في الشَّهْرِ الحَرامِ فاحْمِلُوا عَلَيْهِمْ، فَناشَدَهُمُ المُسْلِمُونَ أنْ يَكُفُّوا عَنْ قِتالِهِمْ لِحُرْمَةِ الشَّهْرِ، فَأبَوْا وقاتَلُوهم. فَذَلِكَ بَغْيُهم عَلَيْهِمْ، وثَبَتَ المُسْلِمُونَ لَهم فَنُصِرُوا عَلَيْهِمْ. فَوَقَعَ في أنْفُسِ المُسْلِمِينَ مِنَ القِتالِ في الشَّهْرِ الحَرامِ ما وقَعَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ وعَفا عَنْهم وغَفَرَ لَهم وهاهُنا سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: أيُّ تَعَلُّقٍ لِهَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها ؟ الجَوابُ: كَأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى قالَ: مَعَ إكْرامِي لَهم في الآخِرَةِ بِهَذا الوَعْدِ لا أدَعُ نُصْرَتَهم في الدُّنْيا عَلى مَن بَغى عَلَيْهِمْ.
السُّؤالُ الثّانِي: هَلْ يَرْجِعُ ذَلِكَ إلى المُهاجِرِينَ خاصَّةً أوْ إلَيْهِمْ وإلى المُؤْمِنِينَ ؟ الجَوابُ: الأقْرَبُ أنَّهُ يَعُودُ إلى الفَرِيقَيْنِ فَإنَّهُ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُما، وبَيَّنَ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ﴾ وبَعْدَ القَتْلِ والمَوْتِ لا يُمْكِنُ ذَلِكَ في الدُّنْيا.
السُّؤالُ الثّالِثُ: ما المُرادُ بِالعُقُوبَةِ المَذْكُورَةِ ؟ الجَوابُ: فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: المُرادُ ما فَعَلَهُ مُشْرِكُو مَكَّةَ مَعَ المُهاجِرِينَ بِمَكَّةَ مِن طَلَبِ آثارِهِمْ ورَدِّ بَعْضِهِمْ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ مَن عاقَبَ هَؤُلاءِ الكُفّارَ بِمِثْلِ ما فَعَلُوا فَسَيَنْصُرُهُ عَلَيْهِمْ، وهَذِهِ النُّصْرَةُ المَذْكُورَةُ تُقَوِّي تَأْوِيلَ مَن تَأوَّلَهُ عَلى مُجاهَدَةِ الكُفّارِ لا عَلى القِصاصِ؛ لِأنَّ ظاهِرَ النَّصِّ لا يَلِيقُ إلّا بِذَلِكَ.
والجَوابُ الثّانِي: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ في القِصاصِ والجِراحاتِ، وهي آيَةٌ مَدَنِيَّةٌ عَنِ الضَّحّاكِ.
صفحة ٥٣
السُّؤالُ الرّابِعُ: لِمَ سَمّى ابْتِداءَ فِعْلِهِمْ بِالعُقُوبَةِ ؟ الجَوابُ: أطْلَقَ اسْمَ العُقُوبَةِ عَلى الأوَّلِ لِلتَّعَلُّقِ الَّذِي بَيْنَهُ وبَيْنَ الثّانِي كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشورى: ٤٠] ﴿يُخادِعُونَ اللَّهَ وهو خادِعُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٢] .
السُّؤالُ الخامِسُ: أيُّ تَعَلُّقٍ لِقَوْلِهِ: ﴿وإنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ بِما تَقَدَّمَ ؟ الجَوابُ فِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّ اللَّهَ تَعالى نَدَبَ المُعاقِبَ إلى العَفْوِ عَنِ الجانِي بِقَوْلِهِ: ﴿فَمَن عَفا وأصْلَحَ فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ﴾ [الشورى: ٤٠] ﴿وأنْ تَعْفُوا أقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾ [البقرة: ٢٣٧]، ﴿ولَمَن صَبَرَ وغَفَرَ إنَّ ذَلِكَ لَمِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ [الشورى: ٤٣] فَلَمّا لَمْ يَأْتِ بِهَذا المَندُوبِ فَهو نَوْعُ إساءَةٍ، فَكَأنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ: إنِّي قَدْ عَفَوْتُ عَنْ هَذِهِ الإساءَةِ وغَفَرْتُها، فَإنِّي أنا الَّذِي أذِنْتُ لَكَ فِيهِ. وثانِيها: أنَّهُ سُبْحانَهُ وإنْ ضَمِنَ لَهُ النَّصْرَ عَلى الباغِي، لَكِنَّهُ عَرَّضَ مَعَ ذَلِكَ بِما كانَ أوْلى بِهِ مِنَ العَفْوِ والمَغْفِرَةِ فَلَوَّحَ بِذِكْرِ هاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ. وثالِثُها: أنَّهُ سُبْحانَهُ دَلَّ بِذِكْرِ العَفْوِ والمَغْفِرَةِ عَلى أنَّهُ قادِرٌ عَلى العُقُوبَةِ،؛ لِأنَّهُ لا يُوصَفُ بِالعَفْوِ إلّا القادِرُ عَلى ضِدِّهِ.
السُّؤالُ السّادِسُ: أيُّ تَعَلُّقٍ لِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ ويُولِجُ النَّهارَ في اللَّيْلِ﴾ بِما قَبْلَهُ ؟ والجَوابُ: مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: ذَلِكَ أيْ ذَلِكَ النَّصْرُ بِسَبَبِ أنَّهُ قادِرٌ ومِن آياتِ قُدْرَتِهِ البالِغَةِ كَوْنُهُ خالِقًا لِلَّيْلِ والنَّهارِ ومُتَصَرِّفًا فِيهِما، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ قادِرًا عالِمًا بِما يَجْرِي فِيهِما، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ قادِرًا عَلى النَّصْرِ مُصِيبًا فِيهِ.
وثانِيها: المُرادُ أنَّهُ سُبْحانَهُ مَعَ ذَلِكَ النَّصْرِ يَنْعَمُ في الدُّنْيا بِما يَفْعَلُهُ مِن تَعاقُبِ اللَّيْلِ والنَّهارِ ووُلُوجِ أحَدِهِما في الآخَرِ.
السُّؤالُ السّابِعُ: ما مَعْنى إيلاجِ اللَّيْلِ في النَّهارِ وإيلاجِ النَّهارِ في اللَّيْلِ ؟ الجَوابُ: فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: يَحْصُلُ ظُلْمَةُ هَذا في مَكانِ ضِياءِ ذَلِكَ بِغَيْبُوبَةِ الشَّمْسِ، وضِياءُ ذَلِكَ في مَكانِ ظُلْمَةِ هَذا بِطُلُوعِها، كَما يُضِيءُ البَيْتُ بِالسِّراجِ ويُظْلِمُ بِفَقْدِهِ.
وثانِيهِما: أنَّهُ سُبْحانَهُ يَزِيدُ في أحَدِهِما ما يَنْقُصُ مِنَ الآخَرِ مِنَ السّاعاتِ.
السُّؤالُ الثّامِنُ: أيُّ تَعَلُّقٍ لِقَوْلِهِ: ﴿وأنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ بِما تَقَدَّمَ ؟ الجَوابُ: المُرادُ أنَّهُ كَما يَقْدِرُ عَلى ما لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، فَكَذَلِكَ يُدْرِكُ المَسْمُوعَ والمُبْصَرَ، ولا يَجُوزُ المَنعُ عَلَيْهِ، ويَكُونُ ذَلِكَ كالتَّحْذِيرِ مِنَ الإقْدامِ عَلى ما لا يَجُوزُ في المَسْمُوعِ والمُبْصَرِ.
السُّؤالُ التّاسِعُ: ما مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ﴾ وأيُّ تَعَلُّقٍ لَهُ بِما تَقَدَّمَ ؟ الجَوابُ: فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: المُرادُ أنَّ ذَلِكَ الوَصْفَ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ القُدْرَةِ عَلى هَذِهِ الأُمُورِ إنَّما حَصَلَ لِأجْلِ أنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ، أيْ هو المَوْجُودُ الواجِبُ لِذاتِهِ الَّذِي يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ التَّغَيُّرُ والزَّوالُ فَلا جَرَمَ أتى بِالوَعْدِ والوَعِيدِ.
ثانِيهِما: أنَّ ما يُفْعَلُ مِن عِبادَتِهِ هو الحَقُّ وما يُفْعَلُ مِن عِبادَةِ غَيْرِهِ فَهو الباطِلُ كَما قالَ: ﴿لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ﴾ [غافر: ٤٣] .
السُّؤالُ العاشِرُ: أيُّ تَعَلُّقٍ لِقَوْلِهِ: ﴿وأنَّ اللَّهَ هو العَلِيُّ الكَبِيرُ﴾ بِما تَقَدَّمَ ؟ والجَوابُ: مَعْنى العَلِيِّ القاهِرُ المُقْتَدِرُ الَّذِي لا يُغْلَبُ، فَنَبَّهَ بِذَلِكَ عَلى أنَّهُ القادِرُ عَلى الضُّرِّ والنَّفْعِ دُونَ سائِرِ مَن يُعْبَدُ مُرَغِّبًا بِذَلِكَ في عِبادَتِهِ زاجِرًا عَنْ عِبادَةِ غَيْرِهِ، فَأمّا الكَبِيرُ فَهو العَظِيمُ في قُدْرَتِهِ وسُلْطانِهِ، وذَلِكَ أيْضًا يُفِيدُ كَمالَ القُدْرَةِ.
صفحة ٥٤
المسألة الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ﴾ إخْبارٌ عَنِ الغَيْبِ فَإنَّهُ وجَدَ مُخْبِرَهُ كَما أُخْبِرَ فَكانَ مِنَ المُعْجِزاتِ.
المسألة الرّابِعَةُ: قالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: مَن حَرَقَ حَرَقْناهُ، ومَن غَرَّقَ غَرَّقْناهُ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: بَلْ يُقْتَلُ بِالسَّيْفِ. واحْتَجَّ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى جَوَّزَ لِلْمَظْلُومِ أنْ يُعاقِبَ بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ ووَعَدَهُ النَّصْرَ عَلَيْهِ.
المسألة الخامِسَةُ: قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ ”تَدْعُونَ“ بِالتّاءِ هاهُنا، وفي ”لُقْمانَ“ وفي ”المُؤْمِنُونَ“ وفي ”العَنْكَبُوتِ“ . وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو كُلَّها بِالياءِ عَلى الخَبَرِ، والعَرَبُ قَدْ تَنْصَرِفُ مِنَ الخِطابِ إلى الإخْبارِ ومِنَ الإخْبارِ إلى الخِطابِ.
الحج 22:64
أمّا قَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ ومَن عاقَبَ بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ إنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ﴾ قَدْ مَضى الكَلامُ فِيهِ في هَذِهِ الآيَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ. وقالَ الزَّجّاجُ: أيِ الأمْرُ ما قَصَصْنا عَلَيْكَ مِن إنْجازِ الوَعْدِ لِلْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ قُتِلُوا أوْ ماتُوا.
المسألة الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ ومَن عاقَبَ بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ﴾ مَعْناهُ: قاتَلَ مَن كانَ يُقاتِلُهُ، ثُمَّ كانَ المُقاتِلُ مَبْغِيًّا عَلَيْهِ بِأنِ اضْطُرَّ إلى الهِجْرَةِ ومُفارَقَةِ الوَطَنِ وابْتُدِئَ بِالقِتالِ، قالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ في قَوْمٍ مِنَ المُشْرِكِينَ لَقُوا قَوْمًا مِنَ المُسْلِمِينَ لِلَيْلَتَيْنِ بَقِيَتا مِنَ المُحَرَّمِ، فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: إنَّ أصْحابَ مُحَمَّدٍ يَكْرَهُونَ القِتالَ في الشَّهْرِ الحَرامِ فاحْمِلُوا عَلَيْهِمْ، فَناشَدَهُمُ المُسْلِمُونَ أنْ يَكُفُّوا عَنْ قِتالِهِمْ لِحُرْمَةِ الشَّهْرِ، فَأبَوْا وقاتَلُوهم. فَذَلِكَ بَغْيُهم عَلَيْهِمْ، وثَبَتَ المُسْلِمُونَ لَهم فَنُصِرُوا عَلَيْهِمْ. فَوَقَعَ في أنْفُسِ المُسْلِمِينَ مِنَ القِتالِ في الشَّهْرِ الحَرامِ ما وقَعَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ وعَفا عَنْهم وغَفَرَ لَهم وهاهُنا سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: أيُّ تَعَلُّقٍ لِهَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها ؟ الجَوابُ: كَأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى قالَ: مَعَ إكْرامِي لَهم في الآخِرَةِ بِهَذا الوَعْدِ لا أدَعُ نُصْرَتَهم في الدُّنْيا عَلى مَن بَغى عَلَيْهِمْ.
السُّؤالُ الثّانِي: هَلْ يَرْجِعُ ذَلِكَ إلى المُهاجِرِينَ خاصَّةً أوْ إلَيْهِمْ وإلى المُؤْمِنِينَ ؟ الجَوابُ: الأقْرَبُ أنَّهُ يَعُودُ إلى الفَرِيقَيْنِ فَإنَّهُ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُما، وبَيَّنَ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ﴾ وبَعْدَ القَتْلِ والمَوْتِ لا يُمْكِنُ ذَلِكَ في الدُّنْيا.
السُّؤالُ الثّالِثُ: ما المُرادُ بِالعُقُوبَةِ المَذْكُورَةِ ؟ الجَوابُ: فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: المُرادُ ما فَعَلَهُ مُشْرِكُو مَكَّةَ مَعَ المُهاجِرِينَ بِمَكَّةَ مِن طَلَبِ آثارِهِمْ ورَدِّ بَعْضِهِمْ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ مَن عاقَبَ هَؤُلاءِ الكُفّارَ بِمِثْلِ ما فَعَلُوا فَسَيَنْصُرُهُ عَلَيْهِمْ، وهَذِهِ النُّصْرَةُ المَذْكُورَةُ تُقَوِّي تَأْوِيلَ مَن تَأوَّلَهُ عَلى مُجاهَدَةِ الكُفّارِ لا عَلى القِصاصِ؛ لِأنَّ ظاهِرَ النَّصِّ لا يَلِيقُ إلّا بِذَلِكَ.
والجَوابُ الثّانِي: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ في القِصاصِ والجِراحاتِ، وهي آيَةٌ مَدَنِيَّةٌ عَنِ الضَّحّاكِ.
صفحة ٥٣
السُّؤالُ الرّابِعُ: لِمَ سَمّى ابْتِداءَ فِعْلِهِمْ بِالعُقُوبَةِ ؟ الجَوابُ: أطْلَقَ اسْمَ العُقُوبَةِ عَلى الأوَّلِ لِلتَّعَلُّقِ الَّذِي بَيْنَهُ وبَيْنَ الثّانِي كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشورى: ٤٠] ﴿يُخادِعُونَ اللَّهَ وهو خادِعُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٢] .
السُّؤالُ الخامِسُ: أيُّ تَعَلُّقٍ لِقَوْلِهِ: ﴿وإنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ بِما تَقَدَّمَ ؟ الجَوابُ فِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّ اللَّهَ تَعالى نَدَبَ المُعاقِبَ إلى العَفْوِ عَنِ الجانِي بِقَوْلِهِ: ﴿فَمَن عَفا وأصْلَحَ فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ﴾ [الشورى: ٤٠] ﴿وأنْ تَعْفُوا أقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾ [البقرة: ٢٣٧]، ﴿ولَمَن صَبَرَ وغَفَرَ إنَّ ذَلِكَ لَمِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ [الشورى: ٤٣] فَلَمّا لَمْ يَأْتِ بِهَذا المَندُوبِ فَهو نَوْعُ إساءَةٍ، فَكَأنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ: إنِّي قَدْ عَفَوْتُ عَنْ هَذِهِ الإساءَةِ وغَفَرْتُها، فَإنِّي أنا الَّذِي أذِنْتُ لَكَ فِيهِ. وثانِيها: أنَّهُ سُبْحانَهُ وإنْ ضَمِنَ لَهُ النَّصْرَ عَلى الباغِي، لَكِنَّهُ عَرَّضَ مَعَ ذَلِكَ بِما كانَ أوْلى بِهِ مِنَ العَفْوِ والمَغْفِرَةِ فَلَوَّحَ بِذِكْرِ هاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ. وثالِثُها: أنَّهُ سُبْحانَهُ دَلَّ بِذِكْرِ العَفْوِ والمَغْفِرَةِ عَلى أنَّهُ قادِرٌ عَلى العُقُوبَةِ،؛ لِأنَّهُ لا يُوصَفُ بِالعَفْوِ إلّا القادِرُ عَلى ضِدِّهِ.
السُّؤالُ السّادِسُ: أيُّ تَعَلُّقٍ لِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ ويُولِجُ النَّهارَ في اللَّيْلِ﴾ بِما قَبْلَهُ ؟ والجَوابُ: مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: ذَلِكَ أيْ ذَلِكَ النَّصْرُ بِسَبَبِ أنَّهُ قادِرٌ ومِن آياتِ قُدْرَتِهِ البالِغَةِ كَوْنُهُ خالِقًا لِلَّيْلِ والنَّهارِ ومُتَصَرِّفًا فِيهِما، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ قادِرًا عالِمًا بِما يَجْرِي فِيهِما، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ قادِرًا عَلى النَّصْرِ مُصِيبًا فِيهِ.
وثانِيها: المُرادُ أنَّهُ سُبْحانَهُ مَعَ ذَلِكَ النَّصْرِ يَنْعَمُ في الدُّنْيا بِما يَفْعَلُهُ مِن تَعاقُبِ اللَّيْلِ والنَّهارِ ووُلُوجِ أحَدِهِما في الآخَرِ.
السُّؤالُ السّابِعُ: ما مَعْنى إيلاجِ اللَّيْلِ في النَّهارِ وإيلاجِ النَّهارِ في اللَّيْلِ ؟ الجَوابُ: فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: يَحْصُلُ ظُلْمَةُ هَذا في مَكانِ ضِياءِ ذَلِكَ بِغَيْبُوبَةِ الشَّمْسِ، وضِياءُ ذَلِكَ في مَكانِ ظُلْمَةِ هَذا بِطُلُوعِها، كَما يُضِيءُ البَيْتُ بِالسِّراجِ ويُظْلِمُ بِفَقْدِهِ.
وثانِيهِما: أنَّهُ سُبْحانَهُ يَزِيدُ في أحَدِهِما ما يَنْقُصُ مِنَ الآخَرِ مِنَ السّاعاتِ.
السُّؤالُ الثّامِنُ: أيُّ تَعَلُّقٍ لِقَوْلِهِ: ﴿وأنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ بِما تَقَدَّمَ ؟ الجَوابُ: المُرادُ أنَّهُ كَما يَقْدِرُ عَلى ما لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، فَكَذَلِكَ يُدْرِكُ المَسْمُوعَ والمُبْصَرَ، ولا يَجُوزُ المَنعُ عَلَيْهِ، ويَكُونُ ذَلِكَ كالتَّحْذِيرِ مِنَ الإقْدامِ عَلى ما لا يَجُوزُ في المَسْمُوعِ والمُبْصَرِ.
السُّؤالُ التّاسِعُ: ما مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ﴾ وأيُّ تَعَلُّقٍ لَهُ بِما تَقَدَّمَ ؟ الجَوابُ: فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: المُرادُ أنَّ ذَلِكَ الوَصْفَ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ القُدْرَةِ عَلى هَذِهِ الأُمُورِ إنَّما حَصَلَ لِأجْلِ أنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ، أيْ هو المَوْجُودُ الواجِبُ لِذاتِهِ الَّذِي يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ التَّغَيُّرُ والزَّوالُ فَلا جَرَمَ أتى بِالوَعْدِ والوَعِيدِ.
ثانِيهِما: أنَّ ما يُفْعَلُ مِن عِبادَتِهِ هو الحَقُّ وما يُفْعَلُ مِن عِبادَةِ غَيْرِهِ فَهو الباطِلُ كَما قالَ: ﴿لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ﴾ [غافر: ٤٣] .
السُّؤالُ العاشِرُ: أيُّ تَعَلُّقٍ لِقَوْلِهِ: ﴿وأنَّ اللَّهَ هو العَلِيُّ الكَبِيرُ﴾ بِما تَقَدَّمَ ؟ والجَوابُ: مَعْنى العَلِيِّ القاهِرُ المُقْتَدِرُ الَّذِي لا يُغْلَبُ، فَنَبَّهَ بِذَلِكَ عَلى أنَّهُ القادِرُ عَلى الضُّرِّ والنَّفْعِ دُونَ سائِرِ مَن يُعْبَدُ مُرَغِّبًا بِذَلِكَ في عِبادَتِهِ زاجِرًا عَنْ عِبادَةِ غَيْرِهِ، فَأمّا الكَبِيرُ فَهو العَظِيمُ في قُدْرَتِهِ وسُلْطانِهِ، وذَلِكَ أيْضًا يُفِيدُ كَمالَ القُدْرَةِ.
صفحة ٥٤
المسألة الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ﴾ إخْبارٌ عَنِ الغَيْبِ فَإنَّهُ وجَدَ مُخْبِرَهُ كَما أُخْبِرَ فَكانَ مِنَ المُعْجِزاتِ.
المسألة الرّابِعَةُ: قالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: مَن حَرَقَ حَرَقْناهُ، ومَن غَرَّقَ غَرَّقْناهُ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: بَلْ يُقْتَلُ بِالسَّيْفِ. واحْتَجَّ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى جَوَّزَ لِلْمَظْلُومِ أنْ يُعاقِبَ بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ ووَعَدَهُ النَّصْرَ عَلَيْهِ.
المسألة الخامِسَةُ: قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ ”تَدْعُونَ“ بِالتّاءِ هاهُنا، وفي ”لُقْمانَ“ وفي ”المُؤْمِنُونَ“ وفي ”العَنْكَبُوتِ“ . وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو كُلَّها بِالياءِ عَلى الخَبَرِ، والعَرَبُ قَدْ تَنْصَرِفُ مِنَ الخِطابِ إلى الإخْبارِ ومِنَ الإخْبارِ إلى الخِطابِ.
الحج 22:65
أمّا قَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ ومَن عاقَبَ بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ إنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ﴾ قَدْ مَضى الكَلامُ فِيهِ في هَذِهِ الآيَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ. وقالَ الزَّجّاجُ: أيِ الأمْرُ ما قَصَصْنا عَلَيْكَ مِن إنْجازِ الوَعْدِ لِلْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ قُتِلُوا أوْ ماتُوا.
المسألة الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ ومَن عاقَبَ بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ﴾ مَعْناهُ: قاتَلَ مَن كانَ يُقاتِلُهُ، ثُمَّ كانَ المُقاتِلُ مَبْغِيًّا عَلَيْهِ بِأنِ اضْطُرَّ إلى الهِجْرَةِ ومُفارَقَةِ الوَطَنِ وابْتُدِئَ بِالقِتالِ، قالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ في قَوْمٍ مِنَ المُشْرِكِينَ لَقُوا قَوْمًا مِنَ المُسْلِمِينَ لِلَيْلَتَيْنِ بَقِيَتا مِنَ المُحَرَّمِ، فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: إنَّ أصْحابَ مُحَمَّدٍ يَكْرَهُونَ القِتالَ في الشَّهْرِ الحَرامِ فاحْمِلُوا عَلَيْهِمْ، فَناشَدَهُمُ المُسْلِمُونَ أنْ يَكُفُّوا عَنْ قِتالِهِمْ لِحُرْمَةِ الشَّهْرِ، فَأبَوْا وقاتَلُوهم. فَذَلِكَ بَغْيُهم عَلَيْهِمْ، وثَبَتَ المُسْلِمُونَ لَهم فَنُصِرُوا عَلَيْهِمْ. فَوَقَعَ في أنْفُسِ المُسْلِمِينَ مِنَ القِتالِ في الشَّهْرِ الحَرامِ ما وقَعَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ وعَفا عَنْهم وغَفَرَ لَهم وهاهُنا سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: أيُّ تَعَلُّقٍ لِهَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها ؟ الجَوابُ: كَأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى قالَ: مَعَ إكْرامِي لَهم في الآخِرَةِ بِهَذا الوَعْدِ لا أدَعُ نُصْرَتَهم في الدُّنْيا عَلى مَن بَغى عَلَيْهِمْ.
السُّؤالُ الثّانِي: هَلْ يَرْجِعُ ذَلِكَ إلى المُهاجِرِينَ خاصَّةً أوْ إلَيْهِمْ وإلى المُؤْمِنِينَ ؟ الجَوابُ: الأقْرَبُ أنَّهُ يَعُودُ إلى الفَرِيقَيْنِ فَإنَّهُ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُما، وبَيَّنَ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ﴾ وبَعْدَ القَتْلِ والمَوْتِ لا يُمْكِنُ ذَلِكَ في الدُّنْيا.
السُّؤالُ الثّالِثُ: ما المُرادُ بِالعُقُوبَةِ المَذْكُورَةِ ؟ الجَوابُ: فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: المُرادُ ما فَعَلَهُ مُشْرِكُو مَكَّةَ مَعَ المُهاجِرِينَ بِمَكَّةَ مِن طَلَبِ آثارِهِمْ ورَدِّ بَعْضِهِمْ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ مَن عاقَبَ هَؤُلاءِ الكُفّارَ بِمِثْلِ ما فَعَلُوا فَسَيَنْصُرُهُ عَلَيْهِمْ، وهَذِهِ النُّصْرَةُ المَذْكُورَةُ تُقَوِّي تَأْوِيلَ مَن تَأوَّلَهُ عَلى مُجاهَدَةِ الكُفّارِ لا عَلى القِصاصِ؛ لِأنَّ ظاهِرَ النَّصِّ لا يَلِيقُ إلّا بِذَلِكَ.
والجَوابُ الثّانِي: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ في القِصاصِ والجِراحاتِ، وهي آيَةٌ مَدَنِيَّةٌ عَنِ الضَّحّاكِ.
صفحة ٥٣
السُّؤالُ الرّابِعُ: لِمَ سَمّى ابْتِداءَ فِعْلِهِمْ بِالعُقُوبَةِ ؟ الجَوابُ: أطْلَقَ اسْمَ العُقُوبَةِ عَلى الأوَّلِ لِلتَّعَلُّقِ الَّذِي بَيْنَهُ وبَيْنَ الثّانِي كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشورى: ٤٠] ﴿يُخادِعُونَ اللَّهَ وهو خادِعُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٢] .
السُّؤالُ الخامِسُ: أيُّ تَعَلُّقٍ لِقَوْلِهِ: ﴿وإنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ بِما تَقَدَّمَ ؟ الجَوابُ فِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّ اللَّهَ تَعالى نَدَبَ المُعاقِبَ إلى العَفْوِ عَنِ الجانِي بِقَوْلِهِ: ﴿فَمَن عَفا وأصْلَحَ فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ﴾ [الشورى: ٤٠] ﴿وأنْ تَعْفُوا أقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾ [البقرة: ٢٣٧]، ﴿ولَمَن صَبَرَ وغَفَرَ إنَّ ذَلِكَ لَمِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ [الشورى: ٤٣] فَلَمّا لَمْ يَأْتِ بِهَذا المَندُوبِ فَهو نَوْعُ إساءَةٍ، فَكَأنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ: إنِّي قَدْ عَفَوْتُ عَنْ هَذِهِ الإساءَةِ وغَفَرْتُها، فَإنِّي أنا الَّذِي أذِنْتُ لَكَ فِيهِ. وثانِيها: أنَّهُ سُبْحانَهُ وإنْ ضَمِنَ لَهُ النَّصْرَ عَلى الباغِي، لَكِنَّهُ عَرَّضَ مَعَ ذَلِكَ بِما كانَ أوْلى بِهِ مِنَ العَفْوِ والمَغْفِرَةِ فَلَوَّحَ بِذِكْرِ هاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ. وثالِثُها: أنَّهُ سُبْحانَهُ دَلَّ بِذِكْرِ العَفْوِ والمَغْفِرَةِ عَلى أنَّهُ قادِرٌ عَلى العُقُوبَةِ،؛ لِأنَّهُ لا يُوصَفُ بِالعَفْوِ إلّا القادِرُ عَلى ضِدِّهِ.
السُّؤالُ السّادِسُ: أيُّ تَعَلُّقٍ لِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ ويُولِجُ النَّهارَ في اللَّيْلِ﴾ بِما قَبْلَهُ ؟ والجَوابُ: مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: ذَلِكَ أيْ ذَلِكَ النَّصْرُ بِسَبَبِ أنَّهُ قادِرٌ ومِن آياتِ قُدْرَتِهِ البالِغَةِ كَوْنُهُ خالِقًا لِلَّيْلِ والنَّهارِ ومُتَصَرِّفًا فِيهِما، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ قادِرًا عالِمًا بِما يَجْرِي فِيهِما، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ قادِرًا عَلى النَّصْرِ مُصِيبًا فِيهِ.
وثانِيها: المُرادُ أنَّهُ سُبْحانَهُ مَعَ ذَلِكَ النَّصْرِ يَنْعَمُ في الدُّنْيا بِما يَفْعَلُهُ مِن تَعاقُبِ اللَّيْلِ والنَّهارِ ووُلُوجِ أحَدِهِما في الآخَرِ.
السُّؤالُ السّابِعُ: ما مَعْنى إيلاجِ اللَّيْلِ في النَّهارِ وإيلاجِ النَّهارِ في اللَّيْلِ ؟ الجَوابُ: فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: يَحْصُلُ ظُلْمَةُ هَذا في مَكانِ ضِياءِ ذَلِكَ بِغَيْبُوبَةِ الشَّمْسِ، وضِياءُ ذَلِكَ في مَكانِ ظُلْمَةِ هَذا بِطُلُوعِها، كَما يُضِيءُ البَيْتُ بِالسِّراجِ ويُظْلِمُ بِفَقْدِهِ.
وثانِيهِما: أنَّهُ سُبْحانَهُ يَزِيدُ في أحَدِهِما ما يَنْقُصُ مِنَ الآخَرِ مِنَ السّاعاتِ.
السُّؤالُ الثّامِنُ: أيُّ تَعَلُّقٍ لِقَوْلِهِ: ﴿وأنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ بِما تَقَدَّمَ ؟ الجَوابُ: المُرادُ أنَّهُ كَما يَقْدِرُ عَلى ما لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، فَكَذَلِكَ يُدْرِكُ المَسْمُوعَ والمُبْصَرَ، ولا يَجُوزُ المَنعُ عَلَيْهِ، ويَكُونُ ذَلِكَ كالتَّحْذِيرِ مِنَ الإقْدامِ عَلى ما لا يَجُوزُ في المَسْمُوعِ والمُبْصَرِ.
السُّؤالُ التّاسِعُ: ما مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ﴾ وأيُّ تَعَلُّقٍ لَهُ بِما تَقَدَّمَ ؟ الجَوابُ: فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: المُرادُ أنَّ ذَلِكَ الوَصْفَ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ القُدْرَةِ عَلى هَذِهِ الأُمُورِ إنَّما حَصَلَ لِأجْلِ أنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ، أيْ هو المَوْجُودُ الواجِبُ لِذاتِهِ الَّذِي يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ التَّغَيُّرُ والزَّوالُ فَلا جَرَمَ أتى بِالوَعْدِ والوَعِيدِ.
ثانِيهِما: أنَّ ما يُفْعَلُ مِن عِبادَتِهِ هو الحَقُّ وما يُفْعَلُ مِن عِبادَةِ غَيْرِهِ فَهو الباطِلُ كَما قالَ: ﴿لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ﴾ [غافر: ٤٣] .
السُّؤالُ العاشِرُ: أيُّ تَعَلُّقٍ لِقَوْلِهِ: ﴿وأنَّ اللَّهَ هو العَلِيُّ الكَبِيرُ﴾ بِما تَقَدَّمَ ؟ والجَوابُ: مَعْنى العَلِيِّ القاهِرُ المُقْتَدِرُ الَّذِي لا يُغْلَبُ، فَنَبَّهَ بِذَلِكَ عَلى أنَّهُ القادِرُ عَلى الضُّرِّ والنَّفْعِ دُونَ سائِرِ مَن يُعْبَدُ مُرَغِّبًا بِذَلِكَ في عِبادَتِهِ زاجِرًا عَنْ عِبادَةِ غَيْرِهِ، فَأمّا الكَبِيرُ فَهو العَظِيمُ في قُدْرَتِهِ وسُلْطانِهِ، وذَلِكَ أيْضًا يُفِيدُ كَمالَ القُدْرَةِ.
صفحة ٥٤
المسألة الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ﴾ إخْبارٌ عَنِ الغَيْبِ فَإنَّهُ وجَدَ مُخْبِرَهُ كَما أُخْبِرَ فَكانَ مِنَ المُعْجِزاتِ.
المسألة الرّابِعَةُ: قالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: مَن حَرَقَ حَرَقْناهُ، ومَن غَرَّقَ غَرَّقْناهُ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: بَلْ يُقْتَلُ بِالسَّيْفِ. واحْتَجَّ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى جَوَّزَ لِلْمَظْلُومِ أنْ يُعاقِبَ بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ ووَعَدَهُ النَّصْرَ عَلَيْهِ.
المسألة الخامِسَةُ: قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ ”تَدْعُونَ“ بِالتّاءِ هاهُنا، وفي ”لُقْمانَ“ وفي ”المُؤْمِنُونَ“ وفي ”العَنْكَبُوتِ“ . وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو كُلَّها بِالياءِ عَلى الخَبَرِ، والعَرَبُ قَدْ تَنْصَرِفُ مِنَ الخِطابِ إلى الإخْبارِ ومِنَ الإخْبارِ إلى الخِطابِ.
الحج 22:66
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَتُصْبِحُ الأرْضُ مُخْضَرَّةً إنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وإنَّ اللَّهَ لَهو الغَنِيُّ الحَمِيدُ﴾ ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكم ما في الأرْضِ والفُلْكَ تَجْرِي في البَحْرِ بِأمْرِهِ ويُمْسِكُ السَّماءَ أنْ تَقَعَ عَلى الأرْضِ إلّا بِإذْنِهِ إنَّ اللَّهَ بِالنّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿وهُوَ الَّذِي أحْياكم ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يُحْيِيكم إنَّ الإنْسانَ لَكَفُورٌ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا دَلَّ عَلى قُدْرَتِهِ مِن قَبْلُ بِما ذَكَرَهُ مِن وُلُوجِ اللَّيْلِ في النَّهارِ ونَبَّهَ بِهِ عَلى نِعَمِهِ، أتْبَعَهُ بِأنْواعٍ أُخَرَ مِنَ الدَّلائِلِ عَلى قُدْرَتِهِ ونِعْمَتِهِ وهي سِتَّةٌ:
أوَّلُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَتُصْبِحُ الأرْضُ مُخْضَرَّةً إنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: ذَكَرُوا في قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ تَرَ﴾ وُجُوهًا ثَلاثَةً:
أحَدُها: أنَّ المُرادَ هو الرُّؤْيَةُ الحَقِيقِيَّةُ، قالُوا: لِأنَّ الماءَ النّازِلَ مِنَ السَّماءِ يُرى بِالعَيْنِ واخْضِرارُ النَّباتِ عَلى الأرْضِ مَرْئِيٌّ، وإذا أُمْكِنَ حَمْلُ الكَلامِ عَلى حَقِيقَتِهِ فَهو أوْلى. وثانِيها: أنَّ المُرادَ ألَمْ تُخْبَرْ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِفْهامِ. وثالِثُها: المُرادُ ألَمْ تَعْلَمْ، والقَوْلُ الأوَّلُ ضَعِيفٌ لِأنَّ الماءَ وإنْ كانَ مَرْئِيًّا إلّا أنَّ كَوْنَ اللَّهِ مُنْزِلًا لَهُ مِنَ السَّماءِ غَيْرُ مَرْئِيٍّ، إذا ثَبَتَ هَذا وجَبَ حَمْلُهُ عَلى العِلْمِ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ مِن تِلْكَ الرُّؤْيَةِ هو العِلْمُ؛ لِأنَّ الرُّؤْيَةَ إذا لَمْ يَقْتَرِنْ بِها العِلْمُ كانَتْ كَأنَّها لَمْ تَحْصُلْ.
المسألة الثّانِيَةُ: قُرِئَ ”مَخْضَرَةً“ كَمَبْقَلَةٍ ومَسْبَعَةٍ أيْ ذاتَ خُضْرَةٍ، وهاهُنا سُؤالاتٌ:
صفحة ٥٥
السُّؤالُ الأوَّلُ: لِمَ قالَ: ﴿فَتُصْبِحُ﴾ الأرْضُ ولَمْ يَقُلْ: فَأصْبَحَتْ ؟ الجَوابُ: لِنُكْتَةٍ فِيهِ وهي إفادَةُ بَقاءِ أثَرِ المَطَرِ زَمانًا بَعْدَ زَمانٍ، كَما تَقُولُ: أنْعَمَ عَلَيَّ فُلانٌ عامَ كَذا فَأرُوحُ وأغْدُو شاكِرًا لَهُ، ولَوْ قُلْتَ: فَرِحْتُ وغَدَوْتُ لَمْ يَقَعْ ذَلِكَ المَوْقِعَ.
السُّؤالُ الثّانِي: لِمَ رُفِعَ ولَمْ يُنْصَبْ جَوابًا لِلِاسْتِفْهامِ ؟ والجَوابُ: لَوْ نُصِبَ لَأعْطى عَكْسَ ما هو الغَرَضُ؛ لِأنَّ مَعْناهُ إثْباتُ الِاخْضِرارِ فَيَنْقَلِبُ بِالنَّصْبِ إلى نَفْيِ الِاخْضِرارِ، مِثالُهُ أنْ تَقُولَ لِصاحِبِكَ: ألَمْ تَرَ أنِّي أنْعَمْتُ عَلَيْكَ فَتَشْكُرُ ؟ وإنْ نَصَبْتَهُ فَأنْتَ نافٍ لِشُكْرِهِ شاكٍ لِتَفْرِيطِهِ، وإنْ رَفَعْتَهُ فَأنْتَ مُثْبِتٌ لِلشُّكْرِ.
السُّؤالُ الثّالِثُ: لِمَ أوْرَدَ تَعالى ذَلِكَ دَلالَةً عَلى قُدْرَتِهِ عَلى الإعادَةِ ؟ كَما قالَ أبُو مُسْلِمٍ. الجَوابُ: يُحْتَمَلُ ذَلِكَ ويُحْتَمَلُ أنَّهُ نَبَّهَ بِهِ عَلى عَظِيمِ قُدْرَتِهِ وواسِعِ نِعَمِهِ.
السُّؤالُ الرّابِعُ: ما تَعَلُّقُ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ بِما تَقَدَّمَ ؟ الجَوابُ: مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أرادَ أنَّهُ رَحِيمٌ بِعِبادِهِ ولِرَحْمَتِهِ فَعَلَ ذَلِكَ حَتّى عَظُمَ انْتِفاعُهم بِهِ؛ لِأنَّ الأرْضَ إذا أصْبَحَتْ مُخْضَرَّةً والسَّماءَ إذا أمْطَرَتْ كانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِعَيْشِ الحَيَواناتِ عَلى اخْتِلافِها أجْمَعَ. ومَعْنى ﴿خَبِيرٌ﴾ أنَّهُ عالِمٌ بِمَقادِيرِ مَصالِحِهِمْ فَيَفْعَلُ عَلى قَدْرِ ذَلِكَ مِن دُونِ زِيادَةٍ ونُقْصانٍ. وثانِيها: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ﴿لَطِيفٌ﴾ بِأرْزاقِ عِبادِهِ ﴿خَبِيرٌ﴾ بِما في قُلُوبِهِمْ مِنَ القُنُوطِ. وثالِثُها: قالَ الكَلْبِيُّ: ﴿لَطِيفٌ﴾ في أفْعالِهِ ﴿خَبِيرٌ﴾ بِأعْمالِ خَلْقِهِ. ورابِعُها: قالَ مُقاتِلٌ: ﴿لَطِيفٌ﴾ بِاسْتِخْراجِ النَّبْتِ ﴿خَبِيرٌ﴾ بِكَيْفِيَّةِ خَلْقِهِ.
الدَّلالَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وإنَّ اللَّهَ لَهو الغَنِيُّ الحَمِيدُ﴾ والمَعْنى أنَّ كُلَّ ذَلِكَ مُنْقادٌ لَهُ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ مِنَ التَّصَرُّفِ فِيهِ، وهو غَنِيٌّ عَنِ الأشْياءِ كُلِّها وعَنْ حَمْدِ الحامِدِينَ أيْضًا؛ لِأنَّهُ كامِلٌ لِذاتِهِ، والكامِلُ لِذاتِهِ غَنِيٌّ عَنْ كُلِّ ما عَداهُ في كُلِّ الأُمُورِ، ولَكِنَّهُ لَمّا خَلَقَ الحَيَوانَ فَلا بُدَّ في الحِكْمَةِ مِن قَطْرٍ ونَباتٍ فَخَلَقَ هَذِهِ الأشْياءَ رَحْمَةً لِلْحَيَواناتِ وإنْعامًا عَلَيْهِمْ لا لِحاجَةٍ بِهِ إلى ذَلِكَ. وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ إنْعامُهُ خالِيًا عَنْ غَرَضٍ عائِدٍ إلَيْهِ فَكانَ مُسْتَحِقًّا لِلْحَمْدِ. فَكَأنَّهُ قالَ: إنَّهُ لِكَوْنِهِ غَنِيًّا لَمْ يَفْعَلْ ما فَعَلَهُ إلّا لِلْإحْسانِ، ومَن كانَ كَذَلِكَ كانَ مُسْتَحِقًّا لِلْحَمْدِ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ حَمِيدًا. فَلِهَذا قالَ: ﴿وإنَّ اللَّهَ لَهو الغَنِيُّ الحَمِيدُ﴾ .
الدَّلالَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكم ما في الأرْضِ﴾ أيْ ذَلَّلَ لَكم ما فِيها فَلا أصْلَبَ مِنَ الحَجَرِ ولا أحَدَّ مِنَ الحَدِيدِ ولا أكْثَرَ هَيْبَةً مِنَ النّارِ، وقَدْ سَخَّرَها لَكم وسَخَّرَ الحَيَواناتِ أيْضًا حَتّى يُنْتَفَعَ بِها مِن حَيْثُ الأكْلِ والرُّكُوبِ والحَمْلِ عَلَيْها والِانْتِفاعِ بِالنَّظَرِ إلَيْها، فَلَوْلا أنْ سَخَّرَ اللَّهُ تَعالى الإبِلَ والبَقَرَ مَعَ قُوَّتِهِما حَتّى يُذَلِّلَهُما الضَّعِيفُ مِنَ النّاسِ ويَتَمَكَّنَ مِنهُما لَما كانَ ذَلِكَ نِعْمَةً.
الدَّلالَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والفُلْكَ تَجْرِي في البَحْرِ بِأمْرِهِ﴾ والأقْرَبُ أنَّ المُرادَ: وسَخَّرَ لَكُمُ الفُلْكَ لِتَجْرِيَ في البَحْرِ، وكَيْفِيَّةُ تَسْخِيرِهِ الفُلْكَ هو مِن حَيْثُ سَخَّرَ الماءَ والرِّياحَ لِجَرْيِها، فَلَوْلا صِفَتُهُما عَلى ما هُما عَلَيْهِ لَما جَرَتْ بَلْ كانَتْ تَغُوصُ أوْ تَقِفُ أوْ تَعْطَبُ. فَنَبَّهَ تَعالى عَلى نِعَمِهِ بِذَلِكَ، وبِأنْ خَلَقَ ما تُعْمَلُ مِنهُ السُّفُنُ، وبِأنْ بَيَّنَ كَيْفَ تَعْمَلُ، وإنَّما قالَ: بِأمْرِهِ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا كانَ المُجْرِيَ لَها بِالرِّياحِ نَسَبَ ذَلِكَ إلى أمْرِهِ تَوَسُّعًا؛ لِأنَّ ذَلِكَ يُفِيدُ تَعْظِيمَهُ بِأكْثَرَ مِمّا يُفِيدُ لَوْ أضافَهُ إلى فِعْلٍ بِناءً عَلى عادَةِ المُلُوكِ في مِثْلِ هَذِهِ اللَّفْظَةِ.
الدَّلالَةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويُمْسِكُ السَّماءَ أنْ تَقَعَ عَلى الأرْضِ إلّا بِإذْنِهِ إنَّ اللَّهَ بِالنّاسِ لَرَءُوفٌ﴾
صفحة ٥٦
﴿رَحِيمٌ﴾ واعْلَمْ أنَّ النِّعَمَ المُتَقَدِّمَةَ لا تَكْمُلُ إلّا بِهَذِهِ؛ لِأنَّ السَّماءَ مَسْكَنُ المَلائِكَةِ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ صُلْبًا، ووَجَبَ أنْ يَكُونَ ثَقِيلًا، وما كانَ كَذَلِكَ فَلا بُدَّ [ لَهُ ] مِنَ الهُوِيِّ لَوْلا مانِعٌ يَمْنَعُ مِنهُ، وهَذِهِ الحجة مَبْنِيَّةٌ عَلى ظاهِرِ الأوْهامِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ تَقَعَ﴾ قالَ الكُوفِيُّونَ: كَيْ لا تَقَعَ، وقالَ البَصْرِيُّونَ: كَراهِيَةَ أنْ تَقَعَ، وهَذا بِناءٌ عَلى مَسْألَةٍ كَلامِيَّةٍ وهي أنَّ الإراداتِ والكَراهاتِ هَلْ تَتَعَلَّقُ بِالعَدَمِ ؟ فَمَن مَنَعَ مِن ذَلِكَ صارَ إلى التَّأْوِيلِ الأوَّلِ، والمَعْنى أنَّهُ أمْسَكَها لِكَيْ لا تَقَعَ فَتَبْطُلَ النِّعَمُ الَّتِي أنْعَمَ بِها.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ بِالنّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ فالمَعْنى أنَّ المُنْعِمَ بِهَذِهِ النِّعَمِ الجامِعَةِ لِمَنافِعِ الدُّنْيا والدِّينِ قَدْ بَلَغَ الغايَةَ في الإحْسانِ والإنْعامِ، فَهو إذَنْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ.
الدَّلالَةُ السّادِسَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وهو الَّذِي أحْياكم ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يُحْيِيكم إنَّ الإنْسانَ لَكَفُورٌ﴾ والمَعْنى أنَّ مَن سَخَّرَ لَهُ هَذِهِ الأُمُورَ، وأنْعَمَ عَلَيْهِ بِها فَهو الَّذِي أحْياهُ فَنَبَّهَ بِالإحْياءِ الأوَّلِ عَلى إنْعامِ الدُّنْيا عَلَيْنا بِكُلِّ ما تَقَدَّمَ. ونَبَّهَ بِالإماتَةِ والإحْياءِ الثّانِي عَلى نِعَمِ الدِّينِ عَلَيْنا، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى خَلَقَ الدُّنْيا بِسائِرِ أحْوالِها لِلْآخِرَةِ، وإلّا لَمْ يَكُنْ لِلنِّعَمِ عَلى هَذا الوجه مَعْنًى. يُبَيِّنُ ذَلِكَ أنَّهُ لَوْلا أمْرُ الآخِرَةِ لَمْ يَكُنْ لِلزِّراعاتِ وتَكَلُّفِها ولا لِرُكُوبِ الحَيَواناتِ وذَبْحِها إلى غَيْرِ ذَلِكَ مَعْنًى، بَلْ كانَ تَعالى يَخْلُقُهُ ابْتِداءً مِن غَيْرِ تَكَلُّفِ الزَّرْعِ والسَّقْيِ، وإنَّما أجْرى اللَّهُ العادَةَ بِذَلِكَ لِيُعْتَبَرَ بِهِ في بابِ الدِّينِ، ولَمّا فَصَلَ تَعالى هَذِهِ النِّعَمَ قالَ: ﴿إنَّ الإنْسانَ لَكَفُورٌ﴾ وهَذا كَما قَدْ يُعَدِّدُ المَرْءُ نِعَمَهُ عَلى ولَدِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: إنَّ الوَلَدَ لَكَفُورٌ لِنِعَمِ الوالِدِ زَجْرًا لَهُ عَنِ الكُفْرانِ وبَعْثًا لَهُ عَلى الشُّكْرِ، فَلِذَلِكَ أوْرَدَ تَعالى ذَلِكَ في الكُفّارِ، فَبَيَّنَ أنَّهم دَفَعُوا هَذِهِ النِّعَمَ وكَفَرُوا بِها وجَهِلُوا خالِقَها مَعَ وُضُوحِ أمْرِها، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقَلِيلٌ مِن عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣] وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: الإنْسانُ هاهُنا هو الكافِرُ، وقالَ أيْضًا هو الأسْوَدُ بْنُ عَبْدِ الأسَدِ وأبُو جَهْلٍ والعاصِ وأُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ، والأوْلى تَعْمِيمُهُ في كُلِّ المُنْكِرِينَ.
الحج 22:67
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنسَكًا هم ناسِكُوهُ فَلا يُنازِعُنَّكَ في الأمْرِ وادْعُ إلى رَبِّكَ إنَّكَ لَعَلى هُدًى مُسْتَقِيمٍ﴾ ﴿وإنْ جادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ ﴿اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكم يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قَدَّمَ ذِكْرَ نِعَمِهِ وبَيَّنَ أنَّهُ رَءُوفٌ رَحِيمٌ بِعِبادِهِ وإنْ كانَ مِنهم مَن يَكْفُرُ ولا يَشْكُرُ، أتْبَعَهُ بِذِكْرِ نِعَمِهِ بِما كَلَّفَ فَقالَ: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنسَكًا هم ناسِكُوهُ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: إنَّما حَذَفَ الواوَ في قَوْلِهِ: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ﴾ لِأنَّهُ لا تَعَلُّقَ لِهَذا الكَلامِ بِما قَبْلَهُ، فَلا جَرَمَ حَذَفَ العاطِفَ.
المسألة الثّانِيَةُ: في المَنسَكِ أقْوالٌ: أحَدُها: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ عِيدً[ا] يَذْبَحُونَ فِيهِ. وثانِيها: قُرْبانًا ولَفْظُ
صفحة ٥٧
المَنسَكِ مُخْتَصٌّ بِالذَّبائِحِ عَنْ مُجاهِدٍ. وثالِثُها: مَأْلَفًا يَأْلَفُونَهُ إمّا مَكانًا مُعَيَّنًا أوْ زَمانًا مُعَيَّنًا لِأداءِ الطّاعاتِ. ورابِعُها: المَنسَكُ هو الشَّرِيعَةُ والمِنهاجُ وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ في رِوايَةِ عَطاءٍ واخْتِيارُ القَفّالِ وهو الأقْرَبُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنكم شِرْعَةً ومِنهاجًا﴾ [المائدة: ٤٨] ولِأنَّ المَنسَكَ مَأْخُوذٌ مِنَ النُّسُكِ وهو العِبادَةُ، وإذا وقَعَ الِاسْمُ عَلى كُلِّ عِبادَةٍ فَلا وجْهَ لِلتَّخْصِيصِ. فَإنْ قِيلَ: هَلّا حَمَلْتُمُوهُ عَلى الذَّبْحِ لِأنَّ المَنسَكَ في العُرْفِ لا يُفْهَمُ مِنهُ إلّا الذَّبْحُ ؟ وهَلّا حَمَلْتُمُوهُ عَلى مَوْضِعِ العِبادَةِ أوْ عَلى وقْتِها ؟ الجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: لا نُسَلِّمُ أنَّ المَنسَكَ في العُرْفِ مَخْصُوصٌ بِالذَّبْحِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ سائِرَ ما يُفْعَلُ في الحَجِّ يُوصَفُ بِأنَّهُ مَناسِكُ ولِأجْلِهِ قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «خُذُوا عَنِّي مَناسِكَكم»، وعَنِ الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿هم ناسِكُوهُ﴾ ألْيَقُ بِالعِبادَةِ مِنهُ بِالوَقْتِ والمَكانِ.
المسألة الثّالِثَةُ: زَعَمَ قَوْمٌ أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿هم ناسِكُوهُ﴾ مَن كانَ في زَمَنِ الرَّسُولِ ﷺ مُتَمَسِّكًا بِشَرْعٍ كاليَهُودِ والنَّصارى، ولا يَمْتَنِعُ أنْ يُرِيدَ كُلَّ مَن تَعَبَّدَ مِنَ الأُمَمِ سَواءٌ بَقِيَتْ آثارُهم أوْ لَمْ تَبْقَ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿هم ناسِكُوهُ﴾ كالوَصْفِ لِلْأُمَمِ وإنْ لَمْ يَعْبُدُوا في الحالِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا يُنازِعُنَّكَ في الأمْرِ﴾ فَقُرِئَ ”فَلا يَنْزِعُنَّكَ“ أيِ اثْبُتْ في دِينِكَ ثَباتًا لا يَطْمَعُونَ أنْ يَخْدَعُوكَ لِيُزِيلُوكَ عَنْهُ. وأمّا قَوْلُهُ: ﴿فَلا يُنازِعُنَّكَ﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: وهو قَوْلُ الزَّجّاجِ: أنَّهُ نُهِيَ لَهم عَنْ مُنازَعَتِهِمْ، كَما تَقُولُ لا يُضارِبَنَّكَ فُلانٌ أيْ لا تُضارِبْهُ. والثّانِي: أنَّ المُرادَ أنَّ عَلَيْهِمُ اتِّباعَكَ وتَرْكَ مُخالَفَتِكَ، وقَدِ اسْتَقَرَّ الأمْرُ الآنَ عَلى شَرْعِكَ وعَلى أنَّهُ ناسِخٌ لِكُلِّ ما عَداهُ. فَكَأنَّهُ تَعالى نَهى كُلَّ أُمَّةٍ بَقِيَتْ مِنها بَقِيَّةٌ أنْ تَسْتَمِرَّ عَلى تِلْكَ العادَةِ، وألْزَمَها أنْ تَتَحَوَّلَ إلى اتِّباعِ الرَّسُولِ ﷺ فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿وادْعُ إلى رَبِّكَ﴾ أيْ لا تَخُصَّ بِالدُّعاءِ أُمَّةً دُونَ أُمَّةٍ فَكُلُّهم أُمَّتُكَ فادْعُهم إلى شَرِيعَتِكَ فَإنَّكَ عَلى هُدًى مُسْتَقِيمٍ، والهُدى يَحْتَمِلُ نَفْسَ الدِّينِ ويَحْتَمِلُ أدِلَّةَ الدِّينِ وهو أوْلى. كَأنَّهُ قالَ: ادْعُهم إلى هَذا الدِّينِ فَإنَّكَ مِن حَيْثُ الدَّلالَةِ عَلى طَرِيقَةٍ واضِحَةٍ ولِهَذا قالَ: ﴿وإنْ جادَلُوكَ﴾ والمَعْنى فَإنْ عَدَلُوا عَنِ النَّظَرِ في هَذِهِ الأدِلَّةِ إلى طَرِيقَةِ المِراءِ والتَّمَسُّكِ بِالعادَةِ فَقَدْ بَيَّنْتَ وأظْهَرْتَ ما يَلْزَمُكَ ﴿فَقُلِ اللَّهُ أعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ لِأنَّهُ لَيْسَ بَعْدَ إيضاحِ الأدِلَّةِ إلّا هَذا الجِنْسُ الَّذِي يَجْرِي مَجْرى الوَعِيدِ والتَّحْذِيرِ مِن حُكْمِ يَوْمِ القِيامَةِ الَّذِي يَتَرَدَّدُ بَيْنَ جَنَّةٍ وثَوابٍ لِمَن قَبِلَ، وبَيْنَ نارٍ وعِقابٍ لِمَن رَدَّ وأنْكَرَ. فَقالَ: ﴿اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكم يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ فَتَعْرِفُونَ حِينَئِذٍ الحَقَّ مِنَ الباطِلِ واللَّهُ أعْلَمُ.
الحج 22:68
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنسَكًا هم ناسِكُوهُ فَلا يُنازِعُنَّكَ في الأمْرِ وادْعُ إلى رَبِّكَ إنَّكَ لَعَلى هُدًى مُسْتَقِيمٍ﴾ ﴿وإنْ جادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ ﴿اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكم يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قَدَّمَ ذِكْرَ نِعَمِهِ وبَيَّنَ أنَّهُ رَءُوفٌ رَحِيمٌ بِعِبادِهِ وإنْ كانَ مِنهم مَن يَكْفُرُ ولا يَشْكُرُ، أتْبَعَهُ بِذِكْرِ نِعَمِهِ بِما كَلَّفَ فَقالَ: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنسَكًا هم ناسِكُوهُ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: إنَّما حَذَفَ الواوَ في قَوْلِهِ: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ﴾ لِأنَّهُ لا تَعَلُّقَ لِهَذا الكَلامِ بِما قَبْلَهُ، فَلا جَرَمَ حَذَفَ العاطِفَ.
المسألة الثّانِيَةُ: في المَنسَكِ أقْوالٌ: أحَدُها: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ عِيدً[ا] يَذْبَحُونَ فِيهِ. وثانِيها: قُرْبانًا ولَفْظُ
صفحة ٥٧
المَنسَكِ مُخْتَصٌّ بِالذَّبائِحِ عَنْ مُجاهِدٍ. وثالِثُها: مَأْلَفًا يَأْلَفُونَهُ إمّا مَكانًا مُعَيَّنًا أوْ زَمانًا مُعَيَّنًا لِأداءِ الطّاعاتِ. ورابِعُها: المَنسَكُ هو الشَّرِيعَةُ والمِنهاجُ وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ في رِوايَةِ عَطاءٍ واخْتِيارُ القَفّالِ وهو الأقْرَبُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنكم شِرْعَةً ومِنهاجًا﴾ [المائدة: ٤٨] ولِأنَّ المَنسَكَ مَأْخُوذٌ مِنَ النُّسُكِ وهو العِبادَةُ، وإذا وقَعَ الِاسْمُ عَلى كُلِّ عِبادَةٍ فَلا وجْهَ لِلتَّخْصِيصِ. فَإنْ قِيلَ: هَلّا حَمَلْتُمُوهُ عَلى الذَّبْحِ لِأنَّ المَنسَكَ في العُرْفِ لا يُفْهَمُ مِنهُ إلّا الذَّبْحُ ؟ وهَلّا حَمَلْتُمُوهُ عَلى مَوْضِعِ العِبادَةِ أوْ عَلى وقْتِها ؟ الجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: لا نُسَلِّمُ أنَّ المَنسَكَ في العُرْفِ مَخْصُوصٌ بِالذَّبْحِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ سائِرَ ما يُفْعَلُ في الحَجِّ يُوصَفُ بِأنَّهُ مَناسِكُ ولِأجْلِهِ قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «خُذُوا عَنِّي مَناسِكَكم»، وعَنِ الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿هم ناسِكُوهُ﴾ ألْيَقُ بِالعِبادَةِ مِنهُ بِالوَقْتِ والمَكانِ.
المسألة الثّالِثَةُ: زَعَمَ قَوْمٌ أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿هم ناسِكُوهُ﴾ مَن كانَ في زَمَنِ الرَّسُولِ ﷺ مُتَمَسِّكًا بِشَرْعٍ كاليَهُودِ والنَّصارى، ولا يَمْتَنِعُ أنْ يُرِيدَ كُلَّ مَن تَعَبَّدَ مِنَ الأُمَمِ سَواءٌ بَقِيَتْ آثارُهم أوْ لَمْ تَبْقَ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿هم ناسِكُوهُ﴾ كالوَصْفِ لِلْأُمَمِ وإنْ لَمْ يَعْبُدُوا في الحالِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا يُنازِعُنَّكَ في الأمْرِ﴾ فَقُرِئَ ”فَلا يَنْزِعُنَّكَ“ أيِ اثْبُتْ في دِينِكَ ثَباتًا لا يَطْمَعُونَ أنْ يَخْدَعُوكَ لِيُزِيلُوكَ عَنْهُ. وأمّا قَوْلُهُ: ﴿فَلا يُنازِعُنَّكَ﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: وهو قَوْلُ الزَّجّاجِ: أنَّهُ نُهِيَ لَهم عَنْ مُنازَعَتِهِمْ، كَما تَقُولُ لا يُضارِبَنَّكَ فُلانٌ أيْ لا تُضارِبْهُ. والثّانِي: أنَّ المُرادَ أنَّ عَلَيْهِمُ اتِّباعَكَ وتَرْكَ مُخالَفَتِكَ، وقَدِ اسْتَقَرَّ الأمْرُ الآنَ عَلى شَرْعِكَ وعَلى أنَّهُ ناسِخٌ لِكُلِّ ما عَداهُ. فَكَأنَّهُ تَعالى نَهى كُلَّ أُمَّةٍ بَقِيَتْ مِنها بَقِيَّةٌ أنْ تَسْتَمِرَّ عَلى تِلْكَ العادَةِ، وألْزَمَها أنْ تَتَحَوَّلَ إلى اتِّباعِ الرَّسُولِ ﷺ فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿وادْعُ إلى رَبِّكَ﴾ أيْ لا تَخُصَّ بِالدُّعاءِ أُمَّةً دُونَ أُمَّةٍ فَكُلُّهم أُمَّتُكَ فادْعُهم إلى شَرِيعَتِكَ فَإنَّكَ عَلى هُدًى مُسْتَقِيمٍ، والهُدى يَحْتَمِلُ نَفْسَ الدِّينِ ويَحْتَمِلُ أدِلَّةَ الدِّينِ وهو أوْلى. كَأنَّهُ قالَ: ادْعُهم إلى هَذا الدِّينِ فَإنَّكَ مِن حَيْثُ الدَّلالَةِ عَلى طَرِيقَةٍ واضِحَةٍ ولِهَذا قالَ: ﴿وإنْ جادَلُوكَ﴾ والمَعْنى فَإنْ عَدَلُوا عَنِ النَّظَرِ في هَذِهِ الأدِلَّةِ إلى طَرِيقَةِ المِراءِ والتَّمَسُّكِ بِالعادَةِ فَقَدْ بَيَّنْتَ وأظْهَرْتَ ما يَلْزَمُكَ ﴿فَقُلِ اللَّهُ أعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ لِأنَّهُ لَيْسَ بَعْدَ إيضاحِ الأدِلَّةِ إلّا هَذا الجِنْسُ الَّذِي يَجْرِي مَجْرى الوَعِيدِ والتَّحْذِيرِ مِن حُكْمِ يَوْمِ القِيامَةِ الَّذِي يَتَرَدَّدُ بَيْنَ جَنَّةٍ وثَوابٍ لِمَن قَبِلَ، وبَيْنَ نارٍ وعِقابٍ لِمَن رَدَّ وأنْكَرَ. فَقالَ: ﴿اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكم يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ فَتَعْرِفُونَ حِينَئِذٍ الحَقَّ مِنَ الباطِلِ واللَّهُ أعْلَمُ.
الحج 22:69
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنسَكًا هم ناسِكُوهُ فَلا يُنازِعُنَّكَ في الأمْرِ وادْعُ إلى رَبِّكَ إنَّكَ لَعَلى هُدًى مُسْتَقِيمٍ﴾ ﴿وإنْ جادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ ﴿اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكم يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قَدَّمَ ذِكْرَ نِعَمِهِ وبَيَّنَ أنَّهُ رَءُوفٌ رَحِيمٌ بِعِبادِهِ وإنْ كانَ مِنهم مَن يَكْفُرُ ولا يَشْكُرُ، أتْبَعَهُ بِذِكْرِ نِعَمِهِ بِما كَلَّفَ فَقالَ: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنسَكًا هم ناسِكُوهُ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: إنَّما حَذَفَ الواوَ في قَوْلِهِ: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ﴾ لِأنَّهُ لا تَعَلُّقَ لِهَذا الكَلامِ بِما قَبْلَهُ، فَلا جَرَمَ حَذَفَ العاطِفَ.
المسألة الثّانِيَةُ: في المَنسَكِ أقْوالٌ: أحَدُها: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ عِيدً[ا] يَذْبَحُونَ فِيهِ. وثانِيها: قُرْبانًا ولَفْظُ
صفحة ٥٧
المَنسَكِ مُخْتَصٌّ بِالذَّبائِحِ عَنْ مُجاهِدٍ. وثالِثُها: مَأْلَفًا يَأْلَفُونَهُ إمّا مَكانًا مُعَيَّنًا أوْ زَمانًا مُعَيَّنًا لِأداءِ الطّاعاتِ. ورابِعُها: المَنسَكُ هو الشَّرِيعَةُ والمِنهاجُ وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ في رِوايَةِ عَطاءٍ واخْتِيارُ القَفّالِ وهو الأقْرَبُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنكم شِرْعَةً ومِنهاجًا﴾ [المائدة: ٤٨] ولِأنَّ المَنسَكَ مَأْخُوذٌ مِنَ النُّسُكِ وهو العِبادَةُ، وإذا وقَعَ الِاسْمُ عَلى كُلِّ عِبادَةٍ فَلا وجْهَ لِلتَّخْصِيصِ. فَإنْ قِيلَ: هَلّا حَمَلْتُمُوهُ عَلى الذَّبْحِ لِأنَّ المَنسَكَ في العُرْفِ لا يُفْهَمُ مِنهُ إلّا الذَّبْحُ ؟ وهَلّا حَمَلْتُمُوهُ عَلى مَوْضِعِ العِبادَةِ أوْ عَلى وقْتِها ؟ الجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: لا نُسَلِّمُ أنَّ المَنسَكَ في العُرْفِ مَخْصُوصٌ بِالذَّبْحِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ سائِرَ ما يُفْعَلُ في الحَجِّ يُوصَفُ بِأنَّهُ مَناسِكُ ولِأجْلِهِ قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «خُذُوا عَنِّي مَناسِكَكم»، وعَنِ الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿هم ناسِكُوهُ﴾ ألْيَقُ بِالعِبادَةِ مِنهُ بِالوَقْتِ والمَكانِ.
المسألة الثّالِثَةُ: زَعَمَ قَوْمٌ أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿هم ناسِكُوهُ﴾ مَن كانَ في زَمَنِ الرَّسُولِ ﷺ مُتَمَسِّكًا بِشَرْعٍ كاليَهُودِ والنَّصارى، ولا يَمْتَنِعُ أنْ يُرِيدَ كُلَّ مَن تَعَبَّدَ مِنَ الأُمَمِ سَواءٌ بَقِيَتْ آثارُهم أوْ لَمْ تَبْقَ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿هم ناسِكُوهُ﴾ كالوَصْفِ لِلْأُمَمِ وإنْ لَمْ يَعْبُدُوا في الحالِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا يُنازِعُنَّكَ في الأمْرِ﴾ فَقُرِئَ ”فَلا يَنْزِعُنَّكَ“ أيِ اثْبُتْ في دِينِكَ ثَباتًا لا يَطْمَعُونَ أنْ يَخْدَعُوكَ لِيُزِيلُوكَ عَنْهُ. وأمّا قَوْلُهُ: ﴿فَلا يُنازِعُنَّكَ﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: وهو قَوْلُ الزَّجّاجِ: أنَّهُ نُهِيَ لَهم عَنْ مُنازَعَتِهِمْ، كَما تَقُولُ لا يُضارِبَنَّكَ فُلانٌ أيْ لا تُضارِبْهُ. والثّانِي: أنَّ المُرادَ أنَّ عَلَيْهِمُ اتِّباعَكَ وتَرْكَ مُخالَفَتِكَ، وقَدِ اسْتَقَرَّ الأمْرُ الآنَ عَلى شَرْعِكَ وعَلى أنَّهُ ناسِخٌ لِكُلِّ ما عَداهُ. فَكَأنَّهُ تَعالى نَهى كُلَّ أُمَّةٍ بَقِيَتْ مِنها بَقِيَّةٌ أنْ تَسْتَمِرَّ عَلى تِلْكَ العادَةِ، وألْزَمَها أنْ تَتَحَوَّلَ إلى اتِّباعِ الرَّسُولِ ﷺ فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿وادْعُ إلى رَبِّكَ﴾ أيْ لا تَخُصَّ بِالدُّعاءِ أُمَّةً دُونَ أُمَّةٍ فَكُلُّهم أُمَّتُكَ فادْعُهم إلى شَرِيعَتِكَ فَإنَّكَ عَلى هُدًى مُسْتَقِيمٍ، والهُدى يَحْتَمِلُ نَفْسَ الدِّينِ ويَحْتَمِلُ أدِلَّةَ الدِّينِ وهو أوْلى. كَأنَّهُ قالَ: ادْعُهم إلى هَذا الدِّينِ فَإنَّكَ مِن حَيْثُ الدَّلالَةِ عَلى طَرِيقَةٍ واضِحَةٍ ولِهَذا قالَ: ﴿وإنْ جادَلُوكَ﴾ والمَعْنى فَإنْ عَدَلُوا عَنِ النَّظَرِ في هَذِهِ الأدِلَّةِ إلى طَرِيقَةِ المِراءِ والتَّمَسُّكِ بِالعادَةِ فَقَدْ بَيَّنْتَ وأظْهَرْتَ ما يَلْزَمُكَ ﴿فَقُلِ اللَّهُ أعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ لِأنَّهُ لَيْسَ بَعْدَ إيضاحِ الأدِلَّةِ إلّا هَذا الجِنْسُ الَّذِي يَجْرِي مَجْرى الوَعِيدِ والتَّحْذِيرِ مِن حُكْمِ يَوْمِ القِيامَةِ الَّذِي يَتَرَدَّدُ بَيْنَ جَنَّةٍ وثَوابٍ لِمَن قَبِلَ، وبَيْنَ نارٍ وعِقابٍ لِمَن رَدَّ وأنْكَرَ. فَقالَ: ﴿اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكم يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ فَتَعْرِفُونَ حِينَئِذٍ الحَقَّ مِنَ الباطِلِ واللَّهُ أعْلَمُ.
الحج 22:70
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنسَكًا هم ناسِكُوهُ فَلا يُنازِعُنَّكَ في الأمْرِ وادْعُ إلى رَبِّكَ إنَّكَ لَعَلى هُدًى مُسْتَقِيمٍ﴾ ﴿وإنْ جادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ ﴿اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكم يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قَدَّمَ ذِكْرَ نِعَمِهِ وبَيَّنَ أنَّهُ رَءُوفٌ رَحِيمٌ بِعِبادِهِ وإنْ كانَ مِنهم مَن يَكْفُرُ ولا يَشْكُرُ، أتْبَعَهُ بِذِكْرِ نِعَمِهِ بِما كَلَّفَ فَقالَ: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنسَكًا هم ناسِكُوهُ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: إنَّما حَذَفَ الواوَ في قَوْلِهِ: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ﴾ لِأنَّهُ لا تَعَلُّقَ لِهَذا الكَلامِ بِما قَبْلَهُ، فَلا جَرَمَ حَذَفَ العاطِفَ.
المسألة الثّانِيَةُ: في المَنسَكِ أقْوالٌ: أحَدُها: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ عِيدً[ا] يَذْبَحُونَ فِيهِ. وثانِيها: قُرْبانًا ولَفْظُ
صفحة ٥٧
المَنسَكِ مُخْتَصٌّ بِالذَّبائِحِ عَنْ مُجاهِدٍ. وثالِثُها: مَأْلَفًا يَأْلَفُونَهُ إمّا مَكانًا مُعَيَّنًا أوْ زَمانًا مُعَيَّنًا لِأداءِ الطّاعاتِ. ورابِعُها: المَنسَكُ هو الشَّرِيعَةُ والمِنهاجُ وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ في رِوايَةِ عَطاءٍ واخْتِيارُ القَفّالِ وهو الأقْرَبُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنكم شِرْعَةً ومِنهاجًا﴾ [المائدة: ٤٨] ولِأنَّ المَنسَكَ مَأْخُوذٌ مِنَ النُّسُكِ وهو العِبادَةُ، وإذا وقَعَ الِاسْمُ عَلى كُلِّ عِبادَةٍ فَلا وجْهَ لِلتَّخْصِيصِ. فَإنْ قِيلَ: هَلّا حَمَلْتُمُوهُ عَلى الذَّبْحِ لِأنَّ المَنسَكَ في العُرْفِ لا يُفْهَمُ مِنهُ إلّا الذَّبْحُ ؟ وهَلّا حَمَلْتُمُوهُ عَلى مَوْضِعِ العِبادَةِ أوْ عَلى وقْتِها ؟ الجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: لا نُسَلِّمُ أنَّ المَنسَكَ في العُرْفِ مَخْصُوصٌ بِالذَّبْحِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ سائِرَ ما يُفْعَلُ في الحَجِّ يُوصَفُ بِأنَّهُ مَناسِكُ ولِأجْلِهِ قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «خُذُوا عَنِّي مَناسِكَكم»، وعَنِ الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿هم ناسِكُوهُ﴾ ألْيَقُ بِالعِبادَةِ مِنهُ بِالوَقْتِ والمَكانِ.
المسألة الثّالِثَةُ: زَعَمَ قَوْمٌ أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿هم ناسِكُوهُ﴾ مَن كانَ في زَمَنِ الرَّسُولِ ﷺ مُتَمَسِّكًا بِشَرْعٍ كاليَهُودِ والنَّصارى، ولا يَمْتَنِعُ أنْ يُرِيدَ كُلَّ مَن تَعَبَّدَ مِنَ الأُمَمِ سَواءٌ بَقِيَتْ آثارُهم أوْ لَمْ تَبْقَ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿هم ناسِكُوهُ﴾ كالوَصْفِ لِلْأُمَمِ وإنْ لَمْ يَعْبُدُوا في الحالِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا يُنازِعُنَّكَ في الأمْرِ﴾ فَقُرِئَ ”فَلا يَنْزِعُنَّكَ“ أيِ اثْبُتْ في دِينِكَ ثَباتًا لا يَطْمَعُونَ أنْ يَخْدَعُوكَ لِيُزِيلُوكَ عَنْهُ. وأمّا قَوْلُهُ: ﴿فَلا يُنازِعُنَّكَ﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: وهو قَوْلُ الزَّجّاجِ: أنَّهُ نُهِيَ لَهم عَنْ مُنازَعَتِهِمْ، كَما تَقُولُ لا يُضارِبَنَّكَ فُلانٌ أيْ لا تُضارِبْهُ. والثّانِي: أنَّ المُرادَ أنَّ عَلَيْهِمُ اتِّباعَكَ وتَرْكَ مُخالَفَتِكَ، وقَدِ اسْتَقَرَّ الأمْرُ الآنَ عَلى شَرْعِكَ وعَلى أنَّهُ ناسِخٌ لِكُلِّ ما عَداهُ. فَكَأنَّهُ تَعالى نَهى كُلَّ أُمَّةٍ بَقِيَتْ مِنها بَقِيَّةٌ أنْ تَسْتَمِرَّ عَلى تِلْكَ العادَةِ، وألْزَمَها أنْ تَتَحَوَّلَ إلى اتِّباعِ الرَّسُولِ ﷺ فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿وادْعُ إلى رَبِّكَ﴾ أيْ لا تَخُصَّ بِالدُّعاءِ أُمَّةً دُونَ أُمَّةٍ فَكُلُّهم أُمَّتُكَ فادْعُهم إلى شَرِيعَتِكَ فَإنَّكَ عَلى هُدًى مُسْتَقِيمٍ، والهُدى يَحْتَمِلُ نَفْسَ الدِّينِ ويَحْتَمِلُ أدِلَّةَ الدِّينِ وهو أوْلى. كَأنَّهُ قالَ: ادْعُهم إلى هَذا الدِّينِ فَإنَّكَ مِن حَيْثُ الدَّلالَةِ عَلى طَرِيقَةٍ واضِحَةٍ ولِهَذا قالَ: ﴿وإنْ جادَلُوكَ﴾ والمَعْنى فَإنْ عَدَلُوا عَنِ النَّظَرِ في هَذِهِ الأدِلَّةِ إلى طَرِيقَةِ المِراءِ والتَّمَسُّكِ بِالعادَةِ فَقَدْ بَيَّنْتَ وأظْهَرْتَ ما يَلْزَمُكَ ﴿فَقُلِ اللَّهُ أعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ لِأنَّهُ لَيْسَ بَعْدَ إيضاحِ الأدِلَّةِ إلّا هَذا الجِنْسُ الَّذِي يَجْرِي مَجْرى الوَعِيدِ والتَّحْذِيرِ مِن حُكْمِ يَوْمِ القِيامَةِ الَّذِي يَتَرَدَّدُ بَيْنَ جَنَّةٍ وثَوابٍ لِمَن قَبِلَ، وبَيْنَ نارٍ وعِقابٍ لِمَن رَدَّ وأنْكَرَ. فَقالَ: ﴿اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكم يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ فَتَعْرِفُونَ حِينَئِذٍ الحَقَّ مِنَ الباطِلِ واللَّهُ أعْلَمُ.
الحج 22:71
صفحة ٥٨
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما في السَّماءِ والأرْضِ إنَّ ذَلِكَ في كِتابٍ إنَّ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ ﴿ويَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا وما لَيْسَ لَهم بِهِ عِلْمٌ وما لِلظّالِمِينَ مِن نَصِيرٍ﴾ ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ تَعْرِفُ في وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا المُنْكَرَ يَكادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آياتِنا قُلْ أفَأُنَبِّئُكم بِشَرٍّ مِن ذَلِكُمُ النّارُ وعَدَها اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ مِن قَبْلُ: ﴿اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكم يَوْمَ القِيامَةِ﴾ أتْبَعَهُ بِما بِهِ يُعْلَمُ أنَّهُ سُبْحانَهُ عالِمٌ بِما يَسْتَحِقُّهُ كُلُّ أحَدٍ مِنهم، فَيَقَعُ الحُكْمُ مِنهُ بَيْنَهم بِالعَدْلِ لا بِالجَوْرِ فَقالَ لِرَسُولِهِ: ﴿ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما في السَّماءِ والأرْضِ﴾ وهاهُنا مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿ألَمْ تَعْلَمْ﴾ هو عَلى لَفْظِ الِاسْتِفْهامِ لَكِنَّ مَعْناهُ تَقْوِيَةُ قَلْبِ الرَّسُولِ ﷺ والوَعْدُ لَهُ وإيعادُ الكافِرِينَ بِأنَّ كُلَّ فِعْلِهِمْ مَحْفُوظٌ عِنْدَ اللَّهِ لا يَضِلُّ عَنْهُ ولا يَنْسى.
المسألة الثّانِيَةُ: الخِطابُ مَعَ الرَّسُولِ ﷺ والمُرادُ سائِرُ العِبادِ ولِأنَّ الرِّسالَةَ لا تَثْبُتُ إلّا بَعْدَ العِلْمِ بِكَوْنِهِ تَعالى عالِمًا بِكُلِّ المَعْلُوماتِ إذْ لَوْ لَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ لَجازَ أنْ يَشْتَبِهَ عَلَيْهِ الكاذِبُ بِالصّادِقِ، فَحِينَئِذٍ لا يَكُونُ إظْهارُ المُعْجِزِ دَلِيلًا عَلى الصِّدْقِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ اسْتَحالَ أنْ لا يَكُونَ الرَّسُولُ عالِمًا بِذَلِكَ. فَثَبَتَ أنَّ المُرادَ أنْ يَكُونَ خِطابًا مَعَ الغَيْرِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿إنَّ ذَلِكَ في كِتابٍ﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: وهو قَوْلُ أبِي مُسْلِمٍ أنَّ مَعْنى الكِتابِ الحِفْظُ والضَّبْطُ والشَّدُّ يُقالُ: كَتَبْتُ المَزادَةَ أكْتُبُها إذا خَرَزْتُها فَحَفِظْتُ بِذَلِكَ ما فِيها، ومَعْناهُ ومَعْنى الكِتابِ بَيْنَ النّاسِ: حِفْظُ ما يَتَعامَلُونَ بِهِ، فالمُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنَّ ذَلِكَ في كِتابٍ﴾ أنَّهُ مَحْفُوظٌ عِنْدَهُ. والتّالِي: وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ أنَّ كُلَّ ما يُحْدِثُهُ اللَّهُ في السَّماواتِ والأرْضِ فَقَدْ كَتَبَهُ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، قالُوا: وهَذا أوْلى؛ لِأنَّ القَوْلَ الأوَّلَ وإنْ كانَ صَحِيحًا نَظَرًا إلى الِاشْتِقاقِ لَكِنَّ الواجِبَ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلى المُتَعارَفِ، ومَعْلُومٌ أنَّ الكِتابَ هو ما تُكْتَبُ فِيهِ الأُمُورُ فَكانَ حَمْلُهُ عَلَيْهِ أوْلى. فَإنْ قِيلَ: فَقَدْ يُوهِمُ ذَلِكَ أنَّ عِلْمَهُ مُسْتَفادٌ مِنَ الكِتابِ وأيْضًا فَأيُّ فائِدَةٍ في ذَلِكَ الكِتابِ ؟ والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: أنَّ كَتْبَهُ تِلْكَ الأشْياءَ في ذَلِكَ الكِتابِ مَعَ كَوْنِها مُطابِقَةً لِلْمَوْجُوداتِ مِن أدَلِّ الدَّلائِلِ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ غَنِيٌّ في عِلْمِهِ عَنْ ذَلِكَ الكِتابِ وعَنِ الثّانِي: أنَّ المَلائِكَةَ يَنْظُرُونَ فِيهِ ثُمَّ يَرَوْنَ الحَوادِثَ داخِلَةً في الوُجُودِ عَلى وفْقِهِ فَصارَ ذَلِكَ دَلِيلًا لَهم زائِدًا عَلى كَوْنِهِ سُبْحانَهُ عالِمًا بِكُلِّ المَعْلُوماتِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿إنَّ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ فَمَعْناهُ أنَّ كَتْبَهُ جُمْلَةَ الحَوادِثِ مَعَ أنَّها مِنَ الغَيْبِ مِمّا يَتَعَذَّرُ عَلى الخَلْقِ لَكِنَّها بِحَيْثُ مَتى أرادَها اللَّهُ تَعالى كانَتْ فَعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِأنَّهُ يَسِيرٌ، وإنْ كانَ هَذا الوَصْفُ لا يُسْتَعْمَلُ إلّا فِينا مِن حَيْثُ تَسْهُلُ وتَصْعُبُ عَلَيْنا الأُمُورُ، وتَعالى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ ما يُقْدِمُ الكُفّارُ عَلَيْهِ مَعَ عَظِيمِ نِعَمِهِ، ووُضُوحِ دَلائِلِهِ. فَقالَ: ﴿ويَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا وما لَيْسَ لَهم بِهِ عِلْمٌ﴾ فَبَيَّنَ أنَّ عِبادَتَهم لِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى لَيْسَتْ مَأْخُوذَةً عَنْ دَلِيلٍ سَمْعِيٍّ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا﴾ ولا عَنْ دَلِيلٍ عَقْلِيٍّ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وما لَيْسَ لَهم بِهِ عِلْمٌ﴾ وإذا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَهو عَنْ تَقْلِيدٍ أوْ جَهْلٍ أوْ شُبْهَةٍ، فَوَجَبَ في كُلِّ قَوْلٍ - هَذا شَأْنُهُ - أنْ يَكُونَ باطِلًا، فَمِن هَذا الوجه يَدُلُّ عَلى أنَّ الكافِرَ قَدْ يَكُونُ كافِرًا، وإنْ لَمْ يَعْلَمْ كَوْنَهُ كافِرًا، ويَدُلُّ أيْضًا عَلى فَسادِ التَّقْلِيدِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وما لِلظّالِمِينَ مِن نَصِيرٍ﴾ فَفِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّهم لَيْسَ لَهم أحَدٌ يَنْتَصِرُ لَهم مِنَ اللَّهِ كَما
صفحة ٥٩
قَدْ تَتَّفِقُ النُّصْرَةُ في الدُّنْيا.
والثّانِي: ما لَهم في كُفْرِهِمْ ناصِرٌ بِالحجة، فَإنَّ الحجة لَيْسَتْ إلّا لِلْحَقِّ، واحْتَجَّتِ المُعْتَزِلَةُ بِهَذِهِ الآيَةِ في نَفْيِ الشَّفاعَةِ، والكَلامُ عَلَيْهِ مَعْلُومٌ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ﴾ يَعْنِي مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وهَذِهِ الآياتُ هي القُرْآنُ، ووَصَفَها بِأنَّها بَيِّناتٌ لِكَوْنِها مُتَضَمِّنَةً لِلدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ وبَيانِ الأحْكامِ، فَبَيَّنَ أنَّهم مَعَ جَهْلِهِمْ إذا نُبِّهُوا عَلى الأدِلَّةِ وعُرِضَتْ عَلَيْهِمُ المُعْجِزَةُ ظَهَرَ في وُجُوهِهِمُ المُنْكَرُ، والمُرادُ دَلالَةُ الغَيْظِ والغَضَبِ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: المُنْكَرُ الفَظِيعُ مِنَ التَّهَجُّمِ والفُجُورِ والنُّشُوزِ والإنْكارِ، كالمُكْرَمِ بِمَعْنى الإكْرامِ وقُرِئَ ”تُعْرَفُ“ عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، ولِلْمُفَسِّرِينَ في المُنْكَرِ عِباراتٌ: أحَدُها: قالَ الكَلْبِيُّ: تَعْرِفُ في وُجُوهِهِمُ الكَراهِيَةَ لِلْقُرْآنِ. ثانِيها: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: التَّجَبُّرَ والتَّرَفُّعَ. وثالِثُها: قالَ مُقاتِلٌ: أنْكَرُوا أنْ يَكُونَ مِنَ اللَّهِ تَعالى.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَكادُونَ يَسْطُونَ﴾ فَقالَ الخَلِيلُ والفَرّاءُ والزَّجّاجُ: السَّطْوُ شِدَّةُ البَطْشِ والوُثُوبِ، والمَعْنى يَهُمُّونَ بِالبَطْشِ والوُثُوبِ تَعْظِيمًا لِإنْكارِ ما خُوطِبُوا بِهِ، فَحَكى تَعالى عَظِيمَ تَمَرُّدِهِمْ عَلى الأنْبِياءِ والمُؤْمِنِينَ ثُمَّ أمَرَ رَسُولَهُ بِأنْ يُقابِلَهم بِالوَعِيدِ فَقالَ: ﴿قُلْ أفَأُنَبِّئُكم بِشَرٍّ مِن ذَلِكُمُ النّارُ﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قَوْلُهُ: ﴿مِن ذَلِكُمُ﴾ أيْ مِن غَيْظِكم عَلى النّاسِ وسَطْوِكم عَلَيْهِمْ أوْ مِمّا أصابَكم مِنَ الكَراهَةِ والضَّجَرِ بِسَبَبِ ما تُلِيَ عَلَيْكم، فَقَوْلُهُ: (﴿مِن ذَلِكُمُ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: المُرادُ أنَّ الَّذِي يَنالُكم مِنَ النّارِ الَّتِي تَكادُونَ تَقْتَحِمُونَها بِسُوءِ فِعالِكم أعْظَمُ مِمّا يَنالُكم عِنْدَ تِلاوَةِ هَذِهِ الآياتِ مِنَ الغَضَبِ ومِن هَذا الغَمِّ.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ ﴿بِشَرٍّ مِن ذَلِكُمُ﴾ ما تَهُمُّونَ بِهِ فِيمَن يُحاجُّكم، فَإنَّ أكْبَرَ ما يُمْكِنُكم فِيهِ الإهْلاكُ ثُمَّ بَعْدَهُ مَصِيرُهم إلى الجَنَّةِ وأنْتُمْ تَصِيرُونَ إلى النّارِ الدّائِمَةِ الَّتِي لا فَرَجَ لَكم عَنْها، وأمّا ﴿النّارُ﴾ فَقالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قُرِئَ ”النّارُ“ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ كَأنَّ قائِلًا يَقُولُ: ما شَرٌّ مِن ذَلِكَ ؟ فَقِيلَ: النّارُ. أيْ هو النّارُ. وبِالنَّصْبِ عَلى الِاخْتِصاصِ، وبِالجَرِّ عَلى البَدَلِ مِن شَرٍّ. ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّهُ وعَدَها الَّذِينَ كَفَرُوا إذا ماتُوا عَلى كُفْرِهِمْ وهو بِئْسَ المَصِيرُ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ﴿وعَدَها اللَّهُ﴾ اسْتِئْنافُ كَلامٍ ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ النّارُ مُبْتَدَأً و﴿وعَدَها﴾ خَبَرًا.
الحج 22:72
صفحة ٥٨
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما في السَّماءِ والأرْضِ إنَّ ذَلِكَ في كِتابٍ إنَّ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ ﴿ويَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا وما لَيْسَ لَهم بِهِ عِلْمٌ وما لِلظّالِمِينَ مِن نَصِيرٍ﴾ ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ تَعْرِفُ في وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا المُنْكَرَ يَكادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آياتِنا قُلْ أفَأُنَبِّئُكم بِشَرٍّ مِن ذَلِكُمُ النّارُ وعَدَها اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ مِن قَبْلُ: ﴿اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكم يَوْمَ القِيامَةِ﴾ أتْبَعَهُ بِما بِهِ يُعْلَمُ أنَّهُ سُبْحانَهُ عالِمٌ بِما يَسْتَحِقُّهُ كُلُّ أحَدٍ مِنهم، فَيَقَعُ الحُكْمُ مِنهُ بَيْنَهم بِالعَدْلِ لا بِالجَوْرِ فَقالَ لِرَسُولِهِ: ﴿ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما في السَّماءِ والأرْضِ﴾ وهاهُنا مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿ألَمْ تَعْلَمْ﴾ هو عَلى لَفْظِ الِاسْتِفْهامِ لَكِنَّ مَعْناهُ تَقْوِيَةُ قَلْبِ الرَّسُولِ ﷺ والوَعْدُ لَهُ وإيعادُ الكافِرِينَ بِأنَّ كُلَّ فِعْلِهِمْ مَحْفُوظٌ عِنْدَ اللَّهِ لا يَضِلُّ عَنْهُ ولا يَنْسى.
المسألة الثّانِيَةُ: الخِطابُ مَعَ الرَّسُولِ ﷺ والمُرادُ سائِرُ العِبادِ ولِأنَّ الرِّسالَةَ لا تَثْبُتُ إلّا بَعْدَ العِلْمِ بِكَوْنِهِ تَعالى عالِمًا بِكُلِّ المَعْلُوماتِ إذْ لَوْ لَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ لَجازَ أنْ يَشْتَبِهَ عَلَيْهِ الكاذِبُ بِالصّادِقِ، فَحِينَئِذٍ لا يَكُونُ إظْهارُ المُعْجِزِ دَلِيلًا عَلى الصِّدْقِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ اسْتَحالَ أنْ لا يَكُونَ الرَّسُولُ عالِمًا بِذَلِكَ. فَثَبَتَ أنَّ المُرادَ أنْ يَكُونَ خِطابًا مَعَ الغَيْرِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿إنَّ ذَلِكَ في كِتابٍ﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: وهو قَوْلُ أبِي مُسْلِمٍ أنَّ مَعْنى الكِتابِ الحِفْظُ والضَّبْطُ والشَّدُّ يُقالُ: كَتَبْتُ المَزادَةَ أكْتُبُها إذا خَرَزْتُها فَحَفِظْتُ بِذَلِكَ ما فِيها، ومَعْناهُ ومَعْنى الكِتابِ بَيْنَ النّاسِ: حِفْظُ ما يَتَعامَلُونَ بِهِ، فالمُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنَّ ذَلِكَ في كِتابٍ﴾ أنَّهُ مَحْفُوظٌ عِنْدَهُ. والتّالِي: وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ أنَّ كُلَّ ما يُحْدِثُهُ اللَّهُ في السَّماواتِ والأرْضِ فَقَدْ كَتَبَهُ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، قالُوا: وهَذا أوْلى؛ لِأنَّ القَوْلَ الأوَّلَ وإنْ كانَ صَحِيحًا نَظَرًا إلى الِاشْتِقاقِ لَكِنَّ الواجِبَ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلى المُتَعارَفِ، ومَعْلُومٌ أنَّ الكِتابَ هو ما تُكْتَبُ فِيهِ الأُمُورُ فَكانَ حَمْلُهُ عَلَيْهِ أوْلى. فَإنْ قِيلَ: فَقَدْ يُوهِمُ ذَلِكَ أنَّ عِلْمَهُ مُسْتَفادٌ مِنَ الكِتابِ وأيْضًا فَأيُّ فائِدَةٍ في ذَلِكَ الكِتابِ ؟ والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: أنَّ كَتْبَهُ تِلْكَ الأشْياءَ في ذَلِكَ الكِتابِ مَعَ كَوْنِها مُطابِقَةً لِلْمَوْجُوداتِ مِن أدَلِّ الدَّلائِلِ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ غَنِيٌّ في عِلْمِهِ عَنْ ذَلِكَ الكِتابِ وعَنِ الثّانِي: أنَّ المَلائِكَةَ يَنْظُرُونَ فِيهِ ثُمَّ يَرَوْنَ الحَوادِثَ داخِلَةً في الوُجُودِ عَلى وفْقِهِ فَصارَ ذَلِكَ دَلِيلًا لَهم زائِدًا عَلى كَوْنِهِ سُبْحانَهُ عالِمًا بِكُلِّ المَعْلُوماتِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿إنَّ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ فَمَعْناهُ أنَّ كَتْبَهُ جُمْلَةَ الحَوادِثِ مَعَ أنَّها مِنَ الغَيْبِ مِمّا يَتَعَذَّرُ عَلى الخَلْقِ لَكِنَّها بِحَيْثُ مَتى أرادَها اللَّهُ تَعالى كانَتْ فَعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِأنَّهُ يَسِيرٌ، وإنْ كانَ هَذا الوَصْفُ لا يُسْتَعْمَلُ إلّا فِينا مِن حَيْثُ تَسْهُلُ وتَصْعُبُ عَلَيْنا الأُمُورُ، وتَعالى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ ما يُقْدِمُ الكُفّارُ عَلَيْهِ مَعَ عَظِيمِ نِعَمِهِ، ووُضُوحِ دَلائِلِهِ. فَقالَ: ﴿ويَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا وما لَيْسَ لَهم بِهِ عِلْمٌ﴾ فَبَيَّنَ أنَّ عِبادَتَهم لِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى لَيْسَتْ مَأْخُوذَةً عَنْ دَلِيلٍ سَمْعِيٍّ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا﴾ ولا عَنْ دَلِيلٍ عَقْلِيٍّ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وما لَيْسَ لَهم بِهِ عِلْمٌ﴾ وإذا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَهو عَنْ تَقْلِيدٍ أوْ جَهْلٍ أوْ شُبْهَةٍ، فَوَجَبَ في كُلِّ قَوْلٍ - هَذا شَأْنُهُ - أنْ يَكُونَ باطِلًا، فَمِن هَذا الوجه يَدُلُّ عَلى أنَّ الكافِرَ قَدْ يَكُونُ كافِرًا، وإنْ لَمْ يَعْلَمْ كَوْنَهُ كافِرًا، ويَدُلُّ أيْضًا عَلى فَسادِ التَّقْلِيدِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وما لِلظّالِمِينَ مِن نَصِيرٍ﴾ فَفِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّهم لَيْسَ لَهم أحَدٌ يَنْتَصِرُ لَهم مِنَ اللَّهِ كَما
صفحة ٥٩
قَدْ تَتَّفِقُ النُّصْرَةُ في الدُّنْيا.
والثّانِي: ما لَهم في كُفْرِهِمْ ناصِرٌ بِالحجة، فَإنَّ الحجة لَيْسَتْ إلّا لِلْحَقِّ، واحْتَجَّتِ المُعْتَزِلَةُ بِهَذِهِ الآيَةِ في نَفْيِ الشَّفاعَةِ، والكَلامُ عَلَيْهِ مَعْلُومٌ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ﴾ يَعْنِي مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وهَذِهِ الآياتُ هي القُرْآنُ، ووَصَفَها بِأنَّها بَيِّناتٌ لِكَوْنِها مُتَضَمِّنَةً لِلدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ وبَيانِ الأحْكامِ، فَبَيَّنَ أنَّهم مَعَ جَهْلِهِمْ إذا نُبِّهُوا عَلى الأدِلَّةِ وعُرِضَتْ عَلَيْهِمُ المُعْجِزَةُ ظَهَرَ في وُجُوهِهِمُ المُنْكَرُ، والمُرادُ دَلالَةُ الغَيْظِ والغَضَبِ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: المُنْكَرُ الفَظِيعُ مِنَ التَّهَجُّمِ والفُجُورِ والنُّشُوزِ والإنْكارِ، كالمُكْرَمِ بِمَعْنى الإكْرامِ وقُرِئَ ”تُعْرَفُ“ عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، ولِلْمُفَسِّرِينَ في المُنْكَرِ عِباراتٌ: أحَدُها: قالَ الكَلْبِيُّ: تَعْرِفُ في وُجُوهِهِمُ الكَراهِيَةَ لِلْقُرْآنِ. ثانِيها: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: التَّجَبُّرَ والتَّرَفُّعَ. وثالِثُها: قالَ مُقاتِلٌ: أنْكَرُوا أنْ يَكُونَ مِنَ اللَّهِ تَعالى.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَكادُونَ يَسْطُونَ﴾ فَقالَ الخَلِيلُ والفَرّاءُ والزَّجّاجُ: السَّطْوُ شِدَّةُ البَطْشِ والوُثُوبِ، والمَعْنى يَهُمُّونَ بِالبَطْشِ والوُثُوبِ تَعْظِيمًا لِإنْكارِ ما خُوطِبُوا بِهِ، فَحَكى تَعالى عَظِيمَ تَمَرُّدِهِمْ عَلى الأنْبِياءِ والمُؤْمِنِينَ ثُمَّ أمَرَ رَسُولَهُ بِأنْ يُقابِلَهم بِالوَعِيدِ فَقالَ: ﴿قُلْ أفَأُنَبِّئُكم بِشَرٍّ مِن ذَلِكُمُ النّارُ﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قَوْلُهُ: ﴿مِن ذَلِكُمُ﴾ أيْ مِن غَيْظِكم عَلى النّاسِ وسَطْوِكم عَلَيْهِمْ أوْ مِمّا أصابَكم مِنَ الكَراهَةِ والضَّجَرِ بِسَبَبِ ما تُلِيَ عَلَيْكم، فَقَوْلُهُ: (﴿مِن ذَلِكُمُ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: المُرادُ أنَّ الَّذِي يَنالُكم مِنَ النّارِ الَّتِي تَكادُونَ تَقْتَحِمُونَها بِسُوءِ فِعالِكم أعْظَمُ مِمّا يَنالُكم عِنْدَ تِلاوَةِ هَذِهِ الآياتِ مِنَ الغَضَبِ ومِن هَذا الغَمِّ.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ ﴿بِشَرٍّ مِن ذَلِكُمُ﴾ ما تَهُمُّونَ بِهِ فِيمَن يُحاجُّكم، فَإنَّ أكْبَرَ ما يُمْكِنُكم فِيهِ الإهْلاكُ ثُمَّ بَعْدَهُ مَصِيرُهم إلى الجَنَّةِ وأنْتُمْ تَصِيرُونَ إلى النّارِ الدّائِمَةِ الَّتِي لا فَرَجَ لَكم عَنْها، وأمّا ﴿النّارُ﴾ فَقالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قُرِئَ ”النّارُ“ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ كَأنَّ قائِلًا يَقُولُ: ما شَرٌّ مِن ذَلِكَ ؟ فَقِيلَ: النّارُ. أيْ هو النّارُ. وبِالنَّصْبِ عَلى الِاخْتِصاصِ، وبِالجَرِّ عَلى البَدَلِ مِن شَرٍّ. ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّهُ وعَدَها الَّذِينَ كَفَرُوا إذا ماتُوا عَلى كُفْرِهِمْ وهو بِئْسَ المَصِيرُ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ﴿وعَدَها اللَّهُ﴾ اسْتِئْنافُ كَلامٍ ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ النّارُ مُبْتَدَأً و﴿وعَدَها﴾ خَبَرًا.
الحج 22:73
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها النّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فاسْتَمِعُوا لَهُ إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبابًا ولَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وإنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئًا لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنهُ ضَعُفَ الطّالِبُ والمَطْلُوبُ﴾ ﴿ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا بَيَّنَ مِن قَبْلُ أنَّهم يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا حُجَّةَ لَهم فِيهِ ولا عِلْمَ، ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى إبْطالِ قَوْلِهِمْ.
صفحة ٦٠
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ضُرِبَ مَثَلٌ﴾ فَفِيهِ سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: الَّذِي جاءَ بِهِ لَيْسَ بِمَثَلٍ فَكَيْفَ سَمّاهُ مَثَلًا ؟ والجَوابُ: لَمّا كانَ المَثَلُ في الأكْثَرِ نُكْتَةً عَجِيبَةً غَرِيبَةً جازَ أنْ يُسَمّى كُلُّ ما كانَ كَذَلِكَ مَثَلًا.
السُّؤالُ الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿ضُرِبَ﴾ يُفِيدُ فِيما مَضى واللَّهُ تَعالى هو المُتَكَلِّمُ بِهَذا الكَلامِ ابْتِداءً ؟ الجَوابُ: إذا كانَ ما يُورِدُ مِنَ الوَصْفِ مَعْلُومًا مِن قَبْلُ جازَ ذَلِكَ فِيهِ، ويَكُونُ ذِكْرُهُ بِمَنزِلَةِ إعادَةِ أمْرٍ قَدْ تَقَدَّمَ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ أيْ تَدَبَّرُوهُ حَقَّ تَدَبُّرِهِ؛ لِأنَّ نَفْسَ السَّماعِ لا يَنْفَعُ، وإنَّما يَنْفَعُ التَّدَبُّرُ. واعْلَمْ أنَّ الذُّبابَ لَمّا كانَ في غايَةِ الضَّعْفِ احْتَجَّ اللَّهُ تَعالى بِهِ عَلى إبْطالِ قَوْلِهِمْ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبابًا ولَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ قُرِئَ ”يَدْعُونَ“ بِالياءِ والتّاءِ، ويُدْعَوْنَ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، ”ولَنْ“ أصْلٌ في نَفْيِ المُسْتَقْبَلِ إلّا أنَّهُ يَنْفِيهِ نَفْيًا مُؤَكَّدًا، فَكَأنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ: إنَّ هَذِهِ الأصْنامَ وإنِ اجْتَمَعَتْ لَنْ تَقْدِرَ عَلى خَلْقِ ذُبابَةٍ عَلى ضَعْفِها، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِالعاقِلِ جَعْلُها مَعْبُودًا، فَقَوْلُهُ: ﴿ولَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ نُصِبَ عَلى الحالِ كَأنَّهُ قالَ: يَسْتَحِيلُ أنْ يَخْلُقُوا الذُّبابَ حالَ اجْتِماعِهِمْ فَكَيْفَ حالُ انْفِرادِهِمْ ؟
والثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وإنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئًا لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنهُ﴾ كَأنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ: أتْرُكُ أمْرَ الخَلْقِ والإيجادِ وأتَكَلَّمُ فِيما هو أسْهَلُ مِنهُ، فَإنَّ الذُّبابَ إنْ سَلَبَ مِنها شَيْئًا، فَهي لا تَقْدِرُ عَلى اسْتِنْقاذِ ذَلِكَ الشَّيْءِ مِنَ الذُّبابِ، واعْلَمْ أنَّ الدَّلالَةَ الأُولى صالِحَةٌ لِأنْ يُتَمَسَّكَ بِها في نَفْيِ كَوْنِ المَسِيحِ والمَلائِكَةِ آلِهَةً، أمّا الثّانِيَةُ فَلا، فَإنْ قِيلَ: هَذا الِاسْتِدْلالُ إمّا أنْ يَكُونَ لِنَفْيِ كَوْنِ الأوْثانِ خالِقَةً عالِمَةً حَيَّةً مُدَبِّرَةً، أوْ لِنَفْيِ كَوْنِها مُسْتَحِقَّةً لِلتَّعْظِيمِ، والأوَّلُ فاسِدٌ؛ لِأنَّ نَفْيَ كَوْنِها كَذَلِكَ مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ، فَأيُّ فائِدَةٍ في إقامَةِ الدَّلالَةِ عَلَيْهِ ؟ وأمّا الثّانِي: فَهَذِهِ الدَّلالَةُ لا تُفِيدُهُ؛ لِأنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن نَفْيِ كَوْنِها حَيَّةً أنْ لا تَكُونَ مُعَظَّمَةً، فَإنَّ جِهاتِ التَّعْظِيمِ مُخْتَلِفَةٌ، فالقَوْمُ كانُوا يَعْتَقِدُونَ فِيها أنَّها طَلْسَماتٌ مَوْضُوعَةٌ عَلى صُورَةِ الكَواكِبِ، أوْ أنَّها تَماثِيلُ المَلائِكَةِ والأنْبِياءِ المُتَقَدِّمِينَ، وكانُوا يُعَظِّمُونَها عَلى أنَّ تَعْظِيمَها يُوجِبُ تَعْظِيمَ المَلائِكَةِ وأُولَئِكَ الأنْبِياءِ المُتَقَدِّمِينَ. والجَوابُ: أمّا كَوْنُها طَلْسَماتٍ مَوْضُوعَةً عَلى الكَواكِبِ بِحَيْثُ يَحْصُلُ مِنها الإضْرارُ والِانْتِفاعُ، فَهو يَبْطُلُ بِهَذِهِ الدَّلالَةِ، فَإنَّها لَمّا لَمْ تَنْفَعْ نَفْسَها في هَذا القَدْرِ وهو تَخْلِيصُ النَّفْسِ عَنِ الذُّبابَةِ فَلِأنْ لا تَنْفَعَ غَيْرَها أوْلى، وأمّا أنَّها تَماثِيلُ المَلائِكَةِ والأنْبِياءِ المُتَقَدِّمِينَ، فَقَدْ تَقَرَّرَ في العَقْلِ أنَّ تَعْظِيمَ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ أقَلَّ مِن تَعْظِيمِ اللَّهِ تَعالى، والقَوْمُ كانُوا يُعَظِّمُونَها غايَةَ التَّعْظِيمِ، وحِينَئِذٍ كانَ يَلْزَمُ التَّسْوِيَةُ بَيْنَها وبَيْنَ الخالِقِ سُبْحانَهُ في التَّعْظِيمِ، فَمِن هاهُنا صارُوا مُسْتَوْجِبِينَ لِلذَّمِّ والمَلامِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ضَعُفَ الطّالِبُ والمَطْلُوبُ﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: المُرادُ مِنهُ الصَّنَمُ والذُّبابُ فالصَّنَمُ كالطّالِبِ مِن حَيْثُ إنَّهُ لَوْ طَلَبَ أنْ يَخْلُقَهُ ويَسْتَنْقِذَ مِنهُ ما اسْتَلَبَهُ لَعَجَزَ عَنْهُ والذُّبابُ بِمَنزِلَةِ المَطْلُوبِ. الثّانِي: أنَّ الطّالِبَ مَن عَبَدَ الصَّنَمَ، والمَطْلُوبَ نَفْسُ الصَّنَمِ أوْ عِبادَتُها. وهَذا أقْرَبُ؛ لِأنَّ كَوْنَ الصَّنَمِ طالِبًا لَيْسَ حَقِيقَةً بَلْ هو عَلى سَبِيلِ التَّقْدِيرِ، أمّا هاهُنا فَعَلى سَبِيلِ التَّحْقِيقِ لَكِنَّ المَجازَ فِيهِ حاصِلٌ؛ لِأنَّ الوَثَنَ لا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ ضَعِيفًا؛ لِأنَّ الضَّعْفَ لا يَجُوزُ إلّا عَلى مَن يَصِحُّ أنْ يَقْوى، وهاهُنا وجْهٌ ثالِثٌ: وهو أنْ يَكُونَ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ضَعُفَ﴾ لا مِن حَيْثُ القُوَّةِ ولَكِنْ لِظُهُورِ قُبْحِ هَذا المَذْهَبِ، كَما يُقالُ لِلْمَرْءِ عِنْدَ المُناظَرَةِ: ما أضْعَفَ هَذا المَذْهَبَ وما أضْعَفَ هَذا الوجه.
الحج 22:74
صفحة ٦١
أمّا قَوْلُهُ: ﴿ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ أيْ ما عَظَّمُوهُ حَقَّ تَعْظِيمِهِ، حَيْثُ جَعَلُوا هَذِهِ الأصْنامَ عَلى نِهايَةِ خَساسَتِها شَرِيكَةً لَهُ في المَعْبُودِيَّةِ، وهَذِهِ الكَلِمَةُ مُفَسَّرَةٌ في سُورَةِ الأنْعامِ، وهو ”قَوِيٌّ“ لا يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ فِعْلُ شَيْءٍ و”عَزِيزٌ“ لا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى مُغالَبَتِهِ، فَأيُّ حاجَةٍ إلى القَوْلِ بِالشَّرِيكِ. قالَ الكَلْبِيُّ: في هَذِهِ الآيَةِ ونَظِيرِها في سُورَةِ الأنْعامِ: إنَّها نَزَلَتْ في جَماعَةٍ مِنَ اليَهُودِ وهم مالِكُ بْنُ الصَّيْفِ، وكَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ، وكَعْبُ بْنُ أسَدٍ وغَيْرُهم لَعَنَهُمُ اللَّهُ، حَيْثُ قالُوا: إنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا فَرَغَ مِن خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ أعْيا مِن خَلْقِها فاسْتَلْقى واسْتَراحَ ووَضَعَ إحْدى رِجْلَيْهِ عَلى الأُخْرى، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ تَكْذِيبًا لَهم ونَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما مَسَّنا مِن لُغُوبٍ﴾ [ق: ٣٨] . واعْلَمْ أنَّ مَنشَأ هَذِهِ الشُّبُهاتِ هو القَوْلُ بِالتَّشْبِيهِ فَيَجِبُ تَنْزِيهُ ذاتِ اللَّهِ تَعالى عَنْ مُشابَهَةِ سائِرِ الذَّواتِ خِلافَ ما يَقُولُهُ المُشَبِّهَةُ، وتَنْزِيهُ صِفاتِهِ عَنْ مُشابَهَةِ سائِرِ الصِّفاتِ خِلافَ ما يَقُولُهُ الكَرّامِيَّةُ، وتَنْزِيهُ أفْعالِهِ عَنْ مُشابَهَةِ سائِرِ الأفْعالِ، أعْنِي الغَرَضَ والدّاعِيَ واسْتِحْقاقَ المَدْحِ والذَّمِّ خِلافَ ما تَقُولُهُ المُعْتَزِلَةُ، قالَ الإمامُ أبُو القاسِمِ الأنْصارِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: فَهو سُبْحانَهُ جَبّارُ النَّعْتِ عَزِيزُ الوَصْفِ فالأوْهامُ لا تُصَوِّرُهُ والأفْكارُ لا تُقَدِّرُهُ والعُقُولُ لا تُمَثِّلُهُ والأزْمِنَةُ لا تُدْرِكُهُ والجِهاتُ لا تَحْوِيهِ ولا تَحُدُّهُ، صَمَدِيُّ الذّاتِ سَرْمَدِيُّ الصِّفاتِ.
الحج 22:75
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ المَلائِكَةِ رُسُلًا ومِنَ النّاسِ إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم وإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا قَدَّمَ ما يَتَعَلَّقُ بِالإلَهِيّاتِ ذَكَرَ هاهُنا ما يَتَعَلَّقُ بِالنُّبُوّاتِ، قالَ مُقاتِلٌ: قالَ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ: أأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِن بَيْنِنا ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ، وهاهُنا سُؤالانِ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: كَلِمَةُ ”مِن“ لِلتَّبْعِيضِ فَقَوْلُهُ: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ المَلائِكَةِ رُسُلًا﴾ [فاطر: ١] يَقْتَضِي أنْ تَكُونَ الرُّسُلُ بَعْضَهم لا كُلَّهم، وقَوْلُهُ: ﴿جاعِلِ المَلائِكَةِ رُسُلًا﴾ يَقْتَضِي كَوْنَ كُلِّهِمْ رُسُلًا فَوَقَعَ التَّناقُضُ. والجَوابُ: جازَ أنْ يَكُونَ المَذْكُورُ هاهُنا مَن كانَ رُسُلًا إلى بَنِي آدَمَ، وهم أكابِرُ المَلائِكَةِ كَجِبْرِيلَ ومِيكائِيلَ وإسْرافِيلَ وعِزْرائِيلَ والحَفَظَةِ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، وأمّا كُلُّ المَلائِكَةِ فَبَعْضُهم رُسُلٌ إلى البَعْضِ فَزالَ التَّناقُضُ.
السُّؤالُ الثّانِي: قالَ في سُورَةِ الزُّمَرِ: ﴿لَوْ أرادَ اللَّهُ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا لاصْطَفى مِمّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ [الزمر: ٤] فَدَلَّ عَلى أنَّ ولَدَهُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُصْطَفًى، وهَذِهِ الآيَةُ دَلَّتْ عَلى أنَّ بَعْضَ المَلائِكَةِ وبَعْضَ النّاسِ مِنَ المُصْطَفِينَ، فَيَلْزَمُ بِمَجْمُوعِ الآيَتَيْنِ إثْباتُ الوَلَدِ. والجَوابُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لَوْ أرادَ اللَّهُ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا لاصْطَفى﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ ولَدٍ مُصْطَفًى، ولا يَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ مُصْطَفًى ولَدٌ، فَلا يَلْزَمُ مِن دَلالَةِ هَذِهِ الآيَةِ عَلى وُجُودِ مُصْطَفًى كَوْنُهُ ولَدًا، وفي هَذِهِ الآيَةِ وجْهٌ آخَرُ، وهو أنَّ المُرادَ تَبْكِيتُ مَن عَبَدَ غَيْرَ اللَّهِ تَعالى مِنَ المَلائِكَةِ، كَأنَّهُ سُبْحانَهُ أبْطَلَ في الآيَةِ الأُولى قَوْلَ عَبَدَةِ الأوْثانِ. وفي هَذِهِ الآيَةِ أبْطَلَ قَوْلَ عَبَدَةِ المَلائِكَةِ، فَبَيَّنَ أنَّ عُلُوَّ دَرَجَةِ
صفحة ٦٢
المَلائِكَةِ لَيْسَ لِكَوْنِهِمْ آلِهَةً، بَلْ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى اصْطَفاهم لِمَكانِ عِبادَتِهِمْ، فَكَأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهم ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ أنْ جَعَلُوا المَلائِكَةَ مَعْبُودِينَ مَعَ اللَّهِ، ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ أنَّهُ يَسْمَعُ ما يَقُولُونَ ويَرى ما يَفْعَلُونَ، ولِذَلِكَ أتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهُمْ﴾ فَقالَ بَعْضُهم: ما تَقَدَّمَ في الدُّنْيا وما تَأخَّرَ. وقالَ بَعْضُهم: ﴿ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ﴾ أمْرُ الآخِرَةِ، ﴿وما خَلْفَهُمْ﴾ أمْرُ الدُّنْيا، ثُمَّ أتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ فَقَوْلُهُ: ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ﴾ إشارَةٌ إلى العِلْمِ التّامِّ وقَوْلُهُ: ﴿وإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ إشارَةٌ إلى القُدْرَةِ التّامَّةِ والتَّفَرُّدِ بِالإلَهِيَّةِ والحُكْمِ، ومَجْمُوعُهُما يَتَضَمَّنُ نِهايَةَ الزَّجْرِ عَنِ الإقْدامِ عَلى المَعْصِيَةِ.
الحج 22:76
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ المَلائِكَةِ رُسُلًا ومِنَ النّاسِ إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم وإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا قَدَّمَ ما يَتَعَلَّقُ بِالإلَهِيّاتِ ذَكَرَ هاهُنا ما يَتَعَلَّقُ بِالنُّبُوّاتِ، قالَ مُقاتِلٌ: قالَ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ: أأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِن بَيْنِنا ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ، وهاهُنا سُؤالانِ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: كَلِمَةُ ”مِن“ لِلتَّبْعِيضِ فَقَوْلُهُ: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ المَلائِكَةِ رُسُلًا﴾ [فاطر: ١] يَقْتَضِي أنْ تَكُونَ الرُّسُلُ بَعْضَهم لا كُلَّهم، وقَوْلُهُ: ﴿جاعِلِ المَلائِكَةِ رُسُلًا﴾ يَقْتَضِي كَوْنَ كُلِّهِمْ رُسُلًا فَوَقَعَ التَّناقُضُ. والجَوابُ: جازَ أنْ يَكُونَ المَذْكُورُ هاهُنا مَن كانَ رُسُلًا إلى بَنِي آدَمَ، وهم أكابِرُ المَلائِكَةِ كَجِبْرِيلَ ومِيكائِيلَ وإسْرافِيلَ وعِزْرائِيلَ والحَفَظَةِ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، وأمّا كُلُّ المَلائِكَةِ فَبَعْضُهم رُسُلٌ إلى البَعْضِ فَزالَ التَّناقُضُ.
السُّؤالُ الثّانِي: قالَ في سُورَةِ الزُّمَرِ: ﴿لَوْ أرادَ اللَّهُ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا لاصْطَفى مِمّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ [الزمر: ٤] فَدَلَّ عَلى أنَّ ولَدَهُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُصْطَفًى، وهَذِهِ الآيَةُ دَلَّتْ عَلى أنَّ بَعْضَ المَلائِكَةِ وبَعْضَ النّاسِ مِنَ المُصْطَفِينَ، فَيَلْزَمُ بِمَجْمُوعِ الآيَتَيْنِ إثْباتُ الوَلَدِ. والجَوابُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لَوْ أرادَ اللَّهُ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا لاصْطَفى﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ ولَدٍ مُصْطَفًى، ولا يَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ مُصْطَفًى ولَدٌ، فَلا يَلْزَمُ مِن دَلالَةِ هَذِهِ الآيَةِ عَلى وُجُودِ مُصْطَفًى كَوْنُهُ ولَدًا، وفي هَذِهِ الآيَةِ وجْهٌ آخَرُ، وهو أنَّ المُرادَ تَبْكِيتُ مَن عَبَدَ غَيْرَ اللَّهِ تَعالى مِنَ المَلائِكَةِ، كَأنَّهُ سُبْحانَهُ أبْطَلَ في الآيَةِ الأُولى قَوْلَ عَبَدَةِ الأوْثانِ. وفي هَذِهِ الآيَةِ أبْطَلَ قَوْلَ عَبَدَةِ المَلائِكَةِ، فَبَيَّنَ أنَّ عُلُوَّ دَرَجَةِ
صفحة ٦٢
المَلائِكَةِ لَيْسَ لِكَوْنِهِمْ آلِهَةً، بَلْ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى اصْطَفاهم لِمَكانِ عِبادَتِهِمْ، فَكَأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهم ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ أنْ جَعَلُوا المَلائِكَةَ مَعْبُودِينَ مَعَ اللَّهِ، ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ أنَّهُ يَسْمَعُ ما يَقُولُونَ ويَرى ما يَفْعَلُونَ، ولِذَلِكَ أتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهُمْ﴾ فَقالَ بَعْضُهم: ما تَقَدَّمَ في الدُّنْيا وما تَأخَّرَ. وقالَ بَعْضُهم: ﴿ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ﴾ أمْرُ الآخِرَةِ، ﴿وما خَلْفَهُمْ﴾ أمْرُ الدُّنْيا، ثُمَّ أتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ فَقَوْلُهُ: ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ﴾ إشارَةٌ إلى العِلْمِ التّامِّ وقَوْلُهُ: ﴿وإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ إشارَةٌ إلى القُدْرَةِ التّامَّةِ والتَّفَرُّدِ بِالإلَهِيَّةِ والحُكْمِ، ومَجْمُوعُهُما يَتَضَمَّنُ نِهايَةَ الزَّجْرِ عَنِ الإقْدامِ عَلى المَعْصِيَةِ.
الحج 22:77
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا واسْجُدُوا واعْبُدُوا رَبَّكم وافْعَلُوا الخَيْرَ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ ﴿وجاهِدُوا في اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ هو اجْتَباكم وما جَعَلَ عَلَيْكم في الدِّينِ مِن حَرَجٍ مِلَّةَ أبِيكم إبْراهِيمَ هو سَمّاكُمُ المُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وفي هَذا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكم وتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ فَأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ واعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هو مَوْلاكم فَنِعْمَ المَوْلى ونِعْمَ النَّصِيرُ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا تَكَلَّمَ في الإلَهِيّاتِ ثُمَّ في النُّبُوّاتِ أتْبَعَهُ بِالكَلامِ في الشَّرائِعِ وهو مِن أرْبَعِ أوْجُهٍ:
أوَّلُها: تَعْيِينُ المَأْمُورِ.
وثانِيها: أقْسامُ المَأْمُورِ بِهِ.
وثالِثُها: ذِكْرُ ما يُوجِبُ قَبُولَ تِلْكَ الأوامِرِ.
ورابِعُها: تَأْكِيدُ ذَلِكَ التَّكْلِيفِ.
أمّا النوع الأوَّلُ: وهو تَعْيِينُ المَأْمُورِ فَهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: المُرادُ مِنهُ كُلُّ المُكَلَّفِينَ سَواءٌ كانَ مُؤْمِنًا أوْ كافِرًا؛ لِأنَّ التَّكْلِيفَ بِهَذِهِ الأشْياءِ عامٌّ في كُلِّ المُكَلَّفِينَ فَلا مَعْنًى لِتَخْصِيصِ المُؤْمِنِينَ بِذَلِكَ. والثّانِي: أنَّ المُرادَ بِذَلِكَ المُؤْمِنُونَ فَقَطْ، أمّا أوَّلًا فَلِأنَّ اللَّفْظَ صَرِيحٌ فِيهِ، وأما ثانِيًا فَلِأنَّ قَوْلَهُ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿هُوَ اجْتَباكُمْ﴾ وقَوْلَهُ: ﴿هُوَ سَمّاكُمُ المُسْلِمِينَ﴾ وقَوْلَهُ: ﴿وتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ﴾ كُلُّ ذَلِكَ لا يَلِيقُ إلّا بِالمُؤْمِنِينَ. أقْصى ما في البابِ أنْ يُقالَ: لَمّا كانَ ذَلِكَ واجِبًا عَلى الكُلِّ فَأيُّ فائِدَةٍ في تَخْصِيصِ المُؤْمِنِينَ ؟ لَكُنّا نَقُولُ: تَخْصِيصُهم بِالذِّكْرِ لا يَدُلُّ عَلى نَفْيِ ذَلِكَ عَمّا عَداهم، بَلْ قَدْ دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى كَوْنِهِمْ عَلى التَّخْصِيصِ مَأْمُورِينَ بِهَذِهِ الأشْياءِ، ودَلَّتْ سائِرُ الآياتِ عَلى كَوْنِ الكُلِّ مَأْمُورِينَ بِها. ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: فائِدَةُ التَّخْصِيصِ أنَّهُ لَمّا جاءَ الخِطابُ العامُّ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى ثُمَّ إنَّهُ ما قَبِلَهُ إلّا المُؤْمِنُونَ خَصَّهُمُ اللَّهُ تَعالى بِهَذا الخِطابِ لِيَكُونَ ذَلِكَ كالتَّحْرِيضِ لَهم عَلى المُواظَبَةِ عَلى قَبُولِهِ وكالتَّشْرِيقِ لَهم في ذَلِكَ الإقْرارِ والتَّخْصِيصِ.
صفحة ٦٣
أمّا النوع الثّانِي: وهو المَأْمُورُ بِهِ فَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ أُمُورًا أرْبَعَةً:
الأوَّلُ: الصَّلاةُ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ارْكَعُوا واسْجُدُوا﴾ وذَلِكَ لِأنَّ أشْرَفَ أرْكانِ الصَّلاةِ هو الرُّكُوعُ والسُّجُودُ، والصَّلاةُ هي المُخْتَصَّةُ بِهَذَيْنِ الرُّكْنَيْنِ، فَكانَ ذِكْرُهُما جارِيًا مَجْرى ذِكْرِ الصَّلاةِ وذَكَرَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: أنَّ النّاسَ في أوَّلِ إسْلامِهِمْ كانُوا يَرْكَعُونَ ولا يَسْجُدُونَ حَتّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿واعْبُدُوا رَبَّكُمْ﴾ وذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا:
أحَدُها: اعْبُدُوهُ ولا تَعْبُدُوا غَيْرَهُ.
وثانِيها: واعْبُدُوا رَبَّكم في سائِرِ المَأْمُوراتِ والمَنهِيّاتِ.
وثالِثُها: افْعَلُوا الرُّكُوعَ والسُّجُودَ وسائِرَ الطّاعاتِ عَلى وجْهِ العِبادَةِ؛ لِأنَّهُ لا يَكْفِي أنْ يُفْعَلَ فَإنَّهُ ما لَمْ يَقْصِدْ بِهِ عِبادَةَ اللَّهِ تَعالى لا يَنْفَعُ في بابِ الثَّوابِ، فَلِذَلِكَ عَطَفَ هَذِهِ الجُمْلَةَ عَلى الرُّكُوعِ والسُّجُودِ.
الثّالِثُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وافْعَلُوا الخَيْرَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: يَزِيدُ بِهِ صِلَةَ الرَّحِمِ ومَكارِمَ الأخْلاقِ، والوجه عِنْدِي في هَذا التَّرْتِيبِ أنَّ الصَّلاةَ نَوْعٌ مِن أنْواعِ العِبادَةِ والعِبادَةُ نَوْعٌ مِن أنْواعِ فِعْلِ الخَيْرِ؛ لِأنَّ فِعْلَ الخَيْرِ يَنْقَسِمُ إلى خِدْمَةِ المَعْبُودِ الَّذِي هو عِبارَةٌ عَنِ التَّعْظِيمِ لِأمْرِ اللَّهِ، وإلى الإحْسانِ الَّذِي هو عِبارَةٌ عَنِ الشَّفَقَةِ عَلى خَلْقِ اللَّهِ، ويَدْخُلُ فِيهِ البِرُّ والمَعْرُوفُ والصَّدَقَةُ عَلى الفُقَراءِ وحُسْنُ القَوْلِ لِلنّاسِ، فَكَأنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ: كَلَّفْتُكم بِالصَّلاةِ، بَلْ كَلَّفْتُكم بِما هو أعَمُّ مِنها وهو العِبادَةُ، بَلْ كَلَّفْتُكم بِما هو أعَمُّ مِنَ العِبادَةِ وهو فِعْلُ الخَيْراتِ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ فَقِيلَ: مَعْناهُ لِتُفْلِحُوا، والفَلاحُ الظَّفَرُ بِنَعِيمِ الآخِرَةِ، وقالَ الإمامُ أبُو القاسِمِ الأنْصارِيُّ: لَعَلَّ كَلِمَةٌ لِلتَّرْجِيَةِ فَإنَّ الإنْسانَ قَلَّما يَخْلُو في أداءِ الفَرِيضَةِ مِن تَقْصِيرٍ ولَيْسَ هو عَلى يَقِينٍ مِن أنَّ الَّذِي أتى بِهِ هَلْ هو مَقْبُولٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى والعَواقِبُ أيْضًا مَسْتُورَةٌ ”«وكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ لَهُ» “ .
* * *
الرّابِعُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجاهِدُوا في اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ﴿فِي اللَّهِ﴾ أيْ في ذاتِ اللَّهِ، ومِن أجْلِهِ. يُقالُ: هو حَقُّ عالِمٍ وجِدُّ عالِمٍ أيْ عالِمٌ حَقًّا وجِدًّا ومِنهُ ﴿حَقَّ جِهادِهِ﴾ وهاهُنا سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: ما وجْهُ هَذِهِ الإضافَةِ وكانَ القِياسُ حَقَّ الجِهادِ فِيهِ أوْ حَقَّ جِهادِكم فِيهِ كَما قالَ: ﴿وجاهِدُوا في اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ﴾ ؟ والجَوابُ: الإضافَةُ تَكُونُ بِأدْنى مُلابَسَةٍ واخْتِصاصٍ، فَلَمّا كانَ الجِهادُ مُخْتَصًّا بِاللَّهِ مِن حَيْثُ إنَّهُ مَفْعُولٌ لِوَجْهِهِ ومِن أجْلِهِ صَحَّتِ الإضافَةُ إلَيْهِ.
السُّؤالُ الثّانِي: ما هَذا الجِهادُ ؟ الجَوابُ: فِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّ المُرادَ قِتالُ الكُفّارِ خاصَّةً، ومَعْنى ﴿حَقَّ جِهادِهِ﴾ أنْ لا يَفْعَلَ إلّا عِبادَةً لا رَغْبَةً في الدُّنْيا مِن حَيْثُ الِاسْمِ أوِ الغَنِيمَةِ. والثّانِي: أنْ يُجاهِدُوا آخِرًا كَما جاهَدُوا أوَّلًا، فَقَدْ كانَ جِهادُهم في الأوَّلِ أقْوى وكانُوا فِيهِ أثْبَتَ نَحْوَ صُنْعِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ، رُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قالَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ: أما عَلِمْتَ أنّا كُنّا نَقْرَأُ: ﴿وجاهِدُوا في اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ﴾ في آخِرِ الزَّمانِ كَما جاهَدْتُمُوهُ في أوَّلِهِ ؟ فَقالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: ومَتى ذاكَ يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ ؟ قالَ: إذا كانَتْ بَنُو أُمَيَّةَ الأُمَراءَ وبَنُو المُغِيرَةِ الوُزَراءَ، واعْلَمْ أنَّهُ يَبْعُدُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الزِّيادَةُ مِنَ القُرْآنِ وإلّا لَنُقِلَ كَنَقْلِ نَظائِرِهِ، ولَعَلَّهُ إنْ صَحَّ ذَلِكَ عَنِ الرَّسُولِ فَإنَّما قالَهُ كالتَّفْسِيرِ لِلْآيَةِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّهُ قَرَأ: وجاهِدُوا في اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ كَما جاهَدْتُمْ أوَّلَ مَرَّةٍ. فَقالَ عُمَرُ: مَنِ الَّذِي أُمِرْنا بِجِهادِهِ ؟ فَقالَ: قَبِيلَتانِ مِن قُرَيْشٍ مَخْزُومٍ وعَبْدِ شَمْسٍ، فَقالَ: صَدَقْتَ. والثّالِثُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: حَقَّ جِهادِهِ: لا تَخافُوا في اللَّهِ لَوْمَةَ لائِمٍ. والرّابِعُ: قالَ الضَّحّاكُ: واعْمَلُوا لِلَّهِ حَقَّ عَمَلِهِ. والخامِسُ: اسْتَفْرِغُوا وُسْعَكم في إحْياءِ دِينِ اللَّهِ وإقامَةِ حُقُوقِهِ بِالحَرْبِ بِاليَدِ واللِّسانِ، وجَمِيعِ ما يُمْكِنُ ورُدُّوا أنْفُسَكم عَنِ الهَوى والمَيْلِ. والوجه السّادِسُ: قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ المُبارَكِ: حَقَّ جِهادِهِ:
صفحة ٦٤
مُجاهَدَةُ النَّفْسِ والهَوى. ولَمّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِن غَزْوَةِ تَبُوكَ قالَ: «رَجَعْنا مِنَ الجِهادِ الأصْغَرِ إلى الجِهادِ الأكْبَرِ» والأوْلى أنْ يُحْمَلَ ذَلِكَ عَلى كُلِّ التَّكالِيفِ، فَكُلُّ ما أُمِرَ بِهِ ونُهِيَ عَنْهُ فالمُحافَظَةُ عَلَيْهِ جِهادٌ.
السُّؤالُ الثّالِثُ: هَلْ يَصِحُّ ما نُقِلَ عَنْ مُقاتِلٍ والكَلْبِيِّ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ ما اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] كَما أنَّ قَوْلَهُ: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢] مَنسُوخٌ بِذَلِكَ ؟ الجَوابُ: هَذا بَعِيدٌ؛ لِأنَّ التَّكْلِيفَ مَشْرُوطٌ بِالقُدْرَةِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها﴾ [البقرة: ٢٨٦] فَكَيْفَ يَقُولُ اللَّهُ وجاهِدُوا في اللَّهِ عَلى وجْهٍ لا تَقْدِرُونَ عَلَيْهِ ؟ وكَيْفَ وقَدْ كانَ الجِهادُ في الأوَّلِ مُضَيَّقًا حَتّى لا يَصِحَّ أنْ يَفِرَّ الواحِدُ مِن عَشَرَةٍ، ثُمَّ خَفَّفَهُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٦] ؟ أفَيَجُوزُ مَعَ ذَلِكَ أنْ يُوجِبَهُ عَلى وجْهٍ لا يُطاقُ حَتّى يُقالَ إنَّهُ مَنسُوخٌ ؟
النوع الثّالِثُ: بَيانُ ما يُوجِبُ قَبُولَ هَذِهِ الأوامِرِ وهو ثَلاثَةٌ: الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿هُوَ اجْتَباكُمْ﴾ ومَعْناهُ أنَّ التَّكْلِيفَ تَشْرِيفٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِلْعَبْدِ، فَلَمّا خَصَّكم بِهَذا التَّشْرِيفِ فَقَدْ خَصَّكم بِأعْظَمِ التَّشْرِيفاتِ واخْتارَكم لِخِدْمَتِهِ والِاشْتِغالِ بِطاعَتِهِ، فَأيُّ رُتْبَةٍ أعْلى مِن هَذا ؟ وأيُّ سَعادَةٍ فَوْقَ هَذا ؟ ويُحْتَمَلُ في اجْتَباكم خَصَّكم بِالهِدايَةِ والمَعُونَةِ والتَّيْسِيرِ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما جَعَلَ عَلَيْكم في الدِّينِ مِن حَرَجٍ﴾ فَهو كالجَوابِ عَنْ سُؤالٍ يُذْكَرُ، وهو أنَّ التَّكْلِيفَ وإنْ كانَ تَشْرِيفًا واجِبًا كَما ذَكَرْتُمْ لَكِنَّهُ شاقٌّ شَدِيدٌ عَلى النَّفْسِ ؟ فَأجابَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وما جَعَلَ عَلَيْكم في الدِّينِ مِن حَرَجٍ﴾ رُوِيَ أنَّ أبا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: كَيْفَ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وما جَعَلَ عَلَيْكم في الدِّينِ مِن حَرَجٍ﴾ مَعَ أنَّهُ مَنَعَنا عَنِ الزِّنا والسَّرِقَةِ ؟ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: بَلى ولَكِنَّ الإصْرَ الَّذِي كانَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ وُضِعَ عَنْكم، وهاهُنا سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: ما الحَرَجُ في أصْلِ اللُّغَةِ ؟ الجَوابُ: رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّهُ قالَ لِبَعْضِ هُذَيْلٍ: ما تَعُدُّونَ الحَرَجَ فِيكم ؟ قالَ: الضِّيقُ. وعَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: «سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: الضِّيقُ» .
السُّؤالُ الثّانِي: ما المُرادُ مِنَ الحَرَجِ في الآيَةِ ؟ الجَوابُ: قِيلَ هو الإتْيانُ بِالرُّخَصِ، فَمَن لَمْ يَسْتَطِعْ أنْ يُصَلِّيَ قائِمًا فَلْيُصَلِّ جالِسًا ومَن لَمْ يَسْتَطِعْ ذَلِكَ فَلْيُومِ، وأباحَ لِلصّائِمِ الفِطْرَ في السَّفَرِ والقَصْرَ فِيهِ. وأيْضًا فَإنَّهُ سُبْحانَهُ لَمْ يَبْتَلِ عَبْدَهُ بِشَيْءٍ مِنَ الذُّنُوبِ إلّا وجَعَلَ لَهُ مَخْرَجًا مِنها إمّا بِالتَّوْبَةِ أوْ بِالكَفّارَةِ، وعَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: ”إنَّهُ مَن جاءَتْهُ رُخْصَةٌ فَرَغِبَ عَنْها كُلِّفَ يَوْمَ القِيامَةِ أنْ يَحْمِلَ ثِقَلَ تِنِّينٍ حَتّى يُقْضى بَيْنَ النّاسِ“ وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «إذا اجْتَمَعَ أمْرانِ فَأحَبُّهُما إلى اللَّهِ تَعالى أيْسَرُهُما» وعَنْ كَعْبٍ: أعْطى اللَّهُ هَذِهِ الأُمَّةَ ثَلاثًا لَمْ يُعْطِهِنَّ إلّا لِلْأنْبِياءِ: ”جَعَلَهم شُهَداءَ عَلى النّاسِ، وما جَعَلَ عَلَيْهِمْ في الدِّينِ مِن حَرَجٍ، وقالَ: ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكم“ .
السُّؤالُ الثّالِثُ: اسْتَدَلَّتِ المُعْتَزِلَةُ بِهَذِهِ الآيَةِ في المَنعِ مِن تَكْلِيفِ ما لا يُطاقُ، فَقالُوا: لَمّا خَلَقَ اللَّهُ الكُفْرَ والمَعْصِيَةَ في الكافِرِ والعاصِي ثُمَّ نَهاهُ عَنْهُما كانَ ذَلِكَ مِن أعْظَمِ الحَرَجِ، وذَلِكَ مَنفِيٌّ بِصَرِيحِ هَذا النَّصِّ. والجَوابُ: لَمّا أمَرَهُ بِتَرْكِ الكُفْرِ، وتَرْكُ الكُفْرِ يَقْتَضِي انْقِلابَ عِلْمِهِ جَهْلًا، فَقَدْ أمَرَ اللَّهُ المُكَلَّفَ بِقَلْبِ عِلْمِ اللَّهِ جَهْلًا وذَلِكَ مِن أعْظَمِ الحَرَجِ، ولَمّا اسْتَوى القَدَمانِ زالَ السُّؤالُ.
صفحة ٦٥
المُوجِبُ الثّانِي لِقَبُولِ التَّكْلِيفِ: قَوْلُهُ: ﴿مِلَّةَ أبِيكم إبْراهِيمَ هو سَمّاكُمُ المُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ﴾ وفي نَصْبِ المِلَّةِ وجْهانِ:
أحَدُهُما وهو قَوْلُ الفَرّاءِ أنَّها مَنصُوبَةٌ بِمَضْمُونِ ما تَقَدَّمَها، كَأنَّهُ قِيلَ: وسَّعَ دِينَكم تَوْسِعَةَ مِلَّةِ أبِيكم إبْراهِيمَ، ثُمَّ حَذَفَ المُضافَ وأقامَ المُضافَ إلَيْهِ مَقامَهُ.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى المَدْحِ والتَّعْظِيمِ أيْ: أعْنِي بِالدِّينِ مِلَّةَ أبِيكم إبْراهِيمَ. واعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن ذِكْرِهِ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ هَذِهِ التَّكالِيفَ والشَّرائِعَ هي شَرِيعَةُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، والعَرَبُ كانُوا مُحِبِّينَ لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِأنَّهم مِن أوْلادِهِ، فَكانَ التَّنْبِيهُ عَلى ذَلِكَ كالسَّبَبِ لِصَيْرُورَتِهِمْ مُنْقادِينَ لِقَبُولِ هَذا الدِّينِ، وهاهُنا سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: لِمَ قالَ: ﴿مِلَّةَ أبِيكم إبْراهِيمَ﴾ ولَمْ يُدْخِلْ في الخِطابِ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ كانُوا في زَمَنِ الرَّسُولِ ﷺ ولَمْ يَكُنْ مِن ولَدِهِ؟ والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ.
أحَدُهُما: لَمّا كانَ أكْثَرُهم مِن ولَدِهِ كالرَّسُولِ ورَهْطِهِ وجَمِيعِ العَرَبِ، جازَ ذَلِكَ.
وثانِيهُما وهو قَوْلُ الحَسَنِ أنَّ اللَّهَ تَعالى جَعْلَ حُرْمَةَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى المُسْلِمِينَ كَحُرْمَةِ الوالِدِ عَلى ولَدِهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ﴾ [الَأحْزابِ: ٦] فَجَعَلَ حُرْمَتَهُ كَحُرْمَةِ الوالِدِ عَلى الوَلَدِ، وحُرْمَةَ نِسائِهِ كَحُرْمَةِ الوالِدَةِ، عَلى ما قالَ تَعالى: ﴿وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ﴾ [الَأحْزابِ: ٦].
السُّؤالُ الثّانِي: هَذا يَقْتَضِي أنْ تَكُونَ مِلَّةُ مُحَمَّدٍ كَمِلَّةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِما السَّلامُ سَواءً، فَيَكُونُ الرَّسُولُ لَيْسَ لَهُ شَرْعٌ مَخْصُوصٌ، ويُؤَكِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ﴾ [النَّحْلِ: ١٢٣]؟ الجَوابُ: هَذا الكَلامُ إنَّما وقَعَ مَعَ عَبَدَةِ الأوْثانِ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: عِبادَةُ اللَّهِ وتَرْكُ الأوْثانِ هي مِلَّةُ إبْراهِيمَ، فَأمّا تَفاصِيلُ الشَّرائِعِ فَلا تَعَلُّقَ لَها بِهَذا المَوْضِعِ.
السُّؤالُ الثّالِثُ: ما مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُوَ سَمّاكُمُ المُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ﴾ ؟ الجَوابُ: فِيهِ قَوْلانِ، أحَدُهُما: أنَّ الكِنايَةَ راجِعَةٌ إلى إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةً مُسْتَجابَةً وهو قَوْلُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ﴿رَبَّنا واجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ ومِن ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ [البَقَرَةِ: ١٢٨] فاسْتَجابَ اللَّهُ تَعالى لَهُ فَجَعَلَها أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ، ورُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أخْبَرَ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى سَيَبْعَثُ مُحَمَّدًا بِمِثْلِ مِلَّتِهِ، وأنَّهُ سَتُسَمّى أُمَّتُهُ بِالمُسْلِمِينَ. والثّانِي: أنَّ الكِنايَةَ راجِعَةٌ إلى اللَّهِ تَعالى في قَوْلِهِ: ﴿هُوَ اجْتَباكُمْ﴾ فَرَوى عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّهُ قالَ: ”إنَّ اللَّهَ سَمّاكُمُ المُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ“ أيْ: في كُلِّ الكُتُبِ، وفي هَذا؛ أيْ في القُرْآنِ. وهَذا الوجه أقْرَبُ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكم وتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ﴾ فَبَيَّنَ أنَّهُ سَمّاهم بِذَلِكَ لِهَذا الغَرَضِ، وهَذا لا يَلِيقُ إلّا بِاللَّهِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا قِراءَةُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ”اللَّهُ سَمّاكُمْ“ والمَعْنى أنَّهُ سُبْحانَهُ في سائِرِ الكُتُبِ المُتَقَدِّمَةِ عَلى القُرْآنِ، وفي القُرْآنِ أيْضًا بَيَّنَ فَضْلَكم عَلى الأُمَمِ وسَمّاكم بِهَذا الِاسْمِ الأكْرَمِ؛ لِأجْلِ الشَّهادَةِ المَذْكُورَةِ؛ فَكَما خَصَّكُمُ اللَّهُ بِهَذِهِ الكَرامَةِ فاعْبُدُوهُ ولا تَرُدُّوا تَكالِيفَهُ. وهَذا هو (العِلَّةُ الثّالِثَةُ) المُوجِبَةُ لِقَبُولِ التَّكْلِيفِ، وأمّا الكَلامُ في أنَّهُ كَيْفَ يَكُونُ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْنا؟ وكَيْفَ تَكُونُ أُمَّتُهُ شُهَداءَ عَلى النّاسِ؟ فَقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ، وبَيَّنا أنَّهُ أُخِذَ مِنهُ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ الإجْماعَ حُجَّةٌ.
النوع الرّابِعُ: شَرْحُ ما يَجْرِي مَجْرى المُؤَكَّدِ لِما مَضى، وهو قَوْلُهُ: ﴿فَأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ﴾
صفحة ٦٦
ويَجِبُ صَرْفُها إلى المَفْرُوضاتِ؛ لِأنَّها هي المَعْهُودَةُ ﴿واعْتَصِمُوا بِاللَّهِ﴾ أيْ: بِدَلائِلِهِ العَقْلِيَّةِ والسَّمْعِيَّةِ وألْطافِهِ وعِصْمَتِهِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ”سَلُوا اللَّهَ العِصْمَةَ عَنْ كُلِّ المُحَرَّماتِ“ وقالَ القَفّالُ: اجْعَلُوا اللَّهَ عِصْمَةً لَكم مِمّا تَحْذَرُونَ ﴿هُوَ مَوْلاكُمْ﴾ وسَيِّدُكم والمُتَصَرِّفُ فِيكم ﴿فَنِعْمَ المَوْلى ونِعْمَ النَّصِيرُ﴾ فَكَأنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ: أنا مَوْلاكَ بَلْ أنا ناصِرُكَ وحَسْبُكَ. واعْلَمْ أنَّ المُعْتَزِلَةَ احْتَجُّوا بِهَذِهِ الآياتِ مِن وُجُوهٍ.
أحَدُها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ أرادَ الإيمانَ مِنَ الكُلِّ؛ لِأنَّهُ تَعالى لا يَجْعَلُ الشَّهِيدَ عَلى عِبادِهِ إلّا مَن كانَ عَدْلًا مَرْضِيًّا، فَإذا أرادَ أنْ تَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ فَقَدْ أرادَ أنْ تَكُونُوا جَمِيعًا صالِحِينَ عُدُولًا، وقَدْ عَلِمْنا أنَّ مِنهم فُسّاقًا، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى أرادَ مِنَ الفاسِقِ كَوْنَهُ عَدْلًا.
وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿واعْتَصِمُوا بِاللَّهِ﴾ وكَيْفَ يُمْكِنُ الِاعْتِصامُ بِهِ مَعَ أنَّ الشَّرَّ لا يُوجَدُ إلّا مِنهُ؟
وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿فَنِعْمَ المَوْلى﴾ لِأنَّهُ لَوْ كانَ كَما يَقُولُهُ أهْلُ السُّنَّةِ مِن أنَّهُ خَلَقَ أكْثَرَ عِبادِهِ لِيَخْلُقَ فِيهِمُ الكُفْرَ والفَسادَ ثُمَّ يُعَذِّبُهم، لَما كانَ نِعْمَ المَوْلى، بَلْ كانَ لا يُوجَدُ مِن شِرارِ المَوالِي أحَدٌ إلّا وهو شَرُّ مِنهُ؛ فَكانَ يَجِبُ أنْ يُوصَفَ بِأنَّهُ بِئْسَ المَوْلى، وذَلِكَ باطِلٌ فَدَلَّ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ ما أرادَ مِن جَمِيعِهِمْ إلّا الصَّلاحَ. فَإنْ قِيلَ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ نِعْمَ المَوْلى لِلْمُؤْمِنِينَ خاصَّةً كَما أنَّهُ نِعْمَ النَّصِيرُ لَهم خاصَّةً؟ قُلْنا: إنَّهُ تَعالى مَوْلى المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ جَمِيعًا، فَيَجِبُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ نِعْمَ المَوْلى لِلْمُؤْمِنِينَ وبِئْسَ المَوْلى لِلْكافِرِينَ؛ فَإنِ ارْتَكَبُوا ذَلِكَ فَقَدْ رَدُّوا القُرْآنَ والإجْماعَ وصَرَّحُوا بِشَتْمِ اللَّهِ تَعالى.
ورابِعُها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿سَمّاكُمُ المُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ﴾ يَدُلُّ عَلى إثْباتِ الأسْماءِ الشَّرْعِيَّةِ، وأنَّها مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّها لَوْ كانَتْ لُغَةً لَما أُضِيفَتْ إلى اللَّهِ تَعالى عَلى وجْهِ الخُصُوصِ. والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ وهو قَوْلُهُ: كَوْنُهُ تَعالى مُرِيدًا لِكَوْنِهِ شاهِدًا يَسْتَلْزِمُ كَوْنَهُ مُرِيدًا لِكَوْنِهِ عَدْلًا، فَنَقُولُ: إنْ كانَتْ إرادَةُ الشَّيْءِ مُسْتَلْزِمَةً لِإرادَةِ لَوازِمِهِ، فَإرادَةُ الإيمانِ مِنَ الكافِرِ تُوجِبُ أنْ تَكُونَ مُسْتَلْزِمَةً لِإرادَةِ جَهْلِ اللَّهِ تَعالى، فَيَلْزَمُ كَوْنُهُ تَعالى مُرِيدًا لِجَهْلِ نَفْسِهِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ واجِبًا سَقَطَ الكَلامُ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿واعْتَصِمُوا بِاللَّهِ﴾ فَيُقالُ: هَذا أيْضًا وارِدٌ عَلَيْكم فَإنَّهُ سُبْحانَهُ خَلَقَ الشَّهْوَةَ في قَلْبِ الفاسِقِ وأكَّدَها، وخَلَقَ المُشْتَهى وقَرَّبَهُ مِنهُ، ورَفَعَ المانِعَ ثُمَّ سَلَّطَ عَلَيْهِ الشَّياطِينَ مِنَ الإنْسِ والجِنِّ، وعَلِمَ أنَّهُ لا مَحالَةَ يَقَعُ في الفُجُورِ والضَّلالِ، وفي الشّاهِدِ كُلُّ مَن فَعَلَ ذَلِكَ فَإنَّهُ يَكُونُ بِئْسَ المَوْلى، فَإنْ صَحَّ قِياسُ الغائِبِ عَلى الشّاهِدِ فَهَذا لازِمٌ عَلَيْكم وإنْ بَطَلَ سَقَطَ كَلامُكم بِالكُلِّيَّةِ.
”تَمَّ تَفْسِيرُ سُورَةِ الحَجِّ، ويَتْلُوهُ تَفْسِيرُ سُورَةِ المُؤْمِنُونَ، والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ“ .
الحج 22:78
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا واسْجُدُوا واعْبُدُوا رَبَّكم وافْعَلُوا الخَيْرَ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ ﴿وجاهِدُوا في اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ هو اجْتَباكم وما جَعَلَ عَلَيْكم في الدِّينِ مِن حَرَجٍ مِلَّةَ أبِيكم إبْراهِيمَ هو سَمّاكُمُ المُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وفي هَذا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكم وتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ فَأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ واعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هو مَوْلاكم فَنِعْمَ المَوْلى ونِعْمَ النَّصِيرُ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا تَكَلَّمَ في الإلَهِيّاتِ ثُمَّ في النُّبُوّاتِ أتْبَعَهُ بِالكَلامِ في الشَّرائِعِ وهو مِن أرْبَعِ أوْجُهٍ:
أوَّلُها: تَعْيِينُ المَأْمُورِ.
وثانِيها: أقْسامُ المَأْمُورِ بِهِ.
وثالِثُها: ذِكْرُ ما يُوجِبُ قَبُولَ تِلْكَ الأوامِرِ.
ورابِعُها: تَأْكِيدُ ذَلِكَ التَّكْلِيفِ.
أمّا النوع الأوَّلُ: وهو تَعْيِينُ المَأْمُورِ فَهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: المُرادُ مِنهُ كُلُّ المُكَلَّفِينَ سَواءٌ كانَ مُؤْمِنًا أوْ كافِرًا؛ لِأنَّ التَّكْلِيفَ بِهَذِهِ الأشْياءِ عامٌّ في كُلِّ المُكَلَّفِينَ فَلا مَعْنًى لِتَخْصِيصِ المُؤْمِنِينَ بِذَلِكَ. والثّانِي: أنَّ المُرادَ بِذَلِكَ المُؤْمِنُونَ فَقَطْ، أمّا أوَّلًا فَلِأنَّ اللَّفْظَ صَرِيحٌ فِيهِ، وأما ثانِيًا فَلِأنَّ قَوْلَهُ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿هُوَ اجْتَباكُمْ﴾ وقَوْلَهُ: ﴿هُوَ سَمّاكُمُ المُسْلِمِينَ﴾ وقَوْلَهُ: ﴿وتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ﴾ كُلُّ ذَلِكَ لا يَلِيقُ إلّا بِالمُؤْمِنِينَ. أقْصى ما في البابِ أنْ يُقالَ: لَمّا كانَ ذَلِكَ واجِبًا عَلى الكُلِّ فَأيُّ فائِدَةٍ في تَخْصِيصِ المُؤْمِنِينَ ؟ لَكُنّا نَقُولُ: تَخْصِيصُهم بِالذِّكْرِ لا يَدُلُّ عَلى نَفْيِ ذَلِكَ عَمّا عَداهم، بَلْ قَدْ دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى كَوْنِهِمْ عَلى التَّخْصِيصِ مَأْمُورِينَ بِهَذِهِ الأشْياءِ، ودَلَّتْ سائِرُ الآياتِ عَلى كَوْنِ الكُلِّ مَأْمُورِينَ بِها. ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: فائِدَةُ التَّخْصِيصِ أنَّهُ لَمّا جاءَ الخِطابُ العامُّ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى ثُمَّ إنَّهُ ما قَبِلَهُ إلّا المُؤْمِنُونَ خَصَّهُمُ اللَّهُ تَعالى بِهَذا الخِطابِ لِيَكُونَ ذَلِكَ كالتَّحْرِيضِ لَهم عَلى المُواظَبَةِ عَلى قَبُولِهِ وكالتَّشْرِيقِ لَهم في ذَلِكَ الإقْرارِ والتَّخْصِيصِ.
صفحة ٦٣
أمّا النوع الثّانِي: وهو المَأْمُورُ بِهِ فَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ أُمُورًا أرْبَعَةً:
الأوَّلُ: الصَّلاةُ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ارْكَعُوا واسْجُدُوا﴾ وذَلِكَ لِأنَّ أشْرَفَ أرْكانِ الصَّلاةِ هو الرُّكُوعُ والسُّجُودُ، والصَّلاةُ هي المُخْتَصَّةُ بِهَذَيْنِ الرُّكْنَيْنِ، فَكانَ ذِكْرُهُما جارِيًا مَجْرى ذِكْرِ الصَّلاةِ وذَكَرَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: أنَّ النّاسَ في أوَّلِ إسْلامِهِمْ كانُوا يَرْكَعُونَ ولا يَسْجُدُونَ حَتّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿واعْبُدُوا رَبَّكُمْ﴾ وذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا:
أحَدُها: اعْبُدُوهُ ولا تَعْبُدُوا غَيْرَهُ.
وثانِيها: واعْبُدُوا رَبَّكم في سائِرِ المَأْمُوراتِ والمَنهِيّاتِ.
وثالِثُها: افْعَلُوا الرُّكُوعَ والسُّجُودَ وسائِرَ الطّاعاتِ عَلى وجْهِ العِبادَةِ؛ لِأنَّهُ لا يَكْفِي أنْ يُفْعَلَ فَإنَّهُ ما لَمْ يَقْصِدْ بِهِ عِبادَةَ اللَّهِ تَعالى لا يَنْفَعُ في بابِ الثَّوابِ، فَلِذَلِكَ عَطَفَ هَذِهِ الجُمْلَةَ عَلى الرُّكُوعِ والسُّجُودِ.
الثّالِثُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وافْعَلُوا الخَيْرَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: يَزِيدُ بِهِ صِلَةَ الرَّحِمِ ومَكارِمَ الأخْلاقِ، والوجه عِنْدِي في هَذا التَّرْتِيبِ أنَّ الصَّلاةَ نَوْعٌ مِن أنْواعِ العِبادَةِ والعِبادَةُ نَوْعٌ مِن أنْواعِ فِعْلِ الخَيْرِ؛ لِأنَّ فِعْلَ الخَيْرِ يَنْقَسِمُ إلى خِدْمَةِ المَعْبُودِ الَّذِي هو عِبارَةٌ عَنِ التَّعْظِيمِ لِأمْرِ اللَّهِ، وإلى الإحْسانِ الَّذِي هو عِبارَةٌ عَنِ الشَّفَقَةِ عَلى خَلْقِ اللَّهِ، ويَدْخُلُ فِيهِ البِرُّ والمَعْرُوفُ والصَّدَقَةُ عَلى الفُقَراءِ وحُسْنُ القَوْلِ لِلنّاسِ، فَكَأنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ: كَلَّفْتُكم بِالصَّلاةِ، بَلْ كَلَّفْتُكم بِما هو أعَمُّ مِنها وهو العِبادَةُ، بَلْ كَلَّفْتُكم بِما هو أعَمُّ مِنَ العِبادَةِ وهو فِعْلُ الخَيْراتِ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ فَقِيلَ: مَعْناهُ لِتُفْلِحُوا، والفَلاحُ الظَّفَرُ بِنَعِيمِ الآخِرَةِ، وقالَ الإمامُ أبُو القاسِمِ الأنْصارِيُّ: لَعَلَّ كَلِمَةٌ لِلتَّرْجِيَةِ فَإنَّ الإنْسانَ قَلَّما يَخْلُو في أداءِ الفَرِيضَةِ مِن تَقْصِيرٍ ولَيْسَ هو عَلى يَقِينٍ مِن أنَّ الَّذِي أتى بِهِ هَلْ هو مَقْبُولٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى والعَواقِبُ أيْضًا مَسْتُورَةٌ ”«وكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ لَهُ» “ .
* * *
الرّابِعُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجاهِدُوا في اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ﴿فِي اللَّهِ﴾ أيْ في ذاتِ اللَّهِ، ومِن أجْلِهِ. يُقالُ: هو حَقُّ عالِمٍ وجِدُّ عالِمٍ أيْ عالِمٌ حَقًّا وجِدًّا ومِنهُ ﴿حَقَّ جِهادِهِ﴾ وهاهُنا سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: ما وجْهُ هَذِهِ الإضافَةِ وكانَ القِياسُ حَقَّ الجِهادِ فِيهِ أوْ حَقَّ جِهادِكم فِيهِ كَما قالَ: ﴿وجاهِدُوا في اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ﴾ ؟ والجَوابُ: الإضافَةُ تَكُونُ بِأدْنى مُلابَسَةٍ واخْتِصاصٍ، فَلَمّا كانَ الجِهادُ مُخْتَصًّا بِاللَّهِ مِن حَيْثُ إنَّهُ مَفْعُولٌ لِوَجْهِهِ ومِن أجْلِهِ صَحَّتِ الإضافَةُ إلَيْهِ.
السُّؤالُ الثّانِي: ما هَذا الجِهادُ ؟ الجَوابُ: فِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّ المُرادَ قِتالُ الكُفّارِ خاصَّةً، ومَعْنى ﴿حَقَّ جِهادِهِ﴾ أنْ لا يَفْعَلَ إلّا عِبادَةً لا رَغْبَةً في الدُّنْيا مِن حَيْثُ الِاسْمِ أوِ الغَنِيمَةِ. والثّانِي: أنْ يُجاهِدُوا آخِرًا كَما جاهَدُوا أوَّلًا، فَقَدْ كانَ جِهادُهم في الأوَّلِ أقْوى وكانُوا فِيهِ أثْبَتَ نَحْوَ صُنْعِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ، رُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قالَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ: أما عَلِمْتَ أنّا كُنّا نَقْرَأُ: ﴿وجاهِدُوا في اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ﴾ في آخِرِ الزَّمانِ كَما جاهَدْتُمُوهُ في أوَّلِهِ ؟ فَقالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: ومَتى ذاكَ يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ ؟ قالَ: إذا كانَتْ بَنُو أُمَيَّةَ الأُمَراءَ وبَنُو المُغِيرَةِ الوُزَراءَ، واعْلَمْ أنَّهُ يَبْعُدُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الزِّيادَةُ مِنَ القُرْآنِ وإلّا لَنُقِلَ كَنَقْلِ نَظائِرِهِ، ولَعَلَّهُ إنْ صَحَّ ذَلِكَ عَنِ الرَّسُولِ فَإنَّما قالَهُ كالتَّفْسِيرِ لِلْآيَةِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّهُ قَرَأ: وجاهِدُوا في اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ كَما جاهَدْتُمْ أوَّلَ مَرَّةٍ. فَقالَ عُمَرُ: مَنِ الَّذِي أُمِرْنا بِجِهادِهِ ؟ فَقالَ: قَبِيلَتانِ مِن قُرَيْشٍ مَخْزُومٍ وعَبْدِ شَمْسٍ، فَقالَ: صَدَقْتَ. والثّالِثُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: حَقَّ جِهادِهِ: لا تَخافُوا في اللَّهِ لَوْمَةَ لائِمٍ. والرّابِعُ: قالَ الضَّحّاكُ: واعْمَلُوا لِلَّهِ حَقَّ عَمَلِهِ. والخامِسُ: اسْتَفْرِغُوا وُسْعَكم في إحْياءِ دِينِ اللَّهِ وإقامَةِ حُقُوقِهِ بِالحَرْبِ بِاليَدِ واللِّسانِ، وجَمِيعِ ما يُمْكِنُ ورُدُّوا أنْفُسَكم عَنِ الهَوى والمَيْلِ. والوجه السّادِسُ: قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ المُبارَكِ: حَقَّ جِهادِهِ:
صفحة ٦٤
مُجاهَدَةُ النَّفْسِ والهَوى. ولَمّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِن غَزْوَةِ تَبُوكَ قالَ: «رَجَعْنا مِنَ الجِهادِ الأصْغَرِ إلى الجِهادِ الأكْبَرِ» والأوْلى أنْ يُحْمَلَ ذَلِكَ عَلى كُلِّ التَّكالِيفِ، فَكُلُّ ما أُمِرَ بِهِ ونُهِيَ عَنْهُ فالمُحافَظَةُ عَلَيْهِ جِهادٌ.
السُّؤالُ الثّالِثُ: هَلْ يَصِحُّ ما نُقِلَ عَنْ مُقاتِلٍ والكَلْبِيِّ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ ما اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] كَما أنَّ قَوْلَهُ: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢] مَنسُوخٌ بِذَلِكَ ؟ الجَوابُ: هَذا بَعِيدٌ؛ لِأنَّ التَّكْلِيفَ مَشْرُوطٌ بِالقُدْرَةِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها﴾ [البقرة: ٢٨٦] فَكَيْفَ يَقُولُ اللَّهُ وجاهِدُوا في اللَّهِ عَلى وجْهٍ لا تَقْدِرُونَ عَلَيْهِ ؟ وكَيْفَ وقَدْ كانَ الجِهادُ في الأوَّلِ مُضَيَّقًا حَتّى لا يَصِحَّ أنْ يَفِرَّ الواحِدُ مِن عَشَرَةٍ، ثُمَّ خَفَّفَهُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٦] ؟ أفَيَجُوزُ مَعَ ذَلِكَ أنْ يُوجِبَهُ عَلى وجْهٍ لا يُطاقُ حَتّى يُقالَ إنَّهُ مَنسُوخٌ ؟
النوع الثّالِثُ: بَيانُ ما يُوجِبُ قَبُولَ هَذِهِ الأوامِرِ وهو ثَلاثَةٌ: الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿هُوَ اجْتَباكُمْ﴾ ومَعْناهُ أنَّ التَّكْلِيفَ تَشْرِيفٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِلْعَبْدِ، فَلَمّا خَصَّكم بِهَذا التَّشْرِيفِ فَقَدْ خَصَّكم بِأعْظَمِ التَّشْرِيفاتِ واخْتارَكم لِخِدْمَتِهِ والِاشْتِغالِ بِطاعَتِهِ، فَأيُّ رُتْبَةٍ أعْلى مِن هَذا ؟ وأيُّ سَعادَةٍ فَوْقَ هَذا ؟ ويُحْتَمَلُ في اجْتَباكم خَصَّكم بِالهِدايَةِ والمَعُونَةِ والتَّيْسِيرِ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما جَعَلَ عَلَيْكم في الدِّينِ مِن حَرَجٍ﴾ فَهو كالجَوابِ عَنْ سُؤالٍ يُذْكَرُ، وهو أنَّ التَّكْلِيفَ وإنْ كانَ تَشْرِيفًا واجِبًا كَما ذَكَرْتُمْ لَكِنَّهُ شاقٌّ شَدِيدٌ عَلى النَّفْسِ ؟ فَأجابَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وما جَعَلَ عَلَيْكم في الدِّينِ مِن حَرَجٍ﴾ رُوِيَ أنَّ أبا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: كَيْفَ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وما جَعَلَ عَلَيْكم في الدِّينِ مِن حَرَجٍ﴾ مَعَ أنَّهُ مَنَعَنا عَنِ الزِّنا والسَّرِقَةِ ؟ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: بَلى ولَكِنَّ الإصْرَ الَّذِي كانَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ وُضِعَ عَنْكم، وهاهُنا سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: ما الحَرَجُ في أصْلِ اللُّغَةِ ؟ الجَوابُ: رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّهُ قالَ لِبَعْضِ هُذَيْلٍ: ما تَعُدُّونَ الحَرَجَ فِيكم ؟ قالَ: الضِّيقُ. وعَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: «سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: الضِّيقُ» .
السُّؤالُ الثّانِي: ما المُرادُ مِنَ الحَرَجِ في الآيَةِ ؟ الجَوابُ: قِيلَ هو الإتْيانُ بِالرُّخَصِ، فَمَن لَمْ يَسْتَطِعْ أنْ يُصَلِّيَ قائِمًا فَلْيُصَلِّ جالِسًا ومَن لَمْ يَسْتَطِعْ ذَلِكَ فَلْيُومِ، وأباحَ لِلصّائِمِ الفِطْرَ في السَّفَرِ والقَصْرَ فِيهِ. وأيْضًا فَإنَّهُ سُبْحانَهُ لَمْ يَبْتَلِ عَبْدَهُ بِشَيْءٍ مِنَ الذُّنُوبِ إلّا وجَعَلَ لَهُ مَخْرَجًا مِنها إمّا بِالتَّوْبَةِ أوْ بِالكَفّارَةِ، وعَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: ”إنَّهُ مَن جاءَتْهُ رُخْصَةٌ فَرَغِبَ عَنْها كُلِّفَ يَوْمَ القِيامَةِ أنْ يَحْمِلَ ثِقَلَ تِنِّينٍ حَتّى يُقْضى بَيْنَ النّاسِ“ وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «إذا اجْتَمَعَ أمْرانِ فَأحَبُّهُما إلى اللَّهِ تَعالى أيْسَرُهُما» وعَنْ كَعْبٍ: أعْطى اللَّهُ هَذِهِ الأُمَّةَ ثَلاثًا لَمْ يُعْطِهِنَّ إلّا لِلْأنْبِياءِ: ”جَعَلَهم شُهَداءَ عَلى النّاسِ، وما جَعَلَ عَلَيْهِمْ في الدِّينِ مِن حَرَجٍ، وقالَ: ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكم“ .
السُّؤالُ الثّالِثُ: اسْتَدَلَّتِ المُعْتَزِلَةُ بِهَذِهِ الآيَةِ في المَنعِ مِن تَكْلِيفِ ما لا يُطاقُ، فَقالُوا: لَمّا خَلَقَ اللَّهُ الكُفْرَ والمَعْصِيَةَ في الكافِرِ والعاصِي ثُمَّ نَهاهُ عَنْهُما كانَ ذَلِكَ مِن أعْظَمِ الحَرَجِ، وذَلِكَ مَنفِيٌّ بِصَرِيحِ هَذا النَّصِّ. والجَوابُ: لَمّا أمَرَهُ بِتَرْكِ الكُفْرِ، وتَرْكُ الكُفْرِ يَقْتَضِي انْقِلابَ عِلْمِهِ جَهْلًا، فَقَدْ أمَرَ اللَّهُ المُكَلَّفَ بِقَلْبِ عِلْمِ اللَّهِ جَهْلًا وذَلِكَ مِن أعْظَمِ الحَرَجِ، ولَمّا اسْتَوى القَدَمانِ زالَ السُّؤالُ.
صفحة ٦٥
المُوجِبُ الثّانِي لِقَبُولِ التَّكْلِيفِ: قَوْلُهُ: ﴿مِلَّةَ أبِيكم إبْراهِيمَ هو سَمّاكُمُ المُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ﴾ وفي نَصْبِ المِلَّةِ وجْهانِ:
أحَدُهُما وهو قَوْلُ الفَرّاءِ أنَّها مَنصُوبَةٌ بِمَضْمُونِ ما تَقَدَّمَها، كَأنَّهُ قِيلَ: وسَّعَ دِينَكم تَوْسِعَةَ مِلَّةِ أبِيكم إبْراهِيمَ، ثُمَّ حَذَفَ المُضافَ وأقامَ المُضافَ إلَيْهِ مَقامَهُ.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى المَدْحِ والتَّعْظِيمِ أيْ: أعْنِي بِالدِّينِ مِلَّةَ أبِيكم إبْراهِيمَ. واعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن ذِكْرِهِ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ هَذِهِ التَّكالِيفَ والشَّرائِعَ هي شَرِيعَةُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، والعَرَبُ كانُوا مُحِبِّينَ لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِأنَّهم مِن أوْلادِهِ، فَكانَ التَّنْبِيهُ عَلى ذَلِكَ كالسَّبَبِ لِصَيْرُورَتِهِمْ مُنْقادِينَ لِقَبُولِ هَذا الدِّينِ، وهاهُنا سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: لِمَ قالَ: ﴿مِلَّةَ أبِيكم إبْراهِيمَ﴾ ولَمْ يُدْخِلْ في الخِطابِ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ كانُوا في زَمَنِ الرَّسُولِ ﷺ ولَمْ يَكُنْ مِن ولَدِهِ؟ والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ.
أحَدُهُما: لَمّا كانَ أكْثَرُهم مِن ولَدِهِ كالرَّسُولِ ورَهْطِهِ وجَمِيعِ العَرَبِ، جازَ ذَلِكَ.
وثانِيهُما وهو قَوْلُ الحَسَنِ أنَّ اللَّهَ تَعالى جَعْلَ حُرْمَةَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى المُسْلِمِينَ كَحُرْمَةِ الوالِدِ عَلى ولَدِهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ﴾ [الَأحْزابِ: ٦] فَجَعَلَ حُرْمَتَهُ كَحُرْمَةِ الوالِدِ عَلى الوَلَدِ، وحُرْمَةَ نِسائِهِ كَحُرْمَةِ الوالِدَةِ، عَلى ما قالَ تَعالى: ﴿وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ﴾ [الَأحْزابِ: ٦].
السُّؤالُ الثّانِي: هَذا يَقْتَضِي أنْ تَكُونَ مِلَّةُ مُحَمَّدٍ كَمِلَّةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِما السَّلامُ سَواءً، فَيَكُونُ الرَّسُولُ لَيْسَ لَهُ شَرْعٌ مَخْصُوصٌ، ويُؤَكِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ﴾ [النَّحْلِ: ١٢٣]؟ الجَوابُ: هَذا الكَلامُ إنَّما وقَعَ مَعَ عَبَدَةِ الأوْثانِ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: عِبادَةُ اللَّهِ وتَرْكُ الأوْثانِ هي مِلَّةُ إبْراهِيمَ، فَأمّا تَفاصِيلُ الشَّرائِعِ فَلا تَعَلُّقَ لَها بِهَذا المَوْضِعِ.
السُّؤالُ الثّالِثُ: ما مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُوَ سَمّاكُمُ المُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ﴾ ؟ الجَوابُ: فِيهِ قَوْلانِ، أحَدُهُما: أنَّ الكِنايَةَ راجِعَةٌ إلى إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةً مُسْتَجابَةً وهو قَوْلُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ﴿رَبَّنا واجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ ومِن ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ [البَقَرَةِ: ١٢٨] فاسْتَجابَ اللَّهُ تَعالى لَهُ فَجَعَلَها أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ، ورُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أخْبَرَ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى سَيَبْعَثُ مُحَمَّدًا بِمِثْلِ مِلَّتِهِ، وأنَّهُ سَتُسَمّى أُمَّتُهُ بِالمُسْلِمِينَ. والثّانِي: أنَّ الكِنايَةَ راجِعَةٌ إلى اللَّهِ تَعالى في قَوْلِهِ: ﴿هُوَ اجْتَباكُمْ﴾ فَرَوى عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّهُ قالَ: ”إنَّ اللَّهَ سَمّاكُمُ المُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ“ أيْ: في كُلِّ الكُتُبِ، وفي هَذا؛ أيْ في القُرْآنِ. وهَذا الوجه أقْرَبُ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكم وتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ﴾ فَبَيَّنَ أنَّهُ سَمّاهم بِذَلِكَ لِهَذا الغَرَضِ، وهَذا لا يَلِيقُ إلّا بِاللَّهِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا قِراءَةُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ”اللَّهُ سَمّاكُمْ“ والمَعْنى أنَّهُ سُبْحانَهُ في سائِرِ الكُتُبِ المُتَقَدِّمَةِ عَلى القُرْآنِ، وفي القُرْآنِ أيْضًا بَيَّنَ فَضْلَكم عَلى الأُمَمِ وسَمّاكم بِهَذا الِاسْمِ الأكْرَمِ؛ لِأجْلِ الشَّهادَةِ المَذْكُورَةِ؛ فَكَما خَصَّكُمُ اللَّهُ بِهَذِهِ الكَرامَةِ فاعْبُدُوهُ ولا تَرُدُّوا تَكالِيفَهُ. وهَذا هو (العِلَّةُ الثّالِثَةُ) المُوجِبَةُ لِقَبُولِ التَّكْلِيفِ، وأمّا الكَلامُ في أنَّهُ كَيْفَ يَكُونُ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْنا؟ وكَيْفَ تَكُونُ أُمَّتُهُ شُهَداءَ عَلى النّاسِ؟ فَقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ، وبَيَّنا أنَّهُ أُخِذَ مِنهُ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ الإجْماعَ حُجَّةٌ.
النوع الرّابِعُ: شَرْحُ ما يَجْرِي مَجْرى المُؤَكَّدِ لِما مَضى، وهو قَوْلُهُ: ﴿فَأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ﴾
صفحة ٦٦
ويَجِبُ صَرْفُها إلى المَفْرُوضاتِ؛ لِأنَّها هي المَعْهُودَةُ ﴿واعْتَصِمُوا بِاللَّهِ﴾ أيْ: بِدَلائِلِهِ العَقْلِيَّةِ والسَّمْعِيَّةِ وألْطافِهِ وعِصْمَتِهِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ”سَلُوا اللَّهَ العِصْمَةَ عَنْ كُلِّ المُحَرَّماتِ“ وقالَ القَفّالُ: اجْعَلُوا اللَّهَ عِصْمَةً لَكم مِمّا تَحْذَرُونَ ﴿هُوَ مَوْلاكُمْ﴾ وسَيِّدُكم والمُتَصَرِّفُ فِيكم ﴿فَنِعْمَ المَوْلى ونِعْمَ النَّصِيرُ﴾ فَكَأنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ: أنا مَوْلاكَ بَلْ أنا ناصِرُكَ وحَسْبُكَ. واعْلَمْ أنَّ المُعْتَزِلَةَ احْتَجُّوا بِهَذِهِ الآياتِ مِن وُجُوهٍ.
أحَدُها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ أرادَ الإيمانَ مِنَ الكُلِّ؛ لِأنَّهُ تَعالى لا يَجْعَلُ الشَّهِيدَ عَلى عِبادِهِ إلّا مَن كانَ عَدْلًا مَرْضِيًّا، فَإذا أرادَ أنْ تَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ فَقَدْ أرادَ أنْ تَكُونُوا جَمِيعًا صالِحِينَ عُدُولًا، وقَدْ عَلِمْنا أنَّ مِنهم فُسّاقًا، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى أرادَ مِنَ الفاسِقِ كَوْنَهُ عَدْلًا.
وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿واعْتَصِمُوا بِاللَّهِ﴾ وكَيْفَ يُمْكِنُ الِاعْتِصامُ بِهِ مَعَ أنَّ الشَّرَّ لا يُوجَدُ إلّا مِنهُ؟
وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿فَنِعْمَ المَوْلى﴾ لِأنَّهُ لَوْ كانَ كَما يَقُولُهُ أهْلُ السُّنَّةِ مِن أنَّهُ خَلَقَ أكْثَرَ عِبادِهِ لِيَخْلُقَ فِيهِمُ الكُفْرَ والفَسادَ ثُمَّ يُعَذِّبُهم، لَما كانَ نِعْمَ المَوْلى، بَلْ كانَ لا يُوجَدُ مِن شِرارِ المَوالِي أحَدٌ إلّا وهو شَرُّ مِنهُ؛ فَكانَ يَجِبُ أنْ يُوصَفَ بِأنَّهُ بِئْسَ المَوْلى، وذَلِكَ باطِلٌ فَدَلَّ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ ما أرادَ مِن جَمِيعِهِمْ إلّا الصَّلاحَ. فَإنْ قِيلَ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ نِعْمَ المَوْلى لِلْمُؤْمِنِينَ خاصَّةً كَما أنَّهُ نِعْمَ النَّصِيرُ لَهم خاصَّةً؟ قُلْنا: إنَّهُ تَعالى مَوْلى المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ جَمِيعًا، فَيَجِبُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ نِعْمَ المَوْلى لِلْمُؤْمِنِينَ وبِئْسَ المَوْلى لِلْكافِرِينَ؛ فَإنِ ارْتَكَبُوا ذَلِكَ فَقَدْ رَدُّوا القُرْآنَ والإجْماعَ وصَرَّحُوا بِشَتْمِ اللَّهِ تَعالى.
ورابِعُها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿سَمّاكُمُ المُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ﴾ يَدُلُّ عَلى إثْباتِ الأسْماءِ الشَّرْعِيَّةِ، وأنَّها مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّها لَوْ كانَتْ لُغَةً لَما أُضِيفَتْ إلى اللَّهِ تَعالى عَلى وجْهِ الخُصُوصِ. والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ وهو قَوْلُهُ: كَوْنُهُ تَعالى مُرِيدًا لِكَوْنِهِ شاهِدًا يَسْتَلْزِمُ كَوْنَهُ مُرِيدًا لِكَوْنِهِ عَدْلًا، فَنَقُولُ: إنْ كانَتْ إرادَةُ الشَّيْءِ مُسْتَلْزِمَةً لِإرادَةِ لَوازِمِهِ، فَإرادَةُ الإيمانِ مِنَ الكافِرِ تُوجِبُ أنْ تَكُونَ مُسْتَلْزِمَةً لِإرادَةِ جَهْلِ اللَّهِ تَعالى، فَيَلْزَمُ كَوْنُهُ تَعالى مُرِيدًا لِجَهْلِ نَفْسِهِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ واجِبًا سَقَطَ الكَلامُ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿واعْتَصِمُوا بِاللَّهِ﴾ فَيُقالُ: هَذا أيْضًا وارِدٌ عَلَيْكم فَإنَّهُ سُبْحانَهُ خَلَقَ الشَّهْوَةَ في قَلْبِ الفاسِقِ وأكَّدَها، وخَلَقَ المُشْتَهى وقَرَّبَهُ مِنهُ، ورَفَعَ المانِعَ ثُمَّ سَلَّطَ عَلَيْهِ الشَّياطِينَ مِنَ الإنْسِ والجِنِّ، وعَلِمَ أنَّهُ لا مَحالَةَ يَقَعُ في الفُجُورِ والضَّلالِ، وفي الشّاهِدِ كُلُّ مَن فَعَلَ ذَلِكَ فَإنَّهُ يَكُونُ بِئْسَ المَوْلى، فَإنْ صَحَّ قِياسُ الغائِبِ عَلى الشّاهِدِ فَهَذا لازِمٌ عَلَيْكم وإنْ بَطَلَ سَقَطَ كَلامُكم بِالكُلِّيَّةِ.
”تَمَّ تَفْسِيرُ سُورَةِ الحَجِّ، ويَتْلُوهُ تَفْسِيرُ سُورَةِ المُؤْمِنُونَ، والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ“ .
المؤمنون 23:1
صفحة ٦٧
(سُورَةُ المُؤْمِنُونَ)
مِائَةٌ وثَمانِ عَشْرَةَ آيَةً مَكِّيَّةً
﷽
﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم في صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ ﴿إلّا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ ﴿فَمَنِ ابْتَغى وراءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم لِأماناتِهِمْ وعَهْدِهِمْ راعُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ هُمُ الوارِثُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الفِرْدَوْسَ هم فِيها خالِدُونَ﴾
﷽
﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم في صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ ﴿إلّا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ ﴿فَمَنِ ابْتَغى وراءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم لِأماناتِهِمْ وعَهْدِهِمْ راعُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ هُمُ الوارِثُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الفِرْدَوْسَ هم فِيها خالِدُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ حَكَمَ بِحُصُولِ الفَلاحِ لِمَن كانَ مُسْتَجْمِعًا لِصِفاتٍ سَبْعٍ، وقَبْلَ الخَوْضِ في شَرْحِ تِلْكَ الصِّفاتِ لا بُدَّ مِن بَحْثَيْنِ:
البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّ ﴿قَدْ﴾ نَقِيضَةٌ لِـ (ما) فَـ (قَدْ) تُثْبِتُ المُتَوَقَّعَ، و(لَما) تَنْفِيهِ، ولا شَكَّ أنَّ المُؤْمِنِينَ كانُوا مُتَوَقِّعِينَ لِمِثْلِ هَذِهِ البِشارَةِ، وهي الإخْبارُ بِثَباتِ الفَلاحِ لَهم فَخُوطِبُوا بِما دَلَّ عَلى ثَباتِ ما تَوَقَّعُوهُ.
البَحْثُ الثّانِي: الفَلاحُ: الظَّفَرُ بِالمُرادِ، وقِيلَ: البَقاءُ في الخَيْرِ، وأفْلَحَ: دَخَلَ في الفَلاحِ، كَأبْشَرَ: دَخَلَ في البِشارَةِ، ويُقالُ: أفْلَحَهُ: صَيَّرَهُ إلى الفَلاحِ، وعَلَيْهِ قِراءَةُ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ ”أُفْلِحَ“ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، وعَنْهُ (أفْلَحُوا) عَلى لُغَةِ أكَلُونِي البَراغِيثُ، أوْ عَلى الإبْهامِ والتَّفْسِيرِ.
صفحة ٦٨
الصِّفَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿المُؤْمِنُونَ﴾ وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في الإيمانِ في سُورَةِ البَقَرَةِ.
الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ هم في صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ﴾ واخْتَلَفُوا في الخُشُوعِ؛ فَمِنهم مَن جَعَلَهُ مِن أفْعالِ القُلُوبِ كالخَوْفِ والرَّهْبَةِ، ومِنهم مَن جَعَلَهُ مِن أفْعالِ الجَوارِحِ كالسُّكُونِ وتَرْكِ الِالتِفاتِ، ومِنهم مَن جَمَعَ بَيْنَ الأمْرَيْنِ وهو الأوْلى. فالخاشِعُ في صَلاتِهِ لا بُدَّ وأنْ يَحْصُلَ لَهُ مِمّا يَتَعَلَّقُ بِالقَلْبِ مِنَ الأفْعالِ نِهايَةُ الخُضُوعِ والتَّذَلُّلِ لِلْمَعْبُودِ، ومِنَ التُّرُوكِ أنْ لا يَكُونَ مُلْتَفِتَ الخاطِرِ إلى شَيْءٍ سِوى التَّعْظِيمِ، ومِمّا يَتَعَلَّقُ بِالجَوارِحِ أنْ يَكُونَ ساكِنًا مُطْرِقًا ناظِرًا إلى مَوْضِعِ سُجُودِهِ، ومِنَ التُّرُوكِ أنْ لا يَلْتَفِتَ يَمِينًا ولا شَمالًا، ولَكِنَّ الخُشُوعَ الَّذِي يُرى عَلى الإنْسانِ لَيْسَ إلّا ما يَتَعَلَّقُ بِالجَوارِحِ، فَإنَّ ما يَتَعَلَّقُ بِالقَلْبِ لا يُرى، قالَ الحَسَنُ وابْنُ سِيرِينَ: «كانَ المُسْلِمُونَ يَرْفَعُونَ أبْصارَهم إلى السَّماءِ في صَلاتِهِمْ، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَفْعَلُ ذَلِكَ، فَلَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ طَأْطَأ وكانَ لا يُجاوِزُ بَصَرُهُ مُصَلّاهُ»، فَإنْ قِيلَ: فَهَلْ تَقُولُونَ: إنَّ ذَلِكَ واجِبٌ في الصَّلاةِ؟ قُلْنا: إنَّهُ عِنْدَنا واجِبٌ ويَدُلُّ عَلَيْهِ أُمُورٌ.
أحَدُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ أمْ عَلى قُلُوبٍ أقْفالُها﴾ [مُحَمَّدٍ: ٢٤] والتَّدَبُّرُ لا يُتَصَوَّرُ بِدُونِ الوُقُوفِ عَلى المَعْنى، وكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ورَتِّلِ القُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [ المُزَّمِّلِ: ٤] مَعْناهُ قِفْ عَلى عَجائِبِهِ ومَعانِيهِ.
وثانِيها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤] وظاهِرُ الأمْرِ لِلْوُجُوبِ، والغَفْلَةُ تُضادُّ الذِّكْرِ، فَمَن غَفَلَ في جَمِيعِ صَلاتِهِ كَيْفَ يَكُونُ مُقِيمًا لِلصَّلاةِ لِذِكْرِهِ.
وثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَكُنْ مِنَ الغافِلِينَ﴾ [الأعْرافِ: ٢٠٥] وظاهِرُ النَّهْيِ لِلتَّحْرِيمِ.
ورابِعُها: قَوْلُهُ: ﴿حَتّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ﴾ [ النِّساءِ: ٤٣ ] تَعْلِيلٌ لِنَهْيِ السَّكْرانِ، وهو مُطَّرِدٌ في الغافِلِ المُسْتَغْرِقِ المُهْتَمِّ بِالدُّنْيا.
وخامِسُها: قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«إنَّما الخُشُوعُ لِمَن تَمَسْكَنَ وتَواضَعَ» “ وكَلِمَةُ (إنَّما) لِلْحَصْرِ، وقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«مَن لَمْ تَنْهَهُ صَلاتُهُ عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ لَمْ يَزْدَدْ مِنَ اللَّهِ إلّا بُعْدًا» “ وصَلاةُ الغافِلِ لا تَمْنَعُ مِنَ الفَحْشاءِ، وقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «كَمْ مِن قائِمٍ حَظُّهُ مِن قِيامِهِ التَّعَبُ والنَّصَبُ» وما أرادَ بِهِ إلّا الغافِلَ، وقالَ أيْضًا: ”«لَيْسَ لِلْعَبْدِ مِن صَلاتِهِ إلّا ما عَقَلَ» “
وسادِسُها: قالَ الغَزالِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: المُصَلِّي يُناجِي رَبَّهُ، كَما ورَدَ بِهِ الخَبَرُ، والكَلامُ مَعَ الغَفْلَةِ لَيْسَ بِمُناجاةٍ البَتَّةَ، وبَيانُهُ أنَّ الإنْسانَ إذا أدّى الزَّكاةَ حالَ الغَفْلَةِ فَقَدْ حَصَلَ المَقْصُودُ مِنها عَلى بَعْضِ الوُجُوهِ، وهو كَسْرُ الحِرْصِ وإغْناءُ الفَقِيرِ، وكَذا الصَّوْمُ قاهِرٌ لِلْقُوى كاسِرٌ لِسَطْوَةِ الهَوى الَّتِي هي عَدُوَّةُ اللَّهِ تَعالى. فَلا يَبْعُدُ أنْ يَحْصُلَ مِنهُ مَقْصُودُهُ مَعَ الغَفْلَةِ، وكَذا الحَجُّ أفْعالٌ شاقَّةٌ، وفِيهِ مِنَ المُجاهَدَةِ ما يَحْصُلُ بِهِ الِابْتِلاءُ سَواءٌ كانَ القَلْبُ حاضِرًا أوْ لَمْ يَكُنْ. أمّا الصَّلاةُ فَلَيْسَ فِيها إلّا ذِكْرٌ وقِراءَةٌ ورُكُوعٌ وسُجُودٌ وقِيامٌ وقُعُودٌ، أمّا الذِّكْرُ فَإنَّهُ مُناجاةٌ مَعَ اللَّهِ تَعالى. فَإمّا أنْ يَكُونَ المَقْصُودُ مِنهُ كَوْنَهُ مُناجاةً، أوِ المَقْصُودُ مُجَرَّدُ الحُرُوفِ والأصْواتِ، ولا شَكَّ في فَسادِ هَذا القِسْمِ، فَإنَّ تَحْرِيكَ اللِّسانِ بِالهَذَيانِ لَيْسَ فِيهِ غَرَضٌ صَحِيحٌ، فَثَبَتَ أنَّ المَقْصُودَ مِنهُ المُناجاةُ، وذَلِكَ لا يَتَحَقَّقُ إلّا إذا كانَ اللِّسانُ مُعَبِّرًا عَمّا في القَلْبِ مِنَ التَّضَرُّعاتِ، فَأيُّ سُؤالٍ في قَوْلِهِ: ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ [ الفاتِحَةِ: ٦ ] وكانَ القَلْبُ غافِلًا عَنْهُ؟ بَلْ أقُولُ: لَوْ حَلَفَ إنْسانٌ، وقالَ: واللَّهِ لَأشْكُرَنَّ فُلانًا وأُثْنِي عَلَيْهِ وأسْألُهُ حاجَةً. ثُمَّ جَرَتِ الألْفاظُ الدّالَّةُ عَلى هَذِهِ المَعانِي عَلى لِسانِهِ في اليَوْمِ، لَمْ يَبَرَّ في يَمِينِهِ، ولَوْ
صفحة ٦٩
جَرى عَلى لِسانِهِ في ظُلْمَةِ اللَّيْلِ وذَلِكَ الإنْسانُ حاضِرٌ وهو لا يَعْرِفُ حُضُورَهُ ولا يَراهُ، لا يَصِيرُ بارًّا في يَمِينِهِ، ولا يَكُونُ كَلامُهُ خِطابًا مَعَهُ ما لَمْ يَكُنْ حاضِرًا بِقَلْبِهِ، ولَوْ جَرَتْ هَذِهِ الكَلِماتُ عَلى لِسانِهِ وهو حاضِرٌ في بَياضِ النَّهارِ إلّا أنَّ المُتَكَلِّمَ غافِلٌ لِكَوْنِهِ مُسْتَغْرِقَ الهَمِّ بِفِكْرٍ مِنَ الأفْكارِ، ولَمْ يَكُنْ لَهُ قَصْدُ تَوْجِيهِ الخِطابِ إلَيْهِ عِنْدَ نُطْقِهِ، لَمْ يَصِرْ بارًّا في يَمِينِهِ. ولا شَكَّ أنَّ المَقْصُودَ مِنَ القِراءَةِ الأذْكارُ والحَمْدُ والثَّناءُ والتَّضَرُّعُ والدُّعاءُ، والمُخاطَبُ هو اللَّهُ تَعالى، فَإذا كانَ القَلْبُ مَحْجُوبًا بِحِجابِ الغَفْلَةِ وكانَ غافِلًا عَنْ جَلالِ اللَّهِ وكِبْرِيائِهِ، ثُمَّ إنَّ لِسانَهُ يَتَحَرَّكُ بِحُكْمِ العادَةِ، فَما أبْعَدَ ذَلِكَ عَنِ القَبُولِ.
وأمّا الرُّكُوعُ والسُّجُودُ فالمَقْصُودُ مِنهُما التَّعْظِيمُ، ولَوْ جازَ أنْ يَكُونَ تَعْظِيمًا لِلَّهِ تَعالى مَعَ أنَّهُ غافِلٌ عَنْهُ، لَجازَ أنْ يَكُونَ تَعْظِيمًا لِلصَّنَمِ المَوْضُوعِ بَيْنَ يَدَيْهِ وهو غافِلٌ عَنْهُ، ولِأنَّهُ إذا لَمْ يَحْصُلِ التَّعْظِيمُ لَمْ يَبْقَ إلّا مُجَرَّدُ حَرَكَةِ الظَّهْرِ والرَّأْسِ، ولَيْسَ فِيها مِنَ المَشَقَّةِ ما يَصِيرُ لِأجْلِهِ عِمادًا لِلدِّينِ، وفاصِلًا بَيْنَ الكُفْرِ والإيمانِ، ويُقْدِمُ عَلى الحَجِّ والزَّكاةِ والجِهادِ وسائِرِ الطّاعاتِ الشّاقَّةِ، ويَجِبُ القَتْلُ بِسَبَبِهِ عَلى الخُصُوصِ، وبِالجُمْلَةِ فَكُلُّ عاقِلٍ يَقْطَعُ بِأنَّ مُشاهَدَةَ الخَواصِّ العَظِيمَةِ لَيْسَ أعْمالَها الظّاهِرَةَ إلّا أنْ يَنْضافَ إلَيْها مَقْصُودُ هَذِهِ المُناجاةِ، فَدَلَّتْ هَذِهِ الِاعْتِباراتُ عَلى أنَّ الصَّلاةَ لا بُدَّ فِيها مِنَ الحُضُورِ.
وسابِعُها: أنَّ الفُقَهاءَ اخْتَلَفُوا فِيما يَنْوِيهِ بِالسَّلامِ عِنْدَ الجَماعَةِ والِانْفِرادِ، هَلْ يَنْوِي الحُضُورَ أوِ الغَيْبَةَ والحُضُورَ مَعًا. فَإذا احْتِيجَ إلى التَّدَبُّرِ في مَعْنى السَّلامِ الَّذِي هو آخِرُ الصَّلاةِ فَلَأنْ يُحْتاجَ إلى التَّدَبُّرِ في مَعْنى التَّكْبِيرِ والتَّسْبِيحِ الَّتِي هي الأشْياءُ المَقْصُودَةُ مِنَ الصَّلاةِ بِالطَّرِيقِ الأوْلى، واحْتَجَّ المُخالِفُ بِأنَّ اشْتِراطَ الخُضُوعِ والخُشُوعِ عَلى خِلافِ اجْتِماعِ الفُقَهاءِ، فَلا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ. والجَوابُ مِن وُجُوهٍ.
أحَدُها: أنَّ الحُضُورَ عِنْدَنا لَيْسَ شَرْطًا لِلْإجْزاءِ، بَلْ شَرْطٌ لِلْقَبُولِ، والمُرادُ مِنَ الإجْزاءِ أنْ لا يَجِبَ القَضاءُ، والمُرادُ مِنَ القَبُولِ حُكْمُ الثَّوابِ.
والفُقَهاءُ إنَّما يَبْحَثُونَ عَنْ حُكْمِ الإجْزاءِ لا عَنْ حُكْمِ الثَّوابِ، وغَرَضُنا في هَذا المَقامِ هَذا، ومِثالُهُ في الشّاهِدِ مَنِ اسْتَعارَ مِنكَ ثَوْبًا ثُمَّ رَدَّهُ عَلى الوجه الأحْسَنِ، فَقَدْ خَرَجَ عَنِ العُهْدَةِ واسْتَحَقَّ المَدْحَ، ومَن رَماهُ إلَيْكَ عَلى وجْهِ الِاسْتِخْفافِ خَرَجَ عَنِ العُهْدَةِ، ولَكِنَّهُ اسْتَحَقَّ الذَّمَّ، كَذا مَن عَظَّمَ اللَّهَ تَعالى حالَ أدائِهِ العِبادَةَ صارَ مُقِيمًا لِلْفَرْضِ مُسْتَحِقًّا لِلثَّوابِ، ومَنِ اسْتَهانَ بِها صارَ مُقِيمًا لِلْفَرْضِ ظاهِرًا لَكِنَّهُ اسْتَحَقَّ الذَّمَّ.
وثانِيها: أنّا نَمْنَعُ هَذا الإجْماعَ، أمّا المُتَكَلِّمُونَ فَقَدِ اتَّفَقُوا عَلى أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الحُضُورِ والخُشُوعِ، واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِأنَّ السُّجُودَ لِلَّهِ تَعالى طاعَةٌ ولِلصَّنَمِ كُفْرٌ، وكُلُّ واحِدٍ مِنهُما يُماثِلُ الآخَرَ في ذاتِهِ ولَوازِمِهِ، فَلا بُدَّ مِن أمْرٍ لِأجْلِهِ صارَ السُّجُودُ في إحْدى الصُّورَتَيْنِ طاعَةً، وفي الأُخْرى مَعْصِيَةً، قالُوا: وما ذاكَ إلّا القَصْدُ والإرادَةُ، والمُرادُ مِنَ القَصْدِ إيقاعُ تِلْكَ الأفْعالِ لِداعِيَةِ الِامْتِثالِ، وهَذِهِ الدّاعِيَةُ لا يُمْكِنُ حُصُولُها إلّا عِنْدَ الحُضُورِ، فَلِهَذا اتَّفَقُوا عَلى أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الحُضُورِ، أمّا الفُقَهاءُ فَقَدْ ذَكَرَ الفَقِيهُ أبُو اللَّيْثِ رَحِمَهُ اللَّهُ في تَنْبِيهِ الغافِلِينَ أنَّ تَمامَ القِراءَةِ أنْ يَقْرَأ بِغَيْرِ لَحْنٍ، وأنْ يَقْرَأ بِالتَّفَكُّرِ.
وأمّا الغَزالِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فَإنَّهُ نَقَلَ عَنْ أبِي طالِبٍ المَكِّيِّ عَنْ بِشْرٍ الحافِي أنَّهُ قالَ: مَن لَمْ يَخْشَعْ فَسَدَتْ صَلاتُهُ. وعَنِ الحَسَنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: كُلُّ صَلاةٍ لا يَحْضُرُ فِيها القَلْبُ فَهي إلى العُقُوبَةِ أسْرَعُ. وعَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ: ”مَن عَرَفَ مَن عَلى يَمِينِهِ وشِمالِهِ مُتَعَمِّدًا وهو في الصَّلاةِ فَلا صَلاةَ لَهُ“. ورُوِيَ أيْضًا مُسْنَدًا قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«إنَّ العَبْدَ لَيُصَلِّي الصَّلاةَ لا يُكْتَبُ لَهُ سُدُسُها ولا عُشْرُها، وإنَّما يُكْتَبُ لِلْعَبْدِ مِن صَلاتِهِ ما عَقَلَ مِنها» “. وقالَ عَبْدُ الواحِدِ بْنُ زَيْدٍ: أجْمَعَتِ العُلَماءُ عَلى أنَّهُ لَيْسَ لِلْعَبْدِ مِن صَلاتِهِ إلّا ما عَقَلَ، وادَّعى فِيهِ الإجْماعَ. إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: هَبْ أنَّ الفُقَهاءَ بِأسْرِهِمْ حَكَمُوا بِالجَوازِ، ألَيْسَ الأُصُولِيُّونَ وأهْلُ الوَرَعِ ضَيَّقُوا الأمْرَ فِيها، فَهَلّا أخَذْتَ بِالِاحْتِياطِ، فَإنَّ بَعْضَ العُلَماءِ اخْتارَ
صفحة ٧٠
الإمامَةَ، فَقِيلَ لَهُ في ذَلِكَ فَقالَ: أخافُ إنْ تَرَكْتُ الفاتِحَةَ أنْ يُعاتِبَنِي الشّافِعِيُّ، وإنْ قَرَأْتُها مَعَ الإمامِ أنْ يُعاتِبَنِي أبُو حَنِيفَةَ، فاخْتَرْتُ الإمامَةَ طَلَبًا لِلْخَلاصِ عَنْ هَذا الِاخْتِلافِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ هم عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ وفي اللَّغْوِ أقْوالٌ.
أحَدُها: أنَّهُ يَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ ما كانَ حَرامًا أوْ مَكْرُوهًا أوْ كانَ مُباحًا، ولَكِنْ لا يَكُونُ بِالمَرْءِ إلَيْهِ ضَرُورَةٌ وحاجَةٌ.
وثانِيها: أنَّهُ عِبارَةٌ عَنْ كُلِّ ما كانَ حَرامًا فَقَطْ، وهَذا التَّفْسِيرُ أخَصُّ مِنَ الأوَّلِ.
وثالِثُها: أنَّهُ عِبارَةٌ عَنِ المَعْصِيَةِ في القَوْلِ والكَلامِ خاصَّةً، وهَذا أخَصُّ مِنَ الثّانِي.
ورابِعُها: أنَّهُ المُباحُ الَّذِي لا حاجَةَ إلَيْهِ، واحْتَجَّ هَذا القائِلُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ في أيْمانِكُمْ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٢٥] فَكَيْفَ يُحْمَلُ ذَلِكَ عَلى المَعاصِي الَّتِي لا بُدَّ فِيها مِنَ المُؤاخَذَةِ، واحْتَجَّ الأوَّلُونَ بِأنَّ اللَّغْوَ إنَّما سُمِّيَ لَغْوًا بِما أنَّهُ يُلْغى، وكُلُّ ما يَقْتَضِي الدِّينُ إلْغاءَهُ كانَ أوْلى بِاسْمِ اللَّغْوِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ كُلُّ حَرامٍ لَغْوًا، ثُمَّ اللَّغْوُ قَدْ يَكُونُ كُفْرًا لِقَوْلِهِ: ﴿لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ والغَوْا فِيهِ﴾ [فُصِّلَتْ: ٢٦] وقَدْ يَكُونُ كَذِبًا لِقَوْلِهِ: ﴿لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً﴾ [الغاشِيَةِ: ١١] وقَوْلِهِ: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ولا تَأْثِيمًا﴾ [الواقِعَةِ: ٢٥] ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى مَدَحَهم بِأنَّهم يُعْرِضُونَ عَنْ هَذا اللَّغْوِ، والإعْراضُ عَنْهُ هو بِأنْ لا يَفْعَلَهُ ولا يَرْضى بِهِ ولا يُخالِطَ مَن يَأْتِيهِ، وعَلى هَذا الوجه قالَ تَعالى: ﴿وإذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرامًا﴾ [الفُرْقانِ: ٧٢] واعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا وصَفَهم بِالخُشُوعِ في الصَّلاةِ أتْبَعَهُ الوَصْفَ بِالإعْراضِ عَنِ اللَّغْوِ، لِيَجْمَعَ لَهُمُ الفِعْلَ والتَّرْكَ الشّاقَّيْنِ عَلى الأنْفُسِ اللَّذَيْنِ هُما قاعِدَتا بِناءِ التَّكْلِيفِ، وهو أعْلَمُ.
* * *
الصِّفَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ هم لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ﴾ وفي الزَّكاةِ قَوْلانِ، أحَدُهُما: قَوْلُ أبِي مُسْلِمٍ أنَّ فِعْلَ الزَّكاةِ يَقَعُ عَلى كُلِّ فِعْلٍ مَحْمُودٍ مَرَضِيٍّ، كَقَوْلِهِ: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ [الأعْلى: ١٤] وقَوْلِهِ: ﴿فَلا تُزَكُّوا أنْفُسَكُمْ﴾ [النَّجْمِ: ٣٢] ومِن جُمْلَتِهِ ما يَخْرُجُ مِن حَقِّ المالِ، وإنَّما سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّها تُطَهِّرُ مِنَ الذُّنُوبِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿تُطَهِّرُهم وتُزَكِّيهِمْ بِها﴾ [التَّوْبَةِ: ١٠٣].
والثّانِي: وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ أنَّهُ الحَقُّ الواجِبُ في الأمْوالِ خاصَّةً، وهَذا هو الأقْرَبُ؛ لِأنَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ قَدِ اخْتَصَّتْ في الشَّرْعِ بِهَذا المَعْنى، فَإنْ قِيلَ: إنَّهُ لا يُقالُ في الكَلامِ الفَصِيحِ: إنَّهُ فَعَلَ الزَّكاةَ، قُلْنا: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: الزَّكاةُ اسْمٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ عَيْنٍ ومَعْنًى، فالعَيْنُ القَدْرُ الَّذِي يُخْرِجُهُ المُزَكِّي مِنَ النِّصابِ إلى الفَقِيرِ، والمَعْنى فِعْلُ المُزَكِّي الَّذِي هو التَّزْكِيَةُ، وهو الَّذِي أرادَهُ اللَّهُ تَعالى فَجَعَلَ المُزَكِّينَ فاعِلِينَ لَهُ ولا يَسُوغُ فِيهِ غَيْرُهُ؛ لِأنَّهُ ما مِن مَصْدَرٍ إلّا يُعَبَّرُ عَنْ مَعْناهُ بِالفِعْلِ. ويُقالُ لِمُحَدِثِهِ: فاعِلٌ، يُقالُ لِلضّارِبِ: فاعِلُ الضَّرْبِ، ولِلْقاتِلِ: فاعِلُ القَتْلِ، ولِلْمُزَكِّي: فاعِلُ الزَّكاةِ، وعَلى هَذا الكَلامِ كُلِّهِ يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالزَّكاةِ العَيْنُ، ويُقَدَّرَ مُضافٌ مَحْذُوفٌ وهو الأداءُ، فَإنْ قِيلَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى هُناكَ لَمْ يَفْصِلْ بَيْنَ الصَّلاةِ والزَّكاةِ، فَلِمَ فَصَلَ هاهُنا بَيْنَهُما بِقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ هم عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ ؟ قُلْنا: لِأنَّ الإعْراضَ عَنِ اللَّغْوِ مِن مُتَمِّماتِ الصَّلاةِ.
* * *
الصِّفَةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ ﴿إلّا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ وفِيهِ سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: لِمَ لَمْ يَقُلْ: إلّا عَنْ أزْواجِهِمْ؟ الجَوابُ: قالَ الفَرّاءُ: مَعْناهُ: إلّا مِن أزْواجِهِمْ، وذَكَرَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ فِيهِ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ.
أحَدُها: أنَّهُ في مَوْضِعِ الحالِ؛ أيْ: إلّا والِينَ عَلى أزْواجِهِمْ أوْ قَوّامِينَ عَلَيْهِنَّ، مِن قَوْلِكَ: كانَ فُلانٌ عَلى فُلانَةٍ، ونَظِيرُهُ كانَ زِيادٌ عَلى البَصْرَةِ؛ أيْ والِيًا عَلَيْها، ومِنهُ قَوْلُهُمْ: فُلانَةٌ تَحْتَ فُلانٍ، ومِن ثَمَّ
صفحة ٧١
سُمِّيَتِ المَرْأةُ فِراشًا. والمَعْنى أنَّهم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ في كافَّةِ الأحْوالِ إلّا في حالِ تَزْوِيجِهِمْ أوْ تَسَرِّيهِمْ.
وثانِيها: أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: يُلامُونَ إلّا عَلى أزْواجِهِمْ؛ أيْ: يُلامُونَ عَلى كُلِّ مُباشَرَةٍ إلّا عَلى ما أُطْلِقَ لَهم فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ عَلَيْهِ، وهو قَوْلُ الزَّجّاجِ.
وثالِثُها: أنْ تَجْعَلَهُ صِلَةً لِـ ﴿حافِظُونَ﴾.
السُّؤالُ الثّانِي: هَلّا قِيلَ: مَن مَلَكَتْ؟ الجَوابُ: لِأنَّهُ اجْتَمَعَ في السُّرِّيَّةِ وصْفانِ، أحَدُهُما: الأُنُوثَةُ وهي مَظِنَّةُ نُقْصانِ العَقْلِ، والآخَرُ كَوْنُها بِحَيْثُ تُباعُ وتُشْتَرى كَسائِرِ السِّلَعِ، فَلِاجْتِماعِ هَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ فِيها جُعِلَتْ كَأنَّها لَيْسَتْ مِنَ العُقَلاءِ.
السُّؤالُ الثّالِثُ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى تَحْرِيمِ المُتْعَةِ عَلى ما يُرْوى عَنِ القاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ؟ الجَوابُ: نَعَمْ، وتَقْرِيرُهُ أنَّها لَيْسَتْ زَوْجَةً لَهُ فَوَجَبَ أنْ لا تَحِلَّ لَهُ، وإنَّما قُلْنا: إنَّها لَيْسَتْ زَوْجَةً لَهُ؛ لِأنَّهُما لا يَتَوارَثانِ بِالإجْماعِ، ولَوْ كانَتْ زَوْجَةً لَهُ لَحَصَلَ التَّوارُثُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَكم نِصْفُ ما تَرَكَ أزْواجُكُمْ﴾ [النِّساءِ: ١٢] وإذا ثَبَتَ أنَّها لَيْسَتْ بِزَوْجَةٍ لَهُ وجَبَ أنْ لا تَحِلَّ لَهُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلّا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ﴾ وهو أعْلَمُ.
السُّؤالُ الرّابِعُ: ألَيْسَ لا يَحِلُّ لَهُ في الزَّوْجَةِ ومِلْكِ اليَمِينِ الِاسْتِمْتاعُ في أحْوالٍ كَحالِ الحَيْضِ وحالِ العِدَّةِ، وفي الأمَةِ حالَ تَزْوِيجِها مِنَ الغَيْرِ وحالَ عِدَّتِها، وكَذا الغُلامُ داخِلٌ في ظاهِرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ﴾ والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ.
أحَدُهُما: أنَّ مَذْهَبَ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ أنَّ الِاسْتِثْناءَ مِنَ النَّفْيِ لا يَكُونُ إثْباتًا، واحْتَجَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«لا صَلاةَ إلّا بِطُهُورٍ، ولا نِكاحَ إلّا بِوَلِيٍّ» “ فَإنَّ ذَلِكَ لا يَقْتَضِي حُصُولَ الصَّلاةِ بِمُجَرَّدِ حُصُولِ الطُّهُورِ، وحُصُولَ النِّكاحِ بِمُجَرَّدِ حُصُولِ الوَلِيِّ. وفائِدَةُ الِاسْتِثْناءِ صَرْفُ الحُكْمِ لا صَرْفُ المَحْكُومِ بِهِ، فَقَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ ﴿إلّا عَلى أزْواجِهِمْ﴾ مَعْناهُ أنَّهُ يَجِبُ حِفْظُ الفُرُوجِ عَنِ الكُلِّ إلّا في هاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ فَإنِّي ما ذَكَرْتُ حُكْمَهُما لا بِالنَّفْيِ ولا بِالإثْباتِ.
الثّانِي: أنّا إنْ سَلَّمْنا أنَّ الِاسْتِثْناءَ مِنَ النَّفْيِ إثْباتٌ، فَغايَتُهُ أنَّهُ عامٌّ دَخَلَهُ التَّخْصِيصُ بِالدَّلِيلِ فَيَبْقى فِيما وراءَهُ حُجَّةً.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ يَعْنِي الكامِلُونَ في العُدْوانِ المُتَناهُونَ فِيهِ.
* * *
الصِّفَةُ السّادِسَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ هم لِأماناتِهِمْ وعَهْدِهِمْ راعُونَ﴾ قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ (لِأمانَتِهِمْ) واعْلَمْ أنَّهُ يُسَمّى الشَّيْءُ المُؤْتَمَنُ عَلَيْهِ والمُعاهَدُ عَلَيْهِ أمانَةً وعَهْدًا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم أنْ تُؤَدُّوا الأماناتِ إلى أهْلِها﴾ [النِّساءِ: ٥٨] وقالَ: ﴿وتَخُونُوا أماناتِكُمْ﴾ [الأنْفالِ: ٢٧] وإنَّما تُؤَدّى العُيُونُ دُونَ المَعانِي، فَكانَ المُؤْتَمَنُ عَلَيْهِ الأمانَةُ في نَفْسِها. والعَهْدُ ما عَقَدَهُ عَلى نَفْسِهِ فِيما يُقَرِّبُهُ إلى رَبِّهِ، ويَقَعُ أيْضًا عَلى ما أمَرَ اللَّهُ تَعالى بِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ عَهِدَ إلَيْنا﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٨٣] والرّاعِي: القائِمُ عَلى الشَّيْءِ لِحِفْظٍ وإصْلاحٍ كَراعِي الغَنَمِ وراعِي الرَّعِيَّةِ، ويُقالُ: مَن راعِي هَذا الشَّيْءِ؟ أيْ: مُتَوَلِّيهِ. واعْلَمْ أنَّ الأمانَةَ تَتَناوَلُ كُلَّ ما تَرْكُهُ يَكُونُ داخِلًا في الخِيانَةِ، وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ والرَّسُولَ وتَخُونُوا أماناتِكُمْ﴾ [الأنْفالِ: ٢٧] فَمِن ذَلِكَ العِباداتُ الَّتِي المَرْءُ مُؤْتَمَنٌ عَلَيْها، وكُلُّ العِباداتِ تَدْخُلُ في ذَلِكَ؛ لِأنَّها إمّا أنْ تَخْفى أصْلًا كالصَّوْمِ وغُسْلِ الجَنابَةِ وإسْباغِ الوُضُوءِ، أوْ تَخْفى كَيْفِيَّةُ إتْيانِهِ بِها، وقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«أعْظَمُ النّاسِ خِيانَةً مَن لَمْ يُتِمَّ صَلاتَهُ» “ وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ”أوَّلُ ما تَفْقِدُونَ مِن دِينِكُمُ الأمانَةُ، وآخِرُ ما تَفْقِدُونَ الصَّلاةُ“ ومِن جُمْلَةِ ذَلِكَ ما يَلْتَزِمُهُ بِفِعْلٍ أوْ قَوْلٍ، فَيَلْزَمُهُ الوَفاءُ بِهِ كالوَدائِعِ والعُقُودِ وما يَتَّصِلُ بِهِما. ومِن ذَلِكَ
صفحة ٧٢
الأقْوالُ الَّتِي يُحَرَّرُ بِها العَبِيدُ والنِّساءُ؛ لِأنَّهُ مُؤْتَمَنٌ في ذَلِكَ، ومِن ذَلِكَ أنْ يُراعِيَ أمانَتَهُ فَلا يُفْسِدَها بِغَصْبٍ أوْ غَيْرِهِ، وأمّا العَهْدُ فَإنَّهُ دَخَلَ فِيهِ العُقُودُ والأيْمانُ والنُّذُورُ، فَبَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّ مُراعاةَ هَذِهِ الأُمُورِ والقِيامَ بِها مُعْتَبَرٌ في حُصُولِ الفَلاحِ.
* * *
الصِّفَةُ السّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ هم عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ وإنَّما أعادَ تَعالى ذِكْرَها؛ لِأنَّ الخُشُوعَ والمُحافَظَةَ مُتَغايِرانِ غَيْرُ مُتَلازِمَيْنِ، فَإنَّ الخُشُوعَ صِفَةٌ لِلْمُصَلِّي في حالِ الأداءِ لِصَلاتِهِ، والمُحافَظَةُ إنَّما تَصِحُّ حالَ ما لَمْ يُؤَدِّها بِكَمالِها. بَلِ المُرادُ بِالمُحافَظَةِ التَّعَهُّدُ لِشُرُوطِها مِن وقْتٍ وطَهارَةٍ وغَيْرِهِما، والقِيامُ عَلى أرْكانِها وإتْمامِها حَتّى يَكُونَ ذَلِكَ دَأْبَهُ في كُلِّ وقْتٍ، ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى مَجْمُوعَ هَذِهِ الأُمُورِ قالَ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الوارِثُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الفِرْدَوْسَ هم فِيها خالِدُونَ﴾ وهاهُنا سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: لِمَ سَمّى ما يَجِدُونَهُ مِنَ الثَّوابِ والجَنَّةِ بِالمِيراثِ؟ مَعَ أنَّهُ سُبْحانَهُ حَكَمَ بِأنَّ الجَنَّةَ حَقُّهم في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ المُؤْمِنِينَ أنْفُسَهم وأمْوالَهم بِأنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ﴾ [التَّوْبَةِ: ١١١]. الجَوابُ مِن وُجُوهٍ.
الأوَّلُ: ما «رُوِيَ عَنِ الرَّسُولِ ﷺ وهو أبْيَنُ عَلى ما يُقالُ فِيهِ، وهُوَ: أنَّهُ لا مُكَلَّفٌ إلّا أعَدَّ اللَّهُ لَهُ في النّارِ ما يَسْتَحِقُّهُ إنْ عَصى، وفي الجَنَّةِ ما يَسْتَحِقُّهُ إنْ أطاعَ، وجَعَلَ لِذَلِكَ عَلامَةً. فَإذا آمَنَ مِنهُمُ البَعْضُ ولَمْ يُؤْمِنِ البَعْضُ صارَ مَنزِلُ مَن لَمْ يُؤْمِن كالمَنقُولِ إلى المُؤْمِنِينَ، وصارَ مَصِيرُهم إلى النّارِ الَّذِي لا بُدَّ مَعَهُ مِن حِرْمانِ الثَّوابِ كَمَوْتِهِمْ»، فَسُمِّيَ ذَلِكَ مِيراثًا لِهَذا الوَجْهِ، وقَدْ قالَ الفُقَهاءُ: إنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ ما مَلَكَهُ المَيِّتُ وبَيْنَ ما يُقَدِّرُ فِيهِ المَلِكُ في أنَّهُ يُورَثُ عَنْهُ، كَذَلِكَ قالُوا في الدِّيَةِ الَّتِي تَجِبُ بِالقَتْلِ: إنَّها تُورَثُ، مَعَ أنَّهُ ما مَلَكَها عَلى التَّحْقِيقِ، وذَلِكَ يَشْهَدُ لِما ذَكَرْنا، فَإنْ قِيلَ: إنَّهُ تَعالى وصَفَ كُلَّ الَّذِي يَسْتَحِقُّونَهُ إرْثًا، وعَلى ما قُلْتُمْ يَدْخُلُ في الإرْثِ ما كانَ يَسْتَحِقُّهُ غَيْرُهم لَوْ أطاعَ. قُلْنا: لا يَمْتَنِعُ أنَّهُ تَعالى جَعَلَ ما هو مَنزِلَةٌ لِهَذا المُؤْمِنِ بِعَيْنِهِ مَنزِلَةً لِذَلِكَ الكافِرِ لَوْ أطاعَ؛ لِأنَّهُ عِنْدَ ذَلِكَ كانَ يَزِيدُ في المَنازِلِ فَإذا آمَنَ هَذا عَدَلَ بِذَلِكَ إلَيْهِ.
وثانِيها: أنَّ انْتِقالَ الجَنَّةِ إلَيْهِمْ بِدُونِ مُحاسَبَةٍ ومَعْرِفَةٍ بِمَقادِيرِهِ يُشْبِهُ انْتِقالَ المالِ إلى الوارِثِ.
وثالِثُها: أنَّ الجَنَّةَ كانَتْ مَسْكَنَ أبِينا آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإذا انْتَقَلَتْ إلى أوْلادِهِ صارَ ذَلِكَ شَبِيهًا بِالمِيراثِ.
السُّؤالُ الثّانِي: كَيْفَ حَكَمَ عَلى المَوْصُوفِينَ بِالصِّفاتِ السَّبْعِ بِالفَلاحِ مَعَ أنَّهُ تَعالى ما تَمَّمَ ذِكْرَ العِباداتِ الواجِبَةِ كالصَّوْمِ والحَجِّ والطَّهارَةِ؟ والجَوابُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿والَّذِينَ هم لِأماناتِهِمْ وعَهْدِهِمْ راعُونَ﴾ يَأْتِي عَلى جَمِيعِ الواجِباتِ مِنَ الأفْعالِ والتُّرُوكِ كَما قَدَّمْنا، والطَّهاراتُ دَخَلَتْ في جُمْلَةِ المُحافَظَةِ عَلى الصَّلَواتِ الخَمْسِ؛ لِكَوْنِها مِن شَرائِطِها.
السُّؤالُ الثّالِثُ: أفَيَدُلُّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الوارِثُونَ﴾ عَلى أنَّهُ لا يَدْخُلُها غَيْرُهُمْ؟ الجَوابُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿هُمُ الوارِثُونَ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ لَكِنَّهُ يَجِبُ تَرْكُ العَمَلِ بِهِ؛ لِأنَّهُ ثَبَتَ أنَّ الجَنَّةَ يَدْخُلُها الأطْفالُ والمَجانِينُ والوِلْدانُ والحُورُ العِينُ، ويَدْخُلُها الفُسّاقُ مِن أهْلِ القِبْلَةِ بَعْدَ العَفْوِ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النِّساءِ: ٤٨].
السُّؤالُ الرّابِعُ: أفَكُلُّ الجَنَّةِ هو الفِرْدَوْسُ؟ الجَوابُ: الفِرْدَوْسُ هو الجَنَّةُ بِلِسانِ الحَبَشَةِ، وقِيلَ بِلِسانِ الرُّومِ، ورَوى أبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«الفِرْدَوْسُ مَقْصُورَةُ الرَّحْمَنِ؛ فِيها الأنْهارُ والأشْجارُ» “
صفحة ٧٣
ورَوى أبُو أُمامَةَ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ قالَ: ”«سَلُوا اللَّهَ الفِرْدَوْسَ فَإنَّها أعْلى الجِنانِ، وإنَّ أهْلَ الفِرْدَوْسِ يَسْمَعُونَ أطِيطَ العَرْشِ» “.
السُّؤالُ الخامِسُ: هَلْ تَدُلُّ الآيَةُ عَلى أنَّ هَذِهِ الصِّفاتِ هي الَّتِي لَها ولِأجْلِها يَكُونُونَ مُؤْمِنِينَ أمْ لا؟ الجَوابُ: ادَّعى القاضِي أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ بِناءً عَلى مَذْهَبِهِ أنَّ الإيمانَ اسْمٌ شَرْعِيٌّ مَوْضُوعٌ لِأداءِ كُلِّ الواجِباتِ، وعِنْدَنا أنَّ الآيَةَ لا تَدُلُّ عَلى ذَلِكَ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم في صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ﴾ مِثْلُ قَدْ أفْلَحَ النّاسُ الأذْكِياءُ العُدُولُ، فَإنَّ هَذا لا يَدُلُّ عَلى أنَّ الزَّكاةَ والعَدالَةَ داخِلانِ في مُسَمّى النّاسِ فَكَذا هاهُنا.
السُّؤالُ السّادِسُ: رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: ”«لَمّا خَلَقَ اللَّهُ تَعالى جَنَّةَ عَدْنٍ قالَ لَها: تَكَلَّمِي. فَقالَتْ: قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ» “ وقالَ كَعْبٌ: ”خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ بِيَدِهِ وكَتَبَ التَّوْراةَ بِيَدِهِ وغَرَسَ شَجَرَةَ طُوبى بِيَدِهِ، ثم قال لَها: تَكَلَّمِي. فَقالَتْ: قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ“، ورُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ”«إذا أحْسَنَ العَبْدُ الوُضُوءَ وصَلّى الصَّلاةَ لِوَقْتِها وحافَظَ عَلى رُكُوعِها وسُجُودِها ومَواقِيتِها قالَتْ: حَفِظَكَ اللَّهُ كَما حافَظْتَ عَلَيَّ، وشَفَعَتْ لِصاحِبِها، وإذا أضاعَها قالَتْ: أضاعَكَ اللَّهُ كَما ضَيَّعْتَنِي، وتُلَفُّ كَما يُلَفُّ الثَّوْبُ الخَلِقُ فَيُضْرَبُ بِها وجْهُ صاحِبِها» “ الجَوابُ: أمّا كَلامُ الجَنَّةِ فالمُرادُ بِهِ أنَّها أُعِدَّتْ لِلْمُؤْمِنِينَ، فَصارَ ذَلِكَ كالقَوْلِ مِنها، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَتا أتَيْنا طائِعِينَ﴾ [فُصِّلَتْ: ١١] وأمّا أنَّهُ تَعالى خَلَقَ الجَنَّةَ بِيَدِهِ، فالمُرادُ تَوَلّى خَلْقَها لا أنَّهُ وكَلَهُ إلى غَيْرِهِ، وأمّا أنَّ الصَّلاةَ تُثْنِي عَلى مَن قامَ بِحَقِّها فَهو في الجَوازِ أبْعَدُ مِن كَلامِ الجَنَّةِ؛ لِأنَّ الصَّلاةَ حَرَكاتٌ وسَكَناتٌ ولا يَصِحُّ عَلَيْها أنْ تَتَصَوَّرَ وتَتَكَلَّمَ، فالمُرادُ مِنهُ ضَرْبُ المَثَلِ كَما يَقُولُ القائِلُ لِلْمُنْعِمِ: إنَّ إحْسانَكَ إلَيَّ يَنْطِقُ بِالشُّكْرِ.
السُّؤالُ السّابِعُ: هَلْ تَدُلُّ الآيَةُ عَلى أنَّ الفِرْدَوْسَ مَخْلُوقَةٌ؟ الجَوابُ: قالَ القاضِي: دَلَّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُكُلُها دائِمٌ﴾ [الرَّعْدِ: ٣٥] عَلى أنَّها غَيْرُ مَخْلُوقَةٍ، فَوَجَبَ تَأْوِيلُ هَذِهِ الآيَةِ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ يَخْلُقُ اللَّهُ الجَنَّةَ مِيراثًا لِلْمُؤْمِنِينَ، أوْ: وإذا خَلَقَها تَقُولُ، عَلى مِثالِ ما تَأوَّلْنا عَلَيْهِ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ونادى أصْحابُ النّارِ أصْحابَ الجَنَّةِ﴾ [الأعْرافِ: ٥٠] وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ إضْمارُ ما ذَكَرَهُ في هَذِهِ الآيَةِ أوْلى مِن أنْ يُضْمَرَ في قَوْلِهِ: ﴿أُكُلُها دائِمٌ﴾ ثُمَّ إنَّ أُكُلَها دائِمٌ يَوْمَ القِيامَةِ، وإذا تَعارَضَ هَذانِ الظّاهِرانِ فَنَحْنُ نَتَمَسَّكُ في أنَّ الجَنَّةَ مَخْلُوقَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٣٣].
المؤمنون 23:2
صفحة ٦٧
(سُورَةُ المُؤْمِنُونَ)
مِائَةٌ وثَمانِ عَشْرَةَ آيَةً مَكِّيَّةً
﷽
﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم في صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ ﴿إلّا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ ﴿فَمَنِ ابْتَغى وراءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم لِأماناتِهِمْ وعَهْدِهِمْ راعُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ هُمُ الوارِثُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الفِرْدَوْسَ هم فِيها خالِدُونَ﴾
﷽
﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم في صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ ﴿إلّا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ ﴿فَمَنِ ابْتَغى وراءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم لِأماناتِهِمْ وعَهْدِهِمْ راعُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ هُمُ الوارِثُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الفِرْدَوْسَ هم فِيها خالِدُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ حَكَمَ بِحُصُولِ الفَلاحِ لِمَن كانَ مُسْتَجْمِعًا لِصِفاتٍ سَبْعٍ، وقَبْلَ الخَوْضِ في شَرْحِ تِلْكَ الصِّفاتِ لا بُدَّ مِن بَحْثَيْنِ:
البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّ ﴿قَدْ﴾ نَقِيضَةٌ لِـ (ما) فَـ (قَدْ) تُثْبِتُ المُتَوَقَّعَ، و(لَما) تَنْفِيهِ، ولا شَكَّ أنَّ المُؤْمِنِينَ كانُوا مُتَوَقِّعِينَ لِمِثْلِ هَذِهِ البِشارَةِ، وهي الإخْبارُ بِثَباتِ الفَلاحِ لَهم فَخُوطِبُوا بِما دَلَّ عَلى ثَباتِ ما تَوَقَّعُوهُ.
البَحْثُ الثّانِي: الفَلاحُ: الظَّفَرُ بِالمُرادِ، وقِيلَ: البَقاءُ في الخَيْرِ، وأفْلَحَ: دَخَلَ في الفَلاحِ، كَأبْشَرَ: دَخَلَ في البِشارَةِ، ويُقالُ: أفْلَحَهُ: صَيَّرَهُ إلى الفَلاحِ، وعَلَيْهِ قِراءَةُ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ ”أُفْلِحَ“ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، وعَنْهُ (أفْلَحُوا) عَلى لُغَةِ أكَلُونِي البَراغِيثُ، أوْ عَلى الإبْهامِ والتَّفْسِيرِ.
صفحة ٦٨
الصِّفَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿المُؤْمِنُونَ﴾ وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في الإيمانِ في سُورَةِ البَقَرَةِ.
الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ هم في صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ﴾ واخْتَلَفُوا في الخُشُوعِ؛ فَمِنهم مَن جَعَلَهُ مِن أفْعالِ القُلُوبِ كالخَوْفِ والرَّهْبَةِ، ومِنهم مَن جَعَلَهُ مِن أفْعالِ الجَوارِحِ كالسُّكُونِ وتَرْكِ الِالتِفاتِ، ومِنهم مَن جَمَعَ بَيْنَ الأمْرَيْنِ وهو الأوْلى. فالخاشِعُ في صَلاتِهِ لا بُدَّ وأنْ يَحْصُلَ لَهُ مِمّا يَتَعَلَّقُ بِالقَلْبِ مِنَ الأفْعالِ نِهايَةُ الخُضُوعِ والتَّذَلُّلِ لِلْمَعْبُودِ، ومِنَ التُّرُوكِ أنْ لا يَكُونَ مُلْتَفِتَ الخاطِرِ إلى شَيْءٍ سِوى التَّعْظِيمِ، ومِمّا يَتَعَلَّقُ بِالجَوارِحِ أنْ يَكُونَ ساكِنًا مُطْرِقًا ناظِرًا إلى مَوْضِعِ سُجُودِهِ، ومِنَ التُّرُوكِ أنْ لا يَلْتَفِتَ يَمِينًا ولا شَمالًا، ولَكِنَّ الخُشُوعَ الَّذِي يُرى عَلى الإنْسانِ لَيْسَ إلّا ما يَتَعَلَّقُ بِالجَوارِحِ، فَإنَّ ما يَتَعَلَّقُ بِالقَلْبِ لا يُرى، قالَ الحَسَنُ وابْنُ سِيرِينَ: «كانَ المُسْلِمُونَ يَرْفَعُونَ أبْصارَهم إلى السَّماءِ في صَلاتِهِمْ، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَفْعَلُ ذَلِكَ، فَلَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ طَأْطَأ وكانَ لا يُجاوِزُ بَصَرُهُ مُصَلّاهُ»، فَإنْ قِيلَ: فَهَلْ تَقُولُونَ: إنَّ ذَلِكَ واجِبٌ في الصَّلاةِ؟ قُلْنا: إنَّهُ عِنْدَنا واجِبٌ ويَدُلُّ عَلَيْهِ أُمُورٌ.
أحَدُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ أمْ عَلى قُلُوبٍ أقْفالُها﴾ [مُحَمَّدٍ: ٢٤] والتَّدَبُّرُ لا يُتَصَوَّرُ بِدُونِ الوُقُوفِ عَلى المَعْنى، وكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ورَتِّلِ القُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [ المُزَّمِّلِ: ٤] مَعْناهُ قِفْ عَلى عَجائِبِهِ ومَعانِيهِ.
وثانِيها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤] وظاهِرُ الأمْرِ لِلْوُجُوبِ، والغَفْلَةُ تُضادُّ الذِّكْرِ، فَمَن غَفَلَ في جَمِيعِ صَلاتِهِ كَيْفَ يَكُونُ مُقِيمًا لِلصَّلاةِ لِذِكْرِهِ.
وثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَكُنْ مِنَ الغافِلِينَ﴾ [الأعْرافِ: ٢٠٥] وظاهِرُ النَّهْيِ لِلتَّحْرِيمِ.
ورابِعُها: قَوْلُهُ: ﴿حَتّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ﴾ [ النِّساءِ: ٤٣ ] تَعْلِيلٌ لِنَهْيِ السَّكْرانِ، وهو مُطَّرِدٌ في الغافِلِ المُسْتَغْرِقِ المُهْتَمِّ بِالدُّنْيا.
وخامِسُها: قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«إنَّما الخُشُوعُ لِمَن تَمَسْكَنَ وتَواضَعَ» “ وكَلِمَةُ (إنَّما) لِلْحَصْرِ، وقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«مَن لَمْ تَنْهَهُ صَلاتُهُ عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ لَمْ يَزْدَدْ مِنَ اللَّهِ إلّا بُعْدًا» “ وصَلاةُ الغافِلِ لا تَمْنَعُ مِنَ الفَحْشاءِ، وقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «كَمْ مِن قائِمٍ حَظُّهُ مِن قِيامِهِ التَّعَبُ والنَّصَبُ» وما أرادَ بِهِ إلّا الغافِلَ، وقالَ أيْضًا: ”«لَيْسَ لِلْعَبْدِ مِن صَلاتِهِ إلّا ما عَقَلَ» “
وسادِسُها: قالَ الغَزالِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: المُصَلِّي يُناجِي رَبَّهُ، كَما ورَدَ بِهِ الخَبَرُ، والكَلامُ مَعَ الغَفْلَةِ لَيْسَ بِمُناجاةٍ البَتَّةَ، وبَيانُهُ أنَّ الإنْسانَ إذا أدّى الزَّكاةَ حالَ الغَفْلَةِ فَقَدْ حَصَلَ المَقْصُودُ مِنها عَلى بَعْضِ الوُجُوهِ، وهو كَسْرُ الحِرْصِ وإغْناءُ الفَقِيرِ، وكَذا الصَّوْمُ قاهِرٌ لِلْقُوى كاسِرٌ لِسَطْوَةِ الهَوى الَّتِي هي عَدُوَّةُ اللَّهِ تَعالى. فَلا يَبْعُدُ أنْ يَحْصُلَ مِنهُ مَقْصُودُهُ مَعَ الغَفْلَةِ، وكَذا الحَجُّ أفْعالٌ شاقَّةٌ، وفِيهِ مِنَ المُجاهَدَةِ ما يَحْصُلُ بِهِ الِابْتِلاءُ سَواءٌ كانَ القَلْبُ حاضِرًا أوْ لَمْ يَكُنْ. أمّا الصَّلاةُ فَلَيْسَ فِيها إلّا ذِكْرٌ وقِراءَةٌ ورُكُوعٌ وسُجُودٌ وقِيامٌ وقُعُودٌ، أمّا الذِّكْرُ فَإنَّهُ مُناجاةٌ مَعَ اللَّهِ تَعالى. فَإمّا أنْ يَكُونَ المَقْصُودُ مِنهُ كَوْنَهُ مُناجاةً، أوِ المَقْصُودُ مُجَرَّدُ الحُرُوفِ والأصْواتِ، ولا شَكَّ في فَسادِ هَذا القِسْمِ، فَإنَّ تَحْرِيكَ اللِّسانِ بِالهَذَيانِ لَيْسَ فِيهِ غَرَضٌ صَحِيحٌ، فَثَبَتَ أنَّ المَقْصُودَ مِنهُ المُناجاةُ، وذَلِكَ لا يَتَحَقَّقُ إلّا إذا كانَ اللِّسانُ مُعَبِّرًا عَمّا في القَلْبِ مِنَ التَّضَرُّعاتِ، فَأيُّ سُؤالٍ في قَوْلِهِ: ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ [ الفاتِحَةِ: ٦ ] وكانَ القَلْبُ غافِلًا عَنْهُ؟ بَلْ أقُولُ: لَوْ حَلَفَ إنْسانٌ، وقالَ: واللَّهِ لَأشْكُرَنَّ فُلانًا وأُثْنِي عَلَيْهِ وأسْألُهُ حاجَةً. ثُمَّ جَرَتِ الألْفاظُ الدّالَّةُ عَلى هَذِهِ المَعانِي عَلى لِسانِهِ في اليَوْمِ، لَمْ يَبَرَّ في يَمِينِهِ، ولَوْ
صفحة ٦٩
جَرى عَلى لِسانِهِ في ظُلْمَةِ اللَّيْلِ وذَلِكَ الإنْسانُ حاضِرٌ وهو لا يَعْرِفُ حُضُورَهُ ولا يَراهُ، لا يَصِيرُ بارًّا في يَمِينِهِ، ولا يَكُونُ كَلامُهُ خِطابًا مَعَهُ ما لَمْ يَكُنْ حاضِرًا بِقَلْبِهِ، ولَوْ جَرَتْ هَذِهِ الكَلِماتُ عَلى لِسانِهِ وهو حاضِرٌ في بَياضِ النَّهارِ إلّا أنَّ المُتَكَلِّمَ غافِلٌ لِكَوْنِهِ مُسْتَغْرِقَ الهَمِّ بِفِكْرٍ مِنَ الأفْكارِ، ولَمْ يَكُنْ لَهُ قَصْدُ تَوْجِيهِ الخِطابِ إلَيْهِ عِنْدَ نُطْقِهِ، لَمْ يَصِرْ بارًّا في يَمِينِهِ. ولا شَكَّ أنَّ المَقْصُودَ مِنَ القِراءَةِ الأذْكارُ والحَمْدُ والثَّناءُ والتَّضَرُّعُ والدُّعاءُ، والمُخاطَبُ هو اللَّهُ تَعالى، فَإذا كانَ القَلْبُ مَحْجُوبًا بِحِجابِ الغَفْلَةِ وكانَ غافِلًا عَنْ جَلالِ اللَّهِ وكِبْرِيائِهِ، ثُمَّ إنَّ لِسانَهُ يَتَحَرَّكُ بِحُكْمِ العادَةِ، فَما أبْعَدَ ذَلِكَ عَنِ القَبُولِ.
وأمّا الرُّكُوعُ والسُّجُودُ فالمَقْصُودُ مِنهُما التَّعْظِيمُ، ولَوْ جازَ أنْ يَكُونَ تَعْظِيمًا لِلَّهِ تَعالى مَعَ أنَّهُ غافِلٌ عَنْهُ، لَجازَ أنْ يَكُونَ تَعْظِيمًا لِلصَّنَمِ المَوْضُوعِ بَيْنَ يَدَيْهِ وهو غافِلٌ عَنْهُ، ولِأنَّهُ إذا لَمْ يَحْصُلِ التَّعْظِيمُ لَمْ يَبْقَ إلّا مُجَرَّدُ حَرَكَةِ الظَّهْرِ والرَّأْسِ، ولَيْسَ فِيها مِنَ المَشَقَّةِ ما يَصِيرُ لِأجْلِهِ عِمادًا لِلدِّينِ، وفاصِلًا بَيْنَ الكُفْرِ والإيمانِ، ويُقْدِمُ عَلى الحَجِّ والزَّكاةِ والجِهادِ وسائِرِ الطّاعاتِ الشّاقَّةِ، ويَجِبُ القَتْلُ بِسَبَبِهِ عَلى الخُصُوصِ، وبِالجُمْلَةِ فَكُلُّ عاقِلٍ يَقْطَعُ بِأنَّ مُشاهَدَةَ الخَواصِّ العَظِيمَةِ لَيْسَ أعْمالَها الظّاهِرَةَ إلّا أنْ يَنْضافَ إلَيْها مَقْصُودُ هَذِهِ المُناجاةِ، فَدَلَّتْ هَذِهِ الِاعْتِباراتُ عَلى أنَّ الصَّلاةَ لا بُدَّ فِيها مِنَ الحُضُورِ.
وسابِعُها: أنَّ الفُقَهاءَ اخْتَلَفُوا فِيما يَنْوِيهِ بِالسَّلامِ عِنْدَ الجَماعَةِ والِانْفِرادِ، هَلْ يَنْوِي الحُضُورَ أوِ الغَيْبَةَ والحُضُورَ مَعًا. فَإذا احْتِيجَ إلى التَّدَبُّرِ في مَعْنى السَّلامِ الَّذِي هو آخِرُ الصَّلاةِ فَلَأنْ يُحْتاجَ إلى التَّدَبُّرِ في مَعْنى التَّكْبِيرِ والتَّسْبِيحِ الَّتِي هي الأشْياءُ المَقْصُودَةُ مِنَ الصَّلاةِ بِالطَّرِيقِ الأوْلى، واحْتَجَّ المُخالِفُ بِأنَّ اشْتِراطَ الخُضُوعِ والخُشُوعِ عَلى خِلافِ اجْتِماعِ الفُقَهاءِ، فَلا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ. والجَوابُ مِن وُجُوهٍ.
أحَدُها: أنَّ الحُضُورَ عِنْدَنا لَيْسَ شَرْطًا لِلْإجْزاءِ، بَلْ شَرْطٌ لِلْقَبُولِ، والمُرادُ مِنَ الإجْزاءِ أنْ لا يَجِبَ القَضاءُ، والمُرادُ مِنَ القَبُولِ حُكْمُ الثَّوابِ.
والفُقَهاءُ إنَّما يَبْحَثُونَ عَنْ حُكْمِ الإجْزاءِ لا عَنْ حُكْمِ الثَّوابِ، وغَرَضُنا في هَذا المَقامِ هَذا، ومِثالُهُ في الشّاهِدِ مَنِ اسْتَعارَ مِنكَ ثَوْبًا ثُمَّ رَدَّهُ عَلى الوجه الأحْسَنِ، فَقَدْ خَرَجَ عَنِ العُهْدَةِ واسْتَحَقَّ المَدْحَ، ومَن رَماهُ إلَيْكَ عَلى وجْهِ الِاسْتِخْفافِ خَرَجَ عَنِ العُهْدَةِ، ولَكِنَّهُ اسْتَحَقَّ الذَّمَّ، كَذا مَن عَظَّمَ اللَّهَ تَعالى حالَ أدائِهِ العِبادَةَ صارَ مُقِيمًا لِلْفَرْضِ مُسْتَحِقًّا لِلثَّوابِ، ومَنِ اسْتَهانَ بِها صارَ مُقِيمًا لِلْفَرْضِ ظاهِرًا لَكِنَّهُ اسْتَحَقَّ الذَّمَّ.
وثانِيها: أنّا نَمْنَعُ هَذا الإجْماعَ، أمّا المُتَكَلِّمُونَ فَقَدِ اتَّفَقُوا عَلى أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الحُضُورِ والخُشُوعِ، واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِأنَّ السُّجُودَ لِلَّهِ تَعالى طاعَةٌ ولِلصَّنَمِ كُفْرٌ، وكُلُّ واحِدٍ مِنهُما يُماثِلُ الآخَرَ في ذاتِهِ ولَوازِمِهِ، فَلا بُدَّ مِن أمْرٍ لِأجْلِهِ صارَ السُّجُودُ في إحْدى الصُّورَتَيْنِ طاعَةً، وفي الأُخْرى مَعْصِيَةً، قالُوا: وما ذاكَ إلّا القَصْدُ والإرادَةُ، والمُرادُ مِنَ القَصْدِ إيقاعُ تِلْكَ الأفْعالِ لِداعِيَةِ الِامْتِثالِ، وهَذِهِ الدّاعِيَةُ لا يُمْكِنُ حُصُولُها إلّا عِنْدَ الحُضُورِ، فَلِهَذا اتَّفَقُوا عَلى أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الحُضُورِ، أمّا الفُقَهاءُ فَقَدْ ذَكَرَ الفَقِيهُ أبُو اللَّيْثِ رَحِمَهُ اللَّهُ في تَنْبِيهِ الغافِلِينَ أنَّ تَمامَ القِراءَةِ أنْ يَقْرَأ بِغَيْرِ لَحْنٍ، وأنْ يَقْرَأ بِالتَّفَكُّرِ.
وأمّا الغَزالِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فَإنَّهُ نَقَلَ عَنْ أبِي طالِبٍ المَكِّيِّ عَنْ بِشْرٍ الحافِي أنَّهُ قالَ: مَن لَمْ يَخْشَعْ فَسَدَتْ صَلاتُهُ. وعَنِ الحَسَنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: كُلُّ صَلاةٍ لا يَحْضُرُ فِيها القَلْبُ فَهي إلى العُقُوبَةِ أسْرَعُ. وعَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ: ”مَن عَرَفَ مَن عَلى يَمِينِهِ وشِمالِهِ مُتَعَمِّدًا وهو في الصَّلاةِ فَلا صَلاةَ لَهُ“. ورُوِيَ أيْضًا مُسْنَدًا قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«إنَّ العَبْدَ لَيُصَلِّي الصَّلاةَ لا يُكْتَبُ لَهُ سُدُسُها ولا عُشْرُها، وإنَّما يُكْتَبُ لِلْعَبْدِ مِن صَلاتِهِ ما عَقَلَ مِنها» “. وقالَ عَبْدُ الواحِدِ بْنُ زَيْدٍ: أجْمَعَتِ العُلَماءُ عَلى أنَّهُ لَيْسَ لِلْعَبْدِ مِن صَلاتِهِ إلّا ما عَقَلَ، وادَّعى فِيهِ الإجْماعَ. إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: هَبْ أنَّ الفُقَهاءَ بِأسْرِهِمْ حَكَمُوا بِالجَوازِ، ألَيْسَ الأُصُولِيُّونَ وأهْلُ الوَرَعِ ضَيَّقُوا الأمْرَ فِيها، فَهَلّا أخَذْتَ بِالِاحْتِياطِ، فَإنَّ بَعْضَ العُلَماءِ اخْتارَ
صفحة ٧٠
الإمامَةَ، فَقِيلَ لَهُ في ذَلِكَ فَقالَ: أخافُ إنْ تَرَكْتُ الفاتِحَةَ أنْ يُعاتِبَنِي الشّافِعِيُّ، وإنْ قَرَأْتُها مَعَ الإمامِ أنْ يُعاتِبَنِي أبُو حَنِيفَةَ، فاخْتَرْتُ الإمامَةَ طَلَبًا لِلْخَلاصِ عَنْ هَذا الِاخْتِلافِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ هم عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ وفي اللَّغْوِ أقْوالٌ.
أحَدُها: أنَّهُ يَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ ما كانَ حَرامًا أوْ مَكْرُوهًا أوْ كانَ مُباحًا، ولَكِنْ لا يَكُونُ بِالمَرْءِ إلَيْهِ ضَرُورَةٌ وحاجَةٌ.
وثانِيها: أنَّهُ عِبارَةٌ عَنْ كُلِّ ما كانَ حَرامًا فَقَطْ، وهَذا التَّفْسِيرُ أخَصُّ مِنَ الأوَّلِ.
وثالِثُها: أنَّهُ عِبارَةٌ عَنِ المَعْصِيَةِ في القَوْلِ والكَلامِ خاصَّةً، وهَذا أخَصُّ مِنَ الثّانِي.
ورابِعُها: أنَّهُ المُباحُ الَّذِي لا حاجَةَ إلَيْهِ، واحْتَجَّ هَذا القائِلُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ في أيْمانِكُمْ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٢٥] فَكَيْفَ يُحْمَلُ ذَلِكَ عَلى المَعاصِي الَّتِي لا بُدَّ فِيها مِنَ المُؤاخَذَةِ، واحْتَجَّ الأوَّلُونَ بِأنَّ اللَّغْوَ إنَّما سُمِّيَ لَغْوًا بِما أنَّهُ يُلْغى، وكُلُّ ما يَقْتَضِي الدِّينُ إلْغاءَهُ كانَ أوْلى بِاسْمِ اللَّغْوِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ كُلُّ حَرامٍ لَغْوًا، ثُمَّ اللَّغْوُ قَدْ يَكُونُ كُفْرًا لِقَوْلِهِ: ﴿لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ والغَوْا فِيهِ﴾ [فُصِّلَتْ: ٢٦] وقَدْ يَكُونُ كَذِبًا لِقَوْلِهِ: ﴿لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً﴾ [الغاشِيَةِ: ١١] وقَوْلِهِ: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ولا تَأْثِيمًا﴾ [الواقِعَةِ: ٢٥] ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى مَدَحَهم بِأنَّهم يُعْرِضُونَ عَنْ هَذا اللَّغْوِ، والإعْراضُ عَنْهُ هو بِأنْ لا يَفْعَلَهُ ولا يَرْضى بِهِ ولا يُخالِطَ مَن يَأْتِيهِ، وعَلى هَذا الوجه قالَ تَعالى: ﴿وإذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرامًا﴾ [الفُرْقانِ: ٧٢] واعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا وصَفَهم بِالخُشُوعِ في الصَّلاةِ أتْبَعَهُ الوَصْفَ بِالإعْراضِ عَنِ اللَّغْوِ، لِيَجْمَعَ لَهُمُ الفِعْلَ والتَّرْكَ الشّاقَّيْنِ عَلى الأنْفُسِ اللَّذَيْنِ هُما قاعِدَتا بِناءِ التَّكْلِيفِ، وهو أعْلَمُ.
* * *
الصِّفَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ هم لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ﴾ وفي الزَّكاةِ قَوْلانِ، أحَدُهُما: قَوْلُ أبِي مُسْلِمٍ أنَّ فِعْلَ الزَّكاةِ يَقَعُ عَلى كُلِّ فِعْلٍ مَحْمُودٍ مَرَضِيٍّ، كَقَوْلِهِ: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ [الأعْلى: ١٤] وقَوْلِهِ: ﴿فَلا تُزَكُّوا أنْفُسَكُمْ﴾ [النَّجْمِ: ٣٢] ومِن جُمْلَتِهِ ما يَخْرُجُ مِن حَقِّ المالِ، وإنَّما سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّها تُطَهِّرُ مِنَ الذُّنُوبِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿تُطَهِّرُهم وتُزَكِّيهِمْ بِها﴾ [التَّوْبَةِ: ١٠٣].
والثّانِي: وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ أنَّهُ الحَقُّ الواجِبُ في الأمْوالِ خاصَّةً، وهَذا هو الأقْرَبُ؛ لِأنَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ قَدِ اخْتَصَّتْ في الشَّرْعِ بِهَذا المَعْنى، فَإنْ قِيلَ: إنَّهُ لا يُقالُ في الكَلامِ الفَصِيحِ: إنَّهُ فَعَلَ الزَّكاةَ، قُلْنا: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: الزَّكاةُ اسْمٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ عَيْنٍ ومَعْنًى، فالعَيْنُ القَدْرُ الَّذِي يُخْرِجُهُ المُزَكِّي مِنَ النِّصابِ إلى الفَقِيرِ، والمَعْنى فِعْلُ المُزَكِّي الَّذِي هو التَّزْكِيَةُ، وهو الَّذِي أرادَهُ اللَّهُ تَعالى فَجَعَلَ المُزَكِّينَ فاعِلِينَ لَهُ ولا يَسُوغُ فِيهِ غَيْرُهُ؛ لِأنَّهُ ما مِن مَصْدَرٍ إلّا يُعَبَّرُ عَنْ مَعْناهُ بِالفِعْلِ. ويُقالُ لِمُحَدِثِهِ: فاعِلٌ، يُقالُ لِلضّارِبِ: فاعِلُ الضَّرْبِ، ولِلْقاتِلِ: فاعِلُ القَتْلِ، ولِلْمُزَكِّي: فاعِلُ الزَّكاةِ، وعَلى هَذا الكَلامِ كُلِّهِ يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالزَّكاةِ العَيْنُ، ويُقَدَّرَ مُضافٌ مَحْذُوفٌ وهو الأداءُ، فَإنْ قِيلَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى هُناكَ لَمْ يَفْصِلْ بَيْنَ الصَّلاةِ والزَّكاةِ، فَلِمَ فَصَلَ هاهُنا بَيْنَهُما بِقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ هم عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ ؟ قُلْنا: لِأنَّ الإعْراضَ عَنِ اللَّغْوِ مِن مُتَمِّماتِ الصَّلاةِ.
* * *
الصِّفَةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ ﴿إلّا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ وفِيهِ سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: لِمَ لَمْ يَقُلْ: إلّا عَنْ أزْواجِهِمْ؟ الجَوابُ: قالَ الفَرّاءُ: مَعْناهُ: إلّا مِن أزْواجِهِمْ، وذَكَرَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ فِيهِ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ.
أحَدُها: أنَّهُ في مَوْضِعِ الحالِ؛ أيْ: إلّا والِينَ عَلى أزْواجِهِمْ أوْ قَوّامِينَ عَلَيْهِنَّ، مِن قَوْلِكَ: كانَ فُلانٌ عَلى فُلانَةٍ، ونَظِيرُهُ كانَ زِيادٌ عَلى البَصْرَةِ؛ أيْ والِيًا عَلَيْها، ومِنهُ قَوْلُهُمْ: فُلانَةٌ تَحْتَ فُلانٍ، ومِن ثَمَّ
صفحة ٧١
سُمِّيَتِ المَرْأةُ فِراشًا. والمَعْنى أنَّهم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ في كافَّةِ الأحْوالِ إلّا في حالِ تَزْوِيجِهِمْ أوْ تَسَرِّيهِمْ.
وثانِيها: أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: يُلامُونَ إلّا عَلى أزْواجِهِمْ؛ أيْ: يُلامُونَ عَلى كُلِّ مُباشَرَةٍ إلّا عَلى ما أُطْلِقَ لَهم فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ عَلَيْهِ، وهو قَوْلُ الزَّجّاجِ.
وثالِثُها: أنْ تَجْعَلَهُ صِلَةً لِـ ﴿حافِظُونَ﴾.
السُّؤالُ الثّانِي: هَلّا قِيلَ: مَن مَلَكَتْ؟ الجَوابُ: لِأنَّهُ اجْتَمَعَ في السُّرِّيَّةِ وصْفانِ، أحَدُهُما: الأُنُوثَةُ وهي مَظِنَّةُ نُقْصانِ العَقْلِ، والآخَرُ كَوْنُها بِحَيْثُ تُباعُ وتُشْتَرى كَسائِرِ السِّلَعِ، فَلِاجْتِماعِ هَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ فِيها جُعِلَتْ كَأنَّها لَيْسَتْ مِنَ العُقَلاءِ.
السُّؤالُ الثّالِثُ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى تَحْرِيمِ المُتْعَةِ عَلى ما يُرْوى عَنِ القاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ؟ الجَوابُ: نَعَمْ، وتَقْرِيرُهُ أنَّها لَيْسَتْ زَوْجَةً لَهُ فَوَجَبَ أنْ لا تَحِلَّ لَهُ، وإنَّما قُلْنا: إنَّها لَيْسَتْ زَوْجَةً لَهُ؛ لِأنَّهُما لا يَتَوارَثانِ بِالإجْماعِ، ولَوْ كانَتْ زَوْجَةً لَهُ لَحَصَلَ التَّوارُثُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَكم نِصْفُ ما تَرَكَ أزْواجُكُمْ﴾ [النِّساءِ: ١٢] وإذا ثَبَتَ أنَّها لَيْسَتْ بِزَوْجَةٍ لَهُ وجَبَ أنْ لا تَحِلَّ لَهُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلّا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ﴾ وهو أعْلَمُ.
السُّؤالُ الرّابِعُ: ألَيْسَ لا يَحِلُّ لَهُ في الزَّوْجَةِ ومِلْكِ اليَمِينِ الِاسْتِمْتاعُ في أحْوالٍ كَحالِ الحَيْضِ وحالِ العِدَّةِ، وفي الأمَةِ حالَ تَزْوِيجِها مِنَ الغَيْرِ وحالَ عِدَّتِها، وكَذا الغُلامُ داخِلٌ في ظاهِرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ﴾ والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ.
أحَدُهُما: أنَّ مَذْهَبَ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ أنَّ الِاسْتِثْناءَ مِنَ النَّفْيِ لا يَكُونُ إثْباتًا، واحْتَجَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«لا صَلاةَ إلّا بِطُهُورٍ، ولا نِكاحَ إلّا بِوَلِيٍّ» “ فَإنَّ ذَلِكَ لا يَقْتَضِي حُصُولَ الصَّلاةِ بِمُجَرَّدِ حُصُولِ الطُّهُورِ، وحُصُولَ النِّكاحِ بِمُجَرَّدِ حُصُولِ الوَلِيِّ. وفائِدَةُ الِاسْتِثْناءِ صَرْفُ الحُكْمِ لا صَرْفُ المَحْكُومِ بِهِ، فَقَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ ﴿إلّا عَلى أزْواجِهِمْ﴾ مَعْناهُ أنَّهُ يَجِبُ حِفْظُ الفُرُوجِ عَنِ الكُلِّ إلّا في هاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ فَإنِّي ما ذَكَرْتُ حُكْمَهُما لا بِالنَّفْيِ ولا بِالإثْباتِ.
الثّانِي: أنّا إنْ سَلَّمْنا أنَّ الِاسْتِثْناءَ مِنَ النَّفْيِ إثْباتٌ، فَغايَتُهُ أنَّهُ عامٌّ دَخَلَهُ التَّخْصِيصُ بِالدَّلِيلِ فَيَبْقى فِيما وراءَهُ حُجَّةً.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ يَعْنِي الكامِلُونَ في العُدْوانِ المُتَناهُونَ فِيهِ.
* * *
الصِّفَةُ السّادِسَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ هم لِأماناتِهِمْ وعَهْدِهِمْ راعُونَ﴾ قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ (لِأمانَتِهِمْ) واعْلَمْ أنَّهُ يُسَمّى الشَّيْءُ المُؤْتَمَنُ عَلَيْهِ والمُعاهَدُ عَلَيْهِ أمانَةً وعَهْدًا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم أنْ تُؤَدُّوا الأماناتِ إلى أهْلِها﴾ [النِّساءِ: ٥٨] وقالَ: ﴿وتَخُونُوا أماناتِكُمْ﴾ [الأنْفالِ: ٢٧] وإنَّما تُؤَدّى العُيُونُ دُونَ المَعانِي، فَكانَ المُؤْتَمَنُ عَلَيْهِ الأمانَةُ في نَفْسِها. والعَهْدُ ما عَقَدَهُ عَلى نَفْسِهِ فِيما يُقَرِّبُهُ إلى رَبِّهِ، ويَقَعُ أيْضًا عَلى ما أمَرَ اللَّهُ تَعالى بِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ عَهِدَ إلَيْنا﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٨٣] والرّاعِي: القائِمُ عَلى الشَّيْءِ لِحِفْظٍ وإصْلاحٍ كَراعِي الغَنَمِ وراعِي الرَّعِيَّةِ، ويُقالُ: مَن راعِي هَذا الشَّيْءِ؟ أيْ: مُتَوَلِّيهِ. واعْلَمْ أنَّ الأمانَةَ تَتَناوَلُ كُلَّ ما تَرْكُهُ يَكُونُ داخِلًا في الخِيانَةِ، وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ والرَّسُولَ وتَخُونُوا أماناتِكُمْ﴾ [الأنْفالِ: ٢٧] فَمِن ذَلِكَ العِباداتُ الَّتِي المَرْءُ مُؤْتَمَنٌ عَلَيْها، وكُلُّ العِباداتِ تَدْخُلُ في ذَلِكَ؛ لِأنَّها إمّا أنْ تَخْفى أصْلًا كالصَّوْمِ وغُسْلِ الجَنابَةِ وإسْباغِ الوُضُوءِ، أوْ تَخْفى كَيْفِيَّةُ إتْيانِهِ بِها، وقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«أعْظَمُ النّاسِ خِيانَةً مَن لَمْ يُتِمَّ صَلاتَهُ» “ وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ”أوَّلُ ما تَفْقِدُونَ مِن دِينِكُمُ الأمانَةُ، وآخِرُ ما تَفْقِدُونَ الصَّلاةُ“ ومِن جُمْلَةِ ذَلِكَ ما يَلْتَزِمُهُ بِفِعْلٍ أوْ قَوْلٍ، فَيَلْزَمُهُ الوَفاءُ بِهِ كالوَدائِعِ والعُقُودِ وما يَتَّصِلُ بِهِما. ومِن ذَلِكَ
صفحة ٧٢
الأقْوالُ الَّتِي يُحَرَّرُ بِها العَبِيدُ والنِّساءُ؛ لِأنَّهُ مُؤْتَمَنٌ في ذَلِكَ، ومِن ذَلِكَ أنْ يُراعِيَ أمانَتَهُ فَلا يُفْسِدَها بِغَصْبٍ أوْ غَيْرِهِ، وأمّا العَهْدُ فَإنَّهُ دَخَلَ فِيهِ العُقُودُ والأيْمانُ والنُّذُورُ، فَبَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّ مُراعاةَ هَذِهِ الأُمُورِ والقِيامَ بِها مُعْتَبَرٌ في حُصُولِ الفَلاحِ.
* * *
الصِّفَةُ السّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ هم عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ وإنَّما أعادَ تَعالى ذِكْرَها؛ لِأنَّ الخُشُوعَ والمُحافَظَةَ مُتَغايِرانِ غَيْرُ مُتَلازِمَيْنِ، فَإنَّ الخُشُوعَ صِفَةٌ لِلْمُصَلِّي في حالِ الأداءِ لِصَلاتِهِ، والمُحافَظَةُ إنَّما تَصِحُّ حالَ ما لَمْ يُؤَدِّها بِكَمالِها. بَلِ المُرادُ بِالمُحافَظَةِ التَّعَهُّدُ لِشُرُوطِها مِن وقْتٍ وطَهارَةٍ وغَيْرِهِما، والقِيامُ عَلى أرْكانِها وإتْمامِها حَتّى يَكُونَ ذَلِكَ دَأْبَهُ في كُلِّ وقْتٍ، ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى مَجْمُوعَ هَذِهِ الأُمُورِ قالَ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الوارِثُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الفِرْدَوْسَ هم فِيها خالِدُونَ﴾ وهاهُنا سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: لِمَ سَمّى ما يَجِدُونَهُ مِنَ الثَّوابِ والجَنَّةِ بِالمِيراثِ؟ مَعَ أنَّهُ سُبْحانَهُ حَكَمَ بِأنَّ الجَنَّةَ حَقُّهم في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ المُؤْمِنِينَ أنْفُسَهم وأمْوالَهم بِأنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ﴾ [التَّوْبَةِ: ١١١]. الجَوابُ مِن وُجُوهٍ.
الأوَّلُ: ما «رُوِيَ عَنِ الرَّسُولِ ﷺ وهو أبْيَنُ عَلى ما يُقالُ فِيهِ، وهُوَ: أنَّهُ لا مُكَلَّفٌ إلّا أعَدَّ اللَّهُ لَهُ في النّارِ ما يَسْتَحِقُّهُ إنْ عَصى، وفي الجَنَّةِ ما يَسْتَحِقُّهُ إنْ أطاعَ، وجَعَلَ لِذَلِكَ عَلامَةً. فَإذا آمَنَ مِنهُمُ البَعْضُ ولَمْ يُؤْمِنِ البَعْضُ صارَ مَنزِلُ مَن لَمْ يُؤْمِن كالمَنقُولِ إلى المُؤْمِنِينَ، وصارَ مَصِيرُهم إلى النّارِ الَّذِي لا بُدَّ مَعَهُ مِن حِرْمانِ الثَّوابِ كَمَوْتِهِمْ»، فَسُمِّيَ ذَلِكَ مِيراثًا لِهَذا الوَجْهِ، وقَدْ قالَ الفُقَهاءُ: إنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ ما مَلَكَهُ المَيِّتُ وبَيْنَ ما يُقَدِّرُ فِيهِ المَلِكُ في أنَّهُ يُورَثُ عَنْهُ، كَذَلِكَ قالُوا في الدِّيَةِ الَّتِي تَجِبُ بِالقَتْلِ: إنَّها تُورَثُ، مَعَ أنَّهُ ما مَلَكَها عَلى التَّحْقِيقِ، وذَلِكَ يَشْهَدُ لِما ذَكَرْنا، فَإنْ قِيلَ: إنَّهُ تَعالى وصَفَ كُلَّ الَّذِي يَسْتَحِقُّونَهُ إرْثًا، وعَلى ما قُلْتُمْ يَدْخُلُ في الإرْثِ ما كانَ يَسْتَحِقُّهُ غَيْرُهم لَوْ أطاعَ. قُلْنا: لا يَمْتَنِعُ أنَّهُ تَعالى جَعَلَ ما هو مَنزِلَةٌ لِهَذا المُؤْمِنِ بِعَيْنِهِ مَنزِلَةً لِذَلِكَ الكافِرِ لَوْ أطاعَ؛ لِأنَّهُ عِنْدَ ذَلِكَ كانَ يَزِيدُ في المَنازِلِ فَإذا آمَنَ هَذا عَدَلَ بِذَلِكَ إلَيْهِ.
وثانِيها: أنَّ انْتِقالَ الجَنَّةِ إلَيْهِمْ بِدُونِ مُحاسَبَةٍ ومَعْرِفَةٍ بِمَقادِيرِهِ يُشْبِهُ انْتِقالَ المالِ إلى الوارِثِ.
وثالِثُها: أنَّ الجَنَّةَ كانَتْ مَسْكَنَ أبِينا آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإذا انْتَقَلَتْ إلى أوْلادِهِ صارَ ذَلِكَ شَبِيهًا بِالمِيراثِ.
السُّؤالُ الثّانِي: كَيْفَ حَكَمَ عَلى المَوْصُوفِينَ بِالصِّفاتِ السَّبْعِ بِالفَلاحِ مَعَ أنَّهُ تَعالى ما تَمَّمَ ذِكْرَ العِباداتِ الواجِبَةِ كالصَّوْمِ والحَجِّ والطَّهارَةِ؟ والجَوابُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿والَّذِينَ هم لِأماناتِهِمْ وعَهْدِهِمْ راعُونَ﴾ يَأْتِي عَلى جَمِيعِ الواجِباتِ مِنَ الأفْعالِ والتُّرُوكِ كَما قَدَّمْنا، والطَّهاراتُ دَخَلَتْ في جُمْلَةِ المُحافَظَةِ عَلى الصَّلَواتِ الخَمْسِ؛ لِكَوْنِها مِن شَرائِطِها.
السُّؤالُ الثّالِثُ: أفَيَدُلُّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الوارِثُونَ﴾ عَلى أنَّهُ لا يَدْخُلُها غَيْرُهُمْ؟ الجَوابُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿هُمُ الوارِثُونَ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ لَكِنَّهُ يَجِبُ تَرْكُ العَمَلِ بِهِ؛ لِأنَّهُ ثَبَتَ أنَّ الجَنَّةَ يَدْخُلُها الأطْفالُ والمَجانِينُ والوِلْدانُ والحُورُ العِينُ، ويَدْخُلُها الفُسّاقُ مِن أهْلِ القِبْلَةِ بَعْدَ العَفْوِ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النِّساءِ: ٤٨].
السُّؤالُ الرّابِعُ: أفَكُلُّ الجَنَّةِ هو الفِرْدَوْسُ؟ الجَوابُ: الفِرْدَوْسُ هو الجَنَّةُ بِلِسانِ الحَبَشَةِ، وقِيلَ بِلِسانِ الرُّومِ، ورَوى أبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«الفِرْدَوْسُ مَقْصُورَةُ الرَّحْمَنِ؛ فِيها الأنْهارُ والأشْجارُ» “
صفحة ٧٣
ورَوى أبُو أُمامَةَ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ قالَ: ”«سَلُوا اللَّهَ الفِرْدَوْسَ فَإنَّها أعْلى الجِنانِ، وإنَّ أهْلَ الفِرْدَوْسِ يَسْمَعُونَ أطِيطَ العَرْشِ» “.
السُّؤالُ الخامِسُ: هَلْ تَدُلُّ الآيَةُ عَلى أنَّ هَذِهِ الصِّفاتِ هي الَّتِي لَها ولِأجْلِها يَكُونُونَ مُؤْمِنِينَ أمْ لا؟ الجَوابُ: ادَّعى القاضِي أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ بِناءً عَلى مَذْهَبِهِ أنَّ الإيمانَ اسْمٌ شَرْعِيٌّ مَوْضُوعٌ لِأداءِ كُلِّ الواجِباتِ، وعِنْدَنا أنَّ الآيَةَ لا تَدُلُّ عَلى ذَلِكَ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم في صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ﴾ مِثْلُ قَدْ أفْلَحَ النّاسُ الأذْكِياءُ العُدُولُ، فَإنَّ هَذا لا يَدُلُّ عَلى أنَّ الزَّكاةَ والعَدالَةَ داخِلانِ في مُسَمّى النّاسِ فَكَذا هاهُنا.
السُّؤالُ السّادِسُ: رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: ”«لَمّا خَلَقَ اللَّهُ تَعالى جَنَّةَ عَدْنٍ قالَ لَها: تَكَلَّمِي. فَقالَتْ: قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ» “ وقالَ كَعْبٌ: ”خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ بِيَدِهِ وكَتَبَ التَّوْراةَ بِيَدِهِ وغَرَسَ شَجَرَةَ طُوبى بِيَدِهِ، ثم قال لَها: تَكَلَّمِي. فَقالَتْ: قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ“، ورُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ”«إذا أحْسَنَ العَبْدُ الوُضُوءَ وصَلّى الصَّلاةَ لِوَقْتِها وحافَظَ عَلى رُكُوعِها وسُجُودِها ومَواقِيتِها قالَتْ: حَفِظَكَ اللَّهُ كَما حافَظْتَ عَلَيَّ، وشَفَعَتْ لِصاحِبِها، وإذا أضاعَها قالَتْ: أضاعَكَ اللَّهُ كَما ضَيَّعْتَنِي، وتُلَفُّ كَما يُلَفُّ الثَّوْبُ الخَلِقُ فَيُضْرَبُ بِها وجْهُ صاحِبِها» “ الجَوابُ: أمّا كَلامُ الجَنَّةِ فالمُرادُ بِهِ أنَّها أُعِدَّتْ لِلْمُؤْمِنِينَ، فَصارَ ذَلِكَ كالقَوْلِ مِنها، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَتا أتَيْنا طائِعِينَ﴾ [فُصِّلَتْ: ١١] وأمّا أنَّهُ تَعالى خَلَقَ الجَنَّةَ بِيَدِهِ، فالمُرادُ تَوَلّى خَلْقَها لا أنَّهُ وكَلَهُ إلى غَيْرِهِ، وأمّا أنَّ الصَّلاةَ تُثْنِي عَلى مَن قامَ بِحَقِّها فَهو في الجَوازِ أبْعَدُ مِن كَلامِ الجَنَّةِ؛ لِأنَّ الصَّلاةَ حَرَكاتٌ وسَكَناتٌ ولا يَصِحُّ عَلَيْها أنْ تَتَصَوَّرَ وتَتَكَلَّمَ، فالمُرادُ مِنهُ ضَرْبُ المَثَلِ كَما يَقُولُ القائِلُ لِلْمُنْعِمِ: إنَّ إحْسانَكَ إلَيَّ يَنْطِقُ بِالشُّكْرِ.
السُّؤالُ السّابِعُ: هَلْ تَدُلُّ الآيَةُ عَلى أنَّ الفِرْدَوْسَ مَخْلُوقَةٌ؟ الجَوابُ: قالَ القاضِي: دَلَّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُكُلُها دائِمٌ﴾ [الرَّعْدِ: ٣٥] عَلى أنَّها غَيْرُ مَخْلُوقَةٍ، فَوَجَبَ تَأْوِيلُ هَذِهِ الآيَةِ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ يَخْلُقُ اللَّهُ الجَنَّةَ مِيراثًا لِلْمُؤْمِنِينَ، أوْ: وإذا خَلَقَها تَقُولُ، عَلى مِثالِ ما تَأوَّلْنا عَلَيْهِ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ونادى أصْحابُ النّارِ أصْحابَ الجَنَّةِ﴾ [الأعْرافِ: ٥٠] وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ إضْمارُ ما ذَكَرَهُ في هَذِهِ الآيَةِ أوْلى مِن أنْ يُضْمَرَ في قَوْلِهِ: ﴿أُكُلُها دائِمٌ﴾ ثُمَّ إنَّ أُكُلَها دائِمٌ يَوْمَ القِيامَةِ، وإذا تَعارَضَ هَذانِ الظّاهِرانِ فَنَحْنُ نَتَمَسَّكُ في أنَّ الجَنَّةَ مَخْلُوقَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٣٣].
المؤمنون 23:3
صفحة ٦٧
(سُورَةُ المُؤْمِنُونَ)
مِائَةٌ وثَمانِ عَشْرَةَ آيَةً مَكِّيَّةً
﷽
﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم في صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ ﴿إلّا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ ﴿فَمَنِ ابْتَغى وراءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم لِأماناتِهِمْ وعَهْدِهِمْ راعُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ هُمُ الوارِثُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الفِرْدَوْسَ هم فِيها خالِدُونَ﴾
﷽
﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم في صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ ﴿إلّا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ ﴿فَمَنِ ابْتَغى وراءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم لِأماناتِهِمْ وعَهْدِهِمْ راعُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ هُمُ الوارِثُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الفِرْدَوْسَ هم فِيها خالِدُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ حَكَمَ بِحُصُولِ الفَلاحِ لِمَن كانَ مُسْتَجْمِعًا لِصِفاتٍ سَبْعٍ، وقَبْلَ الخَوْضِ في شَرْحِ تِلْكَ الصِّفاتِ لا بُدَّ مِن بَحْثَيْنِ:
البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّ ﴿قَدْ﴾ نَقِيضَةٌ لِـ (ما) فَـ (قَدْ) تُثْبِتُ المُتَوَقَّعَ، و(لَما) تَنْفِيهِ، ولا شَكَّ أنَّ المُؤْمِنِينَ كانُوا مُتَوَقِّعِينَ لِمِثْلِ هَذِهِ البِشارَةِ، وهي الإخْبارُ بِثَباتِ الفَلاحِ لَهم فَخُوطِبُوا بِما دَلَّ عَلى ثَباتِ ما تَوَقَّعُوهُ.
البَحْثُ الثّانِي: الفَلاحُ: الظَّفَرُ بِالمُرادِ، وقِيلَ: البَقاءُ في الخَيْرِ، وأفْلَحَ: دَخَلَ في الفَلاحِ، كَأبْشَرَ: دَخَلَ في البِشارَةِ، ويُقالُ: أفْلَحَهُ: صَيَّرَهُ إلى الفَلاحِ، وعَلَيْهِ قِراءَةُ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ ”أُفْلِحَ“ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، وعَنْهُ (أفْلَحُوا) عَلى لُغَةِ أكَلُونِي البَراغِيثُ، أوْ عَلى الإبْهامِ والتَّفْسِيرِ.
صفحة ٦٨
الصِّفَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿المُؤْمِنُونَ﴾ وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في الإيمانِ في سُورَةِ البَقَرَةِ.
الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ هم في صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ﴾ واخْتَلَفُوا في الخُشُوعِ؛ فَمِنهم مَن جَعَلَهُ مِن أفْعالِ القُلُوبِ كالخَوْفِ والرَّهْبَةِ، ومِنهم مَن جَعَلَهُ مِن أفْعالِ الجَوارِحِ كالسُّكُونِ وتَرْكِ الِالتِفاتِ، ومِنهم مَن جَمَعَ بَيْنَ الأمْرَيْنِ وهو الأوْلى. فالخاشِعُ في صَلاتِهِ لا بُدَّ وأنْ يَحْصُلَ لَهُ مِمّا يَتَعَلَّقُ بِالقَلْبِ مِنَ الأفْعالِ نِهايَةُ الخُضُوعِ والتَّذَلُّلِ لِلْمَعْبُودِ، ومِنَ التُّرُوكِ أنْ لا يَكُونَ مُلْتَفِتَ الخاطِرِ إلى شَيْءٍ سِوى التَّعْظِيمِ، ومِمّا يَتَعَلَّقُ بِالجَوارِحِ أنْ يَكُونَ ساكِنًا مُطْرِقًا ناظِرًا إلى مَوْضِعِ سُجُودِهِ، ومِنَ التُّرُوكِ أنْ لا يَلْتَفِتَ يَمِينًا ولا شَمالًا، ولَكِنَّ الخُشُوعَ الَّذِي يُرى عَلى الإنْسانِ لَيْسَ إلّا ما يَتَعَلَّقُ بِالجَوارِحِ، فَإنَّ ما يَتَعَلَّقُ بِالقَلْبِ لا يُرى، قالَ الحَسَنُ وابْنُ سِيرِينَ: «كانَ المُسْلِمُونَ يَرْفَعُونَ أبْصارَهم إلى السَّماءِ في صَلاتِهِمْ، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَفْعَلُ ذَلِكَ، فَلَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ طَأْطَأ وكانَ لا يُجاوِزُ بَصَرُهُ مُصَلّاهُ»، فَإنْ قِيلَ: فَهَلْ تَقُولُونَ: إنَّ ذَلِكَ واجِبٌ في الصَّلاةِ؟ قُلْنا: إنَّهُ عِنْدَنا واجِبٌ ويَدُلُّ عَلَيْهِ أُمُورٌ.
أحَدُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ أمْ عَلى قُلُوبٍ أقْفالُها﴾ [مُحَمَّدٍ: ٢٤] والتَّدَبُّرُ لا يُتَصَوَّرُ بِدُونِ الوُقُوفِ عَلى المَعْنى، وكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ورَتِّلِ القُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [ المُزَّمِّلِ: ٤] مَعْناهُ قِفْ عَلى عَجائِبِهِ ومَعانِيهِ.
وثانِيها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤] وظاهِرُ الأمْرِ لِلْوُجُوبِ، والغَفْلَةُ تُضادُّ الذِّكْرِ، فَمَن غَفَلَ في جَمِيعِ صَلاتِهِ كَيْفَ يَكُونُ مُقِيمًا لِلصَّلاةِ لِذِكْرِهِ.
وثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَكُنْ مِنَ الغافِلِينَ﴾ [الأعْرافِ: ٢٠٥] وظاهِرُ النَّهْيِ لِلتَّحْرِيمِ.
ورابِعُها: قَوْلُهُ: ﴿حَتّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ﴾ [ النِّساءِ: ٤٣ ] تَعْلِيلٌ لِنَهْيِ السَّكْرانِ، وهو مُطَّرِدٌ في الغافِلِ المُسْتَغْرِقِ المُهْتَمِّ بِالدُّنْيا.
وخامِسُها: قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«إنَّما الخُشُوعُ لِمَن تَمَسْكَنَ وتَواضَعَ» “ وكَلِمَةُ (إنَّما) لِلْحَصْرِ، وقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«مَن لَمْ تَنْهَهُ صَلاتُهُ عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ لَمْ يَزْدَدْ مِنَ اللَّهِ إلّا بُعْدًا» “ وصَلاةُ الغافِلِ لا تَمْنَعُ مِنَ الفَحْشاءِ، وقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «كَمْ مِن قائِمٍ حَظُّهُ مِن قِيامِهِ التَّعَبُ والنَّصَبُ» وما أرادَ بِهِ إلّا الغافِلَ، وقالَ أيْضًا: ”«لَيْسَ لِلْعَبْدِ مِن صَلاتِهِ إلّا ما عَقَلَ» “
وسادِسُها: قالَ الغَزالِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: المُصَلِّي يُناجِي رَبَّهُ، كَما ورَدَ بِهِ الخَبَرُ، والكَلامُ مَعَ الغَفْلَةِ لَيْسَ بِمُناجاةٍ البَتَّةَ، وبَيانُهُ أنَّ الإنْسانَ إذا أدّى الزَّكاةَ حالَ الغَفْلَةِ فَقَدْ حَصَلَ المَقْصُودُ مِنها عَلى بَعْضِ الوُجُوهِ، وهو كَسْرُ الحِرْصِ وإغْناءُ الفَقِيرِ، وكَذا الصَّوْمُ قاهِرٌ لِلْقُوى كاسِرٌ لِسَطْوَةِ الهَوى الَّتِي هي عَدُوَّةُ اللَّهِ تَعالى. فَلا يَبْعُدُ أنْ يَحْصُلَ مِنهُ مَقْصُودُهُ مَعَ الغَفْلَةِ، وكَذا الحَجُّ أفْعالٌ شاقَّةٌ، وفِيهِ مِنَ المُجاهَدَةِ ما يَحْصُلُ بِهِ الِابْتِلاءُ سَواءٌ كانَ القَلْبُ حاضِرًا أوْ لَمْ يَكُنْ. أمّا الصَّلاةُ فَلَيْسَ فِيها إلّا ذِكْرٌ وقِراءَةٌ ورُكُوعٌ وسُجُودٌ وقِيامٌ وقُعُودٌ، أمّا الذِّكْرُ فَإنَّهُ مُناجاةٌ مَعَ اللَّهِ تَعالى. فَإمّا أنْ يَكُونَ المَقْصُودُ مِنهُ كَوْنَهُ مُناجاةً، أوِ المَقْصُودُ مُجَرَّدُ الحُرُوفِ والأصْواتِ، ولا شَكَّ في فَسادِ هَذا القِسْمِ، فَإنَّ تَحْرِيكَ اللِّسانِ بِالهَذَيانِ لَيْسَ فِيهِ غَرَضٌ صَحِيحٌ، فَثَبَتَ أنَّ المَقْصُودَ مِنهُ المُناجاةُ، وذَلِكَ لا يَتَحَقَّقُ إلّا إذا كانَ اللِّسانُ مُعَبِّرًا عَمّا في القَلْبِ مِنَ التَّضَرُّعاتِ، فَأيُّ سُؤالٍ في قَوْلِهِ: ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ [ الفاتِحَةِ: ٦ ] وكانَ القَلْبُ غافِلًا عَنْهُ؟ بَلْ أقُولُ: لَوْ حَلَفَ إنْسانٌ، وقالَ: واللَّهِ لَأشْكُرَنَّ فُلانًا وأُثْنِي عَلَيْهِ وأسْألُهُ حاجَةً. ثُمَّ جَرَتِ الألْفاظُ الدّالَّةُ عَلى هَذِهِ المَعانِي عَلى لِسانِهِ في اليَوْمِ، لَمْ يَبَرَّ في يَمِينِهِ، ولَوْ
صفحة ٦٩
جَرى عَلى لِسانِهِ في ظُلْمَةِ اللَّيْلِ وذَلِكَ الإنْسانُ حاضِرٌ وهو لا يَعْرِفُ حُضُورَهُ ولا يَراهُ، لا يَصِيرُ بارًّا في يَمِينِهِ، ولا يَكُونُ كَلامُهُ خِطابًا مَعَهُ ما لَمْ يَكُنْ حاضِرًا بِقَلْبِهِ، ولَوْ جَرَتْ هَذِهِ الكَلِماتُ عَلى لِسانِهِ وهو حاضِرٌ في بَياضِ النَّهارِ إلّا أنَّ المُتَكَلِّمَ غافِلٌ لِكَوْنِهِ مُسْتَغْرِقَ الهَمِّ بِفِكْرٍ مِنَ الأفْكارِ، ولَمْ يَكُنْ لَهُ قَصْدُ تَوْجِيهِ الخِطابِ إلَيْهِ عِنْدَ نُطْقِهِ، لَمْ يَصِرْ بارًّا في يَمِينِهِ. ولا شَكَّ أنَّ المَقْصُودَ مِنَ القِراءَةِ الأذْكارُ والحَمْدُ والثَّناءُ والتَّضَرُّعُ والدُّعاءُ، والمُخاطَبُ هو اللَّهُ تَعالى، فَإذا كانَ القَلْبُ مَحْجُوبًا بِحِجابِ الغَفْلَةِ وكانَ غافِلًا عَنْ جَلالِ اللَّهِ وكِبْرِيائِهِ، ثُمَّ إنَّ لِسانَهُ يَتَحَرَّكُ بِحُكْمِ العادَةِ، فَما أبْعَدَ ذَلِكَ عَنِ القَبُولِ.
وأمّا الرُّكُوعُ والسُّجُودُ فالمَقْصُودُ مِنهُما التَّعْظِيمُ، ولَوْ جازَ أنْ يَكُونَ تَعْظِيمًا لِلَّهِ تَعالى مَعَ أنَّهُ غافِلٌ عَنْهُ، لَجازَ أنْ يَكُونَ تَعْظِيمًا لِلصَّنَمِ المَوْضُوعِ بَيْنَ يَدَيْهِ وهو غافِلٌ عَنْهُ، ولِأنَّهُ إذا لَمْ يَحْصُلِ التَّعْظِيمُ لَمْ يَبْقَ إلّا مُجَرَّدُ حَرَكَةِ الظَّهْرِ والرَّأْسِ، ولَيْسَ فِيها مِنَ المَشَقَّةِ ما يَصِيرُ لِأجْلِهِ عِمادًا لِلدِّينِ، وفاصِلًا بَيْنَ الكُفْرِ والإيمانِ، ويُقْدِمُ عَلى الحَجِّ والزَّكاةِ والجِهادِ وسائِرِ الطّاعاتِ الشّاقَّةِ، ويَجِبُ القَتْلُ بِسَبَبِهِ عَلى الخُصُوصِ، وبِالجُمْلَةِ فَكُلُّ عاقِلٍ يَقْطَعُ بِأنَّ مُشاهَدَةَ الخَواصِّ العَظِيمَةِ لَيْسَ أعْمالَها الظّاهِرَةَ إلّا أنْ يَنْضافَ إلَيْها مَقْصُودُ هَذِهِ المُناجاةِ، فَدَلَّتْ هَذِهِ الِاعْتِباراتُ عَلى أنَّ الصَّلاةَ لا بُدَّ فِيها مِنَ الحُضُورِ.
وسابِعُها: أنَّ الفُقَهاءَ اخْتَلَفُوا فِيما يَنْوِيهِ بِالسَّلامِ عِنْدَ الجَماعَةِ والِانْفِرادِ، هَلْ يَنْوِي الحُضُورَ أوِ الغَيْبَةَ والحُضُورَ مَعًا. فَإذا احْتِيجَ إلى التَّدَبُّرِ في مَعْنى السَّلامِ الَّذِي هو آخِرُ الصَّلاةِ فَلَأنْ يُحْتاجَ إلى التَّدَبُّرِ في مَعْنى التَّكْبِيرِ والتَّسْبِيحِ الَّتِي هي الأشْياءُ المَقْصُودَةُ مِنَ الصَّلاةِ بِالطَّرِيقِ الأوْلى، واحْتَجَّ المُخالِفُ بِأنَّ اشْتِراطَ الخُضُوعِ والخُشُوعِ عَلى خِلافِ اجْتِماعِ الفُقَهاءِ، فَلا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ. والجَوابُ مِن وُجُوهٍ.
أحَدُها: أنَّ الحُضُورَ عِنْدَنا لَيْسَ شَرْطًا لِلْإجْزاءِ، بَلْ شَرْطٌ لِلْقَبُولِ، والمُرادُ مِنَ الإجْزاءِ أنْ لا يَجِبَ القَضاءُ، والمُرادُ مِنَ القَبُولِ حُكْمُ الثَّوابِ.
والفُقَهاءُ إنَّما يَبْحَثُونَ عَنْ حُكْمِ الإجْزاءِ لا عَنْ حُكْمِ الثَّوابِ، وغَرَضُنا في هَذا المَقامِ هَذا، ومِثالُهُ في الشّاهِدِ مَنِ اسْتَعارَ مِنكَ ثَوْبًا ثُمَّ رَدَّهُ عَلى الوجه الأحْسَنِ، فَقَدْ خَرَجَ عَنِ العُهْدَةِ واسْتَحَقَّ المَدْحَ، ومَن رَماهُ إلَيْكَ عَلى وجْهِ الِاسْتِخْفافِ خَرَجَ عَنِ العُهْدَةِ، ولَكِنَّهُ اسْتَحَقَّ الذَّمَّ، كَذا مَن عَظَّمَ اللَّهَ تَعالى حالَ أدائِهِ العِبادَةَ صارَ مُقِيمًا لِلْفَرْضِ مُسْتَحِقًّا لِلثَّوابِ، ومَنِ اسْتَهانَ بِها صارَ مُقِيمًا لِلْفَرْضِ ظاهِرًا لَكِنَّهُ اسْتَحَقَّ الذَّمَّ.
وثانِيها: أنّا نَمْنَعُ هَذا الإجْماعَ، أمّا المُتَكَلِّمُونَ فَقَدِ اتَّفَقُوا عَلى أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الحُضُورِ والخُشُوعِ، واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِأنَّ السُّجُودَ لِلَّهِ تَعالى طاعَةٌ ولِلصَّنَمِ كُفْرٌ، وكُلُّ واحِدٍ مِنهُما يُماثِلُ الآخَرَ في ذاتِهِ ولَوازِمِهِ، فَلا بُدَّ مِن أمْرٍ لِأجْلِهِ صارَ السُّجُودُ في إحْدى الصُّورَتَيْنِ طاعَةً، وفي الأُخْرى مَعْصِيَةً، قالُوا: وما ذاكَ إلّا القَصْدُ والإرادَةُ، والمُرادُ مِنَ القَصْدِ إيقاعُ تِلْكَ الأفْعالِ لِداعِيَةِ الِامْتِثالِ، وهَذِهِ الدّاعِيَةُ لا يُمْكِنُ حُصُولُها إلّا عِنْدَ الحُضُورِ، فَلِهَذا اتَّفَقُوا عَلى أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الحُضُورِ، أمّا الفُقَهاءُ فَقَدْ ذَكَرَ الفَقِيهُ أبُو اللَّيْثِ رَحِمَهُ اللَّهُ في تَنْبِيهِ الغافِلِينَ أنَّ تَمامَ القِراءَةِ أنْ يَقْرَأ بِغَيْرِ لَحْنٍ، وأنْ يَقْرَأ بِالتَّفَكُّرِ.
وأمّا الغَزالِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فَإنَّهُ نَقَلَ عَنْ أبِي طالِبٍ المَكِّيِّ عَنْ بِشْرٍ الحافِي أنَّهُ قالَ: مَن لَمْ يَخْشَعْ فَسَدَتْ صَلاتُهُ. وعَنِ الحَسَنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: كُلُّ صَلاةٍ لا يَحْضُرُ فِيها القَلْبُ فَهي إلى العُقُوبَةِ أسْرَعُ. وعَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ: ”مَن عَرَفَ مَن عَلى يَمِينِهِ وشِمالِهِ مُتَعَمِّدًا وهو في الصَّلاةِ فَلا صَلاةَ لَهُ“. ورُوِيَ أيْضًا مُسْنَدًا قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«إنَّ العَبْدَ لَيُصَلِّي الصَّلاةَ لا يُكْتَبُ لَهُ سُدُسُها ولا عُشْرُها، وإنَّما يُكْتَبُ لِلْعَبْدِ مِن صَلاتِهِ ما عَقَلَ مِنها» “. وقالَ عَبْدُ الواحِدِ بْنُ زَيْدٍ: أجْمَعَتِ العُلَماءُ عَلى أنَّهُ لَيْسَ لِلْعَبْدِ مِن صَلاتِهِ إلّا ما عَقَلَ، وادَّعى فِيهِ الإجْماعَ. إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: هَبْ أنَّ الفُقَهاءَ بِأسْرِهِمْ حَكَمُوا بِالجَوازِ، ألَيْسَ الأُصُولِيُّونَ وأهْلُ الوَرَعِ ضَيَّقُوا الأمْرَ فِيها، فَهَلّا أخَذْتَ بِالِاحْتِياطِ، فَإنَّ بَعْضَ العُلَماءِ اخْتارَ
صفحة ٧٠
الإمامَةَ، فَقِيلَ لَهُ في ذَلِكَ فَقالَ: أخافُ إنْ تَرَكْتُ الفاتِحَةَ أنْ يُعاتِبَنِي الشّافِعِيُّ، وإنْ قَرَأْتُها مَعَ الإمامِ أنْ يُعاتِبَنِي أبُو حَنِيفَةَ، فاخْتَرْتُ الإمامَةَ طَلَبًا لِلْخَلاصِ عَنْ هَذا الِاخْتِلافِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ هم عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ وفي اللَّغْوِ أقْوالٌ.
أحَدُها: أنَّهُ يَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ ما كانَ حَرامًا أوْ مَكْرُوهًا أوْ كانَ مُباحًا، ولَكِنْ لا يَكُونُ بِالمَرْءِ إلَيْهِ ضَرُورَةٌ وحاجَةٌ.
وثانِيها: أنَّهُ عِبارَةٌ عَنْ كُلِّ ما كانَ حَرامًا فَقَطْ، وهَذا التَّفْسِيرُ أخَصُّ مِنَ الأوَّلِ.
وثالِثُها: أنَّهُ عِبارَةٌ عَنِ المَعْصِيَةِ في القَوْلِ والكَلامِ خاصَّةً، وهَذا أخَصُّ مِنَ الثّانِي.
ورابِعُها: أنَّهُ المُباحُ الَّذِي لا حاجَةَ إلَيْهِ، واحْتَجَّ هَذا القائِلُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ في أيْمانِكُمْ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٢٥] فَكَيْفَ يُحْمَلُ ذَلِكَ عَلى المَعاصِي الَّتِي لا بُدَّ فِيها مِنَ المُؤاخَذَةِ، واحْتَجَّ الأوَّلُونَ بِأنَّ اللَّغْوَ إنَّما سُمِّيَ لَغْوًا بِما أنَّهُ يُلْغى، وكُلُّ ما يَقْتَضِي الدِّينُ إلْغاءَهُ كانَ أوْلى بِاسْمِ اللَّغْوِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ كُلُّ حَرامٍ لَغْوًا، ثُمَّ اللَّغْوُ قَدْ يَكُونُ كُفْرًا لِقَوْلِهِ: ﴿لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ والغَوْا فِيهِ﴾ [فُصِّلَتْ: ٢٦] وقَدْ يَكُونُ كَذِبًا لِقَوْلِهِ: ﴿لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً﴾ [الغاشِيَةِ: ١١] وقَوْلِهِ: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ولا تَأْثِيمًا﴾ [الواقِعَةِ: ٢٥] ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى مَدَحَهم بِأنَّهم يُعْرِضُونَ عَنْ هَذا اللَّغْوِ، والإعْراضُ عَنْهُ هو بِأنْ لا يَفْعَلَهُ ولا يَرْضى بِهِ ولا يُخالِطَ مَن يَأْتِيهِ، وعَلى هَذا الوجه قالَ تَعالى: ﴿وإذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرامًا﴾ [الفُرْقانِ: ٧٢] واعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا وصَفَهم بِالخُشُوعِ في الصَّلاةِ أتْبَعَهُ الوَصْفَ بِالإعْراضِ عَنِ اللَّغْوِ، لِيَجْمَعَ لَهُمُ الفِعْلَ والتَّرْكَ الشّاقَّيْنِ عَلى الأنْفُسِ اللَّذَيْنِ هُما قاعِدَتا بِناءِ التَّكْلِيفِ، وهو أعْلَمُ.
* * *
الصِّفَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ هم لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ﴾ وفي الزَّكاةِ قَوْلانِ، أحَدُهُما: قَوْلُ أبِي مُسْلِمٍ أنَّ فِعْلَ الزَّكاةِ يَقَعُ عَلى كُلِّ فِعْلٍ مَحْمُودٍ مَرَضِيٍّ، كَقَوْلِهِ: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ [الأعْلى: ١٤] وقَوْلِهِ: ﴿فَلا تُزَكُّوا أنْفُسَكُمْ﴾ [النَّجْمِ: ٣٢] ومِن جُمْلَتِهِ ما يَخْرُجُ مِن حَقِّ المالِ، وإنَّما سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّها تُطَهِّرُ مِنَ الذُّنُوبِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿تُطَهِّرُهم وتُزَكِّيهِمْ بِها﴾ [التَّوْبَةِ: ١٠٣].
والثّانِي: وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ أنَّهُ الحَقُّ الواجِبُ في الأمْوالِ خاصَّةً، وهَذا هو الأقْرَبُ؛ لِأنَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ قَدِ اخْتَصَّتْ في الشَّرْعِ بِهَذا المَعْنى، فَإنْ قِيلَ: إنَّهُ لا يُقالُ في الكَلامِ الفَصِيحِ: إنَّهُ فَعَلَ الزَّكاةَ، قُلْنا: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: الزَّكاةُ اسْمٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ عَيْنٍ ومَعْنًى، فالعَيْنُ القَدْرُ الَّذِي يُخْرِجُهُ المُزَكِّي مِنَ النِّصابِ إلى الفَقِيرِ، والمَعْنى فِعْلُ المُزَكِّي الَّذِي هو التَّزْكِيَةُ، وهو الَّذِي أرادَهُ اللَّهُ تَعالى فَجَعَلَ المُزَكِّينَ فاعِلِينَ لَهُ ولا يَسُوغُ فِيهِ غَيْرُهُ؛ لِأنَّهُ ما مِن مَصْدَرٍ إلّا يُعَبَّرُ عَنْ مَعْناهُ بِالفِعْلِ. ويُقالُ لِمُحَدِثِهِ: فاعِلٌ، يُقالُ لِلضّارِبِ: فاعِلُ الضَّرْبِ، ولِلْقاتِلِ: فاعِلُ القَتْلِ، ولِلْمُزَكِّي: فاعِلُ الزَّكاةِ، وعَلى هَذا الكَلامِ كُلِّهِ يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالزَّكاةِ العَيْنُ، ويُقَدَّرَ مُضافٌ مَحْذُوفٌ وهو الأداءُ، فَإنْ قِيلَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى هُناكَ لَمْ يَفْصِلْ بَيْنَ الصَّلاةِ والزَّكاةِ، فَلِمَ فَصَلَ هاهُنا بَيْنَهُما بِقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ هم عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ ؟ قُلْنا: لِأنَّ الإعْراضَ عَنِ اللَّغْوِ مِن مُتَمِّماتِ الصَّلاةِ.
* * *
الصِّفَةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ ﴿إلّا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ وفِيهِ سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: لِمَ لَمْ يَقُلْ: إلّا عَنْ أزْواجِهِمْ؟ الجَوابُ: قالَ الفَرّاءُ: مَعْناهُ: إلّا مِن أزْواجِهِمْ، وذَكَرَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ فِيهِ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ.
أحَدُها: أنَّهُ في مَوْضِعِ الحالِ؛ أيْ: إلّا والِينَ عَلى أزْواجِهِمْ أوْ قَوّامِينَ عَلَيْهِنَّ، مِن قَوْلِكَ: كانَ فُلانٌ عَلى فُلانَةٍ، ونَظِيرُهُ كانَ زِيادٌ عَلى البَصْرَةِ؛ أيْ والِيًا عَلَيْها، ومِنهُ قَوْلُهُمْ: فُلانَةٌ تَحْتَ فُلانٍ، ومِن ثَمَّ
صفحة ٧١
سُمِّيَتِ المَرْأةُ فِراشًا. والمَعْنى أنَّهم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ في كافَّةِ الأحْوالِ إلّا في حالِ تَزْوِيجِهِمْ أوْ تَسَرِّيهِمْ.
وثانِيها: أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: يُلامُونَ إلّا عَلى أزْواجِهِمْ؛ أيْ: يُلامُونَ عَلى كُلِّ مُباشَرَةٍ إلّا عَلى ما أُطْلِقَ لَهم فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ عَلَيْهِ، وهو قَوْلُ الزَّجّاجِ.
وثالِثُها: أنْ تَجْعَلَهُ صِلَةً لِـ ﴿حافِظُونَ﴾.
السُّؤالُ الثّانِي: هَلّا قِيلَ: مَن مَلَكَتْ؟ الجَوابُ: لِأنَّهُ اجْتَمَعَ في السُّرِّيَّةِ وصْفانِ، أحَدُهُما: الأُنُوثَةُ وهي مَظِنَّةُ نُقْصانِ العَقْلِ، والآخَرُ كَوْنُها بِحَيْثُ تُباعُ وتُشْتَرى كَسائِرِ السِّلَعِ، فَلِاجْتِماعِ هَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ فِيها جُعِلَتْ كَأنَّها لَيْسَتْ مِنَ العُقَلاءِ.
السُّؤالُ الثّالِثُ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى تَحْرِيمِ المُتْعَةِ عَلى ما يُرْوى عَنِ القاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ؟ الجَوابُ: نَعَمْ، وتَقْرِيرُهُ أنَّها لَيْسَتْ زَوْجَةً لَهُ فَوَجَبَ أنْ لا تَحِلَّ لَهُ، وإنَّما قُلْنا: إنَّها لَيْسَتْ زَوْجَةً لَهُ؛ لِأنَّهُما لا يَتَوارَثانِ بِالإجْماعِ، ولَوْ كانَتْ زَوْجَةً لَهُ لَحَصَلَ التَّوارُثُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَكم نِصْفُ ما تَرَكَ أزْواجُكُمْ﴾ [النِّساءِ: ١٢] وإذا ثَبَتَ أنَّها لَيْسَتْ بِزَوْجَةٍ لَهُ وجَبَ أنْ لا تَحِلَّ لَهُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلّا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ﴾ وهو أعْلَمُ.
السُّؤالُ الرّابِعُ: ألَيْسَ لا يَحِلُّ لَهُ في الزَّوْجَةِ ومِلْكِ اليَمِينِ الِاسْتِمْتاعُ في أحْوالٍ كَحالِ الحَيْضِ وحالِ العِدَّةِ، وفي الأمَةِ حالَ تَزْوِيجِها مِنَ الغَيْرِ وحالَ عِدَّتِها، وكَذا الغُلامُ داخِلٌ في ظاهِرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ﴾ والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ.
أحَدُهُما: أنَّ مَذْهَبَ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ أنَّ الِاسْتِثْناءَ مِنَ النَّفْيِ لا يَكُونُ إثْباتًا، واحْتَجَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«لا صَلاةَ إلّا بِطُهُورٍ، ولا نِكاحَ إلّا بِوَلِيٍّ» “ فَإنَّ ذَلِكَ لا يَقْتَضِي حُصُولَ الصَّلاةِ بِمُجَرَّدِ حُصُولِ الطُّهُورِ، وحُصُولَ النِّكاحِ بِمُجَرَّدِ حُصُولِ الوَلِيِّ. وفائِدَةُ الِاسْتِثْناءِ صَرْفُ الحُكْمِ لا صَرْفُ المَحْكُومِ بِهِ، فَقَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ ﴿إلّا عَلى أزْواجِهِمْ﴾ مَعْناهُ أنَّهُ يَجِبُ حِفْظُ الفُرُوجِ عَنِ الكُلِّ إلّا في هاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ فَإنِّي ما ذَكَرْتُ حُكْمَهُما لا بِالنَّفْيِ ولا بِالإثْباتِ.
الثّانِي: أنّا إنْ سَلَّمْنا أنَّ الِاسْتِثْناءَ مِنَ النَّفْيِ إثْباتٌ، فَغايَتُهُ أنَّهُ عامٌّ دَخَلَهُ التَّخْصِيصُ بِالدَّلِيلِ فَيَبْقى فِيما وراءَهُ حُجَّةً.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ يَعْنِي الكامِلُونَ في العُدْوانِ المُتَناهُونَ فِيهِ.
* * *
الصِّفَةُ السّادِسَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ هم لِأماناتِهِمْ وعَهْدِهِمْ راعُونَ﴾ قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ (لِأمانَتِهِمْ) واعْلَمْ أنَّهُ يُسَمّى الشَّيْءُ المُؤْتَمَنُ عَلَيْهِ والمُعاهَدُ عَلَيْهِ أمانَةً وعَهْدًا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم أنْ تُؤَدُّوا الأماناتِ إلى أهْلِها﴾ [النِّساءِ: ٥٨] وقالَ: ﴿وتَخُونُوا أماناتِكُمْ﴾ [الأنْفالِ: ٢٧] وإنَّما تُؤَدّى العُيُونُ دُونَ المَعانِي، فَكانَ المُؤْتَمَنُ عَلَيْهِ الأمانَةُ في نَفْسِها. والعَهْدُ ما عَقَدَهُ عَلى نَفْسِهِ فِيما يُقَرِّبُهُ إلى رَبِّهِ، ويَقَعُ أيْضًا عَلى ما أمَرَ اللَّهُ تَعالى بِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ عَهِدَ إلَيْنا﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٨٣] والرّاعِي: القائِمُ عَلى الشَّيْءِ لِحِفْظٍ وإصْلاحٍ كَراعِي الغَنَمِ وراعِي الرَّعِيَّةِ، ويُقالُ: مَن راعِي هَذا الشَّيْءِ؟ أيْ: مُتَوَلِّيهِ. واعْلَمْ أنَّ الأمانَةَ تَتَناوَلُ كُلَّ ما تَرْكُهُ يَكُونُ داخِلًا في الخِيانَةِ، وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ والرَّسُولَ وتَخُونُوا أماناتِكُمْ﴾ [الأنْفالِ: ٢٧] فَمِن ذَلِكَ العِباداتُ الَّتِي المَرْءُ مُؤْتَمَنٌ عَلَيْها، وكُلُّ العِباداتِ تَدْخُلُ في ذَلِكَ؛ لِأنَّها إمّا أنْ تَخْفى أصْلًا كالصَّوْمِ وغُسْلِ الجَنابَةِ وإسْباغِ الوُضُوءِ، أوْ تَخْفى كَيْفِيَّةُ إتْيانِهِ بِها، وقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«أعْظَمُ النّاسِ خِيانَةً مَن لَمْ يُتِمَّ صَلاتَهُ» “ وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ”أوَّلُ ما تَفْقِدُونَ مِن دِينِكُمُ الأمانَةُ، وآخِرُ ما تَفْقِدُونَ الصَّلاةُ“ ومِن جُمْلَةِ ذَلِكَ ما يَلْتَزِمُهُ بِفِعْلٍ أوْ قَوْلٍ، فَيَلْزَمُهُ الوَفاءُ بِهِ كالوَدائِعِ والعُقُودِ وما يَتَّصِلُ بِهِما. ومِن ذَلِكَ
صفحة ٧٢
الأقْوالُ الَّتِي يُحَرَّرُ بِها العَبِيدُ والنِّساءُ؛ لِأنَّهُ مُؤْتَمَنٌ في ذَلِكَ، ومِن ذَلِكَ أنْ يُراعِيَ أمانَتَهُ فَلا يُفْسِدَها بِغَصْبٍ أوْ غَيْرِهِ، وأمّا العَهْدُ فَإنَّهُ دَخَلَ فِيهِ العُقُودُ والأيْمانُ والنُّذُورُ، فَبَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّ مُراعاةَ هَذِهِ الأُمُورِ والقِيامَ بِها مُعْتَبَرٌ في حُصُولِ الفَلاحِ.
* * *
الصِّفَةُ السّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ هم عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ وإنَّما أعادَ تَعالى ذِكْرَها؛ لِأنَّ الخُشُوعَ والمُحافَظَةَ مُتَغايِرانِ غَيْرُ مُتَلازِمَيْنِ، فَإنَّ الخُشُوعَ صِفَةٌ لِلْمُصَلِّي في حالِ الأداءِ لِصَلاتِهِ، والمُحافَظَةُ إنَّما تَصِحُّ حالَ ما لَمْ يُؤَدِّها بِكَمالِها. بَلِ المُرادُ بِالمُحافَظَةِ التَّعَهُّدُ لِشُرُوطِها مِن وقْتٍ وطَهارَةٍ وغَيْرِهِما، والقِيامُ عَلى أرْكانِها وإتْمامِها حَتّى يَكُونَ ذَلِكَ دَأْبَهُ في كُلِّ وقْتٍ، ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى مَجْمُوعَ هَذِهِ الأُمُورِ قالَ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الوارِثُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الفِرْدَوْسَ هم فِيها خالِدُونَ﴾ وهاهُنا سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: لِمَ سَمّى ما يَجِدُونَهُ مِنَ الثَّوابِ والجَنَّةِ بِالمِيراثِ؟ مَعَ أنَّهُ سُبْحانَهُ حَكَمَ بِأنَّ الجَنَّةَ حَقُّهم في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ المُؤْمِنِينَ أنْفُسَهم وأمْوالَهم بِأنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ﴾ [التَّوْبَةِ: ١١١]. الجَوابُ مِن وُجُوهٍ.
الأوَّلُ: ما «رُوِيَ عَنِ الرَّسُولِ ﷺ وهو أبْيَنُ عَلى ما يُقالُ فِيهِ، وهُوَ: أنَّهُ لا مُكَلَّفٌ إلّا أعَدَّ اللَّهُ لَهُ في النّارِ ما يَسْتَحِقُّهُ إنْ عَصى، وفي الجَنَّةِ ما يَسْتَحِقُّهُ إنْ أطاعَ، وجَعَلَ لِذَلِكَ عَلامَةً. فَإذا آمَنَ مِنهُمُ البَعْضُ ولَمْ يُؤْمِنِ البَعْضُ صارَ مَنزِلُ مَن لَمْ يُؤْمِن كالمَنقُولِ إلى المُؤْمِنِينَ، وصارَ مَصِيرُهم إلى النّارِ الَّذِي لا بُدَّ مَعَهُ مِن حِرْمانِ الثَّوابِ كَمَوْتِهِمْ»، فَسُمِّيَ ذَلِكَ مِيراثًا لِهَذا الوَجْهِ، وقَدْ قالَ الفُقَهاءُ: إنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ ما مَلَكَهُ المَيِّتُ وبَيْنَ ما يُقَدِّرُ فِيهِ المَلِكُ في أنَّهُ يُورَثُ عَنْهُ، كَذَلِكَ قالُوا في الدِّيَةِ الَّتِي تَجِبُ بِالقَتْلِ: إنَّها تُورَثُ، مَعَ أنَّهُ ما مَلَكَها عَلى التَّحْقِيقِ، وذَلِكَ يَشْهَدُ لِما ذَكَرْنا، فَإنْ قِيلَ: إنَّهُ تَعالى وصَفَ كُلَّ الَّذِي يَسْتَحِقُّونَهُ إرْثًا، وعَلى ما قُلْتُمْ يَدْخُلُ في الإرْثِ ما كانَ يَسْتَحِقُّهُ غَيْرُهم لَوْ أطاعَ. قُلْنا: لا يَمْتَنِعُ أنَّهُ تَعالى جَعَلَ ما هو مَنزِلَةٌ لِهَذا المُؤْمِنِ بِعَيْنِهِ مَنزِلَةً لِذَلِكَ الكافِرِ لَوْ أطاعَ؛ لِأنَّهُ عِنْدَ ذَلِكَ كانَ يَزِيدُ في المَنازِلِ فَإذا آمَنَ هَذا عَدَلَ بِذَلِكَ إلَيْهِ.
وثانِيها: أنَّ انْتِقالَ الجَنَّةِ إلَيْهِمْ بِدُونِ مُحاسَبَةٍ ومَعْرِفَةٍ بِمَقادِيرِهِ يُشْبِهُ انْتِقالَ المالِ إلى الوارِثِ.
وثالِثُها: أنَّ الجَنَّةَ كانَتْ مَسْكَنَ أبِينا آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإذا انْتَقَلَتْ إلى أوْلادِهِ صارَ ذَلِكَ شَبِيهًا بِالمِيراثِ.
السُّؤالُ الثّانِي: كَيْفَ حَكَمَ عَلى المَوْصُوفِينَ بِالصِّفاتِ السَّبْعِ بِالفَلاحِ مَعَ أنَّهُ تَعالى ما تَمَّمَ ذِكْرَ العِباداتِ الواجِبَةِ كالصَّوْمِ والحَجِّ والطَّهارَةِ؟ والجَوابُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿والَّذِينَ هم لِأماناتِهِمْ وعَهْدِهِمْ راعُونَ﴾ يَأْتِي عَلى جَمِيعِ الواجِباتِ مِنَ الأفْعالِ والتُّرُوكِ كَما قَدَّمْنا، والطَّهاراتُ دَخَلَتْ في جُمْلَةِ المُحافَظَةِ عَلى الصَّلَواتِ الخَمْسِ؛ لِكَوْنِها مِن شَرائِطِها.
السُّؤالُ الثّالِثُ: أفَيَدُلُّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الوارِثُونَ﴾ عَلى أنَّهُ لا يَدْخُلُها غَيْرُهُمْ؟ الجَوابُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿هُمُ الوارِثُونَ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ لَكِنَّهُ يَجِبُ تَرْكُ العَمَلِ بِهِ؛ لِأنَّهُ ثَبَتَ أنَّ الجَنَّةَ يَدْخُلُها الأطْفالُ والمَجانِينُ والوِلْدانُ والحُورُ العِينُ، ويَدْخُلُها الفُسّاقُ مِن أهْلِ القِبْلَةِ بَعْدَ العَفْوِ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النِّساءِ: ٤٨].
السُّؤالُ الرّابِعُ: أفَكُلُّ الجَنَّةِ هو الفِرْدَوْسُ؟ الجَوابُ: الفِرْدَوْسُ هو الجَنَّةُ بِلِسانِ الحَبَشَةِ، وقِيلَ بِلِسانِ الرُّومِ، ورَوى أبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«الفِرْدَوْسُ مَقْصُورَةُ الرَّحْمَنِ؛ فِيها الأنْهارُ والأشْجارُ» “
صفحة ٧٣
ورَوى أبُو أُمامَةَ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ قالَ: ”«سَلُوا اللَّهَ الفِرْدَوْسَ فَإنَّها أعْلى الجِنانِ، وإنَّ أهْلَ الفِرْدَوْسِ يَسْمَعُونَ أطِيطَ العَرْشِ» “.
السُّؤالُ الخامِسُ: هَلْ تَدُلُّ الآيَةُ عَلى أنَّ هَذِهِ الصِّفاتِ هي الَّتِي لَها ولِأجْلِها يَكُونُونَ مُؤْمِنِينَ أمْ لا؟ الجَوابُ: ادَّعى القاضِي أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ بِناءً عَلى مَذْهَبِهِ أنَّ الإيمانَ اسْمٌ شَرْعِيٌّ مَوْضُوعٌ لِأداءِ كُلِّ الواجِباتِ، وعِنْدَنا أنَّ الآيَةَ لا تَدُلُّ عَلى ذَلِكَ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم في صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ﴾ مِثْلُ قَدْ أفْلَحَ النّاسُ الأذْكِياءُ العُدُولُ، فَإنَّ هَذا لا يَدُلُّ عَلى أنَّ الزَّكاةَ والعَدالَةَ داخِلانِ في مُسَمّى النّاسِ فَكَذا هاهُنا.
السُّؤالُ السّادِسُ: رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: ”«لَمّا خَلَقَ اللَّهُ تَعالى جَنَّةَ عَدْنٍ قالَ لَها: تَكَلَّمِي. فَقالَتْ: قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ» “ وقالَ كَعْبٌ: ”خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ بِيَدِهِ وكَتَبَ التَّوْراةَ بِيَدِهِ وغَرَسَ شَجَرَةَ طُوبى بِيَدِهِ، ثم قال لَها: تَكَلَّمِي. فَقالَتْ: قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ“، ورُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ”«إذا أحْسَنَ العَبْدُ الوُضُوءَ وصَلّى الصَّلاةَ لِوَقْتِها وحافَظَ عَلى رُكُوعِها وسُجُودِها ومَواقِيتِها قالَتْ: حَفِظَكَ اللَّهُ كَما حافَظْتَ عَلَيَّ، وشَفَعَتْ لِصاحِبِها، وإذا أضاعَها قالَتْ: أضاعَكَ اللَّهُ كَما ضَيَّعْتَنِي، وتُلَفُّ كَما يُلَفُّ الثَّوْبُ الخَلِقُ فَيُضْرَبُ بِها وجْهُ صاحِبِها» “ الجَوابُ: أمّا كَلامُ الجَنَّةِ فالمُرادُ بِهِ أنَّها أُعِدَّتْ لِلْمُؤْمِنِينَ، فَصارَ ذَلِكَ كالقَوْلِ مِنها، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَتا أتَيْنا طائِعِينَ﴾ [فُصِّلَتْ: ١١] وأمّا أنَّهُ تَعالى خَلَقَ الجَنَّةَ بِيَدِهِ، فالمُرادُ تَوَلّى خَلْقَها لا أنَّهُ وكَلَهُ إلى غَيْرِهِ، وأمّا أنَّ الصَّلاةَ تُثْنِي عَلى مَن قامَ بِحَقِّها فَهو في الجَوازِ أبْعَدُ مِن كَلامِ الجَنَّةِ؛ لِأنَّ الصَّلاةَ حَرَكاتٌ وسَكَناتٌ ولا يَصِحُّ عَلَيْها أنْ تَتَصَوَّرَ وتَتَكَلَّمَ، فالمُرادُ مِنهُ ضَرْبُ المَثَلِ كَما يَقُولُ القائِلُ لِلْمُنْعِمِ: إنَّ إحْسانَكَ إلَيَّ يَنْطِقُ بِالشُّكْرِ.
السُّؤالُ السّابِعُ: هَلْ تَدُلُّ الآيَةُ عَلى أنَّ الفِرْدَوْسَ مَخْلُوقَةٌ؟ الجَوابُ: قالَ القاضِي: دَلَّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُكُلُها دائِمٌ﴾ [الرَّعْدِ: ٣٥] عَلى أنَّها غَيْرُ مَخْلُوقَةٍ، فَوَجَبَ تَأْوِيلُ هَذِهِ الآيَةِ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ يَخْلُقُ اللَّهُ الجَنَّةَ مِيراثًا لِلْمُؤْمِنِينَ، أوْ: وإذا خَلَقَها تَقُولُ، عَلى مِثالِ ما تَأوَّلْنا عَلَيْهِ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ونادى أصْحابُ النّارِ أصْحابَ الجَنَّةِ﴾ [الأعْرافِ: ٥٠] وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ إضْمارُ ما ذَكَرَهُ في هَذِهِ الآيَةِ أوْلى مِن أنْ يُضْمَرَ في قَوْلِهِ: ﴿أُكُلُها دائِمٌ﴾ ثُمَّ إنَّ أُكُلَها دائِمٌ يَوْمَ القِيامَةِ، وإذا تَعارَضَ هَذانِ الظّاهِرانِ فَنَحْنُ نَتَمَسَّكُ في أنَّ الجَنَّةَ مَخْلُوقَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٣٣].
المؤمنون 23:4
صفحة ٦٧
(سُورَةُ المُؤْمِنُونَ)
مِائَةٌ وثَمانِ عَشْرَةَ آيَةً مَكِّيَّةً
﷽
﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم في صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ ﴿إلّا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ ﴿فَمَنِ ابْتَغى وراءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم لِأماناتِهِمْ وعَهْدِهِمْ راعُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ هُمُ الوارِثُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الفِرْدَوْسَ هم فِيها خالِدُونَ﴾
﷽
﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم في صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ ﴿إلّا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ ﴿فَمَنِ ابْتَغى وراءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم لِأماناتِهِمْ وعَهْدِهِمْ راعُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ هُمُ الوارِثُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الفِرْدَوْسَ هم فِيها خالِدُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ حَكَمَ بِحُصُولِ الفَلاحِ لِمَن كانَ مُسْتَجْمِعًا لِصِفاتٍ سَبْعٍ، وقَبْلَ الخَوْضِ في شَرْحِ تِلْكَ الصِّفاتِ لا بُدَّ مِن بَحْثَيْنِ:
البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّ ﴿قَدْ﴾ نَقِيضَةٌ لِـ (ما) فَـ (قَدْ) تُثْبِتُ المُتَوَقَّعَ، و(لَما) تَنْفِيهِ، ولا شَكَّ أنَّ المُؤْمِنِينَ كانُوا مُتَوَقِّعِينَ لِمِثْلِ هَذِهِ البِشارَةِ، وهي الإخْبارُ بِثَباتِ الفَلاحِ لَهم فَخُوطِبُوا بِما دَلَّ عَلى ثَباتِ ما تَوَقَّعُوهُ.
البَحْثُ الثّانِي: الفَلاحُ: الظَّفَرُ بِالمُرادِ، وقِيلَ: البَقاءُ في الخَيْرِ، وأفْلَحَ: دَخَلَ في الفَلاحِ، كَأبْشَرَ: دَخَلَ في البِشارَةِ، ويُقالُ: أفْلَحَهُ: صَيَّرَهُ إلى الفَلاحِ، وعَلَيْهِ قِراءَةُ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ ”أُفْلِحَ“ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، وعَنْهُ (أفْلَحُوا) عَلى لُغَةِ أكَلُونِي البَراغِيثُ، أوْ عَلى الإبْهامِ والتَّفْسِيرِ.
صفحة ٦٨
الصِّفَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿المُؤْمِنُونَ﴾ وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في الإيمانِ في سُورَةِ البَقَرَةِ.
الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ هم في صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ﴾ واخْتَلَفُوا في الخُشُوعِ؛ فَمِنهم مَن جَعَلَهُ مِن أفْعالِ القُلُوبِ كالخَوْفِ والرَّهْبَةِ، ومِنهم مَن جَعَلَهُ مِن أفْعالِ الجَوارِحِ كالسُّكُونِ وتَرْكِ الِالتِفاتِ، ومِنهم مَن جَمَعَ بَيْنَ الأمْرَيْنِ وهو الأوْلى. فالخاشِعُ في صَلاتِهِ لا بُدَّ وأنْ يَحْصُلَ لَهُ مِمّا يَتَعَلَّقُ بِالقَلْبِ مِنَ الأفْعالِ نِهايَةُ الخُضُوعِ والتَّذَلُّلِ لِلْمَعْبُودِ، ومِنَ التُّرُوكِ أنْ لا يَكُونَ مُلْتَفِتَ الخاطِرِ إلى شَيْءٍ سِوى التَّعْظِيمِ، ومِمّا يَتَعَلَّقُ بِالجَوارِحِ أنْ يَكُونَ ساكِنًا مُطْرِقًا ناظِرًا إلى مَوْضِعِ سُجُودِهِ، ومِنَ التُّرُوكِ أنْ لا يَلْتَفِتَ يَمِينًا ولا شَمالًا، ولَكِنَّ الخُشُوعَ الَّذِي يُرى عَلى الإنْسانِ لَيْسَ إلّا ما يَتَعَلَّقُ بِالجَوارِحِ، فَإنَّ ما يَتَعَلَّقُ بِالقَلْبِ لا يُرى، قالَ الحَسَنُ وابْنُ سِيرِينَ: «كانَ المُسْلِمُونَ يَرْفَعُونَ أبْصارَهم إلى السَّماءِ في صَلاتِهِمْ، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَفْعَلُ ذَلِكَ، فَلَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ طَأْطَأ وكانَ لا يُجاوِزُ بَصَرُهُ مُصَلّاهُ»، فَإنْ قِيلَ: فَهَلْ تَقُولُونَ: إنَّ ذَلِكَ واجِبٌ في الصَّلاةِ؟ قُلْنا: إنَّهُ عِنْدَنا واجِبٌ ويَدُلُّ عَلَيْهِ أُمُورٌ.
أحَدُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ أمْ عَلى قُلُوبٍ أقْفالُها﴾ [مُحَمَّدٍ: ٢٤] والتَّدَبُّرُ لا يُتَصَوَّرُ بِدُونِ الوُقُوفِ عَلى المَعْنى، وكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ورَتِّلِ القُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [ المُزَّمِّلِ: ٤] مَعْناهُ قِفْ عَلى عَجائِبِهِ ومَعانِيهِ.
وثانِيها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤] وظاهِرُ الأمْرِ لِلْوُجُوبِ، والغَفْلَةُ تُضادُّ الذِّكْرِ، فَمَن غَفَلَ في جَمِيعِ صَلاتِهِ كَيْفَ يَكُونُ مُقِيمًا لِلصَّلاةِ لِذِكْرِهِ.
وثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَكُنْ مِنَ الغافِلِينَ﴾ [الأعْرافِ: ٢٠٥] وظاهِرُ النَّهْيِ لِلتَّحْرِيمِ.
ورابِعُها: قَوْلُهُ: ﴿حَتّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ﴾ [ النِّساءِ: ٤٣ ] تَعْلِيلٌ لِنَهْيِ السَّكْرانِ، وهو مُطَّرِدٌ في الغافِلِ المُسْتَغْرِقِ المُهْتَمِّ بِالدُّنْيا.
وخامِسُها: قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«إنَّما الخُشُوعُ لِمَن تَمَسْكَنَ وتَواضَعَ» “ وكَلِمَةُ (إنَّما) لِلْحَصْرِ، وقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«مَن لَمْ تَنْهَهُ صَلاتُهُ عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ لَمْ يَزْدَدْ مِنَ اللَّهِ إلّا بُعْدًا» “ وصَلاةُ الغافِلِ لا تَمْنَعُ مِنَ الفَحْشاءِ، وقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «كَمْ مِن قائِمٍ حَظُّهُ مِن قِيامِهِ التَّعَبُ والنَّصَبُ» وما أرادَ بِهِ إلّا الغافِلَ، وقالَ أيْضًا: ”«لَيْسَ لِلْعَبْدِ مِن صَلاتِهِ إلّا ما عَقَلَ» “
وسادِسُها: قالَ الغَزالِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: المُصَلِّي يُناجِي رَبَّهُ، كَما ورَدَ بِهِ الخَبَرُ، والكَلامُ مَعَ الغَفْلَةِ لَيْسَ بِمُناجاةٍ البَتَّةَ، وبَيانُهُ أنَّ الإنْسانَ إذا أدّى الزَّكاةَ حالَ الغَفْلَةِ فَقَدْ حَصَلَ المَقْصُودُ مِنها عَلى بَعْضِ الوُجُوهِ، وهو كَسْرُ الحِرْصِ وإغْناءُ الفَقِيرِ، وكَذا الصَّوْمُ قاهِرٌ لِلْقُوى كاسِرٌ لِسَطْوَةِ الهَوى الَّتِي هي عَدُوَّةُ اللَّهِ تَعالى. فَلا يَبْعُدُ أنْ يَحْصُلَ مِنهُ مَقْصُودُهُ مَعَ الغَفْلَةِ، وكَذا الحَجُّ أفْعالٌ شاقَّةٌ، وفِيهِ مِنَ المُجاهَدَةِ ما يَحْصُلُ بِهِ الِابْتِلاءُ سَواءٌ كانَ القَلْبُ حاضِرًا أوْ لَمْ يَكُنْ. أمّا الصَّلاةُ فَلَيْسَ فِيها إلّا ذِكْرٌ وقِراءَةٌ ورُكُوعٌ وسُجُودٌ وقِيامٌ وقُعُودٌ، أمّا الذِّكْرُ فَإنَّهُ مُناجاةٌ مَعَ اللَّهِ تَعالى. فَإمّا أنْ يَكُونَ المَقْصُودُ مِنهُ كَوْنَهُ مُناجاةً، أوِ المَقْصُودُ مُجَرَّدُ الحُرُوفِ والأصْواتِ، ولا شَكَّ في فَسادِ هَذا القِسْمِ، فَإنَّ تَحْرِيكَ اللِّسانِ بِالهَذَيانِ لَيْسَ فِيهِ غَرَضٌ صَحِيحٌ، فَثَبَتَ أنَّ المَقْصُودَ مِنهُ المُناجاةُ، وذَلِكَ لا يَتَحَقَّقُ إلّا إذا كانَ اللِّسانُ مُعَبِّرًا عَمّا في القَلْبِ مِنَ التَّضَرُّعاتِ، فَأيُّ سُؤالٍ في قَوْلِهِ: ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ [ الفاتِحَةِ: ٦ ] وكانَ القَلْبُ غافِلًا عَنْهُ؟ بَلْ أقُولُ: لَوْ حَلَفَ إنْسانٌ، وقالَ: واللَّهِ لَأشْكُرَنَّ فُلانًا وأُثْنِي عَلَيْهِ وأسْألُهُ حاجَةً. ثُمَّ جَرَتِ الألْفاظُ الدّالَّةُ عَلى هَذِهِ المَعانِي عَلى لِسانِهِ في اليَوْمِ، لَمْ يَبَرَّ في يَمِينِهِ، ولَوْ
صفحة ٦٩
جَرى عَلى لِسانِهِ في ظُلْمَةِ اللَّيْلِ وذَلِكَ الإنْسانُ حاضِرٌ وهو لا يَعْرِفُ حُضُورَهُ ولا يَراهُ، لا يَصِيرُ بارًّا في يَمِينِهِ، ولا يَكُونُ كَلامُهُ خِطابًا مَعَهُ ما لَمْ يَكُنْ حاضِرًا بِقَلْبِهِ، ولَوْ جَرَتْ هَذِهِ الكَلِماتُ عَلى لِسانِهِ وهو حاضِرٌ في بَياضِ النَّهارِ إلّا أنَّ المُتَكَلِّمَ غافِلٌ لِكَوْنِهِ مُسْتَغْرِقَ الهَمِّ بِفِكْرٍ مِنَ الأفْكارِ، ولَمْ يَكُنْ لَهُ قَصْدُ تَوْجِيهِ الخِطابِ إلَيْهِ عِنْدَ نُطْقِهِ، لَمْ يَصِرْ بارًّا في يَمِينِهِ. ولا شَكَّ أنَّ المَقْصُودَ مِنَ القِراءَةِ الأذْكارُ والحَمْدُ والثَّناءُ والتَّضَرُّعُ والدُّعاءُ، والمُخاطَبُ هو اللَّهُ تَعالى، فَإذا كانَ القَلْبُ مَحْجُوبًا بِحِجابِ الغَفْلَةِ وكانَ غافِلًا عَنْ جَلالِ اللَّهِ وكِبْرِيائِهِ، ثُمَّ إنَّ لِسانَهُ يَتَحَرَّكُ بِحُكْمِ العادَةِ، فَما أبْعَدَ ذَلِكَ عَنِ القَبُولِ.
وأمّا الرُّكُوعُ والسُّجُودُ فالمَقْصُودُ مِنهُما التَّعْظِيمُ، ولَوْ جازَ أنْ يَكُونَ تَعْظِيمًا لِلَّهِ تَعالى مَعَ أنَّهُ غافِلٌ عَنْهُ، لَجازَ أنْ يَكُونَ تَعْظِيمًا لِلصَّنَمِ المَوْضُوعِ بَيْنَ يَدَيْهِ وهو غافِلٌ عَنْهُ، ولِأنَّهُ إذا لَمْ يَحْصُلِ التَّعْظِيمُ لَمْ يَبْقَ إلّا مُجَرَّدُ حَرَكَةِ الظَّهْرِ والرَّأْسِ، ولَيْسَ فِيها مِنَ المَشَقَّةِ ما يَصِيرُ لِأجْلِهِ عِمادًا لِلدِّينِ، وفاصِلًا بَيْنَ الكُفْرِ والإيمانِ، ويُقْدِمُ عَلى الحَجِّ والزَّكاةِ والجِهادِ وسائِرِ الطّاعاتِ الشّاقَّةِ، ويَجِبُ القَتْلُ بِسَبَبِهِ عَلى الخُصُوصِ، وبِالجُمْلَةِ فَكُلُّ عاقِلٍ يَقْطَعُ بِأنَّ مُشاهَدَةَ الخَواصِّ العَظِيمَةِ لَيْسَ أعْمالَها الظّاهِرَةَ إلّا أنْ يَنْضافَ إلَيْها مَقْصُودُ هَذِهِ المُناجاةِ، فَدَلَّتْ هَذِهِ الِاعْتِباراتُ عَلى أنَّ الصَّلاةَ لا بُدَّ فِيها مِنَ الحُضُورِ.
وسابِعُها: أنَّ الفُقَهاءَ اخْتَلَفُوا فِيما يَنْوِيهِ بِالسَّلامِ عِنْدَ الجَماعَةِ والِانْفِرادِ، هَلْ يَنْوِي الحُضُورَ أوِ الغَيْبَةَ والحُضُورَ مَعًا. فَإذا احْتِيجَ إلى التَّدَبُّرِ في مَعْنى السَّلامِ الَّذِي هو آخِرُ الصَّلاةِ فَلَأنْ يُحْتاجَ إلى التَّدَبُّرِ في مَعْنى التَّكْبِيرِ والتَّسْبِيحِ الَّتِي هي الأشْياءُ المَقْصُودَةُ مِنَ الصَّلاةِ بِالطَّرِيقِ الأوْلى، واحْتَجَّ المُخالِفُ بِأنَّ اشْتِراطَ الخُضُوعِ والخُشُوعِ عَلى خِلافِ اجْتِماعِ الفُقَهاءِ، فَلا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ. والجَوابُ مِن وُجُوهٍ.
أحَدُها: أنَّ الحُضُورَ عِنْدَنا لَيْسَ شَرْطًا لِلْإجْزاءِ، بَلْ شَرْطٌ لِلْقَبُولِ، والمُرادُ مِنَ الإجْزاءِ أنْ لا يَجِبَ القَضاءُ، والمُرادُ مِنَ القَبُولِ حُكْمُ الثَّوابِ.
والفُقَهاءُ إنَّما يَبْحَثُونَ عَنْ حُكْمِ الإجْزاءِ لا عَنْ حُكْمِ الثَّوابِ، وغَرَضُنا في هَذا المَقامِ هَذا، ومِثالُهُ في الشّاهِدِ مَنِ اسْتَعارَ مِنكَ ثَوْبًا ثُمَّ رَدَّهُ عَلى الوجه الأحْسَنِ، فَقَدْ خَرَجَ عَنِ العُهْدَةِ واسْتَحَقَّ المَدْحَ، ومَن رَماهُ إلَيْكَ عَلى وجْهِ الِاسْتِخْفافِ خَرَجَ عَنِ العُهْدَةِ، ولَكِنَّهُ اسْتَحَقَّ الذَّمَّ، كَذا مَن عَظَّمَ اللَّهَ تَعالى حالَ أدائِهِ العِبادَةَ صارَ مُقِيمًا لِلْفَرْضِ مُسْتَحِقًّا لِلثَّوابِ، ومَنِ اسْتَهانَ بِها صارَ مُقِيمًا لِلْفَرْضِ ظاهِرًا لَكِنَّهُ اسْتَحَقَّ الذَّمَّ.
وثانِيها: أنّا نَمْنَعُ هَذا الإجْماعَ، أمّا المُتَكَلِّمُونَ فَقَدِ اتَّفَقُوا عَلى أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الحُضُورِ والخُشُوعِ، واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِأنَّ السُّجُودَ لِلَّهِ تَعالى طاعَةٌ ولِلصَّنَمِ كُفْرٌ، وكُلُّ واحِدٍ مِنهُما يُماثِلُ الآخَرَ في ذاتِهِ ولَوازِمِهِ، فَلا بُدَّ مِن أمْرٍ لِأجْلِهِ صارَ السُّجُودُ في إحْدى الصُّورَتَيْنِ طاعَةً، وفي الأُخْرى مَعْصِيَةً، قالُوا: وما ذاكَ إلّا القَصْدُ والإرادَةُ، والمُرادُ مِنَ القَصْدِ إيقاعُ تِلْكَ الأفْعالِ لِداعِيَةِ الِامْتِثالِ، وهَذِهِ الدّاعِيَةُ لا يُمْكِنُ حُصُولُها إلّا عِنْدَ الحُضُورِ، فَلِهَذا اتَّفَقُوا عَلى أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الحُضُورِ، أمّا الفُقَهاءُ فَقَدْ ذَكَرَ الفَقِيهُ أبُو اللَّيْثِ رَحِمَهُ اللَّهُ في تَنْبِيهِ الغافِلِينَ أنَّ تَمامَ القِراءَةِ أنْ يَقْرَأ بِغَيْرِ لَحْنٍ، وأنْ يَقْرَأ بِالتَّفَكُّرِ.
وأمّا الغَزالِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فَإنَّهُ نَقَلَ عَنْ أبِي طالِبٍ المَكِّيِّ عَنْ بِشْرٍ الحافِي أنَّهُ قالَ: مَن لَمْ يَخْشَعْ فَسَدَتْ صَلاتُهُ. وعَنِ الحَسَنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: كُلُّ صَلاةٍ لا يَحْضُرُ فِيها القَلْبُ فَهي إلى العُقُوبَةِ أسْرَعُ. وعَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ: ”مَن عَرَفَ مَن عَلى يَمِينِهِ وشِمالِهِ مُتَعَمِّدًا وهو في الصَّلاةِ فَلا صَلاةَ لَهُ“. ورُوِيَ أيْضًا مُسْنَدًا قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«إنَّ العَبْدَ لَيُصَلِّي الصَّلاةَ لا يُكْتَبُ لَهُ سُدُسُها ولا عُشْرُها، وإنَّما يُكْتَبُ لِلْعَبْدِ مِن صَلاتِهِ ما عَقَلَ مِنها» “. وقالَ عَبْدُ الواحِدِ بْنُ زَيْدٍ: أجْمَعَتِ العُلَماءُ عَلى أنَّهُ لَيْسَ لِلْعَبْدِ مِن صَلاتِهِ إلّا ما عَقَلَ، وادَّعى فِيهِ الإجْماعَ. إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: هَبْ أنَّ الفُقَهاءَ بِأسْرِهِمْ حَكَمُوا بِالجَوازِ، ألَيْسَ الأُصُولِيُّونَ وأهْلُ الوَرَعِ ضَيَّقُوا الأمْرَ فِيها، فَهَلّا أخَذْتَ بِالِاحْتِياطِ، فَإنَّ بَعْضَ العُلَماءِ اخْتارَ
صفحة ٧٠
الإمامَةَ، فَقِيلَ لَهُ في ذَلِكَ فَقالَ: أخافُ إنْ تَرَكْتُ الفاتِحَةَ أنْ يُعاتِبَنِي الشّافِعِيُّ، وإنْ قَرَأْتُها مَعَ الإمامِ أنْ يُعاتِبَنِي أبُو حَنِيفَةَ، فاخْتَرْتُ الإمامَةَ طَلَبًا لِلْخَلاصِ عَنْ هَذا الِاخْتِلافِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ هم عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ وفي اللَّغْوِ أقْوالٌ.
أحَدُها: أنَّهُ يَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ ما كانَ حَرامًا أوْ مَكْرُوهًا أوْ كانَ مُباحًا، ولَكِنْ لا يَكُونُ بِالمَرْءِ إلَيْهِ ضَرُورَةٌ وحاجَةٌ.
وثانِيها: أنَّهُ عِبارَةٌ عَنْ كُلِّ ما كانَ حَرامًا فَقَطْ، وهَذا التَّفْسِيرُ أخَصُّ مِنَ الأوَّلِ.
وثالِثُها: أنَّهُ عِبارَةٌ عَنِ المَعْصِيَةِ في القَوْلِ والكَلامِ خاصَّةً، وهَذا أخَصُّ مِنَ الثّانِي.
ورابِعُها: أنَّهُ المُباحُ الَّذِي لا حاجَةَ إلَيْهِ، واحْتَجَّ هَذا القائِلُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ في أيْمانِكُمْ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٢٥] فَكَيْفَ يُحْمَلُ ذَلِكَ عَلى المَعاصِي الَّتِي لا بُدَّ فِيها مِنَ المُؤاخَذَةِ، واحْتَجَّ الأوَّلُونَ بِأنَّ اللَّغْوَ إنَّما سُمِّيَ لَغْوًا بِما أنَّهُ يُلْغى، وكُلُّ ما يَقْتَضِي الدِّينُ إلْغاءَهُ كانَ أوْلى بِاسْمِ اللَّغْوِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ كُلُّ حَرامٍ لَغْوًا، ثُمَّ اللَّغْوُ قَدْ يَكُونُ كُفْرًا لِقَوْلِهِ: ﴿لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ والغَوْا فِيهِ﴾ [فُصِّلَتْ: ٢٦] وقَدْ يَكُونُ كَذِبًا لِقَوْلِهِ: ﴿لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً﴾ [الغاشِيَةِ: ١١] وقَوْلِهِ: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ولا تَأْثِيمًا﴾ [الواقِعَةِ: ٢٥] ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى مَدَحَهم بِأنَّهم يُعْرِضُونَ عَنْ هَذا اللَّغْوِ، والإعْراضُ عَنْهُ هو بِأنْ لا يَفْعَلَهُ ولا يَرْضى بِهِ ولا يُخالِطَ مَن يَأْتِيهِ، وعَلى هَذا الوجه قالَ تَعالى: ﴿وإذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرامًا﴾ [الفُرْقانِ: ٧٢] واعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا وصَفَهم بِالخُشُوعِ في الصَّلاةِ أتْبَعَهُ الوَصْفَ بِالإعْراضِ عَنِ اللَّغْوِ، لِيَجْمَعَ لَهُمُ الفِعْلَ والتَّرْكَ الشّاقَّيْنِ عَلى الأنْفُسِ اللَّذَيْنِ هُما قاعِدَتا بِناءِ التَّكْلِيفِ، وهو أعْلَمُ.
* * *
الصِّفَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ هم لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ﴾ وفي الزَّكاةِ قَوْلانِ، أحَدُهُما: قَوْلُ أبِي مُسْلِمٍ أنَّ فِعْلَ الزَّكاةِ يَقَعُ عَلى كُلِّ فِعْلٍ مَحْمُودٍ مَرَضِيٍّ، كَقَوْلِهِ: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ [الأعْلى: ١٤] وقَوْلِهِ: ﴿فَلا تُزَكُّوا أنْفُسَكُمْ﴾ [النَّجْمِ: ٣٢] ومِن جُمْلَتِهِ ما يَخْرُجُ مِن حَقِّ المالِ، وإنَّما سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّها تُطَهِّرُ مِنَ الذُّنُوبِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿تُطَهِّرُهم وتُزَكِّيهِمْ بِها﴾ [التَّوْبَةِ: ١٠٣].
والثّانِي: وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ أنَّهُ الحَقُّ الواجِبُ في الأمْوالِ خاصَّةً، وهَذا هو الأقْرَبُ؛ لِأنَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ قَدِ اخْتَصَّتْ في الشَّرْعِ بِهَذا المَعْنى، فَإنْ قِيلَ: إنَّهُ لا يُقالُ في الكَلامِ الفَصِيحِ: إنَّهُ فَعَلَ الزَّكاةَ، قُلْنا: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: الزَّكاةُ اسْمٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ عَيْنٍ ومَعْنًى، فالعَيْنُ القَدْرُ الَّذِي يُخْرِجُهُ المُزَكِّي مِنَ النِّصابِ إلى الفَقِيرِ، والمَعْنى فِعْلُ المُزَكِّي الَّذِي هو التَّزْكِيَةُ، وهو الَّذِي أرادَهُ اللَّهُ تَعالى فَجَعَلَ المُزَكِّينَ فاعِلِينَ لَهُ ولا يَسُوغُ فِيهِ غَيْرُهُ؛ لِأنَّهُ ما مِن مَصْدَرٍ إلّا يُعَبَّرُ عَنْ مَعْناهُ بِالفِعْلِ. ويُقالُ لِمُحَدِثِهِ: فاعِلٌ، يُقالُ لِلضّارِبِ: فاعِلُ الضَّرْبِ، ولِلْقاتِلِ: فاعِلُ القَتْلِ، ولِلْمُزَكِّي: فاعِلُ الزَّكاةِ، وعَلى هَذا الكَلامِ كُلِّهِ يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالزَّكاةِ العَيْنُ، ويُقَدَّرَ مُضافٌ مَحْذُوفٌ وهو الأداءُ، فَإنْ قِيلَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى هُناكَ لَمْ يَفْصِلْ بَيْنَ الصَّلاةِ والزَّكاةِ، فَلِمَ فَصَلَ هاهُنا بَيْنَهُما بِقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ هم عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ ؟ قُلْنا: لِأنَّ الإعْراضَ عَنِ اللَّغْوِ مِن مُتَمِّماتِ الصَّلاةِ.
* * *
الصِّفَةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ ﴿إلّا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ وفِيهِ سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: لِمَ لَمْ يَقُلْ: إلّا عَنْ أزْواجِهِمْ؟ الجَوابُ: قالَ الفَرّاءُ: مَعْناهُ: إلّا مِن أزْواجِهِمْ، وذَكَرَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ فِيهِ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ.
أحَدُها: أنَّهُ في مَوْضِعِ الحالِ؛ أيْ: إلّا والِينَ عَلى أزْواجِهِمْ أوْ قَوّامِينَ عَلَيْهِنَّ، مِن قَوْلِكَ: كانَ فُلانٌ عَلى فُلانَةٍ، ونَظِيرُهُ كانَ زِيادٌ عَلى البَصْرَةِ؛ أيْ والِيًا عَلَيْها، ومِنهُ قَوْلُهُمْ: فُلانَةٌ تَحْتَ فُلانٍ، ومِن ثَمَّ
صفحة ٧١
سُمِّيَتِ المَرْأةُ فِراشًا. والمَعْنى أنَّهم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ في كافَّةِ الأحْوالِ إلّا في حالِ تَزْوِيجِهِمْ أوْ تَسَرِّيهِمْ.
وثانِيها: أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: يُلامُونَ إلّا عَلى أزْواجِهِمْ؛ أيْ: يُلامُونَ عَلى كُلِّ مُباشَرَةٍ إلّا عَلى ما أُطْلِقَ لَهم فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ عَلَيْهِ، وهو قَوْلُ الزَّجّاجِ.
وثالِثُها: أنْ تَجْعَلَهُ صِلَةً لِـ ﴿حافِظُونَ﴾.
السُّؤالُ الثّانِي: هَلّا قِيلَ: مَن مَلَكَتْ؟ الجَوابُ: لِأنَّهُ اجْتَمَعَ في السُّرِّيَّةِ وصْفانِ، أحَدُهُما: الأُنُوثَةُ وهي مَظِنَّةُ نُقْصانِ العَقْلِ، والآخَرُ كَوْنُها بِحَيْثُ تُباعُ وتُشْتَرى كَسائِرِ السِّلَعِ، فَلِاجْتِماعِ هَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ فِيها جُعِلَتْ كَأنَّها لَيْسَتْ مِنَ العُقَلاءِ.
السُّؤالُ الثّالِثُ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى تَحْرِيمِ المُتْعَةِ عَلى ما يُرْوى عَنِ القاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ؟ الجَوابُ: نَعَمْ، وتَقْرِيرُهُ أنَّها لَيْسَتْ زَوْجَةً لَهُ فَوَجَبَ أنْ لا تَحِلَّ لَهُ، وإنَّما قُلْنا: إنَّها لَيْسَتْ زَوْجَةً لَهُ؛ لِأنَّهُما لا يَتَوارَثانِ بِالإجْماعِ، ولَوْ كانَتْ زَوْجَةً لَهُ لَحَصَلَ التَّوارُثُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَكم نِصْفُ ما تَرَكَ أزْواجُكُمْ﴾ [النِّساءِ: ١٢] وإذا ثَبَتَ أنَّها لَيْسَتْ بِزَوْجَةٍ لَهُ وجَبَ أنْ لا تَحِلَّ لَهُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلّا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ﴾ وهو أعْلَمُ.
السُّؤالُ الرّابِعُ: ألَيْسَ لا يَحِلُّ لَهُ في الزَّوْجَةِ ومِلْكِ اليَمِينِ الِاسْتِمْتاعُ في أحْوالٍ كَحالِ الحَيْضِ وحالِ العِدَّةِ، وفي الأمَةِ حالَ تَزْوِيجِها مِنَ الغَيْرِ وحالَ عِدَّتِها، وكَذا الغُلامُ داخِلٌ في ظاهِرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ﴾ والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ.
أحَدُهُما: أنَّ مَذْهَبَ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ أنَّ الِاسْتِثْناءَ مِنَ النَّفْيِ لا يَكُونُ إثْباتًا، واحْتَجَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«لا صَلاةَ إلّا بِطُهُورٍ، ولا نِكاحَ إلّا بِوَلِيٍّ» “ فَإنَّ ذَلِكَ لا يَقْتَضِي حُصُولَ الصَّلاةِ بِمُجَرَّدِ حُصُولِ الطُّهُورِ، وحُصُولَ النِّكاحِ بِمُجَرَّدِ حُصُولِ الوَلِيِّ. وفائِدَةُ الِاسْتِثْناءِ صَرْفُ الحُكْمِ لا صَرْفُ المَحْكُومِ بِهِ، فَقَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ ﴿إلّا عَلى أزْواجِهِمْ﴾ مَعْناهُ أنَّهُ يَجِبُ حِفْظُ الفُرُوجِ عَنِ الكُلِّ إلّا في هاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ فَإنِّي ما ذَكَرْتُ حُكْمَهُما لا بِالنَّفْيِ ولا بِالإثْباتِ.
الثّانِي: أنّا إنْ سَلَّمْنا أنَّ الِاسْتِثْناءَ مِنَ النَّفْيِ إثْباتٌ، فَغايَتُهُ أنَّهُ عامٌّ دَخَلَهُ التَّخْصِيصُ بِالدَّلِيلِ فَيَبْقى فِيما وراءَهُ حُجَّةً.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ يَعْنِي الكامِلُونَ في العُدْوانِ المُتَناهُونَ فِيهِ.
* * *
الصِّفَةُ السّادِسَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ هم لِأماناتِهِمْ وعَهْدِهِمْ راعُونَ﴾ قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ (لِأمانَتِهِمْ) واعْلَمْ أنَّهُ يُسَمّى الشَّيْءُ المُؤْتَمَنُ عَلَيْهِ والمُعاهَدُ عَلَيْهِ أمانَةً وعَهْدًا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم أنْ تُؤَدُّوا الأماناتِ إلى أهْلِها﴾ [النِّساءِ: ٥٨] وقالَ: ﴿وتَخُونُوا أماناتِكُمْ﴾ [الأنْفالِ: ٢٧] وإنَّما تُؤَدّى العُيُونُ دُونَ المَعانِي، فَكانَ المُؤْتَمَنُ عَلَيْهِ الأمانَةُ في نَفْسِها. والعَهْدُ ما عَقَدَهُ عَلى نَفْسِهِ فِيما يُقَرِّبُهُ إلى رَبِّهِ، ويَقَعُ أيْضًا عَلى ما أمَرَ اللَّهُ تَعالى بِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ عَهِدَ إلَيْنا﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٨٣] والرّاعِي: القائِمُ عَلى الشَّيْءِ لِحِفْظٍ وإصْلاحٍ كَراعِي الغَنَمِ وراعِي الرَّعِيَّةِ، ويُقالُ: مَن راعِي هَذا الشَّيْءِ؟ أيْ: مُتَوَلِّيهِ. واعْلَمْ أنَّ الأمانَةَ تَتَناوَلُ كُلَّ ما تَرْكُهُ يَكُونُ داخِلًا في الخِيانَةِ، وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ والرَّسُولَ وتَخُونُوا أماناتِكُمْ﴾ [الأنْفالِ: ٢٧] فَمِن ذَلِكَ العِباداتُ الَّتِي المَرْءُ مُؤْتَمَنٌ عَلَيْها، وكُلُّ العِباداتِ تَدْخُلُ في ذَلِكَ؛ لِأنَّها إمّا أنْ تَخْفى أصْلًا كالصَّوْمِ وغُسْلِ الجَنابَةِ وإسْباغِ الوُضُوءِ، أوْ تَخْفى كَيْفِيَّةُ إتْيانِهِ بِها، وقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«أعْظَمُ النّاسِ خِيانَةً مَن لَمْ يُتِمَّ صَلاتَهُ» “ وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ”أوَّلُ ما تَفْقِدُونَ مِن دِينِكُمُ الأمانَةُ، وآخِرُ ما تَفْقِدُونَ الصَّلاةُ“ ومِن جُمْلَةِ ذَلِكَ ما يَلْتَزِمُهُ بِفِعْلٍ أوْ قَوْلٍ، فَيَلْزَمُهُ الوَفاءُ بِهِ كالوَدائِعِ والعُقُودِ وما يَتَّصِلُ بِهِما. ومِن ذَلِكَ
صفحة ٧٢
الأقْوالُ الَّتِي يُحَرَّرُ بِها العَبِيدُ والنِّساءُ؛ لِأنَّهُ مُؤْتَمَنٌ في ذَلِكَ، ومِن ذَلِكَ أنْ يُراعِيَ أمانَتَهُ فَلا يُفْسِدَها بِغَصْبٍ أوْ غَيْرِهِ، وأمّا العَهْدُ فَإنَّهُ دَخَلَ فِيهِ العُقُودُ والأيْمانُ والنُّذُورُ، فَبَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّ مُراعاةَ هَذِهِ الأُمُورِ والقِيامَ بِها مُعْتَبَرٌ في حُصُولِ الفَلاحِ.
* * *
الصِّفَةُ السّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ هم عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ وإنَّما أعادَ تَعالى ذِكْرَها؛ لِأنَّ الخُشُوعَ والمُحافَظَةَ مُتَغايِرانِ غَيْرُ مُتَلازِمَيْنِ، فَإنَّ الخُشُوعَ صِفَةٌ لِلْمُصَلِّي في حالِ الأداءِ لِصَلاتِهِ، والمُحافَظَةُ إنَّما تَصِحُّ حالَ ما لَمْ يُؤَدِّها بِكَمالِها. بَلِ المُرادُ بِالمُحافَظَةِ التَّعَهُّدُ لِشُرُوطِها مِن وقْتٍ وطَهارَةٍ وغَيْرِهِما، والقِيامُ عَلى أرْكانِها وإتْمامِها حَتّى يَكُونَ ذَلِكَ دَأْبَهُ في كُلِّ وقْتٍ، ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى مَجْمُوعَ هَذِهِ الأُمُورِ قالَ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الوارِثُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الفِرْدَوْسَ هم فِيها خالِدُونَ﴾ وهاهُنا سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: لِمَ سَمّى ما يَجِدُونَهُ مِنَ الثَّوابِ والجَنَّةِ بِالمِيراثِ؟ مَعَ أنَّهُ سُبْحانَهُ حَكَمَ بِأنَّ الجَنَّةَ حَقُّهم في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ المُؤْمِنِينَ أنْفُسَهم وأمْوالَهم بِأنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ﴾ [التَّوْبَةِ: ١١١]. الجَوابُ مِن وُجُوهٍ.
الأوَّلُ: ما «رُوِيَ عَنِ الرَّسُولِ ﷺ وهو أبْيَنُ عَلى ما يُقالُ فِيهِ، وهُوَ: أنَّهُ لا مُكَلَّفٌ إلّا أعَدَّ اللَّهُ لَهُ في النّارِ ما يَسْتَحِقُّهُ إنْ عَصى، وفي الجَنَّةِ ما يَسْتَحِقُّهُ إنْ أطاعَ، وجَعَلَ لِذَلِكَ عَلامَةً. فَإذا آمَنَ مِنهُمُ البَعْضُ ولَمْ يُؤْمِنِ البَعْضُ صارَ مَنزِلُ مَن لَمْ يُؤْمِن كالمَنقُولِ إلى المُؤْمِنِينَ، وصارَ مَصِيرُهم إلى النّارِ الَّذِي لا بُدَّ مَعَهُ مِن حِرْمانِ الثَّوابِ كَمَوْتِهِمْ»، فَسُمِّيَ ذَلِكَ مِيراثًا لِهَذا الوَجْهِ، وقَدْ قالَ الفُقَهاءُ: إنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ ما مَلَكَهُ المَيِّتُ وبَيْنَ ما يُقَدِّرُ فِيهِ المَلِكُ في أنَّهُ يُورَثُ عَنْهُ، كَذَلِكَ قالُوا في الدِّيَةِ الَّتِي تَجِبُ بِالقَتْلِ: إنَّها تُورَثُ، مَعَ أنَّهُ ما مَلَكَها عَلى التَّحْقِيقِ، وذَلِكَ يَشْهَدُ لِما ذَكَرْنا، فَإنْ قِيلَ: إنَّهُ تَعالى وصَفَ كُلَّ الَّذِي يَسْتَحِقُّونَهُ إرْثًا، وعَلى ما قُلْتُمْ يَدْخُلُ في الإرْثِ ما كانَ يَسْتَحِقُّهُ غَيْرُهم لَوْ أطاعَ. قُلْنا: لا يَمْتَنِعُ أنَّهُ تَعالى جَعَلَ ما هو مَنزِلَةٌ لِهَذا المُؤْمِنِ بِعَيْنِهِ مَنزِلَةً لِذَلِكَ الكافِرِ لَوْ أطاعَ؛ لِأنَّهُ عِنْدَ ذَلِكَ كانَ يَزِيدُ في المَنازِلِ فَإذا آمَنَ هَذا عَدَلَ بِذَلِكَ إلَيْهِ.
وثانِيها: أنَّ انْتِقالَ الجَنَّةِ إلَيْهِمْ بِدُونِ مُحاسَبَةٍ ومَعْرِفَةٍ بِمَقادِيرِهِ يُشْبِهُ انْتِقالَ المالِ إلى الوارِثِ.
وثالِثُها: أنَّ الجَنَّةَ كانَتْ مَسْكَنَ أبِينا آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإذا انْتَقَلَتْ إلى أوْلادِهِ صارَ ذَلِكَ شَبِيهًا بِالمِيراثِ.
السُّؤالُ الثّانِي: كَيْفَ حَكَمَ عَلى المَوْصُوفِينَ بِالصِّفاتِ السَّبْعِ بِالفَلاحِ مَعَ أنَّهُ تَعالى ما تَمَّمَ ذِكْرَ العِباداتِ الواجِبَةِ كالصَّوْمِ والحَجِّ والطَّهارَةِ؟ والجَوابُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿والَّذِينَ هم لِأماناتِهِمْ وعَهْدِهِمْ راعُونَ﴾ يَأْتِي عَلى جَمِيعِ الواجِباتِ مِنَ الأفْعالِ والتُّرُوكِ كَما قَدَّمْنا، والطَّهاراتُ دَخَلَتْ في جُمْلَةِ المُحافَظَةِ عَلى الصَّلَواتِ الخَمْسِ؛ لِكَوْنِها مِن شَرائِطِها.
السُّؤالُ الثّالِثُ: أفَيَدُلُّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الوارِثُونَ﴾ عَلى أنَّهُ لا يَدْخُلُها غَيْرُهُمْ؟ الجَوابُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿هُمُ الوارِثُونَ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ لَكِنَّهُ يَجِبُ تَرْكُ العَمَلِ بِهِ؛ لِأنَّهُ ثَبَتَ أنَّ الجَنَّةَ يَدْخُلُها الأطْفالُ والمَجانِينُ والوِلْدانُ والحُورُ العِينُ، ويَدْخُلُها الفُسّاقُ مِن أهْلِ القِبْلَةِ بَعْدَ العَفْوِ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النِّساءِ: ٤٨].
السُّؤالُ الرّابِعُ: أفَكُلُّ الجَنَّةِ هو الفِرْدَوْسُ؟ الجَوابُ: الفِرْدَوْسُ هو الجَنَّةُ بِلِسانِ الحَبَشَةِ، وقِيلَ بِلِسانِ الرُّومِ، ورَوى أبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«الفِرْدَوْسُ مَقْصُورَةُ الرَّحْمَنِ؛ فِيها الأنْهارُ والأشْجارُ» “
صفحة ٧٣
ورَوى أبُو أُمامَةَ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ قالَ: ”«سَلُوا اللَّهَ الفِرْدَوْسَ فَإنَّها أعْلى الجِنانِ، وإنَّ أهْلَ الفِرْدَوْسِ يَسْمَعُونَ أطِيطَ العَرْشِ» “.
السُّؤالُ الخامِسُ: هَلْ تَدُلُّ الآيَةُ عَلى أنَّ هَذِهِ الصِّفاتِ هي الَّتِي لَها ولِأجْلِها يَكُونُونَ مُؤْمِنِينَ أمْ لا؟ الجَوابُ: ادَّعى القاضِي أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ بِناءً عَلى مَذْهَبِهِ أنَّ الإيمانَ اسْمٌ شَرْعِيٌّ مَوْضُوعٌ لِأداءِ كُلِّ الواجِباتِ، وعِنْدَنا أنَّ الآيَةَ لا تَدُلُّ عَلى ذَلِكَ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم في صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ﴾ مِثْلُ قَدْ أفْلَحَ النّاسُ الأذْكِياءُ العُدُولُ، فَإنَّ هَذا لا يَدُلُّ عَلى أنَّ الزَّكاةَ والعَدالَةَ داخِلانِ في مُسَمّى النّاسِ فَكَذا هاهُنا.
السُّؤالُ السّادِسُ: رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: ”«لَمّا خَلَقَ اللَّهُ تَعالى جَنَّةَ عَدْنٍ قالَ لَها: تَكَلَّمِي. فَقالَتْ: قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ» “ وقالَ كَعْبٌ: ”خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ بِيَدِهِ وكَتَبَ التَّوْراةَ بِيَدِهِ وغَرَسَ شَجَرَةَ طُوبى بِيَدِهِ، ثم قال لَها: تَكَلَّمِي. فَقالَتْ: قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ“، ورُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ”«إذا أحْسَنَ العَبْدُ الوُضُوءَ وصَلّى الصَّلاةَ لِوَقْتِها وحافَظَ عَلى رُكُوعِها وسُجُودِها ومَواقِيتِها قالَتْ: حَفِظَكَ اللَّهُ كَما حافَظْتَ عَلَيَّ، وشَفَعَتْ لِصاحِبِها، وإذا أضاعَها قالَتْ: أضاعَكَ اللَّهُ كَما ضَيَّعْتَنِي، وتُلَفُّ كَما يُلَفُّ الثَّوْبُ الخَلِقُ فَيُضْرَبُ بِها وجْهُ صاحِبِها» “ الجَوابُ: أمّا كَلامُ الجَنَّةِ فالمُرادُ بِهِ أنَّها أُعِدَّتْ لِلْمُؤْمِنِينَ، فَصارَ ذَلِكَ كالقَوْلِ مِنها، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَتا أتَيْنا طائِعِينَ﴾ [فُصِّلَتْ: ١١] وأمّا أنَّهُ تَعالى خَلَقَ الجَنَّةَ بِيَدِهِ، فالمُرادُ تَوَلّى خَلْقَها لا أنَّهُ وكَلَهُ إلى غَيْرِهِ، وأمّا أنَّ الصَّلاةَ تُثْنِي عَلى مَن قامَ بِحَقِّها فَهو في الجَوازِ أبْعَدُ مِن كَلامِ الجَنَّةِ؛ لِأنَّ الصَّلاةَ حَرَكاتٌ وسَكَناتٌ ولا يَصِحُّ عَلَيْها أنْ تَتَصَوَّرَ وتَتَكَلَّمَ، فالمُرادُ مِنهُ ضَرْبُ المَثَلِ كَما يَقُولُ القائِلُ لِلْمُنْعِمِ: إنَّ إحْسانَكَ إلَيَّ يَنْطِقُ بِالشُّكْرِ.
السُّؤالُ السّابِعُ: هَلْ تَدُلُّ الآيَةُ عَلى أنَّ الفِرْدَوْسَ مَخْلُوقَةٌ؟ الجَوابُ: قالَ القاضِي: دَلَّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُكُلُها دائِمٌ﴾ [الرَّعْدِ: ٣٥] عَلى أنَّها غَيْرُ مَخْلُوقَةٍ، فَوَجَبَ تَأْوِيلُ هَذِهِ الآيَةِ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ يَخْلُقُ اللَّهُ الجَنَّةَ مِيراثًا لِلْمُؤْمِنِينَ، أوْ: وإذا خَلَقَها تَقُولُ، عَلى مِثالِ ما تَأوَّلْنا عَلَيْهِ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ونادى أصْحابُ النّارِ أصْحابَ الجَنَّةِ﴾ [الأعْرافِ: ٥٠] وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ إضْمارُ ما ذَكَرَهُ في هَذِهِ الآيَةِ أوْلى مِن أنْ يُضْمَرَ في قَوْلِهِ: ﴿أُكُلُها دائِمٌ﴾ ثُمَّ إنَّ أُكُلَها دائِمٌ يَوْمَ القِيامَةِ، وإذا تَعارَضَ هَذانِ الظّاهِرانِ فَنَحْنُ نَتَمَسَّكُ في أنَّ الجَنَّةَ مَخْلُوقَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٣٣].
المؤمنون 23:5
صفحة ٦٧
(سُورَةُ المُؤْمِنُونَ)
مِائَةٌ وثَمانِ عَشْرَةَ آيَةً مَكِّيَّةً
﷽
﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم في صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ ﴿إلّا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ ﴿فَمَنِ ابْتَغى وراءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم لِأماناتِهِمْ وعَهْدِهِمْ راعُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ هُمُ الوارِثُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الفِرْدَوْسَ هم فِيها خالِدُونَ﴾
﷽
﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم في صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ ﴿إلّا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ ﴿فَمَنِ ابْتَغى وراءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم لِأماناتِهِمْ وعَهْدِهِمْ راعُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ هُمُ الوارِثُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الفِرْدَوْسَ هم فِيها خالِدُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ حَكَمَ بِحُصُولِ الفَلاحِ لِمَن كانَ مُسْتَجْمِعًا لِصِفاتٍ سَبْعٍ، وقَبْلَ الخَوْضِ في شَرْحِ تِلْكَ الصِّفاتِ لا بُدَّ مِن بَحْثَيْنِ:
البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّ ﴿قَدْ﴾ نَقِيضَةٌ لِـ (ما) فَـ (قَدْ) تُثْبِتُ المُتَوَقَّعَ، و(لَما) تَنْفِيهِ، ولا شَكَّ أنَّ المُؤْمِنِينَ كانُوا مُتَوَقِّعِينَ لِمِثْلِ هَذِهِ البِشارَةِ، وهي الإخْبارُ بِثَباتِ الفَلاحِ لَهم فَخُوطِبُوا بِما دَلَّ عَلى ثَباتِ ما تَوَقَّعُوهُ.
البَحْثُ الثّانِي: الفَلاحُ: الظَّفَرُ بِالمُرادِ، وقِيلَ: البَقاءُ في الخَيْرِ، وأفْلَحَ: دَخَلَ في الفَلاحِ، كَأبْشَرَ: دَخَلَ في البِشارَةِ، ويُقالُ: أفْلَحَهُ: صَيَّرَهُ إلى الفَلاحِ، وعَلَيْهِ قِراءَةُ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ ”أُفْلِحَ“ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، وعَنْهُ (أفْلَحُوا) عَلى لُغَةِ أكَلُونِي البَراغِيثُ، أوْ عَلى الإبْهامِ والتَّفْسِيرِ.
صفحة ٦٨
الصِّفَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿المُؤْمِنُونَ﴾ وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في الإيمانِ في سُورَةِ البَقَرَةِ.
الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ هم في صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ﴾ واخْتَلَفُوا في الخُشُوعِ؛ فَمِنهم مَن جَعَلَهُ مِن أفْعالِ القُلُوبِ كالخَوْفِ والرَّهْبَةِ، ومِنهم مَن جَعَلَهُ مِن أفْعالِ الجَوارِحِ كالسُّكُونِ وتَرْكِ الِالتِفاتِ، ومِنهم مَن جَمَعَ بَيْنَ الأمْرَيْنِ وهو الأوْلى. فالخاشِعُ في صَلاتِهِ لا بُدَّ وأنْ يَحْصُلَ لَهُ مِمّا يَتَعَلَّقُ بِالقَلْبِ مِنَ الأفْعالِ نِهايَةُ الخُضُوعِ والتَّذَلُّلِ لِلْمَعْبُودِ، ومِنَ التُّرُوكِ أنْ لا يَكُونَ مُلْتَفِتَ الخاطِرِ إلى شَيْءٍ سِوى التَّعْظِيمِ، ومِمّا يَتَعَلَّقُ بِالجَوارِحِ أنْ يَكُونَ ساكِنًا مُطْرِقًا ناظِرًا إلى مَوْضِعِ سُجُودِهِ، ومِنَ التُّرُوكِ أنْ لا يَلْتَفِتَ يَمِينًا ولا شَمالًا، ولَكِنَّ الخُشُوعَ الَّذِي يُرى عَلى الإنْسانِ لَيْسَ إلّا ما يَتَعَلَّقُ بِالجَوارِحِ، فَإنَّ ما يَتَعَلَّقُ بِالقَلْبِ لا يُرى، قالَ الحَسَنُ وابْنُ سِيرِينَ: «كانَ المُسْلِمُونَ يَرْفَعُونَ أبْصارَهم إلى السَّماءِ في صَلاتِهِمْ، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَفْعَلُ ذَلِكَ، فَلَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ طَأْطَأ وكانَ لا يُجاوِزُ بَصَرُهُ مُصَلّاهُ»، فَإنْ قِيلَ: فَهَلْ تَقُولُونَ: إنَّ ذَلِكَ واجِبٌ في الصَّلاةِ؟ قُلْنا: إنَّهُ عِنْدَنا واجِبٌ ويَدُلُّ عَلَيْهِ أُمُورٌ.
أحَدُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ أمْ عَلى قُلُوبٍ أقْفالُها﴾ [مُحَمَّدٍ: ٢٤] والتَّدَبُّرُ لا يُتَصَوَّرُ بِدُونِ الوُقُوفِ عَلى المَعْنى، وكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ورَتِّلِ القُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [ المُزَّمِّلِ: ٤] مَعْناهُ قِفْ عَلى عَجائِبِهِ ومَعانِيهِ.
وثانِيها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤] وظاهِرُ الأمْرِ لِلْوُجُوبِ، والغَفْلَةُ تُضادُّ الذِّكْرِ، فَمَن غَفَلَ في جَمِيعِ صَلاتِهِ كَيْفَ يَكُونُ مُقِيمًا لِلصَّلاةِ لِذِكْرِهِ.
وثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَكُنْ مِنَ الغافِلِينَ﴾ [الأعْرافِ: ٢٠٥] وظاهِرُ النَّهْيِ لِلتَّحْرِيمِ.
ورابِعُها: قَوْلُهُ: ﴿حَتّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ﴾ [ النِّساءِ: ٤٣ ] تَعْلِيلٌ لِنَهْيِ السَّكْرانِ، وهو مُطَّرِدٌ في الغافِلِ المُسْتَغْرِقِ المُهْتَمِّ بِالدُّنْيا.
وخامِسُها: قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«إنَّما الخُشُوعُ لِمَن تَمَسْكَنَ وتَواضَعَ» “ وكَلِمَةُ (إنَّما) لِلْحَصْرِ، وقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«مَن لَمْ تَنْهَهُ صَلاتُهُ عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ لَمْ يَزْدَدْ مِنَ اللَّهِ إلّا بُعْدًا» “ وصَلاةُ الغافِلِ لا تَمْنَعُ مِنَ الفَحْشاءِ، وقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «كَمْ مِن قائِمٍ حَظُّهُ مِن قِيامِهِ التَّعَبُ والنَّصَبُ» وما أرادَ بِهِ إلّا الغافِلَ، وقالَ أيْضًا: ”«لَيْسَ لِلْعَبْدِ مِن صَلاتِهِ إلّا ما عَقَلَ» “
وسادِسُها: قالَ الغَزالِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: المُصَلِّي يُناجِي رَبَّهُ، كَما ورَدَ بِهِ الخَبَرُ، والكَلامُ مَعَ الغَفْلَةِ لَيْسَ بِمُناجاةٍ البَتَّةَ، وبَيانُهُ أنَّ الإنْسانَ إذا أدّى الزَّكاةَ حالَ الغَفْلَةِ فَقَدْ حَصَلَ المَقْصُودُ مِنها عَلى بَعْضِ الوُجُوهِ، وهو كَسْرُ الحِرْصِ وإغْناءُ الفَقِيرِ، وكَذا الصَّوْمُ قاهِرٌ لِلْقُوى كاسِرٌ لِسَطْوَةِ الهَوى الَّتِي هي عَدُوَّةُ اللَّهِ تَعالى. فَلا يَبْعُدُ أنْ يَحْصُلَ مِنهُ مَقْصُودُهُ مَعَ الغَفْلَةِ، وكَذا الحَجُّ أفْعالٌ شاقَّةٌ، وفِيهِ مِنَ المُجاهَدَةِ ما يَحْصُلُ بِهِ الِابْتِلاءُ سَواءٌ كانَ القَلْبُ حاضِرًا أوْ لَمْ يَكُنْ. أمّا الصَّلاةُ فَلَيْسَ فِيها إلّا ذِكْرٌ وقِراءَةٌ ورُكُوعٌ وسُجُودٌ وقِيامٌ وقُعُودٌ، أمّا الذِّكْرُ فَإنَّهُ مُناجاةٌ مَعَ اللَّهِ تَعالى. فَإمّا أنْ يَكُونَ المَقْصُودُ مِنهُ كَوْنَهُ مُناجاةً، أوِ المَقْصُودُ مُجَرَّدُ الحُرُوفِ والأصْواتِ، ولا شَكَّ في فَسادِ هَذا القِسْمِ، فَإنَّ تَحْرِيكَ اللِّسانِ بِالهَذَيانِ لَيْسَ فِيهِ غَرَضٌ صَحِيحٌ، فَثَبَتَ أنَّ المَقْصُودَ مِنهُ المُناجاةُ، وذَلِكَ لا يَتَحَقَّقُ إلّا إذا كانَ اللِّسانُ مُعَبِّرًا عَمّا في القَلْبِ مِنَ التَّضَرُّعاتِ، فَأيُّ سُؤالٍ في قَوْلِهِ: ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ [ الفاتِحَةِ: ٦ ] وكانَ القَلْبُ غافِلًا عَنْهُ؟ بَلْ أقُولُ: لَوْ حَلَفَ إنْسانٌ، وقالَ: واللَّهِ لَأشْكُرَنَّ فُلانًا وأُثْنِي عَلَيْهِ وأسْألُهُ حاجَةً. ثُمَّ جَرَتِ الألْفاظُ الدّالَّةُ عَلى هَذِهِ المَعانِي عَلى لِسانِهِ في اليَوْمِ، لَمْ يَبَرَّ في يَمِينِهِ، ولَوْ
صفحة ٦٩
جَرى عَلى لِسانِهِ في ظُلْمَةِ اللَّيْلِ وذَلِكَ الإنْسانُ حاضِرٌ وهو لا يَعْرِفُ حُضُورَهُ ولا يَراهُ، لا يَصِيرُ بارًّا في يَمِينِهِ، ولا يَكُونُ كَلامُهُ خِطابًا مَعَهُ ما لَمْ يَكُنْ حاضِرًا بِقَلْبِهِ، ولَوْ جَرَتْ هَذِهِ الكَلِماتُ عَلى لِسانِهِ وهو حاضِرٌ في بَياضِ النَّهارِ إلّا أنَّ المُتَكَلِّمَ غافِلٌ لِكَوْنِهِ مُسْتَغْرِقَ الهَمِّ بِفِكْرٍ مِنَ الأفْكارِ، ولَمْ يَكُنْ لَهُ قَصْدُ تَوْجِيهِ الخِطابِ إلَيْهِ عِنْدَ نُطْقِهِ، لَمْ يَصِرْ بارًّا في يَمِينِهِ. ولا شَكَّ أنَّ المَقْصُودَ مِنَ القِراءَةِ الأذْكارُ والحَمْدُ والثَّناءُ والتَّضَرُّعُ والدُّعاءُ، والمُخاطَبُ هو اللَّهُ تَعالى، فَإذا كانَ القَلْبُ مَحْجُوبًا بِحِجابِ الغَفْلَةِ وكانَ غافِلًا عَنْ جَلالِ اللَّهِ وكِبْرِيائِهِ، ثُمَّ إنَّ لِسانَهُ يَتَحَرَّكُ بِحُكْمِ العادَةِ، فَما أبْعَدَ ذَلِكَ عَنِ القَبُولِ.
وأمّا الرُّكُوعُ والسُّجُودُ فالمَقْصُودُ مِنهُما التَّعْظِيمُ، ولَوْ جازَ أنْ يَكُونَ تَعْظِيمًا لِلَّهِ تَعالى مَعَ أنَّهُ غافِلٌ عَنْهُ، لَجازَ أنْ يَكُونَ تَعْظِيمًا لِلصَّنَمِ المَوْضُوعِ بَيْنَ يَدَيْهِ وهو غافِلٌ عَنْهُ، ولِأنَّهُ إذا لَمْ يَحْصُلِ التَّعْظِيمُ لَمْ يَبْقَ إلّا مُجَرَّدُ حَرَكَةِ الظَّهْرِ والرَّأْسِ، ولَيْسَ فِيها مِنَ المَشَقَّةِ ما يَصِيرُ لِأجْلِهِ عِمادًا لِلدِّينِ، وفاصِلًا بَيْنَ الكُفْرِ والإيمانِ، ويُقْدِمُ عَلى الحَجِّ والزَّكاةِ والجِهادِ وسائِرِ الطّاعاتِ الشّاقَّةِ، ويَجِبُ القَتْلُ بِسَبَبِهِ عَلى الخُصُوصِ، وبِالجُمْلَةِ فَكُلُّ عاقِلٍ يَقْطَعُ بِأنَّ مُشاهَدَةَ الخَواصِّ العَظِيمَةِ لَيْسَ أعْمالَها الظّاهِرَةَ إلّا أنْ يَنْضافَ إلَيْها مَقْصُودُ هَذِهِ المُناجاةِ، فَدَلَّتْ هَذِهِ الِاعْتِباراتُ عَلى أنَّ الصَّلاةَ لا بُدَّ فِيها مِنَ الحُضُورِ.
وسابِعُها: أنَّ الفُقَهاءَ اخْتَلَفُوا فِيما يَنْوِيهِ بِالسَّلامِ عِنْدَ الجَماعَةِ والِانْفِرادِ، هَلْ يَنْوِي الحُضُورَ أوِ الغَيْبَةَ والحُضُورَ مَعًا. فَإذا احْتِيجَ إلى التَّدَبُّرِ في مَعْنى السَّلامِ الَّذِي هو آخِرُ الصَّلاةِ فَلَأنْ يُحْتاجَ إلى التَّدَبُّرِ في مَعْنى التَّكْبِيرِ والتَّسْبِيحِ الَّتِي هي الأشْياءُ المَقْصُودَةُ مِنَ الصَّلاةِ بِالطَّرِيقِ الأوْلى، واحْتَجَّ المُخالِفُ بِأنَّ اشْتِراطَ الخُضُوعِ والخُشُوعِ عَلى خِلافِ اجْتِماعِ الفُقَهاءِ، فَلا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ. والجَوابُ مِن وُجُوهٍ.
أحَدُها: أنَّ الحُضُورَ عِنْدَنا لَيْسَ شَرْطًا لِلْإجْزاءِ، بَلْ شَرْطٌ لِلْقَبُولِ، والمُرادُ مِنَ الإجْزاءِ أنْ لا يَجِبَ القَضاءُ، والمُرادُ مِنَ القَبُولِ حُكْمُ الثَّوابِ.
والفُقَهاءُ إنَّما يَبْحَثُونَ عَنْ حُكْمِ الإجْزاءِ لا عَنْ حُكْمِ الثَّوابِ، وغَرَضُنا في هَذا المَقامِ هَذا، ومِثالُهُ في الشّاهِدِ مَنِ اسْتَعارَ مِنكَ ثَوْبًا ثُمَّ رَدَّهُ عَلى الوجه الأحْسَنِ، فَقَدْ خَرَجَ عَنِ العُهْدَةِ واسْتَحَقَّ المَدْحَ، ومَن رَماهُ إلَيْكَ عَلى وجْهِ الِاسْتِخْفافِ خَرَجَ عَنِ العُهْدَةِ، ولَكِنَّهُ اسْتَحَقَّ الذَّمَّ، كَذا مَن عَظَّمَ اللَّهَ تَعالى حالَ أدائِهِ العِبادَةَ صارَ مُقِيمًا لِلْفَرْضِ مُسْتَحِقًّا لِلثَّوابِ، ومَنِ اسْتَهانَ بِها صارَ مُقِيمًا لِلْفَرْضِ ظاهِرًا لَكِنَّهُ اسْتَحَقَّ الذَّمَّ.
وثانِيها: أنّا نَمْنَعُ هَذا الإجْماعَ، أمّا المُتَكَلِّمُونَ فَقَدِ اتَّفَقُوا عَلى أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الحُضُورِ والخُشُوعِ، واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِأنَّ السُّجُودَ لِلَّهِ تَعالى طاعَةٌ ولِلصَّنَمِ كُفْرٌ، وكُلُّ واحِدٍ مِنهُما يُماثِلُ الآخَرَ في ذاتِهِ ولَوازِمِهِ، فَلا بُدَّ مِن أمْرٍ لِأجْلِهِ صارَ السُّجُودُ في إحْدى الصُّورَتَيْنِ طاعَةً، وفي الأُخْرى مَعْصِيَةً، قالُوا: وما ذاكَ إلّا القَصْدُ والإرادَةُ، والمُرادُ مِنَ القَصْدِ إيقاعُ تِلْكَ الأفْعالِ لِداعِيَةِ الِامْتِثالِ، وهَذِهِ الدّاعِيَةُ لا يُمْكِنُ حُصُولُها إلّا عِنْدَ الحُضُورِ، فَلِهَذا اتَّفَقُوا عَلى أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الحُضُورِ، أمّا الفُقَهاءُ فَقَدْ ذَكَرَ الفَقِيهُ أبُو اللَّيْثِ رَحِمَهُ اللَّهُ في تَنْبِيهِ الغافِلِينَ أنَّ تَمامَ القِراءَةِ أنْ يَقْرَأ بِغَيْرِ لَحْنٍ، وأنْ يَقْرَأ بِالتَّفَكُّرِ.
وأمّا الغَزالِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فَإنَّهُ نَقَلَ عَنْ أبِي طالِبٍ المَكِّيِّ عَنْ بِشْرٍ الحافِي أنَّهُ قالَ: مَن لَمْ يَخْشَعْ فَسَدَتْ صَلاتُهُ. وعَنِ الحَسَنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: كُلُّ صَلاةٍ لا يَحْضُرُ فِيها القَلْبُ فَهي إلى العُقُوبَةِ أسْرَعُ. وعَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ: ”مَن عَرَفَ مَن عَلى يَمِينِهِ وشِمالِهِ مُتَعَمِّدًا وهو في الصَّلاةِ فَلا صَلاةَ لَهُ“. ورُوِيَ أيْضًا مُسْنَدًا قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«إنَّ العَبْدَ لَيُصَلِّي الصَّلاةَ لا يُكْتَبُ لَهُ سُدُسُها ولا عُشْرُها، وإنَّما يُكْتَبُ لِلْعَبْدِ مِن صَلاتِهِ ما عَقَلَ مِنها» “. وقالَ عَبْدُ الواحِدِ بْنُ زَيْدٍ: أجْمَعَتِ العُلَماءُ عَلى أنَّهُ لَيْسَ لِلْعَبْدِ مِن صَلاتِهِ إلّا ما عَقَلَ، وادَّعى فِيهِ الإجْماعَ. إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: هَبْ أنَّ الفُقَهاءَ بِأسْرِهِمْ حَكَمُوا بِالجَوازِ، ألَيْسَ الأُصُولِيُّونَ وأهْلُ الوَرَعِ ضَيَّقُوا الأمْرَ فِيها، فَهَلّا أخَذْتَ بِالِاحْتِياطِ، فَإنَّ بَعْضَ العُلَماءِ اخْتارَ
صفحة ٧٠
الإمامَةَ، فَقِيلَ لَهُ في ذَلِكَ فَقالَ: أخافُ إنْ تَرَكْتُ الفاتِحَةَ أنْ يُعاتِبَنِي الشّافِعِيُّ، وإنْ قَرَأْتُها مَعَ الإمامِ أنْ يُعاتِبَنِي أبُو حَنِيفَةَ، فاخْتَرْتُ الإمامَةَ طَلَبًا لِلْخَلاصِ عَنْ هَذا الِاخْتِلافِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ هم عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ وفي اللَّغْوِ أقْوالٌ.
أحَدُها: أنَّهُ يَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ ما كانَ حَرامًا أوْ مَكْرُوهًا أوْ كانَ مُباحًا، ولَكِنْ لا يَكُونُ بِالمَرْءِ إلَيْهِ ضَرُورَةٌ وحاجَةٌ.
وثانِيها: أنَّهُ عِبارَةٌ عَنْ كُلِّ ما كانَ حَرامًا فَقَطْ، وهَذا التَّفْسِيرُ أخَصُّ مِنَ الأوَّلِ.
وثالِثُها: أنَّهُ عِبارَةٌ عَنِ المَعْصِيَةِ في القَوْلِ والكَلامِ خاصَّةً، وهَذا أخَصُّ مِنَ الثّانِي.
ورابِعُها: أنَّهُ المُباحُ الَّذِي لا حاجَةَ إلَيْهِ، واحْتَجَّ هَذا القائِلُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ في أيْمانِكُمْ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٢٥] فَكَيْفَ يُحْمَلُ ذَلِكَ عَلى المَعاصِي الَّتِي لا بُدَّ فِيها مِنَ المُؤاخَذَةِ، واحْتَجَّ الأوَّلُونَ بِأنَّ اللَّغْوَ إنَّما سُمِّيَ لَغْوًا بِما أنَّهُ يُلْغى، وكُلُّ ما يَقْتَضِي الدِّينُ إلْغاءَهُ كانَ أوْلى بِاسْمِ اللَّغْوِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ كُلُّ حَرامٍ لَغْوًا، ثُمَّ اللَّغْوُ قَدْ يَكُونُ كُفْرًا لِقَوْلِهِ: ﴿لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ والغَوْا فِيهِ﴾ [فُصِّلَتْ: ٢٦] وقَدْ يَكُونُ كَذِبًا لِقَوْلِهِ: ﴿لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً﴾ [الغاشِيَةِ: ١١] وقَوْلِهِ: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ولا تَأْثِيمًا﴾ [الواقِعَةِ: ٢٥] ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى مَدَحَهم بِأنَّهم يُعْرِضُونَ عَنْ هَذا اللَّغْوِ، والإعْراضُ عَنْهُ هو بِأنْ لا يَفْعَلَهُ ولا يَرْضى بِهِ ولا يُخالِطَ مَن يَأْتِيهِ، وعَلى هَذا الوجه قالَ تَعالى: ﴿وإذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرامًا﴾ [الفُرْقانِ: ٧٢] واعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا وصَفَهم بِالخُشُوعِ في الصَّلاةِ أتْبَعَهُ الوَصْفَ بِالإعْراضِ عَنِ اللَّغْوِ، لِيَجْمَعَ لَهُمُ الفِعْلَ والتَّرْكَ الشّاقَّيْنِ عَلى الأنْفُسِ اللَّذَيْنِ هُما قاعِدَتا بِناءِ التَّكْلِيفِ، وهو أعْلَمُ.
* * *
الصِّفَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ هم لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ﴾ وفي الزَّكاةِ قَوْلانِ، أحَدُهُما: قَوْلُ أبِي مُسْلِمٍ أنَّ فِعْلَ الزَّكاةِ يَقَعُ عَلى كُلِّ فِعْلٍ مَحْمُودٍ مَرَضِيٍّ، كَقَوْلِهِ: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ [الأعْلى: ١٤] وقَوْلِهِ: ﴿فَلا تُزَكُّوا أنْفُسَكُمْ﴾ [النَّجْمِ: ٣٢] ومِن جُمْلَتِهِ ما يَخْرُجُ مِن حَقِّ المالِ، وإنَّما سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّها تُطَهِّرُ مِنَ الذُّنُوبِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿تُطَهِّرُهم وتُزَكِّيهِمْ بِها﴾ [التَّوْبَةِ: ١٠٣].
والثّانِي: وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ أنَّهُ الحَقُّ الواجِبُ في الأمْوالِ خاصَّةً، وهَذا هو الأقْرَبُ؛ لِأنَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ قَدِ اخْتَصَّتْ في الشَّرْعِ بِهَذا المَعْنى، فَإنْ قِيلَ: إنَّهُ لا يُقالُ في الكَلامِ الفَصِيحِ: إنَّهُ فَعَلَ الزَّكاةَ، قُلْنا: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: الزَّكاةُ اسْمٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ عَيْنٍ ومَعْنًى، فالعَيْنُ القَدْرُ الَّذِي يُخْرِجُهُ المُزَكِّي مِنَ النِّصابِ إلى الفَقِيرِ، والمَعْنى فِعْلُ المُزَكِّي الَّذِي هو التَّزْكِيَةُ، وهو الَّذِي أرادَهُ اللَّهُ تَعالى فَجَعَلَ المُزَكِّينَ فاعِلِينَ لَهُ ولا يَسُوغُ فِيهِ غَيْرُهُ؛ لِأنَّهُ ما مِن مَصْدَرٍ إلّا يُعَبَّرُ عَنْ مَعْناهُ بِالفِعْلِ. ويُقالُ لِمُحَدِثِهِ: فاعِلٌ، يُقالُ لِلضّارِبِ: فاعِلُ الضَّرْبِ، ولِلْقاتِلِ: فاعِلُ القَتْلِ، ولِلْمُزَكِّي: فاعِلُ الزَّكاةِ، وعَلى هَذا الكَلامِ كُلِّهِ يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالزَّكاةِ العَيْنُ، ويُقَدَّرَ مُضافٌ مَحْذُوفٌ وهو الأداءُ، فَإنْ قِيلَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى هُناكَ لَمْ يَفْصِلْ بَيْنَ الصَّلاةِ والزَّكاةِ، فَلِمَ فَصَلَ هاهُنا بَيْنَهُما بِقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ هم عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ ؟ قُلْنا: لِأنَّ الإعْراضَ عَنِ اللَّغْوِ مِن مُتَمِّماتِ الصَّلاةِ.
* * *
الصِّفَةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ ﴿إلّا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ وفِيهِ سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: لِمَ لَمْ يَقُلْ: إلّا عَنْ أزْواجِهِمْ؟ الجَوابُ: قالَ الفَرّاءُ: مَعْناهُ: إلّا مِن أزْواجِهِمْ، وذَكَرَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ فِيهِ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ.
أحَدُها: أنَّهُ في مَوْضِعِ الحالِ؛ أيْ: إلّا والِينَ عَلى أزْواجِهِمْ أوْ قَوّامِينَ عَلَيْهِنَّ، مِن قَوْلِكَ: كانَ فُلانٌ عَلى فُلانَةٍ، ونَظِيرُهُ كانَ زِيادٌ عَلى البَصْرَةِ؛ أيْ والِيًا عَلَيْها، ومِنهُ قَوْلُهُمْ: فُلانَةٌ تَحْتَ فُلانٍ، ومِن ثَمَّ
صفحة ٧١
سُمِّيَتِ المَرْأةُ فِراشًا. والمَعْنى أنَّهم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ في كافَّةِ الأحْوالِ إلّا في حالِ تَزْوِيجِهِمْ أوْ تَسَرِّيهِمْ.
وثانِيها: أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: يُلامُونَ إلّا عَلى أزْواجِهِمْ؛ أيْ: يُلامُونَ عَلى كُلِّ مُباشَرَةٍ إلّا عَلى ما أُطْلِقَ لَهم فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ عَلَيْهِ، وهو قَوْلُ الزَّجّاجِ.
وثالِثُها: أنْ تَجْعَلَهُ صِلَةً لِـ ﴿حافِظُونَ﴾.
السُّؤالُ الثّانِي: هَلّا قِيلَ: مَن مَلَكَتْ؟ الجَوابُ: لِأنَّهُ اجْتَمَعَ في السُّرِّيَّةِ وصْفانِ، أحَدُهُما: الأُنُوثَةُ وهي مَظِنَّةُ نُقْصانِ العَقْلِ، والآخَرُ كَوْنُها بِحَيْثُ تُباعُ وتُشْتَرى كَسائِرِ السِّلَعِ، فَلِاجْتِماعِ هَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ فِيها جُعِلَتْ كَأنَّها لَيْسَتْ مِنَ العُقَلاءِ.
السُّؤالُ الثّالِثُ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى تَحْرِيمِ المُتْعَةِ عَلى ما يُرْوى عَنِ القاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ؟ الجَوابُ: نَعَمْ، وتَقْرِيرُهُ أنَّها لَيْسَتْ زَوْجَةً لَهُ فَوَجَبَ أنْ لا تَحِلَّ لَهُ، وإنَّما قُلْنا: إنَّها لَيْسَتْ زَوْجَةً لَهُ؛ لِأنَّهُما لا يَتَوارَثانِ بِالإجْماعِ، ولَوْ كانَتْ زَوْجَةً لَهُ لَحَصَلَ التَّوارُثُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَكم نِصْفُ ما تَرَكَ أزْواجُكُمْ﴾ [النِّساءِ: ١٢] وإذا ثَبَتَ أنَّها لَيْسَتْ بِزَوْجَةٍ لَهُ وجَبَ أنْ لا تَحِلَّ لَهُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلّا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ﴾ وهو أعْلَمُ.
السُّؤالُ الرّابِعُ: ألَيْسَ لا يَحِلُّ لَهُ في الزَّوْجَةِ ومِلْكِ اليَمِينِ الِاسْتِمْتاعُ في أحْوالٍ كَحالِ الحَيْضِ وحالِ العِدَّةِ، وفي الأمَةِ حالَ تَزْوِيجِها مِنَ الغَيْرِ وحالَ عِدَّتِها، وكَذا الغُلامُ داخِلٌ في ظاهِرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ﴾ والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ.
أحَدُهُما: أنَّ مَذْهَبَ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ أنَّ الِاسْتِثْناءَ مِنَ النَّفْيِ لا يَكُونُ إثْباتًا، واحْتَجَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«لا صَلاةَ إلّا بِطُهُورٍ، ولا نِكاحَ إلّا بِوَلِيٍّ» “ فَإنَّ ذَلِكَ لا يَقْتَضِي حُصُولَ الصَّلاةِ بِمُجَرَّدِ حُصُولِ الطُّهُورِ، وحُصُولَ النِّكاحِ بِمُجَرَّدِ حُصُولِ الوَلِيِّ. وفائِدَةُ الِاسْتِثْناءِ صَرْفُ الحُكْمِ لا صَرْفُ المَحْكُومِ بِهِ، فَقَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ ﴿إلّا عَلى أزْواجِهِمْ﴾ مَعْناهُ أنَّهُ يَجِبُ حِفْظُ الفُرُوجِ عَنِ الكُلِّ إلّا في هاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ فَإنِّي ما ذَكَرْتُ حُكْمَهُما لا بِالنَّفْيِ ولا بِالإثْباتِ.
الثّانِي: أنّا إنْ سَلَّمْنا أنَّ الِاسْتِثْناءَ مِنَ النَّفْيِ إثْباتٌ، فَغايَتُهُ أنَّهُ عامٌّ دَخَلَهُ التَّخْصِيصُ بِالدَّلِيلِ فَيَبْقى فِيما وراءَهُ حُجَّةً.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ يَعْنِي الكامِلُونَ في العُدْوانِ المُتَناهُونَ فِيهِ.
* * *
الصِّفَةُ السّادِسَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ هم لِأماناتِهِمْ وعَهْدِهِمْ راعُونَ﴾ قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ (لِأمانَتِهِمْ) واعْلَمْ أنَّهُ يُسَمّى الشَّيْءُ المُؤْتَمَنُ عَلَيْهِ والمُعاهَدُ عَلَيْهِ أمانَةً وعَهْدًا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم أنْ تُؤَدُّوا الأماناتِ إلى أهْلِها﴾ [النِّساءِ: ٥٨] وقالَ: ﴿وتَخُونُوا أماناتِكُمْ﴾ [الأنْفالِ: ٢٧] وإنَّما تُؤَدّى العُيُونُ دُونَ المَعانِي، فَكانَ المُؤْتَمَنُ عَلَيْهِ الأمانَةُ في نَفْسِها. والعَهْدُ ما عَقَدَهُ عَلى نَفْسِهِ فِيما يُقَرِّبُهُ إلى رَبِّهِ، ويَقَعُ أيْضًا عَلى ما أمَرَ اللَّهُ تَعالى بِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ عَهِدَ إلَيْنا﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٨٣] والرّاعِي: القائِمُ عَلى الشَّيْءِ لِحِفْظٍ وإصْلاحٍ كَراعِي الغَنَمِ وراعِي الرَّعِيَّةِ، ويُقالُ: مَن راعِي هَذا الشَّيْءِ؟ أيْ: مُتَوَلِّيهِ. واعْلَمْ أنَّ الأمانَةَ تَتَناوَلُ كُلَّ ما تَرْكُهُ يَكُونُ داخِلًا في الخِيانَةِ، وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ والرَّسُولَ وتَخُونُوا أماناتِكُمْ﴾ [الأنْفالِ: ٢٧] فَمِن ذَلِكَ العِباداتُ الَّتِي المَرْءُ مُؤْتَمَنٌ عَلَيْها، وكُلُّ العِباداتِ تَدْخُلُ في ذَلِكَ؛ لِأنَّها إمّا أنْ تَخْفى أصْلًا كالصَّوْمِ وغُسْلِ الجَنابَةِ وإسْباغِ الوُضُوءِ، أوْ تَخْفى كَيْفِيَّةُ إتْيانِهِ بِها، وقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«أعْظَمُ النّاسِ خِيانَةً مَن لَمْ يُتِمَّ صَلاتَهُ» “ وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ”أوَّلُ ما تَفْقِدُونَ مِن دِينِكُمُ الأمانَةُ، وآخِرُ ما تَفْقِدُونَ الصَّلاةُ“ ومِن جُمْلَةِ ذَلِكَ ما يَلْتَزِمُهُ بِفِعْلٍ أوْ قَوْلٍ، فَيَلْزَمُهُ الوَفاءُ بِهِ كالوَدائِعِ والعُقُودِ وما يَتَّصِلُ بِهِما. ومِن ذَلِكَ
صفحة ٧٢
الأقْوالُ الَّتِي يُحَرَّرُ بِها العَبِيدُ والنِّساءُ؛ لِأنَّهُ مُؤْتَمَنٌ في ذَلِكَ، ومِن ذَلِكَ أنْ يُراعِيَ أمانَتَهُ فَلا يُفْسِدَها بِغَصْبٍ أوْ غَيْرِهِ، وأمّا العَهْدُ فَإنَّهُ دَخَلَ فِيهِ العُقُودُ والأيْمانُ والنُّذُورُ، فَبَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّ مُراعاةَ هَذِهِ الأُمُورِ والقِيامَ بِها مُعْتَبَرٌ في حُصُولِ الفَلاحِ.
* * *
الصِّفَةُ السّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ هم عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ وإنَّما أعادَ تَعالى ذِكْرَها؛ لِأنَّ الخُشُوعَ والمُحافَظَةَ مُتَغايِرانِ غَيْرُ مُتَلازِمَيْنِ، فَإنَّ الخُشُوعَ صِفَةٌ لِلْمُصَلِّي في حالِ الأداءِ لِصَلاتِهِ، والمُحافَظَةُ إنَّما تَصِحُّ حالَ ما لَمْ يُؤَدِّها بِكَمالِها. بَلِ المُرادُ بِالمُحافَظَةِ التَّعَهُّدُ لِشُرُوطِها مِن وقْتٍ وطَهارَةٍ وغَيْرِهِما، والقِيامُ عَلى أرْكانِها وإتْمامِها حَتّى يَكُونَ ذَلِكَ دَأْبَهُ في كُلِّ وقْتٍ، ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى مَجْمُوعَ هَذِهِ الأُمُورِ قالَ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الوارِثُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الفِرْدَوْسَ هم فِيها خالِدُونَ﴾ وهاهُنا سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: لِمَ سَمّى ما يَجِدُونَهُ مِنَ الثَّوابِ والجَنَّةِ بِالمِيراثِ؟ مَعَ أنَّهُ سُبْحانَهُ حَكَمَ بِأنَّ الجَنَّةَ حَقُّهم في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ المُؤْمِنِينَ أنْفُسَهم وأمْوالَهم بِأنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ﴾ [التَّوْبَةِ: ١١١]. الجَوابُ مِن وُجُوهٍ.
الأوَّلُ: ما «رُوِيَ عَنِ الرَّسُولِ ﷺ وهو أبْيَنُ عَلى ما يُقالُ فِيهِ، وهُوَ: أنَّهُ لا مُكَلَّفٌ إلّا أعَدَّ اللَّهُ لَهُ في النّارِ ما يَسْتَحِقُّهُ إنْ عَصى، وفي الجَنَّةِ ما يَسْتَحِقُّهُ إنْ أطاعَ، وجَعَلَ لِذَلِكَ عَلامَةً. فَإذا آمَنَ مِنهُمُ البَعْضُ ولَمْ يُؤْمِنِ البَعْضُ صارَ مَنزِلُ مَن لَمْ يُؤْمِن كالمَنقُولِ إلى المُؤْمِنِينَ، وصارَ مَصِيرُهم إلى النّارِ الَّذِي لا بُدَّ مَعَهُ مِن حِرْمانِ الثَّوابِ كَمَوْتِهِمْ»، فَسُمِّيَ ذَلِكَ مِيراثًا لِهَذا الوَجْهِ، وقَدْ قالَ الفُقَهاءُ: إنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ ما مَلَكَهُ المَيِّتُ وبَيْنَ ما يُقَدِّرُ فِيهِ المَلِكُ في أنَّهُ يُورَثُ عَنْهُ، كَذَلِكَ قالُوا في الدِّيَةِ الَّتِي تَجِبُ بِالقَتْلِ: إنَّها تُورَثُ، مَعَ أنَّهُ ما مَلَكَها عَلى التَّحْقِيقِ، وذَلِكَ يَشْهَدُ لِما ذَكَرْنا، فَإنْ قِيلَ: إنَّهُ تَعالى وصَفَ كُلَّ الَّذِي يَسْتَحِقُّونَهُ إرْثًا، وعَلى ما قُلْتُمْ يَدْخُلُ في الإرْثِ ما كانَ يَسْتَحِقُّهُ غَيْرُهم لَوْ أطاعَ. قُلْنا: لا يَمْتَنِعُ أنَّهُ تَعالى جَعَلَ ما هو مَنزِلَةٌ لِهَذا المُؤْمِنِ بِعَيْنِهِ مَنزِلَةً لِذَلِكَ الكافِرِ لَوْ أطاعَ؛ لِأنَّهُ عِنْدَ ذَلِكَ كانَ يَزِيدُ في المَنازِلِ فَإذا آمَنَ هَذا عَدَلَ بِذَلِكَ إلَيْهِ.
وثانِيها: أنَّ انْتِقالَ الجَنَّةِ إلَيْهِمْ بِدُونِ مُحاسَبَةٍ ومَعْرِفَةٍ بِمَقادِيرِهِ يُشْبِهُ انْتِقالَ المالِ إلى الوارِثِ.
وثالِثُها: أنَّ الجَنَّةَ كانَتْ مَسْكَنَ أبِينا آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإذا انْتَقَلَتْ إلى أوْلادِهِ صارَ ذَلِكَ شَبِيهًا بِالمِيراثِ.
السُّؤالُ الثّانِي: كَيْفَ حَكَمَ عَلى المَوْصُوفِينَ بِالصِّفاتِ السَّبْعِ بِالفَلاحِ مَعَ أنَّهُ تَعالى ما تَمَّمَ ذِكْرَ العِباداتِ الواجِبَةِ كالصَّوْمِ والحَجِّ والطَّهارَةِ؟ والجَوابُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿والَّذِينَ هم لِأماناتِهِمْ وعَهْدِهِمْ راعُونَ﴾ يَأْتِي عَلى جَمِيعِ الواجِباتِ مِنَ الأفْعالِ والتُّرُوكِ كَما قَدَّمْنا، والطَّهاراتُ دَخَلَتْ في جُمْلَةِ المُحافَظَةِ عَلى الصَّلَواتِ الخَمْسِ؛ لِكَوْنِها مِن شَرائِطِها.
السُّؤالُ الثّالِثُ: أفَيَدُلُّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الوارِثُونَ﴾ عَلى أنَّهُ لا يَدْخُلُها غَيْرُهُمْ؟ الجَوابُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿هُمُ الوارِثُونَ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ لَكِنَّهُ يَجِبُ تَرْكُ العَمَلِ بِهِ؛ لِأنَّهُ ثَبَتَ أنَّ الجَنَّةَ يَدْخُلُها الأطْفالُ والمَجانِينُ والوِلْدانُ والحُورُ العِينُ، ويَدْخُلُها الفُسّاقُ مِن أهْلِ القِبْلَةِ بَعْدَ العَفْوِ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النِّساءِ: ٤٨].
السُّؤالُ الرّابِعُ: أفَكُلُّ الجَنَّةِ هو الفِرْدَوْسُ؟ الجَوابُ: الفِرْدَوْسُ هو الجَنَّةُ بِلِسانِ الحَبَشَةِ، وقِيلَ بِلِسانِ الرُّومِ، ورَوى أبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«الفِرْدَوْسُ مَقْصُورَةُ الرَّحْمَنِ؛ فِيها الأنْهارُ والأشْجارُ» “
صفحة ٧٣
ورَوى أبُو أُمامَةَ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ قالَ: ”«سَلُوا اللَّهَ الفِرْدَوْسَ فَإنَّها أعْلى الجِنانِ، وإنَّ أهْلَ الفِرْدَوْسِ يَسْمَعُونَ أطِيطَ العَرْشِ» “.
السُّؤالُ الخامِسُ: هَلْ تَدُلُّ الآيَةُ عَلى أنَّ هَذِهِ الصِّفاتِ هي الَّتِي لَها ولِأجْلِها يَكُونُونَ مُؤْمِنِينَ أمْ لا؟ الجَوابُ: ادَّعى القاضِي أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ بِناءً عَلى مَذْهَبِهِ أنَّ الإيمانَ اسْمٌ شَرْعِيٌّ مَوْضُوعٌ لِأداءِ كُلِّ الواجِباتِ، وعِنْدَنا أنَّ الآيَةَ لا تَدُلُّ عَلى ذَلِكَ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم في صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ﴾ مِثْلُ قَدْ أفْلَحَ النّاسُ الأذْكِياءُ العُدُولُ، فَإنَّ هَذا لا يَدُلُّ عَلى أنَّ الزَّكاةَ والعَدالَةَ داخِلانِ في مُسَمّى النّاسِ فَكَذا هاهُنا.
السُّؤالُ السّادِسُ: رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: ”«لَمّا خَلَقَ اللَّهُ تَعالى جَنَّةَ عَدْنٍ قالَ لَها: تَكَلَّمِي. فَقالَتْ: قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ» “ وقالَ كَعْبٌ: ”خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ بِيَدِهِ وكَتَبَ التَّوْراةَ بِيَدِهِ وغَرَسَ شَجَرَةَ طُوبى بِيَدِهِ، ثم قال لَها: تَكَلَّمِي. فَقالَتْ: قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ“، ورُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ”«إذا أحْسَنَ العَبْدُ الوُضُوءَ وصَلّى الصَّلاةَ لِوَقْتِها وحافَظَ عَلى رُكُوعِها وسُجُودِها ومَواقِيتِها قالَتْ: حَفِظَكَ اللَّهُ كَما حافَظْتَ عَلَيَّ، وشَفَعَتْ لِصاحِبِها، وإذا أضاعَها قالَتْ: أضاعَكَ اللَّهُ كَما ضَيَّعْتَنِي، وتُلَفُّ كَما يُلَفُّ الثَّوْبُ الخَلِقُ فَيُضْرَبُ بِها وجْهُ صاحِبِها» “ الجَوابُ: أمّا كَلامُ الجَنَّةِ فالمُرادُ بِهِ أنَّها أُعِدَّتْ لِلْمُؤْمِنِينَ، فَصارَ ذَلِكَ كالقَوْلِ مِنها، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَتا أتَيْنا طائِعِينَ﴾ [فُصِّلَتْ: ١١] وأمّا أنَّهُ تَعالى خَلَقَ الجَنَّةَ بِيَدِهِ، فالمُرادُ تَوَلّى خَلْقَها لا أنَّهُ وكَلَهُ إلى غَيْرِهِ، وأمّا أنَّ الصَّلاةَ تُثْنِي عَلى مَن قامَ بِحَقِّها فَهو في الجَوازِ أبْعَدُ مِن كَلامِ الجَنَّةِ؛ لِأنَّ الصَّلاةَ حَرَكاتٌ وسَكَناتٌ ولا يَصِحُّ عَلَيْها أنْ تَتَصَوَّرَ وتَتَكَلَّمَ، فالمُرادُ مِنهُ ضَرْبُ المَثَلِ كَما يَقُولُ القائِلُ لِلْمُنْعِمِ: إنَّ إحْسانَكَ إلَيَّ يَنْطِقُ بِالشُّكْرِ.
السُّؤالُ السّابِعُ: هَلْ تَدُلُّ الآيَةُ عَلى أنَّ الفِرْدَوْسَ مَخْلُوقَةٌ؟ الجَوابُ: قالَ القاضِي: دَلَّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُكُلُها دائِمٌ﴾ [الرَّعْدِ: ٣٥] عَلى أنَّها غَيْرُ مَخْلُوقَةٍ، فَوَجَبَ تَأْوِيلُ هَذِهِ الآيَةِ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ يَخْلُقُ اللَّهُ الجَنَّةَ مِيراثًا لِلْمُؤْمِنِينَ، أوْ: وإذا خَلَقَها تَقُولُ، عَلى مِثالِ ما تَأوَّلْنا عَلَيْهِ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ونادى أصْحابُ النّارِ أصْحابَ الجَنَّةِ﴾ [الأعْرافِ: ٥٠] وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ إضْمارُ ما ذَكَرَهُ في هَذِهِ الآيَةِ أوْلى مِن أنْ يُضْمَرَ في قَوْلِهِ: ﴿أُكُلُها دائِمٌ﴾ ثُمَّ إنَّ أُكُلَها دائِمٌ يَوْمَ القِيامَةِ، وإذا تَعارَضَ هَذانِ الظّاهِرانِ فَنَحْنُ نَتَمَسَّكُ في أنَّ الجَنَّةَ مَخْلُوقَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٣٣].
المؤمنون 23:6
صفحة ٦٧
(سُورَةُ المُؤْمِنُونَ)
مِائَةٌ وثَمانِ عَشْرَةَ آيَةً مَكِّيَّةً
﷽
﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم في صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ ﴿إلّا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ ﴿فَمَنِ ابْتَغى وراءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم لِأماناتِهِمْ وعَهْدِهِمْ راعُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ هُمُ الوارِثُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الفِرْدَوْسَ هم فِيها خالِدُونَ﴾
﷽
﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم في صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ ﴿إلّا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ ﴿فَمَنِ ابْتَغى وراءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم لِأماناتِهِمْ وعَهْدِهِمْ راعُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ هُمُ الوارِثُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الفِرْدَوْسَ هم فِيها خالِدُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ حَكَمَ بِحُصُولِ الفَلاحِ لِمَن كانَ مُسْتَجْمِعًا لِصِفاتٍ سَبْعٍ، وقَبْلَ الخَوْضِ في شَرْحِ تِلْكَ الصِّفاتِ لا بُدَّ مِن بَحْثَيْنِ:
البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّ ﴿قَدْ﴾ نَقِيضَةٌ لِـ (ما) فَـ (قَدْ) تُثْبِتُ المُتَوَقَّعَ، و(لَما) تَنْفِيهِ، ولا شَكَّ أنَّ المُؤْمِنِينَ كانُوا مُتَوَقِّعِينَ لِمِثْلِ هَذِهِ البِشارَةِ، وهي الإخْبارُ بِثَباتِ الفَلاحِ لَهم فَخُوطِبُوا بِما دَلَّ عَلى ثَباتِ ما تَوَقَّعُوهُ.
البَحْثُ الثّانِي: الفَلاحُ: الظَّفَرُ بِالمُرادِ، وقِيلَ: البَقاءُ في الخَيْرِ، وأفْلَحَ: دَخَلَ في الفَلاحِ، كَأبْشَرَ: دَخَلَ في البِشارَةِ، ويُقالُ: أفْلَحَهُ: صَيَّرَهُ إلى الفَلاحِ، وعَلَيْهِ قِراءَةُ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ ”أُفْلِحَ“ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، وعَنْهُ (أفْلَحُوا) عَلى لُغَةِ أكَلُونِي البَراغِيثُ، أوْ عَلى الإبْهامِ والتَّفْسِيرِ.
صفحة ٦٨
الصِّفَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿المُؤْمِنُونَ﴾ وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في الإيمانِ في سُورَةِ البَقَرَةِ.
الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ هم في صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ﴾ واخْتَلَفُوا في الخُشُوعِ؛ فَمِنهم مَن جَعَلَهُ مِن أفْعالِ القُلُوبِ كالخَوْفِ والرَّهْبَةِ، ومِنهم مَن جَعَلَهُ مِن أفْعالِ الجَوارِحِ كالسُّكُونِ وتَرْكِ الِالتِفاتِ، ومِنهم مَن جَمَعَ بَيْنَ الأمْرَيْنِ وهو الأوْلى. فالخاشِعُ في صَلاتِهِ لا بُدَّ وأنْ يَحْصُلَ لَهُ مِمّا يَتَعَلَّقُ بِالقَلْبِ مِنَ الأفْعالِ نِهايَةُ الخُضُوعِ والتَّذَلُّلِ لِلْمَعْبُودِ، ومِنَ التُّرُوكِ أنْ لا يَكُونَ مُلْتَفِتَ الخاطِرِ إلى شَيْءٍ سِوى التَّعْظِيمِ، ومِمّا يَتَعَلَّقُ بِالجَوارِحِ أنْ يَكُونَ ساكِنًا مُطْرِقًا ناظِرًا إلى مَوْضِعِ سُجُودِهِ، ومِنَ التُّرُوكِ أنْ لا يَلْتَفِتَ يَمِينًا ولا شَمالًا، ولَكِنَّ الخُشُوعَ الَّذِي يُرى عَلى الإنْسانِ لَيْسَ إلّا ما يَتَعَلَّقُ بِالجَوارِحِ، فَإنَّ ما يَتَعَلَّقُ بِالقَلْبِ لا يُرى، قالَ الحَسَنُ وابْنُ سِيرِينَ: «كانَ المُسْلِمُونَ يَرْفَعُونَ أبْصارَهم إلى السَّماءِ في صَلاتِهِمْ، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَفْعَلُ ذَلِكَ، فَلَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ طَأْطَأ وكانَ لا يُجاوِزُ بَصَرُهُ مُصَلّاهُ»، فَإنْ قِيلَ: فَهَلْ تَقُولُونَ: إنَّ ذَلِكَ واجِبٌ في الصَّلاةِ؟ قُلْنا: إنَّهُ عِنْدَنا واجِبٌ ويَدُلُّ عَلَيْهِ أُمُورٌ.
أحَدُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ أمْ عَلى قُلُوبٍ أقْفالُها﴾ [مُحَمَّدٍ: ٢٤] والتَّدَبُّرُ لا يُتَصَوَّرُ بِدُونِ الوُقُوفِ عَلى المَعْنى، وكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ورَتِّلِ القُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [ المُزَّمِّلِ: ٤] مَعْناهُ قِفْ عَلى عَجائِبِهِ ومَعانِيهِ.
وثانِيها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤] وظاهِرُ الأمْرِ لِلْوُجُوبِ، والغَفْلَةُ تُضادُّ الذِّكْرِ، فَمَن غَفَلَ في جَمِيعِ صَلاتِهِ كَيْفَ يَكُونُ مُقِيمًا لِلصَّلاةِ لِذِكْرِهِ.
وثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَكُنْ مِنَ الغافِلِينَ﴾ [الأعْرافِ: ٢٠٥] وظاهِرُ النَّهْيِ لِلتَّحْرِيمِ.
ورابِعُها: قَوْلُهُ: ﴿حَتّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ﴾ [ النِّساءِ: ٤٣ ] تَعْلِيلٌ لِنَهْيِ السَّكْرانِ، وهو مُطَّرِدٌ في الغافِلِ المُسْتَغْرِقِ المُهْتَمِّ بِالدُّنْيا.
وخامِسُها: قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«إنَّما الخُشُوعُ لِمَن تَمَسْكَنَ وتَواضَعَ» “ وكَلِمَةُ (إنَّما) لِلْحَصْرِ، وقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«مَن لَمْ تَنْهَهُ صَلاتُهُ عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ لَمْ يَزْدَدْ مِنَ اللَّهِ إلّا بُعْدًا» “ وصَلاةُ الغافِلِ لا تَمْنَعُ مِنَ الفَحْشاءِ، وقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «كَمْ مِن قائِمٍ حَظُّهُ مِن قِيامِهِ التَّعَبُ والنَّصَبُ» وما أرادَ بِهِ إلّا الغافِلَ، وقالَ أيْضًا: ”«لَيْسَ لِلْعَبْدِ مِن صَلاتِهِ إلّا ما عَقَلَ» “
وسادِسُها: قالَ الغَزالِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: المُصَلِّي يُناجِي رَبَّهُ، كَما ورَدَ بِهِ الخَبَرُ، والكَلامُ مَعَ الغَفْلَةِ لَيْسَ بِمُناجاةٍ البَتَّةَ، وبَيانُهُ أنَّ الإنْسانَ إذا أدّى الزَّكاةَ حالَ الغَفْلَةِ فَقَدْ حَصَلَ المَقْصُودُ مِنها عَلى بَعْضِ الوُجُوهِ، وهو كَسْرُ الحِرْصِ وإغْناءُ الفَقِيرِ، وكَذا الصَّوْمُ قاهِرٌ لِلْقُوى كاسِرٌ لِسَطْوَةِ الهَوى الَّتِي هي عَدُوَّةُ اللَّهِ تَعالى. فَلا يَبْعُدُ أنْ يَحْصُلَ مِنهُ مَقْصُودُهُ مَعَ الغَفْلَةِ، وكَذا الحَجُّ أفْعالٌ شاقَّةٌ، وفِيهِ مِنَ المُجاهَدَةِ ما يَحْصُلُ بِهِ الِابْتِلاءُ سَواءٌ كانَ القَلْبُ حاضِرًا أوْ لَمْ يَكُنْ. أمّا الصَّلاةُ فَلَيْسَ فِيها إلّا ذِكْرٌ وقِراءَةٌ ورُكُوعٌ وسُجُودٌ وقِيامٌ وقُعُودٌ، أمّا الذِّكْرُ فَإنَّهُ مُناجاةٌ مَعَ اللَّهِ تَعالى. فَإمّا أنْ يَكُونَ المَقْصُودُ مِنهُ كَوْنَهُ مُناجاةً، أوِ المَقْصُودُ مُجَرَّدُ الحُرُوفِ والأصْواتِ، ولا شَكَّ في فَسادِ هَذا القِسْمِ، فَإنَّ تَحْرِيكَ اللِّسانِ بِالهَذَيانِ لَيْسَ فِيهِ غَرَضٌ صَحِيحٌ، فَثَبَتَ أنَّ المَقْصُودَ مِنهُ المُناجاةُ، وذَلِكَ لا يَتَحَقَّقُ إلّا إذا كانَ اللِّسانُ مُعَبِّرًا عَمّا في القَلْبِ مِنَ التَّضَرُّعاتِ، فَأيُّ سُؤالٍ في قَوْلِهِ: ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ [ الفاتِحَةِ: ٦ ] وكانَ القَلْبُ غافِلًا عَنْهُ؟ بَلْ أقُولُ: لَوْ حَلَفَ إنْسانٌ، وقالَ: واللَّهِ لَأشْكُرَنَّ فُلانًا وأُثْنِي عَلَيْهِ وأسْألُهُ حاجَةً. ثُمَّ جَرَتِ الألْفاظُ الدّالَّةُ عَلى هَذِهِ المَعانِي عَلى لِسانِهِ في اليَوْمِ، لَمْ يَبَرَّ في يَمِينِهِ، ولَوْ
صفحة ٦٩
جَرى عَلى لِسانِهِ في ظُلْمَةِ اللَّيْلِ وذَلِكَ الإنْسانُ حاضِرٌ وهو لا يَعْرِفُ حُضُورَهُ ولا يَراهُ، لا يَصِيرُ بارًّا في يَمِينِهِ، ولا يَكُونُ كَلامُهُ خِطابًا مَعَهُ ما لَمْ يَكُنْ حاضِرًا بِقَلْبِهِ، ولَوْ جَرَتْ هَذِهِ الكَلِماتُ عَلى لِسانِهِ وهو حاضِرٌ في بَياضِ النَّهارِ إلّا أنَّ المُتَكَلِّمَ غافِلٌ لِكَوْنِهِ مُسْتَغْرِقَ الهَمِّ بِفِكْرٍ مِنَ الأفْكارِ، ولَمْ يَكُنْ لَهُ قَصْدُ تَوْجِيهِ الخِطابِ إلَيْهِ عِنْدَ نُطْقِهِ، لَمْ يَصِرْ بارًّا في يَمِينِهِ. ولا شَكَّ أنَّ المَقْصُودَ مِنَ القِراءَةِ الأذْكارُ والحَمْدُ والثَّناءُ والتَّضَرُّعُ والدُّعاءُ، والمُخاطَبُ هو اللَّهُ تَعالى، فَإذا كانَ القَلْبُ مَحْجُوبًا بِحِجابِ الغَفْلَةِ وكانَ غافِلًا عَنْ جَلالِ اللَّهِ وكِبْرِيائِهِ، ثُمَّ إنَّ لِسانَهُ يَتَحَرَّكُ بِحُكْمِ العادَةِ، فَما أبْعَدَ ذَلِكَ عَنِ القَبُولِ.
وأمّا الرُّكُوعُ والسُّجُودُ فالمَقْصُودُ مِنهُما التَّعْظِيمُ، ولَوْ جازَ أنْ يَكُونَ تَعْظِيمًا لِلَّهِ تَعالى مَعَ أنَّهُ غافِلٌ عَنْهُ، لَجازَ أنْ يَكُونَ تَعْظِيمًا لِلصَّنَمِ المَوْضُوعِ بَيْنَ يَدَيْهِ وهو غافِلٌ عَنْهُ، ولِأنَّهُ إذا لَمْ يَحْصُلِ التَّعْظِيمُ لَمْ يَبْقَ إلّا مُجَرَّدُ حَرَكَةِ الظَّهْرِ والرَّأْسِ، ولَيْسَ فِيها مِنَ المَشَقَّةِ ما يَصِيرُ لِأجْلِهِ عِمادًا لِلدِّينِ، وفاصِلًا بَيْنَ الكُفْرِ والإيمانِ، ويُقْدِمُ عَلى الحَجِّ والزَّكاةِ والجِهادِ وسائِرِ الطّاعاتِ الشّاقَّةِ، ويَجِبُ القَتْلُ بِسَبَبِهِ عَلى الخُصُوصِ، وبِالجُمْلَةِ فَكُلُّ عاقِلٍ يَقْطَعُ بِأنَّ مُشاهَدَةَ الخَواصِّ العَظِيمَةِ لَيْسَ أعْمالَها الظّاهِرَةَ إلّا أنْ يَنْضافَ إلَيْها مَقْصُودُ هَذِهِ المُناجاةِ، فَدَلَّتْ هَذِهِ الِاعْتِباراتُ عَلى أنَّ الصَّلاةَ لا بُدَّ فِيها مِنَ الحُضُورِ.
وسابِعُها: أنَّ الفُقَهاءَ اخْتَلَفُوا فِيما يَنْوِيهِ بِالسَّلامِ عِنْدَ الجَماعَةِ والِانْفِرادِ، هَلْ يَنْوِي الحُضُورَ أوِ الغَيْبَةَ والحُضُورَ مَعًا. فَإذا احْتِيجَ إلى التَّدَبُّرِ في مَعْنى السَّلامِ الَّذِي هو آخِرُ الصَّلاةِ فَلَأنْ يُحْتاجَ إلى التَّدَبُّرِ في مَعْنى التَّكْبِيرِ والتَّسْبِيحِ الَّتِي هي الأشْياءُ المَقْصُودَةُ مِنَ الصَّلاةِ بِالطَّرِيقِ الأوْلى، واحْتَجَّ المُخالِفُ بِأنَّ اشْتِراطَ الخُضُوعِ والخُشُوعِ عَلى خِلافِ اجْتِماعِ الفُقَهاءِ، فَلا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ. والجَوابُ مِن وُجُوهٍ.
أحَدُها: أنَّ الحُضُورَ عِنْدَنا لَيْسَ شَرْطًا لِلْإجْزاءِ، بَلْ شَرْطٌ لِلْقَبُولِ، والمُرادُ مِنَ الإجْزاءِ أنْ لا يَجِبَ القَضاءُ، والمُرادُ مِنَ القَبُولِ حُكْمُ الثَّوابِ.
والفُقَهاءُ إنَّما يَبْحَثُونَ عَنْ حُكْمِ الإجْزاءِ لا عَنْ حُكْمِ الثَّوابِ، وغَرَضُنا في هَذا المَقامِ هَذا، ومِثالُهُ في الشّاهِدِ مَنِ اسْتَعارَ مِنكَ ثَوْبًا ثُمَّ رَدَّهُ عَلى الوجه الأحْسَنِ، فَقَدْ خَرَجَ عَنِ العُهْدَةِ واسْتَحَقَّ المَدْحَ، ومَن رَماهُ إلَيْكَ عَلى وجْهِ الِاسْتِخْفافِ خَرَجَ عَنِ العُهْدَةِ، ولَكِنَّهُ اسْتَحَقَّ الذَّمَّ، كَذا مَن عَظَّمَ اللَّهَ تَعالى حالَ أدائِهِ العِبادَةَ صارَ مُقِيمًا لِلْفَرْضِ مُسْتَحِقًّا لِلثَّوابِ، ومَنِ اسْتَهانَ بِها صارَ مُقِيمًا لِلْفَرْضِ ظاهِرًا لَكِنَّهُ اسْتَحَقَّ الذَّمَّ.
وثانِيها: أنّا نَمْنَعُ هَذا الإجْماعَ، أمّا المُتَكَلِّمُونَ فَقَدِ اتَّفَقُوا عَلى أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الحُضُورِ والخُشُوعِ، واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِأنَّ السُّجُودَ لِلَّهِ تَعالى طاعَةٌ ولِلصَّنَمِ كُفْرٌ، وكُلُّ واحِدٍ مِنهُما يُماثِلُ الآخَرَ في ذاتِهِ ولَوازِمِهِ، فَلا بُدَّ مِن أمْرٍ لِأجْلِهِ صارَ السُّجُودُ في إحْدى الصُّورَتَيْنِ طاعَةً، وفي الأُخْرى مَعْصِيَةً، قالُوا: وما ذاكَ إلّا القَصْدُ والإرادَةُ، والمُرادُ مِنَ القَصْدِ إيقاعُ تِلْكَ الأفْعالِ لِداعِيَةِ الِامْتِثالِ، وهَذِهِ الدّاعِيَةُ لا يُمْكِنُ حُصُولُها إلّا عِنْدَ الحُضُورِ، فَلِهَذا اتَّفَقُوا عَلى أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الحُضُورِ، أمّا الفُقَهاءُ فَقَدْ ذَكَرَ الفَقِيهُ أبُو اللَّيْثِ رَحِمَهُ اللَّهُ في تَنْبِيهِ الغافِلِينَ أنَّ تَمامَ القِراءَةِ أنْ يَقْرَأ بِغَيْرِ لَحْنٍ، وأنْ يَقْرَأ بِالتَّفَكُّرِ.
وأمّا الغَزالِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فَإنَّهُ نَقَلَ عَنْ أبِي طالِبٍ المَكِّيِّ عَنْ بِشْرٍ الحافِي أنَّهُ قالَ: مَن لَمْ يَخْشَعْ فَسَدَتْ صَلاتُهُ. وعَنِ الحَسَنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: كُلُّ صَلاةٍ لا يَحْضُرُ فِيها القَلْبُ فَهي إلى العُقُوبَةِ أسْرَعُ. وعَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ: ”مَن عَرَفَ مَن عَلى يَمِينِهِ وشِمالِهِ مُتَعَمِّدًا وهو في الصَّلاةِ فَلا صَلاةَ لَهُ“. ورُوِيَ أيْضًا مُسْنَدًا قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«إنَّ العَبْدَ لَيُصَلِّي الصَّلاةَ لا يُكْتَبُ لَهُ سُدُسُها ولا عُشْرُها، وإنَّما يُكْتَبُ لِلْعَبْدِ مِن صَلاتِهِ ما عَقَلَ مِنها» “. وقالَ عَبْدُ الواحِدِ بْنُ زَيْدٍ: أجْمَعَتِ العُلَماءُ عَلى أنَّهُ لَيْسَ لِلْعَبْدِ مِن صَلاتِهِ إلّا ما عَقَلَ، وادَّعى فِيهِ الإجْماعَ. إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: هَبْ أنَّ الفُقَهاءَ بِأسْرِهِمْ حَكَمُوا بِالجَوازِ، ألَيْسَ الأُصُولِيُّونَ وأهْلُ الوَرَعِ ضَيَّقُوا الأمْرَ فِيها، فَهَلّا أخَذْتَ بِالِاحْتِياطِ، فَإنَّ بَعْضَ العُلَماءِ اخْتارَ
صفحة ٧٠
الإمامَةَ، فَقِيلَ لَهُ في ذَلِكَ فَقالَ: أخافُ إنْ تَرَكْتُ الفاتِحَةَ أنْ يُعاتِبَنِي الشّافِعِيُّ، وإنْ قَرَأْتُها مَعَ الإمامِ أنْ يُعاتِبَنِي أبُو حَنِيفَةَ، فاخْتَرْتُ الإمامَةَ طَلَبًا لِلْخَلاصِ عَنْ هَذا الِاخْتِلافِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ هم عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ وفي اللَّغْوِ أقْوالٌ.
أحَدُها: أنَّهُ يَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ ما كانَ حَرامًا أوْ مَكْرُوهًا أوْ كانَ مُباحًا، ولَكِنْ لا يَكُونُ بِالمَرْءِ إلَيْهِ ضَرُورَةٌ وحاجَةٌ.
وثانِيها: أنَّهُ عِبارَةٌ عَنْ كُلِّ ما كانَ حَرامًا فَقَطْ، وهَذا التَّفْسِيرُ أخَصُّ مِنَ الأوَّلِ.
وثالِثُها: أنَّهُ عِبارَةٌ عَنِ المَعْصِيَةِ في القَوْلِ والكَلامِ خاصَّةً، وهَذا أخَصُّ مِنَ الثّانِي.
ورابِعُها: أنَّهُ المُباحُ الَّذِي لا حاجَةَ إلَيْهِ، واحْتَجَّ هَذا القائِلُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ في أيْمانِكُمْ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٢٥] فَكَيْفَ يُحْمَلُ ذَلِكَ عَلى المَعاصِي الَّتِي لا بُدَّ فِيها مِنَ المُؤاخَذَةِ، واحْتَجَّ الأوَّلُونَ بِأنَّ اللَّغْوَ إنَّما سُمِّيَ لَغْوًا بِما أنَّهُ يُلْغى، وكُلُّ ما يَقْتَضِي الدِّينُ إلْغاءَهُ كانَ أوْلى بِاسْمِ اللَّغْوِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ كُلُّ حَرامٍ لَغْوًا، ثُمَّ اللَّغْوُ قَدْ يَكُونُ كُفْرًا لِقَوْلِهِ: ﴿لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ والغَوْا فِيهِ﴾ [فُصِّلَتْ: ٢٦] وقَدْ يَكُونُ كَذِبًا لِقَوْلِهِ: ﴿لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً﴾ [الغاشِيَةِ: ١١] وقَوْلِهِ: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ولا تَأْثِيمًا﴾ [الواقِعَةِ: ٢٥] ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى مَدَحَهم بِأنَّهم يُعْرِضُونَ عَنْ هَذا اللَّغْوِ، والإعْراضُ عَنْهُ هو بِأنْ لا يَفْعَلَهُ ولا يَرْضى بِهِ ولا يُخالِطَ مَن يَأْتِيهِ، وعَلى هَذا الوجه قالَ تَعالى: ﴿وإذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرامًا﴾ [الفُرْقانِ: ٧٢] واعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا وصَفَهم بِالخُشُوعِ في الصَّلاةِ أتْبَعَهُ الوَصْفَ بِالإعْراضِ عَنِ اللَّغْوِ، لِيَجْمَعَ لَهُمُ الفِعْلَ والتَّرْكَ الشّاقَّيْنِ عَلى الأنْفُسِ اللَّذَيْنِ هُما قاعِدَتا بِناءِ التَّكْلِيفِ، وهو أعْلَمُ.
* * *
الصِّفَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ هم لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ﴾ وفي الزَّكاةِ قَوْلانِ، أحَدُهُما: قَوْلُ أبِي مُسْلِمٍ أنَّ فِعْلَ الزَّكاةِ يَقَعُ عَلى كُلِّ فِعْلٍ مَحْمُودٍ مَرَضِيٍّ، كَقَوْلِهِ: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ [الأعْلى: ١٤] وقَوْلِهِ: ﴿فَلا تُزَكُّوا أنْفُسَكُمْ﴾ [النَّجْمِ: ٣٢] ومِن جُمْلَتِهِ ما يَخْرُجُ مِن حَقِّ المالِ، وإنَّما سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّها تُطَهِّرُ مِنَ الذُّنُوبِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿تُطَهِّرُهم وتُزَكِّيهِمْ بِها﴾ [التَّوْبَةِ: ١٠٣].
والثّانِي: وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ أنَّهُ الحَقُّ الواجِبُ في الأمْوالِ خاصَّةً، وهَذا هو الأقْرَبُ؛ لِأنَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ قَدِ اخْتَصَّتْ في الشَّرْعِ بِهَذا المَعْنى، فَإنْ قِيلَ: إنَّهُ لا يُقالُ في الكَلامِ الفَصِيحِ: إنَّهُ فَعَلَ الزَّكاةَ، قُلْنا: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: الزَّكاةُ اسْمٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ عَيْنٍ ومَعْنًى، فالعَيْنُ القَدْرُ الَّذِي يُخْرِجُهُ المُزَكِّي مِنَ النِّصابِ إلى الفَقِيرِ، والمَعْنى فِعْلُ المُزَكِّي الَّذِي هو التَّزْكِيَةُ، وهو الَّذِي أرادَهُ اللَّهُ تَعالى فَجَعَلَ المُزَكِّينَ فاعِلِينَ لَهُ ولا يَسُوغُ فِيهِ غَيْرُهُ؛ لِأنَّهُ ما مِن مَصْدَرٍ إلّا يُعَبَّرُ عَنْ مَعْناهُ بِالفِعْلِ. ويُقالُ لِمُحَدِثِهِ: فاعِلٌ، يُقالُ لِلضّارِبِ: فاعِلُ الضَّرْبِ، ولِلْقاتِلِ: فاعِلُ القَتْلِ، ولِلْمُزَكِّي: فاعِلُ الزَّكاةِ، وعَلى هَذا الكَلامِ كُلِّهِ يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالزَّكاةِ العَيْنُ، ويُقَدَّرَ مُضافٌ مَحْذُوفٌ وهو الأداءُ، فَإنْ قِيلَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى هُناكَ لَمْ يَفْصِلْ بَيْنَ الصَّلاةِ والزَّكاةِ، فَلِمَ فَصَلَ هاهُنا بَيْنَهُما بِقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ هم عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ ؟ قُلْنا: لِأنَّ الإعْراضَ عَنِ اللَّغْوِ مِن مُتَمِّماتِ الصَّلاةِ.
* * *
الصِّفَةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ ﴿إلّا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ وفِيهِ سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: لِمَ لَمْ يَقُلْ: إلّا عَنْ أزْواجِهِمْ؟ الجَوابُ: قالَ الفَرّاءُ: مَعْناهُ: إلّا مِن أزْواجِهِمْ، وذَكَرَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ فِيهِ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ.
أحَدُها: أنَّهُ في مَوْضِعِ الحالِ؛ أيْ: إلّا والِينَ عَلى أزْواجِهِمْ أوْ قَوّامِينَ عَلَيْهِنَّ، مِن قَوْلِكَ: كانَ فُلانٌ عَلى فُلانَةٍ، ونَظِيرُهُ كانَ زِيادٌ عَلى البَصْرَةِ؛ أيْ والِيًا عَلَيْها، ومِنهُ قَوْلُهُمْ: فُلانَةٌ تَحْتَ فُلانٍ، ومِن ثَمَّ
صفحة ٧١
سُمِّيَتِ المَرْأةُ فِراشًا. والمَعْنى أنَّهم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ في كافَّةِ الأحْوالِ إلّا في حالِ تَزْوِيجِهِمْ أوْ تَسَرِّيهِمْ.
وثانِيها: أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: يُلامُونَ إلّا عَلى أزْواجِهِمْ؛ أيْ: يُلامُونَ عَلى كُلِّ مُباشَرَةٍ إلّا عَلى ما أُطْلِقَ لَهم فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ عَلَيْهِ، وهو قَوْلُ الزَّجّاجِ.
وثالِثُها: أنْ تَجْعَلَهُ صِلَةً لِـ ﴿حافِظُونَ﴾.
السُّؤالُ الثّانِي: هَلّا قِيلَ: مَن مَلَكَتْ؟ الجَوابُ: لِأنَّهُ اجْتَمَعَ في السُّرِّيَّةِ وصْفانِ، أحَدُهُما: الأُنُوثَةُ وهي مَظِنَّةُ نُقْصانِ العَقْلِ، والآخَرُ كَوْنُها بِحَيْثُ تُباعُ وتُشْتَرى كَسائِرِ السِّلَعِ، فَلِاجْتِماعِ هَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ فِيها جُعِلَتْ كَأنَّها لَيْسَتْ مِنَ العُقَلاءِ.
السُّؤالُ الثّالِثُ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى تَحْرِيمِ المُتْعَةِ عَلى ما يُرْوى عَنِ القاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ؟ الجَوابُ: نَعَمْ، وتَقْرِيرُهُ أنَّها لَيْسَتْ زَوْجَةً لَهُ فَوَجَبَ أنْ لا تَحِلَّ لَهُ، وإنَّما قُلْنا: إنَّها لَيْسَتْ زَوْجَةً لَهُ؛ لِأنَّهُما لا يَتَوارَثانِ بِالإجْماعِ، ولَوْ كانَتْ زَوْجَةً لَهُ لَحَصَلَ التَّوارُثُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَكم نِصْفُ ما تَرَكَ أزْواجُكُمْ﴾ [النِّساءِ: ١٢] وإذا ثَبَتَ أنَّها لَيْسَتْ بِزَوْجَةٍ لَهُ وجَبَ أنْ لا تَحِلَّ لَهُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلّا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ﴾ وهو أعْلَمُ.
السُّؤالُ الرّابِعُ: ألَيْسَ لا يَحِلُّ لَهُ في الزَّوْجَةِ ومِلْكِ اليَمِينِ الِاسْتِمْتاعُ في أحْوالٍ كَحالِ الحَيْضِ وحالِ العِدَّةِ، وفي الأمَةِ حالَ تَزْوِيجِها مِنَ الغَيْرِ وحالَ عِدَّتِها، وكَذا الغُلامُ داخِلٌ في ظاهِرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ﴾ والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ.
أحَدُهُما: أنَّ مَذْهَبَ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ أنَّ الِاسْتِثْناءَ مِنَ النَّفْيِ لا يَكُونُ إثْباتًا، واحْتَجَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«لا صَلاةَ إلّا بِطُهُورٍ، ولا نِكاحَ إلّا بِوَلِيٍّ» “ فَإنَّ ذَلِكَ لا يَقْتَضِي حُصُولَ الصَّلاةِ بِمُجَرَّدِ حُصُولِ الطُّهُورِ، وحُصُولَ النِّكاحِ بِمُجَرَّدِ حُصُولِ الوَلِيِّ. وفائِدَةُ الِاسْتِثْناءِ صَرْفُ الحُكْمِ لا صَرْفُ المَحْكُومِ بِهِ، فَقَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ ﴿إلّا عَلى أزْواجِهِمْ﴾ مَعْناهُ أنَّهُ يَجِبُ حِفْظُ الفُرُوجِ عَنِ الكُلِّ إلّا في هاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ فَإنِّي ما ذَكَرْتُ حُكْمَهُما لا بِالنَّفْيِ ولا بِالإثْباتِ.
الثّانِي: أنّا إنْ سَلَّمْنا أنَّ الِاسْتِثْناءَ مِنَ النَّفْيِ إثْباتٌ، فَغايَتُهُ أنَّهُ عامٌّ دَخَلَهُ التَّخْصِيصُ بِالدَّلِيلِ فَيَبْقى فِيما وراءَهُ حُجَّةً.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ يَعْنِي الكامِلُونَ في العُدْوانِ المُتَناهُونَ فِيهِ.
* * *
الصِّفَةُ السّادِسَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ هم لِأماناتِهِمْ وعَهْدِهِمْ راعُونَ﴾ قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ (لِأمانَتِهِمْ) واعْلَمْ أنَّهُ يُسَمّى الشَّيْءُ المُؤْتَمَنُ عَلَيْهِ والمُعاهَدُ عَلَيْهِ أمانَةً وعَهْدًا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم أنْ تُؤَدُّوا الأماناتِ إلى أهْلِها﴾ [النِّساءِ: ٥٨] وقالَ: ﴿وتَخُونُوا أماناتِكُمْ﴾ [الأنْفالِ: ٢٧] وإنَّما تُؤَدّى العُيُونُ دُونَ المَعانِي، فَكانَ المُؤْتَمَنُ عَلَيْهِ الأمانَةُ في نَفْسِها. والعَهْدُ ما عَقَدَهُ عَلى نَفْسِهِ فِيما يُقَرِّبُهُ إلى رَبِّهِ، ويَقَعُ أيْضًا عَلى ما أمَرَ اللَّهُ تَعالى بِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ عَهِدَ إلَيْنا﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٨٣] والرّاعِي: القائِمُ عَلى الشَّيْءِ لِحِفْظٍ وإصْلاحٍ كَراعِي الغَنَمِ وراعِي الرَّعِيَّةِ، ويُقالُ: مَن راعِي هَذا الشَّيْءِ؟ أيْ: مُتَوَلِّيهِ. واعْلَمْ أنَّ الأمانَةَ تَتَناوَلُ كُلَّ ما تَرْكُهُ يَكُونُ داخِلًا في الخِيانَةِ، وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ والرَّسُولَ وتَخُونُوا أماناتِكُمْ﴾ [الأنْفالِ: ٢٧] فَمِن ذَلِكَ العِباداتُ الَّتِي المَرْءُ مُؤْتَمَنٌ عَلَيْها، وكُلُّ العِباداتِ تَدْخُلُ في ذَلِكَ؛ لِأنَّها إمّا أنْ تَخْفى أصْلًا كالصَّوْمِ وغُسْلِ الجَنابَةِ وإسْباغِ الوُضُوءِ، أوْ تَخْفى كَيْفِيَّةُ إتْيانِهِ بِها، وقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«أعْظَمُ النّاسِ خِيانَةً مَن لَمْ يُتِمَّ صَلاتَهُ» “ وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ”أوَّلُ ما تَفْقِدُونَ مِن دِينِكُمُ الأمانَةُ، وآخِرُ ما تَفْقِدُونَ الصَّلاةُ“ ومِن جُمْلَةِ ذَلِكَ ما يَلْتَزِمُهُ بِفِعْلٍ أوْ قَوْلٍ، فَيَلْزَمُهُ الوَفاءُ بِهِ كالوَدائِعِ والعُقُودِ وما يَتَّصِلُ بِهِما. ومِن ذَلِكَ
صفحة ٧٢
الأقْوالُ الَّتِي يُحَرَّرُ بِها العَبِيدُ والنِّساءُ؛ لِأنَّهُ مُؤْتَمَنٌ في ذَلِكَ، ومِن ذَلِكَ أنْ يُراعِيَ أمانَتَهُ فَلا يُفْسِدَها بِغَصْبٍ أوْ غَيْرِهِ، وأمّا العَهْدُ فَإنَّهُ دَخَلَ فِيهِ العُقُودُ والأيْمانُ والنُّذُورُ، فَبَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّ مُراعاةَ هَذِهِ الأُمُورِ والقِيامَ بِها مُعْتَبَرٌ في حُصُولِ الفَلاحِ.
* * *
الصِّفَةُ السّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ هم عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ وإنَّما أعادَ تَعالى ذِكْرَها؛ لِأنَّ الخُشُوعَ والمُحافَظَةَ مُتَغايِرانِ غَيْرُ مُتَلازِمَيْنِ، فَإنَّ الخُشُوعَ صِفَةٌ لِلْمُصَلِّي في حالِ الأداءِ لِصَلاتِهِ، والمُحافَظَةُ إنَّما تَصِحُّ حالَ ما لَمْ يُؤَدِّها بِكَمالِها. بَلِ المُرادُ بِالمُحافَظَةِ التَّعَهُّدُ لِشُرُوطِها مِن وقْتٍ وطَهارَةٍ وغَيْرِهِما، والقِيامُ عَلى أرْكانِها وإتْمامِها حَتّى يَكُونَ ذَلِكَ دَأْبَهُ في كُلِّ وقْتٍ، ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى مَجْمُوعَ هَذِهِ الأُمُورِ قالَ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الوارِثُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الفِرْدَوْسَ هم فِيها خالِدُونَ﴾ وهاهُنا سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: لِمَ سَمّى ما يَجِدُونَهُ مِنَ الثَّوابِ والجَنَّةِ بِالمِيراثِ؟ مَعَ أنَّهُ سُبْحانَهُ حَكَمَ بِأنَّ الجَنَّةَ حَقُّهم في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ المُؤْمِنِينَ أنْفُسَهم وأمْوالَهم بِأنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ﴾ [التَّوْبَةِ: ١١١]. الجَوابُ مِن وُجُوهٍ.
الأوَّلُ: ما «رُوِيَ عَنِ الرَّسُولِ ﷺ وهو أبْيَنُ عَلى ما يُقالُ فِيهِ، وهُوَ: أنَّهُ لا مُكَلَّفٌ إلّا أعَدَّ اللَّهُ لَهُ في النّارِ ما يَسْتَحِقُّهُ إنْ عَصى، وفي الجَنَّةِ ما يَسْتَحِقُّهُ إنْ أطاعَ، وجَعَلَ لِذَلِكَ عَلامَةً. فَإذا آمَنَ مِنهُمُ البَعْضُ ولَمْ يُؤْمِنِ البَعْضُ صارَ مَنزِلُ مَن لَمْ يُؤْمِن كالمَنقُولِ إلى المُؤْمِنِينَ، وصارَ مَصِيرُهم إلى النّارِ الَّذِي لا بُدَّ مَعَهُ مِن حِرْمانِ الثَّوابِ كَمَوْتِهِمْ»، فَسُمِّيَ ذَلِكَ مِيراثًا لِهَذا الوَجْهِ، وقَدْ قالَ الفُقَهاءُ: إنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ ما مَلَكَهُ المَيِّتُ وبَيْنَ ما يُقَدِّرُ فِيهِ المَلِكُ في أنَّهُ يُورَثُ عَنْهُ، كَذَلِكَ قالُوا في الدِّيَةِ الَّتِي تَجِبُ بِالقَتْلِ: إنَّها تُورَثُ، مَعَ أنَّهُ ما مَلَكَها عَلى التَّحْقِيقِ، وذَلِكَ يَشْهَدُ لِما ذَكَرْنا، فَإنْ قِيلَ: إنَّهُ تَعالى وصَفَ كُلَّ الَّذِي يَسْتَحِقُّونَهُ إرْثًا، وعَلى ما قُلْتُمْ يَدْخُلُ في الإرْثِ ما كانَ يَسْتَحِقُّهُ غَيْرُهم لَوْ أطاعَ. قُلْنا: لا يَمْتَنِعُ أنَّهُ تَعالى جَعَلَ ما هو مَنزِلَةٌ لِهَذا المُؤْمِنِ بِعَيْنِهِ مَنزِلَةً لِذَلِكَ الكافِرِ لَوْ أطاعَ؛ لِأنَّهُ عِنْدَ ذَلِكَ كانَ يَزِيدُ في المَنازِلِ فَإذا آمَنَ هَذا عَدَلَ بِذَلِكَ إلَيْهِ.
وثانِيها: أنَّ انْتِقالَ الجَنَّةِ إلَيْهِمْ بِدُونِ مُحاسَبَةٍ ومَعْرِفَةٍ بِمَقادِيرِهِ يُشْبِهُ انْتِقالَ المالِ إلى الوارِثِ.
وثالِثُها: أنَّ الجَنَّةَ كانَتْ مَسْكَنَ أبِينا آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإذا انْتَقَلَتْ إلى أوْلادِهِ صارَ ذَلِكَ شَبِيهًا بِالمِيراثِ.
السُّؤالُ الثّانِي: كَيْفَ حَكَمَ عَلى المَوْصُوفِينَ بِالصِّفاتِ السَّبْعِ بِالفَلاحِ مَعَ أنَّهُ تَعالى ما تَمَّمَ ذِكْرَ العِباداتِ الواجِبَةِ كالصَّوْمِ والحَجِّ والطَّهارَةِ؟ والجَوابُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿والَّذِينَ هم لِأماناتِهِمْ وعَهْدِهِمْ راعُونَ﴾ يَأْتِي عَلى جَمِيعِ الواجِباتِ مِنَ الأفْعالِ والتُّرُوكِ كَما قَدَّمْنا، والطَّهاراتُ دَخَلَتْ في جُمْلَةِ المُحافَظَةِ عَلى الصَّلَواتِ الخَمْسِ؛ لِكَوْنِها مِن شَرائِطِها.
السُّؤالُ الثّالِثُ: أفَيَدُلُّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الوارِثُونَ﴾ عَلى أنَّهُ لا يَدْخُلُها غَيْرُهُمْ؟ الجَوابُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿هُمُ الوارِثُونَ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ لَكِنَّهُ يَجِبُ تَرْكُ العَمَلِ بِهِ؛ لِأنَّهُ ثَبَتَ أنَّ الجَنَّةَ يَدْخُلُها الأطْفالُ والمَجانِينُ والوِلْدانُ والحُورُ العِينُ، ويَدْخُلُها الفُسّاقُ مِن أهْلِ القِبْلَةِ بَعْدَ العَفْوِ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النِّساءِ: ٤٨].
السُّؤالُ الرّابِعُ: أفَكُلُّ الجَنَّةِ هو الفِرْدَوْسُ؟ الجَوابُ: الفِرْدَوْسُ هو الجَنَّةُ بِلِسانِ الحَبَشَةِ، وقِيلَ بِلِسانِ الرُّومِ، ورَوى أبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«الفِرْدَوْسُ مَقْصُورَةُ الرَّحْمَنِ؛ فِيها الأنْهارُ والأشْجارُ» “
صفحة ٧٣
ورَوى أبُو أُمامَةَ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ قالَ: ”«سَلُوا اللَّهَ الفِرْدَوْسَ فَإنَّها أعْلى الجِنانِ، وإنَّ أهْلَ الفِرْدَوْسِ يَسْمَعُونَ أطِيطَ العَرْشِ» “.
السُّؤالُ الخامِسُ: هَلْ تَدُلُّ الآيَةُ عَلى أنَّ هَذِهِ الصِّفاتِ هي الَّتِي لَها ولِأجْلِها يَكُونُونَ مُؤْمِنِينَ أمْ لا؟ الجَوابُ: ادَّعى القاضِي أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ بِناءً عَلى مَذْهَبِهِ أنَّ الإيمانَ اسْمٌ شَرْعِيٌّ مَوْضُوعٌ لِأداءِ كُلِّ الواجِباتِ، وعِنْدَنا أنَّ الآيَةَ لا تَدُلُّ عَلى ذَلِكَ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم في صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ﴾ مِثْلُ قَدْ أفْلَحَ النّاسُ الأذْكِياءُ العُدُولُ، فَإنَّ هَذا لا يَدُلُّ عَلى أنَّ الزَّكاةَ والعَدالَةَ داخِلانِ في مُسَمّى النّاسِ فَكَذا هاهُنا.
السُّؤالُ السّادِسُ: رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: ”«لَمّا خَلَقَ اللَّهُ تَعالى جَنَّةَ عَدْنٍ قالَ لَها: تَكَلَّمِي. فَقالَتْ: قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ» “ وقالَ كَعْبٌ: ”خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ بِيَدِهِ وكَتَبَ التَّوْراةَ بِيَدِهِ وغَرَسَ شَجَرَةَ طُوبى بِيَدِهِ، ثم قال لَها: تَكَلَّمِي. فَقالَتْ: قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ“، ورُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ”«إذا أحْسَنَ العَبْدُ الوُضُوءَ وصَلّى الصَّلاةَ لِوَقْتِها وحافَظَ عَلى رُكُوعِها وسُجُودِها ومَواقِيتِها قالَتْ: حَفِظَكَ اللَّهُ كَما حافَظْتَ عَلَيَّ، وشَفَعَتْ لِصاحِبِها، وإذا أضاعَها قالَتْ: أضاعَكَ اللَّهُ كَما ضَيَّعْتَنِي، وتُلَفُّ كَما يُلَفُّ الثَّوْبُ الخَلِقُ فَيُضْرَبُ بِها وجْهُ صاحِبِها» “ الجَوابُ: أمّا كَلامُ الجَنَّةِ فالمُرادُ بِهِ أنَّها أُعِدَّتْ لِلْمُؤْمِنِينَ، فَصارَ ذَلِكَ كالقَوْلِ مِنها، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَتا أتَيْنا طائِعِينَ﴾ [فُصِّلَتْ: ١١] وأمّا أنَّهُ تَعالى خَلَقَ الجَنَّةَ بِيَدِهِ، فالمُرادُ تَوَلّى خَلْقَها لا أنَّهُ وكَلَهُ إلى غَيْرِهِ، وأمّا أنَّ الصَّلاةَ تُثْنِي عَلى مَن قامَ بِحَقِّها فَهو في الجَوازِ أبْعَدُ مِن كَلامِ الجَنَّةِ؛ لِأنَّ الصَّلاةَ حَرَكاتٌ وسَكَناتٌ ولا يَصِحُّ عَلَيْها أنْ تَتَصَوَّرَ وتَتَكَلَّمَ، فالمُرادُ مِنهُ ضَرْبُ المَثَلِ كَما يَقُولُ القائِلُ لِلْمُنْعِمِ: إنَّ إحْسانَكَ إلَيَّ يَنْطِقُ بِالشُّكْرِ.
السُّؤالُ السّابِعُ: هَلْ تَدُلُّ الآيَةُ عَلى أنَّ الفِرْدَوْسَ مَخْلُوقَةٌ؟ الجَوابُ: قالَ القاضِي: دَلَّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُكُلُها دائِمٌ﴾ [الرَّعْدِ: ٣٥] عَلى أنَّها غَيْرُ مَخْلُوقَةٍ، فَوَجَبَ تَأْوِيلُ هَذِهِ الآيَةِ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ يَخْلُقُ اللَّهُ الجَنَّةَ مِيراثًا لِلْمُؤْمِنِينَ، أوْ: وإذا خَلَقَها تَقُولُ، عَلى مِثالِ ما تَأوَّلْنا عَلَيْهِ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ونادى أصْحابُ النّارِ أصْحابَ الجَنَّةِ﴾ [الأعْرافِ: ٥٠] وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ إضْمارُ ما ذَكَرَهُ في هَذِهِ الآيَةِ أوْلى مِن أنْ يُضْمَرَ في قَوْلِهِ: ﴿أُكُلُها دائِمٌ﴾ ثُمَّ إنَّ أُكُلَها دائِمٌ يَوْمَ القِيامَةِ، وإذا تَعارَضَ هَذانِ الظّاهِرانِ فَنَحْنُ نَتَمَسَّكُ في أنَّ الجَنَّةَ مَخْلُوقَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٣٣].
المؤمنون 23:7
صفحة ٦٧
(سُورَةُ المُؤْمِنُونَ)
مِائَةٌ وثَمانِ عَشْرَةَ آيَةً مَكِّيَّةً
﷽
﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم في صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ ﴿إلّا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ ﴿فَمَنِ ابْتَغى وراءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم لِأماناتِهِمْ وعَهْدِهِمْ راعُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ هُمُ الوارِثُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الفِرْدَوْسَ هم فِيها خالِدُونَ﴾
﷽
﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم في صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ ﴿إلّا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ ﴿فَمَنِ ابْتَغى وراءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم لِأماناتِهِمْ وعَهْدِهِمْ راعُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ هُمُ الوارِثُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الفِرْدَوْسَ هم فِيها خالِدُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ حَكَمَ بِحُصُولِ الفَلاحِ لِمَن كانَ مُسْتَجْمِعًا لِصِفاتٍ سَبْعٍ، وقَبْلَ الخَوْضِ في شَرْحِ تِلْكَ الصِّفاتِ لا بُدَّ مِن بَحْثَيْنِ:
البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّ ﴿قَدْ﴾ نَقِيضَةٌ لِـ (ما) فَـ (قَدْ) تُثْبِتُ المُتَوَقَّعَ، و(لَما) تَنْفِيهِ، ولا شَكَّ أنَّ المُؤْمِنِينَ كانُوا مُتَوَقِّعِينَ لِمِثْلِ هَذِهِ البِشارَةِ، وهي الإخْبارُ بِثَباتِ الفَلاحِ لَهم فَخُوطِبُوا بِما دَلَّ عَلى ثَباتِ ما تَوَقَّعُوهُ.
البَحْثُ الثّانِي: الفَلاحُ: الظَّفَرُ بِالمُرادِ، وقِيلَ: البَقاءُ في الخَيْرِ، وأفْلَحَ: دَخَلَ في الفَلاحِ، كَأبْشَرَ: دَخَلَ في البِشارَةِ، ويُقالُ: أفْلَحَهُ: صَيَّرَهُ إلى الفَلاحِ، وعَلَيْهِ قِراءَةُ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ ”أُفْلِحَ“ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، وعَنْهُ (أفْلَحُوا) عَلى لُغَةِ أكَلُونِي البَراغِيثُ، أوْ عَلى الإبْهامِ والتَّفْسِيرِ.
صفحة ٦٨
الصِّفَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿المُؤْمِنُونَ﴾ وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في الإيمانِ في سُورَةِ البَقَرَةِ.
الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ هم في صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ﴾ واخْتَلَفُوا في الخُشُوعِ؛ فَمِنهم مَن جَعَلَهُ مِن أفْعالِ القُلُوبِ كالخَوْفِ والرَّهْبَةِ، ومِنهم مَن جَعَلَهُ مِن أفْعالِ الجَوارِحِ كالسُّكُونِ وتَرْكِ الِالتِفاتِ، ومِنهم مَن جَمَعَ بَيْنَ الأمْرَيْنِ وهو الأوْلى. فالخاشِعُ في صَلاتِهِ لا بُدَّ وأنْ يَحْصُلَ لَهُ مِمّا يَتَعَلَّقُ بِالقَلْبِ مِنَ الأفْعالِ نِهايَةُ الخُضُوعِ والتَّذَلُّلِ لِلْمَعْبُودِ، ومِنَ التُّرُوكِ أنْ لا يَكُونَ مُلْتَفِتَ الخاطِرِ إلى شَيْءٍ سِوى التَّعْظِيمِ، ومِمّا يَتَعَلَّقُ بِالجَوارِحِ أنْ يَكُونَ ساكِنًا مُطْرِقًا ناظِرًا إلى مَوْضِعِ سُجُودِهِ، ومِنَ التُّرُوكِ أنْ لا يَلْتَفِتَ يَمِينًا ولا شَمالًا، ولَكِنَّ الخُشُوعَ الَّذِي يُرى عَلى الإنْسانِ لَيْسَ إلّا ما يَتَعَلَّقُ بِالجَوارِحِ، فَإنَّ ما يَتَعَلَّقُ بِالقَلْبِ لا يُرى، قالَ الحَسَنُ وابْنُ سِيرِينَ: «كانَ المُسْلِمُونَ يَرْفَعُونَ أبْصارَهم إلى السَّماءِ في صَلاتِهِمْ، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَفْعَلُ ذَلِكَ، فَلَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ طَأْطَأ وكانَ لا يُجاوِزُ بَصَرُهُ مُصَلّاهُ»، فَإنْ قِيلَ: فَهَلْ تَقُولُونَ: إنَّ ذَلِكَ واجِبٌ في الصَّلاةِ؟ قُلْنا: إنَّهُ عِنْدَنا واجِبٌ ويَدُلُّ عَلَيْهِ أُمُورٌ.
أحَدُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ أمْ عَلى قُلُوبٍ أقْفالُها﴾ [مُحَمَّدٍ: ٢٤] والتَّدَبُّرُ لا يُتَصَوَّرُ بِدُونِ الوُقُوفِ عَلى المَعْنى، وكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ورَتِّلِ القُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [ المُزَّمِّلِ: ٤] مَعْناهُ قِفْ عَلى عَجائِبِهِ ومَعانِيهِ.
وثانِيها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤] وظاهِرُ الأمْرِ لِلْوُجُوبِ، والغَفْلَةُ تُضادُّ الذِّكْرِ، فَمَن غَفَلَ في جَمِيعِ صَلاتِهِ كَيْفَ يَكُونُ مُقِيمًا لِلصَّلاةِ لِذِكْرِهِ.
وثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَكُنْ مِنَ الغافِلِينَ﴾ [الأعْرافِ: ٢٠٥] وظاهِرُ النَّهْيِ لِلتَّحْرِيمِ.
ورابِعُها: قَوْلُهُ: ﴿حَتّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ﴾ [ النِّساءِ: ٤٣ ] تَعْلِيلٌ لِنَهْيِ السَّكْرانِ، وهو مُطَّرِدٌ في الغافِلِ المُسْتَغْرِقِ المُهْتَمِّ بِالدُّنْيا.
وخامِسُها: قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«إنَّما الخُشُوعُ لِمَن تَمَسْكَنَ وتَواضَعَ» “ وكَلِمَةُ (إنَّما) لِلْحَصْرِ، وقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«مَن لَمْ تَنْهَهُ صَلاتُهُ عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ لَمْ يَزْدَدْ مِنَ اللَّهِ إلّا بُعْدًا» “ وصَلاةُ الغافِلِ لا تَمْنَعُ مِنَ الفَحْشاءِ، وقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «كَمْ مِن قائِمٍ حَظُّهُ مِن قِيامِهِ التَّعَبُ والنَّصَبُ» وما أرادَ بِهِ إلّا الغافِلَ، وقالَ أيْضًا: ”«لَيْسَ لِلْعَبْدِ مِن صَلاتِهِ إلّا ما عَقَلَ» “
وسادِسُها: قالَ الغَزالِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: المُصَلِّي يُناجِي رَبَّهُ، كَما ورَدَ بِهِ الخَبَرُ، والكَلامُ مَعَ الغَفْلَةِ لَيْسَ بِمُناجاةٍ البَتَّةَ، وبَيانُهُ أنَّ الإنْسانَ إذا أدّى الزَّكاةَ حالَ الغَفْلَةِ فَقَدْ حَصَلَ المَقْصُودُ مِنها عَلى بَعْضِ الوُجُوهِ، وهو كَسْرُ الحِرْصِ وإغْناءُ الفَقِيرِ، وكَذا الصَّوْمُ قاهِرٌ لِلْقُوى كاسِرٌ لِسَطْوَةِ الهَوى الَّتِي هي عَدُوَّةُ اللَّهِ تَعالى. فَلا يَبْعُدُ أنْ يَحْصُلَ مِنهُ مَقْصُودُهُ مَعَ الغَفْلَةِ، وكَذا الحَجُّ أفْعالٌ شاقَّةٌ، وفِيهِ مِنَ المُجاهَدَةِ ما يَحْصُلُ بِهِ الِابْتِلاءُ سَواءٌ كانَ القَلْبُ حاضِرًا أوْ لَمْ يَكُنْ. أمّا الصَّلاةُ فَلَيْسَ فِيها إلّا ذِكْرٌ وقِراءَةٌ ورُكُوعٌ وسُجُودٌ وقِيامٌ وقُعُودٌ، أمّا الذِّكْرُ فَإنَّهُ مُناجاةٌ مَعَ اللَّهِ تَعالى. فَإمّا أنْ يَكُونَ المَقْصُودُ مِنهُ كَوْنَهُ مُناجاةً، أوِ المَقْصُودُ مُجَرَّدُ الحُرُوفِ والأصْواتِ، ولا شَكَّ في فَسادِ هَذا القِسْمِ، فَإنَّ تَحْرِيكَ اللِّسانِ بِالهَذَيانِ لَيْسَ فِيهِ غَرَضٌ صَحِيحٌ، فَثَبَتَ أنَّ المَقْصُودَ مِنهُ المُناجاةُ، وذَلِكَ لا يَتَحَقَّقُ إلّا إذا كانَ اللِّسانُ مُعَبِّرًا عَمّا في القَلْبِ مِنَ التَّضَرُّعاتِ، فَأيُّ سُؤالٍ في قَوْلِهِ: ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ [ الفاتِحَةِ: ٦ ] وكانَ القَلْبُ غافِلًا عَنْهُ؟ بَلْ أقُولُ: لَوْ حَلَفَ إنْسانٌ، وقالَ: واللَّهِ لَأشْكُرَنَّ فُلانًا وأُثْنِي عَلَيْهِ وأسْألُهُ حاجَةً. ثُمَّ جَرَتِ الألْفاظُ الدّالَّةُ عَلى هَذِهِ المَعانِي عَلى لِسانِهِ في اليَوْمِ، لَمْ يَبَرَّ في يَمِينِهِ، ولَوْ
صفحة ٦٩
جَرى عَلى لِسانِهِ في ظُلْمَةِ اللَّيْلِ وذَلِكَ الإنْسانُ حاضِرٌ وهو لا يَعْرِفُ حُضُورَهُ ولا يَراهُ، لا يَصِيرُ بارًّا في يَمِينِهِ، ولا يَكُونُ كَلامُهُ خِطابًا مَعَهُ ما لَمْ يَكُنْ حاضِرًا بِقَلْبِهِ، ولَوْ جَرَتْ هَذِهِ الكَلِماتُ عَلى لِسانِهِ وهو حاضِرٌ في بَياضِ النَّهارِ إلّا أنَّ المُتَكَلِّمَ غافِلٌ لِكَوْنِهِ مُسْتَغْرِقَ الهَمِّ بِفِكْرٍ مِنَ الأفْكارِ، ولَمْ يَكُنْ لَهُ قَصْدُ تَوْجِيهِ الخِطابِ إلَيْهِ عِنْدَ نُطْقِهِ، لَمْ يَصِرْ بارًّا في يَمِينِهِ. ولا شَكَّ أنَّ المَقْصُودَ مِنَ القِراءَةِ الأذْكارُ والحَمْدُ والثَّناءُ والتَّضَرُّعُ والدُّعاءُ، والمُخاطَبُ هو اللَّهُ تَعالى، فَإذا كانَ القَلْبُ مَحْجُوبًا بِحِجابِ الغَفْلَةِ وكانَ غافِلًا عَنْ جَلالِ اللَّهِ وكِبْرِيائِهِ، ثُمَّ إنَّ لِسانَهُ يَتَحَرَّكُ بِحُكْمِ العادَةِ، فَما أبْعَدَ ذَلِكَ عَنِ القَبُولِ.
وأمّا الرُّكُوعُ والسُّجُودُ فالمَقْصُودُ مِنهُما التَّعْظِيمُ، ولَوْ جازَ أنْ يَكُونَ تَعْظِيمًا لِلَّهِ تَعالى مَعَ أنَّهُ غافِلٌ عَنْهُ، لَجازَ أنْ يَكُونَ تَعْظِيمًا لِلصَّنَمِ المَوْضُوعِ بَيْنَ يَدَيْهِ وهو غافِلٌ عَنْهُ، ولِأنَّهُ إذا لَمْ يَحْصُلِ التَّعْظِيمُ لَمْ يَبْقَ إلّا مُجَرَّدُ حَرَكَةِ الظَّهْرِ والرَّأْسِ، ولَيْسَ فِيها مِنَ المَشَقَّةِ ما يَصِيرُ لِأجْلِهِ عِمادًا لِلدِّينِ، وفاصِلًا بَيْنَ الكُفْرِ والإيمانِ، ويُقْدِمُ عَلى الحَجِّ والزَّكاةِ والجِهادِ وسائِرِ الطّاعاتِ الشّاقَّةِ، ويَجِبُ القَتْلُ بِسَبَبِهِ عَلى الخُصُوصِ، وبِالجُمْلَةِ فَكُلُّ عاقِلٍ يَقْطَعُ بِأنَّ مُشاهَدَةَ الخَواصِّ العَظِيمَةِ لَيْسَ أعْمالَها الظّاهِرَةَ إلّا أنْ يَنْضافَ إلَيْها مَقْصُودُ هَذِهِ المُناجاةِ، فَدَلَّتْ هَذِهِ الِاعْتِباراتُ عَلى أنَّ الصَّلاةَ لا بُدَّ فِيها مِنَ الحُضُورِ.
وسابِعُها: أنَّ الفُقَهاءَ اخْتَلَفُوا فِيما يَنْوِيهِ بِالسَّلامِ عِنْدَ الجَماعَةِ والِانْفِرادِ، هَلْ يَنْوِي الحُضُورَ أوِ الغَيْبَةَ والحُضُورَ مَعًا. فَإذا احْتِيجَ إلى التَّدَبُّرِ في مَعْنى السَّلامِ الَّذِي هو آخِرُ الصَّلاةِ فَلَأنْ يُحْتاجَ إلى التَّدَبُّرِ في مَعْنى التَّكْبِيرِ والتَّسْبِيحِ الَّتِي هي الأشْياءُ المَقْصُودَةُ مِنَ الصَّلاةِ بِالطَّرِيقِ الأوْلى، واحْتَجَّ المُخالِفُ بِأنَّ اشْتِراطَ الخُضُوعِ والخُشُوعِ عَلى خِلافِ اجْتِماعِ الفُقَهاءِ، فَلا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ. والجَوابُ مِن وُجُوهٍ.
أحَدُها: أنَّ الحُضُورَ عِنْدَنا لَيْسَ شَرْطًا لِلْإجْزاءِ، بَلْ شَرْطٌ لِلْقَبُولِ، والمُرادُ مِنَ الإجْزاءِ أنْ لا يَجِبَ القَضاءُ، والمُرادُ مِنَ القَبُولِ حُكْمُ الثَّوابِ.
والفُقَهاءُ إنَّما يَبْحَثُونَ عَنْ حُكْمِ الإجْزاءِ لا عَنْ حُكْمِ الثَّوابِ، وغَرَضُنا في هَذا المَقامِ هَذا، ومِثالُهُ في الشّاهِدِ مَنِ اسْتَعارَ مِنكَ ثَوْبًا ثُمَّ رَدَّهُ عَلى الوجه الأحْسَنِ، فَقَدْ خَرَجَ عَنِ العُهْدَةِ واسْتَحَقَّ المَدْحَ، ومَن رَماهُ إلَيْكَ عَلى وجْهِ الِاسْتِخْفافِ خَرَجَ عَنِ العُهْدَةِ، ولَكِنَّهُ اسْتَحَقَّ الذَّمَّ، كَذا مَن عَظَّمَ اللَّهَ تَعالى حالَ أدائِهِ العِبادَةَ صارَ مُقِيمًا لِلْفَرْضِ مُسْتَحِقًّا لِلثَّوابِ، ومَنِ اسْتَهانَ بِها صارَ مُقِيمًا لِلْفَرْضِ ظاهِرًا لَكِنَّهُ اسْتَحَقَّ الذَّمَّ.
وثانِيها: أنّا نَمْنَعُ هَذا الإجْماعَ، أمّا المُتَكَلِّمُونَ فَقَدِ اتَّفَقُوا عَلى أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الحُضُورِ والخُشُوعِ، واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِأنَّ السُّجُودَ لِلَّهِ تَعالى طاعَةٌ ولِلصَّنَمِ كُفْرٌ، وكُلُّ واحِدٍ مِنهُما يُماثِلُ الآخَرَ في ذاتِهِ ولَوازِمِهِ، فَلا بُدَّ مِن أمْرٍ لِأجْلِهِ صارَ السُّجُودُ في إحْدى الصُّورَتَيْنِ طاعَةً، وفي الأُخْرى مَعْصِيَةً، قالُوا: وما ذاكَ إلّا القَصْدُ والإرادَةُ، والمُرادُ مِنَ القَصْدِ إيقاعُ تِلْكَ الأفْعالِ لِداعِيَةِ الِامْتِثالِ، وهَذِهِ الدّاعِيَةُ لا يُمْكِنُ حُصُولُها إلّا عِنْدَ الحُضُورِ، فَلِهَذا اتَّفَقُوا عَلى أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الحُضُورِ، أمّا الفُقَهاءُ فَقَدْ ذَكَرَ الفَقِيهُ أبُو اللَّيْثِ رَحِمَهُ اللَّهُ في تَنْبِيهِ الغافِلِينَ أنَّ تَمامَ القِراءَةِ أنْ يَقْرَأ بِغَيْرِ لَحْنٍ، وأنْ يَقْرَأ بِالتَّفَكُّرِ.
وأمّا الغَزالِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فَإنَّهُ نَقَلَ عَنْ أبِي طالِبٍ المَكِّيِّ عَنْ بِشْرٍ الحافِي أنَّهُ قالَ: مَن لَمْ يَخْشَعْ فَسَدَتْ صَلاتُهُ. وعَنِ الحَسَنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: كُلُّ صَلاةٍ لا يَحْضُرُ فِيها القَلْبُ فَهي إلى العُقُوبَةِ أسْرَعُ. وعَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ: ”مَن عَرَفَ مَن عَلى يَمِينِهِ وشِمالِهِ مُتَعَمِّدًا وهو في الصَّلاةِ فَلا صَلاةَ لَهُ“. ورُوِيَ أيْضًا مُسْنَدًا قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«إنَّ العَبْدَ لَيُصَلِّي الصَّلاةَ لا يُكْتَبُ لَهُ سُدُسُها ولا عُشْرُها، وإنَّما يُكْتَبُ لِلْعَبْدِ مِن صَلاتِهِ ما عَقَلَ مِنها» “. وقالَ عَبْدُ الواحِدِ بْنُ زَيْدٍ: أجْمَعَتِ العُلَماءُ عَلى أنَّهُ لَيْسَ لِلْعَبْدِ مِن صَلاتِهِ إلّا ما عَقَلَ، وادَّعى فِيهِ الإجْماعَ. إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: هَبْ أنَّ الفُقَهاءَ بِأسْرِهِمْ حَكَمُوا بِالجَوازِ، ألَيْسَ الأُصُولِيُّونَ وأهْلُ الوَرَعِ ضَيَّقُوا الأمْرَ فِيها، فَهَلّا أخَذْتَ بِالِاحْتِياطِ، فَإنَّ بَعْضَ العُلَماءِ اخْتارَ
صفحة ٧٠
الإمامَةَ، فَقِيلَ لَهُ في ذَلِكَ فَقالَ: أخافُ إنْ تَرَكْتُ الفاتِحَةَ أنْ يُعاتِبَنِي الشّافِعِيُّ، وإنْ قَرَأْتُها مَعَ الإمامِ أنْ يُعاتِبَنِي أبُو حَنِيفَةَ، فاخْتَرْتُ الإمامَةَ طَلَبًا لِلْخَلاصِ عَنْ هَذا الِاخْتِلافِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ هم عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ وفي اللَّغْوِ أقْوالٌ.
أحَدُها: أنَّهُ يَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ ما كانَ حَرامًا أوْ مَكْرُوهًا أوْ كانَ مُباحًا، ولَكِنْ لا يَكُونُ بِالمَرْءِ إلَيْهِ ضَرُورَةٌ وحاجَةٌ.
وثانِيها: أنَّهُ عِبارَةٌ عَنْ كُلِّ ما كانَ حَرامًا فَقَطْ، وهَذا التَّفْسِيرُ أخَصُّ مِنَ الأوَّلِ.
وثالِثُها: أنَّهُ عِبارَةٌ عَنِ المَعْصِيَةِ في القَوْلِ والكَلامِ خاصَّةً، وهَذا أخَصُّ مِنَ الثّانِي.
ورابِعُها: أنَّهُ المُباحُ الَّذِي لا حاجَةَ إلَيْهِ، واحْتَجَّ هَذا القائِلُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ في أيْمانِكُمْ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٢٥] فَكَيْفَ يُحْمَلُ ذَلِكَ عَلى المَعاصِي الَّتِي لا بُدَّ فِيها مِنَ المُؤاخَذَةِ، واحْتَجَّ الأوَّلُونَ بِأنَّ اللَّغْوَ إنَّما سُمِّيَ لَغْوًا بِما أنَّهُ يُلْغى، وكُلُّ ما يَقْتَضِي الدِّينُ إلْغاءَهُ كانَ أوْلى بِاسْمِ اللَّغْوِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ كُلُّ حَرامٍ لَغْوًا، ثُمَّ اللَّغْوُ قَدْ يَكُونُ كُفْرًا لِقَوْلِهِ: ﴿لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ والغَوْا فِيهِ﴾ [فُصِّلَتْ: ٢٦] وقَدْ يَكُونُ كَذِبًا لِقَوْلِهِ: ﴿لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً﴾ [الغاشِيَةِ: ١١] وقَوْلِهِ: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ولا تَأْثِيمًا﴾ [الواقِعَةِ: ٢٥] ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى مَدَحَهم بِأنَّهم يُعْرِضُونَ عَنْ هَذا اللَّغْوِ، والإعْراضُ عَنْهُ هو بِأنْ لا يَفْعَلَهُ ولا يَرْضى بِهِ ولا يُخالِطَ مَن يَأْتِيهِ، وعَلى هَذا الوجه قالَ تَعالى: ﴿وإذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرامًا﴾ [الفُرْقانِ: ٧٢] واعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا وصَفَهم بِالخُشُوعِ في الصَّلاةِ أتْبَعَهُ الوَصْفَ بِالإعْراضِ عَنِ اللَّغْوِ، لِيَجْمَعَ لَهُمُ الفِعْلَ والتَّرْكَ الشّاقَّيْنِ عَلى الأنْفُسِ اللَّذَيْنِ هُما قاعِدَتا بِناءِ التَّكْلِيفِ، وهو أعْلَمُ.
* * *
الصِّفَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ هم لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ﴾ وفي الزَّكاةِ قَوْلانِ، أحَدُهُما: قَوْلُ أبِي مُسْلِمٍ أنَّ فِعْلَ الزَّكاةِ يَقَعُ عَلى كُلِّ فِعْلٍ مَحْمُودٍ مَرَضِيٍّ، كَقَوْلِهِ: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ [الأعْلى: ١٤] وقَوْلِهِ: ﴿فَلا تُزَكُّوا أنْفُسَكُمْ﴾ [النَّجْمِ: ٣٢] ومِن جُمْلَتِهِ ما يَخْرُجُ مِن حَقِّ المالِ، وإنَّما سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّها تُطَهِّرُ مِنَ الذُّنُوبِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿تُطَهِّرُهم وتُزَكِّيهِمْ بِها﴾ [التَّوْبَةِ: ١٠٣].
والثّانِي: وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ أنَّهُ الحَقُّ الواجِبُ في الأمْوالِ خاصَّةً، وهَذا هو الأقْرَبُ؛ لِأنَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ قَدِ اخْتَصَّتْ في الشَّرْعِ بِهَذا المَعْنى، فَإنْ قِيلَ: إنَّهُ لا يُقالُ في الكَلامِ الفَصِيحِ: إنَّهُ فَعَلَ الزَّكاةَ، قُلْنا: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: الزَّكاةُ اسْمٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ عَيْنٍ ومَعْنًى، فالعَيْنُ القَدْرُ الَّذِي يُخْرِجُهُ المُزَكِّي مِنَ النِّصابِ إلى الفَقِيرِ، والمَعْنى فِعْلُ المُزَكِّي الَّذِي هو التَّزْكِيَةُ، وهو الَّذِي أرادَهُ اللَّهُ تَعالى فَجَعَلَ المُزَكِّينَ فاعِلِينَ لَهُ ولا يَسُوغُ فِيهِ غَيْرُهُ؛ لِأنَّهُ ما مِن مَصْدَرٍ إلّا يُعَبَّرُ عَنْ مَعْناهُ بِالفِعْلِ. ويُقالُ لِمُحَدِثِهِ: فاعِلٌ، يُقالُ لِلضّارِبِ: فاعِلُ الضَّرْبِ، ولِلْقاتِلِ: فاعِلُ القَتْلِ، ولِلْمُزَكِّي: فاعِلُ الزَّكاةِ، وعَلى هَذا الكَلامِ كُلِّهِ يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالزَّكاةِ العَيْنُ، ويُقَدَّرَ مُضافٌ مَحْذُوفٌ وهو الأداءُ، فَإنْ قِيلَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى هُناكَ لَمْ يَفْصِلْ بَيْنَ الصَّلاةِ والزَّكاةِ، فَلِمَ فَصَلَ هاهُنا بَيْنَهُما بِقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ هم عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ ؟ قُلْنا: لِأنَّ الإعْراضَ عَنِ اللَّغْوِ مِن مُتَمِّماتِ الصَّلاةِ.
* * *
الصِّفَةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ ﴿إلّا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ وفِيهِ سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: لِمَ لَمْ يَقُلْ: إلّا عَنْ أزْواجِهِمْ؟ الجَوابُ: قالَ الفَرّاءُ: مَعْناهُ: إلّا مِن أزْواجِهِمْ، وذَكَرَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ فِيهِ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ.
أحَدُها: أنَّهُ في مَوْضِعِ الحالِ؛ أيْ: إلّا والِينَ عَلى أزْواجِهِمْ أوْ قَوّامِينَ عَلَيْهِنَّ، مِن قَوْلِكَ: كانَ فُلانٌ عَلى فُلانَةٍ، ونَظِيرُهُ كانَ زِيادٌ عَلى البَصْرَةِ؛ أيْ والِيًا عَلَيْها، ومِنهُ قَوْلُهُمْ: فُلانَةٌ تَحْتَ فُلانٍ، ومِن ثَمَّ
صفحة ٧١
سُمِّيَتِ المَرْأةُ فِراشًا. والمَعْنى أنَّهم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ في كافَّةِ الأحْوالِ إلّا في حالِ تَزْوِيجِهِمْ أوْ تَسَرِّيهِمْ.
وثانِيها: أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: يُلامُونَ إلّا عَلى أزْواجِهِمْ؛ أيْ: يُلامُونَ عَلى كُلِّ مُباشَرَةٍ إلّا عَلى ما أُطْلِقَ لَهم فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ عَلَيْهِ، وهو قَوْلُ الزَّجّاجِ.
وثالِثُها: أنْ تَجْعَلَهُ صِلَةً لِـ ﴿حافِظُونَ﴾.
السُّؤالُ الثّانِي: هَلّا قِيلَ: مَن مَلَكَتْ؟ الجَوابُ: لِأنَّهُ اجْتَمَعَ في السُّرِّيَّةِ وصْفانِ، أحَدُهُما: الأُنُوثَةُ وهي مَظِنَّةُ نُقْصانِ العَقْلِ، والآخَرُ كَوْنُها بِحَيْثُ تُباعُ وتُشْتَرى كَسائِرِ السِّلَعِ، فَلِاجْتِماعِ هَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ فِيها جُعِلَتْ كَأنَّها لَيْسَتْ مِنَ العُقَلاءِ.
السُّؤالُ الثّالِثُ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى تَحْرِيمِ المُتْعَةِ عَلى ما يُرْوى عَنِ القاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ؟ الجَوابُ: نَعَمْ، وتَقْرِيرُهُ أنَّها لَيْسَتْ زَوْجَةً لَهُ فَوَجَبَ أنْ لا تَحِلَّ لَهُ، وإنَّما قُلْنا: إنَّها لَيْسَتْ زَوْجَةً لَهُ؛ لِأنَّهُما لا يَتَوارَثانِ بِالإجْماعِ، ولَوْ كانَتْ زَوْجَةً لَهُ لَحَصَلَ التَّوارُثُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَكم نِصْفُ ما تَرَكَ أزْواجُكُمْ﴾ [النِّساءِ: ١٢] وإذا ثَبَتَ أنَّها لَيْسَتْ بِزَوْجَةٍ لَهُ وجَبَ أنْ لا تَحِلَّ لَهُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلّا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ﴾ وهو أعْلَمُ.
السُّؤالُ الرّابِعُ: ألَيْسَ لا يَحِلُّ لَهُ في الزَّوْجَةِ ومِلْكِ اليَمِينِ الِاسْتِمْتاعُ في أحْوالٍ كَحالِ الحَيْضِ وحالِ العِدَّةِ، وفي الأمَةِ حالَ تَزْوِيجِها مِنَ الغَيْرِ وحالَ عِدَّتِها، وكَذا الغُلامُ داخِلٌ في ظاهِرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ﴾ والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ.
أحَدُهُما: أنَّ مَذْهَبَ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ أنَّ الِاسْتِثْناءَ مِنَ النَّفْيِ لا يَكُونُ إثْباتًا، واحْتَجَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«لا صَلاةَ إلّا بِطُهُورٍ، ولا نِكاحَ إلّا بِوَلِيٍّ» “ فَإنَّ ذَلِكَ لا يَقْتَضِي حُصُولَ الصَّلاةِ بِمُجَرَّدِ حُصُولِ الطُّهُورِ، وحُصُولَ النِّكاحِ بِمُجَرَّدِ حُصُولِ الوَلِيِّ. وفائِدَةُ الِاسْتِثْناءِ صَرْفُ الحُكْمِ لا صَرْفُ المَحْكُومِ بِهِ، فَقَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ ﴿إلّا عَلى أزْواجِهِمْ﴾ مَعْناهُ أنَّهُ يَجِبُ حِفْظُ الفُرُوجِ عَنِ الكُلِّ إلّا في هاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ فَإنِّي ما ذَكَرْتُ حُكْمَهُما لا بِالنَّفْيِ ولا بِالإثْباتِ.
الثّانِي: أنّا إنْ سَلَّمْنا أنَّ الِاسْتِثْناءَ مِنَ النَّفْيِ إثْباتٌ، فَغايَتُهُ أنَّهُ عامٌّ دَخَلَهُ التَّخْصِيصُ بِالدَّلِيلِ فَيَبْقى فِيما وراءَهُ حُجَّةً.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ يَعْنِي الكامِلُونَ في العُدْوانِ المُتَناهُونَ فِيهِ.
* * *
الصِّفَةُ السّادِسَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ هم لِأماناتِهِمْ وعَهْدِهِمْ راعُونَ﴾ قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ (لِأمانَتِهِمْ) واعْلَمْ أنَّهُ يُسَمّى الشَّيْءُ المُؤْتَمَنُ عَلَيْهِ والمُعاهَدُ عَلَيْهِ أمانَةً وعَهْدًا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم أنْ تُؤَدُّوا الأماناتِ إلى أهْلِها﴾ [النِّساءِ: ٥٨] وقالَ: ﴿وتَخُونُوا أماناتِكُمْ﴾ [الأنْفالِ: ٢٧] وإنَّما تُؤَدّى العُيُونُ دُونَ المَعانِي، فَكانَ المُؤْتَمَنُ عَلَيْهِ الأمانَةُ في نَفْسِها. والعَهْدُ ما عَقَدَهُ عَلى نَفْسِهِ فِيما يُقَرِّبُهُ إلى رَبِّهِ، ويَقَعُ أيْضًا عَلى ما أمَرَ اللَّهُ تَعالى بِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ عَهِدَ إلَيْنا﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٨٣] والرّاعِي: القائِمُ عَلى الشَّيْءِ لِحِفْظٍ وإصْلاحٍ كَراعِي الغَنَمِ وراعِي الرَّعِيَّةِ، ويُقالُ: مَن راعِي هَذا الشَّيْءِ؟ أيْ: مُتَوَلِّيهِ. واعْلَمْ أنَّ الأمانَةَ تَتَناوَلُ كُلَّ ما تَرْكُهُ يَكُونُ داخِلًا في الخِيانَةِ، وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ والرَّسُولَ وتَخُونُوا أماناتِكُمْ﴾ [الأنْفالِ: ٢٧] فَمِن ذَلِكَ العِباداتُ الَّتِي المَرْءُ مُؤْتَمَنٌ عَلَيْها، وكُلُّ العِباداتِ تَدْخُلُ في ذَلِكَ؛ لِأنَّها إمّا أنْ تَخْفى أصْلًا كالصَّوْمِ وغُسْلِ الجَنابَةِ وإسْباغِ الوُضُوءِ، أوْ تَخْفى كَيْفِيَّةُ إتْيانِهِ بِها، وقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«أعْظَمُ النّاسِ خِيانَةً مَن لَمْ يُتِمَّ صَلاتَهُ» “ وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ”أوَّلُ ما تَفْقِدُونَ مِن دِينِكُمُ الأمانَةُ، وآخِرُ ما تَفْقِدُونَ الصَّلاةُ“ ومِن جُمْلَةِ ذَلِكَ ما يَلْتَزِمُهُ بِفِعْلٍ أوْ قَوْلٍ، فَيَلْزَمُهُ الوَفاءُ بِهِ كالوَدائِعِ والعُقُودِ وما يَتَّصِلُ بِهِما. ومِن ذَلِكَ
صفحة ٧٢
الأقْوالُ الَّتِي يُحَرَّرُ بِها العَبِيدُ والنِّساءُ؛ لِأنَّهُ مُؤْتَمَنٌ في ذَلِكَ، ومِن ذَلِكَ أنْ يُراعِيَ أمانَتَهُ فَلا يُفْسِدَها بِغَصْبٍ أوْ غَيْرِهِ، وأمّا العَهْدُ فَإنَّهُ دَخَلَ فِيهِ العُقُودُ والأيْمانُ والنُّذُورُ، فَبَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّ مُراعاةَ هَذِهِ الأُمُورِ والقِيامَ بِها مُعْتَبَرٌ في حُصُولِ الفَلاحِ.
* * *
الصِّفَةُ السّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ هم عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ وإنَّما أعادَ تَعالى ذِكْرَها؛ لِأنَّ الخُشُوعَ والمُحافَظَةَ مُتَغايِرانِ غَيْرُ مُتَلازِمَيْنِ، فَإنَّ الخُشُوعَ صِفَةٌ لِلْمُصَلِّي في حالِ الأداءِ لِصَلاتِهِ، والمُحافَظَةُ إنَّما تَصِحُّ حالَ ما لَمْ يُؤَدِّها بِكَمالِها. بَلِ المُرادُ بِالمُحافَظَةِ التَّعَهُّدُ لِشُرُوطِها مِن وقْتٍ وطَهارَةٍ وغَيْرِهِما، والقِيامُ عَلى أرْكانِها وإتْمامِها حَتّى يَكُونَ ذَلِكَ دَأْبَهُ في كُلِّ وقْتٍ، ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى مَجْمُوعَ هَذِهِ الأُمُورِ قالَ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الوارِثُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الفِرْدَوْسَ هم فِيها خالِدُونَ﴾ وهاهُنا سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: لِمَ سَمّى ما يَجِدُونَهُ مِنَ الثَّوابِ والجَنَّةِ بِالمِيراثِ؟ مَعَ أنَّهُ سُبْحانَهُ حَكَمَ بِأنَّ الجَنَّةَ حَقُّهم في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ المُؤْمِنِينَ أنْفُسَهم وأمْوالَهم بِأنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ﴾ [التَّوْبَةِ: ١١١]. الجَوابُ مِن وُجُوهٍ.
الأوَّلُ: ما «رُوِيَ عَنِ الرَّسُولِ ﷺ وهو أبْيَنُ عَلى ما يُقالُ فِيهِ، وهُوَ: أنَّهُ لا مُكَلَّفٌ إلّا أعَدَّ اللَّهُ لَهُ في النّارِ ما يَسْتَحِقُّهُ إنْ عَصى، وفي الجَنَّةِ ما يَسْتَحِقُّهُ إنْ أطاعَ، وجَعَلَ لِذَلِكَ عَلامَةً. فَإذا آمَنَ مِنهُمُ البَعْضُ ولَمْ يُؤْمِنِ البَعْضُ صارَ مَنزِلُ مَن لَمْ يُؤْمِن كالمَنقُولِ إلى المُؤْمِنِينَ، وصارَ مَصِيرُهم إلى النّارِ الَّذِي لا بُدَّ مَعَهُ مِن حِرْمانِ الثَّوابِ كَمَوْتِهِمْ»، فَسُمِّيَ ذَلِكَ مِيراثًا لِهَذا الوَجْهِ، وقَدْ قالَ الفُقَهاءُ: إنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ ما مَلَكَهُ المَيِّتُ وبَيْنَ ما يُقَدِّرُ فِيهِ المَلِكُ في أنَّهُ يُورَثُ عَنْهُ، كَذَلِكَ قالُوا في الدِّيَةِ الَّتِي تَجِبُ بِالقَتْلِ: إنَّها تُورَثُ، مَعَ أنَّهُ ما مَلَكَها عَلى التَّحْقِيقِ، وذَلِكَ يَشْهَدُ لِما ذَكَرْنا، فَإنْ قِيلَ: إنَّهُ تَعالى وصَفَ كُلَّ الَّذِي يَسْتَحِقُّونَهُ إرْثًا، وعَلى ما قُلْتُمْ يَدْخُلُ في الإرْثِ ما كانَ يَسْتَحِقُّهُ غَيْرُهم لَوْ أطاعَ. قُلْنا: لا يَمْتَنِعُ أنَّهُ تَعالى جَعَلَ ما هو مَنزِلَةٌ لِهَذا المُؤْمِنِ بِعَيْنِهِ مَنزِلَةً لِذَلِكَ الكافِرِ لَوْ أطاعَ؛ لِأنَّهُ عِنْدَ ذَلِكَ كانَ يَزِيدُ في المَنازِلِ فَإذا آمَنَ هَذا عَدَلَ بِذَلِكَ إلَيْهِ.
وثانِيها: أنَّ انْتِقالَ الجَنَّةِ إلَيْهِمْ بِدُونِ مُحاسَبَةٍ ومَعْرِفَةٍ بِمَقادِيرِهِ يُشْبِهُ انْتِقالَ المالِ إلى الوارِثِ.
وثالِثُها: أنَّ الجَنَّةَ كانَتْ مَسْكَنَ أبِينا آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإذا انْتَقَلَتْ إلى أوْلادِهِ صارَ ذَلِكَ شَبِيهًا بِالمِيراثِ.
السُّؤالُ الثّانِي: كَيْفَ حَكَمَ عَلى المَوْصُوفِينَ بِالصِّفاتِ السَّبْعِ بِالفَلاحِ مَعَ أنَّهُ تَعالى ما تَمَّمَ ذِكْرَ العِباداتِ الواجِبَةِ كالصَّوْمِ والحَجِّ والطَّهارَةِ؟ والجَوابُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿والَّذِينَ هم لِأماناتِهِمْ وعَهْدِهِمْ راعُونَ﴾ يَأْتِي عَلى جَمِيعِ الواجِباتِ مِنَ الأفْعالِ والتُّرُوكِ كَما قَدَّمْنا، والطَّهاراتُ دَخَلَتْ في جُمْلَةِ المُحافَظَةِ عَلى الصَّلَواتِ الخَمْسِ؛ لِكَوْنِها مِن شَرائِطِها.
السُّؤالُ الثّالِثُ: أفَيَدُلُّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الوارِثُونَ﴾ عَلى أنَّهُ لا يَدْخُلُها غَيْرُهُمْ؟ الجَوابُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿هُمُ الوارِثُونَ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ لَكِنَّهُ يَجِبُ تَرْكُ العَمَلِ بِهِ؛ لِأنَّهُ ثَبَتَ أنَّ الجَنَّةَ يَدْخُلُها الأطْفالُ والمَجانِينُ والوِلْدانُ والحُورُ العِينُ، ويَدْخُلُها الفُسّاقُ مِن أهْلِ القِبْلَةِ بَعْدَ العَفْوِ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النِّساءِ: ٤٨].
السُّؤالُ الرّابِعُ: أفَكُلُّ الجَنَّةِ هو الفِرْدَوْسُ؟ الجَوابُ: الفِرْدَوْسُ هو الجَنَّةُ بِلِسانِ الحَبَشَةِ، وقِيلَ بِلِسانِ الرُّومِ، ورَوى أبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«الفِرْدَوْسُ مَقْصُورَةُ الرَّحْمَنِ؛ فِيها الأنْهارُ والأشْجارُ» “
صفحة ٧٣
ورَوى أبُو أُمامَةَ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ قالَ: ”«سَلُوا اللَّهَ الفِرْدَوْسَ فَإنَّها أعْلى الجِنانِ، وإنَّ أهْلَ الفِرْدَوْسِ يَسْمَعُونَ أطِيطَ العَرْشِ» “.
السُّؤالُ الخامِسُ: هَلْ تَدُلُّ الآيَةُ عَلى أنَّ هَذِهِ الصِّفاتِ هي الَّتِي لَها ولِأجْلِها يَكُونُونَ مُؤْمِنِينَ أمْ لا؟ الجَوابُ: ادَّعى القاضِي أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ بِناءً عَلى مَذْهَبِهِ أنَّ الإيمانَ اسْمٌ شَرْعِيٌّ مَوْضُوعٌ لِأداءِ كُلِّ الواجِباتِ، وعِنْدَنا أنَّ الآيَةَ لا تَدُلُّ عَلى ذَلِكَ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم في صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ﴾ مِثْلُ قَدْ أفْلَحَ النّاسُ الأذْكِياءُ العُدُولُ، فَإنَّ هَذا لا يَدُلُّ عَلى أنَّ الزَّكاةَ والعَدالَةَ داخِلانِ في مُسَمّى النّاسِ فَكَذا هاهُنا.
السُّؤالُ السّادِسُ: رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: ”«لَمّا خَلَقَ اللَّهُ تَعالى جَنَّةَ عَدْنٍ قالَ لَها: تَكَلَّمِي. فَقالَتْ: قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ» “ وقالَ كَعْبٌ: ”خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ بِيَدِهِ وكَتَبَ التَّوْراةَ بِيَدِهِ وغَرَسَ شَجَرَةَ طُوبى بِيَدِهِ، ثم قال لَها: تَكَلَّمِي. فَقالَتْ: قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ“، ورُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ”«إذا أحْسَنَ العَبْدُ الوُضُوءَ وصَلّى الصَّلاةَ لِوَقْتِها وحافَظَ عَلى رُكُوعِها وسُجُودِها ومَواقِيتِها قالَتْ: حَفِظَكَ اللَّهُ كَما حافَظْتَ عَلَيَّ، وشَفَعَتْ لِصاحِبِها، وإذا أضاعَها قالَتْ: أضاعَكَ اللَّهُ كَما ضَيَّعْتَنِي، وتُلَفُّ كَما يُلَفُّ الثَّوْبُ الخَلِقُ فَيُضْرَبُ بِها وجْهُ صاحِبِها» “ الجَوابُ: أمّا كَلامُ الجَنَّةِ فالمُرادُ بِهِ أنَّها أُعِدَّتْ لِلْمُؤْمِنِينَ، فَصارَ ذَلِكَ كالقَوْلِ مِنها، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَتا أتَيْنا طائِعِينَ﴾ [فُصِّلَتْ: ١١] وأمّا أنَّهُ تَعالى خَلَقَ الجَنَّةَ بِيَدِهِ، فالمُرادُ تَوَلّى خَلْقَها لا أنَّهُ وكَلَهُ إلى غَيْرِهِ، وأمّا أنَّ الصَّلاةَ تُثْنِي عَلى مَن قامَ بِحَقِّها فَهو في الجَوازِ أبْعَدُ مِن كَلامِ الجَنَّةِ؛ لِأنَّ الصَّلاةَ حَرَكاتٌ وسَكَناتٌ ولا يَصِحُّ عَلَيْها أنْ تَتَصَوَّرَ وتَتَكَلَّمَ، فالمُرادُ مِنهُ ضَرْبُ المَثَلِ كَما يَقُولُ القائِلُ لِلْمُنْعِمِ: إنَّ إحْسانَكَ إلَيَّ يَنْطِقُ بِالشُّكْرِ.
السُّؤالُ السّابِعُ: هَلْ تَدُلُّ الآيَةُ عَلى أنَّ الفِرْدَوْسَ مَخْلُوقَةٌ؟ الجَوابُ: قالَ القاضِي: دَلَّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُكُلُها دائِمٌ﴾ [الرَّعْدِ: ٣٥] عَلى أنَّها غَيْرُ مَخْلُوقَةٍ، فَوَجَبَ تَأْوِيلُ هَذِهِ الآيَةِ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ يَخْلُقُ اللَّهُ الجَنَّةَ مِيراثًا لِلْمُؤْمِنِينَ، أوْ: وإذا خَلَقَها تَقُولُ، عَلى مِثالِ ما تَأوَّلْنا عَلَيْهِ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ونادى أصْحابُ النّارِ أصْحابَ الجَنَّةِ﴾ [الأعْرافِ: ٥٠] وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ إضْمارُ ما ذَكَرَهُ في هَذِهِ الآيَةِ أوْلى مِن أنْ يُضْمَرَ في قَوْلِهِ: ﴿أُكُلُها دائِمٌ﴾ ثُمَّ إنَّ أُكُلَها دائِمٌ يَوْمَ القِيامَةِ، وإذا تَعارَضَ هَذانِ الظّاهِرانِ فَنَحْنُ نَتَمَسَّكُ في أنَّ الجَنَّةَ مَخْلُوقَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٣٣].
المؤمنون 23:8
صفحة ٦٧
(سُورَةُ المُؤْمِنُونَ)
مِائَةٌ وثَمانِ عَشْرَةَ آيَةً مَكِّيَّةً
﷽
﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم في صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ ﴿إلّا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ ﴿فَمَنِ ابْتَغى وراءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم لِأماناتِهِمْ وعَهْدِهِمْ راعُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ هُمُ الوارِثُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الفِرْدَوْسَ هم فِيها خالِدُونَ﴾
﷽
﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم في صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ ﴿إلّا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ ﴿فَمَنِ ابْتَغى وراءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم لِأماناتِهِمْ وعَهْدِهِمْ راعُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ هُمُ الوارِثُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الفِرْدَوْسَ هم فِيها خالِدُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ حَكَمَ بِحُصُولِ الفَلاحِ لِمَن كانَ مُسْتَجْمِعًا لِصِفاتٍ سَبْعٍ، وقَبْلَ الخَوْضِ في شَرْحِ تِلْكَ الصِّفاتِ لا بُدَّ مِن بَحْثَيْنِ:
البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّ ﴿قَدْ﴾ نَقِيضَةٌ لِـ (ما) فَـ (قَدْ) تُثْبِتُ المُتَوَقَّعَ، و(لَما) تَنْفِيهِ، ولا شَكَّ أنَّ المُؤْمِنِينَ كانُوا مُتَوَقِّعِينَ لِمِثْلِ هَذِهِ البِشارَةِ، وهي الإخْبارُ بِثَباتِ الفَلاحِ لَهم فَخُوطِبُوا بِما دَلَّ عَلى ثَباتِ ما تَوَقَّعُوهُ.
البَحْثُ الثّانِي: الفَلاحُ: الظَّفَرُ بِالمُرادِ، وقِيلَ: البَقاءُ في الخَيْرِ، وأفْلَحَ: دَخَلَ في الفَلاحِ، كَأبْشَرَ: دَخَلَ في البِشارَةِ، ويُقالُ: أفْلَحَهُ: صَيَّرَهُ إلى الفَلاحِ، وعَلَيْهِ قِراءَةُ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ ”أُفْلِحَ“ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، وعَنْهُ (أفْلَحُوا) عَلى لُغَةِ أكَلُونِي البَراغِيثُ، أوْ عَلى الإبْهامِ والتَّفْسِيرِ.
صفحة ٦٨
الصِّفَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿المُؤْمِنُونَ﴾ وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في الإيمانِ في سُورَةِ البَقَرَةِ.
الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ هم في صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ﴾ واخْتَلَفُوا في الخُشُوعِ؛ فَمِنهم مَن جَعَلَهُ مِن أفْعالِ القُلُوبِ كالخَوْفِ والرَّهْبَةِ، ومِنهم مَن جَعَلَهُ مِن أفْعالِ الجَوارِحِ كالسُّكُونِ وتَرْكِ الِالتِفاتِ، ومِنهم مَن جَمَعَ بَيْنَ الأمْرَيْنِ وهو الأوْلى. فالخاشِعُ في صَلاتِهِ لا بُدَّ وأنْ يَحْصُلَ لَهُ مِمّا يَتَعَلَّقُ بِالقَلْبِ مِنَ الأفْعالِ نِهايَةُ الخُضُوعِ والتَّذَلُّلِ لِلْمَعْبُودِ، ومِنَ التُّرُوكِ أنْ لا يَكُونَ مُلْتَفِتَ الخاطِرِ إلى شَيْءٍ سِوى التَّعْظِيمِ، ومِمّا يَتَعَلَّقُ بِالجَوارِحِ أنْ يَكُونَ ساكِنًا مُطْرِقًا ناظِرًا إلى مَوْضِعِ سُجُودِهِ، ومِنَ التُّرُوكِ أنْ لا يَلْتَفِتَ يَمِينًا ولا شَمالًا، ولَكِنَّ الخُشُوعَ الَّذِي يُرى عَلى الإنْسانِ لَيْسَ إلّا ما يَتَعَلَّقُ بِالجَوارِحِ، فَإنَّ ما يَتَعَلَّقُ بِالقَلْبِ لا يُرى، قالَ الحَسَنُ وابْنُ سِيرِينَ: «كانَ المُسْلِمُونَ يَرْفَعُونَ أبْصارَهم إلى السَّماءِ في صَلاتِهِمْ، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَفْعَلُ ذَلِكَ، فَلَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ طَأْطَأ وكانَ لا يُجاوِزُ بَصَرُهُ مُصَلّاهُ»، فَإنْ قِيلَ: فَهَلْ تَقُولُونَ: إنَّ ذَلِكَ واجِبٌ في الصَّلاةِ؟ قُلْنا: إنَّهُ عِنْدَنا واجِبٌ ويَدُلُّ عَلَيْهِ أُمُورٌ.
أحَدُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ أمْ عَلى قُلُوبٍ أقْفالُها﴾ [مُحَمَّدٍ: ٢٤] والتَّدَبُّرُ لا يُتَصَوَّرُ بِدُونِ الوُقُوفِ عَلى المَعْنى، وكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ورَتِّلِ القُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [ المُزَّمِّلِ: ٤] مَعْناهُ قِفْ عَلى عَجائِبِهِ ومَعانِيهِ.
وثانِيها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤] وظاهِرُ الأمْرِ لِلْوُجُوبِ، والغَفْلَةُ تُضادُّ الذِّكْرِ، فَمَن غَفَلَ في جَمِيعِ صَلاتِهِ كَيْفَ يَكُونُ مُقِيمًا لِلصَّلاةِ لِذِكْرِهِ.
وثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَكُنْ مِنَ الغافِلِينَ﴾ [الأعْرافِ: ٢٠٥] وظاهِرُ النَّهْيِ لِلتَّحْرِيمِ.
ورابِعُها: قَوْلُهُ: ﴿حَتّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ﴾ [ النِّساءِ: ٤٣ ] تَعْلِيلٌ لِنَهْيِ السَّكْرانِ، وهو مُطَّرِدٌ في الغافِلِ المُسْتَغْرِقِ المُهْتَمِّ بِالدُّنْيا.
وخامِسُها: قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«إنَّما الخُشُوعُ لِمَن تَمَسْكَنَ وتَواضَعَ» “ وكَلِمَةُ (إنَّما) لِلْحَصْرِ، وقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«مَن لَمْ تَنْهَهُ صَلاتُهُ عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ لَمْ يَزْدَدْ مِنَ اللَّهِ إلّا بُعْدًا» “ وصَلاةُ الغافِلِ لا تَمْنَعُ مِنَ الفَحْشاءِ، وقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «كَمْ مِن قائِمٍ حَظُّهُ مِن قِيامِهِ التَّعَبُ والنَّصَبُ» وما أرادَ بِهِ إلّا الغافِلَ، وقالَ أيْضًا: ”«لَيْسَ لِلْعَبْدِ مِن صَلاتِهِ إلّا ما عَقَلَ» “
وسادِسُها: قالَ الغَزالِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: المُصَلِّي يُناجِي رَبَّهُ، كَما ورَدَ بِهِ الخَبَرُ، والكَلامُ مَعَ الغَفْلَةِ لَيْسَ بِمُناجاةٍ البَتَّةَ، وبَيانُهُ أنَّ الإنْسانَ إذا أدّى الزَّكاةَ حالَ الغَفْلَةِ فَقَدْ حَصَلَ المَقْصُودُ مِنها عَلى بَعْضِ الوُجُوهِ، وهو كَسْرُ الحِرْصِ وإغْناءُ الفَقِيرِ، وكَذا الصَّوْمُ قاهِرٌ لِلْقُوى كاسِرٌ لِسَطْوَةِ الهَوى الَّتِي هي عَدُوَّةُ اللَّهِ تَعالى. فَلا يَبْعُدُ أنْ يَحْصُلَ مِنهُ مَقْصُودُهُ مَعَ الغَفْلَةِ، وكَذا الحَجُّ أفْعالٌ شاقَّةٌ، وفِيهِ مِنَ المُجاهَدَةِ ما يَحْصُلُ بِهِ الِابْتِلاءُ سَواءٌ كانَ القَلْبُ حاضِرًا أوْ لَمْ يَكُنْ. أمّا الصَّلاةُ فَلَيْسَ فِيها إلّا ذِكْرٌ وقِراءَةٌ ورُكُوعٌ وسُجُودٌ وقِيامٌ وقُعُودٌ، أمّا الذِّكْرُ فَإنَّهُ مُناجاةٌ مَعَ اللَّهِ تَعالى. فَإمّا أنْ يَكُونَ المَقْصُودُ مِنهُ كَوْنَهُ مُناجاةً، أوِ المَقْصُودُ مُجَرَّدُ الحُرُوفِ والأصْواتِ، ولا شَكَّ في فَسادِ هَذا القِسْمِ، فَإنَّ تَحْرِيكَ اللِّسانِ بِالهَذَيانِ لَيْسَ فِيهِ غَرَضٌ صَحِيحٌ، فَثَبَتَ أنَّ المَقْصُودَ مِنهُ المُناجاةُ، وذَلِكَ لا يَتَحَقَّقُ إلّا إذا كانَ اللِّسانُ مُعَبِّرًا عَمّا في القَلْبِ مِنَ التَّضَرُّعاتِ، فَأيُّ سُؤالٍ في قَوْلِهِ: ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ [ الفاتِحَةِ: ٦ ] وكانَ القَلْبُ غافِلًا عَنْهُ؟ بَلْ أقُولُ: لَوْ حَلَفَ إنْسانٌ، وقالَ: واللَّهِ لَأشْكُرَنَّ فُلانًا وأُثْنِي عَلَيْهِ وأسْألُهُ حاجَةً. ثُمَّ جَرَتِ الألْفاظُ الدّالَّةُ عَلى هَذِهِ المَعانِي عَلى لِسانِهِ في اليَوْمِ، لَمْ يَبَرَّ في يَمِينِهِ، ولَوْ
صفحة ٦٩
جَرى عَلى لِسانِهِ في ظُلْمَةِ اللَّيْلِ وذَلِكَ الإنْسانُ حاضِرٌ وهو لا يَعْرِفُ حُضُورَهُ ولا يَراهُ، لا يَصِيرُ بارًّا في يَمِينِهِ، ولا يَكُونُ كَلامُهُ خِطابًا مَعَهُ ما لَمْ يَكُنْ حاضِرًا بِقَلْبِهِ، ولَوْ جَرَتْ هَذِهِ الكَلِماتُ عَلى لِسانِهِ وهو حاضِرٌ في بَياضِ النَّهارِ إلّا أنَّ المُتَكَلِّمَ غافِلٌ لِكَوْنِهِ مُسْتَغْرِقَ الهَمِّ بِفِكْرٍ مِنَ الأفْكارِ، ولَمْ يَكُنْ لَهُ قَصْدُ تَوْجِيهِ الخِطابِ إلَيْهِ عِنْدَ نُطْقِهِ، لَمْ يَصِرْ بارًّا في يَمِينِهِ. ولا شَكَّ أنَّ المَقْصُودَ مِنَ القِراءَةِ الأذْكارُ والحَمْدُ والثَّناءُ والتَّضَرُّعُ والدُّعاءُ، والمُخاطَبُ هو اللَّهُ تَعالى، فَإذا كانَ القَلْبُ مَحْجُوبًا بِحِجابِ الغَفْلَةِ وكانَ غافِلًا عَنْ جَلالِ اللَّهِ وكِبْرِيائِهِ، ثُمَّ إنَّ لِسانَهُ يَتَحَرَّكُ بِحُكْمِ العادَةِ، فَما أبْعَدَ ذَلِكَ عَنِ القَبُولِ.
وأمّا الرُّكُوعُ والسُّجُودُ فالمَقْصُودُ مِنهُما التَّعْظِيمُ، ولَوْ جازَ أنْ يَكُونَ تَعْظِيمًا لِلَّهِ تَعالى مَعَ أنَّهُ غافِلٌ عَنْهُ، لَجازَ أنْ يَكُونَ تَعْظِيمًا لِلصَّنَمِ المَوْضُوعِ بَيْنَ يَدَيْهِ وهو غافِلٌ عَنْهُ، ولِأنَّهُ إذا لَمْ يَحْصُلِ التَّعْظِيمُ لَمْ يَبْقَ إلّا مُجَرَّدُ حَرَكَةِ الظَّهْرِ والرَّأْسِ، ولَيْسَ فِيها مِنَ المَشَقَّةِ ما يَصِيرُ لِأجْلِهِ عِمادًا لِلدِّينِ، وفاصِلًا بَيْنَ الكُفْرِ والإيمانِ، ويُقْدِمُ عَلى الحَجِّ والزَّكاةِ والجِهادِ وسائِرِ الطّاعاتِ الشّاقَّةِ، ويَجِبُ القَتْلُ بِسَبَبِهِ عَلى الخُصُوصِ، وبِالجُمْلَةِ فَكُلُّ عاقِلٍ يَقْطَعُ بِأنَّ مُشاهَدَةَ الخَواصِّ العَظِيمَةِ لَيْسَ أعْمالَها الظّاهِرَةَ إلّا أنْ يَنْضافَ إلَيْها مَقْصُودُ هَذِهِ المُناجاةِ، فَدَلَّتْ هَذِهِ الِاعْتِباراتُ عَلى أنَّ الصَّلاةَ لا بُدَّ فِيها مِنَ الحُضُورِ.
وسابِعُها: أنَّ الفُقَهاءَ اخْتَلَفُوا فِيما يَنْوِيهِ بِالسَّلامِ عِنْدَ الجَماعَةِ والِانْفِرادِ، هَلْ يَنْوِي الحُضُورَ أوِ الغَيْبَةَ والحُضُورَ مَعًا. فَإذا احْتِيجَ إلى التَّدَبُّرِ في مَعْنى السَّلامِ الَّذِي هو آخِرُ الصَّلاةِ فَلَأنْ يُحْتاجَ إلى التَّدَبُّرِ في مَعْنى التَّكْبِيرِ والتَّسْبِيحِ الَّتِي هي الأشْياءُ المَقْصُودَةُ مِنَ الصَّلاةِ بِالطَّرِيقِ الأوْلى، واحْتَجَّ المُخالِفُ بِأنَّ اشْتِراطَ الخُضُوعِ والخُشُوعِ عَلى خِلافِ اجْتِماعِ الفُقَهاءِ، فَلا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ. والجَوابُ مِن وُجُوهٍ.
أحَدُها: أنَّ الحُضُورَ عِنْدَنا لَيْسَ شَرْطًا لِلْإجْزاءِ، بَلْ شَرْطٌ لِلْقَبُولِ، والمُرادُ مِنَ الإجْزاءِ أنْ لا يَجِبَ القَضاءُ، والمُرادُ مِنَ القَبُولِ حُكْمُ الثَّوابِ.
والفُقَهاءُ إنَّما يَبْحَثُونَ عَنْ حُكْمِ الإجْزاءِ لا عَنْ حُكْمِ الثَّوابِ، وغَرَضُنا في هَذا المَقامِ هَذا، ومِثالُهُ في الشّاهِدِ مَنِ اسْتَعارَ مِنكَ ثَوْبًا ثُمَّ رَدَّهُ عَلى الوجه الأحْسَنِ، فَقَدْ خَرَجَ عَنِ العُهْدَةِ واسْتَحَقَّ المَدْحَ، ومَن رَماهُ إلَيْكَ عَلى وجْهِ الِاسْتِخْفافِ خَرَجَ عَنِ العُهْدَةِ، ولَكِنَّهُ اسْتَحَقَّ الذَّمَّ، كَذا مَن عَظَّمَ اللَّهَ تَعالى حالَ أدائِهِ العِبادَةَ صارَ مُقِيمًا لِلْفَرْضِ مُسْتَحِقًّا لِلثَّوابِ، ومَنِ اسْتَهانَ بِها صارَ مُقِيمًا لِلْفَرْضِ ظاهِرًا لَكِنَّهُ اسْتَحَقَّ الذَّمَّ.
وثانِيها: أنّا نَمْنَعُ هَذا الإجْماعَ، أمّا المُتَكَلِّمُونَ فَقَدِ اتَّفَقُوا عَلى أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الحُضُورِ والخُشُوعِ، واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِأنَّ السُّجُودَ لِلَّهِ تَعالى طاعَةٌ ولِلصَّنَمِ كُفْرٌ، وكُلُّ واحِدٍ مِنهُما يُماثِلُ الآخَرَ في ذاتِهِ ولَوازِمِهِ، فَلا بُدَّ مِن أمْرٍ لِأجْلِهِ صارَ السُّجُودُ في إحْدى الصُّورَتَيْنِ طاعَةً، وفي الأُخْرى مَعْصِيَةً، قالُوا: وما ذاكَ إلّا القَصْدُ والإرادَةُ، والمُرادُ مِنَ القَصْدِ إيقاعُ تِلْكَ الأفْعالِ لِداعِيَةِ الِامْتِثالِ، وهَذِهِ الدّاعِيَةُ لا يُمْكِنُ حُصُولُها إلّا عِنْدَ الحُضُورِ، فَلِهَذا اتَّفَقُوا عَلى أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الحُضُورِ، أمّا الفُقَهاءُ فَقَدْ ذَكَرَ الفَقِيهُ أبُو اللَّيْثِ رَحِمَهُ اللَّهُ في تَنْبِيهِ الغافِلِينَ أنَّ تَمامَ القِراءَةِ أنْ يَقْرَأ بِغَيْرِ لَحْنٍ، وأنْ يَقْرَأ بِالتَّفَكُّرِ.
وأمّا الغَزالِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فَإنَّهُ نَقَلَ عَنْ أبِي طالِبٍ المَكِّيِّ عَنْ بِشْرٍ الحافِي أنَّهُ قالَ: مَن لَمْ يَخْشَعْ فَسَدَتْ صَلاتُهُ. وعَنِ الحَسَنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: كُلُّ صَلاةٍ لا يَحْضُرُ فِيها القَلْبُ فَهي إلى العُقُوبَةِ أسْرَعُ. وعَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ: ”مَن عَرَفَ مَن عَلى يَمِينِهِ وشِمالِهِ مُتَعَمِّدًا وهو في الصَّلاةِ فَلا صَلاةَ لَهُ“. ورُوِيَ أيْضًا مُسْنَدًا قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«إنَّ العَبْدَ لَيُصَلِّي الصَّلاةَ لا يُكْتَبُ لَهُ سُدُسُها ولا عُشْرُها، وإنَّما يُكْتَبُ لِلْعَبْدِ مِن صَلاتِهِ ما عَقَلَ مِنها» “. وقالَ عَبْدُ الواحِدِ بْنُ زَيْدٍ: أجْمَعَتِ العُلَماءُ عَلى أنَّهُ لَيْسَ لِلْعَبْدِ مِن صَلاتِهِ إلّا ما عَقَلَ، وادَّعى فِيهِ الإجْماعَ. إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: هَبْ أنَّ الفُقَهاءَ بِأسْرِهِمْ حَكَمُوا بِالجَوازِ، ألَيْسَ الأُصُولِيُّونَ وأهْلُ الوَرَعِ ضَيَّقُوا الأمْرَ فِيها، فَهَلّا أخَذْتَ بِالِاحْتِياطِ، فَإنَّ بَعْضَ العُلَماءِ اخْتارَ
صفحة ٧٠
الإمامَةَ، فَقِيلَ لَهُ في ذَلِكَ فَقالَ: أخافُ إنْ تَرَكْتُ الفاتِحَةَ أنْ يُعاتِبَنِي الشّافِعِيُّ، وإنْ قَرَأْتُها مَعَ الإمامِ أنْ يُعاتِبَنِي أبُو حَنِيفَةَ، فاخْتَرْتُ الإمامَةَ طَلَبًا لِلْخَلاصِ عَنْ هَذا الِاخْتِلافِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ هم عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ وفي اللَّغْوِ أقْوالٌ.
أحَدُها: أنَّهُ يَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ ما كانَ حَرامًا أوْ مَكْرُوهًا أوْ كانَ مُباحًا، ولَكِنْ لا يَكُونُ بِالمَرْءِ إلَيْهِ ضَرُورَةٌ وحاجَةٌ.
وثانِيها: أنَّهُ عِبارَةٌ عَنْ كُلِّ ما كانَ حَرامًا فَقَطْ، وهَذا التَّفْسِيرُ أخَصُّ مِنَ الأوَّلِ.
وثالِثُها: أنَّهُ عِبارَةٌ عَنِ المَعْصِيَةِ في القَوْلِ والكَلامِ خاصَّةً، وهَذا أخَصُّ مِنَ الثّانِي.
ورابِعُها: أنَّهُ المُباحُ الَّذِي لا حاجَةَ إلَيْهِ، واحْتَجَّ هَذا القائِلُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ في أيْمانِكُمْ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٢٥] فَكَيْفَ يُحْمَلُ ذَلِكَ عَلى المَعاصِي الَّتِي لا بُدَّ فِيها مِنَ المُؤاخَذَةِ، واحْتَجَّ الأوَّلُونَ بِأنَّ اللَّغْوَ إنَّما سُمِّيَ لَغْوًا بِما أنَّهُ يُلْغى، وكُلُّ ما يَقْتَضِي الدِّينُ إلْغاءَهُ كانَ أوْلى بِاسْمِ اللَّغْوِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ كُلُّ حَرامٍ لَغْوًا، ثُمَّ اللَّغْوُ قَدْ يَكُونُ كُفْرًا لِقَوْلِهِ: ﴿لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ والغَوْا فِيهِ﴾ [فُصِّلَتْ: ٢٦] وقَدْ يَكُونُ كَذِبًا لِقَوْلِهِ: ﴿لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً﴾ [الغاشِيَةِ: ١١] وقَوْلِهِ: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ولا تَأْثِيمًا﴾ [الواقِعَةِ: ٢٥] ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى مَدَحَهم بِأنَّهم يُعْرِضُونَ عَنْ هَذا اللَّغْوِ، والإعْراضُ عَنْهُ هو بِأنْ لا يَفْعَلَهُ ولا يَرْضى بِهِ ولا يُخالِطَ مَن يَأْتِيهِ، وعَلى هَذا الوجه قالَ تَعالى: ﴿وإذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرامًا﴾ [الفُرْقانِ: ٧٢] واعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا وصَفَهم بِالخُشُوعِ في الصَّلاةِ أتْبَعَهُ الوَصْفَ بِالإعْراضِ عَنِ اللَّغْوِ، لِيَجْمَعَ لَهُمُ الفِعْلَ والتَّرْكَ الشّاقَّيْنِ عَلى الأنْفُسِ اللَّذَيْنِ هُما قاعِدَتا بِناءِ التَّكْلِيفِ، وهو أعْلَمُ.
* * *
الصِّفَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ هم لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ﴾ وفي الزَّكاةِ قَوْلانِ، أحَدُهُما: قَوْلُ أبِي مُسْلِمٍ أنَّ فِعْلَ الزَّكاةِ يَقَعُ عَلى كُلِّ فِعْلٍ مَحْمُودٍ مَرَضِيٍّ، كَقَوْلِهِ: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ [الأعْلى: ١٤] وقَوْلِهِ: ﴿فَلا تُزَكُّوا أنْفُسَكُمْ﴾ [النَّجْمِ: ٣٢] ومِن جُمْلَتِهِ ما يَخْرُجُ مِن حَقِّ المالِ، وإنَّما سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّها تُطَهِّرُ مِنَ الذُّنُوبِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿تُطَهِّرُهم وتُزَكِّيهِمْ بِها﴾ [التَّوْبَةِ: ١٠٣].
والثّانِي: وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ أنَّهُ الحَقُّ الواجِبُ في الأمْوالِ خاصَّةً، وهَذا هو الأقْرَبُ؛ لِأنَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ قَدِ اخْتَصَّتْ في الشَّرْعِ بِهَذا المَعْنى، فَإنْ قِيلَ: إنَّهُ لا يُقالُ في الكَلامِ الفَصِيحِ: إنَّهُ فَعَلَ الزَّكاةَ، قُلْنا: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: الزَّكاةُ اسْمٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ عَيْنٍ ومَعْنًى، فالعَيْنُ القَدْرُ الَّذِي يُخْرِجُهُ المُزَكِّي مِنَ النِّصابِ إلى الفَقِيرِ، والمَعْنى فِعْلُ المُزَكِّي الَّذِي هو التَّزْكِيَةُ، وهو الَّذِي أرادَهُ اللَّهُ تَعالى فَجَعَلَ المُزَكِّينَ فاعِلِينَ لَهُ ولا يَسُوغُ فِيهِ غَيْرُهُ؛ لِأنَّهُ ما مِن مَصْدَرٍ إلّا يُعَبَّرُ عَنْ مَعْناهُ بِالفِعْلِ. ويُقالُ لِمُحَدِثِهِ: فاعِلٌ، يُقالُ لِلضّارِبِ: فاعِلُ الضَّرْبِ، ولِلْقاتِلِ: فاعِلُ القَتْلِ، ولِلْمُزَكِّي: فاعِلُ الزَّكاةِ، وعَلى هَذا الكَلامِ كُلِّهِ يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالزَّكاةِ العَيْنُ، ويُقَدَّرَ مُضافٌ مَحْذُوفٌ وهو الأداءُ، فَإنْ قِيلَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى هُناكَ لَمْ يَفْصِلْ بَيْنَ الصَّلاةِ والزَّكاةِ، فَلِمَ فَصَلَ هاهُنا بَيْنَهُما بِقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ هم عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ ؟ قُلْنا: لِأنَّ الإعْراضَ عَنِ اللَّغْوِ مِن مُتَمِّماتِ الصَّلاةِ.
* * *
الصِّفَةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ ﴿إلّا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ وفِيهِ سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: لِمَ لَمْ يَقُلْ: إلّا عَنْ أزْواجِهِمْ؟ الجَوابُ: قالَ الفَرّاءُ: مَعْناهُ: إلّا مِن أزْواجِهِمْ، وذَكَرَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ فِيهِ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ.
أحَدُها: أنَّهُ في مَوْضِعِ الحالِ؛ أيْ: إلّا والِينَ عَلى أزْواجِهِمْ أوْ قَوّامِينَ عَلَيْهِنَّ، مِن قَوْلِكَ: كانَ فُلانٌ عَلى فُلانَةٍ، ونَظِيرُهُ كانَ زِيادٌ عَلى البَصْرَةِ؛ أيْ والِيًا عَلَيْها، ومِنهُ قَوْلُهُمْ: فُلانَةٌ تَحْتَ فُلانٍ، ومِن ثَمَّ
صفحة ٧١
سُمِّيَتِ المَرْأةُ فِراشًا. والمَعْنى أنَّهم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ في كافَّةِ الأحْوالِ إلّا في حالِ تَزْوِيجِهِمْ أوْ تَسَرِّيهِمْ.
وثانِيها: أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: يُلامُونَ إلّا عَلى أزْواجِهِمْ؛ أيْ: يُلامُونَ عَلى كُلِّ مُباشَرَةٍ إلّا عَلى ما أُطْلِقَ لَهم فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ عَلَيْهِ، وهو قَوْلُ الزَّجّاجِ.
وثالِثُها: أنْ تَجْعَلَهُ صِلَةً لِـ ﴿حافِظُونَ﴾.
السُّؤالُ الثّانِي: هَلّا قِيلَ: مَن مَلَكَتْ؟ الجَوابُ: لِأنَّهُ اجْتَمَعَ في السُّرِّيَّةِ وصْفانِ، أحَدُهُما: الأُنُوثَةُ وهي مَظِنَّةُ نُقْصانِ العَقْلِ، والآخَرُ كَوْنُها بِحَيْثُ تُباعُ وتُشْتَرى كَسائِرِ السِّلَعِ، فَلِاجْتِماعِ هَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ فِيها جُعِلَتْ كَأنَّها لَيْسَتْ مِنَ العُقَلاءِ.
السُّؤالُ الثّالِثُ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى تَحْرِيمِ المُتْعَةِ عَلى ما يُرْوى عَنِ القاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ؟ الجَوابُ: نَعَمْ، وتَقْرِيرُهُ أنَّها لَيْسَتْ زَوْجَةً لَهُ فَوَجَبَ أنْ لا تَحِلَّ لَهُ، وإنَّما قُلْنا: إنَّها لَيْسَتْ زَوْجَةً لَهُ؛ لِأنَّهُما لا يَتَوارَثانِ بِالإجْماعِ، ولَوْ كانَتْ زَوْجَةً لَهُ لَحَصَلَ التَّوارُثُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَكم نِصْفُ ما تَرَكَ أزْواجُكُمْ﴾ [النِّساءِ: ١٢] وإذا ثَبَتَ أنَّها لَيْسَتْ بِزَوْجَةٍ لَهُ وجَبَ أنْ لا تَحِلَّ لَهُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلّا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ﴾ وهو أعْلَمُ.
السُّؤالُ الرّابِعُ: ألَيْسَ لا يَحِلُّ لَهُ في الزَّوْجَةِ ومِلْكِ اليَمِينِ الِاسْتِمْتاعُ في أحْوالٍ كَحالِ الحَيْضِ وحالِ العِدَّةِ، وفي الأمَةِ حالَ تَزْوِيجِها مِنَ الغَيْرِ وحالَ عِدَّتِها، وكَذا الغُلامُ داخِلٌ في ظاهِرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ﴾ والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ.
أحَدُهُما: أنَّ مَذْهَبَ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ أنَّ الِاسْتِثْناءَ مِنَ النَّفْيِ لا يَكُونُ إثْباتًا، واحْتَجَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«لا صَلاةَ إلّا بِطُهُورٍ، ولا نِكاحَ إلّا بِوَلِيٍّ» “ فَإنَّ ذَلِكَ لا يَقْتَضِي حُصُولَ الصَّلاةِ بِمُجَرَّدِ حُصُولِ الطُّهُورِ، وحُصُولَ النِّكاحِ بِمُجَرَّدِ حُصُولِ الوَلِيِّ. وفائِدَةُ الِاسْتِثْناءِ صَرْفُ الحُكْمِ لا صَرْفُ المَحْكُومِ بِهِ، فَقَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ ﴿إلّا عَلى أزْواجِهِمْ﴾ مَعْناهُ أنَّهُ يَجِبُ حِفْظُ الفُرُوجِ عَنِ الكُلِّ إلّا في هاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ فَإنِّي ما ذَكَرْتُ حُكْمَهُما لا بِالنَّفْيِ ولا بِالإثْباتِ.
الثّانِي: أنّا إنْ سَلَّمْنا أنَّ الِاسْتِثْناءَ مِنَ النَّفْيِ إثْباتٌ، فَغايَتُهُ أنَّهُ عامٌّ دَخَلَهُ التَّخْصِيصُ بِالدَّلِيلِ فَيَبْقى فِيما وراءَهُ حُجَّةً.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ يَعْنِي الكامِلُونَ في العُدْوانِ المُتَناهُونَ فِيهِ.
* * *
الصِّفَةُ السّادِسَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ هم لِأماناتِهِمْ وعَهْدِهِمْ راعُونَ﴾ قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ (لِأمانَتِهِمْ) واعْلَمْ أنَّهُ يُسَمّى الشَّيْءُ المُؤْتَمَنُ عَلَيْهِ والمُعاهَدُ عَلَيْهِ أمانَةً وعَهْدًا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم أنْ تُؤَدُّوا الأماناتِ إلى أهْلِها﴾ [النِّساءِ: ٥٨] وقالَ: ﴿وتَخُونُوا أماناتِكُمْ﴾ [الأنْفالِ: ٢٧] وإنَّما تُؤَدّى العُيُونُ دُونَ المَعانِي، فَكانَ المُؤْتَمَنُ عَلَيْهِ الأمانَةُ في نَفْسِها. والعَهْدُ ما عَقَدَهُ عَلى نَفْسِهِ فِيما يُقَرِّبُهُ إلى رَبِّهِ، ويَقَعُ أيْضًا عَلى ما أمَرَ اللَّهُ تَعالى بِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ عَهِدَ إلَيْنا﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٨٣] والرّاعِي: القائِمُ عَلى الشَّيْءِ لِحِفْظٍ وإصْلاحٍ كَراعِي الغَنَمِ وراعِي الرَّعِيَّةِ، ويُقالُ: مَن راعِي هَذا الشَّيْءِ؟ أيْ: مُتَوَلِّيهِ. واعْلَمْ أنَّ الأمانَةَ تَتَناوَلُ كُلَّ ما تَرْكُهُ يَكُونُ داخِلًا في الخِيانَةِ، وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ والرَّسُولَ وتَخُونُوا أماناتِكُمْ﴾ [الأنْفالِ: ٢٧] فَمِن ذَلِكَ العِباداتُ الَّتِي المَرْءُ مُؤْتَمَنٌ عَلَيْها، وكُلُّ العِباداتِ تَدْخُلُ في ذَلِكَ؛ لِأنَّها إمّا أنْ تَخْفى أصْلًا كالصَّوْمِ وغُسْلِ الجَنابَةِ وإسْباغِ الوُضُوءِ، أوْ تَخْفى كَيْفِيَّةُ إتْيانِهِ بِها، وقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«أعْظَمُ النّاسِ خِيانَةً مَن لَمْ يُتِمَّ صَلاتَهُ» “ وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ”أوَّلُ ما تَفْقِدُونَ مِن دِينِكُمُ الأمانَةُ، وآخِرُ ما تَفْقِدُونَ الصَّلاةُ“ ومِن جُمْلَةِ ذَلِكَ ما يَلْتَزِمُهُ بِفِعْلٍ أوْ قَوْلٍ، فَيَلْزَمُهُ الوَفاءُ بِهِ كالوَدائِعِ والعُقُودِ وما يَتَّصِلُ بِهِما. ومِن ذَلِكَ
صفحة ٧٢
الأقْوالُ الَّتِي يُحَرَّرُ بِها العَبِيدُ والنِّساءُ؛ لِأنَّهُ مُؤْتَمَنٌ في ذَلِكَ، ومِن ذَلِكَ أنْ يُراعِيَ أمانَتَهُ فَلا يُفْسِدَها بِغَصْبٍ أوْ غَيْرِهِ، وأمّا العَهْدُ فَإنَّهُ دَخَلَ فِيهِ العُقُودُ والأيْمانُ والنُّذُورُ، فَبَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّ مُراعاةَ هَذِهِ الأُمُورِ والقِيامَ بِها مُعْتَبَرٌ في حُصُولِ الفَلاحِ.
* * *
الصِّفَةُ السّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ هم عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ وإنَّما أعادَ تَعالى ذِكْرَها؛ لِأنَّ الخُشُوعَ والمُحافَظَةَ مُتَغايِرانِ غَيْرُ مُتَلازِمَيْنِ، فَإنَّ الخُشُوعَ صِفَةٌ لِلْمُصَلِّي في حالِ الأداءِ لِصَلاتِهِ، والمُحافَظَةُ إنَّما تَصِحُّ حالَ ما لَمْ يُؤَدِّها بِكَمالِها. بَلِ المُرادُ بِالمُحافَظَةِ التَّعَهُّدُ لِشُرُوطِها مِن وقْتٍ وطَهارَةٍ وغَيْرِهِما، والقِيامُ عَلى أرْكانِها وإتْمامِها حَتّى يَكُونَ ذَلِكَ دَأْبَهُ في كُلِّ وقْتٍ، ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى مَجْمُوعَ هَذِهِ الأُمُورِ قالَ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الوارِثُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الفِرْدَوْسَ هم فِيها خالِدُونَ﴾ وهاهُنا سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: لِمَ سَمّى ما يَجِدُونَهُ مِنَ الثَّوابِ والجَنَّةِ بِالمِيراثِ؟ مَعَ أنَّهُ سُبْحانَهُ حَكَمَ بِأنَّ الجَنَّةَ حَقُّهم في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ المُؤْمِنِينَ أنْفُسَهم وأمْوالَهم بِأنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ﴾ [التَّوْبَةِ: ١١١]. الجَوابُ مِن وُجُوهٍ.
الأوَّلُ: ما «رُوِيَ عَنِ الرَّسُولِ ﷺ وهو أبْيَنُ عَلى ما يُقالُ فِيهِ، وهُوَ: أنَّهُ لا مُكَلَّفٌ إلّا أعَدَّ اللَّهُ لَهُ في النّارِ ما يَسْتَحِقُّهُ إنْ عَصى، وفي الجَنَّةِ ما يَسْتَحِقُّهُ إنْ أطاعَ، وجَعَلَ لِذَلِكَ عَلامَةً. فَإذا آمَنَ مِنهُمُ البَعْضُ ولَمْ يُؤْمِنِ البَعْضُ صارَ مَنزِلُ مَن لَمْ يُؤْمِن كالمَنقُولِ إلى المُؤْمِنِينَ، وصارَ مَصِيرُهم إلى النّارِ الَّذِي لا بُدَّ مَعَهُ مِن حِرْمانِ الثَّوابِ كَمَوْتِهِمْ»، فَسُمِّيَ ذَلِكَ مِيراثًا لِهَذا الوَجْهِ، وقَدْ قالَ الفُقَهاءُ: إنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ ما مَلَكَهُ المَيِّتُ وبَيْنَ ما يُقَدِّرُ فِيهِ المَلِكُ في أنَّهُ يُورَثُ عَنْهُ، كَذَلِكَ قالُوا في الدِّيَةِ الَّتِي تَجِبُ بِالقَتْلِ: إنَّها تُورَثُ، مَعَ أنَّهُ ما مَلَكَها عَلى التَّحْقِيقِ، وذَلِكَ يَشْهَدُ لِما ذَكَرْنا، فَإنْ قِيلَ: إنَّهُ تَعالى وصَفَ كُلَّ الَّذِي يَسْتَحِقُّونَهُ إرْثًا، وعَلى ما قُلْتُمْ يَدْخُلُ في الإرْثِ ما كانَ يَسْتَحِقُّهُ غَيْرُهم لَوْ أطاعَ. قُلْنا: لا يَمْتَنِعُ أنَّهُ تَعالى جَعَلَ ما هو مَنزِلَةٌ لِهَذا المُؤْمِنِ بِعَيْنِهِ مَنزِلَةً لِذَلِكَ الكافِرِ لَوْ أطاعَ؛ لِأنَّهُ عِنْدَ ذَلِكَ كانَ يَزِيدُ في المَنازِلِ فَإذا آمَنَ هَذا عَدَلَ بِذَلِكَ إلَيْهِ.
وثانِيها: أنَّ انْتِقالَ الجَنَّةِ إلَيْهِمْ بِدُونِ مُحاسَبَةٍ ومَعْرِفَةٍ بِمَقادِيرِهِ يُشْبِهُ انْتِقالَ المالِ إلى الوارِثِ.
وثالِثُها: أنَّ الجَنَّةَ كانَتْ مَسْكَنَ أبِينا آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإذا انْتَقَلَتْ إلى أوْلادِهِ صارَ ذَلِكَ شَبِيهًا بِالمِيراثِ.
السُّؤالُ الثّانِي: كَيْفَ حَكَمَ عَلى المَوْصُوفِينَ بِالصِّفاتِ السَّبْعِ بِالفَلاحِ مَعَ أنَّهُ تَعالى ما تَمَّمَ ذِكْرَ العِباداتِ الواجِبَةِ كالصَّوْمِ والحَجِّ والطَّهارَةِ؟ والجَوابُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿والَّذِينَ هم لِأماناتِهِمْ وعَهْدِهِمْ راعُونَ﴾ يَأْتِي عَلى جَمِيعِ الواجِباتِ مِنَ الأفْعالِ والتُّرُوكِ كَما قَدَّمْنا، والطَّهاراتُ دَخَلَتْ في جُمْلَةِ المُحافَظَةِ عَلى الصَّلَواتِ الخَمْسِ؛ لِكَوْنِها مِن شَرائِطِها.
السُّؤالُ الثّالِثُ: أفَيَدُلُّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الوارِثُونَ﴾ عَلى أنَّهُ لا يَدْخُلُها غَيْرُهُمْ؟ الجَوابُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿هُمُ الوارِثُونَ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ لَكِنَّهُ يَجِبُ تَرْكُ العَمَلِ بِهِ؛ لِأنَّهُ ثَبَتَ أنَّ الجَنَّةَ يَدْخُلُها الأطْفالُ والمَجانِينُ والوِلْدانُ والحُورُ العِينُ، ويَدْخُلُها الفُسّاقُ مِن أهْلِ القِبْلَةِ بَعْدَ العَفْوِ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النِّساءِ: ٤٨].
السُّؤالُ الرّابِعُ: أفَكُلُّ الجَنَّةِ هو الفِرْدَوْسُ؟ الجَوابُ: الفِرْدَوْسُ هو الجَنَّةُ بِلِسانِ الحَبَشَةِ، وقِيلَ بِلِسانِ الرُّومِ، ورَوى أبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«الفِرْدَوْسُ مَقْصُورَةُ الرَّحْمَنِ؛ فِيها الأنْهارُ والأشْجارُ» “
صفحة ٧٣
ورَوى أبُو أُمامَةَ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ قالَ: ”«سَلُوا اللَّهَ الفِرْدَوْسَ فَإنَّها أعْلى الجِنانِ، وإنَّ أهْلَ الفِرْدَوْسِ يَسْمَعُونَ أطِيطَ العَرْشِ» “.
السُّؤالُ الخامِسُ: هَلْ تَدُلُّ الآيَةُ عَلى أنَّ هَذِهِ الصِّفاتِ هي الَّتِي لَها ولِأجْلِها يَكُونُونَ مُؤْمِنِينَ أمْ لا؟ الجَوابُ: ادَّعى القاضِي أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ بِناءً عَلى مَذْهَبِهِ أنَّ الإيمانَ اسْمٌ شَرْعِيٌّ مَوْضُوعٌ لِأداءِ كُلِّ الواجِباتِ، وعِنْدَنا أنَّ الآيَةَ لا تَدُلُّ عَلى ذَلِكَ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم في صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ﴾ مِثْلُ قَدْ أفْلَحَ النّاسُ الأذْكِياءُ العُدُولُ، فَإنَّ هَذا لا يَدُلُّ عَلى أنَّ الزَّكاةَ والعَدالَةَ داخِلانِ في مُسَمّى النّاسِ فَكَذا هاهُنا.
السُّؤالُ السّادِسُ: رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: ”«لَمّا خَلَقَ اللَّهُ تَعالى جَنَّةَ عَدْنٍ قالَ لَها: تَكَلَّمِي. فَقالَتْ: قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ» “ وقالَ كَعْبٌ: ”خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ بِيَدِهِ وكَتَبَ التَّوْراةَ بِيَدِهِ وغَرَسَ شَجَرَةَ طُوبى بِيَدِهِ، ثم قال لَها: تَكَلَّمِي. فَقالَتْ: قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ“، ورُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ”«إذا أحْسَنَ العَبْدُ الوُضُوءَ وصَلّى الصَّلاةَ لِوَقْتِها وحافَظَ عَلى رُكُوعِها وسُجُودِها ومَواقِيتِها قالَتْ: حَفِظَكَ اللَّهُ كَما حافَظْتَ عَلَيَّ، وشَفَعَتْ لِصاحِبِها، وإذا أضاعَها قالَتْ: أضاعَكَ اللَّهُ كَما ضَيَّعْتَنِي، وتُلَفُّ كَما يُلَفُّ الثَّوْبُ الخَلِقُ فَيُضْرَبُ بِها وجْهُ صاحِبِها» “ الجَوابُ: أمّا كَلامُ الجَنَّةِ فالمُرادُ بِهِ أنَّها أُعِدَّتْ لِلْمُؤْمِنِينَ، فَصارَ ذَلِكَ كالقَوْلِ مِنها، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَتا أتَيْنا طائِعِينَ﴾ [فُصِّلَتْ: ١١] وأمّا أنَّهُ تَعالى خَلَقَ الجَنَّةَ بِيَدِهِ، فالمُرادُ تَوَلّى خَلْقَها لا أنَّهُ وكَلَهُ إلى غَيْرِهِ، وأمّا أنَّ الصَّلاةَ تُثْنِي عَلى مَن قامَ بِحَقِّها فَهو في الجَوازِ أبْعَدُ مِن كَلامِ الجَنَّةِ؛ لِأنَّ الصَّلاةَ حَرَكاتٌ وسَكَناتٌ ولا يَصِحُّ عَلَيْها أنْ تَتَصَوَّرَ وتَتَكَلَّمَ، فالمُرادُ مِنهُ ضَرْبُ المَثَلِ كَما يَقُولُ القائِلُ لِلْمُنْعِمِ: إنَّ إحْسانَكَ إلَيَّ يَنْطِقُ بِالشُّكْرِ.
السُّؤالُ السّابِعُ: هَلْ تَدُلُّ الآيَةُ عَلى أنَّ الفِرْدَوْسَ مَخْلُوقَةٌ؟ الجَوابُ: قالَ القاضِي: دَلَّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُكُلُها دائِمٌ﴾ [الرَّعْدِ: ٣٥] عَلى أنَّها غَيْرُ مَخْلُوقَةٍ، فَوَجَبَ تَأْوِيلُ هَذِهِ الآيَةِ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ يَخْلُقُ اللَّهُ الجَنَّةَ مِيراثًا لِلْمُؤْمِنِينَ، أوْ: وإذا خَلَقَها تَقُولُ، عَلى مِثالِ ما تَأوَّلْنا عَلَيْهِ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ونادى أصْحابُ النّارِ أصْحابَ الجَنَّةِ﴾ [الأعْرافِ: ٥٠] وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ إضْمارُ ما ذَكَرَهُ في هَذِهِ الآيَةِ أوْلى مِن أنْ يُضْمَرَ في قَوْلِهِ: ﴿أُكُلُها دائِمٌ﴾ ثُمَّ إنَّ أُكُلَها دائِمٌ يَوْمَ القِيامَةِ، وإذا تَعارَضَ هَذانِ الظّاهِرانِ فَنَحْنُ نَتَمَسَّكُ في أنَّ الجَنَّةَ مَخْلُوقَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٣٣].
المؤمنون 23:9
صفحة ٦٧
(سُورَةُ المُؤْمِنُونَ)
مِائَةٌ وثَمانِ عَشْرَةَ آيَةً مَكِّيَّةً
﷽
﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم في صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ ﴿إلّا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ ﴿فَمَنِ ابْتَغى وراءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم لِأماناتِهِمْ وعَهْدِهِمْ راعُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ هُمُ الوارِثُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الفِرْدَوْسَ هم فِيها خالِدُونَ﴾
﷽
﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم في صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ ﴿إلّا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ ﴿فَمَنِ ابْتَغى وراءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم لِأماناتِهِمْ وعَهْدِهِمْ راعُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ هُمُ الوارِثُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الفِرْدَوْسَ هم فِيها خالِدُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ حَكَمَ بِحُصُولِ الفَلاحِ لِمَن كانَ مُسْتَجْمِعًا لِصِفاتٍ سَبْعٍ، وقَبْلَ الخَوْضِ في شَرْحِ تِلْكَ الصِّفاتِ لا بُدَّ مِن بَحْثَيْنِ:
البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّ ﴿قَدْ﴾ نَقِيضَةٌ لِـ (ما) فَـ (قَدْ) تُثْبِتُ المُتَوَقَّعَ، و(لَما) تَنْفِيهِ، ولا شَكَّ أنَّ المُؤْمِنِينَ كانُوا مُتَوَقِّعِينَ لِمِثْلِ هَذِهِ البِشارَةِ، وهي الإخْبارُ بِثَباتِ الفَلاحِ لَهم فَخُوطِبُوا بِما دَلَّ عَلى ثَباتِ ما تَوَقَّعُوهُ.
البَحْثُ الثّانِي: الفَلاحُ: الظَّفَرُ بِالمُرادِ، وقِيلَ: البَقاءُ في الخَيْرِ، وأفْلَحَ: دَخَلَ في الفَلاحِ، كَأبْشَرَ: دَخَلَ في البِشارَةِ، ويُقالُ: أفْلَحَهُ: صَيَّرَهُ إلى الفَلاحِ، وعَلَيْهِ قِراءَةُ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ ”أُفْلِحَ“ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، وعَنْهُ (أفْلَحُوا) عَلى لُغَةِ أكَلُونِي البَراغِيثُ، أوْ عَلى الإبْهامِ والتَّفْسِيرِ.
صفحة ٦٨
الصِّفَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿المُؤْمِنُونَ﴾ وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في الإيمانِ في سُورَةِ البَقَرَةِ.
الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ هم في صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ﴾ واخْتَلَفُوا في الخُشُوعِ؛ فَمِنهم مَن جَعَلَهُ مِن أفْعالِ القُلُوبِ كالخَوْفِ والرَّهْبَةِ، ومِنهم مَن جَعَلَهُ مِن أفْعالِ الجَوارِحِ كالسُّكُونِ وتَرْكِ الِالتِفاتِ، ومِنهم مَن جَمَعَ بَيْنَ الأمْرَيْنِ وهو الأوْلى. فالخاشِعُ في صَلاتِهِ لا بُدَّ وأنْ يَحْصُلَ لَهُ مِمّا يَتَعَلَّقُ بِالقَلْبِ مِنَ الأفْعالِ نِهايَةُ الخُضُوعِ والتَّذَلُّلِ لِلْمَعْبُودِ، ومِنَ التُّرُوكِ أنْ لا يَكُونَ مُلْتَفِتَ الخاطِرِ إلى شَيْءٍ سِوى التَّعْظِيمِ، ومِمّا يَتَعَلَّقُ بِالجَوارِحِ أنْ يَكُونَ ساكِنًا مُطْرِقًا ناظِرًا إلى مَوْضِعِ سُجُودِهِ، ومِنَ التُّرُوكِ أنْ لا يَلْتَفِتَ يَمِينًا ولا شَمالًا، ولَكِنَّ الخُشُوعَ الَّذِي يُرى عَلى الإنْسانِ لَيْسَ إلّا ما يَتَعَلَّقُ بِالجَوارِحِ، فَإنَّ ما يَتَعَلَّقُ بِالقَلْبِ لا يُرى، قالَ الحَسَنُ وابْنُ سِيرِينَ: «كانَ المُسْلِمُونَ يَرْفَعُونَ أبْصارَهم إلى السَّماءِ في صَلاتِهِمْ، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَفْعَلُ ذَلِكَ، فَلَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ طَأْطَأ وكانَ لا يُجاوِزُ بَصَرُهُ مُصَلّاهُ»، فَإنْ قِيلَ: فَهَلْ تَقُولُونَ: إنَّ ذَلِكَ واجِبٌ في الصَّلاةِ؟ قُلْنا: إنَّهُ عِنْدَنا واجِبٌ ويَدُلُّ عَلَيْهِ أُمُورٌ.
أحَدُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ أمْ عَلى قُلُوبٍ أقْفالُها﴾ [مُحَمَّدٍ: ٢٤] والتَّدَبُّرُ لا يُتَصَوَّرُ بِدُونِ الوُقُوفِ عَلى المَعْنى، وكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ورَتِّلِ القُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [ المُزَّمِّلِ: ٤] مَعْناهُ قِفْ عَلى عَجائِبِهِ ومَعانِيهِ.
وثانِيها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤] وظاهِرُ الأمْرِ لِلْوُجُوبِ، والغَفْلَةُ تُضادُّ الذِّكْرِ، فَمَن غَفَلَ في جَمِيعِ صَلاتِهِ كَيْفَ يَكُونُ مُقِيمًا لِلصَّلاةِ لِذِكْرِهِ.
وثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَكُنْ مِنَ الغافِلِينَ﴾ [الأعْرافِ: ٢٠٥] وظاهِرُ النَّهْيِ لِلتَّحْرِيمِ.
ورابِعُها: قَوْلُهُ: ﴿حَتّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ﴾ [ النِّساءِ: ٤٣ ] تَعْلِيلٌ لِنَهْيِ السَّكْرانِ، وهو مُطَّرِدٌ في الغافِلِ المُسْتَغْرِقِ المُهْتَمِّ بِالدُّنْيا.
وخامِسُها: قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«إنَّما الخُشُوعُ لِمَن تَمَسْكَنَ وتَواضَعَ» “ وكَلِمَةُ (إنَّما) لِلْحَصْرِ، وقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«مَن لَمْ تَنْهَهُ صَلاتُهُ عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ لَمْ يَزْدَدْ مِنَ اللَّهِ إلّا بُعْدًا» “ وصَلاةُ الغافِلِ لا تَمْنَعُ مِنَ الفَحْشاءِ، وقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «كَمْ مِن قائِمٍ حَظُّهُ مِن قِيامِهِ التَّعَبُ والنَّصَبُ» وما أرادَ بِهِ إلّا الغافِلَ، وقالَ أيْضًا: ”«لَيْسَ لِلْعَبْدِ مِن صَلاتِهِ إلّا ما عَقَلَ» “
وسادِسُها: قالَ الغَزالِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: المُصَلِّي يُناجِي رَبَّهُ، كَما ورَدَ بِهِ الخَبَرُ، والكَلامُ مَعَ الغَفْلَةِ لَيْسَ بِمُناجاةٍ البَتَّةَ، وبَيانُهُ أنَّ الإنْسانَ إذا أدّى الزَّكاةَ حالَ الغَفْلَةِ فَقَدْ حَصَلَ المَقْصُودُ مِنها عَلى بَعْضِ الوُجُوهِ، وهو كَسْرُ الحِرْصِ وإغْناءُ الفَقِيرِ، وكَذا الصَّوْمُ قاهِرٌ لِلْقُوى كاسِرٌ لِسَطْوَةِ الهَوى الَّتِي هي عَدُوَّةُ اللَّهِ تَعالى. فَلا يَبْعُدُ أنْ يَحْصُلَ مِنهُ مَقْصُودُهُ مَعَ الغَفْلَةِ، وكَذا الحَجُّ أفْعالٌ شاقَّةٌ، وفِيهِ مِنَ المُجاهَدَةِ ما يَحْصُلُ بِهِ الِابْتِلاءُ سَواءٌ كانَ القَلْبُ حاضِرًا أوْ لَمْ يَكُنْ. أمّا الصَّلاةُ فَلَيْسَ فِيها إلّا ذِكْرٌ وقِراءَةٌ ورُكُوعٌ وسُجُودٌ وقِيامٌ وقُعُودٌ، أمّا الذِّكْرُ فَإنَّهُ مُناجاةٌ مَعَ اللَّهِ تَعالى. فَإمّا أنْ يَكُونَ المَقْصُودُ مِنهُ كَوْنَهُ مُناجاةً، أوِ المَقْصُودُ مُجَرَّدُ الحُرُوفِ والأصْواتِ، ولا شَكَّ في فَسادِ هَذا القِسْمِ، فَإنَّ تَحْرِيكَ اللِّسانِ بِالهَذَيانِ لَيْسَ فِيهِ غَرَضٌ صَحِيحٌ، فَثَبَتَ أنَّ المَقْصُودَ مِنهُ المُناجاةُ، وذَلِكَ لا يَتَحَقَّقُ إلّا إذا كانَ اللِّسانُ مُعَبِّرًا عَمّا في القَلْبِ مِنَ التَّضَرُّعاتِ، فَأيُّ سُؤالٍ في قَوْلِهِ: ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ [ الفاتِحَةِ: ٦ ] وكانَ القَلْبُ غافِلًا عَنْهُ؟ بَلْ أقُولُ: لَوْ حَلَفَ إنْسانٌ، وقالَ: واللَّهِ لَأشْكُرَنَّ فُلانًا وأُثْنِي عَلَيْهِ وأسْألُهُ حاجَةً. ثُمَّ جَرَتِ الألْفاظُ الدّالَّةُ عَلى هَذِهِ المَعانِي عَلى لِسانِهِ في اليَوْمِ، لَمْ يَبَرَّ في يَمِينِهِ، ولَوْ
صفحة ٦٩
جَرى عَلى لِسانِهِ في ظُلْمَةِ اللَّيْلِ وذَلِكَ الإنْسانُ حاضِرٌ وهو لا يَعْرِفُ حُضُورَهُ ولا يَراهُ، لا يَصِيرُ بارًّا في يَمِينِهِ، ولا يَكُونُ كَلامُهُ خِطابًا مَعَهُ ما لَمْ يَكُنْ حاضِرًا بِقَلْبِهِ، ولَوْ جَرَتْ هَذِهِ الكَلِماتُ عَلى لِسانِهِ وهو حاضِرٌ في بَياضِ النَّهارِ إلّا أنَّ المُتَكَلِّمَ غافِلٌ لِكَوْنِهِ مُسْتَغْرِقَ الهَمِّ بِفِكْرٍ مِنَ الأفْكارِ، ولَمْ يَكُنْ لَهُ قَصْدُ تَوْجِيهِ الخِطابِ إلَيْهِ عِنْدَ نُطْقِهِ، لَمْ يَصِرْ بارًّا في يَمِينِهِ. ولا شَكَّ أنَّ المَقْصُودَ مِنَ القِراءَةِ الأذْكارُ والحَمْدُ والثَّناءُ والتَّضَرُّعُ والدُّعاءُ، والمُخاطَبُ هو اللَّهُ تَعالى، فَإذا كانَ القَلْبُ مَحْجُوبًا بِحِجابِ الغَفْلَةِ وكانَ غافِلًا عَنْ جَلالِ اللَّهِ وكِبْرِيائِهِ، ثُمَّ إنَّ لِسانَهُ يَتَحَرَّكُ بِحُكْمِ العادَةِ، فَما أبْعَدَ ذَلِكَ عَنِ القَبُولِ.
وأمّا الرُّكُوعُ والسُّجُودُ فالمَقْصُودُ مِنهُما التَّعْظِيمُ، ولَوْ جازَ أنْ يَكُونَ تَعْظِيمًا لِلَّهِ تَعالى مَعَ أنَّهُ غافِلٌ عَنْهُ، لَجازَ أنْ يَكُونَ تَعْظِيمًا لِلصَّنَمِ المَوْضُوعِ بَيْنَ يَدَيْهِ وهو غافِلٌ عَنْهُ، ولِأنَّهُ إذا لَمْ يَحْصُلِ التَّعْظِيمُ لَمْ يَبْقَ إلّا مُجَرَّدُ حَرَكَةِ الظَّهْرِ والرَّأْسِ، ولَيْسَ فِيها مِنَ المَشَقَّةِ ما يَصِيرُ لِأجْلِهِ عِمادًا لِلدِّينِ، وفاصِلًا بَيْنَ الكُفْرِ والإيمانِ، ويُقْدِمُ عَلى الحَجِّ والزَّكاةِ والجِهادِ وسائِرِ الطّاعاتِ الشّاقَّةِ، ويَجِبُ القَتْلُ بِسَبَبِهِ عَلى الخُصُوصِ، وبِالجُمْلَةِ فَكُلُّ عاقِلٍ يَقْطَعُ بِأنَّ مُشاهَدَةَ الخَواصِّ العَظِيمَةِ لَيْسَ أعْمالَها الظّاهِرَةَ إلّا أنْ يَنْضافَ إلَيْها مَقْصُودُ هَذِهِ المُناجاةِ، فَدَلَّتْ هَذِهِ الِاعْتِباراتُ عَلى أنَّ الصَّلاةَ لا بُدَّ فِيها مِنَ الحُضُورِ.
وسابِعُها: أنَّ الفُقَهاءَ اخْتَلَفُوا فِيما يَنْوِيهِ بِالسَّلامِ عِنْدَ الجَماعَةِ والِانْفِرادِ، هَلْ يَنْوِي الحُضُورَ أوِ الغَيْبَةَ والحُضُورَ مَعًا. فَإذا احْتِيجَ إلى التَّدَبُّرِ في مَعْنى السَّلامِ الَّذِي هو آخِرُ الصَّلاةِ فَلَأنْ يُحْتاجَ إلى التَّدَبُّرِ في مَعْنى التَّكْبِيرِ والتَّسْبِيحِ الَّتِي هي الأشْياءُ المَقْصُودَةُ مِنَ الصَّلاةِ بِالطَّرِيقِ الأوْلى، واحْتَجَّ المُخالِفُ بِأنَّ اشْتِراطَ الخُضُوعِ والخُشُوعِ عَلى خِلافِ اجْتِماعِ الفُقَهاءِ، فَلا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ. والجَوابُ مِن وُجُوهٍ.
أحَدُها: أنَّ الحُضُورَ عِنْدَنا لَيْسَ شَرْطًا لِلْإجْزاءِ، بَلْ شَرْطٌ لِلْقَبُولِ، والمُرادُ مِنَ الإجْزاءِ أنْ لا يَجِبَ القَضاءُ، والمُرادُ مِنَ القَبُولِ حُكْمُ الثَّوابِ.
والفُقَهاءُ إنَّما يَبْحَثُونَ عَنْ حُكْمِ الإجْزاءِ لا عَنْ حُكْمِ الثَّوابِ، وغَرَضُنا في هَذا المَقامِ هَذا، ومِثالُهُ في الشّاهِدِ مَنِ اسْتَعارَ مِنكَ ثَوْبًا ثُمَّ رَدَّهُ عَلى الوجه الأحْسَنِ، فَقَدْ خَرَجَ عَنِ العُهْدَةِ واسْتَحَقَّ المَدْحَ، ومَن رَماهُ إلَيْكَ عَلى وجْهِ الِاسْتِخْفافِ خَرَجَ عَنِ العُهْدَةِ، ولَكِنَّهُ اسْتَحَقَّ الذَّمَّ، كَذا مَن عَظَّمَ اللَّهَ تَعالى حالَ أدائِهِ العِبادَةَ صارَ مُقِيمًا لِلْفَرْضِ مُسْتَحِقًّا لِلثَّوابِ، ومَنِ اسْتَهانَ بِها صارَ مُقِيمًا لِلْفَرْضِ ظاهِرًا لَكِنَّهُ اسْتَحَقَّ الذَّمَّ.
وثانِيها: أنّا نَمْنَعُ هَذا الإجْماعَ، أمّا المُتَكَلِّمُونَ فَقَدِ اتَّفَقُوا عَلى أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الحُضُورِ والخُشُوعِ، واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِأنَّ السُّجُودَ لِلَّهِ تَعالى طاعَةٌ ولِلصَّنَمِ كُفْرٌ، وكُلُّ واحِدٍ مِنهُما يُماثِلُ الآخَرَ في ذاتِهِ ولَوازِمِهِ، فَلا بُدَّ مِن أمْرٍ لِأجْلِهِ صارَ السُّجُودُ في إحْدى الصُّورَتَيْنِ طاعَةً، وفي الأُخْرى مَعْصِيَةً، قالُوا: وما ذاكَ إلّا القَصْدُ والإرادَةُ، والمُرادُ مِنَ القَصْدِ إيقاعُ تِلْكَ الأفْعالِ لِداعِيَةِ الِامْتِثالِ، وهَذِهِ الدّاعِيَةُ لا يُمْكِنُ حُصُولُها إلّا عِنْدَ الحُضُورِ، فَلِهَذا اتَّفَقُوا عَلى أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الحُضُورِ، أمّا الفُقَهاءُ فَقَدْ ذَكَرَ الفَقِيهُ أبُو اللَّيْثِ رَحِمَهُ اللَّهُ في تَنْبِيهِ الغافِلِينَ أنَّ تَمامَ القِراءَةِ أنْ يَقْرَأ بِغَيْرِ لَحْنٍ، وأنْ يَقْرَأ بِالتَّفَكُّرِ.
وأمّا الغَزالِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فَإنَّهُ نَقَلَ عَنْ أبِي طالِبٍ المَكِّيِّ عَنْ بِشْرٍ الحافِي أنَّهُ قالَ: مَن لَمْ يَخْشَعْ فَسَدَتْ صَلاتُهُ. وعَنِ الحَسَنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: كُلُّ صَلاةٍ لا يَحْضُرُ فِيها القَلْبُ فَهي إلى العُقُوبَةِ أسْرَعُ. وعَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ: ”مَن عَرَفَ مَن عَلى يَمِينِهِ وشِمالِهِ مُتَعَمِّدًا وهو في الصَّلاةِ فَلا صَلاةَ لَهُ“. ورُوِيَ أيْضًا مُسْنَدًا قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«إنَّ العَبْدَ لَيُصَلِّي الصَّلاةَ لا يُكْتَبُ لَهُ سُدُسُها ولا عُشْرُها، وإنَّما يُكْتَبُ لِلْعَبْدِ مِن صَلاتِهِ ما عَقَلَ مِنها» “. وقالَ عَبْدُ الواحِدِ بْنُ زَيْدٍ: أجْمَعَتِ العُلَماءُ عَلى أنَّهُ لَيْسَ لِلْعَبْدِ مِن صَلاتِهِ إلّا ما عَقَلَ، وادَّعى فِيهِ الإجْماعَ. إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: هَبْ أنَّ الفُقَهاءَ بِأسْرِهِمْ حَكَمُوا بِالجَوازِ، ألَيْسَ الأُصُولِيُّونَ وأهْلُ الوَرَعِ ضَيَّقُوا الأمْرَ فِيها، فَهَلّا أخَذْتَ بِالِاحْتِياطِ، فَإنَّ بَعْضَ العُلَماءِ اخْتارَ
صفحة ٧٠
الإمامَةَ، فَقِيلَ لَهُ في ذَلِكَ فَقالَ: أخافُ إنْ تَرَكْتُ الفاتِحَةَ أنْ يُعاتِبَنِي الشّافِعِيُّ، وإنْ قَرَأْتُها مَعَ الإمامِ أنْ يُعاتِبَنِي أبُو حَنِيفَةَ، فاخْتَرْتُ الإمامَةَ طَلَبًا لِلْخَلاصِ عَنْ هَذا الِاخْتِلافِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ هم عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ وفي اللَّغْوِ أقْوالٌ.
أحَدُها: أنَّهُ يَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ ما كانَ حَرامًا أوْ مَكْرُوهًا أوْ كانَ مُباحًا، ولَكِنْ لا يَكُونُ بِالمَرْءِ إلَيْهِ ضَرُورَةٌ وحاجَةٌ.
وثانِيها: أنَّهُ عِبارَةٌ عَنْ كُلِّ ما كانَ حَرامًا فَقَطْ، وهَذا التَّفْسِيرُ أخَصُّ مِنَ الأوَّلِ.
وثالِثُها: أنَّهُ عِبارَةٌ عَنِ المَعْصِيَةِ في القَوْلِ والكَلامِ خاصَّةً، وهَذا أخَصُّ مِنَ الثّانِي.
ورابِعُها: أنَّهُ المُباحُ الَّذِي لا حاجَةَ إلَيْهِ، واحْتَجَّ هَذا القائِلُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ في أيْمانِكُمْ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٢٥] فَكَيْفَ يُحْمَلُ ذَلِكَ عَلى المَعاصِي الَّتِي لا بُدَّ فِيها مِنَ المُؤاخَذَةِ، واحْتَجَّ الأوَّلُونَ بِأنَّ اللَّغْوَ إنَّما سُمِّيَ لَغْوًا بِما أنَّهُ يُلْغى، وكُلُّ ما يَقْتَضِي الدِّينُ إلْغاءَهُ كانَ أوْلى بِاسْمِ اللَّغْوِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ كُلُّ حَرامٍ لَغْوًا، ثُمَّ اللَّغْوُ قَدْ يَكُونُ كُفْرًا لِقَوْلِهِ: ﴿لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ والغَوْا فِيهِ﴾ [فُصِّلَتْ: ٢٦] وقَدْ يَكُونُ كَذِبًا لِقَوْلِهِ: ﴿لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً﴾ [الغاشِيَةِ: ١١] وقَوْلِهِ: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ولا تَأْثِيمًا﴾ [الواقِعَةِ: ٢٥] ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى مَدَحَهم بِأنَّهم يُعْرِضُونَ عَنْ هَذا اللَّغْوِ، والإعْراضُ عَنْهُ هو بِأنْ لا يَفْعَلَهُ ولا يَرْضى بِهِ ولا يُخالِطَ مَن يَأْتِيهِ، وعَلى هَذا الوجه قالَ تَعالى: ﴿وإذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرامًا﴾ [الفُرْقانِ: ٧٢] واعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا وصَفَهم بِالخُشُوعِ في الصَّلاةِ أتْبَعَهُ الوَصْفَ بِالإعْراضِ عَنِ اللَّغْوِ، لِيَجْمَعَ لَهُمُ الفِعْلَ والتَّرْكَ الشّاقَّيْنِ عَلى الأنْفُسِ اللَّذَيْنِ هُما قاعِدَتا بِناءِ التَّكْلِيفِ، وهو أعْلَمُ.
* * *
الصِّفَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ هم لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ﴾ وفي الزَّكاةِ قَوْلانِ، أحَدُهُما: قَوْلُ أبِي مُسْلِمٍ أنَّ فِعْلَ الزَّكاةِ يَقَعُ عَلى كُلِّ فِعْلٍ مَحْمُودٍ مَرَضِيٍّ، كَقَوْلِهِ: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ [الأعْلى: ١٤] وقَوْلِهِ: ﴿فَلا تُزَكُّوا أنْفُسَكُمْ﴾ [النَّجْمِ: ٣٢] ومِن جُمْلَتِهِ ما يَخْرُجُ مِن حَقِّ المالِ، وإنَّما سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّها تُطَهِّرُ مِنَ الذُّنُوبِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿تُطَهِّرُهم وتُزَكِّيهِمْ بِها﴾ [التَّوْبَةِ: ١٠٣].
والثّانِي: وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ أنَّهُ الحَقُّ الواجِبُ في الأمْوالِ خاصَّةً، وهَذا هو الأقْرَبُ؛ لِأنَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ قَدِ اخْتَصَّتْ في الشَّرْعِ بِهَذا المَعْنى، فَإنْ قِيلَ: إنَّهُ لا يُقالُ في الكَلامِ الفَصِيحِ: إنَّهُ فَعَلَ الزَّكاةَ، قُلْنا: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: الزَّكاةُ اسْمٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ عَيْنٍ ومَعْنًى، فالعَيْنُ القَدْرُ الَّذِي يُخْرِجُهُ المُزَكِّي مِنَ النِّصابِ إلى الفَقِيرِ، والمَعْنى فِعْلُ المُزَكِّي الَّذِي هو التَّزْكِيَةُ، وهو الَّذِي أرادَهُ اللَّهُ تَعالى فَجَعَلَ المُزَكِّينَ فاعِلِينَ لَهُ ولا يَسُوغُ فِيهِ غَيْرُهُ؛ لِأنَّهُ ما مِن مَصْدَرٍ إلّا يُعَبَّرُ عَنْ مَعْناهُ بِالفِعْلِ. ويُقالُ لِمُحَدِثِهِ: فاعِلٌ، يُقالُ لِلضّارِبِ: فاعِلُ الضَّرْبِ، ولِلْقاتِلِ: فاعِلُ القَتْلِ، ولِلْمُزَكِّي: فاعِلُ الزَّكاةِ، وعَلى هَذا الكَلامِ كُلِّهِ يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالزَّكاةِ العَيْنُ، ويُقَدَّرَ مُضافٌ مَحْذُوفٌ وهو الأداءُ، فَإنْ قِيلَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى هُناكَ لَمْ يَفْصِلْ بَيْنَ الصَّلاةِ والزَّكاةِ، فَلِمَ فَصَلَ هاهُنا بَيْنَهُما بِقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ هم عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ ؟ قُلْنا: لِأنَّ الإعْراضَ عَنِ اللَّغْوِ مِن مُتَمِّماتِ الصَّلاةِ.
* * *
الصِّفَةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ ﴿إلّا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ وفِيهِ سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: لِمَ لَمْ يَقُلْ: إلّا عَنْ أزْواجِهِمْ؟ الجَوابُ: قالَ الفَرّاءُ: مَعْناهُ: إلّا مِن أزْواجِهِمْ، وذَكَرَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ فِيهِ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ.
أحَدُها: أنَّهُ في مَوْضِعِ الحالِ؛ أيْ: إلّا والِينَ عَلى أزْواجِهِمْ أوْ قَوّامِينَ عَلَيْهِنَّ، مِن قَوْلِكَ: كانَ فُلانٌ عَلى فُلانَةٍ، ونَظِيرُهُ كانَ زِيادٌ عَلى البَصْرَةِ؛ أيْ والِيًا عَلَيْها، ومِنهُ قَوْلُهُمْ: فُلانَةٌ تَحْتَ فُلانٍ، ومِن ثَمَّ
صفحة ٧١
سُمِّيَتِ المَرْأةُ فِراشًا. والمَعْنى أنَّهم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ في كافَّةِ الأحْوالِ إلّا في حالِ تَزْوِيجِهِمْ أوْ تَسَرِّيهِمْ.
وثانِيها: أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: يُلامُونَ إلّا عَلى أزْواجِهِمْ؛ أيْ: يُلامُونَ عَلى كُلِّ مُباشَرَةٍ إلّا عَلى ما أُطْلِقَ لَهم فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ عَلَيْهِ، وهو قَوْلُ الزَّجّاجِ.
وثالِثُها: أنْ تَجْعَلَهُ صِلَةً لِـ ﴿حافِظُونَ﴾.
السُّؤالُ الثّانِي: هَلّا قِيلَ: مَن مَلَكَتْ؟ الجَوابُ: لِأنَّهُ اجْتَمَعَ في السُّرِّيَّةِ وصْفانِ، أحَدُهُما: الأُنُوثَةُ وهي مَظِنَّةُ نُقْصانِ العَقْلِ، والآخَرُ كَوْنُها بِحَيْثُ تُباعُ وتُشْتَرى كَسائِرِ السِّلَعِ، فَلِاجْتِماعِ هَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ فِيها جُعِلَتْ كَأنَّها لَيْسَتْ مِنَ العُقَلاءِ.
السُّؤالُ الثّالِثُ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى تَحْرِيمِ المُتْعَةِ عَلى ما يُرْوى عَنِ القاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ؟ الجَوابُ: نَعَمْ، وتَقْرِيرُهُ أنَّها لَيْسَتْ زَوْجَةً لَهُ فَوَجَبَ أنْ لا تَحِلَّ لَهُ، وإنَّما قُلْنا: إنَّها لَيْسَتْ زَوْجَةً لَهُ؛ لِأنَّهُما لا يَتَوارَثانِ بِالإجْماعِ، ولَوْ كانَتْ زَوْجَةً لَهُ لَحَصَلَ التَّوارُثُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَكم نِصْفُ ما تَرَكَ أزْواجُكُمْ﴾ [النِّساءِ: ١٢] وإذا ثَبَتَ أنَّها لَيْسَتْ بِزَوْجَةٍ لَهُ وجَبَ أنْ لا تَحِلَّ لَهُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلّا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ﴾ وهو أعْلَمُ.
السُّؤالُ الرّابِعُ: ألَيْسَ لا يَحِلُّ لَهُ في الزَّوْجَةِ ومِلْكِ اليَمِينِ الِاسْتِمْتاعُ في أحْوالٍ كَحالِ الحَيْضِ وحالِ العِدَّةِ، وفي الأمَةِ حالَ تَزْوِيجِها مِنَ الغَيْرِ وحالَ عِدَّتِها، وكَذا الغُلامُ داخِلٌ في ظاهِرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ﴾ والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ.
أحَدُهُما: أنَّ مَذْهَبَ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ أنَّ الِاسْتِثْناءَ مِنَ النَّفْيِ لا يَكُونُ إثْباتًا، واحْتَجَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«لا صَلاةَ إلّا بِطُهُورٍ، ولا نِكاحَ إلّا بِوَلِيٍّ» “ فَإنَّ ذَلِكَ لا يَقْتَضِي حُصُولَ الصَّلاةِ بِمُجَرَّدِ حُصُولِ الطُّهُورِ، وحُصُولَ النِّكاحِ بِمُجَرَّدِ حُصُولِ الوَلِيِّ. وفائِدَةُ الِاسْتِثْناءِ صَرْفُ الحُكْمِ لا صَرْفُ المَحْكُومِ بِهِ، فَقَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ ﴿إلّا عَلى أزْواجِهِمْ﴾ مَعْناهُ أنَّهُ يَجِبُ حِفْظُ الفُرُوجِ عَنِ الكُلِّ إلّا في هاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ فَإنِّي ما ذَكَرْتُ حُكْمَهُما لا بِالنَّفْيِ ولا بِالإثْباتِ.
الثّانِي: أنّا إنْ سَلَّمْنا أنَّ الِاسْتِثْناءَ مِنَ النَّفْيِ إثْباتٌ، فَغايَتُهُ أنَّهُ عامٌّ دَخَلَهُ التَّخْصِيصُ بِالدَّلِيلِ فَيَبْقى فِيما وراءَهُ حُجَّةً.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ يَعْنِي الكامِلُونَ في العُدْوانِ المُتَناهُونَ فِيهِ.
* * *
الصِّفَةُ السّادِسَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ هم لِأماناتِهِمْ وعَهْدِهِمْ راعُونَ﴾ قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ (لِأمانَتِهِمْ) واعْلَمْ أنَّهُ يُسَمّى الشَّيْءُ المُؤْتَمَنُ عَلَيْهِ والمُعاهَدُ عَلَيْهِ أمانَةً وعَهْدًا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم أنْ تُؤَدُّوا الأماناتِ إلى أهْلِها﴾ [النِّساءِ: ٥٨] وقالَ: ﴿وتَخُونُوا أماناتِكُمْ﴾ [الأنْفالِ: ٢٧] وإنَّما تُؤَدّى العُيُونُ دُونَ المَعانِي، فَكانَ المُؤْتَمَنُ عَلَيْهِ الأمانَةُ في نَفْسِها. والعَهْدُ ما عَقَدَهُ عَلى نَفْسِهِ فِيما يُقَرِّبُهُ إلى رَبِّهِ، ويَقَعُ أيْضًا عَلى ما أمَرَ اللَّهُ تَعالى بِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ عَهِدَ إلَيْنا﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٨٣] والرّاعِي: القائِمُ عَلى الشَّيْءِ لِحِفْظٍ وإصْلاحٍ كَراعِي الغَنَمِ وراعِي الرَّعِيَّةِ، ويُقالُ: مَن راعِي هَذا الشَّيْءِ؟ أيْ: مُتَوَلِّيهِ. واعْلَمْ أنَّ الأمانَةَ تَتَناوَلُ كُلَّ ما تَرْكُهُ يَكُونُ داخِلًا في الخِيانَةِ، وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ والرَّسُولَ وتَخُونُوا أماناتِكُمْ﴾ [الأنْفالِ: ٢٧] فَمِن ذَلِكَ العِباداتُ الَّتِي المَرْءُ مُؤْتَمَنٌ عَلَيْها، وكُلُّ العِباداتِ تَدْخُلُ في ذَلِكَ؛ لِأنَّها إمّا أنْ تَخْفى أصْلًا كالصَّوْمِ وغُسْلِ الجَنابَةِ وإسْباغِ الوُضُوءِ، أوْ تَخْفى كَيْفِيَّةُ إتْيانِهِ بِها، وقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«أعْظَمُ النّاسِ خِيانَةً مَن لَمْ يُتِمَّ صَلاتَهُ» “ وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ”أوَّلُ ما تَفْقِدُونَ مِن دِينِكُمُ الأمانَةُ، وآخِرُ ما تَفْقِدُونَ الصَّلاةُ“ ومِن جُمْلَةِ ذَلِكَ ما يَلْتَزِمُهُ بِفِعْلٍ أوْ قَوْلٍ، فَيَلْزَمُهُ الوَفاءُ بِهِ كالوَدائِعِ والعُقُودِ وما يَتَّصِلُ بِهِما. ومِن ذَلِكَ
صفحة ٧٢
الأقْوالُ الَّتِي يُحَرَّرُ بِها العَبِيدُ والنِّساءُ؛ لِأنَّهُ مُؤْتَمَنٌ في ذَلِكَ، ومِن ذَلِكَ أنْ يُراعِيَ أمانَتَهُ فَلا يُفْسِدَها بِغَصْبٍ أوْ غَيْرِهِ، وأمّا العَهْدُ فَإنَّهُ دَخَلَ فِيهِ العُقُودُ والأيْمانُ والنُّذُورُ، فَبَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّ مُراعاةَ هَذِهِ الأُمُورِ والقِيامَ بِها مُعْتَبَرٌ في حُصُولِ الفَلاحِ.
* * *
الصِّفَةُ السّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ هم عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ وإنَّما أعادَ تَعالى ذِكْرَها؛ لِأنَّ الخُشُوعَ والمُحافَظَةَ مُتَغايِرانِ غَيْرُ مُتَلازِمَيْنِ، فَإنَّ الخُشُوعَ صِفَةٌ لِلْمُصَلِّي في حالِ الأداءِ لِصَلاتِهِ، والمُحافَظَةُ إنَّما تَصِحُّ حالَ ما لَمْ يُؤَدِّها بِكَمالِها. بَلِ المُرادُ بِالمُحافَظَةِ التَّعَهُّدُ لِشُرُوطِها مِن وقْتٍ وطَهارَةٍ وغَيْرِهِما، والقِيامُ عَلى أرْكانِها وإتْمامِها حَتّى يَكُونَ ذَلِكَ دَأْبَهُ في كُلِّ وقْتٍ، ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى مَجْمُوعَ هَذِهِ الأُمُورِ قالَ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الوارِثُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الفِرْدَوْسَ هم فِيها خالِدُونَ﴾ وهاهُنا سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: لِمَ سَمّى ما يَجِدُونَهُ مِنَ الثَّوابِ والجَنَّةِ بِالمِيراثِ؟ مَعَ أنَّهُ سُبْحانَهُ حَكَمَ بِأنَّ الجَنَّةَ حَقُّهم في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ المُؤْمِنِينَ أنْفُسَهم وأمْوالَهم بِأنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ﴾ [التَّوْبَةِ: ١١١]. الجَوابُ مِن وُجُوهٍ.
الأوَّلُ: ما «رُوِيَ عَنِ الرَّسُولِ ﷺ وهو أبْيَنُ عَلى ما يُقالُ فِيهِ، وهُوَ: أنَّهُ لا مُكَلَّفٌ إلّا أعَدَّ اللَّهُ لَهُ في النّارِ ما يَسْتَحِقُّهُ إنْ عَصى، وفي الجَنَّةِ ما يَسْتَحِقُّهُ إنْ أطاعَ، وجَعَلَ لِذَلِكَ عَلامَةً. فَإذا آمَنَ مِنهُمُ البَعْضُ ولَمْ يُؤْمِنِ البَعْضُ صارَ مَنزِلُ مَن لَمْ يُؤْمِن كالمَنقُولِ إلى المُؤْمِنِينَ، وصارَ مَصِيرُهم إلى النّارِ الَّذِي لا بُدَّ مَعَهُ مِن حِرْمانِ الثَّوابِ كَمَوْتِهِمْ»، فَسُمِّيَ ذَلِكَ مِيراثًا لِهَذا الوَجْهِ، وقَدْ قالَ الفُقَهاءُ: إنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ ما مَلَكَهُ المَيِّتُ وبَيْنَ ما يُقَدِّرُ فِيهِ المَلِكُ في أنَّهُ يُورَثُ عَنْهُ، كَذَلِكَ قالُوا في الدِّيَةِ الَّتِي تَجِبُ بِالقَتْلِ: إنَّها تُورَثُ، مَعَ أنَّهُ ما مَلَكَها عَلى التَّحْقِيقِ، وذَلِكَ يَشْهَدُ لِما ذَكَرْنا، فَإنْ قِيلَ: إنَّهُ تَعالى وصَفَ كُلَّ الَّذِي يَسْتَحِقُّونَهُ إرْثًا، وعَلى ما قُلْتُمْ يَدْخُلُ في الإرْثِ ما كانَ يَسْتَحِقُّهُ غَيْرُهم لَوْ أطاعَ. قُلْنا: لا يَمْتَنِعُ أنَّهُ تَعالى جَعَلَ ما هو مَنزِلَةٌ لِهَذا المُؤْمِنِ بِعَيْنِهِ مَنزِلَةً لِذَلِكَ الكافِرِ لَوْ أطاعَ؛ لِأنَّهُ عِنْدَ ذَلِكَ كانَ يَزِيدُ في المَنازِلِ فَإذا آمَنَ هَذا عَدَلَ بِذَلِكَ إلَيْهِ.
وثانِيها: أنَّ انْتِقالَ الجَنَّةِ إلَيْهِمْ بِدُونِ مُحاسَبَةٍ ومَعْرِفَةٍ بِمَقادِيرِهِ يُشْبِهُ انْتِقالَ المالِ إلى الوارِثِ.
وثالِثُها: أنَّ الجَنَّةَ كانَتْ مَسْكَنَ أبِينا آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإذا انْتَقَلَتْ إلى أوْلادِهِ صارَ ذَلِكَ شَبِيهًا بِالمِيراثِ.
السُّؤالُ الثّانِي: كَيْفَ حَكَمَ عَلى المَوْصُوفِينَ بِالصِّفاتِ السَّبْعِ بِالفَلاحِ مَعَ أنَّهُ تَعالى ما تَمَّمَ ذِكْرَ العِباداتِ الواجِبَةِ كالصَّوْمِ والحَجِّ والطَّهارَةِ؟ والجَوابُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿والَّذِينَ هم لِأماناتِهِمْ وعَهْدِهِمْ راعُونَ﴾ يَأْتِي عَلى جَمِيعِ الواجِباتِ مِنَ الأفْعالِ والتُّرُوكِ كَما قَدَّمْنا، والطَّهاراتُ دَخَلَتْ في جُمْلَةِ المُحافَظَةِ عَلى الصَّلَواتِ الخَمْسِ؛ لِكَوْنِها مِن شَرائِطِها.
السُّؤالُ الثّالِثُ: أفَيَدُلُّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الوارِثُونَ﴾ عَلى أنَّهُ لا يَدْخُلُها غَيْرُهُمْ؟ الجَوابُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿هُمُ الوارِثُونَ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ لَكِنَّهُ يَجِبُ تَرْكُ العَمَلِ بِهِ؛ لِأنَّهُ ثَبَتَ أنَّ الجَنَّةَ يَدْخُلُها الأطْفالُ والمَجانِينُ والوِلْدانُ والحُورُ العِينُ، ويَدْخُلُها الفُسّاقُ مِن أهْلِ القِبْلَةِ بَعْدَ العَفْوِ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النِّساءِ: ٤٨].
السُّؤالُ الرّابِعُ: أفَكُلُّ الجَنَّةِ هو الفِرْدَوْسُ؟ الجَوابُ: الفِرْدَوْسُ هو الجَنَّةُ بِلِسانِ الحَبَشَةِ، وقِيلَ بِلِسانِ الرُّومِ، ورَوى أبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«الفِرْدَوْسُ مَقْصُورَةُ الرَّحْمَنِ؛ فِيها الأنْهارُ والأشْجارُ» “
صفحة ٧٣
ورَوى أبُو أُمامَةَ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ قالَ: ”«سَلُوا اللَّهَ الفِرْدَوْسَ فَإنَّها أعْلى الجِنانِ، وإنَّ أهْلَ الفِرْدَوْسِ يَسْمَعُونَ أطِيطَ العَرْشِ» “.
السُّؤالُ الخامِسُ: هَلْ تَدُلُّ الآيَةُ عَلى أنَّ هَذِهِ الصِّفاتِ هي الَّتِي لَها ولِأجْلِها يَكُونُونَ مُؤْمِنِينَ أمْ لا؟ الجَوابُ: ادَّعى القاضِي أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ بِناءً عَلى مَذْهَبِهِ أنَّ الإيمانَ اسْمٌ شَرْعِيٌّ مَوْضُوعٌ لِأداءِ كُلِّ الواجِباتِ، وعِنْدَنا أنَّ الآيَةَ لا تَدُلُّ عَلى ذَلِكَ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم في صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ﴾ مِثْلُ قَدْ أفْلَحَ النّاسُ الأذْكِياءُ العُدُولُ، فَإنَّ هَذا لا يَدُلُّ عَلى أنَّ الزَّكاةَ والعَدالَةَ داخِلانِ في مُسَمّى النّاسِ فَكَذا هاهُنا.
السُّؤالُ السّادِسُ: رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: ”«لَمّا خَلَقَ اللَّهُ تَعالى جَنَّةَ عَدْنٍ قالَ لَها: تَكَلَّمِي. فَقالَتْ: قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ» “ وقالَ كَعْبٌ: ”خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ بِيَدِهِ وكَتَبَ التَّوْراةَ بِيَدِهِ وغَرَسَ شَجَرَةَ طُوبى بِيَدِهِ، ثم قال لَها: تَكَلَّمِي. فَقالَتْ: قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ“، ورُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ”«إذا أحْسَنَ العَبْدُ الوُضُوءَ وصَلّى الصَّلاةَ لِوَقْتِها وحافَظَ عَلى رُكُوعِها وسُجُودِها ومَواقِيتِها قالَتْ: حَفِظَكَ اللَّهُ كَما حافَظْتَ عَلَيَّ، وشَفَعَتْ لِصاحِبِها، وإذا أضاعَها قالَتْ: أضاعَكَ اللَّهُ كَما ضَيَّعْتَنِي، وتُلَفُّ كَما يُلَفُّ الثَّوْبُ الخَلِقُ فَيُضْرَبُ بِها وجْهُ صاحِبِها» “ الجَوابُ: أمّا كَلامُ الجَنَّةِ فالمُرادُ بِهِ أنَّها أُعِدَّتْ لِلْمُؤْمِنِينَ، فَصارَ ذَلِكَ كالقَوْلِ مِنها، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَتا أتَيْنا طائِعِينَ﴾ [فُصِّلَتْ: ١١] وأمّا أنَّهُ تَعالى خَلَقَ الجَنَّةَ بِيَدِهِ، فالمُرادُ تَوَلّى خَلْقَها لا أنَّهُ وكَلَهُ إلى غَيْرِهِ، وأمّا أنَّ الصَّلاةَ تُثْنِي عَلى مَن قامَ بِحَقِّها فَهو في الجَوازِ أبْعَدُ مِن كَلامِ الجَنَّةِ؛ لِأنَّ الصَّلاةَ حَرَكاتٌ وسَكَناتٌ ولا يَصِحُّ عَلَيْها أنْ تَتَصَوَّرَ وتَتَكَلَّمَ، فالمُرادُ مِنهُ ضَرْبُ المَثَلِ كَما يَقُولُ القائِلُ لِلْمُنْعِمِ: إنَّ إحْسانَكَ إلَيَّ يَنْطِقُ بِالشُّكْرِ.
السُّؤالُ السّابِعُ: هَلْ تَدُلُّ الآيَةُ عَلى أنَّ الفِرْدَوْسَ مَخْلُوقَةٌ؟ الجَوابُ: قالَ القاضِي: دَلَّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُكُلُها دائِمٌ﴾ [الرَّعْدِ: ٣٥] عَلى أنَّها غَيْرُ مَخْلُوقَةٍ، فَوَجَبَ تَأْوِيلُ هَذِهِ الآيَةِ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ يَخْلُقُ اللَّهُ الجَنَّةَ مِيراثًا لِلْمُؤْمِنِينَ، أوْ: وإذا خَلَقَها تَقُولُ، عَلى مِثالِ ما تَأوَّلْنا عَلَيْهِ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ونادى أصْحابُ النّارِ أصْحابَ الجَنَّةِ﴾ [الأعْرافِ: ٥٠] وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ إضْمارُ ما ذَكَرَهُ في هَذِهِ الآيَةِ أوْلى مِن أنْ يُضْمَرَ في قَوْلِهِ: ﴿أُكُلُها دائِمٌ﴾ ثُمَّ إنَّ أُكُلَها دائِمٌ يَوْمَ القِيامَةِ، وإذا تَعارَضَ هَذانِ الظّاهِرانِ فَنَحْنُ نَتَمَسَّكُ في أنَّ الجَنَّةَ مَخْلُوقَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٣٣].