Tafsir Al-Razi — الشعراء 26:36 – الشعراء 26:92
المحتويات
- الشعراء 26:36
- الشعراء 26:37
- الشعراء 26:38
- الشعراء 26:39
- الشعراء 26:40
- الشعراء 26:41
- الشعراء 26:42
- الشعراء 26:43
- الشعراء 26:44
- الشعراء 26:45
- الشعراء 26:46
- الشعراء 26:47
- الشعراء 26:48
- الشعراء 26:49
- الشعراء 26:50
- الشعراء 26:51
- الشعراء 26:52
- الشعراء 26:53
- الشعراء 26:54
- الشعراء 26:55
- الشعراء 26:56
- الشعراء 26:57
- الشعراء 26:58
- الشعراء 26:59
- الشعراء 26:60
- الشعراء 26:61
- الشعراء 26:62
- الشعراء 26:63
- الشعراء 26:64
- الشعراء 26:65
- الشعراء 26:66
- الشعراء 26:67
- الشعراء 26:68
- الشعراء 26:69
- الشعراء 26:70
- الشعراء 26:71
- الشعراء 26:72
- الشعراء 26:73
- الشعراء 26:74
- الشعراء 26:75
- الشعراء 26:76
- الشعراء 26:77
- الشعراء 26:78
- الشعراء 26:79
- الشعراء 26:80
- الشعراء 26:81
- الشعراء 26:82
- الشعراء 26:83
- الشعراء 26:84
- الشعراء 26:85
- الشعراء 26:86
- الشعراء 26:87
- الشعراء 26:88
- الشعراء 26:89
- الشعراء 26:90
- الشعراء 26:91
- الشعراء 26:92
الشعراء 26:36
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَألْقى عَصاهُ فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ ﴿ونَزَعَ يَدَهُ فَإذا هي بَيْضاءُ لِلنّاظِرِينَ﴾ ﴿قالَ لِلْمَلَإ حَوْلَهُ إنَّ هَذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ﴾ ﴿يُرِيدُ أنْ يُخْرِجَكم مِن أرْضِكم بِسِحْرِهِ فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ ﴿قالُوا أرْجِهْ وأخاهُ وابْعَثْ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ ﴿يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحّارٍ عَلِيمٍ﴾
وفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: قَرَأ الأعْمَشُ: ”بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ“ .
المسألة الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿أوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى قَبْلَ أنْ ألْقى العَصا عَرَّفَهُ بِأنَّهُ يُصَيِّرُها ثُعْبانًا، ولَوْلا ذَلِكَ لَما قالَ ما قالَ: فَلَمّا ألْقى عَصاهُ ظَهَرَ ما وعَدَهُ اللَّهُ بِهِ فَصارَ ثُعْبانًا مُبِينًا، والمُرادُ أنَّهُ تَبَيَّنَ لِلنّاظِرِينَ أنَّهُ ثُعْبانٌ بِحَرَكاتِهِ وبِسائِرِ العَلاماتِ، رُوِيَ أنَّهُ لَمّا انْقَلَبَتْ حَيَّةً ارْتَفَعَتْ في السَّماءِ قَدْرَ مَيْلٍ ثُمَّ انْحَطَّتْ مُقْبِلَةً إلى فِرْعَوْنَ وجَعَلَتْ تَقُولُ: يا مُوسى مُرْنِي بِما شِئْتَ، ويَقُولُ فِرْعَوْنُ: يا مُوسى أسْألُكَ بِالَّذِي أرْسَلَكَ ألا أخَذْتَها فَعادَتْ عَصًا.
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ قالَ هَهُنا: ﴿ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ .
وفِي آيَةٍ أُخْرى: ﴿فَإذا هي حَيَّةٌ تَسْعى﴾ [طه: ٢٠] .
وفِي آيَةٍ ثالِثَةٍ: ﴿كَأنَّها جانٌّ﴾ [النمل: ١٠] والجانُّ مائِلٌ إلى الصِّغَرِ والثُّعْبانُ مائِلٌ إلى الكِبَرِ ؟
جَوابُهُ: أمّا الحَيَّةُ فَهي اسْمُ الجِنْسِ ثُمَّ إنَّها لِكِبَرِها صارَتْ ثُعْبانًا، وشَبَّهَها بِالجانِّ لِخِفَّتِها وسُرْعَتِها فَصَحَّ الكَلامانِ، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ شَبَّهَها بِالشَّيْطانِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والجانَّ خَلَقْناهُ مِن قَبْلُ مِن نارِ السَّمُومِ﴾ [الحجر: ٢٧] ويُحْتَمَلُ أنَّها كانَتْ أوَّلًا صَغِيرَةً كالجانِّ ثُمَّ عَظُمَتْ فَصارَتْ ثُعْبانًا، ثُمَّ إنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا أتى بِهَذِهِ الآيَةِ قالَ لَهُ فِرْعَوْنُ: هَلْ غَيْرَها ؟ قالَ: نَعَمْ، فَأراهُ يَدَهُ ثُمَّ أدْخَلَها جَيْبَهُ ثُمَّ أخْرَجَها فَإذا هي بَيْضاءُ يُضِيءُ الوادِي مِن شِدَّةِ بَياضِها مِن غَيْرِ بَرَصٍ لَها شُعاعٌ كَشُعاعِ الشَّمْسِ، فَعِنْدَ هَذا أرادَ فِرْعَوْنُ تَعْمِيَةَ هَذِهِ الحجة عَلى قَوْمِهِ فَذَكَرَ فِيها أُمُورًا ثَلاثَةً:
أحَدُها: قَوْلُهُ: ﴿إنَّ هَذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ الزَّمانَ كانَ زَمانَ السَّحَرَةِ وكانَ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنهم أنَّ السّاحِرَ قَدْ يَجُوزُ أنْ يَنْتَهِيَ بِسِحْرِهِ إلى هَذا الحَدِّ فَلِهَذا رَوَّجَ عَلَيْهِمْ هَذا القَوْلَ.
وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿يُرِيدُ أنْ يُخْرِجَكم مِن أرْضِكم بِسِحْرِهِ﴾ وهَذا يَجْرِي مَجْرى التَّنْفِيرِ عَنْهُ لِئَلّا يَقْبَلُوا قَوْلَهُ، والمَعْنى يُرِيدُ أنْ يُخْرِجَكم مِن أرْضِكم بِما يُلْقِيهِ بَيْنَكم مِنَ العَداواتِ فَيُفَرِّقُ جَمْعَكم، ومَعْلُومٌ أنَّ مُفارَقَةَ الوَطَنِ أصْعَبُ الأُمُورِ فَنَفَّرَهم عَنْهُ بِذَلِكَ، وهَذا نِهايَةُ ما يَفْعَلُهُ المُبْطِلُ في التَّنْفِيرِ عَنِ المُحِقِّ.
وثالِثُها: قَوْلُهُ لَهم: ﴿فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ أيْ فَما رَأْيُكم فِيهِ وما الَّذِي أعْمَلُهُ، يُظْهِرُ مِن نَفْسِهِ أنِّي مُتَبِّعٌ لِرَأْيِكم ومُنْقادٌ لِقَوْلِكم، ومِثْلُ هَذا الكَلامِ يُوجِبُ جَذْبَ القُلُوبِ وانْصِرافَها عَنِ العَدُوِّ فَعِنْدَ هَذِهِ الكَلِماتِ اتَّفَقُوا عَلى جَوابٍ واحِدٍ وهو قَوْلُهُ: ﴿أرْجِهْ﴾ قُرِئَ ”أرْجِئْهُ“ و”أرْجِهْ“ بِالهَمْزِ والتَّخْفِيفِ، وهُما لُغَتانِ يُقالُ: أرْجَأْتُهُ وأرْجَيْتُهُ إذا أخَّرْتَهُ، والمَعْنى أخِّرْهُ ومُناظَرَتَهُ لِوَقْتِ اجْتِماعِ السَّحَرَةِ، وقِيلَ احْبِسْهُ وذَلِكَ مُحْتَمَلٌ، لِأنَّكَ إذا حَبَسْتَ الرَّجُلَ عَنْ حاجَتِهِ فَقَدْ أخَّرْتَهُ. رُوِيَ أنَّ فِرْعَوْنَ أرادَ قَتْلَهُ ولَمْ يَكُنْ يَصِلُ إلَيْهِ، فَقالُوا لَهُ لا تَفْعَلْ، فَإنَّكَ إنْ قَتَلْتَهُ أدْخَلْتَ عَلى النّاسِ في أمْرِهِ شُبْهَةً، ولَكِنْ أرْجِئْهُ وأخاهُ إلى أنْ تَحْشُرَ السَّحَرَةَ لِيُقاوِمُوهُ فَلا يَثْبُتُ لَهُ عَلَيْكَ حُجَّةٌ، ثُمَّ أشارُوا عَلَيْهِ بِإنْفاذِ حاشِرِينَ يَجْمَعُونَ
صفحة ١١٥
السَّحَرَةَ ظَنًّا مِنهم بِأنَّهم إذا غَلَبُوهُ وكَشَفُوا حالَهُ وعارَضُوا قَوْلَهُ: ﴿إنَّ هَذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ﴾ بِقَوْلِهِمْ: ﴿بِكُلِّ سَحّارٍ عَلِيمٍ﴾ فَجاءُوا بِكَلِمَةِ الإحاطَةِ وبِصِيغَةِ المُبالَغَةِ لِيُطَيِّبُوا قَلْبَهُ ولِيُسْكِنُوا بَعْضَ قَلَقِهِ، قالَ ”صاحِبُ الكَشّافِ“: فَإنْ قُلْتَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ لِلْمَلَإ حَوْلَهُ﴾ ما العامِلُ في ”حَوْلِهِ“ ؟ قُلْتُ: هو مَنصُوبٌ نَصْبَيْنِ نَصْبٌ في اللَّفْظِ ونَصْبٌ في المَحَلِّ والعامِلُ في النَّصْبِ اللَّفْظِيِّ ما يُقَدَّرُ في الظَّرْفِ، والعامِلُ في النَّصْبِ المَحَلِّيِّ هو النَّصْبُ عَلى الحالِ.
الشعراء 26:37
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَألْقى عَصاهُ فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ ﴿ونَزَعَ يَدَهُ فَإذا هي بَيْضاءُ لِلنّاظِرِينَ﴾ ﴿قالَ لِلْمَلَإ حَوْلَهُ إنَّ هَذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ﴾ ﴿يُرِيدُ أنْ يُخْرِجَكم مِن أرْضِكم بِسِحْرِهِ فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ ﴿قالُوا أرْجِهْ وأخاهُ وابْعَثْ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ ﴿يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحّارٍ عَلِيمٍ﴾
وفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: قَرَأ الأعْمَشُ: ”بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ“ .
المسألة الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿أوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى قَبْلَ أنْ ألْقى العَصا عَرَّفَهُ بِأنَّهُ يُصَيِّرُها ثُعْبانًا، ولَوْلا ذَلِكَ لَما قالَ ما قالَ: فَلَمّا ألْقى عَصاهُ ظَهَرَ ما وعَدَهُ اللَّهُ بِهِ فَصارَ ثُعْبانًا مُبِينًا، والمُرادُ أنَّهُ تَبَيَّنَ لِلنّاظِرِينَ أنَّهُ ثُعْبانٌ بِحَرَكاتِهِ وبِسائِرِ العَلاماتِ، رُوِيَ أنَّهُ لَمّا انْقَلَبَتْ حَيَّةً ارْتَفَعَتْ في السَّماءِ قَدْرَ مَيْلٍ ثُمَّ انْحَطَّتْ مُقْبِلَةً إلى فِرْعَوْنَ وجَعَلَتْ تَقُولُ: يا مُوسى مُرْنِي بِما شِئْتَ، ويَقُولُ فِرْعَوْنُ: يا مُوسى أسْألُكَ بِالَّذِي أرْسَلَكَ ألا أخَذْتَها فَعادَتْ عَصًا.
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ قالَ هَهُنا: ﴿ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ .
وفِي آيَةٍ أُخْرى: ﴿فَإذا هي حَيَّةٌ تَسْعى﴾ [طه: ٢٠] .
وفِي آيَةٍ ثالِثَةٍ: ﴿كَأنَّها جانٌّ﴾ [النمل: ١٠] والجانُّ مائِلٌ إلى الصِّغَرِ والثُّعْبانُ مائِلٌ إلى الكِبَرِ ؟
جَوابُهُ: أمّا الحَيَّةُ فَهي اسْمُ الجِنْسِ ثُمَّ إنَّها لِكِبَرِها صارَتْ ثُعْبانًا، وشَبَّهَها بِالجانِّ لِخِفَّتِها وسُرْعَتِها فَصَحَّ الكَلامانِ، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ شَبَّهَها بِالشَّيْطانِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والجانَّ خَلَقْناهُ مِن قَبْلُ مِن نارِ السَّمُومِ﴾ [الحجر: ٢٧] ويُحْتَمَلُ أنَّها كانَتْ أوَّلًا صَغِيرَةً كالجانِّ ثُمَّ عَظُمَتْ فَصارَتْ ثُعْبانًا، ثُمَّ إنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا أتى بِهَذِهِ الآيَةِ قالَ لَهُ فِرْعَوْنُ: هَلْ غَيْرَها ؟ قالَ: نَعَمْ، فَأراهُ يَدَهُ ثُمَّ أدْخَلَها جَيْبَهُ ثُمَّ أخْرَجَها فَإذا هي بَيْضاءُ يُضِيءُ الوادِي مِن شِدَّةِ بَياضِها مِن غَيْرِ بَرَصٍ لَها شُعاعٌ كَشُعاعِ الشَّمْسِ، فَعِنْدَ هَذا أرادَ فِرْعَوْنُ تَعْمِيَةَ هَذِهِ الحجة عَلى قَوْمِهِ فَذَكَرَ فِيها أُمُورًا ثَلاثَةً:
أحَدُها: قَوْلُهُ: ﴿إنَّ هَذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ الزَّمانَ كانَ زَمانَ السَّحَرَةِ وكانَ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنهم أنَّ السّاحِرَ قَدْ يَجُوزُ أنْ يَنْتَهِيَ بِسِحْرِهِ إلى هَذا الحَدِّ فَلِهَذا رَوَّجَ عَلَيْهِمْ هَذا القَوْلَ.
وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿يُرِيدُ أنْ يُخْرِجَكم مِن أرْضِكم بِسِحْرِهِ﴾ وهَذا يَجْرِي مَجْرى التَّنْفِيرِ عَنْهُ لِئَلّا يَقْبَلُوا قَوْلَهُ، والمَعْنى يُرِيدُ أنْ يُخْرِجَكم مِن أرْضِكم بِما يُلْقِيهِ بَيْنَكم مِنَ العَداواتِ فَيُفَرِّقُ جَمْعَكم، ومَعْلُومٌ أنَّ مُفارَقَةَ الوَطَنِ أصْعَبُ الأُمُورِ فَنَفَّرَهم عَنْهُ بِذَلِكَ، وهَذا نِهايَةُ ما يَفْعَلُهُ المُبْطِلُ في التَّنْفِيرِ عَنِ المُحِقِّ.
وثالِثُها: قَوْلُهُ لَهم: ﴿فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ أيْ فَما رَأْيُكم فِيهِ وما الَّذِي أعْمَلُهُ، يُظْهِرُ مِن نَفْسِهِ أنِّي مُتَبِّعٌ لِرَأْيِكم ومُنْقادٌ لِقَوْلِكم، ومِثْلُ هَذا الكَلامِ يُوجِبُ جَذْبَ القُلُوبِ وانْصِرافَها عَنِ العَدُوِّ فَعِنْدَ هَذِهِ الكَلِماتِ اتَّفَقُوا عَلى جَوابٍ واحِدٍ وهو قَوْلُهُ: ﴿أرْجِهْ﴾ قُرِئَ ”أرْجِئْهُ“ و”أرْجِهْ“ بِالهَمْزِ والتَّخْفِيفِ، وهُما لُغَتانِ يُقالُ: أرْجَأْتُهُ وأرْجَيْتُهُ إذا أخَّرْتَهُ، والمَعْنى أخِّرْهُ ومُناظَرَتَهُ لِوَقْتِ اجْتِماعِ السَّحَرَةِ، وقِيلَ احْبِسْهُ وذَلِكَ مُحْتَمَلٌ، لِأنَّكَ إذا حَبَسْتَ الرَّجُلَ عَنْ حاجَتِهِ فَقَدْ أخَّرْتَهُ. رُوِيَ أنَّ فِرْعَوْنَ أرادَ قَتْلَهُ ولَمْ يَكُنْ يَصِلُ إلَيْهِ، فَقالُوا لَهُ لا تَفْعَلْ، فَإنَّكَ إنْ قَتَلْتَهُ أدْخَلْتَ عَلى النّاسِ في أمْرِهِ شُبْهَةً، ولَكِنْ أرْجِئْهُ وأخاهُ إلى أنْ تَحْشُرَ السَّحَرَةَ لِيُقاوِمُوهُ فَلا يَثْبُتُ لَهُ عَلَيْكَ حُجَّةٌ، ثُمَّ أشارُوا عَلَيْهِ بِإنْفاذِ حاشِرِينَ يَجْمَعُونَ
صفحة ١١٥
السَّحَرَةَ ظَنًّا مِنهم بِأنَّهم إذا غَلَبُوهُ وكَشَفُوا حالَهُ وعارَضُوا قَوْلَهُ: ﴿إنَّ هَذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ﴾ بِقَوْلِهِمْ: ﴿بِكُلِّ سَحّارٍ عَلِيمٍ﴾ فَجاءُوا بِكَلِمَةِ الإحاطَةِ وبِصِيغَةِ المُبالَغَةِ لِيُطَيِّبُوا قَلْبَهُ ولِيُسْكِنُوا بَعْضَ قَلَقِهِ، قالَ ”صاحِبُ الكَشّافِ“: فَإنْ قُلْتَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ لِلْمَلَإ حَوْلَهُ﴾ ما العامِلُ في ”حَوْلِهِ“ ؟ قُلْتُ: هو مَنصُوبٌ نَصْبَيْنِ نَصْبٌ في اللَّفْظِ ونَصْبٌ في المَحَلِّ والعامِلُ في النَّصْبِ اللَّفْظِيِّ ما يُقَدَّرُ في الظَّرْفِ، والعامِلُ في النَّصْبِ المَحَلِّيِّ هو النَّصْبُ عَلى الحالِ.
الشعراء 26:38
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ ﴿وقِيلَ لِلنّاسِ هَلْ أنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ﴾ ﴿لَعَلَّنا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إنْ كانُوا هُمُ الغالِبِينَ﴾ ﴿فَلَمّا جاءَ السَّحَرَةُ قالُوا لِفِرْعَوْنَ أئِنَّ لَنا لَأجْرًا إنْ كُنّا نَحْنُ الغالِبِينَ﴾ ﴿قالَ نَعَمْ وإنَّكم إذًا لَمِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ .
وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المسألة الأُولى: اليَوْمُ المَعْلُومُ يَوْمُ الزِّينَةِ ومِيقاتُهُ وقْتُ الضُّحى، لِأنَّهُ الوَقْتُ الَّذِي وقَّتَهُ لَهم مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِن يَوْمِ الزِّينَةِ في قَوْلِهِ: ﴿مَوْعِدُكم يَوْمُ الزِّينَةِ وأنْ يُحْشَرَ النّاسُ ضُحًى﴾ [طه: ٥٩] والمِيقاتُ ما وُقِّتَ بِهِ أيْ حُدِّدَ مِن مَكانٍ وزَمانٍ ومِنهُ مَواقِيتُ الإحْرامِ.
المسألة الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ القَوْمَ لَمّا أشارُوا بِتَأْخِيرِ أمْرِهِ وبِأنْ يَجْمَعَ لَهُ السَّحَرَةَ لِيَظْهَرَ عِنْدَ حُضُورِهِمْ فَسادُ قَوْلِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، رَضِيَ فِرْعَوْنُ بِما قالُوهُ وعَمِيَ عَمّا شاهَدَهُ وحُبُّ الشَّيْءِ يُعْمِي ويُصِمُّ. فَجَمَعَ السَّحَرَةَ ثُمَّ أرادَ أنْ تَقَعَ تِلْكَ المُناظَرَةُ يَوْمَ عِيدٍ لَهم لِيَكُونَ ذَلِكَ بِمَحْضَرِ الخَلْقِ العَظِيمِ وكانَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ يَطْلُبُ ذَلِكَ لِتَظْهَرَ حُجَّتُهُ عَلَيْهِمْ عِنْدَ الخَلْقِ العَظِيمِ وكانَ هَذا أيْضًا مِن لُطْفِ اللَّهِ تَعالى في ظُهُورِ أمْرِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وقِيلَ لِلنّاسِ هَلْ أنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ﴾ فالمُرادُ أنَّهم بُعِثُوا عَلى الحُضُورِ لِيُشاهِدُوا ما يَكُونُ مِنَ الجانِبَيْنِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿لَعَلَّنا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ﴾ فالمُرادُ إنّا نَرْجُو أنْ يَكُونَ الغَلَبَةُ لَهم فَنَتَّبِعُهم فَلَمّا جاءَ السَّحَرَةُ ابْتَدَأُوا بِطَلَبِ الجَزاءِ، وهو إمّا المالُ وإمّا الجاهُ فَبَذَلَ لَهم ذَلِكَ وأكَّدَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنَّكم إذًا لَمِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ لِأنَّ نِهايَةَ مَطْلُوبِهِمْ مِنهُ البَذْلُ ورَفْعُ المَنزِلَةِ فَبَذَلَ كِلا الأمْرَيْنِ.
الشعراء 26:39
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ ﴿وقِيلَ لِلنّاسِ هَلْ أنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ﴾ ﴿لَعَلَّنا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إنْ كانُوا هُمُ الغالِبِينَ﴾ ﴿فَلَمّا جاءَ السَّحَرَةُ قالُوا لِفِرْعَوْنَ أئِنَّ لَنا لَأجْرًا إنْ كُنّا نَحْنُ الغالِبِينَ﴾ ﴿قالَ نَعَمْ وإنَّكم إذًا لَمِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ .
وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المسألة الأُولى: اليَوْمُ المَعْلُومُ يَوْمُ الزِّينَةِ ومِيقاتُهُ وقْتُ الضُّحى، لِأنَّهُ الوَقْتُ الَّذِي وقَّتَهُ لَهم مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِن يَوْمِ الزِّينَةِ في قَوْلِهِ: ﴿مَوْعِدُكم يَوْمُ الزِّينَةِ وأنْ يُحْشَرَ النّاسُ ضُحًى﴾ [طه: ٥٩] والمِيقاتُ ما وُقِّتَ بِهِ أيْ حُدِّدَ مِن مَكانٍ وزَمانٍ ومِنهُ مَواقِيتُ الإحْرامِ.
المسألة الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ القَوْمَ لَمّا أشارُوا بِتَأْخِيرِ أمْرِهِ وبِأنْ يَجْمَعَ لَهُ السَّحَرَةَ لِيَظْهَرَ عِنْدَ حُضُورِهِمْ فَسادُ قَوْلِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، رَضِيَ فِرْعَوْنُ بِما قالُوهُ وعَمِيَ عَمّا شاهَدَهُ وحُبُّ الشَّيْءِ يُعْمِي ويُصِمُّ. فَجَمَعَ السَّحَرَةَ ثُمَّ أرادَ أنْ تَقَعَ تِلْكَ المُناظَرَةُ يَوْمَ عِيدٍ لَهم لِيَكُونَ ذَلِكَ بِمَحْضَرِ الخَلْقِ العَظِيمِ وكانَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ يَطْلُبُ ذَلِكَ لِتَظْهَرَ حُجَّتُهُ عَلَيْهِمْ عِنْدَ الخَلْقِ العَظِيمِ وكانَ هَذا أيْضًا مِن لُطْفِ اللَّهِ تَعالى في ظُهُورِ أمْرِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وقِيلَ لِلنّاسِ هَلْ أنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ﴾ فالمُرادُ أنَّهم بُعِثُوا عَلى الحُضُورِ لِيُشاهِدُوا ما يَكُونُ مِنَ الجانِبَيْنِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿لَعَلَّنا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ﴾ فالمُرادُ إنّا نَرْجُو أنْ يَكُونَ الغَلَبَةُ لَهم فَنَتَّبِعُهم فَلَمّا جاءَ السَّحَرَةُ ابْتَدَأُوا بِطَلَبِ الجَزاءِ، وهو إمّا المالُ وإمّا الجاهُ فَبَذَلَ لَهم ذَلِكَ وأكَّدَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنَّكم إذًا لَمِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ لِأنَّ نِهايَةَ مَطْلُوبِهِمْ مِنهُ البَذْلُ ورَفْعُ المَنزِلَةِ فَبَذَلَ كِلا الأمْرَيْنِ.
الشعراء 26:40
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ ﴿وقِيلَ لِلنّاسِ هَلْ أنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ﴾ ﴿لَعَلَّنا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إنْ كانُوا هُمُ الغالِبِينَ﴾ ﴿فَلَمّا جاءَ السَّحَرَةُ قالُوا لِفِرْعَوْنَ أئِنَّ لَنا لَأجْرًا إنْ كُنّا نَحْنُ الغالِبِينَ﴾ ﴿قالَ نَعَمْ وإنَّكم إذًا لَمِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ .
وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المسألة الأُولى: اليَوْمُ المَعْلُومُ يَوْمُ الزِّينَةِ ومِيقاتُهُ وقْتُ الضُّحى، لِأنَّهُ الوَقْتُ الَّذِي وقَّتَهُ لَهم مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِن يَوْمِ الزِّينَةِ في قَوْلِهِ: ﴿مَوْعِدُكم يَوْمُ الزِّينَةِ وأنْ يُحْشَرَ النّاسُ ضُحًى﴾ [طه: ٥٩] والمِيقاتُ ما وُقِّتَ بِهِ أيْ حُدِّدَ مِن مَكانٍ وزَمانٍ ومِنهُ مَواقِيتُ الإحْرامِ.
المسألة الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ القَوْمَ لَمّا أشارُوا بِتَأْخِيرِ أمْرِهِ وبِأنْ يَجْمَعَ لَهُ السَّحَرَةَ لِيَظْهَرَ عِنْدَ حُضُورِهِمْ فَسادُ قَوْلِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، رَضِيَ فِرْعَوْنُ بِما قالُوهُ وعَمِيَ عَمّا شاهَدَهُ وحُبُّ الشَّيْءِ يُعْمِي ويُصِمُّ. فَجَمَعَ السَّحَرَةَ ثُمَّ أرادَ أنْ تَقَعَ تِلْكَ المُناظَرَةُ يَوْمَ عِيدٍ لَهم لِيَكُونَ ذَلِكَ بِمَحْضَرِ الخَلْقِ العَظِيمِ وكانَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ يَطْلُبُ ذَلِكَ لِتَظْهَرَ حُجَّتُهُ عَلَيْهِمْ عِنْدَ الخَلْقِ العَظِيمِ وكانَ هَذا أيْضًا مِن لُطْفِ اللَّهِ تَعالى في ظُهُورِ أمْرِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وقِيلَ لِلنّاسِ هَلْ أنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ﴾ فالمُرادُ أنَّهم بُعِثُوا عَلى الحُضُورِ لِيُشاهِدُوا ما يَكُونُ مِنَ الجانِبَيْنِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿لَعَلَّنا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ﴾ فالمُرادُ إنّا نَرْجُو أنْ يَكُونَ الغَلَبَةُ لَهم فَنَتَّبِعُهم فَلَمّا جاءَ السَّحَرَةُ ابْتَدَأُوا بِطَلَبِ الجَزاءِ، وهو إمّا المالُ وإمّا الجاهُ فَبَذَلَ لَهم ذَلِكَ وأكَّدَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنَّكم إذًا لَمِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ لِأنَّ نِهايَةَ مَطْلُوبِهِمْ مِنهُ البَذْلُ ورَفْعُ المَنزِلَةِ فَبَذَلَ كِلا الأمْرَيْنِ.
الشعراء 26:41
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ ﴿وقِيلَ لِلنّاسِ هَلْ أنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ﴾ ﴿لَعَلَّنا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إنْ كانُوا هُمُ الغالِبِينَ﴾ ﴿فَلَمّا جاءَ السَّحَرَةُ قالُوا لِفِرْعَوْنَ أئِنَّ لَنا لَأجْرًا إنْ كُنّا نَحْنُ الغالِبِينَ﴾ ﴿قالَ نَعَمْ وإنَّكم إذًا لَمِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ .
وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المسألة الأُولى: اليَوْمُ المَعْلُومُ يَوْمُ الزِّينَةِ ومِيقاتُهُ وقْتُ الضُّحى، لِأنَّهُ الوَقْتُ الَّذِي وقَّتَهُ لَهم مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِن يَوْمِ الزِّينَةِ في قَوْلِهِ: ﴿مَوْعِدُكم يَوْمُ الزِّينَةِ وأنْ يُحْشَرَ النّاسُ ضُحًى﴾ [طه: ٥٩] والمِيقاتُ ما وُقِّتَ بِهِ أيْ حُدِّدَ مِن مَكانٍ وزَمانٍ ومِنهُ مَواقِيتُ الإحْرامِ.
المسألة الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ القَوْمَ لَمّا أشارُوا بِتَأْخِيرِ أمْرِهِ وبِأنْ يَجْمَعَ لَهُ السَّحَرَةَ لِيَظْهَرَ عِنْدَ حُضُورِهِمْ فَسادُ قَوْلِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، رَضِيَ فِرْعَوْنُ بِما قالُوهُ وعَمِيَ عَمّا شاهَدَهُ وحُبُّ الشَّيْءِ يُعْمِي ويُصِمُّ. فَجَمَعَ السَّحَرَةَ ثُمَّ أرادَ أنْ تَقَعَ تِلْكَ المُناظَرَةُ يَوْمَ عِيدٍ لَهم لِيَكُونَ ذَلِكَ بِمَحْضَرِ الخَلْقِ العَظِيمِ وكانَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ يَطْلُبُ ذَلِكَ لِتَظْهَرَ حُجَّتُهُ عَلَيْهِمْ عِنْدَ الخَلْقِ العَظِيمِ وكانَ هَذا أيْضًا مِن لُطْفِ اللَّهِ تَعالى في ظُهُورِ أمْرِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وقِيلَ لِلنّاسِ هَلْ أنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ﴾ فالمُرادُ أنَّهم بُعِثُوا عَلى الحُضُورِ لِيُشاهِدُوا ما يَكُونُ مِنَ الجانِبَيْنِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿لَعَلَّنا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ﴾ فالمُرادُ إنّا نَرْجُو أنْ يَكُونَ الغَلَبَةُ لَهم فَنَتَّبِعُهم فَلَمّا جاءَ السَّحَرَةُ ابْتَدَأُوا بِطَلَبِ الجَزاءِ، وهو إمّا المالُ وإمّا الجاهُ فَبَذَلَ لَهم ذَلِكَ وأكَّدَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنَّكم إذًا لَمِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ لِأنَّ نِهايَةَ مَطْلُوبِهِمْ مِنهُ البَذْلُ ورَفْعُ المَنزِلَةِ فَبَذَلَ كِلا الأمْرَيْنِ.
الشعراء 26:42
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ ﴿وقِيلَ لِلنّاسِ هَلْ أنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ﴾ ﴿لَعَلَّنا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إنْ كانُوا هُمُ الغالِبِينَ﴾ ﴿فَلَمّا جاءَ السَّحَرَةُ قالُوا لِفِرْعَوْنَ أئِنَّ لَنا لَأجْرًا إنْ كُنّا نَحْنُ الغالِبِينَ﴾ ﴿قالَ نَعَمْ وإنَّكم إذًا لَمِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ .
وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المسألة الأُولى: اليَوْمُ المَعْلُومُ يَوْمُ الزِّينَةِ ومِيقاتُهُ وقْتُ الضُّحى، لِأنَّهُ الوَقْتُ الَّذِي وقَّتَهُ لَهم مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِن يَوْمِ الزِّينَةِ في قَوْلِهِ: ﴿مَوْعِدُكم يَوْمُ الزِّينَةِ وأنْ يُحْشَرَ النّاسُ ضُحًى﴾ [طه: ٥٩] والمِيقاتُ ما وُقِّتَ بِهِ أيْ حُدِّدَ مِن مَكانٍ وزَمانٍ ومِنهُ مَواقِيتُ الإحْرامِ.
المسألة الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ القَوْمَ لَمّا أشارُوا بِتَأْخِيرِ أمْرِهِ وبِأنْ يَجْمَعَ لَهُ السَّحَرَةَ لِيَظْهَرَ عِنْدَ حُضُورِهِمْ فَسادُ قَوْلِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، رَضِيَ فِرْعَوْنُ بِما قالُوهُ وعَمِيَ عَمّا شاهَدَهُ وحُبُّ الشَّيْءِ يُعْمِي ويُصِمُّ. فَجَمَعَ السَّحَرَةَ ثُمَّ أرادَ أنْ تَقَعَ تِلْكَ المُناظَرَةُ يَوْمَ عِيدٍ لَهم لِيَكُونَ ذَلِكَ بِمَحْضَرِ الخَلْقِ العَظِيمِ وكانَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ يَطْلُبُ ذَلِكَ لِتَظْهَرَ حُجَّتُهُ عَلَيْهِمْ عِنْدَ الخَلْقِ العَظِيمِ وكانَ هَذا أيْضًا مِن لُطْفِ اللَّهِ تَعالى في ظُهُورِ أمْرِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وقِيلَ لِلنّاسِ هَلْ أنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ﴾ فالمُرادُ أنَّهم بُعِثُوا عَلى الحُضُورِ لِيُشاهِدُوا ما يَكُونُ مِنَ الجانِبَيْنِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿لَعَلَّنا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ﴾ فالمُرادُ إنّا نَرْجُو أنْ يَكُونَ الغَلَبَةُ لَهم فَنَتَّبِعُهم فَلَمّا جاءَ السَّحَرَةُ ابْتَدَأُوا بِطَلَبِ الجَزاءِ، وهو إمّا المالُ وإمّا الجاهُ فَبَذَلَ لَهم ذَلِكَ وأكَّدَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنَّكم إذًا لَمِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ لِأنَّ نِهايَةَ مَطْلُوبِهِمْ مِنهُ البَذْلُ ورَفْعُ المَنزِلَةِ فَبَذَلَ كِلا الأمْرَيْنِ.
الشعراء 26:43
صفحة ١١٦
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ لَهم مُوسى ألْقُوا ما أنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ ﴿فَألْقَوْا حِبالَهم وعِصِيَّهم وقالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إنّا لَنَحْنُ الغالِبُونَ﴾ ﴿فَألْقى مُوسى عَصاهُ فَإذا هي تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ﴾ ﴿قالُوا آمَنّا بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿رَبِّ مُوسى وهارُونَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهم لَمّا اجْتَمَعُوا كانَ لا بُدَّ مِن أنْ يَبْدَأ مُوسى أوْ يَبْدَءُوا ثُمَّ إنَّهم تَواضَعُوا لَهُ فَقَدَّمُوهُ عَلى أنْفُسِهِمْ، وقالُوا: ﴿إمّا أنْ تُلْقِيَ وإمّا أنْ نَكُونَ أوَّلَ مَن ألْقى﴾ [طه: ٦٥] فَلَمّا تَواضَعُوا لَهُ تَواضَعَ هو أيْضًا لَهم فَقَدَّمَهم عَلى نَفْسِهِ، وقالَ: ﴿ألْقُوا ما أنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ جازَ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يَأْمُرَ السَّحَرَةَ بِإلْقاءِ الحِبالِ والعِصِيِّ وذَلِكَ سِحْرٌ وتَلْبِيسٌ وكُفْرٌ والأمْرُ بِمِثْلِهِ لا يَجُوزُ ؟ الجَوابُ: لا شُبْهَةَ في أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِأمْرٍ لِأنَّ مُرادَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِنهم كانَ أنْ يُؤْمِنُوا بِهِ ولا يَقْدُمُوا عَلى ما يَجْرِي مَجْرى المُغالَبَةِ، وإذا ثَبَتَ هَذا وجَبَ تَأْوِيلُ صِيغَةِ الأمْرِ وفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: ذَلِكَ الأمْرُ كانَ مَشْرُوطًا والتَّقْدِيرُ: ألْقُوا ما أنْتُمْ مُلْقُونَ إنْ كُنْتُمْ مُحِقِّينَ كَما في قَوْلِهِ: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِن مِثْلِهِ وادْعُوا شُهَداءَكم مِن دُونِ اللَّهِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [البقرة: ٢٣] .
وثانِيها: لَمّا تَعَيَّنَ ذَلِكَ طَرِيقًا إلى كَشْفِ الشُّبْهَةِ صارَ جائِزًا.
وثالِثُها: أنَّ هَذا لَيْسَ بِأمْرٍ بَلْ هو تَهْدِيدٌ، أيْ إنْ فَعَلْتُمْ ذَلِكَ أتَيْنا بِما تُبْطِلُهُ، كَقَوْلِ القائِلِ: لَئِنْ رَمَيْتَنِي لَأفْعَلَنَّ ولَأصْنَعَنَّ ثُمَّ يُفَوِّقُ لَهُ السَّهْمَ فَيَقُولُ لَهُ: ارْمِ فَيَكُونُ ذَلِكَ مِنهُ تَهْدِيدًا.
ورابِعُها: ما ذَكَرْنا أنَّهم لَمّا تَواضَعُوا لَهُ وقَدَّمُوهُ عَلى أنْفُسِهِمْ فَهو قَدَّمَهم عَلى نَفْسِهِ عَلى رَجاءِ أنْ يَصِيرَ ذَلِكَ التَّواضُعُ سَبَبًا لِقَبُولِ الحَقِّ. ولَقَدْ حَصَلَ بِبَرَكَةِ ذَلِكَ التَّواضُعِ ذَلِكَ المَطْلُوبُ، وهَذا تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ اللّائِقَ بِالمُسْلِمِ في كُلِّ الأحْوالِ التَّواضُعُ، لِأنَّ مِثْلَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا لَمْ يَتْرُكِ التَّواضُعَ مَعَ أُولَئِكَ السَّحَرَةِ، فَبِأنْ يَفْعَلَ الواحِدُ مِنّا أوْلى.
الشعراء 26:44
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَألْقَوْا حِبالَهم وعِصِيَّهُمْ﴾ فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهم لَمّا ألْقَوْا حِبالَهم وعِصِيَّهم وقَدْ كانَتِ الحِبالُ مَطْلِيَّةً بِالزِّئْبَقِ والعِصِيُّ مُجَوَّفَةً مَمْلُوءَةً مِنَ الزِّئْبَقِ فَلَمّا حَمِيَتِ اشْتَدَّتْ حَرَكَتُها فَصارَتْ كَأنَّها حَيّاتٌ تَدِبُّ مِن كُلِّ جانِبٍ مِنَ الأرْضِ فَهابَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ذَلِكَ، فَقِيلَ لَهُ: ألْقِ ما في يَمِينِكَ ﴿فَألْقى عَصاهُ فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ ثُمَّ فَتَحَتْ فاها فابْتَلَعَتْ كُلَّ ما رَمَوْهُ مِن حِبالِهِمْ وعِصِيِّهِمْ حَتّى أكَلَتِ الكُلَّ ثُمَّ أخَذَ مُوسى عَصاهُ، فَإذا هي كَما كانَتْ، فَلَمّا رَأتِ السَّحَرَةُ ذَلِكَ قالَتْ لِفِرْعَوْنَ: كُنّا نُساحِرُ النّاسَ فَإذا غَلَبْناهم بَقِيَتِ الحِبالُ والعِصِيُّ، وكَذَلِكَ إنْ غَلَبُونا، ولَكِنَّ هَذا حَقٌّ فَسَجَدُوا وآمَنُوا بِرَبِّ العالَمِينَ.
واعْلَمْ أنَّ في الآثارِ اخْتِلافًا فَمِنهم مَن كَثَّرَ الحِبالَ والعِصِيَّ، ومِنهم مَن تَوَسَّطَ واللَّهُ أعْلَمُ بِعَدَدِ ذَلِكَ، والَّذِي يَدُلُّ القُرْآنُ عَلَيْهِ أنَّها كَثِيرَةٌ مِن حَيْثُ حُشِرُوا مِن كُلِّ بَلَدٍ، ولِأنَّ الأمْرَ بَلَغَ عِنْدَ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ في العِظَمِ مَبْلَغًا يَبْعُدُ أنْ يَدَّخِرَ عَنْهُ ما يُمْكِنُ مِن جَمْعِ السَّحَرَةِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وقالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إنّا لَنَحْنُ الغالِبُونَ﴾ فالمُرادُ أنَّهم أظْهَرُوا ما يَجْرِي مَجْرى القَطْعِ عَلى أنَّهم يَغْلِبُونَ، وكُلُّ ذَلِكَ لَمّا ظَهَرَ كانَ أقْوى لِأمْرِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ.
الشعراء 26:45
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَألْقى مُوسى عَصاهُ فَإذا هي تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ فالمُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ما يَأْفِكُونَ﴾ ما يَقْلِبُونَهُ عَنْ وجْهِهِ وحَقِيقَتِهِ بِسِحْرِهِمْ وكَيْدِهِمْ فَيُخَيِّلُونَ في حِبالِهِمْ وعِصِيِّهِمْ أنَّها حَيّاتٌ تَسْعى، وسَمّى تِلْكَ الأشْياءَ إفْكًا مُبالَغَةً.
* * *
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ﴾ فالمُرادُ خَرُّوا سُجَّدًا لِأنَّهم كانُوا في الطَّبَقَةِ العالِيَةِ مِن عِلْمِ السِّحْرِ،
صفحة ١١٧
فَلا جَرَمَ كانُوا عالِمِينَ بِمُنْتَهى السِّحْرِ، فَلَمّا رَأوْا ذَلِكَ وشاهَدُوهُ خارِجًا عَنْ حَدِّ السِّحْرِ عَلِمُوا أنَّهُ لَيْسَ بِسِحْرٍ، وما كانَ ذَلِكَ إلّا بِبَرَكَةِ تَحْقِيقِهِمْ في عِلْمِ السِّحْرِ، ثُمَّ إنَّهم عِنْدَ ذَلِكَ لَمْ يَتَمالَكُوا أنْ رَمَوْا بِأنْفُسِهِمْ إلى الأرْضِ ساجِدِينَ كَأنَّهم أُخِذُوا فَطُرِحُوا طَرْحًا، فَإنْ قِيلَ فاعِلُ الإلْقاءِ ما هو لَوْ صَرَّحَ بِهِ ؟ جَوابُهُ: هو اللَّهُ تَعالى بِما حَصَلَ في قُلُوبِهِمْ مِنَ الدَّواعِي الجازِمَةِ الخالِيَةِ عَنِ المُعارَضاتِ ولَكِنَّ الأوْلى أنْ لا نُقَدِّرَ فاعِلًا لِأنَّ أُلْقِيَ بِمَعْنى: خَرَّ وسَقَطَ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿رَبِّ مُوسى وهارُونَ﴾ فَهو عَطْفُ بَيانٍ لِرَبِّ العالَمِينَ؛ لِأنَّ فِرْعَوْنَ كانَ يَدَّعِي الرُّبُوبِيَّةَ فَأرادُوا عَزْلَهُ ومَعْنى إضافَتِهِ إلَيْهِما في ذَلِكَ المَقامِ أنَّهُ الَّذِي دَعا مُوسى وهارُونَ عَلَيْهِما السَّلامُ إلَيْهِ.
الشعراء 26:46
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَألْقى مُوسى عَصاهُ فَإذا هي تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ فالمُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ما يَأْفِكُونَ﴾ ما يَقْلِبُونَهُ عَنْ وجْهِهِ وحَقِيقَتِهِ بِسِحْرِهِمْ وكَيْدِهِمْ فَيُخَيِّلُونَ في حِبالِهِمْ وعِصِيِّهِمْ أنَّها حَيّاتٌ تَسْعى، وسَمّى تِلْكَ الأشْياءَ إفْكًا مُبالَغَةً.
* * *
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ﴾ فالمُرادُ خَرُّوا سُجَّدًا لِأنَّهم كانُوا في الطَّبَقَةِ العالِيَةِ مِن عِلْمِ السِّحْرِ،
صفحة ١١٧
فَلا جَرَمَ كانُوا عالِمِينَ بِمُنْتَهى السِّحْرِ، فَلَمّا رَأوْا ذَلِكَ وشاهَدُوهُ خارِجًا عَنْ حَدِّ السِّحْرِ عَلِمُوا أنَّهُ لَيْسَ بِسِحْرٍ، وما كانَ ذَلِكَ إلّا بِبَرَكَةِ تَحْقِيقِهِمْ في عِلْمِ السِّحْرِ، ثُمَّ إنَّهم عِنْدَ ذَلِكَ لَمْ يَتَمالَكُوا أنْ رَمَوْا بِأنْفُسِهِمْ إلى الأرْضِ ساجِدِينَ كَأنَّهم أُخِذُوا فَطُرِحُوا طَرْحًا، فَإنْ قِيلَ فاعِلُ الإلْقاءِ ما هو لَوْ صَرَّحَ بِهِ ؟ جَوابُهُ: هو اللَّهُ تَعالى بِما حَصَلَ في قُلُوبِهِمْ مِنَ الدَّواعِي الجازِمَةِ الخالِيَةِ عَنِ المُعارَضاتِ ولَكِنَّ الأوْلى أنْ لا نُقَدِّرَ فاعِلًا لِأنَّ أُلْقِيَ بِمَعْنى: خَرَّ وسَقَطَ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿رَبِّ مُوسى وهارُونَ﴾ فَهو عَطْفُ بَيانٍ لِرَبِّ العالَمِينَ؛ لِأنَّ فِرْعَوْنَ كانَ يَدَّعِي الرُّبُوبِيَّةَ فَأرادُوا عَزْلَهُ ومَعْنى إضافَتِهِ إلَيْهِما في ذَلِكَ المَقامِ أنَّهُ الَّذِي دَعا مُوسى وهارُونَ عَلَيْهِما السَّلامُ إلَيْهِ.
الشعراء 26:47
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَألْقى مُوسى عَصاهُ فَإذا هي تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ فالمُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ما يَأْفِكُونَ﴾ ما يَقْلِبُونَهُ عَنْ وجْهِهِ وحَقِيقَتِهِ بِسِحْرِهِمْ وكَيْدِهِمْ فَيُخَيِّلُونَ في حِبالِهِمْ وعِصِيِّهِمْ أنَّها حَيّاتٌ تَسْعى، وسَمّى تِلْكَ الأشْياءَ إفْكًا مُبالَغَةً.
* * *
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ﴾ فالمُرادُ خَرُّوا سُجَّدًا لِأنَّهم كانُوا في الطَّبَقَةِ العالِيَةِ مِن عِلْمِ السِّحْرِ،
صفحة ١١٧
فَلا جَرَمَ كانُوا عالِمِينَ بِمُنْتَهى السِّحْرِ، فَلَمّا رَأوْا ذَلِكَ وشاهَدُوهُ خارِجًا عَنْ حَدِّ السِّحْرِ عَلِمُوا أنَّهُ لَيْسَ بِسِحْرٍ، وما كانَ ذَلِكَ إلّا بِبَرَكَةِ تَحْقِيقِهِمْ في عِلْمِ السِّحْرِ، ثُمَّ إنَّهم عِنْدَ ذَلِكَ لَمْ يَتَمالَكُوا أنْ رَمَوْا بِأنْفُسِهِمْ إلى الأرْضِ ساجِدِينَ كَأنَّهم أُخِذُوا فَطُرِحُوا طَرْحًا، فَإنْ قِيلَ فاعِلُ الإلْقاءِ ما هو لَوْ صَرَّحَ بِهِ ؟ جَوابُهُ: هو اللَّهُ تَعالى بِما حَصَلَ في قُلُوبِهِمْ مِنَ الدَّواعِي الجازِمَةِ الخالِيَةِ عَنِ المُعارَضاتِ ولَكِنَّ الأوْلى أنْ لا نُقَدِّرَ فاعِلًا لِأنَّ أُلْقِيَ بِمَعْنى: خَرَّ وسَقَطَ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿رَبِّ مُوسى وهارُونَ﴾ فَهو عَطْفُ بَيانٍ لِرَبِّ العالَمِينَ؛ لِأنَّ فِرْعَوْنَ كانَ يَدَّعِي الرُّبُوبِيَّةَ فَأرادُوا عَزْلَهُ ومَعْنى إضافَتِهِ إلَيْهِما في ذَلِكَ المَقامِ أنَّهُ الَّذِي دَعا مُوسى وهارُونَ عَلَيْهِما السَّلامُ إلَيْهِ.
الشعراء 26:48
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَألْقى مُوسى عَصاهُ فَإذا هي تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ فالمُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ما يَأْفِكُونَ﴾ ما يَقْلِبُونَهُ عَنْ وجْهِهِ وحَقِيقَتِهِ بِسِحْرِهِمْ وكَيْدِهِمْ فَيُخَيِّلُونَ في حِبالِهِمْ وعِصِيِّهِمْ أنَّها حَيّاتٌ تَسْعى، وسَمّى تِلْكَ الأشْياءَ إفْكًا مُبالَغَةً.
* * *
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ﴾ فالمُرادُ خَرُّوا سُجَّدًا لِأنَّهم كانُوا في الطَّبَقَةِ العالِيَةِ مِن عِلْمِ السِّحْرِ،
صفحة ١١٧
فَلا جَرَمَ كانُوا عالِمِينَ بِمُنْتَهى السِّحْرِ، فَلَمّا رَأوْا ذَلِكَ وشاهَدُوهُ خارِجًا عَنْ حَدِّ السِّحْرِ عَلِمُوا أنَّهُ لَيْسَ بِسِحْرٍ، وما كانَ ذَلِكَ إلّا بِبَرَكَةِ تَحْقِيقِهِمْ في عِلْمِ السِّحْرِ، ثُمَّ إنَّهم عِنْدَ ذَلِكَ لَمْ يَتَمالَكُوا أنْ رَمَوْا بِأنْفُسِهِمْ إلى الأرْضِ ساجِدِينَ كَأنَّهم أُخِذُوا فَطُرِحُوا طَرْحًا، فَإنْ قِيلَ فاعِلُ الإلْقاءِ ما هو لَوْ صَرَّحَ بِهِ ؟ جَوابُهُ: هو اللَّهُ تَعالى بِما حَصَلَ في قُلُوبِهِمْ مِنَ الدَّواعِي الجازِمَةِ الخالِيَةِ عَنِ المُعارَضاتِ ولَكِنَّ الأوْلى أنْ لا نُقَدِّرَ فاعِلًا لِأنَّ أُلْقِيَ بِمَعْنى: خَرَّ وسَقَطَ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿رَبِّ مُوسى وهارُونَ﴾ فَهو عَطْفُ بَيانٍ لِرَبِّ العالَمِينَ؛ لِأنَّ فِرْعَوْنَ كانَ يَدَّعِي الرُّبُوبِيَّةَ فَأرادُوا عَزْلَهُ ومَعْنى إضافَتِهِ إلَيْهِما في ذَلِكَ المَقامِ أنَّهُ الَّذِي دَعا مُوسى وهارُونَ عَلَيْهِما السَّلامُ إلَيْهِ.
الشعراء 26:49
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أنْ آذَنَ لَكم إنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أيْدِيَكم وأرْجُلَكم مِن خِلافٍ ولَأُصَلِّبَنَّكم أجْمَعِينَ﴾ ﴿قالُوا لا ضَيْرَ إنّا إلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ﴾ ﴿إنّا نَطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لَنا رَبُّنا خَطايانا أنْ كُنّا أوَّلَ المُؤْمِنِينَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهم لَمّا آمَنُوا بِأجْمَعِهِمْ لَمْ يَأْمَن فِرْعَوْنُ أنْ يَقُولَ النّاسُ إنَّ هَؤُلاءِ السَّحَرَةَ عَلى كَثْرَتِهِمْ وتَظاهُرِهِمْ لَمْ يُؤْمِنُوا إلّا عَنْ مَعْرِفَةٍ بِصِحَّةِ أمْرِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَيَسْلُكُونَ مِثْلَ طَرِيقِهِمْ فَلَبَّسَ عَلى القَوْمِ وبالَغَ في التَّنْفِيرِ عَنْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِن وُجُوهٍ:
أوَّلُها: قَوْلُهُ: ﴿قالَ آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ وهَذا فِيهِ إيهامٌ أنَّ مُسارَعَتَكم إلى الإيمانِ بِهِ دالَّةٌ عَلى أنَّكم كُنْتُمْ مائِلِينَ إلَيْهِ، وذَلِكَ يَطْرُقُ التُّهْمَةَ إلَيْهِمْ فَلَعَلَّهم قَصَّرُوا في السِّحْرِ حِيالَهُ.
وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾ وهَذا تَصْرِيحٌ بِما رَمَزَ بِهِ أوَّلًا، وغَرَضُهُ مِنهُ أنَّهم فَعَلُوا ذَلِكَ عَنْ مُواطَأةٍ بَيْنَهم وبَيْنَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وقَصَّرُوا في السِّحْرِ لِيَظْهَرَ أمْرُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وإلّا فَفي قُوَّةِ السَّحَرَةِ أنْ يَفْعَلُوا مِثْلَ ما فَعَلَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وهَذِهِ شُبْهَةٌ قَوِيَّةٌ في تَنْفِيرِ مَن يَقْبَلُ قَوْلَهُ.
وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ وهو وعِيدٌ مُطْلَقٌ وتَهْدِيدٌ شَدِيدٌ.
ورابِعُها: قَوْلُهُ: ﴿لَأُقَطِّعَنَّ أيْدِيَكم وأرْجُلَكم مِن خِلافٍ ولَأُصَلِّبَنَّكم أجْمَعِينَ﴾ وهَذا هو الوَعِيدُ المُفَصَّلُ وقَطْعُ اليَدِ والرِّجْلِ مِن خِلافٍ هو قَطْعُ اليَدِ اليُمْنى والرِّجْلِ اليُسْرى والصَّلْبُ مَعْلُومٌ، ولَيْسَ في الإهْلاكِ أقْوى مِن ذَلِكَ، ولَيْسَ في الآيَةِ أنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ أوْ لَمْ يَفْعَلْ، ثُمَّ إنَّهم أجابُوا عَنْ هَذِهِ الكَلِماتِ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: قَوْلُهم: ﴿لا ضَيْرَ إنّا إلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ﴾ الضُّرُّ والضَّيْرُ واحِدٌ، ولَيْسَ المُرادُ أنَّ ذَلِكَ إنْ وقَعَ لَمْ يَضُرَّ وإنَّما عَنَوْا بِالإضافَةِ إلى ما عَرَفُوهُ مِن دارِ الجَزاءِ.
واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهم: ﴿إنّا إلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ﴾ فِيهِ نُكْتَةٌ شَرِيفَةٌ وهي أنَّهم قَدْ بَلَغُوا في حُبِّ اللَّهِ تَعالى أنَّهم ما أرادُوا شَيْئًا سِوى الوُصُولِ إلى حَضْرَتِهِ، وأنَّهم ما آمَنُوا رَغْبَةً في ثَوابٍ أوْ رَهْبَةً مِن عِقابٍ، وإنَّما مَقْصُودُهم مَحْضُ الوُصُولِ إلى مَرْضاتِهِ والِاسْتِغْراقِ في أنْوارِ مَعْرِفَتِهِ، وهَذا أعْلى دَرَجاتِ الصَّدِّيقِينَ.
الجَوابُ الثّانِي: قَوْلُهم: ﴿إنّا نَطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لَنا رَبُّنا خَطايانا﴾ فَهو إشارَةٌ مِنهم إلى الكُفْرِ والسِّحْرِ وغَيْرِهِما، والطَّمَعُ في هَذا
صفحة ١١٨
المَوْضِعِ يَحْتَمِلُ اليَقِينَ كَقَوْلِ إبْراهِيمَ: ﴿والَّذِي أطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الشعراء: ٨٢] ويَحْتَمِلُ الظَّنَّ لِأنَّ المَرْءَ لا يَعْلَمُ ما سَيَجِيءُ مِن بَعْدُ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿أنْ كُنّا أوَّلَ المُؤْمِنِينَ﴾ فالمُرادُ لِأنْ كُنّا أوَّلَ المُؤْمِنِينَ مِنَ الجَماعَةِ الَّذِينَ حَضَرُوا ذَلِكَ المَوْقِفَ، أوْ يَكُونُ المُرادُ مِنَ السَّحَرَةِ خاصَّةً، أوْ مِن رَعِيَّةِ فِرْعَوْنَ أوْ مِن أهْلِ زَمانِهِمْ، وقُرِئَ ”إنْ كُنّا“ بِالكَسْرِ، وهو مِنَ الشَّرْطِ الَّذِي يَجِيءُ بِهِ العَدْلُ، ونَظِيرُهُ قَوْلُ القائِلِ لِمَن يُؤَخِّرُ جُعْلَهُ: إنْ كُنْتُ عَمِلْتُ لَكَ فَوَفِّنِي حَقِّي.
الشعراء 26:50
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أنْ آذَنَ لَكم إنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أيْدِيَكم وأرْجُلَكم مِن خِلافٍ ولَأُصَلِّبَنَّكم أجْمَعِينَ﴾ ﴿قالُوا لا ضَيْرَ إنّا إلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ﴾ ﴿إنّا نَطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لَنا رَبُّنا خَطايانا أنْ كُنّا أوَّلَ المُؤْمِنِينَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهم لَمّا آمَنُوا بِأجْمَعِهِمْ لَمْ يَأْمَن فِرْعَوْنُ أنْ يَقُولَ النّاسُ إنَّ هَؤُلاءِ السَّحَرَةَ عَلى كَثْرَتِهِمْ وتَظاهُرِهِمْ لَمْ يُؤْمِنُوا إلّا عَنْ مَعْرِفَةٍ بِصِحَّةِ أمْرِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَيَسْلُكُونَ مِثْلَ طَرِيقِهِمْ فَلَبَّسَ عَلى القَوْمِ وبالَغَ في التَّنْفِيرِ عَنْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِن وُجُوهٍ:
أوَّلُها: قَوْلُهُ: ﴿قالَ آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ وهَذا فِيهِ إيهامٌ أنَّ مُسارَعَتَكم إلى الإيمانِ بِهِ دالَّةٌ عَلى أنَّكم كُنْتُمْ مائِلِينَ إلَيْهِ، وذَلِكَ يَطْرُقُ التُّهْمَةَ إلَيْهِمْ فَلَعَلَّهم قَصَّرُوا في السِّحْرِ حِيالَهُ.
وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾ وهَذا تَصْرِيحٌ بِما رَمَزَ بِهِ أوَّلًا، وغَرَضُهُ مِنهُ أنَّهم فَعَلُوا ذَلِكَ عَنْ مُواطَأةٍ بَيْنَهم وبَيْنَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وقَصَّرُوا في السِّحْرِ لِيَظْهَرَ أمْرُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وإلّا فَفي قُوَّةِ السَّحَرَةِ أنْ يَفْعَلُوا مِثْلَ ما فَعَلَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وهَذِهِ شُبْهَةٌ قَوِيَّةٌ في تَنْفِيرِ مَن يَقْبَلُ قَوْلَهُ.
وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ وهو وعِيدٌ مُطْلَقٌ وتَهْدِيدٌ شَدِيدٌ.
ورابِعُها: قَوْلُهُ: ﴿لَأُقَطِّعَنَّ أيْدِيَكم وأرْجُلَكم مِن خِلافٍ ولَأُصَلِّبَنَّكم أجْمَعِينَ﴾ وهَذا هو الوَعِيدُ المُفَصَّلُ وقَطْعُ اليَدِ والرِّجْلِ مِن خِلافٍ هو قَطْعُ اليَدِ اليُمْنى والرِّجْلِ اليُسْرى والصَّلْبُ مَعْلُومٌ، ولَيْسَ في الإهْلاكِ أقْوى مِن ذَلِكَ، ولَيْسَ في الآيَةِ أنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ أوْ لَمْ يَفْعَلْ، ثُمَّ إنَّهم أجابُوا عَنْ هَذِهِ الكَلِماتِ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: قَوْلُهم: ﴿لا ضَيْرَ إنّا إلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ﴾ الضُّرُّ والضَّيْرُ واحِدٌ، ولَيْسَ المُرادُ أنَّ ذَلِكَ إنْ وقَعَ لَمْ يَضُرَّ وإنَّما عَنَوْا بِالإضافَةِ إلى ما عَرَفُوهُ مِن دارِ الجَزاءِ.
واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهم: ﴿إنّا إلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ﴾ فِيهِ نُكْتَةٌ شَرِيفَةٌ وهي أنَّهم قَدْ بَلَغُوا في حُبِّ اللَّهِ تَعالى أنَّهم ما أرادُوا شَيْئًا سِوى الوُصُولِ إلى حَضْرَتِهِ، وأنَّهم ما آمَنُوا رَغْبَةً في ثَوابٍ أوْ رَهْبَةً مِن عِقابٍ، وإنَّما مَقْصُودُهم مَحْضُ الوُصُولِ إلى مَرْضاتِهِ والِاسْتِغْراقِ في أنْوارِ مَعْرِفَتِهِ، وهَذا أعْلى دَرَجاتِ الصَّدِّيقِينَ.
الجَوابُ الثّانِي: قَوْلُهم: ﴿إنّا نَطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لَنا رَبُّنا خَطايانا﴾ فَهو إشارَةٌ مِنهم إلى الكُفْرِ والسِّحْرِ وغَيْرِهِما، والطَّمَعُ في هَذا
صفحة ١١٨
المَوْضِعِ يَحْتَمِلُ اليَقِينَ كَقَوْلِ إبْراهِيمَ: ﴿والَّذِي أطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الشعراء: ٨٢] ويَحْتَمِلُ الظَّنَّ لِأنَّ المَرْءَ لا يَعْلَمُ ما سَيَجِيءُ مِن بَعْدُ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿أنْ كُنّا أوَّلَ المُؤْمِنِينَ﴾ فالمُرادُ لِأنْ كُنّا أوَّلَ المُؤْمِنِينَ مِنَ الجَماعَةِ الَّذِينَ حَضَرُوا ذَلِكَ المَوْقِفَ، أوْ يَكُونُ المُرادُ مِنَ السَّحَرَةِ خاصَّةً، أوْ مِن رَعِيَّةِ فِرْعَوْنَ أوْ مِن أهْلِ زَمانِهِمْ، وقُرِئَ ”إنْ كُنّا“ بِالكَسْرِ، وهو مِنَ الشَّرْطِ الَّذِي يَجِيءُ بِهِ العَدْلُ، ونَظِيرُهُ قَوْلُ القائِلِ لِمَن يُؤَخِّرُ جُعْلَهُ: إنْ كُنْتُ عَمِلْتُ لَكَ فَوَفِّنِي حَقِّي.
الشعراء 26:51
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أنْ آذَنَ لَكم إنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أيْدِيَكم وأرْجُلَكم مِن خِلافٍ ولَأُصَلِّبَنَّكم أجْمَعِينَ﴾ ﴿قالُوا لا ضَيْرَ إنّا إلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ﴾ ﴿إنّا نَطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لَنا رَبُّنا خَطايانا أنْ كُنّا أوَّلَ المُؤْمِنِينَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهم لَمّا آمَنُوا بِأجْمَعِهِمْ لَمْ يَأْمَن فِرْعَوْنُ أنْ يَقُولَ النّاسُ إنَّ هَؤُلاءِ السَّحَرَةَ عَلى كَثْرَتِهِمْ وتَظاهُرِهِمْ لَمْ يُؤْمِنُوا إلّا عَنْ مَعْرِفَةٍ بِصِحَّةِ أمْرِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَيَسْلُكُونَ مِثْلَ طَرِيقِهِمْ فَلَبَّسَ عَلى القَوْمِ وبالَغَ في التَّنْفِيرِ عَنْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِن وُجُوهٍ:
أوَّلُها: قَوْلُهُ: ﴿قالَ آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ وهَذا فِيهِ إيهامٌ أنَّ مُسارَعَتَكم إلى الإيمانِ بِهِ دالَّةٌ عَلى أنَّكم كُنْتُمْ مائِلِينَ إلَيْهِ، وذَلِكَ يَطْرُقُ التُّهْمَةَ إلَيْهِمْ فَلَعَلَّهم قَصَّرُوا في السِّحْرِ حِيالَهُ.
وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾ وهَذا تَصْرِيحٌ بِما رَمَزَ بِهِ أوَّلًا، وغَرَضُهُ مِنهُ أنَّهم فَعَلُوا ذَلِكَ عَنْ مُواطَأةٍ بَيْنَهم وبَيْنَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وقَصَّرُوا في السِّحْرِ لِيَظْهَرَ أمْرُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وإلّا فَفي قُوَّةِ السَّحَرَةِ أنْ يَفْعَلُوا مِثْلَ ما فَعَلَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وهَذِهِ شُبْهَةٌ قَوِيَّةٌ في تَنْفِيرِ مَن يَقْبَلُ قَوْلَهُ.
وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ وهو وعِيدٌ مُطْلَقٌ وتَهْدِيدٌ شَدِيدٌ.
ورابِعُها: قَوْلُهُ: ﴿لَأُقَطِّعَنَّ أيْدِيَكم وأرْجُلَكم مِن خِلافٍ ولَأُصَلِّبَنَّكم أجْمَعِينَ﴾ وهَذا هو الوَعِيدُ المُفَصَّلُ وقَطْعُ اليَدِ والرِّجْلِ مِن خِلافٍ هو قَطْعُ اليَدِ اليُمْنى والرِّجْلِ اليُسْرى والصَّلْبُ مَعْلُومٌ، ولَيْسَ في الإهْلاكِ أقْوى مِن ذَلِكَ، ولَيْسَ في الآيَةِ أنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ أوْ لَمْ يَفْعَلْ، ثُمَّ إنَّهم أجابُوا عَنْ هَذِهِ الكَلِماتِ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: قَوْلُهم: ﴿لا ضَيْرَ إنّا إلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ﴾ الضُّرُّ والضَّيْرُ واحِدٌ، ولَيْسَ المُرادُ أنَّ ذَلِكَ إنْ وقَعَ لَمْ يَضُرَّ وإنَّما عَنَوْا بِالإضافَةِ إلى ما عَرَفُوهُ مِن دارِ الجَزاءِ.
واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهم: ﴿إنّا إلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ﴾ فِيهِ نُكْتَةٌ شَرِيفَةٌ وهي أنَّهم قَدْ بَلَغُوا في حُبِّ اللَّهِ تَعالى أنَّهم ما أرادُوا شَيْئًا سِوى الوُصُولِ إلى حَضْرَتِهِ، وأنَّهم ما آمَنُوا رَغْبَةً في ثَوابٍ أوْ رَهْبَةً مِن عِقابٍ، وإنَّما مَقْصُودُهم مَحْضُ الوُصُولِ إلى مَرْضاتِهِ والِاسْتِغْراقِ في أنْوارِ مَعْرِفَتِهِ، وهَذا أعْلى دَرَجاتِ الصَّدِّيقِينَ.
الجَوابُ الثّانِي: قَوْلُهم: ﴿إنّا نَطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لَنا رَبُّنا خَطايانا﴾ فَهو إشارَةٌ مِنهم إلى الكُفْرِ والسِّحْرِ وغَيْرِهِما، والطَّمَعُ في هَذا
صفحة ١١٨
المَوْضِعِ يَحْتَمِلُ اليَقِينَ كَقَوْلِ إبْراهِيمَ: ﴿والَّذِي أطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الشعراء: ٨٢] ويَحْتَمِلُ الظَّنَّ لِأنَّ المَرْءَ لا يَعْلَمُ ما سَيَجِيءُ مِن بَعْدُ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿أنْ كُنّا أوَّلَ المُؤْمِنِينَ﴾ فالمُرادُ لِأنْ كُنّا أوَّلَ المُؤْمِنِينَ مِنَ الجَماعَةِ الَّذِينَ حَضَرُوا ذَلِكَ المَوْقِفَ، أوْ يَكُونُ المُرادُ مِنَ السَّحَرَةِ خاصَّةً، أوْ مِن رَعِيَّةِ فِرْعَوْنَ أوْ مِن أهْلِ زَمانِهِمْ، وقُرِئَ ”إنْ كُنّا“ بِالكَسْرِ، وهو مِنَ الشَّرْطِ الَّذِي يَجِيءُ بِهِ العَدْلُ، ونَظِيرُهُ قَوْلُ القائِلِ لِمَن يُؤَخِّرُ جُعْلَهُ: إنْ كُنْتُ عَمِلْتُ لَكَ فَوَفِّنِي حَقِّي.
الشعراء 26:52
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأوْحَيْنا إلى مُوسى أنْ أسْرِ بِعِبادِي إنَّكم مُتَّبَعُونَ﴾ ﴿فَأرْسَلَ فِرْعَوْنُ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ ﴿وإنَّهم لَنا لَغائِظُونَ﴾ ﴿وإنّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ﴾ ﴿فَأخْرَجْناهم مِن جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿وكُنُوزٍ ومَقامٍ كَرِيمٍ﴾ ﴿كَذَلِكَ وأوْرَثْناها بَنِي إسْرائِيلَ﴾ ﴿فَأتْبَعُوهم مُشْرِقِينَ﴾ ﴿فَلَمّا تَراءى الجَمْعانِ قالَ أصْحابُ مُوسى إنّا لَمُدْرَكُونَ﴾ ﴿قالَ كَلّا إنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ .
قُرِئَ (أسْرِ) بِقَطْعِ الهَمْزَةِ ووَصْلِها و”سِرْ“ . لَمّا ظَهَرَ أمْرُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِما شاهَدُوهُ مِنَ الآيَةِ، أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِأنْ يَخْرُجَ بِبَنِي إسْرائِيلَ لَمّا كانَ في المَعْلُومِ مِن تَدْبِيرِ اللَّهِ تَعالى في مُوسى وتَخْلِيصِهِ مِنَ القَوْمِ وتَمْلِيكِهِ بِلادَهم وأمْوالَهم، ولَمْ يَأْمَن وقَدْ جَرَتْ تِلْكَ الغَلَبَةُ الظّاهِرَةُ أنْ يَقَعَ مِن فِرْعَوْنَ بِبَنِي إسْرائِيلَ ما يُؤَدِّي إلى الِاسْتِئْصالِ، فَلِذَلِكَ أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى أنْ يَسْرِيَ بِبَنِي إسْرائِيلَ، وهُمُ الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا مِن قَوْمِ مُوسى، ولا شُبْهَةَ أنَّ في الكَلامِ حَذْفًا وهو أنَّهُ أسْرى بِهِمْ كَما أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى، ثُمَّ إنَّ قَوْمَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ قالُوا لِقَوْمِ فِرْعَوْنَ: إنَّ لَنا في هَذِهِ اللَّيْلَةِ عِيدًا، ثُمَّ اسْتَعارُوا مِنهم حُلِيَّهم وحُلَلَهم بِهَذا السَّبَبِ، ثُمَّ خَرَجُوا بِتِلْكَ الأمْوالِ في اللَّيْلِ إلى جانِبِ البَحْرِ، فَلَمّا سَمِعَ ذَلِكَ فِرْعَوْنُ أرْسَلَ في المَدائِنِ حاشِرِينَ، ثُمَّ إنَّهُ قَوّى نَفْسَهُ ونَفْسَ أصْحابِهِ بِأنْ وصَفَ قَوْمَ مُوسى بِوَصْفَيْنِ مِن أوْصافِ الذَّمِّ، ووَصَفَ قَوْمَ نَفْسِهِ بِصِفَةِ المَدْحِ. أمّا وصْفُ قَوْمِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِالذَّمِّ:
فالصِّفَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ والشِّرْذِمَةُ الطّائِفَةُ القَلِيلَةُ، ومِنهُ قَوْلُهم ثَوْبٌ شَراذِمُ لِلَّذِي بَلِيَ وتَقَطَّعَ قِطَعًا، ذَكَرَهم بِالِاسْمِ الدّالِّ عَلى القِلَّةِ، ثُمَّ جَعَلَهم قَلِيلًا بِالوَصْفِ، ثُمَّ جَمَعَ القَلِيلَ فَجَعَلَ كُلَّ حِزْبٍ مِنهم قَلِيلًا واخْتارَ جَمْعَ السَّلامَةِ الَّذِي هو لِلْقِلَّةِ، ويَجُوزُ أنْ يُرِيدَ بِالقِلَّةِ: الذِّلَّةَ لا قِلَّةَ العَدَدِ، والمَعْنى: أنَّهم لِقِلَّتِهِمْ لا يُبالِي بِهِمْ ولا يَتَوَقَّعُ غَلَبَتَهم وعُلُوَّهم، ثُمَّ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في عَدَدِ تِلْكَ الشِّرْذِمَةِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: كانُوا سِتَّمِائَةِ ألْفِ مُقاتِلٍ لا شابَّ فِيهِمْ دُونَ عِشْرِينَ سَنَةً، ولا شَيْخَ يُوفِي عَلى السِّتِّينَ
صفحة ١١٩
سِوى الحَشَمِ، وفِرْعَوْنُ يُقَلِّلُهم لِكَثْرَةِ مَن مَعَهُ، وهَذا الوَصْفُ قَدْ يُسْتَعْمَلُ في الكَثِيرِ عِنْدَ الإضافَةِ إلى ما هو أكْثَرُ مِنهُ، فَرُوِيَ أنَّ فِرْعَوْنَ خَرَجَ عَلى فَرَسٍ أدْهَمَ حِصانٍ وفي عَسْكَرِهِ عَلى لَوْنِ فَرَسِهِ ثَلَثُمِائَةِ ألْفٍ.
الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وإنَّهم لَنا لَغائِظُونَ﴾ يَعْنِي يَفْعَلُونَ أفْعالًا تَغِيظُنا وتُضَيِّقُ صُدُورَنا، واخْتَلَفُوا في تِلْكَ الأفْعالِ عَلى وُجُوهٍ:
أحَدُها: ما تَقَدَّمَ مِن أمْرِ الحُلِيِّ وغَيْرِهِ.
وثانِيها: خُرُوجُ بَنِي إسْرائِيلَ عَنْ عُبُودِيَّةِ فِرْعَوْنَ واسْتِقْلالُهم بِأنْفُسِهِمْ.
وثالِثُها: مُخالَفَتُهم لَهم في الدِّينِ وخُرُوجُهم عَلَيْهِمْ.
ورابِعُها: لَيْسَ إلّا أنَّهم لَمْ يَتَّخِذُوا فِرْعَوْنَ إلَهًا. أمّا الَّذِي وصَفَ فِرْعَوْنُ بِهِ قَوْمَهُ فَهو قَوْلُهُ: ﴿وإنّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ﴾ وفِيهِ ثَلاثُ قِراءاتٍ ”حَذِرُونِ“ و”حاذِرُونَ“ و”حادِرُونَ“ بِالدّالِ غَيْرِ المُعْجَمَةِ.
واعْلَمْ أنَّ الصِّفَةَ إذا كانَتْ جارِيَةً عَلى الفِعْلِ وهي اسْمُ الفاعِلِ واسْمُ المَفْعُولِ كالضّارِبِ والمَضْرُوبِ أفادَتِ الحُدُوثَ، وإذا لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ وهي المُشَبَّهَةُ أفادَتِ الثُّبُوتَ، فَمَن قَرَأ ”حَذِرُونَ“ ذَهَبَ إلى: إنّا قَوْمٌ مِن عادَتِنا الحَذَرُ واسْتِعْمالُ الحَزْمِ، ومَن قَرَأ ”حاذِرُونَ“ فَكَأنَّهُ ذَهَبَ إلى مَعْنى: إنّا قَوْمٌ ما عَهِدْنا أنْ نَحْذَرَ إلّا عَصْرَنا هَذا. وأمّا مَن قَرَأ ”حادِرُونَ“ بِالدّالِ غَيْرِ المُعْجَمَةِ فَكَأنَّهُ ذَهَبَ إلى نَفْيِ الحَذَرِ أصْلًا؛ لِأنَّ الحادِرَ هو المُشَمِّرُ، فَأرادَ إنّا قَوْمٌ أقْوِياءُ أشِدّاءُ، أوْ أرادَ إنّا مُدَجَّجُونَ في السِّلاحِ، والغَرَضُ مِن هَذِهِ المَعاذِيرِ أنْ لا يَتَوَهَّمَ أهْلُ المَدائِنِ أنَّهُ مُنْكَسِرٌ مِن قَوْمِ مُوسى أوْ خائِفٌ مِنهم.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأخْرَجْناهُمْ﴾ فالمُرادُ: إنّا جَعَلْنا في قُلُوبِهِمْ داعِيَةَ الخُرُوجِ فاسْتَوْجَبَتِ الدّاعِيَةُ الفِعْلَ، فَكانَ الفِعْلُ مُضافًا إلى اللَّهِ تَعالى لا مَحالَةَ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿مِن جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿وكُنُوزٍ﴾ فَقالَ مُجاهِدٌ: سَمّاها كُنُوزًا، لِأنَّهم لَمْ يُنْفِقُوا مِنها في طاعَةِ اللَّهِ تَعالى، والمَقامُ الكَرِيمُ يُرِيدُ المَنازِلَ الحَسَنَةَ والمَجالِسَ البَهِيَّةَ، والمَعْنى إنّا أخْرَجْناهم مِن بَساتِينِهِمُ الَّتِي فِيها عُيُونُ الماءِ وكُنُوزُ الذَّهَبِ والفِضَّةِ، والمَواضِعِ الَّتِي كانُوا يَتَنَعَّمُونَ فِيها لِنُسَلِّمَها إلى بَنِي إسْرائِيلَ. أمّا قَوْلُهُ: ”كَذَلِكَ“ فَيَحْتَمِلُ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ: النَّصْبَ عَلى أخْرَجْناهم مِثْلَ ذَلِكَ الإخْراجِ الَّذِي وصَفْناهُ، والجَرَّ عَلى أنَّهُ وصْفٌ لِمَقامٍ كَرِيمٍ، أيْ مَقامٍ كَرِيمٍ مِثْلِ ذَلِكَ المَقامِ الَّذِي كانَ لَهم، والرَّفْعَ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيِ الأمْرُ كَذَلِكَ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَأتْبَعُوهُمْ﴾ أيْ: فَلَحِقُوهم، وقُرِئَ ”فاتَّبَعُوهم مُشْرِقِينَ“ داخِلِينَ في وقْتِ الشُّرُوقِ مِن أشْرَقَتِ الشَّمْسُ شُرُوقًا إذا طَلَعَتْ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا تَراءى الجَمْعانِ﴾ أيْ رَأى بَعْضُهم بَعْضًا، قالَ أصْحابُ مُوسى: ﴿إنّا لَمُدْرَكُونَ﴾ أيْ لَمُلْحَقُونَ ﴿قالُوا أُوذِينا مِن قَبْلِ أنْ تَأْتِيَنا ومِن بَعْدِ ما جِئْتَنا﴾ [الأعراف: ١٢٩] كانُوا يَذْبَحُونَ أبْناءَنا، مِن قَبْلِ أنْ تَأْتِيَنا ومِن بَعْدِ ما جِئْتَنا يُدْرِكُونَنا، أيْ في السّاعَةِ فَيَقْتُلُونَنا، وقُرِئَ ”فَلَمّا تَراءَتِ الفِئَتانِ“ ”إنّا لَمُدَّرِكُونَ“ بِتَشْدِيدِ الدّالِ وكَسْرِ الرّاءِ مِنَ ادّارَكَ الشَّيْءُ إذا تَتابَعَ فَفَنِيَ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلِ ادّارَكَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ﴾ [النمل: ٦٦] قالَ الحَسَنُ: جَهِلُوا عِلْمَ الآخِرَةِ، والمَعْنى إنّا لَمُتَتابِعُونَ في الهَلاكِ عَلى أيْدِيهِمْ حَتّى لا يَبْقى مِنّا أحَدٌ، فَعِنْدَ ذَلِكَ قالَ لَهم: كَلّا، وذَلِكَ كالمَنعِ مِمّا تَوَهَّمُوهُ، ثُمَّ قَوّى نُفُوسَهم بِأمْرَيْنِ:
أحَدُهُما: ﴿إنَّ مَعِيَ رَبِّي﴾ وهَذا دَلالَةُ النُّصْرَةِ والتَّكَفُّلِ بِالمَعُونَةِ.
والثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿سَيَهْدِينِ﴾ والهُدى هو طَرِيقُ النَّجاةِ والخَلاصِ، وإذا دَلَّهُ عَلى طَرِيقِ نَجاتِهِ وهَلاكِ أعْدائِهِ، فَقَدْ بَلَغَ النِّهايَةَ في النُّصْرَةِ.
الشعراء 26:53
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأوْحَيْنا إلى مُوسى أنْ أسْرِ بِعِبادِي إنَّكم مُتَّبَعُونَ﴾ ﴿فَأرْسَلَ فِرْعَوْنُ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ ﴿وإنَّهم لَنا لَغائِظُونَ﴾ ﴿وإنّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ﴾ ﴿فَأخْرَجْناهم مِن جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿وكُنُوزٍ ومَقامٍ كَرِيمٍ﴾ ﴿كَذَلِكَ وأوْرَثْناها بَنِي إسْرائِيلَ﴾ ﴿فَأتْبَعُوهم مُشْرِقِينَ﴾ ﴿فَلَمّا تَراءى الجَمْعانِ قالَ أصْحابُ مُوسى إنّا لَمُدْرَكُونَ﴾ ﴿قالَ كَلّا إنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ .
قُرِئَ (أسْرِ) بِقَطْعِ الهَمْزَةِ ووَصْلِها و”سِرْ“ . لَمّا ظَهَرَ أمْرُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِما شاهَدُوهُ مِنَ الآيَةِ، أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِأنْ يَخْرُجَ بِبَنِي إسْرائِيلَ لَمّا كانَ في المَعْلُومِ مِن تَدْبِيرِ اللَّهِ تَعالى في مُوسى وتَخْلِيصِهِ مِنَ القَوْمِ وتَمْلِيكِهِ بِلادَهم وأمْوالَهم، ولَمْ يَأْمَن وقَدْ جَرَتْ تِلْكَ الغَلَبَةُ الظّاهِرَةُ أنْ يَقَعَ مِن فِرْعَوْنَ بِبَنِي إسْرائِيلَ ما يُؤَدِّي إلى الِاسْتِئْصالِ، فَلِذَلِكَ أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى أنْ يَسْرِيَ بِبَنِي إسْرائِيلَ، وهُمُ الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا مِن قَوْمِ مُوسى، ولا شُبْهَةَ أنَّ في الكَلامِ حَذْفًا وهو أنَّهُ أسْرى بِهِمْ كَما أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى، ثُمَّ إنَّ قَوْمَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ قالُوا لِقَوْمِ فِرْعَوْنَ: إنَّ لَنا في هَذِهِ اللَّيْلَةِ عِيدًا، ثُمَّ اسْتَعارُوا مِنهم حُلِيَّهم وحُلَلَهم بِهَذا السَّبَبِ، ثُمَّ خَرَجُوا بِتِلْكَ الأمْوالِ في اللَّيْلِ إلى جانِبِ البَحْرِ، فَلَمّا سَمِعَ ذَلِكَ فِرْعَوْنُ أرْسَلَ في المَدائِنِ حاشِرِينَ، ثُمَّ إنَّهُ قَوّى نَفْسَهُ ونَفْسَ أصْحابِهِ بِأنْ وصَفَ قَوْمَ مُوسى بِوَصْفَيْنِ مِن أوْصافِ الذَّمِّ، ووَصَفَ قَوْمَ نَفْسِهِ بِصِفَةِ المَدْحِ. أمّا وصْفُ قَوْمِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِالذَّمِّ:
فالصِّفَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ والشِّرْذِمَةُ الطّائِفَةُ القَلِيلَةُ، ومِنهُ قَوْلُهم ثَوْبٌ شَراذِمُ لِلَّذِي بَلِيَ وتَقَطَّعَ قِطَعًا، ذَكَرَهم بِالِاسْمِ الدّالِّ عَلى القِلَّةِ، ثُمَّ جَعَلَهم قَلِيلًا بِالوَصْفِ، ثُمَّ جَمَعَ القَلِيلَ فَجَعَلَ كُلَّ حِزْبٍ مِنهم قَلِيلًا واخْتارَ جَمْعَ السَّلامَةِ الَّذِي هو لِلْقِلَّةِ، ويَجُوزُ أنْ يُرِيدَ بِالقِلَّةِ: الذِّلَّةَ لا قِلَّةَ العَدَدِ، والمَعْنى: أنَّهم لِقِلَّتِهِمْ لا يُبالِي بِهِمْ ولا يَتَوَقَّعُ غَلَبَتَهم وعُلُوَّهم، ثُمَّ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في عَدَدِ تِلْكَ الشِّرْذِمَةِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: كانُوا سِتَّمِائَةِ ألْفِ مُقاتِلٍ لا شابَّ فِيهِمْ دُونَ عِشْرِينَ سَنَةً، ولا شَيْخَ يُوفِي عَلى السِّتِّينَ
صفحة ١١٩
سِوى الحَشَمِ، وفِرْعَوْنُ يُقَلِّلُهم لِكَثْرَةِ مَن مَعَهُ، وهَذا الوَصْفُ قَدْ يُسْتَعْمَلُ في الكَثِيرِ عِنْدَ الإضافَةِ إلى ما هو أكْثَرُ مِنهُ، فَرُوِيَ أنَّ فِرْعَوْنَ خَرَجَ عَلى فَرَسٍ أدْهَمَ حِصانٍ وفي عَسْكَرِهِ عَلى لَوْنِ فَرَسِهِ ثَلَثُمِائَةِ ألْفٍ.
الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وإنَّهم لَنا لَغائِظُونَ﴾ يَعْنِي يَفْعَلُونَ أفْعالًا تَغِيظُنا وتُضَيِّقُ صُدُورَنا، واخْتَلَفُوا في تِلْكَ الأفْعالِ عَلى وُجُوهٍ:
أحَدُها: ما تَقَدَّمَ مِن أمْرِ الحُلِيِّ وغَيْرِهِ.
وثانِيها: خُرُوجُ بَنِي إسْرائِيلَ عَنْ عُبُودِيَّةِ فِرْعَوْنَ واسْتِقْلالُهم بِأنْفُسِهِمْ.
وثالِثُها: مُخالَفَتُهم لَهم في الدِّينِ وخُرُوجُهم عَلَيْهِمْ.
ورابِعُها: لَيْسَ إلّا أنَّهم لَمْ يَتَّخِذُوا فِرْعَوْنَ إلَهًا. أمّا الَّذِي وصَفَ فِرْعَوْنُ بِهِ قَوْمَهُ فَهو قَوْلُهُ: ﴿وإنّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ﴾ وفِيهِ ثَلاثُ قِراءاتٍ ”حَذِرُونِ“ و”حاذِرُونَ“ و”حادِرُونَ“ بِالدّالِ غَيْرِ المُعْجَمَةِ.
واعْلَمْ أنَّ الصِّفَةَ إذا كانَتْ جارِيَةً عَلى الفِعْلِ وهي اسْمُ الفاعِلِ واسْمُ المَفْعُولِ كالضّارِبِ والمَضْرُوبِ أفادَتِ الحُدُوثَ، وإذا لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ وهي المُشَبَّهَةُ أفادَتِ الثُّبُوتَ، فَمَن قَرَأ ”حَذِرُونَ“ ذَهَبَ إلى: إنّا قَوْمٌ مِن عادَتِنا الحَذَرُ واسْتِعْمالُ الحَزْمِ، ومَن قَرَأ ”حاذِرُونَ“ فَكَأنَّهُ ذَهَبَ إلى مَعْنى: إنّا قَوْمٌ ما عَهِدْنا أنْ نَحْذَرَ إلّا عَصْرَنا هَذا. وأمّا مَن قَرَأ ”حادِرُونَ“ بِالدّالِ غَيْرِ المُعْجَمَةِ فَكَأنَّهُ ذَهَبَ إلى نَفْيِ الحَذَرِ أصْلًا؛ لِأنَّ الحادِرَ هو المُشَمِّرُ، فَأرادَ إنّا قَوْمٌ أقْوِياءُ أشِدّاءُ، أوْ أرادَ إنّا مُدَجَّجُونَ في السِّلاحِ، والغَرَضُ مِن هَذِهِ المَعاذِيرِ أنْ لا يَتَوَهَّمَ أهْلُ المَدائِنِ أنَّهُ مُنْكَسِرٌ مِن قَوْمِ مُوسى أوْ خائِفٌ مِنهم.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأخْرَجْناهُمْ﴾ فالمُرادُ: إنّا جَعَلْنا في قُلُوبِهِمْ داعِيَةَ الخُرُوجِ فاسْتَوْجَبَتِ الدّاعِيَةُ الفِعْلَ، فَكانَ الفِعْلُ مُضافًا إلى اللَّهِ تَعالى لا مَحالَةَ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿مِن جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿وكُنُوزٍ﴾ فَقالَ مُجاهِدٌ: سَمّاها كُنُوزًا، لِأنَّهم لَمْ يُنْفِقُوا مِنها في طاعَةِ اللَّهِ تَعالى، والمَقامُ الكَرِيمُ يُرِيدُ المَنازِلَ الحَسَنَةَ والمَجالِسَ البَهِيَّةَ، والمَعْنى إنّا أخْرَجْناهم مِن بَساتِينِهِمُ الَّتِي فِيها عُيُونُ الماءِ وكُنُوزُ الذَّهَبِ والفِضَّةِ، والمَواضِعِ الَّتِي كانُوا يَتَنَعَّمُونَ فِيها لِنُسَلِّمَها إلى بَنِي إسْرائِيلَ. أمّا قَوْلُهُ: ”كَذَلِكَ“ فَيَحْتَمِلُ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ: النَّصْبَ عَلى أخْرَجْناهم مِثْلَ ذَلِكَ الإخْراجِ الَّذِي وصَفْناهُ، والجَرَّ عَلى أنَّهُ وصْفٌ لِمَقامٍ كَرِيمٍ، أيْ مَقامٍ كَرِيمٍ مِثْلِ ذَلِكَ المَقامِ الَّذِي كانَ لَهم، والرَّفْعَ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيِ الأمْرُ كَذَلِكَ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَأتْبَعُوهُمْ﴾ أيْ: فَلَحِقُوهم، وقُرِئَ ”فاتَّبَعُوهم مُشْرِقِينَ“ داخِلِينَ في وقْتِ الشُّرُوقِ مِن أشْرَقَتِ الشَّمْسُ شُرُوقًا إذا طَلَعَتْ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا تَراءى الجَمْعانِ﴾ أيْ رَأى بَعْضُهم بَعْضًا، قالَ أصْحابُ مُوسى: ﴿إنّا لَمُدْرَكُونَ﴾ أيْ لَمُلْحَقُونَ ﴿قالُوا أُوذِينا مِن قَبْلِ أنْ تَأْتِيَنا ومِن بَعْدِ ما جِئْتَنا﴾ [الأعراف: ١٢٩] كانُوا يَذْبَحُونَ أبْناءَنا، مِن قَبْلِ أنْ تَأْتِيَنا ومِن بَعْدِ ما جِئْتَنا يُدْرِكُونَنا، أيْ في السّاعَةِ فَيَقْتُلُونَنا، وقُرِئَ ”فَلَمّا تَراءَتِ الفِئَتانِ“ ”إنّا لَمُدَّرِكُونَ“ بِتَشْدِيدِ الدّالِ وكَسْرِ الرّاءِ مِنَ ادّارَكَ الشَّيْءُ إذا تَتابَعَ فَفَنِيَ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلِ ادّارَكَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ﴾ [النمل: ٦٦] قالَ الحَسَنُ: جَهِلُوا عِلْمَ الآخِرَةِ، والمَعْنى إنّا لَمُتَتابِعُونَ في الهَلاكِ عَلى أيْدِيهِمْ حَتّى لا يَبْقى مِنّا أحَدٌ، فَعِنْدَ ذَلِكَ قالَ لَهم: كَلّا، وذَلِكَ كالمَنعِ مِمّا تَوَهَّمُوهُ، ثُمَّ قَوّى نُفُوسَهم بِأمْرَيْنِ:
أحَدُهُما: ﴿إنَّ مَعِيَ رَبِّي﴾ وهَذا دَلالَةُ النُّصْرَةِ والتَّكَفُّلِ بِالمَعُونَةِ.
والثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿سَيَهْدِينِ﴾ والهُدى هو طَرِيقُ النَّجاةِ والخَلاصِ، وإذا دَلَّهُ عَلى طَرِيقِ نَجاتِهِ وهَلاكِ أعْدائِهِ، فَقَدْ بَلَغَ النِّهايَةَ في النُّصْرَةِ.
الشعراء 26:54
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأوْحَيْنا إلى مُوسى أنْ أسْرِ بِعِبادِي إنَّكم مُتَّبَعُونَ﴾ ﴿فَأرْسَلَ فِرْعَوْنُ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ ﴿وإنَّهم لَنا لَغائِظُونَ﴾ ﴿وإنّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ﴾ ﴿فَأخْرَجْناهم مِن جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿وكُنُوزٍ ومَقامٍ كَرِيمٍ﴾ ﴿كَذَلِكَ وأوْرَثْناها بَنِي إسْرائِيلَ﴾ ﴿فَأتْبَعُوهم مُشْرِقِينَ﴾ ﴿فَلَمّا تَراءى الجَمْعانِ قالَ أصْحابُ مُوسى إنّا لَمُدْرَكُونَ﴾ ﴿قالَ كَلّا إنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ .
قُرِئَ (أسْرِ) بِقَطْعِ الهَمْزَةِ ووَصْلِها و”سِرْ“ . لَمّا ظَهَرَ أمْرُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِما شاهَدُوهُ مِنَ الآيَةِ، أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِأنْ يَخْرُجَ بِبَنِي إسْرائِيلَ لَمّا كانَ في المَعْلُومِ مِن تَدْبِيرِ اللَّهِ تَعالى في مُوسى وتَخْلِيصِهِ مِنَ القَوْمِ وتَمْلِيكِهِ بِلادَهم وأمْوالَهم، ولَمْ يَأْمَن وقَدْ جَرَتْ تِلْكَ الغَلَبَةُ الظّاهِرَةُ أنْ يَقَعَ مِن فِرْعَوْنَ بِبَنِي إسْرائِيلَ ما يُؤَدِّي إلى الِاسْتِئْصالِ، فَلِذَلِكَ أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى أنْ يَسْرِيَ بِبَنِي إسْرائِيلَ، وهُمُ الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا مِن قَوْمِ مُوسى، ولا شُبْهَةَ أنَّ في الكَلامِ حَذْفًا وهو أنَّهُ أسْرى بِهِمْ كَما أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى، ثُمَّ إنَّ قَوْمَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ قالُوا لِقَوْمِ فِرْعَوْنَ: إنَّ لَنا في هَذِهِ اللَّيْلَةِ عِيدًا، ثُمَّ اسْتَعارُوا مِنهم حُلِيَّهم وحُلَلَهم بِهَذا السَّبَبِ، ثُمَّ خَرَجُوا بِتِلْكَ الأمْوالِ في اللَّيْلِ إلى جانِبِ البَحْرِ، فَلَمّا سَمِعَ ذَلِكَ فِرْعَوْنُ أرْسَلَ في المَدائِنِ حاشِرِينَ، ثُمَّ إنَّهُ قَوّى نَفْسَهُ ونَفْسَ أصْحابِهِ بِأنْ وصَفَ قَوْمَ مُوسى بِوَصْفَيْنِ مِن أوْصافِ الذَّمِّ، ووَصَفَ قَوْمَ نَفْسِهِ بِصِفَةِ المَدْحِ. أمّا وصْفُ قَوْمِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِالذَّمِّ:
فالصِّفَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ والشِّرْذِمَةُ الطّائِفَةُ القَلِيلَةُ، ومِنهُ قَوْلُهم ثَوْبٌ شَراذِمُ لِلَّذِي بَلِيَ وتَقَطَّعَ قِطَعًا، ذَكَرَهم بِالِاسْمِ الدّالِّ عَلى القِلَّةِ، ثُمَّ جَعَلَهم قَلِيلًا بِالوَصْفِ، ثُمَّ جَمَعَ القَلِيلَ فَجَعَلَ كُلَّ حِزْبٍ مِنهم قَلِيلًا واخْتارَ جَمْعَ السَّلامَةِ الَّذِي هو لِلْقِلَّةِ، ويَجُوزُ أنْ يُرِيدَ بِالقِلَّةِ: الذِّلَّةَ لا قِلَّةَ العَدَدِ، والمَعْنى: أنَّهم لِقِلَّتِهِمْ لا يُبالِي بِهِمْ ولا يَتَوَقَّعُ غَلَبَتَهم وعُلُوَّهم، ثُمَّ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في عَدَدِ تِلْكَ الشِّرْذِمَةِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: كانُوا سِتَّمِائَةِ ألْفِ مُقاتِلٍ لا شابَّ فِيهِمْ دُونَ عِشْرِينَ سَنَةً، ولا شَيْخَ يُوفِي عَلى السِّتِّينَ
صفحة ١١٩
سِوى الحَشَمِ، وفِرْعَوْنُ يُقَلِّلُهم لِكَثْرَةِ مَن مَعَهُ، وهَذا الوَصْفُ قَدْ يُسْتَعْمَلُ في الكَثِيرِ عِنْدَ الإضافَةِ إلى ما هو أكْثَرُ مِنهُ، فَرُوِيَ أنَّ فِرْعَوْنَ خَرَجَ عَلى فَرَسٍ أدْهَمَ حِصانٍ وفي عَسْكَرِهِ عَلى لَوْنِ فَرَسِهِ ثَلَثُمِائَةِ ألْفٍ.
الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وإنَّهم لَنا لَغائِظُونَ﴾ يَعْنِي يَفْعَلُونَ أفْعالًا تَغِيظُنا وتُضَيِّقُ صُدُورَنا، واخْتَلَفُوا في تِلْكَ الأفْعالِ عَلى وُجُوهٍ:
أحَدُها: ما تَقَدَّمَ مِن أمْرِ الحُلِيِّ وغَيْرِهِ.
وثانِيها: خُرُوجُ بَنِي إسْرائِيلَ عَنْ عُبُودِيَّةِ فِرْعَوْنَ واسْتِقْلالُهم بِأنْفُسِهِمْ.
وثالِثُها: مُخالَفَتُهم لَهم في الدِّينِ وخُرُوجُهم عَلَيْهِمْ.
ورابِعُها: لَيْسَ إلّا أنَّهم لَمْ يَتَّخِذُوا فِرْعَوْنَ إلَهًا. أمّا الَّذِي وصَفَ فِرْعَوْنُ بِهِ قَوْمَهُ فَهو قَوْلُهُ: ﴿وإنّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ﴾ وفِيهِ ثَلاثُ قِراءاتٍ ”حَذِرُونِ“ و”حاذِرُونَ“ و”حادِرُونَ“ بِالدّالِ غَيْرِ المُعْجَمَةِ.
واعْلَمْ أنَّ الصِّفَةَ إذا كانَتْ جارِيَةً عَلى الفِعْلِ وهي اسْمُ الفاعِلِ واسْمُ المَفْعُولِ كالضّارِبِ والمَضْرُوبِ أفادَتِ الحُدُوثَ، وإذا لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ وهي المُشَبَّهَةُ أفادَتِ الثُّبُوتَ، فَمَن قَرَأ ”حَذِرُونَ“ ذَهَبَ إلى: إنّا قَوْمٌ مِن عادَتِنا الحَذَرُ واسْتِعْمالُ الحَزْمِ، ومَن قَرَأ ”حاذِرُونَ“ فَكَأنَّهُ ذَهَبَ إلى مَعْنى: إنّا قَوْمٌ ما عَهِدْنا أنْ نَحْذَرَ إلّا عَصْرَنا هَذا. وأمّا مَن قَرَأ ”حادِرُونَ“ بِالدّالِ غَيْرِ المُعْجَمَةِ فَكَأنَّهُ ذَهَبَ إلى نَفْيِ الحَذَرِ أصْلًا؛ لِأنَّ الحادِرَ هو المُشَمِّرُ، فَأرادَ إنّا قَوْمٌ أقْوِياءُ أشِدّاءُ، أوْ أرادَ إنّا مُدَجَّجُونَ في السِّلاحِ، والغَرَضُ مِن هَذِهِ المَعاذِيرِ أنْ لا يَتَوَهَّمَ أهْلُ المَدائِنِ أنَّهُ مُنْكَسِرٌ مِن قَوْمِ مُوسى أوْ خائِفٌ مِنهم.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأخْرَجْناهُمْ﴾ فالمُرادُ: إنّا جَعَلْنا في قُلُوبِهِمْ داعِيَةَ الخُرُوجِ فاسْتَوْجَبَتِ الدّاعِيَةُ الفِعْلَ، فَكانَ الفِعْلُ مُضافًا إلى اللَّهِ تَعالى لا مَحالَةَ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿مِن جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿وكُنُوزٍ﴾ فَقالَ مُجاهِدٌ: سَمّاها كُنُوزًا، لِأنَّهم لَمْ يُنْفِقُوا مِنها في طاعَةِ اللَّهِ تَعالى، والمَقامُ الكَرِيمُ يُرِيدُ المَنازِلَ الحَسَنَةَ والمَجالِسَ البَهِيَّةَ، والمَعْنى إنّا أخْرَجْناهم مِن بَساتِينِهِمُ الَّتِي فِيها عُيُونُ الماءِ وكُنُوزُ الذَّهَبِ والفِضَّةِ، والمَواضِعِ الَّتِي كانُوا يَتَنَعَّمُونَ فِيها لِنُسَلِّمَها إلى بَنِي إسْرائِيلَ. أمّا قَوْلُهُ: ”كَذَلِكَ“ فَيَحْتَمِلُ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ: النَّصْبَ عَلى أخْرَجْناهم مِثْلَ ذَلِكَ الإخْراجِ الَّذِي وصَفْناهُ، والجَرَّ عَلى أنَّهُ وصْفٌ لِمَقامٍ كَرِيمٍ، أيْ مَقامٍ كَرِيمٍ مِثْلِ ذَلِكَ المَقامِ الَّذِي كانَ لَهم، والرَّفْعَ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيِ الأمْرُ كَذَلِكَ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَأتْبَعُوهُمْ﴾ أيْ: فَلَحِقُوهم، وقُرِئَ ”فاتَّبَعُوهم مُشْرِقِينَ“ داخِلِينَ في وقْتِ الشُّرُوقِ مِن أشْرَقَتِ الشَّمْسُ شُرُوقًا إذا طَلَعَتْ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا تَراءى الجَمْعانِ﴾ أيْ رَأى بَعْضُهم بَعْضًا، قالَ أصْحابُ مُوسى: ﴿إنّا لَمُدْرَكُونَ﴾ أيْ لَمُلْحَقُونَ ﴿قالُوا أُوذِينا مِن قَبْلِ أنْ تَأْتِيَنا ومِن بَعْدِ ما جِئْتَنا﴾ [الأعراف: ١٢٩] كانُوا يَذْبَحُونَ أبْناءَنا، مِن قَبْلِ أنْ تَأْتِيَنا ومِن بَعْدِ ما جِئْتَنا يُدْرِكُونَنا، أيْ في السّاعَةِ فَيَقْتُلُونَنا، وقُرِئَ ”فَلَمّا تَراءَتِ الفِئَتانِ“ ”إنّا لَمُدَّرِكُونَ“ بِتَشْدِيدِ الدّالِ وكَسْرِ الرّاءِ مِنَ ادّارَكَ الشَّيْءُ إذا تَتابَعَ فَفَنِيَ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلِ ادّارَكَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ﴾ [النمل: ٦٦] قالَ الحَسَنُ: جَهِلُوا عِلْمَ الآخِرَةِ، والمَعْنى إنّا لَمُتَتابِعُونَ في الهَلاكِ عَلى أيْدِيهِمْ حَتّى لا يَبْقى مِنّا أحَدٌ، فَعِنْدَ ذَلِكَ قالَ لَهم: كَلّا، وذَلِكَ كالمَنعِ مِمّا تَوَهَّمُوهُ، ثُمَّ قَوّى نُفُوسَهم بِأمْرَيْنِ:
أحَدُهُما: ﴿إنَّ مَعِيَ رَبِّي﴾ وهَذا دَلالَةُ النُّصْرَةِ والتَّكَفُّلِ بِالمَعُونَةِ.
والثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿سَيَهْدِينِ﴾ والهُدى هو طَرِيقُ النَّجاةِ والخَلاصِ، وإذا دَلَّهُ عَلى طَرِيقِ نَجاتِهِ وهَلاكِ أعْدائِهِ، فَقَدْ بَلَغَ النِّهايَةَ في النُّصْرَةِ.
الشعراء 26:55
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأوْحَيْنا إلى مُوسى أنْ أسْرِ بِعِبادِي إنَّكم مُتَّبَعُونَ﴾ ﴿فَأرْسَلَ فِرْعَوْنُ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ ﴿وإنَّهم لَنا لَغائِظُونَ﴾ ﴿وإنّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ﴾ ﴿فَأخْرَجْناهم مِن جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿وكُنُوزٍ ومَقامٍ كَرِيمٍ﴾ ﴿كَذَلِكَ وأوْرَثْناها بَنِي إسْرائِيلَ﴾ ﴿فَأتْبَعُوهم مُشْرِقِينَ﴾ ﴿فَلَمّا تَراءى الجَمْعانِ قالَ أصْحابُ مُوسى إنّا لَمُدْرَكُونَ﴾ ﴿قالَ كَلّا إنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ .
قُرِئَ (أسْرِ) بِقَطْعِ الهَمْزَةِ ووَصْلِها و”سِرْ“ . لَمّا ظَهَرَ أمْرُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِما شاهَدُوهُ مِنَ الآيَةِ، أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِأنْ يَخْرُجَ بِبَنِي إسْرائِيلَ لَمّا كانَ في المَعْلُومِ مِن تَدْبِيرِ اللَّهِ تَعالى في مُوسى وتَخْلِيصِهِ مِنَ القَوْمِ وتَمْلِيكِهِ بِلادَهم وأمْوالَهم، ولَمْ يَأْمَن وقَدْ جَرَتْ تِلْكَ الغَلَبَةُ الظّاهِرَةُ أنْ يَقَعَ مِن فِرْعَوْنَ بِبَنِي إسْرائِيلَ ما يُؤَدِّي إلى الِاسْتِئْصالِ، فَلِذَلِكَ أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى أنْ يَسْرِيَ بِبَنِي إسْرائِيلَ، وهُمُ الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا مِن قَوْمِ مُوسى، ولا شُبْهَةَ أنَّ في الكَلامِ حَذْفًا وهو أنَّهُ أسْرى بِهِمْ كَما أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى، ثُمَّ إنَّ قَوْمَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ قالُوا لِقَوْمِ فِرْعَوْنَ: إنَّ لَنا في هَذِهِ اللَّيْلَةِ عِيدًا، ثُمَّ اسْتَعارُوا مِنهم حُلِيَّهم وحُلَلَهم بِهَذا السَّبَبِ، ثُمَّ خَرَجُوا بِتِلْكَ الأمْوالِ في اللَّيْلِ إلى جانِبِ البَحْرِ، فَلَمّا سَمِعَ ذَلِكَ فِرْعَوْنُ أرْسَلَ في المَدائِنِ حاشِرِينَ، ثُمَّ إنَّهُ قَوّى نَفْسَهُ ونَفْسَ أصْحابِهِ بِأنْ وصَفَ قَوْمَ مُوسى بِوَصْفَيْنِ مِن أوْصافِ الذَّمِّ، ووَصَفَ قَوْمَ نَفْسِهِ بِصِفَةِ المَدْحِ. أمّا وصْفُ قَوْمِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِالذَّمِّ:
فالصِّفَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ والشِّرْذِمَةُ الطّائِفَةُ القَلِيلَةُ، ومِنهُ قَوْلُهم ثَوْبٌ شَراذِمُ لِلَّذِي بَلِيَ وتَقَطَّعَ قِطَعًا، ذَكَرَهم بِالِاسْمِ الدّالِّ عَلى القِلَّةِ، ثُمَّ جَعَلَهم قَلِيلًا بِالوَصْفِ، ثُمَّ جَمَعَ القَلِيلَ فَجَعَلَ كُلَّ حِزْبٍ مِنهم قَلِيلًا واخْتارَ جَمْعَ السَّلامَةِ الَّذِي هو لِلْقِلَّةِ، ويَجُوزُ أنْ يُرِيدَ بِالقِلَّةِ: الذِّلَّةَ لا قِلَّةَ العَدَدِ، والمَعْنى: أنَّهم لِقِلَّتِهِمْ لا يُبالِي بِهِمْ ولا يَتَوَقَّعُ غَلَبَتَهم وعُلُوَّهم، ثُمَّ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في عَدَدِ تِلْكَ الشِّرْذِمَةِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: كانُوا سِتَّمِائَةِ ألْفِ مُقاتِلٍ لا شابَّ فِيهِمْ دُونَ عِشْرِينَ سَنَةً، ولا شَيْخَ يُوفِي عَلى السِّتِّينَ
صفحة ١١٩
سِوى الحَشَمِ، وفِرْعَوْنُ يُقَلِّلُهم لِكَثْرَةِ مَن مَعَهُ، وهَذا الوَصْفُ قَدْ يُسْتَعْمَلُ في الكَثِيرِ عِنْدَ الإضافَةِ إلى ما هو أكْثَرُ مِنهُ، فَرُوِيَ أنَّ فِرْعَوْنَ خَرَجَ عَلى فَرَسٍ أدْهَمَ حِصانٍ وفي عَسْكَرِهِ عَلى لَوْنِ فَرَسِهِ ثَلَثُمِائَةِ ألْفٍ.
الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وإنَّهم لَنا لَغائِظُونَ﴾ يَعْنِي يَفْعَلُونَ أفْعالًا تَغِيظُنا وتُضَيِّقُ صُدُورَنا، واخْتَلَفُوا في تِلْكَ الأفْعالِ عَلى وُجُوهٍ:
أحَدُها: ما تَقَدَّمَ مِن أمْرِ الحُلِيِّ وغَيْرِهِ.
وثانِيها: خُرُوجُ بَنِي إسْرائِيلَ عَنْ عُبُودِيَّةِ فِرْعَوْنَ واسْتِقْلالُهم بِأنْفُسِهِمْ.
وثالِثُها: مُخالَفَتُهم لَهم في الدِّينِ وخُرُوجُهم عَلَيْهِمْ.
ورابِعُها: لَيْسَ إلّا أنَّهم لَمْ يَتَّخِذُوا فِرْعَوْنَ إلَهًا. أمّا الَّذِي وصَفَ فِرْعَوْنُ بِهِ قَوْمَهُ فَهو قَوْلُهُ: ﴿وإنّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ﴾ وفِيهِ ثَلاثُ قِراءاتٍ ”حَذِرُونِ“ و”حاذِرُونَ“ و”حادِرُونَ“ بِالدّالِ غَيْرِ المُعْجَمَةِ.
واعْلَمْ أنَّ الصِّفَةَ إذا كانَتْ جارِيَةً عَلى الفِعْلِ وهي اسْمُ الفاعِلِ واسْمُ المَفْعُولِ كالضّارِبِ والمَضْرُوبِ أفادَتِ الحُدُوثَ، وإذا لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ وهي المُشَبَّهَةُ أفادَتِ الثُّبُوتَ، فَمَن قَرَأ ”حَذِرُونَ“ ذَهَبَ إلى: إنّا قَوْمٌ مِن عادَتِنا الحَذَرُ واسْتِعْمالُ الحَزْمِ، ومَن قَرَأ ”حاذِرُونَ“ فَكَأنَّهُ ذَهَبَ إلى مَعْنى: إنّا قَوْمٌ ما عَهِدْنا أنْ نَحْذَرَ إلّا عَصْرَنا هَذا. وأمّا مَن قَرَأ ”حادِرُونَ“ بِالدّالِ غَيْرِ المُعْجَمَةِ فَكَأنَّهُ ذَهَبَ إلى نَفْيِ الحَذَرِ أصْلًا؛ لِأنَّ الحادِرَ هو المُشَمِّرُ، فَأرادَ إنّا قَوْمٌ أقْوِياءُ أشِدّاءُ، أوْ أرادَ إنّا مُدَجَّجُونَ في السِّلاحِ، والغَرَضُ مِن هَذِهِ المَعاذِيرِ أنْ لا يَتَوَهَّمَ أهْلُ المَدائِنِ أنَّهُ مُنْكَسِرٌ مِن قَوْمِ مُوسى أوْ خائِفٌ مِنهم.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأخْرَجْناهُمْ﴾ فالمُرادُ: إنّا جَعَلْنا في قُلُوبِهِمْ داعِيَةَ الخُرُوجِ فاسْتَوْجَبَتِ الدّاعِيَةُ الفِعْلَ، فَكانَ الفِعْلُ مُضافًا إلى اللَّهِ تَعالى لا مَحالَةَ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿مِن جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿وكُنُوزٍ﴾ فَقالَ مُجاهِدٌ: سَمّاها كُنُوزًا، لِأنَّهم لَمْ يُنْفِقُوا مِنها في طاعَةِ اللَّهِ تَعالى، والمَقامُ الكَرِيمُ يُرِيدُ المَنازِلَ الحَسَنَةَ والمَجالِسَ البَهِيَّةَ، والمَعْنى إنّا أخْرَجْناهم مِن بَساتِينِهِمُ الَّتِي فِيها عُيُونُ الماءِ وكُنُوزُ الذَّهَبِ والفِضَّةِ، والمَواضِعِ الَّتِي كانُوا يَتَنَعَّمُونَ فِيها لِنُسَلِّمَها إلى بَنِي إسْرائِيلَ. أمّا قَوْلُهُ: ”كَذَلِكَ“ فَيَحْتَمِلُ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ: النَّصْبَ عَلى أخْرَجْناهم مِثْلَ ذَلِكَ الإخْراجِ الَّذِي وصَفْناهُ، والجَرَّ عَلى أنَّهُ وصْفٌ لِمَقامٍ كَرِيمٍ، أيْ مَقامٍ كَرِيمٍ مِثْلِ ذَلِكَ المَقامِ الَّذِي كانَ لَهم، والرَّفْعَ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيِ الأمْرُ كَذَلِكَ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَأتْبَعُوهُمْ﴾ أيْ: فَلَحِقُوهم، وقُرِئَ ”فاتَّبَعُوهم مُشْرِقِينَ“ داخِلِينَ في وقْتِ الشُّرُوقِ مِن أشْرَقَتِ الشَّمْسُ شُرُوقًا إذا طَلَعَتْ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا تَراءى الجَمْعانِ﴾ أيْ رَأى بَعْضُهم بَعْضًا، قالَ أصْحابُ مُوسى: ﴿إنّا لَمُدْرَكُونَ﴾ أيْ لَمُلْحَقُونَ ﴿قالُوا أُوذِينا مِن قَبْلِ أنْ تَأْتِيَنا ومِن بَعْدِ ما جِئْتَنا﴾ [الأعراف: ١٢٩] كانُوا يَذْبَحُونَ أبْناءَنا، مِن قَبْلِ أنْ تَأْتِيَنا ومِن بَعْدِ ما جِئْتَنا يُدْرِكُونَنا، أيْ في السّاعَةِ فَيَقْتُلُونَنا، وقُرِئَ ”فَلَمّا تَراءَتِ الفِئَتانِ“ ”إنّا لَمُدَّرِكُونَ“ بِتَشْدِيدِ الدّالِ وكَسْرِ الرّاءِ مِنَ ادّارَكَ الشَّيْءُ إذا تَتابَعَ فَفَنِيَ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلِ ادّارَكَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ﴾ [النمل: ٦٦] قالَ الحَسَنُ: جَهِلُوا عِلْمَ الآخِرَةِ، والمَعْنى إنّا لَمُتَتابِعُونَ في الهَلاكِ عَلى أيْدِيهِمْ حَتّى لا يَبْقى مِنّا أحَدٌ، فَعِنْدَ ذَلِكَ قالَ لَهم: كَلّا، وذَلِكَ كالمَنعِ مِمّا تَوَهَّمُوهُ، ثُمَّ قَوّى نُفُوسَهم بِأمْرَيْنِ:
أحَدُهُما: ﴿إنَّ مَعِيَ رَبِّي﴾ وهَذا دَلالَةُ النُّصْرَةِ والتَّكَفُّلِ بِالمَعُونَةِ.
والثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿سَيَهْدِينِ﴾ والهُدى هو طَرِيقُ النَّجاةِ والخَلاصِ، وإذا دَلَّهُ عَلى طَرِيقِ نَجاتِهِ وهَلاكِ أعْدائِهِ، فَقَدْ بَلَغَ النِّهايَةَ في النُّصْرَةِ.
الشعراء 26:56
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأوْحَيْنا إلى مُوسى أنْ أسْرِ بِعِبادِي إنَّكم مُتَّبَعُونَ﴾ ﴿فَأرْسَلَ فِرْعَوْنُ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ ﴿وإنَّهم لَنا لَغائِظُونَ﴾ ﴿وإنّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ﴾ ﴿فَأخْرَجْناهم مِن جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿وكُنُوزٍ ومَقامٍ كَرِيمٍ﴾ ﴿كَذَلِكَ وأوْرَثْناها بَنِي إسْرائِيلَ﴾ ﴿فَأتْبَعُوهم مُشْرِقِينَ﴾ ﴿فَلَمّا تَراءى الجَمْعانِ قالَ أصْحابُ مُوسى إنّا لَمُدْرَكُونَ﴾ ﴿قالَ كَلّا إنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ .
قُرِئَ (أسْرِ) بِقَطْعِ الهَمْزَةِ ووَصْلِها و”سِرْ“ . لَمّا ظَهَرَ أمْرُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِما شاهَدُوهُ مِنَ الآيَةِ، أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِأنْ يَخْرُجَ بِبَنِي إسْرائِيلَ لَمّا كانَ في المَعْلُومِ مِن تَدْبِيرِ اللَّهِ تَعالى في مُوسى وتَخْلِيصِهِ مِنَ القَوْمِ وتَمْلِيكِهِ بِلادَهم وأمْوالَهم، ولَمْ يَأْمَن وقَدْ جَرَتْ تِلْكَ الغَلَبَةُ الظّاهِرَةُ أنْ يَقَعَ مِن فِرْعَوْنَ بِبَنِي إسْرائِيلَ ما يُؤَدِّي إلى الِاسْتِئْصالِ، فَلِذَلِكَ أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى أنْ يَسْرِيَ بِبَنِي إسْرائِيلَ، وهُمُ الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا مِن قَوْمِ مُوسى، ولا شُبْهَةَ أنَّ في الكَلامِ حَذْفًا وهو أنَّهُ أسْرى بِهِمْ كَما أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى، ثُمَّ إنَّ قَوْمَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ قالُوا لِقَوْمِ فِرْعَوْنَ: إنَّ لَنا في هَذِهِ اللَّيْلَةِ عِيدًا، ثُمَّ اسْتَعارُوا مِنهم حُلِيَّهم وحُلَلَهم بِهَذا السَّبَبِ، ثُمَّ خَرَجُوا بِتِلْكَ الأمْوالِ في اللَّيْلِ إلى جانِبِ البَحْرِ، فَلَمّا سَمِعَ ذَلِكَ فِرْعَوْنُ أرْسَلَ في المَدائِنِ حاشِرِينَ، ثُمَّ إنَّهُ قَوّى نَفْسَهُ ونَفْسَ أصْحابِهِ بِأنْ وصَفَ قَوْمَ مُوسى بِوَصْفَيْنِ مِن أوْصافِ الذَّمِّ، ووَصَفَ قَوْمَ نَفْسِهِ بِصِفَةِ المَدْحِ. أمّا وصْفُ قَوْمِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِالذَّمِّ:
فالصِّفَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ والشِّرْذِمَةُ الطّائِفَةُ القَلِيلَةُ، ومِنهُ قَوْلُهم ثَوْبٌ شَراذِمُ لِلَّذِي بَلِيَ وتَقَطَّعَ قِطَعًا، ذَكَرَهم بِالِاسْمِ الدّالِّ عَلى القِلَّةِ، ثُمَّ جَعَلَهم قَلِيلًا بِالوَصْفِ، ثُمَّ جَمَعَ القَلِيلَ فَجَعَلَ كُلَّ حِزْبٍ مِنهم قَلِيلًا واخْتارَ جَمْعَ السَّلامَةِ الَّذِي هو لِلْقِلَّةِ، ويَجُوزُ أنْ يُرِيدَ بِالقِلَّةِ: الذِّلَّةَ لا قِلَّةَ العَدَدِ، والمَعْنى: أنَّهم لِقِلَّتِهِمْ لا يُبالِي بِهِمْ ولا يَتَوَقَّعُ غَلَبَتَهم وعُلُوَّهم، ثُمَّ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في عَدَدِ تِلْكَ الشِّرْذِمَةِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: كانُوا سِتَّمِائَةِ ألْفِ مُقاتِلٍ لا شابَّ فِيهِمْ دُونَ عِشْرِينَ سَنَةً، ولا شَيْخَ يُوفِي عَلى السِّتِّينَ
صفحة ١١٩
سِوى الحَشَمِ، وفِرْعَوْنُ يُقَلِّلُهم لِكَثْرَةِ مَن مَعَهُ، وهَذا الوَصْفُ قَدْ يُسْتَعْمَلُ في الكَثِيرِ عِنْدَ الإضافَةِ إلى ما هو أكْثَرُ مِنهُ، فَرُوِيَ أنَّ فِرْعَوْنَ خَرَجَ عَلى فَرَسٍ أدْهَمَ حِصانٍ وفي عَسْكَرِهِ عَلى لَوْنِ فَرَسِهِ ثَلَثُمِائَةِ ألْفٍ.
الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وإنَّهم لَنا لَغائِظُونَ﴾ يَعْنِي يَفْعَلُونَ أفْعالًا تَغِيظُنا وتُضَيِّقُ صُدُورَنا، واخْتَلَفُوا في تِلْكَ الأفْعالِ عَلى وُجُوهٍ:
أحَدُها: ما تَقَدَّمَ مِن أمْرِ الحُلِيِّ وغَيْرِهِ.
وثانِيها: خُرُوجُ بَنِي إسْرائِيلَ عَنْ عُبُودِيَّةِ فِرْعَوْنَ واسْتِقْلالُهم بِأنْفُسِهِمْ.
وثالِثُها: مُخالَفَتُهم لَهم في الدِّينِ وخُرُوجُهم عَلَيْهِمْ.
ورابِعُها: لَيْسَ إلّا أنَّهم لَمْ يَتَّخِذُوا فِرْعَوْنَ إلَهًا. أمّا الَّذِي وصَفَ فِرْعَوْنُ بِهِ قَوْمَهُ فَهو قَوْلُهُ: ﴿وإنّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ﴾ وفِيهِ ثَلاثُ قِراءاتٍ ”حَذِرُونِ“ و”حاذِرُونَ“ و”حادِرُونَ“ بِالدّالِ غَيْرِ المُعْجَمَةِ.
واعْلَمْ أنَّ الصِّفَةَ إذا كانَتْ جارِيَةً عَلى الفِعْلِ وهي اسْمُ الفاعِلِ واسْمُ المَفْعُولِ كالضّارِبِ والمَضْرُوبِ أفادَتِ الحُدُوثَ، وإذا لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ وهي المُشَبَّهَةُ أفادَتِ الثُّبُوتَ، فَمَن قَرَأ ”حَذِرُونَ“ ذَهَبَ إلى: إنّا قَوْمٌ مِن عادَتِنا الحَذَرُ واسْتِعْمالُ الحَزْمِ، ومَن قَرَأ ”حاذِرُونَ“ فَكَأنَّهُ ذَهَبَ إلى مَعْنى: إنّا قَوْمٌ ما عَهِدْنا أنْ نَحْذَرَ إلّا عَصْرَنا هَذا. وأمّا مَن قَرَأ ”حادِرُونَ“ بِالدّالِ غَيْرِ المُعْجَمَةِ فَكَأنَّهُ ذَهَبَ إلى نَفْيِ الحَذَرِ أصْلًا؛ لِأنَّ الحادِرَ هو المُشَمِّرُ، فَأرادَ إنّا قَوْمٌ أقْوِياءُ أشِدّاءُ، أوْ أرادَ إنّا مُدَجَّجُونَ في السِّلاحِ، والغَرَضُ مِن هَذِهِ المَعاذِيرِ أنْ لا يَتَوَهَّمَ أهْلُ المَدائِنِ أنَّهُ مُنْكَسِرٌ مِن قَوْمِ مُوسى أوْ خائِفٌ مِنهم.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأخْرَجْناهُمْ﴾ فالمُرادُ: إنّا جَعَلْنا في قُلُوبِهِمْ داعِيَةَ الخُرُوجِ فاسْتَوْجَبَتِ الدّاعِيَةُ الفِعْلَ، فَكانَ الفِعْلُ مُضافًا إلى اللَّهِ تَعالى لا مَحالَةَ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿مِن جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿وكُنُوزٍ﴾ فَقالَ مُجاهِدٌ: سَمّاها كُنُوزًا، لِأنَّهم لَمْ يُنْفِقُوا مِنها في طاعَةِ اللَّهِ تَعالى، والمَقامُ الكَرِيمُ يُرِيدُ المَنازِلَ الحَسَنَةَ والمَجالِسَ البَهِيَّةَ، والمَعْنى إنّا أخْرَجْناهم مِن بَساتِينِهِمُ الَّتِي فِيها عُيُونُ الماءِ وكُنُوزُ الذَّهَبِ والفِضَّةِ، والمَواضِعِ الَّتِي كانُوا يَتَنَعَّمُونَ فِيها لِنُسَلِّمَها إلى بَنِي إسْرائِيلَ. أمّا قَوْلُهُ: ”كَذَلِكَ“ فَيَحْتَمِلُ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ: النَّصْبَ عَلى أخْرَجْناهم مِثْلَ ذَلِكَ الإخْراجِ الَّذِي وصَفْناهُ، والجَرَّ عَلى أنَّهُ وصْفٌ لِمَقامٍ كَرِيمٍ، أيْ مَقامٍ كَرِيمٍ مِثْلِ ذَلِكَ المَقامِ الَّذِي كانَ لَهم، والرَّفْعَ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيِ الأمْرُ كَذَلِكَ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَأتْبَعُوهُمْ﴾ أيْ: فَلَحِقُوهم، وقُرِئَ ”فاتَّبَعُوهم مُشْرِقِينَ“ داخِلِينَ في وقْتِ الشُّرُوقِ مِن أشْرَقَتِ الشَّمْسُ شُرُوقًا إذا طَلَعَتْ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا تَراءى الجَمْعانِ﴾ أيْ رَأى بَعْضُهم بَعْضًا، قالَ أصْحابُ مُوسى: ﴿إنّا لَمُدْرَكُونَ﴾ أيْ لَمُلْحَقُونَ ﴿قالُوا أُوذِينا مِن قَبْلِ أنْ تَأْتِيَنا ومِن بَعْدِ ما جِئْتَنا﴾ [الأعراف: ١٢٩] كانُوا يَذْبَحُونَ أبْناءَنا، مِن قَبْلِ أنْ تَأْتِيَنا ومِن بَعْدِ ما جِئْتَنا يُدْرِكُونَنا، أيْ في السّاعَةِ فَيَقْتُلُونَنا، وقُرِئَ ”فَلَمّا تَراءَتِ الفِئَتانِ“ ”إنّا لَمُدَّرِكُونَ“ بِتَشْدِيدِ الدّالِ وكَسْرِ الرّاءِ مِنَ ادّارَكَ الشَّيْءُ إذا تَتابَعَ فَفَنِيَ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلِ ادّارَكَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ﴾ [النمل: ٦٦] قالَ الحَسَنُ: جَهِلُوا عِلْمَ الآخِرَةِ، والمَعْنى إنّا لَمُتَتابِعُونَ في الهَلاكِ عَلى أيْدِيهِمْ حَتّى لا يَبْقى مِنّا أحَدٌ، فَعِنْدَ ذَلِكَ قالَ لَهم: كَلّا، وذَلِكَ كالمَنعِ مِمّا تَوَهَّمُوهُ، ثُمَّ قَوّى نُفُوسَهم بِأمْرَيْنِ:
أحَدُهُما: ﴿إنَّ مَعِيَ رَبِّي﴾ وهَذا دَلالَةُ النُّصْرَةِ والتَّكَفُّلِ بِالمَعُونَةِ.
والثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿سَيَهْدِينِ﴾ والهُدى هو طَرِيقُ النَّجاةِ والخَلاصِ، وإذا دَلَّهُ عَلى طَرِيقِ نَجاتِهِ وهَلاكِ أعْدائِهِ، فَقَدْ بَلَغَ النِّهايَةَ في النُّصْرَةِ.
الشعراء 26:57
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأوْحَيْنا إلى مُوسى أنْ أسْرِ بِعِبادِي إنَّكم مُتَّبَعُونَ﴾ ﴿فَأرْسَلَ فِرْعَوْنُ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ ﴿وإنَّهم لَنا لَغائِظُونَ﴾ ﴿وإنّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ﴾ ﴿فَأخْرَجْناهم مِن جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿وكُنُوزٍ ومَقامٍ كَرِيمٍ﴾ ﴿كَذَلِكَ وأوْرَثْناها بَنِي إسْرائِيلَ﴾ ﴿فَأتْبَعُوهم مُشْرِقِينَ﴾ ﴿فَلَمّا تَراءى الجَمْعانِ قالَ أصْحابُ مُوسى إنّا لَمُدْرَكُونَ﴾ ﴿قالَ كَلّا إنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ .
قُرِئَ (أسْرِ) بِقَطْعِ الهَمْزَةِ ووَصْلِها و”سِرْ“ . لَمّا ظَهَرَ أمْرُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِما شاهَدُوهُ مِنَ الآيَةِ، أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِأنْ يَخْرُجَ بِبَنِي إسْرائِيلَ لَمّا كانَ في المَعْلُومِ مِن تَدْبِيرِ اللَّهِ تَعالى في مُوسى وتَخْلِيصِهِ مِنَ القَوْمِ وتَمْلِيكِهِ بِلادَهم وأمْوالَهم، ولَمْ يَأْمَن وقَدْ جَرَتْ تِلْكَ الغَلَبَةُ الظّاهِرَةُ أنْ يَقَعَ مِن فِرْعَوْنَ بِبَنِي إسْرائِيلَ ما يُؤَدِّي إلى الِاسْتِئْصالِ، فَلِذَلِكَ أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى أنْ يَسْرِيَ بِبَنِي إسْرائِيلَ، وهُمُ الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا مِن قَوْمِ مُوسى، ولا شُبْهَةَ أنَّ في الكَلامِ حَذْفًا وهو أنَّهُ أسْرى بِهِمْ كَما أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى، ثُمَّ إنَّ قَوْمَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ قالُوا لِقَوْمِ فِرْعَوْنَ: إنَّ لَنا في هَذِهِ اللَّيْلَةِ عِيدًا، ثُمَّ اسْتَعارُوا مِنهم حُلِيَّهم وحُلَلَهم بِهَذا السَّبَبِ، ثُمَّ خَرَجُوا بِتِلْكَ الأمْوالِ في اللَّيْلِ إلى جانِبِ البَحْرِ، فَلَمّا سَمِعَ ذَلِكَ فِرْعَوْنُ أرْسَلَ في المَدائِنِ حاشِرِينَ، ثُمَّ إنَّهُ قَوّى نَفْسَهُ ونَفْسَ أصْحابِهِ بِأنْ وصَفَ قَوْمَ مُوسى بِوَصْفَيْنِ مِن أوْصافِ الذَّمِّ، ووَصَفَ قَوْمَ نَفْسِهِ بِصِفَةِ المَدْحِ. أمّا وصْفُ قَوْمِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِالذَّمِّ:
فالصِّفَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ والشِّرْذِمَةُ الطّائِفَةُ القَلِيلَةُ، ومِنهُ قَوْلُهم ثَوْبٌ شَراذِمُ لِلَّذِي بَلِيَ وتَقَطَّعَ قِطَعًا، ذَكَرَهم بِالِاسْمِ الدّالِّ عَلى القِلَّةِ، ثُمَّ جَعَلَهم قَلِيلًا بِالوَصْفِ، ثُمَّ جَمَعَ القَلِيلَ فَجَعَلَ كُلَّ حِزْبٍ مِنهم قَلِيلًا واخْتارَ جَمْعَ السَّلامَةِ الَّذِي هو لِلْقِلَّةِ، ويَجُوزُ أنْ يُرِيدَ بِالقِلَّةِ: الذِّلَّةَ لا قِلَّةَ العَدَدِ، والمَعْنى: أنَّهم لِقِلَّتِهِمْ لا يُبالِي بِهِمْ ولا يَتَوَقَّعُ غَلَبَتَهم وعُلُوَّهم، ثُمَّ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في عَدَدِ تِلْكَ الشِّرْذِمَةِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: كانُوا سِتَّمِائَةِ ألْفِ مُقاتِلٍ لا شابَّ فِيهِمْ دُونَ عِشْرِينَ سَنَةً، ولا شَيْخَ يُوفِي عَلى السِّتِّينَ
صفحة ١١٩
سِوى الحَشَمِ، وفِرْعَوْنُ يُقَلِّلُهم لِكَثْرَةِ مَن مَعَهُ، وهَذا الوَصْفُ قَدْ يُسْتَعْمَلُ في الكَثِيرِ عِنْدَ الإضافَةِ إلى ما هو أكْثَرُ مِنهُ، فَرُوِيَ أنَّ فِرْعَوْنَ خَرَجَ عَلى فَرَسٍ أدْهَمَ حِصانٍ وفي عَسْكَرِهِ عَلى لَوْنِ فَرَسِهِ ثَلَثُمِائَةِ ألْفٍ.
الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وإنَّهم لَنا لَغائِظُونَ﴾ يَعْنِي يَفْعَلُونَ أفْعالًا تَغِيظُنا وتُضَيِّقُ صُدُورَنا، واخْتَلَفُوا في تِلْكَ الأفْعالِ عَلى وُجُوهٍ:
أحَدُها: ما تَقَدَّمَ مِن أمْرِ الحُلِيِّ وغَيْرِهِ.
وثانِيها: خُرُوجُ بَنِي إسْرائِيلَ عَنْ عُبُودِيَّةِ فِرْعَوْنَ واسْتِقْلالُهم بِأنْفُسِهِمْ.
وثالِثُها: مُخالَفَتُهم لَهم في الدِّينِ وخُرُوجُهم عَلَيْهِمْ.
ورابِعُها: لَيْسَ إلّا أنَّهم لَمْ يَتَّخِذُوا فِرْعَوْنَ إلَهًا. أمّا الَّذِي وصَفَ فِرْعَوْنُ بِهِ قَوْمَهُ فَهو قَوْلُهُ: ﴿وإنّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ﴾ وفِيهِ ثَلاثُ قِراءاتٍ ”حَذِرُونِ“ و”حاذِرُونَ“ و”حادِرُونَ“ بِالدّالِ غَيْرِ المُعْجَمَةِ.
واعْلَمْ أنَّ الصِّفَةَ إذا كانَتْ جارِيَةً عَلى الفِعْلِ وهي اسْمُ الفاعِلِ واسْمُ المَفْعُولِ كالضّارِبِ والمَضْرُوبِ أفادَتِ الحُدُوثَ، وإذا لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ وهي المُشَبَّهَةُ أفادَتِ الثُّبُوتَ، فَمَن قَرَأ ”حَذِرُونَ“ ذَهَبَ إلى: إنّا قَوْمٌ مِن عادَتِنا الحَذَرُ واسْتِعْمالُ الحَزْمِ، ومَن قَرَأ ”حاذِرُونَ“ فَكَأنَّهُ ذَهَبَ إلى مَعْنى: إنّا قَوْمٌ ما عَهِدْنا أنْ نَحْذَرَ إلّا عَصْرَنا هَذا. وأمّا مَن قَرَأ ”حادِرُونَ“ بِالدّالِ غَيْرِ المُعْجَمَةِ فَكَأنَّهُ ذَهَبَ إلى نَفْيِ الحَذَرِ أصْلًا؛ لِأنَّ الحادِرَ هو المُشَمِّرُ، فَأرادَ إنّا قَوْمٌ أقْوِياءُ أشِدّاءُ، أوْ أرادَ إنّا مُدَجَّجُونَ في السِّلاحِ، والغَرَضُ مِن هَذِهِ المَعاذِيرِ أنْ لا يَتَوَهَّمَ أهْلُ المَدائِنِ أنَّهُ مُنْكَسِرٌ مِن قَوْمِ مُوسى أوْ خائِفٌ مِنهم.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأخْرَجْناهُمْ﴾ فالمُرادُ: إنّا جَعَلْنا في قُلُوبِهِمْ داعِيَةَ الخُرُوجِ فاسْتَوْجَبَتِ الدّاعِيَةُ الفِعْلَ، فَكانَ الفِعْلُ مُضافًا إلى اللَّهِ تَعالى لا مَحالَةَ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿مِن جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿وكُنُوزٍ﴾ فَقالَ مُجاهِدٌ: سَمّاها كُنُوزًا، لِأنَّهم لَمْ يُنْفِقُوا مِنها في طاعَةِ اللَّهِ تَعالى، والمَقامُ الكَرِيمُ يُرِيدُ المَنازِلَ الحَسَنَةَ والمَجالِسَ البَهِيَّةَ، والمَعْنى إنّا أخْرَجْناهم مِن بَساتِينِهِمُ الَّتِي فِيها عُيُونُ الماءِ وكُنُوزُ الذَّهَبِ والفِضَّةِ، والمَواضِعِ الَّتِي كانُوا يَتَنَعَّمُونَ فِيها لِنُسَلِّمَها إلى بَنِي إسْرائِيلَ. أمّا قَوْلُهُ: ”كَذَلِكَ“ فَيَحْتَمِلُ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ: النَّصْبَ عَلى أخْرَجْناهم مِثْلَ ذَلِكَ الإخْراجِ الَّذِي وصَفْناهُ، والجَرَّ عَلى أنَّهُ وصْفٌ لِمَقامٍ كَرِيمٍ، أيْ مَقامٍ كَرِيمٍ مِثْلِ ذَلِكَ المَقامِ الَّذِي كانَ لَهم، والرَّفْعَ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيِ الأمْرُ كَذَلِكَ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَأتْبَعُوهُمْ﴾ أيْ: فَلَحِقُوهم، وقُرِئَ ”فاتَّبَعُوهم مُشْرِقِينَ“ داخِلِينَ في وقْتِ الشُّرُوقِ مِن أشْرَقَتِ الشَّمْسُ شُرُوقًا إذا طَلَعَتْ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا تَراءى الجَمْعانِ﴾ أيْ رَأى بَعْضُهم بَعْضًا، قالَ أصْحابُ مُوسى: ﴿إنّا لَمُدْرَكُونَ﴾ أيْ لَمُلْحَقُونَ ﴿قالُوا أُوذِينا مِن قَبْلِ أنْ تَأْتِيَنا ومِن بَعْدِ ما جِئْتَنا﴾ [الأعراف: ١٢٩] كانُوا يَذْبَحُونَ أبْناءَنا، مِن قَبْلِ أنْ تَأْتِيَنا ومِن بَعْدِ ما جِئْتَنا يُدْرِكُونَنا، أيْ في السّاعَةِ فَيَقْتُلُونَنا، وقُرِئَ ”فَلَمّا تَراءَتِ الفِئَتانِ“ ”إنّا لَمُدَّرِكُونَ“ بِتَشْدِيدِ الدّالِ وكَسْرِ الرّاءِ مِنَ ادّارَكَ الشَّيْءُ إذا تَتابَعَ فَفَنِيَ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلِ ادّارَكَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ﴾ [النمل: ٦٦] قالَ الحَسَنُ: جَهِلُوا عِلْمَ الآخِرَةِ، والمَعْنى إنّا لَمُتَتابِعُونَ في الهَلاكِ عَلى أيْدِيهِمْ حَتّى لا يَبْقى مِنّا أحَدٌ، فَعِنْدَ ذَلِكَ قالَ لَهم: كَلّا، وذَلِكَ كالمَنعِ مِمّا تَوَهَّمُوهُ، ثُمَّ قَوّى نُفُوسَهم بِأمْرَيْنِ:
أحَدُهُما: ﴿إنَّ مَعِيَ رَبِّي﴾ وهَذا دَلالَةُ النُّصْرَةِ والتَّكَفُّلِ بِالمَعُونَةِ.
والثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿سَيَهْدِينِ﴾ والهُدى هو طَرِيقُ النَّجاةِ والخَلاصِ، وإذا دَلَّهُ عَلى طَرِيقِ نَجاتِهِ وهَلاكِ أعْدائِهِ، فَقَدْ بَلَغَ النِّهايَةَ في النُّصْرَةِ.
الشعراء 26:58
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأوْحَيْنا إلى مُوسى أنْ أسْرِ بِعِبادِي إنَّكم مُتَّبَعُونَ﴾ ﴿فَأرْسَلَ فِرْعَوْنُ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ ﴿وإنَّهم لَنا لَغائِظُونَ﴾ ﴿وإنّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ﴾ ﴿فَأخْرَجْناهم مِن جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿وكُنُوزٍ ومَقامٍ كَرِيمٍ﴾ ﴿كَذَلِكَ وأوْرَثْناها بَنِي إسْرائِيلَ﴾ ﴿فَأتْبَعُوهم مُشْرِقِينَ﴾ ﴿فَلَمّا تَراءى الجَمْعانِ قالَ أصْحابُ مُوسى إنّا لَمُدْرَكُونَ﴾ ﴿قالَ كَلّا إنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ .
قُرِئَ (أسْرِ) بِقَطْعِ الهَمْزَةِ ووَصْلِها و”سِرْ“ . لَمّا ظَهَرَ أمْرُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِما شاهَدُوهُ مِنَ الآيَةِ، أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِأنْ يَخْرُجَ بِبَنِي إسْرائِيلَ لَمّا كانَ في المَعْلُومِ مِن تَدْبِيرِ اللَّهِ تَعالى في مُوسى وتَخْلِيصِهِ مِنَ القَوْمِ وتَمْلِيكِهِ بِلادَهم وأمْوالَهم، ولَمْ يَأْمَن وقَدْ جَرَتْ تِلْكَ الغَلَبَةُ الظّاهِرَةُ أنْ يَقَعَ مِن فِرْعَوْنَ بِبَنِي إسْرائِيلَ ما يُؤَدِّي إلى الِاسْتِئْصالِ، فَلِذَلِكَ أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى أنْ يَسْرِيَ بِبَنِي إسْرائِيلَ، وهُمُ الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا مِن قَوْمِ مُوسى، ولا شُبْهَةَ أنَّ في الكَلامِ حَذْفًا وهو أنَّهُ أسْرى بِهِمْ كَما أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى، ثُمَّ إنَّ قَوْمَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ قالُوا لِقَوْمِ فِرْعَوْنَ: إنَّ لَنا في هَذِهِ اللَّيْلَةِ عِيدًا، ثُمَّ اسْتَعارُوا مِنهم حُلِيَّهم وحُلَلَهم بِهَذا السَّبَبِ، ثُمَّ خَرَجُوا بِتِلْكَ الأمْوالِ في اللَّيْلِ إلى جانِبِ البَحْرِ، فَلَمّا سَمِعَ ذَلِكَ فِرْعَوْنُ أرْسَلَ في المَدائِنِ حاشِرِينَ، ثُمَّ إنَّهُ قَوّى نَفْسَهُ ونَفْسَ أصْحابِهِ بِأنْ وصَفَ قَوْمَ مُوسى بِوَصْفَيْنِ مِن أوْصافِ الذَّمِّ، ووَصَفَ قَوْمَ نَفْسِهِ بِصِفَةِ المَدْحِ. أمّا وصْفُ قَوْمِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِالذَّمِّ:
فالصِّفَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ والشِّرْذِمَةُ الطّائِفَةُ القَلِيلَةُ، ومِنهُ قَوْلُهم ثَوْبٌ شَراذِمُ لِلَّذِي بَلِيَ وتَقَطَّعَ قِطَعًا، ذَكَرَهم بِالِاسْمِ الدّالِّ عَلى القِلَّةِ، ثُمَّ جَعَلَهم قَلِيلًا بِالوَصْفِ، ثُمَّ جَمَعَ القَلِيلَ فَجَعَلَ كُلَّ حِزْبٍ مِنهم قَلِيلًا واخْتارَ جَمْعَ السَّلامَةِ الَّذِي هو لِلْقِلَّةِ، ويَجُوزُ أنْ يُرِيدَ بِالقِلَّةِ: الذِّلَّةَ لا قِلَّةَ العَدَدِ، والمَعْنى: أنَّهم لِقِلَّتِهِمْ لا يُبالِي بِهِمْ ولا يَتَوَقَّعُ غَلَبَتَهم وعُلُوَّهم، ثُمَّ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في عَدَدِ تِلْكَ الشِّرْذِمَةِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: كانُوا سِتَّمِائَةِ ألْفِ مُقاتِلٍ لا شابَّ فِيهِمْ دُونَ عِشْرِينَ سَنَةً، ولا شَيْخَ يُوفِي عَلى السِّتِّينَ
صفحة ١١٩
سِوى الحَشَمِ، وفِرْعَوْنُ يُقَلِّلُهم لِكَثْرَةِ مَن مَعَهُ، وهَذا الوَصْفُ قَدْ يُسْتَعْمَلُ في الكَثِيرِ عِنْدَ الإضافَةِ إلى ما هو أكْثَرُ مِنهُ، فَرُوِيَ أنَّ فِرْعَوْنَ خَرَجَ عَلى فَرَسٍ أدْهَمَ حِصانٍ وفي عَسْكَرِهِ عَلى لَوْنِ فَرَسِهِ ثَلَثُمِائَةِ ألْفٍ.
الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وإنَّهم لَنا لَغائِظُونَ﴾ يَعْنِي يَفْعَلُونَ أفْعالًا تَغِيظُنا وتُضَيِّقُ صُدُورَنا، واخْتَلَفُوا في تِلْكَ الأفْعالِ عَلى وُجُوهٍ:
أحَدُها: ما تَقَدَّمَ مِن أمْرِ الحُلِيِّ وغَيْرِهِ.
وثانِيها: خُرُوجُ بَنِي إسْرائِيلَ عَنْ عُبُودِيَّةِ فِرْعَوْنَ واسْتِقْلالُهم بِأنْفُسِهِمْ.
وثالِثُها: مُخالَفَتُهم لَهم في الدِّينِ وخُرُوجُهم عَلَيْهِمْ.
ورابِعُها: لَيْسَ إلّا أنَّهم لَمْ يَتَّخِذُوا فِرْعَوْنَ إلَهًا. أمّا الَّذِي وصَفَ فِرْعَوْنُ بِهِ قَوْمَهُ فَهو قَوْلُهُ: ﴿وإنّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ﴾ وفِيهِ ثَلاثُ قِراءاتٍ ”حَذِرُونِ“ و”حاذِرُونَ“ و”حادِرُونَ“ بِالدّالِ غَيْرِ المُعْجَمَةِ.
واعْلَمْ أنَّ الصِّفَةَ إذا كانَتْ جارِيَةً عَلى الفِعْلِ وهي اسْمُ الفاعِلِ واسْمُ المَفْعُولِ كالضّارِبِ والمَضْرُوبِ أفادَتِ الحُدُوثَ، وإذا لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ وهي المُشَبَّهَةُ أفادَتِ الثُّبُوتَ، فَمَن قَرَأ ”حَذِرُونَ“ ذَهَبَ إلى: إنّا قَوْمٌ مِن عادَتِنا الحَذَرُ واسْتِعْمالُ الحَزْمِ، ومَن قَرَأ ”حاذِرُونَ“ فَكَأنَّهُ ذَهَبَ إلى مَعْنى: إنّا قَوْمٌ ما عَهِدْنا أنْ نَحْذَرَ إلّا عَصْرَنا هَذا. وأمّا مَن قَرَأ ”حادِرُونَ“ بِالدّالِ غَيْرِ المُعْجَمَةِ فَكَأنَّهُ ذَهَبَ إلى نَفْيِ الحَذَرِ أصْلًا؛ لِأنَّ الحادِرَ هو المُشَمِّرُ، فَأرادَ إنّا قَوْمٌ أقْوِياءُ أشِدّاءُ، أوْ أرادَ إنّا مُدَجَّجُونَ في السِّلاحِ، والغَرَضُ مِن هَذِهِ المَعاذِيرِ أنْ لا يَتَوَهَّمَ أهْلُ المَدائِنِ أنَّهُ مُنْكَسِرٌ مِن قَوْمِ مُوسى أوْ خائِفٌ مِنهم.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأخْرَجْناهُمْ﴾ فالمُرادُ: إنّا جَعَلْنا في قُلُوبِهِمْ داعِيَةَ الخُرُوجِ فاسْتَوْجَبَتِ الدّاعِيَةُ الفِعْلَ، فَكانَ الفِعْلُ مُضافًا إلى اللَّهِ تَعالى لا مَحالَةَ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿مِن جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿وكُنُوزٍ﴾ فَقالَ مُجاهِدٌ: سَمّاها كُنُوزًا، لِأنَّهم لَمْ يُنْفِقُوا مِنها في طاعَةِ اللَّهِ تَعالى، والمَقامُ الكَرِيمُ يُرِيدُ المَنازِلَ الحَسَنَةَ والمَجالِسَ البَهِيَّةَ، والمَعْنى إنّا أخْرَجْناهم مِن بَساتِينِهِمُ الَّتِي فِيها عُيُونُ الماءِ وكُنُوزُ الذَّهَبِ والفِضَّةِ، والمَواضِعِ الَّتِي كانُوا يَتَنَعَّمُونَ فِيها لِنُسَلِّمَها إلى بَنِي إسْرائِيلَ. أمّا قَوْلُهُ: ”كَذَلِكَ“ فَيَحْتَمِلُ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ: النَّصْبَ عَلى أخْرَجْناهم مِثْلَ ذَلِكَ الإخْراجِ الَّذِي وصَفْناهُ، والجَرَّ عَلى أنَّهُ وصْفٌ لِمَقامٍ كَرِيمٍ، أيْ مَقامٍ كَرِيمٍ مِثْلِ ذَلِكَ المَقامِ الَّذِي كانَ لَهم، والرَّفْعَ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيِ الأمْرُ كَذَلِكَ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَأتْبَعُوهُمْ﴾ أيْ: فَلَحِقُوهم، وقُرِئَ ”فاتَّبَعُوهم مُشْرِقِينَ“ داخِلِينَ في وقْتِ الشُّرُوقِ مِن أشْرَقَتِ الشَّمْسُ شُرُوقًا إذا طَلَعَتْ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا تَراءى الجَمْعانِ﴾ أيْ رَأى بَعْضُهم بَعْضًا، قالَ أصْحابُ مُوسى: ﴿إنّا لَمُدْرَكُونَ﴾ أيْ لَمُلْحَقُونَ ﴿قالُوا أُوذِينا مِن قَبْلِ أنْ تَأْتِيَنا ومِن بَعْدِ ما جِئْتَنا﴾ [الأعراف: ١٢٩] كانُوا يَذْبَحُونَ أبْناءَنا، مِن قَبْلِ أنْ تَأْتِيَنا ومِن بَعْدِ ما جِئْتَنا يُدْرِكُونَنا، أيْ في السّاعَةِ فَيَقْتُلُونَنا، وقُرِئَ ”فَلَمّا تَراءَتِ الفِئَتانِ“ ”إنّا لَمُدَّرِكُونَ“ بِتَشْدِيدِ الدّالِ وكَسْرِ الرّاءِ مِنَ ادّارَكَ الشَّيْءُ إذا تَتابَعَ فَفَنِيَ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلِ ادّارَكَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ﴾ [النمل: ٦٦] قالَ الحَسَنُ: جَهِلُوا عِلْمَ الآخِرَةِ، والمَعْنى إنّا لَمُتَتابِعُونَ في الهَلاكِ عَلى أيْدِيهِمْ حَتّى لا يَبْقى مِنّا أحَدٌ، فَعِنْدَ ذَلِكَ قالَ لَهم: كَلّا، وذَلِكَ كالمَنعِ مِمّا تَوَهَّمُوهُ، ثُمَّ قَوّى نُفُوسَهم بِأمْرَيْنِ:
أحَدُهُما: ﴿إنَّ مَعِيَ رَبِّي﴾ وهَذا دَلالَةُ النُّصْرَةِ والتَّكَفُّلِ بِالمَعُونَةِ.
والثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿سَيَهْدِينِ﴾ والهُدى هو طَرِيقُ النَّجاةِ والخَلاصِ، وإذا دَلَّهُ عَلى طَرِيقِ نَجاتِهِ وهَلاكِ أعْدائِهِ، فَقَدْ بَلَغَ النِّهايَةَ في النُّصْرَةِ.
الشعراء 26:59
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأوْحَيْنا إلى مُوسى أنْ أسْرِ بِعِبادِي إنَّكم مُتَّبَعُونَ﴾ ﴿فَأرْسَلَ فِرْعَوْنُ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ ﴿وإنَّهم لَنا لَغائِظُونَ﴾ ﴿وإنّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ﴾ ﴿فَأخْرَجْناهم مِن جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿وكُنُوزٍ ومَقامٍ كَرِيمٍ﴾ ﴿كَذَلِكَ وأوْرَثْناها بَنِي إسْرائِيلَ﴾ ﴿فَأتْبَعُوهم مُشْرِقِينَ﴾ ﴿فَلَمّا تَراءى الجَمْعانِ قالَ أصْحابُ مُوسى إنّا لَمُدْرَكُونَ﴾ ﴿قالَ كَلّا إنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ .
قُرِئَ (أسْرِ) بِقَطْعِ الهَمْزَةِ ووَصْلِها و”سِرْ“ . لَمّا ظَهَرَ أمْرُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِما شاهَدُوهُ مِنَ الآيَةِ، أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِأنْ يَخْرُجَ بِبَنِي إسْرائِيلَ لَمّا كانَ في المَعْلُومِ مِن تَدْبِيرِ اللَّهِ تَعالى في مُوسى وتَخْلِيصِهِ مِنَ القَوْمِ وتَمْلِيكِهِ بِلادَهم وأمْوالَهم، ولَمْ يَأْمَن وقَدْ جَرَتْ تِلْكَ الغَلَبَةُ الظّاهِرَةُ أنْ يَقَعَ مِن فِرْعَوْنَ بِبَنِي إسْرائِيلَ ما يُؤَدِّي إلى الِاسْتِئْصالِ، فَلِذَلِكَ أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى أنْ يَسْرِيَ بِبَنِي إسْرائِيلَ، وهُمُ الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا مِن قَوْمِ مُوسى، ولا شُبْهَةَ أنَّ في الكَلامِ حَذْفًا وهو أنَّهُ أسْرى بِهِمْ كَما أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى، ثُمَّ إنَّ قَوْمَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ قالُوا لِقَوْمِ فِرْعَوْنَ: إنَّ لَنا في هَذِهِ اللَّيْلَةِ عِيدًا، ثُمَّ اسْتَعارُوا مِنهم حُلِيَّهم وحُلَلَهم بِهَذا السَّبَبِ، ثُمَّ خَرَجُوا بِتِلْكَ الأمْوالِ في اللَّيْلِ إلى جانِبِ البَحْرِ، فَلَمّا سَمِعَ ذَلِكَ فِرْعَوْنُ أرْسَلَ في المَدائِنِ حاشِرِينَ، ثُمَّ إنَّهُ قَوّى نَفْسَهُ ونَفْسَ أصْحابِهِ بِأنْ وصَفَ قَوْمَ مُوسى بِوَصْفَيْنِ مِن أوْصافِ الذَّمِّ، ووَصَفَ قَوْمَ نَفْسِهِ بِصِفَةِ المَدْحِ. أمّا وصْفُ قَوْمِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِالذَّمِّ:
فالصِّفَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ والشِّرْذِمَةُ الطّائِفَةُ القَلِيلَةُ، ومِنهُ قَوْلُهم ثَوْبٌ شَراذِمُ لِلَّذِي بَلِيَ وتَقَطَّعَ قِطَعًا، ذَكَرَهم بِالِاسْمِ الدّالِّ عَلى القِلَّةِ، ثُمَّ جَعَلَهم قَلِيلًا بِالوَصْفِ، ثُمَّ جَمَعَ القَلِيلَ فَجَعَلَ كُلَّ حِزْبٍ مِنهم قَلِيلًا واخْتارَ جَمْعَ السَّلامَةِ الَّذِي هو لِلْقِلَّةِ، ويَجُوزُ أنْ يُرِيدَ بِالقِلَّةِ: الذِّلَّةَ لا قِلَّةَ العَدَدِ، والمَعْنى: أنَّهم لِقِلَّتِهِمْ لا يُبالِي بِهِمْ ولا يَتَوَقَّعُ غَلَبَتَهم وعُلُوَّهم، ثُمَّ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في عَدَدِ تِلْكَ الشِّرْذِمَةِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: كانُوا سِتَّمِائَةِ ألْفِ مُقاتِلٍ لا شابَّ فِيهِمْ دُونَ عِشْرِينَ سَنَةً، ولا شَيْخَ يُوفِي عَلى السِّتِّينَ
صفحة ١١٩
سِوى الحَشَمِ، وفِرْعَوْنُ يُقَلِّلُهم لِكَثْرَةِ مَن مَعَهُ، وهَذا الوَصْفُ قَدْ يُسْتَعْمَلُ في الكَثِيرِ عِنْدَ الإضافَةِ إلى ما هو أكْثَرُ مِنهُ، فَرُوِيَ أنَّ فِرْعَوْنَ خَرَجَ عَلى فَرَسٍ أدْهَمَ حِصانٍ وفي عَسْكَرِهِ عَلى لَوْنِ فَرَسِهِ ثَلَثُمِائَةِ ألْفٍ.
الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وإنَّهم لَنا لَغائِظُونَ﴾ يَعْنِي يَفْعَلُونَ أفْعالًا تَغِيظُنا وتُضَيِّقُ صُدُورَنا، واخْتَلَفُوا في تِلْكَ الأفْعالِ عَلى وُجُوهٍ:
أحَدُها: ما تَقَدَّمَ مِن أمْرِ الحُلِيِّ وغَيْرِهِ.
وثانِيها: خُرُوجُ بَنِي إسْرائِيلَ عَنْ عُبُودِيَّةِ فِرْعَوْنَ واسْتِقْلالُهم بِأنْفُسِهِمْ.
وثالِثُها: مُخالَفَتُهم لَهم في الدِّينِ وخُرُوجُهم عَلَيْهِمْ.
ورابِعُها: لَيْسَ إلّا أنَّهم لَمْ يَتَّخِذُوا فِرْعَوْنَ إلَهًا. أمّا الَّذِي وصَفَ فِرْعَوْنُ بِهِ قَوْمَهُ فَهو قَوْلُهُ: ﴿وإنّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ﴾ وفِيهِ ثَلاثُ قِراءاتٍ ”حَذِرُونِ“ و”حاذِرُونَ“ و”حادِرُونَ“ بِالدّالِ غَيْرِ المُعْجَمَةِ.
واعْلَمْ أنَّ الصِّفَةَ إذا كانَتْ جارِيَةً عَلى الفِعْلِ وهي اسْمُ الفاعِلِ واسْمُ المَفْعُولِ كالضّارِبِ والمَضْرُوبِ أفادَتِ الحُدُوثَ، وإذا لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ وهي المُشَبَّهَةُ أفادَتِ الثُّبُوتَ، فَمَن قَرَأ ”حَذِرُونَ“ ذَهَبَ إلى: إنّا قَوْمٌ مِن عادَتِنا الحَذَرُ واسْتِعْمالُ الحَزْمِ، ومَن قَرَأ ”حاذِرُونَ“ فَكَأنَّهُ ذَهَبَ إلى مَعْنى: إنّا قَوْمٌ ما عَهِدْنا أنْ نَحْذَرَ إلّا عَصْرَنا هَذا. وأمّا مَن قَرَأ ”حادِرُونَ“ بِالدّالِ غَيْرِ المُعْجَمَةِ فَكَأنَّهُ ذَهَبَ إلى نَفْيِ الحَذَرِ أصْلًا؛ لِأنَّ الحادِرَ هو المُشَمِّرُ، فَأرادَ إنّا قَوْمٌ أقْوِياءُ أشِدّاءُ، أوْ أرادَ إنّا مُدَجَّجُونَ في السِّلاحِ، والغَرَضُ مِن هَذِهِ المَعاذِيرِ أنْ لا يَتَوَهَّمَ أهْلُ المَدائِنِ أنَّهُ مُنْكَسِرٌ مِن قَوْمِ مُوسى أوْ خائِفٌ مِنهم.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأخْرَجْناهُمْ﴾ فالمُرادُ: إنّا جَعَلْنا في قُلُوبِهِمْ داعِيَةَ الخُرُوجِ فاسْتَوْجَبَتِ الدّاعِيَةُ الفِعْلَ، فَكانَ الفِعْلُ مُضافًا إلى اللَّهِ تَعالى لا مَحالَةَ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿مِن جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿وكُنُوزٍ﴾ فَقالَ مُجاهِدٌ: سَمّاها كُنُوزًا، لِأنَّهم لَمْ يُنْفِقُوا مِنها في طاعَةِ اللَّهِ تَعالى، والمَقامُ الكَرِيمُ يُرِيدُ المَنازِلَ الحَسَنَةَ والمَجالِسَ البَهِيَّةَ، والمَعْنى إنّا أخْرَجْناهم مِن بَساتِينِهِمُ الَّتِي فِيها عُيُونُ الماءِ وكُنُوزُ الذَّهَبِ والفِضَّةِ، والمَواضِعِ الَّتِي كانُوا يَتَنَعَّمُونَ فِيها لِنُسَلِّمَها إلى بَنِي إسْرائِيلَ. أمّا قَوْلُهُ: ”كَذَلِكَ“ فَيَحْتَمِلُ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ: النَّصْبَ عَلى أخْرَجْناهم مِثْلَ ذَلِكَ الإخْراجِ الَّذِي وصَفْناهُ، والجَرَّ عَلى أنَّهُ وصْفٌ لِمَقامٍ كَرِيمٍ، أيْ مَقامٍ كَرِيمٍ مِثْلِ ذَلِكَ المَقامِ الَّذِي كانَ لَهم، والرَّفْعَ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيِ الأمْرُ كَذَلِكَ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَأتْبَعُوهُمْ﴾ أيْ: فَلَحِقُوهم، وقُرِئَ ”فاتَّبَعُوهم مُشْرِقِينَ“ داخِلِينَ في وقْتِ الشُّرُوقِ مِن أشْرَقَتِ الشَّمْسُ شُرُوقًا إذا طَلَعَتْ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا تَراءى الجَمْعانِ﴾ أيْ رَأى بَعْضُهم بَعْضًا، قالَ أصْحابُ مُوسى: ﴿إنّا لَمُدْرَكُونَ﴾ أيْ لَمُلْحَقُونَ ﴿قالُوا أُوذِينا مِن قَبْلِ أنْ تَأْتِيَنا ومِن بَعْدِ ما جِئْتَنا﴾ [الأعراف: ١٢٩] كانُوا يَذْبَحُونَ أبْناءَنا، مِن قَبْلِ أنْ تَأْتِيَنا ومِن بَعْدِ ما جِئْتَنا يُدْرِكُونَنا، أيْ في السّاعَةِ فَيَقْتُلُونَنا، وقُرِئَ ”فَلَمّا تَراءَتِ الفِئَتانِ“ ”إنّا لَمُدَّرِكُونَ“ بِتَشْدِيدِ الدّالِ وكَسْرِ الرّاءِ مِنَ ادّارَكَ الشَّيْءُ إذا تَتابَعَ فَفَنِيَ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلِ ادّارَكَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ﴾ [النمل: ٦٦] قالَ الحَسَنُ: جَهِلُوا عِلْمَ الآخِرَةِ، والمَعْنى إنّا لَمُتَتابِعُونَ في الهَلاكِ عَلى أيْدِيهِمْ حَتّى لا يَبْقى مِنّا أحَدٌ، فَعِنْدَ ذَلِكَ قالَ لَهم: كَلّا، وذَلِكَ كالمَنعِ مِمّا تَوَهَّمُوهُ، ثُمَّ قَوّى نُفُوسَهم بِأمْرَيْنِ:
أحَدُهُما: ﴿إنَّ مَعِيَ رَبِّي﴾ وهَذا دَلالَةُ النُّصْرَةِ والتَّكَفُّلِ بِالمَعُونَةِ.
والثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿سَيَهْدِينِ﴾ والهُدى هو طَرِيقُ النَّجاةِ والخَلاصِ، وإذا دَلَّهُ عَلى طَرِيقِ نَجاتِهِ وهَلاكِ أعْدائِهِ، فَقَدْ بَلَغَ النِّهايَةَ في النُّصْرَةِ.
الشعراء 26:60
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأوْحَيْنا إلى مُوسى أنْ أسْرِ بِعِبادِي إنَّكم مُتَّبَعُونَ﴾ ﴿فَأرْسَلَ فِرْعَوْنُ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ ﴿وإنَّهم لَنا لَغائِظُونَ﴾ ﴿وإنّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ﴾ ﴿فَأخْرَجْناهم مِن جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿وكُنُوزٍ ومَقامٍ كَرِيمٍ﴾ ﴿كَذَلِكَ وأوْرَثْناها بَنِي إسْرائِيلَ﴾ ﴿فَأتْبَعُوهم مُشْرِقِينَ﴾ ﴿فَلَمّا تَراءى الجَمْعانِ قالَ أصْحابُ مُوسى إنّا لَمُدْرَكُونَ﴾ ﴿قالَ كَلّا إنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ .
قُرِئَ (أسْرِ) بِقَطْعِ الهَمْزَةِ ووَصْلِها و”سِرْ“ . لَمّا ظَهَرَ أمْرُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِما شاهَدُوهُ مِنَ الآيَةِ، أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِأنْ يَخْرُجَ بِبَنِي إسْرائِيلَ لَمّا كانَ في المَعْلُومِ مِن تَدْبِيرِ اللَّهِ تَعالى في مُوسى وتَخْلِيصِهِ مِنَ القَوْمِ وتَمْلِيكِهِ بِلادَهم وأمْوالَهم، ولَمْ يَأْمَن وقَدْ جَرَتْ تِلْكَ الغَلَبَةُ الظّاهِرَةُ أنْ يَقَعَ مِن فِرْعَوْنَ بِبَنِي إسْرائِيلَ ما يُؤَدِّي إلى الِاسْتِئْصالِ، فَلِذَلِكَ أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى أنْ يَسْرِيَ بِبَنِي إسْرائِيلَ، وهُمُ الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا مِن قَوْمِ مُوسى، ولا شُبْهَةَ أنَّ في الكَلامِ حَذْفًا وهو أنَّهُ أسْرى بِهِمْ كَما أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى، ثُمَّ إنَّ قَوْمَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ قالُوا لِقَوْمِ فِرْعَوْنَ: إنَّ لَنا في هَذِهِ اللَّيْلَةِ عِيدًا، ثُمَّ اسْتَعارُوا مِنهم حُلِيَّهم وحُلَلَهم بِهَذا السَّبَبِ، ثُمَّ خَرَجُوا بِتِلْكَ الأمْوالِ في اللَّيْلِ إلى جانِبِ البَحْرِ، فَلَمّا سَمِعَ ذَلِكَ فِرْعَوْنُ أرْسَلَ في المَدائِنِ حاشِرِينَ، ثُمَّ إنَّهُ قَوّى نَفْسَهُ ونَفْسَ أصْحابِهِ بِأنْ وصَفَ قَوْمَ مُوسى بِوَصْفَيْنِ مِن أوْصافِ الذَّمِّ، ووَصَفَ قَوْمَ نَفْسِهِ بِصِفَةِ المَدْحِ. أمّا وصْفُ قَوْمِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِالذَّمِّ:
فالصِّفَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ والشِّرْذِمَةُ الطّائِفَةُ القَلِيلَةُ، ومِنهُ قَوْلُهم ثَوْبٌ شَراذِمُ لِلَّذِي بَلِيَ وتَقَطَّعَ قِطَعًا، ذَكَرَهم بِالِاسْمِ الدّالِّ عَلى القِلَّةِ، ثُمَّ جَعَلَهم قَلِيلًا بِالوَصْفِ، ثُمَّ جَمَعَ القَلِيلَ فَجَعَلَ كُلَّ حِزْبٍ مِنهم قَلِيلًا واخْتارَ جَمْعَ السَّلامَةِ الَّذِي هو لِلْقِلَّةِ، ويَجُوزُ أنْ يُرِيدَ بِالقِلَّةِ: الذِّلَّةَ لا قِلَّةَ العَدَدِ، والمَعْنى: أنَّهم لِقِلَّتِهِمْ لا يُبالِي بِهِمْ ولا يَتَوَقَّعُ غَلَبَتَهم وعُلُوَّهم، ثُمَّ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في عَدَدِ تِلْكَ الشِّرْذِمَةِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: كانُوا سِتَّمِائَةِ ألْفِ مُقاتِلٍ لا شابَّ فِيهِمْ دُونَ عِشْرِينَ سَنَةً، ولا شَيْخَ يُوفِي عَلى السِّتِّينَ
صفحة ١١٩
سِوى الحَشَمِ، وفِرْعَوْنُ يُقَلِّلُهم لِكَثْرَةِ مَن مَعَهُ، وهَذا الوَصْفُ قَدْ يُسْتَعْمَلُ في الكَثِيرِ عِنْدَ الإضافَةِ إلى ما هو أكْثَرُ مِنهُ، فَرُوِيَ أنَّ فِرْعَوْنَ خَرَجَ عَلى فَرَسٍ أدْهَمَ حِصانٍ وفي عَسْكَرِهِ عَلى لَوْنِ فَرَسِهِ ثَلَثُمِائَةِ ألْفٍ.
الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وإنَّهم لَنا لَغائِظُونَ﴾ يَعْنِي يَفْعَلُونَ أفْعالًا تَغِيظُنا وتُضَيِّقُ صُدُورَنا، واخْتَلَفُوا في تِلْكَ الأفْعالِ عَلى وُجُوهٍ:
أحَدُها: ما تَقَدَّمَ مِن أمْرِ الحُلِيِّ وغَيْرِهِ.
وثانِيها: خُرُوجُ بَنِي إسْرائِيلَ عَنْ عُبُودِيَّةِ فِرْعَوْنَ واسْتِقْلالُهم بِأنْفُسِهِمْ.
وثالِثُها: مُخالَفَتُهم لَهم في الدِّينِ وخُرُوجُهم عَلَيْهِمْ.
ورابِعُها: لَيْسَ إلّا أنَّهم لَمْ يَتَّخِذُوا فِرْعَوْنَ إلَهًا. أمّا الَّذِي وصَفَ فِرْعَوْنُ بِهِ قَوْمَهُ فَهو قَوْلُهُ: ﴿وإنّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ﴾ وفِيهِ ثَلاثُ قِراءاتٍ ”حَذِرُونِ“ و”حاذِرُونَ“ و”حادِرُونَ“ بِالدّالِ غَيْرِ المُعْجَمَةِ.
واعْلَمْ أنَّ الصِّفَةَ إذا كانَتْ جارِيَةً عَلى الفِعْلِ وهي اسْمُ الفاعِلِ واسْمُ المَفْعُولِ كالضّارِبِ والمَضْرُوبِ أفادَتِ الحُدُوثَ، وإذا لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ وهي المُشَبَّهَةُ أفادَتِ الثُّبُوتَ، فَمَن قَرَأ ”حَذِرُونَ“ ذَهَبَ إلى: إنّا قَوْمٌ مِن عادَتِنا الحَذَرُ واسْتِعْمالُ الحَزْمِ، ومَن قَرَأ ”حاذِرُونَ“ فَكَأنَّهُ ذَهَبَ إلى مَعْنى: إنّا قَوْمٌ ما عَهِدْنا أنْ نَحْذَرَ إلّا عَصْرَنا هَذا. وأمّا مَن قَرَأ ”حادِرُونَ“ بِالدّالِ غَيْرِ المُعْجَمَةِ فَكَأنَّهُ ذَهَبَ إلى نَفْيِ الحَذَرِ أصْلًا؛ لِأنَّ الحادِرَ هو المُشَمِّرُ، فَأرادَ إنّا قَوْمٌ أقْوِياءُ أشِدّاءُ، أوْ أرادَ إنّا مُدَجَّجُونَ في السِّلاحِ، والغَرَضُ مِن هَذِهِ المَعاذِيرِ أنْ لا يَتَوَهَّمَ أهْلُ المَدائِنِ أنَّهُ مُنْكَسِرٌ مِن قَوْمِ مُوسى أوْ خائِفٌ مِنهم.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأخْرَجْناهُمْ﴾ فالمُرادُ: إنّا جَعَلْنا في قُلُوبِهِمْ داعِيَةَ الخُرُوجِ فاسْتَوْجَبَتِ الدّاعِيَةُ الفِعْلَ، فَكانَ الفِعْلُ مُضافًا إلى اللَّهِ تَعالى لا مَحالَةَ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿مِن جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿وكُنُوزٍ﴾ فَقالَ مُجاهِدٌ: سَمّاها كُنُوزًا، لِأنَّهم لَمْ يُنْفِقُوا مِنها في طاعَةِ اللَّهِ تَعالى، والمَقامُ الكَرِيمُ يُرِيدُ المَنازِلَ الحَسَنَةَ والمَجالِسَ البَهِيَّةَ، والمَعْنى إنّا أخْرَجْناهم مِن بَساتِينِهِمُ الَّتِي فِيها عُيُونُ الماءِ وكُنُوزُ الذَّهَبِ والفِضَّةِ، والمَواضِعِ الَّتِي كانُوا يَتَنَعَّمُونَ فِيها لِنُسَلِّمَها إلى بَنِي إسْرائِيلَ. أمّا قَوْلُهُ: ”كَذَلِكَ“ فَيَحْتَمِلُ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ: النَّصْبَ عَلى أخْرَجْناهم مِثْلَ ذَلِكَ الإخْراجِ الَّذِي وصَفْناهُ، والجَرَّ عَلى أنَّهُ وصْفٌ لِمَقامٍ كَرِيمٍ، أيْ مَقامٍ كَرِيمٍ مِثْلِ ذَلِكَ المَقامِ الَّذِي كانَ لَهم، والرَّفْعَ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيِ الأمْرُ كَذَلِكَ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَأتْبَعُوهُمْ﴾ أيْ: فَلَحِقُوهم، وقُرِئَ ”فاتَّبَعُوهم مُشْرِقِينَ“ داخِلِينَ في وقْتِ الشُّرُوقِ مِن أشْرَقَتِ الشَّمْسُ شُرُوقًا إذا طَلَعَتْ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا تَراءى الجَمْعانِ﴾ أيْ رَأى بَعْضُهم بَعْضًا، قالَ أصْحابُ مُوسى: ﴿إنّا لَمُدْرَكُونَ﴾ أيْ لَمُلْحَقُونَ ﴿قالُوا أُوذِينا مِن قَبْلِ أنْ تَأْتِيَنا ومِن بَعْدِ ما جِئْتَنا﴾ [الأعراف: ١٢٩] كانُوا يَذْبَحُونَ أبْناءَنا، مِن قَبْلِ أنْ تَأْتِيَنا ومِن بَعْدِ ما جِئْتَنا يُدْرِكُونَنا، أيْ في السّاعَةِ فَيَقْتُلُونَنا، وقُرِئَ ”فَلَمّا تَراءَتِ الفِئَتانِ“ ”إنّا لَمُدَّرِكُونَ“ بِتَشْدِيدِ الدّالِ وكَسْرِ الرّاءِ مِنَ ادّارَكَ الشَّيْءُ إذا تَتابَعَ فَفَنِيَ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلِ ادّارَكَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ﴾ [النمل: ٦٦] قالَ الحَسَنُ: جَهِلُوا عِلْمَ الآخِرَةِ، والمَعْنى إنّا لَمُتَتابِعُونَ في الهَلاكِ عَلى أيْدِيهِمْ حَتّى لا يَبْقى مِنّا أحَدٌ، فَعِنْدَ ذَلِكَ قالَ لَهم: كَلّا، وذَلِكَ كالمَنعِ مِمّا تَوَهَّمُوهُ، ثُمَّ قَوّى نُفُوسَهم بِأمْرَيْنِ:
أحَدُهُما: ﴿إنَّ مَعِيَ رَبِّي﴾ وهَذا دَلالَةُ النُّصْرَةِ والتَّكَفُّلِ بِالمَعُونَةِ.
والثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿سَيَهْدِينِ﴾ والهُدى هو طَرِيقُ النَّجاةِ والخَلاصِ، وإذا دَلَّهُ عَلى طَرِيقِ نَجاتِهِ وهَلاكِ أعْدائِهِ، فَقَدْ بَلَغَ النِّهايَةَ في النُّصْرَةِ.
الشعراء 26:61
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأوْحَيْنا إلى مُوسى أنْ أسْرِ بِعِبادِي إنَّكم مُتَّبَعُونَ﴾ ﴿فَأرْسَلَ فِرْعَوْنُ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ ﴿وإنَّهم لَنا لَغائِظُونَ﴾ ﴿وإنّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ﴾ ﴿فَأخْرَجْناهم مِن جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿وكُنُوزٍ ومَقامٍ كَرِيمٍ﴾ ﴿كَذَلِكَ وأوْرَثْناها بَنِي إسْرائِيلَ﴾ ﴿فَأتْبَعُوهم مُشْرِقِينَ﴾ ﴿فَلَمّا تَراءى الجَمْعانِ قالَ أصْحابُ مُوسى إنّا لَمُدْرَكُونَ﴾ ﴿قالَ كَلّا إنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ .
قُرِئَ (أسْرِ) بِقَطْعِ الهَمْزَةِ ووَصْلِها و”سِرْ“ . لَمّا ظَهَرَ أمْرُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِما شاهَدُوهُ مِنَ الآيَةِ، أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِأنْ يَخْرُجَ بِبَنِي إسْرائِيلَ لَمّا كانَ في المَعْلُومِ مِن تَدْبِيرِ اللَّهِ تَعالى في مُوسى وتَخْلِيصِهِ مِنَ القَوْمِ وتَمْلِيكِهِ بِلادَهم وأمْوالَهم، ولَمْ يَأْمَن وقَدْ جَرَتْ تِلْكَ الغَلَبَةُ الظّاهِرَةُ أنْ يَقَعَ مِن فِرْعَوْنَ بِبَنِي إسْرائِيلَ ما يُؤَدِّي إلى الِاسْتِئْصالِ، فَلِذَلِكَ أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى أنْ يَسْرِيَ بِبَنِي إسْرائِيلَ، وهُمُ الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا مِن قَوْمِ مُوسى، ولا شُبْهَةَ أنَّ في الكَلامِ حَذْفًا وهو أنَّهُ أسْرى بِهِمْ كَما أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى، ثُمَّ إنَّ قَوْمَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ قالُوا لِقَوْمِ فِرْعَوْنَ: إنَّ لَنا في هَذِهِ اللَّيْلَةِ عِيدًا، ثُمَّ اسْتَعارُوا مِنهم حُلِيَّهم وحُلَلَهم بِهَذا السَّبَبِ، ثُمَّ خَرَجُوا بِتِلْكَ الأمْوالِ في اللَّيْلِ إلى جانِبِ البَحْرِ، فَلَمّا سَمِعَ ذَلِكَ فِرْعَوْنُ أرْسَلَ في المَدائِنِ حاشِرِينَ، ثُمَّ إنَّهُ قَوّى نَفْسَهُ ونَفْسَ أصْحابِهِ بِأنْ وصَفَ قَوْمَ مُوسى بِوَصْفَيْنِ مِن أوْصافِ الذَّمِّ، ووَصَفَ قَوْمَ نَفْسِهِ بِصِفَةِ المَدْحِ. أمّا وصْفُ قَوْمِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِالذَّمِّ:
فالصِّفَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ والشِّرْذِمَةُ الطّائِفَةُ القَلِيلَةُ، ومِنهُ قَوْلُهم ثَوْبٌ شَراذِمُ لِلَّذِي بَلِيَ وتَقَطَّعَ قِطَعًا، ذَكَرَهم بِالِاسْمِ الدّالِّ عَلى القِلَّةِ، ثُمَّ جَعَلَهم قَلِيلًا بِالوَصْفِ، ثُمَّ جَمَعَ القَلِيلَ فَجَعَلَ كُلَّ حِزْبٍ مِنهم قَلِيلًا واخْتارَ جَمْعَ السَّلامَةِ الَّذِي هو لِلْقِلَّةِ، ويَجُوزُ أنْ يُرِيدَ بِالقِلَّةِ: الذِّلَّةَ لا قِلَّةَ العَدَدِ، والمَعْنى: أنَّهم لِقِلَّتِهِمْ لا يُبالِي بِهِمْ ولا يَتَوَقَّعُ غَلَبَتَهم وعُلُوَّهم، ثُمَّ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في عَدَدِ تِلْكَ الشِّرْذِمَةِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: كانُوا سِتَّمِائَةِ ألْفِ مُقاتِلٍ لا شابَّ فِيهِمْ دُونَ عِشْرِينَ سَنَةً، ولا شَيْخَ يُوفِي عَلى السِّتِّينَ
صفحة ١١٩
سِوى الحَشَمِ، وفِرْعَوْنُ يُقَلِّلُهم لِكَثْرَةِ مَن مَعَهُ، وهَذا الوَصْفُ قَدْ يُسْتَعْمَلُ في الكَثِيرِ عِنْدَ الإضافَةِ إلى ما هو أكْثَرُ مِنهُ، فَرُوِيَ أنَّ فِرْعَوْنَ خَرَجَ عَلى فَرَسٍ أدْهَمَ حِصانٍ وفي عَسْكَرِهِ عَلى لَوْنِ فَرَسِهِ ثَلَثُمِائَةِ ألْفٍ.
الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وإنَّهم لَنا لَغائِظُونَ﴾ يَعْنِي يَفْعَلُونَ أفْعالًا تَغِيظُنا وتُضَيِّقُ صُدُورَنا، واخْتَلَفُوا في تِلْكَ الأفْعالِ عَلى وُجُوهٍ:
أحَدُها: ما تَقَدَّمَ مِن أمْرِ الحُلِيِّ وغَيْرِهِ.
وثانِيها: خُرُوجُ بَنِي إسْرائِيلَ عَنْ عُبُودِيَّةِ فِرْعَوْنَ واسْتِقْلالُهم بِأنْفُسِهِمْ.
وثالِثُها: مُخالَفَتُهم لَهم في الدِّينِ وخُرُوجُهم عَلَيْهِمْ.
ورابِعُها: لَيْسَ إلّا أنَّهم لَمْ يَتَّخِذُوا فِرْعَوْنَ إلَهًا. أمّا الَّذِي وصَفَ فِرْعَوْنُ بِهِ قَوْمَهُ فَهو قَوْلُهُ: ﴿وإنّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ﴾ وفِيهِ ثَلاثُ قِراءاتٍ ”حَذِرُونِ“ و”حاذِرُونَ“ و”حادِرُونَ“ بِالدّالِ غَيْرِ المُعْجَمَةِ.
واعْلَمْ أنَّ الصِّفَةَ إذا كانَتْ جارِيَةً عَلى الفِعْلِ وهي اسْمُ الفاعِلِ واسْمُ المَفْعُولِ كالضّارِبِ والمَضْرُوبِ أفادَتِ الحُدُوثَ، وإذا لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ وهي المُشَبَّهَةُ أفادَتِ الثُّبُوتَ، فَمَن قَرَأ ”حَذِرُونَ“ ذَهَبَ إلى: إنّا قَوْمٌ مِن عادَتِنا الحَذَرُ واسْتِعْمالُ الحَزْمِ، ومَن قَرَأ ”حاذِرُونَ“ فَكَأنَّهُ ذَهَبَ إلى مَعْنى: إنّا قَوْمٌ ما عَهِدْنا أنْ نَحْذَرَ إلّا عَصْرَنا هَذا. وأمّا مَن قَرَأ ”حادِرُونَ“ بِالدّالِ غَيْرِ المُعْجَمَةِ فَكَأنَّهُ ذَهَبَ إلى نَفْيِ الحَذَرِ أصْلًا؛ لِأنَّ الحادِرَ هو المُشَمِّرُ، فَأرادَ إنّا قَوْمٌ أقْوِياءُ أشِدّاءُ، أوْ أرادَ إنّا مُدَجَّجُونَ في السِّلاحِ، والغَرَضُ مِن هَذِهِ المَعاذِيرِ أنْ لا يَتَوَهَّمَ أهْلُ المَدائِنِ أنَّهُ مُنْكَسِرٌ مِن قَوْمِ مُوسى أوْ خائِفٌ مِنهم.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأخْرَجْناهُمْ﴾ فالمُرادُ: إنّا جَعَلْنا في قُلُوبِهِمْ داعِيَةَ الخُرُوجِ فاسْتَوْجَبَتِ الدّاعِيَةُ الفِعْلَ، فَكانَ الفِعْلُ مُضافًا إلى اللَّهِ تَعالى لا مَحالَةَ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿مِن جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿وكُنُوزٍ﴾ فَقالَ مُجاهِدٌ: سَمّاها كُنُوزًا، لِأنَّهم لَمْ يُنْفِقُوا مِنها في طاعَةِ اللَّهِ تَعالى، والمَقامُ الكَرِيمُ يُرِيدُ المَنازِلَ الحَسَنَةَ والمَجالِسَ البَهِيَّةَ، والمَعْنى إنّا أخْرَجْناهم مِن بَساتِينِهِمُ الَّتِي فِيها عُيُونُ الماءِ وكُنُوزُ الذَّهَبِ والفِضَّةِ، والمَواضِعِ الَّتِي كانُوا يَتَنَعَّمُونَ فِيها لِنُسَلِّمَها إلى بَنِي إسْرائِيلَ. أمّا قَوْلُهُ: ”كَذَلِكَ“ فَيَحْتَمِلُ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ: النَّصْبَ عَلى أخْرَجْناهم مِثْلَ ذَلِكَ الإخْراجِ الَّذِي وصَفْناهُ، والجَرَّ عَلى أنَّهُ وصْفٌ لِمَقامٍ كَرِيمٍ، أيْ مَقامٍ كَرِيمٍ مِثْلِ ذَلِكَ المَقامِ الَّذِي كانَ لَهم، والرَّفْعَ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيِ الأمْرُ كَذَلِكَ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَأتْبَعُوهُمْ﴾ أيْ: فَلَحِقُوهم، وقُرِئَ ”فاتَّبَعُوهم مُشْرِقِينَ“ داخِلِينَ في وقْتِ الشُّرُوقِ مِن أشْرَقَتِ الشَّمْسُ شُرُوقًا إذا طَلَعَتْ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا تَراءى الجَمْعانِ﴾ أيْ رَأى بَعْضُهم بَعْضًا، قالَ أصْحابُ مُوسى: ﴿إنّا لَمُدْرَكُونَ﴾ أيْ لَمُلْحَقُونَ ﴿قالُوا أُوذِينا مِن قَبْلِ أنْ تَأْتِيَنا ومِن بَعْدِ ما جِئْتَنا﴾ [الأعراف: ١٢٩] كانُوا يَذْبَحُونَ أبْناءَنا، مِن قَبْلِ أنْ تَأْتِيَنا ومِن بَعْدِ ما جِئْتَنا يُدْرِكُونَنا، أيْ في السّاعَةِ فَيَقْتُلُونَنا، وقُرِئَ ”فَلَمّا تَراءَتِ الفِئَتانِ“ ”إنّا لَمُدَّرِكُونَ“ بِتَشْدِيدِ الدّالِ وكَسْرِ الرّاءِ مِنَ ادّارَكَ الشَّيْءُ إذا تَتابَعَ فَفَنِيَ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلِ ادّارَكَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ﴾ [النمل: ٦٦] قالَ الحَسَنُ: جَهِلُوا عِلْمَ الآخِرَةِ، والمَعْنى إنّا لَمُتَتابِعُونَ في الهَلاكِ عَلى أيْدِيهِمْ حَتّى لا يَبْقى مِنّا أحَدٌ، فَعِنْدَ ذَلِكَ قالَ لَهم: كَلّا، وذَلِكَ كالمَنعِ مِمّا تَوَهَّمُوهُ، ثُمَّ قَوّى نُفُوسَهم بِأمْرَيْنِ:
أحَدُهُما: ﴿إنَّ مَعِيَ رَبِّي﴾ وهَذا دَلالَةُ النُّصْرَةِ والتَّكَفُّلِ بِالمَعُونَةِ.
والثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿سَيَهْدِينِ﴾ والهُدى هو طَرِيقُ النَّجاةِ والخَلاصِ، وإذا دَلَّهُ عَلى طَرِيقِ نَجاتِهِ وهَلاكِ أعْدائِهِ، فَقَدْ بَلَغَ النِّهايَةَ في النُّصْرَةِ.
الشعراء 26:62
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأوْحَيْنا إلى مُوسى أنْ أسْرِ بِعِبادِي إنَّكم مُتَّبَعُونَ﴾ ﴿فَأرْسَلَ فِرْعَوْنُ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ ﴿وإنَّهم لَنا لَغائِظُونَ﴾ ﴿وإنّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ﴾ ﴿فَأخْرَجْناهم مِن جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿وكُنُوزٍ ومَقامٍ كَرِيمٍ﴾ ﴿كَذَلِكَ وأوْرَثْناها بَنِي إسْرائِيلَ﴾ ﴿فَأتْبَعُوهم مُشْرِقِينَ﴾ ﴿فَلَمّا تَراءى الجَمْعانِ قالَ أصْحابُ مُوسى إنّا لَمُدْرَكُونَ﴾ ﴿قالَ كَلّا إنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ .
قُرِئَ (أسْرِ) بِقَطْعِ الهَمْزَةِ ووَصْلِها و”سِرْ“ . لَمّا ظَهَرَ أمْرُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِما شاهَدُوهُ مِنَ الآيَةِ، أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِأنْ يَخْرُجَ بِبَنِي إسْرائِيلَ لَمّا كانَ في المَعْلُومِ مِن تَدْبِيرِ اللَّهِ تَعالى في مُوسى وتَخْلِيصِهِ مِنَ القَوْمِ وتَمْلِيكِهِ بِلادَهم وأمْوالَهم، ولَمْ يَأْمَن وقَدْ جَرَتْ تِلْكَ الغَلَبَةُ الظّاهِرَةُ أنْ يَقَعَ مِن فِرْعَوْنَ بِبَنِي إسْرائِيلَ ما يُؤَدِّي إلى الِاسْتِئْصالِ، فَلِذَلِكَ أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى أنْ يَسْرِيَ بِبَنِي إسْرائِيلَ، وهُمُ الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا مِن قَوْمِ مُوسى، ولا شُبْهَةَ أنَّ في الكَلامِ حَذْفًا وهو أنَّهُ أسْرى بِهِمْ كَما أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى، ثُمَّ إنَّ قَوْمَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ قالُوا لِقَوْمِ فِرْعَوْنَ: إنَّ لَنا في هَذِهِ اللَّيْلَةِ عِيدًا، ثُمَّ اسْتَعارُوا مِنهم حُلِيَّهم وحُلَلَهم بِهَذا السَّبَبِ، ثُمَّ خَرَجُوا بِتِلْكَ الأمْوالِ في اللَّيْلِ إلى جانِبِ البَحْرِ، فَلَمّا سَمِعَ ذَلِكَ فِرْعَوْنُ أرْسَلَ في المَدائِنِ حاشِرِينَ، ثُمَّ إنَّهُ قَوّى نَفْسَهُ ونَفْسَ أصْحابِهِ بِأنْ وصَفَ قَوْمَ مُوسى بِوَصْفَيْنِ مِن أوْصافِ الذَّمِّ، ووَصَفَ قَوْمَ نَفْسِهِ بِصِفَةِ المَدْحِ. أمّا وصْفُ قَوْمِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِالذَّمِّ:
فالصِّفَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ والشِّرْذِمَةُ الطّائِفَةُ القَلِيلَةُ، ومِنهُ قَوْلُهم ثَوْبٌ شَراذِمُ لِلَّذِي بَلِيَ وتَقَطَّعَ قِطَعًا، ذَكَرَهم بِالِاسْمِ الدّالِّ عَلى القِلَّةِ، ثُمَّ جَعَلَهم قَلِيلًا بِالوَصْفِ، ثُمَّ جَمَعَ القَلِيلَ فَجَعَلَ كُلَّ حِزْبٍ مِنهم قَلِيلًا واخْتارَ جَمْعَ السَّلامَةِ الَّذِي هو لِلْقِلَّةِ، ويَجُوزُ أنْ يُرِيدَ بِالقِلَّةِ: الذِّلَّةَ لا قِلَّةَ العَدَدِ، والمَعْنى: أنَّهم لِقِلَّتِهِمْ لا يُبالِي بِهِمْ ولا يَتَوَقَّعُ غَلَبَتَهم وعُلُوَّهم، ثُمَّ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في عَدَدِ تِلْكَ الشِّرْذِمَةِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: كانُوا سِتَّمِائَةِ ألْفِ مُقاتِلٍ لا شابَّ فِيهِمْ دُونَ عِشْرِينَ سَنَةً، ولا شَيْخَ يُوفِي عَلى السِّتِّينَ
صفحة ١١٩
سِوى الحَشَمِ، وفِرْعَوْنُ يُقَلِّلُهم لِكَثْرَةِ مَن مَعَهُ، وهَذا الوَصْفُ قَدْ يُسْتَعْمَلُ في الكَثِيرِ عِنْدَ الإضافَةِ إلى ما هو أكْثَرُ مِنهُ، فَرُوِيَ أنَّ فِرْعَوْنَ خَرَجَ عَلى فَرَسٍ أدْهَمَ حِصانٍ وفي عَسْكَرِهِ عَلى لَوْنِ فَرَسِهِ ثَلَثُمِائَةِ ألْفٍ.
الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وإنَّهم لَنا لَغائِظُونَ﴾ يَعْنِي يَفْعَلُونَ أفْعالًا تَغِيظُنا وتُضَيِّقُ صُدُورَنا، واخْتَلَفُوا في تِلْكَ الأفْعالِ عَلى وُجُوهٍ:
أحَدُها: ما تَقَدَّمَ مِن أمْرِ الحُلِيِّ وغَيْرِهِ.
وثانِيها: خُرُوجُ بَنِي إسْرائِيلَ عَنْ عُبُودِيَّةِ فِرْعَوْنَ واسْتِقْلالُهم بِأنْفُسِهِمْ.
وثالِثُها: مُخالَفَتُهم لَهم في الدِّينِ وخُرُوجُهم عَلَيْهِمْ.
ورابِعُها: لَيْسَ إلّا أنَّهم لَمْ يَتَّخِذُوا فِرْعَوْنَ إلَهًا. أمّا الَّذِي وصَفَ فِرْعَوْنُ بِهِ قَوْمَهُ فَهو قَوْلُهُ: ﴿وإنّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ﴾ وفِيهِ ثَلاثُ قِراءاتٍ ”حَذِرُونِ“ و”حاذِرُونَ“ و”حادِرُونَ“ بِالدّالِ غَيْرِ المُعْجَمَةِ.
واعْلَمْ أنَّ الصِّفَةَ إذا كانَتْ جارِيَةً عَلى الفِعْلِ وهي اسْمُ الفاعِلِ واسْمُ المَفْعُولِ كالضّارِبِ والمَضْرُوبِ أفادَتِ الحُدُوثَ، وإذا لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ وهي المُشَبَّهَةُ أفادَتِ الثُّبُوتَ، فَمَن قَرَأ ”حَذِرُونَ“ ذَهَبَ إلى: إنّا قَوْمٌ مِن عادَتِنا الحَذَرُ واسْتِعْمالُ الحَزْمِ، ومَن قَرَأ ”حاذِرُونَ“ فَكَأنَّهُ ذَهَبَ إلى مَعْنى: إنّا قَوْمٌ ما عَهِدْنا أنْ نَحْذَرَ إلّا عَصْرَنا هَذا. وأمّا مَن قَرَأ ”حادِرُونَ“ بِالدّالِ غَيْرِ المُعْجَمَةِ فَكَأنَّهُ ذَهَبَ إلى نَفْيِ الحَذَرِ أصْلًا؛ لِأنَّ الحادِرَ هو المُشَمِّرُ، فَأرادَ إنّا قَوْمٌ أقْوِياءُ أشِدّاءُ، أوْ أرادَ إنّا مُدَجَّجُونَ في السِّلاحِ، والغَرَضُ مِن هَذِهِ المَعاذِيرِ أنْ لا يَتَوَهَّمَ أهْلُ المَدائِنِ أنَّهُ مُنْكَسِرٌ مِن قَوْمِ مُوسى أوْ خائِفٌ مِنهم.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأخْرَجْناهُمْ﴾ فالمُرادُ: إنّا جَعَلْنا في قُلُوبِهِمْ داعِيَةَ الخُرُوجِ فاسْتَوْجَبَتِ الدّاعِيَةُ الفِعْلَ، فَكانَ الفِعْلُ مُضافًا إلى اللَّهِ تَعالى لا مَحالَةَ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿مِن جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿وكُنُوزٍ﴾ فَقالَ مُجاهِدٌ: سَمّاها كُنُوزًا، لِأنَّهم لَمْ يُنْفِقُوا مِنها في طاعَةِ اللَّهِ تَعالى، والمَقامُ الكَرِيمُ يُرِيدُ المَنازِلَ الحَسَنَةَ والمَجالِسَ البَهِيَّةَ، والمَعْنى إنّا أخْرَجْناهم مِن بَساتِينِهِمُ الَّتِي فِيها عُيُونُ الماءِ وكُنُوزُ الذَّهَبِ والفِضَّةِ، والمَواضِعِ الَّتِي كانُوا يَتَنَعَّمُونَ فِيها لِنُسَلِّمَها إلى بَنِي إسْرائِيلَ. أمّا قَوْلُهُ: ”كَذَلِكَ“ فَيَحْتَمِلُ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ: النَّصْبَ عَلى أخْرَجْناهم مِثْلَ ذَلِكَ الإخْراجِ الَّذِي وصَفْناهُ، والجَرَّ عَلى أنَّهُ وصْفٌ لِمَقامٍ كَرِيمٍ، أيْ مَقامٍ كَرِيمٍ مِثْلِ ذَلِكَ المَقامِ الَّذِي كانَ لَهم، والرَّفْعَ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيِ الأمْرُ كَذَلِكَ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَأتْبَعُوهُمْ﴾ أيْ: فَلَحِقُوهم، وقُرِئَ ”فاتَّبَعُوهم مُشْرِقِينَ“ داخِلِينَ في وقْتِ الشُّرُوقِ مِن أشْرَقَتِ الشَّمْسُ شُرُوقًا إذا طَلَعَتْ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا تَراءى الجَمْعانِ﴾ أيْ رَأى بَعْضُهم بَعْضًا، قالَ أصْحابُ مُوسى: ﴿إنّا لَمُدْرَكُونَ﴾ أيْ لَمُلْحَقُونَ ﴿قالُوا أُوذِينا مِن قَبْلِ أنْ تَأْتِيَنا ومِن بَعْدِ ما جِئْتَنا﴾ [الأعراف: ١٢٩] كانُوا يَذْبَحُونَ أبْناءَنا، مِن قَبْلِ أنْ تَأْتِيَنا ومِن بَعْدِ ما جِئْتَنا يُدْرِكُونَنا، أيْ في السّاعَةِ فَيَقْتُلُونَنا، وقُرِئَ ”فَلَمّا تَراءَتِ الفِئَتانِ“ ”إنّا لَمُدَّرِكُونَ“ بِتَشْدِيدِ الدّالِ وكَسْرِ الرّاءِ مِنَ ادّارَكَ الشَّيْءُ إذا تَتابَعَ فَفَنِيَ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلِ ادّارَكَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ﴾ [النمل: ٦٦] قالَ الحَسَنُ: جَهِلُوا عِلْمَ الآخِرَةِ، والمَعْنى إنّا لَمُتَتابِعُونَ في الهَلاكِ عَلى أيْدِيهِمْ حَتّى لا يَبْقى مِنّا أحَدٌ، فَعِنْدَ ذَلِكَ قالَ لَهم: كَلّا، وذَلِكَ كالمَنعِ مِمّا تَوَهَّمُوهُ، ثُمَّ قَوّى نُفُوسَهم بِأمْرَيْنِ:
أحَدُهُما: ﴿إنَّ مَعِيَ رَبِّي﴾ وهَذا دَلالَةُ النُّصْرَةِ والتَّكَفُّلِ بِالمَعُونَةِ.
والثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿سَيَهْدِينِ﴾ والهُدى هو طَرِيقُ النَّجاةِ والخَلاصِ، وإذا دَلَّهُ عَلى طَرِيقِ نَجاتِهِ وهَلاكِ أعْدائِهِ، فَقَدْ بَلَغَ النِّهايَةَ في النُّصْرَةِ.
الشعراء 26:63
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأوْحَيْنا إلى مُوسى أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ فانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كالطَّوْدِ العَظِيمِ﴾ ﴿وأزْلَفْنا ثَمَّ الآخَرِينَ﴾ ﴿وأنْجَيْنا مُوسى ومَن مَعَهُ أجْمَعِينَ﴾ ﴿ثُمَّ أغْرَقْنا الآخَرِينَ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ قَوْلَهُ: ﴿إنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ بَيَّنَ تَعالى بَعْدَهُ كَيْفَ هَداهُ ونَجّاهُ، وأهْلَكَ أعْداءَهُ بِذَلِكَ التَّدْبِيرِ الجامِعِ لِنِعَمِ الدِّينِ والدُّنْيا، فَقالَ: ﴿فَأوْحَيْنا إلى مُوسى أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ فانْفَلَقَ﴾ ولا شُبْهَةَ في أنَّ المُرادَ فَضَرَبَ فانْفَلَقَ لِأنَّهُ كالمَعْلُومِ مِنَ الكَلامِ إذْ لا يَجُوزُ أنْ يَنْفَلِقَ مِن غَيْرِ ضَرْبٍ ومَعَ ذَلِكَ يَأْمُرُهُ بِالضَّرْبِ لِأنَّهُ كالعَبَثِ ولِأنَّهُ تَعالى جَعَلَهُ مِن مُعْجِزاتِهِ الَّتِي ظَهَرَتْ بِالعَصا ولِأنَّ انْفِلاقَهُ بِضَرْبِهِ أعْظَمُ في النِّعْمَةِ عَلَيْهِ، وأقْوى لِعِلْمِهِمْ أنَّ ذَلِكَ إنَّما حَصَلَ لِمَكانِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، واخْتَلَفُوا في البَحْرِ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ما أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا انْتَهى إلى البَحْرِ مَعَ بَنِي إسْرائِيلَ أمَرَهم أنْ يَخُوضُوا البَحْرَ فامْتَنَعُوا إلّا يُوشَعَ بْنَ نُونٍ فَإنَّهُ ضَرَبَ دابَّتَهُ وخاضَ في البَحْرِ حَتّى عَبَرَ ثُمَّ رَجَعَ إلَيْهِمْ فَأبَوْا أنْ يَخُوضُوا فَقالَ مُوسى لِلْبَحْرِ: انْفَرِقْ لِي، فَقالَ: ما أُمِرْتُ بِذَلِكَ ولا يَعْبُرُ عَلَيَّ العُصاةُ، فَقالَ مُوسى: يا رَبِّ قَدْ أبى البَحْرُ أنْ يَنْفَرِقَ، فَقِيلَ لَهُ: اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ فَضَرَبَهُ فانْفَرَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كالطَّوْدِ العَظِيمِ أيْ كالجَبَلِ العَظِيمِ وصارَ فِيهِ اثْنا عَشَرَ طَرِيقًا لِكُلِّ سِبْطٍ مِنهم طَرِيقٌ فَقالَ كُلُّ سِبْطٍ: قُتِلَ أصْحابُنا، فَعِنْدَ ذَلِكَ دَعامُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ رَبَّهُ فَجَعَلَها مَناظِرَ كَهَيْئَةِ الطَّبَقاتِ حَتّى نَظَرَ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ عَلى أرْضٍ يابِسَةٍ، وعَنْ عَطاءِ بْنِ السّائِبِ أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ بَيْنَ بَنِي إسْرائِيلَ وبَيْنَ آلِ فِرْعَوْنَ وكانَ يَقُولُ لِبَنِي إسْرائِيلَ لِيَلْحَقْ آخِرُكم بِأوَّلِكم، ويَسْتَقْبِلُ القِبْطَ فَيَقُولُ: رُوَيْدَكم لِيَلْحَقَ آخِرُكم، ورَوِيَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ عِنْدَ ذَلِكَ: ”يا مَن كانَ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ والمُكَوِّنُ لِكُلِّ شَيْءٍ والكائِنُ بَعْدَ كُلِّ شَيْءٍ“ .
فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كالطَّوْدِ العَظِيمِ﴾ فالفِرْقُ الجُزْءُ المُنْفَرِقُ مِنهُ، وقُرِئَ ”كُلُّ فَلْقِ“ والمَعْنى واحِدٌ، والطَّوْدُ الجَبَلُ المُتَطاوِلُ أيِ المُرْتَفِعُ في السَّماءِ وهو مُعْجِزٌ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ تَفَرُّقَ ذَلِكَ الماءِ مُعْجِزٌ.
وثانِيها: أنَّ اجْتِماعَ ذَلِكَ الماءِ فَوْقَ كُلِّ طَرَفٍ مِنهُ حَتّى صارَ كالجَبَلِ مِنَ المُعْجِزاتِ أيْضًا؛ لِأنَّهُ كانَ لا يَمْتَنِعُ في الماءِ الَّذِي أُزِيلَ بِذَلِكَ التَّفْرِيقِ أنْ يُبَدِّدَهُ اللَّهُ تَعالى حَتّى يَصِيرَ كَأنَّهُ لَمْ يَكُنْ فَلَمّا جُمِعَ عَلى الطَّرَفَيْنِ صارَ مُؤَكِّدًا لِهَذا الإعْجازِ.
وثالِثُها: أنَّهُ إنْ ثَبَتَ ما رُوِيَ في الخَبَرِ أنَّهُ تَعالى أرْسَلَ عَلى فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ مِنَ الرِّياحِ والظُّلْمَةِ ما حَيَّرَهم فاحْتَبَسُوا القَدْرَ الَّذِي يَتَكامَلُ مَعَهُ عُبُورُ بَنِي إسْرائِيلَ فَهو مُعْجِزٌ ثالِثٌ.
ورابِعُها: أنْ جَعَلَ اللَّهُ في تِلْكَ الجُدْرانِ المائِيَّةِ كُوًى يَنْظُرُ مِنها بَعْضُهم إلى بَعْضٍ فَهو مُعْجِزٌ رابِعٌ.
وخامِسُها: أنْ أبْقى اللَّهُ تَعالى تِلْكَ المَسالِكَ حَتّى قَرُبَ مِنها آلُ فِرْعَوْنَ وطَمِعُوا أنْ يَتَخَلَّصُوا مِنَ البَحْرِ كَما تَخَلَّصَ قَوْمُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَهو مُعْجِزٌ خامِسٌ.
صفحة ١٢١
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأزْلَفْنا ثَمَّ الآخَرِينَ﴾ فَفِيهِ بَحْثانِ:
البَحْثُ الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ جُرَيْجٍ وقَتادَةُ والسُّدِّيُّ (وأزْلَفْنا) أيْ وقَرَّبْنا (ثَمَّ) أيْ حَيْثُ انْفَلَقَ البَحْرُ لِلْآخَرِينَ قَوْمِ فِرْعَوْنَ ثَمَّ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: قَرَّبْناهم مِن بَنِي إسْرائِيلَ.
وثانِيها: قَرَّبْنا بَعْضَهم مِن بَعْضٍ وجَمَعْناهم حَتّى لا يَنْجُوَ مِنهم أحَدٌ.
وثالِثُها: قَدَّمْناهم إلى البَحْرِ. ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: ﴿وأزْلَفْنا﴾ أيْ حَبَسْنا فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ عِنْدَ طَلَبِهِمْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنْ أظْلَمْنا عَلَيْهِمُ الدُّنْيا بِسَحابَةٍ وقَفَتْ عَلَيْهِمْ فَوَقَفُوا حَيارى، وقُرِئَ ”وأزْلَقْنا“ بِالقافِ أيْ أزْلَلْنا أقْدامَهم والمَعْنى: أذْهَبْنا عِزَّهم، ويُحْتَمَلُ أنْ يَجْعَلَ اللَّهُ طَرِيقَهم في البَحْرِ عَلى خِلافِ ما جَعَلَهُ لِبَنِي إسْرائِيلَ يَبَسًا وأزْلَقَهم.
البَحْثُ الثّانِي: أنَّهُ تَعالى أضافَ ذَلِكَ الإزْلافَ إلى نَفْسِهِ مَعَ أنَّ اجْتِماعَهم هُنالِكَ في طَلَبِ مُوسى كُفْرٌ، أجابَ الجُبّائِيُّ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ قَوْمَ فِرْعَوْنَ تَبِعُوا بَنِي إسْرائِيلَ، وبَنُو إسْرائِيلَ إنَّما فَعَلُوا ذَلِكَ بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى فَلَمّا كانَ مَسِيرُهم بِتَدْبِيرِهِ وهَؤُلاءِ تَبِعُوا ذَلِكَ أضافَهُ إلى نَفْسِهِ تَوَسُّعًا، وهَذا كَما يَتْعَبُ أحَدُنا في طَلَبِ غُلامٍ لَهُ فَيَجُوزُ أنْ يَقُولَ: أتْعَبَنِي الغُلامُ لَمّا حَدَثَ ذَلِكَ فَعَلَهُ.
الثّانِي: قِيلَ: ﴿وأزْلَفْنا ثَمَّ الآخَرِينَ﴾ أيْ أزْلَفْناهم إلى المَوْتِ لِأجْلِ أنَّهم في ذَلِكَ الوَقْتِ قَرُبُوا مِن أجَلِهِمْ وأنْشَدَ:
وكُلُّ يَوْمٍ مَضى أوْ لَيْلَةٌ سَلَفَتْ فِيها النُّفُوسُ إلى الآجالِ تَزْدَلِفُ
وأجابَ الكَعْبِيُّ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا حَلُمَ عَنْهم، وتَرَكَ البَحْرَ لَهم يَبَسًا وطَمِعُوا في عُبُورِهِ جازَتِ الإضافَةُ كالرَّجُلِ يَسْفَهُ عَلَيْهِ صاحِبُهُ مِرارًا فَيَحْلُمُ عَنْهُ، فَإذا تَمادى في غَيِّهِ وأراهُ قُدْرَتَهُ عَلَيْهِ قالَ لَهُ: أنا أحْوَجْتُكَ إلى هَذا وصَيَّرْتُكَ إلَيْهِ بِحِلْمِي، لا يُرِيدُ بِذَلِكَ أنَّهُ أرادَ ما فَعَلَ.
الثّانِي: يَحْتَمِلُ أنَّهُ أزْلَفَهم أيْ جَمْعَهم لِيُغْرِقَهم عِنْدَ ذَلِكَ ولِكَيْ لا يَصِلُوا إلى مُوسى وقَوْمِهِ.
والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: أنَّ الَّذِي فَعَلَهُ بَنُو إسْرائِيلَ هَلْ لَهُ أثْرٌ في اسْتِجْلابِ داعِيَةِ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إلى الذَّهابِ خَلْفَهم أوْ لَيْسَ لَهُ أثَرٌ فِيهِ، فَإنْ كانَ الأوَّلُ فَقَدْ حَصَلَ المَقْصُودُ لِأنَّ لِفِعْلِ اللَّهِ تَعالى أثَرًا في حُصُولِ الدّاعِيَةِ المُسْتَلْزِمَةِ لِذَلِكَ الإزْلافِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِيهِ أثَرٌ البَتَّةَ فَقَدْ زالَ التَّعَلُّقُ فَوَجَبَ أنْ لا تَحْسُنَ الإضافَةُ، وأمّا إذا تَعِبَ أحَدُنا في طَلَبِ غُلامٍ لَهُ، فَإنَّما يَجُوزُ أنْ يَقُولَ: أتْعَبَنِي ذَلِكَ الغُلامُ لِما أنَّ فِعْلَ ذَلِكَ الغُلامِ صارَ كالمُؤَثِّرِ في حُصُولِ ذَلِكَ التَّعَبِ لِأنَّهُ مَتى فَعَلَ ذَلِكَ الفِعْلَ فالظّاهِرُ أنَّهُ يَصِيرُ مَعْلُومًا لِلسَّيِّدِ، ومَتى عَلِمَهُ صارَ عِلْمُهُ داعِيًا لَهُ إلى ذَلِكَ التَّعَبِ ومُؤَثِّرًا فِيهِ فَصَحَّتِ الإضافَةُ. وبِالجُمْلَةِ فَعِنْدَنا القادِرُ لا يُمْكِنُهُ الفِعْلُ إلّا بِالدّاعِي، فالدّاعِي مُؤَثِّرٌ في صَيْرُورَةِ القادِرِ مُؤَثِّرًا في ذَلِكَ الفِعْلِ فَلا جَرَمَ حَسُنَتِ الإضافَةُ.
والجَوابُ عَنِ الثّانِي: وهو أنَّهُ أزْلَفَهم لِيُغْرِقَهم فَهو أنَّهُ تَعالى ما أزْلَفَهم بَلْ هم بِأنْفُسِهِمُ ازْدَلَفُوا ثُمَّ حَصَلَ الغَرَقُ بَعْدَهُ، فَكَيْفَ يَجُوزُ إضافَةُ هَذا الإزْلافِ إلى اللَّهِ تَعالى ؟ أمّا عَلى قَوْلِنا فَإنَّهُ جائِزٌ لِأنَّهُ تَعالى هو الَّذِي خَلَقَ الدّاعِيَةَ المُسْتَعْقِبَةَ لِذَلِكَ الِازْدِلافِ.
والجَوابُ عَنِ الثّالِثِ: وهو أنَّ حِلْمَهُ تَعالى عَنْهم وحَمْلَهم عَلى ذَلِكَ، فَنَقُولُ: ذَلِكَ الحِلْمُ هَلْ لَهُ أثَرٌ في اسْتِجْلابِ هَذِهِ الدّاعِيَةِ أمْ لا ؟ وباقِي التَّقْرِيرِ كَما تَقَدَّمَ.
والجَوابُ عَنِ الرّابِعِ هو بِعَيْنِهِ الجَوابُ عَنِ الثّانِي واللَّهُ أعْلَمُ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنْجَيْنا مُوسى ومَن مَعَهُ أجْمَعِينَ﴾ ﴿ثُمَّ أغْرَقْنا الآخَرِينَ﴾ فالمَعْنى أنَّهُ تَعالى جَعَلَ البَحْرَ يَبَسًا في حَقِّ مُوسى وقَوْمِهِ حَتّى خَرَجُوا مِنهُ وأغْرَقَ فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ لِأنَّهُ لَمّا تَكامَلَ دُخُولُهُمُ البَحْرَ انْطَبَقَ الماءُ عَلَيْهِمْ فَغَرِقُوا في ذَلِكَ الماءِ.
صفحة ١٢٢
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً﴾ فالمَعْنى أنَّ الَّذِي حَدَثَ في البَحْرِ آيَةٌ عَجِيبَةٌ مِنَ الآياتِ العِظامِ الدّالَّةِ عَلى قُدْرَتِهِ لِأنَّ أحَدًا مِنَ البَشَرِ لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ وعَلى حِكْمَتِهِ مِن حَيْثُ وقَعَ ما كانَ مَصْلَحَةً في الدِّينِ والدُّنْيا، وعَلى صِدْقِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِن حَيْثُ كانَ مُعْجِزَةً لَهُ، وعَلى اعْتِبارِ المُعْتَبِرِينَ بِهِ أبَدًا فَيَصِيرُ تَحْذِيرًا مِنَ الإقْدامِ عَلى مُخالَفَةِ أمْرِ اللَّهِ تَعالى وأمْرِ رَسُولِهِ، ويَكُونُ فِيهِ اعْتِبارٌ لِمُحَمَّدٍ ﷺ، فَإنَّهُ قالَ عَقِيبَ ذَلِكَ: ﴿وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ وفي ذَلِكَ تَسْلِيَةٌ لَهُ فَقَدْ كانَ يَغْتَمُّ بِتَكْذِيبِ قَوْمِهِ مَعَ ظُهُورِ المُعْجِزاتِ عَلَيْهِ فَنَبَّهَهُ اللَّهُ تَعالى بِهَذا الذِّكْرِ عَلى أنَّ لَهُ أُسْوَةً بِمُوسى وغَيْرِهِ، فَإنَّ الَّذِي ظَهَرَ عَلى مُوسى مِن هَذِهِ المُعْجِزاتِ العِظامِ الَّتِي تَبْهَرُ العُقُولَ لَمْ يَمْنَعْ مِن أنَّ أكْثَرَهم كَذَّبُوهُ وكَفَرُوا بِهِ مَعَ مُشاهَدَتِهِمْ لِما شاهَدُوهُ في البَحْرِ وغَيْرِهِ. فَكَذَلِكَ أنْتَ يا مُحَمَّدُ لا تَعْجَبْ مِن تَكْذِيبِ أكْثَرِهِمْ لَكَ واصْبِرْ عَلى إيذائِهِمْ فَلَعَلَّهم أنْ يُصْلِحُوا ويَكُونَ في هَذا الصَّبْرِ تَأْكِيدُ الحجة عَلَيْهِمْ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ فَتَعَلُّقُهُ بِما قَبْلَهُ أنَّ القَوْمَ مَعَ مُشاهَدَةِ هَذِهِ الآيَةِ الباهِرَةِ كَفَرُوا، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى كانَ عَزِيزًا قادِرًا عَلى أنْ يُهْلِكَهم، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ما أهْلَكَهم بَلْ أفاضَ عَلَيْهِمْ أنْواعَ رَحْمَتِهِ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى كَمالِ رَحْمَتِهِ وسَعَةِ جُودِهِ وفَضْلِهِ.
الشعراء 26:64
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأوْحَيْنا إلى مُوسى أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ فانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كالطَّوْدِ العَظِيمِ﴾ ﴿وأزْلَفْنا ثَمَّ الآخَرِينَ﴾ ﴿وأنْجَيْنا مُوسى ومَن مَعَهُ أجْمَعِينَ﴾ ﴿ثُمَّ أغْرَقْنا الآخَرِينَ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ قَوْلَهُ: ﴿إنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ بَيَّنَ تَعالى بَعْدَهُ كَيْفَ هَداهُ ونَجّاهُ، وأهْلَكَ أعْداءَهُ بِذَلِكَ التَّدْبِيرِ الجامِعِ لِنِعَمِ الدِّينِ والدُّنْيا، فَقالَ: ﴿فَأوْحَيْنا إلى مُوسى أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ فانْفَلَقَ﴾ ولا شُبْهَةَ في أنَّ المُرادَ فَضَرَبَ فانْفَلَقَ لِأنَّهُ كالمَعْلُومِ مِنَ الكَلامِ إذْ لا يَجُوزُ أنْ يَنْفَلِقَ مِن غَيْرِ ضَرْبٍ ومَعَ ذَلِكَ يَأْمُرُهُ بِالضَّرْبِ لِأنَّهُ كالعَبَثِ ولِأنَّهُ تَعالى جَعَلَهُ مِن مُعْجِزاتِهِ الَّتِي ظَهَرَتْ بِالعَصا ولِأنَّ انْفِلاقَهُ بِضَرْبِهِ أعْظَمُ في النِّعْمَةِ عَلَيْهِ، وأقْوى لِعِلْمِهِمْ أنَّ ذَلِكَ إنَّما حَصَلَ لِمَكانِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، واخْتَلَفُوا في البَحْرِ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ما أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا انْتَهى إلى البَحْرِ مَعَ بَنِي إسْرائِيلَ أمَرَهم أنْ يَخُوضُوا البَحْرَ فامْتَنَعُوا إلّا يُوشَعَ بْنَ نُونٍ فَإنَّهُ ضَرَبَ دابَّتَهُ وخاضَ في البَحْرِ حَتّى عَبَرَ ثُمَّ رَجَعَ إلَيْهِمْ فَأبَوْا أنْ يَخُوضُوا فَقالَ مُوسى لِلْبَحْرِ: انْفَرِقْ لِي، فَقالَ: ما أُمِرْتُ بِذَلِكَ ولا يَعْبُرُ عَلَيَّ العُصاةُ، فَقالَ مُوسى: يا رَبِّ قَدْ أبى البَحْرُ أنْ يَنْفَرِقَ، فَقِيلَ لَهُ: اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ فَضَرَبَهُ فانْفَرَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كالطَّوْدِ العَظِيمِ أيْ كالجَبَلِ العَظِيمِ وصارَ فِيهِ اثْنا عَشَرَ طَرِيقًا لِكُلِّ سِبْطٍ مِنهم طَرِيقٌ فَقالَ كُلُّ سِبْطٍ: قُتِلَ أصْحابُنا، فَعِنْدَ ذَلِكَ دَعامُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ رَبَّهُ فَجَعَلَها مَناظِرَ كَهَيْئَةِ الطَّبَقاتِ حَتّى نَظَرَ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ عَلى أرْضٍ يابِسَةٍ، وعَنْ عَطاءِ بْنِ السّائِبِ أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ بَيْنَ بَنِي إسْرائِيلَ وبَيْنَ آلِ فِرْعَوْنَ وكانَ يَقُولُ لِبَنِي إسْرائِيلَ لِيَلْحَقْ آخِرُكم بِأوَّلِكم، ويَسْتَقْبِلُ القِبْطَ فَيَقُولُ: رُوَيْدَكم لِيَلْحَقَ آخِرُكم، ورَوِيَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ عِنْدَ ذَلِكَ: ”يا مَن كانَ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ والمُكَوِّنُ لِكُلِّ شَيْءٍ والكائِنُ بَعْدَ كُلِّ شَيْءٍ“ .
فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كالطَّوْدِ العَظِيمِ﴾ فالفِرْقُ الجُزْءُ المُنْفَرِقُ مِنهُ، وقُرِئَ ”كُلُّ فَلْقِ“ والمَعْنى واحِدٌ، والطَّوْدُ الجَبَلُ المُتَطاوِلُ أيِ المُرْتَفِعُ في السَّماءِ وهو مُعْجِزٌ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ تَفَرُّقَ ذَلِكَ الماءِ مُعْجِزٌ.
وثانِيها: أنَّ اجْتِماعَ ذَلِكَ الماءِ فَوْقَ كُلِّ طَرَفٍ مِنهُ حَتّى صارَ كالجَبَلِ مِنَ المُعْجِزاتِ أيْضًا؛ لِأنَّهُ كانَ لا يَمْتَنِعُ في الماءِ الَّذِي أُزِيلَ بِذَلِكَ التَّفْرِيقِ أنْ يُبَدِّدَهُ اللَّهُ تَعالى حَتّى يَصِيرَ كَأنَّهُ لَمْ يَكُنْ فَلَمّا جُمِعَ عَلى الطَّرَفَيْنِ صارَ مُؤَكِّدًا لِهَذا الإعْجازِ.
وثالِثُها: أنَّهُ إنْ ثَبَتَ ما رُوِيَ في الخَبَرِ أنَّهُ تَعالى أرْسَلَ عَلى فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ مِنَ الرِّياحِ والظُّلْمَةِ ما حَيَّرَهم فاحْتَبَسُوا القَدْرَ الَّذِي يَتَكامَلُ مَعَهُ عُبُورُ بَنِي إسْرائِيلَ فَهو مُعْجِزٌ ثالِثٌ.
ورابِعُها: أنْ جَعَلَ اللَّهُ في تِلْكَ الجُدْرانِ المائِيَّةِ كُوًى يَنْظُرُ مِنها بَعْضُهم إلى بَعْضٍ فَهو مُعْجِزٌ رابِعٌ.
وخامِسُها: أنْ أبْقى اللَّهُ تَعالى تِلْكَ المَسالِكَ حَتّى قَرُبَ مِنها آلُ فِرْعَوْنَ وطَمِعُوا أنْ يَتَخَلَّصُوا مِنَ البَحْرِ كَما تَخَلَّصَ قَوْمُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَهو مُعْجِزٌ خامِسٌ.
صفحة ١٢١
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأزْلَفْنا ثَمَّ الآخَرِينَ﴾ فَفِيهِ بَحْثانِ:
البَحْثُ الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ جُرَيْجٍ وقَتادَةُ والسُّدِّيُّ (وأزْلَفْنا) أيْ وقَرَّبْنا (ثَمَّ) أيْ حَيْثُ انْفَلَقَ البَحْرُ لِلْآخَرِينَ قَوْمِ فِرْعَوْنَ ثَمَّ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: قَرَّبْناهم مِن بَنِي إسْرائِيلَ.
وثانِيها: قَرَّبْنا بَعْضَهم مِن بَعْضٍ وجَمَعْناهم حَتّى لا يَنْجُوَ مِنهم أحَدٌ.
وثالِثُها: قَدَّمْناهم إلى البَحْرِ. ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: ﴿وأزْلَفْنا﴾ أيْ حَبَسْنا فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ عِنْدَ طَلَبِهِمْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنْ أظْلَمْنا عَلَيْهِمُ الدُّنْيا بِسَحابَةٍ وقَفَتْ عَلَيْهِمْ فَوَقَفُوا حَيارى، وقُرِئَ ”وأزْلَقْنا“ بِالقافِ أيْ أزْلَلْنا أقْدامَهم والمَعْنى: أذْهَبْنا عِزَّهم، ويُحْتَمَلُ أنْ يَجْعَلَ اللَّهُ طَرِيقَهم في البَحْرِ عَلى خِلافِ ما جَعَلَهُ لِبَنِي إسْرائِيلَ يَبَسًا وأزْلَقَهم.
البَحْثُ الثّانِي: أنَّهُ تَعالى أضافَ ذَلِكَ الإزْلافَ إلى نَفْسِهِ مَعَ أنَّ اجْتِماعَهم هُنالِكَ في طَلَبِ مُوسى كُفْرٌ، أجابَ الجُبّائِيُّ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ قَوْمَ فِرْعَوْنَ تَبِعُوا بَنِي إسْرائِيلَ، وبَنُو إسْرائِيلَ إنَّما فَعَلُوا ذَلِكَ بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى فَلَمّا كانَ مَسِيرُهم بِتَدْبِيرِهِ وهَؤُلاءِ تَبِعُوا ذَلِكَ أضافَهُ إلى نَفْسِهِ تَوَسُّعًا، وهَذا كَما يَتْعَبُ أحَدُنا في طَلَبِ غُلامٍ لَهُ فَيَجُوزُ أنْ يَقُولَ: أتْعَبَنِي الغُلامُ لَمّا حَدَثَ ذَلِكَ فَعَلَهُ.
الثّانِي: قِيلَ: ﴿وأزْلَفْنا ثَمَّ الآخَرِينَ﴾ أيْ أزْلَفْناهم إلى المَوْتِ لِأجْلِ أنَّهم في ذَلِكَ الوَقْتِ قَرُبُوا مِن أجَلِهِمْ وأنْشَدَ:
وكُلُّ يَوْمٍ مَضى أوْ لَيْلَةٌ سَلَفَتْ فِيها النُّفُوسُ إلى الآجالِ تَزْدَلِفُ
وأجابَ الكَعْبِيُّ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا حَلُمَ عَنْهم، وتَرَكَ البَحْرَ لَهم يَبَسًا وطَمِعُوا في عُبُورِهِ جازَتِ الإضافَةُ كالرَّجُلِ يَسْفَهُ عَلَيْهِ صاحِبُهُ مِرارًا فَيَحْلُمُ عَنْهُ، فَإذا تَمادى في غَيِّهِ وأراهُ قُدْرَتَهُ عَلَيْهِ قالَ لَهُ: أنا أحْوَجْتُكَ إلى هَذا وصَيَّرْتُكَ إلَيْهِ بِحِلْمِي، لا يُرِيدُ بِذَلِكَ أنَّهُ أرادَ ما فَعَلَ.
الثّانِي: يَحْتَمِلُ أنَّهُ أزْلَفَهم أيْ جَمْعَهم لِيُغْرِقَهم عِنْدَ ذَلِكَ ولِكَيْ لا يَصِلُوا إلى مُوسى وقَوْمِهِ.
والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: أنَّ الَّذِي فَعَلَهُ بَنُو إسْرائِيلَ هَلْ لَهُ أثْرٌ في اسْتِجْلابِ داعِيَةِ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إلى الذَّهابِ خَلْفَهم أوْ لَيْسَ لَهُ أثَرٌ فِيهِ، فَإنْ كانَ الأوَّلُ فَقَدْ حَصَلَ المَقْصُودُ لِأنَّ لِفِعْلِ اللَّهِ تَعالى أثَرًا في حُصُولِ الدّاعِيَةِ المُسْتَلْزِمَةِ لِذَلِكَ الإزْلافِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِيهِ أثَرٌ البَتَّةَ فَقَدْ زالَ التَّعَلُّقُ فَوَجَبَ أنْ لا تَحْسُنَ الإضافَةُ، وأمّا إذا تَعِبَ أحَدُنا في طَلَبِ غُلامٍ لَهُ، فَإنَّما يَجُوزُ أنْ يَقُولَ: أتْعَبَنِي ذَلِكَ الغُلامُ لِما أنَّ فِعْلَ ذَلِكَ الغُلامِ صارَ كالمُؤَثِّرِ في حُصُولِ ذَلِكَ التَّعَبِ لِأنَّهُ مَتى فَعَلَ ذَلِكَ الفِعْلَ فالظّاهِرُ أنَّهُ يَصِيرُ مَعْلُومًا لِلسَّيِّدِ، ومَتى عَلِمَهُ صارَ عِلْمُهُ داعِيًا لَهُ إلى ذَلِكَ التَّعَبِ ومُؤَثِّرًا فِيهِ فَصَحَّتِ الإضافَةُ. وبِالجُمْلَةِ فَعِنْدَنا القادِرُ لا يُمْكِنُهُ الفِعْلُ إلّا بِالدّاعِي، فالدّاعِي مُؤَثِّرٌ في صَيْرُورَةِ القادِرِ مُؤَثِّرًا في ذَلِكَ الفِعْلِ فَلا جَرَمَ حَسُنَتِ الإضافَةُ.
والجَوابُ عَنِ الثّانِي: وهو أنَّهُ أزْلَفَهم لِيُغْرِقَهم فَهو أنَّهُ تَعالى ما أزْلَفَهم بَلْ هم بِأنْفُسِهِمُ ازْدَلَفُوا ثُمَّ حَصَلَ الغَرَقُ بَعْدَهُ، فَكَيْفَ يَجُوزُ إضافَةُ هَذا الإزْلافِ إلى اللَّهِ تَعالى ؟ أمّا عَلى قَوْلِنا فَإنَّهُ جائِزٌ لِأنَّهُ تَعالى هو الَّذِي خَلَقَ الدّاعِيَةَ المُسْتَعْقِبَةَ لِذَلِكَ الِازْدِلافِ.
والجَوابُ عَنِ الثّالِثِ: وهو أنَّ حِلْمَهُ تَعالى عَنْهم وحَمْلَهم عَلى ذَلِكَ، فَنَقُولُ: ذَلِكَ الحِلْمُ هَلْ لَهُ أثَرٌ في اسْتِجْلابِ هَذِهِ الدّاعِيَةِ أمْ لا ؟ وباقِي التَّقْرِيرِ كَما تَقَدَّمَ.
والجَوابُ عَنِ الرّابِعِ هو بِعَيْنِهِ الجَوابُ عَنِ الثّانِي واللَّهُ أعْلَمُ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنْجَيْنا مُوسى ومَن مَعَهُ أجْمَعِينَ﴾ ﴿ثُمَّ أغْرَقْنا الآخَرِينَ﴾ فالمَعْنى أنَّهُ تَعالى جَعَلَ البَحْرَ يَبَسًا في حَقِّ مُوسى وقَوْمِهِ حَتّى خَرَجُوا مِنهُ وأغْرَقَ فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ لِأنَّهُ لَمّا تَكامَلَ دُخُولُهُمُ البَحْرَ انْطَبَقَ الماءُ عَلَيْهِمْ فَغَرِقُوا في ذَلِكَ الماءِ.
صفحة ١٢٢
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً﴾ فالمَعْنى أنَّ الَّذِي حَدَثَ في البَحْرِ آيَةٌ عَجِيبَةٌ مِنَ الآياتِ العِظامِ الدّالَّةِ عَلى قُدْرَتِهِ لِأنَّ أحَدًا مِنَ البَشَرِ لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ وعَلى حِكْمَتِهِ مِن حَيْثُ وقَعَ ما كانَ مَصْلَحَةً في الدِّينِ والدُّنْيا، وعَلى صِدْقِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِن حَيْثُ كانَ مُعْجِزَةً لَهُ، وعَلى اعْتِبارِ المُعْتَبِرِينَ بِهِ أبَدًا فَيَصِيرُ تَحْذِيرًا مِنَ الإقْدامِ عَلى مُخالَفَةِ أمْرِ اللَّهِ تَعالى وأمْرِ رَسُولِهِ، ويَكُونُ فِيهِ اعْتِبارٌ لِمُحَمَّدٍ ﷺ، فَإنَّهُ قالَ عَقِيبَ ذَلِكَ: ﴿وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ وفي ذَلِكَ تَسْلِيَةٌ لَهُ فَقَدْ كانَ يَغْتَمُّ بِتَكْذِيبِ قَوْمِهِ مَعَ ظُهُورِ المُعْجِزاتِ عَلَيْهِ فَنَبَّهَهُ اللَّهُ تَعالى بِهَذا الذِّكْرِ عَلى أنَّ لَهُ أُسْوَةً بِمُوسى وغَيْرِهِ، فَإنَّ الَّذِي ظَهَرَ عَلى مُوسى مِن هَذِهِ المُعْجِزاتِ العِظامِ الَّتِي تَبْهَرُ العُقُولَ لَمْ يَمْنَعْ مِن أنَّ أكْثَرَهم كَذَّبُوهُ وكَفَرُوا بِهِ مَعَ مُشاهَدَتِهِمْ لِما شاهَدُوهُ في البَحْرِ وغَيْرِهِ. فَكَذَلِكَ أنْتَ يا مُحَمَّدُ لا تَعْجَبْ مِن تَكْذِيبِ أكْثَرِهِمْ لَكَ واصْبِرْ عَلى إيذائِهِمْ فَلَعَلَّهم أنْ يُصْلِحُوا ويَكُونَ في هَذا الصَّبْرِ تَأْكِيدُ الحجة عَلَيْهِمْ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ فَتَعَلُّقُهُ بِما قَبْلَهُ أنَّ القَوْمَ مَعَ مُشاهَدَةِ هَذِهِ الآيَةِ الباهِرَةِ كَفَرُوا، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى كانَ عَزِيزًا قادِرًا عَلى أنْ يُهْلِكَهم، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ما أهْلَكَهم بَلْ أفاضَ عَلَيْهِمْ أنْواعَ رَحْمَتِهِ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى كَمالِ رَحْمَتِهِ وسَعَةِ جُودِهِ وفَضْلِهِ.
الشعراء 26:65
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأوْحَيْنا إلى مُوسى أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ فانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كالطَّوْدِ العَظِيمِ﴾ ﴿وأزْلَفْنا ثَمَّ الآخَرِينَ﴾ ﴿وأنْجَيْنا مُوسى ومَن مَعَهُ أجْمَعِينَ﴾ ﴿ثُمَّ أغْرَقْنا الآخَرِينَ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ قَوْلَهُ: ﴿إنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ بَيَّنَ تَعالى بَعْدَهُ كَيْفَ هَداهُ ونَجّاهُ، وأهْلَكَ أعْداءَهُ بِذَلِكَ التَّدْبِيرِ الجامِعِ لِنِعَمِ الدِّينِ والدُّنْيا، فَقالَ: ﴿فَأوْحَيْنا إلى مُوسى أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ فانْفَلَقَ﴾ ولا شُبْهَةَ في أنَّ المُرادَ فَضَرَبَ فانْفَلَقَ لِأنَّهُ كالمَعْلُومِ مِنَ الكَلامِ إذْ لا يَجُوزُ أنْ يَنْفَلِقَ مِن غَيْرِ ضَرْبٍ ومَعَ ذَلِكَ يَأْمُرُهُ بِالضَّرْبِ لِأنَّهُ كالعَبَثِ ولِأنَّهُ تَعالى جَعَلَهُ مِن مُعْجِزاتِهِ الَّتِي ظَهَرَتْ بِالعَصا ولِأنَّ انْفِلاقَهُ بِضَرْبِهِ أعْظَمُ في النِّعْمَةِ عَلَيْهِ، وأقْوى لِعِلْمِهِمْ أنَّ ذَلِكَ إنَّما حَصَلَ لِمَكانِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، واخْتَلَفُوا في البَحْرِ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ما أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا انْتَهى إلى البَحْرِ مَعَ بَنِي إسْرائِيلَ أمَرَهم أنْ يَخُوضُوا البَحْرَ فامْتَنَعُوا إلّا يُوشَعَ بْنَ نُونٍ فَإنَّهُ ضَرَبَ دابَّتَهُ وخاضَ في البَحْرِ حَتّى عَبَرَ ثُمَّ رَجَعَ إلَيْهِمْ فَأبَوْا أنْ يَخُوضُوا فَقالَ مُوسى لِلْبَحْرِ: انْفَرِقْ لِي، فَقالَ: ما أُمِرْتُ بِذَلِكَ ولا يَعْبُرُ عَلَيَّ العُصاةُ، فَقالَ مُوسى: يا رَبِّ قَدْ أبى البَحْرُ أنْ يَنْفَرِقَ، فَقِيلَ لَهُ: اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ فَضَرَبَهُ فانْفَرَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كالطَّوْدِ العَظِيمِ أيْ كالجَبَلِ العَظِيمِ وصارَ فِيهِ اثْنا عَشَرَ طَرِيقًا لِكُلِّ سِبْطٍ مِنهم طَرِيقٌ فَقالَ كُلُّ سِبْطٍ: قُتِلَ أصْحابُنا، فَعِنْدَ ذَلِكَ دَعامُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ رَبَّهُ فَجَعَلَها مَناظِرَ كَهَيْئَةِ الطَّبَقاتِ حَتّى نَظَرَ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ عَلى أرْضٍ يابِسَةٍ، وعَنْ عَطاءِ بْنِ السّائِبِ أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ بَيْنَ بَنِي إسْرائِيلَ وبَيْنَ آلِ فِرْعَوْنَ وكانَ يَقُولُ لِبَنِي إسْرائِيلَ لِيَلْحَقْ آخِرُكم بِأوَّلِكم، ويَسْتَقْبِلُ القِبْطَ فَيَقُولُ: رُوَيْدَكم لِيَلْحَقَ آخِرُكم، ورَوِيَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ عِنْدَ ذَلِكَ: ”يا مَن كانَ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ والمُكَوِّنُ لِكُلِّ شَيْءٍ والكائِنُ بَعْدَ كُلِّ شَيْءٍ“ .
فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كالطَّوْدِ العَظِيمِ﴾ فالفِرْقُ الجُزْءُ المُنْفَرِقُ مِنهُ، وقُرِئَ ”كُلُّ فَلْقِ“ والمَعْنى واحِدٌ، والطَّوْدُ الجَبَلُ المُتَطاوِلُ أيِ المُرْتَفِعُ في السَّماءِ وهو مُعْجِزٌ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ تَفَرُّقَ ذَلِكَ الماءِ مُعْجِزٌ.
وثانِيها: أنَّ اجْتِماعَ ذَلِكَ الماءِ فَوْقَ كُلِّ طَرَفٍ مِنهُ حَتّى صارَ كالجَبَلِ مِنَ المُعْجِزاتِ أيْضًا؛ لِأنَّهُ كانَ لا يَمْتَنِعُ في الماءِ الَّذِي أُزِيلَ بِذَلِكَ التَّفْرِيقِ أنْ يُبَدِّدَهُ اللَّهُ تَعالى حَتّى يَصِيرَ كَأنَّهُ لَمْ يَكُنْ فَلَمّا جُمِعَ عَلى الطَّرَفَيْنِ صارَ مُؤَكِّدًا لِهَذا الإعْجازِ.
وثالِثُها: أنَّهُ إنْ ثَبَتَ ما رُوِيَ في الخَبَرِ أنَّهُ تَعالى أرْسَلَ عَلى فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ مِنَ الرِّياحِ والظُّلْمَةِ ما حَيَّرَهم فاحْتَبَسُوا القَدْرَ الَّذِي يَتَكامَلُ مَعَهُ عُبُورُ بَنِي إسْرائِيلَ فَهو مُعْجِزٌ ثالِثٌ.
ورابِعُها: أنْ جَعَلَ اللَّهُ في تِلْكَ الجُدْرانِ المائِيَّةِ كُوًى يَنْظُرُ مِنها بَعْضُهم إلى بَعْضٍ فَهو مُعْجِزٌ رابِعٌ.
وخامِسُها: أنْ أبْقى اللَّهُ تَعالى تِلْكَ المَسالِكَ حَتّى قَرُبَ مِنها آلُ فِرْعَوْنَ وطَمِعُوا أنْ يَتَخَلَّصُوا مِنَ البَحْرِ كَما تَخَلَّصَ قَوْمُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَهو مُعْجِزٌ خامِسٌ.
صفحة ١٢١
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأزْلَفْنا ثَمَّ الآخَرِينَ﴾ فَفِيهِ بَحْثانِ:
البَحْثُ الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ جُرَيْجٍ وقَتادَةُ والسُّدِّيُّ (وأزْلَفْنا) أيْ وقَرَّبْنا (ثَمَّ) أيْ حَيْثُ انْفَلَقَ البَحْرُ لِلْآخَرِينَ قَوْمِ فِرْعَوْنَ ثَمَّ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: قَرَّبْناهم مِن بَنِي إسْرائِيلَ.
وثانِيها: قَرَّبْنا بَعْضَهم مِن بَعْضٍ وجَمَعْناهم حَتّى لا يَنْجُوَ مِنهم أحَدٌ.
وثالِثُها: قَدَّمْناهم إلى البَحْرِ. ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: ﴿وأزْلَفْنا﴾ أيْ حَبَسْنا فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ عِنْدَ طَلَبِهِمْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنْ أظْلَمْنا عَلَيْهِمُ الدُّنْيا بِسَحابَةٍ وقَفَتْ عَلَيْهِمْ فَوَقَفُوا حَيارى، وقُرِئَ ”وأزْلَقْنا“ بِالقافِ أيْ أزْلَلْنا أقْدامَهم والمَعْنى: أذْهَبْنا عِزَّهم، ويُحْتَمَلُ أنْ يَجْعَلَ اللَّهُ طَرِيقَهم في البَحْرِ عَلى خِلافِ ما جَعَلَهُ لِبَنِي إسْرائِيلَ يَبَسًا وأزْلَقَهم.
البَحْثُ الثّانِي: أنَّهُ تَعالى أضافَ ذَلِكَ الإزْلافَ إلى نَفْسِهِ مَعَ أنَّ اجْتِماعَهم هُنالِكَ في طَلَبِ مُوسى كُفْرٌ، أجابَ الجُبّائِيُّ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ قَوْمَ فِرْعَوْنَ تَبِعُوا بَنِي إسْرائِيلَ، وبَنُو إسْرائِيلَ إنَّما فَعَلُوا ذَلِكَ بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى فَلَمّا كانَ مَسِيرُهم بِتَدْبِيرِهِ وهَؤُلاءِ تَبِعُوا ذَلِكَ أضافَهُ إلى نَفْسِهِ تَوَسُّعًا، وهَذا كَما يَتْعَبُ أحَدُنا في طَلَبِ غُلامٍ لَهُ فَيَجُوزُ أنْ يَقُولَ: أتْعَبَنِي الغُلامُ لَمّا حَدَثَ ذَلِكَ فَعَلَهُ.
الثّانِي: قِيلَ: ﴿وأزْلَفْنا ثَمَّ الآخَرِينَ﴾ أيْ أزْلَفْناهم إلى المَوْتِ لِأجْلِ أنَّهم في ذَلِكَ الوَقْتِ قَرُبُوا مِن أجَلِهِمْ وأنْشَدَ:
وكُلُّ يَوْمٍ مَضى أوْ لَيْلَةٌ سَلَفَتْ فِيها النُّفُوسُ إلى الآجالِ تَزْدَلِفُ
وأجابَ الكَعْبِيُّ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا حَلُمَ عَنْهم، وتَرَكَ البَحْرَ لَهم يَبَسًا وطَمِعُوا في عُبُورِهِ جازَتِ الإضافَةُ كالرَّجُلِ يَسْفَهُ عَلَيْهِ صاحِبُهُ مِرارًا فَيَحْلُمُ عَنْهُ، فَإذا تَمادى في غَيِّهِ وأراهُ قُدْرَتَهُ عَلَيْهِ قالَ لَهُ: أنا أحْوَجْتُكَ إلى هَذا وصَيَّرْتُكَ إلَيْهِ بِحِلْمِي، لا يُرِيدُ بِذَلِكَ أنَّهُ أرادَ ما فَعَلَ.
الثّانِي: يَحْتَمِلُ أنَّهُ أزْلَفَهم أيْ جَمْعَهم لِيُغْرِقَهم عِنْدَ ذَلِكَ ولِكَيْ لا يَصِلُوا إلى مُوسى وقَوْمِهِ.
والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: أنَّ الَّذِي فَعَلَهُ بَنُو إسْرائِيلَ هَلْ لَهُ أثْرٌ في اسْتِجْلابِ داعِيَةِ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إلى الذَّهابِ خَلْفَهم أوْ لَيْسَ لَهُ أثَرٌ فِيهِ، فَإنْ كانَ الأوَّلُ فَقَدْ حَصَلَ المَقْصُودُ لِأنَّ لِفِعْلِ اللَّهِ تَعالى أثَرًا في حُصُولِ الدّاعِيَةِ المُسْتَلْزِمَةِ لِذَلِكَ الإزْلافِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِيهِ أثَرٌ البَتَّةَ فَقَدْ زالَ التَّعَلُّقُ فَوَجَبَ أنْ لا تَحْسُنَ الإضافَةُ، وأمّا إذا تَعِبَ أحَدُنا في طَلَبِ غُلامٍ لَهُ، فَإنَّما يَجُوزُ أنْ يَقُولَ: أتْعَبَنِي ذَلِكَ الغُلامُ لِما أنَّ فِعْلَ ذَلِكَ الغُلامِ صارَ كالمُؤَثِّرِ في حُصُولِ ذَلِكَ التَّعَبِ لِأنَّهُ مَتى فَعَلَ ذَلِكَ الفِعْلَ فالظّاهِرُ أنَّهُ يَصِيرُ مَعْلُومًا لِلسَّيِّدِ، ومَتى عَلِمَهُ صارَ عِلْمُهُ داعِيًا لَهُ إلى ذَلِكَ التَّعَبِ ومُؤَثِّرًا فِيهِ فَصَحَّتِ الإضافَةُ. وبِالجُمْلَةِ فَعِنْدَنا القادِرُ لا يُمْكِنُهُ الفِعْلُ إلّا بِالدّاعِي، فالدّاعِي مُؤَثِّرٌ في صَيْرُورَةِ القادِرِ مُؤَثِّرًا في ذَلِكَ الفِعْلِ فَلا جَرَمَ حَسُنَتِ الإضافَةُ.
والجَوابُ عَنِ الثّانِي: وهو أنَّهُ أزْلَفَهم لِيُغْرِقَهم فَهو أنَّهُ تَعالى ما أزْلَفَهم بَلْ هم بِأنْفُسِهِمُ ازْدَلَفُوا ثُمَّ حَصَلَ الغَرَقُ بَعْدَهُ، فَكَيْفَ يَجُوزُ إضافَةُ هَذا الإزْلافِ إلى اللَّهِ تَعالى ؟ أمّا عَلى قَوْلِنا فَإنَّهُ جائِزٌ لِأنَّهُ تَعالى هو الَّذِي خَلَقَ الدّاعِيَةَ المُسْتَعْقِبَةَ لِذَلِكَ الِازْدِلافِ.
والجَوابُ عَنِ الثّالِثِ: وهو أنَّ حِلْمَهُ تَعالى عَنْهم وحَمْلَهم عَلى ذَلِكَ، فَنَقُولُ: ذَلِكَ الحِلْمُ هَلْ لَهُ أثَرٌ في اسْتِجْلابِ هَذِهِ الدّاعِيَةِ أمْ لا ؟ وباقِي التَّقْرِيرِ كَما تَقَدَّمَ.
والجَوابُ عَنِ الرّابِعِ هو بِعَيْنِهِ الجَوابُ عَنِ الثّانِي واللَّهُ أعْلَمُ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنْجَيْنا مُوسى ومَن مَعَهُ أجْمَعِينَ﴾ ﴿ثُمَّ أغْرَقْنا الآخَرِينَ﴾ فالمَعْنى أنَّهُ تَعالى جَعَلَ البَحْرَ يَبَسًا في حَقِّ مُوسى وقَوْمِهِ حَتّى خَرَجُوا مِنهُ وأغْرَقَ فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ لِأنَّهُ لَمّا تَكامَلَ دُخُولُهُمُ البَحْرَ انْطَبَقَ الماءُ عَلَيْهِمْ فَغَرِقُوا في ذَلِكَ الماءِ.
صفحة ١٢٢
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً﴾ فالمَعْنى أنَّ الَّذِي حَدَثَ في البَحْرِ آيَةٌ عَجِيبَةٌ مِنَ الآياتِ العِظامِ الدّالَّةِ عَلى قُدْرَتِهِ لِأنَّ أحَدًا مِنَ البَشَرِ لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ وعَلى حِكْمَتِهِ مِن حَيْثُ وقَعَ ما كانَ مَصْلَحَةً في الدِّينِ والدُّنْيا، وعَلى صِدْقِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِن حَيْثُ كانَ مُعْجِزَةً لَهُ، وعَلى اعْتِبارِ المُعْتَبِرِينَ بِهِ أبَدًا فَيَصِيرُ تَحْذِيرًا مِنَ الإقْدامِ عَلى مُخالَفَةِ أمْرِ اللَّهِ تَعالى وأمْرِ رَسُولِهِ، ويَكُونُ فِيهِ اعْتِبارٌ لِمُحَمَّدٍ ﷺ، فَإنَّهُ قالَ عَقِيبَ ذَلِكَ: ﴿وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ وفي ذَلِكَ تَسْلِيَةٌ لَهُ فَقَدْ كانَ يَغْتَمُّ بِتَكْذِيبِ قَوْمِهِ مَعَ ظُهُورِ المُعْجِزاتِ عَلَيْهِ فَنَبَّهَهُ اللَّهُ تَعالى بِهَذا الذِّكْرِ عَلى أنَّ لَهُ أُسْوَةً بِمُوسى وغَيْرِهِ، فَإنَّ الَّذِي ظَهَرَ عَلى مُوسى مِن هَذِهِ المُعْجِزاتِ العِظامِ الَّتِي تَبْهَرُ العُقُولَ لَمْ يَمْنَعْ مِن أنَّ أكْثَرَهم كَذَّبُوهُ وكَفَرُوا بِهِ مَعَ مُشاهَدَتِهِمْ لِما شاهَدُوهُ في البَحْرِ وغَيْرِهِ. فَكَذَلِكَ أنْتَ يا مُحَمَّدُ لا تَعْجَبْ مِن تَكْذِيبِ أكْثَرِهِمْ لَكَ واصْبِرْ عَلى إيذائِهِمْ فَلَعَلَّهم أنْ يُصْلِحُوا ويَكُونَ في هَذا الصَّبْرِ تَأْكِيدُ الحجة عَلَيْهِمْ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ فَتَعَلُّقُهُ بِما قَبْلَهُ أنَّ القَوْمَ مَعَ مُشاهَدَةِ هَذِهِ الآيَةِ الباهِرَةِ كَفَرُوا، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى كانَ عَزِيزًا قادِرًا عَلى أنْ يُهْلِكَهم، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ما أهْلَكَهم بَلْ أفاضَ عَلَيْهِمْ أنْواعَ رَحْمَتِهِ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى كَمالِ رَحْمَتِهِ وسَعَةِ جُودِهِ وفَضْلِهِ.
الشعراء 26:66
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأوْحَيْنا إلى مُوسى أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ فانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كالطَّوْدِ العَظِيمِ﴾ ﴿وأزْلَفْنا ثَمَّ الآخَرِينَ﴾ ﴿وأنْجَيْنا مُوسى ومَن مَعَهُ أجْمَعِينَ﴾ ﴿ثُمَّ أغْرَقْنا الآخَرِينَ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ قَوْلَهُ: ﴿إنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ بَيَّنَ تَعالى بَعْدَهُ كَيْفَ هَداهُ ونَجّاهُ، وأهْلَكَ أعْداءَهُ بِذَلِكَ التَّدْبِيرِ الجامِعِ لِنِعَمِ الدِّينِ والدُّنْيا، فَقالَ: ﴿فَأوْحَيْنا إلى مُوسى أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ فانْفَلَقَ﴾ ولا شُبْهَةَ في أنَّ المُرادَ فَضَرَبَ فانْفَلَقَ لِأنَّهُ كالمَعْلُومِ مِنَ الكَلامِ إذْ لا يَجُوزُ أنْ يَنْفَلِقَ مِن غَيْرِ ضَرْبٍ ومَعَ ذَلِكَ يَأْمُرُهُ بِالضَّرْبِ لِأنَّهُ كالعَبَثِ ولِأنَّهُ تَعالى جَعَلَهُ مِن مُعْجِزاتِهِ الَّتِي ظَهَرَتْ بِالعَصا ولِأنَّ انْفِلاقَهُ بِضَرْبِهِ أعْظَمُ في النِّعْمَةِ عَلَيْهِ، وأقْوى لِعِلْمِهِمْ أنَّ ذَلِكَ إنَّما حَصَلَ لِمَكانِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، واخْتَلَفُوا في البَحْرِ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ما أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا انْتَهى إلى البَحْرِ مَعَ بَنِي إسْرائِيلَ أمَرَهم أنْ يَخُوضُوا البَحْرَ فامْتَنَعُوا إلّا يُوشَعَ بْنَ نُونٍ فَإنَّهُ ضَرَبَ دابَّتَهُ وخاضَ في البَحْرِ حَتّى عَبَرَ ثُمَّ رَجَعَ إلَيْهِمْ فَأبَوْا أنْ يَخُوضُوا فَقالَ مُوسى لِلْبَحْرِ: انْفَرِقْ لِي، فَقالَ: ما أُمِرْتُ بِذَلِكَ ولا يَعْبُرُ عَلَيَّ العُصاةُ، فَقالَ مُوسى: يا رَبِّ قَدْ أبى البَحْرُ أنْ يَنْفَرِقَ، فَقِيلَ لَهُ: اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ فَضَرَبَهُ فانْفَرَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كالطَّوْدِ العَظِيمِ أيْ كالجَبَلِ العَظِيمِ وصارَ فِيهِ اثْنا عَشَرَ طَرِيقًا لِكُلِّ سِبْطٍ مِنهم طَرِيقٌ فَقالَ كُلُّ سِبْطٍ: قُتِلَ أصْحابُنا، فَعِنْدَ ذَلِكَ دَعامُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ رَبَّهُ فَجَعَلَها مَناظِرَ كَهَيْئَةِ الطَّبَقاتِ حَتّى نَظَرَ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ عَلى أرْضٍ يابِسَةٍ، وعَنْ عَطاءِ بْنِ السّائِبِ أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ بَيْنَ بَنِي إسْرائِيلَ وبَيْنَ آلِ فِرْعَوْنَ وكانَ يَقُولُ لِبَنِي إسْرائِيلَ لِيَلْحَقْ آخِرُكم بِأوَّلِكم، ويَسْتَقْبِلُ القِبْطَ فَيَقُولُ: رُوَيْدَكم لِيَلْحَقَ آخِرُكم، ورَوِيَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ عِنْدَ ذَلِكَ: ”يا مَن كانَ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ والمُكَوِّنُ لِكُلِّ شَيْءٍ والكائِنُ بَعْدَ كُلِّ شَيْءٍ“ .
فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كالطَّوْدِ العَظِيمِ﴾ فالفِرْقُ الجُزْءُ المُنْفَرِقُ مِنهُ، وقُرِئَ ”كُلُّ فَلْقِ“ والمَعْنى واحِدٌ، والطَّوْدُ الجَبَلُ المُتَطاوِلُ أيِ المُرْتَفِعُ في السَّماءِ وهو مُعْجِزٌ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ تَفَرُّقَ ذَلِكَ الماءِ مُعْجِزٌ.
وثانِيها: أنَّ اجْتِماعَ ذَلِكَ الماءِ فَوْقَ كُلِّ طَرَفٍ مِنهُ حَتّى صارَ كالجَبَلِ مِنَ المُعْجِزاتِ أيْضًا؛ لِأنَّهُ كانَ لا يَمْتَنِعُ في الماءِ الَّذِي أُزِيلَ بِذَلِكَ التَّفْرِيقِ أنْ يُبَدِّدَهُ اللَّهُ تَعالى حَتّى يَصِيرَ كَأنَّهُ لَمْ يَكُنْ فَلَمّا جُمِعَ عَلى الطَّرَفَيْنِ صارَ مُؤَكِّدًا لِهَذا الإعْجازِ.
وثالِثُها: أنَّهُ إنْ ثَبَتَ ما رُوِيَ في الخَبَرِ أنَّهُ تَعالى أرْسَلَ عَلى فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ مِنَ الرِّياحِ والظُّلْمَةِ ما حَيَّرَهم فاحْتَبَسُوا القَدْرَ الَّذِي يَتَكامَلُ مَعَهُ عُبُورُ بَنِي إسْرائِيلَ فَهو مُعْجِزٌ ثالِثٌ.
ورابِعُها: أنْ جَعَلَ اللَّهُ في تِلْكَ الجُدْرانِ المائِيَّةِ كُوًى يَنْظُرُ مِنها بَعْضُهم إلى بَعْضٍ فَهو مُعْجِزٌ رابِعٌ.
وخامِسُها: أنْ أبْقى اللَّهُ تَعالى تِلْكَ المَسالِكَ حَتّى قَرُبَ مِنها آلُ فِرْعَوْنَ وطَمِعُوا أنْ يَتَخَلَّصُوا مِنَ البَحْرِ كَما تَخَلَّصَ قَوْمُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَهو مُعْجِزٌ خامِسٌ.
صفحة ١٢١
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأزْلَفْنا ثَمَّ الآخَرِينَ﴾ فَفِيهِ بَحْثانِ:
البَحْثُ الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ جُرَيْجٍ وقَتادَةُ والسُّدِّيُّ (وأزْلَفْنا) أيْ وقَرَّبْنا (ثَمَّ) أيْ حَيْثُ انْفَلَقَ البَحْرُ لِلْآخَرِينَ قَوْمِ فِرْعَوْنَ ثَمَّ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: قَرَّبْناهم مِن بَنِي إسْرائِيلَ.
وثانِيها: قَرَّبْنا بَعْضَهم مِن بَعْضٍ وجَمَعْناهم حَتّى لا يَنْجُوَ مِنهم أحَدٌ.
وثالِثُها: قَدَّمْناهم إلى البَحْرِ. ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: ﴿وأزْلَفْنا﴾ أيْ حَبَسْنا فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ عِنْدَ طَلَبِهِمْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنْ أظْلَمْنا عَلَيْهِمُ الدُّنْيا بِسَحابَةٍ وقَفَتْ عَلَيْهِمْ فَوَقَفُوا حَيارى، وقُرِئَ ”وأزْلَقْنا“ بِالقافِ أيْ أزْلَلْنا أقْدامَهم والمَعْنى: أذْهَبْنا عِزَّهم، ويُحْتَمَلُ أنْ يَجْعَلَ اللَّهُ طَرِيقَهم في البَحْرِ عَلى خِلافِ ما جَعَلَهُ لِبَنِي إسْرائِيلَ يَبَسًا وأزْلَقَهم.
البَحْثُ الثّانِي: أنَّهُ تَعالى أضافَ ذَلِكَ الإزْلافَ إلى نَفْسِهِ مَعَ أنَّ اجْتِماعَهم هُنالِكَ في طَلَبِ مُوسى كُفْرٌ، أجابَ الجُبّائِيُّ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ قَوْمَ فِرْعَوْنَ تَبِعُوا بَنِي إسْرائِيلَ، وبَنُو إسْرائِيلَ إنَّما فَعَلُوا ذَلِكَ بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى فَلَمّا كانَ مَسِيرُهم بِتَدْبِيرِهِ وهَؤُلاءِ تَبِعُوا ذَلِكَ أضافَهُ إلى نَفْسِهِ تَوَسُّعًا، وهَذا كَما يَتْعَبُ أحَدُنا في طَلَبِ غُلامٍ لَهُ فَيَجُوزُ أنْ يَقُولَ: أتْعَبَنِي الغُلامُ لَمّا حَدَثَ ذَلِكَ فَعَلَهُ.
الثّانِي: قِيلَ: ﴿وأزْلَفْنا ثَمَّ الآخَرِينَ﴾ أيْ أزْلَفْناهم إلى المَوْتِ لِأجْلِ أنَّهم في ذَلِكَ الوَقْتِ قَرُبُوا مِن أجَلِهِمْ وأنْشَدَ:
وكُلُّ يَوْمٍ مَضى أوْ لَيْلَةٌ سَلَفَتْ فِيها النُّفُوسُ إلى الآجالِ تَزْدَلِفُ
وأجابَ الكَعْبِيُّ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا حَلُمَ عَنْهم، وتَرَكَ البَحْرَ لَهم يَبَسًا وطَمِعُوا في عُبُورِهِ جازَتِ الإضافَةُ كالرَّجُلِ يَسْفَهُ عَلَيْهِ صاحِبُهُ مِرارًا فَيَحْلُمُ عَنْهُ، فَإذا تَمادى في غَيِّهِ وأراهُ قُدْرَتَهُ عَلَيْهِ قالَ لَهُ: أنا أحْوَجْتُكَ إلى هَذا وصَيَّرْتُكَ إلَيْهِ بِحِلْمِي، لا يُرِيدُ بِذَلِكَ أنَّهُ أرادَ ما فَعَلَ.
الثّانِي: يَحْتَمِلُ أنَّهُ أزْلَفَهم أيْ جَمْعَهم لِيُغْرِقَهم عِنْدَ ذَلِكَ ولِكَيْ لا يَصِلُوا إلى مُوسى وقَوْمِهِ.
والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: أنَّ الَّذِي فَعَلَهُ بَنُو إسْرائِيلَ هَلْ لَهُ أثْرٌ في اسْتِجْلابِ داعِيَةِ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إلى الذَّهابِ خَلْفَهم أوْ لَيْسَ لَهُ أثَرٌ فِيهِ، فَإنْ كانَ الأوَّلُ فَقَدْ حَصَلَ المَقْصُودُ لِأنَّ لِفِعْلِ اللَّهِ تَعالى أثَرًا في حُصُولِ الدّاعِيَةِ المُسْتَلْزِمَةِ لِذَلِكَ الإزْلافِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِيهِ أثَرٌ البَتَّةَ فَقَدْ زالَ التَّعَلُّقُ فَوَجَبَ أنْ لا تَحْسُنَ الإضافَةُ، وأمّا إذا تَعِبَ أحَدُنا في طَلَبِ غُلامٍ لَهُ، فَإنَّما يَجُوزُ أنْ يَقُولَ: أتْعَبَنِي ذَلِكَ الغُلامُ لِما أنَّ فِعْلَ ذَلِكَ الغُلامِ صارَ كالمُؤَثِّرِ في حُصُولِ ذَلِكَ التَّعَبِ لِأنَّهُ مَتى فَعَلَ ذَلِكَ الفِعْلَ فالظّاهِرُ أنَّهُ يَصِيرُ مَعْلُومًا لِلسَّيِّدِ، ومَتى عَلِمَهُ صارَ عِلْمُهُ داعِيًا لَهُ إلى ذَلِكَ التَّعَبِ ومُؤَثِّرًا فِيهِ فَصَحَّتِ الإضافَةُ. وبِالجُمْلَةِ فَعِنْدَنا القادِرُ لا يُمْكِنُهُ الفِعْلُ إلّا بِالدّاعِي، فالدّاعِي مُؤَثِّرٌ في صَيْرُورَةِ القادِرِ مُؤَثِّرًا في ذَلِكَ الفِعْلِ فَلا جَرَمَ حَسُنَتِ الإضافَةُ.
والجَوابُ عَنِ الثّانِي: وهو أنَّهُ أزْلَفَهم لِيُغْرِقَهم فَهو أنَّهُ تَعالى ما أزْلَفَهم بَلْ هم بِأنْفُسِهِمُ ازْدَلَفُوا ثُمَّ حَصَلَ الغَرَقُ بَعْدَهُ، فَكَيْفَ يَجُوزُ إضافَةُ هَذا الإزْلافِ إلى اللَّهِ تَعالى ؟ أمّا عَلى قَوْلِنا فَإنَّهُ جائِزٌ لِأنَّهُ تَعالى هو الَّذِي خَلَقَ الدّاعِيَةَ المُسْتَعْقِبَةَ لِذَلِكَ الِازْدِلافِ.
والجَوابُ عَنِ الثّالِثِ: وهو أنَّ حِلْمَهُ تَعالى عَنْهم وحَمْلَهم عَلى ذَلِكَ، فَنَقُولُ: ذَلِكَ الحِلْمُ هَلْ لَهُ أثَرٌ في اسْتِجْلابِ هَذِهِ الدّاعِيَةِ أمْ لا ؟ وباقِي التَّقْرِيرِ كَما تَقَدَّمَ.
والجَوابُ عَنِ الرّابِعِ هو بِعَيْنِهِ الجَوابُ عَنِ الثّانِي واللَّهُ أعْلَمُ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنْجَيْنا مُوسى ومَن مَعَهُ أجْمَعِينَ﴾ ﴿ثُمَّ أغْرَقْنا الآخَرِينَ﴾ فالمَعْنى أنَّهُ تَعالى جَعَلَ البَحْرَ يَبَسًا في حَقِّ مُوسى وقَوْمِهِ حَتّى خَرَجُوا مِنهُ وأغْرَقَ فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ لِأنَّهُ لَمّا تَكامَلَ دُخُولُهُمُ البَحْرَ انْطَبَقَ الماءُ عَلَيْهِمْ فَغَرِقُوا في ذَلِكَ الماءِ.
صفحة ١٢٢
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً﴾ فالمَعْنى أنَّ الَّذِي حَدَثَ في البَحْرِ آيَةٌ عَجِيبَةٌ مِنَ الآياتِ العِظامِ الدّالَّةِ عَلى قُدْرَتِهِ لِأنَّ أحَدًا مِنَ البَشَرِ لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ وعَلى حِكْمَتِهِ مِن حَيْثُ وقَعَ ما كانَ مَصْلَحَةً في الدِّينِ والدُّنْيا، وعَلى صِدْقِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِن حَيْثُ كانَ مُعْجِزَةً لَهُ، وعَلى اعْتِبارِ المُعْتَبِرِينَ بِهِ أبَدًا فَيَصِيرُ تَحْذِيرًا مِنَ الإقْدامِ عَلى مُخالَفَةِ أمْرِ اللَّهِ تَعالى وأمْرِ رَسُولِهِ، ويَكُونُ فِيهِ اعْتِبارٌ لِمُحَمَّدٍ ﷺ، فَإنَّهُ قالَ عَقِيبَ ذَلِكَ: ﴿وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ وفي ذَلِكَ تَسْلِيَةٌ لَهُ فَقَدْ كانَ يَغْتَمُّ بِتَكْذِيبِ قَوْمِهِ مَعَ ظُهُورِ المُعْجِزاتِ عَلَيْهِ فَنَبَّهَهُ اللَّهُ تَعالى بِهَذا الذِّكْرِ عَلى أنَّ لَهُ أُسْوَةً بِمُوسى وغَيْرِهِ، فَإنَّ الَّذِي ظَهَرَ عَلى مُوسى مِن هَذِهِ المُعْجِزاتِ العِظامِ الَّتِي تَبْهَرُ العُقُولَ لَمْ يَمْنَعْ مِن أنَّ أكْثَرَهم كَذَّبُوهُ وكَفَرُوا بِهِ مَعَ مُشاهَدَتِهِمْ لِما شاهَدُوهُ في البَحْرِ وغَيْرِهِ. فَكَذَلِكَ أنْتَ يا مُحَمَّدُ لا تَعْجَبْ مِن تَكْذِيبِ أكْثَرِهِمْ لَكَ واصْبِرْ عَلى إيذائِهِمْ فَلَعَلَّهم أنْ يُصْلِحُوا ويَكُونَ في هَذا الصَّبْرِ تَأْكِيدُ الحجة عَلَيْهِمْ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ فَتَعَلُّقُهُ بِما قَبْلَهُ أنَّ القَوْمَ مَعَ مُشاهَدَةِ هَذِهِ الآيَةِ الباهِرَةِ كَفَرُوا، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى كانَ عَزِيزًا قادِرًا عَلى أنْ يُهْلِكَهم، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ما أهْلَكَهم بَلْ أفاضَ عَلَيْهِمْ أنْواعَ رَحْمَتِهِ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى كَمالِ رَحْمَتِهِ وسَعَةِ جُودِهِ وفَضْلِهِ.
الشعراء 26:67
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأوْحَيْنا إلى مُوسى أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ فانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كالطَّوْدِ العَظِيمِ﴾ ﴿وأزْلَفْنا ثَمَّ الآخَرِينَ﴾ ﴿وأنْجَيْنا مُوسى ومَن مَعَهُ أجْمَعِينَ﴾ ﴿ثُمَّ أغْرَقْنا الآخَرِينَ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ قَوْلَهُ: ﴿إنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ بَيَّنَ تَعالى بَعْدَهُ كَيْفَ هَداهُ ونَجّاهُ، وأهْلَكَ أعْداءَهُ بِذَلِكَ التَّدْبِيرِ الجامِعِ لِنِعَمِ الدِّينِ والدُّنْيا، فَقالَ: ﴿فَأوْحَيْنا إلى مُوسى أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ فانْفَلَقَ﴾ ولا شُبْهَةَ في أنَّ المُرادَ فَضَرَبَ فانْفَلَقَ لِأنَّهُ كالمَعْلُومِ مِنَ الكَلامِ إذْ لا يَجُوزُ أنْ يَنْفَلِقَ مِن غَيْرِ ضَرْبٍ ومَعَ ذَلِكَ يَأْمُرُهُ بِالضَّرْبِ لِأنَّهُ كالعَبَثِ ولِأنَّهُ تَعالى جَعَلَهُ مِن مُعْجِزاتِهِ الَّتِي ظَهَرَتْ بِالعَصا ولِأنَّ انْفِلاقَهُ بِضَرْبِهِ أعْظَمُ في النِّعْمَةِ عَلَيْهِ، وأقْوى لِعِلْمِهِمْ أنَّ ذَلِكَ إنَّما حَصَلَ لِمَكانِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، واخْتَلَفُوا في البَحْرِ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ما أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا انْتَهى إلى البَحْرِ مَعَ بَنِي إسْرائِيلَ أمَرَهم أنْ يَخُوضُوا البَحْرَ فامْتَنَعُوا إلّا يُوشَعَ بْنَ نُونٍ فَإنَّهُ ضَرَبَ دابَّتَهُ وخاضَ في البَحْرِ حَتّى عَبَرَ ثُمَّ رَجَعَ إلَيْهِمْ فَأبَوْا أنْ يَخُوضُوا فَقالَ مُوسى لِلْبَحْرِ: انْفَرِقْ لِي، فَقالَ: ما أُمِرْتُ بِذَلِكَ ولا يَعْبُرُ عَلَيَّ العُصاةُ، فَقالَ مُوسى: يا رَبِّ قَدْ أبى البَحْرُ أنْ يَنْفَرِقَ، فَقِيلَ لَهُ: اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ فَضَرَبَهُ فانْفَرَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كالطَّوْدِ العَظِيمِ أيْ كالجَبَلِ العَظِيمِ وصارَ فِيهِ اثْنا عَشَرَ طَرِيقًا لِكُلِّ سِبْطٍ مِنهم طَرِيقٌ فَقالَ كُلُّ سِبْطٍ: قُتِلَ أصْحابُنا، فَعِنْدَ ذَلِكَ دَعامُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ رَبَّهُ فَجَعَلَها مَناظِرَ كَهَيْئَةِ الطَّبَقاتِ حَتّى نَظَرَ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ عَلى أرْضٍ يابِسَةٍ، وعَنْ عَطاءِ بْنِ السّائِبِ أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ بَيْنَ بَنِي إسْرائِيلَ وبَيْنَ آلِ فِرْعَوْنَ وكانَ يَقُولُ لِبَنِي إسْرائِيلَ لِيَلْحَقْ آخِرُكم بِأوَّلِكم، ويَسْتَقْبِلُ القِبْطَ فَيَقُولُ: رُوَيْدَكم لِيَلْحَقَ آخِرُكم، ورَوِيَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ عِنْدَ ذَلِكَ: ”يا مَن كانَ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ والمُكَوِّنُ لِكُلِّ شَيْءٍ والكائِنُ بَعْدَ كُلِّ شَيْءٍ“ .
فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كالطَّوْدِ العَظِيمِ﴾ فالفِرْقُ الجُزْءُ المُنْفَرِقُ مِنهُ، وقُرِئَ ”كُلُّ فَلْقِ“ والمَعْنى واحِدٌ، والطَّوْدُ الجَبَلُ المُتَطاوِلُ أيِ المُرْتَفِعُ في السَّماءِ وهو مُعْجِزٌ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ تَفَرُّقَ ذَلِكَ الماءِ مُعْجِزٌ.
وثانِيها: أنَّ اجْتِماعَ ذَلِكَ الماءِ فَوْقَ كُلِّ طَرَفٍ مِنهُ حَتّى صارَ كالجَبَلِ مِنَ المُعْجِزاتِ أيْضًا؛ لِأنَّهُ كانَ لا يَمْتَنِعُ في الماءِ الَّذِي أُزِيلَ بِذَلِكَ التَّفْرِيقِ أنْ يُبَدِّدَهُ اللَّهُ تَعالى حَتّى يَصِيرَ كَأنَّهُ لَمْ يَكُنْ فَلَمّا جُمِعَ عَلى الطَّرَفَيْنِ صارَ مُؤَكِّدًا لِهَذا الإعْجازِ.
وثالِثُها: أنَّهُ إنْ ثَبَتَ ما رُوِيَ في الخَبَرِ أنَّهُ تَعالى أرْسَلَ عَلى فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ مِنَ الرِّياحِ والظُّلْمَةِ ما حَيَّرَهم فاحْتَبَسُوا القَدْرَ الَّذِي يَتَكامَلُ مَعَهُ عُبُورُ بَنِي إسْرائِيلَ فَهو مُعْجِزٌ ثالِثٌ.
ورابِعُها: أنْ جَعَلَ اللَّهُ في تِلْكَ الجُدْرانِ المائِيَّةِ كُوًى يَنْظُرُ مِنها بَعْضُهم إلى بَعْضٍ فَهو مُعْجِزٌ رابِعٌ.
وخامِسُها: أنْ أبْقى اللَّهُ تَعالى تِلْكَ المَسالِكَ حَتّى قَرُبَ مِنها آلُ فِرْعَوْنَ وطَمِعُوا أنْ يَتَخَلَّصُوا مِنَ البَحْرِ كَما تَخَلَّصَ قَوْمُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَهو مُعْجِزٌ خامِسٌ.
صفحة ١٢١
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأزْلَفْنا ثَمَّ الآخَرِينَ﴾ فَفِيهِ بَحْثانِ:
البَحْثُ الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ جُرَيْجٍ وقَتادَةُ والسُّدِّيُّ (وأزْلَفْنا) أيْ وقَرَّبْنا (ثَمَّ) أيْ حَيْثُ انْفَلَقَ البَحْرُ لِلْآخَرِينَ قَوْمِ فِرْعَوْنَ ثَمَّ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: قَرَّبْناهم مِن بَنِي إسْرائِيلَ.
وثانِيها: قَرَّبْنا بَعْضَهم مِن بَعْضٍ وجَمَعْناهم حَتّى لا يَنْجُوَ مِنهم أحَدٌ.
وثالِثُها: قَدَّمْناهم إلى البَحْرِ. ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: ﴿وأزْلَفْنا﴾ أيْ حَبَسْنا فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ عِنْدَ طَلَبِهِمْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنْ أظْلَمْنا عَلَيْهِمُ الدُّنْيا بِسَحابَةٍ وقَفَتْ عَلَيْهِمْ فَوَقَفُوا حَيارى، وقُرِئَ ”وأزْلَقْنا“ بِالقافِ أيْ أزْلَلْنا أقْدامَهم والمَعْنى: أذْهَبْنا عِزَّهم، ويُحْتَمَلُ أنْ يَجْعَلَ اللَّهُ طَرِيقَهم في البَحْرِ عَلى خِلافِ ما جَعَلَهُ لِبَنِي إسْرائِيلَ يَبَسًا وأزْلَقَهم.
البَحْثُ الثّانِي: أنَّهُ تَعالى أضافَ ذَلِكَ الإزْلافَ إلى نَفْسِهِ مَعَ أنَّ اجْتِماعَهم هُنالِكَ في طَلَبِ مُوسى كُفْرٌ، أجابَ الجُبّائِيُّ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ قَوْمَ فِرْعَوْنَ تَبِعُوا بَنِي إسْرائِيلَ، وبَنُو إسْرائِيلَ إنَّما فَعَلُوا ذَلِكَ بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى فَلَمّا كانَ مَسِيرُهم بِتَدْبِيرِهِ وهَؤُلاءِ تَبِعُوا ذَلِكَ أضافَهُ إلى نَفْسِهِ تَوَسُّعًا، وهَذا كَما يَتْعَبُ أحَدُنا في طَلَبِ غُلامٍ لَهُ فَيَجُوزُ أنْ يَقُولَ: أتْعَبَنِي الغُلامُ لَمّا حَدَثَ ذَلِكَ فَعَلَهُ.
الثّانِي: قِيلَ: ﴿وأزْلَفْنا ثَمَّ الآخَرِينَ﴾ أيْ أزْلَفْناهم إلى المَوْتِ لِأجْلِ أنَّهم في ذَلِكَ الوَقْتِ قَرُبُوا مِن أجَلِهِمْ وأنْشَدَ:
وكُلُّ يَوْمٍ مَضى أوْ لَيْلَةٌ سَلَفَتْ فِيها النُّفُوسُ إلى الآجالِ تَزْدَلِفُ
وأجابَ الكَعْبِيُّ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا حَلُمَ عَنْهم، وتَرَكَ البَحْرَ لَهم يَبَسًا وطَمِعُوا في عُبُورِهِ جازَتِ الإضافَةُ كالرَّجُلِ يَسْفَهُ عَلَيْهِ صاحِبُهُ مِرارًا فَيَحْلُمُ عَنْهُ، فَإذا تَمادى في غَيِّهِ وأراهُ قُدْرَتَهُ عَلَيْهِ قالَ لَهُ: أنا أحْوَجْتُكَ إلى هَذا وصَيَّرْتُكَ إلَيْهِ بِحِلْمِي، لا يُرِيدُ بِذَلِكَ أنَّهُ أرادَ ما فَعَلَ.
الثّانِي: يَحْتَمِلُ أنَّهُ أزْلَفَهم أيْ جَمْعَهم لِيُغْرِقَهم عِنْدَ ذَلِكَ ولِكَيْ لا يَصِلُوا إلى مُوسى وقَوْمِهِ.
والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: أنَّ الَّذِي فَعَلَهُ بَنُو إسْرائِيلَ هَلْ لَهُ أثْرٌ في اسْتِجْلابِ داعِيَةِ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إلى الذَّهابِ خَلْفَهم أوْ لَيْسَ لَهُ أثَرٌ فِيهِ، فَإنْ كانَ الأوَّلُ فَقَدْ حَصَلَ المَقْصُودُ لِأنَّ لِفِعْلِ اللَّهِ تَعالى أثَرًا في حُصُولِ الدّاعِيَةِ المُسْتَلْزِمَةِ لِذَلِكَ الإزْلافِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِيهِ أثَرٌ البَتَّةَ فَقَدْ زالَ التَّعَلُّقُ فَوَجَبَ أنْ لا تَحْسُنَ الإضافَةُ، وأمّا إذا تَعِبَ أحَدُنا في طَلَبِ غُلامٍ لَهُ، فَإنَّما يَجُوزُ أنْ يَقُولَ: أتْعَبَنِي ذَلِكَ الغُلامُ لِما أنَّ فِعْلَ ذَلِكَ الغُلامِ صارَ كالمُؤَثِّرِ في حُصُولِ ذَلِكَ التَّعَبِ لِأنَّهُ مَتى فَعَلَ ذَلِكَ الفِعْلَ فالظّاهِرُ أنَّهُ يَصِيرُ مَعْلُومًا لِلسَّيِّدِ، ومَتى عَلِمَهُ صارَ عِلْمُهُ داعِيًا لَهُ إلى ذَلِكَ التَّعَبِ ومُؤَثِّرًا فِيهِ فَصَحَّتِ الإضافَةُ. وبِالجُمْلَةِ فَعِنْدَنا القادِرُ لا يُمْكِنُهُ الفِعْلُ إلّا بِالدّاعِي، فالدّاعِي مُؤَثِّرٌ في صَيْرُورَةِ القادِرِ مُؤَثِّرًا في ذَلِكَ الفِعْلِ فَلا جَرَمَ حَسُنَتِ الإضافَةُ.
والجَوابُ عَنِ الثّانِي: وهو أنَّهُ أزْلَفَهم لِيُغْرِقَهم فَهو أنَّهُ تَعالى ما أزْلَفَهم بَلْ هم بِأنْفُسِهِمُ ازْدَلَفُوا ثُمَّ حَصَلَ الغَرَقُ بَعْدَهُ، فَكَيْفَ يَجُوزُ إضافَةُ هَذا الإزْلافِ إلى اللَّهِ تَعالى ؟ أمّا عَلى قَوْلِنا فَإنَّهُ جائِزٌ لِأنَّهُ تَعالى هو الَّذِي خَلَقَ الدّاعِيَةَ المُسْتَعْقِبَةَ لِذَلِكَ الِازْدِلافِ.
والجَوابُ عَنِ الثّالِثِ: وهو أنَّ حِلْمَهُ تَعالى عَنْهم وحَمْلَهم عَلى ذَلِكَ، فَنَقُولُ: ذَلِكَ الحِلْمُ هَلْ لَهُ أثَرٌ في اسْتِجْلابِ هَذِهِ الدّاعِيَةِ أمْ لا ؟ وباقِي التَّقْرِيرِ كَما تَقَدَّمَ.
والجَوابُ عَنِ الرّابِعِ هو بِعَيْنِهِ الجَوابُ عَنِ الثّانِي واللَّهُ أعْلَمُ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنْجَيْنا مُوسى ومَن مَعَهُ أجْمَعِينَ﴾ ﴿ثُمَّ أغْرَقْنا الآخَرِينَ﴾ فالمَعْنى أنَّهُ تَعالى جَعَلَ البَحْرَ يَبَسًا في حَقِّ مُوسى وقَوْمِهِ حَتّى خَرَجُوا مِنهُ وأغْرَقَ فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ لِأنَّهُ لَمّا تَكامَلَ دُخُولُهُمُ البَحْرَ انْطَبَقَ الماءُ عَلَيْهِمْ فَغَرِقُوا في ذَلِكَ الماءِ.
صفحة ١٢٢
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً﴾ فالمَعْنى أنَّ الَّذِي حَدَثَ في البَحْرِ آيَةٌ عَجِيبَةٌ مِنَ الآياتِ العِظامِ الدّالَّةِ عَلى قُدْرَتِهِ لِأنَّ أحَدًا مِنَ البَشَرِ لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ وعَلى حِكْمَتِهِ مِن حَيْثُ وقَعَ ما كانَ مَصْلَحَةً في الدِّينِ والدُّنْيا، وعَلى صِدْقِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِن حَيْثُ كانَ مُعْجِزَةً لَهُ، وعَلى اعْتِبارِ المُعْتَبِرِينَ بِهِ أبَدًا فَيَصِيرُ تَحْذِيرًا مِنَ الإقْدامِ عَلى مُخالَفَةِ أمْرِ اللَّهِ تَعالى وأمْرِ رَسُولِهِ، ويَكُونُ فِيهِ اعْتِبارٌ لِمُحَمَّدٍ ﷺ، فَإنَّهُ قالَ عَقِيبَ ذَلِكَ: ﴿وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ وفي ذَلِكَ تَسْلِيَةٌ لَهُ فَقَدْ كانَ يَغْتَمُّ بِتَكْذِيبِ قَوْمِهِ مَعَ ظُهُورِ المُعْجِزاتِ عَلَيْهِ فَنَبَّهَهُ اللَّهُ تَعالى بِهَذا الذِّكْرِ عَلى أنَّ لَهُ أُسْوَةً بِمُوسى وغَيْرِهِ، فَإنَّ الَّذِي ظَهَرَ عَلى مُوسى مِن هَذِهِ المُعْجِزاتِ العِظامِ الَّتِي تَبْهَرُ العُقُولَ لَمْ يَمْنَعْ مِن أنَّ أكْثَرَهم كَذَّبُوهُ وكَفَرُوا بِهِ مَعَ مُشاهَدَتِهِمْ لِما شاهَدُوهُ في البَحْرِ وغَيْرِهِ. فَكَذَلِكَ أنْتَ يا مُحَمَّدُ لا تَعْجَبْ مِن تَكْذِيبِ أكْثَرِهِمْ لَكَ واصْبِرْ عَلى إيذائِهِمْ فَلَعَلَّهم أنْ يُصْلِحُوا ويَكُونَ في هَذا الصَّبْرِ تَأْكِيدُ الحجة عَلَيْهِمْ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ فَتَعَلُّقُهُ بِما قَبْلَهُ أنَّ القَوْمَ مَعَ مُشاهَدَةِ هَذِهِ الآيَةِ الباهِرَةِ كَفَرُوا، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى كانَ عَزِيزًا قادِرًا عَلى أنْ يُهْلِكَهم، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ما أهْلَكَهم بَلْ أفاضَ عَلَيْهِمْ أنْواعَ رَحْمَتِهِ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى كَمالِ رَحْمَتِهِ وسَعَةِ جُودِهِ وفَضْلِهِ.
الشعراء 26:68
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأوْحَيْنا إلى مُوسى أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ فانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كالطَّوْدِ العَظِيمِ﴾ ﴿وأزْلَفْنا ثَمَّ الآخَرِينَ﴾ ﴿وأنْجَيْنا مُوسى ومَن مَعَهُ أجْمَعِينَ﴾ ﴿ثُمَّ أغْرَقْنا الآخَرِينَ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ قَوْلَهُ: ﴿إنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ بَيَّنَ تَعالى بَعْدَهُ كَيْفَ هَداهُ ونَجّاهُ، وأهْلَكَ أعْداءَهُ بِذَلِكَ التَّدْبِيرِ الجامِعِ لِنِعَمِ الدِّينِ والدُّنْيا، فَقالَ: ﴿فَأوْحَيْنا إلى مُوسى أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ فانْفَلَقَ﴾ ولا شُبْهَةَ في أنَّ المُرادَ فَضَرَبَ فانْفَلَقَ لِأنَّهُ كالمَعْلُومِ مِنَ الكَلامِ إذْ لا يَجُوزُ أنْ يَنْفَلِقَ مِن غَيْرِ ضَرْبٍ ومَعَ ذَلِكَ يَأْمُرُهُ بِالضَّرْبِ لِأنَّهُ كالعَبَثِ ولِأنَّهُ تَعالى جَعَلَهُ مِن مُعْجِزاتِهِ الَّتِي ظَهَرَتْ بِالعَصا ولِأنَّ انْفِلاقَهُ بِضَرْبِهِ أعْظَمُ في النِّعْمَةِ عَلَيْهِ، وأقْوى لِعِلْمِهِمْ أنَّ ذَلِكَ إنَّما حَصَلَ لِمَكانِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، واخْتَلَفُوا في البَحْرِ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ما أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا انْتَهى إلى البَحْرِ مَعَ بَنِي إسْرائِيلَ أمَرَهم أنْ يَخُوضُوا البَحْرَ فامْتَنَعُوا إلّا يُوشَعَ بْنَ نُونٍ فَإنَّهُ ضَرَبَ دابَّتَهُ وخاضَ في البَحْرِ حَتّى عَبَرَ ثُمَّ رَجَعَ إلَيْهِمْ فَأبَوْا أنْ يَخُوضُوا فَقالَ مُوسى لِلْبَحْرِ: انْفَرِقْ لِي، فَقالَ: ما أُمِرْتُ بِذَلِكَ ولا يَعْبُرُ عَلَيَّ العُصاةُ، فَقالَ مُوسى: يا رَبِّ قَدْ أبى البَحْرُ أنْ يَنْفَرِقَ، فَقِيلَ لَهُ: اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ فَضَرَبَهُ فانْفَرَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كالطَّوْدِ العَظِيمِ أيْ كالجَبَلِ العَظِيمِ وصارَ فِيهِ اثْنا عَشَرَ طَرِيقًا لِكُلِّ سِبْطٍ مِنهم طَرِيقٌ فَقالَ كُلُّ سِبْطٍ: قُتِلَ أصْحابُنا، فَعِنْدَ ذَلِكَ دَعامُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ رَبَّهُ فَجَعَلَها مَناظِرَ كَهَيْئَةِ الطَّبَقاتِ حَتّى نَظَرَ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ عَلى أرْضٍ يابِسَةٍ، وعَنْ عَطاءِ بْنِ السّائِبِ أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ بَيْنَ بَنِي إسْرائِيلَ وبَيْنَ آلِ فِرْعَوْنَ وكانَ يَقُولُ لِبَنِي إسْرائِيلَ لِيَلْحَقْ آخِرُكم بِأوَّلِكم، ويَسْتَقْبِلُ القِبْطَ فَيَقُولُ: رُوَيْدَكم لِيَلْحَقَ آخِرُكم، ورَوِيَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ عِنْدَ ذَلِكَ: ”يا مَن كانَ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ والمُكَوِّنُ لِكُلِّ شَيْءٍ والكائِنُ بَعْدَ كُلِّ شَيْءٍ“ .
فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كالطَّوْدِ العَظِيمِ﴾ فالفِرْقُ الجُزْءُ المُنْفَرِقُ مِنهُ، وقُرِئَ ”كُلُّ فَلْقِ“ والمَعْنى واحِدٌ، والطَّوْدُ الجَبَلُ المُتَطاوِلُ أيِ المُرْتَفِعُ في السَّماءِ وهو مُعْجِزٌ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ تَفَرُّقَ ذَلِكَ الماءِ مُعْجِزٌ.
وثانِيها: أنَّ اجْتِماعَ ذَلِكَ الماءِ فَوْقَ كُلِّ طَرَفٍ مِنهُ حَتّى صارَ كالجَبَلِ مِنَ المُعْجِزاتِ أيْضًا؛ لِأنَّهُ كانَ لا يَمْتَنِعُ في الماءِ الَّذِي أُزِيلَ بِذَلِكَ التَّفْرِيقِ أنْ يُبَدِّدَهُ اللَّهُ تَعالى حَتّى يَصِيرَ كَأنَّهُ لَمْ يَكُنْ فَلَمّا جُمِعَ عَلى الطَّرَفَيْنِ صارَ مُؤَكِّدًا لِهَذا الإعْجازِ.
وثالِثُها: أنَّهُ إنْ ثَبَتَ ما رُوِيَ في الخَبَرِ أنَّهُ تَعالى أرْسَلَ عَلى فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ مِنَ الرِّياحِ والظُّلْمَةِ ما حَيَّرَهم فاحْتَبَسُوا القَدْرَ الَّذِي يَتَكامَلُ مَعَهُ عُبُورُ بَنِي إسْرائِيلَ فَهو مُعْجِزٌ ثالِثٌ.
ورابِعُها: أنْ جَعَلَ اللَّهُ في تِلْكَ الجُدْرانِ المائِيَّةِ كُوًى يَنْظُرُ مِنها بَعْضُهم إلى بَعْضٍ فَهو مُعْجِزٌ رابِعٌ.
وخامِسُها: أنْ أبْقى اللَّهُ تَعالى تِلْكَ المَسالِكَ حَتّى قَرُبَ مِنها آلُ فِرْعَوْنَ وطَمِعُوا أنْ يَتَخَلَّصُوا مِنَ البَحْرِ كَما تَخَلَّصَ قَوْمُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَهو مُعْجِزٌ خامِسٌ.
صفحة ١٢١
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأزْلَفْنا ثَمَّ الآخَرِينَ﴾ فَفِيهِ بَحْثانِ:
البَحْثُ الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ جُرَيْجٍ وقَتادَةُ والسُّدِّيُّ (وأزْلَفْنا) أيْ وقَرَّبْنا (ثَمَّ) أيْ حَيْثُ انْفَلَقَ البَحْرُ لِلْآخَرِينَ قَوْمِ فِرْعَوْنَ ثَمَّ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: قَرَّبْناهم مِن بَنِي إسْرائِيلَ.
وثانِيها: قَرَّبْنا بَعْضَهم مِن بَعْضٍ وجَمَعْناهم حَتّى لا يَنْجُوَ مِنهم أحَدٌ.
وثالِثُها: قَدَّمْناهم إلى البَحْرِ. ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: ﴿وأزْلَفْنا﴾ أيْ حَبَسْنا فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ عِنْدَ طَلَبِهِمْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنْ أظْلَمْنا عَلَيْهِمُ الدُّنْيا بِسَحابَةٍ وقَفَتْ عَلَيْهِمْ فَوَقَفُوا حَيارى، وقُرِئَ ”وأزْلَقْنا“ بِالقافِ أيْ أزْلَلْنا أقْدامَهم والمَعْنى: أذْهَبْنا عِزَّهم، ويُحْتَمَلُ أنْ يَجْعَلَ اللَّهُ طَرِيقَهم في البَحْرِ عَلى خِلافِ ما جَعَلَهُ لِبَنِي إسْرائِيلَ يَبَسًا وأزْلَقَهم.
البَحْثُ الثّانِي: أنَّهُ تَعالى أضافَ ذَلِكَ الإزْلافَ إلى نَفْسِهِ مَعَ أنَّ اجْتِماعَهم هُنالِكَ في طَلَبِ مُوسى كُفْرٌ، أجابَ الجُبّائِيُّ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ قَوْمَ فِرْعَوْنَ تَبِعُوا بَنِي إسْرائِيلَ، وبَنُو إسْرائِيلَ إنَّما فَعَلُوا ذَلِكَ بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى فَلَمّا كانَ مَسِيرُهم بِتَدْبِيرِهِ وهَؤُلاءِ تَبِعُوا ذَلِكَ أضافَهُ إلى نَفْسِهِ تَوَسُّعًا، وهَذا كَما يَتْعَبُ أحَدُنا في طَلَبِ غُلامٍ لَهُ فَيَجُوزُ أنْ يَقُولَ: أتْعَبَنِي الغُلامُ لَمّا حَدَثَ ذَلِكَ فَعَلَهُ.
الثّانِي: قِيلَ: ﴿وأزْلَفْنا ثَمَّ الآخَرِينَ﴾ أيْ أزْلَفْناهم إلى المَوْتِ لِأجْلِ أنَّهم في ذَلِكَ الوَقْتِ قَرُبُوا مِن أجَلِهِمْ وأنْشَدَ:
وكُلُّ يَوْمٍ مَضى أوْ لَيْلَةٌ سَلَفَتْ فِيها النُّفُوسُ إلى الآجالِ تَزْدَلِفُ
وأجابَ الكَعْبِيُّ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا حَلُمَ عَنْهم، وتَرَكَ البَحْرَ لَهم يَبَسًا وطَمِعُوا في عُبُورِهِ جازَتِ الإضافَةُ كالرَّجُلِ يَسْفَهُ عَلَيْهِ صاحِبُهُ مِرارًا فَيَحْلُمُ عَنْهُ، فَإذا تَمادى في غَيِّهِ وأراهُ قُدْرَتَهُ عَلَيْهِ قالَ لَهُ: أنا أحْوَجْتُكَ إلى هَذا وصَيَّرْتُكَ إلَيْهِ بِحِلْمِي، لا يُرِيدُ بِذَلِكَ أنَّهُ أرادَ ما فَعَلَ.
الثّانِي: يَحْتَمِلُ أنَّهُ أزْلَفَهم أيْ جَمْعَهم لِيُغْرِقَهم عِنْدَ ذَلِكَ ولِكَيْ لا يَصِلُوا إلى مُوسى وقَوْمِهِ.
والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: أنَّ الَّذِي فَعَلَهُ بَنُو إسْرائِيلَ هَلْ لَهُ أثْرٌ في اسْتِجْلابِ داعِيَةِ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إلى الذَّهابِ خَلْفَهم أوْ لَيْسَ لَهُ أثَرٌ فِيهِ، فَإنْ كانَ الأوَّلُ فَقَدْ حَصَلَ المَقْصُودُ لِأنَّ لِفِعْلِ اللَّهِ تَعالى أثَرًا في حُصُولِ الدّاعِيَةِ المُسْتَلْزِمَةِ لِذَلِكَ الإزْلافِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِيهِ أثَرٌ البَتَّةَ فَقَدْ زالَ التَّعَلُّقُ فَوَجَبَ أنْ لا تَحْسُنَ الإضافَةُ، وأمّا إذا تَعِبَ أحَدُنا في طَلَبِ غُلامٍ لَهُ، فَإنَّما يَجُوزُ أنْ يَقُولَ: أتْعَبَنِي ذَلِكَ الغُلامُ لِما أنَّ فِعْلَ ذَلِكَ الغُلامِ صارَ كالمُؤَثِّرِ في حُصُولِ ذَلِكَ التَّعَبِ لِأنَّهُ مَتى فَعَلَ ذَلِكَ الفِعْلَ فالظّاهِرُ أنَّهُ يَصِيرُ مَعْلُومًا لِلسَّيِّدِ، ومَتى عَلِمَهُ صارَ عِلْمُهُ داعِيًا لَهُ إلى ذَلِكَ التَّعَبِ ومُؤَثِّرًا فِيهِ فَصَحَّتِ الإضافَةُ. وبِالجُمْلَةِ فَعِنْدَنا القادِرُ لا يُمْكِنُهُ الفِعْلُ إلّا بِالدّاعِي، فالدّاعِي مُؤَثِّرٌ في صَيْرُورَةِ القادِرِ مُؤَثِّرًا في ذَلِكَ الفِعْلِ فَلا جَرَمَ حَسُنَتِ الإضافَةُ.
والجَوابُ عَنِ الثّانِي: وهو أنَّهُ أزْلَفَهم لِيُغْرِقَهم فَهو أنَّهُ تَعالى ما أزْلَفَهم بَلْ هم بِأنْفُسِهِمُ ازْدَلَفُوا ثُمَّ حَصَلَ الغَرَقُ بَعْدَهُ، فَكَيْفَ يَجُوزُ إضافَةُ هَذا الإزْلافِ إلى اللَّهِ تَعالى ؟ أمّا عَلى قَوْلِنا فَإنَّهُ جائِزٌ لِأنَّهُ تَعالى هو الَّذِي خَلَقَ الدّاعِيَةَ المُسْتَعْقِبَةَ لِذَلِكَ الِازْدِلافِ.
والجَوابُ عَنِ الثّالِثِ: وهو أنَّ حِلْمَهُ تَعالى عَنْهم وحَمْلَهم عَلى ذَلِكَ، فَنَقُولُ: ذَلِكَ الحِلْمُ هَلْ لَهُ أثَرٌ في اسْتِجْلابِ هَذِهِ الدّاعِيَةِ أمْ لا ؟ وباقِي التَّقْرِيرِ كَما تَقَدَّمَ.
والجَوابُ عَنِ الرّابِعِ هو بِعَيْنِهِ الجَوابُ عَنِ الثّانِي واللَّهُ أعْلَمُ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنْجَيْنا مُوسى ومَن مَعَهُ أجْمَعِينَ﴾ ﴿ثُمَّ أغْرَقْنا الآخَرِينَ﴾ فالمَعْنى أنَّهُ تَعالى جَعَلَ البَحْرَ يَبَسًا في حَقِّ مُوسى وقَوْمِهِ حَتّى خَرَجُوا مِنهُ وأغْرَقَ فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ لِأنَّهُ لَمّا تَكامَلَ دُخُولُهُمُ البَحْرَ انْطَبَقَ الماءُ عَلَيْهِمْ فَغَرِقُوا في ذَلِكَ الماءِ.
صفحة ١٢٢
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً﴾ فالمَعْنى أنَّ الَّذِي حَدَثَ في البَحْرِ آيَةٌ عَجِيبَةٌ مِنَ الآياتِ العِظامِ الدّالَّةِ عَلى قُدْرَتِهِ لِأنَّ أحَدًا مِنَ البَشَرِ لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ وعَلى حِكْمَتِهِ مِن حَيْثُ وقَعَ ما كانَ مَصْلَحَةً في الدِّينِ والدُّنْيا، وعَلى صِدْقِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِن حَيْثُ كانَ مُعْجِزَةً لَهُ، وعَلى اعْتِبارِ المُعْتَبِرِينَ بِهِ أبَدًا فَيَصِيرُ تَحْذِيرًا مِنَ الإقْدامِ عَلى مُخالَفَةِ أمْرِ اللَّهِ تَعالى وأمْرِ رَسُولِهِ، ويَكُونُ فِيهِ اعْتِبارٌ لِمُحَمَّدٍ ﷺ، فَإنَّهُ قالَ عَقِيبَ ذَلِكَ: ﴿وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ وفي ذَلِكَ تَسْلِيَةٌ لَهُ فَقَدْ كانَ يَغْتَمُّ بِتَكْذِيبِ قَوْمِهِ مَعَ ظُهُورِ المُعْجِزاتِ عَلَيْهِ فَنَبَّهَهُ اللَّهُ تَعالى بِهَذا الذِّكْرِ عَلى أنَّ لَهُ أُسْوَةً بِمُوسى وغَيْرِهِ، فَإنَّ الَّذِي ظَهَرَ عَلى مُوسى مِن هَذِهِ المُعْجِزاتِ العِظامِ الَّتِي تَبْهَرُ العُقُولَ لَمْ يَمْنَعْ مِن أنَّ أكْثَرَهم كَذَّبُوهُ وكَفَرُوا بِهِ مَعَ مُشاهَدَتِهِمْ لِما شاهَدُوهُ في البَحْرِ وغَيْرِهِ. فَكَذَلِكَ أنْتَ يا مُحَمَّدُ لا تَعْجَبْ مِن تَكْذِيبِ أكْثَرِهِمْ لَكَ واصْبِرْ عَلى إيذائِهِمْ فَلَعَلَّهم أنْ يُصْلِحُوا ويَكُونَ في هَذا الصَّبْرِ تَأْكِيدُ الحجة عَلَيْهِمْ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ فَتَعَلُّقُهُ بِما قَبْلَهُ أنَّ القَوْمَ مَعَ مُشاهَدَةِ هَذِهِ الآيَةِ الباهِرَةِ كَفَرُوا، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى كانَ عَزِيزًا قادِرًا عَلى أنْ يُهْلِكَهم، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ما أهْلَكَهم بَلْ أفاضَ عَلَيْهِمْ أنْواعَ رَحْمَتِهِ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى كَمالِ رَحْمَتِهِ وسَعَةِ جُودِهِ وفَضْلِهِ.
الشعراء 26:69
القِصَّةُ الثّانِيَةُ: قِصَّةُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ
﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ إبْراهِيمَ﴾ ﴿إذْ قالَ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ ما تَعْبُدُونَ﴾ ﴿قالُوا نَعْبُدُ أصْنامًا فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ﴾ ﴿قالَ هَلْ يَسْمَعُونَكم إذْ تَدْعُونَ﴾ ﴿أوْ يَنْفَعُونَكم أوْ يَضُرُّونَ﴾ ﴿قالُوا بَلْ وجَدْنا آباءَنا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ ﴿قالَ أفَرَأيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾ ﴿أنْتُمْ وآباؤُكُمُ الأقْدَمُونَ﴾ ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي إلّا رَبَّ العالَمِينَ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ إبْراهِيمَ﴾ ﴿إذْ قالَ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ ما تَعْبُدُونَ﴾ ﴿قالُوا نَعْبُدُ أصْنامًا فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ﴾ ﴿قالَ هَلْ يَسْمَعُونَكم إذْ تَدْعُونَ﴾ ﴿أوْ يَنْفَعُونَكم أوْ يَضُرُّونَ﴾ ﴿قالُوا بَلْ وجَدْنا آباءَنا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ ﴿قالَ أفَرَأيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾ ﴿أنْتُمْ وآباؤُكُمُ الأقْدَمُونَ﴾ ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي إلّا رَبَّ العالَمِينَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في أوَّلِ السُّورَةِ شِدَّةَ حُزْنِ مُحَمَّدٍ ﷺ بِسَبَبِ كُفْرِ قَوْمِهِ ثُمَّ إنَّهُ ذَكَرَ قِصَّةَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِيَعْرِفَ مُحَمَّدٌ أنَّ مِثْلَ تِلْكَ المِحْنَةِ كانَتْ حاصِلَةً لِمُوسى، ثُمَّ ذَكَرَ عَقِبَها قِصَّةَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِيَعْرِفَ مُحَمَّدٌ أيْضًا أنَّ حُزْنَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِهَذا السَّبَبِ كانَ أشَدَّ مِن حُزْنِهِ، لِأنَّ مِن عَظِيمِ المِحْنَةِ عَلى إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يَرى أباهُ وقَوْمَهُ في النّارِ وهو لا يَتَمَكَّنُ مِن إنْقاذِهِمْ إلّا بِقَدْرِ الدُّعاءِ والتَّنْبِيهِ فَقالَ لَهم: ﴿ما تَعْبُدُونَ﴾ وكانَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ يَعْلَمُ أنَّهم عَبَدَةُ أصْنامٍ ولَكِنَّهُ سَألَهُمُ لِيُرِيَهم أنَّ ما يَعْبُدُونَهُ لَيْسَ مِنَ اسْتِحْقاقِ العِبادَةِ في شَيْءٍ كَما تَقُولُ لِتاجِرِ الرَّقِيقِ ما مالُكَ ؟ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ مالَهُ الرَّقِيقُ، ثُمَّ تَقُولُ: الرَّقِيقُ جَمالٌ ولَيْسَ بِمالٍ. فَأجابُوا إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿نَعْبُدُ أصْنامًا فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ﴾ والعُكُوفُ: الإقامَةُ
صفحة ١٢٣
عَلى الشَّيْءِ، وإنَّما قالُوا: ﴿فَنَظَلُّ﴾ لِأنَّهم كانُوا يَعْبُدُونَها بِالنَّهارِ دُونَ اللَّيْلِ، واعْلَمْ أنَّهُ كانَ يَكْفِيهِمْ في الجَوابِ أنْ يَقُولُوا: نَعْبُدُ أصْنامًا، ولَكِنَّهم ضَمُّوا إلَيْهِ زِيادَةً عَلى الجَوابِ وهي قَوْلُهم: ﴿فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ﴾ وإنَّما ذَكَرُوا هَذِهِ الزِّيادَةَ إظْهارًا لِما في نُفُوسِهِمْ مِنَ الِابْتِهاجِ والِافْتِخارِ بِعِبادَةِ الأصْنامِ، فَقالَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ مُنَبِّهًا عَلى فَسادِ مَذْهَبِهِمْ: ﴿هَلْ يَسْمَعُونَكم إذْ تَدْعُونَ﴾ ﴿أوْ يَنْفَعُونَكم أوْ يَضُرُّونَ﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: لا بُدَّ في يَسْمَعُونَكم مِن تَقْدِيرِ حَذْفِ المُضافِ مَعْناهُ هَلْ يَسْمَعُونَ دُعاءَكم ؟ وقَرَأ قَتادَةُ: ”هَلْ يُسْمِعُونَكم“ أيْ هَلْ يُسْمِعُونَكُمُ الجَوابَ عَنْ دُعائِكم ؟ وهَلْ يَقْدِرُونَ عَلى ذَلِكَ ؟ وتَقْرِيرُ هَذِهِ الحجة الَّتِي ذَكَرَها إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّ الغالِبَ مِن حالِ مَن يَعْبُدُ غَيْرَهُ أنْ يَلْتَجِئَ إلَيْهِ في المسألة لِيَعْرِفَ مُرادَهُ إذا سَمِعَ دُعاءَهُ ثُمَّ يَسْتَجِيبَ لَهُ في بَذْلِ مَنفَعَةٍ أوْ دَفْعِ مَضَرَّةٍ، فَقالَ لَهم: فَإذا كانَ مَن تَعْبُدُونَهُ لا يَسْمَعُ دُعاءَكم حَتّى يَعْرِفَ مَقْصُودَكم، ولَوْ عَرَفَ ذَلِكَ لَما صَحَّ أنْ يَبْذُلَ النَّفْعَ أوْ يَدْفَعَ الضَّرَرَ فَكَيْفَ تَسْتَجِيزُونَ أنْ تَعْبُدُوا ما هَذا وصْفُهُ ؟ فَعِنْدَ هَذِهِ الحجة القاهِرَةِ لَمْ يَجِدْ أبُوهُ وقَوْمُهُ ما يَدْفَعُونَ بِهِ هَذِهِ الحجة فَعَدَلُوا إلى أنْ قالُوا: ﴿وجَدْنا آباءَنا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ وهَذا مِن أقْوى الدَّلائِلِ عَلى فَسادِ التَّقْلِيدِ ووُجُوبِ التَّمَسُّكِ بِالِاسْتِدْلالِ، إذْ لَوْ قَلَبْنا الأمْرَ فَمَدَحْنا التَّقْلِيدَ وذَمَمْنا الِاسْتِدْلالَ لَكانَ ذَلِكَ مَدْحًا لِطَرِيقَةِ الكُفّارِ الَّتِي ذَمَّها اللَّهُ تَعالى وذَمًّا لِطَرِيقَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ الَّتِي مَدَحَها اللَّهُ تَعالى فَأجابَهم إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَوْلِهِ: ﴿قالَ أفَرَأيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾ ﴿أنْتُمْ وآباؤُكُمُ الأقْدَمُونَ﴾ أرادَ بِهِ أنَّ الباطِلَ لا يَتَغَيَّرُ بِأنْ يَكُونَ قَدِيمًا أوْ حَدِيثًا، ولا بِأنْ يَكُونَ في فاعِلِيهِ كَثْرَةٌ أوْ قِلَّةٌ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي إلّا رَبَّ العالَمِينَ﴾ فَفِيهِ أسْئِلَةٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: كَيْفَ يَكُونُ الصَّنَمُ عَدُوًّا مَعَ أنَّهُ جَمادٌ ؟ جَوابُهُ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ تَعالى قالَ في سُورَةِ مَرْيَمَ في صِفَةِ الأوْثانِ: ﴿كَلّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ ويَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم: ٨٢] فَقِيلَ في تَفْسِيرِهِ إنَّ اللَّهَ يُحْيِي ما عَبَدُوهُ مِنَ الأصْنامِ حَتّى يَقَعَ مِنهُمُ التَّوْبِيخُ لَهم والبَراءَةُ مِنهم، فَعَلى هَذا الوجه أنَّ الأوْثانَ سَتَصِيرُ أعْداءً لِهَؤُلاءِ الكُفّارِ في الآخِرَةِ فَأطْلَقَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَفْظَ العَداوَةِ عَلَيْهِمْ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ.
وثانِيها: أنَّ الكُفّارَ لَمّا عَبَدُوها وعَظَّمُوها ورَجَوْها في طَلَبِ المَنافِعِ ودَفْعِ المَضارِّ نَزَلَتْ مَنزِلَةَ الأحْياءِ العُقَلاءِ في اعْتِقادِ الكُفّارِ، ثُمَّ إنَّها صارَتْ أسْبابًا لِانْقِطاعِ الإنْسانِ عَنِ السَّعادَةِ ووُصُولِهِ إلى الشَّقاوَةِ، فَلَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الأصْنامُ مَنزِلَةَ الأحْياءِ وجَرَتْ مَجْرى الدّافِعِ لِلْمَنفَعَةِ والجالِبِ لِلْمَضَرَّةِ لا جَرَمَ جَرَتْ مَجْرى الأعْداءِ، فَلا جَرَمَ أطْلَقَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلَيْها لَفْظَ العَدُوِّ.
وثالِثُها: المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي﴾ عَداوَةُ مَن يَعْبُدُها، فَإنْ قِيلَ: فَلِمَ لَمْ يَقُلْ: إنَّ مَن يَعْبُدُ الأصْنامَ عَدُوٌّ لِي لِيَكُونَ الكَلامُ حَقِيقَةً ؟ جَوابُهُ: لِأنَّ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ ما عَبَدُوهُ دُونَ العابِدِينَ.
السُّؤالُ الثّانِي: لِمَ قالَ: ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي﴾ ولَمْ يَقُلْ: فَإنَّها عَدُوٌّ لَكم ؟ جَوابُهُ: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ صَوَّرَ المسألة في نَفْسِهِ عَلى مَعْنى إنِّي فَكَّرْتُ في أمْرِي فَرَأيْتُ عِبادَتِي لَها عِبادَةً لِلْعَدُوِّ فاجْتَنَبْتُها، وأراهم أنَّها نَصِيحَةٌ نَصَحَ بِها نَفْسَهُ، فَإذا تَفَكَّرُوا قالُوا: ما نَصَحَنا إبْراهِيمُ إلّا بِما نَصَحَ بِهِ نَفْسَهُ، فَيَكُونُ ذَلِكَ أدْعى لِلْقَبُولِ.
صفحة ١٢٤
السُّؤالُ الثّالِثُ: لِمَ لَمْ يَقُلْ فَإنَّهم أعْدائِي ؟ جَوابُهُ: العَدُوُّ والصَّدِيقُ يَجِيئانِ في مَعْنى الواحِدِ والجَماعَةِ، قالَ:
وقَوْمٍ عَلَيَّ ذَوِي مِرَّةٍ أراهم عَدُوًّا وكانُوا صَدِيقًا
ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهم لَكم عَدُوٌّ﴾ وتَحْقِيقُ القَوْلِ فِيهِ ما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿إنّا رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ .
السُّؤالُ الرّابِعُ: ما هَذا الِاسْتِثْناءُ ؟ جَوابُهُ: أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ كَأنَّهُ قالَ: لَكِنَّ رَبَّ العالَمِينَ.
الشعراء 26:70
القِصَّةُ الثّانِيَةُ: قِصَّةُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ
﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ إبْراهِيمَ﴾ ﴿إذْ قالَ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ ما تَعْبُدُونَ﴾ ﴿قالُوا نَعْبُدُ أصْنامًا فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ﴾ ﴿قالَ هَلْ يَسْمَعُونَكم إذْ تَدْعُونَ﴾ ﴿أوْ يَنْفَعُونَكم أوْ يَضُرُّونَ﴾ ﴿قالُوا بَلْ وجَدْنا آباءَنا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ ﴿قالَ أفَرَأيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾ ﴿أنْتُمْ وآباؤُكُمُ الأقْدَمُونَ﴾ ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي إلّا رَبَّ العالَمِينَ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ إبْراهِيمَ﴾ ﴿إذْ قالَ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ ما تَعْبُدُونَ﴾ ﴿قالُوا نَعْبُدُ أصْنامًا فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ﴾ ﴿قالَ هَلْ يَسْمَعُونَكم إذْ تَدْعُونَ﴾ ﴿أوْ يَنْفَعُونَكم أوْ يَضُرُّونَ﴾ ﴿قالُوا بَلْ وجَدْنا آباءَنا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ ﴿قالَ أفَرَأيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾ ﴿أنْتُمْ وآباؤُكُمُ الأقْدَمُونَ﴾ ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي إلّا رَبَّ العالَمِينَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في أوَّلِ السُّورَةِ شِدَّةَ حُزْنِ مُحَمَّدٍ ﷺ بِسَبَبِ كُفْرِ قَوْمِهِ ثُمَّ إنَّهُ ذَكَرَ قِصَّةَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِيَعْرِفَ مُحَمَّدٌ أنَّ مِثْلَ تِلْكَ المِحْنَةِ كانَتْ حاصِلَةً لِمُوسى، ثُمَّ ذَكَرَ عَقِبَها قِصَّةَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِيَعْرِفَ مُحَمَّدٌ أيْضًا أنَّ حُزْنَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِهَذا السَّبَبِ كانَ أشَدَّ مِن حُزْنِهِ، لِأنَّ مِن عَظِيمِ المِحْنَةِ عَلى إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يَرى أباهُ وقَوْمَهُ في النّارِ وهو لا يَتَمَكَّنُ مِن إنْقاذِهِمْ إلّا بِقَدْرِ الدُّعاءِ والتَّنْبِيهِ فَقالَ لَهم: ﴿ما تَعْبُدُونَ﴾ وكانَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ يَعْلَمُ أنَّهم عَبَدَةُ أصْنامٍ ولَكِنَّهُ سَألَهُمُ لِيُرِيَهم أنَّ ما يَعْبُدُونَهُ لَيْسَ مِنَ اسْتِحْقاقِ العِبادَةِ في شَيْءٍ كَما تَقُولُ لِتاجِرِ الرَّقِيقِ ما مالُكَ ؟ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ مالَهُ الرَّقِيقُ، ثُمَّ تَقُولُ: الرَّقِيقُ جَمالٌ ولَيْسَ بِمالٍ. فَأجابُوا إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿نَعْبُدُ أصْنامًا فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ﴾ والعُكُوفُ: الإقامَةُ
صفحة ١٢٣
عَلى الشَّيْءِ، وإنَّما قالُوا: ﴿فَنَظَلُّ﴾ لِأنَّهم كانُوا يَعْبُدُونَها بِالنَّهارِ دُونَ اللَّيْلِ، واعْلَمْ أنَّهُ كانَ يَكْفِيهِمْ في الجَوابِ أنْ يَقُولُوا: نَعْبُدُ أصْنامًا، ولَكِنَّهم ضَمُّوا إلَيْهِ زِيادَةً عَلى الجَوابِ وهي قَوْلُهم: ﴿فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ﴾ وإنَّما ذَكَرُوا هَذِهِ الزِّيادَةَ إظْهارًا لِما في نُفُوسِهِمْ مِنَ الِابْتِهاجِ والِافْتِخارِ بِعِبادَةِ الأصْنامِ، فَقالَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ مُنَبِّهًا عَلى فَسادِ مَذْهَبِهِمْ: ﴿هَلْ يَسْمَعُونَكم إذْ تَدْعُونَ﴾ ﴿أوْ يَنْفَعُونَكم أوْ يَضُرُّونَ﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: لا بُدَّ في يَسْمَعُونَكم مِن تَقْدِيرِ حَذْفِ المُضافِ مَعْناهُ هَلْ يَسْمَعُونَ دُعاءَكم ؟ وقَرَأ قَتادَةُ: ”هَلْ يُسْمِعُونَكم“ أيْ هَلْ يُسْمِعُونَكُمُ الجَوابَ عَنْ دُعائِكم ؟ وهَلْ يَقْدِرُونَ عَلى ذَلِكَ ؟ وتَقْرِيرُ هَذِهِ الحجة الَّتِي ذَكَرَها إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّ الغالِبَ مِن حالِ مَن يَعْبُدُ غَيْرَهُ أنْ يَلْتَجِئَ إلَيْهِ في المسألة لِيَعْرِفَ مُرادَهُ إذا سَمِعَ دُعاءَهُ ثُمَّ يَسْتَجِيبَ لَهُ في بَذْلِ مَنفَعَةٍ أوْ دَفْعِ مَضَرَّةٍ، فَقالَ لَهم: فَإذا كانَ مَن تَعْبُدُونَهُ لا يَسْمَعُ دُعاءَكم حَتّى يَعْرِفَ مَقْصُودَكم، ولَوْ عَرَفَ ذَلِكَ لَما صَحَّ أنْ يَبْذُلَ النَّفْعَ أوْ يَدْفَعَ الضَّرَرَ فَكَيْفَ تَسْتَجِيزُونَ أنْ تَعْبُدُوا ما هَذا وصْفُهُ ؟ فَعِنْدَ هَذِهِ الحجة القاهِرَةِ لَمْ يَجِدْ أبُوهُ وقَوْمُهُ ما يَدْفَعُونَ بِهِ هَذِهِ الحجة فَعَدَلُوا إلى أنْ قالُوا: ﴿وجَدْنا آباءَنا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ وهَذا مِن أقْوى الدَّلائِلِ عَلى فَسادِ التَّقْلِيدِ ووُجُوبِ التَّمَسُّكِ بِالِاسْتِدْلالِ، إذْ لَوْ قَلَبْنا الأمْرَ فَمَدَحْنا التَّقْلِيدَ وذَمَمْنا الِاسْتِدْلالَ لَكانَ ذَلِكَ مَدْحًا لِطَرِيقَةِ الكُفّارِ الَّتِي ذَمَّها اللَّهُ تَعالى وذَمًّا لِطَرِيقَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ الَّتِي مَدَحَها اللَّهُ تَعالى فَأجابَهم إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَوْلِهِ: ﴿قالَ أفَرَأيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾ ﴿أنْتُمْ وآباؤُكُمُ الأقْدَمُونَ﴾ أرادَ بِهِ أنَّ الباطِلَ لا يَتَغَيَّرُ بِأنْ يَكُونَ قَدِيمًا أوْ حَدِيثًا، ولا بِأنْ يَكُونَ في فاعِلِيهِ كَثْرَةٌ أوْ قِلَّةٌ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي إلّا رَبَّ العالَمِينَ﴾ فَفِيهِ أسْئِلَةٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: كَيْفَ يَكُونُ الصَّنَمُ عَدُوًّا مَعَ أنَّهُ جَمادٌ ؟ جَوابُهُ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ تَعالى قالَ في سُورَةِ مَرْيَمَ في صِفَةِ الأوْثانِ: ﴿كَلّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ ويَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم: ٨٢] فَقِيلَ في تَفْسِيرِهِ إنَّ اللَّهَ يُحْيِي ما عَبَدُوهُ مِنَ الأصْنامِ حَتّى يَقَعَ مِنهُمُ التَّوْبِيخُ لَهم والبَراءَةُ مِنهم، فَعَلى هَذا الوجه أنَّ الأوْثانَ سَتَصِيرُ أعْداءً لِهَؤُلاءِ الكُفّارِ في الآخِرَةِ فَأطْلَقَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَفْظَ العَداوَةِ عَلَيْهِمْ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ.
وثانِيها: أنَّ الكُفّارَ لَمّا عَبَدُوها وعَظَّمُوها ورَجَوْها في طَلَبِ المَنافِعِ ودَفْعِ المَضارِّ نَزَلَتْ مَنزِلَةَ الأحْياءِ العُقَلاءِ في اعْتِقادِ الكُفّارِ، ثُمَّ إنَّها صارَتْ أسْبابًا لِانْقِطاعِ الإنْسانِ عَنِ السَّعادَةِ ووُصُولِهِ إلى الشَّقاوَةِ، فَلَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الأصْنامُ مَنزِلَةَ الأحْياءِ وجَرَتْ مَجْرى الدّافِعِ لِلْمَنفَعَةِ والجالِبِ لِلْمَضَرَّةِ لا جَرَمَ جَرَتْ مَجْرى الأعْداءِ، فَلا جَرَمَ أطْلَقَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلَيْها لَفْظَ العَدُوِّ.
وثالِثُها: المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي﴾ عَداوَةُ مَن يَعْبُدُها، فَإنْ قِيلَ: فَلِمَ لَمْ يَقُلْ: إنَّ مَن يَعْبُدُ الأصْنامَ عَدُوٌّ لِي لِيَكُونَ الكَلامُ حَقِيقَةً ؟ جَوابُهُ: لِأنَّ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ ما عَبَدُوهُ دُونَ العابِدِينَ.
السُّؤالُ الثّانِي: لِمَ قالَ: ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي﴾ ولَمْ يَقُلْ: فَإنَّها عَدُوٌّ لَكم ؟ جَوابُهُ: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ صَوَّرَ المسألة في نَفْسِهِ عَلى مَعْنى إنِّي فَكَّرْتُ في أمْرِي فَرَأيْتُ عِبادَتِي لَها عِبادَةً لِلْعَدُوِّ فاجْتَنَبْتُها، وأراهم أنَّها نَصِيحَةٌ نَصَحَ بِها نَفْسَهُ، فَإذا تَفَكَّرُوا قالُوا: ما نَصَحَنا إبْراهِيمُ إلّا بِما نَصَحَ بِهِ نَفْسَهُ، فَيَكُونُ ذَلِكَ أدْعى لِلْقَبُولِ.
صفحة ١٢٤
السُّؤالُ الثّالِثُ: لِمَ لَمْ يَقُلْ فَإنَّهم أعْدائِي ؟ جَوابُهُ: العَدُوُّ والصَّدِيقُ يَجِيئانِ في مَعْنى الواحِدِ والجَماعَةِ، قالَ:
وقَوْمٍ عَلَيَّ ذَوِي مِرَّةٍ أراهم عَدُوًّا وكانُوا صَدِيقًا
ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهم لَكم عَدُوٌّ﴾ وتَحْقِيقُ القَوْلِ فِيهِ ما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿إنّا رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ .
السُّؤالُ الرّابِعُ: ما هَذا الِاسْتِثْناءُ ؟ جَوابُهُ: أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ كَأنَّهُ قالَ: لَكِنَّ رَبَّ العالَمِينَ.
الشعراء 26:71
القِصَّةُ الثّانِيَةُ: قِصَّةُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ
﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ إبْراهِيمَ﴾ ﴿إذْ قالَ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ ما تَعْبُدُونَ﴾ ﴿قالُوا نَعْبُدُ أصْنامًا فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ﴾ ﴿قالَ هَلْ يَسْمَعُونَكم إذْ تَدْعُونَ﴾ ﴿أوْ يَنْفَعُونَكم أوْ يَضُرُّونَ﴾ ﴿قالُوا بَلْ وجَدْنا آباءَنا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ ﴿قالَ أفَرَأيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾ ﴿أنْتُمْ وآباؤُكُمُ الأقْدَمُونَ﴾ ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي إلّا رَبَّ العالَمِينَ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ إبْراهِيمَ﴾ ﴿إذْ قالَ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ ما تَعْبُدُونَ﴾ ﴿قالُوا نَعْبُدُ أصْنامًا فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ﴾ ﴿قالَ هَلْ يَسْمَعُونَكم إذْ تَدْعُونَ﴾ ﴿أوْ يَنْفَعُونَكم أوْ يَضُرُّونَ﴾ ﴿قالُوا بَلْ وجَدْنا آباءَنا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ ﴿قالَ أفَرَأيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾ ﴿أنْتُمْ وآباؤُكُمُ الأقْدَمُونَ﴾ ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي إلّا رَبَّ العالَمِينَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في أوَّلِ السُّورَةِ شِدَّةَ حُزْنِ مُحَمَّدٍ ﷺ بِسَبَبِ كُفْرِ قَوْمِهِ ثُمَّ إنَّهُ ذَكَرَ قِصَّةَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِيَعْرِفَ مُحَمَّدٌ أنَّ مِثْلَ تِلْكَ المِحْنَةِ كانَتْ حاصِلَةً لِمُوسى، ثُمَّ ذَكَرَ عَقِبَها قِصَّةَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِيَعْرِفَ مُحَمَّدٌ أيْضًا أنَّ حُزْنَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِهَذا السَّبَبِ كانَ أشَدَّ مِن حُزْنِهِ، لِأنَّ مِن عَظِيمِ المِحْنَةِ عَلى إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يَرى أباهُ وقَوْمَهُ في النّارِ وهو لا يَتَمَكَّنُ مِن إنْقاذِهِمْ إلّا بِقَدْرِ الدُّعاءِ والتَّنْبِيهِ فَقالَ لَهم: ﴿ما تَعْبُدُونَ﴾ وكانَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ يَعْلَمُ أنَّهم عَبَدَةُ أصْنامٍ ولَكِنَّهُ سَألَهُمُ لِيُرِيَهم أنَّ ما يَعْبُدُونَهُ لَيْسَ مِنَ اسْتِحْقاقِ العِبادَةِ في شَيْءٍ كَما تَقُولُ لِتاجِرِ الرَّقِيقِ ما مالُكَ ؟ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ مالَهُ الرَّقِيقُ، ثُمَّ تَقُولُ: الرَّقِيقُ جَمالٌ ولَيْسَ بِمالٍ. فَأجابُوا إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿نَعْبُدُ أصْنامًا فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ﴾ والعُكُوفُ: الإقامَةُ
صفحة ١٢٣
عَلى الشَّيْءِ، وإنَّما قالُوا: ﴿فَنَظَلُّ﴾ لِأنَّهم كانُوا يَعْبُدُونَها بِالنَّهارِ دُونَ اللَّيْلِ، واعْلَمْ أنَّهُ كانَ يَكْفِيهِمْ في الجَوابِ أنْ يَقُولُوا: نَعْبُدُ أصْنامًا، ولَكِنَّهم ضَمُّوا إلَيْهِ زِيادَةً عَلى الجَوابِ وهي قَوْلُهم: ﴿فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ﴾ وإنَّما ذَكَرُوا هَذِهِ الزِّيادَةَ إظْهارًا لِما في نُفُوسِهِمْ مِنَ الِابْتِهاجِ والِافْتِخارِ بِعِبادَةِ الأصْنامِ، فَقالَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ مُنَبِّهًا عَلى فَسادِ مَذْهَبِهِمْ: ﴿هَلْ يَسْمَعُونَكم إذْ تَدْعُونَ﴾ ﴿أوْ يَنْفَعُونَكم أوْ يَضُرُّونَ﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: لا بُدَّ في يَسْمَعُونَكم مِن تَقْدِيرِ حَذْفِ المُضافِ مَعْناهُ هَلْ يَسْمَعُونَ دُعاءَكم ؟ وقَرَأ قَتادَةُ: ”هَلْ يُسْمِعُونَكم“ أيْ هَلْ يُسْمِعُونَكُمُ الجَوابَ عَنْ دُعائِكم ؟ وهَلْ يَقْدِرُونَ عَلى ذَلِكَ ؟ وتَقْرِيرُ هَذِهِ الحجة الَّتِي ذَكَرَها إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّ الغالِبَ مِن حالِ مَن يَعْبُدُ غَيْرَهُ أنْ يَلْتَجِئَ إلَيْهِ في المسألة لِيَعْرِفَ مُرادَهُ إذا سَمِعَ دُعاءَهُ ثُمَّ يَسْتَجِيبَ لَهُ في بَذْلِ مَنفَعَةٍ أوْ دَفْعِ مَضَرَّةٍ، فَقالَ لَهم: فَإذا كانَ مَن تَعْبُدُونَهُ لا يَسْمَعُ دُعاءَكم حَتّى يَعْرِفَ مَقْصُودَكم، ولَوْ عَرَفَ ذَلِكَ لَما صَحَّ أنْ يَبْذُلَ النَّفْعَ أوْ يَدْفَعَ الضَّرَرَ فَكَيْفَ تَسْتَجِيزُونَ أنْ تَعْبُدُوا ما هَذا وصْفُهُ ؟ فَعِنْدَ هَذِهِ الحجة القاهِرَةِ لَمْ يَجِدْ أبُوهُ وقَوْمُهُ ما يَدْفَعُونَ بِهِ هَذِهِ الحجة فَعَدَلُوا إلى أنْ قالُوا: ﴿وجَدْنا آباءَنا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ وهَذا مِن أقْوى الدَّلائِلِ عَلى فَسادِ التَّقْلِيدِ ووُجُوبِ التَّمَسُّكِ بِالِاسْتِدْلالِ، إذْ لَوْ قَلَبْنا الأمْرَ فَمَدَحْنا التَّقْلِيدَ وذَمَمْنا الِاسْتِدْلالَ لَكانَ ذَلِكَ مَدْحًا لِطَرِيقَةِ الكُفّارِ الَّتِي ذَمَّها اللَّهُ تَعالى وذَمًّا لِطَرِيقَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ الَّتِي مَدَحَها اللَّهُ تَعالى فَأجابَهم إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَوْلِهِ: ﴿قالَ أفَرَأيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾ ﴿أنْتُمْ وآباؤُكُمُ الأقْدَمُونَ﴾ أرادَ بِهِ أنَّ الباطِلَ لا يَتَغَيَّرُ بِأنْ يَكُونَ قَدِيمًا أوْ حَدِيثًا، ولا بِأنْ يَكُونَ في فاعِلِيهِ كَثْرَةٌ أوْ قِلَّةٌ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي إلّا رَبَّ العالَمِينَ﴾ فَفِيهِ أسْئِلَةٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: كَيْفَ يَكُونُ الصَّنَمُ عَدُوًّا مَعَ أنَّهُ جَمادٌ ؟ جَوابُهُ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ تَعالى قالَ في سُورَةِ مَرْيَمَ في صِفَةِ الأوْثانِ: ﴿كَلّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ ويَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم: ٨٢] فَقِيلَ في تَفْسِيرِهِ إنَّ اللَّهَ يُحْيِي ما عَبَدُوهُ مِنَ الأصْنامِ حَتّى يَقَعَ مِنهُمُ التَّوْبِيخُ لَهم والبَراءَةُ مِنهم، فَعَلى هَذا الوجه أنَّ الأوْثانَ سَتَصِيرُ أعْداءً لِهَؤُلاءِ الكُفّارِ في الآخِرَةِ فَأطْلَقَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَفْظَ العَداوَةِ عَلَيْهِمْ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ.
وثانِيها: أنَّ الكُفّارَ لَمّا عَبَدُوها وعَظَّمُوها ورَجَوْها في طَلَبِ المَنافِعِ ودَفْعِ المَضارِّ نَزَلَتْ مَنزِلَةَ الأحْياءِ العُقَلاءِ في اعْتِقادِ الكُفّارِ، ثُمَّ إنَّها صارَتْ أسْبابًا لِانْقِطاعِ الإنْسانِ عَنِ السَّعادَةِ ووُصُولِهِ إلى الشَّقاوَةِ، فَلَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الأصْنامُ مَنزِلَةَ الأحْياءِ وجَرَتْ مَجْرى الدّافِعِ لِلْمَنفَعَةِ والجالِبِ لِلْمَضَرَّةِ لا جَرَمَ جَرَتْ مَجْرى الأعْداءِ، فَلا جَرَمَ أطْلَقَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلَيْها لَفْظَ العَدُوِّ.
وثالِثُها: المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي﴾ عَداوَةُ مَن يَعْبُدُها، فَإنْ قِيلَ: فَلِمَ لَمْ يَقُلْ: إنَّ مَن يَعْبُدُ الأصْنامَ عَدُوٌّ لِي لِيَكُونَ الكَلامُ حَقِيقَةً ؟ جَوابُهُ: لِأنَّ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ ما عَبَدُوهُ دُونَ العابِدِينَ.
السُّؤالُ الثّانِي: لِمَ قالَ: ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي﴾ ولَمْ يَقُلْ: فَإنَّها عَدُوٌّ لَكم ؟ جَوابُهُ: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ صَوَّرَ المسألة في نَفْسِهِ عَلى مَعْنى إنِّي فَكَّرْتُ في أمْرِي فَرَأيْتُ عِبادَتِي لَها عِبادَةً لِلْعَدُوِّ فاجْتَنَبْتُها، وأراهم أنَّها نَصِيحَةٌ نَصَحَ بِها نَفْسَهُ، فَإذا تَفَكَّرُوا قالُوا: ما نَصَحَنا إبْراهِيمُ إلّا بِما نَصَحَ بِهِ نَفْسَهُ، فَيَكُونُ ذَلِكَ أدْعى لِلْقَبُولِ.
صفحة ١٢٤
السُّؤالُ الثّالِثُ: لِمَ لَمْ يَقُلْ فَإنَّهم أعْدائِي ؟ جَوابُهُ: العَدُوُّ والصَّدِيقُ يَجِيئانِ في مَعْنى الواحِدِ والجَماعَةِ، قالَ:
وقَوْمٍ عَلَيَّ ذَوِي مِرَّةٍ أراهم عَدُوًّا وكانُوا صَدِيقًا
ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهم لَكم عَدُوٌّ﴾ وتَحْقِيقُ القَوْلِ فِيهِ ما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿إنّا رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ .
السُّؤالُ الرّابِعُ: ما هَذا الِاسْتِثْناءُ ؟ جَوابُهُ: أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ كَأنَّهُ قالَ: لَكِنَّ رَبَّ العالَمِينَ.
الشعراء 26:72
القِصَّةُ الثّانِيَةُ: قِصَّةُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ
﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ إبْراهِيمَ﴾ ﴿إذْ قالَ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ ما تَعْبُدُونَ﴾ ﴿قالُوا نَعْبُدُ أصْنامًا فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ﴾ ﴿قالَ هَلْ يَسْمَعُونَكم إذْ تَدْعُونَ﴾ ﴿أوْ يَنْفَعُونَكم أوْ يَضُرُّونَ﴾ ﴿قالُوا بَلْ وجَدْنا آباءَنا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ ﴿قالَ أفَرَأيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾ ﴿أنْتُمْ وآباؤُكُمُ الأقْدَمُونَ﴾ ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي إلّا رَبَّ العالَمِينَ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ إبْراهِيمَ﴾ ﴿إذْ قالَ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ ما تَعْبُدُونَ﴾ ﴿قالُوا نَعْبُدُ أصْنامًا فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ﴾ ﴿قالَ هَلْ يَسْمَعُونَكم إذْ تَدْعُونَ﴾ ﴿أوْ يَنْفَعُونَكم أوْ يَضُرُّونَ﴾ ﴿قالُوا بَلْ وجَدْنا آباءَنا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ ﴿قالَ أفَرَأيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾ ﴿أنْتُمْ وآباؤُكُمُ الأقْدَمُونَ﴾ ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي إلّا رَبَّ العالَمِينَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في أوَّلِ السُّورَةِ شِدَّةَ حُزْنِ مُحَمَّدٍ ﷺ بِسَبَبِ كُفْرِ قَوْمِهِ ثُمَّ إنَّهُ ذَكَرَ قِصَّةَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِيَعْرِفَ مُحَمَّدٌ أنَّ مِثْلَ تِلْكَ المِحْنَةِ كانَتْ حاصِلَةً لِمُوسى، ثُمَّ ذَكَرَ عَقِبَها قِصَّةَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِيَعْرِفَ مُحَمَّدٌ أيْضًا أنَّ حُزْنَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِهَذا السَّبَبِ كانَ أشَدَّ مِن حُزْنِهِ، لِأنَّ مِن عَظِيمِ المِحْنَةِ عَلى إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يَرى أباهُ وقَوْمَهُ في النّارِ وهو لا يَتَمَكَّنُ مِن إنْقاذِهِمْ إلّا بِقَدْرِ الدُّعاءِ والتَّنْبِيهِ فَقالَ لَهم: ﴿ما تَعْبُدُونَ﴾ وكانَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ يَعْلَمُ أنَّهم عَبَدَةُ أصْنامٍ ولَكِنَّهُ سَألَهُمُ لِيُرِيَهم أنَّ ما يَعْبُدُونَهُ لَيْسَ مِنَ اسْتِحْقاقِ العِبادَةِ في شَيْءٍ كَما تَقُولُ لِتاجِرِ الرَّقِيقِ ما مالُكَ ؟ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ مالَهُ الرَّقِيقُ، ثُمَّ تَقُولُ: الرَّقِيقُ جَمالٌ ولَيْسَ بِمالٍ. فَأجابُوا إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿نَعْبُدُ أصْنامًا فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ﴾ والعُكُوفُ: الإقامَةُ
صفحة ١٢٣
عَلى الشَّيْءِ، وإنَّما قالُوا: ﴿فَنَظَلُّ﴾ لِأنَّهم كانُوا يَعْبُدُونَها بِالنَّهارِ دُونَ اللَّيْلِ، واعْلَمْ أنَّهُ كانَ يَكْفِيهِمْ في الجَوابِ أنْ يَقُولُوا: نَعْبُدُ أصْنامًا، ولَكِنَّهم ضَمُّوا إلَيْهِ زِيادَةً عَلى الجَوابِ وهي قَوْلُهم: ﴿فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ﴾ وإنَّما ذَكَرُوا هَذِهِ الزِّيادَةَ إظْهارًا لِما في نُفُوسِهِمْ مِنَ الِابْتِهاجِ والِافْتِخارِ بِعِبادَةِ الأصْنامِ، فَقالَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ مُنَبِّهًا عَلى فَسادِ مَذْهَبِهِمْ: ﴿هَلْ يَسْمَعُونَكم إذْ تَدْعُونَ﴾ ﴿أوْ يَنْفَعُونَكم أوْ يَضُرُّونَ﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: لا بُدَّ في يَسْمَعُونَكم مِن تَقْدِيرِ حَذْفِ المُضافِ مَعْناهُ هَلْ يَسْمَعُونَ دُعاءَكم ؟ وقَرَأ قَتادَةُ: ”هَلْ يُسْمِعُونَكم“ أيْ هَلْ يُسْمِعُونَكُمُ الجَوابَ عَنْ دُعائِكم ؟ وهَلْ يَقْدِرُونَ عَلى ذَلِكَ ؟ وتَقْرِيرُ هَذِهِ الحجة الَّتِي ذَكَرَها إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّ الغالِبَ مِن حالِ مَن يَعْبُدُ غَيْرَهُ أنْ يَلْتَجِئَ إلَيْهِ في المسألة لِيَعْرِفَ مُرادَهُ إذا سَمِعَ دُعاءَهُ ثُمَّ يَسْتَجِيبَ لَهُ في بَذْلِ مَنفَعَةٍ أوْ دَفْعِ مَضَرَّةٍ، فَقالَ لَهم: فَإذا كانَ مَن تَعْبُدُونَهُ لا يَسْمَعُ دُعاءَكم حَتّى يَعْرِفَ مَقْصُودَكم، ولَوْ عَرَفَ ذَلِكَ لَما صَحَّ أنْ يَبْذُلَ النَّفْعَ أوْ يَدْفَعَ الضَّرَرَ فَكَيْفَ تَسْتَجِيزُونَ أنْ تَعْبُدُوا ما هَذا وصْفُهُ ؟ فَعِنْدَ هَذِهِ الحجة القاهِرَةِ لَمْ يَجِدْ أبُوهُ وقَوْمُهُ ما يَدْفَعُونَ بِهِ هَذِهِ الحجة فَعَدَلُوا إلى أنْ قالُوا: ﴿وجَدْنا آباءَنا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ وهَذا مِن أقْوى الدَّلائِلِ عَلى فَسادِ التَّقْلِيدِ ووُجُوبِ التَّمَسُّكِ بِالِاسْتِدْلالِ، إذْ لَوْ قَلَبْنا الأمْرَ فَمَدَحْنا التَّقْلِيدَ وذَمَمْنا الِاسْتِدْلالَ لَكانَ ذَلِكَ مَدْحًا لِطَرِيقَةِ الكُفّارِ الَّتِي ذَمَّها اللَّهُ تَعالى وذَمًّا لِطَرِيقَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ الَّتِي مَدَحَها اللَّهُ تَعالى فَأجابَهم إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَوْلِهِ: ﴿قالَ أفَرَأيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾ ﴿أنْتُمْ وآباؤُكُمُ الأقْدَمُونَ﴾ أرادَ بِهِ أنَّ الباطِلَ لا يَتَغَيَّرُ بِأنْ يَكُونَ قَدِيمًا أوْ حَدِيثًا، ولا بِأنْ يَكُونَ في فاعِلِيهِ كَثْرَةٌ أوْ قِلَّةٌ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي إلّا رَبَّ العالَمِينَ﴾ فَفِيهِ أسْئِلَةٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: كَيْفَ يَكُونُ الصَّنَمُ عَدُوًّا مَعَ أنَّهُ جَمادٌ ؟ جَوابُهُ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ تَعالى قالَ في سُورَةِ مَرْيَمَ في صِفَةِ الأوْثانِ: ﴿كَلّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ ويَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم: ٨٢] فَقِيلَ في تَفْسِيرِهِ إنَّ اللَّهَ يُحْيِي ما عَبَدُوهُ مِنَ الأصْنامِ حَتّى يَقَعَ مِنهُمُ التَّوْبِيخُ لَهم والبَراءَةُ مِنهم، فَعَلى هَذا الوجه أنَّ الأوْثانَ سَتَصِيرُ أعْداءً لِهَؤُلاءِ الكُفّارِ في الآخِرَةِ فَأطْلَقَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَفْظَ العَداوَةِ عَلَيْهِمْ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ.
وثانِيها: أنَّ الكُفّارَ لَمّا عَبَدُوها وعَظَّمُوها ورَجَوْها في طَلَبِ المَنافِعِ ودَفْعِ المَضارِّ نَزَلَتْ مَنزِلَةَ الأحْياءِ العُقَلاءِ في اعْتِقادِ الكُفّارِ، ثُمَّ إنَّها صارَتْ أسْبابًا لِانْقِطاعِ الإنْسانِ عَنِ السَّعادَةِ ووُصُولِهِ إلى الشَّقاوَةِ، فَلَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الأصْنامُ مَنزِلَةَ الأحْياءِ وجَرَتْ مَجْرى الدّافِعِ لِلْمَنفَعَةِ والجالِبِ لِلْمَضَرَّةِ لا جَرَمَ جَرَتْ مَجْرى الأعْداءِ، فَلا جَرَمَ أطْلَقَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلَيْها لَفْظَ العَدُوِّ.
وثالِثُها: المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي﴾ عَداوَةُ مَن يَعْبُدُها، فَإنْ قِيلَ: فَلِمَ لَمْ يَقُلْ: إنَّ مَن يَعْبُدُ الأصْنامَ عَدُوٌّ لِي لِيَكُونَ الكَلامُ حَقِيقَةً ؟ جَوابُهُ: لِأنَّ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ ما عَبَدُوهُ دُونَ العابِدِينَ.
السُّؤالُ الثّانِي: لِمَ قالَ: ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي﴾ ولَمْ يَقُلْ: فَإنَّها عَدُوٌّ لَكم ؟ جَوابُهُ: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ صَوَّرَ المسألة في نَفْسِهِ عَلى مَعْنى إنِّي فَكَّرْتُ في أمْرِي فَرَأيْتُ عِبادَتِي لَها عِبادَةً لِلْعَدُوِّ فاجْتَنَبْتُها، وأراهم أنَّها نَصِيحَةٌ نَصَحَ بِها نَفْسَهُ، فَإذا تَفَكَّرُوا قالُوا: ما نَصَحَنا إبْراهِيمُ إلّا بِما نَصَحَ بِهِ نَفْسَهُ، فَيَكُونُ ذَلِكَ أدْعى لِلْقَبُولِ.
صفحة ١٢٤
السُّؤالُ الثّالِثُ: لِمَ لَمْ يَقُلْ فَإنَّهم أعْدائِي ؟ جَوابُهُ: العَدُوُّ والصَّدِيقُ يَجِيئانِ في مَعْنى الواحِدِ والجَماعَةِ، قالَ:
وقَوْمٍ عَلَيَّ ذَوِي مِرَّةٍ أراهم عَدُوًّا وكانُوا صَدِيقًا
ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهم لَكم عَدُوٌّ﴾ وتَحْقِيقُ القَوْلِ فِيهِ ما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿إنّا رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ .
السُّؤالُ الرّابِعُ: ما هَذا الِاسْتِثْناءُ ؟ جَوابُهُ: أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ كَأنَّهُ قالَ: لَكِنَّ رَبَّ العالَمِينَ.
الشعراء 26:73
القِصَّةُ الثّانِيَةُ: قِصَّةُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ
﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ إبْراهِيمَ﴾ ﴿إذْ قالَ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ ما تَعْبُدُونَ﴾ ﴿قالُوا نَعْبُدُ أصْنامًا فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ﴾ ﴿قالَ هَلْ يَسْمَعُونَكم إذْ تَدْعُونَ﴾ ﴿أوْ يَنْفَعُونَكم أوْ يَضُرُّونَ﴾ ﴿قالُوا بَلْ وجَدْنا آباءَنا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ ﴿قالَ أفَرَأيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾ ﴿أنْتُمْ وآباؤُكُمُ الأقْدَمُونَ﴾ ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي إلّا رَبَّ العالَمِينَ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ إبْراهِيمَ﴾ ﴿إذْ قالَ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ ما تَعْبُدُونَ﴾ ﴿قالُوا نَعْبُدُ أصْنامًا فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ﴾ ﴿قالَ هَلْ يَسْمَعُونَكم إذْ تَدْعُونَ﴾ ﴿أوْ يَنْفَعُونَكم أوْ يَضُرُّونَ﴾ ﴿قالُوا بَلْ وجَدْنا آباءَنا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ ﴿قالَ أفَرَأيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾ ﴿أنْتُمْ وآباؤُكُمُ الأقْدَمُونَ﴾ ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي إلّا رَبَّ العالَمِينَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في أوَّلِ السُّورَةِ شِدَّةَ حُزْنِ مُحَمَّدٍ ﷺ بِسَبَبِ كُفْرِ قَوْمِهِ ثُمَّ إنَّهُ ذَكَرَ قِصَّةَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِيَعْرِفَ مُحَمَّدٌ أنَّ مِثْلَ تِلْكَ المِحْنَةِ كانَتْ حاصِلَةً لِمُوسى، ثُمَّ ذَكَرَ عَقِبَها قِصَّةَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِيَعْرِفَ مُحَمَّدٌ أيْضًا أنَّ حُزْنَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِهَذا السَّبَبِ كانَ أشَدَّ مِن حُزْنِهِ، لِأنَّ مِن عَظِيمِ المِحْنَةِ عَلى إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يَرى أباهُ وقَوْمَهُ في النّارِ وهو لا يَتَمَكَّنُ مِن إنْقاذِهِمْ إلّا بِقَدْرِ الدُّعاءِ والتَّنْبِيهِ فَقالَ لَهم: ﴿ما تَعْبُدُونَ﴾ وكانَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ يَعْلَمُ أنَّهم عَبَدَةُ أصْنامٍ ولَكِنَّهُ سَألَهُمُ لِيُرِيَهم أنَّ ما يَعْبُدُونَهُ لَيْسَ مِنَ اسْتِحْقاقِ العِبادَةِ في شَيْءٍ كَما تَقُولُ لِتاجِرِ الرَّقِيقِ ما مالُكَ ؟ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ مالَهُ الرَّقِيقُ، ثُمَّ تَقُولُ: الرَّقِيقُ جَمالٌ ولَيْسَ بِمالٍ. فَأجابُوا إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿نَعْبُدُ أصْنامًا فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ﴾ والعُكُوفُ: الإقامَةُ
صفحة ١٢٣
عَلى الشَّيْءِ، وإنَّما قالُوا: ﴿فَنَظَلُّ﴾ لِأنَّهم كانُوا يَعْبُدُونَها بِالنَّهارِ دُونَ اللَّيْلِ، واعْلَمْ أنَّهُ كانَ يَكْفِيهِمْ في الجَوابِ أنْ يَقُولُوا: نَعْبُدُ أصْنامًا، ولَكِنَّهم ضَمُّوا إلَيْهِ زِيادَةً عَلى الجَوابِ وهي قَوْلُهم: ﴿فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ﴾ وإنَّما ذَكَرُوا هَذِهِ الزِّيادَةَ إظْهارًا لِما في نُفُوسِهِمْ مِنَ الِابْتِهاجِ والِافْتِخارِ بِعِبادَةِ الأصْنامِ، فَقالَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ مُنَبِّهًا عَلى فَسادِ مَذْهَبِهِمْ: ﴿هَلْ يَسْمَعُونَكم إذْ تَدْعُونَ﴾ ﴿أوْ يَنْفَعُونَكم أوْ يَضُرُّونَ﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: لا بُدَّ في يَسْمَعُونَكم مِن تَقْدِيرِ حَذْفِ المُضافِ مَعْناهُ هَلْ يَسْمَعُونَ دُعاءَكم ؟ وقَرَأ قَتادَةُ: ”هَلْ يُسْمِعُونَكم“ أيْ هَلْ يُسْمِعُونَكُمُ الجَوابَ عَنْ دُعائِكم ؟ وهَلْ يَقْدِرُونَ عَلى ذَلِكَ ؟ وتَقْرِيرُ هَذِهِ الحجة الَّتِي ذَكَرَها إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّ الغالِبَ مِن حالِ مَن يَعْبُدُ غَيْرَهُ أنْ يَلْتَجِئَ إلَيْهِ في المسألة لِيَعْرِفَ مُرادَهُ إذا سَمِعَ دُعاءَهُ ثُمَّ يَسْتَجِيبَ لَهُ في بَذْلِ مَنفَعَةٍ أوْ دَفْعِ مَضَرَّةٍ، فَقالَ لَهم: فَإذا كانَ مَن تَعْبُدُونَهُ لا يَسْمَعُ دُعاءَكم حَتّى يَعْرِفَ مَقْصُودَكم، ولَوْ عَرَفَ ذَلِكَ لَما صَحَّ أنْ يَبْذُلَ النَّفْعَ أوْ يَدْفَعَ الضَّرَرَ فَكَيْفَ تَسْتَجِيزُونَ أنْ تَعْبُدُوا ما هَذا وصْفُهُ ؟ فَعِنْدَ هَذِهِ الحجة القاهِرَةِ لَمْ يَجِدْ أبُوهُ وقَوْمُهُ ما يَدْفَعُونَ بِهِ هَذِهِ الحجة فَعَدَلُوا إلى أنْ قالُوا: ﴿وجَدْنا آباءَنا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ وهَذا مِن أقْوى الدَّلائِلِ عَلى فَسادِ التَّقْلِيدِ ووُجُوبِ التَّمَسُّكِ بِالِاسْتِدْلالِ، إذْ لَوْ قَلَبْنا الأمْرَ فَمَدَحْنا التَّقْلِيدَ وذَمَمْنا الِاسْتِدْلالَ لَكانَ ذَلِكَ مَدْحًا لِطَرِيقَةِ الكُفّارِ الَّتِي ذَمَّها اللَّهُ تَعالى وذَمًّا لِطَرِيقَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ الَّتِي مَدَحَها اللَّهُ تَعالى فَأجابَهم إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَوْلِهِ: ﴿قالَ أفَرَأيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾ ﴿أنْتُمْ وآباؤُكُمُ الأقْدَمُونَ﴾ أرادَ بِهِ أنَّ الباطِلَ لا يَتَغَيَّرُ بِأنْ يَكُونَ قَدِيمًا أوْ حَدِيثًا، ولا بِأنْ يَكُونَ في فاعِلِيهِ كَثْرَةٌ أوْ قِلَّةٌ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي إلّا رَبَّ العالَمِينَ﴾ فَفِيهِ أسْئِلَةٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: كَيْفَ يَكُونُ الصَّنَمُ عَدُوًّا مَعَ أنَّهُ جَمادٌ ؟ جَوابُهُ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ تَعالى قالَ في سُورَةِ مَرْيَمَ في صِفَةِ الأوْثانِ: ﴿كَلّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ ويَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم: ٨٢] فَقِيلَ في تَفْسِيرِهِ إنَّ اللَّهَ يُحْيِي ما عَبَدُوهُ مِنَ الأصْنامِ حَتّى يَقَعَ مِنهُمُ التَّوْبِيخُ لَهم والبَراءَةُ مِنهم، فَعَلى هَذا الوجه أنَّ الأوْثانَ سَتَصِيرُ أعْداءً لِهَؤُلاءِ الكُفّارِ في الآخِرَةِ فَأطْلَقَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَفْظَ العَداوَةِ عَلَيْهِمْ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ.
وثانِيها: أنَّ الكُفّارَ لَمّا عَبَدُوها وعَظَّمُوها ورَجَوْها في طَلَبِ المَنافِعِ ودَفْعِ المَضارِّ نَزَلَتْ مَنزِلَةَ الأحْياءِ العُقَلاءِ في اعْتِقادِ الكُفّارِ، ثُمَّ إنَّها صارَتْ أسْبابًا لِانْقِطاعِ الإنْسانِ عَنِ السَّعادَةِ ووُصُولِهِ إلى الشَّقاوَةِ، فَلَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الأصْنامُ مَنزِلَةَ الأحْياءِ وجَرَتْ مَجْرى الدّافِعِ لِلْمَنفَعَةِ والجالِبِ لِلْمَضَرَّةِ لا جَرَمَ جَرَتْ مَجْرى الأعْداءِ، فَلا جَرَمَ أطْلَقَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلَيْها لَفْظَ العَدُوِّ.
وثالِثُها: المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي﴾ عَداوَةُ مَن يَعْبُدُها، فَإنْ قِيلَ: فَلِمَ لَمْ يَقُلْ: إنَّ مَن يَعْبُدُ الأصْنامَ عَدُوٌّ لِي لِيَكُونَ الكَلامُ حَقِيقَةً ؟ جَوابُهُ: لِأنَّ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ ما عَبَدُوهُ دُونَ العابِدِينَ.
السُّؤالُ الثّانِي: لِمَ قالَ: ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي﴾ ولَمْ يَقُلْ: فَإنَّها عَدُوٌّ لَكم ؟ جَوابُهُ: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ صَوَّرَ المسألة في نَفْسِهِ عَلى مَعْنى إنِّي فَكَّرْتُ في أمْرِي فَرَأيْتُ عِبادَتِي لَها عِبادَةً لِلْعَدُوِّ فاجْتَنَبْتُها، وأراهم أنَّها نَصِيحَةٌ نَصَحَ بِها نَفْسَهُ، فَإذا تَفَكَّرُوا قالُوا: ما نَصَحَنا إبْراهِيمُ إلّا بِما نَصَحَ بِهِ نَفْسَهُ، فَيَكُونُ ذَلِكَ أدْعى لِلْقَبُولِ.
صفحة ١٢٤
السُّؤالُ الثّالِثُ: لِمَ لَمْ يَقُلْ فَإنَّهم أعْدائِي ؟ جَوابُهُ: العَدُوُّ والصَّدِيقُ يَجِيئانِ في مَعْنى الواحِدِ والجَماعَةِ، قالَ:
وقَوْمٍ عَلَيَّ ذَوِي مِرَّةٍ أراهم عَدُوًّا وكانُوا صَدِيقًا
ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهم لَكم عَدُوٌّ﴾ وتَحْقِيقُ القَوْلِ فِيهِ ما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿إنّا رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ .
السُّؤالُ الرّابِعُ: ما هَذا الِاسْتِثْناءُ ؟ جَوابُهُ: أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ كَأنَّهُ قالَ: لَكِنَّ رَبَّ العالَمِينَ.
الشعراء 26:74
القِصَّةُ الثّانِيَةُ: قِصَّةُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ
﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ إبْراهِيمَ﴾ ﴿إذْ قالَ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ ما تَعْبُدُونَ﴾ ﴿قالُوا نَعْبُدُ أصْنامًا فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ﴾ ﴿قالَ هَلْ يَسْمَعُونَكم إذْ تَدْعُونَ﴾ ﴿أوْ يَنْفَعُونَكم أوْ يَضُرُّونَ﴾ ﴿قالُوا بَلْ وجَدْنا آباءَنا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ ﴿قالَ أفَرَأيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾ ﴿أنْتُمْ وآباؤُكُمُ الأقْدَمُونَ﴾ ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي إلّا رَبَّ العالَمِينَ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ إبْراهِيمَ﴾ ﴿إذْ قالَ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ ما تَعْبُدُونَ﴾ ﴿قالُوا نَعْبُدُ أصْنامًا فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ﴾ ﴿قالَ هَلْ يَسْمَعُونَكم إذْ تَدْعُونَ﴾ ﴿أوْ يَنْفَعُونَكم أوْ يَضُرُّونَ﴾ ﴿قالُوا بَلْ وجَدْنا آباءَنا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ ﴿قالَ أفَرَأيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾ ﴿أنْتُمْ وآباؤُكُمُ الأقْدَمُونَ﴾ ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي إلّا رَبَّ العالَمِينَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في أوَّلِ السُّورَةِ شِدَّةَ حُزْنِ مُحَمَّدٍ ﷺ بِسَبَبِ كُفْرِ قَوْمِهِ ثُمَّ إنَّهُ ذَكَرَ قِصَّةَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِيَعْرِفَ مُحَمَّدٌ أنَّ مِثْلَ تِلْكَ المِحْنَةِ كانَتْ حاصِلَةً لِمُوسى، ثُمَّ ذَكَرَ عَقِبَها قِصَّةَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِيَعْرِفَ مُحَمَّدٌ أيْضًا أنَّ حُزْنَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِهَذا السَّبَبِ كانَ أشَدَّ مِن حُزْنِهِ، لِأنَّ مِن عَظِيمِ المِحْنَةِ عَلى إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يَرى أباهُ وقَوْمَهُ في النّارِ وهو لا يَتَمَكَّنُ مِن إنْقاذِهِمْ إلّا بِقَدْرِ الدُّعاءِ والتَّنْبِيهِ فَقالَ لَهم: ﴿ما تَعْبُدُونَ﴾ وكانَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ يَعْلَمُ أنَّهم عَبَدَةُ أصْنامٍ ولَكِنَّهُ سَألَهُمُ لِيُرِيَهم أنَّ ما يَعْبُدُونَهُ لَيْسَ مِنَ اسْتِحْقاقِ العِبادَةِ في شَيْءٍ كَما تَقُولُ لِتاجِرِ الرَّقِيقِ ما مالُكَ ؟ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ مالَهُ الرَّقِيقُ، ثُمَّ تَقُولُ: الرَّقِيقُ جَمالٌ ولَيْسَ بِمالٍ. فَأجابُوا إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿نَعْبُدُ أصْنامًا فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ﴾ والعُكُوفُ: الإقامَةُ
صفحة ١٢٣
عَلى الشَّيْءِ، وإنَّما قالُوا: ﴿فَنَظَلُّ﴾ لِأنَّهم كانُوا يَعْبُدُونَها بِالنَّهارِ دُونَ اللَّيْلِ، واعْلَمْ أنَّهُ كانَ يَكْفِيهِمْ في الجَوابِ أنْ يَقُولُوا: نَعْبُدُ أصْنامًا، ولَكِنَّهم ضَمُّوا إلَيْهِ زِيادَةً عَلى الجَوابِ وهي قَوْلُهم: ﴿فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ﴾ وإنَّما ذَكَرُوا هَذِهِ الزِّيادَةَ إظْهارًا لِما في نُفُوسِهِمْ مِنَ الِابْتِهاجِ والِافْتِخارِ بِعِبادَةِ الأصْنامِ، فَقالَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ مُنَبِّهًا عَلى فَسادِ مَذْهَبِهِمْ: ﴿هَلْ يَسْمَعُونَكم إذْ تَدْعُونَ﴾ ﴿أوْ يَنْفَعُونَكم أوْ يَضُرُّونَ﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: لا بُدَّ في يَسْمَعُونَكم مِن تَقْدِيرِ حَذْفِ المُضافِ مَعْناهُ هَلْ يَسْمَعُونَ دُعاءَكم ؟ وقَرَأ قَتادَةُ: ”هَلْ يُسْمِعُونَكم“ أيْ هَلْ يُسْمِعُونَكُمُ الجَوابَ عَنْ دُعائِكم ؟ وهَلْ يَقْدِرُونَ عَلى ذَلِكَ ؟ وتَقْرِيرُ هَذِهِ الحجة الَّتِي ذَكَرَها إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّ الغالِبَ مِن حالِ مَن يَعْبُدُ غَيْرَهُ أنْ يَلْتَجِئَ إلَيْهِ في المسألة لِيَعْرِفَ مُرادَهُ إذا سَمِعَ دُعاءَهُ ثُمَّ يَسْتَجِيبَ لَهُ في بَذْلِ مَنفَعَةٍ أوْ دَفْعِ مَضَرَّةٍ، فَقالَ لَهم: فَإذا كانَ مَن تَعْبُدُونَهُ لا يَسْمَعُ دُعاءَكم حَتّى يَعْرِفَ مَقْصُودَكم، ولَوْ عَرَفَ ذَلِكَ لَما صَحَّ أنْ يَبْذُلَ النَّفْعَ أوْ يَدْفَعَ الضَّرَرَ فَكَيْفَ تَسْتَجِيزُونَ أنْ تَعْبُدُوا ما هَذا وصْفُهُ ؟ فَعِنْدَ هَذِهِ الحجة القاهِرَةِ لَمْ يَجِدْ أبُوهُ وقَوْمُهُ ما يَدْفَعُونَ بِهِ هَذِهِ الحجة فَعَدَلُوا إلى أنْ قالُوا: ﴿وجَدْنا آباءَنا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ وهَذا مِن أقْوى الدَّلائِلِ عَلى فَسادِ التَّقْلِيدِ ووُجُوبِ التَّمَسُّكِ بِالِاسْتِدْلالِ، إذْ لَوْ قَلَبْنا الأمْرَ فَمَدَحْنا التَّقْلِيدَ وذَمَمْنا الِاسْتِدْلالَ لَكانَ ذَلِكَ مَدْحًا لِطَرِيقَةِ الكُفّارِ الَّتِي ذَمَّها اللَّهُ تَعالى وذَمًّا لِطَرِيقَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ الَّتِي مَدَحَها اللَّهُ تَعالى فَأجابَهم إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَوْلِهِ: ﴿قالَ أفَرَأيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾ ﴿أنْتُمْ وآباؤُكُمُ الأقْدَمُونَ﴾ أرادَ بِهِ أنَّ الباطِلَ لا يَتَغَيَّرُ بِأنْ يَكُونَ قَدِيمًا أوْ حَدِيثًا، ولا بِأنْ يَكُونَ في فاعِلِيهِ كَثْرَةٌ أوْ قِلَّةٌ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي إلّا رَبَّ العالَمِينَ﴾ فَفِيهِ أسْئِلَةٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: كَيْفَ يَكُونُ الصَّنَمُ عَدُوًّا مَعَ أنَّهُ جَمادٌ ؟ جَوابُهُ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ تَعالى قالَ في سُورَةِ مَرْيَمَ في صِفَةِ الأوْثانِ: ﴿كَلّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ ويَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم: ٨٢] فَقِيلَ في تَفْسِيرِهِ إنَّ اللَّهَ يُحْيِي ما عَبَدُوهُ مِنَ الأصْنامِ حَتّى يَقَعَ مِنهُمُ التَّوْبِيخُ لَهم والبَراءَةُ مِنهم، فَعَلى هَذا الوجه أنَّ الأوْثانَ سَتَصِيرُ أعْداءً لِهَؤُلاءِ الكُفّارِ في الآخِرَةِ فَأطْلَقَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَفْظَ العَداوَةِ عَلَيْهِمْ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ.
وثانِيها: أنَّ الكُفّارَ لَمّا عَبَدُوها وعَظَّمُوها ورَجَوْها في طَلَبِ المَنافِعِ ودَفْعِ المَضارِّ نَزَلَتْ مَنزِلَةَ الأحْياءِ العُقَلاءِ في اعْتِقادِ الكُفّارِ، ثُمَّ إنَّها صارَتْ أسْبابًا لِانْقِطاعِ الإنْسانِ عَنِ السَّعادَةِ ووُصُولِهِ إلى الشَّقاوَةِ، فَلَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الأصْنامُ مَنزِلَةَ الأحْياءِ وجَرَتْ مَجْرى الدّافِعِ لِلْمَنفَعَةِ والجالِبِ لِلْمَضَرَّةِ لا جَرَمَ جَرَتْ مَجْرى الأعْداءِ، فَلا جَرَمَ أطْلَقَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلَيْها لَفْظَ العَدُوِّ.
وثالِثُها: المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي﴾ عَداوَةُ مَن يَعْبُدُها، فَإنْ قِيلَ: فَلِمَ لَمْ يَقُلْ: إنَّ مَن يَعْبُدُ الأصْنامَ عَدُوٌّ لِي لِيَكُونَ الكَلامُ حَقِيقَةً ؟ جَوابُهُ: لِأنَّ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ ما عَبَدُوهُ دُونَ العابِدِينَ.
السُّؤالُ الثّانِي: لِمَ قالَ: ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي﴾ ولَمْ يَقُلْ: فَإنَّها عَدُوٌّ لَكم ؟ جَوابُهُ: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ صَوَّرَ المسألة في نَفْسِهِ عَلى مَعْنى إنِّي فَكَّرْتُ في أمْرِي فَرَأيْتُ عِبادَتِي لَها عِبادَةً لِلْعَدُوِّ فاجْتَنَبْتُها، وأراهم أنَّها نَصِيحَةٌ نَصَحَ بِها نَفْسَهُ، فَإذا تَفَكَّرُوا قالُوا: ما نَصَحَنا إبْراهِيمُ إلّا بِما نَصَحَ بِهِ نَفْسَهُ، فَيَكُونُ ذَلِكَ أدْعى لِلْقَبُولِ.
صفحة ١٢٤
السُّؤالُ الثّالِثُ: لِمَ لَمْ يَقُلْ فَإنَّهم أعْدائِي ؟ جَوابُهُ: العَدُوُّ والصَّدِيقُ يَجِيئانِ في مَعْنى الواحِدِ والجَماعَةِ، قالَ:
وقَوْمٍ عَلَيَّ ذَوِي مِرَّةٍ أراهم عَدُوًّا وكانُوا صَدِيقًا
ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهم لَكم عَدُوٌّ﴾ وتَحْقِيقُ القَوْلِ فِيهِ ما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿إنّا رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ .
السُّؤالُ الرّابِعُ: ما هَذا الِاسْتِثْناءُ ؟ جَوابُهُ: أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ كَأنَّهُ قالَ: لَكِنَّ رَبَّ العالَمِينَ.
الشعراء 26:75
القِصَّةُ الثّانِيَةُ: قِصَّةُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ
﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ إبْراهِيمَ﴾ ﴿إذْ قالَ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ ما تَعْبُدُونَ﴾ ﴿قالُوا نَعْبُدُ أصْنامًا فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ﴾ ﴿قالَ هَلْ يَسْمَعُونَكم إذْ تَدْعُونَ﴾ ﴿أوْ يَنْفَعُونَكم أوْ يَضُرُّونَ﴾ ﴿قالُوا بَلْ وجَدْنا آباءَنا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ ﴿قالَ أفَرَأيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾ ﴿أنْتُمْ وآباؤُكُمُ الأقْدَمُونَ﴾ ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي إلّا رَبَّ العالَمِينَ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ إبْراهِيمَ﴾ ﴿إذْ قالَ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ ما تَعْبُدُونَ﴾ ﴿قالُوا نَعْبُدُ أصْنامًا فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ﴾ ﴿قالَ هَلْ يَسْمَعُونَكم إذْ تَدْعُونَ﴾ ﴿أوْ يَنْفَعُونَكم أوْ يَضُرُّونَ﴾ ﴿قالُوا بَلْ وجَدْنا آباءَنا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ ﴿قالَ أفَرَأيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾ ﴿أنْتُمْ وآباؤُكُمُ الأقْدَمُونَ﴾ ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي إلّا رَبَّ العالَمِينَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في أوَّلِ السُّورَةِ شِدَّةَ حُزْنِ مُحَمَّدٍ ﷺ بِسَبَبِ كُفْرِ قَوْمِهِ ثُمَّ إنَّهُ ذَكَرَ قِصَّةَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِيَعْرِفَ مُحَمَّدٌ أنَّ مِثْلَ تِلْكَ المِحْنَةِ كانَتْ حاصِلَةً لِمُوسى، ثُمَّ ذَكَرَ عَقِبَها قِصَّةَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِيَعْرِفَ مُحَمَّدٌ أيْضًا أنَّ حُزْنَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِهَذا السَّبَبِ كانَ أشَدَّ مِن حُزْنِهِ، لِأنَّ مِن عَظِيمِ المِحْنَةِ عَلى إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يَرى أباهُ وقَوْمَهُ في النّارِ وهو لا يَتَمَكَّنُ مِن إنْقاذِهِمْ إلّا بِقَدْرِ الدُّعاءِ والتَّنْبِيهِ فَقالَ لَهم: ﴿ما تَعْبُدُونَ﴾ وكانَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ يَعْلَمُ أنَّهم عَبَدَةُ أصْنامٍ ولَكِنَّهُ سَألَهُمُ لِيُرِيَهم أنَّ ما يَعْبُدُونَهُ لَيْسَ مِنَ اسْتِحْقاقِ العِبادَةِ في شَيْءٍ كَما تَقُولُ لِتاجِرِ الرَّقِيقِ ما مالُكَ ؟ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ مالَهُ الرَّقِيقُ، ثُمَّ تَقُولُ: الرَّقِيقُ جَمالٌ ولَيْسَ بِمالٍ. فَأجابُوا إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿نَعْبُدُ أصْنامًا فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ﴾ والعُكُوفُ: الإقامَةُ
صفحة ١٢٣
عَلى الشَّيْءِ، وإنَّما قالُوا: ﴿فَنَظَلُّ﴾ لِأنَّهم كانُوا يَعْبُدُونَها بِالنَّهارِ دُونَ اللَّيْلِ، واعْلَمْ أنَّهُ كانَ يَكْفِيهِمْ في الجَوابِ أنْ يَقُولُوا: نَعْبُدُ أصْنامًا، ولَكِنَّهم ضَمُّوا إلَيْهِ زِيادَةً عَلى الجَوابِ وهي قَوْلُهم: ﴿فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ﴾ وإنَّما ذَكَرُوا هَذِهِ الزِّيادَةَ إظْهارًا لِما في نُفُوسِهِمْ مِنَ الِابْتِهاجِ والِافْتِخارِ بِعِبادَةِ الأصْنامِ، فَقالَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ مُنَبِّهًا عَلى فَسادِ مَذْهَبِهِمْ: ﴿هَلْ يَسْمَعُونَكم إذْ تَدْعُونَ﴾ ﴿أوْ يَنْفَعُونَكم أوْ يَضُرُّونَ﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: لا بُدَّ في يَسْمَعُونَكم مِن تَقْدِيرِ حَذْفِ المُضافِ مَعْناهُ هَلْ يَسْمَعُونَ دُعاءَكم ؟ وقَرَأ قَتادَةُ: ”هَلْ يُسْمِعُونَكم“ أيْ هَلْ يُسْمِعُونَكُمُ الجَوابَ عَنْ دُعائِكم ؟ وهَلْ يَقْدِرُونَ عَلى ذَلِكَ ؟ وتَقْرِيرُ هَذِهِ الحجة الَّتِي ذَكَرَها إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّ الغالِبَ مِن حالِ مَن يَعْبُدُ غَيْرَهُ أنْ يَلْتَجِئَ إلَيْهِ في المسألة لِيَعْرِفَ مُرادَهُ إذا سَمِعَ دُعاءَهُ ثُمَّ يَسْتَجِيبَ لَهُ في بَذْلِ مَنفَعَةٍ أوْ دَفْعِ مَضَرَّةٍ، فَقالَ لَهم: فَإذا كانَ مَن تَعْبُدُونَهُ لا يَسْمَعُ دُعاءَكم حَتّى يَعْرِفَ مَقْصُودَكم، ولَوْ عَرَفَ ذَلِكَ لَما صَحَّ أنْ يَبْذُلَ النَّفْعَ أوْ يَدْفَعَ الضَّرَرَ فَكَيْفَ تَسْتَجِيزُونَ أنْ تَعْبُدُوا ما هَذا وصْفُهُ ؟ فَعِنْدَ هَذِهِ الحجة القاهِرَةِ لَمْ يَجِدْ أبُوهُ وقَوْمُهُ ما يَدْفَعُونَ بِهِ هَذِهِ الحجة فَعَدَلُوا إلى أنْ قالُوا: ﴿وجَدْنا آباءَنا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ وهَذا مِن أقْوى الدَّلائِلِ عَلى فَسادِ التَّقْلِيدِ ووُجُوبِ التَّمَسُّكِ بِالِاسْتِدْلالِ، إذْ لَوْ قَلَبْنا الأمْرَ فَمَدَحْنا التَّقْلِيدَ وذَمَمْنا الِاسْتِدْلالَ لَكانَ ذَلِكَ مَدْحًا لِطَرِيقَةِ الكُفّارِ الَّتِي ذَمَّها اللَّهُ تَعالى وذَمًّا لِطَرِيقَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ الَّتِي مَدَحَها اللَّهُ تَعالى فَأجابَهم إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَوْلِهِ: ﴿قالَ أفَرَأيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾ ﴿أنْتُمْ وآباؤُكُمُ الأقْدَمُونَ﴾ أرادَ بِهِ أنَّ الباطِلَ لا يَتَغَيَّرُ بِأنْ يَكُونَ قَدِيمًا أوْ حَدِيثًا، ولا بِأنْ يَكُونَ في فاعِلِيهِ كَثْرَةٌ أوْ قِلَّةٌ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي إلّا رَبَّ العالَمِينَ﴾ فَفِيهِ أسْئِلَةٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: كَيْفَ يَكُونُ الصَّنَمُ عَدُوًّا مَعَ أنَّهُ جَمادٌ ؟ جَوابُهُ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ تَعالى قالَ في سُورَةِ مَرْيَمَ في صِفَةِ الأوْثانِ: ﴿كَلّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ ويَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم: ٨٢] فَقِيلَ في تَفْسِيرِهِ إنَّ اللَّهَ يُحْيِي ما عَبَدُوهُ مِنَ الأصْنامِ حَتّى يَقَعَ مِنهُمُ التَّوْبِيخُ لَهم والبَراءَةُ مِنهم، فَعَلى هَذا الوجه أنَّ الأوْثانَ سَتَصِيرُ أعْداءً لِهَؤُلاءِ الكُفّارِ في الآخِرَةِ فَأطْلَقَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَفْظَ العَداوَةِ عَلَيْهِمْ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ.
وثانِيها: أنَّ الكُفّارَ لَمّا عَبَدُوها وعَظَّمُوها ورَجَوْها في طَلَبِ المَنافِعِ ودَفْعِ المَضارِّ نَزَلَتْ مَنزِلَةَ الأحْياءِ العُقَلاءِ في اعْتِقادِ الكُفّارِ، ثُمَّ إنَّها صارَتْ أسْبابًا لِانْقِطاعِ الإنْسانِ عَنِ السَّعادَةِ ووُصُولِهِ إلى الشَّقاوَةِ، فَلَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الأصْنامُ مَنزِلَةَ الأحْياءِ وجَرَتْ مَجْرى الدّافِعِ لِلْمَنفَعَةِ والجالِبِ لِلْمَضَرَّةِ لا جَرَمَ جَرَتْ مَجْرى الأعْداءِ، فَلا جَرَمَ أطْلَقَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلَيْها لَفْظَ العَدُوِّ.
وثالِثُها: المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي﴾ عَداوَةُ مَن يَعْبُدُها، فَإنْ قِيلَ: فَلِمَ لَمْ يَقُلْ: إنَّ مَن يَعْبُدُ الأصْنامَ عَدُوٌّ لِي لِيَكُونَ الكَلامُ حَقِيقَةً ؟ جَوابُهُ: لِأنَّ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ ما عَبَدُوهُ دُونَ العابِدِينَ.
السُّؤالُ الثّانِي: لِمَ قالَ: ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي﴾ ولَمْ يَقُلْ: فَإنَّها عَدُوٌّ لَكم ؟ جَوابُهُ: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ صَوَّرَ المسألة في نَفْسِهِ عَلى مَعْنى إنِّي فَكَّرْتُ في أمْرِي فَرَأيْتُ عِبادَتِي لَها عِبادَةً لِلْعَدُوِّ فاجْتَنَبْتُها، وأراهم أنَّها نَصِيحَةٌ نَصَحَ بِها نَفْسَهُ، فَإذا تَفَكَّرُوا قالُوا: ما نَصَحَنا إبْراهِيمُ إلّا بِما نَصَحَ بِهِ نَفْسَهُ، فَيَكُونُ ذَلِكَ أدْعى لِلْقَبُولِ.
صفحة ١٢٤
السُّؤالُ الثّالِثُ: لِمَ لَمْ يَقُلْ فَإنَّهم أعْدائِي ؟ جَوابُهُ: العَدُوُّ والصَّدِيقُ يَجِيئانِ في مَعْنى الواحِدِ والجَماعَةِ، قالَ:
وقَوْمٍ عَلَيَّ ذَوِي مِرَّةٍ أراهم عَدُوًّا وكانُوا صَدِيقًا
ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهم لَكم عَدُوٌّ﴾ وتَحْقِيقُ القَوْلِ فِيهِ ما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿إنّا رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ .
السُّؤالُ الرّابِعُ: ما هَذا الِاسْتِثْناءُ ؟ جَوابُهُ: أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ كَأنَّهُ قالَ: لَكِنَّ رَبَّ العالَمِينَ.
الشعراء 26:76
القِصَّةُ الثّانِيَةُ: قِصَّةُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ
﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ إبْراهِيمَ﴾ ﴿إذْ قالَ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ ما تَعْبُدُونَ﴾ ﴿قالُوا نَعْبُدُ أصْنامًا فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ﴾ ﴿قالَ هَلْ يَسْمَعُونَكم إذْ تَدْعُونَ﴾ ﴿أوْ يَنْفَعُونَكم أوْ يَضُرُّونَ﴾ ﴿قالُوا بَلْ وجَدْنا آباءَنا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ ﴿قالَ أفَرَأيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾ ﴿أنْتُمْ وآباؤُكُمُ الأقْدَمُونَ﴾ ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي إلّا رَبَّ العالَمِينَ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ إبْراهِيمَ﴾ ﴿إذْ قالَ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ ما تَعْبُدُونَ﴾ ﴿قالُوا نَعْبُدُ أصْنامًا فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ﴾ ﴿قالَ هَلْ يَسْمَعُونَكم إذْ تَدْعُونَ﴾ ﴿أوْ يَنْفَعُونَكم أوْ يَضُرُّونَ﴾ ﴿قالُوا بَلْ وجَدْنا آباءَنا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ ﴿قالَ أفَرَأيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾ ﴿أنْتُمْ وآباؤُكُمُ الأقْدَمُونَ﴾ ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي إلّا رَبَّ العالَمِينَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في أوَّلِ السُّورَةِ شِدَّةَ حُزْنِ مُحَمَّدٍ ﷺ بِسَبَبِ كُفْرِ قَوْمِهِ ثُمَّ إنَّهُ ذَكَرَ قِصَّةَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِيَعْرِفَ مُحَمَّدٌ أنَّ مِثْلَ تِلْكَ المِحْنَةِ كانَتْ حاصِلَةً لِمُوسى، ثُمَّ ذَكَرَ عَقِبَها قِصَّةَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِيَعْرِفَ مُحَمَّدٌ أيْضًا أنَّ حُزْنَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِهَذا السَّبَبِ كانَ أشَدَّ مِن حُزْنِهِ، لِأنَّ مِن عَظِيمِ المِحْنَةِ عَلى إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يَرى أباهُ وقَوْمَهُ في النّارِ وهو لا يَتَمَكَّنُ مِن إنْقاذِهِمْ إلّا بِقَدْرِ الدُّعاءِ والتَّنْبِيهِ فَقالَ لَهم: ﴿ما تَعْبُدُونَ﴾ وكانَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ يَعْلَمُ أنَّهم عَبَدَةُ أصْنامٍ ولَكِنَّهُ سَألَهُمُ لِيُرِيَهم أنَّ ما يَعْبُدُونَهُ لَيْسَ مِنَ اسْتِحْقاقِ العِبادَةِ في شَيْءٍ كَما تَقُولُ لِتاجِرِ الرَّقِيقِ ما مالُكَ ؟ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ مالَهُ الرَّقِيقُ، ثُمَّ تَقُولُ: الرَّقِيقُ جَمالٌ ولَيْسَ بِمالٍ. فَأجابُوا إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿نَعْبُدُ أصْنامًا فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ﴾ والعُكُوفُ: الإقامَةُ
صفحة ١٢٣
عَلى الشَّيْءِ، وإنَّما قالُوا: ﴿فَنَظَلُّ﴾ لِأنَّهم كانُوا يَعْبُدُونَها بِالنَّهارِ دُونَ اللَّيْلِ، واعْلَمْ أنَّهُ كانَ يَكْفِيهِمْ في الجَوابِ أنْ يَقُولُوا: نَعْبُدُ أصْنامًا، ولَكِنَّهم ضَمُّوا إلَيْهِ زِيادَةً عَلى الجَوابِ وهي قَوْلُهم: ﴿فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ﴾ وإنَّما ذَكَرُوا هَذِهِ الزِّيادَةَ إظْهارًا لِما في نُفُوسِهِمْ مِنَ الِابْتِهاجِ والِافْتِخارِ بِعِبادَةِ الأصْنامِ، فَقالَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ مُنَبِّهًا عَلى فَسادِ مَذْهَبِهِمْ: ﴿هَلْ يَسْمَعُونَكم إذْ تَدْعُونَ﴾ ﴿أوْ يَنْفَعُونَكم أوْ يَضُرُّونَ﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: لا بُدَّ في يَسْمَعُونَكم مِن تَقْدِيرِ حَذْفِ المُضافِ مَعْناهُ هَلْ يَسْمَعُونَ دُعاءَكم ؟ وقَرَأ قَتادَةُ: ”هَلْ يُسْمِعُونَكم“ أيْ هَلْ يُسْمِعُونَكُمُ الجَوابَ عَنْ دُعائِكم ؟ وهَلْ يَقْدِرُونَ عَلى ذَلِكَ ؟ وتَقْرِيرُ هَذِهِ الحجة الَّتِي ذَكَرَها إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّ الغالِبَ مِن حالِ مَن يَعْبُدُ غَيْرَهُ أنْ يَلْتَجِئَ إلَيْهِ في المسألة لِيَعْرِفَ مُرادَهُ إذا سَمِعَ دُعاءَهُ ثُمَّ يَسْتَجِيبَ لَهُ في بَذْلِ مَنفَعَةٍ أوْ دَفْعِ مَضَرَّةٍ، فَقالَ لَهم: فَإذا كانَ مَن تَعْبُدُونَهُ لا يَسْمَعُ دُعاءَكم حَتّى يَعْرِفَ مَقْصُودَكم، ولَوْ عَرَفَ ذَلِكَ لَما صَحَّ أنْ يَبْذُلَ النَّفْعَ أوْ يَدْفَعَ الضَّرَرَ فَكَيْفَ تَسْتَجِيزُونَ أنْ تَعْبُدُوا ما هَذا وصْفُهُ ؟ فَعِنْدَ هَذِهِ الحجة القاهِرَةِ لَمْ يَجِدْ أبُوهُ وقَوْمُهُ ما يَدْفَعُونَ بِهِ هَذِهِ الحجة فَعَدَلُوا إلى أنْ قالُوا: ﴿وجَدْنا آباءَنا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ وهَذا مِن أقْوى الدَّلائِلِ عَلى فَسادِ التَّقْلِيدِ ووُجُوبِ التَّمَسُّكِ بِالِاسْتِدْلالِ، إذْ لَوْ قَلَبْنا الأمْرَ فَمَدَحْنا التَّقْلِيدَ وذَمَمْنا الِاسْتِدْلالَ لَكانَ ذَلِكَ مَدْحًا لِطَرِيقَةِ الكُفّارِ الَّتِي ذَمَّها اللَّهُ تَعالى وذَمًّا لِطَرِيقَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ الَّتِي مَدَحَها اللَّهُ تَعالى فَأجابَهم إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَوْلِهِ: ﴿قالَ أفَرَأيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾ ﴿أنْتُمْ وآباؤُكُمُ الأقْدَمُونَ﴾ أرادَ بِهِ أنَّ الباطِلَ لا يَتَغَيَّرُ بِأنْ يَكُونَ قَدِيمًا أوْ حَدِيثًا، ولا بِأنْ يَكُونَ في فاعِلِيهِ كَثْرَةٌ أوْ قِلَّةٌ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي إلّا رَبَّ العالَمِينَ﴾ فَفِيهِ أسْئِلَةٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: كَيْفَ يَكُونُ الصَّنَمُ عَدُوًّا مَعَ أنَّهُ جَمادٌ ؟ جَوابُهُ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ تَعالى قالَ في سُورَةِ مَرْيَمَ في صِفَةِ الأوْثانِ: ﴿كَلّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ ويَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم: ٨٢] فَقِيلَ في تَفْسِيرِهِ إنَّ اللَّهَ يُحْيِي ما عَبَدُوهُ مِنَ الأصْنامِ حَتّى يَقَعَ مِنهُمُ التَّوْبِيخُ لَهم والبَراءَةُ مِنهم، فَعَلى هَذا الوجه أنَّ الأوْثانَ سَتَصِيرُ أعْداءً لِهَؤُلاءِ الكُفّارِ في الآخِرَةِ فَأطْلَقَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَفْظَ العَداوَةِ عَلَيْهِمْ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ.
وثانِيها: أنَّ الكُفّارَ لَمّا عَبَدُوها وعَظَّمُوها ورَجَوْها في طَلَبِ المَنافِعِ ودَفْعِ المَضارِّ نَزَلَتْ مَنزِلَةَ الأحْياءِ العُقَلاءِ في اعْتِقادِ الكُفّارِ، ثُمَّ إنَّها صارَتْ أسْبابًا لِانْقِطاعِ الإنْسانِ عَنِ السَّعادَةِ ووُصُولِهِ إلى الشَّقاوَةِ، فَلَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الأصْنامُ مَنزِلَةَ الأحْياءِ وجَرَتْ مَجْرى الدّافِعِ لِلْمَنفَعَةِ والجالِبِ لِلْمَضَرَّةِ لا جَرَمَ جَرَتْ مَجْرى الأعْداءِ، فَلا جَرَمَ أطْلَقَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلَيْها لَفْظَ العَدُوِّ.
وثالِثُها: المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي﴾ عَداوَةُ مَن يَعْبُدُها، فَإنْ قِيلَ: فَلِمَ لَمْ يَقُلْ: إنَّ مَن يَعْبُدُ الأصْنامَ عَدُوٌّ لِي لِيَكُونَ الكَلامُ حَقِيقَةً ؟ جَوابُهُ: لِأنَّ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ ما عَبَدُوهُ دُونَ العابِدِينَ.
السُّؤالُ الثّانِي: لِمَ قالَ: ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي﴾ ولَمْ يَقُلْ: فَإنَّها عَدُوٌّ لَكم ؟ جَوابُهُ: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ صَوَّرَ المسألة في نَفْسِهِ عَلى مَعْنى إنِّي فَكَّرْتُ في أمْرِي فَرَأيْتُ عِبادَتِي لَها عِبادَةً لِلْعَدُوِّ فاجْتَنَبْتُها، وأراهم أنَّها نَصِيحَةٌ نَصَحَ بِها نَفْسَهُ، فَإذا تَفَكَّرُوا قالُوا: ما نَصَحَنا إبْراهِيمُ إلّا بِما نَصَحَ بِهِ نَفْسَهُ، فَيَكُونُ ذَلِكَ أدْعى لِلْقَبُولِ.
صفحة ١٢٤
السُّؤالُ الثّالِثُ: لِمَ لَمْ يَقُلْ فَإنَّهم أعْدائِي ؟ جَوابُهُ: العَدُوُّ والصَّدِيقُ يَجِيئانِ في مَعْنى الواحِدِ والجَماعَةِ، قالَ:
وقَوْمٍ عَلَيَّ ذَوِي مِرَّةٍ أراهم عَدُوًّا وكانُوا صَدِيقًا
ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهم لَكم عَدُوٌّ﴾ وتَحْقِيقُ القَوْلِ فِيهِ ما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿إنّا رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ .
السُّؤالُ الرّابِعُ: ما هَذا الِاسْتِثْناءُ ؟ جَوابُهُ: أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ كَأنَّهُ قالَ: لَكِنَّ رَبَّ العالَمِينَ.
الشعراء 26:77
القِصَّةُ الثّانِيَةُ: قِصَّةُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ
﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ إبْراهِيمَ﴾ ﴿إذْ قالَ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ ما تَعْبُدُونَ﴾ ﴿قالُوا نَعْبُدُ أصْنامًا فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ﴾ ﴿قالَ هَلْ يَسْمَعُونَكم إذْ تَدْعُونَ﴾ ﴿أوْ يَنْفَعُونَكم أوْ يَضُرُّونَ﴾ ﴿قالُوا بَلْ وجَدْنا آباءَنا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ ﴿قالَ أفَرَأيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾ ﴿أنْتُمْ وآباؤُكُمُ الأقْدَمُونَ﴾ ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي إلّا رَبَّ العالَمِينَ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ إبْراهِيمَ﴾ ﴿إذْ قالَ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ ما تَعْبُدُونَ﴾ ﴿قالُوا نَعْبُدُ أصْنامًا فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ﴾ ﴿قالَ هَلْ يَسْمَعُونَكم إذْ تَدْعُونَ﴾ ﴿أوْ يَنْفَعُونَكم أوْ يَضُرُّونَ﴾ ﴿قالُوا بَلْ وجَدْنا آباءَنا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ ﴿قالَ أفَرَأيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾ ﴿أنْتُمْ وآباؤُكُمُ الأقْدَمُونَ﴾ ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي إلّا رَبَّ العالَمِينَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في أوَّلِ السُّورَةِ شِدَّةَ حُزْنِ مُحَمَّدٍ ﷺ بِسَبَبِ كُفْرِ قَوْمِهِ ثُمَّ إنَّهُ ذَكَرَ قِصَّةَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِيَعْرِفَ مُحَمَّدٌ أنَّ مِثْلَ تِلْكَ المِحْنَةِ كانَتْ حاصِلَةً لِمُوسى، ثُمَّ ذَكَرَ عَقِبَها قِصَّةَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِيَعْرِفَ مُحَمَّدٌ أيْضًا أنَّ حُزْنَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِهَذا السَّبَبِ كانَ أشَدَّ مِن حُزْنِهِ، لِأنَّ مِن عَظِيمِ المِحْنَةِ عَلى إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يَرى أباهُ وقَوْمَهُ في النّارِ وهو لا يَتَمَكَّنُ مِن إنْقاذِهِمْ إلّا بِقَدْرِ الدُّعاءِ والتَّنْبِيهِ فَقالَ لَهم: ﴿ما تَعْبُدُونَ﴾ وكانَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ يَعْلَمُ أنَّهم عَبَدَةُ أصْنامٍ ولَكِنَّهُ سَألَهُمُ لِيُرِيَهم أنَّ ما يَعْبُدُونَهُ لَيْسَ مِنَ اسْتِحْقاقِ العِبادَةِ في شَيْءٍ كَما تَقُولُ لِتاجِرِ الرَّقِيقِ ما مالُكَ ؟ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ مالَهُ الرَّقِيقُ، ثُمَّ تَقُولُ: الرَّقِيقُ جَمالٌ ولَيْسَ بِمالٍ. فَأجابُوا إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿نَعْبُدُ أصْنامًا فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ﴾ والعُكُوفُ: الإقامَةُ
صفحة ١٢٣
عَلى الشَّيْءِ، وإنَّما قالُوا: ﴿فَنَظَلُّ﴾ لِأنَّهم كانُوا يَعْبُدُونَها بِالنَّهارِ دُونَ اللَّيْلِ، واعْلَمْ أنَّهُ كانَ يَكْفِيهِمْ في الجَوابِ أنْ يَقُولُوا: نَعْبُدُ أصْنامًا، ولَكِنَّهم ضَمُّوا إلَيْهِ زِيادَةً عَلى الجَوابِ وهي قَوْلُهم: ﴿فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ﴾ وإنَّما ذَكَرُوا هَذِهِ الزِّيادَةَ إظْهارًا لِما في نُفُوسِهِمْ مِنَ الِابْتِهاجِ والِافْتِخارِ بِعِبادَةِ الأصْنامِ، فَقالَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ مُنَبِّهًا عَلى فَسادِ مَذْهَبِهِمْ: ﴿هَلْ يَسْمَعُونَكم إذْ تَدْعُونَ﴾ ﴿أوْ يَنْفَعُونَكم أوْ يَضُرُّونَ﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: لا بُدَّ في يَسْمَعُونَكم مِن تَقْدِيرِ حَذْفِ المُضافِ مَعْناهُ هَلْ يَسْمَعُونَ دُعاءَكم ؟ وقَرَأ قَتادَةُ: ”هَلْ يُسْمِعُونَكم“ أيْ هَلْ يُسْمِعُونَكُمُ الجَوابَ عَنْ دُعائِكم ؟ وهَلْ يَقْدِرُونَ عَلى ذَلِكَ ؟ وتَقْرِيرُ هَذِهِ الحجة الَّتِي ذَكَرَها إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّ الغالِبَ مِن حالِ مَن يَعْبُدُ غَيْرَهُ أنْ يَلْتَجِئَ إلَيْهِ في المسألة لِيَعْرِفَ مُرادَهُ إذا سَمِعَ دُعاءَهُ ثُمَّ يَسْتَجِيبَ لَهُ في بَذْلِ مَنفَعَةٍ أوْ دَفْعِ مَضَرَّةٍ، فَقالَ لَهم: فَإذا كانَ مَن تَعْبُدُونَهُ لا يَسْمَعُ دُعاءَكم حَتّى يَعْرِفَ مَقْصُودَكم، ولَوْ عَرَفَ ذَلِكَ لَما صَحَّ أنْ يَبْذُلَ النَّفْعَ أوْ يَدْفَعَ الضَّرَرَ فَكَيْفَ تَسْتَجِيزُونَ أنْ تَعْبُدُوا ما هَذا وصْفُهُ ؟ فَعِنْدَ هَذِهِ الحجة القاهِرَةِ لَمْ يَجِدْ أبُوهُ وقَوْمُهُ ما يَدْفَعُونَ بِهِ هَذِهِ الحجة فَعَدَلُوا إلى أنْ قالُوا: ﴿وجَدْنا آباءَنا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ وهَذا مِن أقْوى الدَّلائِلِ عَلى فَسادِ التَّقْلِيدِ ووُجُوبِ التَّمَسُّكِ بِالِاسْتِدْلالِ، إذْ لَوْ قَلَبْنا الأمْرَ فَمَدَحْنا التَّقْلِيدَ وذَمَمْنا الِاسْتِدْلالَ لَكانَ ذَلِكَ مَدْحًا لِطَرِيقَةِ الكُفّارِ الَّتِي ذَمَّها اللَّهُ تَعالى وذَمًّا لِطَرِيقَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ الَّتِي مَدَحَها اللَّهُ تَعالى فَأجابَهم إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَوْلِهِ: ﴿قالَ أفَرَأيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾ ﴿أنْتُمْ وآباؤُكُمُ الأقْدَمُونَ﴾ أرادَ بِهِ أنَّ الباطِلَ لا يَتَغَيَّرُ بِأنْ يَكُونَ قَدِيمًا أوْ حَدِيثًا، ولا بِأنْ يَكُونَ في فاعِلِيهِ كَثْرَةٌ أوْ قِلَّةٌ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي إلّا رَبَّ العالَمِينَ﴾ فَفِيهِ أسْئِلَةٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: كَيْفَ يَكُونُ الصَّنَمُ عَدُوًّا مَعَ أنَّهُ جَمادٌ ؟ جَوابُهُ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ تَعالى قالَ في سُورَةِ مَرْيَمَ في صِفَةِ الأوْثانِ: ﴿كَلّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ ويَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم: ٨٢] فَقِيلَ في تَفْسِيرِهِ إنَّ اللَّهَ يُحْيِي ما عَبَدُوهُ مِنَ الأصْنامِ حَتّى يَقَعَ مِنهُمُ التَّوْبِيخُ لَهم والبَراءَةُ مِنهم، فَعَلى هَذا الوجه أنَّ الأوْثانَ سَتَصِيرُ أعْداءً لِهَؤُلاءِ الكُفّارِ في الآخِرَةِ فَأطْلَقَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَفْظَ العَداوَةِ عَلَيْهِمْ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ.
وثانِيها: أنَّ الكُفّارَ لَمّا عَبَدُوها وعَظَّمُوها ورَجَوْها في طَلَبِ المَنافِعِ ودَفْعِ المَضارِّ نَزَلَتْ مَنزِلَةَ الأحْياءِ العُقَلاءِ في اعْتِقادِ الكُفّارِ، ثُمَّ إنَّها صارَتْ أسْبابًا لِانْقِطاعِ الإنْسانِ عَنِ السَّعادَةِ ووُصُولِهِ إلى الشَّقاوَةِ، فَلَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الأصْنامُ مَنزِلَةَ الأحْياءِ وجَرَتْ مَجْرى الدّافِعِ لِلْمَنفَعَةِ والجالِبِ لِلْمَضَرَّةِ لا جَرَمَ جَرَتْ مَجْرى الأعْداءِ، فَلا جَرَمَ أطْلَقَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلَيْها لَفْظَ العَدُوِّ.
وثالِثُها: المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي﴾ عَداوَةُ مَن يَعْبُدُها، فَإنْ قِيلَ: فَلِمَ لَمْ يَقُلْ: إنَّ مَن يَعْبُدُ الأصْنامَ عَدُوٌّ لِي لِيَكُونَ الكَلامُ حَقِيقَةً ؟ جَوابُهُ: لِأنَّ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ ما عَبَدُوهُ دُونَ العابِدِينَ.
السُّؤالُ الثّانِي: لِمَ قالَ: ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي﴾ ولَمْ يَقُلْ: فَإنَّها عَدُوٌّ لَكم ؟ جَوابُهُ: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ صَوَّرَ المسألة في نَفْسِهِ عَلى مَعْنى إنِّي فَكَّرْتُ في أمْرِي فَرَأيْتُ عِبادَتِي لَها عِبادَةً لِلْعَدُوِّ فاجْتَنَبْتُها، وأراهم أنَّها نَصِيحَةٌ نَصَحَ بِها نَفْسَهُ، فَإذا تَفَكَّرُوا قالُوا: ما نَصَحَنا إبْراهِيمُ إلّا بِما نَصَحَ بِهِ نَفْسَهُ، فَيَكُونُ ذَلِكَ أدْعى لِلْقَبُولِ.
صفحة ١٢٤
السُّؤالُ الثّالِثُ: لِمَ لَمْ يَقُلْ فَإنَّهم أعْدائِي ؟ جَوابُهُ: العَدُوُّ والصَّدِيقُ يَجِيئانِ في مَعْنى الواحِدِ والجَماعَةِ، قالَ:
وقَوْمٍ عَلَيَّ ذَوِي مِرَّةٍ أراهم عَدُوًّا وكانُوا صَدِيقًا
ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهم لَكم عَدُوٌّ﴾ وتَحْقِيقُ القَوْلِ فِيهِ ما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿إنّا رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ .
السُّؤالُ الرّابِعُ: ما هَذا الِاسْتِثْناءُ ؟ جَوابُهُ: أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ كَأنَّهُ قالَ: لَكِنَّ رَبَّ العالَمِينَ.
الشعراء 26:78
القِصَّةُ الثّانِيَةُ: قِصَّةُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ
﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ إبْراهِيمَ﴾ ﴿إذْ قالَ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ ما تَعْبُدُونَ﴾ ﴿قالُوا نَعْبُدُ أصْنامًا فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ﴾ ﴿قالَ هَلْ يَسْمَعُونَكم إذْ تَدْعُونَ﴾ ﴿أوْ يَنْفَعُونَكم أوْ يَضُرُّونَ﴾ ﴿قالُوا بَلْ وجَدْنا آباءَنا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ ﴿قالَ أفَرَأيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾ ﴿أنْتُمْ وآباؤُكُمُ الأقْدَمُونَ﴾ ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي إلّا رَبَّ العالَمِينَ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ إبْراهِيمَ﴾ ﴿إذْ قالَ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ ما تَعْبُدُونَ﴾ ﴿قالُوا نَعْبُدُ أصْنامًا فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ﴾ ﴿قالَ هَلْ يَسْمَعُونَكم إذْ تَدْعُونَ﴾ ﴿أوْ يَنْفَعُونَكم أوْ يَضُرُّونَ﴾ ﴿قالُوا بَلْ وجَدْنا آباءَنا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ ﴿قالَ أفَرَأيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾ ﴿أنْتُمْ وآباؤُكُمُ الأقْدَمُونَ﴾ ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي إلّا رَبَّ العالَمِينَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في أوَّلِ السُّورَةِ شِدَّةَ حُزْنِ مُحَمَّدٍ ﷺ بِسَبَبِ كُفْرِ قَوْمِهِ ثُمَّ إنَّهُ ذَكَرَ قِصَّةَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِيَعْرِفَ مُحَمَّدٌ أنَّ مِثْلَ تِلْكَ المِحْنَةِ كانَتْ حاصِلَةً لِمُوسى، ثُمَّ ذَكَرَ عَقِبَها قِصَّةَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِيَعْرِفَ مُحَمَّدٌ أيْضًا أنَّ حُزْنَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِهَذا السَّبَبِ كانَ أشَدَّ مِن حُزْنِهِ، لِأنَّ مِن عَظِيمِ المِحْنَةِ عَلى إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يَرى أباهُ وقَوْمَهُ في النّارِ وهو لا يَتَمَكَّنُ مِن إنْقاذِهِمْ إلّا بِقَدْرِ الدُّعاءِ والتَّنْبِيهِ فَقالَ لَهم: ﴿ما تَعْبُدُونَ﴾ وكانَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ يَعْلَمُ أنَّهم عَبَدَةُ أصْنامٍ ولَكِنَّهُ سَألَهُمُ لِيُرِيَهم أنَّ ما يَعْبُدُونَهُ لَيْسَ مِنَ اسْتِحْقاقِ العِبادَةِ في شَيْءٍ كَما تَقُولُ لِتاجِرِ الرَّقِيقِ ما مالُكَ ؟ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ مالَهُ الرَّقِيقُ، ثُمَّ تَقُولُ: الرَّقِيقُ جَمالٌ ولَيْسَ بِمالٍ. فَأجابُوا إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿نَعْبُدُ أصْنامًا فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ﴾ والعُكُوفُ: الإقامَةُ
صفحة ١٢٣
عَلى الشَّيْءِ، وإنَّما قالُوا: ﴿فَنَظَلُّ﴾ لِأنَّهم كانُوا يَعْبُدُونَها بِالنَّهارِ دُونَ اللَّيْلِ، واعْلَمْ أنَّهُ كانَ يَكْفِيهِمْ في الجَوابِ أنْ يَقُولُوا: نَعْبُدُ أصْنامًا، ولَكِنَّهم ضَمُّوا إلَيْهِ زِيادَةً عَلى الجَوابِ وهي قَوْلُهم: ﴿فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ﴾ وإنَّما ذَكَرُوا هَذِهِ الزِّيادَةَ إظْهارًا لِما في نُفُوسِهِمْ مِنَ الِابْتِهاجِ والِافْتِخارِ بِعِبادَةِ الأصْنامِ، فَقالَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ مُنَبِّهًا عَلى فَسادِ مَذْهَبِهِمْ: ﴿هَلْ يَسْمَعُونَكم إذْ تَدْعُونَ﴾ ﴿أوْ يَنْفَعُونَكم أوْ يَضُرُّونَ﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: لا بُدَّ في يَسْمَعُونَكم مِن تَقْدِيرِ حَذْفِ المُضافِ مَعْناهُ هَلْ يَسْمَعُونَ دُعاءَكم ؟ وقَرَأ قَتادَةُ: ”هَلْ يُسْمِعُونَكم“ أيْ هَلْ يُسْمِعُونَكُمُ الجَوابَ عَنْ دُعائِكم ؟ وهَلْ يَقْدِرُونَ عَلى ذَلِكَ ؟ وتَقْرِيرُ هَذِهِ الحجة الَّتِي ذَكَرَها إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّ الغالِبَ مِن حالِ مَن يَعْبُدُ غَيْرَهُ أنْ يَلْتَجِئَ إلَيْهِ في المسألة لِيَعْرِفَ مُرادَهُ إذا سَمِعَ دُعاءَهُ ثُمَّ يَسْتَجِيبَ لَهُ في بَذْلِ مَنفَعَةٍ أوْ دَفْعِ مَضَرَّةٍ، فَقالَ لَهم: فَإذا كانَ مَن تَعْبُدُونَهُ لا يَسْمَعُ دُعاءَكم حَتّى يَعْرِفَ مَقْصُودَكم، ولَوْ عَرَفَ ذَلِكَ لَما صَحَّ أنْ يَبْذُلَ النَّفْعَ أوْ يَدْفَعَ الضَّرَرَ فَكَيْفَ تَسْتَجِيزُونَ أنْ تَعْبُدُوا ما هَذا وصْفُهُ ؟ فَعِنْدَ هَذِهِ الحجة القاهِرَةِ لَمْ يَجِدْ أبُوهُ وقَوْمُهُ ما يَدْفَعُونَ بِهِ هَذِهِ الحجة فَعَدَلُوا إلى أنْ قالُوا: ﴿وجَدْنا آباءَنا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ وهَذا مِن أقْوى الدَّلائِلِ عَلى فَسادِ التَّقْلِيدِ ووُجُوبِ التَّمَسُّكِ بِالِاسْتِدْلالِ، إذْ لَوْ قَلَبْنا الأمْرَ فَمَدَحْنا التَّقْلِيدَ وذَمَمْنا الِاسْتِدْلالَ لَكانَ ذَلِكَ مَدْحًا لِطَرِيقَةِ الكُفّارِ الَّتِي ذَمَّها اللَّهُ تَعالى وذَمًّا لِطَرِيقَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ الَّتِي مَدَحَها اللَّهُ تَعالى فَأجابَهم إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَوْلِهِ: ﴿قالَ أفَرَأيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾ ﴿أنْتُمْ وآباؤُكُمُ الأقْدَمُونَ﴾ أرادَ بِهِ أنَّ الباطِلَ لا يَتَغَيَّرُ بِأنْ يَكُونَ قَدِيمًا أوْ حَدِيثًا، ولا بِأنْ يَكُونَ في فاعِلِيهِ كَثْرَةٌ أوْ قِلَّةٌ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي إلّا رَبَّ العالَمِينَ﴾ فَفِيهِ أسْئِلَةٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: كَيْفَ يَكُونُ الصَّنَمُ عَدُوًّا مَعَ أنَّهُ جَمادٌ ؟ جَوابُهُ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ تَعالى قالَ في سُورَةِ مَرْيَمَ في صِفَةِ الأوْثانِ: ﴿كَلّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ ويَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم: ٨٢] فَقِيلَ في تَفْسِيرِهِ إنَّ اللَّهَ يُحْيِي ما عَبَدُوهُ مِنَ الأصْنامِ حَتّى يَقَعَ مِنهُمُ التَّوْبِيخُ لَهم والبَراءَةُ مِنهم، فَعَلى هَذا الوجه أنَّ الأوْثانَ سَتَصِيرُ أعْداءً لِهَؤُلاءِ الكُفّارِ في الآخِرَةِ فَأطْلَقَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَفْظَ العَداوَةِ عَلَيْهِمْ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ.
وثانِيها: أنَّ الكُفّارَ لَمّا عَبَدُوها وعَظَّمُوها ورَجَوْها في طَلَبِ المَنافِعِ ودَفْعِ المَضارِّ نَزَلَتْ مَنزِلَةَ الأحْياءِ العُقَلاءِ في اعْتِقادِ الكُفّارِ، ثُمَّ إنَّها صارَتْ أسْبابًا لِانْقِطاعِ الإنْسانِ عَنِ السَّعادَةِ ووُصُولِهِ إلى الشَّقاوَةِ، فَلَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الأصْنامُ مَنزِلَةَ الأحْياءِ وجَرَتْ مَجْرى الدّافِعِ لِلْمَنفَعَةِ والجالِبِ لِلْمَضَرَّةِ لا جَرَمَ جَرَتْ مَجْرى الأعْداءِ، فَلا جَرَمَ أطْلَقَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلَيْها لَفْظَ العَدُوِّ.
وثالِثُها: المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي﴾ عَداوَةُ مَن يَعْبُدُها، فَإنْ قِيلَ: فَلِمَ لَمْ يَقُلْ: إنَّ مَن يَعْبُدُ الأصْنامَ عَدُوٌّ لِي لِيَكُونَ الكَلامُ حَقِيقَةً ؟ جَوابُهُ: لِأنَّ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ ما عَبَدُوهُ دُونَ العابِدِينَ.
السُّؤالُ الثّانِي: لِمَ قالَ: ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي﴾ ولَمْ يَقُلْ: فَإنَّها عَدُوٌّ لَكم ؟ جَوابُهُ: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ صَوَّرَ المسألة في نَفْسِهِ عَلى مَعْنى إنِّي فَكَّرْتُ في أمْرِي فَرَأيْتُ عِبادَتِي لَها عِبادَةً لِلْعَدُوِّ فاجْتَنَبْتُها، وأراهم أنَّها نَصِيحَةٌ نَصَحَ بِها نَفْسَهُ، فَإذا تَفَكَّرُوا قالُوا: ما نَصَحَنا إبْراهِيمُ إلّا بِما نَصَحَ بِهِ نَفْسَهُ، فَيَكُونُ ذَلِكَ أدْعى لِلْقَبُولِ.
صفحة ١٢٤
السُّؤالُ الثّالِثُ: لِمَ لَمْ يَقُلْ فَإنَّهم أعْدائِي ؟ جَوابُهُ: العَدُوُّ والصَّدِيقُ يَجِيئانِ في مَعْنى الواحِدِ والجَماعَةِ، قالَ:
وقَوْمٍ عَلَيَّ ذَوِي مِرَّةٍ أراهم عَدُوًّا وكانُوا صَدِيقًا
ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهم لَكم عَدُوٌّ﴾ وتَحْقِيقُ القَوْلِ فِيهِ ما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿إنّا رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ .
السُّؤالُ الرّابِعُ: ما هَذا الِاسْتِثْناءُ ؟ جَوابُهُ: أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ كَأنَّهُ قالَ: لَكِنَّ رَبَّ العالَمِينَ.
الشعراء 26:79
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهو يَهْدِينِ﴾ ﴿والَّذِي هو يُطْعِمُنِي ويَسْقِينِ﴾ ﴿وإذا مَرِضْتُ فَهو يَشْفِينِ﴾ ﴿والَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ﴾ ﴿والَّذِي أطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْهُ أنَّهُ اسْتَثْنى رَبَّ العالَمِينَ، حَكى عَنْهُ أيْضًا ما وصَفَهُ بِهِ مِمّا يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ لِأجْلِهِ، ثُمَّ حَكى عَنْهُ ما سَألَهُ عَنْهُ، أمّا الأوْصافُ فَأرْبَعَةٌ:
أوَّلُها: قَوْلُهُ: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهو يَهْدِينِ﴾ .
واعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ أثْنى عَلى نَفْسِهِ بِهَذَيْنِ الأمْرَيْنِ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى﴾ ﴿والَّذِي قَدَّرَ فَهَدى﴾ [الأعلى: ٢، ٣] واعْلَمْ أنَّ الخَلْقَ والهِدايَةَ بِهِما يَحْصُلُ جَمِيعُ المَنافِعِ لِكُلِّ مَن يَصِحُّ الِانْتِفاعُ عَلَيْهِ، فَلْنَتَكَلَّمْ في الإنْسانِ فَنَقُولُ: إنَّهُ مَخْلُوقٌ، فَمِنهم مَن قالَ: هو مِن عالَمِ الخَلْقِ والجُسْمانِيّاتِ، ومَن قالَ: هو مِن عالَمِ الأمْرِ والرُّوحانِيّاتِ، وتَرْكِيبُ البَدَنِ الَّذِي هو مِن عالَمِ الخَلْقِ مُقَدَّمٌ عَلى إعْطاءِ القَلْبِ الَّذِي هو مِن عالَمِ الأمْرِ عَلى ما أخْبَرَ عَنْهُ سُبْحانَهُ في قَوْلِهِ: ﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي﴾ [الحجر: ٢٩] فالتَّسْوِيَةُ إشارَةٌ إلى تَعْدِيلِ المِزاجِ وتَرْكِيبِ الأمْشاجِ، ونَفْخُ الرُّوحِ إشارَةٌ إلى اللَّطِيفَةِ الرَّبّانِيَّةِ النُّورانِيَّةِ الَّتِي هي مِن عالَمِ الأمْرِ، وأيْضًا قالَ: ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٢] ولَمّا تَمَّمَ مَراتِبَ تَغَيُّراتِ الأجْسامِ قالَ: ﴿ثُمَّ أنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ [المؤمنون: ١٤] وذَلِكَ إشارَةٌ إلى الرُّوحِ الَّذِي هو مِن عالَمِ المَلائِكَةِ، ولا شَكَّ أنَّ الهِدايَةَ إنَّما تَحْصُلُ مِنَ الرُّوحِ، فَقَدْ ظَهَرَ بِهَذِهِ الآياتِ أنَّ الخَلْقَ مُقَدَّمٌ عَلى الهِدايَةِ.
أمّا تَحْقِيقُهُ بِحَسَبِ المَباحِثِ الحَقِيقِيَّةِ، فَهو أنَّ بَدَنَ الإنْسانِ إنَّما يَتَوَلَّدُ عِنْدَ امْتِزاجِ المَنِيِّ بِدَمِ الطَّمْثِ، وهُما إنَّما يَتَوَلَّدانِ مِنَ الأغْذِيَةِ المُتَوَلِّدَةِ مَن تَرَكُّبِ العَناصِرِ الأرْبَعَةَ وتَفاعُلِها، فَإذا امْتَزَجَ المَنِيُّ بِالدَّمِ فَلا يَزالُ ما فِيها مِنَ الحارِّ والبارِدِ والرَّطْبِ واليابِسِ مُتَفاعِلًا، وما في كُلِّ واحِدٍ مِنها مِنَ القُوى كاسِرًا سَوْرَةَ كَيْفِيَّةِ الآخَرِ، فَحِينَئِذٍ يَحْصُلُ مِن تَفاعُلِهِما كَيْفِيَّةً مُتَوَسِّطَةً تَسْتَحِرُّ بِالقِياسِ إلى البارِدِ وتَسْتَبْرِدُ بِالقِياسِ إلى الحارِّ، وكَذا القَوْلُ في الرَّطْبِ واليابِسِ، وحِينَئِذٍ يَحْصُلُ الِاسْتِعْدادُ لِقَبُولِ قُوًى مُدَبِّرَةٍ لِذَلِكَ المُرَكَّبِ فَبَعْضُها قُوًى نَباتِيَّةٌ وهي الَّتِي
صفحة ١٢٥
تَجْذِبُ الغِذاءَ، ثُمَّ تُمْسِكُهُ ثُمَّ تَهْضِمُهُ ثُمَّ تَدْفَعُ الفَضْلَةَ المُؤْذِيَةَ، ثُمَّ تُقِيمُ تِلْكَ الأجْزاءَ بَدَلَ ما تَحَلَّلَ مِنها، ثُمَّ تَزِيدُ في جَوْهَرِ الأعْضاءِ طُولًا وعَرْضًا، ثُمَّ يَفْضُلُ عَنْ تِلْكَ المَوادِّ فَضْلَةٌ يُمْكِنُ أنْ يَتَوَلَّدَ عَنْها مِثْلُ ذَلِكَ، ومِنها قُوًى حَيَوانِيَّةٌ بَعْضُها مُدْرِكَةٌ كالحَواسِّ الخَمْسِ والخَيالِ والحِفْظِ والذِّكْرِ، وبَعْضُها فاعِلَةٌ: إمّا آمِرَةٌ: كالشَّهْوَةِ والغَضَبِ أوْ مَأْمُورَةٌ: كالقُوى المَرْكُوزَةِ في العَضَلاتِ، ومِنها قُوًى إنْسانِيَّةٌ وهي إمّا مُدْرِكَةٌ أوْ عامِلَةٌ، والقُوى المُدْرِكَةُ هي القُوى القَوِيَّةُ عَلى إدْراكِ حَقائِقِ الأشْياءِ الرُّوحانِيَّةِ والجُسْمانِيَّةِ والعُلْوِيَّةِ والسُّفْلِيَّةِ، ثُمَّ إنَّكَ إذا فَتَّشْتَ عَنْ كُلِّ واحِدَةٍ مِن مُرَكَّباتِ هَذا العالِمِ الجُسْمانِيِّ ومُفْرَداتِها وجَدْتَ لَها أشْياءَ تُلائِمُها وتُكْمِلُ حالَها وأشْياءَ تُنافِرُها وتُفْسِدُ حالَها، ووَجَدْتَ فِيها قُوًى جَذّابَةً لِلْمُلائِمِ دافِعَةً لِلْمُنافِي، فَقَدْ ظَهَرَ أنَّ صَلاحَ الحالِ في هَذِهِ الأشْياءِ لا يَتِمُّ إلّا بِالخَلْقِ والهِدايَةِ. أمّا الخَلْقُ فَبِتَصْيِيرِهِ مَوْجُودًا بَعْدَ أنْ كانَ مَعْدُومًا، وأمّا الهِدايَةُ فَبِتِلْكَ القُوى الجَذّابَةِ لِلْمَنافِعِ والدّافِعَةِ لِلْمَضارِّ فَثَبَتَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿خَلَقَنِي فَهو يَهْدِينِ﴾ كَلِمَةٌ جامِعَةٌ حاوِيَةٌ لِجَمِيعِ المَنافِعِ في الدُّنْيا والدِّينِ، ثُمَّ هَهُنا دَقِيقَةٌ وهو أنَّهُ قالَ: ﴿خَلَقَنِي﴾ فَذَكَرَهُ بِلَفْظِ الماضِي وقالَ: ﴿يَهْدِينِ﴾ ذَكَرَهُ بِلَفْظِ المُسْتَقْبَلِ، والسَّبَبُ في ذَلِكَ أنَّ خَلْقَ الذّاتِ لا يَتَجَدَّدُ في الدُّنْيا، بَلْ لَمّا وقَعَ بَقِيَ إلى الأمَدِ المَعْلُومِ.
أمّا هِدايَتُهُ تَعالى فَهي مِمّا يَتَكَرَّرُ كُلَّ حِينٍ وأوانٍ سَواءً كانَ ذَلِكَ هِدايَةً في المَنافِعِ الدُّنْيَوِيَّةِ، وذَلِكَ بِأنَّ تَحَكُّمَ الحَواسِّ بِتَمْيِيزِ المَنافِعِ عَنِ المَضارِّ أوْ في المَنافِعِ الدِّينِيَّةِ وذَلِكَ بِأنْ يَحْكُمَ العَقْلِ بِتَمْيِيزِ الحَقِّ عَنِ الباطِلِ والخَيْرِ عَنِ الشَّرِّ، فَبَيَّنَ بِذَلِكَ أنَّهُ سُبْحانَهُ هو الَّذِي خَلَقَهُ بِسائِرِ ما تَكامَلَ بِهِ خَلْقُهُ في الماضِي دُفْعَةً واحِدَةً، وأنَّهُ يَهْدِيهِ إلى مَصالِحِ الدِّينِ والدُّنْيا بِضُرُوبِ الهِداياتِ في كُلِّ لَحْظَةٍ ولَمْحَةٍ.
وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿والَّذِي هو يُطْعِمُنِي ويَسْقِينِ﴾ وقَدْ دَخَلَ فِيهِ كُلُّ ما يَتَّصِلُ بِمَنافِعِ الرِّزْقِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ إذا خَلَقَ لَهُ الطَّعامَ ومَلَّكَهُ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ ما يَتَمَكَّنُ بِهِ مِن أكْلِهِ والِاغْتِذاءِ بِهِ نَحْوَ الشَّهْوَةِ والقُوَّةِ والتَّمْيِيزِ لَمْ تَكْمُلْ هَذِهِ النِّعْمَةُ، وذَكَرَ الطَّعامَ والشَّرابَ ونَبَّهَ بِذِكْرِهِما عَلى ما عَداهُما.
وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿وإذا مَرِضْتُ فَهو يَشْفِينِ﴾ وفِيهِ سُؤالٌ وهو أنَّهُ لِمَ قالَ: ﴿مَرِضْتُ﴾ دُونَ أمْرَضَنِي ؟ وجَوابُهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ كَثِيرًا مِن أسْبابِ المَرَضِ يَحْدُثُ بِتَفْرِيطٍ مِنَ الإنْسانِ في مَطاعِمِهِ ومَشارِبِهِ وغَيْرِ ذَلِكَ، ومِن ثَمَّ قالَتِ الحُكَماءُ: لَوْ قِيلَ لَأكْثَرِ المَوْتى ما سَبَبُ آجالِكم ؟ لَقالُوا التُّخَمُ.
الثّانِي: أنَّ المَرَضَ إنَّما يَحْدُثُ بِاسْتِيلاءِ بَعْضِ الأخْلاطِ عَلى بَعْضٍ، وذَلِكَ الِاسْتِيلاءُ إنَّما يَحْصُلُ بِسَبَبِ ما بَيْنَها مِنَ التَّنافُرِ الطَّبِيعِيِّ. أمّا الصِّحَّةُ فَهي إنَّما تَحْصُلُ عِنْدَ بَقاءِ الأخْلاطِ عَلى اعْتِدالِها، وبَقاؤُها عَلى اعْتِدالِها إنَّما يَكُونُ بِسَبَبٍ قاهِرٍ يَقْهَرُها عَلى الِاجْتِماعِ، وعَوْدُها إلى الصِّحَّةِ إنَّما يَكُونُ أيْضًا بِسَبَبٍ قاهِرٍ يَقْهَرُها عَلى العَوْدِ إلى الِاجْتِماعِ والِاعْتِدالِ بَعْدَ أنْ كانَتْ بِطابَعِها مُشْتاقَةً إلى التَّفَرُّقِ والنِّزاعِ، فَلِهَذا السَّبَبِ أضافَ الشِّفاءَ إلَيْهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، وما أضافَ المَرَضَ إلَيْهِ.
وثالِثُها: وهو أنَّ الشِّفاءَ مَحْبُوبٌ وهو مِن أُصُولِ النِّعَمِ، وكانَ مَقْصُودُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ تَعْدِيدَ النِّعَمِ، ولَمّا لَمْ يَكُنِ المَرَضُ مِنَ النِّعَمِ لا جَرَمَ لَمْ يُضِفْهُ إلَيْهِ تَعالى، فَإنْ نَقَضْتَهُ بِالإماتَةِ فَجَوابُهُ: أنَّ المَوْتَ لَيْسَ بِضَرَرٍ، لِأنَّ شَرْطَ كَوْنِهِ ضَرَرًا وُقُوعُ الإحْساسِ بِهِ، وحالَ حُصُولِ المَوْتِ لا يَقَعُ الإحْساسُ بِهِ، إنَّما الضَّرَرُ في مُقَدِّماتِهِ وذَلِكَ هو عَيْنُ المَرَضِ، وأيْضًا فَلِأنَّكَ قَدْ عَرَفْتَ أنَّ الأرْواحَ إذا كَمُلَتْ في العُلُومِ والأخْلاقِ كانَ بَقاؤُها في هَذِهِ الأجْسادِ عَيْنَ الضَّرَرِ وخُلاصَتُها عَنْها عَيْنَ السَّعادَةِ بِخِلافِ المَرَضِ.
ورابِعُها: قَوْلُهُ: ﴿والَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ﴾ والمُرادُ مِنهُ الإماتَةُ في الدُّنْيا والتَّخَلُّصُ عَنْ آفاتِها وعُقُوباتِها، والمُرادُ مِنَ الإحْياءِ المُجازاةُ.
وخامِسُها: قَوْلُهُ: ﴿والَّذِي أطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ فَهو إشارَةٌ إلى
صفحة ١٢٦
ما هو مَطْلُوبُ كُلِّ عاقِلٍ مِنَ الخَلاصِ عَنِ العَذابِ والفَوْزِ بِالثَّوابِ.
واعْلَمْ أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ جَمَعَ في هَذِهِ الألْفاظِ جَمِيعَ نِعَمِ اللَّهِ تَعالى مِن أوَّلِ الخَلْقِ إلى آخِرِ الأبَدِ في الدّارِ الآخِرَةِ.
* * *
ثُمَّ هَهُنا أسْئِلَةٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: لِمَ قالَ: ﴿والَّذِي أطْمَعُ﴾ والطَّمَعُ عِبارَةٌ عَنِ الظَّنِّ والرَّجاءِ، وإنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ قاطِعًا بِذَلِكَ ؟ جَوابُهُ: أنَّ هَذا الكَلامَ لا يَسْتَقِيمُ إلّا عَلى مَذْهَبِنا، حَيْثُ قُلْنا: إنَّهُ لا يَجِبُ عَلى اللَّهِ لِأحَدٍ شَيْءٌ، وأنَّهُ يَحْسُنُ مِنهُ كُلُّ شَيْءٍ ولا اعْتِراضَ لِأحَدٍ عَلَيْهِ في فِعْلِهِ، وأجابَ الجُبّائِيُّ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿والَّذِي أطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي﴾ أرادَ بِهِ سائِرَ المُؤْمِنِينَ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ يَطْمَعُونَ ولا يَقْطَعُونَ بِهِ.
الثّانِي: المُرادُ مِنَ الطَّمَعِ اليَقِينُ، وهو مَرْوِيٌّ عَنِ الحَسَنِ وأجابَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: بِأنَّهُ إنَّما ذَكَرَهُ عَلى هَذا الوجه تَعْلِيمًا مِنهُ لِأُمَّتِهِ كَيْفِيَّةَ الدُّعاءِ.
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الوُجُوهَ ضَعِيفَةٌ:
أمّا الأوَّلُ: فَلِأنَّ اللَّهَ تَعالى حَكى عَنْهُ الثَّناءَ أوَّلًا والدُّعاءَ ثانِيًا، ومِن أوَّلِ المَدْحِ إلى آخِرِ الدُّعاءِ كَلامُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَجَعَلَ الشَّيْءَ الواحِدَ وهو قَوْلُهُ: ﴿والَّذِي أطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ كَلامَ غَيْرِهِ مِمّا يُبْطِلُ نَظْمَ الكَلامِ ويُفْسِدُهُ.
وأمّا الثّانِي: وهو أنَّ الطَّمَعَ هو اليَقِينُ فَهَذا عَلى خِلافِ اللُّغَةِ.
وأمّا الثّالِثُ: وهو أنَّ الغَرَضَ مِنهُ تَعْلِيمُ الأُمَّةِ فَباطِلٌ أيْضًا لِأنَّ حاصِلَهُ يَرْجِعُ إلى أنَّهُ كَذَبَ عَلى نَفْسِهِ لِغَرَضِ تَعْلِيمِ الأُمَّةِ، وهو باطِلٌ قَطْعًا.
السُّؤالُ الثّانِي: لِمَ أسْنَدَ إلى نَفْسِهِ الخَطِيئَةَ مَعَ أنَّ الأنْبِياءَ مُنَزَّهُونَ عَنِ الخَطايا قَطْعًا ؟ وفي جَوابِهِ ثَلاثَةُ وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ مَحْمُولٌ عَلى كَذِبِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ في قَوْلِهِ: ﴿فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ﴾ [الأنبياء: ٦٣] وقَوْلِهِ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩] وقَوْلِهِ لِسارَّةَ: ”إنَّها أُخْتِي“ وهو ضَعِيفٌ لِأنَّ نِسْبَةَ الكَذِبِ إلَيْهِ غَيْرُ جائِزَةٍ.
وثانِيها: أنَّهُ ذَكَرَهُ عَلى سَبِيلِ التَّواضُعِ وهَضْمِ النَّفْسِ وهَذا ضَعِيفٌ لِأنَّهُ إنْ كانَ صادِقًا في هَذا التَّواضُعِ فَقَدْ لَزِمَ الإشْكالُ، وإنْ كانَ كاذِبًا فَحِينَئِذٍ يَرْجِعُ حاصِلُ الجَوابِ إلى إلْحاقِ المَعْصِيَةِ بِهِ لِأجْلِ تَنْزِيهِهِ عَنِ المَعْصِيَةِ.
وثالِثُها: وهو الجَوابُ الصَّحِيحُ أنْ يُحْمَلَ ذَلِكَ عَلى تَرْكِ الأوْلى، وقَدْ يُسَمّى ذَلِكَ خَطَأً فَإنَّ مَن مَلَكَ جَوْهَرَةً وأمْكَنَهُ أنْ يَبِيعَها بِألْفِ ألْفِ دِينارٍ فَإنْ باعَها بِدِينارٍ، قِيلَ إنَّهُ أخْطَأ، وتَرْكُ الأوْلى عَلى الأنْبِياءِ جائِزٌ.
السُّؤالُ الثّالِثُ: لِمَ عَلَّقَ مَغْفِرَةَ الخَطِيئَةِ بِيَوْمِ الدِّينِ، وإنَّما تُغْفَرُ في الدُّنْيا ؟ جَوابُهُ: لِأنَّ أثَرَها يَظْهَرُ يَوْمَ الدِّينِ وهو الآنَ خَفِيٌّ لا يُعْلَمُ.
السُّؤالُ الرّابِعُ: ما فائِدَةُ ”لِي“ في قَوْلِهِ: ﴿يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي﴾ ؟ وجَوابُهُ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ الأبَ إذا عَفا عَنْ ولَدِهِ والسَّيِّدَ عَنْ عَبْدِهِ والزَّوْجَ عَنْ زَوْجَتِهِ فَذَلِكَ في أكْثَرِ الأمْرِ إنَّما يَكُونُ طَلَبًا لِلثَّوابِ وهَرَبًا عَنِ العِقابِ أوْ طَلَبًا لِحُسْنِ الثَّناءِ والمَحْمَدَةِ أوْ دَفْعًا لِلْألَمِ الحاصِلِ مِنَ الرِّقَّةِ الجِنْسِيَّةِ وإذا كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنِ المَقْصُودُ مِن ذَلِكَ العَفْوِ رِعايَةَ جانِبِ المَعْفُوِّ عَنْهُ بَلْ رِعايَةَ جانِبِ نَفْسِهِ، إمّا لِتَحْصِيلِ ما يَنْبَغِي أوْ لِدَفْعِ ما لا يَنْبَغِي، أمّا الإلَهُ سُبْحانَهُ فَإنَّهُ كامِلٌ لِذاتِهِ فَيَسْتَحِيلُ أنْ تَحْدُثَ لَهُ صِفاتُ كَمالٍ لَمْ تَكُنْ أوْ يَزُولَ عَنْهُ نُقْصانٌ كانَ، وإذا كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ عَفْوُهُ إلّا رِعايَةً لِجانِبِ المَعْفُوِّ عَنْهُ فَقَوْلُهُ: ﴿والَّذِي أطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لِي﴾ يَعْنِي: هو الَّذِي إذا غَفَرَ كانَ غُفْرانُهُ لِي ولِأجْلِي لا لِأجْلِ أمْرٍ عائِدٍ إلَيْهِ البَتَّةَ.
وثانِيها: كَأنَّهُ قالَ: خَلَقْتَنِي لا لِي فَإنَّكَ حِينَ خَلَقْتَنِي ما كُنْتُ مَوْجُودًا وإذا لَمْ أكُنْ مَوْجُودًا اسْتَحالَ تَحْصِيلُ شَيْءٍ لِأجْلِي ثُمَّ مَعَ هَذا فَأنْتَ خَلَقْتَنِي، أمّا لَوْ عَفَوْتَ كانَ
صفحة ١٢٧
ذَلِكَ العَفْوُ لَأجْلِي، فَلَمّا خَلَقْتَنِي أوَّلًا مَعَ أنِّي كُنْتُ مُحْتاجًا إلى ذَلِكَ الخَلْقِ فَلِأنْ تَغْفِرَ لِي وتَعْفُوَ عَنِّي حالَ ما أكُونُ في أشَدِّ الحاجَةِ إلى العَفْوِ والمَغْفِرَةِ كانَ أوْلى.
وثالِثُها: أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ لِشِدَّةِ اسْتِغْراقِهِ في بَحْرِ المَعْرِفَةِ شَدِيدَ الفِرارِ عَنِ الِالتِفاتِ إلى الوَسائِطِ، ولِذَلِكَ لَمّا قالَ لَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”ألَكَ حاجَةٌ ؟ قالَ: أمّا إلَيْكَ فَلا“ فَهَهُنا قالَ: ﴿أطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ أيْ لِمُجَرَّدِ عُبُودِيَّتِي لَكَ واحْتِياجِي إلَيْكَ تَغْفِرُ لِي خَطِيئَتِي لا أنْ تَغْفِرَها لِي بِواسِطَةِ شَفاعَةِ شافِعٍ.
الشعراء 26:80
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهو يَهْدِينِ﴾ ﴿والَّذِي هو يُطْعِمُنِي ويَسْقِينِ﴾ ﴿وإذا مَرِضْتُ فَهو يَشْفِينِ﴾ ﴿والَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ﴾ ﴿والَّذِي أطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْهُ أنَّهُ اسْتَثْنى رَبَّ العالَمِينَ، حَكى عَنْهُ أيْضًا ما وصَفَهُ بِهِ مِمّا يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ لِأجْلِهِ، ثُمَّ حَكى عَنْهُ ما سَألَهُ عَنْهُ، أمّا الأوْصافُ فَأرْبَعَةٌ:
أوَّلُها: قَوْلُهُ: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهو يَهْدِينِ﴾ .
واعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ أثْنى عَلى نَفْسِهِ بِهَذَيْنِ الأمْرَيْنِ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى﴾ ﴿والَّذِي قَدَّرَ فَهَدى﴾ [الأعلى: ٢، ٣] واعْلَمْ أنَّ الخَلْقَ والهِدايَةَ بِهِما يَحْصُلُ جَمِيعُ المَنافِعِ لِكُلِّ مَن يَصِحُّ الِانْتِفاعُ عَلَيْهِ، فَلْنَتَكَلَّمْ في الإنْسانِ فَنَقُولُ: إنَّهُ مَخْلُوقٌ، فَمِنهم مَن قالَ: هو مِن عالَمِ الخَلْقِ والجُسْمانِيّاتِ، ومَن قالَ: هو مِن عالَمِ الأمْرِ والرُّوحانِيّاتِ، وتَرْكِيبُ البَدَنِ الَّذِي هو مِن عالَمِ الخَلْقِ مُقَدَّمٌ عَلى إعْطاءِ القَلْبِ الَّذِي هو مِن عالَمِ الأمْرِ عَلى ما أخْبَرَ عَنْهُ سُبْحانَهُ في قَوْلِهِ: ﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي﴾ [الحجر: ٢٩] فالتَّسْوِيَةُ إشارَةٌ إلى تَعْدِيلِ المِزاجِ وتَرْكِيبِ الأمْشاجِ، ونَفْخُ الرُّوحِ إشارَةٌ إلى اللَّطِيفَةِ الرَّبّانِيَّةِ النُّورانِيَّةِ الَّتِي هي مِن عالَمِ الأمْرِ، وأيْضًا قالَ: ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٢] ولَمّا تَمَّمَ مَراتِبَ تَغَيُّراتِ الأجْسامِ قالَ: ﴿ثُمَّ أنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ [المؤمنون: ١٤] وذَلِكَ إشارَةٌ إلى الرُّوحِ الَّذِي هو مِن عالَمِ المَلائِكَةِ، ولا شَكَّ أنَّ الهِدايَةَ إنَّما تَحْصُلُ مِنَ الرُّوحِ، فَقَدْ ظَهَرَ بِهَذِهِ الآياتِ أنَّ الخَلْقَ مُقَدَّمٌ عَلى الهِدايَةِ.
أمّا تَحْقِيقُهُ بِحَسَبِ المَباحِثِ الحَقِيقِيَّةِ، فَهو أنَّ بَدَنَ الإنْسانِ إنَّما يَتَوَلَّدُ عِنْدَ امْتِزاجِ المَنِيِّ بِدَمِ الطَّمْثِ، وهُما إنَّما يَتَوَلَّدانِ مِنَ الأغْذِيَةِ المُتَوَلِّدَةِ مَن تَرَكُّبِ العَناصِرِ الأرْبَعَةَ وتَفاعُلِها، فَإذا امْتَزَجَ المَنِيُّ بِالدَّمِ فَلا يَزالُ ما فِيها مِنَ الحارِّ والبارِدِ والرَّطْبِ واليابِسِ مُتَفاعِلًا، وما في كُلِّ واحِدٍ مِنها مِنَ القُوى كاسِرًا سَوْرَةَ كَيْفِيَّةِ الآخَرِ، فَحِينَئِذٍ يَحْصُلُ مِن تَفاعُلِهِما كَيْفِيَّةً مُتَوَسِّطَةً تَسْتَحِرُّ بِالقِياسِ إلى البارِدِ وتَسْتَبْرِدُ بِالقِياسِ إلى الحارِّ، وكَذا القَوْلُ في الرَّطْبِ واليابِسِ، وحِينَئِذٍ يَحْصُلُ الِاسْتِعْدادُ لِقَبُولِ قُوًى مُدَبِّرَةٍ لِذَلِكَ المُرَكَّبِ فَبَعْضُها قُوًى نَباتِيَّةٌ وهي الَّتِي
صفحة ١٢٥
تَجْذِبُ الغِذاءَ، ثُمَّ تُمْسِكُهُ ثُمَّ تَهْضِمُهُ ثُمَّ تَدْفَعُ الفَضْلَةَ المُؤْذِيَةَ، ثُمَّ تُقِيمُ تِلْكَ الأجْزاءَ بَدَلَ ما تَحَلَّلَ مِنها، ثُمَّ تَزِيدُ في جَوْهَرِ الأعْضاءِ طُولًا وعَرْضًا، ثُمَّ يَفْضُلُ عَنْ تِلْكَ المَوادِّ فَضْلَةٌ يُمْكِنُ أنْ يَتَوَلَّدَ عَنْها مِثْلُ ذَلِكَ، ومِنها قُوًى حَيَوانِيَّةٌ بَعْضُها مُدْرِكَةٌ كالحَواسِّ الخَمْسِ والخَيالِ والحِفْظِ والذِّكْرِ، وبَعْضُها فاعِلَةٌ: إمّا آمِرَةٌ: كالشَّهْوَةِ والغَضَبِ أوْ مَأْمُورَةٌ: كالقُوى المَرْكُوزَةِ في العَضَلاتِ، ومِنها قُوًى إنْسانِيَّةٌ وهي إمّا مُدْرِكَةٌ أوْ عامِلَةٌ، والقُوى المُدْرِكَةُ هي القُوى القَوِيَّةُ عَلى إدْراكِ حَقائِقِ الأشْياءِ الرُّوحانِيَّةِ والجُسْمانِيَّةِ والعُلْوِيَّةِ والسُّفْلِيَّةِ، ثُمَّ إنَّكَ إذا فَتَّشْتَ عَنْ كُلِّ واحِدَةٍ مِن مُرَكَّباتِ هَذا العالِمِ الجُسْمانِيِّ ومُفْرَداتِها وجَدْتَ لَها أشْياءَ تُلائِمُها وتُكْمِلُ حالَها وأشْياءَ تُنافِرُها وتُفْسِدُ حالَها، ووَجَدْتَ فِيها قُوًى جَذّابَةً لِلْمُلائِمِ دافِعَةً لِلْمُنافِي، فَقَدْ ظَهَرَ أنَّ صَلاحَ الحالِ في هَذِهِ الأشْياءِ لا يَتِمُّ إلّا بِالخَلْقِ والهِدايَةِ. أمّا الخَلْقُ فَبِتَصْيِيرِهِ مَوْجُودًا بَعْدَ أنْ كانَ مَعْدُومًا، وأمّا الهِدايَةُ فَبِتِلْكَ القُوى الجَذّابَةِ لِلْمَنافِعِ والدّافِعَةِ لِلْمَضارِّ فَثَبَتَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿خَلَقَنِي فَهو يَهْدِينِ﴾ كَلِمَةٌ جامِعَةٌ حاوِيَةٌ لِجَمِيعِ المَنافِعِ في الدُّنْيا والدِّينِ، ثُمَّ هَهُنا دَقِيقَةٌ وهو أنَّهُ قالَ: ﴿خَلَقَنِي﴾ فَذَكَرَهُ بِلَفْظِ الماضِي وقالَ: ﴿يَهْدِينِ﴾ ذَكَرَهُ بِلَفْظِ المُسْتَقْبَلِ، والسَّبَبُ في ذَلِكَ أنَّ خَلْقَ الذّاتِ لا يَتَجَدَّدُ في الدُّنْيا، بَلْ لَمّا وقَعَ بَقِيَ إلى الأمَدِ المَعْلُومِ.
أمّا هِدايَتُهُ تَعالى فَهي مِمّا يَتَكَرَّرُ كُلَّ حِينٍ وأوانٍ سَواءً كانَ ذَلِكَ هِدايَةً في المَنافِعِ الدُّنْيَوِيَّةِ، وذَلِكَ بِأنَّ تَحَكُّمَ الحَواسِّ بِتَمْيِيزِ المَنافِعِ عَنِ المَضارِّ أوْ في المَنافِعِ الدِّينِيَّةِ وذَلِكَ بِأنْ يَحْكُمَ العَقْلِ بِتَمْيِيزِ الحَقِّ عَنِ الباطِلِ والخَيْرِ عَنِ الشَّرِّ، فَبَيَّنَ بِذَلِكَ أنَّهُ سُبْحانَهُ هو الَّذِي خَلَقَهُ بِسائِرِ ما تَكامَلَ بِهِ خَلْقُهُ في الماضِي دُفْعَةً واحِدَةً، وأنَّهُ يَهْدِيهِ إلى مَصالِحِ الدِّينِ والدُّنْيا بِضُرُوبِ الهِداياتِ في كُلِّ لَحْظَةٍ ولَمْحَةٍ.
وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿والَّذِي هو يُطْعِمُنِي ويَسْقِينِ﴾ وقَدْ دَخَلَ فِيهِ كُلُّ ما يَتَّصِلُ بِمَنافِعِ الرِّزْقِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ إذا خَلَقَ لَهُ الطَّعامَ ومَلَّكَهُ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ ما يَتَمَكَّنُ بِهِ مِن أكْلِهِ والِاغْتِذاءِ بِهِ نَحْوَ الشَّهْوَةِ والقُوَّةِ والتَّمْيِيزِ لَمْ تَكْمُلْ هَذِهِ النِّعْمَةُ، وذَكَرَ الطَّعامَ والشَّرابَ ونَبَّهَ بِذِكْرِهِما عَلى ما عَداهُما.
وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿وإذا مَرِضْتُ فَهو يَشْفِينِ﴾ وفِيهِ سُؤالٌ وهو أنَّهُ لِمَ قالَ: ﴿مَرِضْتُ﴾ دُونَ أمْرَضَنِي ؟ وجَوابُهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ كَثِيرًا مِن أسْبابِ المَرَضِ يَحْدُثُ بِتَفْرِيطٍ مِنَ الإنْسانِ في مَطاعِمِهِ ومَشارِبِهِ وغَيْرِ ذَلِكَ، ومِن ثَمَّ قالَتِ الحُكَماءُ: لَوْ قِيلَ لَأكْثَرِ المَوْتى ما سَبَبُ آجالِكم ؟ لَقالُوا التُّخَمُ.
الثّانِي: أنَّ المَرَضَ إنَّما يَحْدُثُ بِاسْتِيلاءِ بَعْضِ الأخْلاطِ عَلى بَعْضٍ، وذَلِكَ الِاسْتِيلاءُ إنَّما يَحْصُلُ بِسَبَبِ ما بَيْنَها مِنَ التَّنافُرِ الطَّبِيعِيِّ. أمّا الصِّحَّةُ فَهي إنَّما تَحْصُلُ عِنْدَ بَقاءِ الأخْلاطِ عَلى اعْتِدالِها، وبَقاؤُها عَلى اعْتِدالِها إنَّما يَكُونُ بِسَبَبٍ قاهِرٍ يَقْهَرُها عَلى الِاجْتِماعِ، وعَوْدُها إلى الصِّحَّةِ إنَّما يَكُونُ أيْضًا بِسَبَبٍ قاهِرٍ يَقْهَرُها عَلى العَوْدِ إلى الِاجْتِماعِ والِاعْتِدالِ بَعْدَ أنْ كانَتْ بِطابَعِها مُشْتاقَةً إلى التَّفَرُّقِ والنِّزاعِ، فَلِهَذا السَّبَبِ أضافَ الشِّفاءَ إلَيْهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، وما أضافَ المَرَضَ إلَيْهِ.
وثالِثُها: وهو أنَّ الشِّفاءَ مَحْبُوبٌ وهو مِن أُصُولِ النِّعَمِ، وكانَ مَقْصُودُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ تَعْدِيدَ النِّعَمِ، ولَمّا لَمْ يَكُنِ المَرَضُ مِنَ النِّعَمِ لا جَرَمَ لَمْ يُضِفْهُ إلَيْهِ تَعالى، فَإنْ نَقَضْتَهُ بِالإماتَةِ فَجَوابُهُ: أنَّ المَوْتَ لَيْسَ بِضَرَرٍ، لِأنَّ شَرْطَ كَوْنِهِ ضَرَرًا وُقُوعُ الإحْساسِ بِهِ، وحالَ حُصُولِ المَوْتِ لا يَقَعُ الإحْساسُ بِهِ، إنَّما الضَّرَرُ في مُقَدِّماتِهِ وذَلِكَ هو عَيْنُ المَرَضِ، وأيْضًا فَلِأنَّكَ قَدْ عَرَفْتَ أنَّ الأرْواحَ إذا كَمُلَتْ في العُلُومِ والأخْلاقِ كانَ بَقاؤُها في هَذِهِ الأجْسادِ عَيْنَ الضَّرَرِ وخُلاصَتُها عَنْها عَيْنَ السَّعادَةِ بِخِلافِ المَرَضِ.
ورابِعُها: قَوْلُهُ: ﴿والَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ﴾ والمُرادُ مِنهُ الإماتَةُ في الدُّنْيا والتَّخَلُّصُ عَنْ آفاتِها وعُقُوباتِها، والمُرادُ مِنَ الإحْياءِ المُجازاةُ.
وخامِسُها: قَوْلُهُ: ﴿والَّذِي أطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ فَهو إشارَةٌ إلى
صفحة ١٢٦
ما هو مَطْلُوبُ كُلِّ عاقِلٍ مِنَ الخَلاصِ عَنِ العَذابِ والفَوْزِ بِالثَّوابِ.
واعْلَمْ أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ جَمَعَ في هَذِهِ الألْفاظِ جَمِيعَ نِعَمِ اللَّهِ تَعالى مِن أوَّلِ الخَلْقِ إلى آخِرِ الأبَدِ في الدّارِ الآخِرَةِ.
* * *
ثُمَّ هَهُنا أسْئِلَةٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: لِمَ قالَ: ﴿والَّذِي أطْمَعُ﴾ والطَّمَعُ عِبارَةٌ عَنِ الظَّنِّ والرَّجاءِ، وإنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ قاطِعًا بِذَلِكَ ؟ جَوابُهُ: أنَّ هَذا الكَلامَ لا يَسْتَقِيمُ إلّا عَلى مَذْهَبِنا، حَيْثُ قُلْنا: إنَّهُ لا يَجِبُ عَلى اللَّهِ لِأحَدٍ شَيْءٌ، وأنَّهُ يَحْسُنُ مِنهُ كُلُّ شَيْءٍ ولا اعْتِراضَ لِأحَدٍ عَلَيْهِ في فِعْلِهِ، وأجابَ الجُبّائِيُّ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿والَّذِي أطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي﴾ أرادَ بِهِ سائِرَ المُؤْمِنِينَ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ يَطْمَعُونَ ولا يَقْطَعُونَ بِهِ.
الثّانِي: المُرادُ مِنَ الطَّمَعِ اليَقِينُ، وهو مَرْوِيٌّ عَنِ الحَسَنِ وأجابَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: بِأنَّهُ إنَّما ذَكَرَهُ عَلى هَذا الوجه تَعْلِيمًا مِنهُ لِأُمَّتِهِ كَيْفِيَّةَ الدُّعاءِ.
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الوُجُوهَ ضَعِيفَةٌ:
أمّا الأوَّلُ: فَلِأنَّ اللَّهَ تَعالى حَكى عَنْهُ الثَّناءَ أوَّلًا والدُّعاءَ ثانِيًا، ومِن أوَّلِ المَدْحِ إلى آخِرِ الدُّعاءِ كَلامُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَجَعَلَ الشَّيْءَ الواحِدَ وهو قَوْلُهُ: ﴿والَّذِي أطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ كَلامَ غَيْرِهِ مِمّا يُبْطِلُ نَظْمَ الكَلامِ ويُفْسِدُهُ.
وأمّا الثّانِي: وهو أنَّ الطَّمَعَ هو اليَقِينُ فَهَذا عَلى خِلافِ اللُّغَةِ.
وأمّا الثّالِثُ: وهو أنَّ الغَرَضَ مِنهُ تَعْلِيمُ الأُمَّةِ فَباطِلٌ أيْضًا لِأنَّ حاصِلَهُ يَرْجِعُ إلى أنَّهُ كَذَبَ عَلى نَفْسِهِ لِغَرَضِ تَعْلِيمِ الأُمَّةِ، وهو باطِلٌ قَطْعًا.
السُّؤالُ الثّانِي: لِمَ أسْنَدَ إلى نَفْسِهِ الخَطِيئَةَ مَعَ أنَّ الأنْبِياءَ مُنَزَّهُونَ عَنِ الخَطايا قَطْعًا ؟ وفي جَوابِهِ ثَلاثَةُ وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ مَحْمُولٌ عَلى كَذِبِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ في قَوْلِهِ: ﴿فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ﴾ [الأنبياء: ٦٣] وقَوْلِهِ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩] وقَوْلِهِ لِسارَّةَ: ”إنَّها أُخْتِي“ وهو ضَعِيفٌ لِأنَّ نِسْبَةَ الكَذِبِ إلَيْهِ غَيْرُ جائِزَةٍ.
وثانِيها: أنَّهُ ذَكَرَهُ عَلى سَبِيلِ التَّواضُعِ وهَضْمِ النَّفْسِ وهَذا ضَعِيفٌ لِأنَّهُ إنْ كانَ صادِقًا في هَذا التَّواضُعِ فَقَدْ لَزِمَ الإشْكالُ، وإنْ كانَ كاذِبًا فَحِينَئِذٍ يَرْجِعُ حاصِلُ الجَوابِ إلى إلْحاقِ المَعْصِيَةِ بِهِ لِأجْلِ تَنْزِيهِهِ عَنِ المَعْصِيَةِ.
وثالِثُها: وهو الجَوابُ الصَّحِيحُ أنْ يُحْمَلَ ذَلِكَ عَلى تَرْكِ الأوْلى، وقَدْ يُسَمّى ذَلِكَ خَطَأً فَإنَّ مَن مَلَكَ جَوْهَرَةً وأمْكَنَهُ أنْ يَبِيعَها بِألْفِ ألْفِ دِينارٍ فَإنْ باعَها بِدِينارٍ، قِيلَ إنَّهُ أخْطَأ، وتَرْكُ الأوْلى عَلى الأنْبِياءِ جائِزٌ.
السُّؤالُ الثّالِثُ: لِمَ عَلَّقَ مَغْفِرَةَ الخَطِيئَةِ بِيَوْمِ الدِّينِ، وإنَّما تُغْفَرُ في الدُّنْيا ؟ جَوابُهُ: لِأنَّ أثَرَها يَظْهَرُ يَوْمَ الدِّينِ وهو الآنَ خَفِيٌّ لا يُعْلَمُ.
السُّؤالُ الرّابِعُ: ما فائِدَةُ ”لِي“ في قَوْلِهِ: ﴿يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي﴾ ؟ وجَوابُهُ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ الأبَ إذا عَفا عَنْ ولَدِهِ والسَّيِّدَ عَنْ عَبْدِهِ والزَّوْجَ عَنْ زَوْجَتِهِ فَذَلِكَ في أكْثَرِ الأمْرِ إنَّما يَكُونُ طَلَبًا لِلثَّوابِ وهَرَبًا عَنِ العِقابِ أوْ طَلَبًا لِحُسْنِ الثَّناءِ والمَحْمَدَةِ أوْ دَفْعًا لِلْألَمِ الحاصِلِ مِنَ الرِّقَّةِ الجِنْسِيَّةِ وإذا كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنِ المَقْصُودُ مِن ذَلِكَ العَفْوِ رِعايَةَ جانِبِ المَعْفُوِّ عَنْهُ بَلْ رِعايَةَ جانِبِ نَفْسِهِ، إمّا لِتَحْصِيلِ ما يَنْبَغِي أوْ لِدَفْعِ ما لا يَنْبَغِي، أمّا الإلَهُ سُبْحانَهُ فَإنَّهُ كامِلٌ لِذاتِهِ فَيَسْتَحِيلُ أنْ تَحْدُثَ لَهُ صِفاتُ كَمالٍ لَمْ تَكُنْ أوْ يَزُولَ عَنْهُ نُقْصانٌ كانَ، وإذا كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ عَفْوُهُ إلّا رِعايَةً لِجانِبِ المَعْفُوِّ عَنْهُ فَقَوْلُهُ: ﴿والَّذِي أطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لِي﴾ يَعْنِي: هو الَّذِي إذا غَفَرَ كانَ غُفْرانُهُ لِي ولِأجْلِي لا لِأجْلِ أمْرٍ عائِدٍ إلَيْهِ البَتَّةَ.
وثانِيها: كَأنَّهُ قالَ: خَلَقْتَنِي لا لِي فَإنَّكَ حِينَ خَلَقْتَنِي ما كُنْتُ مَوْجُودًا وإذا لَمْ أكُنْ مَوْجُودًا اسْتَحالَ تَحْصِيلُ شَيْءٍ لِأجْلِي ثُمَّ مَعَ هَذا فَأنْتَ خَلَقْتَنِي، أمّا لَوْ عَفَوْتَ كانَ
صفحة ١٢٧
ذَلِكَ العَفْوُ لَأجْلِي، فَلَمّا خَلَقْتَنِي أوَّلًا مَعَ أنِّي كُنْتُ مُحْتاجًا إلى ذَلِكَ الخَلْقِ فَلِأنْ تَغْفِرَ لِي وتَعْفُوَ عَنِّي حالَ ما أكُونُ في أشَدِّ الحاجَةِ إلى العَفْوِ والمَغْفِرَةِ كانَ أوْلى.
وثالِثُها: أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ لِشِدَّةِ اسْتِغْراقِهِ في بَحْرِ المَعْرِفَةِ شَدِيدَ الفِرارِ عَنِ الِالتِفاتِ إلى الوَسائِطِ، ولِذَلِكَ لَمّا قالَ لَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”ألَكَ حاجَةٌ ؟ قالَ: أمّا إلَيْكَ فَلا“ فَهَهُنا قالَ: ﴿أطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ أيْ لِمُجَرَّدِ عُبُودِيَّتِي لَكَ واحْتِياجِي إلَيْكَ تَغْفِرُ لِي خَطِيئَتِي لا أنْ تَغْفِرَها لِي بِواسِطَةِ شَفاعَةِ شافِعٍ.
الشعراء 26:81
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهو يَهْدِينِ﴾ ﴿والَّذِي هو يُطْعِمُنِي ويَسْقِينِ﴾ ﴿وإذا مَرِضْتُ فَهو يَشْفِينِ﴾ ﴿والَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ﴾ ﴿والَّذِي أطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْهُ أنَّهُ اسْتَثْنى رَبَّ العالَمِينَ، حَكى عَنْهُ أيْضًا ما وصَفَهُ بِهِ مِمّا يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ لِأجْلِهِ، ثُمَّ حَكى عَنْهُ ما سَألَهُ عَنْهُ، أمّا الأوْصافُ فَأرْبَعَةٌ:
أوَّلُها: قَوْلُهُ: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهو يَهْدِينِ﴾ .
واعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ أثْنى عَلى نَفْسِهِ بِهَذَيْنِ الأمْرَيْنِ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى﴾ ﴿والَّذِي قَدَّرَ فَهَدى﴾ [الأعلى: ٢، ٣] واعْلَمْ أنَّ الخَلْقَ والهِدايَةَ بِهِما يَحْصُلُ جَمِيعُ المَنافِعِ لِكُلِّ مَن يَصِحُّ الِانْتِفاعُ عَلَيْهِ، فَلْنَتَكَلَّمْ في الإنْسانِ فَنَقُولُ: إنَّهُ مَخْلُوقٌ، فَمِنهم مَن قالَ: هو مِن عالَمِ الخَلْقِ والجُسْمانِيّاتِ، ومَن قالَ: هو مِن عالَمِ الأمْرِ والرُّوحانِيّاتِ، وتَرْكِيبُ البَدَنِ الَّذِي هو مِن عالَمِ الخَلْقِ مُقَدَّمٌ عَلى إعْطاءِ القَلْبِ الَّذِي هو مِن عالَمِ الأمْرِ عَلى ما أخْبَرَ عَنْهُ سُبْحانَهُ في قَوْلِهِ: ﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي﴾ [الحجر: ٢٩] فالتَّسْوِيَةُ إشارَةٌ إلى تَعْدِيلِ المِزاجِ وتَرْكِيبِ الأمْشاجِ، ونَفْخُ الرُّوحِ إشارَةٌ إلى اللَّطِيفَةِ الرَّبّانِيَّةِ النُّورانِيَّةِ الَّتِي هي مِن عالَمِ الأمْرِ، وأيْضًا قالَ: ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٢] ولَمّا تَمَّمَ مَراتِبَ تَغَيُّراتِ الأجْسامِ قالَ: ﴿ثُمَّ أنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ [المؤمنون: ١٤] وذَلِكَ إشارَةٌ إلى الرُّوحِ الَّذِي هو مِن عالَمِ المَلائِكَةِ، ولا شَكَّ أنَّ الهِدايَةَ إنَّما تَحْصُلُ مِنَ الرُّوحِ، فَقَدْ ظَهَرَ بِهَذِهِ الآياتِ أنَّ الخَلْقَ مُقَدَّمٌ عَلى الهِدايَةِ.
أمّا تَحْقِيقُهُ بِحَسَبِ المَباحِثِ الحَقِيقِيَّةِ، فَهو أنَّ بَدَنَ الإنْسانِ إنَّما يَتَوَلَّدُ عِنْدَ امْتِزاجِ المَنِيِّ بِدَمِ الطَّمْثِ، وهُما إنَّما يَتَوَلَّدانِ مِنَ الأغْذِيَةِ المُتَوَلِّدَةِ مَن تَرَكُّبِ العَناصِرِ الأرْبَعَةَ وتَفاعُلِها، فَإذا امْتَزَجَ المَنِيُّ بِالدَّمِ فَلا يَزالُ ما فِيها مِنَ الحارِّ والبارِدِ والرَّطْبِ واليابِسِ مُتَفاعِلًا، وما في كُلِّ واحِدٍ مِنها مِنَ القُوى كاسِرًا سَوْرَةَ كَيْفِيَّةِ الآخَرِ، فَحِينَئِذٍ يَحْصُلُ مِن تَفاعُلِهِما كَيْفِيَّةً مُتَوَسِّطَةً تَسْتَحِرُّ بِالقِياسِ إلى البارِدِ وتَسْتَبْرِدُ بِالقِياسِ إلى الحارِّ، وكَذا القَوْلُ في الرَّطْبِ واليابِسِ، وحِينَئِذٍ يَحْصُلُ الِاسْتِعْدادُ لِقَبُولِ قُوًى مُدَبِّرَةٍ لِذَلِكَ المُرَكَّبِ فَبَعْضُها قُوًى نَباتِيَّةٌ وهي الَّتِي
صفحة ١٢٥
تَجْذِبُ الغِذاءَ، ثُمَّ تُمْسِكُهُ ثُمَّ تَهْضِمُهُ ثُمَّ تَدْفَعُ الفَضْلَةَ المُؤْذِيَةَ، ثُمَّ تُقِيمُ تِلْكَ الأجْزاءَ بَدَلَ ما تَحَلَّلَ مِنها، ثُمَّ تَزِيدُ في جَوْهَرِ الأعْضاءِ طُولًا وعَرْضًا، ثُمَّ يَفْضُلُ عَنْ تِلْكَ المَوادِّ فَضْلَةٌ يُمْكِنُ أنْ يَتَوَلَّدَ عَنْها مِثْلُ ذَلِكَ، ومِنها قُوًى حَيَوانِيَّةٌ بَعْضُها مُدْرِكَةٌ كالحَواسِّ الخَمْسِ والخَيالِ والحِفْظِ والذِّكْرِ، وبَعْضُها فاعِلَةٌ: إمّا آمِرَةٌ: كالشَّهْوَةِ والغَضَبِ أوْ مَأْمُورَةٌ: كالقُوى المَرْكُوزَةِ في العَضَلاتِ، ومِنها قُوًى إنْسانِيَّةٌ وهي إمّا مُدْرِكَةٌ أوْ عامِلَةٌ، والقُوى المُدْرِكَةُ هي القُوى القَوِيَّةُ عَلى إدْراكِ حَقائِقِ الأشْياءِ الرُّوحانِيَّةِ والجُسْمانِيَّةِ والعُلْوِيَّةِ والسُّفْلِيَّةِ، ثُمَّ إنَّكَ إذا فَتَّشْتَ عَنْ كُلِّ واحِدَةٍ مِن مُرَكَّباتِ هَذا العالِمِ الجُسْمانِيِّ ومُفْرَداتِها وجَدْتَ لَها أشْياءَ تُلائِمُها وتُكْمِلُ حالَها وأشْياءَ تُنافِرُها وتُفْسِدُ حالَها، ووَجَدْتَ فِيها قُوًى جَذّابَةً لِلْمُلائِمِ دافِعَةً لِلْمُنافِي، فَقَدْ ظَهَرَ أنَّ صَلاحَ الحالِ في هَذِهِ الأشْياءِ لا يَتِمُّ إلّا بِالخَلْقِ والهِدايَةِ. أمّا الخَلْقُ فَبِتَصْيِيرِهِ مَوْجُودًا بَعْدَ أنْ كانَ مَعْدُومًا، وأمّا الهِدايَةُ فَبِتِلْكَ القُوى الجَذّابَةِ لِلْمَنافِعِ والدّافِعَةِ لِلْمَضارِّ فَثَبَتَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿خَلَقَنِي فَهو يَهْدِينِ﴾ كَلِمَةٌ جامِعَةٌ حاوِيَةٌ لِجَمِيعِ المَنافِعِ في الدُّنْيا والدِّينِ، ثُمَّ هَهُنا دَقِيقَةٌ وهو أنَّهُ قالَ: ﴿خَلَقَنِي﴾ فَذَكَرَهُ بِلَفْظِ الماضِي وقالَ: ﴿يَهْدِينِ﴾ ذَكَرَهُ بِلَفْظِ المُسْتَقْبَلِ، والسَّبَبُ في ذَلِكَ أنَّ خَلْقَ الذّاتِ لا يَتَجَدَّدُ في الدُّنْيا، بَلْ لَمّا وقَعَ بَقِيَ إلى الأمَدِ المَعْلُومِ.
أمّا هِدايَتُهُ تَعالى فَهي مِمّا يَتَكَرَّرُ كُلَّ حِينٍ وأوانٍ سَواءً كانَ ذَلِكَ هِدايَةً في المَنافِعِ الدُّنْيَوِيَّةِ، وذَلِكَ بِأنَّ تَحَكُّمَ الحَواسِّ بِتَمْيِيزِ المَنافِعِ عَنِ المَضارِّ أوْ في المَنافِعِ الدِّينِيَّةِ وذَلِكَ بِأنْ يَحْكُمَ العَقْلِ بِتَمْيِيزِ الحَقِّ عَنِ الباطِلِ والخَيْرِ عَنِ الشَّرِّ، فَبَيَّنَ بِذَلِكَ أنَّهُ سُبْحانَهُ هو الَّذِي خَلَقَهُ بِسائِرِ ما تَكامَلَ بِهِ خَلْقُهُ في الماضِي دُفْعَةً واحِدَةً، وأنَّهُ يَهْدِيهِ إلى مَصالِحِ الدِّينِ والدُّنْيا بِضُرُوبِ الهِداياتِ في كُلِّ لَحْظَةٍ ولَمْحَةٍ.
وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿والَّذِي هو يُطْعِمُنِي ويَسْقِينِ﴾ وقَدْ دَخَلَ فِيهِ كُلُّ ما يَتَّصِلُ بِمَنافِعِ الرِّزْقِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ إذا خَلَقَ لَهُ الطَّعامَ ومَلَّكَهُ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ ما يَتَمَكَّنُ بِهِ مِن أكْلِهِ والِاغْتِذاءِ بِهِ نَحْوَ الشَّهْوَةِ والقُوَّةِ والتَّمْيِيزِ لَمْ تَكْمُلْ هَذِهِ النِّعْمَةُ، وذَكَرَ الطَّعامَ والشَّرابَ ونَبَّهَ بِذِكْرِهِما عَلى ما عَداهُما.
وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿وإذا مَرِضْتُ فَهو يَشْفِينِ﴾ وفِيهِ سُؤالٌ وهو أنَّهُ لِمَ قالَ: ﴿مَرِضْتُ﴾ دُونَ أمْرَضَنِي ؟ وجَوابُهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ كَثِيرًا مِن أسْبابِ المَرَضِ يَحْدُثُ بِتَفْرِيطٍ مِنَ الإنْسانِ في مَطاعِمِهِ ومَشارِبِهِ وغَيْرِ ذَلِكَ، ومِن ثَمَّ قالَتِ الحُكَماءُ: لَوْ قِيلَ لَأكْثَرِ المَوْتى ما سَبَبُ آجالِكم ؟ لَقالُوا التُّخَمُ.
الثّانِي: أنَّ المَرَضَ إنَّما يَحْدُثُ بِاسْتِيلاءِ بَعْضِ الأخْلاطِ عَلى بَعْضٍ، وذَلِكَ الِاسْتِيلاءُ إنَّما يَحْصُلُ بِسَبَبِ ما بَيْنَها مِنَ التَّنافُرِ الطَّبِيعِيِّ. أمّا الصِّحَّةُ فَهي إنَّما تَحْصُلُ عِنْدَ بَقاءِ الأخْلاطِ عَلى اعْتِدالِها، وبَقاؤُها عَلى اعْتِدالِها إنَّما يَكُونُ بِسَبَبٍ قاهِرٍ يَقْهَرُها عَلى الِاجْتِماعِ، وعَوْدُها إلى الصِّحَّةِ إنَّما يَكُونُ أيْضًا بِسَبَبٍ قاهِرٍ يَقْهَرُها عَلى العَوْدِ إلى الِاجْتِماعِ والِاعْتِدالِ بَعْدَ أنْ كانَتْ بِطابَعِها مُشْتاقَةً إلى التَّفَرُّقِ والنِّزاعِ، فَلِهَذا السَّبَبِ أضافَ الشِّفاءَ إلَيْهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، وما أضافَ المَرَضَ إلَيْهِ.
وثالِثُها: وهو أنَّ الشِّفاءَ مَحْبُوبٌ وهو مِن أُصُولِ النِّعَمِ، وكانَ مَقْصُودُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ تَعْدِيدَ النِّعَمِ، ولَمّا لَمْ يَكُنِ المَرَضُ مِنَ النِّعَمِ لا جَرَمَ لَمْ يُضِفْهُ إلَيْهِ تَعالى، فَإنْ نَقَضْتَهُ بِالإماتَةِ فَجَوابُهُ: أنَّ المَوْتَ لَيْسَ بِضَرَرٍ، لِأنَّ شَرْطَ كَوْنِهِ ضَرَرًا وُقُوعُ الإحْساسِ بِهِ، وحالَ حُصُولِ المَوْتِ لا يَقَعُ الإحْساسُ بِهِ، إنَّما الضَّرَرُ في مُقَدِّماتِهِ وذَلِكَ هو عَيْنُ المَرَضِ، وأيْضًا فَلِأنَّكَ قَدْ عَرَفْتَ أنَّ الأرْواحَ إذا كَمُلَتْ في العُلُومِ والأخْلاقِ كانَ بَقاؤُها في هَذِهِ الأجْسادِ عَيْنَ الضَّرَرِ وخُلاصَتُها عَنْها عَيْنَ السَّعادَةِ بِخِلافِ المَرَضِ.
ورابِعُها: قَوْلُهُ: ﴿والَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ﴾ والمُرادُ مِنهُ الإماتَةُ في الدُّنْيا والتَّخَلُّصُ عَنْ آفاتِها وعُقُوباتِها، والمُرادُ مِنَ الإحْياءِ المُجازاةُ.
وخامِسُها: قَوْلُهُ: ﴿والَّذِي أطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ فَهو إشارَةٌ إلى
صفحة ١٢٦
ما هو مَطْلُوبُ كُلِّ عاقِلٍ مِنَ الخَلاصِ عَنِ العَذابِ والفَوْزِ بِالثَّوابِ.
واعْلَمْ أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ جَمَعَ في هَذِهِ الألْفاظِ جَمِيعَ نِعَمِ اللَّهِ تَعالى مِن أوَّلِ الخَلْقِ إلى آخِرِ الأبَدِ في الدّارِ الآخِرَةِ.
* * *
ثُمَّ هَهُنا أسْئِلَةٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: لِمَ قالَ: ﴿والَّذِي أطْمَعُ﴾ والطَّمَعُ عِبارَةٌ عَنِ الظَّنِّ والرَّجاءِ، وإنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ قاطِعًا بِذَلِكَ ؟ جَوابُهُ: أنَّ هَذا الكَلامَ لا يَسْتَقِيمُ إلّا عَلى مَذْهَبِنا، حَيْثُ قُلْنا: إنَّهُ لا يَجِبُ عَلى اللَّهِ لِأحَدٍ شَيْءٌ، وأنَّهُ يَحْسُنُ مِنهُ كُلُّ شَيْءٍ ولا اعْتِراضَ لِأحَدٍ عَلَيْهِ في فِعْلِهِ، وأجابَ الجُبّائِيُّ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿والَّذِي أطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي﴾ أرادَ بِهِ سائِرَ المُؤْمِنِينَ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ يَطْمَعُونَ ولا يَقْطَعُونَ بِهِ.
الثّانِي: المُرادُ مِنَ الطَّمَعِ اليَقِينُ، وهو مَرْوِيٌّ عَنِ الحَسَنِ وأجابَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: بِأنَّهُ إنَّما ذَكَرَهُ عَلى هَذا الوجه تَعْلِيمًا مِنهُ لِأُمَّتِهِ كَيْفِيَّةَ الدُّعاءِ.
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الوُجُوهَ ضَعِيفَةٌ:
أمّا الأوَّلُ: فَلِأنَّ اللَّهَ تَعالى حَكى عَنْهُ الثَّناءَ أوَّلًا والدُّعاءَ ثانِيًا، ومِن أوَّلِ المَدْحِ إلى آخِرِ الدُّعاءِ كَلامُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَجَعَلَ الشَّيْءَ الواحِدَ وهو قَوْلُهُ: ﴿والَّذِي أطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ كَلامَ غَيْرِهِ مِمّا يُبْطِلُ نَظْمَ الكَلامِ ويُفْسِدُهُ.
وأمّا الثّانِي: وهو أنَّ الطَّمَعَ هو اليَقِينُ فَهَذا عَلى خِلافِ اللُّغَةِ.
وأمّا الثّالِثُ: وهو أنَّ الغَرَضَ مِنهُ تَعْلِيمُ الأُمَّةِ فَباطِلٌ أيْضًا لِأنَّ حاصِلَهُ يَرْجِعُ إلى أنَّهُ كَذَبَ عَلى نَفْسِهِ لِغَرَضِ تَعْلِيمِ الأُمَّةِ، وهو باطِلٌ قَطْعًا.
السُّؤالُ الثّانِي: لِمَ أسْنَدَ إلى نَفْسِهِ الخَطِيئَةَ مَعَ أنَّ الأنْبِياءَ مُنَزَّهُونَ عَنِ الخَطايا قَطْعًا ؟ وفي جَوابِهِ ثَلاثَةُ وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ مَحْمُولٌ عَلى كَذِبِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ في قَوْلِهِ: ﴿فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ﴾ [الأنبياء: ٦٣] وقَوْلِهِ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩] وقَوْلِهِ لِسارَّةَ: ”إنَّها أُخْتِي“ وهو ضَعِيفٌ لِأنَّ نِسْبَةَ الكَذِبِ إلَيْهِ غَيْرُ جائِزَةٍ.
وثانِيها: أنَّهُ ذَكَرَهُ عَلى سَبِيلِ التَّواضُعِ وهَضْمِ النَّفْسِ وهَذا ضَعِيفٌ لِأنَّهُ إنْ كانَ صادِقًا في هَذا التَّواضُعِ فَقَدْ لَزِمَ الإشْكالُ، وإنْ كانَ كاذِبًا فَحِينَئِذٍ يَرْجِعُ حاصِلُ الجَوابِ إلى إلْحاقِ المَعْصِيَةِ بِهِ لِأجْلِ تَنْزِيهِهِ عَنِ المَعْصِيَةِ.
وثالِثُها: وهو الجَوابُ الصَّحِيحُ أنْ يُحْمَلَ ذَلِكَ عَلى تَرْكِ الأوْلى، وقَدْ يُسَمّى ذَلِكَ خَطَأً فَإنَّ مَن مَلَكَ جَوْهَرَةً وأمْكَنَهُ أنْ يَبِيعَها بِألْفِ ألْفِ دِينارٍ فَإنْ باعَها بِدِينارٍ، قِيلَ إنَّهُ أخْطَأ، وتَرْكُ الأوْلى عَلى الأنْبِياءِ جائِزٌ.
السُّؤالُ الثّالِثُ: لِمَ عَلَّقَ مَغْفِرَةَ الخَطِيئَةِ بِيَوْمِ الدِّينِ، وإنَّما تُغْفَرُ في الدُّنْيا ؟ جَوابُهُ: لِأنَّ أثَرَها يَظْهَرُ يَوْمَ الدِّينِ وهو الآنَ خَفِيٌّ لا يُعْلَمُ.
السُّؤالُ الرّابِعُ: ما فائِدَةُ ”لِي“ في قَوْلِهِ: ﴿يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي﴾ ؟ وجَوابُهُ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ الأبَ إذا عَفا عَنْ ولَدِهِ والسَّيِّدَ عَنْ عَبْدِهِ والزَّوْجَ عَنْ زَوْجَتِهِ فَذَلِكَ في أكْثَرِ الأمْرِ إنَّما يَكُونُ طَلَبًا لِلثَّوابِ وهَرَبًا عَنِ العِقابِ أوْ طَلَبًا لِحُسْنِ الثَّناءِ والمَحْمَدَةِ أوْ دَفْعًا لِلْألَمِ الحاصِلِ مِنَ الرِّقَّةِ الجِنْسِيَّةِ وإذا كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنِ المَقْصُودُ مِن ذَلِكَ العَفْوِ رِعايَةَ جانِبِ المَعْفُوِّ عَنْهُ بَلْ رِعايَةَ جانِبِ نَفْسِهِ، إمّا لِتَحْصِيلِ ما يَنْبَغِي أوْ لِدَفْعِ ما لا يَنْبَغِي، أمّا الإلَهُ سُبْحانَهُ فَإنَّهُ كامِلٌ لِذاتِهِ فَيَسْتَحِيلُ أنْ تَحْدُثَ لَهُ صِفاتُ كَمالٍ لَمْ تَكُنْ أوْ يَزُولَ عَنْهُ نُقْصانٌ كانَ، وإذا كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ عَفْوُهُ إلّا رِعايَةً لِجانِبِ المَعْفُوِّ عَنْهُ فَقَوْلُهُ: ﴿والَّذِي أطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لِي﴾ يَعْنِي: هو الَّذِي إذا غَفَرَ كانَ غُفْرانُهُ لِي ولِأجْلِي لا لِأجْلِ أمْرٍ عائِدٍ إلَيْهِ البَتَّةَ.
وثانِيها: كَأنَّهُ قالَ: خَلَقْتَنِي لا لِي فَإنَّكَ حِينَ خَلَقْتَنِي ما كُنْتُ مَوْجُودًا وإذا لَمْ أكُنْ مَوْجُودًا اسْتَحالَ تَحْصِيلُ شَيْءٍ لِأجْلِي ثُمَّ مَعَ هَذا فَأنْتَ خَلَقْتَنِي، أمّا لَوْ عَفَوْتَ كانَ
صفحة ١٢٧
ذَلِكَ العَفْوُ لَأجْلِي، فَلَمّا خَلَقْتَنِي أوَّلًا مَعَ أنِّي كُنْتُ مُحْتاجًا إلى ذَلِكَ الخَلْقِ فَلِأنْ تَغْفِرَ لِي وتَعْفُوَ عَنِّي حالَ ما أكُونُ في أشَدِّ الحاجَةِ إلى العَفْوِ والمَغْفِرَةِ كانَ أوْلى.
وثالِثُها: أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ لِشِدَّةِ اسْتِغْراقِهِ في بَحْرِ المَعْرِفَةِ شَدِيدَ الفِرارِ عَنِ الِالتِفاتِ إلى الوَسائِطِ، ولِذَلِكَ لَمّا قالَ لَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”ألَكَ حاجَةٌ ؟ قالَ: أمّا إلَيْكَ فَلا“ فَهَهُنا قالَ: ﴿أطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ أيْ لِمُجَرَّدِ عُبُودِيَّتِي لَكَ واحْتِياجِي إلَيْكَ تَغْفِرُ لِي خَطِيئَتِي لا أنْ تَغْفِرَها لِي بِواسِطَةِ شَفاعَةِ شافِعٍ.
الشعراء 26:82
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهو يَهْدِينِ﴾ ﴿والَّذِي هو يُطْعِمُنِي ويَسْقِينِ﴾ ﴿وإذا مَرِضْتُ فَهو يَشْفِينِ﴾ ﴿والَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ﴾ ﴿والَّذِي أطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْهُ أنَّهُ اسْتَثْنى رَبَّ العالَمِينَ، حَكى عَنْهُ أيْضًا ما وصَفَهُ بِهِ مِمّا يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ لِأجْلِهِ، ثُمَّ حَكى عَنْهُ ما سَألَهُ عَنْهُ، أمّا الأوْصافُ فَأرْبَعَةٌ:
أوَّلُها: قَوْلُهُ: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهو يَهْدِينِ﴾ .
واعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ أثْنى عَلى نَفْسِهِ بِهَذَيْنِ الأمْرَيْنِ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى﴾ ﴿والَّذِي قَدَّرَ فَهَدى﴾ [الأعلى: ٢، ٣] واعْلَمْ أنَّ الخَلْقَ والهِدايَةَ بِهِما يَحْصُلُ جَمِيعُ المَنافِعِ لِكُلِّ مَن يَصِحُّ الِانْتِفاعُ عَلَيْهِ، فَلْنَتَكَلَّمْ في الإنْسانِ فَنَقُولُ: إنَّهُ مَخْلُوقٌ، فَمِنهم مَن قالَ: هو مِن عالَمِ الخَلْقِ والجُسْمانِيّاتِ، ومَن قالَ: هو مِن عالَمِ الأمْرِ والرُّوحانِيّاتِ، وتَرْكِيبُ البَدَنِ الَّذِي هو مِن عالَمِ الخَلْقِ مُقَدَّمٌ عَلى إعْطاءِ القَلْبِ الَّذِي هو مِن عالَمِ الأمْرِ عَلى ما أخْبَرَ عَنْهُ سُبْحانَهُ في قَوْلِهِ: ﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي﴾ [الحجر: ٢٩] فالتَّسْوِيَةُ إشارَةٌ إلى تَعْدِيلِ المِزاجِ وتَرْكِيبِ الأمْشاجِ، ونَفْخُ الرُّوحِ إشارَةٌ إلى اللَّطِيفَةِ الرَّبّانِيَّةِ النُّورانِيَّةِ الَّتِي هي مِن عالَمِ الأمْرِ، وأيْضًا قالَ: ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٢] ولَمّا تَمَّمَ مَراتِبَ تَغَيُّراتِ الأجْسامِ قالَ: ﴿ثُمَّ أنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ [المؤمنون: ١٤] وذَلِكَ إشارَةٌ إلى الرُّوحِ الَّذِي هو مِن عالَمِ المَلائِكَةِ، ولا شَكَّ أنَّ الهِدايَةَ إنَّما تَحْصُلُ مِنَ الرُّوحِ، فَقَدْ ظَهَرَ بِهَذِهِ الآياتِ أنَّ الخَلْقَ مُقَدَّمٌ عَلى الهِدايَةِ.
أمّا تَحْقِيقُهُ بِحَسَبِ المَباحِثِ الحَقِيقِيَّةِ، فَهو أنَّ بَدَنَ الإنْسانِ إنَّما يَتَوَلَّدُ عِنْدَ امْتِزاجِ المَنِيِّ بِدَمِ الطَّمْثِ، وهُما إنَّما يَتَوَلَّدانِ مِنَ الأغْذِيَةِ المُتَوَلِّدَةِ مَن تَرَكُّبِ العَناصِرِ الأرْبَعَةَ وتَفاعُلِها، فَإذا امْتَزَجَ المَنِيُّ بِالدَّمِ فَلا يَزالُ ما فِيها مِنَ الحارِّ والبارِدِ والرَّطْبِ واليابِسِ مُتَفاعِلًا، وما في كُلِّ واحِدٍ مِنها مِنَ القُوى كاسِرًا سَوْرَةَ كَيْفِيَّةِ الآخَرِ، فَحِينَئِذٍ يَحْصُلُ مِن تَفاعُلِهِما كَيْفِيَّةً مُتَوَسِّطَةً تَسْتَحِرُّ بِالقِياسِ إلى البارِدِ وتَسْتَبْرِدُ بِالقِياسِ إلى الحارِّ، وكَذا القَوْلُ في الرَّطْبِ واليابِسِ، وحِينَئِذٍ يَحْصُلُ الِاسْتِعْدادُ لِقَبُولِ قُوًى مُدَبِّرَةٍ لِذَلِكَ المُرَكَّبِ فَبَعْضُها قُوًى نَباتِيَّةٌ وهي الَّتِي
صفحة ١٢٥
تَجْذِبُ الغِذاءَ، ثُمَّ تُمْسِكُهُ ثُمَّ تَهْضِمُهُ ثُمَّ تَدْفَعُ الفَضْلَةَ المُؤْذِيَةَ، ثُمَّ تُقِيمُ تِلْكَ الأجْزاءَ بَدَلَ ما تَحَلَّلَ مِنها، ثُمَّ تَزِيدُ في جَوْهَرِ الأعْضاءِ طُولًا وعَرْضًا، ثُمَّ يَفْضُلُ عَنْ تِلْكَ المَوادِّ فَضْلَةٌ يُمْكِنُ أنْ يَتَوَلَّدَ عَنْها مِثْلُ ذَلِكَ، ومِنها قُوًى حَيَوانِيَّةٌ بَعْضُها مُدْرِكَةٌ كالحَواسِّ الخَمْسِ والخَيالِ والحِفْظِ والذِّكْرِ، وبَعْضُها فاعِلَةٌ: إمّا آمِرَةٌ: كالشَّهْوَةِ والغَضَبِ أوْ مَأْمُورَةٌ: كالقُوى المَرْكُوزَةِ في العَضَلاتِ، ومِنها قُوًى إنْسانِيَّةٌ وهي إمّا مُدْرِكَةٌ أوْ عامِلَةٌ، والقُوى المُدْرِكَةُ هي القُوى القَوِيَّةُ عَلى إدْراكِ حَقائِقِ الأشْياءِ الرُّوحانِيَّةِ والجُسْمانِيَّةِ والعُلْوِيَّةِ والسُّفْلِيَّةِ، ثُمَّ إنَّكَ إذا فَتَّشْتَ عَنْ كُلِّ واحِدَةٍ مِن مُرَكَّباتِ هَذا العالِمِ الجُسْمانِيِّ ومُفْرَداتِها وجَدْتَ لَها أشْياءَ تُلائِمُها وتُكْمِلُ حالَها وأشْياءَ تُنافِرُها وتُفْسِدُ حالَها، ووَجَدْتَ فِيها قُوًى جَذّابَةً لِلْمُلائِمِ دافِعَةً لِلْمُنافِي، فَقَدْ ظَهَرَ أنَّ صَلاحَ الحالِ في هَذِهِ الأشْياءِ لا يَتِمُّ إلّا بِالخَلْقِ والهِدايَةِ. أمّا الخَلْقُ فَبِتَصْيِيرِهِ مَوْجُودًا بَعْدَ أنْ كانَ مَعْدُومًا، وأمّا الهِدايَةُ فَبِتِلْكَ القُوى الجَذّابَةِ لِلْمَنافِعِ والدّافِعَةِ لِلْمَضارِّ فَثَبَتَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿خَلَقَنِي فَهو يَهْدِينِ﴾ كَلِمَةٌ جامِعَةٌ حاوِيَةٌ لِجَمِيعِ المَنافِعِ في الدُّنْيا والدِّينِ، ثُمَّ هَهُنا دَقِيقَةٌ وهو أنَّهُ قالَ: ﴿خَلَقَنِي﴾ فَذَكَرَهُ بِلَفْظِ الماضِي وقالَ: ﴿يَهْدِينِ﴾ ذَكَرَهُ بِلَفْظِ المُسْتَقْبَلِ، والسَّبَبُ في ذَلِكَ أنَّ خَلْقَ الذّاتِ لا يَتَجَدَّدُ في الدُّنْيا، بَلْ لَمّا وقَعَ بَقِيَ إلى الأمَدِ المَعْلُومِ.
أمّا هِدايَتُهُ تَعالى فَهي مِمّا يَتَكَرَّرُ كُلَّ حِينٍ وأوانٍ سَواءً كانَ ذَلِكَ هِدايَةً في المَنافِعِ الدُّنْيَوِيَّةِ، وذَلِكَ بِأنَّ تَحَكُّمَ الحَواسِّ بِتَمْيِيزِ المَنافِعِ عَنِ المَضارِّ أوْ في المَنافِعِ الدِّينِيَّةِ وذَلِكَ بِأنْ يَحْكُمَ العَقْلِ بِتَمْيِيزِ الحَقِّ عَنِ الباطِلِ والخَيْرِ عَنِ الشَّرِّ، فَبَيَّنَ بِذَلِكَ أنَّهُ سُبْحانَهُ هو الَّذِي خَلَقَهُ بِسائِرِ ما تَكامَلَ بِهِ خَلْقُهُ في الماضِي دُفْعَةً واحِدَةً، وأنَّهُ يَهْدِيهِ إلى مَصالِحِ الدِّينِ والدُّنْيا بِضُرُوبِ الهِداياتِ في كُلِّ لَحْظَةٍ ولَمْحَةٍ.
وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿والَّذِي هو يُطْعِمُنِي ويَسْقِينِ﴾ وقَدْ دَخَلَ فِيهِ كُلُّ ما يَتَّصِلُ بِمَنافِعِ الرِّزْقِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ إذا خَلَقَ لَهُ الطَّعامَ ومَلَّكَهُ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ ما يَتَمَكَّنُ بِهِ مِن أكْلِهِ والِاغْتِذاءِ بِهِ نَحْوَ الشَّهْوَةِ والقُوَّةِ والتَّمْيِيزِ لَمْ تَكْمُلْ هَذِهِ النِّعْمَةُ، وذَكَرَ الطَّعامَ والشَّرابَ ونَبَّهَ بِذِكْرِهِما عَلى ما عَداهُما.
وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿وإذا مَرِضْتُ فَهو يَشْفِينِ﴾ وفِيهِ سُؤالٌ وهو أنَّهُ لِمَ قالَ: ﴿مَرِضْتُ﴾ دُونَ أمْرَضَنِي ؟ وجَوابُهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ كَثِيرًا مِن أسْبابِ المَرَضِ يَحْدُثُ بِتَفْرِيطٍ مِنَ الإنْسانِ في مَطاعِمِهِ ومَشارِبِهِ وغَيْرِ ذَلِكَ، ومِن ثَمَّ قالَتِ الحُكَماءُ: لَوْ قِيلَ لَأكْثَرِ المَوْتى ما سَبَبُ آجالِكم ؟ لَقالُوا التُّخَمُ.
الثّانِي: أنَّ المَرَضَ إنَّما يَحْدُثُ بِاسْتِيلاءِ بَعْضِ الأخْلاطِ عَلى بَعْضٍ، وذَلِكَ الِاسْتِيلاءُ إنَّما يَحْصُلُ بِسَبَبِ ما بَيْنَها مِنَ التَّنافُرِ الطَّبِيعِيِّ. أمّا الصِّحَّةُ فَهي إنَّما تَحْصُلُ عِنْدَ بَقاءِ الأخْلاطِ عَلى اعْتِدالِها، وبَقاؤُها عَلى اعْتِدالِها إنَّما يَكُونُ بِسَبَبٍ قاهِرٍ يَقْهَرُها عَلى الِاجْتِماعِ، وعَوْدُها إلى الصِّحَّةِ إنَّما يَكُونُ أيْضًا بِسَبَبٍ قاهِرٍ يَقْهَرُها عَلى العَوْدِ إلى الِاجْتِماعِ والِاعْتِدالِ بَعْدَ أنْ كانَتْ بِطابَعِها مُشْتاقَةً إلى التَّفَرُّقِ والنِّزاعِ، فَلِهَذا السَّبَبِ أضافَ الشِّفاءَ إلَيْهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، وما أضافَ المَرَضَ إلَيْهِ.
وثالِثُها: وهو أنَّ الشِّفاءَ مَحْبُوبٌ وهو مِن أُصُولِ النِّعَمِ، وكانَ مَقْصُودُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ تَعْدِيدَ النِّعَمِ، ولَمّا لَمْ يَكُنِ المَرَضُ مِنَ النِّعَمِ لا جَرَمَ لَمْ يُضِفْهُ إلَيْهِ تَعالى، فَإنْ نَقَضْتَهُ بِالإماتَةِ فَجَوابُهُ: أنَّ المَوْتَ لَيْسَ بِضَرَرٍ، لِأنَّ شَرْطَ كَوْنِهِ ضَرَرًا وُقُوعُ الإحْساسِ بِهِ، وحالَ حُصُولِ المَوْتِ لا يَقَعُ الإحْساسُ بِهِ، إنَّما الضَّرَرُ في مُقَدِّماتِهِ وذَلِكَ هو عَيْنُ المَرَضِ، وأيْضًا فَلِأنَّكَ قَدْ عَرَفْتَ أنَّ الأرْواحَ إذا كَمُلَتْ في العُلُومِ والأخْلاقِ كانَ بَقاؤُها في هَذِهِ الأجْسادِ عَيْنَ الضَّرَرِ وخُلاصَتُها عَنْها عَيْنَ السَّعادَةِ بِخِلافِ المَرَضِ.
ورابِعُها: قَوْلُهُ: ﴿والَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ﴾ والمُرادُ مِنهُ الإماتَةُ في الدُّنْيا والتَّخَلُّصُ عَنْ آفاتِها وعُقُوباتِها، والمُرادُ مِنَ الإحْياءِ المُجازاةُ.
وخامِسُها: قَوْلُهُ: ﴿والَّذِي أطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ فَهو إشارَةٌ إلى
صفحة ١٢٦
ما هو مَطْلُوبُ كُلِّ عاقِلٍ مِنَ الخَلاصِ عَنِ العَذابِ والفَوْزِ بِالثَّوابِ.
واعْلَمْ أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ جَمَعَ في هَذِهِ الألْفاظِ جَمِيعَ نِعَمِ اللَّهِ تَعالى مِن أوَّلِ الخَلْقِ إلى آخِرِ الأبَدِ في الدّارِ الآخِرَةِ.
* * *
ثُمَّ هَهُنا أسْئِلَةٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: لِمَ قالَ: ﴿والَّذِي أطْمَعُ﴾ والطَّمَعُ عِبارَةٌ عَنِ الظَّنِّ والرَّجاءِ، وإنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ قاطِعًا بِذَلِكَ ؟ جَوابُهُ: أنَّ هَذا الكَلامَ لا يَسْتَقِيمُ إلّا عَلى مَذْهَبِنا، حَيْثُ قُلْنا: إنَّهُ لا يَجِبُ عَلى اللَّهِ لِأحَدٍ شَيْءٌ، وأنَّهُ يَحْسُنُ مِنهُ كُلُّ شَيْءٍ ولا اعْتِراضَ لِأحَدٍ عَلَيْهِ في فِعْلِهِ، وأجابَ الجُبّائِيُّ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿والَّذِي أطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي﴾ أرادَ بِهِ سائِرَ المُؤْمِنِينَ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ يَطْمَعُونَ ولا يَقْطَعُونَ بِهِ.
الثّانِي: المُرادُ مِنَ الطَّمَعِ اليَقِينُ، وهو مَرْوِيٌّ عَنِ الحَسَنِ وأجابَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: بِأنَّهُ إنَّما ذَكَرَهُ عَلى هَذا الوجه تَعْلِيمًا مِنهُ لِأُمَّتِهِ كَيْفِيَّةَ الدُّعاءِ.
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الوُجُوهَ ضَعِيفَةٌ:
أمّا الأوَّلُ: فَلِأنَّ اللَّهَ تَعالى حَكى عَنْهُ الثَّناءَ أوَّلًا والدُّعاءَ ثانِيًا، ومِن أوَّلِ المَدْحِ إلى آخِرِ الدُّعاءِ كَلامُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَجَعَلَ الشَّيْءَ الواحِدَ وهو قَوْلُهُ: ﴿والَّذِي أطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ كَلامَ غَيْرِهِ مِمّا يُبْطِلُ نَظْمَ الكَلامِ ويُفْسِدُهُ.
وأمّا الثّانِي: وهو أنَّ الطَّمَعَ هو اليَقِينُ فَهَذا عَلى خِلافِ اللُّغَةِ.
وأمّا الثّالِثُ: وهو أنَّ الغَرَضَ مِنهُ تَعْلِيمُ الأُمَّةِ فَباطِلٌ أيْضًا لِأنَّ حاصِلَهُ يَرْجِعُ إلى أنَّهُ كَذَبَ عَلى نَفْسِهِ لِغَرَضِ تَعْلِيمِ الأُمَّةِ، وهو باطِلٌ قَطْعًا.
السُّؤالُ الثّانِي: لِمَ أسْنَدَ إلى نَفْسِهِ الخَطِيئَةَ مَعَ أنَّ الأنْبِياءَ مُنَزَّهُونَ عَنِ الخَطايا قَطْعًا ؟ وفي جَوابِهِ ثَلاثَةُ وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ مَحْمُولٌ عَلى كَذِبِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ في قَوْلِهِ: ﴿فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ﴾ [الأنبياء: ٦٣] وقَوْلِهِ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩] وقَوْلِهِ لِسارَّةَ: ”إنَّها أُخْتِي“ وهو ضَعِيفٌ لِأنَّ نِسْبَةَ الكَذِبِ إلَيْهِ غَيْرُ جائِزَةٍ.
وثانِيها: أنَّهُ ذَكَرَهُ عَلى سَبِيلِ التَّواضُعِ وهَضْمِ النَّفْسِ وهَذا ضَعِيفٌ لِأنَّهُ إنْ كانَ صادِقًا في هَذا التَّواضُعِ فَقَدْ لَزِمَ الإشْكالُ، وإنْ كانَ كاذِبًا فَحِينَئِذٍ يَرْجِعُ حاصِلُ الجَوابِ إلى إلْحاقِ المَعْصِيَةِ بِهِ لِأجْلِ تَنْزِيهِهِ عَنِ المَعْصِيَةِ.
وثالِثُها: وهو الجَوابُ الصَّحِيحُ أنْ يُحْمَلَ ذَلِكَ عَلى تَرْكِ الأوْلى، وقَدْ يُسَمّى ذَلِكَ خَطَأً فَإنَّ مَن مَلَكَ جَوْهَرَةً وأمْكَنَهُ أنْ يَبِيعَها بِألْفِ ألْفِ دِينارٍ فَإنْ باعَها بِدِينارٍ، قِيلَ إنَّهُ أخْطَأ، وتَرْكُ الأوْلى عَلى الأنْبِياءِ جائِزٌ.
السُّؤالُ الثّالِثُ: لِمَ عَلَّقَ مَغْفِرَةَ الخَطِيئَةِ بِيَوْمِ الدِّينِ، وإنَّما تُغْفَرُ في الدُّنْيا ؟ جَوابُهُ: لِأنَّ أثَرَها يَظْهَرُ يَوْمَ الدِّينِ وهو الآنَ خَفِيٌّ لا يُعْلَمُ.
السُّؤالُ الرّابِعُ: ما فائِدَةُ ”لِي“ في قَوْلِهِ: ﴿يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي﴾ ؟ وجَوابُهُ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ الأبَ إذا عَفا عَنْ ولَدِهِ والسَّيِّدَ عَنْ عَبْدِهِ والزَّوْجَ عَنْ زَوْجَتِهِ فَذَلِكَ في أكْثَرِ الأمْرِ إنَّما يَكُونُ طَلَبًا لِلثَّوابِ وهَرَبًا عَنِ العِقابِ أوْ طَلَبًا لِحُسْنِ الثَّناءِ والمَحْمَدَةِ أوْ دَفْعًا لِلْألَمِ الحاصِلِ مِنَ الرِّقَّةِ الجِنْسِيَّةِ وإذا كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنِ المَقْصُودُ مِن ذَلِكَ العَفْوِ رِعايَةَ جانِبِ المَعْفُوِّ عَنْهُ بَلْ رِعايَةَ جانِبِ نَفْسِهِ، إمّا لِتَحْصِيلِ ما يَنْبَغِي أوْ لِدَفْعِ ما لا يَنْبَغِي، أمّا الإلَهُ سُبْحانَهُ فَإنَّهُ كامِلٌ لِذاتِهِ فَيَسْتَحِيلُ أنْ تَحْدُثَ لَهُ صِفاتُ كَمالٍ لَمْ تَكُنْ أوْ يَزُولَ عَنْهُ نُقْصانٌ كانَ، وإذا كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ عَفْوُهُ إلّا رِعايَةً لِجانِبِ المَعْفُوِّ عَنْهُ فَقَوْلُهُ: ﴿والَّذِي أطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لِي﴾ يَعْنِي: هو الَّذِي إذا غَفَرَ كانَ غُفْرانُهُ لِي ولِأجْلِي لا لِأجْلِ أمْرٍ عائِدٍ إلَيْهِ البَتَّةَ.
وثانِيها: كَأنَّهُ قالَ: خَلَقْتَنِي لا لِي فَإنَّكَ حِينَ خَلَقْتَنِي ما كُنْتُ مَوْجُودًا وإذا لَمْ أكُنْ مَوْجُودًا اسْتَحالَ تَحْصِيلُ شَيْءٍ لِأجْلِي ثُمَّ مَعَ هَذا فَأنْتَ خَلَقْتَنِي، أمّا لَوْ عَفَوْتَ كانَ
صفحة ١٢٧
ذَلِكَ العَفْوُ لَأجْلِي، فَلَمّا خَلَقْتَنِي أوَّلًا مَعَ أنِّي كُنْتُ مُحْتاجًا إلى ذَلِكَ الخَلْقِ فَلِأنْ تَغْفِرَ لِي وتَعْفُوَ عَنِّي حالَ ما أكُونُ في أشَدِّ الحاجَةِ إلى العَفْوِ والمَغْفِرَةِ كانَ أوْلى.
وثالِثُها: أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ لِشِدَّةِ اسْتِغْراقِهِ في بَحْرِ المَعْرِفَةِ شَدِيدَ الفِرارِ عَنِ الِالتِفاتِ إلى الوَسائِطِ، ولِذَلِكَ لَمّا قالَ لَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”ألَكَ حاجَةٌ ؟ قالَ: أمّا إلَيْكَ فَلا“ فَهَهُنا قالَ: ﴿أطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ أيْ لِمُجَرَّدِ عُبُودِيَّتِي لَكَ واحْتِياجِي إلَيْكَ تَغْفِرُ لِي خَطِيئَتِي لا أنْ تَغْفِرَها لِي بِواسِطَةِ شَفاعَةِ شافِعٍ.
الشعراء 26:83
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ ﴿واجْعَلْنِي مِن ورَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾ ﴿واغْفِرْ لِأبِي إنَّهُ كانَ مِنَ الضّالِّينَ﴾ ﴿ولا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ ولا بَنُونَ﴾ ﴿إلّا مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا حَكى عَنْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ثَناءَهُ عَلى اللَّهِ تَعالى ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ دُعاءَهُ ومَسْألَتَهُ وذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ تَقْدِيمَ الثَّناءِ عَلى الدُّعاءِ مِنَ المُهِمّاتِ وتَحْقِيقُ الكَلامِ فِيهِ أنَّ هَذِهِ الأرْواحَ البَشَرِيَّةَ مِن جِنْسِ المَلائِكَةِ فَكُلَّما كانَ اشْتِغالُها بِمَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى ومَحَبَّتِهِ والِانْجِذابُ إلى عالَمِ الرُّوحانِيّاتِ أشَدَّ كانَتْ مُشاكَلَتُها لِلْمَلائِكَةِ أتَمَّ، فَكانَتْ أقْوى عَلى التَّصَرُّفِ في أجْسامِ هَذا العالَمِ، وكُلَّما كانَ اشْتِغالُها بِلَذّاتِ هَذا العالَمِ واسْتِغْراقُها في ظُلُماتِ هَذِهِ الجُسْمانِيّاتِ أشَدَّ كانَتْ مُشاكَلَتُها لِلْبَهائِمِ أشَدَّ فَكانَتْ أكْثَرَ عَجْزًا وضَعْفًا وأقَلَّ تَأْثِيرًا في هَذا العالَمِ، فَمَن أرادَ أنْ يَشْتَغِلَ بِالدُّعاءِ يَجِبُ أنْ يُقَدِّمَ عَلَيْهِ ثَناءَ اللَّهِ تَعالى وذِكْرَ عَظَمَتِهِ وكِبْرِيائِهِ حَتّى أنَّهُ بِسَبَبِ ذَلِكَ الذِّكْرِ يَصِيرُ مُسْتَغْرِقًا في مَعْرِفَةِ اللَّهِ ومَحَبَّتِهِ ويَصِيرُ قَرِيبَ المُشاكَلَةِ مِنَ المَلائِكَةِ فَتَحْصُلُ لَهُ بِسَبَبِ تِلْكَ المُشاكَلَةِ قُوَّةٌ إلَهِيَّةٌ سَماوِيَّةٌ فَيَصِيرُ مَبْدَأً لِحُدُوثِ ذَلِكَ الشَّيْءِ الَّذِي هو المَطْلُوبُ بِالدُّعاءِ فَهَذا هو الكَشْفُ عَنْ ماهِيَّةِ الدُّعاءِ وظَهَرَ أنَّ تَقْدِيمَ الثَّناءِ عَلى الدُّعاءِ مِنَ الواجِباتِ وظَهَرَ بِهِ تَحْقِيقُ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ حِكايَةً عَنِ اللَّهِ تَعالى: ”«مَن شَغَلَهُ ذِكْرِي عَنْ مَسْألَتِي أعْطَيْتُهُ أفْضَلَ ما أُعْطِي السّائِلِينَ» “ فَإنْ قالَ قائِلٌ: لِمَ لَمْ يَقْتَصِرْ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى الثَّناءِ، لا سِيَّما ويُرْوى عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ قالَ: حَسْبِي مِن سُؤالِي عِلْمُهُ بِحالِي ؟ فالجَوابُ: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما ذَكَرَ ذَلِكَ حِينَ كانَ مُشْتَغِلًا بِدَعْوَةِ الخَلْقِ إلى الحَقِّ ألا تَرى أنَّهُ قالَ: ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي إلّا رَبَّ العالَمِينَ﴾ ثُمَّ ذَكَرَ الثَّناءَ، ثُمَّ ذَكَرَ الدُّعاءَ لِأنَّ الشّارِعَ لا بُدَّ لَهُ مِن تَعْلِيمِ الشَّرْعِ، فَأمّا حِينَ ما خَلا بِنَفْسِهِ، ولَمْ يَكُنْ غَرَضُهُ تَعْلِيمَ الشَّرْعِ كانَ يَقْتَصِرُ عَلى قَوْلِهِ: حَسْبِي مِن سُؤالِي عِلْمُهُ بِحالِي.
* * *
البَحْثُ الثّانِي: في الأُمُورِ الَّتِي طَلَبَها في الدُّعاءِ وهي مَطالِيبُ:
المَطْلُوبُ الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾، ولَقَدْ أجابَهُ اللَّهُ تَعالى حَيْثُ قالَ: ﴿وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ [البقرة: ١٣٠] وفِيهِ مَطالِبُ:
أحَدُها: أنَّهُ لا يَجُوزُ تَفْسِيرُ الحُكْمِ بِالنُّبُوَّةِ لِأنَّ
صفحة ١٢٨
النُّبُوَّةَ كانَتْ حاصِلَةً فَلَوْ طَلَبَ النُّبُوَّةَ لَكانَتِ النُّبُوَّةُ المَطْلُوبَةُ، إمّا عَيْنَ النُّبُوَّةِ الحاصِلَةَ أوْ غَيْرَها، والأوَّلُ مُحالٌ لِأنَّ تَحْصِيلَ الحاصِلِ مُحالٌ، والثّانِي مُحالٌ لِأنَّهُ يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ الشَّخْصُ الواحِدُ نَبِيًّا مَرَّتَيْنِ، بَلِ المُرادُ مِنَ الحُكْمِ ما هو كَمالُ القُوَّةِ النَّظَرِيَّةِ، وذَلِكَ بِإدْراكِ الحَقِّ ومِن قَوْلِهِ ﴿وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ كَمالُ القُوَّةِ العَمَلِيَّةِ، وذَلِكَ بِأنْ يَكُونَ عامِلًا بِالخَيْرِ فَإنَّ كَمالِ الإنْسانِ أنْ يَعْرِفَ الحَقَّ لِذاتِهِ، والخَيْرَ لِأجْلِ العَمَلِ بِهِ، وإنَّما قَدَّمَ قَوْلَهُ: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا﴾ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ لِما أنَّ القُوَّةَ النَّظَرِيَّةَ مُقَدِّمَةٌ عَلى القُوَّةِ العَمَلِيَّةِ بِالشَّرَفِ وبِالذّاتِ، وأيْضًا فَإنَّهُ يُمْكِنُهُ أنْ يَعْلَمَ الحَقَّ وإنْ لَمْ يَعْلَمْ بِالخَيْرِ وعَكْسُهُ غَيْرُ مُمْكِنٍ، ولِأنَّ العِلْمَ صِفَةُ الرُّوحِ والعَمَلَ صِفَةُ البَدَنِ، ولَمّا كانَ الرُّوحُ أشْرَفَ مِنَ البَدَنِ كانَ العِلْمُ أفْضَلَ مِنَ العَمَلِ، وإنَّما فَسَّرْنا مَعْرِفَةَ الأشْياءِ بِالحُكْمِ وذَلِكَ لِأنَّ الإنْسانَ لا يَعْرِفُ حَقائِقَ الأشْياءِ إلّا إذا اسْتَحْضَرَ في ذِهْنِهِ صُوَرَ الماهِيّاتِ، ثُمَّ نَسَبَ بَعْضَها إلى بَعْضٍ بِالنَّفْيِ أوْ بِالإثْباتِ، وتِلْكَ النِّسْبَةُ وهي الحُكْمُ، ثُمَّ إنْ كانَتِ النِّسَبُ الذِّهْنِيَّةُ مُطابِقَةً لِلنِّسَبِ الخارِجِيَّةِ كانَتِ النِّسَبُ الذِّهْنِيَّةُ مُمْتَنِعَةَ التَّغَيُّرِ فَكانَتْ مُسْتَحْكِمَةً قَوِيَّةً، فَمِثْلُ هَذا الإدْراكِ يُسَمّى حِكْمَةً وحُكْمًا، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«أرِنا الأشْياءَ كَما هي» “ وأمّا الصَّلاحُ فَهو كَوْنُ القُوَّةِ العاقِلَةِ مُتَوَسِّطَةً بَيْنَ رَذِيلَتِيِ الإفْراطِ والتَّفْرِيطِ، وذَلِكَ لِأنَّ الإفْراطَ في أحَدِ الجانِبَيْنِ تَفْرِيطٌ في الجانِبِ الآخَرِ وبِالعَكْسِ فالصَّلاحُ لا يَحْصُلُ إلّا بِالِاعْتِدالِ، ولَمّا كانَ الِاعْتِدالُ الحَقِيقِيُّ شَيْئًا واحِدًا لا يَقْبَلُ القِسْمَةَ البَتَّةَ والأفْكارُ البَشَرِيَّةُ في هَذا العالَمِ قاصِرَةً عَلى إدْراكِ أمْثالِ هَذِهِ الأشْياءِ، لا جَرَمَ لا يَنْفَكُّ البَشَرُ عَنِ الخُرُوجِ عَنْ ذَلِكَ الحَدِّ وإنْ قَلَّ، إلّا أنَّ خُرُوجَ المُقَرَّبِينَ عَنْهُ يَكُونُ في القِلَّةِ بِحَيْثُ لا يُحَسُّ بِهِ، وخُرُوجُ العُصاةِ عَنْهُ يَكُونُ مُتَفاحِشًا جِدًّا فَقَدْ ظَهَرَ مِن هَذا تَحْقِيقُ ما قِيلَ: حَسَناتُ الأبْرارِ سَيِّئاتُ المُقَرَّبِينَ، وظَهَرَ احْتِياجُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى أنْ يَقُولَ: ﴿وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ .
المَطْلَبُ الثّانِي: لَمّا ثَبَتَ أنَّ المُرادَ مِنَ الحُكْمِ العِلْمُ، ثَبَتَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ طَلَبَ مِنَ اللَّهِ أنْ يُعْطِيَهُ العِلْمَ بِاللَّهِ تَعالى وبِصِفاتِهِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ مَعْرِفَةَ اللَّهِ تَعالى لا تَحْصُلُ في قَلْبِ العَبْدِ إلّا بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى، وقَوْلُهُ: ﴿وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ كَوْنَ العَبْدِ صالِحًا لَيْسَ إلّا بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى، وحَمْلُ هَذِهِ الأشْياءِ عَلى الألْطافِ بَعِيدٌ، لِأنَّ عِنْدَ الخَصْمِ كُلَّ ما في قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى مِنَ الألْطافِ فَقَدْ فَعَلَهُ فَلَوْ صَرَفْنا الدُّعاءَ إلَيْهِ لَكانَ ذَلِكَ طَلَبًا لِتَحْصِيلِ الحاصِلِ وهو فاسِدٌ.
* * *
المَطْلَبُ الثّالِثُ: أنَّ الحُكْمَ المَطْلُوبَ في الدُّعاءِ إمّا أنْ يَكُونَ هو العِلْمَ بِاللَّهِ أوْ بِغَيْرِهِ والثّانِي باطِلٌ، لِأنَّ الإنْسانَ حالَ كَوْنِهِ مُسْتَحْضِرًا لِلْعِلْمِ بِشَيْءٍ لا يُمْكِنُهُ أنْ يَكُونَ مُسْتَحْضِرًا لِلْعِلْمِ بِشَيْءٍ آخَرَ فَلَوْ كانَ المَطْلُوبُ بِهَذا الدُّعاءِ العِلْمَ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى، والعِلْمُ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى شاغِلٌ عَنِ الِاسْتِغْراقِ في العِلْمِ بِاللَّهِ كانَ هَذا السُّؤالُ طَلَبًا لِما يَشْغَلُهُ عَنِ الِاسْتِغْراقِ في العِلْمِ بِاللَّهِ تَعالى، وذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ لِأنَّهُ لا كَمالَ فَوْقَ ذَلِكَ الِاسْتِغْراقِ، فَإذَنِ المَطْلُوبُ بِهَذا الدُّعاءِ هو العِلْمُ بِاللَّهِ. ثُمَّ إنَّ ذَلِكَ العِلْمَ إمّا أنْ يَكُونَ هو العِلْمَ بِاللَّهِ تَعالى الَّذِي هو شَرْطُ صِحَّةِ الإيمانِ أوْ غَيْرُهُ، والأوَّلُ باطِلٌ لِأنَّهُ لَمّا وجَبَ أنْ يَكُونَ حاصِلًا لِكُلِّ المُؤْمِنِينَ فَكَيْفَ لا يَكُونُ حاصِلًا عِنْدَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وإذا كانَ حاصِلًا عِنْدَهُ امْتَنَعَ طَلَبُ تَحْصِيلِهِ، فَثَبَتَ أنَّ المَطْلُوبَ بِهَذا الدُّعاءِ دَرَجاتٌ في مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى أزْيَدُ مِنَ العِلْمِ بِوُجُودِهِ وبِأنَّهُ لَيْسَ بِمُتَحَيِّزٍ ولا حالٍّ في المُتَحَيِّزِ وبِأنَّهُ عالَمٌ قادِرٌ حَيٌّ، وما ذاكَ إلّا الوُقُوفُ عَلى صِفاتِ الجَلالِ أوِ الوُقُوفُ عَلى حَقِيقَةِ الذّاتِ أوْ ظُهُورُ نُورِ تِلْكَ المَعْرِفَةِ
صفحة ١٢٩
فِي القَلْبِ. ثُمَّ هُناكَ أحْوالٌ لا يُعَبِّرُ عَنْها المَقالُ ولا يَشْرَحُها الخَيالُ، ومَن أرادَ أنْ يَصِلَ إلَيْها فَلْيَكُنْ مِنَ الواصِلِينَ إلى العَيْنِ، دُونَ السّامِعِينَ لِلْأثَرِ.
المَطْلُوبُ الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ وفِيهِ ثَلاثُ تَأْوِيلاتٍ:
التَّأْوِيلُ الأوَّلُ: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ابْتَدَأ بِطَلَبِ ما هو الكَمالُ الذّاتِيُّ لِلْإنْسانِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ وهو طَلَبُ الحُكْمِ الَّذِي هو العِلْمُ، ثُمَّ طَلَبَ بَعْدَهُ كِمالاتِ الدُّنْيا وبَعْدَ ذَلِكَ طَلَبَ كِمالاتِ الآخِرَةِ، فَأمّا كِمالاتُ الدُّنْيا فَبَعْضُها داخِلِيَّةٌ وبَعْضُها خارِجِيَّةٌ، أمّا الدّاخِلِيَّةُ: فَهي الخَلْقُ الظّاهِرُ والخَلْقُ الباطِنُ والخَلْقُ الظّاهِرُ أشَدُّ جُسْمانِيَّةً والخَلْقُ الباطِنُ أشَدُّ رُوحانِيَّةً، فَتَرَكَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ الأمْرَ الجُسْمانِيَّ وهو الخَلْقُ الظّاهِرُ وطَلَبَ الأمْرَ الرُّوحانِيَّ وهو الخَلْقُ الباطِنُ، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ وأمّا الخارِجِيَّةُ: فَهي المالُ والجاهُ، والمالُ أشَدُّ جُسْمانِيَّةً والجاهُ أشَدُّ رُوحانِيَّةً فَتَرَكَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ الأمْرَ الجُسْمانِيَّ وهو المالُ وطَلَبَ الأمْرَ الرُّوحانِيَّ وهو الجاهُ والذِّكْرُ الجَمِيلُ الباقِي عَلى وجْهِ الدَّهْرِ، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: وقَدْ أعْطاهُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ [الصافات: ١٠٨] فَإنْ قِيلَ وأيُّ غَرَضٍ لَهُ في أنْ يُثْنِيَ عَلَيْهِ ويَمْدَحَ ؟ جَوابُهُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: وهو عَلى لِسانِ الحِكْمَةِ: أنَّ الأرْواحَ البَشَرِيَّةَ قَدْ بَيَّنّا أنَّها مُؤَثِّرَةٌ في الجُمْلَةِ إلّا أنَّ بَعْضَها قَدْ يَكُونُ ضَعِيفًا فَيَعْجِزُ عَنِ التَّأْثِيرِ فَإذا اجْتَمَعَتْ طائِفَةٌ مِنها فَرُبَّما قَوِيَ مَجْمُوعُها عَلى ما عَجَزَتِ الآحادُ عَنْهُ، وهَذا المَعْنى مَشاهَدٌ في المُؤَثِّراتِ الجُسْمانِيَّةِ، إذا ثَبَتَ هَذا فالإنْسانُ الواحِدُ إذا كانَ بِحَيْثُ يُثْنِي عَلَيْهِ الجَمْعُ العَظِيمُ ويَمْدَحُونَهُ ويُعَظِّمُونَهُ، فَرُبَّما صارَ انْصِرافُ هِمَمِهِمْ عِنْدَ الِاجْتِماعِ إلَيْهِ سَبَبًا لِحُصُولِ زِيادَةِ كَمالٍ لَهُ.
الثّانِي: وهو عَلى لِسانِ الكَمالِ: أنَّ مَن صارَ مَمْدُوحًا فِيما بَيْنَ النّاسِ بِسَبَبِ ما عِنْدَهُ مِنَ الفَضائِلِ، فَإنَّهُ يَصِيرُ ذَلِكَ المَدْحُ وتِلْكَ الشُّهْرَةُ داعِيًا لِغَيْرِهِ إلى اكْتِسابِ مِثْلِ تِلْكَ الفَضائِلِ.
التَّأْوِيلُ الثّانِي: أنَّهُ سَألَ رَبَّهُ أنْ يَجْعَلَ مِن ذُرِّيَّتِهِ في آخِرِ الزَّمانِ مَن يَكُونُ داعِيًا إلى اللَّهِ تَعالى، وذَلِكَ هُوَمُحَمَّدٌ ﷺ فالمُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ بَعْثَةُ مُحَمَّدٍ ﷺ .
التَّأْوِيلُ الثّالِثُ: قالَ بَعْضُهم: المُرادُ اتِّفاقُ أهْلِ الأدْيانِ عَلى حُبِّهِ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى أعْطاهُ ذَلِكَ لِأنَّكَ لا تَرى أهْلَ دِينٍ إلّا ويَتَوَلَّوْنَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقَدَحَ بَعْضُهم فِيهِ بِأنَّهُ لا تَقْوى الرَّغْبَةُ في مَدْحِ الكافِرِ وجَوابُهُ: أنَّهُ لَيْسَ المَقْصُودُ مَدْحَ الكافِرِ مِن حَيْثُ هو كافِرٌ، بَلِ المَقْصُودُ أنْ يَكُونَ مَمْدُوحَ كُلِّ إنْسانٍ ومَحْبُوبَ كُلِّ قَلْبٍ.
المَطْلُوبُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿واجْعَلْنِي مِن ورَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ لَمّا طَلَبَ سَعادَةَ الدُّنْيا طَلَبَ بَعْدَها سَعادَةَ الآخِرَةِ وهي جَنَّةُ النَّعِيمِ، وشَبَّهَها بِما يُوَرَّثُ لِأنَّهُ الَّذِي يُغْتَنَمُ في الدُّنْيا، فَشَبَّهَ غَنِيمَةَ الآخِرَةِ بِغَنِيمَةِ الدُّنْيا.
المَطْلُوبُ الرّابِعُ: قَوْلُهُ: ﴿واغْفِرْ لِأبِي إنَّهُ كانَ مِنَ الضّالِّينَ﴾ واعْلَمْ أنَّهُ لَمّا فَرَغَ مِن طَلَبِ السَّعاداتِ الدُّنْيَوِيَّةِ والأُخْرَوِيَّةِ لِنَفْسِهِ طَلَبَها لِأشَدِّ النّاسِ التِصاقًا بِهِ وهو أبُوهُ فَقالَ: ﴿واغْفِرْ لِأبِي﴾ ثُمَّ فِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ المَغْفِرَةَ مَشْرُوطَةٌ بِالإسْلامِ وطَلَبُ المَشْرُوطِ مُتَضَمِّنٌ لِطَلَبِ الشَّرْطِ فَقَوْلُهُ: ﴿واغْفِرْ لِأبِي﴾ يَرْجِعُ حاصِلُهُ إلى أنَّهُ دُعاءٌ لِأبِيهِ بِالإسْلامِ.
الثّانِي: أنَّ أباهُ وعَدَهُ الإسْلامَ كَما قالَ تَعالى: ﴿وما كانَ اسْتِغْفارُ إبْراهِيمَ لِأبِيهِ إلّا عَنْ﴾
صفحة ١٣٠
﴿مَوْعِدَةٍ وعَدَها إيّاهُ﴾ [التوبة: ١١٤] فَدَعا لَهُ لِهَذا الشَّرْطِ ولا يَمْتَنِعُ الدُّعاءُ لِلْكافِرِ عَلى هَذا الشَّرْطِ ﴿فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأ مِنهُ﴾ [التوبة: ١١٤] وهَذا ضَعِيفٌ لِأنَّ الدُّعاءَ بِهَذا الشَّرْطِ جائِزٌ لِلْكافِرِ فَلَوْ كانَ دُعاؤُهُ مَشْرُوطًا لَما مَنَعَهُ اللَّهُ عَنْهُ.
الثّالِثُ: أنَّ أباهُ قالَ لَهُ: إنَّهُ عَلى دِينِهِ باطِنًا وعَلى دِينِ نَمْرُوذَ ظاهِرًا تَقِيَّةً وخَوْفًا، فَدَعا لَهُ لِاعْتِقادِهِ أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ خِلافَ ذَلِكَ تَبَرَّأ مِنهُ، لِذَلِكَ قالَ في دُعائِهِ: ﴿إنَّهُ كانَ مِنَ الضّالِّينَ﴾ فَلَوْلا اعْتِقادُهُ فِيهِ أنَّهُ في الحالِ لَيْسَ بِضالٍّ لَما قالَ ذَلِكَ.
المَطْلُوبُ الخامِسُ: قَوْلُهُ: ﴿ولا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: الإخْزاءُ مِنَ الخِزْيِ وهو الهَوانُ، أوْ مِنَ الخَزايَةِ وهي الحَياءُ وهَهُنا أبْحاثٌ:
أحَدُها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولا تُخْزِنِي﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَجِبُ عَلى اللَّهِ تَعالى شَيْءٌ عَلى ما بَيَّنّاهُ في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِي أطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ .
وثانِيها: أنَّ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ لَمّا قالَ أوَّلًا: ﴿واجْعَلْنِي مِن ورَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾ ومَتى حَصَلَتِ الجَنَّةُ امْتَنَعَ حُصُولُ الخِزْيِ، فَكَيْفَ قالَ بَعْدَهُ: ﴿ولا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ وأيْضًا فَقَدْ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الخِزْيَ اليَوْمَ والسُّوءَ عَلى الكافِرِينَ﴾ [النحل: ٢٧] فَمًا كانَ نَصِيبُ الكُفّارِ فَقَطْ فَكَيْفَ يَخافُهُ المَعْصُومُ ؟ جَوابُهُ: كَما أنَّ حَسَناتِ الأبْرارِ سَيِّئاتُ المُقَرَّبِينَ فَكَذا دَرَجاتُ الأبْرارِ دَرَكاتُ المُقَرَّبِينَ وخِزْيُ كُلِّ واحِدٍ بِما يَلِيقُ بِهِ.
وثالِثُها: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: في [ يُبْعَثُونَ ] ضَمِيرُ العِبادِ لِأنَّهُ مَعْلُومٌ أوْ ضَمِيرُ الضّالِّينَ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ: ﴿إلّا مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ تَعالى أكْرَمُهُ بِهَذا الوَصْفِ حَيْثُ قالَ: ﴿وإنَّ مِن شِيعَتِهِ لَإبْراهِيمَ﴾ ﴿إذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الصافات: ٨٣، ٨٤] .
ثُمَّ في هَذا الِاسْتِثْناءِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّهُ إذا قِيلَ لَكَ: هَلْ لِزَيْدٍ مالٌ وبَنُونَ ؟ فَتَقُولُ: مالُهُ وبَنُوهُ سَلامَةُ قَلْبِهِ، تُرِيدُ نَفْيَ المالِ والبَنِينَ عَنْهُ وإثْباتَ سَلامَةِ القَلْبِ لَهُ بَدَلًا عَنْ ذَلِكَ، فَكَذا في هَذِهِ الآيَةِ.
وثانِيها: أنْ نَحْمِلَ الكَلامَ عَلى المَعْنى ونَجْعَلَ المالَ والبَنِينَ في مَعْنى الغِنى كَأنَّهُ قِيلَ يَوْمَ لا يَنْفَعُ غِنًى إلّا غِنى مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ لِأنَّ غِنى الرَّجُلِ في دِينِهِ بِسَلامَةِ قَلْبِهِ كَما أنَّ غِناهُ في دُنْياهُ بِمالِهِ وبَنِيهِ.
وثالِثُها: أنْ نَجْعَلَ [ مَن ] مَفْعُولًا لِ ”يَنْفَعُ“ أيْ لا يَنْفَعُ مالٌ ولا بَنُونَ إلّا رَجُلًا سَلِمَ قَلْبُهُ مَعَ مالِهِ حَيْثُ أنْفَقَهُ في طاعَةِ اللَّهِ تَعالى، ومَعَ بَنِيهِ حَيْثُ أرْشَدَهم إلى الدِّينِ، ويَجُوزُ عَلى هَذا ﴿إلّا مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ مِن فِتْنَةِ المالِ والبَنِينَ، أمّا السَّلِيمُ فَفي ثَلاثَةِ أوْجُهٍ:
الأوَّلُ: وهو الأصَحُّ أنَّ المُرادَ مِنهُ سَلامَةُ القَلْبِ عَنِ الجَهْلِ والأخْلاقِ الرَّذِيلَةِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ كَما أنَّ صِحَّةَ البَدَنِ وسَلامَتَهُ عِبارَةٌ عَنْ حُصُولِ ما يَنْبَغِي مِنَ المِزاجِ والتَّرْكِيبِ والِاتِّصالِ ومَرَضَهُ عِبارَةٌ عَنْ زَوالِ أحَدِ تِلْكَ الأُمُورِ فَكَذَلِكَ سَلامَةُ القَلْبِ عِبارَةٌ عَنْ حُصُولِ ما يَنْبَغِي لَهُ وهو العِلْمُ والخُلُقُ الفاضِلُ ومَرَضُهُ عِبارَةٌ عَنْ زَوالِ أحَدِهِما فَقَوْلُهُ: ﴿إلّا مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ أنْ يَكُونَ خالِيًا عَنِ العَقائِدِ الفاسِدَةِ والمِيلِ إلى شَهَواتِ الدُّنْيا ولَذّاتِها فَإنْ قِيلَ فَظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ يَقْتَضِي أنَّ مَن سَلِمَ قَلْبُهُ كانَ ناجِيًا وأنَّهُ لا حاجَةَ فِيهِ إلى سَلامَةِ اللِّسانِ واليَدِ جَوابُهُ: أنَّ القَلْبَ مُؤَثِّرٌ واللِّسانَ والجَوارِحَ تَبَعٌ فَلَوْ كانَ القَلْبُ سَلِيمًا لَكانا سَلِيمَيْنِ لا مَحالَةَ، وحَيْثُ لَمْ يَسْلَما ثَبَتَ عَدَمُ سَلامَةِ القَلْبِ.
التَّأْوِيلُ الثّانِي: أنَّ السَّلِيمَ هو اللَّدِيغُ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ تَعالى.
التَّأْوِيلُ الثّالِثُ: أنَّ السَّلِيمَ هو الَّذِي سَلِمَ وأسْلَمَ وسالَمَ واسْتَسْلَمَ واللَّهُ أعْلَمُ.
الشعراء 26:84
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ ﴿واجْعَلْنِي مِن ورَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾ ﴿واغْفِرْ لِأبِي إنَّهُ كانَ مِنَ الضّالِّينَ﴾ ﴿ولا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ ولا بَنُونَ﴾ ﴿إلّا مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا حَكى عَنْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ثَناءَهُ عَلى اللَّهِ تَعالى ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ دُعاءَهُ ومَسْألَتَهُ وذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ تَقْدِيمَ الثَّناءِ عَلى الدُّعاءِ مِنَ المُهِمّاتِ وتَحْقِيقُ الكَلامِ فِيهِ أنَّ هَذِهِ الأرْواحَ البَشَرِيَّةَ مِن جِنْسِ المَلائِكَةِ فَكُلَّما كانَ اشْتِغالُها بِمَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى ومَحَبَّتِهِ والِانْجِذابُ إلى عالَمِ الرُّوحانِيّاتِ أشَدَّ كانَتْ مُشاكَلَتُها لِلْمَلائِكَةِ أتَمَّ، فَكانَتْ أقْوى عَلى التَّصَرُّفِ في أجْسامِ هَذا العالَمِ، وكُلَّما كانَ اشْتِغالُها بِلَذّاتِ هَذا العالَمِ واسْتِغْراقُها في ظُلُماتِ هَذِهِ الجُسْمانِيّاتِ أشَدَّ كانَتْ مُشاكَلَتُها لِلْبَهائِمِ أشَدَّ فَكانَتْ أكْثَرَ عَجْزًا وضَعْفًا وأقَلَّ تَأْثِيرًا في هَذا العالَمِ، فَمَن أرادَ أنْ يَشْتَغِلَ بِالدُّعاءِ يَجِبُ أنْ يُقَدِّمَ عَلَيْهِ ثَناءَ اللَّهِ تَعالى وذِكْرَ عَظَمَتِهِ وكِبْرِيائِهِ حَتّى أنَّهُ بِسَبَبِ ذَلِكَ الذِّكْرِ يَصِيرُ مُسْتَغْرِقًا في مَعْرِفَةِ اللَّهِ ومَحَبَّتِهِ ويَصِيرُ قَرِيبَ المُشاكَلَةِ مِنَ المَلائِكَةِ فَتَحْصُلُ لَهُ بِسَبَبِ تِلْكَ المُشاكَلَةِ قُوَّةٌ إلَهِيَّةٌ سَماوِيَّةٌ فَيَصِيرُ مَبْدَأً لِحُدُوثِ ذَلِكَ الشَّيْءِ الَّذِي هو المَطْلُوبُ بِالدُّعاءِ فَهَذا هو الكَشْفُ عَنْ ماهِيَّةِ الدُّعاءِ وظَهَرَ أنَّ تَقْدِيمَ الثَّناءِ عَلى الدُّعاءِ مِنَ الواجِباتِ وظَهَرَ بِهِ تَحْقِيقُ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ حِكايَةً عَنِ اللَّهِ تَعالى: ”«مَن شَغَلَهُ ذِكْرِي عَنْ مَسْألَتِي أعْطَيْتُهُ أفْضَلَ ما أُعْطِي السّائِلِينَ» “ فَإنْ قالَ قائِلٌ: لِمَ لَمْ يَقْتَصِرْ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى الثَّناءِ، لا سِيَّما ويُرْوى عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ قالَ: حَسْبِي مِن سُؤالِي عِلْمُهُ بِحالِي ؟ فالجَوابُ: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما ذَكَرَ ذَلِكَ حِينَ كانَ مُشْتَغِلًا بِدَعْوَةِ الخَلْقِ إلى الحَقِّ ألا تَرى أنَّهُ قالَ: ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي إلّا رَبَّ العالَمِينَ﴾ ثُمَّ ذَكَرَ الثَّناءَ، ثُمَّ ذَكَرَ الدُّعاءَ لِأنَّ الشّارِعَ لا بُدَّ لَهُ مِن تَعْلِيمِ الشَّرْعِ، فَأمّا حِينَ ما خَلا بِنَفْسِهِ، ولَمْ يَكُنْ غَرَضُهُ تَعْلِيمَ الشَّرْعِ كانَ يَقْتَصِرُ عَلى قَوْلِهِ: حَسْبِي مِن سُؤالِي عِلْمُهُ بِحالِي.
* * *
البَحْثُ الثّانِي: في الأُمُورِ الَّتِي طَلَبَها في الدُّعاءِ وهي مَطالِيبُ:
المَطْلُوبُ الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾، ولَقَدْ أجابَهُ اللَّهُ تَعالى حَيْثُ قالَ: ﴿وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ [البقرة: ١٣٠] وفِيهِ مَطالِبُ:
أحَدُها: أنَّهُ لا يَجُوزُ تَفْسِيرُ الحُكْمِ بِالنُّبُوَّةِ لِأنَّ
صفحة ١٢٨
النُّبُوَّةَ كانَتْ حاصِلَةً فَلَوْ طَلَبَ النُّبُوَّةَ لَكانَتِ النُّبُوَّةُ المَطْلُوبَةُ، إمّا عَيْنَ النُّبُوَّةِ الحاصِلَةَ أوْ غَيْرَها، والأوَّلُ مُحالٌ لِأنَّ تَحْصِيلَ الحاصِلِ مُحالٌ، والثّانِي مُحالٌ لِأنَّهُ يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ الشَّخْصُ الواحِدُ نَبِيًّا مَرَّتَيْنِ، بَلِ المُرادُ مِنَ الحُكْمِ ما هو كَمالُ القُوَّةِ النَّظَرِيَّةِ، وذَلِكَ بِإدْراكِ الحَقِّ ومِن قَوْلِهِ ﴿وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ كَمالُ القُوَّةِ العَمَلِيَّةِ، وذَلِكَ بِأنْ يَكُونَ عامِلًا بِالخَيْرِ فَإنَّ كَمالِ الإنْسانِ أنْ يَعْرِفَ الحَقَّ لِذاتِهِ، والخَيْرَ لِأجْلِ العَمَلِ بِهِ، وإنَّما قَدَّمَ قَوْلَهُ: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا﴾ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ لِما أنَّ القُوَّةَ النَّظَرِيَّةَ مُقَدِّمَةٌ عَلى القُوَّةِ العَمَلِيَّةِ بِالشَّرَفِ وبِالذّاتِ، وأيْضًا فَإنَّهُ يُمْكِنُهُ أنْ يَعْلَمَ الحَقَّ وإنْ لَمْ يَعْلَمْ بِالخَيْرِ وعَكْسُهُ غَيْرُ مُمْكِنٍ، ولِأنَّ العِلْمَ صِفَةُ الرُّوحِ والعَمَلَ صِفَةُ البَدَنِ، ولَمّا كانَ الرُّوحُ أشْرَفَ مِنَ البَدَنِ كانَ العِلْمُ أفْضَلَ مِنَ العَمَلِ، وإنَّما فَسَّرْنا مَعْرِفَةَ الأشْياءِ بِالحُكْمِ وذَلِكَ لِأنَّ الإنْسانَ لا يَعْرِفُ حَقائِقَ الأشْياءِ إلّا إذا اسْتَحْضَرَ في ذِهْنِهِ صُوَرَ الماهِيّاتِ، ثُمَّ نَسَبَ بَعْضَها إلى بَعْضٍ بِالنَّفْيِ أوْ بِالإثْباتِ، وتِلْكَ النِّسْبَةُ وهي الحُكْمُ، ثُمَّ إنْ كانَتِ النِّسَبُ الذِّهْنِيَّةُ مُطابِقَةً لِلنِّسَبِ الخارِجِيَّةِ كانَتِ النِّسَبُ الذِّهْنِيَّةُ مُمْتَنِعَةَ التَّغَيُّرِ فَكانَتْ مُسْتَحْكِمَةً قَوِيَّةً، فَمِثْلُ هَذا الإدْراكِ يُسَمّى حِكْمَةً وحُكْمًا، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«أرِنا الأشْياءَ كَما هي» “ وأمّا الصَّلاحُ فَهو كَوْنُ القُوَّةِ العاقِلَةِ مُتَوَسِّطَةً بَيْنَ رَذِيلَتِيِ الإفْراطِ والتَّفْرِيطِ، وذَلِكَ لِأنَّ الإفْراطَ في أحَدِ الجانِبَيْنِ تَفْرِيطٌ في الجانِبِ الآخَرِ وبِالعَكْسِ فالصَّلاحُ لا يَحْصُلُ إلّا بِالِاعْتِدالِ، ولَمّا كانَ الِاعْتِدالُ الحَقِيقِيُّ شَيْئًا واحِدًا لا يَقْبَلُ القِسْمَةَ البَتَّةَ والأفْكارُ البَشَرِيَّةُ في هَذا العالَمِ قاصِرَةً عَلى إدْراكِ أمْثالِ هَذِهِ الأشْياءِ، لا جَرَمَ لا يَنْفَكُّ البَشَرُ عَنِ الخُرُوجِ عَنْ ذَلِكَ الحَدِّ وإنْ قَلَّ، إلّا أنَّ خُرُوجَ المُقَرَّبِينَ عَنْهُ يَكُونُ في القِلَّةِ بِحَيْثُ لا يُحَسُّ بِهِ، وخُرُوجُ العُصاةِ عَنْهُ يَكُونُ مُتَفاحِشًا جِدًّا فَقَدْ ظَهَرَ مِن هَذا تَحْقِيقُ ما قِيلَ: حَسَناتُ الأبْرارِ سَيِّئاتُ المُقَرَّبِينَ، وظَهَرَ احْتِياجُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى أنْ يَقُولَ: ﴿وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ .
المَطْلَبُ الثّانِي: لَمّا ثَبَتَ أنَّ المُرادَ مِنَ الحُكْمِ العِلْمُ، ثَبَتَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ طَلَبَ مِنَ اللَّهِ أنْ يُعْطِيَهُ العِلْمَ بِاللَّهِ تَعالى وبِصِفاتِهِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ مَعْرِفَةَ اللَّهِ تَعالى لا تَحْصُلُ في قَلْبِ العَبْدِ إلّا بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى، وقَوْلُهُ: ﴿وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ كَوْنَ العَبْدِ صالِحًا لَيْسَ إلّا بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى، وحَمْلُ هَذِهِ الأشْياءِ عَلى الألْطافِ بَعِيدٌ، لِأنَّ عِنْدَ الخَصْمِ كُلَّ ما في قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى مِنَ الألْطافِ فَقَدْ فَعَلَهُ فَلَوْ صَرَفْنا الدُّعاءَ إلَيْهِ لَكانَ ذَلِكَ طَلَبًا لِتَحْصِيلِ الحاصِلِ وهو فاسِدٌ.
* * *
المَطْلَبُ الثّالِثُ: أنَّ الحُكْمَ المَطْلُوبَ في الدُّعاءِ إمّا أنْ يَكُونَ هو العِلْمَ بِاللَّهِ أوْ بِغَيْرِهِ والثّانِي باطِلٌ، لِأنَّ الإنْسانَ حالَ كَوْنِهِ مُسْتَحْضِرًا لِلْعِلْمِ بِشَيْءٍ لا يُمْكِنُهُ أنْ يَكُونَ مُسْتَحْضِرًا لِلْعِلْمِ بِشَيْءٍ آخَرَ فَلَوْ كانَ المَطْلُوبُ بِهَذا الدُّعاءِ العِلْمَ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى، والعِلْمُ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى شاغِلٌ عَنِ الِاسْتِغْراقِ في العِلْمِ بِاللَّهِ كانَ هَذا السُّؤالُ طَلَبًا لِما يَشْغَلُهُ عَنِ الِاسْتِغْراقِ في العِلْمِ بِاللَّهِ تَعالى، وذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ لِأنَّهُ لا كَمالَ فَوْقَ ذَلِكَ الِاسْتِغْراقِ، فَإذَنِ المَطْلُوبُ بِهَذا الدُّعاءِ هو العِلْمُ بِاللَّهِ. ثُمَّ إنَّ ذَلِكَ العِلْمَ إمّا أنْ يَكُونَ هو العِلْمَ بِاللَّهِ تَعالى الَّذِي هو شَرْطُ صِحَّةِ الإيمانِ أوْ غَيْرُهُ، والأوَّلُ باطِلٌ لِأنَّهُ لَمّا وجَبَ أنْ يَكُونَ حاصِلًا لِكُلِّ المُؤْمِنِينَ فَكَيْفَ لا يَكُونُ حاصِلًا عِنْدَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وإذا كانَ حاصِلًا عِنْدَهُ امْتَنَعَ طَلَبُ تَحْصِيلِهِ، فَثَبَتَ أنَّ المَطْلُوبَ بِهَذا الدُّعاءِ دَرَجاتٌ في مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى أزْيَدُ مِنَ العِلْمِ بِوُجُودِهِ وبِأنَّهُ لَيْسَ بِمُتَحَيِّزٍ ولا حالٍّ في المُتَحَيِّزِ وبِأنَّهُ عالَمٌ قادِرٌ حَيٌّ، وما ذاكَ إلّا الوُقُوفُ عَلى صِفاتِ الجَلالِ أوِ الوُقُوفُ عَلى حَقِيقَةِ الذّاتِ أوْ ظُهُورُ نُورِ تِلْكَ المَعْرِفَةِ
صفحة ١٢٩
فِي القَلْبِ. ثُمَّ هُناكَ أحْوالٌ لا يُعَبِّرُ عَنْها المَقالُ ولا يَشْرَحُها الخَيالُ، ومَن أرادَ أنْ يَصِلَ إلَيْها فَلْيَكُنْ مِنَ الواصِلِينَ إلى العَيْنِ، دُونَ السّامِعِينَ لِلْأثَرِ.
المَطْلُوبُ الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ وفِيهِ ثَلاثُ تَأْوِيلاتٍ:
التَّأْوِيلُ الأوَّلُ: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ابْتَدَأ بِطَلَبِ ما هو الكَمالُ الذّاتِيُّ لِلْإنْسانِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ وهو طَلَبُ الحُكْمِ الَّذِي هو العِلْمُ، ثُمَّ طَلَبَ بَعْدَهُ كِمالاتِ الدُّنْيا وبَعْدَ ذَلِكَ طَلَبَ كِمالاتِ الآخِرَةِ، فَأمّا كِمالاتُ الدُّنْيا فَبَعْضُها داخِلِيَّةٌ وبَعْضُها خارِجِيَّةٌ، أمّا الدّاخِلِيَّةُ: فَهي الخَلْقُ الظّاهِرُ والخَلْقُ الباطِنُ والخَلْقُ الظّاهِرُ أشَدُّ جُسْمانِيَّةً والخَلْقُ الباطِنُ أشَدُّ رُوحانِيَّةً، فَتَرَكَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ الأمْرَ الجُسْمانِيَّ وهو الخَلْقُ الظّاهِرُ وطَلَبَ الأمْرَ الرُّوحانِيَّ وهو الخَلْقُ الباطِنُ، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ وأمّا الخارِجِيَّةُ: فَهي المالُ والجاهُ، والمالُ أشَدُّ جُسْمانِيَّةً والجاهُ أشَدُّ رُوحانِيَّةً فَتَرَكَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ الأمْرَ الجُسْمانِيَّ وهو المالُ وطَلَبَ الأمْرَ الرُّوحانِيَّ وهو الجاهُ والذِّكْرُ الجَمِيلُ الباقِي عَلى وجْهِ الدَّهْرِ، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: وقَدْ أعْطاهُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ [الصافات: ١٠٨] فَإنْ قِيلَ وأيُّ غَرَضٍ لَهُ في أنْ يُثْنِيَ عَلَيْهِ ويَمْدَحَ ؟ جَوابُهُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: وهو عَلى لِسانِ الحِكْمَةِ: أنَّ الأرْواحَ البَشَرِيَّةَ قَدْ بَيَّنّا أنَّها مُؤَثِّرَةٌ في الجُمْلَةِ إلّا أنَّ بَعْضَها قَدْ يَكُونُ ضَعِيفًا فَيَعْجِزُ عَنِ التَّأْثِيرِ فَإذا اجْتَمَعَتْ طائِفَةٌ مِنها فَرُبَّما قَوِيَ مَجْمُوعُها عَلى ما عَجَزَتِ الآحادُ عَنْهُ، وهَذا المَعْنى مَشاهَدٌ في المُؤَثِّراتِ الجُسْمانِيَّةِ، إذا ثَبَتَ هَذا فالإنْسانُ الواحِدُ إذا كانَ بِحَيْثُ يُثْنِي عَلَيْهِ الجَمْعُ العَظِيمُ ويَمْدَحُونَهُ ويُعَظِّمُونَهُ، فَرُبَّما صارَ انْصِرافُ هِمَمِهِمْ عِنْدَ الِاجْتِماعِ إلَيْهِ سَبَبًا لِحُصُولِ زِيادَةِ كَمالٍ لَهُ.
الثّانِي: وهو عَلى لِسانِ الكَمالِ: أنَّ مَن صارَ مَمْدُوحًا فِيما بَيْنَ النّاسِ بِسَبَبِ ما عِنْدَهُ مِنَ الفَضائِلِ، فَإنَّهُ يَصِيرُ ذَلِكَ المَدْحُ وتِلْكَ الشُّهْرَةُ داعِيًا لِغَيْرِهِ إلى اكْتِسابِ مِثْلِ تِلْكَ الفَضائِلِ.
التَّأْوِيلُ الثّانِي: أنَّهُ سَألَ رَبَّهُ أنْ يَجْعَلَ مِن ذُرِّيَّتِهِ في آخِرِ الزَّمانِ مَن يَكُونُ داعِيًا إلى اللَّهِ تَعالى، وذَلِكَ هُوَمُحَمَّدٌ ﷺ فالمُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ بَعْثَةُ مُحَمَّدٍ ﷺ .
التَّأْوِيلُ الثّالِثُ: قالَ بَعْضُهم: المُرادُ اتِّفاقُ أهْلِ الأدْيانِ عَلى حُبِّهِ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى أعْطاهُ ذَلِكَ لِأنَّكَ لا تَرى أهْلَ دِينٍ إلّا ويَتَوَلَّوْنَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقَدَحَ بَعْضُهم فِيهِ بِأنَّهُ لا تَقْوى الرَّغْبَةُ في مَدْحِ الكافِرِ وجَوابُهُ: أنَّهُ لَيْسَ المَقْصُودُ مَدْحَ الكافِرِ مِن حَيْثُ هو كافِرٌ، بَلِ المَقْصُودُ أنْ يَكُونَ مَمْدُوحَ كُلِّ إنْسانٍ ومَحْبُوبَ كُلِّ قَلْبٍ.
المَطْلُوبُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿واجْعَلْنِي مِن ورَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ لَمّا طَلَبَ سَعادَةَ الدُّنْيا طَلَبَ بَعْدَها سَعادَةَ الآخِرَةِ وهي جَنَّةُ النَّعِيمِ، وشَبَّهَها بِما يُوَرَّثُ لِأنَّهُ الَّذِي يُغْتَنَمُ في الدُّنْيا، فَشَبَّهَ غَنِيمَةَ الآخِرَةِ بِغَنِيمَةِ الدُّنْيا.
المَطْلُوبُ الرّابِعُ: قَوْلُهُ: ﴿واغْفِرْ لِأبِي إنَّهُ كانَ مِنَ الضّالِّينَ﴾ واعْلَمْ أنَّهُ لَمّا فَرَغَ مِن طَلَبِ السَّعاداتِ الدُّنْيَوِيَّةِ والأُخْرَوِيَّةِ لِنَفْسِهِ طَلَبَها لِأشَدِّ النّاسِ التِصاقًا بِهِ وهو أبُوهُ فَقالَ: ﴿واغْفِرْ لِأبِي﴾ ثُمَّ فِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ المَغْفِرَةَ مَشْرُوطَةٌ بِالإسْلامِ وطَلَبُ المَشْرُوطِ مُتَضَمِّنٌ لِطَلَبِ الشَّرْطِ فَقَوْلُهُ: ﴿واغْفِرْ لِأبِي﴾ يَرْجِعُ حاصِلُهُ إلى أنَّهُ دُعاءٌ لِأبِيهِ بِالإسْلامِ.
الثّانِي: أنَّ أباهُ وعَدَهُ الإسْلامَ كَما قالَ تَعالى: ﴿وما كانَ اسْتِغْفارُ إبْراهِيمَ لِأبِيهِ إلّا عَنْ﴾
صفحة ١٣٠
﴿مَوْعِدَةٍ وعَدَها إيّاهُ﴾ [التوبة: ١١٤] فَدَعا لَهُ لِهَذا الشَّرْطِ ولا يَمْتَنِعُ الدُّعاءُ لِلْكافِرِ عَلى هَذا الشَّرْطِ ﴿فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأ مِنهُ﴾ [التوبة: ١١٤] وهَذا ضَعِيفٌ لِأنَّ الدُّعاءَ بِهَذا الشَّرْطِ جائِزٌ لِلْكافِرِ فَلَوْ كانَ دُعاؤُهُ مَشْرُوطًا لَما مَنَعَهُ اللَّهُ عَنْهُ.
الثّالِثُ: أنَّ أباهُ قالَ لَهُ: إنَّهُ عَلى دِينِهِ باطِنًا وعَلى دِينِ نَمْرُوذَ ظاهِرًا تَقِيَّةً وخَوْفًا، فَدَعا لَهُ لِاعْتِقادِهِ أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ خِلافَ ذَلِكَ تَبَرَّأ مِنهُ، لِذَلِكَ قالَ في دُعائِهِ: ﴿إنَّهُ كانَ مِنَ الضّالِّينَ﴾ فَلَوْلا اعْتِقادُهُ فِيهِ أنَّهُ في الحالِ لَيْسَ بِضالٍّ لَما قالَ ذَلِكَ.
المَطْلُوبُ الخامِسُ: قَوْلُهُ: ﴿ولا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: الإخْزاءُ مِنَ الخِزْيِ وهو الهَوانُ، أوْ مِنَ الخَزايَةِ وهي الحَياءُ وهَهُنا أبْحاثٌ:
أحَدُها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولا تُخْزِنِي﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَجِبُ عَلى اللَّهِ تَعالى شَيْءٌ عَلى ما بَيَّنّاهُ في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِي أطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ .
وثانِيها: أنَّ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ لَمّا قالَ أوَّلًا: ﴿واجْعَلْنِي مِن ورَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾ ومَتى حَصَلَتِ الجَنَّةُ امْتَنَعَ حُصُولُ الخِزْيِ، فَكَيْفَ قالَ بَعْدَهُ: ﴿ولا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ وأيْضًا فَقَدْ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الخِزْيَ اليَوْمَ والسُّوءَ عَلى الكافِرِينَ﴾ [النحل: ٢٧] فَمًا كانَ نَصِيبُ الكُفّارِ فَقَطْ فَكَيْفَ يَخافُهُ المَعْصُومُ ؟ جَوابُهُ: كَما أنَّ حَسَناتِ الأبْرارِ سَيِّئاتُ المُقَرَّبِينَ فَكَذا دَرَجاتُ الأبْرارِ دَرَكاتُ المُقَرَّبِينَ وخِزْيُ كُلِّ واحِدٍ بِما يَلِيقُ بِهِ.
وثالِثُها: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: في [ يُبْعَثُونَ ] ضَمِيرُ العِبادِ لِأنَّهُ مَعْلُومٌ أوْ ضَمِيرُ الضّالِّينَ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ: ﴿إلّا مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ تَعالى أكْرَمُهُ بِهَذا الوَصْفِ حَيْثُ قالَ: ﴿وإنَّ مِن شِيعَتِهِ لَإبْراهِيمَ﴾ ﴿إذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الصافات: ٨٣، ٨٤] .
ثُمَّ في هَذا الِاسْتِثْناءِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّهُ إذا قِيلَ لَكَ: هَلْ لِزَيْدٍ مالٌ وبَنُونَ ؟ فَتَقُولُ: مالُهُ وبَنُوهُ سَلامَةُ قَلْبِهِ، تُرِيدُ نَفْيَ المالِ والبَنِينَ عَنْهُ وإثْباتَ سَلامَةِ القَلْبِ لَهُ بَدَلًا عَنْ ذَلِكَ، فَكَذا في هَذِهِ الآيَةِ.
وثانِيها: أنْ نَحْمِلَ الكَلامَ عَلى المَعْنى ونَجْعَلَ المالَ والبَنِينَ في مَعْنى الغِنى كَأنَّهُ قِيلَ يَوْمَ لا يَنْفَعُ غِنًى إلّا غِنى مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ لِأنَّ غِنى الرَّجُلِ في دِينِهِ بِسَلامَةِ قَلْبِهِ كَما أنَّ غِناهُ في دُنْياهُ بِمالِهِ وبَنِيهِ.
وثالِثُها: أنْ نَجْعَلَ [ مَن ] مَفْعُولًا لِ ”يَنْفَعُ“ أيْ لا يَنْفَعُ مالٌ ولا بَنُونَ إلّا رَجُلًا سَلِمَ قَلْبُهُ مَعَ مالِهِ حَيْثُ أنْفَقَهُ في طاعَةِ اللَّهِ تَعالى، ومَعَ بَنِيهِ حَيْثُ أرْشَدَهم إلى الدِّينِ، ويَجُوزُ عَلى هَذا ﴿إلّا مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ مِن فِتْنَةِ المالِ والبَنِينَ، أمّا السَّلِيمُ فَفي ثَلاثَةِ أوْجُهٍ:
الأوَّلُ: وهو الأصَحُّ أنَّ المُرادَ مِنهُ سَلامَةُ القَلْبِ عَنِ الجَهْلِ والأخْلاقِ الرَّذِيلَةِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ كَما أنَّ صِحَّةَ البَدَنِ وسَلامَتَهُ عِبارَةٌ عَنْ حُصُولِ ما يَنْبَغِي مِنَ المِزاجِ والتَّرْكِيبِ والِاتِّصالِ ومَرَضَهُ عِبارَةٌ عَنْ زَوالِ أحَدِ تِلْكَ الأُمُورِ فَكَذَلِكَ سَلامَةُ القَلْبِ عِبارَةٌ عَنْ حُصُولِ ما يَنْبَغِي لَهُ وهو العِلْمُ والخُلُقُ الفاضِلُ ومَرَضُهُ عِبارَةٌ عَنْ زَوالِ أحَدِهِما فَقَوْلُهُ: ﴿إلّا مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ أنْ يَكُونَ خالِيًا عَنِ العَقائِدِ الفاسِدَةِ والمِيلِ إلى شَهَواتِ الدُّنْيا ولَذّاتِها فَإنْ قِيلَ فَظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ يَقْتَضِي أنَّ مَن سَلِمَ قَلْبُهُ كانَ ناجِيًا وأنَّهُ لا حاجَةَ فِيهِ إلى سَلامَةِ اللِّسانِ واليَدِ جَوابُهُ: أنَّ القَلْبَ مُؤَثِّرٌ واللِّسانَ والجَوارِحَ تَبَعٌ فَلَوْ كانَ القَلْبُ سَلِيمًا لَكانا سَلِيمَيْنِ لا مَحالَةَ، وحَيْثُ لَمْ يَسْلَما ثَبَتَ عَدَمُ سَلامَةِ القَلْبِ.
التَّأْوِيلُ الثّانِي: أنَّ السَّلِيمَ هو اللَّدِيغُ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ تَعالى.
التَّأْوِيلُ الثّالِثُ: أنَّ السَّلِيمَ هو الَّذِي سَلِمَ وأسْلَمَ وسالَمَ واسْتَسْلَمَ واللَّهُ أعْلَمُ.
الشعراء 26:85
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ ﴿واجْعَلْنِي مِن ورَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾ ﴿واغْفِرْ لِأبِي إنَّهُ كانَ مِنَ الضّالِّينَ﴾ ﴿ولا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ ولا بَنُونَ﴾ ﴿إلّا مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا حَكى عَنْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ثَناءَهُ عَلى اللَّهِ تَعالى ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ دُعاءَهُ ومَسْألَتَهُ وذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ تَقْدِيمَ الثَّناءِ عَلى الدُّعاءِ مِنَ المُهِمّاتِ وتَحْقِيقُ الكَلامِ فِيهِ أنَّ هَذِهِ الأرْواحَ البَشَرِيَّةَ مِن جِنْسِ المَلائِكَةِ فَكُلَّما كانَ اشْتِغالُها بِمَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى ومَحَبَّتِهِ والِانْجِذابُ إلى عالَمِ الرُّوحانِيّاتِ أشَدَّ كانَتْ مُشاكَلَتُها لِلْمَلائِكَةِ أتَمَّ، فَكانَتْ أقْوى عَلى التَّصَرُّفِ في أجْسامِ هَذا العالَمِ، وكُلَّما كانَ اشْتِغالُها بِلَذّاتِ هَذا العالَمِ واسْتِغْراقُها في ظُلُماتِ هَذِهِ الجُسْمانِيّاتِ أشَدَّ كانَتْ مُشاكَلَتُها لِلْبَهائِمِ أشَدَّ فَكانَتْ أكْثَرَ عَجْزًا وضَعْفًا وأقَلَّ تَأْثِيرًا في هَذا العالَمِ، فَمَن أرادَ أنْ يَشْتَغِلَ بِالدُّعاءِ يَجِبُ أنْ يُقَدِّمَ عَلَيْهِ ثَناءَ اللَّهِ تَعالى وذِكْرَ عَظَمَتِهِ وكِبْرِيائِهِ حَتّى أنَّهُ بِسَبَبِ ذَلِكَ الذِّكْرِ يَصِيرُ مُسْتَغْرِقًا في مَعْرِفَةِ اللَّهِ ومَحَبَّتِهِ ويَصِيرُ قَرِيبَ المُشاكَلَةِ مِنَ المَلائِكَةِ فَتَحْصُلُ لَهُ بِسَبَبِ تِلْكَ المُشاكَلَةِ قُوَّةٌ إلَهِيَّةٌ سَماوِيَّةٌ فَيَصِيرُ مَبْدَأً لِحُدُوثِ ذَلِكَ الشَّيْءِ الَّذِي هو المَطْلُوبُ بِالدُّعاءِ فَهَذا هو الكَشْفُ عَنْ ماهِيَّةِ الدُّعاءِ وظَهَرَ أنَّ تَقْدِيمَ الثَّناءِ عَلى الدُّعاءِ مِنَ الواجِباتِ وظَهَرَ بِهِ تَحْقِيقُ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ حِكايَةً عَنِ اللَّهِ تَعالى: ”«مَن شَغَلَهُ ذِكْرِي عَنْ مَسْألَتِي أعْطَيْتُهُ أفْضَلَ ما أُعْطِي السّائِلِينَ» “ فَإنْ قالَ قائِلٌ: لِمَ لَمْ يَقْتَصِرْ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى الثَّناءِ، لا سِيَّما ويُرْوى عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ قالَ: حَسْبِي مِن سُؤالِي عِلْمُهُ بِحالِي ؟ فالجَوابُ: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما ذَكَرَ ذَلِكَ حِينَ كانَ مُشْتَغِلًا بِدَعْوَةِ الخَلْقِ إلى الحَقِّ ألا تَرى أنَّهُ قالَ: ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي إلّا رَبَّ العالَمِينَ﴾ ثُمَّ ذَكَرَ الثَّناءَ، ثُمَّ ذَكَرَ الدُّعاءَ لِأنَّ الشّارِعَ لا بُدَّ لَهُ مِن تَعْلِيمِ الشَّرْعِ، فَأمّا حِينَ ما خَلا بِنَفْسِهِ، ولَمْ يَكُنْ غَرَضُهُ تَعْلِيمَ الشَّرْعِ كانَ يَقْتَصِرُ عَلى قَوْلِهِ: حَسْبِي مِن سُؤالِي عِلْمُهُ بِحالِي.
* * *
البَحْثُ الثّانِي: في الأُمُورِ الَّتِي طَلَبَها في الدُّعاءِ وهي مَطالِيبُ:
المَطْلُوبُ الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾، ولَقَدْ أجابَهُ اللَّهُ تَعالى حَيْثُ قالَ: ﴿وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ [البقرة: ١٣٠] وفِيهِ مَطالِبُ:
أحَدُها: أنَّهُ لا يَجُوزُ تَفْسِيرُ الحُكْمِ بِالنُّبُوَّةِ لِأنَّ
صفحة ١٢٨
النُّبُوَّةَ كانَتْ حاصِلَةً فَلَوْ طَلَبَ النُّبُوَّةَ لَكانَتِ النُّبُوَّةُ المَطْلُوبَةُ، إمّا عَيْنَ النُّبُوَّةِ الحاصِلَةَ أوْ غَيْرَها، والأوَّلُ مُحالٌ لِأنَّ تَحْصِيلَ الحاصِلِ مُحالٌ، والثّانِي مُحالٌ لِأنَّهُ يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ الشَّخْصُ الواحِدُ نَبِيًّا مَرَّتَيْنِ، بَلِ المُرادُ مِنَ الحُكْمِ ما هو كَمالُ القُوَّةِ النَّظَرِيَّةِ، وذَلِكَ بِإدْراكِ الحَقِّ ومِن قَوْلِهِ ﴿وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ كَمالُ القُوَّةِ العَمَلِيَّةِ، وذَلِكَ بِأنْ يَكُونَ عامِلًا بِالخَيْرِ فَإنَّ كَمالِ الإنْسانِ أنْ يَعْرِفَ الحَقَّ لِذاتِهِ، والخَيْرَ لِأجْلِ العَمَلِ بِهِ، وإنَّما قَدَّمَ قَوْلَهُ: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا﴾ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ لِما أنَّ القُوَّةَ النَّظَرِيَّةَ مُقَدِّمَةٌ عَلى القُوَّةِ العَمَلِيَّةِ بِالشَّرَفِ وبِالذّاتِ، وأيْضًا فَإنَّهُ يُمْكِنُهُ أنْ يَعْلَمَ الحَقَّ وإنْ لَمْ يَعْلَمْ بِالخَيْرِ وعَكْسُهُ غَيْرُ مُمْكِنٍ، ولِأنَّ العِلْمَ صِفَةُ الرُّوحِ والعَمَلَ صِفَةُ البَدَنِ، ولَمّا كانَ الرُّوحُ أشْرَفَ مِنَ البَدَنِ كانَ العِلْمُ أفْضَلَ مِنَ العَمَلِ، وإنَّما فَسَّرْنا مَعْرِفَةَ الأشْياءِ بِالحُكْمِ وذَلِكَ لِأنَّ الإنْسانَ لا يَعْرِفُ حَقائِقَ الأشْياءِ إلّا إذا اسْتَحْضَرَ في ذِهْنِهِ صُوَرَ الماهِيّاتِ، ثُمَّ نَسَبَ بَعْضَها إلى بَعْضٍ بِالنَّفْيِ أوْ بِالإثْباتِ، وتِلْكَ النِّسْبَةُ وهي الحُكْمُ، ثُمَّ إنْ كانَتِ النِّسَبُ الذِّهْنِيَّةُ مُطابِقَةً لِلنِّسَبِ الخارِجِيَّةِ كانَتِ النِّسَبُ الذِّهْنِيَّةُ مُمْتَنِعَةَ التَّغَيُّرِ فَكانَتْ مُسْتَحْكِمَةً قَوِيَّةً، فَمِثْلُ هَذا الإدْراكِ يُسَمّى حِكْمَةً وحُكْمًا، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«أرِنا الأشْياءَ كَما هي» “ وأمّا الصَّلاحُ فَهو كَوْنُ القُوَّةِ العاقِلَةِ مُتَوَسِّطَةً بَيْنَ رَذِيلَتِيِ الإفْراطِ والتَّفْرِيطِ، وذَلِكَ لِأنَّ الإفْراطَ في أحَدِ الجانِبَيْنِ تَفْرِيطٌ في الجانِبِ الآخَرِ وبِالعَكْسِ فالصَّلاحُ لا يَحْصُلُ إلّا بِالِاعْتِدالِ، ولَمّا كانَ الِاعْتِدالُ الحَقِيقِيُّ شَيْئًا واحِدًا لا يَقْبَلُ القِسْمَةَ البَتَّةَ والأفْكارُ البَشَرِيَّةُ في هَذا العالَمِ قاصِرَةً عَلى إدْراكِ أمْثالِ هَذِهِ الأشْياءِ، لا جَرَمَ لا يَنْفَكُّ البَشَرُ عَنِ الخُرُوجِ عَنْ ذَلِكَ الحَدِّ وإنْ قَلَّ، إلّا أنَّ خُرُوجَ المُقَرَّبِينَ عَنْهُ يَكُونُ في القِلَّةِ بِحَيْثُ لا يُحَسُّ بِهِ، وخُرُوجُ العُصاةِ عَنْهُ يَكُونُ مُتَفاحِشًا جِدًّا فَقَدْ ظَهَرَ مِن هَذا تَحْقِيقُ ما قِيلَ: حَسَناتُ الأبْرارِ سَيِّئاتُ المُقَرَّبِينَ، وظَهَرَ احْتِياجُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى أنْ يَقُولَ: ﴿وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ .
المَطْلَبُ الثّانِي: لَمّا ثَبَتَ أنَّ المُرادَ مِنَ الحُكْمِ العِلْمُ، ثَبَتَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ طَلَبَ مِنَ اللَّهِ أنْ يُعْطِيَهُ العِلْمَ بِاللَّهِ تَعالى وبِصِفاتِهِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ مَعْرِفَةَ اللَّهِ تَعالى لا تَحْصُلُ في قَلْبِ العَبْدِ إلّا بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى، وقَوْلُهُ: ﴿وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ كَوْنَ العَبْدِ صالِحًا لَيْسَ إلّا بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى، وحَمْلُ هَذِهِ الأشْياءِ عَلى الألْطافِ بَعِيدٌ، لِأنَّ عِنْدَ الخَصْمِ كُلَّ ما في قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى مِنَ الألْطافِ فَقَدْ فَعَلَهُ فَلَوْ صَرَفْنا الدُّعاءَ إلَيْهِ لَكانَ ذَلِكَ طَلَبًا لِتَحْصِيلِ الحاصِلِ وهو فاسِدٌ.
* * *
المَطْلَبُ الثّالِثُ: أنَّ الحُكْمَ المَطْلُوبَ في الدُّعاءِ إمّا أنْ يَكُونَ هو العِلْمَ بِاللَّهِ أوْ بِغَيْرِهِ والثّانِي باطِلٌ، لِأنَّ الإنْسانَ حالَ كَوْنِهِ مُسْتَحْضِرًا لِلْعِلْمِ بِشَيْءٍ لا يُمْكِنُهُ أنْ يَكُونَ مُسْتَحْضِرًا لِلْعِلْمِ بِشَيْءٍ آخَرَ فَلَوْ كانَ المَطْلُوبُ بِهَذا الدُّعاءِ العِلْمَ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى، والعِلْمُ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى شاغِلٌ عَنِ الِاسْتِغْراقِ في العِلْمِ بِاللَّهِ كانَ هَذا السُّؤالُ طَلَبًا لِما يَشْغَلُهُ عَنِ الِاسْتِغْراقِ في العِلْمِ بِاللَّهِ تَعالى، وذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ لِأنَّهُ لا كَمالَ فَوْقَ ذَلِكَ الِاسْتِغْراقِ، فَإذَنِ المَطْلُوبُ بِهَذا الدُّعاءِ هو العِلْمُ بِاللَّهِ. ثُمَّ إنَّ ذَلِكَ العِلْمَ إمّا أنْ يَكُونَ هو العِلْمَ بِاللَّهِ تَعالى الَّذِي هو شَرْطُ صِحَّةِ الإيمانِ أوْ غَيْرُهُ، والأوَّلُ باطِلٌ لِأنَّهُ لَمّا وجَبَ أنْ يَكُونَ حاصِلًا لِكُلِّ المُؤْمِنِينَ فَكَيْفَ لا يَكُونُ حاصِلًا عِنْدَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وإذا كانَ حاصِلًا عِنْدَهُ امْتَنَعَ طَلَبُ تَحْصِيلِهِ، فَثَبَتَ أنَّ المَطْلُوبَ بِهَذا الدُّعاءِ دَرَجاتٌ في مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى أزْيَدُ مِنَ العِلْمِ بِوُجُودِهِ وبِأنَّهُ لَيْسَ بِمُتَحَيِّزٍ ولا حالٍّ في المُتَحَيِّزِ وبِأنَّهُ عالَمٌ قادِرٌ حَيٌّ، وما ذاكَ إلّا الوُقُوفُ عَلى صِفاتِ الجَلالِ أوِ الوُقُوفُ عَلى حَقِيقَةِ الذّاتِ أوْ ظُهُورُ نُورِ تِلْكَ المَعْرِفَةِ
صفحة ١٢٩
فِي القَلْبِ. ثُمَّ هُناكَ أحْوالٌ لا يُعَبِّرُ عَنْها المَقالُ ولا يَشْرَحُها الخَيالُ، ومَن أرادَ أنْ يَصِلَ إلَيْها فَلْيَكُنْ مِنَ الواصِلِينَ إلى العَيْنِ، دُونَ السّامِعِينَ لِلْأثَرِ.
المَطْلُوبُ الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ وفِيهِ ثَلاثُ تَأْوِيلاتٍ:
التَّأْوِيلُ الأوَّلُ: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ابْتَدَأ بِطَلَبِ ما هو الكَمالُ الذّاتِيُّ لِلْإنْسانِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ وهو طَلَبُ الحُكْمِ الَّذِي هو العِلْمُ، ثُمَّ طَلَبَ بَعْدَهُ كِمالاتِ الدُّنْيا وبَعْدَ ذَلِكَ طَلَبَ كِمالاتِ الآخِرَةِ، فَأمّا كِمالاتُ الدُّنْيا فَبَعْضُها داخِلِيَّةٌ وبَعْضُها خارِجِيَّةٌ، أمّا الدّاخِلِيَّةُ: فَهي الخَلْقُ الظّاهِرُ والخَلْقُ الباطِنُ والخَلْقُ الظّاهِرُ أشَدُّ جُسْمانِيَّةً والخَلْقُ الباطِنُ أشَدُّ رُوحانِيَّةً، فَتَرَكَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ الأمْرَ الجُسْمانِيَّ وهو الخَلْقُ الظّاهِرُ وطَلَبَ الأمْرَ الرُّوحانِيَّ وهو الخَلْقُ الباطِنُ، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ وأمّا الخارِجِيَّةُ: فَهي المالُ والجاهُ، والمالُ أشَدُّ جُسْمانِيَّةً والجاهُ أشَدُّ رُوحانِيَّةً فَتَرَكَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ الأمْرَ الجُسْمانِيَّ وهو المالُ وطَلَبَ الأمْرَ الرُّوحانِيَّ وهو الجاهُ والذِّكْرُ الجَمِيلُ الباقِي عَلى وجْهِ الدَّهْرِ، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: وقَدْ أعْطاهُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ [الصافات: ١٠٨] فَإنْ قِيلَ وأيُّ غَرَضٍ لَهُ في أنْ يُثْنِيَ عَلَيْهِ ويَمْدَحَ ؟ جَوابُهُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: وهو عَلى لِسانِ الحِكْمَةِ: أنَّ الأرْواحَ البَشَرِيَّةَ قَدْ بَيَّنّا أنَّها مُؤَثِّرَةٌ في الجُمْلَةِ إلّا أنَّ بَعْضَها قَدْ يَكُونُ ضَعِيفًا فَيَعْجِزُ عَنِ التَّأْثِيرِ فَإذا اجْتَمَعَتْ طائِفَةٌ مِنها فَرُبَّما قَوِيَ مَجْمُوعُها عَلى ما عَجَزَتِ الآحادُ عَنْهُ، وهَذا المَعْنى مَشاهَدٌ في المُؤَثِّراتِ الجُسْمانِيَّةِ، إذا ثَبَتَ هَذا فالإنْسانُ الواحِدُ إذا كانَ بِحَيْثُ يُثْنِي عَلَيْهِ الجَمْعُ العَظِيمُ ويَمْدَحُونَهُ ويُعَظِّمُونَهُ، فَرُبَّما صارَ انْصِرافُ هِمَمِهِمْ عِنْدَ الِاجْتِماعِ إلَيْهِ سَبَبًا لِحُصُولِ زِيادَةِ كَمالٍ لَهُ.
الثّانِي: وهو عَلى لِسانِ الكَمالِ: أنَّ مَن صارَ مَمْدُوحًا فِيما بَيْنَ النّاسِ بِسَبَبِ ما عِنْدَهُ مِنَ الفَضائِلِ، فَإنَّهُ يَصِيرُ ذَلِكَ المَدْحُ وتِلْكَ الشُّهْرَةُ داعِيًا لِغَيْرِهِ إلى اكْتِسابِ مِثْلِ تِلْكَ الفَضائِلِ.
التَّأْوِيلُ الثّانِي: أنَّهُ سَألَ رَبَّهُ أنْ يَجْعَلَ مِن ذُرِّيَّتِهِ في آخِرِ الزَّمانِ مَن يَكُونُ داعِيًا إلى اللَّهِ تَعالى، وذَلِكَ هُوَمُحَمَّدٌ ﷺ فالمُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ بَعْثَةُ مُحَمَّدٍ ﷺ .
التَّأْوِيلُ الثّالِثُ: قالَ بَعْضُهم: المُرادُ اتِّفاقُ أهْلِ الأدْيانِ عَلى حُبِّهِ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى أعْطاهُ ذَلِكَ لِأنَّكَ لا تَرى أهْلَ دِينٍ إلّا ويَتَوَلَّوْنَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقَدَحَ بَعْضُهم فِيهِ بِأنَّهُ لا تَقْوى الرَّغْبَةُ في مَدْحِ الكافِرِ وجَوابُهُ: أنَّهُ لَيْسَ المَقْصُودُ مَدْحَ الكافِرِ مِن حَيْثُ هو كافِرٌ، بَلِ المَقْصُودُ أنْ يَكُونَ مَمْدُوحَ كُلِّ إنْسانٍ ومَحْبُوبَ كُلِّ قَلْبٍ.
المَطْلُوبُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿واجْعَلْنِي مِن ورَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ لَمّا طَلَبَ سَعادَةَ الدُّنْيا طَلَبَ بَعْدَها سَعادَةَ الآخِرَةِ وهي جَنَّةُ النَّعِيمِ، وشَبَّهَها بِما يُوَرَّثُ لِأنَّهُ الَّذِي يُغْتَنَمُ في الدُّنْيا، فَشَبَّهَ غَنِيمَةَ الآخِرَةِ بِغَنِيمَةِ الدُّنْيا.
المَطْلُوبُ الرّابِعُ: قَوْلُهُ: ﴿واغْفِرْ لِأبِي إنَّهُ كانَ مِنَ الضّالِّينَ﴾ واعْلَمْ أنَّهُ لَمّا فَرَغَ مِن طَلَبِ السَّعاداتِ الدُّنْيَوِيَّةِ والأُخْرَوِيَّةِ لِنَفْسِهِ طَلَبَها لِأشَدِّ النّاسِ التِصاقًا بِهِ وهو أبُوهُ فَقالَ: ﴿واغْفِرْ لِأبِي﴾ ثُمَّ فِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ المَغْفِرَةَ مَشْرُوطَةٌ بِالإسْلامِ وطَلَبُ المَشْرُوطِ مُتَضَمِّنٌ لِطَلَبِ الشَّرْطِ فَقَوْلُهُ: ﴿واغْفِرْ لِأبِي﴾ يَرْجِعُ حاصِلُهُ إلى أنَّهُ دُعاءٌ لِأبِيهِ بِالإسْلامِ.
الثّانِي: أنَّ أباهُ وعَدَهُ الإسْلامَ كَما قالَ تَعالى: ﴿وما كانَ اسْتِغْفارُ إبْراهِيمَ لِأبِيهِ إلّا عَنْ﴾
صفحة ١٣٠
﴿مَوْعِدَةٍ وعَدَها إيّاهُ﴾ [التوبة: ١١٤] فَدَعا لَهُ لِهَذا الشَّرْطِ ولا يَمْتَنِعُ الدُّعاءُ لِلْكافِرِ عَلى هَذا الشَّرْطِ ﴿فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأ مِنهُ﴾ [التوبة: ١١٤] وهَذا ضَعِيفٌ لِأنَّ الدُّعاءَ بِهَذا الشَّرْطِ جائِزٌ لِلْكافِرِ فَلَوْ كانَ دُعاؤُهُ مَشْرُوطًا لَما مَنَعَهُ اللَّهُ عَنْهُ.
الثّالِثُ: أنَّ أباهُ قالَ لَهُ: إنَّهُ عَلى دِينِهِ باطِنًا وعَلى دِينِ نَمْرُوذَ ظاهِرًا تَقِيَّةً وخَوْفًا، فَدَعا لَهُ لِاعْتِقادِهِ أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ خِلافَ ذَلِكَ تَبَرَّأ مِنهُ، لِذَلِكَ قالَ في دُعائِهِ: ﴿إنَّهُ كانَ مِنَ الضّالِّينَ﴾ فَلَوْلا اعْتِقادُهُ فِيهِ أنَّهُ في الحالِ لَيْسَ بِضالٍّ لَما قالَ ذَلِكَ.
المَطْلُوبُ الخامِسُ: قَوْلُهُ: ﴿ولا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: الإخْزاءُ مِنَ الخِزْيِ وهو الهَوانُ، أوْ مِنَ الخَزايَةِ وهي الحَياءُ وهَهُنا أبْحاثٌ:
أحَدُها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولا تُخْزِنِي﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَجِبُ عَلى اللَّهِ تَعالى شَيْءٌ عَلى ما بَيَّنّاهُ في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِي أطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ .
وثانِيها: أنَّ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ لَمّا قالَ أوَّلًا: ﴿واجْعَلْنِي مِن ورَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾ ومَتى حَصَلَتِ الجَنَّةُ امْتَنَعَ حُصُولُ الخِزْيِ، فَكَيْفَ قالَ بَعْدَهُ: ﴿ولا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ وأيْضًا فَقَدْ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الخِزْيَ اليَوْمَ والسُّوءَ عَلى الكافِرِينَ﴾ [النحل: ٢٧] فَمًا كانَ نَصِيبُ الكُفّارِ فَقَطْ فَكَيْفَ يَخافُهُ المَعْصُومُ ؟ جَوابُهُ: كَما أنَّ حَسَناتِ الأبْرارِ سَيِّئاتُ المُقَرَّبِينَ فَكَذا دَرَجاتُ الأبْرارِ دَرَكاتُ المُقَرَّبِينَ وخِزْيُ كُلِّ واحِدٍ بِما يَلِيقُ بِهِ.
وثالِثُها: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: في [ يُبْعَثُونَ ] ضَمِيرُ العِبادِ لِأنَّهُ مَعْلُومٌ أوْ ضَمِيرُ الضّالِّينَ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ: ﴿إلّا مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ تَعالى أكْرَمُهُ بِهَذا الوَصْفِ حَيْثُ قالَ: ﴿وإنَّ مِن شِيعَتِهِ لَإبْراهِيمَ﴾ ﴿إذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الصافات: ٨٣، ٨٤] .
ثُمَّ في هَذا الِاسْتِثْناءِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّهُ إذا قِيلَ لَكَ: هَلْ لِزَيْدٍ مالٌ وبَنُونَ ؟ فَتَقُولُ: مالُهُ وبَنُوهُ سَلامَةُ قَلْبِهِ، تُرِيدُ نَفْيَ المالِ والبَنِينَ عَنْهُ وإثْباتَ سَلامَةِ القَلْبِ لَهُ بَدَلًا عَنْ ذَلِكَ، فَكَذا في هَذِهِ الآيَةِ.
وثانِيها: أنْ نَحْمِلَ الكَلامَ عَلى المَعْنى ونَجْعَلَ المالَ والبَنِينَ في مَعْنى الغِنى كَأنَّهُ قِيلَ يَوْمَ لا يَنْفَعُ غِنًى إلّا غِنى مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ لِأنَّ غِنى الرَّجُلِ في دِينِهِ بِسَلامَةِ قَلْبِهِ كَما أنَّ غِناهُ في دُنْياهُ بِمالِهِ وبَنِيهِ.
وثالِثُها: أنْ نَجْعَلَ [ مَن ] مَفْعُولًا لِ ”يَنْفَعُ“ أيْ لا يَنْفَعُ مالٌ ولا بَنُونَ إلّا رَجُلًا سَلِمَ قَلْبُهُ مَعَ مالِهِ حَيْثُ أنْفَقَهُ في طاعَةِ اللَّهِ تَعالى، ومَعَ بَنِيهِ حَيْثُ أرْشَدَهم إلى الدِّينِ، ويَجُوزُ عَلى هَذا ﴿إلّا مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ مِن فِتْنَةِ المالِ والبَنِينَ، أمّا السَّلِيمُ فَفي ثَلاثَةِ أوْجُهٍ:
الأوَّلُ: وهو الأصَحُّ أنَّ المُرادَ مِنهُ سَلامَةُ القَلْبِ عَنِ الجَهْلِ والأخْلاقِ الرَّذِيلَةِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ كَما أنَّ صِحَّةَ البَدَنِ وسَلامَتَهُ عِبارَةٌ عَنْ حُصُولِ ما يَنْبَغِي مِنَ المِزاجِ والتَّرْكِيبِ والِاتِّصالِ ومَرَضَهُ عِبارَةٌ عَنْ زَوالِ أحَدِ تِلْكَ الأُمُورِ فَكَذَلِكَ سَلامَةُ القَلْبِ عِبارَةٌ عَنْ حُصُولِ ما يَنْبَغِي لَهُ وهو العِلْمُ والخُلُقُ الفاضِلُ ومَرَضُهُ عِبارَةٌ عَنْ زَوالِ أحَدِهِما فَقَوْلُهُ: ﴿إلّا مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ أنْ يَكُونَ خالِيًا عَنِ العَقائِدِ الفاسِدَةِ والمِيلِ إلى شَهَواتِ الدُّنْيا ولَذّاتِها فَإنْ قِيلَ فَظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ يَقْتَضِي أنَّ مَن سَلِمَ قَلْبُهُ كانَ ناجِيًا وأنَّهُ لا حاجَةَ فِيهِ إلى سَلامَةِ اللِّسانِ واليَدِ جَوابُهُ: أنَّ القَلْبَ مُؤَثِّرٌ واللِّسانَ والجَوارِحَ تَبَعٌ فَلَوْ كانَ القَلْبُ سَلِيمًا لَكانا سَلِيمَيْنِ لا مَحالَةَ، وحَيْثُ لَمْ يَسْلَما ثَبَتَ عَدَمُ سَلامَةِ القَلْبِ.
التَّأْوِيلُ الثّانِي: أنَّ السَّلِيمَ هو اللَّدِيغُ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ تَعالى.
التَّأْوِيلُ الثّالِثُ: أنَّ السَّلِيمَ هو الَّذِي سَلِمَ وأسْلَمَ وسالَمَ واسْتَسْلَمَ واللَّهُ أعْلَمُ.
الشعراء 26:86
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ ﴿واجْعَلْنِي مِن ورَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾ ﴿واغْفِرْ لِأبِي إنَّهُ كانَ مِنَ الضّالِّينَ﴾ ﴿ولا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ ولا بَنُونَ﴾ ﴿إلّا مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا حَكى عَنْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ثَناءَهُ عَلى اللَّهِ تَعالى ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ دُعاءَهُ ومَسْألَتَهُ وذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ تَقْدِيمَ الثَّناءِ عَلى الدُّعاءِ مِنَ المُهِمّاتِ وتَحْقِيقُ الكَلامِ فِيهِ أنَّ هَذِهِ الأرْواحَ البَشَرِيَّةَ مِن جِنْسِ المَلائِكَةِ فَكُلَّما كانَ اشْتِغالُها بِمَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى ومَحَبَّتِهِ والِانْجِذابُ إلى عالَمِ الرُّوحانِيّاتِ أشَدَّ كانَتْ مُشاكَلَتُها لِلْمَلائِكَةِ أتَمَّ، فَكانَتْ أقْوى عَلى التَّصَرُّفِ في أجْسامِ هَذا العالَمِ، وكُلَّما كانَ اشْتِغالُها بِلَذّاتِ هَذا العالَمِ واسْتِغْراقُها في ظُلُماتِ هَذِهِ الجُسْمانِيّاتِ أشَدَّ كانَتْ مُشاكَلَتُها لِلْبَهائِمِ أشَدَّ فَكانَتْ أكْثَرَ عَجْزًا وضَعْفًا وأقَلَّ تَأْثِيرًا في هَذا العالَمِ، فَمَن أرادَ أنْ يَشْتَغِلَ بِالدُّعاءِ يَجِبُ أنْ يُقَدِّمَ عَلَيْهِ ثَناءَ اللَّهِ تَعالى وذِكْرَ عَظَمَتِهِ وكِبْرِيائِهِ حَتّى أنَّهُ بِسَبَبِ ذَلِكَ الذِّكْرِ يَصِيرُ مُسْتَغْرِقًا في مَعْرِفَةِ اللَّهِ ومَحَبَّتِهِ ويَصِيرُ قَرِيبَ المُشاكَلَةِ مِنَ المَلائِكَةِ فَتَحْصُلُ لَهُ بِسَبَبِ تِلْكَ المُشاكَلَةِ قُوَّةٌ إلَهِيَّةٌ سَماوِيَّةٌ فَيَصِيرُ مَبْدَأً لِحُدُوثِ ذَلِكَ الشَّيْءِ الَّذِي هو المَطْلُوبُ بِالدُّعاءِ فَهَذا هو الكَشْفُ عَنْ ماهِيَّةِ الدُّعاءِ وظَهَرَ أنَّ تَقْدِيمَ الثَّناءِ عَلى الدُّعاءِ مِنَ الواجِباتِ وظَهَرَ بِهِ تَحْقِيقُ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ حِكايَةً عَنِ اللَّهِ تَعالى: ”«مَن شَغَلَهُ ذِكْرِي عَنْ مَسْألَتِي أعْطَيْتُهُ أفْضَلَ ما أُعْطِي السّائِلِينَ» “ فَإنْ قالَ قائِلٌ: لِمَ لَمْ يَقْتَصِرْ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى الثَّناءِ، لا سِيَّما ويُرْوى عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ قالَ: حَسْبِي مِن سُؤالِي عِلْمُهُ بِحالِي ؟ فالجَوابُ: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما ذَكَرَ ذَلِكَ حِينَ كانَ مُشْتَغِلًا بِدَعْوَةِ الخَلْقِ إلى الحَقِّ ألا تَرى أنَّهُ قالَ: ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي إلّا رَبَّ العالَمِينَ﴾ ثُمَّ ذَكَرَ الثَّناءَ، ثُمَّ ذَكَرَ الدُّعاءَ لِأنَّ الشّارِعَ لا بُدَّ لَهُ مِن تَعْلِيمِ الشَّرْعِ، فَأمّا حِينَ ما خَلا بِنَفْسِهِ، ولَمْ يَكُنْ غَرَضُهُ تَعْلِيمَ الشَّرْعِ كانَ يَقْتَصِرُ عَلى قَوْلِهِ: حَسْبِي مِن سُؤالِي عِلْمُهُ بِحالِي.
* * *
البَحْثُ الثّانِي: في الأُمُورِ الَّتِي طَلَبَها في الدُّعاءِ وهي مَطالِيبُ:
المَطْلُوبُ الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾، ولَقَدْ أجابَهُ اللَّهُ تَعالى حَيْثُ قالَ: ﴿وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ [البقرة: ١٣٠] وفِيهِ مَطالِبُ:
أحَدُها: أنَّهُ لا يَجُوزُ تَفْسِيرُ الحُكْمِ بِالنُّبُوَّةِ لِأنَّ
صفحة ١٢٨
النُّبُوَّةَ كانَتْ حاصِلَةً فَلَوْ طَلَبَ النُّبُوَّةَ لَكانَتِ النُّبُوَّةُ المَطْلُوبَةُ، إمّا عَيْنَ النُّبُوَّةِ الحاصِلَةَ أوْ غَيْرَها، والأوَّلُ مُحالٌ لِأنَّ تَحْصِيلَ الحاصِلِ مُحالٌ، والثّانِي مُحالٌ لِأنَّهُ يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ الشَّخْصُ الواحِدُ نَبِيًّا مَرَّتَيْنِ، بَلِ المُرادُ مِنَ الحُكْمِ ما هو كَمالُ القُوَّةِ النَّظَرِيَّةِ، وذَلِكَ بِإدْراكِ الحَقِّ ومِن قَوْلِهِ ﴿وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ كَمالُ القُوَّةِ العَمَلِيَّةِ، وذَلِكَ بِأنْ يَكُونَ عامِلًا بِالخَيْرِ فَإنَّ كَمالِ الإنْسانِ أنْ يَعْرِفَ الحَقَّ لِذاتِهِ، والخَيْرَ لِأجْلِ العَمَلِ بِهِ، وإنَّما قَدَّمَ قَوْلَهُ: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا﴾ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ لِما أنَّ القُوَّةَ النَّظَرِيَّةَ مُقَدِّمَةٌ عَلى القُوَّةِ العَمَلِيَّةِ بِالشَّرَفِ وبِالذّاتِ، وأيْضًا فَإنَّهُ يُمْكِنُهُ أنْ يَعْلَمَ الحَقَّ وإنْ لَمْ يَعْلَمْ بِالخَيْرِ وعَكْسُهُ غَيْرُ مُمْكِنٍ، ولِأنَّ العِلْمَ صِفَةُ الرُّوحِ والعَمَلَ صِفَةُ البَدَنِ، ولَمّا كانَ الرُّوحُ أشْرَفَ مِنَ البَدَنِ كانَ العِلْمُ أفْضَلَ مِنَ العَمَلِ، وإنَّما فَسَّرْنا مَعْرِفَةَ الأشْياءِ بِالحُكْمِ وذَلِكَ لِأنَّ الإنْسانَ لا يَعْرِفُ حَقائِقَ الأشْياءِ إلّا إذا اسْتَحْضَرَ في ذِهْنِهِ صُوَرَ الماهِيّاتِ، ثُمَّ نَسَبَ بَعْضَها إلى بَعْضٍ بِالنَّفْيِ أوْ بِالإثْباتِ، وتِلْكَ النِّسْبَةُ وهي الحُكْمُ، ثُمَّ إنْ كانَتِ النِّسَبُ الذِّهْنِيَّةُ مُطابِقَةً لِلنِّسَبِ الخارِجِيَّةِ كانَتِ النِّسَبُ الذِّهْنِيَّةُ مُمْتَنِعَةَ التَّغَيُّرِ فَكانَتْ مُسْتَحْكِمَةً قَوِيَّةً، فَمِثْلُ هَذا الإدْراكِ يُسَمّى حِكْمَةً وحُكْمًا، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«أرِنا الأشْياءَ كَما هي» “ وأمّا الصَّلاحُ فَهو كَوْنُ القُوَّةِ العاقِلَةِ مُتَوَسِّطَةً بَيْنَ رَذِيلَتِيِ الإفْراطِ والتَّفْرِيطِ، وذَلِكَ لِأنَّ الإفْراطَ في أحَدِ الجانِبَيْنِ تَفْرِيطٌ في الجانِبِ الآخَرِ وبِالعَكْسِ فالصَّلاحُ لا يَحْصُلُ إلّا بِالِاعْتِدالِ، ولَمّا كانَ الِاعْتِدالُ الحَقِيقِيُّ شَيْئًا واحِدًا لا يَقْبَلُ القِسْمَةَ البَتَّةَ والأفْكارُ البَشَرِيَّةُ في هَذا العالَمِ قاصِرَةً عَلى إدْراكِ أمْثالِ هَذِهِ الأشْياءِ، لا جَرَمَ لا يَنْفَكُّ البَشَرُ عَنِ الخُرُوجِ عَنْ ذَلِكَ الحَدِّ وإنْ قَلَّ، إلّا أنَّ خُرُوجَ المُقَرَّبِينَ عَنْهُ يَكُونُ في القِلَّةِ بِحَيْثُ لا يُحَسُّ بِهِ، وخُرُوجُ العُصاةِ عَنْهُ يَكُونُ مُتَفاحِشًا جِدًّا فَقَدْ ظَهَرَ مِن هَذا تَحْقِيقُ ما قِيلَ: حَسَناتُ الأبْرارِ سَيِّئاتُ المُقَرَّبِينَ، وظَهَرَ احْتِياجُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى أنْ يَقُولَ: ﴿وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ .
المَطْلَبُ الثّانِي: لَمّا ثَبَتَ أنَّ المُرادَ مِنَ الحُكْمِ العِلْمُ، ثَبَتَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ طَلَبَ مِنَ اللَّهِ أنْ يُعْطِيَهُ العِلْمَ بِاللَّهِ تَعالى وبِصِفاتِهِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ مَعْرِفَةَ اللَّهِ تَعالى لا تَحْصُلُ في قَلْبِ العَبْدِ إلّا بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى، وقَوْلُهُ: ﴿وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ كَوْنَ العَبْدِ صالِحًا لَيْسَ إلّا بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى، وحَمْلُ هَذِهِ الأشْياءِ عَلى الألْطافِ بَعِيدٌ، لِأنَّ عِنْدَ الخَصْمِ كُلَّ ما في قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى مِنَ الألْطافِ فَقَدْ فَعَلَهُ فَلَوْ صَرَفْنا الدُّعاءَ إلَيْهِ لَكانَ ذَلِكَ طَلَبًا لِتَحْصِيلِ الحاصِلِ وهو فاسِدٌ.
* * *
المَطْلَبُ الثّالِثُ: أنَّ الحُكْمَ المَطْلُوبَ في الدُّعاءِ إمّا أنْ يَكُونَ هو العِلْمَ بِاللَّهِ أوْ بِغَيْرِهِ والثّانِي باطِلٌ، لِأنَّ الإنْسانَ حالَ كَوْنِهِ مُسْتَحْضِرًا لِلْعِلْمِ بِشَيْءٍ لا يُمْكِنُهُ أنْ يَكُونَ مُسْتَحْضِرًا لِلْعِلْمِ بِشَيْءٍ آخَرَ فَلَوْ كانَ المَطْلُوبُ بِهَذا الدُّعاءِ العِلْمَ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى، والعِلْمُ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى شاغِلٌ عَنِ الِاسْتِغْراقِ في العِلْمِ بِاللَّهِ كانَ هَذا السُّؤالُ طَلَبًا لِما يَشْغَلُهُ عَنِ الِاسْتِغْراقِ في العِلْمِ بِاللَّهِ تَعالى، وذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ لِأنَّهُ لا كَمالَ فَوْقَ ذَلِكَ الِاسْتِغْراقِ، فَإذَنِ المَطْلُوبُ بِهَذا الدُّعاءِ هو العِلْمُ بِاللَّهِ. ثُمَّ إنَّ ذَلِكَ العِلْمَ إمّا أنْ يَكُونَ هو العِلْمَ بِاللَّهِ تَعالى الَّذِي هو شَرْطُ صِحَّةِ الإيمانِ أوْ غَيْرُهُ، والأوَّلُ باطِلٌ لِأنَّهُ لَمّا وجَبَ أنْ يَكُونَ حاصِلًا لِكُلِّ المُؤْمِنِينَ فَكَيْفَ لا يَكُونُ حاصِلًا عِنْدَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وإذا كانَ حاصِلًا عِنْدَهُ امْتَنَعَ طَلَبُ تَحْصِيلِهِ، فَثَبَتَ أنَّ المَطْلُوبَ بِهَذا الدُّعاءِ دَرَجاتٌ في مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى أزْيَدُ مِنَ العِلْمِ بِوُجُودِهِ وبِأنَّهُ لَيْسَ بِمُتَحَيِّزٍ ولا حالٍّ في المُتَحَيِّزِ وبِأنَّهُ عالَمٌ قادِرٌ حَيٌّ، وما ذاكَ إلّا الوُقُوفُ عَلى صِفاتِ الجَلالِ أوِ الوُقُوفُ عَلى حَقِيقَةِ الذّاتِ أوْ ظُهُورُ نُورِ تِلْكَ المَعْرِفَةِ
صفحة ١٢٩
فِي القَلْبِ. ثُمَّ هُناكَ أحْوالٌ لا يُعَبِّرُ عَنْها المَقالُ ولا يَشْرَحُها الخَيالُ، ومَن أرادَ أنْ يَصِلَ إلَيْها فَلْيَكُنْ مِنَ الواصِلِينَ إلى العَيْنِ، دُونَ السّامِعِينَ لِلْأثَرِ.
المَطْلُوبُ الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ وفِيهِ ثَلاثُ تَأْوِيلاتٍ:
التَّأْوِيلُ الأوَّلُ: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ابْتَدَأ بِطَلَبِ ما هو الكَمالُ الذّاتِيُّ لِلْإنْسانِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ وهو طَلَبُ الحُكْمِ الَّذِي هو العِلْمُ، ثُمَّ طَلَبَ بَعْدَهُ كِمالاتِ الدُّنْيا وبَعْدَ ذَلِكَ طَلَبَ كِمالاتِ الآخِرَةِ، فَأمّا كِمالاتُ الدُّنْيا فَبَعْضُها داخِلِيَّةٌ وبَعْضُها خارِجِيَّةٌ، أمّا الدّاخِلِيَّةُ: فَهي الخَلْقُ الظّاهِرُ والخَلْقُ الباطِنُ والخَلْقُ الظّاهِرُ أشَدُّ جُسْمانِيَّةً والخَلْقُ الباطِنُ أشَدُّ رُوحانِيَّةً، فَتَرَكَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ الأمْرَ الجُسْمانِيَّ وهو الخَلْقُ الظّاهِرُ وطَلَبَ الأمْرَ الرُّوحانِيَّ وهو الخَلْقُ الباطِنُ، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ وأمّا الخارِجِيَّةُ: فَهي المالُ والجاهُ، والمالُ أشَدُّ جُسْمانِيَّةً والجاهُ أشَدُّ رُوحانِيَّةً فَتَرَكَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ الأمْرَ الجُسْمانِيَّ وهو المالُ وطَلَبَ الأمْرَ الرُّوحانِيَّ وهو الجاهُ والذِّكْرُ الجَمِيلُ الباقِي عَلى وجْهِ الدَّهْرِ، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: وقَدْ أعْطاهُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ [الصافات: ١٠٨] فَإنْ قِيلَ وأيُّ غَرَضٍ لَهُ في أنْ يُثْنِيَ عَلَيْهِ ويَمْدَحَ ؟ جَوابُهُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: وهو عَلى لِسانِ الحِكْمَةِ: أنَّ الأرْواحَ البَشَرِيَّةَ قَدْ بَيَّنّا أنَّها مُؤَثِّرَةٌ في الجُمْلَةِ إلّا أنَّ بَعْضَها قَدْ يَكُونُ ضَعِيفًا فَيَعْجِزُ عَنِ التَّأْثِيرِ فَإذا اجْتَمَعَتْ طائِفَةٌ مِنها فَرُبَّما قَوِيَ مَجْمُوعُها عَلى ما عَجَزَتِ الآحادُ عَنْهُ، وهَذا المَعْنى مَشاهَدٌ في المُؤَثِّراتِ الجُسْمانِيَّةِ، إذا ثَبَتَ هَذا فالإنْسانُ الواحِدُ إذا كانَ بِحَيْثُ يُثْنِي عَلَيْهِ الجَمْعُ العَظِيمُ ويَمْدَحُونَهُ ويُعَظِّمُونَهُ، فَرُبَّما صارَ انْصِرافُ هِمَمِهِمْ عِنْدَ الِاجْتِماعِ إلَيْهِ سَبَبًا لِحُصُولِ زِيادَةِ كَمالٍ لَهُ.
الثّانِي: وهو عَلى لِسانِ الكَمالِ: أنَّ مَن صارَ مَمْدُوحًا فِيما بَيْنَ النّاسِ بِسَبَبِ ما عِنْدَهُ مِنَ الفَضائِلِ، فَإنَّهُ يَصِيرُ ذَلِكَ المَدْحُ وتِلْكَ الشُّهْرَةُ داعِيًا لِغَيْرِهِ إلى اكْتِسابِ مِثْلِ تِلْكَ الفَضائِلِ.
التَّأْوِيلُ الثّانِي: أنَّهُ سَألَ رَبَّهُ أنْ يَجْعَلَ مِن ذُرِّيَّتِهِ في آخِرِ الزَّمانِ مَن يَكُونُ داعِيًا إلى اللَّهِ تَعالى، وذَلِكَ هُوَمُحَمَّدٌ ﷺ فالمُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ بَعْثَةُ مُحَمَّدٍ ﷺ .
التَّأْوِيلُ الثّالِثُ: قالَ بَعْضُهم: المُرادُ اتِّفاقُ أهْلِ الأدْيانِ عَلى حُبِّهِ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى أعْطاهُ ذَلِكَ لِأنَّكَ لا تَرى أهْلَ دِينٍ إلّا ويَتَوَلَّوْنَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقَدَحَ بَعْضُهم فِيهِ بِأنَّهُ لا تَقْوى الرَّغْبَةُ في مَدْحِ الكافِرِ وجَوابُهُ: أنَّهُ لَيْسَ المَقْصُودُ مَدْحَ الكافِرِ مِن حَيْثُ هو كافِرٌ، بَلِ المَقْصُودُ أنْ يَكُونَ مَمْدُوحَ كُلِّ إنْسانٍ ومَحْبُوبَ كُلِّ قَلْبٍ.
المَطْلُوبُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿واجْعَلْنِي مِن ورَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ لَمّا طَلَبَ سَعادَةَ الدُّنْيا طَلَبَ بَعْدَها سَعادَةَ الآخِرَةِ وهي جَنَّةُ النَّعِيمِ، وشَبَّهَها بِما يُوَرَّثُ لِأنَّهُ الَّذِي يُغْتَنَمُ في الدُّنْيا، فَشَبَّهَ غَنِيمَةَ الآخِرَةِ بِغَنِيمَةِ الدُّنْيا.
المَطْلُوبُ الرّابِعُ: قَوْلُهُ: ﴿واغْفِرْ لِأبِي إنَّهُ كانَ مِنَ الضّالِّينَ﴾ واعْلَمْ أنَّهُ لَمّا فَرَغَ مِن طَلَبِ السَّعاداتِ الدُّنْيَوِيَّةِ والأُخْرَوِيَّةِ لِنَفْسِهِ طَلَبَها لِأشَدِّ النّاسِ التِصاقًا بِهِ وهو أبُوهُ فَقالَ: ﴿واغْفِرْ لِأبِي﴾ ثُمَّ فِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ المَغْفِرَةَ مَشْرُوطَةٌ بِالإسْلامِ وطَلَبُ المَشْرُوطِ مُتَضَمِّنٌ لِطَلَبِ الشَّرْطِ فَقَوْلُهُ: ﴿واغْفِرْ لِأبِي﴾ يَرْجِعُ حاصِلُهُ إلى أنَّهُ دُعاءٌ لِأبِيهِ بِالإسْلامِ.
الثّانِي: أنَّ أباهُ وعَدَهُ الإسْلامَ كَما قالَ تَعالى: ﴿وما كانَ اسْتِغْفارُ إبْراهِيمَ لِأبِيهِ إلّا عَنْ﴾
صفحة ١٣٠
﴿مَوْعِدَةٍ وعَدَها إيّاهُ﴾ [التوبة: ١١٤] فَدَعا لَهُ لِهَذا الشَّرْطِ ولا يَمْتَنِعُ الدُّعاءُ لِلْكافِرِ عَلى هَذا الشَّرْطِ ﴿فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأ مِنهُ﴾ [التوبة: ١١٤] وهَذا ضَعِيفٌ لِأنَّ الدُّعاءَ بِهَذا الشَّرْطِ جائِزٌ لِلْكافِرِ فَلَوْ كانَ دُعاؤُهُ مَشْرُوطًا لَما مَنَعَهُ اللَّهُ عَنْهُ.
الثّالِثُ: أنَّ أباهُ قالَ لَهُ: إنَّهُ عَلى دِينِهِ باطِنًا وعَلى دِينِ نَمْرُوذَ ظاهِرًا تَقِيَّةً وخَوْفًا، فَدَعا لَهُ لِاعْتِقادِهِ أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ خِلافَ ذَلِكَ تَبَرَّأ مِنهُ، لِذَلِكَ قالَ في دُعائِهِ: ﴿إنَّهُ كانَ مِنَ الضّالِّينَ﴾ فَلَوْلا اعْتِقادُهُ فِيهِ أنَّهُ في الحالِ لَيْسَ بِضالٍّ لَما قالَ ذَلِكَ.
المَطْلُوبُ الخامِسُ: قَوْلُهُ: ﴿ولا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: الإخْزاءُ مِنَ الخِزْيِ وهو الهَوانُ، أوْ مِنَ الخَزايَةِ وهي الحَياءُ وهَهُنا أبْحاثٌ:
أحَدُها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولا تُخْزِنِي﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَجِبُ عَلى اللَّهِ تَعالى شَيْءٌ عَلى ما بَيَّنّاهُ في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِي أطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ .
وثانِيها: أنَّ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ لَمّا قالَ أوَّلًا: ﴿واجْعَلْنِي مِن ورَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾ ومَتى حَصَلَتِ الجَنَّةُ امْتَنَعَ حُصُولُ الخِزْيِ، فَكَيْفَ قالَ بَعْدَهُ: ﴿ولا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ وأيْضًا فَقَدْ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الخِزْيَ اليَوْمَ والسُّوءَ عَلى الكافِرِينَ﴾ [النحل: ٢٧] فَمًا كانَ نَصِيبُ الكُفّارِ فَقَطْ فَكَيْفَ يَخافُهُ المَعْصُومُ ؟ جَوابُهُ: كَما أنَّ حَسَناتِ الأبْرارِ سَيِّئاتُ المُقَرَّبِينَ فَكَذا دَرَجاتُ الأبْرارِ دَرَكاتُ المُقَرَّبِينَ وخِزْيُ كُلِّ واحِدٍ بِما يَلِيقُ بِهِ.
وثالِثُها: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: في [ يُبْعَثُونَ ] ضَمِيرُ العِبادِ لِأنَّهُ مَعْلُومٌ أوْ ضَمِيرُ الضّالِّينَ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ: ﴿إلّا مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ تَعالى أكْرَمُهُ بِهَذا الوَصْفِ حَيْثُ قالَ: ﴿وإنَّ مِن شِيعَتِهِ لَإبْراهِيمَ﴾ ﴿إذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الصافات: ٨٣، ٨٤] .
ثُمَّ في هَذا الِاسْتِثْناءِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّهُ إذا قِيلَ لَكَ: هَلْ لِزَيْدٍ مالٌ وبَنُونَ ؟ فَتَقُولُ: مالُهُ وبَنُوهُ سَلامَةُ قَلْبِهِ، تُرِيدُ نَفْيَ المالِ والبَنِينَ عَنْهُ وإثْباتَ سَلامَةِ القَلْبِ لَهُ بَدَلًا عَنْ ذَلِكَ، فَكَذا في هَذِهِ الآيَةِ.
وثانِيها: أنْ نَحْمِلَ الكَلامَ عَلى المَعْنى ونَجْعَلَ المالَ والبَنِينَ في مَعْنى الغِنى كَأنَّهُ قِيلَ يَوْمَ لا يَنْفَعُ غِنًى إلّا غِنى مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ لِأنَّ غِنى الرَّجُلِ في دِينِهِ بِسَلامَةِ قَلْبِهِ كَما أنَّ غِناهُ في دُنْياهُ بِمالِهِ وبَنِيهِ.
وثالِثُها: أنْ نَجْعَلَ [ مَن ] مَفْعُولًا لِ ”يَنْفَعُ“ أيْ لا يَنْفَعُ مالٌ ولا بَنُونَ إلّا رَجُلًا سَلِمَ قَلْبُهُ مَعَ مالِهِ حَيْثُ أنْفَقَهُ في طاعَةِ اللَّهِ تَعالى، ومَعَ بَنِيهِ حَيْثُ أرْشَدَهم إلى الدِّينِ، ويَجُوزُ عَلى هَذا ﴿إلّا مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ مِن فِتْنَةِ المالِ والبَنِينَ، أمّا السَّلِيمُ فَفي ثَلاثَةِ أوْجُهٍ:
الأوَّلُ: وهو الأصَحُّ أنَّ المُرادَ مِنهُ سَلامَةُ القَلْبِ عَنِ الجَهْلِ والأخْلاقِ الرَّذِيلَةِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ كَما أنَّ صِحَّةَ البَدَنِ وسَلامَتَهُ عِبارَةٌ عَنْ حُصُولِ ما يَنْبَغِي مِنَ المِزاجِ والتَّرْكِيبِ والِاتِّصالِ ومَرَضَهُ عِبارَةٌ عَنْ زَوالِ أحَدِ تِلْكَ الأُمُورِ فَكَذَلِكَ سَلامَةُ القَلْبِ عِبارَةٌ عَنْ حُصُولِ ما يَنْبَغِي لَهُ وهو العِلْمُ والخُلُقُ الفاضِلُ ومَرَضُهُ عِبارَةٌ عَنْ زَوالِ أحَدِهِما فَقَوْلُهُ: ﴿إلّا مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ أنْ يَكُونَ خالِيًا عَنِ العَقائِدِ الفاسِدَةِ والمِيلِ إلى شَهَواتِ الدُّنْيا ولَذّاتِها فَإنْ قِيلَ فَظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ يَقْتَضِي أنَّ مَن سَلِمَ قَلْبُهُ كانَ ناجِيًا وأنَّهُ لا حاجَةَ فِيهِ إلى سَلامَةِ اللِّسانِ واليَدِ جَوابُهُ: أنَّ القَلْبَ مُؤَثِّرٌ واللِّسانَ والجَوارِحَ تَبَعٌ فَلَوْ كانَ القَلْبُ سَلِيمًا لَكانا سَلِيمَيْنِ لا مَحالَةَ، وحَيْثُ لَمْ يَسْلَما ثَبَتَ عَدَمُ سَلامَةِ القَلْبِ.
التَّأْوِيلُ الثّانِي: أنَّ السَّلِيمَ هو اللَّدِيغُ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ تَعالى.
التَّأْوِيلُ الثّالِثُ: أنَّ السَّلِيمَ هو الَّذِي سَلِمَ وأسْلَمَ وسالَمَ واسْتَسْلَمَ واللَّهُ أعْلَمُ.
الشعراء 26:87
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ ﴿واجْعَلْنِي مِن ورَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾ ﴿واغْفِرْ لِأبِي إنَّهُ كانَ مِنَ الضّالِّينَ﴾ ﴿ولا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ ولا بَنُونَ﴾ ﴿إلّا مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا حَكى عَنْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ثَناءَهُ عَلى اللَّهِ تَعالى ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ دُعاءَهُ ومَسْألَتَهُ وذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ تَقْدِيمَ الثَّناءِ عَلى الدُّعاءِ مِنَ المُهِمّاتِ وتَحْقِيقُ الكَلامِ فِيهِ أنَّ هَذِهِ الأرْواحَ البَشَرِيَّةَ مِن جِنْسِ المَلائِكَةِ فَكُلَّما كانَ اشْتِغالُها بِمَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى ومَحَبَّتِهِ والِانْجِذابُ إلى عالَمِ الرُّوحانِيّاتِ أشَدَّ كانَتْ مُشاكَلَتُها لِلْمَلائِكَةِ أتَمَّ، فَكانَتْ أقْوى عَلى التَّصَرُّفِ في أجْسامِ هَذا العالَمِ، وكُلَّما كانَ اشْتِغالُها بِلَذّاتِ هَذا العالَمِ واسْتِغْراقُها في ظُلُماتِ هَذِهِ الجُسْمانِيّاتِ أشَدَّ كانَتْ مُشاكَلَتُها لِلْبَهائِمِ أشَدَّ فَكانَتْ أكْثَرَ عَجْزًا وضَعْفًا وأقَلَّ تَأْثِيرًا في هَذا العالَمِ، فَمَن أرادَ أنْ يَشْتَغِلَ بِالدُّعاءِ يَجِبُ أنْ يُقَدِّمَ عَلَيْهِ ثَناءَ اللَّهِ تَعالى وذِكْرَ عَظَمَتِهِ وكِبْرِيائِهِ حَتّى أنَّهُ بِسَبَبِ ذَلِكَ الذِّكْرِ يَصِيرُ مُسْتَغْرِقًا في مَعْرِفَةِ اللَّهِ ومَحَبَّتِهِ ويَصِيرُ قَرِيبَ المُشاكَلَةِ مِنَ المَلائِكَةِ فَتَحْصُلُ لَهُ بِسَبَبِ تِلْكَ المُشاكَلَةِ قُوَّةٌ إلَهِيَّةٌ سَماوِيَّةٌ فَيَصِيرُ مَبْدَأً لِحُدُوثِ ذَلِكَ الشَّيْءِ الَّذِي هو المَطْلُوبُ بِالدُّعاءِ فَهَذا هو الكَشْفُ عَنْ ماهِيَّةِ الدُّعاءِ وظَهَرَ أنَّ تَقْدِيمَ الثَّناءِ عَلى الدُّعاءِ مِنَ الواجِباتِ وظَهَرَ بِهِ تَحْقِيقُ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ حِكايَةً عَنِ اللَّهِ تَعالى: ”«مَن شَغَلَهُ ذِكْرِي عَنْ مَسْألَتِي أعْطَيْتُهُ أفْضَلَ ما أُعْطِي السّائِلِينَ» “ فَإنْ قالَ قائِلٌ: لِمَ لَمْ يَقْتَصِرْ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى الثَّناءِ، لا سِيَّما ويُرْوى عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ قالَ: حَسْبِي مِن سُؤالِي عِلْمُهُ بِحالِي ؟ فالجَوابُ: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما ذَكَرَ ذَلِكَ حِينَ كانَ مُشْتَغِلًا بِدَعْوَةِ الخَلْقِ إلى الحَقِّ ألا تَرى أنَّهُ قالَ: ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي إلّا رَبَّ العالَمِينَ﴾ ثُمَّ ذَكَرَ الثَّناءَ، ثُمَّ ذَكَرَ الدُّعاءَ لِأنَّ الشّارِعَ لا بُدَّ لَهُ مِن تَعْلِيمِ الشَّرْعِ، فَأمّا حِينَ ما خَلا بِنَفْسِهِ، ولَمْ يَكُنْ غَرَضُهُ تَعْلِيمَ الشَّرْعِ كانَ يَقْتَصِرُ عَلى قَوْلِهِ: حَسْبِي مِن سُؤالِي عِلْمُهُ بِحالِي.
* * *
البَحْثُ الثّانِي: في الأُمُورِ الَّتِي طَلَبَها في الدُّعاءِ وهي مَطالِيبُ:
المَطْلُوبُ الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾، ولَقَدْ أجابَهُ اللَّهُ تَعالى حَيْثُ قالَ: ﴿وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ [البقرة: ١٣٠] وفِيهِ مَطالِبُ:
أحَدُها: أنَّهُ لا يَجُوزُ تَفْسِيرُ الحُكْمِ بِالنُّبُوَّةِ لِأنَّ
صفحة ١٢٨
النُّبُوَّةَ كانَتْ حاصِلَةً فَلَوْ طَلَبَ النُّبُوَّةَ لَكانَتِ النُّبُوَّةُ المَطْلُوبَةُ، إمّا عَيْنَ النُّبُوَّةِ الحاصِلَةَ أوْ غَيْرَها، والأوَّلُ مُحالٌ لِأنَّ تَحْصِيلَ الحاصِلِ مُحالٌ، والثّانِي مُحالٌ لِأنَّهُ يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ الشَّخْصُ الواحِدُ نَبِيًّا مَرَّتَيْنِ، بَلِ المُرادُ مِنَ الحُكْمِ ما هو كَمالُ القُوَّةِ النَّظَرِيَّةِ، وذَلِكَ بِإدْراكِ الحَقِّ ومِن قَوْلِهِ ﴿وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ كَمالُ القُوَّةِ العَمَلِيَّةِ، وذَلِكَ بِأنْ يَكُونَ عامِلًا بِالخَيْرِ فَإنَّ كَمالِ الإنْسانِ أنْ يَعْرِفَ الحَقَّ لِذاتِهِ، والخَيْرَ لِأجْلِ العَمَلِ بِهِ، وإنَّما قَدَّمَ قَوْلَهُ: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا﴾ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ لِما أنَّ القُوَّةَ النَّظَرِيَّةَ مُقَدِّمَةٌ عَلى القُوَّةِ العَمَلِيَّةِ بِالشَّرَفِ وبِالذّاتِ، وأيْضًا فَإنَّهُ يُمْكِنُهُ أنْ يَعْلَمَ الحَقَّ وإنْ لَمْ يَعْلَمْ بِالخَيْرِ وعَكْسُهُ غَيْرُ مُمْكِنٍ، ولِأنَّ العِلْمَ صِفَةُ الرُّوحِ والعَمَلَ صِفَةُ البَدَنِ، ولَمّا كانَ الرُّوحُ أشْرَفَ مِنَ البَدَنِ كانَ العِلْمُ أفْضَلَ مِنَ العَمَلِ، وإنَّما فَسَّرْنا مَعْرِفَةَ الأشْياءِ بِالحُكْمِ وذَلِكَ لِأنَّ الإنْسانَ لا يَعْرِفُ حَقائِقَ الأشْياءِ إلّا إذا اسْتَحْضَرَ في ذِهْنِهِ صُوَرَ الماهِيّاتِ، ثُمَّ نَسَبَ بَعْضَها إلى بَعْضٍ بِالنَّفْيِ أوْ بِالإثْباتِ، وتِلْكَ النِّسْبَةُ وهي الحُكْمُ، ثُمَّ إنْ كانَتِ النِّسَبُ الذِّهْنِيَّةُ مُطابِقَةً لِلنِّسَبِ الخارِجِيَّةِ كانَتِ النِّسَبُ الذِّهْنِيَّةُ مُمْتَنِعَةَ التَّغَيُّرِ فَكانَتْ مُسْتَحْكِمَةً قَوِيَّةً، فَمِثْلُ هَذا الإدْراكِ يُسَمّى حِكْمَةً وحُكْمًا، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«أرِنا الأشْياءَ كَما هي» “ وأمّا الصَّلاحُ فَهو كَوْنُ القُوَّةِ العاقِلَةِ مُتَوَسِّطَةً بَيْنَ رَذِيلَتِيِ الإفْراطِ والتَّفْرِيطِ، وذَلِكَ لِأنَّ الإفْراطَ في أحَدِ الجانِبَيْنِ تَفْرِيطٌ في الجانِبِ الآخَرِ وبِالعَكْسِ فالصَّلاحُ لا يَحْصُلُ إلّا بِالِاعْتِدالِ، ولَمّا كانَ الِاعْتِدالُ الحَقِيقِيُّ شَيْئًا واحِدًا لا يَقْبَلُ القِسْمَةَ البَتَّةَ والأفْكارُ البَشَرِيَّةُ في هَذا العالَمِ قاصِرَةً عَلى إدْراكِ أمْثالِ هَذِهِ الأشْياءِ، لا جَرَمَ لا يَنْفَكُّ البَشَرُ عَنِ الخُرُوجِ عَنْ ذَلِكَ الحَدِّ وإنْ قَلَّ، إلّا أنَّ خُرُوجَ المُقَرَّبِينَ عَنْهُ يَكُونُ في القِلَّةِ بِحَيْثُ لا يُحَسُّ بِهِ، وخُرُوجُ العُصاةِ عَنْهُ يَكُونُ مُتَفاحِشًا جِدًّا فَقَدْ ظَهَرَ مِن هَذا تَحْقِيقُ ما قِيلَ: حَسَناتُ الأبْرارِ سَيِّئاتُ المُقَرَّبِينَ، وظَهَرَ احْتِياجُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى أنْ يَقُولَ: ﴿وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ .
المَطْلَبُ الثّانِي: لَمّا ثَبَتَ أنَّ المُرادَ مِنَ الحُكْمِ العِلْمُ، ثَبَتَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ طَلَبَ مِنَ اللَّهِ أنْ يُعْطِيَهُ العِلْمَ بِاللَّهِ تَعالى وبِصِفاتِهِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ مَعْرِفَةَ اللَّهِ تَعالى لا تَحْصُلُ في قَلْبِ العَبْدِ إلّا بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى، وقَوْلُهُ: ﴿وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ كَوْنَ العَبْدِ صالِحًا لَيْسَ إلّا بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى، وحَمْلُ هَذِهِ الأشْياءِ عَلى الألْطافِ بَعِيدٌ، لِأنَّ عِنْدَ الخَصْمِ كُلَّ ما في قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى مِنَ الألْطافِ فَقَدْ فَعَلَهُ فَلَوْ صَرَفْنا الدُّعاءَ إلَيْهِ لَكانَ ذَلِكَ طَلَبًا لِتَحْصِيلِ الحاصِلِ وهو فاسِدٌ.
* * *
المَطْلَبُ الثّالِثُ: أنَّ الحُكْمَ المَطْلُوبَ في الدُّعاءِ إمّا أنْ يَكُونَ هو العِلْمَ بِاللَّهِ أوْ بِغَيْرِهِ والثّانِي باطِلٌ، لِأنَّ الإنْسانَ حالَ كَوْنِهِ مُسْتَحْضِرًا لِلْعِلْمِ بِشَيْءٍ لا يُمْكِنُهُ أنْ يَكُونَ مُسْتَحْضِرًا لِلْعِلْمِ بِشَيْءٍ آخَرَ فَلَوْ كانَ المَطْلُوبُ بِهَذا الدُّعاءِ العِلْمَ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى، والعِلْمُ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى شاغِلٌ عَنِ الِاسْتِغْراقِ في العِلْمِ بِاللَّهِ كانَ هَذا السُّؤالُ طَلَبًا لِما يَشْغَلُهُ عَنِ الِاسْتِغْراقِ في العِلْمِ بِاللَّهِ تَعالى، وذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ لِأنَّهُ لا كَمالَ فَوْقَ ذَلِكَ الِاسْتِغْراقِ، فَإذَنِ المَطْلُوبُ بِهَذا الدُّعاءِ هو العِلْمُ بِاللَّهِ. ثُمَّ إنَّ ذَلِكَ العِلْمَ إمّا أنْ يَكُونَ هو العِلْمَ بِاللَّهِ تَعالى الَّذِي هو شَرْطُ صِحَّةِ الإيمانِ أوْ غَيْرُهُ، والأوَّلُ باطِلٌ لِأنَّهُ لَمّا وجَبَ أنْ يَكُونَ حاصِلًا لِكُلِّ المُؤْمِنِينَ فَكَيْفَ لا يَكُونُ حاصِلًا عِنْدَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وإذا كانَ حاصِلًا عِنْدَهُ امْتَنَعَ طَلَبُ تَحْصِيلِهِ، فَثَبَتَ أنَّ المَطْلُوبَ بِهَذا الدُّعاءِ دَرَجاتٌ في مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى أزْيَدُ مِنَ العِلْمِ بِوُجُودِهِ وبِأنَّهُ لَيْسَ بِمُتَحَيِّزٍ ولا حالٍّ في المُتَحَيِّزِ وبِأنَّهُ عالَمٌ قادِرٌ حَيٌّ، وما ذاكَ إلّا الوُقُوفُ عَلى صِفاتِ الجَلالِ أوِ الوُقُوفُ عَلى حَقِيقَةِ الذّاتِ أوْ ظُهُورُ نُورِ تِلْكَ المَعْرِفَةِ
صفحة ١٢٩
فِي القَلْبِ. ثُمَّ هُناكَ أحْوالٌ لا يُعَبِّرُ عَنْها المَقالُ ولا يَشْرَحُها الخَيالُ، ومَن أرادَ أنْ يَصِلَ إلَيْها فَلْيَكُنْ مِنَ الواصِلِينَ إلى العَيْنِ، دُونَ السّامِعِينَ لِلْأثَرِ.
المَطْلُوبُ الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ وفِيهِ ثَلاثُ تَأْوِيلاتٍ:
التَّأْوِيلُ الأوَّلُ: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ابْتَدَأ بِطَلَبِ ما هو الكَمالُ الذّاتِيُّ لِلْإنْسانِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ وهو طَلَبُ الحُكْمِ الَّذِي هو العِلْمُ، ثُمَّ طَلَبَ بَعْدَهُ كِمالاتِ الدُّنْيا وبَعْدَ ذَلِكَ طَلَبَ كِمالاتِ الآخِرَةِ، فَأمّا كِمالاتُ الدُّنْيا فَبَعْضُها داخِلِيَّةٌ وبَعْضُها خارِجِيَّةٌ، أمّا الدّاخِلِيَّةُ: فَهي الخَلْقُ الظّاهِرُ والخَلْقُ الباطِنُ والخَلْقُ الظّاهِرُ أشَدُّ جُسْمانِيَّةً والخَلْقُ الباطِنُ أشَدُّ رُوحانِيَّةً، فَتَرَكَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ الأمْرَ الجُسْمانِيَّ وهو الخَلْقُ الظّاهِرُ وطَلَبَ الأمْرَ الرُّوحانِيَّ وهو الخَلْقُ الباطِنُ، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ وأمّا الخارِجِيَّةُ: فَهي المالُ والجاهُ، والمالُ أشَدُّ جُسْمانِيَّةً والجاهُ أشَدُّ رُوحانِيَّةً فَتَرَكَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ الأمْرَ الجُسْمانِيَّ وهو المالُ وطَلَبَ الأمْرَ الرُّوحانِيَّ وهو الجاهُ والذِّكْرُ الجَمِيلُ الباقِي عَلى وجْهِ الدَّهْرِ، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: وقَدْ أعْطاهُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ [الصافات: ١٠٨] فَإنْ قِيلَ وأيُّ غَرَضٍ لَهُ في أنْ يُثْنِيَ عَلَيْهِ ويَمْدَحَ ؟ جَوابُهُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: وهو عَلى لِسانِ الحِكْمَةِ: أنَّ الأرْواحَ البَشَرِيَّةَ قَدْ بَيَّنّا أنَّها مُؤَثِّرَةٌ في الجُمْلَةِ إلّا أنَّ بَعْضَها قَدْ يَكُونُ ضَعِيفًا فَيَعْجِزُ عَنِ التَّأْثِيرِ فَإذا اجْتَمَعَتْ طائِفَةٌ مِنها فَرُبَّما قَوِيَ مَجْمُوعُها عَلى ما عَجَزَتِ الآحادُ عَنْهُ، وهَذا المَعْنى مَشاهَدٌ في المُؤَثِّراتِ الجُسْمانِيَّةِ، إذا ثَبَتَ هَذا فالإنْسانُ الواحِدُ إذا كانَ بِحَيْثُ يُثْنِي عَلَيْهِ الجَمْعُ العَظِيمُ ويَمْدَحُونَهُ ويُعَظِّمُونَهُ، فَرُبَّما صارَ انْصِرافُ هِمَمِهِمْ عِنْدَ الِاجْتِماعِ إلَيْهِ سَبَبًا لِحُصُولِ زِيادَةِ كَمالٍ لَهُ.
الثّانِي: وهو عَلى لِسانِ الكَمالِ: أنَّ مَن صارَ مَمْدُوحًا فِيما بَيْنَ النّاسِ بِسَبَبِ ما عِنْدَهُ مِنَ الفَضائِلِ، فَإنَّهُ يَصِيرُ ذَلِكَ المَدْحُ وتِلْكَ الشُّهْرَةُ داعِيًا لِغَيْرِهِ إلى اكْتِسابِ مِثْلِ تِلْكَ الفَضائِلِ.
التَّأْوِيلُ الثّانِي: أنَّهُ سَألَ رَبَّهُ أنْ يَجْعَلَ مِن ذُرِّيَّتِهِ في آخِرِ الزَّمانِ مَن يَكُونُ داعِيًا إلى اللَّهِ تَعالى، وذَلِكَ هُوَمُحَمَّدٌ ﷺ فالمُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ بَعْثَةُ مُحَمَّدٍ ﷺ .
التَّأْوِيلُ الثّالِثُ: قالَ بَعْضُهم: المُرادُ اتِّفاقُ أهْلِ الأدْيانِ عَلى حُبِّهِ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى أعْطاهُ ذَلِكَ لِأنَّكَ لا تَرى أهْلَ دِينٍ إلّا ويَتَوَلَّوْنَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقَدَحَ بَعْضُهم فِيهِ بِأنَّهُ لا تَقْوى الرَّغْبَةُ في مَدْحِ الكافِرِ وجَوابُهُ: أنَّهُ لَيْسَ المَقْصُودُ مَدْحَ الكافِرِ مِن حَيْثُ هو كافِرٌ، بَلِ المَقْصُودُ أنْ يَكُونَ مَمْدُوحَ كُلِّ إنْسانٍ ومَحْبُوبَ كُلِّ قَلْبٍ.
المَطْلُوبُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿واجْعَلْنِي مِن ورَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ لَمّا طَلَبَ سَعادَةَ الدُّنْيا طَلَبَ بَعْدَها سَعادَةَ الآخِرَةِ وهي جَنَّةُ النَّعِيمِ، وشَبَّهَها بِما يُوَرَّثُ لِأنَّهُ الَّذِي يُغْتَنَمُ في الدُّنْيا، فَشَبَّهَ غَنِيمَةَ الآخِرَةِ بِغَنِيمَةِ الدُّنْيا.
المَطْلُوبُ الرّابِعُ: قَوْلُهُ: ﴿واغْفِرْ لِأبِي إنَّهُ كانَ مِنَ الضّالِّينَ﴾ واعْلَمْ أنَّهُ لَمّا فَرَغَ مِن طَلَبِ السَّعاداتِ الدُّنْيَوِيَّةِ والأُخْرَوِيَّةِ لِنَفْسِهِ طَلَبَها لِأشَدِّ النّاسِ التِصاقًا بِهِ وهو أبُوهُ فَقالَ: ﴿واغْفِرْ لِأبِي﴾ ثُمَّ فِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ المَغْفِرَةَ مَشْرُوطَةٌ بِالإسْلامِ وطَلَبُ المَشْرُوطِ مُتَضَمِّنٌ لِطَلَبِ الشَّرْطِ فَقَوْلُهُ: ﴿واغْفِرْ لِأبِي﴾ يَرْجِعُ حاصِلُهُ إلى أنَّهُ دُعاءٌ لِأبِيهِ بِالإسْلامِ.
الثّانِي: أنَّ أباهُ وعَدَهُ الإسْلامَ كَما قالَ تَعالى: ﴿وما كانَ اسْتِغْفارُ إبْراهِيمَ لِأبِيهِ إلّا عَنْ﴾
صفحة ١٣٠
﴿مَوْعِدَةٍ وعَدَها إيّاهُ﴾ [التوبة: ١١٤] فَدَعا لَهُ لِهَذا الشَّرْطِ ولا يَمْتَنِعُ الدُّعاءُ لِلْكافِرِ عَلى هَذا الشَّرْطِ ﴿فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأ مِنهُ﴾ [التوبة: ١١٤] وهَذا ضَعِيفٌ لِأنَّ الدُّعاءَ بِهَذا الشَّرْطِ جائِزٌ لِلْكافِرِ فَلَوْ كانَ دُعاؤُهُ مَشْرُوطًا لَما مَنَعَهُ اللَّهُ عَنْهُ.
الثّالِثُ: أنَّ أباهُ قالَ لَهُ: إنَّهُ عَلى دِينِهِ باطِنًا وعَلى دِينِ نَمْرُوذَ ظاهِرًا تَقِيَّةً وخَوْفًا، فَدَعا لَهُ لِاعْتِقادِهِ أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ خِلافَ ذَلِكَ تَبَرَّأ مِنهُ، لِذَلِكَ قالَ في دُعائِهِ: ﴿إنَّهُ كانَ مِنَ الضّالِّينَ﴾ فَلَوْلا اعْتِقادُهُ فِيهِ أنَّهُ في الحالِ لَيْسَ بِضالٍّ لَما قالَ ذَلِكَ.
المَطْلُوبُ الخامِسُ: قَوْلُهُ: ﴿ولا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: الإخْزاءُ مِنَ الخِزْيِ وهو الهَوانُ، أوْ مِنَ الخَزايَةِ وهي الحَياءُ وهَهُنا أبْحاثٌ:
أحَدُها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولا تُخْزِنِي﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَجِبُ عَلى اللَّهِ تَعالى شَيْءٌ عَلى ما بَيَّنّاهُ في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِي أطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ .
وثانِيها: أنَّ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ لَمّا قالَ أوَّلًا: ﴿واجْعَلْنِي مِن ورَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾ ومَتى حَصَلَتِ الجَنَّةُ امْتَنَعَ حُصُولُ الخِزْيِ، فَكَيْفَ قالَ بَعْدَهُ: ﴿ولا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ وأيْضًا فَقَدْ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الخِزْيَ اليَوْمَ والسُّوءَ عَلى الكافِرِينَ﴾ [النحل: ٢٧] فَمًا كانَ نَصِيبُ الكُفّارِ فَقَطْ فَكَيْفَ يَخافُهُ المَعْصُومُ ؟ جَوابُهُ: كَما أنَّ حَسَناتِ الأبْرارِ سَيِّئاتُ المُقَرَّبِينَ فَكَذا دَرَجاتُ الأبْرارِ دَرَكاتُ المُقَرَّبِينَ وخِزْيُ كُلِّ واحِدٍ بِما يَلِيقُ بِهِ.
وثالِثُها: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: في [ يُبْعَثُونَ ] ضَمِيرُ العِبادِ لِأنَّهُ مَعْلُومٌ أوْ ضَمِيرُ الضّالِّينَ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ: ﴿إلّا مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ تَعالى أكْرَمُهُ بِهَذا الوَصْفِ حَيْثُ قالَ: ﴿وإنَّ مِن شِيعَتِهِ لَإبْراهِيمَ﴾ ﴿إذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الصافات: ٨٣، ٨٤] .
ثُمَّ في هَذا الِاسْتِثْناءِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّهُ إذا قِيلَ لَكَ: هَلْ لِزَيْدٍ مالٌ وبَنُونَ ؟ فَتَقُولُ: مالُهُ وبَنُوهُ سَلامَةُ قَلْبِهِ، تُرِيدُ نَفْيَ المالِ والبَنِينَ عَنْهُ وإثْباتَ سَلامَةِ القَلْبِ لَهُ بَدَلًا عَنْ ذَلِكَ، فَكَذا في هَذِهِ الآيَةِ.
وثانِيها: أنْ نَحْمِلَ الكَلامَ عَلى المَعْنى ونَجْعَلَ المالَ والبَنِينَ في مَعْنى الغِنى كَأنَّهُ قِيلَ يَوْمَ لا يَنْفَعُ غِنًى إلّا غِنى مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ لِأنَّ غِنى الرَّجُلِ في دِينِهِ بِسَلامَةِ قَلْبِهِ كَما أنَّ غِناهُ في دُنْياهُ بِمالِهِ وبَنِيهِ.
وثالِثُها: أنْ نَجْعَلَ [ مَن ] مَفْعُولًا لِ ”يَنْفَعُ“ أيْ لا يَنْفَعُ مالٌ ولا بَنُونَ إلّا رَجُلًا سَلِمَ قَلْبُهُ مَعَ مالِهِ حَيْثُ أنْفَقَهُ في طاعَةِ اللَّهِ تَعالى، ومَعَ بَنِيهِ حَيْثُ أرْشَدَهم إلى الدِّينِ، ويَجُوزُ عَلى هَذا ﴿إلّا مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ مِن فِتْنَةِ المالِ والبَنِينَ، أمّا السَّلِيمُ فَفي ثَلاثَةِ أوْجُهٍ:
الأوَّلُ: وهو الأصَحُّ أنَّ المُرادَ مِنهُ سَلامَةُ القَلْبِ عَنِ الجَهْلِ والأخْلاقِ الرَّذِيلَةِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ كَما أنَّ صِحَّةَ البَدَنِ وسَلامَتَهُ عِبارَةٌ عَنْ حُصُولِ ما يَنْبَغِي مِنَ المِزاجِ والتَّرْكِيبِ والِاتِّصالِ ومَرَضَهُ عِبارَةٌ عَنْ زَوالِ أحَدِ تِلْكَ الأُمُورِ فَكَذَلِكَ سَلامَةُ القَلْبِ عِبارَةٌ عَنْ حُصُولِ ما يَنْبَغِي لَهُ وهو العِلْمُ والخُلُقُ الفاضِلُ ومَرَضُهُ عِبارَةٌ عَنْ زَوالِ أحَدِهِما فَقَوْلُهُ: ﴿إلّا مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ أنْ يَكُونَ خالِيًا عَنِ العَقائِدِ الفاسِدَةِ والمِيلِ إلى شَهَواتِ الدُّنْيا ولَذّاتِها فَإنْ قِيلَ فَظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ يَقْتَضِي أنَّ مَن سَلِمَ قَلْبُهُ كانَ ناجِيًا وأنَّهُ لا حاجَةَ فِيهِ إلى سَلامَةِ اللِّسانِ واليَدِ جَوابُهُ: أنَّ القَلْبَ مُؤَثِّرٌ واللِّسانَ والجَوارِحَ تَبَعٌ فَلَوْ كانَ القَلْبُ سَلِيمًا لَكانا سَلِيمَيْنِ لا مَحالَةَ، وحَيْثُ لَمْ يَسْلَما ثَبَتَ عَدَمُ سَلامَةِ القَلْبِ.
التَّأْوِيلُ الثّانِي: أنَّ السَّلِيمَ هو اللَّدِيغُ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ تَعالى.
التَّأْوِيلُ الثّالِثُ: أنَّ السَّلِيمَ هو الَّذِي سَلِمَ وأسْلَمَ وسالَمَ واسْتَسْلَمَ واللَّهُ أعْلَمُ.
الشعراء 26:88
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ ﴿واجْعَلْنِي مِن ورَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾ ﴿واغْفِرْ لِأبِي إنَّهُ كانَ مِنَ الضّالِّينَ﴾ ﴿ولا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ ولا بَنُونَ﴾ ﴿إلّا مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا حَكى عَنْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ثَناءَهُ عَلى اللَّهِ تَعالى ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ دُعاءَهُ ومَسْألَتَهُ وذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ تَقْدِيمَ الثَّناءِ عَلى الدُّعاءِ مِنَ المُهِمّاتِ وتَحْقِيقُ الكَلامِ فِيهِ أنَّ هَذِهِ الأرْواحَ البَشَرِيَّةَ مِن جِنْسِ المَلائِكَةِ فَكُلَّما كانَ اشْتِغالُها بِمَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى ومَحَبَّتِهِ والِانْجِذابُ إلى عالَمِ الرُّوحانِيّاتِ أشَدَّ كانَتْ مُشاكَلَتُها لِلْمَلائِكَةِ أتَمَّ، فَكانَتْ أقْوى عَلى التَّصَرُّفِ في أجْسامِ هَذا العالَمِ، وكُلَّما كانَ اشْتِغالُها بِلَذّاتِ هَذا العالَمِ واسْتِغْراقُها في ظُلُماتِ هَذِهِ الجُسْمانِيّاتِ أشَدَّ كانَتْ مُشاكَلَتُها لِلْبَهائِمِ أشَدَّ فَكانَتْ أكْثَرَ عَجْزًا وضَعْفًا وأقَلَّ تَأْثِيرًا في هَذا العالَمِ، فَمَن أرادَ أنْ يَشْتَغِلَ بِالدُّعاءِ يَجِبُ أنْ يُقَدِّمَ عَلَيْهِ ثَناءَ اللَّهِ تَعالى وذِكْرَ عَظَمَتِهِ وكِبْرِيائِهِ حَتّى أنَّهُ بِسَبَبِ ذَلِكَ الذِّكْرِ يَصِيرُ مُسْتَغْرِقًا في مَعْرِفَةِ اللَّهِ ومَحَبَّتِهِ ويَصِيرُ قَرِيبَ المُشاكَلَةِ مِنَ المَلائِكَةِ فَتَحْصُلُ لَهُ بِسَبَبِ تِلْكَ المُشاكَلَةِ قُوَّةٌ إلَهِيَّةٌ سَماوِيَّةٌ فَيَصِيرُ مَبْدَأً لِحُدُوثِ ذَلِكَ الشَّيْءِ الَّذِي هو المَطْلُوبُ بِالدُّعاءِ فَهَذا هو الكَشْفُ عَنْ ماهِيَّةِ الدُّعاءِ وظَهَرَ أنَّ تَقْدِيمَ الثَّناءِ عَلى الدُّعاءِ مِنَ الواجِباتِ وظَهَرَ بِهِ تَحْقِيقُ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ حِكايَةً عَنِ اللَّهِ تَعالى: ”«مَن شَغَلَهُ ذِكْرِي عَنْ مَسْألَتِي أعْطَيْتُهُ أفْضَلَ ما أُعْطِي السّائِلِينَ» “ فَإنْ قالَ قائِلٌ: لِمَ لَمْ يَقْتَصِرْ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى الثَّناءِ، لا سِيَّما ويُرْوى عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ قالَ: حَسْبِي مِن سُؤالِي عِلْمُهُ بِحالِي ؟ فالجَوابُ: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما ذَكَرَ ذَلِكَ حِينَ كانَ مُشْتَغِلًا بِدَعْوَةِ الخَلْقِ إلى الحَقِّ ألا تَرى أنَّهُ قالَ: ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي إلّا رَبَّ العالَمِينَ﴾ ثُمَّ ذَكَرَ الثَّناءَ، ثُمَّ ذَكَرَ الدُّعاءَ لِأنَّ الشّارِعَ لا بُدَّ لَهُ مِن تَعْلِيمِ الشَّرْعِ، فَأمّا حِينَ ما خَلا بِنَفْسِهِ، ولَمْ يَكُنْ غَرَضُهُ تَعْلِيمَ الشَّرْعِ كانَ يَقْتَصِرُ عَلى قَوْلِهِ: حَسْبِي مِن سُؤالِي عِلْمُهُ بِحالِي.
* * *
البَحْثُ الثّانِي: في الأُمُورِ الَّتِي طَلَبَها في الدُّعاءِ وهي مَطالِيبُ:
المَطْلُوبُ الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾، ولَقَدْ أجابَهُ اللَّهُ تَعالى حَيْثُ قالَ: ﴿وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ [البقرة: ١٣٠] وفِيهِ مَطالِبُ:
أحَدُها: أنَّهُ لا يَجُوزُ تَفْسِيرُ الحُكْمِ بِالنُّبُوَّةِ لِأنَّ
صفحة ١٢٨
النُّبُوَّةَ كانَتْ حاصِلَةً فَلَوْ طَلَبَ النُّبُوَّةَ لَكانَتِ النُّبُوَّةُ المَطْلُوبَةُ، إمّا عَيْنَ النُّبُوَّةِ الحاصِلَةَ أوْ غَيْرَها، والأوَّلُ مُحالٌ لِأنَّ تَحْصِيلَ الحاصِلِ مُحالٌ، والثّانِي مُحالٌ لِأنَّهُ يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ الشَّخْصُ الواحِدُ نَبِيًّا مَرَّتَيْنِ، بَلِ المُرادُ مِنَ الحُكْمِ ما هو كَمالُ القُوَّةِ النَّظَرِيَّةِ، وذَلِكَ بِإدْراكِ الحَقِّ ومِن قَوْلِهِ ﴿وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ كَمالُ القُوَّةِ العَمَلِيَّةِ، وذَلِكَ بِأنْ يَكُونَ عامِلًا بِالخَيْرِ فَإنَّ كَمالِ الإنْسانِ أنْ يَعْرِفَ الحَقَّ لِذاتِهِ، والخَيْرَ لِأجْلِ العَمَلِ بِهِ، وإنَّما قَدَّمَ قَوْلَهُ: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا﴾ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ لِما أنَّ القُوَّةَ النَّظَرِيَّةَ مُقَدِّمَةٌ عَلى القُوَّةِ العَمَلِيَّةِ بِالشَّرَفِ وبِالذّاتِ، وأيْضًا فَإنَّهُ يُمْكِنُهُ أنْ يَعْلَمَ الحَقَّ وإنْ لَمْ يَعْلَمْ بِالخَيْرِ وعَكْسُهُ غَيْرُ مُمْكِنٍ، ولِأنَّ العِلْمَ صِفَةُ الرُّوحِ والعَمَلَ صِفَةُ البَدَنِ، ولَمّا كانَ الرُّوحُ أشْرَفَ مِنَ البَدَنِ كانَ العِلْمُ أفْضَلَ مِنَ العَمَلِ، وإنَّما فَسَّرْنا مَعْرِفَةَ الأشْياءِ بِالحُكْمِ وذَلِكَ لِأنَّ الإنْسانَ لا يَعْرِفُ حَقائِقَ الأشْياءِ إلّا إذا اسْتَحْضَرَ في ذِهْنِهِ صُوَرَ الماهِيّاتِ، ثُمَّ نَسَبَ بَعْضَها إلى بَعْضٍ بِالنَّفْيِ أوْ بِالإثْباتِ، وتِلْكَ النِّسْبَةُ وهي الحُكْمُ، ثُمَّ إنْ كانَتِ النِّسَبُ الذِّهْنِيَّةُ مُطابِقَةً لِلنِّسَبِ الخارِجِيَّةِ كانَتِ النِّسَبُ الذِّهْنِيَّةُ مُمْتَنِعَةَ التَّغَيُّرِ فَكانَتْ مُسْتَحْكِمَةً قَوِيَّةً، فَمِثْلُ هَذا الإدْراكِ يُسَمّى حِكْمَةً وحُكْمًا، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«أرِنا الأشْياءَ كَما هي» “ وأمّا الصَّلاحُ فَهو كَوْنُ القُوَّةِ العاقِلَةِ مُتَوَسِّطَةً بَيْنَ رَذِيلَتِيِ الإفْراطِ والتَّفْرِيطِ، وذَلِكَ لِأنَّ الإفْراطَ في أحَدِ الجانِبَيْنِ تَفْرِيطٌ في الجانِبِ الآخَرِ وبِالعَكْسِ فالصَّلاحُ لا يَحْصُلُ إلّا بِالِاعْتِدالِ، ولَمّا كانَ الِاعْتِدالُ الحَقِيقِيُّ شَيْئًا واحِدًا لا يَقْبَلُ القِسْمَةَ البَتَّةَ والأفْكارُ البَشَرِيَّةُ في هَذا العالَمِ قاصِرَةً عَلى إدْراكِ أمْثالِ هَذِهِ الأشْياءِ، لا جَرَمَ لا يَنْفَكُّ البَشَرُ عَنِ الخُرُوجِ عَنْ ذَلِكَ الحَدِّ وإنْ قَلَّ، إلّا أنَّ خُرُوجَ المُقَرَّبِينَ عَنْهُ يَكُونُ في القِلَّةِ بِحَيْثُ لا يُحَسُّ بِهِ، وخُرُوجُ العُصاةِ عَنْهُ يَكُونُ مُتَفاحِشًا جِدًّا فَقَدْ ظَهَرَ مِن هَذا تَحْقِيقُ ما قِيلَ: حَسَناتُ الأبْرارِ سَيِّئاتُ المُقَرَّبِينَ، وظَهَرَ احْتِياجُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى أنْ يَقُولَ: ﴿وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ .
المَطْلَبُ الثّانِي: لَمّا ثَبَتَ أنَّ المُرادَ مِنَ الحُكْمِ العِلْمُ، ثَبَتَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ طَلَبَ مِنَ اللَّهِ أنْ يُعْطِيَهُ العِلْمَ بِاللَّهِ تَعالى وبِصِفاتِهِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ مَعْرِفَةَ اللَّهِ تَعالى لا تَحْصُلُ في قَلْبِ العَبْدِ إلّا بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى، وقَوْلُهُ: ﴿وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ كَوْنَ العَبْدِ صالِحًا لَيْسَ إلّا بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى، وحَمْلُ هَذِهِ الأشْياءِ عَلى الألْطافِ بَعِيدٌ، لِأنَّ عِنْدَ الخَصْمِ كُلَّ ما في قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى مِنَ الألْطافِ فَقَدْ فَعَلَهُ فَلَوْ صَرَفْنا الدُّعاءَ إلَيْهِ لَكانَ ذَلِكَ طَلَبًا لِتَحْصِيلِ الحاصِلِ وهو فاسِدٌ.
* * *
المَطْلَبُ الثّالِثُ: أنَّ الحُكْمَ المَطْلُوبَ في الدُّعاءِ إمّا أنْ يَكُونَ هو العِلْمَ بِاللَّهِ أوْ بِغَيْرِهِ والثّانِي باطِلٌ، لِأنَّ الإنْسانَ حالَ كَوْنِهِ مُسْتَحْضِرًا لِلْعِلْمِ بِشَيْءٍ لا يُمْكِنُهُ أنْ يَكُونَ مُسْتَحْضِرًا لِلْعِلْمِ بِشَيْءٍ آخَرَ فَلَوْ كانَ المَطْلُوبُ بِهَذا الدُّعاءِ العِلْمَ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى، والعِلْمُ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى شاغِلٌ عَنِ الِاسْتِغْراقِ في العِلْمِ بِاللَّهِ كانَ هَذا السُّؤالُ طَلَبًا لِما يَشْغَلُهُ عَنِ الِاسْتِغْراقِ في العِلْمِ بِاللَّهِ تَعالى، وذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ لِأنَّهُ لا كَمالَ فَوْقَ ذَلِكَ الِاسْتِغْراقِ، فَإذَنِ المَطْلُوبُ بِهَذا الدُّعاءِ هو العِلْمُ بِاللَّهِ. ثُمَّ إنَّ ذَلِكَ العِلْمَ إمّا أنْ يَكُونَ هو العِلْمَ بِاللَّهِ تَعالى الَّذِي هو شَرْطُ صِحَّةِ الإيمانِ أوْ غَيْرُهُ، والأوَّلُ باطِلٌ لِأنَّهُ لَمّا وجَبَ أنْ يَكُونَ حاصِلًا لِكُلِّ المُؤْمِنِينَ فَكَيْفَ لا يَكُونُ حاصِلًا عِنْدَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وإذا كانَ حاصِلًا عِنْدَهُ امْتَنَعَ طَلَبُ تَحْصِيلِهِ، فَثَبَتَ أنَّ المَطْلُوبَ بِهَذا الدُّعاءِ دَرَجاتٌ في مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى أزْيَدُ مِنَ العِلْمِ بِوُجُودِهِ وبِأنَّهُ لَيْسَ بِمُتَحَيِّزٍ ولا حالٍّ في المُتَحَيِّزِ وبِأنَّهُ عالَمٌ قادِرٌ حَيٌّ، وما ذاكَ إلّا الوُقُوفُ عَلى صِفاتِ الجَلالِ أوِ الوُقُوفُ عَلى حَقِيقَةِ الذّاتِ أوْ ظُهُورُ نُورِ تِلْكَ المَعْرِفَةِ
صفحة ١٢٩
فِي القَلْبِ. ثُمَّ هُناكَ أحْوالٌ لا يُعَبِّرُ عَنْها المَقالُ ولا يَشْرَحُها الخَيالُ، ومَن أرادَ أنْ يَصِلَ إلَيْها فَلْيَكُنْ مِنَ الواصِلِينَ إلى العَيْنِ، دُونَ السّامِعِينَ لِلْأثَرِ.
المَطْلُوبُ الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ وفِيهِ ثَلاثُ تَأْوِيلاتٍ:
التَّأْوِيلُ الأوَّلُ: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ابْتَدَأ بِطَلَبِ ما هو الكَمالُ الذّاتِيُّ لِلْإنْسانِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ وهو طَلَبُ الحُكْمِ الَّذِي هو العِلْمُ، ثُمَّ طَلَبَ بَعْدَهُ كِمالاتِ الدُّنْيا وبَعْدَ ذَلِكَ طَلَبَ كِمالاتِ الآخِرَةِ، فَأمّا كِمالاتُ الدُّنْيا فَبَعْضُها داخِلِيَّةٌ وبَعْضُها خارِجِيَّةٌ، أمّا الدّاخِلِيَّةُ: فَهي الخَلْقُ الظّاهِرُ والخَلْقُ الباطِنُ والخَلْقُ الظّاهِرُ أشَدُّ جُسْمانِيَّةً والخَلْقُ الباطِنُ أشَدُّ رُوحانِيَّةً، فَتَرَكَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ الأمْرَ الجُسْمانِيَّ وهو الخَلْقُ الظّاهِرُ وطَلَبَ الأمْرَ الرُّوحانِيَّ وهو الخَلْقُ الباطِنُ، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ وأمّا الخارِجِيَّةُ: فَهي المالُ والجاهُ، والمالُ أشَدُّ جُسْمانِيَّةً والجاهُ أشَدُّ رُوحانِيَّةً فَتَرَكَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ الأمْرَ الجُسْمانِيَّ وهو المالُ وطَلَبَ الأمْرَ الرُّوحانِيَّ وهو الجاهُ والذِّكْرُ الجَمِيلُ الباقِي عَلى وجْهِ الدَّهْرِ، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: وقَدْ أعْطاهُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ [الصافات: ١٠٨] فَإنْ قِيلَ وأيُّ غَرَضٍ لَهُ في أنْ يُثْنِيَ عَلَيْهِ ويَمْدَحَ ؟ جَوابُهُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: وهو عَلى لِسانِ الحِكْمَةِ: أنَّ الأرْواحَ البَشَرِيَّةَ قَدْ بَيَّنّا أنَّها مُؤَثِّرَةٌ في الجُمْلَةِ إلّا أنَّ بَعْضَها قَدْ يَكُونُ ضَعِيفًا فَيَعْجِزُ عَنِ التَّأْثِيرِ فَإذا اجْتَمَعَتْ طائِفَةٌ مِنها فَرُبَّما قَوِيَ مَجْمُوعُها عَلى ما عَجَزَتِ الآحادُ عَنْهُ، وهَذا المَعْنى مَشاهَدٌ في المُؤَثِّراتِ الجُسْمانِيَّةِ، إذا ثَبَتَ هَذا فالإنْسانُ الواحِدُ إذا كانَ بِحَيْثُ يُثْنِي عَلَيْهِ الجَمْعُ العَظِيمُ ويَمْدَحُونَهُ ويُعَظِّمُونَهُ، فَرُبَّما صارَ انْصِرافُ هِمَمِهِمْ عِنْدَ الِاجْتِماعِ إلَيْهِ سَبَبًا لِحُصُولِ زِيادَةِ كَمالٍ لَهُ.
الثّانِي: وهو عَلى لِسانِ الكَمالِ: أنَّ مَن صارَ مَمْدُوحًا فِيما بَيْنَ النّاسِ بِسَبَبِ ما عِنْدَهُ مِنَ الفَضائِلِ، فَإنَّهُ يَصِيرُ ذَلِكَ المَدْحُ وتِلْكَ الشُّهْرَةُ داعِيًا لِغَيْرِهِ إلى اكْتِسابِ مِثْلِ تِلْكَ الفَضائِلِ.
التَّأْوِيلُ الثّانِي: أنَّهُ سَألَ رَبَّهُ أنْ يَجْعَلَ مِن ذُرِّيَّتِهِ في آخِرِ الزَّمانِ مَن يَكُونُ داعِيًا إلى اللَّهِ تَعالى، وذَلِكَ هُوَمُحَمَّدٌ ﷺ فالمُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ بَعْثَةُ مُحَمَّدٍ ﷺ .
التَّأْوِيلُ الثّالِثُ: قالَ بَعْضُهم: المُرادُ اتِّفاقُ أهْلِ الأدْيانِ عَلى حُبِّهِ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى أعْطاهُ ذَلِكَ لِأنَّكَ لا تَرى أهْلَ دِينٍ إلّا ويَتَوَلَّوْنَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقَدَحَ بَعْضُهم فِيهِ بِأنَّهُ لا تَقْوى الرَّغْبَةُ في مَدْحِ الكافِرِ وجَوابُهُ: أنَّهُ لَيْسَ المَقْصُودُ مَدْحَ الكافِرِ مِن حَيْثُ هو كافِرٌ، بَلِ المَقْصُودُ أنْ يَكُونَ مَمْدُوحَ كُلِّ إنْسانٍ ومَحْبُوبَ كُلِّ قَلْبٍ.
المَطْلُوبُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿واجْعَلْنِي مِن ورَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ لَمّا طَلَبَ سَعادَةَ الدُّنْيا طَلَبَ بَعْدَها سَعادَةَ الآخِرَةِ وهي جَنَّةُ النَّعِيمِ، وشَبَّهَها بِما يُوَرَّثُ لِأنَّهُ الَّذِي يُغْتَنَمُ في الدُّنْيا، فَشَبَّهَ غَنِيمَةَ الآخِرَةِ بِغَنِيمَةِ الدُّنْيا.
المَطْلُوبُ الرّابِعُ: قَوْلُهُ: ﴿واغْفِرْ لِأبِي إنَّهُ كانَ مِنَ الضّالِّينَ﴾ واعْلَمْ أنَّهُ لَمّا فَرَغَ مِن طَلَبِ السَّعاداتِ الدُّنْيَوِيَّةِ والأُخْرَوِيَّةِ لِنَفْسِهِ طَلَبَها لِأشَدِّ النّاسِ التِصاقًا بِهِ وهو أبُوهُ فَقالَ: ﴿واغْفِرْ لِأبِي﴾ ثُمَّ فِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ المَغْفِرَةَ مَشْرُوطَةٌ بِالإسْلامِ وطَلَبُ المَشْرُوطِ مُتَضَمِّنٌ لِطَلَبِ الشَّرْطِ فَقَوْلُهُ: ﴿واغْفِرْ لِأبِي﴾ يَرْجِعُ حاصِلُهُ إلى أنَّهُ دُعاءٌ لِأبِيهِ بِالإسْلامِ.
الثّانِي: أنَّ أباهُ وعَدَهُ الإسْلامَ كَما قالَ تَعالى: ﴿وما كانَ اسْتِغْفارُ إبْراهِيمَ لِأبِيهِ إلّا عَنْ﴾
صفحة ١٣٠
﴿مَوْعِدَةٍ وعَدَها إيّاهُ﴾ [التوبة: ١١٤] فَدَعا لَهُ لِهَذا الشَّرْطِ ولا يَمْتَنِعُ الدُّعاءُ لِلْكافِرِ عَلى هَذا الشَّرْطِ ﴿فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأ مِنهُ﴾ [التوبة: ١١٤] وهَذا ضَعِيفٌ لِأنَّ الدُّعاءَ بِهَذا الشَّرْطِ جائِزٌ لِلْكافِرِ فَلَوْ كانَ دُعاؤُهُ مَشْرُوطًا لَما مَنَعَهُ اللَّهُ عَنْهُ.
الثّالِثُ: أنَّ أباهُ قالَ لَهُ: إنَّهُ عَلى دِينِهِ باطِنًا وعَلى دِينِ نَمْرُوذَ ظاهِرًا تَقِيَّةً وخَوْفًا، فَدَعا لَهُ لِاعْتِقادِهِ أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ خِلافَ ذَلِكَ تَبَرَّأ مِنهُ، لِذَلِكَ قالَ في دُعائِهِ: ﴿إنَّهُ كانَ مِنَ الضّالِّينَ﴾ فَلَوْلا اعْتِقادُهُ فِيهِ أنَّهُ في الحالِ لَيْسَ بِضالٍّ لَما قالَ ذَلِكَ.
المَطْلُوبُ الخامِسُ: قَوْلُهُ: ﴿ولا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: الإخْزاءُ مِنَ الخِزْيِ وهو الهَوانُ، أوْ مِنَ الخَزايَةِ وهي الحَياءُ وهَهُنا أبْحاثٌ:
أحَدُها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولا تُخْزِنِي﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَجِبُ عَلى اللَّهِ تَعالى شَيْءٌ عَلى ما بَيَّنّاهُ في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِي أطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ .
وثانِيها: أنَّ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ لَمّا قالَ أوَّلًا: ﴿واجْعَلْنِي مِن ورَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾ ومَتى حَصَلَتِ الجَنَّةُ امْتَنَعَ حُصُولُ الخِزْيِ، فَكَيْفَ قالَ بَعْدَهُ: ﴿ولا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ وأيْضًا فَقَدْ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الخِزْيَ اليَوْمَ والسُّوءَ عَلى الكافِرِينَ﴾ [النحل: ٢٧] فَمًا كانَ نَصِيبُ الكُفّارِ فَقَطْ فَكَيْفَ يَخافُهُ المَعْصُومُ ؟ جَوابُهُ: كَما أنَّ حَسَناتِ الأبْرارِ سَيِّئاتُ المُقَرَّبِينَ فَكَذا دَرَجاتُ الأبْرارِ دَرَكاتُ المُقَرَّبِينَ وخِزْيُ كُلِّ واحِدٍ بِما يَلِيقُ بِهِ.
وثالِثُها: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: في [ يُبْعَثُونَ ] ضَمِيرُ العِبادِ لِأنَّهُ مَعْلُومٌ أوْ ضَمِيرُ الضّالِّينَ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ: ﴿إلّا مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ تَعالى أكْرَمُهُ بِهَذا الوَصْفِ حَيْثُ قالَ: ﴿وإنَّ مِن شِيعَتِهِ لَإبْراهِيمَ﴾ ﴿إذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الصافات: ٨٣، ٨٤] .
ثُمَّ في هَذا الِاسْتِثْناءِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّهُ إذا قِيلَ لَكَ: هَلْ لِزَيْدٍ مالٌ وبَنُونَ ؟ فَتَقُولُ: مالُهُ وبَنُوهُ سَلامَةُ قَلْبِهِ، تُرِيدُ نَفْيَ المالِ والبَنِينَ عَنْهُ وإثْباتَ سَلامَةِ القَلْبِ لَهُ بَدَلًا عَنْ ذَلِكَ، فَكَذا في هَذِهِ الآيَةِ.
وثانِيها: أنْ نَحْمِلَ الكَلامَ عَلى المَعْنى ونَجْعَلَ المالَ والبَنِينَ في مَعْنى الغِنى كَأنَّهُ قِيلَ يَوْمَ لا يَنْفَعُ غِنًى إلّا غِنى مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ لِأنَّ غِنى الرَّجُلِ في دِينِهِ بِسَلامَةِ قَلْبِهِ كَما أنَّ غِناهُ في دُنْياهُ بِمالِهِ وبَنِيهِ.
وثالِثُها: أنْ نَجْعَلَ [ مَن ] مَفْعُولًا لِ ”يَنْفَعُ“ أيْ لا يَنْفَعُ مالٌ ولا بَنُونَ إلّا رَجُلًا سَلِمَ قَلْبُهُ مَعَ مالِهِ حَيْثُ أنْفَقَهُ في طاعَةِ اللَّهِ تَعالى، ومَعَ بَنِيهِ حَيْثُ أرْشَدَهم إلى الدِّينِ، ويَجُوزُ عَلى هَذا ﴿إلّا مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ مِن فِتْنَةِ المالِ والبَنِينَ، أمّا السَّلِيمُ فَفي ثَلاثَةِ أوْجُهٍ:
الأوَّلُ: وهو الأصَحُّ أنَّ المُرادَ مِنهُ سَلامَةُ القَلْبِ عَنِ الجَهْلِ والأخْلاقِ الرَّذِيلَةِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ كَما أنَّ صِحَّةَ البَدَنِ وسَلامَتَهُ عِبارَةٌ عَنْ حُصُولِ ما يَنْبَغِي مِنَ المِزاجِ والتَّرْكِيبِ والِاتِّصالِ ومَرَضَهُ عِبارَةٌ عَنْ زَوالِ أحَدِ تِلْكَ الأُمُورِ فَكَذَلِكَ سَلامَةُ القَلْبِ عِبارَةٌ عَنْ حُصُولِ ما يَنْبَغِي لَهُ وهو العِلْمُ والخُلُقُ الفاضِلُ ومَرَضُهُ عِبارَةٌ عَنْ زَوالِ أحَدِهِما فَقَوْلُهُ: ﴿إلّا مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ أنْ يَكُونَ خالِيًا عَنِ العَقائِدِ الفاسِدَةِ والمِيلِ إلى شَهَواتِ الدُّنْيا ولَذّاتِها فَإنْ قِيلَ فَظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ يَقْتَضِي أنَّ مَن سَلِمَ قَلْبُهُ كانَ ناجِيًا وأنَّهُ لا حاجَةَ فِيهِ إلى سَلامَةِ اللِّسانِ واليَدِ جَوابُهُ: أنَّ القَلْبَ مُؤَثِّرٌ واللِّسانَ والجَوارِحَ تَبَعٌ فَلَوْ كانَ القَلْبُ سَلِيمًا لَكانا سَلِيمَيْنِ لا مَحالَةَ، وحَيْثُ لَمْ يَسْلَما ثَبَتَ عَدَمُ سَلامَةِ القَلْبِ.
التَّأْوِيلُ الثّانِي: أنَّ السَّلِيمَ هو اللَّدِيغُ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ تَعالى.
التَّأْوِيلُ الثّالِثُ: أنَّ السَّلِيمَ هو الَّذِي سَلِمَ وأسْلَمَ وسالَمَ واسْتَسْلَمَ واللَّهُ أعْلَمُ.
الشعراء 26:89
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ ﴿واجْعَلْنِي مِن ورَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾ ﴿واغْفِرْ لِأبِي إنَّهُ كانَ مِنَ الضّالِّينَ﴾ ﴿ولا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ ولا بَنُونَ﴾ ﴿إلّا مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا حَكى عَنْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ثَناءَهُ عَلى اللَّهِ تَعالى ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ دُعاءَهُ ومَسْألَتَهُ وذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ تَقْدِيمَ الثَّناءِ عَلى الدُّعاءِ مِنَ المُهِمّاتِ وتَحْقِيقُ الكَلامِ فِيهِ أنَّ هَذِهِ الأرْواحَ البَشَرِيَّةَ مِن جِنْسِ المَلائِكَةِ فَكُلَّما كانَ اشْتِغالُها بِمَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى ومَحَبَّتِهِ والِانْجِذابُ إلى عالَمِ الرُّوحانِيّاتِ أشَدَّ كانَتْ مُشاكَلَتُها لِلْمَلائِكَةِ أتَمَّ، فَكانَتْ أقْوى عَلى التَّصَرُّفِ في أجْسامِ هَذا العالَمِ، وكُلَّما كانَ اشْتِغالُها بِلَذّاتِ هَذا العالَمِ واسْتِغْراقُها في ظُلُماتِ هَذِهِ الجُسْمانِيّاتِ أشَدَّ كانَتْ مُشاكَلَتُها لِلْبَهائِمِ أشَدَّ فَكانَتْ أكْثَرَ عَجْزًا وضَعْفًا وأقَلَّ تَأْثِيرًا في هَذا العالَمِ، فَمَن أرادَ أنْ يَشْتَغِلَ بِالدُّعاءِ يَجِبُ أنْ يُقَدِّمَ عَلَيْهِ ثَناءَ اللَّهِ تَعالى وذِكْرَ عَظَمَتِهِ وكِبْرِيائِهِ حَتّى أنَّهُ بِسَبَبِ ذَلِكَ الذِّكْرِ يَصِيرُ مُسْتَغْرِقًا في مَعْرِفَةِ اللَّهِ ومَحَبَّتِهِ ويَصِيرُ قَرِيبَ المُشاكَلَةِ مِنَ المَلائِكَةِ فَتَحْصُلُ لَهُ بِسَبَبِ تِلْكَ المُشاكَلَةِ قُوَّةٌ إلَهِيَّةٌ سَماوِيَّةٌ فَيَصِيرُ مَبْدَأً لِحُدُوثِ ذَلِكَ الشَّيْءِ الَّذِي هو المَطْلُوبُ بِالدُّعاءِ فَهَذا هو الكَشْفُ عَنْ ماهِيَّةِ الدُّعاءِ وظَهَرَ أنَّ تَقْدِيمَ الثَّناءِ عَلى الدُّعاءِ مِنَ الواجِباتِ وظَهَرَ بِهِ تَحْقِيقُ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ حِكايَةً عَنِ اللَّهِ تَعالى: ”«مَن شَغَلَهُ ذِكْرِي عَنْ مَسْألَتِي أعْطَيْتُهُ أفْضَلَ ما أُعْطِي السّائِلِينَ» “ فَإنْ قالَ قائِلٌ: لِمَ لَمْ يَقْتَصِرْ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى الثَّناءِ، لا سِيَّما ويُرْوى عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ قالَ: حَسْبِي مِن سُؤالِي عِلْمُهُ بِحالِي ؟ فالجَوابُ: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما ذَكَرَ ذَلِكَ حِينَ كانَ مُشْتَغِلًا بِدَعْوَةِ الخَلْقِ إلى الحَقِّ ألا تَرى أنَّهُ قالَ: ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي إلّا رَبَّ العالَمِينَ﴾ ثُمَّ ذَكَرَ الثَّناءَ، ثُمَّ ذَكَرَ الدُّعاءَ لِأنَّ الشّارِعَ لا بُدَّ لَهُ مِن تَعْلِيمِ الشَّرْعِ، فَأمّا حِينَ ما خَلا بِنَفْسِهِ، ولَمْ يَكُنْ غَرَضُهُ تَعْلِيمَ الشَّرْعِ كانَ يَقْتَصِرُ عَلى قَوْلِهِ: حَسْبِي مِن سُؤالِي عِلْمُهُ بِحالِي.
* * *
البَحْثُ الثّانِي: في الأُمُورِ الَّتِي طَلَبَها في الدُّعاءِ وهي مَطالِيبُ:
المَطْلُوبُ الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾، ولَقَدْ أجابَهُ اللَّهُ تَعالى حَيْثُ قالَ: ﴿وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ [البقرة: ١٣٠] وفِيهِ مَطالِبُ:
أحَدُها: أنَّهُ لا يَجُوزُ تَفْسِيرُ الحُكْمِ بِالنُّبُوَّةِ لِأنَّ
صفحة ١٢٨
النُّبُوَّةَ كانَتْ حاصِلَةً فَلَوْ طَلَبَ النُّبُوَّةَ لَكانَتِ النُّبُوَّةُ المَطْلُوبَةُ، إمّا عَيْنَ النُّبُوَّةِ الحاصِلَةَ أوْ غَيْرَها، والأوَّلُ مُحالٌ لِأنَّ تَحْصِيلَ الحاصِلِ مُحالٌ، والثّانِي مُحالٌ لِأنَّهُ يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ الشَّخْصُ الواحِدُ نَبِيًّا مَرَّتَيْنِ، بَلِ المُرادُ مِنَ الحُكْمِ ما هو كَمالُ القُوَّةِ النَّظَرِيَّةِ، وذَلِكَ بِإدْراكِ الحَقِّ ومِن قَوْلِهِ ﴿وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ كَمالُ القُوَّةِ العَمَلِيَّةِ، وذَلِكَ بِأنْ يَكُونَ عامِلًا بِالخَيْرِ فَإنَّ كَمالِ الإنْسانِ أنْ يَعْرِفَ الحَقَّ لِذاتِهِ، والخَيْرَ لِأجْلِ العَمَلِ بِهِ، وإنَّما قَدَّمَ قَوْلَهُ: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا﴾ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ لِما أنَّ القُوَّةَ النَّظَرِيَّةَ مُقَدِّمَةٌ عَلى القُوَّةِ العَمَلِيَّةِ بِالشَّرَفِ وبِالذّاتِ، وأيْضًا فَإنَّهُ يُمْكِنُهُ أنْ يَعْلَمَ الحَقَّ وإنْ لَمْ يَعْلَمْ بِالخَيْرِ وعَكْسُهُ غَيْرُ مُمْكِنٍ، ولِأنَّ العِلْمَ صِفَةُ الرُّوحِ والعَمَلَ صِفَةُ البَدَنِ، ولَمّا كانَ الرُّوحُ أشْرَفَ مِنَ البَدَنِ كانَ العِلْمُ أفْضَلَ مِنَ العَمَلِ، وإنَّما فَسَّرْنا مَعْرِفَةَ الأشْياءِ بِالحُكْمِ وذَلِكَ لِأنَّ الإنْسانَ لا يَعْرِفُ حَقائِقَ الأشْياءِ إلّا إذا اسْتَحْضَرَ في ذِهْنِهِ صُوَرَ الماهِيّاتِ، ثُمَّ نَسَبَ بَعْضَها إلى بَعْضٍ بِالنَّفْيِ أوْ بِالإثْباتِ، وتِلْكَ النِّسْبَةُ وهي الحُكْمُ، ثُمَّ إنْ كانَتِ النِّسَبُ الذِّهْنِيَّةُ مُطابِقَةً لِلنِّسَبِ الخارِجِيَّةِ كانَتِ النِّسَبُ الذِّهْنِيَّةُ مُمْتَنِعَةَ التَّغَيُّرِ فَكانَتْ مُسْتَحْكِمَةً قَوِيَّةً، فَمِثْلُ هَذا الإدْراكِ يُسَمّى حِكْمَةً وحُكْمًا، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«أرِنا الأشْياءَ كَما هي» “ وأمّا الصَّلاحُ فَهو كَوْنُ القُوَّةِ العاقِلَةِ مُتَوَسِّطَةً بَيْنَ رَذِيلَتِيِ الإفْراطِ والتَّفْرِيطِ، وذَلِكَ لِأنَّ الإفْراطَ في أحَدِ الجانِبَيْنِ تَفْرِيطٌ في الجانِبِ الآخَرِ وبِالعَكْسِ فالصَّلاحُ لا يَحْصُلُ إلّا بِالِاعْتِدالِ، ولَمّا كانَ الِاعْتِدالُ الحَقِيقِيُّ شَيْئًا واحِدًا لا يَقْبَلُ القِسْمَةَ البَتَّةَ والأفْكارُ البَشَرِيَّةُ في هَذا العالَمِ قاصِرَةً عَلى إدْراكِ أمْثالِ هَذِهِ الأشْياءِ، لا جَرَمَ لا يَنْفَكُّ البَشَرُ عَنِ الخُرُوجِ عَنْ ذَلِكَ الحَدِّ وإنْ قَلَّ، إلّا أنَّ خُرُوجَ المُقَرَّبِينَ عَنْهُ يَكُونُ في القِلَّةِ بِحَيْثُ لا يُحَسُّ بِهِ، وخُرُوجُ العُصاةِ عَنْهُ يَكُونُ مُتَفاحِشًا جِدًّا فَقَدْ ظَهَرَ مِن هَذا تَحْقِيقُ ما قِيلَ: حَسَناتُ الأبْرارِ سَيِّئاتُ المُقَرَّبِينَ، وظَهَرَ احْتِياجُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى أنْ يَقُولَ: ﴿وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ .
المَطْلَبُ الثّانِي: لَمّا ثَبَتَ أنَّ المُرادَ مِنَ الحُكْمِ العِلْمُ، ثَبَتَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ طَلَبَ مِنَ اللَّهِ أنْ يُعْطِيَهُ العِلْمَ بِاللَّهِ تَعالى وبِصِفاتِهِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ مَعْرِفَةَ اللَّهِ تَعالى لا تَحْصُلُ في قَلْبِ العَبْدِ إلّا بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى، وقَوْلُهُ: ﴿وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ كَوْنَ العَبْدِ صالِحًا لَيْسَ إلّا بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى، وحَمْلُ هَذِهِ الأشْياءِ عَلى الألْطافِ بَعِيدٌ، لِأنَّ عِنْدَ الخَصْمِ كُلَّ ما في قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى مِنَ الألْطافِ فَقَدْ فَعَلَهُ فَلَوْ صَرَفْنا الدُّعاءَ إلَيْهِ لَكانَ ذَلِكَ طَلَبًا لِتَحْصِيلِ الحاصِلِ وهو فاسِدٌ.
* * *
المَطْلَبُ الثّالِثُ: أنَّ الحُكْمَ المَطْلُوبَ في الدُّعاءِ إمّا أنْ يَكُونَ هو العِلْمَ بِاللَّهِ أوْ بِغَيْرِهِ والثّانِي باطِلٌ، لِأنَّ الإنْسانَ حالَ كَوْنِهِ مُسْتَحْضِرًا لِلْعِلْمِ بِشَيْءٍ لا يُمْكِنُهُ أنْ يَكُونَ مُسْتَحْضِرًا لِلْعِلْمِ بِشَيْءٍ آخَرَ فَلَوْ كانَ المَطْلُوبُ بِهَذا الدُّعاءِ العِلْمَ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى، والعِلْمُ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى شاغِلٌ عَنِ الِاسْتِغْراقِ في العِلْمِ بِاللَّهِ كانَ هَذا السُّؤالُ طَلَبًا لِما يَشْغَلُهُ عَنِ الِاسْتِغْراقِ في العِلْمِ بِاللَّهِ تَعالى، وذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ لِأنَّهُ لا كَمالَ فَوْقَ ذَلِكَ الِاسْتِغْراقِ، فَإذَنِ المَطْلُوبُ بِهَذا الدُّعاءِ هو العِلْمُ بِاللَّهِ. ثُمَّ إنَّ ذَلِكَ العِلْمَ إمّا أنْ يَكُونَ هو العِلْمَ بِاللَّهِ تَعالى الَّذِي هو شَرْطُ صِحَّةِ الإيمانِ أوْ غَيْرُهُ، والأوَّلُ باطِلٌ لِأنَّهُ لَمّا وجَبَ أنْ يَكُونَ حاصِلًا لِكُلِّ المُؤْمِنِينَ فَكَيْفَ لا يَكُونُ حاصِلًا عِنْدَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وإذا كانَ حاصِلًا عِنْدَهُ امْتَنَعَ طَلَبُ تَحْصِيلِهِ، فَثَبَتَ أنَّ المَطْلُوبَ بِهَذا الدُّعاءِ دَرَجاتٌ في مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى أزْيَدُ مِنَ العِلْمِ بِوُجُودِهِ وبِأنَّهُ لَيْسَ بِمُتَحَيِّزٍ ولا حالٍّ في المُتَحَيِّزِ وبِأنَّهُ عالَمٌ قادِرٌ حَيٌّ، وما ذاكَ إلّا الوُقُوفُ عَلى صِفاتِ الجَلالِ أوِ الوُقُوفُ عَلى حَقِيقَةِ الذّاتِ أوْ ظُهُورُ نُورِ تِلْكَ المَعْرِفَةِ
صفحة ١٢٩
فِي القَلْبِ. ثُمَّ هُناكَ أحْوالٌ لا يُعَبِّرُ عَنْها المَقالُ ولا يَشْرَحُها الخَيالُ، ومَن أرادَ أنْ يَصِلَ إلَيْها فَلْيَكُنْ مِنَ الواصِلِينَ إلى العَيْنِ، دُونَ السّامِعِينَ لِلْأثَرِ.
المَطْلُوبُ الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ وفِيهِ ثَلاثُ تَأْوِيلاتٍ:
التَّأْوِيلُ الأوَّلُ: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ابْتَدَأ بِطَلَبِ ما هو الكَمالُ الذّاتِيُّ لِلْإنْسانِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ وهو طَلَبُ الحُكْمِ الَّذِي هو العِلْمُ، ثُمَّ طَلَبَ بَعْدَهُ كِمالاتِ الدُّنْيا وبَعْدَ ذَلِكَ طَلَبَ كِمالاتِ الآخِرَةِ، فَأمّا كِمالاتُ الدُّنْيا فَبَعْضُها داخِلِيَّةٌ وبَعْضُها خارِجِيَّةٌ، أمّا الدّاخِلِيَّةُ: فَهي الخَلْقُ الظّاهِرُ والخَلْقُ الباطِنُ والخَلْقُ الظّاهِرُ أشَدُّ جُسْمانِيَّةً والخَلْقُ الباطِنُ أشَدُّ رُوحانِيَّةً، فَتَرَكَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ الأمْرَ الجُسْمانِيَّ وهو الخَلْقُ الظّاهِرُ وطَلَبَ الأمْرَ الرُّوحانِيَّ وهو الخَلْقُ الباطِنُ، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ وأمّا الخارِجِيَّةُ: فَهي المالُ والجاهُ، والمالُ أشَدُّ جُسْمانِيَّةً والجاهُ أشَدُّ رُوحانِيَّةً فَتَرَكَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ الأمْرَ الجُسْمانِيَّ وهو المالُ وطَلَبَ الأمْرَ الرُّوحانِيَّ وهو الجاهُ والذِّكْرُ الجَمِيلُ الباقِي عَلى وجْهِ الدَّهْرِ، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: وقَدْ أعْطاهُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ [الصافات: ١٠٨] فَإنْ قِيلَ وأيُّ غَرَضٍ لَهُ في أنْ يُثْنِيَ عَلَيْهِ ويَمْدَحَ ؟ جَوابُهُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: وهو عَلى لِسانِ الحِكْمَةِ: أنَّ الأرْواحَ البَشَرِيَّةَ قَدْ بَيَّنّا أنَّها مُؤَثِّرَةٌ في الجُمْلَةِ إلّا أنَّ بَعْضَها قَدْ يَكُونُ ضَعِيفًا فَيَعْجِزُ عَنِ التَّأْثِيرِ فَإذا اجْتَمَعَتْ طائِفَةٌ مِنها فَرُبَّما قَوِيَ مَجْمُوعُها عَلى ما عَجَزَتِ الآحادُ عَنْهُ، وهَذا المَعْنى مَشاهَدٌ في المُؤَثِّراتِ الجُسْمانِيَّةِ، إذا ثَبَتَ هَذا فالإنْسانُ الواحِدُ إذا كانَ بِحَيْثُ يُثْنِي عَلَيْهِ الجَمْعُ العَظِيمُ ويَمْدَحُونَهُ ويُعَظِّمُونَهُ، فَرُبَّما صارَ انْصِرافُ هِمَمِهِمْ عِنْدَ الِاجْتِماعِ إلَيْهِ سَبَبًا لِحُصُولِ زِيادَةِ كَمالٍ لَهُ.
الثّانِي: وهو عَلى لِسانِ الكَمالِ: أنَّ مَن صارَ مَمْدُوحًا فِيما بَيْنَ النّاسِ بِسَبَبِ ما عِنْدَهُ مِنَ الفَضائِلِ، فَإنَّهُ يَصِيرُ ذَلِكَ المَدْحُ وتِلْكَ الشُّهْرَةُ داعِيًا لِغَيْرِهِ إلى اكْتِسابِ مِثْلِ تِلْكَ الفَضائِلِ.
التَّأْوِيلُ الثّانِي: أنَّهُ سَألَ رَبَّهُ أنْ يَجْعَلَ مِن ذُرِّيَّتِهِ في آخِرِ الزَّمانِ مَن يَكُونُ داعِيًا إلى اللَّهِ تَعالى، وذَلِكَ هُوَمُحَمَّدٌ ﷺ فالمُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ بَعْثَةُ مُحَمَّدٍ ﷺ .
التَّأْوِيلُ الثّالِثُ: قالَ بَعْضُهم: المُرادُ اتِّفاقُ أهْلِ الأدْيانِ عَلى حُبِّهِ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى أعْطاهُ ذَلِكَ لِأنَّكَ لا تَرى أهْلَ دِينٍ إلّا ويَتَوَلَّوْنَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقَدَحَ بَعْضُهم فِيهِ بِأنَّهُ لا تَقْوى الرَّغْبَةُ في مَدْحِ الكافِرِ وجَوابُهُ: أنَّهُ لَيْسَ المَقْصُودُ مَدْحَ الكافِرِ مِن حَيْثُ هو كافِرٌ، بَلِ المَقْصُودُ أنْ يَكُونَ مَمْدُوحَ كُلِّ إنْسانٍ ومَحْبُوبَ كُلِّ قَلْبٍ.
المَطْلُوبُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿واجْعَلْنِي مِن ورَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ لَمّا طَلَبَ سَعادَةَ الدُّنْيا طَلَبَ بَعْدَها سَعادَةَ الآخِرَةِ وهي جَنَّةُ النَّعِيمِ، وشَبَّهَها بِما يُوَرَّثُ لِأنَّهُ الَّذِي يُغْتَنَمُ في الدُّنْيا، فَشَبَّهَ غَنِيمَةَ الآخِرَةِ بِغَنِيمَةِ الدُّنْيا.
المَطْلُوبُ الرّابِعُ: قَوْلُهُ: ﴿واغْفِرْ لِأبِي إنَّهُ كانَ مِنَ الضّالِّينَ﴾ واعْلَمْ أنَّهُ لَمّا فَرَغَ مِن طَلَبِ السَّعاداتِ الدُّنْيَوِيَّةِ والأُخْرَوِيَّةِ لِنَفْسِهِ طَلَبَها لِأشَدِّ النّاسِ التِصاقًا بِهِ وهو أبُوهُ فَقالَ: ﴿واغْفِرْ لِأبِي﴾ ثُمَّ فِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ المَغْفِرَةَ مَشْرُوطَةٌ بِالإسْلامِ وطَلَبُ المَشْرُوطِ مُتَضَمِّنٌ لِطَلَبِ الشَّرْطِ فَقَوْلُهُ: ﴿واغْفِرْ لِأبِي﴾ يَرْجِعُ حاصِلُهُ إلى أنَّهُ دُعاءٌ لِأبِيهِ بِالإسْلامِ.
الثّانِي: أنَّ أباهُ وعَدَهُ الإسْلامَ كَما قالَ تَعالى: ﴿وما كانَ اسْتِغْفارُ إبْراهِيمَ لِأبِيهِ إلّا عَنْ﴾
صفحة ١٣٠
﴿مَوْعِدَةٍ وعَدَها إيّاهُ﴾ [التوبة: ١١٤] فَدَعا لَهُ لِهَذا الشَّرْطِ ولا يَمْتَنِعُ الدُّعاءُ لِلْكافِرِ عَلى هَذا الشَّرْطِ ﴿فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأ مِنهُ﴾ [التوبة: ١١٤] وهَذا ضَعِيفٌ لِأنَّ الدُّعاءَ بِهَذا الشَّرْطِ جائِزٌ لِلْكافِرِ فَلَوْ كانَ دُعاؤُهُ مَشْرُوطًا لَما مَنَعَهُ اللَّهُ عَنْهُ.
الثّالِثُ: أنَّ أباهُ قالَ لَهُ: إنَّهُ عَلى دِينِهِ باطِنًا وعَلى دِينِ نَمْرُوذَ ظاهِرًا تَقِيَّةً وخَوْفًا، فَدَعا لَهُ لِاعْتِقادِهِ أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ خِلافَ ذَلِكَ تَبَرَّأ مِنهُ، لِذَلِكَ قالَ في دُعائِهِ: ﴿إنَّهُ كانَ مِنَ الضّالِّينَ﴾ فَلَوْلا اعْتِقادُهُ فِيهِ أنَّهُ في الحالِ لَيْسَ بِضالٍّ لَما قالَ ذَلِكَ.
المَطْلُوبُ الخامِسُ: قَوْلُهُ: ﴿ولا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: الإخْزاءُ مِنَ الخِزْيِ وهو الهَوانُ، أوْ مِنَ الخَزايَةِ وهي الحَياءُ وهَهُنا أبْحاثٌ:
أحَدُها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولا تُخْزِنِي﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَجِبُ عَلى اللَّهِ تَعالى شَيْءٌ عَلى ما بَيَّنّاهُ في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِي أطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ .
وثانِيها: أنَّ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ لَمّا قالَ أوَّلًا: ﴿واجْعَلْنِي مِن ورَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾ ومَتى حَصَلَتِ الجَنَّةُ امْتَنَعَ حُصُولُ الخِزْيِ، فَكَيْفَ قالَ بَعْدَهُ: ﴿ولا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ وأيْضًا فَقَدْ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الخِزْيَ اليَوْمَ والسُّوءَ عَلى الكافِرِينَ﴾ [النحل: ٢٧] فَمًا كانَ نَصِيبُ الكُفّارِ فَقَطْ فَكَيْفَ يَخافُهُ المَعْصُومُ ؟ جَوابُهُ: كَما أنَّ حَسَناتِ الأبْرارِ سَيِّئاتُ المُقَرَّبِينَ فَكَذا دَرَجاتُ الأبْرارِ دَرَكاتُ المُقَرَّبِينَ وخِزْيُ كُلِّ واحِدٍ بِما يَلِيقُ بِهِ.
وثالِثُها: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: في [ يُبْعَثُونَ ] ضَمِيرُ العِبادِ لِأنَّهُ مَعْلُومٌ أوْ ضَمِيرُ الضّالِّينَ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ: ﴿إلّا مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ تَعالى أكْرَمُهُ بِهَذا الوَصْفِ حَيْثُ قالَ: ﴿وإنَّ مِن شِيعَتِهِ لَإبْراهِيمَ﴾ ﴿إذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الصافات: ٨٣، ٨٤] .
ثُمَّ في هَذا الِاسْتِثْناءِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّهُ إذا قِيلَ لَكَ: هَلْ لِزَيْدٍ مالٌ وبَنُونَ ؟ فَتَقُولُ: مالُهُ وبَنُوهُ سَلامَةُ قَلْبِهِ، تُرِيدُ نَفْيَ المالِ والبَنِينَ عَنْهُ وإثْباتَ سَلامَةِ القَلْبِ لَهُ بَدَلًا عَنْ ذَلِكَ، فَكَذا في هَذِهِ الآيَةِ.
وثانِيها: أنْ نَحْمِلَ الكَلامَ عَلى المَعْنى ونَجْعَلَ المالَ والبَنِينَ في مَعْنى الغِنى كَأنَّهُ قِيلَ يَوْمَ لا يَنْفَعُ غِنًى إلّا غِنى مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ لِأنَّ غِنى الرَّجُلِ في دِينِهِ بِسَلامَةِ قَلْبِهِ كَما أنَّ غِناهُ في دُنْياهُ بِمالِهِ وبَنِيهِ.
وثالِثُها: أنْ نَجْعَلَ [ مَن ] مَفْعُولًا لِ ”يَنْفَعُ“ أيْ لا يَنْفَعُ مالٌ ولا بَنُونَ إلّا رَجُلًا سَلِمَ قَلْبُهُ مَعَ مالِهِ حَيْثُ أنْفَقَهُ في طاعَةِ اللَّهِ تَعالى، ومَعَ بَنِيهِ حَيْثُ أرْشَدَهم إلى الدِّينِ، ويَجُوزُ عَلى هَذا ﴿إلّا مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ مِن فِتْنَةِ المالِ والبَنِينَ، أمّا السَّلِيمُ فَفي ثَلاثَةِ أوْجُهٍ:
الأوَّلُ: وهو الأصَحُّ أنَّ المُرادَ مِنهُ سَلامَةُ القَلْبِ عَنِ الجَهْلِ والأخْلاقِ الرَّذِيلَةِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ كَما أنَّ صِحَّةَ البَدَنِ وسَلامَتَهُ عِبارَةٌ عَنْ حُصُولِ ما يَنْبَغِي مِنَ المِزاجِ والتَّرْكِيبِ والِاتِّصالِ ومَرَضَهُ عِبارَةٌ عَنْ زَوالِ أحَدِ تِلْكَ الأُمُورِ فَكَذَلِكَ سَلامَةُ القَلْبِ عِبارَةٌ عَنْ حُصُولِ ما يَنْبَغِي لَهُ وهو العِلْمُ والخُلُقُ الفاضِلُ ومَرَضُهُ عِبارَةٌ عَنْ زَوالِ أحَدِهِما فَقَوْلُهُ: ﴿إلّا مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ أنْ يَكُونَ خالِيًا عَنِ العَقائِدِ الفاسِدَةِ والمِيلِ إلى شَهَواتِ الدُّنْيا ولَذّاتِها فَإنْ قِيلَ فَظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ يَقْتَضِي أنَّ مَن سَلِمَ قَلْبُهُ كانَ ناجِيًا وأنَّهُ لا حاجَةَ فِيهِ إلى سَلامَةِ اللِّسانِ واليَدِ جَوابُهُ: أنَّ القَلْبَ مُؤَثِّرٌ واللِّسانَ والجَوارِحَ تَبَعٌ فَلَوْ كانَ القَلْبُ سَلِيمًا لَكانا سَلِيمَيْنِ لا مَحالَةَ، وحَيْثُ لَمْ يَسْلَما ثَبَتَ عَدَمُ سَلامَةِ القَلْبِ.
التَّأْوِيلُ الثّانِي: أنَّ السَّلِيمَ هو اللَّدِيغُ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ تَعالى.
التَّأْوِيلُ الثّالِثُ: أنَّ السَّلِيمَ هو الَّذِي سَلِمَ وأسْلَمَ وسالَمَ واسْتَسْلَمَ واللَّهُ أعْلَمُ.
الشعراء 26:90
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ ﴿واجْعَلْنِي مِن ورَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾ ﴿واغْفِرْ لِأبِي إنَّهُ كانَ مِنَ الضّالِّينَ﴾ ﴿ولا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ ولا بَنُونَ﴾ ﴿إلّا مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا حَكى عَنْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ثَناءَهُ عَلى اللَّهِ تَعالى ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ دُعاءَهُ ومَسْألَتَهُ وذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ تَقْدِيمَ الثَّناءِ عَلى الدُّعاءِ مِنَ المُهِمّاتِ وتَحْقِيقُ الكَلامِ فِيهِ أنَّ هَذِهِ الأرْواحَ البَشَرِيَّةَ مِن جِنْسِ المَلائِكَةِ فَكُلَّما كانَ اشْتِغالُها بِمَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى ومَحَبَّتِهِ والِانْجِذابُ إلى عالَمِ الرُّوحانِيّاتِ أشَدَّ كانَتْ مُشاكَلَتُها لِلْمَلائِكَةِ أتَمَّ، فَكانَتْ أقْوى عَلى التَّصَرُّفِ في أجْسامِ هَذا العالَمِ، وكُلَّما كانَ اشْتِغالُها بِلَذّاتِ هَذا العالَمِ واسْتِغْراقُها في ظُلُماتِ هَذِهِ الجُسْمانِيّاتِ أشَدَّ كانَتْ مُشاكَلَتُها لِلْبَهائِمِ أشَدَّ فَكانَتْ أكْثَرَ عَجْزًا وضَعْفًا وأقَلَّ تَأْثِيرًا في هَذا العالَمِ، فَمَن أرادَ أنْ يَشْتَغِلَ بِالدُّعاءِ يَجِبُ أنْ يُقَدِّمَ عَلَيْهِ ثَناءَ اللَّهِ تَعالى وذِكْرَ عَظَمَتِهِ وكِبْرِيائِهِ حَتّى أنَّهُ بِسَبَبِ ذَلِكَ الذِّكْرِ يَصِيرُ مُسْتَغْرِقًا في مَعْرِفَةِ اللَّهِ ومَحَبَّتِهِ ويَصِيرُ قَرِيبَ المُشاكَلَةِ مِنَ المَلائِكَةِ فَتَحْصُلُ لَهُ بِسَبَبِ تِلْكَ المُشاكَلَةِ قُوَّةٌ إلَهِيَّةٌ سَماوِيَّةٌ فَيَصِيرُ مَبْدَأً لِحُدُوثِ ذَلِكَ الشَّيْءِ الَّذِي هو المَطْلُوبُ بِالدُّعاءِ فَهَذا هو الكَشْفُ عَنْ ماهِيَّةِ الدُّعاءِ وظَهَرَ أنَّ تَقْدِيمَ الثَّناءِ عَلى الدُّعاءِ مِنَ الواجِباتِ وظَهَرَ بِهِ تَحْقِيقُ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ حِكايَةً عَنِ اللَّهِ تَعالى: ”«مَن شَغَلَهُ ذِكْرِي عَنْ مَسْألَتِي أعْطَيْتُهُ أفْضَلَ ما أُعْطِي السّائِلِينَ» “ فَإنْ قالَ قائِلٌ: لِمَ لَمْ يَقْتَصِرْ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى الثَّناءِ، لا سِيَّما ويُرْوى عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ قالَ: حَسْبِي مِن سُؤالِي عِلْمُهُ بِحالِي ؟ فالجَوابُ: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما ذَكَرَ ذَلِكَ حِينَ كانَ مُشْتَغِلًا بِدَعْوَةِ الخَلْقِ إلى الحَقِّ ألا تَرى أنَّهُ قالَ: ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي إلّا رَبَّ العالَمِينَ﴾ ثُمَّ ذَكَرَ الثَّناءَ، ثُمَّ ذَكَرَ الدُّعاءَ لِأنَّ الشّارِعَ لا بُدَّ لَهُ مِن تَعْلِيمِ الشَّرْعِ، فَأمّا حِينَ ما خَلا بِنَفْسِهِ، ولَمْ يَكُنْ غَرَضُهُ تَعْلِيمَ الشَّرْعِ كانَ يَقْتَصِرُ عَلى قَوْلِهِ: حَسْبِي مِن سُؤالِي عِلْمُهُ بِحالِي.
* * *
البَحْثُ الثّانِي: في الأُمُورِ الَّتِي طَلَبَها في الدُّعاءِ وهي مَطالِيبُ:
المَطْلُوبُ الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾، ولَقَدْ أجابَهُ اللَّهُ تَعالى حَيْثُ قالَ: ﴿وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ [البقرة: ١٣٠] وفِيهِ مَطالِبُ:
أحَدُها: أنَّهُ لا يَجُوزُ تَفْسِيرُ الحُكْمِ بِالنُّبُوَّةِ لِأنَّ
صفحة ١٢٨
النُّبُوَّةَ كانَتْ حاصِلَةً فَلَوْ طَلَبَ النُّبُوَّةَ لَكانَتِ النُّبُوَّةُ المَطْلُوبَةُ، إمّا عَيْنَ النُّبُوَّةِ الحاصِلَةَ أوْ غَيْرَها، والأوَّلُ مُحالٌ لِأنَّ تَحْصِيلَ الحاصِلِ مُحالٌ، والثّانِي مُحالٌ لِأنَّهُ يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ الشَّخْصُ الواحِدُ نَبِيًّا مَرَّتَيْنِ، بَلِ المُرادُ مِنَ الحُكْمِ ما هو كَمالُ القُوَّةِ النَّظَرِيَّةِ، وذَلِكَ بِإدْراكِ الحَقِّ ومِن قَوْلِهِ ﴿وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ كَمالُ القُوَّةِ العَمَلِيَّةِ، وذَلِكَ بِأنْ يَكُونَ عامِلًا بِالخَيْرِ فَإنَّ كَمالِ الإنْسانِ أنْ يَعْرِفَ الحَقَّ لِذاتِهِ، والخَيْرَ لِأجْلِ العَمَلِ بِهِ، وإنَّما قَدَّمَ قَوْلَهُ: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا﴾ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ لِما أنَّ القُوَّةَ النَّظَرِيَّةَ مُقَدِّمَةٌ عَلى القُوَّةِ العَمَلِيَّةِ بِالشَّرَفِ وبِالذّاتِ، وأيْضًا فَإنَّهُ يُمْكِنُهُ أنْ يَعْلَمَ الحَقَّ وإنْ لَمْ يَعْلَمْ بِالخَيْرِ وعَكْسُهُ غَيْرُ مُمْكِنٍ، ولِأنَّ العِلْمَ صِفَةُ الرُّوحِ والعَمَلَ صِفَةُ البَدَنِ، ولَمّا كانَ الرُّوحُ أشْرَفَ مِنَ البَدَنِ كانَ العِلْمُ أفْضَلَ مِنَ العَمَلِ، وإنَّما فَسَّرْنا مَعْرِفَةَ الأشْياءِ بِالحُكْمِ وذَلِكَ لِأنَّ الإنْسانَ لا يَعْرِفُ حَقائِقَ الأشْياءِ إلّا إذا اسْتَحْضَرَ في ذِهْنِهِ صُوَرَ الماهِيّاتِ، ثُمَّ نَسَبَ بَعْضَها إلى بَعْضٍ بِالنَّفْيِ أوْ بِالإثْباتِ، وتِلْكَ النِّسْبَةُ وهي الحُكْمُ، ثُمَّ إنْ كانَتِ النِّسَبُ الذِّهْنِيَّةُ مُطابِقَةً لِلنِّسَبِ الخارِجِيَّةِ كانَتِ النِّسَبُ الذِّهْنِيَّةُ مُمْتَنِعَةَ التَّغَيُّرِ فَكانَتْ مُسْتَحْكِمَةً قَوِيَّةً، فَمِثْلُ هَذا الإدْراكِ يُسَمّى حِكْمَةً وحُكْمًا، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«أرِنا الأشْياءَ كَما هي» “ وأمّا الصَّلاحُ فَهو كَوْنُ القُوَّةِ العاقِلَةِ مُتَوَسِّطَةً بَيْنَ رَذِيلَتِيِ الإفْراطِ والتَّفْرِيطِ، وذَلِكَ لِأنَّ الإفْراطَ في أحَدِ الجانِبَيْنِ تَفْرِيطٌ في الجانِبِ الآخَرِ وبِالعَكْسِ فالصَّلاحُ لا يَحْصُلُ إلّا بِالِاعْتِدالِ، ولَمّا كانَ الِاعْتِدالُ الحَقِيقِيُّ شَيْئًا واحِدًا لا يَقْبَلُ القِسْمَةَ البَتَّةَ والأفْكارُ البَشَرِيَّةُ في هَذا العالَمِ قاصِرَةً عَلى إدْراكِ أمْثالِ هَذِهِ الأشْياءِ، لا جَرَمَ لا يَنْفَكُّ البَشَرُ عَنِ الخُرُوجِ عَنْ ذَلِكَ الحَدِّ وإنْ قَلَّ، إلّا أنَّ خُرُوجَ المُقَرَّبِينَ عَنْهُ يَكُونُ في القِلَّةِ بِحَيْثُ لا يُحَسُّ بِهِ، وخُرُوجُ العُصاةِ عَنْهُ يَكُونُ مُتَفاحِشًا جِدًّا فَقَدْ ظَهَرَ مِن هَذا تَحْقِيقُ ما قِيلَ: حَسَناتُ الأبْرارِ سَيِّئاتُ المُقَرَّبِينَ، وظَهَرَ احْتِياجُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى أنْ يَقُولَ: ﴿وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ .
المَطْلَبُ الثّانِي: لَمّا ثَبَتَ أنَّ المُرادَ مِنَ الحُكْمِ العِلْمُ، ثَبَتَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ طَلَبَ مِنَ اللَّهِ أنْ يُعْطِيَهُ العِلْمَ بِاللَّهِ تَعالى وبِصِفاتِهِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ مَعْرِفَةَ اللَّهِ تَعالى لا تَحْصُلُ في قَلْبِ العَبْدِ إلّا بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى، وقَوْلُهُ: ﴿وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ كَوْنَ العَبْدِ صالِحًا لَيْسَ إلّا بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى، وحَمْلُ هَذِهِ الأشْياءِ عَلى الألْطافِ بَعِيدٌ، لِأنَّ عِنْدَ الخَصْمِ كُلَّ ما في قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى مِنَ الألْطافِ فَقَدْ فَعَلَهُ فَلَوْ صَرَفْنا الدُّعاءَ إلَيْهِ لَكانَ ذَلِكَ طَلَبًا لِتَحْصِيلِ الحاصِلِ وهو فاسِدٌ.
* * *
المَطْلَبُ الثّالِثُ: أنَّ الحُكْمَ المَطْلُوبَ في الدُّعاءِ إمّا أنْ يَكُونَ هو العِلْمَ بِاللَّهِ أوْ بِغَيْرِهِ والثّانِي باطِلٌ، لِأنَّ الإنْسانَ حالَ كَوْنِهِ مُسْتَحْضِرًا لِلْعِلْمِ بِشَيْءٍ لا يُمْكِنُهُ أنْ يَكُونَ مُسْتَحْضِرًا لِلْعِلْمِ بِشَيْءٍ آخَرَ فَلَوْ كانَ المَطْلُوبُ بِهَذا الدُّعاءِ العِلْمَ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى، والعِلْمُ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى شاغِلٌ عَنِ الِاسْتِغْراقِ في العِلْمِ بِاللَّهِ كانَ هَذا السُّؤالُ طَلَبًا لِما يَشْغَلُهُ عَنِ الِاسْتِغْراقِ في العِلْمِ بِاللَّهِ تَعالى، وذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ لِأنَّهُ لا كَمالَ فَوْقَ ذَلِكَ الِاسْتِغْراقِ، فَإذَنِ المَطْلُوبُ بِهَذا الدُّعاءِ هو العِلْمُ بِاللَّهِ. ثُمَّ إنَّ ذَلِكَ العِلْمَ إمّا أنْ يَكُونَ هو العِلْمَ بِاللَّهِ تَعالى الَّذِي هو شَرْطُ صِحَّةِ الإيمانِ أوْ غَيْرُهُ، والأوَّلُ باطِلٌ لِأنَّهُ لَمّا وجَبَ أنْ يَكُونَ حاصِلًا لِكُلِّ المُؤْمِنِينَ فَكَيْفَ لا يَكُونُ حاصِلًا عِنْدَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وإذا كانَ حاصِلًا عِنْدَهُ امْتَنَعَ طَلَبُ تَحْصِيلِهِ، فَثَبَتَ أنَّ المَطْلُوبَ بِهَذا الدُّعاءِ دَرَجاتٌ في مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى أزْيَدُ مِنَ العِلْمِ بِوُجُودِهِ وبِأنَّهُ لَيْسَ بِمُتَحَيِّزٍ ولا حالٍّ في المُتَحَيِّزِ وبِأنَّهُ عالَمٌ قادِرٌ حَيٌّ، وما ذاكَ إلّا الوُقُوفُ عَلى صِفاتِ الجَلالِ أوِ الوُقُوفُ عَلى حَقِيقَةِ الذّاتِ أوْ ظُهُورُ نُورِ تِلْكَ المَعْرِفَةِ
صفحة ١٢٩
فِي القَلْبِ. ثُمَّ هُناكَ أحْوالٌ لا يُعَبِّرُ عَنْها المَقالُ ولا يَشْرَحُها الخَيالُ، ومَن أرادَ أنْ يَصِلَ إلَيْها فَلْيَكُنْ مِنَ الواصِلِينَ إلى العَيْنِ، دُونَ السّامِعِينَ لِلْأثَرِ.
المَطْلُوبُ الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ وفِيهِ ثَلاثُ تَأْوِيلاتٍ:
التَّأْوِيلُ الأوَّلُ: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ابْتَدَأ بِطَلَبِ ما هو الكَمالُ الذّاتِيُّ لِلْإنْسانِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ وهو طَلَبُ الحُكْمِ الَّذِي هو العِلْمُ، ثُمَّ طَلَبَ بَعْدَهُ كِمالاتِ الدُّنْيا وبَعْدَ ذَلِكَ طَلَبَ كِمالاتِ الآخِرَةِ، فَأمّا كِمالاتُ الدُّنْيا فَبَعْضُها داخِلِيَّةٌ وبَعْضُها خارِجِيَّةٌ، أمّا الدّاخِلِيَّةُ: فَهي الخَلْقُ الظّاهِرُ والخَلْقُ الباطِنُ والخَلْقُ الظّاهِرُ أشَدُّ جُسْمانِيَّةً والخَلْقُ الباطِنُ أشَدُّ رُوحانِيَّةً، فَتَرَكَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ الأمْرَ الجُسْمانِيَّ وهو الخَلْقُ الظّاهِرُ وطَلَبَ الأمْرَ الرُّوحانِيَّ وهو الخَلْقُ الباطِنُ، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ وأمّا الخارِجِيَّةُ: فَهي المالُ والجاهُ، والمالُ أشَدُّ جُسْمانِيَّةً والجاهُ أشَدُّ رُوحانِيَّةً فَتَرَكَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ الأمْرَ الجُسْمانِيَّ وهو المالُ وطَلَبَ الأمْرَ الرُّوحانِيَّ وهو الجاهُ والذِّكْرُ الجَمِيلُ الباقِي عَلى وجْهِ الدَّهْرِ، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: وقَدْ أعْطاهُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ [الصافات: ١٠٨] فَإنْ قِيلَ وأيُّ غَرَضٍ لَهُ في أنْ يُثْنِيَ عَلَيْهِ ويَمْدَحَ ؟ جَوابُهُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: وهو عَلى لِسانِ الحِكْمَةِ: أنَّ الأرْواحَ البَشَرِيَّةَ قَدْ بَيَّنّا أنَّها مُؤَثِّرَةٌ في الجُمْلَةِ إلّا أنَّ بَعْضَها قَدْ يَكُونُ ضَعِيفًا فَيَعْجِزُ عَنِ التَّأْثِيرِ فَإذا اجْتَمَعَتْ طائِفَةٌ مِنها فَرُبَّما قَوِيَ مَجْمُوعُها عَلى ما عَجَزَتِ الآحادُ عَنْهُ، وهَذا المَعْنى مَشاهَدٌ في المُؤَثِّراتِ الجُسْمانِيَّةِ، إذا ثَبَتَ هَذا فالإنْسانُ الواحِدُ إذا كانَ بِحَيْثُ يُثْنِي عَلَيْهِ الجَمْعُ العَظِيمُ ويَمْدَحُونَهُ ويُعَظِّمُونَهُ، فَرُبَّما صارَ انْصِرافُ هِمَمِهِمْ عِنْدَ الِاجْتِماعِ إلَيْهِ سَبَبًا لِحُصُولِ زِيادَةِ كَمالٍ لَهُ.
الثّانِي: وهو عَلى لِسانِ الكَمالِ: أنَّ مَن صارَ مَمْدُوحًا فِيما بَيْنَ النّاسِ بِسَبَبِ ما عِنْدَهُ مِنَ الفَضائِلِ، فَإنَّهُ يَصِيرُ ذَلِكَ المَدْحُ وتِلْكَ الشُّهْرَةُ داعِيًا لِغَيْرِهِ إلى اكْتِسابِ مِثْلِ تِلْكَ الفَضائِلِ.
التَّأْوِيلُ الثّانِي: أنَّهُ سَألَ رَبَّهُ أنْ يَجْعَلَ مِن ذُرِّيَّتِهِ في آخِرِ الزَّمانِ مَن يَكُونُ داعِيًا إلى اللَّهِ تَعالى، وذَلِكَ هُوَمُحَمَّدٌ ﷺ فالمُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ بَعْثَةُ مُحَمَّدٍ ﷺ .
التَّأْوِيلُ الثّالِثُ: قالَ بَعْضُهم: المُرادُ اتِّفاقُ أهْلِ الأدْيانِ عَلى حُبِّهِ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى أعْطاهُ ذَلِكَ لِأنَّكَ لا تَرى أهْلَ دِينٍ إلّا ويَتَوَلَّوْنَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقَدَحَ بَعْضُهم فِيهِ بِأنَّهُ لا تَقْوى الرَّغْبَةُ في مَدْحِ الكافِرِ وجَوابُهُ: أنَّهُ لَيْسَ المَقْصُودُ مَدْحَ الكافِرِ مِن حَيْثُ هو كافِرٌ، بَلِ المَقْصُودُ أنْ يَكُونَ مَمْدُوحَ كُلِّ إنْسانٍ ومَحْبُوبَ كُلِّ قَلْبٍ.
المَطْلُوبُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿واجْعَلْنِي مِن ورَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ لَمّا طَلَبَ سَعادَةَ الدُّنْيا طَلَبَ بَعْدَها سَعادَةَ الآخِرَةِ وهي جَنَّةُ النَّعِيمِ، وشَبَّهَها بِما يُوَرَّثُ لِأنَّهُ الَّذِي يُغْتَنَمُ في الدُّنْيا، فَشَبَّهَ غَنِيمَةَ الآخِرَةِ بِغَنِيمَةِ الدُّنْيا.
المَطْلُوبُ الرّابِعُ: قَوْلُهُ: ﴿واغْفِرْ لِأبِي إنَّهُ كانَ مِنَ الضّالِّينَ﴾ واعْلَمْ أنَّهُ لَمّا فَرَغَ مِن طَلَبِ السَّعاداتِ الدُّنْيَوِيَّةِ والأُخْرَوِيَّةِ لِنَفْسِهِ طَلَبَها لِأشَدِّ النّاسِ التِصاقًا بِهِ وهو أبُوهُ فَقالَ: ﴿واغْفِرْ لِأبِي﴾ ثُمَّ فِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ المَغْفِرَةَ مَشْرُوطَةٌ بِالإسْلامِ وطَلَبُ المَشْرُوطِ مُتَضَمِّنٌ لِطَلَبِ الشَّرْطِ فَقَوْلُهُ: ﴿واغْفِرْ لِأبِي﴾ يَرْجِعُ حاصِلُهُ إلى أنَّهُ دُعاءٌ لِأبِيهِ بِالإسْلامِ.
الثّانِي: أنَّ أباهُ وعَدَهُ الإسْلامَ كَما قالَ تَعالى: ﴿وما كانَ اسْتِغْفارُ إبْراهِيمَ لِأبِيهِ إلّا عَنْ﴾
صفحة ١٣٠
﴿مَوْعِدَةٍ وعَدَها إيّاهُ﴾ [التوبة: ١١٤] فَدَعا لَهُ لِهَذا الشَّرْطِ ولا يَمْتَنِعُ الدُّعاءُ لِلْكافِرِ عَلى هَذا الشَّرْطِ ﴿فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأ مِنهُ﴾ [التوبة: ١١٤] وهَذا ضَعِيفٌ لِأنَّ الدُّعاءَ بِهَذا الشَّرْطِ جائِزٌ لِلْكافِرِ فَلَوْ كانَ دُعاؤُهُ مَشْرُوطًا لَما مَنَعَهُ اللَّهُ عَنْهُ.
الثّالِثُ: أنَّ أباهُ قالَ لَهُ: إنَّهُ عَلى دِينِهِ باطِنًا وعَلى دِينِ نَمْرُوذَ ظاهِرًا تَقِيَّةً وخَوْفًا، فَدَعا لَهُ لِاعْتِقادِهِ أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ خِلافَ ذَلِكَ تَبَرَّأ مِنهُ، لِذَلِكَ قالَ في دُعائِهِ: ﴿إنَّهُ كانَ مِنَ الضّالِّينَ﴾ فَلَوْلا اعْتِقادُهُ فِيهِ أنَّهُ في الحالِ لَيْسَ بِضالٍّ لَما قالَ ذَلِكَ.
المَطْلُوبُ الخامِسُ: قَوْلُهُ: ﴿ولا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: الإخْزاءُ مِنَ الخِزْيِ وهو الهَوانُ، أوْ مِنَ الخَزايَةِ وهي الحَياءُ وهَهُنا أبْحاثٌ:
أحَدُها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولا تُخْزِنِي﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَجِبُ عَلى اللَّهِ تَعالى شَيْءٌ عَلى ما بَيَّنّاهُ في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِي أطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ .
وثانِيها: أنَّ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ لَمّا قالَ أوَّلًا: ﴿واجْعَلْنِي مِن ورَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾ ومَتى حَصَلَتِ الجَنَّةُ امْتَنَعَ حُصُولُ الخِزْيِ، فَكَيْفَ قالَ بَعْدَهُ: ﴿ولا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ وأيْضًا فَقَدْ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الخِزْيَ اليَوْمَ والسُّوءَ عَلى الكافِرِينَ﴾ [النحل: ٢٧] فَمًا كانَ نَصِيبُ الكُفّارِ فَقَطْ فَكَيْفَ يَخافُهُ المَعْصُومُ ؟ جَوابُهُ: كَما أنَّ حَسَناتِ الأبْرارِ سَيِّئاتُ المُقَرَّبِينَ فَكَذا دَرَجاتُ الأبْرارِ دَرَكاتُ المُقَرَّبِينَ وخِزْيُ كُلِّ واحِدٍ بِما يَلِيقُ بِهِ.
وثالِثُها: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: في [ يُبْعَثُونَ ] ضَمِيرُ العِبادِ لِأنَّهُ مَعْلُومٌ أوْ ضَمِيرُ الضّالِّينَ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ: ﴿إلّا مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ تَعالى أكْرَمُهُ بِهَذا الوَصْفِ حَيْثُ قالَ: ﴿وإنَّ مِن شِيعَتِهِ لَإبْراهِيمَ﴾ ﴿إذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الصافات: ٨٣، ٨٤] .
ثُمَّ في هَذا الِاسْتِثْناءِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّهُ إذا قِيلَ لَكَ: هَلْ لِزَيْدٍ مالٌ وبَنُونَ ؟ فَتَقُولُ: مالُهُ وبَنُوهُ سَلامَةُ قَلْبِهِ، تُرِيدُ نَفْيَ المالِ والبَنِينَ عَنْهُ وإثْباتَ سَلامَةِ القَلْبِ لَهُ بَدَلًا عَنْ ذَلِكَ، فَكَذا في هَذِهِ الآيَةِ.
وثانِيها: أنْ نَحْمِلَ الكَلامَ عَلى المَعْنى ونَجْعَلَ المالَ والبَنِينَ في مَعْنى الغِنى كَأنَّهُ قِيلَ يَوْمَ لا يَنْفَعُ غِنًى إلّا غِنى مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ لِأنَّ غِنى الرَّجُلِ في دِينِهِ بِسَلامَةِ قَلْبِهِ كَما أنَّ غِناهُ في دُنْياهُ بِمالِهِ وبَنِيهِ.
وثالِثُها: أنْ نَجْعَلَ [ مَن ] مَفْعُولًا لِ ”يَنْفَعُ“ أيْ لا يَنْفَعُ مالٌ ولا بَنُونَ إلّا رَجُلًا سَلِمَ قَلْبُهُ مَعَ مالِهِ حَيْثُ أنْفَقَهُ في طاعَةِ اللَّهِ تَعالى، ومَعَ بَنِيهِ حَيْثُ أرْشَدَهم إلى الدِّينِ، ويَجُوزُ عَلى هَذا ﴿إلّا مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ مِن فِتْنَةِ المالِ والبَنِينَ، أمّا السَّلِيمُ فَفي ثَلاثَةِ أوْجُهٍ:
الأوَّلُ: وهو الأصَحُّ أنَّ المُرادَ مِنهُ سَلامَةُ القَلْبِ عَنِ الجَهْلِ والأخْلاقِ الرَّذِيلَةِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ كَما أنَّ صِحَّةَ البَدَنِ وسَلامَتَهُ عِبارَةٌ عَنْ حُصُولِ ما يَنْبَغِي مِنَ المِزاجِ والتَّرْكِيبِ والِاتِّصالِ ومَرَضَهُ عِبارَةٌ عَنْ زَوالِ أحَدِ تِلْكَ الأُمُورِ فَكَذَلِكَ سَلامَةُ القَلْبِ عِبارَةٌ عَنْ حُصُولِ ما يَنْبَغِي لَهُ وهو العِلْمُ والخُلُقُ الفاضِلُ ومَرَضُهُ عِبارَةٌ عَنْ زَوالِ أحَدِهِما فَقَوْلُهُ: ﴿إلّا مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ أنْ يَكُونَ خالِيًا عَنِ العَقائِدِ الفاسِدَةِ والمِيلِ إلى شَهَواتِ الدُّنْيا ولَذّاتِها فَإنْ قِيلَ فَظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ يَقْتَضِي أنَّ مَن سَلِمَ قَلْبُهُ كانَ ناجِيًا وأنَّهُ لا حاجَةَ فِيهِ إلى سَلامَةِ اللِّسانِ واليَدِ جَوابُهُ: أنَّ القَلْبَ مُؤَثِّرٌ واللِّسانَ والجَوارِحَ تَبَعٌ فَلَوْ كانَ القَلْبُ سَلِيمًا لَكانا سَلِيمَيْنِ لا مَحالَةَ، وحَيْثُ لَمْ يَسْلَما ثَبَتَ عَدَمُ سَلامَةِ القَلْبِ.
التَّأْوِيلُ الثّانِي: أنَّ السَّلِيمَ هو اللَّدِيغُ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ تَعالى.
التَّأْوِيلُ الثّالِثُ: أنَّ السَّلِيمَ هو الَّذِي سَلِمَ وأسْلَمَ وسالَمَ واسْتَسْلَمَ واللَّهُ أعْلَمُ.
الشعراء 26:91
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ ﴿واجْعَلْنِي مِن ورَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾ ﴿واغْفِرْ لِأبِي إنَّهُ كانَ مِنَ الضّالِّينَ﴾ ﴿ولا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ ولا بَنُونَ﴾ ﴿إلّا مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا حَكى عَنْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ثَناءَهُ عَلى اللَّهِ تَعالى ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ دُعاءَهُ ومَسْألَتَهُ وذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ تَقْدِيمَ الثَّناءِ عَلى الدُّعاءِ مِنَ المُهِمّاتِ وتَحْقِيقُ الكَلامِ فِيهِ أنَّ هَذِهِ الأرْواحَ البَشَرِيَّةَ مِن جِنْسِ المَلائِكَةِ فَكُلَّما كانَ اشْتِغالُها بِمَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى ومَحَبَّتِهِ والِانْجِذابُ إلى عالَمِ الرُّوحانِيّاتِ أشَدَّ كانَتْ مُشاكَلَتُها لِلْمَلائِكَةِ أتَمَّ، فَكانَتْ أقْوى عَلى التَّصَرُّفِ في أجْسامِ هَذا العالَمِ، وكُلَّما كانَ اشْتِغالُها بِلَذّاتِ هَذا العالَمِ واسْتِغْراقُها في ظُلُماتِ هَذِهِ الجُسْمانِيّاتِ أشَدَّ كانَتْ مُشاكَلَتُها لِلْبَهائِمِ أشَدَّ فَكانَتْ أكْثَرَ عَجْزًا وضَعْفًا وأقَلَّ تَأْثِيرًا في هَذا العالَمِ، فَمَن أرادَ أنْ يَشْتَغِلَ بِالدُّعاءِ يَجِبُ أنْ يُقَدِّمَ عَلَيْهِ ثَناءَ اللَّهِ تَعالى وذِكْرَ عَظَمَتِهِ وكِبْرِيائِهِ حَتّى أنَّهُ بِسَبَبِ ذَلِكَ الذِّكْرِ يَصِيرُ مُسْتَغْرِقًا في مَعْرِفَةِ اللَّهِ ومَحَبَّتِهِ ويَصِيرُ قَرِيبَ المُشاكَلَةِ مِنَ المَلائِكَةِ فَتَحْصُلُ لَهُ بِسَبَبِ تِلْكَ المُشاكَلَةِ قُوَّةٌ إلَهِيَّةٌ سَماوِيَّةٌ فَيَصِيرُ مَبْدَأً لِحُدُوثِ ذَلِكَ الشَّيْءِ الَّذِي هو المَطْلُوبُ بِالدُّعاءِ فَهَذا هو الكَشْفُ عَنْ ماهِيَّةِ الدُّعاءِ وظَهَرَ أنَّ تَقْدِيمَ الثَّناءِ عَلى الدُّعاءِ مِنَ الواجِباتِ وظَهَرَ بِهِ تَحْقِيقُ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ حِكايَةً عَنِ اللَّهِ تَعالى: ”«مَن شَغَلَهُ ذِكْرِي عَنْ مَسْألَتِي أعْطَيْتُهُ أفْضَلَ ما أُعْطِي السّائِلِينَ» “ فَإنْ قالَ قائِلٌ: لِمَ لَمْ يَقْتَصِرْ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى الثَّناءِ، لا سِيَّما ويُرْوى عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ قالَ: حَسْبِي مِن سُؤالِي عِلْمُهُ بِحالِي ؟ فالجَوابُ: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما ذَكَرَ ذَلِكَ حِينَ كانَ مُشْتَغِلًا بِدَعْوَةِ الخَلْقِ إلى الحَقِّ ألا تَرى أنَّهُ قالَ: ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي إلّا رَبَّ العالَمِينَ﴾ ثُمَّ ذَكَرَ الثَّناءَ، ثُمَّ ذَكَرَ الدُّعاءَ لِأنَّ الشّارِعَ لا بُدَّ لَهُ مِن تَعْلِيمِ الشَّرْعِ، فَأمّا حِينَ ما خَلا بِنَفْسِهِ، ولَمْ يَكُنْ غَرَضُهُ تَعْلِيمَ الشَّرْعِ كانَ يَقْتَصِرُ عَلى قَوْلِهِ: حَسْبِي مِن سُؤالِي عِلْمُهُ بِحالِي.
* * *
البَحْثُ الثّانِي: في الأُمُورِ الَّتِي طَلَبَها في الدُّعاءِ وهي مَطالِيبُ:
المَطْلُوبُ الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾، ولَقَدْ أجابَهُ اللَّهُ تَعالى حَيْثُ قالَ: ﴿وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ [البقرة: ١٣٠] وفِيهِ مَطالِبُ:
أحَدُها: أنَّهُ لا يَجُوزُ تَفْسِيرُ الحُكْمِ بِالنُّبُوَّةِ لِأنَّ
صفحة ١٢٨
النُّبُوَّةَ كانَتْ حاصِلَةً فَلَوْ طَلَبَ النُّبُوَّةَ لَكانَتِ النُّبُوَّةُ المَطْلُوبَةُ، إمّا عَيْنَ النُّبُوَّةِ الحاصِلَةَ أوْ غَيْرَها، والأوَّلُ مُحالٌ لِأنَّ تَحْصِيلَ الحاصِلِ مُحالٌ، والثّانِي مُحالٌ لِأنَّهُ يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ الشَّخْصُ الواحِدُ نَبِيًّا مَرَّتَيْنِ، بَلِ المُرادُ مِنَ الحُكْمِ ما هو كَمالُ القُوَّةِ النَّظَرِيَّةِ، وذَلِكَ بِإدْراكِ الحَقِّ ومِن قَوْلِهِ ﴿وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ كَمالُ القُوَّةِ العَمَلِيَّةِ، وذَلِكَ بِأنْ يَكُونَ عامِلًا بِالخَيْرِ فَإنَّ كَمالِ الإنْسانِ أنْ يَعْرِفَ الحَقَّ لِذاتِهِ، والخَيْرَ لِأجْلِ العَمَلِ بِهِ، وإنَّما قَدَّمَ قَوْلَهُ: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا﴾ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ لِما أنَّ القُوَّةَ النَّظَرِيَّةَ مُقَدِّمَةٌ عَلى القُوَّةِ العَمَلِيَّةِ بِالشَّرَفِ وبِالذّاتِ، وأيْضًا فَإنَّهُ يُمْكِنُهُ أنْ يَعْلَمَ الحَقَّ وإنْ لَمْ يَعْلَمْ بِالخَيْرِ وعَكْسُهُ غَيْرُ مُمْكِنٍ، ولِأنَّ العِلْمَ صِفَةُ الرُّوحِ والعَمَلَ صِفَةُ البَدَنِ، ولَمّا كانَ الرُّوحُ أشْرَفَ مِنَ البَدَنِ كانَ العِلْمُ أفْضَلَ مِنَ العَمَلِ، وإنَّما فَسَّرْنا مَعْرِفَةَ الأشْياءِ بِالحُكْمِ وذَلِكَ لِأنَّ الإنْسانَ لا يَعْرِفُ حَقائِقَ الأشْياءِ إلّا إذا اسْتَحْضَرَ في ذِهْنِهِ صُوَرَ الماهِيّاتِ، ثُمَّ نَسَبَ بَعْضَها إلى بَعْضٍ بِالنَّفْيِ أوْ بِالإثْباتِ، وتِلْكَ النِّسْبَةُ وهي الحُكْمُ، ثُمَّ إنْ كانَتِ النِّسَبُ الذِّهْنِيَّةُ مُطابِقَةً لِلنِّسَبِ الخارِجِيَّةِ كانَتِ النِّسَبُ الذِّهْنِيَّةُ مُمْتَنِعَةَ التَّغَيُّرِ فَكانَتْ مُسْتَحْكِمَةً قَوِيَّةً، فَمِثْلُ هَذا الإدْراكِ يُسَمّى حِكْمَةً وحُكْمًا، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«أرِنا الأشْياءَ كَما هي» “ وأمّا الصَّلاحُ فَهو كَوْنُ القُوَّةِ العاقِلَةِ مُتَوَسِّطَةً بَيْنَ رَذِيلَتِيِ الإفْراطِ والتَّفْرِيطِ، وذَلِكَ لِأنَّ الإفْراطَ في أحَدِ الجانِبَيْنِ تَفْرِيطٌ في الجانِبِ الآخَرِ وبِالعَكْسِ فالصَّلاحُ لا يَحْصُلُ إلّا بِالِاعْتِدالِ، ولَمّا كانَ الِاعْتِدالُ الحَقِيقِيُّ شَيْئًا واحِدًا لا يَقْبَلُ القِسْمَةَ البَتَّةَ والأفْكارُ البَشَرِيَّةُ في هَذا العالَمِ قاصِرَةً عَلى إدْراكِ أمْثالِ هَذِهِ الأشْياءِ، لا جَرَمَ لا يَنْفَكُّ البَشَرُ عَنِ الخُرُوجِ عَنْ ذَلِكَ الحَدِّ وإنْ قَلَّ، إلّا أنَّ خُرُوجَ المُقَرَّبِينَ عَنْهُ يَكُونُ في القِلَّةِ بِحَيْثُ لا يُحَسُّ بِهِ، وخُرُوجُ العُصاةِ عَنْهُ يَكُونُ مُتَفاحِشًا جِدًّا فَقَدْ ظَهَرَ مِن هَذا تَحْقِيقُ ما قِيلَ: حَسَناتُ الأبْرارِ سَيِّئاتُ المُقَرَّبِينَ، وظَهَرَ احْتِياجُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى أنْ يَقُولَ: ﴿وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ .
المَطْلَبُ الثّانِي: لَمّا ثَبَتَ أنَّ المُرادَ مِنَ الحُكْمِ العِلْمُ، ثَبَتَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ طَلَبَ مِنَ اللَّهِ أنْ يُعْطِيَهُ العِلْمَ بِاللَّهِ تَعالى وبِصِفاتِهِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ مَعْرِفَةَ اللَّهِ تَعالى لا تَحْصُلُ في قَلْبِ العَبْدِ إلّا بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى، وقَوْلُهُ: ﴿وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ كَوْنَ العَبْدِ صالِحًا لَيْسَ إلّا بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى، وحَمْلُ هَذِهِ الأشْياءِ عَلى الألْطافِ بَعِيدٌ، لِأنَّ عِنْدَ الخَصْمِ كُلَّ ما في قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى مِنَ الألْطافِ فَقَدْ فَعَلَهُ فَلَوْ صَرَفْنا الدُّعاءَ إلَيْهِ لَكانَ ذَلِكَ طَلَبًا لِتَحْصِيلِ الحاصِلِ وهو فاسِدٌ.
* * *
المَطْلَبُ الثّالِثُ: أنَّ الحُكْمَ المَطْلُوبَ في الدُّعاءِ إمّا أنْ يَكُونَ هو العِلْمَ بِاللَّهِ أوْ بِغَيْرِهِ والثّانِي باطِلٌ، لِأنَّ الإنْسانَ حالَ كَوْنِهِ مُسْتَحْضِرًا لِلْعِلْمِ بِشَيْءٍ لا يُمْكِنُهُ أنْ يَكُونَ مُسْتَحْضِرًا لِلْعِلْمِ بِشَيْءٍ آخَرَ فَلَوْ كانَ المَطْلُوبُ بِهَذا الدُّعاءِ العِلْمَ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى، والعِلْمُ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى شاغِلٌ عَنِ الِاسْتِغْراقِ في العِلْمِ بِاللَّهِ كانَ هَذا السُّؤالُ طَلَبًا لِما يَشْغَلُهُ عَنِ الِاسْتِغْراقِ في العِلْمِ بِاللَّهِ تَعالى، وذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ لِأنَّهُ لا كَمالَ فَوْقَ ذَلِكَ الِاسْتِغْراقِ، فَإذَنِ المَطْلُوبُ بِهَذا الدُّعاءِ هو العِلْمُ بِاللَّهِ. ثُمَّ إنَّ ذَلِكَ العِلْمَ إمّا أنْ يَكُونَ هو العِلْمَ بِاللَّهِ تَعالى الَّذِي هو شَرْطُ صِحَّةِ الإيمانِ أوْ غَيْرُهُ، والأوَّلُ باطِلٌ لِأنَّهُ لَمّا وجَبَ أنْ يَكُونَ حاصِلًا لِكُلِّ المُؤْمِنِينَ فَكَيْفَ لا يَكُونُ حاصِلًا عِنْدَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وإذا كانَ حاصِلًا عِنْدَهُ امْتَنَعَ طَلَبُ تَحْصِيلِهِ، فَثَبَتَ أنَّ المَطْلُوبَ بِهَذا الدُّعاءِ دَرَجاتٌ في مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى أزْيَدُ مِنَ العِلْمِ بِوُجُودِهِ وبِأنَّهُ لَيْسَ بِمُتَحَيِّزٍ ولا حالٍّ في المُتَحَيِّزِ وبِأنَّهُ عالَمٌ قادِرٌ حَيٌّ، وما ذاكَ إلّا الوُقُوفُ عَلى صِفاتِ الجَلالِ أوِ الوُقُوفُ عَلى حَقِيقَةِ الذّاتِ أوْ ظُهُورُ نُورِ تِلْكَ المَعْرِفَةِ
صفحة ١٢٩
فِي القَلْبِ. ثُمَّ هُناكَ أحْوالٌ لا يُعَبِّرُ عَنْها المَقالُ ولا يَشْرَحُها الخَيالُ، ومَن أرادَ أنْ يَصِلَ إلَيْها فَلْيَكُنْ مِنَ الواصِلِينَ إلى العَيْنِ، دُونَ السّامِعِينَ لِلْأثَرِ.
المَطْلُوبُ الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ وفِيهِ ثَلاثُ تَأْوِيلاتٍ:
التَّأْوِيلُ الأوَّلُ: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ابْتَدَأ بِطَلَبِ ما هو الكَمالُ الذّاتِيُّ لِلْإنْسانِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ وهو طَلَبُ الحُكْمِ الَّذِي هو العِلْمُ، ثُمَّ طَلَبَ بَعْدَهُ كِمالاتِ الدُّنْيا وبَعْدَ ذَلِكَ طَلَبَ كِمالاتِ الآخِرَةِ، فَأمّا كِمالاتُ الدُّنْيا فَبَعْضُها داخِلِيَّةٌ وبَعْضُها خارِجِيَّةٌ، أمّا الدّاخِلِيَّةُ: فَهي الخَلْقُ الظّاهِرُ والخَلْقُ الباطِنُ والخَلْقُ الظّاهِرُ أشَدُّ جُسْمانِيَّةً والخَلْقُ الباطِنُ أشَدُّ رُوحانِيَّةً، فَتَرَكَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ الأمْرَ الجُسْمانِيَّ وهو الخَلْقُ الظّاهِرُ وطَلَبَ الأمْرَ الرُّوحانِيَّ وهو الخَلْقُ الباطِنُ، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ وأمّا الخارِجِيَّةُ: فَهي المالُ والجاهُ، والمالُ أشَدُّ جُسْمانِيَّةً والجاهُ أشَدُّ رُوحانِيَّةً فَتَرَكَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ الأمْرَ الجُسْمانِيَّ وهو المالُ وطَلَبَ الأمْرَ الرُّوحانِيَّ وهو الجاهُ والذِّكْرُ الجَمِيلُ الباقِي عَلى وجْهِ الدَّهْرِ، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: وقَدْ أعْطاهُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ [الصافات: ١٠٨] فَإنْ قِيلَ وأيُّ غَرَضٍ لَهُ في أنْ يُثْنِيَ عَلَيْهِ ويَمْدَحَ ؟ جَوابُهُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: وهو عَلى لِسانِ الحِكْمَةِ: أنَّ الأرْواحَ البَشَرِيَّةَ قَدْ بَيَّنّا أنَّها مُؤَثِّرَةٌ في الجُمْلَةِ إلّا أنَّ بَعْضَها قَدْ يَكُونُ ضَعِيفًا فَيَعْجِزُ عَنِ التَّأْثِيرِ فَإذا اجْتَمَعَتْ طائِفَةٌ مِنها فَرُبَّما قَوِيَ مَجْمُوعُها عَلى ما عَجَزَتِ الآحادُ عَنْهُ، وهَذا المَعْنى مَشاهَدٌ في المُؤَثِّراتِ الجُسْمانِيَّةِ، إذا ثَبَتَ هَذا فالإنْسانُ الواحِدُ إذا كانَ بِحَيْثُ يُثْنِي عَلَيْهِ الجَمْعُ العَظِيمُ ويَمْدَحُونَهُ ويُعَظِّمُونَهُ، فَرُبَّما صارَ انْصِرافُ هِمَمِهِمْ عِنْدَ الِاجْتِماعِ إلَيْهِ سَبَبًا لِحُصُولِ زِيادَةِ كَمالٍ لَهُ.
الثّانِي: وهو عَلى لِسانِ الكَمالِ: أنَّ مَن صارَ مَمْدُوحًا فِيما بَيْنَ النّاسِ بِسَبَبِ ما عِنْدَهُ مِنَ الفَضائِلِ، فَإنَّهُ يَصِيرُ ذَلِكَ المَدْحُ وتِلْكَ الشُّهْرَةُ داعِيًا لِغَيْرِهِ إلى اكْتِسابِ مِثْلِ تِلْكَ الفَضائِلِ.
التَّأْوِيلُ الثّانِي: أنَّهُ سَألَ رَبَّهُ أنْ يَجْعَلَ مِن ذُرِّيَّتِهِ في آخِرِ الزَّمانِ مَن يَكُونُ داعِيًا إلى اللَّهِ تَعالى، وذَلِكَ هُوَمُحَمَّدٌ ﷺ فالمُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ بَعْثَةُ مُحَمَّدٍ ﷺ .
التَّأْوِيلُ الثّالِثُ: قالَ بَعْضُهم: المُرادُ اتِّفاقُ أهْلِ الأدْيانِ عَلى حُبِّهِ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى أعْطاهُ ذَلِكَ لِأنَّكَ لا تَرى أهْلَ دِينٍ إلّا ويَتَوَلَّوْنَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقَدَحَ بَعْضُهم فِيهِ بِأنَّهُ لا تَقْوى الرَّغْبَةُ في مَدْحِ الكافِرِ وجَوابُهُ: أنَّهُ لَيْسَ المَقْصُودُ مَدْحَ الكافِرِ مِن حَيْثُ هو كافِرٌ، بَلِ المَقْصُودُ أنْ يَكُونَ مَمْدُوحَ كُلِّ إنْسانٍ ومَحْبُوبَ كُلِّ قَلْبٍ.
المَطْلُوبُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿واجْعَلْنِي مِن ورَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ لَمّا طَلَبَ سَعادَةَ الدُّنْيا طَلَبَ بَعْدَها سَعادَةَ الآخِرَةِ وهي جَنَّةُ النَّعِيمِ، وشَبَّهَها بِما يُوَرَّثُ لِأنَّهُ الَّذِي يُغْتَنَمُ في الدُّنْيا، فَشَبَّهَ غَنِيمَةَ الآخِرَةِ بِغَنِيمَةِ الدُّنْيا.
المَطْلُوبُ الرّابِعُ: قَوْلُهُ: ﴿واغْفِرْ لِأبِي إنَّهُ كانَ مِنَ الضّالِّينَ﴾ واعْلَمْ أنَّهُ لَمّا فَرَغَ مِن طَلَبِ السَّعاداتِ الدُّنْيَوِيَّةِ والأُخْرَوِيَّةِ لِنَفْسِهِ طَلَبَها لِأشَدِّ النّاسِ التِصاقًا بِهِ وهو أبُوهُ فَقالَ: ﴿واغْفِرْ لِأبِي﴾ ثُمَّ فِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ المَغْفِرَةَ مَشْرُوطَةٌ بِالإسْلامِ وطَلَبُ المَشْرُوطِ مُتَضَمِّنٌ لِطَلَبِ الشَّرْطِ فَقَوْلُهُ: ﴿واغْفِرْ لِأبِي﴾ يَرْجِعُ حاصِلُهُ إلى أنَّهُ دُعاءٌ لِأبِيهِ بِالإسْلامِ.
الثّانِي: أنَّ أباهُ وعَدَهُ الإسْلامَ كَما قالَ تَعالى: ﴿وما كانَ اسْتِغْفارُ إبْراهِيمَ لِأبِيهِ إلّا عَنْ﴾
صفحة ١٣٠
﴿مَوْعِدَةٍ وعَدَها إيّاهُ﴾ [التوبة: ١١٤] فَدَعا لَهُ لِهَذا الشَّرْطِ ولا يَمْتَنِعُ الدُّعاءُ لِلْكافِرِ عَلى هَذا الشَّرْطِ ﴿فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأ مِنهُ﴾ [التوبة: ١١٤] وهَذا ضَعِيفٌ لِأنَّ الدُّعاءَ بِهَذا الشَّرْطِ جائِزٌ لِلْكافِرِ فَلَوْ كانَ دُعاؤُهُ مَشْرُوطًا لَما مَنَعَهُ اللَّهُ عَنْهُ.
الثّالِثُ: أنَّ أباهُ قالَ لَهُ: إنَّهُ عَلى دِينِهِ باطِنًا وعَلى دِينِ نَمْرُوذَ ظاهِرًا تَقِيَّةً وخَوْفًا، فَدَعا لَهُ لِاعْتِقادِهِ أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ خِلافَ ذَلِكَ تَبَرَّأ مِنهُ، لِذَلِكَ قالَ في دُعائِهِ: ﴿إنَّهُ كانَ مِنَ الضّالِّينَ﴾ فَلَوْلا اعْتِقادُهُ فِيهِ أنَّهُ في الحالِ لَيْسَ بِضالٍّ لَما قالَ ذَلِكَ.
المَطْلُوبُ الخامِسُ: قَوْلُهُ: ﴿ولا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: الإخْزاءُ مِنَ الخِزْيِ وهو الهَوانُ، أوْ مِنَ الخَزايَةِ وهي الحَياءُ وهَهُنا أبْحاثٌ:
أحَدُها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولا تُخْزِنِي﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَجِبُ عَلى اللَّهِ تَعالى شَيْءٌ عَلى ما بَيَّنّاهُ في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِي أطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ .
وثانِيها: أنَّ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ لَمّا قالَ أوَّلًا: ﴿واجْعَلْنِي مِن ورَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾ ومَتى حَصَلَتِ الجَنَّةُ امْتَنَعَ حُصُولُ الخِزْيِ، فَكَيْفَ قالَ بَعْدَهُ: ﴿ولا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ وأيْضًا فَقَدْ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الخِزْيَ اليَوْمَ والسُّوءَ عَلى الكافِرِينَ﴾ [النحل: ٢٧] فَمًا كانَ نَصِيبُ الكُفّارِ فَقَطْ فَكَيْفَ يَخافُهُ المَعْصُومُ ؟ جَوابُهُ: كَما أنَّ حَسَناتِ الأبْرارِ سَيِّئاتُ المُقَرَّبِينَ فَكَذا دَرَجاتُ الأبْرارِ دَرَكاتُ المُقَرَّبِينَ وخِزْيُ كُلِّ واحِدٍ بِما يَلِيقُ بِهِ.
وثالِثُها: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: في [ يُبْعَثُونَ ] ضَمِيرُ العِبادِ لِأنَّهُ مَعْلُومٌ أوْ ضَمِيرُ الضّالِّينَ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ: ﴿إلّا مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ تَعالى أكْرَمُهُ بِهَذا الوَصْفِ حَيْثُ قالَ: ﴿وإنَّ مِن شِيعَتِهِ لَإبْراهِيمَ﴾ ﴿إذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الصافات: ٨٣، ٨٤] .
ثُمَّ في هَذا الِاسْتِثْناءِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّهُ إذا قِيلَ لَكَ: هَلْ لِزَيْدٍ مالٌ وبَنُونَ ؟ فَتَقُولُ: مالُهُ وبَنُوهُ سَلامَةُ قَلْبِهِ، تُرِيدُ نَفْيَ المالِ والبَنِينَ عَنْهُ وإثْباتَ سَلامَةِ القَلْبِ لَهُ بَدَلًا عَنْ ذَلِكَ، فَكَذا في هَذِهِ الآيَةِ.
وثانِيها: أنْ نَحْمِلَ الكَلامَ عَلى المَعْنى ونَجْعَلَ المالَ والبَنِينَ في مَعْنى الغِنى كَأنَّهُ قِيلَ يَوْمَ لا يَنْفَعُ غِنًى إلّا غِنى مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ لِأنَّ غِنى الرَّجُلِ في دِينِهِ بِسَلامَةِ قَلْبِهِ كَما أنَّ غِناهُ في دُنْياهُ بِمالِهِ وبَنِيهِ.
وثالِثُها: أنْ نَجْعَلَ [ مَن ] مَفْعُولًا لِ ”يَنْفَعُ“ أيْ لا يَنْفَعُ مالٌ ولا بَنُونَ إلّا رَجُلًا سَلِمَ قَلْبُهُ مَعَ مالِهِ حَيْثُ أنْفَقَهُ في طاعَةِ اللَّهِ تَعالى، ومَعَ بَنِيهِ حَيْثُ أرْشَدَهم إلى الدِّينِ، ويَجُوزُ عَلى هَذا ﴿إلّا مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ مِن فِتْنَةِ المالِ والبَنِينَ، أمّا السَّلِيمُ فَفي ثَلاثَةِ أوْجُهٍ:
الأوَّلُ: وهو الأصَحُّ أنَّ المُرادَ مِنهُ سَلامَةُ القَلْبِ عَنِ الجَهْلِ والأخْلاقِ الرَّذِيلَةِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ كَما أنَّ صِحَّةَ البَدَنِ وسَلامَتَهُ عِبارَةٌ عَنْ حُصُولِ ما يَنْبَغِي مِنَ المِزاجِ والتَّرْكِيبِ والِاتِّصالِ ومَرَضَهُ عِبارَةٌ عَنْ زَوالِ أحَدِ تِلْكَ الأُمُورِ فَكَذَلِكَ سَلامَةُ القَلْبِ عِبارَةٌ عَنْ حُصُولِ ما يَنْبَغِي لَهُ وهو العِلْمُ والخُلُقُ الفاضِلُ ومَرَضُهُ عِبارَةٌ عَنْ زَوالِ أحَدِهِما فَقَوْلُهُ: ﴿إلّا مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ أنْ يَكُونَ خالِيًا عَنِ العَقائِدِ الفاسِدَةِ والمِيلِ إلى شَهَواتِ الدُّنْيا ولَذّاتِها فَإنْ قِيلَ فَظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ يَقْتَضِي أنَّ مَن سَلِمَ قَلْبُهُ كانَ ناجِيًا وأنَّهُ لا حاجَةَ فِيهِ إلى سَلامَةِ اللِّسانِ واليَدِ جَوابُهُ: أنَّ القَلْبَ مُؤَثِّرٌ واللِّسانَ والجَوارِحَ تَبَعٌ فَلَوْ كانَ القَلْبُ سَلِيمًا لَكانا سَلِيمَيْنِ لا مَحالَةَ، وحَيْثُ لَمْ يَسْلَما ثَبَتَ عَدَمُ سَلامَةِ القَلْبِ.
التَّأْوِيلُ الثّانِي: أنَّ السَّلِيمَ هو اللَّدِيغُ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ تَعالى.
التَّأْوِيلُ الثّالِثُ: أنَّ السَّلِيمَ هو الَّذِي سَلِمَ وأسْلَمَ وسالَمَ واسْتَسْلَمَ واللَّهُ أعْلَمُ.
الشعراء 26:92
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ ﴿واجْعَلْنِي مِن ورَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾ ﴿واغْفِرْ لِأبِي إنَّهُ كانَ مِنَ الضّالِّينَ﴾ ﴿ولا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ ولا بَنُونَ﴾ ﴿إلّا مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا حَكى عَنْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ثَناءَهُ عَلى اللَّهِ تَعالى ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ دُعاءَهُ ومَسْألَتَهُ وذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ تَقْدِيمَ الثَّناءِ عَلى الدُّعاءِ مِنَ المُهِمّاتِ وتَحْقِيقُ الكَلامِ فِيهِ أنَّ هَذِهِ الأرْواحَ البَشَرِيَّةَ مِن جِنْسِ المَلائِكَةِ فَكُلَّما كانَ اشْتِغالُها بِمَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى ومَحَبَّتِهِ والِانْجِذابُ إلى عالَمِ الرُّوحانِيّاتِ أشَدَّ كانَتْ مُشاكَلَتُها لِلْمَلائِكَةِ أتَمَّ، فَكانَتْ أقْوى عَلى التَّصَرُّفِ في أجْسامِ هَذا العالَمِ، وكُلَّما كانَ اشْتِغالُها بِلَذّاتِ هَذا العالَمِ واسْتِغْراقُها في ظُلُماتِ هَذِهِ الجُسْمانِيّاتِ أشَدَّ كانَتْ مُشاكَلَتُها لِلْبَهائِمِ أشَدَّ فَكانَتْ أكْثَرَ عَجْزًا وضَعْفًا وأقَلَّ تَأْثِيرًا في هَذا العالَمِ، فَمَن أرادَ أنْ يَشْتَغِلَ بِالدُّعاءِ يَجِبُ أنْ يُقَدِّمَ عَلَيْهِ ثَناءَ اللَّهِ تَعالى وذِكْرَ عَظَمَتِهِ وكِبْرِيائِهِ حَتّى أنَّهُ بِسَبَبِ ذَلِكَ الذِّكْرِ يَصِيرُ مُسْتَغْرِقًا في مَعْرِفَةِ اللَّهِ ومَحَبَّتِهِ ويَصِيرُ قَرِيبَ المُشاكَلَةِ مِنَ المَلائِكَةِ فَتَحْصُلُ لَهُ بِسَبَبِ تِلْكَ المُشاكَلَةِ قُوَّةٌ إلَهِيَّةٌ سَماوِيَّةٌ فَيَصِيرُ مَبْدَأً لِحُدُوثِ ذَلِكَ الشَّيْءِ الَّذِي هو المَطْلُوبُ بِالدُّعاءِ فَهَذا هو الكَشْفُ عَنْ ماهِيَّةِ الدُّعاءِ وظَهَرَ أنَّ تَقْدِيمَ الثَّناءِ عَلى الدُّعاءِ مِنَ الواجِباتِ وظَهَرَ بِهِ تَحْقِيقُ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ حِكايَةً عَنِ اللَّهِ تَعالى: ”«مَن شَغَلَهُ ذِكْرِي عَنْ مَسْألَتِي أعْطَيْتُهُ أفْضَلَ ما أُعْطِي السّائِلِينَ» “ فَإنْ قالَ قائِلٌ: لِمَ لَمْ يَقْتَصِرْ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى الثَّناءِ، لا سِيَّما ويُرْوى عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ قالَ: حَسْبِي مِن سُؤالِي عِلْمُهُ بِحالِي ؟ فالجَوابُ: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما ذَكَرَ ذَلِكَ حِينَ كانَ مُشْتَغِلًا بِدَعْوَةِ الخَلْقِ إلى الحَقِّ ألا تَرى أنَّهُ قالَ: ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي إلّا رَبَّ العالَمِينَ﴾ ثُمَّ ذَكَرَ الثَّناءَ، ثُمَّ ذَكَرَ الدُّعاءَ لِأنَّ الشّارِعَ لا بُدَّ لَهُ مِن تَعْلِيمِ الشَّرْعِ، فَأمّا حِينَ ما خَلا بِنَفْسِهِ، ولَمْ يَكُنْ غَرَضُهُ تَعْلِيمَ الشَّرْعِ كانَ يَقْتَصِرُ عَلى قَوْلِهِ: حَسْبِي مِن سُؤالِي عِلْمُهُ بِحالِي.
* * *
البَحْثُ الثّانِي: في الأُمُورِ الَّتِي طَلَبَها في الدُّعاءِ وهي مَطالِيبُ:
المَطْلُوبُ الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾، ولَقَدْ أجابَهُ اللَّهُ تَعالى حَيْثُ قالَ: ﴿وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ [البقرة: ١٣٠] وفِيهِ مَطالِبُ:
أحَدُها: أنَّهُ لا يَجُوزُ تَفْسِيرُ الحُكْمِ بِالنُّبُوَّةِ لِأنَّ
صفحة ١٢٨
النُّبُوَّةَ كانَتْ حاصِلَةً فَلَوْ طَلَبَ النُّبُوَّةَ لَكانَتِ النُّبُوَّةُ المَطْلُوبَةُ، إمّا عَيْنَ النُّبُوَّةِ الحاصِلَةَ أوْ غَيْرَها، والأوَّلُ مُحالٌ لِأنَّ تَحْصِيلَ الحاصِلِ مُحالٌ، والثّانِي مُحالٌ لِأنَّهُ يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ الشَّخْصُ الواحِدُ نَبِيًّا مَرَّتَيْنِ، بَلِ المُرادُ مِنَ الحُكْمِ ما هو كَمالُ القُوَّةِ النَّظَرِيَّةِ، وذَلِكَ بِإدْراكِ الحَقِّ ومِن قَوْلِهِ ﴿وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ كَمالُ القُوَّةِ العَمَلِيَّةِ، وذَلِكَ بِأنْ يَكُونَ عامِلًا بِالخَيْرِ فَإنَّ كَمالِ الإنْسانِ أنْ يَعْرِفَ الحَقَّ لِذاتِهِ، والخَيْرَ لِأجْلِ العَمَلِ بِهِ، وإنَّما قَدَّمَ قَوْلَهُ: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا﴾ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ لِما أنَّ القُوَّةَ النَّظَرِيَّةَ مُقَدِّمَةٌ عَلى القُوَّةِ العَمَلِيَّةِ بِالشَّرَفِ وبِالذّاتِ، وأيْضًا فَإنَّهُ يُمْكِنُهُ أنْ يَعْلَمَ الحَقَّ وإنْ لَمْ يَعْلَمْ بِالخَيْرِ وعَكْسُهُ غَيْرُ مُمْكِنٍ، ولِأنَّ العِلْمَ صِفَةُ الرُّوحِ والعَمَلَ صِفَةُ البَدَنِ، ولَمّا كانَ الرُّوحُ أشْرَفَ مِنَ البَدَنِ كانَ العِلْمُ أفْضَلَ مِنَ العَمَلِ، وإنَّما فَسَّرْنا مَعْرِفَةَ الأشْياءِ بِالحُكْمِ وذَلِكَ لِأنَّ الإنْسانَ لا يَعْرِفُ حَقائِقَ الأشْياءِ إلّا إذا اسْتَحْضَرَ في ذِهْنِهِ صُوَرَ الماهِيّاتِ، ثُمَّ نَسَبَ بَعْضَها إلى بَعْضٍ بِالنَّفْيِ أوْ بِالإثْباتِ، وتِلْكَ النِّسْبَةُ وهي الحُكْمُ، ثُمَّ إنْ كانَتِ النِّسَبُ الذِّهْنِيَّةُ مُطابِقَةً لِلنِّسَبِ الخارِجِيَّةِ كانَتِ النِّسَبُ الذِّهْنِيَّةُ مُمْتَنِعَةَ التَّغَيُّرِ فَكانَتْ مُسْتَحْكِمَةً قَوِيَّةً، فَمِثْلُ هَذا الإدْراكِ يُسَمّى حِكْمَةً وحُكْمًا، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«أرِنا الأشْياءَ كَما هي» “ وأمّا الصَّلاحُ فَهو كَوْنُ القُوَّةِ العاقِلَةِ مُتَوَسِّطَةً بَيْنَ رَذِيلَتِيِ الإفْراطِ والتَّفْرِيطِ، وذَلِكَ لِأنَّ الإفْراطَ في أحَدِ الجانِبَيْنِ تَفْرِيطٌ في الجانِبِ الآخَرِ وبِالعَكْسِ فالصَّلاحُ لا يَحْصُلُ إلّا بِالِاعْتِدالِ، ولَمّا كانَ الِاعْتِدالُ الحَقِيقِيُّ شَيْئًا واحِدًا لا يَقْبَلُ القِسْمَةَ البَتَّةَ والأفْكارُ البَشَرِيَّةُ في هَذا العالَمِ قاصِرَةً عَلى إدْراكِ أمْثالِ هَذِهِ الأشْياءِ، لا جَرَمَ لا يَنْفَكُّ البَشَرُ عَنِ الخُرُوجِ عَنْ ذَلِكَ الحَدِّ وإنْ قَلَّ، إلّا أنَّ خُرُوجَ المُقَرَّبِينَ عَنْهُ يَكُونُ في القِلَّةِ بِحَيْثُ لا يُحَسُّ بِهِ، وخُرُوجُ العُصاةِ عَنْهُ يَكُونُ مُتَفاحِشًا جِدًّا فَقَدْ ظَهَرَ مِن هَذا تَحْقِيقُ ما قِيلَ: حَسَناتُ الأبْرارِ سَيِّئاتُ المُقَرَّبِينَ، وظَهَرَ احْتِياجُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى أنْ يَقُولَ: ﴿وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ .
المَطْلَبُ الثّانِي: لَمّا ثَبَتَ أنَّ المُرادَ مِنَ الحُكْمِ العِلْمُ، ثَبَتَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ طَلَبَ مِنَ اللَّهِ أنْ يُعْطِيَهُ العِلْمَ بِاللَّهِ تَعالى وبِصِفاتِهِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ مَعْرِفَةَ اللَّهِ تَعالى لا تَحْصُلُ في قَلْبِ العَبْدِ إلّا بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى، وقَوْلُهُ: ﴿وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ كَوْنَ العَبْدِ صالِحًا لَيْسَ إلّا بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى، وحَمْلُ هَذِهِ الأشْياءِ عَلى الألْطافِ بَعِيدٌ، لِأنَّ عِنْدَ الخَصْمِ كُلَّ ما في قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى مِنَ الألْطافِ فَقَدْ فَعَلَهُ فَلَوْ صَرَفْنا الدُّعاءَ إلَيْهِ لَكانَ ذَلِكَ طَلَبًا لِتَحْصِيلِ الحاصِلِ وهو فاسِدٌ.
* * *
المَطْلَبُ الثّالِثُ: أنَّ الحُكْمَ المَطْلُوبَ في الدُّعاءِ إمّا أنْ يَكُونَ هو العِلْمَ بِاللَّهِ أوْ بِغَيْرِهِ والثّانِي باطِلٌ، لِأنَّ الإنْسانَ حالَ كَوْنِهِ مُسْتَحْضِرًا لِلْعِلْمِ بِشَيْءٍ لا يُمْكِنُهُ أنْ يَكُونَ مُسْتَحْضِرًا لِلْعِلْمِ بِشَيْءٍ آخَرَ فَلَوْ كانَ المَطْلُوبُ بِهَذا الدُّعاءِ العِلْمَ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى، والعِلْمُ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى شاغِلٌ عَنِ الِاسْتِغْراقِ في العِلْمِ بِاللَّهِ كانَ هَذا السُّؤالُ طَلَبًا لِما يَشْغَلُهُ عَنِ الِاسْتِغْراقِ في العِلْمِ بِاللَّهِ تَعالى، وذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ لِأنَّهُ لا كَمالَ فَوْقَ ذَلِكَ الِاسْتِغْراقِ، فَإذَنِ المَطْلُوبُ بِهَذا الدُّعاءِ هو العِلْمُ بِاللَّهِ. ثُمَّ إنَّ ذَلِكَ العِلْمَ إمّا أنْ يَكُونَ هو العِلْمَ بِاللَّهِ تَعالى الَّذِي هو شَرْطُ صِحَّةِ الإيمانِ أوْ غَيْرُهُ، والأوَّلُ باطِلٌ لِأنَّهُ لَمّا وجَبَ أنْ يَكُونَ حاصِلًا لِكُلِّ المُؤْمِنِينَ فَكَيْفَ لا يَكُونُ حاصِلًا عِنْدَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وإذا كانَ حاصِلًا عِنْدَهُ امْتَنَعَ طَلَبُ تَحْصِيلِهِ، فَثَبَتَ أنَّ المَطْلُوبَ بِهَذا الدُّعاءِ دَرَجاتٌ في مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى أزْيَدُ مِنَ العِلْمِ بِوُجُودِهِ وبِأنَّهُ لَيْسَ بِمُتَحَيِّزٍ ولا حالٍّ في المُتَحَيِّزِ وبِأنَّهُ عالَمٌ قادِرٌ حَيٌّ، وما ذاكَ إلّا الوُقُوفُ عَلى صِفاتِ الجَلالِ أوِ الوُقُوفُ عَلى حَقِيقَةِ الذّاتِ أوْ ظُهُورُ نُورِ تِلْكَ المَعْرِفَةِ
صفحة ١٢٩
فِي القَلْبِ. ثُمَّ هُناكَ أحْوالٌ لا يُعَبِّرُ عَنْها المَقالُ ولا يَشْرَحُها الخَيالُ، ومَن أرادَ أنْ يَصِلَ إلَيْها فَلْيَكُنْ مِنَ الواصِلِينَ إلى العَيْنِ، دُونَ السّامِعِينَ لِلْأثَرِ.
المَطْلُوبُ الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ وفِيهِ ثَلاثُ تَأْوِيلاتٍ:
التَّأْوِيلُ الأوَّلُ: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ابْتَدَأ بِطَلَبِ ما هو الكَمالُ الذّاتِيُّ لِلْإنْسانِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ وهو طَلَبُ الحُكْمِ الَّذِي هو العِلْمُ، ثُمَّ طَلَبَ بَعْدَهُ كِمالاتِ الدُّنْيا وبَعْدَ ذَلِكَ طَلَبَ كِمالاتِ الآخِرَةِ، فَأمّا كِمالاتُ الدُّنْيا فَبَعْضُها داخِلِيَّةٌ وبَعْضُها خارِجِيَّةٌ، أمّا الدّاخِلِيَّةُ: فَهي الخَلْقُ الظّاهِرُ والخَلْقُ الباطِنُ والخَلْقُ الظّاهِرُ أشَدُّ جُسْمانِيَّةً والخَلْقُ الباطِنُ أشَدُّ رُوحانِيَّةً، فَتَرَكَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ الأمْرَ الجُسْمانِيَّ وهو الخَلْقُ الظّاهِرُ وطَلَبَ الأمْرَ الرُّوحانِيَّ وهو الخَلْقُ الباطِنُ، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ وأمّا الخارِجِيَّةُ: فَهي المالُ والجاهُ، والمالُ أشَدُّ جُسْمانِيَّةً والجاهُ أشَدُّ رُوحانِيَّةً فَتَرَكَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ الأمْرَ الجُسْمانِيَّ وهو المالُ وطَلَبَ الأمْرَ الرُّوحانِيَّ وهو الجاهُ والذِّكْرُ الجَمِيلُ الباقِي عَلى وجْهِ الدَّهْرِ، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: وقَدْ أعْطاهُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ [الصافات: ١٠٨] فَإنْ قِيلَ وأيُّ غَرَضٍ لَهُ في أنْ يُثْنِيَ عَلَيْهِ ويَمْدَحَ ؟ جَوابُهُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: وهو عَلى لِسانِ الحِكْمَةِ: أنَّ الأرْواحَ البَشَرِيَّةَ قَدْ بَيَّنّا أنَّها مُؤَثِّرَةٌ في الجُمْلَةِ إلّا أنَّ بَعْضَها قَدْ يَكُونُ ضَعِيفًا فَيَعْجِزُ عَنِ التَّأْثِيرِ فَإذا اجْتَمَعَتْ طائِفَةٌ مِنها فَرُبَّما قَوِيَ مَجْمُوعُها عَلى ما عَجَزَتِ الآحادُ عَنْهُ، وهَذا المَعْنى مَشاهَدٌ في المُؤَثِّراتِ الجُسْمانِيَّةِ، إذا ثَبَتَ هَذا فالإنْسانُ الواحِدُ إذا كانَ بِحَيْثُ يُثْنِي عَلَيْهِ الجَمْعُ العَظِيمُ ويَمْدَحُونَهُ ويُعَظِّمُونَهُ، فَرُبَّما صارَ انْصِرافُ هِمَمِهِمْ عِنْدَ الِاجْتِماعِ إلَيْهِ سَبَبًا لِحُصُولِ زِيادَةِ كَمالٍ لَهُ.
الثّانِي: وهو عَلى لِسانِ الكَمالِ: أنَّ مَن صارَ مَمْدُوحًا فِيما بَيْنَ النّاسِ بِسَبَبِ ما عِنْدَهُ مِنَ الفَضائِلِ، فَإنَّهُ يَصِيرُ ذَلِكَ المَدْحُ وتِلْكَ الشُّهْرَةُ داعِيًا لِغَيْرِهِ إلى اكْتِسابِ مِثْلِ تِلْكَ الفَضائِلِ.
التَّأْوِيلُ الثّانِي: أنَّهُ سَألَ رَبَّهُ أنْ يَجْعَلَ مِن ذُرِّيَّتِهِ في آخِرِ الزَّمانِ مَن يَكُونُ داعِيًا إلى اللَّهِ تَعالى، وذَلِكَ هُوَمُحَمَّدٌ ﷺ فالمُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ بَعْثَةُ مُحَمَّدٍ ﷺ .
التَّأْوِيلُ الثّالِثُ: قالَ بَعْضُهم: المُرادُ اتِّفاقُ أهْلِ الأدْيانِ عَلى حُبِّهِ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى أعْطاهُ ذَلِكَ لِأنَّكَ لا تَرى أهْلَ دِينٍ إلّا ويَتَوَلَّوْنَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقَدَحَ بَعْضُهم فِيهِ بِأنَّهُ لا تَقْوى الرَّغْبَةُ في مَدْحِ الكافِرِ وجَوابُهُ: أنَّهُ لَيْسَ المَقْصُودُ مَدْحَ الكافِرِ مِن حَيْثُ هو كافِرٌ، بَلِ المَقْصُودُ أنْ يَكُونَ مَمْدُوحَ كُلِّ إنْسانٍ ومَحْبُوبَ كُلِّ قَلْبٍ.
المَطْلُوبُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿واجْعَلْنِي مِن ورَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ لَمّا طَلَبَ سَعادَةَ الدُّنْيا طَلَبَ بَعْدَها سَعادَةَ الآخِرَةِ وهي جَنَّةُ النَّعِيمِ، وشَبَّهَها بِما يُوَرَّثُ لِأنَّهُ الَّذِي يُغْتَنَمُ في الدُّنْيا، فَشَبَّهَ غَنِيمَةَ الآخِرَةِ بِغَنِيمَةِ الدُّنْيا.
المَطْلُوبُ الرّابِعُ: قَوْلُهُ: ﴿واغْفِرْ لِأبِي إنَّهُ كانَ مِنَ الضّالِّينَ﴾ واعْلَمْ أنَّهُ لَمّا فَرَغَ مِن طَلَبِ السَّعاداتِ الدُّنْيَوِيَّةِ والأُخْرَوِيَّةِ لِنَفْسِهِ طَلَبَها لِأشَدِّ النّاسِ التِصاقًا بِهِ وهو أبُوهُ فَقالَ: ﴿واغْفِرْ لِأبِي﴾ ثُمَّ فِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ المَغْفِرَةَ مَشْرُوطَةٌ بِالإسْلامِ وطَلَبُ المَشْرُوطِ مُتَضَمِّنٌ لِطَلَبِ الشَّرْطِ فَقَوْلُهُ: ﴿واغْفِرْ لِأبِي﴾ يَرْجِعُ حاصِلُهُ إلى أنَّهُ دُعاءٌ لِأبِيهِ بِالإسْلامِ.
الثّانِي: أنَّ أباهُ وعَدَهُ الإسْلامَ كَما قالَ تَعالى: ﴿وما كانَ اسْتِغْفارُ إبْراهِيمَ لِأبِيهِ إلّا عَنْ﴾
صفحة ١٣٠
﴿مَوْعِدَةٍ وعَدَها إيّاهُ﴾ [التوبة: ١١٤] فَدَعا لَهُ لِهَذا الشَّرْطِ ولا يَمْتَنِعُ الدُّعاءُ لِلْكافِرِ عَلى هَذا الشَّرْطِ ﴿فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأ مِنهُ﴾ [التوبة: ١١٤] وهَذا ضَعِيفٌ لِأنَّ الدُّعاءَ بِهَذا الشَّرْطِ جائِزٌ لِلْكافِرِ فَلَوْ كانَ دُعاؤُهُ مَشْرُوطًا لَما مَنَعَهُ اللَّهُ عَنْهُ.
الثّالِثُ: أنَّ أباهُ قالَ لَهُ: إنَّهُ عَلى دِينِهِ باطِنًا وعَلى دِينِ نَمْرُوذَ ظاهِرًا تَقِيَّةً وخَوْفًا، فَدَعا لَهُ لِاعْتِقادِهِ أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ خِلافَ ذَلِكَ تَبَرَّأ مِنهُ، لِذَلِكَ قالَ في دُعائِهِ: ﴿إنَّهُ كانَ مِنَ الضّالِّينَ﴾ فَلَوْلا اعْتِقادُهُ فِيهِ أنَّهُ في الحالِ لَيْسَ بِضالٍّ لَما قالَ ذَلِكَ.
المَطْلُوبُ الخامِسُ: قَوْلُهُ: ﴿ولا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: الإخْزاءُ مِنَ الخِزْيِ وهو الهَوانُ، أوْ مِنَ الخَزايَةِ وهي الحَياءُ وهَهُنا أبْحاثٌ:
أحَدُها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولا تُخْزِنِي﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَجِبُ عَلى اللَّهِ تَعالى شَيْءٌ عَلى ما بَيَّنّاهُ في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِي أطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ .
وثانِيها: أنَّ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ لَمّا قالَ أوَّلًا: ﴿واجْعَلْنِي مِن ورَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾ ومَتى حَصَلَتِ الجَنَّةُ امْتَنَعَ حُصُولُ الخِزْيِ، فَكَيْفَ قالَ بَعْدَهُ: ﴿ولا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ وأيْضًا فَقَدْ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الخِزْيَ اليَوْمَ والسُّوءَ عَلى الكافِرِينَ﴾ [النحل: ٢٧] فَمًا كانَ نَصِيبُ الكُفّارِ فَقَطْ فَكَيْفَ يَخافُهُ المَعْصُومُ ؟ جَوابُهُ: كَما أنَّ حَسَناتِ الأبْرارِ سَيِّئاتُ المُقَرَّبِينَ فَكَذا دَرَجاتُ الأبْرارِ دَرَكاتُ المُقَرَّبِينَ وخِزْيُ كُلِّ واحِدٍ بِما يَلِيقُ بِهِ.
وثالِثُها: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: في [ يُبْعَثُونَ ] ضَمِيرُ العِبادِ لِأنَّهُ مَعْلُومٌ أوْ ضَمِيرُ الضّالِّينَ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ: ﴿إلّا مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ تَعالى أكْرَمُهُ بِهَذا الوَصْفِ حَيْثُ قالَ: ﴿وإنَّ مِن شِيعَتِهِ لَإبْراهِيمَ﴾ ﴿إذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الصافات: ٨٣، ٨٤] .
ثُمَّ في هَذا الِاسْتِثْناءِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّهُ إذا قِيلَ لَكَ: هَلْ لِزَيْدٍ مالٌ وبَنُونَ ؟ فَتَقُولُ: مالُهُ وبَنُوهُ سَلامَةُ قَلْبِهِ، تُرِيدُ نَفْيَ المالِ والبَنِينَ عَنْهُ وإثْباتَ سَلامَةِ القَلْبِ لَهُ بَدَلًا عَنْ ذَلِكَ، فَكَذا في هَذِهِ الآيَةِ.
وثانِيها: أنْ نَحْمِلَ الكَلامَ عَلى المَعْنى ونَجْعَلَ المالَ والبَنِينَ في مَعْنى الغِنى كَأنَّهُ قِيلَ يَوْمَ لا يَنْفَعُ غِنًى إلّا غِنى مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ لِأنَّ غِنى الرَّجُلِ في دِينِهِ بِسَلامَةِ قَلْبِهِ كَما أنَّ غِناهُ في دُنْياهُ بِمالِهِ وبَنِيهِ.
وثالِثُها: أنْ نَجْعَلَ [ مَن ] مَفْعُولًا لِ ”يَنْفَعُ“ أيْ لا يَنْفَعُ مالٌ ولا بَنُونَ إلّا رَجُلًا سَلِمَ قَلْبُهُ مَعَ مالِهِ حَيْثُ أنْفَقَهُ في طاعَةِ اللَّهِ تَعالى، ومَعَ بَنِيهِ حَيْثُ أرْشَدَهم إلى الدِّينِ، ويَجُوزُ عَلى هَذا ﴿إلّا مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ مِن فِتْنَةِ المالِ والبَنِينَ، أمّا السَّلِيمُ فَفي ثَلاثَةِ أوْجُهٍ:
الأوَّلُ: وهو الأصَحُّ أنَّ المُرادَ مِنهُ سَلامَةُ القَلْبِ عَنِ الجَهْلِ والأخْلاقِ الرَّذِيلَةِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ كَما أنَّ صِحَّةَ البَدَنِ وسَلامَتَهُ عِبارَةٌ عَنْ حُصُولِ ما يَنْبَغِي مِنَ المِزاجِ والتَّرْكِيبِ والِاتِّصالِ ومَرَضَهُ عِبارَةٌ عَنْ زَوالِ أحَدِ تِلْكَ الأُمُورِ فَكَذَلِكَ سَلامَةُ القَلْبِ عِبارَةٌ عَنْ حُصُولِ ما يَنْبَغِي لَهُ وهو العِلْمُ والخُلُقُ الفاضِلُ ومَرَضُهُ عِبارَةٌ عَنْ زَوالِ أحَدِهِما فَقَوْلُهُ: ﴿إلّا مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ أنْ يَكُونَ خالِيًا عَنِ العَقائِدِ الفاسِدَةِ والمِيلِ إلى شَهَواتِ الدُّنْيا ولَذّاتِها فَإنْ قِيلَ فَظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ يَقْتَضِي أنَّ مَن سَلِمَ قَلْبُهُ كانَ ناجِيًا وأنَّهُ لا حاجَةَ فِيهِ إلى سَلامَةِ اللِّسانِ واليَدِ جَوابُهُ: أنَّ القَلْبَ مُؤَثِّرٌ واللِّسانَ والجَوارِحَ تَبَعٌ فَلَوْ كانَ القَلْبُ سَلِيمًا لَكانا سَلِيمَيْنِ لا مَحالَةَ، وحَيْثُ لَمْ يَسْلَما ثَبَتَ عَدَمُ سَلامَةِ القَلْبِ.
التَّأْوِيلُ الثّانِي: أنَّ السَّلِيمَ هو اللَّدِيغُ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ تَعالى.
التَّأْوِيلُ الثّالِثُ: أنَّ السَّلِيمَ هو الَّذِي سَلِمَ وأسْلَمَ وسالَمَ واسْتَسْلَمَ واللَّهُ أعْلَمُ.