Tafsir Al-Razi — المؤمنون 23:10 – المؤمنون 23:58
المحتويات
- المؤمنون 23:10
- المؤمنون 23:11
- المؤمنون 23:12
- المؤمنون 23:13
- المؤمنون 23:14
- المؤمنون 23:15
- المؤمنون 23:16
- المؤمنون 23:17
- المؤمنون 23:18
- المؤمنون 23:19
- المؤمنون 23:20
- المؤمنون 23:21
- المؤمنون 23:22
- المؤمنون 23:23
- المؤمنون 23:24
- المؤمنون 23:25
- المؤمنون 23:26
- المؤمنون 23:27
- المؤمنون 23:28
- المؤمنون 23:29
- المؤمنون 23:30
- المؤمنون 23:31
- المؤمنون 23:32
- المؤمنون 23:33
- المؤمنون 23:34
- المؤمنون 23:35
- المؤمنون 23:36
- المؤمنون 23:37
- المؤمنون 23:38
- المؤمنون 23:39
- المؤمنون 23:40
- المؤمنون 23:41
- المؤمنون 23:42
- المؤمنون 23:43
- المؤمنون 23:44
- المؤمنون 23:45
- المؤمنون 23:46
- المؤمنون 23:47
- المؤمنون 23:48
- المؤمنون 23:49
- المؤمنون 23:50
- المؤمنون 23:51
- المؤمنون 23:52
- المؤمنون 23:53
- المؤمنون 23:54
- المؤمنون 23:55
- المؤمنون 23:56
- المؤمنون 23:57
- المؤمنون 23:58
المؤمنون 23:10
صفحة ٦٧
(سُورَةُ المُؤْمِنُونَ)
مِائَةٌ وثَمانِ عَشْرَةَ آيَةً مَكِّيَّةً
﷽
﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم في صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ ﴿إلّا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ ﴿فَمَنِ ابْتَغى وراءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم لِأماناتِهِمْ وعَهْدِهِمْ راعُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ هُمُ الوارِثُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الفِرْدَوْسَ هم فِيها خالِدُونَ﴾
﷽
﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم في صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ ﴿إلّا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ ﴿فَمَنِ ابْتَغى وراءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم لِأماناتِهِمْ وعَهْدِهِمْ راعُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ هُمُ الوارِثُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الفِرْدَوْسَ هم فِيها خالِدُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ حَكَمَ بِحُصُولِ الفَلاحِ لِمَن كانَ مُسْتَجْمِعًا لِصِفاتٍ سَبْعٍ، وقَبْلَ الخَوْضِ في شَرْحِ تِلْكَ الصِّفاتِ لا بُدَّ مِن بَحْثَيْنِ:
البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّ ﴿قَدْ﴾ نَقِيضَةٌ لِـ (ما) فَـ (قَدْ) تُثْبِتُ المُتَوَقَّعَ، و(لَما) تَنْفِيهِ، ولا شَكَّ أنَّ المُؤْمِنِينَ كانُوا مُتَوَقِّعِينَ لِمِثْلِ هَذِهِ البِشارَةِ، وهي الإخْبارُ بِثَباتِ الفَلاحِ لَهم فَخُوطِبُوا بِما دَلَّ عَلى ثَباتِ ما تَوَقَّعُوهُ.
البَحْثُ الثّانِي: الفَلاحُ: الظَّفَرُ بِالمُرادِ، وقِيلَ: البَقاءُ في الخَيْرِ، وأفْلَحَ: دَخَلَ في الفَلاحِ، كَأبْشَرَ: دَخَلَ في البِشارَةِ، ويُقالُ: أفْلَحَهُ: صَيَّرَهُ إلى الفَلاحِ، وعَلَيْهِ قِراءَةُ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ ”أُفْلِحَ“ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، وعَنْهُ (أفْلَحُوا) عَلى لُغَةِ أكَلُونِي البَراغِيثُ، أوْ عَلى الإبْهامِ والتَّفْسِيرِ.
صفحة ٦٨
الصِّفَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿المُؤْمِنُونَ﴾ وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في الإيمانِ في سُورَةِ البَقَرَةِ.
الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ هم في صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ﴾ واخْتَلَفُوا في الخُشُوعِ؛ فَمِنهم مَن جَعَلَهُ مِن أفْعالِ القُلُوبِ كالخَوْفِ والرَّهْبَةِ، ومِنهم مَن جَعَلَهُ مِن أفْعالِ الجَوارِحِ كالسُّكُونِ وتَرْكِ الِالتِفاتِ، ومِنهم مَن جَمَعَ بَيْنَ الأمْرَيْنِ وهو الأوْلى. فالخاشِعُ في صَلاتِهِ لا بُدَّ وأنْ يَحْصُلَ لَهُ مِمّا يَتَعَلَّقُ بِالقَلْبِ مِنَ الأفْعالِ نِهايَةُ الخُضُوعِ والتَّذَلُّلِ لِلْمَعْبُودِ، ومِنَ التُّرُوكِ أنْ لا يَكُونَ مُلْتَفِتَ الخاطِرِ إلى شَيْءٍ سِوى التَّعْظِيمِ، ومِمّا يَتَعَلَّقُ بِالجَوارِحِ أنْ يَكُونَ ساكِنًا مُطْرِقًا ناظِرًا إلى مَوْضِعِ سُجُودِهِ، ومِنَ التُّرُوكِ أنْ لا يَلْتَفِتَ يَمِينًا ولا شَمالًا، ولَكِنَّ الخُشُوعَ الَّذِي يُرى عَلى الإنْسانِ لَيْسَ إلّا ما يَتَعَلَّقُ بِالجَوارِحِ، فَإنَّ ما يَتَعَلَّقُ بِالقَلْبِ لا يُرى، قالَ الحَسَنُ وابْنُ سِيرِينَ: «كانَ المُسْلِمُونَ يَرْفَعُونَ أبْصارَهم إلى السَّماءِ في صَلاتِهِمْ، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَفْعَلُ ذَلِكَ، فَلَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ طَأْطَأ وكانَ لا يُجاوِزُ بَصَرُهُ مُصَلّاهُ»، فَإنْ قِيلَ: فَهَلْ تَقُولُونَ: إنَّ ذَلِكَ واجِبٌ في الصَّلاةِ؟ قُلْنا: إنَّهُ عِنْدَنا واجِبٌ ويَدُلُّ عَلَيْهِ أُمُورٌ.
أحَدُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ أمْ عَلى قُلُوبٍ أقْفالُها﴾ [مُحَمَّدٍ: ٢٤] والتَّدَبُّرُ لا يُتَصَوَّرُ بِدُونِ الوُقُوفِ عَلى المَعْنى، وكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ورَتِّلِ القُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [ المُزَّمِّلِ: ٤] مَعْناهُ قِفْ عَلى عَجائِبِهِ ومَعانِيهِ.
وثانِيها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤] وظاهِرُ الأمْرِ لِلْوُجُوبِ، والغَفْلَةُ تُضادُّ الذِّكْرِ، فَمَن غَفَلَ في جَمِيعِ صَلاتِهِ كَيْفَ يَكُونُ مُقِيمًا لِلصَّلاةِ لِذِكْرِهِ.
وثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَكُنْ مِنَ الغافِلِينَ﴾ [الأعْرافِ: ٢٠٥] وظاهِرُ النَّهْيِ لِلتَّحْرِيمِ.
ورابِعُها: قَوْلُهُ: ﴿حَتّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ﴾ [ النِّساءِ: ٤٣ ] تَعْلِيلٌ لِنَهْيِ السَّكْرانِ، وهو مُطَّرِدٌ في الغافِلِ المُسْتَغْرِقِ المُهْتَمِّ بِالدُّنْيا.
وخامِسُها: قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«إنَّما الخُشُوعُ لِمَن تَمَسْكَنَ وتَواضَعَ» “ وكَلِمَةُ (إنَّما) لِلْحَصْرِ، وقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«مَن لَمْ تَنْهَهُ صَلاتُهُ عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ لَمْ يَزْدَدْ مِنَ اللَّهِ إلّا بُعْدًا» “ وصَلاةُ الغافِلِ لا تَمْنَعُ مِنَ الفَحْشاءِ، وقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «كَمْ مِن قائِمٍ حَظُّهُ مِن قِيامِهِ التَّعَبُ والنَّصَبُ» وما أرادَ بِهِ إلّا الغافِلَ، وقالَ أيْضًا: ”«لَيْسَ لِلْعَبْدِ مِن صَلاتِهِ إلّا ما عَقَلَ» “
وسادِسُها: قالَ الغَزالِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: المُصَلِّي يُناجِي رَبَّهُ، كَما ورَدَ بِهِ الخَبَرُ، والكَلامُ مَعَ الغَفْلَةِ لَيْسَ بِمُناجاةٍ البَتَّةَ، وبَيانُهُ أنَّ الإنْسانَ إذا أدّى الزَّكاةَ حالَ الغَفْلَةِ فَقَدْ حَصَلَ المَقْصُودُ مِنها عَلى بَعْضِ الوُجُوهِ، وهو كَسْرُ الحِرْصِ وإغْناءُ الفَقِيرِ، وكَذا الصَّوْمُ قاهِرٌ لِلْقُوى كاسِرٌ لِسَطْوَةِ الهَوى الَّتِي هي عَدُوَّةُ اللَّهِ تَعالى. فَلا يَبْعُدُ أنْ يَحْصُلَ مِنهُ مَقْصُودُهُ مَعَ الغَفْلَةِ، وكَذا الحَجُّ أفْعالٌ شاقَّةٌ، وفِيهِ مِنَ المُجاهَدَةِ ما يَحْصُلُ بِهِ الِابْتِلاءُ سَواءٌ كانَ القَلْبُ حاضِرًا أوْ لَمْ يَكُنْ. أمّا الصَّلاةُ فَلَيْسَ فِيها إلّا ذِكْرٌ وقِراءَةٌ ورُكُوعٌ وسُجُودٌ وقِيامٌ وقُعُودٌ، أمّا الذِّكْرُ فَإنَّهُ مُناجاةٌ مَعَ اللَّهِ تَعالى. فَإمّا أنْ يَكُونَ المَقْصُودُ مِنهُ كَوْنَهُ مُناجاةً، أوِ المَقْصُودُ مُجَرَّدُ الحُرُوفِ والأصْواتِ، ولا شَكَّ في فَسادِ هَذا القِسْمِ، فَإنَّ تَحْرِيكَ اللِّسانِ بِالهَذَيانِ لَيْسَ فِيهِ غَرَضٌ صَحِيحٌ، فَثَبَتَ أنَّ المَقْصُودَ مِنهُ المُناجاةُ، وذَلِكَ لا يَتَحَقَّقُ إلّا إذا كانَ اللِّسانُ مُعَبِّرًا عَمّا في القَلْبِ مِنَ التَّضَرُّعاتِ، فَأيُّ سُؤالٍ في قَوْلِهِ: ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ [ الفاتِحَةِ: ٦ ] وكانَ القَلْبُ غافِلًا عَنْهُ؟ بَلْ أقُولُ: لَوْ حَلَفَ إنْسانٌ، وقالَ: واللَّهِ لَأشْكُرَنَّ فُلانًا وأُثْنِي عَلَيْهِ وأسْألُهُ حاجَةً. ثُمَّ جَرَتِ الألْفاظُ الدّالَّةُ عَلى هَذِهِ المَعانِي عَلى لِسانِهِ في اليَوْمِ، لَمْ يَبَرَّ في يَمِينِهِ، ولَوْ
صفحة ٦٩
جَرى عَلى لِسانِهِ في ظُلْمَةِ اللَّيْلِ وذَلِكَ الإنْسانُ حاضِرٌ وهو لا يَعْرِفُ حُضُورَهُ ولا يَراهُ، لا يَصِيرُ بارًّا في يَمِينِهِ، ولا يَكُونُ كَلامُهُ خِطابًا مَعَهُ ما لَمْ يَكُنْ حاضِرًا بِقَلْبِهِ، ولَوْ جَرَتْ هَذِهِ الكَلِماتُ عَلى لِسانِهِ وهو حاضِرٌ في بَياضِ النَّهارِ إلّا أنَّ المُتَكَلِّمَ غافِلٌ لِكَوْنِهِ مُسْتَغْرِقَ الهَمِّ بِفِكْرٍ مِنَ الأفْكارِ، ولَمْ يَكُنْ لَهُ قَصْدُ تَوْجِيهِ الخِطابِ إلَيْهِ عِنْدَ نُطْقِهِ، لَمْ يَصِرْ بارًّا في يَمِينِهِ. ولا شَكَّ أنَّ المَقْصُودَ مِنَ القِراءَةِ الأذْكارُ والحَمْدُ والثَّناءُ والتَّضَرُّعُ والدُّعاءُ، والمُخاطَبُ هو اللَّهُ تَعالى، فَإذا كانَ القَلْبُ مَحْجُوبًا بِحِجابِ الغَفْلَةِ وكانَ غافِلًا عَنْ جَلالِ اللَّهِ وكِبْرِيائِهِ، ثُمَّ إنَّ لِسانَهُ يَتَحَرَّكُ بِحُكْمِ العادَةِ، فَما أبْعَدَ ذَلِكَ عَنِ القَبُولِ.
وأمّا الرُّكُوعُ والسُّجُودُ فالمَقْصُودُ مِنهُما التَّعْظِيمُ، ولَوْ جازَ أنْ يَكُونَ تَعْظِيمًا لِلَّهِ تَعالى مَعَ أنَّهُ غافِلٌ عَنْهُ، لَجازَ أنْ يَكُونَ تَعْظِيمًا لِلصَّنَمِ المَوْضُوعِ بَيْنَ يَدَيْهِ وهو غافِلٌ عَنْهُ، ولِأنَّهُ إذا لَمْ يَحْصُلِ التَّعْظِيمُ لَمْ يَبْقَ إلّا مُجَرَّدُ حَرَكَةِ الظَّهْرِ والرَّأْسِ، ولَيْسَ فِيها مِنَ المَشَقَّةِ ما يَصِيرُ لِأجْلِهِ عِمادًا لِلدِّينِ، وفاصِلًا بَيْنَ الكُفْرِ والإيمانِ، ويُقْدِمُ عَلى الحَجِّ والزَّكاةِ والجِهادِ وسائِرِ الطّاعاتِ الشّاقَّةِ، ويَجِبُ القَتْلُ بِسَبَبِهِ عَلى الخُصُوصِ، وبِالجُمْلَةِ فَكُلُّ عاقِلٍ يَقْطَعُ بِأنَّ مُشاهَدَةَ الخَواصِّ العَظِيمَةِ لَيْسَ أعْمالَها الظّاهِرَةَ إلّا أنْ يَنْضافَ إلَيْها مَقْصُودُ هَذِهِ المُناجاةِ، فَدَلَّتْ هَذِهِ الِاعْتِباراتُ عَلى أنَّ الصَّلاةَ لا بُدَّ فِيها مِنَ الحُضُورِ.
وسابِعُها: أنَّ الفُقَهاءَ اخْتَلَفُوا فِيما يَنْوِيهِ بِالسَّلامِ عِنْدَ الجَماعَةِ والِانْفِرادِ، هَلْ يَنْوِي الحُضُورَ أوِ الغَيْبَةَ والحُضُورَ مَعًا. فَإذا احْتِيجَ إلى التَّدَبُّرِ في مَعْنى السَّلامِ الَّذِي هو آخِرُ الصَّلاةِ فَلَأنْ يُحْتاجَ إلى التَّدَبُّرِ في مَعْنى التَّكْبِيرِ والتَّسْبِيحِ الَّتِي هي الأشْياءُ المَقْصُودَةُ مِنَ الصَّلاةِ بِالطَّرِيقِ الأوْلى، واحْتَجَّ المُخالِفُ بِأنَّ اشْتِراطَ الخُضُوعِ والخُشُوعِ عَلى خِلافِ اجْتِماعِ الفُقَهاءِ، فَلا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ. والجَوابُ مِن وُجُوهٍ.
أحَدُها: أنَّ الحُضُورَ عِنْدَنا لَيْسَ شَرْطًا لِلْإجْزاءِ، بَلْ شَرْطٌ لِلْقَبُولِ، والمُرادُ مِنَ الإجْزاءِ أنْ لا يَجِبَ القَضاءُ، والمُرادُ مِنَ القَبُولِ حُكْمُ الثَّوابِ.
والفُقَهاءُ إنَّما يَبْحَثُونَ عَنْ حُكْمِ الإجْزاءِ لا عَنْ حُكْمِ الثَّوابِ، وغَرَضُنا في هَذا المَقامِ هَذا، ومِثالُهُ في الشّاهِدِ مَنِ اسْتَعارَ مِنكَ ثَوْبًا ثُمَّ رَدَّهُ عَلى الوجه الأحْسَنِ، فَقَدْ خَرَجَ عَنِ العُهْدَةِ واسْتَحَقَّ المَدْحَ، ومَن رَماهُ إلَيْكَ عَلى وجْهِ الِاسْتِخْفافِ خَرَجَ عَنِ العُهْدَةِ، ولَكِنَّهُ اسْتَحَقَّ الذَّمَّ، كَذا مَن عَظَّمَ اللَّهَ تَعالى حالَ أدائِهِ العِبادَةَ صارَ مُقِيمًا لِلْفَرْضِ مُسْتَحِقًّا لِلثَّوابِ، ومَنِ اسْتَهانَ بِها صارَ مُقِيمًا لِلْفَرْضِ ظاهِرًا لَكِنَّهُ اسْتَحَقَّ الذَّمَّ.
وثانِيها: أنّا نَمْنَعُ هَذا الإجْماعَ، أمّا المُتَكَلِّمُونَ فَقَدِ اتَّفَقُوا عَلى أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الحُضُورِ والخُشُوعِ، واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِأنَّ السُّجُودَ لِلَّهِ تَعالى طاعَةٌ ولِلصَّنَمِ كُفْرٌ، وكُلُّ واحِدٍ مِنهُما يُماثِلُ الآخَرَ في ذاتِهِ ولَوازِمِهِ، فَلا بُدَّ مِن أمْرٍ لِأجْلِهِ صارَ السُّجُودُ في إحْدى الصُّورَتَيْنِ طاعَةً، وفي الأُخْرى مَعْصِيَةً، قالُوا: وما ذاكَ إلّا القَصْدُ والإرادَةُ، والمُرادُ مِنَ القَصْدِ إيقاعُ تِلْكَ الأفْعالِ لِداعِيَةِ الِامْتِثالِ، وهَذِهِ الدّاعِيَةُ لا يُمْكِنُ حُصُولُها إلّا عِنْدَ الحُضُورِ، فَلِهَذا اتَّفَقُوا عَلى أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الحُضُورِ، أمّا الفُقَهاءُ فَقَدْ ذَكَرَ الفَقِيهُ أبُو اللَّيْثِ رَحِمَهُ اللَّهُ في تَنْبِيهِ الغافِلِينَ أنَّ تَمامَ القِراءَةِ أنْ يَقْرَأ بِغَيْرِ لَحْنٍ، وأنْ يَقْرَأ بِالتَّفَكُّرِ.
وأمّا الغَزالِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فَإنَّهُ نَقَلَ عَنْ أبِي طالِبٍ المَكِّيِّ عَنْ بِشْرٍ الحافِي أنَّهُ قالَ: مَن لَمْ يَخْشَعْ فَسَدَتْ صَلاتُهُ. وعَنِ الحَسَنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: كُلُّ صَلاةٍ لا يَحْضُرُ فِيها القَلْبُ فَهي إلى العُقُوبَةِ أسْرَعُ. وعَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ: ”مَن عَرَفَ مَن عَلى يَمِينِهِ وشِمالِهِ مُتَعَمِّدًا وهو في الصَّلاةِ فَلا صَلاةَ لَهُ“. ورُوِيَ أيْضًا مُسْنَدًا قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«إنَّ العَبْدَ لَيُصَلِّي الصَّلاةَ لا يُكْتَبُ لَهُ سُدُسُها ولا عُشْرُها، وإنَّما يُكْتَبُ لِلْعَبْدِ مِن صَلاتِهِ ما عَقَلَ مِنها» “. وقالَ عَبْدُ الواحِدِ بْنُ زَيْدٍ: أجْمَعَتِ العُلَماءُ عَلى أنَّهُ لَيْسَ لِلْعَبْدِ مِن صَلاتِهِ إلّا ما عَقَلَ، وادَّعى فِيهِ الإجْماعَ. إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: هَبْ أنَّ الفُقَهاءَ بِأسْرِهِمْ حَكَمُوا بِالجَوازِ، ألَيْسَ الأُصُولِيُّونَ وأهْلُ الوَرَعِ ضَيَّقُوا الأمْرَ فِيها، فَهَلّا أخَذْتَ بِالِاحْتِياطِ، فَإنَّ بَعْضَ العُلَماءِ اخْتارَ
صفحة ٧٠
الإمامَةَ، فَقِيلَ لَهُ في ذَلِكَ فَقالَ: أخافُ إنْ تَرَكْتُ الفاتِحَةَ أنْ يُعاتِبَنِي الشّافِعِيُّ، وإنْ قَرَأْتُها مَعَ الإمامِ أنْ يُعاتِبَنِي أبُو حَنِيفَةَ، فاخْتَرْتُ الإمامَةَ طَلَبًا لِلْخَلاصِ عَنْ هَذا الِاخْتِلافِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ هم عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ وفي اللَّغْوِ أقْوالٌ.
أحَدُها: أنَّهُ يَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ ما كانَ حَرامًا أوْ مَكْرُوهًا أوْ كانَ مُباحًا، ولَكِنْ لا يَكُونُ بِالمَرْءِ إلَيْهِ ضَرُورَةٌ وحاجَةٌ.
وثانِيها: أنَّهُ عِبارَةٌ عَنْ كُلِّ ما كانَ حَرامًا فَقَطْ، وهَذا التَّفْسِيرُ أخَصُّ مِنَ الأوَّلِ.
وثالِثُها: أنَّهُ عِبارَةٌ عَنِ المَعْصِيَةِ في القَوْلِ والكَلامِ خاصَّةً، وهَذا أخَصُّ مِنَ الثّانِي.
ورابِعُها: أنَّهُ المُباحُ الَّذِي لا حاجَةَ إلَيْهِ، واحْتَجَّ هَذا القائِلُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ في أيْمانِكُمْ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٢٥] فَكَيْفَ يُحْمَلُ ذَلِكَ عَلى المَعاصِي الَّتِي لا بُدَّ فِيها مِنَ المُؤاخَذَةِ، واحْتَجَّ الأوَّلُونَ بِأنَّ اللَّغْوَ إنَّما سُمِّيَ لَغْوًا بِما أنَّهُ يُلْغى، وكُلُّ ما يَقْتَضِي الدِّينُ إلْغاءَهُ كانَ أوْلى بِاسْمِ اللَّغْوِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ كُلُّ حَرامٍ لَغْوًا، ثُمَّ اللَّغْوُ قَدْ يَكُونُ كُفْرًا لِقَوْلِهِ: ﴿لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ والغَوْا فِيهِ﴾ [فُصِّلَتْ: ٢٦] وقَدْ يَكُونُ كَذِبًا لِقَوْلِهِ: ﴿لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً﴾ [الغاشِيَةِ: ١١] وقَوْلِهِ: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ولا تَأْثِيمًا﴾ [الواقِعَةِ: ٢٥] ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى مَدَحَهم بِأنَّهم يُعْرِضُونَ عَنْ هَذا اللَّغْوِ، والإعْراضُ عَنْهُ هو بِأنْ لا يَفْعَلَهُ ولا يَرْضى بِهِ ولا يُخالِطَ مَن يَأْتِيهِ، وعَلى هَذا الوجه قالَ تَعالى: ﴿وإذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرامًا﴾ [الفُرْقانِ: ٧٢] واعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا وصَفَهم بِالخُشُوعِ في الصَّلاةِ أتْبَعَهُ الوَصْفَ بِالإعْراضِ عَنِ اللَّغْوِ، لِيَجْمَعَ لَهُمُ الفِعْلَ والتَّرْكَ الشّاقَّيْنِ عَلى الأنْفُسِ اللَّذَيْنِ هُما قاعِدَتا بِناءِ التَّكْلِيفِ، وهو أعْلَمُ.
* * *
الصِّفَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ هم لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ﴾ وفي الزَّكاةِ قَوْلانِ، أحَدُهُما: قَوْلُ أبِي مُسْلِمٍ أنَّ فِعْلَ الزَّكاةِ يَقَعُ عَلى كُلِّ فِعْلٍ مَحْمُودٍ مَرَضِيٍّ، كَقَوْلِهِ: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ [الأعْلى: ١٤] وقَوْلِهِ: ﴿فَلا تُزَكُّوا أنْفُسَكُمْ﴾ [النَّجْمِ: ٣٢] ومِن جُمْلَتِهِ ما يَخْرُجُ مِن حَقِّ المالِ، وإنَّما سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّها تُطَهِّرُ مِنَ الذُّنُوبِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿تُطَهِّرُهم وتُزَكِّيهِمْ بِها﴾ [التَّوْبَةِ: ١٠٣].
والثّانِي: وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ أنَّهُ الحَقُّ الواجِبُ في الأمْوالِ خاصَّةً، وهَذا هو الأقْرَبُ؛ لِأنَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ قَدِ اخْتَصَّتْ في الشَّرْعِ بِهَذا المَعْنى، فَإنْ قِيلَ: إنَّهُ لا يُقالُ في الكَلامِ الفَصِيحِ: إنَّهُ فَعَلَ الزَّكاةَ، قُلْنا: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: الزَّكاةُ اسْمٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ عَيْنٍ ومَعْنًى، فالعَيْنُ القَدْرُ الَّذِي يُخْرِجُهُ المُزَكِّي مِنَ النِّصابِ إلى الفَقِيرِ، والمَعْنى فِعْلُ المُزَكِّي الَّذِي هو التَّزْكِيَةُ، وهو الَّذِي أرادَهُ اللَّهُ تَعالى فَجَعَلَ المُزَكِّينَ فاعِلِينَ لَهُ ولا يَسُوغُ فِيهِ غَيْرُهُ؛ لِأنَّهُ ما مِن مَصْدَرٍ إلّا يُعَبَّرُ عَنْ مَعْناهُ بِالفِعْلِ. ويُقالُ لِمُحَدِثِهِ: فاعِلٌ، يُقالُ لِلضّارِبِ: فاعِلُ الضَّرْبِ، ولِلْقاتِلِ: فاعِلُ القَتْلِ، ولِلْمُزَكِّي: فاعِلُ الزَّكاةِ، وعَلى هَذا الكَلامِ كُلِّهِ يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالزَّكاةِ العَيْنُ، ويُقَدَّرَ مُضافٌ مَحْذُوفٌ وهو الأداءُ، فَإنْ قِيلَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى هُناكَ لَمْ يَفْصِلْ بَيْنَ الصَّلاةِ والزَّكاةِ، فَلِمَ فَصَلَ هاهُنا بَيْنَهُما بِقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ هم عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ ؟ قُلْنا: لِأنَّ الإعْراضَ عَنِ اللَّغْوِ مِن مُتَمِّماتِ الصَّلاةِ.
* * *
الصِّفَةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ ﴿إلّا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ وفِيهِ سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: لِمَ لَمْ يَقُلْ: إلّا عَنْ أزْواجِهِمْ؟ الجَوابُ: قالَ الفَرّاءُ: مَعْناهُ: إلّا مِن أزْواجِهِمْ، وذَكَرَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ فِيهِ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ.
أحَدُها: أنَّهُ في مَوْضِعِ الحالِ؛ أيْ: إلّا والِينَ عَلى أزْواجِهِمْ أوْ قَوّامِينَ عَلَيْهِنَّ، مِن قَوْلِكَ: كانَ فُلانٌ عَلى فُلانَةٍ، ونَظِيرُهُ كانَ زِيادٌ عَلى البَصْرَةِ؛ أيْ والِيًا عَلَيْها، ومِنهُ قَوْلُهُمْ: فُلانَةٌ تَحْتَ فُلانٍ، ومِن ثَمَّ
صفحة ٧١
سُمِّيَتِ المَرْأةُ فِراشًا. والمَعْنى أنَّهم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ في كافَّةِ الأحْوالِ إلّا في حالِ تَزْوِيجِهِمْ أوْ تَسَرِّيهِمْ.
وثانِيها: أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: يُلامُونَ إلّا عَلى أزْواجِهِمْ؛ أيْ: يُلامُونَ عَلى كُلِّ مُباشَرَةٍ إلّا عَلى ما أُطْلِقَ لَهم فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ عَلَيْهِ، وهو قَوْلُ الزَّجّاجِ.
وثالِثُها: أنْ تَجْعَلَهُ صِلَةً لِـ ﴿حافِظُونَ﴾.
السُّؤالُ الثّانِي: هَلّا قِيلَ: مَن مَلَكَتْ؟ الجَوابُ: لِأنَّهُ اجْتَمَعَ في السُّرِّيَّةِ وصْفانِ، أحَدُهُما: الأُنُوثَةُ وهي مَظِنَّةُ نُقْصانِ العَقْلِ، والآخَرُ كَوْنُها بِحَيْثُ تُباعُ وتُشْتَرى كَسائِرِ السِّلَعِ، فَلِاجْتِماعِ هَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ فِيها جُعِلَتْ كَأنَّها لَيْسَتْ مِنَ العُقَلاءِ.
السُّؤالُ الثّالِثُ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى تَحْرِيمِ المُتْعَةِ عَلى ما يُرْوى عَنِ القاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ؟ الجَوابُ: نَعَمْ، وتَقْرِيرُهُ أنَّها لَيْسَتْ زَوْجَةً لَهُ فَوَجَبَ أنْ لا تَحِلَّ لَهُ، وإنَّما قُلْنا: إنَّها لَيْسَتْ زَوْجَةً لَهُ؛ لِأنَّهُما لا يَتَوارَثانِ بِالإجْماعِ، ولَوْ كانَتْ زَوْجَةً لَهُ لَحَصَلَ التَّوارُثُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَكم نِصْفُ ما تَرَكَ أزْواجُكُمْ﴾ [النِّساءِ: ١٢] وإذا ثَبَتَ أنَّها لَيْسَتْ بِزَوْجَةٍ لَهُ وجَبَ أنْ لا تَحِلَّ لَهُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلّا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ﴾ وهو أعْلَمُ.
السُّؤالُ الرّابِعُ: ألَيْسَ لا يَحِلُّ لَهُ في الزَّوْجَةِ ومِلْكِ اليَمِينِ الِاسْتِمْتاعُ في أحْوالٍ كَحالِ الحَيْضِ وحالِ العِدَّةِ، وفي الأمَةِ حالَ تَزْوِيجِها مِنَ الغَيْرِ وحالَ عِدَّتِها، وكَذا الغُلامُ داخِلٌ في ظاهِرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ﴾ والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ.
أحَدُهُما: أنَّ مَذْهَبَ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ أنَّ الِاسْتِثْناءَ مِنَ النَّفْيِ لا يَكُونُ إثْباتًا، واحْتَجَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«لا صَلاةَ إلّا بِطُهُورٍ، ولا نِكاحَ إلّا بِوَلِيٍّ» “ فَإنَّ ذَلِكَ لا يَقْتَضِي حُصُولَ الصَّلاةِ بِمُجَرَّدِ حُصُولِ الطُّهُورِ، وحُصُولَ النِّكاحِ بِمُجَرَّدِ حُصُولِ الوَلِيِّ. وفائِدَةُ الِاسْتِثْناءِ صَرْفُ الحُكْمِ لا صَرْفُ المَحْكُومِ بِهِ، فَقَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ ﴿إلّا عَلى أزْواجِهِمْ﴾ مَعْناهُ أنَّهُ يَجِبُ حِفْظُ الفُرُوجِ عَنِ الكُلِّ إلّا في هاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ فَإنِّي ما ذَكَرْتُ حُكْمَهُما لا بِالنَّفْيِ ولا بِالإثْباتِ.
الثّانِي: أنّا إنْ سَلَّمْنا أنَّ الِاسْتِثْناءَ مِنَ النَّفْيِ إثْباتٌ، فَغايَتُهُ أنَّهُ عامٌّ دَخَلَهُ التَّخْصِيصُ بِالدَّلِيلِ فَيَبْقى فِيما وراءَهُ حُجَّةً.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ يَعْنِي الكامِلُونَ في العُدْوانِ المُتَناهُونَ فِيهِ.
* * *
الصِّفَةُ السّادِسَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ هم لِأماناتِهِمْ وعَهْدِهِمْ راعُونَ﴾ قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ (لِأمانَتِهِمْ) واعْلَمْ أنَّهُ يُسَمّى الشَّيْءُ المُؤْتَمَنُ عَلَيْهِ والمُعاهَدُ عَلَيْهِ أمانَةً وعَهْدًا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم أنْ تُؤَدُّوا الأماناتِ إلى أهْلِها﴾ [النِّساءِ: ٥٨] وقالَ: ﴿وتَخُونُوا أماناتِكُمْ﴾ [الأنْفالِ: ٢٧] وإنَّما تُؤَدّى العُيُونُ دُونَ المَعانِي، فَكانَ المُؤْتَمَنُ عَلَيْهِ الأمانَةُ في نَفْسِها. والعَهْدُ ما عَقَدَهُ عَلى نَفْسِهِ فِيما يُقَرِّبُهُ إلى رَبِّهِ، ويَقَعُ أيْضًا عَلى ما أمَرَ اللَّهُ تَعالى بِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ عَهِدَ إلَيْنا﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٨٣] والرّاعِي: القائِمُ عَلى الشَّيْءِ لِحِفْظٍ وإصْلاحٍ كَراعِي الغَنَمِ وراعِي الرَّعِيَّةِ، ويُقالُ: مَن راعِي هَذا الشَّيْءِ؟ أيْ: مُتَوَلِّيهِ. واعْلَمْ أنَّ الأمانَةَ تَتَناوَلُ كُلَّ ما تَرْكُهُ يَكُونُ داخِلًا في الخِيانَةِ، وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ والرَّسُولَ وتَخُونُوا أماناتِكُمْ﴾ [الأنْفالِ: ٢٧] فَمِن ذَلِكَ العِباداتُ الَّتِي المَرْءُ مُؤْتَمَنٌ عَلَيْها، وكُلُّ العِباداتِ تَدْخُلُ في ذَلِكَ؛ لِأنَّها إمّا أنْ تَخْفى أصْلًا كالصَّوْمِ وغُسْلِ الجَنابَةِ وإسْباغِ الوُضُوءِ، أوْ تَخْفى كَيْفِيَّةُ إتْيانِهِ بِها، وقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«أعْظَمُ النّاسِ خِيانَةً مَن لَمْ يُتِمَّ صَلاتَهُ» “ وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ”أوَّلُ ما تَفْقِدُونَ مِن دِينِكُمُ الأمانَةُ، وآخِرُ ما تَفْقِدُونَ الصَّلاةُ“ ومِن جُمْلَةِ ذَلِكَ ما يَلْتَزِمُهُ بِفِعْلٍ أوْ قَوْلٍ، فَيَلْزَمُهُ الوَفاءُ بِهِ كالوَدائِعِ والعُقُودِ وما يَتَّصِلُ بِهِما. ومِن ذَلِكَ
صفحة ٧٢
الأقْوالُ الَّتِي يُحَرَّرُ بِها العَبِيدُ والنِّساءُ؛ لِأنَّهُ مُؤْتَمَنٌ في ذَلِكَ، ومِن ذَلِكَ أنْ يُراعِيَ أمانَتَهُ فَلا يُفْسِدَها بِغَصْبٍ أوْ غَيْرِهِ، وأمّا العَهْدُ فَإنَّهُ دَخَلَ فِيهِ العُقُودُ والأيْمانُ والنُّذُورُ، فَبَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّ مُراعاةَ هَذِهِ الأُمُورِ والقِيامَ بِها مُعْتَبَرٌ في حُصُولِ الفَلاحِ.
* * *
الصِّفَةُ السّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ هم عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ وإنَّما أعادَ تَعالى ذِكْرَها؛ لِأنَّ الخُشُوعَ والمُحافَظَةَ مُتَغايِرانِ غَيْرُ مُتَلازِمَيْنِ، فَإنَّ الخُشُوعَ صِفَةٌ لِلْمُصَلِّي في حالِ الأداءِ لِصَلاتِهِ، والمُحافَظَةُ إنَّما تَصِحُّ حالَ ما لَمْ يُؤَدِّها بِكَمالِها. بَلِ المُرادُ بِالمُحافَظَةِ التَّعَهُّدُ لِشُرُوطِها مِن وقْتٍ وطَهارَةٍ وغَيْرِهِما، والقِيامُ عَلى أرْكانِها وإتْمامِها حَتّى يَكُونَ ذَلِكَ دَأْبَهُ في كُلِّ وقْتٍ، ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى مَجْمُوعَ هَذِهِ الأُمُورِ قالَ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الوارِثُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الفِرْدَوْسَ هم فِيها خالِدُونَ﴾ وهاهُنا سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: لِمَ سَمّى ما يَجِدُونَهُ مِنَ الثَّوابِ والجَنَّةِ بِالمِيراثِ؟ مَعَ أنَّهُ سُبْحانَهُ حَكَمَ بِأنَّ الجَنَّةَ حَقُّهم في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ المُؤْمِنِينَ أنْفُسَهم وأمْوالَهم بِأنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ﴾ [التَّوْبَةِ: ١١١]. الجَوابُ مِن وُجُوهٍ.
الأوَّلُ: ما «رُوِيَ عَنِ الرَّسُولِ ﷺ وهو أبْيَنُ عَلى ما يُقالُ فِيهِ، وهُوَ: أنَّهُ لا مُكَلَّفٌ إلّا أعَدَّ اللَّهُ لَهُ في النّارِ ما يَسْتَحِقُّهُ إنْ عَصى، وفي الجَنَّةِ ما يَسْتَحِقُّهُ إنْ أطاعَ، وجَعَلَ لِذَلِكَ عَلامَةً. فَإذا آمَنَ مِنهُمُ البَعْضُ ولَمْ يُؤْمِنِ البَعْضُ صارَ مَنزِلُ مَن لَمْ يُؤْمِن كالمَنقُولِ إلى المُؤْمِنِينَ، وصارَ مَصِيرُهم إلى النّارِ الَّذِي لا بُدَّ مَعَهُ مِن حِرْمانِ الثَّوابِ كَمَوْتِهِمْ»، فَسُمِّيَ ذَلِكَ مِيراثًا لِهَذا الوَجْهِ، وقَدْ قالَ الفُقَهاءُ: إنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ ما مَلَكَهُ المَيِّتُ وبَيْنَ ما يُقَدِّرُ فِيهِ المَلِكُ في أنَّهُ يُورَثُ عَنْهُ، كَذَلِكَ قالُوا في الدِّيَةِ الَّتِي تَجِبُ بِالقَتْلِ: إنَّها تُورَثُ، مَعَ أنَّهُ ما مَلَكَها عَلى التَّحْقِيقِ، وذَلِكَ يَشْهَدُ لِما ذَكَرْنا، فَإنْ قِيلَ: إنَّهُ تَعالى وصَفَ كُلَّ الَّذِي يَسْتَحِقُّونَهُ إرْثًا، وعَلى ما قُلْتُمْ يَدْخُلُ في الإرْثِ ما كانَ يَسْتَحِقُّهُ غَيْرُهم لَوْ أطاعَ. قُلْنا: لا يَمْتَنِعُ أنَّهُ تَعالى جَعَلَ ما هو مَنزِلَةٌ لِهَذا المُؤْمِنِ بِعَيْنِهِ مَنزِلَةً لِذَلِكَ الكافِرِ لَوْ أطاعَ؛ لِأنَّهُ عِنْدَ ذَلِكَ كانَ يَزِيدُ في المَنازِلِ فَإذا آمَنَ هَذا عَدَلَ بِذَلِكَ إلَيْهِ.
وثانِيها: أنَّ انْتِقالَ الجَنَّةِ إلَيْهِمْ بِدُونِ مُحاسَبَةٍ ومَعْرِفَةٍ بِمَقادِيرِهِ يُشْبِهُ انْتِقالَ المالِ إلى الوارِثِ.
وثالِثُها: أنَّ الجَنَّةَ كانَتْ مَسْكَنَ أبِينا آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإذا انْتَقَلَتْ إلى أوْلادِهِ صارَ ذَلِكَ شَبِيهًا بِالمِيراثِ.
السُّؤالُ الثّانِي: كَيْفَ حَكَمَ عَلى المَوْصُوفِينَ بِالصِّفاتِ السَّبْعِ بِالفَلاحِ مَعَ أنَّهُ تَعالى ما تَمَّمَ ذِكْرَ العِباداتِ الواجِبَةِ كالصَّوْمِ والحَجِّ والطَّهارَةِ؟ والجَوابُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿والَّذِينَ هم لِأماناتِهِمْ وعَهْدِهِمْ راعُونَ﴾ يَأْتِي عَلى جَمِيعِ الواجِباتِ مِنَ الأفْعالِ والتُّرُوكِ كَما قَدَّمْنا، والطَّهاراتُ دَخَلَتْ في جُمْلَةِ المُحافَظَةِ عَلى الصَّلَواتِ الخَمْسِ؛ لِكَوْنِها مِن شَرائِطِها.
السُّؤالُ الثّالِثُ: أفَيَدُلُّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الوارِثُونَ﴾ عَلى أنَّهُ لا يَدْخُلُها غَيْرُهُمْ؟ الجَوابُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿هُمُ الوارِثُونَ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ لَكِنَّهُ يَجِبُ تَرْكُ العَمَلِ بِهِ؛ لِأنَّهُ ثَبَتَ أنَّ الجَنَّةَ يَدْخُلُها الأطْفالُ والمَجانِينُ والوِلْدانُ والحُورُ العِينُ، ويَدْخُلُها الفُسّاقُ مِن أهْلِ القِبْلَةِ بَعْدَ العَفْوِ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النِّساءِ: ٤٨].
السُّؤالُ الرّابِعُ: أفَكُلُّ الجَنَّةِ هو الفِرْدَوْسُ؟ الجَوابُ: الفِرْدَوْسُ هو الجَنَّةُ بِلِسانِ الحَبَشَةِ، وقِيلَ بِلِسانِ الرُّومِ، ورَوى أبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«الفِرْدَوْسُ مَقْصُورَةُ الرَّحْمَنِ؛ فِيها الأنْهارُ والأشْجارُ» “
صفحة ٧٣
ورَوى أبُو أُمامَةَ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ قالَ: ”«سَلُوا اللَّهَ الفِرْدَوْسَ فَإنَّها أعْلى الجِنانِ، وإنَّ أهْلَ الفِرْدَوْسِ يَسْمَعُونَ أطِيطَ العَرْشِ» “.
السُّؤالُ الخامِسُ: هَلْ تَدُلُّ الآيَةُ عَلى أنَّ هَذِهِ الصِّفاتِ هي الَّتِي لَها ولِأجْلِها يَكُونُونَ مُؤْمِنِينَ أمْ لا؟ الجَوابُ: ادَّعى القاضِي أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ بِناءً عَلى مَذْهَبِهِ أنَّ الإيمانَ اسْمٌ شَرْعِيٌّ مَوْضُوعٌ لِأداءِ كُلِّ الواجِباتِ، وعِنْدَنا أنَّ الآيَةَ لا تَدُلُّ عَلى ذَلِكَ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم في صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ﴾ مِثْلُ قَدْ أفْلَحَ النّاسُ الأذْكِياءُ العُدُولُ، فَإنَّ هَذا لا يَدُلُّ عَلى أنَّ الزَّكاةَ والعَدالَةَ داخِلانِ في مُسَمّى النّاسِ فَكَذا هاهُنا.
السُّؤالُ السّادِسُ: رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: ”«لَمّا خَلَقَ اللَّهُ تَعالى جَنَّةَ عَدْنٍ قالَ لَها: تَكَلَّمِي. فَقالَتْ: قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ» “ وقالَ كَعْبٌ: ”خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ بِيَدِهِ وكَتَبَ التَّوْراةَ بِيَدِهِ وغَرَسَ شَجَرَةَ طُوبى بِيَدِهِ، ثم قال لَها: تَكَلَّمِي. فَقالَتْ: قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ“، ورُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ”«إذا أحْسَنَ العَبْدُ الوُضُوءَ وصَلّى الصَّلاةَ لِوَقْتِها وحافَظَ عَلى رُكُوعِها وسُجُودِها ومَواقِيتِها قالَتْ: حَفِظَكَ اللَّهُ كَما حافَظْتَ عَلَيَّ، وشَفَعَتْ لِصاحِبِها، وإذا أضاعَها قالَتْ: أضاعَكَ اللَّهُ كَما ضَيَّعْتَنِي، وتُلَفُّ كَما يُلَفُّ الثَّوْبُ الخَلِقُ فَيُضْرَبُ بِها وجْهُ صاحِبِها» “ الجَوابُ: أمّا كَلامُ الجَنَّةِ فالمُرادُ بِهِ أنَّها أُعِدَّتْ لِلْمُؤْمِنِينَ، فَصارَ ذَلِكَ كالقَوْلِ مِنها، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَتا أتَيْنا طائِعِينَ﴾ [فُصِّلَتْ: ١١] وأمّا أنَّهُ تَعالى خَلَقَ الجَنَّةَ بِيَدِهِ، فالمُرادُ تَوَلّى خَلْقَها لا أنَّهُ وكَلَهُ إلى غَيْرِهِ، وأمّا أنَّ الصَّلاةَ تُثْنِي عَلى مَن قامَ بِحَقِّها فَهو في الجَوازِ أبْعَدُ مِن كَلامِ الجَنَّةِ؛ لِأنَّ الصَّلاةَ حَرَكاتٌ وسَكَناتٌ ولا يَصِحُّ عَلَيْها أنْ تَتَصَوَّرَ وتَتَكَلَّمَ، فالمُرادُ مِنهُ ضَرْبُ المَثَلِ كَما يَقُولُ القائِلُ لِلْمُنْعِمِ: إنَّ إحْسانَكَ إلَيَّ يَنْطِقُ بِالشُّكْرِ.
السُّؤالُ السّابِعُ: هَلْ تَدُلُّ الآيَةُ عَلى أنَّ الفِرْدَوْسَ مَخْلُوقَةٌ؟ الجَوابُ: قالَ القاضِي: دَلَّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُكُلُها دائِمٌ﴾ [الرَّعْدِ: ٣٥] عَلى أنَّها غَيْرُ مَخْلُوقَةٍ، فَوَجَبَ تَأْوِيلُ هَذِهِ الآيَةِ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ يَخْلُقُ اللَّهُ الجَنَّةَ مِيراثًا لِلْمُؤْمِنِينَ، أوْ: وإذا خَلَقَها تَقُولُ، عَلى مِثالِ ما تَأوَّلْنا عَلَيْهِ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ونادى أصْحابُ النّارِ أصْحابَ الجَنَّةِ﴾ [الأعْرافِ: ٥٠] وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ إضْمارُ ما ذَكَرَهُ في هَذِهِ الآيَةِ أوْلى مِن أنْ يُضْمَرَ في قَوْلِهِ: ﴿أُكُلُها دائِمٌ﴾ ثُمَّ إنَّ أُكُلَها دائِمٌ يَوْمَ القِيامَةِ، وإذا تَعارَضَ هَذانِ الظّاهِرانِ فَنَحْنُ نَتَمَسَّكُ في أنَّ الجَنَّةَ مَخْلُوقَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٣٣].
المؤمنون 23:11
صفحة ٦٧
(سُورَةُ المُؤْمِنُونَ)
مِائَةٌ وثَمانِ عَشْرَةَ آيَةً مَكِّيَّةً
﷽
﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم في صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ ﴿إلّا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ ﴿فَمَنِ ابْتَغى وراءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم لِأماناتِهِمْ وعَهْدِهِمْ راعُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ هُمُ الوارِثُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الفِرْدَوْسَ هم فِيها خالِدُونَ﴾
﷽
﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم في صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ ﴿إلّا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ ﴿فَمَنِ ابْتَغى وراءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم لِأماناتِهِمْ وعَهْدِهِمْ راعُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ هُمُ الوارِثُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الفِرْدَوْسَ هم فِيها خالِدُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ حَكَمَ بِحُصُولِ الفَلاحِ لِمَن كانَ مُسْتَجْمِعًا لِصِفاتٍ سَبْعٍ، وقَبْلَ الخَوْضِ في شَرْحِ تِلْكَ الصِّفاتِ لا بُدَّ مِن بَحْثَيْنِ:
البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّ ﴿قَدْ﴾ نَقِيضَةٌ لِـ (ما) فَـ (قَدْ) تُثْبِتُ المُتَوَقَّعَ، و(لَما) تَنْفِيهِ، ولا شَكَّ أنَّ المُؤْمِنِينَ كانُوا مُتَوَقِّعِينَ لِمِثْلِ هَذِهِ البِشارَةِ، وهي الإخْبارُ بِثَباتِ الفَلاحِ لَهم فَخُوطِبُوا بِما دَلَّ عَلى ثَباتِ ما تَوَقَّعُوهُ.
البَحْثُ الثّانِي: الفَلاحُ: الظَّفَرُ بِالمُرادِ، وقِيلَ: البَقاءُ في الخَيْرِ، وأفْلَحَ: دَخَلَ في الفَلاحِ، كَأبْشَرَ: دَخَلَ في البِشارَةِ، ويُقالُ: أفْلَحَهُ: صَيَّرَهُ إلى الفَلاحِ، وعَلَيْهِ قِراءَةُ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ ”أُفْلِحَ“ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، وعَنْهُ (أفْلَحُوا) عَلى لُغَةِ أكَلُونِي البَراغِيثُ، أوْ عَلى الإبْهامِ والتَّفْسِيرِ.
صفحة ٦٨
الصِّفَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿المُؤْمِنُونَ﴾ وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في الإيمانِ في سُورَةِ البَقَرَةِ.
الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ هم في صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ﴾ واخْتَلَفُوا في الخُشُوعِ؛ فَمِنهم مَن جَعَلَهُ مِن أفْعالِ القُلُوبِ كالخَوْفِ والرَّهْبَةِ، ومِنهم مَن جَعَلَهُ مِن أفْعالِ الجَوارِحِ كالسُّكُونِ وتَرْكِ الِالتِفاتِ، ومِنهم مَن جَمَعَ بَيْنَ الأمْرَيْنِ وهو الأوْلى. فالخاشِعُ في صَلاتِهِ لا بُدَّ وأنْ يَحْصُلَ لَهُ مِمّا يَتَعَلَّقُ بِالقَلْبِ مِنَ الأفْعالِ نِهايَةُ الخُضُوعِ والتَّذَلُّلِ لِلْمَعْبُودِ، ومِنَ التُّرُوكِ أنْ لا يَكُونَ مُلْتَفِتَ الخاطِرِ إلى شَيْءٍ سِوى التَّعْظِيمِ، ومِمّا يَتَعَلَّقُ بِالجَوارِحِ أنْ يَكُونَ ساكِنًا مُطْرِقًا ناظِرًا إلى مَوْضِعِ سُجُودِهِ، ومِنَ التُّرُوكِ أنْ لا يَلْتَفِتَ يَمِينًا ولا شَمالًا، ولَكِنَّ الخُشُوعَ الَّذِي يُرى عَلى الإنْسانِ لَيْسَ إلّا ما يَتَعَلَّقُ بِالجَوارِحِ، فَإنَّ ما يَتَعَلَّقُ بِالقَلْبِ لا يُرى، قالَ الحَسَنُ وابْنُ سِيرِينَ: «كانَ المُسْلِمُونَ يَرْفَعُونَ أبْصارَهم إلى السَّماءِ في صَلاتِهِمْ، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَفْعَلُ ذَلِكَ، فَلَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ طَأْطَأ وكانَ لا يُجاوِزُ بَصَرُهُ مُصَلّاهُ»، فَإنْ قِيلَ: فَهَلْ تَقُولُونَ: إنَّ ذَلِكَ واجِبٌ في الصَّلاةِ؟ قُلْنا: إنَّهُ عِنْدَنا واجِبٌ ويَدُلُّ عَلَيْهِ أُمُورٌ.
أحَدُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ أمْ عَلى قُلُوبٍ أقْفالُها﴾ [مُحَمَّدٍ: ٢٤] والتَّدَبُّرُ لا يُتَصَوَّرُ بِدُونِ الوُقُوفِ عَلى المَعْنى، وكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ورَتِّلِ القُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [ المُزَّمِّلِ: ٤] مَعْناهُ قِفْ عَلى عَجائِبِهِ ومَعانِيهِ.
وثانِيها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤] وظاهِرُ الأمْرِ لِلْوُجُوبِ، والغَفْلَةُ تُضادُّ الذِّكْرِ، فَمَن غَفَلَ في جَمِيعِ صَلاتِهِ كَيْفَ يَكُونُ مُقِيمًا لِلصَّلاةِ لِذِكْرِهِ.
وثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَكُنْ مِنَ الغافِلِينَ﴾ [الأعْرافِ: ٢٠٥] وظاهِرُ النَّهْيِ لِلتَّحْرِيمِ.
ورابِعُها: قَوْلُهُ: ﴿حَتّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ﴾ [ النِّساءِ: ٤٣ ] تَعْلِيلٌ لِنَهْيِ السَّكْرانِ، وهو مُطَّرِدٌ في الغافِلِ المُسْتَغْرِقِ المُهْتَمِّ بِالدُّنْيا.
وخامِسُها: قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«إنَّما الخُشُوعُ لِمَن تَمَسْكَنَ وتَواضَعَ» “ وكَلِمَةُ (إنَّما) لِلْحَصْرِ، وقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«مَن لَمْ تَنْهَهُ صَلاتُهُ عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ لَمْ يَزْدَدْ مِنَ اللَّهِ إلّا بُعْدًا» “ وصَلاةُ الغافِلِ لا تَمْنَعُ مِنَ الفَحْشاءِ، وقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «كَمْ مِن قائِمٍ حَظُّهُ مِن قِيامِهِ التَّعَبُ والنَّصَبُ» وما أرادَ بِهِ إلّا الغافِلَ، وقالَ أيْضًا: ”«لَيْسَ لِلْعَبْدِ مِن صَلاتِهِ إلّا ما عَقَلَ» “
وسادِسُها: قالَ الغَزالِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: المُصَلِّي يُناجِي رَبَّهُ، كَما ورَدَ بِهِ الخَبَرُ، والكَلامُ مَعَ الغَفْلَةِ لَيْسَ بِمُناجاةٍ البَتَّةَ، وبَيانُهُ أنَّ الإنْسانَ إذا أدّى الزَّكاةَ حالَ الغَفْلَةِ فَقَدْ حَصَلَ المَقْصُودُ مِنها عَلى بَعْضِ الوُجُوهِ، وهو كَسْرُ الحِرْصِ وإغْناءُ الفَقِيرِ، وكَذا الصَّوْمُ قاهِرٌ لِلْقُوى كاسِرٌ لِسَطْوَةِ الهَوى الَّتِي هي عَدُوَّةُ اللَّهِ تَعالى. فَلا يَبْعُدُ أنْ يَحْصُلَ مِنهُ مَقْصُودُهُ مَعَ الغَفْلَةِ، وكَذا الحَجُّ أفْعالٌ شاقَّةٌ، وفِيهِ مِنَ المُجاهَدَةِ ما يَحْصُلُ بِهِ الِابْتِلاءُ سَواءٌ كانَ القَلْبُ حاضِرًا أوْ لَمْ يَكُنْ. أمّا الصَّلاةُ فَلَيْسَ فِيها إلّا ذِكْرٌ وقِراءَةٌ ورُكُوعٌ وسُجُودٌ وقِيامٌ وقُعُودٌ، أمّا الذِّكْرُ فَإنَّهُ مُناجاةٌ مَعَ اللَّهِ تَعالى. فَإمّا أنْ يَكُونَ المَقْصُودُ مِنهُ كَوْنَهُ مُناجاةً، أوِ المَقْصُودُ مُجَرَّدُ الحُرُوفِ والأصْواتِ، ولا شَكَّ في فَسادِ هَذا القِسْمِ، فَإنَّ تَحْرِيكَ اللِّسانِ بِالهَذَيانِ لَيْسَ فِيهِ غَرَضٌ صَحِيحٌ، فَثَبَتَ أنَّ المَقْصُودَ مِنهُ المُناجاةُ، وذَلِكَ لا يَتَحَقَّقُ إلّا إذا كانَ اللِّسانُ مُعَبِّرًا عَمّا في القَلْبِ مِنَ التَّضَرُّعاتِ، فَأيُّ سُؤالٍ في قَوْلِهِ: ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ [ الفاتِحَةِ: ٦ ] وكانَ القَلْبُ غافِلًا عَنْهُ؟ بَلْ أقُولُ: لَوْ حَلَفَ إنْسانٌ، وقالَ: واللَّهِ لَأشْكُرَنَّ فُلانًا وأُثْنِي عَلَيْهِ وأسْألُهُ حاجَةً. ثُمَّ جَرَتِ الألْفاظُ الدّالَّةُ عَلى هَذِهِ المَعانِي عَلى لِسانِهِ في اليَوْمِ، لَمْ يَبَرَّ في يَمِينِهِ، ولَوْ
صفحة ٦٩
جَرى عَلى لِسانِهِ في ظُلْمَةِ اللَّيْلِ وذَلِكَ الإنْسانُ حاضِرٌ وهو لا يَعْرِفُ حُضُورَهُ ولا يَراهُ، لا يَصِيرُ بارًّا في يَمِينِهِ، ولا يَكُونُ كَلامُهُ خِطابًا مَعَهُ ما لَمْ يَكُنْ حاضِرًا بِقَلْبِهِ، ولَوْ جَرَتْ هَذِهِ الكَلِماتُ عَلى لِسانِهِ وهو حاضِرٌ في بَياضِ النَّهارِ إلّا أنَّ المُتَكَلِّمَ غافِلٌ لِكَوْنِهِ مُسْتَغْرِقَ الهَمِّ بِفِكْرٍ مِنَ الأفْكارِ، ولَمْ يَكُنْ لَهُ قَصْدُ تَوْجِيهِ الخِطابِ إلَيْهِ عِنْدَ نُطْقِهِ، لَمْ يَصِرْ بارًّا في يَمِينِهِ. ولا شَكَّ أنَّ المَقْصُودَ مِنَ القِراءَةِ الأذْكارُ والحَمْدُ والثَّناءُ والتَّضَرُّعُ والدُّعاءُ، والمُخاطَبُ هو اللَّهُ تَعالى، فَإذا كانَ القَلْبُ مَحْجُوبًا بِحِجابِ الغَفْلَةِ وكانَ غافِلًا عَنْ جَلالِ اللَّهِ وكِبْرِيائِهِ، ثُمَّ إنَّ لِسانَهُ يَتَحَرَّكُ بِحُكْمِ العادَةِ، فَما أبْعَدَ ذَلِكَ عَنِ القَبُولِ.
وأمّا الرُّكُوعُ والسُّجُودُ فالمَقْصُودُ مِنهُما التَّعْظِيمُ، ولَوْ جازَ أنْ يَكُونَ تَعْظِيمًا لِلَّهِ تَعالى مَعَ أنَّهُ غافِلٌ عَنْهُ، لَجازَ أنْ يَكُونَ تَعْظِيمًا لِلصَّنَمِ المَوْضُوعِ بَيْنَ يَدَيْهِ وهو غافِلٌ عَنْهُ، ولِأنَّهُ إذا لَمْ يَحْصُلِ التَّعْظِيمُ لَمْ يَبْقَ إلّا مُجَرَّدُ حَرَكَةِ الظَّهْرِ والرَّأْسِ، ولَيْسَ فِيها مِنَ المَشَقَّةِ ما يَصِيرُ لِأجْلِهِ عِمادًا لِلدِّينِ، وفاصِلًا بَيْنَ الكُفْرِ والإيمانِ، ويُقْدِمُ عَلى الحَجِّ والزَّكاةِ والجِهادِ وسائِرِ الطّاعاتِ الشّاقَّةِ، ويَجِبُ القَتْلُ بِسَبَبِهِ عَلى الخُصُوصِ، وبِالجُمْلَةِ فَكُلُّ عاقِلٍ يَقْطَعُ بِأنَّ مُشاهَدَةَ الخَواصِّ العَظِيمَةِ لَيْسَ أعْمالَها الظّاهِرَةَ إلّا أنْ يَنْضافَ إلَيْها مَقْصُودُ هَذِهِ المُناجاةِ، فَدَلَّتْ هَذِهِ الِاعْتِباراتُ عَلى أنَّ الصَّلاةَ لا بُدَّ فِيها مِنَ الحُضُورِ.
وسابِعُها: أنَّ الفُقَهاءَ اخْتَلَفُوا فِيما يَنْوِيهِ بِالسَّلامِ عِنْدَ الجَماعَةِ والِانْفِرادِ، هَلْ يَنْوِي الحُضُورَ أوِ الغَيْبَةَ والحُضُورَ مَعًا. فَإذا احْتِيجَ إلى التَّدَبُّرِ في مَعْنى السَّلامِ الَّذِي هو آخِرُ الصَّلاةِ فَلَأنْ يُحْتاجَ إلى التَّدَبُّرِ في مَعْنى التَّكْبِيرِ والتَّسْبِيحِ الَّتِي هي الأشْياءُ المَقْصُودَةُ مِنَ الصَّلاةِ بِالطَّرِيقِ الأوْلى، واحْتَجَّ المُخالِفُ بِأنَّ اشْتِراطَ الخُضُوعِ والخُشُوعِ عَلى خِلافِ اجْتِماعِ الفُقَهاءِ، فَلا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ. والجَوابُ مِن وُجُوهٍ.
أحَدُها: أنَّ الحُضُورَ عِنْدَنا لَيْسَ شَرْطًا لِلْإجْزاءِ، بَلْ شَرْطٌ لِلْقَبُولِ، والمُرادُ مِنَ الإجْزاءِ أنْ لا يَجِبَ القَضاءُ، والمُرادُ مِنَ القَبُولِ حُكْمُ الثَّوابِ.
والفُقَهاءُ إنَّما يَبْحَثُونَ عَنْ حُكْمِ الإجْزاءِ لا عَنْ حُكْمِ الثَّوابِ، وغَرَضُنا في هَذا المَقامِ هَذا، ومِثالُهُ في الشّاهِدِ مَنِ اسْتَعارَ مِنكَ ثَوْبًا ثُمَّ رَدَّهُ عَلى الوجه الأحْسَنِ، فَقَدْ خَرَجَ عَنِ العُهْدَةِ واسْتَحَقَّ المَدْحَ، ومَن رَماهُ إلَيْكَ عَلى وجْهِ الِاسْتِخْفافِ خَرَجَ عَنِ العُهْدَةِ، ولَكِنَّهُ اسْتَحَقَّ الذَّمَّ، كَذا مَن عَظَّمَ اللَّهَ تَعالى حالَ أدائِهِ العِبادَةَ صارَ مُقِيمًا لِلْفَرْضِ مُسْتَحِقًّا لِلثَّوابِ، ومَنِ اسْتَهانَ بِها صارَ مُقِيمًا لِلْفَرْضِ ظاهِرًا لَكِنَّهُ اسْتَحَقَّ الذَّمَّ.
وثانِيها: أنّا نَمْنَعُ هَذا الإجْماعَ، أمّا المُتَكَلِّمُونَ فَقَدِ اتَّفَقُوا عَلى أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الحُضُورِ والخُشُوعِ، واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِأنَّ السُّجُودَ لِلَّهِ تَعالى طاعَةٌ ولِلصَّنَمِ كُفْرٌ، وكُلُّ واحِدٍ مِنهُما يُماثِلُ الآخَرَ في ذاتِهِ ولَوازِمِهِ، فَلا بُدَّ مِن أمْرٍ لِأجْلِهِ صارَ السُّجُودُ في إحْدى الصُّورَتَيْنِ طاعَةً، وفي الأُخْرى مَعْصِيَةً، قالُوا: وما ذاكَ إلّا القَصْدُ والإرادَةُ، والمُرادُ مِنَ القَصْدِ إيقاعُ تِلْكَ الأفْعالِ لِداعِيَةِ الِامْتِثالِ، وهَذِهِ الدّاعِيَةُ لا يُمْكِنُ حُصُولُها إلّا عِنْدَ الحُضُورِ، فَلِهَذا اتَّفَقُوا عَلى أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الحُضُورِ، أمّا الفُقَهاءُ فَقَدْ ذَكَرَ الفَقِيهُ أبُو اللَّيْثِ رَحِمَهُ اللَّهُ في تَنْبِيهِ الغافِلِينَ أنَّ تَمامَ القِراءَةِ أنْ يَقْرَأ بِغَيْرِ لَحْنٍ، وأنْ يَقْرَأ بِالتَّفَكُّرِ.
وأمّا الغَزالِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فَإنَّهُ نَقَلَ عَنْ أبِي طالِبٍ المَكِّيِّ عَنْ بِشْرٍ الحافِي أنَّهُ قالَ: مَن لَمْ يَخْشَعْ فَسَدَتْ صَلاتُهُ. وعَنِ الحَسَنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: كُلُّ صَلاةٍ لا يَحْضُرُ فِيها القَلْبُ فَهي إلى العُقُوبَةِ أسْرَعُ. وعَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ: ”مَن عَرَفَ مَن عَلى يَمِينِهِ وشِمالِهِ مُتَعَمِّدًا وهو في الصَّلاةِ فَلا صَلاةَ لَهُ“. ورُوِيَ أيْضًا مُسْنَدًا قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«إنَّ العَبْدَ لَيُصَلِّي الصَّلاةَ لا يُكْتَبُ لَهُ سُدُسُها ولا عُشْرُها، وإنَّما يُكْتَبُ لِلْعَبْدِ مِن صَلاتِهِ ما عَقَلَ مِنها» “. وقالَ عَبْدُ الواحِدِ بْنُ زَيْدٍ: أجْمَعَتِ العُلَماءُ عَلى أنَّهُ لَيْسَ لِلْعَبْدِ مِن صَلاتِهِ إلّا ما عَقَلَ، وادَّعى فِيهِ الإجْماعَ. إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: هَبْ أنَّ الفُقَهاءَ بِأسْرِهِمْ حَكَمُوا بِالجَوازِ، ألَيْسَ الأُصُولِيُّونَ وأهْلُ الوَرَعِ ضَيَّقُوا الأمْرَ فِيها، فَهَلّا أخَذْتَ بِالِاحْتِياطِ، فَإنَّ بَعْضَ العُلَماءِ اخْتارَ
صفحة ٧٠
الإمامَةَ، فَقِيلَ لَهُ في ذَلِكَ فَقالَ: أخافُ إنْ تَرَكْتُ الفاتِحَةَ أنْ يُعاتِبَنِي الشّافِعِيُّ، وإنْ قَرَأْتُها مَعَ الإمامِ أنْ يُعاتِبَنِي أبُو حَنِيفَةَ، فاخْتَرْتُ الإمامَةَ طَلَبًا لِلْخَلاصِ عَنْ هَذا الِاخْتِلافِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ هم عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ وفي اللَّغْوِ أقْوالٌ.
أحَدُها: أنَّهُ يَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ ما كانَ حَرامًا أوْ مَكْرُوهًا أوْ كانَ مُباحًا، ولَكِنْ لا يَكُونُ بِالمَرْءِ إلَيْهِ ضَرُورَةٌ وحاجَةٌ.
وثانِيها: أنَّهُ عِبارَةٌ عَنْ كُلِّ ما كانَ حَرامًا فَقَطْ، وهَذا التَّفْسِيرُ أخَصُّ مِنَ الأوَّلِ.
وثالِثُها: أنَّهُ عِبارَةٌ عَنِ المَعْصِيَةِ في القَوْلِ والكَلامِ خاصَّةً، وهَذا أخَصُّ مِنَ الثّانِي.
ورابِعُها: أنَّهُ المُباحُ الَّذِي لا حاجَةَ إلَيْهِ، واحْتَجَّ هَذا القائِلُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ في أيْمانِكُمْ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٢٥] فَكَيْفَ يُحْمَلُ ذَلِكَ عَلى المَعاصِي الَّتِي لا بُدَّ فِيها مِنَ المُؤاخَذَةِ، واحْتَجَّ الأوَّلُونَ بِأنَّ اللَّغْوَ إنَّما سُمِّيَ لَغْوًا بِما أنَّهُ يُلْغى، وكُلُّ ما يَقْتَضِي الدِّينُ إلْغاءَهُ كانَ أوْلى بِاسْمِ اللَّغْوِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ كُلُّ حَرامٍ لَغْوًا، ثُمَّ اللَّغْوُ قَدْ يَكُونُ كُفْرًا لِقَوْلِهِ: ﴿لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ والغَوْا فِيهِ﴾ [فُصِّلَتْ: ٢٦] وقَدْ يَكُونُ كَذِبًا لِقَوْلِهِ: ﴿لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً﴾ [الغاشِيَةِ: ١١] وقَوْلِهِ: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ولا تَأْثِيمًا﴾ [الواقِعَةِ: ٢٥] ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى مَدَحَهم بِأنَّهم يُعْرِضُونَ عَنْ هَذا اللَّغْوِ، والإعْراضُ عَنْهُ هو بِأنْ لا يَفْعَلَهُ ولا يَرْضى بِهِ ولا يُخالِطَ مَن يَأْتِيهِ، وعَلى هَذا الوجه قالَ تَعالى: ﴿وإذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرامًا﴾ [الفُرْقانِ: ٧٢] واعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا وصَفَهم بِالخُشُوعِ في الصَّلاةِ أتْبَعَهُ الوَصْفَ بِالإعْراضِ عَنِ اللَّغْوِ، لِيَجْمَعَ لَهُمُ الفِعْلَ والتَّرْكَ الشّاقَّيْنِ عَلى الأنْفُسِ اللَّذَيْنِ هُما قاعِدَتا بِناءِ التَّكْلِيفِ، وهو أعْلَمُ.
* * *
الصِّفَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ هم لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ﴾ وفي الزَّكاةِ قَوْلانِ، أحَدُهُما: قَوْلُ أبِي مُسْلِمٍ أنَّ فِعْلَ الزَّكاةِ يَقَعُ عَلى كُلِّ فِعْلٍ مَحْمُودٍ مَرَضِيٍّ، كَقَوْلِهِ: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ [الأعْلى: ١٤] وقَوْلِهِ: ﴿فَلا تُزَكُّوا أنْفُسَكُمْ﴾ [النَّجْمِ: ٣٢] ومِن جُمْلَتِهِ ما يَخْرُجُ مِن حَقِّ المالِ، وإنَّما سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّها تُطَهِّرُ مِنَ الذُّنُوبِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿تُطَهِّرُهم وتُزَكِّيهِمْ بِها﴾ [التَّوْبَةِ: ١٠٣].
والثّانِي: وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ أنَّهُ الحَقُّ الواجِبُ في الأمْوالِ خاصَّةً، وهَذا هو الأقْرَبُ؛ لِأنَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ قَدِ اخْتَصَّتْ في الشَّرْعِ بِهَذا المَعْنى، فَإنْ قِيلَ: إنَّهُ لا يُقالُ في الكَلامِ الفَصِيحِ: إنَّهُ فَعَلَ الزَّكاةَ، قُلْنا: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: الزَّكاةُ اسْمٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ عَيْنٍ ومَعْنًى، فالعَيْنُ القَدْرُ الَّذِي يُخْرِجُهُ المُزَكِّي مِنَ النِّصابِ إلى الفَقِيرِ، والمَعْنى فِعْلُ المُزَكِّي الَّذِي هو التَّزْكِيَةُ، وهو الَّذِي أرادَهُ اللَّهُ تَعالى فَجَعَلَ المُزَكِّينَ فاعِلِينَ لَهُ ولا يَسُوغُ فِيهِ غَيْرُهُ؛ لِأنَّهُ ما مِن مَصْدَرٍ إلّا يُعَبَّرُ عَنْ مَعْناهُ بِالفِعْلِ. ويُقالُ لِمُحَدِثِهِ: فاعِلٌ، يُقالُ لِلضّارِبِ: فاعِلُ الضَّرْبِ، ولِلْقاتِلِ: فاعِلُ القَتْلِ، ولِلْمُزَكِّي: فاعِلُ الزَّكاةِ، وعَلى هَذا الكَلامِ كُلِّهِ يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالزَّكاةِ العَيْنُ، ويُقَدَّرَ مُضافٌ مَحْذُوفٌ وهو الأداءُ، فَإنْ قِيلَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى هُناكَ لَمْ يَفْصِلْ بَيْنَ الصَّلاةِ والزَّكاةِ، فَلِمَ فَصَلَ هاهُنا بَيْنَهُما بِقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ هم عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ ؟ قُلْنا: لِأنَّ الإعْراضَ عَنِ اللَّغْوِ مِن مُتَمِّماتِ الصَّلاةِ.
* * *
الصِّفَةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ ﴿إلّا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ وفِيهِ سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: لِمَ لَمْ يَقُلْ: إلّا عَنْ أزْواجِهِمْ؟ الجَوابُ: قالَ الفَرّاءُ: مَعْناهُ: إلّا مِن أزْواجِهِمْ، وذَكَرَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ فِيهِ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ.
أحَدُها: أنَّهُ في مَوْضِعِ الحالِ؛ أيْ: إلّا والِينَ عَلى أزْواجِهِمْ أوْ قَوّامِينَ عَلَيْهِنَّ، مِن قَوْلِكَ: كانَ فُلانٌ عَلى فُلانَةٍ، ونَظِيرُهُ كانَ زِيادٌ عَلى البَصْرَةِ؛ أيْ والِيًا عَلَيْها، ومِنهُ قَوْلُهُمْ: فُلانَةٌ تَحْتَ فُلانٍ، ومِن ثَمَّ
صفحة ٧١
سُمِّيَتِ المَرْأةُ فِراشًا. والمَعْنى أنَّهم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ في كافَّةِ الأحْوالِ إلّا في حالِ تَزْوِيجِهِمْ أوْ تَسَرِّيهِمْ.
وثانِيها: أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: يُلامُونَ إلّا عَلى أزْواجِهِمْ؛ أيْ: يُلامُونَ عَلى كُلِّ مُباشَرَةٍ إلّا عَلى ما أُطْلِقَ لَهم فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ عَلَيْهِ، وهو قَوْلُ الزَّجّاجِ.
وثالِثُها: أنْ تَجْعَلَهُ صِلَةً لِـ ﴿حافِظُونَ﴾.
السُّؤالُ الثّانِي: هَلّا قِيلَ: مَن مَلَكَتْ؟ الجَوابُ: لِأنَّهُ اجْتَمَعَ في السُّرِّيَّةِ وصْفانِ، أحَدُهُما: الأُنُوثَةُ وهي مَظِنَّةُ نُقْصانِ العَقْلِ، والآخَرُ كَوْنُها بِحَيْثُ تُباعُ وتُشْتَرى كَسائِرِ السِّلَعِ، فَلِاجْتِماعِ هَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ فِيها جُعِلَتْ كَأنَّها لَيْسَتْ مِنَ العُقَلاءِ.
السُّؤالُ الثّالِثُ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى تَحْرِيمِ المُتْعَةِ عَلى ما يُرْوى عَنِ القاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ؟ الجَوابُ: نَعَمْ، وتَقْرِيرُهُ أنَّها لَيْسَتْ زَوْجَةً لَهُ فَوَجَبَ أنْ لا تَحِلَّ لَهُ، وإنَّما قُلْنا: إنَّها لَيْسَتْ زَوْجَةً لَهُ؛ لِأنَّهُما لا يَتَوارَثانِ بِالإجْماعِ، ولَوْ كانَتْ زَوْجَةً لَهُ لَحَصَلَ التَّوارُثُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَكم نِصْفُ ما تَرَكَ أزْواجُكُمْ﴾ [النِّساءِ: ١٢] وإذا ثَبَتَ أنَّها لَيْسَتْ بِزَوْجَةٍ لَهُ وجَبَ أنْ لا تَحِلَّ لَهُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلّا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ﴾ وهو أعْلَمُ.
السُّؤالُ الرّابِعُ: ألَيْسَ لا يَحِلُّ لَهُ في الزَّوْجَةِ ومِلْكِ اليَمِينِ الِاسْتِمْتاعُ في أحْوالٍ كَحالِ الحَيْضِ وحالِ العِدَّةِ، وفي الأمَةِ حالَ تَزْوِيجِها مِنَ الغَيْرِ وحالَ عِدَّتِها، وكَذا الغُلامُ داخِلٌ في ظاهِرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ﴾ والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ.
أحَدُهُما: أنَّ مَذْهَبَ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ أنَّ الِاسْتِثْناءَ مِنَ النَّفْيِ لا يَكُونُ إثْباتًا، واحْتَجَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«لا صَلاةَ إلّا بِطُهُورٍ، ولا نِكاحَ إلّا بِوَلِيٍّ» “ فَإنَّ ذَلِكَ لا يَقْتَضِي حُصُولَ الصَّلاةِ بِمُجَرَّدِ حُصُولِ الطُّهُورِ، وحُصُولَ النِّكاحِ بِمُجَرَّدِ حُصُولِ الوَلِيِّ. وفائِدَةُ الِاسْتِثْناءِ صَرْفُ الحُكْمِ لا صَرْفُ المَحْكُومِ بِهِ، فَقَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ ﴿إلّا عَلى أزْواجِهِمْ﴾ مَعْناهُ أنَّهُ يَجِبُ حِفْظُ الفُرُوجِ عَنِ الكُلِّ إلّا في هاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ فَإنِّي ما ذَكَرْتُ حُكْمَهُما لا بِالنَّفْيِ ولا بِالإثْباتِ.
الثّانِي: أنّا إنْ سَلَّمْنا أنَّ الِاسْتِثْناءَ مِنَ النَّفْيِ إثْباتٌ، فَغايَتُهُ أنَّهُ عامٌّ دَخَلَهُ التَّخْصِيصُ بِالدَّلِيلِ فَيَبْقى فِيما وراءَهُ حُجَّةً.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ يَعْنِي الكامِلُونَ في العُدْوانِ المُتَناهُونَ فِيهِ.
* * *
الصِّفَةُ السّادِسَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ هم لِأماناتِهِمْ وعَهْدِهِمْ راعُونَ﴾ قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ (لِأمانَتِهِمْ) واعْلَمْ أنَّهُ يُسَمّى الشَّيْءُ المُؤْتَمَنُ عَلَيْهِ والمُعاهَدُ عَلَيْهِ أمانَةً وعَهْدًا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم أنْ تُؤَدُّوا الأماناتِ إلى أهْلِها﴾ [النِّساءِ: ٥٨] وقالَ: ﴿وتَخُونُوا أماناتِكُمْ﴾ [الأنْفالِ: ٢٧] وإنَّما تُؤَدّى العُيُونُ دُونَ المَعانِي، فَكانَ المُؤْتَمَنُ عَلَيْهِ الأمانَةُ في نَفْسِها. والعَهْدُ ما عَقَدَهُ عَلى نَفْسِهِ فِيما يُقَرِّبُهُ إلى رَبِّهِ، ويَقَعُ أيْضًا عَلى ما أمَرَ اللَّهُ تَعالى بِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ عَهِدَ إلَيْنا﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٨٣] والرّاعِي: القائِمُ عَلى الشَّيْءِ لِحِفْظٍ وإصْلاحٍ كَراعِي الغَنَمِ وراعِي الرَّعِيَّةِ، ويُقالُ: مَن راعِي هَذا الشَّيْءِ؟ أيْ: مُتَوَلِّيهِ. واعْلَمْ أنَّ الأمانَةَ تَتَناوَلُ كُلَّ ما تَرْكُهُ يَكُونُ داخِلًا في الخِيانَةِ، وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ والرَّسُولَ وتَخُونُوا أماناتِكُمْ﴾ [الأنْفالِ: ٢٧] فَمِن ذَلِكَ العِباداتُ الَّتِي المَرْءُ مُؤْتَمَنٌ عَلَيْها، وكُلُّ العِباداتِ تَدْخُلُ في ذَلِكَ؛ لِأنَّها إمّا أنْ تَخْفى أصْلًا كالصَّوْمِ وغُسْلِ الجَنابَةِ وإسْباغِ الوُضُوءِ، أوْ تَخْفى كَيْفِيَّةُ إتْيانِهِ بِها، وقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«أعْظَمُ النّاسِ خِيانَةً مَن لَمْ يُتِمَّ صَلاتَهُ» “ وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ”أوَّلُ ما تَفْقِدُونَ مِن دِينِكُمُ الأمانَةُ، وآخِرُ ما تَفْقِدُونَ الصَّلاةُ“ ومِن جُمْلَةِ ذَلِكَ ما يَلْتَزِمُهُ بِفِعْلٍ أوْ قَوْلٍ، فَيَلْزَمُهُ الوَفاءُ بِهِ كالوَدائِعِ والعُقُودِ وما يَتَّصِلُ بِهِما. ومِن ذَلِكَ
صفحة ٧٢
الأقْوالُ الَّتِي يُحَرَّرُ بِها العَبِيدُ والنِّساءُ؛ لِأنَّهُ مُؤْتَمَنٌ في ذَلِكَ، ومِن ذَلِكَ أنْ يُراعِيَ أمانَتَهُ فَلا يُفْسِدَها بِغَصْبٍ أوْ غَيْرِهِ، وأمّا العَهْدُ فَإنَّهُ دَخَلَ فِيهِ العُقُودُ والأيْمانُ والنُّذُورُ، فَبَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّ مُراعاةَ هَذِهِ الأُمُورِ والقِيامَ بِها مُعْتَبَرٌ في حُصُولِ الفَلاحِ.
* * *
الصِّفَةُ السّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ هم عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ وإنَّما أعادَ تَعالى ذِكْرَها؛ لِأنَّ الخُشُوعَ والمُحافَظَةَ مُتَغايِرانِ غَيْرُ مُتَلازِمَيْنِ، فَإنَّ الخُشُوعَ صِفَةٌ لِلْمُصَلِّي في حالِ الأداءِ لِصَلاتِهِ، والمُحافَظَةُ إنَّما تَصِحُّ حالَ ما لَمْ يُؤَدِّها بِكَمالِها. بَلِ المُرادُ بِالمُحافَظَةِ التَّعَهُّدُ لِشُرُوطِها مِن وقْتٍ وطَهارَةٍ وغَيْرِهِما، والقِيامُ عَلى أرْكانِها وإتْمامِها حَتّى يَكُونَ ذَلِكَ دَأْبَهُ في كُلِّ وقْتٍ، ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى مَجْمُوعَ هَذِهِ الأُمُورِ قالَ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الوارِثُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الفِرْدَوْسَ هم فِيها خالِدُونَ﴾ وهاهُنا سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: لِمَ سَمّى ما يَجِدُونَهُ مِنَ الثَّوابِ والجَنَّةِ بِالمِيراثِ؟ مَعَ أنَّهُ سُبْحانَهُ حَكَمَ بِأنَّ الجَنَّةَ حَقُّهم في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ المُؤْمِنِينَ أنْفُسَهم وأمْوالَهم بِأنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ﴾ [التَّوْبَةِ: ١١١]. الجَوابُ مِن وُجُوهٍ.
الأوَّلُ: ما «رُوِيَ عَنِ الرَّسُولِ ﷺ وهو أبْيَنُ عَلى ما يُقالُ فِيهِ، وهُوَ: أنَّهُ لا مُكَلَّفٌ إلّا أعَدَّ اللَّهُ لَهُ في النّارِ ما يَسْتَحِقُّهُ إنْ عَصى، وفي الجَنَّةِ ما يَسْتَحِقُّهُ إنْ أطاعَ، وجَعَلَ لِذَلِكَ عَلامَةً. فَإذا آمَنَ مِنهُمُ البَعْضُ ولَمْ يُؤْمِنِ البَعْضُ صارَ مَنزِلُ مَن لَمْ يُؤْمِن كالمَنقُولِ إلى المُؤْمِنِينَ، وصارَ مَصِيرُهم إلى النّارِ الَّذِي لا بُدَّ مَعَهُ مِن حِرْمانِ الثَّوابِ كَمَوْتِهِمْ»، فَسُمِّيَ ذَلِكَ مِيراثًا لِهَذا الوَجْهِ، وقَدْ قالَ الفُقَهاءُ: إنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ ما مَلَكَهُ المَيِّتُ وبَيْنَ ما يُقَدِّرُ فِيهِ المَلِكُ في أنَّهُ يُورَثُ عَنْهُ، كَذَلِكَ قالُوا في الدِّيَةِ الَّتِي تَجِبُ بِالقَتْلِ: إنَّها تُورَثُ، مَعَ أنَّهُ ما مَلَكَها عَلى التَّحْقِيقِ، وذَلِكَ يَشْهَدُ لِما ذَكَرْنا، فَإنْ قِيلَ: إنَّهُ تَعالى وصَفَ كُلَّ الَّذِي يَسْتَحِقُّونَهُ إرْثًا، وعَلى ما قُلْتُمْ يَدْخُلُ في الإرْثِ ما كانَ يَسْتَحِقُّهُ غَيْرُهم لَوْ أطاعَ. قُلْنا: لا يَمْتَنِعُ أنَّهُ تَعالى جَعَلَ ما هو مَنزِلَةٌ لِهَذا المُؤْمِنِ بِعَيْنِهِ مَنزِلَةً لِذَلِكَ الكافِرِ لَوْ أطاعَ؛ لِأنَّهُ عِنْدَ ذَلِكَ كانَ يَزِيدُ في المَنازِلِ فَإذا آمَنَ هَذا عَدَلَ بِذَلِكَ إلَيْهِ.
وثانِيها: أنَّ انْتِقالَ الجَنَّةِ إلَيْهِمْ بِدُونِ مُحاسَبَةٍ ومَعْرِفَةٍ بِمَقادِيرِهِ يُشْبِهُ انْتِقالَ المالِ إلى الوارِثِ.
وثالِثُها: أنَّ الجَنَّةَ كانَتْ مَسْكَنَ أبِينا آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإذا انْتَقَلَتْ إلى أوْلادِهِ صارَ ذَلِكَ شَبِيهًا بِالمِيراثِ.
السُّؤالُ الثّانِي: كَيْفَ حَكَمَ عَلى المَوْصُوفِينَ بِالصِّفاتِ السَّبْعِ بِالفَلاحِ مَعَ أنَّهُ تَعالى ما تَمَّمَ ذِكْرَ العِباداتِ الواجِبَةِ كالصَّوْمِ والحَجِّ والطَّهارَةِ؟ والجَوابُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿والَّذِينَ هم لِأماناتِهِمْ وعَهْدِهِمْ راعُونَ﴾ يَأْتِي عَلى جَمِيعِ الواجِباتِ مِنَ الأفْعالِ والتُّرُوكِ كَما قَدَّمْنا، والطَّهاراتُ دَخَلَتْ في جُمْلَةِ المُحافَظَةِ عَلى الصَّلَواتِ الخَمْسِ؛ لِكَوْنِها مِن شَرائِطِها.
السُّؤالُ الثّالِثُ: أفَيَدُلُّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الوارِثُونَ﴾ عَلى أنَّهُ لا يَدْخُلُها غَيْرُهُمْ؟ الجَوابُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿هُمُ الوارِثُونَ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ لَكِنَّهُ يَجِبُ تَرْكُ العَمَلِ بِهِ؛ لِأنَّهُ ثَبَتَ أنَّ الجَنَّةَ يَدْخُلُها الأطْفالُ والمَجانِينُ والوِلْدانُ والحُورُ العِينُ، ويَدْخُلُها الفُسّاقُ مِن أهْلِ القِبْلَةِ بَعْدَ العَفْوِ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النِّساءِ: ٤٨].
السُّؤالُ الرّابِعُ: أفَكُلُّ الجَنَّةِ هو الفِرْدَوْسُ؟ الجَوابُ: الفِرْدَوْسُ هو الجَنَّةُ بِلِسانِ الحَبَشَةِ، وقِيلَ بِلِسانِ الرُّومِ، ورَوى أبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«الفِرْدَوْسُ مَقْصُورَةُ الرَّحْمَنِ؛ فِيها الأنْهارُ والأشْجارُ» “
صفحة ٧٣
ورَوى أبُو أُمامَةَ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ قالَ: ”«سَلُوا اللَّهَ الفِرْدَوْسَ فَإنَّها أعْلى الجِنانِ، وإنَّ أهْلَ الفِرْدَوْسِ يَسْمَعُونَ أطِيطَ العَرْشِ» “.
السُّؤالُ الخامِسُ: هَلْ تَدُلُّ الآيَةُ عَلى أنَّ هَذِهِ الصِّفاتِ هي الَّتِي لَها ولِأجْلِها يَكُونُونَ مُؤْمِنِينَ أمْ لا؟ الجَوابُ: ادَّعى القاضِي أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ بِناءً عَلى مَذْهَبِهِ أنَّ الإيمانَ اسْمٌ شَرْعِيٌّ مَوْضُوعٌ لِأداءِ كُلِّ الواجِباتِ، وعِنْدَنا أنَّ الآيَةَ لا تَدُلُّ عَلى ذَلِكَ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم في صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ﴾ مِثْلُ قَدْ أفْلَحَ النّاسُ الأذْكِياءُ العُدُولُ، فَإنَّ هَذا لا يَدُلُّ عَلى أنَّ الزَّكاةَ والعَدالَةَ داخِلانِ في مُسَمّى النّاسِ فَكَذا هاهُنا.
السُّؤالُ السّادِسُ: رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: ”«لَمّا خَلَقَ اللَّهُ تَعالى جَنَّةَ عَدْنٍ قالَ لَها: تَكَلَّمِي. فَقالَتْ: قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ» “ وقالَ كَعْبٌ: ”خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ بِيَدِهِ وكَتَبَ التَّوْراةَ بِيَدِهِ وغَرَسَ شَجَرَةَ طُوبى بِيَدِهِ، ثم قال لَها: تَكَلَّمِي. فَقالَتْ: قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ“، ورُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ”«إذا أحْسَنَ العَبْدُ الوُضُوءَ وصَلّى الصَّلاةَ لِوَقْتِها وحافَظَ عَلى رُكُوعِها وسُجُودِها ومَواقِيتِها قالَتْ: حَفِظَكَ اللَّهُ كَما حافَظْتَ عَلَيَّ، وشَفَعَتْ لِصاحِبِها، وإذا أضاعَها قالَتْ: أضاعَكَ اللَّهُ كَما ضَيَّعْتَنِي، وتُلَفُّ كَما يُلَفُّ الثَّوْبُ الخَلِقُ فَيُضْرَبُ بِها وجْهُ صاحِبِها» “ الجَوابُ: أمّا كَلامُ الجَنَّةِ فالمُرادُ بِهِ أنَّها أُعِدَّتْ لِلْمُؤْمِنِينَ، فَصارَ ذَلِكَ كالقَوْلِ مِنها، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَتا أتَيْنا طائِعِينَ﴾ [فُصِّلَتْ: ١١] وأمّا أنَّهُ تَعالى خَلَقَ الجَنَّةَ بِيَدِهِ، فالمُرادُ تَوَلّى خَلْقَها لا أنَّهُ وكَلَهُ إلى غَيْرِهِ، وأمّا أنَّ الصَّلاةَ تُثْنِي عَلى مَن قامَ بِحَقِّها فَهو في الجَوازِ أبْعَدُ مِن كَلامِ الجَنَّةِ؛ لِأنَّ الصَّلاةَ حَرَكاتٌ وسَكَناتٌ ولا يَصِحُّ عَلَيْها أنْ تَتَصَوَّرَ وتَتَكَلَّمَ، فالمُرادُ مِنهُ ضَرْبُ المَثَلِ كَما يَقُولُ القائِلُ لِلْمُنْعِمِ: إنَّ إحْسانَكَ إلَيَّ يَنْطِقُ بِالشُّكْرِ.
السُّؤالُ السّابِعُ: هَلْ تَدُلُّ الآيَةُ عَلى أنَّ الفِرْدَوْسَ مَخْلُوقَةٌ؟ الجَوابُ: قالَ القاضِي: دَلَّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُكُلُها دائِمٌ﴾ [الرَّعْدِ: ٣٥] عَلى أنَّها غَيْرُ مَخْلُوقَةٍ، فَوَجَبَ تَأْوِيلُ هَذِهِ الآيَةِ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ يَخْلُقُ اللَّهُ الجَنَّةَ مِيراثًا لِلْمُؤْمِنِينَ، أوْ: وإذا خَلَقَها تَقُولُ، عَلى مِثالِ ما تَأوَّلْنا عَلَيْهِ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ونادى أصْحابُ النّارِ أصْحابَ الجَنَّةِ﴾ [الأعْرافِ: ٥٠] وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ إضْمارُ ما ذَكَرَهُ في هَذِهِ الآيَةِ أوْلى مِن أنْ يُضْمَرَ في قَوْلِهِ: ﴿أُكُلُها دائِمٌ﴾ ثُمَّ إنَّ أُكُلَها دائِمٌ يَوْمَ القِيامَةِ، وإذا تَعارَضَ هَذانِ الظّاهِرانِ فَنَحْنُ نَتَمَسَّكُ في أنَّ الجَنَّةَ مَخْلُوقَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٣٣].
المؤمنون 23:12
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ﴾ ﴿ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً في قَرارٍ مَكِينٍ﴾ ﴿ثُمَّ خَلَقْنا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنا العَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنا المُضْغَةَ عِظامًا فَكَسَوْنا العِظامَ لَحْمًا ثُمَّ أنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّكم بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ تُبْعَثُونَ﴾
صفحة ٧٤
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا أمَرَ بِالعِباداتِ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ، والِاشْتِغالُ بِعِبادَةِ اللَّهِ لا يَصِحُّ إلّا بَعْدَ مَعْرِفَةِ الإلَهِ الخالِقِ، لا جَرَمَ عَقَّبَها بِذِكْرِ ما يَدُلُّ عَلى وُجُودِهِ واتِّصافِهِ بِصِفاتِ الجَلالِ والوَحْدانِيَّةِ فَذَكَرَ مِنَ الدَّلائِلِ أنْواعًا:
النوع الأوَّلُ: الِاسْتِدْلالُ بِتَقَلُّبِ الإنْسانِ في أدْوارِ الخِلْقَةِ وأكْوانِ الفِطْرَةِ وهي تِسْعَةٌ:
المَرْتَبَةُ الأُولى: قَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ﴾ والسُّلالَةُ: الخُلاصَةُ؛ لِأنَّها تُسَلُّ مِن بَيْنِ الكَدَرِ، فُعالَةٌ، وهو بِناءٌ يَدُلُّ عَلى القِلَّةِ كالقُلامَةِ والقُمامَةِ، واخْتَلَفَ أهْلُ التَّفْسِيرِ في ﴿الإنْسانَ﴾ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ وقَتادَةُ ومُقاتِلٌ: المُرادُ مِنهُ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَآدَمُ سُلَّ مِنَ الطِّينِ، وخُلِقَتْ ذُرِّيَّتُهُ مِن ماءٍ مَهِينٍ، ثُمَّ جَعَلْنا الكِنايَةَ راجِعَةً إلى الإنْسانِ الَّذِي هو ولَدُ آدَمَ، والإنْسانُ شامِلٌ لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ولِوَلَدِهِ، وقالَ آخَرُونَ: الإنْسانُ هاهُنا ولَدُ آدَمَ، والطِّينُ هاهُنا اسْمُ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، والسُّلالَةُ هي الأجْزاءُ الطِّينِيَّةُ المَبْثُوثَةُ في أعْضائِهِ الَّتِي لَمّا اجْتَمَعَتْ وحَصَلَتْ في أوْعِيَةِ المَنِيِّ صارَتْ مَنِيًّا، وهَذا التَّفْسِيرُ مُطابِقٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وبَدَأ خَلْقَ الإنْسانِ مِن طِينٍ﴾ ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلالَةٍ مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ [ السَّجْدَةِ: ٧، ٨ ] وفِيهِ وجْهٌ آخَرُ، وهو أنَّ الإنْسانَ إنَّما يَتَوَلَّدُ مِنَ النُّطْفَةِ وهي إنَّما تَتَوَلَّدُ مِن فَضْلِ الهَضْمِ الرّابِعِ، وذَلِكَ إنَّما يَتَوَلَّدُ مِنَ الأغْذِيَةِ، وهي إمّا حَيَوانِيَّةٌ وإمّا نَباتِيَّةٌ، والحَيَوانِيَّةُ تَنْتَهِي إلى النَّباتِيَّةِ، والنَّباتُ إنَّما يَتَوَلَّدُ مِن صَفْوِ الأرْضِ والماءِ، فالإنْسانُ بِالحَقِيقَةِ يَكُونُ مُتَوَلِّدًا مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ، ثُمَّ إنَّ تِلْكَ السُّلالَةَ بَعْدَ أنْ تَوارَدَتْ عَلى أطْوارِ الخِلْقَةِ وأدْوارِ الفِطْرَةِ صارَتْ مَنِيًّا، وهَذا التَّأْوِيلُ مُطابِقٌ لِلَّفْظِ ولا يُحْتاجُ فِيهِ إلى التَّكَلُّفاتِ.
المَرْتَبَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً في قَرارٍ مَكِينٍ﴾ ومَعْنى جَعْلِ الإنْسانِ نُطْفَةً أنَّهُ خَلَقَ جَوْهَرَ الإنْسانِ أوَّلًا طِينًا، ثُمَّ جَعَلَ جَوْهَرَهُ بَعْدَ ذَلِكَ نُطْفَةً في أصْلابِ الآباءِ فَقَذَفَهُ الصُّلْبُ بِالجِماعِ إلى رَحِمِ المَرْأةِ فَصارَ الرَّحِمُ قَرارًا مَكِينًا لِهَذِهِ النُّطْفَةِ، والمُرادُ بِالقَرارِ مَوْضِعُ القَرارِ وهو المُسْتَقَرُّ، فَسَمّاهُ بِالمَصْدَرِ ثُمَّ وصَفَ الرَّحِمَ بِالمَكانَةِ الَّتِي هي صِفَةُ المُسْتَقِرِّ فِيها؛ كَقَوْلِكَ: طَرِيقٌ سائِرٌ، أوْ لِمَكانَتِها في نَفْسِها؛ لِأنَّها تَمَكَّنَتْ مِن حَيْثُ هي وأُحْرِزَتْ.
المَرْتَبَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ خَلَقْنا النُّطْفَةَ عَلَقَةً﴾ أيْ: حَوَّلْنا النُّطْفَةَ عَنْ صِفاتِها إلى صِفاتِ العَلَقَةِ وهي الدَّمُ الجامِدُ.
المَرْتَبَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَخَلَقْنا العَلَقَةَ مُضْغَةً﴾ أيْ: جَعَلْنا ذَلِكَ الدَّمَ الجامِدَ مُضْغَةً؛ أيْ: قِطْعَةَ لَحْمٍ كَأنَّها مِقْدارُ ما يُمْضَغُ كالغُرْفَةِ وهي مِقْدارُ ما يُغْتَرَفُ، وسُمِّيَ التَّحْوِيلُ خَلْقًا؛ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ يُفْنِي بَعْضَ أعْراضِها ويَخْلُقُ أعْراضًا غَيْرَها، فَسَمّى خَلْقَ الأعْراضِ خَلْقًا وكَأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى يَخْلُقُ فِيها أجْزاءً زائِدَةً.
المَرْتَبَةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ: ﴿فَخَلَقْنا المُضْغَةَ عِظامًا﴾ أيْ: صَيَّرْناها كَذَلِكَ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ (عَظْمًا) والمُرادُ مِنهُ الجَمْعُ كَقَوْلِهِ: ﴿والمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفَجْرِ: ٢٢].
المَرْتَبَةُ السّادِسَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكَسَوْنا العِظامَ لَحْمًا﴾ وذَلِكَ لِأنَّ اللَّحْمَ يَسْتُرُ العَظْمَ فَجَعَلَهُ كالكِسْوَةِ لَها.
المَرْتَبَةُ السّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ أنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ أيْ: خَلْقًا مُبايِنًا لِلْخَلْقِ الأوَّلِ مُبايَنَةً ما أبْعَدَها، حَيْثُ جَعَلَهُ حَيَوانًا وكانَ جَمادًا، وناطِقًا وكانَ أبْكَمَ، وسَمِيعًا وكانَ أصَمَّ، وبَصِيرًا وكانَ أكْمَهَ، وأوْدَعَ باطِنَهُ وظاهِرَهُ
صفحة ٧٥
بَلْ كُلَّ عُضْوٍ مِن أعْضائِهِ وكُلَّ جُزْءٍ مِن أجْزائِهِ عَجائِبَ فِطْرَةٍ وغَرائِبَ حِكْمَةٍ لا يُحِيطُ بِها وصْفُ الواصِفِينَ، ولا شَرْحُ الشّارِحِينَ، ورَوى العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالَ: هو تَصْرِيفُ اللَّهِ إيّاهُ بَعْدَ الوِلادَةِ في أطْوارِهِ في زَمَنِ الطُّفُولِيَّةِ وما بَعْدَها إلى اسْتِواءِ الشَّبابِ، وخَلْقِ الفَهْمِ والعَقْلِ وما بَعْدَهُ إلى أنْ يَمُوتَ، ودَلِيلُ هَذا القَوْلِ أنَّهُ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ إنَّكم بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾ وهَذا المَعْنى مَرْوِيٌّ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ عُمَرَ، وإنَّما قالَ: ﴿أنْشَأْناهُ﴾ لِأنَّهُ جَعَلَ إنْشاءَ الرُّوحِ فِيهِ، وإتْمامَ خَلْقِهِ إنْشاءً لَهُ. قالُوا: في الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى بُطْلانِ قَوْلِ النَّظّامِ في أنَّ الإنْسانَ هو الرُّوحُ لا البَدَنُ، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ بَيَّنَ أنَّ الإنْسانَ هو المُرَكَّبُ مِن هَذِهِ الصِّفاتِ، وفِيها دَلالَةٌ أيْضًا عَلى بُطْلانِ قَوْلِ الفَلاسِفَةِ الَّذِينَ يَقُولُونَ: إنَّ الإنْسانَ شَيْءٌ لا يَنْقَسِمُ، وإنَّهُ لَيْسَ بِجِسْمٍ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَتَبارَكَ اللَّهُ﴾ أيْ: فَتَعالى اللَّهُ؛ فَإنَّ البَرَكَةَ يَرْجِعُ مَعْناها إلى الِامْتِدادِ والزِّيادَةِ، وكُلُّ ما زادَ عَلى الشَّيْءِ فَقَدْ عَلاهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: والبَرَكاتُ والخَيْراتُ كُلُّها مِنَ اللَّهِ تَعالى، وقِيلَ: أصْلُهُ مِنَ البُرُوكِ وهو الثَّباتُ، فَكَأنَّهُ قالَ: والبَقاءُ والدَّوامُ والبَرَكاتُ كُلُّها مِنهُ فَهو المُسْتَحِقُّ لِلتَّعْظِيمِ والثَّناءِ، وقَوْلُهُ: ﴿أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾ أيْ: أحْسَنُ المُقَدِّرِينَ تَقْدِيرًا، فَتَرَكَ ذِكْرَ المُمَيَّزِ لِدَلالَةِ ﴿الخالِقِينَ﴾ عَلَيْهِ. وهاهُنا مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: لَوْلا أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ يَكُونُ خالِقًا لِفِعْلِهِ إذا قَدَّرَهُ لَما جازَ القَوْلُ بِأنَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ، كَما لَوْ لَمْ يَكُنْ في عِبادِهِ مَن يَحْكُمُ ويَرْحَمُ لَمْ يَجُزْ أنْ يُقالَ فِيهِ: أحْكَمُ الحاكِمِينَ وأرْحَمُ الرّاحِمِينَ، والخَلْقُ في اللُّغَةِ هو كُلُّ فِعْلٍ وُجِدَ مِن فاعِلِهِ مُقَدَّرًا لا عَلى سَهْوٍ وغَفْلَةٍ، والعِبادُ قَدْ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ عَلى هَذا الوَجْهِ، قالَ الكَعْبِيُّ: هَذِهِ الآيَةُ وإنْ دَلَّتْ عَلى أنَّ العَبْدَ خالِقٌ إلّا أنَّ اسْمَ الخالِقِ لا يُطْلَقُ عَلى العَبْدِ إلّا مَعَ القَيْدِ، كَما أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُقالَ: رَبُّ الدّارِ، ولا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: رَبٌّ، بِلا إضافَةٍ، ولا يَقُولُ العَبْدُ لِسَيِّدِهِ: هو رَبِّي، ولا يُقالُ: إنَّما قالَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ وصَفَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنَّهُ يَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ؛ لِأنّا نُجِيبُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ.
أحَدُهُما: أنَّ ظاهِرَ الآيَةِ يَقْتَضِي أنَّهُ سُبْحانَهُ ﴿أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾ الَّذِينَ هم جَمْعٌ فَحَمْلُهُ عَلى عِيسى خاصَّةً لا يَصِحُّ.
الثّانِي: أنَّهُ إذا صَحَّ وصْفُ عِيسى بِأنَّهُ يَخْلُقُ صَحَّ وصْفُ غَيْرِهِ مِنَ المُصَوِّرِينَ أيْضًا بِأنَّهُ يَخْلُقُ، وأجابَ أصْحابُنا بِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُعارَضَةٌ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [ الرَّعْدِ: ١٦ ] فَوَجَبَ حَمْلُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّهُ ﴿أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾ في اعْتِقادِكم وظَنِّكُمْ، كَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ أهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الرُّومِ: ٢٧] أيْ: هو أهْوَنُ عَلَيْهِ في اعْتِقادِكم وظَنِّكم. والجَوابُ الثّانِي: هو أنَّ الخالِقَ هو المُقَدِّرُ؛ لِأنَّ الخَلْقَ هو التَّقْدِيرُ والآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ أحْسَنُ المُقَدِّرِينَ، والتَّقْدِيرُ يَرْجِعُ مَعْناهُ إلى الظَّنِّ والحُسْبانِ، وذَلِكَ في حَقِّ اللَّهِ سُبْحانَهُ مُحالٌ، فَتَكُونُ الآيَةُ مِنَ المُتَشابِهاتِ. والجَوابُ الثّالِثُ: أنَّ الآيَةَ تَقْتَضِي كَوْنَ العَبْدِ خالِقًا بِمَعْنى كَوْنِهِ مُقَدِّرًا، لَكِنْ لِمَ قُلْتَ بِأنَّهُ خالِقٌ بِمَعْنى كَوْنِهِ مُوجِدًا؟!
المسألة الثّانِيَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ ما خَلَقَهُ حَسَنٌ وحِكْمَةٌ وصَوابٌ وإلّا لَما جازَ وصْفُهُ بِأنَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ، وإذا كانَ كَذَلِكَ وجَبَ أنْ لا يَكُونَ خالِقًا لِلْكُفْرِ والمَعْصِيَةِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ العَبْدُ هو المُوجِدَ لَهُما. والجَوابُ: مِنَ النّاسِ مَن حَمَلَ الحَسَنَ عَلى الإحْكامِ والإتْقانِ في التَّرْكِيبِ والتَّأْلِيفِ. ثُمَّ لَوْ حَمَلْناهُ عَلى ما قالُوهُ فَعِنْدَنا أنَّهُ يَحْسُنُ مِنَ اللَّهِ تَعالى كُلُّ الأشْياءِ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ فَوْقَهُ آمِرٌ وناهٍ حَتّى يَكُونَ ذَلِكَ مانِعًا لَهُ عَنْ فِعْلِ شَيْءٍ.
المسألة الثّالِثَةُ: رَوى الكَلْبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما «أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَعْدِ بْنِ أبِي سَرْحٍ كانَ
صفحة ٧٦
يَكْتُبُ هَذِهِ الآياتِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَمّا انْتَهى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿خَلْقًا آخَرَ﴾ عَجِبَ مِن ذَلِكَ فَقالَ: فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”اكْتُبْ، فَهَكَذا نَزَلَتْ“ فَشَكَّ عَبْدُ اللَّهِ وقالَ: إنْ كانَ مُحَمَّدٌ صادِقًا فِيما يَقُولُ فَإنَّهُ يُوحى إلَيَّ كَما يُوحى إلَيْهِ، وإنْ كانَ كاذِبًا فَلا خَيْرَ في دِينِهِ، فَهَرَبَ إلى مَكَّةَ»، فَقِيلَ: إنَّهُ ماتَ عَلى الكُفْرِ، وقِيلَ: إنَّهُ أسْلَمَ يَوْمَ الفَتْحِ، ورَوى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «هَكَذا نَزَلَتْ يا عُمَرُ» . وكانَ عُمَرُ يَقُولُ: وافَقَنِي رَبِّي في أرْبَعٍ: في الصَّلاةِ خَلْفَ المَقامِ، وفي ضَرْبِ الحِجابِ عَلى النِّسْوَةِ، وقَوْلِي لَهُنَّ: لَتَنْتَهُنَّ أوْ لَيُبْدِلَنَّهُ اللَّهُ خَيْرًا مِنكُنَّ، فَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَسى رَبُّهُ إنْ طَلَّقَكُنَّ أنْ يُبْدِلَهُ أزْواجًا خَيْرًا مِنكُنَّ﴾ [التَّحْرِيمِ: ٥] والرّابِعُ قُلْتُ: ﴿فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾ فَقالَ: هَكَذا نَزَلَتْ. قالَ العارِفُونَ: هَذِهِ الواقِعَةُ كانَتْ سَبَبَ السَّعادَةِ لِعُمَرَ، وسَبَبَ الشَّقاوَةِ لِعَبْدِ اللَّهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا ويَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ [البَقَرَةِ: ٢٦] فَإنْ قِيلَ: فَعَلى كُلِّ الرِّواياتِ قَدْ تَكَلَّمَ البَشَرُ ابْتِداءً بِمِثْلِ نَظْمِ القُرْآنِ، وذَلِكَ يَقْدَحُ في كَوْنِهِ مُعْجِزًا كَما ظَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ. والجَوابُ: هَذا غَيْرُ مُسْتَبْعَدٍ إذا كانَ قَدْرُهُ القَدْرَ الَّذِي لا يَظْهَرُ فِيهِ الإعْجازُ، فَسَقَطَتْ شُبْهَةُ عَبْدِ اللَّهِ.
المَرْتَبَةُ الثّامِنَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ إنَّكم بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾ قَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ وابْنُ مُحَيْصِنٍ (لَمائِتُونَ) والفَرْقُ بَيْنَ المَيِّتِ والمائِتِ، أنَّ المَيِّتَ كالحَيِّ صِفَةٌ ثابِتَةٌ، وأمّا المائِتُ فَيَدُلُّ عَلى الحُدُوثِ، تَقُولُ: زَيْدٌ مَيِّتٌ الآنَ ومائِتٌ غَدًا، وكَقَوْلِكَ: يَمُوتُ، ونَحْوُهُما ضَيِّقٌ وضائِقٌ في قَوْلِهِ: ﴿وضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ﴾ [هُودٍ: ١٢].
المَرْتَبَةُ التّاسِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ فاللَّهُ سُبْحانَهُ جَعَلَ الإماتَةَ الَّتِي هي إعْدامُ الحَياةِ والبَعْثَ الَّذِي هو إعادَةُ ما يُفْنِيهِ ويُعْدِمُهُ دَلِيلَيْنِ أيْضًا عَلى اقْتِدارٍ عَظِيمٍ بَعْدَ الإنْشاءِ والِاخْتِراعِ.
* * *
وهاهُنا سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: ما الحِكْمَةُ في المَوْتِ؟ وهَلّا وصَلَ نَعِيمَ الآخِرَةِ وثَوابَها بِنَعِيمِ الدُّنْيا فَيَكُونَ ذَلِكَ في الإنْعامِ أبْلَغَ؟ والجَوابُ: هَذا كالمَفْسَدَةِ في حَقِّ المُكَلَّفِينَ؛ لِأنَّهُ مَتى عُجِّلَ لِلْمَرْءِ الثَّوابُ فِيما يَتَحَمَّلُهُ مِنَ المَشَقَّةِ في الطّاعاتِ صارَ إتْيانُهُ بِالطّاعاتِ لِأجْلِ تِلْكَ المَنافِعِ لا لِأجْلِ طاعَةِ اللَّهِ، يُبَيِّنُ ذَلِكَ أنَّهُ لَوْ قِيلَ لِمَن يُصَلِّي ويَصُومُ: إذا فَعَلْتَ ذَلِكَ أدْخَلْناكَ الجَنَّةَ في الحالِ، فَإنَّهُ لا يَأْتِي بِذَلِكَ الفِعْلِ إلّا لِطَلَبِ الجَنَّةِ، فَلا جَرَمَ أخَّرَهُ اللَّهُ تَعالى وبَعَّدَهُ بِالإماتَةِ ثُمَّ الإعادَةِ؛ لِيُكُونَ العَبْدُ عابِدًا لِرَبِّهِ بِطاعَتِهِ لا لِطَلَبِ الِانْتِفاعِ.
السُّؤالُ الثّانِي: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى نَفْيِ عَذابِ القَبْرِ؛ لِأنَّهُ قالَ: ﴿ثُمَّ إنَّكم بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ ولَمْ يَذْكُرْ بَيْنَ الأمْرَيْنِ الإحْياءَ في القَبْرِ والإماتَةَ. والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ.
الأوَّلُ: أنَّهُ لَيْسَ في ذِكْرِ الحَياتَيْنِ نَفْيُ الثّالِثِ.
والثّانِي: أنَّ الغَرَضَ ذِكْرُ الأجْناسِ الثَّلاثَةِ: الإنْشاءُ والإماتَةُ والإعادَةُ، والَّذِي تُرِكَ ذِكْرُهُ فَهو جِنْسُ الإعادَةِ.
المؤمنون 23:13
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ﴾ ﴿ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً في قَرارٍ مَكِينٍ﴾ ﴿ثُمَّ خَلَقْنا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنا العَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنا المُضْغَةَ عِظامًا فَكَسَوْنا العِظامَ لَحْمًا ثُمَّ أنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّكم بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ تُبْعَثُونَ﴾
صفحة ٧٤
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا أمَرَ بِالعِباداتِ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ، والِاشْتِغالُ بِعِبادَةِ اللَّهِ لا يَصِحُّ إلّا بَعْدَ مَعْرِفَةِ الإلَهِ الخالِقِ، لا جَرَمَ عَقَّبَها بِذِكْرِ ما يَدُلُّ عَلى وُجُودِهِ واتِّصافِهِ بِصِفاتِ الجَلالِ والوَحْدانِيَّةِ فَذَكَرَ مِنَ الدَّلائِلِ أنْواعًا:
النوع الأوَّلُ: الِاسْتِدْلالُ بِتَقَلُّبِ الإنْسانِ في أدْوارِ الخِلْقَةِ وأكْوانِ الفِطْرَةِ وهي تِسْعَةٌ:
المَرْتَبَةُ الأُولى: قَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ﴾ والسُّلالَةُ: الخُلاصَةُ؛ لِأنَّها تُسَلُّ مِن بَيْنِ الكَدَرِ، فُعالَةٌ، وهو بِناءٌ يَدُلُّ عَلى القِلَّةِ كالقُلامَةِ والقُمامَةِ، واخْتَلَفَ أهْلُ التَّفْسِيرِ في ﴿الإنْسانَ﴾ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ وقَتادَةُ ومُقاتِلٌ: المُرادُ مِنهُ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَآدَمُ سُلَّ مِنَ الطِّينِ، وخُلِقَتْ ذُرِّيَّتُهُ مِن ماءٍ مَهِينٍ، ثُمَّ جَعَلْنا الكِنايَةَ راجِعَةً إلى الإنْسانِ الَّذِي هو ولَدُ آدَمَ، والإنْسانُ شامِلٌ لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ولِوَلَدِهِ، وقالَ آخَرُونَ: الإنْسانُ هاهُنا ولَدُ آدَمَ، والطِّينُ هاهُنا اسْمُ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، والسُّلالَةُ هي الأجْزاءُ الطِّينِيَّةُ المَبْثُوثَةُ في أعْضائِهِ الَّتِي لَمّا اجْتَمَعَتْ وحَصَلَتْ في أوْعِيَةِ المَنِيِّ صارَتْ مَنِيًّا، وهَذا التَّفْسِيرُ مُطابِقٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وبَدَأ خَلْقَ الإنْسانِ مِن طِينٍ﴾ ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلالَةٍ مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ [ السَّجْدَةِ: ٧، ٨ ] وفِيهِ وجْهٌ آخَرُ، وهو أنَّ الإنْسانَ إنَّما يَتَوَلَّدُ مِنَ النُّطْفَةِ وهي إنَّما تَتَوَلَّدُ مِن فَضْلِ الهَضْمِ الرّابِعِ، وذَلِكَ إنَّما يَتَوَلَّدُ مِنَ الأغْذِيَةِ، وهي إمّا حَيَوانِيَّةٌ وإمّا نَباتِيَّةٌ، والحَيَوانِيَّةُ تَنْتَهِي إلى النَّباتِيَّةِ، والنَّباتُ إنَّما يَتَوَلَّدُ مِن صَفْوِ الأرْضِ والماءِ، فالإنْسانُ بِالحَقِيقَةِ يَكُونُ مُتَوَلِّدًا مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ، ثُمَّ إنَّ تِلْكَ السُّلالَةَ بَعْدَ أنْ تَوارَدَتْ عَلى أطْوارِ الخِلْقَةِ وأدْوارِ الفِطْرَةِ صارَتْ مَنِيًّا، وهَذا التَّأْوِيلُ مُطابِقٌ لِلَّفْظِ ولا يُحْتاجُ فِيهِ إلى التَّكَلُّفاتِ.
المَرْتَبَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً في قَرارٍ مَكِينٍ﴾ ومَعْنى جَعْلِ الإنْسانِ نُطْفَةً أنَّهُ خَلَقَ جَوْهَرَ الإنْسانِ أوَّلًا طِينًا، ثُمَّ جَعَلَ جَوْهَرَهُ بَعْدَ ذَلِكَ نُطْفَةً في أصْلابِ الآباءِ فَقَذَفَهُ الصُّلْبُ بِالجِماعِ إلى رَحِمِ المَرْأةِ فَصارَ الرَّحِمُ قَرارًا مَكِينًا لِهَذِهِ النُّطْفَةِ، والمُرادُ بِالقَرارِ مَوْضِعُ القَرارِ وهو المُسْتَقَرُّ، فَسَمّاهُ بِالمَصْدَرِ ثُمَّ وصَفَ الرَّحِمَ بِالمَكانَةِ الَّتِي هي صِفَةُ المُسْتَقِرِّ فِيها؛ كَقَوْلِكَ: طَرِيقٌ سائِرٌ، أوْ لِمَكانَتِها في نَفْسِها؛ لِأنَّها تَمَكَّنَتْ مِن حَيْثُ هي وأُحْرِزَتْ.
المَرْتَبَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ خَلَقْنا النُّطْفَةَ عَلَقَةً﴾ أيْ: حَوَّلْنا النُّطْفَةَ عَنْ صِفاتِها إلى صِفاتِ العَلَقَةِ وهي الدَّمُ الجامِدُ.
المَرْتَبَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَخَلَقْنا العَلَقَةَ مُضْغَةً﴾ أيْ: جَعَلْنا ذَلِكَ الدَّمَ الجامِدَ مُضْغَةً؛ أيْ: قِطْعَةَ لَحْمٍ كَأنَّها مِقْدارُ ما يُمْضَغُ كالغُرْفَةِ وهي مِقْدارُ ما يُغْتَرَفُ، وسُمِّيَ التَّحْوِيلُ خَلْقًا؛ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ يُفْنِي بَعْضَ أعْراضِها ويَخْلُقُ أعْراضًا غَيْرَها، فَسَمّى خَلْقَ الأعْراضِ خَلْقًا وكَأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى يَخْلُقُ فِيها أجْزاءً زائِدَةً.
المَرْتَبَةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ: ﴿فَخَلَقْنا المُضْغَةَ عِظامًا﴾ أيْ: صَيَّرْناها كَذَلِكَ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ (عَظْمًا) والمُرادُ مِنهُ الجَمْعُ كَقَوْلِهِ: ﴿والمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفَجْرِ: ٢٢].
المَرْتَبَةُ السّادِسَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكَسَوْنا العِظامَ لَحْمًا﴾ وذَلِكَ لِأنَّ اللَّحْمَ يَسْتُرُ العَظْمَ فَجَعَلَهُ كالكِسْوَةِ لَها.
المَرْتَبَةُ السّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ أنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ أيْ: خَلْقًا مُبايِنًا لِلْخَلْقِ الأوَّلِ مُبايَنَةً ما أبْعَدَها، حَيْثُ جَعَلَهُ حَيَوانًا وكانَ جَمادًا، وناطِقًا وكانَ أبْكَمَ، وسَمِيعًا وكانَ أصَمَّ، وبَصِيرًا وكانَ أكْمَهَ، وأوْدَعَ باطِنَهُ وظاهِرَهُ
صفحة ٧٥
بَلْ كُلَّ عُضْوٍ مِن أعْضائِهِ وكُلَّ جُزْءٍ مِن أجْزائِهِ عَجائِبَ فِطْرَةٍ وغَرائِبَ حِكْمَةٍ لا يُحِيطُ بِها وصْفُ الواصِفِينَ، ولا شَرْحُ الشّارِحِينَ، ورَوى العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالَ: هو تَصْرِيفُ اللَّهِ إيّاهُ بَعْدَ الوِلادَةِ في أطْوارِهِ في زَمَنِ الطُّفُولِيَّةِ وما بَعْدَها إلى اسْتِواءِ الشَّبابِ، وخَلْقِ الفَهْمِ والعَقْلِ وما بَعْدَهُ إلى أنْ يَمُوتَ، ودَلِيلُ هَذا القَوْلِ أنَّهُ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ إنَّكم بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾ وهَذا المَعْنى مَرْوِيٌّ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ عُمَرَ، وإنَّما قالَ: ﴿أنْشَأْناهُ﴾ لِأنَّهُ جَعَلَ إنْشاءَ الرُّوحِ فِيهِ، وإتْمامَ خَلْقِهِ إنْشاءً لَهُ. قالُوا: في الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى بُطْلانِ قَوْلِ النَّظّامِ في أنَّ الإنْسانَ هو الرُّوحُ لا البَدَنُ، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ بَيَّنَ أنَّ الإنْسانَ هو المُرَكَّبُ مِن هَذِهِ الصِّفاتِ، وفِيها دَلالَةٌ أيْضًا عَلى بُطْلانِ قَوْلِ الفَلاسِفَةِ الَّذِينَ يَقُولُونَ: إنَّ الإنْسانَ شَيْءٌ لا يَنْقَسِمُ، وإنَّهُ لَيْسَ بِجِسْمٍ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَتَبارَكَ اللَّهُ﴾ أيْ: فَتَعالى اللَّهُ؛ فَإنَّ البَرَكَةَ يَرْجِعُ مَعْناها إلى الِامْتِدادِ والزِّيادَةِ، وكُلُّ ما زادَ عَلى الشَّيْءِ فَقَدْ عَلاهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: والبَرَكاتُ والخَيْراتُ كُلُّها مِنَ اللَّهِ تَعالى، وقِيلَ: أصْلُهُ مِنَ البُرُوكِ وهو الثَّباتُ، فَكَأنَّهُ قالَ: والبَقاءُ والدَّوامُ والبَرَكاتُ كُلُّها مِنهُ فَهو المُسْتَحِقُّ لِلتَّعْظِيمِ والثَّناءِ، وقَوْلُهُ: ﴿أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾ أيْ: أحْسَنُ المُقَدِّرِينَ تَقْدِيرًا، فَتَرَكَ ذِكْرَ المُمَيَّزِ لِدَلالَةِ ﴿الخالِقِينَ﴾ عَلَيْهِ. وهاهُنا مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: لَوْلا أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ يَكُونُ خالِقًا لِفِعْلِهِ إذا قَدَّرَهُ لَما جازَ القَوْلُ بِأنَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ، كَما لَوْ لَمْ يَكُنْ في عِبادِهِ مَن يَحْكُمُ ويَرْحَمُ لَمْ يَجُزْ أنْ يُقالَ فِيهِ: أحْكَمُ الحاكِمِينَ وأرْحَمُ الرّاحِمِينَ، والخَلْقُ في اللُّغَةِ هو كُلُّ فِعْلٍ وُجِدَ مِن فاعِلِهِ مُقَدَّرًا لا عَلى سَهْوٍ وغَفْلَةٍ، والعِبادُ قَدْ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ عَلى هَذا الوَجْهِ، قالَ الكَعْبِيُّ: هَذِهِ الآيَةُ وإنْ دَلَّتْ عَلى أنَّ العَبْدَ خالِقٌ إلّا أنَّ اسْمَ الخالِقِ لا يُطْلَقُ عَلى العَبْدِ إلّا مَعَ القَيْدِ، كَما أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُقالَ: رَبُّ الدّارِ، ولا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: رَبٌّ، بِلا إضافَةٍ، ولا يَقُولُ العَبْدُ لِسَيِّدِهِ: هو رَبِّي، ولا يُقالُ: إنَّما قالَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ وصَفَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنَّهُ يَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ؛ لِأنّا نُجِيبُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ.
أحَدُهُما: أنَّ ظاهِرَ الآيَةِ يَقْتَضِي أنَّهُ سُبْحانَهُ ﴿أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾ الَّذِينَ هم جَمْعٌ فَحَمْلُهُ عَلى عِيسى خاصَّةً لا يَصِحُّ.
الثّانِي: أنَّهُ إذا صَحَّ وصْفُ عِيسى بِأنَّهُ يَخْلُقُ صَحَّ وصْفُ غَيْرِهِ مِنَ المُصَوِّرِينَ أيْضًا بِأنَّهُ يَخْلُقُ، وأجابَ أصْحابُنا بِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُعارَضَةٌ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [ الرَّعْدِ: ١٦ ] فَوَجَبَ حَمْلُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّهُ ﴿أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾ في اعْتِقادِكم وظَنِّكُمْ، كَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ أهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الرُّومِ: ٢٧] أيْ: هو أهْوَنُ عَلَيْهِ في اعْتِقادِكم وظَنِّكم. والجَوابُ الثّانِي: هو أنَّ الخالِقَ هو المُقَدِّرُ؛ لِأنَّ الخَلْقَ هو التَّقْدِيرُ والآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ أحْسَنُ المُقَدِّرِينَ، والتَّقْدِيرُ يَرْجِعُ مَعْناهُ إلى الظَّنِّ والحُسْبانِ، وذَلِكَ في حَقِّ اللَّهِ سُبْحانَهُ مُحالٌ، فَتَكُونُ الآيَةُ مِنَ المُتَشابِهاتِ. والجَوابُ الثّالِثُ: أنَّ الآيَةَ تَقْتَضِي كَوْنَ العَبْدِ خالِقًا بِمَعْنى كَوْنِهِ مُقَدِّرًا، لَكِنْ لِمَ قُلْتَ بِأنَّهُ خالِقٌ بِمَعْنى كَوْنِهِ مُوجِدًا؟!
المسألة الثّانِيَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ ما خَلَقَهُ حَسَنٌ وحِكْمَةٌ وصَوابٌ وإلّا لَما جازَ وصْفُهُ بِأنَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ، وإذا كانَ كَذَلِكَ وجَبَ أنْ لا يَكُونَ خالِقًا لِلْكُفْرِ والمَعْصِيَةِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ العَبْدُ هو المُوجِدَ لَهُما. والجَوابُ: مِنَ النّاسِ مَن حَمَلَ الحَسَنَ عَلى الإحْكامِ والإتْقانِ في التَّرْكِيبِ والتَّأْلِيفِ. ثُمَّ لَوْ حَمَلْناهُ عَلى ما قالُوهُ فَعِنْدَنا أنَّهُ يَحْسُنُ مِنَ اللَّهِ تَعالى كُلُّ الأشْياءِ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ فَوْقَهُ آمِرٌ وناهٍ حَتّى يَكُونَ ذَلِكَ مانِعًا لَهُ عَنْ فِعْلِ شَيْءٍ.
المسألة الثّالِثَةُ: رَوى الكَلْبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما «أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَعْدِ بْنِ أبِي سَرْحٍ كانَ
صفحة ٧٦
يَكْتُبُ هَذِهِ الآياتِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَمّا انْتَهى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿خَلْقًا آخَرَ﴾ عَجِبَ مِن ذَلِكَ فَقالَ: فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”اكْتُبْ، فَهَكَذا نَزَلَتْ“ فَشَكَّ عَبْدُ اللَّهِ وقالَ: إنْ كانَ مُحَمَّدٌ صادِقًا فِيما يَقُولُ فَإنَّهُ يُوحى إلَيَّ كَما يُوحى إلَيْهِ، وإنْ كانَ كاذِبًا فَلا خَيْرَ في دِينِهِ، فَهَرَبَ إلى مَكَّةَ»، فَقِيلَ: إنَّهُ ماتَ عَلى الكُفْرِ، وقِيلَ: إنَّهُ أسْلَمَ يَوْمَ الفَتْحِ، ورَوى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «هَكَذا نَزَلَتْ يا عُمَرُ» . وكانَ عُمَرُ يَقُولُ: وافَقَنِي رَبِّي في أرْبَعٍ: في الصَّلاةِ خَلْفَ المَقامِ، وفي ضَرْبِ الحِجابِ عَلى النِّسْوَةِ، وقَوْلِي لَهُنَّ: لَتَنْتَهُنَّ أوْ لَيُبْدِلَنَّهُ اللَّهُ خَيْرًا مِنكُنَّ، فَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَسى رَبُّهُ إنْ طَلَّقَكُنَّ أنْ يُبْدِلَهُ أزْواجًا خَيْرًا مِنكُنَّ﴾ [التَّحْرِيمِ: ٥] والرّابِعُ قُلْتُ: ﴿فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾ فَقالَ: هَكَذا نَزَلَتْ. قالَ العارِفُونَ: هَذِهِ الواقِعَةُ كانَتْ سَبَبَ السَّعادَةِ لِعُمَرَ، وسَبَبَ الشَّقاوَةِ لِعَبْدِ اللَّهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا ويَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ [البَقَرَةِ: ٢٦] فَإنْ قِيلَ: فَعَلى كُلِّ الرِّواياتِ قَدْ تَكَلَّمَ البَشَرُ ابْتِداءً بِمِثْلِ نَظْمِ القُرْآنِ، وذَلِكَ يَقْدَحُ في كَوْنِهِ مُعْجِزًا كَما ظَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ. والجَوابُ: هَذا غَيْرُ مُسْتَبْعَدٍ إذا كانَ قَدْرُهُ القَدْرَ الَّذِي لا يَظْهَرُ فِيهِ الإعْجازُ، فَسَقَطَتْ شُبْهَةُ عَبْدِ اللَّهِ.
المَرْتَبَةُ الثّامِنَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ إنَّكم بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾ قَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ وابْنُ مُحَيْصِنٍ (لَمائِتُونَ) والفَرْقُ بَيْنَ المَيِّتِ والمائِتِ، أنَّ المَيِّتَ كالحَيِّ صِفَةٌ ثابِتَةٌ، وأمّا المائِتُ فَيَدُلُّ عَلى الحُدُوثِ، تَقُولُ: زَيْدٌ مَيِّتٌ الآنَ ومائِتٌ غَدًا، وكَقَوْلِكَ: يَمُوتُ، ونَحْوُهُما ضَيِّقٌ وضائِقٌ في قَوْلِهِ: ﴿وضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ﴾ [هُودٍ: ١٢].
المَرْتَبَةُ التّاسِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ فاللَّهُ سُبْحانَهُ جَعَلَ الإماتَةَ الَّتِي هي إعْدامُ الحَياةِ والبَعْثَ الَّذِي هو إعادَةُ ما يُفْنِيهِ ويُعْدِمُهُ دَلِيلَيْنِ أيْضًا عَلى اقْتِدارٍ عَظِيمٍ بَعْدَ الإنْشاءِ والِاخْتِراعِ.
* * *
وهاهُنا سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: ما الحِكْمَةُ في المَوْتِ؟ وهَلّا وصَلَ نَعِيمَ الآخِرَةِ وثَوابَها بِنَعِيمِ الدُّنْيا فَيَكُونَ ذَلِكَ في الإنْعامِ أبْلَغَ؟ والجَوابُ: هَذا كالمَفْسَدَةِ في حَقِّ المُكَلَّفِينَ؛ لِأنَّهُ مَتى عُجِّلَ لِلْمَرْءِ الثَّوابُ فِيما يَتَحَمَّلُهُ مِنَ المَشَقَّةِ في الطّاعاتِ صارَ إتْيانُهُ بِالطّاعاتِ لِأجْلِ تِلْكَ المَنافِعِ لا لِأجْلِ طاعَةِ اللَّهِ، يُبَيِّنُ ذَلِكَ أنَّهُ لَوْ قِيلَ لِمَن يُصَلِّي ويَصُومُ: إذا فَعَلْتَ ذَلِكَ أدْخَلْناكَ الجَنَّةَ في الحالِ، فَإنَّهُ لا يَأْتِي بِذَلِكَ الفِعْلِ إلّا لِطَلَبِ الجَنَّةِ، فَلا جَرَمَ أخَّرَهُ اللَّهُ تَعالى وبَعَّدَهُ بِالإماتَةِ ثُمَّ الإعادَةِ؛ لِيُكُونَ العَبْدُ عابِدًا لِرَبِّهِ بِطاعَتِهِ لا لِطَلَبِ الِانْتِفاعِ.
السُّؤالُ الثّانِي: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى نَفْيِ عَذابِ القَبْرِ؛ لِأنَّهُ قالَ: ﴿ثُمَّ إنَّكم بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ ولَمْ يَذْكُرْ بَيْنَ الأمْرَيْنِ الإحْياءَ في القَبْرِ والإماتَةَ. والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ.
الأوَّلُ: أنَّهُ لَيْسَ في ذِكْرِ الحَياتَيْنِ نَفْيُ الثّالِثِ.
والثّانِي: أنَّ الغَرَضَ ذِكْرُ الأجْناسِ الثَّلاثَةِ: الإنْشاءُ والإماتَةُ والإعادَةُ، والَّذِي تُرِكَ ذِكْرُهُ فَهو جِنْسُ الإعادَةِ.
المؤمنون 23:14
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ﴾ ﴿ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً في قَرارٍ مَكِينٍ﴾ ﴿ثُمَّ خَلَقْنا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنا العَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنا المُضْغَةَ عِظامًا فَكَسَوْنا العِظامَ لَحْمًا ثُمَّ أنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّكم بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ تُبْعَثُونَ﴾
صفحة ٧٤
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا أمَرَ بِالعِباداتِ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ، والِاشْتِغالُ بِعِبادَةِ اللَّهِ لا يَصِحُّ إلّا بَعْدَ مَعْرِفَةِ الإلَهِ الخالِقِ، لا جَرَمَ عَقَّبَها بِذِكْرِ ما يَدُلُّ عَلى وُجُودِهِ واتِّصافِهِ بِصِفاتِ الجَلالِ والوَحْدانِيَّةِ فَذَكَرَ مِنَ الدَّلائِلِ أنْواعًا:
النوع الأوَّلُ: الِاسْتِدْلالُ بِتَقَلُّبِ الإنْسانِ في أدْوارِ الخِلْقَةِ وأكْوانِ الفِطْرَةِ وهي تِسْعَةٌ:
المَرْتَبَةُ الأُولى: قَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ﴾ والسُّلالَةُ: الخُلاصَةُ؛ لِأنَّها تُسَلُّ مِن بَيْنِ الكَدَرِ، فُعالَةٌ، وهو بِناءٌ يَدُلُّ عَلى القِلَّةِ كالقُلامَةِ والقُمامَةِ، واخْتَلَفَ أهْلُ التَّفْسِيرِ في ﴿الإنْسانَ﴾ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ وقَتادَةُ ومُقاتِلٌ: المُرادُ مِنهُ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَآدَمُ سُلَّ مِنَ الطِّينِ، وخُلِقَتْ ذُرِّيَّتُهُ مِن ماءٍ مَهِينٍ، ثُمَّ جَعَلْنا الكِنايَةَ راجِعَةً إلى الإنْسانِ الَّذِي هو ولَدُ آدَمَ، والإنْسانُ شامِلٌ لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ولِوَلَدِهِ، وقالَ آخَرُونَ: الإنْسانُ هاهُنا ولَدُ آدَمَ، والطِّينُ هاهُنا اسْمُ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، والسُّلالَةُ هي الأجْزاءُ الطِّينِيَّةُ المَبْثُوثَةُ في أعْضائِهِ الَّتِي لَمّا اجْتَمَعَتْ وحَصَلَتْ في أوْعِيَةِ المَنِيِّ صارَتْ مَنِيًّا، وهَذا التَّفْسِيرُ مُطابِقٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وبَدَأ خَلْقَ الإنْسانِ مِن طِينٍ﴾ ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلالَةٍ مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ [ السَّجْدَةِ: ٧، ٨ ] وفِيهِ وجْهٌ آخَرُ، وهو أنَّ الإنْسانَ إنَّما يَتَوَلَّدُ مِنَ النُّطْفَةِ وهي إنَّما تَتَوَلَّدُ مِن فَضْلِ الهَضْمِ الرّابِعِ، وذَلِكَ إنَّما يَتَوَلَّدُ مِنَ الأغْذِيَةِ، وهي إمّا حَيَوانِيَّةٌ وإمّا نَباتِيَّةٌ، والحَيَوانِيَّةُ تَنْتَهِي إلى النَّباتِيَّةِ، والنَّباتُ إنَّما يَتَوَلَّدُ مِن صَفْوِ الأرْضِ والماءِ، فالإنْسانُ بِالحَقِيقَةِ يَكُونُ مُتَوَلِّدًا مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ، ثُمَّ إنَّ تِلْكَ السُّلالَةَ بَعْدَ أنْ تَوارَدَتْ عَلى أطْوارِ الخِلْقَةِ وأدْوارِ الفِطْرَةِ صارَتْ مَنِيًّا، وهَذا التَّأْوِيلُ مُطابِقٌ لِلَّفْظِ ولا يُحْتاجُ فِيهِ إلى التَّكَلُّفاتِ.
المَرْتَبَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً في قَرارٍ مَكِينٍ﴾ ومَعْنى جَعْلِ الإنْسانِ نُطْفَةً أنَّهُ خَلَقَ جَوْهَرَ الإنْسانِ أوَّلًا طِينًا، ثُمَّ جَعَلَ جَوْهَرَهُ بَعْدَ ذَلِكَ نُطْفَةً في أصْلابِ الآباءِ فَقَذَفَهُ الصُّلْبُ بِالجِماعِ إلى رَحِمِ المَرْأةِ فَصارَ الرَّحِمُ قَرارًا مَكِينًا لِهَذِهِ النُّطْفَةِ، والمُرادُ بِالقَرارِ مَوْضِعُ القَرارِ وهو المُسْتَقَرُّ، فَسَمّاهُ بِالمَصْدَرِ ثُمَّ وصَفَ الرَّحِمَ بِالمَكانَةِ الَّتِي هي صِفَةُ المُسْتَقِرِّ فِيها؛ كَقَوْلِكَ: طَرِيقٌ سائِرٌ، أوْ لِمَكانَتِها في نَفْسِها؛ لِأنَّها تَمَكَّنَتْ مِن حَيْثُ هي وأُحْرِزَتْ.
المَرْتَبَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ خَلَقْنا النُّطْفَةَ عَلَقَةً﴾ أيْ: حَوَّلْنا النُّطْفَةَ عَنْ صِفاتِها إلى صِفاتِ العَلَقَةِ وهي الدَّمُ الجامِدُ.
المَرْتَبَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَخَلَقْنا العَلَقَةَ مُضْغَةً﴾ أيْ: جَعَلْنا ذَلِكَ الدَّمَ الجامِدَ مُضْغَةً؛ أيْ: قِطْعَةَ لَحْمٍ كَأنَّها مِقْدارُ ما يُمْضَغُ كالغُرْفَةِ وهي مِقْدارُ ما يُغْتَرَفُ، وسُمِّيَ التَّحْوِيلُ خَلْقًا؛ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ يُفْنِي بَعْضَ أعْراضِها ويَخْلُقُ أعْراضًا غَيْرَها، فَسَمّى خَلْقَ الأعْراضِ خَلْقًا وكَأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى يَخْلُقُ فِيها أجْزاءً زائِدَةً.
المَرْتَبَةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ: ﴿فَخَلَقْنا المُضْغَةَ عِظامًا﴾ أيْ: صَيَّرْناها كَذَلِكَ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ (عَظْمًا) والمُرادُ مِنهُ الجَمْعُ كَقَوْلِهِ: ﴿والمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفَجْرِ: ٢٢].
المَرْتَبَةُ السّادِسَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكَسَوْنا العِظامَ لَحْمًا﴾ وذَلِكَ لِأنَّ اللَّحْمَ يَسْتُرُ العَظْمَ فَجَعَلَهُ كالكِسْوَةِ لَها.
المَرْتَبَةُ السّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ أنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ أيْ: خَلْقًا مُبايِنًا لِلْخَلْقِ الأوَّلِ مُبايَنَةً ما أبْعَدَها، حَيْثُ جَعَلَهُ حَيَوانًا وكانَ جَمادًا، وناطِقًا وكانَ أبْكَمَ، وسَمِيعًا وكانَ أصَمَّ، وبَصِيرًا وكانَ أكْمَهَ، وأوْدَعَ باطِنَهُ وظاهِرَهُ
صفحة ٧٥
بَلْ كُلَّ عُضْوٍ مِن أعْضائِهِ وكُلَّ جُزْءٍ مِن أجْزائِهِ عَجائِبَ فِطْرَةٍ وغَرائِبَ حِكْمَةٍ لا يُحِيطُ بِها وصْفُ الواصِفِينَ، ولا شَرْحُ الشّارِحِينَ، ورَوى العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالَ: هو تَصْرِيفُ اللَّهِ إيّاهُ بَعْدَ الوِلادَةِ في أطْوارِهِ في زَمَنِ الطُّفُولِيَّةِ وما بَعْدَها إلى اسْتِواءِ الشَّبابِ، وخَلْقِ الفَهْمِ والعَقْلِ وما بَعْدَهُ إلى أنْ يَمُوتَ، ودَلِيلُ هَذا القَوْلِ أنَّهُ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ إنَّكم بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾ وهَذا المَعْنى مَرْوِيٌّ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ عُمَرَ، وإنَّما قالَ: ﴿أنْشَأْناهُ﴾ لِأنَّهُ جَعَلَ إنْشاءَ الرُّوحِ فِيهِ، وإتْمامَ خَلْقِهِ إنْشاءً لَهُ. قالُوا: في الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى بُطْلانِ قَوْلِ النَّظّامِ في أنَّ الإنْسانَ هو الرُّوحُ لا البَدَنُ، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ بَيَّنَ أنَّ الإنْسانَ هو المُرَكَّبُ مِن هَذِهِ الصِّفاتِ، وفِيها دَلالَةٌ أيْضًا عَلى بُطْلانِ قَوْلِ الفَلاسِفَةِ الَّذِينَ يَقُولُونَ: إنَّ الإنْسانَ شَيْءٌ لا يَنْقَسِمُ، وإنَّهُ لَيْسَ بِجِسْمٍ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَتَبارَكَ اللَّهُ﴾ أيْ: فَتَعالى اللَّهُ؛ فَإنَّ البَرَكَةَ يَرْجِعُ مَعْناها إلى الِامْتِدادِ والزِّيادَةِ، وكُلُّ ما زادَ عَلى الشَّيْءِ فَقَدْ عَلاهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: والبَرَكاتُ والخَيْراتُ كُلُّها مِنَ اللَّهِ تَعالى، وقِيلَ: أصْلُهُ مِنَ البُرُوكِ وهو الثَّباتُ، فَكَأنَّهُ قالَ: والبَقاءُ والدَّوامُ والبَرَكاتُ كُلُّها مِنهُ فَهو المُسْتَحِقُّ لِلتَّعْظِيمِ والثَّناءِ، وقَوْلُهُ: ﴿أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾ أيْ: أحْسَنُ المُقَدِّرِينَ تَقْدِيرًا، فَتَرَكَ ذِكْرَ المُمَيَّزِ لِدَلالَةِ ﴿الخالِقِينَ﴾ عَلَيْهِ. وهاهُنا مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: لَوْلا أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ يَكُونُ خالِقًا لِفِعْلِهِ إذا قَدَّرَهُ لَما جازَ القَوْلُ بِأنَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ، كَما لَوْ لَمْ يَكُنْ في عِبادِهِ مَن يَحْكُمُ ويَرْحَمُ لَمْ يَجُزْ أنْ يُقالَ فِيهِ: أحْكَمُ الحاكِمِينَ وأرْحَمُ الرّاحِمِينَ، والخَلْقُ في اللُّغَةِ هو كُلُّ فِعْلٍ وُجِدَ مِن فاعِلِهِ مُقَدَّرًا لا عَلى سَهْوٍ وغَفْلَةٍ، والعِبادُ قَدْ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ عَلى هَذا الوَجْهِ، قالَ الكَعْبِيُّ: هَذِهِ الآيَةُ وإنْ دَلَّتْ عَلى أنَّ العَبْدَ خالِقٌ إلّا أنَّ اسْمَ الخالِقِ لا يُطْلَقُ عَلى العَبْدِ إلّا مَعَ القَيْدِ، كَما أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُقالَ: رَبُّ الدّارِ، ولا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: رَبٌّ، بِلا إضافَةٍ، ولا يَقُولُ العَبْدُ لِسَيِّدِهِ: هو رَبِّي، ولا يُقالُ: إنَّما قالَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ وصَفَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنَّهُ يَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ؛ لِأنّا نُجِيبُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ.
أحَدُهُما: أنَّ ظاهِرَ الآيَةِ يَقْتَضِي أنَّهُ سُبْحانَهُ ﴿أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾ الَّذِينَ هم جَمْعٌ فَحَمْلُهُ عَلى عِيسى خاصَّةً لا يَصِحُّ.
الثّانِي: أنَّهُ إذا صَحَّ وصْفُ عِيسى بِأنَّهُ يَخْلُقُ صَحَّ وصْفُ غَيْرِهِ مِنَ المُصَوِّرِينَ أيْضًا بِأنَّهُ يَخْلُقُ، وأجابَ أصْحابُنا بِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُعارَضَةٌ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [ الرَّعْدِ: ١٦ ] فَوَجَبَ حَمْلُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّهُ ﴿أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾ في اعْتِقادِكم وظَنِّكُمْ، كَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ أهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الرُّومِ: ٢٧] أيْ: هو أهْوَنُ عَلَيْهِ في اعْتِقادِكم وظَنِّكم. والجَوابُ الثّانِي: هو أنَّ الخالِقَ هو المُقَدِّرُ؛ لِأنَّ الخَلْقَ هو التَّقْدِيرُ والآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ أحْسَنُ المُقَدِّرِينَ، والتَّقْدِيرُ يَرْجِعُ مَعْناهُ إلى الظَّنِّ والحُسْبانِ، وذَلِكَ في حَقِّ اللَّهِ سُبْحانَهُ مُحالٌ، فَتَكُونُ الآيَةُ مِنَ المُتَشابِهاتِ. والجَوابُ الثّالِثُ: أنَّ الآيَةَ تَقْتَضِي كَوْنَ العَبْدِ خالِقًا بِمَعْنى كَوْنِهِ مُقَدِّرًا، لَكِنْ لِمَ قُلْتَ بِأنَّهُ خالِقٌ بِمَعْنى كَوْنِهِ مُوجِدًا؟!
المسألة الثّانِيَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ ما خَلَقَهُ حَسَنٌ وحِكْمَةٌ وصَوابٌ وإلّا لَما جازَ وصْفُهُ بِأنَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ، وإذا كانَ كَذَلِكَ وجَبَ أنْ لا يَكُونَ خالِقًا لِلْكُفْرِ والمَعْصِيَةِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ العَبْدُ هو المُوجِدَ لَهُما. والجَوابُ: مِنَ النّاسِ مَن حَمَلَ الحَسَنَ عَلى الإحْكامِ والإتْقانِ في التَّرْكِيبِ والتَّأْلِيفِ. ثُمَّ لَوْ حَمَلْناهُ عَلى ما قالُوهُ فَعِنْدَنا أنَّهُ يَحْسُنُ مِنَ اللَّهِ تَعالى كُلُّ الأشْياءِ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ فَوْقَهُ آمِرٌ وناهٍ حَتّى يَكُونَ ذَلِكَ مانِعًا لَهُ عَنْ فِعْلِ شَيْءٍ.
المسألة الثّالِثَةُ: رَوى الكَلْبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما «أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَعْدِ بْنِ أبِي سَرْحٍ كانَ
صفحة ٧٦
يَكْتُبُ هَذِهِ الآياتِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَمّا انْتَهى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿خَلْقًا آخَرَ﴾ عَجِبَ مِن ذَلِكَ فَقالَ: فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”اكْتُبْ، فَهَكَذا نَزَلَتْ“ فَشَكَّ عَبْدُ اللَّهِ وقالَ: إنْ كانَ مُحَمَّدٌ صادِقًا فِيما يَقُولُ فَإنَّهُ يُوحى إلَيَّ كَما يُوحى إلَيْهِ، وإنْ كانَ كاذِبًا فَلا خَيْرَ في دِينِهِ، فَهَرَبَ إلى مَكَّةَ»، فَقِيلَ: إنَّهُ ماتَ عَلى الكُفْرِ، وقِيلَ: إنَّهُ أسْلَمَ يَوْمَ الفَتْحِ، ورَوى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «هَكَذا نَزَلَتْ يا عُمَرُ» . وكانَ عُمَرُ يَقُولُ: وافَقَنِي رَبِّي في أرْبَعٍ: في الصَّلاةِ خَلْفَ المَقامِ، وفي ضَرْبِ الحِجابِ عَلى النِّسْوَةِ، وقَوْلِي لَهُنَّ: لَتَنْتَهُنَّ أوْ لَيُبْدِلَنَّهُ اللَّهُ خَيْرًا مِنكُنَّ، فَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَسى رَبُّهُ إنْ طَلَّقَكُنَّ أنْ يُبْدِلَهُ أزْواجًا خَيْرًا مِنكُنَّ﴾ [التَّحْرِيمِ: ٥] والرّابِعُ قُلْتُ: ﴿فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾ فَقالَ: هَكَذا نَزَلَتْ. قالَ العارِفُونَ: هَذِهِ الواقِعَةُ كانَتْ سَبَبَ السَّعادَةِ لِعُمَرَ، وسَبَبَ الشَّقاوَةِ لِعَبْدِ اللَّهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا ويَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ [البَقَرَةِ: ٢٦] فَإنْ قِيلَ: فَعَلى كُلِّ الرِّواياتِ قَدْ تَكَلَّمَ البَشَرُ ابْتِداءً بِمِثْلِ نَظْمِ القُرْآنِ، وذَلِكَ يَقْدَحُ في كَوْنِهِ مُعْجِزًا كَما ظَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ. والجَوابُ: هَذا غَيْرُ مُسْتَبْعَدٍ إذا كانَ قَدْرُهُ القَدْرَ الَّذِي لا يَظْهَرُ فِيهِ الإعْجازُ، فَسَقَطَتْ شُبْهَةُ عَبْدِ اللَّهِ.
المَرْتَبَةُ الثّامِنَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ إنَّكم بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾ قَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ وابْنُ مُحَيْصِنٍ (لَمائِتُونَ) والفَرْقُ بَيْنَ المَيِّتِ والمائِتِ، أنَّ المَيِّتَ كالحَيِّ صِفَةٌ ثابِتَةٌ، وأمّا المائِتُ فَيَدُلُّ عَلى الحُدُوثِ، تَقُولُ: زَيْدٌ مَيِّتٌ الآنَ ومائِتٌ غَدًا، وكَقَوْلِكَ: يَمُوتُ، ونَحْوُهُما ضَيِّقٌ وضائِقٌ في قَوْلِهِ: ﴿وضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ﴾ [هُودٍ: ١٢].
المَرْتَبَةُ التّاسِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ فاللَّهُ سُبْحانَهُ جَعَلَ الإماتَةَ الَّتِي هي إعْدامُ الحَياةِ والبَعْثَ الَّذِي هو إعادَةُ ما يُفْنِيهِ ويُعْدِمُهُ دَلِيلَيْنِ أيْضًا عَلى اقْتِدارٍ عَظِيمٍ بَعْدَ الإنْشاءِ والِاخْتِراعِ.
* * *
وهاهُنا سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: ما الحِكْمَةُ في المَوْتِ؟ وهَلّا وصَلَ نَعِيمَ الآخِرَةِ وثَوابَها بِنَعِيمِ الدُّنْيا فَيَكُونَ ذَلِكَ في الإنْعامِ أبْلَغَ؟ والجَوابُ: هَذا كالمَفْسَدَةِ في حَقِّ المُكَلَّفِينَ؛ لِأنَّهُ مَتى عُجِّلَ لِلْمَرْءِ الثَّوابُ فِيما يَتَحَمَّلُهُ مِنَ المَشَقَّةِ في الطّاعاتِ صارَ إتْيانُهُ بِالطّاعاتِ لِأجْلِ تِلْكَ المَنافِعِ لا لِأجْلِ طاعَةِ اللَّهِ، يُبَيِّنُ ذَلِكَ أنَّهُ لَوْ قِيلَ لِمَن يُصَلِّي ويَصُومُ: إذا فَعَلْتَ ذَلِكَ أدْخَلْناكَ الجَنَّةَ في الحالِ، فَإنَّهُ لا يَأْتِي بِذَلِكَ الفِعْلِ إلّا لِطَلَبِ الجَنَّةِ، فَلا جَرَمَ أخَّرَهُ اللَّهُ تَعالى وبَعَّدَهُ بِالإماتَةِ ثُمَّ الإعادَةِ؛ لِيُكُونَ العَبْدُ عابِدًا لِرَبِّهِ بِطاعَتِهِ لا لِطَلَبِ الِانْتِفاعِ.
السُّؤالُ الثّانِي: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى نَفْيِ عَذابِ القَبْرِ؛ لِأنَّهُ قالَ: ﴿ثُمَّ إنَّكم بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ ولَمْ يَذْكُرْ بَيْنَ الأمْرَيْنِ الإحْياءَ في القَبْرِ والإماتَةَ. والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ.
الأوَّلُ: أنَّهُ لَيْسَ في ذِكْرِ الحَياتَيْنِ نَفْيُ الثّالِثِ.
والثّانِي: أنَّ الغَرَضَ ذِكْرُ الأجْناسِ الثَّلاثَةِ: الإنْشاءُ والإماتَةُ والإعادَةُ، والَّذِي تُرِكَ ذِكْرُهُ فَهو جِنْسُ الإعادَةِ.
المؤمنون 23:15
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ﴾ ﴿ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً في قَرارٍ مَكِينٍ﴾ ﴿ثُمَّ خَلَقْنا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنا العَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنا المُضْغَةَ عِظامًا فَكَسَوْنا العِظامَ لَحْمًا ثُمَّ أنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّكم بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ تُبْعَثُونَ﴾
صفحة ٧٤
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا أمَرَ بِالعِباداتِ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ، والِاشْتِغالُ بِعِبادَةِ اللَّهِ لا يَصِحُّ إلّا بَعْدَ مَعْرِفَةِ الإلَهِ الخالِقِ، لا جَرَمَ عَقَّبَها بِذِكْرِ ما يَدُلُّ عَلى وُجُودِهِ واتِّصافِهِ بِصِفاتِ الجَلالِ والوَحْدانِيَّةِ فَذَكَرَ مِنَ الدَّلائِلِ أنْواعًا:
النوع الأوَّلُ: الِاسْتِدْلالُ بِتَقَلُّبِ الإنْسانِ في أدْوارِ الخِلْقَةِ وأكْوانِ الفِطْرَةِ وهي تِسْعَةٌ:
المَرْتَبَةُ الأُولى: قَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ﴾ والسُّلالَةُ: الخُلاصَةُ؛ لِأنَّها تُسَلُّ مِن بَيْنِ الكَدَرِ، فُعالَةٌ، وهو بِناءٌ يَدُلُّ عَلى القِلَّةِ كالقُلامَةِ والقُمامَةِ، واخْتَلَفَ أهْلُ التَّفْسِيرِ في ﴿الإنْسانَ﴾ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ وقَتادَةُ ومُقاتِلٌ: المُرادُ مِنهُ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَآدَمُ سُلَّ مِنَ الطِّينِ، وخُلِقَتْ ذُرِّيَّتُهُ مِن ماءٍ مَهِينٍ، ثُمَّ جَعَلْنا الكِنايَةَ راجِعَةً إلى الإنْسانِ الَّذِي هو ولَدُ آدَمَ، والإنْسانُ شامِلٌ لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ولِوَلَدِهِ، وقالَ آخَرُونَ: الإنْسانُ هاهُنا ولَدُ آدَمَ، والطِّينُ هاهُنا اسْمُ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، والسُّلالَةُ هي الأجْزاءُ الطِّينِيَّةُ المَبْثُوثَةُ في أعْضائِهِ الَّتِي لَمّا اجْتَمَعَتْ وحَصَلَتْ في أوْعِيَةِ المَنِيِّ صارَتْ مَنِيًّا، وهَذا التَّفْسِيرُ مُطابِقٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وبَدَأ خَلْقَ الإنْسانِ مِن طِينٍ﴾ ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلالَةٍ مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ [ السَّجْدَةِ: ٧، ٨ ] وفِيهِ وجْهٌ آخَرُ، وهو أنَّ الإنْسانَ إنَّما يَتَوَلَّدُ مِنَ النُّطْفَةِ وهي إنَّما تَتَوَلَّدُ مِن فَضْلِ الهَضْمِ الرّابِعِ، وذَلِكَ إنَّما يَتَوَلَّدُ مِنَ الأغْذِيَةِ، وهي إمّا حَيَوانِيَّةٌ وإمّا نَباتِيَّةٌ، والحَيَوانِيَّةُ تَنْتَهِي إلى النَّباتِيَّةِ، والنَّباتُ إنَّما يَتَوَلَّدُ مِن صَفْوِ الأرْضِ والماءِ، فالإنْسانُ بِالحَقِيقَةِ يَكُونُ مُتَوَلِّدًا مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ، ثُمَّ إنَّ تِلْكَ السُّلالَةَ بَعْدَ أنْ تَوارَدَتْ عَلى أطْوارِ الخِلْقَةِ وأدْوارِ الفِطْرَةِ صارَتْ مَنِيًّا، وهَذا التَّأْوِيلُ مُطابِقٌ لِلَّفْظِ ولا يُحْتاجُ فِيهِ إلى التَّكَلُّفاتِ.
المَرْتَبَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً في قَرارٍ مَكِينٍ﴾ ومَعْنى جَعْلِ الإنْسانِ نُطْفَةً أنَّهُ خَلَقَ جَوْهَرَ الإنْسانِ أوَّلًا طِينًا، ثُمَّ جَعَلَ جَوْهَرَهُ بَعْدَ ذَلِكَ نُطْفَةً في أصْلابِ الآباءِ فَقَذَفَهُ الصُّلْبُ بِالجِماعِ إلى رَحِمِ المَرْأةِ فَصارَ الرَّحِمُ قَرارًا مَكِينًا لِهَذِهِ النُّطْفَةِ، والمُرادُ بِالقَرارِ مَوْضِعُ القَرارِ وهو المُسْتَقَرُّ، فَسَمّاهُ بِالمَصْدَرِ ثُمَّ وصَفَ الرَّحِمَ بِالمَكانَةِ الَّتِي هي صِفَةُ المُسْتَقِرِّ فِيها؛ كَقَوْلِكَ: طَرِيقٌ سائِرٌ، أوْ لِمَكانَتِها في نَفْسِها؛ لِأنَّها تَمَكَّنَتْ مِن حَيْثُ هي وأُحْرِزَتْ.
المَرْتَبَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ خَلَقْنا النُّطْفَةَ عَلَقَةً﴾ أيْ: حَوَّلْنا النُّطْفَةَ عَنْ صِفاتِها إلى صِفاتِ العَلَقَةِ وهي الدَّمُ الجامِدُ.
المَرْتَبَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَخَلَقْنا العَلَقَةَ مُضْغَةً﴾ أيْ: جَعَلْنا ذَلِكَ الدَّمَ الجامِدَ مُضْغَةً؛ أيْ: قِطْعَةَ لَحْمٍ كَأنَّها مِقْدارُ ما يُمْضَغُ كالغُرْفَةِ وهي مِقْدارُ ما يُغْتَرَفُ، وسُمِّيَ التَّحْوِيلُ خَلْقًا؛ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ يُفْنِي بَعْضَ أعْراضِها ويَخْلُقُ أعْراضًا غَيْرَها، فَسَمّى خَلْقَ الأعْراضِ خَلْقًا وكَأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى يَخْلُقُ فِيها أجْزاءً زائِدَةً.
المَرْتَبَةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ: ﴿فَخَلَقْنا المُضْغَةَ عِظامًا﴾ أيْ: صَيَّرْناها كَذَلِكَ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ (عَظْمًا) والمُرادُ مِنهُ الجَمْعُ كَقَوْلِهِ: ﴿والمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفَجْرِ: ٢٢].
المَرْتَبَةُ السّادِسَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكَسَوْنا العِظامَ لَحْمًا﴾ وذَلِكَ لِأنَّ اللَّحْمَ يَسْتُرُ العَظْمَ فَجَعَلَهُ كالكِسْوَةِ لَها.
المَرْتَبَةُ السّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ أنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ أيْ: خَلْقًا مُبايِنًا لِلْخَلْقِ الأوَّلِ مُبايَنَةً ما أبْعَدَها، حَيْثُ جَعَلَهُ حَيَوانًا وكانَ جَمادًا، وناطِقًا وكانَ أبْكَمَ، وسَمِيعًا وكانَ أصَمَّ، وبَصِيرًا وكانَ أكْمَهَ، وأوْدَعَ باطِنَهُ وظاهِرَهُ
صفحة ٧٥
بَلْ كُلَّ عُضْوٍ مِن أعْضائِهِ وكُلَّ جُزْءٍ مِن أجْزائِهِ عَجائِبَ فِطْرَةٍ وغَرائِبَ حِكْمَةٍ لا يُحِيطُ بِها وصْفُ الواصِفِينَ، ولا شَرْحُ الشّارِحِينَ، ورَوى العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالَ: هو تَصْرِيفُ اللَّهِ إيّاهُ بَعْدَ الوِلادَةِ في أطْوارِهِ في زَمَنِ الطُّفُولِيَّةِ وما بَعْدَها إلى اسْتِواءِ الشَّبابِ، وخَلْقِ الفَهْمِ والعَقْلِ وما بَعْدَهُ إلى أنْ يَمُوتَ، ودَلِيلُ هَذا القَوْلِ أنَّهُ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ إنَّكم بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾ وهَذا المَعْنى مَرْوِيٌّ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ عُمَرَ، وإنَّما قالَ: ﴿أنْشَأْناهُ﴾ لِأنَّهُ جَعَلَ إنْشاءَ الرُّوحِ فِيهِ، وإتْمامَ خَلْقِهِ إنْشاءً لَهُ. قالُوا: في الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى بُطْلانِ قَوْلِ النَّظّامِ في أنَّ الإنْسانَ هو الرُّوحُ لا البَدَنُ، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ بَيَّنَ أنَّ الإنْسانَ هو المُرَكَّبُ مِن هَذِهِ الصِّفاتِ، وفِيها دَلالَةٌ أيْضًا عَلى بُطْلانِ قَوْلِ الفَلاسِفَةِ الَّذِينَ يَقُولُونَ: إنَّ الإنْسانَ شَيْءٌ لا يَنْقَسِمُ، وإنَّهُ لَيْسَ بِجِسْمٍ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَتَبارَكَ اللَّهُ﴾ أيْ: فَتَعالى اللَّهُ؛ فَإنَّ البَرَكَةَ يَرْجِعُ مَعْناها إلى الِامْتِدادِ والزِّيادَةِ، وكُلُّ ما زادَ عَلى الشَّيْءِ فَقَدْ عَلاهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: والبَرَكاتُ والخَيْراتُ كُلُّها مِنَ اللَّهِ تَعالى، وقِيلَ: أصْلُهُ مِنَ البُرُوكِ وهو الثَّباتُ، فَكَأنَّهُ قالَ: والبَقاءُ والدَّوامُ والبَرَكاتُ كُلُّها مِنهُ فَهو المُسْتَحِقُّ لِلتَّعْظِيمِ والثَّناءِ، وقَوْلُهُ: ﴿أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾ أيْ: أحْسَنُ المُقَدِّرِينَ تَقْدِيرًا، فَتَرَكَ ذِكْرَ المُمَيَّزِ لِدَلالَةِ ﴿الخالِقِينَ﴾ عَلَيْهِ. وهاهُنا مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: لَوْلا أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ يَكُونُ خالِقًا لِفِعْلِهِ إذا قَدَّرَهُ لَما جازَ القَوْلُ بِأنَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ، كَما لَوْ لَمْ يَكُنْ في عِبادِهِ مَن يَحْكُمُ ويَرْحَمُ لَمْ يَجُزْ أنْ يُقالَ فِيهِ: أحْكَمُ الحاكِمِينَ وأرْحَمُ الرّاحِمِينَ، والخَلْقُ في اللُّغَةِ هو كُلُّ فِعْلٍ وُجِدَ مِن فاعِلِهِ مُقَدَّرًا لا عَلى سَهْوٍ وغَفْلَةٍ، والعِبادُ قَدْ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ عَلى هَذا الوَجْهِ، قالَ الكَعْبِيُّ: هَذِهِ الآيَةُ وإنْ دَلَّتْ عَلى أنَّ العَبْدَ خالِقٌ إلّا أنَّ اسْمَ الخالِقِ لا يُطْلَقُ عَلى العَبْدِ إلّا مَعَ القَيْدِ، كَما أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُقالَ: رَبُّ الدّارِ، ولا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: رَبٌّ، بِلا إضافَةٍ، ولا يَقُولُ العَبْدُ لِسَيِّدِهِ: هو رَبِّي، ولا يُقالُ: إنَّما قالَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ وصَفَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنَّهُ يَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ؛ لِأنّا نُجِيبُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ.
أحَدُهُما: أنَّ ظاهِرَ الآيَةِ يَقْتَضِي أنَّهُ سُبْحانَهُ ﴿أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾ الَّذِينَ هم جَمْعٌ فَحَمْلُهُ عَلى عِيسى خاصَّةً لا يَصِحُّ.
الثّانِي: أنَّهُ إذا صَحَّ وصْفُ عِيسى بِأنَّهُ يَخْلُقُ صَحَّ وصْفُ غَيْرِهِ مِنَ المُصَوِّرِينَ أيْضًا بِأنَّهُ يَخْلُقُ، وأجابَ أصْحابُنا بِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُعارَضَةٌ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [ الرَّعْدِ: ١٦ ] فَوَجَبَ حَمْلُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّهُ ﴿أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾ في اعْتِقادِكم وظَنِّكُمْ، كَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ أهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الرُّومِ: ٢٧] أيْ: هو أهْوَنُ عَلَيْهِ في اعْتِقادِكم وظَنِّكم. والجَوابُ الثّانِي: هو أنَّ الخالِقَ هو المُقَدِّرُ؛ لِأنَّ الخَلْقَ هو التَّقْدِيرُ والآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ أحْسَنُ المُقَدِّرِينَ، والتَّقْدِيرُ يَرْجِعُ مَعْناهُ إلى الظَّنِّ والحُسْبانِ، وذَلِكَ في حَقِّ اللَّهِ سُبْحانَهُ مُحالٌ، فَتَكُونُ الآيَةُ مِنَ المُتَشابِهاتِ. والجَوابُ الثّالِثُ: أنَّ الآيَةَ تَقْتَضِي كَوْنَ العَبْدِ خالِقًا بِمَعْنى كَوْنِهِ مُقَدِّرًا، لَكِنْ لِمَ قُلْتَ بِأنَّهُ خالِقٌ بِمَعْنى كَوْنِهِ مُوجِدًا؟!
المسألة الثّانِيَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ ما خَلَقَهُ حَسَنٌ وحِكْمَةٌ وصَوابٌ وإلّا لَما جازَ وصْفُهُ بِأنَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ، وإذا كانَ كَذَلِكَ وجَبَ أنْ لا يَكُونَ خالِقًا لِلْكُفْرِ والمَعْصِيَةِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ العَبْدُ هو المُوجِدَ لَهُما. والجَوابُ: مِنَ النّاسِ مَن حَمَلَ الحَسَنَ عَلى الإحْكامِ والإتْقانِ في التَّرْكِيبِ والتَّأْلِيفِ. ثُمَّ لَوْ حَمَلْناهُ عَلى ما قالُوهُ فَعِنْدَنا أنَّهُ يَحْسُنُ مِنَ اللَّهِ تَعالى كُلُّ الأشْياءِ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ فَوْقَهُ آمِرٌ وناهٍ حَتّى يَكُونَ ذَلِكَ مانِعًا لَهُ عَنْ فِعْلِ شَيْءٍ.
المسألة الثّالِثَةُ: رَوى الكَلْبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما «أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَعْدِ بْنِ أبِي سَرْحٍ كانَ
صفحة ٧٦
يَكْتُبُ هَذِهِ الآياتِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَمّا انْتَهى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿خَلْقًا آخَرَ﴾ عَجِبَ مِن ذَلِكَ فَقالَ: فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”اكْتُبْ، فَهَكَذا نَزَلَتْ“ فَشَكَّ عَبْدُ اللَّهِ وقالَ: إنْ كانَ مُحَمَّدٌ صادِقًا فِيما يَقُولُ فَإنَّهُ يُوحى إلَيَّ كَما يُوحى إلَيْهِ، وإنْ كانَ كاذِبًا فَلا خَيْرَ في دِينِهِ، فَهَرَبَ إلى مَكَّةَ»، فَقِيلَ: إنَّهُ ماتَ عَلى الكُفْرِ، وقِيلَ: إنَّهُ أسْلَمَ يَوْمَ الفَتْحِ، ورَوى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «هَكَذا نَزَلَتْ يا عُمَرُ» . وكانَ عُمَرُ يَقُولُ: وافَقَنِي رَبِّي في أرْبَعٍ: في الصَّلاةِ خَلْفَ المَقامِ، وفي ضَرْبِ الحِجابِ عَلى النِّسْوَةِ، وقَوْلِي لَهُنَّ: لَتَنْتَهُنَّ أوْ لَيُبْدِلَنَّهُ اللَّهُ خَيْرًا مِنكُنَّ، فَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَسى رَبُّهُ إنْ طَلَّقَكُنَّ أنْ يُبْدِلَهُ أزْواجًا خَيْرًا مِنكُنَّ﴾ [التَّحْرِيمِ: ٥] والرّابِعُ قُلْتُ: ﴿فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾ فَقالَ: هَكَذا نَزَلَتْ. قالَ العارِفُونَ: هَذِهِ الواقِعَةُ كانَتْ سَبَبَ السَّعادَةِ لِعُمَرَ، وسَبَبَ الشَّقاوَةِ لِعَبْدِ اللَّهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا ويَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ [البَقَرَةِ: ٢٦] فَإنْ قِيلَ: فَعَلى كُلِّ الرِّواياتِ قَدْ تَكَلَّمَ البَشَرُ ابْتِداءً بِمِثْلِ نَظْمِ القُرْآنِ، وذَلِكَ يَقْدَحُ في كَوْنِهِ مُعْجِزًا كَما ظَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ. والجَوابُ: هَذا غَيْرُ مُسْتَبْعَدٍ إذا كانَ قَدْرُهُ القَدْرَ الَّذِي لا يَظْهَرُ فِيهِ الإعْجازُ، فَسَقَطَتْ شُبْهَةُ عَبْدِ اللَّهِ.
المَرْتَبَةُ الثّامِنَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ إنَّكم بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾ قَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ وابْنُ مُحَيْصِنٍ (لَمائِتُونَ) والفَرْقُ بَيْنَ المَيِّتِ والمائِتِ، أنَّ المَيِّتَ كالحَيِّ صِفَةٌ ثابِتَةٌ، وأمّا المائِتُ فَيَدُلُّ عَلى الحُدُوثِ، تَقُولُ: زَيْدٌ مَيِّتٌ الآنَ ومائِتٌ غَدًا، وكَقَوْلِكَ: يَمُوتُ، ونَحْوُهُما ضَيِّقٌ وضائِقٌ في قَوْلِهِ: ﴿وضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ﴾ [هُودٍ: ١٢].
المَرْتَبَةُ التّاسِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ فاللَّهُ سُبْحانَهُ جَعَلَ الإماتَةَ الَّتِي هي إعْدامُ الحَياةِ والبَعْثَ الَّذِي هو إعادَةُ ما يُفْنِيهِ ويُعْدِمُهُ دَلِيلَيْنِ أيْضًا عَلى اقْتِدارٍ عَظِيمٍ بَعْدَ الإنْشاءِ والِاخْتِراعِ.
* * *
وهاهُنا سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: ما الحِكْمَةُ في المَوْتِ؟ وهَلّا وصَلَ نَعِيمَ الآخِرَةِ وثَوابَها بِنَعِيمِ الدُّنْيا فَيَكُونَ ذَلِكَ في الإنْعامِ أبْلَغَ؟ والجَوابُ: هَذا كالمَفْسَدَةِ في حَقِّ المُكَلَّفِينَ؛ لِأنَّهُ مَتى عُجِّلَ لِلْمَرْءِ الثَّوابُ فِيما يَتَحَمَّلُهُ مِنَ المَشَقَّةِ في الطّاعاتِ صارَ إتْيانُهُ بِالطّاعاتِ لِأجْلِ تِلْكَ المَنافِعِ لا لِأجْلِ طاعَةِ اللَّهِ، يُبَيِّنُ ذَلِكَ أنَّهُ لَوْ قِيلَ لِمَن يُصَلِّي ويَصُومُ: إذا فَعَلْتَ ذَلِكَ أدْخَلْناكَ الجَنَّةَ في الحالِ، فَإنَّهُ لا يَأْتِي بِذَلِكَ الفِعْلِ إلّا لِطَلَبِ الجَنَّةِ، فَلا جَرَمَ أخَّرَهُ اللَّهُ تَعالى وبَعَّدَهُ بِالإماتَةِ ثُمَّ الإعادَةِ؛ لِيُكُونَ العَبْدُ عابِدًا لِرَبِّهِ بِطاعَتِهِ لا لِطَلَبِ الِانْتِفاعِ.
السُّؤالُ الثّانِي: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى نَفْيِ عَذابِ القَبْرِ؛ لِأنَّهُ قالَ: ﴿ثُمَّ إنَّكم بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ ولَمْ يَذْكُرْ بَيْنَ الأمْرَيْنِ الإحْياءَ في القَبْرِ والإماتَةَ. والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ.
الأوَّلُ: أنَّهُ لَيْسَ في ذِكْرِ الحَياتَيْنِ نَفْيُ الثّالِثِ.
والثّانِي: أنَّ الغَرَضَ ذِكْرُ الأجْناسِ الثَّلاثَةِ: الإنْشاءُ والإماتَةُ والإعادَةُ، والَّذِي تُرِكَ ذِكْرُهُ فَهو جِنْسُ الإعادَةِ.
المؤمنون 23:16
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ﴾ ﴿ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً في قَرارٍ مَكِينٍ﴾ ﴿ثُمَّ خَلَقْنا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنا العَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنا المُضْغَةَ عِظامًا فَكَسَوْنا العِظامَ لَحْمًا ثُمَّ أنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّكم بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ تُبْعَثُونَ﴾
صفحة ٧٤
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا أمَرَ بِالعِباداتِ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ، والِاشْتِغالُ بِعِبادَةِ اللَّهِ لا يَصِحُّ إلّا بَعْدَ مَعْرِفَةِ الإلَهِ الخالِقِ، لا جَرَمَ عَقَّبَها بِذِكْرِ ما يَدُلُّ عَلى وُجُودِهِ واتِّصافِهِ بِصِفاتِ الجَلالِ والوَحْدانِيَّةِ فَذَكَرَ مِنَ الدَّلائِلِ أنْواعًا:
النوع الأوَّلُ: الِاسْتِدْلالُ بِتَقَلُّبِ الإنْسانِ في أدْوارِ الخِلْقَةِ وأكْوانِ الفِطْرَةِ وهي تِسْعَةٌ:
المَرْتَبَةُ الأُولى: قَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ﴾ والسُّلالَةُ: الخُلاصَةُ؛ لِأنَّها تُسَلُّ مِن بَيْنِ الكَدَرِ، فُعالَةٌ، وهو بِناءٌ يَدُلُّ عَلى القِلَّةِ كالقُلامَةِ والقُمامَةِ، واخْتَلَفَ أهْلُ التَّفْسِيرِ في ﴿الإنْسانَ﴾ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ وقَتادَةُ ومُقاتِلٌ: المُرادُ مِنهُ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَآدَمُ سُلَّ مِنَ الطِّينِ، وخُلِقَتْ ذُرِّيَّتُهُ مِن ماءٍ مَهِينٍ، ثُمَّ جَعَلْنا الكِنايَةَ راجِعَةً إلى الإنْسانِ الَّذِي هو ولَدُ آدَمَ، والإنْسانُ شامِلٌ لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ولِوَلَدِهِ، وقالَ آخَرُونَ: الإنْسانُ هاهُنا ولَدُ آدَمَ، والطِّينُ هاهُنا اسْمُ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، والسُّلالَةُ هي الأجْزاءُ الطِّينِيَّةُ المَبْثُوثَةُ في أعْضائِهِ الَّتِي لَمّا اجْتَمَعَتْ وحَصَلَتْ في أوْعِيَةِ المَنِيِّ صارَتْ مَنِيًّا، وهَذا التَّفْسِيرُ مُطابِقٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وبَدَأ خَلْقَ الإنْسانِ مِن طِينٍ﴾ ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلالَةٍ مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ [ السَّجْدَةِ: ٧، ٨ ] وفِيهِ وجْهٌ آخَرُ، وهو أنَّ الإنْسانَ إنَّما يَتَوَلَّدُ مِنَ النُّطْفَةِ وهي إنَّما تَتَوَلَّدُ مِن فَضْلِ الهَضْمِ الرّابِعِ، وذَلِكَ إنَّما يَتَوَلَّدُ مِنَ الأغْذِيَةِ، وهي إمّا حَيَوانِيَّةٌ وإمّا نَباتِيَّةٌ، والحَيَوانِيَّةُ تَنْتَهِي إلى النَّباتِيَّةِ، والنَّباتُ إنَّما يَتَوَلَّدُ مِن صَفْوِ الأرْضِ والماءِ، فالإنْسانُ بِالحَقِيقَةِ يَكُونُ مُتَوَلِّدًا مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ، ثُمَّ إنَّ تِلْكَ السُّلالَةَ بَعْدَ أنْ تَوارَدَتْ عَلى أطْوارِ الخِلْقَةِ وأدْوارِ الفِطْرَةِ صارَتْ مَنِيًّا، وهَذا التَّأْوِيلُ مُطابِقٌ لِلَّفْظِ ولا يُحْتاجُ فِيهِ إلى التَّكَلُّفاتِ.
المَرْتَبَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً في قَرارٍ مَكِينٍ﴾ ومَعْنى جَعْلِ الإنْسانِ نُطْفَةً أنَّهُ خَلَقَ جَوْهَرَ الإنْسانِ أوَّلًا طِينًا، ثُمَّ جَعَلَ جَوْهَرَهُ بَعْدَ ذَلِكَ نُطْفَةً في أصْلابِ الآباءِ فَقَذَفَهُ الصُّلْبُ بِالجِماعِ إلى رَحِمِ المَرْأةِ فَصارَ الرَّحِمُ قَرارًا مَكِينًا لِهَذِهِ النُّطْفَةِ، والمُرادُ بِالقَرارِ مَوْضِعُ القَرارِ وهو المُسْتَقَرُّ، فَسَمّاهُ بِالمَصْدَرِ ثُمَّ وصَفَ الرَّحِمَ بِالمَكانَةِ الَّتِي هي صِفَةُ المُسْتَقِرِّ فِيها؛ كَقَوْلِكَ: طَرِيقٌ سائِرٌ، أوْ لِمَكانَتِها في نَفْسِها؛ لِأنَّها تَمَكَّنَتْ مِن حَيْثُ هي وأُحْرِزَتْ.
المَرْتَبَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ خَلَقْنا النُّطْفَةَ عَلَقَةً﴾ أيْ: حَوَّلْنا النُّطْفَةَ عَنْ صِفاتِها إلى صِفاتِ العَلَقَةِ وهي الدَّمُ الجامِدُ.
المَرْتَبَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَخَلَقْنا العَلَقَةَ مُضْغَةً﴾ أيْ: جَعَلْنا ذَلِكَ الدَّمَ الجامِدَ مُضْغَةً؛ أيْ: قِطْعَةَ لَحْمٍ كَأنَّها مِقْدارُ ما يُمْضَغُ كالغُرْفَةِ وهي مِقْدارُ ما يُغْتَرَفُ، وسُمِّيَ التَّحْوِيلُ خَلْقًا؛ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ يُفْنِي بَعْضَ أعْراضِها ويَخْلُقُ أعْراضًا غَيْرَها، فَسَمّى خَلْقَ الأعْراضِ خَلْقًا وكَأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى يَخْلُقُ فِيها أجْزاءً زائِدَةً.
المَرْتَبَةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ: ﴿فَخَلَقْنا المُضْغَةَ عِظامًا﴾ أيْ: صَيَّرْناها كَذَلِكَ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ (عَظْمًا) والمُرادُ مِنهُ الجَمْعُ كَقَوْلِهِ: ﴿والمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفَجْرِ: ٢٢].
المَرْتَبَةُ السّادِسَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكَسَوْنا العِظامَ لَحْمًا﴾ وذَلِكَ لِأنَّ اللَّحْمَ يَسْتُرُ العَظْمَ فَجَعَلَهُ كالكِسْوَةِ لَها.
المَرْتَبَةُ السّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ أنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ أيْ: خَلْقًا مُبايِنًا لِلْخَلْقِ الأوَّلِ مُبايَنَةً ما أبْعَدَها، حَيْثُ جَعَلَهُ حَيَوانًا وكانَ جَمادًا، وناطِقًا وكانَ أبْكَمَ، وسَمِيعًا وكانَ أصَمَّ، وبَصِيرًا وكانَ أكْمَهَ، وأوْدَعَ باطِنَهُ وظاهِرَهُ
صفحة ٧٥
بَلْ كُلَّ عُضْوٍ مِن أعْضائِهِ وكُلَّ جُزْءٍ مِن أجْزائِهِ عَجائِبَ فِطْرَةٍ وغَرائِبَ حِكْمَةٍ لا يُحِيطُ بِها وصْفُ الواصِفِينَ، ولا شَرْحُ الشّارِحِينَ، ورَوى العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالَ: هو تَصْرِيفُ اللَّهِ إيّاهُ بَعْدَ الوِلادَةِ في أطْوارِهِ في زَمَنِ الطُّفُولِيَّةِ وما بَعْدَها إلى اسْتِواءِ الشَّبابِ، وخَلْقِ الفَهْمِ والعَقْلِ وما بَعْدَهُ إلى أنْ يَمُوتَ، ودَلِيلُ هَذا القَوْلِ أنَّهُ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ إنَّكم بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾ وهَذا المَعْنى مَرْوِيٌّ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ عُمَرَ، وإنَّما قالَ: ﴿أنْشَأْناهُ﴾ لِأنَّهُ جَعَلَ إنْشاءَ الرُّوحِ فِيهِ، وإتْمامَ خَلْقِهِ إنْشاءً لَهُ. قالُوا: في الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى بُطْلانِ قَوْلِ النَّظّامِ في أنَّ الإنْسانَ هو الرُّوحُ لا البَدَنُ، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ بَيَّنَ أنَّ الإنْسانَ هو المُرَكَّبُ مِن هَذِهِ الصِّفاتِ، وفِيها دَلالَةٌ أيْضًا عَلى بُطْلانِ قَوْلِ الفَلاسِفَةِ الَّذِينَ يَقُولُونَ: إنَّ الإنْسانَ شَيْءٌ لا يَنْقَسِمُ، وإنَّهُ لَيْسَ بِجِسْمٍ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَتَبارَكَ اللَّهُ﴾ أيْ: فَتَعالى اللَّهُ؛ فَإنَّ البَرَكَةَ يَرْجِعُ مَعْناها إلى الِامْتِدادِ والزِّيادَةِ، وكُلُّ ما زادَ عَلى الشَّيْءِ فَقَدْ عَلاهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: والبَرَكاتُ والخَيْراتُ كُلُّها مِنَ اللَّهِ تَعالى، وقِيلَ: أصْلُهُ مِنَ البُرُوكِ وهو الثَّباتُ، فَكَأنَّهُ قالَ: والبَقاءُ والدَّوامُ والبَرَكاتُ كُلُّها مِنهُ فَهو المُسْتَحِقُّ لِلتَّعْظِيمِ والثَّناءِ، وقَوْلُهُ: ﴿أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾ أيْ: أحْسَنُ المُقَدِّرِينَ تَقْدِيرًا، فَتَرَكَ ذِكْرَ المُمَيَّزِ لِدَلالَةِ ﴿الخالِقِينَ﴾ عَلَيْهِ. وهاهُنا مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: لَوْلا أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ يَكُونُ خالِقًا لِفِعْلِهِ إذا قَدَّرَهُ لَما جازَ القَوْلُ بِأنَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ، كَما لَوْ لَمْ يَكُنْ في عِبادِهِ مَن يَحْكُمُ ويَرْحَمُ لَمْ يَجُزْ أنْ يُقالَ فِيهِ: أحْكَمُ الحاكِمِينَ وأرْحَمُ الرّاحِمِينَ، والخَلْقُ في اللُّغَةِ هو كُلُّ فِعْلٍ وُجِدَ مِن فاعِلِهِ مُقَدَّرًا لا عَلى سَهْوٍ وغَفْلَةٍ، والعِبادُ قَدْ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ عَلى هَذا الوَجْهِ، قالَ الكَعْبِيُّ: هَذِهِ الآيَةُ وإنْ دَلَّتْ عَلى أنَّ العَبْدَ خالِقٌ إلّا أنَّ اسْمَ الخالِقِ لا يُطْلَقُ عَلى العَبْدِ إلّا مَعَ القَيْدِ، كَما أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُقالَ: رَبُّ الدّارِ، ولا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: رَبٌّ، بِلا إضافَةٍ، ولا يَقُولُ العَبْدُ لِسَيِّدِهِ: هو رَبِّي، ولا يُقالُ: إنَّما قالَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ وصَفَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنَّهُ يَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ؛ لِأنّا نُجِيبُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ.
أحَدُهُما: أنَّ ظاهِرَ الآيَةِ يَقْتَضِي أنَّهُ سُبْحانَهُ ﴿أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾ الَّذِينَ هم جَمْعٌ فَحَمْلُهُ عَلى عِيسى خاصَّةً لا يَصِحُّ.
الثّانِي: أنَّهُ إذا صَحَّ وصْفُ عِيسى بِأنَّهُ يَخْلُقُ صَحَّ وصْفُ غَيْرِهِ مِنَ المُصَوِّرِينَ أيْضًا بِأنَّهُ يَخْلُقُ، وأجابَ أصْحابُنا بِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُعارَضَةٌ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [ الرَّعْدِ: ١٦ ] فَوَجَبَ حَمْلُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّهُ ﴿أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾ في اعْتِقادِكم وظَنِّكُمْ، كَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ أهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الرُّومِ: ٢٧] أيْ: هو أهْوَنُ عَلَيْهِ في اعْتِقادِكم وظَنِّكم. والجَوابُ الثّانِي: هو أنَّ الخالِقَ هو المُقَدِّرُ؛ لِأنَّ الخَلْقَ هو التَّقْدِيرُ والآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ أحْسَنُ المُقَدِّرِينَ، والتَّقْدِيرُ يَرْجِعُ مَعْناهُ إلى الظَّنِّ والحُسْبانِ، وذَلِكَ في حَقِّ اللَّهِ سُبْحانَهُ مُحالٌ، فَتَكُونُ الآيَةُ مِنَ المُتَشابِهاتِ. والجَوابُ الثّالِثُ: أنَّ الآيَةَ تَقْتَضِي كَوْنَ العَبْدِ خالِقًا بِمَعْنى كَوْنِهِ مُقَدِّرًا، لَكِنْ لِمَ قُلْتَ بِأنَّهُ خالِقٌ بِمَعْنى كَوْنِهِ مُوجِدًا؟!
المسألة الثّانِيَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ ما خَلَقَهُ حَسَنٌ وحِكْمَةٌ وصَوابٌ وإلّا لَما جازَ وصْفُهُ بِأنَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ، وإذا كانَ كَذَلِكَ وجَبَ أنْ لا يَكُونَ خالِقًا لِلْكُفْرِ والمَعْصِيَةِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ العَبْدُ هو المُوجِدَ لَهُما. والجَوابُ: مِنَ النّاسِ مَن حَمَلَ الحَسَنَ عَلى الإحْكامِ والإتْقانِ في التَّرْكِيبِ والتَّأْلِيفِ. ثُمَّ لَوْ حَمَلْناهُ عَلى ما قالُوهُ فَعِنْدَنا أنَّهُ يَحْسُنُ مِنَ اللَّهِ تَعالى كُلُّ الأشْياءِ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ فَوْقَهُ آمِرٌ وناهٍ حَتّى يَكُونَ ذَلِكَ مانِعًا لَهُ عَنْ فِعْلِ شَيْءٍ.
المسألة الثّالِثَةُ: رَوى الكَلْبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما «أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَعْدِ بْنِ أبِي سَرْحٍ كانَ
صفحة ٧٦
يَكْتُبُ هَذِهِ الآياتِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَمّا انْتَهى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿خَلْقًا آخَرَ﴾ عَجِبَ مِن ذَلِكَ فَقالَ: فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”اكْتُبْ، فَهَكَذا نَزَلَتْ“ فَشَكَّ عَبْدُ اللَّهِ وقالَ: إنْ كانَ مُحَمَّدٌ صادِقًا فِيما يَقُولُ فَإنَّهُ يُوحى إلَيَّ كَما يُوحى إلَيْهِ، وإنْ كانَ كاذِبًا فَلا خَيْرَ في دِينِهِ، فَهَرَبَ إلى مَكَّةَ»، فَقِيلَ: إنَّهُ ماتَ عَلى الكُفْرِ، وقِيلَ: إنَّهُ أسْلَمَ يَوْمَ الفَتْحِ، ورَوى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «هَكَذا نَزَلَتْ يا عُمَرُ» . وكانَ عُمَرُ يَقُولُ: وافَقَنِي رَبِّي في أرْبَعٍ: في الصَّلاةِ خَلْفَ المَقامِ، وفي ضَرْبِ الحِجابِ عَلى النِّسْوَةِ، وقَوْلِي لَهُنَّ: لَتَنْتَهُنَّ أوْ لَيُبْدِلَنَّهُ اللَّهُ خَيْرًا مِنكُنَّ، فَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَسى رَبُّهُ إنْ طَلَّقَكُنَّ أنْ يُبْدِلَهُ أزْواجًا خَيْرًا مِنكُنَّ﴾ [التَّحْرِيمِ: ٥] والرّابِعُ قُلْتُ: ﴿فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾ فَقالَ: هَكَذا نَزَلَتْ. قالَ العارِفُونَ: هَذِهِ الواقِعَةُ كانَتْ سَبَبَ السَّعادَةِ لِعُمَرَ، وسَبَبَ الشَّقاوَةِ لِعَبْدِ اللَّهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا ويَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ [البَقَرَةِ: ٢٦] فَإنْ قِيلَ: فَعَلى كُلِّ الرِّواياتِ قَدْ تَكَلَّمَ البَشَرُ ابْتِداءً بِمِثْلِ نَظْمِ القُرْآنِ، وذَلِكَ يَقْدَحُ في كَوْنِهِ مُعْجِزًا كَما ظَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ. والجَوابُ: هَذا غَيْرُ مُسْتَبْعَدٍ إذا كانَ قَدْرُهُ القَدْرَ الَّذِي لا يَظْهَرُ فِيهِ الإعْجازُ، فَسَقَطَتْ شُبْهَةُ عَبْدِ اللَّهِ.
المَرْتَبَةُ الثّامِنَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ إنَّكم بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾ قَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ وابْنُ مُحَيْصِنٍ (لَمائِتُونَ) والفَرْقُ بَيْنَ المَيِّتِ والمائِتِ، أنَّ المَيِّتَ كالحَيِّ صِفَةٌ ثابِتَةٌ، وأمّا المائِتُ فَيَدُلُّ عَلى الحُدُوثِ، تَقُولُ: زَيْدٌ مَيِّتٌ الآنَ ومائِتٌ غَدًا، وكَقَوْلِكَ: يَمُوتُ، ونَحْوُهُما ضَيِّقٌ وضائِقٌ في قَوْلِهِ: ﴿وضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ﴾ [هُودٍ: ١٢].
المَرْتَبَةُ التّاسِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ فاللَّهُ سُبْحانَهُ جَعَلَ الإماتَةَ الَّتِي هي إعْدامُ الحَياةِ والبَعْثَ الَّذِي هو إعادَةُ ما يُفْنِيهِ ويُعْدِمُهُ دَلِيلَيْنِ أيْضًا عَلى اقْتِدارٍ عَظِيمٍ بَعْدَ الإنْشاءِ والِاخْتِراعِ.
* * *
وهاهُنا سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: ما الحِكْمَةُ في المَوْتِ؟ وهَلّا وصَلَ نَعِيمَ الآخِرَةِ وثَوابَها بِنَعِيمِ الدُّنْيا فَيَكُونَ ذَلِكَ في الإنْعامِ أبْلَغَ؟ والجَوابُ: هَذا كالمَفْسَدَةِ في حَقِّ المُكَلَّفِينَ؛ لِأنَّهُ مَتى عُجِّلَ لِلْمَرْءِ الثَّوابُ فِيما يَتَحَمَّلُهُ مِنَ المَشَقَّةِ في الطّاعاتِ صارَ إتْيانُهُ بِالطّاعاتِ لِأجْلِ تِلْكَ المَنافِعِ لا لِأجْلِ طاعَةِ اللَّهِ، يُبَيِّنُ ذَلِكَ أنَّهُ لَوْ قِيلَ لِمَن يُصَلِّي ويَصُومُ: إذا فَعَلْتَ ذَلِكَ أدْخَلْناكَ الجَنَّةَ في الحالِ، فَإنَّهُ لا يَأْتِي بِذَلِكَ الفِعْلِ إلّا لِطَلَبِ الجَنَّةِ، فَلا جَرَمَ أخَّرَهُ اللَّهُ تَعالى وبَعَّدَهُ بِالإماتَةِ ثُمَّ الإعادَةِ؛ لِيُكُونَ العَبْدُ عابِدًا لِرَبِّهِ بِطاعَتِهِ لا لِطَلَبِ الِانْتِفاعِ.
السُّؤالُ الثّانِي: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى نَفْيِ عَذابِ القَبْرِ؛ لِأنَّهُ قالَ: ﴿ثُمَّ إنَّكم بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ ولَمْ يَذْكُرْ بَيْنَ الأمْرَيْنِ الإحْياءَ في القَبْرِ والإماتَةَ. والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ.
الأوَّلُ: أنَّهُ لَيْسَ في ذِكْرِ الحَياتَيْنِ نَفْيُ الثّالِثِ.
والثّانِي: أنَّ الغَرَضَ ذِكْرُ الأجْناسِ الثَّلاثَةِ: الإنْشاءُ والإماتَةُ والإعادَةُ، والَّذِي تُرِكَ ذِكْرُهُ فَهو جِنْسُ الإعادَةِ.
المؤمنون 23:17
النوع الثّانِي مِنَ الدَّلائِلِ: الِاسْتِدْلالُ بِخِلْقَةِ السَّماواتِ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكم سَبْعَ طَرائِقَ وما كُنّا عَنِ الخَلْقِ غافِلِينَ﴾ .
فَقَوْلُهُ: ﴿سَبْعَ طَرائِقَ﴾ أيْ: سَبْعَ سَماواتٍ، وإنَّما قِيلَ لَها: طَرائِقُ، لِتَطارُقِها، بِمَعْنى كَوْنِ بَعْضِها فَوْقَ بَعْضٍ
صفحة ٧٧
يُقالُ: طارَقَ الرَّجُلُ نَعْلَيْهِ: إذا أطْبَقَ نَعْلًا عَلى نَعْلٍ، وطارَقَ بَيْنَ ثَوْبَيْنِ: إذا لَبِسَ ثَوْبًا فَوْقَ ثَوْبٍ؛ هَذا قَوْلُ الخَلِيلِ والزَّجّاجِ والفَرّاءِ، قالَ الزَّجّاجُ: هو كَقَوْلِهِ: ﴿سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا﴾ [المُلْكِ: ٣] وقالَ عَلِيُّ بْنُ عِيسى: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها طَرائِقُ لِلْمَلائِكَةِ في العُرُوجِ والهُبُوطِ والطَّيَرانِ، وقالَ آخَرُونَ: لِأنَّها طَرائِقُ الكَواكِبِ فِيها مَسِيرُها. والوجه في إنْعامِهِ عَلَيْنا بِذَلِكَ أنَّهُ تَعالى جَعَلَها مَوْضِعًا لِأرْزاقِنا بِإنْزالِ الماءِ مِنها، وجَعَلَها مَقَرًّا لِلْمَلائِكَةِ، ولِأنَّها مَوْضِعُ الثَّوابِ، ولِأنَّها مَكانُ إرْسالِ الأنْبِياءِ ونُزُولِ الوَحْيِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وما كُنّا عَنِ الخَلْقِ غافِلِينَ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ.
أحَدُها: ما كُنّا غافِلِينَ بَلْ كُنّا لِلْخَلْقِ حافِظِينَ مِن أنْ تَسْقُطَ عَلَيْهِمُ الطَّرائِقُ السَّبْعُ فَتُهْلِكَهم، وهَذا قَوْلُ سُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ والأرْضَ أنْ تَزُولا﴾ [فاطِرٍ: ٤١].
وثانِيها: إنَّما خَلَقْناها فَوْقَهم لِنُنْزِلَ عَلَيْهِمُ الأرْزاقَ والبَرَكاتِ مِنها، عَنِ الحَسَنِ.
وثالِثُها: أنّا خَلَقْنا هَذِهِ الأشْياءَ فَدَلَّ خَلْقُنا لَها عَلى كَمالِ قُدْرَتِنا، ثُمَّ بَيَّنَ كَمالَ العِلْمِ بِقَوْلِهِ: ﴿وما كُنّا عَنِ الخَلْقِ غافِلِينَ﴾ يَعْنِي عَنْ أعْمالِهِمْ وأقْوالِهِمْ وضَمائِرِهِمْ، وذَلِكَ يُفِيدُ نِهايَةَ الزَّجْرِ. ورابِعُها: وما كُنّا عَنْ خَلْقِ السَّماواتِ غافِلِينَ بَلْ نَحْنُ لَها حافِظُونَ؛ لِئَلّا تَخْرُجَ عَنِ التَّقْدِيرِ الَّذِي أرَدْنا كَوْنَها عَلَيْهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما تَرى في خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفاوُتٍ﴾ [المُلْكِ: ٣].
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ دالَّةٌ عَلى كَثِيرٍ مِنَ المَسائِلِ، إحْداها: أنَّها دالَّةٌ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ؛ فَإنَّ انْقِلابَ هَذِهِ الأجْسامِ مِن صِفَةٍ إلى صِفَةٍ أُخْرى تُضادُّ الأُولى مَعَ إمْكانِ بَقائِها عَلى تِلْكَ الصِّفَةِ، يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا بُدَّ مِن مُحَوِّلٍ ومُغَيِّرٍ. وثانِيَتُها: أنَّها تَدُلُّ عَلى فَسادِ القَوْلِ بِالطَّبِيعَةِ، فَإنَّ شَيْئًا مِن تِلْكَ الصِّفاتِ لَوْ حَصَلَ بِالطَّبِيعَةِ لَوَجَبَ بَقاؤُها وعَدَمُ تَغَيُّرِها، ولَوْ قُلْتَ: إنَّما تَغَيَّرَتْ تِلْكَ الصِّفاتُ لِتَغَيُّرِ تِلْكَ الطَّبِيعَةِ، افْتَقَرَتْ تِلْكَ الطَّبِيعَةُ إلى خالِقٍ ومُوجِدٍ. وثالِثَتُها: تَدُلُّ عَلى أنَّ المُدَبِّرَ قادِرٌ عالِمٌ؛ لِأنَّ المُوجِبَ والجاهِلَ لا يَصْدُرُ عَنْهُ هَذِهِ الأفْعالُ العَجِيبَةُ. ورابِعَتُها: تَدُلُّ عَلى أنَّهُ عالِمٌ بِكُلِّ المَعْلُوماتِ قادِرٌ عَلى كُلِّ المُمْكِناتِ. وخامِسَتُها: تَدُلُّ عَلى جَوازِ الحَشْرِ والنَّشْرِ؛ نَظَرًا إلى صَرِيحِ الآيَةِ ونَظَرًا إلى أنَّ الفاعِلَ لَمّا كانَ قادِرًا عَلى كُلِّ المُمْكِناتِ وعالِمًا بِكُلِّ المَعْلُوماتِ وجَبَ أنْ يَكُونَ قادِرًا عَلى إعادَةِ التَّرْكِيبِ إلى تِلْكَ الأجْزاءِ كَما كانَتْ. وسادِسَتُها: أنَّ مَعْرِفَةَ اللَّهِ تَعالى يَجِبُ أنْ تَكُونَ اسْتِدْلالِيَّةً لا تَقْلِيدِيَّةً وإلّا لَكانَ ذِكْرُ هَذِهِ الدَّلائِلِ عَبَثًا.
النوع الثّالِثُ: الِاسْتِدْلالُ بِنُزُولِ الأمْطارِ وكَيْفِيَّةِ تَأْثِيراتِها في النَّباتِ.
المؤمنون 23:18
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأسْكَنّاهُ في الأرْضِ وإنّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ﴾ ﴿فَأنْشَأْنا لَكم بِهِ جَنّاتٍ مِن نَخِيلٍ وأعْنابٍ لَكم فِيها فَواكِهُ كَثِيرَةٌ ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ ﴿وشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْناءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ﴾
صفحة ٧٨
اعْلَمْ أنَّ الماءَ في نَفْسِهِ نِعْمَةٌ وأنَّهُ مَعَ ذَلِكَ سَبَبٌ لِحُصُولِ النِّعَمِ فَلا جَرَمَ ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى أوَّلًا ثُمَّ ذَكَرَ ما يَحْصُلُ بِهِ مِنَ النِّعَمِ ثانِيًا.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ﴾ فَقَدِ اخْتَلَفُوا في السَّماءِ فَقالَ الأكْثَرُونَ مِنَ المُفَسِّرِينَ: إنَّهُ تَعالى يُنْزِلُ الماءَ في الحَقِيقَةِ مِنَ السَّماءِ، وهو الظّاهِرُ مِنَ اللَّفْظِ ويُؤَكِّدُهُ قَوْلُهُ: ﴿وفِي السَّماءِ رِزْقُكم وما تُوعَدُونَ﴾ [الذّارِياتِ: ٢٢] وقالَ بَعْضُهُمْ: المُرادُ السَّحابُ وسَمّاهُ سَماءً لِعُلُوِّهِ، والمَعْنى أنَّ اللَّهَ تَعالى أصْعَدَ الأجْزاءَ المائِيَّةَ مِن قَعْرِ الأرْضِ إلى البِحارِ، ومِنِ البِحارِ إلى السَّماءِ حَتّى صارَتْ عَذْبَةً صافِيَةً بِسَبَبِ ذَلِكَ التَّصْعِيدِ، ثُمَّ إنَّ تِلْكَ الذَّرّاتِ تَأْتَلِفُ وتَتَكَوَّنُ ثُمَّ يُنْزِلُهُ اللَّهُ تَعالى عَلى قَدْرِ الحاجَةِ إلَيْهِ، ولَوْلا ذَلِكَ لَمْ يُنْتَفَعْ بِتِلْكَ المِياهِ لِتَفَرُّقِها في قَعْرِ الأرْضِ ولا بِماءِ البِحارِ لِمُلُوحَتِهِ، ولِأنَّهُ لا حِيلَةَ في إجْراءِ مِياهِ البِحارِ عَلى وجْهِ الأرْضِ؛ لِأنَّ البِحارَ هي الغايَةُ في العُمْقِ، واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الوُجُوهَ إنَّما يَتَمَحَّلُها مَن يُنْكِرُ الفاعِلَ المُخْتارَ، فَأمّا مَن أقَرَّ بِهِ فَلا حاجَةَ بِهِ إلى شَيْءٍ مِنها.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِقَدَرٍ﴾ فَمَعْناهُ بِتَقْدِيرٍ يَسْلَمُونَ مَعَهُ مِنَ المَضَرَّةِ ويَصِلُونَ إلى المَنفَعَةِ في الزَّرْعِ والغَرْسِ والشُّرْبِ، أوْ بِمِقْدارِ ما عَلِمْناهُ مِن حاجاتِهِمْ ومَصالِحِهِمْ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَأسْكَنّاهُ في الأرْضِ﴾ قِيلَ: مَعْناهُ: جَعَلْناهُ ثابِتًا في الأرْضِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: أنَزَلَ اللَّهُ تَعالى مِنَ الجَنَّةِ خَمْسَةَ أنْهارٍ: سَيْحُونَ وجَيْحُونَ ودِجْلَةَ والفُراتَ والنِّيلَ، ثُمَّ يَرْفَعُها عِنْدَ خُرُوجِ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ، ويَرْفَعُ أيْضًا القُرْآنَ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وإنّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ﴾ أيْ: كَما قَدَرْنا عَلى إنْزالِهِ فَكَذَلِكَ نَقْدِرُ عَلى رَفْعِهِ وإزالَتِهِ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: وقَوْلُهُ: ﴿عَلى ذَهابٍ بِهِ﴾ مَن أوْقَعَ النَّكِراتِ وأخَّرَها لِلْفَصْلِ. والمَعْنى عَلى وجْهٍ مِن وُجُوهِ الذَّهابِ بِهِ وطَرِيقٍ مِن طُرُقِهِ. وفِيهِ إيذانٌ بِكَمالِ اقْتِدارِ المُذْهِبِ، وأنَّهُ لا يَعْسُرُ عَلَيْهِ شَيْءٌ وهو أبْلَغُ في الإيعادِ مِن قَوْلِهِ: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أصْبَحَ ماؤُكم غَوْرًا فَمَن يَأْتِيكم بِماءٍ مَعِينٍ﴾ [المُلْكِ: ٣٠] ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا نَبَّهَ عَلى عَظِيمِ نِعْمَتِهِ بِخَلْقِ الماءِ ذَكَرَ بَعْدَهُ النِّعَمَ الحاصِلَةَ مِنَ الماءِ فَقالَ: ﴿فَأنْشَأْنا لَكم بِهِ جَنّاتٍ مِن نَخِيلٍ وأعْنابٍ﴾ وإنَّما ذَكَرَ تَعالى النَّخِيلَ والأعْنابَ لِكَثْرَةِ مَنافِعِهِما؛ فَإنَّهُما يَقُومانِ مَقامَ الطَّعامِ ومَقامَ الإدامِ ومَقامَ الفَواكِهِ رَطْبًا ويابِسًا، وقَوْلُهُ: ﴿لَكم فِيها فَواكِهُ كَثِيرَةٌ﴾ أيْ: في الجَنّاتِ، فَكَما أنَّ فِيها النَّخِيلَ والأعْنابَ، فَفِيها الفَواكِهُ الكَثِيرَةُ، وقَوْلُهُ: ﴿ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا مِن قَوْلِهِمْ: فُلانٌ يَأْكُلُ مِن حِرْفَةٍ يَحْتَرِفُها ومِن صَنْعَةٍ يَعْمَلُها، يَعْنُونَ أنَّها طُعْمَتُهُ وجِهَتُهُ الَّتِي مِنها يُحَصِّلُ رِزْقَهُ، كَأنَّهُ قالَ: وهَذِهِ الجَنّاتُ وُجُوهُ أرْزاقِكم ومَعايِشِكم مِنها تَتَعَيَّشُونَ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْناءَ﴾ فَهو عَطْفٌ عَلى (جَنّاتٍ) وقُرِئَتْ مَرْفُوعَةً عَلى الِابْتِداءِ، أيْ: ومِمّا أنْشَأْنا لَكم شَجَرَةٌ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: طُورُ سَيْناءَ وطُورُ سِينِينَ، لا يَخْلُو إمّا أنْ يُضافَ فِيهِ الطُّورُ إلى بُقْعَةٍ اسْمُها سَيْناءُ وسِينُونُ، وإمّا أنْ يَكُونَ اسْمًا لِلْجَبَلِ مُرَكَّبًا مِن مُضافٍ ومُضافٍ إلَيْهِ كامْرِئِ القَيْسِ وبَعْلَبَكَّ فِيمَن أضافَ، فَمَن كَسَرَ سِينَ سَيْناءَ فَقَدْ مَنَعَ الصَّرْفَ لِلتَّعْرِيفِ والعُجْمَةِ أوِ التَّأْنِيثِ؛ لِأنَّها بُقْعَةٌ، وفَعْلاءُ لا يَكُونُ
صفحة ٧٩
ألِفُهُ لِلتَّأْنِيثِ كَعَلْباءَ وحَرْباءَ، ومَن فَتَحَ لَمْ يَصْرِفْهُ؛ لِأنَّ ألِفَهُ لِلتَّأْنِيثِ كَصَحْراءَ، وقِيلَ: هو جَبَلُ فِلَسْطِينَ، وقِيلَ: بَيْنَ مِصْرَ وأيْلَةَ، ومِنهُ نُودِيَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ. وقَرَأ الأعْمَشُ (سِينا) عَلى القَصْرِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ فَهو في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ: تَنْبُتُ وفِيها الدُّهْنُ، كَما يُقالُ: رَكِبَ الأمِيرُ بِجُنْدِهِ، أيْ: ومَعَهُ الجُنْدُ، وقُرِئَ (تُنْبِتُ) وفِيهِ وجْهانِ.
أحَدُهُما: أنَّ أنْبَتَ بِمَعْنى نَبَتَ، قالَ زُهَيْرٌ:
رَأيْتُ ذَوِي الحاجاتِ حَوْلَ بُيُوتِهِمْ قَطِينًا بِها حَتّى إذا أنْبَتَ البَقْلُ
والثّانِي: أنَّ مَفْعُولَهُ مَحْذُوفٌ، أيْ: تُنْبِتُ زَيْتُونَها وفِيهِ الزَّيْتُ، قالَ المُفَسِّرُونَ: وإنَّما أضافَها اللَّهُ تَعالى إلى هَذا الجَبَلِ؛ لِأنَّ مِنها تَشَعَّبَتْ في البِلادِ وانْتَشَرَتْ، ولِأنَّ مُعْظَمَها هُناكَ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿وصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ﴾ فَعُطِفَ عَلى الدُّهْنِ، أيْ: إدامٍ لِلْآكِلِينَ، والصِّبْغُ والصِّباغُ ما يُصْطَبَغُ بِهِ، أيْ: يُصْبَغُ بِهِ الخُبْزُ، وجُمْلَةُ القَوْلِ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى نَبَّهَ عَلى إحْسانِهِ بِهَذِهِ الشَّجَرَةِ؛ لِأنَّها تُخْرِجُ هَذِهِ الثَّمَرَةَ الَّتِي يَكْثُرُ بِها الِانْتِفاعُ وهي طَرِيَّةٌ ومُدَّخَرَةُ، وبِأنْ تُعْصَرَ فَيَظْهَرُ الزَّيْتُ مِنها ويَعْظُمُ وُجُوهُ الِانْتِفاعِ بِهِ.
المؤمنون 23:19
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأسْكَنّاهُ في الأرْضِ وإنّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ﴾ ﴿فَأنْشَأْنا لَكم بِهِ جَنّاتٍ مِن نَخِيلٍ وأعْنابٍ لَكم فِيها فَواكِهُ كَثِيرَةٌ ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ ﴿وشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْناءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ﴾
صفحة ٧٨
اعْلَمْ أنَّ الماءَ في نَفْسِهِ نِعْمَةٌ وأنَّهُ مَعَ ذَلِكَ سَبَبٌ لِحُصُولِ النِّعَمِ فَلا جَرَمَ ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى أوَّلًا ثُمَّ ذَكَرَ ما يَحْصُلُ بِهِ مِنَ النِّعَمِ ثانِيًا.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ﴾ فَقَدِ اخْتَلَفُوا في السَّماءِ فَقالَ الأكْثَرُونَ مِنَ المُفَسِّرِينَ: إنَّهُ تَعالى يُنْزِلُ الماءَ في الحَقِيقَةِ مِنَ السَّماءِ، وهو الظّاهِرُ مِنَ اللَّفْظِ ويُؤَكِّدُهُ قَوْلُهُ: ﴿وفِي السَّماءِ رِزْقُكم وما تُوعَدُونَ﴾ [الذّارِياتِ: ٢٢] وقالَ بَعْضُهُمْ: المُرادُ السَّحابُ وسَمّاهُ سَماءً لِعُلُوِّهِ، والمَعْنى أنَّ اللَّهَ تَعالى أصْعَدَ الأجْزاءَ المائِيَّةَ مِن قَعْرِ الأرْضِ إلى البِحارِ، ومِنِ البِحارِ إلى السَّماءِ حَتّى صارَتْ عَذْبَةً صافِيَةً بِسَبَبِ ذَلِكَ التَّصْعِيدِ، ثُمَّ إنَّ تِلْكَ الذَّرّاتِ تَأْتَلِفُ وتَتَكَوَّنُ ثُمَّ يُنْزِلُهُ اللَّهُ تَعالى عَلى قَدْرِ الحاجَةِ إلَيْهِ، ولَوْلا ذَلِكَ لَمْ يُنْتَفَعْ بِتِلْكَ المِياهِ لِتَفَرُّقِها في قَعْرِ الأرْضِ ولا بِماءِ البِحارِ لِمُلُوحَتِهِ، ولِأنَّهُ لا حِيلَةَ في إجْراءِ مِياهِ البِحارِ عَلى وجْهِ الأرْضِ؛ لِأنَّ البِحارَ هي الغايَةُ في العُمْقِ، واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الوُجُوهَ إنَّما يَتَمَحَّلُها مَن يُنْكِرُ الفاعِلَ المُخْتارَ، فَأمّا مَن أقَرَّ بِهِ فَلا حاجَةَ بِهِ إلى شَيْءٍ مِنها.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِقَدَرٍ﴾ فَمَعْناهُ بِتَقْدِيرٍ يَسْلَمُونَ مَعَهُ مِنَ المَضَرَّةِ ويَصِلُونَ إلى المَنفَعَةِ في الزَّرْعِ والغَرْسِ والشُّرْبِ، أوْ بِمِقْدارِ ما عَلِمْناهُ مِن حاجاتِهِمْ ومَصالِحِهِمْ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَأسْكَنّاهُ في الأرْضِ﴾ قِيلَ: مَعْناهُ: جَعَلْناهُ ثابِتًا في الأرْضِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: أنَزَلَ اللَّهُ تَعالى مِنَ الجَنَّةِ خَمْسَةَ أنْهارٍ: سَيْحُونَ وجَيْحُونَ ودِجْلَةَ والفُراتَ والنِّيلَ، ثُمَّ يَرْفَعُها عِنْدَ خُرُوجِ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ، ويَرْفَعُ أيْضًا القُرْآنَ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وإنّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ﴾ أيْ: كَما قَدَرْنا عَلى إنْزالِهِ فَكَذَلِكَ نَقْدِرُ عَلى رَفْعِهِ وإزالَتِهِ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: وقَوْلُهُ: ﴿عَلى ذَهابٍ بِهِ﴾ مَن أوْقَعَ النَّكِراتِ وأخَّرَها لِلْفَصْلِ. والمَعْنى عَلى وجْهٍ مِن وُجُوهِ الذَّهابِ بِهِ وطَرِيقٍ مِن طُرُقِهِ. وفِيهِ إيذانٌ بِكَمالِ اقْتِدارِ المُذْهِبِ، وأنَّهُ لا يَعْسُرُ عَلَيْهِ شَيْءٌ وهو أبْلَغُ في الإيعادِ مِن قَوْلِهِ: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أصْبَحَ ماؤُكم غَوْرًا فَمَن يَأْتِيكم بِماءٍ مَعِينٍ﴾ [المُلْكِ: ٣٠] ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا نَبَّهَ عَلى عَظِيمِ نِعْمَتِهِ بِخَلْقِ الماءِ ذَكَرَ بَعْدَهُ النِّعَمَ الحاصِلَةَ مِنَ الماءِ فَقالَ: ﴿فَأنْشَأْنا لَكم بِهِ جَنّاتٍ مِن نَخِيلٍ وأعْنابٍ﴾ وإنَّما ذَكَرَ تَعالى النَّخِيلَ والأعْنابَ لِكَثْرَةِ مَنافِعِهِما؛ فَإنَّهُما يَقُومانِ مَقامَ الطَّعامِ ومَقامَ الإدامِ ومَقامَ الفَواكِهِ رَطْبًا ويابِسًا، وقَوْلُهُ: ﴿لَكم فِيها فَواكِهُ كَثِيرَةٌ﴾ أيْ: في الجَنّاتِ، فَكَما أنَّ فِيها النَّخِيلَ والأعْنابَ، فَفِيها الفَواكِهُ الكَثِيرَةُ، وقَوْلُهُ: ﴿ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا مِن قَوْلِهِمْ: فُلانٌ يَأْكُلُ مِن حِرْفَةٍ يَحْتَرِفُها ومِن صَنْعَةٍ يَعْمَلُها، يَعْنُونَ أنَّها طُعْمَتُهُ وجِهَتُهُ الَّتِي مِنها يُحَصِّلُ رِزْقَهُ، كَأنَّهُ قالَ: وهَذِهِ الجَنّاتُ وُجُوهُ أرْزاقِكم ومَعايِشِكم مِنها تَتَعَيَّشُونَ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْناءَ﴾ فَهو عَطْفٌ عَلى (جَنّاتٍ) وقُرِئَتْ مَرْفُوعَةً عَلى الِابْتِداءِ، أيْ: ومِمّا أنْشَأْنا لَكم شَجَرَةٌ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: طُورُ سَيْناءَ وطُورُ سِينِينَ، لا يَخْلُو إمّا أنْ يُضافَ فِيهِ الطُّورُ إلى بُقْعَةٍ اسْمُها سَيْناءُ وسِينُونُ، وإمّا أنْ يَكُونَ اسْمًا لِلْجَبَلِ مُرَكَّبًا مِن مُضافٍ ومُضافٍ إلَيْهِ كامْرِئِ القَيْسِ وبَعْلَبَكَّ فِيمَن أضافَ، فَمَن كَسَرَ سِينَ سَيْناءَ فَقَدْ مَنَعَ الصَّرْفَ لِلتَّعْرِيفِ والعُجْمَةِ أوِ التَّأْنِيثِ؛ لِأنَّها بُقْعَةٌ، وفَعْلاءُ لا يَكُونُ
صفحة ٧٩
ألِفُهُ لِلتَّأْنِيثِ كَعَلْباءَ وحَرْباءَ، ومَن فَتَحَ لَمْ يَصْرِفْهُ؛ لِأنَّ ألِفَهُ لِلتَّأْنِيثِ كَصَحْراءَ، وقِيلَ: هو جَبَلُ فِلَسْطِينَ، وقِيلَ: بَيْنَ مِصْرَ وأيْلَةَ، ومِنهُ نُودِيَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ. وقَرَأ الأعْمَشُ (سِينا) عَلى القَصْرِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ فَهو في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ: تَنْبُتُ وفِيها الدُّهْنُ، كَما يُقالُ: رَكِبَ الأمِيرُ بِجُنْدِهِ، أيْ: ومَعَهُ الجُنْدُ، وقُرِئَ (تُنْبِتُ) وفِيهِ وجْهانِ.
أحَدُهُما: أنَّ أنْبَتَ بِمَعْنى نَبَتَ، قالَ زُهَيْرٌ:
رَأيْتُ ذَوِي الحاجاتِ حَوْلَ بُيُوتِهِمْ قَطِينًا بِها حَتّى إذا أنْبَتَ البَقْلُ
والثّانِي: أنَّ مَفْعُولَهُ مَحْذُوفٌ، أيْ: تُنْبِتُ زَيْتُونَها وفِيهِ الزَّيْتُ، قالَ المُفَسِّرُونَ: وإنَّما أضافَها اللَّهُ تَعالى إلى هَذا الجَبَلِ؛ لِأنَّ مِنها تَشَعَّبَتْ في البِلادِ وانْتَشَرَتْ، ولِأنَّ مُعْظَمَها هُناكَ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿وصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ﴾ فَعُطِفَ عَلى الدُّهْنِ، أيْ: إدامٍ لِلْآكِلِينَ، والصِّبْغُ والصِّباغُ ما يُصْطَبَغُ بِهِ، أيْ: يُصْبَغُ بِهِ الخُبْزُ، وجُمْلَةُ القَوْلِ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى نَبَّهَ عَلى إحْسانِهِ بِهَذِهِ الشَّجَرَةِ؛ لِأنَّها تُخْرِجُ هَذِهِ الثَّمَرَةَ الَّتِي يَكْثُرُ بِها الِانْتِفاعُ وهي طَرِيَّةٌ ومُدَّخَرَةُ، وبِأنْ تُعْصَرَ فَيَظْهَرُ الزَّيْتُ مِنها ويَعْظُمُ وُجُوهُ الِانْتِفاعِ بِهِ.
المؤمنون 23:20
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأسْكَنّاهُ في الأرْضِ وإنّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ﴾ ﴿فَأنْشَأْنا لَكم بِهِ جَنّاتٍ مِن نَخِيلٍ وأعْنابٍ لَكم فِيها فَواكِهُ كَثِيرَةٌ ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ ﴿وشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْناءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ﴾
صفحة ٧٨
اعْلَمْ أنَّ الماءَ في نَفْسِهِ نِعْمَةٌ وأنَّهُ مَعَ ذَلِكَ سَبَبٌ لِحُصُولِ النِّعَمِ فَلا جَرَمَ ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى أوَّلًا ثُمَّ ذَكَرَ ما يَحْصُلُ بِهِ مِنَ النِّعَمِ ثانِيًا.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ﴾ فَقَدِ اخْتَلَفُوا في السَّماءِ فَقالَ الأكْثَرُونَ مِنَ المُفَسِّرِينَ: إنَّهُ تَعالى يُنْزِلُ الماءَ في الحَقِيقَةِ مِنَ السَّماءِ، وهو الظّاهِرُ مِنَ اللَّفْظِ ويُؤَكِّدُهُ قَوْلُهُ: ﴿وفِي السَّماءِ رِزْقُكم وما تُوعَدُونَ﴾ [الذّارِياتِ: ٢٢] وقالَ بَعْضُهُمْ: المُرادُ السَّحابُ وسَمّاهُ سَماءً لِعُلُوِّهِ، والمَعْنى أنَّ اللَّهَ تَعالى أصْعَدَ الأجْزاءَ المائِيَّةَ مِن قَعْرِ الأرْضِ إلى البِحارِ، ومِنِ البِحارِ إلى السَّماءِ حَتّى صارَتْ عَذْبَةً صافِيَةً بِسَبَبِ ذَلِكَ التَّصْعِيدِ، ثُمَّ إنَّ تِلْكَ الذَّرّاتِ تَأْتَلِفُ وتَتَكَوَّنُ ثُمَّ يُنْزِلُهُ اللَّهُ تَعالى عَلى قَدْرِ الحاجَةِ إلَيْهِ، ولَوْلا ذَلِكَ لَمْ يُنْتَفَعْ بِتِلْكَ المِياهِ لِتَفَرُّقِها في قَعْرِ الأرْضِ ولا بِماءِ البِحارِ لِمُلُوحَتِهِ، ولِأنَّهُ لا حِيلَةَ في إجْراءِ مِياهِ البِحارِ عَلى وجْهِ الأرْضِ؛ لِأنَّ البِحارَ هي الغايَةُ في العُمْقِ، واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الوُجُوهَ إنَّما يَتَمَحَّلُها مَن يُنْكِرُ الفاعِلَ المُخْتارَ، فَأمّا مَن أقَرَّ بِهِ فَلا حاجَةَ بِهِ إلى شَيْءٍ مِنها.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِقَدَرٍ﴾ فَمَعْناهُ بِتَقْدِيرٍ يَسْلَمُونَ مَعَهُ مِنَ المَضَرَّةِ ويَصِلُونَ إلى المَنفَعَةِ في الزَّرْعِ والغَرْسِ والشُّرْبِ، أوْ بِمِقْدارِ ما عَلِمْناهُ مِن حاجاتِهِمْ ومَصالِحِهِمْ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَأسْكَنّاهُ في الأرْضِ﴾ قِيلَ: مَعْناهُ: جَعَلْناهُ ثابِتًا في الأرْضِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: أنَزَلَ اللَّهُ تَعالى مِنَ الجَنَّةِ خَمْسَةَ أنْهارٍ: سَيْحُونَ وجَيْحُونَ ودِجْلَةَ والفُراتَ والنِّيلَ، ثُمَّ يَرْفَعُها عِنْدَ خُرُوجِ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ، ويَرْفَعُ أيْضًا القُرْآنَ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وإنّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ﴾ أيْ: كَما قَدَرْنا عَلى إنْزالِهِ فَكَذَلِكَ نَقْدِرُ عَلى رَفْعِهِ وإزالَتِهِ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: وقَوْلُهُ: ﴿عَلى ذَهابٍ بِهِ﴾ مَن أوْقَعَ النَّكِراتِ وأخَّرَها لِلْفَصْلِ. والمَعْنى عَلى وجْهٍ مِن وُجُوهِ الذَّهابِ بِهِ وطَرِيقٍ مِن طُرُقِهِ. وفِيهِ إيذانٌ بِكَمالِ اقْتِدارِ المُذْهِبِ، وأنَّهُ لا يَعْسُرُ عَلَيْهِ شَيْءٌ وهو أبْلَغُ في الإيعادِ مِن قَوْلِهِ: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أصْبَحَ ماؤُكم غَوْرًا فَمَن يَأْتِيكم بِماءٍ مَعِينٍ﴾ [المُلْكِ: ٣٠] ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا نَبَّهَ عَلى عَظِيمِ نِعْمَتِهِ بِخَلْقِ الماءِ ذَكَرَ بَعْدَهُ النِّعَمَ الحاصِلَةَ مِنَ الماءِ فَقالَ: ﴿فَأنْشَأْنا لَكم بِهِ جَنّاتٍ مِن نَخِيلٍ وأعْنابٍ﴾ وإنَّما ذَكَرَ تَعالى النَّخِيلَ والأعْنابَ لِكَثْرَةِ مَنافِعِهِما؛ فَإنَّهُما يَقُومانِ مَقامَ الطَّعامِ ومَقامَ الإدامِ ومَقامَ الفَواكِهِ رَطْبًا ويابِسًا، وقَوْلُهُ: ﴿لَكم فِيها فَواكِهُ كَثِيرَةٌ﴾ أيْ: في الجَنّاتِ، فَكَما أنَّ فِيها النَّخِيلَ والأعْنابَ، فَفِيها الفَواكِهُ الكَثِيرَةُ، وقَوْلُهُ: ﴿ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا مِن قَوْلِهِمْ: فُلانٌ يَأْكُلُ مِن حِرْفَةٍ يَحْتَرِفُها ومِن صَنْعَةٍ يَعْمَلُها، يَعْنُونَ أنَّها طُعْمَتُهُ وجِهَتُهُ الَّتِي مِنها يُحَصِّلُ رِزْقَهُ، كَأنَّهُ قالَ: وهَذِهِ الجَنّاتُ وُجُوهُ أرْزاقِكم ومَعايِشِكم مِنها تَتَعَيَّشُونَ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْناءَ﴾ فَهو عَطْفٌ عَلى (جَنّاتٍ) وقُرِئَتْ مَرْفُوعَةً عَلى الِابْتِداءِ، أيْ: ومِمّا أنْشَأْنا لَكم شَجَرَةٌ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: طُورُ سَيْناءَ وطُورُ سِينِينَ، لا يَخْلُو إمّا أنْ يُضافَ فِيهِ الطُّورُ إلى بُقْعَةٍ اسْمُها سَيْناءُ وسِينُونُ، وإمّا أنْ يَكُونَ اسْمًا لِلْجَبَلِ مُرَكَّبًا مِن مُضافٍ ومُضافٍ إلَيْهِ كامْرِئِ القَيْسِ وبَعْلَبَكَّ فِيمَن أضافَ، فَمَن كَسَرَ سِينَ سَيْناءَ فَقَدْ مَنَعَ الصَّرْفَ لِلتَّعْرِيفِ والعُجْمَةِ أوِ التَّأْنِيثِ؛ لِأنَّها بُقْعَةٌ، وفَعْلاءُ لا يَكُونُ
صفحة ٧٩
ألِفُهُ لِلتَّأْنِيثِ كَعَلْباءَ وحَرْباءَ، ومَن فَتَحَ لَمْ يَصْرِفْهُ؛ لِأنَّ ألِفَهُ لِلتَّأْنِيثِ كَصَحْراءَ، وقِيلَ: هو جَبَلُ فِلَسْطِينَ، وقِيلَ: بَيْنَ مِصْرَ وأيْلَةَ، ومِنهُ نُودِيَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ. وقَرَأ الأعْمَشُ (سِينا) عَلى القَصْرِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ فَهو في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ: تَنْبُتُ وفِيها الدُّهْنُ، كَما يُقالُ: رَكِبَ الأمِيرُ بِجُنْدِهِ، أيْ: ومَعَهُ الجُنْدُ، وقُرِئَ (تُنْبِتُ) وفِيهِ وجْهانِ.
أحَدُهُما: أنَّ أنْبَتَ بِمَعْنى نَبَتَ، قالَ زُهَيْرٌ:
رَأيْتُ ذَوِي الحاجاتِ حَوْلَ بُيُوتِهِمْ قَطِينًا بِها حَتّى إذا أنْبَتَ البَقْلُ
والثّانِي: أنَّ مَفْعُولَهُ مَحْذُوفٌ، أيْ: تُنْبِتُ زَيْتُونَها وفِيهِ الزَّيْتُ، قالَ المُفَسِّرُونَ: وإنَّما أضافَها اللَّهُ تَعالى إلى هَذا الجَبَلِ؛ لِأنَّ مِنها تَشَعَّبَتْ في البِلادِ وانْتَشَرَتْ، ولِأنَّ مُعْظَمَها هُناكَ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿وصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ﴾ فَعُطِفَ عَلى الدُّهْنِ، أيْ: إدامٍ لِلْآكِلِينَ، والصِّبْغُ والصِّباغُ ما يُصْطَبَغُ بِهِ، أيْ: يُصْبَغُ بِهِ الخُبْزُ، وجُمْلَةُ القَوْلِ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى نَبَّهَ عَلى إحْسانِهِ بِهَذِهِ الشَّجَرَةِ؛ لِأنَّها تُخْرِجُ هَذِهِ الثَّمَرَةَ الَّتِي يَكْثُرُ بِها الِانْتِفاعُ وهي طَرِيَّةٌ ومُدَّخَرَةُ، وبِأنْ تُعْصَرَ فَيَظْهَرُ الزَّيْتُ مِنها ويَعْظُمُ وُجُوهُ الِانْتِفاعِ بِهِ.
المؤمنون 23:21
النوع الرّابِعُ: الِاسْتِدْلالُ بِأحْوالِ الحَيَواناتِ.
﴿وإنَّ لَكم في الأنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكم مِمّا في بُطُونِها ولَكم فِيها مَنافِعُ كَثِيرَةٌ ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ ﴿وعَلَيْها وعَلى الفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّ لَكم في الأنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكم مِمّا في بُطُونِها ولَكم فِيها مَنافِعُ كَثِيرَةٌ ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ ﴿وعَلَيْها وعَلى الفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى ذَكَرَ أنَّ فِيها عِبْرَةً مُجْمَلًا ثُمَّ أرْدَفَهُ بِالتَّفْصِيلِ مِن أرْبَعَةِ أوْجُهٍ.
أحَدُها: قَوْلُهُ: ﴿نُسْقِيكم مِمّا في بُطُونِها﴾ والمُرادُ مِنهُ جَمِيعُ وُجُوهِ الِانْتِفاعِ بِألْبانِها، ووَجْهُ الِاعْتِبارِ فِيهِ أنَّها تَجْتَمِعُ في الضُّرُوعِ وتَتَخَلَّصُ مِن بَيْنِ الفَرْثِ والدَّمِ بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى، فَتَسْتَحِيلُ إلى طَهارَةٍ وإلى لَوْنٍ وطَعْمٍ مُوافِقٍ لِلشَّهْوَةِ وتَصِيرُ غِذاءً، فَمَنِ اسْتَدَلَّ بِذَلِكَ عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ وحِكْمَتِهِ كانَ ذَلِكَ مَعْدُودًا في النِّعَمِ الدِّينِيَّةِ، ومَنِ انْتَفَعَ بِهِ فَهو في نِعْمَةِ الدُّنْيا، وأيْضًا فَهَذِهِ الألْبانُ الَّتِي تَخْرُجُ مِن بُطُونِها إلى ضُرُوعِها تَجِدُها شَرابًا طَيِّبًا، وإذا ذَبَحْتَها لَمْ تَجِدْ لَها أثَرًا، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى عَظِيمِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى. قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: وقُرِئَ ”تَسْقِيكُمْ“ بِتاءٍ مَفْتُوحَةٍ، أيْ: تَسْقِيكُمِ الأنْعامُ.
وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿ولَكم فِيها مَنافِعُ كَثِيرَةٌ﴾ وذَلِكَ بِبَيْعِها والِانْتِفاعِ بِأثْمانِها وما يَجْرِي مَجْرى ذَلِكَ.
وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ يَعْنِي كَما تَنْتَفِعُونَ بِها وهي حَيَّةٌ تَنْتَفِعُونَ بِها بَعْدَ الذَّبْحِ أيْضًا بِالأكْلِ.
ورابِعُها: قَوْلُهُ: ﴿وعَلَيْها وعَلى الفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ لِأنَّ وجْهَ الِانْتِفاعِ بِالإبِلِ في المَحْمُولاتِ عَلى البَرِّ بِمَنزِلَةِ الِانْتِفاعِ بِالفُلْكِ في البَحْرِ، ولِذَلِكَ جَمَعَ بَيْنَ الوَجْهَيْنِ في إنْعامِهِ لِكَيْ يُشْكَرَ عَلى ذَلِكَ ويُسْتَدَلَّ بِهِ.
المؤمنون 23:22
النوع الرّابِعُ: الِاسْتِدْلالُ بِأحْوالِ الحَيَواناتِ.
﴿وإنَّ لَكم في الأنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكم مِمّا في بُطُونِها ولَكم فِيها مَنافِعُ كَثِيرَةٌ ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ ﴿وعَلَيْها وعَلى الفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّ لَكم في الأنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكم مِمّا في بُطُونِها ولَكم فِيها مَنافِعُ كَثِيرَةٌ ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ ﴿وعَلَيْها وعَلى الفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى ذَكَرَ أنَّ فِيها عِبْرَةً مُجْمَلًا ثُمَّ أرْدَفَهُ بِالتَّفْصِيلِ مِن أرْبَعَةِ أوْجُهٍ.
أحَدُها: قَوْلُهُ: ﴿نُسْقِيكم مِمّا في بُطُونِها﴾ والمُرادُ مِنهُ جَمِيعُ وُجُوهِ الِانْتِفاعِ بِألْبانِها، ووَجْهُ الِاعْتِبارِ فِيهِ أنَّها تَجْتَمِعُ في الضُّرُوعِ وتَتَخَلَّصُ مِن بَيْنِ الفَرْثِ والدَّمِ بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى، فَتَسْتَحِيلُ إلى طَهارَةٍ وإلى لَوْنٍ وطَعْمٍ مُوافِقٍ لِلشَّهْوَةِ وتَصِيرُ غِذاءً، فَمَنِ اسْتَدَلَّ بِذَلِكَ عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ وحِكْمَتِهِ كانَ ذَلِكَ مَعْدُودًا في النِّعَمِ الدِّينِيَّةِ، ومَنِ انْتَفَعَ بِهِ فَهو في نِعْمَةِ الدُّنْيا، وأيْضًا فَهَذِهِ الألْبانُ الَّتِي تَخْرُجُ مِن بُطُونِها إلى ضُرُوعِها تَجِدُها شَرابًا طَيِّبًا، وإذا ذَبَحْتَها لَمْ تَجِدْ لَها أثَرًا، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى عَظِيمِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى. قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: وقُرِئَ ”تَسْقِيكُمْ“ بِتاءٍ مَفْتُوحَةٍ، أيْ: تَسْقِيكُمِ الأنْعامُ.
وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿ولَكم فِيها مَنافِعُ كَثِيرَةٌ﴾ وذَلِكَ بِبَيْعِها والِانْتِفاعِ بِأثْمانِها وما يَجْرِي مَجْرى ذَلِكَ.
وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ يَعْنِي كَما تَنْتَفِعُونَ بِها وهي حَيَّةٌ تَنْتَفِعُونَ بِها بَعْدَ الذَّبْحِ أيْضًا بِالأكْلِ.
ورابِعُها: قَوْلُهُ: ﴿وعَلَيْها وعَلى الفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ لِأنَّ وجْهَ الِانْتِفاعِ بِالإبِلِ في المَحْمُولاتِ عَلى البَرِّ بِمَنزِلَةِ الِانْتِفاعِ بِالفُلْكِ في البَحْرِ، ولِذَلِكَ جَمَعَ بَيْنَ الوَجْهَيْنِ في إنْعامِهِ لِكَيْ يُشْكَرَ عَلى ذَلِكَ ويُسْتَدَلَّ بِهِ.
المؤمنون 23:23
واعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا بَيَّنَ دَلائِلَ التَّوْحِيدِ أرْدَفَها بِالقَصَصِ كَما هو العادَةُ في سائِرِ السُّوَرِ، وهي هاهُنا:
صفحة ٨٠
القِصَّةُ الأُولى قِصَّةُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ
﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ ﴿فَقالَ المَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم يُرِيدُ أنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكم ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَأنْزَلَ مَلائِكَةً ما سَمِعْنا بِهَذا في آبائِنا الأوَّلِينَ﴾ ﴿إنْ هو إلّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتّى حِينٍ﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ فَقالَ ياقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ ﴿فَقالَ المَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم يُرِيدُ أنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكم ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَأنْزَلَ مَلائِكَةً ما سَمِعْنا بِهَذا في آبائِنا الأوَّلِينَ﴾ ﴿إنْ هو إلّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتّى حِينٍ﴾
قالَ قَوْمٌ: إنَّ نُوحًا كانَ اسْمُهُ يَشْكُرُ، ثُمَّ سُمِّيَ نُوحًا لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: لِكَثْرَةِ ما ناحَ عَلى نَفْسِهِ حِينَ دَعا عَلى قَوْمِهِ بِالهَلاكِ، فَأهْلَكَهم بِالطُّوفانِ فَنَدِمَ عَلى ذَلِكَ.
وثانِيها: لِمُراجَعَةِ رَبِّهِ في شَأْنِ ابْنِهِ.
وثالِثُها: أنَّهُ مَرَّ بِكَلْبٍ مَجْذُومٍ، فَقالَ لَهُ: اخْسَأْ يا قَبِيحُ، فَعُوتِبَ عَلى ذَلِكَ، فَقالَ اللَّهُ لَهُ: أعِبْتَنِي إذْ خَلَقْتُهُ، أمْ عِبْتَ الكَلْبَ؟ وهَذِهِ الوُجُوهُ مُشْكِلَةٌ؛ لِما ثَبَتَ أنَّ الأعْلامَ لا تُفِيدُ صِفَةً في المُسَمّى.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ فالمَعْنى أنَّهُ سُبْحانَهُ أرْسَلَهُ بِالدُّعاءِ إلى عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى وحْدَهُ، ولا يَجُوزُ أنْ يَدْعُوَهم إلى ذَلِكَ إلّا وقَدْ دَعاهم إلى مَعْرِفَتِهِ أوَّلًا؛ لِأنَّ عِبادَةَ مَن لا يَكُونُ مَعْلُومًا غَيْرُ جائِزَةٍ، وإنَّما يَجُوزُ ويَجِبُ بَعْدَ المَعْرِفَةِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ فالمُرادُ أنَّ عِبادَةَ غَيْرِ اللَّهِ لا تَجُوزُ إذْ لا إلَهَ سِواهُ. ومِن حَقِّ العِبادَةِ أنْ تُحْسِنَ لِمَن أنْعَمَ بِالخَلْقِ والإحْياءِ وما بَعْدَهُما، فَإذا لَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ إلّا مِنهُ تَعالى فَكَيْفَ يَعْبُدُ ما لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ؟ وقُرِئَ ”غَيْرُهُ“ بِالرَّفْعِ عَلى المَحَلِّ وبِالجَرِّ عَلى اللَّفْظِ، ثُمَّ إنَّهُ لَمّا لَمْ يَنْفَعْ فِيهِمْ هَذا الدُّعاءُ واسْتَمَرُّوا عَلى عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى حَذَّرَهم بِقَوْلِهِ: ﴿أفَلا تَتَّقُونَ﴾ لِأنَّ ذَلِكَ زَجْرٌ ووَعِيدٌ بِاتِّقاءِ العُقُوبَةِ لِيَنْصَرِفُوا عَمّا هم عَلَيْهِ. ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ حَكى عَنْهم شُبَهَهم في إنْكارِ نُبُوَّةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ.
الشُّبْهَةُ الأُولى: قَوْلُهُمْ: ﴿ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ وهَذِهِ الشُّبْهَةُ تَحْتِمَلُ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنْ يُقالَ: إنَّهُ لَمّا كانَ مُساوِيًا لِسائِرِ النّاسِ في القُوَّةِ والفَهْمِ والعِلْمِ والغِنى والفَقْرِ والصِّحَّةِ والمَرَضِ، امْتَنَعَ كَوْنُهُ رَسُولًا لِلَّهِ؛ لِأنَّ الرَّسُولَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ عَظِيمًا عِنْدَ اللَّهِ تَعالى وحَبِيبًا لَهُ، والحَبِيبُ لا بُدَّ وأنْ يُخْتَصَّ عَنْ غَيْرِ الحَبِيبِ بِمَزِيدِ الدَّرَجَةِ والمَعَزَّةِ، فَلَمّا فُقِدَتْ هَذِهِ الأشْياءُ عَلِمْنا انْتِفاءَ الرِّسالَةِ.
والثّانِي: أنْ يُقالَ: هَذا الإنْسانُ مُشارِكٌ لَكم في جَمِيعِ الأُمُورِ، ولَكِنَّهُ أحَبَّ الرِّياسَةَ والمَتْبُوعِيَّةَ فَلَمْ يَجِدْ إلَيْهِما سَبِيلًا إلّا بِادِّعاءِ النُّبُوَّةِ، فَصارَ ذَلِكَ شُبْهَةً لَهم في القَدْحِ في نُبُوَّتِهِ، فَهَذا الِاحْتِمالُ مُتَأكَّدٌ بِقَوْلِهِ تَعالى خَبَرًا عَنْهُمْ: ﴿يُرِيدُ أنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ: يُرِيدُ أنْ يَطْلُبَ الفَضْلَ عَلَيْكم ويَرْأسَكم، كَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَكُونَ لَكُما الكِبْرِياءُ في الأرْضِ﴾ [يُونُسَ: ٧٨] .
صفحة ٨١
الشُّبْهَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُمْ: ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَأنْزَلَ مَلائِكَةً﴾ وشَرْحُهُ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَوْ شاءَ إرْشادَ البَشَرِ لَوَجَبَ أنْ يَسْلُكَ الطَّرِيقَ الَّذِي يَكُونُ أشَدَّ إفْضاءً إلى المَقْصُودِ، ومَعْلُومٌ أنَّ بِعْثَةَ المَلائِكَةِ أشَدُّ إفْضاءً إلى هَذا المَقْصُودِ مِن بِعْثَةِ البَشَرِ؛ لِأنَّ المَلائِكَةَ لِعُلُوِّ شَأْنِهِمْ وشِدَّةِ سَطْوَتِهِمْ وكَثْرَةِ عُلُومِهِمْ، فالخَلْقُ يَنْقادُونَ إلَيْهِمْ، ولا يَشُكُّونَ في رِسالَتِهِمْ، فَلَمّا لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عَلِمْنا أنَّهُ ما أرْسَلَ رَسُولًا البَتَّةَ.
الشُّبْهَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُمْ: ﴿ما سَمِعْنا بِهَذا في آبائِنا الأوَّلِينَ﴾ وقَوْلُهُ: ”بِهَذا“ إشارَةٌ إلى نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، أوْ إلى ما كَلَّمَهم بِهِ مِنَ الحَثِّ عَلى عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى، أيْ: ما سَمِعْنا بِمِثْلِ هَذا الكَلامِ، أوْ بِمِثْلِ هَذا الَّذِي يَدَّعِي وهو بَشَرٌ أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ، وشَرْحُ هَذِهِ الشُّبْهَةِ أنَّهم كانُوا أقْوامًا لا يُعَوِّلُونَ في شَيْءٍ مِن مَذاهِبِهِمْ إلّا عَلى التَّقْلِيدِ والرُّجُوعِ إلى قَوْلِ الآباءِ، فَلَمّا لَمْ يَجِدُوا في نُبُوَّةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ حَكَمُوا بِفَسادِها. قالَ القاضِي: يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدُوا بِذَلِكَ كَوْنَهُ رَسُولًا مَبْعُوثًا؛ لِأنَّهُ لا يَمْتَنِعُ فِيما تَقَدَّمَ مِن زَمانِ آبائِهِمْ أنَّهُ كانَ زَمانَ فَتْرَةٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدُوا بِذَلِكَ دُعاءَهم إلى عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى وحْدَهُ؛ لِأنَّ آباءَهم كانُوا عَلى عِبادَةِ الأوْثانِ.
الشُّبْهَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُمْ: ﴿إنْ هو إلّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ﴾ والجِنَّةُ: الجُنُونُ أوِ الجِنُّ، فَإنَّ جُهّالَ العَوامِّ يَقُولُونَ في المَجْنُونِ: زالَ عَقْلُهُ بِعَمَلِ الجِنِّ، وهَذِهِ الشُّبْهَةُ مِن بابِ التَّرْوِيجِ عَلى العَوامِّ، فَإنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ يَفْعَلُ أفْعالًا عَلى خِلافِ عاداتِهِمْ، فَأُولَئِكَ الرُّؤَساءُ كانُوا يَقُولُونَ لِلْعَوامِّ: إنَّهُ مَجْنُونٌ، ومَن كانَ مَجْنُونًا فَكَيْفَ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ رَسُولًا.
الشُّبْهَةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُمْ: ﴿فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتّى حِينٍ﴾ وهَذا يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِما قَبْلَهُ؛ أيْ أنَّهُ مَجْنُونٌ فاصْبِرُوا إلى زَمانٍ حَتّى يَظْهَرَ عاقِبَةُ أمْرِهِ، فَإنْ أفاقَ وإلّا قَتَلْتُمُوهُ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ كَلامًا مُسْتَأْنَفًا وهو أنْ يَقُولُوا لِقَوْمِهِمْ: اصْبِرُوا فَإنَّهُ إنْ كانَ نَبِيًّا حَقًّا فاللَّهُ يَنْصُرُهُ ويُقَوِّي أمْرَهَ، فَنَحْنُ حِينَئِذٍ نَتَّبِعُهُ، وإنْ كانَ كاذِبًا فاللَّهُ يَخْذُلُهُ ويُبْطِلُ أمْرَهُ، فَحِينَئِذٍ نَسْتَرِيحُ مِنهُ، فَهَذِهِ مَجْمُوعُ الشُّبَهِ الَّتِي حَكاها اللَّهُ تَعالى عَنْهم. واعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ ما ذَكَرَ الجَوابَ عَنْها لِرَكاكَتِها ووُضُوحِ فَسادِها، وذَلِكَ لِأنَّ كُلَّ عاقِلٍ يَعْلَمُ أنَّ الرَّسُولَ لا يَصِيرُ رَسُولًا لِأنَّهُ مِن جِنْسِ المَلَكِ وإنَّما يَصِيرُ كَذَلِكَ بِأنْ يَتَمَيَّزَ مِن غَيْرِهِ بِالمُعْجِزاتِ، فَسَواءٌ كانَ مِن جِنْسِ المَلَكِ أوْ مِن جِنْسِ البَشَرِ فَعِنْدَ ظُهُورِ المُعْجِزِ عَلَيْهِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ رَسُولًا، بَلْ جَعْلُ الرَّسُولِ مِن جُمْلَةِ البَشَرِ أوْلى لِما مَرَّ بَيانُهُ في السُّوَرِ المُتَقَدِّمَةِ، وهو أنَّ الجِنْسِيَّةَ مَظِنَّةُ الأُلْفَةِ والمُؤانَسَةِ، وأمّا قَوْلُهُمْ: ﴿يُرِيدُ أنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ﴾ فَإنْ أرادُوا بِهِ إرادَتَهُ لِإظْهارِ فَضْلِهِ حَتّى يَلْزَمَهُمُ الِانْقِيادُ لِطاعَتِهِ فَهَذا واجِبٌ عَلى الرَّسُولِ، وإنْ أرادُوا بِهِ أنْ يَرْتَفِعَ عَلَيْهِمْ عَلى سَبِيلِ التَّجَبُّرِ والتَّكَبُّرِ والِانْقِيادِ، فالأنْبِياءُ مُنَزَّهُونَ عَنْ ذَلِكَ، وأمّا قَوْلُهم: ما سَمِعْنا بِهَذا، فَهو اسْتِدْلالٌ بِعَدَمِ التَّقْلِيدِ عَلى عَدَمِ وُجُودِ الشَّيْءِ وهو في غايَةِ السُّقُوطِ؛ لِأنَّ وُجُودَ التَّقْلِيدِ لا يَدُلُّ عَلى وُجُودِ الشَّيْءِ، فَعَدَمُهُ مِن أيْنَ يَدُلُّ عَلى عَدَمِهِ؟ وأمّا قَوْلُهم: بِهِ جِنَّةٌ، فَقَدْ كَذَبُوا لِأنَّهم كانُوا يَعْلَمُونَ بِالضَّرُورَةِ كَمالَ عَقْلِهِ، وأمّا قَوْلُهُمْ: فَتَرَبَّصُوا بِهِ، فَضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ إنْ ظَهَرَتِ الدَّلالَةُ عَلى نُبُوَّتِهِ وهي المُعْجِزَةُ وجَبَ عَلَيْهِمْ قَبُولُ قَوْلِهِ في الحالِ، ولا يَجُوزُ تَوْقِيفُ ذَلِكَ إلى ظُهُورِ دَوْلَتِهِ؛ لِأنَّ الدَّوْلَةَ لا تَدُلُّ عَلى الحَقِّيَّةِ، وإنْ لَمْ يَظْهَرِ المُعْجِزُ لَمْ يَجُزْ قَبُولُ قَوْلِهِ، سَواءٌ ظَهَرَتِ الدَّوْلَةُ أوْ لَمْ تَظْهَرْ، ولَمّا كانَتْ هَذِهِ الأجْوِبَةُ في نِهايَةِ الظُّهُورِ لا جَرَمَ تَرَكَها اللَّهُ سُبْحانَهُ.
المؤمنون 23:24
واعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا بَيَّنَ دَلائِلَ التَّوْحِيدِ أرْدَفَها بِالقَصَصِ كَما هو العادَةُ في سائِرِ السُّوَرِ، وهي هاهُنا:
صفحة ٨٠
القِصَّةُ الأُولى قِصَّةُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ
﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ ﴿فَقالَ المَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم يُرِيدُ أنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكم ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَأنْزَلَ مَلائِكَةً ما سَمِعْنا بِهَذا في آبائِنا الأوَّلِينَ﴾ ﴿إنْ هو إلّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتّى حِينٍ﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ فَقالَ ياقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ ﴿فَقالَ المَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم يُرِيدُ أنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكم ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَأنْزَلَ مَلائِكَةً ما سَمِعْنا بِهَذا في آبائِنا الأوَّلِينَ﴾ ﴿إنْ هو إلّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتّى حِينٍ﴾
قالَ قَوْمٌ: إنَّ نُوحًا كانَ اسْمُهُ يَشْكُرُ، ثُمَّ سُمِّيَ نُوحًا لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: لِكَثْرَةِ ما ناحَ عَلى نَفْسِهِ حِينَ دَعا عَلى قَوْمِهِ بِالهَلاكِ، فَأهْلَكَهم بِالطُّوفانِ فَنَدِمَ عَلى ذَلِكَ.
وثانِيها: لِمُراجَعَةِ رَبِّهِ في شَأْنِ ابْنِهِ.
وثالِثُها: أنَّهُ مَرَّ بِكَلْبٍ مَجْذُومٍ، فَقالَ لَهُ: اخْسَأْ يا قَبِيحُ، فَعُوتِبَ عَلى ذَلِكَ، فَقالَ اللَّهُ لَهُ: أعِبْتَنِي إذْ خَلَقْتُهُ، أمْ عِبْتَ الكَلْبَ؟ وهَذِهِ الوُجُوهُ مُشْكِلَةٌ؛ لِما ثَبَتَ أنَّ الأعْلامَ لا تُفِيدُ صِفَةً في المُسَمّى.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ فالمَعْنى أنَّهُ سُبْحانَهُ أرْسَلَهُ بِالدُّعاءِ إلى عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى وحْدَهُ، ولا يَجُوزُ أنْ يَدْعُوَهم إلى ذَلِكَ إلّا وقَدْ دَعاهم إلى مَعْرِفَتِهِ أوَّلًا؛ لِأنَّ عِبادَةَ مَن لا يَكُونُ مَعْلُومًا غَيْرُ جائِزَةٍ، وإنَّما يَجُوزُ ويَجِبُ بَعْدَ المَعْرِفَةِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ فالمُرادُ أنَّ عِبادَةَ غَيْرِ اللَّهِ لا تَجُوزُ إذْ لا إلَهَ سِواهُ. ومِن حَقِّ العِبادَةِ أنْ تُحْسِنَ لِمَن أنْعَمَ بِالخَلْقِ والإحْياءِ وما بَعْدَهُما، فَإذا لَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ إلّا مِنهُ تَعالى فَكَيْفَ يَعْبُدُ ما لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ؟ وقُرِئَ ”غَيْرُهُ“ بِالرَّفْعِ عَلى المَحَلِّ وبِالجَرِّ عَلى اللَّفْظِ، ثُمَّ إنَّهُ لَمّا لَمْ يَنْفَعْ فِيهِمْ هَذا الدُّعاءُ واسْتَمَرُّوا عَلى عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى حَذَّرَهم بِقَوْلِهِ: ﴿أفَلا تَتَّقُونَ﴾ لِأنَّ ذَلِكَ زَجْرٌ ووَعِيدٌ بِاتِّقاءِ العُقُوبَةِ لِيَنْصَرِفُوا عَمّا هم عَلَيْهِ. ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ حَكى عَنْهم شُبَهَهم في إنْكارِ نُبُوَّةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ.
الشُّبْهَةُ الأُولى: قَوْلُهُمْ: ﴿ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ وهَذِهِ الشُّبْهَةُ تَحْتِمَلُ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنْ يُقالَ: إنَّهُ لَمّا كانَ مُساوِيًا لِسائِرِ النّاسِ في القُوَّةِ والفَهْمِ والعِلْمِ والغِنى والفَقْرِ والصِّحَّةِ والمَرَضِ، امْتَنَعَ كَوْنُهُ رَسُولًا لِلَّهِ؛ لِأنَّ الرَّسُولَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ عَظِيمًا عِنْدَ اللَّهِ تَعالى وحَبِيبًا لَهُ، والحَبِيبُ لا بُدَّ وأنْ يُخْتَصَّ عَنْ غَيْرِ الحَبِيبِ بِمَزِيدِ الدَّرَجَةِ والمَعَزَّةِ، فَلَمّا فُقِدَتْ هَذِهِ الأشْياءُ عَلِمْنا انْتِفاءَ الرِّسالَةِ.
والثّانِي: أنْ يُقالَ: هَذا الإنْسانُ مُشارِكٌ لَكم في جَمِيعِ الأُمُورِ، ولَكِنَّهُ أحَبَّ الرِّياسَةَ والمَتْبُوعِيَّةَ فَلَمْ يَجِدْ إلَيْهِما سَبِيلًا إلّا بِادِّعاءِ النُّبُوَّةِ، فَصارَ ذَلِكَ شُبْهَةً لَهم في القَدْحِ في نُبُوَّتِهِ، فَهَذا الِاحْتِمالُ مُتَأكَّدٌ بِقَوْلِهِ تَعالى خَبَرًا عَنْهُمْ: ﴿يُرِيدُ أنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ: يُرِيدُ أنْ يَطْلُبَ الفَضْلَ عَلَيْكم ويَرْأسَكم، كَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَكُونَ لَكُما الكِبْرِياءُ في الأرْضِ﴾ [يُونُسَ: ٧٨] .
صفحة ٨١
الشُّبْهَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُمْ: ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَأنْزَلَ مَلائِكَةً﴾ وشَرْحُهُ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَوْ شاءَ إرْشادَ البَشَرِ لَوَجَبَ أنْ يَسْلُكَ الطَّرِيقَ الَّذِي يَكُونُ أشَدَّ إفْضاءً إلى المَقْصُودِ، ومَعْلُومٌ أنَّ بِعْثَةَ المَلائِكَةِ أشَدُّ إفْضاءً إلى هَذا المَقْصُودِ مِن بِعْثَةِ البَشَرِ؛ لِأنَّ المَلائِكَةَ لِعُلُوِّ شَأْنِهِمْ وشِدَّةِ سَطْوَتِهِمْ وكَثْرَةِ عُلُومِهِمْ، فالخَلْقُ يَنْقادُونَ إلَيْهِمْ، ولا يَشُكُّونَ في رِسالَتِهِمْ، فَلَمّا لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عَلِمْنا أنَّهُ ما أرْسَلَ رَسُولًا البَتَّةَ.
الشُّبْهَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُمْ: ﴿ما سَمِعْنا بِهَذا في آبائِنا الأوَّلِينَ﴾ وقَوْلُهُ: ”بِهَذا“ إشارَةٌ إلى نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، أوْ إلى ما كَلَّمَهم بِهِ مِنَ الحَثِّ عَلى عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى، أيْ: ما سَمِعْنا بِمِثْلِ هَذا الكَلامِ، أوْ بِمِثْلِ هَذا الَّذِي يَدَّعِي وهو بَشَرٌ أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ، وشَرْحُ هَذِهِ الشُّبْهَةِ أنَّهم كانُوا أقْوامًا لا يُعَوِّلُونَ في شَيْءٍ مِن مَذاهِبِهِمْ إلّا عَلى التَّقْلِيدِ والرُّجُوعِ إلى قَوْلِ الآباءِ، فَلَمّا لَمْ يَجِدُوا في نُبُوَّةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ حَكَمُوا بِفَسادِها. قالَ القاضِي: يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدُوا بِذَلِكَ كَوْنَهُ رَسُولًا مَبْعُوثًا؛ لِأنَّهُ لا يَمْتَنِعُ فِيما تَقَدَّمَ مِن زَمانِ آبائِهِمْ أنَّهُ كانَ زَمانَ فَتْرَةٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدُوا بِذَلِكَ دُعاءَهم إلى عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى وحْدَهُ؛ لِأنَّ آباءَهم كانُوا عَلى عِبادَةِ الأوْثانِ.
الشُّبْهَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُمْ: ﴿إنْ هو إلّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ﴾ والجِنَّةُ: الجُنُونُ أوِ الجِنُّ، فَإنَّ جُهّالَ العَوامِّ يَقُولُونَ في المَجْنُونِ: زالَ عَقْلُهُ بِعَمَلِ الجِنِّ، وهَذِهِ الشُّبْهَةُ مِن بابِ التَّرْوِيجِ عَلى العَوامِّ، فَإنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ يَفْعَلُ أفْعالًا عَلى خِلافِ عاداتِهِمْ، فَأُولَئِكَ الرُّؤَساءُ كانُوا يَقُولُونَ لِلْعَوامِّ: إنَّهُ مَجْنُونٌ، ومَن كانَ مَجْنُونًا فَكَيْفَ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ رَسُولًا.
الشُّبْهَةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُمْ: ﴿فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتّى حِينٍ﴾ وهَذا يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِما قَبْلَهُ؛ أيْ أنَّهُ مَجْنُونٌ فاصْبِرُوا إلى زَمانٍ حَتّى يَظْهَرَ عاقِبَةُ أمْرِهِ، فَإنْ أفاقَ وإلّا قَتَلْتُمُوهُ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ كَلامًا مُسْتَأْنَفًا وهو أنْ يَقُولُوا لِقَوْمِهِمْ: اصْبِرُوا فَإنَّهُ إنْ كانَ نَبِيًّا حَقًّا فاللَّهُ يَنْصُرُهُ ويُقَوِّي أمْرَهَ، فَنَحْنُ حِينَئِذٍ نَتَّبِعُهُ، وإنْ كانَ كاذِبًا فاللَّهُ يَخْذُلُهُ ويُبْطِلُ أمْرَهُ، فَحِينَئِذٍ نَسْتَرِيحُ مِنهُ، فَهَذِهِ مَجْمُوعُ الشُّبَهِ الَّتِي حَكاها اللَّهُ تَعالى عَنْهم. واعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ ما ذَكَرَ الجَوابَ عَنْها لِرَكاكَتِها ووُضُوحِ فَسادِها، وذَلِكَ لِأنَّ كُلَّ عاقِلٍ يَعْلَمُ أنَّ الرَّسُولَ لا يَصِيرُ رَسُولًا لِأنَّهُ مِن جِنْسِ المَلَكِ وإنَّما يَصِيرُ كَذَلِكَ بِأنْ يَتَمَيَّزَ مِن غَيْرِهِ بِالمُعْجِزاتِ، فَسَواءٌ كانَ مِن جِنْسِ المَلَكِ أوْ مِن جِنْسِ البَشَرِ فَعِنْدَ ظُهُورِ المُعْجِزِ عَلَيْهِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ رَسُولًا، بَلْ جَعْلُ الرَّسُولِ مِن جُمْلَةِ البَشَرِ أوْلى لِما مَرَّ بَيانُهُ في السُّوَرِ المُتَقَدِّمَةِ، وهو أنَّ الجِنْسِيَّةَ مَظِنَّةُ الأُلْفَةِ والمُؤانَسَةِ، وأمّا قَوْلُهُمْ: ﴿يُرِيدُ أنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ﴾ فَإنْ أرادُوا بِهِ إرادَتَهُ لِإظْهارِ فَضْلِهِ حَتّى يَلْزَمَهُمُ الِانْقِيادُ لِطاعَتِهِ فَهَذا واجِبٌ عَلى الرَّسُولِ، وإنْ أرادُوا بِهِ أنْ يَرْتَفِعَ عَلَيْهِمْ عَلى سَبِيلِ التَّجَبُّرِ والتَّكَبُّرِ والِانْقِيادِ، فالأنْبِياءُ مُنَزَّهُونَ عَنْ ذَلِكَ، وأمّا قَوْلُهم: ما سَمِعْنا بِهَذا، فَهو اسْتِدْلالٌ بِعَدَمِ التَّقْلِيدِ عَلى عَدَمِ وُجُودِ الشَّيْءِ وهو في غايَةِ السُّقُوطِ؛ لِأنَّ وُجُودَ التَّقْلِيدِ لا يَدُلُّ عَلى وُجُودِ الشَّيْءِ، فَعَدَمُهُ مِن أيْنَ يَدُلُّ عَلى عَدَمِهِ؟ وأمّا قَوْلُهم: بِهِ جِنَّةٌ، فَقَدْ كَذَبُوا لِأنَّهم كانُوا يَعْلَمُونَ بِالضَّرُورَةِ كَمالَ عَقْلِهِ، وأمّا قَوْلُهُمْ: فَتَرَبَّصُوا بِهِ، فَضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ إنْ ظَهَرَتِ الدَّلالَةُ عَلى نُبُوَّتِهِ وهي المُعْجِزَةُ وجَبَ عَلَيْهِمْ قَبُولُ قَوْلِهِ في الحالِ، ولا يَجُوزُ تَوْقِيفُ ذَلِكَ إلى ظُهُورِ دَوْلَتِهِ؛ لِأنَّ الدَّوْلَةَ لا تَدُلُّ عَلى الحَقِّيَّةِ، وإنْ لَمْ يَظْهَرِ المُعْجِزُ لَمْ يَجُزْ قَبُولُ قَوْلِهِ، سَواءٌ ظَهَرَتِ الدَّوْلَةُ أوْ لَمْ تَظْهَرْ، ولَمّا كانَتْ هَذِهِ الأجْوِبَةُ في نِهايَةِ الظُّهُورِ لا جَرَمَ تَرَكَها اللَّهُ سُبْحانَهُ.
المؤمنون 23:25
واعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا بَيَّنَ دَلائِلَ التَّوْحِيدِ أرْدَفَها بِالقَصَصِ كَما هو العادَةُ في سائِرِ السُّوَرِ، وهي هاهُنا:
صفحة ٨٠
القِصَّةُ الأُولى قِصَّةُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ
﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ ﴿فَقالَ المَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم يُرِيدُ أنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكم ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَأنْزَلَ مَلائِكَةً ما سَمِعْنا بِهَذا في آبائِنا الأوَّلِينَ﴾ ﴿إنْ هو إلّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتّى حِينٍ﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ فَقالَ ياقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ ﴿فَقالَ المَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم يُرِيدُ أنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكم ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَأنْزَلَ مَلائِكَةً ما سَمِعْنا بِهَذا في آبائِنا الأوَّلِينَ﴾ ﴿إنْ هو إلّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتّى حِينٍ﴾
قالَ قَوْمٌ: إنَّ نُوحًا كانَ اسْمُهُ يَشْكُرُ، ثُمَّ سُمِّيَ نُوحًا لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: لِكَثْرَةِ ما ناحَ عَلى نَفْسِهِ حِينَ دَعا عَلى قَوْمِهِ بِالهَلاكِ، فَأهْلَكَهم بِالطُّوفانِ فَنَدِمَ عَلى ذَلِكَ.
وثانِيها: لِمُراجَعَةِ رَبِّهِ في شَأْنِ ابْنِهِ.
وثالِثُها: أنَّهُ مَرَّ بِكَلْبٍ مَجْذُومٍ، فَقالَ لَهُ: اخْسَأْ يا قَبِيحُ، فَعُوتِبَ عَلى ذَلِكَ، فَقالَ اللَّهُ لَهُ: أعِبْتَنِي إذْ خَلَقْتُهُ، أمْ عِبْتَ الكَلْبَ؟ وهَذِهِ الوُجُوهُ مُشْكِلَةٌ؛ لِما ثَبَتَ أنَّ الأعْلامَ لا تُفِيدُ صِفَةً في المُسَمّى.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ فالمَعْنى أنَّهُ سُبْحانَهُ أرْسَلَهُ بِالدُّعاءِ إلى عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى وحْدَهُ، ولا يَجُوزُ أنْ يَدْعُوَهم إلى ذَلِكَ إلّا وقَدْ دَعاهم إلى مَعْرِفَتِهِ أوَّلًا؛ لِأنَّ عِبادَةَ مَن لا يَكُونُ مَعْلُومًا غَيْرُ جائِزَةٍ، وإنَّما يَجُوزُ ويَجِبُ بَعْدَ المَعْرِفَةِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ فالمُرادُ أنَّ عِبادَةَ غَيْرِ اللَّهِ لا تَجُوزُ إذْ لا إلَهَ سِواهُ. ومِن حَقِّ العِبادَةِ أنْ تُحْسِنَ لِمَن أنْعَمَ بِالخَلْقِ والإحْياءِ وما بَعْدَهُما، فَإذا لَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ إلّا مِنهُ تَعالى فَكَيْفَ يَعْبُدُ ما لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ؟ وقُرِئَ ”غَيْرُهُ“ بِالرَّفْعِ عَلى المَحَلِّ وبِالجَرِّ عَلى اللَّفْظِ، ثُمَّ إنَّهُ لَمّا لَمْ يَنْفَعْ فِيهِمْ هَذا الدُّعاءُ واسْتَمَرُّوا عَلى عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى حَذَّرَهم بِقَوْلِهِ: ﴿أفَلا تَتَّقُونَ﴾ لِأنَّ ذَلِكَ زَجْرٌ ووَعِيدٌ بِاتِّقاءِ العُقُوبَةِ لِيَنْصَرِفُوا عَمّا هم عَلَيْهِ. ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ حَكى عَنْهم شُبَهَهم في إنْكارِ نُبُوَّةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ.
الشُّبْهَةُ الأُولى: قَوْلُهُمْ: ﴿ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ وهَذِهِ الشُّبْهَةُ تَحْتِمَلُ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنْ يُقالَ: إنَّهُ لَمّا كانَ مُساوِيًا لِسائِرِ النّاسِ في القُوَّةِ والفَهْمِ والعِلْمِ والغِنى والفَقْرِ والصِّحَّةِ والمَرَضِ، امْتَنَعَ كَوْنُهُ رَسُولًا لِلَّهِ؛ لِأنَّ الرَّسُولَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ عَظِيمًا عِنْدَ اللَّهِ تَعالى وحَبِيبًا لَهُ، والحَبِيبُ لا بُدَّ وأنْ يُخْتَصَّ عَنْ غَيْرِ الحَبِيبِ بِمَزِيدِ الدَّرَجَةِ والمَعَزَّةِ، فَلَمّا فُقِدَتْ هَذِهِ الأشْياءُ عَلِمْنا انْتِفاءَ الرِّسالَةِ.
والثّانِي: أنْ يُقالَ: هَذا الإنْسانُ مُشارِكٌ لَكم في جَمِيعِ الأُمُورِ، ولَكِنَّهُ أحَبَّ الرِّياسَةَ والمَتْبُوعِيَّةَ فَلَمْ يَجِدْ إلَيْهِما سَبِيلًا إلّا بِادِّعاءِ النُّبُوَّةِ، فَصارَ ذَلِكَ شُبْهَةً لَهم في القَدْحِ في نُبُوَّتِهِ، فَهَذا الِاحْتِمالُ مُتَأكَّدٌ بِقَوْلِهِ تَعالى خَبَرًا عَنْهُمْ: ﴿يُرِيدُ أنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ: يُرِيدُ أنْ يَطْلُبَ الفَضْلَ عَلَيْكم ويَرْأسَكم، كَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَكُونَ لَكُما الكِبْرِياءُ في الأرْضِ﴾ [يُونُسَ: ٧٨] .
صفحة ٨١
الشُّبْهَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُمْ: ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَأنْزَلَ مَلائِكَةً﴾ وشَرْحُهُ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَوْ شاءَ إرْشادَ البَشَرِ لَوَجَبَ أنْ يَسْلُكَ الطَّرِيقَ الَّذِي يَكُونُ أشَدَّ إفْضاءً إلى المَقْصُودِ، ومَعْلُومٌ أنَّ بِعْثَةَ المَلائِكَةِ أشَدُّ إفْضاءً إلى هَذا المَقْصُودِ مِن بِعْثَةِ البَشَرِ؛ لِأنَّ المَلائِكَةَ لِعُلُوِّ شَأْنِهِمْ وشِدَّةِ سَطْوَتِهِمْ وكَثْرَةِ عُلُومِهِمْ، فالخَلْقُ يَنْقادُونَ إلَيْهِمْ، ولا يَشُكُّونَ في رِسالَتِهِمْ، فَلَمّا لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عَلِمْنا أنَّهُ ما أرْسَلَ رَسُولًا البَتَّةَ.
الشُّبْهَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُمْ: ﴿ما سَمِعْنا بِهَذا في آبائِنا الأوَّلِينَ﴾ وقَوْلُهُ: ”بِهَذا“ إشارَةٌ إلى نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، أوْ إلى ما كَلَّمَهم بِهِ مِنَ الحَثِّ عَلى عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى، أيْ: ما سَمِعْنا بِمِثْلِ هَذا الكَلامِ، أوْ بِمِثْلِ هَذا الَّذِي يَدَّعِي وهو بَشَرٌ أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ، وشَرْحُ هَذِهِ الشُّبْهَةِ أنَّهم كانُوا أقْوامًا لا يُعَوِّلُونَ في شَيْءٍ مِن مَذاهِبِهِمْ إلّا عَلى التَّقْلِيدِ والرُّجُوعِ إلى قَوْلِ الآباءِ، فَلَمّا لَمْ يَجِدُوا في نُبُوَّةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ حَكَمُوا بِفَسادِها. قالَ القاضِي: يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدُوا بِذَلِكَ كَوْنَهُ رَسُولًا مَبْعُوثًا؛ لِأنَّهُ لا يَمْتَنِعُ فِيما تَقَدَّمَ مِن زَمانِ آبائِهِمْ أنَّهُ كانَ زَمانَ فَتْرَةٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدُوا بِذَلِكَ دُعاءَهم إلى عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى وحْدَهُ؛ لِأنَّ آباءَهم كانُوا عَلى عِبادَةِ الأوْثانِ.
الشُّبْهَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُمْ: ﴿إنْ هو إلّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ﴾ والجِنَّةُ: الجُنُونُ أوِ الجِنُّ، فَإنَّ جُهّالَ العَوامِّ يَقُولُونَ في المَجْنُونِ: زالَ عَقْلُهُ بِعَمَلِ الجِنِّ، وهَذِهِ الشُّبْهَةُ مِن بابِ التَّرْوِيجِ عَلى العَوامِّ، فَإنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ يَفْعَلُ أفْعالًا عَلى خِلافِ عاداتِهِمْ، فَأُولَئِكَ الرُّؤَساءُ كانُوا يَقُولُونَ لِلْعَوامِّ: إنَّهُ مَجْنُونٌ، ومَن كانَ مَجْنُونًا فَكَيْفَ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ رَسُولًا.
الشُّبْهَةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُمْ: ﴿فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتّى حِينٍ﴾ وهَذا يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِما قَبْلَهُ؛ أيْ أنَّهُ مَجْنُونٌ فاصْبِرُوا إلى زَمانٍ حَتّى يَظْهَرَ عاقِبَةُ أمْرِهِ، فَإنْ أفاقَ وإلّا قَتَلْتُمُوهُ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ كَلامًا مُسْتَأْنَفًا وهو أنْ يَقُولُوا لِقَوْمِهِمْ: اصْبِرُوا فَإنَّهُ إنْ كانَ نَبِيًّا حَقًّا فاللَّهُ يَنْصُرُهُ ويُقَوِّي أمْرَهَ، فَنَحْنُ حِينَئِذٍ نَتَّبِعُهُ، وإنْ كانَ كاذِبًا فاللَّهُ يَخْذُلُهُ ويُبْطِلُ أمْرَهُ، فَحِينَئِذٍ نَسْتَرِيحُ مِنهُ، فَهَذِهِ مَجْمُوعُ الشُّبَهِ الَّتِي حَكاها اللَّهُ تَعالى عَنْهم. واعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ ما ذَكَرَ الجَوابَ عَنْها لِرَكاكَتِها ووُضُوحِ فَسادِها، وذَلِكَ لِأنَّ كُلَّ عاقِلٍ يَعْلَمُ أنَّ الرَّسُولَ لا يَصِيرُ رَسُولًا لِأنَّهُ مِن جِنْسِ المَلَكِ وإنَّما يَصِيرُ كَذَلِكَ بِأنْ يَتَمَيَّزَ مِن غَيْرِهِ بِالمُعْجِزاتِ، فَسَواءٌ كانَ مِن جِنْسِ المَلَكِ أوْ مِن جِنْسِ البَشَرِ فَعِنْدَ ظُهُورِ المُعْجِزِ عَلَيْهِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ رَسُولًا، بَلْ جَعْلُ الرَّسُولِ مِن جُمْلَةِ البَشَرِ أوْلى لِما مَرَّ بَيانُهُ في السُّوَرِ المُتَقَدِّمَةِ، وهو أنَّ الجِنْسِيَّةَ مَظِنَّةُ الأُلْفَةِ والمُؤانَسَةِ، وأمّا قَوْلُهُمْ: ﴿يُرِيدُ أنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ﴾ فَإنْ أرادُوا بِهِ إرادَتَهُ لِإظْهارِ فَضْلِهِ حَتّى يَلْزَمَهُمُ الِانْقِيادُ لِطاعَتِهِ فَهَذا واجِبٌ عَلى الرَّسُولِ، وإنْ أرادُوا بِهِ أنْ يَرْتَفِعَ عَلَيْهِمْ عَلى سَبِيلِ التَّجَبُّرِ والتَّكَبُّرِ والِانْقِيادِ، فالأنْبِياءُ مُنَزَّهُونَ عَنْ ذَلِكَ، وأمّا قَوْلُهم: ما سَمِعْنا بِهَذا، فَهو اسْتِدْلالٌ بِعَدَمِ التَّقْلِيدِ عَلى عَدَمِ وُجُودِ الشَّيْءِ وهو في غايَةِ السُّقُوطِ؛ لِأنَّ وُجُودَ التَّقْلِيدِ لا يَدُلُّ عَلى وُجُودِ الشَّيْءِ، فَعَدَمُهُ مِن أيْنَ يَدُلُّ عَلى عَدَمِهِ؟ وأمّا قَوْلُهم: بِهِ جِنَّةٌ، فَقَدْ كَذَبُوا لِأنَّهم كانُوا يَعْلَمُونَ بِالضَّرُورَةِ كَمالَ عَقْلِهِ، وأمّا قَوْلُهُمْ: فَتَرَبَّصُوا بِهِ، فَضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ إنْ ظَهَرَتِ الدَّلالَةُ عَلى نُبُوَّتِهِ وهي المُعْجِزَةُ وجَبَ عَلَيْهِمْ قَبُولُ قَوْلِهِ في الحالِ، ولا يَجُوزُ تَوْقِيفُ ذَلِكَ إلى ظُهُورِ دَوْلَتِهِ؛ لِأنَّ الدَّوْلَةَ لا تَدُلُّ عَلى الحَقِّيَّةِ، وإنْ لَمْ يَظْهَرِ المُعْجِزُ لَمْ يَجُزْ قَبُولُ قَوْلِهِ، سَواءٌ ظَهَرَتِ الدَّوْلَةُ أوْ لَمْ تَظْهَرْ، ولَمّا كانَتْ هَذِهِ الأجْوِبَةُ في نِهايَةِ الظُّهُورِ لا جَرَمَ تَرَكَها اللَّهُ سُبْحانَهُ.
المؤمنون 23:26
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ﴾ ﴿فَأوْحَيْنا إلَيْهِ أنِ اصْنَعِ الفُلْكَ بِأعْيُنِنا ووَحْيِنا فَإذا جاءَ أمْرُنا وفارَ التَّنُّورُ فاسْلُكْ فِيها مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وأهْلَكَ إلّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ مِنهم ولا تُخاطِبْنِي في الَّذِينَ ظَلَمُوا إنَّهم مُغْرَقُونَ﴾ ﴿فَإذا اسْتَوَيْتَ أنْتَ ومَن مَعَكَ عَلى الفُلْكِ فَقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجّانا مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ ﴿وقُلْ رَبِّ أنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكًا وأنْتَ خَيْرُ المُنْزِلِينَ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ وإنْ كُنّا لَمُبْتَلِينَ﴾
أمّا قَوْلُهُ: ﴿رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّ في نَصْرِهِ إهْلاكَهم فَكَأنَّهُ قالَ: أهْلِكْهم بِسَبَبِ تَكْذِيبِهِمْ إيّايَ.
وثانِيها: انْصُرْنِي بَدَلَ ما كَذَّبُونِي، كَما تَقُولُ: هَذا بِذاكَ أيْ: بَدَلُ ذاكَ ومَكانُهُ، والمَعْنى أبْدِلْنِي مِن غَمِّ تَكْذِيبِهِمْ سَلْوَةَ النَّصْرِ عَلَيْهِمْ.
وثالِثُها: انْصُرْنِي بِإنْجازِ ما وعَدْتَهم مِنَ العَذابِ وهو ما كَذَّبُوهُ فِيهِ حِينَ قالَ لَهُمْ: ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعْرافِ: ٥٩] ولَمّا أجابَ اللَّهُ دُعاءَهُ قالَ: ﴿فَأوْحَيْنا إلَيْهِ أنِ اصْنَعِ الفُلْكَ بِأعْيُنِنا﴾ أيْ: بِحِفْظِنا وكَلَئِنا كَأنَّ مَعَهُ مِنَ اللَّهِ حافِظًا يَكْلَؤُهُ بِعَيْنِهِ لِئَلّا يَتَعَرَّضَ لَهُ ولا يُفْسِدَ عَلَيْهِ مُفْسِدٌ عَمَلَهُ، ومِنهُ قَوْلُهُمْ: عَلَيْهِ مِنَ اللَّهِ عَيْنٌ كالِئَةٌ، وهَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى فَسادِ قَوْلِ المُشَبِّهَةِ في تَمَسُّكِهِمْ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«إنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلى صُورَتِهِ» “ لِأنَّ ثُبُوتَ الأعْيُنِ يَمْنَعُ مِن ذَلِكَ، واخْتَلَفُوا في أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كَيْفَ صَنَعَ الفُلْكَ، فَقِيلَ: إنَّهُ كانَ نَجّارًا وكانَ عالِمًا بِكَيْفِيَّةِ اتِّخاذِها، وقِيلَ: إنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلَّمَهُ عَمَلَ السَّفِينَةِ، ووَصَفَ لَهُ كَيْفِيَّةَ اتِّخاذِها، وهَذا هو الأقْرَبُ لِقَوْلِهِ: ﴿بِأعْيُنِنا ووَحْيِنا﴾ .
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَإذا جاءَ أمْرُنا﴾ فاعْلَمْ أنَّ لَفْظَ الأمْرِ كَما هو حَقِيقَةٌ في طَلَبِ الفِعْلِ بِالقَوْلِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعْلاءِ، فَكَذا هو حَقِيقَةٌ في الشَّأْنِ العَظِيمِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّكَ إذا قُلْتَ: هَذا أمْرٌ، بَقِيَ الذِّهْنُ يَتَرَدَّدُ بَيْنَ المَفْهُومَيْنِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ حَقِيقَةً فِيهِما، وتَمامُ تَقْرِيرِهِ مَذْكُورٌ في كِتابِ المَحْصُولِ في الأُصُولِ، ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: إنَّما سَمّاهُ أمْرًا عَلى سَبِيلِ التَّعْظِيمِ والتَّفْخِيمِ، مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿فَقالَ لَها ولِلْأرْضِ اِئْتِيا طَوْعًا أوْ كَرْهًا﴾ [فُصِّلَتْ: ١١] .
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وفارَ التَّنُّورُ﴾ فاخْتَلَفُوا في التَّنُّورِ، فالأكْثَرُونَ عَلى أنَّهُ هو التَّنُّورُ المَعْرُوفُ. رُوِيَ أنَّهُ قِيلَ لِنُوحٍ: إذا رَأيْتَ الماءَ يَفُورُ مِنَ التَّنُّورِ فارْكَبْ أنْتَ ومَن مَعَكَ في السَّفِينَةِ، فَلَمّا نَبَعَ الماءُ مِنَ التَّنُّورِ أخْبَرَتْهُ امْرَأتُهُ فَرَكِبَ، وقِيلَ: كانَ تَنُّورُ آدَمَ مِن حِجارَةٍ فَصارَ إلى نُوحٍ، واخْتُلِفَ في مَكانِهِ، فَعَنِ الشَّعْبِيِّ: في مَسْجِدِ الكُوفَةِ عَنْ يَمِينِ الدّاخِلِ مِمّا يَلِي بابَ كِنْدَةَ، وكانَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ عَمِلَ السَّفِينَةَ في وسَطِ المَسْجِدِ، وقِيلَ: بِالشّامِ بِمَوْضِعٍ يُقالُ لَهُ: عَيْنُ ورْدَةٍ، وقِيلَ بِالهِنْدِ.
القَوْلُ الثّانِي: أنَّ التَّنُّورَ وجْهُ الأرْضِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما.
الثّالِثُ: أنَّهُ أشْرَفُ مَوْضِعٍ في الأرْضِ؛ أيْ: أعْلاهُ، عَنْ قَتادَةَ.
والرّابِعُ: ﴿وفارَ التَّنُّورُ﴾ أيْ: طَلْعَ الفَجْرُ، عَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقِيلَ: إنَّ فَوَرانَ التَّنُّورِ كانَ عِنْدَ طُلُوعِ الفَجْرِ.
والخامِسُ: هو مِثْلُ قَوْلِهِمْ: حَمِيَ الوَطِيسُ.
والسّادِسُ: أنَّهُ المَوْضِعُ المُنْخَفِضُ مِنَ السَّفِينَةِ الَّذِي يَسِيلُ الماءُ إلَيْهِ، عَنِ الحَسَنِ رَحِمَهُ اللَّهُ، والقَوْلُ الأوَّلُ هو
صفحة ٨٣
الصَّوابُ؛ لِأنَّ العُدُولَ عَنِ الحَقِيقَةِ إلى المَجازِ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ لا يَجُوزُ، واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ فَوَرانَ التَّنُّورِ عَلامَةً لِنُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ حَتّى يَرْكَبَ عِنْدَهُ السَّفِينَةَ؛ طَلَبًا لِنَجاتِهِ ونَجاةِ مَن آمَنَ بِهِ مِن قَوْمِهِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فاسْلُكْ فِيها﴾ أيْ: أدْخِلْ فِيها، يُقالُ: سَلَكَ فِيهِ؛ أيْ: دَخَلَ فِيهِ، وسَلَكَ غَيْرَهُ وأسْلَكَهُ ﴿مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ أيْ: مِن كُلِّ زَوْجَيْنِ مِنَ الحَيَوانِ الَّذِي يَحْضُرُهُ في الوَقْتِ (اثْنَيْنِ) الذَّكَرَ والأُنْثى؛ لِكَيْ لا يَنْقَطِعَ نَسْلُ ذَلِكَ الحَيَوانِ، وكُلُّ واحِدٍ مِنهُما زَوْجٌ، لا كَما تَقُولُهُ العامَّةُ مِن أنَّ الزَّوْجَ هو الِاثْنانِ، رُوِيَ أنَّهُ لَمْ يَحْمِلْ إلّا ما يَلِدُ ويَبِيضُ، وقُرِئَ ”مِن كُلٍّ“ بِالتَّنْوِينِ، أيْ: مِن كُلِّ أُمَّةٍ زَوْجَيْنِ، واثْنَيْنِ تَأْكِيدٌ وزِيادَةُ بَيانٍ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وأهْلَكَ إلّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ مِنهُمْ﴾ أيْ: وأدْخِلْ أهْلَكَ، ولَفْظُ (عَلى) إنَّما يُسْتَعْمَلُ في المَضارِّ؛ قالَ تَعالى: ﴿لَها ما كَسَبَتْ وعَلَيْها ما اكْتَسَبَتْ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٨٦] واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أمْرَيْنِ، أحَدُهُما: أنَّهُ سُبْحانَهُ أمَرَهُ بِإدْخالِ سائِرِ مَن آمَنَ بِهِ وإنْ لَمْ يَكُنْ مِن أهْلِهِ، وقِيلَ: المُرادُ بِـ (أهْلِهِ) مَن آمَنَ دُونَ مَن يَتَّصِلُ بِهِ نَسَبًا أوْ سَبَبًا، وهَذا ضَعِيفٌ، وإلّا لَما جازَ اسْتِثْناءُ قَوْلِهِ: ﴿إلّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ﴾ والثّانِي: أنَّهُ قالَ: ﴿ولا تُخاطِبْنِي في الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ يَعْنِي كَنْعانَ، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا أخْبَرَ بِإهْلاكِهِمْ وجَبَ أنْ يَنْهاهُ عَنْ أنْ يَسْألَهُ في بَعْضِهِمْ؛ لِأنَّهُ إنْ أجابَهُ إلَيْهِ، فَقَدْ صَيَّرَ خَبَرَهُ الصِّدْقَ كَذِبًا، وإنْ لَمْ يُجِبْهُ إلَيْهِ كانَ ذَلِكَ تَحْقِيرًا لِشَأْنِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿إنَّهم مُغْرَقُونَ﴾ أيِ الغَرَقُ نازِلٌ بِهِمْ لا مَحالَةَ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَإذا اسْتَوَيْتَ أنْتَ ومَن مَعَكَ عَلى الفُلْكِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: كانَ في السَّفِينَةِ ثَمانُونَ إنْسانًا؛ نُوحٌ وامْرَأتُهُ سِوى الَّتِي غَرِقَتْ، وثَلاثَةُ بَنِينَ: سامٍ وحامٍ ويافِثُ، وثَلاثُ نِسْوَةٍ لَهُمْ، واثْنانِ وسَبْعُونَ إنْسانًا، فَكُلُّ الخَلائِقِ نَسْلُ مَن كانَ في السَّفِينَةِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجّانا مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: إنَّما قالَ: ﴿فَقُلِ﴾ ولَمْ يَقُلْ: فَقُولُوا؛ لِأنَّ نُوحًا كانَ نَبِيًّا لَهم وإمامًا لَهُمْ، فَكانَ قَوْلُهُ قَوْلًا لَهم، مَعَ ما فِيهِ مِنَ الإشْعارِ بِفَضْلِ النُّبُوَّةِ وإظْهارِ كِبْرِياءِ الرُّبُوبِيَّةِ، وأنَّ رُتْبَةَ تِلْكَ المُخاطَبَةِ لا يَتَرَقّى إلَيْها إلّا مَلَكٌ أوْ نَبِيٌّ.
المسألة الثّانِيَةُ: قالَ قَتادَةُ: عَلَّمَكُمُ اللَّهُ أنْ تَقُولُوا عِنْدَ رُكُوبِ السَّفِينَةِ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها ومُرْساها﴾ [هُودٍ: ٤١] وعِنْدَ رُكُوبِ الدّابَّةِ ﴿سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا وما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ [الزُّخْرُفِ: ١٣] وعِنْدَ النُّزُولِ ﴿وقُلْ رَبِّ أنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكًا وأنْتَ خَيْرُ المُنْزِلِينَ﴾ [المُؤْمِنُونَ: ٢٩] قالَ الأنْصارِيُّ: وقالَ لِنَبِيِّنا: ﴿وقُلْ رَبِّ أدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وأخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾ [الإسْراءِ: ٨٠] وقالَ: ﴿فَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ﴾ [النَّحْلِ: ٩٨] كَأنَّهُ سُبْحانَهُ أمَرَهم أنْ لا يَكُونُوا عَنْ ذِكْرِهِ وعَنِ الِاسْتِعاذَةِ بِهِ في جَمِيعِ أحْوالِهِمْ غافِلِينَ.
المسألة الثّالِثَةُ: هَذِهِ مُبالَغَةٌ عَظِيمَةٌ في تَقْبِيحِ صُورَتِهِمْ حَيْثُ أتْبَعَ النَّهْيَ عَنِ الدُّعاءِ لَهُمُ الأمْرَ بِالحَمْدِ عَلى إهْلاكِهِمْ والنَّجاةِ مِنهم، كَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقُطِعَ دابِرُ القَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الأنْعامِ: ٤٥] وإنَّما جَعَلَ سُبْحانَهُ اسْتِواءَهم عَلى السَّفِينَةِ نَجاةً مِنَ الغَرَقِ؛ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ كانَ عَرَّفَهُ أنَّهُ بِذَلِكَ يُنْجِيهِ ومَن تَبِعَهُ، فَيَصِحُّ أنْ يَقُولَ: ”نَجّانا“ مِن حَيْثُ جَعَلَهُ آمِنًا بِهَذا الفِعْلِ، ووَصَفَ قَوْمَهَ بِأنَّهُمُ الظّالِمُونَ؛ لِأنَّ الكُفْرَ مِنهم ظُلْمٌ لِأنْفُسِهِمْ لِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لُقْمانَ: ١٣] ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ بَعْدَ أنْ أمَرَهُ بِالحَمْدِ عَلى إهْلاكِهِمْ
صفحة ٨٤
أمَرَهُ بِأنْ يَدْعُوَ لِنَفْسِهِ فَقالَ: ﴿وقُلْ رَبِّ أنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكًا﴾ وقُرِئَ ”مَنزَلًا“ بِمَعْنى إنْزالًا أوْ مَوْضِعَ إنْزالٍ، كَقَوْلِهِ: (لَيُدْخِلَنَّهم مَدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ) واخْتَلَفُوا في المُنْزَلِ عَلى قَوْلَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ المُرادَ هو نَفْسُ السَّفِينَةِ، فَمَن رَكِبَها خَلَّصَتْهُ مِمّا جَرى عَلى قَوْمِهِ مِنَ الهَلاكِ.
والثّانِي: أنَّ المُرادَ أنْ يُنْزِلَهُ اللَّهُ بَعْدَ خُرُوجِهِ مِنَ السَّفِينَةِ مِنَ الأرْضِ مُنْزَلًا مُبارَكًا، والأوَّلُ أقْرَبُ؛ لِأنَّهُ أُمِرَ بِهَذا الدُّعاءِ في حالِ اسْتِقْرارِهِ في السَّفِينَةِ، فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ المُنْزَلُ ذَلِكَ دُونَ غَيْرِهِ.
ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وأنْتَ خَيْرُ المُنْزِلِينَ﴾ أنَّ الإنْزالَ في الأمْكِنَةِ قَدْ يَقَعُ مِن غَيْرِ اللَّهِ كَما يَقَعُ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وإنْ كانَ هو سُبْحانَهُ خَيْرَ مَن أنْزَلَ؛ لِأنَّهُ يَحْفَظُ مَن أنْزَلَهُ في سائِرِ أحْوالِهِ، ويَدْفَعُ عَنْهُ المَكارِهَ بِحَسَبِ ما يَقْتَضِيهِ الحُكْمُ والحِكْمَةُ، ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّ فِيما ذَكَرَهُ مِن قِصَّةِ نُوحٍ وقَوْمِهِ لَآياتٍ ودَلالاتٍ وعِبَرًا في الدُّعاءِ إلى الإيمانِ والزَّجْرِ عَنِ الكُفْرِ، فَإنَّ إظْهارَ تِلْكَ المِياهِ العَظِيمَةِ ثُمَّ الإذْهابَ بِها لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إلّا القادِرُ عَلى كُلِّ المَقْدُوراتِ، وظُهُورُ تِلْكَ الواقِعَةِ عَلى وفْقِ قَوْلِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ يَدُلُّ عَلى المُعْجِزِ العَظِيمِ، وإفْناءُ الكُفّارِ وبَقاءُ الأرْضِ لِأهْلِ الدِّينِ والطّاعَةِ مِن أعْظَمِ أنْواعِ العِبَرِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وإنْ كُنّا لَمُبْتَلِينَ﴾ فَيُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ: وإنْ كُنّا لَمُبْتَلِينَ فِيما قَبْلُ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ وإنْ كُنّا لَمُبْتَلِينَ فِيما بَعْدُ، وهَذا هو الأقْرَبُ لِأنَّهُ كالحَقِيقَةِ في الِاسْتِقْبالِ، وإذا حُمِلَ عَلى ذَلِكَ احْتَمَلَ وُجُوهًا.
أحَدُها: أنْ يَكُونَ المُرادُ المُكَلَّفِينَ في المُسْتَقْبَلِ، أيْ: فَيَجِبُ فِيمَن كَلَّفْناهُ أنْ يَعْتَبِرَ بِهَذا الَّذِي ذَكَرْناهُ.
وثانِيها: أنْ يَكُونَ المُرادُ لَمُعاقِبِينَ لِمَن سَلَكَ في تَكْذِيبِ الأنْبِياءِ مِثْلَ طَرِيقَةِ قَوْمِ نُوحٍ.
وثالِثُها: أنْ يَكُونَ المُرادُ كَما نُعاقِبُ مَن كَذَّبَ بِالغَرَقِ وغَيْرِهِ، فَقَدْ نَمْتَحِنُ بِالغَرَقِ مَن لَمْ يُكَذِّبْ عَلى وجْهِ المَصْلَحَةِ لا عَلى وجْهِ التَّعْذِيبِ؛ لِكَيْ لا يُقَدَّرَ أنَّ كُلَّ الغَرَقِ يَجْرِي عَلى وجْهٍ واحِدٍ.
المؤمنون 23:27
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ﴾ ﴿فَأوْحَيْنا إلَيْهِ أنِ اصْنَعِ الفُلْكَ بِأعْيُنِنا ووَحْيِنا فَإذا جاءَ أمْرُنا وفارَ التَّنُّورُ فاسْلُكْ فِيها مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وأهْلَكَ إلّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ مِنهم ولا تُخاطِبْنِي في الَّذِينَ ظَلَمُوا إنَّهم مُغْرَقُونَ﴾ ﴿فَإذا اسْتَوَيْتَ أنْتَ ومَن مَعَكَ عَلى الفُلْكِ فَقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجّانا مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ ﴿وقُلْ رَبِّ أنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكًا وأنْتَ خَيْرُ المُنْزِلِينَ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ وإنْ كُنّا لَمُبْتَلِينَ﴾
أمّا قَوْلُهُ: ﴿رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّ في نَصْرِهِ إهْلاكَهم فَكَأنَّهُ قالَ: أهْلِكْهم بِسَبَبِ تَكْذِيبِهِمْ إيّايَ.
وثانِيها: انْصُرْنِي بَدَلَ ما كَذَّبُونِي، كَما تَقُولُ: هَذا بِذاكَ أيْ: بَدَلُ ذاكَ ومَكانُهُ، والمَعْنى أبْدِلْنِي مِن غَمِّ تَكْذِيبِهِمْ سَلْوَةَ النَّصْرِ عَلَيْهِمْ.
وثالِثُها: انْصُرْنِي بِإنْجازِ ما وعَدْتَهم مِنَ العَذابِ وهو ما كَذَّبُوهُ فِيهِ حِينَ قالَ لَهُمْ: ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعْرافِ: ٥٩] ولَمّا أجابَ اللَّهُ دُعاءَهُ قالَ: ﴿فَأوْحَيْنا إلَيْهِ أنِ اصْنَعِ الفُلْكَ بِأعْيُنِنا﴾ أيْ: بِحِفْظِنا وكَلَئِنا كَأنَّ مَعَهُ مِنَ اللَّهِ حافِظًا يَكْلَؤُهُ بِعَيْنِهِ لِئَلّا يَتَعَرَّضَ لَهُ ولا يُفْسِدَ عَلَيْهِ مُفْسِدٌ عَمَلَهُ، ومِنهُ قَوْلُهُمْ: عَلَيْهِ مِنَ اللَّهِ عَيْنٌ كالِئَةٌ، وهَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى فَسادِ قَوْلِ المُشَبِّهَةِ في تَمَسُّكِهِمْ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«إنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلى صُورَتِهِ» “ لِأنَّ ثُبُوتَ الأعْيُنِ يَمْنَعُ مِن ذَلِكَ، واخْتَلَفُوا في أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كَيْفَ صَنَعَ الفُلْكَ، فَقِيلَ: إنَّهُ كانَ نَجّارًا وكانَ عالِمًا بِكَيْفِيَّةِ اتِّخاذِها، وقِيلَ: إنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلَّمَهُ عَمَلَ السَّفِينَةِ، ووَصَفَ لَهُ كَيْفِيَّةَ اتِّخاذِها، وهَذا هو الأقْرَبُ لِقَوْلِهِ: ﴿بِأعْيُنِنا ووَحْيِنا﴾ .
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَإذا جاءَ أمْرُنا﴾ فاعْلَمْ أنَّ لَفْظَ الأمْرِ كَما هو حَقِيقَةٌ في طَلَبِ الفِعْلِ بِالقَوْلِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعْلاءِ، فَكَذا هو حَقِيقَةٌ في الشَّأْنِ العَظِيمِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّكَ إذا قُلْتَ: هَذا أمْرٌ، بَقِيَ الذِّهْنُ يَتَرَدَّدُ بَيْنَ المَفْهُومَيْنِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ حَقِيقَةً فِيهِما، وتَمامُ تَقْرِيرِهِ مَذْكُورٌ في كِتابِ المَحْصُولِ في الأُصُولِ، ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: إنَّما سَمّاهُ أمْرًا عَلى سَبِيلِ التَّعْظِيمِ والتَّفْخِيمِ، مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿فَقالَ لَها ولِلْأرْضِ اِئْتِيا طَوْعًا أوْ كَرْهًا﴾ [فُصِّلَتْ: ١١] .
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وفارَ التَّنُّورُ﴾ فاخْتَلَفُوا في التَّنُّورِ، فالأكْثَرُونَ عَلى أنَّهُ هو التَّنُّورُ المَعْرُوفُ. رُوِيَ أنَّهُ قِيلَ لِنُوحٍ: إذا رَأيْتَ الماءَ يَفُورُ مِنَ التَّنُّورِ فارْكَبْ أنْتَ ومَن مَعَكَ في السَّفِينَةِ، فَلَمّا نَبَعَ الماءُ مِنَ التَّنُّورِ أخْبَرَتْهُ امْرَأتُهُ فَرَكِبَ، وقِيلَ: كانَ تَنُّورُ آدَمَ مِن حِجارَةٍ فَصارَ إلى نُوحٍ، واخْتُلِفَ في مَكانِهِ، فَعَنِ الشَّعْبِيِّ: في مَسْجِدِ الكُوفَةِ عَنْ يَمِينِ الدّاخِلِ مِمّا يَلِي بابَ كِنْدَةَ، وكانَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ عَمِلَ السَّفِينَةَ في وسَطِ المَسْجِدِ، وقِيلَ: بِالشّامِ بِمَوْضِعٍ يُقالُ لَهُ: عَيْنُ ورْدَةٍ، وقِيلَ بِالهِنْدِ.
القَوْلُ الثّانِي: أنَّ التَّنُّورَ وجْهُ الأرْضِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما.
الثّالِثُ: أنَّهُ أشْرَفُ مَوْضِعٍ في الأرْضِ؛ أيْ: أعْلاهُ، عَنْ قَتادَةَ.
والرّابِعُ: ﴿وفارَ التَّنُّورُ﴾ أيْ: طَلْعَ الفَجْرُ، عَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقِيلَ: إنَّ فَوَرانَ التَّنُّورِ كانَ عِنْدَ طُلُوعِ الفَجْرِ.
والخامِسُ: هو مِثْلُ قَوْلِهِمْ: حَمِيَ الوَطِيسُ.
والسّادِسُ: أنَّهُ المَوْضِعُ المُنْخَفِضُ مِنَ السَّفِينَةِ الَّذِي يَسِيلُ الماءُ إلَيْهِ، عَنِ الحَسَنِ رَحِمَهُ اللَّهُ، والقَوْلُ الأوَّلُ هو
صفحة ٨٣
الصَّوابُ؛ لِأنَّ العُدُولَ عَنِ الحَقِيقَةِ إلى المَجازِ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ لا يَجُوزُ، واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ فَوَرانَ التَّنُّورِ عَلامَةً لِنُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ حَتّى يَرْكَبَ عِنْدَهُ السَّفِينَةَ؛ طَلَبًا لِنَجاتِهِ ونَجاةِ مَن آمَنَ بِهِ مِن قَوْمِهِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فاسْلُكْ فِيها﴾ أيْ: أدْخِلْ فِيها، يُقالُ: سَلَكَ فِيهِ؛ أيْ: دَخَلَ فِيهِ، وسَلَكَ غَيْرَهُ وأسْلَكَهُ ﴿مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ أيْ: مِن كُلِّ زَوْجَيْنِ مِنَ الحَيَوانِ الَّذِي يَحْضُرُهُ في الوَقْتِ (اثْنَيْنِ) الذَّكَرَ والأُنْثى؛ لِكَيْ لا يَنْقَطِعَ نَسْلُ ذَلِكَ الحَيَوانِ، وكُلُّ واحِدٍ مِنهُما زَوْجٌ، لا كَما تَقُولُهُ العامَّةُ مِن أنَّ الزَّوْجَ هو الِاثْنانِ، رُوِيَ أنَّهُ لَمْ يَحْمِلْ إلّا ما يَلِدُ ويَبِيضُ، وقُرِئَ ”مِن كُلٍّ“ بِالتَّنْوِينِ، أيْ: مِن كُلِّ أُمَّةٍ زَوْجَيْنِ، واثْنَيْنِ تَأْكِيدٌ وزِيادَةُ بَيانٍ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وأهْلَكَ إلّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ مِنهُمْ﴾ أيْ: وأدْخِلْ أهْلَكَ، ولَفْظُ (عَلى) إنَّما يُسْتَعْمَلُ في المَضارِّ؛ قالَ تَعالى: ﴿لَها ما كَسَبَتْ وعَلَيْها ما اكْتَسَبَتْ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٨٦] واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أمْرَيْنِ، أحَدُهُما: أنَّهُ سُبْحانَهُ أمَرَهُ بِإدْخالِ سائِرِ مَن آمَنَ بِهِ وإنْ لَمْ يَكُنْ مِن أهْلِهِ، وقِيلَ: المُرادُ بِـ (أهْلِهِ) مَن آمَنَ دُونَ مَن يَتَّصِلُ بِهِ نَسَبًا أوْ سَبَبًا، وهَذا ضَعِيفٌ، وإلّا لَما جازَ اسْتِثْناءُ قَوْلِهِ: ﴿إلّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ﴾ والثّانِي: أنَّهُ قالَ: ﴿ولا تُخاطِبْنِي في الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ يَعْنِي كَنْعانَ، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا أخْبَرَ بِإهْلاكِهِمْ وجَبَ أنْ يَنْهاهُ عَنْ أنْ يَسْألَهُ في بَعْضِهِمْ؛ لِأنَّهُ إنْ أجابَهُ إلَيْهِ، فَقَدْ صَيَّرَ خَبَرَهُ الصِّدْقَ كَذِبًا، وإنْ لَمْ يُجِبْهُ إلَيْهِ كانَ ذَلِكَ تَحْقِيرًا لِشَأْنِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿إنَّهم مُغْرَقُونَ﴾ أيِ الغَرَقُ نازِلٌ بِهِمْ لا مَحالَةَ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَإذا اسْتَوَيْتَ أنْتَ ومَن مَعَكَ عَلى الفُلْكِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: كانَ في السَّفِينَةِ ثَمانُونَ إنْسانًا؛ نُوحٌ وامْرَأتُهُ سِوى الَّتِي غَرِقَتْ، وثَلاثَةُ بَنِينَ: سامٍ وحامٍ ويافِثُ، وثَلاثُ نِسْوَةٍ لَهُمْ، واثْنانِ وسَبْعُونَ إنْسانًا، فَكُلُّ الخَلائِقِ نَسْلُ مَن كانَ في السَّفِينَةِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجّانا مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: إنَّما قالَ: ﴿فَقُلِ﴾ ولَمْ يَقُلْ: فَقُولُوا؛ لِأنَّ نُوحًا كانَ نَبِيًّا لَهم وإمامًا لَهُمْ، فَكانَ قَوْلُهُ قَوْلًا لَهم، مَعَ ما فِيهِ مِنَ الإشْعارِ بِفَضْلِ النُّبُوَّةِ وإظْهارِ كِبْرِياءِ الرُّبُوبِيَّةِ، وأنَّ رُتْبَةَ تِلْكَ المُخاطَبَةِ لا يَتَرَقّى إلَيْها إلّا مَلَكٌ أوْ نَبِيٌّ.
المسألة الثّانِيَةُ: قالَ قَتادَةُ: عَلَّمَكُمُ اللَّهُ أنْ تَقُولُوا عِنْدَ رُكُوبِ السَّفِينَةِ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها ومُرْساها﴾ [هُودٍ: ٤١] وعِنْدَ رُكُوبِ الدّابَّةِ ﴿سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا وما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ [الزُّخْرُفِ: ١٣] وعِنْدَ النُّزُولِ ﴿وقُلْ رَبِّ أنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكًا وأنْتَ خَيْرُ المُنْزِلِينَ﴾ [المُؤْمِنُونَ: ٢٩] قالَ الأنْصارِيُّ: وقالَ لِنَبِيِّنا: ﴿وقُلْ رَبِّ أدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وأخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾ [الإسْراءِ: ٨٠] وقالَ: ﴿فَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ﴾ [النَّحْلِ: ٩٨] كَأنَّهُ سُبْحانَهُ أمَرَهم أنْ لا يَكُونُوا عَنْ ذِكْرِهِ وعَنِ الِاسْتِعاذَةِ بِهِ في جَمِيعِ أحْوالِهِمْ غافِلِينَ.
المسألة الثّالِثَةُ: هَذِهِ مُبالَغَةٌ عَظِيمَةٌ في تَقْبِيحِ صُورَتِهِمْ حَيْثُ أتْبَعَ النَّهْيَ عَنِ الدُّعاءِ لَهُمُ الأمْرَ بِالحَمْدِ عَلى إهْلاكِهِمْ والنَّجاةِ مِنهم، كَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقُطِعَ دابِرُ القَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الأنْعامِ: ٤٥] وإنَّما جَعَلَ سُبْحانَهُ اسْتِواءَهم عَلى السَّفِينَةِ نَجاةً مِنَ الغَرَقِ؛ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ كانَ عَرَّفَهُ أنَّهُ بِذَلِكَ يُنْجِيهِ ومَن تَبِعَهُ، فَيَصِحُّ أنْ يَقُولَ: ”نَجّانا“ مِن حَيْثُ جَعَلَهُ آمِنًا بِهَذا الفِعْلِ، ووَصَفَ قَوْمَهَ بِأنَّهُمُ الظّالِمُونَ؛ لِأنَّ الكُفْرَ مِنهم ظُلْمٌ لِأنْفُسِهِمْ لِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لُقْمانَ: ١٣] ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ بَعْدَ أنْ أمَرَهُ بِالحَمْدِ عَلى إهْلاكِهِمْ
صفحة ٨٤
أمَرَهُ بِأنْ يَدْعُوَ لِنَفْسِهِ فَقالَ: ﴿وقُلْ رَبِّ أنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكًا﴾ وقُرِئَ ”مَنزَلًا“ بِمَعْنى إنْزالًا أوْ مَوْضِعَ إنْزالٍ، كَقَوْلِهِ: (لَيُدْخِلَنَّهم مَدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ) واخْتَلَفُوا في المُنْزَلِ عَلى قَوْلَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ المُرادَ هو نَفْسُ السَّفِينَةِ، فَمَن رَكِبَها خَلَّصَتْهُ مِمّا جَرى عَلى قَوْمِهِ مِنَ الهَلاكِ.
والثّانِي: أنَّ المُرادَ أنْ يُنْزِلَهُ اللَّهُ بَعْدَ خُرُوجِهِ مِنَ السَّفِينَةِ مِنَ الأرْضِ مُنْزَلًا مُبارَكًا، والأوَّلُ أقْرَبُ؛ لِأنَّهُ أُمِرَ بِهَذا الدُّعاءِ في حالِ اسْتِقْرارِهِ في السَّفِينَةِ، فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ المُنْزَلُ ذَلِكَ دُونَ غَيْرِهِ.
ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وأنْتَ خَيْرُ المُنْزِلِينَ﴾ أنَّ الإنْزالَ في الأمْكِنَةِ قَدْ يَقَعُ مِن غَيْرِ اللَّهِ كَما يَقَعُ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وإنْ كانَ هو سُبْحانَهُ خَيْرَ مَن أنْزَلَ؛ لِأنَّهُ يَحْفَظُ مَن أنْزَلَهُ في سائِرِ أحْوالِهِ، ويَدْفَعُ عَنْهُ المَكارِهَ بِحَسَبِ ما يَقْتَضِيهِ الحُكْمُ والحِكْمَةُ، ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّ فِيما ذَكَرَهُ مِن قِصَّةِ نُوحٍ وقَوْمِهِ لَآياتٍ ودَلالاتٍ وعِبَرًا في الدُّعاءِ إلى الإيمانِ والزَّجْرِ عَنِ الكُفْرِ، فَإنَّ إظْهارَ تِلْكَ المِياهِ العَظِيمَةِ ثُمَّ الإذْهابَ بِها لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إلّا القادِرُ عَلى كُلِّ المَقْدُوراتِ، وظُهُورُ تِلْكَ الواقِعَةِ عَلى وفْقِ قَوْلِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ يَدُلُّ عَلى المُعْجِزِ العَظِيمِ، وإفْناءُ الكُفّارِ وبَقاءُ الأرْضِ لِأهْلِ الدِّينِ والطّاعَةِ مِن أعْظَمِ أنْواعِ العِبَرِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وإنْ كُنّا لَمُبْتَلِينَ﴾ فَيُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ: وإنْ كُنّا لَمُبْتَلِينَ فِيما قَبْلُ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ وإنْ كُنّا لَمُبْتَلِينَ فِيما بَعْدُ، وهَذا هو الأقْرَبُ لِأنَّهُ كالحَقِيقَةِ في الِاسْتِقْبالِ، وإذا حُمِلَ عَلى ذَلِكَ احْتَمَلَ وُجُوهًا.
أحَدُها: أنْ يَكُونَ المُرادُ المُكَلَّفِينَ في المُسْتَقْبَلِ، أيْ: فَيَجِبُ فِيمَن كَلَّفْناهُ أنْ يَعْتَبِرَ بِهَذا الَّذِي ذَكَرْناهُ.
وثانِيها: أنْ يَكُونَ المُرادُ لَمُعاقِبِينَ لِمَن سَلَكَ في تَكْذِيبِ الأنْبِياءِ مِثْلَ طَرِيقَةِ قَوْمِ نُوحٍ.
وثالِثُها: أنْ يَكُونَ المُرادُ كَما نُعاقِبُ مَن كَذَّبَ بِالغَرَقِ وغَيْرِهِ، فَقَدْ نَمْتَحِنُ بِالغَرَقِ مَن لَمْ يُكَذِّبْ عَلى وجْهِ المَصْلَحَةِ لا عَلى وجْهِ التَّعْذِيبِ؛ لِكَيْ لا يُقَدَّرَ أنَّ كُلَّ الغَرَقِ يَجْرِي عَلى وجْهٍ واحِدٍ.
المؤمنون 23:28
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ﴾ ﴿فَأوْحَيْنا إلَيْهِ أنِ اصْنَعِ الفُلْكَ بِأعْيُنِنا ووَحْيِنا فَإذا جاءَ أمْرُنا وفارَ التَّنُّورُ فاسْلُكْ فِيها مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وأهْلَكَ إلّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ مِنهم ولا تُخاطِبْنِي في الَّذِينَ ظَلَمُوا إنَّهم مُغْرَقُونَ﴾ ﴿فَإذا اسْتَوَيْتَ أنْتَ ومَن مَعَكَ عَلى الفُلْكِ فَقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجّانا مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ ﴿وقُلْ رَبِّ أنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكًا وأنْتَ خَيْرُ المُنْزِلِينَ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ وإنْ كُنّا لَمُبْتَلِينَ﴾
أمّا قَوْلُهُ: ﴿رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّ في نَصْرِهِ إهْلاكَهم فَكَأنَّهُ قالَ: أهْلِكْهم بِسَبَبِ تَكْذِيبِهِمْ إيّايَ.
وثانِيها: انْصُرْنِي بَدَلَ ما كَذَّبُونِي، كَما تَقُولُ: هَذا بِذاكَ أيْ: بَدَلُ ذاكَ ومَكانُهُ، والمَعْنى أبْدِلْنِي مِن غَمِّ تَكْذِيبِهِمْ سَلْوَةَ النَّصْرِ عَلَيْهِمْ.
وثالِثُها: انْصُرْنِي بِإنْجازِ ما وعَدْتَهم مِنَ العَذابِ وهو ما كَذَّبُوهُ فِيهِ حِينَ قالَ لَهُمْ: ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعْرافِ: ٥٩] ولَمّا أجابَ اللَّهُ دُعاءَهُ قالَ: ﴿فَأوْحَيْنا إلَيْهِ أنِ اصْنَعِ الفُلْكَ بِأعْيُنِنا﴾ أيْ: بِحِفْظِنا وكَلَئِنا كَأنَّ مَعَهُ مِنَ اللَّهِ حافِظًا يَكْلَؤُهُ بِعَيْنِهِ لِئَلّا يَتَعَرَّضَ لَهُ ولا يُفْسِدَ عَلَيْهِ مُفْسِدٌ عَمَلَهُ، ومِنهُ قَوْلُهُمْ: عَلَيْهِ مِنَ اللَّهِ عَيْنٌ كالِئَةٌ، وهَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى فَسادِ قَوْلِ المُشَبِّهَةِ في تَمَسُّكِهِمْ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«إنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلى صُورَتِهِ» “ لِأنَّ ثُبُوتَ الأعْيُنِ يَمْنَعُ مِن ذَلِكَ، واخْتَلَفُوا في أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كَيْفَ صَنَعَ الفُلْكَ، فَقِيلَ: إنَّهُ كانَ نَجّارًا وكانَ عالِمًا بِكَيْفِيَّةِ اتِّخاذِها، وقِيلَ: إنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلَّمَهُ عَمَلَ السَّفِينَةِ، ووَصَفَ لَهُ كَيْفِيَّةَ اتِّخاذِها، وهَذا هو الأقْرَبُ لِقَوْلِهِ: ﴿بِأعْيُنِنا ووَحْيِنا﴾ .
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَإذا جاءَ أمْرُنا﴾ فاعْلَمْ أنَّ لَفْظَ الأمْرِ كَما هو حَقِيقَةٌ في طَلَبِ الفِعْلِ بِالقَوْلِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعْلاءِ، فَكَذا هو حَقِيقَةٌ في الشَّأْنِ العَظِيمِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّكَ إذا قُلْتَ: هَذا أمْرٌ، بَقِيَ الذِّهْنُ يَتَرَدَّدُ بَيْنَ المَفْهُومَيْنِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ حَقِيقَةً فِيهِما، وتَمامُ تَقْرِيرِهِ مَذْكُورٌ في كِتابِ المَحْصُولِ في الأُصُولِ، ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: إنَّما سَمّاهُ أمْرًا عَلى سَبِيلِ التَّعْظِيمِ والتَّفْخِيمِ، مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿فَقالَ لَها ولِلْأرْضِ اِئْتِيا طَوْعًا أوْ كَرْهًا﴾ [فُصِّلَتْ: ١١] .
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وفارَ التَّنُّورُ﴾ فاخْتَلَفُوا في التَّنُّورِ، فالأكْثَرُونَ عَلى أنَّهُ هو التَّنُّورُ المَعْرُوفُ. رُوِيَ أنَّهُ قِيلَ لِنُوحٍ: إذا رَأيْتَ الماءَ يَفُورُ مِنَ التَّنُّورِ فارْكَبْ أنْتَ ومَن مَعَكَ في السَّفِينَةِ، فَلَمّا نَبَعَ الماءُ مِنَ التَّنُّورِ أخْبَرَتْهُ امْرَأتُهُ فَرَكِبَ، وقِيلَ: كانَ تَنُّورُ آدَمَ مِن حِجارَةٍ فَصارَ إلى نُوحٍ، واخْتُلِفَ في مَكانِهِ، فَعَنِ الشَّعْبِيِّ: في مَسْجِدِ الكُوفَةِ عَنْ يَمِينِ الدّاخِلِ مِمّا يَلِي بابَ كِنْدَةَ، وكانَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ عَمِلَ السَّفِينَةَ في وسَطِ المَسْجِدِ، وقِيلَ: بِالشّامِ بِمَوْضِعٍ يُقالُ لَهُ: عَيْنُ ورْدَةٍ، وقِيلَ بِالهِنْدِ.
القَوْلُ الثّانِي: أنَّ التَّنُّورَ وجْهُ الأرْضِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما.
الثّالِثُ: أنَّهُ أشْرَفُ مَوْضِعٍ في الأرْضِ؛ أيْ: أعْلاهُ، عَنْ قَتادَةَ.
والرّابِعُ: ﴿وفارَ التَّنُّورُ﴾ أيْ: طَلْعَ الفَجْرُ، عَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقِيلَ: إنَّ فَوَرانَ التَّنُّورِ كانَ عِنْدَ طُلُوعِ الفَجْرِ.
والخامِسُ: هو مِثْلُ قَوْلِهِمْ: حَمِيَ الوَطِيسُ.
والسّادِسُ: أنَّهُ المَوْضِعُ المُنْخَفِضُ مِنَ السَّفِينَةِ الَّذِي يَسِيلُ الماءُ إلَيْهِ، عَنِ الحَسَنِ رَحِمَهُ اللَّهُ، والقَوْلُ الأوَّلُ هو
صفحة ٨٣
الصَّوابُ؛ لِأنَّ العُدُولَ عَنِ الحَقِيقَةِ إلى المَجازِ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ لا يَجُوزُ، واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ فَوَرانَ التَّنُّورِ عَلامَةً لِنُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ حَتّى يَرْكَبَ عِنْدَهُ السَّفِينَةَ؛ طَلَبًا لِنَجاتِهِ ونَجاةِ مَن آمَنَ بِهِ مِن قَوْمِهِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فاسْلُكْ فِيها﴾ أيْ: أدْخِلْ فِيها، يُقالُ: سَلَكَ فِيهِ؛ أيْ: دَخَلَ فِيهِ، وسَلَكَ غَيْرَهُ وأسْلَكَهُ ﴿مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ أيْ: مِن كُلِّ زَوْجَيْنِ مِنَ الحَيَوانِ الَّذِي يَحْضُرُهُ في الوَقْتِ (اثْنَيْنِ) الذَّكَرَ والأُنْثى؛ لِكَيْ لا يَنْقَطِعَ نَسْلُ ذَلِكَ الحَيَوانِ، وكُلُّ واحِدٍ مِنهُما زَوْجٌ، لا كَما تَقُولُهُ العامَّةُ مِن أنَّ الزَّوْجَ هو الِاثْنانِ، رُوِيَ أنَّهُ لَمْ يَحْمِلْ إلّا ما يَلِدُ ويَبِيضُ، وقُرِئَ ”مِن كُلٍّ“ بِالتَّنْوِينِ، أيْ: مِن كُلِّ أُمَّةٍ زَوْجَيْنِ، واثْنَيْنِ تَأْكِيدٌ وزِيادَةُ بَيانٍ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وأهْلَكَ إلّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ مِنهُمْ﴾ أيْ: وأدْخِلْ أهْلَكَ، ولَفْظُ (عَلى) إنَّما يُسْتَعْمَلُ في المَضارِّ؛ قالَ تَعالى: ﴿لَها ما كَسَبَتْ وعَلَيْها ما اكْتَسَبَتْ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٨٦] واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أمْرَيْنِ، أحَدُهُما: أنَّهُ سُبْحانَهُ أمَرَهُ بِإدْخالِ سائِرِ مَن آمَنَ بِهِ وإنْ لَمْ يَكُنْ مِن أهْلِهِ، وقِيلَ: المُرادُ بِـ (أهْلِهِ) مَن آمَنَ دُونَ مَن يَتَّصِلُ بِهِ نَسَبًا أوْ سَبَبًا، وهَذا ضَعِيفٌ، وإلّا لَما جازَ اسْتِثْناءُ قَوْلِهِ: ﴿إلّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ﴾ والثّانِي: أنَّهُ قالَ: ﴿ولا تُخاطِبْنِي في الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ يَعْنِي كَنْعانَ، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا أخْبَرَ بِإهْلاكِهِمْ وجَبَ أنْ يَنْهاهُ عَنْ أنْ يَسْألَهُ في بَعْضِهِمْ؛ لِأنَّهُ إنْ أجابَهُ إلَيْهِ، فَقَدْ صَيَّرَ خَبَرَهُ الصِّدْقَ كَذِبًا، وإنْ لَمْ يُجِبْهُ إلَيْهِ كانَ ذَلِكَ تَحْقِيرًا لِشَأْنِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿إنَّهم مُغْرَقُونَ﴾ أيِ الغَرَقُ نازِلٌ بِهِمْ لا مَحالَةَ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَإذا اسْتَوَيْتَ أنْتَ ومَن مَعَكَ عَلى الفُلْكِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: كانَ في السَّفِينَةِ ثَمانُونَ إنْسانًا؛ نُوحٌ وامْرَأتُهُ سِوى الَّتِي غَرِقَتْ، وثَلاثَةُ بَنِينَ: سامٍ وحامٍ ويافِثُ، وثَلاثُ نِسْوَةٍ لَهُمْ، واثْنانِ وسَبْعُونَ إنْسانًا، فَكُلُّ الخَلائِقِ نَسْلُ مَن كانَ في السَّفِينَةِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجّانا مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: إنَّما قالَ: ﴿فَقُلِ﴾ ولَمْ يَقُلْ: فَقُولُوا؛ لِأنَّ نُوحًا كانَ نَبِيًّا لَهم وإمامًا لَهُمْ، فَكانَ قَوْلُهُ قَوْلًا لَهم، مَعَ ما فِيهِ مِنَ الإشْعارِ بِفَضْلِ النُّبُوَّةِ وإظْهارِ كِبْرِياءِ الرُّبُوبِيَّةِ، وأنَّ رُتْبَةَ تِلْكَ المُخاطَبَةِ لا يَتَرَقّى إلَيْها إلّا مَلَكٌ أوْ نَبِيٌّ.
المسألة الثّانِيَةُ: قالَ قَتادَةُ: عَلَّمَكُمُ اللَّهُ أنْ تَقُولُوا عِنْدَ رُكُوبِ السَّفِينَةِ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها ومُرْساها﴾ [هُودٍ: ٤١] وعِنْدَ رُكُوبِ الدّابَّةِ ﴿سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا وما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ [الزُّخْرُفِ: ١٣] وعِنْدَ النُّزُولِ ﴿وقُلْ رَبِّ أنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكًا وأنْتَ خَيْرُ المُنْزِلِينَ﴾ [المُؤْمِنُونَ: ٢٩] قالَ الأنْصارِيُّ: وقالَ لِنَبِيِّنا: ﴿وقُلْ رَبِّ أدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وأخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾ [الإسْراءِ: ٨٠] وقالَ: ﴿فَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ﴾ [النَّحْلِ: ٩٨] كَأنَّهُ سُبْحانَهُ أمَرَهم أنْ لا يَكُونُوا عَنْ ذِكْرِهِ وعَنِ الِاسْتِعاذَةِ بِهِ في جَمِيعِ أحْوالِهِمْ غافِلِينَ.
المسألة الثّالِثَةُ: هَذِهِ مُبالَغَةٌ عَظِيمَةٌ في تَقْبِيحِ صُورَتِهِمْ حَيْثُ أتْبَعَ النَّهْيَ عَنِ الدُّعاءِ لَهُمُ الأمْرَ بِالحَمْدِ عَلى إهْلاكِهِمْ والنَّجاةِ مِنهم، كَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقُطِعَ دابِرُ القَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الأنْعامِ: ٤٥] وإنَّما جَعَلَ سُبْحانَهُ اسْتِواءَهم عَلى السَّفِينَةِ نَجاةً مِنَ الغَرَقِ؛ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ كانَ عَرَّفَهُ أنَّهُ بِذَلِكَ يُنْجِيهِ ومَن تَبِعَهُ، فَيَصِحُّ أنْ يَقُولَ: ”نَجّانا“ مِن حَيْثُ جَعَلَهُ آمِنًا بِهَذا الفِعْلِ، ووَصَفَ قَوْمَهَ بِأنَّهُمُ الظّالِمُونَ؛ لِأنَّ الكُفْرَ مِنهم ظُلْمٌ لِأنْفُسِهِمْ لِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لُقْمانَ: ١٣] ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ بَعْدَ أنْ أمَرَهُ بِالحَمْدِ عَلى إهْلاكِهِمْ
صفحة ٨٤
أمَرَهُ بِأنْ يَدْعُوَ لِنَفْسِهِ فَقالَ: ﴿وقُلْ رَبِّ أنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكًا﴾ وقُرِئَ ”مَنزَلًا“ بِمَعْنى إنْزالًا أوْ مَوْضِعَ إنْزالٍ، كَقَوْلِهِ: (لَيُدْخِلَنَّهم مَدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ) واخْتَلَفُوا في المُنْزَلِ عَلى قَوْلَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ المُرادَ هو نَفْسُ السَّفِينَةِ، فَمَن رَكِبَها خَلَّصَتْهُ مِمّا جَرى عَلى قَوْمِهِ مِنَ الهَلاكِ.
والثّانِي: أنَّ المُرادَ أنْ يُنْزِلَهُ اللَّهُ بَعْدَ خُرُوجِهِ مِنَ السَّفِينَةِ مِنَ الأرْضِ مُنْزَلًا مُبارَكًا، والأوَّلُ أقْرَبُ؛ لِأنَّهُ أُمِرَ بِهَذا الدُّعاءِ في حالِ اسْتِقْرارِهِ في السَّفِينَةِ، فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ المُنْزَلُ ذَلِكَ دُونَ غَيْرِهِ.
ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وأنْتَ خَيْرُ المُنْزِلِينَ﴾ أنَّ الإنْزالَ في الأمْكِنَةِ قَدْ يَقَعُ مِن غَيْرِ اللَّهِ كَما يَقَعُ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وإنْ كانَ هو سُبْحانَهُ خَيْرَ مَن أنْزَلَ؛ لِأنَّهُ يَحْفَظُ مَن أنْزَلَهُ في سائِرِ أحْوالِهِ، ويَدْفَعُ عَنْهُ المَكارِهَ بِحَسَبِ ما يَقْتَضِيهِ الحُكْمُ والحِكْمَةُ، ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّ فِيما ذَكَرَهُ مِن قِصَّةِ نُوحٍ وقَوْمِهِ لَآياتٍ ودَلالاتٍ وعِبَرًا في الدُّعاءِ إلى الإيمانِ والزَّجْرِ عَنِ الكُفْرِ، فَإنَّ إظْهارَ تِلْكَ المِياهِ العَظِيمَةِ ثُمَّ الإذْهابَ بِها لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إلّا القادِرُ عَلى كُلِّ المَقْدُوراتِ، وظُهُورُ تِلْكَ الواقِعَةِ عَلى وفْقِ قَوْلِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ يَدُلُّ عَلى المُعْجِزِ العَظِيمِ، وإفْناءُ الكُفّارِ وبَقاءُ الأرْضِ لِأهْلِ الدِّينِ والطّاعَةِ مِن أعْظَمِ أنْواعِ العِبَرِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وإنْ كُنّا لَمُبْتَلِينَ﴾ فَيُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ: وإنْ كُنّا لَمُبْتَلِينَ فِيما قَبْلُ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ وإنْ كُنّا لَمُبْتَلِينَ فِيما بَعْدُ، وهَذا هو الأقْرَبُ لِأنَّهُ كالحَقِيقَةِ في الِاسْتِقْبالِ، وإذا حُمِلَ عَلى ذَلِكَ احْتَمَلَ وُجُوهًا.
أحَدُها: أنْ يَكُونَ المُرادُ المُكَلَّفِينَ في المُسْتَقْبَلِ، أيْ: فَيَجِبُ فِيمَن كَلَّفْناهُ أنْ يَعْتَبِرَ بِهَذا الَّذِي ذَكَرْناهُ.
وثانِيها: أنْ يَكُونَ المُرادُ لَمُعاقِبِينَ لِمَن سَلَكَ في تَكْذِيبِ الأنْبِياءِ مِثْلَ طَرِيقَةِ قَوْمِ نُوحٍ.
وثالِثُها: أنْ يَكُونَ المُرادُ كَما نُعاقِبُ مَن كَذَّبَ بِالغَرَقِ وغَيْرِهِ، فَقَدْ نَمْتَحِنُ بِالغَرَقِ مَن لَمْ يُكَذِّبْ عَلى وجْهِ المَصْلَحَةِ لا عَلى وجْهِ التَّعْذِيبِ؛ لِكَيْ لا يُقَدَّرَ أنَّ كُلَّ الغَرَقِ يَجْرِي عَلى وجْهٍ واحِدٍ.
المؤمنون 23:29
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ﴾ ﴿فَأوْحَيْنا إلَيْهِ أنِ اصْنَعِ الفُلْكَ بِأعْيُنِنا ووَحْيِنا فَإذا جاءَ أمْرُنا وفارَ التَّنُّورُ فاسْلُكْ فِيها مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وأهْلَكَ إلّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ مِنهم ولا تُخاطِبْنِي في الَّذِينَ ظَلَمُوا إنَّهم مُغْرَقُونَ﴾ ﴿فَإذا اسْتَوَيْتَ أنْتَ ومَن مَعَكَ عَلى الفُلْكِ فَقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجّانا مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ ﴿وقُلْ رَبِّ أنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكًا وأنْتَ خَيْرُ المُنْزِلِينَ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ وإنْ كُنّا لَمُبْتَلِينَ﴾
أمّا قَوْلُهُ: ﴿رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّ في نَصْرِهِ إهْلاكَهم فَكَأنَّهُ قالَ: أهْلِكْهم بِسَبَبِ تَكْذِيبِهِمْ إيّايَ.
وثانِيها: انْصُرْنِي بَدَلَ ما كَذَّبُونِي، كَما تَقُولُ: هَذا بِذاكَ أيْ: بَدَلُ ذاكَ ومَكانُهُ، والمَعْنى أبْدِلْنِي مِن غَمِّ تَكْذِيبِهِمْ سَلْوَةَ النَّصْرِ عَلَيْهِمْ.
وثالِثُها: انْصُرْنِي بِإنْجازِ ما وعَدْتَهم مِنَ العَذابِ وهو ما كَذَّبُوهُ فِيهِ حِينَ قالَ لَهُمْ: ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعْرافِ: ٥٩] ولَمّا أجابَ اللَّهُ دُعاءَهُ قالَ: ﴿فَأوْحَيْنا إلَيْهِ أنِ اصْنَعِ الفُلْكَ بِأعْيُنِنا﴾ أيْ: بِحِفْظِنا وكَلَئِنا كَأنَّ مَعَهُ مِنَ اللَّهِ حافِظًا يَكْلَؤُهُ بِعَيْنِهِ لِئَلّا يَتَعَرَّضَ لَهُ ولا يُفْسِدَ عَلَيْهِ مُفْسِدٌ عَمَلَهُ، ومِنهُ قَوْلُهُمْ: عَلَيْهِ مِنَ اللَّهِ عَيْنٌ كالِئَةٌ، وهَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى فَسادِ قَوْلِ المُشَبِّهَةِ في تَمَسُّكِهِمْ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«إنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلى صُورَتِهِ» “ لِأنَّ ثُبُوتَ الأعْيُنِ يَمْنَعُ مِن ذَلِكَ، واخْتَلَفُوا في أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كَيْفَ صَنَعَ الفُلْكَ، فَقِيلَ: إنَّهُ كانَ نَجّارًا وكانَ عالِمًا بِكَيْفِيَّةِ اتِّخاذِها، وقِيلَ: إنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلَّمَهُ عَمَلَ السَّفِينَةِ، ووَصَفَ لَهُ كَيْفِيَّةَ اتِّخاذِها، وهَذا هو الأقْرَبُ لِقَوْلِهِ: ﴿بِأعْيُنِنا ووَحْيِنا﴾ .
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَإذا جاءَ أمْرُنا﴾ فاعْلَمْ أنَّ لَفْظَ الأمْرِ كَما هو حَقِيقَةٌ في طَلَبِ الفِعْلِ بِالقَوْلِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعْلاءِ، فَكَذا هو حَقِيقَةٌ في الشَّأْنِ العَظِيمِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّكَ إذا قُلْتَ: هَذا أمْرٌ، بَقِيَ الذِّهْنُ يَتَرَدَّدُ بَيْنَ المَفْهُومَيْنِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ حَقِيقَةً فِيهِما، وتَمامُ تَقْرِيرِهِ مَذْكُورٌ في كِتابِ المَحْصُولِ في الأُصُولِ، ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: إنَّما سَمّاهُ أمْرًا عَلى سَبِيلِ التَّعْظِيمِ والتَّفْخِيمِ، مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿فَقالَ لَها ولِلْأرْضِ اِئْتِيا طَوْعًا أوْ كَرْهًا﴾ [فُصِّلَتْ: ١١] .
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وفارَ التَّنُّورُ﴾ فاخْتَلَفُوا في التَّنُّورِ، فالأكْثَرُونَ عَلى أنَّهُ هو التَّنُّورُ المَعْرُوفُ. رُوِيَ أنَّهُ قِيلَ لِنُوحٍ: إذا رَأيْتَ الماءَ يَفُورُ مِنَ التَّنُّورِ فارْكَبْ أنْتَ ومَن مَعَكَ في السَّفِينَةِ، فَلَمّا نَبَعَ الماءُ مِنَ التَّنُّورِ أخْبَرَتْهُ امْرَأتُهُ فَرَكِبَ، وقِيلَ: كانَ تَنُّورُ آدَمَ مِن حِجارَةٍ فَصارَ إلى نُوحٍ، واخْتُلِفَ في مَكانِهِ، فَعَنِ الشَّعْبِيِّ: في مَسْجِدِ الكُوفَةِ عَنْ يَمِينِ الدّاخِلِ مِمّا يَلِي بابَ كِنْدَةَ، وكانَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ عَمِلَ السَّفِينَةَ في وسَطِ المَسْجِدِ، وقِيلَ: بِالشّامِ بِمَوْضِعٍ يُقالُ لَهُ: عَيْنُ ورْدَةٍ، وقِيلَ بِالهِنْدِ.
القَوْلُ الثّانِي: أنَّ التَّنُّورَ وجْهُ الأرْضِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما.
الثّالِثُ: أنَّهُ أشْرَفُ مَوْضِعٍ في الأرْضِ؛ أيْ: أعْلاهُ، عَنْ قَتادَةَ.
والرّابِعُ: ﴿وفارَ التَّنُّورُ﴾ أيْ: طَلْعَ الفَجْرُ، عَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقِيلَ: إنَّ فَوَرانَ التَّنُّورِ كانَ عِنْدَ طُلُوعِ الفَجْرِ.
والخامِسُ: هو مِثْلُ قَوْلِهِمْ: حَمِيَ الوَطِيسُ.
والسّادِسُ: أنَّهُ المَوْضِعُ المُنْخَفِضُ مِنَ السَّفِينَةِ الَّذِي يَسِيلُ الماءُ إلَيْهِ، عَنِ الحَسَنِ رَحِمَهُ اللَّهُ، والقَوْلُ الأوَّلُ هو
صفحة ٨٣
الصَّوابُ؛ لِأنَّ العُدُولَ عَنِ الحَقِيقَةِ إلى المَجازِ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ لا يَجُوزُ، واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ فَوَرانَ التَّنُّورِ عَلامَةً لِنُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ حَتّى يَرْكَبَ عِنْدَهُ السَّفِينَةَ؛ طَلَبًا لِنَجاتِهِ ونَجاةِ مَن آمَنَ بِهِ مِن قَوْمِهِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فاسْلُكْ فِيها﴾ أيْ: أدْخِلْ فِيها، يُقالُ: سَلَكَ فِيهِ؛ أيْ: دَخَلَ فِيهِ، وسَلَكَ غَيْرَهُ وأسْلَكَهُ ﴿مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ أيْ: مِن كُلِّ زَوْجَيْنِ مِنَ الحَيَوانِ الَّذِي يَحْضُرُهُ في الوَقْتِ (اثْنَيْنِ) الذَّكَرَ والأُنْثى؛ لِكَيْ لا يَنْقَطِعَ نَسْلُ ذَلِكَ الحَيَوانِ، وكُلُّ واحِدٍ مِنهُما زَوْجٌ، لا كَما تَقُولُهُ العامَّةُ مِن أنَّ الزَّوْجَ هو الِاثْنانِ، رُوِيَ أنَّهُ لَمْ يَحْمِلْ إلّا ما يَلِدُ ويَبِيضُ، وقُرِئَ ”مِن كُلٍّ“ بِالتَّنْوِينِ، أيْ: مِن كُلِّ أُمَّةٍ زَوْجَيْنِ، واثْنَيْنِ تَأْكِيدٌ وزِيادَةُ بَيانٍ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وأهْلَكَ إلّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ مِنهُمْ﴾ أيْ: وأدْخِلْ أهْلَكَ، ولَفْظُ (عَلى) إنَّما يُسْتَعْمَلُ في المَضارِّ؛ قالَ تَعالى: ﴿لَها ما كَسَبَتْ وعَلَيْها ما اكْتَسَبَتْ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٨٦] واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أمْرَيْنِ، أحَدُهُما: أنَّهُ سُبْحانَهُ أمَرَهُ بِإدْخالِ سائِرِ مَن آمَنَ بِهِ وإنْ لَمْ يَكُنْ مِن أهْلِهِ، وقِيلَ: المُرادُ بِـ (أهْلِهِ) مَن آمَنَ دُونَ مَن يَتَّصِلُ بِهِ نَسَبًا أوْ سَبَبًا، وهَذا ضَعِيفٌ، وإلّا لَما جازَ اسْتِثْناءُ قَوْلِهِ: ﴿إلّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ﴾ والثّانِي: أنَّهُ قالَ: ﴿ولا تُخاطِبْنِي في الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ يَعْنِي كَنْعانَ، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا أخْبَرَ بِإهْلاكِهِمْ وجَبَ أنْ يَنْهاهُ عَنْ أنْ يَسْألَهُ في بَعْضِهِمْ؛ لِأنَّهُ إنْ أجابَهُ إلَيْهِ، فَقَدْ صَيَّرَ خَبَرَهُ الصِّدْقَ كَذِبًا، وإنْ لَمْ يُجِبْهُ إلَيْهِ كانَ ذَلِكَ تَحْقِيرًا لِشَأْنِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿إنَّهم مُغْرَقُونَ﴾ أيِ الغَرَقُ نازِلٌ بِهِمْ لا مَحالَةَ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَإذا اسْتَوَيْتَ أنْتَ ومَن مَعَكَ عَلى الفُلْكِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: كانَ في السَّفِينَةِ ثَمانُونَ إنْسانًا؛ نُوحٌ وامْرَأتُهُ سِوى الَّتِي غَرِقَتْ، وثَلاثَةُ بَنِينَ: سامٍ وحامٍ ويافِثُ، وثَلاثُ نِسْوَةٍ لَهُمْ، واثْنانِ وسَبْعُونَ إنْسانًا، فَكُلُّ الخَلائِقِ نَسْلُ مَن كانَ في السَّفِينَةِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجّانا مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: إنَّما قالَ: ﴿فَقُلِ﴾ ولَمْ يَقُلْ: فَقُولُوا؛ لِأنَّ نُوحًا كانَ نَبِيًّا لَهم وإمامًا لَهُمْ، فَكانَ قَوْلُهُ قَوْلًا لَهم، مَعَ ما فِيهِ مِنَ الإشْعارِ بِفَضْلِ النُّبُوَّةِ وإظْهارِ كِبْرِياءِ الرُّبُوبِيَّةِ، وأنَّ رُتْبَةَ تِلْكَ المُخاطَبَةِ لا يَتَرَقّى إلَيْها إلّا مَلَكٌ أوْ نَبِيٌّ.
المسألة الثّانِيَةُ: قالَ قَتادَةُ: عَلَّمَكُمُ اللَّهُ أنْ تَقُولُوا عِنْدَ رُكُوبِ السَّفِينَةِ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها ومُرْساها﴾ [هُودٍ: ٤١] وعِنْدَ رُكُوبِ الدّابَّةِ ﴿سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا وما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ [الزُّخْرُفِ: ١٣] وعِنْدَ النُّزُولِ ﴿وقُلْ رَبِّ أنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكًا وأنْتَ خَيْرُ المُنْزِلِينَ﴾ [المُؤْمِنُونَ: ٢٩] قالَ الأنْصارِيُّ: وقالَ لِنَبِيِّنا: ﴿وقُلْ رَبِّ أدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وأخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾ [الإسْراءِ: ٨٠] وقالَ: ﴿فَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ﴾ [النَّحْلِ: ٩٨] كَأنَّهُ سُبْحانَهُ أمَرَهم أنْ لا يَكُونُوا عَنْ ذِكْرِهِ وعَنِ الِاسْتِعاذَةِ بِهِ في جَمِيعِ أحْوالِهِمْ غافِلِينَ.
المسألة الثّالِثَةُ: هَذِهِ مُبالَغَةٌ عَظِيمَةٌ في تَقْبِيحِ صُورَتِهِمْ حَيْثُ أتْبَعَ النَّهْيَ عَنِ الدُّعاءِ لَهُمُ الأمْرَ بِالحَمْدِ عَلى إهْلاكِهِمْ والنَّجاةِ مِنهم، كَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقُطِعَ دابِرُ القَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الأنْعامِ: ٤٥] وإنَّما جَعَلَ سُبْحانَهُ اسْتِواءَهم عَلى السَّفِينَةِ نَجاةً مِنَ الغَرَقِ؛ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ كانَ عَرَّفَهُ أنَّهُ بِذَلِكَ يُنْجِيهِ ومَن تَبِعَهُ، فَيَصِحُّ أنْ يَقُولَ: ”نَجّانا“ مِن حَيْثُ جَعَلَهُ آمِنًا بِهَذا الفِعْلِ، ووَصَفَ قَوْمَهَ بِأنَّهُمُ الظّالِمُونَ؛ لِأنَّ الكُفْرَ مِنهم ظُلْمٌ لِأنْفُسِهِمْ لِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لُقْمانَ: ١٣] ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ بَعْدَ أنْ أمَرَهُ بِالحَمْدِ عَلى إهْلاكِهِمْ
صفحة ٨٤
أمَرَهُ بِأنْ يَدْعُوَ لِنَفْسِهِ فَقالَ: ﴿وقُلْ رَبِّ أنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكًا﴾ وقُرِئَ ”مَنزَلًا“ بِمَعْنى إنْزالًا أوْ مَوْضِعَ إنْزالٍ، كَقَوْلِهِ: (لَيُدْخِلَنَّهم مَدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ) واخْتَلَفُوا في المُنْزَلِ عَلى قَوْلَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ المُرادَ هو نَفْسُ السَّفِينَةِ، فَمَن رَكِبَها خَلَّصَتْهُ مِمّا جَرى عَلى قَوْمِهِ مِنَ الهَلاكِ.
والثّانِي: أنَّ المُرادَ أنْ يُنْزِلَهُ اللَّهُ بَعْدَ خُرُوجِهِ مِنَ السَّفِينَةِ مِنَ الأرْضِ مُنْزَلًا مُبارَكًا، والأوَّلُ أقْرَبُ؛ لِأنَّهُ أُمِرَ بِهَذا الدُّعاءِ في حالِ اسْتِقْرارِهِ في السَّفِينَةِ، فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ المُنْزَلُ ذَلِكَ دُونَ غَيْرِهِ.
ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وأنْتَ خَيْرُ المُنْزِلِينَ﴾ أنَّ الإنْزالَ في الأمْكِنَةِ قَدْ يَقَعُ مِن غَيْرِ اللَّهِ كَما يَقَعُ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وإنْ كانَ هو سُبْحانَهُ خَيْرَ مَن أنْزَلَ؛ لِأنَّهُ يَحْفَظُ مَن أنْزَلَهُ في سائِرِ أحْوالِهِ، ويَدْفَعُ عَنْهُ المَكارِهَ بِحَسَبِ ما يَقْتَضِيهِ الحُكْمُ والحِكْمَةُ، ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّ فِيما ذَكَرَهُ مِن قِصَّةِ نُوحٍ وقَوْمِهِ لَآياتٍ ودَلالاتٍ وعِبَرًا في الدُّعاءِ إلى الإيمانِ والزَّجْرِ عَنِ الكُفْرِ، فَإنَّ إظْهارَ تِلْكَ المِياهِ العَظِيمَةِ ثُمَّ الإذْهابَ بِها لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إلّا القادِرُ عَلى كُلِّ المَقْدُوراتِ، وظُهُورُ تِلْكَ الواقِعَةِ عَلى وفْقِ قَوْلِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ يَدُلُّ عَلى المُعْجِزِ العَظِيمِ، وإفْناءُ الكُفّارِ وبَقاءُ الأرْضِ لِأهْلِ الدِّينِ والطّاعَةِ مِن أعْظَمِ أنْواعِ العِبَرِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وإنْ كُنّا لَمُبْتَلِينَ﴾ فَيُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ: وإنْ كُنّا لَمُبْتَلِينَ فِيما قَبْلُ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ وإنْ كُنّا لَمُبْتَلِينَ فِيما بَعْدُ، وهَذا هو الأقْرَبُ لِأنَّهُ كالحَقِيقَةِ في الِاسْتِقْبالِ، وإذا حُمِلَ عَلى ذَلِكَ احْتَمَلَ وُجُوهًا.
أحَدُها: أنْ يَكُونَ المُرادُ المُكَلَّفِينَ في المُسْتَقْبَلِ، أيْ: فَيَجِبُ فِيمَن كَلَّفْناهُ أنْ يَعْتَبِرَ بِهَذا الَّذِي ذَكَرْناهُ.
وثانِيها: أنْ يَكُونَ المُرادُ لَمُعاقِبِينَ لِمَن سَلَكَ في تَكْذِيبِ الأنْبِياءِ مِثْلَ طَرِيقَةِ قَوْمِ نُوحٍ.
وثالِثُها: أنْ يَكُونَ المُرادُ كَما نُعاقِبُ مَن كَذَّبَ بِالغَرَقِ وغَيْرِهِ، فَقَدْ نَمْتَحِنُ بِالغَرَقِ مَن لَمْ يُكَذِّبْ عَلى وجْهِ المَصْلَحَةِ لا عَلى وجْهِ التَّعْذِيبِ؛ لِكَيْ لا يُقَدَّرَ أنَّ كُلَّ الغَرَقِ يَجْرِي عَلى وجْهٍ واحِدٍ.
المؤمنون 23:30
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ﴾ ﴿فَأوْحَيْنا إلَيْهِ أنِ اصْنَعِ الفُلْكَ بِأعْيُنِنا ووَحْيِنا فَإذا جاءَ أمْرُنا وفارَ التَّنُّورُ فاسْلُكْ فِيها مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وأهْلَكَ إلّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ مِنهم ولا تُخاطِبْنِي في الَّذِينَ ظَلَمُوا إنَّهم مُغْرَقُونَ﴾ ﴿فَإذا اسْتَوَيْتَ أنْتَ ومَن مَعَكَ عَلى الفُلْكِ فَقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجّانا مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ ﴿وقُلْ رَبِّ أنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكًا وأنْتَ خَيْرُ المُنْزِلِينَ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ وإنْ كُنّا لَمُبْتَلِينَ﴾
أمّا قَوْلُهُ: ﴿رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّ في نَصْرِهِ إهْلاكَهم فَكَأنَّهُ قالَ: أهْلِكْهم بِسَبَبِ تَكْذِيبِهِمْ إيّايَ.
وثانِيها: انْصُرْنِي بَدَلَ ما كَذَّبُونِي، كَما تَقُولُ: هَذا بِذاكَ أيْ: بَدَلُ ذاكَ ومَكانُهُ، والمَعْنى أبْدِلْنِي مِن غَمِّ تَكْذِيبِهِمْ سَلْوَةَ النَّصْرِ عَلَيْهِمْ.
وثالِثُها: انْصُرْنِي بِإنْجازِ ما وعَدْتَهم مِنَ العَذابِ وهو ما كَذَّبُوهُ فِيهِ حِينَ قالَ لَهُمْ: ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعْرافِ: ٥٩] ولَمّا أجابَ اللَّهُ دُعاءَهُ قالَ: ﴿فَأوْحَيْنا إلَيْهِ أنِ اصْنَعِ الفُلْكَ بِأعْيُنِنا﴾ أيْ: بِحِفْظِنا وكَلَئِنا كَأنَّ مَعَهُ مِنَ اللَّهِ حافِظًا يَكْلَؤُهُ بِعَيْنِهِ لِئَلّا يَتَعَرَّضَ لَهُ ولا يُفْسِدَ عَلَيْهِ مُفْسِدٌ عَمَلَهُ، ومِنهُ قَوْلُهُمْ: عَلَيْهِ مِنَ اللَّهِ عَيْنٌ كالِئَةٌ، وهَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى فَسادِ قَوْلِ المُشَبِّهَةِ في تَمَسُّكِهِمْ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«إنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلى صُورَتِهِ» “ لِأنَّ ثُبُوتَ الأعْيُنِ يَمْنَعُ مِن ذَلِكَ، واخْتَلَفُوا في أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كَيْفَ صَنَعَ الفُلْكَ، فَقِيلَ: إنَّهُ كانَ نَجّارًا وكانَ عالِمًا بِكَيْفِيَّةِ اتِّخاذِها، وقِيلَ: إنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلَّمَهُ عَمَلَ السَّفِينَةِ، ووَصَفَ لَهُ كَيْفِيَّةَ اتِّخاذِها، وهَذا هو الأقْرَبُ لِقَوْلِهِ: ﴿بِأعْيُنِنا ووَحْيِنا﴾ .
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَإذا جاءَ أمْرُنا﴾ فاعْلَمْ أنَّ لَفْظَ الأمْرِ كَما هو حَقِيقَةٌ في طَلَبِ الفِعْلِ بِالقَوْلِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعْلاءِ، فَكَذا هو حَقِيقَةٌ في الشَّأْنِ العَظِيمِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّكَ إذا قُلْتَ: هَذا أمْرٌ، بَقِيَ الذِّهْنُ يَتَرَدَّدُ بَيْنَ المَفْهُومَيْنِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ حَقِيقَةً فِيهِما، وتَمامُ تَقْرِيرِهِ مَذْكُورٌ في كِتابِ المَحْصُولِ في الأُصُولِ، ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: إنَّما سَمّاهُ أمْرًا عَلى سَبِيلِ التَّعْظِيمِ والتَّفْخِيمِ، مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿فَقالَ لَها ولِلْأرْضِ اِئْتِيا طَوْعًا أوْ كَرْهًا﴾ [فُصِّلَتْ: ١١] .
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وفارَ التَّنُّورُ﴾ فاخْتَلَفُوا في التَّنُّورِ، فالأكْثَرُونَ عَلى أنَّهُ هو التَّنُّورُ المَعْرُوفُ. رُوِيَ أنَّهُ قِيلَ لِنُوحٍ: إذا رَأيْتَ الماءَ يَفُورُ مِنَ التَّنُّورِ فارْكَبْ أنْتَ ومَن مَعَكَ في السَّفِينَةِ، فَلَمّا نَبَعَ الماءُ مِنَ التَّنُّورِ أخْبَرَتْهُ امْرَأتُهُ فَرَكِبَ، وقِيلَ: كانَ تَنُّورُ آدَمَ مِن حِجارَةٍ فَصارَ إلى نُوحٍ، واخْتُلِفَ في مَكانِهِ، فَعَنِ الشَّعْبِيِّ: في مَسْجِدِ الكُوفَةِ عَنْ يَمِينِ الدّاخِلِ مِمّا يَلِي بابَ كِنْدَةَ، وكانَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ عَمِلَ السَّفِينَةَ في وسَطِ المَسْجِدِ، وقِيلَ: بِالشّامِ بِمَوْضِعٍ يُقالُ لَهُ: عَيْنُ ورْدَةٍ، وقِيلَ بِالهِنْدِ.
القَوْلُ الثّانِي: أنَّ التَّنُّورَ وجْهُ الأرْضِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما.
الثّالِثُ: أنَّهُ أشْرَفُ مَوْضِعٍ في الأرْضِ؛ أيْ: أعْلاهُ، عَنْ قَتادَةَ.
والرّابِعُ: ﴿وفارَ التَّنُّورُ﴾ أيْ: طَلْعَ الفَجْرُ، عَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقِيلَ: إنَّ فَوَرانَ التَّنُّورِ كانَ عِنْدَ طُلُوعِ الفَجْرِ.
والخامِسُ: هو مِثْلُ قَوْلِهِمْ: حَمِيَ الوَطِيسُ.
والسّادِسُ: أنَّهُ المَوْضِعُ المُنْخَفِضُ مِنَ السَّفِينَةِ الَّذِي يَسِيلُ الماءُ إلَيْهِ، عَنِ الحَسَنِ رَحِمَهُ اللَّهُ، والقَوْلُ الأوَّلُ هو
صفحة ٨٣
الصَّوابُ؛ لِأنَّ العُدُولَ عَنِ الحَقِيقَةِ إلى المَجازِ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ لا يَجُوزُ، واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ فَوَرانَ التَّنُّورِ عَلامَةً لِنُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ حَتّى يَرْكَبَ عِنْدَهُ السَّفِينَةَ؛ طَلَبًا لِنَجاتِهِ ونَجاةِ مَن آمَنَ بِهِ مِن قَوْمِهِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فاسْلُكْ فِيها﴾ أيْ: أدْخِلْ فِيها، يُقالُ: سَلَكَ فِيهِ؛ أيْ: دَخَلَ فِيهِ، وسَلَكَ غَيْرَهُ وأسْلَكَهُ ﴿مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ أيْ: مِن كُلِّ زَوْجَيْنِ مِنَ الحَيَوانِ الَّذِي يَحْضُرُهُ في الوَقْتِ (اثْنَيْنِ) الذَّكَرَ والأُنْثى؛ لِكَيْ لا يَنْقَطِعَ نَسْلُ ذَلِكَ الحَيَوانِ، وكُلُّ واحِدٍ مِنهُما زَوْجٌ، لا كَما تَقُولُهُ العامَّةُ مِن أنَّ الزَّوْجَ هو الِاثْنانِ، رُوِيَ أنَّهُ لَمْ يَحْمِلْ إلّا ما يَلِدُ ويَبِيضُ، وقُرِئَ ”مِن كُلٍّ“ بِالتَّنْوِينِ، أيْ: مِن كُلِّ أُمَّةٍ زَوْجَيْنِ، واثْنَيْنِ تَأْكِيدٌ وزِيادَةُ بَيانٍ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وأهْلَكَ إلّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ مِنهُمْ﴾ أيْ: وأدْخِلْ أهْلَكَ، ولَفْظُ (عَلى) إنَّما يُسْتَعْمَلُ في المَضارِّ؛ قالَ تَعالى: ﴿لَها ما كَسَبَتْ وعَلَيْها ما اكْتَسَبَتْ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٨٦] واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أمْرَيْنِ، أحَدُهُما: أنَّهُ سُبْحانَهُ أمَرَهُ بِإدْخالِ سائِرِ مَن آمَنَ بِهِ وإنْ لَمْ يَكُنْ مِن أهْلِهِ، وقِيلَ: المُرادُ بِـ (أهْلِهِ) مَن آمَنَ دُونَ مَن يَتَّصِلُ بِهِ نَسَبًا أوْ سَبَبًا، وهَذا ضَعِيفٌ، وإلّا لَما جازَ اسْتِثْناءُ قَوْلِهِ: ﴿إلّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ﴾ والثّانِي: أنَّهُ قالَ: ﴿ولا تُخاطِبْنِي في الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ يَعْنِي كَنْعانَ، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا أخْبَرَ بِإهْلاكِهِمْ وجَبَ أنْ يَنْهاهُ عَنْ أنْ يَسْألَهُ في بَعْضِهِمْ؛ لِأنَّهُ إنْ أجابَهُ إلَيْهِ، فَقَدْ صَيَّرَ خَبَرَهُ الصِّدْقَ كَذِبًا، وإنْ لَمْ يُجِبْهُ إلَيْهِ كانَ ذَلِكَ تَحْقِيرًا لِشَأْنِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿إنَّهم مُغْرَقُونَ﴾ أيِ الغَرَقُ نازِلٌ بِهِمْ لا مَحالَةَ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَإذا اسْتَوَيْتَ أنْتَ ومَن مَعَكَ عَلى الفُلْكِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: كانَ في السَّفِينَةِ ثَمانُونَ إنْسانًا؛ نُوحٌ وامْرَأتُهُ سِوى الَّتِي غَرِقَتْ، وثَلاثَةُ بَنِينَ: سامٍ وحامٍ ويافِثُ، وثَلاثُ نِسْوَةٍ لَهُمْ، واثْنانِ وسَبْعُونَ إنْسانًا، فَكُلُّ الخَلائِقِ نَسْلُ مَن كانَ في السَّفِينَةِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجّانا مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: إنَّما قالَ: ﴿فَقُلِ﴾ ولَمْ يَقُلْ: فَقُولُوا؛ لِأنَّ نُوحًا كانَ نَبِيًّا لَهم وإمامًا لَهُمْ، فَكانَ قَوْلُهُ قَوْلًا لَهم، مَعَ ما فِيهِ مِنَ الإشْعارِ بِفَضْلِ النُّبُوَّةِ وإظْهارِ كِبْرِياءِ الرُّبُوبِيَّةِ، وأنَّ رُتْبَةَ تِلْكَ المُخاطَبَةِ لا يَتَرَقّى إلَيْها إلّا مَلَكٌ أوْ نَبِيٌّ.
المسألة الثّانِيَةُ: قالَ قَتادَةُ: عَلَّمَكُمُ اللَّهُ أنْ تَقُولُوا عِنْدَ رُكُوبِ السَّفِينَةِ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها ومُرْساها﴾ [هُودٍ: ٤١] وعِنْدَ رُكُوبِ الدّابَّةِ ﴿سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا وما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ [الزُّخْرُفِ: ١٣] وعِنْدَ النُّزُولِ ﴿وقُلْ رَبِّ أنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكًا وأنْتَ خَيْرُ المُنْزِلِينَ﴾ [المُؤْمِنُونَ: ٢٩] قالَ الأنْصارِيُّ: وقالَ لِنَبِيِّنا: ﴿وقُلْ رَبِّ أدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وأخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾ [الإسْراءِ: ٨٠] وقالَ: ﴿فَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ﴾ [النَّحْلِ: ٩٨] كَأنَّهُ سُبْحانَهُ أمَرَهم أنْ لا يَكُونُوا عَنْ ذِكْرِهِ وعَنِ الِاسْتِعاذَةِ بِهِ في جَمِيعِ أحْوالِهِمْ غافِلِينَ.
المسألة الثّالِثَةُ: هَذِهِ مُبالَغَةٌ عَظِيمَةٌ في تَقْبِيحِ صُورَتِهِمْ حَيْثُ أتْبَعَ النَّهْيَ عَنِ الدُّعاءِ لَهُمُ الأمْرَ بِالحَمْدِ عَلى إهْلاكِهِمْ والنَّجاةِ مِنهم، كَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقُطِعَ دابِرُ القَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الأنْعامِ: ٤٥] وإنَّما جَعَلَ سُبْحانَهُ اسْتِواءَهم عَلى السَّفِينَةِ نَجاةً مِنَ الغَرَقِ؛ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ كانَ عَرَّفَهُ أنَّهُ بِذَلِكَ يُنْجِيهِ ومَن تَبِعَهُ، فَيَصِحُّ أنْ يَقُولَ: ”نَجّانا“ مِن حَيْثُ جَعَلَهُ آمِنًا بِهَذا الفِعْلِ، ووَصَفَ قَوْمَهَ بِأنَّهُمُ الظّالِمُونَ؛ لِأنَّ الكُفْرَ مِنهم ظُلْمٌ لِأنْفُسِهِمْ لِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لُقْمانَ: ١٣] ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ بَعْدَ أنْ أمَرَهُ بِالحَمْدِ عَلى إهْلاكِهِمْ
صفحة ٨٤
أمَرَهُ بِأنْ يَدْعُوَ لِنَفْسِهِ فَقالَ: ﴿وقُلْ رَبِّ أنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكًا﴾ وقُرِئَ ”مَنزَلًا“ بِمَعْنى إنْزالًا أوْ مَوْضِعَ إنْزالٍ، كَقَوْلِهِ: (لَيُدْخِلَنَّهم مَدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ) واخْتَلَفُوا في المُنْزَلِ عَلى قَوْلَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ المُرادَ هو نَفْسُ السَّفِينَةِ، فَمَن رَكِبَها خَلَّصَتْهُ مِمّا جَرى عَلى قَوْمِهِ مِنَ الهَلاكِ.
والثّانِي: أنَّ المُرادَ أنْ يُنْزِلَهُ اللَّهُ بَعْدَ خُرُوجِهِ مِنَ السَّفِينَةِ مِنَ الأرْضِ مُنْزَلًا مُبارَكًا، والأوَّلُ أقْرَبُ؛ لِأنَّهُ أُمِرَ بِهَذا الدُّعاءِ في حالِ اسْتِقْرارِهِ في السَّفِينَةِ، فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ المُنْزَلُ ذَلِكَ دُونَ غَيْرِهِ.
ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وأنْتَ خَيْرُ المُنْزِلِينَ﴾ أنَّ الإنْزالَ في الأمْكِنَةِ قَدْ يَقَعُ مِن غَيْرِ اللَّهِ كَما يَقَعُ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وإنْ كانَ هو سُبْحانَهُ خَيْرَ مَن أنْزَلَ؛ لِأنَّهُ يَحْفَظُ مَن أنْزَلَهُ في سائِرِ أحْوالِهِ، ويَدْفَعُ عَنْهُ المَكارِهَ بِحَسَبِ ما يَقْتَضِيهِ الحُكْمُ والحِكْمَةُ، ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّ فِيما ذَكَرَهُ مِن قِصَّةِ نُوحٍ وقَوْمِهِ لَآياتٍ ودَلالاتٍ وعِبَرًا في الدُّعاءِ إلى الإيمانِ والزَّجْرِ عَنِ الكُفْرِ، فَإنَّ إظْهارَ تِلْكَ المِياهِ العَظِيمَةِ ثُمَّ الإذْهابَ بِها لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إلّا القادِرُ عَلى كُلِّ المَقْدُوراتِ، وظُهُورُ تِلْكَ الواقِعَةِ عَلى وفْقِ قَوْلِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ يَدُلُّ عَلى المُعْجِزِ العَظِيمِ، وإفْناءُ الكُفّارِ وبَقاءُ الأرْضِ لِأهْلِ الدِّينِ والطّاعَةِ مِن أعْظَمِ أنْواعِ العِبَرِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وإنْ كُنّا لَمُبْتَلِينَ﴾ فَيُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ: وإنْ كُنّا لَمُبْتَلِينَ فِيما قَبْلُ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ وإنْ كُنّا لَمُبْتَلِينَ فِيما بَعْدُ، وهَذا هو الأقْرَبُ لِأنَّهُ كالحَقِيقَةِ في الِاسْتِقْبالِ، وإذا حُمِلَ عَلى ذَلِكَ احْتَمَلَ وُجُوهًا.
أحَدُها: أنْ يَكُونَ المُرادُ المُكَلَّفِينَ في المُسْتَقْبَلِ، أيْ: فَيَجِبُ فِيمَن كَلَّفْناهُ أنْ يَعْتَبِرَ بِهَذا الَّذِي ذَكَرْناهُ.
وثانِيها: أنْ يَكُونَ المُرادُ لَمُعاقِبِينَ لِمَن سَلَكَ في تَكْذِيبِ الأنْبِياءِ مِثْلَ طَرِيقَةِ قَوْمِ نُوحٍ.
وثالِثُها: أنْ يَكُونَ المُرادُ كَما نُعاقِبُ مَن كَذَّبَ بِالغَرَقِ وغَيْرِهِ، فَقَدْ نَمْتَحِنُ بِالغَرَقِ مَن لَمْ يُكَذِّبْ عَلى وجْهِ المَصْلَحَةِ لا عَلى وجْهِ التَّعْذِيبِ؛ لِكَيْ لا يُقَدَّرَ أنَّ كُلَّ الغَرَقِ يَجْرِي عَلى وجْهٍ واحِدٍ.
المؤمنون 23:31
القِصَّةُ الثّانِيَةُ قِصَّةُ هُودٍ أوْ صالِحٍ عَلَيْهِما السَّلامُ
﴿ثُمَّ أنْشَأْنا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾ ﴿فَأرْسَلْنا فِيهِمْ رَسُولًا مِنهم أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ ﴿وقالَ المَلَأُ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِلِقاءِ الآخِرَةِ وأتْرَفْناهم في الحَياةِ الدُّنْيا ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم يَأْكُلُ مِمّا تَأْكُلُونَ مِنهُ ويَشْرَبُ مِمّا تَشْرَبُونَ﴾ ﴿ولَئِنْ أطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكم إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ﴾ ﴿أيَعِدُكم أنَّكم إذا مِتُّمْ وكُنْتُمْ تُرابًا وعِظامًا أنَّكم مُخْرَجُونَ﴾ ﴿هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ﴾ ﴿إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا نَمُوتُ ونَحْيا وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ ﴿إنْ هو إلّا رَجُلٌ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا وما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ﴾ ﴿قالَ عَمّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ﴾ ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالحَقِّ فَجَعَلْناهم غُثاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾
صفحة ٨٥
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ أنْشَأْنا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾ ﴿فَأرْسَلْنا فِيهِمْ رَسُولًا مِنهم أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ ﴿وقالَ المَلَأُ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِلِقاءِ الآخِرَةِ وأتْرَفْناهم في الحَياةِ الدُّنْيا ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم يَأْكُلُ مِمّا تَأْكُلُونَ مِنهُ ويَشْرَبُ مِمّا تَشْرَبُونَ﴾ ﴿ولَئِنْ أطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكم إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ﴾ ﴿أيَعِدُكم أنَّكم إذا مِتُّمْ وكُنْتُمْ تُرابًا وعِظامًا أنَّكم مُخْرَجُونَ﴾ ﴿هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ﴾ ﴿إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا نَمُوتُ ونَحْيا وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ ﴿إنْ هو إلّا رَجُلٌ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا وما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ﴾ ﴿قالَ عَمّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ﴾ ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالحَقِّ فَجَعَلْناهم غُثاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ القِصَّةَ هي قِصَّةُ هُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ في قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما وأكْثَرِ المُفَسِّرِينَ، واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِحِكايَةِ اللَّهِ تَعالى قَوْلَ هُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿واذْكُرُوا إذْ جَعَلَكم خُلَفاءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ [الأعْرافِ: ٦٩] ومَجِيءُ قِصَّةِ هُودٍ عَقِيبَ قِصَّةِ نُوحٍ في سُورَةِ الأعْرافِ وسُورَةِ هُودٍ والشُّعَراءِ. وقالَ بَعْضُهُمْ: المُرادُ بِهِمْ صالِحٌ وثَمُودُ؛ لِأنَّ قَوْمَهُ الَّذِينَ كَذَّبُوهُ هُمُ الَّذِينَ هَلَكُوا بِالصَّيْحَةِ، أمّا كَيْفِيَّةُ الدَّعْوى فَكَما تَقَدَّمَ في قِصَّةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، وهاهُنا سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: حَقُّ (أرْسَلَ) أنْ يَتَعَدّى بِـ (إلى) كَأخَواتِهِ الَّتِي هي: وجَّهَ وأنْفَذَ وبَعَثَ، فَلِمَ -عُدِّيَ في القُرْآنِ بِـ (إلى) تارَةً وبِـ (فِي) أُخْرى كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ أرْسَلْناكَ في أُمَّةٍ﴾ [الرَّعْدِ: ٣٠] ﴿وما أرْسَلْنا في قَرْيَةٍ﴾ [الأعْرافِ: ٩٤] ﴿فَأرْسَلْنا فِيهِمْ رَسُولًا﴾ [المُؤْمِنُونَ: ٣٢] أيْ: في عادٍ، وفي مَوْضِعٍ آخَرَ ﴿وإلى عادٍ أخاهم هُودًا﴾ [الأعْرافِ: ٦٥]؟ الجَوابُ: لَمْ يُعَدَّ بِـ (فِي) كَما عُدِّيَ بِـ (إلى) ولَكِنَّ الأُمَّةَ أوِ القَرْيَةَ جُعِلَتْ مَوْضِعًا لِلْإرْسالِ، وعَلى هَذا المَعْنى جاءَ (بَعَثَ) في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا﴾ [الفُرْقانِ: ٥١].
السُّؤالُ الثّانِي: هَلْ يَصِحُّ ما قالَهُ بَعْضُهم أنَّ قَوْلَهُ: ﴿أفَلا تَتَّقُونَ﴾ غَيْرُ مَوْصُولٍ بِالأوَّلِ، وإنَّما قالَهُ لَهم بَعْدَ أنْ كَذَّبُوهُ، ورَدُّوا عَلَيْهِ بَعْدَ إقامَةِ الحجة عَلَيْهِمْ، فَعِنْدَ ذَلِكَ قالَ لَهم مُخَوِّفًا مِمّا هم عَلَيْهِ: ﴿أفَلا تَتَّقُونَ﴾ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ مَخافَةَ العَذابِ الَّذِي أنْذَرْتُكم بِهِ؟ الجَوابُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَوْصُولًا بِالكَلامِ الأوَّلِ بِأنْ رَآهم مُعْرِضِينَ عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ مُشْتَغِلِينَ بِعِبادَةِ الأوْثانِ، فَدَعاهم إلى عِبادَةِ اللَّهِ وحَذَّرَهم مِنَ العِقابِ بِسَبَبِ إقْبالِهِمْ عَلى عِبادَةِ الأوْثانِ. ثُمَّ اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى حَكى صِفاتِ أُولَئِكَ القَوْمِ وحَكى كَلامَهُمْ، أمّا الصِّفاتُ فَثَلاثٌ هي شَرُّ الصِّفاتِ، أوَّلُها: الكُفْرُ بِالخالِقِ سُبْحانَهُ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿كَفَرُوا﴾ وثانِيها: الكُفْرُ بِيَوْمِ القِيامَةِ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وكَذَّبُوا بِلِقاءِ الآخِرَةِ﴾ وثالِثُها: الِانْغِماسُ في حُبِّ الدُّنْيا وشَهَواتِها، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وأتْرَفْناهم في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ أيْ: نَعَّمْناهُمْ، فَإنْ قِيلَ: ذَكَرَ اللَّهُ مَقالَةَ قَوْمِ هُودٍ في جَوابِهِ في سُورَةِ الأعْرافِ وسُورَةِ هُودٍ بِغَيْرِ واوٍ ﴿قالَ المَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ إنّا لَنَراكَ في سَفاهَةٍ﴾ [الأعْرافِ: ٦٦]، قالُوا: ﴿ما نَراكَ إلّا بَشَرًا مِثْلَنا﴾ [هُودٍ: ٢٧] وهاهُنا مَعَ الواوِ، فَأيُّ فَرْقٍ بَيْنَهُما؟ قُلْنا: الَّذِي بِغَيْرِ واوٍ عَلى تَقْدِيرِ سُؤالِ سائِلٍ قالَ: فَما قالَ قَوْمُهُ؟ فَقِيلَ لَهُ: كَيْتَ وكَيْتَ، وأمّا الَّذِي مَعَ الواوِ فَعَطْفٌ لِما قالُوهُ عَلى ما قالَهُ، ومَعْناهُ أنَّهُ اجْتَمَعَ في هَذِهِ الواقِعَةِ هَذا الكَلامُ الحَقُّ وهَذا الكَلامُ الباطِلُ. وأمّا شُبُهاتُ القَوْمِ فَشَيْئانِ: أوَّلُهُما: قَوْلُهُمْ: ﴿ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم يَأْكُلُ مِمّا تَأْكُلُونَ مِنهُ ويَشْرَبُ مِمّا تَشْرَبُونَ﴾، وقَدْ مَرَّ شَرْحُ هَذِهِ الشُّبْهَةِ في القِصَّةِ الأُولى. وقَوْلُهُ: ﴿مِمّا تَشْرَبُونَ﴾ أيْ: مِن مَشْرُوبِكم، أوْ حُذِفَ مِنهُ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ وهو قَوْلُهُ: ﴿ولَئِنْ أطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكم إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ﴾ فَجَعَلُوا اتِّباعَ الرَّسُولِ خُسْرانًا، ولَمْ يَجْعَلُوا عِبادَةَ الأصْنامِ خُسْرانًا، أيْ: لَئِنْ كُنْتُمْ أعْطَيْتُمُوهُ الطّاعَةَ مِن غَيْرِ أنْ
صفحة ٨٦
يَكُونَ لَكم بِإزائِها مَنفَعَةٌ فَذَلِكَ هو الخُسْرانُ. وثانِيهِما: أنَّهم طَعَنُوا في صِحَّةِ الحَشْرِ والنَّشْرِ، ثُمَّ طَعَنُوا في نُبُوَّتِهِ بِسَبَبِ إتْيانِهِ بِذَلِكَ. أمّا الطَّعْنُ في صِحَّةِ الحَشْرِ فَهو قَوْلُهُمْ: ﴿أيَعِدُكم أنَّكم إذا مِتُّمْ وكُنْتُمْ تُرابًا وعِظامًا أنَّكم مُخْرَجُونَ﴾ مُعادُونَ أحْياءً لِلْمُجازاةِ، ثُمَّ لَمْ يَقْتَصِرُوا عَلى هَذا القَدْرِ حَتّى قَرَنُوا بِهِ الِاسْتِبْعادَ العَظِيمَ وهو قَوْلُهُمْ: ﴿هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ﴾ ثُمَّ أكَّدُوا الشُّبْهَةَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا نَمُوتُ ونَحْيا﴾ ولَمْ يُرِيدُوا بِقَوْلِهِمْ (نَمُوتُ ونَحْيا) الشَّخْصَ الواحِدَ، بَلْ أرادُوا أنَّ البَعْضَ يَمُوتُ والبَعْضَ يَحْيا، وأنَّهُ لا إعادَةَ ولا حَشْرَ. فَلِذَلِكَ قالُوا: ﴿وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ ولَمّا فَرَغُوا مِنَ الطَّعْنِ في صِحَّةِ الحَشْرِ بَنَوْا عَلَيْهِ الطَّعْنَ في نُبُوَّتِهِ، فَقالُوا: لَمّا أتى بِهَذا الباطِلِ فَقَدَ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا، ثُمَّ لَمّا قَرَّرُوا الشُّبْهَةَ الطّاعِنَةَ في نُبُوَّتِهِ قالُوا: وما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ؛ لِأنَّ القَوْمَ كالتَّبَعِ لَهم. واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى ما أجابَ عَنْ هاتَيْنِ الشُّبْهَتَيْنِ لِظُهُورِ فَسادِهِما. أمّا الشُّبْهَةُ الأُولى: فَقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ ضَعْفِها. وأمّا الثّانِيَةُ: فَلِأنَّهُمُ اسْتَبْعَدُوا الحَشْرَ، ولا يُسْتَبْعَدُ الحَشْرُ لِوَجْهَيْنِ.
الأوَّلُ: أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا كانَ قادِرًا عَلى كُلِّ المُمْكِناتِ عالِمًا بِكُلِّ المَعْلُوماتِ وجَبَ أنْ يَكُونَ قادِرًا عَلى الحَشْرِ والنَّشْرِ.
والثّانِي: وهو أنَّهُ لَوْلا الإعادَةُ لَكانَ تَسْلِيطُ القَوِيِّ عَلى الضَّعِيفِ في الدُّنْيا ظُلْمًا. وهو غَيْرُ لائِقٍ بِالحَكِيمِ، عَلى ما قَرَّرَهُ سُبْحانَهُ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ أكادُ أُخْفِيها لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى﴾ [طه: ١٥] وهاهُنا مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: ثَنّى (إنَّكُمْ) لِلتَّوْكِيدِ، وحَسُنَ ذَلِكَ الفَصْلُ ما بَيْنَ الأوَّلِ والثّانِي بِالظَّرْفِ، و(مُخْرَجُونَ) خَبَرٌ عَنِ الأوَّلِ. وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: ”وكُنْتُمْ تُرابًا وعِظامًا مُخْرَجُونَ“.
المسألة الثّانِيَةُ: قُرِئَ ”هَيْهاتَ“ بِالفَتْحِ والكَسْرِ، كُلُّها بِتَنْوِينٍ وبِلا تَنْوِينٍ، وبِالسُّكُونِ عَلى لَفْظِ الوَقْفِ.
المسألة الثّالِثَةُ: هي في قَوْلِهِ: ﴿إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا﴾ ضَمِيرٌ لا يُعْلَمُ ما يُعْنى بِهِ إلّا بِما يَتْلُوهُ مِن بَيانِهِ، وأصْلُهُ: إنِ الحَياةُ إلّا حَياتُنا الدُّنْيا، ثُمَّ وضَعَ (هِيَ) مَوْضِعَ الحَياةِ؛ لِأنَّ الخَبَرَ يَدُلُّ عَلَيْهِ ومِنهُ [قُوْلُ الشّاعِرِ]:
هِيَ النَّفْسُ ما حَمَّلْتَها تَتَحَمَّلُ
والمَعْنى لا حَياةَ إلّا هَذِهِ الحَياةُ، ولِأنَّ ”إنْ“ النّافِيَةَ دَخَلَتْ عَلى (هِيَ) الَّتِي في مَعْنى الحَياةِ الدّالَّةِ عَلى الجِنْسِ فَنَفَتْها، فَوازَنَتْ (لا) الَّتِي نَفَتْ ما بَعْدَها نَفْيَ الجِنْسِ.
واعْلَمْ أنَّ ذَلِكَ الرَّسُولَ لَمّا يَئِسَ مِن قَبُولِ الأكابِرِ والأصاغِرِ فَزِعَ إلى رَبِّهِ وقالَ: ﴿رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ﴾ وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ، فَأجابَهُ اللَّهُ تَعالى فِيما سَألَ وقالَ: ﴿عَمّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ﴾ والأقْرَبُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِأنْ يَظْهَرَ لَهم عَلاماتُ الهَلاكِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يَحْصُلُ مِنهُمُ الحَسْرَةُ والنَّدامَةُ عَلى تَرْكِ القَبُولِ، ويَكُونُ الوَقْتُ وقْتَ إيمانِ اليَأْسِ فَلا يَنْتَفِعُونَ بِالنَّدامَةِ، وبَيَّنَ تَعالى الهَلاكَ الَّذِي أنْزَلَهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالحَقِّ﴾ وذَكَرُوا في الصَّيْحَةِ وُجُوهًا.
أحَدُها: أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ صاحَ بِهِمْ، وكانَتِ الصَّيْحَةُ عَظِيمَةً فَماتُوا عِنْدَها.
وثانِيها: الصَّيْحَةُ هي الرَّجْفَةُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما.
وثالِثُها: الصَّيْحَةُ هي نَفْسُ العَذابِ والمَوْتِ، كَما يُقالُ فِيمَن يَمُوتُ: دُعِيَ فَأجابَ، عَنِ الحَسَنِ.
ورابِعُها: أنَّهُ العَذابُ المُصْطَلِمُ. قالَ الشّاعِرُ:
صفحة ٨٧
صاحَ الزَّمانُ بِآلِ بَرْمَكٍ صَيْحَةً ∗∗∗ خَرُّوا لِشِدَّتِها عَلى الأذْقانِ
والأوَّلُ أوْلى لِأنَّهُ هو الحَقِيقَةُ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿بِالحَقِّ﴾ فَمَعْناهُ أنَّهُ دَمَّرَهم بِالعَدْلِ، مِن قَوْلِكَ: فُلانٌ يَقْضِي بِالحَقِّ: إذا كانَ عادِلًا في قَضاياهُ. وقالَ المُفَضَّلُ: بِالحَقِّ؛ أيْ: بِما لا يُدْفَعُ، كَقَوْلِهِ: ﴿وجاءَتْ سَكْرَةُ المَوْتِ بِالحَقِّ﴾ [ق: ١٩].
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَجَعَلْناهم غُثاءً﴾ فالغُثاءُ حَمِيلِ السَّيْلِ مِمّا بَلِيَ واسْوَدَّ مِنَ الوَرَقِ والعِيدانِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَجَعَلَهُ غُثاءً أحْوى﴾ [الأعْلى:٥].
* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
المسألة الأُولى: قَوْلُهُ: بُعْدًا وسُحْقًا ودُمْرًا، ونَحْوُها، مَصادِرُ مَوْضُوعَةٌ مَواضِعَ أفْعالِها، وهي مِن جُمْلَةِ المَصادِرِ الَّتِي قالَ سِيبَوَيْهَ: نُصِبَتْ بِأفْعالٍ لا يُسْتَعْمَلُ إظْهارُها. ومَعْنى بُعْدًا بَعُدُوا، أيْ: هَلَكُوا، يُقالُ: بَعُدَ بُعْدًا وبَعَدًا، بِفَتْحِ العَيْنِ، نَحْوَ رَشَدَ رُشْدًا ورَشَدًا، بِفَتْحِ الشِّينِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
المسألة الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿فَبُعْدًا﴾ بِمَنزِلَةِ اللَّعْنِ الَّذِي هو التَّبْعِيدُ مِنَ الخَيْرِ، واللَّهُ تَعالى ذَكَرَ ذَلِكَ عَلى وجْهِ الِاسْتِخْفافِ والإهانَةِ لَهُمْ، وقَدْ نَزَلَ بِهِمُ العَذابُ دالًّا بِذَلِكَ عَلى أنَّ الَّذِي يَنْزِلُ بِهِمْ في الآخِرَةِ مِنَ البُعْدِ مِنَ النَّعِيمِ والثَّوابِ أعْظَمُ مِمّا حَلَّ بِهِمْ حالًا؛ لِيَكُونَ ذَلِكَ عِبْرَةً لِمَن يَجِيءُ بَعْدَهم.
المؤمنون 23:32
القِصَّةُ الثّانِيَةُ قِصَّةُ هُودٍ أوْ صالِحٍ عَلَيْهِما السَّلامُ
﴿ثُمَّ أنْشَأْنا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾ ﴿فَأرْسَلْنا فِيهِمْ رَسُولًا مِنهم أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ ﴿وقالَ المَلَأُ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِلِقاءِ الآخِرَةِ وأتْرَفْناهم في الحَياةِ الدُّنْيا ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم يَأْكُلُ مِمّا تَأْكُلُونَ مِنهُ ويَشْرَبُ مِمّا تَشْرَبُونَ﴾ ﴿ولَئِنْ أطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكم إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ﴾ ﴿أيَعِدُكم أنَّكم إذا مِتُّمْ وكُنْتُمْ تُرابًا وعِظامًا أنَّكم مُخْرَجُونَ﴾ ﴿هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ﴾ ﴿إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا نَمُوتُ ونَحْيا وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ ﴿إنْ هو إلّا رَجُلٌ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا وما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ﴾ ﴿قالَ عَمّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ﴾ ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالحَقِّ فَجَعَلْناهم غُثاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾
صفحة ٨٥
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ أنْشَأْنا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾ ﴿فَأرْسَلْنا فِيهِمْ رَسُولًا مِنهم أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ ﴿وقالَ المَلَأُ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِلِقاءِ الآخِرَةِ وأتْرَفْناهم في الحَياةِ الدُّنْيا ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم يَأْكُلُ مِمّا تَأْكُلُونَ مِنهُ ويَشْرَبُ مِمّا تَشْرَبُونَ﴾ ﴿ولَئِنْ أطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكم إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ﴾ ﴿أيَعِدُكم أنَّكم إذا مِتُّمْ وكُنْتُمْ تُرابًا وعِظامًا أنَّكم مُخْرَجُونَ﴾ ﴿هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ﴾ ﴿إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا نَمُوتُ ونَحْيا وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ ﴿إنْ هو إلّا رَجُلٌ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا وما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ﴾ ﴿قالَ عَمّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ﴾ ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالحَقِّ فَجَعَلْناهم غُثاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ القِصَّةَ هي قِصَّةُ هُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ في قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما وأكْثَرِ المُفَسِّرِينَ، واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِحِكايَةِ اللَّهِ تَعالى قَوْلَ هُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿واذْكُرُوا إذْ جَعَلَكم خُلَفاءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ [الأعْرافِ: ٦٩] ومَجِيءُ قِصَّةِ هُودٍ عَقِيبَ قِصَّةِ نُوحٍ في سُورَةِ الأعْرافِ وسُورَةِ هُودٍ والشُّعَراءِ. وقالَ بَعْضُهُمْ: المُرادُ بِهِمْ صالِحٌ وثَمُودُ؛ لِأنَّ قَوْمَهُ الَّذِينَ كَذَّبُوهُ هُمُ الَّذِينَ هَلَكُوا بِالصَّيْحَةِ، أمّا كَيْفِيَّةُ الدَّعْوى فَكَما تَقَدَّمَ في قِصَّةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، وهاهُنا سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: حَقُّ (أرْسَلَ) أنْ يَتَعَدّى بِـ (إلى) كَأخَواتِهِ الَّتِي هي: وجَّهَ وأنْفَذَ وبَعَثَ، فَلِمَ -عُدِّيَ في القُرْآنِ بِـ (إلى) تارَةً وبِـ (فِي) أُخْرى كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ أرْسَلْناكَ في أُمَّةٍ﴾ [الرَّعْدِ: ٣٠] ﴿وما أرْسَلْنا في قَرْيَةٍ﴾ [الأعْرافِ: ٩٤] ﴿فَأرْسَلْنا فِيهِمْ رَسُولًا﴾ [المُؤْمِنُونَ: ٣٢] أيْ: في عادٍ، وفي مَوْضِعٍ آخَرَ ﴿وإلى عادٍ أخاهم هُودًا﴾ [الأعْرافِ: ٦٥]؟ الجَوابُ: لَمْ يُعَدَّ بِـ (فِي) كَما عُدِّيَ بِـ (إلى) ولَكِنَّ الأُمَّةَ أوِ القَرْيَةَ جُعِلَتْ مَوْضِعًا لِلْإرْسالِ، وعَلى هَذا المَعْنى جاءَ (بَعَثَ) في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا﴾ [الفُرْقانِ: ٥١].
السُّؤالُ الثّانِي: هَلْ يَصِحُّ ما قالَهُ بَعْضُهم أنَّ قَوْلَهُ: ﴿أفَلا تَتَّقُونَ﴾ غَيْرُ مَوْصُولٍ بِالأوَّلِ، وإنَّما قالَهُ لَهم بَعْدَ أنْ كَذَّبُوهُ، ورَدُّوا عَلَيْهِ بَعْدَ إقامَةِ الحجة عَلَيْهِمْ، فَعِنْدَ ذَلِكَ قالَ لَهم مُخَوِّفًا مِمّا هم عَلَيْهِ: ﴿أفَلا تَتَّقُونَ﴾ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ مَخافَةَ العَذابِ الَّذِي أنْذَرْتُكم بِهِ؟ الجَوابُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَوْصُولًا بِالكَلامِ الأوَّلِ بِأنْ رَآهم مُعْرِضِينَ عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ مُشْتَغِلِينَ بِعِبادَةِ الأوْثانِ، فَدَعاهم إلى عِبادَةِ اللَّهِ وحَذَّرَهم مِنَ العِقابِ بِسَبَبِ إقْبالِهِمْ عَلى عِبادَةِ الأوْثانِ. ثُمَّ اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى حَكى صِفاتِ أُولَئِكَ القَوْمِ وحَكى كَلامَهُمْ، أمّا الصِّفاتُ فَثَلاثٌ هي شَرُّ الصِّفاتِ، أوَّلُها: الكُفْرُ بِالخالِقِ سُبْحانَهُ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿كَفَرُوا﴾ وثانِيها: الكُفْرُ بِيَوْمِ القِيامَةِ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وكَذَّبُوا بِلِقاءِ الآخِرَةِ﴾ وثالِثُها: الِانْغِماسُ في حُبِّ الدُّنْيا وشَهَواتِها، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وأتْرَفْناهم في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ أيْ: نَعَّمْناهُمْ، فَإنْ قِيلَ: ذَكَرَ اللَّهُ مَقالَةَ قَوْمِ هُودٍ في جَوابِهِ في سُورَةِ الأعْرافِ وسُورَةِ هُودٍ بِغَيْرِ واوٍ ﴿قالَ المَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ إنّا لَنَراكَ في سَفاهَةٍ﴾ [الأعْرافِ: ٦٦]، قالُوا: ﴿ما نَراكَ إلّا بَشَرًا مِثْلَنا﴾ [هُودٍ: ٢٧] وهاهُنا مَعَ الواوِ، فَأيُّ فَرْقٍ بَيْنَهُما؟ قُلْنا: الَّذِي بِغَيْرِ واوٍ عَلى تَقْدِيرِ سُؤالِ سائِلٍ قالَ: فَما قالَ قَوْمُهُ؟ فَقِيلَ لَهُ: كَيْتَ وكَيْتَ، وأمّا الَّذِي مَعَ الواوِ فَعَطْفٌ لِما قالُوهُ عَلى ما قالَهُ، ومَعْناهُ أنَّهُ اجْتَمَعَ في هَذِهِ الواقِعَةِ هَذا الكَلامُ الحَقُّ وهَذا الكَلامُ الباطِلُ. وأمّا شُبُهاتُ القَوْمِ فَشَيْئانِ: أوَّلُهُما: قَوْلُهُمْ: ﴿ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم يَأْكُلُ مِمّا تَأْكُلُونَ مِنهُ ويَشْرَبُ مِمّا تَشْرَبُونَ﴾، وقَدْ مَرَّ شَرْحُ هَذِهِ الشُّبْهَةِ في القِصَّةِ الأُولى. وقَوْلُهُ: ﴿مِمّا تَشْرَبُونَ﴾ أيْ: مِن مَشْرُوبِكم، أوْ حُذِفَ مِنهُ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ وهو قَوْلُهُ: ﴿ولَئِنْ أطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكم إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ﴾ فَجَعَلُوا اتِّباعَ الرَّسُولِ خُسْرانًا، ولَمْ يَجْعَلُوا عِبادَةَ الأصْنامِ خُسْرانًا، أيْ: لَئِنْ كُنْتُمْ أعْطَيْتُمُوهُ الطّاعَةَ مِن غَيْرِ أنْ
صفحة ٨٦
يَكُونَ لَكم بِإزائِها مَنفَعَةٌ فَذَلِكَ هو الخُسْرانُ. وثانِيهِما: أنَّهم طَعَنُوا في صِحَّةِ الحَشْرِ والنَّشْرِ، ثُمَّ طَعَنُوا في نُبُوَّتِهِ بِسَبَبِ إتْيانِهِ بِذَلِكَ. أمّا الطَّعْنُ في صِحَّةِ الحَشْرِ فَهو قَوْلُهُمْ: ﴿أيَعِدُكم أنَّكم إذا مِتُّمْ وكُنْتُمْ تُرابًا وعِظامًا أنَّكم مُخْرَجُونَ﴾ مُعادُونَ أحْياءً لِلْمُجازاةِ، ثُمَّ لَمْ يَقْتَصِرُوا عَلى هَذا القَدْرِ حَتّى قَرَنُوا بِهِ الِاسْتِبْعادَ العَظِيمَ وهو قَوْلُهُمْ: ﴿هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ﴾ ثُمَّ أكَّدُوا الشُّبْهَةَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا نَمُوتُ ونَحْيا﴾ ولَمْ يُرِيدُوا بِقَوْلِهِمْ (نَمُوتُ ونَحْيا) الشَّخْصَ الواحِدَ، بَلْ أرادُوا أنَّ البَعْضَ يَمُوتُ والبَعْضَ يَحْيا، وأنَّهُ لا إعادَةَ ولا حَشْرَ. فَلِذَلِكَ قالُوا: ﴿وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ ولَمّا فَرَغُوا مِنَ الطَّعْنِ في صِحَّةِ الحَشْرِ بَنَوْا عَلَيْهِ الطَّعْنَ في نُبُوَّتِهِ، فَقالُوا: لَمّا أتى بِهَذا الباطِلِ فَقَدَ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا، ثُمَّ لَمّا قَرَّرُوا الشُّبْهَةَ الطّاعِنَةَ في نُبُوَّتِهِ قالُوا: وما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ؛ لِأنَّ القَوْمَ كالتَّبَعِ لَهم. واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى ما أجابَ عَنْ هاتَيْنِ الشُّبْهَتَيْنِ لِظُهُورِ فَسادِهِما. أمّا الشُّبْهَةُ الأُولى: فَقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ ضَعْفِها. وأمّا الثّانِيَةُ: فَلِأنَّهُمُ اسْتَبْعَدُوا الحَشْرَ، ولا يُسْتَبْعَدُ الحَشْرُ لِوَجْهَيْنِ.
الأوَّلُ: أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا كانَ قادِرًا عَلى كُلِّ المُمْكِناتِ عالِمًا بِكُلِّ المَعْلُوماتِ وجَبَ أنْ يَكُونَ قادِرًا عَلى الحَشْرِ والنَّشْرِ.
والثّانِي: وهو أنَّهُ لَوْلا الإعادَةُ لَكانَ تَسْلِيطُ القَوِيِّ عَلى الضَّعِيفِ في الدُّنْيا ظُلْمًا. وهو غَيْرُ لائِقٍ بِالحَكِيمِ، عَلى ما قَرَّرَهُ سُبْحانَهُ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ أكادُ أُخْفِيها لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى﴾ [طه: ١٥] وهاهُنا مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: ثَنّى (إنَّكُمْ) لِلتَّوْكِيدِ، وحَسُنَ ذَلِكَ الفَصْلُ ما بَيْنَ الأوَّلِ والثّانِي بِالظَّرْفِ، و(مُخْرَجُونَ) خَبَرٌ عَنِ الأوَّلِ. وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: ”وكُنْتُمْ تُرابًا وعِظامًا مُخْرَجُونَ“.
المسألة الثّانِيَةُ: قُرِئَ ”هَيْهاتَ“ بِالفَتْحِ والكَسْرِ، كُلُّها بِتَنْوِينٍ وبِلا تَنْوِينٍ، وبِالسُّكُونِ عَلى لَفْظِ الوَقْفِ.
المسألة الثّالِثَةُ: هي في قَوْلِهِ: ﴿إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا﴾ ضَمِيرٌ لا يُعْلَمُ ما يُعْنى بِهِ إلّا بِما يَتْلُوهُ مِن بَيانِهِ، وأصْلُهُ: إنِ الحَياةُ إلّا حَياتُنا الدُّنْيا، ثُمَّ وضَعَ (هِيَ) مَوْضِعَ الحَياةِ؛ لِأنَّ الخَبَرَ يَدُلُّ عَلَيْهِ ومِنهُ [قُوْلُ الشّاعِرِ]:
هِيَ النَّفْسُ ما حَمَّلْتَها تَتَحَمَّلُ
والمَعْنى لا حَياةَ إلّا هَذِهِ الحَياةُ، ولِأنَّ ”إنْ“ النّافِيَةَ دَخَلَتْ عَلى (هِيَ) الَّتِي في مَعْنى الحَياةِ الدّالَّةِ عَلى الجِنْسِ فَنَفَتْها، فَوازَنَتْ (لا) الَّتِي نَفَتْ ما بَعْدَها نَفْيَ الجِنْسِ.
واعْلَمْ أنَّ ذَلِكَ الرَّسُولَ لَمّا يَئِسَ مِن قَبُولِ الأكابِرِ والأصاغِرِ فَزِعَ إلى رَبِّهِ وقالَ: ﴿رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ﴾ وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ، فَأجابَهُ اللَّهُ تَعالى فِيما سَألَ وقالَ: ﴿عَمّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ﴾ والأقْرَبُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِأنْ يَظْهَرَ لَهم عَلاماتُ الهَلاكِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يَحْصُلُ مِنهُمُ الحَسْرَةُ والنَّدامَةُ عَلى تَرْكِ القَبُولِ، ويَكُونُ الوَقْتُ وقْتَ إيمانِ اليَأْسِ فَلا يَنْتَفِعُونَ بِالنَّدامَةِ، وبَيَّنَ تَعالى الهَلاكَ الَّذِي أنْزَلَهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالحَقِّ﴾ وذَكَرُوا في الصَّيْحَةِ وُجُوهًا.
أحَدُها: أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ صاحَ بِهِمْ، وكانَتِ الصَّيْحَةُ عَظِيمَةً فَماتُوا عِنْدَها.
وثانِيها: الصَّيْحَةُ هي الرَّجْفَةُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما.
وثالِثُها: الصَّيْحَةُ هي نَفْسُ العَذابِ والمَوْتِ، كَما يُقالُ فِيمَن يَمُوتُ: دُعِيَ فَأجابَ، عَنِ الحَسَنِ.
ورابِعُها: أنَّهُ العَذابُ المُصْطَلِمُ. قالَ الشّاعِرُ:
صفحة ٨٧
صاحَ الزَّمانُ بِآلِ بَرْمَكٍ صَيْحَةً ∗∗∗ خَرُّوا لِشِدَّتِها عَلى الأذْقانِ
والأوَّلُ أوْلى لِأنَّهُ هو الحَقِيقَةُ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿بِالحَقِّ﴾ فَمَعْناهُ أنَّهُ دَمَّرَهم بِالعَدْلِ، مِن قَوْلِكَ: فُلانٌ يَقْضِي بِالحَقِّ: إذا كانَ عادِلًا في قَضاياهُ. وقالَ المُفَضَّلُ: بِالحَقِّ؛ أيْ: بِما لا يُدْفَعُ، كَقَوْلِهِ: ﴿وجاءَتْ سَكْرَةُ المَوْتِ بِالحَقِّ﴾ [ق: ١٩].
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَجَعَلْناهم غُثاءً﴾ فالغُثاءُ حَمِيلِ السَّيْلِ مِمّا بَلِيَ واسْوَدَّ مِنَ الوَرَقِ والعِيدانِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَجَعَلَهُ غُثاءً أحْوى﴾ [الأعْلى:٥].
* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
المسألة الأُولى: قَوْلُهُ: بُعْدًا وسُحْقًا ودُمْرًا، ونَحْوُها، مَصادِرُ مَوْضُوعَةٌ مَواضِعَ أفْعالِها، وهي مِن جُمْلَةِ المَصادِرِ الَّتِي قالَ سِيبَوَيْهَ: نُصِبَتْ بِأفْعالٍ لا يُسْتَعْمَلُ إظْهارُها. ومَعْنى بُعْدًا بَعُدُوا، أيْ: هَلَكُوا، يُقالُ: بَعُدَ بُعْدًا وبَعَدًا، بِفَتْحِ العَيْنِ، نَحْوَ رَشَدَ رُشْدًا ورَشَدًا، بِفَتْحِ الشِّينِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
المسألة الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿فَبُعْدًا﴾ بِمَنزِلَةِ اللَّعْنِ الَّذِي هو التَّبْعِيدُ مِنَ الخَيْرِ، واللَّهُ تَعالى ذَكَرَ ذَلِكَ عَلى وجْهِ الِاسْتِخْفافِ والإهانَةِ لَهُمْ، وقَدْ نَزَلَ بِهِمُ العَذابُ دالًّا بِذَلِكَ عَلى أنَّ الَّذِي يَنْزِلُ بِهِمْ في الآخِرَةِ مِنَ البُعْدِ مِنَ النَّعِيمِ والثَّوابِ أعْظَمُ مِمّا حَلَّ بِهِمْ حالًا؛ لِيَكُونَ ذَلِكَ عِبْرَةً لِمَن يَجِيءُ بَعْدَهم.
المؤمنون 23:33
القِصَّةُ الثّانِيَةُ قِصَّةُ هُودٍ أوْ صالِحٍ عَلَيْهِما السَّلامُ
﴿ثُمَّ أنْشَأْنا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾ ﴿فَأرْسَلْنا فِيهِمْ رَسُولًا مِنهم أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ ﴿وقالَ المَلَأُ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِلِقاءِ الآخِرَةِ وأتْرَفْناهم في الحَياةِ الدُّنْيا ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم يَأْكُلُ مِمّا تَأْكُلُونَ مِنهُ ويَشْرَبُ مِمّا تَشْرَبُونَ﴾ ﴿ولَئِنْ أطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكم إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ﴾ ﴿أيَعِدُكم أنَّكم إذا مِتُّمْ وكُنْتُمْ تُرابًا وعِظامًا أنَّكم مُخْرَجُونَ﴾ ﴿هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ﴾ ﴿إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا نَمُوتُ ونَحْيا وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ ﴿إنْ هو إلّا رَجُلٌ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا وما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ﴾ ﴿قالَ عَمّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ﴾ ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالحَقِّ فَجَعَلْناهم غُثاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾
صفحة ٨٥
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ أنْشَأْنا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾ ﴿فَأرْسَلْنا فِيهِمْ رَسُولًا مِنهم أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ ﴿وقالَ المَلَأُ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِلِقاءِ الآخِرَةِ وأتْرَفْناهم في الحَياةِ الدُّنْيا ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم يَأْكُلُ مِمّا تَأْكُلُونَ مِنهُ ويَشْرَبُ مِمّا تَشْرَبُونَ﴾ ﴿ولَئِنْ أطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكم إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ﴾ ﴿أيَعِدُكم أنَّكم إذا مِتُّمْ وكُنْتُمْ تُرابًا وعِظامًا أنَّكم مُخْرَجُونَ﴾ ﴿هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ﴾ ﴿إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا نَمُوتُ ونَحْيا وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ ﴿إنْ هو إلّا رَجُلٌ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا وما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ﴾ ﴿قالَ عَمّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ﴾ ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالحَقِّ فَجَعَلْناهم غُثاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ القِصَّةَ هي قِصَّةُ هُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ في قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما وأكْثَرِ المُفَسِّرِينَ، واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِحِكايَةِ اللَّهِ تَعالى قَوْلَ هُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿واذْكُرُوا إذْ جَعَلَكم خُلَفاءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ [الأعْرافِ: ٦٩] ومَجِيءُ قِصَّةِ هُودٍ عَقِيبَ قِصَّةِ نُوحٍ في سُورَةِ الأعْرافِ وسُورَةِ هُودٍ والشُّعَراءِ. وقالَ بَعْضُهُمْ: المُرادُ بِهِمْ صالِحٌ وثَمُودُ؛ لِأنَّ قَوْمَهُ الَّذِينَ كَذَّبُوهُ هُمُ الَّذِينَ هَلَكُوا بِالصَّيْحَةِ، أمّا كَيْفِيَّةُ الدَّعْوى فَكَما تَقَدَّمَ في قِصَّةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، وهاهُنا سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: حَقُّ (أرْسَلَ) أنْ يَتَعَدّى بِـ (إلى) كَأخَواتِهِ الَّتِي هي: وجَّهَ وأنْفَذَ وبَعَثَ، فَلِمَ -عُدِّيَ في القُرْآنِ بِـ (إلى) تارَةً وبِـ (فِي) أُخْرى كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ أرْسَلْناكَ في أُمَّةٍ﴾ [الرَّعْدِ: ٣٠] ﴿وما أرْسَلْنا في قَرْيَةٍ﴾ [الأعْرافِ: ٩٤] ﴿فَأرْسَلْنا فِيهِمْ رَسُولًا﴾ [المُؤْمِنُونَ: ٣٢] أيْ: في عادٍ، وفي مَوْضِعٍ آخَرَ ﴿وإلى عادٍ أخاهم هُودًا﴾ [الأعْرافِ: ٦٥]؟ الجَوابُ: لَمْ يُعَدَّ بِـ (فِي) كَما عُدِّيَ بِـ (إلى) ولَكِنَّ الأُمَّةَ أوِ القَرْيَةَ جُعِلَتْ مَوْضِعًا لِلْإرْسالِ، وعَلى هَذا المَعْنى جاءَ (بَعَثَ) في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا﴾ [الفُرْقانِ: ٥١].
السُّؤالُ الثّانِي: هَلْ يَصِحُّ ما قالَهُ بَعْضُهم أنَّ قَوْلَهُ: ﴿أفَلا تَتَّقُونَ﴾ غَيْرُ مَوْصُولٍ بِالأوَّلِ، وإنَّما قالَهُ لَهم بَعْدَ أنْ كَذَّبُوهُ، ورَدُّوا عَلَيْهِ بَعْدَ إقامَةِ الحجة عَلَيْهِمْ، فَعِنْدَ ذَلِكَ قالَ لَهم مُخَوِّفًا مِمّا هم عَلَيْهِ: ﴿أفَلا تَتَّقُونَ﴾ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ مَخافَةَ العَذابِ الَّذِي أنْذَرْتُكم بِهِ؟ الجَوابُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَوْصُولًا بِالكَلامِ الأوَّلِ بِأنْ رَآهم مُعْرِضِينَ عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ مُشْتَغِلِينَ بِعِبادَةِ الأوْثانِ، فَدَعاهم إلى عِبادَةِ اللَّهِ وحَذَّرَهم مِنَ العِقابِ بِسَبَبِ إقْبالِهِمْ عَلى عِبادَةِ الأوْثانِ. ثُمَّ اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى حَكى صِفاتِ أُولَئِكَ القَوْمِ وحَكى كَلامَهُمْ، أمّا الصِّفاتُ فَثَلاثٌ هي شَرُّ الصِّفاتِ، أوَّلُها: الكُفْرُ بِالخالِقِ سُبْحانَهُ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿كَفَرُوا﴾ وثانِيها: الكُفْرُ بِيَوْمِ القِيامَةِ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وكَذَّبُوا بِلِقاءِ الآخِرَةِ﴾ وثالِثُها: الِانْغِماسُ في حُبِّ الدُّنْيا وشَهَواتِها، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وأتْرَفْناهم في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ أيْ: نَعَّمْناهُمْ، فَإنْ قِيلَ: ذَكَرَ اللَّهُ مَقالَةَ قَوْمِ هُودٍ في جَوابِهِ في سُورَةِ الأعْرافِ وسُورَةِ هُودٍ بِغَيْرِ واوٍ ﴿قالَ المَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ إنّا لَنَراكَ في سَفاهَةٍ﴾ [الأعْرافِ: ٦٦]، قالُوا: ﴿ما نَراكَ إلّا بَشَرًا مِثْلَنا﴾ [هُودٍ: ٢٧] وهاهُنا مَعَ الواوِ، فَأيُّ فَرْقٍ بَيْنَهُما؟ قُلْنا: الَّذِي بِغَيْرِ واوٍ عَلى تَقْدِيرِ سُؤالِ سائِلٍ قالَ: فَما قالَ قَوْمُهُ؟ فَقِيلَ لَهُ: كَيْتَ وكَيْتَ، وأمّا الَّذِي مَعَ الواوِ فَعَطْفٌ لِما قالُوهُ عَلى ما قالَهُ، ومَعْناهُ أنَّهُ اجْتَمَعَ في هَذِهِ الواقِعَةِ هَذا الكَلامُ الحَقُّ وهَذا الكَلامُ الباطِلُ. وأمّا شُبُهاتُ القَوْمِ فَشَيْئانِ: أوَّلُهُما: قَوْلُهُمْ: ﴿ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم يَأْكُلُ مِمّا تَأْكُلُونَ مِنهُ ويَشْرَبُ مِمّا تَشْرَبُونَ﴾، وقَدْ مَرَّ شَرْحُ هَذِهِ الشُّبْهَةِ في القِصَّةِ الأُولى. وقَوْلُهُ: ﴿مِمّا تَشْرَبُونَ﴾ أيْ: مِن مَشْرُوبِكم، أوْ حُذِفَ مِنهُ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ وهو قَوْلُهُ: ﴿ولَئِنْ أطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكم إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ﴾ فَجَعَلُوا اتِّباعَ الرَّسُولِ خُسْرانًا، ولَمْ يَجْعَلُوا عِبادَةَ الأصْنامِ خُسْرانًا، أيْ: لَئِنْ كُنْتُمْ أعْطَيْتُمُوهُ الطّاعَةَ مِن غَيْرِ أنْ
صفحة ٨٦
يَكُونَ لَكم بِإزائِها مَنفَعَةٌ فَذَلِكَ هو الخُسْرانُ. وثانِيهِما: أنَّهم طَعَنُوا في صِحَّةِ الحَشْرِ والنَّشْرِ، ثُمَّ طَعَنُوا في نُبُوَّتِهِ بِسَبَبِ إتْيانِهِ بِذَلِكَ. أمّا الطَّعْنُ في صِحَّةِ الحَشْرِ فَهو قَوْلُهُمْ: ﴿أيَعِدُكم أنَّكم إذا مِتُّمْ وكُنْتُمْ تُرابًا وعِظامًا أنَّكم مُخْرَجُونَ﴾ مُعادُونَ أحْياءً لِلْمُجازاةِ، ثُمَّ لَمْ يَقْتَصِرُوا عَلى هَذا القَدْرِ حَتّى قَرَنُوا بِهِ الِاسْتِبْعادَ العَظِيمَ وهو قَوْلُهُمْ: ﴿هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ﴾ ثُمَّ أكَّدُوا الشُّبْهَةَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا نَمُوتُ ونَحْيا﴾ ولَمْ يُرِيدُوا بِقَوْلِهِمْ (نَمُوتُ ونَحْيا) الشَّخْصَ الواحِدَ، بَلْ أرادُوا أنَّ البَعْضَ يَمُوتُ والبَعْضَ يَحْيا، وأنَّهُ لا إعادَةَ ولا حَشْرَ. فَلِذَلِكَ قالُوا: ﴿وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ ولَمّا فَرَغُوا مِنَ الطَّعْنِ في صِحَّةِ الحَشْرِ بَنَوْا عَلَيْهِ الطَّعْنَ في نُبُوَّتِهِ، فَقالُوا: لَمّا أتى بِهَذا الباطِلِ فَقَدَ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا، ثُمَّ لَمّا قَرَّرُوا الشُّبْهَةَ الطّاعِنَةَ في نُبُوَّتِهِ قالُوا: وما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ؛ لِأنَّ القَوْمَ كالتَّبَعِ لَهم. واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى ما أجابَ عَنْ هاتَيْنِ الشُّبْهَتَيْنِ لِظُهُورِ فَسادِهِما. أمّا الشُّبْهَةُ الأُولى: فَقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ ضَعْفِها. وأمّا الثّانِيَةُ: فَلِأنَّهُمُ اسْتَبْعَدُوا الحَشْرَ، ولا يُسْتَبْعَدُ الحَشْرُ لِوَجْهَيْنِ.
الأوَّلُ: أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا كانَ قادِرًا عَلى كُلِّ المُمْكِناتِ عالِمًا بِكُلِّ المَعْلُوماتِ وجَبَ أنْ يَكُونَ قادِرًا عَلى الحَشْرِ والنَّشْرِ.
والثّانِي: وهو أنَّهُ لَوْلا الإعادَةُ لَكانَ تَسْلِيطُ القَوِيِّ عَلى الضَّعِيفِ في الدُّنْيا ظُلْمًا. وهو غَيْرُ لائِقٍ بِالحَكِيمِ، عَلى ما قَرَّرَهُ سُبْحانَهُ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ أكادُ أُخْفِيها لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى﴾ [طه: ١٥] وهاهُنا مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: ثَنّى (إنَّكُمْ) لِلتَّوْكِيدِ، وحَسُنَ ذَلِكَ الفَصْلُ ما بَيْنَ الأوَّلِ والثّانِي بِالظَّرْفِ، و(مُخْرَجُونَ) خَبَرٌ عَنِ الأوَّلِ. وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: ”وكُنْتُمْ تُرابًا وعِظامًا مُخْرَجُونَ“.
المسألة الثّانِيَةُ: قُرِئَ ”هَيْهاتَ“ بِالفَتْحِ والكَسْرِ، كُلُّها بِتَنْوِينٍ وبِلا تَنْوِينٍ، وبِالسُّكُونِ عَلى لَفْظِ الوَقْفِ.
المسألة الثّالِثَةُ: هي في قَوْلِهِ: ﴿إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا﴾ ضَمِيرٌ لا يُعْلَمُ ما يُعْنى بِهِ إلّا بِما يَتْلُوهُ مِن بَيانِهِ، وأصْلُهُ: إنِ الحَياةُ إلّا حَياتُنا الدُّنْيا، ثُمَّ وضَعَ (هِيَ) مَوْضِعَ الحَياةِ؛ لِأنَّ الخَبَرَ يَدُلُّ عَلَيْهِ ومِنهُ [قُوْلُ الشّاعِرِ]:
هِيَ النَّفْسُ ما حَمَّلْتَها تَتَحَمَّلُ
والمَعْنى لا حَياةَ إلّا هَذِهِ الحَياةُ، ولِأنَّ ”إنْ“ النّافِيَةَ دَخَلَتْ عَلى (هِيَ) الَّتِي في مَعْنى الحَياةِ الدّالَّةِ عَلى الجِنْسِ فَنَفَتْها، فَوازَنَتْ (لا) الَّتِي نَفَتْ ما بَعْدَها نَفْيَ الجِنْسِ.
واعْلَمْ أنَّ ذَلِكَ الرَّسُولَ لَمّا يَئِسَ مِن قَبُولِ الأكابِرِ والأصاغِرِ فَزِعَ إلى رَبِّهِ وقالَ: ﴿رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ﴾ وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ، فَأجابَهُ اللَّهُ تَعالى فِيما سَألَ وقالَ: ﴿عَمّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ﴾ والأقْرَبُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِأنْ يَظْهَرَ لَهم عَلاماتُ الهَلاكِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يَحْصُلُ مِنهُمُ الحَسْرَةُ والنَّدامَةُ عَلى تَرْكِ القَبُولِ، ويَكُونُ الوَقْتُ وقْتَ إيمانِ اليَأْسِ فَلا يَنْتَفِعُونَ بِالنَّدامَةِ، وبَيَّنَ تَعالى الهَلاكَ الَّذِي أنْزَلَهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالحَقِّ﴾ وذَكَرُوا في الصَّيْحَةِ وُجُوهًا.
أحَدُها: أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ صاحَ بِهِمْ، وكانَتِ الصَّيْحَةُ عَظِيمَةً فَماتُوا عِنْدَها.
وثانِيها: الصَّيْحَةُ هي الرَّجْفَةُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما.
وثالِثُها: الصَّيْحَةُ هي نَفْسُ العَذابِ والمَوْتِ، كَما يُقالُ فِيمَن يَمُوتُ: دُعِيَ فَأجابَ، عَنِ الحَسَنِ.
ورابِعُها: أنَّهُ العَذابُ المُصْطَلِمُ. قالَ الشّاعِرُ:
صفحة ٨٧
صاحَ الزَّمانُ بِآلِ بَرْمَكٍ صَيْحَةً ∗∗∗ خَرُّوا لِشِدَّتِها عَلى الأذْقانِ
والأوَّلُ أوْلى لِأنَّهُ هو الحَقِيقَةُ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿بِالحَقِّ﴾ فَمَعْناهُ أنَّهُ دَمَّرَهم بِالعَدْلِ، مِن قَوْلِكَ: فُلانٌ يَقْضِي بِالحَقِّ: إذا كانَ عادِلًا في قَضاياهُ. وقالَ المُفَضَّلُ: بِالحَقِّ؛ أيْ: بِما لا يُدْفَعُ، كَقَوْلِهِ: ﴿وجاءَتْ سَكْرَةُ المَوْتِ بِالحَقِّ﴾ [ق: ١٩].
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَجَعَلْناهم غُثاءً﴾ فالغُثاءُ حَمِيلِ السَّيْلِ مِمّا بَلِيَ واسْوَدَّ مِنَ الوَرَقِ والعِيدانِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَجَعَلَهُ غُثاءً أحْوى﴾ [الأعْلى:٥].
* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
المسألة الأُولى: قَوْلُهُ: بُعْدًا وسُحْقًا ودُمْرًا، ونَحْوُها، مَصادِرُ مَوْضُوعَةٌ مَواضِعَ أفْعالِها، وهي مِن جُمْلَةِ المَصادِرِ الَّتِي قالَ سِيبَوَيْهَ: نُصِبَتْ بِأفْعالٍ لا يُسْتَعْمَلُ إظْهارُها. ومَعْنى بُعْدًا بَعُدُوا، أيْ: هَلَكُوا، يُقالُ: بَعُدَ بُعْدًا وبَعَدًا، بِفَتْحِ العَيْنِ، نَحْوَ رَشَدَ رُشْدًا ورَشَدًا، بِفَتْحِ الشِّينِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
المسألة الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿فَبُعْدًا﴾ بِمَنزِلَةِ اللَّعْنِ الَّذِي هو التَّبْعِيدُ مِنَ الخَيْرِ، واللَّهُ تَعالى ذَكَرَ ذَلِكَ عَلى وجْهِ الِاسْتِخْفافِ والإهانَةِ لَهُمْ، وقَدْ نَزَلَ بِهِمُ العَذابُ دالًّا بِذَلِكَ عَلى أنَّ الَّذِي يَنْزِلُ بِهِمْ في الآخِرَةِ مِنَ البُعْدِ مِنَ النَّعِيمِ والثَّوابِ أعْظَمُ مِمّا حَلَّ بِهِمْ حالًا؛ لِيَكُونَ ذَلِكَ عِبْرَةً لِمَن يَجِيءُ بَعْدَهم.
المؤمنون 23:34
القِصَّةُ الثّانِيَةُ قِصَّةُ هُودٍ أوْ صالِحٍ عَلَيْهِما السَّلامُ
﴿ثُمَّ أنْشَأْنا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾ ﴿فَأرْسَلْنا فِيهِمْ رَسُولًا مِنهم أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ ﴿وقالَ المَلَأُ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِلِقاءِ الآخِرَةِ وأتْرَفْناهم في الحَياةِ الدُّنْيا ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم يَأْكُلُ مِمّا تَأْكُلُونَ مِنهُ ويَشْرَبُ مِمّا تَشْرَبُونَ﴾ ﴿ولَئِنْ أطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكم إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ﴾ ﴿أيَعِدُكم أنَّكم إذا مِتُّمْ وكُنْتُمْ تُرابًا وعِظامًا أنَّكم مُخْرَجُونَ﴾ ﴿هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ﴾ ﴿إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا نَمُوتُ ونَحْيا وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ ﴿إنْ هو إلّا رَجُلٌ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا وما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ﴾ ﴿قالَ عَمّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ﴾ ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالحَقِّ فَجَعَلْناهم غُثاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾
صفحة ٨٥
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ أنْشَأْنا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾ ﴿فَأرْسَلْنا فِيهِمْ رَسُولًا مِنهم أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ ﴿وقالَ المَلَأُ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِلِقاءِ الآخِرَةِ وأتْرَفْناهم في الحَياةِ الدُّنْيا ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم يَأْكُلُ مِمّا تَأْكُلُونَ مِنهُ ويَشْرَبُ مِمّا تَشْرَبُونَ﴾ ﴿ولَئِنْ أطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكم إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ﴾ ﴿أيَعِدُكم أنَّكم إذا مِتُّمْ وكُنْتُمْ تُرابًا وعِظامًا أنَّكم مُخْرَجُونَ﴾ ﴿هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ﴾ ﴿إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا نَمُوتُ ونَحْيا وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ ﴿إنْ هو إلّا رَجُلٌ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا وما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ﴾ ﴿قالَ عَمّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ﴾ ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالحَقِّ فَجَعَلْناهم غُثاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ القِصَّةَ هي قِصَّةُ هُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ في قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما وأكْثَرِ المُفَسِّرِينَ، واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِحِكايَةِ اللَّهِ تَعالى قَوْلَ هُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿واذْكُرُوا إذْ جَعَلَكم خُلَفاءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ [الأعْرافِ: ٦٩] ومَجِيءُ قِصَّةِ هُودٍ عَقِيبَ قِصَّةِ نُوحٍ في سُورَةِ الأعْرافِ وسُورَةِ هُودٍ والشُّعَراءِ. وقالَ بَعْضُهُمْ: المُرادُ بِهِمْ صالِحٌ وثَمُودُ؛ لِأنَّ قَوْمَهُ الَّذِينَ كَذَّبُوهُ هُمُ الَّذِينَ هَلَكُوا بِالصَّيْحَةِ، أمّا كَيْفِيَّةُ الدَّعْوى فَكَما تَقَدَّمَ في قِصَّةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، وهاهُنا سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: حَقُّ (أرْسَلَ) أنْ يَتَعَدّى بِـ (إلى) كَأخَواتِهِ الَّتِي هي: وجَّهَ وأنْفَذَ وبَعَثَ، فَلِمَ -عُدِّيَ في القُرْآنِ بِـ (إلى) تارَةً وبِـ (فِي) أُخْرى كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ أرْسَلْناكَ في أُمَّةٍ﴾ [الرَّعْدِ: ٣٠] ﴿وما أرْسَلْنا في قَرْيَةٍ﴾ [الأعْرافِ: ٩٤] ﴿فَأرْسَلْنا فِيهِمْ رَسُولًا﴾ [المُؤْمِنُونَ: ٣٢] أيْ: في عادٍ، وفي مَوْضِعٍ آخَرَ ﴿وإلى عادٍ أخاهم هُودًا﴾ [الأعْرافِ: ٦٥]؟ الجَوابُ: لَمْ يُعَدَّ بِـ (فِي) كَما عُدِّيَ بِـ (إلى) ولَكِنَّ الأُمَّةَ أوِ القَرْيَةَ جُعِلَتْ مَوْضِعًا لِلْإرْسالِ، وعَلى هَذا المَعْنى جاءَ (بَعَثَ) في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا﴾ [الفُرْقانِ: ٥١].
السُّؤالُ الثّانِي: هَلْ يَصِحُّ ما قالَهُ بَعْضُهم أنَّ قَوْلَهُ: ﴿أفَلا تَتَّقُونَ﴾ غَيْرُ مَوْصُولٍ بِالأوَّلِ، وإنَّما قالَهُ لَهم بَعْدَ أنْ كَذَّبُوهُ، ورَدُّوا عَلَيْهِ بَعْدَ إقامَةِ الحجة عَلَيْهِمْ، فَعِنْدَ ذَلِكَ قالَ لَهم مُخَوِّفًا مِمّا هم عَلَيْهِ: ﴿أفَلا تَتَّقُونَ﴾ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ مَخافَةَ العَذابِ الَّذِي أنْذَرْتُكم بِهِ؟ الجَوابُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَوْصُولًا بِالكَلامِ الأوَّلِ بِأنْ رَآهم مُعْرِضِينَ عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ مُشْتَغِلِينَ بِعِبادَةِ الأوْثانِ، فَدَعاهم إلى عِبادَةِ اللَّهِ وحَذَّرَهم مِنَ العِقابِ بِسَبَبِ إقْبالِهِمْ عَلى عِبادَةِ الأوْثانِ. ثُمَّ اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى حَكى صِفاتِ أُولَئِكَ القَوْمِ وحَكى كَلامَهُمْ، أمّا الصِّفاتُ فَثَلاثٌ هي شَرُّ الصِّفاتِ، أوَّلُها: الكُفْرُ بِالخالِقِ سُبْحانَهُ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿كَفَرُوا﴾ وثانِيها: الكُفْرُ بِيَوْمِ القِيامَةِ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وكَذَّبُوا بِلِقاءِ الآخِرَةِ﴾ وثالِثُها: الِانْغِماسُ في حُبِّ الدُّنْيا وشَهَواتِها، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وأتْرَفْناهم في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ أيْ: نَعَّمْناهُمْ، فَإنْ قِيلَ: ذَكَرَ اللَّهُ مَقالَةَ قَوْمِ هُودٍ في جَوابِهِ في سُورَةِ الأعْرافِ وسُورَةِ هُودٍ بِغَيْرِ واوٍ ﴿قالَ المَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ إنّا لَنَراكَ في سَفاهَةٍ﴾ [الأعْرافِ: ٦٦]، قالُوا: ﴿ما نَراكَ إلّا بَشَرًا مِثْلَنا﴾ [هُودٍ: ٢٧] وهاهُنا مَعَ الواوِ، فَأيُّ فَرْقٍ بَيْنَهُما؟ قُلْنا: الَّذِي بِغَيْرِ واوٍ عَلى تَقْدِيرِ سُؤالِ سائِلٍ قالَ: فَما قالَ قَوْمُهُ؟ فَقِيلَ لَهُ: كَيْتَ وكَيْتَ، وأمّا الَّذِي مَعَ الواوِ فَعَطْفٌ لِما قالُوهُ عَلى ما قالَهُ، ومَعْناهُ أنَّهُ اجْتَمَعَ في هَذِهِ الواقِعَةِ هَذا الكَلامُ الحَقُّ وهَذا الكَلامُ الباطِلُ. وأمّا شُبُهاتُ القَوْمِ فَشَيْئانِ: أوَّلُهُما: قَوْلُهُمْ: ﴿ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم يَأْكُلُ مِمّا تَأْكُلُونَ مِنهُ ويَشْرَبُ مِمّا تَشْرَبُونَ﴾، وقَدْ مَرَّ شَرْحُ هَذِهِ الشُّبْهَةِ في القِصَّةِ الأُولى. وقَوْلُهُ: ﴿مِمّا تَشْرَبُونَ﴾ أيْ: مِن مَشْرُوبِكم، أوْ حُذِفَ مِنهُ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ وهو قَوْلُهُ: ﴿ولَئِنْ أطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكم إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ﴾ فَجَعَلُوا اتِّباعَ الرَّسُولِ خُسْرانًا، ولَمْ يَجْعَلُوا عِبادَةَ الأصْنامِ خُسْرانًا، أيْ: لَئِنْ كُنْتُمْ أعْطَيْتُمُوهُ الطّاعَةَ مِن غَيْرِ أنْ
صفحة ٨٦
يَكُونَ لَكم بِإزائِها مَنفَعَةٌ فَذَلِكَ هو الخُسْرانُ. وثانِيهِما: أنَّهم طَعَنُوا في صِحَّةِ الحَشْرِ والنَّشْرِ، ثُمَّ طَعَنُوا في نُبُوَّتِهِ بِسَبَبِ إتْيانِهِ بِذَلِكَ. أمّا الطَّعْنُ في صِحَّةِ الحَشْرِ فَهو قَوْلُهُمْ: ﴿أيَعِدُكم أنَّكم إذا مِتُّمْ وكُنْتُمْ تُرابًا وعِظامًا أنَّكم مُخْرَجُونَ﴾ مُعادُونَ أحْياءً لِلْمُجازاةِ، ثُمَّ لَمْ يَقْتَصِرُوا عَلى هَذا القَدْرِ حَتّى قَرَنُوا بِهِ الِاسْتِبْعادَ العَظِيمَ وهو قَوْلُهُمْ: ﴿هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ﴾ ثُمَّ أكَّدُوا الشُّبْهَةَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا نَمُوتُ ونَحْيا﴾ ولَمْ يُرِيدُوا بِقَوْلِهِمْ (نَمُوتُ ونَحْيا) الشَّخْصَ الواحِدَ، بَلْ أرادُوا أنَّ البَعْضَ يَمُوتُ والبَعْضَ يَحْيا، وأنَّهُ لا إعادَةَ ولا حَشْرَ. فَلِذَلِكَ قالُوا: ﴿وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ ولَمّا فَرَغُوا مِنَ الطَّعْنِ في صِحَّةِ الحَشْرِ بَنَوْا عَلَيْهِ الطَّعْنَ في نُبُوَّتِهِ، فَقالُوا: لَمّا أتى بِهَذا الباطِلِ فَقَدَ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا، ثُمَّ لَمّا قَرَّرُوا الشُّبْهَةَ الطّاعِنَةَ في نُبُوَّتِهِ قالُوا: وما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ؛ لِأنَّ القَوْمَ كالتَّبَعِ لَهم. واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى ما أجابَ عَنْ هاتَيْنِ الشُّبْهَتَيْنِ لِظُهُورِ فَسادِهِما. أمّا الشُّبْهَةُ الأُولى: فَقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ ضَعْفِها. وأمّا الثّانِيَةُ: فَلِأنَّهُمُ اسْتَبْعَدُوا الحَشْرَ، ولا يُسْتَبْعَدُ الحَشْرُ لِوَجْهَيْنِ.
الأوَّلُ: أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا كانَ قادِرًا عَلى كُلِّ المُمْكِناتِ عالِمًا بِكُلِّ المَعْلُوماتِ وجَبَ أنْ يَكُونَ قادِرًا عَلى الحَشْرِ والنَّشْرِ.
والثّانِي: وهو أنَّهُ لَوْلا الإعادَةُ لَكانَ تَسْلِيطُ القَوِيِّ عَلى الضَّعِيفِ في الدُّنْيا ظُلْمًا. وهو غَيْرُ لائِقٍ بِالحَكِيمِ، عَلى ما قَرَّرَهُ سُبْحانَهُ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ أكادُ أُخْفِيها لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى﴾ [طه: ١٥] وهاهُنا مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: ثَنّى (إنَّكُمْ) لِلتَّوْكِيدِ، وحَسُنَ ذَلِكَ الفَصْلُ ما بَيْنَ الأوَّلِ والثّانِي بِالظَّرْفِ، و(مُخْرَجُونَ) خَبَرٌ عَنِ الأوَّلِ. وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: ”وكُنْتُمْ تُرابًا وعِظامًا مُخْرَجُونَ“.
المسألة الثّانِيَةُ: قُرِئَ ”هَيْهاتَ“ بِالفَتْحِ والكَسْرِ، كُلُّها بِتَنْوِينٍ وبِلا تَنْوِينٍ، وبِالسُّكُونِ عَلى لَفْظِ الوَقْفِ.
المسألة الثّالِثَةُ: هي في قَوْلِهِ: ﴿إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا﴾ ضَمِيرٌ لا يُعْلَمُ ما يُعْنى بِهِ إلّا بِما يَتْلُوهُ مِن بَيانِهِ، وأصْلُهُ: إنِ الحَياةُ إلّا حَياتُنا الدُّنْيا، ثُمَّ وضَعَ (هِيَ) مَوْضِعَ الحَياةِ؛ لِأنَّ الخَبَرَ يَدُلُّ عَلَيْهِ ومِنهُ [قُوْلُ الشّاعِرِ]:
هِيَ النَّفْسُ ما حَمَّلْتَها تَتَحَمَّلُ
والمَعْنى لا حَياةَ إلّا هَذِهِ الحَياةُ، ولِأنَّ ”إنْ“ النّافِيَةَ دَخَلَتْ عَلى (هِيَ) الَّتِي في مَعْنى الحَياةِ الدّالَّةِ عَلى الجِنْسِ فَنَفَتْها، فَوازَنَتْ (لا) الَّتِي نَفَتْ ما بَعْدَها نَفْيَ الجِنْسِ.
واعْلَمْ أنَّ ذَلِكَ الرَّسُولَ لَمّا يَئِسَ مِن قَبُولِ الأكابِرِ والأصاغِرِ فَزِعَ إلى رَبِّهِ وقالَ: ﴿رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ﴾ وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ، فَأجابَهُ اللَّهُ تَعالى فِيما سَألَ وقالَ: ﴿عَمّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ﴾ والأقْرَبُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِأنْ يَظْهَرَ لَهم عَلاماتُ الهَلاكِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يَحْصُلُ مِنهُمُ الحَسْرَةُ والنَّدامَةُ عَلى تَرْكِ القَبُولِ، ويَكُونُ الوَقْتُ وقْتَ إيمانِ اليَأْسِ فَلا يَنْتَفِعُونَ بِالنَّدامَةِ، وبَيَّنَ تَعالى الهَلاكَ الَّذِي أنْزَلَهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالحَقِّ﴾ وذَكَرُوا في الصَّيْحَةِ وُجُوهًا.
أحَدُها: أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ صاحَ بِهِمْ، وكانَتِ الصَّيْحَةُ عَظِيمَةً فَماتُوا عِنْدَها.
وثانِيها: الصَّيْحَةُ هي الرَّجْفَةُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما.
وثالِثُها: الصَّيْحَةُ هي نَفْسُ العَذابِ والمَوْتِ، كَما يُقالُ فِيمَن يَمُوتُ: دُعِيَ فَأجابَ، عَنِ الحَسَنِ.
ورابِعُها: أنَّهُ العَذابُ المُصْطَلِمُ. قالَ الشّاعِرُ:
صفحة ٨٧
صاحَ الزَّمانُ بِآلِ بَرْمَكٍ صَيْحَةً ∗∗∗ خَرُّوا لِشِدَّتِها عَلى الأذْقانِ
والأوَّلُ أوْلى لِأنَّهُ هو الحَقِيقَةُ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿بِالحَقِّ﴾ فَمَعْناهُ أنَّهُ دَمَّرَهم بِالعَدْلِ، مِن قَوْلِكَ: فُلانٌ يَقْضِي بِالحَقِّ: إذا كانَ عادِلًا في قَضاياهُ. وقالَ المُفَضَّلُ: بِالحَقِّ؛ أيْ: بِما لا يُدْفَعُ، كَقَوْلِهِ: ﴿وجاءَتْ سَكْرَةُ المَوْتِ بِالحَقِّ﴾ [ق: ١٩].
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَجَعَلْناهم غُثاءً﴾ فالغُثاءُ حَمِيلِ السَّيْلِ مِمّا بَلِيَ واسْوَدَّ مِنَ الوَرَقِ والعِيدانِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَجَعَلَهُ غُثاءً أحْوى﴾ [الأعْلى:٥].
* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
المسألة الأُولى: قَوْلُهُ: بُعْدًا وسُحْقًا ودُمْرًا، ونَحْوُها، مَصادِرُ مَوْضُوعَةٌ مَواضِعَ أفْعالِها، وهي مِن جُمْلَةِ المَصادِرِ الَّتِي قالَ سِيبَوَيْهَ: نُصِبَتْ بِأفْعالٍ لا يُسْتَعْمَلُ إظْهارُها. ومَعْنى بُعْدًا بَعُدُوا، أيْ: هَلَكُوا، يُقالُ: بَعُدَ بُعْدًا وبَعَدًا، بِفَتْحِ العَيْنِ، نَحْوَ رَشَدَ رُشْدًا ورَشَدًا، بِفَتْحِ الشِّينِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
المسألة الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿فَبُعْدًا﴾ بِمَنزِلَةِ اللَّعْنِ الَّذِي هو التَّبْعِيدُ مِنَ الخَيْرِ، واللَّهُ تَعالى ذَكَرَ ذَلِكَ عَلى وجْهِ الِاسْتِخْفافِ والإهانَةِ لَهُمْ، وقَدْ نَزَلَ بِهِمُ العَذابُ دالًّا بِذَلِكَ عَلى أنَّ الَّذِي يَنْزِلُ بِهِمْ في الآخِرَةِ مِنَ البُعْدِ مِنَ النَّعِيمِ والثَّوابِ أعْظَمُ مِمّا حَلَّ بِهِمْ حالًا؛ لِيَكُونَ ذَلِكَ عِبْرَةً لِمَن يَجِيءُ بَعْدَهم.
المؤمنون 23:35
القِصَّةُ الثّانِيَةُ قِصَّةُ هُودٍ أوْ صالِحٍ عَلَيْهِما السَّلامُ
﴿ثُمَّ أنْشَأْنا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾ ﴿فَأرْسَلْنا فِيهِمْ رَسُولًا مِنهم أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ ﴿وقالَ المَلَأُ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِلِقاءِ الآخِرَةِ وأتْرَفْناهم في الحَياةِ الدُّنْيا ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم يَأْكُلُ مِمّا تَأْكُلُونَ مِنهُ ويَشْرَبُ مِمّا تَشْرَبُونَ﴾ ﴿ولَئِنْ أطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكم إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ﴾ ﴿أيَعِدُكم أنَّكم إذا مِتُّمْ وكُنْتُمْ تُرابًا وعِظامًا أنَّكم مُخْرَجُونَ﴾ ﴿هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ﴾ ﴿إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا نَمُوتُ ونَحْيا وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ ﴿إنْ هو إلّا رَجُلٌ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا وما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ﴾ ﴿قالَ عَمّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ﴾ ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالحَقِّ فَجَعَلْناهم غُثاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾
صفحة ٨٥
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ أنْشَأْنا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾ ﴿فَأرْسَلْنا فِيهِمْ رَسُولًا مِنهم أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ ﴿وقالَ المَلَأُ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِلِقاءِ الآخِرَةِ وأتْرَفْناهم في الحَياةِ الدُّنْيا ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم يَأْكُلُ مِمّا تَأْكُلُونَ مِنهُ ويَشْرَبُ مِمّا تَشْرَبُونَ﴾ ﴿ولَئِنْ أطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكم إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ﴾ ﴿أيَعِدُكم أنَّكم إذا مِتُّمْ وكُنْتُمْ تُرابًا وعِظامًا أنَّكم مُخْرَجُونَ﴾ ﴿هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ﴾ ﴿إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا نَمُوتُ ونَحْيا وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ ﴿إنْ هو إلّا رَجُلٌ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا وما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ﴾ ﴿قالَ عَمّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ﴾ ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالحَقِّ فَجَعَلْناهم غُثاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ القِصَّةَ هي قِصَّةُ هُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ في قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما وأكْثَرِ المُفَسِّرِينَ، واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِحِكايَةِ اللَّهِ تَعالى قَوْلَ هُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿واذْكُرُوا إذْ جَعَلَكم خُلَفاءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ [الأعْرافِ: ٦٩] ومَجِيءُ قِصَّةِ هُودٍ عَقِيبَ قِصَّةِ نُوحٍ في سُورَةِ الأعْرافِ وسُورَةِ هُودٍ والشُّعَراءِ. وقالَ بَعْضُهُمْ: المُرادُ بِهِمْ صالِحٌ وثَمُودُ؛ لِأنَّ قَوْمَهُ الَّذِينَ كَذَّبُوهُ هُمُ الَّذِينَ هَلَكُوا بِالصَّيْحَةِ، أمّا كَيْفِيَّةُ الدَّعْوى فَكَما تَقَدَّمَ في قِصَّةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، وهاهُنا سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: حَقُّ (أرْسَلَ) أنْ يَتَعَدّى بِـ (إلى) كَأخَواتِهِ الَّتِي هي: وجَّهَ وأنْفَذَ وبَعَثَ، فَلِمَ -عُدِّيَ في القُرْآنِ بِـ (إلى) تارَةً وبِـ (فِي) أُخْرى كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ أرْسَلْناكَ في أُمَّةٍ﴾ [الرَّعْدِ: ٣٠] ﴿وما أرْسَلْنا في قَرْيَةٍ﴾ [الأعْرافِ: ٩٤] ﴿فَأرْسَلْنا فِيهِمْ رَسُولًا﴾ [المُؤْمِنُونَ: ٣٢] أيْ: في عادٍ، وفي مَوْضِعٍ آخَرَ ﴿وإلى عادٍ أخاهم هُودًا﴾ [الأعْرافِ: ٦٥]؟ الجَوابُ: لَمْ يُعَدَّ بِـ (فِي) كَما عُدِّيَ بِـ (إلى) ولَكِنَّ الأُمَّةَ أوِ القَرْيَةَ جُعِلَتْ مَوْضِعًا لِلْإرْسالِ، وعَلى هَذا المَعْنى جاءَ (بَعَثَ) في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا﴾ [الفُرْقانِ: ٥١].
السُّؤالُ الثّانِي: هَلْ يَصِحُّ ما قالَهُ بَعْضُهم أنَّ قَوْلَهُ: ﴿أفَلا تَتَّقُونَ﴾ غَيْرُ مَوْصُولٍ بِالأوَّلِ، وإنَّما قالَهُ لَهم بَعْدَ أنْ كَذَّبُوهُ، ورَدُّوا عَلَيْهِ بَعْدَ إقامَةِ الحجة عَلَيْهِمْ، فَعِنْدَ ذَلِكَ قالَ لَهم مُخَوِّفًا مِمّا هم عَلَيْهِ: ﴿أفَلا تَتَّقُونَ﴾ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ مَخافَةَ العَذابِ الَّذِي أنْذَرْتُكم بِهِ؟ الجَوابُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَوْصُولًا بِالكَلامِ الأوَّلِ بِأنْ رَآهم مُعْرِضِينَ عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ مُشْتَغِلِينَ بِعِبادَةِ الأوْثانِ، فَدَعاهم إلى عِبادَةِ اللَّهِ وحَذَّرَهم مِنَ العِقابِ بِسَبَبِ إقْبالِهِمْ عَلى عِبادَةِ الأوْثانِ. ثُمَّ اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى حَكى صِفاتِ أُولَئِكَ القَوْمِ وحَكى كَلامَهُمْ، أمّا الصِّفاتُ فَثَلاثٌ هي شَرُّ الصِّفاتِ، أوَّلُها: الكُفْرُ بِالخالِقِ سُبْحانَهُ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿كَفَرُوا﴾ وثانِيها: الكُفْرُ بِيَوْمِ القِيامَةِ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وكَذَّبُوا بِلِقاءِ الآخِرَةِ﴾ وثالِثُها: الِانْغِماسُ في حُبِّ الدُّنْيا وشَهَواتِها، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وأتْرَفْناهم في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ أيْ: نَعَّمْناهُمْ، فَإنْ قِيلَ: ذَكَرَ اللَّهُ مَقالَةَ قَوْمِ هُودٍ في جَوابِهِ في سُورَةِ الأعْرافِ وسُورَةِ هُودٍ بِغَيْرِ واوٍ ﴿قالَ المَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ إنّا لَنَراكَ في سَفاهَةٍ﴾ [الأعْرافِ: ٦٦]، قالُوا: ﴿ما نَراكَ إلّا بَشَرًا مِثْلَنا﴾ [هُودٍ: ٢٧] وهاهُنا مَعَ الواوِ، فَأيُّ فَرْقٍ بَيْنَهُما؟ قُلْنا: الَّذِي بِغَيْرِ واوٍ عَلى تَقْدِيرِ سُؤالِ سائِلٍ قالَ: فَما قالَ قَوْمُهُ؟ فَقِيلَ لَهُ: كَيْتَ وكَيْتَ، وأمّا الَّذِي مَعَ الواوِ فَعَطْفٌ لِما قالُوهُ عَلى ما قالَهُ، ومَعْناهُ أنَّهُ اجْتَمَعَ في هَذِهِ الواقِعَةِ هَذا الكَلامُ الحَقُّ وهَذا الكَلامُ الباطِلُ. وأمّا شُبُهاتُ القَوْمِ فَشَيْئانِ: أوَّلُهُما: قَوْلُهُمْ: ﴿ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم يَأْكُلُ مِمّا تَأْكُلُونَ مِنهُ ويَشْرَبُ مِمّا تَشْرَبُونَ﴾، وقَدْ مَرَّ شَرْحُ هَذِهِ الشُّبْهَةِ في القِصَّةِ الأُولى. وقَوْلُهُ: ﴿مِمّا تَشْرَبُونَ﴾ أيْ: مِن مَشْرُوبِكم، أوْ حُذِفَ مِنهُ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ وهو قَوْلُهُ: ﴿ولَئِنْ أطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكم إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ﴾ فَجَعَلُوا اتِّباعَ الرَّسُولِ خُسْرانًا، ولَمْ يَجْعَلُوا عِبادَةَ الأصْنامِ خُسْرانًا، أيْ: لَئِنْ كُنْتُمْ أعْطَيْتُمُوهُ الطّاعَةَ مِن غَيْرِ أنْ
صفحة ٨٦
يَكُونَ لَكم بِإزائِها مَنفَعَةٌ فَذَلِكَ هو الخُسْرانُ. وثانِيهِما: أنَّهم طَعَنُوا في صِحَّةِ الحَشْرِ والنَّشْرِ، ثُمَّ طَعَنُوا في نُبُوَّتِهِ بِسَبَبِ إتْيانِهِ بِذَلِكَ. أمّا الطَّعْنُ في صِحَّةِ الحَشْرِ فَهو قَوْلُهُمْ: ﴿أيَعِدُكم أنَّكم إذا مِتُّمْ وكُنْتُمْ تُرابًا وعِظامًا أنَّكم مُخْرَجُونَ﴾ مُعادُونَ أحْياءً لِلْمُجازاةِ، ثُمَّ لَمْ يَقْتَصِرُوا عَلى هَذا القَدْرِ حَتّى قَرَنُوا بِهِ الِاسْتِبْعادَ العَظِيمَ وهو قَوْلُهُمْ: ﴿هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ﴾ ثُمَّ أكَّدُوا الشُّبْهَةَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا نَمُوتُ ونَحْيا﴾ ولَمْ يُرِيدُوا بِقَوْلِهِمْ (نَمُوتُ ونَحْيا) الشَّخْصَ الواحِدَ، بَلْ أرادُوا أنَّ البَعْضَ يَمُوتُ والبَعْضَ يَحْيا، وأنَّهُ لا إعادَةَ ولا حَشْرَ. فَلِذَلِكَ قالُوا: ﴿وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ ولَمّا فَرَغُوا مِنَ الطَّعْنِ في صِحَّةِ الحَشْرِ بَنَوْا عَلَيْهِ الطَّعْنَ في نُبُوَّتِهِ، فَقالُوا: لَمّا أتى بِهَذا الباطِلِ فَقَدَ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا، ثُمَّ لَمّا قَرَّرُوا الشُّبْهَةَ الطّاعِنَةَ في نُبُوَّتِهِ قالُوا: وما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ؛ لِأنَّ القَوْمَ كالتَّبَعِ لَهم. واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى ما أجابَ عَنْ هاتَيْنِ الشُّبْهَتَيْنِ لِظُهُورِ فَسادِهِما. أمّا الشُّبْهَةُ الأُولى: فَقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ ضَعْفِها. وأمّا الثّانِيَةُ: فَلِأنَّهُمُ اسْتَبْعَدُوا الحَشْرَ، ولا يُسْتَبْعَدُ الحَشْرُ لِوَجْهَيْنِ.
الأوَّلُ: أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا كانَ قادِرًا عَلى كُلِّ المُمْكِناتِ عالِمًا بِكُلِّ المَعْلُوماتِ وجَبَ أنْ يَكُونَ قادِرًا عَلى الحَشْرِ والنَّشْرِ.
والثّانِي: وهو أنَّهُ لَوْلا الإعادَةُ لَكانَ تَسْلِيطُ القَوِيِّ عَلى الضَّعِيفِ في الدُّنْيا ظُلْمًا. وهو غَيْرُ لائِقٍ بِالحَكِيمِ، عَلى ما قَرَّرَهُ سُبْحانَهُ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ أكادُ أُخْفِيها لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى﴾ [طه: ١٥] وهاهُنا مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: ثَنّى (إنَّكُمْ) لِلتَّوْكِيدِ، وحَسُنَ ذَلِكَ الفَصْلُ ما بَيْنَ الأوَّلِ والثّانِي بِالظَّرْفِ، و(مُخْرَجُونَ) خَبَرٌ عَنِ الأوَّلِ. وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: ”وكُنْتُمْ تُرابًا وعِظامًا مُخْرَجُونَ“.
المسألة الثّانِيَةُ: قُرِئَ ”هَيْهاتَ“ بِالفَتْحِ والكَسْرِ، كُلُّها بِتَنْوِينٍ وبِلا تَنْوِينٍ، وبِالسُّكُونِ عَلى لَفْظِ الوَقْفِ.
المسألة الثّالِثَةُ: هي في قَوْلِهِ: ﴿إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا﴾ ضَمِيرٌ لا يُعْلَمُ ما يُعْنى بِهِ إلّا بِما يَتْلُوهُ مِن بَيانِهِ، وأصْلُهُ: إنِ الحَياةُ إلّا حَياتُنا الدُّنْيا، ثُمَّ وضَعَ (هِيَ) مَوْضِعَ الحَياةِ؛ لِأنَّ الخَبَرَ يَدُلُّ عَلَيْهِ ومِنهُ [قُوْلُ الشّاعِرِ]:
هِيَ النَّفْسُ ما حَمَّلْتَها تَتَحَمَّلُ
والمَعْنى لا حَياةَ إلّا هَذِهِ الحَياةُ، ولِأنَّ ”إنْ“ النّافِيَةَ دَخَلَتْ عَلى (هِيَ) الَّتِي في مَعْنى الحَياةِ الدّالَّةِ عَلى الجِنْسِ فَنَفَتْها، فَوازَنَتْ (لا) الَّتِي نَفَتْ ما بَعْدَها نَفْيَ الجِنْسِ.
واعْلَمْ أنَّ ذَلِكَ الرَّسُولَ لَمّا يَئِسَ مِن قَبُولِ الأكابِرِ والأصاغِرِ فَزِعَ إلى رَبِّهِ وقالَ: ﴿رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ﴾ وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ، فَأجابَهُ اللَّهُ تَعالى فِيما سَألَ وقالَ: ﴿عَمّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ﴾ والأقْرَبُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِأنْ يَظْهَرَ لَهم عَلاماتُ الهَلاكِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يَحْصُلُ مِنهُمُ الحَسْرَةُ والنَّدامَةُ عَلى تَرْكِ القَبُولِ، ويَكُونُ الوَقْتُ وقْتَ إيمانِ اليَأْسِ فَلا يَنْتَفِعُونَ بِالنَّدامَةِ، وبَيَّنَ تَعالى الهَلاكَ الَّذِي أنْزَلَهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالحَقِّ﴾ وذَكَرُوا في الصَّيْحَةِ وُجُوهًا.
أحَدُها: أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ صاحَ بِهِمْ، وكانَتِ الصَّيْحَةُ عَظِيمَةً فَماتُوا عِنْدَها.
وثانِيها: الصَّيْحَةُ هي الرَّجْفَةُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما.
وثالِثُها: الصَّيْحَةُ هي نَفْسُ العَذابِ والمَوْتِ، كَما يُقالُ فِيمَن يَمُوتُ: دُعِيَ فَأجابَ، عَنِ الحَسَنِ.
ورابِعُها: أنَّهُ العَذابُ المُصْطَلِمُ. قالَ الشّاعِرُ:
صفحة ٨٧
صاحَ الزَّمانُ بِآلِ بَرْمَكٍ صَيْحَةً ∗∗∗ خَرُّوا لِشِدَّتِها عَلى الأذْقانِ
والأوَّلُ أوْلى لِأنَّهُ هو الحَقِيقَةُ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿بِالحَقِّ﴾ فَمَعْناهُ أنَّهُ دَمَّرَهم بِالعَدْلِ، مِن قَوْلِكَ: فُلانٌ يَقْضِي بِالحَقِّ: إذا كانَ عادِلًا في قَضاياهُ. وقالَ المُفَضَّلُ: بِالحَقِّ؛ أيْ: بِما لا يُدْفَعُ، كَقَوْلِهِ: ﴿وجاءَتْ سَكْرَةُ المَوْتِ بِالحَقِّ﴾ [ق: ١٩].
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَجَعَلْناهم غُثاءً﴾ فالغُثاءُ حَمِيلِ السَّيْلِ مِمّا بَلِيَ واسْوَدَّ مِنَ الوَرَقِ والعِيدانِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَجَعَلَهُ غُثاءً أحْوى﴾ [الأعْلى:٥].
* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
المسألة الأُولى: قَوْلُهُ: بُعْدًا وسُحْقًا ودُمْرًا، ونَحْوُها، مَصادِرُ مَوْضُوعَةٌ مَواضِعَ أفْعالِها، وهي مِن جُمْلَةِ المَصادِرِ الَّتِي قالَ سِيبَوَيْهَ: نُصِبَتْ بِأفْعالٍ لا يُسْتَعْمَلُ إظْهارُها. ومَعْنى بُعْدًا بَعُدُوا، أيْ: هَلَكُوا، يُقالُ: بَعُدَ بُعْدًا وبَعَدًا، بِفَتْحِ العَيْنِ، نَحْوَ رَشَدَ رُشْدًا ورَشَدًا، بِفَتْحِ الشِّينِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
المسألة الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿فَبُعْدًا﴾ بِمَنزِلَةِ اللَّعْنِ الَّذِي هو التَّبْعِيدُ مِنَ الخَيْرِ، واللَّهُ تَعالى ذَكَرَ ذَلِكَ عَلى وجْهِ الِاسْتِخْفافِ والإهانَةِ لَهُمْ، وقَدْ نَزَلَ بِهِمُ العَذابُ دالًّا بِذَلِكَ عَلى أنَّ الَّذِي يَنْزِلُ بِهِمْ في الآخِرَةِ مِنَ البُعْدِ مِنَ النَّعِيمِ والثَّوابِ أعْظَمُ مِمّا حَلَّ بِهِمْ حالًا؛ لِيَكُونَ ذَلِكَ عِبْرَةً لِمَن يَجِيءُ بَعْدَهم.
المؤمنون 23:36
القِصَّةُ الثّانِيَةُ قِصَّةُ هُودٍ أوْ صالِحٍ عَلَيْهِما السَّلامُ
﴿ثُمَّ أنْشَأْنا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾ ﴿فَأرْسَلْنا فِيهِمْ رَسُولًا مِنهم أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ ﴿وقالَ المَلَأُ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِلِقاءِ الآخِرَةِ وأتْرَفْناهم في الحَياةِ الدُّنْيا ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم يَأْكُلُ مِمّا تَأْكُلُونَ مِنهُ ويَشْرَبُ مِمّا تَشْرَبُونَ﴾ ﴿ولَئِنْ أطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكم إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ﴾ ﴿أيَعِدُكم أنَّكم إذا مِتُّمْ وكُنْتُمْ تُرابًا وعِظامًا أنَّكم مُخْرَجُونَ﴾ ﴿هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ﴾ ﴿إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا نَمُوتُ ونَحْيا وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ ﴿إنْ هو إلّا رَجُلٌ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا وما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ﴾ ﴿قالَ عَمّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ﴾ ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالحَقِّ فَجَعَلْناهم غُثاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾
صفحة ٨٥
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ أنْشَأْنا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾ ﴿فَأرْسَلْنا فِيهِمْ رَسُولًا مِنهم أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ ﴿وقالَ المَلَأُ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِلِقاءِ الآخِرَةِ وأتْرَفْناهم في الحَياةِ الدُّنْيا ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم يَأْكُلُ مِمّا تَأْكُلُونَ مِنهُ ويَشْرَبُ مِمّا تَشْرَبُونَ﴾ ﴿ولَئِنْ أطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكم إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ﴾ ﴿أيَعِدُكم أنَّكم إذا مِتُّمْ وكُنْتُمْ تُرابًا وعِظامًا أنَّكم مُخْرَجُونَ﴾ ﴿هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ﴾ ﴿إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا نَمُوتُ ونَحْيا وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ ﴿إنْ هو إلّا رَجُلٌ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا وما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ﴾ ﴿قالَ عَمّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ﴾ ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالحَقِّ فَجَعَلْناهم غُثاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ القِصَّةَ هي قِصَّةُ هُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ في قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما وأكْثَرِ المُفَسِّرِينَ، واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِحِكايَةِ اللَّهِ تَعالى قَوْلَ هُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿واذْكُرُوا إذْ جَعَلَكم خُلَفاءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ [الأعْرافِ: ٦٩] ومَجِيءُ قِصَّةِ هُودٍ عَقِيبَ قِصَّةِ نُوحٍ في سُورَةِ الأعْرافِ وسُورَةِ هُودٍ والشُّعَراءِ. وقالَ بَعْضُهُمْ: المُرادُ بِهِمْ صالِحٌ وثَمُودُ؛ لِأنَّ قَوْمَهُ الَّذِينَ كَذَّبُوهُ هُمُ الَّذِينَ هَلَكُوا بِالصَّيْحَةِ، أمّا كَيْفِيَّةُ الدَّعْوى فَكَما تَقَدَّمَ في قِصَّةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، وهاهُنا سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: حَقُّ (أرْسَلَ) أنْ يَتَعَدّى بِـ (إلى) كَأخَواتِهِ الَّتِي هي: وجَّهَ وأنْفَذَ وبَعَثَ، فَلِمَ -عُدِّيَ في القُرْآنِ بِـ (إلى) تارَةً وبِـ (فِي) أُخْرى كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ أرْسَلْناكَ في أُمَّةٍ﴾ [الرَّعْدِ: ٣٠] ﴿وما أرْسَلْنا في قَرْيَةٍ﴾ [الأعْرافِ: ٩٤] ﴿فَأرْسَلْنا فِيهِمْ رَسُولًا﴾ [المُؤْمِنُونَ: ٣٢] أيْ: في عادٍ، وفي مَوْضِعٍ آخَرَ ﴿وإلى عادٍ أخاهم هُودًا﴾ [الأعْرافِ: ٦٥]؟ الجَوابُ: لَمْ يُعَدَّ بِـ (فِي) كَما عُدِّيَ بِـ (إلى) ولَكِنَّ الأُمَّةَ أوِ القَرْيَةَ جُعِلَتْ مَوْضِعًا لِلْإرْسالِ، وعَلى هَذا المَعْنى جاءَ (بَعَثَ) في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا﴾ [الفُرْقانِ: ٥١].
السُّؤالُ الثّانِي: هَلْ يَصِحُّ ما قالَهُ بَعْضُهم أنَّ قَوْلَهُ: ﴿أفَلا تَتَّقُونَ﴾ غَيْرُ مَوْصُولٍ بِالأوَّلِ، وإنَّما قالَهُ لَهم بَعْدَ أنْ كَذَّبُوهُ، ورَدُّوا عَلَيْهِ بَعْدَ إقامَةِ الحجة عَلَيْهِمْ، فَعِنْدَ ذَلِكَ قالَ لَهم مُخَوِّفًا مِمّا هم عَلَيْهِ: ﴿أفَلا تَتَّقُونَ﴾ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ مَخافَةَ العَذابِ الَّذِي أنْذَرْتُكم بِهِ؟ الجَوابُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَوْصُولًا بِالكَلامِ الأوَّلِ بِأنْ رَآهم مُعْرِضِينَ عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ مُشْتَغِلِينَ بِعِبادَةِ الأوْثانِ، فَدَعاهم إلى عِبادَةِ اللَّهِ وحَذَّرَهم مِنَ العِقابِ بِسَبَبِ إقْبالِهِمْ عَلى عِبادَةِ الأوْثانِ. ثُمَّ اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى حَكى صِفاتِ أُولَئِكَ القَوْمِ وحَكى كَلامَهُمْ، أمّا الصِّفاتُ فَثَلاثٌ هي شَرُّ الصِّفاتِ، أوَّلُها: الكُفْرُ بِالخالِقِ سُبْحانَهُ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿كَفَرُوا﴾ وثانِيها: الكُفْرُ بِيَوْمِ القِيامَةِ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وكَذَّبُوا بِلِقاءِ الآخِرَةِ﴾ وثالِثُها: الِانْغِماسُ في حُبِّ الدُّنْيا وشَهَواتِها، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وأتْرَفْناهم في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ أيْ: نَعَّمْناهُمْ، فَإنْ قِيلَ: ذَكَرَ اللَّهُ مَقالَةَ قَوْمِ هُودٍ في جَوابِهِ في سُورَةِ الأعْرافِ وسُورَةِ هُودٍ بِغَيْرِ واوٍ ﴿قالَ المَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ إنّا لَنَراكَ في سَفاهَةٍ﴾ [الأعْرافِ: ٦٦]، قالُوا: ﴿ما نَراكَ إلّا بَشَرًا مِثْلَنا﴾ [هُودٍ: ٢٧] وهاهُنا مَعَ الواوِ، فَأيُّ فَرْقٍ بَيْنَهُما؟ قُلْنا: الَّذِي بِغَيْرِ واوٍ عَلى تَقْدِيرِ سُؤالِ سائِلٍ قالَ: فَما قالَ قَوْمُهُ؟ فَقِيلَ لَهُ: كَيْتَ وكَيْتَ، وأمّا الَّذِي مَعَ الواوِ فَعَطْفٌ لِما قالُوهُ عَلى ما قالَهُ، ومَعْناهُ أنَّهُ اجْتَمَعَ في هَذِهِ الواقِعَةِ هَذا الكَلامُ الحَقُّ وهَذا الكَلامُ الباطِلُ. وأمّا شُبُهاتُ القَوْمِ فَشَيْئانِ: أوَّلُهُما: قَوْلُهُمْ: ﴿ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم يَأْكُلُ مِمّا تَأْكُلُونَ مِنهُ ويَشْرَبُ مِمّا تَشْرَبُونَ﴾، وقَدْ مَرَّ شَرْحُ هَذِهِ الشُّبْهَةِ في القِصَّةِ الأُولى. وقَوْلُهُ: ﴿مِمّا تَشْرَبُونَ﴾ أيْ: مِن مَشْرُوبِكم، أوْ حُذِفَ مِنهُ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ وهو قَوْلُهُ: ﴿ولَئِنْ أطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكم إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ﴾ فَجَعَلُوا اتِّباعَ الرَّسُولِ خُسْرانًا، ولَمْ يَجْعَلُوا عِبادَةَ الأصْنامِ خُسْرانًا، أيْ: لَئِنْ كُنْتُمْ أعْطَيْتُمُوهُ الطّاعَةَ مِن غَيْرِ أنْ
صفحة ٨٦
يَكُونَ لَكم بِإزائِها مَنفَعَةٌ فَذَلِكَ هو الخُسْرانُ. وثانِيهِما: أنَّهم طَعَنُوا في صِحَّةِ الحَشْرِ والنَّشْرِ، ثُمَّ طَعَنُوا في نُبُوَّتِهِ بِسَبَبِ إتْيانِهِ بِذَلِكَ. أمّا الطَّعْنُ في صِحَّةِ الحَشْرِ فَهو قَوْلُهُمْ: ﴿أيَعِدُكم أنَّكم إذا مِتُّمْ وكُنْتُمْ تُرابًا وعِظامًا أنَّكم مُخْرَجُونَ﴾ مُعادُونَ أحْياءً لِلْمُجازاةِ، ثُمَّ لَمْ يَقْتَصِرُوا عَلى هَذا القَدْرِ حَتّى قَرَنُوا بِهِ الِاسْتِبْعادَ العَظِيمَ وهو قَوْلُهُمْ: ﴿هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ﴾ ثُمَّ أكَّدُوا الشُّبْهَةَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا نَمُوتُ ونَحْيا﴾ ولَمْ يُرِيدُوا بِقَوْلِهِمْ (نَمُوتُ ونَحْيا) الشَّخْصَ الواحِدَ، بَلْ أرادُوا أنَّ البَعْضَ يَمُوتُ والبَعْضَ يَحْيا، وأنَّهُ لا إعادَةَ ولا حَشْرَ. فَلِذَلِكَ قالُوا: ﴿وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ ولَمّا فَرَغُوا مِنَ الطَّعْنِ في صِحَّةِ الحَشْرِ بَنَوْا عَلَيْهِ الطَّعْنَ في نُبُوَّتِهِ، فَقالُوا: لَمّا أتى بِهَذا الباطِلِ فَقَدَ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا، ثُمَّ لَمّا قَرَّرُوا الشُّبْهَةَ الطّاعِنَةَ في نُبُوَّتِهِ قالُوا: وما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ؛ لِأنَّ القَوْمَ كالتَّبَعِ لَهم. واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى ما أجابَ عَنْ هاتَيْنِ الشُّبْهَتَيْنِ لِظُهُورِ فَسادِهِما. أمّا الشُّبْهَةُ الأُولى: فَقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ ضَعْفِها. وأمّا الثّانِيَةُ: فَلِأنَّهُمُ اسْتَبْعَدُوا الحَشْرَ، ولا يُسْتَبْعَدُ الحَشْرُ لِوَجْهَيْنِ.
الأوَّلُ: أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا كانَ قادِرًا عَلى كُلِّ المُمْكِناتِ عالِمًا بِكُلِّ المَعْلُوماتِ وجَبَ أنْ يَكُونَ قادِرًا عَلى الحَشْرِ والنَّشْرِ.
والثّانِي: وهو أنَّهُ لَوْلا الإعادَةُ لَكانَ تَسْلِيطُ القَوِيِّ عَلى الضَّعِيفِ في الدُّنْيا ظُلْمًا. وهو غَيْرُ لائِقٍ بِالحَكِيمِ، عَلى ما قَرَّرَهُ سُبْحانَهُ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ أكادُ أُخْفِيها لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى﴾ [طه: ١٥] وهاهُنا مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: ثَنّى (إنَّكُمْ) لِلتَّوْكِيدِ، وحَسُنَ ذَلِكَ الفَصْلُ ما بَيْنَ الأوَّلِ والثّانِي بِالظَّرْفِ، و(مُخْرَجُونَ) خَبَرٌ عَنِ الأوَّلِ. وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: ”وكُنْتُمْ تُرابًا وعِظامًا مُخْرَجُونَ“.
المسألة الثّانِيَةُ: قُرِئَ ”هَيْهاتَ“ بِالفَتْحِ والكَسْرِ، كُلُّها بِتَنْوِينٍ وبِلا تَنْوِينٍ، وبِالسُّكُونِ عَلى لَفْظِ الوَقْفِ.
المسألة الثّالِثَةُ: هي في قَوْلِهِ: ﴿إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا﴾ ضَمِيرٌ لا يُعْلَمُ ما يُعْنى بِهِ إلّا بِما يَتْلُوهُ مِن بَيانِهِ، وأصْلُهُ: إنِ الحَياةُ إلّا حَياتُنا الدُّنْيا، ثُمَّ وضَعَ (هِيَ) مَوْضِعَ الحَياةِ؛ لِأنَّ الخَبَرَ يَدُلُّ عَلَيْهِ ومِنهُ [قُوْلُ الشّاعِرِ]:
هِيَ النَّفْسُ ما حَمَّلْتَها تَتَحَمَّلُ
والمَعْنى لا حَياةَ إلّا هَذِهِ الحَياةُ، ولِأنَّ ”إنْ“ النّافِيَةَ دَخَلَتْ عَلى (هِيَ) الَّتِي في مَعْنى الحَياةِ الدّالَّةِ عَلى الجِنْسِ فَنَفَتْها، فَوازَنَتْ (لا) الَّتِي نَفَتْ ما بَعْدَها نَفْيَ الجِنْسِ.
واعْلَمْ أنَّ ذَلِكَ الرَّسُولَ لَمّا يَئِسَ مِن قَبُولِ الأكابِرِ والأصاغِرِ فَزِعَ إلى رَبِّهِ وقالَ: ﴿رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ﴾ وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ، فَأجابَهُ اللَّهُ تَعالى فِيما سَألَ وقالَ: ﴿عَمّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ﴾ والأقْرَبُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِأنْ يَظْهَرَ لَهم عَلاماتُ الهَلاكِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يَحْصُلُ مِنهُمُ الحَسْرَةُ والنَّدامَةُ عَلى تَرْكِ القَبُولِ، ويَكُونُ الوَقْتُ وقْتَ إيمانِ اليَأْسِ فَلا يَنْتَفِعُونَ بِالنَّدامَةِ، وبَيَّنَ تَعالى الهَلاكَ الَّذِي أنْزَلَهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالحَقِّ﴾ وذَكَرُوا في الصَّيْحَةِ وُجُوهًا.
أحَدُها: أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ صاحَ بِهِمْ، وكانَتِ الصَّيْحَةُ عَظِيمَةً فَماتُوا عِنْدَها.
وثانِيها: الصَّيْحَةُ هي الرَّجْفَةُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما.
وثالِثُها: الصَّيْحَةُ هي نَفْسُ العَذابِ والمَوْتِ، كَما يُقالُ فِيمَن يَمُوتُ: دُعِيَ فَأجابَ، عَنِ الحَسَنِ.
ورابِعُها: أنَّهُ العَذابُ المُصْطَلِمُ. قالَ الشّاعِرُ:
صفحة ٨٧
صاحَ الزَّمانُ بِآلِ بَرْمَكٍ صَيْحَةً ∗∗∗ خَرُّوا لِشِدَّتِها عَلى الأذْقانِ
والأوَّلُ أوْلى لِأنَّهُ هو الحَقِيقَةُ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿بِالحَقِّ﴾ فَمَعْناهُ أنَّهُ دَمَّرَهم بِالعَدْلِ، مِن قَوْلِكَ: فُلانٌ يَقْضِي بِالحَقِّ: إذا كانَ عادِلًا في قَضاياهُ. وقالَ المُفَضَّلُ: بِالحَقِّ؛ أيْ: بِما لا يُدْفَعُ، كَقَوْلِهِ: ﴿وجاءَتْ سَكْرَةُ المَوْتِ بِالحَقِّ﴾ [ق: ١٩].
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَجَعَلْناهم غُثاءً﴾ فالغُثاءُ حَمِيلِ السَّيْلِ مِمّا بَلِيَ واسْوَدَّ مِنَ الوَرَقِ والعِيدانِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَجَعَلَهُ غُثاءً أحْوى﴾ [الأعْلى:٥].
* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
المسألة الأُولى: قَوْلُهُ: بُعْدًا وسُحْقًا ودُمْرًا، ونَحْوُها، مَصادِرُ مَوْضُوعَةٌ مَواضِعَ أفْعالِها، وهي مِن جُمْلَةِ المَصادِرِ الَّتِي قالَ سِيبَوَيْهَ: نُصِبَتْ بِأفْعالٍ لا يُسْتَعْمَلُ إظْهارُها. ومَعْنى بُعْدًا بَعُدُوا، أيْ: هَلَكُوا، يُقالُ: بَعُدَ بُعْدًا وبَعَدًا، بِفَتْحِ العَيْنِ، نَحْوَ رَشَدَ رُشْدًا ورَشَدًا، بِفَتْحِ الشِّينِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
المسألة الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿فَبُعْدًا﴾ بِمَنزِلَةِ اللَّعْنِ الَّذِي هو التَّبْعِيدُ مِنَ الخَيْرِ، واللَّهُ تَعالى ذَكَرَ ذَلِكَ عَلى وجْهِ الِاسْتِخْفافِ والإهانَةِ لَهُمْ، وقَدْ نَزَلَ بِهِمُ العَذابُ دالًّا بِذَلِكَ عَلى أنَّ الَّذِي يَنْزِلُ بِهِمْ في الآخِرَةِ مِنَ البُعْدِ مِنَ النَّعِيمِ والثَّوابِ أعْظَمُ مِمّا حَلَّ بِهِمْ حالًا؛ لِيَكُونَ ذَلِكَ عِبْرَةً لِمَن يَجِيءُ بَعْدَهم.
المؤمنون 23:37
القِصَّةُ الثّانِيَةُ قِصَّةُ هُودٍ أوْ صالِحٍ عَلَيْهِما السَّلامُ
﴿ثُمَّ أنْشَأْنا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾ ﴿فَأرْسَلْنا فِيهِمْ رَسُولًا مِنهم أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ ﴿وقالَ المَلَأُ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِلِقاءِ الآخِرَةِ وأتْرَفْناهم في الحَياةِ الدُّنْيا ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم يَأْكُلُ مِمّا تَأْكُلُونَ مِنهُ ويَشْرَبُ مِمّا تَشْرَبُونَ﴾ ﴿ولَئِنْ أطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكم إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ﴾ ﴿أيَعِدُكم أنَّكم إذا مِتُّمْ وكُنْتُمْ تُرابًا وعِظامًا أنَّكم مُخْرَجُونَ﴾ ﴿هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ﴾ ﴿إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا نَمُوتُ ونَحْيا وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ ﴿إنْ هو إلّا رَجُلٌ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا وما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ﴾ ﴿قالَ عَمّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ﴾ ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالحَقِّ فَجَعَلْناهم غُثاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾
صفحة ٨٥
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ أنْشَأْنا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾ ﴿فَأرْسَلْنا فِيهِمْ رَسُولًا مِنهم أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ ﴿وقالَ المَلَأُ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِلِقاءِ الآخِرَةِ وأتْرَفْناهم في الحَياةِ الدُّنْيا ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم يَأْكُلُ مِمّا تَأْكُلُونَ مِنهُ ويَشْرَبُ مِمّا تَشْرَبُونَ﴾ ﴿ولَئِنْ أطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكم إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ﴾ ﴿أيَعِدُكم أنَّكم إذا مِتُّمْ وكُنْتُمْ تُرابًا وعِظامًا أنَّكم مُخْرَجُونَ﴾ ﴿هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ﴾ ﴿إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا نَمُوتُ ونَحْيا وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ ﴿إنْ هو إلّا رَجُلٌ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا وما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ﴾ ﴿قالَ عَمّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ﴾ ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالحَقِّ فَجَعَلْناهم غُثاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ القِصَّةَ هي قِصَّةُ هُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ في قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما وأكْثَرِ المُفَسِّرِينَ، واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِحِكايَةِ اللَّهِ تَعالى قَوْلَ هُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿واذْكُرُوا إذْ جَعَلَكم خُلَفاءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ [الأعْرافِ: ٦٩] ومَجِيءُ قِصَّةِ هُودٍ عَقِيبَ قِصَّةِ نُوحٍ في سُورَةِ الأعْرافِ وسُورَةِ هُودٍ والشُّعَراءِ. وقالَ بَعْضُهُمْ: المُرادُ بِهِمْ صالِحٌ وثَمُودُ؛ لِأنَّ قَوْمَهُ الَّذِينَ كَذَّبُوهُ هُمُ الَّذِينَ هَلَكُوا بِالصَّيْحَةِ، أمّا كَيْفِيَّةُ الدَّعْوى فَكَما تَقَدَّمَ في قِصَّةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، وهاهُنا سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: حَقُّ (أرْسَلَ) أنْ يَتَعَدّى بِـ (إلى) كَأخَواتِهِ الَّتِي هي: وجَّهَ وأنْفَذَ وبَعَثَ، فَلِمَ -عُدِّيَ في القُرْآنِ بِـ (إلى) تارَةً وبِـ (فِي) أُخْرى كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ أرْسَلْناكَ في أُمَّةٍ﴾ [الرَّعْدِ: ٣٠] ﴿وما أرْسَلْنا في قَرْيَةٍ﴾ [الأعْرافِ: ٩٤] ﴿فَأرْسَلْنا فِيهِمْ رَسُولًا﴾ [المُؤْمِنُونَ: ٣٢] أيْ: في عادٍ، وفي مَوْضِعٍ آخَرَ ﴿وإلى عادٍ أخاهم هُودًا﴾ [الأعْرافِ: ٦٥]؟ الجَوابُ: لَمْ يُعَدَّ بِـ (فِي) كَما عُدِّيَ بِـ (إلى) ولَكِنَّ الأُمَّةَ أوِ القَرْيَةَ جُعِلَتْ مَوْضِعًا لِلْإرْسالِ، وعَلى هَذا المَعْنى جاءَ (بَعَثَ) في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا﴾ [الفُرْقانِ: ٥١].
السُّؤالُ الثّانِي: هَلْ يَصِحُّ ما قالَهُ بَعْضُهم أنَّ قَوْلَهُ: ﴿أفَلا تَتَّقُونَ﴾ غَيْرُ مَوْصُولٍ بِالأوَّلِ، وإنَّما قالَهُ لَهم بَعْدَ أنْ كَذَّبُوهُ، ورَدُّوا عَلَيْهِ بَعْدَ إقامَةِ الحجة عَلَيْهِمْ، فَعِنْدَ ذَلِكَ قالَ لَهم مُخَوِّفًا مِمّا هم عَلَيْهِ: ﴿أفَلا تَتَّقُونَ﴾ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ مَخافَةَ العَذابِ الَّذِي أنْذَرْتُكم بِهِ؟ الجَوابُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَوْصُولًا بِالكَلامِ الأوَّلِ بِأنْ رَآهم مُعْرِضِينَ عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ مُشْتَغِلِينَ بِعِبادَةِ الأوْثانِ، فَدَعاهم إلى عِبادَةِ اللَّهِ وحَذَّرَهم مِنَ العِقابِ بِسَبَبِ إقْبالِهِمْ عَلى عِبادَةِ الأوْثانِ. ثُمَّ اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى حَكى صِفاتِ أُولَئِكَ القَوْمِ وحَكى كَلامَهُمْ، أمّا الصِّفاتُ فَثَلاثٌ هي شَرُّ الصِّفاتِ، أوَّلُها: الكُفْرُ بِالخالِقِ سُبْحانَهُ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿كَفَرُوا﴾ وثانِيها: الكُفْرُ بِيَوْمِ القِيامَةِ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وكَذَّبُوا بِلِقاءِ الآخِرَةِ﴾ وثالِثُها: الِانْغِماسُ في حُبِّ الدُّنْيا وشَهَواتِها، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وأتْرَفْناهم في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ أيْ: نَعَّمْناهُمْ، فَإنْ قِيلَ: ذَكَرَ اللَّهُ مَقالَةَ قَوْمِ هُودٍ في جَوابِهِ في سُورَةِ الأعْرافِ وسُورَةِ هُودٍ بِغَيْرِ واوٍ ﴿قالَ المَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ إنّا لَنَراكَ في سَفاهَةٍ﴾ [الأعْرافِ: ٦٦]، قالُوا: ﴿ما نَراكَ إلّا بَشَرًا مِثْلَنا﴾ [هُودٍ: ٢٧] وهاهُنا مَعَ الواوِ، فَأيُّ فَرْقٍ بَيْنَهُما؟ قُلْنا: الَّذِي بِغَيْرِ واوٍ عَلى تَقْدِيرِ سُؤالِ سائِلٍ قالَ: فَما قالَ قَوْمُهُ؟ فَقِيلَ لَهُ: كَيْتَ وكَيْتَ، وأمّا الَّذِي مَعَ الواوِ فَعَطْفٌ لِما قالُوهُ عَلى ما قالَهُ، ومَعْناهُ أنَّهُ اجْتَمَعَ في هَذِهِ الواقِعَةِ هَذا الكَلامُ الحَقُّ وهَذا الكَلامُ الباطِلُ. وأمّا شُبُهاتُ القَوْمِ فَشَيْئانِ: أوَّلُهُما: قَوْلُهُمْ: ﴿ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم يَأْكُلُ مِمّا تَأْكُلُونَ مِنهُ ويَشْرَبُ مِمّا تَشْرَبُونَ﴾، وقَدْ مَرَّ شَرْحُ هَذِهِ الشُّبْهَةِ في القِصَّةِ الأُولى. وقَوْلُهُ: ﴿مِمّا تَشْرَبُونَ﴾ أيْ: مِن مَشْرُوبِكم، أوْ حُذِفَ مِنهُ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ وهو قَوْلُهُ: ﴿ولَئِنْ أطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكم إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ﴾ فَجَعَلُوا اتِّباعَ الرَّسُولِ خُسْرانًا، ولَمْ يَجْعَلُوا عِبادَةَ الأصْنامِ خُسْرانًا، أيْ: لَئِنْ كُنْتُمْ أعْطَيْتُمُوهُ الطّاعَةَ مِن غَيْرِ أنْ
صفحة ٨٦
يَكُونَ لَكم بِإزائِها مَنفَعَةٌ فَذَلِكَ هو الخُسْرانُ. وثانِيهِما: أنَّهم طَعَنُوا في صِحَّةِ الحَشْرِ والنَّشْرِ، ثُمَّ طَعَنُوا في نُبُوَّتِهِ بِسَبَبِ إتْيانِهِ بِذَلِكَ. أمّا الطَّعْنُ في صِحَّةِ الحَشْرِ فَهو قَوْلُهُمْ: ﴿أيَعِدُكم أنَّكم إذا مِتُّمْ وكُنْتُمْ تُرابًا وعِظامًا أنَّكم مُخْرَجُونَ﴾ مُعادُونَ أحْياءً لِلْمُجازاةِ، ثُمَّ لَمْ يَقْتَصِرُوا عَلى هَذا القَدْرِ حَتّى قَرَنُوا بِهِ الِاسْتِبْعادَ العَظِيمَ وهو قَوْلُهُمْ: ﴿هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ﴾ ثُمَّ أكَّدُوا الشُّبْهَةَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا نَمُوتُ ونَحْيا﴾ ولَمْ يُرِيدُوا بِقَوْلِهِمْ (نَمُوتُ ونَحْيا) الشَّخْصَ الواحِدَ، بَلْ أرادُوا أنَّ البَعْضَ يَمُوتُ والبَعْضَ يَحْيا، وأنَّهُ لا إعادَةَ ولا حَشْرَ. فَلِذَلِكَ قالُوا: ﴿وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ ولَمّا فَرَغُوا مِنَ الطَّعْنِ في صِحَّةِ الحَشْرِ بَنَوْا عَلَيْهِ الطَّعْنَ في نُبُوَّتِهِ، فَقالُوا: لَمّا أتى بِهَذا الباطِلِ فَقَدَ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا، ثُمَّ لَمّا قَرَّرُوا الشُّبْهَةَ الطّاعِنَةَ في نُبُوَّتِهِ قالُوا: وما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ؛ لِأنَّ القَوْمَ كالتَّبَعِ لَهم. واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى ما أجابَ عَنْ هاتَيْنِ الشُّبْهَتَيْنِ لِظُهُورِ فَسادِهِما. أمّا الشُّبْهَةُ الأُولى: فَقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ ضَعْفِها. وأمّا الثّانِيَةُ: فَلِأنَّهُمُ اسْتَبْعَدُوا الحَشْرَ، ولا يُسْتَبْعَدُ الحَشْرُ لِوَجْهَيْنِ.
الأوَّلُ: أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا كانَ قادِرًا عَلى كُلِّ المُمْكِناتِ عالِمًا بِكُلِّ المَعْلُوماتِ وجَبَ أنْ يَكُونَ قادِرًا عَلى الحَشْرِ والنَّشْرِ.
والثّانِي: وهو أنَّهُ لَوْلا الإعادَةُ لَكانَ تَسْلِيطُ القَوِيِّ عَلى الضَّعِيفِ في الدُّنْيا ظُلْمًا. وهو غَيْرُ لائِقٍ بِالحَكِيمِ، عَلى ما قَرَّرَهُ سُبْحانَهُ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ أكادُ أُخْفِيها لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى﴾ [طه: ١٥] وهاهُنا مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: ثَنّى (إنَّكُمْ) لِلتَّوْكِيدِ، وحَسُنَ ذَلِكَ الفَصْلُ ما بَيْنَ الأوَّلِ والثّانِي بِالظَّرْفِ، و(مُخْرَجُونَ) خَبَرٌ عَنِ الأوَّلِ. وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: ”وكُنْتُمْ تُرابًا وعِظامًا مُخْرَجُونَ“.
المسألة الثّانِيَةُ: قُرِئَ ”هَيْهاتَ“ بِالفَتْحِ والكَسْرِ، كُلُّها بِتَنْوِينٍ وبِلا تَنْوِينٍ، وبِالسُّكُونِ عَلى لَفْظِ الوَقْفِ.
المسألة الثّالِثَةُ: هي في قَوْلِهِ: ﴿إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا﴾ ضَمِيرٌ لا يُعْلَمُ ما يُعْنى بِهِ إلّا بِما يَتْلُوهُ مِن بَيانِهِ، وأصْلُهُ: إنِ الحَياةُ إلّا حَياتُنا الدُّنْيا، ثُمَّ وضَعَ (هِيَ) مَوْضِعَ الحَياةِ؛ لِأنَّ الخَبَرَ يَدُلُّ عَلَيْهِ ومِنهُ [قُوْلُ الشّاعِرِ]:
هِيَ النَّفْسُ ما حَمَّلْتَها تَتَحَمَّلُ
والمَعْنى لا حَياةَ إلّا هَذِهِ الحَياةُ، ولِأنَّ ”إنْ“ النّافِيَةَ دَخَلَتْ عَلى (هِيَ) الَّتِي في مَعْنى الحَياةِ الدّالَّةِ عَلى الجِنْسِ فَنَفَتْها، فَوازَنَتْ (لا) الَّتِي نَفَتْ ما بَعْدَها نَفْيَ الجِنْسِ.
واعْلَمْ أنَّ ذَلِكَ الرَّسُولَ لَمّا يَئِسَ مِن قَبُولِ الأكابِرِ والأصاغِرِ فَزِعَ إلى رَبِّهِ وقالَ: ﴿رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ﴾ وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ، فَأجابَهُ اللَّهُ تَعالى فِيما سَألَ وقالَ: ﴿عَمّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ﴾ والأقْرَبُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِأنْ يَظْهَرَ لَهم عَلاماتُ الهَلاكِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يَحْصُلُ مِنهُمُ الحَسْرَةُ والنَّدامَةُ عَلى تَرْكِ القَبُولِ، ويَكُونُ الوَقْتُ وقْتَ إيمانِ اليَأْسِ فَلا يَنْتَفِعُونَ بِالنَّدامَةِ، وبَيَّنَ تَعالى الهَلاكَ الَّذِي أنْزَلَهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالحَقِّ﴾ وذَكَرُوا في الصَّيْحَةِ وُجُوهًا.
أحَدُها: أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ صاحَ بِهِمْ، وكانَتِ الصَّيْحَةُ عَظِيمَةً فَماتُوا عِنْدَها.
وثانِيها: الصَّيْحَةُ هي الرَّجْفَةُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما.
وثالِثُها: الصَّيْحَةُ هي نَفْسُ العَذابِ والمَوْتِ، كَما يُقالُ فِيمَن يَمُوتُ: دُعِيَ فَأجابَ، عَنِ الحَسَنِ.
ورابِعُها: أنَّهُ العَذابُ المُصْطَلِمُ. قالَ الشّاعِرُ:
صفحة ٨٧
صاحَ الزَّمانُ بِآلِ بَرْمَكٍ صَيْحَةً ∗∗∗ خَرُّوا لِشِدَّتِها عَلى الأذْقانِ
والأوَّلُ أوْلى لِأنَّهُ هو الحَقِيقَةُ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿بِالحَقِّ﴾ فَمَعْناهُ أنَّهُ دَمَّرَهم بِالعَدْلِ، مِن قَوْلِكَ: فُلانٌ يَقْضِي بِالحَقِّ: إذا كانَ عادِلًا في قَضاياهُ. وقالَ المُفَضَّلُ: بِالحَقِّ؛ أيْ: بِما لا يُدْفَعُ، كَقَوْلِهِ: ﴿وجاءَتْ سَكْرَةُ المَوْتِ بِالحَقِّ﴾ [ق: ١٩].
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَجَعَلْناهم غُثاءً﴾ فالغُثاءُ حَمِيلِ السَّيْلِ مِمّا بَلِيَ واسْوَدَّ مِنَ الوَرَقِ والعِيدانِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَجَعَلَهُ غُثاءً أحْوى﴾ [الأعْلى:٥].
* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
المسألة الأُولى: قَوْلُهُ: بُعْدًا وسُحْقًا ودُمْرًا، ونَحْوُها، مَصادِرُ مَوْضُوعَةٌ مَواضِعَ أفْعالِها، وهي مِن جُمْلَةِ المَصادِرِ الَّتِي قالَ سِيبَوَيْهَ: نُصِبَتْ بِأفْعالٍ لا يُسْتَعْمَلُ إظْهارُها. ومَعْنى بُعْدًا بَعُدُوا، أيْ: هَلَكُوا، يُقالُ: بَعُدَ بُعْدًا وبَعَدًا، بِفَتْحِ العَيْنِ، نَحْوَ رَشَدَ رُشْدًا ورَشَدًا، بِفَتْحِ الشِّينِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
المسألة الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿فَبُعْدًا﴾ بِمَنزِلَةِ اللَّعْنِ الَّذِي هو التَّبْعِيدُ مِنَ الخَيْرِ، واللَّهُ تَعالى ذَكَرَ ذَلِكَ عَلى وجْهِ الِاسْتِخْفافِ والإهانَةِ لَهُمْ، وقَدْ نَزَلَ بِهِمُ العَذابُ دالًّا بِذَلِكَ عَلى أنَّ الَّذِي يَنْزِلُ بِهِمْ في الآخِرَةِ مِنَ البُعْدِ مِنَ النَّعِيمِ والثَّوابِ أعْظَمُ مِمّا حَلَّ بِهِمْ حالًا؛ لِيَكُونَ ذَلِكَ عِبْرَةً لِمَن يَجِيءُ بَعْدَهم.
المؤمنون 23:38
القِصَّةُ الثّانِيَةُ قِصَّةُ هُودٍ أوْ صالِحٍ عَلَيْهِما السَّلامُ
﴿ثُمَّ أنْشَأْنا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾ ﴿فَأرْسَلْنا فِيهِمْ رَسُولًا مِنهم أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ ﴿وقالَ المَلَأُ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِلِقاءِ الآخِرَةِ وأتْرَفْناهم في الحَياةِ الدُّنْيا ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم يَأْكُلُ مِمّا تَأْكُلُونَ مِنهُ ويَشْرَبُ مِمّا تَشْرَبُونَ﴾ ﴿ولَئِنْ أطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكم إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ﴾ ﴿أيَعِدُكم أنَّكم إذا مِتُّمْ وكُنْتُمْ تُرابًا وعِظامًا أنَّكم مُخْرَجُونَ﴾ ﴿هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ﴾ ﴿إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا نَمُوتُ ونَحْيا وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ ﴿إنْ هو إلّا رَجُلٌ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا وما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ﴾ ﴿قالَ عَمّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ﴾ ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالحَقِّ فَجَعَلْناهم غُثاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾
صفحة ٨٥
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ أنْشَأْنا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾ ﴿فَأرْسَلْنا فِيهِمْ رَسُولًا مِنهم أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ ﴿وقالَ المَلَأُ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِلِقاءِ الآخِرَةِ وأتْرَفْناهم في الحَياةِ الدُّنْيا ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم يَأْكُلُ مِمّا تَأْكُلُونَ مِنهُ ويَشْرَبُ مِمّا تَشْرَبُونَ﴾ ﴿ولَئِنْ أطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكم إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ﴾ ﴿أيَعِدُكم أنَّكم إذا مِتُّمْ وكُنْتُمْ تُرابًا وعِظامًا أنَّكم مُخْرَجُونَ﴾ ﴿هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ﴾ ﴿إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا نَمُوتُ ونَحْيا وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ ﴿إنْ هو إلّا رَجُلٌ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا وما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ﴾ ﴿قالَ عَمّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ﴾ ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالحَقِّ فَجَعَلْناهم غُثاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ القِصَّةَ هي قِصَّةُ هُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ في قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما وأكْثَرِ المُفَسِّرِينَ، واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِحِكايَةِ اللَّهِ تَعالى قَوْلَ هُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿واذْكُرُوا إذْ جَعَلَكم خُلَفاءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ [الأعْرافِ: ٦٩] ومَجِيءُ قِصَّةِ هُودٍ عَقِيبَ قِصَّةِ نُوحٍ في سُورَةِ الأعْرافِ وسُورَةِ هُودٍ والشُّعَراءِ. وقالَ بَعْضُهُمْ: المُرادُ بِهِمْ صالِحٌ وثَمُودُ؛ لِأنَّ قَوْمَهُ الَّذِينَ كَذَّبُوهُ هُمُ الَّذِينَ هَلَكُوا بِالصَّيْحَةِ، أمّا كَيْفِيَّةُ الدَّعْوى فَكَما تَقَدَّمَ في قِصَّةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، وهاهُنا سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: حَقُّ (أرْسَلَ) أنْ يَتَعَدّى بِـ (إلى) كَأخَواتِهِ الَّتِي هي: وجَّهَ وأنْفَذَ وبَعَثَ، فَلِمَ -عُدِّيَ في القُرْآنِ بِـ (إلى) تارَةً وبِـ (فِي) أُخْرى كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ أرْسَلْناكَ في أُمَّةٍ﴾ [الرَّعْدِ: ٣٠] ﴿وما أرْسَلْنا في قَرْيَةٍ﴾ [الأعْرافِ: ٩٤] ﴿فَأرْسَلْنا فِيهِمْ رَسُولًا﴾ [المُؤْمِنُونَ: ٣٢] أيْ: في عادٍ، وفي مَوْضِعٍ آخَرَ ﴿وإلى عادٍ أخاهم هُودًا﴾ [الأعْرافِ: ٦٥]؟ الجَوابُ: لَمْ يُعَدَّ بِـ (فِي) كَما عُدِّيَ بِـ (إلى) ولَكِنَّ الأُمَّةَ أوِ القَرْيَةَ جُعِلَتْ مَوْضِعًا لِلْإرْسالِ، وعَلى هَذا المَعْنى جاءَ (بَعَثَ) في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا﴾ [الفُرْقانِ: ٥١].
السُّؤالُ الثّانِي: هَلْ يَصِحُّ ما قالَهُ بَعْضُهم أنَّ قَوْلَهُ: ﴿أفَلا تَتَّقُونَ﴾ غَيْرُ مَوْصُولٍ بِالأوَّلِ، وإنَّما قالَهُ لَهم بَعْدَ أنْ كَذَّبُوهُ، ورَدُّوا عَلَيْهِ بَعْدَ إقامَةِ الحجة عَلَيْهِمْ، فَعِنْدَ ذَلِكَ قالَ لَهم مُخَوِّفًا مِمّا هم عَلَيْهِ: ﴿أفَلا تَتَّقُونَ﴾ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ مَخافَةَ العَذابِ الَّذِي أنْذَرْتُكم بِهِ؟ الجَوابُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَوْصُولًا بِالكَلامِ الأوَّلِ بِأنْ رَآهم مُعْرِضِينَ عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ مُشْتَغِلِينَ بِعِبادَةِ الأوْثانِ، فَدَعاهم إلى عِبادَةِ اللَّهِ وحَذَّرَهم مِنَ العِقابِ بِسَبَبِ إقْبالِهِمْ عَلى عِبادَةِ الأوْثانِ. ثُمَّ اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى حَكى صِفاتِ أُولَئِكَ القَوْمِ وحَكى كَلامَهُمْ، أمّا الصِّفاتُ فَثَلاثٌ هي شَرُّ الصِّفاتِ، أوَّلُها: الكُفْرُ بِالخالِقِ سُبْحانَهُ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿كَفَرُوا﴾ وثانِيها: الكُفْرُ بِيَوْمِ القِيامَةِ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وكَذَّبُوا بِلِقاءِ الآخِرَةِ﴾ وثالِثُها: الِانْغِماسُ في حُبِّ الدُّنْيا وشَهَواتِها، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وأتْرَفْناهم في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ أيْ: نَعَّمْناهُمْ، فَإنْ قِيلَ: ذَكَرَ اللَّهُ مَقالَةَ قَوْمِ هُودٍ في جَوابِهِ في سُورَةِ الأعْرافِ وسُورَةِ هُودٍ بِغَيْرِ واوٍ ﴿قالَ المَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ إنّا لَنَراكَ في سَفاهَةٍ﴾ [الأعْرافِ: ٦٦]، قالُوا: ﴿ما نَراكَ إلّا بَشَرًا مِثْلَنا﴾ [هُودٍ: ٢٧] وهاهُنا مَعَ الواوِ، فَأيُّ فَرْقٍ بَيْنَهُما؟ قُلْنا: الَّذِي بِغَيْرِ واوٍ عَلى تَقْدِيرِ سُؤالِ سائِلٍ قالَ: فَما قالَ قَوْمُهُ؟ فَقِيلَ لَهُ: كَيْتَ وكَيْتَ، وأمّا الَّذِي مَعَ الواوِ فَعَطْفٌ لِما قالُوهُ عَلى ما قالَهُ، ومَعْناهُ أنَّهُ اجْتَمَعَ في هَذِهِ الواقِعَةِ هَذا الكَلامُ الحَقُّ وهَذا الكَلامُ الباطِلُ. وأمّا شُبُهاتُ القَوْمِ فَشَيْئانِ: أوَّلُهُما: قَوْلُهُمْ: ﴿ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم يَأْكُلُ مِمّا تَأْكُلُونَ مِنهُ ويَشْرَبُ مِمّا تَشْرَبُونَ﴾، وقَدْ مَرَّ شَرْحُ هَذِهِ الشُّبْهَةِ في القِصَّةِ الأُولى. وقَوْلُهُ: ﴿مِمّا تَشْرَبُونَ﴾ أيْ: مِن مَشْرُوبِكم، أوْ حُذِفَ مِنهُ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ وهو قَوْلُهُ: ﴿ولَئِنْ أطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكم إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ﴾ فَجَعَلُوا اتِّباعَ الرَّسُولِ خُسْرانًا، ولَمْ يَجْعَلُوا عِبادَةَ الأصْنامِ خُسْرانًا، أيْ: لَئِنْ كُنْتُمْ أعْطَيْتُمُوهُ الطّاعَةَ مِن غَيْرِ أنْ
صفحة ٨٦
يَكُونَ لَكم بِإزائِها مَنفَعَةٌ فَذَلِكَ هو الخُسْرانُ. وثانِيهِما: أنَّهم طَعَنُوا في صِحَّةِ الحَشْرِ والنَّشْرِ، ثُمَّ طَعَنُوا في نُبُوَّتِهِ بِسَبَبِ إتْيانِهِ بِذَلِكَ. أمّا الطَّعْنُ في صِحَّةِ الحَشْرِ فَهو قَوْلُهُمْ: ﴿أيَعِدُكم أنَّكم إذا مِتُّمْ وكُنْتُمْ تُرابًا وعِظامًا أنَّكم مُخْرَجُونَ﴾ مُعادُونَ أحْياءً لِلْمُجازاةِ، ثُمَّ لَمْ يَقْتَصِرُوا عَلى هَذا القَدْرِ حَتّى قَرَنُوا بِهِ الِاسْتِبْعادَ العَظِيمَ وهو قَوْلُهُمْ: ﴿هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ﴾ ثُمَّ أكَّدُوا الشُّبْهَةَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا نَمُوتُ ونَحْيا﴾ ولَمْ يُرِيدُوا بِقَوْلِهِمْ (نَمُوتُ ونَحْيا) الشَّخْصَ الواحِدَ، بَلْ أرادُوا أنَّ البَعْضَ يَمُوتُ والبَعْضَ يَحْيا، وأنَّهُ لا إعادَةَ ولا حَشْرَ. فَلِذَلِكَ قالُوا: ﴿وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ ولَمّا فَرَغُوا مِنَ الطَّعْنِ في صِحَّةِ الحَشْرِ بَنَوْا عَلَيْهِ الطَّعْنَ في نُبُوَّتِهِ، فَقالُوا: لَمّا أتى بِهَذا الباطِلِ فَقَدَ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا، ثُمَّ لَمّا قَرَّرُوا الشُّبْهَةَ الطّاعِنَةَ في نُبُوَّتِهِ قالُوا: وما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ؛ لِأنَّ القَوْمَ كالتَّبَعِ لَهم. واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى ما أجابَ عَنْ هاتَيْنِ الشُّبْهَتَيْنِ لِظُهُورِ فَسادِهِما. أمّا الشُّبْهَةُ الأُولى: فَقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ ضَعْفِها. وأمّا الثّانِيَةُ: فَلِأنَّهُمُ اسْتَبْعَدُوا الحَشْرَ، ولا يُسْتَبْعَدُ الحَشْرُ لِوَجْهَيْنِ.
الأوَّلُ: أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا كانَ قادِرًا عَلى كُلِّ المُمْكِناتِ عالِمًا بِكُلِّ المَعْلُوماتِ وجَبَ أنْ يَكُونَ قادِرًا عَلى الحَشْرِ والنَّشْرِ.
والثّانِي: وهو أنَّهُ لَوْلا الإعادَةُ لَكانَ تَسْلِيطُ القَوِيِّ عَلى الضَّعِيفِ في الدُّنْيا ظُلْمًا. وهو غَيْرُ لائِقٍ بِالحَكِيمِ، عَلى ما قَرَّرَهُ سُبْحانَهُ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ أكادُ أُخْفِيها لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى﴾ [طه: ١٥] وهاهُنا مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: ثَنّى (إنَّكُمْ) لِلتَّوْكِيدِ، وحَسُنَ ذَلِكَ الفَصْلُ ما بَيْنَ الأوَّلِ والثّانِي بِالظَّرْفِ، و(مُخْرَجُونَ) خَبَرٌ عَنِ الأوَّلِ. وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: ”وكُنْتُمْ تُرابًا وعِظامًا مُخْرَجُونَ“.
المسألة الثّانِيَةُ: قُرِئَ ”هَيْهاتَ“ بِالفَتْحِ والكَسْرِ، كُلُّها بِتَنْوِينٍ وبِلا تَنْوِينٍ، وبِالسُّكُونِ عَلى لَفْظِ الوَقْفِ.
المسألة الثّالِثَةُ: هي في قَوْلِهِ: ﴿إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا﴾ ضَمِيرٌ لا يُعْلَمُ ما يُعْنى بِهِ إلّا بِما يَتْلُوهُ مِن بَيانِهِ، وأصْلُهُ: إنِ الحَياةُ إلّا حَياتُنا الدُّنْيا، ثُمَّ وضَعَ (هِيَ) مَوْضِعَ الحَياةِ؛ لِأنَّ الخَبَرَ يَدُلُّ عَلَيْهِ ومِنهُ [قُوْلُ الشّاعِرِ]:
هِيَ النَّفْسُ ما حَمَّلْتَها تَتَحَمَّلُ
والمَعْنى لا حَياةَ إلّا هَذِهِ الحَياةُ، ولِأنَّ ”إنْ“ النّافِيَةَ دَخَلَتْ عَلى (هِيَ) الَّتِي في مَعْنى الحَياةِ الدّالَّةِ عَلى الجِنْسِ فَنَفَتْها، فَوازَنَتْ (لا) الَّتِي نَفَتْ ما بَعْدَها نَفْيَ الجِنْسِ.
واعْلَمْ أنَّ ذَلِكَ الرَّسُولَ لَمّا يَئِسَ مِن قَبُولِ الأكابِرِ والأصاغِرِ فَزِعَ إلى رَبِّهِ وقالَ: ﴿رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ﴾ وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ، فَأجابَهُ اللَّهُ تَعالى فِيما سَألَ وقالَ: ﴿عَمّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ﴾ والأقْرَبُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِأنْ يَظْهَرَ لَهم عَلاماتُ الهَلاكِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يَحْصُلُ مِنهُمُ الحَسْرَةُ والنَّدامَةُ عَلى تَرْكِ القَبُولِ، ويَكُونُ الوَقْتُ وقْتَ إيمانِ اليَأْسِ فَلا يَنْتَفِعُونَ بِالنَّدامَةِ، وبَيَّنَ تَعالى الهَلاكَ الَّذِي أنْزَلَهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالحَقِّ﴾ وذَكَرُوا في الصَّيْحَةِ وُجُوهًا.
أحَدُها: أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ صاحَ بِهِمْ، وكانَتِ الصَّيْحَةُ عَظِيمَةً فَماتُوا عِنْدَها.
وثانِيها: الصَّيْحَةُ هي الرَّجْفَةُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما.
وثالِثُها: الصَّيْحَةُ هي نَفْسُ العَذابِ والمَوْتِ، كَما يُقالُ فِيمَن يَمُوتُ: دُعِيَ فَأجابَ، عَنِ الحَسَنِ.
ورابِعُها: أنَّهُ العَذابُ المُصْطَلِمُ. قالَ الشّاعِرُ:
صفحة ٨٧
صاحَ الزَّمانُ بِآلِ بَرْمَكٍ صَيْحَةً ∗∗∗ خَرُّوا لِشِدَّتِها عَلى الأذْقانِ
والأوَّلُ أوْلى لِأنَّهُ هو الحَقِيقَةُ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿بِالحَقِّ﴾ فَمَعْناهُ أنَّهُ دَمَّرَهم بِالعَدْلِ، مِن قَوْلِكَ: فُلانٌ يَقْضِي بِالحَقِّ: إذا كانَ عادِلًا في قَضاياهُ. وقالَ المُفَضَّلُ: بِالحَقِّ؛ أيْ: بِما لا يُدْفَعُ، كَقَوْلِهِ: ﴿وجاءَتْ سَكْرَةُ المَوْتِ بِالحَقِّ﴾ [ق: ١٩].
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَجَعَلْناهم غُثاءً﴾ فالغُثاءُ حَمِيلِ السَّيْلِ مِمّا بَلِيَ واسْوَدَّ مِنَ الوَرَقِ والعِيدانِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَجَعَلَهُ غُثاءً أحْوى﴾ [الأعْلى:٥].
* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
المسألة الأُولى: قَوْلُهُ: بُعْدًا وسُحْقًا ودُمْرًا، ونَحْوُها، مَصادِرُ مَوْضُوعَةٌ مَواضِعَ أفْعالِها، وهي مِن جُمْلَةِ المَصادِرِ الَّتِي قالَ سِيبَوَيْهَ: نُصِبَتْ بِأفْعالٍ لا يُسْتَعْمَلُ إظْهارُها. ومَعْنى بُعْدًا بَعُدُوا، أيْ: هَلَكُوا، يُقالُ: بَعُدَ بُعْدًا وبَعَدًا، بِفَتْحِ العَيْنِ، نَحْوَ رَشَدَ رُشْدًا ورَشَدًا، بِفَتْحِ الشِّينِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
المسألة الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿فَبُعْدًا﴾ بِمَنزِلَةِ اللَّعْنِ الَّذِي هو التَّبْعِيدُ مِنَ الخَيْرِ، واللَّهُ تَعالى ذَكَرَ ذَلِكَ عَلى وجْهِ الِاسْتِخْفافِ والإهانَةِ لَهُمْ، وقَدْ نَزَلَ بِهِمُ العَذابُ دالًّا بِذَلِكَ عَلى أنَّ الَّذِي يَنْزِلُ بِهِمْ في الآخِرَةِ مِنَ البُعْدِ مِنَ النَّعِيمِ والثَّوابِ أعْظَمُ مِمّا حَلَّ بِهِمْ حالًا؛ لِيَكُونَ ذَلِكَ عِبْرَةً لِمَن يَجِيءُ بَعْدَهم.
المؤمنون 23:39
القِصَّةُ الثّانِيَةُ قِصَّةُ هُودٍ أوْ صالِحٍ عَلَيْهِما السَّلامُ
﴿ثُمَّ أنْشَأْنا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾ ﴿فَأرْسَلْنا فِيهِمْ رَسُولًا مِنهم أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ ﴿وقالَ المَلَأُ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِلِقاءِ الآخِرَةِ وأتْرَفْناهم في الحَياةِ الدُّنْيا ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم يَأْكُلُ مِمّا تَأْكُلُونَ مِنهُ ويَشْرَبُ مِمّا تَشْرَبُونَ﴾ ﴿ولَئِنْ أطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكم إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ﴾ ﴿أيَعِدُكم أنَّكم إذا مِتُّمْ وكُنْتُمْ تُرابًا وعِظامًا أنَّكم مُخْرَجُونَ﴾ ﴿هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ﴾ ﴿إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا نَمُوتُ ونَحْيا وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ ﴿إنْ هو إلّا رَجُلٌ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا وما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ﴾ ﴿قالَ عَمّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ﴾ ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالحَقِّ فَجَعَلْناهم غُثاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾
صفحة ٨٥
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ أنْشَأْنا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾ ﴿فَأرْسَلْنا فِيهِمْ رَسُولًا مِنهم أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ ﴿وقالَ المَلَأُ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِلِقاءِ الآخِرَةِ وأتْرَفْناهم في الحَياةِ الدُّنْيا ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم يَأْكُلُ مِمّا تَأْكُلُونَ مِنهُ ويَشْرَبُ مِمّا تَشْرَبُونَ﴾ ﴿ولَئِنْ أطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكم إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ﴾ ﴿أيَعِدُكم أنَّكم إذا مِتُّمْ وكُنْتُمْ تُرابًا وعِظامًا أنَّكم مُخْرَجُونَ﴾ ﴿هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ﴾ ﴿إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا نَمُوتُ ونَحْيا وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ ﴿إنْ هو إلّا رَجُلٌ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا وما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ﴾ ﴿قالَ عَمّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ﴾ ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالحَقِّ فَجَعَلْناهم غُثاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ القِصَّةَ هي قِصَّةُ هُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ في قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما وأكْثَرِ المُفَسِّرِينَ، واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِحِكايَةِ اللَّهِ تَعالى قَوْلَ هُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿واذْكُرُوا إذْ جَعَلَكم خُلَفاءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ [الأعْرافِ: ٦٩] ومَجِيءُ قِصَّةِ هُودٍ عَقِيبَ قِصَّةِ نُوحٍ في سُورَةِ الأعْرافِ وسُورَةِ هُودٍ والشُّعَراءِ. وقالَ بَعْضُهُمْ: المُرادُ بِهِمْ صالِحٌ وثَمُودُ؛ لِأنَّ قَوْمَهُ الَّذِينَ كَذَّبُوهُ هُمُ الَّذِينَ هَلَكُوا بِالصَّيْحَةِ، أمّا كَيْفِيَّةُ الدَّعْوى فَكَما تَقَدَّمَ في قِصَّةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، وهاهُنا سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: حَقُّ (أرْسَلَ) أنْ يَتَعَدّى بِـ (إلى) كَأخَواتِهِ الَّتِي هي: وجَّهَ وأنْفَذَ وبَعَثَ، فَلِمَ -عُدِّيَ في القُرْآنِ بِـ (إلى) تارَةً وبِـ (فِي) أُخْرى كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ أرْسَلْناكَ في أُمَّةٍ﴾ [الرَّعْدِ: ٣٠] ﴿وما أرْسَلْنا في قَرْيَةٍ﴾ [الأعْرافِ: ٩٤] ﴿فَأرْسَلْنا فِيهِمْ رَسُولًا﴾ [المُؤْمِنُونَ: ٣٢] أيْ: في عادٍ، وفي مَوْضِعٍ آخَرَ ﴿وإلى عادٍ أخاهم هُودًا﴾ [الأعْرافِ: ٦٥]؟ الجَوابُ: لَمْ يُعَدَّ بِـ (فِي) كَما عُدِّيَ بِـ (إلى) ولَكِنَّ الأُمَّةَ أوِ القَرْيَةَ جُعِلَتْ مَوْضِعًا لِلْإرْسالِ، وعَلى هَذا المَعْنى جاءَ (بَعَثَ) في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا﴾ [الفُرْقانِ: ٥١].
السُّؤالُ الثّانِي: هَلْ يَصِحُّ ما قالَهُ بَعْضُهم أنَّ قَوْلَهُ: ﴿أفَلا تَتَّقُونَ﴾ غَيْرُ مَوْصُولٍ بِالأوَّلِ، وإنَّما قالَهُ لَهم بَعْدَ أنْ كَذَّبُوهُ، ورَدُّوا عَلَيْهِ بَعْدَ إقامَةِ الحجة عَلَيْهِمْ، فَعِنْدَ ذَلِكَ قالَ لَهم مُخَوِّفًا مِمّا هم عَلَيْهِ: ﴿أفَلا تَتَّقُونَ﴾ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ مَخافَةَ العَذابِ الَّذِي أنْذَرْتُكم بِهِ؟ الجَوابُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَوْصُولًا بِالكَلامِ الأوَّلِ بِأنْ رَآهم مُعْرِضِينَ عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ مُشْتَغِلِينَ بِعِبادَةِ الأوْثانِ، فَدَعاهم إلى عِبادَةِ اللَّهِ وحَذَّرَهم مِنَ العِقابِ بِسَبَبِ إقْبالِهِمْ عَلى عِبادَةِ الأوْثانِ. ثُمَّ اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى حَكى صِفاتِ أُولَئِكَ القَوْمِ وحَكى كَلامَهُمْ، أمّا الصِّفاتُ فَثَلاثٌ هي شَرُّ الصِّفاتِ، أوَّلُها: الكُفْرُ بِالخالِقِ سُبْحانَهُ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿كَفَرُوا﴾ وثانِيها: الكُفْرُ بِيَوْمِ القِيامَةِ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وكَذَّبُوا بِلِقاءِ الآخِرَةِ﴾ وثالِثُها: الِانْغِماسُ في حُبِّ الدُّنْيا وشَهَواتِها، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وأتْرَفْناهم في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ أيْ: نَعَّمْناهُمْ، فَإنْ قِيلَ: ذَكَرَ اللَّهُ مَقالَةَ قَوْمِ هُودٍ في جَوابِهِ في سُورَةِ الأعْرافِ وسُورَةِ هُودٍ بِغَيْرِ واوٍ ﴿قالَ المَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ إنّا لَنَراكَ في سَفاهَةٍ﴾ [الأعْرافِ: ٦٦]، قالُوا: ﴿ما نَراكَ إلّا بَشَرًا مِثْلَنا﴾ [هُودٍ: ٢٧] وهاهُنا مَعَ الواوِ، فَأيُّ فَرْقٍ بَيْنَهُما؟ قُلْنا: الَّذِي بِغَيْرِ واوٍ عَلى تَقْدِيرِ سُؤالِ سائِلٍ قالَ: فَما قالَ قَوْمُهُ؟ فَقِيلَ لَهُ: كَيْتَ وكَيْتَ، وأمّا الَّذِي مَعَ الواوِ فَعَطْفٌ لِما قالُوهُ عَلى ما قالَهُ، ومَعْناهُ أنَّهُ اجْتَمَعَ في هَذِهِ الواقِعَةِ هَذا الكَلامُ الحَقُّ وهَذا الكَلامُ الباطِلُ. وأمّا شُبُهاتُ القَوْمِ فَشَيْئانِ: أوَّلُهُما: قَوْلُهُمْ: ﴿ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم يَأْكُلُ مِمّا تَأْكُلُونَ مِنهُ ويَشْرَبُ مِمّا تَشْرَبُونَ﴾، وقَدْ مَرَّ شَرْحُ هَذِهِ الشُّبْهَةِ في القِصَّةِ الأُولى. وقَوْلُهُ: ﴿مِمّا تَشْرَبُونَ﴾ أيْ: مِن مَشْرُوبِكم، أوْ حُذِفَ مِنهُ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ وهو قَوْلُهُ: ﴿ولَئِنْ أطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكم إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ﴾ فَجَعَلُوا اتِّباعَ الرَّسُولِ خُسْرانًا، ولَمْ يَجْعَلُوا عِبادَةَ الأصْنامِ خُسْرانًا، أيْ: لَئِنْ كُنْتُمْ أعْطَيْتُمُوهُ الطّاعَةَ مِن غَيْرِ أنْ
صفحة ٨٦
يَكُونَ لَكم بِإزائِها مَنفَعَةٌ فَذَلِكَ هو الخُسْرانُ. وثانِيهِما: أنَّهم طَعَنُوا في صِحَّةِ الحَشْرِ والنَّشْرِ، ثُمَّ طَعَنُوا في نُبُوَّتِهِ بِسَبَبِ إتْيانِهِ بِذَلِكَ. أمّا الطَّعْنُ في صِحَّةِ الحَشْرِ فَهو قَوْلُهُمْ: ﴿أيَعِدُكم أنَّكم إذا مِتُّمْ وكُنْتُمْ تُرابًا وعِظامًا أنَّكم مُخْرَجُونَ﴾ مُعادُونَ أحْياءً لِلْمُجازاةِ، ثُمَّ لَمْ يَقْتَصِرُوا عَلى هَذا القَدْرِ حَتّى قَرَنُوا بِهِ الِاسْتِبْعادَ العَظِيمَ وهو قَوْلُهُمْ: ﴿هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ﴾ ثُمَّ أكَّدُوا الشُّبْهَةَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا نَمُوتُ ونَحْيا﴾ ولَمْ يُرِيدُوا بِقَوْلِهِمْ (نَمُوتُ ونَحْيا) الشَّخْصَ الواحِدَ، بَلْ أرادُوا أنَّ البَعْضَ يَمُوتُ والبَعْضَ يَحْيا، وأنَّهُ لا إعادَةَ ولا حَشْرَ. فَلِذَلِكَ قالُوا: ﴿وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ ولَمّا فَرَغُوا مِنَ الطَّعْنِ في صِحَّةِ الحَشْرِ بَنَوْا عَلَيْهِ الطَّعْنَ في نُبُوَّتِهِ، فَقالُوا: لَمّا أتى بِهَذا الباطِلِ فَقَدَ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا، ثُمَّ لَمّا قَرَّرُوا الشُّبْهَةَ الطّاعِنَةَ في نُبُوَّتِهِ قالُوا: وما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ؛ لِأنَّ القَوْمَ كالتَّبَعِ لَهم. واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى ما أجابَ عَنْ هاتَيْنِ الشُّبْهَتَيْنِ لِظُهُورِ فَسادِهِما. أمّا الشُّبْهَةُ الأُولى: فَقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ ضَعْفِها. وأمّا الثّانِيَةُ: فَلِأنَّهُمُ اسْتَبْعَدُوا الحَشْرَ، ولا يُسْتَبْعَدُ الحَشْرُ لِوَجْهَيْنِ.
الأوَّلُ: أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا كانَ قادِرًا عَلى كُلِّ المُمْكِناتِ عالِمًا بِكُلِّ المَعْلُوماتِ وجَبَ أنْ يَكُونَ قادِرًا عَلى الحَشْرِ والنَّشْرِ.
والثّانِي: وهو أنَّهُ لَوْلا الإعادَةُ لَكانَ تَسْلِيطُ القَوِيِّ عَلى الضَّعِيفِ في الدُّنْيا ظُلْمًا. وهو غَيْرُ لائِقٍ بِالحَكِيمِ، عَلى ما قَرَّرَهُ سُبْحانَهُ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ أكادُ أُخْفِيها لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى﴾ [طه: ١٥] وهاهُنا مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: ثَنّى (إنَّكُمْ) لِلتَّوْكِيدِ، وحَسُنَ ذَلِكَ الفَصْلُ ما بَيْنَ الأوَّلِ والثّانِي بِالظَّرْفِ، و(مُخْرَجُونَ) خَبَرٌ عَنِ الأوَّلِ. وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: ”وكُنْتُمْ تُرابًا وعِظامًا مُخْرَجُونَ“.
المسألة الثّانِيَةُ: قُرِئَ ”هَيْهاتَ“ بِالفَتْحِ والكَسْرِ، كُلُّها بِتَنْوِينٍ وبِلا تَنْوِينٍ، وبِالسُّكُونِ عَلى لَفْظِ الوَقْفِ.
المسألة الثّالِثَةُ: هي في قَوْلِهِ: ﴿إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا﴾ ضَمِيرٌ لا يُعْلَمُ ما يُعْنى بِهِ إلّا بِما يَتْلُوهُ مِن بَيانِهِ، وأصْلُهُ: إنِ الحَياةُ إلّا حَياتُنا الدُّنْيا، ثُمَّ وضَعَ (هِيَ) مَوْضِعَ الحَياةِ؛ لِأنَّ الخَبَرَ يَدُلُّ عَلَيْهِ ومِنهُ [قُوْلُ الشّاعِرِ]:
هِيَ النَّفْسُ ما حَمَّلْتَها تَتَحَمَّلُ
والمَعْنى لا حَياةَ إلّا هَذِهِ الحَياةُ، ولِأنَّ ”إنْ“ النّافِيَةَ دَخَلَتْ عَلى (هِيَ) الَّتِي في مَعْنى الحَياةِ الدّالَّةِ عَلى الجِنْسِ فَنَفَتْها، فَوازَنَتْ (لا) الَّتِي نَفَتْ ما بَعْدَها نَفْيَ الجِنْسِ.
واعْلَمْ أنَّ ذَلِكَ الرَّسُولَ لَمّا يَئِسَ مِن قَبُولِ الأكابِرِ والأصاغِرِ فَزِعَ إلى رَبِّهِ وقالَ: ﴿رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ﴾ وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ، فَأجابَهُ اللَّهُ تَعالى فِيما سَألَ وقالَ: ﴿عَمّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ﴾ والأقْرَبُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِأنْ يَظْهَرَ لَهم عَلاماتُ الهَلاكِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يَحْصُلُ مِنهُمُ الحَسْرَةُ والنَّدامَةُ عَلى تَرْكِ القَبُولِ، ويَكُونُ الوَقْتُ وقْتَ إيمانِ اليَأْسِ فَلا يَنْتَفِعُونَ بِالنَّدامَةِ، وبَيَّنَ تَعالى الهَلاكَ الَّذِي أنْزَلَهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالحَقِّ﴾ وذَكَرُوا في الصَّيْحَةِ وُجُوهًا.
أحَدُها: أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ صاحَ بِهِمْ، وكانَتِ الصَّيْحَةُ عَظِيمَةً فَماتُوا عِنْدَها.
وثانِيها: الصَّيْحَةُ هي الرَّجْفَةُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما.
وثالِثُها: الصَّيْحَةُ هي نَفْسُ العَذابِ والمَوْتِ، كَما يُقالُ فِيمَن يَمُوتُ: دُعِيَ فَأجابَ، عَنِ الحَسَنِ.
ورابِعُها: أنَّهُ العَذابُ المُصْطَلِمُ. قالَ الشّاعِرُ:
صفحة ٨٧
صاحَ الزَّمانُ بِآلِ بَرْمَكٍ صَيْحَةً ∗∗∗ خَرُّوا لِشِدَّتِها عَلى الأذْقانِ
والأوَّلُ أوْلى لِأنَّهُ هو الحَقِيقَةُ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿بِالحَقِّ﴾ فَمَعْناهُ أنَّهُ دَمَّرَهم بِالعَدْلِ، مِن قَوْلِكَ: فُلانٌ يَقْضِي بِالحَقِّ: إذا كانَ عادِلًا في قَضاياهُ. وقالَ المُفَضَّلُ: بِالحَقِّ؛ أيْ: بِما لا يُدْفَعُ، كَقَوْلِهِ: ﴿وجاءَتْ سَكْرَةُ المَوْتِ بِالحَقِّ﴾ [ق: ١٩].
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَجَعَلْناهم غُثاءً﴾ فالغُثاءُ حَمِيلِ السَّيْلِ مِمّا بَلِيَ واسْوَدَّ مِنَ الوَرَقِ والعِيدانِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَجَعَلَهُ غُثاءً أحْوى﴾ [الأعْلى:٥].
* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
المسألة الأُولى: قَوْلُهُ: بُعْدًا وسُحْقًا ودُمْرًا، ونَحْوُها، مَصادِرُ مَوْضُوعَةٌ مَواضِعَ أفْعالِها، وهي مِن جُمْلَةِ المَصادِرِ الَّتِي قالَ سِيبَوَيْهَ: نُصِبَتْ بِأفْعالٍ لا يُسْتَعْمَلُ إظْهارُها. ومَعْنى بُعْدًا بَعُدُوا، أيْ: هَلَكُوا، يُقالُ: بَعُدَ بُعْدًا وبَعَدًا، بِفَتْحِ العَيْنِ، نَحْوَ رَشَدَ رُشْدًا ورَشَدًا، بِفَتْحِ الشِّينِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
المسألة الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿فَبُعْدًا﴾ بِمَنزِلَةِ اللَّعْنِ الَّذِي هو التَّبْعِيدُ مِنَ الخَيْرِ، واللَّهُ تَعالى ذَكَرَ ذَلِكَ عَلى وجْهِ الِاسْتِخْفافِ والإهانَةِ لَهُمْ، وقَدْ نَزَلَ بِهِمُ العَذابُ دالًّا بِذَلِكَ عَلى أنَّ الَّذِي يَنْزِلُ بِهِمْ في الآخِرَةِ مِنَ البُعْدِ مِنَ النَّعِيمِ والثَّوابِ أعْظَمُ مِمّا حَلَّ بِهِمْ حالًا؛ لِيَكُونَ ذَلِكَ عِبْرَةً لِمَن يَجِيءُ بَعْدَهم.
المؤمنون 23:40
القِصَّةُ الثّانِيَةُ قِصَّةُ هُودٍ أوْ صالِحٍ عَلَيْهِما السَّلامُ
﴿ثُمَّ أنْشَأْنا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾ ﴿فَأرْسَلْنا فِيهِمْ رَسُولًا مِنهم أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ ﴿وقالَ المَلَأُ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِلِقاءِ الآخِرَةِ وأتْرَفْناهم في الحَياةِ الدُّنْيا ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم يَأْكُلُ مِمّا تَأْكُلُونَ مِنهُ ويَشْرَبُ مِمّا تَشْرَبُونَ﴾ ﴿ولَئِنْ أطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكم إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ﴾ ﴿أيَعِدُكم أنَّكم إذا مِتُّمْ وكُنْتُمْ تُرابًا وعِظامًا أنَّكم مُخْرَجُونَ﴾ ﴿هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ﴾ ﴿إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا نَمُوتُ ونَحْيا وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ ﴿إنْ هو إلّا رَجُلٌ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا وما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ﴾ ﴿قالَ عَمّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ﴾ ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالحَقِّ فَجَعَلْناهم غُثاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾
صفحة ٨٥
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ أنْشَأْنا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾ ﴿فَأرْسَلْنا فِيهِمْ رَسُولًا مِنهم أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ ﴿وقالَ المَلَأُ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِلِقاءِ الآخِرَةِ وأتْرَفْناهم في الحَياةِ الدُّنْيا ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم يَأْكُلُ مِمّا تَأْكُلُونَ مِنهُ ويَشْرَبُ مِمّا تَشْرَبُونَ﴾ ﴿ولَئِنْ أطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكم إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ﴾ ﴿أيَعِدُكم أنَّكم إذا مِتُّمْ وكُنْتُمْ تُرابًا وعِظامًا أنَّكم مُخْرَجُونَ﴾ ﴿هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ﴾ ﴿إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا نَمُوتُ ونَحْيا وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ ﴿إنْ هو إلّا رَجُلٌ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا وما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ﴾ ﴿قالَ عَمّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ﴾ ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالحَقِّ فَجَعَلْناهم غُثاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ القِصَّةَ هي قِصَّةُ هُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ في قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما وأكْثَرِ المُفَسِّرِينَ، واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِحِكايَةِ اللَّهِ تَعالى قَوْلَ هُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿واذْكُرُوا إذْ جَعَلَكم خُلَفاءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ [الأعْرافِ: ٦٩] ومَجِيءُ قِصَّةِ هُودٍ عَقِيبَ قِصَّةِ نُوحٍ في سُورَةِ الأعْرافِ وسُورَةِ هُودٍ والشُّعَراءِ. وقالَ بَعْضُهُمْ: المُرادُ بِهِمْ صالِحٌ وثَمُودُ؛ لِأنَّ قَوْمَهُ الَّذِينَ كَذَّبُوهُ هُمُ الَّذِينَ هَلَكُوا بِالصَّيْحَةِ، أمّا كَيْفِيَّةُ الدَّعْوى فَكَما تَقَدَّمَ في قِصَّةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، وهاهُنا سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: حَقُّ (أرْسَلَ) أنْ يَتَعَدّى بِـ (إلى) كَأخَواتِهِ الَّتِي هي: وجَّهَ وأنْفَذَ وبَعَثَ، فَلِمَ -عُدِّيَ في القُرْآنِ بِـ (إلى) تارَةً وبِـ (فِي) أُخْرى كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ أرْسَلْناكَ في أُمَّةٍ﴾ [الرَّعْدِ: ٣٠] ﴿وما أرْسَلْنا في قَرْيَةٍ﴾ [الأعْرافِ: ٩٤] ﴿فَأرْسَلْنا فِيهِمْ رَسُولًا﴾ [المُؤْمِنُونَ: ٣٢] أيْ: في عادٍ، وفي مَوْضِعٍ آخَرَ ﴿وإلى عادٍ أخاهم هُودًا﴾ [الأعْرافِ: ٦٥]؟ الجَوابُ: لَمْ يُعَدَّ بِـ (فِي) كَما عُدِّيَ بِـ (إلى) ولَكِنَّ الأُمَّةَ أوِ القَرْيَةَ جُعِلَتْ مَوْضِعًا لِلْإرْسالِ، وعَلى هَذا المَعْنى جاءَ (بَعَثَ) في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا﴾ [الفُرْقانِ: ٥١].
السُّؤالُ الثّانِي: هَلْ يَصِحُّ ما قالَهُ بَعْضُهم أنَّ قَوْلَهُ: ﴿أفَلا تَتَّقُونَ﴾ غَيْرُ مَوْصُولٍ بِالأوَّلِ، وإنَّما قالَهُ لَهم بَعْدَ أنْ كَذَّبُوهُ، ورَدُّوا عَلَيْهِ بَعْدَ إقامَةِ الحجة عَلَيْهِمْ، فَعِنْدَ ذَلِكَ قالَ لَهم مُخَوِّفًا مِمّا هم عَلَيْهِ: ﴿أفَلا تَتَّقُونَ﴾ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ مَخافَةَ العَذابِ الَّذِي أنْذَرْتُكم بِهِ؟ الجَوابُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَوْصُولًا بِالكَلامِ الأوَّلِ بِأنْ رَآهم مُعْرِضِينَ عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ مُشْتَغِلِينَ بِعِبادَةِ الأوْثانِ، فَدَعاهم إلى عِبادَةِ اللَّهِ وحَذَّرَهم مِنَ العِقابِ بِسَبَبِ إقْبالِهِمْ عَلى عِبادَةِ الأوْثانِ. ثُمَّ اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى حَكى صِفاتِ أُولَئِكَ القَوْمِ وحَكى كَلامَهُمْ، أمّا الصِّفاتُ فَثَلاثٌ هي شَرُّ الصِّفاتِ، أوَّلُها: الكُفْرُ بِالخالِقِ سُبْحانَهُ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿كَفَرُوا﴾ وثانِيها: الكُفْرُ بِيَوْمِ القِيامَةِ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وكَذَّبُوا بِلِقاءِ الآخِرَةِ﴾ وثالِثُها: الِانْغِماسُ في حُبِّ الدُّنْيا وشَهَواتِها، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وأتْرَفْناهم في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ أيْ: نَعَّمْناهُمْ، فَإنْ قِيلَ: ذَكَرَ اللَّهُ مَقالَةَ قَوْمِ هُودٍ في جَوابِهِ في سُورَةِ الأعْرافِ وسُورَةِ هُودٍ بِغَيْرِ واوٍ ﴿قالَ المَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ إنّا لَنَراكَ في سَفاهَةٍ﴾ [الأعْرافِ: ٦٦]، قالُوا: ﴿ما نَراكَ إلّا بَشَرًا مِثْلَنا﴾ [هُودٍ: ٢٧] وهاهُنا مَعَ الواوِ، فَأيُّ فَرْقٍ بَيْنَهُما؟ قُلْنا: الَّذِي بِغَيْرِ واوٍ عَلى تَقْدِيرِ سُؤالِ سائِلٍ قالَ: فَما قالَ قَوْمُهُ؟ فَقِيلَ لَهُ: كَيْتَ وكَيْتَ، وأمّا الَّذِي مَعَ الواوِ فَعَطْفٌ لِما قالُوهُ عَلى ما قالَهُ، ومَعْناهُ أنَّهُ اجْتَمَعَ في هَذِهِ الواقِعَةِ هَذا الكَلامُ الحَقُّ وهَذا الكَلامُ الباطِلُ. وأمّا شُبُهاتُ القَوْمِ فَشَيْئانِ: أوَّلُهُما: قَوْلُهُمْ: ﴿ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم يَأْكُلُ مِمّا تَأْكُلُونَ مِنهُ ويَشْرَبُ مِمّا تَشْرَبُونَ﴾، وقَدْ مَرَّ شَرْحُ هَذِهِ الشُّبْهَةِ في القِصَّةِ الأُولى. وقَوْلُهُ: ﴿مِمّا تَشْرَبُونَ﴾ أيْ: مِن مَشْرُوبِكم، أوْ حُذِفَ مِنهُ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ وهو قَوْلُهُ: ﴿ولَئِنْ أطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكم إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ﴾ فَجَعَلُوا اتِّباعَ الرَّسُولِ خُسْرانًا، ولَمْ يَجْعَلُوا عِبادَةَ الأصْنامِ خُسْرانًا، أيْ: لَئِنْ كُنْتُمْ أعْطَيْتُمُوهُ الطّاعَةَ مِن غَيْرِ أنْ
صفحة ٨٦
يَكُونَ لَكم بِإزائِها مَنفَعَةٌ فَذَلِكَ هو الخُسْرانُ. وثانِيهِما: أنَّهم طَعَنُوا في صِحَّةِ الحَشْرِ والنَّشْرِ، ثُمَّ طَعَنُوا في نُبُوَّتِهِ بِسَبَبِ إتْيانِهِ بِذَلِكَ. أمّا الطَّعْنُ في صِحَّةِ الحَشْرِ فَهو قَوْلُهُمْ: ﴿أيَعِدُكم أنَّكم إذا مِتُّمْ وكُنْتُمْ تُرابًا وعِظامًا أنَّكم مُخْرَجُونَ﴾ مُعادُونَ أحْياءً لِلْمُجازاةِ، ثُمَّ لَمْ يَقْتَصِرُوا عَلى هَذا القَدْرِ حَتّى قَرَنُوا بِهِ الِاسْتِبْعادَ العَظِيمَ وهو قَوْلُهُمْ: ﴿هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ﴾ ثُمَّ أكَّدُوا الشُّبْهَةَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا نَمُوتُ ونَحْيا﴾ ولَمْ يُرِيدُوا بِقَوْلِهِمْ (نَمُوتُ ونَحْيا) الشَّخْصَ الواحِدَ، بَلْ أرادُوا أنَّ البَعْضَ يَمُوتُ والبَعْضَ يَحْيا، وأنَّهُ لا إعادَةَ ولا حَشْرَ. فَلِذَلِكَ قالُوا: ﴿وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ ولَمّا فَرَغُوا مِنَ الطَّعْنِ في صِحَّةِ الحَشْرِ بَنَوْا عَلَيْهِ الطَّعْنَ في نُبُوَّتِهِ، فَقالُوا: لَمّا أتى بِهَذا الباطِلِ فَقَدَ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا، ثُمَّ لَمّا قَرَّرُوا الشُّبْهَةَ الطّاعِنَةَ في نُبُوَّتِهِ قالُوا: وما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ؛ لِأنَّ القَوْمَ كالتَّبَعِ لَهم. واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى ما أجابَ عَنْ هاتَيْنِ الشُّبْهَتَيْنِ لِظُهُورِ فَسادِهِما. أمّا الشُّبْهَةُ الأُولى: فَقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ ضَعْفِها. وأمّا الثّانِيَةُ: فَلِأنَّهُمُ اسْتَبْعَدُوا الحَشْرَ، ولا يُسْتَبْعَدُ الحَشْرُ لِوَجْهَيْنِ.
الأوَّلُ: أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا كانَ قادِرًا عَلى كُلِّ المُمْكِناتِ عالِمًا بِكُلِّ المَعْلُوماتِ وجَبَ أنْ يَكُونَ قادِرًا عَلى الحَشْرِ والنَّشْرِ.
والثّانِي: وهو أنَّهُ لَوْلا الإعادَةُ لَكانَ تَسْلِيطُ القَوِيِّ عَلى الضَّعِيفِ في الدُّنْيا ظُلْمًا. وهو غَيْرُ لائِقٍ بِالحَكِيمِ، عَلى ما قَرَّرَهُ سُبْحانَهُ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ أكادُ أُخْفِيها لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى﴾ [طه: ١٥] وهاهُنا مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: ثَنّى (إنَّكُمْ) لِلتَّوْكِيدِ، وحَسُنَ ذَلِكَ الفَصْلُ ما بَيْنَ الأوَّلِ والثّانِي بِالظَّرْفِ، و(مُخْرَجُونَ) خَبَرٌ عَنِ الأوَّلِ. وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: ”وكُنْتُمْ تُرابًا وعِظامًا مُخْرَجُونَ“.
المسألة الثّانِيَةُ: قُرِئَ ”هَيْهاتَ“ بِالفَتْحِ والكَسْرِ، كُلُّها بِتَنْوِينٍ وبِلا تَنْوِينٍ، وبِالسُّكُونِ عَلى لَفْظِ الوَقْفِ.
المسألة الثّالِثَةُ: هي في قَوْلِهِ: ﴿إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا﴾ ضَمِيرٌ لا يُعْلَمُ ما يُعْنى بِهِ إلّا بِما يَتْلُوهُ مِن بَيانِهِ، وأصْلُهُ: إنِ الحَياةُ إلّا حَياتُنا الدُّنْيا، ثُمَّ وضَعَ (هِيَ) مَوْضِعَ الحَياةِ؛ لِأنَّ الخَبَرَ يَدُلُّ عَلَيْهِ ومِنهُ [قُوْلُ الشّاعِرِ]:
هِيَ النَّفْسُ ما حَمَّلْتَها تَتَحَمَّلُ
والمَعْنى لا حَياةَ إلّا هَذِهِ الحَياةُ، ولِأنَّ ”إنْ“ النّافِيَةَ دَخَلَتْ عَلى (هِيَ) الَّتِي في مَعْنى الحَياةِ الدّالَّةِ عَلى الجِنْسِ فَنَفَتْها، فَوازَنَتْ (لا) الَّتِي نَفَتْ ما بَعْدَها نَفْيَ الجِنْسِ.
واعْلَمْ أنَّ ذَلِكَ الرَّسُولَ لَمّا يَئِسَ مِن قَبُولِ الأكابِرِ والأصاغِرِ فَزِعَ إلى رَبِّهِ وقالَ: ﴿رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ﴾ وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ، فَأجابَهُ اللَّهُ تَعالى فِيما سَألَ وقالَ: ﴿عَمّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ﴾ والأقْرَبُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِأنْ يَظْهَرَ لَهم عَلاماتُ الهَلاكِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يَحْصُلُ مِنهُمُ الحَسْرَةُ والنَّدامَةُ عَلى تَرْكِ القَبُولِ، ويَكُونُ الوَقْتُ وقْتَ إيمانِ اليَأْسِ فَلا يَنْتَفِعُونَ بِالنَّدامَةِ، وبَيَّنَ تَعالى الهَلاكَ الَّذِي أنْزَلَهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالحَقِّ﴾ وذَكَرُوا في الصَّيْحَةِ وُجُوهًا.
أحَدُها: أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ صاحَ بِهِمْ، وكانَتِ الصَّيْحَةُ عَظِيمَةً فَماتُوا عِنْدَها.
وثانِيها: الصَّيْحَةُ هي الرَّجْفَةُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما.
وثالِثُها: الصَّيْحَةُ هي نَفْسُ العَذابِ والمَوْتِ، كَما يُقالُ فِيمَن يَمُوتُ: دُعِيَ فَأجابَ، عَنِ الحَسَنِ.
ورابِعُها: أنَّهُ العَذابُ المُصْطَلِمُ. قالَ الشّاعِرُ:
صفحة ٨٧
صاحَ الزَّمانُ بِآلِ بَرْمَكٍ صَيْحَةً ∗∗∗ خَرُّوا لِشِدَّتِها عَلى الأذْقانِ
والأوَّلُ أوْلى لِأنَّهُ هو الحَقِيقَةُ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿بِالحَقِّ﴾ فَمَعْناهُ أنَّهُ دَمَّرَهم بِالعَدْلِ، مِن قَوْلِكَ: فُلانٌ يَقْضِي بِالحَقِّ: إذا كانَ عادِلًا في قَضاياهُ. وقالَ المُفَضَّلُ: بِالحَقِّ؛ أيْ: بِما لا يُدْفَعُ، كَقَوْلِهِ: ﴿وجاءَتْ سَكْرَةُ المَوْتِ بِالحَقِّ﴾ [ق: ١٩].
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَجَعَلْناهم غُثاءً﴾ فالغُثاءُ حَمِيلِ السَّيْلِ مِمّا بَلِيَ واسْوَدَّ مِنَ الوَرَقِ والعِيدانِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَجَعَلَهُ غُثاءً أحْوى﴾ [الأعْلى:٥].
* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
المسألة الأُولى: قَوْلُهُ: بُعْدًا وسُحْقًا ودُمْرًا، ونَحْوُها، مَصادِرُ مَوْضُوعَةٌ مَواضِعَ أفْعالِها، وهي مِن جُمْلَةِ المَصادِرِ الَّتِي قالَ سِيبَوَيْهَ: نُصِبَتْ بِأفْعالٍ لا يُسْتَعْمَلُ إظْهارُها. ومَعْنى بُعْدًا بَعُدُوا، أيْ: هَلَكُوا، يُقالُ: بَعُدَ بُعْدًا وبَعَدًا، بِفَتْحِ العَيْنِ، نَحْوَ رَشَدَ رُشْدًا ورَشَدًا، بِفَتْحِ الشِّينِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
المسألة الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿فَبُعْدًا﴾ بِمَنزِلَةِ اللَّعْنِ الَّذِي هو التَّبْعِيدُ مِنَ الخَيْرِ، واللَّهُ تَعالى ذَكَرَ ذَلِكَ عَلى وجْهِ الِاسْتِخْفافِ والإهانَةِ لَهُمْ، وقَدْ نَزَلَ بِهِمُ العَذابُ دالًّا بِذَلِكَ عَلى أنَّ الَّذِي يَنْزِلُ بِهِمْ في الآخِرَةِ مِنَ البُعْدِ مِنَ النَّعِيمِ والثَّوابِ أعْظَمُ مِمّا حَلَّ بِهِمْ حالًا؛ لِيَكُونَ ذَلِكَ عِبْرَةً لِمَن يَجِيءُ بَعْدَهم.
المؤمنون 23:41
القِصَّةُ الثّانِيَةُ قِصَّةُ هُودٍ أوْ صالِحٍ عَلَيْهِما السَّلامُ
﴿ثُمَّ أنْشَأْنا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾ ﴿فَأرْسَلْنا فِيهِمْ رَسُولًا مِنهم أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ ﴿وقالَ المَلَأُ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِلِقاءِ الآخِرَةِ وأتْرَفْناهم في الحَياةِ الدُّنْيا ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم يَأْكُلُ مِمّا تَأْكُلُونَ مِنهُ ويَشْرَبُ مِمّا تَشْرَبُونَ﴾ ﴿ولَئِنْ أطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكم إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ﴾ ﴿أيَعِدُكم أنَّكم إذا مِتُّمْ وكُنْتُمْ تُرابًا وعِظامًا أنَّكم مُخْرَجُونَ﴾ ﴿هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ﴾ ﴿إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا نَمُوتُ ونَحْيا وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ ﴿إنْ هو إلّا رَجُلٌ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا وما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ﴾ ﴿قالَ عَمّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ﴾ ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالحَقِّ فَجَعَلْناهم غُثاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾
صفحة ٨٥
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ أنْشَأْنا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾ ﴿فَأرْسَلْنا فِيهِمْ رَسُولًا مِنهم أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ ﴿وقالَ المَلَأُ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِلِقاءِ الآخِرَةِ وأتْرَفْناهم في الحَياةِ الدُّنْيا ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم يَأْكُلُ مِمّا تَأْكُلُونَ مِنهُ ويَشْرَبُ مِمّا تَشْرَبُونَ﴾ ﴿ولَئِنْ أطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكم إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ﴾ ﴿أيَعِدُكم أنَّكم إذا مِتُّمْ وكُنْتُمْ تُرابًا وعِظامًا أنَّكم مُخْرَجُونَ﴾ ﴿هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ﴾ ﴿إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا نَمُوتُ ونَحْيا وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ ﴿إنْ هو إلّا رَجُلٌ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا وما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ﴾ ﴿قالَ عَمّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ﴾ ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالحَقِّ فَجَعَلْناهم غُثاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ القِصَّةَ هي قِصَّةُ هُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ في قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما وأكْثَرِ المُفَسِّرِينَ، واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِحِكايَةِ اللَّهِ تَعالى قَوْلَ هُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿واذْكُرُوا إذْ جَعَلَكم خُلَفاءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ [الأعْرافِ: ٦٩] ومَجِيءُ قِصَّةِ هُودٍ عَقِيبَ قِصَّةِ نُوحٍ في سُورَةِ الأعْرافِ وسُورَةِ هُودٍ والشُّعَراءِ. وقالَ بَعْضُهُمْ: المُرادُ بِهِمْ صالِحٌ وثَمُودُ؛ لِأنَّ قَوْمَهُ الَّذِينَ كَذَّبُوهُ هُمُ الَّذِينَ هَلَكُوا بِالصَّيْحَةِ، أمّا كَيْفِيَّةُ الدَّعْوى فَكَما تَقَدَّمَ في قِصَّةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، وهاهُنا سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: حَقُّ (أرْسَلَ) أنْ يَتَعَدّى بِـ (إلى) كَأخَواتِهِ الَّتِي هي: وجَّهَ وأنْفَذَ وبَعَثَ، فَلِمَ -عُدِّيَ في القُرْآنِ بِـ (إلى) تارَةً وبِـ (فِي) أُخْرى كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ أرْسَلْناكَ في أُمَّةٍ﴾ [الرَّعْدِ: ٣٠] ﴿وما أرْسَلْنا في قَرْيَةٍ﴾ [الأعْرافِ: ٩٤] ﴿فَأرْسَلْنا فِيهِمْ رَسُولًا﴾ [المُؤْمِنُونَ: ٣٢] أيْ: في عادٍ، وفي مَوْضِعٍ آخَرَ ﴿وإلى عادٍ أخاهم هُودًا﴾ [الأعْرافِ: ٦٥]؟ الجَوابُ: لَمْ يُعَدَّ بِـ (فِي) كَما عُدِّيَ بِـ (إلى) ولَكِنَّ الأُمَّةَ أوِ القَرْيَةَ جُعِلَتْ مَوْضِعًا لِلْإرْسالِ، وعَلى هَذا المَعْنى جاءَ (بَعَثَ) في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا﴾ [الفُرْقانِ: ٥١].
السُّؤالُ الثّانِي: هَلْ يَصِحُّ ما قالَهُ بَعْضُهم أنَّ قَوْلَهُ: ﴿أفَلا تَتَّقُونَ﴾ غَيْرُ مَوْصُولٍ بِالأوَّلِ، وإنَّما قالَهُ لَهم بَعْدَ أنْ كَذَّبُوهُ، ورَدُّوا عَلَيْهِ بَعْدَ إقامَةِ الحجة عَلَيْهِمْ، فَعِنْدَ ذَلِكَ قالَ لَهم مُخَوِّفًا مِمّا هم عَلَيْهِ: ﴿أفَلا تَتَّقُونَ﴾ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ مَخافَةَ العَذابِ الَّذِي أنْذَرْتُكم بِهِ؟ الجَوابُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَوْصُولًا بِالكَلامِ الأوَّلِ بِأنْ رَآهم مُعْرِضِينَ عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ مُشْتَغِلِينَ بِعِبادَةِ الأوْثانِ، فَدَعاهم إلى عِبادَةِ اللَّهِ وحَذَّرَهم مِنَ العِقابِ بِسَبَبِ إقْبالِهِمْ عَلى عِبادَةِ الأوْثانِ. ثُمَّ اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى حَكى صِفاتِ أُولَئِكَ القَوْمِ وحَكى كَلامَهُمْ، أمّا الصِّفاتُ فَثَلاثٌ هي شَرُّ الصِّفاتِ، أوَّلُها: الكُفْرُ بِالخالِقِ سُبْحانَهُ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿كَفَرُوا﴾ وثانِيها: الكُفْرُ بِيَوْمِ القِيامَةِ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وكَذَّبُوا بِلِقاءِ الآخِرَةِ﴾ وثالِثُها: الِانْغِماسُ في حُبِّ الدُّنْيا وشَهَواتِها، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وأتْرَفْناهم في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ أيْ: نَعَّمْناهُمْ، فَإنْ قِيلَ: ذَكَرَ اللَّهُ مَقالَةَ قَوْمِ هُودٍ في جَوابِهِ في سُورَةِ الأعْرافِ وسُورَةِ هُودٍ بِغَيْرِ واوٍ ﴿قالَ المَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ إنّا لَنَراكَ في سَفاهَةٍ﴾ [الأعْرافِ: ٦٦]، قالُوا: ﴿ما نَراكَ إلّا بَشَرًا مِثْلَنا﴾ [هُودٍ: ٢٧] وهاهُنا مَعَ الواوِ، فَأيُّ فَرْقٍ بَيْنَهُما؟ قُلْنا: الَّذِي بِغَيْرِ واوٍ عَلى تَقْدِيرِ سُؤالِ سائِلٍ قالَ: فَما قالَ قَوْمُهُ؟ فَقِيلَ لَهُ: كَيْتَ وكَيْتَ، وأمّا الَّذِي مَعَ الواوِ فَعَطْفٌ لِما قالُوهُ عَلى ما قالَهُ، ومَعْناهُ أنَّهُ اجْتَمَعَ في هَذِهِ الواقِعَةِ هَذا الكَلامُ الحَقُّ وهَذا الكَلامُ الباطِلُ. وأمّا شُبُهاتُ القَوْمِ فَشَيْئانِ: أوَّلُهُما: قَوْلُهُمْ: ﴿ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم يَأْكُلُ مِمّا تَأْكُلُونَ مِنهُ ويَشْرَبُ مِمّا تَشْرَبُونَ﴾، وقَدْ مَرَّ شَرْحُ هَذِهِ الشُّبْهَةِ في القِصَّةِ الأُولى. وقَوْلُهُ: ﴿مِمّا تَشْرَبُونَ﴾ أيْ: مِن مَشْرُوبِكم، أوْ حُذِفَ مِنهُ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ وهو قَوْلُهُ: ﴿ولَئِنْ أطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكم إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ﴾ فَجَعَلُوا اتِّباعَ الرَّسُولِ خُسْرانًا، ولَمْ يَجْعَلُوا عِبادَةَ الأصْنامِ خُسْرانًا، أيْ: لَئِنْ كُنْتُمْ أعْطَيْتُمُوهُ الطّاعَةَ مِن غَيْرِ أنْ
صفحة ٨٦
يَكُونَ لَكم بِإزائِها مَنفَعَةٌ فَذَلِكَ هو الخُسْرانُ. وثانِيهِما: أنَّهم طَعَنُوا في صِحَّةِ الحَشْرِ والنَّشْرِ، ثُمَّ طَعَنُوا في نُبُوَّتِهِ بِسَبَبِ إتْيانِهِ بِذَلِكَ. أمّا الطَّعْنُ في صِحَّةِ الحَشْرِ فَهو قَوْلُهُمْ: ﴿أيَعِدُكم أنَّكم إذا مِتُّمْ وكُنْتُمْ تُرابًا وعِظامًا أنَّكم مُخْرَجُونَ﴾ مُعادُونَ أحْياءً لِلْمُجازاةِ، ثُمَّ لَمْ يَقْتَصِرُوا عَلى هَذا القَدْرِ حَتّى قَرَنُوا بِهِ الِاسْتِبْعادَ العَظِيمَ وهو قَوْلُهُمْ: ﴿هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ﴾ ثُمَّ أكَّدُوا الشُّبْهَةَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا نَمُوتُ ونَحْيا﴾ ولَمْ يُرِيدُوا بِقَوْلِهِمْ (نَمُوتُ ونَحْيا) الشَّخْصَ الواحِدَ، بَلْ أرادُوا أنَّ البَعْضَ يَمُوتُ والبَعْضَ يَحْيا، وأنَّهُ لا إعادَةَ ولا حَشْرَ. فَلِذَلِكَ قالُوا: ﴿وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ ولَمّا فَرَغُوا مِنَ الطَّعْنِ في صِحَّةِ الحَشْرِ بَنَوْا عَلَيْهِ الطَّعْنَ في نُبُوَّتِهِ، فَقالُوا: لَمّا أتى بِهَذا الباطِلِ فَقَدَ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا، ثُمَّ لَمّا قَرَّرُوا الشُّبْهَةَ الطّاعِنَةَ في نُبُوَّتِهِ قالُوا: وما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ؛ لِأنَّ القَوْمَ كالتَّبَعِ لَهم. واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى ما أجابَ عَنْ هاتَيْنِ الشُّبْهَتَيْنِ لِظُهُورِ فَسادِهِما. أمّا الشُّبْهَةُ الأُولى: فَقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ ضَعْفِها. وأمّا الثّانِيَةُ: فَلِأنَّهُمُ اسْتَبْعَدُوا الحَشْرَ، ولا يُسْتَبْعَدُ الحَشْرُ لِوَجْهَيْنِ.
الأوَّلُ: أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا كانَ قادِرًا عَلى كُلِّ المُمْكِناتِ عالِمًا بِكُلِّ المَعْلُوماتِ وجَبَ أنْ يَكُونَ قادِرًا عَلى الحَشْرِ والنَّشْرِ.
والثّانِي: وهو أنَّهُ لَوْلا الإعادَةُ لَكانَ تَسْلِيطُ القَوِيِّ عَلى الضَّعِيفِ في الدُّنْيا ظُلْمًا. وهو غَيْرُ لائِقٍ بِالحَكِيمِ، عَلى ما قَرَّرَهُ سُبْحانَهُ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ أكادُ أُخْفِيها لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى﴾ [طه: ١٥] وهاهُنا مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: ثَنّى (إنَّكُمْ) لِلتَّوْكِيدِ، وحَسُنَ ذَلِكَ الفَصْلُ ما بَيْنَ الأوَّلِ والثّانِي بِالظَّرْفِ، و(مُخْرَجُونَ) خَبَرٌ عَنِ الأوَّلِ. وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: ”وكُنْتُمْ تُرابًا وعِظامًا مُخْرَجُونَ“.
المسألة الثّانِيَةُ: قُرِئَ ”هَيْهاتَ“ بِالفَتْحِ والكَسْرِ، كُلُّها بِتَنْوِينٍ وبِلا تَنْوِينٍ، وبِالسُّكُونِ عَلى لَفْظِ الوَقْفِ.
المسألة الثّالِثَةُ: هي في قَوْلِهِ: ﴿إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا﴾ ضَمِيرٌ لا يُعْلَمُ ما يُعْنى بِهِ إلّا بِما يَتْلُوهُ مِن بَيانِهِ، وأصْلُهُ: إنِ الحَياةُ إلّا حَياتُنا الدُّنْيا، ثُمَّ وضَعَ (هِيَ) مَوْضِعَ الحَياةِ؛ لِأنَّ الخَبَرَ يَدُلُّ عَلَيْهِ ومِنهُ [قُوْلُ الشّاعِرِ]:
هِيَ النَّفْسُ ما حَمَّلْتَها تَتَحَمَّلُ
والمَعْنى لا حَياةَ إلّا هَذِهِ الحَياةُ، ولِأنَّ ”إنْ“ النّافِيَةَ دَخَلَتْ عَلى (هِيَ) الَّتِي في مَعْنى الحَياةِ الدّالَّةِ عَلى الجِنْسِ فَنَفَتْها، فَوازَنَتْ (لا) الَّتِي نَفَتْ ما بَعْدَها نَفْيَ الجِنْسِ.
واعْلَمْ أنَّ ذَلِكَ الرَّسُولَ لَمّا يَئِسَ مِن قَبُولِ الأكابِرِ والأصاغِرِ فَزِعَ إلى رَبِّهِ وقالَ: ﴿رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ﴾ وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ، فَأجابَهُ اللَّهُ تَعالى فِيما سَألَ وقالَ: ﴿عَمّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ﴾ والأقْرَبُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِأنْ يَظْهَرَ لَهم عَلاماتُ الهَلاكِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يَحْصُلُ مِنهُمُ الحَسْرَةُ والنَّدامَةُ عَلى تَرْكِ القَبُولِ، ويَكُونُ الوَقْتُ وقْتَ إيمانِ اليَأْسِ فَلا يَنْتَفِعُونَ بِالنَّدامَةِ، وبَيَّنَ تَعالى الهَلاكَ الَّذِي أنْزَلَهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالحَقِّ﴾ وذَكَرُوا في الصَّيْحَةِ وُجُوهًا.
أحَدُها: أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ صاحَ بِهِمْ، وكانَتِ الصَّيْحَةُ عَظِيمَةً فَماتُوا عِنْدَها.
وثانِيها: الصَّيْحَةُ هي الرَّجْفَةُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما.
وثالِثُها: الصَّيْحَةُ هي نَفْسُ العَذابِ والمَوْتِ، كَما يُقالُ فِيمَن يَمُوتُ: دُعِيَ فَأجابَ، عَنِ الحَسَنِ.
ورابِعُها: أنَّهُ العَذابُ المُصْطَلِمُ. قالَ الشّاعِرُ:
صفحة ٨٧
صاحَ الزَّمانُ بِآلِ بَرْمَكٍ صَيْحَةً ∗∗∗ خَرُّوا لِشِدَّتِها عَلى الأذْقانِ
والأوَّلُ أوْلى لِأنَّهُ هو الحَقِيقَةُ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿بِالحَقِّ﴾ فَمَعْناهُ أنَّهُ دَمَّرَهم بِالعَدْلِ، مِن قَوْلِكَ: فُلانٌ يَقْضِي بِالحَقِّ: إذا كانَ عادِلًا في قَضاياهُ. وقالَ المُفَضَّلُ: بِالحَقِّ؛ أيْ: بِما لا يُدْفَعُ، كَقَوْلِهِ: ﴿وجاءَتْ سَكْرَةُ المَوْتِ بِالحَقِّ﴾ [ق: ١٩].
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَجَعَلْناهم غُثاءً﴾ فالغُثاءُ حَمِيلِ السَّيْلِ مِمّا بَلِيَ واسْوَدَّ مِنَ الوَرَقِ والعِيدانِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَجَعَلَهُ غُثاءً أحْوى﴾ [الأعْلى:٥].
* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
المسألة الأُولى: قَوْلُهُ: بُعْدًا وسُحْقًا ودُمْرًا، ونَحْوُها، مَصادِرُ مَوْضُوعَةٌ مَواضِعَ أفْعالِها، وهي مِن جُمْلَةِ المَصادِرِ الَّتِي قالَ سِيبَوَيْهَ: نُصِبَتْ بِأفْعالٍ لا يُسْتَعْمَلُ إظْهارُها. ومَعْنى بُعْدًا بَعُدُوا، أيْ: هَلَكُوا، يُقالُ: بَعُدَ بُعْدًا وبَعَدًا، بِفَتْحِ العَيْنِ، نَحْوَ رَشَدَ رُشْدًا ورَشَدًا، بِفَتْحِ الشِّينِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
المسألة الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿فَبُعْدًا﴾ بِمَنزِلَةِ اللَّعْنِ الَّذِي هو التَّبْعِيدُ مِنَ الخَيْرِ، واللَّهُ تَعالى ذَكَرَ ذَلِكَ عَلى وجْهِ الِاسْتِخْفافِ والإهانَةِ لَهُمْ، وقَدْ نَزَلَ بِهِمُ العَذابُ دالًّا بِذَلِكَ عَلى أنَّ الَّذِي يَنْزِلُ بِهِمْ في الآخِرَةِ مِنَ البُعْدِ مِنَ النَّعِيمِ والثَّوابِ أعْظَمُ مِمّا حَلَّ بِهِمْ حالًا؛ لِيَكُونَ ذَلِكَ عِبْرَةً لِمَن يَجِيءُ بَعْدَهم.
المؤمنون 23:42
القِصَّةُ الثّالِثَةُ
﴿ثُمَّ أنْشَأْنا مِن بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ﴾ ﴿ما تَسْبِقُ مِن أُمَّةٍ أجَلَها وما يَسْتَأْخِرُونَ﴾ ﴿ثُمَّ أرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرى كُلَّ ما جاءَ أُمَّةً رَسُولُها كَذَّبُوهُ فَأتْبَعْنا بَعْضَهم بَعْضًا وجَعَلْناهم أحادِيثَ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ أنْشَأْنا مِن بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ﴾ ﴿ما تَسْبِقُ مِن أُمَّةٍ أجَلَها وما يَسْتَأْخِرُونَ﴾ ﴿ثُمَّ أرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرى كُلَّ ما جاءَ أُمَّةً رَسُولُها كَذَّبُوهُ فَأتْبَعْنا بَعْضَهم بَعْضًا وجَعَلْناهم أحادِيثَ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ يَقُصُّ القَصَصَ في القُرْآنِ تارَةً عَلى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ كَما تَقَدَّمَ، وأُخْرى عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ كَهاهُنا، وقِيلَ: المُرادُ قِصَّةَ لُوطٍ وشُعَيْبٍ وأيُّوبَ ويُوسُفَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ.
فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ أنْشَأْنا مِن بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ﴾ فالمَعْنى أنَّهُ ما أخْلى الدِّيارَ مِن مُكَلَّفِينَ أنْشَأهم وبَلَّغَهم حَدَّ التَّكْلِيفِ حَتّى قامُوا مَقامَ مَن كانَ قَبْلَهم في عِمارَةِ الدُّنْيا.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿ما تَسْبِقُ مِن أُمَّةٍ أجَلَها وما يَسْتَأْخِرُونَ﴾ فَيَحْتَمِلُ في هَذا الأجَلِ أنْ يَكُونَ المُرادُ آجالَ حَياتِها وتَكْلِيفِها، ويَحْتَمِلُ آجالَ مَوْتِها وهَلاكِها، وإنْ كانَ الأظْهَرُ في الأجَلِ إذا أُطْلِقَ أنْ يُرادَ بِهِ وقْتُ المَوْتِ، فَبَيَّنَ أنَّ كُلَّ أُمَّةٍ لَها آجالٌ مَكْتُوبَةٌ في الحَياةِ والمَوْتِ، لا يَتَقَدَّمُ ولا يَتَأخَّرُ، مُنَبِّهًا بِذَلِكَ عَلى أنَّهُ عالِمٌ بِالأشْياءِ قَبْلَ كَوْنِها، فَلا تُوجَدُ إلّا عَلى وفْقِ العِلْمِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ أجَلَ اللَّهِ إذا جاءَ لا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾
صفحة ٨٨
[نُوحٍ: ٤] وهاهُنا مَسْألَتانِ:
المسألة الأُولى: قالَ أصْحابُنا: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ المَقْتُولَ مَيِّتٌ بِأجَلِهِ؛ إذْ لَوْ قُتِلَ قَبْلَ أجَلِهِ لَكانَ قَدْ تَقَدَّمَ الأجَلُ أوْ تَأخَّرَ، وذَلِكَ يُنافِيهِ هَذا النَّصُّ.
المسألة الثّانِيَةُ: قالَ الكَعْبِيُّ: المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ما تَسْبِقُ مِن أُمَّةٍ﴾ أيْ: لا يَتَقَدَّمُونَ الوَقْتَ المُؤَقَّتَ لِعَذابِهِمْ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا ولا يَتَأخَّرُونَ عَنْهُ، ولا يَسْتَأْصِلُهم إلّا إذا عَلِمَ مِنهم أنَّهم لا يَزْدادُونَ إلّا عِنادًا وأنَّهم لا يَلِدُونَ مُؤْمِنًا، وأنَّهُ لا نَفْعَ في بَقائِهِمْ لِغَيْرِهِمْ، ولا ضَرَرَ عَلى أحَدٍ في هَلاكِهِمْ، وهو كَقَوْلِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿إنَّكَ إنْ تَذَرْهم يُضِلُّوا عِبادَكَ ولا يَلِدُوا إلّا فاجِرًا كَفّارًا﴾ [نُوحٍ: ٢٧].
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ أرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرى﴾ فالمَعْنى أنَّهُ كَما أنْشَأْنا بَعْضَهم بَعْدَ بَعْضٍ أُرْسِلَ إلَيْهِمُ الرُّسُلُ عَلى هَذا الحَدِّ، قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ”تَتْرًى“ مُنَوَّنَةً، والباقُونَ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ، وهو اخْتِيارُ أكْثَرِ أهْلِ اللُّغَةِ؛ لِأنَّها (فَعْلى) مِنَ المُواتَرَةِ وهي المُتابَعَةُ، وفَعْلى لا يُنَوَّنُ كالدَّعْوى والتَّقْوى، والتّاءُ بَدَلٌ مِنَ الواوِ، فَإنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنَ الوَتَرِ وهو الفَرْدُ، قالَ الواحِدِيُّ: (تَتْرى) عَلى القِراءَتَيْنِ مَصْدَرٌ أوِ اسْمٌ أُقِيمَ مَقامَ الحالِ؛ لِأنَّ المَعْنى مُتَواتِرَةٌ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلَّ ما جاءَ أُمَّةً رَسُولُها كَذَّبُوهُ﴾ يَعْنِي أنَّهم سَلَكُوا في تَكْذِيبِ أنْبِيائِهِمْ مَسْلَكَ مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِمَّنْ أهْلَكَهُ اللَّهُ بِالغَرَقِ والصَّيْحَةِ، فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿فَأتْبَعْنا بَعْضَهم بَعْضًا﴾ أيْ: بِالهَلاكِ.
[وقَوْلُهُ]: ﴿وجَعَلْناهم أحادِيثَ﴾ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ جَمْعَ الحَدِيثِ، ومِنهُ أحادِيثُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، والمَعْنى أنَّهُ سُبْحانَهُ بَلَغَ في إهْلاكِهِمْ مَبْلَغًا صارُوا مَعَهُ أحادِيثَ فَلا يُرى مِنهم عَيْنٌ ولا أثَرٌ، ولَمْ يَبْقَ مِنهم إلّا الحَدِيثُ الَّذِي يُذْكَرُ ويُعْتَبَرُ بِهِ.
ويُمْكِنُ أيْضًا أنْ يَكُونَ جَمْعَ أُحْدُوثَةٍ، مِثْلَ الأُضْحُوكَةِ والأُعْجُوبَةِ، وهي ما يَتَحَدَّثُ بِهِ النّاسُ تَلَهِّيًا وتَعَجُّبًا.
ثُمَّ قالَ: ﴿فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ عَلى وجْهِ الدُّعاءِ والذَّمِّ والتَّوْبِيخِ، ودَلَّ بِذَلِكَ عَلى أنَّهم كَما أُهْلِكُوا عاجِلًا فَهَلاكُهم بِالتَّعْذِيبِ آجِلًا عَلى التَّأْبِيدِ مُتَرَقَّبٌ، وذَلِكَ وعِيدٌ شَدِيدٌ.
المؤمنون 23:43
القِصَّةُ الثّالِثَةُ
﴿ثُمَّ أنْشَأْنا مِن بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ﴾ ﴿ما تَسْبِقُ مِن أُمَّةٍ أجَلَها وما يَسْتَأْخِرُونَ﴾ ﴿ثُمَّ أرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرى كُلَّ ما جاءَ أُمَّةً رَسُولُها كَذَّبُوهُ فَأتْبَعْنا بَعْضَهم بَعْضًا وجَعَلْناهم أحادِيثَ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ أنْشَأْنا مِن بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ﴾ ﴿ما تَسْبِقُ مِن أُمَّةٍ أجَلَها وما يَسْتَأْخِرُونَ﴾ ﴿ثُمَّ أرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرى كُلَّ ما جاءَ أُمَّةً رَسُولُها كَذَّبُوهُ فَأتْبَعْنا بَعْضَهم بَعْضًا وجَعَلْناهم أحادِيثَ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ يَقُصُّ القَصَصَ في القُرْآنِ تارَةً عَلى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ كَما تَقَدَّمَ، وأُخْرى عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ كَهاهُنا، وقِيلَ: المُرادُ قِصَّةَ لُوطٍ وشُعَيْبٍ وأيُّوبَ ويُوسُفَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ.
فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ أنْشَأْنا مِن بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ﴾ فالمَعْنى أنَّهُ ما أخْلى الدِّيارَ مِن مُكَلَّفِينَ أنْشَأهم وبَلَّغَهم حَدَّ التَّكْلِيفِ حَتّى قامُوا مَقامَ مَن كانَ قَبْلَهم في عِمارَةِ الدُّنْيا.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿ما تَسْبِقُ مِن أُمَّةٍ أجَلَها وما يَسْتَأْخِرُونَ﴾ فَيَحْتَمِلُ في هَذا الأجَلِ أنْ يَكُونَ المُرادُ آجالَ حَياتِها وتَكْلِيفِها، ويَحْتَمِلُ آجالَ مَوْتِها وهَلاكِها، وإنْ كانَ الأظْهَرُ في الأجَلِ إذا أُطْلِقَ أنْ يُرادَ بِهِ وقْتُ المَوْتِ، فَبَيَّنَ أنَّ كُلَّ أُمَّةٍ لَها آجالٌ مَكْتُوبَةٌ في الحَياةِ والمَوْتِ، لا يَتَقَدَّمُ ولا يَتَأخَّرُ، مُنَبِّهًا بِذَلِكَ عَلى أنَّهُ عالِمٌ بِالأشْياءِ قَبْلَ كَوْنِها، فَلا تُوجَدُ إلّا عَلى وفْقِ العِلْمِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ أجَلَ اللَّهِ إذا جاءَ لا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾
صفحة ٨٨
[نُوحٍ: ٤] وهاهُنا مَسْألَتانِ:
المسألة الأُولى: قالَ أصْحابُنا: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ المَقْتُولَ مَيِّتٌ بِأجَلِهِ؛ إذْ لَوْ قُتِلَ قَبْلَ أجَلِهِ لَكانَ قَدْ تَقَدَّمَ الأجَلُ أوْ تَأخَّرَ، وذَلِكَ يُنافِيهِ هَذا النَّصُّ.
المسألة الثّانِيَةُ: قالَ الكَعْبِيُّ: المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ما تَسْبِقُ مِن أُمَّةٍ﴾ أيْ: لا يَتَقَدَّمُونَ الوَقْتَ المُؤَقَّتَ لِعَذابِهِمْ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا ولا يَتَأخَّرُونَ عَنْهُ، ولا يَسْتَأْصِلُهم إلّا إذا عَلِمَ مِنهم أنَّهم لا يَزْدادُونَ إلّا عِنادًا وأنَّهم لا يَلِدُونَ مُؤْمِنًا، وأنَّهُ لا نَفْعَ في بَقائِهِمْ لِغَيْرِهِمْ، ولا ضَرَرَ عَلى أحَدٍ في هَلاكِهِمْ، وهو كَقَوْلِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿إنَّكَ إنْ تَذَرْهم يُضِلُّوا عِبادَكَ ولا يَلِدُوا إلّا فاجِرًا كَفّارًا﴾ [نُوحٍ: ٢٧].
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ أرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرى﴾ فالمَعْنى أنَّهُ كَما أنْشَأْنا بَعْضَهم بَعْدَ بَعْضٍ أُرْسِلَ إلَيْهِمُ الرُّسُلُ عَلى هَذا الحَدِّ، قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ”تَتْرًى“ مُنَوَّنَةً، والباقُونَ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ، وهو اخْتِيارُ أكْثَرِ أهْلِ اللُّغَةِ؛ لِأنَّها (فَعْلى) مِنَ المُواتَرَةِ وهي المُتابَعَةُ، وفَعْلى لا يُنَوَّنُ كالدَّعْوى والتَّقْوى، والتّاءُ بَدَلٌ مِنَ الواوِ، فَإنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنَ الوَتَرِ وهو الفَرْدُ، قالَ الواحِدِيُّ: (تَتْرى) عَلى القِراءَتَيْنِ مَصْدَرٌ أوِ اسْمٌ أُقِيمَ مَقامَ الحالِ؛ لِأنَّ المَعْنى مُتَواتِرَةٌ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلَّ ما جاءَ أُمَّةً رَسُولُها كَذَّبُوهُ﴾ يَعْنِي أنَّهم سَلَكُوا في تَكْذِيبِ أنْبِيائِهِمْ مَسْلَكَ مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِمَّنْ أهْلَكَهُ اللَّهُ بِالغَرَقِ والصَّيْحَةِ، فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿فَأتْبَعْنا بَعْضَهم بَعْضًا﴾ أيْ: بِالهَلاكِ.
[وقَوْلُهُ]: ﴿وجَعَلْناهم أحادِيثَ﴾ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ جَمْعَ الحَدِيثِ، ومِنهُ أحادِيثُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، والمَعْنى أنَّهُ سُبْحانَهُ بَلَغَ في إهْلاكِهِمْ مَبْلَغًا صارُوا مَعَهُ أحادِيثَ فَلا يُرى مِنهم عَيْنٌ ولا أثَرٌ، ولَمْ يَبْقَ مِنهم إلّا الحَدِيثُ الَّذِي يُذْكَرُ ويُعْتَبَرُ بِهِ.
ويُمْكِنُ أيْضًا أنْ يَكُونَ جَمْعَ أُحْدُوثَةٍ، مِثْلَ الأُضْحُوكَةِ والأُعْجُوبَةِ، وهي ما يَتَحَدَّثُ بِهِ النّاسُ تَلَهِّيًا وتَعَجُّبًا.
ثُمَّ قالَ: ﴿فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ عَلى وجْهِ الدُّعاءِ والذَّمِّ والتَّوْبِيخِ، ودَلَّ بِذَلِكَ عَلى أنَّهم كَما أُهْلِكُوا عاجِلًا فَهَلاكُهم بِالتَّعْذِيبِ آجِلًا عَلى التَّأْبِيدِ مُتَرَقَّبٌ، وذَلِكَ وعِيدٌ شَدِيدٌ.
المؤمنون 23:44
القِصَّةُ الثّالِثَةُ
﴿ثُمَّ أنْشَأْنا مِن بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ﴾ ﴿ما تَسْبِقُ مِن أُمَّةٍ أجَلَها وما يَسْتَأْخِرُونَ﴾ ﴿ثُمَّ أرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرى كُلَّ ما جاءَ أُمَّةً رَسُولُها كَذَّبُوهُ فَأتْبَعْنا بَعْضَهم بَعْضًا وجَعَلْناهم أحادِيثَ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ أنْشَأْنا مِن بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ﴾ ﴿ما تَسْبِقُ مِن أُمَّةٍ أجَلَها وما يَسْتَأْخِرُونَ﴾ ﴿ثُمَّ أرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرى كُلَّ ما جاءَ أُمَّةً رَسُولُها كَذَّبُوهُ فَأتْبَعْنا بَعْضَهم بَعْضًا وجَعَلْناهم أحادِيثَ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ يَقُصُّ القَصَصَ في القُرْآنِ تارَةً عَلى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ كَما تَقَدَّمَ، وأُخْرى عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ كَهاهُنا، وقِيلَ: المُرادُ قِصَّةَ لُوطٍ وشُعَيْبٍ وأيُّوبَ ويُوسُفَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ.
فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ أنْشَأْنا مِن بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ﴾ فالمَعْنى أنَّهُ ما أخْلى الدِّيارَ مِن مُكَلَّفِينَ أنْشَأهم وبَلَّغَهم حَدَّ التَّكْلِيفِ حَتّى قامُوا مَقامَ مَن كانَ قَبْلَهم في عِمارَةِ الدُّنْيا.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿ما تَسْبِقُ مِن أُمَّةٍ أجَلَها وما يَسْتَأْخِرُونَ﴾ فَيَحْتَمِلُ في هَذا الأجَلِ أنْ يَكُونَ المُرادُ آجالَ حَياتِها وتَكْلِيفِها، ويَحْتَمِلُ آجالَ مَوْتِها وهَلاكِها، وإنْ كانَ الأظْهَرُ في الأجَلِ إذا أُطْلِقَ أنْ يُرادَ بِهِ وقْتُ المَوْتِ، فَبَيَّنَ أنَّ كُلَّ أُمَّةٍ لَها آجالٌ مَكْتُوبَةٌ في الحَياةِ والمَوْتِ، لا يَتَقَدَّمُ ولا يَتَأخَّرُ، مُنَبِّهًا بِذَلِكَ عَلى أنَّهُ عالِمٌ بِالأشْياءِ قَبْلَ كَوْنِها، فَلا تُوجَدُ إلّا عَلى وفْقِ العِلْمِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ أجَلَ اللَّهِ إذا جاءَ لا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾
صفحة ٨٨
[نُوحٍ: ٤] وهاهُنا مَسْألَتانِ:
المسألة الأُولى: قالَ أصْحابُنا: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ المَقْتُولَ مَيِّتٌ بِأجَلِهِ؛ إذْ لَوْ قُتِلَ قَبْلَ أجَلِهِ لَكانَ قَدْ تَقَدَّمَ الأجَلُ أوْ تَأخَّرَ، وذَلِكَ يُنافِيهِ هَذا النَّصُّ.
المسألة الثّانِيَةُ: قالَ الكَعْبِيُّ: المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ما تَسْبِقُ مِن أُمَّةٍ﴾ أيْ: لا يَتَقَدَّمُونَ الوَقْتَ المُؤَقَّتَ لِعَذابِهِمْ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا ولا يَتَأخَّرُونَ عَنْهُ، ولا يَسْتَأْصِلُهم إلّا إذا عَلِمَ مِنهم أنَّهم لا يَزْدادُونَ إلّا عِنادًا وأنَّهم لا يَلِدُونَ مُؤْمِنًا، وأنَّهُ لا نَفْعَ في بَقائِهِمْ لِغَيْرِهِمْ، ولا ضَرَرَ عَلى أحَدٍ في هَلاكِهِمْ، وهو كَقَوْلِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿إنَّكَ إنْ تَذَرْهم يُضِلُّوا عِبادَكَ ولا يَلِدُوا إلّا فاجِرًا كَفّارًا﴾ [نُوحٍ: ٢٧].
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ أرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرى﴾ فالمَعْنى أنَّهُ كَما أنْشَأْنا بَعْضَهم بَعْدَ بَعْضٍ أُرْسِلَ إلَيْهِمُ الرُّسُلُ عَلى هَذا الحَدِّ، قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ”تَتْرًى“ مُنَوَّنَةً، والباقُونَ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ، وهو اخْتِيارُ أكْثَرِ أهْلِ اللُّغَةِ؛ لِأنَّها (فَعْلى) مِنَ المُواتَرَةِ وهي المُتابَعَةُ، وفَعْلى لا يُنَوَّنُ كالدَّعْوى والتَّقْوى، والتّاءُ بَدَلٌ مِنَ الواوِ، فَإنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنَ الوَتَرِ وهو الفَرْدُ، قالَ الواحِدِيُّ: (تَتْرى) عَلى القِراءَتَيْنِ مَصْدَرٌ أوِ اسْمٌ أُقِيمَ مَقامَ الحالِ؛ لِأنَّ المَعْنى مُتَواتِرَةٌ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلَّ ما جاءَ أُمَّةً رَسُولُها كَذَّبُوهُ﴾ يَعْنِي أنَّهم سَلَكُوا في تَكْذِيبِ أنْبِيائِهِمْ مَسْلَكَ مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِمَّنْ أهْلَكَهُ اللَّهُ بِالغَرَقِ والصَّيْحَةِ، فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿فَأتْبَعْنا بَعْضَهم بَعْضًا﴾ أيْ: بِالهَلاكِ.
[وقَوْلُهُ]: ﴿وجَعَلْناهم أحادِيثَ﴾ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ جَمْعَ الحَدِيثِ، ومِنهُ أحادِيثُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، والمَعْنى أنَّهُ سُبْحانَهُ بَلَغَ في إهْلاكِهِمْ مَبْلَغًا صارُوا مَعَهُ أحادِيثَ فَلا يُرى مِنهم عَيْنٌ ولا أثَرٌ، ولَمْ يَبْقَ مِنهم إلّا الحَدِيثُ الَّذِي يُذْكَرُ ويُعْتَبَرُ بِهِ.
ويُمْكِنُ أيْضًا أنْ يَكُونَ جَمْعَ أُحْدُوثَةٍ، مِثْلَ الأُضْحُوكَةِ والأُعْجُوبَةِ، وهي ما يَتَحَدَّثُ بِهِ النّاسُ تَلَهِّيًا وتَعَجُّبًا.
ثُمَّ قالَ: ﴿فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ عَلى وجْهِ الدُّعاءِ والذَّمِّ والتَّوْبِيخِ، ودَلَّ بِذَلِكَ عَلى أنَّهم كَما أُهْلِكُوا عاجِلًا فَهَلاكُهم بِالتَّعْذِيبِ آجِلًا عَلى التَّأْبِيدِ مُتَرَقَّبٌ، وذَلِكَ وعِيدٌ شَدِيدٌ.
المؤمنون 23:45
القِصَّةُ الرّابِعَةُ - قِصَّةُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ
﴿ثُمَّ أرْسَلْنا مُوسى وأخاهُ هارُونَ بِآياتِنا وسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ ﴿إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ فاسْتَكْبَرُوا وكانُوا قَوْمًا عالِينَ﴾ ﴿فَقالُوا أنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا وقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُما فَكانُوا مِنَ المُهْلَكِينَ﴾ ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ لَعَلَّهم يَهْتَدُونَ﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ أرْسَلْنا مُوسى وأخاهُ هارُونَ بِآياتِنا وسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ ﴿إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ فاسْتَكْبَرُوا وكانُوا قَوْمًا عالِينَ﴾ ﴿فَقالُوا أنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا وقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُما فَكانُوا مِنَ المُهْلَكِينَ﴾ ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ لَعَلَّهم يَهْتَدُونَ﴾ .
صفحة ٨٩
اخْتَلَفُوا في ”الآياتِ“ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: هي الآياتُ التِّسْعُ؛ وهي العَصا واليَدُ والجَرادُ والقُمَّلُ والضَّفادِعُ والدَّمُ وانْفِلاقُ البَحْرِ، والسُّنُونَ، والنَّقْصُ مِنَ الثَّمَراتِ، وقالَ الحَسَنُ قَوْلُهُ: ﴿بِآياتِنا﴾ أيْ: بِدِينِنا، واحْتَجَّ بِأنَّ المُرادَ بِالآياتِ لَوْ كانَتْ هي المُعْجِزاتِ، والسُّلْطانُ المُبِينُ أيْضًا هو المُعْجِزُ، فَحِينَئِذٍ يَلْزَمُ عَطْفُ الشَّيْءِ عَلى نَفْسِهِ، والأقْرَبُ هو الأوَّلُ؛ لِأنَّ لَفْظَ الآياتِ إذا ذُكِرَ في الرُّسُلِ فالمُرادُ مِنها المُعْجِزاتُ. وأمّا الَّذِي احْتَجُّوا بِهِ، فالجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ.
أحَدُها: أنَّ المُرادَ بِالسُّلْطانِ المُبِينِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ أشْرَفَ مُعْجِزاتِهِ وهو العَصا؛ لِأنَّهُ قَدْ تَعَلَّقَتْ بِها مُعْجِزاتٌ شَتّى مِنِ انْقِلابِها حَيَّةً، وتَلَقُّفِها ما أفَكَتْهُ السَّحَرَةُ، وانْفِلاقِ البَحْرِ، وانْفِجارِ العُيُونِ مِنَ الحَجَرِ بِضَرْبِهِ بِها، وكَوْنِها حارِسًا وشَمْعَةً وشَجَرَةً مُثْمِرَةً ودَلْوًا ورِشاءً، فَلِأجْلِ انْفِرادِ العَصا بِهَذِهِ الفَضائِلِ أُفْرِدَتْ بِالذِّكْرِ كَقَوْلِهِ: ﴿وجِبْرِيلَ ومِيكالَ﴾ .
وثانِيها: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالآياتِ نَفْسُ تِلْكَ المُعْجِزاتِ، وبِالسُّلْطانِ المُبِينِ كَيْفِيَّةُ دَلالَتِها عَلى الصِّدْقِ، وذَلِكَ لِأنَّها وإنْ شارَكَتْ سائِرَ آياتِ الأنْبِياءِ في كَوْنِها آياتٍ فَقَدْ فارَقَتْها في قُوَّةِ دَلالَتِها عَلى قُوَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ.
وثالِثُها: أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالسُّلْطانِ المُبِينِ اسْتِيلاءَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَلَيْهِمْ في الِاسْتِدْلالِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ وإثْباتِ النُّبُوَّةِ، وأنَّهُ ما كانَ يُقِيمُ لَهم قَدْرًا ولا وزْنًا.
واعْلَمْ أنَّ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ مُعْجِزاتِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَتْ مُعْجِزاتِ هارُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ أيْضًا، وأنَّ النُّبُوَّةَ كَما أنَّها مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَهُما فَكَذَلِكَ المُعْجِزاتُ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ حَكى عَنْ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ صِفَتَهُمْ، ثُمَّ ذَكَرَ شُبْهَتَهُمْ، أمّا صِفَتُهم فَأمْرانِ، أحَدُهُما: الِاسْتِكْبارُ والأنَفَةُ. والثّانِي: أنَّهم كانُوا قَوْمًا عالِينَ؛ أيْ: رَفِيعِي الحالِ في أُمُورِ الدُّنْيا، ويَحْتَمِلُ الِاقْتِدارَ بِالكَثْرَةِ والقُوَّةِ، وأمّا شُبْهَتُهم فَهي قَوْلُهُمْ: ﴿أنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا وقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: لَمْ يَقُلْ (مِثْلَيْنا) كَما قالَ: ﴿إنَّكم إذًا مِثْلُهُمْ﴾ [النِّساءِ: ١٤٠] ولَمْ يَقُلْ: (أمْثالَهُمْ، ) وقالَ: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١١٠] ولَمْ يَقُلْ: أخْيارَ أُمَّةٍ، كُلُّ ذَلِكَ لِأنَّ الإيجازَ أحَبُّ إلى العَرَبِ مِنَ الإكْثارِ، والشُّبْهَةُ مَبْنِيَّةٌ عَلى أمْرَيْنِ، أحَدُهُما: كَوْنُهُما مِنَ البَشَرِ وقَدْ تَقَدَّمَ الجَوابُ عَنْهُ. والثّانِي: أنَّ قَوْمَ مُوسى وهارُونَ كانُوا كالخَدَمِ والعَبِيدِ لَهُمْ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: العَرَبُ تُسَمِّي كُلَّ مَن دانَ المَلِكَ: عابِدًا لَهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ كانَ يَدَّعِي الإلَهِيَّةَ، فادَّعى أنَّ النّاسَ عِبادُهُ، وأنَّ طاعَتَهم لَهُ عِبادَةٌ عَلى الحَقِيقَةِ، ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّهُ لَمّا خَطَرَتْ هَذِهِ الشُّبْهَةُ بِبالِهِمْ صَرَّحُوا بِالتَّكْذِيبِ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَكَذَّبُوهُما﴾ .
ولَمّا كانَ ذَلِكَ التَّكْذِيبُ كالعِلَّةِ؛ لِكَوْنِهِمْ مِنَ المُهْلَكِينَ لا جَرَمَ رَتَّبَهُ عَلَيْهِ بِفاءِ التَّعْقِيبِ، فَقالَ: وكانُوا مِمَّنْ حَكَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِالغَرَقِ، فَإنَّ حُصُولَ الغَرَقِ لَمْ يَكُنْ حاصِلًا عَقِيبَ التَّكْذِيبِ، إنَّما الحاصِلُ عَقِيبَ التَّكْذِيبِ حُكْمُ اللَّهِ تَعالى بِكَوْنِهِمْ كَذَلِكَ في الوَقْتِ اللّائِقِ بِهِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ لَعَلَّهم يَهْتَدُونَ﴾ فَقالَ القاضِي: مَعْناهُ أنَّهُ سُبْحانَهُ خَصَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِالكِتابِ الَّذِي هو التَّوْراةُ لا لِذَلِكَ التَّكْذِيبِ، لَكِنْ لِكَيْ يَهْتَدُوا بِهِ، فَلَمّا أصَرُّوا عَلى الكُفْرِ مَعَ البَيانِ العَظِيمِ اسْتَحَقُّوا أنْ يُهْلَكُوا، واعْتَرَضَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ عَلَيْهِ فَقالَ: لا يَجُوزُ أنْ يَرْجِعَ الضَّمِيرُ في (لَعَلَّهُمْ) إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ؛ لِأنَّ التَّوْراةَ إنَّما أُوتِيَها بَنُو إسْرائِيلَ بَعْدَ إغْراقِ فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ مِن بَعْدِ ما أهْلَكْنا القُرُونَ الأُولى﴾ [القَصَصِ: ٤٣] بَلِ المَعْنى الصَّحِيحُ: ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ لَعَلَّهم يَعْمَلُونَ بِشَرائِعِها ومَواعِظِها، فَذَكَرَ مُوسى، والمُرادُ آلَ مُوسى، كَما يُقالُ: هاشِمٌ وثَقِيفٌ، والمُرادُ قَوْمُهُما.
صفحة ٩٠
المؤمنون 23:46
القِصَّةُ الرّابِعَةُ - قِصَّةُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ
﴿ثُمَّ أرْسَلْنا مُوسى وأخاهُ هارُونَ بِآياتِنا وسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ ﴿إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ فاسْتَكْبَرُوا وكانُوا قَوْمًا عالِينَ﴾ ﴿فَقالُوا أنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا وقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُما فَكانُوا مِنَ المُهْلَكِينَ﴾ ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ لَعَلَّهم يَهْتَدُونَ﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ أرْسَلْنا مُوسى وأخاهُ هارُونَ بِآياتِنا وسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ ﴿إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ فاسْتَكْبَرُوا وكانُوا قَوْمًا عالِينَ﴾ ﴿فَقالُوا أنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا وقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُما فَكانُوا مِنَ المُهْلَكِينَ﴾ ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ لَعَلَّهم يَهْتَدُونَ﴾ .
صفحة ٨٩
اخْتَلَفُوا في ”الآياتِ“ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: هي الآياتُ التِّسْعُ؛ وهي العَصا واليَدُ والجَرادُ والقُمَّلُ والضَّفادِعُ والدَّمُ وانْفِلاقُ البَحْرِ، والسُّنُونَ، والنَّقْصُ مِنَ الثَّمَراتِ، وقالَ الحَسَنُ قَوْلُهُ: ﴿بِآياتِنا﴾ أيْ: بِدِينِنا، واحْتَجَّ بِأنَّ المُرادَ بِالآياتِ لَوْ كانَتْ هي المُعْجِزاتِ، والسُّلْطانُ المُبِينُ أيْضًا هو المُعْجِزُ، فَحِينَئِذٍ يَلْزَمُ عَطْفُ الشَّيْءِ عَلى نَفْسِهِ، والأقْرَبُ هو الأوَّلُ؛ لِأنَّ لَفْظَ الآياتِ إذا ذُكِرَ في الرُّسُلِ فالمُرادُ مِنها المُعْجِزاتُ. وأمّا الَّذِي احْتَجُّوا بِهِ، فالجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ.
أحَدُها: أنَّ المُرادَ بِالسُّلْطانِ المُبِينِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ أشْرَفَ مُعْجِزاتِهِ وهو العَصا؛ لِأنَّهُ قَدْ تَعَلَّقَتْ بِها مُعْجِزاتٌ شَتّى مِنِ انْقِلابِها حَيَّةً، وتَلَقُّفِها ما أفَكَتْهُ السَّحَرَةُ، وانْفِلاقِ البَحْرِ، وانْفِجارِ العُيُونِ مِنَ الحَجَرِ بِضَرْبِهِ بِها، وكَوْنِها حارِسًا وشَمْعَةً وشَجَرَةً مُثْمِرَةً ودَلْوًا ورِشاءً، فَلِأجْلِ انْفِرادِ العَصا بِهَذِهِ الفَضائِلِ أُفْرِدَتْ بِالذِّكْرِ كَقَوْلِهِ: ﴿وجِبْرِيلَ ومِيكالَ﴾ .
وثانِيها: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالآياتِ نَفْسُ تِلْكَ المُعْجِزاتِ، وبِالسُّلْطانِ المُبِينِ كَيْفِيَّةُ دَلالَتِها عَلى الصِّدْقِ، وذَلِكَ لِأنَّها وإنْ شارَكَتْ سائِرَ آياتِ الأنْبِياءِ في كَوْنِها آياتٍ فَقَدْ فارَقَتْها في قُوَّةِ دَلالَتِها عَلى قُوَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ.
وثالِثُها: أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالسُّلْطانِ المُبِينِ اسْتِيلاءَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَلَيْهِمْ في الِاسْتِدْلالِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ وإثْباتِ النُّبُوَّةِ، وأنَّهُ ما كانَ يُقِيمُ لَهم قَدْرًا ولا وزْنًا.
واعْلَمْ أنَّ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ مُعْجِزاتِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَتْ مُعْجِزاتِ هارُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ أيْضًا، وأنَّ النُّبُوَّةَ كَما أنَّها مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَهُما فَكَذَلِكَ المُعْجِزاتُ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ حَكى عَنْ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ صِفَتَهُمْ، ثُمَّ ذَكَرَ شُبْهَتَهُمْ، أمّا صِفَتُهم فَأمْرانِ، أحَدُهُما: الِاسْتِكْبارُ والأنَفَةُ. والثّانِي: أنَّهم كانُوا قَوْمًا عالِينَ؛ أيْ: رَفِيعِي الحالِ في أُمُورِ الدُّنْيا، ويَحْتَمِلُ الِاقْتِدارَ بِالكَثْرَةِ والقُوَّةِ، وأمّا شُبْهَتُهم فَهي قَوْلُهُمْ: ﴿أنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا وقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: لَمْ يَقُلْ (مِثْلَيْنا) كَما قالَ: ﴿إنَّكم إذًا مِثْلُهُمْ﴾ [النِّساءِ: ١٤٠] ولَمْ يَقُلْ: (أمْثالَهُمْ، ) وقالَ: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١١٠] ولَمْ يَقُلْ: أخْيارَ أُمَّةٍ، كُلُّ ذَلِكَ لِأنَّ الإيجازَ أحَبُّ إلى العَرَبِ مِنَ الإكْثارِ، والشُّبْهَةُ مَبْنِيَّةٌ عَلى أمْرَيْنِ، أحَدُهُما: كَوْنُهُما مِنَ البَشَرِ وقَدْ تَقَدَّمَ الجَوابُ عَنْهُ. والثّانِي: أنَّ قَوْمَ مُوسى وهارُونَ كانُوا كالخَدَمِ والعَبِيدِ لَهُمْ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: العَرَبُ تُسَمِّي كُلَّ مَن دانَ المَلِكَ: عابِدًا لَهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ كانَ يَدَّعِي الإلَهِيَّةَ، فادَّعى أنَّ النّاسَ عِبادُهُ، وأنَّ طاعَتَهم لَهُ عِبادَةٌ عَلى الحَقِيقَةِ، ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّهُ لَمّا خَطَرَتْ هَذِهِ الشُّبْهَةُ بِبالِهِمْ صَرَّحُوا بِالتَّكْذِيبِ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَكَذَّبُوهُما﴾ .
ولَمّا كانَ ذَلِكَ التَّكْذِيبُ كالعِلَّةِ؛ لِكَوْنِهِمْ مِنَ المُهْلَكِينَ لا جَرَمَ رَتَّبَهُ عَلَيْهِ بِفاءِ التَّعْقِيبِ، فَقالَ: وكانُوا مِمَّنْ حَكَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِالغَرَقِ، فَإنَّ حُصُولَ الغَرَقِ لَمْ يَكُنْ حاصِلًا عَقِيبَ التَّكْذِيبِ، إنَّما الحاصِلُ عَقِيبَ التَّكْذِيبِ حُكْمُ اللَّهِ تَعالى بِكَوْنِهِمْ كَذَلِكَ في الوَقْتِ اللّائِقِ بِهِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ لَعَلَّهم يَهْتَدُونَ﴾ فَقالَ القاضِي: مَعْناهُ أنَّهُ سُبْحانَهُ خَصَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِالكِتابِ الَّذِي هو التَّوْراةُ لا لِذَلِكَ التَّكْذِيبِ، لَكِنْ لِكَيْ يَهْتَدُوا بِهِ، فَلَمّا أصَرُّوا عَلى الكُفْرِ مَعَ البَيانِ العَظِيمِ اسْتَحَقُّوا أنْ يُهْلَكُوا، واعْتَرَضَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ عَلَيْهِ فَقالَ: لا يَجُوزُ أنْ يَرْجِعَ الضَّمِيرُ في (لَعَلَّهُمْ) إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ؛ لِأنَّ التَّوْراةَ إنَّما أُوتِيَها بَنُو إسْرائِيلَ بَعْدَ إغْراقِ فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ مِن بَعْدِ ما أهْلَكْنا القُرُونَ الأُولى﴾ [القَصَصِ: ٤٣] بَلِ المَعْنى الصَّحِيحُ: ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ لَعَلَّهم يَعْمَلُونَ بِشَرائِعِها ومَواعِظِها، فَذَكَرَ مُوسى، والمُرادُ آلَ مُوسى، كَما يُقالُ: هاشِمٌ وثَقِيفٌ، والمُرادُ قَوْمُهُما.
صفحة ٩٠
المؤمنون 23:47
القِصَّةُ الرّابِعَةُ - قِصَّةُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ
﴿ثُمَّ أرْسَلْنا مُوسى وأخاهُ هارُونَ بِآياتِنا وسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ ﴿إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ فاسْتَكْبَرُوا وكانُوا قَوْمًا عالِينَ﴾ ﴿فَقالُوا أنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا وقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُما فَكانُوا مِنَ المُهْلَكِينَ﴾ ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ لَعَلَّهم يَهْتَدُونَ﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ أرْسَلْنا مُوسى وأخاهُ هارُونَ بِآياتِنا وسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ ﴿إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ فاسْتَكْبَرُوا وكانُوا قَوْمًا عالِينَ﴾ ﴿فَقالُوا أنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا وقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُما فَكانُوا مِنَ المُهْلَكِينَ﴾ ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ لَعَلَّهم يَهْتَدُونَ﴾ .
صفحة ٨٩
اخْتَلَفُوا في ”الآياتِ“ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: هي الآياتُ التِّسْعُ؛ وهي العَصا واليَدُ والجَرادُ والقُمَّلُ والضَّفادِعُ والدَّمُ وانْفِلاقُ البَحْرِ، والسُّنُونَ، والنَّقْصُ مِنَ الثَّمَراتِ، وقالَ الحَسَنُ قَوْلُهُ: ﴿بِآياتِنا﴾ أيْ: بِدِينِنا، واحْتَجَّ بِأنَّ المُرادَ بِالآياتِ لَوْ كانَتْ هي المُعْجِزاتِ، والسُّلْطانُ المُبِينُ أيْضًا هو المُعْجِزُ، فَحِينَئِذٍ يَلْزَمُ عَطْفُ الشَّيْءِ عَلى نَفْسِهِ، والأقْرَبُ هو الأوَّلُ؛ لِأنَّ لَفْظَ الآياتِ إذا ذُكِرَ في الرُّسُلِ فالمُرادُ مِنها المُعْجِزاتُ. وأمّا الَّذِي احْتَجُّوا بِهِ، فالجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ.
أحَدُها: أنَّ المُرادَ بِالسُّلْطانِ المُبِينِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ أشْرَفَ مُعْجِزاتِهِ وهو العَصا؛ لِأنَّهُ قَدْ تَعَلَّقَتْ بِها مُعْجِزاتٌ شَتّى مِنِ انْقِلابِها حَيَّةً، وتَلَقُّفِها ما أفَكَتْهُ السَّحَرَةُ، وانْفِلاقِ البَحْرِ، وانْفِجارِ العُيُونِ مِنَ الحَجَرِ بِضَرْبِهِ بِها، وكَوْنِها حارِسًا وشَمْعَةً وشَجَرَةً مُثْمِرَةً ودَلْوًا ورِشاءً، فَلِأجْلِ انْفِرادِ العَصا بِهَذِهِ الفَضائِلِ أُفْرِدَتْ بِالذِّكْرِ كَقَوْلِهِ: ﴿وجِبْرِيلَ ومِيكالَ﴾ .
وثانِيها: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالآياتِ نَفْسُ تِلْكَ المُعْجِزاتِ، وبِالسُّلْطانِ المُبِينِ كَيْفِيَّةُ دَلالَتِها عَلى الصِّدْقِ، وذَلِكَ لِأنَّها وإنْ شارَكَتْ سائِرَ آياتِ الأنْبِياءِ في كَوْنِها آياتٍ فَقَدْ فارَقَتْها في قُوَّةِ دَلالَتِها عَلى قُوَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ.
وثالِثُها: أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالسُّلْطانِ المُبِينِ اسْتِيلاءَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَلَيْهِمْ في الِاسْتِدْلالِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ وإثْباتِ النُّبُوَّةِ، وأنَّهُ ما كانَ يُقِيمُ لَهم قَدْرًا ولا وزْنًا.
واعْلَمْ أنَّ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ مُعْجِزاتِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَتْ مُعْجِزاتِ هارُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ أيْضًا، وأنَّ النُّبُوَّةَ كَما أنَّها مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَهُما فَكَذَلِكَ المُعْجِزاتُ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ حَكى عَنْ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ صِفَتَهُمْ، ثُمَّ ذَكَرَ شُبْهَتَهُمْ، أمّا صِفَتُهم فَأمْرانِ، أحَدُهُما: الِاسْتِكْبارُ والأنَفَةُ. والثّانِي: أنَّهم كانُوا قَوْمًا عالِينَ؛ أيْ: رَفِيعِي الحالِ في أُمُورِ الدُّنْيا، ويَحْتَمِلُ الِاقْتِدارَ بِالكَثْرَةِ والقُوَّةِ، وأمّا شُبْهَتُهم فَهي قَوْلُهُمْ: ﴿أنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا وقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: لَمْ يَقُلْ (مِثْلَيْنا) كَما قالَ: ﴿إنَّكم إذًا مِثْلُهُمْ﴾ [النِّساءِ: ١٤٠] ولَمْ يَقُلْ: (أمْثالَهُمْ، ) وقالَ: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١١٠] ولَمْ يَقُلْ: أخْيارَ أُمَّةٍ، كُلُّ ذَلِكَ لِأنَّ الإيجازَ أحَبُّ إلى العَرَبِ مِنَ الإكْثارِ، والشُّبْهَةُ مَبْنِيَّةٌ عَلى أمْرَيْنِ، أحَدُهُما: كَوْنُهُما مِنَ البَشَرِ وقَدْ تَقَدَّمَ الجَوابُ عَنْهُ. والثّانِي: أنَّ قَوْمَ مُوسى وهارُونَ كانُوا كالخَدَمِ والعَبِيدِ لَهُمْ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: العَرَبُ تُسَمِّي كُلَّ مَن دانَ المَلِكَ: عابِدًا لَهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ كانَ يَدَّعِي الإلَهِيَّةَ، فادَّعى أنَّ النّاسَ عِبادُهُ، وأنَّ طاعَتَهم لَهُ عِبادَةٌ عَلى الحَقِيقَةِ، ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّهُ لَمّا خَطَرَتْ هَذِهِ الشُّبْهَةُ بِبالِهِمْ صَرَّحُوا بِالتَّكْذِيبِ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَكَذَّبُوهُما﴾ .
ولَمّا كانَ ذَلِكَ التَّكْذِيبُ كالعِلَّةِ؛ لِكَوْنِهِمْ مِنَ المُهْلَكِينَ لا جَرَمَ رَتَّبَهُ عَلَيْهِ بِفاءِ التَّعْقِيبِ، فَقالَ: وكانُوا مِمَّنْ حَكَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِالغَرَقِ، فَإنَّ حُصُولَ الغَرَقِ لَمْ يَكُنْ حاصِلًا عَقِيبَ التَّكْذِيبِ، إنَّما الحاصِلُ عَقِيبَ التَّكْذِيبِ حُكْمُ اللَّهِ تَعالى بِكَوْنِهِمْ كَذَلِكَ في الوَقْتِ اللّائِقِ بِهِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ لَعَلَّهم يَهْتَدُونَ﴾ فَقالَ القاضِي: مَعْناهُ أنَّهُ سُبْحانَهُ خَصَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِالكِتابِ الَّذِي هو التَّوْراةُ لا لِذَلِكَ التَّكْذِيبِ، لَكِنْ لِكَيْ يَهْتَدُوا بِهِ، فَلَمّا أصَرُّوا عَلى الكُفْرِ مَعَ البَيانِ العَظِيمِ اسْتَحَقُّوا أنْ يُهْلَكُوا، واعْتَرَضَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ عَلَيْهِ فَقالَ: لا يَجُوزُ أنْ يَرْجِعَ الضَّمِيرُ في (لَعَلَّهُمْ) إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ؛ لِأنَّ التَّوْراةَ إنَّما أُوتِيَها بَنُو إسْرائِيلَ بَعْدَ إغْراقِ فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ مِن بَعْدِ ما أهْلَكْنا القُرُونَ الأُولى﴾ [القَصَصِ: ٤٣] بَلِ المَعْنى الصَّحِيحُ: ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ لَعَلَّهم يَعْمَلُونَ بِشَرائِعِها ومَواعِظِها، فَذَكَرَ مُوسى، والمُرادُ آلَ مُوسى، كَما يُقالُ: هاشِمٌ وثَقِيفٌ، والمُرادُ قَوْمُهُما.
صفحة ٩٠
المؤمنون 23:48
القِصَّةُ الرّابِعَةُ - قِصَّةُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ
﴿ثُمَّ أرْسَلْنا مُوسى وأخاهُ هارُونَ بِآياتِنا وسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ ﴿إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ فاسْتَكْبَرُوا وكانُوا قَوْمًا عالِينَ﴾ ﴿فَقالُوا أنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا وقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُما فَكانُوا مِنَ المُهْلَكِينَ﴾ ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ لَعَلَّهم يَهْتَدُونَ﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ أرْسَلْنا مُوسى وأخاهُ هارُونَ بِآياتِنا وسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ ﴿إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ فاسْتَكْبَرُوا وكانُوا قَوْمًا عالِينَ﴾ ﴿فَقالُوا أنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا وقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُما فَكانُوا مِنَ المُهْلَكِينَ﴾ ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ لَعَلَّهم يَهْتَدُونَ﴾ .
صفحة ٨٩
اخْتَلَفُوا في ”الآياتِ“ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: هي الآياتُ التِّسْعُ؛ وهي العَصا واليَدُ والجَرادُ والقُمَّلُ والضَّفادِعُ والدَّمُ وانْفِلاقُ البَحْرِ، والسُّنُونَ، والنَّقْصُ مِنَ الثَّمَراتِ، وقالَ الحَسَنُ قَوْلُهُ: ﴿بِآياتِنا﴾ أيْ: بِدِينِنا، واحْتَجَّ بِأنَّ المُرادَ بِالآياتِ لَوْ كانَتْ هي المُعْجِزاتِ، والسُّلْطانُ المُبِينُ أيْضًا هو المُعْجِزُ، فَحِينَئِذٍ يَلْزَمُ عَطْفُ الشَّيْءِ عَلى نَفْسِهِ، والأقْرَبُ هو الأوَّلُ؛ لِأنَّ لَفْظَ الآياتِ إذا ذُكِرَ في الرُّسُلِ فالمُرادُ مِنها المُعْجِزاتُ. وأمّا الَّذِي احْتَجُّوا بِهِ، فالجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ.
أحَدُها: أنَّ المُرادَ بِالسُّلْطانِ المُبِينِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ أشْرَفَ مُعْجِزاتِهِ وهو العَصا؛ لِأنَّهُ قَدْ تَعَلَّقَتْ بِها مُعْجِزاتٌ شَتّى مِنِ انْقِلابِها حَيَّةً، وتَلَقُّفِها ما أفَكَتْهُ السَّحَرَةُ، وانْفِلاقِ البَحْرِ، وانْفِجارِ العُيُونِ مِنَ الحَجَرِ بِضَرْبِهِ بِها، وكَوْنِها حارِسًا وشَمْعَةً وشَجَرَةً مُثْمِرَةً ودَلْوًا ورِشاءً، فَلِأجْلِ انْفِرادِ العَصا بِهَذِهِ الفَضائِلِ أُفْرِدَتْ بِالذِّكْرِ كَقَوْلِهِ: ﴿وجِبْرِيلَ ومِيكالَ﴾ .
وثانِيها: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالآياتِ نَفْسُ تِلْكَ المُعْجِزاتِ، وبِالسُّلْطانِ المُبِينِ كَيْفِيَّةُ دَلالَتِها عَلى الصِّدْقِ، وذَلِكَ لِأنَّها وإنْ شارَكَتْ سائِرَ آياتِ الأنْبِياءِ في كَوْنِها آياتٍ فَقَدْ فارَقَتْها في قُوَّةِ دَلالَتِها عَلى قُوَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ.
وثالِثُها: أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالسُّلْطانِ المُبِينِ اسْتِيلاءَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَلَيْهِمْ في الِاسْتِدْلالِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ وإثْباتِ النُّبُوَّةِ، وأنَّهُ ما كانَ يُقِيمُ لَهم قَدْرًا ولا وزْنًا.
واعْلَمْ أنَّ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ مُعْجِزاتِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَتْ مُعْجِزاتِ هارُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ أيْضًا، وأنَّ النُّبُوَّةَ كَما أنَّها مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَهُما فَكَذَلِكَ المُعْجِزاتُ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ حَكى عَنْ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ صِفَتَهُمْ، ثُمَّ ذَكَرَ شُبْهَتَهُمْ، أمّا صِفَتُهم فَأمْرانِ، أحَدُهُما: الِاسْتِكْبارُ والأنَفَةُ. والثّانِي: أنَّهم كانُوا قَوْمًا عالِينَ؛ أيْ: رَفِيعِي الحالِ في أُمُورِ الدُّنْيا، ويَحْتَمِلُ الِاقْتِدارَ بِالكَثْرَةِ والقُوَّةِ، وأمّا شُبْهَتُهم فَهي قَوْلُهُمْ: ﴿أنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا وقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: لَمْ يَقُلْ (مِثْلَيْنا) كَما قالَ: ﴿إنَّكم إذًا مِثْلُهُمْ﴾ [النِّساءِ: ١٤٠] ولَمْ يَقُلْ: (أمْثالَهُمْ، ) وقالَ: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١١٠] ولَمْ يَقُلْ: أخْيارَ أُمَّةٍ، كُلُّ ذَلِكَ لِأنَّ الإيجازَ أحَبُّ إلى العَرَبِ مِنَ الإكْثارِ، والشُّبْهَةُ مَبْنِيَّةٌ عَلى أمْرَيْنِ، أحَدُهُما: كَوْنُهُما مِنَ البَشَرِ وقَدْ تَقَدَّمَ الجَوابُ عَنْهُ. والثّانِي: أنَّ قَوْمَ مُوسى وهارُونَ كانُوا كالخَدَمِ والعَبِيدِ لَهُمْ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: العَرَبُ تُسَمِّي كُلَّ مَن دانَ المَلِكَ: عابِدًا لَهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ كانَ يَدَّعِي الإلَهِيَّةَ، فادَّعى أنَّ النّاسَ عِبادُهُ، وأنَّ طاعَتَهم لَهُ عِبادَةٌ عَلى الحَقِيقَةِ، ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّهُ لَمّا خَطَرَتْ هَذِهِ الشُّبْهَةُ بِبالِهِمْ صَرَّحُوا بِالتَّكْذِيبِ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَكَذَّبُوهُما﴾ .
ولَمّا كانَ ذَلِكَ التَّكْذِيبُ كالعِلَّةِ؛ لِكَوْنِهِمْ مِنَ المُهْلَكِينَ لا جَرَمَ رَتَّبَهُ عَلَيْهِ بِفاءِ التَّعْقِيبِ، فَقالَ: وكانُوا مِمَّنْ حَكَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِالغَرَقِ، فَإنَّ حُصُولَ الغَرَقِ لَمْ يَكُنْ حاصِلًا عَقِيبَ التَّكْذِيبِ، إنَّما الحاصِلُ عَقِيبَ التَّكْذِيبِ حُكْمُ اللَّهِ تَعالى بِكَوْنِهِمْ كَذَلِكَ في الوَقْتِ اللّائِقِ بِهِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ لَعَلَّهم يَهْتَدُونَ﴾ فَقالَ القاضِي: مَعْناهُ أنَّهُ سُبْحانَهُ خَصَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِالكِتابِ الَّذِي هو التَّوْراةُ لا لِذَلِكَ التَّكْذِيبِ، لَكِنْ لِكَيْ يَهْتَدُوا بِهِ، فَلَمّا أصَرُّوا عَلى الكُفْرِ مَعَ البَيانِ العَظِيمِ اسْتَحَقُّوا أنْ يُهْلَكُوا، واعْتَرَضَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ عَلَيْهِ فَقالَ: لا يَجُوزُ أنْ يَرْجِعَ الضَّمِيرُ في (لَعَلَّهُمْ) إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ؛ لِأنَّ التَّوْراةَ إنَّما أُوتِيَها بَنُو إسْرائِيلَ بَعْدَ إغْراقِ فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ مِن بَعْدِ ما أهْلَكْنا القُرُونَ الأُولى﴾ [القَصَصِ: ٤٣] بَلِ المَعْنى الصَّحِيحُ: ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ لَعَلَّهم يَعْمَلُونَ بِشَرائِعِها ومَواعِظِها، فَذَكَرَ مُوسى، والمُرادُ آلَ مُوسى، كَما يُقالُ: هاشِمٌ وثَقِيفٌ، والمُرادُ قَوْمُهُما.
صفحة ٩٠
المؤمنون 23:49
القِصَّةُ الرّابِعَةُ - قِصَّةُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ
﴿ثُمَّ أرْسَلْنا مُوسى وأخاهُ هارُونَ بِآياتِنا وسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ ﴿إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ فاسْتَكْبَرُوا وكانُوا قَوْمًا عالِينَ﴾ ﴿فَقالُوا أنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا وقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُما فَكانُوا مِنَ المُهْلَكِينَ﴾ ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ لَعَلَّهم يَهْتَدُونَ﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ أرْسَلْنا مُوسى وأخاهُ هارُونَ بِآياتِنا وسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ ﴿إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ فاسْتَكْبَرُوا وكانُوا قَوْمًا عالِينَ﴾ ﴿فَقالُوا أنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا وقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُما فَكانُوا مِنَ المُهْلَكِينَ﴾ ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ لَعَلَّهم يَهْتَدُونَ﴾ .
صفحة ٨٩
اخْتَلَفُوا في ”الآياتِ“ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: هي الآياتُ التِّسْعُ؛ وهي العَصا واليَدُ والجَرادُ والقُمَّلُ والضَّفادِعُ والدَّمُ وانْفِلاقُ البَحْرِ، والسُّنُونَ، والنَّقْصُ مِنَ الثَّمَراتِ، وقالَ الحَسَنُ قَوْلُهُ: ﴿بِآياتِنا﴾ أيْ: بِدِينِنا، واحْتَجَّ بِأنَّ المُرادَ بِالآياتِ لَوْ كانَتْ هي المُعْجِزاتِ، والسُّلْطانُ المُبِينُ أيْضًا هو المُعْجِزُ، فَحِينَئِذٍ يَلْزَمُ عَطْفُ الشَّيْءِ عَلى نَفْسِهِ، والأقْرَبُ هو الأوَّلُ؛ لِأنَّ لَفْظَ الآياتِ إذا ذُكِرَ في الرُّسُلِ فالمُرادُ مِنها المُعْجِزاتُ. وأمّا الَّذِي احْتَجُّوا بِهِ، فالجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ.
أحَدُها: أنَّ المُرادَ بِالسُّلْطانِ المُبِينِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ أشْرَفَ مُعْجِزاتِهِ وهو العَصا؛ لِأنَّهُ قَدْ تَعَلَّقَتْ بِها مُعْجِزاتٌ شَتّى مِنِ انْقِلابِها حَيَّةً، وتَلَقُّفِها ما أفَكَتْهُ السَّحَرَةُ، وانْفِلاقِ البَحْرِ، وانْفِجارِ العُيُونِ مِنَ الحَجَرِ بِضَرْبِهِ بِها، وكَوْنِها حارِسًا وشَمْعَةً وشَجَرَةً مُثْمِرَةً ودَلْوًا ورِشاءً، فَلِأجْلِ انْفِرادِ العَصا بِهَذِهِ الفَضائِلِ أُفْرِدَتْ بِالذِّكْرِ كَقَوْلِهِ: ﴿وجِبْرِيلَ ومِيكالَ﴾ .
وثانِيها: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالآياتِ نَفْسُ تِلْكَ المُعْجِزاتِ، وبِالسُّلْطانِ المُبِينِ كَيْفِيَّةُ دَلالَتِها عَلى الصِّدْقِ، وذَلِكَ لِأنَّها وإنْ شارَكَتْ سائِرَ آياتِ الأنْبِياءِ في كَوْنِها آياتٍ فَقَدْ فارَقَتْها في قُوَّةِ دَلالَتِها عَلى قُوَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ.
وثالِثُها: أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالسُّلْطانِ المُبِينِ اسْتِيلاءَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَلَيْهِمْ في الِاسْتِدْلالِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ وإثْباتِ النُّبُوَّةِ، وأنَّهُ ما كانَ يُقِيمُ لَهم قَدْرًا ولا وزْنًا.
واعْلَمْ أنَّ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ مُعْجِزاتِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَتْ مُعْجِزاتِ هارُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ أيْضًا، وأنَّ النُّبُوَّةَ كَما أنَّها مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَهُما فَكَذَلِكَ المُعْجِزاتُ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ حَكى عَنْ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ صِفَتَهُمْ، ثُمَّ ذَكَرَ شُبْهَتَهُمْ، أمّا صِفَتُهم فَأمْرانِ، أحَدُهُما: الِاسْتِكْبارُ والأنَفَةُ. والثّانِي: أنَّهم كانُوا قَوْمًا عالِينَ؛ أيْ: رَفِيعِي الحالِ في أُمُورِ الدُّنْيا، ويَحْتَمِلُ الِاقْتِدارَ بِالكَثْرَةِ والقُوَّةِ، وأمّا شُبْهَتُهم فَهي قَوْلُهُمْ: ﴿أنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا وقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: لَمْ يَقُلْ (مِثْلَيْنا) كَما قالَ: ﴿إنَّكم إذًا مِثْلُهُمْ﴾ [النِّساءِ: ١٤٠] ولَمْ يَقُلْ: (أمْثالَهُمْ، ) وقالَ: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١١٠] ولَمْ يَقُلْ: أخْيارَ أُمَّةٍ، كُلُّ ذَلِكَ لِأنَّ الإيجازَ أحَبُّ إلى العَرَبِ مِنَ الإكْثارِ، والشُّبْهَةُ مَبْنِيَّةٌ عَلى أمْرَيْنِ، أحَدُهُما: كَوْنُهُما مِنَ البَشَرِ وقَدْ تَقَدَّمَ الجَوابُ عَنْهُ. والثّانِي: أنَّ قَوْمَ مُوسى وهارُونَ كانُوا كالخَدَمِ والعَبِيدِ لَهُمْ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: العَرَبُ تُسَمِّي كُلَّ مَن دانَ المَلِكَ: عابِدًا لَهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ كانَ يَدَّعِي الإلَهِيَّةَ، فادَّعى أنَّ النّاسَ عِبادُهُ، وأنَّ طاعَتَهم لَهُ عِبادَةٌ عَلى الحَقِيقَةِ، ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّهُ لَمّا خَطَرَتْ هَذِهِ الشُّبْهَةُ بِبالِهِمْ صَرَّحُوا بِالتَّكْذِيبِ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَكَذَّبُوهُما﴾ .
ولَمّا كانَ ذَلِكَ التَّكْذِيبُ كالعِلَّةِ؛ لِكَوْنِهِمْ مِنَ المُهْلَكِينَ لا جَرَمَ رَتَّبَهُ عَلَيْهِ بِفاءِ التَّعْقِيبِ، فَقالَ: وكانُوا مِمَّنْ حَكَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِالغَرَقِ، فَإنَّ حُصُولَ الغَرَقِ لَمْ يَكُنْ حاصِلًا عَقِيبَ التَّكْذِيبِ، إنَّما الحاصِلُ عَقِيبَ التَّكْذِيبِ حُكْمُ اللَّهِ تَعالى بِكَوْنِهِمْ كَذَلِكَ في الوَقْتِ اللّائِقِ بِهِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ لَعَلَّهم يَهْتَدُونَ﴾ فَقالَ القاضِي: مَعْناهُ أنَّهُ سُبْحانَهُ خَصَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِالكِتابِ الَّذِي هو التَّوْراةُ لا لِذَلِكَ التَّكْذِيبِ، لَكِنْ لِكَيْ يَهْتَدُوا بِهِ، فَلَمّا أصَرُّوا عَلى الكُفْرِ مَعَ البَيانِ العَظِيمِ اسْتَحَقُّوا أنْ يُهْلَكُوا، واعْتَرَضَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ عَلَيْهِ فَقالَ: لا يَجُوزُ أنْ يَرْجِعَ الضَّمِيرُ في (لَعَلَّهُمْ) إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ؛ لِأنَّ التَّوْراةَ إنَّما أُوتِيَها بَنُو إسْرائِيلَ بَعْدَ إغْراقِ فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ مِن بَعْدِ ما أهْلَكْنا القُرُونَ الأُولى﴾ [القَصَصِ: ٤٣] بَلِ المَعْنى الصَّحِيحُ: ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ لَعَلَّهم يَعْمَلُونَ بِشَرائِعِها ومَواعِظِها، فَذَكَرَ مُوسى، والمُرادُ آلَ مُوسى، كَما يُقالُ: هاشِمٌ وثَقِيفٌ، والمُرادُ قَوْمُهُما.
صفحة ٩٠
المؤمنون 23:50
القِصَّةُ الخامِسَةُ - قِصَّةُ عِيسى وقِصَّةُ مَرْيَمَ عَلَيْهِما السَّلامُ
﴿وجَعَلْنا ابْنَ مَرْيَمَ وأُمَّهُ آيَةً وآوَيْناهُما إلى رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ ومَعِينٍ﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلْنا ابْنَ مَرْيَمَ وأُمَّهُ آيَةً وآوَيْناهُما إلى رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ ومَعِينٍ﴾
اعْلَمْ أنَّ ابْنَ مَرْيَمَ هو عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، جَعَلَهُ اللَّهُ تَعالى آيَةً بِأنْ خَلَقَهُ مِن غَيْرِ ذَكَرٍ، وأنْطَقَهُ في المَهْدِ في الصِّغَرِ، وأجْرى عَلى يَدَيْهِ إبْراءَ الأكْمَهِ والأبْرَصِ وإحْياءَ المَوْتى، وأمّا مَرْيَمُ فَقَدْ جَعَلَها اللَّهُ تَعالى آيَةً؛ لِأنَّها حَمَلَتْهُ مِن غَيْرِ ذَكَرٍ. وقالَ الحَسَنُ: تَكَلَّمَتْ مَرْيَمُ في صِغَرِها كَما تَكَلَّمَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وهو قَوْلُها: ﴿هُوَ مِن عِنْدِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٣٧] ولَمْ تُلْقَمْ ثَدْيًا قَطُّ، قالَ القاضِي: إنْ ثَبَتَ ذَلِكَ فَهو مُعْجِزَةٌ لِزَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ؛ لِأنَّها لَمْ تَكُنْ نَبِيَّةً، قُلْنا: القاضِي إنَّما قالَ ذَلِكَ لِأنَّ عِنْدَهُ الإرْهاصَ غَيْرُ جائِزٍ وكَراماتِ الأوْلِياءِ غَيْرُ جائِزَةٍ، وعِنْدَنا هُما جائِزانِ فَلا حاجَةَ إلى ما قالَ، والأقْرَبُ أنَّهُ جَعَلَهُما آيَةً بِنَفْسِ الوِلادَةِ؛ لِأنَّهُ وُلِدَ مِن غَيْرِ ذَكَرٍ، ووَلَدَتْهُ مِن دُونِ ذَكَرٍ فاشْتَرَكا جَمِيعًا في هَذا الأمْرِ العَجِيبِ الخارِقِ لِلْعادَةِ، والَّذِي يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا التَّفْسِيرَ أوْلى وجْهانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿وجَعَلْنا ابْنَ مَرْيَمَ وأُمَّهُ آيَةً﴾ لِأنَّ نَفْسَ الإعْجازِ ظَهَرَ فِيهِما لا أنَّهُ ظَهَرَ عَلى يَدِهِما، وهَذا أوْلى مِن أنْ يُحْمَلَ عَلى الآياتِ الَّتِي ظَهَرَتْ عَلى يَدِهِ نَحْوَ إحْياءِ المَوْتى؛ وذَلِكَ لِأنَّ الوِلادَةَ فِيهِ وفِيها آيَةٌ فِيهِما، وكَذَلِكَ أنَّ نُطْقَهُ في المَهْدِ وما عَدا ذَلِكَ مِنَ الآياتِ ظَهَرَ عَلى يَدِهِ لا أنَّهُ آيَةٌ فِيهِ.
الثّانِي: أنَّهُ تَعالى قالَ: (آيَةً) ولَمْ يَقُلْ: آيَتَيْنِ، وحَمْلُ هَذا اللَّفْظِ عَلى الأمْرِ الَّذِي لا يَتِمُّ إلّا بِمَجْمُوعِهِما أوْلى، وذَلِكَ هو أمْرُ الوِلادَةِ لا المُعْجِزاتِ الَّتِي كانَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ مُسْتَقِلًّا بِها.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وآوَيْناهُما إلى رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ﴾ أيْ: جَعَلْنا مَأْواهُما الرَّبْوَةَ، والرَّبْوَةُ والرَّباوَةُ في راءَيْهِما الحَرَكاتُ الثَّلاثُ، وهي الأرْضُ المُرْتَفِعَةُ، ثم قال قَتادَةُ وأبُو العالِيَةَ: هي إيلِياءُ أرْضُ بَيْتِ المَقْدِسِ، وقالَ أبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إنَّها الرَّمْلَةُ. وقالَ الكَلْبِيُّ وابْنُ زَيْدٍ: هي بِمِصْرَ. وقالَ الأكْثَرُونَ: إنَّها دِمَشْقُ. وقالَ مُقاتِلٌ والضَّحّاكُ: هي غُوطَةُ دِمَشْقَ. والقَرارُ: المُسْتَقِرُّ مِن [كُلِّ] أرْضٍ مُسْتَوِيَةٍ مَبْسُوطَةٍ، وعَنْ قَتادَةَ: ذاتِ ثِمارٍ وماءٍ، يَعْنِي أنَّهُ لِأجْلِ الثِّمارِ يَسْتَقِرُّ فِيها ساكِنُوها، والمَعِينُ: الماءُ الظّاهِرُ الجارِي عَلى وجْهِ الأرْضِ، فَنَبَّهَ سُبْحانَهُ عَلى كَمالِ نِعَمِهِ عَلَيْها بِهَذا اللَّفْظِ عَلى اخْتِصارِهِ. ثُمَّ في المَعِينِ قَوْلانِ، أحَدُهُما: أنَّهُ مَفْعُولٌ؛ لِأنَّهُ لِظُهُورِهِ يُدْرَكُ بِالعَيْنِ، مِن عانَهُ: إذا أدْرَكَهُ بِعَيْنِهِ، وقالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: إنْ شِئْتَ جَعَلْتَهُ فَعِيلًا مِنَ الماعُونِ، ويَكُونُ أصْلُهُ مِنَ المَعْنِ، والماعُونِ: فاعُولٌ مِنهُ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: والمَعِينُ: السَّهْلُ الَّذِي يَنْقادُ ولا يَتَعاصى، والماعُونُ: ما سَهُلَ عَلى مُعْطِيهِ، ثُمَّ قالُوا: وسَبَبُ الإيواءِ أنَّها فَرَّتْ بِابْنِها عِيسى إلى الرَّبْوَةِ وبَقِيَتْ بِها اثْنَتَيْ عَشْرَةً سَنَةً، وإنَّما ذَهَبَ بِهِما ابْنُ عَمِّها يُوسُفُ ثُمَّ رَجَعَتْ إلى أهْلِها بَعْدَ أنْ ماتَ مَلِكُهُمْ، وهاهُنا آخِرُ القَصَصِ، واللَّهِ أعْلَمُ.
المؤمنون 23:51
صفحة ٩١
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ واعْمَلُوا صالِحًا إنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ ﴿وإنَّ هَذِهِ أُمَّتُكم أُمَّةً واحِدَةً وأنا رَبُّكم فاتَّقُونِ﴾ ﴿فَتَقَطَّعُوا أمْرَهم بَيْنَهم زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ ﴿فَذَرْهم في غَمْرَتِهِمْ حَتّى حِينٍ﴾ ﴿أيَحْسَبُونَ أنَّما نُمِدُّهم بِهِ مِن مالٍ وبَنِينَ﴾ ﴿نُسارِعُ لَهم في الخَيْراتِ بَل لا يَشْعُرُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّ ظاهِرَ قَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها الرُّسُلُ﴾ خِطابٌ مَعَ الرُّسُلِ، وذَلِكَ غَيْرُ مُمْكِنٍ؛ لِأنَّ الرُّسُلَ إنَّما أُرْسِلُوا مُتَفَرِّقِينَ في أزْمِنَةٍ مُتَفَرِّقَةٍ مُخْتَلِفَةٍ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ تَوْجِيهُ هَذا الخِطابِ إلَيْهِمْ؟ فَلِهَذا الإشْكالِ اخْتَلَفُوا في تَأْوِيلِهِ عَلى وُجُوهٍ.
أحَدُها: أنَّ المَعْنى: الإعْلامُ بِأنَّ كُلَّ رَسُولٍ فَهو في زَمانِهِ نُودِيَ بِهَذا المَعْنى ووُصِّيَ بِهِ؛ لِيَعْتَقِدَ السّامِعُ أنَّ أمْرًا نُودِيَ لَهُ جَمِيعُ الرُّسُلِ ووُصُّوا بِهِ حَقِيقٌ بِأنْ يُؤْخَذَ بِهِ ويُعْمَلَ عَلَيْهِ.
وثانِيها: أنَّ المُرادَ نَبِيُّنا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ؛ لِأنَّهُ ذَكَرَ ذَلِكَ بَعْدَ انْقِضاءِ أخْبارِ الرُّسُلِ، وإنَّما ذُكِرَ عَلى صِيغَةِ الجَمْعِ كَما يُقالُ لِلْواحِدِ: أيُّها القَوْمُ كُفُّوا عَنِّي أذاكُمْ، ومِثْلُهُ ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٧٣] وهو نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ، كَأنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا خاطَبَ مُحَمَّدًا ﷺ بِذَلِكَ بَيَّنَ أنَّ الرُّسُلَ بِأسْرِهِمْ لَوْ كانُوا حاضِرِينَ مُجْتَمِعِينَ لَما خُوطِبُوا إلّا بِذَلِكَ، لِيَعْلَمَ رَسُولُنا أنَّ هَذا التَّثْقِيلَ لَيْسَ عَلَيْهِ فَقَطْ، بَلْ لازِمٌ عَلى جَمِيعِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ.
وثالِثُها: وهو قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ جَرِيرٍ أنَّ المُرادَ بِهِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ؛ لِأنَّهُ إنَّما ذَكَرَ ذَلِكَ بَعْدَما ذَكَرَ مَكانَهُ الجامِعَ لِلطَّعامِ والشَّرابِ، ولِأنَّهُ رُوِيَ أنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَأْكُلُ مِن غَزْلِ أُمِّهِ، والقَوْلُ الأوَّلُ أقْرَبُ؛ لِأنَّهُ أوْفَقُ لِلَفْظِ الآيَةِ، ولِأنَّهُ «رُوِيَ عَنْ أُمِّ عَبْدِ اللَّهِ أُخْتِ شَدّادِ بْنِ أوْسٍ» أنَّها بَعَثَتْ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِقَدَحٍ مِن لَبَنٍ في شِدَّةِ الحَرِّ عِنْدَ فِطْرِهِ وهو صائِمٌ، فَرَدَّهُ الرَّسُولُ إلَيْها وقالَ: مِن أيْنَ لَكِ هَذا؟ فَقالَتْ: مِن شاةٍ لِي. ثُمَّ رَدَّهُ وقالَ: مِن أيْنَ هَذِهِ الشّاةُ؟ فَقالَتْ: اشْتَرَيْتُها بِمالِي، فَأخَذَهُ. ثُمَّ إنَّها جاءَتْهُ وقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ لِمَ رَدَدْتَهُ؟ فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”بِذَلِكَ أُمِرَتِ الرُّسُلُ أنْ لا يَأْكُلُوا إلّا طَيِّبا ولا يَعْمَلُوا إلّا صالِحًا.“
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ فَفِيهِ وجْهانِ.
الأوَّلُ: أنَّهُ الحَلالُ، وقِيلَ: طَيِّباتُ الرِّزْقِ حَلالٌ وصافٍ وقِوامٍ، فالحَلالُ الَّذِي لا يُعْصى اللَّهُ فِيهِ، والصّافِي الَّذِي لا يُنْسى اللَّهُ فِيهِ، والقِوامَ ما يُمْسِكُ النَّفْسَ ويَحْفَظُ العَقْلَ.
والثّانِي: أنَّهُ المُسْتَطابُ المُسْتَلَذُّ مِنَ المَأْكَلِ والفَواكِهِ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهُ وإنْ ثَقُلَ عَلَيْهِمْ بِالنُّبُوَّةِ وبِما ألْزَمَهُمُ القِيامَ بِحَقِّها، فَقَدْ أباحَ لَهم أكْلَ الطَّيِّباتِ كَما أباحَ لِغَيْرِهِمْ. واعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ كَما قالَ لِلْمُرْسَلِينَ: ﴿ياأيُّها الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ فَقالَ لِلْمُؤْمِنِينَ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ﴾ [البَقَرَةِ: ١٧٢]، واعْلَمْ أنَّ تَقْدِيمَ قَوْلِهِ: ﴿كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ عَلى قَوْلِهِ: ﴿واعْمَلُوا صالِحًا﴾ كالدَّلالَةِ عَلى أنَّ العَمَلَ الصّالِحَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مَسْبُوقًا بِأكْلِ الحَلالِ. فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿إنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ فَهو تَحْذِيرٌ مِن مُخالَفَةِ ما أمَرَهم بِهِ، وإذا كانَ ذَلِكَ تَحْذِيرًا لِلرُّسُلِ مَعَ عُلُوِّ شَأْنِهِمْ فَبِأنْ يَكُونَ تَحْذِيرًا لِغَيْرِهِمْ أوْلى.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وإنَّ هَذِهِ أُمَّتُكم أُمَّةً واحِدَةً وأنا رَبُّكم فاتَّقُونِ﴾ فَقَدْ فَسَّرْناهُ في سُورَةِ الأنْبِياءِ، وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المسألة الأُولى: المَعْنى أنَّهُ كَما يَجِبُ اتِّفاقُهم عَلى أكْلِ الحَلالِ والأعْمالِ الصّالِحَةِ فَكَذَلِكَ هم مُتَّفِقُونَ عَلى التَّوْحِيدِ وعَلى الِاتِّقاءِ مِن مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعالى. فَإنْ قِيلَ: لَمّا كانَتْ شَرائِعُهم مُخْتَلِفَةً فَكَيْفَ يَكُونُ دِينُهم واحِدًا؟ قُلْنا: المُرادُ مِنَ الدِّينِ ما لا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ مِن مَعْرِفَةِ ذاتِ اللَّهِ تَعالى وصِفاتِهِ، وأمّا الشَّرائِعُ فَإنَّ الِاخْتِلافَ فِيها لا يُسَمّى اخْتِلافًا في الدِّينِ، فَكَما يُقالُ في الحائِضِ والطّاهِرِ مِنَ النِّساءِ: إنَّ دِينَهُنَّ واحِدٌ، وإنِ افْتَرَقَ تَكْلِيفُهُما، فَكَذا هاهُنا، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وأنا رَبُّكم فاتَّقُونِ﴾ فَكَأنَّهُ نَبَّهَ بِذَلِكَ عَلى أنَّ دِينَ الجَمِيعِ
صفحة ٩٢
واحِدٌ فِيما يَتَّصِلُ بِمَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى، واتِّقاءِ مَعاصِيهِ، فَلا مَدْخَلَ لِلشَّرائِعِ وإنِ اخْتَلَفَتْ في ذَلِكَ.
المسألة الثّانِيَةُ: قُرِئَ (وإنَّ) بِالكَسْرِ عَلى الِاسْتِئْنافِ وإنَّ بِمَعْنى ولِأنَّ، وإنْ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ، و(أُمَّتُكُمْ) مَرْفُوعَةٌ مَعَها.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَقَطَّعُوا أمْرَهم بَيْنَهم زُبُرًا﴾ فالمَعْنى فَإنَّ أُمَمَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ تَقَطَّعُوا أمْرَهم بَيْنَهم، وفي قَوْلِهِ: ﴿فَتَقَطَّعُوا﴾ مَعْنى المُبالَغَةِ في شِدَّةِ اخْتِلافِهِمْ، والمُرادُ بِـ (أمْرِهِمْ) ما يَتَّصِلُ بِالدِّينِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿زُبُرًا﴾ فَقُرِئَ ”زُبُرًا“ جَمْعُ زَبُورٍ؛ أيْ: كُتُبًا مُخْتَلِفَةً، يَعْنِي جَعَلُوا دِينَهم أدْيانًا، و(زُبَرًا) قِطَعًا، اسْتُعِيرَتْ مِن زُبَرِ الفِضَّةِ والحَدِيدِ، وزُبْرًا، مُخَفَّفَةُ الباءِ كَـ (رُسْلٍ) في رُسُلٍ، قالَ الكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ والضَّحّاكُ: يَعْنِي مُشْرِكِي مَكَّةَ والمَجُوسَ واليَهُودَ والنَّصارى.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ فَمَعْناهُ أنَّ كُلَّ فَرِيقٍ مِنهم مُغْتَبِطٌ بِما اتَّخَذَهُ دِينًا لِنَفْسِهِ مُعْجَبٌ بِهِ، يَرى أنَّهُ المُحِقُّ الرّابِحُ، وأنَّ غَيْرَهُ المُبْطِلُ الخاسِرُ، ولَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى تَفَرُّقَ هَؤُلاءِ في دِينِهِمْ أتْبَعَهُ بِالوَعِيدِ، وقالَ: ﴿فَذَرْهم في غَمْرَتِهِمْ حَتّى حِينٍ﴾ الخِطابُ لِنَبِيِّنا ﷺ، يَقُولُ: فَدَعْ هَؤُلاءِ الكُفّارَ في جَهْلِهِمْ. والغَمْرَةُ: الماءُ الَّذِي يَغْمُرُ القامَةَ، فَكَأنَّ ما هم فِيهِ مِنَ الجَهْلِ والحَيْرَةِ صارَ غامِرًا ساتِرًا لِعُقُولِهِمْ، وعَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”فِي غَمَراتِهِمْ حَتّى حِينٍ“ وذَكَرُوا في الحِينِ وُجُوهًا.
أحَدُها: إلى حِينِ المَوْتِ.
وثانِيها: إلى حِينِ المُعايَنَةِ.
وثالِثُها: إلى حِينِ العَذابِ، والعادَةُ في ذَلِكَ أنْ يُذْكَرَ في الكَلامِ، والمُرادُ بِهِ الحالَةُ الَّتِي تَقْتَرِنُ بِها الحَسْرَةُ والنَّدامَةُ، وذَلِكَ يَحْصُلُ إذا عَرَّفَهُمُ اللَّهُ بُطْلانَ ما كانُوا عَلَيْهِ، وعَرَّفَهم سُوءَ مُنْقَلَبِهِمْ، ويَحْصُلُ أيْضًا عِنْدَ المُحاسَبَةِ في الآخِرَةِ، ويَحْصُلُ عِنْدَ عَذابِ القَبْرِ والمُساءَلَةِ، فَيَجِبُ أنْ يُحْمَلَ عَلى كُلِّ ذَلِكَ.
ولَمّا كانَ القَوْمُ في نِعَمٍ عَظِيمَةٍ في الدُّنْيا جازَ أنْ يَظُنُّوا أنَّ تِلْكَ النِّعَمَ كالثَّوابِ المُعَجَّلِ لَهم عَلى أدْيانِهِمْ، فَبَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّ الأمْرَ بِخِلافِ ذَلِكَ، فَقالَ: ﴿أيَحْسَبُونَ أنَّما نُمِدُّهم بِهِ مِن مالٍ وبَنِينَ﴾ ﴿نُسارِعُ لَهم في الخَيْراتِ﴾ قُرِئَ ”يَمُدُّهم ويُسارِعُ“ بِالياءِ، والفاعِلُ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ، وفي المَعْنى وجْهانِ.
أحَدُهُما: أنَّ هَذا الإمْدادَ لَيْسَ إلّا اسْتِدْراجًا لَهم في المَعاصِي، واسْتِجْرارًا لَهم في زِيادَةِ الإثْمِ، وهم يَحْسَبُونَهُ مُسارَعَةً في الخَيْراتِ، و(بَلْ) لِلِاسْتِدْراكِ لِقَوْلِهِ: ﴿أيَحْسَبُونَ﴾ يَعْنِي بَلْ هم أشْباهُ البَهائِمِ لا فِطْنَةَ لَهم ولا شُعُورَ حَتّى يَتَفَكَّرُوا في ذَلِكَ، أهْوَ اسْتِدْراجٌ أمْ مُسارَعَةٌ في الخَيْرِ، وهَذِهِ الآيَةُ كَقَوْلِهِ: ﴿ولا تُعْجِبْكَ أمْوالُهُمْ﴾ [التَّوْبَةِ: ٨٥] رُوِيَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ مَيْسَرَةَ: أوْحى اللَّهُ تَعالى إلى نَبِيٍّ مِنَ الأنْبِياءِ ”أيَفْرَحُ عَبْدِي أنْ أبْسُطَ لَهُ الدُّنْيا وهو أبْعَدُ لَهُ مِنِّي، ويَجْزَعُ أنْ أقْبِضَ عَنْهُ الدُّنْيا وهو أقْرَبُ لَهُ مِنِّي؟“ ثُمَّ تَلا: ﴿أيَحْسَبُونَ أنَّما نُمِدُّهم بِهِ مِن مالٍ وبَنِينَ﴾ وعَنِ الحَسَنِ: لَمّا أُتِي عُمَرُ بِسَوارِ كِسْرى، فَأخَذَهُ ووَضَعَهُ في يَدِ سُراقَةَ فَبَلَغَ مَنكِبَهُ. فَقالَ عُمَرُ: اللَّهُمَّ إنِّي قَدْ عَلِمْتُ أنَّ نَبِيَّكَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، كانَ يُحِبُّ أنْ يُصِيبَ مالًا لِيُنْفِقَهُ في سَبِيلِكَ، فَزَوَيْتَ ذَلِكَ عَنْهُ نَظَرًا. ثُمَّ إنَّ أبا بَكْرٍ كانَ يُحِبُّ ذَلِكَ، اللَّهُمَّ لا يَكُنْ ذَلِكَ مَكْرًا مِنكَ بِعُمَرَ. ثُمَّ تَلا: ﴿أيَحْسَبُونَ أنَّما نُمِدُّهم بِهِ مِن مالٍ وبَنِينَ﴾ .
الوجه الثّانِي: وهو أنَّهُ سُبْحانَهُ إنَّما أعْطاهم هَذِهِ النِّعَمَ لِيَكُونُوا فارِغِي البالِ، مُتَمَكِّنِينَ مِنَ الِاشْتِغالِ بِكُلَفِ الحَقِّ، فَإذا أعْرَضُوا عَنِ الحَقِّ والحالَةُ هَذِهِ، كانَ لُزُومُ الحجة عَلَيْهِمْ أقْوى، فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿بَل لا يَشْعُرُونَ﴾ .
المؤمنون 23:52
صفحة ٩١
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ واعْمَلُوا صالِحًا إنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ ﴿وإنَّ هَذِهِ أُمَّتُكم أُمَّةً واحِدَةً وأنا رَبُّكم فاتَّقُونِ﴾ ﴿فَتَقَطَّعُوا أمْرَهم بَيْنَهم زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ ﴿فَذَرْهم في غَمْرَتِهِمْ حَتّى حِينٍ﴾ ﴿أيَحْسَبُونَ أنَّما نُمِدُّهم بِهِ مِن مالٍ وبَنِينَ﴾ ﴿نُسارِعُ لَهم في الخَيْراتِ بَل لا يَشْعُرُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّ ظاهِرَ قَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها الرُّسُلُ﴾ خِطابٌ مَعَ الرُّسُلِ، وذَلِكَ غَيْرُ مُمْكِنٍ؛ لِأنَّ الرُّسُلَ إنَّما أُرْسِلُوا مُتَفَرِّقِينَ في أزْمِنَةٍ مُتَفَرِّقَةٍ مُخْتَلِفَةٍ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ تَوْجِيهُ هَذا الخِطابِ إلَيْهِمْ؟ فَلِهَذا الإشْكالِ اخْتَلَفُوا في تَأْوِيلِهِ عَلى وُجُوهٍ.
أحَدُها: أنَّ المَعْنى: الإعْلامُ بِأنَّ كُلَّ رَسُولٍ فَهو في زَمانِهِ نُودِيَ بِهَذا المَعْنى ووُصِّيَ بِهِ؛ لِيَعْتَقِدَ السّامِعُ أنَّ أمْرًا نُودِيَ لَهُ جَمِيعُ الرُّسُلِ ووُصُّوا بِهِ حَقِيقٌ بِأنْ يُؤْخَذَ بِهِ ويُعْمَلَ عَلَيْهِ.
وثانِيها: أنَّ المُرادَ نَبِيُّنا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ؛ لِأنَّهُ ذَكَرَ ذَلِكَ بَعْدَ انْقِضاءِ أخْبارِ الرُّسُلِ، وإنَّما ذُكِرَ عَلى صِيغَةِ الجَمْعِ كَما يُقالُ لِلْواحِدِ: أيُّها القَوْمُ كُفُّوا عَنِّي أذاكُمْ، ومِثْلُهُ ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٧٣] وهو نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ، كَأنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا خاطَبَ مُحَمَّدًا ﷺ بِذَلِكَ بَيَّنَ أنَّ الرُّسُلَ بِأسْرِهِمْ لَوْ كانُوا حاضِرِينَ مُجْتَمِعِينَ لَما خُوطِبُوا إلّا بِذَلِكَ، لِيَعْلَمَ رَسُولُنا أنَّ هَذا التَّثْقِيلَ لَيْسَ عَلَيْهِ فَقَطْ، بَلْ لازِمٌ عَلى جَمِيعِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ.
وثالِثُها: وهو قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ جَرِيرٍ أنَّ المُرادَ بِهِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ؛ لِأنَّهُ إنَّما ذَكَرَ ذَلِكَ بَعْدَما ذَكَرَ مَكانَهُ الجامِعَ لِلطَّعامِ والشَّرابِ، ولِأنَّهُ رُوِيَ أنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَأْكُلُ مِن غَزْلِ أُمِّهِ، والقَوْلُ الأوَّلُ أقْرَبُ؛ لِأنَّهُ أوْفَقُ لِلَفْظِ الآيَةِ، ولِأنَّهُ «رُوِيَ عَنْ أُمِّ عَبْدِ اللَّهِ أُخْتِ شَدّادِ بْنِ أوْسٍ» أنَّها بَعَثَتْ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِقَدَحٍ مِن لَبَنٍ في شِدَّةِ الحَرِّ عِنْدَ فِطْرِهِ وهو صائِمٌ، فَرَدَّهُ الرَّسُولُ إلَيْها وقالَ: مِن أيْنَ لَكِ هَذا؟ فَقالَتْ: مِن شاةٍ لِي. ثُمَّ رَدَّهُ وقالَ: مِن أيْنَ هَذِهِ الشّاةُ؟ فَقالَتْ: اشْتَرَيْتُها بِمالِي، فَأخَذَهُ. ثُمَّ إنَّها جاءَتْهُ وقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ لِمَ رَدَدْتَهُ؟ فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”بِذَلِكَ أُمِرَتِ الرُّسُلُ أنْ لا يَأْكُلُوا إلّا طَيِّبا ولا يَعْمَلُوا إلّا صالِحًا.“
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ فَفِيهِ وجْهانِ.
الأوَّلُ: أنَّهُ الحَلالُ، وقِيلَ: طَيِّباتُ الرِّزْقِ حَلالٌ وصافٍ وقِوامٍ، فالحَلالُ الَّذِي لا يُعْصى اللَّهُ فِيهِ، والصّافِي الَّذِي لا يُنْسى اللَّهُ فِيهِ، والقِوامَ ما يُمْسِكُ النَّفْسَ ويَحْفَظُ العَقْلَ.
والثّانِي: أنَّهُ المُسْتَطابُ المُسْتَلَذُّ مِنَ المَأْكَلِ والفَواكِهِ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهُ وإنْ ثَقُلَ عَلَيْهِمْ بِالنُّبُوَّةِ وبِما ألْزَمَهُمُ القِيامَ بِحَقِّها، فَقَدْ أباحَ لَهم أكْلَ الطَّيِّباتِ كَما أباحَ لِغَيْرِهِمْ. واعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ كَما قالَ لِلْمُرْسَلِينَ: ﴿ياأيُّها الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ فَقالَ لِلْمُؤْمِنِينَ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ﴾ [البَقَرَةِ: ١٧٢]، واعْلَمْ أنَّ تَقْدِيمَ قَوْلِهِ: ﴿كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ عَلى قَوْلِهِ: ﴿واعْمَلُوا صالِحًا﴾ كالدَّلالَةِ عَلى أنَّ العَمَلَ الصّالِحَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مَسْبُوقًا بِأكْلِ الحَلالِ. فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿إنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ فَهو تَحْذِيرٌ مِن مُخالَفَةِ ما أمَرَهم بِهِ، وإذا كانَ ذَلِكَ تَحْذِيرًا لِلرُّسُلِ مَعَ عُلُوِّ شَأْنِهِمْ فَبِأنْ يَكُونَ تَحْذِيرًا لِغَيْرِهِمْ أوْلى.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وإنَّ هَذِهِ أُمَّتُكم أُمَّةً واحِدَةً وأنا رَبُّكم فاتَّقُونِ﴾ فَقَدْ فَسَّرْناهُ في سُورَةِ الأنْبِياءِ، وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المسألة الأُولى: المَعْنى أنَّهُ كَما يَجِبُ اتِّفاقُهم عَلى أكْلِ الحَلالِ والأعْمالِ الصّالِحَةِ فَكَذَلِكَ هم مُتَّفِقُونَ عَلى التَّوْحِيدِ وعَلى الِاتِّقاءِ مِن مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعالى. فَإنْ قِيلَ: لَمّا كانَتْ شَرائِعُهم مُخْتَلِفَةً فَكَيْفَ يَكُونُ دِينُهم واحِدًا؟ قُلْنا: المُرادُ مِنَ الدِّينِ ما لا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ مِن مَعْرِفَةِ ذاتِ اللَّهِ تَعالى وصِفاتِهِ، وأمّا الشَّرائِعُ فَإنَّ الِاخْتِلافَ فِيها لا يُسَمّى اخْتِلافًا في الدِّينِ، فَكَما يُقالُ في الحائِضِ والطّاهِرِ مِنَ النِّساءِ: إنَّ دِينَهُنَّ واحِدٌ، وإنِ افْتَرَقَ تَكْلِيفُهُما، فَكَذا هاهُنا، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وأنا رَبُّكم فاتَّقُونِ﴾ فَكَأنَّهُ نَبَّهَ بِذَلِكَ عَلى أنَّ دِينَ الجَمِيعِ
صفحة ٩٢
واحِدٌ فِيما يَتَّصِلُ بِمَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى، واتِّقاءِ مَعاصِيهِ، فَلا مَدْخَلَ لِلشَّرائِعِ وإنِ اخْتَلَفَتْ في ذَلِكَ.
المسألة الثّانِيَةُ: قُرِئَ (وإنَّ) بِالكَسْرِ عَلى الِاسْتِئْنافِ وإنَّ بِمَعْنى ولِأنَّ، وإنْ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ، و(أُمَّتُكُمْ) مَرْفُوعَةٌ مَعَها.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَقَطَّعُوا أمْرَهم بَيْنَهم زُبُرًا﴾ فالمَعْنى فَإنَّ أُمَمَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ تَقَطَّعُوا أمْرَهم بَيْنَهم، وفي قَوْلِهِ: ﴿فَتَقَطَّعُوا﴾ مَعْنى المُبالَغَةِ في شِدَّةِ اخْتِلافِهِمْ، والمُرادُ بِـ (أمْرِهِمْ) ما يَتَّصِلُ بِالدِّينِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿زُبُرًا﴾ فَقُرِئَ ”زُبُرًا“ جَمْعُ زَبُورٍ؛ أيْ: كُتُبًا مُخْتَلِفَةً، يَعْنِي جَعَلُوا دِينَهم أدْيانًا، و(زُبَرًا) قِطَعًا، اسْتُعِيرَتْ مِن زُبَرِ الفِضَّةِ والحَدِيدِ، وزُبْرًا، مُخَفَّفَةُ الباءِ كَـ (رُسْلٍ) في رُسُلٍ، قالَ الكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ والضَّحّاكُ: يَعْنِي مُشْرِكِي مَكَّةَ والمَجُوسَ واليَهُودَ والنَّصارى.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ فَمَعْناهُ أنَّ كُلَّ فَرِيقٍ مِنهم مُغْتَبِطٌ بِما اتَّخَذَهُ دِينًا لِنَفْسِهِ مُعْجَبٌ بِهِ، يَرى أنَّهُ المُحِقُّ الرّابِحُ، وأنَّ غَيْرَهُ المُبْطِلُ الخاسِرُ، ولَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى تَفَرُّقَ هَؤُلاءِ في دِينِهِمْ أتْبَعَهُ بِالوَعِيدِ، وقالَ: ﴿فَذَرْهم في غَمْرَتِهِمْ حَتّى حِينٍ﴾ الخِطابُ لِنَبِيِّنا ﷺ، يَقُولُ: فَدَعْ هَؤُلاءِ الكُفّارَ في جَهْلِهِمْ. والغَمْرَةُ: الماءُ الَّذِي يَغْمُرُ القامَةَ، فَكَأنَّ ما هم فِيهِ مِنَ الجَهْلِ والحَيْرَةِ صارَ غامِرًا ساتِرًا لِعُقُولِهِمْ، وعَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”فِي غَمَراتِهِمْ حَتّى حِينٍ“ وذَكَرُوا في الحِينِ وُجُوهًا.
أحَدُها: إلى حِينِ المَوْتِ.
وثانِيها: إلى حِينِ المُعايَنَةِ.
وثالِثُها: إلى حِينِ العَذابِ، والعادَةُ في ذَلِكَ أنْ يُذْكَرَ في الكَلامِ، والمُرادُ بِهِ الحالَةُ الَّتِي تَقْتَرِنُ بِها الحَسْرَةُ والنَّدامَةُ، وذَلِكَ يَحْصُلُ إذا عَرَّفَهُمُ اللَّهُ بُطْلانَ ما كانُوا عَلَيْهِ، وعَرَّفَهم سُوءَ مُنْقَلَبِهِمْ، ويَحْصُلُ أيْضًا عِنْدَ المُحاسَبَةِ في الآخِرَةِ، ويَحْصُلُ عِنْدَ عَذابِ القَبْرِ والمُساءَلَةِ، فَيَجِبُ أنْ يُحْمَلَ عَلى كُلِّ ذَلِكَ.
ولَمّا كانَ القَوْمُ في نِعَمٍ عَظِيمَةٍ في الدُّنْيا جازَ أنْ يَظُنُّوا أنَّ تِلْكَ النِّعَمَ كالثَّوابِ المُعَجَّلِ لَهم عَلى أدْيانِهِمْ، فَبَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّ الأمْرَ بِخِلافِ ذَلِكَ، فَقالَ: ﴿أيَحْسَبُونَ أنَّما نُمِدُّهم بِهِ مِن مالٍ وبَنِينَ﴾ ﴿نُسارِعُ لَهم في الخَيْراتِ﴾ قُرِئَ ”يَمُدُّهم ويُسارِعُ“ بِالياءِ، والفاعِلُ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ، وفي المَعْنى وجْهانِ.
أحَدُهُما: أنَّ هَذا الإمْدادَ لَيْسَ إلّا اسْتِدْراجًا لَهم في المَعاصِي، واسْتِجْرارًا لَهم في زِيادَةِ الإثْمِ، وهم يَحْسَبُونَهُ مُسارَعَةً في الخَيْراتِ، و(بَلْ) لِلِاسْتِدْراكِ لِقَوْلِهِ: ﴿أيَحْسَبُونَ﴾ يَعْنِي بَلْ هم أشْباهُ البَهائِمِ لا فِطْنَةَ لَهم ولا شُعُورَ حَتّى يَتَفَكَّرُوا في ذَلِكَ، أهْوَ اسْتِدْراجٌ أمْ مُسارَعَةٌ في الخَيْرِ، وهَذِهِ الآيَةُ كَقَوْلِهِ: ﴿ولا تُعْجِبْكَ أمْوالُهُمْ﴾ [التَّوْبَةِ: ٨٥] رُوِيَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ مَيْسَرَةَ: أوْحى اللَّهُ تَعالى إلى نَبِيٍّ مِنَ الأنْبِياءِ ”أيَفْرَحُ عَبْدِي أنْ أبْسُطَ لَهُ الدُّنْيا وهو أبْعَدُ لَهُ مِنِّي، ويَجْزَعُ أنْ أقْبِضَ عَنْهُ الدُّنْيا وهو أقْرَبُ لَهُ مِنِّي؟“ ثُمَّ تَلا: ﴿أيَحْسَبُونَ أنَّما نُمِدُّهم بِهِ مِن مالٍ وبَنِينَ﴾ وعَنِ الحَسَنِ: لَمّا أُتِي عُمَرُ بِسَوارِ كِسْرى، فَأخَذَهُ ووَضَعَهُ في يَدِ سُراقَةَ فَبَلَغَ مَنكِبَهُ. فَقالَ عُمَرُ: اللَّهُمَّ إنِّي قَدْ عَلِمْتُ أنَّ نَبِيَّكَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، كانَ يُحِبُّ أنْ يُصِيبَ مالًا لِيُنْفِقَهُ في سَبِيلِكَ، فَزَوَيْتَ ذَلِكَ عَنْهُ نَظَرًا. ثُمَّ إنَّ أبا بَكْرٍ كانَ يُحِبُّ ذَلِكَ، اللَّهُمَّ لا يَكُنْ ذَلِكَ مَكْرًا مِنكَ بِعُمَرَ. ثُمَّ تَلا: ﴿أيَحْسَبُونَ أنَّما نُمِدُّهم بِهِ مِن مالٍ وبَنِينَ﴾ .
الوجه الثّانِي: وهو أنَّهُ سُبْحانَهُ إنَّما أعْطاهم هَذِهِ النِّعَمَ لِيَكُونُوا فارِغِي البالِ، مُتَمَكِّنِينَ مِنَ الِاشْتِغالِ بِكُلَفِ الحَقِّ، فَإذا أعْرَضُوا عَنِ الحَقِّ والحالَةُ هَذِهِ، كانَ لُزُومُ الحجة عَلَيْهِمْ أقْوى، فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿بَل لا يَشْعُرُونَ﴾ .
المؤمنون 23:53
صفحة ٩١
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ واعْمَلُوا صالِحًا إنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ ﴿وإنَّ هَذِهِ أُمَّتُكم أُمَّةً واحِدَةً وأنا رَبُّكم فاتَّقُونِ﴾ ﴿فَتَقَطَّعُوا أمْرَهم بَيْنَهم زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ ﴿فَذَرْهم في غَمْرَتِهِمْ حَتّى حِينٍ﴾ ﴿أيَحْسَبُونَ أنَّما نُمِدُّهم بِهِ مِن مالٍ وبَنِينَ﴾ ﴿نُسارِعُ لَهم في الخَيْراتِ بَل لا يَشْعُرُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّ ظاهِرَ قَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها الرُّسُلُ﴾ خِطابٌ مَعَ الرُّسُلِ، وذَلِكَ غَيْرُ مُمْكِنٍ؛ لِأنَّ الرُّسُلَ إنَّما أُرْسِلُوا مُتَفَرِّقِينَ في أزْمِنَةٍ مُتَفَرِّقَةٍ مُخْتَلِفَةٍ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ تَوْجِيهُ هَذا الخِطابِ إلَيْهِمْ؟ فَلِهَذا الإشْكالِ اخْتَلَفُوا في تَأْوِيلِهِ عَلى وُجُوهٍ.
أحَدُها: أنَّ المَعْنى: الإعْلامُ بِأنَّ كُلَّ رَسُولٍ فَهو في زَمانِهِ نُودِيَ بِهَذا المَعْنى ووُصِّيَ بِهِ؛ لِيَعْتَقِدَ السّامِعُ أنَّ أمْرًا نُودِيَ لَهُ جَمِيعُ الرُّسُلِ ووُصُّوا بِهِ حَقِيقٌ بِأنْ يُؤْخَذَ بِهِ ويُعْمَلَ عَلَيْهِ.
وثانِيها: أنَّ المُرادَ نَبِيُّنا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ؛ لِأنَّهُ ذَكَرَ ذَلِكَ بَعْدَ انْقِضاءِ أخْبارِ الرُّسُلِ، وإنَّما ذُكِرَ عَلى صِيغَةِ الجَمْعِ كَما يُقالُ لِلْواحِدِ: أيُّها القَوْمُ كُفُّوا عَنِّي أذاكُمْ، ومِثْلُهُ ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٧٣] وهو نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ، كَأنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا خاطَبَ مُحَمَّدًا ﷺ بِذَلِكَ بَيَّنَ أنَّ الرُّسُلَ بِأسْرِهِمْ لَوْ كانُوا حاضِرِينَ مُجْتَمِعِينَ لَما خُوطِبُوا إلّا بِذَلِكَ، لِيَعْلَمَ رَسُولُنا أنَّ هَذا التَّثْقِيلَ لَيْسَ عَلَيْهِ فَقَطْ، بَلْ لازِمٌ عَلى جَمِيعِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ.
وثالِثُها: وهو قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ جَرِيرٍ أنَّ المُرادَ بِهِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ؛ لِأنَّهُ إنَّما ذَكَرَ ذَلِكَ بَعْدَما ذَكَرَ مَكانَهُ الجامِعَ لِلطَّعامِ والشَّرابِ، ولِأنَّهُ رُوِيَ أنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَأْكُلُ مِن غَزْلِ أُمِّهِ، والقَوْلُ الأوَّلُ أقْرَبُ؛ لِأنَّهُ أوْفَقُ لِلَفْظِ الآيَةِ، ولِأنَّهُ «رُوِيَ عَنْ أُمِّ عَبْدِ اللَّهِ أُخْتِ شَدّادِ بْنِ أوْسٍ» أنَّها بَعَثَتْ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِقَدَحٍ مِن لَبَنٍ في شِدَّةِ الحَرِّ عِنْدَ فِطْرِهِ وهو صائِمٌ، فَرَدَّهُ الرَّسُولُ إلَيْها وقالَ: مِن أيْنَ لَكِ هَذا؟ فَقالَتْ: مِن شاةٍ لِي. ثُمَّ رَدَّهُ وقالَ: مِن أيْنَ هَذِهِ الشّاةُ؟ فَقالَتْ: اشْتَرَيْتُها بِمالِي، فَأخَذَهُ. ثُمَّ إنَّها جاءَتْهُ وقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ لِمَ رَدَدْتَهُ؟ فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”بِذَلِكَ أُمِرَتِ الرُّسُلُ أنْ لا يَأْكُلُوا إلّا طَيِّبا ولا يَعْمَلُوا إلّا صالِحًا.“
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ فَفِيهِ وجْهانِ.
الأوَّلُ: أنَّهُ الحَلالُ، وقِيلَ: طَيِّباتُ الرِّزْقِ حَلالٌ وصافٍ وقِوامٍ، فالحَلالُ الَّذِي لا يُعْصى اللَّهُ فِيهِ، والصّافِي الَّذِي لا يُنْسى اللَّهُ فِيهِ، والقِوامَ ما يُمْسِكُ النَّفْسَ ويَحْفَظُ العَقْلَ.
والثّانِي: أنَّهُ المُسْتَطابُ المُسْتَلَذُّ مِنَ المَأْكَلِ والفَواكِهِ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهُ وإنْ ثَقُلَ عَلَيْهِمْ بِالنُّبُوَّةِ وبِما ألْزَمَهُمُ القِيامَ بِحَقِّها، فَقَدْ أباحَ لَهم أكْلَ الطَّيِّباتِ كَما أباحَ لِغَيْرِهِمْ. واعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ كَما قالَ لِلْمُرْسَلِينَ: ﴿ياأيُّها الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ فَقالَ لِلْمُؤْمِنِينَ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ﴾ [البَقَرَةِ: ١٧٢]، واعْلَمْ أنَّ تَقْدِيمَ قَوْلِهِ: ﴿كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ عَلى قَوْلِهِ: ﴿واعْمَلُوا صالِحًا﴾ كالدَّلالَةِ عَلى أنَّ العَمَلَ الصّالِحَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مَسْبُوقًا بِأكْلِ الحَلالِ. فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿إنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ فَهو تَحْذِيرٌ مِن مُخالَفَةِ ما أمَرَهم بِهِ، وإذا كانَ ذَلِكَ تَحْذِيرًا لِلرُّسُلِ مَعَ عُلُوِّ شَأْنِهِمْ فَبِأنْ يَكُونَ تَحْذِيرًا لِغَيْرِهِمْ أوْلى.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وإنَّ هَذِهِ أُمَّتُكم أُمَّةً واحِدَةً وأنا رَبُّكم فاتَّقُونِ﴾ فَقَدْ فَسَّرْناهُ في سُورَةِ الأنْبِياءِ، وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المسألة الأُولى: المَعْنى أنَّهُ كَما يَجِبُ اتِّفاقُهم عَلى أكْلِ الحَلالِ والأعْمالِ الصّالِحَةِ فَكَذَلِكَ هم مُتَّفِقُونَ عَلى التَّوْحِيدِ وعَلى الِاتِّقاءِ مِن مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعالى. فَإنْ قِيلَ: لَمّا كانَتْ شَرائِعُهم مُخْتَلِفَةً فَكَيْفَ يَكُونُ دِينُهم واحِدًا؟ قُلْنا: المُرادُ مِنَ الدِّينِ ما لا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ مِن مَعْرِفَةِ ذاتِ اللَّهِ تَعالى وصِفاتِهِ، وأمّا الشَّرائِعُ فَإنَّ الِاخْتِلافَ فِيها لا يُسَمّى اخْتِلافًا في الدِّينِ، فَكَما يُقالُ في الحائِضِ والطّاهِرِ مِنَ النِّساءِ: إنَّ دِينَهُنَّ واحِدٌ، وإنِ افْتَرَقَ تَكْلِيفُهُما، فَكَذا هاهُنا، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وأنا رَبُّكم فاتَّقُونِ﴾ فَكَأنَّهُ نَبَّهَ بِذَلِكَ عَلى أنَّ دِينَ الجَمِيعِ
صفحة ٩٢
واحِدٌ فِيما يَتَّصِلُ بِمَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى، واتِّقاءِ مَعاصِيهِ، فَلا مَدْخَلَ لِلشَّرائِعِ وإنِ اخْتَلَفَتْ في ذَلِكَ.
المسألة الثّانِيَةُ: قُرِئَ (وإنَّ) بِالكَسْرِ عَلى الِاسْتِئْنافِ وإنَّ بِمَعْنى ولِأنَّ، وإنْ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ، و(أُمَّتُكُمْ) مَرْفُوعَةٌ مَعَها.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَقَطَّعُوا أمْرَهم بَيْنَهم زُبُرًا﴾ فالمَعْنى فَإنَّ أُمَمَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ تَقَطَّعُوا أمْرَهم بَيْنَهم، وفي قَوْلِهِ: ﴿فَتَقَطَّعُوا﴾ مَعْنى المُبالَغَةِ في شِدَّةِ اخْتِلافِهِمْ، والمُرادُ بِـ (أمْرِهِمْ) ما يَتَّصِلُ بِالدِّينِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿زُبُرًا﴾ فَقُرِئَ ”زُبُرًا“ جَمْعُ زَبُورٍ؛ أيْ: كُتُبًا مُخْتَلِفَةً، يَعْنِي جَعَلُوا دِينَهم أدْيانًا، و(زُبَرًا) قِطَعًا، اسْتُعِيرَتْ مِن زُبَرِ الفِضَّةِ والحَدِيدِ، وزُبْرًا، مُخَفَّفَةُ الباءِ كَـ (رُسْلٍ) في رُسُلٍ، قالَ الكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ والضَّحّاكُ: يَعْنِي مُشْرِكِي مَكَّةَ والمَجُوسَ واليَهُودَ والنَّصارى.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ فَمَعْناهُ أنَّ كُلَّ فَرِيقٍ مِنهم مُغْتَبِطٌ بِما اتَّخَذَهُ دِينًا لِنَفْسِهِ مُعْجَبٌ بِهِ، يَرى أنَّهُ المُحِقُّ الرّابِحُ، وأنَّ غَيْرَهُ المُبْطِلُ الخاسِرُ، ولَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى تَفَرُّقَ هَؤُلاءِ في دِينِهِمْ أتْبَعَهُ بِالوَعِيدِ، وقالَ: ﴿فَذَرْهم في غَمْرَتِهِمْ حَتّى حِينٍ﴾ الخِطابُ لِنَبِيِّنا ﷺ، يَقُولُ: فَدَعْ هَؤُلاءِ الكُفّارَ في جَهْلِهِمْ. والغَمْرَةُ: الماءُ الَّذِي يَغْمُرُ القامَةَ، فَكَأنَّ ما هم فِيهِ مِنَ الجَهْلِ والحَيْرَةِ صارَ غامِرًا ساتِرًا لِعُقُولِهِمْ، وعَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”فِي غَمَراتِهِمْ حَتّى حِينٍ“ وذَكَرُوا في الحِينِ وُجُوهًا.
أحَدُها: إلى حِينِ المَوْتِ.
وثانِيها: إلى حِينِ المُعايَنَةِ.
وثالِثُها: إلى حِينِ العَذابِ، والعادَةُ في ذَلِكَ أنْ يُذْكَرَ في الكَلامِ، والمُرادُ بِهِ الحالَةُ الَّتِي تَقْتَرِنُ بِها الحَسْرَةُ والنَّدامَةُ، وذَلِكَ يَحْصُلُ إذا عَرَّفَهُمُ اللَّهُ بُطْلانَ ما كانُوا عَلَيْهِ، وعَرَّفَهم سُوءَ مُنْقَلَبِهِمْ، ويَحْصُلُ أيْضًا عِنْدَ المُحاسَبَةِ في الآخِرَةِ، ويَحْصُلُ عِنْدَ عَذابِ القَبْرِ والمُساءَلَةِ، فَيَجِبُ أنْ يُحْمَلَ عَلى كُلِّ ذَلِكَ.
ولَمّا كانَ القَوْمُ في نِعَمٍ عَظِيمَةٍ في الدُّنْيا جازَ أنْ يَظُنُّوا أنَّ تِلْكَ النِّعَمَ كالثَّوابِ المُعَجَّلِ لَهم عَلى أدْيانِهِمْ، فَبَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّ الأمْرَ بِخِلافِ ذَلِكَ، فَقالَ: ﴿أيَحْسَبُونَ أنَّما نُمِدُّهم بِهِ مِن مالٍ وبَنِينَ﴾ ﴿نُسارِعُ لَهم في الخَيْراتِ﴾ قُرِئَ ”يَمُدُّهم ويُسارِعُ“ بِالياءِ، والفاعِلُ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ، وفي المَعْنى وجْهانِ.
أحَدُهُما: أنَّ هَذا الإمْدادَ لَيْسَ إلّا اسْتِدْراجًا لَهم في المَعاصِي، واسْتِجْرارًا لَهم في زِيادَةِ الإثْمِ، وهم يَحْسَبُونَهُ مُسارَعَةً في الخَيْراتِ، و(بَلْ) لِلِاسْتِدْراكِ لِقَوْلِهِ: ﴿أيَحْسَبُونَ﴾ يَعْنِي بَلْ هم أشْباهُ البَهائِمِ لا فِطْنَةَ لَهم ولا شُعُورَ حَتّى يَتَفَكَّرُوا في ذَلِكَ، أهْوَ اسْتِدْراجٌ أمْ مُسارَعَةٌ في الخَيْرِ، وهَذِهِ الآيَةُ كَقَوْلِهِ: ﴿ولا تُعْجِبْكَ أمْوالُهُمْ﴾ [التَّوْبَةِ: ٨٥] رُوِيَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ مَيْسَرَةَ: أوْحى اللَّهُ تَعالى إلى نَبِيٍّ مِنَ الأنْبِياءِ ”أيَفْرَحُ عَبْدِي أنْ أبْسُطَ لَهُ الدُّنْيا وهو أبْعَدُ لَهُ مِنِّي، ويَجْزَعُ أنْ أقْبِضَ عَنْهُ الدُّنْيا وهو أقْرَبُ لَهُ مِنِّي؟“ ثُمَّ تَلا: ﴿أيَحْسَبُونَ أنَّما نُمِدُّهم بِهِ مِن مالٍ وبَنِينَ﴾ وعَنِ الحَسَنِ: لَمّا أُتِي عُمَرُ بِسَوارِ كِسْرى، فَأخَذَهُ ووَضَعَهُ في يَدِ سُراقَةَ فَبَلَغَ مَنكِبَهُ. فَقالَ عُمَرُ: اللَّهُمَّ إنِّي قَدْ عَلِمْتُ أنَّ نَبِيَّكَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، كانَ يُحِبُّ أنْ يُصِيبَ مالًا لِيُنْفِقَهُ في سَبِيلِكَ، فَزَوَيْتَ ذَلِكَ عَنْهُ نَظَرًا. ثُمَّ إنَّ أبا بَكْرٍ كانَ يُحِبُّ ذَلِكَ، اللَّهُمَّ لا يَكُنْ ذَلِكَ مَكْرًا مِنكَ بِعُمَرَ. ثُمَّ تَلا: ﴿أيَحْسَبُونَ أنَّما نُمِدُّهم بِهِ مِن مالٍ وبَنِينَ﴾ .
الوجه الثّانِي: وهو أنَّهُ سُبْحانَهُ إنَّما أعْطاهم هَذِهِ النِّعَمَ لِيَكُونُوا فارِغِي البالِ، مُتَمَكِّنِينَ مِنَ الِاشْتِغالِ بِكُلَفِ الحَقِّ، فَإذا أعْرَضُوا عَنِ الحَقِّ والحالَةُ هَذِهِ، كانَ لُزُومُ الحجة عَلَيْهِمْ أقْوى، فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿بَل لا يَشْعُرُونَ﴾ .
المؤمنون 23:54
صفحة ٩١
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ واعْمَلُوا صالِحًا إنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ ﴿وإنَّ هَذِهِ أُمَّتُكم أُمَّةً واحِدَةً وأنا رَبُّكم فاتَّقُونِ﴾ ﴿فَتَقَطَّعُوا أمْرَهم بَيْنَهم زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ ﴿فَذَرْهم في غَمْرَتِهِمْ حَتّى حِينٍ﴾ ﴿أيَحْسَبُونَ أنَّما نُمِدُّهم بِهِ مِن مالٍ وبَنِينَ﴾ ﴿نُسارِعُ لَهم في الخَيْراتِ بَل لا يَشْعُرُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّ ظاهِرَ قَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها الرُّسُلُ﴾ خِطابٌ مَعَ الرُّسُلِ، وذَلِكَ غَيْرُ مُمْكِنٍ؛ لِأنَّ الرُّسُلَ إنَّما أُرْسِلُوا مُتَفَرِّقِينَ في أزْمِنَةٍ مُتَفَرِّقَةٍ مُخْتَلِفَةٍ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ تَوْجِيهُ هَذا الخِطابِ إلَيْهِمْ؟ فَلِهَذا الإشْكالِ اخْتَلَفُوا في تَأْوِيلِهِ عَلى وُجُوهٍ.
أحَدُها: أنَّ المَعْنى: الإعْلامُ بِأنَّ كُلَّ رَسُولٍ فَهو في زَمانِهِ نُودِيَ بِهَذا المَعْنى ووُصِّيَ بِهِ؛ لِيَعْتَقِدَ السّامِعُ أنَّ أمْرًا نُودِيَ لَهُ جَمِيعُ الرُّسُلِ ووُصُّوا بِهِ حَقِيقٌ بِأنْ يُؤْخَذَ بِهِ ويُعْمَلَ عَلَيْهِ.
وثانِيها: أنَّ المُرادَ نَبِيُّنا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ؛ لِأنَّهُ ذَكَرَ ذَلِكَ بَعْدَ انْقِضاءِ أخْبارِ الرُّسُلِ، وإنَّما ذُكِرَ عَلى صِيغَةِ الجَمْعِ كَما يُقالُ لِلْواحِدِ: أيُّها القَوْمُ كُفُّوا عَنِّي أذاكُمْ، ومِثْلُهُ ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٧٣] وهو نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ، كَأنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا خاطَبَ مُحَمَّدًا ﷺ بِذَلِكَ بَيَّنَ أنَّ الرُّسُلَ بِأسْرِهِمْ لَوْ كانُوا حاضِرِينَ مُجْتَمِعِينَ لَما خُوطِبُوا إلّا بِذَلِكَ، لِيَعْلَمَ رَسُولُنا أنَّ هَذا التَّثْقِيلَ لَيْسَ عَلَيْهِ فَقَطْ، بَلْ لازِمٌ عَلى جَمِيعِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ.
وثالِثُها: وهو قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ جَرِيرٍ أنَّ المُرادَ بِهِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ؛ لِأنَّهُ إنَّما ذَكَرَ ذَلِكَ بَعْدَما ذَكَرَ مَكانَهُ الجامِعَ لِلطَّعامِ والشَّرابِ، ولِأنَّهُ رُوِيَ أنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَأْكُلُ مِن غَزْلِ أُمِّهِ، والقَوْلُ الأوَّلُ أقْرَبُ؛ لِأنَّهُ أوْفَقُ لِلَفْظِ الآيَةِ، ولِأنَّهُ «رُوِيَ عَنْ أُمِّ عَبْدِ اللَّهِ أُخْتِ شَدّادِ بْنِ أوْسٍ» أنَّها بَعَثَتْ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِقَدَحٍ مِن لَبَنٍ في شِدَّةِ الحَرِّ عِنْدَ فِطْرِهِ وهو صائِمٌ، فَرَدَّهُ الرَّسُولُ إلَيْها وقالَ: مِن أيْنَ لَكِ هَذا؟ فَقالَتْ: مِن شاةٍ لِي. ثُمَّ رَدَّهُ وقالَ: مِن أيْنَ هَذِهِ الشّاةُ؟ فَقالَتْ: اشْتَرَيْتُها بِمالِي، فَأخَذَهُ. ثُمَّ إنَّها جاءَتْهُ وقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ لِمَ رَدَدْتَهُ؟ فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”بِذَلِكَ أُمِرَتِ الرُّسُلُ أنْ لا يَأْكُلُوا إلّا طَيِّبا ولا يَعْمَلُوا إلّا صالِحًا.“
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ فَفِيهِ وجْهانِ.
الأوَّلُ: أنَّهُ الحَلالُ، وقِيلَ: طَيِّباتُ الرِّزْقِ حَلالٌ وصافٍ وقِوامٍ، فالحَلالُ الَّذِي لا يُعْصى اللَّهُ فِيهِ، والصّافِي الَّذِي لا يُنْسى اللَّهُ فِيهِ، والقِوامَ ما يُمْسِكُ النَّفْسَ ويَحْفَظُ العَقْلَ.
والثّانِي: أنَّهُ المُسْتَطابُ المُسْتَلَذُّ مِنَ المَأْكَلِ والفَواكِهِ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهُ وإنْ ثَقُلَ عَلَيْهِمْ بِالنُّبُوَّةِ وبِما ألْزَمَهُمُ القِيامَ بِحَقِّها، فَقَدْ أباحَ لَهم أكْلَ الطَّيِّباتِ كَما أباحَ لِغَيْرِهِمْ. واعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ كَما قالَ لِلْمُرْسَلِينَ: ﴿ياأيُّها الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ فَقالَ لِلْمُؤْمِنِينَ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ﴾ [البَقَرَةِ: ١٧٢]، واعْلَمْ أنَّ تَقْدِيمَ قَوْلِهِ: ﴿كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ عَلى قَوْلِهِ: ﴿واعْمَلُوا صالِحًا﴾ كالدَّلالَةِ عَلى أنَّ العَمَلَ الصّالِحَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مَسْبُوقًا بِأكْلِ الحَلالِ. فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿إنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ فَهو تَحْذِيرٌ مِن مُخالَفَةِ ما أمَرَهم بِهِ، وإذا كانَ ذَلِكَ تَحْذِيرًا لِلرُّسُلِ مَعَ عُلُوِّ شَأْنِهِمْ فَبِأنْ يَكُونَ تَحْذِيرًا لِغَيْرِهِمْ أوْلى.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وإنَّ هَذِهِ أُمَّتُكم أُمَّةً واحِدَةً وأنا رَبُّكم فاتَّقُونِ﴾ فَقَدْ فَسَّرْناهُ في سُورَةِ الأنْبِياءِ، وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المسألة الأُولى: المَعْنى أنَّهُ كَما يَجِبُ اتِّفاقُهم عَلى أكْلِ الحَلالِ والأعْمالِ الصّالِحَةِ فَكَذَلِكَ هم مُتَّفِقُونَ عَلى التَّوْحِيدِ وعَلى الِاتِّقاءِ مِن مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعالى. فَإنْ قِيلَ: لَمّا كانَتْ شَرائِعُهم مُخْتَلِفَةً فَكَيْفَ يَكُونُ دِينُهم واحِدًا؟ قُلْنا: المُرادُ مِنَ الدِّينِ ما لا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ مِن مَعْرِفَةِ ذاتِ اللَّهِ تَعالى وصِفاتِهِ، وأمّا الشَّرائِعُ فَإنَّ الِاخْتِلافَ فِيها لا يُسَمّى اخْتِلافًا في الدِّينِ، فَكَما يُقالُ في الحائِضِ والطّاهِرِ مِنَ النِّساءِ: إنَّ دِينَهُنَّ واحِدٌ، وإنِ افْتَرَقَ تَكْلِيفُهُما، فَكَذا هاهُنا، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وأنا رَبُّكم فاتَّقُونِ﴾ فَكَأنَّهُ نَبَّهَ بِذَلِكَ عَلى أنَّ دِينَ الجَمِيعِ
صفحة ٩٢
واحِدٌ فِيما يَتَّصِلُ بِمَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى، واتِّقاءِ مَعاصِيهِ، فَلا مَدْخَلَ لِلشَّرائِعِ وإنِ اخْتَلَفَتْ في ذَلِكَ.
المسألة الثّانِيَةُ: قُرِئَ (وإنَّ) بِالكَسْرِ عَلى الِاسْتِئْنافِ وإنَّ بِمَعْنى ولِأنَّ، وإنْ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ، و(أُمَّتُكُمْ) مَرْفُوعَةٌ مَعَها.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَقَطَّعُوا أمْرَهم بَيْنَهم زُبُرًا﴾ فالمَعْنى فَإنَّ أُمَمَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ تَقَطَّعُوا أمْرَهم بَيْنَهم، وفي قَوْلِهِ: ﴿فَتَقَطَّعُوا﴾ مَعْنى المُبالَغَةِ في شِدَّةِ اخْتِلافِهِمْ، والمُرادُ بِـ (أمْرِهِمْ) ما يَتَّصِلُ بِالدِّينِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿زُبُرًا﴾ فَقُرِئَ ”زُبُرًا“ جَمْعُ زَبُورٍ؛ أيْ: كُتُبًا مُخْتَلِفَةً، يَعْنِي جَعَلُوا دِينَهم أدْيانًا، و(زُبَرًا) قِطَعًا، اسْتُعِيرَتْ مِن زُبَرِ الفِضَّةِ والحَدِيدِ، وزُبْرًا، مُخَفَّفَةُ الباءِ كَـ (رُسْلٍ) في رُسُلٍ، قالَ الكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ والضَّحّاكُ: يَعْنِي مُشْرِكِي مَكَّةَ والمَجُوسَ واليَهُودَ والنَّصارى.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ فَمَعْناهُ أنَّ كُلَّ فَرِيقٍ مِنهم مُغْتَبِطٌ بِما اتَّخَذَهُ دِينًا لِنَفْسِهِ مُعْجَبٌ بِهِ، يَرى أنَّهُ المُحِقُّ الرّابِحُ، وأنَّ غَيْرَهُ المُبْطِلُ الخاسِرُ، ولَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى تَفَرُّقَ هَؤُلاءِ في دِينِهِمْ أتْبَعَهُ بِالوَعِيدِ، وقالَ: ﴿فَذَرْهم في غَمْرَتِهِمْ حَتّى حِينٍ﴾ الخِطابُ لِنَبِيِّنا ﷺ، يَقُولُ: فَدَعْ هَؤُلاءِ الكُفّارَ في جَهْلِهِمْ. والغَمْرَةُ: الماءُ الَّذِي يَغْمُرُ القامَةَ، فَكَأنَّ ما هم فِيهِ مِنَ الجَهْلِ والحَيْرَةِ صارَ غامِرًا ساتِرًا لِعُقُولِهِمْ، وعَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”فِي غَمَراتِهِمْ حَتّى حِينٍ“ وذَكَرُوا في الحِينِ وُجُوهًا.
أحَدُها: إلى حِينِ المَوْتِ.
وثانِيها: إلى حِينِ المُعايَنَةِ.
وثالِثُها: إلى حِينِ العَذابِ، والعادَةُ في ذَلِكَ أنْ يُذْكَرَ في الكَلامِ، والمُرادُ بِهِ الحالَةُ الَّتِي تَقْتَرِنُ بِها الحَسْرَةُ والنَّدامَةُ، وذَلِكَ يَحْصُلُ إذا عَرَّفَهُمُ اللَّهُ بُطْلانَ ما كانُوا عَلَيْهِ، وعَرَّفَهم سُوءَ مُنْقَلَبِهِمْ، ويَحْصُلُ أيْضًا عِنْدَ المُحاسَبَةِ في الآخِرَةِ، ويَحْصُلُ عِنْدَ عَذابِ القَبْرِ والمُساءَلَةِ، فَيَجِبُ أنْ يُحْمَلَ عَلى كُلِّ ذَلِكَ.
ولَمّا كانَ القَوْمُ في نِعَمٍ عَظِيمَةٍ في الدُّنْيا جازَ أنْ يَظُنُّوا أنَّ تِلْكَ النِّعَمَ كالثَّوابِ المُعَجَّلِ لَهم عَلى أدْيانِهِمْ، فَبَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّ الأمْرَ بِخِلافِ ذَلِكَ، فَقالَ: ﴿أيَحْسَبُونَ أنَّما نُمِدُّهم بِهِ مِن مالٍ وبَنِينَ﴾ ﴿نُسارِعُ لَهم في الخَيْراتِ﴾ قُرِئَ ”يَمُدُّهم ويُسارِعُ“ بِالياءِ، والفاعِلُ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ، وفي المَعْنى وجْهانِ.
أحَدُهُما: أنَّ هَذا الإمْدادَ لَيْسَ إلّا اسْتِدْراجًا لَهم في المَعاصِي، واسْتِجْرارًا لَهم في زِيادَةِ الإثْمِ، وهم يَحْسَبُونَهُ مُسارَعَةً في الخَيْراتِ، و(بَلْ) لِلِاسْتِدْراكِ لِقَوْلِهِ: ﴿أيَحْسَبُونَ﴾ يَعْنِي بَلْ هم أشْباهُ البَهائِمِ لا فِطْنَةَ لَهم ولا شُعُورَ حَتّى يَتَفَكَّرُوا في ذَلِكَ، أهْوَ اسْتِدْراجٌ أمْ مُسارَعَةٌ في الخَيْرِ، وهَذِهِ الآيَةُ كَقَوْلِهِ: ﴿ولا تُعْجِبْكَ أمْوالُهُمْ﴾ [التَّوْبَةِ: ٨٥] رُوِيَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ مَيْسَرَةَ: أوْحى اللَّهُ تَعالى إلى نَبِيٍّ مِنَ الأنْبِياءِ ”أيَفْرَحُ عَبْدِي أنْ أبْسُطَ لَهُ الدُّنْيا وهو أبْعَدُ لَهُ مِنِّي، ويَجْزَعُ أنْ أقْبِضَ عَنْهُ الدُّنْيا وهو أقْرَبُ لَهُ مِنِّي؟“ ثُمَّ تَلا: ﴿أيَحْسَبُونَ أنَّما نُمِدُّهم بِهِ مِن مالٍ وبَنِينَ﴾ وعَنِ الحَسَنِ: لَمّا أُتِي عُمَرُ بِسَوارِ كِسْرى، فَأخَذَهُ ووَضَعَهُ في يَدِ سُراقَةَ فَبَلَغَ مَنكِبَهُ. فَقالَ عُمَرُ: اللَّهُمَّ إنِّي قَدْ عَلِمْتُ أنَّ نَبِيَّكَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، كانَ يُحِبُّ أنْ يُصِيبَ مالًا لِيُنْفِقَهُ في سَبِيلِكَ، فَزَوَيْتَ ذَلِكَ عَنْهُ نَظَرًا. ثُمَّ إنَّ أبا بَكْرٍ كانَ يُحِبُّ ذَلِكَ، اللَّهُمَّ لا يَكُنْ ذَلِكَ مَكْرًا مِنكَ بِعُمَرَ. ثُمَّ تَلا: ﴿أيَحْسَبُونَ أنَّما نُمِدُّهم بِهِ مِن مالٍ وبَنِينَ﴾ .
الوجه الثّانِي: وهو أنَّهُ سُبْحانَهُ إنَّما أعْطاهم هَذِهِ النِّعَمَ لِيَكُونُوا فارِغِي البالِ، مُتَمَكِّنِينَ مِنَ الِاشْتِغالِ بِكُلَفِ الحَقِّ، فَإذا أعْرَضُوا عَنِ الحَقِّ والحالَةُ هَذِهِ، كانَ لُزُومُ الحجة عَلَيْهِمْ أقْوى، فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿بَل لا يَشْعُرُونَ﴾ .
المؤمنون 23:55
صفحة ٩١
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ واعْمَلُوا صالِحًا إنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ ﴿وإنَّ هَذِهِ أُمَّتُكم أُمَّةً واحِدَةً وأنا رَبُّكم فاتَّقُونِ﴾ ﴿فَتَقَطَّعُوا أمْرَهم بَيْنَهم زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ ﴿فَذَرْهم في غَمْرَتِهِمْ حَتّى حِينٍ﴾ ﴿أيَحْسَبُونَ أنَّما نُمِدُّهم بِهِ مِن مالٍ وبَنِينَ﴾ ﴿نُسارِعُ لَهم في الخَيْراتِ بَل لا يَشْعُرُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّ ظاهِرَ قَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها الرُّسُلُ﴾ خِطابٌ مَعَ الرُّسُلِ، وذَلِكَ غَيْرُ مُمْكِنٍ؛ لِأنَّ الرُّسُلَ إنَّما أُرْسِلُوا مُتَفَرِّقِينَ في أزْمِنَةٍ مُتَفَرِّقَةٍ مُخْتَلِفَةٍ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ تَوْجِيهُ هَذا الخِطابِ إلَيْهِمْ؟ فَلِهَذا الإشْكالِ اخْتَلَفُوا في تَأْوِيلِهِ عَلى وُجُوهٍ.
أحَدُها: أنَّ المَعْنى: الإعْلامُ بِأنَّ كُلَّ رَسُولٍ فَهو في زَمانِهِ نُودِيَ بِهَذا المَعْنى ووُصِّيَ بِهِ؛ لِيَعْتَقِدَ السّامِعُ أنَّ أمْرًا نُودِيَ لَهُ جَمِيعُ الرُّسُلِ ووُصُّوا بِهِ حَقِيقٌ بِأنْ يُؤْخَذَ بِهِ ويُعْمَلَ عَلَيْهِ.
وثانِيها: أنَّ المُرادَ نَبِيُّنا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ؛ لِأنَّهُ ذَكَرَ ذَلِكَ بَعْدَ انْقِضاءِ أخْبارِ الرُّسُلِ، وإنَّما ذُكِرَ عَلى صِيغَةِ الجَمْعِ كَما يُقالُ لِلْواحِدِ: أيُّها القَوْمُ كُفُّوا عَنِّي أذاكُمْ، ومِثْلُهُ ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٧٣] وهو نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ، كَأنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا خاطَبَ مُحَمَّدًا ﷺ بِذَلِكَ بَيَّنَ أنَّ الرُّسُلَ بِأسْرِهِمْ لَوْ كانُوا حاضِرِينَ مُجْتَمِعِينَ لَما خُوطِبُوا إلّا بِذَلِكَ، لِيَعْلَمَ رَسُولُنا أنَّ هَذا التَّثْقِيلَ لَيْسَ عَلَيْهِ فَقَطْ، بَلْ لازِمٌ عَلى جَمِيعِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ.
وثالِثُها: وهو قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ جَرِيرٍ أنَّ المُرادَ بِهِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ؛ لِأنَّهُ إنَّما ذَكَرَ ذَلِكَ بَعْدَما ذَكَرَ مَكانَهُ الجامِعَ لِلطَّعامِ والشَّرابِ، ولِأنَّهُ رُوِيَ أنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَأْكُلُ مِن غَزْلِ أُمِّهِ، والقَوْلُ الأوَّلُ أقْرَبُ؛ لِأنَّهُ أوْفَقُ لِلَفْظِ الآيَةِ، ولِأنَّهُ «رُوِيَ عَنْ أُمِّ عَبْدِ اللَّهِ أُخْتِ شَدّادِ بْنِ أوْسٍ» أنَّها بَعَثَتْ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِقَدَحٍ مِن لَبَنٍ في شِدَّةِ الحَرِّ عِنْدَ فِطْرِهِ وهو صائِمٌ، فَرَدَّهُ الرَّسُولُ إلَيْها وقالَ: مِن أيْنَ لَكِ هَذا؟ فَقالَتْ: مِن شاةٍ لِي. ثُمَّ رَدَّهُ وقالَ: مِن أيْنَ هَذِهِ الشّاةُ؟ فَقالَتْ: اشْتَرَيْتُها بِمالِي، فَأخَذَهُ. ثُمَّ إنَّها جاءَتْهُ وقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ لِمَ رَدَدْتَهُ؟ فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”بِذَلِكَ أُمِرَتِ الرُّسُلُ أنْ لا يَأْكُلُوا إلّا طَيِّبا ولا يَعْمَلُوا إلّا صالِحًا.“
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ فَفِيهِ وجْهانِ.
الأوَّلُ: أنَّهُ الحَلالُ، وقِيلَ: طَيِّباتُ الرِّزْقِ حَلالٌ وصافٍ وقِوامٍ، فالحَلالُ الَّذِي لا يُعْصى اللَّهُ فِيهِ، والصّافِي الَّذِي لا يُنْسى اللَّهُ فِيهِ، والقِوامَ ما يُمْسِكُ النَّفْسَ ويَحْفَظُ العَقْلَ.
والثّانِي: أنَّهُ المُسْتَطابُ المُسْتَلَذُّ مِنَ المَأْكَلِ والفَواكِهِ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهُ وإنْ ثَقُلَ عَلَيْهِمْ بِالنُّبُوَّةِ وبِما ألْزَمَهُمُ القِيامَ بِحَقِّها، فَقَدْ أباحَ لَهم أكْلَ الطَّيِّباتِ كَما أباحَ لِغَيْرِهِمْ. واعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ كَما قالَ لِلْمُرْسَلِينَ: ﴿ياأيُّها الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ فَقالَ لِلْمُؤْمِنِينَ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ﴾ [البَقَرَةِ: ١٧٢]، واعْلَمْ أنَّ تَقْدِيمَ قَوْلِهِ: ﴿كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ عَلى قَوْلِهِ: ﴿واعْمَلُوا صالِحًا﴾ كالدَّلالَةِ عَلى أنَّ العَمَلَ الصّالِحَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مَسْبُوقًا بِأكْلِ الحَلالِ. فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿إنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ فَهو تَحْذِيرٌ مِن مُخالَفَةِ ما أمَرَهم بِهِ، وإذا كانَ ذَلِكَ تَحْذِيرًا لِلرُّسُلِ مَعَ عُلُوِّ شَأْنِهِمْ فَبِأنْ يَكُونَ تَحْذِيرًا لِغَيْرِهِمْ أوْلى.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وإنَّ هَذِهِ أُمَّتُكم أُمَّةً واحِدَةً وأنا رَبُّكم فاتَّقُونِ﴾ فَقَدْ فَسَّرْناهُ في سُورَةِ الأنْبِياءِ، وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المسألة الأُولى: المَعْنى أنَّهُ كَما يَجِبُ اتِّفاقُهم عَلى أكْلِ الحَلالِ والأعْمالِ الصّالِحَةِ فَكَذَلِكَ هم مُتَّفِقُونَ عَلى التَّوْحِيدِ وعَلى الِاتِّقاءِ مِن مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعالى. فَإنْ قِيلَ: لَمّا كانَتْ شَرائِعُهم مُخْتَلِفَةً فَكَيْفَ يَكُونُ دِينُهم واحِدًا؟ قُلْنا: المُرادُ مِنَ الدِّينِ ما لا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ مِن مَعْرِفَةِ ذاتِ اللَّهِ تَعالى وصِفاتِهِ، وأمّا الشَّرائِعُ فَإنَّ الِاخْتِلافَ فِيها لا يُسَمّى اخْتِلافًا في الدِّينِ، فَكَما يُقالُ في الحائِضِ والطّاهِرِ مِنَ النِّساءِ: إنَّ دِينَهُنَّ واحِدٌ، وإنِ افْتَرَقَ تَكْلِيفُهُما، فَكَذا هاهُنا، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وأنا رَبُّكم فاتَّقُونِ﴾ فَكَأنَّهُ نَبَّهَ بِذَلِكَ عَلى أنَّ دِينَ الجَمِيعِ
صفحة ٩٢
واحِدٌ فِيما يَتَّصِلُ بِمَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى، واتِّقاءِ مَعاصِيهِ، فَلا مَدْخَلَ لِلشَّرائِعِ وإنِ اخْتَلَفَتْ في ذَلِكَ.
المسألة الثّانِيَةُ: قُرِئَ (وإنَّ) بِالكَسْرِ عَلى الِاسْتِئْنافِ وإنَّ بِمَعْنى ولِأنَّ، وإنْ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ، و(أُمَّتُكُمْ) مَرْفُوعَةٌ مَعَها.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَقَطَّعُوا أمْرَهم بَيْنَهم زُبُرًا﴾ فالمَعْنى فَإنَّ أُمَمَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ تَقَطَّعُوا أمْرَهم بَيْنَهم، وفي قَوْلِهِ: ﴿فَتَقَطَّعُوا﴾ مَعْنى المُبالَغَةِ في شِدَّةِ اخْتِلافِهِمْ، والمُرادُ بِـ (أمْرِهِمْ) ما يَتَّصِلُ بِالدِّينِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿زُبُرًا﴾ فَقُرِئَ ”زُبُرًا“ جَمْعُ زَبُورٍ؛ أيْ: كُتُبًا مُخْتَلِفَةً، يَعْنِي جَعَلُوا دِينَهم أدْيانًا، و(زُبَرًا) قِطَعًا، اسْتُعِيرَتْ مِن زُبَرِ الفِضَّةِ والحَدِيدِ، وزُبْرًا، مُخَفَّفَةُ الباءِ كَـ (رُسْلٍ) في رُسُلٍ، قالَ الكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ والضَّحّاكُ: يَعْنِي مُشْرِكِي مَكَّةَ والمَجُوسَ واليَهُودَ والنَّصارى.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ فَمَعْناهُ أنَّ كُلَّ فَرِيقٍ مِنهم مُغْتَبِطٌ بِما اتَّخَذَهُ دِينًا لِنَفْسِهِ مُعْجَبٌ بِهِ، يَرى أنَّهُ المُحِقُّ الرّابِحُ، وأنَّ غَيْرَهُ المُبْطِلُ الخاسِرُ، ولَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى تَفَرُّقَ هَؤُلاءِ في دِينِهِمْ أتْبَعَهُ بِالوَعِيدِ، وقالَ: ﴿فَذَرْهم في غَمْرَتِهِمْ حَتّى حِينٍ﴾ الخِطابُ لِنَبِيِّنا ﷺ، يَقُولُ: فَدَعْ هَؤُلاءِ الكُفّارَ في جَهْلِهِمْ. والغَمْرَةُ: الماءُ الَّذِي يَغْمُرُ القامَةَ، فَكَأنَّ ما هم فِيهِ مِنَ الجَهْلِ والحَيْرَةِ صارَ غامِرًا ساتِرًا لِعُقُولِهِمْ، وعَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”فِي غَمَراتِهِمْ حَتّى حِينٍ“ وذَكَرُوا في الحِينِ وُجُوهًا.
أحَدُها: إلى حِينِ المَوْتِ.
وثانِيها: إلى حِينِ المُعايَنَةِ.
وثالِثُها: إلى حِينِ العَذابِ، والعادَةُ في ذَلِكَ أنْ يُذْكَرَ في الكَلامِ، والمُرادُ بِهِ الحالَةُ الَّتِي تَقْتَرِنُ بِها الحَسْرَةُ والنَّدامَةُ، وذَلِكَ يَحْصُلُ إذا عَرَّفَهُمُ اللَّهُ بُطْلانَ ما كانُوا عَلَيْهِ، وعَرَّفَهم سُوءَ مُنْقَلَبِهِمْ، ويَحْصُلُ أيْضًا عِنْدَ المُحاسَبَةِ في الآخِرَةِ، ويَحْصُلُ عِنْدَ عَذابِ القَبْرِ والمُساءَلَةِ، فَيَجِبُ أنْ يُحْمَلَ عَلى كُلِّ ذَلِكَ.
ولَمّا كانَ القَوْمُ في نِعَمٍ عَظِيمَةٍ في الدُّنْيا جازَ أنْ يَظُنُّوا أنَّ تِلْكَ النِّعَمَ كالثَّوابِ المُعَجَّلِ لَهم عَلى أدْيانِهِمْ، فَبَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّ الأمْرَ بِخِلافِ ذَلِكَ، فَقالَ: ﴿أيَحْسَبُونَ أنَّما نُمِدُّهم بِهِ مِن مالٍ وبَنِينَ﴾ ﴿نُسارِعُ لَهم في الخَيْراتِ﴾ قُرِئَ ”يَمُدُّهم ويُسارِعُ“ بِالياءِ، والفاعِلُ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ، وفي المَعْنى وجْهانِ.
أحَدُهُما: أنَّ هَذا الإمْدادَ لَيْسَ إلّا اسْتِدْراجًا لَهم في المَعاصِي، واسْتِجْرارًا لَهم في زِيادَةِ الإثْمِ، وهم يَحْسَبُونَهُ مُسارَعَةً في الخَيْراتِ، و(بَلْ) لِلِاسْتِدْراكِ لِقَوْلِهِ: ﴿أيَحْسَبُونَ﴾ يَعْنِي بَلْ هم أشْباهُ البَهائِمِ لا فِطْنَةَ لَهم ولا شُعُورَ حَتّى يَتَفَكَّرُوا في ذَلِكَ، أهْوَ اسْتِدْراجٌ أمْ مُسارَعَةٌ في الخَيْرِ، وهَذِهِ الآيَةُ كَقَوْلِهِ: ﴿ولا تُعْجِبْكَ أمْوالُهُمْ﴾ [التَّوْبَةِ: ٨٥] رُوِيَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ مَيْسَرَةَ: أوْحى اللَّهُ تَعالى إلى نَبِيٍّ مِنَ الأنْبِياءِ ”أيَفْرَحُ عَبْدِي أنْ أبْسُطَ لَهُ الدُّنْيا وهو أبْعَدُ لَهُ مِنِّي، ويَجْزَعُ أنْ أقْبِضَ عَنْهُ الدُّنْيا وهو أقْرَبُ لَهُ مِنِّي؟“ ثُمَّ تَلا: ﴿أيَحْسَبُونَ أنَّما نُمِدُّهم بِهِ مِن مالٍ وبَنِينَ﴾ وعَنِ الحَسَنِ: لَمّا أُتِي عُمَرُ بِسَوارِ كِسْرى، فَأخَذَهُ ووَضَعَهُ في يَدِ سُراقَةَ فَبَلَغَ مَنكِبَهُ. فَقالَ عُمَرُ: اللَّهُمَّ إنِّي قَدْ عَلِمْتُ أنَّ نَبِيَّكَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، كانَ يُحِبُّ أنْ يُصِيبَ مالًا لِيُنْفِقَهُ في سَبِيلِكَ، فَزَوَيْتَ ذَلِكَ عَنْهُ نَظَرًا. ثُمَّ إنَّ أبا بَكْرٍ كانَ يُحِبُّ ذَلِكَ، اللَّهُمَّ لا يَكُنْ ذَلِكَ مَكْرًا مِنكَ بِعُمَرَ. ثُمَّ تَلا: ﴿أيَحْسَبُونَ أنَّما نُمِدُّهم بِهِ مِن مالٍ وبَنِينَ﴾ .
الوجه الثّانِي: وهو أنَّهُ سُبْحانَهُ إنَّما أعْطاهم هَذِهِ النِّعَمَ لِيَكُونُوا فارِغِي البالِ، مُتَمَكِّنِينَ مِنَ الِاشْتِغالِ بِكُلَفِ الحَقِّ، فَإذا أعْرَضُوا عَنِ الحَقِّ والحالَةُ هَذِهِ، كانَ لُزُومُ الحجة عَلَيْهِمْ أقْوى، فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿بَل لا يَشْعُرُونَ﴾ .
المؤمنون 23:56
صفحة ٩١
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ واعْمَلُوا صالِحًا إنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ ﴿وإنَّ هَذِهِ أُمَّتُكم أُمَّةً واحِدَةً وأنا رَبُّكم فاتَّقُونِ﴾ ﴿فَتَقَطَّعُوا أمْرَهم بَيْنَهم زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ ﴿فَذَرْهم في غَمْرَتِهِمْ حَتّى حِينٍ﴾ ﴿أيَحْسَبُونَ أنَّما نُمِدُّهم بِهِ مِن مالٍ وبَنِينَ﴾ ﴿نُسارِعُ لَهم في الخَيْراتِ بَل لا يَشْعُرُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّ ظاهِرَ قَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها الرُّسُلُ﴾ خِطابٌ مَعَ الرُّسُلِ، وذَلِكَ غَيْرُ مُمْكِنٍ؛ لِأنَّ الرُّسُلَ إنَّما أُرْسِلُوا مُتَفَرِّقِينَ في أزْمِنَةٍ مُتَفَرِّقَةٍ مُخْتَلِفَةٍ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ تَوْجِيهُ هَذا الخِطابِ إلَيْهِمْ؟ فَلِهَذا الإشْكالِ اخْتَلَفُوا في تَأْوِيلِهِ عَلى وُجُوهٍ.
أحَدُها: أنَّ المَعْنى: الإعْلامُ بِأنَّ كُلَّ رَسُولٍ فَهو في زَمانِهِ نُودِيَ بِهَذا المَعْنى ووُصِّيَ بِهِ؛ لِيَعْتَقِدَ السّامِعُ أنَّ أمْرًا نُودِيَ لَهُ جَمِيعُ الرُّسُلِ ووُصُّوا بِهِ حَقِيقٌ بِأنْ يُؤْخَذَ بِهِ ويُعْمَلَ عَلَيْهِ.
وثانِيها: أنَّ المُرادَ نَبِيُّنا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ؛ لِأنَّهُ ذَكَرَ ذَلِكَ بَعْدَ انْقِضاءِ أخْبارِ الرُّسُلِ، وإنَّما ذُكِرَ عَلى صِيغَةِ الجَمْعِ كَما يُقالُ لِلْواحِدِ: أيُّها القَوْمُ كُفُّوا عَنِّي أذاكُمْ، ومِثْلُهُ ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٧٣] وهو نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ، كَأنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا خاطَبَ مُحَمَّدًا ﷺ بِذَلِكَ بَيَّنَ أنَّ الرُّسُلَ بِأسْرِهِمْ لَوْ كانُوا حاضِرِينَ مُجْتَمِعِينَ لَما خُوطِبُوا إلّا بِذَلِكَ، لِيَعْلَمَ رَسُولُنا أنَّ هَذا التَّثْقِيلَ لَيْسَ عَلَيْهِ فَقَطْ، بَلْ لازِمٌ عَلى جَمِيعِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ.
وثالِثُها: وهو قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ جَرِيرٍ أنَّ المُرادَ بِهِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ؛ لِأنَّهُ إنَّما ذَكَرَ ذَلِكَ بَعْدَما ذَكَرَ مَكانَهُ الجامِعَ لِلطَّعامِ والشَّرابِ، ولِأنَّهُ رُوِيَ أنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَأْكُلُ مِن غَزْلِ أُمِّهِ، والقَوْلُ الأوَّلُ أقْرَبُ؛ لِأنَّهُ أوْفَقُ لِلَفْظِ الآيَةِ، ولِأنَّهُ «رُوِيَ عَنْ أُمِّ عَبْدِ اللَّهِ أُخْتِ شَدّادِ بْنِ أوْسٍ» أنَّها بَعَثَتْ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِقَدَحٍ مِن لَبَنٍ في شِدَّةِ الحَرِّ عِنْدَ فِطْرِهِ وهو صائِمٌ، فَرَدَّهُ الرَّسُولُ إلَيْها وقالَ: مِن أيْنَ لَكِ هَذا؟ فَقالَتْ: مِن شاةٍ لِي. ثُمَّ رَدَّهُ وقالَ: مِن أيْنَ هَذِهِ الشّاةُ؟ فَقالَتْ: اشْتَرَيْتُها بِمالِي، فَأخَذَهُ. ثُمَّ إنَّها جاءَتْهُ وقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ لِمَ رَدَدْتَهُ؟ فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”بِذَلِكَ أُمِرَتِ الرُّسُلُ أنْ لا يَأْكُلُوا إلّا طَيِّبا ولا يَعْمَلُوا إلّا صالِحًا.“
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ فَفِيهِ وجْهانِ.
الأوَّلُ: أنَّهُ الحَلالُ، وقِيلَ: طَيِّباتُ الرِّزْقِ حَلالٌ وصافٍ وقِوامٍ، فالحَلالُ الَّذِي لا يُعْصى اللَّهُ فِيهِ، والصّافِي الَّذِي لا يُنْسى اللَّهُ فِيهِ، والقِوامَ ما يُمْسِكُ النَّفْسَ ويَحْفَظُ العَقْلَ.
والثّانِي: أنَّهُ المُسْتَطابُ المُسْتَلَذُّ مِنَ المَأْكَلِ والفَواكِهِ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهُ وإنْ ثَقُلَ عَلَيْهِمْ بِالنُّبُوَّةِ وبِما ألْزَمَهُمُ القِيامَ بِحَقِّها، فَقَدْ أباحَ لَهم أكْلَ الطَّيِّباتِ كَما أباحَ لِغَيْرِهِمْ. واعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ كَما قالَ لِلْمُرْسَلِينَ: ﴿ياأيُّها الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ فَقالَ لِلْمُؤْمِنِينَ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ﴾ [البَقَرَةِ: ١٧٢]، واعْلَمْ أنَّ تَقْدِيمَ قَوْلِهِ: ﴿كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ عَلى قَوْلِهِ: ﴿واعْمَلُوا صالِحًا﴾ كالدَّلالَةِ عَلى أنَّ العَمَلَ الصّالِحَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مَسْبُوقًا بِأكْلِ الحَلالِ. فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿إنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ فَهو تَحْذِيرٌ مِن مُخالَفَةِ ما أمَرَهم بِهِ، وإذا كانَ ذَلِكَ تَحْذِيرًا لِلرُّسُلِ مَعَ عُلُوِّ شَأْنِهِمْ فَبِأنْ يَكُونَ تَحْذِيرًا لِغَيْرِهِمْ أوْلى.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وإنَّ هَذِهِ أُمَّتُكم أُمَّةً واحِدَةً وأنا رَبُّكم فاتَّقُونِ﴾ فَقَدْ فَسَّرْناهُ في سُورَةِ الأنْبِياءِ، وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المسألة الأُولى: المَعْنى أنَّهُ كَما يَجِبُ اتِّفاقُهم عَلى أكْلِ الحَلالِ والأعْمالِ الصّالِحَةِ فَكَذَلِكَ هم مُتَّفِقُونَ عَلى التَّوْحِيدِ وعَلى الِاتِّقاءِ مِن مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعالى. فَإنْ قِيلَ: لَمّا كانَتْ شَرائِعُهم مُخْتَلِفَةً فَكَيْفَ يَكُونُ دِينُهم واحِدًا؟ قُلْنا: المُرادُ مِنَ الدِّينِ ما لا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ مِن مَعْرِفَةِ ذاتِ اللَّهِ تَعالى وصِفاتِهِ، وأمّا الشَّرائِعُ فَإنَّ الِاخْتِلافَ فِيها لا يُسَمّى اخْتِلافًا في الدِّينِ، فَكَما يُقالُ في الحائِضِ والطّاهِرِ مِنَ النِّساءِ: إنَّ دِينَهُنَّ واحِدٌ، وإنِ افْتَرَقَ تَكْلِيفُهُما، فَكَذا هاهُنا، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وأنا رَبُّكم فاتَّقُونِ﴾ فَكَأنَّهُ نَبَّهَ بِذَلِكَ عَلى أنَّ دِينَ الجَمِيعِ
صفحة ٩٢
واحِدٌ فِيما يَتَّصِلُ بِمَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى، واتِّقاءِ مَعاصِيهِ، فَلا مَدْخَلَ لِلشَّرائِعِ وإنِ اخْتَلَفَتْ في ذَلِكَ.
المسألة الثّانِيَةُ: قُرِئَ (وإنَّ) بِالكَسْرِ عَلى الِاسْتِئْنافِ وإنَّ بِمَعْنى ولِأنَّ، وإنْ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ، و(أُمَّتُكُمْ) مَرْفُوعَةٌ مَعَها.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَقَطَّعُوا أمْرَهم بَيْنَهم زُبُرًا﴾ فالمَعْنى فَإنَّ أُمَمَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ تَقَطَّعُوا أمْرَهم بَيْنَهم، وفي قَوْلِهِ: ﴿فَتَقَطَّعُوا﴾ مَعْنى المُبالَغَةِ في شِدَّةِ اخْتِلافِهِمْ، والمُرادُ بِـ (أمْرِهِمْ) ما يَتَّصِلُ بِالدِّينِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿زُبُرًا﴾ فَقُرِئَ ”زُبُرًا“ جَمْعُ زَبُورٍ؛ أيْ: كُتُبًا مُخْتَلِفَةً، يَعْنِي جَعَلُوا دِينَهم أدْيانًا، و(زُبَرًا) قِطَعًا، اسْتُعِيرَتْ مِن زُبَرِ الفِضَّةِ والحَدِيدِ، وزُبْرًا، مُخَفَّفَةُ الباءِ كَـ (رُسْلٍ) في رُسُلٍ، قالَ الكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ والضَّحّاكُ: يَعْنِي مُشْرِكِي مَكَّةَ والمَجُوسَ واليَهُودَ والنَّصارى.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ فَمَعْناهُ أنَّ كُلَّ فَرِيقٍ مِنهم مُغْتَبِطٌ بِما اتَّخَذَهُ دِينًا لِنَفْسِهِ مُعْجَبٌ بِهِ، يَرى أنَّهُ المُحِقُّ الرّابِحُ، وأنَّ غَيْرَهُ المُبْطِلُ الخاسِرُ، ولَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى تَفَرُّقَ هَؤُلاءِ في دِينِهِمْ أتْبَعَهُ بِالوَعِيدِ، وقالَ: ﴿فَذَرْهم في غَمْرَتِهِمْ حَتّى حِينٍ﴾ الخِطابُ لِنَبِيِّنا ﷺ، يَقُولُ: فَدَعْ هَؤُلاءِ الكُفّارَ في جَهْلِهِمْ. والغَمْرَةُ: الماءُ الَّذِي يَغْمُرُ القامَةَ، فَكَأنَّ ما هم فِيهِ مِنَ الجَهْلِ والحَيْرَةِ صارَ غامِرًا ساتِرًا لِعُقُولِهِمْ، وعَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”فِي غَمَراتِهِمْ حَتّى حِينٍ“ وذَكَرُوا في الحِينِ وُجُوهًا.
أحَدُها: إلى حِينِ المَوْتِ.
وثانِيها: إلى حِينِ المُعايَنَةِ.
وثالِثُها: إلى حِينِ العَذابِ، والعادَةُ في ذَلِكَ أنْ يُذْكَرَ في الكَلامِ، والمُرادُ بِهِ الحالَةُ الَّتِي تَقْتَرِنُ بِها الحَسْرَةُ والنَّدامَةُ، وذَلِكَ يَحْصُلُ إذا عَرَّفَهُمُ اللَّهُ بُطْلانَ ما كانُوا عَلَيْهِ، وعَرَّفَهم سُوءَ مُنْقَلَبِهِمْ، ويَحْصُلُ أيْضًا عِنْدَ المُحاسَبَةِ في الآخِرَةِ، ويَحْصُلُ عِنْدَ عَذابِ القَبْرِ والمُساءَلَةِ، فَيَجِبُ أنْ يُحْمَلَ عَلى كُلِّ ذَلِكَ.
ولَمّا كانَ القَوْمُ في نِعَمٍ عَظِيمَةٍ في الدُّنْيا جازَ أنْ يَظُنُّوا أنَّ تِلْكَ النِّعَمَ كالثَّوابِ المُعَجَّلِ لَهم عَلى أدْيانِهِمْ، فَبَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّ الأمْرَ بِخِلافِ ذَلِكَ، فَقالَ: ﴿أيَحْسَبُونَ أنَّما نُمِدُّهم بِهِ مِن مالٍ وبَنِينَ﴾ ﴿نُسارِعُ لَهم في الخَيْراتِ﴾ قُرِئَ ”يَمُدُّهم ويُسارِعُ“ بِالياءِ، والفاعِلُ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ، وفي المَعْنى وجْهانِ.
أحَدُهُما: أنَّ هَذا الإمْدادَ لَيْسَ إلّا اسْتِدْراجًا لَهم في المَعاصِي، واسْتِجْرارًا لَهم في زِيادَةِ الإثْمِ، وهم يَحْسَبُونَهُ مُسارَعَةً في الخَيْراتِ، و(بَلْ) لِلِاسْتِدْراكِ لِقَوْلِهِ: ﴿أيَحْسَبُونَ﴾ يَعْنِي بَلْ هم أشْباهُ البَهائِمِ لا فِطْنَةَ لَهم ولا شُعُورَ حَتّى يَتَفَكَّرُوا في ذَلِكَ، أهْوَ اسْتِدْراجٌ أمْ مُسارَعَةٌ في الخَيْرِ، وهَذِهِ الآيَةُ كَقَوْلِهِ: ﴿ولا تُعْجِبْكَ أمْوالُهُمْ﴾ [التَّوْبَةِ: ٨٥] رُوِيَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ مَيْسَرَةَ: أوْحى اللَّهُ تَعالى إلى نَبِيٍّ مِنَ الأنْبِياءِ ”أيَفْرَحُ عَبْدِي أنْ أبْسُطَ لَهُ الدُّنْيا وهو أبْعَدُ لَهُ مِنِّي، ويَجْزَعُ أنْ أقْبِضَ عَنْهُ الدُّنْيا وهو أقْرَبُ لَهُ مِنِّي؟“ ثُمَّ تَلا: ﴿أيَحْسَبُونَ أنَّما نُمِدُّهم بِهِ مِن مالٍ وبَنِينَ﴾ وعَنِ الحَسَنِ: لَمّا أُتِي عُمَرُ بِسَوارِ كِسْرى، فَأخَذَهُ ووَضَعَهُ في يَدِ سُراقَةَ فَبَلَغَ مَنكِبَهُ. فَقالَ عُمَرُ: اللَّهُمَّ إنِّي قَدْ عَلِمْتُ أنَّ نَبِيَّكَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، كانَ يُحِبُّ أنْ يُصِيبَ مالًا لِيُنْفِقَهُ في سَبِيلِكَ، فَزَوَيْتَ ذَلِكَ عَنْهُ نَظَرًا. ثُمَّ إنَّ أبا بَكْرٍ كانَ يُحِبُّ ذَلِكَ، اللَّهُمَّ لا يَكُنْ ذَلِكَ مَكْرًا مِنكَ بِعُمَرَ. ثُمَّ تَلا: ﴿أيَحْسَبُونَ أنَّما نُمِدُّهم بِهِ مِن مالٍ وبَنِينَ﴾ .
الوجه الثّانِي: وهو أنَّهُ سُبْحانَهُ إنَّما أعْطاهم هَذِهِ النِّعَمَ لِيَكُونُوا فارِغِي البالِ، مُتَمَكِّنِينَ مِنَ الِاشْتِغالِ بِكُلَفِ الحَقِّ، فَإذا أعْرَضُوا عَنِ الحَقِّ والحالَةُ هَذِهِ، كانَ لُزُومُ الحجة عَلَيْهِمْ أقْوى، فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿بَل لا يَشْعُرُونَ﴾ .
المؤمنون 23:57
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ هم مِن خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وقُلُوبُهم وجِلَةٌ أنَّهم إلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ يُسارِعُونَ في الخَيْراتِ وهم لَها سابِقُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَمَّ مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أيَحْسَبُونَ أنَّما نُمِدُّهم بِهِ مِن مالٍ وبَنِينَ﴾ ﴿نُسارِعُ لَهم في الخَيْراتِ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿بَل لا يَشْعُرُونَ﴾ بَيَّنَ بَعْدَهُ صِفاتِ مَن يُسارِعُ في الخَيْراتِ ويَشْعُرُ بِذَلِكَ، وهي أرْبَعَةٌ:
الصِّفَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ هم مِن خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ والإشْفاقُ يَتَضَمَّنُ الخَشْيَةَ مَعَ زِيادَةِ رِقَّةٍ وضَعْفٍ، فَمِنهم مَن قالَ: جَمَعَ بَيْنَهُما لِلتَّأْكِيدِ، ومِنهم مَن حَمَلَ الخَشْيَةَ عَلى العَذابِ، والمَعْنى الَّذِينَ هم مِن عَذابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ، وهو قَوْلُ الكَلْبِيِّ ومُقاتِلٍ، ومِنهم مَن حَمَلَ الإشْفاقَ عَلى أثَرِهِ، وهو الدَّوامُ في الطّاعَةِ، والمَعْنى الَّذِينَ هم مِن خَشْيَةِ رَبِّهِمْ دائِمُونَ في طاعَتِهِ، جادُّونَ في طَلَبِ مَرْضاتِهِ. والتَّحْقِيقُ أنَّ مَن بَلَغَ في الخَشْيَةِ إلى حَدِّ الإشْفاقِ وهو كَمالُ الخَشْيَةِ، كانَ في نِهايَةِ الخَوْفِ مِن سُخْطِ اللَّهِ عاجِلًا، ومِن عِقابِهِ آجِلًا، فَكانَ في نِهايَةِ الِاحْتِرازِ عَنِ المَعاصِي.
الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ هم بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾ واعْلَمْ أنَّ آياتِ اللَّهِ تَعالى هي المَخْلُوقاتُ الدّالَّةُ عَلى وُجُودِهِ، والإيمانُ بِها هو التَّصْدِيقُ بِها، والتَّصْدِيقُ بِها إنْ كانَ بِوُجُودِها فَذَلِكَ مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ، وصاحِبُ هَذا التَّصْدِيقِ لا يَسْتَحِقُّ المَدْحَ، وإنْ كانَ بِكَوْنِها آياتٍ ودَلائِلَ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ، فَذَلِكَ مِمّا لا يُتَوَصَّلُ إلَيْهِ إلّا بِالنَّظَرِ والفِكْرِ، وصاحِبُهُ لا بُدَّ وأنْ يَصِيرَ عارِفًا بِوُجُودِ الصّانِعِ وصِفاتِهِ، وإذا حَصَلَتِ المَعْرِفَةُ بِالقَلْبِ حَصَلَ الإقْرارُ بِاللِّسانِ ظاهِرًا وذَلِكَ هو الإيمانُ.
الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ هم بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ﴾ ولَيْسَ المُرادُ مِنهُ الإيمانَ بِالتَّوْحِيدِ ونَفْيَ الشَّرِيكِ لِلَّهِ تَعالى؛ لِأنَّ ذَلِكَ داخِلٌ في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ هم بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾ بَلِ المُرادُ مِنهُ نَفْيُ الشِّرْكِ الخَفِيِّ، وهو أنْ يَكُونَ مُخْلِصًا في العِبادَةِ لا يَقْدُمُ عَلَيْها إلّا لِوَجْهِ اللَّهِ تَعالى وطَلَبِ رِضْوانِهِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
الصِّفَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وقُلُوبُهم وجِلَةٌ﴾ مَعْناهُ يُعْطُونَ ما أعْطَوْا، فَدَخَلَ فِيهِ كُلُّ حَقٍّ يَلْزَمُ إيتاؤُهُ سَواءٌ كانَ ذَلِكَ مِن حَقِّ اللَّهِ تَعالى: كالزَّكاةِ والكَفّارَةِ وغَيْرِهِما، أوْ مِن حُقُوقِ الآدَمِيِّينَ: كالوَدائِعِ والدُّيُونِ وأصْنافِ الإنْصافِ والعَدْلِ، وبَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ إنَّما يَنْفَعُ إذا فَعَلُوهُ وقُلُوبُهم وجِلَةٌ؛ لِأنَّ مَن يَقْدُمُ عَلى العِبادَةِ وهو وجِلٌ مِن تَقْصِيرِهِ وإخْلالِهِ بِنُقْصانٍ أوْ غَيْرِهِ، فَإنَّهُ يَكُونُ لِأجْلِ ذَلِكَ الوَجِلِ مُجْتَهِدًا في أنْ يُوَفِّيَها حَقَّها في الأداءِ. «وسَألَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَتْ: ﴿والَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وقُلُوبُهم وجِلَةٌ﴾ أهُوَ الَّذِي يَزْنِي ويَشْرَبُ الخَمْرَ ويَسْرِقُ وهو عَلى ذَلِكَ يَخافُ اللَّهَ تَعالى ؟ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”لا يا ابْنَةَ
صفحة ٩٤
الصِّدِّيقِ، ولَكِنْ هو الرَّجُلُ يُصَلِّي ويَصُومُ ويَتَصَدَّقُ، وهو عَلى ذَلِكَ يَخافُ اللَّهَ تَعالى“».
واعْلَمْ أنَّ تَرْتِيبَ هَذِهِ الصِّفاتِ في نِهايَةِ الحُسْنِ؛ لِأنَّ الصِّفَةَ الأُولى دَلَّتْ عَلى حُصُولِ الخَوْفِ الشَّدِيدِ المُوجِبِ لِلِاحْتِرازِ عَمّا لا يَنْبَغِي.
والصِّفَةُ الثّانِيَةُ: دَلَّتْ عَلى تَرْكِ الرِّياءِ في الطّاعاتِ.
والصِّفَةُ الثّالِثَةُ: دَلَّتْ عَلى أنَّ المُسْتَجْمِعَ لِتِلْكَ الصِّفاتِ الثَّلاثَةِ يَأْتِي بِالطّاعاتِ مَعَ الوَجَلِ والخَوْفِ مِنَ التَّقْصِيرِ، وذَلِكَ هو نِهايَةُ مَقاماتِ الصَّدِّيقِينَ، رَزَقَنا اللَّهُ سُبْحانَهُ الوُصُولَ إلَيْها.
فَإنْ قِيلَ: أفَتَقُولُونَ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿وقُلُوبُهم وجِلَةٌ﴾ يَرْجِعُ إلى ”يُؤْتُونَ“، أوْ يَرْجِعُ إلى كُلِّ ما تَقَدَّمَ مِنَ الخِصالِ؟ قُلْنا: بَلِ الأوْلى أنْ يَرْجِعَ إلى الكُلِّ؛ لِأنَّ العَطِيَّةَ لَيْسَتْ بِذَلِكَ أوْلى مِن سائِرِ الأعْمالِ، إذِ المُرادُ أنْ يُؤَدِّيَ ذَلِكَ عَلى وجَلٍ مِن تَقْصِيرِهِ، فَيَكُونُ مُبالِغًا في تَوْفِيَتِهِ حَقَّهُ، فَأمّا إذا قُرِئَ (والَّذِينَ يُؤْتُونَ ما أتَوْا) فالقَوْلُ فِيهِ أظْهَرُ؛ إذِ المُرادُ بِذَلِكَ: أيُّ شَيْءٍ أتَوْهُ وفَعَلُوهُ مِن تَحَرُّزٍ عَنْ مَعْصِيَةٍ وإقْدامٍ عَلى إيمانٍ وعَمَلٍ، فَإنَّهم يُقْدِمُونَ عَلَيْهِ مَعَ الوَجَلِ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ بَيَّنَ عِلَّةَ ذَلِكَ الوَجَلِ، وهي عِلْمُهم بِأنَّهم إلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ، أيْ: لِلْمُجازاةِ والمُساءَلَةِ ونَشْرِ الصُّحُفِ وتَتَبُّعِ الأعْمالِ، وأنَّ هُناكَ لا تَنْفَعُ النَّدامَةُ، فَلَيْسَ إلّا الحُكْمُ القاطِعُ مِن جِهَةِ مالِكِ المُلْكِ. ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا ذَكَرَ هَذِهِ الصِّفاتِ لِلْمُؤْمِنِينَ المُخْلِصِينَ قالَ بَعْدَهُ: ﴿أُولَئِكَ يُسارِعُونَ في الخَيْراتِ﴾ وفِيهِ وجْهانِ.
أحَدُهُما: أنَّ المُرادَ يَرْغَبُونَ في الطّاعاتِ أشَدَّ الرَّغْبَةِ فَيُبادِرُونَها لِئَلّا تَفُوتَ عَنْ وقْتِها، ولِكَيْلا تَفُوتَهم دُونَ الِاخْتِرامِ.
والثّانِي: أنَّهم يَتَعَجَّلُونَ في الدُّنْيا أنْواعَ النَّفْعِ ووُجُوهَ الإكْرامِ، كَما قالَ: ﴿فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا وحُسْنَ ثَوابِ الآخِرَةِ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٤٨]. ﴿وآتَيْناهُ أجْرَهُ في الدُّنْيا وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ [العَنْكَبُوتِ: ٢٧] لِأنَّهم إذا سُورِعَ لَهم بِها فَقَدْ سارَعُوا في نَيْلِها وتَعَجَّلُوها، وهَذا الوجه أحْسَنُ طِباقًا لِلْآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ؛ لِأنَّ فِيهِ إثْباتَ ما نُفِيَ عَنِ الكُفّارِ لِلْمُؤْمِنِينَ، وقُرِئَ ”يُسْرِعُونَ في الخَيْراتِ“.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وهم لَها سابِقُونَ﴾ فالمَعْنى فاعِلُونَ السَّبْقَ لِأجْلِها، أوْ سابِقُونَ النّاسَ لِأجْلِها، أوْ وهم لَها سابِقُونَ؛ أيْ: يَنالُونَها قَبْلَ الآخِرَةِ حَيْثُ عُجِّلَتْ لَهم في الدُّنْيا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ. والمَعْنى: وهم لَها، كَما يُقالُ: أنْتَ لَها وهي لَكَ، ثُمَّ قالَ: (سابِقُونَ) أيْ: وهم سابِقُونَ.
المؤمنون 23:58
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ هم مِن خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وقُلُوبُهم وجِلَةٌ أنَّهم إلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ يُسارِعُونَ في الخَيْراتِ وهم لَها سابِقُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَمَّ مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أيَحْسَبُونَ أنَّما نُمِدُّهم بِهِ مِن مالٍ وبَنِينَ﴾ ﴿نُسارِعُ لَهم في الخَيْراتِ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿بَل لا يَشْعُرُونَ﴾ بَيَّنَ بَعْدَهُ صِفاتِ مَن يُسارِعُ في الخَيْراتِ ويَشْعُرُ بِذَلِكَ، وهي أرْبَعَةٌ:
الصِّفَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ هم مِن خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ والإشْفاقُ يَتَضَمَّنُ الخَشْيَةَ مَعَ زِيادَةِ رِقَّةٍ وضَعْفٍ، فَمِنهم مَن قالَ: جَمَعَ بَيْنَهُما لِلتَّأْكِيدِ، ومِنهم مَن حَمَلَ الخَشْيَةَ عَلى العَذابِ، والمَعْنى الَّذِينَ هم مِن عَذابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ، وهو قَوْلُ الكَلْبِيِّ ومُقاتِلٍ، ومِنهم مَن حَمَلَ الإشْفاقَ عَلى أثَرِهِ، وهو الدَّوامُ في الطّاعَةِ، والمَعْنى الَّذِينَ هم مِن خَشْيَةِ رَبِّهِمْ دائِمُونَ في طاعَتِهِ، جادُّونَ في طَلَبِ مَرْضاتِهِ. والتَّحْقِيقُ أنَّ مَن بَلَغَ في الخَشْيَةِ إلى حَدِّ الإشْفاقِ وهو كَمالُ الخَشْيَةِ، كانَ في نِهايَةِ الخَوْفِ مِن سُخْطِ اللَّهِ عاجِلًا، ومِن عِقابِهِ آجِلًا، فَكانَ في نِهايَةِ الِاحْتِرازِ عَنِ المَعاصِي.
الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ هم بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾ واعْلَمْ أنَّ آياتِ اللَّهِ تَعالى هي المَخْلُوقاتُ الدّالَّةُ عَلى وُجُودِهِ، والإيمانُ بِها هو التَّصْدِيقُ بِها، والتَّصْدِيقُ بِها إنْ كانَ بِوُجُودِها فَذَلِكَ مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ، وصاحِبُ هَذا التَّصْدِيقِ لا يَسْتَحِقُّ المَدْحَ، وإنْ كانَ بِكَوْنِها آياتٍ ودَلائِلَ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ، فَذَلِكَ مِمّا لا يُتَوَصَّلُ إلَيْهِ إلّا بِالنَّظَرِ والفِكْرِ، وصاحِبُهُ لا بُدَّ وأنْ يَصِيرَ عارِفًا بِوُجُودِ الصّانِعِ وصِفاتِهِ، وإذا حَصَلَتِ المَعْرِفَةُ بِالقَلْبِ حَصَلَ الإقْرارُ بِاللِّسانِ ظاهِرًا وذَلِكَ هو الإيمانُ.
الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ هم بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ﴾ ولَيْسَ المُرادُ مِنهُ الإيمانَ بِالتَّوْحِيدِ ونَفْيَ الشَّرِيكِ لِلَّهِ تَعالى؛ لِأنَّ ذَلِكَ داخِلٌ في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ هم بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾ بَلِ المُرادُ مِنهُ نَفْيُ الشِّرْكِ الخَفِيِّ، وهو أنْ يَكُونَ مُخْلِصًا في العِبادَةِ لا يَقْدُمُ عَلَيْها إلّا لِوَجْهِ اللَّهِ تَعالى وطَلَبِ رِضْوانِهِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
الصِّفَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وقُلُوبُهم وجِلَةٌ﴾ مَعْناهُ يُعْطُونَ ما أعْطَوْا، فَدَخَلَ فِيهِ كُلُّ حَقٍّ يَلْزَمُ إيتاؤُهُ سَواءٌ كانَ ذَلِكَ مِن حَقِّ اللَّهِ تَعالى: كالزَّكاةِ والكَفّارَةِ وغَيْرِهِما، أوْ مِن حُقُوقِ الآدَمِيِّينَ: كالوَدائِعِ والدُّيُونِ وأصْنافِ الإنْصافِ والعَدْلِ، وبَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ إنَّما يَنْفَعُ إذا فَعَلُوهُ وقُلُوبُهم وجِلَةٌ؛ لِأنَّ مَن يَقْدُمُ عَلى العِبادَةِ وهو وجِلٌ مِن تَقْصِيرِهِ وإخْلالِهِ بِنُقْصانٍ أوْ غَيْرِهِ، فَإنَّهُ يَكُونُ لِأجْلِ ذَلِكَ الوَجِلِ مُجْتَهِدًا في أنْ يُوَفِّيَها حَقَّها في الأداءِ. «وسَألَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَتْ: ﴿والَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وقُلُوبُهم وجِلَةٌ﴾ أهُوَ الَّذِي يَزْنِي ويَشْرَبُ الخَمْرَ ويَسْرِقُ وهو عَلى ذَلِكَ يَخافُ اللَّهَ تَعالى ؟ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”لا يا ابْنَةَ
صفحة ٩٤
الصِّدِّيقِ، ولَكِنْ هو الرَّجُلُ يُصَلِّي ويَصُومُ ويَتَصَدَّقُ، وهو عَلى ذَلِكَ يَخافُ اللَّهَ تَعالى“».
واعْلَمْ أنَّ تَرْتِيبَ هَذِهِ الصِّفاتِ في نِهايَةِ الحُسْنِ؛ لِأنَّ الصِّفَةَ الأُولى دَلَّتْ عَلى حُصُولِ الخَوْفِ الشَّدِيدِ المُوجِبِ لِلِاحْتِرازِ عَمّا لا يَنْبَغِي.
والصِّفَةُ الثّانِيَةُ: دَلَّتْ عَلى تَرْكِ الرِّياءِ في الطّاعاتِ.
والصِّفَةُ الثّالِثَةُ: دَلَّتْ عَلى أنَّ المُسْتَجْمِعَ لِتِلْكَ الصِّفاتِ الثَّلاثَةِ يَأْتِي بِالطّاعاتِ مَعَ الوَجَلِ والخَوْفِ مِنَ التَّقْصِيرِ، وذَلِكَ هو نِهايَةُ مَقاماتِ الصَّدِّيقِينَ، رَزَقَنا اللَّهُ سُبْحانَهُ الوُصُولَ إلَيْها.
فَإنْ قِيلَ: أفَتَقُولُونَ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿وقُلُوبُهم وجِلَةٌ﴾ يَرْجِعُ إلى ”يُؤْتُونَ“، أوْ يَرْجِعُ إلى كُلِّ ما تَقَدَّمَ مِنَ الخِصالِ؟ قُلْنا: بَلِ الأوْلى أنْ يَرْجِعَ إلى الكُلِّ؛ لِأنَّ العَطِيَّةَ لَيْسَتْ بِذَلِكَ أوْلى مِن سائِرِ الأعْمالِ، إذِ المُرادُ أنْ يُؤَدِّيَ ذَلِكَ عَلى وجَلٍ مِن تَقْصِيرِهِ، فَيَكُونُ مُبالِغًا في تَوْفِيَتِهِ حَقَّهُ، فَأمّا إذا قُرِئَ (والَّذِينَ يُؤْتُونَ ما أتَوْا) فالقَوْلُ فِيهِ أظْهَرُ؛ إذِ المُرادُ بِذَلِكَ: أيُّ شَيْءٍ أتَوْهُ وفَعَلُوهُ مِن تَحَرُّزٍ عَنْ مَعْصِيَةٍ وإقْدامٍ عَلى إيمانٍ وعَمَلٍ، فَإنَّهم يُقْدِمُونَ عَلَيْهِ مَعَ الوَجَلِ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ بَيَّنَ عِلَّةَ ذَلِكَ الوَجَلِ، وهي عِلْمُهم بِأنَّهم إلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ، أيْ: لِلْمُجازاةِ والمُساءَلَةِ ونَشْرِ الصُّحُفِ وتَتَبُّعِ الأعْمالِ، وأنَّ هُناكَ لا تَنْفَعُ النَّدامَةُ، فَلَيْسَ إلّا الحُكْمُ القاطِعُ مِن جِهَةِ مالِكِ المُلْكِ. ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا ذَكَرَ هَذِهِ الصِّفاتِ لِلْمُؤْمِنِينَ المُخْلِصِينَ قالَ بَعْدَهُ: ﴿أُولَئِكَ يُسارِعُونَ في الخَيْراتِ﴾ وفِيهِ وجْهانِ.
أحَدُهُما: أنَّ المُرادَ يَرْغَبُونَ في الطّاعاتِ أشَدَّ الرَّغْبَةِ فَيُبادِرُونَها لِئَلّا تَفُوتَ عَنْ وقْتِها، ولِكَيْلا تَفُوتَهم دُونَ الِاخْتِرامِ.
والثّانِي: أنَّهم يَتَعَجَّلُونَ في الدُّنْيا أنْواعَ النَّفْعِ ووُجُوهَ الإكْرامِ، كَما قالَ: ﴿فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا وحُسْنَ ثَوابِ الآخِرَةِ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٤٨]. ﴿وآتَيْناهُ أجْرَهُ في الدُّنْيا وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ [العَنْكَبُوتِ: ٢٧] لِأنَّهم إذا سُورِعَ لَهم بِها فَقَدْ سارَعُوا في نَيْلِها وتَعَجَّلُوها، وهَذا الوجه أحْسَنُ طِباقًا لِلْآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ؛ لِأنَّ فِيهِ إثْباتَ ما نُفِيَ عَنِ الكُفّارِ لِلْمُؤْمِنِينَ، وقُرِئَ ”يُسْرِعُونَ في الخَيْراتِ“.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وهم لَها سابِقُونَ﴾ فالمَعْنى فاعِلُونَ السَّبْقَ لِأجْلِها، أوْ سابِقُونَ النّاسَ لِأجْلِها، أوْ وهم لَها سابِقُونَ؛ أيْ: يَنالُونَها قَبْلَ الآخِرَةِ حَيْثُ عُجِّلَتْ لَهم في الدُّنْيا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ. والمَعْنى: وهم لَها، كَما يُقالُ: أنْتَ لَها وهي لَكَ، ثُمَّ قالَ: (سابِقُونَ) أيْ: وهم سابِقُونَ.