Tafsir Al-Razi — الفرقان 25:49 – الشعراء 26:35
المحتويات
- الفرقان 25:49
- الفرقان 25:50
- الفرقان 25:51
- الفرقان 25:52
- الفرقان 25:53
- الفرقان 25:54
- الفرقان 25:55
- الفرقان 25:56
- الفرقان 25:57
- الفرقان 25:58
- الفرقان 25:59
- الفرقان 25:60
- الفرقان 25:61
- الفرقان 25:62
- الفرقان 25:63
- الفرقان 25:64
- الفرقان 25:65
- الفرقان 25:66
- الفرقان 25:67
- الفرقان 25:68
- الفرقان 25:69
- الفرقان 25:70
- الفرقان 25:71
- الفرقان 25:72
- الفرقان 25:73
- الفرقان 25:74
- الفرقان 25:75
- الفرقان 25:76
- الفرقان 25:77
- الشعراء 26:1
- الشعراء 26:2
- الشعراء 26:3
- الشعراء 26:4
- الشعراء 26:5
- الشعراء 26:6
- الشعراء 26:7
- الشعراء 26:8
- الشعراء 26:9
- الشعراء 26:10
- الشعراء 26:11
- الشعراء 26:12
- الشعراء 26:13
- الشعراء 26:14
- الشعراء 26:15
- الشعراء 26:16
- الشعراء 26:17
- الشعراء 26:18
- الشعراء 26:19
- الشعراء 26:20
- الشعراء 26:21
- الشعراء 26:22
- الشعراء 26:23
- الشعراء 26:24
- الشعراء 26:25
- الشعراء 26:26
- الشعراء 26:27
- الشعراء 26:28
- الشعراء 26:29
- الشعراء 26:30
- الشعراء 26:31
- الشعراء 26:32
- الشعراء 26:33
- الشعراء 26:34
- الشعراء 26:35
الفرقان 25:49
أمّا أمْرُ النَّباتِ فَقَوْلُهُ: ﴿لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ وفِيهِ سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: لِمَ قالَ: ﴿لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ ولَمْ يَقُلْ: مَيْتَةً ؟ الجَوابُ: لِأنَّ البَلْدَةَ في مَعْنى البَلَدِ في قَوْلِهِ: ﴿فَسُقْناهُ إلى بَلَدٍ مَيِّتٍ﴾ [فاطِرٍ: ٩] .
السُّؤالُ الثّانِي: ما المُرادُ مِن حَياةِ البَلَدِ ومَوْتِها ؟ الجَوابُ: النّاسُ يُسَمُّونَ ما لا عِمارَةَ فِيهِ مِنَ الأرْضِ مَواتًا، وسَقْيُها المُقْتَضِي لِعِمارَتِها إحْياءٌ لَها.
السُّؤالُ الثّالِثُ: أنَّ جَماعَةَ الطَّبائِعِيِّينَ وكَذا الكَعْبِيُّ مِنَ المُعْتَزِلَةِ قالُوا: إنَّ بِطَبْعِ الأرْضِ والماءِ وتَأْثِيرِ الشَّمْسِ فِيهِما يَحْصُلُ النَّباتُ، وتَمَسَّكُوا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ فَإنَّ الباءَ في (بِهِ) تَقْتَضِي أنَّ لِلْماءِ تَأْثِيرًا في ذَلِكَ. الجَوابُ: الظّاهِرُ وإنْ دَلَّ عَلَيْهِ لَكِنِ المُتَكَلِّمُونَ تَرَكُوهُ لِقِيامِ الدَّلالَةِ عَلى فَسادِ الطَّبْعِ.
* * *
وأمّا أمْرُ الحَيَوانِ فَقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ونُسْقِيَهُ مِمّا خَلَقْنا أنْعامًا وأناسِيَّ كَثِيرًا﴾ وفِيهِ سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: لِمَ خَصَّ الإنْسانَ والأنْعامَ هَهُنا بِالذِّكْرِ دُونَ الطَّيْرِ والوَحْشِ، مَعَ انْتِفاعِ الكُلِّ بِالماءِ ؟ الجَوابُ: لِأنَّ الطَّيْرَ والوَحْشَ تَبْعُدُ في طَلَبِ الماءِ فَلا يُعْوِزُها الشُّرْبُ، بِخِلافِ الأنْعامِ؛ لِأنَّها قِنْيَةُ الأناسِيِّ، وعامَّةُ مَنافِعِهِمْ مُتَعَلِّقَةٌ بِها، فَكَأنَّ الإنْعامَ عَلَيْهِمْ بِسَقْيِ أنْعامِهِمْ كالإنْعامِ عَلَيْهِمْ بِسَقْيِهِمْ.
صفحة ٨٠
* * *
السُّؤالُ الثّانِي: ما مَعْنى تَنْكِيرِ الأنْعامِ والأناسِيِّ ووَصْفِهِما بِالكَثْرَةِ ؟ الجَوابُ: مَعْناهُ أنَّ أكْثَرَ النّاسِ يَجْتَمِعُونَ في البِلادِ القَرِيبَةِ مِنَ الأوْدِيَةِ والأنْهارِ ومَنافِعِ المِياهِ، فَهم في غِنْيَةٍ في شُرْبِ المِياهِ عَنِ المَطَرِ، وكَثِيرٌ مِنهم نازِلُونَ في البَوادِي فَلا يَجِدُونَ المِياهَ لِلشُّرْبِ إلّا عِنْدَ نُزُولِ المَطَرِ، وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ يُرِيدُ بَعْضَ بِلادِ هَؤُلاءِ المُتَباعِدِينَ عَنْ مَظانِّ الماءِ ويَحْتَمِلُ في كَثِيرٍ أنْ يَرْجِعَ إلى قَوْلِهِ: (ونُسْقِيَهُ)؛ لِأنَّ الحَيَّ يَحْتاجُ إلى الماءِ حالًا بَعْدَ حالٍ، وهو مُخالِفٌ لِلنَّباتِ الَّذِي يَكْفِيهِ مِنَ الماءِ قَدْرٌ مُعَيَّنٌ، حَتّى لَوْ زِيدَ عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ لَكانَ إلى الضَّرَرِ أقْرَبَ، والحَيَوانُ يَحْتاجُ إلَيْهِ حالًا بَعْدَ حالٍ ما دامَ حَيًّا.
* * *
السُّؤالُ الثّالِثُ: لِمَ قَدَّمَ إحْياءَ الأرْضِ وسَقْيَ الأنْعامِ عَلى سَقْيِ الأناسِيِّ ؟ الجَوابُ: لِأنَّ حَياةَ الأناسِيِّ بِحَياةِ أرْضِهِمْ وحَياةِ أنْعامِهِمْ، فَقَدَّمَ ما هو سَبَبُ حَياتِهِمْ ومَعِيشَتِهِمْ عَلى سَقْيِهِمْ؛ لِأنَّهم إذا ظَفِرُوا بِما يَكُونُ سَقْيًا لِأرْضِهِمْ ومَواشِيهِمْ، فَقَدْ ظَفِرُوا أيْضًا بِسُقْياهم، وأيْضًا فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهُمْ﴾ يَعْنِي صَرَّفَ المَطَرَ كُلَّ سَنَةٍ إلى جانِبٍ آخَرَ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَلا يَسْقِي الكُلَّ مِنهُ، بَلْ يَسْقِي كُلَّ سَنَةٍ أناسِيَّ كَثِيرًا مِنهُ.
* * *
السُّؤالُ الرّابِعُ: ما الأناسِيُّ ؟ الجَوابُ: قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: الإنْسِيُّ والأناسِيُّ كالكُرْسِيِّ والكَراسِيِّ، ولَمْ يَقُلْ كَثِيرِينَ؛ لِأنَّهُ قَدْ جاءَ فَعِيلٌ مُفْرَدًا ويُرادُ بِهِ الكَثْرَةُ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿وقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا﴾ [الفُرْقانِ: ٣٨] ﴿وحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النِّساءِ: ٦٩] .
واعْلَمْ أنَّ الفُقَهاءَ قَدِ اسْتَنْبَطُوا أحْكامَ المِياهِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُورًا﴾ ونَحْنُ نُشِيرُ إلى مَعاقِدِ تِلْكَ المَسائِلِ فَنَقُولُ: هَهُنا نَظَرانِ:
أحَدُهُما: أنَّ الماءَ مُطَهِّرٌ.
والثّانِي: أنَّ غَيْرَ الماءِ هَلْ هو مُطَهِّرٌ أمْ لا ؟
النَّظَرُ الأوَّلُ: أنْ نَقُولَ: الماءُ إمّا أنْ لا يَتَغَيَّرَ أوْ يَتَغَيَّرَ. القِسْمُ الأوَّلُ وهو الَّذِي لا يَتَغَيَّرُ فَهو طاهِرٌ في ذاتِهِ مُطَهِّرٌ لِغَيْرِهِ إلّا الماءَ المُسْتَعْمَلَ فَإنَّهُ عِنْدَ الشّافِعِيِّ طاهِرٌ ولَيْسَ بِمُطَهِّرٍ، وقالَ مالِكٌ والثَّوْرِيُّ: يَجُوزُ الوُضُوءُ بِهِ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ في رِوايَةِ أبِي يُوسُفَ: إنَّهُ نَجِسٌ. فَهَهُنا مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: في بَيانِ أنَّهُ لَيْسَ بِمُطَهِّرٍ، ودَلِيلُنا قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: «لا يَغْتَسِلْ أحَدُكم في الماءِ الدّائِمِ وهو جُنُبٌ»، ولَوْ بَقِيَ الماءُ كَما كانَ طاهِرًا مُطَهِّرًا لَما كانَ لِلْمَنعِ مِنهُ مَعْنًى، ومِن وجْهِ القِياسِ أنَّ الصَّحابَةَ كانُوا يَتَوَضَّئُونَ في الأسْفارِ وما كانُوا يَجْمَعُونَ تِلْكَ المِياهَ، مَعَ عِلْمِهِمْ بِاحْتِياجِهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ إلى الماءِ، ولَوْ كانَ ذَلِكَ الماءُ مُطَهِّرًا لَحَمَلُوهُ لِيَوْمِ الحاجَةِ، واحْتَجَّ مالِكٌ بِالآيَةِ والخَبَرِ والقِياسِ. أمّا الآيَةُ فَمِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُورًا﴾، وقَوْلُهُ: ﴿ويُنَزِّلُ عَلَيْكم مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكم بِهِ﴾ [ الأنْفالِ: ١١] فَدَلَّتِ الآيَةُ عَلى حُصُولِ وصْفِ المُطَهِّرِيَّةِ لِلْماءِ، والأصْلُ في الثّابِتِ بَقاؤُهُ، فَوَجَبَ الحُكْمُ بِبَقاءِ هَذِهِ الصِّفَةِ لِلْماءِ بَعْدَ صَيْرُورَتِهِ مُسْتَعْمَلًا، وأيْضًا قَوْلُهُ: ﴿طَهُورًا﴾ يَقْتَضِي جَوازَ التَّطَهُّرِ بِهِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى.
والثّانِي: أنَّهُ أمَرَ بِالغَسْلِ مُطْلَقًا في قَوْلِهِ: ﴿فاغْسِلُوا﴾ [المائِدَةِ: ٦] واسْتِعْمالُ كُلِّ المائِعاتِ غَسْلٌ؛ لِأنَّهُ لا مَعْنى لِلْغَسْلِ إلّا إمْرارُ الماءِ عَلى العُضْوِ، قالَ الشّاعِرُ:
فَيا حُسْنَها إذْ يَغْسِلُ الدَّمْعُ كُحْلَها
فَمَنِ اغْتَسَلَ بِالماءِ المُسْتَعْمَلِ فَقَدْ أتى بِالغَسْلِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ مُجْزِئًا لَهُ؛ لِأنَّهُ أتى بِما أُمِرَ بِهِ، فَوَجَبَ أنْ يَخْرُجَ عَنِ العُهْدَةِ، وأمّا السُّنَّةُ فَما رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ «تَوَضَّأ فَمَسَحَ رَأْسَهُ بِفَضْلِ ما في يَدِهِ»، وعَنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: «أنَّهُ تَوَضَّأ فَأخَذَ مِن بَلَلِ لِحْيَتِهِ فَمَسَحَ بِهِ رَأْسَهُ»، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: «اغْتَسَلَ فَرَأى لُمْعَةً في جَسَدِهِ لَمْ يُصِبْها الماءُ، فَأخَذَ شَعْرَةً عَلَيْها بَلَلٌ فَأمَرَّها عَلى تِلْكَ اللُّمْعَةِ» . وأمّا القِياسُ فَإنَّهُ ماءٌ طاهِرٌ لَقِيَ
صفحة ٨١
جَسَدًا طاهِرًا، فَأشْبَهَ ما إذا لَقِيَ حِجارَةً أوْ حَدِيدًا، وكَذا الماءُ المُسْتَعْمَلُ في الكَرَّةِ الرّابِعَةِ والمُسْتَعْمَلِ في التَّبَرُّدِ والتَّنْظِيفِ، ولِأنَّهُ لا خِلافَ أنَّهُ إذا وضَعَ الماءَ عَلى أعْلى وجْهِهِ وسَقَطَ بِهِ فَرْضُ ذَلِكَ المَوْضِعِ ثُمَّ نَزَلَ ذَلِكَ الماءُ بِعَيْنِهِ إلى بَقِيَّةِ الوجه فَإنَّهُ يُجْزِيهِ، مَعَ أنَّ ذَلِكَ الماءَ صارَ مُسْتَعْمَلًا في أعْلى الوجه.
* * *
المسألة الثّانِيَةُ: الدَّلِيلُ عَلى أنَّ الماءَ المُسْتَعْمَلَ طاهِرٌ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُورًا﴾، ومِنَ السُّنَّةِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: «أخَذَ مِن بَلَلِ لِحْيَتِهِ ومَسَحَ بِهِ رَأْسَهُ، وقالَ: ”خُلِقَ الماءُ طَهُورًا لا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ إلّا ما غَيَّرَ طَعْمَهُ أوْ رِيحَهُ أوْ لَوْنَهُ» وقالَ الشّافِعِيُّ: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ تَوَضَّأ ولا شَكَّ أنَّهُ أصابَهُ ما تَساقَطَ مِنهُ، ولَمْ يُنْقَلْ أنَّهُ غَيَّرَ ثَوْبَهُ ولا أنَّهُ غَسَلَهُ، ولا أحَدٌ مِنَ المُسْلِمِينَ فَعَلَ ذَلِكَ، فَثَبَتَ أنَّهم أجْمَعُوا عَلى أنَّهُ لَيْسَ بِنَجِسٍ، ولِأنَّهُ ماءٌ طاهِرٌ لَقِيَ جِسْمًا طاهِرًا فَأشْبَهَ ما إذا لاقى حِجارَةً.
* * *
المسألة الثّالِثَةُ: الماءُ المُسْتَعْمَلُ إمّا أنْ يَكُونَ مُسْتَعْمَلًا في أعْضاءِ الوُضُوءِ، أوْ في غَسْلِ الثِّيابِ، أمّا المُسْتَعْمَلُ في أعْضاءِ الوُضُوءِ فَإمّا أنْ يَكُونَ مُسْتَعْمَلًا فِيما كانَ فَرْضًا وعِبادَةً، أوْ فِيما كانَ فَرْضًا ولا يَكُونُ عِبادَةً، أوْ فِيما كانَ عِبادَةً ولا يَكُونُ فَرْضًا، أوْ فِيما لا يَكُونُ فَرْضًا ولا عِبادَةً.
أمّا القِسْمُ الأوَّلُ: وهو المُسْتَعْمَلُ فِيما كانَ فَرْضًا وعِبادَةً، فَهو غَيْرُ مُطَهِّرٍ بِاتِّفاقِ أصْحابِ الشّافِعِيِّ.
وأمّا القِسْمُ الثّانِي: فَهو كالماءِ الَّذِي اسْتَعْمَلَتْهُ الذِّمِّيَّةُ الَّتِي تَحْتَ الزَّوْجِ المُسْلِمِ، أيْ في غَسْلِ حَيْضِها لِيَحِلَّ لِلزَّوْجِ غِشْيانُها.
وأمّا القِسْمُ الثّالِثُ: فَهو كالماءِ المُسْتَعْمَلِ في الكَرَّةِ الثّانِيَةِ والثّالِثَةِ، والماءِ المُسْتَعْمَلِ في تَجْدِيدِ الوُضُوءِ، والماءِ المُسْتَعْمَلِ في الأغْسالِ المَسْنُونَةِ، فَلِأصْحابِ الشّافِعِيِّ في هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ وجْهانِ.
وأمّا القِسْمُ الرّابِعُ: فَهو كالماءِ المُسْتَعْمَلِ في الكَرَّةِ الرّابِعَةِ، وفي التَّبَرُّدِ والتَّنَظُّفِ، فَذاكَ بِاتِّفاقِ أصْحابِ الشّافِعِيِّ غَيْرُ مُسْتَعْمَلٍ، وهو طاهِرٌ مُطَهِّرٌ.
أمّا الماءُ المُسْتَعْمَلُ في غَسْلِ الثِّيابِ، فَإذا غَسَلَ ثَوْبًا مِن نَجاسَةٍ وطَهُرَ بِغَسْلَةٍ واحِدَةٍ، يُسْتَحَبُّ أنْ يَغْسِلَهُ ثَلاثًا، فالمُنْفَصِلُ في الكَرَّةِ الثّانِيَةِ والثّالِثَةِ مُطَهِّرٌ عَلى الأصَحِّ.
القِسْمُ الثّانِي: الماءُ الَّذِي يَتَغَيَّرُ، فَنَقُولُ: الماءُ إذا تَغَيَّرَ فَإمّا أنْ يَتَغَيَّرَ بِنَفْسِهِ أوْ بِغَيْرِهِ، أمّا الأوَّلُ فَكالمُتَغَيِّرِ بِطُولِ المُكْثِ، فَيَجُوزُ الوُضُوءُ بِهِ؛ لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَتَوَضَّأُ مِن بِئْرِ (قُضاعَةَ)، وكانَ ماؤُها كَأنَّهُ نُقاعَةُ الحِنّاءِ، وأمًّا المُتَغَيِّرُ بِسَبَبِ غَيْرِهِ فَذَلِكَ الغَيْرُ إمّا أنْ لا يَكُونَ مُتَّصِلًا بِهِ أوْ يَكُونَ مُتَّصِلًا بِهِ. أمّا الَّذِي لا يَكُونُ مُتَّصِلًا بِهِ فَهو كَما لَوْ وقَعَ بِقُرْبِ الماءِ جِيفَةٌ، فَصارَ الماءُ مُنْتِنًا بِسَبَبِها، فَهو أيْضًا مُطَهِّرٌ، وأمّا إذا تَغَيَّرَ بِسَبَبِ شَيْءٍ مُتَّصِلٍ بِهِ فَذَلِكَ المُتَّصِلُ إمّا أنْ يَكُونَ طاهِرًا أوْ نَجِسًا.
القِسْمُ الأوَّلُ: إذا كانَ طاهِرًا فَهو إمّا أنْ لا يُخالِطَهُ أوْ يُخالِطَهُ، فَإنْ لَمْ يُخالِطْهُ فَهو كالماءِ المُتَغَيِّرِ بِسَبَبِ وُقُوعِ الدُّهْنِ والطِّيبِ والعُودِ والعَنْبَرِ والكافُورِ الصُّلْبِ فِيهِ، وهَذا أيْضًا مُطَهِّرٌ، كَما لَوْ كانَ بِقُرْبِ الماءِ جِيفَةٌ، ولِأنَّ الطَّهُورِيَّةَ ثَبَتَتْ بِقَوْلِهِ: ﴿وأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُورًا﴾، والأصْلُ في الثّابِتِ بَقاؤُهُ، وأمّا المُتَغَيِّرُ بِسَبَبِ شَيْءٍ يُخالِطُهُ، فَذَلِكَ المُخالِطُ إمّا أنْ لا يُمْكِنَ صَوْنُ الماءِ عَنْهُ أوْ يُمْكِنَ، أمّا الَّذِي لا يُمْكِنُ فَكالمُتَغَيِّرِ بِالتُّرابِ والحَمْأةِ والأوْراقِ الَّتِي تَقَعُ فِيهِ والطُّحْلُبِ الَّذِي يَتَوَلَّدُ فِيهِ، وهَذا أيْضًا مُطَهِّرٌ؛ لِأنَّ الطَّهُورِيَّةَ ثَبَتَتْ بِالآيَةِ، والِاحْتِرازُ عَنْ ذَلِكَ عَسِيرٌ، فَيَكُونُ مَرْفُوعًا لِقَوْلِهِ: ﴿وما جَعَلَ عَلَيْكم في الدِّينِ مِن حَرَجٍ﴾ [الحَجِّ: ٧٨]، وكَذا لَوْ جَرى الماءُ في طَرِيقِهِ عَلى مَعْدِنِ زِرْنِيخٍ أوْ نُورَةٍ أوْ كُحْلٍ، أوْ وقَعَ شَيْءٌ مِنها فِيهِ، أوْ نَبَعَ مِن مَعادِنِها، أمّا إذا تَغَيَّرَ الماءُ] بِسَبَبِ مُخالَطَةِ ما يَسْتَغْنِي الماءُ عَنْ جِنْسِهِ نُظِرَ إنْ كانَ التَّغَيُّرُ قَلِيلًا، بِحَيْثُ لا يُضافُ الماءُ إلَيْهِ، بِأنْ وقَعَ فِيهِ زَعْفَرانٌ فاصْفَرَّ قَلِيلًا، أوْ دَقِيقٌ فابْيَضَّ قَلِيلًا، جازَ الوُضُوءُ بِهِ عَلى الصَّحِيحِ مِنَ
صفحة ٨٢
المَذْهَبِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَسْلُبْهُ إطْلاقَ اسْمِ الماءِ، وأمّا إنْ كانَ التَّغَيُّرُ كَثِيرًا فَإنِ اسْتَحْدَثَ اسْمًا جَدِيدًا كالمَرَقَةِ لَمْ يَجُزِ الوُضُوءُ بِهِ بِالِاتِّفاقِ، وإنْ لَمْ يَسْتَحْدِثِ اسْمًا جَدِيدًا فَعِنْدَ الشّافِعِيِّ لا يَجُوزُ الوُضُوءُ بِهِ، وعِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ يَجُوزُ.
حُجَّةُ الشّافِعِيِّ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: «أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ تَوَضَّأ ثم قال: هَذا وُضُوءٌ لا يَقْبَلُ اللَّهُ الصَّلاةَ إلّا بِهِ» فَذَلِكَ الوُضُوءُ إنْ كانَ واقِعًا بِالماءِ المُتَغَيِّرِ وجَبَ أنْ لا يَجُوزَ إلّا بِهِ، وبِالِاتِّفاقِ لَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ، فَثَبَتَ أنَّهُ كانَ بِماءٍ غَيْرِ مُتَغَيِّرٍ، وهو المَطْلُوبُ.
وثانِيها: أنَّهُ إذا اخْتَلَطَ ماءُ الوَرْدِ بِالماءِ ثُمَّ تَوَضَّأ الإنْسانُ بِهِ، فَيُحْتَمَلُ أنَّ بَعْضَ الأعْضاءِ قَدِ انْغَسَلَ بِماءِ الوَرْدِ دُونَ الماءِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَقَدْ وقَعَ الشَّكُّ في حُصُولِ الوُضُوءِ، وكانَ تَيَقُّنُ الحَدَثِ قائِمًا، والشَّكُّ لا يُعارِضُ اليَقِينَ، فَوَجَبَ أنْ يَبْقى عَلى الحَدَثِ، بِخِلافِ ما إذا كانَ قَلِيلًا لا يَظْهَرُ أثَرُهُ فَإنَّهُ صارَ كالمَعْدُومِ، أمّا إذا ظَهَرَ أثَرُهُ عَلِمْنا أنَّهُ باقٍ، فَيَتَوَجَّهُ ما ذَكَرْناهُ.
وثالِثُها: أنَّ الوُضُوءَ تَعَبُّدٌ لا يُعْقَلُ مَعْناهُ، فَإنَّهُ لَوْ تَوَضَّأ بِماءِ الوَرْدِ لا يَصِحُّ وُضُوءُهُ، ولَوْ تَوَضَّأ بِالماءِ الكَدِرِ المُتَعَفِّنِ صَحَّ وُضُوءُهُ. وما لا يُعْقَلُ مَعْناهُ وجَبَ الِاقْتِصارُ فِيهِ عَلى مَوْرِدِ النَّصِّ وتَرْكِ القِياسِ.
حُجَّةُ أبِي حَنِيفَةَ وُجُوهٌ:
أحَدُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُورًا﴾ دَلَّتِ الآيَةُ عَلى كَوْنِ الماءِ مُطَهِّرًا، والأصْلُ في الثّابِتِ بَقاؤُهُ، فَوَجَبَ بَقاءُ هَذِهِ الصِّفَةِ بَعْدَ التَّغَيُّرِ بِالمُخالَطَةِ.
وثانِيها: قَوْلُهُ تَعالى: (فاغْسِلُوا) [المائِدَةِ: ٦] أمْرٌ بِمُطْلَقِ الغَسْلِ، وقَدْ أتى بِهِ فَوَجَبَ أنْ يُخْرَجَ عَنِ العُهْدَةِ، وقَدْ بَيَّنّا تَقْرِيرَ هَذا الوجه فِيما تَقَدَّمَ.
وثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النِّساءِ: ٤٣] عَلَّقَ جَوازَ التَّيَمُّمِ بِعَدَمِ وِجْدانِ الماءِ، وواجِدُ هَذا الماءِ المُتَغَيِّرِ واجِدٌ لِلْماءِ؛ لِأنَّ الماءَ المُتَغَيِّرَ ماءٌ مَعَ صِفَةِ التَّغَيُّرِ، والمَوْصُوفُ مَوْجُودٌ حالَ وُجُودِ الصِّفَةِ، فَوَجَبَ أنْ لا يَجُوزَ لَهُ التَّيَمُّمُ.
ورابِعُها: قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ في البَحْرِ: «هُوَ الطَّهُورُ ماؤُهُ» ظاهِرُهُ يَقْتَضِي جَوازَ الطَّهارَةِ بِهِ وإنْ خالَطَهُ غَيْرُهُ؛ لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ أطْلَقَ ذَلِكَ.
وخامِسُها: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أباحَ الوُضُوءَ بِسُؤْرِ الهِرَّةِ وسُؤْرِ الحائِضِ، وإنْ خالَطَهُ شَيْءٌ مِن لُعابِهِما.
وسادِسُها: لا خِلافَ في الوُضُوءِ بِماءِ المَدَرِ والسُّيُولِ مَعَ تَغَيُّرِ لَوْنِهِ بِمُخالَطَةِ الطِّينِ وما يَكُونُ في الصَّحارِي مِنَ الحَشِيشِ والنَّباتِ، ومِن أجْلِ مُخالَطَةِ ذَلِكَ لَهُ يُرى تارَةً مُتَغَيِّرًا إلى السَّوادِ، وأُخْرى إلى الحُمْرَةِ والصُّفْرَةِ، فَصارَ ذَلِكَ أصْلًا في جَمِيعِ ما خالَطَ الماءَ إذا لَمْ يَغْلِبْ عَلَيْهِ فَيَسْلُبُهُ اسْمَ الماءِ.
القِسْمُ الثّانِي: إذا كانَ المُخالِطُ لِلْماءِ شَيْئًا نَجِسًا، فَمِنَ النّاسِ مَن زَعَمَ أنَّ الماءَ لا يَنْجُسُ ما لَمْ يَتَغَيَّرْ بِالنَّجاسَةِ، سَواءً كانَ قَلِيلًا أوْ كَثِيرًا، وهو قَوْلُ الحَسَنِ البَصْرِيِّ والنَّخَعِيِّ ومالِكٍ وداوُدَ، وإلَيْهِ مالَ الشَّيْخُ الغَزالِيِّ في كِتابِ“ الإحْياءِ”، وقالَ أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ: مَذْهَبُ أصْحابِنا أنَّ كُلَّ ما تَيَقَّنّا فِيهِ جُزْءًا مِنَ النَّجاسَةِ أوْ غَلَبَ عَلى الظَّنِّ ذَلِكَ لَمْ يَجُزِ اسْتِعْمالُهُ، ولا يَخْتَلِفُ عَلى هَذا الحَدِّ ماءُ البَحْرِ وماءُ البِئْرِ والغَدِيرِ والرّاكِدِ والجارِي، لِأنَّ ماءَ البَحْرِ لَوْ وقَعَتْ فِيهِ نَجاسَةٌ لَمْ يَجُزِ اسْتِعْمالُ الماءِ الَّذِي فِيهِ النَّجاسَةُ، وكَذَلِكَ الماءُ الجارِي، وأمّا اعْتِبارُ أصْحابِنا لِلْغَدِيرِ الَّذِي إذا حُرِّكَ أحَدُ طَرَفَيْهِ لَمْ يَتَحَرَّكِ الطَّرَفُ الآخَرُ، فَإنَّما هو كَلامٌ في جِهَةِ تَغْلِيبِ الظَّنِّ في بُلُوغِ النَّجاسَةِ الواقِعَةِ في أحَدِ طَرَفَيْهِ إلى الطَّرَفِ الآخَرِ، ولَيْسَ هو كَلامَنا في أنَّ بَعْضَ المِياهِ الَّذِي فِيهِ النَّجاسَةُ قَدْ يَجُوزُ اسْتِعْمالُها، وبَعْضُها لا يَجُوزُ اسْتِعْمالُهُ، هَذا كُلُّهُ كَلامُ أبِي بَكْرٍ.
وأقُولُ: مِنَ النّاسِ مَن فَرَّقَ بَيْنَ القَلِيلِ والكَثِيرِ، فَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ:“إذا كانَ الماءُ أرْبَعِينَ قُلَّةً لَمْ يُنَجِّسْهُ شَيْءٌ”، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما:“الحَوْضُ لا يَغْتَسِلُ فِيهِ جُنُبٌ إلّا أنْ يَكُونَ فِيهِ أرْبَعُونَ غَرْبًا”، وهو قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ، وقالَ
صفحة ٨٣
مَسْرُوقٌ وابْنُ سِيرِينَ: إذا كانَ الماءُ كَثِيرًا لا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ، وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: الماءُ الرّاكِدُ لا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ إذا كانَ قَدْرَ ثَلاثِ قِلالٍ. وقالَ الشّافِعِيُّ: إذا كانَ الماءُ قُلَّتَيْنِ بِقِلالِ هَجَرٍ لَمْ يُنَجِّسْهُ إلّا ما غَيَّرَ طَعْمَهُ أوْ رِيحَهُ أوْ لَوْنَهُ، وإنْ كانَ أقَلَّ يُنَجَّسُ لِظُهُورِ النَّجاسَةِ فِيهِ.
واعْلَمْ أنَّهُ يُمْكِنُ التَّمَسُّكُ لِنُصْرَةِ قَوْلِ مالِكٍ بِوُجُوهٍ:
أحَدُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُورًا﴾ تُرِكَ العَمَلُ بِهِ في الماءِ الَّذِي تَغَيَّرَ لَوْنُهُ أوْ طَعْمُهُ أوْ رِيحُهُ؛ لِظُهُورِ النَّجاسَةِ فِيهِ، فَيَبْقى فِيما عَداهُ عَلى الأصْلِ.
وثانِيها: قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: «خَلَقَ اللَّهُ الماءَ طَهُورًا لا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ إلّا ما غَيَّرَ طَعْمَهُ أوْ لَوْنَهُ أوْ رِيحَهُ» وهو نَصٌّ في البابِ.
وثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [ المائِدَةِ: ٦] المُتَوَضِّئُ بِهَذا الماءِ قَدْ غَسَلَ وجْهَهُ، فَيَكُونُ آتِيًا بِما أُمِرَ بِهِ، فَيَخْرُجُ عَنِ العُهْدَةِ.
ورابِعُها: أنَّ مِن شَأْنِ كُلِّ مُخْتَلِطَيْنِ كانَ أحَدُهُما غالِبًا عَلى الآخَرِ أنْ يَتَكَيَّفَ المَغْلُوبُ بِكَيْفِيَّةِ الغالِبِ، فالقَطْرَةُ مِنَ الخَلِّ لَوْ وقَعَتْ في الماءِ الكَثِيرِ بَطَلَتْ صِفَةُ الخَلِيَّةِ عَنْها واتَّصَفَتْ بِصِفَةِ الماءِ، وكَوْنُ أحَدِهُما غالِبًا عَلى الآخَرِ إنَّما يُعْرَفُ بِغَلَبَةِ الخَواصِّ والآثارِ المَحْسُوسَةِ، وهي الطَّعْمُ أوِ اللَّوْنُ أوِ الرِّيحُ، فَلا جَرَمَ مَهْما ظَهَرَ طَعْمُ النَّجاسَةِ أوْ لَوْنُها أوْ رِيحُها كانَتِ النَّجاسَةُ غالِبَةً عَلى الماءِ، وكانَ الماءُ مُسْتَهْلَكًا فِيها، فَلا جَرَمَ يَغْلِبُ حُكْمُ النَّجاسَةِ، فَإذا لَمْ يَظْهَرْ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ كانَ الغالِبُ هو الماءَ، وكانَتِ النَّجاسَةُ مُسْتَهْلَكَةً فِيهِ، فَيَغْلِبُ حُكْمُ الطَّهارَةِ.
وخامِسُها: ما رُوِيَ عَنْ عُمَرَ أنَّهُ تَوَضَّأ مِن جَرَّةِ نَصْرانِيَّةٍ، مَعَ أنَّ نَجاسَةَ أوانِي النَّصارى مَعْلُومَةٌ بِظَنٍّ قَرِيبٍ مِنَ العِلْمِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ عُمَرَ لَمْ يُعَوِّلْ إلّا عَلى عَدَمِ التَّغَيُّرِ.
وسادِسُها: أنَّ تَقْدِيرَ الماءِ بِمِقْدارٍ مَعْلُومٍ ولَوْ كانَ مُعْتَبَرًا كالقُلَّتَيْنِ عِنْدَ الشّافِعِيِّ وعَشْرٍ في عَشْرٍ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، لَكانَ أوْلى المَواضِعِ بِالطَّهارَةِ مَكَّةَ والمَدِينَةَ؛ لِأنَّهُ لا تَكْثُرُ المِياهُ هُناكَ، لا الجارِيَةُ ولا الرّاكِدَةُ الكَثِيرَةُ، ومِن أوَّلِ عَصْرِ الرَّسُولِ ﷺ إلى آخِرِ عَصْرِ الصَّحابَةِ لَمْ يُنْقَلْ أنَّهم خاضُوا في تَقْدِيرِ المِياهِ بِالمَقادِيرِ المُعَيَّنَةِ، ولا أنَّهم سَألُوا عَنْ كَيْفِيَّةِ حِفْظِ المِياهِ عَنِ النَّجاساتِ، وكانَتْ أوانِي مِياهِهِمْ يَتَعاطاها الصِّبْيانُ والإماءُ الَّذِينَ لا يَحْتَرِزُونَ عَنِ النَّجاساتِ.
وسابِعُها: إصْغاءُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الإناءَ لِلْهِرَّةِ، وعَدَمُ مَنعِهِمُ الهِرَّةَ مِن شُرْبِ الماءِ مِن أوانِيهِمْ بَعْدَ أنْ كانُوا يَرَوْنَ أنَّهُ تَأْكُلُ الفَأْرَةُ، ولَمْ يَكُنْ في بِلادِهِمْ حِياضٌ تَلَغُ السَّنانِيرُ فِيها، وكانَتْ لا تَنْزِلُ إلى الآبارِ.
وثامِنُها: أنَّ الشّافِعِيَّ نَصَّ عَلى أنَّ غَسّالَةَ النَّجاساتِ طاهِرَةٌ إذا لَمْ تَتَغَيَّرْ ونَجِسَةٌ إذا تَغَيَّرَتْ، وأيُّ فَرْقٍ بَيْنَ أنْ يُلاقِيَ الماءُ النَّجاسَةَ بِالوُرُودِ عَلَيْها أوْ بِوُرُودِها عَلَيْهِ ؟ وأيُّ مَعْنًى لِقَوْلِ القائِلِ: إنَّ قُوَّةَ الوُرُودِ تَدْفَعُ النَّجاسَةَ، مَعَ أنَّ قُوَّةَ الوُرُودِ لَمْ تَمْنَعِ المُخالَطَةَ.
وتاسِعُها: أنَّهم كانُوا يَسْتَنْجُونَ عَلى أطْرافِ المِياهِ الجارِيَةِ القَلِيلَةِ، ولا خِلافَ أنَّ مَذْهَبَ الشّافِعِيِّ إذا وقَعَ بَوْلٌ في ماءٍ جارٍ ولَمْ يَتَغَيَّرْ أنَّهُ يَجُوزُ الوُضُوءُ بِهِ، وإنْ كانَ قَلِيلًا، وأيُّ فَرْقٍ بَيْنَ الجارِي والرّاكِدِ ؟ ولَيْتَ شِعْرِي الحَوالَةَ عَلى عَدَمِ التَّغَيُّرِ أوْلى أوْ عَلى قُوَّةِ الماءِ بِسَبَبِ الجَرَيانِ ؟
وعاشِرُها: إذا وقَعَ بَوْلٌ في قُلَّتَيْنِ، ثُمَّ فُرِّقَتا، فَكُلُّ كُوزٍ يُؤْخَذُ مِنهُ فَهو طاهِرٌ عَلى قَوْلِ الشّافِعِيِّ، ومَعْلُومٌ أنَّ البَوْلَ مُنْتَشِرٌ فِيهِ، وهو قَلِيلٌ، فَأيُّ فَرْقٍ بَيْنَهُ إذا وقَعَ ذَلِكَ القَلِيلُ في ذَلِكَ القَدْرِ مِنَ الماءِ ابْتِداءً، وبَيْنَهُ إذا وصَلَ إلَيْهِ عِنْدَ اتِّصالِ غَيْرِهِ بِهِ ؟
وحادِيَ عَشَرِها: أنَّ الحَمّاماتِ لَمْ تَزَلْ في الأعْصارِ الخالِيَةِ يَتَوَضَّأُ فِيها المُتَقَشِّفُونَ ويَغْمِسُونَ الأيْدِيَ والأوانِيَ في ذَلِكَ القَلِيلِ مِنَ الماءِ مِن تِلْكَ الحِياضِ، مَعَ عِلْمِهِمْ بِأنَّ الأيْدِيَ الطّاهِرَةَ والنَّجِسَةَ كانَتْ تَتَوارَدُ عَلَيْها، ولَوْ كانَ التَّقْدِيرُ بِالقُلَّتَيْنِ مُعْتَبَرًا لاشْتُهِرَ ذَلِكَ ولَبَلَغَ ذَلِكَ إلى حَدِّ التَّواتُرِ؛ لِأنَّ الأمْرَ الَّذِي تَشْتَدُّ حاجَةُ الجُمْهُورِ إلَيْهِ يَجِبُ بُلُوغُ نَقْلِهِ إلى حَدِّ التَّواتُرِ، لَمّا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ عِلِمْنا أنَّهُ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ.
وثانِي عَشَرِها: أنّا لَوْ حَكَمْنا بِنَجاسَةِ الماءِ فَلا يُمْكِنُنا أنْ نَحْكُمَ بِنَجاسَةِ الماءِ إنْ كانَ في غايَةِ
صفحة ٨٤
الكَثْرَةِ مِثْلَ ماءِ الأوْدِيَةِ العَظِيمَةِ والغُدْرانِ الكِبارِ فَإنَّ ذَلِكَ بِالإجْماعِ باطِلٌ، فَلا بُدَّ مِنَ التَّقْدِيرِ بِمِقْدارٍ مُعَيَّنٍ، وقَدْ نَقَلْنا عَنِ النّاسِ تَقْدِيراتٍ مُخْتَلِفَةً، فَلَيْسَ بَعْضُها أوْلى مِن بَعْضٍ، فَوَجَبَ التَّعارُضُ والتَّساقُطُ، أمّا تَقْدِيرُ أبِي حَنِيفَةَ بِعَشْرٍ في عَشْرٍ فَمَعْلُومٌ أنَّهُ مُجَرَّدُ تَحَكُّمٍ، وأمّا تَقْدِيرُ الشّافِعِيِّ بِالقُلَّتَيْنِ بِناءً عَلى قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: «إذا بَلَغَ الماءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلْ خَبَثًا» فَضَعِيفٌ أيْضًا؛ لِأنَّ الشّافِعِيَّ لَمّا رَوى هَذا الخَبَرَ قالَ: أخْبَرَنِي رَجُلٌ. فَيَكُونُ الرّاوِي مَجْهُولًا، ويَكُونُ الحَدِيثُ مُرْسَلًا، وهو عِنْدَهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ، وأيْضًا زَعَمَ كَثِيرٌ مِنَ المُحَدِّثِينَ أنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلى ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، سَلَّمْنا صِحَّةَ الرِّوايَةِ، لَكِنَّهُ إحالَةُ مَجْهُولٍ عَلى مَجْهُولٍ؛ لِأنَّ القُلَّةَ غَيْرُ مَعْلُومَةٍ؛ فَإنَّها تَصْلُحُ لِلْكُوزِ والجَرَّةِ، ولِكُلِّ ما نُقِلَ بِاليَدِ، وهو أيْضًا اسْمٌ لِهامَةِ الرَّجُلِ ولِقُلَّةِ الجَبَلِ، سَلَّمْنا كَوْنَ القُلَّةِ مَعْلُومَةً، لَكِنْ في مَتْنِ الخَبَرَ اضْطِرابٌ؛ فَإنَّهُ رُوِيَ إذا بَلَغَ الماءُ قُلَّتَيْنِ، ورُوِيَ إذا بَلَغَ قُلَّةً، ورُوِيَ أرْبَعِينَ قُلَّةً، ورُوِيَ إذا بَلَغَ قُلَّتَيْنِ أوْ ثَلاثًا، ورُوِيَ إذا بَلَغَ كُوزَيْنِ سَلَّمْنا صِحَّةَ المَتْنِ، ولَكِنَّهُ مَتْرُوكُ الظّاهِرِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: لَمْ يَحْمِلْ خَبَثًا لا يُمْكِنُ إجْراؤُهُ عَلى ظاهِرِهِ؛ فَإنَّ الخَبَثَ إذا ورَدَ عَلَيْهِ فَقَدْ حَمَلَهُ، سَلَّمْنا إمْكانَ إجْرائِهِ عَلى ظاهِرِهِ، لَكِنَّ الخَبَثَ عَلى قِسْمَيْنِ: خَبَثٌ شَرْعِيٌّ وخَبَثٌ حَقِيقِيٌّ، والِاسْمُ إذا دارَ بَيْنَ المُسَمّى اللُّغَوِيِّ والمُسَمّى الشَّرْعِيِّ، كانَ حَمْلُهُ عَلى المُسَمّى اللُّغَوِيِّ أوْلى؛ لِأنَّ الِاسْمَ حَقِيقَةٌ في المُسَمّى اللُّغَوِيِّ مَجازٌ في المُسَمّى الشَّرْعِيِّ؛ دَفْعًا لِلِاشْتِراكِ والنَّقْلِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ وجَبَ حَمْلُهُ عَلَيْهِ، والمُسَمّى اللُّغَوِيُّ لِلْخَبَثِ المُسْتَقْذِرِ بِالطَّبْعِ قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «ما اسْتَخْبَثَتْهُ العَرَبُ فَهو حَرامٌ» إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: مَعْنى قَوْلِهِ: لَمْ يَحْمِلْ خَبَثًا أيْ لا يَصِيرُ مُسْتَقْذَرًا طَبْعًا، ونَحْنُ نَقُولُ بِمُوجَبِهِ: لَكِنْ لِمَ قُلْتَ: إنَّهُ لا يَنْجُسُ شَرْعًا، سَلَّمْنا أنَّ المُرادَ مِنَ الخَبَثِ النَّجاسَةُ الشَّرْعِيَّةُ، لَكِنَّ قَوْلَهُ: لَمْ يَحْمِلْ خَبَثًا أيْ يَضْعُفُ عَنْ حَمْلِهِ، ومَعْنى الضَّعْفِ تَأثُّرُهُ بِهِ، فَيَكُونُ هَذا دَلِيلًا عَلى صَيْرُورَتِهِ نَجِسًا، لا عَلى بَقائِهِ طاهِرًا. لا يُقالُ: الجَوابُ عَنْ هَذِهِ الأسْئِلَةِ أنْ يُقالَ: إنَّ الشّافِعِيَّ وإنْ لَمْ يَذْكُرِ اسْمَ الرّاوِي في بَعْضِ المَواضِعِ فَقَدْ ذَكَرَهُ في سائِرِ المَواضِعِ، فَخَرَجَ عَنْ كَوْنِهِ مُرْسَلًا، ولِأنَّ سائِرَ المُحَدِّثِينَ قَدْ عَيَّنُوا اسْمَ الرّاوِي. قَوْلُهُ: إنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلى ابْنِ عُمَرَ. قُلْنا: لا نُسَلِّمُ؛ فَإنَّ يَحْيى بْنَ مَعِينٍ قالَ: إنَّهُ جَيِّدُ الإسْنادِ، فَقِيلَ لَهُ: إنَّ ابْنَ عُلَيَّةَ وقَفَهُ عَلى ابْنِ عُمَرَ. فَقالَ: إنْ كانَ ابْنُ عُلَيَّةَ وقَفَهُ فَحَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ رَفَعَهُ. وقَوْلُهُ: القُلَّةُ مَجْهُولَةٌ. قُلْنا: لا نُسَلِّمُ؛ لِأنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ قالَ في رِوايَتِهِ: بِقِلالِ هَجَرٍ. ثم قال: وقَدْ شاهَدْتُ قِلالَ هَجَرٍ فَكانَتِ القُلَّةُ تَسَعُ قِرْبَتَيْنِ أوْ قِرْبَتَيْنِ وشَيْئًا. قَوْلُهُ: في مَتْنِهِ اضْطِرابٌ. قُلْنا: لا نُسَلِّمُ؛ لِأنّا وأنْتُمْ تَوافَقْنا عَلى أنَّ سائِرَ المَقادِيرِ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ، فَيَبْقى ما ذَكَرْناهُ مُعْتَبَرًا. قَوْلُهُ: إنَّهُ مَتْرُوكُ الظّاهِرِ. قُلْنا: إذا حَمَلْناهُ عَلى الخُبْثِ الشَّرْعِيِّ انْدَفَعَ ذَلِكَ، وذَلِكَ أوْلى؛ لِأنَّ حَمْلَ كَلامِ الشَّرْعِ عَلى الفائِدَةِ الشَّرْعِيَّةِ أوْلى مِن حَمْلِهِ عَلى المَعْنى العَقْلِيِّ، لا سِيَّما وفي حَمْلِهِ عَلى المَعْنى العَقْلِيِّ يَلْزَمُ التَّعْطِيلُ. قَوْلُهُ: المُرادُ أنَّهُ يَضْعُفُ عَنْ حَمْلِهِ، قُلْنا: صَحَّ في بَعْضِ الرِّواياتِ أنَّهُ قالَ: «إذا كانَ الماءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَنْجُسْ»، ولِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ جَعَلَ القُلَّتَيْنِ شَرْطًا لِهَذا الحُكْمِ، والمُعَلَّقُ عَلى الشَّرْطِ عُدِمَ عِنْدَ عَدَمِ الشَّرْطِ، وعَلى ما ذَكَرُوهُ لا يَبْقى لِلْقُلَّتَيْنِ فائِدَةٌ؛ لِأنّا نَقُولُ: لا شَكَّ أنَّ هَذا الخَبَرَ بِتَقْدِيرِ الصِّحَّةِ يَقْتَضِي تَخْصِيصَ عُمُومِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُورًا﴾، وعُمُومِ قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ [المائِدَةِ: ٦]، وعُمُومِ قَوْلِهِ: ﴿فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [ المائِدَةِ: ٦] وعُمُومِ قَوْلِهِ ﷺ: «خُلِقَ الماءُ طَهُورًا لا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ»، وهَذا المُتَخَصِّصُ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ بَعِيدًا عَنِ الِاحْتِمالِ والِاشْتِباهِ، وقِلالُ هَجَرٍ مَجْهُولَةٌ. وقَوْلُ ابْنِ جُرَيْجٍ: القُلَّةُ تَسَعُ قِرْبَتَيْنِ أوْ قِرْبَتَيْنِ وشَيْئًا لَيْسَ بِحُجَّةٍ؛ لِأنَّ القُلَّةَ كَما أنَّها مَجْهُولَةٌ فَكَذا القِرْبَةُ مَجْهُولَةٌ؛ فَإنَّها قَدْ تَكُونُ كَبِيرَةً، وقَدْ تَكُونُ صَغِيرَةً، ولِأنَّ الرِّواياتِ أيْضًا مُخْتَلِفَةٌ، فَتارَةً قالَ: إذا بَلَغَ الماءُ قُلَّتَيْنِ، وتارَةً أرْبَعِينَ قُلَّةً، وتارَةً كُوزَيْنِ فَإذا تَدافَعَتْ
صفحة ٨٥
وتَعارَضَتْ لَمْ يَجُزْ تَخْصِيصُ عُمُومِ الكِتابِ والسُّنَّةِ الظّاهِرَةِ البَعِيدَةِ عَنِ الِاحْتِمالِ بِمِثْلِ هَذا الخَبَرِ. هَذا تَمامُ الكَلامِ في نُصْرَةِ قَوْلِ مالِكٍ. واحْتَجَّ مَن حَكَمَ بِنَجاسَةِ الماءِ الَّذِي تَقَعُ النَّجاسَةُ فِيهِ بِوُجُوهٍ:
أوَّلُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبائِثَ﴾ [الأعْرافِ: ١٥٧] والنَّجاساتُ مِنَ الخَبائِثِ، وقالَ تَعالى: ﴿إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ والدَّمَ﴾ [ النَّحْلِ: ١١٥]، وقالَ في الخَمْرِ: ﴿رِجْسٌ مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ فاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائِدَةِ: ٩٠] ومَرَّ عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَبْرَيْنِ فَقالَ: «إنَّهُما لَيُعَذَّبانِ، وما يُعَذَّبانِ في كَبِيرٍ؛ إنَّ أحَدَهُما كانَ لا يَسْتَبْرِئُ مِنَ البَوْلِ، والآخَرَ كانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ»، فَحَرَّمَ اللَّهُ هَذِهِ الأشْياءَ تَحْرِيمًا مُطْلَقًا، ولَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ حالِ انْفِرادِها واخْتِلاطِها بِالماءِ، فَوَجَبَ تَحْرِيمُ اسْتِعْمالِ كُلِّ ما يَبْقى فِيهِ جُزْءٌ مِنَ النَّجاسَةِ، أكْثَرُ ما في البابِ أنَّ الدَّلائِلَ الدّالَّةَ عَلى كَوْنِ الماءِ مُطَهِّرًا تَقْتَضِي جَوازَ الطَّهارَةِ بِهِ، ولَكِنْ تِلْكَ الدَّلائِلُ مُبِيحَةٌ، والدَّلائِلُ الَّتِي ذَكَرْناها حاظِرَةٌ، والمُبِيحُ والحاظِرُ إذا اجْتَمَعا فالغَلَبَةُ لِلْحاظِرِ، ألا تَرى أنَّ الجارِيَةَ بَيْنَ رَجُلَيْنِ لَوْ كانَ لِأحَدِهِما مِنها مِائَةُ جُزْءٍ ولِلْآخَرِ جُزْءٌ واحِدٌ، أنَّ جِهَةَ الحَظْرِ فِيها أوْلى مِن جِهَةِ الإباحَةِ، وأنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ لِواحِدٍ مِنهُما وطْؤُها، فَكَذا هَهُنا.
وثانِيها: قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: «لا يَبُولَنَّ أحَدُكم في الماءِ الدّائِمِ ثُمَّ يَغْتَسِلُ فِيهِ مِنَ الجَنابَةِ» ذَكَرَهُ عَلى الإطْلاقِ مِن غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ القَلِيلِ والكَثِيرِ.
وثالِثُها: قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: «إذا اسْتَيْقَظَ أحَدُكم مِن مَنامِهِ فَلْيَغْسِلْ يَدَهُ ثَلاثًا قَبْلَ أنْ يُدْخِلَها الإناءَ؛ فَإنَّهُ لا يَدْرِي أيْنَ باتَتْ يَدُهُ»، فَأمَرَ بِغَسْلِ اليَدِ احْتِياطًا مِن نَجاسَةٍ قَدْ أصابَتْهُ مِن مَوْضِعِ الِاسْتِنْجاءِ، ومَعْلُومٌ أنَّ مِثْلَها إذا أُدْخِلَتِ الماءَ لَمْ تُغَيِّرْهُ، ولَوْلا أنَّها تُفْسِدُهُ ما كانَ لِلْأمْرِ بِالِاحْتِياطِ مِنها مَعْنًى.
ورابِعُها: قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: «إذا بَلَغَ الماءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلْ خَبَثًا» يَدُلُّ بِمَفْهُومِهِ عَلى أنَّهُ إذا لَمْ يَبْلُغْ قُلَّتَيْنِ وجَبَ أنْ يَحْمِلَ الخَبَثَ.
أجابَ مالِكٌ عَنِ الوجه الأوَّلِ، فَقالَ: لا نِزاعَ في أنَّهُ يَحْرُمُ اسْتِعْمالُ النَّجاسَةِ، ولَكِنَّ الجُزْءَ القَلِيلَ مِنَ النَّجاسَةِ المائِعَةِ إذا وقَعَ في الماءِ لَمْ يَظْهَرْ فِيهِ لَوْنُهُ ولا طَعْمُهُ ولا رائِحَتُهُ، فَلِمَ قُلْتُمْ: إنَّ تِلْكَ النَّجاسَةَ بَقِيَتْ، ولِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّها انْقَلَبَتْ عَنْ صِفَتِها ؟ وتَقْرِيرُهُ ما قَدَّمْناهُ. وأمّا قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: «لا يَبُولَنَّ أحَدُكم في الماءِ الدّائِمِ» فَلِمَ قُلْتُمْ: إنَّ هَذا النَّهْيَ لَيْسَ إلّا لِما ذَكَرْتُمُوهُ، بَلْ لَعَلَّ النَّهْيَ إنَّما كانَ لِأنَّهُ رُبَّما شَرِبَهُ إنْسانٌ، وذَلِكَ مِمّا يَنْفِرُ طَبْعُهُ عَنْهُ، ولَيْسَ الكَلامُ في نَفْرَةِ الطَّبْعِ. وأمّا قَوْلُهُ: «إذا اسْتَيْقَظَ أحَدُكم مِن مَنامِهِ فَلْيَغْسِلْ يَدَهُ ثَلاثًا» فَقَدْ أجْمَعْنا عَلى أنَّ هَذا الأمْرَ اسْتِحْبابٌ، فالمُرَتَّبُ عَلَيْهِ كَيْفَ يَكُونُ أمْرَ إيجابٍ، ثُمَّ بِتَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ أمْرَ إيجابٍ، فَلِمَ قُلْتُمْ: إنَّهُ لَمْ يُوَجِّهْ ذَلِكَ الإيجابَ إلّا لِما ذَكَرْتُمُوهُ ؟ وأمّا قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: «إذا بَلَغَ الماءُ قُلَّتَيْنِ» فَقَدْ سَبَقَ الكَلامُ عَلَيْهِ، ثُمَّ بَعْدَ النُّزُولِ عَنْ كُلِّ ما قُلْناهُ فَهو تَمَسُّكٌ بِالمَفْهُومِ والنُّصُوصِ الَّتِي ذَكَرْناها مَنطُوقَةً، والمَنطُوقُ راجِحٌ عَلى المَفْهُومِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
النَّظَرُ الثّانِي: في أنَّ غَيْرَ الماءِ هَلْ هو طَهُورٌ أمْ لا ؟ فَقالَ الأصَمُّ والأوْزاعِيُّ: يَجُوزُ الوُضُوءُ بِجَمِيعِ المائِعاتِ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: يَجُوزُ الوُضُوءُ بِنَبِيذِ التَّمْرِ في السَّفَرِ، وقالَ أيْضًا: تَجُوزُ إزالَةُ النَّجاسَةِ بِجَمِيعِ المائِعاتِ الَّتِي تُزِيلُ أعْيانَ النَّجاساتِ. وقالَ الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: الطَّهُورِيَّةُ مُخْتَصَّةٌ بِالماءِ عَلى الإطْلاقِ، ودَلِيلُهُ في صُورَةِ الحَدَثِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النِّساءِ: ٤٣] أوْجَبَ التَّيَمُّمَ عِنْدَ عَدَمِ الماءِ، ولَوْ جازَ الوُضُوءُ بِالخَلِّ أوْ نَبِيذِ التَّمْرِ لَما وجَبَ التَّيَمُّمُ عِنْدَ عَدَمِ الماءِ، وأمّا في صُورَةِ الخَبَثِ، فَلِأنَّ الخَلَّ لَوْ أفادَ طَهارَةَ الخَبَثِ لَكانَ طَهُورًا؛ لِأنَّهُ لا مَعْنى لِلطَّهُورِ إلّا المُطَهِّرَ، ولَوْ كانَ طَهُورًا لَوَجَبَ أنْ يَجُوزَ بِهِ طَهارَةُ الحَدَثِ؛ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: «لا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلاةَ أحَدِكم حَتّى يَضَعَ الطَّهُورَ مَواضِعَهُ»، وكَلِمَةُ“حَتّى " لِانْتِهاءِ الغايَةِ، فَوَجَبَ انْتِهاءُ عَدَمِ القَبُولِ عِنْدَ اسْتِعْمالِ الطَّهُورِ، وانْتِهاءُ عَدَمِ القَبُولِ يَكُونُ بِحُصُولِ القَبُولِ، فَلَوْ كانَ الخَلُّ طَهُورًا لَحَصَلَ بِاسْتِعْمالِهِ قَبُولُ الصَّلاةِ، وحَيْثُ لَمْ يَحْصُلْ عَلِمْنا أنَّ الطَّهُورِيَّةَ في الخَبَثِ أيْضًا مُخْتَصَّةٌ بِالماءِ.
الفرقان 25:50
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهم لِيَذَّكَّرُوا فَأبى أكْثَرُ النّاسِ إلّا كُفُورًا﴾ ﴿ولَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا﴾ ﴿فَلا تُطِعِ الكافِرِينَ وجاهِدْهم بِهِ جِهادًا كَبِيرًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُمُ اخْتَلَفُوا في أنَّ الهاءَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ صَرَّفْناهُ﴾ إلى أيِّ شَيْءٍ يَرْجِعُ، وذَكَرُوا فِيهِ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ:
أحَدُها: وهو الَّذِي عَلَيْهِ الجُمْهُورُ أنَّهُ يَرْجِعُ إلى المَطَرِ، ثُمَّ مِن هَؤُلاءِ مَن قالَ: مَعْنى ”صَرَّفْناهُ“ أنّا أجْرَيْناهُ في الأنْهارِ حَتّى انْتَفَعُوا بِالشُّرْبِ وبِالزِّراعاتِ وأنْواعِ المَعاشِ بِهِ، وقالَ آخَرُونَ: مَعْناهُ أنَّهُ سُبْحانَهُ يُنْزِلُهُ في مَكانٍ دُونَ مَكانٍ، وفي عامٍ دُونَ عامٍ، ثُمَّ في العامِ الثّانِي يَقَعُ بِخِلافِ ما وقَعَ في العامِ الأوَّلِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ما عامٌ بِأكْثَرَ مَطَرًا مِن عامٍ، ولَكِنَّ اللَّهَ يُصَرِّفُهُ في الأرْضِ، ثُمَّ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ. ورَوى ابْنُ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «ما مِن عامٍ بِأمْطَرَ مِن عامٍ، ولَكِنْ إذا عَمِلَ قَوْمٌ بِالمَعاصِي حَوَّلَ اللَّهُ ذَلِكَ إلى غَيْرِهِمْ، فَإذا عَصَوْا جَمِيعًا صَرَفَ اللَّهُ ذَلِكَ إلى الفَيافِي» وثانِيها: وهو قَوْلُ أبِي مُسْلِمٍ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿صَرَّفْناهُ﴾ راجِعٌ إلى المَطَرِ والرِّياحِ والسَّحابِ والأظْلالِ وسائِرِ ما ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى مِنَ الأدِلَّةِ.
وثالِثُها: ﴿ولَقَدْ صَرَّفْناهُ﴾ أيْ هَذا القَوْلَ بَيْنَ النّاسِ في القُرْآنِ وسائِرِ الكُتُبِ والصُّحُفِ الَّتِي أُنْزِلَتْ عَلى الرُّسُلِ، وهو ذِكْرُ إنْشاءِ السَّحابِ وإنْزالِ القَطْرِ لِيَتَفَكَّرُوا ويَسْتَدِلُّوا بِهِ عَلى الصّانِعِ، والوجه الأوَّلُ أقْرَبُ؛ لِأنَّهُ أقْرَبُ المَذْكُوراتِ إلى الضَّمِيرِ.
المسألة الثّانِيَةُ: قالَ الجُبّائِيُّ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيَذَّكَّرُوا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى مُرِيدٌ مِنَ الكُلِّ أنْ يَتَذَكَّرُوا ويَشْكُرُوا، ولَوْ أرادَ مِنهم أنْ يَكْفُرُوا ويُعْرِضُوا لَما صَحَّ ذَلِكَ، وذَلِكَ يُبْطِلُ قَوْلَ مَن قالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى مُرِيدٌ لِلْكُفْرِ مِمَّنْ يَكْفُرُ، قالَ: ودَلَّ قَوْلُهُ: ﴿فَأبى أكْثَرُ النّاسِ إلّا كُفُورًا﴾ عَلى قُدْرَتِهِمْ عَلى فِعْلِ هَذا التَّذَكُّرِ؛ إذْ لَوْ لَمْ يَقْدِرُوا لَما جازَ أنْ يُقالَ: أبَوْا أنْ يَفْعَلُوهُ، كَما لا يُقالُ في الزَّمَنِ: أبى أنْ يَسْعى، وقالَ الكَعْبِيُّ: قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهم لِيَذَّكَّرُوا﴾ حُجَّةٌ عَلى مَن زَعَمَ أنَّ القُرْآنَ وبالٌ عَلى الكافِرِينَ، وأنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِإنْزالِهِ أنْ يُؤْمِنُوا؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: (لِيَذَّكَّرُوا) عامٌّ في الكُلِّ، وقَوْلُهُ: ﴿فَأبى أكْثَرُ النّاسِ﴾ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ هَذا الأكْثَرُ داخِلًا في ذَلِكَ العامِّ؛ لِأنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: أنْزَلْناهُ عَلى قُرَيْشٍ لِيُؤْمِنُوا، فَأبى أكْثَرُ بَنِي تَمِيمٍ إلّا كُفُورًا. واعْلَمْ أنَّ الكَلامَ عَلَيْهِ قَدْ تَقَدَّمَ مِرارًا.
المسألة الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿فَأبى أكْثَرُ النّاسِ إلّا كُفُورًا﴾ المُرادُ كُفْرانُ النِّعْمَةِ وجُحُودُها مِن حَيْثُ لا يَتَفَكَّرُونَ فِيها ولا يَسْتَدِلُّونَ بِها عَلى وُجُودِ الصّانِعِ وقُدْرَتِهِ وإحْسانِهِ، وقِيلَ: المُرادُ مِنَ الكُفُورِ هو الكُفْرُ، وذَلِكَ الكُفْرُ إنَّما حَصَلَ لِأنَّهم يَقُولُونَ: مُطِرْنا بِنَوْءِ كَذا. لِأنَّ مَن جَحَدَ كَوْنَ النِّعَمِ صادِرَةً مِنَ المُنْعِمِ، وأضافَ شَيْئًا مِن هَذِهِ النِّعْمَةِ إلى الأفْلاكِ والكَواكِبِ فَقَدْ كَفَرَ. واعْلَمْ أنَّ التَّحْقِيقَ أنَّ مَن جَعَلَ الأفْلاكَ والكَواكِبَ مُسْتَقِلَّةً بِاقْتِضاءِ هَذِهِ الأشْياءِ فَلا شَكَّ في كُفْرِهِ، وأمّا مَن قالَ: الصّانِعُ تَعالى جَبَلَها عَلى خَواصَّ وصِفاتٍ تَقْتَضِي هَذِهِ الحَوادِثَ، فَلَعَلَّهُ لا يَبْلُغُ خَطَؤُهُ إلى حَدِّ الكُفْرِ.
المسألة الرّابِعَةُ: قالُوا: الآيَةُ دَلَّتْ عَلى أنَّ خِلافَ مَعْلُومِ اللَّهِ مَقْدُورٌ لَهُ؛ لِأنَّ كَلِمَةَ لَوْ دَلَّتْ عَلى أنَّهُ تَعالى ما شاءَ أنْ يَبْعَثَ في كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أخْبَرَ عَنْ كَوْنِهِ قادِرًا عَلى ذَلِكَ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ خِلافَ مَعْلُومِ اللَّهِ مَقْدُورٌ لَهُ.
صفحة ٨٧
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا﴾ فالأقْوى أنَّ المُرادَ مِن ذَلِكَ تَعْظِيمُ النَّبِيِّ ﷺ؛ وذَلِكَ لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: كَأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ لَهُ أنَّهُ مَعَ القُدْرَةِ عَلى بِعْثَةِ رَسُولٍ ونَذِيرٍ في كُلِّ قَرْيَةٍ، خَصَّهُ بِالرِّسالَةِ، وفَضَّلَهُ بِها عَلى الكُلِّ، ولِذَلِكَ أتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلا تُطِعِ الكافِرِينَ﴾ أيْ: لا تُوافِقْهم.
وثانِيها: المُرادُ: ولَوْ شِئْنا لَخَفَّفْنا عَنْكَ أعْباءَ الرِّسالَةِ إلى كُلِّ العالَمِينَ، ولَبَعَثْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا، ولَكِنّا قَصَرْنا الأمْرَ عَلَيْكَ وأجْلَلْناكَ وفَضَّلْناكَ عَلى سائِرِ الرُّسُلِ، فَقابِلْ هَذا الإجْلالَ بِالتَّشَدُّدِ في الدِّينِ.
وثالِثُها: أنَّ الآيَةَ تَقْتَضِي مَزْجَ اللُّطْفِ بِالعُنْفِ؛ لِأنَّها تَدُلُّ عَلى القُدْرَةِ عَلى أنْ يَبْعَثَ في كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا مِثْلَ مُحَمَّدٍ، وأنَّهُ لا حاجَةَ بِالحَضْرَةِ الإلَهِيَّةِ إلى مُحَمَّدٍ البَتَّةَ، وقَوْلُهُ: (ولَوْ) يَدُلُّ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ لا يَفْعَلُ ذَلِكَ، فَبِالنَّظَرِ إلى الأوَّلِ يَحْصُلُ التَّأْدِيبُ، وبِالنَّظَرِ إلى الثّانِي يَحْصُلُ الإعْزازُ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَلا تُطِعِ الكافِرِينَ﴾ فالمُرادُ نَهْيُهُ عَنْ طاعَتِهِمْ، ودَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ النَّهْيَ عَنِ الشَّيْءِ لا يَقْتَضِي كَوْنَ المَنهِيِّ عَنْهُ مُشْتَغِلًا بِهِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وجاهِدْهم بِهِ جِهادًا كَبِيرًا﴾ فَقالَ بَعْضُهم: المُرادُ بَذْلُ الجُهْدِ في الأداءِ والدُّعاءِ. وقالَ بَعْضُهم: المُرادُ القِتالُ. وقالَ آخَرُونَ: كِلاهُما، والأقْرَبُ الأوَّلُ؛ لِأنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ، والأمْرُ بِالقِتالِ ورَدَ بَعْدَ الهِجْرَةِ بِزَمانٍ، وإنَّما قالَ: ﴿جِهادًا كَبِيرًا﴾ لِأنَّهُ لَوْ بَعَثَ في كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا لَوَجَبَ عَلى كُلِّ نَذِيرٍ مُجاهَدَةُ قَرْيَتِهِ، فاجْتَمَعَتْ عَلى رَسُولِ اللَّهِ تِلْكَ المُجاهَداتُ وكَثُرَ جِهادُهُ مِن أجْلِ ذَلِكَ وعَظُمَ، فَقالَ لَهُ: (وجاهِدْهم) بِسَبَبِ كَوْنِكَ نَذِيرَ كافَّةِ القُرى ﴿جِهادًا كَبِيرًا﴾ جامِعًا لِكُلِّ مُجاهَدَةٍ.
الفرقان 25:51
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهم لِيَذَّكَّرُوا فَأبى أكْثَرُ النّاسِ إلّا كُفُورًا﴾ ﴿ولَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا﴾ ﴿فَلا تُطِعِ الكافِرِينَ وجاهِدْهم بِهِ جِهادًا كَبِيرًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُمُ اخْتَلَفُوا في أنَّ الهاءَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ صَرَّفْناهُ﴾ إلى أيِّ شَيْءٍ يَرْجِعُ، وذَكَرُوا فِيهِ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ:
أحَدُها: وهو الَّذِي عَلَيْهِ الجُمْهُورُ أنَّهُ يَرْجِعُ إلى المَطَرِ، ثُمَّ مِن هَؤُلاءِ مَن قالَ: مَعْنى ”صَرَّفْناهُ“ أنّا أجْرَيْناهُ في الأنْهارِ حَتّى انْتَفَعُوا بِالشُّرْبِ وبِالزِّراعاتِ وأنْواعِ المَعاشِ بِهِ، وقالَ آخَرُونَ: مَعْناهُ أنَّهُ سُبْحانَهُ يُنْزِلُهُ في مَكانٍ دُونَ مَكانٍ، وفي عامٍ دُونَ عامٍ، ثُمَّ في العامِ الثّانِي يَقَعُ بِخِلافِ ما وقَعَ في العامِ الأوَّلِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ما عامٌ بِأكْثَرَ مَطَرًا مِن عامٍ، ولَكِنَّ اللَّهَ يُصَرِّفُهُ في الأرْضِ، ثُمَّ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ. ورَوى ابْنُ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «ما مِن عامٍ بِأمْطَرَ مِن عامٍ، ولَكِنْ إذا عَمِلَ قَوْمٌ بِالمَعاصِي حَوَّلَ اللَّهُ ذَلِكَ إلى غَيْرِهِمْ، فَإذا عَصَوْا جَمِيعًا صَرَفَ اللَّهُ ذَلِكَ إلى الفَيافِي» وثانِيها: وهو قَوْلُ أبِي مُسْلِمٍ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿صَرَّفْناهُ﴾ راجِعٌ إلى المَطَرِ والرِّياحِ والسَّحابِ والأظْلالِ وسائِرِ ما ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى مِنَ الأدِلَّةِ.
وثالِثُها: ﴿ولَقَدْ صَرَّفْناهُ﴾ أيْ هَذا القَوْلَ بَيْنَ النّاسِ في القُرْآنِ وسائِرِ الكُتُبِ والصُّحُفِ الَّتِي أُنْزِلَتْ عَلى الرُّسُلِ، وهو ذِكْرُ إنْشاءِ السَّحابِ وإنْزالِ القَطْرِ لِيَتَفَكَّرُوا ويَسْتَدِلُّوا بِهِ عَلى الصّانِعِ، والوجه الأوَّلُ أقْرَبُ؛ لِأنَّهُ أقْرَبُ المَذْكُوراتِ إلى الضَّمِيرِ.
المسألة الثّانِيَةُ: قالَ الجُبّائِيُّ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيَذَّكَّرُوا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى مُرِيدٌ مِنَ الكُلِّ أنْ يَتَذَكَّرُوا ويَشْكُرُوا، ولَوْ أرادَ مِنهم أنْ يَكْفُرُوا ويُعْرِضُوا لَما صَحَّ ذَلِكَ، وذَلِكَ يُبْطِلُ قَوْلَ مَن قالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى مُرِيدٌ لِلْكُفْرِ مِمَّنْ يَكْفُرُ، قالَ: ودَلَّ قَوْلُهُ: ﴿فَأبى أكْثَرُ النّاسِ إلّا كُفُورًا﴾ عَلى قُدْرَتِهِمْ عَلى فِعْلِ هَذا التَّذَكُّرِ؛ إذْ لَوْ لَمْ يَقْدِرُوا لَما جازَ أنْ يُقالَ: أبَوْا أنْ يَفْعَلُوهُ، كَما لا يُقالُ في الزَّمَنِ: أبى أنْ يَسْعى، وقالَ الكَعْبِيُّ: قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهم لِيَذَّكَّرُوا﴾ حُجَّةٌ عَلى مَن زَعَمَ أنَّ القُرْآنَ وبالٌ عَلى الكافِرِينَ، وأنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِإنْزالِهِ أنْ يُؤْمِنُوا؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: (لِيَذَّكَّرُوا) عامٌّ في الكُلِّ، وقَوْلُهُ: ﴿فَأبى أكْثَرُ النّاسِ﴾ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ هَذا الأكْثَرُ داخِلًا في ذَلِكَ العامِّ؛ لِأنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: أنْزَلْناهُ عَلى قُرَيْشٍ لِيُؤْمِنُوا، فَأبى أكْثَرُ بَنِي تَمِيمٍ إلّا كُفُورًا. واعْلَمْ أنَّ الكَلامَ عَلَيْهِ قَدْ تَقَدَّمَ مِرارًا.
المسألة الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿فَأبى أكْثَرُ النّاسِ إلّا كُفُورًا﴾ المُرادُ كُفْرانُ النِّعْمَةِ وجُحُودُها مِن حَيْثُ لا يَتَفَكَّرُونَ فِيها ولا يَسْتَدِلُّونَ بِها عَلى وُجُودِ الصّانِعِ وقُدْرَتِهِ وإحْسانِهِ، وقِيلَ: المُرادُ مِنَ الكُفُورِ هو الكُفْرُ، وذَلِكَ الكُفْرُ إنَّما حَصَلَ لِأنَّهم يَقُولُونَ: مُطِرْنا بِنَوْءِ كَذا. لِأنَّ مَن جَحَدَ كَوْنَ النِّعَمِ صادِرَةً مِنَ المُنْعِمِ، وأضافَ شَيْئًا مِن هَذِهِ النِّعْمَةِ إلى الأفْلاكِ والكَواكِبِ فَقَدْ كَفَرَ. واعْلَمْ أنَّ التَّحْقِيقَ أنَّ مَن جَعَلَ الأفْلاكَ والكَواكِبَ مُسْتَقِلَّةً بِاقْتِضاءِ هَذِهِ الأشْياءِ فَلا شَكَّ في كُفْرِهِ، وأمّا مَن قالَ: الصّانِعُ تَعالى جَبَلَها عَلى خَواصَّ وصِفاتٍ تَقْتَضِي هَذِهِ الحَوادِثَ، فَلَعَلَّهُ لا يَبْلُغُ خَطَؤُهُ إلى حَدِّ الكُفْرِ.
المسألة الرّابِعَةُ: قالُوا: الآيَةُ دَلَّتْ عَلى أنَّ خِلافَ مَعْلُومِ اللَّهِ مَقْدُورٌ لَهُ؛ لِأنَّ كَلِمَةَ لَوْ دَلَّتْ عَلى أنَّهُ تَعالى ما شاءَ أنْ يَبْعَثَ في كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أخْبَرَ عَنْ كَوْنِهِ قادِرًا عَلى ذَلِكَ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ خِلافَ مَعْلُومِ اللَّهِ مَقْدُورٌ لَهُ.
صفحة ٨٧
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا﴾ فالأقْوى أنَّ المُرادَ مِن ذَلِكَ تَعْظِيمُ النَّبِيِّ ﷺ؛ وذَلِكَ لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: كَأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ لَهُ أنَّهُ مَعَ القُدْرَةِ عَلى بِعْثَةِ رَسُولٍ ونَذِيرٍ في كُلِّ قَرْيَةٍ، خَصَّهُ بِالرِّسالَةِ، وفَضَّلَهُ بِها عَلى الكُلِّ، ولِذَلِكَ أتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلا تُطِعِ الكافِرِينَ﴾ أيْ: لا تُوافِقْهم.
وثانِيها: المُرادُ: ولَوْ شِئْنا لَخَفَّفْنا عَنْكَ أعْباءَ الرِّسالَةِ إلى كُلِّ العالَمِينَ، ولَبَعَثْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا، ولَكِنّا قَصَرْنا الأمْرَ عَلَيْكَ وأجْلَلْناكَ وفَضَّلْناكَ عَلى سائِرِ الرُّسُلِ، فَقابِلْ هَذا الإجْلالَ بِالتَّشَدُّدِ في الدِّينِ.
وثالِثُها: أنَّ الآيَةَ تَقْتَضِي مَزْجَ اللُّطْفِ بِالعُنْفِ؛ لِأنَّها تَدُلُّ عَلى القُدْرَةِ عَلى أنْ يَبْعَثَ في كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا مِثْلَ مُحَمَّدٍ، وأنَّهُ لا حاجَةَ بِالحَضْرَةِ الإلَهِيَّةِ إلى مُحَمَّدٍ البَتَّةَ، وقَوْلُهُ: (ولَوْ) يَدُلُّ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ لا يَفْعَلُ ذَلِكَ، فَبِالنَّظَرِ إلى الأوَّلِ يَحْصُلُ التَّأْدِيبُ، وبِالنَّظَرِ إلى الثّانِي يَحْصُلُ الإعْزازُ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَلا تُطِعِ الكافِرِينَ﴾ فالمُرادُ نَهْيُهُ عَنْ طاعَتِهِمْ، ودَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ النَّهْيَ عَنِ الشَّيْءِ لا يَقْتَضِي كَوْنَ المَنهِيِّ عَنْهُ مُشْتَغِلًا بِهِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وجاهِدْهم بِهِ جِهادًا كَبِيرًا﴾ فَقالَ بَعْضُهم: المُرادُ بَذْلُ الجُهْدِ في الأداءِ والدُّعاءِ. وقالَ بَعْضُهم: المُرادُ القِتالُ. وقالَ آخَرُونَ: كِلاهُما، والأقْرَبُ الأوَّلُ؛ لِأنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ، والأمْرُ بِالقِتالِ ورَدَ بَعْدَ الهِجْرَةِ بِزَمانٍ، وإنَّما قالَ: ﴿جِهادًا كَبِيرًا﴾ لِأنَّهُ لَوْ بَعَثَ في كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا لَوَجَبَ عَلى كُلِّ نَذِيرٍ مُجاهَدَةُ قَرْيَتِهِ، فاجْتَمَعَتْ عَلى رَسُولِ اللَّهِ تِلْكَ المُجاهَداتُ وكَثُرَ جِهادُهُ مِن أجْلِ ذَلِكَ وعَظُمَ، فَقالَ لَهُ: (وجاهِدْهم) بِسَبَبِ كَوْنِكَ نَذِيرَ كافَّةِ القُرى ﴿جِهادًا كَبِيرًا﴾ جامِعًا لِكُلِّ مُجاهَدَةٍ.
الفرقان 25:52
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهم لِيَذَّكَّرُوا فَأبى أكْثَرُ النّاسِ إلّا كُفُورًا﴾ ﴿ولَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا﴾ ﴿فَلا تُطِعِ الكافِرِينَ وجاهِدْهم بِهِ جِهادًا كَبِيرًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُمُ اخْتَلَفُوا في أنَّ الهاءَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ صَرَّفْناهُ﴾ إلى أيِّ شَيْءٍ يَرْجِعُ، وذَكَرُوا فِيهِ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ:
أحَدُها: وهو الَّذِي عَلَيْهِ الجُمْهُورُ أنَّهُ يَرْجِعُ إلى المَطَرِ، ثُمَّ مِن هَؤُلاءِ مَن قالَ: مَعْنى ”صَرَّفْناهُ“ أنّا أجْرَيْناهُ في الأنْهارِ حَتّى انْتَفَعُوا بِالشُّرْبِ وبِالزِّراعاتِ وأنْواعِ المَعاشِ بِهِ، وقالَ آخَرُونَ: مَعْناهُ أنَّهُ سُبْحانَهُ يُنْزِلُهُ في مَكانٍ دُونَ مَكانٍ، وفي عامٍ دُونَ عامٍ، ثُمَّ في العامِ الثّانِي يَقَعُ بِخِلافِ ما وقَعَ في العامِ الأوَّلِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ما عامٌ بِأكْثَرَ مَطَرًا مِن عامٍ، ولَكِنَّ اللَّهَ يُصَرِّفُهُ في الأرْضِ، ثُمَّ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ. ورَوى ابْنُ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «ما مِن عامٍ بِأمْطَرَ مِن عامٍ، ولَكِنْ إذا عَمِلَ قَوْمٌ بِالمَعاصِي حَوَّلَ اللَّهُ ذَلِكَ إلى غَيْرِهِمْ، فَإذا عَصَوْا جَمِيعًا صَرَفَ اللَّهُ ذَلِكَ إلى الفَيافِي» وثانِيها: وهو قَوْلُ أبِي مُسْلِمٍ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿صَرَّفْناهُ﴾ راجِعٌ إلى المَطَرِ والرِّياحِ والسَّحابِ والأظْلالِ وسائِرِ ما ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى مِنَ الأدِلَّةِ.
وثالِثُها: ﴿ولَقَدْ صَرَّفْناهُ﴾ أيْ هَذا القَوْلَ بَيْنَ النّاسِ في القُرْآنِ وسائِرِ الكُتُبِ والصُّحُفِ الَّتِي أُنْزِلَتْ عَلى الرُّسُلِ، وهو ذِكْرُ إنْشاءِ السَّحابِ وإنْزالِ القَطْرِ لِيَتَفَكَّرُوا ويَسْتَدِلُّوا بِهِ عَلى الصّانِعِ، والوجه الأوَّلُ أقْرَبُ؛ لِأنَّهُ أقْرَبُ المَذْكُوراتِ إلى الضَّمِيرِ.
المسألة الثّانِيَةُ: قالَ الجُبّائِيُّ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيَذَّكَّرُوا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى مُرِيدٌ مِنَ الكُلِّ أنْ يَتَذَكَّرُوا ويَشْكُرُوا، ولَوْ أرادَ مِنهم أنْ يَكْفُرُوا ويُعْرِضُوا لَما صَحَّ ذَلِكَ، وذَلِكَ يُبْطِلُ قَوْلَ مَن قالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى مُرِيدٌ لِلْكُفْرِ مِمَّنْ يَكْفُرُ، قالَ: ودَلَّ قَوْلُهُ: ﴿فَأبى أكْثَرُ النّاسِ إلّا كُفُورًا﴾ عَلى قُدْرَتِهِمْ عَلى فِعْلِ هَذا التَّذَكُّرِ؛ إذْ لَوْ لَمْ يَقْدِرُوا لَما جازَ أنْ يُقالَ: أبَوْا أنْ يَفْعَلُوهُ، كَما لا يُقالُ في الزَّمَنِ: أبى أنْ يَسْعى، وقالَ الكَعْبِيُّ: قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهم لِيَذَّكَّرُوا﴾ حُجَّةٌ عَلى مَن زَعَمَ أنَّ القُرْآنَ وبالٌ عَلى الكافِرِينَ، وأنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِإنْزالِهِ أنْ يُؤْمِنُوا؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: (لِيَذَّكَّرُوا) عامٌّ في الكُلِّ، وقَوْلُهُ: ﴿فَأبى أكْثَرُ النّاسِ﴾ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ هَذا الأكْثَرُ داخِلًا في ذَلِكَ العامِّ؛ لِأنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: أنْزَلْناهُ عَلى قُرَيْشٍ لِيُؤْمِنُوا، فَأبى أكْثَرُ بَنِي تَمِيمٍ إلّا كُفُورًا. واعْلَمْ أنَّ الكَلامَ عَلَيْهِ قَدْ تَقَدَّمَ مِرارًا.
المسألة الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿فَأبى أكْثَرُ النّاسِ إلّا كُفُورًا﴾ المُرادُ كُفْرانُ النِّعْمَةِ وجُحُودُها مِن حَيْثُ لا يَتَفَكَّرُونَ فِيها ولا يَسْتَدِلُّونَ بِها عَلى وُجُودِ الصّانِعِ وقُدْرَتِهِ وإحْسانِهِ، وقِيلَ: المُرادُ مِنَ الكُفُورِ هو الكُفْرُ، وذَلِكَ الكُفْرُ إنَّما حَصَلَ لِأنَّهم يَقُولُونَ: مُطِرْنا بِنَوْءِ كَذا. لِأنَّ مَن جَحَدَ كَوْنَ النِّعَمِ صادِرَةً مِنَ المُنْعِمِ، وأضافَ شَيْئًا مِن هَذِهِ النِّعْمَةِ إلى الأفْلاكِ والكَواكِبِ فَقَدْ كَفَرَ. واعْلَمْ أنَّ التَّحْقِيقَ أنَّ مَن جَعَلَ الأفْلاكَ والكَواكِبَ مُسْتَقِلَّةً بِاقْتِضاءِ هَذِهِ الأشْياءِ فَلا شَكَّ في كُفْرِهِ، وأمّا مَن قالَ: الصّانِعُ تَعالى جَبَلَها عَلى خَواصَّ وصِفاتٍ تَقْتَضِي هَذِهِ الحَوادِثَ، فَلَعَلَّهُ لا يَبْلُغُ خَطَؤُهُ إلى حَدِّ الكُفْرِ.
المسألة الرّابِعَةُ: قالُوا: الآيَةُ دَلَّتْ عَلى أنَّ خِلافَ مَعْلُومِ اللَّهِ مَقْدُورٌ لَهُ؛ لِأنَّ كَلِمَةَ لَوْ دَلَّتْ عَلى أنَّهُ تَعالى ما شاءَ أنْ يَبْعَثَ في كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أخْبَرَ عَنْ كَوْنِهِ قادِرًا عَلى ذَلِكَ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ خِلافَ مَعْلُومِ اللَّهِ مَقْدُورٌ لَهُ.
صفحة ٨٧
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا﴾ فالأقْوى أنَّ المُرادَ مِن ذَلِكَ تَعْظِيمُ النَّبِيِّ ﷺ؛ وذَلِكَ لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: كَأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ لَهُ أنَّهُ مَعَ القُدْرَةِ عَلى بِعْثَةِ رَسُولٍ ونَذِيرٍ في كُلِّ قَرْيَةٍ، خَصَّهُ بِالرِّسالَةِ، وفَضَّلَهُ بِها عَلى الكُلِّ، ولِذَلِكَ أتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلا تُطِعِ الكافِرِينَ﴾ أيْ: لا تُوافِقْهم.
وثانِيها: المُرادُ: ولَوْ شِئْنا لَخَفَّفْنا عَنْكَ أعْباءَ الرِّسالَةِ إلى كُلِّ العالَمِينَ، ولَبَعَثْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا، ولَكِنّا قَصَرْنا الأمْرَ عَلَيْكَ وأجْلَلْناكَ وفَضَّلْناكَ عَلى سائِرِ الرُّسُلِ، فَقابِلْ هَذا الإجْلالَ بِالتَّشَدُّدِ في الدِّينِ.
وثالِثُها: أنَّ الآيَةَ تَقْتَضِي مَزْجَ اللُّطْفِ بِالعُنْفِ؛ لِأنَّها تَدُلُّ عَلى القُدْرَةِ عَلى أنْ يَبْعَثَ في كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا مِثْلَ مُحَمَّدٍ، وأنَّهُ لا حاجَةَ بِالحَضْرَةِ الإلَهِيَّةِ إلى مُحَمَّدٍ البَتَّةَ، وقَوْلُهُ: (ولَوْ) يَدُلُّ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ لا يَفْعَلُ ذَلِكَ، فَبِالنَّظَرِ إلى الأوَّلِ يَحْصُلُ التَّأْدِيبُ، وبِالنَّظَرِ إلى الثّانِي يَحْصُلُ الإعْزازُ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَلا تُطِعِ الكافِرِينَ﴾ فالمُرادُ نَهْيُهُ عَنْ طاعَتِهِمْ، ودَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ النَّهْيَ عَنِ الشَّيْءِ لا يَقْتَضِي كَوْنَ المَنهِيِّ عَنْهُ مُشْتَغِلًا بِهِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وجاهِدْهم بِهِ جِهادًا كَبِيرًا﴾ فَقالَ بَعْضُهم: المُرادُ بَذْلُ الجُهْدِ في الأداءِ والدُّعاءِ. وقالَ بَعْضُهم: المُرادُ القِتالُ. وقالَ آخَرُونَ: كِلاهُما، والأقْرَبُ الأوَّلُ؛ لِأنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ، والأمْرُ بِالقِتالِ ورَدَ بَعْدَ الهِجْرَةِ بِزَمانٍ، وإنَّما قالَ: ﴿جِهادًا كَبِيرًا﴾ لِأنَّهُ لَوْ بَعَثَ في كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا لَوَجَبَ عَلى كُلِّ نَذِيرٍ مُجاهَدَةُ قَرْيَتِهِ، فاجْتَمَعَتْ عَلى رَسُولِ اللَّهِ تِلْكَ المُجاهَداتُ وكَثُرَ جِهادُهُ مِن أجْلِ ذَلِكَ وعَظُمَ، فَقالَ لَهُ: (وجاهِدْهم) بِسَبَبِ كَوْنِكَ نَذِيرَ كافَّةِ القُرى ﴿جِهادًا كَبِيرًا﴾ جامِعًا لِكُلِّ مُجاهَدَةٍ.
الفرقان 25:53
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي مَرَجَ البَحْرَيْنِ هَذا عَذْبٌ فُراتٌ وهَذا مِلْحٌ أُجاجٌ وجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخًا وحِجْرًا مَحْجُورًا﴾ .
اعْلَمْ أنَّ هَذا هو النوع الرّابِعُ مِن دَلائِلَ التَّوْحِيدِ، وقَوْلُهُ: ﴿مَرَجَ البَحْرَيْنِ﴾ أيْ خَلّاهُما وأرْسَلَهُما، يُقالُ: مَرَجْتُ الدّابَّةَ إذا خَلَّيْتَها تَرْعى، وأصْلُ المَرَجِ الإرْسالُ والخَلْطُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَهم في أمْرٍ مَرِيجٍ﴾ [ق: ٥] سَمّى الماءَيْنِ الكَبِيرَيْنِ الواسِعَيْنِ بَحْرَيْنِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَرَجَ البَحْرَيْنِ، أيْ: أرْسَلَهُما في مَجارِيهِما كَما تُرْسَلُ الخَيْلُ في المَرْجِ، وهُما يَلْتَقِيانِ، وقَوْلُهُ: ﴿هَذا عَذْبٌ فُراتٌ﴾ والمَقْصُودُ مِنَ الفُراتِ البَلِيغُ في العُذُوبَةِ حَتّى يَصِيرَ إلى الحَلاوَةِ، والأُجاجُ نَقِيضُهُ، وأنَّهُ سُبْحانَهُ بِقُدْرَتِهِ يَفْصِلُ بَيْنَهُما ويَمْنَعُهُما التَّمازُجَ، وجَعَلَ مِن عَظِيمِ اقْتِدارِهِ بَرْزَخًا حائِلًا مِن قُدْرَتِهِ. وهَهُنا سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: ما مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وحِجْرًا مَحْجُورًا﴾ ؟ الجَوابُ: هي الكَلِمَةُ الَّتِي يَقُولُها المُتَعَوِّذُ وقَدْ فَسَّرْناها، وهي هَهُنا واقِعَةٌ عَلى سَبِيلِ المَجازِ، كَأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ البَحْرَيْنِ يَتَعَوَّذُ مِن صاحِبِهِ ويَقُولُ لَهُ حِجْرًا مَحْجُورًا، كَما قالَ: (لا يَبْغِيانِ) [الرَّحْمَنِ: ٢٠] أيْ: لا يَبْغِي أحَدُهُما عَلى صاحِبِهِ بِالمُمازَجَةِ، فانْتِفاءُ البَغْيِ كالتَّعَوُّذِ، وهَهُنا جَعَلَ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما في صُورَةِ الباغِي عَلى صاحِبِهِ، فَهو يَتَعَوَّذُ مِنهُ، وهي مِن أحْسَنِ الِاسْتِعاراتِ.
صفحة ٨٨
السُّؤالُ الثّانِي: لا وُجُودَ لِلْبَحْرِ العَذْبِ، فَكَيْفَ ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى هَهُنا ؟ لا يُقالُ: هَذا مَدْفُوعٌ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِنهُ الأوْدِيَةُ العِظامُ كالنِّيلِ وجَيْحُونَ.
الثّانِي: لَعَلَّهُ جَعَلَ في البِحارِ مَوْضِعًا يَكُونُ أحَدُ جانِبَيْهِ عَذْبًا والآخَرُ مِلْحًا؛ لِأنّا نَقُولُ: أمّا الأوَّلُ فَضَعِيفٌ؛ لِأنَّ هَذِهِ الأوْدِيَةَ لَيْسَ فِيها مِلْحٌ، والبِحارُ لَيْسَ فِيها ماءٌ عَذْبٌ، فَلَمْ يَحْصُلِ البَتَّةَ مَوْضِعُ التَّعَجُّبِ، وأمّا الثّانِي فَضَعِيفٌ؛ لِأنَّ مَوْضِعَ الِاسْتِدْلالِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مَعْلُومًا، فَأمّا بِمَحْضِ التَّجْوِيزِ فَلا يَحْسُنُ الِاسْتِدْلالُ؛ لِأنّا نَقُولُ: المُرادُ مِنَ البَحْرِ العَذْبِ هَذِهِ الأوْدِيَةُ، ومِنَ الأُجاجِ البِحارُ الكِبارُ. وجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخًا، أيْ: حائِلًا مِنَ الأرْضِ. ووَجْهُ الِاسْتِدْلالِ هَهُنا بَيِّنٌ؛ لِأنَّ العُذُوبَةَ والمُلُوحَةَ إنْ كانَتْ بِسَبَبِ طَبِيعَةِ الأرْضِ أوِ الماءِ، فَلا بُدَّ مِنَ الِاسْتِواءِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَلا بُدَّ مِن قادِرٍ حَكِيمٍ يَخُصُّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الأجْسامِ بِصِفَةٍ خاصَّةٍ مُعَيَّنَةٍ.
الفرقان 25:54
قَوْلُهُ تَعالى ﴿وهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الماءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وصِهْرًا وكانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾ .
واعْلَمْ أنَّ هَذا هو النوع الخامِسُ مِن دَلائِلِ التَّوْحِيدِ، وفِيهِ بَحْثانِ:
الأوَّلُ: ذَكَرُوا في هَذا الماءِ قَوْلَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ الماءُ الَّذِي خُلِقَ مِنهُ أُصُولُ الحَيَوانِ، وهو الَّذِي عَناهُ بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دابَّةٍ مِن ماءٍ﴾ [النُّورِ: ٤٥] .
والثّانِي: أنَّ المُرادَ النُّطْفَةُ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿خُلِقَ مِن ماءٍ دافِقٍ﴾ [الطّارِقِ: ٦]، ﴿مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ [المُرْسَلاتِ: ٢٠] .
البَحْثُ الثّانِي: المَعْنى أنَّهُ تَعالى قَسَّمَ البَشَرَ قَسَمَيْنِ ذَوِي نَسَبٍ، أيْ: ذُكُورًا يُنْسَبُ إلَيْهِمْ، فَيُقالُ: فُلانُ بْنُ فُلانٍ، وفُلانَةُ بِنْتُ فُلانٍ، وذَواتِ صِهْرٍ، أيْ: إناثًا يُصاهَرُونَ ونَحْوَهُ، قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَجَعَلَ مِنهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ [القِيامَةِ: ٣٩]، ﴿وكانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾ حَيْثُ خَلَقَ مِنَ النُّطْفَةِ الواحِدَةِ نَوْعَيْنِ مِنَ البَشَرِ الذَّكَرَ والأُنْثى.
الفرقان 25:55
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُهم ولا يَضُرُّهم وكانَ الكافِرُ عَلى رَبِّهِ ظَهِيرًا﴾ ﴿وما أرْسَلْناكَ إلّا مُبَشِّرًا ونَذِيرًا﴾ ﴿قُلْ ما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إلّا مَن شاءَ أنْ يَتَّخِذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ ﴿وتَوَكَّلْ عَلى الحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وكَفى بِهِ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيرًا﴾ .
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا شَرَحَ دَلائِلَ التَّوْحِيدِ عادَ إلى تَهْجِينِ سِيرَتِهِمْ في عِبادَةِ الأوْثانِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: قِيلَ: المُرادُ بِالكافِرِ أبُو جَهْلٍ؛ لِأنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِ، والأوْلى حَمْلُهُ عَلى العُمُومِ؛ لِأنَّ
صفحة ٨٩
خُصُوصَ السَّبَبِ لا يَقْدَحُ في عُمُومِ اللَّفْظِ، ولِأنَّهُ أوْفَقُ بِظاهِرِ قَوْلِهِ: ﴿ويَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ .
المسألة الثّانِيَةُ: ذَكَرُوا في الظَّهِيرِ وُجُوهًا:
أحَدُها: أنَّ الظَّهِيرَ بِمَعْنى المُظاهِرِ، كالعَوِينِ بِمَعْنى المُعاوِنِ، وفَعِيلٌ بِمَعْنى مُفاعِلٍ غَيْرُ غَرِيبٍ، والمَعْنى أنَّ الكافِرَ يُظاهِرُ الشَّيْطانَ عَلى رَبِّهِ بِالعَداوَةِ. فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَصِحُّ في الكافِرِ أنْ يَكُونَ مُعاوِنًا لِلشَّيْطانِ عَلى رَبِّهِ بِالعَداوَةِ ؟ قُلْنا: إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ نَفْسَهُ وأرادَ رَسُولَهُ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ﴾ [ الأحْزابِ: ٥٧] .
وثانِيها: يَجُوزُ أنْ يُرِيدَ بِالظَّهِيرِ الجَماعَةَ، كَقَوْلِهِ: ﴿والمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [التَّحْرِيمِ: ٤] كَما جاءَ الصَّدِيقُ والخَلِيطُ، وعَلى هَذا التَّفْسِيرِ يَكُونُ المُرادُ بِالكافِرِ الجِنْسَ، وأنَّ بَعْضَهم مُظاهِرٌ لِبَعْضٍ عَلى إطْفاءِ نُورِ دِينِ اللَّهِ تَعالى، قالَ تَعالى: ﴿وإخْوانُهم يَمُدُّونَهم في الغَيِّ﴾ [الأعْرافِ: ٢٠٢] .
وثالِثُها: قالَ أبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ: الظَّهِيرُ مِن قَوْلِهِمْ: ظَهَرَ فُلانٌ بِحاجَتِي إذا نَبَذَها وراءَ ظَهْرِهِ، وهو مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واتَّخَذْتُمُوهُ وراءَكم ظِهْرِيًّا﴾ [هُودٍ: ٩٢] ويُقالُ فِيمَن يَسْتَهِينُ بِالشَّيْءِ: نَبَذَهُ وراءَ ظَهْرِهِ، وقِياسُ العَرَبِيَّةِ أنْ يُقالَ: مَظْهُورٌ، أيْ: مُسْتَخَفٌّ بِهِ مَتْرُوكٌ وراءَ الظَّهْرِ، فَقِيلَ فِيهِ: ظَهِيرٌ في مَعْنى مَظْهُورٍ، ومَعْناهُ هَيِّنٌ عَلى اللَّهِ أنْ يَكْفُرَ الكافِرُ، وهو تَعالى مُسْتَهِينٌ بِكُفْرِهِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْناكَ إلّا مُبَشِّرًا ونَذِيرًا﴾ فَتَعَلُّقُ ذَلِكَ بِما تَقَدَّمَ هو أنَّ الكُفّارَ يَطْلُبُونَ العَوْنَ عَلى اللَّهِ تَعالى وعَلى رَسُولِهِ، واللَّهُ تَعالى بَعَثَ رَسُولَهُ لِنَفْعِهِمْ؛ لِأنَّهُ بَعَثَهُ لِيُبَشِّرَهم عَلى الطّاعَةِ، ويُنْذِرَهم عَلى المَعْصِيَةِ، فَيَسْتَحِقُّوا الثَّوابَ ويَحْتَرِزُوا عَنِ العِقابِ، فَلا جَهْلَ أعْظَمُ مِن جَهْلِ مَنِ اسْتَفْرَغَ جُهْدَهُ في إيذاءِ شَخْصٍ اسْتَفْرَغَ جُهْدَهُ في إصْلاحِ مُهِمّاتِهِ دِينًا ودُنْيا، ولا يَسْألُهم عَلى ذَلِكَ البَتَّةَ أجْرًا.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿إلّا مَن شاءَ﴾ فَذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا مُتَقارِبَةً:
أحَدُها: لا يَسْألُهم عَلى الأداءِ والدُّعاءِ أجْرًا، إلّا أنْ يَشاءُوا أنْ يَتَقَرَّبُوا بِالإنْفاقِ في الجِهادِ وغَيْرِهِ، فَيَتَّخِذُوا بِهِ سَبِيلًا إلى رَحْمَةِ رَبِّهِمْ ونَيْلِ ثَوابِهِ.
وثانِيها: قالَ القاضِي: مَعْناهُ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا لِنَفْسِي وأسْألُكم أنْ تَطْلُبُوا الأجْرَ لِأنْفُسِكم بِاتِّخاذِ السَّبِيلِ إلى رَبِّكم.
وثالِثُها: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: مِثالُ قَوْلِهِ: ﴿إلّا مَن شاءَ﴾، والمُرادُ إلّا فِعْلَ مَن شاءَ، واسْتِثْناؤُهُ عَنِ الأجْرِ قَوْلُ ذِي شَفَقَةٍ عَلَيْكَ قَدْ سَعى لَكَ في تَحْصِيلِ مالٍ ما أطْلُبُ مِنكَ ثَوابًا عَلى ما سَعَيْتُ، إلّا أنْ تَحْفَظَ هَذا المالَ ولا تُضَيِّعَهُ، فَلَيْسَ حِفْظُكَ المالَ لِنَفْسِكِ مِن جِنْسِ الثَّوابِ، ولَكِنْ صَوَّرَهُ هو بِصُورَةِ الثَّوابِ وسَمّاهُ بِاسْمِهِ فَأفادَ فائِدَتَيْنِ:
إحْداهُما: قَلْعُ شُبْهَةِ الطَّمَعِ في الثَّوابِ مِن أصْلِهِ، كَأنَّهُ يَقُولُ لَكَ: إنْ كانَ حِفْظُكَ لِمالِكَ ثَوابًا، فَإنِّي أطْلُبُ الثَّوابَ.
والثّانِيَةُ إظْهارُ الشَّفَقَةِ البالِغَةِ، وأنَّ حِفْظَكَ لِمالِكَ يَجْرِي مَجْرى الثَّوابِ العَظِيمِ الَّذِي تُوصِلُهُ إلَيَّ، ومَعْنى اتِّخاذِهِمْ إلى اللَّهِ سَبِيلًا، تَقَرُّبُهم إلَيْهِ وطَلَبُهم عِنْدَهُ الزُّلْفى بِالإيمانِ والطّاعَةِ، وقِيلَ: المُرادُ التَّقَرُّبُ بِالصَّدَقَةِ والنَّفَقَةِ في سَبِيلِ اللَّهِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وتَوَكَّلْ عَلى الحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾ فالمَعْنى أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا بَيَّنَ أنَّ الكُفّارَ مُتَظاهِرُونَ عَلى إيذائِهِ، فَأمَرَهُ بِأنْ لا يَطْلُبَ مِنهم أجْرًا البَتَّةَ، أمَرَهُ بِأنْ يَتَوَكَّلَ عَلَيْهِ في دَفْعِ جَمِيعِ المَضارِّ، وفي جَلْبِ جَمِيعِ المَنافِعِ، وإنَّما قالَ: ﴿عَلى الحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾ لِأنَّ مَن تَوَكَّلَ عَلى الحَيِّ الَّذِي يَمُوتُ، فَإذا ماتَ المُتَوَكَّلُ عَلَيْهِ صارَ المُتَوَكِّلُ ضائِعًا، أمّا هو سُبْحانَهُ وتَعالى فَإنَّهُ حَيٌّ لا يَمُوتُ، فَلا يَضِيعُ المُتَوَكِّلُ عَلَيْهِ البَتَّةَ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وسَبِّحْ بِحَمْدِهِ﴾ فَمِنهم مَن حَمَلَهُ عَلى نَفْسِ التَّسْبِيحِ بِالقَوْلِ، ومِنهم مَن حَمَلَهُ عَلى الصَّلاةِ، ومِنهم مَن حَمَلَهُ عَلى التَّنْزِيهِ لِلَّهِ تَعالى عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ في تَوْحِيدِهِ وعَدْلِهِ، وهَذا هو الظّاهِرُ، ثم قال: ﴿وكَفى بِهِ﴾
صفحة ٩٠
﴿بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيرًا﴾ وهَذِهِ كَلِمَةٌ يُرادُ بِها المُبالَغَةُ، يُقالُ: كَفى بِالعِلْمِ جَمالًا، وكَفى بِالأدَبِ مالًا. وهو بِمَعْنى حَسْبُكَ، أيْ: لا تَحْتاجُ مَعَهُ إلى غَيْرِهِ؛ لِأنَّهُ خَبِيرٌ بِأحْوالِهِمْ، قادِرٌ عَلى مُكافَأتِهِمْ، وذَلِكَ وعِيدٌ شَدِيدٌ، كَأنَّهُ قالَ: إنْ أقْدَمْتُمْ عَلى مُخالَفَةِ أمْرِهِ كَفاكم عِلْمُهُ في مُجازاتِكم بِما تَسْتَحِقُّونَ مِنَ العُقُوبَةِ.
الفرقان 25:56
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُهم ولا يَضُرُّهم وكانَ الكافِرُ عَلى رَبِّهِ ظَهِيرًا﴾ ﴿وما أرْسَلْناكَ إلّا مُبَشِّرًا ونَذِيرًا﴾ ﴿قُلْ ما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إلّا مَن شاءَ أنْ يَتَّخِذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ ﴿وتَوَكَّلْ عَلى الحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وكَفى بِهِ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيرًا﴾ .
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا شَرَحَ دَلائِلَ التَّوْحِيدِ عادَ إلى تَهْجِينِ سِيرَتِهِمْ في عِبادَةِ الأوْثانِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: قِيلَ: المُرادُ بِالكافِرِ أبُو جَهْلٍ؛ لِأنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِ، والأوْلى حَمْلُهُ عَلى العُمُومِ؛ لِأنَّ
صفحة ٨٩
خُصُوصَ السَّبَبِ لا يَقْدَحُ في عُمُومِ اللَّفْظِ، ولِأنَّهُ أوْفَقُ بِظاهِرِ قَوْلِهِ: ﴿ويَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ .
المسألة الثّانِيَةُ: ذَكَرُوا في الظَّهِيرِ وُجُوهًا:
أحَدُها: أنَّ الظَّهِيرَ بِمَعْنى المُظاهِرِ، كالعَوِينِ بِمَعْنى المُعاوِنِ، وفَعِيلٌ بِمَعْنى مُفاعِلٍ غَيْرُ غَرِيبٍ، والمَعْنى أنَّ الكافِرَ يُظاهِرُ الشَّيْطانَ عَلى رَبِّهِ بِالعَداوَةِ. فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَصِحُّ في الكافِرِ أنْ يَكُونَ مُعاوِنًا لِلشَّيْطانِ عَلى رَبِّهِ بِالعَداوَةِ ؟ قُلْنا: إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ نَفْسَهُ وأرادَ رَسُولَهُ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ﴾ [ الأحْزابِ: ٥٧] .
وثانِيها: يَجُوزُ أنْ يُرِيدَ بِالظَّهِيرِ الجَماعَةَ، كَقَوْلِهِ: ﴿والمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [التَّحْرِيمِ: ٤] كَما جاءَ الصَّدِيقُ والخَلِيطُ، وعَلى هَذا التَّفْسِيرِ يَكُونُ المُرادُ بِالكافِرِ الجِنْسَ، وأنَّ بَعْضَهم مُظاهِرٌ لِبَعْضٍ عَلى إطْفاءِ نُورِ دِينِ اللَّهِ تَعالى، قالَ تَعالى: ﴿وإخْوانُهم يَمُدُّونَهم في الغَيِّ﴾ [الأعْرافِ: ٢٠٢] .
وثالِثُها: قالَ أبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ: الظَّهِيرُ مِن قَوْلِهِمْ: ظَهَرَ فُلانٌ بِحاجَتِي إذا نَبَذَها وراءَ ظَهْرِهِ، وهو مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واتَّخَذْتُمُوهُ وراءَكم ظِهْرِيًّا﴾ [هُودٍ: ٩٢] ويُقالُ فِيمَن يَسْتَهِينُ بِالشَّيْءِ: نَبَذَهُ وراءَ ظَهْرِهِ، وقِياسُ العَرَبِيَّةِ أنْ يُقالَ: مَظْهُورٌ، أيْ: مُسْتَخَفٌّ بِهِ مَتْرُوكٌ وراءَ الظَّهْرِ، فَقِيلَ فِيهِ: ظَهِيرٌ في مَعْنى مَظْهُورٍ، ومَعْناهُ هَيِّنٌ عَلى اللَّهِ أنْ يَكْفُرَ الكافِرُ، وهو تَعالى مُسْتَهِينٌ بِكُفْرِهِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْناكَ إلّا مُبَشِّرًا ونَذِيرًا﴾ فَتَعَلُّقُ ذَلِكَ بِما تَقَدَّمَ هو أنَّ الكُفّارَ يَطْلُبُونَ العَوْنَ عَلى اللَّهِ تَعالى وعَلى رَسُولِهِ، واللَّهُ تَعالى بَعَثَ رَسُولَهُ لِنَفْعِهِمْ؛ لِأنَّهُ بَعَثَهُ لِيُبَشِّرَهم عَلى الطّاعَةِ، ويُنْذِرَهم عَلى المَعْصِيَةِ، فَيَسْتَحِقُّوا الثَّوابَ ويَحْتَرِزُوا عَنِ العِقابِ، فَلا جَهْلَ أعْظَمُ مِن جَهْلِ مَنِ اسْتَفْرَغَ جُهْدَهُ في إيذاءِ شَخْصٍ اسْتَفْرَغَ جُهْدَهُ في إصْلاحِ مُهِمّاتِهِ دِينًا ودُنْيا، ولا يَسْألُهم عَلى ذَلِكَ البَتَّةَ أجْرًا.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿إلّا مَن شاءَ﴾ فَذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا مُتَقارِبَةً:
أحَدُها: لا يَسْألُهم عَلى الأداءِ والدُّعاءِ أجْرًا، إلّا أنْ يَشاءُوا أنْ يَتَقَرَّبُوا بِالإنْفاقِ في الجِهادِ وغَيْرِهِ، فَيَتَّخِذُوا بِهِ سَبِيلًا إلى رَحْمَةِ رَبِّهِمْ ونَيْلِ ثَوابِهِ.
وثانِيها: قالَ القاضِي: مَعْناهُ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا لِنَفْسِي وأسْألُكم أنْ تَطْلُبُوا الأجْرَ لِأنْفُسِكم بِاتِّخاذِ السَّبِيلِ إلى رَبِّكم.
وثالِثُها: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: مِثالُ قَوْلِهِ: ﴿إلّا مَن شاءَ﴾، والمُرادُ إلّا فِعْلَ مَن شاءَ، واسْتِثْناؤُهُ عَنِ الأجْرِ قَوْلُ ذِي شَفَقَةٍ عَلَيْكَ قَدْ سَعى لَكَ في تَحْصِيلِ مالٍ ما أطْلُبُ مِنكَ ثَوابًا عَلى ما سَعَيْتُ، إلّا أنْ تَحْفَظَ هَذا المالَ ولا تُضَيِّعَهُ، فَلَيْسَ حِفْظُكَ المالَ لِنَفْسِكِ مِن جِنْسِ الثَّوابِ، ولَكِنْ صَوَّرَهُ هو بِصُورَةِ الثَّوابِ وسَمّاهُ بِاسْمِهِ فَأفادَ فائِدَتَيْنِ:
إحْداهُما: قَلْعُ شُبْهَةِ الطَّمَعِ في الثَّوابِ مِن أصْلِهِ، كَأنَّهُ يَقُولُ لَكَ: إنْ كانَ حِفْظُكَ لِمالِكَ ثَوابًا، فَإنِّي أطْلُبُ الثَّوابَ.
والثّانِيَةُ إظْهارُ الشَّفَقَةِ البالِغَةِ، وأنَّ حِفْظَكَ لِمالِكَ يَجْرِي مَجْرى الثَّوابِ العَظِيمِ الَّذِي تُوصِلُهُ إلَيَّ، ومَعْنى اتِّخاذِهِمْ إلى اللَّهِ سَبِيلًا، تَقَرُّبُهم إلَيْهِ وطَلَبُهم عِنْدَهُ الزُّلْفى بِالإيمانِ والطّاعَةِ، وقِيلَ: المُرادُ التَّقَرُّبُ بِالصَّدَقَةِ والنَّفَقَةِ في سَبِيلِ اللَّهِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وتَوَكَّلْ عَلى الحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾ فالمَعْنى أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا بَيَّنَ أنَّ الكُفّارَ مُتَظاهِرُونَ عَلى إيذائِهِ، فَأمَرَهُ بِأنْ لا يَطْلُبَ مِنهم أجْرًا البَتَّةَ، أمَرَهُ بِأنْ يَتَوَكَّلَ عَلَيْهِ في دَفْعِ جَمِيعِ المَضارِّ، وفي جَلْبِ جَمِيعِ المَنافِعِ، وإنَّما قالَ: ﴿عَلى الحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾ لِأنَّ مَن تَوَكَّلَ عَلى الحَيِّ الَّذِي يَمُوتُ، فَإذا ماتَ المُتَوَكَّلُ عَلَيْهِ صارَ المُتَوَكِّلُ ضائِعًا، أمّا هو سُبْحانَهُ وتَعالى فَإنَّهُ حَيٌّ لا يَمُوتُ، فَلا يَضِيعُ المُتَوَكِّلُ عَلَيْهِ البَتَّةَ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وسَبِّحْ بِحَمْدِهِ﴾ فَمِنهم مَن حَمَلَهُ عَلى نَفْسِ التَّسْبِيحِ بِالقَوْلِ، ومِنهم مَن حَمَلَهُ عَلى الصَّلاةِ، ومِنهم مَن حَمَلَهُ عَلى التَّنْزِيهِ لِلَّهِ تَعالى عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ في تَوْحِيدِهِ وعَدْلِهِ، وهَذا هو الظّاهِرُ، ثم قال: ﴿وكَفى بِهِ﴾
صفحة ٩٠
﴿بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيرًا﴾ وهَذِهِ كَلِمَةٌ يُرادُ بِها المُبالَغَةُ، يُقالُ: كَفى بِالعِلْمِ جَمالًا، وكَفى بِالأدَبِ مالًا. وهو بِمَعْنى حَسْبُكَ، أيْ: لا تَحْتاجُ مَعَهُ إلى غَيْرِهِ؛ لِأنَّهُ خَبِيرٌ بِأحْوالِهِمْ، قادِرٌ عَلى مُكافَأتِهِمْ، وذَلِكَ وعِيدٌ شَدِيدٌ، كَأنَّهُ قالَ: إنْ أقْدَمْتُمْ عَلى مُخالَفَةِ أمْرِهِ كَفاكم عِلْمُهُ في مُجازاتِكم بِما تَسْتَحِقُّونَ مِنَ العُقُوبَةِ.
الفرقان 25:57
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُهم ولا يَضُرُّهم وكانَ الكافِرُ عَلى رَبِّهِ ظَهِيرًا﴾ ﴿وما أرْسَلْناكَ إلّا مُبَشِّرًا ونَذِيرًا﴾ ﴿قُلْ ما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إلّا مَن شاءَ أنْ يَتَّخِذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ ﴿وتَوَكَّلْ عَلى الحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وكَفى بِهِ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيرًا﴾ .
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا شَرَحَ دَلائِلَ التَّوْحِيدِ عادَ إلى تَهْجِينِ سِيرَتِهِمْ في عِبادَةِ الأوْثانِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: قِيلَ: المُرادُ بِالكافِرِ أبُو جَهْلٍ؛ لِأنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِ، والأوْلى حَمْلُهُ عَلى العُمُومِ؛ لِأنَّ
صفحة ٨٩
خُصُوصَ السَّبَبِ لا يَقْدَحُ في عُمُومِ اللَّفْظِ، ولِأنَّهُ أوْفَقُ بِظاهِرِ قَوْلِهِ: ﴿ويَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ .
المسألة الثّانِيَةُ: ذَكَرُوا في الظَّهِيرِ وُجُوهًا:
أحَدُها: أنَّ الظَّهِيرَ بِمَعْنى المُظاهِرِ، كالعَوِينِ بِمَعْنى المُعاوِنِ، وفَعِيلٌ بِمَعْنى مُفاعِلٍ غَيْرُ غَرِيبٍ، والمَعْنى أنَّ الكافِرَ يُظاهِرُ الشَّيْطانَ عَلى رَبِّهِ بِالعَداوَةِ. فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَصِحُّ في الكافِرِ أنْ يَكُونَ مُعاوِنًا لِلشَّيْطانِ عَلى رَبِّهِ بِالعَداوَةِ ؟ قُلْنا: إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ نَفْسَهُ وأرادَ رَسُولَهُ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ﴾ [ الأحْزابِ: ٥٧] .
وثانِيها: يَجُوزُ أنْ يُرِيدَ بِالظَّهِيرِ الجَماعَةَ، كَقَوْلِهِ: ﴿والمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [التَّحْرِيمِ: ٤] كَما جاءَ الصَّدِيقُ والخَلِيطُ، وعَلى هَذا التَّفْسِيرِ يَكُونُ المُرادُ بِالكافِرِ الجِنْسَ، وأنَّ بَعْضَهم مُظاهِرٌ لِبَعْضٍ عَلى إطْفاءِ نُورِ دِينِ اللَّهِ تَعالى، قالَ تَعالى: ﴿وإخْوانُهم يَمُدُّونَهم في الغَيِّ﴾ [الأعْرافِ: ٢٠٢] .
وثالِثُها: قالَ أبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ: الظَّهِيرُ مِن قَوْلِهِمْ: ظَهَرَ فُلانٌ بِحاجَتِي إذا نَبَذَها وراءَ ظَهْرِهِ، وهو مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واتَّخَذْتُمُوهُ وراءَكم ظِهْرِيًّا﴾ [هُودٍ: ٩٢] ويُقالُ فِيمَن يَسْتَهِينُ بِالشَّيْءِ: نَبَذَهُ وراءَ ظَهْرِهِ، وقِياسُ العَرَبِيَّةِ أنْ يُقالَ: مَظْهُورٌ، أيْ: مُسْتَخَفٌّ بِهِ مَتْرُوكٌ وراءَ الظَّهْرِ، فَقِيلَ فِيهِ: ظَهِيرٌ في مَعْنى مَظْهُورٍ، ومَعْناهُ هَيِّنٌ عَلى اللَّهِ أنْ يَكْفُرَ الكافِرُ، وهو تَعالى مُسْتَهِينٌ بِكُفْرِهِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْناكَ إلّا مُبَشِّرًا ونَذِيرًا﴾ فَتَعَلُّقُ ذَلِكَ بِما تَقَدَّمَ هو أنَّ الكُفّارَ يَطْلُبُونَ العَوْنَ عَلى اللَّهِ تَعالى وعَلى رَسُولِهِ، واللَّهُ تَعالى بَعَثَ رَسُولَهُ لِنَفْعِهِمْ؛ لِأنَّهُ بَعَثَهُ لِيُبَشِّرَهم عَلى الطّاعَةِ، ويُنْذِرَهم عَلى المَعْصِيَةِ، فَيَسْتَحِقُّوا الثَّوابَ ويَحْتَرِزُوا عَنِ العِقابِ، فَلا جَهْلَ أعْظَمُ مِن جَهْلِ مَنِ اسْتَفْرَغَ جُهْدَهُ في إيذاءِ شَخْصٍ اسْتَفْرَغَ جُهْدَهُ في إصْلاحِ مُهِمّاتِهِ دِينًا ودُنْيا، ولا يَسْألُهم عَلى ذَلِكَ البَتَّةَ أجْرًا.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿إلّا مَن شاءَ﴾ فَذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا مُتَقارِبَةً:
أحَدُها: لا يَسْألُهم عَلى الأداءِ والدُّعاءِ أجْرًا، إلّا أنْ يَشاءُوا أنْ يَتَقَرَّبُوا بِالإنْفاقِ في الجِهادِ وغَيْرِهِ، فَيَتَّخِذُوا بِهِ سَبِيلًا إلى رَحْمَةِ رَبِّهِمْ ونَيْلِ ثَوابِهِ.
وثانِيها: قالَ القاضِي: مَعْناهُ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا لِنَفْسِي وأسْألُكم أنْ تَطْلُبُوا الأجْرَ لِأنْفُسِكم بِاتِّخاذِ السَّبِيلِ إلى رَبِّكم.
وثالِثُها: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: مِثالُ قَوْلِهِ: ﴿إلّا مَن شاءَ﴾، والمُرادُ إلّا فِعْلَ مَن شاءَ، واسْتِثْناؤُهُ عَنِ الأجْرِ قَوْلُ ذِي شَفَقَةٍ عَلَيْكَ قَدْ سَعى لَكَ في تَحْصِيلِ مالٍ ما أطْلُبُ مِنكَ ثَوابًا عَلى ما سَعَيْتُ، إلّا أنْ تَحْفَظَ هَذا المالَ ولا تُضَيِّعَهُ، فَلَيْسَ حِفْظُكَ المالَ لِنَفْسِكِ مِن جِنْسِ الثَّوابِ، ولَكِنْ صَوَّرَهُ هو بِصُورَةِ الثَّوابِ وسَمّاهُ بِاسْمِهِ فَأفادَ فائِدَتَيْنِ:
إحْداهُما: قَلْعُ شُبْهَةِ الطَّمَعِ في الثَّوابِ مِن أصْلِهِ، كَأنَّهُ يَقُولُ لَكَ: إنْ كانَ حِفْظُكَ لِمالِكَ ثَوابًا، فَإنِّي أطْلُبُ الثَّوابَ.
والثّانِيَةُ إظْهارُ الشَّفَقَةِ البالِغَةِ، وأنَّ حِفْظَكَ لِمالِكَ يَجْرِي مَجْرى الثَّوابِ العَظِيمِ الَّذِي تُوصِلُهُ إلَيَّ، ومَعْنى اتِّخاذِهِمْ إلى اللَّهِ سَبِيلًا، تَقَرُّبُهم إلَيْهِ وطَلَبُهم عِنْدَهُ الزُّلْفى بِالإيمانِ والطّاعَةِ، وقِيلَ: المُرادُ التَّقَرُّبُ بِالصَّدَقَةِ والنَّفَقَةِ في سَبِيلِ اللَّهِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وتَوَكَّلْ عَلى الحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾ فالمَعْنى أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا بَيَّنَ أنَّ الكُفّارَ مُتَظاهِرُونَ عَلى إيذائِهِ، فَأمَرَهُ بِأنْ لا يَطْلُبَ مِنهم أجْرًا البَتَّةَ، أمَرَهُ بِأنْ يَتَوَكَّلَ عَلَيْهِ في دَفْعِ جَمِيعِ المَضارِّ، وفي جَلْبِ جَمِيعِ المَنافِعِ، وإنَّما قالَ: ﴿عَلى الحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾ لِأنَّ مَن تَوَكَّلَ عَلى الحَيِّ الَّذِي يَمُوتُ، فَإذا ماتَ المُتَوَكَّلُ عَلَيْهِ صارَ المُتَوَكِّلُ ضائِعًا، أمّا هو سُبْحانَهُ وتَعالى فَإنَّهُ حَيٌّ لا يَمُوتُ، فَلا يَضِيعُ المُتَوَكِّلُ عَلَيْهِ البَتَّةَ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وسَبِّحْ بِحَمْدِهِ﴾ فَمِنهم مَن حَمَلَهُ عَلى نَفْسِ التَّسْبِيحِ بِالقَوْلِ، ومِنهم مَن حَمَلَهُ عَلى الصَّلاةِ، ومِنهم مَن حَمَلَهُ عَلى التَّنْزِيهِ لِلَّهِ تَعالى عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ في تَوْحِيدِهِ وعَدْلِهِ، وهَذا هو الظّاهِرُ، ثم قال: ﴿وكَفى بِهِ﴾
صفحة ٩٠
﴿بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيرًا﴾ وهَذِهِ كَلِمَةٌ يُرادُ بِها المُبالَغَةُ، يُقالُ: كَفى بِالعِلْمِ جَمالًا، وكَفى بِالأدَبِ مالًا. وهو بِمَعْنى حَسْبُكَ، أيْ: لا تَحْتاجُ مَعَهُ إلى غَيْرِهِ؛ لِأنَّهُ خَبِيرٌ بِأحْوالِهِمْ، قادِرٌ عَلى مُكافَأتِهِمْ، وذَلِكَ وعِيدٌ شَدِيدٌ، كَأنَّهُ قالَ: إنْ أقْدَمْتُمْ عَلى مُخالَفَةِ أمْرِهِ كَفاكم عِلْمُهُ في مُجازاتِكم بِما تَسْتَحِقُّونَ مِنَ العُقُوبَةِ.
الفرقان 25:58
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُهم ولا يَضُرُّهم وكانَ الكافِرُ عَلى رَبِّهِ ظَهِيرًا﴾ ﴿وما أرْسَلْناكَ إلّا مُبَشِّرًا ونَذِيرًا﴾ ﴿قُلْ ما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إلّا مَن شاءَ أنْ يَتَّخِذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ ﴿وتَوَكَّلْ عَلى الحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وكَفى بِهِ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيرًا﴾ .
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا شَرَحَ دَلائِلَ التَّوْحِيدِ عادَ إلى تَهْجِينِ سِيرَتِهِمْ في عِبادَةِ الأوْثانِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: قِيلَ: المُرادُ بِالكافِرِ أبُو جَهْلٍ؛ لِأنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِ، والأوْلى حَمْلُهُ عَلى العُمُومِ؛ لِأنَّ
صفحة ٨٩
خُصُوصَ السَّبَبِ لا يَقْدَحُ في عُمُومِ اللَّفْظِ، ولِأنَّهُ أوْفَقُ بِظاهِرِ قَوْلِهِ: ﴿ويَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ .
المسألة الثّانِيَةُ: ذَكَرُوا في الظَّهِيرِ وُجُوهًا:
أحَدُها: أنَّ الظَّهِيرَ بِمَعْنى المُظاهِرِ، كالعَوِينِ بِمَعْنى المُعاوِنِ، وفَعِيلٌ بِمَعْنى مُفاعِلٍ غَيْرُ غَرِيبٍ، والمَعْنى أنَّ الكافِرَ يُظاهِرُ الشَّيْطانَ عَلى رَبِّهِ بِالعَداوَةِ. فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَصِحُّ في الكافِرِ أنْ يَكُونَ مُعاوِنًا لِلشَّيْطانِ عَلى رَبِّهِ بِالعَداوَةِ ؟ قُلْنا: إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ نَفْسَهُ وأرادَ رَسُولَهُ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ﴾ [ الأحْزابِ: ٥٧] .
وثانِيها: يَجُوزُ أنْ يُرِيدَ بِالظَّهِيرِ الجَماعَةَ، كَقَوْلِهِ: ﴿والمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [التَّحْرِيمِ: ٤] كَما جاءَ الصَّدِيقُ والخَلِيطُ، وعَلى هَذا التَّفْسِيرِ يَكُونُ المُرادُ بِالكافِرِ الجِنْسَ، وأنَّ بَعْضَهم مُظاهِرٌ لِبَعْضٍ عَلى إطْفاءِ نُورِ دِينِ اللَّهِ تَعالى، قالَ تَعالى: ﴿وإخْوانُهم يَمُدُّونَهم في الغَيِّ﴾ [الأعْرافِ: ٢٠٢] .
وثالِثُها: قالَ أبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ: الظَّهِيرُ مِن قَوْلِهِمْ: ظَهَرَ فُلانٌ بِحاجَتِي إذا نَبَذَها وراءَ ظَهْرِهِ، وهو مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واتَّخَذْتُمُوهُ وراءَكم ظِهْرِيًّا﴾ [هُودٍ: ٩٢] ويُقالُ فِيمَن يَسْتَهِينُ بِالشَّيْءِ: نَبَذَهُ وراءَ ظَهْرِهِ، وقِياسُ العَرَبِيَّةِ أنْ يُقالَ: مَظْهُورٌ، أيْ: مُسْتَخَفٌّ بِهِ مَتْرُوكٌ وراءَ الظَّهْرِ، فَقِيلَ فِيهِ: ظَهِيرٌ في مَعْنى مَظْهُورٍ، ومَعْناهُ هَيِّنٌ عَلى اللَّهِ أنْ يَكْفُرَ الكافِرُ، وهو تَعالى مُسْتَهِينٌ بِكُفْرِهِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْناكَ إلّا مُبَشِّرًا ونَذِيرًا﴾ فَتَعَلُّقُ ذَلِكَ بِما تَقَدَّمَ هو أنَّ الكُفّارَ يَطْلُبُونَ العَوْنَ عَلى اللَّهِ تَعالى وعَلى رَسُولِهِ، واللَّهُ تَعالى بَعَثَ رَسُولَهُ لِنَفْعِهِمْ؛ لِأنَّهُ بَعَثَهُ لِيُبَشِّرَهم عَلى الطّاعَةِ، ويُنْذِرَهم عَلى المَعْصِيَةِ، فَيَسْتَحِقُّوا الثَّوابَ ويَحْتَرِزُوا عَنِ العِقابِ، فَلا جَهْلَ أعْظَمُ مِن جَهْلِ مَنِ اسْتَفْرَغَ جُهْدَهُ في إيذاءِ شَخْصٍ اسْتَفْرَغَ جُهْدَهُ في إصْلاحِ مُهِمّاتِهِ دِينًا ودُنْيا، ولا يَسْألُهم عَلى ذَلِكَ البَتَّةَ أجْرًا.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿إلّا مَن شاءَ﴾ فَذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا مُتَقارِبَةً:
أحَدُها: لا يَسْألُهم عَلى الأداءِ والدُّعاءِ أجْرًا، إلّا أنْ يَشاءُوا أنْ يَتَقَرَّبُوا بِالإنْفاقِ في الجِهادِ وغَيْرِهِ، فَيَتَّخِذُوا بِهِ سَبِيلًا إلى رَحْمَةِ رَبِّهِمْ ونَيْلِ ثَوابِهِ.
وثانِيها: قالَ القاضِي: مَعْناهُ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا لِنَفْسِي وأسْألُكم أنْ تَطْلُبُوا الأجْرَ لِأنْفُسِكم بِاتِّخاذِ السَّبِيلِ إلى رَبِّكم.
وثالِثُها: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: مِثالُ قَوْلِهِ: ﴿إلّا مَن شاءَ﴾، والمُرادُ إلّا فِعْلَ مَن شاءَ، واسْتِثْناؤُهُ عَنِ الأجْرِ قَوْلُ ذِي شَفَقَةٍ عَلَيْكَ قَدْ سَعى لَكَ في تَحْصِيلِ مالٍ ما أطْلُبُ مِنكَ ثَوابًا عَلى ما سَعَيْتُ، إلّا أنْ تَحْفَظَ هَذا المالَ ولا تُضَيِّعَهُ، فَلَيْسَ حِفْظُكَ المالَ لِنَفْسِكِ مِن جِنْسِ الثَّوابِ، ولَكِنْ صَوَّرَهُ هو بِصُورَةِ الثَّوابِ وسَمّاهُ بِاسْمِهِ فَأفادَ فائِدَتَيْنِ:
إحْداهُما: قَلْعُ شُبْهَةِ الطَّمَعِ في الثَّوابِ مِن أصْلِهِ، كَأنَّهُ يَقُولُ لَكَ: إنْ كانَ حِفْظُكَ لِمالِكَ ثَوابًا، فَإنِّي أطْلُبُ الثَّوابَ.
والثّانِيَةُ إظْهارُ الشَّفَقَةِ البالِغَةِ، وأنَّ حِفْظَكَ لِمالِكَ يَجْرِي مَجْرى الثَّوابِ العَظِيمِ الَّذِي تُوصِلُهُ إلَيَّ، ومَعْنى اتِّخاذِهِمْ إلى اللَّهِ سَبِيلًا، تَقَرُّبُهم إلَيْهِ وطَلَبُهم عِنْدَهُ الزُّلْفى بِالإيمانِ والطّاعَةِ، وقِيلَ: المُرادُ التَّقَرُّبُ بِالصَّدَقَةِ والنَّفَقَةِ في سَبِيلِ اللَّهِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وتَوَكَّلْ عَلى الحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾ فالمَعْنى أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا بَيَّنَ أنَّ الكُفّارَ مُتَظاهِرُونَ عَلى إيذائِهِ، فَأمَرَهُ بِأنْ لا يَطْلُبَ مِنهم أجْرًا البَتَّةَ، أمَرَهُ بِأنْ يَتَوَكَّلَ عَلَيْهِ في دَفْعِ جَمِيعِ المَضارِّ، وفي جَلْبِ جَمِيعِ المَنافِعِ، وإنَّما قالَ: ﴿عَلى الحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾ لِأنَّ مَن تَوَكَّلَ عَلى الحَيِّ الَّذِي يَمُوتُ، فَإذا ماتَ المُتَوَكَّلُ عَلَيْهِ صارَ المُتَوَكِّلُ ضائِعًا، أمّا هو سُبْحانَهُ وتَعالى فَإنَّهُ حَيٌّ لا يَمُوتُ، فَلا يَضِيعُ المُتَوَكِّلُ عَلَيْهِ البَتَّةَ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وسَبِّحْ بِحَمْدِهِ﴾ فَمِنهم مَن حَمَلَهُ عَلى نَفْسِ التَّسْبِيحِ بِالقَوْلِ، ومِنهم مَن حَمَلَهُ عَلى الصَّلاةِ، ومِنهم مَن حَمَلَهُ عَلى التَّنْزِيهِ لِلَّهِ تَعالى عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ في تَوْحِيدِهِ وعَدْلِهِ، وهَذا هو الظّاهِرُ، ثم قال: ﴿وكَفى بِهِ﴾
صفحة ٩٠
﴿بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيرًا﴾ وهَذِهِ كَلِمَةٌ يُرادُ بِها المُبالَغَةُ، يُقالُ: كَفى بِالعِلْمِ جَمالًا، وكَفى بِالأدَبِ مالًا. وهو بِمَعْنى حَسْبُكَ، أيْ: لا تَحْتاجُ مَعَهُ إلى غَيْرِهِ؛ لِأنَّهُ خَبِيرٌ بِأحْوالِهِمْ، قادِرٌ عَلى مُكافَأتِهِمْ، وذَلِكَ وعِيدٌ شَدِيدٌ، كَأنَّهُ قالَ: إنْ أقْدَمْتُمْ عَلى مُخالَفَةِ أمْرِهِ كَفاكم عِلْمُهُ في مُجازاتِكم بِما تَسْتَحِقُّونَ مِنَ العُقُوبَةِ.
الفرقان 25:59
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما في سِتَّةِ أيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ الرَّحْمَنُ فاسْألْ بِهِ خَبِيرًا﴾ ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قالُوا وما الرَّحْمَنُ أنَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا وزادَهم نُفُورًا﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا أمَرَ الرَّسُولَ بِأنْ يَتَوَكَّلَ عَلَيْهِ وصَفَ نَفْسَهُ بِأُمُورٍ:
أوَّلُها: بِأنَّهُ حَيٌّ لا يَمُوتُ، وهو قَوْلُهُ: ﴿وتَوَكَّلْ عَلى الحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾ [الفُرْقانِ: ٥٨] .
وثانِيها: أنَّهُ عالِمٌ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿وكَفى بِهِ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيرًا﴾ [الفُرْقانِ: ٥٨] .
وثالِثُها: أنَّهُ قادِرٌ عَلى كُلِّ المُمْكِناتِ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾، فَقَوْلُهُ: ﴿الَّذِي خَلَقَ﴾ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: ﴿الحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾؛ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا كانَ هو الخالِقَ لِلسَّماواتِ والأرَضِينَ ولِكُلِّ ما بَيْنَهُما، ثَبَتَ أنَّهُ هو القادِرُ عَلى جَمِيعِ وُجُوهِ المَنافِعِ ودَفْعِ المَضارِّ، وأنَّ النِّعَمَ كُلَّها مِن جِهَتِهِ، فَحِينَئِذٍ لا يَجُوزُ التَّوَكُّلُ إلّا عَلَيْهِ. وفي الآيَةِ سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: الأيّامُ عِبارَةٌ عَنْ حَرَكاتِ الشَّمْسِ في السَّماواتِ، فَقَبْلَ السَّماواتِ لا أيّامَ، فَكَيْفَ قالَ اللَّهُ: خَلَقَها في سِتَّةِ أيّامٍ ؟ الجَوابُ: يَعْنِي في مُدَّةٍ مِقْدارُها هَذِهِ المُدَّةُ لا يُقالُ: الشَّيْءُ الَّذِي يَتَقَدَّرُ بِمِقْدارٍ مَحْدُودٍ ويَقْبَلُ الزِّيادَةَ والنُّقْصانَ والتَّجْزِئَةَ لا يَكُونُ عَدَمًا مَحْضًا، بَلْ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مَوْجُودًا، فَيَلْزَمُ مِن وُجُودِهِ وُجُودُ مُدَّةٍ قَبْلَ وُجُودِ العالَمِ، وذَلِكَ يَقْتَضِي قِدَمَ الزَّمانِ؛ لِأنّا نَقُولُ: هَذا مُعارَضٌ بِنَفْسِ الزَّمانِ؛ لِأنَّ المُدَّةَ المُتَوَهَّمَةَ المُحْتَمَلَةَ لِعَشَرَةِ أيّامٍ لا تَحْتَمِلُ خَمْسَةَ أيّامٍ، والمُدَّةُ المُتَوَهَّمَةُ الَّتِي تَحْتَمِلُ خَمْسَةَ أيّامٍ لا تَحْتَمِلُ عَشَرَةَ أيّامٍ، فَيَلْزَمُ أنْ يَكُونَ لِلْمُدَّةِ مُدَّةٌ أُخْرى، فَلَمّا لَمْ يَلْزَمْ هَذا لَمْ يَلْزَمْ ما قُلْتُمُوهُ، وعَلى هَذا نَقُولُ: لَعَلَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ خَلَقَ المُدَّةَ أوَّلًا ثُمَّ السَّماواتِ والأرْضَ فِيها بِمِقْدارِ سِتَّةِ أيّامٍ، ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: في سِتَّةِ أيّامٍ مِن أيّامِ الآخِرَةِ، وكُلُّ يَوْمٍ ألْفُ سَنَةٍ، وهو بَعِيدٌ؛ لِأنَّ التَّعْرِيفَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ بِأمْرٍ مَعْلُومٍ، لا بِأمْرٍ مَجْهُولٍ.
السُّؤالُ الثّانِي: لِمَ قَدَّرَ الخَلْقَ والإيجادَ بِهَذا التَّقْدِيرِ ؟ الجَوابُ: أمّا عَلى قَوْلِنا فالمَشِيئَةُ والقُدْرَةُ كافِيَةٌ في التَّخْصِيصِ، قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: بَلْ لا بُدَّ مِن داعِي حِكْمَةٍ، وهو أنَّ تَخْصِيصَ خَلْقِ العالَمِ بِهَذا المِقْدارِ أصْلَحُ لِلْمُكَلَّفِينَ، وهَذا بَعِيدٌ لِوَجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ حُصُولَ تِلْكَ الحِكْمَةِ إمّا أنْ يَكُونَ واجِبًا لِذاتِهِ، أوْ جائِزًا، فَإنْ كانَ واجِبًا وجَبَ أنْ لا يَتَغَيَّرَ، فَيَكُونُ حاصِلًا في كُلِّ الأزْمِنَةِ، فَلا يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ سَبَبًا لِتَخْصِيصِ زَمانٍ مُعَيَّنٍ، وإنْ كانَ جائِزًا افْتَقَرَ حُصُولُ تِلْكَ الحِكْمَةِ في ذَلِكَ الوَقْتِ إلى مُخَصِّصٍ آخَرَ، ويَلْزَمُ التَّسَلْسُلُ.
والثّانِي: أنَّ التَّفاوُتَ بَيْنَ كُلِّ واحِدٍ مِمّا لا يَصِلُ إلَيْهِ خاطِرُ المُكَلَّفِ وعَقْلُهُ، فَحُصُولُ ذَلِكَ التَّفاوُتِ لَمّا لَمْ يَكُنْ مَشْعُورًا بِهِ كَيْفَ يَقْدَحُ في حُصُولِ المَصالِحِ.
صفحة ٩١
واعْلَمْ أنَّهُ يَجِبُ عَلى المُكَلَّفِ سَواءً كانَ عَلى قَوْلِنا، أوْ عَلى قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ أنْ يَقْطَعَ الطَّمَعَ عَنْ أمْثالِ هَذِهِ الأسْئِلَةِ؛ فَإنَّهُ بَحْرٌ لا ساحِلَ لَهُ. مِن ذَلِكَ: تَقْدِيرُ المَلائِكَةِ الَّذِينَ هم أصْحابُ النّارِ بِتِسْعَةَ عَشَرَ، وحَمَلَةِ العَرْشِ بِالثَّمانِيَةِ، وشُهُورِ السَّنَةِ بِاثْنَيْ عَشَرَ، والسَّماواتِ السَّبْعِ وكَذا الأرْضِ، وكَذا القَوْلُ في عَدَدِ الصَّلَواتِ ومَقادِيرِ النُّصُبِ في الزَّكَواتِ، وكَذا مَقادِيرُ الحُدُودِ والكَفّاراتِ، فالإقْرارُ بِأنَّ كُلَّ ما قالَهُ اللَّهُ تَعالى حَقٌّ هو الدِّينُ، وتَرْكُ البَحْثِ عَنْ هَذِهِ الأشْياءِ هو الواجِبُ، وقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ تَعالى في قَوْلِهِ: ﴿وما جَعَلْنا أصْحابَ النّارِ إلّا مَلائِكَةً وما جَعَلْنا عِدَّتَهم إلّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ ويَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إيمانًا ولا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ والمُؤْمِنُونَ ولِيَقُولَ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ والكافِرُونَ ماذا أرادَ اللَّهُ بِهَذا﴾ [المُدَّثِّرِ: ٣١]، ثم قال: ﴿وما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إلّا هُوَ﴾ [المُدَّثِّرِ: ٣١] وهَذا هو الجَوابُ أيْضًا في أنَّهُ لَمْ يَخْلُقْها في لَحْظَةٍ، وهو قادِرٌ عَلى ذَلِكَ. وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ إنَّما خَلَقَها في سِتَّةِ أيّامٍ، وهو يَقْدِرُ عَلى أنْ يَخْلُقَها في لَحْظَةٍ؛ تَعْلِيمًا لِخَلْقِهِ الرِّفْقَ والتَّثَبُّتَ، قِيلَ: تَمَّ خَلْقُها يَوْمَ الجُمُعَةِ، فَجَعَلَها اللَّهُ تَعالى عِيدًا لِلْمُسْلِمِينَ.
السُّؤالُ الثّالِثُ: ما مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾ ؟ ولا يَجُوزُ حَمْلُهُ عَلى الِاسْتِيلاءِ والقُدْرَةِ؛ لِأنَّ الِاسْتِيلاءَ والقُدْرَةَ في أوْصافِ اللَّهِ لَمْ تَزَلْ، ولا يَصِحُّ دُخُولُ ثُمَّ فِيهِ. والجَوابُ: الِاسْتِقْرارُ غَيْرُ جائِزٍ؛ لِأنَّهُ يَقْتَضِي التَّغَيُّرَ الَّذِي هو دَلِيلُ الحُدُوثِ، ويَقْتَضِي التَّرْكِيبَ والبَعْضِيَّةَ، وكُلُّ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ مُحالٌ، بَلِ المُرادُ ثُمَّ خَلَقَ العَرْشَ ورَفَعَهُ، وهو مُسْتَوْلٍ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَنَبْلُوَنَّكم حَتّى نَعْلَمَ﴾ [مُحَمَّدٍ: ٣١] فَإنَّ المُرادَ حَتّى يُجاهِدَ المُجاهِدُونَ ونَحْنُ بِهِمْ عالِمُونَ، فَإنْ قِيلَ: فَعَلى هَذا التَّفْسِيرِ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ خَلْقُ العَرْشِ بَعْدَ خَلْقِ السَّماواتِ، ولَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكانَ عَرْشُهُ عَلى الماءِ﴾ [هُودٍ: ٧] قُلْنا: كَلِمَةُ ”ثُمَّ“ ما دَخَلَتْ عَلى خَلْقِ العَرْشِ، بَلْ عَلى رَفْعِهِ عَلى السَّماواتِ.
السُّؤالُ الرّابِعُ: كَيْفَ إعْرابُ قَوْلِهِ: ﴿الرَّحْمَنُ فاسْألْ بِهِ خَبِيرًا﴾ ؟ الجَوابُ: ”الَّذِي خَلَقَ“ مُبْتَدَأٌ و”الرَّحْمَنُ“ خَبَرُهُ، أوْ هو صِفَةٌ لِلْحَيِّ، والرَّحْمَنُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، ولِهَذا أجازالزَّجّاجُ وغَيْرُهُ أنْ يَكُونَ الوَقْفُ عَلى قَوْلِهِ ﴿عَلى العَرْشِ﴾، ثُمَّ يَبْتَدِئُ بِالرَّحْمَنِ؛ أيْ: هو الرَّحْمَنُ الَّذِي لا يَنْبَغِي السُّجُودُ والتَّعْظِيمُ إلّا لَهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الرَّحْمَنُ مُبْتَدَأً وخَبَرُهُ قَوْلُهُ: ﴿فاسْألْ بِهِ خَبِيرًا﴾ .
السُّؤالُ الخامِسُ: ما مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿فاسْألْ بِهِ خَبِيرًا﴾ ؟ الجَوابُ: ذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا:
أحَدُها: قالَ الكَلْبِيُّ: مَعْناهُ فاسْألْ خَبِيرًا بِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿بِهِ﴾ يَعُودُ إلى ما ذَكَرْنا مِن خَلْقِ السَّماءِ والأرْضِ والِاسْتِواءِ عَلى العَرْشِ، والباءُ مِن صِلَةِ الخَبِيرِ، وذَلِكَ الخَبِيرُ هو اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ؛ لِأنَّهُ لا دَلِيلَ في العَقْلِ عَلى كَيْفِيَّةِ خَلْقِ اللَّهِ السَّماواتِ والأرْضَ، فَلا يَعْلَمُها أحَدٌ إلّا اللَّهُ تَعالى، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ ذَلِكَ الخَبِيرَ هو جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وإنَّما قُدِّمَ لِرُءُوسِ الآيِ وحُسْنِ النَّظْمِ.
وثانِيها: قالَ الزَّجّاجُ: قَوْلُهُ: ﴿بِهِ﴾ مَعْناهُ عَنْهُ، والمَعْنى: فاسْألْ عَنْهُ خَبِيرًا، وهو قَوْلُ الأخْفَشِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿سَألَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ﴾ [ المَعارِجِ: ١]، وقالَ عَلْقَمَةُ بْنُ عَبَدَةَ:
فَإنْ تَسْألُونِي بِالنِّساءِ فَإنَّنِي بَصِيرٌ بِأدْواءِ النِّساءِ طَبِيبُ
وثالِثُها: قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: الباءُ في قَوْلِهِ: ﴿بِهِ﴾ صِلَةٌ، والمَعْنى: فَسَلْهُ خَبِيرًا، وخَبِيرًا نُصِبَ عَلى الحالِ.
ورابِعُها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿بِهِ﴾ يَجْرِي مَجْرى القَسَمِ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَساءَلُونَ بِهِ﴾ [النِّساءِ: ١] .
* * *
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قالُوا وما الرَّحْمَنُ﴾ فَهو خَبَرٌ عَنْ قَوْمٍ قالُوا هَذا القَوْلَ.
صفحة ٩٢
ويُحْتَمَلُ أنَّهم جَهِلُوا اللَّهَ تَعالى، ويُحْتَمَلُ أنَّهم وإنْ عَرَفُوهُ لَكِنَّهم جَحَدُوهُ، ويُحْتَمَلُ أنَّهم وإنِ اعْتَرَفُوا بِهِ لَكِنَّهم جَهِلُوا أنَّ هَذا الِاسْمَ مِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى، وكَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ عَلى هَذا القَوْلِ الأخِيرِ قالُوا: الرَّحْمَنُ اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ مَذْكُورٌ في الكُتُبِ المُتَقَدِّمَةِ، والعَرَبُ ما عَرَفُوهُ، قالَ مُقاتِلٌ: «إنَّ أبا جَهْلٍ قالَ: إنَّ الَّذِي يَقُولُهُ مُحَمَّدٌ شِعْرٌ، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: الشِّعْرُ غَيْرُ هَذا، إنْ هَذا إلّا كَلامُ الرَّحْمَنِ. فَقالَ أبُو جَهْلٍ: بَخٍ بَخٍ، لَعَمْرِي واللَّهِ إنَّهُ لَكَلامُ الرَّحْمَنِ الَّذِي بِاليَمامَةِ هو يُعَلِّمُكَ. فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”الرَّحْمَنُ الَّذِي هو إلَهُ السَّماءِ ومِن عِنْدِهِ يَأْتِينِي الوَحْيُ“، فَقالَ: يا آلَ غالِبٍ، مَن يَعْذِرُنِي مِن مُحَمَّدٍ، يَزْعُمُ أنَّ اللَّهَ واحِدٌ، وهو يَقُولُ: اللَّهُ يُعَلِّمُنِي والرَّحْمَنُ، ألَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّهُما إلَهانِ. ثم قال: رَبُّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ هَذِهِ الأشْياءَ، أمّا الرَّحْمَنُ فَهو مُسَيْلِمَةُ» . قالَ القاضِي: والأقْرَبُ أنَّ المُرادَ إنْكارُهم لِلَّهِ، لا لِلِاسْمِ؛ لِأنَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ عَرَبِيَّةٌ، وهم كانُوا يَعْلَمُونَ أنَّها تُفِيدُ المُبالَغَةَ في الإنْعامِ، ثُمَّ إنْ قُلْنا بِأنَّهم كانُوا مُنْكِرِينَ لِلَّهِ كانَ قَوْلُهم: ﴿وما الرَّحْمَنُ﴾ سُؤالَ طالِبٍ عَنِ الحَقِيقَةِ، وهو يَجْرِي مَجْرى قَوْلِ فِرْعَوْنَ: ﴿وما رَبُّ العالَمِينَ﴾ [الشُّعَراءِ: ٢٣]، وإنْ قُلْنا بِأنَّهم كانُوا مُقِرِّينَ بِاللَّهِ، لَكِنَّهم جَهِلُوا كَوْنَهُ تَعالى مُسَمًّى بِهَذا الِاسْمِ كانَ قَوْلُهم ﴿وما الرَّحْمَنُ﴾ سُؤالًا عَنِ الِاسْمِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿أنَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا﴾ فالمَعْنى لِلَّذِي تَأْمُرُنا بِسُجُودِهِ عَلى قَوْلِهِ: أمَرْتُكَ بِالخَيْرِ، أوْ لِأمْرِكَ لَنا، وقُرِئَ: ”يَأْمُرُنا“ بِالياءِ، كَأنَّ بَعْضَهم قالَ لِبَعْضٍ: أنَسْجُدُ لِما يَأْمُرُنا مُحَمَّدٌ، أوْ يَأْمُرُنا المُسَمّى بِالرَّحْمَنِ، ولا نَعْرِفُ ما هو، وزادَهم أمْرُهُ نُفُورًا، ومِن حَقِّهِ أنْ يَكُونَ باعِثًا عَلى الفِعْلِ والقَبُولِ. قالَ الضَّحّاكُ: فَسَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأبُو بَكْرٍ وعُمَرُ وعُثْمانُ وعَلِيٌّ وعُثْمانُ بْنُ مَظْعُونٍ وعَمْرُو بْنُ عَنْبَسَةَ، ولَمّا رَآهُمُ المُشْرِكُونَ يَسْجُدُونَ تَباعَدُوا في ناحِيَةِ المَسْجِدِ مُسْتَهْزِئِينَ. فَهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿تَأْمُرُنا وزادَهم نُفُورًا﴾ أيْ: فَزادَهم سُجُودُهم نُفُورًا.
الفرقان 25:60
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما في سِتَّةِ أيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ الرَّحْمَنُ فاسْألْ بِهِ خَبِيرًا﴾ ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قالُوا وما الرَّحْمَنُ أنَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا وزادَهم نُفُورًا﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا أمَرَ الرَّسُولَ بِأنْ يَتَوَكَّلَ عَلَيْهِ وصَفَ نَفْسَهُ بِأُمُورٍ:
أوَّلُها: بِأنَّهُ حَيٌّ لا يَمُوتُ، وهو قَوْلُهُ: ﴿وتَوَكَّلْ عَلى الحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾ [الفُرْقانِ: ٥٨] .
وثانِيها: أنَّهُ عالِمٌ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿وكَفى بِهِ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيرًا﴾ [الفُرْقانِ: ٥٨] .
وثالِثُها: أنَّهُ قادِرٌ عَلى كُلِّ المُمْكِناتِ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾، فَقَوْلُهُ: ﴿الَّذِي خَلَقَ﴾ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: ﴿الحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾؛ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا كانَ هو الخالِقَ لِلسَّماواتِ والأرَضِينَ ولِكُلِّ ما بَيْنَهُما، ثَبَتَ أنَّهُ هو القادِرُ عَلى جَمِيعِ وُجُوهِ المَنافِعِ ودَفْعِ المَضارِّ، وأنَّ النِّعَمَ كُلَّها مِن جِهَتِهِ، فَحِينَئِذٍ لا يَجُوزُ التَّوَكُّلُ إلّا عَلَيْهِ. وفي الآيَةِ سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: الأيّامُ عِبارَةٌ عَنْ حَرَكاتِ الشَّمْسِ في السَّماواتِ، فَقَبْلَ السَّماواتِ لا أيّامَ، فَكَيْفَ قالَ اللَّهُ: خَلَقَها في سِتَّةِ أيّامٍ ؟ الجَوابُ: يَعْنِي في مُدَّةٍ مِقْدارُها هَذِهِ المُدَّةُ لا يُقالُ: الشَّيْءُ الَّذِي يَتَقَدَّرُ بِمِقْدارٍ مَحْدُودٍ ويَقْبَلُ الزِّيادَةَ والنُّقْصانَ والتَّجْزِئَةَ لا يَكُونُ عَدَمًا مَحْضًا، بَلْ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مَوْجُودًا، فَيَلْزَمُ مِن وُجُودِهِ وُجُودُ مُدَّةٍ قَبْلَ وُجُودِ العالَمِ، وذَلِكَ يَقْتَضِي قِدَمَ الزَّمانِ؛ لِأنّا نَقُولُ: هَذا مُعارَضٌ بِنَفْسِ الزَّمانِ؛ لِأنَّ المُدَّةَ المُتَوَهَّمَةَ المُحْتَمَلَةَ لِعَشَرَةِ أيّامٍ لا تَحْتَمِلُ خَمْسَةَ أيّامٍ، والمُدَّةُ المُتَوَهَّمَةُ الَّتِي تَحْتَمِلُ خَمْسَةَ أيّامٍ لا تَحْتَمِلُ عَشَرَةَ أيّامٍ، فَيَلْزَمُ أنْ يَكُونَ لِلْمُدَّةِ مُدَّةٌ أُخْرى، فَلَمّا لَمْ يَلْزَمْ هَذا لَمْ يَلْزَمْ ما قُلْتُمُوهُ، وعَلى هَذا نَقُولُ: لَعَلَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ خَلَقَ المُدَّةَ أوَّلًا ثُمَّ السَّماواتِ والأرْضَ فِيها بِمِقْدارِ سِتَّةِ أيّامٍ، ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: في سِتَّةِ أيّامٍ مِن أيّامِ الآخِرَةِ، وكُلُّ يَوْمٍ ألْفُ سَنَةٍ، وهو بَعِيدٌ؛ لِأنَّ التَّعْرِيفَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ بِأمْرٍ مَعْلُومٍ، لا بِأمْرٍ مَجْهُولٍ.
السُّؤالُ الثّانِي: لِمَ قَدَّرَ الخَلْقَ والإيجادَ بِهَذا التَّقْدِيرِ ؟ الجَوابُ: أمّا عَلى قَوْلِنا فالمَشِيئَةُ والقُدْرَةُ كافِيَةٌ في التَّخْصِيصِ، قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: بَلْ لا بُدَّ مِن داعِي حِكْمَةٍ، وهو أنَّ تَخْصِيصَ خَلْقِ العالَمِ بِهَذا المِقْدارِ أصْلَحُ لِلْمُكَلَّفِينَ، وهَذا بَعِيدٌ لِوَجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ حُصُولَ تِلْكَ الحِكْمَةِ إمّا أنْ يَكُونَ واجِبًا لِذاتِهِ، أوْ جائِزًا، فَإنْ كانَ واجِبًا وجَبَ أنْ لا يَتَغَيَّرَ، فَيَكُونُ حاصِلًا في كُلِّ الأزْمِنَةِ، فَلا يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ سَبَبًا لِتَخْصِيصِ زَمانٍ مُعَيَّنٍ، وإنْ كانَ جائِزًا افْتَقَرَ حُصُولُ تِلْكَ الحِكْمَةِ في ذَلِكَ الوَقْتِ إلى مُخَصِّصٍ آخَرَ، ويَلْزَمُ التَّسَلْسُلُ.
والثّانِي: أنَّ التَّفاوُتَ بَيْنَ كُلِّ واحِدٍ مِمّا لا يَصِلُ إلَيْهِ خاطِرُ المُكَلَّفِ وعَقْلُهُ، فَحُصُولُ ذَلِكَ التَّفاوُتِ لَمّا لَمْ يَكُنْ مَشْعُورًا بِهِ كَيْفَ يَقْدَحُ في حُصُولِ المَصالِحِ.
صفحة ٩١
واعْلَمْ أنَّهُ يَجِبُ عَلى المُكَلَّفِ سَواءً كانَ عَلى قَوْلِنا، أوْ عَلى قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ أنْ يَقْطَعَ الطَّمَعَ عَنْ أمْثالِ هَذِهِ الأسْئِلَةِ؛ فَإنَّهُ بَحْرٌ لا ساحِلَ لَهُ. مِن ذَلِكَ: تَقْدِيرُ المَلائِكَةِ الَّذِينَ هم أصْحابُ النّارِ بِتِسْعَةَ عَشَرَ، وحَمَلَةِ العَرْشِ بِالثَّمانِيَةِ، وشُهُورِ السَّنَةِ بِاثْنَيْ عَشَرَ، والسَّماواتِ السَّبْعِ وكَذا الأرْضِ، وكَذا القَوْلُ في عَدَدِ الصَّلَواتِ ومَقادِيرِ النُّصُبِ في الزَّكَواتِ، وكَذا مَقادِيرُ الحُدُودِ والكَفّاراتِ، فالإقْرارُ بِأنَّ كُلَّ ما قالَهُ اللَّهُ تَعالى حَقٌّ هو الدِّينُ، وتَرْكُ البَحْثِ عَنْ هَذِهِ الأشْياءِ هو الواجِبُ، وقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ تَعالى في قَوْلِهِ: ﴿وما جَعَلْنا أصْحابَ النّارِ إلّا مَلائِكَةً وما جَعَلْنا عِدَّتَهم إلّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ ويَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إيمانًا ولا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ والمُؤْمِنُونَ ولِيَقُولَ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ والكافِرُونَ ماذا أرادَ اللَّهُ بِهَذا﴾ [المُدَّثِّرِ: ٣١]، ثم قال: ﴿وما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إلّا هُوَ﴾ [المُدَّثِّرِ: ٣١] وهَذا هو الجَوابُ أيْضًا في أنَّهُ لَمْ يَخْلُقْها في لَحْظَةٍ، وهو قادِرٌ عَلى ذَلِكَ. وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ إنَّما خَلَقَها في سِتَّةِ أيّامٍ، وهو يَقْدِرُ عَلى أنْ يَخْلُقَها في لَحْظَةٍ؛ تَعْلِيمًا لِخَلْقِهِ الرِّفْقَ والتَّثَبُّتَ، قِيلَ: تَمَّ خَلْقُها يَوْمَ الجُمُعَةِ، فَجَعَلَها اللَّهُ تَعالى عِيدًا لِلْمُسْلِمِينَ.
السُّؤالُ الثّالِثُ: ما مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾ ؟ ولا يَجُوزُ حَمْلُهُ عَلى الِاسْتِيلاءِ والقُدْرَةِ؛ لِأنَّ الِاسْتِيلاءَ والقُدْرَةَ في أوْصافِ اللَّهِ لَمْ تَزَلْ، ولا يَصِحُّ دُخُولُ ثُمَّ فِيهِ. والجَوابُ: الِاسْتِقْرارُ غَيْرُ جائِزٍ؛ لِأنَّهُ يَقْتَضِي التَّغَيُّرَ الَّذِي هو دَلِيلُ الحُدُوثِ، ويَقْتَضِي التَّرْكِيبَ والبَعْضِيَّةَ، وكُلُّ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ مُحالٌ، بَلِ المُرادُ ثُمَّ خَلَقَ العَرْشَ ورَفَعَهُ، وهو مُسْتَوْلٍ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَنَبْلُوَنَّكم حَتّى نَعْلَمَ﴾ [مُحَمَّدٍ: ٣١] فَإنَّ المُرادَ حَتّى يُجاهِدَ المُجاهِدُونَ ونَحْنُ بِهِمْ عالِمُونَ، فَإنْ قِيلَ: فَعَلى هَذا التَّفْسِيرِ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ خَلْقُ العَرْشِ بَعْدَ خَلْقِ السَّماواتِ، ولَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكانَ عَرْشُهُ عَلى الماءِ﴾ [هُودٍ: ٧] قُلْنا: كَلِمَةُ ”ثُمَّ“ ما دَخَلَتْ عَلى خَلْقِ العَرْشِ، بَلْ عَلى رَفْعِهِ عَلى السَّماواتِ.
السُّؤالُ الرّابِعُ: كَيْفَ إعْرابُ قَوْلِهِ: ﴿الرَّحْمَنُ فاسْألْ بِهِ خَبِيرًا﴾ ؟ الجَوابُ: ”الَّذِي خَلَقَ“ مُبْتَدَأٌ و”الرَّحْمَنُ“ خَبَرُهُ، أوْ هو صِفَةٌ لِلْحَيِّ، والرَّحْمَنُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، ولِهَذا أجازالزَّجّاجُ وغَيْرُهُ أنْ يَكُونَ الوَقْفُ عَلى قَوْلِهِ ﴿عَلى العَرْشِ﴾، ثُمَّ يَبْتَدِئُ بِالرَّحْمَنِ؛ أيْ: هو الرَّحْمَنُ الَّذِي لا يَنْبَغِي السُّجُودُ والتَّعْظِيمُ إلّا لَهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الرَّحْمَنُ مُبْتَدَأً وخَبَرُهُ قَوْلُهُ: ﴿فاسْألْ بِهِ خَبِيرًا﴾ .
السُّؤالُ الخامِسُ: ما مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿فاسْألْ بِهِ خَبِيرًا﴾ ؟ الجَوابُ: ذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا:
أحَدُها: قالَ الكَلْبِيُّ: مَعْناهُ فاسْألْ خَبِيرًا بِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿بِهِ﴾ يَعُودُ إلى ما ذَكَرْنا مِن خَلْقِ السَّماءِ والأرْضِ والِاسْتِواءِ عَلى العَرْشِ، والباءُ مِن صِلَةِ الخَبِيرِ، وذَلِكَ الخَبِيرُ هو اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ؛ لِأنَّهُ لا دَلِيلَ في العَقْلِ عَلى كَيْفِيَّةِ خَلْقِ اللَّهِ السَّماواتِ والأرْضَ، فَلا يَعْلَمُها أحَدٌ إلّا اللَّهُ تَعالى، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ ذَلِكَ الخَبِيرَ هو جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وإنَّما قُدِّمَ لِرُءُوسِ الآيِ وحُسْنِ النَّظْمِ.
وثانِيها: قالَ الزَّجّاجُ: قَوْلُهُ: ﴿بِهِ﴾ مَعْناهُ عَنْهُ، والمَعْنى: فاسْألْ عَنْهُ خَبِيرًا، وهو قَوْلُ الأخْفَشِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿سَألَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ﴾ [ المَعارِجِ: ١]، وقالَ عَلْقَمَةُ بْنُ عَبَدَةَ:
فَإنْ تَسْألُونِي بِالنِّساءِ فَإنَّنِي بَصِيرٌ بِأدْواءِ النِّساءِ طَبِيبُ
وثالِثُها: قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: الباءُ في قَوْلِهِ: ﴿بِهِ﴾ صِلَةٌ، والمَعْنى: فَسَلْهُ خَبِيرًا، وخَبِيرًا نُصِبَ عَلى الحالِ.
ورابِعُها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿بِهِ﴾ يَجْرِي مَجْرى القَسَمِ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَساءَلُونَ بِهِ﴾ [النِّساءِ: ١] .
* * *
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قالُوا وما الرَّحْمَنُ﴾ فَهو خَبَرٌ عَنْ قَوْمٍ قالُوا هَذا القَوْلَ.
صفحة ٩٢
ويُحْتَمَلُ أنَّهم جَهِلُوا اللَّهَ تَعالى، ويُحْتَمَلُ أنَّهم وإنْ عَرَفُوهُ لَكِنَّهم جَحَدُوهُ، ويُحْتَمَلُ أنَّهم وإنِ اعْتَرَفُوا بِهِ لَكِنَّهم جَهِلُوا أنَّ هَذا الِاسْمَ مِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى، وكَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ عَلى هَذا القَوْلِ الأخِيرِ قالُوا: الرَّحْمَنُ اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ مَذْكُورٌ في الكُتُبِ المُتَقَدِّمَةِ، والعَرَبُ ما عَرَفُوهُ، قالَ مُقاتِلٌ: «إنَّ أبا جَهْلٍ قالَ: إنَّ الَّذِي يَقُولُهُ مُحَمَّدٌ شِعْرٌ، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: الشِّعْرُ غَيْرُ هَذا، إنْ هَذا إلّا كَلامُ الرَّحْمَنِ. فَقالَ أبُو جَهْلٍ: بَخٍ بَخٍ، لَعَمْرِي واللَّهِ إنَّهُ لَكَلامُ الرَّحْمَنِ الَّذِي بِاليَمامَةِ هو يُعَلِّمُكَ. فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”الرَّحْمَنُ الَّذِي هو إلَهُ السَّماءِ ومِن عِنْدِهِ يَأْتِينِي الوَحْيُ“، فَقالَ: يا آلَ غالِبٍ، مَن يَعْذِرُنِي مِن مُحَمَّدٍ، يَزْعُمُ أنَّ اللَّهَ واحِدٌ، وهو يَقُولُ: اللَّهُ يُعَلِّمُنِي والرَّحْمَنُ، ألَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّهُما إلَهانِ. ثم قال: رَبُّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ هَذِهِ الأشْياءَ، أمّا الرَّحْمَنُ فَهو مُسَيْلِمَةُ» . قالَ القاضِي: والأقْرَبُ أنَّ المُرادَ إنْكارُهم لِلَّهِ، لا لِلِاسْمِ؛ لِأنَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ عَرَبِيَّةٌ، وهم كانُوا يَعْلَمُونَ أنَّها تُفِيدُ المُبالَغَةَ في الإنْعامِ، ثُمَّ إنْ قُلْنا بِأنَّهم كانُوا مُنْكِرِينَ لِلَّهِ كانَ قَوْلُهم: ﴿وما الرَّحْمَنُ﴾ سُؤالَ طالِبٍ عَنِ الحَقِيقَةِ، وهو يَجْرِي مَجْرى قَوْلِ فِرْعَوْنَ: ﴿وما رَبُّ العالَمِينَ﴾ [الشُّعَراءِ: ٢٣]، وإنْ قُلْنا بِأنَّهم كانُوا مُقِرِّينَ بِاللَّهِ، لَكِنَّهم جَهِلُوا كَوْنَهُ تَعالى مُسَمًّى بِهَذا الِاسْمِ كانَ قَوْلُهم ﴿وما الرَّحْمَنُ﴾ سُؤالًا عَنِ الِاسْمِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿أنَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا﴾ فالمَعْنى لِلَّذِي تَأْمُرُنا بِسُجُودِهِ عَلى قَوْلِهِ: أمَرْتُكَ بِالخَيْرِ، أوْ لِأمْرِكَ لَنا، وقُرِئَ: ”يَأْمُرُنا“ بِالياءِ، كَأنَّ بَعْضَهم قالَ لِبَعْضٍ: أنَسْجُدُ لِما يَأْمُرُنا مُحَمَّدٌ، أوْ يَأْمُرُنا المُسَمّى بِالرَّحْمَنِ، ولا نَعْرِفُ ما هو، وزادَهم أمْرُهُ نُفُورًا، ومِن حَقِّهِ أنْ يَكُونَ باعِثًا عَلى الفِعْلِ والقَبُولِ. قالَ الضَّحّاكُ: فَسَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأبُو بَكْرٍ وعُمَرُ وعُثْمانُ وعَلِيٌّ وعُثْمانُ بْنُ مَظْعُونٍ وعَمْرُو بْنُ عَنْبَسَةَ، ولَمّا رَآهُمُ المُشْرِكُونَ يَسْجُدُونَ تَباعَدُوا في ناحِيَةِ المَسْجِدِ مُسْتَهْزِئِينَ. فَهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿تَأْمُرُنا وزادَهم نُفُورًا﴾ أيْ: فَزادَهم سُجُودُهم نُفُورًا.
الفرقان 25:61
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ في السَّماءِ بُرُوجًا وجَعَلَ فِيها سِراجًا وقَمَرًا مُنِيرًا﴾ ﴿وهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ والنَّهارَ خِلْفَةً لِمَن أرادَ أنْ يَذَّكَّرَ أوْ أرادَ شُكُورًا﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا حَكى عَنِ الكُفّارِ مَزِيدَ النَّفْرَةِ عَنِ السُّجُودِ، ذَكَرَ ما لَوْ تَفَكَّرُوا فِيهِ لَعَرَفُوا وُجُوبَ السُّجُودِ والعِبادَةِ لِلرَّحْمَنِ، فَقالَ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ في السَّماءِ بُرُوجًا﴾، أمّا تَبارَكَ فَقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ فِيهِ، وأمّا البُرُوجُ فَهي مَنازِلُ السَّيّاراتِ، وهي مَشْهُورَةٌ، سُمِّيَتْ بِالبُرُوجِ الَّتِي هي القُصُورُ العالِيَةُ لِأنَّها لِهَذِهِ الكَواكِبِ كالمَنازِلِ لِسُكّانِها. واشْتِقاقُ البُرُوجِ مِنَ التَّبَرُّجِ لِظُهُورِهِ، وفِيهِ قَوْلٌ آخَرُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّ البُرُوجَ هي الكَواكِبُ العِظامُ، والأوَّلُ أوْلى لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَعَلَ فِيها﴾ أيْ في البُرُوجِ، فَإنْ قِيلَ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿فِيها﴾ راجِعًا إلى السَّماءِ دُونَ البُرُوجِ ؟ قُلْنا: لِأنَّ البُرُوجَ أقْرَبُ، فَعَوْدُ الضَّمِيرِ إلَيْها أوْلى. والسِّراجُ: الشَّمْسُ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجًا﴾ [نُوحٍ: ١٦]، وقُرِئَ: ”سُرُجًا“ وهي الشَّمْسُ والكَواكِبُ الكِبارُ فِيها، وقَرَأ الحَسَنُ والأعْمَشُ: ”﴿وقَمَرًا مُنِيرًا﴾“، وهي جَمْعُ لَيْلَةٍ قَمْراءَ، كَأنَّهُ قِيلَ: وذا قَمَرٍ مُنِيرٍ؛ لِأنَّ اللَّيالِيَ تَكُونُ قَمْراءَ بِالقَمَرِ، فَأضافَهُ إلَيْها، ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ القُمْرُ بِمَعْنى القَمَرِ كالرَّشَدِ والرُّشْدِ والعَرَبِ والعُرْبِ. وأمّا
صفحة ٩٣
الخِلْفَةُ فَفِيها قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنَّها عِبارَةٌ عَنْ كَوْنِ الشَّيْئَيْنِ بِحَيْثُ أحَدُهُما يَخْلُفُ الآخَرَ ويَأْتِي خَلْفَهُ، يُقالُ: بِفُلانٍ خِلْفَةٌ واخْتِلافٌ، إذا اخْتَلَفَ كَثِيرًا إلى مُتَبَرَّزِهِ، والمَعْنى جَعَلَهُما ذَوَيْ خِلْفَةٍ، أيْ ذَوَيْ عُقْبَةٍ، يَعْقُبُ هَذا ذاكَ وذاكَ هَذا.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: جَعَلَ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما يَخْلُفُ صاحِبَهُ فِيما يَحْتاجُ أنْ يَعْمَلَ فِيهِ، فَمَن فَرَّطَ في عَمَلٍ في أحَدِهِما قَضاهُ في الآخَرِ، قالَ أنَسُ بْنُ مالِكٍ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ، وقَدْ فاتَتْهُ قِراءَةُ القُرْآنِ بِاللَّيْلِ: يا ابْنَ الخَطّابِ، لَقَدْ أنْزَلَ اللَّهُ فِيكَ آيَةً. وتَلا: ﴿وهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ والنَّهارَ خِلْفَةً لِمَن أرادَ أنْ يَذَّكَّرَ﴾ ما فاتَكَ مِنَ النَّوافِلِ بِاللَّيْلِ فاقْضِهِ في نَهارِكَ، وما فاتَكَ مِنَ النَّهارِ فاقْضِهِ في لَيْلِكَ» .
القَوْلُ الثّانِي: وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ وقَتادَةَ والكِسائِيِّ، يُقالُ لِكُلِّ شَيْئَيْنِ اخْتَلَفا: هُما خِلْفانِ، فَقَوْلُهُ: ﴿خِلْفَةً﴾ أيْ مُخْتَلِفَيْنِ، وهَذا أسْوَدُ وهَذا أبْيَضُ، وهَذا طَوِيلٌ وهَذا قَصِيرٌ، والقَوْلُ الأوَّلُ أقْرَبُ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ يَذَّكَّرَ﴾ فَقِراءَةُ العامَّةِ بِالتَّشْدِيدِ، وقِراءَةُ حَمْزَةَ بِالتَّخْفِيفِ، وعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: ”يَتَذَكَّرَ“، والمَعْنى لِيَنْظُرَ النّاظِرُ في اخْتِلافِهِما، فَيَعْلَمَ أنَّهُ لا بُدَّ في انْتِقالِهِما مِن حالٍ إلى حالٍ مِن ناقِلٍ ومُغَيِّرٍ، وقَوْلُهُ: ﴿أنْ يَذَّكَّرَ﴾ راجِعٌ إلى كُلِّ ما تَقَدَّمَ مِنَ النِّعَمِ، بَيَّنَ تَعالى أنَّ الَّذِينَ قالُوا: وما الرَّحْمَنُ، لَوْ تَفَكَّرُوا في هَذِهِ النِّعَمِ وتَذَكَّرُوها لاسْتَدَلُّوا بِذَلِكَ عَلى عَظِيمِ قُدْرَتِهِ، ولِشُكْرِ الشّاكِرِينَ عَلى النِّعْمَةِ فِيهِما مِنَ السُّكُونِ بِاللَّيْلِ والتَّصَرُّفِ بِالنَّهارِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ومِن رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ﴾ [القَصَصِ: ٧٣] أوْ لِيَكُونا وقْتَيْنِ لِلْمُتَذَكِّرِينَ والشّاكِرِينَ، مَن فاتَهُ في أحَدِهِما وِرْدٌ مِنَ العِبادَةِ قامَ بِهِ في الآخَرِ، والشُّكُورُ مَصْدَرُ شَكَرَ يَشْكُرُ شُكُورًا.
الفرقان 25:62
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ في السَّماءِ بُرُوجًا وجَعَلَ فِيها سِراجًا وقَمَرًا مُنِيرًا﴾ ﴿وهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ والنَّهارَ خِلْفَةً لِمَن أرادَ أنْ يَذَّكَّرَ أوْ أرادَ شُكُورًا﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا حَكى عَنِ الكُفّارِ مَزِيدَ النَّفْرَةِ عَنِ السُّجُودِ، ذَكَرَ ما لَوْ تَفَكَّرُوا فِيهِ لَعَرَفُوا وُجُوبَ السُّجُودِ والعِبادَةِ لِلرَّحْمَنِ، فَقالَ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ في السَّماءِ بُرُوجًا﴾، أمّا تَبارَكَ فَقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ فِيهِ، وأمّا البُرُوجُ فَهي مَنازِلُ السَّيّاراتِ، وهي مَشْهُورَةٌ، سُمِّيَتْ بِالبُرُوجِ الَّتِي هي القُصُورُ العالِيَةُ لِأنَّها لِهَذِهِ الكَواكِبِ كالمَنازِلِ لِسُكّانِها. واشْتِقاقُ البُرُوجِ مِنَ التَّبَرُّجِ لِظُهُورِهِ، وفِيهِ قَوْلٌ آخَرُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّ البُرُوجَ هي الكَواكِبُ العِظامُ، والأوَّلُ أوْلى لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَعَلَ فِيها﴾ أيْ في البُرُوجِ، فَإنْ قِيلَ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿فِيها﴾ راجِعًا إلى السَّماءِ دُونَ البُرُوجِ ؟ قُلْنا: لِأنَّ البُرُوجَ أقْرَبُ، فَعَوْدُ الضَّمِيرِ إلَيْها أوْلى. والسِّراجُ: الشَّمْسُ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجًا﴾ [نُوحٍ: ١٦]، وقُرِئَ: ”سُرُجًا“ وهي الشَّمْسُ والكَواكِبُ الكِبارُ فِيها، وقَرَأ الحَسَنُ والأعْمَشُ: ”﴿وقَمَرًا مُنِيرًا﴾“، وهي جَمْعُ لَيْلَةٍ قَمْراءَ، كَأنَّهُ قِيلَ: وذا قَمَرٍ مُنِيرٍ؛ لِأنَّ اللَّيالِيَ تَكُونُ قَمْراءَ بِالقَمَرِ، فَأضافَهُ إلَيْها، ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ القُمْرُ بِمَعْنى القَمَرِ كالرَّشَدِ والرُّشْدِ والعَرَبِ والعُرْبِ. وأمّا
صفحة ٩٣
الخِلْفَةُ فَفِيها قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنَّها عِبارَةٌ عَنْ كَوْنِ الشَّيْئَيْنِ بِحَيْثُ أحَدُهُما يَخْلُفُ الآخَرَ ويَأْتِي خَلْفَهُ، يُقالُ: بِفُلانٍ خِلْفَةٌ واخْتِلافٌ، إذا اخْتَلَفَ كَثِيرًا إلى مُتَبَرَّزِهِ، والمَعْنى جَعَلَهُما ذَوَيْ خِلْفَةٍ، أيْ ذَوَيْ عُقْبَةٍ، يَعْقُبُ هَذا ذاكَ وذاكَ هَذا.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: جَعَلَ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما يَخْلُفُ صاحِبَهُ فِيما يَحْتاجُ أنْ يَعْمَلَ فِيهِ، فَمَن فَرَّطَ في عَمَلٍ في أحَدِهِما قَضاهُ في الآخَرِ، قالَ أنَسُ بْنُ مالِكٍ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ، وقَدْ فاتَتْهُ قِراءَةُ القُرْآنِ بِاللَّيْلِ: يا ابْنَ الخَطّابِ، لَقَدْ أنْزَلَ اللَّهُ فِيكَ آيَةً. وتَلا: ﴿وهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ والنَّهارَ خِلْفَةً لِمَن أرادَ أنْ يَذَّكَّرَ﴾ ما فاتَكَ مِنَ النَّوافِلِ بِاللَّيْلِ فاقْضِهِ في نَهارِكَ، وما فاتَكَ مِنَ النَّهارِ فاقْضِهِ في لَيْلِكَ» .
القَوْلُ الثّانِي: وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ وقَتادَةَ والكِسائِيِّ، يُقالُ لِكُلِّ شَيْئَيْنِ اخْتَلَفا: هُما خِلْفانِ، فَقَوْلُهُ: ﴿خِلْفَةً﴾ أيْ مُخْتَلِفَيْنِ، وهَذا أسْوَدُ وهَذا أبْيَضُ، وهَذا طَوِيلٌ وهَذا قَصِيرٌ، والقَوْلُ الأوَّلُ أقْرَبُ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ يَذَّكَّرَ﴾ فَقِراءَةُ العامَّةِ بِالتَّشْدِيدِ، وقِراءَةُ حَمْزَةَ بِالتَّخْفِيفِ، وعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: ”يَتَذَكَّرَ“، والمَعْنى لِيَنْظُرَ النّاظِرُ في اخْتِلافِهِما، فَيَعْلَمَ أنَّهُ لا بُدَّ في انْتِقالِهِما مِن حالٍ إلى حالٍ مِن ناقِلٍ ومُغَيِّرٍ، وقَوْلُهُ: ﴿أنْ يَذَّكَّرَ﴾ راجِعٌ إلى كُلِّ ما تَقَدَّمَ مِنَ النِّعَمِ، بَيَّنَ تَعالى أنَّ الَّذِينَ قالُوا: وما الرَّحْمَنُ، لَوْ تَفَكَّرُوا في هَذِهِ النِّعَمِ وتَذَكَّرُوها لاسْتَدَلُّوا بِذَلِكَ عَلى عَظِيمِ قُدْرَتِهِ، ولِشُكْرِ الشّاكِرِينَ عَلى النِّعْمَةِ فِيهِما مِنَ السُّكُونِ بِاللَّيْلِ والتَّصَرُّفِ بِالنَّهارِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ومِن رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ﴾ [القَصَصِ: ٧٣] أوْ لِيَكُونا وقْتَيْنِ لِلْمُتَذَكِّرِينَ والشّاكِرِينَ، مَن فاتَهُ في أحَدِهِما وِرْدٌ مِنَ العِبادَةِ قامَ بِهِ في الآخَرِ، والشُّكُورُ مَصْدَرُ شَكَرَ يَشْكُرُ شُكُورًا.
الفرقان 25:63
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وعِبادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ هَوْنًا وإذا خاطَبَهُمُ الجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا﴾ ﴿والَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وقِيامًا﴾ ﴿والَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا اصْرِفْ عَنّا عَذابَ جَهَنَّمَ إنَّ عَذابَها كانَ غَرامًا﴾ ﴿إنَّها ساءَتْ مُسْتَقَرًّا ومُقامًا﴾ ﴿والَّذِينَ إذا أنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا ولَمْ يَقْتُرُوا وكانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوامًا﴾ .
اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وعِبادُ الرَّحْمَنِ﴾ مُبْتَدَأٌ، خَبَرُهُ في آخِرِ السُّورَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: وعِبادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ هَذِهِ صِفاتُهم أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الغُرْفَةَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرُهُ ﴿الَّذِينَ يَمْشُونَ﴾، واعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ خَصَّ اسْمَ العُبُودِيَّةِ بِالمُشْتَغِلِينَ بِالعُبُودِيَّةِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ هَذِهِ الصِّفَةَ مِن أشْرَفِ صِفاتِ المَخْلُوفاتِ، وقُرِئَ: ﴿وعِبادُ الرَّحْمَنِ﴾ . واعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وصَفَهم بِتِسْعَةِ أنْواعٍ مِنَ الصِّفاتِ:
الصِّفَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ هَوْنًا﴾، وهَذا وصْفُ سِيرَتِهِمْ بِالنَّهارِ، وقُرِئَ: ”يَمْشُونَ هَوْنًا“ حالٌ أوْ صِفَةٌ لِلْمَشْيِ، بِمَعْنى هَيِّنِينَ، أوْ بِمَعْنى مَشْيًا هَيِّنًا، إلّا أنَّ في وضْعِ المَصْدَرِ مَوْضِعَ الصِّفَةِ مُبالَغَةً،
صفحة ٩٤
والهَوْنُ: الرِّفْقُ واللِّينُ، ومِنهُ الحَدِيثُ: «أحْبِبْ حَبِيبَكَ هَوْنًا ما»، وقَوْلُهُ: «المُؤْمِنُونَ هَيِّنُونَ لَيِّنُونَ»، والمَعْنى أنَّ مَشْيَهم يَكُونُ في لِينٍ وسَكِينَةٍ ووَقارٍ وتَواضُعٍ، ولا يَضْرِبُونَ بِأقْدامِهِمْ، ولا يَخْفُقُونَ بِنِعالِهِمْ أشَرًا وبَطَرًا، ولا يَتَبَخْتَرُونَ لِأجْلِ الخُيَلاءِ، كَما قالَ: ﴿ولا تَمْشِ في الأرْضِ مَرَحًا﴾ [ الإسْراءِ: ٣٧]، وعَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ؛ التَمَسْتُ تَفْسِيرَ ”هَوْنًا“ فَلَمْ أجِدْ، فَرَأيْتُ في النَّوْمِ فَقِيلَ لِي: هُمُ الَّذِينَ لا يُرِيدُونَ الفَسادَ في الأرْضِ، وعَنِ ابْنِ زَيْدٍ: لا يَتَكَبَّرُونَ ولا يَتَجَبَّرُونَ، ولا يُرِيدُونَ عُلُوًّا في الأرْضِ.
* * *
الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا خاطَبَهُمُ الجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا﴾ مَعْناهُ: لا نُجاهِلُكم، ولا خَيْرَ بَيْنَنا ولا شَرَّ، أيْ: نُسَلِّمُ مِنكم تَسْلِيمًا، فَأُقِيمَ السَّلامُ مَقامَ التَّسْلِيمِ، ثُمَّ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مُرادُهم طَلَبَ السَّلامَةِ والسُّكُوتِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ التَّنْبِيهَ عَلى سُوءِ طَرِيقَتِهِمْ لِكَيْ يَمْتَنِعُوا، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مُرادُهُمُ العُدُولَ عَنْ طَرِيقِ المُعامَلَةِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ إظْهارَ الحِلْمِ في مُقابَلَةِ الجَهْلِ، قالَ الأصَمُّ: ﴿قالُوا سَلامًا﴾ أيْ سَلامَ تَوْدِيعٍ لا تَحِيَّةٍ، كَقَوْلِ إبْراهِيمَ لِأبِيهِ: ﴿سَلامٌ عَلَيْكَ﴾ [مَرْيَمَ: ٤٧] ثم قال الكَلْبِيُّ وأبُو العالِيَةِ: نَسَخَتْها آيَةُ القِتالِ، ولا حاجَةَ إلى ذَلِكَ؛ لِأنَّ الإغْضاءَ عَنِ السُّفَهاءِ وتَرْكَ المُقابَلَةِ مُسْتَحْسَنٌ في العَقْلِ والشَّرْعِ، وسَبَبٌ لِسَلامَةِ العِرْضِ والوَرَعِ.
* * *
الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وقِيامًا﴾، واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ سِيرَتَهم في النَّهارِ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: تَرْكُ الإيذاءِ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ هَوْنًا﴾، والآخَرُ تَحَمُّلُ التَّأذِّي، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وإذا خاطَبَهُمُ الجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا﴾، فَكَأنَّهُ شَرَحَ سِيرَتَهم مَعَ الخَلْقِ في النَّهارِ، فَبَيَّنَ في هَذِهِ الآياتِ سِيرَتَهم في اللَّيالِي عِنْدَ الِاشْتِغالِ بِخِدْمَةِ الخالِقِ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿تَتَجافى جُنُوبُهم عَنِ المَضاجِعِ﴾ [السَّجْدَةِ: ١٦]، ثم قال الزَّجّاجُ: كُلُّ مَن أدْرَكَهُ اللَّيْلُ قِيلَ: باتَ، وإنْ لَمْ يَنَمْ، كَما يُقالُ: باتَ فُلانٌ قَلِقًا، ومَعْنى ﴿يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ﴾ أنْ يَكُونُوا في لَيالِيهِمْ مُصَلِّينَ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فَقالَ بَعْضُهم: مَن قَرَأ شَيْئًا مِنَ القُرْآنِ في صَلاةٍ وإنْ قَلَّ، فَقَدْ باتَ ساجِدًا وقائِمًا، وقِيلَ: رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ المَغْرِبِ وأرْبَعًا بَعْدَ العِشاءِ الأخِيرَةِ، والأوْلى أنَّهُ وصْفٌ لَهم بِإحْياءِ اللَّيْلِ أوْ أكْثَرِهِ، يُقالُ: فُلانٌ يَظَلُّ صائِمًا ويَبِيتُ قائِمًا، قالَ الحَسَنُ: يَبِيتُونَ لِلَّهِ عَلى أقْدامِهِمْ ويَفْرِشُونَ لَهُ وُجُوهَهم تَجْرِي دُمُوعُهم عَلى خُدُودِهِمْ خَوْفًا مِن رَبِّهِمْ.
الفرقان 25:64
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وعِبادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ هَوْنًا وإذا خاطَبَهُمُ الجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا﴾ ﴿والَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وقِيامًا﴾ ﴿والَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا اصْرِفْ عَنّا عَذابَ جَهَنَّمَ إنَّ عَذابَها كانَ غَرامًا﴾ ﴿إنَّها ساءَتْ مُسْتَقَرًّا ومُقامًا﴾ ﴿والَّذِينَ إذا أنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا ولَمْ يَقْتُرُوا وكانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوامًا﴾ .
اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وعِبادُ الرَّحْمَنِ﴾ مُبْتَدَأٌ، خَبَرُهُ في آخِرِ السُّورَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: وعِبادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ هَذِهِ صِفاتُهم أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الغُرْفَةَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرُهُ ﴿الَّذِينَ يَمْشُونَ﴾، واعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ خَصَّ اسْمَ العُبُودِيَّةِ بِالمُشْتَغِلِينَ بِالعُبُودِيَّةِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ هَذِهِ الصِّفَةَ مِن أشْرَفِ صِفاتِ المَخْلُوفاتِ، وقُرِئَ: ﴿وعِبادُ الرَّحْمَنِ﴾ . واعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وصَفَهم بِتِسْعَةِ أنْواعٍ مِنَ الصِّفاتِ:
الصِّفَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ هَوْنًا﴾، وهَذا وصْفُ سِيرَتِهِمْ بِالنَّهارِ، وقُرِئَ: ”يَمْشُونَ هَوْنًا“ حالٌ أوْ صِفَةٌ لِلْمَشْيِ، بِمَعْنى هَيِّنِينَ، أوْ بِمَعْنى مَشْيًا هَيِّنًا، إلّا أنَّ في وضْعِ المَصْدَرِ مَوْضِعَ الصِّفَةِ مُبالَغَةً،
صفحة ٩٤
والهَوْنُ: الرِّفْقُ واللِّينُ، ومِنهُ الحَدِيثُ: «أحْبِبْ حَبِيبَكَ هَوْنًا ما»، وقَوْلُهُ: «المُؤْمِنُونَ هَيِّنُونَ لَيِّنُونَ»، والمَعْنى أنَّ مَشْيَهم يَكُونُ في لِينٍ وسَكِينَةٍ ووَقارٍ وتَواضُعٍ، ولا يَضْرِبُونَ بِأقْدامِهِمْ، ولا يَخْفُقُونَ بِنِعالِهِمْ أشَرًا وبَطَرًا، ولا يَتَبَخْتَرُونَ لِأجْلِ الخُيَلاءِ، كَما قالَ: ﴿ولا تَمْشِ في الأرْضِ مَرَحًا﴾ [ الإسْراءِ: ٣٧]، وعَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ؛ التَمَسْتُ تَفْسِيرَ ”هَوْنًا“ فَلَمْ أجِدْ، فَرَأيْتُ في النَّوْمِ فَقِيلَ لِي: هُمُ الَّذِينَ لا يُرِيدُونَ الفَسادَ في الأرْضِ، وعَنِ ابْنِ زَيْدٍ: لا يَتَكَبَّرُونَ ولا يَتَجَبَّرُونَ، ولا يُرِيدُونَ عُلُوًّا في الأرْضِ.
* * *
الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا خاطَبَهُمُ الجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا﴾ مَعْناهُ: لا نُجاهِلُكم، ولا خَيْرَ بَيْنَنا ولا شَرَّ، أيْ: نُسَلِّمُ مِنكم تَسْلِيمًا، فَأُقِيمَ السَّلامُ مَقامَ التَّسْلِيمِ، ثُمَّ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مُرادُهم طَلَبَ السَّلامَةِ والسُّكُوتِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ التَّنْبِيهَ عَلى سُوءِ طَرِيقَتِهِمْ لِكَيْ يَمْتَنِعُوا، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مُرادُهُمُ العُدُولَ عَنْ طَرِيقِ المُعامَلَةِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ إظْهارَ الحِلْمِ في مُقابَلَةِ الجَهْلِ، قالَ الأصَمُّ: ﴿قالُوا سَلامًا﴾ أيْ سَلامَ تَوْدِيعٍ لا تَحِيَّةٍ، كَقَوْلِ إبْراهِيمَ لِأبِيهِ: ﴿سَلامٌ عَلَيْكَ﴾ [مَرْيَمَ: ٤٧] ثم قال الكَلْبِيُّ وأبُو العالِيَةِ: نَسَخَتْها آيَةُ القِتالِ، ولا حاجَةَ إلى ذَلِكَ؛ لِأنَّ الإغْضاءَ عَنِ السُّفَهاءِ وتَرْكَ المُقابَلَةِ مُسْتَحْسَنٌ في العَقْلِ والشَّرْعِ، وسَبَبٌ لِسَلامَةِ العِرْضِ والوَرَعِ.
* * *
الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وقِيامًا﴾، واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ سِيرَتَهم في النَّهارِ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: تَرْكُ الإيذاءِ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ هَوْنًا﴾، والآخَرُ تَحَمُّلُ التَّأذِّي، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وإذا خاطَبَهُمُ الجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا﴾، فَكَأنَّهُ شَرَحَ سِيرَتَهم مَعَ الخَلْقِ في النَّهارِ، فَبَيَّنَ في هَذِهِ الآياتِ سِيرَتَهم في اللَّيالِي عِنْدَ الِاشْتِغالِ بِخِدْمَةِ الخالِقِ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿تَتَجافى جُنُوبُهم عَنِ المَضاجِعِ﴾ [السَّجْدَةِ: ١٦]، ثم قال الزَّجّاجُ: كُلُّ مَن أدْرَكَهُ اللَّيْلُ قِيلَ: باتَ، وإنْ لَمْ يَنَمْ، كَما يُقالُ: باتَ فُلانٌ قَلِقًا، ومَعْنى ﴿يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ﴾ أنْ يَكُونُوا في لَيالِيهِمْ مُصَلِّينَ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فَقالَ بَعْضُهم: مَن قَرَأ شَيْئًا مِنَ القُرْآنِ في صَلاةٍ وإنْ قَلَّ، فَقَدْ باتَ ساجِدًا وقائِمًا، وقِيلَ: رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ المَغْرِبِ وأرْبَعًا بَعْدَ العِشاءِ الأخِيرَةِ، والأوْلى أنَّهُ وصْفٌ لَهم بِإحْياءِ اللَّيْلِ أوْ أكْثَرِهِ، يُقالُ: فُلانٌ يَظَلُّ صائِمًا ويَبِيتُ قائِمًا، قالَ الحَسَنُ: يَبِيتُونَ لِلَّهِ عَلى أقْدامِهِمْ ويَفْرِشُونَ لَهُ وُجُوهَهم تَجْرِي دُمُوعُهم عَلى خُدُودِهِمْ خَوْفًا مِن رَبِّهِمْ.
الفرقان 25:65
الصِّفَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا اصْرِفْ عَنّا عَذابَ جَهَنَّمَ إنَّ عَذابَها كانَ غَرامًا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: يَقُولُونَ في سُجُودِهِمْ وقِيامِهِمْ هَذا القَوْلَ. وقالَ الحَسَنُ: خَشَعُوا بِالنَّهارِ وتَعِبُوا بِاللَّيْلِ فَرَقًا مِن عَذابِ جَهَنَّمَ. وقَوْلُهُ: ﴿غَرامًا﴾ أيْ هَلاكًا وخُسْرانًا مُلِحًّا لازِمًا، ومِنهُ الغَرِيمُ لِإلْحاحِهِ وإلْزامِهِ، ويُقالُ: فُلانٌ مُغْرَمٌ بِالنِّساءِ إذا كانَ مُولَعًا بِهِنَّ، وسَألَ نافِعُ بْنُ الأزْرَقِ ابْنَ عَبّاسٍ عَنِ الغَرامِ، فَقالَ: هو المُوجِعُ. وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ في ﴿غَرامًا﴾ أنَّهُ سَألَ الكُفّارَ ثَمَنَ نِعَمِهِ فَما أدَّوْها إلَيْهِ، فَأغْرَمَهم فَأدْخَلَهُمُ النّارَ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى وصَفَهم بِإحْياءِ اللَّيْلِ ساجِدِينَ وقائِمِينَ، ثُمَّ عَقَّبَهُ بِذِكْرِ دَعْوَتِهِمْ هَذِهِ؛ إيذانًا بِأنَّهم مَعَ اجْتِهادِهِمْ خائِفُونَ مُبْتَهِلُونَ إلى اللَّهِ في صَرْفِ العَذابِ عَنْهم؛ كَقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وقُلُوبُهم وجِلَةٌ﴾ [المُؤْمِنُونَ: ٦٠] .
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّها ساءَتْ مُسْتَقَرًّا ومُقامًا﴾ فَقَوْلُهُ: ﴿ساءَتْ﴾ في حُكْمِ بِئْسَتْ، وفِيها ضَمِيرٌ مُبْهَمٌ تَفْسِيرُهُ ”مُسْتَقِرًّا“، والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ مَعْناهُ ساءَتْ مُسْتَقَرًّا ومُقامًا هي، (وهَذا الضَّمِيرُ هو الَّذِي رَبَطَ الجُمْلَةَ بِاسْمِ إنَّ وجَعَلَها خَبَرًا لَها، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ساءَتْ بِمَعْنى أحْزَنَتْ، وفِيها ضَمِيرُ اسْمِ إنَّ)، ومُسْتَقِرًّا حالٌ أوْ تَمْيِيزٌ، فَإنْ قِيلَ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّهم سَألُوا اللَّهَ تَعالى أنْ يَصْرِفَ عَنْهم عَذابَ جَهَنَّمَ لِعِلَّتَيْنِ:
إحْداهُما أنَّ عَذابَها كانَ غَرامًا
صفحة ٩٥
وثانِيهِما: أنَّها ساءَتْ مُسْتَقَرًّا ومُقامًا، فَما الفَرْقُ بَيْنَ الوَجْهَيْنِ ؟ وأيْضًا فَما الفَرْقُ بَيْنَ المُسْتَقَرِّ والمُقامِ ؟ قُلْنا: المُتَكَلِّمُونَ ذَكَرُوا أنَّ عِقابَ الكافِرِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مَضَرَّةً خالِصَةً عَنْ شَوائِبِ النَّفْعِ دائِمَةً، فَقَوْلُهُ: ﴿إنَّ عَذابَها كانَ غَرامًا﴾ إشارَةٌ إلى كَوْنِهِ مَضَرَّةً خالِصَةً عَنْ شَوائِبِ النَّفْعِ. وقَوْلُهُ: ﴿إنَّها ساءَتْ مُسْتَقَرًّا ومُقامًا﴾ إشارَةٌ إلى كَوْنِها دائِمَةً، ولا شَكَّ في المُغايَرَةِ، أمّا الفَرْقُ بَيْنَ المُسْتَقَرِّ والمُقامِ فَيَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُسْتَقَرُّ لِلْعُصاةِ مِن أهْلِ الإيمانِ؛ فَإنَّهم يَسْتَقِرُّونَ في النّارِ ولا يُقِيمُونَ فِيها، وأمّا الإقامَةُ فَلِلْكُفّارِ. واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنَّها ساءَتْ مُسْتَقَرًّا ومُقامًا﴾ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ حِكايَةً لِقَوْلِهِمْ.
* * *
الصِّفَةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ إذا أنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا ولَمْ يَقْتُرُوا وكانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوامًا﴾ قُرِئَ: ”يَقْتِرُوا“ بِكَسْرِ التّاءِ وضَمِّها، ويُقْتِرُوا بِضَمِّ الياءِ وتَخْفِيفِ القافِ وكَسْرِ التّاءِ، وأيْضًا بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ القافِ وكَسْرِ التّاءِ وتَشْدِيدِها، وكُلُّها لُغاتٌ. والقَتْرُ والإقْتارُ والتَّقْتِيرُ التَّضْيِيقُ الَّذِي هو نَقِيضُ الإسْرافِ، والإسْرافُ مُجاوَزَةُ الحَدِّ في النَّفَقَةِ. وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ في الإسْرافِ والتَّقْتِيرِ وُجُوهًا:
أحَدُها: وهو الأقْوى، أنَّهُ تَعالى وصَفَهم بِالقَصْدِ الَّذِي هو بَيْنَ الغُلُوِّ والتَّقْصِيرِ، وبِمِثْلِهِ أمَرَ رَسُولَهُ ﷺ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ ولا تَبْسُطْها كُلَّ البَسْطِ﴾ [ الإسْراءِ: ٢٩] وعَنْ وُهَيْبِ بْنِ الوَرْدِ قالَ لِعالِمٍ: ما البِناءُ الَّذِي لا سَرَفَ فِيهِ ؟ قالَ: ما سَتَرَكَ عَنِ الشَّمْسِ وأكَنَّكَ مِنَ المَطَرِ. فَقالَ لَهُ: فَما الطَّعامُ الَّذِي لا سَرَفَ فِيهِ ؟ قالَ: ما سَدَّ الجَوْعَةَ. فَقالَ لَهُ في اللِّباسِ، قالَ: ما سَتَرَ عَوْرَتَكَ ووَقاكَ مِنَ البَرْدِ. ورُوِيَ «أنَّ رَجُلًا صَنَعَ طَعامًا في إمْلاكٍ، فَأرْسَلَ إلى الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَقالَ: حَقٌّ فَأجِيبُوا، ثُمَّ صَنَعَ الثّانِيَةَ فَأرْسَلَ إلَيْهِ، فَقالَ: حَقٌّ فَمَن شاءَ فَلْيُجِبْ، وإلّا فَلْيَقْعُدْ، ثُمَّ صَنَعَ الثّالِثَةَ فَأرْسَلَ إلَيْهِ، فَقالَ: رِياءٌ ولا خَيْرَ فِيهِ» .
وثانِيها: وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ وقَتادَةَ والضَّحّاكِ، أنَّ الإسْرافَ الإنْفاقُ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعالى، والإقْتارَ مَنعُ حَقِّ اللَّهِ تَعالى. قالَ مُجاهِدٌ: لَوْ أنْفَقَ رَجُلٌ مِثْلَ أبِي قُبَيْسٍ ذَهَبًا في طاعَةِ اللَّهِ تَعالى لَمْ يَكُنْ سَرَفًا، ولَوْ أنْفَقَ صاعًا في مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعالى كانَ سَرَفًا. وقالَ الحَسَنُ: لَمْ يُنْفِقُوا في مَعاصِي اللَّهِ ولَمْ يُمْسِكُوا عَمّا يَنْبَغِي، وذَلِكَ قَدْ يَكُونُ في الإمْساكِ عَنْ حَقِّ اللَّهِ، وهو أقْبَحُ التَّقْتِيرِ، وقَدْ يَكُونُ عَمّا لا يَجِبُ، ولَكِنْ يَكُونُ مَندُوبًا، مِثْلُ الرَّجُلِ الغَنِيِّ الكَثِيرِ المالِ إذا مَنَعَ الفُقَراءَ مِن أقارِبِهِ.
وثالِثُها: المُرادُ بِالسَّرَفِ مُجاوَزَةُ الحَدِّ في التَّنَعُّمِ والتَّوَسُّعِ في الدُّنْيا، وإنْ كانَ مِن حَلالٍ؛ فَإنَّ ذَلِكَ مَكْرُوهٌ؛ لِأنَّهُ يُؤَدِّي إلى الخُيَلاءِ، والإقْتارُ هو التَّضْيِيقُ، فالأكْلُ فَوْقَ الشِّبَعِ بِحَيْثُ يَمْنَعُ النَّفْسَ عَنِ العِبادَةِ سَرَفٌ، وإنْ أكَلَ بِقَدْرِ الحاجَةِ فَذاكَ إقْتارٌ، وهَذِهِ الصِّفَةُ صِفَةُ أصْحابِ مُحَمَّدٍ ﷺ، كانُوا لا يَأْكُلُونَ طَعامًا لِلتَّنَعُّمِ واللَّذَّةِ، ولا يَلْبَسُونَ ثَوْبًا لِلْجَمالِ والزِّينَةِ، ولَكِنْ كانُوا يَأْكُلُونَ ما يَسُدُّ جُوعَهم ويُعِينُهم عَلى عِبادَةِ رَبِّهِمْ، ويَلْبَسُونَ ما يَسْتُرُ عَوْراتِهِمْ ويَصُونُهم مِنَ الحَرِّ والبَرْدِ. وهَهُنا مَسْألَتانِ:
المسألة الأُولى: ”القَوامُ“ قالَ ثَعْلَبٌ: القَوامُ بِالفَتْحِ العَدْلُ والِاسْتِقامَةُ، وبِالكَسْرِ ما يَدُومُ عَلَيْهِ الأمْرُ ويَسْتَقِرُّ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: القَوامُ: العَدْلُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ لِاسْتِقامَةِ الطَّرَفَيْنِ واعْتِدالِهِما، ونَظِيرُ القَوامِ مِنَ الِاسْتِقامَةِ السَّواءُ مِنَ الِاسْتِواءِ. وقُرِئَ: ”قِوامًا“ بِالكَسْرِ، وهو ما يُقامُ بِهِ الشَّيْءُ، يُقالُ: أنْتَ قِوامُنا، يَعْنِي ما يُقامُ بِهِ الحاجَةُ لا يَفْضُلُ عَنْهُ ولا يَنْقُصُ.
المسألة الثّانِيَةُ: المَنصُوبانِ أعْنِي ”بَيْنَ ذَلِكَ قَوامًا“ جائِزٌ أنْ يَكُونا خَبَرَيْنِ مَعًا، وأنْ يُجْعَلَ بَيْنَ ذَلِكَ لَغْوًا وقَوامًا مُسْتَقِرًّا، وأنْ يَكُونَ الظَّرْفُ خَبَرًا وقِوامًا حالًا مُؤَكِّدَةً، قالَ الفَرّاءُ: وإنْ شِئْتَ جَعَلْتَ ”بَيْنَ ذَلِكَ“ اسْمَ
صفحة ٩٦
كانَ، كَما تَقُولُ: كانَ دُونَ هَذا كافِيًا، تُرِيدُ أقَلَّ مِن ذَلِكَ، فَيَكُونُ مَعْنى ”بَيْنَ ذَلِكَ“، أيْ: كانَ الوَسَطُ مِن ذَلِكَ قَوامًا، أيْ: عَدْلًا، وهَذا التَّأْوِيلُ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ القَوامَ هو الوَسَطُ، فَيَصِيرُ التَّأْوِيلُ: وكانَ الوَسَطُ وسَطًا، وهَذا لَغْوٌ.
الفرقان 25:66
الصِّفَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا اصْرِفْ عَنّا عَذابَ جَهَنَّمَ إنَّ عَذابَها كانَ غَرامًا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: يَقُولُونَ في سُجُودِهِمْ وقِيامِهِمْ هَذا القَوْلَ. وقالَ الحَسَنُ: خَشَعُوا بِالنَّهارِ وتَعِبُوا بِاللَّيْلِ فَرَقًا مِن عَذابِ جَهَنَّمَ. وقَوْلُهُ: ﴿غَرامًا﴾ أيْ هَلاكًا وخُسْرانًا مُلِحًّا لازِمًا، ومِنهُ الغَرِيمُ لِإلْحاحِهِ وإلْزامِهِ، ويُقالُ: فُلانٌ مُغْرَمٌ بِالنِّساءِ إذا كانَ مُولَعًا بِهِنَّ، وسَألَ نافِعُ بْنُ الأزْرَقِ ابْنَ عَبّاسٍ عَنِ الغَرامِ، فَقالَ: هو المُوجِعُ. وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ في ﴿غَرامًا﴾ أنَّهُ سَألَ الكُفّارَ ثَمَنَ نِعَمِهِ فَما أدَّوْها إلَيْهِ، فَأغْرَمَهم فَأدْخَلَهُمُ النّارَ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى وصَفَهم بِإحْياءِ اللَّيْلِ ساجِدِينَ وقائِمِينَ، ثُمَّ عَقَّبَهُ بِذِكْرِ دَعْوَتِهِمْ هَذِهِ؛ إيذانًا بِأنَّهم مَعَ اجْتِهادِهِمْ خائِفُونَ مُبْتَهِلُونَ إلى اللَّهِ في صَرْفِ العَذابِ عَنْهم؛ كَقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وقُلُوبُهم وجِلَةٌ﴾ [المُؤْمِنُونَ: ٦٠] .
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّها ساءَتْ مُسْتَقَرًّا ومُقامًا﴾ فَقَوْلُهُ: ﴿ساءَتْ﴾ في حُكْمِ بِئْسَتْ، وفِيها ضَمِيرٌ مُبْهَمٌ تَفْسِيرُهُ ”مُسْتَقِرًّا“، والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ مَعْناهُ ساءَتْ مُسْتَقَرًّا ومُقامًا هي، (وهَذا الضَّمِيرُ هو الَّذِي رَبَطَ الجُمْلَةَ بِاسْمِ إنَّ وجَعَلَها خَبَرًا لَها، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ساءَتْ بِمَعْنى أحْزَنَتْ، وفِيها ضَمِيرُ اسْمِ إنَّ)، ومُسْتَقِرًّا حالٌ أوْ تَمْيِيزٌ، فَإنْ قِيلَ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّهم سَألُوا اللَّهَ تَعالى أنْ يَصْرِفَ عَنْهم عَذابَ جَهَنَّمَ لِعِلَّتَيْنِ:
إحْداهُما أنَّ عَذابَها كانَ غَرامًا
صفحة ٩٥
وثانِيهِما: أنَّها ساءَتْ مُسْتَقَرًّا ومُقامًا، فَما الفَرْقُ بَيْنَ الوَجْهَيْنِ ؟ وأيْضًا فَما الفَرْقُ بَيْنَ المُسْتَقَرِّ والمُقامِ ؟ قُلْنا: المُتَكَلِّمُونَ ذَكَرُوا أنَّ عِقابَ الكافِرِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مَضَرَّةً خالِصَةً عَنْ شَوائِبِ النَّفْعِ دائِمَةً، فَقَوْلُهُ: ﴿إنَّ عَذابَها كانَ غَرامًا﴾ إشارَةٌ إلى كَوْنِهِ مَضَرَّةً خالِصَةً عَنْ شَوائِبِ النَّفْعِ. وقَوْلُهُ: ﴿إنَّها ساءَتْ مُسْتَقَرًّا ومُقامًا﴾ إشارَةٌ إلى كَوْنِها دائِمَةً، ولا شَكَّ في المُغايَرَةِ، أمّا الفَرْقُ بَيْنَ المُسْتَقَرِّ والمُقامِ فَيَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُسْتَقَرُّ لِلْعُصاةِ مِن أهْلِ الإيمانِ؛ فَإنَّهم يَسْتَقِرُّونَ في النّارِ ولا يُقِيمُونَ فِيها، وأمّا الإقامَةُ فَلِلْكُفّارِ. واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنَّها ساءَتْ مُسْتَقَرًّا ومُقامًا﴾ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ حِكايَةً لِقَوْلِهِمْ.
* * *
الصِّفَةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ إذا أنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا ولَمْ يَقْتُرُوا وكانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوامًا﴾ قُرِئَ: ”يَقْتِرُوا“ بِكَسْرِ التّاءِ وضَمِّها، ويُقْتِرُوا بِضَمِّ الياءِ وتَخْفِيفِ القافِ وكَسْرِ التّاءِ، وأيْضًا بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ القافِ وكَسْرِ التّاءِ وتَشْدِيدِها، وكُلُّها لُغاتٌ. والقَتْرُ والإقْتارُ والتَّقْتِيرُ التَّضْيِيقُ الَّذِي هو نَقِيضُ الإسْرافِ، والإسْرافُ مُجاوَزَةُ الحَدِّ في النَّفَقَةِ. وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ في الإسْرافِ والتَّقْتِيرِ وُجُوهًا:
أحَدُها: وهو الأقْوى، أنَّهُ تَعالى وصَفَهم بِالقَصْدِ الَّذِي هو بَيْنَ الغُلُوِّ والتَّقْصِيرِ، وبِمِثْلِهِ أمَرَ رَسُولَهُ ﷺ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ ولا تَبْسُطْها كُلَّ البَسْطِ﴾ [ الإسْراءِ: ٢٩] وعَنْ وُهَيْبِ بْنِ الوَرْدِ قالَ لِعالِمٍ: ما البِناءُ الَّذِي لا سَرَفَ فِيهِ ؟ قالَ: ما سَتَرَكَ عَنِ الشَّمْسِ وأكَنَّكَ مِنَ المَطَرِ. فَقالَ لَهُ: فَما الطَّعامُ الَّذِي لا سَرَفَ فِيهِ ؟ قالَ: ما سَدَّ الجَوْعَةَ. فَقالَ لَهُ في اللِّباسِ، قالَ: ما سَتَرَ عَوْرَتَكَ ووَقاكَ مِنَ البَرْدِ. ورُوِيَ «أنَّ رَجُلًا صَنَعَ طَعامًا في إمْلاكٍ، فَأرْسَلَ إلى الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَقالَ: حَقٌّ فَأجِيبُوا، ثُمَّ صَنَعَ الثّانِيَةَ فَأرْسَلَ إلَيْهِ، فَقالَ: حَقٌّ فَمَن شاءَ فَلْيُجِبْ، وإلّا فَلْيَقْعُدْ، ثُمَّ صَنَعَ الثّالِثَةَ فَأرْسَلَ إلَيْهِ، فَقالَ: رِياءٌ ولا خَيْرَ فِيهِ» .
وثانِيها: وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ وقَتادَةَ والضَّحّاكِ، أنَّ الإسْرافَ الإنْفاقُ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعالى، والإقْتارَ مَنعُ حَقِّ اللَّهِ تَعالى. قالَ مُجاهِدٌ: لَوْ أنْفَقَ رَجُلٌ مِثْلَ أبِي قُبَيْسٍ ذَهَبًا في طاعَةِ اللَّهِ تَعالى لَمْ يَكُنْ سَرَفًا، ولَوْ أنْفَقَ صاعًا في مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعالى كانَ سَرَفًا. وقالَ الحَسَنُ: لَمْ يُنْفِقُوا في مَعاصِي اللَّهِ ولَمْ يُمْسِكُوا عَمّا يَنْبَغِي، وذَلِكَ قَدْ يَكُونُ في الإمْساكِ عَنْ حَقِّ اللَّهِ، وهو أقْبَحُ التَّقْتِيرِ، وقَدْ يَكُونُ عَمّا لا يَجِبُ، ولَكِنْ يَكُونُ مَندُوبًا، مِثْلُ الرَّجُلِ الغَنِيِّ الكَثِيرِ المالِ إذا مَنَعَ الفُقَراءَ مِن أقارِبِهِ.
وثالِثُها: المُرادُ بِالسَّرَفِ مُجاوَزَةُ الحَدِّ في التَّنَعُّمِ والتَّوَسُّعِ في الدُّنْيا، وإنْ كانَ مِن حَلالٍ؛ فَإنَّ ذَلِكَ مَكْرُوهٌ؛ لِأنَّهُ يُؤَدِّي إلى الخُيَلاءِ، والإقْتارُ هو التَّضْيِيقُ، فالأكْلُ فَوْقَ الشِّبَعِ بِحَيْثُ يَمْنَعُ النَّفْسَ عَنِ العِبادَةِ سَرَفٌ، وإنْ أكَلَ بِقَدْرِ الحاجَةِ فَذاكَ إقْتارٌ، وهَذِهِ الصِّفَةُ صِفَةُ أصْحابِ مُحَمَّدٍ ﷺ، كانُوا لا يَأْكُلُونَ طَعامًا لِلتَّنَعُّمِ واللَّذَّةِ، ولا يَلْبَسُونَ ثَوْبًا لِلْجَمالِ والزِّينَةِ، ولَكِنْ كانُوا يَأْكُلُونَ ما يَسُدُّ جُوعَهم ويُعِينُهم عَلى عِبادَةِ رَبِّهِمْ، ويَلْبَسُونَ ما يَسْتُرُ عَوْراتِهِمْ ويَصُونُهم مِنَ الحَرِّ والبَرْدِ. وهَهُنا مَسْألَتانِ:
المسألة الأُولى: ”القَوامُ“ قالَ ثَعْلَبٌ: القَوامُ بِالفَتْحِ العَدْلُ والِاسْتِقامَةُ، وبِالكَسْرِ ما يَدُومُ عَلَيْهِ الأمْرُ ويَسْتَقِرُّ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: القَوامُ: العَدْلُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ لِاسْتِقامَةِ الطَّرَفَيْنِ واعْتِدالِهِما، ونَظِيرُ القَوامِ مِنَ الِاسْتِقامَةِ السَّواءُ مِنَ الِاسْتِواءِ. وقُرِئَ: ”قِوامًا“ بِالكَسْرِ، وهو ما يُقامُ بِهِ الشَّيْءُ، يُقالُ: أنْتَ قِوامُنا، يَعْنِي ما يُقامُ بِهِ الحاجَةُ لا يَفْضُلُ عَنْهُ ولا يَنْقُصُ.
المسألة الثّانِيَةُ: المَنصُوبانِ أعْنِي ”بَيْنَ ذَلِكَ قَوامًا“ جائِزٌ أنْ يَكُونا خَبَرَيْنِ مَعًا، وأنْ يُجْعَلَ بَيْنَ ذَلِكَ لَغْوًا وقَوامًا مُسْتَقِرًّا، وأنْ يَكُونَ الظَّرْفُ خَبَرًا وقِوامًا حالًا مُؤَكِّدَةً، قالَ الفَرّاءُ: وإنْ شِئْتَ جَعَلْتَ ”بَيْنَ ذَلِكَ“ اسْمَ
صفحة ٩٦
كانَ، كَما تَقُولُ: كانَ دُونَ هَذا كافِيًا، تُرِيدُ أقَلَّ مِن ذَلِكَ، فَيَكُونُ مَعْنى ”بَيْنَ ذَلِكَ“، أيْ: كانَ الوَسَطُ مِن ذَلِكَ قَوامًا، أيْ: عَدْلًا، وهَذا التَّأْوِيلُ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ القَوامَ هو الوَسَطُ، فَيَصِيرُ التَّأْوِيلُ: وكانَ الوَسَطُ وسَطًا، وهَذا لَغْوٌ.
الفرقان 25:67
الصِّفَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا اصْرِفْ عَنّا عَذابَ جَهَنَّمَ إنَّ عَذابَها كانَ غَرامًا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: يَقُولُونَ في سُجُودِهِمْ وقِيامِهِمْ هَذا القَوْلَ. وقالَ الحَسَنُ: خَشَعُوا بِالنَّهارِ وتَعِبُوا بِاللَّيْلِ فَرَقًا مِن عَذابِ جَهَنَّمَ. وقَوْلُهُ: ﴿غَرامًا﴾ أيْ هَلاكًا وخُسْرانًا مُلِحًّا لازِمًا، ومِنهُ الغَرِيمُ لِإلْحاحِهِ وإلْزامِهِ، ويُقالُ: فُلانٌ مُغْرَمٌ بِالنِّساءِ إذا كانَ مُولَعًا بِهِنَّ، وسَألَ نافِعُ بْنُ الأزْرَقِ ابْنَ عَبّاسٍ عَنِ الغَرامِ، فَقالَ: هو المُوجِعُ. وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ في ﴿غَرامًا﴾ أنَّهُ سَألَ الكُفّارَ ثَمَنَ نِعَمِهِ فَما أدَّوْها إلَيْهِ، فَأغْرَمَهم فَأدْخَلَهُمُ النّارَ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى وصَفَهم بِإحْياءِ اللَّيْلِ ساجِدِينَ وقائِمِينَ، ثُمَّ عَقَّبَهُ بِذِكْرِ دَعْوَتِهِمْ هَذِهِ؛ إيذانًا بِأنَّهم مَعَ اجْتِهادِهِمْ خائِفُونَ مُبْتَهِلُونَ إلى اللَّهِ في صَرْفِ العَذابِ عَنْهم؛ كَقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وقُلُوبُهم وجِلَةٌ﴾ [المُؤْمِنُونَ: ٦٠] .
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّها ساءَتْ مُسْتَقَرًّا ومُقامًا﴾ فَقَوْلُهُ: ﴿ساءَتْ﴾ في حُكْمِ بِئْسَتْ، وفِيها ضَمِيرٌ مُبْهَمٌ تَفْسِيرُهُ ”مُسْتَقِرًّا“، والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ مَعْناهُ ساءَتْ مُسْتَقَرًّا ومُقامًا هي، (وهَذا الضَّمِيرُ هو الَّذِي رَبَطَ الجُمْلَةَ بِاسْمِ إنَّ وجَعَلَها خَبَرًا لَها، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ساءَتْ بِمَعْنى أحْزَنَتْ، وفِيها ضَمِيرُ اسْمِ إنَّ)، ومُسْتَقِرًّا حالٌ أوْ تَمْيِيزٌ، فَإنْ قِيلَ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّهم سَألُوا اللَّهَ تَعالى أنْ يَصْرِفَ عَنْهم عَذابَ جَهَنَّمَ لِعِلَّتَيْنِ:
إحْداهُما أنَّ عَذابَها كانَ غَرامًا
صفحة ٩٥
وثانِيهِما: أنَّها ساءَتْ مُسْتَقَرًّا ومُقامًا، فَما الفَرْقُ بَيْنَ الوَجْهَيْنِ ؟ وأيْضًا فَما الفَرْقُ بَيْنَ المُسْتَقَرِّ والمُقامِ ؟ قُلْنا: المُتَكَلِّمُونَ ذَكَرُوا أنَّ عِقابَ الكافِرِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مَضَرَّةً خالِصَةً عَنْ شَوائِبِ النَّفْعِ دائِمَةً، فَقَوْلُهُ: ﴿إنَّ عَذابَها كانَ غَرامًا﴾ إشارَةٌ إلى كَوْنِهِ مَضَرَّةً خالِصَةً عَنْ شَوائِبِ النَّفْعِ. وقَوْلُهُ: ﴿إنَّها ساءَتْ مُسْتَقَرًّا ومُقامًا﴾ إشارَةٌ إلى كَوْنِها دائِمَةً، ولا شَكَّ في المُغايَرَةِ، أمّا الفَرْقُ بَيْنَ المُسْتَقَرِّ والمُقامِ فَيَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُسْتَقَرُّ لِلْعُصاةِ مِن أهْلِ الإيمانِ؛ فَإنَّهم يَسْتَقِرُّونَ في النّارِ ولا يُقِيمُونَ فِيها، وأمّا الإقامَةُ فَلِلْكُفّارِ. واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنَّها ساءَتْ مُسْتَقَرًّا ومُقامًا﴾ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ حِكايَةً لِقَوْلِهِمْ.
* * *
الصِّفَةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ إذا أنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا ولَمْ يَقْتُرُوا وكانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوامًا﴾ قُرِئَ: ”يَقْتِرُوا“ بِكَسْرِ التّاءِ وضَمِّها، ويُقْتِرُوا بِضَمِّ الياءِ وتَخْفِيفِ القافِ وكَسْرِ التّاءِ، وأيْضًا بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ القافِ وكَسْرِ التّاءِ وتَشْدِيدِها، وكُلُّها لُغاتٌ. والقَتْرُ والإقْتارُ والتَّقْتِيرُ التَّضْيِيقُ الَّذِي هو نَقِيضُ الإسْرافِ، والإسْرافُ مُجاوَزَةُ الحَدِّ في النَّفَقَةِ. وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ في الإسْرافِ والتَّقْتِيرِ وُجُوهًا:
أحَدُها: وهو الأقْوى، أنَّهُ تَعالى وصَفَهم بِالقَصْدِ الَّذِي هو بَيْنَ الغُلُوِّ والتَّقْصِيرِ، وبِمِثْلِهِ أمَرَ رَسُولَهُ ﷺ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ ولا تَبْسُطْها كُلَّ البَسْطِ﴾ [ الإسْراءِ: ٢٩] وعَنْ وُهَيْبِ بْنِ الوَرْدِ قالَ لِعالِمٍ: ما البِناءُ الَّذِي لا سَرَفَ فِيهِ ؟ قالَ: ما سَتَرَكَ عَنِ الشَّمْسِ وأكَنَّكَ مِنَ المَطَرِ. فَقالَ لَهُ: فَما الطَّعامُ الَّذِي لا سَرَفَ فِيهِ ؟ قالَ: ما سَدَّ الجَوْعَةَ. فَقالَ لَهُ في اللِّباسِ، قالَ: ما سَتَرَ عَوْرَتَكَ ووَقاكَ مِنَ البَرْدِ. ورُوِيَ «أنَّ رَجُلًا صَنَعَ طَعامًا في إمْلاكٍ، فَأرْسَلَ إلى الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَقالَ: حَقٌّ فَأجِيبُوا، ثُمَّ صَنَعَ الثّانِيَةَ فَأرْسَلَ إلَيْهِ، فَقالَ: حَقٌّ فَمَن شاءَ فَلْيُجِبْ، وإلّا فَلْيَقْعُدْ، ثُمَّ صَنَعَ الثّالِثَةَ فَأرْسَلَ إلَيْهِ، فَقالَ: رِياءٌ ولا خَيْرَ فِيهِ» .
وثانِيها: وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ وقَتادَةَ والضَّحّاكِ، أنَّ الإسْرافَ الإنْفاقُ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعالى، والإقْتارَ مَنعُ حَقِّ اللَّهِ تَعالى. قالَ مُجاهِدٌ: لَوْ أنْفَقَ رَجُلٌ مِثْلَ أبِي قُبَيْسٍ ذَهَبًا في طاعَةِ اللَّهِ تَعالى لَمْ يَكُنْ سَرَفًا، ولَوْ أنْفَقَ صاعًا في مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعالى كانَ سَرَفًا. وقالَ الحَسَنُ: لَمْ يُنْفِقُوا في مَعاصِي اللَّهِ ولَمْ يُمْسِكُوا عَمّا يَنْبَغِي، وذَلِكَ قَدْ يَكُونُ في الإمْساكِ عَنْ حَقِّ اللَّهِ، وهو أقْبَحُ التَّقْتِيرِ، وقَدْ يَكُونُ عَمّا لا يَجِبُ، ولَكِنْ يَكُونُ مَندُوبًا، مِثْلُ الرَّجُلِ الغَنِيِّ الكَثِيرِ المالِ إذا مَنَعَ الفُقَراءَ مِن أقارِبِهِ.
وثالِثُها: المُرادُ بِالسَّرَفِ مُجاوَزَةُ الحَدِّ في التَّنَعُّمِ والتَّوَسُّعِ في الدُّنْيا، وإنْ كانَ مِن حَلالٍ؛ فَإنَّ ذَلِكَ مَكْرُوهٌ؛ لِأنَّهُ يُؤَدِّي إلى الخُيَلاءِ، والإقْتارُ هو التَّضْيِيقُ، فالأكْلُ فَوْقَ الشِّبَعِ بِحَيْثُ يَمْنَعُ النَّفْسَ عَنِ العِبادَةِ سَرَفٌ، وإنْ أكَلَ بِقَدْرِ الحاجَةِ فَذاكَ إقْتارٌ، وهَذِهِ الصِّفَةُ صِفَةُ أصْحابِ مُحَمَّدٍ ﷺ، كانُوا لا يَأْكُلُونَ طَعامًا لِلتَّنَعُّمِ واللَّذَّةِ، ولا يَلْبَسُونَ ثَوْبًا لِلْجَمالِ والزِّينَةِ، ولَكِنْ كانُوا يَأْكُلُونَ ما يَسُدُّ جُوعَهم ويُعِينُهم عَلى عِبادَةِ رَبِّهِمْ، ويَلْبَسُونَ ما يَسْتُرُ عَوْراتِهِمْ ويَصُونُهم مِنَ الحَرِّ والبَرْدِ. وهَهُنا مَسْألَتانِ:
المسألة الأُولى: ”القَوامُ“ قالَ ثَعْلَبٌ: القَوامُ بِالفَتْحِ العَدْلُ والِاسْتِقامَةُ، وبِالكَسْرِ ما يَدُومُ عَلَيْهِ الأمْرُ ويَسْتَقِرُّ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: القَوامُ: العَدْلُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ لِاسْتِقامَةِ الطَّرَفَيْنِ واعْتِدالِهِما، ونَظِيرُ القَوامِ مِنَ الِاسْتِقامَةِ السَّواءُ مِنَ الِاسْتِواءِ. وقُرِئَ: ”قِوامًا“ بِالكَسْرِ، وهو ما يُقامُ بِهِ الشَّيْءُ، يُقالُ: أنْتَ قِوامُنا، يَعْنِي ما يُقامُ بِهِ الحاجَةُ لا يَفْضُلُ عَنْهُ ولا يَنْقُصُ.
المسألة الثّانِيَةُ: المَنصُوبانِ أعْنِي ”بَيْنَ ذَلِكَ قَوامًا“ جائِزٌ أنْ يَكُونا خَبَرَيْنِ مَعًا، وأنْ يُجْعَلَ بَيْنَ ذَلِكَ لَغْوًا وقَوامًا مُسْتَقِرًّا، وأنْ يَكُونَ الظَّرْفُ خَبَرًا وقِوامًا حالًا مُؤَكِّدَةً، قالَ الفَرّاءُ: وإنْ شِئْتَ جَعَلْتَ ”بَيْنَ ذَلِكَ“ اسْمَ
صفحة ٩٦
كانَ، كَما تَقُولُ: كانَ دُونَ هَذا كافِيًا، تُرِيدُ أقَلَّ مِن ذَلِكَ، فَيَكُونُ مَعْنى ”بَيْنَ ذَلِكَ“، أيْ: كانَ الوَسَطُ مِن ذَلِكَ قَوامًا، أيْ: عَدْلًا، وهَذا التَّأْوِيلُ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ القَوامَ هو الوَسَطُ، فَيَصِيرُ التَّأْوِيلُ: وكانَ الوَسَطُ وسَطًا، وهَذا لَغْوٌ.
الفرقان 25:68
الصِّفَةُ السّادِسَةُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ ولا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلّا بِالحَقِّ ولا يَزْنُونَ ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أثامًا﴾ ﴿يُضاعَفْ لَهُ العَذابُ يَوْمَ القِيامَةِ ويَخْلُدْ فِيهِ مُهانًا﴾ ﴿إلّا مَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ عَمَلًا صالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ﴿ومَن تابَ وعَمِلَ صالِحًا فَإنَّهُ يَتُوبُ إلى اللَّهِ مَتابًا﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى ذَكَرَ أنَّ مِن صِفَةِ عِبادِ الرَّحْمَنِ الِاحْتِرازَ عَنِ الشِّرْكِ والقَتْلِ والزِّنا، ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ حُكْمَ مَن يَفْعَلُ هَذِهِ الأشْياءَ مِنَ العِقابِ، ثُمَّ اسْتَثْنى مِن جُمْلَتِهِمُ التّائِبَ، وهَهُنا سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى قَبْلَ ذِكْرِ هَذِهِ الصِّفَةِ نَزَّهَ عِبادَ الرَّحْمَنِ عَنِ الأُمُورِ الخَفِيفَةِ، فَكَيْفَ يَلِيقُ بَعْدَ ذَلِكَ أنْ يُطَهِّرَهم عَنِ الأُمُورِ العَظِيمَةِ مِثْلَ الشِّرْكِ والقَتْلِ والزِّنا، ألَيْسَ أنَّهُ لَوْ كانَ التَّرْتِيبُ بِالعَكْسِ مِنهُ كانَ أوْلى ؟ الجَوابُ: أنَّ المَوْصُوفَ بِتِلْكَ الصِّفاتِ السّالِفَةِ قَدْ يَكُونُ مُتَمَسِّكًا بِالشِّرْكِ تَدَيُّنًا، ومُقْدِمًا عَلى قَتْلِ المَوْءُودَةِ تَدَيُّنًا، وعَلى الزِّنا تَدَيُّنًا، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ المَرْءَ لا يَصِيرُ بِتِلْكَ الخِصالِ وحْدَها مِن عِبادِ الرَّحْمَنِ، حَتّى يُضافَ إلى ذَلِكَ كَوْنُهُ مُجانِبًا لِهَذِهِ الكَبائِرِ، وأجابَ الحَسَنُ رَحِمَهُ اللَّهُ مِن وجْهٍ آخَرَ فَقالَ: المَقْصُودُ مِن ذَلِكَ التَّنْبِيهُ عَلى الفَرْقِ بَيْنَ سِيرَةِ المُسْلِمِينَ وسِيرَةِ الكُفّارِ، كَأنَّهُ قالَ: وعِبادُ الرَّحْمَنِ هُمُ الَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ وأنْتُمْ تَدَعُونَ، ﴿ولا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلّا بِالحَقِّ﴾ وأنْتُمْ تَقْتُلُونَ المَوْءُودَةَ، ﴿ولا يَزْنُونَ﴾ وأنْتُمْ تَزْنُونَ.
السُّؤالُ الثّانِي: ما مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ولا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلّا بِالحَقِّ﴾، ومَعْلُومٌ أنَّهُ مَن يَحِلُّ قَتْلُهُ لا يَدْخُلُ في النَّفْسِ المُحَرَّمَةِ، فَكَيْفَ يَصِحُّ هَذا الِاسْتِثْناءُ ؟ الجَوابُ: المُقْتَضِي لِحُرْمَةِ القَتْلِ قائِمٌ أبَدًا، وجَوازُ القَتْلِ إنَّما ثَبَتَ بِالمُعارِضِ، فَقَوْلُهُ: ﴿حَرَّمَ اللَّهُ﴾ إشارَةٌ إلى المُقْتَضِي، وقَوْلُهُ: ﴿إلّا بِالحَقِّ﴾ إشارَةٌ إلى المُعارِضِ.
السُّؤالُ الثّالِثُ: بِأيِّ سَبَبٍ يَحِلُّ القَتْلُ ؟ الجَوابُ: بِالرِّدَّةِ وبِالزِّنا بَعْدَ الإحْصانِ، وبِالقَتْلِ قَوَدًا عَلى ما في الحَدِيثِ، وقِيلَ: وبِالمُحارَبَةِ وبِالبَيِّنَةِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ لِما شَهِدْتَ بِهِ حَقِيقَةٌ.
صفحة ٩٧
السُّؤالُ الرّابِعُ: مِنهم مَن فَسَّرَ قَوْلَهُ: ﴿ولا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلّا بِالحَقِّ﴾ بِالرِّدَّةِ، فَهَلْ يَصِحُّ ذَلِكَ ؟ الجَوابُ: لَفْظُ القَتْلِ عامٌّ، فَيَتَناوَلُ الكُلَّ. وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: «”قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أيُّ الذَّنْبِ أعْظَمُ ؟ قالَ: أنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وهو خَلَقَكَ. قُلْتُ: ثُمَّ أيٌّ ؟ قالَ: أنْ تَقْتُلَ ولَدَكَ خَشْيَةَ أنْ يَأْكُلَ مَعَكَ. قُلْتُ: ثُمَّ أيٌّ ؟ قالَ: أنْ تَزْنِيَ بِحَلِيلَةِ جارِكَ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَصْدِيقَهُ» .
السُّؤالُ الخامِسُ: ما الأثامُ ؟ الجَوابُ: فِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّ الأثامَ جَزاءُ الإثْمِ، بِوَزْنِ الوَبالِ والنَّكالِ.
وثانِيها: وهو قَوْلُ أبِي مُسْلِمٍ: أنَّ الأثامَ والإثْمَ واحِدٌ، والمُرادُ هَهُنا جَزاءُ الأثامِ، فَأطْلَقَ اسْمَ الشَّيْءِ عَلى جَزائِهِ.
وثالِثُها: قالَ الحَسَنُ: الأثامُ اسْمٌ مِن أسْماءِ جَهَنَّمَ. وقالَ مُجاهِدٌ: ﴿أثامًا﴾ وادٍ في جَهَنَّمَ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ:“ أثامًا ”أيْ شَدِيدًا، يُقالُ: يَوْمٌ ذُو أثامٍ، لِلْيَوْمِ العَصِيبِ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ: ﴿يُضاعَفْ لَهُ العَذابُ يَوْمَ القِيامَةِ ويَخْلُدْ فِيهِ مُهانًا﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: ﴿يُضاعَفْ﴾ بَدَلٌ مِن ﴿يَلْقَ﴾ لِأنَّهُما في مَعْنًى واحِدٍ، وقُرِئَ:“يُضْعَفْ”و“نُضْعِفْ لَهُ العَذابَ”بِالنُّونِ ونَصْبِ العَذابِ، وقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى الِاسْتِئْنافِ أوْ عَلى الحالِ، وكَذَلِكَ (يَخْلُدْ)، وقُرِئَ:“ويُخْلَدْ”عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ مُخَفَّفًا ومُثَقَّلًا مِنَ الإخْلادِ والتَّخْلِيدِ، وقُرِئَ:“ وتَخْلُدْ " بِالتّاءِ عَلى الِالتِفاتِ.
المسألة الثّانِيَةُ: سَبَبُ تَضْعِيفِ العَذابِ أنَّ المُشْرِكَ إذا ارْتَكَبَ المَعاصِيَ مَعَ الشِّرْكِ عُذِّبَ عَلى الشِّرْكِ وعَلى المَعاصِي جَمِيعًا، فَتُضاعَفُ العُقُوبَةُ لِمُضاعَفَةِ المُعاقَبِ عَلَيْهِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الكُفّارَ مُخاطَبُونَ بِفُرُوعِ الشَّرائِعِ.
المسألة الثّالِثَةُ: قالَ القاضِي: بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّ المُضاعَفَةَ والزِّيادَةَ يَكُونُ حالُهُما في الدَّوامِ كَحالِ الأصْلِ، فَقَوْلُهُ: ﴿ويَخْلُدْ فِيهِ﴾ أيْ: ويَخْلُدْ في ذَلِكَ التَّضْعِيفِ، ثُمَّ إنَّ ذَلِكَ التَّضْعِيفَ إنَّما حَصَلَ بِسَبَبِ العِقابِ عَلى المَعاصِي، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ عِقابُ هَذِهِ المَعاصِي في حَقِّ الكافِرِ دائِمًا، وإذا كانَ كَذَلِكَ وجَبَ أنْ يَكُونَ في حَقِّ المُؤْمِنِ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ حالَهُ فِيما يَسْتَحِقُّ بِهِ لا يَتَغَيَّرُ سَواءً فَعَلَ مَعَ غَيْرِهِ أوْ مُنْفَرِدًا، والجَوابُ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلْإتْيانِ بِالشَّيْءِ مَعَ غَيْرِهِ أثَرٌ في مَزِيدِ القُبْحِ، ألا تَرى أنَّ الشَّيْئَيْنِ قَدْ يَكُونُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما في نَفْسِهِ حَسَنًا، وإنْ كانَ الجَمْعُ بَيْنَهُما قَبِيحًا، وقَدْ يَكُونُ كُلٌّ واحِدٍ مِنهُما قَبِيحًا، ويَكُونُ الجَمْعُ بَيْنَهُما أقْبَحَ، فَكَذا هَهُنا.
المسألة الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ويَخْلُدْ فِيهِ مُهانًا﴾ إشارَةٌ إلى ما ثَبَتَ أنَّ العِقابَ هو المَضَرَّةُ الخالِصَةُ المَقْرُونَةُ بِالإذْلالِ والإهانَةِ، كَما أنَّ الثَّوابَ هو المَنفَعَةُ الخالِصَةُ المَقْرُونَةُ بِالتَّعْظِيمِ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلّا مَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ عَمَلًا صالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ التَّوْبَةَ مَقْبُولَةٌ، والِاسْتِثْناءُ لا يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ أثْبَتَ أنَّهُ يُضاعِفُ لَهُ العَذابَ ضِعْفَيْنِ، فَيَكْفِي لِصِحَّةِ هَذا الِاسْتِثْناءِ أنْ لا يُضاعِفَ لِلتّائِبِ العَذابَ ضِعْفَيْنِ، وإنَّما الدّالُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ﴾ .
المسألة الثّانِيَةُ: نُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: تَوْبَةُ القاتِلِ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ، وزَعَمَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ
صفحة ٩٨
تَعالى: ﴿ومَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ [النِّساءِ: ٩٣] وقالُوا: نَزَلَتِ الغَلِيظَةُ بَعْدَ اللَّيِّنَةِ بِمُدَّةٍ يَسِيرَةٍ، وعَنِ الضَّحّاكِ ومُقاتِلٍ بِثَمانِ سِنِينَ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في ذَلِكَ في سُورَةِ النِّساءِ.
المسألة الثّالِثَةُ: فَإنْ قِيلَ: العَمَلُ الصّالِحُ يَدْخُلُ فِيهِ التَّوْبَةُ والإيمانُ، فَكانَ ذِكْرُهُما قَبْلَ ذِكْرِ العَمَلِ الصّالِحِ حَشْوًا، قُلْنا: أفْرَدَهُما بِالذِّكْرِ لِعُلُوِّ شَأْنِهِما، ولَمّا كانَ لا بُدَّ مَعَهُما مِن سائِرِ الأعْمالِ لا جَرَمَ ذَكَرَ عَقِيبَهُما العَمَلَ الصّالِحَ.
المسألة الرّابِعَةُ: اخْتَلَفُوا في المُرادِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ﴾ عَلى وُجُوهٍ:
أحَدُها: قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ ومُجاهِدٍ وقَتادَةَ: إنَّ التَّبْدِيلَ إنَّما يَكُونُ في الدُّنْيا، فَيُبَدِّلُ اللَّهُ تَعالى قَبائِحَ أعْمالِهِمْ في الشِّرْكِ بِمَحاسِنِ الأعْمالِ في الإسْلامِ، فَيُبَدِّلُهم بِالشِّرْكِ إيمانًا، وبِقَتْلِ المُؤْمِنِينَ قَتْلَ المُشْرِكِينَ، وبِالزِّنا عِفَّةً وإحْصانًا، فَكَأنَّهُ تَعالى يُبَشِّرُهم بِأنَّهُ يُوَفِّقُهم لِهَذِهِ الأعْمالِ الصّالِحَةِ فَيَسْتَوْجِبُوا بِها الثَّوابَ.
وثانِيها: قالَ الزَّجّاجُ: السَّيِّئَةُ بِعَيْنِها لا تَصِيرُ حَسَنَةً، ولَكِنَّ التَّأْوِيلَ أنَّ السَّيِّئَةَ تُمْحى بِالتَّوْبَةِ وتُكْتَبُ الحَسَنَةُ مَعَ التَّوْبَةِ، والكافِرُ يُحْبِطُ اللَّهُ عَمَلَهُ ويُثْبِتُ عَلَيْهِ السَّيِّئاتِ.
وثالِثُها: قالَ قَوْمٌ: إنَّ اللَّهَ تَعالى يَمْحُو السَّيِّئَةَ عَنِ العَبْدِ ويُثْبِتُ لَهُ بَدَلَها الحَسَنَةَ بِحُكْمِ هَذِهِ الآيَةِ، وهَذا قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ ومَكْحُولٍ، ويَحْتَجُّونَ بِما رَوى أبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، أنَّهُ قالَ: «لَيَتَمَنَّيَنَّ أقْوامٌ أنَّهم أكْثَرُوا مِنَ السَّيِّئاتِ، قِيلَ: مَن هم يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قالَ: الَّذِينَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ» وعَلى هَذا التَّبْدِيلُ في الآخِرَةِ.
ورابِعُها: قالَ القَفّالُ والقاضِي: أنَّهُ تَعالى يُبَدِّلُ العِقابَ بِالثَّوابِ، فَذَكَرَهُما وأرادَ ما يَسْتَحِقُّ بِهِما، وإذا حُمِلَ عَلى ذَلِكَ كانَتِ الإضافَةُ إلى اللَّهِ حَقِيقَةً؛ لِأنَّ الإثابَةَ لا تَكُونُ إلّا مِنَ اللَّهِ تَعالى.
الفرقان 25:69
الصِّفَةُ السّادِسَةُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ ولا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلّا بِالحَقِّ ولا يَزْنُونَ ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أثامًا﴾ ﴿يُضاعَفْ لَهُ العَذابُ يَوْمَ القِيامَةِ ويَخْلُدْ فِيهِ مُهانًا﴾ ﴿إلّا مَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ عَمَلًا صالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ﴿ومَن تابَ وعَمِلَ صالِحًا فَإنَّهُ يَتُوبُ إلى اللَّهِ مَتابًا﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى ذَكَرَ أنَّ مِن صِفَةِ عِبادِ الرَّحْمَنِ الِاحْتِرازَ عَنِ الشِّرْكِ والقَتْلِ والزِّنا، ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ حُكْمَ مَن يَفْعَلُ هَذِهِ الأشْياءَ مِنَ العِقابِ، ثُمَّ اسْتَثْنى مِن جُمْلَتِهِمُ التّائِبَ، وهَهُنا سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى قَبْلَ ذِكْرِ هَذِهِ الصِّفَةِ نَزَّهَ عِبادَ الرَّحْمَنِ عَنِ الأُمُورِ الخَفِيفَةِ، فَكَيْفَ يَلِيقُ بَعْدَ ذَلِكَ أنْ يُطَهِّرَهم عَنِ الأُمُورِ العَظِيمَةِ مِثْلَ الشِّرْكِ والقَتْلِ والزِّنا، ألَيْسَ أنَّهُ لَوْ كانَ التَّرْتِيبُ بِالعَكْسِ مِنهُ كانَ أوْلى ؟ الجَوابُ: أنَّ المَوْصُوفَ بِتِلْكَ الصِّفاتِ السّالِفَةِ قَدْ يَكُونُ مُتَمَسِّكًا بِالشِّرْكِ تَدَيُّنًا، ومُقْدِمًا عَلى قَتْلِ المَوْءُودَةِ تَدَيُّنًا، وعَلى الزِّنا تَدَيُّنًا، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ المَرْءَ لا يَصِيرُ بِتِلْكَ الخِصالِ وحْدَها مِن عِبادِ الرَّحْمَنِ، حَتّى يُضافَ إلى ذَلِكَ كَوْنُهُ مُجانِبًا لِهَذِهِ الكَبائِرِ، وأجابَ الحَسَنُ رَحِمَهُ اللَّهُ مِن وجْهٍ آخَرَ فَقالَ: المَقْصُودُ مِن ذَلِكَ التَّنْبِيهُ عَلى الفَرْقِ بَيْنَ سِيرَةِ المُسْلِمِينَ وسِيرَةِ الكُفّارِ، كَأنَّهُ قالَ: وعِبادُ الرَّحْمَنِ هُمُ الَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ وأنْتُمْ تَدَعُونَ، ﴿ولا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلّا بِالحَقِّ﴾ وأنْتُمْ تَقْتُلُونَ المَوْءُودَةَ، ﴿ولا يَزْنُونَ﴾ وأنْتُمْ تَزْنُونَ.
السُّؤالُ الثّانِي: ما مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ولا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلّا بِالحَقِّ﴾، ومَعْلُومٌ أنَّهُ مَن يَحِلُّ قَتْلُهُ لا يَدْخُلُ في النَّفْسِ المُحَرَّمَةِ، فَكَيْفَ يَصِحُّ هَذا الِاسْتِثْناءُ ؟ الجَوابُ: المُقْتَضِي لِحُرْمَةِ القَتْلِ قائِمٌ أبَدًا، وجَوازُ القَتْلِ إنَّما ثَبَتَ بِالمُعارِضِ، فَقَوْلُهُ: ﴿حَرَّمَ اللَّهُ﴾ إشارَةٌ إلى المُقْتَضِي، وقَوْلُهُ: ﴿إلّا بِالحَقِّ﴾ إشارَةٌ إلى المُعارِضِ.
السُّؤالُ الثّالِثُ: بِأيِّ سَبَبٍ يَحِلُّ القَتْلُ ؟ الجَوابُ: بِالرِّدَّةِ وبِالزِّنا بَعْدَ الإحْصانِ، وبِالقَتْلِ قَوَدًا عَلى ما في الحَدِيثِ، وقِيلَ: وبِالمُحارَبَةِ وبِالبَيِّنَةِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ لِما شَهِدْتَ بِهِ حَقِيقَةٌ.
صفحة ٩٧
السُّؤالُ الرّابِعُ: مِنهم مَن فَسَّرَ قَوْلَهُ: ﴿ولا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلّا بِالحَقِّ﴾ بِالرِّدَّةِ، فَهَلْ يَصِحُّ ذَلِكَ ؟ الجَوابُ: لَفْظُ القَتْلِ عامٌّ، فَيَتَناوَلُ الكُلَّ. وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: «”قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أيُّ الذَّنْبِ أعْظَمُ ؟ قالَ: أنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وهو خَلَقَكَ. قُلْتُ: ثُمَّ أيٌّ ؟ قالَ: أنْ تَقْتُلَ ولَدَكَ خَشْيَةَ أنْ يَأْكُلَ مَعَكَ. قُلْتُ: ثُمَّ أيٌّ ؟ قالَ: أنْ تَزْنِيَ بِحَلِيلَةِ جارِكَ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَصْدِيقَهُ» .
السُّؤالُ الخامِسُ: ما الأثامُ ؟ الجَوابُ: فِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّ الأثامَ جَزاءُ الإثْمِ، بِوَزْنِ الوَبالِ والنَّكالِ.
وثانِيها: وهو قَوْلُ أبِي مُسْلِمٍ: أنَّ الأثامَ والإثْمَ واحِدٌ، والمُرادُ هَهُنا جَزاءُ الأثامِ، فَأطْلَقَ اسْمَ الشَّيْءِ عَلى جَزائِهِ.
وثالِثُها: قالَ الحَسَنُ: الأثامُ اسْمٌ مِن أسْماءِ جَهَنَّمَ. وقالَ مُجاهِدٌ: ﴿أثامًا﴾ وادٍ في جَهَنَّمَ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ:“ أثامًا ”أيْ شَدِيدًا، يُقالُ: يَوْمٌ ذُو أثامٍ، لِلْيَوْمِ العَصِيبِ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ: ﴿يُضاعَفْ لَهُ العَذابُ يَوْمَ القِيامَةِ ويَخْلُدْ فِيهِ مُهانًا﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: ﴿يُضاعَفْ﴾ بَدَلٌ مِن ﴿يَلْقَ﴾ لِأنَّهُما في مَعْنًى واحِدٍ، وقُرِئَ:“يُضْعَفْ”و“نُضْعِفْ لَهُ العَذابَ”بِالنُّونِ ونَصْبِ العَذابِ، وقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى الِاسْتِئْنافِ أوْ عَلى الحالِ، وكَذَلِكَ (يَخْلُدْ)، وقُرِئَ:“ويُخْلَدْ”عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ مُخَفَّفًا ومُثَقَّلًا مِنَ الإخْلادِ والتَّخْلِيدِ، وقُرِئَ:“ وتَخْلُدْ " بِالتّاءِ عَلى الِالتِفاتِ.
المسألة الثّانِيَةُ: سَبَبُ تَضْعِيفِ العَذابِ أنَّ المُشْرِكَ إذا ارْتَكَبَ المَعاصِيَ مَعَ الشِّرْكِ عُذِّبَ عَلى الشِّرْكِ وعَلى المَعاصِي جَمِيعًا، فَتُضاعَفُ العُقُوبَةُ لِمُضاعَفَةِ المُعاقَبِ عَلَيْهِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الكُفّارَ مُخاطَبُونَ بِفُرُوعِ الشَّرائِعِ.
المسألة الثّالِثَةُ: قالَ القاضِي: بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّ المُضاعَفَةَ والزِّيادَةَ يَكُونُ حالُهُما في الدَّوامِ كَحالِ الأصْلِ، فَقَوْلُهُ: ﴿ويَخْلُدْ فِيهِ﴾ أيْ: ويَخْلُدْ في ذَلِكَ التَّضْعِيفِ، ثُمَّ إنَّ ذَلِكَ التَّضْعِيفَ إنَّما حَصَلَ بِسَبَبِ العِقابِ عَلى المَعاصِي، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ عِقابُ هَذِهِ المَعاصِي في حَقِّ الكافِرِ دائِمًا، وإذا كانَ كَذَلِكَ وجَبَ أنْ يَكُونَ في حَقِّ المُؤْمِنِ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ حالَهُ فِيما يَسْتَحِقُّ بِهِ لا يَتَغَيَّرُ سَواءً فَعَلَ مَعَ غَيْرِهِ أوْ مُنْفَرِدًا، والجَوابُ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلْإتْيانِ بِالشَّيْءِ مَعَ غَيْرِهِ أثَرٌ في مَزِيدِ القُبْحِ، ألا تَرى أنَّ الشَّيْئَيْنِ قَدْ يَكُونُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما في نَفْسِهِ حَسَنًا، وإنْ كانَ الجَمْعُ بَيْنَهُما قَبِيحًا، وقَدْ يَكُونُ كُلٌّ واحِدٍ مِنهُما قَبِيحًا، ويَكُونُ الجَمْعُ بَيْنَهُما أقْبَحَ، فَكَذا هَهُنا.
المسألة الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ويَخْلُدْ فِيهِ مُهانًا﴾ إشارَةٌ إلى ما ثَبَتَ أنَّ العِقابَ هو المَضَرَّةُ الخالِصَةُ المَقْرُونَةُ بِالإذْلالِ والإهانَةِ، كَما أنَّ الثَّوابَ هو المَنفَعَةُ الخالِصَةُ المَقْرُونَةُ بِالتَّعْظِيمِ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلّا مَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ عَمَلًا صالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ التَّوْبَةَ مَقْبُولَةٌ، والِاسْتِثْناءُ لا يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ أثْبَتَ أنَّهُ يُضاعِفُ لَهُ العَذابَ ضِعْفَيْنِ، فَيَكْفِي لِصِحَّةِ هَذا الِاسْتِثْناءِ أنْ لا يُضاعِفَ لِلتّائِبِ العَذابَ ضِعْفَيْنِ، وإنَّما الدّالُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ﴾ .
المسألة الثّانِيَةُ: نُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: تَوْبَةُ القاتِلِ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ، وزَعَمَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ
صفحة ٩٨
تَعالى: ﴿ومَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ [النِّساءِ: ٩٣] وقالُوا: نَزَلَتِ الغَلِيظَةُ بَعْدَ اللَّيِّنَةِ بِمُدَّةٍ يَسِيرَةٍ، وعَنِ الضَّحّاكِ ومُقاتِلٍ بِثَمانِ سِنِينَ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في ذَلِكَ في سُورَةِ النِّساءِ.
المسألة الثّالِثَةُ: فَإنْ قِيلَ: العَمَلُ الصّالِحُ يَدْخُلُ فِيهِ التَّوْبَةُ والإيمانُ، فَكانَ ذِكْرُهُما قَبْلَ ذِكْرِ العَمَلِ الصّالِحِ حَشْوًا، قُلْنا: أفْرَدَهُما بِالذِّكْرِ لِعُلُوِّ شَأْنِهِما، ولَمّا كانَ لا بُدَّ مَعَهُما مِن سائِرِ الأعْمالِ لا جَرَمَ ذَكَرَ عَقِيبَهُما العَمَلَ الصّالِحَ.
المسألة الرّابِعَةُ: اخْتَلَفُوا في المُرادِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ﴾ عَلى وُجُوهٍ:
أحَدُها: قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ ومُجاهِدٍ وقَتادَةَ: إنَّ التَّبْدِيلَ إنَّما يَكُونُ في الدُّنْيا، فَيُبَدِّلُ اللَّهُ تَعالى قَبائِحَ أعْمالِهِمْ في الشِّرْكِ بِمَحاسِنِ الأعْمالِ في الإسْلامِ، فَيُبَدِّلُهم بِالشِّرْكِ إيمانًا، وبِقَتْلِ المُؤْمِنِينَ قَتْلَ المُشْرِكِينَ، وبِالزِّنا عِفَّةً وإحْصانًا، فَكَأنَّهُ تَعالى يُبَشِّرُهم بِأنَّهُ يُوَفِّقُهم لِهَذِهِ الأعْمالِ الصّالِحَةِ فَيَسْتَوْجِبُوا بِها الثَّوابَ.
وثانِيها: قالَ الزَّجّاجُ: السَّيِّئَةُ بِعَيْنِها لا تَصِيرُ حَسَنَةً، ولَكِنَّ التَّأْوِيلَ أنَّ السَّيِّئَةَ تُمْحى بِالتَّوْبَةِ وتُكْتَبُ الحَسَنَةُ مَعَ التَّوْبَةِ، والكافِرُ يُحْبِطُ اللَّهُ عَمَلَهُ ويُثْبِتُ عَلَيْهِ السَّيِّئاتِ.
وثالِثُها: قالَ قَوْمٌ: إنَّ اللَّهَ تَعالى يَمْحُو السَّيِّئَةَ عَنِ العَبْدِ ويُثْبِتُ لَهُ بَدَلَها الحَسَنَةَ بِحُكْمِ هَذِهِ الآيَةِ، وهَذا قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ ومَكْحُولٍ، ويَحْتَجُّونَ بِما رَوى أبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، أنَّهُ قالَ: «لَيَتَمَنَّيَنَّ أقْوامٌ أنَّهم أكْثَرُوا مِنَ السَّيِّئاتِ، قِيلَ: مَن هم يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قالَ: الَّذِينَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ» وعَلى هَذا التَّبْدِيلُ في الآخِرَةِ.
ورابِعُها: قالَ القَفّالُ والقاضِي: أنَّهُ تَعالى يُبَدِّلُ العِقابَ بِالثَّوابِ، فَذَكَرَهُما وأرادَ ما يَسْتَحِقُّ بِهِما، وإذا حُمِلَ عَلى ذَلِكَ كانَتِ الإضافَةُ إلى اللَّهِ حَقِيقَةً؛ لِأنَّ الإثابَةَ لا تَكُونُ إلّا مِنَ اللَّهِ تَعالى.
الفرقان 25:70
الصِّفَةُ السّادِسَةُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ ولا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلّا بِالحَقِّ ولا يَزْنُونَ ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أثامًا﴾ ﴿يُضاعَفْ لَهُ العَذابُ يَوْمَ القِيامَةِ ويَخْلُدْ فِيهِ مُهانًا﴾ ﴿إلّا مَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ عَمَلًا صالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ﴿ومَن تابَ وعَمِلَ صالِحًا فَإنَّهُ يَتُوبُ إلى اللَّهِ مَتابًا﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى ذَكَرَ أنَّ مِن صِفَةِ عِبادِ الرَّحْمَنِ الِاحْتِرازَ عَنِ الشِّرْكِ والقَتْلِ والزِّنا، ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ حُكْمَ مَن يَفْعَلُ هَذِهِ الأشْياءَ مِنَ العِقابِ، ثُمَّ اسْتَثْنى مِن جُمْلَتِهِمُ التّائِبَ، وهَهُنا سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى قَبْلَ ذِكْرِ هَذِهِ الصِّفَةِ نَزَّهَ عِبادَ الرَّحْمَنِ عَنِ الأُمُورِ الخَفِيفَةِ، فَكَيْفَ يَلِيقُ بَعْدَ ذَلِكَ أنْ يُطَهِّرَهم عَنِ الأُمُورِ العَظِيمَةِ مِثْلَ الشِّرْكِ والقَتْلِ والزِّنا، ألَيْسَ أنَّهُ لَوْ كانَ التَّرْتِيبُ بِالعَكْسِ مِنهُ كانَ أوْلى ؟ الجَوابُ: أنَّ المَوْصُوفَ بِتِلْكَ الصِّفاتِ السّالِفَةِ قَدْ يَكُونُ مُتَمَسِّكًا بِالشِّرْكِ تَدَيُّنًا، ومُقْدِمًا عَلى قَتْلِ المَوْءُودَةِ تَدَيُّنًا، وعَلى الزِّنا تَدَيُّنًا، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ المَرْءَ لا يَصِيرُ بِتِلْكَ الخِصالِ وحْدَها مِن عِبادِ الرَّحْمَنِ، حَتّى يُضافَ إلى ذَلِكَ كَوْنُهُ مُجانِبًا لِهَذِهِ الكَبائِرِ، وأجابَ الحَسَنُ رَحِمَهُ اللَّهُ مِن وجْهٍ آخَرَ فَقالَ: المَقْصُودُ مِن ذَلِكَ التَّنْبِيهُ عَلى الفَرْقِ بَيْنَ سِيرَةِ المُسْلِمِينَ وسِيرَةِ الكُفّارِ، كَأنَّهُ قالَ: وعِبادُ الرَّحْمَنِ هُمُ الَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ وأنْتُمْ تَدَعُونَ، ﴿ولا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلّا بِالحَقِّ﴾ وأنْتُمْ تَقْتُلُونَ المَوْءُودَةَ، ﴿ولا يَزْنُونَ﴾ وأنْتُمْ تَزْنُونَ.
السُّؤالُ الثّانِي: ما مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ولا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلّا بِالحَقِّ﴾، ومَعْلُومٌ أنَّهُ مَن يَحِلُّ قَتْلُهُ لا يَدْخُلُ في النَّفْسِ المُحَرَّمَةِ، فَكَيْفَ يَصِحُّ هَذا الِاسْتِثْناءُ ؟ الجَوابُ: المُقْتَضِي لِحُرْمَةِ القَتْلِ قائِمٌ أبَدًا، وجَوازُ القَتْلِ إنَّما ثَبَتَ بِالمُعارِضِ، فَقَوْلُهُ: ﴿حَرَّمَ اللَّهُ﴾ إشارَةٌ إلى المُقْتَضِي، وقَوْلُهُ: ﴿إلّا بِالحَقِّ﴾ إشارَةٌ إلى المُعارِضِ.
السُّؤالُ الثّالِثُ: بِأيِّ سَبَبٍ يَحِلُّ القَتْلُ ؟ الجَوابُ: بِالرِّدَّةِ وبِالزِّنا بَعْدَ الإحْصانِ، وبِالقَتْلِ قَوَدًا عَلى ما في الحَدِيثِ، وقِيلَ: وبِالمُحارَبَةِ وبِالبَيِّنَةِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ لِما شَهِدْتَ بِهِ حَقِيقَةٌ.
صفحة ٩٧
السُّؤالُ الرّابِعُ: مِنهم مَن فَسَّرَ قَوْلَهُ: ﴿ولا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلّا بِالحَقِّ﴾ بِالرِّدَّةِ، فَهَلْ يَصِحُّ ذَلِكَ ؟ الجَوابُ: لَفْظُ القَتْلِ عامٌّ، فَيَتَناوَلُ الكُلَّ. وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: «”قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أيُّ الذَّنْبِ أعْظَمُ ؟ قالَ: أنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وهو خَلَقَكَ. قُلْتُ: ثُمَّ أيٌّ ؟ قالَ: أنْ تَقْتُلَ ولَدَكَ خَشْيَةَ أنْ يَأْكُلَ مَعَكَ. قُلْتُ: ثُمَّ أيٌّ ؟ قالَ: أنْ تَزْنِيَ بِحَلِيلَةِ جارِكَ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَصْدِيقَهُ» .
السُّؤالُ الخامِسُ: ما الأثامُ ؟ الجَوابُ: فِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّ الأثامَ جَزاءُ الإثْمِ، بِوَزْنِ الوَبالِ والنَّكالِ.
وثانِيها: وهو قَوْلُ أبِي مُسْلِمٍ: أنَّ الأثامَ والإثْمَ واحِدٌ، والمُرادُ هَهُنا جَزاءُ الأثامِ، فَأطْلَقَ اسْمَ الشَّيْءِ عَلى جَزائِهِ.
وثالِثُها: قالَ الحَسَنُ: الأثامُ اسْمٌ مِن أسْماءِ جَهَنَّمَ. وقالَ مُجاهِدٌ: ﴿أثامًا﴾ وادٍ في جَهَنَّمَ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ:“ أثامًا ”أيْ شَدِيدًا، يُقالُ: يَوْمٌ ذُو أثامٍ، لِلْيَوْمِ العَصِيبِ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ: ﴿يُضاعَفْ لَهُ العَذابُ يَوْمَ القِيامَةِ ويَخْلُدْ فِيهِ مُهانًا﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: ﴿يُضاعَفْ﴾ بَدَلٌ مِن ﴿يَلْقَ﴾ لِأنَّهُما في مَعْنًى واحِدٍ، وقُرِئَ:“يُضْعَفْ”و“نُضْعِفْ لَهُ العَذابَ”بِالنُّونِ ونَصْبِ العَذابِ، وقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى الِاسْتِئْنافِ أوْ عَلى الحالِ، وكَذَلِكَ (يَخْلُدْ)، وقُرِئَ:“ويُخْلَدْ”عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ مُخَفَّفًا ومُثَقَّلًا مِنَ الإخْلادِ والتَّخْلِيدِ، وقُرِئَ:“ وتَخْلُدْ " بِالتّاءِ عَلى الِالتِفاتِ.
المسألة الثّانِيَةُ: سَبَبُ تَضْعِيفِ العَذابِ أنَّ المُشْرِكَ إذا ارْتَكَبَ المَعاصِيَ مَعَ الشِّرْكِ عُذِّبَ عَلى الشِّرْكِ وعَلى المَعاصِي جَمِيعًا، فَتُضاعَفُ العُقُوبَةُ لِمُضاعَفَةِ المُعاقَبِ عَلَيْهِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الكُفّارَ مُخاطَبُونَ بِفُرُوعِ الشَّرائِعِ.
المسألة الثّالِثَةُ: قالَ القاضِي: بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّ المُضاعَفَةَ والزِّيادَةَ يَكُونُ حالُهُما في الدَّوامِ كَحالِ الأصْلِ، فَقَوْلُهُ: ﴿ويَخْلُدْ فِيهِ﴾ أيْ: ويَخْلُدْ في ذَلِكَ التَّضْعِيفِ، ثُمَّ إنَّ ذَلِكَ التَّضْعِيفَ إنَّما حَصَلَ بِسَبَبِ العِقابِ عَلى المَعاصِي، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ عِقابُ هَذِهِ المَعاصِي في حَقِّ الكافِرِ دائِمًا، وإذا كانَ كَذَلِكَ وجَبَ أنْ يَكُونَ في حَقِّ المُؤْمِنِ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ حالَهُ فِيما يَسْتَحِقُّ بِهِ لا يَتَغَيَّرُ سَواءً فَعَلَ مَعَ غَيْرِهِ أوْ مُنْفَرِدًا، والجَوابُ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلْإتْيانِ بِالشَّيْءِ مَعَ غَيْرِهِ أثَرٌ في مَزِيدِ القُبْحِ، ألا تَرى أنَّ الشَّيْئَيْنِ قَدْ يَكُونُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما في نَفْسِهِ حَسَنًا، وإنْ كانَ الجَمْعُ بَيْنَهُما قَبِيحًا، وقَدْ يَكُونُ كُلٌّ واحِدٍ مِنهُما قَبِيحًا، ويَكُونُ الجَمْعُ بَيْنَهُما أقْبَحَ، فَكَذا هَهُنا.
المسألة الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ويَخْلُدْ فِيهِ مُهانًا﴾ إشارَةٌ إلى ما ثَبَتَ أنَّ العِقابَ هو المَضَرَّةُ الخالِصَةُ المَقْرُونَةُ بِالإذْلالِ والإهانَةِ، كَما أنَّ الثَّوابَ هو المَنفَعَةُ الخالِصَةُ المَقْرُونَةُ بِالتَّعْظِيمِ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلّا مَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ عَمَلًا صالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ التَّوْبَةَ مَقْبُولَةٌ، والِاسْتِثْناءُ لا يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ أثْبَتَ أنَّهُ يُضاعِفُ لَهُ العَذابَ ضِعْفَيْنِ، فَيَكْفِي لِصِحَّةِ هَذا الِاسْتِثْناءِ أنْ لا يُضاعِفَ لِلتّائِبِ العَذابَ ضِعْفَيْنِ، وإنَّما الدّالُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ﴾ .
المسألة الثّانِيَةُ: نُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: تَوْبَةُ القاتِلِ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ، وزَعَمَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ
صفحة ٩٨
تَعالى: ﴿ومَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ [النِّساءِ: ٩٣] وقالُوا: نَزَلَتِ الغَلِيظَةُ بَعْدَ اللَّيِّنَةِ بِمُدَّةٍ يَسِيرَةٍ، وعَنِ الضَّحّاكِ ومُقاتِلٍ بِثَمانِ سِنِينَ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في ذَلِكَ في سُورَةِ النِّساءِ.
المسألة الثّالِثَةُ: فَإنْ قِيلَ: العَمَلُ الصّالِحُ يَدْخُلُ فِيهِ التَّوْبَةُ والإيمانُ، فَكانَ ذِكْرُهُما قَبْلَ ذِكْرِ العَمَلِ الصّالِحِ حَشْوًا، قُلْنا: أفْرَدَهُما بِالذِّكْرِ لِعُلُوِّ شَأْنِهِما، ولَمّا كانَ لا بُدَّ مَعَهُما مِن سائِرِ الأعْمالِ لا جَرَمَ ذَكَرَ عَقِيبَهُما العَمَلَ الصّالِحَ.
المسألة الرّابِعَةُ: اخْتَلَفُوا في المُرادِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ﴾ عَلى وُجُوهٍ:
أحَدُها: قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ ومُجاهِدٍ وقَتادَةَ: إنَّ التَّبْدِيلَ إنَّما يَكُونُ في الدُّنْيا، فَيُبَدِّلُ اللَّهُ تَعالى قَبائِحَ أعْمالِهِمْ في الشِّرْكِ بِمَحاسِنِ الأعْمالِ في الإسْلامِ، فَيُبَدِّلُهم بِالشِّرْكِ إيمانًا، وبِقَتْلِ المُؤْمِنِينَ قَتْلَ المُشْرِكِينَ، وبِالزِّنا عِفَّةً وإحْصانًا، فَكَأنَّهُ تَعالى يُبَشِّرُهم بِأنَّهُ يُوَفِّقُهم لِهَذِهِ الأعْمالِ الصّالِحَةِ فَيَسْتَوْجِبُوا بِها الثَّوابَ.
وثانِيها: قالَ الزَّجّاجُ: السَّيِّئَةُ بِعَيْنِها لا تَصِيرُ حَسَنَةً، ولَكِنَّ التَّأْوِيلَ أنَّ السَّيِّئَةَ تُمْحى بِالتَّوْبَةِ وتُكْتَبُ الحَسَنَةُ مَعَ التَّوْبَةِ، والكافِرُ يُحْبِطُ اللَّهُ عَمَلَهُ ويُثْبِتُ عَلَيْهِ السَّيِّئاتِ.
وثالِثُها: قالَ قَوْمٌ: إنَّ اللَّهَ تَعالى يَمْحُو السَّيِّئَةَ عَنِ العَبْدِ ويُثْبِتُ لَهُ بَدَلَها الحَسَنَةَ بِحُكْمِ هَذِهِ الآيَةِ، وهَذا قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ ومَكْحُولٍ، ويَحْتَجُّونَ بِما رَوى أبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، أنَّهُ قالَ: «لَيَتَمَنَّيَنَّ أقْوامٌ أنَّهم أكْثَرُوا مِنَ السَّيِّئاتِ، قِيلَ: مَن هم يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قالَ: الَّذِينَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ» وعَلى هَذا التَّبْدِيلُ في الآخِرَةِ.
ورابِعُها: قالَ القَفّالُ والقاضِي: أنَّهُ تَعالى يُبَدِّلُ العِقابَ بِالثَّوابِ، فَذَكَرَهُما وأرادَ ما يَسْتَحِقُّ بِهِما، وإذا حُمِلَ عَلى ذَلِكَ كانَتِ الإضافَةُ إلى اللَّهِ حَقِيقَةً؛ لِأنَّ الإثابَةَ لا تَكُونُ إلّا مِنَ اللَّهِ تَعالى.
الفرقان 25:71
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن تابَ وعَمِلَ صالِحًا فَإنَّهُ يَتُوبُ إلى اللَّهِ مَتابًا﴾ فَفِيهِ سُؤالانِ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: ما فائِدَةُ هَذا التَّكْرِيرِ ؟ الجَوابُ: مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ هَذا لَيْسَ بِتَكْرِيرٍ؛ لِأنَّ الأوَّلَ لَمّا كانَ في تِلْكَ الخِصالِ بَيَّنَ تَعالى أنَّ جَمِيعَ الذُّنُوبِ بِمَنزِلَتِها في صِحَّةِ التَّوْبَةِ مِنها.
الثّانِي: أنَّ التَّوْبَةَ الأُولى رُجُوعٌ عَنِ الشِّرْكِ والمَعاصِي، والتَّوْبَةَ الثّانِيَةَ رُجُوعٌ إلى اللَّهِ تَعالى لِلْجَزاءِ والمُكافَأةِ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وإلَيْهِ مَتابِ﴾ [الرَّعْدِ: ٣٠] أيْ مَرْجِعِي.
السُّؤالُ الثّانِي: هَلْ تَكُونُ التَّوْبَةُ إلّا إلى اللَّهِ تَعالى، فَما فائِدَةُ قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّهُ يَتُوبُ إلى اللَّهِ مَتابًا﴾ ؟ الجَوابُ: مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: ما تَقَدَّمَ مِن أنَّ التَّوْبَةَ الأُولى الرُّجُوعُ عَنِ المَعْصِيَةِ، والثّانِيَةَ الرُّجُوعُ إلى حُكْمِ اللَّهِ تَعالى وثَوابِهِ.
الثّانِي: مَعْناهُ أنَّ مَن تابَ إلى اللَّهِ فَقَدْ أتى بِتَوْبَةٍ مُرْضِيَةٍ لِلَّهِ مُكَفِّرَةٍ لِلذُّنُوبِ مُحَصِّلَةٍ لِلثَّوابِ العَظِيمِ.
الثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿ومَن تابَ﴾ يَرْجِعُ إلى الماضِي، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ ذَكَرَ أنَّ مَن أتى بِهَذِهِ التَّوْبَةِ في الماضِي عَلى سَبِيلِ الإخْلاصِ فَقَدْ وعَدَهُ بِأنَّهُ سَيُوَفِّقُهُ لِلتَّوْبَةِ في المُسْتَقْبَلِ، وهَذا مِن أعْظَمِ البِشاراتِ.
الصِّفَةُ السّابِعَةُ.
الفرقان 25:72
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وإذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرامًا﴾ .
فِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: الزُّورُ يَحْتَمِلُ إقامَةَ الشَّهادَةِ الباطِلَةِ، ويَكُونُ المَعْنى أنَّهم لا يَشْهَدُونَ شَهادَةَ الزُّورِ
صفحة ٩٩
فَحُذِفَ المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ، ويَحْتَمِلُ حُضُورَ مَواضِعِ الكَذِبِ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأعْرِضْ عَنْهم حَتّى يَخُوضُوا في حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [ الأنْعامِ: ٦٨] ويَحْتَمِلُ حُضُورَ كُلِّ مَوْضِعٍ يَجْرِي فِيهِ ما لا يَنْبَغِي، ويَدْخُلُ فِيهِ أعْيادُ المُشْرِكِينَ ومَجامِعُ الفُسّاقِ؛ لِأنَّ مَن خالَطَ أهْلَ الشَّرِّ ونَظَرَ إلى أفْعالِهِمْ وحَضَرَ مَجامِعَهم فَقَدْ شارَكَهم في تِلْكَ المَعْصِيَةِ؛ لِأنَّ الحُضُورَ والنَّظَرَ دَلِيلُ الرِّضا بِهِ، بَلْ هو سَبَبٌ لِوُجُودِهِ والزِّيادَةِ فِيهِ؛ لِأنَّ الَّذِي حَمَلَهم عَلى فِعْلِهِ اسْتِحْسانُ النَّظّارَةِ ورَغْبَتُهم في النَّظَرِ إلَيْهِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: المُرادُ مَجالِسُ الزُّورِ الَّتِي يَقُولُونَ فِيها الزُّورَ عَلى اللَّهِ تَعالى وعَلى رَسُولِهِ، وقالَ مُحَمَّدٌ ابْنُ الحَنَفِيَّةِ: الزُّورُ: الغِناءُ. واعْلَمْ أنَّ كُلَّ هَذِهِ الوُجُوهِ مُحْتَمِلَةٌ، ولَكِنَّ اسْتِعْمالَهُ في الكَذِبِ أكْثَرُ.
المسألة الثّانِيَةُ: الأصَحُّ أنَّ اللَّغْوَ كُلُّ ما يَجِبُ أنْ يُلْغى ويُتْرَكَ، ومِنهم مَن فَسَّرَ اللَّغْوَ بِكُلِّ ما لَيْسَ بِطاعَةٍ، وهو ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ المُباحاتِ لا تُعَدُّ لَغْوًا، فَقَوْلُهُ: ﴿وإذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ﴾ أيْ بِأهْلِ اللَّغْوِ.
المسألة الثّالِثَةُ: لا شُبْهَةَ في أنَّ قَوْلَهُ: ﴿مَرُّوا كِرامًا﴾ مَعْناهُ أنَّهم يُكْرِمُونَ أنْفُسَهم عَنْ مِثْلِ حالِ اللَّغْوِ، وإكْرامُهم لَها لا يَكُونُ إلّا بِالإعْراضِ وبِالإنْكارِ وبِتَرْكِ المُعاوَنَةِ والمُساعَدَةِ، ويَدْخُلُ فِيهِ الشِّرْكُ واللَّغْوُ في القُرْآنِ وشَتْمُ الرَّسُولِ، والخَوْضُ فِيما لا يَنْبَغِي، وأصْلُ الكَلِمَةِ مِن قَوْلِهِمْ: ناقَةٌ كَرِيمَةٌ، إذا كانَتْ تُعْرِضُ عِنْدَ الحَلْبِ تَكَرُّمًا، كَأنَّها لا تُبالِي بِما يُحْلَبُ مِنها لِلْغَزارَةِ، فاسْتُعِيرَ ذَلِكَ لِلصَّفْحِ عَنِ الذَّنْبِ، وقالَ اللَّيْثُ: يُقالُ: تَكَرَّمَ فُلانٌ عَمّا يَشِينُهُ، إذا تَنَزَّهَ وأكْرَمَ نَفْسَهُ عَنْهُ، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿وإذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أعْرَضُوا عَنْهُ وقالُوا لَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكم سَلامٌ عَلَيْكم لا نَبْتَغِي الجاهِلِينَ﴾ [القَصَصِ: ٥٥] وعَنِ الحَسَنِ: لَمْ تُسَفِّهْهُمُ المَعاصِي، وقِيلَ: إذا سَمِعُوا مِنَ الكُفّارِ الشَّتْمَ والأذى أعْرَضُوا، وقِيلَ: إذا ذُكِرَ النِّكاحُ كَنَّوْا عَنْهُ.
الفرقان 25:73
الصِّفَةُ الثّامِنَةُ.
﴿والَّذِينَ إذا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمًّا وعُمْيانًا﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ إذا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمًّا وعُمْيانًا﴾ .
قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قَوْلُهُ: ﴿لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمًّا وعُمْيانًا﴾ لَيْسَ بِنَفْيٍ لِلْخُرُورِ، وإنَّما هو إثْباتٌ لَهُ ونَفْيٌ لِلصَّمَمِ والعَمى، كَما يُقالُ: لا يَلْقانِي زَيْدٌ مُسْلِمًا، هو نَفْيٌ لِلسَّلامِ لا لِلِّقاءِ، والمَعْنى أنَّهم إذا ذُكِّرُوا بِها أكَبُّوا عَلَيْها حِرْصًا عَلى اسْتِماعِها، وأقْبَلُوا عَلى المُذَكِّرِ بِها، وهم في إكْبابِهِمْ عَلَيْها سامِعُونَ بِآذانٍ واعِيَةٍ، مُبْصِرُونَ بِعُيُونٍ راعِيَةٍ، لا كالَّذِينِ يُذَكِّرُونَ بِها فَتَراهم مُكِبِّينَ عَلَيْها مُقْبِلِينَ عَلى مَن يُذَكِّرُ بِها مُظْهِرِينَ الحِرْصَ الشَّدِيدَ عَلى اسْتِماعِها، وهم كالصُّمِّ والعُمْيانِ حَيْثُ لا يَفْهَمُونَها ولا يُبْصِرُونَ ما فِيها كالمُنافِقِينَ.
الفرقان 25:74
صفحة ١٠٠
الصِّفَةُ التّاسِعَةُ.
﴿والَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِن أزْواجِنا وذُرِّيّاتِنا قُرَّةَ أعْيُنٍ واجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إمامًا﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِن أزْواجِنا وذُرِّيّاتِنا قُرَّةَ أعْيُنٍ واجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إمامًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ ﴿وذُرِّيّاتِنا﴾ بِألِفِ الجَمْعِ، وحَذَفَها الباقُونَ عَلى التَّوْحِيدِ، والذُّرِّيَّةُ تَكُونُ واحِدًا وجَمْعًا.
المسألة الثّانِيَةُ: أنَّهُ لا شُبْهَةَ أنَّ المُرادَ أنْ يَكُونَ قُرَّةَ أعْيُنٍ لَهم في الدِّينِ لا في الأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ مِنَ المالِ والجَمالِ. ثُمَّ ذَكَرُوا فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّهم سَألُوا أزْواجًا وذُرِّيَّةً في الدُّنْيا يُشارِكُونَهم، فَأحَبُّوا أنْ يَكُونُوا مَعَهم في التَّمَسُّكِ بِطاعَةِ اللَّهِ، فَيَقْوى طَمَعُهم في أنْ يَحْصُلُوا مَعَهم في الجَنَّةِ، فَيَتَكامَلُ سُرُورُهم في الدُّنْيا بِهَذا الطَّمَعِ، وفي الآخِرَةِ عِنْدَ حُصُولِ الثَّوابِ.
والثّانِي: أنَّهم سَألُوا أنْ يُلْحِقَ اللَّهُ أزْواجَهم وذُرِّيَّتَهم بِهِمْ في الجَنَّةِ لِيَتِمَّ سُرُورُهم بِهِمْ.
المسألة الثّالِثَةُ: فَإنْ قِيلَ: ”مِن“ في قَوْلِهِ: ﴿مِن أزْواجِنا﴾ ما هي ؟ قُلْنا: يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ بَيانِيَّةً، كَأنَّهُ قِيلَ: هَبْ لَنا قُرَّةَ أعْيُنٍ، ثُمَّ بُيِّنَتِ القُرَّةُ وفُسِّرَتْ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن أزْواجِنا﴾، وهو مِن قَوْلِهِمْ: رَأيْتُ مِنكَ أسَدًا، أيْ؛ أنْتَ أسَدٌ، وأنْ تَكُونَ ابْتِدائِيَّةً عَلى مَعْنى هَبْ لَنا مِن جِهَتِهِمْ ما تَقَرُّ بِهِ عُيُونُنا مِن طاعَةٍ وصَلاحٍ. فَإنْ قِيلَ: لِمَ قالَ: ﴿قُرَّةَ أعْيُنٍ﴾ فَنُكِّرَ وقُلِّلَ ؟ قُلْنا: أمّا التَّنْكِيرُ فَلِأجْلِ تَنْكِيرِ القُرَّةِ؛ لِأنَّ المُضافَ لا سَبِيلَ إلى تَنْكِيرِهِ إلّا بِتَنْكِيرِ المُضافِ إلَيْهِ، كَأنَّهُ قالَ: هَبْ لَنا مِنهم سُرُورًا وفَرَحًا، وإنَّما قالَ: ”أعْيُنٍ“ دُونَ عُيُونٍ لِأنَّهُ أرادَ أعْيُنَ المُتَّقِينَ، وهي قَلِيلَةٌ بِالإضافَةِ إلى عُيُونِ غَيْرِهِمْ، قالَ تَعالى: ﴿وقَلِيلٌ مِن عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سَبَأٍ: ١٣] .
المسألة الرّابِعَةُ: قالَ الزَّجّاجُ: أقَرَّ اللَّهُ عَيْنَكَ؛ أيْ: صادَفَ فُؤادُكَ ما يُحِبُّهُ. وقالَ المُفَضَّلُ في قُرَّةِ العَيْنِ ثَلاثَةَ أقْوالٍ:
أحَدُها: يَرُدُّ دَمْعَتَها، وهي الَّتِي تَكُونُ مَعَ الضَّحِكِ والسُّرُورِ، ودَمْعَةُ الحُزْنِ حارَّةٌ.
والثّانِي: نَوْمُها؛ لِأنَّهُ يَكُونُ مَعَ ذَهابِ الحُزْنِ والوَجَعِ.
والثّالِثُ: حُضُورُ الرِّضا.
المسألة الخامِسَةُ: قَوْلُهُ: ﴿واجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إمامًا﴾ الأقْرَبُ أنَّهم سَألُوا اللَّهَ تَعالى أنْ يُبَلِّغَهم في الطّاعَةِ المَبْلَغَ الَّذِي يُشارُ إلَيْهِمْ ويُقْتَدى بِهِمْ، قالَ بَعْضُهم في الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ الرِّياسَةَ في الدِّينِ يَجِبُ أنْ تُطْلَبَ ويُرْغَبَ فِيها، قالَ الخَلِيلُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ [الشُّعَراءِ: ٨٤] وقِيلَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآياتُ في العَشَرَةِ المُبَشَّرِينَ بِالجَنَّةِ.
المسألة السّادِسَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ فِعْلَ العَبْدِ مَخْلُوقٌ لِلَّهِ تَعالى، قالُوا: لِأنَّ الإمامَةَ في الدِّينِ لا تَكُونُ إلّا بِالعِلْمِ والعَمَلِ، فَدَلَّ عَلى أنَّ العِلْمَ والعَمَلَ إنَّما يَكُونُ بِجَعْلِ اللَّهِ تَعالى وخَلْقِهِ، وقالَ القاضِي: المُرادُ مِنَ السُّؤالِ الألْطافُ الَّتِي إذا كَثُرَتْ صارُوا مُخْتارِينَ لِهَذِهِ الأشْياءِ، فَيَصِيرُونَ أئِمَّةً. والجَوابُ: أنْ تِلْكَ الألْطافَ مَفْعُولَةٌ لا مَحالَةَ، فَيَكُونُ سُؤالُها عَبَثًا.
المسألة السّابِعَةُ: قالَ الفَرّاءُ: قالَ: ”إمامًا“، ولَمْ يَقُلْ: أئِمَّةً، كَما قالَ لِلِاثْنَيْنِ: ﴿إنِّي رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٤٦]، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: اجْعَلْ كُلَّ واحِدٍ مِنّا إمامًا، كَما قالَ: ﴿يُخْرِجُكم طِفْلًا﴾ [غافِرٍ: ٦٧]، وقالَ الأخْفَشُ: الإمامُ جَمْعٌ واحِدُهُ آمٌّ كَصائِمٍ وصِيامٍ. وقالَ القَفّالُ: وعِنْدِي أنَّ الإمامَ إذا ذُهِبَ بِهِ مَذْهَبَ الِاسْمِ وُحِّدَ، كَأنَّهُ قِيلَ: اجْعَلْنا حُجَّةً لِلْمُتَّقِينَ، ومِثْلُهُ البَيِّنَةُ، يُقالُ: هَؤُلاءِ بَيِّنَةُ فُلانٍ. واعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا عَدَّدَ صِفاتِ
صفحة ١٠١
المُتَّقِينَ المُخْلِصِينَ بَيَّنَ بَعْدَ ذَلِكَ أنْواعَ إحْسانِهِ إلَيْهِمْ، وهي مَجْمُوعَةٌ في أمْرَيْنِ؛ المَنافِعِ والتَّعْظِيمِ.
الفرقان 25:75
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الغُرْفَةَ بِما صَبَرُوا ويُلَقَّوْنَ فِيها تَحِيَّةً وسَلامًا﴾ .
أمّا المَنافِعُ فَهي قَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الغُرْفَةَ بِما صَبَرُوا﴾ والمُرادُ أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الغُرُفاتِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿وهم في الغُرُفاتِ آمِنُونَ﴾ [سَبَأٍ: ٣٧]، وقالَ: ﴿لَهم غُرَفٌ مِن فَوْقِها غُرَفٌ﴾ [الزُّمَرِ: ٢٠]، والغُرْفَةُ في اللُّغَةِ العُلِّيَّةُ، وكُلُّ بِناءٍ عالٍ فَهو غُرْفَةٌ، والمُرادُ بِهِ الدَّرَجاتُ العالِيَةُ. وقالَ المُفَسِّرُونَ: الغُرْفَةُ اسْمُ الجَنَّةِ، فالمَعْنى: يُجْزَوْنَ الجَنَّةَ، وهي جَنّاتٌ كَثِيرَةٌ. وقَرَأ بَعْضُهم: ”أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ في الغُرْفَةِ“ . وقَوْلُهُ: ﴿بِما صَبَرُوا﴾ فِيهِ بَحْثانِ:
البَحْثُ الأوَّلُ: احْتَجَّ بِالآيَةِ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ الجَنَّةَ بِالِاسْتِحْقاقِ، فَقالَ: الباءُ في قَوْلِهِ: ﴿بِما صَبَرُوا﴾ تَدُلُّ عَلى ذَلِكَ، ولَوْ كانَ حُصُولُها بِالوَعْدِ لَما صَدَقَ ذَلِكَ.
البَحْثُ الثّانِي: ذَكَرَ الصَّبْرَ ولَمْ يَذْكُرِ المَصْبُورَ عَنْهُ، لِيَعُمَّ كُلَّ نَوْعٍ، فَيَدْخُلُ فِيهِ صَبْرُهم عَلى مَشاقِّ التَّفَكُّرِ والِاسْتِدْلالِ في مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى، وعَلى مَشاقِّ الطّاعاتِ، وعَلى مَشاقِّ تَرْكِ الشَّهَواتِ، وعَلى مَشاقِّ أذى المُشْرِكِينَ، وعَلى مَشاقِّ الجِهادِ والفَقْرِ ورِياضَةِ النَّفْسِ، فَلا وجْهَ لِقَوْلِ مَن يَقُولُ: المُرادُ الصَّبْرُ عَلى الفَقْرِ خاصَّةً؛ لِأنَّ هَذِهِ الصِّفاتِ إذا حَصَلَتْ مَعَ الغِنى اسْتَحَقَّ مَن يَخْتَصُّ بِها الجَنَّةَ كَما يَسْتَحِقُّهُ بِالفَقْرِ.
* * *
( ٣٠ ﴿ويُلَقَّوْنَ فِيها تَحِيَّةً وسَلامًا﴾ ﴿خالِدِينَ فِيها حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا ومُقامًا﴾ ﴿قُلْ ما يَعْبَأُ بِكم رَبِّي لَوْلا دُعاؤُكم فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزامًا﴾ .
وثانِيهِما التَّعْظِيمُ: وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويُلَقَّوْنَ فِيها تَحِيَّةً وسَلامًا﴾ قُرِئَ: ”يُلَقَّوْنَ“؛ كَقَوْلِهِ: ﴿ولَقّاهم نَضْرَةً وسُرُورًا﴾ [ الإنْسانِ: ١١] و”يَلْقَوْنَ“ كَقَوْلِهِ: ﴿يَلْقَ أثامًا﴾ [الفُرْقانِ: ٦٨]، والتَّحِيَّةُ: الدُّعاءُ بِالتَّعْمِيرِ، والسَّلامُ: الدُّعاءُ بِالسَّلامَةِ، فَيَرْجِعُ حاصِلُ التَّحِيَّةِ إلى كَوْنِ نَعِيمِ الجَنَّةِ باقِيًا غَيْرَ مُنْقَطِعٍ، ويَرْجِعُ السَّلامُ إلى كَوْنِ ذَلِكَ النَّعِيمِ خالِصًا عَنْ شَوائِبِ الضَّرَرِ، ثُمَّ هَذِهِ التَّحِيَّةُ والسَّلامُ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مِنَ اللَّهِ تَعالى؛ لِقَوْلِهِ: ﴿سَلامٌ قَوْلًا مِن رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس: ٥٨] ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مِنَ المَلائِكَةِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ﴾ ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الرَّعْدِ: ٢٣، ٢٤] ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مِن بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿خالِدِينَ فِيها حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا ومُقامًا﴾ فالمُرادُ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا وعَدَ بِالمَنافِعِ أوَّلًا وبِالتَّعْظِيمِ ثانِيًا، بَيَّنَ أنَّ مِن صِفَتِهِما الدَّوامَ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿خالِدِينَ فِيها﴾، ومَن صِفَتِهِما الخُلُوصُ أيْضًا، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا ومُقامًا﴾، وهَذا في مُقابَلَةِ قَوْلِهِ: ﴿ساءَتْ مُسْتَقَرًّا ومُقامًا﴾ أيْ: ما أسْوَأ ذَلِكَ وما أحْسَنَ هَذا.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿قُلْ ما يَعْبَأُ بِكم رَبِّي لَوْلا دُعاؤُكم فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزامًا﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا شَرَحَ صِفاتِ المُتَّقِينَ، وشَرَحَ حالَ ثَوابِهِمْ أمَرَ رَسُولَهُ أنْ يَقُولَ: ﴿قُلْ ما يَعْبَأُ بِكم رَبِّي لَوْلا دُعاؤُكُمْ﴾ فَدَلَّ بِذَلِكَ عَلى أنَّهُ تَعالى غَنِيٌّ عَنْ عِبادَتِهِمْ، وأنَّهُ تَعالى إنَّما كَلَّفَهم لِيَنْتَفِعُوا بِطاعَتِهِمْ، وفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: قالَ الخَلِيلُ: ما أعْبَأُ بِفُلانٍ؛ أيْ: ما أصْنَعُ بِهِ، كَأنَّهُ يَسْتَقِلُّهُ ويَسْتَحْقِرُهُ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ما
صفحة ١٠٢
أعْبَأُ بِهِ؛ أيْ: وُجُودُهُ وعَدَمُهُ عِنْدِي سَواءٌ، وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ أيْ: لا وزْنَ لَكم عِنْدَ رَبِّكم، والعِبْءُ في اللُّغَةِ: الثِّقَلُ، وقالَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ: ما يُبالِي بِكم رَبِّي.
المسألة الثّانِيَةُ: في ”ما“ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّها مُتَضَمِّنَةٌ لِمَعْنى الِاسْتِفْهامِ، وهي في مَحَلِّ النَّصْبِ، وهي عِبارَةٌ عَنِ المَصْدَرِ، كَأنَّهُ قِيلَ: وأيُّ عِبْءٍ يَعْبَأُ بِكم لَوْلا دُعاؤُكم.
والثّانِي: أنْ تَكُونَ ما نافِيَةً.
المسألة الثّالِثَةُ: ذَكَرُوا في قَوْلِهِ: ﴿لَوْلا دُعاؤُكُمْ﴾ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: لَوْلا دُعاؤُهُ إيّاكم إلى الدِّينِ، والطّاعَةُ والدُّعاءُ عَلى هَذا مَصْدَرٌ مُضافٌ إلى المَفْعُولِ.
وثانِيهِما: أنَّ الدُّعاءَ مُضافٌ إلى الفاعِلِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ ذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا:
أحَدُها: لَوْلا دُعاؤُكم: لَوْلا إيمانُكم.
وثانِيها: لَوْلا عِبادَتُكم.
وثالِثُها: لَوْلا دُعاؤُكم إيّاهُ في الشَّدائِدِ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿فَإذا رَكِبُوا في الفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ﴾ [العَنْكَبُوتِ: ٦٥] .
ورابِعُها: دُعاؤُكم يَعْنِي لَوْلا شُكْرُكم لَهُ عَلى إحْسانِهِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكم إنْ شَكَرْتُمْ﴾ [النِّساءِ: ١٤٧] .
وخامِسُها: ما خَلَقْتُكم وبِي إلَيْكم حاجَةٌ إلّا أنْ تَسْألُونِي فَأُعْطِيَكم وتَسْتَغْفِرُونِي فَأغْفِرَ لَكم.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَقَدْ كَذَّبْتُمْ﴾ فالمَعْنى أنِّي إذا أعْلَمْتُكم أنَّ حُكْمِي أنِّي لا أعْتَدُّ بِعِبادِي إلّا لِعِبادَتِهِمْ فَقَدْ خالَفْتُمْ بِتَكْذِيبِكم حُكْمِي، فَسَوْفَ يَلْزَمُكم أثَرُ تَكْذِيبِكم، وهو عِقابُ الآخِرَةِ، ونَظِيرُهُ أنْ يَقُولَ المَلِكُ لِمَنِ اسْتَعْصى عَلَيْهِ: إنَّ مِن عادَتِي أنْ أُحْسِنَ إلى مَن يُطِيعُنِي، وقَدْ عَصَيْتَ فَسَوْفَ تَرى ما أُحِلُّ بِكَ بِسَبَبِ عِصْيانِكَ. فَإنْ قِيلَ: إلى مَن يَتَوَجَّهُ هَذا الخِطابُ ؟ قُلْنا: إلى النّاسِ عَلى الإطْلاقِ، ومِنهم مُؤْمِنُونَ عابِدُونَ ومُكَذِّبُونَ عاصُونَ، فَخُوطِبُوا بِما وُجِدَ في جِنْسِهِمْ مِنَ العِبادَةِ والتَّكْذِيبِ. وقُرِئَ: ”فَقَدْ كَذَّبَ الكافِرُونَ فَسَوْفَ يَكُونُ العَذابُ لِزامًا“، وقُرِئَ: ”لَزامًا“ بِالفَتْحِ بِمَعْنى اللُّزُومِ، كالثَّباتِ والثُّبُوتِ، والوجه أنَّ تَرْكَ اسْمِ كانَ غَيْرَ مَنطُوقٍ بِهِ بَعْدَما عُلِمَ أنَّهُ مِمّا تَوَعَّدَ بِهِ لِأجْلِ الإبْهامِ ويَتَناوَلُ ما لا يُحِيطُ بِهِ الوَصْفُ. ثُمَّ قِيلَ: هَذا العَذابُ في الآخِرَةِ، وقِيلَ: كانَ يَوْمَ بَدْرٍ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ، واللَّهُ أعْلَمُ.
تَمَّ تَفْسِيرُ هَذِهِ السُّورَةِ، والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ، والصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ وآلِهِ وصَحْبِهِ أجْمَعِينَ.
الفرقان 25:76
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الغُرْفَةَ بِما صَبَرُوا ويُلَقَّوْنَ فِيها تَحِيَّةً وسَلامًا﴾ .
أمّا المَنافِعُ فَهي قَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الغُرْفَةَ بِما صَبَرُوا﴾ والمُرادُ أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الغُرُفاتِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿وهم في الغُرُفاتِ آمِنُونَ﴾ [سَبَأٍ: ٣٧]، وقالَ: ﴿لَهم غُرَفٌ مِن فَوْقِها غُرَفٌ﴾ [الزُّمَرِ: ٢٠]، والغُرْفَةُ في اللُّغَةِ العُلِّيَّةُ، وكُلُّ بِناءٍ عالٍ فَهو غُرْفَةٌ، والمُرادُ بِهِ الدَّرَجاتُ العالِيَةُ. وقالَ المُفَسِّرُونَ: الغُرْفَةُ اسْمُ الجَنَّةِ، فالمَعْنى: يُجْزَوْنَ الجَنَّةَ، وهي جَنّاتٌ كَثِيرَةٌ. وقَرَأ بَعْضُهم: ”أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ في الغُرْفَةِ“ . وقَوْلُهُ: ﴿بِما صَبَرُوا﴾ فِيهِ بَحْثانِ:
البَحْثُ الأوَّلُ: احْتَجَّ بِالآيَةِ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ الجَنَّةَ بِالِاسْتِحْقاقِ، فَقالَ: الباءُ في قَوْلِهِ: ﴿بِما صَبَرُوا﴾ تَدُلُّ عَلى ذَلِكَ، ولَوْ كانَ حُصُولُها بِالوَعْدِ لَما صَدَقَ ذَلِكَ.
البَحْثُ الثّانِي: ذَكَرَ الصَّبْرَ ولَمْ يَذْكُرِ المَصْبُورَ عَنْهُ، لِيَعُمَّ كُلَّ نَوْعٍ، فَيَدْخُلُ فِيهِ صَبْرُهم عَلى مَشاقِّ التَّفَكُّرِ والِاسْتِدْلالِ في مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى، وعَلى مَشاقِّ الطّاعاتِ، وعَلى مَشاقِّ تَرْكِ الشَّهَواتِ، وعَلى مَشاقِّ أذى المُشْرِكِينَ، وعَلى مَشاقِّ الجِهادِ والفَقْرِ ورِياضَةِ النَّفْسِ، فَلا وجْهَ لِقَوْلِ مَن يَقُولُ: المُرادُ الصَّبْرُ عَلى الفَقْرِ خاصَّةً؛ لِأنَّ هَذِهِ الصِّفاتِ إذا حَصَلَتْ مَعَ الغِنى اسْتَحَقَّ مَن يَخْتَصُّ بِها الجَنَّةَ كَما يَسْتَحِقُّهُ بِالفَقْرِ.
* * *
( ٣٠ ﴿ويُلَقَّوْنَ فِيها تَحِيَّةً وسَلامًا﴾ ﴿خالِدِينَ فِيها حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا ومُقامًا﴾ ﴿قُلْ ما يَعْبَأُ بِكم رَبِّي لَوْلا دُعاؤُكم فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزامًا﴾ .
وثانِيهِما التَّعْظِيمُ: وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويُلَقَّوْنَ فِيها تَحِيَّةً وسَلامًا﴾ قُرِئَ: ”يُلَقَّوْنَ“؛ كَقَوْلِهِ: ﴿ولَقّاهم نَضْرَةً وسُرُورًا﴾ [ الإنْسانِ: ١١] و”يَلْقَوْنَ“ كَقَوْلِهِ: ﴿يَلْقَ أثامًا﴾ [الفُرْقانِ: ٦٨]، والتَّحِيَّةُ: الدُّعاءُ بِالتَّعْمِيرِ، والسَّلامُ: الدُّعاءُ بِالسَّلامَةِ، فَيَرْجِعُ حاصِلُ التَّحِيَّةِ إلى كَوْنِ نَعِيمِ الجَنَّةِ باقِيًا غَيْرَ مُنْقَطِعٍ، ويَرْجِعُ السَّلامُ إلى كَوْنِ ذَلِكَ النَّعِيمِ خالِصًا عَنْ شَوائِبِ الضَّرَرِ، ثُمَّ هَذِهِ التَّحِيَّةُ والسَّلامُ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مِنَ اللَّهِ تَعالى؛ لِقَوْلِهِ: ﴿سَلامٌ قَوْلًا مِن رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس: ٥٨] ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مِنَ المَلائِكَةِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ﴾ ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الرَّعْدِ: ٢٣، ٢٤] ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مِن بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿خالِدِينَ فِيها حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا ومُقامًا﴾ فالمُرادُ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا وعَدَ بِالمَنافِعِ أوَّلًا وبِالتَّعْظِيمِ ثانِيًا، بَيَّنَ أنَّ مِن صِفَتِهِما الدَّوامَ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿خالِدِينَ فِيها﴾، ومَن صِفَتِهِما الخُلُوصُ أيْضًا، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا ومُقامًا﴾، وهَذا في مُقابَلَةِ قَوْلِهِ: ﴿ساءَتْ مُسْتَقَرًّا ومُقامًا﴾ أيْ: ما أسْوَأ ذَلِكَ وما أحْسَنَ هَذا.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿قُلْ ما يَعْبَأُ بِكم رَبِّي لَوْلا دُعاؤُكم فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزامًا﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا شَرَحَ صِفاتِ المُتَّقِينَ، وشَرَحَ حالَ ثَوابِهِمْ أمَرَ رَسُولَهُ أنْ يَقُولَ: ﴿قُلْ ما يَعْبَأُ بِكم رَبِّي لَوْلا دُعاؤُكُمْ﴾ فَدَلَّ بِذَلِكَ عَلى أنَّهُ تَعالى غَنِيٌّ عَنْ عِبادَتِهِمْ، وأنَّهُ تَعالى إنَّما كَلَّفَهم لِيَنْتَفِعُوا بِطاعَتِهِمْ، وفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: قالَ الخَلِيلُ: ما أعْبَأُ بِفُلانٍ؛ أيْ: ما أصْنَعُ بِهِ، كَأنَّهُ يَسْتَقِلُّهُ ويَسْتَحْقِرُهُ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ما
صفحة ١٠٢
أعْبَأُ بِهِ؛ أيْ: وُجُودُهُ وعَدَمُهُ عِنْدِي سَواءٌ، وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ أيْ: لا وزْنَ لَكم عِنْدَ رَبِّكم، والعِبْءُ في اللُّغَةِ: الثِّقَلُ، وقالَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ: ما يُبالِي بِكم رَبِّي.
المسألة الثّانِيَةُ: في ”ما“ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّها مُتَضَمِّنَةٌ لِمَعْنى الِاسْتِفْهامِ، وهي في مَحَلِّ النَّصْبِ، وهي عِبارَةٌ عَنِ المَصْدَرِ، كَأنَّهُ قِيلَ: وأيُّ عِبْءٍ يَعْبَأُ بِكم لَوْلا دُعاؤُكم.
والثّانِي: أنْ تَكُونَ ما نافِيَةً.
المسألة الثّالِثَةُ: ذَكَرُوا في قَوْلِهِ: ﴿لَوْلا دُعاؤُكُمْ﴾ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: لَوْلا دُعاؤُهُ إيّاكم إلى الدِّينِ، والطّاعَةُ والدُّعاءُ عَلى هَذا مَصْدَرٌ مُضافٌ إلى المَفْعُولِ.
وثانِيهِما: أنَّ الدُّعاءَ مُضافٌ إلى الفاعِلِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ ذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا:
أحَدُها: لَوْلا دُعاؤُكم: لَوْلا إيمانُكم.
وثانِيها: لَوْلا عِبادَتُكم.
وثالِثُها: لَوْلا دُعاؤُكم إيّاهُ في الشَّدائِدِ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿فَإذا رَكِبُوا في الفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ﴾ [العَنْكَبُوتِ: ٦٥] .
ورابِعُها: دُعاؤُكم يَعْنِي لَوْلا شُكْرُكم لَهُ عَلى إحْسانِهِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكم إنْ شَكَرْتُمْ﴾ [النِّساءِ: ١٤٧] .
وخامِسُها: ما خَلَقْتُكم وبِي إلَيْكم حاجَةٌ إلّا أنْ تَسْألُونِي فَأُعْطِيَكم وتَسْتَغْفِرُونِي فَأغْفِرَ لَكم.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَقَدْ كَذَّبْتُمْ﴾ فالمَعْنى أنِّي إذا أعْلَمْتُكم أنَّ حُكْمِي أنِّي لا أعْتَدُّ بِعِبادِي إلّا لِعِبادَتِهِمْ فَقَدْ خالَفْتُمْ بِتَكْذِيبِكم حُكْمِي، فَسَوْفَ يَلْزَمُكم أثَرُ تَكْذِيبِكم، وهو عِقابُ الآخِرَةِ، ونَظِيرُهُ أنْ يَقُولَ المَلِكُ لِمَنِ اسْتَعْصى عَلَيْهِ: إنَّ مِن عادَتِي أنْ أُحْسِنَ إلى مَن يُطِيعُنِي، وقَدْ عَصَيْتَ فَسَوْفَ تَرى ما أُحِلُّ بِكَ بِسَبَبِ عِصْيانِكَ. فَإنْ قِيلَ: إلى مَن يَتَوَجَّهُ هَذا الخِطابُ ؟ قُلْنا: إلى النّاسِ عَلى الإطْلاقِ، ومِنهم مُؤْمِنُونَ عابِدُونَ ومُكَذِّبُونَ عاصُونَ، فَخُوطِبُوا بِما وُجِدَ في جِنْسِهِمْ مِنَ العِبادَةِ والتَّكْذِيبِ. وقُرِئَ: ”فَقَدْ كَذَّبَ الكافِرُونَ فَسَوْفَ يَكُونُ العَذابُ لِزامًا“، وقُرِئَ: ”لَزامًا“ بِالفَتْحِ بِمَعْنى اللُّزُومِ، كالثَّباتِ والثُّبُوتِ، والوجه أنَّ تَرْكَ اسْمِ كانَ غَيْرَ مَنطُوقٍ بِهِ بَعْدَما عُلِمَ أنَّهُ مِمّا تَوَعَّدَ بِهِ لِأجْلِ الإبْهامِ ويَتَناوَلُ ما لا يُحِيطُ بِهِ الوَصْفُ. ثُمَّ قِيلَ: هَذا العَذابُ في الآخِرَةِ، وقِيلَ: كانَ يَوْمَ بَدْرٍ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ، واللَّهُ أعْلَمُ.
تَمَّ تَفْسِيرُ هَذِهِ السُّورَةِ، والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ، والصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ وآلِهِ وصَحْبِهِ أجْمَعِينَ.
الفرقان 25:77
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الغُرْفَةَ بِما صَبَرُوا ويُلَقَّوْنَ فِيها تَحِيَّةً وسَلامًا﴾ .
أمّا المَنافِعُ فَهي قَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الغُرْفَةَ بِما صَبَرُوا﴾ والمُرادُ أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الغُرُفاتِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿وهم في الغُرُفاتِ آمِنُونَ﴾ [سَبَأٍ: ٣٧]، وقالَ: ﴿لَهم غُرَفٌ مِن فَوْقِها غُرَفٌ﴾ [الزُّمَرِ: ٢٠]، والغُرْفَةُ في اللُّغَةِ العُلِّيَّةُ، وكُلُّ بِناءٍ عالٍ فَهو غُرْفَةٌ، والمُرادُ بِهِ الدَّرَجاتُ العالِيَةُ. وقالَ المُفَسِّرُونَ: الغُرْفَةُ اسْمُ الجَنَّةِ، فالمَعْنى: يُجْزَوْنَ الجَنَّةَ، وهي جَنّاتٌ كَثِيرَةٌ. وقَرَأ بَعْضُهم: ”أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ في الغُرْفَةِ“ . وقَوْلُهُ: ﴿بِما صَبَرُوا﴾ فِيهِ بَحْثانِ:
البَحْثُ الأوَّلُ: احْتَجَّ بِالآيَةِ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ الجَنَّةَ بِالِاسْتِحْقاقِ، فَقالَ: الباءُ في قَوْلِهِ: ﴿بِما صَبَرُوا﴾ تَدُلُّ عَلى ذَلِكَ، ولَوْ كانَ حُصُولُها بِالوَعْدِ لَما صَدَقَ ذَلِكَ.
البَحْثُ الثّانِي: ذَكَرَ الصَّبْرَ ولَمْ يَذْكُرِ المَصْبُورَ عَنْهُ، لِيَعُمَّ كُلَّ نَوْعٍ، فَيَدْخُلُ فِيهِ صَبْرُهم عَلى مَشاقِّ التَّفَكُّرِ والِاسْتِدْلالِ في مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى، وعَلى مَشاقِّ الطّاعاتِ، وعَلى مَشاقِّ تَرْكِ الشَّهَواتِ، وعَلى مَشاقِّ أذى المُشْرِكِينَ، وعَلى مَشاقِّ الجِهادِ والفَقْرِ ورِياضَةِ النَّفْسِ، فَلا وجْهَ لِقَوْلِ مَن يَقُولُ: المُرادُ الصَّبْرُ عَلى الفَقْرِ خاصَّةً؛ لِأنَّ هَذِهِ الصِّفاتِ إذا حَصَلَتْ مَعَ الغِنى اسْتَحَقَّ مَن يَخْتَصُّ بِها الجَنَّةَ كَما يَسْتَحِقُّهُ بِالفَقْرِ.
* * *
( ٣٠ ﴿ويُلَقَّوْنَ فِيها تَحِيَّةً وسَلامًا﴾ ﴿خالِدِينَ فِيها حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا ومُقامًا﴾ ﴿قُلْ ما يَعْبَأُ بِكم رَبِّي لَوْلا دُعاؤُكم فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزامًا﴾ .
وثانِيهِما التَّعْظِيمُ: وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويُلَقَّوْنَ فِيها تَحِيَّةً وسَلامًا﴾ قُرِئَ: ”يُلَقَّوْنَ“؛ كَقَوْلِهِ: ﴿ولَقّاهم نَضْرَةً وسُرُورًا﴾ [ الإنْسانِ: ١١] و”يَلْقَوْنَ“ كَقَوْلِهِ: ﴿يَلْقَ أثامًا﴾ [الفُرْقانِ: ٦٨]، والتَّحِيَّةُ: الدُّعاءُ بِالتَّعْمِيرِ، والسَّلامُ: الدُّعاءُ بِالسَّلامَةِ، فَيَرْجِعُ حاصِلُ التَّحِيَّةِ إلى كَوْنِ نَعِيمِ الجَنَّةِ باقِيًا غَيْرَ مُنْقَطِعٍ، ويَرْجِعُ السَّلامُ إلى كَوْنِ ذَلِكَ النَّعِيمِ خالِصًا عَنْ شَوائِبِ الضَّرَرِ، ثُمَّ هَذِهِ التَّحِيَّةُ والسَّلامُ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مِنَ اللَّهِ تَعالى؛ لِقَوْلِهِ: ﴿سَلامٌ قَوْلًا مِن رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس: ٥٨] ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مِنَ المَلائِكَةِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ﴾ ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الرَّعْدِ: ٢٣، ٢٤] ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مِن بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿خالِدِينَ فِيها حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا ومُقامًا﴾ فالمُرادُ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا وعَدَ بِالمَنافِعِ أوَّلًا وبِالتَّعْظِيمِ ثانِيًا، بَيَّنَ أنَّ مِن صِفَتِهِما الدَّوامَ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿خالِدِينَ فِيها﴾، ومَن صِفَتِهِما الخُلُوصُ أيْضًا، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا ومُقامًا﴾، وهَذا في مُقابَلَةِ قَوْلِهِ: ﴿ساءَتْ مُسْتَقَرًّا ومُقامًا﴾ أيْ: ما أسْوَأ ذَلِكَ وما أحْسَنَ هَذا.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿قُلْ ما يَعْبَأُ بِكم رَبِّي لَوْلا دُعاؤُكم فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزامًا﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا شَرَحَ صِفاتِ المُتَّقِينَ، وشَرَحَ حالَ ثَوابِهِمْ أمَرَ رَسُولَهُ أنْ يَقُولَ: ﴿قُلْ ما يَعْبَأُ بِكم رَبِّي لَوْلا دُعاؤُكُمْ﴾ فَدَلَّ بِذَلِكَ عَلى أنَّهُ تَعالى غَنِيٌّ عَنْ عِبادَتِهِمْ، وأنَّهُ تَعالى إنَّما كَلَّفَهم لِيَنْتَفِعُوا بِطاعَتِهِمْ، وفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: قالَ الخَلِيلُ: ما أعْبَأُ بِفُلانٍ؛ أيْ: ما أصْنَعُ بِهِ، كَأنَّهُ يَسْتَقِلُّهُ ويَسْتَحْقِرُهُ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ما
صفحة ١٠٢
أعْبَأُ بِهِ؛ أيْ: وُجُودُهُ وعَدَمُهُ عِنْدِي سَواءٌ، وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ أيْ: لا وزْنَ لَكم عِنْدَ رَبِّكم، والعِبْءُ في اللُّغَةِ: الثِّقَلُ، وقالَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ: ما يُبالِي بِكم رَبِّي.
المسألة الثّانِيَةُ: في ”ما“ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّها مُتَضَمِّنَةٌ لِمَعْنى الِاسْتِفْهامِ، وهي في مَحَلِّ النَّصْبِ، وهي عِبارَةٌ عَنِ المَصْدَرِ، كَأنَّهُ قِيلَ: وأيُّ عِبْءٍ يَعْبَأُ بِكم لَوْلا دُعاؤُكم.
والثّانِي: أنْ تَكُونَ ما نافِيَةً.
المسألة الثّالِثَةُ: ذَكَرُوا في قَوْلِهِ: ﴿لَوْلا دُعاؤُكُمْ﴾ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: لَوْلا دُعاؤُهُ إيّاكم إلى الدِّينِ، والطّاعَةُ والدُّعاءُ عَلى هَذا مَصْدَرٌ مُضافٌ إلى المَفْعُولِ.
وثانِيهِما: أنَّ الدُّعاءَ مُضافٌ إلى الفاعِلِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ ذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا:
أحَدُها: لَوْلا دُعاؤُكم: لَوْلا إيمانُكم.
وثانِيها: لَوْلا عِبادَتُكم.
وثالِثُها: لَوْلا دُعاؤُكم إيّاهُ في الشَّدائِدِ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿فَإذا رَكِبُوا في الفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ﴾ [العَنْكَبُوتِ: ٦٥] .
ورابِعُها: دُعاؤُكم يَعْنِي لَوْلا شُكْرُكم لَهُ عَلى إحْسانِهِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكم إنْ شَكَرْتُمْ﴾ [النِّساءِ: ١٤٧] .
وخامِسُها: ما خَلَقْتُكم وبِي إلَيْكم حاجَةٌ إلّا أنْ تَسْألُونِي فَأُعْطِيَكم وتَسْتَغْفِرُونِي فَأغْفِرَ لَكم.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَقَدْ كَذَّبْتُمْ﴾ فالمَعْنى أنِّي إذا أعْلَمْتُكم أنَّ حُكْمِي أنِّي لا أعْتَدُّ بِعِبادِي إلّا لِعِبادَتِهِمْ فَقَدْ خالَفْتُمْ بِتَكْذِيبِكم حُكْمِي، فَسَوْفَ يَلْزَمُكم أثَرُ تَكْذِيبِكم، وهو عِقابُ الآخِرَةِ، ونَظِيرُهُ أنْ يَقُولَ المَلِكُ لِمَنِ اسْتَعْصى عَلَيْهِ: إنَّ مِن عادَتِي أنْ أُحْسِنَ إلى مَن يُطِيعُنِي، وقَدْ عَصَيْتَ فَسَوْفَ تَرى ما أُحِلُّ بِكَ بِسَبَبِ عِصْيانِكَ. فَإنْ قِيلَ: إلى مَن يَتَوَجَّهُ هَذا الخِطابُ ؟ قُلْنا: إلى النّاسِ عَلى الإطْلاقِ، ومِنهم مُؤْمِنُونَ عابِدُونَ ومُكَذِّبُونَ عاصُونَ، فَخُوطِبُوا بِما وُجِدَ في جِنْسِهِمْ مِنَ العِبادَةِ والتَّكْذِيبِ. وقُرِئَ: ”فَقَدْ كَذَّبَ الكافِرُونَ فَسَوْفَ يَكُونُ العَذابُ لِزامًا“، وقُرِئَ: ”لَزامًا“ بِالفَتْحِ بِمَعْنى اللُّزُومِ، كالثَّباتِ والثُّبُوتِ، والوجه أنَّ تَرْكَ اسْمِ كانَ غَيْرَ مَنطُوقٍ بِهِ بَعْدَما عُلِمَ أنَّهُ مِمّا تَوَعَّدَ بِهِ لِأجْلِ الإبْهامِ ويَتَناوَلُ ما لا يُحِيطُ بِهِ الوَصْفُ. ثُمَّ قِيلَ: هَذا العَذابُ في الآخِرَةِ، وقِيلَ: كانَ يَوْمَ بَدْرٍ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ، واللَّهُ أعْلَمُ.
تَمَّ تَفْسِيرُ هَذِهِ السُّورَةِ، والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ، والصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ وآلِهِ وصَحْبِهِ أجْمَعِينَ.
الشعراء 26:1
صفحة ١٠٣
(سُورَةُ الشُّعَراءِ) مَكِّيَّةٌ إلّا أرْبَعَ آياتٍ فَإنَّها مَدَنِيَّةٌ، وهي ﴿والشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الغاوُونَ﴾ إلى آخِرِها.
وهِيَ مِائَتانِ وسِتٌّ أوْ سَبْعٌ وعِشْرُونَ آيَةً.
﷽
﴿طسم﴾ ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ المُبِينِ﴾ ﴿لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ ألّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿إنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أعْناقُهم لَها خاضِعِينَ﴾ .
﷽
﴿طسم﴾ ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ المُبِينِ﴾ ﴿لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ ألّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿إنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أعْناقُهم لَها خاضِعِينَ﴾ .
الطّاءُ إشارَةٌ إلى طَرَبِ قُلُوبِ العارِفِينَ، والسِّينُ سُرُورُ المُحِبِّينَ، والمِيمُ مُناجاةُ المُرِيدِينَ، وفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: قَرَأ قَتادَةُ: ”باخِعُ نَفْسِكَ“ عَلى الإضافَةِ، وقُرِئَ: ”فَظَلَّتْ أعْناقُهم لَها خاضِعَةً“ .
المسألة الثّانِيَةُ: البَخْعُ أنْ يَبْلُغَ بِالذَّبْحِ البِخاعَ، وهو الخُرْمُ النّافِذُ في ثَقْبِ الفِقْراتِ، وذَلِكَ أقْصى حَدِّ الذّابِحِ. ولَعَلَّ لِلْإشْفاقِ.
المسألة الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿طسم﴾ ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ المُبِينِ﴾ مَعْناهُ: آياتُ هَذِهِ السُّورَةِ تِلْكَ آياتُ الكِتابِ المُبِينِ، وتَمامُ تَقْرِيرِهِ ما مَرَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَلِكَ الكِتابُ﴾ [البَقَرَةِ: ٢] ولا شُبْهَةَ في أنَّ المُرادَ بِالكِتابِ هو القُرْآنُ، والمُبِينُ وإنْ كانَ في الحَقِيقَةِ هو المُتَكَلِّمَ فَقَدْ يُضافُ إلى الكَلامِ مِن حَيْثُ يَتَبَيَّنُ بِهِ عِنْدَ النَّظَرِ فِيهِ، فَإنْ قِيلَ: القَوْمُ لَمّا كانُوا كُفّارًا فَكَيْفَ تَكُونُ آياتُ القُرْآنِ مُبَيِّنَةً لَهم ما يَلْزَمُهم، وإنَّما يَتَبَيَّنُ بِذَلِكَ الأحْكامُ ؟ قُلْنا: ألْفاظُ القُرْآنِ مِن حَيْثُ تَعَذَّرَ عَلَيْهِمْ أنْ يَأْتُوا بِمِثْلِهِ يُمْكِنُ أنْ يُسْتَدَلَّ بِهِ عَلى فاعِلٍ مُخالِفٍ لَهم، كَما يُسْتَدَلُّ بِسائِرِ ما لا يَقْدِرُ العِبادُ عَلى مِثْلِهِ، فَهو دَلِيلُ التَّوْحِيدِ مِن هَذا الوجه، ودَلِيلُ النُّبُوَّةِ مِن حَيْثُ الإعْجازُ، ويُعْلَمُ بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ أنَّهُ إذا كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى فَهو دَلالَةُ الأحْكامِ أجْمَعَ، وإذا ثَبَتَ هَذا صارَتْ آياتُ القُرْآنِ كافِيَةً في كُلِّ الأُصُولِ والفُرُوعِ أجْمَعَ، ولَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ بَيَّنَ الأُمُورَ قالَ بَعْدَهُ: ﴿لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ ألّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ مُنَبِّهًا بِذَلِكَ عَلى أنَّ الكِتابَ وإنْ بَلَغَ في البَيانِ كُلَّ غايَةٍ فَغَيْرُ مُدْخِلٍ لَهم في الإيمانِ لَمّا أنَّهُ سَبَقَ حُكْمُ اللَّهِ
صفحة ١٠٤
بِخِلافِهِ، فَلا تُبالِغْ في الحُزْنِ والأسَفِ عَلى ذَلِكَ؛ لِأنَّكَ إنْ بالَغْتَ فِيهِ كُنْتَ بِمَنزِلَةِ مَن يَقْتُلُ نَفْسَهُ ثُمَّ لا يَنْتَفِعُ بِذَلِكَ أصْلًا، فَصَبَّرَهُ وعَزّاهُ وعَرَّفَهُ أنَّ غَمَّهُ وحُزْنَهُ لا نَفْعَ فِيهِ، كَما أنَّ وُجُودَ الكِتابِ عَلى بَيانِهِ ووُضُوحِهِ لا نَفْعَ لَهم فِيهِ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ قادِرٌ عَلى أنْ يُنْزِلَ آيَةً يَذِلُّونَ عِنْدَها ويَخْضَعُونَ. فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ صَحَّ مَجِيءُ ﴿خاضِعِينَ﴾ خَبَرًا عَنِ الأعْناقِ ؟ قُلْنا: أصْلُ الكَلامِ: فَظَلُّوا لَها خاضِعِينَ، فَذُكِرَتِ الأعْناقُ لِبَيانِ مَوْضِعِ الخُضُوعِ، ثُمَّ تُرِكَ الكَلامُ عَلى أصْلِهِ، ولَمّا وُصِفَتْ بِالخُضُوعِ الَّذِي هو لِلْعُقَلاءِ، قِيلَ: ﴿خاضِعِينَ﴾ كَقَوْلِهِ: ﴿لِي ساجِدِينَ﴾ [يُوسُفَ: ٤]، وقِيلَ: أعْناقُ النّاسِ رُؤَساؤُهم ومُقَدَّمُوهم، شُبِّهُوا بِالأعْناقِ كَما يُقالُ: هُمُ الرُّءُوسُ والصُّدُورُ، وقِيلَ: هم جَماعاتُ النّاسِ، يُقالُ: جاءَنا عُنُقٌ مِنَ النّاسِ لِفَوْجٍ مِنهم.
المسألة الرّابِعَةُ: نَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ الكَهْفِ: ﴿فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ﴾، وقَوْلُهُ: ﴿فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ﴾ [فاطِرٍ: ٨] .
الشعراء 26:2
صفحة ١٠٣
(سُورَةُ الشُّعَراءِ) مَكِّيَّةٌ إلّا أرْبَعَ آياتٍ فَإنَّها مَدَنِيَّةٌ، وهي ﴿والشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الغاوُونَ﴾ إلى آخِرِها.
وهِيَ مِائَتانِ وسِتٌّ أوْ سَبْعٌ وعِشْرُونَ آيَةً.
﷽
﴿طسم﴾ ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ المُبِينِ﴾ ﴿لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ ألّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿إنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أعْناقُهم لَها خاضِعِينَ﴾ .
﷽
﴿طسم﴾ ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ المُبِينِ﴾ ﴿لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ ألّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿إنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أعْناقُهم لَها خاضِعِينَ﴾ .
الطّاءُ إشارَةٌ إلى طَرَبِ قُلُوبِ العارِفِينَ، والسِّينُ سُرُورُ المُحِبِّينَ، والمِيمُ مُناجاةُ المُرِيدِينَ، وفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: قَرَأ قَتادَةُ: ”باخِعُ نَفْسِكَ“ عَلى الإضافَةِ، وقُرِئَ: ”فَظَلَّتْ أعْناقُهم لَها خاضِعَةً“ .
المسألة الثّانِيَةُ: البَخْعُ أنْ يَبْلُغَ بِالذَّبْحِ البِخاعَ، وهو الخُرْمُ النّافِذُ في ثَقْبِ الفِقْراتِ، وذَلِكَ أقْصى حَدِّ الذّابِحِ. ولَعَلَّ لِلْإشْفاقِ.
المسألة الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿طسم﴾ ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ المُبِينِ﴾ مَعْناهُ: آياتُ هَذِهِ السُّورَةِ تِلْكَ آياتُ الكِتابِ المُبِينِ، وتَمامُ تَقْرِيرِهِ ما مَرَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَلِكَ الكِتابُ﴾ [البَقَرَةِ: ٢] ولا شُبْهَةَ في أنَّ المُرادَ بِالكِتابِ هو القُرْآنُ، والمُبِينُ وإنْ كانَ في الحَقِيقَةِ هو المُتَكَلِّمَ فَقَدْ يُضافُ إلى الكَلامِ مِن حَيْثُ يَتَبَيَّنُ بِهِ عِنْدَ النَّظَرِ فِيهِ، فَإنْ قِيلَ: القَوْمُ لَمّا كانُوا كُفّارًا فَكَيْفَ تَكُونُ آياتُ القُرْآنِ مُبَيِّنَةً لَهم ما يَلْزَمُهم، وإنَّما يَتَبَيَّنُ بِذَلِكَ الأحْكامُ ؟ قُلْنا: ألْفاظُ القُرْآنِ مِن حَيْثُ تَعَذَّرَ عَلَيْهِمْ أنْ يَأْتُوا بِمِثْلِهِ يُمْكِنُ أنْ يُسْتَدَلَّ بِهِ عَلى فاعِلٍ مُخالِفٍ لَهم، كَما يُسْتَدَلُّ بِسائِرِ ما لا يَقْدِرُ العِبادُ عَلى مِثْلِهِ، فَهو دَلِيلُ التَّوْحِيدِ مِن هَذا الوجه، ودَلِيلُ النُّبُوَّةِ مِن حَيْثُ الإعْجازُ، ويُعْلَمُ بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ أنَّهُ إذا كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى فَهو دَلالَةُ الأحْكامِ أجْمَعَ، وإذا ثَبَتَ هَذا صارَتْ آياتُ القُرْآنِ كافِيَةً في كُلِّ الأُصُولِ والفُرُوعِ أجْمَعَ، ولَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ بَيَّنَ الأُمُورَ قالَ بَعْدَهُ: ﴿لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ ألّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ مُنَبِّهًا بِذَلِكَ عَلى أنَّ الكِتابَ وإنْ بَلَغَ في البَيانِ كُلَّ غايَةٍ فَغَيْرُ مُدْخِلٍ لَهم في الإيمانِ لَمّا أنَّهُ سَبَقَ حُكْمُ اللَّهِ
صفحة ١٠٤
بِخِلافِهِ، فَلا تُبالِغْ في الحُزْنِ والأسَفِ عَلى ذَلِكَ؛ لِأنَّكَ إنْ بالَغْتَ فِيهِ كُنْتَ بِمَنزِلَةِ مَن يَقْتُلُ نَفْسَهُ ثُمَّ لا يَنْتَفِعُ بِذَلِكَ أصْلًا، فَصَبَّرَهُ وعَزّاهُ وعَرَّفَهُ أنَّ غَمَّهُ وحُزْنَهُ لا نَفْعَ فِيهِ، كَما أنَّ وُجُودَ الكِتابِ عَلى بَيانِهِ ووُضُوحِهِ لا نَفْعَ لَهم فِيهِ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ قادِرٌ عَلى أنْ يُنْزِلَ آيَةً يَذِلُّونَ عِنْدَها ويَخْضَعُونَ. فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ صَحَّ مَجِيءُ ﴿خاضِعِينَ﴾ خَبَرًا عَنِ الأعْناقِ ؟ قُلْنا: أصْلُ الكَلامِ: فَظَلُّوا لَها خاضِعِينَ، فَذُكِرَتِ الأعْناقُ لِبَيانِ مَوْضِعِ الخُضُوعِ، ثُمَّ تُرِكَ الكَلامُ عَلى أصْلِهِ، ولَمّا وُصِفَتْ بِالخُضُوعِ الَّذِي هو لِلْعُقَلاءِ، قِيلَ: ﴿خاضِعِينَ﴾ كَقَوْلِهِ: ﴿لِي ساجِدِينَ﴾ [يُوسُفَ: ٤]، وقِيلَ: أعْناقُ النّاسِ رُؤَساؤُهم ومُقَدَّمُوهم، شُبِّهُوا بِالأعْناقِ كَما يُقالُ: هُمُ الرُّءُوسُ والصُّدُورُ، وقِيلَ: هم جَماعاتُ النّاسِ، يُقالُ: جاءَنا عُنُقٌ مِنَ النّاسِ لِفَوْجٍ مِنهم.
المسألة الرّابِعَةُ: نَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ الكَهْفِ: ﴿فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ﴾، وقَوْلُهُ: ﴿فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ﴾ [فاطِرٍ: ٨] .
الشعراء 26:3
صفحة ١٠٣
(سُورَةُ الشُّعَراءِ) مَكِّيَّةٌ إلّا أرْبَعَ آياتٍ فَإنَّها مَدَنِيَّةٌ، وهي ﴿والشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الغاوُونَ﴾ إلى آخِرِها.
وهِيَ مِائَتانِ وسِتٌّ أوْ سَبْعٌ وعِشْرُونَ آيَةً.
﷽
﴿طسم﴾ ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ المُبِينِ﴾ ﴿لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ ألّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿إنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أعْناقُهم لَها خاضِعِينَ﴾ .
﷽
﴿طسم﴾ ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ المُبِينِ﴾ ﴿لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ ألّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿إنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أعْناقُهم لَها خاضِعِينَ﴾ .
الطّاءُ إشارَةٌ إلى طَرَبِ قُلُوبِ العارِفِينَ، والسِّينُ سُرُورُ المُحِبِّينَ، والمِيمُ مُناجاةُ المُرِيدِينَ، وفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: قَرَأ قَتادَةُ: ”باخِعُ نَفْسِكَ“ عَلى الإضافَةِ، وقُرِئَ: ”فَظَلَّتْ أعْناقُهم لَها خاضِعَةً“ .
المسألة الثّانِيَةُ: البَخْعُ أنْ يَبْلُغَ بِالذَّبْحِ البِخاعَ، وهو الخُرْمُ النّافِذُ في ثَقْبِ الفِقْراتِ، وذَلِكَ أقْصى حَدِّ الذّابِحِ. ولَعَلَّ لِلْإشْفاقِ.
المسألة الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿طسم﴾ ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ المُبِينِ﴾ مَعْناهُ: آياتُ هَذِهِ السُّورَةِ تِلْكَ آياتُ الكِتابِ المُبِينِ، وتَمامُ تَقْرِيرِهِ ما مَرَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَلِكَ الكِتابُ﴾ [البَقَرَةِ: ٢] ولا شُبْهَةَ في أنَّ المُرادَ بِالكِتابِ هو القُرْآنُ، والمُبِينُ وإنْ كانَ في الحَقِيقَةِ هو المُتَكَلِّمَ فَقَدْ يُضافُ إلى الكَلامِ مِن حَيْثُ يَتَبَيَّنُ بِهِ عِنْدَ النَّظَرِ فِيهِ، فَإنْ قِيلَ: القَوْمُ لَمّا كانُوا كُفّارًا فَكَيْفَ تَكُونُ آياتُ القُرْآنِ مُبَيِّنَةً لَهم ما يَلْزَمُهم، وإنَّما يَتَبَيَّنُ بِذَلِكَ الأحْكامُ ؟ قُلْنا: ألْفاظُ القُرْآنِ مِن حَيْثُ تَعَذَّرَ عَلَيْهِمْ أنْ يَأْتُوا بِمِثْلِهِ يُمْكِنُ أنْ يُسْتَدَلَّ بِهِ عَلى فاعِلٍ مُخالِفٍ لَهم، كَما يُسْتَدَلُّ بِسائِرِ ما لا يَقْدِرُ العِبادُ عَلى مِثْلِهِ، فَهو دَلِيلُ التَّوْحِيدِ مِن هَذا الوجه، ودَلِيلُ النُّبُوَّةِ مِن حَيْثُ الإعْجازُ، ويُعْلَمُ بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ أنَّهُ إذا كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى فَهو دَلالَةُ الأحْكامِ أجْمَعَ، وإذا ثَبَتَ هَذا صارَتْ آياتُ القُرْآنِ كافِيَةً في كُلِّ الأُصُولِ والفُرُوعِ أجْمَعَ، ولَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ بَيَّنَ الأُمُورَ قالَ بَعْدَهُ: ﴿لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ ألّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ مُنَبِّهًا بِذَلِكَ عَلى أنَّ الكِتابَ وإنْ بَلَغَ في البَيانِ كُلَّ غايَةٍ فَغَيْرُ مُدْخِلٍ لَهم في الإيمانِ لَمّا أنَّهُ سَبَقَ حُكْمُ اللَّهِ
صفحة ١٠٤
بِخِلافِهِ، فَلا تُبالِغْ في الحُزْنِ والأسَفِ عَلى ذَلِكَ؛ لِأنَّكَ إنْ بالَغْتَ فِيهِ كُنْتَ بِمَنزِلَةِ مَن يَقْتُلُ نَفْسَهُ ثُمَّ لا يَنْتَفِعُ بِذَلِكَ أصْلًا، فَصَبَّرَهُ وعَزّاهُ وعَرَّفَهُ أنَّ غَمَّهُ وحُزْنَهُ لا نَفْعَ فِيهِ، كَما أنَّ وُجُودَ الكِتابِ عَلى بَيانِهِ ووُضُوحِهِ لا نَفْعَ لَهم فِيهِ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ قادِرٌ عَلى أنْ يُنْزِلَ آيَةً يَذِلُّونَ عِنْدَها ويَخْضَعُونَ. فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ صَحَّ مَجِيءُ ﴿خاضِعِينَ﴾ خَبَرًا عَنِ الأعْناقِ ؟ قُلْنا: أصْلُ الكَلامِ: فَظَلُّوا لَها خاضِعِينَ، فَذُكِرَتِ الأعْناقُ لِبَيانِ مَوْضِعِ الخُضُوعِ، ثُمَّ تُرِكَ الكَلامُ عَلى أصْلِهِ، ولَمّا وُصِفَتْ بِالخُضُوعِ الَّذِي هو لِلْعُقَلاءِ، قِيلَ: ﴿خاضِعِينَ﴾ كَقَوْلِهِ: ﴿لِي ساجِدِينَ﴾ [يُوسُفَ: ٤]، وقِيلَ: أعْناقُ النّاسِ رُؤَساؤُهم ومُقَدَّمُوهم، شُبِّهُوا بِالأعْناقِ كَما يُقالُ: هُمُ الرُّءُوسُ والصُّدُورُ، وقِيلَ: هم جَماعاتُ النّاسِ، يُقالُ: جاءَنا عُنُقٌ مِنَ النّاسِ لِفَوْجٍ مِنهم.
المسألة الرّابِعَةُ: نَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ الكَهْفِ: ﴿فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ﴾، وقَوْلُهُ: ﴿فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ﴾ [فاطِرٍ: ٨] .
الشعراء 26:4
صفحة ١٠٣
(سُورَةُ الشُّعَراءِ) مَكِّيَّةٌ إلّا أرْبَعَ آياتٍ فَإنَّها مَدَنِيَّةٌ، وهي ﴿والشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الغاوُونَ﴾ إلى آخِرِها.
وهِيَ مِائَتانِ وسِتٌّ أوْ سَبْعٌ وعِشْرُونَ آيَةً.
﷽
﴿طسم﴾ ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ المُبِينِ﴾ ﴿لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ ألّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿إنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أعْناقُهم لَها خاضِعِينَ﴾ .
﷽
﴿طسم﴾ ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ المُبِينِ﴾ ﴿لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ ألّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿إنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أعْناقُهم لَها خاضِعِينَ﴾ .
الطّاءُ إشارَةٌ إلى طَرَبِ قُلُوبِ العارِفِينَ، والسِّينُ سُرُورُ المُحِبِّينَ، والمِيمُ مُناجاةُ المُرِيدِينَ، وفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: قَرَأ قَتادَةُ: ”باخِعُ نَفْسِكَ“ عَلى الإضافَةِ، وقُرِئَ: ”فَظَلَّتْ أعْناقُهم لَها خاضِعَةً“ .
المسألة الثّانِيَةُ: البَخْعُ أنْ يَبْلُغَ بِالذَّبْحِ البِخاعَ، وهو الخُرْمُ النّافِذُ في ثَقْبِ الفِقْراتِ، وذَلِكَ أقْصى حَدِّ الذّابِحِ. ولَعَلَّ لِلْإشْفاقِ.
المسألة الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿طسم﴾ ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ المُبِينِ﴾ مَعْناهُ: آياتُ هَذِهِ السُّورَةِ تِلْكَ آياتُ الكِتابِ المُبِينِ، وتَمامُ تَقْرِيرِهِ ما مَرَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَلِكَ الكِتابُ﴾ [البَقَرَةِ: ٢] ولا شُبْهَةَ في أنَّ المُرادَ بِالكِتابِ هو القُرْآنُ، والمُبِينُ وإنْ كانَ في الحَقِيقَةِ هو المُتَكَلِّمَ فَقَدْ يُضافُ إلى الكَلامِ مِن حَيْثُ يَتَبَيَّنُ بِهِ عِنْدَ النَّظَرِ فِيهِ، فَإنْ قِيلَ: القَوْمُ لَمّا كانُوا كُفّارًا فَكَيْفَ تَكُونُ آياتُ القُرْآنِ مُبَيِّنَةً لَهم ما يَلْزَمُهم، وإنَّما يَتَبَيَّنُ بِذَلِكَ الأحْكامُ ؟ قُلْنا: ألْفاظُ القُرْآنِ مِن حَيْثُ تَعَذَّرَ عَلَيْهِمْ أنْ يَأْتُوا بِمِثْلِهِ يُمْكِنُ أنْ يُسْتَدَلَّ بِهِ عَلى فاعِلٍ مُخالِفٍ لَهم، كَما يُسْتَدَلُّ بِسائِرِ ما لا يَقْدِرُ العِبادُ عَلى مِثْلِهِ، فَهو دَلِيلُ التَّوْحِيدِ مِن هَذا الوجه، ودَلِيلُ النُّبُوَّةِ مِن حَيْثُ الإعْجازُ، ويُعْلَمُ بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ أنَّهُ إذا كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى فَهو دَلالَةُ الأحْكامِ أجْمَعَ، وإذا ثَبَتَ هَذا صارَتْ آياتُ القُرْآنِ كافِيَةً في كُلِّ الأُصُولِ والفُرُوعِ أجْمَعَ، ولَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ بَيَّنَ الأُمُورَ قالَ بَعْدَهُ: ﴿لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ ألّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ مُنَبِّهًا بِذَلِكَ عَلى أنَّ الكِتابَ وإنْ بَلَغَ في البَيانِ كُلَّ غايَةٍ فَغَيْرُ مُدْخِلٍ لَهم في الإيمانِ لَمّا أنَّهُ سَبَقَ حُكْمُ اللَّهِ
صفحة ١٠٤
بِخِلافِهِ، فَلا تُبالِغْ في الحُزْنِ والأسَفِ عَلى ذَلِكَ؛ لِأنَّكَ إنْ بالَغْتَ فِيهِ كُنْتَ بِمَنزِلَةِ مَن يَقْتُلُ نَفْسَهُ ثُمَّ لا يَنْتَفِعُ بِذَلِكَ أصْلًا، فَصَبَّرَهُ وعَزّاهُ وعَرَّفَهُ أنَّ غَمَّهُ وحُزْنَهُ لا نَفْعَ فِيهِ، كَما أنَّ وُجُودَ الكِتابِ عَلى بَيانِهِ ووُضُوحِهِ لا نَفْعَ لَهم فِيهِ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ قادِرٌ عَلى أنْ يُنْزِلَ آيَةً يَذِلُّونَ عِنْدَها ويَخْضَعُونَ. فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ صَحَّ مَجِيءُ ﴿خاضِعِينَ﴾ خَبَرًا عَنِ الأعْناقِ ؟ قُلْنا: أصْلُ الكَلامِ: فَظَلُّوا لَها خاضِعِينَ، فَذُكِرَتِ الأعْناقُ لِبَيانِ مَوْضِعِ الخُضُوعِ، ثُمَّ تُرِكَ الكَلامُ عَلى أصْلِهِ، ولَمّا وُصِفَتْ بِالخُضُوعِ الَّذِي هو لِلْعُقَلاءِ، قِيلَ: ﴿خاضِعِينَ﴾ كَقَوْلِهِ: ﴿لِي ساجِدِينَ﴾ [يُوسُفَ: ٤]، وقِيلَ: أعْناقُ النّاسِ رُؤَساؤُهم ومُقَدَّمُوهم، شُبِّهُوا بِالأعْناقِ كَما يُقالُ: هُمُ الرُّءُوسُ والصُّدُورُ، وقِيلَ: هم جَماعاتُ النّاسِ، يُقالُ: جاءَنا عُنُقٌ مِنَ النّاسِ لِفَوْجٍ مِنهم.
المسألة الرّابِعَةُ: نَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ الكَهْفِ: ﴿فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ﴾، وقَوْلُهُ: ﴿فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ﴾ [فاطِرٍ: ٨] .
الشعراء 26:5
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما يَأْتِيهِمْ مِن ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إلّا كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ﴾ ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ ﴿أوَلَمْ يَرَوْا إلى الأرْضِ كَمْ أنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ .
المسألة الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿وما يَأْتِيهِمْ مِن ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إلّا كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ﴾ مِن تَمامِ قَوْلِهِ: ﴿إنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ﴾ [الشُّعَراءِ: ٤] فَنَبَّهَ تَعالى عَلى أنَّهُ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلى أنْ يَجْعَلَهم مُؤْمِنِينَ بِالإلْجاءِ رَحِيمٌ بِهِمْ مِن حَيْثُ يَأْتِيهِمْ حالًا بَعْدَ حالٍ بِالقُرْآنِ، وهو الذِّكْرُ، ويُكَرِّرُهُ عَلَيْهِمْ وهم مَعَ ذَلِكَ عَلى حَدٍّ واحِدٍ في الإعْراضِ والتَّكْذِيبِ والِاسْتِهْزاءِ، ثُمَّ عِنْدَ ذَلِكَ زَجَرَ وتَوَعَّدَ؛ لِأنَّ المَرْءَ إذا اسْتَمَرَّ عَلى كُفْرِهِ فَلَيْسَ يَنْفَعُ فِيهِ إلّا الزَّجْرُ الشَّدِيدُ، فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا﴾ أيْ: بَلَغُوا النِّهايَةَ في رَدِّ آياتِ اللَّهِ تَعالى ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أنْباءُ ما كانُوا﴾ وذَلِكَ إمّا عِنْدَ نُزُولِ العَذابِ عَلَيْهِمْ في الدُّنْيا، أوْ عِنْدَ المُعايَنَةِ، أوْ في الآخِرَةِ، فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَتَعْلَمُنَّ نَبَأهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ وقَدْ جَرَتِ العادَةُ فِيمَن يُسِيءُ أنْ يُقالَ لَهُ: سَتَرى حالَكَ مِن بَعْدُ، عَلى وجْهِ الوَعِيدِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُ مَعَ إنْزالِهِ القُرْآنَ حالًا بَعْدَ حالٍ قَدْ أظْهَرَ أدِلَّةً تَحْدُثُ حالًا بَعْدَ حالٍ، فَقالَ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا إلى الأرْضِ كَمْ أنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ والزَّوْجُ هو الصِّنْفُ مِنَ النَّباتِ، والكَرِيمُ صِفَةٌ لِكُلِّ ما يُرْضى ويُحْمَدُ في بابِهِ، يُقالُ: وجْهٌ كَرِيمٌ إذا كانَ مَرْضِيًّا في حُسْنِهِ وجَمالِهِ. وكِتابٌ كَرِيمٌ إذا كانَ مَرْضِيًّا في فَوائِدِهِ ومَعانِيهِ، والنَّباتُ الكَرِيمُ هو المَرْضِيُّ فِيما يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنَ المَنافِعِ. وفي وصْفِ الزَّوْجِ بِالكَرِيمِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّ النَّباتَ عَلى نَوْعَيْنِ: نافِعٍ وضارٍّ، فَذَكَرَ سُبْحانَهُ كَثْرَةَ ما أنْبَتَ في الأرْضِ مِن جَمِيعِ أصْنافِ النَّباتِ النّافِعِ، وتَرَكَ ذِكْرَ الضّارِّ.
والثّانِي: أنَّهُ عَمَّ جَمِيعَ النَّباتِ نافِعِهِ وضارِّهِ، ووَصَفَهُما جَمِيعًا بِالكَرَمِ، ونَبَّهَ عَلى أنَّهُ ما أنْبَتَ شَيْئًا إلّا وفِيهِ فائِدَةٌ، وإنْ غَفَلَ عَنْها الغافِلُونَ.
صفحة ١٠٥
أمّا قَوْلُهُ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ فَهو كَقَوْلِهِ: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البَقَرَةِ: ٢] والمَعْنى أنَّ في ذَلِكَ دَلالَةً لِمَن يَتَفَكَّرُ ويَتَدَبَّرُ، وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ، أيْ: مَعَ كُلِّ ذَلِكَ يَسْتَمِرُّ أكْثَرُهم عَلى كُفْرِهِمْ، فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ فَإنَّما قَدَّمَ ذِكْرَ العَزِيزِ عَلى ذِكْرِ الرَّحِيمِ لِأنَّهُ لَوْ لَمْ يُقَدِّمْهُ لَكانَ رُبَّما قِيلَ: إنَّهُ رَحِمَهم لِعَجْزِهِ عَنْ عُقُوبَتِهِمْ، فَأزالَ هَذا الوَهْمَ بِذِكْرِ العَزِيزِ، وهو الغالِبُ القاهِرُ، ومَعَ ذَلِكَ فَإنَّهُ رَحِيمٌ بِعِبادِهِ، فَإنَّ الرَّحْمَةَ إذا كانَتْ عَنِ القُدْرَةِ الكامِلَةِ كانَتْ أعْظَمَ وقْعًا. والمُرادُ أنَّهم مَعَ كُفْرِهِمْ وقُدْرَةِ اللَّهِ عَلى أنْ يُعَجِّلَ عِقابَهم لا يَتْرُكُ رَحْمَتَهم بِما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِن خَلْقِ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ مِنَ النَّباتِ، ثُمَّ مِن إعْطاءِ الصِّحَّةِ والعَقْلِ والهِدايَةِ.
المسألة الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى وصَفَ الكُفّارَ بِالإعْراضِ أوَّلًا، وبِالتَّكْذِيبِ ثانِيًا، وبِالِاسْتِهْزاءِ ثالِثًا، وهَذِهِ دَرَجاتُ مَن أخَذَ يَتَرَقّى في الشَّقاوَةِ؛ فَإنَّهُ يُعَرِّضُ أوَّلًا، ثُمَّ يُصَرِّحُ بِالتَّكْذِيبِ والإنْكارِ إلى حَيْثُ يَسْتَهْزِئُ بِهِ ثالِثًا.
المسألة الثّالِثَةُ: فَإنْ قُلْتَ: ما مَعْنى الجَمْعِ بَيْنَ كَمْ وكُلٍّ، ولِمَ لَمْ يَقُلْ: كَمْ أنْبَتْنا فِيها مَن زَوْجٍ كَرِيمٍ ؟ قُلْتُ: قَدْ دَلَّ كُلٌّ عَلى الإحاطَةِ بِأزْواجِ النَّباتِ عَلى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ، وكَمْ عَلى أنَّ هَذا المُحِيطَ مُتَكاثِرٌ مُفْرِطُ الكَثْرَةِ، فَهَذا مَعْنى الجَمْعِ رَتَّبَهُ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ، فَإنْ قُلْتَ: فَحِينَ ذَكَرَ الأزْواجَ ودَلَّ عَلَيْها بِكَلِمَتَيِ الكَثْرَةِ والإحاطَةِ، وكانَتْ بِحَيْثُ لا يُحْصِيها إلّا عالِمُ الغَيْبِ، فَكَيْفَ قالَ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً﴾ وهَلّا قالَ: لَآياتٍ ؟ قُلْتُ: فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُشارًا بِهِ إلى مَصْدَرِ أنْبَتْنا، فَكَأنَّهُ قالَ: إنَّ في ذَلِكَ الإنْباتِ لَآيَةً أيَّ آيَةٍ.
والثّانِي: أنْ يُرادَ أنَّ في كُلِّ واحِدٍ مِن تِلْكَ الأزْواجِ لَآيَةً.
* * *
المسألة الرّابِعَةُ: احْتَجَّتِ المُعْتَزِلَةُ عَلى خَلْقِ القُرْآنِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما يَأْتِيهِمْ مِن ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ﴾ فَقالُوا: الذِّكْرُ هو القُرْآنُ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهَذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ﴾ [ الأنْبِياءِ: ٥٠] وبَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ الذِّكْرَ مُحْدَثٌ، فَيَلْزَمُ مِن هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ أنَّ القُرْآنَ مُحْدَثٌ، وهَذا الِاسْتِدْلالُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ كِتابًا﴾ [الزُّمَرِ: ٢٣] وبِقَوْلِهِ: ﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ [المُرْسَلاتِ: ٥٠] وإذا ثَبَتَ أنَّهُ مُحْدَثٌ فَلَهُ خالِقٌ، فَيَكُونُ مَخْلُوقًا لا مَحالَةَ.
والجَوابُ: أنَّ كُلَّ ذَلِكَ يَرْجِعُ إلى هَذِهِ الألْفاظِ، ونَحْنُ نُسَلِّمُ حُدُوثَها، إنَّما نَدَّعِي قِدَمَ أمْرٍ آخَرَ وراءَ هَذِهِ الحُرُوفِ، ولَيْسَ في الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى ذَلِكَ.
الشعراء 26:6
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما يَأْتِيهِمْ مِن ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إلّا كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ﴾ ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ ﴿أوَلَمْ يَرَوْا إلى الأرْضِ كَمْ أنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ .
المسألة الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿وما يَأْتِيهِمْ مِن ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إلّا كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ﴾ مِن تَمامِ قَوْلِهِ: ﴿إنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ﴾ [الشُّعَراءِ: ٤] فَنَبَّهَ تَعالى عَلى أنَّهُ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلى أنْ يَجْعَلَهم مُؤْمِنِينَ بِالإلْجاءِ رَحِيمٌ بِهِمْ مِن حَيْثُ يَأْتِيهِمْ حالًا بَعْدَ حالٍ بِالقُرْآنِ، وهو الذِّكْرُ، ويُكَرِّرُهُ عَلَيْهِمْ وهم مَعَ ذَلِكَ عَلى حَدٍّ واحِدٍ في الإعْراضِ والتَّكْذِيبِ والِاسْتِهْزاءِ، ثُمَّ عِنْدَ ذَلِكَ زَجَرَ وتَوَعَّدَ؛ لِأنَّ المَرْءَ إذا اسْتَمَرَّ عَلى كُفْرِهِ فَلَيْسَ يَنْفَعُ فِيهِ إلّا الزَّجْرُ الشَّدِيدُ، فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا﴾ أيْ: بَلَغُوا النِّهايَةَ في رَدِّ آياتِ اللَّهِ تَعالى ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أنْباءُ ما كانُوا﴾ وذَلِكَ إمّا عِنْدَ نُزُولِ العَذابِ عَلَيْهِمْ في الدُّنْيا، أوْ عِنْدَ المُعايَنَةِ، أوْ في الآخِرَةِ، فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَتَعْلَمُنَّ نَبَأهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ وقَدْ جَرَتِ العادَةُ فِيمَن يُسِيءُ أنْ يُقالَ لَهُ: سَتَرى حالَكَ مِن بَعْدُ، عَلى وجْهِ الوَعِيدِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُ مَعَ إنْزالِهِ القُرْآنَ حالًا بَعْدَ حالٍ قَدْ أظْهَرَ أدِلَّةً تَحْدُثُ حالًا بَعْدَ حالٍ، فَقالَ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا إلى الأرْضِ كَمْ أنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ والزَّوْجُ هو الصِّنْفُ مِنَ النَّباتِ، والكَرِيمُ صِفَةٌ لِكُلِّ ما يُرْضى ويُحْمَدُ في بابِهِ، يُقالُ: وجْهٌ كَرِيمٌ إذا كانَ مَرْضِيًّا في حُسْنِهِ وجَمالِهِ. وكِتابٌ كَرِيمٌ إذا كانَ مَرْضِيًّا في فَوائِدِهِ ومَعانِيهِ، والنَّباتُ الكَرِيمُ هو المَرْضِيُّ فِيما يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنَ المَنافِعِ. وفي وصْفِ الزَّوْجِ بِالكَرِيمِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّ النَّباتَ عَلى نَوْعَيْنِ: نافِعٍ وضارٍّ، فَذَكَرَ سُبْحانَهُ كَثْرَةَ ما أنْبَتَ في الأرْضِ مِن جَمِيعِ أصْنافِ النَّباتِ النّافِعِ، وتَرَكَ ذِكْرَ الضّارِّ.
والثّانِي: أنَّهُ عَمَّ جَمِيعَ النَّباتِ نافِعِهِ وضارِّهِ، ووَصَفَهُما جَمِيعًا بِالكَرَمِ، ونَبَّهَ عَلى أنَّهُ ما أنْبَتَ شَيْئًا إلّا وفِيهِ فائِدَةٌ، وإنْ غَفَلَ عَنْها الغافِلُونَ.
صفحة ١٠٥
أمّا قَوْلُهُ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ فَهو كَقَوْلِهِ: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البَقَرَةِ: ٢] والمَعْنى أنَّ في ذَلِكَ دَلالَةً لِمَن يَتَفَكَّرُ ويَتَدَبَّرُ، وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ، أيْ: مَعَ كُلِّ ذَلِكَ يَسْتَمِرُّ أكْثَرُهم عَلى كُفْرِهِمْ، فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ فَإنَّما قَدَّمَ ذِكْرَ العَزِيزِ عَلى ذِكْرِ الرَّحِيمِ لِأنَّهُ لَوْ لَمْ يُقَدِّمْهُ لَكانَ رُبَّما قِيلَ: إنَّهُ رَحِمَهم لِعَجْزِهِ عَنْ عُقُوبَتِهِمْ، فَأزالَ هَذا الوَهْمَ بِذِكْرِ العَزِيزِ، وهو الغالِبُ القاهِرُ، ومَعَ ذَلِكَ فَإنَّهُ رَحِيمٌ بِعِبادِهِ، فَإنَّ الرَّحْمَةَ إذا كانَتْ عَنِ القُدْرَةِ الكامِلَةِ كانَتْ أعْظَمَ وقْعًا. والمُرادُ أنَّهم مَعَ كُفْرِهِمْ وقُدْرَةِ اللَّهِ عَلى أنْ يُعَجِّلَ عِقابَهم لا يَتْرُكُ رَحْمَتَهم بِما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِن خَلْقِ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ مِنَ النَّباتِ، ثُمَّ مِن إعْطاءِ الصِّحَّةِ والعَقْلِ والهِدايَةِ.
المسألة الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى وصَفَ الكُفّارَ بِالإعْراضِ أوَّلًا، وبِالتَّكْذِيبِ ثانِيًا، وبِالِاسْتِهْزاءِ ثالِثًا، وهَذِهِ دَرَجاتُ مَن أخَذَ يَتَرَقّى في الشَّقاوَةِ؛ فَإنَّهُ يُعَرِّضُ أوَّلًا، ثُمَّ يُصَرِّحُ بِالتَّكْذِيبِ والإنْكارِ إلى حَيْثُ يَسْتَهْزِئُ بِهِ ثالِثًا.
المسألة الثّالِثَةُ: فَإنْ قُلْتَ: ما مَعْنى الجَمْعِ بَيْنَ كَمْ وكُلٍّ، ولِمَ لَمْ يَقُلْ: كَمْ أنْبَتْنا فِيها مَن زَوْجٍ كَرِيمٍ ؟ قُلْتُ: قَدْ دَلَّ كُلٌّ عَلى الإحاطَةِ بِأزْواجِ النَّباتِ عَلى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ، وكَمْ عَلى أنَّ هَذا المُحِيطَ مُتَكاثِرٌ مُفْرِطُ الكَثْرَةِ، فَهَذا مَعْنى الجَمْعِ رَتَّبَهُ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ، فَإنْ قُلْتَ: فَحِينَ ذَكَرَ الأزْواجَ ودَلَّ عَلَيْها بِكَلِمَتَيِ الكَثْرَةِ والإحاطَةِ، وكانَتْ بِحَيْثُ لا يُحْصِيها إلّا عالِمُ الغَيْبِ، فَكَيْفَ قالَ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً﴾ وهَلّا قالَ: لَآياتٍ ؟ قُلْتُ: فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُشارًا بِهِ إلى مَصْدَرِ أنْبَتْنا، فَكَأنَّهُ قالَ: إنَّ في ذَلِكَ الإنْباتِ لَآيَةً أيَّ آيَةٍ.
والثّانِي: أنْ يُرادَ أنَّ في كُلِّ واحِدٍ مِن تِلْكَ الأزْواجِ لَآيَةً.
* * *
المسألة الرّابِعَةُ: احْتَجَّتِ المُعْتَزِلَةُ عَلى خَلْقِ القُرْآنِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما يَأْتِيهِمْ مِن ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ﴾ فَقالُوا: الذِّكْرُ هو القُرْآنُ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهَذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ﴾ [ الأنْبِياءِ: ٥٠] وبَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ الذِّكْرَ مُحْدَثٌ، فَيَلْزَمُ مِن هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ أنَّ القُرْآنَ مُحْدَثٌ، وهَذا الِاسْتِدْلالُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ كِتابًا﴾ [الزُّمَرِ: ٢٣] وبِقَوْلِهِ: ﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ [المُرْسَلاتِ: ٥٠] وإذا ثَبَتَ أنَّهُ مُحْدَثٌ فَلَهُ خالِقٌ، فَيَكُونُ مَخْلُوقًا لا مَحالَةَ.
والجَوابُ: أنَّ كُلَّ ذَلِكَ يَرْجِعُ إلى هَذِهِ الألْفاظِ، ونَحْنُ نُسَلِّمُ حُدُوثَها، إنَّما نَدَّعِي قِدَمَ أمْرٍ آخَرَ وراءَ هَذِهِ الحُرُوفِ، ولَيْسَ في الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى ذَلِكَ.
الشعراء 26:7
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما يَأْتِيهِمْ مِن ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إلّا كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ﴾ ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ ﴿أوَلَمْ يَرَوْا إلى الأرْضِ كَمْ أنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ .
المسألة الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿وما يَأْتِيهِمْ مِن ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إلّا كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ﴾ مِن تَمامِ قَوْلِهِ: ﴿إنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ﴾ [الشُّعَراءِ: ٤] فَنَبَّهَ تَعالى عَلى أنَّهُ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلى أنْ يَجْعَلَهم مُؤْمِنِينَ بِالإلْجاءِ رَحِيمٌ بِهِمْ مِن حَيْثُ يَأْتِيهِمْ حالًا بَعْدَ حالٍ بِالقُرْآنِ، وهو الذِّكْرُ، ويُكَرِّرُهُ عَلَيْهِمْ وهم مَعَ ذَلِكَ عَلى حَدٍّ واحِدٍ في الإعْراضِ والتَّكْذِيبِ والِاسْتِهْزاءِ، ثُمَّ عِنْدَ ذَلِكَ زَجَرَ وتَوَعَّدَ؛ لِأنَّ المَرْءَ إذا اسْتَمَرَّ عَلى كُفْرِهِ فَلَيْسَ يَنْفَعُ فِيهِ إلّا الزَّجْرُ الشَّدِيدُ، فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا﴾ أيْ: بَلَغُوا النِّهايَةَ في رَدِّ آياتِ اللَّهِ تَعالى ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أنْباءُ ما كانُوا﴾ وذَلِكَ إمّا عِنْدَ نُزُولِ العَذابِ عَلَيْهِمْ في الدُّنْيا، أوْ عِنْدَ المُعايَنَةِ، أوْ في الآخِرَةِ، فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَتَعْلَمُنَّ نَبَأهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ وقَدْ جَرَتِ العادَةُ فِيمَن يُسِيءُ أنْ يُقالَ لَهُ: سَتَرى حالَكَ مِن بَعْدُ، عَلى وجْهِ الوَعِيدِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُ مَعَ إنْزالِهِ القُرْآنَ حالًا بَعْدَ حالٍ قَدْ أظْهَرَ أدِلَّةً تَحْدُثُ حالًا بَعْدَ حالٍ، فَقالَ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا إلى الأرْضِ كَمْ أنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ والزَّوْجُ هو الصِّنْفُ مِنَ النَّباتِ، والكَرِيمُ صِفَةٌ لِكُلِّ ما يُرْضى ويُحْمَدُ في بابِهِ، يُقالُ: وجْهٌ كَرِيمٌ إذا كانَ مَرْضِيًّا في حُسْنِهِ وجَمالِهِ. وكِتابٌ كَرِيمٌ إذا كانَ مَرْضِيًّا في فَوائِدِهِ ومَعانِيهِ، والنَّباتُ الكَرِيمُ هو المَرْضِيُّ فِيما يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنَ المَنافِعِ. وفي وصْفِ الزَّوْجِ بِالكَرِيمِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّ النَّباتَ عَلى نَوْعَيْنِ: نافِعٍ وضارٍّ، فَذَكَرَ سُبْحانَهُ كَثْرَةَ ما أنْبَتَ في الأرْضِ مِن جَمِيعِ أصْنافِ النَّباتِ النّافِعِ، وتَرَكَ ذِكْرَ الضّارِّ.
والثّانِي: أنَّهُ عَمَّ جَمِيعَ النَّباتِ نافِعِهِ وضارِّهِ، ووَصَفَهُما جَمِيعًا بِالكَرَمِ، ونَبَّهَ عَلى أنَّهُ ما أنْبَتَ شَيْئًا إلّا وفِيهِ فائِدَةٌ، وإنْ غَفَلَ عَنْها الغافِلُونَ.
صفحة ١٠٥
أمّا قَوْلُهُ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ فَهو كَقَوْلِهِ: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البَقَرَةِ: ٢] والمَعْنى أنَّ في ذَلِكَ دَلالَةً لِمَن يَتَفَكَّرُ ويَتَدَبَّرُ، وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ، أيْ: مَعَ كُلِّ ذَلِكَ يَسْتَمِرُّ أكْثَرُهم عَلى كُفْرِهِمْ، فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ فَإنَّما قَدَّمَ ذِكْرَ العَزِيزِ عَلى ذِكْرِ الرَّحِيمِ لِأنَّهُ لَوْ لَمْ يُقَدِّمْهُ لَكانَ رُبَّما قِيلَ: إنَّهُ رَحِمَهم لِعَجْزِهِ عَنْ عُقُوبَتِهِمْ، فَأزالَ هَذا الوَهْمَ بِذِكْرِ العَزِيزِ، وهو الغالِبُ القاهِرُ، ومَعَ ذَلِكَ فَإنَّهُ رَحِيمٌ بِعِبادِهِ، فَإنَّ الرَّحْمَةَ إذا كانَتْ عَنِ القُدْرَةِ الكامِلَةِ كانَتْ أعْظَمَ وقْعًا. والمُرادُ أنَّهم مَعَ كُفْرِهِمْ وقُدْرَةِ اللَّهِ عَلى أنْ يُعَجِّلَ عِقابَهم لا يَتْرُكُ رَحْمَتَهم بِما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِن خَلْقِ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ مِنَ النَّباتِ، ثُمَّ مِن إعْطاءِ الصِّحَّةِ والعَقْلِ والهِدايَةِ.
المسألة الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى وصَفَ الكُفّارَ بِالإعْراضِ أوَّلًا، وبِالتَّكْذِيبِ ثانِيًا، وبِالِاسْتِهْزاءِ ثالِثًا، وهَذِهِ دَرَجاتُ مَن أخَذَ يَتَرَقّى في الشَّقاوَةِ؛ فَإنَّهُ يُعَرِّضُ أوَّلًا، ثُمَّ يُصَرِّحُ بِالتَّكْذِيبِ والإنْكارِ إلى حَيْثُ يَسْتَهْزِئُ بِهِ ثالِثًا.
المسألة الثّالِثَةُ: فَإنْ قُلْتَ: ما مَعْنى الجَمْعِ بَيْنَ كَمْ وكُلٍّ، ولِمَ لَمْ يَقُلْ: كَمْ أنْبَتْنا فِيها مَن زَوْجٍ كَرِيمٍ ؟ قُلْتُ: قَدْ دَلَّ كُلٌّ عَلى الإحاطَةِ بِأزْواجِ النَّباتِ عَلى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ، وكَمْ عَلى أنَّ هَذا المُحِيطَ مُتَكاثِرٌ مُفْرِطُ الكَثْرَةِ، فَهَذا مَعْنى الجَمْعِ رَتَّبَهُ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ، فَإنْ قُلْتَ: فَحِينَ ذَكَرَ الأزْواجَ ودَلَّ عَلَيْها بِكَلِمَتَيِ الكَثْرَةِ والإحاطَةِ، وكانَتْ بِحَيْثُ لا يُحْصِيها إلّا عالِمُ الغَيْبِ، فَكَيْفَ قالَ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً﴾ وهَلّا قالَ: لَآياتٍ ؟ قُلْتُ: فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُشارًا بِهِ إلى مَصْدَرِ أنْبَتْنا، فَكَأنَّهُ قالَ: إنَّ في ذَلِكَ الإنْباتِ لَآيَةً أيَّ آيَةٍ.
والثّانِي: أنْ يُرادَ أنَّ في كُلِّ واحِدٍ مِن تِلْكَ الأزْواجِ لَآيَةً.
* * *
المسألة الرّابِعَةُ: احْتَجَّتِ المُعْتَزِلَةُ عَلى خَلْقِ القُرْآنِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما يَأْتِيهِمْ مِن ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ﴾ فَقالُوا: الذِّكْرُ هو القُرْآنُ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهَذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ﴾ [ الأنْبِياءِ: ٥٠] وبَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ الذِّكْرَ مُحْدَثٌ، فَيَلْزَمُ مِن هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ أنَّ القُرْآنَ مُحْدَثٌ، وهَذا الِاسْتِدْلالُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ كِتابًا﴾ [الزُّمَرِ: ٢٣] وبِقَوْلِهِ: ﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ [المُرْسَلاتِ: ٥٠] وإذا ثَبَتَ أنَّهُ مُحْدَثٌ فَلَهُ خالِقٌ، فَيَكُونُ مَخْلُوقًا لا مَحالَةَ.
والجَوابُ: أنَّ كُلَّ ذَلِكَ يَرْجِعُ إلى هَذِهِ الألْفاظِ، ونَحْنُ نُسَلِّمُ حُدُوثَها، إنَّما نَدَّعِي قِدَمَ أمْرٍ آخَرَ وراءَ هَذِهِ الحُرُوفِ، ولَيْسَ في الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى ذَلِكَ.
الشعراء 26:8
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما يَأْتِيهِمْ مِن ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إلّا كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ﴾ ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ ﴿أوَلَمْ يَرَوْا إلى الأرْضِ كَمْ أنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ .
المسألة الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿وما يَأْتِيهِمْ مِن ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إلّا كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ﴾ مِن تَمامِ قَوْلِهِ: ﴿إنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ﴾ [الشُّعَراءِ: ٤] فَنَبَّهَ تَعالى عَلى أنَّهُ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلى أنْ يَجْعَلَهم مُؤْمِنِينَ بِالإلْجاءِ رَحِيمٌ بِهِمْ مِن حَيْثُ يَأْتِيهِمْ حالًا بَعْدَ حالٍ بِالقُرْآنِ، وهو الذِّكْرُ، ويُكَرِّرُهُ عَلَيْهِمْ وهم مَعَ ذَلِكَ عَلى حَدٍّ واحِدٍ في الإعْراضِ والتَّكْذِيبِ والِاسْتِهْزاءِ، ثُمَّ عِنْدَ ذَلِكَ زَجَرَ وتَوَعَّدَ؛ لِأنَّ المَرْءَ إذا اسْتَمَرَّ عَلى كُفْرِهِ فَلَيْسَ يَنْفَعُ فِيهِ إلّا الزَّجْرُ الشَّدِيدُ، فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا﴾ أيْ: بَلَغُوا النِّهايَةَ في رَدِّ آياتِ اللَّهِ تَعالى ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أنْباءُ ما كانُوا﴾ وذَلِكَ إمّا عِنْدَ نُزُولِ العَذابِ عَلَيْهِمْ في الدُّنْيا، أوْ عِنْدَ المُعايَنَةِ، أوْ في الآخِرَةِ، فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَتَعْلَمُنَّ نَبَأهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ وقَدْ جَرَتِ العادَةُ فِيمَن يُسِيءُ أنْ يُقالَ لَهُ: سَتَرى حالَكَ مِن بَعْدُ، عَلى وجْهِ الوَعِيدِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُ مَعَ إنْزالِهِ القُرْآنَ حالًا بَعْدَ حالٍ قَدْ أظْهَرَ أدِلَّةً تَحْدُثُ حالًا بَعْدَ حالٍ، فَقالَ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا إلى الأرْضِ كَمْ أنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ والزَّوْجُ هو الصِّنْفُ مِنَ النَّباتِ، والكَرِيمُ صِفَةٌ لِكُلِّ ما يُرْضى ويُحْمَدُ في بابِهِ، يُقالُ: وجْهٌ كَرِيمٌ إذا كانَ مَرْضِيًّا في حُسْنِهِ وجَمالِهِ. وكِتابٌ كَرِيمٌ إذا كانَ مَرْضِيًّا في فَوائِدِهِ ومَعانِيهِ، والنَّباتُ الكَرِيمُ هو المَرْضِيُّ فِيما يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنَ المَنافِعِ. وفي وصْفِ الزَّوْجِ بِالكَرِيمِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّ النَّباتَ عَلى نَوْعَيْنِ: نافِعٍ وضارٍّ، فَذَكَرَ سُبْحانَهُ كَثْرَةَ ما أنْبَتَ في الأرْضِ مِن جَمِيعِ أصْنافِ النَّباتِ النّافِعِ، وتَرَكَ ذِكْرَ الضّارِّ.
والثّانِي: أنَّهُ عَمَّ جَمِيعَ النَّباتِ نافِعِهِ وضارِّهِ، ووَصَفَهُما جَمِيعًا بِالكَرَمِ، ونَبَّهَ عَلى أنَّهُ ما أنْبَتَ شَيْئًا إلّا وفِيهِ فائِدَةٌ، وإنْ غَفَلَ عَنْها الغافِلُونَ.
صفحة ١٠٥
أمّا قَوْلُهُ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ فَهو كَقَوْلِهِ: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البَقَرَةِ: ٢] والمَعْنى أنَّ في ذَلِكَ دَلالَةً لِمَن يَتَفَكَّرُ ويَتَدَبَّرُ، وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ، أيْ: مَعَ كُلِّ ذَلِكَ يَسْتَمِرُّ أكْثَرُهم عَلى كُفْرِهِمْ، فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ فَإنَّما قَدَّمَ ذِكْرَ العَزِيزِ عَلى ذِكْرِ الرَّحِيمِ لِأنَّهُ لَوْ لَمْ يُقَدِّمْهُ لَكانَ رُبَّما قِيلَ: إنَّهُ رَحِمَهم لِعَجْزِهِ عَنْ عُقُوبَتِهِمْ، فَأزالَ هَذا الوَهْمَ بِذِكْرِ العَزِيزِ، وهو الغالِبُ القاهِرُ، ومَعَ ذَلِكَ فَإنَّهُ رَحِيمٌ بِعِبادِهِ، فَإنَّ الرَّحْمَةَ إذا كانَتْ عَنِ القُدْرَةِ الكامِلَةِ كانَتْ أعْظَمَ وقْعًا. والمُرادُ أنَّهم مَعَ كُفْرِهِمْ وقُدْرَةِ اللَّهِ عَلى أنْ يُعَجِّلَ عِقابَهم لا يَتْرُكُ رَحْمَتَهم بِما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِن خَلْقِ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ مِنَ النَّباتِ، ثُمَّ مِن إعْطاءِ الصِّحَّةِ والعَقْلِ والهِدايَةِ.
المسألة الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى وصَفَ الكُفّارَ بِالإعْراضِ أوَّلًا، وبِالتَّكْذِيبِ ثانِيًا، وبِالِاسْتِهْزاءِ ثالِثًا، وهَذِهِ دَرَجاتُ مَن أخَذَ يَتَرَقّى في الشَّقاوَةِ؛ فَإنَّهُ يُعَرِّضُ أوَّلًا، ثُمَّ يُصَرِّحُ بِالتَّكْذِيبِ والإنْكارِ إلى حَيْثُ يَسْتَهْزِئُ بِهِ ثالِثًا.
المسألة الثّالِثَةُ: فَإنْ قُلْتَ: ما مَعْنى الجَمْعِ بَيْنَ كَمْ وكُلٍّ، ولِمَ لَمْ يَقُلْ: كَمْ أنْبَتْنا فِيها مَن زَوْجٍ كَرِيمٍ ؟ قُلْتُ: قَدْ دَلَّ كُلٌّ عَلى الإحاطَةِ بِأزْواجِ النَّباتِ عَلى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ، وكَمْ عَلى أنَّ هَذا المُحِيطَ مُتَكاثِرٌ مُفْرِطُ الكَثْرَةِ، فَهَذا مَعْنى الجَمْعِ رَتَّبَهُ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ، فَإنْ قُلْتَ: فَحِينَ ذَكَرَ الأزْواجَ ودَلَّ عَلَيْها بِكَلِمَتَيِ الكَثْرَةِ والإحاطَةِ، وكانَتْ بِحَيْثُ لا يُحْصِيها إلّا عالِمُ الغَيْبِ، فَكَيْفَ قالَ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً﴾ وهَلّا قالَ: لَآياتٍ ؟ قُلْتُ: فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُشارًا بِهِ إلى مَصْدَرِ أنْبَتْنا، فَكَأنَّهُ قالَ: إنَّ في ذَلِكَ الإنْباتِ لَآيَةً أيَّ آيَةٍ.
والثّانِي: أنْ يُرادَ أنَّ في كُلِّ واحِدٍ مِن تِلْكَ الأزْواجِ لَآيَةً.
* * *
المسألة الرّابِعَةُ: احْتَجَّتِ المُعْتَزِلَةُ عَلى خَلْقِ القُرْآنِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما يَأْتِيهِمْ مِن ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ﴾ فَقالُوا: الذِّكْرُ هو القُرْآنُ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهَذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ﴾ [ الأنْبِياءِ: ٥٠] وبَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ الذِّكْرَ مُحْدَثٌ، فَيَلْزَمُ مِن هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ أنَّ القُرْآنَ مُحْدَثٌ، وهَذا الِاسْتِدْلالُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ كِتابًا﴾ [الزُّمَرِ: ٢٣] وبِقَوْلِهِ: ﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ [المُرْسَلاتِ: ٥٠] وإذا ثَبَتَ أنَّهُ مُحْدَثٌ فَلَهُ خالِقٌ، فَيَكُونُ مَخْلُوقًا لا مَحالَةَ.
والجَوابُ: أنَّ كُلَّ ذَلِكَ يَرْجِعُ إلى هَذِهِ الألْفاظِ، ونَحْنُ نُسَلِّمُ حُدُوثَها، إنَّما نَدَّعِي قِدَمَ أمْرٍ آخَرَ وراءَ هَذِهِ الحُرُوفِ، ولَيْسَ في الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى ذَلِكَ.
الشعراء 26:9
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما يَأْتِيهِمْ مِن ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إلّا كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ﴾ ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ ﴿أوَلَمْ يَرَوْا إلى الأرْضِ كَمْ أنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ .
المسألة الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿وما يَأْتِيهِمْ مِن ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إلّا كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ﴾ مِن تَمامِ قَوْلِهِ: ﴿إنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ﴾ [الشُّعَراءِ: ٤] فَنَبَّهَ تَعالى عَلى أنَّهُ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلى أنْ يَجْعَلَهم مُؤْمِنِينَ بِالإلْجاءِ رَحِيمٌ بِهِمْ مِن حَيْثُ يَأْتِيهِمْ حالًا بَعْدَ حالٍ بِالقُرْآنِ، وهو الذِّكْرُ، ويُكَرِّرُهُ عَلَيْهِمْ وهم مَعَ ذَلِكَ عَلى حَدٍّ واحِدٍ في الإعْراضِ والتَّكْذِيبِ والِاسْتِهْزاءِ، ثُمَّ عِنْدَ ذَلِكَ زَجَرَ وتَوَعَّدَ؛ لِأنَّ المَرْءَ إذا اسْتَمَرَّ عَلى كُفْرِهِ فَلَيْسَ يَنْفَعُ فِيهِ إلّا الزَّجْرُ الشَّدِيدُ، فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا﴾ أيْ: بَلَغُوا النِّهايَةَ في رَدِّ آياتِ اللَّهِ تَعالى ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أنْباءُ ما كانُوا﴾ وذَلِكَ إمّا عِنْدَ نُزُولِ العَذابِ عَلَيْهِمْ في الدُّنْيا، أوْ عِنْدَ المُعايَنَةِ، أوْ في الآخِرَةِ، فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَتَعْلَمُنَّ نَبَأهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ وقَدْ جَرَتِ العادَةُ فِيمَن يُسِيءُ أنْ يُقالَ لَهُ: سَتَرى حالَكَ مِن بَعْدُ، عَلى وجْهِ الوَعِيدِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُ مَعَ إنْزالِهِ القُرْآنَ حالًا بَعْدَ حالٍ قَدْ أظْهَرَ أدِلَّةً تَحْدُثُ حالًا بَعْدَ حالٍ، فَقالَ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا إلى الأرْضِ كَمْ أنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ والزَّوْجُ هو الصِّنْفُ مِنَ النَّباتِ، والكَرِيمُ صِفَةٌ لِكُلِّ ما يُرْضى ويُحْمَدُ في بابِهِ، يُقالُ: وجْهٌ كَرِيمٌ إذا كانَ مَرْضِيًّا في حُسْنِهِ وجَمالِهِ. وكِتابٌ كَرِيمٌ إذا كانَ مَرْضِيًّا في فَوائِدِهِ ومَعانِيهِ، والنَّباتُ الكَرِيمُ هو المَرْضِيُّ فِيما يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنَ المَنافِعِ. وفي وصْفِ الزَّوْجِ بِالكَرِيمِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّ النَّباتَ عَلى نَوْعَيْنِ: نافِعٍ وضارٍّ، فَذَكَرَ سُبْحانَهُ كَثْرَةَ ما أنْبَتَ في الأرْضِ مِن جَمِيعِ أصْنافِ النَّباتِ النّافِعِ، وتَرَكَ ذِكْرَ الضّارِّ.
والثّانِي: أنَّهُ عَمَّ جَمِيعَ النَّباتِ نافِعِهِ وضارِّهِ، ووَصَفَهُما جَمِيعًا بِالكَرَمِ، ونَبَّهَ عَلى أنَّهُ ما أنْبَتَ شَيْئًا إلّا وفِيهِ فائِدَةٌ، وإنْ غَفَلَ عَنْها الغافِلُونَ.
صفحة ١٠٥
أمّا قَوْلُهُ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ فَهو كَقَوْلِهِ: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البَقَرَةِ: ٢] والمَعْنى أنَّ في ذَلِكَ دَلالَةً لِمَن يَتَفَكَّرُ ويَتَدَبَّرُ، وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ، أيْ: مَعَ كُلِّ ذَلِكَ يَسْتَمِرُّ أكْثَرُهم عَلى كُفْرِهِمْ، فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ فَإنَّما قَدَّمَ ذِكْرَ العَزِيزِ عَلى ذِكْرِ الرَّحِيمِ لِأنَّهُ لَوْ لَمْ يُقَدِّمْهُ لَكانَ رُبَّما قِيلَ: إنَّهُ رَحِمَهم لِعَجْزِهِ عَنْ عُقُوبَتِهِمْ، فَأزالَ هَذا الوَهْمَ بِذِكْرِ العَزِيزِ، وهو الغالِبُ القاهِرُ، ومَعَ ذَلِكَ فَإنَّهُ رَحِيمٌ بِعِبادِهِ، فَإنَّ الرَّحْمَةَ إذا كانَتْ عَنِ القُدْرَةِ الكامِلَةِ كانَتْ أعْظَمَ وقْعًا. والمُرادُ أنَّهم مَعَ كُفْرِهِمْ وقُدْرَةِ اللَّهِ عَلى أنْ يُعَجِّلَ عِقابَهم لا يَتْرُكُ رَحْمَتَهم بِما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِن خَلْقِ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ مِنَ النَّباتِ، ثُمَّ مِن إعْطاءِ الصِّحَّةِ والعَقْلِ والهِدايَةِ.
المسألة الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى وصَفَ الكُفّارَ بِالإعْراضِ أوَّلًا، وبِالتَّكْذِيبِ ثانِيًا، وبِالِاسْتِهْزاءِ ثالِثًا، وهَذِهِ دَرَجاتُ مَن أخَذَ يَتَرَقّى في الشَّقاوَةِ؛ فَإنَّهُ يُعَرِّضُ أوَّلًا، ثُمَّ يُصَرِّحُ بِالتَّكْذِيبِ والإنْكارِ إلى حَيْثُ يَسْتَهْزِئُ بِهِ ثالِثًا.
المسألة الثّالِثَةُ: فَإنْ قُلْتَ: ما مَعْنى الجَمْعِ بَيْنَ كَمْ وكُلٍّ، ولِمَ لَمْ يَقُلْ: كَمْ أنْبَتْنا فِيها مَن زَوْجٍ كَرِيمٍ ؟ قُلْتُ: قَدْ دَلَّ كُلٌّ عَلى الإحاطَةِ بِأزْواجِ النَّباتِ عَلى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ، وكَمْ عَلى أنَّ هَذا المُحِيطَ مُتَكاثِرٌ مُفْرِطُ الكَثْرَةِ، فَهَذا مَعْنى الجَمْعِ رَتَّبَهُ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ، فَإنْ قُلْتَ: فَحِينَ ذَكَرَ الأزْواجَ ودَلَّ عَلَيْها بِكَلِمَتَيِ الكَثْرَةِ والإحاطَةِ، وكانَتْ بِحَيْثُ لا يُحْصِيها إلّا عالِمُ الغَيْبِ، فَكَيْفَ قالَ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً﴾ وهَلّا قالَ: لَآياتٍ ؟ قُلْتُ: فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُشارًا بِهِ إلى مَصْدَرِ أنْبَتْنا، فَكَأنَّهُ قالَ: إنَّ في ذَلِكَ الإنْباتِ لَآيَةً أيَّ آيَةٍ.
والثّانِي: أنْ يُرادَ أنَّ في كُلِّ واحِدٍ مِن تِلْكَ الأزْواجِ لَآيَةً.
* * *
المسألة الرّابِعَةُ: احْتَجَّتِ المُعْتَزِلَةُ عَلى خَلْقِ القُرْآنِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما يَأْتِيهِمْ مِن ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ﴾ فَقالُوا: الذِّكْرُ هو القُرْآنُ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهَذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ﴾ [ الأنْبِياءِ: ٥٠] وبَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ الذِّكْرَ مُحْدَثٌ، فَيَلْزَمُ مِن هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ أنَّ القُرْآنَ مُحْدَثٌ، وهَذا الِاسْتِدْلالُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ كِتابًا﴾ [الزُّمَرِ: ٢٣] وبِقَوْلِهِ: ﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ [المُرْسَلاتِ: ٥٠] وإذا ثَبَتَ أنَّهُ مُحْدَثٌ فَلَهُ خالِقٌ، فَيَكُونُ مَخْلُوقًا لا مَحالَةَ.
والجَوابُ: أنَّ كُلَّ ذَلِكَ يَرْجِعُ إلى هَذِهِ الألْفاظِ، ونَحْنُ نُسَلِّمُ حُدُوثَها، إنَّما نَدَّعِي قِدَمَ أمْرٍ آخَرَ وراءَ هَذِهِ الحُرُوفِ، ولَيْسَ في الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى ذَلِكَ.
الشعراء 26:10
[ القِصَّةُ الأُولى: قِصَّةُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ] .
﴿وإذْ نادى رَبُّكَ مُوسى أنِ ائْتِ القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ ﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ ألا يَتَّقُونَ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ نادى رَبُّكَ مُوسى أنِ ائْتِ القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ ﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ ألا يَتَّقُونَ﴾ .
اخْتَلَفَ أهْلُ السُّنَّةِ في النِّداءِ الَّذِي سَمِعَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ اللَّهِ تَعالى، هَلْ هو كَلامُهُ القَدِيمُ، أوْ هو ضَرْبٌ مِنَ الأصْواتِ، فَقالَ أبُو الحَسَنِ الأشْعَرِيُّ: المَسْمُوعُ هو الكَلامُ القَدِيمُ، وكَما أنَّ ذاتَهُ تَعالى لا تُشْبِهُ سائِرَ الأشْياءِ، مَعَ أنَّ الدَّلِيلَ دَلَّ عَلى أنَّها مَعْلُومَةٌ ومُرَتَّبَةٌ، فَكَذا كَلامُهُ مُنَزَّهٌ عَنْ مُشابَهَةِ الحُرُوفِ والأصْواتِ، مَعَ أنَّهُ مَسْمُوعٌ، وقالَ أبُو مَنصُورٍ الماتُرِيدِيُّ: الَّذِي سَمِعَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ نِداءً مِن جِنْسِ الحُرُوفِ والأصْواتِ، وذَلِكَ لِأنَّ الدَّلِيلَ لَمّا دَلَّ عَلى أنّا رَأيْنا الجَوْهَرَ والعَرَضَ، ولا بُدَّ مِن عِلَّةٍ مُشْتَرَكَةٍ بَيْنَهُما لِصِحَّةِ الرُّؤْيَةِ، ولا عِلَّةَ إلّا الوُجُودُ، حَكَمْنا بِأنَّ كُلَّ مَوْجُودٍ يَصِحُّ أنْ يُرى، ولَمْ يَثْبُتْ عِنْدَنا أنّا نَسْمَعُ الأصْواتَ والأجْسامَ حَتّى يَحْكُمَ بِأنَّهُ لا بُدَّ مِن مُشْتَرَكٍ بَيْنَ الجِسْمِ والصَّوْتِ، فَلَمْ يَلْزَمْ صِحَّةُ كَوْنِ كُلِّ مَوْجُودٍ مَسْمُوعًا
صفحة ١٠٦
فَظَهَرَ الفَرْقُ، أمّا المُعْتَزِلَةُ فَقَدِ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ ذَلِكَ المَسْمُوعَ ما كانَ إلّا حُرُوفًا وأصْواتًا، فَعِنْدَ هَذا قالُوا: إنَّ ذَلِكَ النِّداءَ وقَعَ عَلى وجْهٍ عَلِمَ بِهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى، فَصارَ مُعْجِزًا عَلِمَ بِهِ أنَّ اللَّهَ مُخاطِبٌ لَهُ، فَلَمْ يَحْتَجْ مَعَ ذَلِكَ إلى واسِطَةٍ، وكَفى في الوَقْتِ أنْ يُحَمِّلَهُ الرِّسالَةَ الَّتِي هي ﴿أنِ ائْتِ القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ لِأنَّ في بَدْءِ البَعْثَةِ يَجِبُ أنْ يَأْمُرَهُ بِالدُّعاءِ إلى التَّوْحِيدِ، ثُمَّ بَعْدَهُ يَأْمُرُهُ بِالأحْكامِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَأْمُرَهُ تَعالى بِذَلِكَ إلّا وقَدْ عَرَّفَهُ أنَّهُ سَتَظْهَرُ عَلَيْهِ المُعْجِزاتُ إذا طُولِبَ بِذَلِكَ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنِ ائْتِ القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ فالمَعْنى أنَّهُ تَعالى سَجَّلَ عَلَيْهِمْ بِالظُّلْمِ، وقَدِ اسْتَحَقُّوا هَذا الِاسْمَ مِن وجْهَيْنِ: مِن وجْهِ ظُلْمِهِمْ أنْفُسَهم بِكُفْرِهِمْ، ومِن وجْهِ ظُلْمِهِمْ لِبَنِي إسْرائِيلَ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾ فَقَدْ عَطَفَ ”﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾“ عَلى ”﴿القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾“ عَطْفَ بَيانٍ، كَأنَّ القَوْمَ الظّالِمِينَ وقَوْمَ فِرْعَوْنَ لَفْظانِ يَدُلّانِ عَلى مَعْنًى واحِدٍ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ألا يَتَّقُونَ﴾ فَقُرِئَ: ”ألا يَتَّقُونِ“ بِكَسْرِ النُّونِ، بِمَعْنى ألا يَتَّقُونَنِي، فَحُذِفَتِ النُّونُ لِاجْتِماعِ النُّونَيْنِ والياءُ لِلِاكْتِفاءِ بِالكَسْرَةِ. وقَوْلُهُ: ﴿ألا يَتَّقُونَ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ أتْبَعَهُ تَعالى إرْسالَهُ إلَيْهِمْ لِلْإنْذارِ والتَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِالظُّلْمِ؛ تَعْجِيبًا لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِن حالِهِمْ في الظُّلْمِ والعَسْفِ، ومِن أمْنِهِمُ العَواقِبَ وقِلَّةِ خَوْفِهِمْ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ ﴿ألا يَتَّقُونَ﴾ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في ”الظّالِمِينَ“، أيْ: يَظْلِمُونَ غَيْرَ مُتَّقِينَ اللَّهَ وعِقابَهُ، فَأُدْخِلَتْ هَمْزَةُ الإنْكارِ عَلى الحالِ، ووَجْهٌ ثالِثٌ وهو أنْ يَكُونَ المَعْنى ألا يا ناسُ اتَّقُونِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ألّا يَسْجُدُوا﴾ [النَّمْلِ: ٢٥] . وأمّا مَن قَرَأ: ”ألا تَتَّقُونَ“ عَلى الخِطابِ، فَعَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ إلَيْهِمْ وصَرْفِ وُجُوهِهِمْ بِالإنْكارِ والغَضَبِ عَلَيْهِمْ، كَما يَرى مَن يَشْكُو مِمَّنْ رَكِبَ جِنايَةً والجانِي حاضِرٌ، فَإذا انْدَفَعَ في الشِّكايَةِ وحَمِيَ غَضَبُهُ، قَطَعَ مُباثَةَ صاحِبِهِ وأقْبَلَ عَلى الجانِي يُوَبِّخُهُ ويُعَنِّفُهُ بِهِ، ويَقُولُ لَهُ: ألا تَتَّقِي اللَّهَ ألّا تَسْتَحِي مِنَ النّاسِ، فَإنْ قُلْتَ: فَما الفائِدَةُ في هَذا الِالتِفاتِ والخِطابُ مَعَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في وقْتِ المُناجاةِ، والمُلْتَفَتُ إلَيْهِمْ غائِبُونَ لا يَشْعُرُونَ ؟ قُلْتُ: إجْراءُ ذَلِكَ في تَكْلِيمِ المُرْسَلِ إلَيْهِمْ في مَعْنى إجْرائِهِ بِحَضْرَتِهِمْ وإلْقائِهِ إلى مَسامِعِهِمْ؛ لِأنَّهُ مُبَلِّغُهم ومُنْهِيهِ إلَيْهِمْ، ولَهُ فِيهِ لُطْفٌ وحَثٌّ عَلى زِيادَةِ التَّقْوى، وكَمْ مِن آيَةٍ نَزَلَتْ في شَأْنِ الكافِرِينَ وفِيها أوْفَرُ نَصِيبٍ لِلْمُؤْمِنِينَ تَدَبُّرًا لَها واعْتِبارًا بِمَوارِدِها.
الشعراء 26:11
[ القِصَّةُ الأُولى: قِصَّةُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ] .
﴿وإذْ نادى رَبُّكَ مُوسى أنِ ائْتِ القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ ﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ ألا يَتَّقُونَ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ نادى رَبُّكَ مُوسى أنِ ائْتِ القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ ﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ ألا يَتَّقُونَ﴾ .
اخْتَلَفَ أهْلُ السُّنَّةِ في النِّداءِ الَّذِي سَمِعَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ اللَّهِ تَعالى، هَلْ هو كَلامُهُ القَدِيمُ، أوْ هو ضَرْبٌ مِنَ الأصْواتِ، فَقالَ أبُو الحَسَنِ الأشْعَرِيُّ: المَسْمُوعُ هو الكَلامُ القَدِيمُ، وكَما أنَّ ذاتَهُ تَعالى لا تُشْبِهُ سائِرَ الأشْياءِ، مَعَ أنَّ الدَّلِيلَ دَلَّ عَلى أنَّها مَعْلُومَةٌ ومُرَتَّبَةٌ، فَكَذا كَلامُهُ مُنَزَّهٌ عَنْ مُشابَهَةِ الحُرُوفِ والأصْواتِ، مَعَ أنَّهُ مَسْمُوعٌ، وقالَ أبُو مَنصُورٍ الماتُرِيدِيُّ: الَّذِي سَمِعَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ نِداءً مِن جِنْسِ الحُرُوفِ والأصْواتِ، وذَلِكَ لِأنَّ الدَّلِيلَ لَمّا دَلَّ عَلى أنّا رَأيْنا الجَوْهَرَ والعَرَضَ، ولا بُدَّ مِن عِلَّةٍ مُشْتَرَكَةٍ بَيْنَهُما لِصِحَّةِ الرُّؤْيَةِ، ولا عِلَّةَ إلّا الوُجُودُ، حَكَمْنا بِأنَّ كُلَّ مَوْجُودٍ يَصِحُّ أنْ يُرى، ولَمْ يَثْبُتْ عِنْدَنا أنّا نَسْمَعُ الأصْواتَ والأجْسامَ حَتّى يَحْكُمَ بِأنَّهُ لا بُدَّ مِن مُشْتَرَكٍ بَيْنَ الجِسْمِ والصَّوْتِ، فَلَمْ يَلْزَمْ صِحَّةُ كَوْنِ كُلِّ مَوْجُودٍ مَسْمُوعًا
صفحة ١٠٦
فَظَهَرَ الفَرْقُ، أمّا المُعْتَزِلَةُ فَقَدِ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ ذَلِكَ المَسْمُوعَ ما كانَ إلّا حُرُوفًا وأصْواتًا، فَعِنْدَ هَذا قالُوا: إنَّ ذَلِكَ النِّداءَ وقَعَ عَلى وجْهٍ عَلِمَ بِهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى، فَصارَ مُعْجِزًا عَلِمَ بِهِ أنَّ اللَّهَ مُخاطِبٌ لَهُ، فَلَمْ يَحْتَجْ مَعَ ذَلِكَ إلى واسِطَةٍ، وكَفى في الوَقْتِ أنْ يُحَمِّلَهُ الرِّسالَةَ الَّتِي هي ﴿أنِ ائْتِ القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ لِأنَّ في بَدْءِ البَعْثَةِ يَجِبُ أنْ يَأْمُرَهُ بِالدُّعاءِ إلى التَّوْحِيدِ، ثُمَّ بَعْدَهُ يَأْمُرُهُ بِالأحْكامِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَأْمُرَهُ تَعالى بِذَلِكَ إلّا وقَدْ عَرَّفَهُ أنَّهُ سَتَظْهَرُ عَلَيْهِ المُعْجِزاتُ إذا طُولِبَ بِذَلِكَ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنِ ائْتِ القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ فالمَعْنى أنَّهُ تَعالى سَجَّلَ عَلَيْهِمْ بِالظُّلْمِ، وقَدِ اسْتَحَقُّوا هَذا الِاسْمَ مِن وجْهَيْنِ: مِن وجْهِ ظُلْمِهِمْ أنْفُسَهم بِكُفْرِهِمْ، ومِن وجْهِ ظُلْمِهِمْ لِبَنِي إسْرائِيلَ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾ فَقَدْ عَطَفَ ”﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾“ عَلى ”﴿القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾“ عَطْفَ بَيانٍ، كَأنَّ القَوْمَ الظّالِمِينَ وقَوْمَ فِرْعَوْنَ لَفْظانِ يَدُلّانِ عَلى مَعْنًى واحِدٍ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ألا يَتَّقُونَ﴾ فَقُرِئَ: ”ألا يَتَّقُونِ“ بِكَسْرِ النُّونِ، بِمَعْنى ألا يَتَّقُونَنِي، فَحُذِفَتِ النُّونُ لِاجْتِماعِ النُّونَيْنِ والياءُ لِلِاكْتِفاءِ بِالكَسْرَةِ. وقَوْلُهُ: ﴿ألا يَتَّقُونَ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ أتْبَعَهُ تَعالى إرْسالَهُ إلَيْهِمْ لِلْإنْذارِ والتَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِالظُّلْمِ؛ تَعْجِيبًا لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِن حالِهِمْ في الظُّلْمِ والعَسْفِ، ومِن أمْنِهِمُ العَواقِبَ وقِلَّةِ خَوْفِهِمْ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ ﴿ألا يَتَّقُونَ﴾ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في ”الظّالِمِينَ“، أيْ: يَظْلِمُونَ غَيْرَ مُتَّقِينَ اللَّهَ وعِقابَهُ، فَأُدْخِلَتْ هَمْزَةُ الإنْكارِ عَلى الحالِ، ووَجْهٌ ثالِثٌ وهو أنْ يَكُونَ المَعْنى ألا يا ناسُ اتَّقُونِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ألّا يَسْجُدُوا﴾ [النَّمْلِ: ٢٥] . وأمّا مَن قَرَأ: ”ألا تَتَّقُونَ“ عَلى الخِطابِ، فَعَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ إلَيْهِمْ وصَرْفِ وُجُوهِهِمْ بِالإنْكارِ والغَضَبِ عَلَيْهِمْ، كَما يَرى مَن يَشْكُو مِمَّنْ رَكِبَ جِنايَةً والجانِي حاضِرٌ، فَإذا انْدَفَعَ في الشِّكايَةِ وحَمِيَ غَضَبُهُ، قَطَعَ مُباثَةَ صاحِبِهِ وأقْبَلَ عَلى الجانِي يُوَبِّخُهُ ويُعَنِّفُهُ بِهِ، ويَقُولُ لَهُ: ألا تَتَّقِي اللَّهَ ألّا تَسْتَحِي مِنَ النّاسِ، فَإنْ قُلْتَ: فَما الفائِدَةُ في هَذا الِالتِفاتِ والخِطابُ مَعَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في وقْتِ المُناجاةِ، والمُلْتَفَتُ إلَيْهِمْ غائِبُونَ لا يَشْعُرُونَ ؟ قُلْتُ: إجْراءُ ذَلِكَ في تَكْلِيمِ المُرْسَلِ إلَيْهِمْ في مَعْنى إجْرائِهِ بِحَضْرَتِهِمْ وإلْقائِهِ إلى مَسامِعِهِمْ؛ لِأنَّهُ مُبَلِّغُهم ومُنْهِيهِ إلَيْهِمْ، ولَهُ فِيهِ لُطْفٌ وحَثٌّ عَلى زِيادَةِ التَّقْوى، وكَمْ مِن آيَةٍ نَزَلَتْ في شَأْنِ الكافِرِينَ وفِيها أوْفَرُ نَصِيبٍ لِلْمُؤْمِنِينَ تَدَبُّرًا لَها واعْتِبارًا بِمَوارِدِها.
الشعراء 26:12
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ رَبِّ إنِّي أخافُ أنْ يُكَذِّبُونِ﴾ ﴿ويَضِيقُ صَدْرِي ولا يَنْطَلِقُ لِسانِي فَأرْسِلْ إلى هارُونَ﴾ ﴿ولَهم عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأخافُ أنْ يَقْتُلُونِ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا أمَرَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِالذَّهابِ إلى قَوْمِ فِرْعَوْنَ، طَلَبَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يَبْعَثَ مَعَهُ هارُونَ إلَيْهِمْ، ثُمَّ ذَكَرَ الأُمُورَ الدّاعِيَةَ لَهُ إلى ذَلِكَ السُّؤالِ، وحاصِلُها أنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ هارُونُ، لاخْتَلَّتِ المَصْلَحَةُ المَطْلُوبَةُ مِن بَعْثَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وذَلِكَ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ فِرْعَوْنَ رُبَّما كَذَّبَهُ، والتَّكْذِيبُ سَبَبٌ لِضِيقِ القَلْبِ، وضِيقُ القَلْبِ سَبَبٌ لِتَعَسُّرِ الكَلامِ عَلى مَن يَكُونُ في لِسانِهِ حُبْسَةٌ؛ لِأنَّ
صفحة ١٠٧
عِنْدَ ضِيقِ القَلْبِ تَنْقَبِضُ الرُّوحُ والحَرارَةُ الغَرِيزِيَّةُ إلى باطِنِ القَلْبِ، وإذا انْقَبَضا إلى الدّاخِلِ وخَلا مِنهُما الخارِجُ ازْدادَتِ الحُبْسَةُ في اللِّسانِ، فالتَّأذِّي مِنَ التَّكْذِيبِ سَبَبٌ لِضِيقِ القَلْبِ، وضِيقُ القَلْبِ سَبَبٌ لِلْحُبْسَةِ، فَلِهَذا السَّبَبِ بَدَأ بِخَوْفِ التَّكْذِيبِ، ثُمَّ ثَنّى بِضِيقِ الصَّدْرِ، ثُمَّ ثَلَّثَ بِعَدَمِ انْطِلاقِ اللِّسانِ. وأمّا هارُونُ فَهو أفْصَحُ لِسانًا مِنِّي ولَيْسَ في حَقِّهِ هَذا المَعْنى، فَكانَ إرْسالُهُ لائِقًا.
الثّانِي: أنَّ لَهم عِنْدِي ذَنْبًا فَأخافُ أنْ يُبادِرُوا إلى قَتْلِي، وحِينَئِذٍ لا يَحْصُلُ المَقْصُودُ مِنَ البَعْثَةِ. وأمّا هارُونُ فَلَيْسَ كَذَلِكَ فَيَحْصُلُ المَقْصُودُ مِنَ البَعْثَةِ.
المسألة الثّانِيَةُ: قُرِئَ ”يَضِيقُ“ و”يَنْطَلِقُ“ بِالرَّفْعِ، لِأنَّهُما مَعْطُوفانِ عَلى خَبَرِ ”إنَّ“، وبِالنَّصْبِ لِعَطْفِهِما عَلى صِلَةِ أنْ، والمَعْنى: أخافُ أنْ يُكَذِّبُونِ، وأخافُ أنْ يَضِيقَ صَدْرِي، وأخافُ أنْ لا يَنْطَلِقَ لِسانِي، والفَرْقُ أنَّ الرَّفْعَ يُفِيدُ ثَلاثَ عِلَلٍ في طَلَبِ إرْسالِ هارُونَ، والنَّصْبَ يُفِيدُ عِلَّةً واحِدَةً، وهي الخَوْفُ مِن هَذِهِ الأُمُورِ الثَّلاثَةِ، فَإنْ قُلْتَ: الخَوْفُ غَمٌّ يَحْصُلُ لِتَوَقُّعِ مَكْرُوهٍ سَيَقَعُ، وعَدَمُ انْطِلاقِ اللِّسانِ كانَ حاصِلًا، فَكَيْفَ جازَ تَعَلُّقُ الخَوْفِ بِهِ ؟ قُلْتُ: قَدْ بَيَّنّا أنَّ التَّكْذِيبَ الَّذِي سَيَقَعُ يُوجِبُ ضِيقَ القَلْبِ، وضِيقُ القَلْبِ يُوجِبُ زِيادَةَ الِاحْتِباسِ، فَتِلْكَ الزِّيادَةُ ما كانَتْ حاصِلَةً في الحالِ بَلْ كانَتْ مُتَوَقَّعَةً، فَجازَ تَعْلِيقُ الخَوْفِ عَلَيْها.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأرْسِلْ إلى هارُونَ﴾ فَلَيْسَ في الظّاهِرِ ذِكْرُ مَنِ الَّذِي يُرْسَلُ إلَيْهِ، وفي الخَبَرِ أنَّ اللَّهَ تَعالى أرْسَلَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إلَيْهِ، قالَ السُّدِّيُّ: إنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ سارَ بِأهْلِهِ إلى مِصْرَ والتَقى بِهارُونَ وهو لا يَعْرِفُهُ، فَقالَ: أنا مُوسى، فَتَعارَفا وأمَرَهُ أنْ يَنْطَلِقَ مَعَهُ إلى فِرْعَوْنَ لِأداءِ الرِّسالَةِ، فَصاحَتْ أُمُّهُما لِخَوْفِها عَلَيْهِما فَذَهَبا إلَيْهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أرْسِلْ إلَيْهِ جِبْرِيلَ، لِأنَّ رَسُولَ اللَّهِ إلى الأنْبِياءِ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلَمّا كانَ هو مُتَعَيِّنًا لِهَذا الأمْرِ حُذِفَ ذِكْرُهُ لِكَوْنِهِ مَعْلُومًا، وأيْضًا لَيْسَ في الظّاهِرِ أنَّهُ يُرْسَلُ لِماذا، لَكِنَّ فَحْوى الكَلامِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ طَلَبَهُ لِلْمَعُونَةِ فِيما سَألَ، كَما يُقالُ إذا نابَتْكَ نائِبَةٌ: فَأرْسِلْ إلى فُلانٍ أيْ لِيُعِينَكَ فِيها ولَيْسَ في الظّاهِرِ أنَّهُ التَمَسَ كَوْنَ هارُونَ نَبِيًّا مَعَهُ، لَكِنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَقُولا إنّا رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ يَدُلُّ عَلَيْهِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿ولَهم عَلَيَّ ذَنْبٌ﴾ فَأرادَ بِالذَّنْبِ قَتْلَهُ القِبْطِيَّ، وقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ القِصَّةَ مَشْرُوحَةً في سُورَةِ القَصَصِ.
واعْلَمْ أنَّهُ لَيْسَ في التِماسِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يُضَمَّ إلَيْهِ هارُونُ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ اسْتَعْفى مِنَ الذَّهابِ إلى فِرْعَوْنَ بَلْ مَقْصُودُهُ فِيما سَألَ أنْ يَقَعَ ذَلِكَ الذَّهابُ عَلى أقْوى الوُجُوهِ في الوُصُولِ إلى المُرادِ، واخْتَلَفُوا فَقالَ بَعْضُهم: إنَّهُ وإنْ كانَ نَبِيًّا فَهو غَيْرُ عالِمٍ بِأنَّهُ يَبْقى حَتّى يُؤَدِّيَ الرِّسالَةَ؛ لِأنَّهُ إنَّما أُمِرَ بِذَلِكَ بِشَرْطِ التَّمْكِينِ، وهَذا قَوْلُ الكَعْبِيِّ وغَيْرِهِ مِنَ البَغْدادِيِّينَ لِأنَّهم يُجَوِّزُونَ دُخُولَ الشَّرْطِ في تَكْلِيفِ اللَّهِ تَعالى العَبْدَ، والَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ الأكْثَرُونَ أنَّ ذَلِكَ لا يَجُوزُ لِأنَّهُ تَعالى إذا أمَرَ فَهو عالِمٌ بِما يَتَمَكَّنُ مِنهُ المَأْمُورُ وبِأوْقاتِ تَمَكُّنِهِ، فَإذا عَلِمَ أنَّهُ غَيْرُ مُتَمَكِّنٍ مِنهُ فَإنَّهُ لا يَأْمُرُهُ بِهِ، وإذا صَحَّ ذَلِكَ فالأقْرَبُ في الأنْبِياءِ أنَّهم يَعْلَمُونَ إذا حَمَّلَهُمُ اللَّهُ تَعالى الرِّسالَةَ أنَّهُ تَعالى يُمَكِّنُهم مِن أدائِها وأنَّهم سَيَبْقَوْنَ إلى ذَلِكَ الوَقْتِ، ومِثْلُ ذَلِكَ لا يَكُونُ إغْراءً في الأنْبِياءِ وإنْ جازَ أنْ يَكُونَ إغْراءً في غَيْرِهِمْ.
المسألة الثّالِثَةُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: قَوْلُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿ولَهم عَلَيَّ ذَنْبٌ﴾ هَلْ يَدُلُّ عَلى صُدُورِ الذَّنْبِ مِنهُ ؟
جَوابُهُ: لا والمُرادُ لَهم عَلَيَّ ذَنْبٌ في زَعْمِهِمْ.
الشعراء 26:13
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ رَبِّ إنِّي أخافُ أنْ يُكَذِّبُونِ﴾ ﴿ويَضِيقُ صَدْرِي ولا يَنْطَلِقُ لِسانِي فَأرْسِلْ إلى هارُونَ﴾ ﴿ولَهم عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأخافُ أنْ يَقْتُلُونِ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا أمَرَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِالذَّهابِ إلى قَوْمِ فِرْعَوْنَ، طَلَبَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يَبْعَثَ مَعَهُ هارُونَ إلَيْهِمْ، ثُمَّ ذَكَرَ الأُمُورَ الدّاعِيَةَ لَهُ إلى ذَلِكَ السُّؤالِ، وحاصِلُها أنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ هارُونُ، لاخْتَلَّتِ المَصْلَحَةُ المَطْلُوبَةُ مِن بَعْثَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وذَلِكَ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ فِرْعَوْنَ رُبَّما كَذَّبَهُ، والتَّكْذِيبُ سَبَبٌ لِضِيقِ القَلْبِ، وضِيقُ القَلْبِ سَبَبٌ لِتَعَسُّرِ الكَلامِ عَلى مَن يَكُونُ في لِسانِهِ حُبْسَةٌ؛ لِأنَّ
صفحة ١٠٧
عِنْدَ ضِيقِ القَلْبِ تَنْقَبِضُ الرُّوحُ والحَرارَةُ الغَرِيزِيَّةُ إلى باطِنِ القَلْبِ، وإذا انْقَبَضا إلى الدّاخِلِ وخَلا مِنهُما الخارِجُ ازْدادَتِ الحُبْسَةُ في اللِّسانِ، فالتَّأذِّي مِنَ التَّكْذِيبِ سَبَبٌ لِضِيقِ القَلْبِ، وضِيقُ القَلْبِ سَبَبٌ لِلْحُبْسَةِ، فَلِهَذا السَّبَبِ بَدَأ بِخَوْفِ التَّكْذِيبِ، ثُمَّ ثَنّى بِضِيقِ الصَّدْرِ، ثُمَّ ثَلَّثَ بِعَدَمِ انْطِلاقِ اللِّسانِ. وأمّا هارُونُ فَهو أفْصَحُ لِسانًا مِنِّي ولَيْسَ في حَقِّهِ هَذا المَعْنى، فَكانَ إرْسالُهُ لائِقًا.
الثّانِي: أنَّ لَهم عِنْدِي ذَنْبًا فَأخافُ أنْ يُبادِرُوا إلى قَتْلِي، وحِينَئِذٍ لا يَحْصُلُ المَقْصُودُ مِنَ البَعْثَةِ. وأمّا هارُونُ فَلَيْسَ كَذَلِكَ فَيَحْصُلُ المَقْصُودُ مِنَ البَعْثَةِ.
المسألة الثّانِيَةُ: قُرِئَ ”يَضِيقُ“ و”يَنْطَلِقُ“ بِالرَّفْعِ، لِأنَّهُما مَعْطُوفانِ عَلى خَبَرِ ”إنَّ“، وبِالنَّصْبِ لِعَطْفِهِما عَلى صِلَةِ أنْ، والمَعْنى: أخافُ أنْ يُكَذِّبُونِ، وأخافُ أنْ يَضِيقَ صَدْرِي، وأخافُ أنْ لا يَنْطَلِقَ لِسانِي، والفَرْقُ أنَّ الرَّفْعَ يُفِيدُ ثَلاثَ عِلَلٍ في طَلَبِ إرْسالِ هارُونَ، والنَّصْبَ يُفِيدُ عِلَّةً واحِدَةً، وهي الخَوْفُ مِن هَذِهِ الأُمُورِ الثَّلاثَةِ، فَإنْ قُلْتَ: الخَوْفُ غَمٌّ يَحْصُلُ لِتَوَقُّعِ مَكْرُوهٍ سَيَقَعُ، وعَدَمُ انْطِلاقِ اللِّسانِ كانَ حاصِلًا، فَكَيْفَ جازَ تَعَلُّقُ الخَوْفِ بِهِ ؟ قُلْتُ: قَدْ بَيَّنّا أنَّ التَّكْذِيبَ الَّذِي سَيَقَعُ يُوجِبُ ضِيقَ القَلْبِ، وضِيقُ القَلْبِ يُوجِبُ زِيادَةَ الِاحْتِباسِ، فَتِلْكَ الزِّيادَةُ ما كانَتْ حاصِلَةً في الحالِ بَلْ كانَتْ مُتَوَقَّعَةً، فَجازَ تَعْلِيقُ الخَوْفِ عَلَيْها.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأرْسِلْ إلى هارُونَ﴾ فَلَيْسَ في الظّاهِرِ ذِكْرُ مَنِ الَّذِي يُرْسَلُ إلَيْهِ، وفي الخَبَرِ أنَّ اللَّهَ تَعالى أرْسَلَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إلَيْهِ، قالَ السُّدِّيُّ: إنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ سارَ بِأهْلِهِ إلى مِصْرَ والتَقى بِهارُونَ وهو لا يَعْرِفُهُ، فَقالَ: أنا مُوسى، فَتَعارَفا وأمَرَهُ أنْ يَنْطَلِقَ مَعَهُ إلى فِرْعَوْنَ لِأداءِ الرِّسالَةِ، فَصاحَتْ أُمُّهُما لِخَوْفِها عَلَيْهِما فَذَهَبا إلَيْهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أرْسِلْ إلَيْهِ جِبْرِيلَ، لِأنَّ رَسُولَ اللَّهِ إلى الأنْبِياءِ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلَمّا كانَ هو مُتَعَيِّنًا لِهَذا الأمْرِ حُذِفَ ذِكْرُهُ لِكَوْنِهِ مَعْلُومًا، وأيْضًا لَيْسَ في الظّاهِرِ أنَّهُ يُرْسَلُ لِماذا، لَكِنَّ فَحْوى الكَلامِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ طَلَبَهُ لِلْمَعُونَةِ فِيما سَألَ، كَما يُقالُ إذا نابَتْكَ نائِبَةٌ: فَأرْسِلْ إلى فُلانٍ أيْ لِيُعِينَكَ فِيها ولَيْسَ في الظّاهِرِ أنَّهُ التَمَسَ كَوْنَ هارُونَ نَبِيًّا مَعَهُ، لَكِنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَقُولا إنّا رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ يَدُلُّ عَلَيْهِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿ولَهم عَلَيَّ ذَنْبٌ﴾ فَأرادَ بِالذَّنْبِ قَتْلَهُ القِبْطِيَّ، وقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ القِصَّةَ مَشْرُوحَةً في سُورَةِ القَصَصِ.
واعْلَمْ أنَّهُ لَيْسَ في التِماسِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يُضَمَّ إلَيْهِ هارُونُ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ اسْتَعْفى مِنَ الذَّهابِ إلى فِرْعَوْنَ بَلْ مَقْصُودُهُ فِيما سَألَ أنْ يَقَعَ ذَلِكَ الذَّهابُ عَلى أقْوى الوُجُوهِ في الوُصُولِ إلى المُرادِ، واخْتَلَفُوا فَقالَ بَعْضُهم: إنَّهُ وإنْ كانَ نَبِيًّا فَهو غَيْرُ عالِمٍ بِأنَّهُ يَبْقى حَتّى يُؤَدِّيَ الرِّسالَةَ؛ لِأنَّهُ إنَّما أُمِرَ بِذَلِكَ بِشَرْطِ التَّمْكِينِ، وهَذا قَوْلُ الكَعْبِيِّ وغَيْرِهِ مِنَ البَغْدادِيِّينَ لِأنَّهم يُجَوِّزُونَ دُخُولَ الشَّرْطِ في تَكْلِيفِ اللَّهِ تَعالى العَبْدَ، والَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ الأكْثَرُونَ أنَّ ذَلِكَ لا يَجُوزُ لِأنَّهُ تَعالى إذا أمَرَ فَهو عالِمٌ بِما يَتَمَكَّنُ مِنهُ المَأْمُورُ وبِأوْقاتِ تَمَكُّنِهِ، فَإذا عَلِمَ أنَّهُ غَيْرُ مُتَمَكِّنٍ مِنهُ فَإنَّهُ لا يَأْمُرُهُ بِهِ، وإذا صَحَّ ذَلِكَ فالأقْرَبُ في الأنْبِياءِ أنَّهم يَعْلَمُونَ إذا حَمَّلَهُمُ اللَّهُ تَعالى الرِّسالَةَ أنَّهُ تَعالى يُمَكِّنُهم مِن أدائِها وأنَّهم سَيَبْقَوْنَ إلى ذَلِكَ الوَقْتِ، ومِثْلُ ذَلِكَ لا يَكُونُ إغْراءً في الأنْبِياءِ وإنْ جازَ أنْ يَكُونَ إغْراءً في غَيْرِهِمْ.
المسألة الثّالِثَةُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: قَوْلُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿ولَهم عَلَيَّ ذَنْبٌ﴾ هَلْ يَدُلُّ عَلى صُدُورِ الذَّنْبِ مِنهُ ؟
جَوابُهُ: لا والمُرادُ لَهم عَلَيَّ ذَنْبٌ في زَعْمِهِمْ.
الشعراء 26:14
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ رَبِّ إنِّي أخافُ أنْ يُكَذِّبُونِ﴾ ﴿ويَضِيقُ صَدْرِي ولا يَنْطَلِقُ لِسانِي فَأرْسِلْ إلى هارُونَ﴾ ﴿ولَهم عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأخافُ أنْ يَقْتُلُونِ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا أمَرَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِالذَّهابِ إلى قَوْمِ فِرْعَوْنَ، طَلَبَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يَبْعَثَ مَعَهُ هارُونَ إلَيْهِمْ، ثُمَّ ذَكَرَ الأُمُورَ الدّاعِيَةَ لَهُ إلى ذَلِكَ السُّؤالِ، وحاصِلُها أنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ هارُونُ، لاخْتَلَّتِ المَصْلَحَةُ المَطْلُوبَةُ مِن بَعْثَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وذَلِكَ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ فِرْعَوْنَ رُبَّما كَذَّبَهُ، والتَّكْذِيبُ سَبَبٌ لِضِيقِ القَلْبِ، وضِيقُ القَلْبِ سَبَبٌ لِتَعَسُّرِ الكَلامِ عَلى مَن يَكُونُ في لِسانِهِ حُبْسَةٌ؛ لِأنَّ
صفحة ١٠٧
عِنْدَ ضِيقِ القَلْبِ تَنْقَبِضُ الرُّوحُ والحَرارَةُ الغَرِيزِيَّةُ إلى باطِنِ القَلْبِ، وإذا انْقَبَضا إلى الدّاخِلِ وخَلا مِنهُما الخارِجُ ازْدادَتِ الحُبْسَةُ في اللِّسانِ، فالتَّأذِّي مِنَ التَّكْذِيبِ سَبَبٌ لِضِيقِ القَلْبِ، وضِيقُ القَلْبِ سَبَبٌ لِلْحُبْسَةِ، فَلِهَذا السَّبَبِ بَدَأ بِخَوْفِ التَّكْذِيبِ، ثُمَّ ثَنّى بِضِيقِ الصَّدْرِ، ثُمَّ ثَلَّثَ بِعَدَمِ انْطِلاقِ اللِّسانِ. وأمّا هارُونُ فَهو أفْصَحُ لِسانًا مِنِّي ولَيْسَ في حَقِّهِ هَذا المَعْنى، فَكانَ إرْسالُهُ لائِقًا.
الثّانِي: أنَّ لَهم عِنْدِي ذَنْبًا فَأخافُ أنْ يُبادِرُوا إلى قَتْلِي، وحِينَئِذٍ لا يَحْصُلُ المَقْصُودُ مِنَ البَعْثَةِ. وأمّا هارُونُ فَلَيْسَ كَذَلِكَ فَيَحْصُلُ المَقْصُودُ مِنَ البَعْثَةِ.
المسألة الثّانِيَةُ: قُرِئَ ”يَضِيقُ“ و”يَنْطَلِقُ“ بِالرَّفْعِ، لِأنَّهُما مَعْطُوفانِ عَلى خَبَرِ ”إنَّ“، وبِالنَّصْبِ لِعَطْفِهِما عَلى صِلَةِ أنْ، والمَعْنى: أخافُ أنْ يُكَذِّبُونِ، وأخافُ أنْ يَضِيقَ صَدْرِي، وأخافُ أنْ لا يَنْطَلِقَ لِسانِي، والفَرْقُ أنَّ الرَّفْعَ يُفِيدُ ثَلاثَ عِلَلٍ في طَلَبِ إرْسالِ هارُونَ، والنَّصْبَ يُفِيدُ عِلَّةً واحِدَةً، وهي الخَوْفُ مِن هَذِهِ الأُمُورِ الثَّلاثَةِ، فَإنْ قُلْتَ: الخَوْفُ غَمٌّ يَحْصُلُ لِتَوَقُّعِ مَكْرُوهٍ سَيَقَعُ، وعَدَمُ انْطِلاقِ اللِّسانِ كانَ حاصِلًا، فَكَيْفَ جازَ تَعَلُّقُ الخَوْفِ بِهِ ؟ قُلْتُ: قَدْ بَيَّنّا أنَّ التَّكْذِيبَ الَّذِي سَيَقَعُ يُوجِبُ ضِيقَ القَلْبِ، وضِيقُ القَلْبِ يُوجِبُ زِيادَةَ الِاحْتِباسِ، فَتِلْكَ الزِّيادَةُ ما كانَتْ حاصِلَةً في الحالِ بَلْ كانَتْ مُتَوَقَّعَةً، فَجازَ تَعْلِيقُ الخَوْفِ عَلَيْها.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأرْسِلْ إلى هارُونَ﴾ فَلَيْسَ في الظّاهِرِ ذِكْرُ مَنِ الَّذِي يُرْسَلُ إلَيْهِ، وفي الخَبَرِ أنَّ اللَّهَ تَعالى أرْسَلَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إلَيْهِ، قالَ السُّدِّيُّ: إنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ سارَ بِأهْلِهِ إلى مِصْرَ والتَقى بِهارُونَ وهو لا يَعْرِفُهُ، فَقالَ: أنا مُوسى، فَتَعارَفا وأمَرَهُ أنْ يَنْطَلِقَ مَعَهُ إلى فِرْعَوْنَ لِأداءِ الرِّسالَةِ، فَصاحَتْ أُمُّهُما لِخَوْفِها عَلَيْهِما فَذَهَبا إلَيْهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أرْسِلْ إلَيْهِ جِبْرِيلَ، لِأنَّ رَسُولَ اللَّهِ إلى الأنْبِياءِ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلَمّا كانَ هو مُتَعَيِّنًا لِهَذا الأمْرِ حُذِفَ ذِكْرُهُ لِكَوْنِهِ مَعْلُومًا، وأيْضًا لَيْسَ في الظّاهِرِ أنَّهُ يُرْسَلُ لِماذا، لَكِنَّ فَحْوى الكَلامِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ طَلَبَهُ لِلْمَعُونَةِ فِيما سَألَ، كَما يُقالُ إذا نابَتْكَ نائِبَةٌ: فَأرْسِلْ إلى فُلانٍ أيْ لِيُعِينَكَ فِيها ولَيْسَ في الظّاهِرِ أنَّهُ التَمَسَ كَوْنَ هارُونَ نَبِيًّا مَعَهُ، لَكِنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَقُولا إنّا رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ يَدُلُّ عَلَيْهِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿ولَهم عَلَيَّ ذَنْبٌ﴾ فَأرادَ بِالذَّنْبِ قَتْلَهُ القِبْطِيَّ، وقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ القِصَّةَ مَشْرُوحَةً في سُورَةِ القَصَصِ.
واعْلَمْ أنَّهُ لَيْسَ في التِماسِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يُضَمَّ إلَيْهِ هارُونُ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ اسْتَعْفى مِنَ الذَّهابِ إلى فِرْعَوْنَ بَلْ مَقْصُودُهُ فِيما سَألَ أنْ يَقَعَ ذَلِكَ الذَّهابُ عَلى أقْوى الوُجُوهِ في الوُصُولِ إلى المُرادِ، واخْتَلَفُوا فَقالَ بَعْضُهم: إنَّهُ وإنْ كانَ نَبِيًّا فَهو غَيْرُ عالِمٍ بِأنَّهُ يَبْقى حَتّى يُؤَدِّيَ الرِّسالَةَ؛ لِأنَّهُ إنَّما أُمِرَ بِذَلِكَ بِشَرْطِ التَّمْكِينِ، وهَذا قَوْلُ الكَعْبِيِّ وغَيْرِهِ مِنَ البَغْدادِيِّينَ لِأنَّهم يُجَوِّزُونَ دُخُولَ الشَّرْطِ في تَكْلِيفِ اللَّهِ تَعالى العَبْدَ، والَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ الأكْثَرُونَ أنَّ ذَلِكَ لا يَجُوزُ لِأنَّهُ تَعالى إذا أمَرَ فَهو عالِمٌ بِما يَتَمَكَّنُ مِنهُ المَأْمُورُ وبِأوْقاتِ تَمَكُّنِهِ، فَإذا عَلِمَ أنَّهُ غَيْرُ مُتَمَكِّنٍ مِنهُ فَإنَّهُ لا يَأْمُرُهُ بِهِ، وإذا صَحَّ ذَلِكَ فالأقْرَبُ في الأنْبِياءِ أنَّهم يَعْلَمُونَ إذا حَمَّلَهُمُ اللَّهُ تَعالى الرِّسالَةَ أنَّهُ تَعالى يُمَكِّنُهم مِن أدائِها وأنَّهم سَيَبْقَوْنَ إلى ذَلِكَ الوَقْتِ، ومِثْلُ ذَلِكَ لا يَكُونُ إغْراءً في الأنْبِياءِ وإنْ جازَ أنْ يَكُونَ إغْراءً في غَيْرِهِمْ.
المسألة الثّالِثَةُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: قَوْلُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿ولَهم عَلَيَّ ذَنْبٌ﴾ هَلْ يَدُلُّ عَلى صُدُورِ الذَّنْبِ مِنهُ ؟
جَوابُهُ: لا والمُرادُ لَهم عَلَيَّ ذَنْبٌ في زَعْمِهِمْ.
الشعراء 26:15
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ كَلّا فاذْهَبا بِآياتِنا إنّا مَعَكم مُسْتَمِعُونَ﴾ ﴿فَأْتِيا فِرْعَوْنَ فَقُولا إنّا رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أنْ أرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ طَلَبَ أمْرَيْنِ:
الأوَّلُ: أنْ يَدْفَعَ عَنْهُ شَرَّهم.
والثّانِي: أنْ يُرْسِلَ مَعَهُ هارُونَ.
فَأجابَهُ اللَّهُ تَعالى إلى الأوَّلِ بِقَوْلِهِ: ”كَلّا“ ومَعْناهُ ارْتَدِعْ يا مُوسى عَمّا تَظُنُّ وأجابَهُ إلى الثّانِي بِقَوْلِهِ: ﴿فاذْهَبا﴾ أيِ اذْهَبْ أنْتَ والَّذِي طَلَبْتَهُ وهو هارُونُ فَإنْ قِيلَ: عَلامَ عَطَفَ قَوْلَهُ: ﴿فاذْهَبا﴾ ؟ قُلْنا: عَلى الفِعْلِ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ ”كَلّا“ كَأنَّهُ قالَ: ارْتَدِعْ يا مُوسى عَمّا تَظُنُّ فاذْهَبْ أنْتَ وهارُونُ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿إنّا مَعَكم مُسْتَمِعُونَ﴾ فَمِن مَجازِ الكَلامِ يُرِيدُ أنا لَكُما ولِعَدُوِّكُما كالنّاصِرِ الظَّهِيرِ لَكُما عَلَيْهِ، إذًا أحْضُرَ وأسْتَمِعَ ما يَجْرِي بَيْنَكُما فَأُظْهِرَكُما عَلَيْهِ وأُعْلِيكُما وأكْسِرُ شَوْكَتَهُ عَنْكُما، وإنَّما جَعَلْنا الِاسْتِماعَ مَجازًا لِأنَّ الِاسْتِماعَ عِبارَةٌ عَنِ الإصْغاءِ وذَلِكَ عَلى اللَّهِ تَعالى مُحالٌ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿إنّا رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ فَفِيهِ سُؤالٌ وهو أنَّهُ هَلّا ثُنِّيَ الرَّسُولُ كَما ثُنِّيَ في قَوْلِهِ: ﴿إنّا رَسُولا رَبِّكَ﴾ [طه: ٤٠] جَوابُهُ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ الرَّسُولَ اسْمٌ لِلْماهِيَّةِ مِن غَيْرِ بَيانِ أنَّ تِلْكَ الماهِيَّةَ واحِدَةٌ أوْ كَثِيرَةٌ والألِفُ واللّامُ لا يُفِيدانِ إلّا الوَحْدَةَ لا الِاسْتِغْراقَ، بِدَلِيلِ أنَّكَ تَقُولُ: الإنْسانُ هو الضَّحّاكُ ولا تَقُولُ: كُلُّ إنْسانٍ هو الضَّحّاكُ، ولا أيْضًا هَذا الإنْسانُ هو الضَّحّاكُ، وإذا ثَبَتَ أنَّ لَفْظَ الرَّسُولِ لا يُفِيدُ إلّا الماهِيَّةَ وثَبَتَ أنَّ الماهِيَّةَ مَحْمُولَةٌ عَلى الواحِدِ وعَلى الِاثْنَيْنِ ثَبَتَ صِحَّةُ قَوْلِهِ: ﴿إنّا رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ .
وثانِيها: أنَّ الرَّسُولَ قَدْ يَكُونُ بِمَعْنى الرِّسالَةَ قالَ الشّاعِرُ:
لَقَدْ كَذَبَ الواشُونَ ما فُهْتُ عِنْدَهم بِسِرٍّ ولا أرْسَلْتُهم بِرَسُولِ
فَيَكُونُ المَعْنى: إنّا ذُو رِسالَةِ رَبِّ العالَمِينَ.
وثالِثُها: أنَّهُما لِاتِّفاقِهِما عَلى شَرِيعَةٍ واحِدَةٍ واتِّحادِهِما بِسَبَبِ الأُخُوَّةِ كَأنَّهُما رَسُولٌ واحِدٌ.
ورابِعُها: المُرادُ كُلُّ واحِدٍ مِنّا رَسُولٌ.
وخامِسُها: ما قالَهُ بَعْضُهم إنَّهُ إنَّما قالَ ذَلِكَ لا بِلَفْظِ التَّثْنِيَةِ لِكَوْنِهِ هو الرَّسُولُ خاصَّةً، وقَوْلُهُ: ﴿إنّا﴾ فَكَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ﴾ وهو ضَعِيفٌ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿أنْ أرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ﴾ فالمُرادُ مِن هَذا الإرْسالِ التَّخْلِيَةُ والإطْلاقُ كَقَوْلِكَ: أرْسِلِ البازِيَّ، يُرِيدُ خَلِّهِمْ يَذْهَبُوا مَعَنا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ ألَمْ نُرَبِّكَ فِينا ولِيدًا ولَبِثْتَ فِينا مِن عُمُرِكَ سِنِينَ﴾ ﴿وفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وأنْتَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ في الكَلامِ حَذْفًا وهو أنَّهُما أتَياهُ وقالا ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ فَعِنْدَ ذَلِكَ قالَ فِرْعَوْنُ ما قالَ، يُرْوى أنَّهُما انْطَلَقا إلى بابِ فِرْعَوْنَ فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُما سَنَةً حَتّى قالَ البَوّابُ: إنَّ هَهُنا إنْسانًا يَزْعُمُ أنَّهُ رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ،
صفحة ١٠٩
فَقالَ: ائْذَنْ لَهُ لَعَلَّنا نَضْحَكُ مِنهُ، فَأدَّيا إلَيْهِ الرِّسالَةَ فَعَرَفَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَعَدَّدَ عَلَيْهِ نِعَمَهُ أوَّلًا، ثُمَّ إساءَةَ مُوسى إلَيْهِ ثانِيًا، أمّا النِّعَمُ فَهي قَوْلُهُ: ﴿ألَمْ نُرَبِّكَ فِينا ولِيدًا﴾ والوَلِيدُ: الصَّبِيُّ لِقُرْبِ عَهْدِهِ مِنَ الوِلادَةِ. ﴿ولَبِثْتَ فِينا مِن عُمُرِكَ﴾ وعَنْ أبِي عَمْرٍو بِسُكُونِ المِيمِ، ﴿سِنِينَ﴾ قِيلَ: لَبِثَ عِنْدَهم ثَلاثِينَ سَنَةً، وقِيلَ: وكَزَ القِبْطِيَّ وهو ابْنُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً وفَرَّ مِنهم واللَّهُ أعْلَمُ بِصَحِيحِ ذَلِكَ، وعَنِ الشَّعْبِيِّ ”فِعْلَتَكَ“ بِالكَسْرِ وهي قَتْلُهُ القِبْطِيَّ لِأنَّهُ قَتَلَهُ بِالوَكْزِ وهو ضَرْبٌ مِنَ القَتْلِ، وأمّا الفَعْلَةُ فَلِأنَّها وكْزَةٌ واحِدَةٌ عَدَّدَ عَلَيْهِ نِعَمَهُ مِن تَرْبِيَتِهِ وتَبْلِيغِهِ مَبْلَغَ الرِّجالِ ووَبَّخَهُ بِما جَرى عَلى يَدِهِ مِن قَتْلِ خَبّازِهِ وعَظَّمَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ﴾ .
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وأنْتَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا أيْ قَتَلْتَهُ وأنْتَ بِذاكَ مِنَ الكافِرِينَ بِنِعْمَتِي.
وثانِيها: وأنْتَ إذْ ذاكَ مِمَّنْ تَكْفُرُهُمُ السّاعَةُ وقَدِ افْتَرى عَلَيْهِ أوْ جَهِلَ أمْرَهُ لِأنَّهُ كانَ يُعاشِرُهم بِالتَّقِيَّةِ فَإنَّ الكُفْرَ غَيْرُ جائِزٍ عَلى الأنْبِياءِ قَبْلَ النُّبُوَّةِ.
وثالِثُها: ﴿وأنْتَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ بِفِرْعَوْنَ وإلَهِيَّتِهِ أوْ مِنَ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ في دِينِهِمْ فَقَدْ كانَتْ لَهم آلِهَةٌ يَعْبُدُونَها، يَشْهَدُ بِذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَذَرَكَ وآلِهَتَكَ﴾ [الأعراف: ١٢٧] .
الشعراء 26:16
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ كَلّا فاذْهَبا بِآياتِنا إنّا مَعَكم مُسْتَمِعُونَ﴾ ﴿فَأْتِيا فِرْعَوْنَ فَقُولا إنّا رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أنْ أرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ طَلَبَ أمْرَيْنِ:
الأوَّلُ: أنْ يَدْفَعَ عَنْهُ شَرَّهم.
والثّانِي: أنْ يُرْسِلَ مَعَهُ هارُونَ.
فَأجابَهُ اللَّهُ تَعالى إلى الأوَّلِ بِقَوْلِهِ: ”كَلّا“ ومَعْناهُ ارْتَدِعْ يا مُوسى عَمّا تَظُنُّ وأجابَهُ إلى الثّانِي بِقَوْلِهِ: ﴿فاذْهَبا﴾ أيِ اذْهَبْ أنْتَ والَّذِي طَلَبْتَهُ وهو هارُونُ فَإنْ قِيلَ: عَلامَ عَطَفَ قَوْلَهُ: ﴿فاذْهَبا﴾ ؟ قُلْنا: عَلى الفِعْلِ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ ”كَلّا“ كَأنَّهُ قالَ: ارْتَدِعْ يا مُوسى عَمّا تَظُنُّ فاذْهَبْ أنْتَ وهارُونُ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿إنّا مَعَكم مُسْتَمِعُونَ﴾ فَمِن مَجازِ الكَلامِ يُرِيدُ أنا لَكُما ولِعَدُوِّكُما كالنّاصِرِ الظَّهِيرِ لَكُما عَلَيْهِ، إذًا أحْضُرَ وأسْتَمِعَ ما يَجْرِي بَيْنَكُما فَأُظْهِرَكُما عَلَيْهِ وأُعْلِيكُما وأكْسِرُ شَوْكَتَهُ عَنْكُما، وإنَّما جَعَلْنا الِاسْتِماعَ مَجازًا لِأنَّ الِاسْتِماعَ عِبارَةٌ عَنِ الإصْغاءِ وذَلِكَ عَلى اللَّهِ تَعالى مُحالٌ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿إنّا رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ فَفِيهِ سُؤالٌ وهو أنَّهُ هَلّا ثُنِّيَ الرَّسُولُ كَما ثُنِّيَ في قَوْلِهِ: ﴿إنّا رَسُولا رَبِّكَ﴾ [طه: ٤٠] جَوابُهُ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ الرَّسُولَ اسْمٌ لِلْماهِيَّةِ مِن غَيْرِ بَيانِ أنَّ تِلْكَ الماهِيَّةَ واحِدَةٌ أوْ كَثِيرَةٌ والألِفُ واللّامُ لا يُفِيدانِ إلّا الوَحْدَةَ لا الِاسْتِغْراقَ، بِدَلِيلِ أنَّكَ تَقُولُ: الإنْسانُ هو الضَّحّاكُ ولا تَقُولُ: كُلُّ إنْسانٍ هو الضَّحّاكُ، ولا أيْضًا هَذا الإنْسانُ هو الضَّحّاكُ، وإذا ثَبَتَ أنَّ لَفْظَ الرَّسُولِ لا يُفِيدُ إلّا الماهِيَّةَ وثَبَتَ أنَّ الماهِيَّةَ مَحْمُولَةٌ عَلى الواحِدِ وعَلى الِاثْنَيْنِ ثَبَتَ صِحَّةُ قَوْلِهِ: ﴿إنّا رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ .
وثانِيها: أنَّ الرَّسُولَ قَدْ يَكُونُ بِمَعْنى الرِّسالَةَ قالَ الشّاعِرُ:
لَقَدْ كَذَبَ الواشُونَ ما فُهْتُ عِنْدَهم بِسِرٍّ ولا أرْسَلْتُهم بِرَسُولِ
فَيَكُونُ المَعْنى: إنّا ذُو رِسالَةِ رَبِّ العالَمِينَ.
وثالِثُها: أنَّهُما لِاتِّفاقِهِما عَلى شَرِيعَةٍ واحِدَةٍ واتِّحادِهِما بِسَبَبِ الأُخُوَّةِ كَأنَّهُما رَسُولٌ واحِدٌ.
ورابِعُها: المُرادُ كُلُّ واحِدٍ مِنّا رَسُولٌ.
وخامِسُها: ما قالَهُ بَعْضُهم إنَّهُ إنَّما قالَ ذَلِكَ لا بِلَفْظِ التَّثْنِيَةِ لِكَوْنِهِ هو الرَّسُولُ خاصَّةً، وقَوْلُهُ: ﴿إنّا﴾ فَكَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ﴾ وهو ضَعِيفٌ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿أنْ أرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ﴾ فالمُرادُ مِن هَذا الإرْسالِ التَّخْلِيَةُ والإطْلاقُ كَقَوْلِكَ: أرْسِلِ البازِيَّ، يُرِيدُ خَلِّهِمْ يَذْهَبُوا مَعَنا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ ألَمْ نُرَبِّكَ فِينا ولِيدًا ولَبِثْتَ فِينا مِن عُمُرِكَ سِنِينَ﴾ ﴿وفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وأنْتَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ في الكَلامِ حَذْفًا وهو أنَّهُما أتَياهُ وقالا ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ فَعِنْدَ ذَلِكَ قالَ فِرْعَوْنُ ما قالَ، يُرْوى أنَّهُما انْطَلَقا إلى بابِ فِرْعَوْنَ فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُما سَنَةً حَتّى قالَ البَوّابُ: إنَّ هَهُنا إنْسانًا يَزْعُمُ أنَّهُ رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ،
صفحة ١٠٩
فَقالَ: ائْذَنْ لَهُ لَعَلَّنا نَضْحَكُ مِنهُ، فَأدَّيا إلَيْهِ الرِّسالَةَ فَعَرَفَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَعَدَّدَ عَلَيْهِ نِعَمَهُ أوَّلًا، ثُمَّ إساءَةَ مُوسى إلَيْهِ ثانِيًا، أمّا النِّعَمُ فَهي قَوْلُهُ: ﴿ألَمْ نُرَبِّكَ فِينا ولِيدًا﴾ والوَلِيدُ: الصَّبِيُّ لِقُرْبِ عَهْدِهِ مِنَ الوِلادَةِ. ﴿ولَبِثْتَ فِينا مِن عُمُرِكَ﴾ وعَنْ أبِي عَمْرٍو بِسُكُونِ المِيمِ، ﴿سِنِينَ﴾ قِيلَ: لَبِثَ عِنْدَهم ثَلاثِينَ سَنَةً، وقِيلَ: وكَزَ القِبْطِيَّ وهو ابْنُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً وفَرَّ مِنهم واللَّهُ أعْلَمُ بِصَحِيحِ ذَلِكَ، وعَنِ الشَّعْبِيِّ ”فِعْلَتَكَ“ بِالكَسْرِ وهي قَتْلُهُ القِبْطِيَّ لِأنَّهُ قَتَلَهُ بِالوَكْزِ وهو ضَرْبٌ مِنَ القَتْلِ، وأمّا الفَعْلَةُ فَلِأنَّها وكْزَةٌ واحِدَةٌ عَدَّدَ عَلَيْهِ نِعَمَهُ مِن تَرْبِيَتِهِ وتَبْلِيغِهِ مَبْلَغَ الرِّجالِ ووَبَّخَهُ بِما جَرى عَلى يَدِهِ مِن قَتْلِ خَبّازِهِ وعَظَّمَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ﴾ .
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وأنْتَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا أيْ قَتَلْتَهُ وأنْتَ بِذاكَ مِنَ الكافِرِينَ بِنِعْمَتِي.
وثانِيها: وأنْتَ إذْ ذاكَ مِمَّنْ تَكْفُرُهُمُ السّاعَةُ وقَدِ افْتَرى عَلَيْهِ أوْ جَهِلَ أمْرَهُ لِأنَّهُ كانَ يُعاشِرُهم بِالتَّقِيَّةِ فَإنَّ الكُفْرَ غَيْرُ جائِزٍ عَلى الأنْبِياءِ قَبْلَ النُّبُوَّةِ.
وثالِثُها: ﴿وأنْتَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ بِفِرْعَوْنَ وإلَهِيَّتِهِ أوْ مِنَ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ في دِينِهِمْ فَقَدْ كانَتْ لَهم آلِهَةٌ يَعْبُدُونَها، يَشْهَدُ بِذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَذَرَكَ وآلِهَتَكَ﴾ [الأعراف: ١٢٧] .
الشعراء 26:17
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ كَلّا فاذْهَبا بِآياتِنا إنّا مَعَكم مُسْتَمِعُونَ﴾ ﴿فَأْتِيا فِرْعَوْنَ فَقُولا إنّا رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أنْ أرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ طَلَبَ أمْرَيْنِ:
الأوَّلُ: أنْ يَدْفَعَ عَنْهُ شَرَّهم.
والثّانِي: أنْ يُرْسِلَ مَعَهُ هارُونَ.
فَأجابَهُ اللَّهُ تَعالى إلى الأوَّلِ بِقَوْلِهِ: ”كَلّا“ ومَعْناهُ ارْتَدِعْ يا مُوسى عَمّا تَظُنُّ وأجابَهُ إلى الثّانِي بِقَوْلِهِ: ﴿فاذْهَبا﴾ أيِ اذْهَبْ أنْتَ والَّذِي طَلَبْتَهُ وهو هارُونُ فَإنْ قِيلَ: عَلامَ عَطَفَ قَوْلَهُ: ﴿فاذْهَبا﴾ ؟ قُلْنا: عَلى الفِعْلِ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ ”كَلّا“ كَأنَّهُ قالَ: ارْتَدِعْ يا مُوسى عَمّا تَظُنُّ فاذْهَبْ أنْتَ وهارُونُ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿إنّا مَعَكم مُسْتَمِعُونَ﴾ فَمِن مَجازِ الكَلامِ يُرِيدُ أنا لَكُما ولِعَدُوِّكُما كالنّاصِرِ الظَّهِيرِ لَكُما عَلَيْهِ، إذًا أحْضُرَ وأسْتَمِعَ ما يَجْرِي بَيْنَكُما فَأُظْهِرَكُما عَلَيْهِ وأُعْلِيكُما وأكْسِرُ شَوْكَتَهُ عَنْكُما، وإنَّما جَعَلْنا الِاسْتِماعَ مَجازًا لِأنَّ الِاسْتِماعَ عِبارَةٌ عَنِ الإصْغاءِ وذَلِكَ عَلى اللَّهِ تَعالى مُحالٌ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿إنّا رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ فَفِيهِ سُؤالٌ وهو أنَّهُ هَلّا ثُنِّيَ الرَّسُولُ كَما ثُنِّيَ في قَوْلِهِ: ﴿إنّا رَسُولا رَبِّكَ﴾ [طه: ٤٠] جَوابُهُ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ الرَّسُولَ اسْمٌ لِلْماهِيَّةِ مِن غَيْرِ بَيانِ أنَّ تِلْكَ الماهِيَّةَ واحِدَةٌ أوْ كَثِيرَةٌ والألِفُ واللّامُ لا يُفِيدانِ إلّا الوَحْدَةَ لا الِاسْتِغْراقَ، بِدَلِيلِ أنَّكَ تَقُولُ: الإنْسانُ هو الضَّحّاكُ ولا تَقُولُ: كُلُّ إنْسانٍ هو الضَّحّاكُ، ولا أيْضًا هَذا الإنْسانُ هو الضَّحّاكُ، وإذا ثَبَتَ أنَّ لَفْظَ الرَّسُولِ لا يُفِيدُ إلّا الماهِيَّةَ وثَبَتَ أنَّ الماهِيَّةَ مَحْمُولَةٌ عَلى الواحِدِ وعَلى الِاثْنَيْنِ ثَبَتَ صِحَّةُ قَوْلِهِ: ﴿إنّا رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ .
وثانِيها: أنَّ الرَّسُولَ قَدْ يَكُونُ بِمَعْنى الرِّسالَةَ قالَ الشّاعِرُ:
لَقَدْ كَذَبَ الواشُونَ ما فُهْتُ عِنْدَهم بِسِرٍّ ولا أرْسَلْتُهم بِرَسُولِ
فَيَكُونُ المَعْنى: إنّا ذُو رِسالَةِ رَبِّ العالَمِينَ.
وثالِثُها: أنَّهُما لِاتِّفاقِهِما عَلى شَرِيعَةٍ واحِدَةٍ واتِّحادِهِما بِسَبَبِ الأُخُوَّةِ كَأنَّهُما رَسُولٌ واحِدٌ.
ورابِعُها: المُرادُ كُلُّ واحِدٍ مِنّا رَسُولٌ.
وخامِسُها: ما قالَهُ بَعْضُهم إنَّهُ إنَّما قالَ ذَلِكَ لا بِلَفْظِ التَّثْنِيَةِ لِكَوْنِهِ هو الرَّسُولُ خاصَّةً، وقَوْلُهُ: ﴿إنّا﴾ فَكَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ﴾ وهو ضَعِيفٌ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿أنْ أرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ﴾ فالمُرادُ مِن هَذا الإرْسالِ التَّخْلِيَةُ والإطْلاقُ كَقَوْلِكَ: أرْسِلِ البازِيَّ، يُرِيدُ خَلِّهِمْ يَذْهَبُوا مَعَنا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ ألَمْ نُرَبِّكَ فِينا ولِيدًا ولَبِثْتَ فِينا مِن عُمُرِكَ سِنِينَ﴾ ﴿وفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وأنْتَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ في الكَلامِ حَذْفًا وهو أنَّهُما أتَياهُ وقالا ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ فَعِنْدَ ذَلِكَ قالَ فِرْعَوْنُ ما قالَ، يُرْوى أنَّهُما انْطَلَقا إلى بابِ فِرْعَوْنَ فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُما سَنَةً حَتّى قالَ البَوّابُ: إنَّ هَهُنا إنْسانًا يَزْعُمُ أنَّهُ رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ،
صفحة ١٠٩
فَقالَ: ائْذَنْ لَهُ لَعَلَّنا نَضْحَكُ مِنهُ، فَأدَّيا إلَيْهِ الرِّسالَةَ فَعَرَفَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَعَدَّدَ عَلَيْهِ نِعَمَهُ أوَّلًا، ثُمَّ إساءَةَ مُوسى إلَيْهِ ثانِيًا، أمّا النِّعَمُ فَهي قَوْلُهُ: ﴿ألَمْ نُرَبِّكَ فِينا ولِيدًا﴾ والوَلِيدُ: الصَّبِيُّ لِقُرْبِ عَهْدِهِ مِنَ الوِلادَةِ. ﴿ولَبِثْتَ فِينا مِن عُمُرِكَ﴾ وعَنْ أبِي عَمْرٍو بِسُكُونِ المِيمِ، ﴿سِنِينَ﴾ قِيلَ: لَبِثَ عِنْدَهم ثَلاثِينَ سَنَةً، وقِيلَ: وكَزَ القِبْطِيَّ وهو ابْنُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً وفَرَّ مِنهم واللَّهُ أعْلَمُ بِصَحِيحِ ذَلِكَ، وعَنِ الشَّعْبِيِّ ”فِعْلَتَكَ“ بِالكَسْرِ وهي قَتْلُهُ القِبْطِيَّ لِأنَّهُ قَتَلَهُ بِالوَكْزِ وهو ضَرْبٌ مِنَ القَتْلِ، وأمّا الفَعْلَةُ فَلِأنَّها وكْزَةٌ واحِدَةٌ عَدَّدَ عَلَيْهِ نِعَمَهُ مِن تَرْبِيَتِهِ وتَبْلِيغِهِ مَبْلَغَ الرِّجالِ ووَبَّخَهُ بِما جَرى عَلى يَدِهِ مِن قَتْلِ خَبّازِهِ وعَظَّمَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ﴾ .
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وأنْتَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا أيْ قَتَلْتَهُ وأنْتَ بِذاكَ مِنَ الكافِرِينَ بِنِعْمَتِي.
وثانِيها: وأنْتَ إذْ ذاكَ مِمَّنْ تَكْفُرُهُمُ السّاعَةُ وقَدِ افْتَرى عَلَيْهِ أوْ جَهِلَ أمْرَهُ لِأنَّهُ كانَ يُعاشِرُهم بِالتَّقِيَّةِ فَإنَّ الكُفْرَ غَيْرُ جائِزٍ عَلى الأنْبِياءِ قَبْلَ النُّبُوَّةِ.
وثالِثُها: ﴿وأنْتَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ بِفِرْعَوْنَ وإلَهِيَّتِهِ أوْ مِنَ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ في دِينِهِمْ فَقَدْ كانَتْ لَهم آلِهَةٌ يَعْبُدُونَها، يَشْهَدُ بِذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَذَرَكَ وآلِهَتَكَ﴾ [الأعراف: ١٢٧] .
الشعراء 26:18
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ كَلّا فاذْهَبا بِآياتِنا إنّا مَعَكم مُسْتَمِعُونَ﴾ ﴿فَأْتِيا فِرْعَوْنَ فَقُولا إنّا رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أنْ أرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ طَلَبَ أمْرَيْنِ:
الأوَّلُ: أنْ يَدْفَعَ عَنْهُ شَرَّهم.
والثّانِي: أنْ يُرْسِلَ مَعَهُ هارُونَ.
فَأجابَهُ اللَّهُ تَعالى إلى الأوَّلِ بِقَوْلِهِ: ”كَلّا“ ومَعْناهُ ارْتَدِعْ يا مُوسى عَمّا تَظُنُّ وأجابَهُ إلى الثّانِي بِقَوْلِهِ: ﴿فاذْهَبا﴾ أيِ اذْهَبْ أنْتَ والَّذِي طَلَبْتَهُ وهو هارُونُ فَإنْ قِيلَ: عَلامَ عَطَفَ قَوْلَهُ: ﴿فاذْهَبا﴾ ؟ قُلْنا: عَلى الفِعْلِ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ ”كَلّا“ كَأنَّهُ قالَ: ارْتَدِعْ يا مُوسى عَمّا تَظُنُّ فاذْهَبْ أنْتَ وهارُونُ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿إنّا مَعَكم مُسْتَمِعُونَ﴾ فَمِن مَجازِ الكَلامِ يُرِيدُ أنا لَكُما ولِعَدُوِّكُما كالنّاصِرِ الظَّهِيرِ لَكُما عَلَيْهِ، إذًا أحْضُرَ وأسْتَمِعَ ما يَجْرِي بَيْنَكُما فَأُظْهِرَكُما عَلَيْهِ وأُعْلِيكُما وأكْسِرُ شَوْكَتَهُ عَنْكُما، وإنَّما جَعَلْنا الِاسْتِماعَ مَجازًا لِأنَّ الِاسْتِماعَ عِبارَةٌ عَنِ الإصْغاءِ وذَلِكَ عَلى اللَّهِ تَعالى مُحالٌ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿إنّا رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ فَفِيهِ سُؤالٌ وهو أنَّهُ هَلّا ثُنِّيَ الرَّسُولُ كَما ثُنِّيَ في قَوْلِهِ: ﴿إنّا رَسُولا رَبِّكَ﴾ [طه: ٤٠] جَوابُهُ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ الرَّسُولَ اسْمٌ لِلْماهِيَّةِ مِن غَيْرِ بَيانِ أنَّ تِلْكَ الماهِيَّةَ واحِدَةٌ أوْ كَثِيرَةٌ والألِفُ واللّامُ لا يُفِيدانِ إلّا الوَحْدَةَ لا الِاسْتِغْراقَ، بِدَلِيلِ أنَّكَ تَقُولُ: الإنْسانُ هو الضَّحّاكُ ولا تَقُولُ: كُلُّ إنْسانٍ هو الضَّحّاكُ، ولا أيْضًا هَذا الإنْسانُ هو الضَّحّاكُ، وإذا ثَبَتَ أنَّ لَفْظَ الرَّسُولِ لا يُفِيدُ إلّا الماهِيَّةَ وثَبَتَ أنَّ الماهِيَّةَ مَحْمُولَةٌ عَلى الواحِدِ وعَلى الِاثْنَيْنِ ثَبَتَ صِحَّةُ قَوْلِهِ: ﴿إنّا رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ .
وثانِيها: أنَّ الرَّسُولَ قَدْ يَكُونُ بِمَعْنى الرِّسالَةَ قالَ الشّاعِرُ:
لَقَدْ كَذَبَ الواشُونَ ما فُهْتُ عِنْدَهم بِسِرٍّ ولا أرْسَلْتُهم بِرَسُولِ
فَيَكُونُ المَعْنى: إنّا ذُو رِسالَةِ رَبِّ العالَمِينَ.
وثالِثُها: أنَّهُما لِاتِّفاقِهِما عَلى شَرِيعَةٍ واحِدَةٍ واتِّحادِهِما بِسَبَبِ الأُخُوَّةِ كَأنَّهُما رَسُولٌ واحِدٌ.
ورابِعُها: المُرادُ كُلُّ واحِدٍ مِنّا رَسُولٌ.
وخامِسُها: ما قالَهُ بَعْضُهم إنَّهُ إنَّما قالَ ذَلِكَ لا بِلَفْظِ التَّثْنِيَةِ لِكَوْنِهِ هو الرَّسُولُ خاصَّةً، وقَوْلُهُ: ﴿إنّا﴾ فَكَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ﴾ وهو ضَعِيفٌ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿أنْ أرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ﴾ فالمُرادُ مِن هَذا الإرْسالِ التَّخْلِيَةُ والإطْلاقُ كَقَوْلِكَ: أرْسِلِ البازِيَّ، يُرِيدُ خَلِّهِمْ يَذْهَبُوا مَعَنا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ ألَمْ نُرَبِّكَ فِينا ولِيدًا ولَبِثْتَ فِينا مِن عُمُرِكَ سِنِينَ﴾ ﴿وفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وأنْتَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ في الكَلامِ حَذْفًا وهو أنَّهُما أتَياهُ وقالا ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ فَعِنْدَ ذَلِكَ قالَ فِرْعَوْنُ ما قالَ، يُرْوى أنَّهُما انْطَلَقا إلى بابِ فِرْعَوْنَ فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُما سَنَةً حَتّى قالَ البَوّابُ: إنَّ هَهُنا إنْسانًا يَزْعُمُ أنَّهُ رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ،
صفحة ١٠٩
فَقالَ: ائْذَنْ لَهُ لَعَلَّنا نَضْحَكُ مِنهُ، فَأدَّيا إلَيْهِ الرِّسالَةَ فَعَرَفَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَعَدَّدَ عَلَيْهِ نِعَمَهُ أوَّلًا، ثُمَّ إساءَةَ مُوسى إلَيْهِ ثانِيًا، أمّا النِّعَمُ فَهي قَوْلُهُ: ﴿ألَمْ نُرَبِّكَ فِينا ولِيدًا﴾ والوَلِيدُ: الصَّبِيُّ لِقُرْبِ عَهْدِهِ مِنَ الوِلادَةِ. ﴿ولَبِثْتَ فِينا مِن عُمُرِكَ﴾ وعَنْ أبِي عَمْرٍو بِسُكُونِ المِيمِ، ﴿سِنِينَ﴾ قِيلَ: لَبِثَ عِنْدَهم ثَلاثِينَ سَنَةً، وقِيلَ: وكَزَ القِبْطِيَّ وهو ابْنُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً وفَرَّ مِنهم واللَّهُ أعْلَمُ بِصَحِيحِ ذَلِكَ، وعَنِ الشَّعْبِيِّ ”فِعْلَتَكَ“ بِالكَسْرِ وهي قَتْلُهُ القِبْطِيَّ لِأنَّهُ قَتَلَهُ بِالوَكْزِ وهو ضَرْبٌ مِنَ القَتْلِ، وأمّا الفَعْلَةُ فَلِأنَّها وكْزَةٌ واحِدَةٌ عَدَّدَ عَلَيْهِ نِعَمَهُ مِن تَرْبِيَتِهِ وتَبْلِيغِهِ مَبْلَغَ الرِّجالِ ووَبَّخَهُ بِما جَرى عَلى يَدِهِ مِن قَتْلِ خَبّازِهِ وعَظَّمَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ﴾ .
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وأنْتَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا أيْ قَتَلْتَهُ وأنْتَ بِذاكَ مِنَ الكافِرِينَ بِنِعْمَتِي.
وثانِيها: وأنْتَ إذْ ذاكَ مِمَّنْ تَكْفُرُهُمُ السّاعَةُ وقَدِ افْتَرى عَلَيْهِ أوْ جَهِلَ أمْرَهُ لِأنَّهُ كانَ يُعاشِرُهم بِالتَّقِيَّةِ فَإنَّ الكُفْرَ غَيْرُ جائِزٍ عَلى الأنْبِياءِ قَبْلَ النُّبُوَّةِ.
وثالِثُها: ﴿وأنْتَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ بِفِرْعَوْنَ وإلَهِيَّتِهِ أوْ مِنَ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ في دِينِهِمْ فَقَدْ كانَتْ لَهم آلِهَةٌ يَعْبُدُونَها، يَشْهَدُ بِذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَذَرَكَ وآلِهَتَكَ﴾ [الأعراف: ١٢٧] .
الشعراء 26:19
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ كَلّا فاذْهَبا بِآياتِنا إنّا مَعَكم مُسْتَمِعُونَ﴾ ﴿فَأْتِيا فِرْعَوْنَ فَقُولا إنّا رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أنْ أرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ طَلَبَ أمْرَيْنِ:
الأوَّلُ: أنْ يَدْفَعَ عَنْهُ شَرَّهم.
والثّانِي: أنْ يُرْسِلَ مَعَهُ هارُونَ.
فَأجابَهُ اللَّهُ تَعالى إلى الأوَّلِ بِقَوْلِهِ: ”كَلّا“ ومَعْناهُ ارْتَدِعْ يا مُوسى عَمّا تَظُنُّ وأجابَهُ إلى الثّانِي بِقَوْلِهِ: ﴿فاذْهَبا﴾ أيِ اذْهَبْ أنْتَ والَّذِي طَلَبْتَهُ وهو هارُونُ فَإنْ قِيلَ: عَلامَ عَطَفَ قَوْلَهُ: ﴿فاذْهَبا﴾ ؟ قُلْنا: عَلى الفِعْلِ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ ”كَلّا“ كَأنَّهُ قالَ: ارْتَدِعْ يا مُوسى عَمّا تَظُنُّ فاذْهَبْ أنْتَ وهارُونُ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿إنّا مَعَكم مُسْتَمِعُونَ﴾ فَمِن مَجازِ الكَلامِ يُرِيدُ أنا لَكُما ولِعَدُوِّكُما كالنّاصِرِ الظَّهِيرِ لَكُما عَلَيْهِ، إذًا أحْضُرَ وأسْتَمِعَ ما يَجْرِي بَيْنَكُما فَأُظْهِرَكُما عَلَيْهِ وأُعْلِيكُما وأكْسِرُ شَوْكَتَهُ عَنْكُما، وإنَّما جَعَلْنا الِاسْتِماعَ مَجازًا لِأنَّ الِاسْتِماعَ عِبارَةٌ عَنِ الإصْغاءِ وذَلِكَ عَلى اللَّهِ تَعالى مُحالٌ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿إنّا رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ فَفِيهِ سُؤالٌ وهو أنَّهُ هَلّا ثُنِّيَ الرَّسُولُ كَما ثُنِّيَ في قَوْلِهِ: ﴿إنّا رَسُولا رَبِّكَ﴾ [طه: ٤٠] جَوابُهُ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ الرَّسُولَ اسْمٌ لِلْماهِيَّةِ مِن غَيْرِ بَيانِ أنَّ تِلْكَ الماهِيَّةَ واحِدَةٌ أوْ كَثِيرَةٌ والألِفُ واللّامُ لا يُفِيدانِ إلّا الوَحْدَةَ لا الِاسْتِغْراقَ، بِدَلِيلِ أنَّكَ تَقُولُ: الإنْسانُ هو الضَّحّاكُ ولا تَقُولُ: كُلُّ إنْسانٍ هو الضَّحّاكُ، ولا أيْضًا هَذا الإنْسانُ هو الضَّحّاكُ، وإذا ثَبَتَ أنَّ لَفْظَ الرَّسُولِ لا يُفِيدُ إلّا الماهِيَّةَ وثَبَتَ أنَّ الماهِيَّةَ مَحْمُولَةٌ عَلى الواحِدِ وعَلى الِاثْنَيْنِ ثَبَتَ صِحَّةُ قَوْلِهِ: ﴿إنّا رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ .
وثانِيها: أنَّ الرَّسُولَ قَدْ يَكُونُ بِمَعْنى الرِّسالَةَ قالَ الشّاعِرُ:
لَقَدْ كَذَبَ الواشُونَ ما فُهْتُ عِنْدَهم بِسِرٍّ ولا أرْسَلْتُهم بِرَسُولِ
فَيَكُونُ المَعْنى: إنّا ذُو رِسالَةِ رَبِّ العالَمِينَ.
وثالِثُها: أنَّهُما لِاتِّفاقِهِما عَلى شَرِيعَةٍ واحِدَةٍ واتِّحادِهِما بِسَبَبِ الأُخُوَّةِ كَأنَّهُما رَسُولٌ واحِدٌ.
ورابِعُها: المُرادُ كُلُّ واحِدٍ مِنّا رَسُولٌ.
وخامِسُها: ما قالَهُ بَعْضُهم إنَّهُ إنَّما قالَ ذَلِكَ لا بِلَفْظِ التَّثْنِيَةِ لِكَوْنِهِ هو الرَّسُولُ خاصَّةً، وقَوْلُهُ: ﴿إنّا﴾ فَكَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ﴾ وهو ضَعِيفٌ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿أنْ أرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ﴾ فالمُرادُ مِن هَذا الإرْسالِ التَّخْلِيَةُ والإطْلاقُ كَقَوْلِكَ: أرْسِلِ البازِيَّ، يُرِيدُ خَلِّهِمْ يَذْهَبُوا مَعَنا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ ألَمْ نُرَبِّكَ فِينا ولِيدًا ولَبِثْتَ فِينا مِن عُمُرِكَ سِنِينَ﴾ ﴿وفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وأنْتَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ في الكَلامِ حَذْفًا وهو أنَّهُما أتَياهُ وقالا ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ فَعِنْدَ ذَلِكَ قالَ فِرْعَوْنُ ما قالَ، يُرْوى أنَّهُما انْطَلَقا إلى بابِ فِرْعَوْنَ فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُما سَنَةً حَتّى قالَ البَوّابُ: إنَّ هَهُنا إنْسانًا يَزْعُمُ أنَّهُ رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ،
صفحة ١٠٩
فَقالَ: ائْذَنْ لَهُ لَعَلَّنا نَضْحَكُ مِنهُ، فَأدَّيا إلَيْهِ الرِّسالَةَ فَعَرَفَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَعَدَّدَ عَلَيْهِ نِعَمَهُ أوَّلًا، ثُمَّ إساءَةَ مُوسى إلَيْهِ ثانِيًا، أمّا النِّعَمُ فَهي قَوْلُهُ: ﴿ألَمْ نُرَبِّكَ فِينا ولِيدًا﴾ والوَلِيدُ: الصَّبِيُّ لِقُرْبِ عَهْدِهِ مِنَ الوِلادَةِ. ﴿ولَبِثْتَ فِينا مِن عُمُرِكَ﴾ وعَنْ أبِي عَمْرٍو بِسُكُونِ المِيمِ، ﴿سِنِينَ﴾ قِيلَ: لَبِثَ عِنْدَهم ثَلاثِينَ سَنَةً، وقِيلَ: وكَزَ القِبْطِيَّ وهو ابْنُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً وفَرَّ مِنهم واللَّهُ أعْلَمُ بِصَحِيحِ ذَلِكَ، وعَنِ الشَّعْبِيِّ ”فِعْلَتَكَ“ بِالكَسْرِ وهي قَتْلُهُ القِبْطِيَّ لِأنَّهُ قَتَلَهُ بِالوَكْزِ وهو ضَرْبٌ مِنَ القَتْلِ، وأمّا الفَعْلَةُ فَلِأنَّها وكْزَةٌ واحِدَةٌ عَدَّدَ عَلَيْهِ نِعَمَهُ مِن تَرْبِيَتِهِ وتَبْلِيغِهِ مَبْلَغَ الرِّجالِ ووَبَّخَهُ بِما جَرى عَلى يَدِهِ مِن قَتْلِ خَبّازِهِ وعَظَّمَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ﴾ .
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وأنْتَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا أيْ قَتَلْتَهُ وأنْتَ بِذاكَ مِنَ الكافِرِينَ بِنِعْمَتِي.
وثانِيها: وأنْتَ إذْ ذاكَ مِمَّنْ تَكْفُرُهُمُ السّاعَةُ وقَدِ افْتَرى عَلَيْهِ أوْ جَهِلَ أمْرَهُ لِأنَّهُ كانَ يُعاشِرُهم بِالتَّقِيَّةِ فَإنَّ الكُفْرَ غَيْرُ جائِزٍ عَلى الأنْبِياءِ قَبْلَ النُّبُوَّةِ.
وثالِثُها: ﴿وأنْتَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ بِفِرْعَوْنَ وإلَهِيَّتِهِ أوْ مِنَ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ في دِينِهِمْ فَقَدْ كانَتْ لَهم آلِهَةٌ يَعْبُدُونَها، يَشْهَدُ بِذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَذَرَكَ وآلِهَتَكَ﴾ [الأعراف: ١٢٧] .
الشعراء 26:20
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ كَلّا فاذْهَبا بِآياتِنا إنّا مَعَكم مُسْتَمِعُونَ﴾ ﴿فَأْتِيا فِرْعَوْنَ فَقُولا إنّا رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أنْ أرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ طَلَبَ أمْرَيْنِ:
الأوَّلُ: أنْ يَدْفَعَ عَنْهُ شَرَّهم.
والثّانِي: أنْ يُرْسِلَ مَعَهُ هارُونَ.
فَأجابَهُ اللَّهُ تَعالى إلى الأوَّلِ بِقَوْلِهِ: ”كَلّا“ ومَعْناهُ ارْتَدِعْ يا مُوسى عَمّا تَظُنُّ وأجابَهُ إلى الثّانِي بِقَوْلِهِ: ﴿فاذْهَبا﴾ أيِ اذْهَبْ أنْتَ والَّذِي طَلَبْتَهُ وهو هارُونُ فَإنْ قِيلَ: عَلامَ عَطَفَ قَوْلَهُ: ﴿فاذْهَبا﴾ ؟ قُلْنا: عَلى الفِعْلِ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ ”كَلّا“ كَأنَّهُ قالَ: ارْتَدِعْ يا مُوسى عَمّا تَظُنُّ فاذْهَبْ أنْتَ وهارُونُ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿إنّا مَعَكم مُسْتَمِعُونَ﴾ فَمِن مَجازِ الكَلامِ يُرِيدُ أنا لَكُما ولِعَدُوِّكُما كالنّاصِرِ الظَّهِيرِ لَكُما عَلَيْهِ، إذًا أحْضُرَ وأسْتَمِعَ ما يَجْرِي بَيْنَكُما فَأُظْهِرَكُما عَلَيْهِ وأُعْلِيكُما وأكْسِرُ شَوْكَتَهُ عَنْكُما، وإنَّما جَعَلْنا الِاسْتِماعَ مَجازًا لِأنَّ الِاسْتِماعَ عِبارَةٌ عَنِ الإصْغاءِ وذَلِكَ عَلى اللَّهِ تَعالى مُحالٌ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿إنّا رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ فَفِيهِ سُؤالٌ وهو أنَّهُ هَلّا ثُنِّيَ الرَّسُولُ كَما ثُنِّيَ في قَوْلِهِ: ﴿إنّا رَسُولا رَبِّكَ﴾ [طه: ٤٠] جَوابُهُ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ الرَّسُولَ اسْمٌ لِلْماهِيَّةِ مِن غَيْرِ بَيانِ أنَّ تِلْكَ الماهِيَّةَ واحِدَةٌ أوْ كَثِيرَةٌ والألِفُ واللّامُ لا يُفِيدانِ إلّا الوَحْدَةَ لا الِاسْتِغْراقَ، بِدَلِيلِ أنَّكَ تَقُولُ: الإنْسانُ هو الضَّحّاكُ ولا تَقُولُ: كُلُّ إنْسانٍ هو الضَّحّاكُ، ولا أيْضًا هَذا الإنْسانُ هو الضَّحّاكُ، وإذا ثَبَتَ أنَّ لَفْظَ الرَّسُولِ لا يُفِيدُ إلّا الماهِيَّةَ وثَبَتَ أنَّ الماهِيَّةَ مَحْمُولَةٌ عَلى الواحِدِ وعَلى الِاثْنَيْنِ ثَبَتَ صِحَّةُ قَوْلِهِ: ﴿إنّا رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ .
وثانِيها: أنَّ الرَّسُولَ قَدْ يَكُونُ بِمَعْنى الرِّسالَةَ قالَ الشّاعِرُ:
لَقَدْ كَذَبَ الواشُونَ ما فُهْتُ عِنْدَهم بِسِرٍّ ولا أرْسَلْتُهم بِرَسُولِ
فَيَكُونُ المَعْنى: إنّا ذُو رِسالَةِ رَبِّ العالَمِينَ.
وثالِثُها: أنَّهُما لِاتِّفاقِهِما عَلى شَرِيعَةٍ واحِدَةٍ واتِّحادِهِما بِسَبَبِ الأُخُوَّةِ كَأنَّهُما رَسُولٌ واحِدٌ.
ورابِعُها: المُرادُ كُلُّ واحِدٍ مِنّا رَسُولٌ.
وخامِسُها: ما قالَهُ بَعْضُهم إنَّهُ إنَّما قالَ ذَلِكَ لا بِلَفْظِ التَّثْنِيَةِ لِكَوْنِهِ هو الرَّسُولُ خاصَّةً، وقَوْلُهُ: ﴿إنّا﴾ فَكَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ﴾ وهو ضَعِيفٌ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿أنْ أرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ﴾ فالمُرادُ مِن هَذا الإرْسالِ التَّخْلِيَةُ والإطْلاقُ كَقَوْلِكَ: أرْسِلِ البازِيَّ، يُرِيدُ خَلِّهِمْ يَذْهَبُوا مَعَنا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ ألَمْ نُرَبِّكَ فِينا ولِيدًا ولَبِثْتَ فِينا مِن عُمُرِكَ سِنِينَ﴾ ﴿وفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وأنْتَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ في الكَلامِ حَذْفًا وهو أنَّهُما أتَياهُ وقالا ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ فَعِنْدَ ذَلِكَ قالَ فِرْعَوْنُ ما قالَ، يُرْوى أنَّهُما انْطَلَقا إلى بابِ فِرْعَوْنَ فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُما سَنَةً حَتّى قالَ البَوّابُ: إنَّ هَهُنا إنْسانًا يَزْعُمُ أنَّهُ رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ،
صفحة ١٠٩
فَقالَ: ائْذَنْ لَهُ لَعَلَّنا نَضْحَكُ مِنهُ، فَأدَّيا إلَيْهِ الرِّسالَةَ فَعَرَفَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَعَدَّدَ عَلَيْهِ نِعَمَهُ أوَّلًا، ثُمَّ إساءَةَ مُوسى إلَيْهِ ثانِيًا، أمّا النِّعَمُ فَهي قَوْلُهُ: ﴿ألَمْ نُرَبِّكَ فِينا ولِيدًا﴾ والوَلِيدُ: الصَّبِيُّ لِقُرْبِ عَهْدِهِ مِنَ الوِلادَةِ. ﴿ولَبِثْتَ فِينا مِن عُمُرِكَ﴾ وعَنْ أبِي عَمْرٍو بِسُكُونِ المِيمِ، ﴿سِنِينَ﴾ قِيلَ: لَبِثَ عِنْدَهم ثَلاثِينَ سَنَةً، وقِيلَ: وكَزَ القِبْطِيَّ وهو ابْنُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً وفَرَّ مِنهم واللَّهُ أعْلَمُ بِصَحِيحِ ذَلِكَ، وعَنِ الشَّعْبِيِّ ”فِعْلَتَكَ“ بِالكَسْرِ وهي قَتْلُهُ القِبْطِيَّ لِأنَّهُ قَتَلَهُ بِالوَكْزِ وهو ضَرْبٌ مِنَ القَتْلِ، وأمّا الفَعْلَةُ فَلِأنَّها وكْزَةٌ واحِدَةٌ عَدَّدَ عَلَيْهِ نِعَمَهُ مِن تَرْبِيَتِهِ وتَبْلِيغِهِ مَبْلَغَ الرِّجالِ ووَبَّخَهُ بِما جَرى عَلى يَدِهِ مِن قَتْلِ خَبّازِهِ وعَظَّمَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ﴾ .
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وأنْتَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا أيْ قَتَلْتَهُ وأنْتَ بِذاكَ مِنَ الكافِرِينَ بِنِعْمَتِي.
وثانِيها: وأنْتَ إذْ ذاكَ مِمَّنْ تَكْفُرُهُمُ السّاعَةُ وقَدِ افْتَرى عَلَيْهِ أوْ جَهِلَ أمْرَهُ لِأنَّهُ كانَ يُعاشِرُهم بِالتَّقِيَّةِ فَإنَّ الكُفْرَ غَيْرُ جائِزٍ عَلى الأنْبِياءِ قَبْلَ النُّبُوَّةِ.
وثالِثُها: ﴿وأنْتَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ بِفِرْعَوْنَ وإلَهِيَّتِهِ أوْ مِنَ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ في دِينِهِمْ فَقَدْ كانَتْ لَهم آلِهَةٌ يَعْبُدُونَها، يَشْهَدُ بِذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَذَرَكَ وآلِهَتَكَ﴾ [الأعراف: ١٢٧] .
الشعراء 26:21
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ فَعَلْتُها إذًا وأنا مِنَ الضّالِّينَ﴾ ﴿فَفَرَرْتُ مِنكم لَمّا خِفْتُكم فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وجَعَلَنِي مِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿وتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أنْ عَبَّدْتَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ فِرْعَوْنَ لَمّا ذَكَرَ التَّرْبِيَةَ وذَكَرَ القَتْلَ وقَدْ كانَتْ تَرْبِيَتُهُ لَهُ مَعْلُومَةً ظاهِرَةً، لا جَرَمَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ما أنْكَرَها، ولَمْ يَشْتَغِلْ بِالجَوابِ عَنْها، لِأنَّهُ تَقَرَّرَ في العُقُولِ أنَّ الرَّسُولَ إلى الغَيْرِ إذا كانَ مَعَهُ مُعْجِزٌ وحُجَّةٌ لَمْ يَتَغَيَّرْ حالُهُ بِأنْ يَكُونَ المُرْسَلُ إلَيْهِ أنْعَمَ عَلَيْهِ أوْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ، فَصارَ قَوْلُ فِرْعَوْنَ لَمّا قالَهُ غَيْرَ مُؤَثِّرٍ البَتَّةَ، ومِثْلُ هَذا الكَلامِ الإعْراضُ عَنْهُ أوْلى، ولَكِنْ أجابَ عَنِ القَتْلِ بِما لا شَيْءَ أبْلَغَ مِنهُ في الجَوابِ وهو قَوْلُهُ: ﴿فَعَلْتُها إذًا وأنا مِنَ الضّالِّينَ﴾ والمُرادُ بِذَلِكَ الذّاهِلِينَ عَنْ مَعْرِفَةِ ما يَئُولُ إلَيْهِ مِنَ القَتْلِ لِأنَّهُ فَعَلَ الوَكْزَةَ عَلى وجْهِ التَّأْدِيبِ، ومِثْلُ ذَلِكَ رُبَّما حَسُنَ وإنْ أدّى إلى القَتْلِ فَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ فَعَلَهُ عَلى وجْهٍ لا يَجُوزُ مَعَهُ أنْ يُؤاخَذَ بِهِ أوْ يُعَدَّ مِنهُ كافِرًا أوْ كافِرًا لِنِعَمِهِ، فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿فَفَرَرْتُ مِنكم لَمّا خِفْتُكُمْ﴾ فالمُرادُ أنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ الفِعْلَ وأنا ذاهِلٌ عَنْ كَوْنِهِ مُهْلِكًا وكانَ مِنِّي في حُكْمِ السَّهْوِ، فَلَمْ أسْتَحِقَّ التَّخْوِيفَ الَّذِي يُوجِبُ الفِرارَ ومَعَ ذَلِكَ فَرَرْتُ مِنكم عِنْدَ قَوْلِكم: ﴿إنَّ المَلَأ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾ [القصص: ٢٠] فَبَيَّنَ بِذَلِكَ أنَّهُ لا نِعْمَةَ لَهُ عَلَيْهِ في بابِ تِلْكَ الفِعْلَةِ، بَلْ بِأنْ يَكُونَ مُسِيئًا فِيهِ أقْرَبُ مِن حَيْثُ خُوِّفَ تَخْوِيفًا أوْجَبَ الفِرارَ، ثُمَّ بَيَّنَ نِعْمَةَ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ بَعْدَ الفِرارِ، فَكَأنَّهُ قالَ أسَأْتُمْ وأحْسَنَ اللَّهُ إلَيَّ بِأنْ وهَبَ لِي حُكْمًا وجَعَلَنِي مِنَ المُرْسَلِينَ، واخْتَلَفُوا في الحُكْمِ والأقْرَبُ أنَّهُ غَيْرُ النُّبُوَّةِ لِأنَّ المَعْطُوفَ غَيْرُ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، والنُّبُوَّةُ مَفْهُومَةٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلَنِي مِنَ المُرْسَلِينَ﴾ فالمُرادُ بِالحُكْمِ العِلْمُ ويَدْخُلُ في العِلْمِ العَقْلُ والرَّأْيُ والعِلْمُ بِالدِّينِ الَّذِي هو التَّوْحِيدُ، وهَذا أقْرَبُ لِأنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَبْعَثَهُ تَعالى إلّا مَعَ كَمالِهِ في العَقْلِ والرَّأْيِ والعِلْمِ بِالتَّوْحِيدِ وقَوْلُهُ: ﴿فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا﴾
صفحة ١١٠
كالتَّنْصِيصِ عَلى أنَّ ذَلِكَ الحُكْمَ مِن خَلْقِ اللَّهِ تَعالى، وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: المُرادُ مِنهُ الألْطافُ وهو ضَعِيفٌ جِدًّا لِأنَّ الألْطافَ مَفْعُولَةٌ في حَقِّ الكُلِّ مِن غَيْرِ بَخْسٍ ولا تَقْصِيرٍ، فالتَّخْصِيصُ لا بُدَّ فِيهِ مِن فائِدَةٍ، فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿وتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أنْ عَبَّدْتَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ فَهو جَوابُ قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ نُرَبِّكَ فِينا ولِيدًا﴾ يُقالُ: عَبَّدْتُ الرَّجُلَ وأعْبَدْتُهُ إذا اتَّخَذْتُهُ عَبْدًا، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ جَوابَهُ ولا تَعَلُّقَ بَيْنَ الأمْرَيْنِ ؟ قُلْنا: بَيانُ التَّعَلُّقِ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ إنَّما وقَعَ في يَدِهِ وفي تَرْبِيَتِهِ لِأنَّهُ قَصَدَ تَعْبِيدَ بَنِي إسْرائِيلَ وذَبْحَ أبْنائِهِمْ، فَكَأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ لَهُ كُنْتُ مُسْتَغْنِيًا عَنْ تَرْبِيَتِكَ لَوْ لَمْ يَكُنْ مِنكَ ذَلِكَ الظُّلْمُ المُتَقَدِّمُ عَلَيْنا وعَلى أسْلافِنا.
وثانِيها: أنَّ هَذا الإنْعامَ المُتَأخِّرَ صارَ مُعارَضًا بِذَلِكَ الظُّلْمِ العَظِيمِ عَلى أسْلافِنا وإذا تَعارَضا تَساقَطا.
وثالِثُها: ما قالَهُ الحَسَنُ: أنَّكَ اسْتَعْبَدْتَهم وأخَذْتَ أمْوالَهم ومِنها أنْفَقْتَ عَلَيَّ فَلا نِعْمَةَ لَكَ بِالتَّرْبِيَةِ.
ورابِعُها: المُرادُ أنَّ الَّذِي تَوَلّى تَرْبِيَتِي هُمُ الَّذِينَ قَدِ اسْتَعْبَدْتَهم فَلا نِعْمَةَ لَكَ عَلَيَّ لِأنَّ التَّرْبِيَةَ كانَتْ مِن قِبَلِ أُمِّي وسائِرِ مَن هو مِن قَوْمِي لَيْسَ لَكَ إلّا أنَّكَ ما قَتَلْتَنِي، ومِثْلُ هَذا لا يَعُدُّ إنْعامًا.
وخامِسُها: أنَّكَ كُنْتَ تَدَّعِي أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ عَبِيدُكَ ولا مِنَّةَ لِلْمَوْلى عَلى العَبْدِ في أنْ يُطْعِمَهُ ويُعْطِيَهُ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ.
واعْلَمْ أنَّ في الآيَةِ دَلالَةً عَلى أنَّ كُفْرَ الكافِرِ لا يُبْطِلُ نِعْمَتَهُ عَلى مَن يُحْسِنُ إلَيْهِ ولا يُبْطِلُ مِنَّتَهُ لِأنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما أبْطَلَ ذَلِكَ بِوَجْهٍ آخَرَ عَلى ما بَيَّنّا، واخْتَلَفَ العُلَماءُ فَقالَ بَعْضُهم: إذا كانَ كافِرًا لا يَسْتَحِقُّ الشُّكْرَ عَلى نِعَمِهِ عَلى النّاسِ إنَّما يَسْتَحِقُّ الإهانَةَ بِكُفْرِهِ، فَلَوِ اسْتَحَقَّ الشُّكْرَ بِإنْعامِهِ والشُّكْرُ لا يُوجَدُ إلّا مَعَ التَّعْظِيمِ فَيَلْزَمُ كَوْنُهُ مُسْتَحِقًّا لِلْإهانَةِ ولِلتَّعْظِيمِ مَعًا، واسْتِحْقاقُ الجَمْعِ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ مُحالٌ. وقالَ آخَرُونَ: لا يَبْطُلُ الشُّكْرُ بِالكُفْرِ وإنَّما يَبْطُلُ بِالكُفْرِ الثَّوابُ والمَدْحُ الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ عَلى الإيمانِ، والآيَةُ تَدُلُّ عَلى هَذا القَوْلِ الثّانِي.
المسألة الثّانِيَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ إنَّما جَمَعَ الضَّمِيرَ في ”مِنكم“ و”خِفْتُكم“ مَعَ إفْرادِهِ في ”تَمُنُّها“ و”عَبَّدْتَ“ لِأنَّ الخَوْفَ والفِرارَ لَمْ يَكُونا مِنهُ وحْدَهُ ولَكِنْ مِنهُ ومِن مَلَئِهِ المُؤْتَمِرِينَ بِقَتْلِهِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ المَلَأ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾ وأمّا الِامْتِنانُ فَمِنهُ وحْدَهُ وكَذَلِكَ التَّعْبِيدُ، فَإنْ قُلْتَ: ”تِلْكَ“ إشارَةٌ إلى ماذا و”﴿أنْ عَبَّدْتَ﴾“ ما مَحَلُّها مِنَ الإعْرابِ ؟ قُلْتُ: ”تِلْكَ“ إشارَةٌ إلى خَصْلَةٍ شَنْعاءَ مُبْهَمَةٍ لا يُدْرى ما هي إلّا بِتَفْسِيرِها، وهي ”أنْ عَبَّدْتَ“ فَإنَّ ”أنْ عَبَّدْتَ“ عَطْفُ بَيانٍ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقَضَيْنا إلَيْهِ ذَلِكَ الأمْرَ أنَّ دابِرَ هَؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ﴾ [الحجر: ٦٦] والمَعْنى تَعْبِيدُكَ بَنِي إسْرائِيلَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ، وقالَ الزَّجّاجُ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”أنْ“ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، والمَعْنى إنَّما صارَتْ نِعْمَةً عَلَيَّ، لِأنَّ عَبَّدْتَ بَنِي إسْرائِيلَ أيْ لَوْ لَمْ تَفْعَلْ ذَلِكَ لَكَفانِي أهْلِي.
الشعراء 26:22
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ فَعَلْتُها إذًا وأنا مِنَ الضّالِّينَ﴾ ﴿فَفَرَرْتُ مِنكم لَمّا خِفْتُكم فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وجَعَلَنِي مِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿وتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أنْ عَبَّدْتَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ فِرْعَوْنَ لَمّا ذَكَرَ التَّرْبِيَةَ وذَكَرَ القَتْلَ وقَدْ كانَتْ تَرْبِيَتُهُ لَهُ مَعْلُومَةً ظاهِرَةً، لا جَرَمَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ما أنْكَرَها، ولَمْ يَشْتَغِلْ بِالجَوابِ عَنْها، لِأنَّهُ تَقَرَّرَ في العُقُولِ أنَّ الرَّسُولَ إلى الغَيْرِ إذا كانَ مَعَهُ مُعْجِزٌ وحُجَّةٌ لَمْ يَتَغَيَّرْ حالُهُ بِأنْ يَكُونَ المُرْسَلُ إلَيْهِ أنْعَمَ عَلَيْهِ أوْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ، فَصارَ قَوْلُ فِرْعَوْنَ لَمّا قالَهُ غَيْرَ مُؤَثِّرٍ البَتَّةَ، ومِثْلُ هَذا الكَلامِ الإعْراضُ عَنْهُ أوْلى، ولَكِنْ أجابَ عَنِ القَتْلِ بِما لا شَيْءَ أبْلَغَ مِنهُ في الجَوابِ وهو قَوْلُهُ: ﴿فَعَلْتُها إذًا وأنا مِنَ الضّالِّينَ﴾ والمُرادُ بِذَلِكَ الذّاهِلِينَ عَنْ مَعْرِفَةِ ما يَئُولُ إلَيْهِ مِنَ القَتْلِ لِأنَّهُ فَعَلَ الوَكْزَةَ عَلى وجْهِ التَّأْدِيبِ، ومِثْلُ ذَلِكَ رُبَّما حَسُنَ وإنْ أدّى إلى القَتْلِ فَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ فَعَلَهُ عَلى وجْهٍ لا يَجُوزُ مَعَهُ أنْ يُؤاخَذَ بِهِ أوْ يُعَدَّ مِنهُ كافِرًا أوْ كافِرًا لِنِعَمِهِ، فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿فَفَرَرْتُ مِنكم لَمّا خِفْتُكُمْ﴾ فالمُرادُ أنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ الفِعْلَ وأنا ذاهِلٌ عَنْ كَوْنِهِ مُهْلِكًا وكانَ مِنِّي في حُكْمِ السَّهْوِ، فَلَمْ أسْتَحِقَّ التَّخْوِيفَ الَّذِي يُوجِبُ الفِرارَ ومَعَ ذَلِكَ فَرَرْتُ مِنكم عِنْدَ قَوْلِكم: ﴿إنَّ المَلَأ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾ [القصص: ٢٠] فَبَيَّنَ بِذَلِكَ أنَّهُ لا نِعْمَةَ لَهُ عَلَيْهِ في بابِ تِلْكَ الفِعْلَةِ، بَلْ بِأنْ يَكُونَ مُسِيئًا فِيهِ أقْرَبُ مِن حَيْثُ خُوِّفَ تَخْوِيفًا أوْجَبَ الفِرارَ، ثُمَّ بَيَّنَ نِعْمَةَ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ بَعْدَ الفِرارِ، فَكَأنَّهُ قالَ أسَأْتُمْ وأحْسَنَ اللَّهُ إلَيَّ بِأنْ وهَبَ لِي حُكْمًا وجَعَلَنِي مِنَ المُرْسَلِينَ، واخْتَلَفُوا في الحُكْمِ والأقْرَبُ أنَّهُ غَيْرُ النُّبُوَّةِ لِأنَّ المَعْطُوفَ غَيْرُ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، والنُّبُوَّةُ مَفْهُومَةٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلَنِي مِنَ المُرْسَلِينَ﴾ فالمُرادُ بِالحُكْمِ العِلْمُ ويَدْخُلُ في العِلْمِ العَقْلُ والرَّأْيُ والعِلْمُ بِالدِّينِ الَّذِي هو التَّوْحِيدُ، وهَذا أقْرَبُ لِأنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَبْعَثَهُ تَعالى إلّا مَعَ كَمالِهِ في العَقْلِ والرَّأْيِ والعِلْمِ بِالتَّوْحِيدِ وقَوْلُهُ: ﴿فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا﴾
صفحة ١١٠
كالتَّنْصِيصِ عَلى أنَّ ذَلِكَ الحُكْمَ مِن خَلْقِ اللَّهِ تَعالى، وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: المُرادُ مِنهُ الألْطافُ وهو ضَعِيفٌ جِدًّا لِأنَّ الألْطافَ مَفْعُولَةٌ في حَقِّ الكُلِّ مِن غَيْرِ بَخْسٍ ولا تَقْصِيرٍ، فالتَّخْصِيصُ لا بُدَّ فِيهِ مِن فائِدَةٍ، فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿وتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أنْ عَبَّدْتَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ فَهو جَوابُ قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ نُرَبِّكَ فِينا ولِيدًا﴾ يُقالُ: عَبَّدْتُ الرَّجُلَ وأعْبَدْتُهُ إذا اتَّخَذْتُهُ عَبْدًا، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ جَوابَهُ ولا تَعَلُّقَ بَيْنَ الأمْرَيْنِ ؟ قُلْنا: بَيانُ التَّعَلُّقِ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ إنَّما وقَعَ في يَدِهِ وفي تَرْبِيَتِهِ لِأنَّهُ قَصَدَ تَعْبِيدَ بَنِي إسْرائِيلَ وذَبْحَ أبْنائِهِمْ، فَكَأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ لَهُ كُنْتُ مُسْتَغْنِيًا عَنْ تَرْبِيَتِكَ لَوْ لَمْ يَكُنْ مِنكَ ذَلِكَ الظُّلْمُ المُتَقَدِّمُ عَلَيْنا وعَلى أسْلافِنا.
وثانِيها: أنَّ هَذا الإنْعامَ المُتَأخِّرَ صارَ مُعارَضًا بِذَلِكَ الظُّلْمِ العَظِيمِ عَلى أسْلافِنا وإذا تَعارَضا تَساقَطا.
وثالِثُها: ما قالَهُ الحَسَنُ: أنَّكَ اسْتَعْبَدْتَهم وأخَذْتَ أمْوالَهم ومِنها أنْفَقْتَ عَلَيَّ فَلا نِعْمَةَ لَكَ بِالتَّرْبِيَةِ.
ورابِعُها: المُرادُ أنَّ الَّذِي تَوَلّى تَرْبِيَتِي هُمُ الَّذِينَ قَدِ اسْتَعْبَدْتَهم فَلا نِعْمَةَ لَكَ عَلَيَّ لِأنَّ التَّرْبِيَةَ كانَتْ مِن قِبَلِ أُمِّي وسائِرِ مَن هو مِن قَوْمِي لَيْسَ لَكَ إلّا أنَّكَ ما قَتَلْتَنِي، ومِثْلُ هَذا لا يَعُدُّ إنْعامًا.
وخامِسُها: أنَّكَ كُنْتَ تَدَّعِي أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ عَبِيدُكَ ولا مِنَّةَ لِلْمَوْلى عَلى العَبْدِ في أنْ يُطْعِمَهُ ويُعْطِيَهُ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ.
واعْلَمْ أنَّ في الآيَةِ دَلالَةً عَلى أنَّ كُفْرَ الكافِرِ لا يُبْطِلُ نِعْمَتَهُ عَلى مَن يُحْسِنُ إلَيْهِ ولا يُبْطِلُ مِنَّتَهُ لِأنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما أبْطَلَ ذَلِكَ بِوَجْهٍ آخَرَ عَلى ما بَيَّنّا، واخْتَلَفَ العُلَماءُ فَقالَ بَعْضُهم: إذا كانَ كافِرًا لا يَسْتَحِقُّ الشُّكْرَ عَلى نِعَمِهِ عَلى النّاسِ إنَّما يَسْتَحِقُّ الإهانَةَ بِكُفْرِهِ، فَلَوِ اسْتَحَقَّ الشُّكْرَ بِإنْعامِهِ والشُّكْرُ لا يُوجَدُ إلّا مَعَ التَّعْظِيمِ فَيَلْزَمُ كَوْنُهُ مُسْتَحِقًّا لِلْإهانَةِ ولِلتَّعْظِيمِ مَعًا، واسْتِحْقاقُ الجَمْعِ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ مُحالٌ. وقالَ آخَرُونَ: لا يَبْطُلُ الشُّكْرُ بِالكُفْرِ وإنَّما يَبْطُلُ بِالكُفْرِ الثَّوابُ والمَدْحُ الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ عَلى الإيمانِ، والآيَةُ تَدُلُّ عَلى هَذا القَوْلِ الثّانِي.
المسألة الثّانِيَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ إنَّما جَمَعَ الضَّمِيرَ في ”مِنكم“ و”خِفْتُكم“ مَعَ إفْرادِهِ في ”تَمُنُّها“ و”عَبَّدْتَ“ لِأنَّ الخَوْفَ والفِرارَ لَمْ يَكُونا مِنهُ وحْدَهُ ولَكِنْ مِنهُ ومِن مَلَئِهِ المُؤْتَمِرِينَ بِقَتْلِهِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ المَلَأ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾ وأمّا الِامْتِنانُ فَمِنهُ وحْدَهُ وكَذَلِكَ التَّعْبِيدُ، فَإنْ قُلْتَ: ”تِلْكَ“ إشارَةٌ إلى ماذا و”﴿أنْ عَبَّدْتَ﴾“ ما مَحَلُّها مِنَ الإعْرابِ ؟ قُلْتُ: ”تِلْكَ“ إشارَةٌ إلى خَصْلَةٍ شَنْعاءَ مُبْهَمَةٍ لا يُدْرى ما هي إلّا بِتَفْسِيرِها، وهي ”أنْ عَبَّدْتَ“ فَإنَّ ”أنْ عَبَّدْتَ“ عَطْفُ بَيانٍ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقَضَيْنا إلَيْهِ ذَلِكَ الأمْرَ أنَّ دابِرَ هَؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ﴾ [الحجر: ٦٦] والمَعْنى تَعْبِيدُكَ بَنِي إسْرائِيلَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ، وقالَ الزَّجّاجُ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”أنْ“ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، والمَعْنى إنَّما صارَتْ نِعْمَةً عَلَيَّ، لِأنَّ عَبَّدْتَ بَنِي إسْرائِيلَ أيْ لَوْ لَمْ تَفْعَلْ ذَلِكَ لَكَفانِي أهْلِي.
الشعراء 26:23
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ فَعَلْتُها إذًا وأنا مِنَ الضّالِّينَ﴾ ﴿فَفَرَرْتُ مِنكم لَمّا خِفْتُكم فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وجَعَلَنِي مِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿وتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أنْ عَبَّدْتَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ فِرْعَوْنَ لَمّا ذَكَرَ التَّرْبِيَةَ وذَكَرَ القَتْلَ وقَدْ كانَتْ تَرْبِيَتُهُ لَهُ مَعْلُومَةً ظاهِرَةً، لا جَرَمَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ما أنْكَرَها، ولَمْ يَشْتَغِلْ بِالجَوابِ عَنْها، لِأنَّهُ تَقَرَّرَ في العُقُولِ أنَّ الرَّسُولَ إلى الغَيْرِ إذا كانَ مَعَهُ مُعْجِزٌ وحُجَّةٌ لَمْ يَتَغَيَّرْ حالُهُ بِأنْ يَكُونَ المُرْسَلُ إلَيْهِ أنْعَمَ عَلَيْهِ أوْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ، فَصارَ قَوْلُ فِرْعَوْنَ لَمّا قالَهُ غَيْرَ مُؤَثِّرٍ البَتَّةَ، ومِثْلُ هَذا الكَلامِ الإعْراضُ عَنْهُ أوْلى، ولَكِنْ أجابَ عَنِ القَتْلِ بِما لا شَيْءَ أبْلَغَ مِنهُ في الجَوابِ وهو قَوْلُهُ: ﴿فَعَلْتُها إذًا وأنا مِنَ الضّالِّينَ﴾ والمُرادُ بِذَلِكَ الذّاهِلِينَ عَنْ مَعْرِفَةِ ما يَئُولُ إلَيْهِ مِنَ القَتْلِ لِأنَّهُ فَعَلَ الوَكْزَةَ عَلى وجْهِ التَّأْدِيبِ، ومِثْلُ ذَلِكَ رُبَّما حَسُنَ وإنْ أدّى إلى القَتْلِ فَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ فَعَلَهُ عَلى وجْهٍ لا يَجُوزُ مَعَهُ أنْ يُؤاخَذَ بِهِ أوْ يُعَدَّ مِنهُ كافِرًا أوْ كافِرًا لِنِعَمِهِ، فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿فَفَرَرْتُ مِنكم لَمّا خِفْتُكُمْ﴾ فالمُرادُ أنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ الفِعْلَ وأنا ذاهِلٌ عَنْ كَوْنِهِ مُهْلِكًا وكانَ مِنِّي في حُكْمِ السَّهْوِ، فَلَمْ أسْتَحِقَّ التَّخْوِيفَ الَّذِي يُوجِبُ الفِرارَ ومَعَ ذَلِكَ فَرَرْتُ مِنكم عِنْدَ قَوْلِكم: ﴿إنَّ المَلَأ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾ [القصص: ٢٠] فَبَيَّنَ بِذَلِكَ أنَّهُ لا نِعْمَةَ لَهُ عَلَيْهِ في بابِ تِلْكَ الفِعْلَةِ، بَلْ بِأنْ يَكُونَ مُسِيئًا فِيهِ أقْرَبُ مِن حَيْثُ خُوِّفَ تَخْوِيفًا أوْجَبَ الفِرارَ، ثُمَّ بَيَّنَ نِعْمَةَ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ بَعْدَ الفِرارِ، فَكَأنَّهُ قالَ أسَأْتُمْ وأحْسَنَ اللَّهُ إلَيَّ بِأنْ وهَبَ لِي حُكْمًا وجَعَلَنِي مِنَ المُرْسَلِينَ، واخْتَلَفُوا في الحُكْمِ والأقْرَبُ أنَّهُ غَيْرُ النُّبُوَّةِ لِأنَّ المَعْطُوفَ غَيْرُ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، والنُّبُوَّةُ مَفْهُومَةٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلَنِي مِنَ المُرْسَلِينَ﴾ فالمُرادُ بِالحُكْمِ العِلْمُ ويَدْخُلُ في العِلْمِ العَقْلُ والرَّأْيُ والعِلْمُ بِالدِّينِ الَّذِي هو التَّوْحِيدُ، وهَذا أقْرَبُ لِأنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَبْعَثَهُ تَعالى إلّا مَعَ كَمالِهِ في العَقْلِ والرَّأْيِ والعِلْمِ بِالتَّوْحِيدِ وقَوْلُهُ: ﴿فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا﴾
صفحة ١١٠
كالتَّنْصِيصِ عَلى أنَّ ذَلِكَ الحُكْمَ مِن خَلْقِ اللَّهِ تَعالى، وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: المُرادُ مِنهُ الألْطافُ وهو ضَعِيفٌ جِدًّا لِأنَّ الألْطافَ مَفْعُولَةٌ في حَقِّ الكُلِّ مِن غَيْرِ بَخْسٍ ولا تَقْصِيرٍ، فالتَّخْصِيصُ لا بُدَّ فِيهِ مِن فائِدَةٍ، فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿وتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أنْ عَبَّدْتَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ فَهو جَوابُ قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ نُرَبِّكَ فِينا ولِيدًا﴾ يُقالُ: عَبَّدْتُ الرَّجُلَ وأعْبَدْتُهُ إذا اتَّخَذْتُهُ عَبْدًا، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ جَوابَهُ ولا تَعَلُّقَ بَيْنَ الأمْرَيْنِ ؟ قُلْنا: بَيانُ التَّعَلُّقِ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ إنَّما وقَعَ في يَدِهِ وفي تَرْبِيَتِهِ لِأنَّهُ قَصَدَ تَعْبِيدَ بَنِي إسْرائِيلَ وذَبْحَ أبْنائِهِمْ، فَكَأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ لَهُ كُنْتُ مُسْتَغْنِيًا عَنْ تَرْبِيَتِكَ لَوْ لَمْ يَكُنْ مِنكَ ذَلِكَ الظُّلْمُ المُتَقَدِّمُ عَلَيْنا وعَلى أسْلافِنا.
وثانِيها: أنَّ هَذا الإنْعامَ المُتَأخِّرَ صارَ مُعارَضًا بِذَلِكَ الظُّلْمِ العَظِيمِ عَلى أسْلافِنا وإذا تَعارَضا تَساقَطا.
وثالِثُها: ما قالَهُ الحَسَنُ: أنَّكَ اسْتَعْبَدْتَهم وأخَذْتَ أمْوالَهم ومِنها أنْفَقْتَ عَلَيَّ فَلا نِعْمَةَ لَكَ بِالتَّرْبِيَةِ.
ورابِعُها: المُرادُ أنَّ الَّذِي تَوَلّى تَرْبِيَتِي هُمُ الَّذِينَ قَدِ اسْتَعْبَدْتَهم فَلا نِعْمَةَ لَكَ عَلَيَّ لِأنَّ التَّرْبِيَةَ كانَتْ مِن قِبَلِ أُمِّي وسائِرِ مَن هو مِن قَوْمِي لَيْسَ لَكَ إلّا أنَّكَ ما قَتَلْتَنِي، ومِثْلُ هَذا لا يَعُدُّ إنْعامًا.
وخامِسُها: أنَّكَ كُنْتَ تَدَّعِي أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ عَبِيدُكَ ولا مِنَّةَ لِلْمَوْلى عَلى العَبْدِ في أنْ يُطْعِمَهُ ويُعْطِيَهُ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ.
واعْلَمْ أنَّ في الآيَةِ دَلالَةً عَلى أنَّ كُفْرَ الكافِرِ لا يُبْطِلُ نِعْمَتَهُ عَلى مَن يُحْسِنُ إلَيْهِ ولا يُبْطِلُ مِنَّتَهُ لِأنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما أبْطَلَ ذَلِكَ بِوَجْهٍ آخَرَ عَلى ما بَيَّنّا، واخْتَلَفَ العُلَماءُ فَقالَ بَعْضُهم: إذا كانَ كافِرًا لا يَسْتَحِقُّ الشُّكْرَ عَلى نِعَمِهِ عَلى النّاسِ إنَّما يَسْتَحِقُّ الإهانَةَ بِكُفْرِهِ، فَلَوِ اسْتَحَقَّ الشُّكْرَ بِإنْعامِهِ والشُّكْرُ لا يُوجَدُ إلّا مَعَ التَّعْظِيمِ فَيَلْزَمُ كَوْنُهُ مُسْتَحِقًّا لِلْإهانَةِ ولِلتَّعْظِيمِ مَعًا، واسْتِحْقاقُ الجَمْعِ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ مُحالٌ. وقالَ آخَرُونَ: لا يَبْطُلُ الشُّكْرُ بِالكُفْرِ وإنَّما يَبْطُلُ بِالكُفْرِ الثَّوابُ والمَدْحُ الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ عَلى الإيمانِ، والآيَةُ تَدُلُّ عَلى هَذا القَوْلِ الثّانِي.
المسألة الثّانِيَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ إنَّما جَمَعَ الضَّمِيرَ في ”مِنكم“ و”خِفْتُكم“ مَعَ إفْرادِهِ في ”تَمُنُّها“ و”عَبَّدْتَ“ لِأنَّ الخَوْفَ والفِرارَ لَمْ يَكُونا مِنهُ وحْدَهُ ولَكِنْ مِنهُ ومِن مَلَئِهِ المُؤْتَمِرِينَ بِقَتْلِهِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ المَلَأ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾ وأمّا الِامْتِنانُ فَمِنهُ وحْدَهُ وكَذَلِكَ التَّعْبِيدُ، فَإنْ قُلْتَ: ”تِلْكَ“ إشارَةٌ إلى ماذا و”﴿أنْ عَبَّدْتَ﴾“ ما مَحَلُّها مِنَ الإعْرابِ ؟ قُلْتُ: ”تِلْكَ“ إشارَةٌ إلى خَصْلَةٍ شَنْعاءَ مُبْهَمَةٍ لا يُدْرى ما هي إلّا بِتَفْسِيرِها، وهي ”أنْ عَبَّدْتَ“ فَإنَّ ”أنْ عَبَّدْتَ“ عَطْفُ بَيانٍ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقَضَيْنا إلَيْهِ ذَلِكَ الأمْرَ أنَّ دابِرَ هَؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ﴾ [الحجر: ٦٦] والمَعْنى تَعْبِيدُكَ بَنِي إسْرائِيلَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ، وقالَ الزَّجّاجُ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”أنْ“ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، والمَعْنى إنَّما صارَتْ نِعْمَةً عَلَيَّ، لِأنَّ عَبَّدْتَ بَنِي إسْرائِيلَ أيْ لَوْ لَمْ تَفْعَلْ ذَلِكَ لَكَفانِي أهْلِي.
الشعراء 26:24
صفحة ١١١
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ فِرْعَوْنُ وما رَبُّ العالَمِينَ﴾ ﴿قالَ رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ ﴿قالَ لِمَن حَوْلَهُ ألا تَسْتَمِعُونَ﴾ ﴿قالَ رَبُّكم ورَبُّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿قالَ إنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْكم لَمَجْنُونٌ﴾ ﴿قالَ رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ وما بَيْنَهُما إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ ﴿قالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إلَهًا غَيْرِي لَأجْعَلَنَّكَ مِنَ المَسْجُونِينَ﴾ ﴿قالَ أوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾ ﴿قالَ فَأْتِ بِهِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ فِرْعَوْنَ لَمْ يَقُلْ لِمُوسى ﴿وما رَبُّ العالَمِينَ﴾، إلّا وقَدْ دَعاهُ مُوسى إلى طاعَةِ رَبِّ العالَمِينَ، يُبَيِّنُ ذَلِكَ ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَأْتِيا فِرْعَوْنَ فَقُولا إنّا رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ فَلا بُدَّ عِنْدَ دُخُولِهِما عَلَيْهِ أنَّهُما قالا ذَلِكَ، فَعِنْدَ ذَلِكَ قالَ فِرْعَوْنُ: ﴿وما رَبُّ العالَمِينَ﴾ ثُمَّ هَهُنا بَحْثانِ:
البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّ فِرْعَوْنَ يُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ كانَ عارِفًا بِاللَّهِ، ولَكِنَّهُ قالَ ما قالَ طَلَبًا لِلْمُلْكِ والرِّياسَةِ، وقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى في كِتابِهِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ عارِفًا بِاللَّهِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿قالَ لَقَدْ عَلِمْتَ ما أنْزَلَ هَؤُلاءِ إلّا رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الإسراء: ١٠٢] فَإذا قُرِئَ بِفَتْحِ التّاءِ مِن ﴿عَلِمْتَ﴾ فالمُرادُ أنَّ فِرْعَوْنَ عَلِمَ ذَلِكَ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ عارِفًا بِاللَّهِ، لَكِنَّهُ كانَ يَسْتَأْكِلُ قَوْمَهُ بِما يُظْهِرُهُ مِن إلَهِيَّتِهِ، والقِراءَةُ الأُخْرى بِرَفْعِ التّاءِ مِن (عَلِمْتُ) فَهي تَقْتَضِي أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ هو الَّذِي عَرَفَ ذَلِكَ، وأيْضًا فَإنَّ فِرْعَوْنَ إنْ لَمْ يَكُنْ عاقِلًا لَمْ يَجُزْ مِنَ اللَّهِ تَعالى بَعْثَةُ الرَّسُولِ إلَيْهِ، وإنْ كانَ عاقِلًا فَهو يَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أنَّهُ ما كانَ مَوْجُودًا ولا حَيًّا ولا عاقِلًا ثُمَّ صارَ كَذَلِكَ، وبِالضَّرُورَةِ يَعْلَمُ أنَّ كُلَّ ما كانَ كَذَلِكَ فَلا بُدَّ لَهُ مِن مُؤَثِّرٍ، فَلا بُدَّ وأنْ يَتَوَلَّدَ لَهُ مِن هَذَيْنِ العِلْمَيْنِ عِلْمٌ ثالِثٌ بِافْتِقارِهِ في تَرْكِيبِهِ وفي حَياتِهِ وعَقْلِهِ إلى مُؤَثِّرٍ مُوجِدٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ كانَ عَلى مَذْهَبِ الدَّهْرِيَّةِ مِن أنَّ الأفْلاكَ واجِبَةُ الوُجُودِ في ذَواتِها ومُتَحَرِّكَةٌ لِذَواتِها، وأنَّ حَرَكاتِها أسْبابٌ لِحُصُولِ الحَوادِثِ في هَذا العالَمِ، أوْ يُقالُ: إنَّهُ كانَ مِنَ الفَلاسِفَةِ القائِلِينَ بِالعِلَّةِ المُوجِبَةِ لا بِالفاعِلِ المُخْتارِ، ثُمَّ اعْتَقَدَ أنَّهُ بِمَنزِلَةِ الإلَهِ لِأهْلِ إقْلِيمِهِ مِن حَيْثُ اسْتَعْبَدَهم ومَلَكَ ذِمّاتِهِمْ وزِمامَ أمْرِهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ كانَ عَلى مَذْهَبِ الحُلُولِيَّةِ، القائِلِينَ بِأنَّ ذاتَ الإلَهِ يَتَدَرَّعُ بِجَسَدِ إنْسانٍ مُعَيَّنٍ، حَتّى يَكُونَ الإلَهُ سُبْحانَهُ لِذَلِكَ الجَسَدِ بِمَنزِلَةِ رُوحِ كُلِّ إنْسانٍ بِالنِّسْبَةِ إلى جَسَدِهِ، وبِهَذِهِ التَّقْدِيراتِ كانَ يُسَمِّي نَفْسَهُ إلَهًا.
البَحْثُ الثّانِي: وهو أنَّهُ قالَ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿وما رَبُّ العالَمِينَ﴾ ؟ واعْلَمْ أنَّ السُّؤالَ بِما طَلَبَ لِتَعْرِيفِ حَقِيقَةِ الشَّيْءِ، وتَعْرِيفُ حَقِيقَةِ الشَّيْءِ إمّا أنْ يَكُونَ بِنَفْسِ تِلْكَ الحَقِيقَةِ أوْ بِشَيْءٍ مِن أجْزائِها أوْ بِأمْرٍ خارِجٍ عَنْها أوْ بِما يَتَرَكَّبُ مِنَ الدّاخِلِ والخارِجِ. أمّا تَعْرِيفُها بِنَفْسِها فَمُحالٌ، لِأنَّ المُعَرَّفَ مَعْلُومٌ قَبْلَ المُعَرِّفِ، فَلَوْ عَرَّفَ الشَّيْءَ بِنَفْسِهِ لَزِمَ أنْ يَكُونَ مَعْلُومًا قَبْلَ أنْ يَكُونَ مَعْلُومًا وهو مُحالٌ. وأمّا تَعْرِيفُها بِالأُمُورِ الدّاخِلَةِ فِيها فَهَهُنا في حَقِّ واجِبِ الوُجُودِ مُحالٌ، لِأنَّ التَّعْرِيفَ بِالأُمُورِ الدّاخِلَةِ لا يُمْكِنُ إلّا إذا كانَ المُعَرَّفُ مُرَكَّبًا، وواجِبُ الوُجُودِ يَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ مُرَكَّبًا، لِأنَّ كُلَّ مُرَكَّبٍ فَهو مُحْتاجٌ إلى كُلِّ واحِدٍ مِن أجْزائِهِ، وكُلُّ واحِدٍ مِن أجْزائِهِ فَهو غَيْرُهُ، فَكُلُّ مُرَكَّبٍ مُحْتاجٌ إلى غَيْرِهِ، وكُلُّ ما احْتاجَ إلى غَيْرِهِ فَهو مُمْكِنٌ لِذاتِهِ، وكُلُّ مُرَكَّبٍ فَهو مُمْكِنٌ، فَما لَيْسَ بِمُمْكِنٍ يَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ مُرَكَّبًا، فَواجِبُ الوُجُودِ لَيْسَ بِمُرَكَّبٍ، وإذا لَمْ يَكُنْ مُرَكَّبًا اسْتَحالَ تَعْرِيفُهُ بِأجْزائِهِ، ولَمّا بَطَلَ هَذانِ القِسْمانِ ثَبَتَ أنَّهُ لا يُمْكِنُ تَعْرِيفُ ماهِيَّةِ واجِبِ الوُجُودِ إلّا بِلَوازِمِهِ وآثارِهِ، ثُمَّ إنَّ اللَّوازِمَ قَدْ تَكُونُ خَفِيَّةً، وقَدْ تَكُونُ جَلِيَّةً، ولا يَجُوزُ تَعْرِيفُ الماهِيَّةِ بِاللَّوازِمِ الخَفِيَّةِ بَلْ لا بُدَّ مِن تَعْرِيفِها بِاللَّوازِمِ الجَلِيَّةِ، وأظْهَرُ آثارِ ذاتِ واجِبِ الوُجُودِ هو هَذا العالَمُ المَحْسُوسُ وهو السَّماواتُ
صفحة ١١٢
والأرْضُ وما بَيْنَهُما فَقَدْ ثَبَتَ أنَّهُ لا جَوابَ البَتَّةَ لِقَوْلِ فِرْعَوْنَ ﴿وما رَبُّ العالَمِينَ﴾ إلّا ما قالَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وهو أنَّهُ ﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما﴾، فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ فَمَعْناهُ: إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ بِإسْنادِ هَذِهِ المَحْسُوساتِ إلى مَوْجُودٍ واجِبِ الوُجُودِ فاعْرِفُوا أنَّهُ لا يُمْكِنُ تَعْرِيفُهُ إلّا بِما ذَكَرْتُهُ لِأنَّكم لَمّا سَلَّمْتُمُ انْتِهاءَ هَذِهِ المَحْسُوساتِ إلى الواجِبِ لِذاتِهِ، ثَبَتَ أنَّ الواجِبَ لِذاتِهِ فَرْدٌ مُطْلَقٌ، وثَبَتَ أنَّ الفَرْدَ المُطْلَقَ لا يُمْكِنُ تَعْرِيفُهُ إلّا بِآثارِهِ، وثَبَتَ أنَّ تِلْكَ الآثارَ لا بُدَّ وأنْ تَكُونَ أظْهَرَ آثارِهِ، وأبْعَدَها عَنِ الخَفاءِ وما ذاكَ إلّا السَّماواتُ والأرْضُ وما بَيْنَهُما، فَإنْ أيْقَنْتُمْ بِذَلِكَ لَزِمَكم أنْ تَقْطَعُوا بِأنَّهُ لا جَوابَ عَنْ ذَلِكَ السُّؤالِ إلّا هَذا الجَوابُ، ولَمّا ذَكَرَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ هَذا الجَوابَ الحَقَّ قالَ فِرْعَوْنَ ”﴿لِمَن حَوْلَهُ ألا تَسْتَمِعُونَ﴾“ وإنَّما ذَكَرَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّعَجُّبِ مِن جَوابِ مُوسى، يَعْنِي أنا أطْلُبُ مِنهُ الماهِيَّةَ وخُصُوصِيَّةَ الحَقِيقَةِ، وهو يُجِيبُنِي بِالفاعِلِيَّةِ والمُؤَثِّرِيَّةِ، وتَمامُ الإشْكالِ أنَّ تَعْرِيفَ الماهِيَّةِ بِلَوازِمِها لا يُفِيدُ الوُقُوفَ عَلى نَفْسِ تِلْكَ الماهِيَّةِ، وذَلِكَ لِأنّا إذا قُلْنا في الشَّيْءِ إنَّهُ الَّذِي يَلْزَمُهُ اللّازِمُ الفُلانِيُّ، فَهَذا المَذْكُورُ، إمّا أنْ يَكُونَ مَعْرُوفًا لِمُجَرَّدِ كَوْنِهِ أمْرًا ما يَلْزَمُهُ ذَلِكَ اللّازِمُ أوْ لِخُصُوصِيَّةِ تِلْكَ الماهِيَّةِ الَّتِي عَرَضَتْ لَها هَذِهِ المَلْزُومِيَّةِ، والأوَّلُ مُحالٌ لِأنَّ كَوْنَهُ أمْرًا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ اللّازِمُ جَعَلْناهُ كاشِفًا فَلَوْ كانَ المَكْشُوفُ هو هَذا القَدْرَ لَزِمَ كَوْنُ الشَّيْءِ مَعْرُوفًا لِنَفْسِهِ وهو مُحالٌ، والثّانِي مُحالٌ؛ لِأنَّ العِلْمَ بِأنَّهُ أمْرٌ ما يَلْزَمُهُ اللّازِمُ الفُلانِيُّ لا يُفِيدُ العِلْمَ بِخُصُوصِيَّةِ تِلْكَ الماهِيَّةِ المَلْزُومَةِ، لِأنَّهُ لا يَمْتَنِعُ في العَقْلِ اشْتِراكُ الماهِيّاتِ المُخْتَلِفَةِ في لَوازِمَ مُتَساوِيَةٍ. فَثَبَتَ أنَّ التَّعْرِيفَ بِالوَصْفِ الخارِجِيِّ لا يُفِيدُ مَعْرِفَةَ نَفْسِ الحَقِيقَةِ فَلَمْ يَكُنْ كَوْنُهُ رَبًّا لِلسَّمَواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما جَوابًا عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وما رَبُّ العالَمِينَ﴾ فَأجابَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنْ: ﴿قالَ رَبُّكم ورَبُّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ وكَأنَّهُ عَدَلَ عَنِ التَّعْرِيفِ بِخالِقَيَّةِ السَّماءِ والأرْضِ إلى التَّعْرِيفِ بِكَوْنِهِ تَعالى خالِقًا لَنا ولِآبائِنا، وذَلِكَ لِأنَّهُ لا يَمْتَنِعُ أنْ يَعْتَقِدَ أحَدٌ أنَّ السَّماواتِ والأرَضِينَ واجِبَةٌ لِذَواتِها فَهي غَنِيَّةٌ عَنِ الخالِقِ والمُؤَثِّرِ، ولَكِنْ لا يُمْكِنُ أنْ يَعْتَقِدَ العاقِلُ في نَفْسِهِ وأبِيهِ وأجْدادِهِ كَوْنَهم واجِبِينَ لِذَواتِهِمْ، لِما أنَّ المُشاهَدَةَ دَلَّتْ عَلى أنَّهم وُجِدُوا بَعْدَ العَدَمِ ثُمَّ عُدِمُوا بَعْدَ الوُجُودِ، وما كانَ كَذَلِكَ اسْتَحالَ أنْ يَكُونَ واجِبًا لِذاتِهِ، وما لَمْ يَكُنْ واجِبًا لِذاتِهِ اسْتَحالَ وُجُودُهُ إلّا لِمُؤَثِّرٍ، فَكانَ التَّعْرِيفُ بِهَذا الأثَرِ أظْهَرَ فَلِهَذا عَدَلَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الكَلامِ الأوَّلِ إلَيْهِ. فَقالَ فِرْعَوْنُ: ﴿إنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْكم لَمَجْنُونٌ﴾ يَعْنِي المَقْصُودَ مِن سُؤالِ ما طَلَبُ الماهِيَّةِ وخُصُوصِيَّةِ الحَقِيقَةِ والتَّعْرِيفُ بِهَذِهِ الآثارِ الخارِجِيَّةِ لا يُفِيدُ البَتَّةَ تِلْكَ الخُصُوصِيَّةَ، فَهَذا الَّذِي يَدَّعِي الرِّسالَةَ مَجْنُونٌ لا يَفْهَمُ السُّؤالَ فَضْلًا عَنْ أنْ يُجِيبَ عَنْهُ، فَقالَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ وما بَيْنَهُما إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ فَعَدَلَ إلى طَرِيقٍ ثالِثٍ أوْضَحَ مِنَ الثّانِي، وذَلِكَ لِأنَّهُ أرادَ بِالمَشْرِقِ طُلُوعَ الشَّمْسِ وظُهُورَ النَّهارِ، وأرادَ بِالمَغْرِبِ غُرُوبَ الشَّمْسِ وزَوالَ النَّهارِ، والأمْرُ ظاهِرٌ في أنَّ هَذا التَّدْبِيرَ المُسْتَمِرَّ عَلى الوجه العَجِيبِ لا يَتِمُّ إلّا بِتَدْبِيرِ مُدَبِّرٍ وهَذا بِعَيْنِهِ طَرِيقَةُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ نَمْرُوذَ، فَإنَّهُ اسْتَدَلَّ أوَّلًا بِالإحْياءِ والإماتَةِ وهو الَّذِي ذَكَرَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ هَهُنا بِقَوْلِهِ: ﴿رَبُّكم ورَبُّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ فَأجابَهُ نَمْرُوذُ بِقَوْلِهِ: ﴿أنا أُحْيِي وأُمِيتُ﴾ [البقرة: ٢٥٨] فَقالَ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ المَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ المَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ [البقرة: ٢٥٨] وهو الَّذِي ذَكَرَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ هَهُنا بِقَوْلِهِ: ﴿رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ﴾ .
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ فَكَأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: إنْ كُنْتَ مِنَ العُقَلاءِ عَرَفْتَ أنَّهُ لا جَوابَ عَنْ سُؤالِكَ إلّا ما ذَكَرْتَ لِأنَّكَ طَلَبْتَ مِنِّي تَعْرِيفَ حَقِيقَتِهِ
صفحة ١١٣
بِنَفْسِ حَقِيقَتِهِ ولا بِأجْزاءِ حَقِيقَتِهِ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنْ أُعَرِّفَ حَقِيقَتَهُ بِآثارِ حَقِيقَتِهِ، وأنا قَدْ عَرَّفْتُ حَقِيقَتَهُ بِآثارِ حَقِيقَتِهِ فَقَدْ ثَبَتَ أنَّ كُلَّ مَن كانَ عاقِلًا يَقْطَعُ بِأنَّهُ لا جَوابَ عَنْ هَذا السُّؤالِ إلّا ما ذَكَرْتُهُ.
واعْلَمْ أنّا قَدْ بَيَّنّا في سُورَةِ الأنْعامِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهُوَ القاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ﴾ [الأنعام: ١٨] أنَّ حَقِيقَةَ الإلَهِ سُبْحانَهُ مِن حَيْثُ هي هي غَيْرُ مَعْقُولَةٍ لِلْبَشَرِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ اسْتَحالَ مِن مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يَذْكُرَ ما تُعْرَفُ بِهِ تِلْكَ الحَقِيقَةُ، إلّا أنَّ عَدَمَ العِلْمِ بِتِلْكَ الخُصُوصِيَّةِ لا يَقْدَحُ في صِحَّةِ الرِّسالَةِ فَكانَ حاصِلُ كَلامِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّ ادِّعاءَ رِسالَةِ رَبِّ العالَمِينَ تَتَوَقَّفُ صِحَّتُهُ عَلى إثْباتِ أنَّ لِلْعالِمِينَ رَبًّا وإلَهًا ولا تَتَوَقَّفُ عَلى العِلْمِ بِخُصُوصِيَّةِ الرَّبِّ تَعالى وماهِيَّتِهِ المُعَيَّنَةِ، فَكَأنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ يُقِيمُ الدَّلالَةَ عَلى إثْباتِ القَدْرِ المُحْتاجِ إلَيْهِ في صِحَّةِ دَعْوى الرِّسالَةِ، وفِرْعَوْنُ يُطالِبُهُ بِبَيانِ الماهِيَّةِ، ومُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يُعْرِضُ عَنْ سُؤالِهِ لِعِلْمِهِ بِأنَّهُ لا تَعَلُّقَ لِذَلِكَ السُّؤالِ نَفْيًا ولا إثْباتًا في هَذا المَطْلُوبِ، فَهَذا تَمامُ القَوْلِ في هَذا البَحْثِ واللَّهُ أعْلَمُ.
ثُمَّ إنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا خَشَّنَ في آخِرِ الكَلامِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ فَعِنْدَ ذَلِكَ قالَ فِرْعَوْنُ: ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إلَهًا غَيْرِي لَأجْعَلَنَّكَ مِنَ المَسْجُونِينَ﴾ فَإنَّهُ لَمّا عَجَزَ عَنِ الحِجاجِ عَدَلَ إلى التَّخْوِيفِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ ذَكَرَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كَلامًا مُجْمَلًا لِيُعَلِّقَ قَلْبَهُ بِهِ فَيَعْدِلَ عَنْ وعِيدِهِ فَقالَ: ﴿أوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾ ؟ أيْ هَلْ تَسْتَجِيزُ أنْ تَسْجُنَنِي مَعَ اقْتِدارِي عَلى أنْ آتِيَكَ بِأمْرٍ بَيِّنٍ في بابِ الدَّلالَةِ عَلى وُجُودِ اللَّهِ تَعالى وعَلى أنِّي رَسُولُهُ ؟ فَعِنْدَ ذَلِكَ قالَ: ﴿فَأْتِ بِهِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ وهَهُنا فُرُوعٌ:
الفَرْعُ الأوَّلُ: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى لَيْسَ بِجِسْمٍ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ جِسْمًا ولَهُ صُورَةٌ لَكانَ جَوابُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِذِكْرِ حَقِيقَتِهِ ولَكانَ كَلامُ فِرْعَوْنَ لازِمًا لَهُ لِعُدُولِهِ عَنِ الجَوابِ الحَقِّ.
الثّانِي: الواجِبُ عَلى مَن يَدْعُو غَيْرَهُ إلى اللَّهِ تَعالى أنْ لا يُجِيبَ عَنِ السَّفاهَةِ؛ لِأنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا قالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إنَّهُ مَجْنُونٌ لَمْ يَعْدِلْ عَنْ ذِكْرِ الدَّلالَةِ وكَذَلِكَ لَمّا تَوَعَّدَهُ أنْ يَسْجُنَهُ.
الثّالِثُ: أنَّهُ يَجُوزُ لِلْمَسْئُولِ أنْ يَعْدِلَ في حُجَّتِهِ مِن مِثالٍ إلى مِثالٍ لِإيضاحِ الكَلامِ ولا يَدُلُّ ذَلِكَ عَلى الِانْقِطاعِ.
الرّابِعُ: إنْ قِيلَ: كَيْفَ قَطَعَ الكَلامَ بِما لا تَعَلُّقَ لَهُ بِالأوَّلِ وهو قَوْلُهُ: ﴿أوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾ والمُعْجِزُ لا يَدُلُّ عَلى اللَّهِ تَعالى كَدَلالَةِ سائِرِ ما تَقَدَّمَ ؟ قُلْنا: بَلْ يَدُلُّ ما أرادَ أنْ يُظْهِرَهُ مِنَ انْقِلابِ العَصا حَيَّةً عَلى اللَّهِ تَعالى وعَلى تَوْحِيدِهِ، وعَلى أنَّهُ صادِقٌ في الرِّسالَةِ فالَّذِي خَتَمَ بِهِ كَلامَهُ أقْوى مِن كُلِّ ما تَقَدَّمَ وأجْمَعُ.
الخامِسُ: فَإنْ قِيلَ كَيْفَ قالَ: ﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما﴾ عَلى التَّثْنِيَةِ والمَرْجُوعُ إلَيْهِ مَجْمُوعٌ ؟ جَوابُهُ: أرِيدَ ما بَيْنَ الجِهَتَيْنِ، فَإنْ قِيلَ: ذِكْرُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما قَدِ اسْتَوْعَبَ الخَلائِقَ كُلَّهم، فَما مَعْنى ذِكْرُهم وذِكْرُ آبائِهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ وذِكْرُ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ ؟ جَوابُهُ: قَدْ عَمَّمَ أوَّلًا ثُمَّ خَصَّصَ مِنَ العامِّ لِلْبَيانِ أنْفُسَهم وآباءَهم لِأنَّ أقْرَبَ الأشْياءِ مِنَ العاقِلِ نَفْسُهُ ومَن وُلِدَ مِنهُ وما شاهَدَ مِنَ انْتِقالِهِ مِن وقْتِ مِيلادِهِ إلى وقْتِ وفاتِهِ مِن حالَةٍ إلى حالَةٍ أُخْرى، ثُمَّ خَصَّصَ المَشْرِقَ والمَغْرِبَ لِأنَّ طُلُوعَ الشَّمْسِ مِن أحَدِ الخافِقَيْنِ وغُرُوبَها عَلى تَقْدِيرٍ مُسْتَقِيمٍ في فُصُولِ السَّنَةِ مِن أظْهَرِ الدَّلائِلِ.
السّادِسُ: فَإنْ قِيلَ لِمَ قالَ: ﴿لَأجْعَلَنَّكَ مِنَ المَسْجُونِينَ﴾ ولَمْ يَقُلْ لَأسْجُنَنَّكَ مَعَ أنَّهُ أخْصَرُ ؟ جَوابُهُ: لِأنَّهُ لَوْ قالَ لَأسْجُنَنَّكَ لا يُفِيدُ إلّا صَيْرُورَتَهُ مَسْجُونًا. أمّا قَوْلُهُ: ﴿لَأجْعَلَنَّكَ مِنَ المَسْجُونِينَ﴾ فَمَعْناهُ أنِّي أجْعَلُكَ واحِدًا مِمَّنْ عَرَفْتَ حالَهم في سُجُونِي، وكانَ مِن عادَتِهِ أنْ يَأْخُذَ مَن يُرِيدُ أنْ يَسْجُنَهُ فَيَطْرَحَهُ في بِئْرٍ عَمِيقَةٍ فَرْدًا لا يُبْصِرُ فِيها ولا يَسْمَعُ فَكانَ ذَلِكَ أشَدَّ مِنَ القَتْلِ.
السّابِعُ: الواوُ في قَوْلِهِ: ﴿أوَلَوْ جِئْتُكَ﴾ واوُ الحالِ دَخَلَتْ عَلَيْها هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ مَعْناهُ أتَفْعَلُ بِي ذَلِكَ ولَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ أيْ جائِيًا بِالمُعْجِزَةِ.
الشعراء 26:25
صفحة ١١١
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ فِرْعَوْنُ وما رَبُّ العالَمِينَ﴾ ﴿قالَ رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ ﴿قالَ لِمَن حَوْلَهُ ألا تَسْتَمِعُونَ﴾ ﴿قالَ رَبُّكم ورَبُّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿قالَ إنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْكم لَمَجْنُونٌ﴾ ﴿قالَ رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ وما بَيْنَهُما إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ ﴿قالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إلَهًا غَيْرِي لَأجْعَلَنَّكَ مِنَ المَسْجُونِينَ﴾ ﴿قالَ أوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾ ﴿قالَ فَأْتِ بِهِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ فِرْعَوْنَ لَمْ يَقُلْ لِمُوسى ﴿وما رَبُّ العالَمِينَ﴾، إلّا وقَدْ دَعاهُ مُوسى إلى طاعَةِ رَبِّ العالَمِينَ، يُبَيِّنُ ذَلِكَ ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَأْتِيا فِرْعَوْنَ فَقُولا إنّا رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ فَلا بُدَّ عِنْدَ دُخُولِهِما عَلَيْهِ أنَّهُما قالا ذَلِكَ، فَعِنْدَ ذَلِكَ قالَ فِرْعَوْنُ: ﴿وما رَبُّ العالَمِينَ﴾ ثُمَّ هَهُنا بَحْثانِ:
البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّ فِرْعَوْنَ يُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ كانَ عارِفًا بِاللَّهِ، ولَكِنَّهُ قالَ ما قالَ طَلَبًا لِلْمُلْكِ والرِّياسَةِ، وقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى في كِتابِهِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ عارِفًا بِاللَّهِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿قالَ لَقَدْ عَلِمْتَ ما أنْزَلَ هَؤُلاءِ إلّا رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الإسراء: ١٠٢] فَإذا قُرِئَ بِفَتْحِ التّاءِ مِن ﴿عَلِمْتَ﴾ فالمُرادُ أنَّ فِرْعَوْنَ عَلِمَ ذَلِكَ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ عارِفًا بِاللَّهِ، لَكِنَّهُ كانَ يَسْتَأْكِلُ قَوْمَهُ بِما يُظْهِرُهُ مِن إلَهِيَّتِهِ، والقِراءَةُ الأُخْرى بِرَفْعِ التّاءِ مِن (عَلِمْتُ) فَهي تَقْتَضِي أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ هو الَّذِي عَرَفَ ذَلِكَ، وأيْضًا فَإنَّ فِرْعَوْنَ إنْ لَمْ يَكُنْ عاقِلًا لَمْ يَجُزْ مِنَ اللَّهِ تَعالى بَعْثَةُ الرَّسُولِ إلَيْهِ، وإنْ كانَ عاقِلًا فَهو يَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أنَّهُ ما كانَ مَوْجُودًا ولا حَيًّا ولا عاقِلًا ثُمَّ صارَ كَذَلِكَ، وبِالضَّرُورَةِ يَعْلَمُ أنَّ كُلَّ ما كانَ كَذَلِكَ فَلا بُدَّ لَهُ مِن مُؤَثِّرٍ، فَلا بُدَّ وأنْ يَتَوَلَّدَ لَهُ مِن هَذَيْنِ العِلْمَيْنِ عِلْمٌ ثالِثٌ بِافْتِقارِهِ في تَرْكِيبِهِ وفي حَياتِهِ وعَقْلِهِ إلى مُؤَثِّرٍ مُوجِدٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ كانَ عَلى مَذْهَبِ الدَّهْرِيَّةِ مِن أنَّ الأفْلاكَ واجِبَةُ الوُجُودِ في ذَواتِها ومُتَحَرِّكَةٌ لِذَواتِها، وأنَّ حَرَكاتِها أسْبابٌ لِحُصُولِ الحَوادِثِ في هَذا العالَمِ، أوْ يُقالُ: إنَّهُ كانَ مِنَ الفَلاسِفَةِ القائِلِينَ بِالعِلَّةِ المُوجِبَةِ لا بِالفاعِلِ المُخْتارِ، ثُمَّ اعْتَقَدَ أنَّهُ بِمَنزِلَةِ الإلَهِ لِأهْلِ إقْلِيمِهِ مِن حَيْثُ اسْتَعْبَدَهم ومَلَكَ ذِمّاتِهِمْ وزِمامَ أمْرِهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ كانَ عَلى مَذْهَبِ الحُلُولِيَّةِ، القائِلِينَ بِأنَّ ذاتَ الإلَهِ يَتَدَرَّعُ بِجَسَدِ إنْسانٍ مُعَيَّنٍ، حَتّى يَكُونَ الإلَهُ سُبْحانَهُ لِذَلِكَ الجَسَدِ بِمَنزِلَةِ رُوحِ كُلِّ إنْسانٍ بِالنِّسْبَةِ إلى جَسَدِهِ، وبِهَذِهِ التَّقْدِيراتِ كانَ يُسَمِّي نَفْسَهُ إلَهًا.
البَحْثُ الثّانِي: وهو أنَّهُ قالَ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿وما رَبُّ العالَمِينَ﴾ ؟ واعْلَمْ أنَّ السُّؤالَ بِما طَلَبَ لِتَعْرِيفِ حَقِيقَةِ الشَّيْءِ، وتَعْرِيفُ حَقِيقَةِ الشَّيْءِ إمّا أنْ يَكُونَ بِنَفْسِ تِلْكَ الحَقِيقَةِ أوْ بِشَيْءٍ مِن أجْزائِها أوْ بِأمْرٍ خارِجٍ عَنْها أوْ بِما يَتَرَكَّبُ مِنَ الدّاخِلِ والخارِجِ. أمّا تَعْرِيفُها بِنَفْسِها فَمُحالٌ، لِأنَّ المُعَرَّفَ مَعْلُومٌ قَبْلَ المُعَرِّفِ، فَلَوْ عَرَّفَ الشَّيْءَ بِنَفْسِهِ لَزِمَ أنْ يَكُونَ مَعْلُومًا قَبْلَ أنْ يَكُونَ مَعْلُومًا وهو مُحالٌ. وأمّا تَعْرِيفُها بِالأُمُورِ الدّاخِلَةِ فِيها فَهَهُنا في حَقِّ واجِبِ الوُجُودِ مُحالٌ، لِأنَّ التَّعْرِيفَ بِالأُمُورِ الدّاخِلَةِ لا يُمْكِنُ إلّا إذا كانَ المُعَرَّفُ مُرَكَّبًا، وواجِبُ الوُجُودِ يَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ مُرَكَّبًا، لِأنَّ كُلَّ مُرَكَّبٍ فَهو مُحْتاجٌ إلى كُلِّ واحِدٍ مِن أجْزائِهِ، وكُلُّ واحِدٍ مِن أجْزائِهِ فَهو غَيْرُهُ، فَكُلُّ مُرَكَّبٍ مُحْتاجٌ إلى غَيْرِهِ، وكُلُّ ما احْتاجَ إلى غَيْرِهِ فَهو مُمْكِنٌ لِذاتِهِ، وكُلُّ مُرَكَّبٍ فَهو مُمْكِنٌ، فَما لَيْسَ بِمُمْكِنٍ يَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ مُرَكَّبًا، فَواجِبُ الوُجُودِ لَيْسَ بِمُرَكَّبٍ، وإذا لَمْ يَكُنْ مُرَكَّبًا اسْتَحالَ تَعْرِيفُهُ بِأجْزائِهِ، ولَمّا بَطَلَ هَذانِ القِسْمانِ ثَبَتَ أنَّهُ لا يُمْكِنُ تَعْرِيفُ ماهِيَّةِ واجِبِ الوُجُودِ إلّا بِلَوازِمِهِ وآثارِهِ، ثُمَّ إنَّ اللَّوازِمَ قَدْ تَكُونُ خَفِيَّةً، وقَدْ تَكُونُ جَلِيَّةً، ولا يَجُوزُ تَعْرِيفُ الماهِيَّةِ بِاللَّوازِمِ الخَفِيَّةِ بَلْ لا بُدَّ مِن تَعْرِيفِها بِاللَّوازِمِ الجَلِيَّةِ، وأظْهَرُ آثارِ ذاتِ واجِبِ الوُجُودِ هو هَذا العالَمُ المَحْسُوسُ وهو السَّماواتُ
صفحة ١١٢
والأرْضُ وما بَيْنَهُما فَقَدْ ثَبَتَ أنَّهُ لا جَوابَ البَتَّةَ لِقَوْلِ فِرْعَوْنَ ﴿وما رَبُّ العالَمِينَ﴾ إلّا ما قالَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وهو أنَّهُ ﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما﴾، فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ فَمَعْناهُ: إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ بِإسْنادِ هَذِهِ المَحْسُوساتِ إلى مَوْجُودٍ واجِبِ الوُجُودِ فاعْرِفُوا أنَّهُ لا يُمْكِنُ تَعْرِيفُهُ إلّا بِما ذَكَرْتُهُ لِأنَّكم لَمّا سَلَّمْتُمُ انْتِهاءَ هَذِهِ المَحْسُوساتِ إلى الواجِبِ لِذاتِهِ، ثَبَتَ أنَّ الواجِبَ لِذاتِهِ فَرْدٌ مُطْلَقٌ، وثَبَتَ أنَّ الفَرْدَ المُطْلَقَ لا يُمْكِنُ تَعْرِيفُهُ إلّا بِآثارِهِ، وثَبَتَ أنَّ تِلْكَ الآثارَ لا بُدَّ وأنْ تَكُونَ أظْهَرَ آثارِهِ، وأبْعَدَها عَنِ الخَفاءِ وما ذاكَ إلّا السَّماواتُ والأرْضُ وما بَيْنَهُما، فَإنْ أيْقَنْتُمْ بِذَلِكَ لَزِمَكم أنْ تَقْطَعُوا بِأنَّهُ لا جَوابَ عَنْ ذَلِكَ السُّؤالِ إلّا هَذا الجَوابُ، ولَمّا ذَكَرَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ هَذا الجَوابَ الحَقَّ قالَ فِرْعَوْنَ ”﴿لِمَن حَوْلَهُ ألا تَسْتَمِعُونَ﴾“ وإنَّما ذَكَرَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّعَجُّبِ مِن جَوابِ مُوسى، يَعْنِي أنا أطْلُبُ مِنهُ الماهِيَّةَ وخُصُوصِيَّةَ الحَقِيقَةِ، وهو يُجِيبُنِي بِالفاعِلِيَّةِ والمُؤَثِّرِيَّةِ، وتَمامُ الإشْكالِ أنَّ تَعْرِيفَ الماهِيَّةِ بِلَوازِمِها لا يُفِيدُ الوُقُوفَ عَلى نَفْسِ تِلْكَ الماهِيَّةِ، وذَلِكَ لِأنّا إذا قُلْنا في الشَّيْءِ إنَّهُ الَّذِي يَلْزَمُهُ اللّازِمُ الفُلانِيُّ، فَهَذا المَذْكُورُ، إمّا أنْ يَكُونَ مَعْرُوفًا لِمُجَرَّدِ كَوْنِهِ أمْرًا ما يَلْزَمُهُ ذَلِكَ اللّازِمُ أوْ لِخُصُوصِيَّةِ تِلْكَ الماهِيَّةِ الَّتِي عَرَضَتْ لَها هَذِهِ المَلْزُومِيَّةِ، والأوَّلُ مُحالٌ لِأنَّ كَوْنَهُ أمْرًا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ اللّازِمُ جَعَلْناهُ كاشِفًا فَلَوْ كانَ المَكْشُوفُ هو هَذا القَدْرَ لَزِمَ كَوْنُ الشَّيْءِ مَعْرُوفًا لِنَفْسِهِ وهو مُحالٌ، والثّانِي مُحالٌ؛ لِأنَّ العِلْمَ بِأنَّهُ أمْرٌ ما يَلْزَمُهُ اللّازِمُ الفُلانِيُّ لا يُفِيدُ العِلْمَ بِخُصُوصِيَّةِ تِلْكَ الماهِيَّةِ المَلْزُومَةِ، لِأنَّهُ لا يَمْتَنِعُ في العَقْلِ اشْتِراكُ الماهِيّاتِ المُخْتَلِفَةِ في لَوازِمَ مُتَساوِيَةٍ. فَثَبَتَ أنَّ التَّعْرِيفَ بِالوَصْفِ الخارِجِيِّ لا يُفِيدُ مَعْرِفَةَ نَفْسِ الحَقِيقَةِ فَلَمْ يَكُنْ كَوْنُهُ رَبًّا لِلسَّمَواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما جَوابًا عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وما رَبُّ العالَمِينَ﴾ فَأجابَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنْ: ﴿قالَ رَبُّكم ورَبُّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ وكَأنَّهُ عَدَلَ عَنِ التَّعْرِيفِ بِخالِقَيَّةِ السَّماءِ والأرْضِ إلى التَّعْرِيفِ بِكَوْنِهِ تَعالى خالِقًا لَنا ولِآبائِنا، وذَلِكَ لِأنَّهُ لا يَمْتَنِعُ أنْ يَعْتَقِدَ أحَدٌ أنَّ السَّماواتِ والأرَضِينَ واجِبَةٌ لِذَواتِها فَهي غَنِيَّةٌ عَنِ الخالِقِ والمُؤَثِّرِ، ولَكِنْ لا يُمْكِنُ أنْ يَعْتَقِدَ العاقِلُ في نَفْسِهِ وأبِيهِ وأجْدادِهِ كَوْنَهم واجِبِينَ لِذَواتِهِمْ، لِما أنَّ المُشاهَدَةَ دَلَّتْ عَلى أنَّهم وُجِدُوا بَعْدَ العَدَمِ ثُمَّ عُدِمُوا بَعْدَ الوُجُودِ، وما كانَ كَذَلِكَ اسْتَحالَ أنْ يَكُونَ واجِبًا لِذاتِهِ، وما لَمْ يَكُنْ واجِبًا لِذاتِهِ اسْتَحالَ وُجُودُهُ إلّا لِمُؤَثِّرٍ، فَكانَ التَّعْرِيفُ بِهَذا الأثَرِ أظْهَرَ فَلِهَذا عَدَلَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الكَلامِ الأوَّلِ إلَيْهِ. فَقالَ فِرْعَوْنُ: ﴿إنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْكم لَمَجْنُونٌ﴾ يَعْنِي المَقْصُودَ مِن سُؤالِ ما طَلَبُ الماهِيَّةِ وخُصُوصِيَّةِ الحَقِيقَةِ والتَّعْرِيفُ بِهَذِهِ الآثارِ الخارِجِيَّةِ لا يُفِيدُ البَتَّةَ تِلْكَ الخُصُوصِيَّةَ، فَهَذا الَّذِي يَدَّعِي الرِّسالَةَ مَجْنُونٌ لا يَفْهَمُ السُّؤالَ فَضْلًا عَنْ أنْ يُجِيبَ عَنْهُ، فَقالَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ وما بَيْنَهُما إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ فَعَدَلَ إلى طَرِيقٍ ثالِثٍ أوْضَحَ مِنَ الثّانِي، وذَلِكَ لِأنَّهُ أرادَ بِالمَشْرِقِ طُلُوعَ الشَّمْسِ وظُهُورَ النَّهارِ، وأرادَ بِالمَغْرِبِ غُرُوبَ الشَّمْسِ وزَوالَ النَّهارِ، والأمْرُ ظاهِرٌ في أنَّ هَذا التَّدْبِيرَ المُسْتَمِرَّ عَلى الوجه العَجِيبِ لا يَتِمُّ إلّا بِتَدْبِيرِ مُدَبِّرٍ وهَذا بِعَيْنِهِ طَرِيقَةُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ نَمْرُوذَ، فَإنَّهُ اسْتَدَلَّ أوَّلًا بِالإحْياءِ والإماتَةِ وهو الَّذِي ذَكَرَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ هَهُنا بِقَوْلِهِ: ﴿رَبُّكم ورَبُّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ فَأجابَهُ نَمْرُوذُ بِقَوْلِهِ: ﴿أنا أُحْيِي وأُمِيتُ﴾ [البقرة: ٢٥٨] فَقالَ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ المَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ المَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ [البقرة: ٢٥٨] وهو الَّذِي ذَكَرَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ هَهُنا بِقَوْلِهِ: ﴿رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ﴾ .
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ فَكَأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: إنْ كُنْتَ مِنَ العُقَلاءِ عَرَفْتَ أنَّهُ لا جَوابَ عَنْ سُؤالِكَ إلّا ما ذَكَرْتَ لِأنَّكَ طَلَبْتَ مِنِّي تَعْرِيفَ حَقِيقَتِهِ
صفحة ١١٣
بِنَفْسِ حَقِيقَتِهِ ولا بِأجْزاءِ حَقِيقَتِهِ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنْ أُعَرِّفَ حَقِيقَتَهُ بِآثارِ حَقِيقَتِهِ، وأنا قَدْ عَرَّفْتُ حَقِيقَتَهُ بِآثارِ حَقِيقَتِهِ فَقَدْ ثَبَتَ أنَّ كُلَّ مَن كانَ عاقِلًا يَقْطَعُ بِأنَّهُ لا جَوابَ عَنْ هَذا السُّؤالِ إلّا ما ذَكَرْتُهُ.
واعْلَمْ أنّا قَدْ بَيَّنّا في سُورَةِ الأنْعامِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهُوَ القاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ﴾ [الأنعام: ١٨] أنَّ حَقِيقَةَ الإلَهِ سُبْحانَهُ مِن حَيْثُ هي هي غَيْرُ مَعْقُولَةٍ لِلْبَشَرِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ اسْتَحالَ مِن مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يَذْكُرَ ما تُعْرَفُ بِهِ تِلْكَ الحَقِيقَةُ، إلّا أنَّ عَدَمَ العِلْمِ بِتِلْكَ الخُصُوصِيَّةِ لا يَقْدَحُ في صِحَّةِ الرِّسالَةِ فَكانَ حاصِلُ كَلامِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّ ادِّعاءَ رِسالَةِ رَبِّ العالَمِينَ تَتَوَقَّفُ صِحَّتُهُ عَلى إثْباتِ أنَّ لِلْعالِمِينَ رَبًّا وإلَهًا ولا تَتَوَقَّفُ عَلى العِلْمِ بِخُصُوصِيَّةِ الرَّبِّ تَعالى وماهِيَّتِهِ المُعَيَّنَةِ، فَكَأنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ يُقِيمُ الدَّلالَةَ عَلى إثْباتِ القَدْرِ المُحْتاجِ إلَيْهِ في صِحَّةِ دَعْوى الرِّسالَةِ، وفِرْعَوْنُ يُطالِبُهُ بِبَيانِ الماهِيَّةِ، ومُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يُعْرِضُ عَنْ سُؤالِهِ لِعِلْمِهِ بِأنَّهُ لا تَعَلُّقَ لِذَلِكَ السُّؤالِ نَفْيًا ولا إثْباتًا في هَذا المَطْلُوبِ، فَهَذا تَمامُ القَوْلِ في هَذا البَحْثِ واللَّهُ أعْلَمُ.
ثُمَّ إنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا خَشَّنَ في آخِرِ الكَلامِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ فَعِنْدَ ذَلِكَ قالَ فِرْعَوْنُ: ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إلَهًا غَيْرِي لَأجْعَلَنَّكَ مِنَ المَسْجُونِينَ﴾ فَإنَّهُ لَمّا عَجَزَ عَنِ الحِجاجِ عَدَلَ إلى التَّخْوِيفِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ ذَكَرَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كَلامًا مُجْمَلًا لِيُعَلِّقَ قَلْبَهُ بِهِ فَيَعْدِلَ عَنْ وعِيدِهِ فَقالَ: ﴿أوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾ ؟ أيْ هَلْ تَسْتَجِيزُ أنْ تَسْجُنَنِي مَعَ اقْتِدارِي عَلى أنْ آتِيَكَ بِأمْرٍ بَيِّنٍ في بابِ الدَّلالَةِ عَلى وُجُودِ اللَّهِ تَعالى وعَلى أنِّي رَسُولُهُ ؟ فَعِنْدَ ذَلِكَ قالَ: ﴿فَأْتِ بِهِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ وهَهُنا فُرُوعٌ:
الفَرْعُ الأوَّلُ: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى لَيْسَ بِجِسْمٍ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ جِسْمًا ولَهُ صُورَةٌ لَكانَ جَوابُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِذِكْرِ حَقِيقَتِهِ ولَكانَ كَلامُ فِرْعَوْنَ لازِمًا لَهُ لِعُدُولِهِ عَنِ الجَوابِ الحَقِّ.
الثّانِي: الواجِبُ عَلى مَن يَدْعُو غَيْرَهُ إلى اللَّهِ تَعالى أنْ لا يُجِيبَ عَنِ السَّفاهَةِ؛ لِأنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا قالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إنَّهُ مَجْنُونٌ لَمْ يَعْدِلْ عَنْ ذِكْرِ الدَّلالَةِ وكَذَلِكَ لَمّا تَوَعَّدَهُ أنْ يَسْجُنَهُ.
الثّالِثُ: أنَّهُ يَجُوزُ لِلْمَسْئُولِ أنْ يَعْدِلَ في حُجَّتِهِ مِن مِثالٍ إلى مِثالٍ لِإيضاحِ الكَلامِ ولا يَدُلُّ ذَلِكَ عَلى الِانْقِطاعِ.
الرّابِعُ: إنْ قِيلَ: كَيْفَ قَطَعَ الكَلامَ بِما لا تَعَلُّقَ لَهُ بِالأوَّلِ وهو قَوْلُهُ: ﴿أوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾ والمُعْجِزُ لا يَدُلُّ عَلى اللَّهِ تَعالى كَدَلالَةِ سائِرِ ما تَقَدَّمَ ؟ قُلْنا: بَلْ يَدُلُّ ما أرادَ أنْ يُظْهِرَهُ مِنَ انْقِلابِ العَصا حَيَّةً عَلى اللَّهِ تَعالى وعَلى تَوْحِيدِهِ، وعَلى أنَّهُ صادِقٌ في الرِّسالَةِ فالَّذِي خَتَمَ بِهِ كَلامَهُ أقْوى مِن كُلِّ ما تَقَدَّمَ وأجْمَعُ.
الخامِسُ: فَإنْ قِيلَ كَيْفَ قالَ: ﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما﴾ عَلى التَّثْنِيَةِ والمَرْجُوعُ إلَيْهِ مَجْمُوعٌ ؟ جَوابُهُ: أرِيدَ ما بَيْنَ الجِهَتَيْنِ، فَإنْ قِيلَ: ذِكْرُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما قَدِ اسْتَوْعَبَ الخَلائِقَ كُلَّهم، فَما مَعْنى ذِكْرُهم وذِكْرُ آبائِهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ وذِكْرُ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ ؟ جَوابُهُ: قَدْ عَمَّمَ أوَّلًا ثُمَّ خَصَّصَ مِنَ العامِّ لِلْبَيانِ أنْفُسَهم وآباءَهم لِأنَّ أقْرَبَ الأشْياءِ مِنَ العاقِلِ نَفْسُهُ ومَن وُلِدَ مِنهُ وما شاهَدَ مِنَ انْتِقالِهِ مِن وقْتِ مِيلادِهِ إلى وقْتِ وفاتِهِ مِن حالَةٍ إلى حالَةٍ أُخْرى، ثُمَّ خَصَّصَ المَشْرِقَ والمَغْرِبَ لِأنَّ طُلُوعَ الشَّمْسِ مِن أحَدِ الخافِقَيْنِ وغُرُوبَها عَلى تَقْدِيرٍ مُسْتَقِيمٍ في فُصُولِ السَّنَةِ مِن أظْهَرِ الدَّلائِلِ.
السّادِسُ: فَإنْ قِيلَ لِمَ قالَ: ﴿لَأجْعَلَنَّكَ مِنَ المَسْجُونِينَ﴾ ولَمْ يَقُلْ لَأسْجُنَنَّكَ مَعَ أنَّهُ أخْصَرُ ؟ جَوابُهُ: لِأنَّهُ لَوْ قالَ لَأسْجُنَنَّكَ لا يُفِيدُ إلّا صَيْرُورَتَهُ مَسْجُونًا. أمّا قَوْلُهُ: ﴿لَأجْعَلَنَّكَ مِنَ المَسْجُونِينَ﴾ فَمَعْناهُ أنِّي أجْعَلُكَ واحِدًا مِمَّنْ عَرَفْتَ حالَهم في سُجُونِي، وكانَ مِن عادَتِهِ أنْ يَأْخُذَ مَن يُرِيدُ أنْ يَسْجُنَهُ فَيَطْرَحَهُ في بِئْرٍ عَمِيقَةٍ فَرْدًا لا يُبْصِرُ فِيها ولا يَسْمَعُ فَكانَ ذَلِكَ أشَدَّ مِنَ القَتْلِ.
السّابِعُ: الواوُ في قَوْلِهِ: ﴿أوَلَوْ جِئْتُكَ﴾ واوُ الحالِ دَخَلَتْ عَلَيْها هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ مَعْناهُ أتَفْعَلُ بِي ذَلِكَ ولَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ أيْ جائِيًا بِالمُعْجِزَةِ.
الشعراء 26:26
صفحة ١١١
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ فِرْعَوْنُ وما رَبُّ العالَمِينَ﴾ ﴿قالَ رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ ﴿قالَ لِمَن حَوْلَهُ ألا تَسْتَمِعُونَ﴾ ﴿قالَ رَبُّكم ورَبُّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿قالَ إنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْكم لَمَجْنُونٌ﴾ ﴿قالَ رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ وما بَيْنَهُما إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ ﴿قالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إلَهًا غَيْرِي لَأجْعَلَنَّكَ مِنَ المَسْجُونِينَ﴾ ﴿قالَ أوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾ ﴿قالَ فَأْتِ بِهِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ فِرْعَوْنَ لَمْ يَقُلْ لِمُوسى ﴿وما رَبُّ العالَمِينَ﴾، إلّا وقَدْ دَعاهُ مُوسى إلى طاعَةِ رَبِّ العالَمِينَ، يُبَيِّنُ ذَلِكَ ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَأْتِيا فِرْعَوْنَ فَقُولا إنّا رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ فَلا بُدَّ عِنْدَ دُخُولِهِما عَلَيْهِ أنَّهُما قالا ذَلِكَ، فَعِنْدَ ذَلِكَ قالَ فِرْعَوْنُ: ﴿وما رَبُّ العالَمِينَ﴾ ثُمَّ هَهُنا بَحْثانِ:
البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّ فِرْعَوْنَ يُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ كانَ عارِفًا بِاللَّهِ، ولَكِنَّهُ قالَ ما قالَ طَلَبًا لِلْمُلْكِ والرِّياسَةِ، وقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى في كِتابِهِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ عارِفًا بِاللَّهِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿قالَ لَقَدْ عَلِمْتَ ما أنْزَلَ هَؤُلاءِ إلّا رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الإسراء: ١٠٢] فَإذا قُرِئَ بِفَتْحِ التّاءِ مِن ﴿عَلِمْتَ﴾ فالمُرادُ أنَّ فِرْعَوْنَ عَلِمَ ذَلِكَ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ عارِفًا بِاللَّهِ، لَكِنَّهُ كانَ يَسْتَأْكِلُ قَوْمَهُ بِما يُظْهِرُهُ مِن إلَهِيَّتِهِ، والقِراءَةُ الأُخْرى بِرَفْعِ التّاءِ مِن (عَلِمْتُ) فَهي تَقْتَضِي أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ هو الَّذِي عَرَفَ ذَلِكَ، وأيْضًا فَإنَّ فِرْعَوْنَ إنْ لَمْ يَكُنْ عاقِلًا لَمْ يَجُزْ مِنَ اللَّهِ تَعالى بَعْثَةُ الرَّسُولِ إلَيْهِ، وإنْ كانَ عاقِلًا فَهو يَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أنَّهُ ما كانَ مَوْجُودًا ولا حَيًّا ولا عاقِلًا ثُمَّ صارَ كَذَلِكَ، وبِالضَّرُورَةِ يَعْلَمُ أنَّ كُلَّ ما كانَ كَذَلِكَ فَلا بُدَّ لَهُ مِن مُؤَثِّرٍ، فَلا بُدَّ وأنْ يَتَوَلَّدَ لَهُ مِن هَذَيْنِ العِلْمَيْنِ عِلْمٌ ثالِثٌ بِافْتِقارِهِ في تَرْكِيبِهِ وفي حَياتِهِ وعَقْلِهِ إلى مُؤَثِّرٍ مُوجِدٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ كانَ عَلى مَذْهَبِ الدَّهْرِيَّةِ مِن أنَّ الأفْلاكَ واجِبَةُ الوُجُودِ في ذَواتِها ومُتَحَرِّكَةٌ لِذَواتِها، وأنَّ حَرَكاتِها أسْبابٌ لِحُصُولِ الحَوادِثِ في هَذا العالَمِ، أوْ يُقالُ: إنَّهُ كانَ مِنَ الفَلاسِفَةِ القائِلِينَ بِالعِلَّةِ المُوجِبَةِ لا بِالفاعِلِ المُخْتارِ، ثُمَّ اعْتَقَدَ أنَّهُ بِمَنزِلَةِ الإلَهِ لِأهْلِ إقْلِيمِهِ مِن حَيْثُ اسْتَعْبَدَهم ومَلَكَ ذِمّاتِهِمْ وزِمامَ أمْرِهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ كانَ عَلى مَذْهَبِ الحُلُولِيَّةِ، القائِلِينَ بِأنَّ ذاتَ الإلَهِ يَتَدَرَّعُ بِجَسَدِ إنْسانٍ مُعَيَّنٍ، حَتّى يَكُونَ الإلَهُ سُبْحانَهُ لِذَلِكَ الجَسَدِ بِمَنزِلَةِ رُوحِ كُلِّ إنْسانٍ بِالنِّسْبَةِ إلى جَسَدِهِ، وبِهَذِهِ التَّقْدِيراتِ كانَ يُسَمِّي نَفْسَهُ إلَهًا.
البَحْثُ الثّانِي: وهو أنَّهُ قالَ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿وما رَبُّ العالَمِينَ﴾ ؟ واعْلَمْ أنَّ السُّؤالَ بِما طَلَبَ لِتَعْرِيفِ حَقِيقَةِ الشَّيْءِ، وتَعْرِيفُ حَقِيقَةِ الشَّيْءِ إمّا أنْ يَكُونَ بِنَفْسِ تِلْكَ الحَقِيقَةِ أوْ بِشَيْءٍ مِن أجْزائِها أوْ بِأمْرٍ خارِجٍ عَنْها أوْ بِما يَتَرَكَّبُ مِنَ الدّاخِلِ والخارِجِ. أمّا تَعْرِيفُها بِنَفْسِها فَمُحالٌ، لِأنَّ المُعَرَّفَ مَعْلُومٌ قَبْلَ المُعَرِّفِ، فَلَوْ عَرَّفَ الشَّيْءَ بِنَفْسِهِ لَزِمَ أنْ يَكُونَ مَعْلُومًا قَبْلَ أنْ يَكُونَ مَعْلُومًا وهو مُحالٌ. وأمّا تَعْرِيفُها بِالأُمُورِ الدّاخِلَةِ فِيها فَهَهُنا في حَقِّ واجِبِ الوُجُودِ مُحالٌ، لِأنَّ التَّعْرِيفَ بِالأُمُورِ الدّاخِلَةِ لا يُمْكِنُ إلّا إذا كانَ المُعَرَّفُ مُرَكَّبًا، وواجِبُ الوُجُودِ يَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ مُرَكَّبًا، لِأنَّ كُلَّ مُرَكَّبٍ فَهو مُحْتاجٌ إلى كُلِّ واحِدٍ مِن أجْزائِهِ، وكُلُّ واحِدٍ مِن أجْزائِهِ فَهو غَيْرُهُ، فَكُلُّ مُرَكَّبٍ مُحْتاجٌ إلى غَيْرِهِ، وكُلُّ ما احْتاجَ إلى غَيْرِهِ فَهو مُمْكِنٌ لِذاتِهِ، وكُلُّ مُرَكَّبٍ فَهو مُمْكِنٌ، فَما لَيْسَ بِمُمْكِنٍ يَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ مُرَكَّبًا، فَواجِبُ الوُجُودِ لَيْسَ بِمُرَكَّبٍ، وإذا لَمْ يَكُنْ مُرَكَّبًا اسْتَحالَ تَعْرِيفُهُ بِأجْزائِهِ، ولَمّا بَطَلَ هَذانِ القِسْمانِ ثَبَتَ أنَّهُ لا يُمْكِنُ تَعْرِيفُ ماهِيَّةِ واجِبِ الوُجُودِ إلّا بِلَوازِمِهِ وآثارِهِ، ثُمَّ إنَّ اللَّوازِمَ قَدْ تَكُونُ خَفِيَّةً، وقَدْ تَكُونُ جَلِيَّةً، ولا يَجُوزُ تَعْرِيفُ الماهِيَّةِ بِاللَّوازِمِ الخَفِيَّةِ بَلْ لا بُدَّ مِن تَعْرِيفِها بِاللَّوازِمِ الجَلِيَّةِ، وأظْهَرُ آثارِ ذاتِ واجِبِ الوُجُودِ هو هَذا العالَمُ المَحْسُوسُ وهو السَّماواتُ
صفحة ١١٢
والأرْضُ وما بَيْنَهُما فَقَدْ ثَبَتَ أنَّهُ لا جَوابَ البَتَّةَ لِقَوْلِ فِرْعَوْنَ ﴿وما رَبُّ العالَمِينَ﴾ إلّا ما قالَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وهو أنَّهُ ﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما﴾، فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ فَمَعْناهُ: إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ بِإسْنادِ هَذِهِ المَحْسُوساتِ إلى مَوْجُودٍ واجِبِ الوُجُودِ فاعْرِفُوا أنَّهُ لا يُمْكِنُ تَعْرِيفُهُ إلّا بِما ذَكَرْتُهُ لِأنَّكم لَمّا سَلَّمْتُمُ انْتِهاءَ هَذِهِ المَحْسُوساتِ إلى الواجِبِ لِذاتِهِ، ثَبَتَ أنَّ الواجِبَ لِذاتِهِ فَرْدٌ مُطْلَقٌ، وثَبَتَ أنَّ الفَرْدَ المُطْلَقَ لا يُمْكِنُ تَعْرِيفُهُ إلّا بِآثارِهِ، وثَبَتَ أنَّ تِلْكَ الآثارَ لا بُدَّ وأنْ تَكُونَ أظْهَرَ آثارِهِ، وأبْعَدَها عَنِ الخَفاءِ وما ذاكَ إلّا السَّماواتُ والأرْضُ وما بَيْنَهُما، فَإنْ أيْقَنْتُمْ بِذَلِكَ لَزِمَكم أنْ تَقْطَعُوا بِأنَّهُ لا جَوابَ عَنْ ذَلِكَ السُّؤالِ إلّا هَذا الجَوابُ، ولَمّا ذَكَرَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ هَذا الجَوابَ الحَقَّ قالَ فِرْعَوْنَ ”﴿لِمَن حَوْلَهُ ألا تَسْتَمِعُونَ﴾“ وإنَّما ذَكَرَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّعَجُّبِ مِن جَوابِ مُوسى، يَعْنِي أنا أطْلُبُ مِنهُ الماهِيَّةَ وخُصُوصِيَّةَ الحَقِيقَةِ، وهو يُجِيبُنِي بِالفاعِلِيَّةِ والمُؤَثِّرِيَّةِ، وتَمامُ الإشْكالِ أنَّ تَعْرِيفَ الماهِيَّةِ بِلَوازِمِها لا يُفِيدُ الوُقُوفَ عَلى نَفْسِ تِلْكَ الماهِيَّةِ، وذَلِكَ لِأنّا إذا قُلْنا في الشَّيْءِ إنَّهُ الَّذِي يَلْزَمُهُ اللّازِمُ الفُلانِيُّ، فَهَذا المَذْكُورُ، إمّا أنْ يَكُونَ مَعْرُوفًا لِمُجَرَّدِ كَوْنِهِ أمْرًا ما يَلْزَمُهُ ذَلِكَ اللّازِمُ أوْ لِخُصُوصِيَّةِ تِلْكَ الماهِيَّةِ الَّتِي عَرَضَتْ لَها هَذِهِ المَلْزُومِيَّةِ، والأوَّلُ مُحالٌ لِأنَّ كَوْنَهُ أمْرًا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ اللّازِمُ جَعَلْناهُ كاشِفًا فَلَوْ كانَ المَكْشُوفُ هو هَذا القَدْرَ لَزِمَ كَوْنُ الشَّيْءِ مَعْرُوفًا لِنَفْسِهِ وهو مُحالٌ، والثّانِي مُحالٌ؛ لِأنَّ العِلْمَ بِأنَّهُ أمْرٌ ما يَلْزَمُهُ اللّازِمُ الفُلانِيُّ لا يُفِيدُ العِلْمَ بِخُصُوصِيَّةِ تِلْكَ الماهِيَّةِ المَلْزُومَةِ، لِأنَّهُ لا يَمْتَنِعُ في العَقْلِ اشْتِراكُ الماهِيّاتِ المُخْتَلِفَةِ في لَوازِمَ مُتَساوِيَةٍ. فَثَبَتَ أنَّ التَّعْرِيفَ بِالوَصْفِ الخارِجِيِّ لا يُفِيدُ مَعْرِفَةَ نَفْسِ الحَقِيقَةِ فَلَمْ يَكُنْ كَوْنُهُ رَبًّا لِلسَّمَواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما جَوابًا عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وما رَبُّ العالَمِينَ﴾ فَأجابَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنْ: ﴿قالَ رَبُّكم ورَبُّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ وكَأنَّهُ عَدَلَ عَنِ التَّعْرِيفِ بِخالِقَيَّةِ السَّماءِ والأرْضِ إلى التَّعْرِيفِ بِكَوْنِهِ تَعالى خالِقًا لَنا ولِآبائِنا، وذَلِكَ لِأنَّهُ لا يَمْتَنِعُ أنْ يَعْتَقِدَ أحَدٌ أنَّ السَّماواتِ والأرَضِينَ واجِبَةٌ لِذَواتِها فَهي غَنِيَّةٌ عَنِ الخالِقِ والمُؤَثِّرِ، ولَكِنْ لا يُمْكِنُ أنْ يَعْتَقِدَ العاقِلُ في نَفْسِهِ وأبِيهِ وأجْدادِهِ كَوْنَهم واجِبِينَ لِذَواتِهِمْ، لِما أنَّ المُشاهَدَةَ دَلَّتْ عَلى أنَّهم وُجِدُوا بَعْدَ العَدَمِ ثُمَّ عُدِمُوا بَعْدَ الوُجُودِ، وما كانَ كَذَلِكَ اسْتَحالَ أنْ يَكُونَ واجِبًا لِذاتِهِ، وما لَمْ يَكُنْ واجِبًا لِذاتِهِ اسْتَحالَ وُجُودُهُ إلّا لِمُؤَثِّرٍ، فَكانَ التَّعْرِيفُ بِهَذا الأثَرِ أظْهَرَ فَلِهَذا عَدَلَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الكَلامِ الأوَّلِ إلَيْهِ. فَقالَ فِرْعَوْنُ: ﴿إنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْكم لَمَجْنُونٌ﴾ يَعْنِي المَقْصُودَ مِن سُؤالِ ما طَلَبُ الماهِيَّةِ وخُصُوصِيَّةِ الحَقِيقَةِ والتَّعْرِيفُ بِهَذِهِ الآثارِ الخارِجِيَّةِ لا يُفِيدُ البَتَّةَ تِلْكَ الخُصُوصِيَّةَ، فَهَذا الَّذِي يَدَّعِي الرِّسالَةَ مَجْنُونٌ لا يَفْهَمُ السُّؤالَ فَضْلًا عَنْ أنْ يُجِيبَ عَنْهُ، فَقالَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ وما بَيْنَهُما إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ فَعَدَلَ إلى طَرِيقٍ ثالِثٍ أوْضَحَ مِنَ الثّانِي، وذَلِكَ لِأنَّهُ أرادَ بِالمَشْرِقِ طُلُوعَ الشَّمْسِ وظُهُورَ النَّهارِ، وأرادَ بِالمَغْرِبِ غُرُوبَ الشَّمْسِ وزَوالَ النَّهارِ، والأمْرُ ظاهِرٌ في أنَّ هَذا التَّدْبِيرَ المُسْتَمِرَّ عَلى الوجه العَجِيبِ لا يَتِمُّ إلّا بِتَدْبِيرِ مُدَبِّرٍ وهَذا بِعَيْنِهِ طَرِيقَةُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ نَمْرُوذَ، فَإنَّهُ اسْتَدَلَّ أوَّلًا بِالإحْياءِ والإماتَةِ وهو الَّذِي ذَكَرَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ هَهُنا بِقَوْلِهِ: ﴿رَبُّكم ورَبُّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ فَأجابَهُ نَمْرُوذُ بِقَوْلِهِ: ﴿أنا أُحْيِي وأُمِيتُ﴾ [البقرة: ٢٥٨] فَقالَ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ المَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ المَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ [البقرة: ٢٥٨] وهو الَّذِي ذَكَرَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ هَهُنا بِقَوْلِهِ: ﴿رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ﴾ .
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ فَكَأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: إنْ كُنْتَ مِنَ العُقَلاءِ عَرَفْتَ أنَّهُ لا جَوابَ عَنْ سُؤالِكَ إلّا ما ذَكَرْتَ لِأنَّكَ طَلَبْتَ مِنِّي تَعْرِيفَ حَقِيقَتِهِ
صفحة ١١٣
بِنَفْسِ حَقِيقَتِهِ ولا بِأجْزاءِ حَقِيقَتِهِ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنْ أُعَرِّفَ حَقِيقَتَهُ بِآثارِ حَقِيقَتِهِ، وأنا قَدْ عَرَّفْتُ حَقِيقَتَهُ بِآثارِ حَقِيقَتِهِ فَقَدْ ثَبَتَ أنَّ كُلَّ مَن كانَ عاقِلًا يَقْطَعُ بِأنَّهُ لا جَوابَ عَنْ هَذا السُّؤالِ إلّا ما ذَكَرْتُهُ.
واعْلَمْ أنّا قَدْ بَيَّنّا في سُورَةِ الأنْعامِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهُوَ القاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ﴾ [الأنعام: ١٨] أنَّ حَقِيقَةَ الإلَهِ سُبْحانَهُ مِن حَيْثُ هي هي غَيْرُ مَعْقُولَةٍ لِلْبَشَرِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ اسْتَحالَ مِن مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يَذْكُرَ ما تُعْرَفُ بِهِ تِلْكَ الحَقِيقَةُ، إلّا أنَّ عَدَمَ العِلْمِ بِتِلْكَ الخُصُوصِيَّةِ لا يَقْدَحُ في صِحَّةِ الرِّسالَةِ فَكانَ حاصِلُ كَلامِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّ ادِّعاءَ رِسالَةِ رَبِّ العالَمِينَ تَتَوَقَّفُ صِحَّتُهُ عَلى إثْباتِ أنَّ لِلْعالِمِينَ رَبًّا وإلَهًا ولا تَتَوَقَّفُ عَلى العِلْمِ بِخُصُوصِيَّةِ الرَّبِّ تَعالى وماهِيَّتِهِ المُعَيَّنَةِ، فَكَأنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ يُقِيمُ الدَّلالَةَ عَلى إثْباتِ القَدْرِ المُحْتاجِ إلَيْهِ في صِحَّةِ دَعْوى الرِّسالَةِ، وفِرْعَوْنُ يُطالِبُهُ بِبَيانِ الماهِيَّةِ، ومُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يُعْرِضُ عَنْ سُؤالِهِ لِعِلْمِهِ بِأنَّهُ لا تَعَلُّقَ لِذَلِكَ السُّؤالِ نَفْيًا ولا إثْباتًا في هَذا المَطْلُوبِ، فَهَذا تَمامُ القَوْلِ في هَذا البَحْثِ واللَّهُ أعْلَمُ.
ثُمَّ إنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا خَشَّنَ في آخِرِ الكَلامِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ فَعِنْدَ ذَلِكَ قالَ فِرْعَوْنُ: ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إلَهًا غَيْرِي لَأجْعَلَنَّكَ مِنَ المَسْجُونِينَ﴾ فَإنَّهُ لَمّا عَجَزَ عَنِ الحِجاجِ عَدَلَ إلى التَّخْوِيفِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ ذَكَرَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كَلامًا مُجْمَلًا لِيُعَلِّقَ قَلْبَهُ بِهِ فَيَعْدِلَ عَنْ وعِيدِهِ فَقالَ: ﴿أوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾ ؟ أيْ هَلْ تَسْتَجِيزُ أنْ تَسْجُنَنِي مَعَ اقْتِدارِي عَلى أنْ آتِيَكَ بِأمْرٍ بَيِّنٍ في بابِ الدَّلالَةِ عَلى وُجُودِ اللَّهِ تَعالى وعَلى أنِّي رَسُولُهُ ؟ فَعِنْدَ ذَلِكَ قالَ: ﴿فَأْتِ بِهِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ وهَهُنا فُرُوعٌ:
الفَرْعُ الأوَّلُ: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى لَيْسَ بِجِسْمٍ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ جِسْمًا ولَهُ صُورَةٌ لَكانَ جَوابُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِذِكْرِ حَقِيقَتِهِ ولَكانَ كَلامُ فِرْعَوْنَ لازِمًا لَهُ لِعُدُولِهِ عَنِ الجَوابِ الحَقِّ.
الثّانِي: الواجِبُ عَلى مَن يَدْعُو غَيْرَهُ إلى اللَّهِ تَعالى أنْ لا يُجِيبَ عَنِ السَّفاهَةِ؛ لِأنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا قالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إنَّهُ مَجْنُونٌ لَمْ يَعْدِلْ عَنْ ذِكْرِ الدَّلالَةِ وكَذَلِكَ لَمّا تَوَعَّدَهُ أنْ يَسْجُنَهُ.
الثّالِثُ: أنَّهُ يَجُوزُ لِلْمَسْئُولِ أنْ يَعْدِلَ في حُجَّتِهِ مِن مِثالٍ إلى مِثالٍ لِإيضاحِ الكَلامِ ولا يَدُلُّ ذَلِكَ عَلى الِانْقِطاعِ.
الرّابِعُ: إنْ قِيلَ: كَيْفَ قَطَعَ الكَلامَ بِما لا تَعَلُّقَ لَهُ بِالأوَّلِ وهو قَوْلُهُ: ﴿أوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾ والمُعْجِزُ لا يَدُلُّ عَلى اللَّهِ تَعالى كَدَلالَةِ سائِرِ ما تَقَدَّمَ ؟ قُلْنا: بَلْ يَدُلُّ ما أرادَ أنْ يُظْهِرَهُ مِنَ انْقِلابِ العَصا حَيَّةً عَلى اللَّهِ تَعالى وعَلى تَوْحِيدِهِ، وعَلى أنَّهُ صادِقٌ في الرِّسالَةِ فالَّذِي خَتَمَ بِهِ كَلامَهُ أقْوى مِن كُلِّ ما تَقَدَّمَ وأجْمَعُ.
الخامِسُ: فَإنْ قِيلَ كَيْفَ قالَ: ﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما﴾ عَلى التَّثْنِيَةِ والمَرْجُوعُ إلَيْهِ مَجْمُوعٌ ؟ جَوابُهُ: أرِيدَ ما بَيْنَ الجِهَتَيْنِ، فَإنْ قِيلَ: ذِكْرُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما قَدِ اسْتَوْعَبَ الخَلائِقَ كُلَّهم، فَما مَعْنى ذِكْرُهم وذِكْرُ آبائِهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ وذِكْرُ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ ؟ جَوابُهُ: قَدْ عَمَّمَ أوَّلًا ثُمَّ خَصَّصَ مِنَ العامِّ لِلْبَيانِ أنْفُسَهم وآباءَهم لِأنَّ أقْرَبَ الأشْياءِ مِنَ العاقِلِ نَفْسُهُ ومَن وُلِدَ مِنهُ وما شاهَدَ مِنَ انْتِقالِهِ مِن وقْتِ مِيلادِهِ إلى وقْتِ وفاتِهِ مِن حالَةٍ إلى حالَةٍ أُخْرى، ثُمَّ خَصَّصَ المَشْرِقَ والمَغْرِبَ لِأنَّ طُلُوعَ الشَّمْسِ مِن أحَدِ الخافِقَيْنِ وغُرُوبَها عَلى تَقْدِيرٍ مُسْتَقِيمٍ في فُصُولِ السَّنَةِ مِن أظْهَرِ الدَّلائِلِ.
السّادِسُ: فَإنْ قِيلَ لِمَ قالَ: ﴿لَأجْعَلَنَّكَ مِنَ المَسْجُونِينَ﴾ ولَمْ يَقُلْ لَأسْجُنَنَّكَ مَعَ أنَّهُ أخْصَرُ ؟ جَوابُهُ: لِأنَّهُ لَوْ قالَ لَأسْجُنَنَّكَ لا يُفِيدُ إلّا صَيْرُورَتَهُ مَسْجُونًا. أمّا قَوْلُهُ: ﴿لَأجْعَلَنَّكَ مِنَ المَسْجُونِينَ﴾ فَمَعْناهُ أنِّي أجْعَلُكَ واحِدًا مِمَّنْ عَرَفْتَ حالَهم في سُجُونِي، وكانَ مِن عادَتِهِ أنْ يَأْخُذَ مَن يُرِيدُ أنْ يَسْجُنَهُ فَيَطْرَحَهُ في بِئْرٍ عَمِيقَةٍ فَرْدًا لا يُبْصِرُ فِيها ولا يَسْمَعُ فَكانَ ذَلِكَ أشَدَّ مِنَ القَتْلِ.
السّابِعُ: الواوُ في قَوْلِهِ: ﴿أوَلَوْ جِئْتُكَ﴾ واوُ الحالِ دَخَلَتْ عَلَيْها هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ مَعْناهُ أتَفْعَلُ بِي ذَلِكَ ولَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ أيْ جائِيًا بِالمُعْجِزَةِ.
الشعراء 26:27
صفحة ١١١
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ فِرْعَوْنُ وما رَبُّ العالَمِينَ﴾ ﴿قالَ رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ ﴿قالَ لِمَن حَوْلَهُ ألا تَسْتَمِعُونَ﴾ ﴿قالَ رَبُّكم ورَبُّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿قالَ إنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْكم لَمَجْنُونٌ﴾ ﴿قالَ رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ وما بَيْنَهُما إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ ﴿قالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إلَهًا غَيْرِي لَأجْعَلَنَّكَ مِنَ المَسْجُونِينَ﴾ ﴿قالَ أوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾ ﴿قالَ فَأْتِ بِهِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ فِرْعَوْنَ لَمْ يَقُلْ لِمُوسى ﴿وما رَبُّ العالَمِينَ﴾، إلّا وقَدْ دَعاهُ مُوسى إلى طاعَةِ رَبِّ العالَمِينَ، يُبَيِّنُ ذَلِكَ ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَأْتِيا فِرْعَوْنَ فَقُولا إنّا رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ فَلا بُدَّ عِنْدَ دُخُولِهِما عَلَيْهِ أنَّهُما قالا ذَلِكَ، فَعِنْدَ ذَلِكَ قالَ فِرْعَوْنُ: ﴿وما رَبُّ العالَمِينَ﴾ ثُمَّ هَهُنا بَحْثانِ:
البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّ فِرْعَوْنَ يُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ كانَ عارِفًا بِاللَّهِ، ولَكِنَّهُ قالَ ما قالَ طَلَبًا لِلْمُلْكِ والرِّياسَةِ، وقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى في كِتابِهِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ عارِفًا بِاللَّهِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿قالَ لَقَدْ عَلِمْتَ ما أنْزَلَ هَؤُلاءِ إلّا رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الإسراء: ١٠٢] فَإذا قُرِئَ بِفَتْحِ التّاءِ مِن ﴿عَلِمْتَ﴾ فالمُرادُ أنَّ فِرْعَوْنَ عَلِمَ ذَلِكَ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ عارِفًا بِاللَّهِ، لَكِنَّهُ كانَ يَسْتَأْكِلُ قَوْمَهُ بِما يُظْهِرُهُ مِن إلَهِيَّتِهِ، والقِراءَةُ الأُخْرى بِرَفْعِ التّاءِ مِن (عَلِمْتُ) فَهي تَقْتَضِي أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ هو الَّذِي عَرَفَ ذَلِكَ، وأيْضًا فَإنَّ فِرْعَوْنَ إنْ لَمْ يَكُنْ عاقِلًا لَمْ يَجُزْ مِنَ اللَّهِ تَعالى بَعْثَةُ الرَّسُولِ إلَيْهِ، وإنْ كانَ عاقِلًا فَهو يَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أنَّهُ ما كانَ مَوْجُودًا ولا حَيًّا ولا عاقِلًا ثُمَّ صارَ كَذَلِكَ، وبِالضَّرُورَةِ يَعْلَمُ أنَّ كُلَّ ما كانَ كَذَلِكَ فَلا بُدَّ لَهُ مِن مُؤَثِّرٍ، فَلا بُدَّ وأنْ يَتَوَلَّدَ لَهُ مِن هَذَيْنِ العِلْمَيْنِ عِلْمٌ ثالِثٌ بِافْتِقارِهِ في تَرْكِيبِهِ وفي حَياتِهِ وعَقْلِهِ إلى مُؤَثِّرٍ مُوجِدٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ كانَ عَلى مَذْهَبِ الدَّهْرِيَّةِ مِن أنَّ الأفْلاكَ واجِبَةُ الوُجُودِ في ذَواتِها ومُتَحَرِّكَةٌ لِذَواتِها، وأنَّ حَرَكاتِها أسْبابٌ لِحُصُولِ الحَوادِثِ في هَذا العالَمِ، أوْ يُقالُ: إنَّهُ كانَ مِنَ الفَلاسِفَةِ القائِلِينَ بِالعِلَّةِ المُوجِبَةِ لا بِالفاعِلِ المُخْتارِ، ثُمَّ اعْتَقَدَ أنَّهُ بِمَنزِلَةِ الإلَهِ لِأهْلِ إقْلِيمِهِ مِن حَيْثُ اسْتَعْبَدَهم ومَلَكَ ذِمّاتِهِمْ وزِمامَ أمْرِهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ كانَ عَلى مَذْهَبِ الحُلُولِيَّةِ، القائِلِينَ بِأنَّ ذاتَ الإلَهِ يَتَدَرَّعُ بِجَسَدِ إنْسانٍ مُعَيَّنٍ، حَتّى يَكُونَ الإلَهُ سُبْحانَهُ لِذَلِكَ الجَسَدِ بِمَنزِلَةِ رُوحِ كُلِّ إنْسانٍ بِالنِّسْبَةِ إلى جَسَدِهِ، وبِهَذِهِ التَّقْدِيراتِ كانَ يُسَمِّي نَفْسَهُ إلَهًا.
البَحْثُ الثّانِي: وهو أنَّهُ قالَ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿وما رَبُّ العالَمِينَ﴾ ؟ واعْلَمْ أنَّ السُّؤالَ بِما طَلَبَ لِتَعْرِيفِ حَقِيقَةِ الشَّيْءِ، وتَعْرِيفُ حَقِيقَةِ الشَّيْءِ إمّا أنْ يَكُونَ بِنَفْسِ تِلْكَ الحَقِيقَةِ أوْ بِشَيْءٍ مِن أجْزائِها أوْ بِأمْرٍ خارِجٍ عَنْها أوْ بِما يَتَرَكَّبُ مِنَ الدّاخِلِ والخارِجِ. أمّا تَعْرِيفُها بِنَفْسِها فَمُحالٌ، لِأنَّ المُعَرَّفَ مَعْلُومٌ قَبْلَ المُعَرِّفِ، فَلَوْ عَرَّفَ الشَّيْءَ بِنَفْسِهِ لَزِمَ أنْ يَكُونَ مَعْلُومًا قَبْلَ أنْ يَكُونَ مَعْلُومًا وهو مُحالٌ. وأمّا تَعْرِيفُها بِالأُمُورِ الدّاخِلَةِ فِيها فَهَهُنا في حَقِّ واجِبِ الوُجُودِ مُحالٌ، لِأنَّ التَّعْرِيفَ بِالأُمُورِ الدّاخِلَةِ لا يُمْكِنُ إلّا إذا كانَ المُعَرَّفُ مُرَكَّبًا، وواجِبُ الوُجُودِ يَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ مُرَكَّبًا، لِأنَّ كُلَّ مُرَكَّبٍ فَهو مُحْتاجٌ إلى كُلِّ واحِدٍ مِن أجْزائِهِ، وكُلُّ واحِدٍ مِن أجْزائِهِ فَهو غَيْرُهُ، فَكُلُّ مُرَكَّبٍ مُحْتاجٌ إلى غَيْرِهِ، وكُلُّ ما احْتاجَ إلى غَيْرِهِ فَهو مُمْكِنٌ لِذاتِهِ، وكُلُّ مُرَكَّبٍ فَهو مُمْكِنٌ، فَما لَيْسَ بِمُمْكِنٍ يَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ مُرَكَّبًا، فَواجِبُ الوُجُودِ لَيْسَ بِمُرَكَّبٍ، وإذا لَمْ يَكُنْ مُرَكَّبًا اسْتَحالَ تَعْرِيفُهُ بِأجْزائِهِ، ولَمّا بَطَلَ هَذانِ القِسْمانِ ثَبَتَ أنَّهُ لا يُمْكِنُ تَعْرِيفُ ماهِيَّةِ واجِبِ الوُجُودِ إلّا بِلَوازِمِهِ وآثارِهِ، ثُمَّ إنَّ اللَّوازِمَ قَدْ تَكُونُ خَفِيَّةً، وقَدْ تَكُونُ جَلِيَّةً، ولا يَجُوزُ تَعْرِيفُ الماهِيَّةِ بِاللَّوازِمِ الخَفِيَّةِ بَلْ لا بُدَّ مِن تَعْرِيفِها بِاللَّوازِمِ الجَلِيَّةِ، وأظْهَرُ آثارِ ذاتِ واجِبِ الوُجُودِ هو هَذا العالَمُ المَحْسُوسُ وهو السَّماواتُ
صفحة ١١٢
والأرْضُ وما بَيْنَهُما فَقَدْ ثَبَتَ أنَّهُ لا جَوابَ البَتَّةَ لِقَوْلِ فِرْعَوْنَ ﴿وما رَبُّ العالَمِينَ﴾ إلّا ما قالَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وهو أنَّهُ ﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما﴾، فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ فَمَعْناهُ: إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ بِإسْنادِ هَذِهِ المَحْسُوساتِ إلى مَوْجُودٍ واجِبِ الوُجُودِ فاعْرِفُوا أنَّهُ لا يُمْكِنُ تَعْرِيفُهُ إلّا بِما ذَكَرْتُهُ لِأنَّكم لَمّا سَلَّمْتُمُ انْتِهاءَ هَذِهِ المَحْسُوساتِ إلى الواجِبِ لِذاتِهِ، ثَبَتَ أنَّ الواجِبَ لِذاتِهِ فَرْدٌ مُطْلَقٌ، وثَبَتَ أنَّ الفَرْدَ المُطْلَقَ لا يُمْكِنُ تَعْرِيفُهُ إلّا بِآثارِهِ، وثَبَتَ أنَّ تِلْكَ الآثارَ لا بُدَّ وأنْ تَكُونَ أظْهَرَ آثارِهِ، وأبْعَدَها عَنِ الخَفاءِ وما ذاكَ إلّا السَّماواتُ والأرْضُ وما بَيْنَهُما، فَإنْ أيْقَنْتُمْ بِذَلِكَ لَزِمَكم أنْ تَقْطَعُوا بِأنَّهُ لا جَوابَ عَنْ ذَلِكَ السُّؤالِ إلّا هَذا الجَوابُ، ولَمّا ذَكَرَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ هَذا الجَوابَ الحَقَّ قالَ فِرْعَوْنَ ”﴿لِمَن حَوْلَهُ ألا تَسْتَمِعُونَ﴾“ وإنَّما ذَكَرَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّعَجُّبِ مِن جَوابِ مُوسى، يَعْنِي أنا أطْلُبُ مِنهُ الماهِيَّةَ وخُصُوصِيَّةَ الحَقِيقَةِ، وهو يُجِيبُنِي بِالفاعِلِيَّةِ والمُؤَثِّرِيَّةِ، وتَمامُ الإشْكالِ أنَّ تَعْرِيفَ الماهِيَّةِ بِلَوازِمِها لا يُفِيدُ الوُقُوفَ عَلى نَفْسِ تِلْكَ الماهِيَّةِ، وذَلِكَ لِأنّا إذا قُلْنا في الشَّيْءِ إنَّهُ الَّذِي يَلْزَمُهُ اللّازِمُ الفُلانِيُّ، فَهَذا المَذْكُورُ، إمّا أنْ يَكُونَ مَعْرُوفًا لِمُجَرَّدِ كَوْنِهِ أمْرًا ما يَلْزَمُهُ ذَلِكَ اللّازِمُ أوْ لِخُصُوصِيَّةِ تِلْكَ الماهِيَّةِ الَّتِي عَرَضَتْ لَها هَذِهِ المَلْزُومِيَّةِ، والأوَّلُ مُحالٌ لِأنَّ كَوْنَهُ أمْرًا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ اللّازِمُ جَعَلْناهُ كاشِفًا فَلَوْ كانَ المَكْشُوفُ هو هَذا القَدْرَ لَزِمَ كَوْنُ الشَّيْءِ مَعْرُوفًا لِنَفْسِهِ وهو مُحالٌ، والثّانِي مُحالٌ؛ لِأنَّ العِلْمَ بِأنَّهُ أمْرٌ ما يَلْزَمُهُ اللّازِمُ الفُلانِيُّ لا يُفِيدُ العِلْمَ بِخُصُوصِيَّةِ تِلْكَ الماهِيَّةِ المَلْزُومَةِ، لِأنَّهُ لا يَمْتَنِعُ في العَقْلِ اشْتِراكُ الماهِيّاتِ المُخْتَلِفَةِ في لَوازِمَ مُتَساوِيَةٍ. فَثَبَتَ أنَّ التَّعْرِيفَ بِالوَصْفِ الخارِجِيِّ لا يُفِيدُ مَعْرِفَةَ نَفْسِ الحَقِيقَةِ فَلَمْ يَكُنْ كَوْنُهُ رَبًّا لِلسَّمَواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما جَوابًا عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وما رَبُّ العالَمِينَ﴾ فَأجابَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنْ: ﴿قالَ رَبُّكم ورَبُّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ وكَأنَّهُ عَدَلَ عَنِ التَّعْرِيفِ بِخالِقَيَّةِ السَّماءِ والأرْضِ إلى التَّعْرِيفِ بِكَوْنِهِ تَعالى خالِقًا لَنا ولِآبائِنا، وذَلِكَ لِأنَّهُ لا يَمْتَنِعُ أنْ يَعْتَقِدَ أحَدٌ أنَّ السَّماواتِ والأرَضِينَ واجِبَةٌ لِذَواتِها فَهي غَنِيَّةٌ عَنِ الخالِقِ والمُؤَثِّرِ، ولَكِنْ لا يُمْكِنُ أنْ يَعْتَقِدَ العاقِلُ في نَفْسِهِ وأبِيهِ وأجْدادِهِ كَوْنَهم واجِبِينَ لِذَواتِهِمْ، لِما أنَّ المُشاهَدَةَ دَلَّتْ عَلى أنَّهم وُجِدُوا بَعْدَ العَدَمِ ثُمَّ عُدِمُوا بَعْدَ الوُجُودِ، وما كانَ كَذَلِكَ اسْتَحالَ أنْ يَكُونَ واجِبًا لِذاتِهِ، وما لَمْ يَكُنْ واجِبًا لِذاتِهِ اسْتَحالَ وُجُودُهُ إلّا لِمُؤَثِّرٍ، فَكانَ التَّعْرِيفُ بِهَذا الأثَرِ أظْهَرَ فَلِهَذا عَدَلَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الكَلامِ الأوَّلِ إلَيْهِ. فَقالَ فِرْعَوْنُ: ﴿إنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْكم لَمَجْنُونٌ﴾ يَعْنِي المَقْصُودَ مِن سُؤالِ ما طَلَبُ الماهِيَّةِ وخُصُوصِيَّةِ الحَقِيقَةِ والتَّعْرِيفُ بِهَذِهِ الآثارِ الخارِجِيَّةِ لا يُفِيدُ البَتَّةَ تِلْكَ الخُصُوصِيَّةَ، فَهَذا الَّذِي يَدَّعِي الرِّسالَةَ مَجْنُونٌ لا يَفْهَمُ السُّؤالَ فَضْلًا عَنْ أنْ يُجِيبَ عَنْهُ، فَقالَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ وما بَيْنَهُما إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ فَعَدَلَ إلى طَرِيقٍ ثالِثٍ أوْضَحَ مِنَ الثّانِي، وذَلِكَ لِأنَّهُ أرادَ بِالمَشْرِقِ طُلُوعَ الشَّمْسِ وظُهُورَ النَّهارِ، وأرادَ بِالمَغْرِبِ غُرُوبَ الشَّمْسِ وزَوالَ النَّهارِ، والأمْرُ ظاهِرٌ في أنَّ هَذا التَّدْبِيرَ المُسْتَمِرَّ عَلى الوجه العَجِيبِ لا يَتِمُّ إلّا بِتَدْبِيرِ مُدَبِّرٍ وهَذا بِعَيْنِهِ طَرِيقَةُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ نَمْرُوذَ، فَإنَّهُ اسْتَدَلَّ أوَّلًا بِالإحْياءِ والإماتَةِ وهو الَّذِي ذَكَرَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ هَهُنا بِقَوْلِهِ: ﴿رَبُّكم ورَبُّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ فَأجابَهُ نَمْرُوذُ بِقَوْلِهِ: ﴿أنا أُحْيِي وأُمِيتُ﴾ [البقرة: ٢٥٨] فَقالَ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ المَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ المَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ [البقرة: ٢٥٨] وهو الَّذِي ذَكَرَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ هَهُنا بِقَوْلِهِ: ﴿رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ﴾ .
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ فَكَأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: إنْ كُنْتَ مِنَ العُقَلاءِ عَرَفْتَ أنَّهُ لا جَوابَ عَنْ سُؤالِكَ إلّا ما ذَكَرْتَ لِأنَّكَ طَلَبْتَ مِنِّي تَعْرِيفَ حَقِيقَتِهِ
صفحة ١١٣
بِنَفْسِ حَقِيقَتِهِ ولا بِأجْزاءِ حَقِيقَتِهِ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنْ أُعَرِّفَ حَقِيقَتَهُ بِآثارِ حَقِيقَتِهِ، وأنا قَدْ عَرَّفْتُ حَقِيقَتَهُ بِآثارِ حَقِيقَتِهِ فَقَدْ ثَبَتَ أنَّ كُلَّ مَن كانَ عاقِلًا يَقْطَعُ بِأنَّهُ لا جَوابَ عَنْ هَذا السُّؤالِ إلّا ما ذَكَرْتُهُ.
واعْلَمْ أنّا قَدْ بَيَّنّا في سُورَةِ الأنْعامِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهُوَ القاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ﴾ [الأنعام: ١٨] أنَّ حَقِيقَةَ الإلَهِ سُبْحانَهُ مِن حَيْثُ هي هي غَيْرُ مَعْقُولَةٍ لِلْبَشَرِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ اسْتَحالَ مِن مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يَذْكُرَ ما تُعْرَفُ بِهِ تِلْكَ الحَقِيقَةُ، إلّا أنَّ عَدَمَ العِلْمِ بِتِلْكَ الخُصُوصِيَّةِ لا يَقْدَحُ في صِحَّةِ الرِّسالَةِ فَكانَ حاصِلُ كَلامِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّ ادِّعاءَ رِسالَةِ رَبِّ العالَمِينَ تَتَوَقَّفُ صِحَّتُهُ عَلى إثْباتِ أنَّ لِلْعالِمِينَ رَبًّا وإلَهًا ولا تَتَوَقَّفُ عَلى العِلْمِ بِخُصُوصِيَّةِ الرَّبِّ تَعالى وماهِيَّتِهِ المُعَيَّنَةِ، فَكَأنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ يُقِيمُ الدَّلالَةَ عَلى إثْباتِ القَدْرِ المُحْتاجِ إلَيْهِ في صِحَّةِ دَعْوى الرِّسالَةِ، وفِرْعَوْنُ يُطالِبُهُ بِبَيانِ الماهِيَّةِ، ومُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يُعْرِضُ عَنْ سُؤالِهِ لِعِلْمِهِ بِأنَّهُ لا تَعَلُّقَ لِذَلِكَ السُّؤالِ نَفْيًا ولا إثْباتًا في هَذا المَطْلُوبِ، فَهَذا تَمامُ القَوْلِ في هَذا البَحْثِ واللَّهُ أعْلَمُ.
ثُمَّ إنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا خَشَّنَ في آخِرِ الكَلامِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ فَعِنْدَ ذَلِكَ قالَ فِرْعَوْنُ: ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إلَهًا غَيْرِي لَأجْعَلَنَّكَ مِنَ المَسْجُونِينَ﴾ فَإنَّهُ لَمّا عَجَزَ عَنِ الحِجاجِ عَدَلَ إلى التَّخْوِيفِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ ذَكَرَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كَلامًا مُجْمَلًا لِيُعَلِّقَ قَلْبَهُ بِهِ فَيَعْدِلَ عَنْ وعِيدِهِ فَقالَ: ﴿أوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾ ؟ أيْ هَلْ تَسْتَجِيزُ أنْ تَسْجُنَنِي مَعَ اقْتِدارِي عَلى أنْ آتِيَكَ بِأمْرٍ بَيِّنٍ في بابِ الدَّلالَةِ عَلى وُجُودِ اللَّهِ تَعالى وعَلى أنِّي رَسُولُهُ ؟ فَعِنْدَ ذَلِكَ قالَ: ﴿فَأْتِ بِهِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ وهَهُنا فُرُوعٌ:
الفَرْعُ الأوَّلُ: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى لَيْسَ بِجِسْمٍ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ جِسْمًا ولَهُ صُورَةٌ لَكانَ جَوابُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِذِكْرِ حَقِيقَتِهِ ولَكانَ كَلامُ فِرْعَوْنَ لازِمًا لَهُ لِعُدُولِهِ عَنِ الجَوابِ الحَقِّ.
الثّانِي: الواجِبُ عَلى مَن يَدْعُو غَيْرَهُ إلى اللَّهِ تَعالى أنْ لا يُجِيبَ عَنِ السَّفاهَةِ؛ لِأنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا قالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إنَّهُ مَجْنُونٌ لَمْ يَعْدِلْ عَنْ ذِكْرِ الدَّلالَةِ وكَذَلِكَ لَمّا تَوَعَّدَهُ أنْ يَسْجُنَهُ.
الثّالِثُ: أنَّهُ يَجُوزُ لِلْمَسْئُولِ أنْ يَعْدِلَ في حُجَّتِهِ مِن مِثالٍ إلى مِثالٍ لِإيضاحِ الكَلامِ ولا يَدُلُّ ذَلِكَ عَلى الِانْقِطاعِ.
الرّابِعُ: إنْ قِيلَ: كَيْفَ قَطَعَ الكَلامَ بِما لا تَعَلُّقَ لَهُ بِالأوَّلِ وهو قَوْلُهُ: ﴿أوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾ والمُعْجِزُ لا يَدُلُّ عَلى اللَّهِ تَعالى كَدَلالَةِ سائِرِ ما تَقَدَّمَ ؟ قُلْنا: بَلْ يَدُلُّ ما أرادَ أنْ يُظْهِرَهُ مِنَ انْقِلابِ العَصا حَيَّةً عَلى اللَّهِ تَعالى وعَلى تَوْحِيدِهِ، وعَلى أنَّهُ صادِقٌ في الرِّسالَةِ فالَّذِي خَتَمَ بِهِ كَلامَهُ أقْوى مِن كُلِّ ما تَقَدَّمَ وأجْمَعُ.
الخامِسُ: فَإنْ قِيلَ كَيْفَ قالَ: ﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما﴾ عَلى التَّثْنِيَةِ والمَرْجُوعُ إلَيْهِ مَجْمُوعٌ ؟ جَوابُهُ: أرِيدَ ما بَيْنَ الجِهَتَيْنِ، فَإنْ قِيلَ: ذِكْرُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما قَدِ اسْتَوْعَبَ الخَلائِقَ كُلَّهم، فَما مَعْنى ذِكْرُهم وذِكْرُ آبائِهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ وذِكْرُ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ ؟ جَوابُهُ: قَدْ عَمَّمَ أوَّلًا ثُمَّ خَصَّصَ مِنَ العامِّ لِلْبَيانِ أنْفُسَهم وآباءَهم لِأنَّ أقْرَبَ الأشْياءِ مِنَ العاقِلِ نَفْسُهُ ومَن وُلِدَ مِنهُ وما شاهَدَ مِنَ انْتِقالِهِ مِن وقْتِ مِيلادِهِ إلى وقْتِ وفاتِهِ مِن حالَةٍ إلى حالَةٍ أُخْرى، ثُمَّ خَصَّصَ المَشْرِقَ والمَغْرِبَ لِأنَّ طُلُوعَ الشَّمْسِ مِن أحَدِ الخافِقَيْنِ وغُرُوبَها عَلى تَقْدِيرٍ مُسْتَقِيمٍ في فُصُولِ السَّنَةِ مِن أظْهَرِ الدَّلائِلِ.
السّادِسُ: فَإنْ قِيلَ لِمَ قالَ: ﴿لَأجْعَلَنَّكَ مِنَ المَسْجُونِينَ﴾ ولَمْ يَقُلْ لَأسْجُنَنَّكَ مَعَ أنَّهُ أخْصَرُ ؟ جَوابُهُ: لِأنَّهُ لَوْ قالَ لَأسْجُنَنَّكَ لا يُفِيدُ إلّا صَيْرُورَتَهُ مَسْجُونًا. أمّا قَوْلُهُ: ﴿لَأجْعَلَنَّكَ مِنَ المَسْجُونِينَ﴾ فَمَعْناهُ أنِّي أجْعَلُكَ واحِدًا مِمَّنْ عَرَفْتَ حالَهم في سُجُونِي، وكانَ مِن عادَتِهِ أنْ يَأْخُذَ مَن يُرِيدُ أنْ يَسْجُنَهُ فَيَطْرَحَهُ في بِئْرٍ عَمِيقَةٍ فَرْدًا لا يُبْصِرُ فِيها ولا يَسْمَعُ فَكانَ ذَلِكَ أشَدَّ مِنَ القَتْلِ.
السّابِعُ: الواوُ في قَوْلِهِ: ﴿أوَلَوْ جِئْتُكَ﴾ واوُ الحالِ دَخَلَتْ عَلَيْها هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ مَعْناهُ أتَفْعَلُ بِي ذَلِكَ ولَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ أيْ جائِيًا بِالمُعْجِزَةِ.
الشعراء 26:28
صفحة ١١١
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ فِرْعَوْنُ وما رَبُّ العالَمِينَ﴾ ﴿قالَ رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ ﴿قالَ لِمَن حَوْلَهُ ألا تَسْتَمِعُونَ﴾ ﴿قالَ رَبُّكم ورَبُّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿قالَ إنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْكم لَمَجْنُونٌ﴾ ﴿قالَ رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ وما بَيْنَهُما إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ ﴿قالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إلَهًا غَيْرِي لَأجْعَلَنَّكَ مِنَ المَسْجُونِينَ﴾ ﴿قالَ أوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾ ﴿قالَ فَأْتِ بِهِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ فِرْعَوْنَ لَمْ يَقُلْ لِمُوسى ﴿وما رَبُّ العالَمِينَ﴾، إلّا وقَدْ دَعاهُ مُوسى إلى طاعَةِ رَبِّ العالَمِينَ، يُبَيِّنُ ذَلِكَ ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَأْتِيا فِرْعَوْنَ فَقُولا إنّا رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ فَلا بُدَّ عِنْدَ دُخُولِهِما عَلَيْهِ أنَّهُما قالا ذَلِكَ، فَعِنْدَ ذَلِكَ قالَ فِرْعَوْنُ: ﴿وما رَبُّ العالَمِينَ﴾ ثُمَّ هَهُنا بَحْثانِ:
البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّ فِرْعَوْنَ يُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ كانَ عارِفًا بِاللَّهِ، ولَكِنَّهُ قالَ ما قالَ طَلَبًا لِلْمُلْكِ والرِّياسَةِ، وقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى في كِتابِهِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ عارِفًا بِاللَّهِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿قالَ لَقَدْ عَلِمْتَ ما أنْزَلَ هَؤُلاءِ إلّا رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الإسراء: ١٠٢] فَإذا قُرِئَ بِفَتْحِ التّاءِ مِن ﴿عَلِمْتَ﴾ فالمُرادُ أنَّ فِرْعَوْنَ عَلِمَ ذَلِكَ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ عارِفًا بِاللَّهِ، لَكِنَّهُ كانَ يَسْتَأْكِلُ قَوْمَهُ بِما يُظْهِرُهُ مِن إلَهِيَّتِهِ، والقِراءَةُ الأُخْرى بِرَفْعِ التّاءِ مِن (عَلِمْتُ) فَهي تَقْتَضِي أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ هو الَّذِي عَرَفَ ذَلِكَ، وأيْضًا فَإنَّ فِرْعَوْنَ إنْ لَمْ يَكُنْ عاقِلًا لَمْ يَجُزْ مِنَ اللَّهِ تَعالى بَعْثَةُ الرَّسُولِ إلَيْهِ، وإنْ كانَ عاقِلًا فَهو يَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أنَّهُ ما كانَ مَوْجُودًا ولا حَيًّا ولا عاقِلًا ثُمَّ صارَ كَذَلِكَ، وبِالضَّرُورَةِ يَعْلَمُ أنَّ كُلَّ ما كانَ كَذَلِكَ فَلا بُدَّ لَهُ مِن مُؤَثِّرٍ، فَلا بُدَّ وأنْ يَتَوَلَّدَ لَهُ مِن هَذَيْنِ العِلْمَيْنِ عِلْمٌ ثالِثٌ بِافْتِقارِهِ في تَرْكِيبِهِ وفي حَياتِهِ وعَقْلِهِ إلى مُؤَثِّرٍ مُوجِدٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ كانَ عَلى مَذْهَبِ الدَّهْرِيَّةِ مِن أنَّ الأفْلاكَ واجِبَةُ الوُجُودِ في ذَواتِها ومُتَحَرِّكَةٌ لِذَواتِها، وأنَّ حَرَكاتِها أسْبابٌ لِحُصُولِ الحَوادِثِ في هَذا العالَمِ، أوْ يُقالُ: إنَّهُ كانَ مِنَ الفَلاسِفَةِ القائِلِينَ بِالعِلَّةِ المُوجِبَةِ لا بِالفاعِلِ المُخْتارِ، ثُمَّ اعْتَقَدَ أنَّهُ بِمَنزِلَةِ الإلَهِ لِأهْلِ إقْلِيمِهِ مِن حَيْثُ اسْتَعْبَدَهم ومَلَكَ ذِمّاتِهِمْ وزِمامَ أمْرِهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ كانَ عَلى مَذْهَبِ الحُلُولِيَّةِ، القائِلِينَ بِأنَّ ذاتَ الإلَهِ يَتَدَرَّعُ بِجَسَدِ إنْسانٍ مُعَيَّنٍ، حَتّى يَكُونَ الإلَهُ سُبْحانَهُ لِذَلِكَ الجَسَدِ بِمَنزِلَةِ رُوحِ كُلِّ إنْسانٍ بِالنِّسْبَةِ إلى جَسَدِهِ، وبِهَذِهِ التَّقْدِيراتِ كانَ يُسَمِّي نَفْسَهُ إلَهًا.
البَحْثُ الثّانِي: وهو أنَّهُ قالَ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿وما رَبُّ العالَمِينَ﴾ ؟ واعْلَمْ أنَّ السُّؤالَ بِما طَلَبَ لِتَعْرِيفِ حَقِيقَةِ الشَّيْءِ، وتَعْرِيفُ حَقِيقَةِ الشَّيْءِ إمّا أنْ يَكُونَ بِنَفْسِ تِلْكَ الحَقِيقَةِ أوْ بِشَيْءٍ مِن أجْزائِها أوْ بِأمْرٍ خارِجٍ عَنْها أوْ بِما يَتَرَكَّبُ مِنَ الدّاخِلِ والخارِجِ. أمّا تَعْرِيفُها بِنَفْسِها فَمُحالٌ، لِأنَّ المُعَرَّفَ مَعْلُومٌ قَبْلَ المُعَرِّفِ، فَلَوْ عَرَّفَ الشَّيْءَ بِنَفْسِهِ لَزِمَ أنْ يَكُونَ مَعْلُومًا قَبْلَ أنْ يَكُونَ مَعْلُومًا وهو مُحالٌ. وأمّا تَعْرِيفُها بِالأُمُورِ الدّاخِلَةِ فِيها فَهَهُنا في حَقِّ واجِبِ الوُجُودِ مُحالٌ، لِأنَّ التَّعْرِيفَ بِالأُمُورِ الدّاخِلَةِ لا يُمْكِنُ إلّا إذا كانَ المُعَرَّفُ مُرَكَّبًا، وواجِبُ الوُجُودِ يَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ مُرَكَّبًا، لِأنَّ كُلَّ مُرَكَّبٍ فَهو مُحْتاجٌ إلى كُلِّ واحِدٍ مِن أجْزائِهِ، وكُلُّ واحِدٍ مِن أجْزائِهِ فَهو غَيْرُهُ، فَكُلُّ مُرَكَّبٍ مُحْتاجٌ إلى غَيْرِهِ، وكُلُّ ما احْتاجَ إلى غَيْرِهِ فَهو مُمْكِنٌ لِذاتِهِ، وكُلُّ مُرَكَّبٍ فَهو مُمْكِنٌ، فَما لَيْسَ بِمُمْكِنٍ يَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ مُرَكَّبًا، فَواجِبُ الوُجُودِ لَيْسَ بِمُرَكَّبٍ، وإذا لَمْ يَكُنْ مُرَكَّبًا اسْتَحالَ تَعْرِيفُهُ بِأجْزائِهِ، ولَمّا بَطَلَ هَذانِ القِسْمانِ ثَبَتَ أنَّهُ لا يُمْكِنُ تَعْرِيفُ ماهِيَّةِ واجِبِ الوُجُودِ إلّا بِلَوازِمِهِ وآثارِهِ، ثُمَّ إنَّ اللَّوازِمَ قَدْ تَكُونُ خَفِيَّةً، وقَدْ تَكُونُ جَلِيَّةً، ولا يَجُوزُ تَعْرِيفُ الماهِيَّةِ بِاللَّوازِمِ الخَفِيَّةِ بَلْ لا بُدَّ مِن تَعْرِيفِها بِاللَّوازِمِ الجَلِيَّةِ، وأظْهَرُ آثارِ ذاتِ واجِبِ الوُجُودِ هو هَذا العالَمُ المَحْسُوسُ وهو السَّماواتُ
صفحة ١١٢
والأرْضُ وما بَيْنَهُما فَقَدْ ثَبَتَ أنَّهُ لا جَوابَ البَتَّةَ لِقَوْلِ فِرْعَوْنَ ﴿وما رَبُّ العالَمِينَ﴾ إلّا ما قالَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وهو أنَّهُ ﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما﴾، فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ فَمَعْناهُ: إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ بِإسْنادِ هَذِهِ المَحْسُوساتِ إلى مَوْجُودٍ واجِبِ الوُجُودِ فاعْرِفُوا أنَّهُ لا يُمْكِنُ تَعْرِيفُهُ إلّا بِما ذَكَرْتُهُ لِأنَّكم لَمّا سَلَّمْتُمُ انْتِهاءَ هَذِهِ المَحْسُوساتِ إلى الواجِبِ لِذاتِهِ، ثَبَتَ أنَّ الواجِبَ لِذاتِهِ فَرْدٌ مُطْلَقٌ، وثَبَتَ أنَّ الفَرْدَ المُطْلَقَ لا يُمْكِنُ تَعْرِيفُهُ إلّا بِآثارِهِ، وثَبَتَ أنَّ تِلْكَ الآثارَ لا بُدَّ وأنْ تَكُونَ أظْهَرَ آثارِهِ، وأبْعَدَها عَنِ الخَفاءِ وما ذاكَ إلّا السَّماواتُ والأرْضُ وما بَيْنَهُما، فَإنْ أيْقَنْتُمْ بِذَلِكَ لَزِمَكم أنْ تَقْطَعُوا بِأنَّهُ لا جَوابَ عَنْ ذَلِكَ السُّؤالِ إلّا هَذا الجَوابُ، ولَمّا ذَكَرَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ هَذا الجَوابَ الحَقَّ قالَ فِرْعَوْنَ ”﴿لِمَن حَوْلَهُ ألا تَسْتَمِعُونَ﴾“ وإنَّما ذَكَرَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّعَجُّبِ مِن جَوابِ مُوسى، يَعْنِي أنا أطْلُبُ مِنهُ الماهِيَّةَ وخُصُوصِيَّةَ الحَقِيقَةِ، وهو يُجِيبُنِي بِالفاعِلِيَّةِ والمُؤَثِّرِيَّةِ، وتَمامُ الإشْكالِ أنَّ تَعْرِيفَ الماهِيَّةِ بِلَوازِمِها لا يُفِيدُ الوُقُوفَ عَلى نَفْسِ تِلْكَ الماهِيَّةِ، وذَلِكَ لِأنّا إذا قُلْنا في الشَّيْءِ إنَّهُ الَّذِي يَلْزَمُهُ اللّازِمُ الفُلانِيُّ، فَهَذا المَذْكُورُ، إمّا أنْ يَكُونَ مَعْرُوفًا لِمُجَرَّدِ كَوْنِهِ أمْرًا ما يَلْزَمُهُ ذَلِكَ اللّازِمُ أوْ لِخُصُوصِيَّةِ تِلْكَ الماهِيَّةِ الَّتِي عَرَضَتْ لَها هَذِهِ المَلْزُومِيَّةِ، والأوَّلُ مُحالٌ لِأنَّ كَوْنَهُ أمْرًا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ اللّازِمُ جَعَلْناهُ كاشِفًا فَلَوْ كانَ المَكْشُوفُ هو هَذا القَدْرَ لَزِمَ كَوْنُ الشَّيْءِ مَعْرُوفًا لِنَفْسِهِ وهو مُحالٌ، والثّانِي مُحالٌ؛ لِأنَّ العِلْمَ بِأنَّهُ أمْرٌ ما يَلْزَمُهُ اللّازِمُ الفُلانِيُّ لا يُفِيدُ العِلْمَ بِخُصُوصِيَّةِ تِلْكَ الماهِيَّةِ المَلْزُومَةِ، لِأنَّهُ لا يَمْتَنِعُ في العَقْلِ اشْتِراكُ الماهِيّاتِ المُخْتَلِفَةِ في لَوازِمَ مُتَساوِيَةٍ. فَثَبَتَ أنَّ التَّعْرِيفَ بِالوَصْفِ الخارِجِيِّ لا يُفِيدُ مَعْرِفَةَ نَفْسِ الحَقِيقَةِ فَلَمْ يَكُنْ كَوْنُهُ رَبًّا لِلسَّمَواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما جَوابًا عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وما رَبُّ العالَمِينَ﴾ فَأجابَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنْ: ﴿قالَ رَبُّكم ورَبُّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ وكَأنَّهُ عَدَلَ عَنِ التَّعْرِيفِ بِخالِقَيَّةِ السَّماءِ والأرْضِ إلى التَّعْرِيفِ بِكَوْنِهِ تَعالى خالِقًا لَنا ولِآبائِنا، وذَلِكَ لِأنَّهُ لا يَمْتَنِعُ أنْ يَعْتَقِدَ أحَدٌ أنَّ السَّماواتِ والأرَضِينَ واجِبَةٌ لِذَواتِها فَهي غَنِيَّةٌ عَنِ الخالِقِ والمُؤَثِّرِ، ولَكِنْ لا يُمْكِنُ أنْ يَعْتَقِدَ العاقِلُ في نَفْسِهِ وأبِيهِ وأجْدادِهِ كَوْنَهم واجِبِينَ لِذَواتِهِمْ، لِما أنَّ المُشاهَدَةَ دَلَّتْ عَلى أنَّهم وُجِدُوا بَعْدَ العَدَمِ ثُمَّ عُدِمُوا بَعْدَ الوُجُودِ، وما كانَ كَذَلِكَ اسْتَحالَ أنْ يَكُونَ واجِبًا لِذاتِهِ، وما لَمْ يَكُنْ واجِبًا لِذاتِهِ اسْتَحالَ وُجُودُهُ إلّا لِمُؤَثِّرٍ، فَكانَ التَّعْرِيفُ بِهَذا الأثَرِ أظْهَرَ فَلِهَذا عَدَلَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الكَلامِ الأوَّلِ إلَيْهِ. فَقالَ فِرْعَوْنُ: ﴿إنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْكم لَمَجْنُونٌ﴾ يَعْنِي المَقْصُودَ مِن سُؤالِ ما طَلَبُ الماهِيَّةِ وخُصُوصِيَّةِ الحَقِيقَةِ والتَّعْرِيفُ بِهَذِهِ الآثارِ الخارِجِيَّةِ لا يُفِيدُ البَتَّةَ تِلْكَ الخُصُوصِيَّةَ، فَهَذا الَّذِي يَدَّعِي الرِّسالَةَ مَجْنُونٌ لا يَفْهَمُ السُّؤالَ فَضْلًا عَنْ أنْ يُجِيبَ عَنْهُ، فَقالَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ وما بَيْنَهُما إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ فَعَدَلَ إلى طَرِيقٍ ثالِثٍ أوْضَحَ مِنَ الثّانِي، وذَلِكَ لِأنَّهُ أرادَ بِالمَشْرِقِ طُلُوعَ الشَّمْسِ وظُهُورَ النَّهارِ، وأرادَ بِالمَغْرِبِ غُرُوبَ الشَّمْسِ وزَوالَ النَّهارِ، والأمْرُ ظاهِرٌ في أنَّ هَذا التَّدْبِيرَ المُسْتَمِرَّ عَلى الوجه العَجِيبِ لا يَتِمُّ إلّا بِتَدْبِيرِ مُدَبِّرٍ وهَذا بِعَيْنِهِ طَرِيقَةُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ نَمْرُوذَ، فَإنَّهُ اسْتَدَلَّ أوَّلًا بِالإحْياءِ والإماتَةِ وهو الَّذِي ذَكَرَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ هَهُنا بِقَوْلِهِ: ﴿رَبُّكم ورَبُّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ فَأجابَهُ نَمْرُوذُ بِقَوْلِهِ: ﴿أنا أُحْيِي وأُمِيتُ﴾ [البقرة: ٢٥٨] فَقالَ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ المَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ المَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ [البقرة: ٢٥٨] وهو الَّذِي ذَكَرَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ هَهُنا بِقَوْلِهِ: ﴿رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ﴾ .
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ فَكَأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: إنْ كُنْتَ مِنَ العُقَلاءِ عَرَفْتَ أنَّهُ لا جَوابَ عَنْ سُؤالِكَ إلّا ما ذَكَرْتَ لِأنَّكَ طَلَبْتَ مِنِّي تَعْرِيفَ حَقِيقَتِهِ
صفحة ١١٣
بِنَفْسِ حَقِيقَتِهِ ولا بِأجْزاءِ حَقِيقَتِهِ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنْ أُعَرِّفَ حَقِيقَتَهُ بِآثارِ حَقِيقَتِهِ، وأنا قَدْ عَرَّفْتُ حَقِيقَتَهُ بِآثارِ حَقِيقَتِهِ فَقَدْ ثَبَتَ أنَّ كُلَّ مَن كانَ عاقِلًا يَقْطَعُ بِأنَّهُ لا جَوابَ عَنْ هَذا السُّؤالِ إلّا ما ذَكَرْتُهُ.
واعْلَمْ أنّا قَدْ بَيَّنّا في سُورَةِ الأنْعامِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهُوَ القاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ﴾ [الأنعام: ١٨] أنَّ حَقِيقَةَ الإلَهِ سُبْحانَهُ مِن حَيْثُ هي هي غَيْرُ مَعْقُولَةٍ لِلْبَشَرِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ اسْتَحالَ مِن مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يَذْكُرَ ما تُعْرَفُ بِهِ تِلْكَ الحَقِيقَةُ، إلّا أنَّ عَدَمَ العِلْمِ بِتِلْكَ الخُصُوصِيَّةِ لا يَقْدَحُ في صِحَّةِ الرِّسالَةِ فَكانَ حاصِلُ كَلامِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّ ادِّعاءَ رِسالَةِ رَبِّ العالَمِينَ تَتَوَقَّفُ صِحَّتُهُ عَلى إثْباتِ أنَّ لِلْعالِمِينَ رَبًّا وإلَهًا ولا تَتَوَقَّفُ عَلى العِلْمِ بِخُصُوصِيَّةِ الرَّبِّ تَعالى وماهِيَّتِهِ المُعَيَّنَةِ، فَكَأنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ يُقِيمُ الدَّلالَةَ عَلى إثْباتِ القَدْرِ المُحْتاجِ إلَيْهِ في صِحَّةِ دَعْوى الرِّسالَةِ، وفِرْعَوْنُ يُطالِبُهُ بِبَيانِ الماهِيَّةِ، ومُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يُعْرِضُ عَنْ سُؤالِهِ لِعِلْمِهِ بِأنَّهُ لا تَعَلُّقَ لِذَلِكَ السُّؤالِ نَفْيًا ولا إثْباتًا في هَذا المَطْلُوبِ، فَهَذا تَمامُ القَوْلِ في هَذا البَحْثِ واللَّهُ أعْلَمُ.
ثُمَّ إنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا خَشَّنَ في آخِرِ الكَلامِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ فَعِنْدَ ذَلِكَ قالَ فِرْعَوْنُ: ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إلَهًا غَيْرِي لَأجْعَلَنَّكَ مِنَ المَسْجُونِينَ﴾ فَإنَّهُ لَمّا عَجَزَ عَنِ الحِجاجِ عَدَلَ إلى التَّخْوِيفِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ ذَكَرَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كَلامًا مُجْمَلًا لِيُعَلِّقَ قَلْبَهُ بِهِ فَيَعْدِلَ عَنْ وعِيدِهِ فَقالَ: ﴿أوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾ ؟ أيْ هَلْ تَسْتَجِيزُ أنْ تَسْجُنَنِي مَعَ اقْتِدارِي عَلى أنْ آتِيَكَ بِأمْرٍ بَيِّنٍ في بابِ الدَّلالَةِ عَلى وُجُودِ اللَّهِ تَعالى وعَلى أنِّي رَسُولُهُ ؟ فَعِنْدَ ذَلِكَ قالَ: ﴿فَأْتِ بِهِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ وهَهُنا فُرُوعٌ:
الفَرْعُ الأوَّلُ: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى لَيْسَ بِجِسْمٍ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ جِسْمًا ولَهُ صُورَةٌ لَكانَ جَوابُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِذِكْرِ حَقِيقَتِهِ ولَكانَ كَلامُ فِرْعَوْنَ لازِمًا لَهُ لِعُدُولِهِ عَنِ الجَوابِ الحَقِّ.
الثّانِي: الواجِبُ عَلى مَن يَدْعُو غَيْرَهُ إلى اللَّهِ تَعالى أنْ لا يُجِيبَ عَنِ السَّفاهَةِ؛ لِأنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا قالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إنَّهُ مَجْنُونٌ لَمْ يَعْدِلْ عَنْ ذِكْرِ الدَّلالَةِ وكَذَلِكَ لَمّا تَوَعَّدَهُ أنْ يَسْجُنَهُ.
الثّالِثُ: أنَّهُ يَجُوزُ لِلْمَسْئُولِ أنْ يَعْدِلَ في حُجَّتِهِ مِن مِثالٍ إلى مِثالٍ لِإيضاحِ الكَلامِ ولا يَدُلُّ ذَلِكَ عَلى الِانْقِطاعِ.
الرّابِعُ: إنْ قِيلَ: كَيْفَ قَطَعَ الكَلامَ بِما لا تَعَلُّقَ لَهُ بِالأوَّلِ وهو قَوْلُهُ: ﴿أوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾ والمُعْجِزُ لا يَدُلُّ عَلى اللَّهِ تَعالى كَدَلالَةِ سائِرِ ما تَقَدَّمَ ؟ قُلْنا: بَلْ يَدُلُّ ما أرادَ أنْ يُظْهِرَهُ مِنَ انْقِلابِ العَصا حَيَّةً عَلى اللَّهِ تَعالى وعَلى تَوْحِيدِهِ، وعَلى أنَّهُ صادِقٌ في الرِّسالَةِ فالَّذِي خَتَمَ بِهِ كَلامَهُ أقْوى مِن كُلِّ ما تَقَدَّمَ وأجْمَعُ.
الخامِسُ: فَإنْ قِيلَ كَيْفَ قالَ: ﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما﴾ عَلى التَّثْنِيَةِ والمَرْجُوعُ إلَيْهِ مَجْمُوعٌ ؟ جَوابُهُ: أرِيدَ ما بَيْنَ الجِهَتَيْنِ، فَإنْ قِيلَ: ذِكْرُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما قَدِ اسْتَوْعَبَ الخَلائِقَ كُلَّهم، فَما مَعْنى ذِكْرُهم وذِكْرُ آبائِهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ وذِكْرُ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ ؟ جَوابُهُ: قَدْ عَمَّمَ أوَّلًا ثُمَّ خَصَّصَ مِنَ العامِّ لِلْبَيانِ أنْفُسَهم وآباءَهم لِأنَّ أقْرَبَ الأشْياءِ مِنَ العاقِلِ نَفْسُهُ ومَن وُلِدَ مِنهُ وما شاهَدَ مِنَ انْتِقالِهِ مِن وقْتِ مِيلادِهِ إلى وقْتِ وفاتِهِ مِن حالَةٍ إلى حالَةٍ أُخْرى، ثُمَّ خَصَّصَ المَشْرِقَ والمَغْرِبَ لِأنَّ طُلُوعَ الشَّمْسِ مِن أحَدِ الخافِقَيْنِ وغُرُوبَها عَلى تَقْدِيرٍ مُسْتَقِيمٍ في فُصُولِ السَّنَةِ مِن أظْهَرِ الدَّلائِلِ.
السّادِسُ: فَإنْ قِيلَ لِمَ قالَ: ﴿لَأجْعَلَنَّكَ مِنَ المَسْجُونِينَ﴾ ولَمْ يَقُلْ لَأسْجُنَنَّكَ مَعَ أنَّهُ أخْصَرُ ؟ جَوابُهُ: لِأنَّهُ لَوْ قالَ لَأسْجُنَنَّكَ لا يُفِيدُ إلّا صَيْرُورَتَهُ مَسْجُونًا. أمّا قَوْلُهُ: ﴿لَأجْعَلَنَّكَ مِنَ المَسْجُونِينَ﴾ فَمَعْناهُ أنِّي أجْعَلُكَ واحِدًا مِمَّنْ عَرَفْتَ حالَهم في سُجُونِي، وكانَ مِن عادَتِهِ أنْ يَأْخُذَ مَن يُرِيدُ أنْ يَسْجُنَهُ فَيَطْرَحَهُ في بِئْرٍ عَمِيقَةٍ فَرْدًا لا يُبْصِرُ فِيها ولا يَسْمَعُ فَكانَ ذَلِكَ أشَدَّ مِنَ القَتْلِ.
السّابِعُ: الواوُ في قَوْلِهِ: ﴿أوَلَوْ جِئْتُكَ﴾ واوُ الحالِ دَخَلَتْ عَلَيْها هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ مَعْناهُ أتَفْعَلُ بِي ذَلِكَ ولَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ أيْ جائِيًا بِالمُعْجِزَةِ.
الشعراء 26:29
صفحة ١١١
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ فِرْعَوْنُ وما رَبُّ العالَمِينَ﴾ ﴿قالَ رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ ﴿قالَ لِمَن حَوْلَهُ ألا تَسْتَمِعُونَ﴾ ﴿قالَ رَبُّكم ورَبُّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿قالَ إنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْكم لَمَجْنُونٌ﴾ ﴿قالَ رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ وما بَيْنَهُما إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ ﴿قالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إلَهًا غَيْرِي لَأجْعَلَنَّكَ مِنَ المَسْجُونِينَ﴾ ﴿قالَ أوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾ ﴿قالَ فَأْتِ بِهِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ فِرْعَوْنَ لَمْ يَقُلْ لِمُوسى ﴿وما رَبُّ العالَمِينَ﴾، إلّا وقَدْ دَعاهُ مُوسى إلى طاعَةِ رَبِّ العالَمِينَ، يُبَيِّنُ ذَلِكَ ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَأْتِيا فِرْعَوْنَ فَقُولا إنّا رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ فَلا بُدَّ عِنْدَ دُخُولِهِما عَلَيْهِ أنَّهُما قالا ذَلِكَ، فَعِنْدَ ذَلِكَ قالَ فِرْعَوْنُ: ﴿وما رَبُّ العالَمِينَ﴾ ثُمَّ هَهُنا بَحْثانِ:
البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّ فِرْعَوْنَ يُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ كانَ عارِفًا بِاللَّهِ، ولَكِنَّهُ قالَ ما قالَ طَلَبًا لِلْمُلْكِ والرِّياسَةِ، وقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى في كِتابِهِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ عارِفًا بِاللَّهِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿قالَ لَقَدْ عَلِمْتَ ما أنْزَلَ هَؤُلاءِ إلّا رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الإسراء: ١٠٢] فَإذا قُرِئَ بِفَتْحِ التّاءِ مِن ﴿عَلِمْتَ﴾ فالمُرادُ أنَّ فِرْعَوْنَ عَلِمَ ذَلِكَ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ عارِفًا بِاللَّهِ، لَكِنَّهُ كانَ يَسْتَأْكِلُ قَوْمَهُ بِما يُظْهِرُهُ مِن إلَهِيَّتِهِ، والقِراءَةُ الأُخْرى بِرَفْعِ التّاءِ مِن (عَلِمْتُ) فَهي تَقْتَضِي أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ هو الَّذِي عَرَفَ ذَلِكَ، وأيْضًا فَإنَّ فِرْعَوْنَ إنْ لَمْ يَكُنْ عاقِلًا لَمْ يَجُزْ مِنَ اللَّهِ تَعالى بَعْثَةُ الرَّسُولِ إلَيْهِ، وإنْ كانَ عاقِلًا فَهو يَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أنَّهُ ما كانَ مَوْجُودًا ولا حَيًّا ولا عاقِلًا ثُمَّ صارَ كَذَلِكَ، وبِالضَّرُورَةِ يَعْلَمُ أنَّ كُلَّ ما كانَ كَذَلِكَ فَلا بُدَّ لَهُ مِن مُؤَثِّرٍ، فَلا بُدَّ وأنْ يَتَوَلَّدَ لَهُ مِن هَذَيْنِ العِلْمَيْنِ عِلْمٌ ثالِثٌ بِافْتِقارِهِ في تَرْكِيبِهِ وفي حَياتِهِ وعَقْلِهِ إلى مُؤَثِّرٍ مُوجِدٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ كانَ عَلى مَذْهَبِ الدَّهْرِيَّةِ مِن أنَّ الأفْلاكَ واجِبَةُ الوُجُودِ في ذَواتِها ومُتَحَرِّكَةٌ لِذَواتِها، وأنَّ حَرَكاتِها أسْبابٌ لِحُصُولِ الحَوادِثِ في هَذا العالَمِ، أوْ يُقالُ: إنَّهُ كانَ مِنَ الفَلاسِفَةِ القائِلِينَ بِالعِلَّةِ المُوجِبَةِ لا بِالفاعِلِ المُخْتارِ، ثُمَّ اعْتَقَدَ أنَّهُ بِمَنزِلَةِ الإلَهِ لِأهْلِ إقْلِيمِهِ مِن حَيْثُ اسْتَعْبَدَهم ومَلَكَ ذِمّاتِهِمْ وزِمامَ أمْرِهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ كانَ عَلى مَذْهَبِ الحُلُولِيَّةِ، القائِلِينَ بِأنَّ ذاتَ الإلَهِ يَتَدَرَّعُ بِجَسَدِ إنْسانٍ مُعَيَّنٍ، حَتّى يَكُونَ الإلَهُ سُبْحانَهُ لِذَلِكَ الجَسَدِ بِمَنزِلَةِ رُوحِ كُلِّ إنْسانٍ بِالنِّسْبَةِ إلى جَسَدِهِ، وبِهَذِهِ التَّقْدِيراتِ كانَ يُسَمِّي نَفْسَهُ إلَهًا.
البَحْثُ الثّانِي: وهو أنَّهُ قالَ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿وما رَبُّ العالَمِينَ﴾ ؟ واعْلَمْ أنَّ السُّؤالَ بِما طَلَبَ لِتَعْرِيفِ حَقِيقَةِ الشَّيْءِ، وتَعْرِيفُ حَقِيقَةِ الشَّيْءِ إمّا أنْ يَكُونَ بِنَفْسِ تِلْكَ الحَقِيقَةِ أوْ بِشَيْءٍ مِن أجْزائِها أوْ بِأمْرٍ خارِجٍ عَنْها أوْ بِما يَتَرَكَّبُ مِنَ الدّاخِلِ والخارِجِ. أمّا تَعْرِيفُها بِنَفْسِها فَمُحالٌ، لِأنَّ المُعَرَّفَ مَعْلُومٌ قَبْلَ المُعَرِّفِ، فَلَوْ عَرَّفَ الشَّيْءَ بِنَفْسِهِ لَزِمَ أنْ يَكُونَ مَعْلُومًا قَبْلَ أنْ يَكُونَ مَعْلُومًا وهو مُحالٌ. وأمّا تَعْرِيفُها بِالأُمُورِ الدّاخِلَةِ فِيها فَهَهُنا في حَقِّ واجِبِ الوُجُودِ مُحالٌ، لِأنَّ التَّعْرِيفَ بِالأُمُورِ الدّاخِلَةِ لا يُمْكِنُ إلّا إذا كانَ المُعَرَّفُ مُرَكَّبًا، وواجِبُ الوُجُودِ يَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ مُرَكَّبًا، لِأنَّ كُلَّ مُرَكَّبٍ فَهو مُحْتاجٌ إلى كُلِّ واحِدٍ مِن أجْزائِهِ، وكُلُّ واحِدٍ مِن أجْزائِهِ فَهو غَيْرُهُ، فَكُلُّ مُرَكَّبٍ مُحْتاجٌ إلى غَيْرِهِ، وكُلُّ ما احْتاجَ إلى غَيْرِهِ فَهو مُمْكِنٌ لِذاتِهِ، وكُلُّ مُرَكَّبٍ فَهو مُمْكِنٌ، فَما لَيْسَ بِمُمْكِنٍ يَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ مُرَكَّبًا، فَواجِبُ الوُجُودِ لَيْسَ بِمُرَكَّبٍ، وإذا لَمْ يَكُنْ مُرَكَّبًا اسْتَحالَ تَعْرِيفُهُ بِأجْزائِهِ، ولَمّا بَطَلَ هَذانِ القِسْمانِ ثَبَتَ أنَّهُ لا يُمْكِنُ تَعْرِيفُ ماهِيَّةِ واجِبِ الوُجُودِ إلّا بِلَوازِمِهِ وآثارِهِ، ثُمَّ إنَّ اللَّوازِمَ قَدْ تَكُونُ خَفِيَّةً، وقَدْ تَكُونُ جَلِيَّةً، ولا يَجُوزُ تَعْرِيفُ الماهِيَّةِ بِاللَّوازِمِ الخَفِيَّةِ بَلْ لا بُدَّ مِن تَعْرِيفِها بِاللَّوازِمِ الجَلِيَّةِ، وأظْهَرُ آثارِ ذاتِ واجِبِ الوُجُودِ هو هَذا العالَمُ المَحْسُوسُ وهو السَّماواتُ
صفحة ١١٢
والأرْضُ وما بَيْنَهُما فَقَدْ ثَبَتَ أنَّهُ لا جَوابَ البَتَّةَ لِقَوْلِ فِرْعَوْنَ ﴿وما رَبُّ العالَمِينَ﴾ إلّا ما قالَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وهو أنَّهُ ﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما﴾، فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ فَمَعْناهُ: إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ بِإسْنادِ هَذِهِ المَحْسُوساتِ إلى مَوْجُودٍ واجِبِ الوُجُودِ فاعْرِفُوا أنَّهُ لا يُمْكِنُ تَعْرِيفُهُ إلّا بِما ذَكَرْتُهُ لِأنَّكم لَمّا سَلَّمْتُمُ انْتِهاءَ هَذِهِ المَحْسُوساتِ إلى الواجِبِ لِذاتِهِ، ثَبَتَ أنَّ الواجِبَ لِذاتِهِ فَرْدٌ مُطْلَقٌ، وثَبَتَ أنَّ الفَرْدَ المُطْلَقَ لا يُمْكِنُ تَعْرِيفُهُ إلّا بِآثارِهِ، وثَبَتَ أنَّ تِلْكَ الآثارَ لا بُدَّ وأنْ تَكُونَ أظْهَرَ آثارِهِ، وأبْعَدَها عَنِ الخَفاءِ وما ذاكَ إلّا السَّماواتُ والأرْضُ وما بَيْنَهُما، فَإنْ أيْقَنْتُمْ بِذَلِكَ لَزِمَكم أنْ تَقْطَعُوا بِأنَّهُ لا جَوابَ عَنْ ذَلِكَ السُّؤالِ إلّا هَذا الجَوابُ، ولَمّا ذَكَرَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ هَذا الجَوابَ الحَقَّ قالَ فِرْعَوْنَ ”﴿لِمَن حَوْلَهُ ألا تَسْتَمِعُونَ﴾“ وإنَّما ذَكَرَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّعَجُّبِ مِن جَوابِ مُوسى، يَعْنِي أنا أطْلُبُ مِنهُ الماهِيَّةَ وخُصُوصِيَّةَ الحَقِيقَةِ، وهو يُجِيبُنِي بِالفاعِلِيَّةِ والمُؤَثِّرِيَّةِ، وتَمامُ الإشْكالِ أنَّ تَعْرِيفَ الماهِيَّةِ بِلَوازِمِها لا يُفِيدُ الوُقُوفَ عَلى نَفْسِ تِلْكَ الماهِيَّةِ، وذَلِكَ لِأنّا إذا قُلْنا في الشَّيْءِ إنَّهُ الَّذِي يَلْزَمُهُ اللّازِمُ الفُلانِيُّ، فَهَذا المَذْكُورُ، إمّا أنْ يَكُونَ مَعْرُوفًا لِمُجَرَّدِ كَوْنِهِ أمْرًا ما يَلْزَمُهُ ذَلِكَ اللّازِمُ أوْ لِخُصُوصِيَّةِ تِلْكَ الماهِيَّةِ الَّتِي عَرَضَتْ لَها هَذِهِ المَلْزُومِيَّةِ، والأوَّلُ مُحالٌ لِأنَّ كَوْنَهُ أمْرًا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ اللّازِمُ جَعَلْناهُ كاشِفًا فَلَوْ كانَ المَكْشُوفُ هو هَذا القَدْرَ لَزِمَ كَوْنُ الشَّيْءِ مَعْرُوفًا لِنَفْسِهِ وهو مُحالٌ، والثّانِي مُحالٌ؛ لِأنَّ العِلْمَ بِأنَّهُ أمْرٌ ما يَلْزَمُهُ اللّازِمُ الفُلانِيُّ لا يُفِيدُ العِلْمَ بِخُصُوصِيَّةِ تِلْكَ الماهِيَّةِ المَلْزُومَةِ، لِأنَّهُ لا يَمْتَنِعُ في العَقْلِ اشْتِراكُ الماهِيّاتِ المُخْتَلِفَةِ في لَوازِمَ مُتَساوِيَةٍ. فَثَبَتَ أنَّ التَّعْرِيفَ بِالوَصْفِ الخارِجِيِّ لا يُفِيدُ مَعْرِفَةَ نَفْسِ الحَقِيقَةِ فَلَمْ يَكُنْ كَوْنُهُ رَبًّا لِلسَّمَواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما جَوابًا عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وما رَبُّ العالَمِينَ﴾ فَأجابَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنْ: ﴿قالَ رَبُّكم ورَبُّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ وكَأنَّهُ عَدَلَ عَنِ التَّعْرِيفِ بِخالِقَيَّةِ السَّماءِ والأرْضِ إلى التَّعْرِيفِ بِكَوْنِهِ تَعالى خالِقًا لَنا ولِآبائِنا، وذَلِكَ لِأنَّهُ لا يَمْتَنِعُ أنْ يَعْتَقِدَ أحَدٌ أنَّ السَّماواتِ والأرَضِينَ واجِبَةٌ لِذَواتِها فَهي غَنِيَّةٌ عَنِ الخالِقِ والمُؤَثِّرِ، ولَكِنْ لا يُمْكِنُ أنْ يَعْتَقِدَ العاقِلُ في نَفْسِهِ وأبِيهِ وأجْدادِهِ كَوْنَهم واجِبِينَ لِذَواتِهِمْ، لِما أنَّ المُشاهَدَةَ دَلَّتْ عَلى أنَّهم وُجِدُوا بَعْدَ العَدَمِ ثُمَّ عُدِمُوا بَعْدَ الوُجُودِ، وما كانَ كَذَلِكَ اسْتَحالَ أنْ يَكُونَ واجِبًا لِذاتِهِ، وما لَمْ يَكُنْ واجِبًا لِذاتِهِ اسْتَحالَ وُجُودُهُ إلّا لِمُؤَثِّرٍ، فَكانَ التَّعْرِيفُ بِهَذا الأثَرِ أظْهَرَ فَلِهَذا عَدَلَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الكَلامِ الأوَّلِ إلَيْهِ. فَقالَ فِرْعَوْنُ: ﴿إنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْكم لَمَجْنُونٌ﴾ يَعْنِي المَقْصُودَ مِن سُؤالِ ما طَلَبُ الماهِيَّةِ وخُصُوصِيَّةِ الحَقِيقَةِ والتَّعْرِيفُ بِهَذِهِ الآثارِ الخارِجِيَّةِ لا يُفِيدُ البَتَّةَ تِلْكَ الخُصُوصِيَّةَ، فَهَذا الَّذِي يَدَّعِي الرِّسالَةَ مَجْنُونٌ لا يَفْهَمُ السُّؤالَ فَضْلًا عَنْ أنْ يُجِيبَ عَنْهُ، فَقالَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ وما بَيْنَهُما إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ فَعَدَلَ إلى طَرِيقٍ ثالِثٍ أوْضَحَ مِنَ الثّانِي، وذَلِكَ لِأنَّهُ أرادَ بِالمَشْرِقِ طُلُوعَ الشَّمْسِ وظُهُورَ النَّهارِ، وأرادَ بِالمَغْرِبِ غُرُوبَ الشَّمْسِ وزَوالَ النَّهارِ، والأمْرُ ظاهِرٌ في أنَّ هَذا التَّدْبِيرَ المُسْتَمِرَّ عَلى الوجه العَجِيبِ لا يَتِمُّ إلّا بِتَدْبِيرِ مُدَبِّرٍ وهَذا بِعَيْنِهِ طَرِيقَةُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ نَمْرُوذَ، فَإنَّهُ اسْتَدَلَّ أوَّلًا بِالإحْياءِ والإماتَةِ وهو الَّذِي ذَكَرَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ هَهُنا بِقَوْلِهِ: ﴿رَبُّكم ورَبُّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ فَأجابَهُ نَمْرُوذُ بِقَوْلِهِ: ﴿أنا أُحْيِي وأُمِيتُ﴾ [البقرة: ٢٥٨] فَقالَ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ المَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ المَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ [البقرة: ٢٥٨] وهو الَّذِي ذَكَرَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ هَهُنا بِقَوْلِهِ: ﴿رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ﴾ .
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ فَكَأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: إنْ كُنْتَ مِنَ العُقَلاءِ عَرَفْتَ أنَّهُ لا جَوابَ عَنْ سُؤالِكَ إلّا ما ذَكَرْتَ لِأنَّكَ طَلَبْتَ مِنِّي تَعْرِيفَ حَقِيقَتِهِ
صفحة ١١٣
بِنَفْسِ حَقِيقَتِهِ ولا بِأجْزاءِ حَقِيقَتِهِ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنْ أُعَرِّفَ حَقِيقَتَهُ بِآثارِ حَقِيقَتِهِ، وأنا قَدْ عَرَّفْتُ حَقِيقَتَهُ بِآثارِ حَقِيقَتِهِ فَقَدْ ثَبَتَ أنَّ كُلَّ مَن كانَ عاقِلًا يَقْطَعُ بِأنَّهُ لا جَوابَ عَنْ هَذا السُّؤالِ إلّا ما ذَكَرْتُهُ.
واعْلَمْ أنّا قَدْ بَيَّنّا في سُورَةِ الأنْعامِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهُوَ القاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ﴾ [الأنعام: ١٨] أنَّ حَقِيقَةَ الإلَهِ سُبْحانَهُ مِن حَيْثُ هي هي غَيْرُ مَعْقُولَةٍ لِلْبَشَرِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ اسْتَحالَ مِن مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يَذْكُرَ ما تُعْرَفُ بِهِ تِلْكَ الحَقِيقَةُ، إلّا أنَّ عَدَمَ العِلْمِ بِتِلْكَ الخُصُوصِيَّةِ لا يَقْدَحُ في صِحَّةِ الرِّسالَةِ فَكانَ حاصِلُ كَلامِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّ ادِّعاءَ رِسالَةِ رَبِّ العالَمِينَ تَتَوَقَّفُ صِحَّتُهُ عَلى إثْباتِ أنَّ لِلْعالِمِينَ رَبًّا وإلَهًا ولا تَتَوَقَّفُ عَلى العِلْمِ بِخُصُوصِيَّةِ الرَّبِّ تَعالى وماهِيَّتِهِ المُعَيَّنَةِ، فَكَأنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ يُقِيمُ الدَّلالَةَ عَلى إثْباتِ القَدْرِ المُحْتاجِ إلَيْهِ في صِحَّةِ دَعْوى الرِّسالَةِ، وفِرْعَوْنُ يُطالِبُهُ بِبَيانِ الماهِيَّةِ، ومُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يُعْرِضُ عَنْ سُؤالِهِ لِعِلْمِهِ بِأنَّهُ لا تَعَلُّقَ لِذَلِكَ السُّؤالِ نَفْيًا ولا إثْباتًا في هَذا المَطْلُوبِ، فَهَذا تَمامُ القَوْلِ في هَذا البَحْثِ واللَّهُ أعْلَمُ.
ثُمَّ إنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا خَشَّنَ في آخِرِ الكَلامِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ فَعِنْدَ ذَلِكَ قالَ فِرْعَوْنُ: ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إلَهًا غَيْرِي لَأجْعَلَنَّكَ مِنَ المَسْجُونِينَ﴾ فَإنَّهُ لَمّا عَجَزَ عَنِ الحِجاجِ عَدَلَ إلى التَّخْوِيفِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ ذَكَرَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كَلامًا مُجْمَلًا لِيُعَلِّقَ قَلْبَهُ بِهِ فَيَعْدِلَ عَنْ وعِيدِهِ فَقالَ: ﴿أوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾ ؟ أيْ هَلْ تَسْتَجِيزُ أنْ تَسْجُنَنِي مَعَ اقْتِدارِي عَلى أنْ آتِيَكَ بِأمْرٍ بَيِّنٍ في بابِ الدَّلالَةِ عَلى وُجُودِ اللَّهِ تَعالى وعَلى أنِّي رَسُولُهُ ؟ فَعِنْدَ ذَلِكَ قالَ: ﴿فَأْتِ بِهِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ وهَهُنا فُرُوعٌ:
الفَرْعُ الأوَّلُ: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى لَيْسَ بِجِسْمٍ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ جِسْمًا ولَهُ صُورَةٌ لَكانَ جَوابُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِذِكْرِ حَقِيقَتِهِ ولَكانَ كَلامُ فِرْعَوْنَ لازِمًا لَهُ لِعُدُولِهِ عَنِ الجَوابِ الحَقِّ.
الثّانِي: الواجِبُ عَلى مَن يَدْعُو غَيْرَهُ إلى اللَّهِ تَعالى أنْ لا يُجِيبَ عَنِ السَّفاهَةِ؛ لِأنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا قالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إنَّهُ مَجْنُونٌ لَمْ يَعْدِلْ عَنْ ذِكْرِ الدَّلالَةِ وكَذَلِكَ لَمّا تَوَعَّدَهُ أنْ يَسْجُنَهُ.
الثّالِثُ: أنَّهُ يَجُوزُ لِلْمَسْئُولِ أنْ يَعْدِلَ في حُجَّتِهِ مِن مِثالٍ إلى مِثالٍ لِإيضاحِ الكَلامِ ولا يَدُلُّ ذَلِكَ عَلى الِانْقِطاعِ.
الرّابِعُ: إنْ قِيلَ: كَيْفَ قَطَعَ الكَلامَ بِما لا تَعَلُّقَ لَهُ بِالأوَّلِ وهو قَوْلُهُ: ﴿أوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾ والمُعْجِزُ لا يَدُلُّ عَلى اللَّهِ تَعالى كَدَلالَةِ سائِرِ ما تَقَدَّمَ ؟ قُلْنا: بَلْ يَدُلُّ ما أرادَ أنْ يُظْهِرَهُ مِنَ انْقِلابِ العَصا حَيَّةً عَلى اللَّهِ تَعالى وعَلى تَوْحِيدِهِ، وعَلى أنَّهُ صادِقٌ في الرِّسالَةِ فالَّذِي خَتَمَ بِهِ كَلامَهُ أقْوى مِن كُلِّ ما تَقَدَّمَ وأجْمَعُ.
الخامِسُ: فَإنْ قِيلَ كَيْفَ قالَ: ﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما﴾ عَلى التَّثْنِيَةِ والمَرْجُوعُ إلَيْهِ مَجْمُوعٌ ؟ جَوابُهُ: أرِيدَ ما بَيْنَ الجِهَتَيْنِ، فَإنْ قِيلَ: ذِكْرُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما قَدِ اسْتَوْعَبَ الخَلائِقَ كُلَّهم، فَما مَعْنى ذِكْرُهم وذِكْرُ آبائِهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ وذِكْرُ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ ؟ جَوابُهُ: قَدْ عَمَّمَ أوَّلًا ثُمَّ خَصَّصَ مِنَ العامِّ لِلْبَيانِ أنْفُسَهم وآباءَهم لِأنَّ أقْرَبَ الأشْياءِ مِنَ العاقِلِ نَفْسُهُ ومَن وُلِدَ مِنهُ وما شاهَدَ مِنَ انْتِقالِهِ مِن وقْتِ مِيلادِهِ إلى وقْتِ وفاتِهِ مِن حالَةٍ إلى حالَةٍ أُخْرى، ثُمَّ خَصَّصَ المَشْرِقَ والمَغْرِبَ لِأنَّ طُلُوعَ الشَّمْسِ مِن أحَدِ الخافِقَيْنِ وغُرُوبَها عَلى تَقْدِيرٍ مُسْتَقِيمٍ في فُصُولِ السَّنَةِ مِن أظْهَرِ الدَّلائِلِ.
السّادِسُ: فَإنْ قِيلَ لِمَ قالَ: ﴿لَأجْعَلَنَّكَ مِنَ المَسْجُونِينَ﴾ ولَمْ يَقُلْ لَأسْجُنَنَّكَ مَعَ أنَّهُ أخْصَرُ ؟ جَوابُهُ: لِأنَّهُ لَوْ قالَ لَأسْجُنَنَّكَ لا يُفِيدُ إلّا صَيْرُورَتَهُ مَسْجُونًا. أمّا قَوْلُهُ: ﴿لَأجْعَلَنَّكَ مِنَ المَسْجُونِينَ﴾ فَمَعْناهُ أنِّي أجْعَلُكَ واحِدًا مِمَّنْ عَرَفْتَ حالَهم في سُجُونِي، وكانَ مِن عادَتِهِ أنْ يَأْخُذَ مَن يُرِيدُ أنْ يَسْجُنَهُ فَيَطْرَحَهُ في بِئْرٍ عَمِيقَةٍ فَرْدًا لا يُبْصِرُ فِيها ولا يَسْمَعُ فَكانَ ذَلِكَ أشَدَّ مِنَ القَتْلِ.
السّابِعُ: الواوُ في قَوْلِهِ: ﴿أوَلَوْ جِئْتُكَ﴾ واوُ الحالِ دَخَلَتْ عَلَيْها هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ مَعْناهُ أتَفْعَلُ بِي ذَلِكَ ولَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ أيْ جائِيًا بِالمُعْجِزَةِ.
الشعراء 26:30
صفحة ١١١
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ فِرْعَوْنُ وما رَبُّ العالَمِينَ﴾ ﴿قالَ رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ ﴿قالَ لِمَن حَوْلَهُ ألا تَسْتَمِعُونَ﴾ ﴿قالَ رَبُّكم ورَبُّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿قالَ إنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْكم لَمَجْنُونٌ﴾ ﴿قالَ رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ وما بَيْنَهُما إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ ﴿قالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إلَهًا غَيْرِي لَأجْعَلَنَّكَ مِنَ المَسْجُونِينَ﴾ ﴿قالَ أوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾ ﴿قالَ فَأْتِ بِهِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ فِرْعَوْنَ لَمْ يَقُلْ لِمُوسى ﴿وما رَبُّ العالَمِينَ﴾، إلّا وقَدْ دَعاهُ مُوسى إلى طاعَةِ رَبِّ العالَمِينَ، يُبَيِّنُ ذَلِكَ ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَأْتِيا فِرْعَوْنَ فَقُولا إنّا رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ فَلا بُدَّ عِنْدَ دُخُولِهِما عَلَيْهِ أنَّهُما قالا ذَلِكَ، فَعِنْدَ ذَلِكَ قالَ فِرْعَوْنُ: ﴿وما رَبُّ العالَمِينَ﴾ ثُمَّ هَهُنا بَحْثانِ:
البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّ فِرْعَوْنَ يُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ كانَ عارِفًا بِاللَّهِ، ولَكِنَّهُ قالَ ما قالَ طَلَبًا لِلْمُلْكِ والرِّياسَةِ، وقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى في كِتابِهِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ عارِفًا بِاللَّهِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿قالَ لَقَدْ عَلِمْتَ ما أنْزَلَ هَؤُلاءِ إلّا رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الإسراء: ١٠٢] فَإذا قُرِئَ بِفَتْحِ التّاءِ مِن ﴿عَلِمْتَ﴾ فالمُرادُ أنَّ فِرْعَوْنَ عَلِمَ ذَلِكَ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ عارِفًا بِاللَّهِ، لَكِنَّهُ كانَ يَسْتَأْكِلُ قَوْمَهُ بِما يُظْهِرُهُ مِن إلَهِيَّتِهِ، والقِراءَةُ الأُخْرى بِرَفْعِ التّاءِ مِن (عَلِمْتُ) فَهي تَقْتَضِي أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ هو الَّذِي عَرَفَ ذَلِكَ، وأيْضًا فَإنَّ فِرْعَوْنَ إنْ لَمْ يَكُنْ عاقِلًا لَمْ يَجُزْ مِنَ اللَّهِ تَعالى بَعْثَةُ الرَّسُولِ إلَيْهِ، وإنْ كانَ عاقِلًا فَهو يَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أنَّهُ ما كانَ مَوْجُودًا ولا حَيًّا ولا عاقِلًا ثُمَّ صارَ كَذَلِكَ، وبِالضَّرُورَةِ يَعْلَمُ أنَّ كُلَّ ما كانَ كَذَلِكَ فَلا بُدَّ لَهُ مِن مُؤَثِّرٍ، فَلا بُدَّ وأنْ يَتَوَلَّدَ لَهُ مِن هَذَيْنِ العِلْمَيْنِ عِلْمٌ ثالِثٌ بِافْتِقارِهِ في تَرْكِيبِهِ وفي حَياتِهِ وعَقْلِهِ إلى مُؤَثِّرٍ مُوجِدٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ كانَ عَلى مَذْهَبِ الدَّهْرِيَّةِ مِن أنَّ الأفْلاكَ واجِبَةُ الوُجُودِ في ذَواتِها ومُتَحَرِّكَةٌ لِذَواتِها، وأنَّ حَرَكاتِها أسْبابٌ لِحُصُولِ الحَوادِثِ في هَذا العالَمِ، أوْ يُقالُ: إنَّهُ كانَ مِنَ الفَلاسِفَةِ القائِلِينَ بِالعِلَّةِ المُوجِبَةِ لا بِالفاعِلِ المُخْتارِ، ثُمَّ اعْتَقَدَ أنَّهُ بِمَنزِلَةِ الإلَهِ لِأهْلِ إقْلِيمِهِ مِن حَيْثُ اسْتَعْبَدَهم ومَلَكَ ذِمّاتِهِمْ وزِمامَ أمْرِهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ كانَ عَلى مَذْهَبِ الحُلُولِيَّةِ، القائِلِينَ بِأنَّ ذاتَ الإلَهِ يَتَدَرَّعُ بِجَسَدِ إنْسانٍ مُعَيَّنٍ، حَتّى يَكُونَ الإلَهُ سُبْحانَهُ لِذَلِكَ الجَسَدِ بِمَنزِلَةِ رُوحِ كُلِّ إنْسانٍ بِالنِّسْبَةِ إلى جَسَدِهِ، وبِهَذِهِ التَّقْدِيراتِ كانَ يُسَمِّي نَفْسَهُ إلَهًا.
البَحْثُ الثّانِي: وهو أنَّهُ قالَ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿وما رَبُّ العالَمِينَ﴾ ؟ واعْلَمْ أنَّ السُّؤالَ بِما طَلَبَ لِتَعْرِيفِ حَقِيقَةِ الشَّيْءِ، وتَعْرِيفُ حَقِيقَةِ الشَّيْءِ إمّا أنْ يَكُونَ بِنَفْسِ تِلْكَ الحَقِيقَةِ أوْ بِشَيْءٍ مِن أجْزائِها أوْ بِأمْرٍ خارِجٍ عَنْها أوْ بِما يَتَرَكَّبُ مِنَ الدّاخِلِ والخارِجِ. أمّا تَعْرِيفُها بِنَفْسِها فَمُحالٌ، لِأنَّ المُعَرَّفَ مَعْلُومٌ قَبْلَ المُعَرِّفِ، فَلَوْ عَرَّفَ الشَّيْءَ بِنَفْسِهِ لَزِمَ أنْ يَكُونَ مَعْلُومًا قَبْلَ أنْ يَكُونَ مَعْلُومًا وهو مُحالٌ. وأمّا تَعْرِيفُها بِالأُمُورِ الدّاخِلَةِ فِيها فَهَهُنا في حَقِّ واجِبِ الوُجُودِ مُحالٌ، لِأنَّ التَّعْرِيفَ بِالأُمُورِ الدّاخِلَةِ لا يُمْكِنُ إلّا إذا كانَ المُعَرَّفُ مُرَكَّبًا، وواجِبُ الوُجُودِ يَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ مُرَكَّبًا، لِأنَّ كُلَّ مُرَكَّبٍ فَهو مُحْتاجٌ إلى كُلِّ واحِدٍ مِن أجْزائِهِ، وكُلُّ واحِدٍ مِن أجْزائِهِ فَهو غَيْرُهُ، فَكُلُّ مُرَكَّبٍ مُحْتاجٌ إلى غَيْرِهِ، وكُلُّ ما احْتاجَ إلى غَيْرِهِ فَهو مُمْكِنٌ لِذاتِهِ، وكُلُّ مُرَكَّبٍ فَهو مُمْكِنٌ، فَما لَيْسَ بِمُمْكِنٍ يَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ مُرَكَّبًا، فَواجِبُ الوُجُودِ لَيْسَ بِمُرَكَّبٍ، وإذا لَمْ يَكُنْ مُرَكَّبًا اسْتَحالَ تَعْرِيفُهُ بِأجْزائِهِ، ولَمّا بَطَلَ هَذانِ القِسْمانِ ثَبَتَ أنَّهُ لا يُمْكِنُ تَعْرِيفُ ماهِيَّةِ واجِبِ الوُجُودِ إلّا بِلَوازِمِهِ وآثارِهِ، ثُمَّ إنَّ اللَّوازِمَ قَدْ تَكُونُ خَفِيَّةً، وقَدْ تَكُونُ جَلِيَّةً، ولا يَجُوزُ تَعْرِيفُ الماهِيَّةِ بِاللَّوازِمِ الخَفِيَّةِ بَلْ لا بُدَّ مِن تَعْرِيفِها بِاللَّوازِمِ الجَلِيَّةِ، وأظْهَرُ آثارِ ذاتِ واجِبِ الوُجُودِ هو هَذا العالَمُ المَحْسُوسُ وهو السَّماواتُ
صفحة ١١٢
والأرْضُ وما بَيْنَهُما فَقَدْ ثَبَتَ أنَّهُ لا جَوابَ البَتَّةَ لِقَوْلِ فِرْعَوْنَ ﴿وما رَبُّ العالَمِينَ﴾ إلّا ما قالَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وهو أنَّهُ ﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما﴾، فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ فَمَعْناهُ: إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ بِإسْنادِ هَذِهِ المَحْسُوساتِ إلى مَوْجُودٍ واجِبِ الوُجُودِ فاعْرِفُوا أنَّهُ لا يُمْكِنُ تَعْرِيفُهُ إلّا بِما ذَكَرْتُهُ لِأنَّكم لَمّا سَلَّمْتُمُ انْتِهاءَ هَذِهِ المَحْسُوساتِ إلى الواجِبِ لِذاتِهِ، ثَبَتَ أنَّ الواجِبَ لِذاتِهِ فَرْدٌ مُطْلَقٌ، وثَبَتَ أنَّ الفَرْدَ المُطْلَقَ لا يُمْكِنُ تَعْرِيفُهُ إلّا بِآثارِهِ، وثَبَتَ أنَّ تِلْكَ الآثارَ لا بُدَّ وأنْ تَكُونَ أظْهَرَ آثارِهِ، وأبْعَدَها عَنِ الخَفاءِ وما ذاكَ إلّا السَّماواتُ والأرْضُ وما بَيْنَهُما، فَإنْ أيْقَنْتُمْ بِذَلِكَ لَزِمَكم أنْ تَقْطَعُوا بِأنَّهُ لا جَوابَ عَنْ ذَلِكَ السُّؤالِ إلّا هَذا الجَوابُ، ولَمّا ذَكَرَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ هَذا الجَوابَ الحَقَّ قالَ فِرْعَوْنَ ”﴿لِمَن حَوْلَهُ ألا تَسْتَمِعُونَ﴾“ وإنَّما ذَكَرَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّعَجُّبِ مِن جَوابِ مُوسى، يَعْنِي أنا أطْلُبُ مِنهُ الماهِيَّةَ وخُصُوصِيَّةَ الحَقِيقَةِ، وهو يُجِيبُنِي بِالفاعِلِيَّةِ والمُؤَثِّرِيَّةِ، وتَمامُ الإشْكالِ أنَّ تَعْرِيفَ الماهِيَّةِ بِلَوازِمِها لا يُفِيدُ الوُقُوفَ عَلى نَفْسِ تِلْكَ الماهِيَّةِ، وذَلِكَ لِأنّا إذا قُلْنا في الشَّيْءِ إنَّهُ الَّذِي يَلْزَمُهُ اللّازِمُ الفُلانِيُّ، فَهَذا المَذْكُورُ، إمّا أنْ يَكُونَ مَعْرُوفًا لِمُجَرَّدِ كَوْنِهِ أمْرًا ما يَلْزَمُهُ ذَلِكَ اللّازِمُ أوْ لِخُصُوصِيَّةِ تِلْكَ الماهِيَّةِ الَّتِي عَرَضَتْ لَها هَذِهِ المَلْزُومِيَّةِ، والأوَّلُ مُحالٌ لِأنَّ كَوْنَهُ أمْرًا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ اللّازِمُ جَعَلْناهُ كاشِفًا فَلَوْ كانَ المَكْشُوفُ هو هَذا القَدْرَ لَزِمَ كَوْنُ الشَّيْءِ مَعْرُوفًا لِنَفْسِهِ وهو مُحالٌ، والثّانِي مُحالٌ؛ لِأنَّ العِلْمَ بِأنَّهُ أمْرٌ ما يَلْزَمُهُ اللّازِمُ الفُلانِيُّ لا يُفِيدُ العِلْمَ بِخُصُوصِيَّةِ تِلْكَ الماهِيَّةِ المَلْزُومَةِ، لِأنَّهُ لا يَمْتَنِعُ في العَقْلِ اشْتِراكُ الماهِيّاتِ المُخْتَلِفَةِ في لَوازِمَ مُتَساوِيَةٍ. فَثَبَتَ أنَّ التَّعْرِيفَ بِالوَصْفِ الخارِجِيِّ لا يُفِيدُ مَعْرِفَةَ نَفْسِ الحَقِيقَةِ فَلَمْ يَكُنْ كَوْنُهُ رَبًّا لِلسَّمَواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما جَوابًا عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وما رَبُّ العالَمِينَ﴾ فَأجابَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنْ: ﴿قالَ رَبُّكم ورَبُّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ وكَأنَّهُ عَدَلَ عَنِ التَّعْرِيفِ بِخالِقَيَّةِ السَّماءِ والأرْضِ إلى التَّعْرِيفِ بِكَوْنِهِ تَعالى خالِقًا لَنا ولِآبائِنا، وذَلِكَ لِأنَّهُ لا يَمْتَنِعُ أنْ يَعْتَقِدَ أحَدٌ أنَّ السَّماواتِ والأرَضِينَ واجِبَةٌ لِذَواتِها فَهي غَنِيَّةٌ عَنِ الخالِقِ والمُؤَثِّرِ، ولَكِنْ لا يُمْكِنُ أنْ يَعْتَقِدَ العاقِلُ في نَفْسِهِ وأبِيهِ وأجْدادِهِ كَوْنَهم واجِبِينَ لِذَواتِهِمْ، لِما أنَّ المُشاهَدَةَ دَلَّتْ عَلى أنَّهم وُجِدُوا بَعْدَ العَدَمِ ثُمَّ عُدِمُوا بَعْدَ الوُجُودِ، وما كانَ كَذَلِكَ اسْتَحالَ أنْ يَكُونَ واجِبًا لِذاتِهِ، وما لَمْ يَكُنْ واجِبًا لِذاتِهِ اسْتَحالَ وُجُودُهُ إلّا لِمُؤَثِّرٍ، فَكانَ التَّعْرِيفُ بِهَذا الأثَرِ أظْهَرَ فَلِهَذا عَدَلَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الكَلامِ الأوَّلِ إلَيْهِ. فَقالَ فِرْعَوْنُ: ﴿إنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْكم لَمَجْنُونٌ﴾ يَعْنِي المَقْصُودَ مِن سُؤالِ ما طَلَبُ الماهِيَّةِ وخُصُوصِيَّةِ الحَقِيقَةِ والتَّعْرِيفُ بِهَذِهِ الآثارِ الخارِجِيَّةِ لا يُفِيدُ البَتَّةَ تِلْكَ الخُصُوصِيَّةَ، فَهَذا الَّذِي يَدَّعِي الرِّسالَةَ مَجْنُونٌ لا يَفْهَمُ السُّؤالَ فَضْلًا عَنْ أنْ يُجِيبَ عَنْهُ، فَقالَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ وما بَيْنَهُما إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ فَعَدَلَ إلى طَرِيقٍ ثالِثٍ أوْضَحَ مِنَ الثّانِي، وذَلِكَ لِأنَّهُ أرادَ بِالمَشْرِقِ طُلُوعَ الشَّمْسِ وظُهُورَ النَّهارِ، وأرادَ بِالمَغْرِبِ غُرُوبَ الشَّمْسِ وزَوالَ النَّهارِ، والأمْرُ ظاهِرٌ في أنَّ هَذا التَّدْبِيرَ المُسْتَمِرَّ عَلى الوجه العَجِيبِ لا يَتِمُّ إلّا بِتَدْبِيرِ مُدَبِّرٍ وهَذا بِعَيْنِهِ طَرِيقَةُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ نَمْرُوذَ، فَإنَّهُ اسْتَدَلَّ أوَّلًا بِالإحْياءِ والإماتَةِ وهو الَّذِي ذَكَرَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ هَهُنا بِقَوْلِهِ: ﴿رَبُّكم ورَبُّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ فَأجابَهُ نَمْرُوذُ بِقَوْلِهِ: ﴿أنا أُحْيِي وأُمِيتُ﴾ [البقرة: ٢٥٨] فَقالَ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ المَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ المَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ [البقرة: ٢٥٨] وهو الَّذِي ذَكَرَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ هَهُنا بِقَوْلِهِ: ﴿رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ﴾ .
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ فَكَأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: إنْ كُنْتَ مِنَ العُقَلاءِ عَرَفْتَ أنَّهُ لا جَوابَ عَنْ سُؤالِكَ إلّا ما ذَكَرْتَ لِأنَّكَ طَلَبْتَ مِنِّي تَعْرِيفَ حَقِيقَتِهِ
صفحة ١١٣
بِنَفْسِ حَقِيقَتِهِ ولا بِأجْزاءِ حَقِيقَتِهِ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنْ أُعَرِّفَ حَقِيقَتَهُ بِآثارِ حَقِيقَتِهِ، وأنا قَدْ عَرَّفْتُ حَقِيقَتَهُ بِآثارِ حَقِيقَتِهِ فَقَدْ ثَبَتَ أنَّ كُلَّ مَن كانَ عاقِلًا يَقْطَعُ بِأنَّهُ لا جَوابَ عَنْ هَذا السُّؤالِ إلّا ما ذَكَرْتُهُ.
واعْلَمْ أنّا قَدْ بَيَّنّا في سُورَةِ الأنْعامِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهُوَ القاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ﴾ [الأنعام: ١٨] أنَّ حَقِيقَةَ الإلَهِ سُبْحانَهُ مِن حَيْثُ هي هي غَيْرُ مَعْقُولَةٍ لِلْبَشَرِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ اسْتَحالَ مِن مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يَذْكُرَ ما تُعْرَفُ بِهِ تِلْكَ الحَقِيقَةُ، إلّا أنَّ عَدَمَ العِلْمِ بِتِلْكَ الخُصُوصِيَّةِ لا يَقْدَحُ في صِحَّةِ الرِّسالَةِ فَكانَ حاصِلُ كَلامِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّ ادِّعاءَ رِسالَةِ رَبِّ العالَمِينَ تَتَوَقَّفُ صِحَّتُهُ عَلى إثْباتِ أنَّ لِلْعالِمِينَ رَبًّا وإلَهًا ولا تَتَوَقَّفُ عَلى العِلْمِ بِخُصُوصِيَّةِ الرَّبِّ تَعالى وماهِيَّتِهِ المُعَيَّنَةِ، فَكَأنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ يُقِيمُ الدَّلالَةَ عَلى إثْباتِ القَدْرِ المُحْتاجِ إلَيْهِ في صِحَّةِ دَعْوى الرِّسالَةِ، وفِرْعَوْنُ يُطالِبُهُ بِبَيانِ الماهِيَّةِ، ومُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يُعْرِضُ عَنْ سُؤالِهِ لِعِلْمِهِ بِأنَّهُ لا تَعَلُّقَ لِذَلِكَ السُّؤالِ نَفْيًا ولا إثْباتًا في هَذا المَطْلُوبِ، فَهَذا تَمامُ القَوْلِ في هَذا البَحْثِ واللَّهُ أعْلَمُ.
ثُمَّ إنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا خَشَّنَ في آخِرِ الكَلامِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ فَعِنْدَ ذَلِكَ قالَ فِرْعَوْنُ: ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إلَهًا غَيْرِي لَأجْعَلَنَّكَ مِنَ المَسْجُونِينَ﴾ فَإنَّهُ لَمّا عَجَزَ عَنِ الحِجاجِ عَدَلَ إلى التَّخْوِيفِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ ذَكَرَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كَلامًا مُجْمَلًا لِيُعَلِّقَ قَلْبَهُ بِهِ فَيَعْدِلَ عَنْ وعِيدِهِ فَقالَ: ﴿أوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾ ؟ أيْ هَلْ تَسْتَجِيزُ أنْ تَسْجُنَنِي مَعَ اقْتِدارِي عَلى أنْ آتِيَكَ بِأمْرٍ بَيِّنٍ في بابِ الدَّلالَةِ عَلى وُجُودِ اللَّهِ تَعالى وعَلى أنِّي رَسُولُهُ ؟ فَعِنْدَ ذَلِكَ قالَ: ﴿فَأْتِ بِهِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ وهَهُنا فُرُوعٌ:
الفَرْعُ الأوَّلُ: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى لَيْسَ بِجِسْمٍ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ جِسْمًا ولَهُ صُورَةٌ لَكانَ جَوابُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِذِكْرِ حَقِيقَتِهِ ولَكانَ كَلامُ فِرْعَوْنَ لازِمًا لَهُ لِعُدُولِهِ عَنِ الجَوابِ الحَقِّ.
الثّانِي: الواجِبُ عَلى مَن يَدْعُو غَيْرَهُ إلى اللَّهِ تَعالى أنْ لا يُجِيبَ عَنِ السَّفاهَةِ؛ لِأنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا قالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إنَّهُ مَجْنُونٌ لَمْ يَعْدِلْ عَنْ ذِكْرِ الدَّلالَةِ وكَذَلِكَ لَمّا تَوَعَّدَهُ أنْ يَسْجُنَهُ.
الثّالِثُ: أنَّهُ يَجُوزُ لِلْمَسْئُولِ أنْ يَعْدِلَ في حُجَّتِهِ مِن مِثالٍ إلى مِثالٍ لِإيضاحِ الكَلامِ ولا يَدُلُّ ذَلِكَ عَلى الِانْقِطاعِ.
الرّابِعُ: إنْ قِيلَ: كَيْفَ قَطَعَ الكَلامَ بِما لا تَعَلُّقَ لَهُ بِالأوَّلِ وهو قَوْلُهُ: ﴿أوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾ والمُعْجِزُ لا يَدُلُّ عَلى اللَّهِ تَعالى كَدَلالَةِ سائِرِ ما تَقَدَّمَ ؟ قُلْنا: بَلْ يَدُلُّ ما أرادَ أنْ يُظْهِرَهُ مِنَ انْقِلابِ العَصا حَيَّةً عَلى اللَّهِ تَعالى وعَلى تَوْحِيدِهِ، وعَلى أنَّهُ صادِقٌ في الرِّسالَةِ فالَّذِي خَتَمَ بِهِ كَلامَهُ أقْوى مِن كُلِّ ما تَقَدَّمَ وأجْمَعُ.
الخامِسُ: فَإنْ قِيلَ كَيْفَ قالَ: ﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما﴾ عَلى التَّثْنِيَةِ والمَرْجُوعُ إلَيْهِ مَجْمُوعٌ ؟ جَوابُهُ: أرِيدَ ما بَيْنَ الجِهَتَيْنِ، فَإنْ قِيلَ: ذِكْرُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما قَدِ اسْتَوْعَبَ الخَلائِقَ كُلَّهم، فَما مَعْنى ذِكْرُهم وذِكْرُ آبائِهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ وذِكْرُ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ ؟ جَوابُهُ: قَدْ عَمَّمَ أوَّلًا ثُمَّ خَصَّصَ مِنَ العامِّ لِلْبَيانِ أنْفُسَهم وآباءَهم لِأنَّ أقْرَبَ الأشْياءِ مِنَ العاقِلِ نَفْسُهُ ومَن وُلِدَ مِنهُ وما شاهَدَ مِنَ انْتِقالِهِ مِن وقْتِ مِيلادِهِ إلى وقْتِ وفاتِهِ مِن حالَةٍ إلى حالَةٍ أُخْرى، ثُمَّ خَصَّصَ المَشْرِقَ والمَغْرِبَ لِأنَّ طُلُوعَ الشَّمْسِ مِن أحَدِ الخافِقَيْنِ وغُرُوبَها عَلى تَقْدِيرٍ مُسْتَقِيمٍ في فُصُولِ السَّنَةِ مِن أظْهَرِ الدَّلائِلِ.
السّادِسُ: فَإنْ قِيلَ لِمَ قالَ: ﴿لَأجْعَلَنَّكَ مِنَ المَسْجُونِينَ﴾ ولَمْ يَقُلْ لَأسْجُنَنَّكَ مَعَ أنَّهُ أخْصَرُ ؟ جَوابُهُ: لِأنَّهُ لَوْ قالَ لَأسْجُنَنَّكَ لا يُفِيدُ إلّا صَيْرُورَتَهُ مَسْجُونًا. أمّا قَوْلُهُ: ﴿لَأجْعَلَنَّكَ مِنَ المَسْجُونِينَ﴾ فَمَعْناهُ أنِّي أجْعَلُكَ واحِدًا مِمَّنْ عَرَفْتَ حالَهم في سُجُونِي، وكانَ مِن عادَتِهِ أنْ يَأْخُذَ مَن يُرِيدُ أنْ يَسْجُنَهُ فَيَطْرَحَهُ في بِئْرٍ عَمِيقَةٍ فَرْدًا لا يُبْصِرُ فِيها ولا يَسْمَعُ فَكانَ ذَلِكَ أشَدَّ مِنَ القَتْلِ.
السّابِعُ: الواوُ في قَوْلِهِ: ﴿أوَلَوْ جِئْتُكَ﴾ واوُ الحالِ دَخَلَتْ عَلَيْها هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ مَعْناهُ أتَفْعَلُ بِي ذَلِكَ ولَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ أيْ جائِيًا بِالمُعْجِزَةِ.
الشعراء 26:31
صفحة ١١١
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ فِرْعَوْنُ وما رَبُّ العالَمِينَ﴾ ﴿قالَ رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ ﴿قالَ لِمَن حَوْلَهُ ألا تَسْتَمِعُونَ﴾ ﴿قالَ رَبُّكم ورَبُّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿قالَ إنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْكم لَمَجْنُونٌ﴾ ﴿قالَ رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ وما بَيْنَهُما إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ ﴿قالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إلَهًا غَيْرِي لَأجْعَلَنَّكَ مِنَ المَسْجُونِينَ﴾ ﴿قالَ أوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾ ﴿قالَ فَأْتِ بِهِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ فِرْعَوْنَ لَمْ يَقُلْ لِمُوسى ﴿وما رَبُّ العالَمِينَ﴾، إلّا وقَدْ دَعاهُ مُوسى إلى طاعَةِ رَبِّ العالَمِينَ، يُبَيِّنُ ذَلِكَ ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَأْتِيا فِرْعَوْنَ فَقُولا إنّا رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ فَلا بُدَّ عِنْدَ دُخُولِهِما عَلَيْهِ أنَّهُما قالا ذَلِكَ، فَعِنْدَ ذَلِكَ قالَ فِرْعَوْنُ: ﴿وما رَبُّ العالَمِينَ﴾ ثُمَّ هَهُنا بَحْثانِ:
البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّ فِرْعَوْنَ يُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ كانَ عارِفًا بِاللَّهِ، ولَكِنَّهُ قالَ ما قالَ طَلَبًا لِلْمُلْكِ والرِّياسَةِ، وقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى في كِتابِهِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ عارِفًا بِاللَّهِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿قالَ لَقَدْ عَلِمْتَ ما أنْزَلَ هَؤُلاءِ إلّا رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الإسراء: ١٠٢] فَإذا قُرِئَ بِفَتْحِ التّاءِ مِن ﴿عَلِمْتَ﴾ فالمُرادُ أنَّ فِرْعَوْنَ عَلِمَ ذَلِكَ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ عارِفًا بِاللَّهِ، لَكِنَّهُ كانَ يَسْتَأْكِلُ قَوْمَهُ بِما يُظْهِرُهُ مِن إلَهِيَّتِهِ، والقِراءَةُ الأُخْرى بِرَفْعِ التّاءِ مِن (عَلِمْتُ) فَهي تَقْتَضِي أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ هو الَّذِي عَرَفَ ذَلِكَ، وأيْضًا فَإنَّ فِرْعَوْنَ إنْ لَمْ يَكُنْ عاقِلًا لَمْ يَجُزْ مِنَ اللَّهِ تَعالى بَعْثَةُ الرَّسُولِ إلَيْهِ، وإنْ كانَ عاقِلًا فَهو يَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أنَّهُ ما كانَ مَوْجُودًا ولا حَيًّا ولا عاقِلًا ثُمَّ صارَ كَذَلِكَ، وبِالضَّرُورَةِ يَعْلَمُ أنَّ كُلَّ ما كانَ كَذَلِكَ فَلا بُدَّ لَهُ مِن مُؤَثِّرٍ، فَلا بُدَّ وأنْ يَتَوَلَّدَ لَهُ مِن هَذَيْنِ العِلْمَيْنِ عِلْمٌ ثالِثٌ بِافْتِقارِهِ في تَرْكِيبِهِ وفي حَياتِهِ وعَقْلِهِ إلى مُؤَثِّرٍ مُوجِدٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ كانَ عَلى مَذْهَبِ الدَّهْرِيَّةِ مِن أنَّ الأفْلاكَ واجِبَةُ الوُجُودِ في ذَواتِها ومُتَحَرِّكَةٌ لِذَواتِها، وأنَّ حَرَكاتِها أسْبابٌ لِحُصُولِ الحَوادِثِ في هَذا العالَمِ، أوْ يُقالُ: إنَّهُ كانَ مِنَ الفَلاسِفَةِ القائِلِينَ بِالعِلَّةِ المُوجِبَةِ لا بِالفاعِلِ المُخْتارِ، ثُمَّ اعْتَقَدَ أنَّهُ بِمَنزِلَةِ الإلَهِ لِأهْلِ إقْلِيمِهِ مِن حَيْثُ اسْتَعْبَدَهم ومَلَكَ ذِمّاتِهِمْ وزِمامَ أمْرِهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ كانَ عَلى مَذْهَبِ الحُلُولِيَّةِ، القائِلِينَ بِأنَّ ذاتَ الإلَهِ يَتَدَرَّعُ بِجَسَدِ إنْسانٍ مُعَيَّنٍ، حَتّى يَكُونَ الإلَهُ سُبْحانَهُ لِذَلِكَ الجَسَدِ بِمَنزِلَةِ رُوحِ كُلِّ إنْسانٍ بِالنِّسْبَةِ إلى جَسَدِهِ، وبِهَذِهِ التَّقْدِيراتِ كانَ يُسَمِّي نَفْسَهُ إلَهًا.
البَحْثُ الثّانِي: وهو أنَّهُ قالَ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿وما رَبُّ العالَمِينَ﴾ ؟ واعْلَمْ أنَّ السُّؤالَ بِما طَلَبَ لِتَعْرِيفِ حَقِيقَةِ الشَّيْءِ، وتَعْرِيفُ حَقِيقَةِ الشَّيْءِ إمّا أنْ يَكُونَ بِنَفْسِ تِلْكَ الحَقِيقَةِ أوْ بِشَيْءٍ مِن أجْزائِها أوْ بِأمْرٍ خارِجٍ عَنْها أوْ بِما يَتَرَكَّبُ مِنَ الدّاخِلِ والخارِجِ. أمّا تَعْرِيفُها بِنَفْسِها فَمُحالٌ، لِأنَّ المُعَرَّفَ مَعْلُومٌ قَبْلَ المُعَرِّفِ، فَلَوْ عَرَّفَ الشَّيْءَ بِنَفْسِهِ لَزِمَ أنْ يَكُونَ مَعْلُومًا قَبْلَ أنْ يَكُونَ مَعْلُومًا وهو مُحالٌ. وأمّا تَعْرِيفُها بِالأُمُورِ الدّاخِلَةِ فِيها فَهَهُنا في حَقِّ واجِبِ الوُجُودِ مُحالٌ، لِأنَّ التَّعْرِيفَ بِالأُمُورِ الدّاخِلَةِ لا يُمْكِنُ إلّا إذا كانَ المُعَرَّفُ مُرَكَّبًا، وواجِبُ الوُجُودِ يَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ مُرَكَّبًا، لِأنَّ كُلَّ مُرَكَّبٍ فَهو مُحْتاجٌ إلى كُلِّ واحِدٍ مِن أجْزائِهِ، وكُلُّ واحِدٍ مِن أجْزائِهِ فَهو غَيْرُهُ، فَكُلُّ مُرَكَّبٍ مُحْتاجٌ إلى غَيْرِهِ، وكُلُّ ما احْتاجَ إلى غَيْرِهِ فَهو مُمْكِنٌ لِذاتِهِ، وكُلُّ مُرَكَّبٍ فَهو مُمْكِنٌ، فَما لَيْسَ بِمُمْكِنٍ يَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ مُرَكَّبًا، فَواجِبُ الوُجُودِ لَيْسَ بِمُرَكَّبٍ، وإذا لَمْ يَكُنْ مُرَكَّبًا اسْتَحالَ تَعْرِيفُهُ بِأجْزائِهِ، ولَمّا بَطَلَ هَذانِ القِسْمانِ ثَبَتَ أنَّهُ لا يُمْكِنُ تَعْرِيفُ ماهِيَّةِ واجِبِ الوُجُودِ إلّا بِلَوازِمِهِ وآثارِهِ، ثُمَّ إنَّ اللَّوازِمَ قَدْ تَكُونُ خَفِيَّةً، وقَدْ تَكُونُ جَلِيَّةً، ولا يَجُوزُ تَعْرِيفُ الماهِيَّةِ بِاللَّوازِمِ الخَفِيَّةِ بَلْ لا بُدَّ مِن تَعْرِيفِها بِاللَّوازِمِ الجَلِيَّةِ، وأظْهَرُ آثارِ ذاتِ واجِبِ الوُجُودِ هو هَذا العالَمُ المَحْسُوسُ وهو السَّماواتُ
صفحة ١١٢
والأرْضُ وما بَيْنَهُما فَقَدْ ثَبَتَ أنَّهُ لا جَوابَ البَتَّةَ لِقَوْلِ فِرْعَوْنَ ﴿وما رَبُّ العالَمِينَ﴾ إلّا ما قالَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وهو أنَّهُ ﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما﴾، فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ فَمَعْناهُ: إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ بِإسْنادِ هَذِهِ المَحْسُوساتِ إلى مَوْجُودٍ واجِبِ الوُجُودِ فاعْرِفُوا أنَّهُ لا يُمْكِنُ تَعْرِيفُهُ إلّا بِما ذَكَرْتُهُ لِأنَّكم لَمّا سَلَّمْتُمُ انْتِهاءَ هَذِهِ المَحْسُوساتِ إلى الواجِبِ لِذاتِهِ، ثَبَتَ أنَّ الواجِبَ لِذاتِهِ فَرْدٌ مُطْلَقٌ، وثَبَتَ أنَّ الفَرْدَ المُطْلَقَ لا يُمْكِنُ تَعْرِيفُهُ إلّا بِآثارِهِ، وثَبَتَ أنَّ تِلْكَ الآثارَ لا بُدَّ وأنْ تَكُونَ أظْهَرَ آثارِهِ، وأبْعَدَها عَنِ الخَفاءِ وما ذاكَ إلّا السَّماواتُ والأرْضُ وما بَيْنَهُما، فَإنْ أيْقَنْتُمْ بِذَلِكَ لَزِمَكم أنْ تَقْطَعُوا بِأنَّهُ لا جَوابَ عَنْ ذَلِكَ السُّؤالِ إلّا هَذا الجَوابُ، ولَمّا ذَكَرَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ هَذا الجَوابَ الحَقَّ قالَ فِرْعَوْنَ ”﴿لِمَن حَوْلَهُ ألا تَسْتَمِعُونَ﴾“ وإنَّما ذَكَرَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّعَجُّبِ مِن جَوابِ مُوسى، يَعْنِي أنا أطْلُبُ مِنهُ الماهِيَّةَ وخُصُوصِيَّةَ الحَقِيقَةِ، وهو يُجِيبُنِي بِالفاعِلِيَّةِ والمُؤَثِّرِيَّةِ، وتَمامُ الإشْكالِ أنَّ تَعْرِيفَ الماهِيَّةِ بِلَوازِمِها لا يُفِيدُ الوُقُوفَ عَلى نَفْسِ تِلْكَ الماهِيَّةِ، وذَلِكَ لِأنّا إذا قُلْنا في الشَّيْءِ إنَّهُ الَّذِي يَلْزَمُهُ اللّازِمُ الفُلانِيُّ، فَهَذا المَذْكُورُ، إمّا أنْ يَكُونَ مَعْرُوفًا لِمُجَرَّدِ كَوْنِهِ أمْرًا ما يَلْزَمُهُ ذَلِكَ اللّازِمُ أوْ لِخُصُوصِيَّةِ تِلْكَ الماهِيَّةِ الَّتِي عَرَضَتْ لَها هَذِهِ المَلْزُومِيَّةِ، والأوَّلُ مُحالٌ لِأنَّ كَوْنَهُ أمْرًا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ اللّازِمُ جَعَلْناهُ كاشِفًا فَلَوْ كانَ المَكْشُوفُ هو هَذا القَدْرَ لَزِمَ كَوْنُ الشَّيْءِ مَعْرُوفًا لِنَفْسِهِ وهو مُحالٌ، والثّانِي مُحالٌ؛ لِأنَّ العِلْمَ بِأنَّهُ أمْرٌ ما يَلْزَمُهُ اللّازِمُ الفُلانِيُّ لا يُفِيدُ العِلْمَ بِخُصُوصِيَّةِ تِلْكَ الماهِيَّةِ المَلْزُومَةِ، لِأنَّهُ لا يَمْتَنِعُ في العَقْلِ اشْتِراكُ الماهِيّاتِ المُخْتَلِفَةِ في لَوازِمَ مُتَساوِيَةٍ. فَثَبَتَ أنَّ التَّعْرِيفَ بِالوَصْفِ الخارِجِيِّ لا يُفِيدُ مَعْرِفَةَ نَفْسِ الحَقِيقَةِ فَلَمْ يَكُنْ كَوْنُهُ رَبًّا لِلسَّمَواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما جَوابًا عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وما رَبُّ العالَمِينَ﴾ فَأجابَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنْ: ﴿قالَ رَبُّكم ورَبُّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ وكَأنَّهُ عَدَلَ عَنِ التَّعْرِيفِ بِخالِقَيَّةِ السَّماءِ والأرْضِ إلى التَّعْرِيفِ بِكَوْنِهِ تَعالى خالِقًا لَنا ولِآبائِنا، وذَلِكَ لِأنَّهُ لا يَمْتَنِعُ أنْ يَعْتَقِدَ أحَدٌ أنَّ السَّماواتِ والأرَضِينَ واجِبَةٌ لِذَواتِها فَهي غَنِيَّةٌ عَنِ الخالِقِ والمُؤَثِّرِ، ولَكِنْ لا يُمْكِنُ أنْ يَعْتَقِدَ العاقِلُ في نَفْسِهِ وأبِيهِ وأجْدادِهِ كَوْنَهم واجِبِينَ لِذَواتِهِمْ، لِما أنَّ المُشاهَدَةَ دَلَّتْ عَلى أنَّهم وُجِدُوا بَعْدَ العَدَمِ ثُمَّ عُدِمُوا بَعْدَ الوُجُودِ، وما كانَ كَذَلِكَ اسْتَحالَ أنْ يَكُونَ واجِبًا لِذاتِهِ، وما لَمْ يَكُنْ واجِبًا لِذاتِهِ اسْتَحالَ وُجُودُهُ إلّا لِمُؤَثِّرٍ، فَكانَ التَّعْرِيفُ بِهَذا الأثَرِ أظْهَرَ فَلِهَذا عَدَلَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الكَلامِ الأوَّلِ إلَيْهِ. فَقالَ فِرْعَوْنُ: ﴿إنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْكم لَمَجْنُونٌ﴾ يَعْنِي المَقْصُودَ مِن سُؤالِ ما طَلَبُ الماهِيَّةِ وخُصُوصِيَّةِ الحَقِيقَةِ والتَّعْرِيفُ بِهَذِهِ الآثارِ الخارِجِيَّةِ لا يُفِيدُ البَتَّةَ تِلْكَ الخُصُوصِيَّةَ، فَهَذا الَّذِي يَدَّعِي الرِّسالَةَ مَجْنُونٌ لا يَفْهَمُ السُّؤالَ فَضْلًا عَنْ أنْ يُجِيبَ عَنْهُ، فَقالَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ وما بَيْنَهُما إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ فَعَدَلَ إلى طَرِيقٍ ثالِثٍ أوْضَحَ مِنَ الثّانِي، وذَلِكَ لِأنَّهُ أرادَ بِالمَشْرِقِ طُلُوعَ الشَّمْسِ وظُهُورَ النَّهارِ، وأرادَ بِالمَغْرِبِ غُرُوبَ الشَّمْسِ وزَوالَ النَّهارِ، والأمْرُ ظاهِرٌ في أنَّ هَذا التَّدْبِيرَ المُسْتَمِرَّ عَلى الوجه العَجِيبِ لا يَتِمُّ إلّا بِتَدْبِيرِ مُدَبِّرٍ وهَذا بِعَيْنِهِ طَرِيقَةُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ نَمْرُوذَ، فَإنَّهُ اسْتَدَلَّ أوَّلًا بِالإحْياءِ والإماتَةِ وهو الَّذِي ذَكَرَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ هَهُنا بِقَوْلِهِ: ﴿رَبُّكم ورَبُّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ فَأجابَهُ نَمْرُوذُ بِقَوْلِهِ: ﴿أنا أُحْيِي وأُمِيتُ﴾ [البقرة: ٢٥٨] فَقالَ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ المَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ المَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ [البقرة: ٢٥٨] وهو الَّذِي ذَكَرَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ هَهُنا بِقَوْلِهِ: ﴿رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ﴾ .
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ فَكَأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: إنْ كُنْتَ مِنَ العُقَلاءِ عَرَفْتَ أنَّهُ لا جَوابَ عَنْ سُؤالِكَ إلّا ما ذَكَرْتَ لِأنَّكَ طَلَبْتَ مِنِّي تَعْرِيفَ حَقِيقَتِهِ
صفحة ١١٣
بِنَفْسِ حَقِيقَتِهِ ولا بِأجْزاءِ حَقِيقَتِهِ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنْ أُعَرِّفَ حَقِيقَتَهُ بِآثارِ حَقِيقَتِهِ، وأنا قَدْ عَرَّفْتُ حَقِيقَتَهُ بِآثارِ حَقِيقَتِهِ فَقَدْ ثَبَتَ أنَّ كُلَّ مَن كانَ عاقِلًا يَقْطَعُ بِأنَّهُ لا جَوابَ عَنْ هَذا السُّؤالِ إلّا ما ذَكَرْتُهُ.
واعْلَمْ أنّا قَدْ بَيَّنّا في سُورَةِ الأنْعامِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهُوَ القاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ﴾ [الأنعام: ١٨] أنَّ حَقِيقَةَ الإلَهِ سُبْحانَهُ مِن حَيْثُ هي هي غَيْرُ مَعْقُولَةٍ لِلْبَشَرِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ اسْتَحالَ مِن مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يَذْكُرَ ما تُعْرَفُ بِهِ تِلْكَ الحَقِيقَةُ، إلّا أنَّ عَدَمَ العِلْمِ بِتِلْكَ الخُصُوصِيَّةِ لا يَقْدَحُ في صِحَّةِ الرِّسالَةِ فَكانَ حاصِلُ كَلامِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّ ادِّعاءَ رِسالَةِ رَبِّ العالَمِينَ تَتَوَقَّفُ صِحَّتُهُ عَلى إثْباتِ أنَّ لِلْعالِمِينَ رَبًّا وإلَهًا ولا تَتَوَقَّفُ عَلى العِلْمِ بِخُصُوصِيَّةِ الرَّبِّ تَعالى وماهِيَّتِهِ المُعَيَّنَةِ، فَكَأنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ يُقِيمُ الدَّلالَةَ عَلى إثْباتِ القَدْرِ المُحْتاجِ إلَيْهِ في صِحَّةِ دَعْوى الرِّسالَةِ، وفِرْعَوْنُ يُطالِبُهُ بِبَيانِ الماهِيَّةِ، ومُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يُعْرِضُ عَنْ سُؤالِهِ لِعِلْمِهِ بِأنَّهُ لا تَعَلُّقَ لِذَلِكَ السُّؤالِ نَفْيًا ولا إثْباتًا في هَذا المَطْلُوبِ، فَهَذا تَمامُ القَوْلِ في هَذا البَحْثِ واللَّهُ أعْلَمُ.
ثُمَّ إنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا خَشَّنَ في آخِرِ الكَلامِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ فَعِنْدَ ذَلِكَ قالَ فِرْعَوْنُ: ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إلَهًا غَيْرِي لَأجْعَلَنَّكَ مِنَ المَسْجُونِينَ﴾ فَإنَّهُ لَمّا عَجَزَ عَنِ الحِجاجِ عَدَلَ إلى التَّخْوِيفِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ ذَكَرَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كَلامًا مُجْمَلًا لِيُعَلِّقَ قَلْبَهُ بِهِ فَيَعْدِلَ عَنْ وعِيدِهِ فَقالَ: ﴿أوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾ ؟ أيْ هَلْ تَسْتَجِيزُ أنْ تَسْجُنَنِي مَعَ اقْتِدارِي عَلى أنْ آتِيَكَ بِأمْرٍ بَيِّنٍ في بابِ الدَّلالَةِ عَلى وُجُودِ اللَّهِ تَعالى وعَلى أنِّي رَسُولُهُ ؟ فَعِنْدَ ذَلِكَ قالَ: ﴿فَأْتِ بِهِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ وهَهُنا فُرُوعٌ:
الفَرْعُ الأوَّلُ: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى لَيْسَ بِجِسْمٍ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ جِسْمًا ولَهُ صُورَةٌ لَكانَ جَوابُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِذِكْرِ حَقِيقَتِهِ ولَكانَ كَلامُ فِرْعَوْنَ لازِمًا لَهُ لِعُدُولِهِ عَنِ الجَوابِ الحَقِّ.
الثّانِي: الواجِبُ عَلى مَن يَدْعُو غَيْرَهُ إلى اللَّهِ تَعالى أنْ لا يُجِيبَ عَنِ السَّفاهَةِ؛ لِأنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا قالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إنَّهُ مَجْنُونٌ لَمْ يَعْدِلْ عَنْ ذِكْرِ الدَّلالَةِ وكَذَلِكَ لَمّا تَوَعَّدَهُ أنْ يَسْجُنَهُ.
الثّالِثُ: أنَّهُ يَجُوزُ لِلْمَسْئُولِ أنْ يَعْدِلَ في حُجَّتِهِ مِن مِثالٍ إلى مِثالٍ لِإيضاحِ الكَلامِ ولا يَدُلُّ ذَلِكَ عَلى الِانْقِطاعِ.
الرّابِعُ: إنْ قِيلَ: كَيْفَ قَطَعَ الكَلامَ بِما لا تَعَلُّقَ لَهُ بِالأوَّلِ وهو قَوْلُهُ: ﴿أوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾ والمُعْجِزُ لا يَدُلُّ عَلى اللَّهِ تَعالى كَدَلالَةِ سائِرِ ما تَقَدَّمَ ؟ قُلْنا: بَلْ يَدُلُّ ما أرادَ أنْ يُظْهِرَهُ مِنَ انْقِلابِ العَصا حَيَّةً عَلى اللَّهِ تَعالى وعَلى تَوْحِيدِهِ، وعَلى أنَّهُ صادِقٌ في الرِّسالَةِ فالَّذِي خَتَمَ بِهِ كَلامَهُ أقْوى مِن كُلِّ ما تَقَدَّمَ وأجْمَعُ.
الخامِسُ: فَإنْ قِيلَ كَيْفَ قالَ: ﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما﴾ عَلى التَّثْنِيَةِ والمَرْجُوعُ إلَيْهِ مَجْمُوعٌ ؟ جَوابُهُ: أرِيدَ ما بَيْنَ الجِهَتَيْنِ، فَإنْ قِيلَ: ذِكْرُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما قَدِ اسْتَوْعَبَ الخَلائِقَ كُلَّهم، فَما مَعْنى ذِكْرُهم وذِكْرُ آبائِهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ وذِكْرُ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ ؟ جَوابُهُ: قَدْ عَمَّمَ أوَّلًا ثُمَّ خَصَّصَ مِنَ العامِّ لِلْبَيانِ أنْفُسَهم وآباءَهم لِأنَّ أقْرَبَ الأشْياءِ مِنَ العاقِلِ نَفْسُهُ ومَن وُلِدَ مِنهُ وما شاهَدَ مِنَ انْتِقالِهِ مِن وقْتِ مِيلادِهِ إلى وقْتِ وفاتِهِ مِن حالَةٍ إلى حالَةٍ أُخْرى، ثُمَّ خَصَّصَ المَشْرِقَ والمَغْرِبَ لِأنَّ طُلُوعَ الشَّمْسِ مِن أحَدِ الخافِقَيْنِ وغُرُوبَها عَلى تَقْدِيرٍ مُسْتَقِيمٍ في فُصُولِ السَّنَةِ مِن أظْهَرِ الدَّلائِلِ.
السّادِسُ: فَإنْ قِيلَ لِمَ قالَ: ﴿لَأجْعَلَنَّكَ مِنَ المَسْجُونِينَ﴾ ولَمْ يَقُلْ لَأسْجُنَنَّكَ مَعَ أنَّهُ أخْصَرُ ؟ جَوابُهُ: لِأنَّهُ لَوْ قالَ لَأسْجُنَنَّكَ لا يُفِيدُ إلّا صَيْرُورَتَهُ مَسْجُونًا. أمّا قَوْلُهُ: ﴿لَأجْعَلَنَّكَ مِنَ المَسْجُونِينَ﴾ فَمَعْناهُ أنِّي أجْعَلُكَ واحِدًا مِمَّنْ عَرَفْتَ حالَهم في سُجُونِي، وكانَ مِن عادَتِهِ أنْ يَأْخُذَ مَن يُرِيدُ أنْ يَسْجُنَهُ فَيَطْرَحَهُ في بِئْرٍ عَمِيقَةٍ فَرْدًا لا يُبْصِرُ فِيها ولا يَسْمَعُ فَكانَ ذَلِكَ أشَدَّ مِنَ القَتْلِ.
السّابِعُ: الواوُ في قَوْلِهِ: ﴿أوَلَوْ جِئْتُكَ﴾ واوُ الحالِ دَخَلَتْ عَلَيْها هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ مَعْناهُ أتَفْعَلُ بِي ذَلِكَ ولَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ أيْ جائِيًا بِالمُعْجِزَةِ.
الشعراء 26:32
صفحة ١١١
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ فِرْعَوْنُ وما رَبُّ العالَمِينَ﴾ ﴿قالَ رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ ﴿قالَ لِمَن حَوْلَهُ ألا تَسْتَمِعُونَ﴾ ﴿قالَ رَبُّكم ورَبُّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿قالَ إنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْكم لَمَجْنُونٌ﴾ ﴿قالَ رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ وما بَيْنَهُما إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ ﴿قالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إلَهًا غَيْرِي لَأجْعَلَنَّكَ مِنَ المَسْجُونِينَ﴾ ﴿قالَ أوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾ ﴿قالَ فَأْتِ بِهِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ فِرْعَوْنَ لَمْ يَقُلْ لِمُوسى ﴿وما رَبُّ العالَمِينَ﴾، إلّا وقَدْ دَعاهُ مُوسى إلى طاعَةِ رَبِّ العالَمِينَ، يُبَيِّنُ ذَلِكَ ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَأْتِيا فِرْعَوْنَ فَقُولا إنّا رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ فَلا بُدَّ عِنْدَ دُخُولِهِما عَلَيْهِ أنَّهُما قالا ذَلِكَ، فَعِنْدَ ذَلِكَ قالَ فِرْعَوْنُ: ﴿وما رَبُّ العالَمِينَ﴾ ثُمَّ هَهُنا بَحْثانِ:
البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّ فِرْعَوْنَ يُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ كانَ عارِفًا بِاللَّهِ، ولَكِنَّهُ قالَ ما قالَ طَلَبًا لِلْمُلْكِ والرِّياسَةِ، وقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى في كِتابِهِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ عارِفًا بِاللَّهِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿قالَ لَقَدْ عَلِمْتَ ما أنْزَلَ هَؤُلاءِ إلّا رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الإسراء: ١٠٢] فَإذا قُرِئَ بِفَتْحِ التّاءِ مِن ﴿عَلِمْتَ﴾ فالمُرادُ أنَّ فِرْعَوْنَ عَلِمَ ذَلِكَ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ عارِفًا بِاللَّهِ، لَكِنَّهُ كانَ يَسْتَأْكِلُ قَوْمَهُ بِما يُظْهِرُهُ مِن إلَهِيَّتِهِ، والقِراءَةُ الأُخْرى بِرَفْعِ التّاءِ مِن (عَلِمْتُ) فَهي تَقْتَضِي أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ هو الَّذِي عَرَفَ ذَلِكَ، وأيْضًا فَإنَّ فِرْعَوْنَ إنْ لَمْ يَكُنْ عاقِلًا لَمْ يَجُزْ مِنَ اللَّهِ تَعالى بَعْثَةُ الرَّسُولِ إلَيْهِ، وإنْ كانَ عاقِلًا فَهو يَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أنَّهُ ما كانَ مَوْجُودًا ولا حَيًّا ولا عاقِلًا ثُمَّ صارَ كَذَلِكَ، وبِالضَّرُورَةِ يَعْلَمُ أنَّ كُلَّ ما كانَ كَذَلِكَ فَلا بُدَّ لَهُ مِن مُؤَثِّرٍ، فَلا بُدَّ وأنْ يَتَوَلَّدَ لَهُ مِن هَذَيْنِ العِلْمَيْنِ عِلْمٌ ثالِثٌ بِافْتِقارِهِ في تَرْكِيبِهِ وفي حَياتِهِ وعَقْلِهِ إلى مُؤَثِّرٍ مُوجِدٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ كانَ عَلى مَذْهَبِ الدَّهْرِيَّةِ مِن أنَّ الأفْلاكَ واجِبَةُ الوُجُودِ في ذَواتِها ومُتَحَرِّكَةٌ لِذَواتِها، وأنَّ حَرَكاتِها أسْبابٌ لِحُصُولِ الحَوادِثِ في هَذا العالَمِ، أوْ يُقالُ: إنَّهُ كانَ مِنَ الفَلاسِفَةِ القائِلِينَ بِالعِلَّةِ المُوجِبَةِ لا بِالفاعِلِ المُخْتارِ، ثُمَّ اعْتَقَدَ أنَّهُ بِمَنزِلَةِ الإلَهِ لِأهْلِ إقْلِيمِهِ مِن حَيْثُ اسْتَعْبَدَهم ومَلَكَ ذِمّاتِهِمْ وزِمامَ أمْرِهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ كانَ عَلى مَذْهَبِ الحُلُولِيَّةِ، القائِلِينَ بِأنَّ ذاتَ الإلَهِ يَتَدَرَّعُ بِجَسَدِ إنْسانٍ مُعَيَّنٍ، حَتّى يَكُونَ الإلَهُ سُبْحانَهُ لِذَلِكَ الجَسَدِ بِمَنزِلَةِ رُوحِ كُلِّ إنْسانٍ بِالنِّسْبَةِ إلى جَسَدِهِ، وبِهَذِهِ التَّقْدِيراتِ كانَ يُسَمِّي نَفْسَهُ إلَهًا.
البَحْثُ الثّانِي: وهو أنَّهُ قالَ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿وما رَبُّ العالَمِينَ﴾ ؟ واعْلَمْ أنَّ السُّؤالَ بِما طَلَبَ لِتَعْرِيفِ حَقِيقَةِ الشَّيْءِ، وتَعْرِيفُ حَقِيقَةِ الشَّيْءِ إمّا أنْ يَكُونَ بِنَفْسِ تِلْكَ الحَقِيقَةِ أوْ بِشَيْءٍ مِن أجْزائِها أوْ بِأمْرٍ خارِجٍ عَنْها أوْ بِما يَتَرَكَّبُ مِنَ الدّاخِلِ والخارِجِ. أمّا تَعْرِيفُها بِنَفْسِها فَمُحالٌ، لِأنَّ المُعَرَّفَ مَعْلُومٌ قَبْلَ المُعَرِّفِ، فَلَوْ عَرَّفَ الشَّيْءَ بِنَفْسِهِ لَزِمَ أنْ يَكُونَ مَعْلُومًا قَبْلَ أنْ يَكُونَ مَعْلُومًا وهو مُحالٌ. وأمّا تَعْرِيفُها بِالأُمُورِ الدّاخِلَةِ فِيها فَهَهُنا في حَقِّ واجِبِ الوُجُودِ مُحالٌ، لِأنَّ التَّعْرِيفَ بِالأُمُورِ الدّاخِلَةِ لا يُمْكِنُ إلّا إذا كانَ المُعَرَّفُ مُرَكَّبًا، وواجِبُ الوُجُودِ يَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ مُرَكَّبًا، لِأنَّ كُلَّ مُرَكَّبٍ فَهو مُحْتاجٌ إلى كُلِّ واحِدٍ مِن أجْزائِهِ، وكُلُّ واحِدٍ مِن أجْزائِهِ فَهو غَيْرُهُ، فَكُلُّ مُرَكَّبٍ مُحْتاجٌ إلى غَيْرِهِ، وكُلُّ ما احْتاجَ إلى غَيْرِهِ فَهو مُمْكِنٌ لِذاتِهِ، وكُلُّ مُرَكَّبٍ فَهو مُمْكِنٌ، فَما لَيْسَ بِمُمْكِنٍ يَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ مُرَكَّبًا، فَواجِبُ الوُجُودِ لَيْسَ بِمُرَكَّبٍ، وإذا لَمْ يَكُنْ مُرَكَّبًا اسْتَحالَ تَعْرِيفُهُ بِأجْزائِهِ، ولَمّا بَطَلَ هَذانِ القِسْمانِ ثَبَتَ أنَّهُ لا يُمْكِنُ تَعْرِيفُ ماهِيَّةِ واجِبِ الوُجُودِ إلّا بِلَوازِمِهِ وآثارِهِ، ثُمَّ إنَّ اللَّوازِمَ قَدْ تَكُونُ خَفِيَّةً، وقَدْ تَكُونُ جَلِيَّةً، ولا يَجُوزُ تَعْرِيفُ الماهِيَّةِ بِاللَّوازِمِ الخَفِيَّةِ بَلْ لا بُدَّ مِن تَعْرِيفِها بِاللَّوازِمِ الجَلِيَّةِ، وأظْهَرُ آثارِ ذاتِ واجِبِ الوُجُودِ هو هَذا العالَمُ المَحْسُوسُ وهو السَّماواتُ
صفحة ١١٢
والأرْضُ وما بَيْنَهُما فَقَدْ ثَبَتَ أنَّهُ لا جَوابَ البَتَّةَ لِقَوْلِ فِرْعَوْنَ ﴿وما رَبُّ العالَمِينَ﴾ إلّا ما قالَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وهو أنَّهُ ﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما﴾، فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ فَمَعْناهُ: إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ بِإسْنادِ هَذِهِ المَحْسُوساتِ إلى مَوْجُودٍ واجِبِ الوُجُودِ فاعْرِفُوا أنَّهُ لا يُمْكِنُ تَعْرِيفُهُ إلّا بِما ذَكَرْتُهُ لِأنَّكم لَمّا سَلَّمْتُمُ انْتِهاءَ هَذِهِ المَحْسُوساتِ إلى الواجِبِ لِذاتِهِ، ثَبَتَ أنَّ الواجِبَ لِذاتِهِ فَرْدٌ مُطْلَقٌ، وثَبَتَ أنَّ الفَرْدَ المُطْلَقَ لا يُمْكِنُ تَعْرِيفُهُ إلّا بِآثارِهِ، وثَبَتَ أنَّ تِلْكَ الآثارَ لا بُدَّ وأنْ تَكُونَ أظْهَرَ آثارِهِ، وأبْعَدَها عَنِ الخَفاءِ وما ذاكَ إلّا السَّماواتُ والأرْضُ وما بَيْنَهُما، فَإنْ أيْقَنْتُمْ بِذَلِكَ لَزِمَكم أنْ تَقْطَعُوا بِأنَّهُ لا جَوابَ عَنْ ذَلِكَ السُّؤالِ إلّا هَذا الجَوابُ، ولَمّا ذَكَرَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ هَذا الجَوابَ الحَقَّ قالَ فِرْعَوْنَ ”﴿لِمَن حَوْلَهُ ألا تَسْتَمِعُونَ﴾“ وإنَّما ذَكَرَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّعَجُّبِ مِن جَوابِ مُوسى، يَعْنِي أنا أطْلُبُ مِنهُ الماهِيَّةَ وخُصُوصِيَّةَ الحَقِيقَةِ، وهو يُجِيبُنِي بِالفاعِلِيَّةِ والمُؤَثِّرِيَّةِ، وتَمامُ الإشْكالِ أنَّ تَعْرِيفَ الماهِيَّةِ بِلَوازِمِها لا يُفِيدُ الوُقُوفَ عَلى نَفْسِ تِلْكَ الماهِيَّةِ، وذَلِكَ لِأنّا إذا قُلْنا في الشَّيْءِ إنَّهُ الَّذِي يَلْزَمُهُ اللّازِمُ الفُلانِيُّ، فَهَذا المَذْكُورُ، إمّا أنْ يَكُونَ مَعْرُوفًا لِمُجَرَّدِ كَوْنِهِ أمْرًا ما يَلْزَمُهُ ذَلِكَ اللّازِمُ أوْ لِخُصُوصِيَّةِ تِلْكَ الماهِيَّةِ الَّتِي عَرَضَتْ لَها هَذِهِ المَلْزُومِيَّةِ، والأوَّلُ مُحالٌ لِأنَّ كَوْنَهُ أمْرًا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ اللّازِمُ جَعَلْناهُ كاشِفًا فَلَوْ كانَ المَكْشُوفُ هو هَذا القَدْرَ لَزِمَ كَوْنُ الشَّيْءِ مَعْرُوفًا لِنَفْسِهِ وهو مُحالٌ، والثّانِي مُحالٌ؛ لِأنَّ العِلْمَ بِأنَّهُ أمْرٌ ما يَلْزَمُهُ اللّازِمُ الفُلانِيُّ لا يُفِيدُ العِلْمَ بِخُصُوصِيَّةِ تِلْكَ الماهِيَّةِ المَلْزُومَةِ، لِأنَّهُ لا يَمْتَنِعُ في العَقْلِ اشْتِراكُ الماهِيّاتِ المُخْتَلِفَةِ في لَوازِمَ مُتَساوِيَةٍ. فَثَبَتَ أنَّ التَّعْرِيفَ بِالوَصْفِ الخارِجِيِّ لا يُفِيدُ مَعْرِفَةَ نَفْسِ الحَقِيقَةِ فَلَمْ يَكُنْ كَوْنُهُ رَبًّا لِلسَّمَواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما جَوابًا عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وما رَبُّ العالَمِينَ﴾ فَأجابَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنْ: ﴿قالَ رَبُّكم ورَبُّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ وكَأنَّهُ عَدَلَ عَنِ التَّعْرِيفِ بِخالِقَيَّةِ السَّماءِ والأرْضِ إلى التَّعْرِيفِ بِكَوْنِهِ تَعالى خالِقًا لَنا ولِآبائِنا، وذَلِكَ لِأنَّهُ لا يَمْتَنِعُ أنْ يَعْتَقِدَ أحَدٌ أنَّ السَّماواتِ والأرَضِينَ واجِبَةٌ لِذَواتِها فَهي غَنِيَّةٌ عَنِ الخالِقِ والمُؤَثِّرِ، ولَكِنْ لا يُمْكِنُ أنْ يَعْتَقِدَ العاقِلُ في نَفْسِهِ وأبِيهِ وأجْدادِهِ كَوْنَهم واجِبِينَ لِذَواتِهِمْ، لِما أنَّ المُشاهَدَةَ دَلَّتْ عَلى أنَّهم وُجِدُوا بَعْدَ العَدَمِ ثُمَّ عُدِمُوا بَعْدَ الوُجُودِ، وما كانَ كَذَلِكَ اسْتَحالَ أنْ يَكُونَ واجِبًا لِذاتِهِ، وما لَمْ يَكُنْ واجِبًا لِذاتِهِ اسْتَحالَ وُجُودُهُ إلّا لِمُؤَثِّرٍ، فَكانَ التَّعْرِيفُ بِهَذا الأثَرِ أظْهَرَ فَلِهَذا عَدَلَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الكَلامِ الأوَّلِ إلَيْهِ. فَقالَ فِرْعَوْنُ: ﴿إنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْكم لَمَجْنُونٌ﴾ يَعْنِي المَقْصُودَ مِن سُؤالِ ما طَلَبُ الماهِيَّةِ وخُصُوصِيَّةِ الحَقِيقَةِ والتَّعْرِيفُ بِهَذِهِ الآثارِ الخارِجِيَّةِ لا يُفِيدُ البَتَّةَ تِلْكَ الخُصُوصِيَّةَ، فَهَذا الَّذِي يَدَّعِي الرِّسالَةَ مَجْنُونٌ لا يَفْهَمُ السُّؤالَ فَضْلًا عَنْ أنْ يُجِيبَ عَنْهُ، فَقالَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ وما بَيْنَهُما إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ فَعَدَلَ إلى طَرِيقٍ ثالِثٍ أوْضَحَ مِنَ الثّانِي، وذَلِكَ لِأنَّهُ أرادَ بِالمَشْرِقِ طُلُوعَ الشَّمْسِ وظُهُورَ النَّهارِ، وأرادَ بِالمَغْرِبِ غُرُوبَ الشَّمْسِ وزَوالَ النَّهارِ، والأمْرُ ظاهِرٌ في أنَّ هَذا التَّدْبِيرَ المُسْتَمِرَّ عَلى الوجه العَجِيبِ لا يَتِمُّ إلّا بِتَدْبِيرِ مُدَبِّرٍ وهَذا بِعَيْنِهِ طَرِيقَةُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ نَمْرُوذَ، فَإنَّهُ اسْتَدَلَّ أوَّلًا بِالإحْياءِ والإماتَةِ وهو الَّذِي ذَكَرَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ هَهُنا بِقَوْلِهِ: ﴿رَبُّكم ورَبُّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ فَأجابَهُ نَمْرُوذُ بِقَوْلِهِ: ﴿أنا أُحْيِي وأُمِيتُ﴾ [البقرة: ٢٥٨] فَقالَ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ المَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ المَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ [البقرة: ٢٥٨] وهو الَّذِي ذَكَرَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ هَهُنا بِقَوْلِهِ: ﴿رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ﴾ .
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ فَكَأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: إنْ كُنْتَ مِنَ العُقَلاءِ عَرَفْتَ أنَّهُ لا جَوابَ عَنْ سُؤالِكَ إلّا ما ذَكَرْتَ لِأنَّكَ طَلَبْتَ مِنِّي تَعْرِيفَ حَقِيقَتِهِ
صفحة ١١٣
بِنَفْسِ حَقِيقَتِهِ ولا بِأجْزاءِ حَقِيقَتِهِ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنْ أُعَرِّفَ حَقِيقَتَهُ بِآثارِ حَقِيقَتِهِ، وأنا قَدْ عَرَّفْتُ حَقِيقَتَهُ بِآثارِ حَقِيقَتِهِ فَقَدْ ثَبَتَ أنَّ كُلَّ مَن كانَ عاقِلًا يَقْطَعُ بِأنَّهُ لا جَوابَ عَنْ هَذا السُّؤالِ إلّا ما ذَكَرْتُهُ.
واعْلَمْ أنّا قَدْ بَيَّنّا في سُورَةِ الأنْعامِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهُوَ القاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ﴾ [الأنعام: ١٨] أنَّ حَقِيقَةَ الإلَهِ سُبْحانَهُ مِن حَيْثُ هي هي غَيْرُ مَعْقُولَةٍ لِلْبَشَرِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ اسْتَحالَ مِن مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يَذْكُرَ ما تُعْرَفُ بِهِ تِلْكَ الحَقِيقَةُ، إلّا أنَّ عَدَمَ العِلْمِ بِتِلْكَ الخُصُوصِيَّةِ لا يَقْدَحُ في صِحَّةِ الرِّسالَةِ فَكانَ حاصِلُ كَلامِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّ ادِّعاءَ رِسالَةِ رَبِّ العالَمِينَ تَتَوَقَّفُ صِحَّتُهُ عَلى إثْباتِ أنَّ لِلْعالِمِينَ رَبًّا وإلَهًا ولا تَتَوَقَّفُ عَلى العِلْمِ بِخُصُوصِيَّةِ الرَّبِّ تَعالى وماهِيَّتِهِ المُعَيَّنَةِ، فَكَأنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ يُقِيمُ الدَّلالَةَ عَلى إثْباتِ القَدْرِ المُحْتاجِ إلَيْهِ في صِحَّةِ دَعْوى الرِّسالَةِ، وفِرْعَوْنُ يُطالِبُهُ بِبَيانِ الماهِيَّةِ، ومُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يُعْرِضُ عَنْ سُؤالِهِ لِعِلْمِهِ بِأنَّهُ لا تَعَلُّقَ لِذَلِكَ السُّؤالِ نَفْيًا ولا إثْباتًا في هَذا المَطْلُوبِ، فَهَذا تَمامُ القَوْلِ في هَذا البَحْثِ واللَّهُ أعْلَمُ.
ثُمَّ إنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا خَشَّنَ في آخِرِ الكَلامِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ فَعِنْدَ ذَلِكَ قالَ فِرْعَوْنُ: ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إلَهًا غَيْرِي لَأجْعَلَنَّكَ مِنَ المَسْجُونِينَ﴾ فَإنَّهُ لَمّا عَجَزَ عَنِ الحِجاجِ عَدَلَ إلى التَّخْوِيفِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ ذَكَرَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كَلامًا مُجْمَلًا لِيُعَلِّقَ قَلْبَهُ بِهِ فَيَعْدِلَ عَنْ وعِيدِهِ فَقالَ: ﴿أوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾ ؟ أيْ هَلْ تَسْتَجِيزُ أنْ تَسْجُنَنِي مَعَ اقْتِدارِي عَلى أنْ آتِيَكَ بِأمْرٍ بَيِّنٍ في بابِ الدَّلالَةِ عَلى وُجُودِ اللَّهِ تَعالى وعَلى أنِّي رَسُولُهُ ؟ فَعِنْدَ ذَلِكَ قالَ: ﴿فَأْتِ بِهِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ وهَهُنا فُرُوعٌ:
الفَرْعُ الأوَّلُ: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى لَيْسَ بِجِسْمٍ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ جِسْمًا ولَهُ صُورَةٌ لَكانَ جَوابُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِذِكْرِ حَقِيقَتِهِ ولَكانَ كَلامُ فِرْعَوْنَ لازِمًا لَهُ لِعُدُولِهِ عَنِ الجَوابِ الحَقِّ.
الثّانِي: الواجِبُ عَلى مَن يَدْعُو غَيْرَهُ إلى اللَّهِ تَعالى أنْ لا يُجِيبَ عَنِ السَّفاهَةِ؛ لِأنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا قالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إنَّهُ مَجْنُونٌ لَمْ يَعْدِلْ عَنْ ذِكْرِ الدَّلالَةِ وكَذَلِكَ لَمّا تَوَعَّدَهُ أنْ يَسْجُنَهُ.
الثّالِثُ: أنَّهُ يَجُوزُ لِلْمَسْئُولِ أنْ يَعْدِلَ في حُجَّتِهِ مِن مِثالٍ إلى مِثالٍ لِإيضاحِ الكَلامِ ولا يَدُلُّ ذَلِكَ عَلى الِانْقِطاعِ.
الرّابِعُ: إنْ قِيلَ: كَيْفَ قَطَعَ الكَلامَ بِما لا تَعَلُّقَ لَهُ بِالأوَّلِ وهو قَوْلُهُ: ﴿أوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾ والمُعْجِزُ لا يَدُلُّ عَلى اللَّهِ تَعالى كَدَلالَةِ سائِرِ ما تَقَدَّمَ ؟ قُلْنا: بَلْ يَدُلُّ ما أرادَ أنْ يُظْهِرَهُ مِنَ انْقِلابِ العَصا حَيَّةً عَلى اللَّهِ تَعالى وعَلى تَوْحِيدِهِ، وعَلى أنَّهُ صادِقٌ في الرِّسالَةِ فالَّذِي خَتَمَ بِهِ كَلامَهُ أقْوى مِن كُلِّ ما تَقَدَّمَ وأجْمَعُ.
الخامِسُ: فَإنْ قِيلَ كَيْفَ قالَ: ﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما﴾ عَلى التَّثْنِيَةِ والمَرْجُوعُ إلَيْهِ مَجْمُوعٌ ؟ جَوابُهُ: أرِيدَ ما بَيْنَ الجِهَتَيْنِ، فَإنْ قِيلَ: ذِكْرُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما قَدِ اسْتَوْعَبَ الخَلائِقَ كُلَّهم، فَما مَعْنى ذِكْرُهم وذِكْرُ آبائِهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ وذِكْرُ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ ؟ جَوابُهُ: قَدْ عَمَّمَ أوَّلًا ثُمَّ خَصَّصَ مِنَ العامِّ لِلْبَيانِ أنْفُسَهم وآباءَهم لِأنَّ أقْرَبَ الأشْياءِ مِنَ العاقِلِ نَفْسُهُ ومَن وُلِدَ مِنهُ وما شاهَدَ مِنَ انْتِقالِهِ مِن وقْتِ مِيلادِهِ إلى وقْتِ وفاتِهِ مِن حالَةٍ إلى حالَةٍ أُخْرى، ثُمَّ خَصَّصَ المَشْرِقَ والمَغْرِبَ لِأنَّ طُلُوعَ الشَّمْسِ مِن أحَدِ الخافِقَيْنِ وغُرُوبَها عَلى تَقْدِيرٍ مُسْتَقِيمٍ في فُصُولِ السَّنَةِ مِن أظْهَرِ الدَّلائِلِ.
السّادِسُ: فَإنْ قِيلَ لِمَ قالَ: ﴿لَأجْعَلَنَّكَ مِنَ المَسْجُونِينَ﴾ ولَمْ يَقُلْ لَأسْجُنَنَّكَ مَعَ أنَّهُ أخْصَرُ ؟ جَوابُهُ: لِأنَّهُ لَوْ قالَ لَأسْجُنَنَّكَ لا يُفِيدُ إلّا صَيْرُورَتَهُ مَسْجُونًا. أمّا قَوْلُهُ: ﴿لَأجْعَلَنَّكَ مِنَ المَسْجُونِينَ﴾ فَمَعْناهُ أنِّي أجْعَلُكَ واحِدًا مِمَّنْ عَرَفْتَ حالَهم في سُجُونِي، وكانَ مِن عادَتِهِ أنْ يَأْخُذَ مَن يُرِيدُ أنْ يَسْجُنَهُ فَيَطْرَحَهُ في بِئْرٍ عَمِيقَةٍ فَرْدًا لا يُبْصِرُ فِيها ولا يَسْمَعُ فَكانَ ذَلِكَ أشَدَّ مِنَ القَتْلِ.
السّابِعُ: الواوُ في قَوْلِهِ: ﴿أوَلَوْ جِئْتُكَ﴾ واوُ الحالِ دَخَلَتْ عَلَيْها هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ مَعْناهُ أتَفْعَلُ بِي ذَلِكَ ولَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ أيْ جائِيًا بِالمُعْجِزَةِ.
الشعراء 26:33
صفحة ١١١
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ فِرْعَوْنُ وما رَبُّ العالَمِينَ﴾ ﴿قالَ رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ ﴿قالَ لِمَن حَوْلَهُ ألا تَسْتَمِعُونَ﴾ ﴿قالَ رَبُّكم ورَبُّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿قالَ إنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْكم لَمَجْنُونٌ﴾ ﴿قالَ رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ وما بَيْنَهُما إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ ﴿قالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إلَهًا غَيْرِي لَأجْعَلَنَّكَ مِنَ المَسْجُونِينَ﴾ ﴿قالَ أوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾ ﴿قالَ فَأْتِ بِهِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ فِرْعَوْنَ لَمْ يَقُلْ لِمُوسى ﴿وما رَبُّ العالَمِينَ﴾، إلّا وقَدْ دَعاهُ مُوسى إلى طاعَةِ رَبِّ العالَمِينَ، يُبَيِّنُ ذَلِكَ ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَأْتِيا فِرْعَوْنَ فَقُولا إنّا رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ فَلا بُدَّ عِنْدَ دُخُولِهِما عَلَيْهِ أنَّهُما قالا ذَلِكَ، فَعِنْدَ ذَلِكَ قالَ فِرْعَوْنُ: ﴿وما رَبُّ العالَمِينَ﴾ ثُمَّ هَهُنا بَحْثانِ:
البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّ فِرْعَوْنَ يُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ كانَ عارِفًا بِاللَّهِ، ولَكِنَّهُ قالَ ما قالَ طَلَبًا لِلْمُلْكِ والرِّياسَةِ، وقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى في كِتابِهِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ عارِفًا بِاللَّهِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿قالَ لَقَدْ عَلِمْتَ ما أنْزَلَ هَؤُلاءِ إلّا رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الإسراء: ١٠٢] فَإذا قُرِئَ بِفَتْحِ التّاءِ مِن ﴿عَلِمْتَ﴾ فالمُرادُ أنَّ فِرْعَوْنَ عَلِمَ ذَلِكَ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ عارِفًا بِاللَّهِ، لَكِنَّهُ كانَ يَسْتَأْكِلُ قَوْمَهُ بِما يُظْهِرُهُ مِن إلَهِيَّتِهِ، والقِراءَةُ الأُخْرى بِرَفْعِ التّاءِ مِن (عَلِمْتُ) فَهي تَقْتَضِي أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ هو الَّذِي عَرَفَ ذَلِكَ، وأيْضًا فَإنَّ فِرْعَوْنَ إنْ لَمْ يَكُنْ عاقِلًا لَمْ يَجُزْ مِنَ اللَّهِ تَعالى بَعْثَةُ الرَّسُولِ إلَيْهِ، وإنْ كانَ عاقِلًا فَهو يَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أنَّهُ ما كانَ مَوْجُودًا ولا حَيًّا ولا عاقِلًا ثُمَّ صارَ كَذَلِكَ، وبِالضَّرُورَةِ يَعْلَمُ أنَّ كُلَّ ما كانَ كَذَلِكَ فَلا بُدَّ لَهُ مِن مُؤَثِّرٍ، فَلا بُدَّ وأنْ يَتَوَلَّدَ لَهُ مِن هَذَيْنِ العِلْمَيْنِ عِلْمٌ ثالِثٌ بِافْتِقارِهِ في تَرْكِيبِهِ وفي حَياتِهِ وعَقْلِهِ إلى مُؤَثِّرٍ مُوجِدٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ كانَ عَلى مَذْهَبِ الدَّهْرِيَّةِ مِن أنَّ الأفْلاكَ واجِبَةُ الوُجُودِ في ذَواتِها ومُتَحَرِّكَةٌ لِذَواتِها، وأنَّ حَرَكاتِها أسْبابٌ لِحُصُولِ الحَوادِثِ في هَذا العالَمِ، أوْ يُقالُ: إنَّهُ كانَ مِنَ الفَلاسِفَةِ القائِلِينَ بِالعِلَّةِ المُوجِبَةِ لا بِالفاعِلِ المُخْتارِ، ثُمَّ اعْتَقَدَ أنَّهُ بِمَنزِلَةِ الإلَهِ لِأهْلِ إقْلِيمِهِ مِن حَيْثُ اسْتَعْبَدَهم ومَلَكَ ذِمّاتِهِمْ وزِمامَ أمْرِهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ كانَ عَلى مَذْهَبِ الحُلُولِيَّةِ، القائِلِينَ بِأنَّ ذاتَ الإلَهِ يَتَدَرَّعُ بِجَسَدِ إنْسانٍ مُعَيَّنٍ، حَتّى يَكُونَ الإلَهُ سُبْحانَهُ لِذَلِكَ الجَسَدِ بِمَنزِلَةِ رُوحِ كُلِّ إنْسانٍ بِالنِّسْبَةِ إلى جَسَدِهِ، وبِهَذِهِ التَّقْدِيراتِ كانَ يُسَمِّي نَفْسَهُ إلَهًا.
البَحْثُ الثّانِي: وهو أنَّهُ قالَ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿وما رَبُّ العالَمِينَ﴾ ؟ واعْلَمْ أنَّ السُّؤالَ بِما طَلَبَ لِتَعْرِيفِ حَقِيقَةِ الشَّيْءِ، وتَعْرِيفُ حَقِيقَةِ الشَّيْءِ إمّا أنْ يَكُونَ بِنَفْسِ تِلْكَ الحَقِيقَةِ أوْ بِشَيْءٍ مِن أجْزائِها أوْ بِأمْرٍ خارِجٍ عَنْها أوْ بِما يَتَرَكَّبُ مِنَ الدّاخِلِ والخارِجِ. أمّا تَعْرِيفُها بِنَفْسِها فَمُحالٌ، لِأنَّ المُعَرَّفَ مَعْلُومٌ قَبْلَ المُعَرِّفِ، فَلَوْ عَرَّفَ الشَّيْءَ بِنَفْسِهِ لَزِمَ أنْ يَكُونَ مَعْلُومًا قَبْلَ أنْ يَكُونَ مَعْلُومًا وهو مُحالٌ. وأمّا تَعْرِيفُها بِالأُمُورِ الدّاخِلَةِ فِيها فَهَهُنا في حَقِّ واجِبِ الوُجُودِ مُحالٌ، لِأنَّ التَّعْرِيفَ بِالأُمُورِ الدّاخِلَةِ لا يُمْكِنُ إلّا إذا كانَ المُعَرَّفُ مُرَكَّبًا، وواجِبُ الوُجُودِ يَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ مُرَكَّبًا، لِأنَّ كُلَّ مُرَكَّبٍ فَهو مُحْتاجٌ إلى كُلِّ واحِدٍ مِن أجْزائِهِ، وكُلُّ واحِدٍ مِن أجْزائِهِ فَهو غَيْرُهُ، فَكُلُّ مُرَكَّبٍ مُحْتاجٌ إلى غَيْرِهِ، وكُلُّ ما احْتاجَ إلى غَيْرِهِ فَهو مُمْكِنٌ لِذاتِهِ، وكُلُّ مُرَكَّبٍ فَهو مُمْكِنٌ، فَما لَيْسَ بِمُمْكِنٍ يَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ مُرَكَّبًا، فَواجِبُ الوُجُودِ لَيْسَ بِمُرَكَّبٍ، وإذا لَمْ يَكُنْ مُرَكَّبًا اسْتَحالَ تَعْرِيفُهُ بِأجْزائِهِ، ولَمّا بَطَلَ هَذانِ القِسْمانِ ثَبَتَ أنَّهُ لا يُمْكِنُ تَعْرِيفُ ماهِيَّةِ واجِبِ الوُجُودِ إلّا بِلَوازِمِهِ وآثارِهِ، ثُمَّ إنَّ اللَّوازِمَ قَدْ تَكُونُ خَفِيَّةً، وقَدْ تَكُونُ جَلِيَّةً، ولا يَجُوزُ تَعْرِيفُ الماهِيَّةِ بِاللَّوازِمِ الخَفِيَّةِ بَلْ لا بُدَّ مِن تَعْرِيفِها بِاللَّوازِمِ الجَلِيَّةِ، وأظْهَرُ آثارِ ذاتِ واجِبِ الوُجُودِ هو هَذا العالَمُ المَحْسُوسُ وهو السَّماواتُ
صفحة ١١٢
والأرْضُ وما بَيْنَهُما فَقَدْ ثَبَتَ أنَّهُ لا جَوابَ البَتَّةَ لِقَوْلِ فِرْعَوْنَ ﴿وما رَبُّ العالَمِينَ﴾ إلّا ما قالَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وهو أنَّهُ ﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما﴾، فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ فَمَعْناهُ: إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ بِإسْنادِ هَذِهِ المَحْسُوساتِ إلى مَوْجُودٍ واجِبِ الوُجُودِ فاعْرِفُوا أنَّهُ لا يُمْكِنُ تَعْرِيفُهُ إلّا بِما ذَكَرْتُهُ لِأنَّكم لَمّا سَلَّمْتُمُ انْتِهاءَ هَذِهِ المَحْسُوساتِ إلى الواجِبِ لِذاتِهِ، ثَبَتَ أنَّ الواجِبَ لِذاتِهِ فَرْدٌ مُطْلَقٌ، وثَبَتَ أنَّ الفَرْدَ المُطْلَقَ لا يُمْكِنُ تَعْرِيفُهُ إلّا بِآثارِهِ، وثَبَتَ أنَّ تِلْكَ الآثارَ لا بُدَّ وأنْ تَكُونَ أظْهَرَ آثارِهِ، وأبْعَدَها عَنِ الخَفاءِ وما ذاكَ إلّا السَّماواتُ والأرْضُ وما بَيْنَهُما، فَإنْ أيْقَنْتُمْ بِذَلِكَ لَزِمَكم أنْ تَقْطَعُوا بِأنَّهُ لا جَوابَ عَنْ ذَلِكَ السُّؤالِ إلّا هَذا الجَوابُ، ولَمّا ذَكَرَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ هَذا الجَوابَ الحَقَّ قالَ فِرْعَوْنَ ”﴿لِمَن حَوْلَهُ ألا تَسْتَمِعُونَ﴾“ وإنَّما ذَكَرَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّعَجُّبِ مِن جَوابِ مُوسى، يَعْنِي أنا أطْلُبُ مِنهُ الماهِيَّةَ وخُصُوصِيَّةَ الحَقِيقَةِ، وهو يُجِيبُنِي بِالفاعِلِيَّةِ والمُؤَثِّرِيَّةِ، وتَمامُ الإشْكالِ أنَّ تَعْرِيفَ الماهِيَّةِ بِلَوازِمِها لا يُفِيدُ الوُقُوفَ عَلى نَفْسِ تِلْكَ الماهِيَّةِ، وذَلِكَ لِأنّا إذا قُلْنا في الشَّيْءِ إنَّهُ الَّذِي يَلْزَمُهُ اللّازِمُ الفُلانِيُّ، فَهَذا المَذْكُورُ، إمّا أنْ يَكُونَ مَعْرُوفًا لِمُجَرَّدِ كَوْنِهِ أمْرًا ما يَلْزَمُهُ ذَلِكَ اللّازِمُ أوْ لِخُصُوصِيَّةِ تِلْكَ الماهِيَّةِ الَّتِي عَرَضَتْ لَها هَذِهِ المَلْزُومِيَّةِ، والأوَّلُ مُحالٌ لِأنَّ كَوْنَهُ أمْرًا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ اللّازِمُ جَعَلْناهُ كاشِفًا فَلَوْ كانَ المَكْشُوفُ هو هَذا القَدْرَ لَزِمَ كَوْنُ الشَّيْءِ مَعْرُوفًا لِنَفْسِهِ وهو مُحالٌ، والثّانِي مُحالٌ؛ لِأنَّ العِلْمَ بِأنَّهُ أمْرٌ ما يَلْزَمُهُ اللّازِمُ الفُلانِيُّ لا يُفِيدُ العِلْمَ بِخُصُوصِيَّةِ تِلْكَ الماهِيَّةِ المَلْزُومَةِ، لِأنَّهُ لا يَمْتَنِعُ في العَقْلِ اشْتِراكُ الماهِيّاتِ المُخْتَلِفَةِ في لَوازِمَ مُتَساوِيَةٍ. فَثَبَتَ أنَّ التَّعْرِيفَ بِالوَصْفِ الخارِجِيِّ لا يُفِيدُ مَعْرِفَةَ نَفْسِ الحَقِيقَةِ فَلَمْ يَكُنْ كَوْنُهُ رَبًّا لِلسَّمَواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما جَوابًا عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وما رَبُّ العالَمِينَ﴾ فَأجابَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنْ: ﴿قالَ رَبُّكم ورَبُّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ وكَأنَّهُ عَدَلَ عَنِ التَّعْرِيفِ بِخالِقَيَّةِ السَّماءِ والأرْضِ إلى التَّعْرِيفِ بِكَوْنِهِ تَعالى خالِقًا لَنا ولِآبائِنا، وذَلِكَ لِأنَّهُ لا يَمْتَنِعُ أنْ يَعْتَقِدَ أحَدٌ أنَّ السَّماواتِ والأرَضِينَ واجِبَةٌ لِذَواتِها فَهي غَنِيَّةٌ عَنِ الخالِقِ والمُؤَثِّرِ، ولَكِنْ لا يُمْكِنُ أنْ يَعْتَقِدَ العاقِلُ في نَفْسِهِ وأبِيهِ وأجْدادِهِ كَوْنَهم واجِبِينَ لِذَواتِهِمْ، لِما أنَّ المُشاهَدَةَ دَلَّتْ عَلى أنَّهم وُجِدُوا بَعْدَ العَدَمِ ثُمَّ عُدِمُوا بَعْدَ الوُجُودِ، وما كانَ كَذَلِكَ اسْتَحالَ أنْ يَكُونَ واجِبًا لِذاتِهِ، وما لَمْ يَكُنْ واجِبًا لِذاتِهِ اسْتَحالَ وُجُودُهُ إلّا لِمُؤَثِّرٍ، فَكانَ التَّعْرِيفُ بِهَذا الأثَرِ أظْهَرَ فَلِهَذا عَدَلَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الكَلامِ الأوَّلِ إلَيْهِ. فَقالَ فِرْعَوْنُ: ﴿إنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْكم لَمَجْنُونٌ﴾ يَعْنِي المَقْصُودَ مِن سُؤالِ ما طَلَبُ الماهِيَّةِ وخُصُوصِيَّةِ الحَقِيقَةِ والتَّعْرِيفُ بِهَذِهِ الآثارِ الخارِجِيَّةِ لا يُفِيدُ البَتَّةَ تِلْكَ الخُصُوصِيَّةَ، فَهَذا الَّذِي يَدَّعِي الرِّسالَةَ مَجْنُونٌ لا يَفْهَمُ السُّؤالَ فَضْلًا عَنْ أنْ يُجِيبَ عَنْهُ، فَقالَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ وما بَيْنَهُما إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ فَعَدَلَ إلى طَرِيقٍ ثالِثٍ أوْضَحَ مِنَ الثّانِي، وذَلِكَ لِأنَّهُ أرادَ بِالمَشْرِقِ طُلُوعَ الشَّمْسِ وظُهُورَ النَّهارِ، وأرادَ بِالمَغْرِبِ غُرُوبَ الشَّمْسِ وزَوالَ النَّهارِ، والأمْرُ ظاهِرٌ في أنَّ هَذا التَّدْبِيرَ المُسْتَمِرَّ عَلى الوجه العَجِيبِ لا يَتِمُّ إلّا بِتَدْبِيرِ مُدَبِّرٍ وهَذا بِعَيْنِهِ طَرِيقَةُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ نَمْرُوذَ، فَإنَّهُ اسْتَدَلَّ أوَّلًا بِالإحْياءِ والإماتَةِ وهو الَّذِي ذَكَرَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ هَهُنا بِقَوْلِهِ: ﴿رَبُّكم ورَبُّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ فَأجابَهُ نَمْرُوذُ بِقَوْلِهِ: ﴿أنا أُحْيِي وأُمِيتُ﴾ [البقرة: ٢٥٨] فَقالَ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ المَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ المَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ [البقرة: ٢٥٨] وهو الَّذِي ذَكَرَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ هَهُنا بِقَوْلِهِ: ﴿رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ﴾ .
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ فَكَأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: إنْ كُنْتَ مِنَ العُقَلاءِ عَرَفْتَ أنَّهُ لا جَوابَ عَنْ سُؤالِكَ إلّا ما ذَكَرْتَ لِأنَّكَ طَلَبْتَ مِنِّي تَعْرِيفَ حَقِيقَتِهِ
صفحة ١١٣
بِنَفْسِ حَقِيقَتِهِ ولا بِأجْزاءِ حَقِيقَتِهِ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنْ أُعَرِّفَ حَقِيقَتَهُ بِآثارِ حَقِيقَتِهِ، وأنا قَدْ عَرَّفْتُ حَقِيقَتَهُ بِآثارِ حَقِيقَتِهِ فَقَدْ ثَبَتَ أنَّ كُلَّ مَن كانَ عاقِلًا يَقْطَعُ بِأنَّهُ لا جَوابَ عَنْ هَذا السُّؤالِ إلّا ما ذَكَرْتُهُ.
واعْلَمْ أنّا قَدْ بَيَّنّا في سُورَةِ الأنْعامِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهُوَ القاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ﴾ [الأنعام: ١٨] أنَّ حَقِيقَةَ الإلَهِ سُبْحانَهُ مِن حَيْثُ هي هي غَيْرُ مَعْقُولَةٍ لِلْبَشَرِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ اسْتَحالَ مِن مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يَذْكُرَ ما تُعْرَفُ بِهِ تِلْكَ الحَقِيقَةُ، إلّا أنَّ عَدَمَ العِلْمِ بِتِلْكَ الخُصُوصِيَّةِ لا يَقْدَحُ في صِحَّةِ الرِّسالَةِ فَكانَ حاصِلُ كَلامِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّ ادِّعاءَ رِسالَةِ رَبِّ العالَمِينَ تَتَوَقَّفُ صِحَّتُهُ عَلى إثْباتِ أنَّ لِلْعالِمِينَ رَبًّا وإلَهًا ولا تَتَوَقَّفُ عَلى العِلْمِ بِخُصُوصِيَّةِ الرَّبِّ تَعالى وماهِيَّتِهِ المُعَيَّنَةِ، فَكَأنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ يُقِيمُ الدَّلالَةَ عَلى إثْباتِ القَدْرِ المُحْتاجِ إلَيْهِ في صِحَّةِ دَعْوى الرِّسالَةِ، وفِرْعَوْنُ يُطالِبُهُ بِبَيانِ الماهِيَّةِ، ومُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يُعْرِضُ عَنْ سُؤالِهِ لِعِلْمِهِ بِأنَّهُ لا تَعَلُّقَ لِذَلِكَ السُّؤالِ نَفْيًا ولا إثْباتًا في هَذا المَطْلُوبِ، فَهَذا تَمامُ القَوْلِ في هَذا البَحْثِ واللَّهُ أعْلَمُ.
ثُمَّ إنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا خَشَّنَ في آخِرِ الكَلامِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ فَعِنْدَ ذَلِكَ قالَ فِرْعَوْنُ: ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إلَهًا غَيْرِي لَأجْعَلَنَّكَ مِنَ المَسْجُونِينَ﴾ فَإنَّهُ لَمّا عَجَزَ عَنِ الحِجاجِ عَدَلَ إلى التَّخْوِيفِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ ذَكَرَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كَلامًا مُجْمَلًا لِيُعَلِّقَ قَلْبَهُ بِهِ فَيَعْدِلَ عَنْ وعِيدِهِ فَقالَ: ﴿أوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾ ؟ أيْ هَلْ تَسْتَجِيزُ أنْ تَسْجُنَنِي مَعَ اقْتِدارِي عَلى أنْ آتِيَكَ بِأمْرٍ بَيِّنٍ في بابِ الدَّلالَةِ عَلى وُجُودِ اللَّهِ تَعالى وعَلى أنِّي رَسُولُهُ ؟ فَعِنْدَ ذَلِكَ قالَ: ﴿فَأْتِ بِهِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ وهَهُنا فُرُوعٌ:
الفَرْعُ الأوَّلُ: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى لَيْسَ بِجِسْمٍ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ جِسْمًا ولَهُ صُورَةٌ لَكانَ جَوابُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِذِكْرِ حَقِيقَتِهِ ولَكانَ كَلامُ فِرْعَوْنَ لازِمًا لَهُ لِعُدُولِهِ عَنِ الجَوابِ الحَقِّ.
الثّانِي: الواجِبُ عَلى مَن يَدْعُو غَيْرَهُ إلى اللَّهِ تَعالى أنْ لا يُجِيبَ عَنِ السَّفاهَةِ؛ لِأنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا قالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إنَّهُ مَجْنُونٌ لَمْ يَعْدِلْ عَنْ ذِكْرِ الدَّلالَةِ وكَذَلِكَ لَمّا تَوَعَّدَهُ أنْ يَسْجُنَهُ.
الثّالِثُ: أنَّهُ يَجُوزُ لِلْمَسْئُولِ أنْ يَعْدِلَ في حُجَّتِهِ مِن مِثالٍ إلى مِثالٍ لِإيضاحِ الكَلامِ ولا يَدُلُّ ذَلِكَ عَلى الِانْقِطاعِ.
الرّابِعُ: إنْ قِيلَ: كَيْفَ قَطَعَ الكَلامَ بِما لا تَعَلُّقَ لَهُ بِالأوَّلِ وهو قَوْلُهُ: ﴿أوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾ والمُعْجِزُ لا يَدُلُّ عَلى اللَّهِ تَعالى كَدَلالَةِ سائِرِ ما تَقَدَّمَ ؟ قُلْنا: بَلْ يَدُلُّ ما أرادَ أنْ يُظْهِرَهُ مِنَ انْقِلابِ العَصا حَيَّةً عَلى اللَّهِ تَعالى وعَلى تَوْحِيدِهِ، وعَلى أنَّهُ صادِقٌ في الرِّسالَةِ فالَّذِي خَتَمَ بِهِ كَلامَهُ أقْوى مِن كُلِّ ما تَقَدَّمَ وأجْمَعُ.
الخامِسُ: فَإنْ قِيلَ كَيْفَ قالَ: ﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما﴾ عَلى التَّثْنِيَةِ والمَرْجُوعُ إلَيْهِ مَجْمُوعٌ ؟ جَوابُهُ: أرِيدَ ما بَيْنَ الجِهَتَيْنِ، فَإنْ قِيلَ: ذِكْرُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما قَدِ اسْتَوْعَبَ الخَلائِقَ كُلَّهم، فَما مَعْنى ذِكْرُهم وذِكْرُ آبائِهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ وذِكْرُ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ ؟ جَوابُهُ: قَدْ عَمَّمَ أوَّلًا ثُمَّ خَصَّصَ مِنَ العامِّ لِلْبَيانِ أنْفُسَهم وآباءَهم لِأنَّ أقْرَبَ الأشْياءِ مِنَ العاقِلِ نَفْسُهُ ومَن وُلِدَ مِنهُ وما شاهَدَ مِنَ انْتِقالِهِ مِن وقْتِ مِيلادِهِ إلى وقْتِ وفاتِهِ مِن حالَةٍ إلى حالَةٍ أُخْرى، ثُمَّ خَصَّصَ المَشْرِقَ والمَغْرِبَ لِأنَّ طُلُوعَ الشَّمْسِ مِن أحَدِ الخافِقَيْنِ وغُرُوبَها عَلى تَقْدِيرٍ مُسْتَقِيمٍ في فُصُولِ السَّنَةِ مِن أظْهَرِ الدَّلائِلِ.
السّادِسُ: فَإنْ قِيلَ لِمَ قالَ: ﴿لَأجْعَلَنَّكَ مِنَ المَسْجُونِينَ﴾ ولَمْ يَقُلْ لَأسْجُنَنَّكَ مَعَ أنَّهُ أخْصَرُ ؟ جَوابُهُ: لِأنَّهُ لَوْ قالَ لَأسْجُنَنَّكَ لا يُفِيدُ إلّا صَيْرُورَتَهُ مَسْجُونًا. أمّا قَوْلُهُ: ﴿لَأجْعَلَنَّكَ مِنَ المَسْجُونِينَ﴾ فَمَعْناهُ أنِّي أجْعَلُكَ واحِدًا مِمَّنْ عَرَفْتَ حالَهم في سُجُونِي، وكانَ مِن عادَتِهِ أنْ يَأْخُذَ مَن يُرِيدُ أنْ يَسْجُنَهُ فَيَطْرَحَهُ في بِئْرٍ عَمِيقَةٍ فَرْدًا لا يُبْصِرُ فِيها ولا يَسْمَعُ فَكانَ ذَلِكَ أشَدَّ مِنَ القَتْلِ.
السّابِعُ: الواوُ في قَوْلِهِ: ﴿أوَلَوْ جِئْتُكَ﴾ واوُ الحالِ دَخَلَتْ عَلَيْها هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ مَعْناهُ أتَفْعَلُ بِي ذَلِكَ ولَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ أيْ جائِيًا بِالمُعْجِزَةِ.
الشعراء 26:34
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَألْقى عَصاهُ فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ ﴿ونَزَعَ يَدَهُ فَإذا هي بَيْضاءُ لِلنّاظِرِينَ﴾ ﴿قالَ لِلْمَلَإ حَوْلَهُ إنَّ هَذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ﴾ ﴿يُرِيدُ أنْ يُخْرِجَكم مِن أرْضِكم بِسِحْرِهِ فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ ﴿قالُوا أرْجِهْ وأخاهُ وابْعَثْ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ ﴿يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحّارٍ عَلِيمٍ﴾
وفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: قَرَأ الأعْمَشُ: ”بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ“ .
المسألة الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿أوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى قَبْلَ أنْ ألْقى العَصا عَرَّفَهُ بِأنَّهُ يُصَيِّرُها ثُعْبانًا، ولَوْلا ذَلِكَ لَما قالَ ما قالَ: فَلَمّا ألْقى عَصاهُ ظَهَرَ ما وعَدَهُ اللَّهُ بِهِ فَصارَ ثُعْبانًا مُبِينًا، والمُرادُ أنَّهُ تَبَيَّنَ لِلنّاظِرِينَ أنَّهُ ثُعْبانٌ بِحَرَكاتِهِ وبِسائِرِ العَلاماتِ، رُوِيَ أنَّهُ لَمّا انْقَلَبَتْ حَيَّةً ارْتَفَعَتْ في السَّماءِ قَدْرَ مَيْلٍ ثُمَّ انْحَطَّتْ مُقْبِلَةً إلى فِرْعَوْنَ وجَعَلَتْ تَقُولُ: يا مُوسى مُرْنِي بِما شِئْتَ، ويَقُولُ فِرْعَوْنُ: يا مُوسى أسْألُكَ بِالَّذِي أرْسَلَكَ ألا أخَذْتَها فَعادَتْ عَصًا.
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ قالَ هَهُنا: ﴿ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ .
وفِي آيَةٍ أُخْرى: ﴿فَإذا هي حَيَّةٌ تَسْعى﴾ [طه: ٢٠] .
وفِي آيَةٍ ثالِثَةٍ: ﴿كَأنَّها جانٌّ﴾ [النمل: ١٠] والجانُّ مائِلٌ إلى الصِّغَرِ والثُّعْبانُ مائِلٌ إلى الكِبَرِ ؟
جَوابُهُ: أمّا الحَيَّةُ فَهي اسْمُ الجِنْسِ ثُمَّ إنَّها لِكِبَرِها صارَتْ ثُعْبانًا، وشَبَّهَها بِالجانِّ لِخِفَّتِها وسُرْعَتِها فَصَحَّ الكَلامانِ، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ شَبَّهَها بِالشَّيْطانِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والجانَّ خَلَقْناهُ مِن قَبْلُ مِن نارِ السَّمُومِ﴾ [الحجر: ٢٧] ويُحْتَمَلُ أنَّها كانَتْ أوَّلًا صَغِيرَةً كالجانِّ ثُمَّ عَظُمَتْ فَصارَتْ ثُعْبانًا، ثُمَّ إنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا أتى بِهَذِهِ الآيَةِ قالَ لَهُ فِرْعَوْنُ: هَلْ غَيْرَها ؟ قالَ: نَعَمْ، فَأراهُ يَدَهُ ثُمَّ أدْخَلَها جَيْبَهُ ثُمَّ أخْرَجَها فَإذا هي بَيْضاءُ يُضِيءُ الوادِي مِن شِدَّةِ بَياضِها مِن غَيْرِ بَرَصٍ لَها شُعاعٌ كَشُعاعِ الشَّمْسِ، فَعِنْدَ هَذا أرادَ فِرْعَوْنُ تَعْمِيَةَ هَذِهِ الحجة عَلى قَوْمِهِ فَذَكَرَ فِيها أُمُورًا ثَلاثَةً:
أحَدُها: قَوْلُهُ: ﴿إنَّ هَذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ الزَّمانَ كانَ زَمانَ السَّحَرَةِ وكانَ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنهم أنَّ السّاحِرَ قَدْ يَجُوزُ أنْ يَنْتَهِيَ بِسِحْرِهِ إلى هَذا الحَدِّ فَلِهَذا رَوَّجَ عَلَيْهِمْ هَذا القَوْلَ.
وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿يُرِيدُ أنْ يُخْرِجَكم مِن أرْضِكم بِسِحْرِهِ﴾ وهَذا يَجْرِي مَجْرى التَّنْفِيرِ عَنْهُ لِئَلّا يَقْبَلُوا قَوْلَهُ، والمَعْنى يُرِيدُ أنْ يُخْرِجَكم مِن أرْضِكم بِما يُلْقِيهِ بَيْنَكم مِنَ العَداواتِ فَيُفَرِّقُ جَمْعَكم، ومَعْلُومٌ أنَّ مُفارَقَةَ الوَطَنِ أصْعَبُ الأُمُورِ فَنَفَّرَهم عَنْهُ بِذَلِكَ، وهَذا نِهايَةُ ما يَفْعَلُهُ المُبْطِلُ في التَّنْفِيرِ عَنِ المُحِقِّ.
وثالِثُها: قَوْلُهُ لَهم: ﴿فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ أيْ فَما رَأْيُكم فِيهِ وما الَّذِي أعْمَلُهُ، يُظْهِرُ مِن نَفْسِهِ أنِّي مُتَبِّعٌ لِرَأْيِكم ومُنْقادٌ لِقَوْلِكم، ومِثْلُ هَذا الكَلامِ يُوجِبُ جَذْبَ القُلُوبِ وانْصِرافَها عَنِ العَدُوِّ فَعِنْدَ هَذِهِ الكَلِماتِ اتَّفَقُوا عَلى جَوابٍ واحِدٍ وهو قَوْلُهُ: ﴿أرْجِهْ﴾ قُرِئَ ”أرْجِئْهُ“ و”أرْجِهْ“ بِالهَمْزِ والتَّخْفِيفِ، وهُما لُغَتانِ يُقالُ: أرْجَأْتُهُ وأرْجَيْتُهُ إذا أخَّرْتَهُ، والمَعْنى أخِّرْهُ ومُناظَرَتَهُ لِوَقْتِ اجْتِماعِ السَّحَرَةِ، وقِيلَ احْبِسْهُ وذَلِكَ مُحْتَمَلٌ، لِأنَّكَ إذا حَبَسْتَ الرَّجُلَ عَنْ حاجَتِهِ فَقَدْ أخَّرْتَهُ. رُوِيَ أنَّ فِرْعَوْنَ أرادَ قَتْلَهُ ولَمْ يَكُنْ يَصِلُ إلَيْهِ، فَقالُوا لَهُ لا تَفْعَلْ، فَإنَّكَ إنْ قَتَلْتَهُ أدْخَلْتَ عَلى النّاسِ في أمْرِهِ شُبْهَةً، ولَكِنْ أرْجِئْهُ وأخاهُ إلى أنْ تَحْشُرَ السَّحَرَةَ لِيُقاوِمُوهُ فَلا يَثْبُتُ لَهُ عَلَيْكَ حُجَّةٌ، ثُمَّ أشارُوا عَلَيْهِ بِإنْفاذِ حاشِرِينَ يَجْمَعُونَ
صفحة ١١٥
السَّحَرَةَ ظَنًّا مِنهم بِأنَّهم إذا غَلَبُوهُ وكَشَفُوا حالَهُ وعارَضُوا قَوْلَهُ: ﴿إنَّ هَذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ﴾ بِقَوْلِهِمْ: ﴿بِكُلِّ سَحّارٍ عَلِيمٍ﴾ فَجاءُوا بِكَلِمَةِ الإحاطَةِ وبِصِيغَةِ المُبالَغَةِ لِيُطَيِّبُوا قَلْبَهُ ولِيُسْكِنُوا بَعْضَ قَلَقِهِ، قالَ ”صاحِبُ الكَشّافِ“: فَإنْ قُلْتَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ لِلْمَلَإ حَوْلَهُ﴾ ما العامِلُ في ”حَوْلِهِ“ ؟ قُلْتُ: هو مَنصُوبٌ نَصْبَيْنِ نَصْبٌ في اللَّفْظِ ونَصْبٌ في المَحَلِّ والعامِلُ في النَّصْبِ اللَّفْظِيِّ ما يُقَدَّرُ في الظَّرْفِ، والعامِلُ في النَّصْبِ المَحَلِّيِّ هو النَّصْبُ عَلى الحالِ.
الشعراء 26:35
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَألْقى عَصاهُ فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ ﴿ونَزَعَ يَدَهُ فَإذا هي بَيْضاءُ لِلنّاظِرِينَ﴾ ﴿قالَ لِلْمَلَإ حَوْلَهُ إنَّ هَذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ﴾ ﴿يُرِيدُ أنْ يُخْرِجَكم مِن أرْضِكم بِسِحْرِهِ فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ ﴿قالُوا أرْجِهْ وأخاهُ وابْعَثْ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ ﴿يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحّارٍ عَلِيمٍ﴾
وفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: قَرَأ الأعْمَشُ: ”بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ“ .
المسألة الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿أوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى قَبْلَ أنْ ألْقى العَصا عَرَّفَهُ بِأنَّهُ يُصَيِّرُها ثُعْبانًا، ولَوْلا ذَلِكَ لَما قالَ ما قالَ: فَلَمّا ألْقى عَصاهُ ظَهَرَ ما وعَدَهُ اللَّهُ بِهِ فَصارَ ثُعْبانًا مُبِينًا، والمُرادُ أنَّهُ تَبَيَّنَ لِلنّاظِرِينَ أنَّهُ ثُعْبانٌ بِحَرَكاتِهِ وبِسائِرِ العَلاماتِ، رُوِيَ أنَّهُ لَمّا انْقَلَبَتْ حَيَّةً ارْتَفَعَتْ في السَّماءِ قَدْرَ مَيْلٍ ثُمَّ انْحَطَّتْ مُقْبِلَةً إلى فِرْعَوْنَ وجَعَلَتْ تَقُولُ: يا مُوسى مُرْنِي بِما شِئْتَ، ويَقُولُ فِرْعَوْنُ: يا مُوسى أسْألُكَ بِالَّذِي أرْسَلَكَ ألا أخَذْتَها فَعادَتْ عَصًا.
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ قالَ هَهُنا: ﴿ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ .
وفِي آيَةٍ أُخْرى: ﴿فَإذا هي حَيَّةٌ تَسْعى﴾ [طه: ٢٠] .
وفِي آيَةٍ ثالِثَةٍ: ﴿كَأنَّها جانٌّ﴾ [النمل: ١٠] والجانُّ مائِلٌ إلى الصِّغَرِ والثُّعْبانُ مائِلٌ إلى الكِبَرِ ؟
جَوابُهُ: أمّا الحَيَّةُ فَهي اسْمُ الجِنْسِ ثُمَّ إنَّها لِكِبَرِها صارَتْ ثُعْبانًا، وشَبَّهَها بِالجانِّ لِخِفَّتِها وسُرْعَتِها فَصَحَّ الكَلامانِ، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ شَبَّهَها بِالشَّيْطانِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والجانَّ خَلَقْناهُ مِن قَبْلُ مِن نارِ السَّمُومِ﴾ [الحجر: ٢٧] ويُحْتَمَلُ أنَّها كانَتْ أوَّلًا صَغِيرَةً كالجانِّ ثُمَّ عَظُمَتْ فَصارَتْ ثُعْبانًا، ثُمَّ إنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا أتى بِهَذِهِ الآيَةِ قالَ لَهُ فِرْعَوْنُ: هَلْ غَيْرَها ؟ قالَ: نَعَمْ، فَأراهُ يَدَهُ ثُمَّ أدْخَلَها جَيْبَهُ ثُمَّ أخْرَجَها فَإذا هي بَيْضاءُ يُضِيءُ الوادِي مِن شِدَّةِ بَياضِها مِن غَيْرِ بَرَصٍ لَها شُعاعٌ كَشُعاعِ الشَّمْسِ، فَعِنْدَ هَذا أرادَ فِرْعَوْنُ تَعْمِيَةَ هَذِهِ الحجة عَلى قَوْمِهِ فَذَكَرَ فِيها أُمُورًا ثَلاثَةً:
أحَدُها: قَوْلُهُ: ﴿إنَّ هَذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ الزَّمانَ كانَ زَمانَ السَّحَرَةِ وكانَ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنهم أنَّ السّاحِرَ قَدْ يَجُوزُ أنْ يَنْتَهِيَ بِسِحْرِهِ إلى هَذا الحَدِّ فَلِهَذا رَوَّجَ عَلَيْهِمْ هَذا القَوْلَ.
وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿يُرِيدُ أنْ يُخْرِجَكم مِن أرْضِكم بِسِحْرِهِ﴾ وهَذا يَجْرِي مَجْرى التَّنْفِيرِ عَنْهُ لِئَلّا يَقْبَلُوا قَوْلَهُ، والمَعْنى يُرِيدُ أنْ يُخْرِجَكم مِن أرْضِكم بِما يُلْقِيهِ بَيْنَكم مِنَ العَداواتِ فَيُفَرِّقُ جَمْعَكم، ومَعْلُومٌ أنَّ مُفارَقَةَ الوَطَنِ أصْعَبُ الأُمُورِ فَنَفَّرَهم عَنْهُ بِذَلِكَ، وهَذا نِهايَةُ ما يَفْعَلُهُ المُبْطِلُ في التَّنْفِيرِ عَنِ المُحِقِّ.
وثالِثُها: قَوْلُهُ لَهم: ﴿فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ أيْ فَما رَأْيُكم فِيهِ وما الَّذِي أعْمَلُهُ، يُظْهِرُ مِن نَفْسِهِ أنِّي مُتَبِّعٌ لِرَأْيِكم ومُنْقادٌ لِقَوْلِكم، ومِثْلُ هَذا الكَلامِ يُوجِبُ جَذْبَ القُلُوبِ وانْصِرافَها عَنِ العَدُوِّ فَعِنْدَ هَذِهِ الكَلِماتِ اتَّفَقُوا عَلى جَوابٍ واحِدٍ وهو قَوْلُهُ: ﴿أرْجِهْ﴾ قُرِئَ ”أرْجِئْهُ“ و”أرْجِهْ“ بِالهَمْزِ والتَّخْفِيفِ، وهُما لُغَتانِ يُقالُ: أرْجَأْتُهُ وأرْجَيْتُهُ إذا أخَّرْتَهُ، والمَعْنى أخِّرْهُ ومُناظَرَتَهُ لِوَقْتِ اجْتِماعِ السَّحَرَةِ، وقِيلَ احْبِسْهُ وذَلِكَ مُحْتَمَلٌ، لِأنَّكَ إذا حَبَسْتَ الرَّجُلَ عَنْ حاجَتِهِ فَقَدْ أخَّرْتَهُ. رُوِيَ أنَّ فِرْعَوْنَ أرادَ قَتْلَهُ ولَمْ يَكُنْ يَصِلُ إلَيْهِ، فَقالُوا لَهُ لا تَفْعَلْ، فَإنَّكَ إنْ قَتَلْتَهُ أدْخَلْتَ عَلى النّاسِ في أمْرِهِ شُبْهَةً، ولَكِنْ أرْجِئْهُ وأخاهُ إلى أنْ تَحْشُرَ السَّحَرَةَ لِيُقاوِمُوهُ فَلا يَثْبُتُ لَهُ عَلَيْكَ حُجَّةٌ، ثُمَّ أشارُوا عَلَيْهِ بِإنْفاذِ حاشِرِينَ يَجْمَعُونَ
صفحة ١١٥
السَّحَرَةَ ظَنًّا مِنهم بِأنَّهم إذا غَلَبُوهُ وكَشَفُوا حالَهُ وعارَضُوا قَوْلَهُ: ﴿إنَّ هَذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ﴾ بِقَوْلِهِمْ: ﴿بِكُلِّ سَحّارٍ عَلِيمٍ﴾ فَجاءُوا بِكَلِمَةِ الإحاطَةِ وبِصِيغَةِ المُبالَغَةِ لِيُطَيِّبُوا قَلْبَهُ ولِيُسْكِنُوا بَعْضَ قَلَقِهِ، قالَ ”صاحِبُ الكَشّافِ“: فَإنْ قُلْتَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ لِلْمَلَإ حَوْلَهُ﴾ ما العامِلُ في ”حَوْلِهِ“ ؟ قُلْتُ: هو مَنصُوبٌ نَصْبَيْنِ نَصْبٌ في اللَّفْظِ ونَصْبٌ في المَحَلِّ والعامِلُ في النَّصْبِ اللَّفْظِيِّ ما يُقَدَّرُ في الظَّرْفِ، والعامِلُ في النَّصْبِ المَحَلِّيِّ هو النَّصْبُ عَلى الحالِ.