Lafzullah

Tafsir Al-Razi — الشعراء 26:143 – الشعراء 26:200

المؤلف / المصدر: Tafsir Al-Razi

المحتويات
  1. الشعراء 26:143
  2. الشعراء 26:144
  3. الشعراء 26:145
  4. الشعراء 26:146
  5. الشعراء 26:147
  6. الشعراء 26:148
  7. الشعراء 26:149
  8. الشعراء 26:150
  9. الشعراء 26:151
  10. الشعراء 26:152
  11. الشعراء 26:153
  12. الشعراء 26:154
  13. الشعراء 26:155
  14. الشعراء 26:156
  15. الشعراء 26:157
  16. الشعراء 26:158
  17. الشعراء 26:159
  18. الشعراء 26:160
  19. الشعراء 26:161
  20. الشعراء 26:162
  21. الشعراء 26:163
  22. الشعراء 26:164
  23. الشعراء 26:165
  24. الشعراء 26:166
  25. الشعراء 26:167
  26. الشعراء 26:168
  27. الشعراء 26:169
  28. الشعراء 26:170
  29. الشعراء 26:171
  30. الشعراء 26:172
  31. الشعراء 26:173
  32. الشعراء 26:174
  33. الشعراء 26:175
  34. الشعراء 26:176
  35. الشعراء 26:177
  36. الشعراء 26:178
  37. الشعراء 26:179
  38. الشعراء 26:180
  39. الشعراء 26:181
  40. الشعراء 26:182
  41. الشعراء 26:183
  42. الشعراء 26:184
  43. الشعراء 26:185
  44. الشعراء 26:186
  45. الشعراء 26:187
  46. الشعراء 26:188
  47. الشعراء 26:189
  48. الشعراء 26:190
  49. الشعراء 26:191
  50. الشعراء 26:192
  51. الشعراء 26:193
  52. الشعراء 26:194
  53. الشعراء 26:195
  54. الشعراء 26:196
  55. الشعراء 26:197
  56. الشعراء 26:198
  57. الشعراء 26:199
  58. الشعراء 26:200

الشعراء 26:143

القِصَّةُ الرّابِعَةُ: قِصَّةُ هُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ صفحة ١٣٥ ﴿كَذَّبَتْ عادٌ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم هُودٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾ ﴿وتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكم تَخْلُدُونَ﴾ ﴿وإذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبّارِينَ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿واتَّقُوا الَّذِي أمَدَّكم بِما تَعْلَمُونَ﴾ ﴿أمَدَّكم بِأنْعامٍ وبَنِينَ﴾ ﴿وجَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿قالُوا سَواءٌ عَلَيْنا أوَعَظْتَ أمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الواعِظِينَ﴾ ﴿إنْ هَذا إلّا خُلُقُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأهْلَكْناهم إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَّبَتْ عادٌ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم هُودٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾ ﴿وتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكم تَخْلُدُونَ﴾ ﴿وإذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبّارِينَ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿واتَّقُوا الَّذِي أمَدَّكم بِما تَعْلَمُونَ﴾ ﴿أمَدَّكم بِأنْعامٍ وبَنِينَ﴾ ﴿وجَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿قالُوا سَواءٌ عَلَيْنا أوَعَظْتَ أمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الواعِظِينَ﴾ ﴿إنْ هَذا إلّا خُلُقُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأهْلَكْناهم إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ . اعْلَمْ أنَّ فاتِحَةَ هَذِهِ القِصَّةِ وفاتِحَةَ قِصَّةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ واحِدَةٌ فَلا فائِدَةَ في إعادَةِ التَّفْسِيرِ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ الأُمُورَ الَّتِي تَكَلَّمَ فِيها هُودٌ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَهم وهي ثَلاثَةٌ: فَأوَّلُها: قَوْلُهُ: ﴿أتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾ قُرِئَ ”بِكُلِّ رِيعٍ“ بِالكَسْرِ والفَتْحِ وهو المَكانُ المُرْتَفِعُ، ومِنهُ قَوْلُهُ: كَمْ رَيْعُ أرْضِكَ ؟ وهو ارْتِفاعُها، والآيَةُ العَلَمُ، ثُمَّ فِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهم كانُوا يَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ عَلَمًا يَعْبَثُونَ فِيهِ بِمَن يَمُرُّ في الطَّرِيقِ إلى هُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ. والثّانِي: أنَّهم كانُوا يَبْنُونَ في الأماكِنِ المُرْتَفِعَةِ لِيُعْرَفَ بِذَلِكَ غِناهم تَفاخُرًا فَنُهُوا عَنْهُ ونُسِبُوا إلى العَبَثِ. والثّالِثُ: أنَّهم كانُوا مِمَّنْ يَهْتَدُونَ بِالنُّجُومِ في أسْفارِهِمْ فاتَّخَذُوا في طَرِيقِهِمْ أعْلامًا طِوالًا فَكانَ ذَلِكَ عَبَثًا لِأنَّهم كانُوا مُسْتَغْنِينَ عَنْها بِالنُّجُومِ. الرّابِعُ: بَنَوْا بِكُلِّ رِيعٍ بُرُوجَ الحَمامِ. وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿وتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكم تَخْلُدُونَ﴾ المَصانِعُ مَآخِذُ الماءِ، وقِيلَ القُصُورُ المُشَيَّدَةُ والحُصُونُ ﴿لَعَلَّكم تَخْلُدُونَ﴾ تَرْجُونَ الخُلْدَ في الدُّنْيا أوْ يُشْبِهُ حالُكم حالَ مَن يَخْلُدُ، وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ: ”كَأنَّكم“، وقُرِئَ ”تُخْلَدُونَ“ بِضَمِّ التّاءِ مُخَفَّفًا ومُشَدَّدًا، واعْلَمْ أنَّ الأوَّلَ إنَّما صارَ مَذْمُومًا لِدَلالَتِهِ إمّا عَلى السَّرَفِ، أوْ عَلى الخُيَلاءِ. والثّانِي: إنَّما صارَ مَذْمُومًا لِدَلالَتِهِ عَلى الأمَلِ الطَّوِيلِ والغَفْلَةِ عَنْ أنَّ الدُّنْيا دارُ مَمَرٍّ لا دارُ مَقَرٍّ. وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿وإذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبّارِينَ﴾ بَيَّنَ أنَّهم مَعَ ذَلِكَ السَّرَفِ والحِرْصِ فَإنَّ مُعامَلَتَهم مَعَ غَيْرِهِمْ مُعامَلَةُ الجَبّارِينَ، وقَدْ بَيَّنّا في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ أنَّ هَذا الوَصْفَ في العِبادِ ذَمٌّ وإنْ كانَ في وصْفِ اللَّهِ تَعالى مَدْحًا فَكَأنَّ مَن يُقْدِمُ عَلى الغَيْرِ لا عَلى طَرِيقِ الحَقِّ ولَكِنْ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِعْلاءِ يُوصَفُ بِأنَّ بَطْشَهُ بَطْشُ جَبّارٍ، وحاصِلُ الأمْرِ في هَذِهِ الأُمُورِ الثَّلاثَةِ أنَّ اتِّخاذَ الأبْنِيَةِ العالِيَةِ، يَدُلُّ عَلى حُبِّ العُلُوِّ، واتِّخاذُ المَصانِعِ يَدُلُّ عَلى حُبِّ البَقاءِ، والجَبّارِيَّةُ تَدُلُّ عَلى حُبِّ التَّفَرُّدِ بِالعُلُوِّ، فَيَرْجِعُ الحاصِلُ إلى أنَّهم أحَبُّوا العُلُوَّ وبَقاءَ العُلُوِّ والتَّفَرُّدَ بِالعُلُوِّ. وهَذِهِ صِفاتُ الإلَهِيَّةِ، وهي مُمْتَنِعَةُ الحُصُولِ لِلْعَبْدِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ حُبَّ الدُّنْيا قَدِ اسْتَوْلى عَلَيْهِمْ بِحَيْثُ اسْتَغْرَقُوا فِيهِ صفحة ١٣٦ وخَرَجُوا عَنْ حَدِّ العُبُودِيَّةِ وحامُوا حَوْلَ ادِّعاءِ الرُّبُوبِيَّةِ، وكُلُّ ذَلِكَ يُنَبِّهُ عَلى أنَّ حُبَّ الدُّنْيا رَأْسُ كُلِّ خَطِيئَةٍ وعُنْوانُ كُلِّ كُفْرٍ ومَعْصِيَةٍ، ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ هُودٌ عَلَيْهِ السَّلامُ هَذِهِ الأشْياءَ قالَ: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ زِيادَةً في دُعائِهِمْ إلى الآخِرَةِ وزَجْرًا لَهم عَنْ حُبِّ الدُّنْيا والِاشْتِغالِ بِالسَّرَفِ والحِرْصِ والتَّجَبُّرِ، ثُمَّ وصَلَ بِهَذا الوَعْظِ ما يُؤَكِّدُ القَبُولَ وهو التَّنْبِيهُ عَلى نِعَمِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ بِالإجْمالِ أوَّلًا ثُمَّ التَّفْصِيلِ ثانِيًا فَأيْقَظَهم عَنْ سِنَةِ غَفْلَتِهِمْ عَنْها حَيْثُ قالَ: ﴿أمَدَّكم بِما تَعْلَمُونَ﴾ ثُمَّ فَصَّلَها مِن بَعْدُ بِقَوْلِهِ: ﴿أمَدَّكم بِأنْعامٍ وبَنِينَ﴾ ﴿وجَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ فَبَلَغَ في دُعائِهِمْ بِالوَعْظِ والتَّرْغِيبِ والتَّخْوِيفِ والبَيانِ النِّهايَةَ فَكانَ جَوابُهم ﴿سَواءٌ عَلَيْنا أوَعَظْتَ أمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الواعِظِينَ﴾ أظْهَرُوا قِلَّةَ اكْتِراثِهِمْ بِكَلامِهِ، واسْتِخْفافَهم بِما أوْرَدَهُ فَإنْ قِيلَ: لَوْ قالَ: أوَعَظْتَ أمْ لَمْ تَعِظْ كانَ أخْصَرَ والمَعْنى واحِدٌ. جَوابُهُ: لَيْسَ المَعْنى بِواحِدٍ؛ لِأنَّ المُرادَ سَواءٌ عَلَيْنا أفَعَلْتَ هَذا الفِعْلَ الَّذِي هو الوَعْظُ أمْ لَمْ تَكُنْ أصْلًا مِن أهْلِهِ ومُباشَرَتِهِ، فَهو أبْلَغُ في قِلَّةِ اعْتِدادِهِمْ بِوَعْظِهِ مِن قَوْلِكَ أمْ لَمْ تَعِظْ، ثُمَّ احْتَجُّوا عَلى قِلَّةِ اكْتِراثِهِمْ بِكَلامِهِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿إنْ هَذا إلّا خُلُقُ الأوَّلِينَ﴾ فَمَن قَرَأ (? خَلْقُ الأوَّلِينَ ) بِالفَتْحِ فَمَعْناهُ أنَّ ما جِئْتَ بِهِ اخْتِلاقُ الأوَّلِينَ، وتَخَرُّصُهم كَما قالُوا: ﴿أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [الأنعام: ٢٥] أوْ ما خَلْقُنا هَذا إلّا خَلْقُ القُرُونِ الخالِيَةِ نَحْيا كَحَياتِهِمْ ونَمُوتُ كَمَماتِهِمْ ولا بَعْثَ ولا حِسابَ، ومَن قَرَأ ”خُلُقُ“ بِضَمَّتَيْنِ وبِواحِدَةٍ، فَمَعْناهُ ما هَذا الَّذِي نَحْنُ عَلَيْهِ مِنَ الدِّينِ إلّا خُلُقُ الأوَّلِينَ، وعادَتُهم كانُوا بِهِ يَدِينُونَ ونَحْنُ بِهِمْ مُقْتَدُونَ أوْ ما هَذا الَّذِي نَحْنُ عَلَيْهِ مِنَ الحَياةِ والمَوْتِ إلّا عادَةٌ لَمْ يَزَلْ عَلَيْها النّاسُ في قَدِيمِ الدَّهْرِ، أوْ ما هَذا الَّذِي جِئْتَ بِهِ مِنَ الكَذِبِ إلّا عادَةُ الأوَّلِينَ كانُوا يُلَفِّقُونَ مِثْلَهُ ويَسْطُرُونَهُ، ثُمَّ قالُوا: ﴿وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ أظْهَرُوا بِذَلِكَ تَقْوِيَةَ نُفُوسِهِمْ فِيما تَمَسَّكُوا بِهِ مِن إنْكارِ المَعادِ، فَعِنْدَ هَذا بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ أهْلَكَهم، وقَدْ سَبَقَ شَرْحُ كَيْفِيَّةِ الهَلاكِ في سائِرِ السُّوَرِ. واللَّهُ أعْلَمُ.

الشعراء 26:144

القِصَّةُ الرّابِعَةُ: قِصَّةُ هُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ صفحة ١٣٥ ﴿كَذَّبَتْ عادٌ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم هُودٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾ ﴿وتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكم تَخْلُدُونَ﴾ ﴿وإذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبّارِينَ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿واتَّقُوا الَّذِي أمَدَّكم بِما تَعْلَمُونَ﴾ ﴿أمَدَّكم بِأنْعامٍ وبَنِينَ﴾ ﴿وجَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿قالُوا سَواءٌ عَلَيْنا أوَعَظْتَ أمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الواعِظِينَ﴾ ﴿إنْ هَذا إلّا خُلُقُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأهْلَكْناهم إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَّبَتْ عادٌ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم هُودٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾ ﴿وتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكم تَخْلُدُونَ﴾ ﴿وإذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبّارِينَ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿واتَّقُوا الَّذِي أمَدَّكم بِما تَعْلَمُونَ﴾ ﴿أمَدَّكم بِأنْعامٍ وبَنِينَ﴾ ﴿وجَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿قالُوا سَواءٌ عَلَيْنا أوَعَظْتَ أمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الواعِظِينَ﴾ ﴿إنْ هَذا إلّا خُلُقُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأهْلَكْناهم إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ . اعْلَمْ أنَّ فاتِحَةَ هَذِهِ القِصَّةِ وفاتِحَةَ قِصَّةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ واحِدَةٌ فَلا فائِدَةَ في إعادَةِ التَّفْسِيرِ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ الأُمُورَ الَّتِي تَكَلَّمَ فِيها هُودٌ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَهم وهي ثَلاثَةٌ: فَأوَّلُها: قَوْلُهُ: ﴿أتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾ قُرِئَ ”بِكُلِّ رِيعٍ“ بِالكَسْرِ والفَتْحِ وهو المَكانُ المُرْتَفِعُ، ومِنهُ قَوْلُهُ: كَمْ رَيْعُ أرْضِكَ ؟ وهو ارْتِفاعُها، والآيَةُ العَلَمُ، ثُمَّ فِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهم كانُوا يَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ عَلَمًا يَعْبَثُونَ فِيهِ بِمَن يَمُرُّ في الطَّرِيقِ إلى هُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ. والثّانِي: أنَّهم كانُوا يَبْنُونَ في الأماكِنِ المُرْتَفِعَةِ لِيُعْرَفَ بِذَلِكَ غِناهم تَفاخُرًا فَنُهُوا عَنْهُ ونُسِبُوا إلى العَبَثِ. والثّالِثُ: أنَّهم كانُوا مِمَّنْ يَهْتَدُونَ بِالنُّجُومِ في أسْفارِهِمْ فاتَّخَذُوا في طَرِيقِهِمْ أعْلامًا طِوالًا فَكانَ ذَلِكَ عَبَثًا لِأنَّهم كانُوا مُسْتَغْنِينَ عَنْها بِالنُّجُومِ. الرّابِعُ: بَنَوْا بِكُلِّ رِيعٍ بُرُوجَ الحَمامِ. وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿وتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكم تَخْلُدُونَ﴾ المَصانِعُ مَآخِذُ الماءِ، وقِيلَ القُصُورُ المُشَيَّدَةُ والحُصُونُ ﴿لَعَلَّكم تَخْلُدُونَ﴾ تَرْجُونَ الخُلْدَ في الدُّنْيا أوْ يُشْبِهُ حالُكم حالَ مَن يَخْلُدُ، وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ: ”كَأنَّكم“، وقُرِئَ ”تُخْلَدُونَ“ بِضَمِّ التّاءِ مُخَفَّفًا ومُشَدَّدًا، واعْلَمْ أنَّ الأوَّلَ إنَّما صارَ مَذْمُومًا لِدَلالَتِهِ إمّا عَلى السَّرَفِ، أوْ عَلى الخُيَلاءِ. والثّانِي: إنَّما صارَ مَذْمُومًا لِدَلالَتِهِ عَلى الأمَلِ الطَّوِيلِ والغَفْلَةِ عَنْ أنَّ الدُّنْيا دارُ مَمَرٍّ لا دارُ مَقَرٍّ. وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿وإذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبّارِينَ﴾ بَيَّنَ أنَّهم مَعَ ذَلِكَ السَّرَفِ والحِرْصِ فَإنَّ مُعامَلَتَهم مَعَ غَيْرِهِمْ مُعامَلَةُ الجَبّارِينَ، وقَدْ بَيَّنّا في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ أنَّ هَذا الوَصْفَ في العِبادِ ذَمٌّ وإنْ كانَ في وصْفِ اللَّهِ تَعالى مَدْحًا فَكَأنَّ مَن يُقْدِمُ عَلى الغَيْرِ لا عَلى طَرِيقِ الحَقِّ ولَكِنْ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِعْلاءِ يُوصَفُ بِأنَّ بَطْشَهُ بَطْشُ جَبّارٍ، وحاصِلُ الأمْرِ في هَذِهِ الأُمُورِ الثَّلاثَةِ أنَّ اتِّخاذَ الأبْنِيَةِ العالِيَةِ، يَدُلُّ عَلى حُبِّ العُلُوِّ، واتِّخاذُ المَصانِعِ يَدُلُّ عَلى حُبِّ البَقاءِ، والجَبّارِيَّةُ تَدُلُّ عَلى حُبِّ التَّفَرُّدِ بِالعُلُوِّ، فَيَرْجِعُ الحاصِلُ إلى أنَّهم أحَبُّوا العُلُوَّ وبَقاءَ العُلُوِّ والتَّفَرُّدَ بِالعُلُوِّ. وهَذِهِ صِفاتُ الإلَهِيَّةِ، وهي مُمْتَنِعَةُ الحُصُولِ لِلْعَبْدِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ حُبَّ الدُّنْيا قَدِ اسْتَوْلى عَلَيْهِمْ بِحَيْثُ اسْتَغْرَقُوا فِيهِ صفحة ١٣٦ وخَرَجُوا عَنْ حَدِّ العُبُودِيَّةِ وحامُوا حَوْلَ ادِّعاءِ الرُّبُوبِيَّةِ، وكُلُّ ذَلِكَ يُنَبِّهُ عَلى أنَّ حُبَّ الدُّنْيا رَأْسُ كُلِّ خَطِيئَةٍ وعُنْوانُ كُلِّ كُفْرٍ ومَعْصِيَةٍ، ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ هُودٌ عَلَيْهِ السَّلامُ هَذِهِ الأشْياءَ قالَ: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ زِيادَةً في دُعائِهِمْ إلى الآخِرَةِ وزَجْرًا لَهم عَنْ حُبِّ الدُّنْيا والِاشْتِغالِ بِالسَّرَفِ والحِرْصِ والتَّجَبُّرِ، ثُمَّ وصَلَ بِهَذا الوَعْظِ ما يُؤَكِّدُ القَبُولَ وهو التَّنْبِيهُ عَلى نِعَمِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ بِالإجْمالِ أوَّلًا ثُمَّ التَّفْصِيلِ ثانِيًا فَأيْقَظَهم عَنْ سِنَةِ غَفْلَتِهِمْ عَنْها حَيْثُ قالَ: ﴿أمَدَّكم بِما تَعْلَمُونَ﴾ ثُمَّ فَصَّلَها مِن بَعْدُ بِقَوْلِهِ: ﴿أمَدَّكم بِأنْعامٍ وبَنِينَ﴾ ﴿وجَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ فَبَلَغَ في دُعائِهِمْ بِالوَعْظِ والتَّرْغِيبِ والتَّخْوِيفِ والبَيانِ النِّهايَةَ فَكانَ جَوابُهم ﴿سَواءٌ عَلَيْنا أوَعَظْتَ أمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الواعِظِينَ﴾ أظْهَرُوا قِلَّةَ اكْتِراثِهِمْ بِكَلامِهِ، واسْتِخْفافَهم بِما أوْرَدَهُ فَإنْ قِيلَ: لَوْ قالَ: أوَعَظْتَ أمْ لَمْ تَعِظْ كانَ أخْصَرَ والمَعْنى واحِدٌ. جَوابُهُ: لَيْسَ المَعْنى بِواحِدٍ؛ لِأنَّ المُرادَ سَواءٌ عَلَيْنا أفَعَلْتَ هَذا الفِعْلَ الَّذِي هو الوَعْظُ أمْ لَمْ تَكُنْ أصْلًا مِن أهْلِهِ ومُباشَرَتِهِ، فَهو أبْلَغُ في قِلَّةِ اعْتِدادِهِمْ بِوَعْظِهِ مِن قَوْلِكَ أمْ لَمْ تَعِظْ، ثُمَّ احْتَجُّوا عَلى قِلَّةِ اكْتِراثِهِمْ بِكَلامِهِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿إنْ هَذا إلّا خُلُقُ الأوَّلِينَ﴾ فَمَن قَرَأ (? خَلْقُ الأوَّلِينَ ) بِالفَتْحِ فَمَعْناهُ أنَّ ما جِئْتَ بِهِ اخْتِلاقُ الأوَّلِينَ، وتَخَرُّصُهم كَما قالُوا: ﴿أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [الأنعام: ٢٥] أوْ ما خَلْقُنا هَذا إلّا خَلْقُ القُرُونِ الخالِيَةِ نَحْيا كَحَياتِهِمْ ونَمُوتُ كَمَماتِهِمْ ولا بَعْثَ ولا حِسابَ، ومَن قَرَأ ”خُلُقُ“ بِضَمَّتَيْنِ وبِواحِدَةٍ، فَمَعْناهُ ما هَذا الَّذِي نَحْنُ عَلَيْهِ مِنَ الدِّينِ إلّا خُلُقُ الأوَّلِينَ، وعادَتُهم كانُوا بِهِ يَدِينُونَ ونَحْنُ بِهِمْ مُقْتَدُونَ أوْ ما هَذا الَّذِي نَحْنُ عَلَيْهِ مِنَ الحَياةِ والمَوْتِ إلّا عادَةٌ لَمْ يَزَلْ عَلَيْها النّاسُ في قَدِيمِ الدَّهْرِ، أوْ ما هَذا الَّذِي جِئْتَ بِهِ مِنَ الكَذِبِ إلّا عادَةُ الأوَّلِينَ كانُوا يُلَفِّقُونَ مِثْلَهُ ويَسْطُرُونَهُ، ثُمَّ قالُوا: ﴿وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ أظْهَرُوا بِذَلِكَ تَقْوِيَةَ نُفُوسِهِمْ فِيما تَمَسَّكُوا بِهِ مِن إنْكارِ المَعادِ، فَعِنْدَ هَذا بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ أهْلَكَهم، وقَدْ سَبَقَ شَرْحُ كَيْفِيَّةِ الهَلاكِ في سائِرِ السُّوَرِ. واللَّهُ أعْلَمُ.

الشعراء 26:145

القِصَّةُ الرّابِعَةُ: قِصَّةُ هُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ صفحة ١٣٥ ﴿كَذَّبَتْ عادٌ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم هُودٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾ ﴿وتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكم تَخْلُدُونَ﴾ ﴿وإذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبّارِينَ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿واتَّقُوا الَّذِي أمَدَّكم بِما تَعْلَمُونَ﴾ ﴿أمَدَّكم بِأنْعامٍ وبَنِينَ﴾ ﴿وجَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿قالُوا سَواءٌ عَلَيْنا أوَعَظْتَ أمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الواعِظِينَ﴾ ﴿إنْ هَذا إلّا خُلُقُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأهْلَكْناهم إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَّبَتْ عادٌ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم هُودٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾ ﴿وتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكم تَخْلُدُونَ﴾ ﴿وإذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبّارِينَ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿واتَّقُوا الَّذِي أمَدَّكم بِما تَعْلَمُونَ﴾ ﴿أمَدَّكم بِأنْعامٍ وبَنِينَ﴾ ﴿وجَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿قالُوا سَواءٌ عَلَيْنا أوَعَظْتَ أمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الواعِظِينَ﴾ ﴿إنْ هَذا إلّا خُلُقُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأهْلَكْناهم إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ . اعْلَمْ أنَّ فاتِحَةَ هَذِهِ القِصَّةِ وفاتِحَةَ قِصَّةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ واحِدَةٌ فَلا فائِدَةَ في إعادَةِ التَّفْسِيرِ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ الأُمُورَ الَّتِي تَكَلَّمَ فِيها هُودٌ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَهم وهي ثَلاثَةٌ: فَأوَّلُها: قَوْلُهُ: ﴿أتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾ قُرِئَ ”بِكُلِّ رِيعٍ“ بِالكَسْرِ والفَتْحِ وهو المَكانُ المُرْتَفِعُ، ومِنهُ قَوْلُهُ: كَمْ رَيْعُ أرْضِكَ ؟ وهو ارْتِفاعُها، والآيَةُ العَلَمُ، ثُمَّ فِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهم كانُوا يَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ عَلَمًا يَعْبَثُونَ فِيهِ بِمَن يَمُرُّ في الطَّرِيقِ إلى هُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ. والثّانِي: أنَّهم كانُوا يَبْنُونَ في الأماكِنِ المُرْتَفِعَةِ لِيُعْرَفَ بِذَلِكَ غِناهم تَفاخُرًا فَنُهُوا عَنْهُ ونُسِبُوا إلى العَبَثِ. والثّالِثُ: أنَّهم كانُوا مِمَّنْ يَهْتَدُونَ بِالنُّجُومِ في أسْفارِهِمْ فاتَّخَذُوا في طَرِيقِهِمْ أعْلامًا طِوالًا فَكانَ ذَلِكَ عَبَثًا لِأنَّهم كانُوا مُسْتَغْنِينَ عَنْها بِالنُّجُومِ. الرّابِعُ: بَنَوْا بِكُلِّ رِيعٍ بُرُوجَ الحَمامِ. وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿وتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكم تَخْلُدُونَ﴾ المَصانِعُ مَآخِذُ الماءِ، وقِيلَ القُصُورُ المُشَيَّدَةُ والحُصُونُ ﴿لَعَلَّكم تَخْلُدُونَ﴾ تَرْجُونَ الخُلْدَ في الدُّنْيا أوْ يُشْبِهُ حالُكم حالَ مَن يَخْلُدُ، وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ: ”كَأنَّكم“، وقُرِئَ ”تُخْلَدُونَ“ بِضَمِّ التّاءِ مُخَفَّفًا ومُشَدَّدًا، واعْلَمْ أنَّ الأوَّلَ إنَّما صارَ مَذْمُومًا لِدَلالَتِهِ إمّا عَلى السَّرَفِ، أوْ عَلى الخُيَلاءِ. والثّانِي: إنَّما صارَ مَذْمُومًا لِدَلالَتِهِ عَلى الأمَلِ الطَّوِيلِ والغَفْلَةِ عَنْ أنَّ الدُّنْيا دارُ مَمَرٍّ لا دارُ مَقَرٍّ. وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿وإذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبّارِينَ﴾ بَيَّنَ أنَّهم مَعَ ذَلِكَ السَّرَفِ والحِرْصِ فَإنَّ مُعامَلَتَهم مَعَ غَيْرِهِمْ مُعامَلَةُ الجَبّارِينَ، وقَدْ بَيَّنّا في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ أنَّ هَذا الوَصْفَ في العِبادِ ذَمٌّ وإنْ كانَ في وصْفِ اللَّهِ تَعالى مَدْحًا فَكَأنَّ مَن يُقْدِمُ عَلى الغَيْرِ لا عَلى طَرِيقِ الحَقِّ ولَكِنْ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِعْلاءِ يُوصَفُ بِأنَّ بَطْشَهُ بَطْشُ جَبّارٍ، وحاصِلُ الأمْرِ في هَذِهِ الأُمُورِ الثَّلاثَةِ أنَّ اتِّخاذَ الأبْنِيَةِ العالِيَةِ، يَدُلُّ عَلى حُبِّ العُلُوِّ، واتِّخاذُ المَصانِعِ يَدُلُّ عَلى حُبِّ البَقاءِ، والجَبّارِيَّةُ تَدُلُّ عَلى حُبِّ التَّفَرُّدِ بِالعُلُوِّ، فَيَرْجِعُ الحاصِلُ إلى أنَّهم أحَبُّوا العُلُوَّ وبَقاءَ العُلُوِّ والتَّفَرُّدَ بِالعُلُوِّ. وهَذِهِ صِفاتُ الإلَهِيَّةِ، وهي مُمْتَنِعَةُ الحُصُولِ لِلْعَبْدِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ حُبَّ الدُّنْيا قَدِ اسْتَوْلى عَلَيْهِمْ بِحَيْثُ اسْتَغْرَقُوا فِيهِ صفحة ١٣٦ وخَرَجُوا عَنْ حَدِّ العُبُودِيَّةِ وحامُوا حَوْلَ ادِّعاءِ الرُّبُوبِيَّةِ، وكُلُّ ذَلِكَ يُنَبِّهُ عَلى أنَّ حُبَّ الدُّنْيا رَأْسُ كُلِّ خَطِيئَةٍ وعُنْوانُ كُلِّ كُفْرٍ ومَعْصِيَةٍ، ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ هُودٌ عَلَيْهِ السَّلامُ هَذِهِ الأشْياءَ قالَ: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ زِيادَةً في دُعائِهِمْ إلى الآخِرَةِ وزَجْرًا لَهم عَنْ حُبِّ الدُّنْيا والِاشْتِغالِ بِالسَّرَفِ والحِرْصِ والتَّجَبُّرِ، ثُمَّ وصَلَ بِهَذا الوَعْظِ ما يُؤَكِّدُ القَبُولَ وهو التَّنْبِيهُ عَلى نِعَمِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ بِالإجْمالِ أوَّلًا ثُمَّ التَّفْصِيلِ ثانِيًا فَأيْقَظَهم عَنْ سِنَةِ غَفْلَتِهِمْ عَنْها حَيْثُ قالَ: ﴿أمَدَّكم بِما تَعْلَمُونَ﴾ ثُمَّ فَصَّلَها مِن بَعْدُ بِقَوْلِهِ: ﴿أمَدَّكم بِأنْعامٍ وبَنِينَ﴾ ﴿وجَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ فَبَلَغَ في دُعائِهِمْ بِالوَعْظِ والتَّرْغِيبِ والتَّخْوِيفِ والبَيانِ النِّهايَةَ فَكانَ جَوابُهم ﴿سَواءٌ عَلَيْنا أوَعَظْتَ أمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الواعِظِينَ﴾ أظْهَرُوا قِلَّةَ اكْتِراثِهِمْ بِكَلامِهِ، واسْتِخْفافَهم بِما أوْرَدَهُ فَإنْ قِيلَ: لَوْ قالَ: أوَعَظْتَ أمْ لَمْ تَعِظْ كانَ أخْصَرَ والمَعْنى واحِدٌ. جَوابُهُ: لَيْسَ المَعْنى بِواحِدٍ؛ لِأنَّ المُرادَ سَواءٌ عَلَيْنا أفَعَلْتَ هَذا الفِعْلَ الَّذِي هو الوَعْظُ أمْ لَمْ تَكُنْ أصْلًا مِن أهْلِهِ ومُباشَرَتِهِ، فَهو أبْلَغُ في قِلَّةِ اعْتِدادِهِمْ بِوَعْظِهِ مِن قَوْلِكَ أمْ لَمْ تَعِظْ، ثُمَّ احْتَجُّوا عَلى قِلَّةِ اكْتِراثِهِمْ بِكَلامِهِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿إنْ هَذا إلّا خُلُقُ الأوَّلِينَ﴾ فَمَن قَرَأ (? خَلْقُ الأوَّلِينَ ) بِالفَتْحِ فَمَعْناهُ أنَّ ما جِئْتَ بِهِ اخْتِلاقُ الأوَّلِينَ، وتَخَرُّصُهم كَما قالُوا: ﴿أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [الأنعام: ٢٥] أوْ ما خَلْقُنا هَذا إلّا خَلْقُ القُرُونِ الخالِيَةِ نَحْيا كَحَياتِهِمْ ونَمُوتُ كَمَماتِهِمْ ولا بَعْثَ ولا حِسابَ، ومَن قَرَأ ”خُلُقُ“ بِضَمَّتَيْنِ وبِواحِدَةٍ، فَمَعْناهُ ما هَذا الَّذِي نَحْنُ عَلَيْهِ مِنَ الدِّينِ إلّا خُلُقُ الأوَّلِينَ، وعادَتُهم كانُوا بِهِ يَدِينُونَ ونَحْنُ بِهِمْ مُقْتَدُونَ أوْ ما هَذا الَّذِي نَحْنُ عَلَيْهِ مِنَ الحَياةِ والمَوْتِ إلّا عادَةٌ لَمْ يَزَلْ عَلَيْها النّاسُ في قَدِيمِ الدَّهْرِ، أوْ ما هَذا الَّذِي جِئْتَ بِهِ مِنَ الكَذِبِ إلّا عادَةُ الأوَّلِينَ كانُوا يُلَفِّقُونَ مِثْلَهُ ويَسْطُرُونَهُ، ثُمَّ قالُوا: ﴿وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ أظْهَرُوا بِذَلِكَ تَقْوِيَةَ نُفُوسِهِمْ فِيما تَمَسَّكُوا بِهِ مِن إنْكارِ المَعادِ، فَعِنْدَ هَذا بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ أهْلَكَهم، وقَدْ سَبَقَ شَرْحُ كَيْفِيَّةِ الهَلاكِ في سائِرِ السُّوَرِ. واللَّهُ أعْلَمُ.

الشعراء 26:146

القِصَّةُ الرّابِعَةُ: قِصَّةُ هُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ صفحة ١٣٥ ﴿كَذَّبَتْ عادٌ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم هُودٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾ ﴿وتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكم تَخْلُدُونَ﴾ ﴿وإذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبّارِينَ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿واتَّقُوا الَّذِي أمَدَّكم بِما تَعْلَمُونَ﴾ ﴿أمَدَّكم بِأنْعامٍ وبَنِينَ﴾ ﴿وجَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿قالُوا سَواءٌ عَلَيْنا أوَعَظْتَ أمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الواعِظِينَ﴾ ﴿إنْ هَذا إلّا خُلُقُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأهْلَكْناهم إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَّبَتْ عادٌ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم هُودٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾ ﴿وتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكم تَخْلُدُونَ﴾ ﴿وإذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبّارِينَ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿واتَّقُوا الَّذِي أمَدَّكم بِما تَعْلَمُونَ﴾ ﴿أمَدَّكم بِأنْعامٍ وبَنِينَ﴾ ﴿وجَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿قالُوا سَواءٌ عَلَيْنا أوَعَظْتَ أمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الواعِظِينَ﴾ ﴿إنْ هَذا إلّا خُلُقُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأهْلَكْناهم إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ . اعْلَمْ أنَّ فاتِحَةَ هَذِهِ القِصَّةِ وفاتِحَةَ قِصَّةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ واحِدَةٌ فَلا فائِدَةَ في إعادَةِ التَّفْسِيرِ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ الأُمُورَ الَّتِي تَكَلَّمَ فِيها هُودٌ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَهم وهي ثَلاثَةٌ: فَأوَّلُها: قَوْلُهُ: ﴿أتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾ قُرِئَ ”بِكُلِّ رِيعٍ“ بِالكَسْرِ والفَتْحِ وهو المَكانُ المُرْتَفِعُ، ومِنهُ قَوْلُهُ: كَمْ رَيْعُ أرْضِكَ ؟ وهو ارْتِفاعُها، والآيَةُ العَلَمُ، ثُمَّ فِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهم كانُوا يَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ عَلَمًا يَعْبَثُونَ فِيهِ بِمَن يَمُرُّ في الطَّرِيقِ إلى هُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ. والثّانِي: أنَّهم كانُوا يَبْنُونَ في الأماكِنِ المُرْتَفِعَةِ لِيُعْرَفَ بِذَلِكَ غِناهم تَفاخُرًا فَنُهُوا عَنْهُ ونُسِبُوا إلى العَبَثِ. والثّالِثُ: أنَّهم كانُوا مِمَّنْ يَهْتَدُونَ بِالنُّجُومِ في أسْفارِهِمْ فاتَّخَذُوا في طَرِيقِهِمْ أعْلامًا طِوالًا فَكانَ ذَلِكَ عَبَثًا لِأنَّهم كانُوا مُسْتَغْنِينَ عَنْها بِالنُّجُومِ. الرّابِعُ: بَنَوْا بِكُلِّ رِيعٍ بُرُوجَ الحَمامِ. وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿وتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكم تَخْلُدُونَ﴾ المَصانِعُ مَآخِذُ الماءِ، وقِيلَ القُصُورُ المُشَيَّدَةُ والحُصُونُ ﴿لَعَلَّكم تَخْلُدُونَ﴾ تَرْجُونَ الخُلْدَ في الدُّنْيا أوْ يُشْبِهُ حالُكم حالَ مَن يَخْلُدُ، وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ: ”كَأنَّكم“، وقُرِئَ ”تُخْلَدُونَ“ بِضَمِّ التّاءِ مُخَفَّفًا ومُشَدَّدًا، واعْلَمْ أنَّ الأوَّلَ إنَّما صارَ مَذْمُومًا لِدَلالَتِهِ إمّا عَلى السَّرَفِ، أوْ عَلى الخُيَلاءِ. والثّانِي: إنَّما صارَ مَذْمُومًا لِدَلالَتِهِ عَلى الأمَلِ الطَّوِيلِ والغَفْلَةِ عَنْ أنَّ الدُّنْيا دارُ مَمَرٍّ لا دارُ مَقَرٍّ. وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿وإذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبّارِينَ﴾ بَيَّنَ أنَّهم مَعَ ذَلِكَ السَّرَفِ والحِرْصِ فَإنَّ مُعامَلَتَهم مَعَ غَيْرِهِمْ مُعامَلَةُ الجَبّارِينَ، وقَدْ بَيَّنّا في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ أنَّ هَذا الوَصْفَ في العِبادِ ذَمٌّ وإنْ كانَ في وصْفِ اللَّهِ تَعالى مَدْحًا فَكَأنَّ مَن يُقْدِمُ عَلى الغَيْرِ لا عَلى طَرِيقِ الحَقِّ ولَكِنْ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِعْلاءِ يُوصَفُ بِأنَّ بَطْشَهُ بَطْشُ جَبّارٍ، وحاصِلُ الأمْرِ في هَذِهِ الأُمُورِ الثَّلاثَةِ أنَّ اتِّخاذَ الأبْنِيَةِ العالِيَةِ، يَدُلُّ عَلى حُبِّ العُلُوِّ، واتِّخاذُ المَصانِعِ يَدُلُّ عَلى حُبِّ البَقاءِ، والجَبّارِيَّةُ تَدُلُّ عَلى حُبِّ التَّفَرُّدِ بِالعُلُوِّ، فَيَرْجِعُ الحاصِلُ إلى أنَّهم أحَبُّوا العُلُوَّ وبَقاءَ العُلُوِّ والتَّفَرُّدَ بِالعُلُوِّ. وهَذِهِ صِفاتُ الإلَهِيَّةِ، وهي مُمْتَنِعَةُ الحُصُولِ لِلْعَبْدِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ حُبَّ الدُّنْيا قَدِ اسْتَوْلى عَلَيْهِمْ بِحَيْثُ اسْتَغْرَقُوا فِيهِ صفحة ١٣٦ وخَرَجُوا عَنْ حَدِّ العُبُودِيَّةِ وحامُوا حَوْلَ ادِّعاءِ الرُّبُوبِيَّةِ، وكُلُّ ذَلِكَ يُنَبِّهُ عَلى أنَّ حُبَّ الدُّنْيا رَأْسُ كُلِّ خَطِيئَةٍ وعُنْوانُ كُلِّ كُفْرٍ ومَعْصِيَةٍ، ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ هُودٌ عَلَيْهِ السَّلامُ هَذِهِ الأشْياءَ قالَ: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ زِيادَةً في دُعائِهِمْ إلى الآخِرَةِ وزَجْرًا لَهم عَنْ حُبِّ الدُّنْيا والِاشْتِغالِ بِالسَّرَفِ والحِرْصِ والتَّجَبُّرِ، ثُمَّ وصَلَ بِهَذا الوَعْظِ ما يُؤَكِّدُ القَبُولَ وهو التَّنْبِيهُ عَلى نِعَمِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ بِالإجْمالِ أوَّلًا ثُمَّ التَّفْصِيلِ ثانِيًا فَأيْقَظَهم عَنْ سِنَةِ غَفْلَتِهِمْ عَنْها حَيْثُ قالَ: ﴿أمَدَّكم بِما تَعْلَمُونَ﴾ ثُمَّ فَصَّلَها مِن بَعْدُ بِقَوْلِهِ: ﴿أمَدَّكم بِأنْعامٍ وبَنِينَ﴾ ﴿وجَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ فَبَلَغَ في دُعائِهِمْ بِالوَعْظِ والتَّرْغِيبِ والتَّخْوِيفِ والبَيانِ النِّهايَةَ فَكانَ جَوابُهم ﴿سَواءٌ عَلَيْنا أوَعَظْتَ أمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الواعِظِينَ﴾ أظْهَرُوا قِلَّةَ اكْتِراثِهِمْ بِكَلامِهِ، واسْتِخْفافَهم بِما أوْرَدَهُ فَإنْ قِيلَ: لَوْ قالَ: أوَعَظْتَ أمْ لَمْ تَعِظْ كانَ أخْصَرَ والمَعْنى واحِدٌ. جَوابُهُ: لَيْسَ المَعْنى بِواحِدٍ؛ لِأنَّ المُرادَ سَواءٌ عَلَيْنا أفَعَلْتَ هَذا الفِعْلَ الَّذِي هو الوَعْظُ أمْ لَمْ تَكُنْ أصْلًا مِن أهْلِهِ ومُباشَرَتِهِ، فَهو أبْلَغُ في قِلَّةِ اعْتِدادِهِمْ بِوَعْظِهِ مِن قَوْلِكَ أمْ لَمْ تَعِظْ، ثُمَّ احْتَجُّوا عَلى قِلَّةِ اكْتِراثِهِمْ بِكَلامِهِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿إنْ هَذا إلّا خُلُقُ الأوَّلِينَ﴾ فَمَن قَرَأ (? خَلْقُ الأوَّلِينَ ) بِالفَتْحِ فَمَعْناهُ أنَّ ما جِئْتَ بِهِ اخْتِلاقُ الأوَّلِينَ، وتَخَرُّصُهم كَما قالُوا: ﴿أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [الأنعام: ٢٥] أوْ ما خَلْقُنا هَذا إلّا خَلْقُ القُرُونِ الخالِيَةِ نَحْيا كَحَياتِهِمْ ونَمُوتُ كَمَماتِهِمْ ولا بَعْثَ ولا حِسابَ، ومَن قَرَأ ”خُلُقُ“ بِضَمَّتَيْنِ وبِواحِدَةٍ، فَمَعْناهُ ما هَذا الَّذِي نَحْنُ عَلَيْهِ مِنَ الدِّينِ إلّا خُلُقُ الأوَّلِينَ، وعادَتُهم كانُوا بِهِ يَدِينُونَ ونَحْنُ بِهِمْ مُقْتَدُونَ أوْ ما هَذا الَّذِي نَحْنُ عَلَيْهِ مِنَ الحَياةِ والمَوْتِ إلّا عادَةٌ لَمْ يَزَلْ عَلَيْها النّاسُ في قَدِيمِ الدَّهْرِ، أوْ ما هَذا الَّذِي جِئْتَ بِهِ مِنَ الكَذِبِ إلّا عادَةُ الأوَّلِينَ كانُوا يُلَفِّقُونَ مِثْلَهُ ويَسْطُرُونَهُ، ثُمَّ قالُوا: ﴿وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ أظْهَرُوا بِذَلِكَ تَقْوِيَةَ نُفُوسِهِمْ فِيما تَمَسَّكُوا بِهِ مِن إنْكارِ المَعادِ، فَعِنْدَ هَذا بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ أهْلَكَهم، وقَدْ سَبَقَ شَرْحُ كَيْفِيَّةِ الهَلاكِ في سائِرِ السُّوَرِ. واللَّهُ أعْلَمُ.

الشعراء 26:147

القِصَّةُ الرّابِعَةُ: قِصَّةُ هُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ صفحة ١٣٥ ﴿كَذَّبَتْ عادٌ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم هُودٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾ ﴿وتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكم تَخْلُدُونَ﴾ ﴿وإذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبّارِينَ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿واتَّقُوا الَّذِي أمَدَّكم بِما تَعْلَمُونَ﴾ ﴿أمَدَّكم بِأنْعامٍ وبَنِينَ﴾ ﴿وجَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿قالُوا سَواءٌ عَلَيْنا أوَعَظْتَ أمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الواعِظِينَ﴾ ﴿إنْ هَذا إلّا خُلُقُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأهْلَكْناهم إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَّبَتْ عادٌ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم هُودٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾ ﴿وتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكم تَخْلُدُونَ﴾ ﴿وإذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبّارِينَ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿واتَّقُوا الَّذِي أمَدَّكم بِما تَعْلَمُونَ﴾ ﴿أمَدَّكم بِأنْعامٍ وبَنِينَ﴾ ﴿وجَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿قالُوا سَواءٌ عَلَيْنا أوَعَظْتَ أمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الواعِظِينَ﴾ ﴿إنْ هَذا إلّا خُلُقُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأهْلَكْناهم إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ . اعْلَمْ أنَّ فاتِحَةَ هَذِهِ القِصَّةِ وفاتِحَةَ قِصَّةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ واحِدَةٌ فَلا فائِدَةَ في إعادَةِ التَّفْسِيرِ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ الأُمُورَ الَّتِي تَكَلَّمَ فِيها هُودٌ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَهم وهي ثَلاثَةٌ: فَأوَّلُها: قَوْلُهُ: ﴿أتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾ قُرِئَ ”بِكُلِّ رِيعٍ“ بِالكَسْرِ والفَتْحِ وهو المَكانُ المُرْتَفِعُ، ومِنهُ قَوْلُهُ: كَمْ رَيْعُ أرْضِكَ ؟ وهو ارْتِفاعُها، والآيَةُ العَلَمُ، ثُمَّ فِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهم كانُوا يَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ عَلَمًا يَعْبَثُونَ فِيهِ بِمَن يَمُرُّ في الطَّرِيقِ إلى هُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ. والثّانِي: أنَّهم كانُوا يَبْنُونَ في الأماكِنِ المُرْتَفِعَةِ لِيُعْرَفَ بِذَلِكَ غِناهم تَفاخُرًا فَنُهُوا عَنْهُ ونُسِبُوا إلى العَبَثِ. والثّالِثُ: أنَّهم كانُوا مِمَّنْ يَهْتَدُونَ بِالنُّجُومِ في أسْفارِهِمْ فاتَّخَذُوا في طَرِيقِهِمْ أعْلامًا طِوالًا فَكانَ ذَلِكَ عَبَثًا لِأنَّهم كانُوا مُسْتَغْنِينَ عَنْها بِالنُّجُومِ. الرّابِعُ: بَنَوْا بِكُلِّ رِيعٍ بُرُوجَ الحَمامِ. وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿وتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكم تَخْلُدُونَ﴾ المَصانِعُ مَآخِذُ الماءِ، وقِيلَ القُصُورُ المُشَيَّدَةُ والحُصُونُ ﴿لَعَلَّكم تَخْلُدُونَ﴾ تَرْجُونَ الخُلْدَ في الدُّنْيا أوْ يُشْبِهُ حالُكم حالَ مَن يَخْلُدُ، وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ: ”كَأنَّكم“، وقُرِئَ ”تُخْلَدُونَ“ بِضَمِّ التّاءِ مُخَفَّفًا ومُشَدَّدًا، واعْلَمْ أنَّ الأوَّلَ إنَّما صارَ مَذْمُومًا لِدَلالَتِهِ إمّا عَلى السَّرَفِ، أوْ عَلى الخُيَلاءِ. والثّانِي: إنَّما صارَ مَذْمُومًا لِدَلالَتِهِ عَلى الأمَلِ الطَّوِيلِ والغَفْلَةِ عَنْ أنَّ الدُّنْيا دارُ مَمَرٍّ لا دارُ مَقَرٍّ. وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿وإذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبّارِينَ﴾ بَيَّنَ أنَّهم مَعَ ذَلِكَ السَّرَفِ والحِرْصِ فَإنَّ مُعامَلَتَهم مَعَ غَيْرِهِمْ مُعامَلَةُ الجَبّارِينَ، وقَدْ بَيَّنّا في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ أنَّ هَذا الوَصْفَ في العِبادِ ذَمٌّ وإنْ كانَ في وصْفِ اللَّهِ تَعالى مَدْحًا فَكَأنَّ مَن يُقْدِمُ عَلى الغَيْرِ لا عَلى طَرِيقِ الحَقِّ ولَكِنْ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِعْلاءِ يُوصَفُ بِأنَّ بَطْشَهُ بَطْشُ جَبّارٍ، وحاصِلُ الأمْرِ في هَذِهِ الأُمُورِ الثَّلاثَةِ أنَّ اتِّخاذَ الأبْنِيَةِ العالِيَةِ، يَدُلُّ عَلى حُبِّ العُلُوِّ، واتِّخاذُ المَصانِعِ يَدُلُّ عَلى حُبِّ البَقاءِ، والجَبّارِيَّةُ تَدُلُّ عَلى حُبِّ التَّفَرُّدِ بِالعُلُوِّ، فَيَرْجِعُ الحاصِلُ إلى أنَّهم أحَبُّوا العُلُوَّ وبَقاءَ العُلُوِّ والتَّفَرُّدَ بِالعُلُوِّ. وهَذِهِ صِفاتُ الإلَهِيَّةِ، وهي مُمْتَنِعَةُ الحُصُولِ لِلْعَبْدِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ حُبَّ الدُّنْيا قَدِ اسْتَوْلى عَلَيْهِمْ بِحَيْثُ اسْتَغْرَقُوا فِيهِ صفحة ١٣٦ وخَرَجُوا عَنْ حَدِّ العُبُودِيَّةِ وحامُوا حَوْلَ ادِّعاءِ الرُّبُوبِيَّةِ، وكُلُّ ذَلِكَ يُنَبِّهُ عَلى أنَّ حُبَّ الدُّنْيا رَأْسُ كُلِّ خَطِيئَةٍ وعُنْوانُ كُلِّ كُفْرٍ ومَعْصِيَةٍ، ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ هُودٌ عَلَيْهِ السَّلامُ هَذِهِ الأشْياءَ قالَ: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ زِيادَةً في دُعائِهِمْ إلى الآخِرَةِ وزَجْرًا لَهم عَنْ حُبِّ الدُّنْيا والِاشْتِغالِ بِالسَّرَفِ والحِرْصِ والتَّجَبُّرِ، ثُمَّ وصَلَ بِهَذا الوَعْظِ ما يُؤَكِّدُ القَبُولَ وهو التَّنْبِيهُ عَلى نِعَمِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ بِالإجْمالِ أوَّلًا ثُمَّ التَّفْصِيلِ ثانِيًا فَأيْقَظَهم عَنْ سِنَةِ غَفْلَتِهِمْ عَنْها حَيْثُ قالَ: ﴿أمَدَّكم بِما تَعْلَمُونَ﴾ ثُمَّ فَصَّلَها مِن بَعْدُ بِقَوْلِهِ: ﴿أمَدَّكم بِأنْعامٍ وبَنِينَ﴾ ﴿وجَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ فَبَلَغَ في دُعائِهِمْ بِالوَعْظِ والتَّرْغِيبِ والتَّخْوِيفِ والبَيانِ النِّهايَةَ فَكانَ جَوابُهم ﴿سَواءٌ عَلَيْنا أوَعَظْتَ أمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الواعِظِينَ﴾ أظْهَرُوا قِلَّةَ اكْتِراثِهِمْ بِكَلامِهِ، واسْتِخْفافَهم بِما أوْرَدَهُ فَإنْ قِيلَ: لَوْ قالَ: أوَعَظْتَ أمْ لَمْ تَعِظْ كانَ أخْصَرَ والمَعْنى واحِدٌ. جَوابُهُ: لَيْسَ المَعْنى بِواحِدٍ؛ لِأنَّ المُرادَ سَواءٌ عَلَيْنا أفَعَلْتَ هَذا الفِعْلَ الَّذِي هو الوَعْظُ أمْ لَمْ تَكُنْ أصْلًا مِن أهْلِهِ ومُباشَرَتِهِ، فَهو أبْلَغُ في قِلَّةِ اعْتِدادِهِمْ بِوَعْظِهِ مِن قَوْلِكَ أمْ لَمْ تَعِظْ، ثُمَّ احْتَجُّوا عَلى قِلَّةِ اكْتِراثِهِمْ بِكَلامِهِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿إنْ هَذا إلّا خُلُقُ الأوَّلِينَ﴾ فَمَن قَرَأ (? خَلْقُ الأوَّلِينَ ) بِالفَتْحِ فَمَعْناهُ أنَّ ما جِئْتَ بِهِ اخْتِلاقُ الأوَّلِينَ، وتَخَرُّصُهم كَما قالُوا: ﴿أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [الأنعام: ٢٥] أوْ ما خَلْقُنا هَذا إلّا خَلْقُ القُرُونِ الخالِيَةِ نَحْيا كَحَياتِهِمْ ونَمُوتُ كَمَماتِهِمْ ولا بَعْثَ ولا حِسابَ، ومَن قَرَأ ”خُلُقُ“ بِضَمَّتَيْنِ وبِواحِدَةٍ، فَمَعْناهُ ما هَذا الَّذِي نَحْنُ عَلَيْهِ مِنَ الدِّينِ إلّا خُلُقُ الأوَّلِينَ، وعادَتُهم كانُوا بِهِ يَدِينُونَ ونَحْنُ بِهِمْ مُقْتَدُونَ أوْ ما هَذا الَّذِي نَحْنُ عَلَيْهِ مِنَ الحَياةِ والمَوْتِ إلّا عادَةٌ لَمْ يَزَلْ عَلَيْها النّاسُ في قَدِيمِ الدَّهْرِ، أوْ ما هَذا الَّذِي جِئْتَ بِهِ مِنَ الكَذِبِ إلّا عادَةُ الأوَّلِينَ كانُوا يُلَفِّقُونَ مِثْلَهُ ويَسْطُرُونَهُ، ثُمَّ قالُوا: ﴿وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ أظْهَرُوا بِذَلِكَ تَقْوِيَةَ نُفُوسِهِمْ فِيما تَمَسَّكُوا بِهِ مِن إنْكارِ المَعادِ، فَعِنْدَ هَذا بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ أهْلَكَهم، وقَدْ سَبَقَ شَرْحُ كَيْفِيَّةِ الهَلاكِ في سائِرِ السُّوَرِ. واللَّهُ أعْلَمُ.

الشعراء 26:148

القِصَّةُ الرّابِعَةُ: قِصَّةُ هُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ صفحة ١٣٥ ﴿كَذَّبَتْ عادٌ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم هُودٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾ ﴿وتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكم تَخْلُدُونَ﴾ ﴿وإذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبّارِينَ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿واتَّقُوا الَّذِي أمَدَّكم بِما تَعْلَمُونَ﴾ ﴿أمَدَّكم بِأنْعامٍ وبَنِينَ﴾ ﴿وجَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿قالُوا سَواءٌ عَلَيْنا أوَعَظْتَ أمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الواعِظِينَ﴾ ﴿إنْ هَذا إلّا خُلُقُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأهْلَكْناهم إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَّبَتْ عادٌ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم هُودٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾ ﴿وتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكم تَخْلُدُونَ﴾ ﴿وإذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبّارِينَ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿واتَّقُوا الَّذِي أمَدَّكم بِما تَعْلَمُونَ﴾ ﴿أمَدَّكم بِأنْعامٍ وبَنِينَ﴾ ﴿وجَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿قالُوا سَواءٌ عَلَيْنا أوَعَظْتَ أمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الواعِظِينَ﴾ ﴿إنْ هَذا إلّا خُلُقُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأهْلَكْناهم إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ . اعْلَمْ أنَّ فاتِحَةَ هَذِهِ القِصَّةِ وفاتِحَةَ قِصَّةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ واحِدَةٌ فَلا فائِدَةَ في إعادَةِ التَّفْسِيرِ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ الأُمُورَ الَّتِي تَكَلَّمَ فِيها هُودٌ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَهم وهي ثَلاثَةٌ: فَأوَّلُها: قَوْلُهُ: ﴿أتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾ قُرِئَ ”بِكُلِّ رِيعٍ“ بِالكَسْرِ والفَتْحِ وهو المَكانُ المُرْتَفِعُ، ومِنهُ قَوْلُهُ: كَمْ رَيْعُ أرْضِكَ ؟ وهو ارْتِفاعُها، والآيَةُ العَلَمُ، ثُمَّ فِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهم كانُوا يَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ عَلَمًا يَعْبَثُونَ فِيهِ بِمَن يَمُرُّ في الطَّرِيقِ إلى هُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ. والثّانِي: أنَّهم كانُوا يَبْنُونَ في الأماكِنِ المُرْتَفِعَةِ لِيُعْرَفَ بِذَلِكَ غِناهم تَفاخُرًا فَنُهُوا عَنْهُ ونُسِبُوا إلى العَبَثِ. والثّالِثُ: أنَّهم كانُوا مِمَّنْ يَهْتَدُونَ بِالنُّجُومِ في أسْفارِهِمْ فاتَّخَذُوا في طَرِيقِهِمْ أعْلامًا طِوالًا فَكانَ ذَلِكَ عَبَثًا لِأنَّهم كانُوا مُسْتَغْنِينَ عَنْها بِالنُّجُومِ. الرّابِعُ: بَنَوْا بِكُلِّ رِيعٍ بُرُوجَ الحَمامِ. وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿وتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكم تَخْلُدُونَ﴾ المَصانِعُ مَآخِذُ الماءِ، وقِيلَ القُصُورُ المُشَيَّدَةُ والحُصُونُ ﴿لَعَلَّكم تَخْلُدُونَ﴾ تَرْجُونَ الخُلْدَ في الدُّنْيا أوْ يُشْبِهُ حالُكم حالَ مَن يَخْلُدُ، وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ: ”كَأنَّكم“، وقُرِئَ ”تُخْلَدُونَ“ بِضَمِّ التّاءِ مُخَفَّفًا ومُشَدَّدًا، واعْلَمْ أنَّ الأوَّلَ إنَّما صارَ مَذْمُومًا لِدَلالَتِهِ إمّا عَلى السَّرَفِ، أوْ عَلى الخُيَلاءِ. والثّانِي: إنَّما صارَ مَذْمُومًا لِدَلالَتِهِ عَلى الأمَلِ الطَّوِيلِ والغَفْلَةِ عَنْ أنَّ الدُّنْيا دارُ مَمَرٍّ لا دارُ مَقَرٍّ. وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿وإذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبّارِينَ﴾ بَيَّنَ أنَّهم مَعَ ذَلِكَ السَّرَفِ والحِرْصِ فَإنَّ مُعامَلَتَهم مَعَ غَيْرِهِمْ مُعامَلَةُ الجَبّارِينَ، وقَدْ بَيَّنّا في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ أنَّ هَذا الوَصْفَ في العِبادِ ذَمٌّ وإنْ كانَ في وصْفِ اللَّهِ تَعالى مَدْحًا فَكَأنَّ مَن يُقْدِمُ عَلى الغَيْرِ لا عَلى طَرِيقِ الحَقِّ ولَكِنْ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِعْلاءِ يُوصَفُ بِأنَّ بَطْشَهُ بَطْشُ جَبّارٍ، وحاصِلُ الأمْرِ في هَذِهِ الأُمُورِ الثَّلاثَةِ أنَّ اتِّخاذَ الأبْنِيَةِ العالِيَةِ، يَدُلُّ عَلى حُبِّ العُلُوِّ، واتِّخاذُ المَصانِعِ يَدُلُّ عَلى حُبِّ البَقاءِ، والجَبّارِيَّةُ تَدُلُّ عَلى حُبِّ التَّفَرُّدِ بِالعُلُوِّ، فَيَرْجِعُ الحاصِلُ إلى أنَّهم أحَبُّوا العُلُوَّ وبَقاءَ العُلُوِّ والتَّفَرُّدَ بِالعُلُوِّ. وهَذِهِ صِفاتُ الإلَهِيَّةِ، وهي مُمْتَنِعَةُ الحُصُولِ لِلْعَبْدِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ حُبَّ الدُّنْيا قَدِ اسْتَوْلى عَلَيْهِمْ بِحَيْثُ اسْتَغْرَقُوا فِيهِ صفحة ١٣٦ وخَرَجُوا عَنْ حَدِّ العُبُودِيَّةِ وحامُوا حَوْلَ ادِّعاءِ الرُّبُوبِيَّةِ، وكُلُّ ذَلِكَ يُنَبِّهُ عَلى أنَّ حُبَّ الدُّنْيا رَأْسُ كُلِّ خَطِيئَةٍ وعُنْوانُ كُلِّ كُفْرٍ ومَعْصِيَةٍ، ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ هُودٌ عَلَيْهِ السَّلامُ هَذِهِ الأشْياءَ قالَ: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ زِيادَةً في دُعائِهِمْ إلى الآخِرَةِ وزَجْرًا لَهم عَنْ حُبِّ الدُّنْيا والِاشْتِغالِ بِالسَّرَفِ والحِرْصِ والتَّجَبُّرِ، ثُمَّ وصَلَ بِهَذا الوَعْظِ ما يُؤَكِّدُ القَبُولَ وهو التَّنْبِيهُ عَلى نِعَمِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ بِالإجْمالِ أوَّلًا ثُمَّ التَّفْصِيلِ ثانِيًا فَأيْقَظَهم عَنْ سِنَةِ غَفْلَتِهِمْ عَنْها حَيْثُ قالَ: ﴿أمَدَّكم بِما تَعْلَمُونَ﴾ ثُمَّ فَصَّلَها مِن بَعْدُ بِقَوْلِهِ: ﴿أمَدَّكم بِأنْعامٍ وبَنِينَ﴾ ﴿وجَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ فَبَلَغَ في دُعائِهِمْ بِالوَعْظِ والتَّرْغِيبِ والتَّخْوِيفِ والبَيانِ النِّهايَةَ فَكانَ جَوابُهم ﴿سَواءٌ عَلَيْنا أوَعَظْتَ أمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الواعِظِينَ﴾ أظْهَرُوا قِلَّةَ اكْتِراثِهِمْ بِكَلامِهِ، واسْتِخْفافَهم بِما أوْرَدَهُ فَإنْ قِيلَ: لَوْ قالَ: أوَعَظْتَ أمْ لَمْ تَعِظْ كانَ أخْصَرَ والمَعْنى واحِدٌ. جَوابُهُ: لَيْسَ المَعْنى بِواحِدٍ؛ لِأنَّ المُرادَ سَواءٌ عَلَيْنا أفَعَلْتَ هَذا الفِعْلَ الَّذِي هو الوَعْظُ أمْ لَمْ تَكُنْ أصْلًا مِن أهْلِهِ ومُباشَرَتِهِ، فَهو أبْلَغُ في قِلَّةِ اعْتِدادِهِمْ بِوَعْظِهِ مِن قَوْلِكَ أمْ لَمْ تَعِظْ، ثُمَّ احْتَجُّوا عَلى قِلَّةِ اكْتِراثِهِمْ بِكَلامِهِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿إنْ هَذا إلّا خُلُقُ الأوَّلِينَ﴾ فَمَن قَرَأ (? خَلْقُ الأوَّلِينَ ) بِالفَتْحِ فَمَعْناهُ أنَّ ما جِئْتَ بِهِ اخْتِلاقُ الأوَّلِينَ، وتَخَرُّصُهم كَما قالُوا: ﴿أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [الأنعام: ٢٥] أوْ ما خَلْقُنا هَذا إلّا خَلْقُ القُرُونِ الخالِيَةِ نَحْيا كَحَياتِهِمْ ونَمُوتُ كَمَماتِهِمْ ولا بَعْثَ ولا حِسابَ، ومَن قَرَأ ”خُلُقُ“ بِضَمَّتَيْنِ وبِواحِدَةٍ، فَمَعْناهُ ما هَذا الَّذِي نَحْنُ عَلَيْهِ مِنَ الدِّينِ إلّا خُلُقُ الأوَّلِينَ، وعادَتُهم كانُوا بِهِ يَدِينُونَ ونَحْنُ بِهِمْ مُقْتَدُونَ أوْ ما هَذا الَّذِي نَحْنُ عَلَيْهِ مِنَ الحَياةِ والمَوْتِ إلّا عادَةٌ لَمْ يَزَلْ عَلَيْها النّاسُ في قَدِيمِ الدَّهْرِ، أوْ ما هَذا الَّذِي جِئْتَ بِهِ مِنَ الكَذِبِ إلّا عادَةُ الأوَّلِينَ كانُوا يُلَفِّقُونَ مِثْلَهُ ويَسْطُرُونَهُ، ثُمَّ قالُوا: ﴿وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ أظْهَرُوا بِذَلِكَ تَقْوِيَةَ نُفُوسِهِمْ فِيما تَمَسَّكُوا بِهِ مِن إنْكارِ المَعادِ، فَعِنْدَ هَذا بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ أهْلَكَهم، وقَدْ سَبَقَ شَرْحُ كَيْفِيَّةِ الهَلاكِ في سائِرِ السُّوَرِ. واللَّهُ أعْلَمُ.

الشعراء 26:149

القِصَّةُ الرّابِعَةُ: قِصَّةُ هُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ صفحة ١٣٥ ﴿كَذَّبَتْ عادٌ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم هُودٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾ ﴿وتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكم تَخْلُدُونَ﴾ ﴿وإذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبّارِينَ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿واتَّقُوا الَّذِي أمَدَّكم بِما تَعْلَمُونَ﴾ ﴿أمَدَّكم بِأنْعامٍ وبَنِينَ﴾ ﴿وجَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿قالُوا سَواءٌ عَلَيْنا أوَعَظْتَ أمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الواعِظِينَ﴾ ﴿إنْ هَذا إلّا خُلُقُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأهْلَكْناهم إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَّبَتْ عادٌ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم هُودٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾ ﴿وتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكم تَخْلُدُونَ﴾ ﴿وإذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبّارِينَ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿واتَّقُوا الَّذِي أمَدَّكم بِما تَعْلَمُونَ﴾ ﴿أمَدَّكم بِأنْعامٍ وبَنِينَ﴾ ﴿وجَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿قالُوا سَواءٌ عَلَيْنا أوَعَظْتَ أمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الواعِظِينَ﴾ ﴿إنْ هَذا إلّا خُلُقُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأهْلَكْناهم إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ . اعْلَمْ أنَّ فاتِحَةَ هَذِهِ القِصَّةِ وفاتِحَةَ قِصَّةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ واحِدَةٌ فَلا فائِدَةَ في إعادَةِ التَّفْسِيرِ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ الأُمُورَ الَّتِي تَكَلَّمَ فِيها هُودٌ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَهم وهي ثَلاثَةٌ: فَأوَّلُها: قَوْلُهُ: ﴿أتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾ قُرِئَ ”بِكُلِّ رِيعٍ“ بِالكَسْرِ والفَتْحِ وهو المَكانُ المُرْتَفِعُ، ومِنهُ قَوْلُهُ: كَمْ رَيْعُ أرْضِكَ ؟ وهو ارْتِفاعُها، والآيَةُ العَلَمُ، ثُمَّ فِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهم كانُوا يَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ عَلَمًا يَعْبَثُونَ فِيهِ بِمَن يَمُرُّ في الطَّرِيقِ إلى هُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ. والثّانِي: أنَّهم كانُوا يَبْنُونَ في الأماكِنِ المُرْتَفِعَةِ لِيُعْرَفَ بِذَلِكَ غِناهم تَفاخُرًا فَنُهُوا عَنْهُ ونُسِبُوا إلى العَبَثِ. والثّالِثُ: أنَّهم كانُوا مِمَّنْ يَهْتَدُونَ بِالنُّجُومِ في أسْفارِهِمْ فاتَّخَذُوا في طَرِيقِهِمْ أعْلامًا طِوالًا فَكانَ ذَلِكَ عَبَثًا لِأنَّهم كانُوا مُسْتَغْنِينَ عَنْها بِالنُّجُومِ. الرّابِعُ: بَنَوْا بِكُلِّ رِيعٍ بُرُوجَ الحَمامِ. وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿وتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكم تَخْلُدُونَ﴾ المَصانِعُ مَآخِذُ الماءِ، وقِيلَ القُصُورُ المُشَيَّدَةُ والحُصُونُ ﴿لَعَلَّكم تَخْلُدُونَ﴾ تَرْجُونَ الخُلْدَ في الدُّنْيا أوْ يُشْبِهُ حالُكم حالَ مَن يَخْلُدُ، وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ: ”كَأنَّكم“، وقُرِئَ ”تُخْلَدُونَ“ بِضَمِّ التّاءِ مُخَفَّفًا ومُشَدَّدًا، واعْلَمْ أنَّ الأوَّلَ إنَّما صارَ مَذْمُومًا لِدَلالَتِهِ إمّا عَلى السَّرَفِ، أوْ عَلى الخُيَلاءِ. والثّانِي: إنَّما صارَ مَذْمُومًا لِدَلالَتِهِ عَلى الأمَلِ الطَّوِيلِ والغَفْلَةِ عَنْ أنَّ الدُّنْيا دارُ مَمَرٍّ لا دارُ مَقَرٍّ. وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿وإذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبّارِينَ﴾ بَيَّنَ أنَّهم مَعَ ذَلِكَ السَّرَفِ والحِرْصِ فَإنَّ مُعامَلَتَهم مَعَ غَيْرِهِمْ مُعامَلَةُ الجَبّارِينَ، وقَدْ بَيَّنّا في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ أنَّ هَذا الوَصْفَ في العِبادِ ذَمٌّ وإنْ كانَ في وصْفِ اللَّهِ تَعالى مَدْحًا فَكَأنَّ مَن يُقْدِمُ عَلى الغَيْرِ لا عَلى طَرِيقِ الحَقِّ ولَكِنْ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِعْلاءِ يُوصَفُ بِأنَّ بَطْشَهُ بَطْشُ جَبّارٍ، وحاصِلُ الأمْرِ في هَذِهِ الأُمُورِ الثَّلاثَةِ أنَّ اتِّخاذَ الأبْنِيَةِ العالِيَةِ، يَدُلُّ عَلى حُبِّ العُلُوِّ، واتِّخاذُ المَصانِعِ يَدُلُّ عَلى حُبِّ البَقاءِ، والجَبّارِيَّةُ تَدُلُّ عَلى حُبِّ التَّفَرُّدِ بِالعُلُوِّ، فَيَرْجِعُ الحاصِلُ إلى أنَّهم أحَبُّوا العُلُوَّ وبَقاءَ العُلُوِّ والتَّفَرُّدَ بِالعُلُوِّ. وهَذِهِ صِفاتُ الإلَهِيَّةِ، وهي مُمْتَنِعَةُ الحُصُولِ لِلْعَبْدِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ حُبَّ الدُّنْيا قَدِ اسْتَوْلى عَلَيْهِمْ بِحَيْثُ اسْتَغْرَقُوا فِيهِ صفحة ١٣٦ وخَرَجُوا عَنْ حَدِّ العُبُودِيَّةِ وحامُوا حَوْلَ ادِّعاءِ الرُّبُوبِيَّةِ، وكُلُّ ذَلِكَ يُنَبِّهُ عَلى أنَّ حُبَّ الدُّنْيا رَأْسُ كُلِّ خَطِيئَةٍ وعُنْوانُ كُلِّ كُفْرٍ ومَعْصِيَةٍ، ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ هُودٌ عَلَيْهِ السَّلامُ هَذِهِ الأشْياءَ قالَ: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ زِيادَةً في دُعائِهِمْ إلى الآخِرَةِ وزَجْرًا لَهم عَنْ حُبِّ الدُّنْيا والِاشْتِغالِ بِالسَّرَفِ والحِرْصِ والتَّجَبُّرِ، ثُمَّ وصَلَ بِهَذا الوَعْظِ ما يُؤَكِّدُ القَبُولَ وهو التَّنْبِيهُ عَلى نِعَمِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ بِالإجْمالِ أوَّلًا ثُمَّ التَّفْصِيلِ ثانِيًا فَأيْقَظَهم عَنْ سِنَةِ غَفْلَتِهِمْ عَنْها حَيْثُ قالَ: ﴿أمَدَّكم بِما تَعْلَمُونَ﴾ ثُمَّ فَصَّلَها مِن بَعْدُ بِقَوْلِهِ: ﴿أمَدَّكم بِأنْعامٍ وبَنِينَ﴾ ﴿وجَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ فَبَلَغَ في دُعائِهِمْ بِالوَعْظِ والتَّرْغِيبِ والتَّخْوِيفِ والبَيانِ النِّهايَةَ فَكانَ جَوابُهم ﴿سَواءٌ عَلَيْنا أوَعَظْتَ أمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الواعِظِينَ﴾ أظْهَرُوا قِلَّةَ اكْتِراثِهِمْ بِكَلامِهِ، واسْتِخْفافَهم بِما أوْرَدَهُ فَإنْ قِيلَ: لَوْ قالَ: أوَعَظْتَ أمْ لَمْ تَعِظْ كانَ أخْصَرَ والمَعْنى واحِدٌ. جَوابُهُ: لَيْسَ المَعْنى بِواحِدٍ؛ لِأنَّ المُرادَ سَواءٌ عَلَيْنا أفَعَلْتَ هَذا الفِعْلَ الَّذِي هو الوَعْظُ أمْ لَمْ تَكُنْ أصْلًا مِن أهْلِهِ ومُباشَرَتِهِ، فَهو أبْلَغُ في قِلَّةِ اعْتِدادِهِمْ بِوَعْظِهِ مِن قَوْلِكَ أمْ لَمْ تَعِظْ، ثُمَّ احْتَجُّوا عَلى قِلَّةِ اكْتِراثِهِمْ بِكَلامِهِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿إنْ هَذا إلّا خُلُقُ الأوَّلِينَ﴾ فَمَن قَرَأ (? خَلْقُ الأوَّلِينَ ) بِالفَتْحِ فَمَعْناهُ أنَّ ما جِئْتَ بِهِ اخْتِلاقُ الأوَّلِينَ، وتَخَرُّصُهم كَما قالُوا: ﴿أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [الأنعام: ٢٥] أوْ ما خَلْقُنا هَذا إلّا خَلْقُ القُرُونِ الخالِيَةِ نَحْيا كَحَياتِهِمْ ونَمُوتُ كَمَماتِهِمْ ولا بَعْثَ ولا حِسابَ، ومَن قَرَأ ”خُلُقُ“ بِضَمَّتَيْنِ وبِواحِدَةٍ، فَمَعْناهُ ما هَذا الَّذِي نَحْنُ عَلَيْهِ مِنَ الدِّينِ إلّا خُلُقُ الأوَّلِينَ، وعادَتُهم كانُوا بِهِ يَدِينُونَ ونَحْنُ بِهِمْ مُقْتَدُونَ أوْ ما هَذا الَّذِي نَحْنُ عَلَيْهِ مِنَ الحَياةِ والمَوْتِ إلّا عادَةٌ لَمْ يَزَلْ عَلَيْها النّاسُ في قَدِيمِ الدَّهْرِ، أوْ ما هَذا الَّذِي جِئْتَ بِهِ مِنَ الكَذِبِ إلّا عادَةُ الأوَّلِينَ كانُوا يُلَفِّقُونَ مِثْلَهُ ويَسْطُرُونَهُ، ثُمَّ قالُوا: ﴿وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ أظْهَرُوا بِذَلِكَ تَقْوِيَةَ نُفُوسِهِمْ فِيما تَمَسَّكُوا بِهِ مِن إنْكارِ المَعادِ، فَعِنْدَ هَذا بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ أهْلَكَهم، وقَدْ سَبَقَ شَرْحُ كَيْفِيَّةِ الهَلاكِ في سائِرِ السُّوَرِ. واللَّهُ أعْلَمُ.

الشعراء 26:150

القِصَّةُ الرّابِعَةُ: قِصَّةُ هُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ صفحة ١٣٥ ﴿كَذَّبَتْ عادٌ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم هُودٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾ ﴿وتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكم تَخْلُدُونَ﴾ ﴿وإذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبّارِينَ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿واتَّقُوا الَّذِي أمَدَّكم بِما تَعْلَمُونَ﴾ ﴿أمَدَّكم بِأنْعامٍ وبَنِينَ﴾ ﴿وجَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿قالُوا سَواءٌ عَلَيْنا أوَعَظْتَ أمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الواعِظِينَ﴾ ﴿إنْ هَذا إلّا خُلُقُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأهْلَكْناهم إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَّبَتْ عادٌ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم هُودٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾ ﴿وتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكم تَخْلُدُونَ﴾ ﴿وإذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبّارِينَ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿واتَّقُوا الَّذِي أمَدَّكم بِما تَعْلَمُونَ﴾ ﴿أمَدَّكم بِأنْعامٍ وبَنِينَ﴾ ﴿وجَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿قالُوا سَواءٌ عَلَيْنا أوَعَظْتَ أمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الواعِظِينَ﴾ ﴿إنْ هَذا إلّا خُلُقُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأهْلَكْناهم إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ . اعْلَمْ أنَّ فاتِحَةَ هَذِهِ القِصَّةِ وفاتِحَةَ قِصَّةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ واحِدَةٌ فَلا فائِدَةَ في إعادَةِ التَّفْسِيرِ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ الأُمُورَ الَّتِي تَكَلَّمَ فِيها هُودٌ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَهم وهي ثَلاثَةٌ: فَأوَّلُها: قَوْلُهُ: ﴿أتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾ قُرِئَ ”بِكُلِّ رِيعٍ“ بِالكَسْرِ والفَتْحِ وهو المَكانُ المُرْتَفِعُ، ومِنهُ قَوْلُهُ: كَمْ رَيْعُ أرْضِكَ ؟ وهو ارْتِفاعُها، والآيَةُ العَلَمُ، ثُمَّ فِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهم كانُوا يَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ عَلَمًا يَعْبَثُونَ فِيهِ بِمَن يَمُرُّ في الطَّرِيقِ إلى هُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ. والثّانِي: أنَّهم كانُوا يَبْنُونَ في الأماكِنِ المُرْتَفِعَةِ لِيُعْرَفَ بِذَلِكَ غِناهم تَفاخُرًا فَنُهُوا عَنْهُ ونُسِبُوا إلى العَبَثِ. والثّالِثُ: أنَّهم كانُوا مِمَّنْ يَهْتَدُونَ بِالنُّجُومِ في أسْفارِهِمْ فاتَّخَذُوا في طَرِيقِهِمْ أعْلامًا طِوالًا فَكانَ ذَلِكَ عَبَثًا لِأنَّهم كانُوا مُسْتَغْنِينَ عَنْها بِالنُّجُومِ. الرّابِعُ: بَنَوْا بِكُلِّ رِيعٍ بُرُوجَ الحَمامِ. وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿وتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكم تَخْلُدُونَ﴾ المَصانِعُ مَآخِذُ الماءِ، وقِيلَ القُصُورُ المُشَيَّدَةُ والحُصُونُ ﴿لَعَلَّكم تَخْلُدُونَ﴾ تَرْجُونَ الخُلْدَ في الدُّنْيا أوْ يُشْبِهُ حالُكم حالَ مَن يَخْلُدُ، وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ: ”كَأنَّكم“، وقُرِئَ ”تُخْلَدُونَ“ بِضَمِّ التّاءِ مُخَفَّفًا ومُشَدَّدًا، واعْلَمْ أنَّ الأوَّلَ إنَّما صارَ مَذْمُومًا لِدَلالَتِهِ إمّا عَلى السَّرَفِ، أوْ عَلى الخُيَلاءِ. والثّانِي: إنَّما صارَ مَذْمُومًا لِدَلالَتِهِ عَلى الأمَلِ الطَّوِيلِ والغَفْلَةِ عَنْ أنَّ الدُّنْيا دارُ مَمَرٍّ لا دارُ مَقَرٍّ. وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿وإذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبّارِينَ﴾ بَيَّنَ أنَّهم مَعَ ذَلِكَ السَّرَفِ والحِرْصِ فَإنَّ مُعامَلَتَهم مَعَ غَيْرِهِمْ مُعامَلَةُ الجَبّارِينَ، وقَدْ بَيَّنّا في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ أنَّ هَذا الوَصْفَ في العِبادِ ذَمٌّ وإنْ كانَ في وصْفِ اللَّهِ تَعالى مَدْحًا فَكَأنَّ مَن يُقْدِمُ عَلى الغَيْرِ لا عَلى طَرِيقِ الحَقِّ ولَكِنْ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِعْلاءِ يُوصَفُ بِأنَّ بَطْشَهُ بَطْشُ جَبّارٍ، وحاصِلُ الأمْرِ في هَذِهِ الأُمُورِ الثَّلاثَةِ أنَّ اتِّخاذَ الأبْنِيَةِ العالِيَةِ، يَدُلُّ عَلى حُبِّ العُلُوِّ، واتِّخاذُ المَصانِعِ يَدُلُّ عَلى حُبِّ البَقاءِ، والجَبّارِيَّةُ تَدُلُّ عَلى حُبِّ التَّفَرُّدِ بِالعُلُوِّ، فَيَرْجِعُ الحاصِلُ إلى أنَّهم أحَبُّوا العُلُوَّ وبَقاءَ العُلُوِّ والتَّفَرُّدَ بِالعُلُوِّ. وهَذِهِ صِفاتُ الإلَهِيَّةِ، وهي مُمْتَنِعَةُ الحُصُولِ لِلْعَبْدِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ حُبَّ الدُّنْيا قَدِ اسْتَوْلى عَلَيْهِمْ بِحَيْثُ اسْتَغْرَقُوا فِيهِ صفحة ١٣٦ وخَرَجُوا عَنْ حَدِّ العُبُودِيَّةِ وحامُوا حَوْلَ ادِّعاءِ الرُّبُوبِيَّةِ، وكُلُّ ذَلِكَ يُنَبِّهُ عَلى أنَّ حُبَّ الدُّنْيا رَأْسُ كُلِّ خَطِيئَةٍ وعُنْوانُ كُلِّ كُفْرٍ ومَعْصِيَةٍ، ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ هُودٌ عَلَيْهِ السَّلامُ هَذِهِ الأشْياءَ قالَ: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ زِيادَةً في دُعائِهِمْ إلى الآخِرَةِ وزَجْرًا لَهم عَنْ حُبِّ الدُّنْيا والِاشْتِغالِ بِالسَّرَفِ والحِرْصِ والتَّجَبُّرِ، ثُمَّ وصَلَ بِهَذا الوَعْظِ ما يُؤَكِّدُ القَبُولَ وهو التَّنْبِيهُ عَلى نِعَمِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ بِالإجْمالِ أوَّلًا ثُمَّ التَّفْصِيلِ ثانِيًا فَأيْقَظَهم عَنْ سِنَةِ غَفْلَتِهِمْ عَنْها حَيْثُ قالَ: ﴿أمَدَّكم بِما تَعْلَمُونَ﴾ ثُمَّ فَصَّلَها مِن بَعْدُ بِقَوْلِهِ: ﴿أمَدَّكم بِأنْعامٍ وبَنِينَ﴾ ﴿وجَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ فَبَلَغَ في دُعائِهِمْ بِالوَعْظِ والتَّرْغِيبِ والتَّخْوِيفِ والبَيانِ النِّهايَةَ فَكانَ جَوابُهم ﴿سَواءٌ عَلَيْنا أوَعَظْتَ أمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الواعِظِينَ﴾ أظْهَرُوا قِلَّةَ اكْتِراثِهِمْ بِكَلامِهِ، واسْتِخْفافَهم بِما أوْرَدَهُ فَإنْ قِيلَ: لَوْ قالَ: أوَعَظْتَ أمْ لَمْ تَعِظْ كانَ أخْصَرَ والمَعْنى واحِدٌ. جَوابُهُ: لَيْسَ المَعْنى بِواحِدٍ؛ لِأنَّ المُرادَ سَواءٌ عَلَيْنا أفَعَلْتَ هَذا الفِعْلَ الَّذِي هو الوَعْظُ أمْ لَمْ تَكُنْ أصْلًا مِن أهْلِهِ ومُباشَرَتِهِ، فَهو أبْلَغُ في قِلَّةِ اعْتِدادِهِمْ بِوَعْظِهِ مِن قَوْلِكَ أمْ لَمْ تَعِظْ، ثُمَّ احْتَجُّوا عَلى قِلَّةِ اكْتِراثِهِمْ بِكَلامِهِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿إنْ هَذا إلّا خُلُقُ الأوَّلِينَ﴾ فَمَن قَرَأ (? خَلْقُ الأوَّلِينَ ) بِالفَتْحِ فَمَعْناهُ أنَّ ما جِئْتَ بِهِ اخْتِلاقُ الأوَّلِينَ، وتَخَرُّصُهم كَما قالُوا: ﴿أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [الأنعام: ٢٥] أوْ ما خَلْقُنا هَذا إلّا خَلْقُ القُرُونِ الخالِيَةِ نَحْيا كَحَياتِهِمْ ونَمُوتُ كَمَماتِهِمْ ولا بَعْثَ ولا حِسابَ، ومَن قَرَأ ”خُلُقُ“ بِضَمَّتَيْنِ وبِواحِدَةٍ، فَمَعْناهُ ما هَذا الَّذِي نَحْنُ عَلَيْهِ مِنَ الدِّينِ إلّا خُلُقُ الأوَّلِينَ، وعادَتُهم كانُوا بِهِ يَدِينُونَ ونَحْنُ بِهِمْ مُقْتَدُونَ أوْ ما هَذا الَّذِي نَحْنُ عَلَيْهِ مِنَ الحَياةِ والمَوْتِ إلّا عادَةٌ لَمْ يَزَلْ عَلَيْها النّاسُ في قَدِيمِ الدَّهْرِ، أوْ ما هَذا الَّذِي جِئْتَ بِهِ مِنَ الكَذِبِ إلّا عادَةُ الأوَّلِينَ كانُوا يُلَفِّقُونَ مِثْلَهُ ويَسْطُرُونَهُ، ثُمَّ قالُوا: ﴿وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ أظْهَرُوا بِذَلِكَ تَقْوِيَةَ نُفُوسِهِمْ فِيما تَمَسَّكُوا بِهِ مِن إنْكارِ المَعادِ، فَعِنْدَ هَذا بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ أهْلَكَهم، وقَدْ سَبَقَ شَرْحُ كَيْفِيَّةِ الهَلاكِ في سائِرِ السُّوَرِ. واللَّهُ أعْلَمُ.

الشعراء 26:151

القِصَّةُ الرّابِعَةُ: قِصَّةُ هُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ صفحة ١٣٥ ﴿كَذَّبَتْ عادٌ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم هُودٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾ ﴿وتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكم تَخْلُدُونَ﴾ ﴿وإذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبّارِينَ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿واتَّقُوا الَّذِي أمَدَّكم بِما تَعْلَمُونَ﴾ ﴿أمَدَّكم بِأنْعامٍ وبَنِينَ﴾ ﴿وجَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿قالُوا سَواءٌ عَلَيْنا أوَعَظْتَ أمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الواعِظِينَ﴾ ﴿إنْ هَذا إلّا خُلُقُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأهْلَكْناهم إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَّبَتْ عادٌ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم هُودٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾ ﴿وتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكم تَخْلُدُونَ﴾ ﴿وإذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبّارِينَ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿واتَّقُوا الَّذِي أمَدَّكم بِما تَعْلَمُونَ﴾ ﴿أمَدَّكم بِأنْعامٍ وبَنِينَ﴾ ﴿وجَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿قالُوا سَواءٌ عَلَيْنا أوَعَظْتَ أمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الواعِظِينَ﴾ ﴿إنْ هَذا إلّا خُلُقُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأهْلَكْناهم إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ . اعْلَمْ أنَّ فاتِحَةَ هَذِهِ القِصَّةِ وفاتِحَةَ قِصَّةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ واحِدَةٌ فَلا فائِدَةَ في إعادَةِ التَّفْسِيرِ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ الأُمُورَ الَّتِي تَكَلَّمَ فِيها هُودٌ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَهم وهي ثَلاثَةٌ: فَأوَّلُها: قَوْلُهُ: ﴿أتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾ قُرِئَ ”بِكُلِّ رِيعٍ“ بِالكَسْرِ والفَتْحِ وهو المَكانُ المُرْتَفِعُ، ومِنهُ قَوْلُهُ: كَمْ رَيْعُ أرْضِكَ ؟ وهو ارْتِفاعُها، والآيَةُ العَلَمُ، ثُمَّ فِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهم كانُوا يَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ عَلَمًا يَعْبَثُونَ فِيهِ بِمَن يَمُرُّ في الطَّرِيقِ إلى هُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ. والثّانِي: أنَّهم كانُوا يَبْنُونَ في الأماكِنِ المُرْتَفِعَةِ لِيُعْرَفَ بِذَلِكَ غِناهم تَفاخُرًا فَنُهُوا عَنْهُ ونُسِبُوا إلى العَبَثِ. والثّالِثُ: أنَّهم كانُوا مِمَّنْ يَهْتَدُونَ بِالنُّجُومِ في أسْفارِهِمْ فاتَّخَذُوا في طَرِيقِهِمْ أعْلامًا طِوالًا فَكانَ ذَلِكَ عَبَثًا لِأنَّهم كانُوا مُسْتَغْنِينَ عَنْها بِالنُّجُومِ. الرّابِعُ: بَنَوْا بِكُلِّ رِيعٍ بُرُوجَ الحَمامِ. وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿وتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكم تَخْلُدُونَ﴾ المَصانِعُ مَآخِذُ الماءِ، وقِيلَ القُصُورُ المُشَيَّدَةُ والحُصُونُ ﴿لَعَلَّكم تَخْلُدُونَ﴾ تَرْجُونَ الخُلْدَ في الدُّنْيا أوْ يُشْبِهُ حالُكم حالَ مَن يَخْلُدُ، وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ: ”كَأنَّكم“، وقُرِئَ ”تُخْلَدُونَ“ بِضَمِّ التّاءِ مُخَفَّفًا ومُشَدَّدًا، واعْلَمْ أنَّ الأوَّلَ إنَّما صارَ مَذْمُومًا لِدَلالَتِهِ إمّا عَلى السَّرَفِ، أوْ عَلى الخُيَلاءِ. والثّانِي: إنَّما صارَ مَذْمُومًا لِدَلالَتِهِ عَلى الأمَلِ الطَّوِيلِ والغَفْلَةِ عَنْ أنَّ الدُّنْيا دارُ مَمَرٍّ لا دارُ مَقَرٍّ. وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿وإذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبّارِينَ﴾ بَيَّنَ أنَّهم مَعَ ذَلِكَ السَّرَفِ والحِرْصِ فَإنَّ مُعامَلَتَهم مَعَ غَيْرِهِمْ مُعامَلَةُ الجَبّارِينَ، وقَدْ بَيَّنّا في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ أنَّ هَذا الوَصْفَ في العِبادِ ذَمٌّ وإنْ كانَ في وصْفِ اللَّهِ تَعالى مَدْحًا فَكَأنَّ مَن يُقْدِمُ عَلى الغَيْرِ لا عَلى طَرِيقِ الحَقِّ ولَكِنْ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِعْلاءِ يُوصَفُ بِأنَّ بَطْشَهُ بَطْشُ جَبّارٍ، وحاصِلُ الأمْرِ في هَذِهِ الأُمُورِ الثَّلاثَةِ أنَّ اتِّخاذَ الأبْنِيَةِ العالِيَةِ، يَدُلُّ عَلى حُبِّ العُلُوِّ، واتِّخاذُ المَصانِعِ يَدُلُّ عَلى حُبِّ البَقاءِ، والجَبّارِيَّةُ تَدُلُّ عَلى حُبِّ التَّفَرُّدِ بِالعُلُوِّ، فَيَرْجِعُ الحاصِلُ إلى أنَّهم أحَبُّوا العُلُوَّ وبَقاءَ العُلُوِّ والتَّفَرُّدَ بِالعُلُوِّ. وهَذِهِ صِفاتُ الإلَهِيَّةِ، وهي مُمْتَنِعَةُ الحُصُولِ لِلْعَبْدِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ حُبَّ الدُّنْيا قَدِ اسْتَوْلى عَلَيْهِمْ بِحَيْثُ اسْتَغْرَقُوا فِيهِ صفحة ١٣٦ وخَرَجُوا عَنْ حَدِّ العُبُودِيَّةِ وحامُوا حَوْلَ ادِّعاءِ الرُّبُوبِيَّةِ، وكُلُّ ذَلِكَ يُنَبِّهُ عَلى أنَّ حُبَّ الدُّنْيا رَأْسُ كُلِّ خَطِيئَةٍ وعُنْوانُ كُلِّ كُفْرٍ ومَعْصِيَةٍ، ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ هُودٌ عَلَيْهِ السَّلامُ هَذِهِ الأشْياءَ قالَ: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ زِيادَةً في دُعائِهِمْ إلى الآخِرَةِ وزَجْرًا لَهم عَنْ حُبِّ الدُّنْيا والِاشْتِغالِ بِالسَّرَفِ والحِرْصِ والتَّجَبُّرِ، ثُمَّ وصَلَ بِهَذا الوَعْظِ ما يُؤَكِّدُ القَبُولَ وهو التَّنْبِيهُ عَلى نِعَمِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ بِالإجْمالِ أوَّلًا ثُمَّ التَّفْصِيلِ ثانِيًا فَأيْقَظَهم عَنْ سِنَةِ غَفْلَتِهِمْ عَنْها حَيْثُ قالَ: ﴿أمَدَّكم بِما تَعْلَمُونَ﴾ ثُمَّ فَصَّلَها مِن بَعْدُ بِقَوْلِهِ: ﴿أمَدَّكم بِأنْعامٍ وبَنِينَ﴾ ﴿وجَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ فَبَلَغَ في دُعائِهِمْ بِالوَعْظِ والتَّرْغِيبِ والتَّخْوِيفِ والبَيانِ النِّهايَةَ فَكانَ جَوابُهم ﴿سَواءٌ عَلَيْنا أوَعَظْتَ أمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الواعِظِينَ﴾ أظْهَرُوا قِلَّةَ اكْتِراثِهِمْ بِكَلامِهِ، واسْتِخْفافَهم بِما أوْرَدَهُ فَإنْ قِيلَ: لَوْ قالَ: أوَعَظْتَ أمْ لَمْ تَعِظْ كانَ أخْصَرَ والمَعْنى واحِدٌ. جَوابُهُ: لَيْسَ المَعْنى بِواحِدٍ؛ لِأنَّ المُرادَ سَواءٌ عَلَيْنا أفَعَلْتَ هَذا الفِعْلَ الَّذِي هو الوَعْظُ أمْ لَمْ تَكُنْ أصْلًا مِن أهْلِهِ ومُباشَرَتِهِ، فَهو أبْلَغُ في قِلَّةِ اعْتِدادِهِمْ بِوَعْظِهِ مِن قَوْلِكَ أمْ لَمْ تَعِظْ، ثُمَّ احْتَجُّوا عَلى قِلَّةِ اكْتِراثِهِمْ بِكَلامِهِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿إنْ هَذا إلّا خُلُقُ الأوَّلِينَ﴾ فَمَن قَرَأ (? خَلْقُ الأوَّلِينَ ) بِالفَتْحِ فَمَعْناهُ أنَّ ما جِئْتَ بِهِ اخْتِلاقُ الأوَّلِينَ، وتَخَرُّصُهم كَما قالُوا: ﴿أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [الأنعام: ٢٥] أوْ ما خَلْقُنا هَذا إلّا خَلْقُ القُرُونِ الخالِيَةِ نَحْيا كَحَياتِهِمْ ونَمُوتُ كَمَماتِهِمْ ولا بَعْثَ ولا حِسابَ، ومَن قَرَأ ”خُلُقُ“ بِضَمَّتَيْنِ وبِواحِدَةٍ، فَمَعْناهُ ما هَذا الَّذِي نَحْنُ عَلَيْهِ مِنَ الدِّينِ إلّا خُلُقُ الأوَّلِينَ، وعادَتُهم كانُوا بِهِ يَدِينُونَ ونَحْنُ بِهِمْ مُقْتَدُونَ أوْ ما هَذا الَّذِي نَحْنُ عَلَيْهِ مِنَ الحَياةِ والمَوْتِ إلّا عادَةٌ لَمْ يَزَلْ عَلَيْها النّاسُ في قَدِيمِ الدَّهْرِ، أوْ ما هَذا الَّذِي جِئْتَ بِهِ مِنَ الكَذِبِ إلّا عادَةُ الأوَّلِينَ كانُوا يُلَفِّقُونَ مِثْلَهُ ويَسْطُرُونَهُ، ثُمَّ قالُوا: ﴿وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ أظْهَرُوا بِذَلِكَ تَقْوِيَةَ نُفُوسِهِمْ فِيما تَمَسَّكُوا بِهِ مِن إنْكارِ المَعادِ، فَعِنْدَ هَذا بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ أهْلَكَهم، وقَدْ سَبَقَ شَرْحُ كَيْفِيَّةِ الهَلاكِ في سائِرِ السُّوَرِ. واللَّهُ أعْلَمُ.

الشعراء 26:152

القِصَّةُ الرّابِعَةُ: قِصَّةُ هُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ صفحة ١٣٥ ﴿كَذَّبَتْ عادٌ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم هُودٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾ ﴿وتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكم تَخْلُدُونَ﴾ ﴿وإذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبّارِينَ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿واتَّقُوا الَّذِي أمَدَّكم بِما تَعْلَمُونَ﴾ ﴿أمَدَّكم بِأنْعامٍ وبَنِينَ﴾ ﴿وجَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿قالُوا سَواءٌ عَلَيْنا أوَعَظْتَ أمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الواعِظِينَ﴾ ﴿إنْ هَذا إلّا خُلُقُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأهْلَكْناهم إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَّبَتْ عادٌ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم هُودٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾ ﴿وتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكم تَخْلُدُونَ﴾ ﴿وإذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبّارِينَ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿واتَّقُوا الَّذِي أمَدَّكم بِما تَعْلَمُونَ﴾ ﴿أمَدَّكم بِأنْعامٍ وبَنِينَ﴾ ﴿وجَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿قالُوا سَواءٌ عَلَيْنا أوَعَظْتَ أمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الواعِظِينَ﴾ ﴿إنْ هَذا إلّا خُلُقُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأهْلَكْناهم إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ . اعْلَمْ أنَّ فاتِحَةَ هَذِهِ القِصَّةِ وفاتِحَةَ قِصَّةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ واحِدَةٌ فَلا فائِدَةَ في إعادَةِ التَّفْسِيرِ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ الأُمُورَ الَّتِي تَكَلَّمَ فِيها هُودٌ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَهم وهي ثَلاثَةٌ: فَأوَّلُها: قَوْلُهُ: ﴿أتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾ قُرِئَ ”بِكُلِّ رِيعٍ“ بِالكَسْرِ والفَتْحِ وهو المَكانُ المُرْتَفِعُ، ومِنهُ قَوْلُهُ: كَمْ رَيْعُ أرْضِكَ ؟ وهو ارْتِفاعُها، والآيَةُ العَلَمُ، ثُمَّ فِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهم كانُوا يَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ عَلَمًا يَعْبَثُونَ فِيهِ بِمَن يَمُرُّ في الطَّرِيقِ إلى هُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ. والثّانِي: أنَّهم كانُوا يَبْنُونَ في الأماكِنِ المُرْتَفِعَةِ لِيُعْرَفَ بِذَلِكَ غِناهم تَفاخُرًا فَنُهُوا عَنْهُ ونُسِبُوا إلى العَبَثِ. والثّالِثُ: أنَّهم كانُوا مِمَّنْ يَهْتَدُونَ بِالنُّجُومِ في أسْفارِهِمْ فاتَّخَذُوا في طَرِيقِهِمْ أعْلامًا طِوالًا فَكانَ ذَلِكَ عَبَثًا لِأنَّهم كانُوا مُسْتَغْنِينَ عَنْها بِالنُّجُومِ. الرّابِعُ: بَنَوْا بِكُلِّ رِيعٍ بُرُوجَ الحَمامِ. وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿وتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكم تَخْلُدُونَ﴾ المَصانِعُ مَآخِذُ الماءِ، وقِيلَ القُصُورُ المُشَيَّدَةُ والحُصُونُ ﴿لَعَلَّكم تَخْلُدُونَ﴾ تَرْجُونَ الخُلْدَ في الدُّنْيا أوْ يُشْبِهُ حالُكم حالَ مَن يَخْلُدُ، وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ: ”كَأنَّكم“، وقُرِئَ ”تُخْلَدُونَ“ بِضَمِّ التّاءِ مُخَفَّفًا ومُشَدَّدًا، واعْلَمْ أنَّ الأوَّلَ إنَّما صارَ مَذْمُومًا لِدَلالَتِهِ إمّا عَلى السَّرَفِ، أوْ عَلى الخُيَلاءِ. والثّانِي: إنَّما صارَ مَذْمُومًا لِدَلالَتِهِ عَلى الأمَلِ الطَّوِيلِ والغَفْلَةِ عَنْ أنَّ الدُّنْيا دارُ مَمَرٍّ لا دارُ مَقَرٍّ. وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿وإذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبّارِينَ﴾ بَيَّنَ أنَّهم مَعَ ذَلِكَ السَّرَفِ والحِرْصِ فَإنَّ مُعامَلَتَهم مَعَ غَيْرِهِمْ مُعامَلَةُ الجَبّارِينَ، وقَدْ بَيَّنّا في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ أنَّ هَذا الوَصْفَ في العِبادِ ذَمٌّ وإنْ كانَ في وصْفِ اللَّهِ تَعالى مَدْحًا فَكَأنَّ مَن يُقْدِمُ عَلى الغَيْرِ لا عَلى طَرِيقِ الحَقِّ ولَكِنْ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِعْلاءِ يُوصَفُ بِأنَّ بَطْشَهُ بَطْشُ جَبّارٍ، وحاصِلُ الأمْرِ في هَذِهِ الأُمُورِ الثَّلاثَةِ أنَّ اتِّخاذَ الأبْنِيَةِ العالِيَةِ، يَدُلُّ عَلى حُبِّ العُلُوِّ، واتِّخاذُ المَصانِعِ يَدُلُّ عَلى حُبِّ البَقاءِ، والجَبّارِيَّةُ تَدُلُّ عَلى حُبِّ التَّفَرُّدِ بِالعُلُوِّ، فَيَرْجِعُ الحاصِلُ إلى أنَّهم أحَبُّوا العُلُوَّ وبَقاءَ العُلُوِّ والتَّفَرُّدَ بِالعُلُوِّ. وهَذِهِ صِفاتُ الإلَهِيَّةِ، وهي مُمْتَنِعَةُ الحُصُولِ لِلْعَبْدِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ حُبَّ الدُّنْيا قَدِ اسْتَوْلى عَلَيْهِمْ بِحَيْثُ اسْتَغْرَقُوا فِيهِ صفحة ١٣٦ وخَرَجُوا عَنْ حَدِّ العُبُودِيَّةِ وحامُوا حَوْلَ ادِّعاءِ الرُّبُوبِيَّةِ، وكُلُّ ذَلِكَ يُنَبِّهُ عَلى أنَّ حُبَّ الدُّنْيا رَأْسُ كُلِّ خَطِيئَةٍ وعُنْوانُ كُلِّ كُفْرٍ ومَعْصِيَةٍ، ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ هُودٌ عَلَيْهِ السَّلامُ هَذِهِ الأشْياءَ قالَ: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ زِيادَةً في دُعائِهِمْ إلى الآخِرَةِ وزَجْرًا لَهم عَنْ حُبِّ الدُّنْيا والِاشْتِغالِ بِالسَّرَفِ والحِرْصِ والتَّجَبُّرِ، ثُمَّ وصَلَ بِهَذا الوَعْظِ ما يُؤَكِّدُ القَبُولَ وهو التَّنْبِيهُ عَلى نِعَمِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ بِالإجْمالِ أوَّلًا ثُمَّ التَّفْصِيلِ ثانِيًا فَأيْقَظَهم عَنْ سِنَةِ غَفْلَتِهِمْ عَنْها حَيْثُ قالَ: ﴿أمَدَّكم بِما تَعْلَمُونَ﴾ ثُمَّ فَصَّلَها مِن بَعْدُ بِقَوْلِهِ: ﴿أمَدَّكم بِأنْعامٍ وبَنِينَ﴾ ﴿وجَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ فَبَلَغَ في دُعائِهِمْ بِالوَعْظِ والتَّرْغِيبِ والتَّخْوِيفِ والبَيانِ النِّهايَةَ فَكانَ جَوابُهم ﴿سَواءٌ عَلَيْنا أوَعَظْتَ أمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الواعِظِينَ﴾ أظْهَرُوا قِلَّةَ اكْتِراثِهِمْ بِكَلامِهِ، واسْتِخْفافَهم بِما أوْرَدَهُ فَإنْ قِيلَ: لَوْ قالَ: أوَعَظْتَ أمْ لَمْ تَعِظْ كانَ أخْصَرَ والمَعْنى واحِدٌ. جَوابُهُ: لَيْسَ المَعْنى بِواحِدٍ؛ لِأنَّ المُرادَ سَواءٌ عَلَيْنا أفَعَلْتَ هَذا الفِعْلَ الَّذِي هو الوَعْظُ أمْ لَمْ تَكُنْ أصْلًا مِن أهْلِهِ ومُباشَرَتِهِ، فَهو أبْلَغُ في قِلَّةِ اعْتِدادِهِمْ بِوَعْظِهِ مِن قَوْلِكَ أمْ لَمْ تَعِظْ، ثُمَّ احْتَجُّوا عَلى قِلَّةِ اكْتِراثِهِمْ بِكَلامِهِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿إنْ هَذا إلّا خُلُقُ الأوَّلِينَ﴾ فَمَن قَرَأ (? خَلْقُ الأوَّلِينَ ) بِالفَتْحِ فَمَعْناهُ أنَّ ما جِئْتَ بِهِ اخْتِلاقُ الأوَّلِينَ، وتَخَرُّصُهم كَما قالُوا: ﴿أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [الأنعام: ٢٥] أوْ ما خَلْقُنا هَذا إلّا خَلْقُ القُرُونِ الخالِيَةِ نَحْيا كَحَياتِهِمْ ونَمُوتُ كَمَماتِهِمْ ولا بَعْثَ ولا حِسابَ، ومَن قَرَأ ”خُلُقُ“ بِضَمَّتَيْنِ وبِواحِدَةٍ، فَمَعْناهُ ما هَذا الَّذِي نَحْنُ عَلَيْهِ مِنَ الدِّينِ إلّا خُلُقُ الأوَّلِينَ، وعادَتُهم كانُوا بِهِ يَدِينُونَ ونَحْنُ بِهِمْ مُقْتَدُونَ أوْ ما هَذا الَّذِي نَحْنُ عَلَيْهِ مِنَ الحَياةِ والمَوْتِ إلّا عادَةٌ لَمْ يَزَلْ عَلَيْها النّاسُ في قَدِيمِ الدَّهْرِ، أوْ ما هَذا الَّذِي جِئْتَ بِهِ مِنَ الكَذِبِ إلّا عادَةُ الأوَّلِينَ كانُوا يُلَفِّقُونَ مِثْلَهُ ويَسْطُرُونَهُ، ثُمَّ قالُوا: ﴿وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ أظْهَرُوا بِذَلِكَ تَقْوِيَةَ نُفُوسِهِمْ فِيما تَمَسَّكُوا بِهِ مِن إنْكارِ المَعادِ، فَعِنْدَ هَذا بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ أهْلَكَهم، وقَدْ سَبَقَ شَرْحُ كَيْفِيَّةِ الهَلاكِ في سائِرِ السُّوَرِ. واللَّهُ أعْلَمُ.

الشعراء 26:153

القِصَّةُ الرّابِعَةُ: قِصَّةُ هُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ صفحة ١٣٥ ﴿كَذَّبَتْ عادٌ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم هُودٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾ ﴿وتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكم تَخْلُدُونَ﴾ ﴿وإذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبّارِينَ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿واتَّقُوا الَّذِي أمَدَّكم بِما تَعْلَمُونَ﴾ ﴿أمَدَّكم بِأنْعامٍ وبَنِينَ﴾ ﴿وجَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿قالُوا سَواءٌ عَلَيْنا أوَعَظْتَ أمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الواعِظِينَ﴾ ﴿إنْ هَذا إلّا خُلُقُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأهْلَكْناهم إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَّبَتْ عادٌ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم هُودٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾ ﴿وتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكم تَخْلُدُونَ﴾ ﴿وإذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبّارِينَ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿واتَّقُوا الَّذِي أمَدَّكم بِما تَعْلَمُونَ﴾ ﴿أمَدَّكم بِأنْعامٍ وبَنِينَ﴾ ﴿وجَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿قالُوا سَواءٌ عَلَيْنا أوَعَظْتَ أمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الواعِظِينَ﴾ ﴿إنْ هَذا إلّا خُلُقُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأهْلَكْناهم إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ . اعْلَمْ أنَّ فاتِحَةَ هَذِهِ القِصَّةِ وفاتِحَةَ قِصَّةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ واحِدَةٌ فَلا فائِدَةَ في إعادَةِ التَّفْسِيرِ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ الأُمُورَ الَّتِي تَكَلَّمَ فِيها هُودٌ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَهم وهي ثَلاثَةٌ: فَأوَّلُها: قَوْلُهُ: ﴿أتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾ قُرِئَ ”بِكُلِّ رِيعٍ“ بِالكَسْرِ والفَتْحِ وهو المَكانُ المُرْتَفِعُ، ومِنهُ قَوْلُهُ: كَمْ رَيْعُ أرْضِكَ ؟ وهو ارْتِفاعُها، والآيَةُ العَلَمُ، ثُمَّ فِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهم كانُوا يَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ عَلَمًا يَعْبَثُونَ فِيهِ بِمَن يَمُرُّ في الطَّرِيقِ إلى هُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ. والثّانِي: أنَّهم كانُوا يَبْنُونَ في الأماكِنِ المُرْتَفِعَةِ لِيُعْرَفَ بِذَلِكَ غِناهم تَفاخُرًا فَنُهُوا عَنْهُ ونُسِبُوا إلى العَبَثِ. والثّالِثُ: أنَّهم كانُوا مِمَّنْ يَهْتَدُونَ بِالنُّجُومِ في أسْفارِهِمْ فاتَّخَذُوا في طَرِيقِهِمْ أعْلامًا طِوالًا فَكانَ ذَلِكَ عَبَثًا لِأنَّهم كانُوا مُسْتَغْنِينَ عَنْها بِالنُّجُومِ. الرّابِعُ: بَنَوْا بِكُلِّ رِيعٍ بُرُوجَ الحَمامِ. وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿وتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكم تَخْلُدُونَ﴾ المَصانِعُ مَآخِذُ الماءِ، وقِيلَ القُصُورُ المُشَيَّدَةُ والحُصُونُ ﴿لَعَلَّكم تَخْلُدُونَ﴾ تَرْجُونَ الخُلْدَ في الدُّنْيا أوْ يُشْبِهُ حالُكم حالَ مَن يَخْلُدُ، وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ: ”كَأنَّكم“، وقُرِئَ ”تُخْلَدُونَ“ بِضَمِّ التّاءِ مُخَفَّفًا ومُشَدَّدًا، واعْلَمْ أنَّ الأوَّلَ إنَّما صارَ مَذْمُومًا لِدَلالَتِهِ إمّا عَلى السَّرَفِ، أوْ عَلى الخُيَلاءِ. والثّانِي: إنَّما صارَ مَذْمُومًا لِدَلالَتِهِ عَلى الأمَلِ الطَّوِيلِ والغَفْلَةِ عَنْ أنَّ الدُّنْيا دارُ مَمَرٍّ لا دارُ مَقَرٍّ. وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿وإذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبّارِينَ﴾ بَيَّنَ أنَّهم مَعَ ذَلِكَ السَّرَفِ والحِرْصِ فَإنَّ مُعامَلَتَهم مَعَ غَيْرِهِمْ مُعامَلَةُ الجَبّارِينَ، وقَدْ بَيَّنّا في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ أنَّ هَذا الوَصْفَ في العِبادِ ذَمٌّ وإنْ كانَ في وصْفِ اللَّهِ تَعالى مَدْحًا فَكَأنَّ مَن يُقْدِمُ عَلى الغَيْرِ لا عَلى طَرِيقِ الحَقِّ ولَكِنْ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِعْلاءِ يُوصَفُ بِأنَّ بَطْشَهُ بَطْشُ جَبّارٍ، وحاصِلُ الأمْرِ في هَذِهِ الأُمُورِ الثَّلاثَةِ أنَّ اتِّخاذَ الأبْنِيَةِ العالِيَةِ، يَدُلُّ عَلى حُبِّ العُلُوِّ، واتِّخاذُ المَصانِعِ يَدُلُّ عَلى حُبِّ البَقاءِ، والجَبّارِيَّةُ تَدُلُّ عَلى حُبِّ التَّفَرُّدِ بِالعُلُوِّ، فَيَرْجِعُ الحاصِلُ إلى أنَّهم أحَبُّوا العُلُوَّ وبَقاءَ العُلُوِّ والتَّفَرُّدَ بِالعُلُوِّ. وهَذِهِ صِفاتُ الإلَهِيَّةِ، وهي مُمْتَنِعَةُ الحُصُولِ لِلْعَبْدِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ حُبَّ الدُّنْيا قَدِ اسْتَوْلى عَلَيْهِمْ بِحَيْثُ اسْتَغْرَقُوا فِيهِ صفحة ١٣٦ وخَرَجُوا عَنْ حَدِّ العُبُودِيَّةِ وحامُوا حَوْلَ ادِّعاءِ الرُّبُوبِيَّةِ، وكُلُّ ذَلِكَ يُنَبِّهُ عَلى أنَّ حُبَّ الدُّنْيا رَأْسُ كُلِّ خَطِيئَةٍ وعُنْوانُ كُلِّ كُفْرٍ ومَعْصِيَةٍ، ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ هُودٌ عَلَيْهِ السَّلامُ هَذِهِ الأشْياءَ قالَ: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ زِيادَةً في دُعائِهِمْ إلى الآخِرَةِ وزَجْرًا لَهم عَنْ حُبِّ الدُّنْيا والِاشْتِغالِ بِالسَّرَفِ والحِرْصِ والتَّجَبُّرِ، ثُمَّ وصَلَ بِهَذا الوَعْظِ ما يُؤَكِّدُ القَبُولَ وهو التَّنْبِيهُ عَلى نِعَمِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ بِالإجْمالِ أوَّلًا ثُمَّ التَّفْصِيلِ ثانِيًا فَأيْقَظَهم عَنْ سِنَةِ غَفْلَتِهِمْ عَنْها حَيْثُ قالَ: ﴿أمَدَّكم بِما تَعْلَمُونَ﴾ ثُمَّ فَصَّلَها مِن بَعْدُ بِقَوْلِهِ: ﴿أمَدَّكم بِأنْعامٍ وبَنِينَ﴾ ﴿وجَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ فَبَلَغَ في دُعائِهِمْ بِالوَعْظِ والتَّرْغِيبِ والتَّخْوِيفِ والبَيانِ النِّهايَةَ فَكانَ جَوابُهم ﴿سَواءٌ عَلَيْنا أوَعَظْتَ أمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الواعِظِينَ﴾ أظْهَرُوا قِلَّةَ اكْتِراثِهِمْ بِكَلامِهِ، واسْتِخْفافَهم بِما أوْرَدَهُ فَإنْ قِيلَ: لَوْ قالَ: أوَعَظْتَ أمْ لَمْ تَعِظْ كانَ أخْصَرَ والمَعْنى واحِدٌ. جَوابُهُ: لَيْسَ المَعْنى بِواحِدٍ؛ لِأنَّ المُرادَ سَواءٌ عَلَيْنا أفَعَلْتَ هَذا الفِعْلَ الَّذِي هو الوَعْظُ أمْ لَمْ تَكُنْ أصْلًا مِن أهْلِهِ ومُباشَرَتِهِ، فَهو أبْلَغُ في قِلَّةِ اعْتِدادِهِمْ بِوَعْظِهِ مِن قَوْلِكَ أمْ لَمْ تَعِظْ، ثُمَّ احْتَجُّوا عَلى قِلَّةِ اكْتِراثِهِمْ بِكَلامِهِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿إنْ هَذا إلّا خُلُقُ الأوَّلِينَ﴾ فَمَن قَرَأ (? خَلْقُ الأوَّلِينَ ) بِالفَتْحِ فَمَعْناهُ أنَّ ما جِئْتَ بِهِ اخْتِلاقُ الأوَّلِينَ، وتَخَرُّصُهم كَما قالُوا: ﴿أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [الأنعام: ٢٥] أوْ ما خَلْقُنا هَذا إلّا خَلْقُ القُرُونِ الخالِيَةِ نَحْيا كَحَياتِهِمْ ونَمُوتُ كَمَماتِهِمْ ولا بَعْثَ ولا حِسابَ، ومَن قَرَأ ”خُلُقُ“ بِضَمَّتَيْنِ وبِواحِدَةٍ، فَمَعْناهُ ما هَذا الَّذِي نَحْنُ عَلَيْهِ مِنَ الدِّينِ إلّا خُلُقُ الأوَّلِينَ، وعادَتُهم كانُوا بِهِ يَدِينُونَ ونَحْنُ بِهِمْ مُقْتَدُونَ أوْ ما هَذا الَّذِي نَحْنُ عَلَيْهِ مِنَ الحَياةِ والمَوْتِ إلّا عادَةٌ لَمْ يَزَلْ عَلَيْها النّاسُ في قَدِيمِ الدَّهْرِ، أوْ ما هَذا الَّذِي جِئْتَ بِهِ مِنَ الكَذِبِ إلّا عادَةُ الأوَّلِينَ كانُوا يُلَفِّقُونَ مِثْلَهُ ويَسْطُرُونَهُ، ثُمَّ قالُوا: ﴿وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ أظْهَرُوا بِذَلِكَ تَقْوِيَةَ نُفُوسِهِمْ فِيما تَمَسَّكُوا بِهِ مِن إنْكارِ المَعادِ، فَعِنْدَ هَذا بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ أهْلَكَهم، وقَدْ سَبَقَ شَرْحُ كَيْفِيَّةِ الهَلاكِ في سائِرِ السُّوَرِ. واللَّهُ أعْلَمُ.

الشعراء 26:154

القِصَّةُ الرّابِعَةُ: قِصَّةُ هُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ صفحة ١٣٥ ﴿كَذَّبَتْ عادٌ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم هُودٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾ ﴿وتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكم تَخْلُدُونَ﴾ ﴿وإذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبّارِينَ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿واتَّقُوا الَّذِي أمَدَّكم بِما تَعْلَمُونَ﴾ ﴿أمَدَّكم بِأنْعامٍ وبَنِينَ﴾ ﴿وجَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿قالُوا سَواءٌ عَلَيْنا أوَعَظْتَ أمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الواعِظِينَ﴾ ﴿إنْ هَذا إلّا خُلُقُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأهْلَكْناهم إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَّبَتْ عادٌ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم هُودٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾ ﴿وتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكم تَخْلُدُونَ﴾ ﴿وإذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبّارِينَ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿واتَّقُوا الَّذِي أمَدَّكم بِما تَعْلَمُونَ﴾ ﴿أمَدَّكم بِأنْعامٍ وبَنِينَ﴾ ﴿وجَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿قالُوا سَواءٌ عَلَيْنا أوَعَظْتَ أمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الواعِظِينَ﴾ ﴿إنْ هَذا إلّا خُلُقُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأهْلَكْناهم إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ . اعْلَمْ أنَّ فاتِحَةَ هَذِهِ القِصَّةِ وفاتِحَةَ قِصَّةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ واحِدَةٌ فَلا فائِدَةَ في إعادَةِ التَّفْسِيرِ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ الأُمُورَ الَّتِي تَكَلَّمَ فِيها هُودٌ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَهم وهي ثَلاثَةٌ: فَأوَّلُها: قَوْلُهُ: ﴿أتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾ قُرِئَ ”بِكُلِّ رِيعٍ“ بِالكَسْرِ والفَتْحِ وهو المَكانُ المُرْتَفِعُ، ومِنهُ قَوْلُهُ: كَمْ رَيْعُ أرْضِكَ ؟ وهو ارْتِفاعُها، والآيَةُ العَلَمُ، ثُمَّ فِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهم كانُوا يَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ عَلَمًا يَعْبَثُونَ فِيهِ بِمَن يَمُرُّ في الطَّرِيقِ إلى هُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ. والثّانِي: أنَّهم كانُوا يَبْنُونَ في الأماكِنِ المُرْتَفِعَةِ لِيُعْرَفَ بِذَلِكَ غِناهم تَفاخُرًا فَنُهُوا عَنْهُ ونُسِبُوا إلى العَبَثِ. والثّالِثُ: أنَّهم كانُوا مِمَّنْ يَهْتَدُونَ بِالنُّجُومِ في أسْفارِهِمْ فاتَّخَذُوا في طَرِيقِهِمْ أعْلامًا طِوالًا فَكانَ ذَلِكَ عَبَثًا لِأنَّهم كانُوا مُسْتَغْنِينَ عَنْها بِالنُّجُومِ. الرّابِعُ: بَنَوْا بِكُلِّ رِيعٍ بُرُوجَ الحَمامِ. وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿وتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكم تَخْلُدُونَ﴾ المَصانِعُ مَآخِذُ الماءِ، وقِيلَ القُصُورُ المُشَيَّدَةُ والحُصُونُ ﴿لَعَلَّكم تَخْلُدُونَ﴾ تَرْجُونَ الخُلْدَ في الدُّنْيا أوْ يُشْبِهُ حالُكم حالَ مَن يَخْلُدُ، وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ: ”كَأنَّكم“، وقُرِئَ ”تُخْلَدُونَ“ بِضَمِّ التّاءِ مُخَفَّفًا ومُشَدَّدًا، واعْلَمْ أنَّ الأوَّلَ إنَّما صارَ مَذْمُومًا لِدَلالَتِهِ إمّا عَلى السَّرَفِ، أوْ عَلى الخُيَلاءِ. والثّانِي: إنَّما صارَ مَذْمُومًا لِدَلالَتِهِ عَلى الأمَلِ الطَّوِيلِ والغَفْلَةِ عَنْ أنَّ الدُّنْيا دارُ مَمَرٍّ لا دارُ مَقَرٍّ. وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿وإذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبّارِينَ﴾ بَيَّنَ أنَّهم مَعَ ذَلِكَ السَّرَفِ والحِرْصِ فَإنَّ مُعامَلَتَهم مَعَ غَيْرِهِمْ مُعامَلَةُ الجَبّارِينَ، وقَدْ بَيَّنّا في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ أنَّ هَذا الوَصْفَ في العِبادِ ذَمٌّ وإنْ كانَ في وصْفِ اللَّهِ تَعالى مَدْحًا فَكَأنَّ مَن يُقْدِمُ عَلى الغَيْرِ لا عَلى طَرِيقِ الحَقِّ ولَكِنْ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِعْلاءِ يُوصَفُ بِأنَّ بَطْشَهُ بَطْشُ جَبّارٍ، وحاصِلُ الأمْرِ في هَذِهِ الأُمُورِ الثَّلاثَةِ أنَّ اتِّخاذَ الأبْنِيَةِ العالِيَةِ، يَدُلُّ عَلى حُبِّ العُلُوِّ، واتِّخاذُ المَصانِعِ يَدُلُّ عَلى حُبِّ البَقاءِ، والجَبّارِيَّةُ تَدُلُّ عَلى حُبِّ التَّفَرُّدِ بِالعُلُوِّ، فَيَرْجِعُ الحاصِلُ إلى أنَّهم أحَبُّوا العُلُوَّ وبَقاءَ العُلُوِّ والتَّفَرُّدَ بِالعُلُوِّ. وهَذِهِ صِفاتُ الإلَهِيَّةِ، وهي مُمْتَنِعَةُ الحُصُولِ لِلْعَبْدِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ حُبَّ الدُّنْيا قَدِ اسْتَوْلى عَلَيْهِمْ بِحَيْثُ اسْتَغْرَقُوا فِيهِ صفحة ١٣٦ وخَرَجُوا عَنْ حَدِّ العُبُودِيَّةِ وحامُوا حَوْلَ ادِّعاءِ الرُّبُوبِيَّةِ، وكُلُّ ذَلِكَ يُنَبِّهُ عَلى أنَّ حُبَّ الدُّنْيا رَأْسُ كُلِّ خَطِيئَةٍ وعُنْوانُ كُلِّ كُفْرٍ ومَعْصِيَةٍ، ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ هُودٌ عَلَيْهِ السَّلامُ هَذِهِ الأشْياءَ قالَ: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ زِيادَةً في دُعائِهِمْ إلى الآخِرَةِ وزَجْرًا لَهم عَنْ حُبِّ الدُّنْيا والِاشْتِغالِ بِالسَّرَفِ والحِرْصِ والتَّجَبُّرِ، ثُمَّ وصَلَ بِهَذا الوَعْظِ ما يُؤَكِّدُ القَبُولَ وهو التَّنْبِيهُ عَلى نِعَمِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ بِالإجْمالِ أوَّلًا ثُمَّ التَّفْصِيلِ ثانِيًا فَأيْقَظَهم عَنْ سِنَةِ غَفْلَتِهِمْ عَنْها حَيْثُ قالَ: ﴿أمَدَّكم بِما تَعْلَمُونَ﴾ ثُمَّ فَصَّلَها مِن بَعْدُ بِقَوْلِهِ: ﴿أمَدَّكم بِأنْعامٍ وبَنِينَ﴾ ﴿وجَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ فَبَلَغَ في دُعائِهِمْ بِالوَعْظِ والتَّرْغِيبِ والتَّخْوِيفِ والبَيانِ النِّهايَةَ فَكانَ جَوابُهم ﴿سَواءٌ عَلَيْنا أوَعَظْتَ أمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الواعِظِينَ﴾ أظْهَرُوا قِلَّةَ اكْتِراثِهِمْ بِكَلامِهِ، واسْتِخْفافَهم بِما أوْرَدَهُ فَإنْ قِيلَ: لَوْ قالَ: أوَعَظْتَ أمْ لَمْ تَعِظْ كانَ أخْصَرَ والمَعْنى واحِدٌ. جَوابُهُ: لَيْسَ المَعْنى بِواحِدٍ؛ لِأنَّ المُرادَ سَواءٌ عَلَيْنا أفَعَلْتَ هَذا الفِعْلَ الَّذِي هو الوَعْظُ أمْ لَمْ تَكُنْ أصْلًا مِن أهْلِهِ ومُباشَرَتِهِ، فَهو أبْلَغُ في قِلَّةِ اعْتِدادِهِمْ بِوَعْظِهِ مِن قَوْلِكَ أمْ لَمْ تَعِظْ، ثُمَّ احْتَجُّوا عَلى قِلَّةِ اكْتِراثِهِمْ بِكَلامِهِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿إنْ هَذا إلّا خُلُقُ الأوَّلِينَ﴾ فَمَن قَرَأ (? خَلْقُ الأوَّلِينَ ) بِالفَتْحِ فَمَعْناهُ أنَّ ما جِئْتَ بِهِ اخْتِلاقُ الأوَّلِينَ، وتَخَرُّصُهم كَما قالُوا: ﴿أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [الأنعام: ٢٥] أوْ ما خَلْقُنا هَذا إلّا خَلْقُ القُرُونِ الخالِيَةِ نَحْيا كَحَياتِهِمْ ونَمُوتُ كَمَماتِهِمْ ولا بَعْثَ ولا حِسابَ، ومَن قَرَأ ”خُلُقُ“ بِضَمَّتَيْنِ وبِواحِدَةٍ، فَمَعْناهُ ما هَذا الَّذِي نَحْنُ عَلَيْهِ مِنَ الدِّينِ إلّا خُلُقُ الأوَّلِينَ، وعادَتُهم كانُوا بِهِ يَدِينُونَ ونَحْنُ بِهِمْ مُقْتَدُونَ أوْ ما هَذا الَّذِي نَحْنُ عَلَيْهِ مِنَ الحَياةِ والمَوْتِ إلّا عادَةٌ لَمْ يَزَلْ عَلَيْها النّاسُ في قَدِيمِ الدَّهْرِ، أوْ ما هَذا الَّذِي جِئْتَ بِهِ مِنَ الكَذِبِ إلّا عادَةُ الأوَّلِينَ كانُوا يُلَفِّقُونَ مِثْلَهُ ويَسْطُرُونَهُ، ثُمَّ قالُوا: ﴿وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ أظْهَرُوا بِذَلِكَ تَقْوِيَةَ نُفُوسِهِمْ فِيما تَمَسَّكُوا بِهِ مِن إنْكارِ المَعادِ، فَعِنْدَ هَذا بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ أهْلَكَهم، وقَدْ سَبَقَ شَرْحُ كَيْفِيَّةِ الهَلاكِ في سائِرِ السُّوَرِ. واللَّهُ أعْلَمُ.

الشعراء 26:155

القِصَّةُ الرّابِعَةُ: قِصَّةُ هُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ صفحة ١٣٥ ﴿كَذَّبَتْ عادٌ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم هُودٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾ ﴿وتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكم تَخْلُدُونَ﴾ ﴿وإذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبّارِينَ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿واتَّقُوا الَّذِي أمَدَّكم بِما تَعْلَمُونَ﴾ ﴿أمَدَّكم بِأنْعامٍ وبَنِينَ﴾ ﴿وجَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿قالُوا سَواءٌ عَلَيْنا أوَعَظْتَ أمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الواعِظِينَ﴾ ﴿إنْ هَذا إلّا خُلُقُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأهْلَكْناهم إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَّبَتْ عادٌ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم هُودٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾ ﴿وتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكم تَخْلُدُونَ﴾ ﴿وإذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبّارِينَ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿واتَّقُوا الَّذِي أمَدَّكم بِما تَعْلَمُونَ﴾ ﴿أمَدَّكم بِأنْعامٍ وبَنِينَ﴾ ﴿وجَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿قالُوا سَواءٌ عَلَيْنا أوَعَظْتَ أمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الواعِظِينَ﴾ ﴿إنْ هَذا إلّا خُلُقُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأهْلَكْناهم إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ . اعْلَمْ أنَّ فاتِحَةَ هَذِهِ القِصَّةِ وفاتِحَةَ قِصَّةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ واحِدَةٌ فَلا فائِدَةَ في إعادَةِ التَّفْسِيرِ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ الأُمُورَ الَّتِي تَكَلَّمَ فِيها هُودٌ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَهم وهي ثَلاثَةٌ: فَأوَّلُها: قَوْلُهُ: ﴿أتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾ قُرِئَ ”بِكُلِّ رِيعٍ“ بِالكَسْرِ والفَتْحِ وهو المَكانُ المُرْتَفِعُ، ومِنهُ قَوْلُهُ: كَمْ رَيْعُ أرْضِكَ ؟ وهو ارْتِفاعُها، والآيَةُ العَلَمُ، ثُمَّ فِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهم كانُوا يَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ عَلَمًا يَعْبَثُونَ فِيهِ بِمَن يَمُرُّ في الطَّرِيقِ إلى هُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ. والثّانِي: أنَّهم كانُوا يَبْنُونَ في الأماكِنِ المُرْتَفِعَةِ لِيُعْرَفَ بِذَلِكَ غِناهم تَفاخُرًا فَنُهُوا عَنْهُ ونُسِبُوا إلى العَبَثِ. والثّالِثُ: أنَّهم كانُوا مِمَّنْ يَهْتَدُونَ بِالنُّجُومِ في أسْفارِهِمْ فاتَّخَذُوا في طَرِيقِهِمْ أعْلامًا طِوالًا فَكانَ ذَلِكَ عَبَثًا لِأنَّهم كانُوا مُسْتَغْنِينَ عَنْها بِالنُّجُومِ. الرّابِعُ: بَنَوْا بِكُلِّ رِيعٍ بُرُوجَ الحَمامِ. وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿وتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكم تَخْلُدُونَ﴾ المَصانِعُ مَآخِذُ الماءِ، وقِيلَ القُصُورُ المُشَيَّدَةُ والحُصُونُ ﴿لَعَلَّكم تَخْلُدُونَ﴾ تَرْجُونَ الخُلْدَ في الدُّنْيا أوْ يُشْبِهُ حالُكم حالَ مَن يَخْلُدُ، وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ: ”كَأنَّكم“، وقُرِئَ ”تُخْلَدُونَ“ بِضَمِّ التّاءِ مُخَفَّفًا ومُشَدَّدًا، واعْلَمْ أنَّ الأوَّلَ إنَّما صارَ مَذْمُومًا لِدَلالَتِهِ إمّا عَلى السَّرَفِ، أوْ عَلى الخُيَلاءِ. والثّانِي: إنَّما صارَ مَذْمُومًا لِدَلالَتِهِ عَلى الأمَلِ الطَّوِيلِ والغَفْلَةِ عَنْ أنَّ الدُّنْيا دارُ مَمَرٍّ لا دارُ مَقَرٍّ. وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿وإذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبّارِينَ﴾ بَيَّنَ أنَّهم مَعَ ذَلِكَ السَّرَفِ والحِرْصِ فَإنَّ مُعامَلَتَهم مَعَ غَيْرِهِمْ مُعامَلَةُ الجَبّارِينَ، وقَدْ بَيَّنّا في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ أنَّ هَذا الوَصْفَ في العِبادِ ذَمٌّ وإنْ كانَ في وصْفِ اللَّهِ تَعالى مَدْحًا فَكَأنَّ مَن يُقْدِمُ عَلى الغَيْرِ لا عَلى طَرِيقِ الحَقِّ ولَكِنْ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِعْلاءِ يُوصَفُ بِأنَّ بَطْشَهُ بَطْشُ جَبّارٍ، وحاصِلُ الأمْرِ في هَذِهِ الأُمُورِ الثَّلاثَةِ أنَّ اتِّخاذَ الأبْنِيَةِ العالِيَةِ، يَدُلُّ عَلى حُبِّ العُلُوِّ، واتِّخاذُ المَصانِعِ يَدُلُّ عَلى حُبِّ البَقاءِ، والجَبّارِيَّةُ تَدُلُّ عَلى حُبِّ التَّفَرُّدِ بِالعُلُوِّ، فَيَرْجِعُ الحاصِلُ إلى أنَّهم أحَبُّوا العُلُوَّ وبَقاءَ العُلُوِّ والتَّفَرُّدَ بِالعُلُوِّ. وهَذِهِ صِفاتُ الإلَهِيَّةِ، وهي مُمْتَنِعَةُ الحُصُولِ لِلْعَبْدِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ حُبَّ الدُّنْيا قَدِ اسْتَوْلى عَلَيْهِمْ بِحَيْثُ اسْتَغْرَقُوا فِيهِ صفحة ١٣٦ وخَرَجُوا عَنْ حَدِّ العُبُودِيَّةِ وحامُوا حَوْلَ ادِّعاءِ الرُّبُوبِيَّةِ، وكُلُّ ذَلِكَ يُنَبِّهُ عَلى أنَّ حُبَّ الدُّنْيا رَأْسُ كُلِّ خَطِيئَةٍ وعُنْوانُ كُلِّ كُفْرٍ ومَعْصِيَةٍ، ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ هُودٌ عَلَيْهِ السَّلامُ هَذِهِ الأشْياءَ قالَ: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ زِيادَةً في دُعائِهِمْ إلى الآخِرَةِ وزَجْرًا لَهم عَنْ حُبِّ الدُّنْيا والِاشْتِغالِ بِالسَّرَفِ والحِرْصِ والتَّجَبُّرِ، ثُمَّ وصَلَ بِهَذا الوَعْظِ ما يُؤَكِّدُ القَبُولَ وهو التَّنْبِيهُ عَلى نِعَمِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ بِالإجْمالِ أوَّلًا ثُمَّ التَّفْصِيلِ ثانِيًا فَأيْقَظَهم عَنْ سِنَةِ غَفْلَتِهِمْ عَنْها حَيْثُ قالَ: ﴿أمَدَّكم بِما تَعْلَمُونَ﴾ ثُمَّ فَصَّلَها مِن بَعْدُ بِقَوْلِهِ: ﴿أمَدَّكم بِأنْعامٍ وبَنِينَ﴾ ﴿وجَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ فَبَلَغَ في دُعائِهِمْ بِالوَعْظِ والتَّرْغِيبِ والتَّخْوِيفِ والبَيانِ النِّهايَةَ فَكانَ جَوابُهم ﴿سَواءٌ عَلَيْنا أوَعَظْتَ أمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الواعِظِينَ﴾ أظْهَرُوا قِلَّةَ اكْتِراثِهِمْ بِكَلامِهِ، واسْتِخْفافَهم بِما أوْرَدَهُ فَإنْ قِيلَ: لَوْ قالَ: أوَعَظْتَ أمْ لَمْ تَعِظْ كانَ أخْصَرَ والمَعْنى واحِدٌ. جَوابُهُ: لَيْسَ المَعْنى بِواحِدٍ؛ لِأنَّ المُرادَ سَواءٌ عَلَيْنا أفَعَلْتَ هَذا الفِعْلَ الَّذِي هو الوَعْظُ أمْ لَمْ تَكُنْ أصْلًا مِن أهْلِهِ ومُباشَرَتِهِ، فَهو أبْلَغُ في قِلَّةِ اعْتِدادِهِمْ بِوَعْظِهِ مِن قَوْلِكَ أمْ لَمْ تَعِظْ، ثُمَّ احْتَجُّوا عَلى قِلَّةِ اكْتِراثِهِمْ بِكَلامِهِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿إنْ هَذا إلّا خُلُقُ الأوَّلِينَ﴾ فَمَن قَرَأ (? خَلْقُ الأوَّلِينَ ) بِالفَتْحِ فَمَعْناهُ أنَّ ما جِئْتَ بِهِ اخْتِلاقُ الأوَّلِينَ، وتَخَرُّصُهم كَما قالُوا: ﴿أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [الأنعام: ٢٥] أوْ ما خَلْقُنا هَذا إلّا خَلْقُ القُرُونِ الخالِيَةِ نَحْيا كَحَياتِهِمْ ونَمُوتُ كَمَماتِهِمْ ولا بَعْثَ ولا حِسابَ، ومَن قَرَأ ”خُلُقُ“ بِضَمَّتَيْنِ وبِواحِدَةٍ، فَمَعْناهُ ما هَذا الَّذِي نَحْنُ عَلَيْهِ مِنَ الدِّينِ إلّا خُلُقُ الأوَّلِينَ، وعادَتُهم كانُوا بِهِ يَدِينُونَ ونَحْنُ بِهِمْ مُقْتَدُونَ أوْ ما هَذا الَّذِي نَحْنُ عَلَيْهِ مِنَ الحَياةِ والمَوْتِ إلّا عادَةٌ لَمْ يَزَلْ عَلَيْها النّاسُ في قَدِيمِ الدَّهْرِ، أوْ ما هَذا الَّذِي جِئْتَ بِهِ مِنَ الكَذِبِ إلّا عادَةُ الأوَّلِينَ كانُوا يُلَفِّقُونَ مِثْلَهُ ويَسْطُرُونَهُ، ثُمَّ قالُوا: ﴿وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ أظْهَرُوا بِذَلِكَ تَقْوِيَةَ نُفُوسِهِمْ فِيما تَمَسَّكُوا بِهِ مِن إنْكارِ المَعادِ، فَعِنْدَ هَذا بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ أهْلَكَهم، وقَدْ سَبَقَ شَرْحُ كَيْفِيَّةِ الهَلاكِ في سائِرِ السُّوَرِ. واللَّهُ أعْلَمُ.

الشعراء 26:156

القِصَّةُ الخامِسَةُ قِصَّةُ صالِحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم صالِحٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أتُتْرَكُونَ في ما هاهُنا آمِنِينَ﴾ ﴿فِي جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿وزُرُوعٍ ونَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمٌ﴾ ﴿وتَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا فارِهِينَ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿ولا تُطِيعُوا أمْرَ المُسْرِفِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يُصْلِحُونَ﴾ ﴿قالُوا إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ ﴿ما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا فَأْتِ بِآيَةٍ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿قالَ هَذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ ولَكم شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ ﴿ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكم عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿فَعَقَرُوها فَأصْبَحُوا نادِمِينَ﴾ ﴿فَأخَذَهُمُ العَذابُ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ . صفحة ١٣٧ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم صالِحٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أتُتْرَكُونَ في ما هاهُنا آمِنِينَ﴾ ﴿فِي جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿وزُرُوعٍ ونَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمٌ﴾ ﴿وتَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا فارِهِينَ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿ولا تُطِيعُوا أمْرَ المُسْرِفِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يُصْلِحُونَ﴾ ﴿قالُوا إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ ﴿ما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا فَأْتِ بِآيَةٍ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿قالَ هَذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ ولَكم شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ ﴿ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكم عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿فَعَقَرُوها فَأصْبَحُوا نادِمِينَ﴾ ﴿فَأخَذَهُمُ العَذابُ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ . اعْلَمْ أنَّ صالِحًا عَلَيْهِ السَّلامُ خاطَبَ قَوْمَهُ بِأُمُورٍ: أحَدُها: قَوْلُهُ: ﴿أتُتْرَكُونَ في ما هاهُنا آمِنِينَ﴾ أيْ أتَظُنُّونَ أنَّكم تُتْرَكُونَ في دِيارِكم آمِنِينَ وتَطْمَعُونَ في ذَلِكَ وأنْ لا دارَ لِلْمُجازاةِ. وقَوْلُهُ: ﴿فِي ما هاهُنا آمِنِينَ﴾ في الَّذِي اسْتَقَرَّ في هَذا المَكانِ مِنَ النَّعِيمِ، ثُمَّ فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فِي جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ وهَذا أيْضًا إجْمالٌ ثُمَّ تَفْصِيلٌ، فَإنْ قِيلَ: لِمَ قالَ: ﴿ونَخْلٍ﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿فِي جَنّاتٍ﴾ والجَنَّةُ تَتَناوَلُ النَّخْلَ ؟ جَوابُهُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ خَصَّ النَّخْلَ بِإفْرادِهِ بَعْدَ دُخُولِهِ في جُمْلَةِ سائِرِ الشَّجَرِ تَنْبِيهًا عَلى فَضْلِهِ عَلى سائِرِ الأشْجارِ. والثّانِي: أنْ يُرادَ بِالجَنّاتِ غَيْرُها مِنَ الشَّجَرِ؛ لِأنَّ اللَّفْظَ يَصْلُحُ لِذَلِكَ، ثُمَّ يَعْطِفُ عَلَيْها النَّخْلَ، والطَّلْعُ هو الَّذِي يَطْلُعُ مِنَ النَّخْلَةِ كَنَصْلِ السَّيْفِ في جَوْفِهِ شَمارِيخُ، والهَضِيمُ اللَّطِيفُ أيْضًا مِن قَوْلِهِمْ: كَشْحٌ هَضِيمٌ، وقِيلَ: الهَضِيمُ اللَّيِّنُ النَّضِيجُ كَأنَّهُ قالَ: ونَخْلٌ قَدْ أرْطَبَ ثَمَرُهُ. وثانِيها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا فارِهِينَ﴾ قَرَأ الحَسَنُ: ”وتَنْحَتُونَ“ بِفَتْحِ الحاءِ، وقُرِئَ ”فَرِهِينَ“ و”فارِهِينَ“ والفَراهَةُ الكَيْسُ والنَّشاطُ، فَقَوْلُهُ: ﴿فارِهِينَ﴾ حالٌ مِنَ النّاحِيَتَيْنِ. واعْلَمْ أنَّ ظاهِرَ هَذِهِ الآياتِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الغالِبَ عَلى قَوْمِ هُودٍ هو اللَّذّاتُ الحالِيَّةُ، وهي طَلَبُ الِاسْتِعْلاءِ والبَقاءِ والتَّفَرُّدِ والتَّجَبُّرِ، والغالِبُ عَلى قَوْمِ صالِحٍ هو اللَّذّاتُ الحِسِّيَّةُ، وهي طَلَبُ المَأْكُولِ والمَشْرُوبِ والمَساكِنِ الطَّيِّبَةِ الحَصِينَةِ. وثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تُطِيعُوا أمْرَ المُسْرِفِينَ﴾ وهَذا إشارَةٌ إلى أنَّهُ يَجِبُ الِاكْتِفاءُ مِنَ الدُّنْيا بِقَدْرِ الكَفافِ، ولا يَجُوزُ التَّوَسُّعُ في طَلَبِها والِاسْتِكْثارُ مِن لَذّاتِها وشَهَواتِها، فَإنْ قِيلَ: ما فائِدَةُ قَوْلِهِ: ﴿ولا يُصْلِحُونَ﴾ ؟ جَوابُهُ: فائِدَتُهُ بَيانُ أنَّ فَسادَهم فَسادٌ خالِصٌ لَيْسَ مَعَهُ شَيْءٌ مِنَ الصَّلاحِ، كَما يَكُونُ حالُ بَعْضِ المُفْسِدِينَ مَخْلُوطَةً بِبَعْضِ الصَّلاحِ، ثُمَّ إنَّ القَوْمَ أجابُوهُ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: قَوْلُهم: ﴿إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: المُسَحَّرُ هو الَّذِي سُحِرَ كَثِيرًا حَتّى غَلَبَ عَلى عَقْلِهِ. وثانِيها: ﴿مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ أيْ: مَن لَهُ سِحْرٌ، وكُلُّ دابَّةٍ تَأْكُلُ فَهي مُسَحَّرَةٌ، والسِّحْرُ أعْلى البَطْنِ، وعَنِ الفَرّاءِ: المُسَحَّرُ مَن لَهُ جَوْفٌ، أرادَ أنَّكَ تَأْكُلُ الطَّعامَ وتَشْرَبُ الشَّرابَ. وثالِثُها: عَنِ المُؤَرِّجِ المُسَحَّرُ هو المَخْلُوقُ بِلُغَةِ بَجِيلَةَ. وثانِيهِما: قَوْلُهم: ﴿ما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا فَأْتِ بِآيَةٍ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ وهَذا يَحْتَمِلُ أمْرَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّكَ بَشَرٌ مِثْلُنا فَكَيْفَ تَكُونُ نَبِيًّا ؟ وهَذا بِمَنزِلَةِ ما كانُوا يَذْكُرُونَ في الأنْبِياءِ أنَّهم لَوْ كانُوا صادِقِينَ، لَكانُوا مِن جِنْسِ المَلائِكَةِ. الثّانِي: أنْ يَكُونَ مُرادُهم إنَّكَ بَشَرٌ مِثْلُنا، فَلا بُدَّ لَنا في إثْباتِ نُبُوَّتِكَ مِنَ الدَّلِيلِ، فَقالَ صالِحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿هَذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ﴾ وقُرِئَ بِالضَّمِّ، رُوِيَ أنَّهم قالُوا: نُرِيدُ ناقَةً عُشَراءَ تَخْرُجُ مِن هَذِهِ الصَّخْرَةِ فَتَلِدُ سَقْبًا، فَقَعَدَ صالِحٌ يَتَفَكَّرُ، فَقالَ لَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ: صَلِّ رَكْعَتَيْنِ وسَلْ رَبَّكَ صفحة ١٣٨ النّاقَةَ، فَفَعَلَ فَخَرَجَتِ النّاقَةُ وبَرَكَتْ بَيْنَ أيْدِيهِمْ وحَصَلَ لَها سَقْبٌ مِثْلُها في العِظَمِ، ووَصّاهم صالِحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ بِأمْرَيْنِ: الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿لَها شِرْبٌ ولَكم شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ قالَ قَتادَةُ: إذا كانَ يَوْمُ شِرْبِها شَرِبَتْ ماءَهم كُلَّهُ، وشِرْبُهم في اليَوْمِ الَّذِي لا تَشْرَبُ هي. والثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ﴾ أيْ بِضَرْبٍ أوْ عَقْرٍ أوْ غَيْرِهِما ﴿فَيَأْخُذَكم عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ عَظَّمَ اليَوْمَ لِحُلُولِ العَذابِ فِيهِ، ووَصْفُ اليَوْمِ بِهِ أبْلَغُ مِن وصْفِ العَذابِ، لِأنَّ الوَقْتَ إذا عُظِّمَ بِسَبَبِهِ كانَ مَوْقِعُهُ مِنَ العِظَمِ أشَدَّ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى حَكى عَنْهم أنَّهم عَقَرُوها. رُوِيَ أنَّ مِصْدَعًا ألْجَأها إلى مَضِيقٍ فَرَماها بِسَهْمٍ فَسَقَطَتْ، ثُمَّ ضَرَبَها قُدارٌ، فَإنْ قِيلَ: لِمَ أخَذَهُمُ العَذابُ وقَدْ نَدِمُوا ؟ جَوابُهُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَدَمُهم نَدَمَ التّائِبِينَ، لَكِنْ نَدَمَ الخائِفِينَ مِنَ العَذابِ العاجِلِ. الثّانِي: أنَّ النَّدَمَ وإنْ كانَ نَدَمَ التّائِبِينَ، ولَكِنْ كانَ ذَلِكَ في غَيْرِ وقْتِ التَّوْبَةِ، بَلْ عِنْدَ مُعايَنَةِ العَذابِ، وقالَ تَعالى: ﴿ولَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ﴾ [النساء: ١٨] الآيَةَ. واللّامُ في العَذابِ إشارَةٌ إلى عَذابِ يَوْمٍ عَظِيمٍ.

الشعراء 26:157

القِصَّةُ الخامِسَةُ قِصَّةُ صالِحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم صالِحٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أتُتْرَكُونَ في ما هاهُنا آمِنِينَ﴾ ﴿فِي جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿وزُرُوعٍ ونَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمٌ﴾ ﴿وتَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا فارِهِينَ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿ولا تُطِيعُوا أمْرَ المُسْرِفِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يُصْلِحُونَ﴾ ﴿قالُوا إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ ﴿ما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا فَأْتِ بِآيَةٍ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿قالَ هَذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ ولَكم شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ ﴿ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكم عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿فَعَقَرُوها فَأصْبَحُوا نادِمِينَ﴾ ﴿فَأخَذَهُمُ العَذابُ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ . صفحة ١٣٧ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم صالِحٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أتُتْرَكُونَ في ما هاهُنا آمِنِينَ﴾ ﴿فِي جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿وزُرُوعٍ ونَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمٌ﴾ ﴿وتَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا فارِهِينَ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿ولا تُطِيعُوا أمْرَ المُسْرِفِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يُصْلِحُونَ﴾ ﴿قالُوا إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ ﴿ما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا فَأْتِ بِآيَةٍ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿قالَ هَذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ ولَكم شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ ﴿ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكم عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿فَعَقَرُوها فَأصْبَحُوا نادِمِينَ﴾ ﴿فَأخَذَهُمُ العَذابُ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ . اعْلَمْ أنَّ صالِحًا عَلَيْهِ السَّلامُ خاطَبَ قَوْمَهُ بِأُمُورٍ: أحَدُها: قَوْلُهُ: ﴿أتُتْرَكُونَ في ما هاهُنا آمِنِينَ﴾ أيْ أتَظُنُّونَ أنَّكم تُتْرَكُونَ في دِيارِكم آمِنِينَ وتَطْمَعُونَ في ذَلِكَ وأنْ لا دارَ لِلْمُجازاةِ. وقَوْلُهُ: ﴿فِي ما هاهُنا آمِنِينَ﴾ في الَّذِي اسْتَقَرَّ في هَذا المَكانِ مِنَ النَّعِيمِ، ثُمَّ فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فِي جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ وهَذا أيْضًا إجْمالٌ ثُمَّ تَفْصِيلٌ، فَإنْ قِيلَ: لِمَ قالَ: ﴿ونَخْلٍ﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿فِي جَنّاتٍ﴾ والجَنَّةُ تَتَناوَلُ النَّخْلَ ؟ جَوابُهُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ خَصَّ النَّخْلَ بِإفْرادِهِ بَعْدَ دُخُولِهِ في جُمْلَةِ سائِرِ الشَّجَرِ تَنْبِيهًا عَلى فَضْلِهِ عَلى سائِرِ الأشْجارِ. والثّانِي: أنْ يُرادَ بِالجَنّاتِ غَيْرُها مِنَ الشَّجَرِ؛ لِأنَّ اللَّفْظَ يَصْلُحُ لِذَلِكَ، ثُمَّ يَعْطِفُ عَلَيْها النَّخْلَ، والطَّلْعُ هو الَّذِي يَطْلُعُ مِنَ النَّخْلَةِ كَنَصْلِ السَّيْفِ في جَوْفِهِ شَمارِيخُ، والهَضِيمُ اللَّطِيفُ أيْضًا مِن قَوْلِهِمْ: كَشْحٌ هَضِيمٌ، وقِيلَ: الهَضِيمُ اللَّيِّنُ النَّضِيجُ كَأنَّهُ قالَ: ونَخْلٌ قَدْ أرْطَبَ ثَمَرُهُ. وثانِيها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا فارِهِينَ﴾ قَرَأ الحَسَنُ: ”وتَنْحَتُونَ“ بِفَتْحِ الحاءِ، وقُرِئَ ”فَرِهِينَ“ و”فارِهِينَ“ والفَراهَةُ الكَيْسُ والنَّشاطُ، فَقَوْلُهُ: ﴿فارِهِينَ﴾ حالٌ مِنَ النّاحِيَتَيْنِ. واعْلَمْ أنَّ ظاهِرَ هَذِهِ الآياتِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الغالِبَ عَلى قَوْمِ هُودٍ هو اللَّذّاتُ الحالِيَّةُ، وهي طَلَبُ الِاسْتِعْلاءِ والبَقاءِ والتَّفَرُّدِ والتَّجَبُّرِ، والغالِبُ عَلى قَوْمِ صالِحٍ هو اللَّذّاتُ الحِسِّيَّةُ، وهي طَلَبُ المَأْكُولِ والمَشْرُوبِ والمَساكِنِ الطَّيِّبَةِ الحَصِينَةِ. وثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تُطِيعُوا أمْرَ المُسْرِفِينَ﴾ وهَذا إشارَةٌ إلى أنَّهُ يَجِبُ الِاكْتِفاءُ مِنَ الدُّنْيا بِقَدْرِ الكَفافِ، ولا يَجُوزُ التَّوَسُّعُ في طَلَبِها والِاسْتِكْثارُ مِن لَذّاتِها وشَهَواتِها، فَإنْ قِيلَ: ما فائِدَةُ قَوْلِهِ: ﴿ولا يُصْلِحُونَ﴾ ؟ جَوابُهُ: فائِدَتُهُ بَيانُ أنَّ فَسادَهم فَسادٌ خالِصٌ لَيْسَ مَعَهُ شَيْءٌ مِنَ الصَّلاحِ، كَما يَكُونُ حالُ بَعْضِ المُفْسِدِينَ مَخْلُوطَةً بِبَعْضِ الصَّلاحِ، ثُمَّ إنَّ القَوْمَ أجابُوهُ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: قَوْلُهم: ﴿إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: المُسَحَّرُ هو الَّذِي سُحِرَ كَثِيرًا حَتّى غَلَبَ عَلى عَقْلِهِ. وثانِيها: ﴿مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ أيْ: مَن لَهُ سِحْرٌ، وكُلُّ دابَّةٍ تَأْكُلُ فَهي مُسَحَّرَةٌ، والسِّحْرُ أعْلى البَطْنِ، وعَنِ الفَرّاءِ: المُسَحَّرُ مَن لَهُ جَوْفٌ، أرادَ أنَّكَ تَأْكُلُ الطَّعامَ وتَشْرَبُ الشَّرابَ. وثالِثُها: عَنِ المُؤَرِّجِ المُسَحَّرُ هو المَخْلُوقُ بِلُغَةِ بَجِيلَةَ. وثانِيهِما: قَوْلُهم: ﴿ما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا فَأْتِ بِآيَةٍ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ وهَذا يَحْتَمِلُ أمْرَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّكَ بَشَرٌ مِثْلُنا فَكَيْفَ تَكُونُ نَبِيًّا ؟ وهَذا بِمَنزِلَةِ ما كانُوا يَذْكُرُونَ في الأنْبِياءِ أنَّهم لَوْ كانُوا صادِقِينَ، لَكانُوا مِن جِنْسِ المَلائِكَةِ. الثّانِي: أنْ يَكُونَ مُرادُهم إنَّكَ بَشَرٌ مِثْلُنا، فَلا بُدَّ لَنا في إثْباتِ نُبُوَّتِكَ مِنَ الدَّلِيلِ، فَقالَ صالِحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿هَذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ﴾ وقُرِئَ بِالضَّمِّ، رُوِيَ أنَّهم قالُوا: نُرِيدُ ناقَةً عُشَراءَ تَخْرُجُ مِن هَذِهِ الصَّخْرَةِ فَتَلِدُ سَقْبًا، فَقَعَدَ صالِحٌ يَتَفَكَّرُ، فَقالَ لَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ: صَلِّ رَكْعَتَيْنِ وسَلْ رَبَّكَ صفحة ١٣٨ النّاقَةَ، فَفَعَلَ فَخَرَجَتِ النّاقَةُ وبَرَكَتْ بَيْنَ أيْدِيهِمْ وحَصَلَ لَها سَقْبٌ مِثْلُها في العِظَمِ، ووَصّاهم صالِحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ بِأمْرَيْنِ: الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿لَها شِرْبٌ ولَكم شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ قالَ قَتادَةُ: إذا كانَ يَوْمُ شِرْبِها شَرِبَتْ ماءَهم كُلَّهُ، وشِرْبُهم في اليَوْمِ الَّذِي لا تَشْرَبُ هي. والثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ﴾ أيْ بِضَرْبٍ أوْ عَقْرٍ أوْ غَيْرِهِما ﴿فَيَأْخُذَكم عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ عَظَّمَ اليَوْمَ لِحُلُولِ العَذابِ فِيهِ، ووَصْفُ اليَوْمِ بِهِ أبْلَغُ مِن وصْفِ العَذابِ، لِأنَّ الوَقْتَ إذا عُظِّمَ بِسَبَبِهِ كانَ مَوْقِعُهُ مِنَ العِظَمِ أشَدَّ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى حَكى عَنْهم أنَّهم عَقَرُوها. رُوِيَ أنَّ مِصْدَعًا ألْجَأها إلى مَضِيقٍ فَرَماها بِسَهْمٍ فَسَقَطَتْ، ثُمَّ ضَرَبَها قُدارٌ، فَإنْ قِيلَ: لِمَ أخَذَهُمُ العَذابُ وقَدْ نَدِمُوا ؟ جَوابُهُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَدَمُهم نَدَمَ التّائِبِينَ، لَكِنْ نَدَمَ الخائِفِينَ مِنَ العَذابِ العاجِلِ. الثّانِي: أنَّ النَّدَمَ وإنْ كانَ نَدَمَ التّائِبِينَ، ولَكِنْ كانَ ذَلِكَ في غَيْرِ وقْتِ التَّوْبَةِ، بَلْ عِنْدَ مُعايَنَةِ العَذابِ، وقالَ تَعالى: ﴿ولَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ﴾ [النساء: ١٨] الآيَةَ. واللّامُ في العَذابِ إشارَةٌ إلى عَذابِ يَوْمٍ عَظِيمٍ.

الشعراء 26:158

القِصَّةُ الخامِسَةُ قِصَّةُ صالِحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم صالِحٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أتُتْرَكُونَ في ما هاهُنا آمِنِينَ﴾ ﴿فِي جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿وزُرُوعٍ ونَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمٌ﴾ ﴿وتَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا فارِهِينَ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿ولا تُطِيعُوا أمْرَ المُسْرِفِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يُصْلِحُونَ﴾ ﴿قالُوا إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ ﴿ما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا فَأْتِ بِآيَةٍ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿قالَ هَذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ ولَكم شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ ﴿ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكم عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿فَعَقَرُوها فَأصْبَحُوا نادِمِينَ﴾ ﴿فَأخَذَهُمُ العَذابُ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ . صفحة ١٣٧ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم صالِحٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أتُتْرَكُونَ في ما هاهُنا آمِنِينَ﴾ ﴿فِي جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿وزُرُوعٍ ونَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمٌ﴾ ﴿وتَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا فارِهِينَ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿ولا تُطِيعُوا أمْرَ المُسْرِفِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يُصْلِحُونَ﴾ ﴿قالُوا إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ ﴿ما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا فَأْتِ بِآيَةٍ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿قالَ هَذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ ولَكم شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ ﴿ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكم عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿فَعَقَرُوها فَأصْبَحُوا نادِمِينَ﴾ ﴿فَأخَذَهُمُ العَذابُ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ . اعْلَمْ أنَّ صالِحًا عَلَيْهِ السَّلامُ خاطَبَ قَوْمَهُ بِأُمُورٍ: أحَدُها: قَوْلُهُ: ﴿أتُتْرَكُونَ في ما هاهُنا آمِنِينَ﴾ أيْ أتَظُنُّونَ أنَّكم تُتْرَكُونَ في دِيارِكم آمِنِينَ وتَطْمَعُونَ في ذَلِكَ وأنْ لا دارَ لِلْمُجازاةِ. وقَوْلُهُ: ﴿فِي ما هاهُنا آمِنِينَ﴾ في الَّذِي اسْتَقَرَّ في هَذا المَكانِ مِنَ النَّعِيمِ، ثُمَّ فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فِي جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ وهَذا أيْضًا إجْمالٌ ثُمَّ تَفْصِيلٌ، فَإنْ قِيلَ: لِمَ قالَ: ﴿ونَخْلٍ﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿فِي جَنّاتٍ﴾ والجَنَّةُ تَتَناوَلُ النَّخْلَ ؟ جَوابُهُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ خَصَّ النَّخْلَ بِإفْرادِهِ بَعْدَ دُخُولِهِ في جُمْلَةِ سائِرِ الشَّجَرِ تَنْبِيهًا عَلى فَضْلِهِ عَلى سائِرِ الأشْجارِ. والثّانِي: أنْ يُرادَ بِالجَنّاتِ غَيْرُها مِنَ الشَّجَرِ؛ لِأنَّ اللَّفْظَ يَصْلُحُ لِذَلِكَ، ثُمَّ يَعْطِفُ عَلَيْها النَّخْلَ، والطَّلْعُ هو الَّذِي يَطْلُعُ مِنَ النَّخْلَةِ كَنَصْلِ السَّيْفِ في جَوْفِهِ شَمارِيخُ، والهَضِيمُ اللَّطِيفُ أيْضًا مِن قَوْلِهِمْ: كَشْحٌ هَضِيمٌ، وقِيلَ: الهَضِيمُ اللَّيِّنُ النَّضِيجُ كَأنَّهُ قالَ: ونَخْلٌ قَدْ أرْطَبَ ثَمَرُهُ. وثانِيها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا فارِهِينَ﴾ قَرَأ الحَسَنُ: ”وتَنْحَتُونَ“ بِفَتْحِ الحاءِ، وقُرِئَ ”فَرِهِينَ“ و”فارِهِينَ“ والفَراهَةُ الكَيْسُ والنَّشاطُ، فَقَوْلُهُ: ﴿فارِهِينَ﴾ حالٌ مِنَ النّاحِيَتَيْنِ. واعْلَمْ أنَّ ظاهِرَ هَذِهِ الآياتِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الغالِبَ عَلى قَوْمِ هُودٍ هو اللَّذّاتُ الحالِيَّةُ، وهي طَلَبُ الِاسْتِعْلاءِ والبَقاءِ والتَّفَرُّدِ والتَّجَبُّرِ، والغالِبُ عَلى قَوْمِ صالِحٍ هو اللَّذّاتُ الحِسِّيَّةُ، وهي طَلَبُ المَأْكُولِ والمَشْرُوبِ والمَساكِنِ الطَّيِّبَةِ الحَصِينَةِ. وثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تُطِيعُوا أمْرَ المُسْرِفِينَ﴾ وهَذا إشارَةٌ إلى أنَّهُ يَجِبُ الِاكْتِفاءُ مِنَ الدُّنْيا بِقَدْرِ الكَفافِ، ولا يَجُوزُ التَّوَسُّعُ في طَلَبِها والِاسْتِكْثارُ مِن لَذّاتِها وشَهَواتِها، فَإنْ قِيلَ: ما فائِدَةُ قَوْلِهِ: ﴿ولا يُصْلِحُونَ﴾ ؟ جَوابُهُ: فائِدَتُهُ بَيانُ أنَّ فَسادَهم فَسادٌ خالِصٌ لَيْسَ مَعَهُ شَيْءٌ مِنَ الصَّلاحِ، كَما يَكُونُ حالُ بَعْضِ المُفْسِدِينَ مَخْلُوطَةً بِبَعْضِ الصَّلاحِ، ثُمَّ إنَّ القَوْمَ أجابُوهُ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: قَوْلُهم: ﴿إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: المُسَحَّرُ هو الَّذِي سُحِرَ كَثِيرًا حَتّى غَلَبَ عَلى عَقْلِهِ. وثانِيها: ﴿مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ أيْ: مَن لَهُ سِحْرٌ، وكُلُّ دابَّةٍ تَأْكُلُ فَهي مُسَحَّرَةٌ، والسِّحْرُ أعْلى البَطْنِ، وعَنِ الفَرّاءِ: المُسَحَّرُ مَن لَهُ جَوْفٌ، أرادَ أنَّكَ تَأْكُلُ الطَّعامَ وتَشْرَبُ الشَّرابَ. وثالِثُها: عَنِ المُؤَرِّجِ المُسَحَّرُ هو المَخْلُوقُ بِلُغَةِ بَجِيلَةَ. وثانِيهِما: قَوْلُهم: ﴿ما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا فَأْتِ بِآيَةٍ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ وهَذا يَحْتَمِلُ أمْرَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّكَ بَشَرٌ مِثْلُنا فَكَيْفَ تَكُونُ نَبِيًّا ؟ وهَذا بِمَنزِلَةِ ما كانُوا يَذْكُرُونَ في الأنْبِياءِ أنَّهم لَوْ كانُوا صادِقِينَ، لَكانُوا مِن جِنْسِ المَلائِكَةِ. الثّانِي: أنْ يَكُونَ مُرادُهم إنَّكَ بَشَرٌ مِثْلُنا، فَلا بُدَّ لَنا في إثْباتِ نُبُوَّتِكَ مِنَ الدَّلِيلِ، فَقالَ صالِحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿هَذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ﴾ وقُرِئَ بِالضَّمِّ، رُوِيَ أنَّهم قالُوا: نُرِيدُ ناقَةً عُشَراءَ تَخْرُجُ مِن هَذِهِ الصَّخْرَةِ فَتَلِدُ سَقْبًا، فَقَعَدَ صالِحٌ يَتَفَكَّرُ، فَقالَ لَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ: صَلِّ رَكْعَتَيْنِ وسَلْ رَبَّكَ صفحة ١٣٨ النّاقَةَ، فَفَعَلَ فَخَرَجَتِ النّاقَةُ وبَرَكَتْ بَيْنَ أيْدِيهِمْ وحَصَلَ لَها سَقْبٌ مِثْلُها في العِظَمِ، ووَصّاهم صالِحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ بِأمْرَيْنِ: الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿لَها شِرْبٌ ولَكم شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ قالَ قَتادَةُ: إذا كانَ يَوْمُ شِرْبِها شَرِبَتْ ماءَهم كُلَّهُ، وشِرْبُهم في اليَوْمِ الَّذِي لا تَشْرَبُ هي. والثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ﴾ أيْ بِضَرْبٍ أوْ عَقْرٍ أوْ غَيْرِهِما ﴿فَيَأْخُذَكم عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ عَظَّمَ اليَوْمَ لِحُلُولِ العَذابِ فِيهِ، ووَصْفُ اليَوْمِ بِهِ أبْلَغُ مِن وصْفِ العَذابِ، لِأنَّ الوَقْتَ إذا عُظِّمَ بِسَبَبِهِ كانَ مَوْقِعُهُ مِنَ العِظَمِ أشَدَّ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى حَكى عَنْهم أنَّهم عَقَرُوها. رُوِيَ أنَّ مِصْدَعًا ألْجَأها إلى مَضِيقٍ فَرَماها بِسَهْمٍ فَسَقَطَتْ، ثُمَّ ضَرَبَها قُدارٌ، فَإنْ قِيلَ: لِمَ أخَذَهُمُ العَذابُ وقَدْ نَدِمُوا ؟ جَوابُهُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَدَمُهم نَدَمَ التّائِبِينَ، لَكِنْ نَدَمَ الخائِفِينَ مِنَ العَذابِ العاجِلِ. الثّانِي: أنَّ النَّدَمَ وإنْ كانَ نَدَمَ التّائِبِينَ، ولَكِنْ كانَ ذَلِكَ في غَيْرِ وقْتِ التَّوْبَةِ، بَلْ عِنْدَ مُعايَنَةِ العَذابِ، وقالَ تَعالى: ﴿ولَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ﴾ [النساء: ١٨] الآيَةَ. واللّامُ في العَذابِ إشارَةٌ إلى عَذابِ يَوْمٍ عَظِيمٍ.

الشعراء 26:159

القِصَّةُ الخامِسَةُ قِصَّةُ صالِحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم صالِحٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أتُتْرَكُونَ في ما هاهُنا آمِنِينَ﴾ ﴿فِي جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿وزُرُوعٍ ونَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمٌ﴾ ﴿وتَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا فارِهِينَ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿ولا تُطِيعُوا أمْرَ المُسْرِفِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يُصْلِحُونَ﴾ ﴿قالُوا إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ ﴿ما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا فَأْتِ بِآيَةٍ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿قالَ هَذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ ولَكم شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ ﴿ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكم عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿فَعَقَرُوها فَأصْبَحُوا نادِمِينَ﴾ ﴿فَأخَذَهُمُ العَذابُ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ . صفحة ١٣٧ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم صالِحٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أتُتْرَكُونَ في ما هاهُنا آمِنِينَ﴾ ﴿فِي جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿وزُرُوعٍ ونَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمٌ﴾ ﴿وتَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا فارِهِينَ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿ولا تُطِيعُوا أمْرَ المُسْرِفِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يُصْلِحُونَ﴾ ﴿قالُوا إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ ﴿ما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا فَأْتِ بِآيَةٍ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿قالَ هَذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ ولَكم شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ ﴿ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكم عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿فَعَقَرُوها فَأصْبَحُوا نادِمِينَ﴾ ﴿فَأخَذَهُمُ العَذابُ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ . اعْلَمْ أنَّ صالِحًا عَلَيْهِ السَّلامُ خاطَبَ قَوْمَهُ بِأُمُورٍ: أحَدُها: قَوْلُهُ: ﴿أتُتْرَكُونَ في ما هاهُنا آمِنِينَ﴾ أيْ أتَظُنُّونَ أنَّكم تُتْرَكُونَ في دِيارِكم آمِنِينَ وتَطْمَعُونَ في ذَلِكَ وأنْ لا دارَ لِلْمُجازاةِ. وقَوْلُهُ: ﴿فِي ما هاهُنا آمِنِينَ﴾ في الَّذِي اسْتَقَرَّ في هَذا المَكانِ مِنَ النَّعِيمِ، ثُمَّ فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فِي جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ وهَذا أيْضًا إجْمالٌ ثُمَّ تَفْصِيلٌ، فَإنْ قِيلَ: لِمَ قالَ: ﴿ونَخْلٍ﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿فِي جَنّاتٍ﴾ والجَنَّةُ تَتَناوَلُ النَّخْلَ ؟ جَوابُهُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ خَصَّ النَّخْلَ بِإفْرادِهِ بَعْدَ دُخُولِهِ في جُمْلَةِ سائِرِ الشَّجَرِ تَنْبِيهًا عَلى فَضْلِهِ عَلى سائِرِ الأشْجارِ. والثّانِي: أنْ يُرادَ بِالجَنّاتِ غَيْرُها مِنَ الشَّجَرِ؛ لِأنَّ اللَّفْظَ يَصْلُحُ لِذَلِكَ، ثُمَّ يَعْطِفُ عَلَيْها النَّخْلَ، والطَّلْعُ هو الَّذِي يَطْلُعُ مِنَ النَّخْلَةِ كَنَصْلِ السَّيْفِ في جَوْفِهِ شَمارِيخُ، والهَضِيمُ اللَّطِيفُ أيْضًا مِن قَوْلِهِمْ: كَشْحٌ هَضِيمٌ، وقِيلَ: الهَضِيمُ اللَّيِّنُ النَّضِيجُ كَأنَّهُ قالَ: ونَخْلٌ قَدْ أرْطَبَ ثَمَرُهُ. وثانِيها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا فارِهِينَ﴾ قَرَأ الحَسَنُ: ”وتَنْحَتُونَ“ بِفَتْحِ الحاءِ، وقُرِئَ ”فَرِهِينَ“ و”فارِهِينَ“ والفَراهَةُ الكَيْسُ والنَّشاطُ، فَقَوْلُهُ: ﴿فارِهِينَ﴾ حالٌ مِنَ النّاحِيَتَيْنِ. واعْلَمْ أنَّ ظاهِرَ هَذِهِ الآياتِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الغالِبَ عَلى قَوْمِ هُودٍ هو اللَّذّاتُ الحالِيَّةُ، وهي طَلَبُ الِاسْتِعْلاءِ والبَقاءِ والتَّفَرُّدِ والتَّجَبُّرِ، والغالِبُ عَلى قَوْمِ صالِحٍ هو اللَّذّاتُ الحِسِّيَّةُ، وهي طَلَبُ المَأْكُولِ والمَشْرُوبِ والمَساكِنِ الطَّيِّبَةِ الحَصِينَةِ. وثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تُطِيعُوا أمْرَ المُسْرِفِينَ﴾ وهَذا إشارَةٌ إلى أنَّهُ يَجِبُ الِاكْتِفاءُ مِنَ الدُّنْيا بِقَدْرِ الكَفافِ، ولا يَجُوزُ التَّوَسُّعُ في طَلَبِها والِاسْتِكْثارُ مِن لَذّاتِها وشَهَواتِها، فَإنْ قِيلَ: ما فائِدَةُ قَوْلِهِ: ﴿ولا يُصْلِحُونَ﴾ ؟ جَوابُهُ: فائِدَتُهُ بَيانُ أنَّ فَسادَهم فَسادٌ خالِصٌ لَيْسَ مَعَهُ شَيْءٌ مِنَ الصَّلاحِ، كَما يَكُونُ حالُ بَعْضِ المُفْسِدِينَ مَخْلُوطَةً بِبَعْضِ الصَّلاحِ، ثُمَّ إنَّ القَوْمَ أجابُوهُ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: قَوْلُهم: ﴿إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: المُسَحَّرُ هو الَّذِي سُحِرَ كَثِيرًا حَتّى غَلَبَ عَلى عَقْلِهِ. وثانِيها: ﴿مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ أيْ: مَن لَهُ سِحْرٌ، وكُلُّ دابَّةٍ تَأْكُلُ فَهي مُسَحَّرَةٌ، والسِّحْرُ أعْلى البَطْنِ، وعَنِ الفَرّاءِ: المُسَحَّرُ مَن لَهُ جَوْفٌ، أرادَ أنَّكَ تَأْكُلُ الطَّعامَ وتَشْرَبُ الشَّرابَ. وثالِثُها: عَنِ المُؤَرِّجِ المُسَحَّرُ هو المَخْلُوقُ بِلُغَةِ بَجِيلَةَ. وثانِيهِما: قَوْلُهم: ﴿ما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا فَأْتِ بِآيَةٍ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ وهَذا يَحْتَمِلُ أمْرَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّكَ بَشَرٌ مِثْلُنا فَكَيْفَ تَكُونُ نَبِيًّا ؟ وهَذا بِمَنزِلَةِ ما كانُوا يَذْكُرُونَ في الأنْبِياءِ أنَّهم لَوْ كانُوا صادِقِينَ، لَكانُوا مِن جِنْسِ المَلائِكَةِ. الثّانِي: أنْ يَكُونَ مُرادُهم إنَّكَ بَشَرٌ مِثْلُنا، فَلا بُدَّ لَنا في إثْباتِ نُبُوَّتِكَ مِنَ الدَّلِيلِ، فَقالَ صالِحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿هَذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ﴾ وقُرِئَ بِالضَّمِّ، رُوِيَ أنَّهم قالُوا: نُرِيدُ ناقَةً عُشَراءَ تَخْرُجُ مِن هَذِهِ الصَّخْرَةِ فَتَلِدُ سَقْبًا، فَقَعَدَ صالِحٌ يَتَفَكَّرُ، فَقالَ لَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ: صَلِّ رَكْعَتَيْنِ وسَلْ رَبَّكَ صفحة ١٣٨ النّاقَةَ، فَفَعَلَ فَخَرَجَتِ النّاقَةُ وبَرَكَتْ بَيْنَ أيْدِيهِمْ وحَصَلَ لَها سَقْبٌ مِثْلُها في العِظَمِ، ووَصّاهم صالِحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ بِأمْرَيْنِ: الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿لَها شِرْبٌ ولَكم شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ قالَ قَتادَةُ: إذا كانَ يَوْمُ شِرْبِها شَرِبَتْ ماءَهم كُلَّهُ، وشِرْبُهم في اليَوْمِ الَّذِي لا تَشْرَبُ هي. والثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ﴾ أيْ بِضَرْبٍ أوْ عَقْرٍ أوْ غَيْرِهِما ﴿فَيَأْخُذَكم عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ عَظَّمَ اليَوْمَ لِحُلُولِ العَذابِ فِيهِ، ووَصْفُ اليَوْمِ بِهِ أبْلَغُ مِن وصْفِ العَذابِ، لِأنَّ الوَقْتَ إذا عُظِّمَ بِسَبَبِهِ كانَ مَوْقِعُهُ مِنَ العِظَمِ أشَدَّ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى حَكى عَنْهم أنَّهم عَقَرُوها. رُوِيَ أنَّ مِصْدَعًا ألْجَأها إلى مَضِيقٍ فَرَماها بِسَهْمٍ فَسَقَطَتْ، ثُمَّ ضَرَبَها قُدارٌ، فَإنْ قِيلَ: لِمَ أخَذَهُمُ العَذابُ وقَدْ نَدِمُوا ؟ جَوابُهُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَدَمُهم نَدَمَ التّائِبِينَ، لَكِنْ نَدَمَ الخائِفِينَ مِنَ العَذابِ العاجِلِ. الثّانِي: أنَّ النَّدَمَ وإنْ كانَ نَدَمَ التّائِبِينَ، ولَكِنْ كانَ ذَلِكَ في غَيْرِ وقْتِ التَّوْبَةِ، بَلْ عِنْدَ مُعايَنَةِ العَذابِ، وقالَ تَعالى: ﴿ولَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ﴾ [النساء: ١٨] الآيَةَ. واللّامُ في العَذابِ إشارَةٌ إلى عَذابِ يَوْمٍ عَظِيمٍ.

الشعراء 26:160

القِصَّةُ الخامِسَةُ قِصَّةُ صالِحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم صالِحٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أتُتْرَكُونَ في ما هاهُنا آمِنِينَ﴾ ﴿فِي جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿وزُرُوعٍ ونَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمٌ﴾ ﴿وتَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا فارِهِينَ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿ولا تُطِيعُوا أمْرَ المُسْرِفِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يُصْلِحُونَ﴾ ﴿قالُوا إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ ﴿ما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا فَأْتِ بِآيَةٍ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿قالَ هَذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ ولَكم شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ ﴿ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكم عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿فَعَقَرُوها فَأصْبَحُوا نادِمِينَ﴾ ﴿فَأخَذَهُمُ العَذابُ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ . صفحة ١٣٧ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم صالِحٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أتُتْرَكُونَ في ما هاهُنا آمِنِينَ﴾ ﴿فِي جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿وزُرُوعٍ ونَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمٌ﴾ ﴿وتَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا فارِهِينَ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿ولا تُطِيعُوا أمْرَ المُسْرِفِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يُصْلِحُونَ﴾ ﴿قالُوا إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ ﴿ما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا فَأْتِ بِآيَةٍ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿قالَ هَذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ ولَكم شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ ﴿ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكم عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿فَعَقَرُوها فَأصْبَحُوا نادِمِينَ﴾ ﴿فَأخَذَهُمُ العَذابُ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ . اعْلَمْ أنَّ صالِحًا عَلَيْهِ السَّلامُ خاطَبَ قَوْمَهُ بِأُمُورٍ: أحَدُها: قَوْلُهُ: ﴿أتُتْرَكُونَ في ما هاهُنا آمِنِينَ﴾ أيْ أتَظُنُّونَ أنَّكم تُتْرَكُونَ في دِيارِكم آمِنِينَ وتَطْمَعُونَ في ذَلِكَ وأنْ لا دارَ لِلْمُجازاةِ. وقَوْلُهُ: ﴿فِي ما هاهُنا آمِنِينَ﴾ في الَّذِي اسْتَقَرَّ في هَذا المَكانِ مِنَ النَّعِيمِ، ثُمَّ فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فِي جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ وهَذا أيْضًا إجْمالٌ ثُمَّ تَفْصِيلٌ، فَإنْ قِيلَ: لِمَ قالَ: ﴿ونَخْلٍ﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿فِي جَنّاتٍ﴾ والجَنَّةُ تَتَناوَلُ النَّخْلَ ؟ جَوابُهُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ خَصَّ النَّخْلَ بِإفْرادِهِ بَعْدَ دُخُولِهِ في جُمْلَةِ سائِرِ الشَّجَرِ تَنْبِيهًا عَلى فَضْلِهِ عَلى سائِرِ الأشْجارِ. والثّانِي: أنْ يُرادَ بِالجَنّاتِ غَيْرُها مِنَ الشَّجَرِ؛ لِأنَّ اللَّفْظَ يَصْلُحُ لِذَلِكَ، ثُمَّ يَعْطِفُ عَلَيْها النَّخْلَ، والطَّلْعُ هو الَّذِي يَطْلُعُ مِنَ النَّخْلَةِ كَنَصْلِ السَّيْفِ في جَوْفِهِ شَمارِيخُ، والهَضِيمُ اللَّطِيفُ أيْضًا مِن قَوْلِهِمْ: كَشْحٌ هَضِيمٌ، وقِيلَ: الهَضِيمُ اللَّيِّنُ النَّضِيجُ كَأنَّهُ قالَ: ونَخْلٌ قَدْ أرْطَبَ ثَمَرُهُ. وثانِيها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا فارِهِينَ﴾ قَرَأ الحَسَنُ: ”وتَنْحَتُونَ“ بِفَتْحِ الحاءِ، وقُرِئَ ”فَرِهِينَ“ و”فارِهِينَ“ والفَراهَةُ الكَيْسُ والنَّشاطُ، فَقَوْلُهُ: ﴿فارِهِينَ﴾ حالٌ مِنَ النّاحِيَتَيْنِ. واعْلَمْ أنَّ ظاهِرَ هَذِهِ الآياتِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الغالِبَ عَلى قَوْمِ هُودٍ هو اللَّذّاتُ الحالِيَّةُ، وهي طَلَبُ الِاسْتِعْلاءِ والبَقاءِ والتَّفَرُّدِ والتَّجَبُّرِ، والغالِبُ عَلى قَوْمِ صالِحٍ هو اللَّذّاتُ الحِسِّيَّةُ، وهي طَلَبُ المَأْكُولِ والمَشْرُوبِ والمَساكِنِ الطَّيِّبَةِ الحَصِينَةِ. وثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تُطِيعُوا أمْرَ المُسْرِفِينَ﴾ وهَذا إشارَةٌ إلى أنَّهُ يَجِبُ الِاكْتِفاءُ مِنَ الدُّنْيا بِقَدْرِ الكَفافِ، ولا يَجُوزُ التَّوَسُّعُ في طَلَبِها والِاسْتِكْثارُ مِن لَذّاتِها وشَهَواتِها، فَإنْ قِيلَ: ما فائِدَةُ قَوْلِهِ: ﴿ولا يُصْلِحُونَ﴾ ؟ جَوابُهُ: فائِدَتُهُ بَيانُ أنَّ فَسادَهم فَسادٌ خالِصٌ لَيْسَ مَعَهُ شَيْءٌ مِنَ الصَّلاحِ، كَما يَكُونُ حالُ بَعْضِ المُفْسِدِينَ مَخْلُوطَةً بِبَعْضِ الصَّلاحِ، ثُمَّ إنَّ القَوْمَ أجابُوهُ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: قَوْلُهم: ﴿إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: المُسَحَّرُ هو الَّذِي سُحِرَ كَثِيرًا حَتّى غَلَبَ عَلى عَقْلِهِ. وثانِيها: ﴿مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ أيْ: مَن لَهُ سِحْرٌ، وكُلُّ دابَّةٍ تَأْكُلُ فَهي مُسَحَّرَةٌ، والسِّحْرُ أعْلى البَطْنِ، وعَنِ الفَرّاءِ: المُسَحَّرُ مَن لَهُ جَوْفٌ، أرادَ أنَّكَ تَأْكُلُ الطَّعامَ وتَشْرَبُ الشَّرابَ. وثالِثُها: عَنِ المُؤَرِّجِ المُسَحَّرُ هو المَخْلُوقُ بِلُغَةِ بَجِيلَةَ. وثانِيهِما: قَوْلُهم: ﴿ما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا فَأْتِ بِآيَةٍ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ وهَذا يَحْتَمِلُ أمْرَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّكَ بَشَرٌ مِثْلُنا فَكَيْفَ تَكُونُ نَبِيًّا ؟ وهَذا بِمَنزِلَةِ ما كانُوا يَذْكُرُونَ في الأنْبِياءِ أنَّهم لَوْ كانُوا صادِقِينَ، لَكانُوا مِن جِنْسِ المَلائِكَةِ. الثّانِي: أنْ يَكُونَ مُرادُهم إنَّكَ بَشَرٌ مِثْلُنا، فَلا بُدَّ لَنا في إثْباتِ نُبُوَّتِكَ مِنَ الدَّلِيلِ، فَقالَ صالِحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿هَذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ﴾ وقُرِئَ بِالضَّمِّ، رُوِيَ أنَّهم قالُوا: نُرِيدُ ناقَةً عُشَراءَ تَخْرُجُ مِن هَذِهِ الصَّخْرَةِ فَتَلِدُ سَقْبًا، فَقَعَدَ صالِحٌ يَتَفَكَّرُ، فَقالَ لَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ: صَلِّ رَكْعَتَيْنِ وسَلْ رَبَّكَ صفحة ١٣٨ النّاقَةَ، فَفَعَلَ فَخَرَجَتِ النّاقَةُ وبَرَكَتْ بَيْنَ أيْدِيهِمْ وحَصَلَ لَها سَقْبٌ مِثْلُها في العِظَمِ، ووَصّاهم صالِحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ بِأمْرَيْنِ: الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿لَها شِرْبٌ ولَكم شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ قالَ قَتادَةُ: إذا كانَ يَوْمُ شِرْبِها شَرِبَتْ ماءَهم كُلَّهُ، وشِرْبُهم في اليَوْمِ الَّذِي لا تَشْرَبُ هي. والثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ﴾ أيْ بِضَرْبٍ أوْ عَقْرٍ أوْ غَيْرِهِما ﴿فَيَأْخُذَكم عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ عَظَّمَ اليَوْمَ لِحُلُولِ العَذابِ فِيهِ، ووَصْفُ اليَوْمِ بِهِ أبْلَغُ مِن وصْفِ العَذابِ، لِأنَّ الوَقْتَ إذا عُظِّمَ بِسَبَبِهِ كانَ مَوْقِعُهُ مِنَ العِظَمِ أشَدَّ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى حَكى عَنْهم أنَّهم عَقَرُوها. رُوِيَ أنَّ مِصْدَعًا ألْجَأها إلى مَضِيقٍ فَرَماها بِسَهْمٍ فَسَقَطَتْ، ثُمَّ ضَرَبَها قُدارٌ، فَإنْ قِيلَ: لِمَ أخَذَهُمُ العَذابُ وقَدْ نَدِمُوا ؟ جَوابُهُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَدَمُهم نَدَمَ التّائِبِينَ، لَكِنْ نَدَمَ الخائِفِينَ مِنَ العَذابِ العاجِلِ. الثّانِي: أنَّ النَّدَمَ وإنْ كانَ نَدَمَ التّائِبِينَ، ولَكِنْ كانَ ذَلِكَ في غَيْرِ وقْتِ التَّوْبَةِ، بَلْ عِنْدَ مُعايَنَةِ العَذابِ، وقالَ تَعالى: ﴿ولَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ﴾ [النساء: ١٨] الآيَةَ. واللّامُ في العَذابِ إشارَةٌ إلى عَذابِ يَوْمٍ عَظِيمٍ.

الشعراء 26:161

القِصَّةُ الخامِسَةُ قِصَّةُ صالِحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم صالِحٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أتُتْرَكُونَ في ما هاهُنا آمِنِينَ﴾ ﴿فِي جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿وزُرُوعٍ ونَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمٌ﴾ ﴿وتَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا فارِهِينَ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿ولا تُطِيعُوا أمْرَ المُسْرِفِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يُصْلِحُونَ﴾ ﴿قالُوا إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ ﴿ما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا فَأْتِ بِآيَةٍ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿قالَ هَذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ ولَكم شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ ﴿ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكم عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿فَعَقَرُوها فَأصْبَحُوا نادِمِينَ﴾ ﴿فَأخَذَهُمُ العَذابُ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ . صفحة ١٣٧ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم صالِحٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أتُتْرَكُونَ في ما هاهُنا آمِنِينَ﴾ ﴿فِي جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿وزُرُوعٍ ونَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمٌ﴾ ﴿وتَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا فارِهِينَ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿ولا تُطِيعُوا أمْرَ المُسْرِفِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يُصْلِحُونَ﴾ ﴿قالُوا إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ ﴿ما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا فَأْتِ بِآيَةٍ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿قالَ هَذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ ولَكم شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ ﴿ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكم عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿فَعَقَرُوها فَأصْبَحُوا نادِمِينَ﴾ ﴿فَأخَذَهُمُ العَذابُ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ . اعْلَمْ أنَّ صالِحًا عَلَيْهِ السَّلامُ خاطَبَ قَوْمَهُ بِأُمُورٍ: أحَدُها: قَوْلُهُ: ﴿أتُتْرَكُونَ في ما هاهُنا آمِنِينَ﴾ أيْ أتَظُنُّونَ أنَّكم تُتْرَكُونَ في دِيارِكم آمِنِينَ وتَطْمَعُونَ في ذَلِكَ وأنْ لا دارَ لِلْمُجازاةِ. وقَوْلُهُ: ﴿فِي ما هاهُنا آمِنِينَ﴾ في الَّذِي اسْتَقَرَّ في هَذا المَكانِ مِنَ النَّعِيمِ، ثُمَّ فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فِي جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ وهَذا أيْضًا إجْمالٌ ثُمَّ تَفْصِيلٌ، فَإنْ قِيلَ: لِمَ قالَ: ﴿ونَخْلٍ﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿فِي جَنّاتٍ﴾ والجَنَّةُ تَتَناوَلُ النَّخْلَ ؟ جَوابُهُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ خَصَّ النَّخْلَ بِإفْرادِهِ بَعْدَ دُخُولِهِ في جُمْلَةِ سائِرِ الشَّجَرِ تَنْبِيهًا عَلى فَضْلِهِ عَلى سائِرِ الأشْجارِ. والثّانِي: أنْ يُرادَ بِالجَنّاتِ غَيْرُها مِنَ الشَّجَرِ؛ لِأنَّ اللَّفْظَ يَصْلُحُ لِذَلِكَ، ثُمَّ يَعْطِفُ عَلَيْها النَّخْلَ، والطَّلْعُ هو الَّذِي يَطْلُعُ مِنَ النَّخْلَةِ كَنَصْلِ السَّيْفِ في جَوْفِهِ شَمارِيخُ، والهَضِيمُ اللَّطِيفُ أيْضًا مِن قَوْلِهِمْ: كَشْحٌ هَضِيمٌ، وقِيلَ: الهَضِيمُ اللَّيِّنُ النَّضِيجُ كَأنَّهُ قالَ: ونَخْلٌ قَدْ أرْطَبَ ثَمَرُهُ. وثانِيها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا فارِهِينَ﴾ قَرَأ الحَسَنُ: ”وتَنْحَتُونَ“ بِفَتْحِ الحاءِ، وقُرِئَ ”فَرِهِينَ“ و”فارِهِينَ“ والفَراهَةُ الكَيْسُ والنَّشاطُ، فَقَوْلُهُ: ﴿فارِهِينَ﴾ حالٌ مِنَ النّاحِيَتَيْنِ. واعْلَمْ أنَّ ظاهِرَ هَذِهِ الآياتِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الغالِبَ عَلى قَوْمِ هُودٍ هو اللَّذّاتُ الحالِيَّةُ، وهي طَلَبُ الِاسْتِعْلاءِ والبَقاءِ والتَّفَرُّدِ والتَّجَبُّرِ، والغالِبُ عَلى قَوْمِ صالِحٍ هو اللَّذّاتُ الحِسِّيَّةُ، وهي طَلَبُ المَأْكُولِ والمَشْرُوبِ والمَساكِنِ الطَّيِّبَةِ الحَصِينَةِ. وثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تُطِيعُوا أمْرَ المُسْرِفِينَ﴾ وهَذا إشارَةٌ إلى أنَّهُ يَجِبُ الِاكْتِفاءُ مِنَ الدُّنْيا بِقَدْرِ الكَفافِ، ولا يَجُوزُ التَّوَسُّعُ في طَلَبِها والِاسْتِكْثارُ مِن لَذّاتِها وشَهَواتِها، فَإنْ قِيلَ: ما فائِدَةُ قَوْلِهِ: ﴿ولا يُصْلِحُونَ﴾ ؟ جَوابُهُ: فائِدَتُهُ بَيانُ أنَّ فَسادَهم فَسادٌ خالِصٌ لَيْسَ مَعَهُ شَيْءٌ مِنَ الصَّلاحِ، كَما يَكُونُ حالُ بَعْضِ المُفْسِدِينَ مَخْلُوطَةً بِبَعْضِ الصَّلاحِ، ثُمَّ إنَّ القَوْمَ أجابُوهُ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: قَوْلُهم: ﴿إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: المُسَحَّرُ هو الَّذِي سُحِرَ كَثِيرًا حَتّى غَلَبَ عَلى عَقْلِهِ. وثانِيها: ﴿مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ أيْ: مَن لَهُ سِحْرٌ، وكُلُّ دابَّةٍ تَأْكُلُ فَهي مُسَحَّرَةٌ، والسِّحْرُ أعْلى البَطْنِ، وعَنِ الفَرّاءِ: المُسَحَّرُ مَن لَهُ جَوْفٌ، أرادَ أنَّكَ تَأْكُلُ الطَّعامَ وتَشْرَبُ الشَّرابَ. وثالِثُها: عَنِ المُؤَرِّجِ المُسَحَّرُ هو المَخْلُوقُ بِلُغَةِ بَجِيلَةَ. وثانِيهِما: قَوْلُهم: ﴿ما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا فَأْتِ بِآيَةٍ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ وهَذا يَحْتَمِلُ أمْرَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّكَ بَشَرٌ مِثْلُنا فَكَيْفَ تَكُونُ نَبِيًّا ؟ وهَذا بِمَنزِلَةِ ما كانُوا يَذْكُرُونَ في الأنْبِياءِ أنَّهم لَوْ كانُوا صادِقِينَ، لَكانُوا مِن جِنْسِ المَلائِكَةِ. الثّانِي: أنْ يَكُونَ مُرادُهم إنَّكَ بَشَرٌ مِثْلُنا، فَلا بُدَّ لَنا في إثْباتِ نُبُوَّتِكَ مِنَ الدَّلِيلِ، فَقالَ صالِحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿هَذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ﴾ وقُرِئَ بِالضَّمِّ، رُوِيَ أنَّهم قالُوا: نُرِيدُ ناقَةً عُشَراءَ تَخْرُجُ مِن هَذِهِ الصَّخْرَةِ فَتَلِدُ سَقْبًا، فَقَعَدَ صالِحٌ يَتَفَكَّرُ، فَقالَ لَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ: صَلِّ رَكْعَتَيْنِ وسَلْ رَبَّكَ صفحة ١٣٨ النّاقَةَ، فَفَعَلَ فَخَرَجَتِ النّاقَةُ وبَرَكَتْ بَيْنَ أيْدِيهِمْ وحَصَلَ لَها سَقْبٌ مِثْلُها في العِظَمِ، ووَصّاهم صالِحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ بِأمْرَيْنِ: الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿لَها شِرْبٌ ولَكم شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ قالَ قَتادَةُ: إذا كانَ يَوْمُ شِرْبِها شَرِبَتْ ماءَهم كُلَّهُ، وشِرْبُهم في اليَوْمِ الَّذِي لا تَشْرَبُ هي. والثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ﴾ أيْ بِضَرْبٍ أوْ عَقْرٍ أوْ غَيْرِهِما ﴿فَيَأْخُذَكم عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ عَظَّمَ اليَوْمَ لِحُلُولِ العَذابِ فِيهِ، ووَصْفُ اليَوْمِ بِهِ أبْلَغُ مِن وصْفِ العَذابِ، لِأنَّ الوَقْتَ إذا عُظِّمَ بِسَبَبِهِ كانَ مَوْقِعُهُ مِنَ العِظَمِ أشَدَّ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى حَكى عَنْهم أنَّهم عَقَرُوها. رُوِيَ أنَّ مِصْدَعًا ألْجَأها إلى مَضِيقٍ فَرَماها بِسَهْمٍ فَسَقَطَتْ، ثُمَّ ضَرَبَها قُدارٌ، فَإنْ قِيلَ: لِمَ أخَذَهُمُ العَذابُ وقَدْ نَدِمُوا ؟ جَوابُهُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَدَمُهم نَدَمَ التّائِبِينَ، لَكِنْ نَدَمَ الخائِفِينَ مِنَ العَذابِ العاجِلِ. الثّانِي: أنَّ النَّدَمَ وإنْ كانَ نَدَمَ التّائِبِينَ، ولَكِنْ كانَ ذَلِكَ في غَيْرِ وقْتِ التَّوْبَةِ، بَلْ عِنْدَ مُعايَنَةِ العَذابِ، وقالَ تَعالى: ﴿ولَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ﴾ [النساء: ١٨] الآيَةَ. واللّامُ في العَذابِ إشارَةٌ إلى عَذابِ يَوْمٍ عَظِيمٍ.

الشعراء 26:162

القِصَّةُ الخامِسَةُ قِصَّةُ صالِحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم صالِحٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أتُتْرَكُونَ في ما هاهُنا آمِنِينَ﴾ ﴿فِي جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿وزُرُوعٍ ونَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمٌ﴾ ﴿وتَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا فارِهِينَ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿ولا تُطِيعُوا أمْرَ المُسْرِفِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يُصْلِحُونَ﴾ ﴿قالُوا إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ ﴿ما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا فَأْتِ بِآيَةٍ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿قالَ هَذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ ولَكم شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ ﴿ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكم عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿فَعَقَرُوها فَأصْبَحُوا نادِمِينَ﴾ ﴿فَأخَذَهُمُ العَذابُ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ . صفحة ١٣٧ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم صالِحٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أتُتْرَكُونَ في ما هاهُنا آمِنِينَ﴾ ﴿فِي جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿وزُرُوعٍ ونَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمٌ﴾ ﴿وتَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا فارِهِينَ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿ولا تُطِيعُوا أمْرَ المُسْرِفِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يُصْلِحُونَ﴾ ﴿قالُوا إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ ﴿ما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا فَأْتِ بِآيَةٍ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿قالَ هَذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ ولَكم شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ ﴿ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكم عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿فَعَقَرُوها فَأصْبَحُوا نادِمِينَ﴾ ﴿فَأخَذَهُمُ العَذابُ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ . اعْلَمْ أنَّ صالِحًا عَلَيْهِ السَّلامُ خاطَبَ قَوْمَهُ بِأُمُورٍ: أحَدُها: قَوْلُهُ: ﴿أتُتْرَكُونَ في ما هاهُنا آمِنِينَ﴾ أيْ أتَظُنُّونَ أنَّكم تُتْرَكُونَ في دِيارِكم آمِنِينَ وتَطْمَعُونَ في ذَلِكَ وأنْ لا دارَ لِلْمُجازاةِ. وقَوْلُهُ: ﴿فِي ما هاهُنا آمِنِينَ﴾ في الَّذِي اسْتَقَرَّ في هَذا المَكانِ مِنَ النَّعِيمِ، ثُمَّ فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فِي جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ وهَذا أيْضًا إجْمالٌ ثُمَّ تَفْصِيلٌ، فَإنْ قِيلَ: لِمَ قالَ: ﴿ونَخْلٍ﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿فِي جَنّاتٍ﴾ والجَنَّةُ تَتَناوَلُ النَّخْلَ ؟ جَوابُهُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ خَصَّ النَّخْلَ بِإفْرادِهِ بَعْدَ دُخُولِهِ في جُمْلَةِ سائِرِ الشَّجَرِ تَنْبِيهًا عَلى فَضْلِهِ عَلى سائِرِ الأشْجارِ. والثّانِي: أنْ يُرادَ بِالجَنّاتِ غَيْرُها مِنَ الشَّجَرِ؛ لِأنَّ اللَّفْظَ يَصْلُحُ لِذَلِكَ، ثُمَّ يَعْطِفُ عَلَيْها النَّخْلَ، والطَّلْعُ هو الَّذِي يَطْلُعُ مِنَ النَّخْلَةِ كَنَصْلِ السَّيْفِ في جَوْفِهِ شَمارِيخُ، والهَضِيمُ اللَّطِيفُ أيْضًا مِن قَوْلِهِمْ: كَشْحٌ هَضِيمٌ، وقِيلَ: الهَضِيمُ اللَّيِّنُ النَّضِيجُ كَأنَّهُ قالَ: ونَخْلٌ قَدْ أرْطَبَ ثَمَرُهُ. وثانِيها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا فارِهِينَ﴾ قَرَأ الحَسَنُ: ”وتَنْحَتُونَ“ بِفَتْحِ الحاءِ، وقُرِئَ ”فَرِهِينَ“ و”فارِهِينَ“ والفَراهَةُ الكَيْسُ والنَّشاطُ، فَقَوْلُهُ: ﴿فارِهِينَ﴾ حالٌ مِنَ النّاحِيَتَيْنِ. واعْلَمْ أنَّ ظاهِرَ هَذِهِ الآياتِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الغالِبَ عَلى قَوْمِ هُودٍ هو اللَّذّاتُ الحالِيَّةُ، وهي طَلَبُ الِاسْتِعْلاءِ والبَقاءِ والتَّفَرُّدِ والتَّجَبُّرِ، والغالِبُ عَلى قَوْمِ صالِحٍ هو اللَّذّاتُ الحِسِّيَّةُ، وهي طَلَبُ المَأْكُولِ والمَشْرُوبِ والمَساكِنِ الطَّيِّبَةِ الحَصِينَةِ. وثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تُطِيعُوا أمْرَ المُسْرِفِينَ﴾ وهَذا إشارَةٌ إلى أنَّهُ يَجِبُ الِاكْتِفاءُ مِنَ الدُّنْيا بِقَدْرِ الكَفافِ، ولا يَجُوزُ التَّوَسُّعُ في طَلَبِها والِاسْتِكْثارُ مِن لَذّاتِها وشَهَواتِها، فَإنْ قِيلَ: ما فائِدَةُ قَوْلِهِ: ﴿ولا يُصْلِحُونَ﴾ ؟ جَوابُهُ: فائِدَتُهُ بَيانُ أنَّ فَسادَهم فَسادٌ خالِصٌ لَيْسَ مَعَهُ شَيْءٌ مِنَ الصَّلاحِ، كَما يَكُونُ حالُ بَعْضِ المُفْسِدِينَ مَخْلُوطَةً بِبَعْضِ الصَّلاحِ، ثُمَّ إنَّ القَوْمَ أجابُوهُ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: قَوْلُهم: ﴿إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: المُسَحَّرُ هو الَّذِي سُحِرَ كَثِيرًا حَتّى غَلَبَ عَلى عَقْلِهِ. وثانِيها: ﴿مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ أيْ: مَن لَهُ سِحْرٌ، وكُلُّ دابَّةٍ تَأْكُلُ فَهي مُسَحَّرَةٌ، والسِّحْرُ أعْلى البَطْنِ، وعَنِ الفَرّاءِ: المُسَحَّرُ مَن لَهُ جَوْفٌ، أرادَ أنَّكَ تَأْكُلُ الطَّعامَ وتَشْرَبُ الشَّرابَ. وثالِثُها: عَنِ المُؤَرِّجِ المُسَحَّرُ هو المَخْلُوقُ بِلُغَةِ بَجِيلَةَ. وثانِيهِما: قَوْلُهم: ﴿ما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا فَأْتِ بِآيَةٍ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ وهَذا يَحْتَمِلُ أمْرَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّكَ بَشَرٌ مِثْلُنا فَكَيْفَ تَكُونُ نَبِيًّا ؟ وهَذا بِمَنزِلَةِ ما كانُوا يَذْكُرُونَ في الأنْبِياءِ أنَّهم لَوْ كانُوا صادِقِينَ، لَكانُوا مِن جِنْسِ المَلائِكَةِ. الثّانِي: أنْ يَكُونَ مُرادُهم إنَّكَ بَشَرٌ مِثْلُنا، فَلا بُدَّ لَنا في إثْباتِ نُبُوَّتِكَ مِنَ الدَّلِيلِ، فَقالَ صالِحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿هَذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ﴾ وقُرِئَ بِالضَّمِّ، رُوِيَ أنَّهم قالُوا: نُرِيدُ ناقَةً عُشَراءَ تَخْرُجُ مِن هَذِهِ الصَّخْرَةِ فَتَلِدُ سَقْبًا، فَقَعَدَ صالِحٌ يَتَفَكَّرُ، فَقالَ لَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ: صَلِّ رَكْعَتَيْنِ وسَلْ رَبَّكَ صفحة ١٣٨ النّاقَةَ، فَفَعَلَ فَخَرَجَتِ النّاقَةُ وبَرَكَتْ بَيْنَ أيْدِيهِمْ وحَصَلَ لَها سَقْبٌ مِثْلُها في العِظَمِ، ووَصّاهم صالِحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ بِأمْرَيْنِ: الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿لَها شِرْبٌ ولَكم شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ قالَ قَتادَةُ: إذا كانَ يَوْمُ شِرْبِها شَرِبَتْ ماءَهم كُلَّهُ، وشِرْبُهم في اليَوْمِ الَّذِي لا تَشْرَبُ هي. والثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ﴾ أيْ بِضَرْبٍ أوْ عَقْرٍ أوْ غَيْرِهِما ﴿فَيَأْخُذَكم عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ عَظَّمَ اليَوْمَ لِحُلُولِ العَذابِ فِيهِ، ووَصْفُ اليَوْمِ بِهِ أبْلَغُ مِن وصْفِ العَذابِ، لِأنَّ الوَقْتَ إذا عُظِّمَ بِسَبَبِهِ كانَ مَوْقِعُهُ مِنَ العِظَمِ أشَدَّ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى حَكى عَنْهم أنَّهم عَقَرُوها. رُوِيَ أنَّ مِصْدَعًا ألْجَأها إلى مَضِيقٍ فَرَماها بِسَهْمٍ فَسَقَطَتْ، ثُمَّ ضَرَبَها قُدارٌ، فَإنْ قِيلَ: لِمَ أخَذَهُمُ العَذابُ وقَدْ نَدِمُوا ؟ جَوابُهُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَدَمُهم نَدَمَ التّائِبِينَ، لَكِنْ نَدَمَ الخائِفِينَ مِنَ العَذابِ العاجِلِ. الثّانِي: أنَّ النَّدَمَ وإنْ كانَ نَدَمَ التّائِبِينَ، ولَكِنْ كانَ ذَلِكَ في غَيْرِ وقْتِ التَّوْبَةِ، بَلْ عِنْدَ مُعايَنَةِ العَذابِ، وقالَ تَعالى: ﴿ولَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ﴾ [النساء: ١٨] الآيَةَ. واللّامُ في العَذابِ إشارَةٌ إلى عَذابِ يَوْمٍ عَظِيمٍ.

الشعراء 26:163

القِصَّةُ الخامِسَةُ قِصَّةُ صالِحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم صالِحٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أتُتْرَكُونَ في ما هاهُنا آمِنِينَ﴾ ﴿فِي جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿وزُرُوعٍ ونَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمٌ﴾ ﴿وتَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا فارِهِينَ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿ولا تُطِيعُوا أمْرَ المُسْرِفِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يُصْلِحُونَ﴾ ﴿قالُوا إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ ﴿ما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا فَأْتِ بِآيَةٍ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿قالَ هَذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ ولَكم شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ ﴿ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكم عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿فَعَقَرُوها فَأصْبَحُوا نادِمِينَ﴾ ﴿فَأخَذَهُمُ العَذابُ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ . صفحة ١٣٧ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم صالِحٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أتُتْرَكُونَ في ما هاهُنا آمِنِينَ﴾ ﴿فِي جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿وزُرُوعٍ ونَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمٌ﴾ ﴿وتَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا فارِهِينَ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿ولا تُطِيعُوا أمْرَ المُسْرِفِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يُصْلِحُونَ﴾ ﴿قالُوا إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ ﴿ما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا فَأْتِ بِآيَةٍ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿قالَ هَذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ ولَكم شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ ﴿ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكم عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿فَعَقَرُوها فَأصْبَحُوا نادِمِينَ﴾ ﴿فَأخَذَهُمُ العَذابُ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ . اعْلَمْ أنَّ صالِحًا عَلَيْهِ السَّلامُ خاطَبَ قَوْمَهُ بِأُمُورٍ: أحَدُها: قَوْلُهُ: ﴿أتُتْرَكُونَ في ما هاهُنا آمِنِينَ﴾ أيْ أتَظُنُّونَ أنَّكم تُتْرَكُونَ في دِيارِكم آمِنِينَ وتَطْمَعُونَ في ذَلِكَ وأنْ لا دارَ لِلْمُجازاةِ. وقَوْلُهُ: ﴿فِي ما هاهُنا آمِنِينَ﴾ في الَّذِي اسْتَقَرَّ في هَذا المَكانِ مِنَ النَّعِيمِ، ثُمَّ فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فِي جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ وهَذا أيْضًا إجْمالٌ ثُمَّ تَفْصِيلٌ، فَإنْ قِيلَ: لِمَ قالَ: ﴿ونَخْلٍ﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿فِي جَنّاتٍ﴾ والجَنَّةُ تَتَناوَلُ النَّخْلَ ؟ جَوابُهُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ خَصَّ النَّخْلَ بِإفْرادِهِ بَعْدَ دُخُولِهِ في جُمْلَةِ سائِرِ الشَّجَرِ تَنْبِيهًا عَلى فَضْلِهِ عَلى سائِرِ الأشْجارِ. والثّانِي: أنْ يُرادَ بِالجَنّاتِ غَيْرُها مِنَ الشَّجَرِ؛ لِأنَّ اللَّفْظَ يَصْلُحُ لِذَلِكَ، ثُمَّ يَعْطِفُ عَلَيْها النَّخْلَ، والطَّلْعُ هو الَّذِي يَطْلُعُ مِنَ النَّخْلَةِ كَنَصْلِ السَّيْفِ في جَوْفِهِ شَمارِيخُ، والهَضِيمُ اللَّطِيفُ أيْضًا مِن قَوْلِهِمْ: كَشْحٌ هَضِيمٌ، وقِيلَ: الهَضِيمُ اللَّيِّنُ النَّضِيجُ كَأنَّهُ قالَ: ونَخْلٌ قَدْ أرْطَبَ ثَمَرُهُ. وثانِيها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا فارِهِينَ﴾ قَرَأ الحَسَنُ: ”وتَنْحَتُونَ“ بِفَتْحِ الحاءِ، وقُرِئَ ”فَرِهِينَ“ و”فارِهِينَ“ والفَراهَةُ الكَيْسُ والنَّشاطُ، فَقَوْلُهُ: ﴿فارِهِينَ﴾ حالٌ مِنَ النّاحِيَتَيْنِ. واعْلَمْ أنَّ ظاهِرَ هَذِهِ الآياتِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الغالِبَ عَلى قَوْمِ هُودٍ هو اللَّذّاتُ الحالِيَّةُ، وهي طَلَبُ الِاسْتِعْلاءِ والبَقاءِ والتَّفَرُّدِ والتَّجَبُّرِ، والغالِبُ عَلى قَوْمِ صالِحٍ هو اللَّذّاتُ الحِسِّيَّةُ، وهي طَلَبُ المَأْكُولِ والمَشْرُوبِ والمَساكِنِ الطَّيِّبَةِ الحَصِينَةِ. وثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تُطِيعُوا أمْرَ المُسْرِفِينَ﴾ وهَذا إشارَةٌ إلى أنَّهُ يَجِبُ الِاكْتِفاءُ مِنَ الدُّنْيا بِقَدْرِ الكَفافِ، ولا يَجُوزُ التَّوَسُّعُ في طَلَبِها والِاسْتِكْثارُ مِن لَذّاتِها وشَهَواتِها، فَإنْ قِيلَ: ما فائِدَةُ قَوْلِهِ: ﴿ولا يُصْلِحُونَ﴾ ؟ جَوابُهُ: فائِدَتُهُ بَيانُ أنَّ فَسادَهم فَسادٌ خالِصٌ لَيْسَ مَعَهُ شَيْءٌ مِنَ الصَّلاحِ، كَما يَكُونُ حالُ بَعْضِ المُفْسِدِينَ مَخْلُوطَةً بِبَعْضِ الصَّلاحِ، ثُمَّ إنَّ القَوْمَ أجابُوهُ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: قَوْلُهم: ﴿إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: المُسَحَّرُ هو الَّذِي سُحِرَ كَثِيرًا حَتّى غَلَبَ عَلى عَقْلِهِ. وثانِيها: ﴿مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ أيْ: مَن لَهُ سِحْرٌ، وكُلُّ دابَّةٍ تَأْكُلُ فَهي مُسَحَّرَةٌ، والسِّحْرُ أعْلى البَطْنِ، وعَنِ الفَرّاءِ: المُسَحَّرُ مَن لَهُ جَوْفٌ، أرادَ أنَّكَ تَأْكُلُ الطَّعامَ وتَشْرَبُ الشَّرابَ. وثالِثُها: عَنِ المُؤَرِّجِ المُسَحَّرُ هو المَخْلُوقُ بِلُغَةِ بَجِيلَةَ. وثانِيهِما: قَوْلُهم: ﴿ما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا فَأْتِ بِآيَةٍ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ وهَذا يَحْتَمِلُ أمْرَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّكَ بَشَرٌ مِثْلُنا فَكَيْفَ تَكُونُ نَبِيًّا ؟ وهَذا بِمَنزِلَةِ ما كانُوا يَذْكُرُونَ في الأنْبِياءِ أنَّهم لَوْ كانُوا صادِقِينَ، لَكانُوا مِن جِنْسِ المَلائِكَةِ. الثّانِي: أنْ يَكُونَ مُرادُهم إنَّكَ بَشَرٌ مِثْلُنا، فَلا بُدَّ لَنا في إثْباتِ نُبُوَّتِكَ مِنَ الدَّلِيلِ، فَقالَ صالِحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿هَذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ﴾ وقُرِئَ بِالضَّمِّ، رُوِيَ أنَّهم قالُوا: نُرِيدُ ناقَةً عُشَراءَ تَخْرُجُ مِن هَذِهِ الصَّخْرَةِ فَتَلِدُ سَقْبًا، فَقَعَدَ صالِحٌ يَتَفَكَّرُ، فَقالَ لَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ: صَلِّ رَكْعَتَيْنِ وسَلْ رَبَّكَ صفحة ١٣٨ النّاقَةَ، فَفَعَلَ فَخَرَجَتِ النّاقَةُ وبَرَكَتْ بَيْنَ أيْدِيهِمْ وحَصَلَ لَها سَقْبٌ مِثْلُها في العِظَمِ، ووَصّاهم صالِحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ بِأمْرَيْنِ: الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿لَها شِرْبٌ ولَكم شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ قالَ قَتادَةُ: إذا كانَ يَوْمُ شِرْبِها شَرِبَتْ ماءَهم كُلَّهُ، وشِرْبُهم في اليَوْمِ الَّذِي لا تَشْرَبُ هي. والثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ﴾ أيْ بِضَرْبٍ أوْ عَقْرٍ أوْ غَيْرِهِما ﴿فَيَأْخُذَكم عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ عَظَّمَ اليَوْمَ لِحُلُولِ العَذابِ فِيهِ، ووَصْفُ اليَوْمِ بِهِ أبْلَغُ مِن وصْفِ العَذابِ، لِأنَّ الوَقْتَ إذا عُظِّمَ بِسَبَبِهِ كانَ مَوْقِعُهُ مِنَ العِظَمِ أشَدَّ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى حَكى عَنْهم أنَّهم عَقَرُوها. رُوِيَ أنَّ مِصْدَعًا ألْجَأها إلى مَضِيقٍ فَرَماها بِسَهْمٍ فَسَقَطَتْ، ثُمَّ ضَرَبَها قُدارٌ، فَإنْ قِيلَ: لِمَ أخَذَهُمُ العَذابُ وقَدْ نَدِمُوا ؟ جَوابُهُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَدَمُهم نَدَمَ التّائِبِينَ، لَكِنْ نَدَمَ الخائِفِينَ مِنَ العَذابِ العاجِلِ. الثّانِي: أنَّ النَّدَمَ وإنْ كانَ نَدَمَ التّائِبِينَ، ولَكِنْ كانَ ذَلِكَ في غَيْرِ وقْتِ التَّوْبَةِ، بَلْ عِنْدَ مُعايَنَةِ العَذابِ، وقالَ تَعالى: ﴿ولَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ﴾ [النساء: ١٨] الآيَةَ. واللّامُ في العَذابِ إشارَةٌ إلى عَذابِ يَوْمٍ عَظِيمٍ.

الشعراء 26:164

القِصَّةُ الخامِسَةُ قِصَّةُ صالِحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم صالِحٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أتُتْرَكُونَ في ما هاهُنا آمِنِينَ﴾ ﴿فِي جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿وزُرُوعٍ ونَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمٌ﴾ ﴿وتَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا فارِهِينَ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿ولا تُطِيعُوا أمْرَ المُسْرِفِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يُصْلِحُونَ﴾ ﴿قالُوا إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ ﴿ما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا فَأْتِ بِآيَةٍ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿قالَ هَذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ ولَكم شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ ﴿ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكم عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿فَعَقَرُوها فَأصْبَحُوا نادِمِينَ﴾ ﴿فَأخَذَهُمُ العَذابُ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ . صفحة ١٣٧ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم صالِحٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أتُتْرَكُونَ في ما هاهُنا آمِنِينَ﴾ ﴿فِي جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿وزُرُوعٍ ونَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمٌ﴾ ﴿وتَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا فارِهِينَ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿ولا تُطِيعُوا أمْرَ المُسْرِفِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يُصْلِحُونَ﴾ ﴿قالُوا إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ ﴿ما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا فَأْتِ بِآيَةٍ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿قالَ هَذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ ولَكم شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ ﴿ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكم عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿فَعَقَرُوها فَأصْبَحُوا نادِمِينَ﴾ ﴿فَأخَذَهُمُ العَذابُ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ . اعْلَمْ أنَّ صالِحًا عَلَيْهِ السَّلامُ خاطَبَ قَوْمَهُ بِأُمُورٍ: أحَدُها: قَوْلُهُ: ﴿أتُتْرَكُونَ في ما هاهُنا آمِنِينَ﴾ أيْ أتَظُنُّونَ أنَّكم تُتْرَكُونَ في دِيارِكم آمِنِينَ وتَطْمَعُونَ في ذَلِكَ وأنْ لا دارَ لِلْمُجازاةِ. وقَوْلُهُ: ﴿فِي ما هاهُنا آمِنِينَ﴾ في الَّذِي اسْتَقَرَّ في هَذا المَكانِ مِنَ النَّعِيمِ، ثُمَّ فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فِي جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ وهَذا أيْضًا إجْمالٌ ثُمَّ تَفْصِيلٌ، فَإنْ قِيلَ: لِمَ قالَ: ﴿ونَخْلٍ﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿فِي جَنّاتٍ﴾ والجَنَّةُ تَتَناوَلُ النَّخْلَ ؟ جَوابُهُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ خَصَّ النَّخْلَ بِإفْرادِهِ بَعْدَ دُخُولِهِ في جُمْلَةِ سائِرِ الشَّجَرِ تَنْبِيهًا عَلى فَضْلِهِ عَلى سائِرِ الأشْجارِ. والثّانِي: أنْ يُرادَ بِالجَنّاتِ غَيْرُها مِنَ الشَّجَرِ؛ لِأنَّ اللَّفْظَ يَصْلُحُ لِذَلِكَ، ثُمَّ يَعْطِفُ عَلَيْها النَّخْلَ، والطَّلْعُ هو الَّذِي يَطْلُعُ مِنَ النَّخْلَةِ كَنَصْلِ السَّيْفِ في جَوْفِهِ شَمارِيخُ، والهَضِيمُ اللَّطِيفُ أيْضًا مِن قَوْلِهِمْ: كَشْحٌ هَضِيمٌ، وقِيلَ: الهَضِيمُ اللَّيِّنُ النَّضِيجُ كَأنَّهُ قالَ: ونَخْلٌ قَدْ أرْطَبَ ثَمَرُهُ. وثانِيها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا فارِهِينَ﴾ قَرَأ الحَسَنُ: ”وتَنْحَتُونَ“ بِفَتْحِ الحاءِ، وقُرِئَ ”فَرِهِينَ“ و”فارِهِينَ“ والفَراهَةُ الكَيْسُ والنَّشاطُ، فَقَوْلُهُ: ﴿فارِهِينَ﴾ حالٌ مِنَ النّاحِيَتَيْنِ. واعْلَمْ أنَّ ظاهِرَ هَذِهِ الآياتِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الغالِبَ عَلى قَوْمِ هُودٍ هو اللَّذّاتُ الحالِيَّةُ، وهي طَلَبُ الِاسْتِعْلاءِ والبَقاءِ والتَّفَرُّدِ والتَّجَبُّرِ، والغالِبُ عَلى قَوْمِ صالِحٍ هو اللَّذّاتُ الحِسِّيَّةُ، وهي طَلَبُ المَأْكُولِ والمَشْرُوبِ والمَساكِنِ الطَّيِّبَةِ الحَصِينَةِ. وثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تُطِيعُوا أمْرَ المُسْرِفِينَ﴾ وهَذا إشارَةٌ إلى أنَّهُ يَجِبُ الِاكْتِفاءُ مِنَ الدُّنْيا بِقَدْرِ الكَفافِ، ولا يَجُوزُ التَّوَسُّعُ في طَلَبِها والِاسْتِكْثارُ مِن لَذّاتِها وشَهَواتِها، فَإنْ قِيلَ: ما فائِدَةُ قَوْلِهِ: ﴿ولا يُصْلِحُونَ﴾ ؟ جَوابُهُ: فائِدَتُهُ بَيانُ أنَّ فَسادَهم فَسادٌ خالِصٌ لَيْسَ مَعَهُ شَيْءٌ مِنَ الصَّلاحِ، كَما يَكُونُ حالُ بَعْضِ المُفْسِدِينَ مَخْلُوطَةً بِبَعْضِ الصَّلاحِ، ثُمَّ إنَّ القَوْمَ أجابُوهُ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: قَوْلُهم: ﴿إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: المُسَحَّرُ هو الَّذِي سُحِرَ كَثِيرًا حَتّى غَلَبَ عَلى عَقْلِهِ. وثانِيها: ﴿مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ أيْ: مَن لَهُ سِحْرٌ، وكُلُّ دابَّةٍ تَأْكُلُ فَهي مُسَحَّرَةٌ، والسِّحْرُ أعْلى البَطْنِ، وعَنِ الفَرّاءِ: المُسَحَّرُ مَن لَهُ جَوْفٌ، أرادَ أنَّكَ تَأْكُلُ الطَّعامَ وتَشْرَبُ الشَّرابَ. وثالِثُها: عَنِ المُؤَرِّجِ المُسَحَّرُ هو المَخْلُوقُ بِلُغَةِ بَجِيلَةَ. وثانِيهِما: قَوْلُهم: ﴿ما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا فَأْتِ بِآيَةٍ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ وهَذا يَحْتَمِلُ أمْرَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّكَ بَشَرٌ مِثْلُنا فَكَيْفَ تَكُونُ نَبِيًّا ؟ وهَذا بِمَنزِلَةِ ما كانُوا يَذْكُرُونَ في الأنْبِياءِ أنَّهم لَوْ كانُوا صادِقِينَ، لَكانُوا مِن جِنْسِ المَلائِكَةِ. الثّانِي: أنْ يَكُونَ مُرادُهم إنَّكَ بَشَرٌ مِثْلُنا، فَلا بُدَّ لَنا في إثْباتِ نُبُوَّتِكَ مِنَ الدَّلِيلِ، فَقالَ صالِحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿هَذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ﴾ وقُرِئَ بِالضَّمِّ، رُوِيَ أنَّهم قالُوا: نُرِيدُ ناقَةً عُشَراءَ تَخْرُجُ مِن هَذِهِ الصَّخْرَةِ فَتَلِدُ سَقْبًا، فَقَعَدَ صالِحٌ يَتَفَكَّرُ، فَقالَ لَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ: صَلِّ رَكْعَتَيْنِ وسَلْ رَبَّكَ صفحة ١٣٨ النّاقَةَ، فَفَعَلَ فَخَرَجَتِ النّاقَةُ وبَرَكَتْ بَيْنَ أيْدِيهِمْ وحَصَلَ لَها سَقْبٌ مِثْلُها في العِظَمِ، ووَصّاهم صالِحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ بِأمْرَيْنِ: الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿لَها شِرْبٌ ولَكم شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ قالَ قَتادَةُ: إذا كانَ يَوْمُ شِرْبِها شَرِبَتْ ماءَهم كُلَّهُ، وشِرْبُهم في اليَوْمِ الَّذِي لا تَشْرَبُ هي. والثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ﴾ أيْ بِضَرْبٍ أوْ عَقْرٍ أوْ غَيْرِهِما ﴿فَيَأْخُذَكم عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ عَظَّمَ اليَوْمَ لِحُلُولِ العَذابِ فِيهِ، ووَصْفُ اليَوْمِ بِهِ أبْلَغُ مِن وصْفِ العَذابِ، لِأنَّ الوَقْتَ إذا عُظِّمَ بِسَبَبِهِ كانَ مَوْقِعُهُ مِنَ العِظَمِ أشَدَّ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى حَكى عَنْهم أنَّهم عَقَرُوها. رُوِيَ أنَّ مِصْدَعًا ألْجَأها إلى مَضِيقٍ فَرَماها بِسَهْمٍ فَسَقَطَتْ، ثُمَّ ضَرَبَها قُدارٌ، فَإنْ قِيلَ: لِمَ أخَذَهُمُ العَذابُ وقَدْ نَدِمُوا ؟ جَوابُهُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَدَمُهم نَدَمَ التّائِبِينَ، لَكِنْ نَدَمَ الخائِفِينَ مِنَ العَذابِ العاجِلِ. الثّانِي: أنَّ النَّدَمَ وإنْ كانَ نَدَمَ التّائِبِينَ، ولَكِنْ كانَ ذَلِكَ في غَيْرِ وقْتِ التَّوْبَةِ، بَلْ عِنْدَ مُعايَنَةِ العَذابِ، وقالَ تَعالى: ﴿ولَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ﴾ [النساء: ١٨] الآيَةَ. واللّامُ في العَذابِ إشارَةٌ إلى عَذابِ يَوْمٍ عَظِيمٍ.

الشعراء 26:165

القِصَّةُ الخامِسَةُ قِصَّةُ صالِحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم صالِحٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أتُتْرَكُونَ في ما هاهُنا آمِنِينَ﴾ ﴿فِي جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿وزُرُوعٍ ونَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمٌ﴾ ﴿وتَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا فارِهِينَ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿ولا تُطِيعُوا أمْرَ المُسْرِفِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يُصْلِحُونَ﴾ ﴿قالُوا إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ ﴿ما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا فَأْتِ بِآيَةٍ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿قالَ هَذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ ولَكم شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ ﴿ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكم عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿فَعَقَرُوها فَأصْبَحُوا نادِمِينَ﴾ ﴿فَأخَذَهُمُ العَذابُ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ . صفحة ١٣٧ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم صالِحٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أتُتْرَكُونَ في ما هاهُنا آمِنِينَ﴾ ﴿فِي جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿وزُرُوعٍ ونَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمٌ﴾ ﴿وتَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا فارِهِينَ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿ولا تُطِيعُوا أمْرَ المُسْرِفِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يُصْلِحُونَ﴾ ﴿قالُوا إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ ﴿ما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا فَأْتِ بِآيَةٍ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿قالَ هَذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ ولَكم شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ ﴿ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكم عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿فَعَقَرُوها فَأصْبَحُوا نادِمِينَ﴾ ﴿فَأخَذَهُمُ العَذابُ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ . اعْلَمْ أنَّ صالِحًا عَلَيْهِ السَّلامُ خاطَبَ قَوْمَهُ بِأُمُورٍ: أحَدُها: قَوْلُهُ: ﴿أتُتْرَكُونَ في ما هاهُنا آمِنِينَ﴾ أيْ أتَظُنُّونَ أنَّكم تُتْرَكُونَ في دِيارِكم آمِنِينَ وتَطْمَعُونَ في ذَلِكَ وأنْ لا دارَ لِلْمُجازاةِ. وقَوْلُهُ: ﴿فِي ما هاهُنا آمِنِينَ﴾ في الَّذِي اسْتَقَرَّ في هَذا المَكانِ مِنَ النَّعِيمِ، ثُمَّ فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فِي جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ وهَذا أيْضًا إجْمالٌ ثُمَّ تَفْصِيلٌ، فَإنْ قِيلَ: لِمَ قالَ: ﴿ونَخْلٍ﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿فِي جَنّاتٍ﴾ والجَنَّةُ تَتَناوَلُ النَّخْلَ ؟ جَوابُهُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ خَصَّ النَّخْلَ بِإفْرادِهِ بَعْدَ دُخُولِهِ في جُمْلَةِ سائِرِ الشَّجَرِ تَنْبِيهًا عَلى فَضْلِهِ عَلى سائِرِ الأشْجارِ. والثّانِي: أنْ يُرادَ بِالجَنّاتِ غَيْرُها مِنَ الشَّجَرِ؛ لِأنَّ اللَّفْظَ يَصْلُحُ لِذَلِكَ، ثُمَّ يَعْطِفُ عَلَيْها النَّخْلَ، والطَّلْعُ هو الَّذِي يَطْلُعُ مِنَ النَّخْلَةِ كَنَصْلِ السَّيْفِ في جَوْفِهِ شَمارِيخُ، والهَضِيمُ اللَّطِيفُ أيْضًا مِن قَوْلِهِمْ: كَشْحٌ هَضِيمٌ، وقِيلَ: الهَضِيمُ اللَّيِّنُ النَّضِيجُ كَأنَّهُ قالَ: ونَخْلٌ قَدْ أرْطَبَ ثَمَرُهُ. وثانِيها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا فارِهِينَ﴾ قَرَأ الحَسَنُ: ”وتَنْحَتُونَ“ بِفَتْحِ الحاءِ، وقُرِئَ ”فَرِهِينَ“ و”فارِهِينَ“ والفَراهَةُ الكَيْسُ والنَّشاطُ، فَقَوْلُهُ: ﴿فارِهِينَ﴾ حالٌ مِنَ النّاحِيَتَيْنِ. واعْلَمْ أنَّ ظاهِرَ هَذِهِ الآياتِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الغالِبَ عَلى قَوْمِ هُودٍ هو اللَّذّاتُ الحالِيَّةُ، وهي طَلَبُ الِاسْتِعْلاءِ والبَقاءِ والتَّفَرُّدِ والتَّجَبُّرِ، والغالِبُ عَلى قَوْمِ صالِحٍ هو اللَّذّاتُ الحِسِّيَّةُ، وهي طَلَبُ المَأْكُولِ والمَشْرُوبِ والمَساكِنِ الطَّيِّبَةِ الحَصِينَةِ. وثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تُطِيعُوا أمْرَ المُسْرِفِينَ﴾ وهَذا إشارَةٌ إلى أنَّهُ يَجِبُ الِاكْتِفاءُ مِنَ الدُّنْيا بِقَدْرِ الكَفافِ، ولا يَجُوزُ التَّوَسُّعُ في طَلَبِها والِاسْتِكْثارُ مِن لَذّاتِها وشَهَواتِها، فَإنْ قِيلَ: ما فائِدَةُ قَوْلِهِ: ﴿ولا يُصْلِحُونَ﴾ ؟ جَوابُهُ: فائِدَتُهُ بَيانُ أنَّ فَسادَهم فَسادٌ خالِصٌ لَيْسَ مَعَهُ شَيْءٌ مِنَ الصَّلاحِ، كَما يَكُونُ حالُ بَعْضِ المُفْسِدِينَ مَخْلُوطَةً بِبَعْضِ الصَّلاحِ، ثُمَّ إنَّ القَوْمَ أجابُوهُ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: قَوْلُهم: ﴿إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: المُسَحَّرُ هو الَّذِي سُحِرَ كَثِيرًا حَتّى غَلَبَ عَلى عَقْلِهِ. وثانِيها: ﴿مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ أيْ: مَن لَهُ سِحْرٌ، وكُلُّ دابَّةٍ تَأْكُلُ فَهي مُسَحَّرَةٌ، والسِّحْرُ أعْلى البَطْنِ، وعَنِ الفَرّاءِ: المُسَحَّرُ مَن لَهُ جَوْفٌ، أرادَ أنَّكَ تَأْكُلُ الطَّعامَ وتَشْرَبُ الشَّرابَ. وثالِثُها: عَنِ المُؤَرِّجِ المُسَحَّرُ هو المَخْلُوقُ بِلُغَةِ بَجِيلَةَ. وثانِيهِما: قَوْلُهم: ﴿ما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا فَأْتِ بِآيَةٍ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ وهَذا يَحْتَمِلُ أمْرَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّكَ بَشَرٌ مِثْلُنا فَكَيْفَ تَكُونُ نَبِيًّا ؟ وهَذا بِمَنزِلَةِ ما كانُوا يَذْكُرُونَ في الأنْبِياءِ أنَّهم لَوْ كانُوا صادِقِينَ، لَكانُوا مِن جِنْسِ المَلائِكَةِ. الثّانِي: أنْ يَكُونَ مُرادُهم إنَّكَ بَشَرٌ مِثْلُنا، فَلا بُدَّ لَنا في إثْباتِ نُبُوَّتِكَ مِنَ الدَّلِيلِ، فَقالَ صالِحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿هَذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ﴾ وقُرِئَ بِالضَّمِّ، رُوِيَ أنَّهم قالُوا: نُرِيدُ ناقَةً عُشَراءَ تَخْرُجُ مِن هَذِهِ الصَّخْرَةِ فَتَلِدُ سَقْبًا، فَقَعَدَ صالِحٌ يَتَفَكَّرُ، فَقالَ لَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ: صَلِّ رَكْعَتَيْنِ وسَلْ رَبَّكَ صفحة ١٣٨ النّاقَةَ، فَفَعَلَ فَخَرَجَتِ النّاقَةُ وبَرَكَتْ بَيْنَ أيْدِيهِمْ وحَصَلَ لَها سَقْبٌ مِثْلُها في العِظَمِ، ووَصّاهم صالِحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ بِأمْرَيْنِ: الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿لَها شِرْبٌ ولَكم شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ قالَ قَتادَةُ: إذا كانَ يَوْمُ شِرْبِها شَرِبَتْ ماءَهم كُلَّهُ، وشِرْبُهم في اليَوْمِ الَّذِي لا تَشْرَبُ هي. والثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ﴾ أيْ بِضَرْبٍ أوْ عَقْرٍ أوْ غَيْرِهِما ﴿فَيَأْخُذَكم عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ عَظَّمَ اليَوْمَ لِحُلُولِ العَذابِ فِيهِ، ووَصْفُ اليَوْمِ بِهِ أبْلَغُ مِن وصْفِ العَذابِ، لِأنَّ الوَقْتَ إذا عُظِّمَ بِسَبَبِهِ كانَ مَوْقِعُهُ مِنَ العِظَمِ أشَدَّ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى حَكى عَنْهم أنَّهم عَقَرُوها. رُوِيَ أنَّ مِصْدَعًا ألْجَأها إلى مَضِيقٍ فَرَماها بِسَهْمٍ فَسَقَطَتْ، ثُمَّ ضَرَبَها قُدارٌ، فَإنْ قِيلَ: لِمَ أخَذَهُمُ العَذابُ وقَدْ نَدِمُوا ؟ جَوابُهُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَدَمُهم نَدَمَ التّائِبِينَ، لَكِنْ نَدَمَ الخائِفِينَ مِنَ العَذابِ العاجِلِ. الثّانِي: أنَّ النَّدَمَ وإنْ كانَ نَدَمَ التّائِبِينَ، ولَكِنْ كانَ ذَلِكَ في غَيْرِ وقْتِ التَّوْبَةِ، بَلْ عِنْدَ مُعايَنَةِ العَذابِ، وقالَ تَعالى: ﴿ولَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ﴾ [النساء: ١٨] الآيَةَ. واللّامُ في العَذابِ إشارَةٌ إلى عَذابِ يَوْمٍ عَظِيمٍ.

الشعراء 26:166

القِصَّةُ الخامِسَةُ قِصَّةُ صالِحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم صالِحٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أتُتْرَكُونَ في ما هاهُنا آمِنِينَ﴾ ﴿فِي جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿وزُرُوعٍ ونَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمٌ﴾ ﴿وتَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا فارِهِينَ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿ولا تُطِيعُوا أمْرَ المُسْرِفِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يُصْلِحُونَ﴾ ﴿قالُوا إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ ﴿ما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا فَأْتِ بِآيَةٍ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿قالَ هَذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ ولَكم شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ ﴿ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكم عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿فَعَقَرُوها فَأصْبَحُوا نادِمِينَ﴾ ﴿فَأخَذَهُمُ العَذابُ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ . صفحة ١٣٧ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم صالِحٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أتُتْرَكُونَ في ما هاهُنا آمِنِينَ﴾ ﴿فِي جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿وزُرُوعٍ ونَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمٌ﴾ ﴿وتَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا فارِهِينَ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿ولا تُطِيعُوا أمْرَ المُسْرِفِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يُصْلِحُونَ﴾ ﴿قالُوا إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ ﴿ما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا فَأْتِ بِآيَةٍ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿قالَ هَذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ ولَكم شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ ﴿ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكم عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿فَعَقَرُوها فَأصْبَحُوا نادِمِينَ﴾ ﴿فَأخَذَهُمُ العَذابُ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ . اعْلَمْ أنَّ صالِحًا عَلَيْهِ السَّلامُ خاطَبَ قَوْمَهُ بِأُمُورٍ: أحَدُها: قَوْلُهُ: ﴿أتُتْرَكُونَ في ما هاهُنا آمِنِينَ﴾ أيْ أتَظُنُّونَ أنَّكم تُتْرَكُونَ في دِيارِكم آمِنِينَ وتَطْمَعُونَ في ذَلِكَ وأنْ لا دارَ لِلْمُجازاةِ. وقَوْلُهُ: ﴿فِي ما هاهُنا آمِنِينَ﴾ في الَّذِي اسْتَقَرَّ في هَذا المَكانِ مِنَ النَّعِيمِ، ثُمَّ فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فِي جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ وهَذا أيْضًا إجْمالٌ ثُمَّ تَفْصِيلٌ، فَإنْ قِيلَ: لِمَ قالَ: ﴿ونَخْلٍ﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿فِي جَنّاتٍ﴾ والجَنَّةُ تَتَناوَلُ النَّخْلَ ؟ جَوابُهُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ خَصَّ النَّخْلَ بِإفْرادِهِ بَعْدَ دُخُولِهِ في جُمْلَةِ سائِرِ الشَّجَرِ تَنْبِيهًا عَلى فَضْلِهِ عَلى سائِرِ الأشْجارِ. والثّانِي: أنْ يُرادَ بِالجَنّاتِ غَيْرُها مِنَ الشَّجَرِ؛ لِأنَّ اللَّفْظَ يَصْلُحُ لِذَلِكَ، ثُمَّ يَعْطِفُ عَلَيْها النَّخْلَ، والطَّلْعُ هو الَّذِي يَطْلُعُ مِنَ النَّخْلَةِ كَنَصْلِ السَّيْفِ في جَوْفِهِ شَمارِيخُ، والهَضِيمُ اللَّطِيفُ أيْضًا مِن قَوْلِهِمْ: كَشْحٌ هَضِيمٌ، وقِيلَ: الهَضِيمُ اللَّيِّنُ النَّضِيجُ كَأنَّهُ قالَ: ونَخْلٌ قَدْ أرْطَبَ ثَمَرُهُ. وثانِيها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا فارِهِينَ﴾ قَرَأ الحَسَنُ: ”وتَنْحَتُونَ“ بِفَتْحِ الحاءِ، وقُرِئَ ”فَرِهِينَ“ و”فارِهِينَ“ والفَراهَةُ الكَيْسُ والنَّشاطُ، فَقَوْلُهُ: ﴿فارِهِينَ﴾ حالٌ مِنَ النّاحِيَتَيْنِ. واعْلَمْ أنَّ ظاهِرَ هَذِهِ الآياتِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الغالِبَ عَلى قَوْمِ هُودٍ هو اللَّذّاتُ الحالِيَّةُ، وهي طَلَبُ الِاسْتِعْلاءِ والبَقاءِ والتَّفَرُّدِ والتَّجَبُّرِ، والغالِبُ عَلى قَوْمِ صالِحٍ هو اللَّذّاتُ الحِسِّيَّةُ، وهي طَلَبُ المَأْكُولِ والمَشْرُوبِ والمَساكِنِ الطَّيِّبَةِ الحَصِينَةِ. وثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تُطِيعُوا أمْرَ المُسْرِفِينَ﴾ وهَذا إشارَةٌ إلى أنَّهُ يَجِبُ الِاكْتِفاءُ مِنَ الدُّنْيا بِقَدْرِ الكَفافِ، ولا يَجُوزُ التَّوَسُّعُ في طَلَبِها والِاسْتِكْثارُ مِن لَذّاتِها وشَهَواتِها، فَإنْ قِيلَ: ما فائِدَةُ قَوْلِهِ: ﴿ولا يُصْلِحُونَ﴾ ؟ جَوابُهُ: فائِدَتُهُ بَيانُ أنَّ فَسادَهم فَسادٌ خالِصٌ لَيْسَ مَعَهُ شَيْءٌ مِنَ الصَّلاحِ، كَما يَكُونُ حالُ بَعْضِ المُفْسِدِينَ مَخْلُوطَةً بِبَعْضِ الصَّلاحِ، ثُمَّ إنَّ القَوْمَ أجابُوهُ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: قَوْلُهم: ﴿إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: المُسَحَّرُ هو الَّذِي سُحِرَ كَثِيرًا حَتّى غَلَبَ عَلى عَقْلِهِ. وثانِيها: ﴿مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ أيْ: مَن لَهُ سِحْرٌ، وكُلُّ دابَّةٍ تَأْكُلُ فَهي مُسَحَّرَةٌ، والسِّحْرُ أعْلى البَطْنِ، وعَنِ الفَرّاءِ: المُسَحَّرُ مَن لَهُ جَوْفٌ، أرادَ أنَّكَ تَأْكُلُ الطَّعامَ وتَشْرَبُ الشَّرابَ. وثالِثُها: عَنِ المُؤَرِّجِ المُسَحَّرُ هو المَخْلُوقُ بِلُغَةِ بَجِيلَةَ. وثانِيهِما: قَوْلُهم: ﴿ما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا فَأْتِ بِآيَةٍ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ وهَذا يَحْتَمِلُ أمْرَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّكَ بَشَرٌ مِثْلُنا فَكَيْفَ تَكُونُ نَبِيًّا ؟ وهَذا بِمَنزِلَةِ ما كانُوا يَذْكُرُونَ في الأنْبِياءِ أنَّهم لَوْ كانُوا صادِقِينَ، لَكانُوا مِن جِنْسِ المَلائِكَةِ. الثّانِي: أنْ يَكُونَ مُرادُهم إنَّكَ بَشَرٌ مِثْلُنا، فَلا بُدَّ لَنا في إثْباتِ نُبُوَّتِكَ مِنَ الدَّلِيلِ، فَقالَ صالِحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿هَذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ﴾ وقُرِئَ بِالضَّمِّ، رُوِيَ أنَّهم قالُوا: نُرِيدُ ناقَةً عُشَراءَ تَخْرُجُ مِن هَذِهِ الصَّخْرَةِ فَتَلِدُ سَقْبًا، فَقَعَدَ صالِحٌ يَتَفَكَّرُ، فَقالَ لَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ: صَلِّ رَكْعَتَيْنِ وسَلْ رَبَّكَ صفحة ١٣٨ النّاقَةَ، فَفَعَلَ فَخَرَجَتِ النّاقَةُ وبَرَكَتْ بَيْنَ أيْدِيهِمْ وحَصَلَ لَها سَقْبٌ مِثْلُها في العِظَمِ، ووَصّاهم صالِحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ بِأمْرَيْنِ: الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿لَها شِرْبٌ ولَكم شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ قالَ قَتادَةُ: إذا كانَ يَوْمُ شِرْبِها شَرِبَتْ ماءَهم كُلَّهُ، وشِرْبُهم في اليَوْمِ الَّذِي لا تَشْرَبُ هي. والثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ﴾ أيْ بِضَرْبٍ أوْ عَقْرٍ أوْ غَيْرِهِما ﴿فَيَأْخُذَكم عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ عَظَّمَ اليَوْمَ لِحُلُولِ العَذابِ فِيهِ، ووَصْفُ اليَوْمِ بِهِ أبْلَغُ مِن وصْفِ العَذابِ، لِأنَّ الوَقْتَ إذا عُظِّمَ بِسَبَبِهِ كانَ مَوْقِعُهُ مِنَ العِظَمِ أشَدَّ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى حَكى عَنْهم أنَّهم عَقَرُوها. رُوِيَ أنَّ مِصْدَعًا ألْجَأها إلى مَضِيقٍ فَرَماها بِسَهْمٍ فَسَقَطَتْ، ثُمَّ ضَرَبَها قُدارٌ، فَإنْ قِيلَ: لِمَ أخَذَهُمُ العَذابُ وقَدْ نَدِمُوا ؟ جَوابُهُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَدَمُهم نَدَمَ التّائِبِينَ، لَكِنْ نَدَمَ الخائِفِينَ مِنَ العَذابِ العاجِلِ. الثّانِي: أنَّ النَّدَمَ وإنْ كانَ نَدَمَ التّائِبِينَ، ولَكِنْ كانَ ذَلِكَ في غَيْرِ وقْتِ التَّوْبَةِ، بَلْ عِنْدَ مُعايَنَةِ العَذابِ، وقالَ تَعالى: ﴿ولَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ﴾ [النساء: ١٨] الآيَةَ. واللّامُ في العَذابِ إشارَةٌ إلى عَذابِ يَوْمٍ عَظِيمٍ.

الشعراء 26:167

القِصَّةُ الخامِسَةُ قِصَّةُ صالِحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم صالِحٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أتُتْرَكُونَ في ما هاهُنا آمِنِينَ﴾ ﴿فِي جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿وزُرُوعٍ ونَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمٌ﴾ ﴿وتَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا فارِهِينَ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿ولا تُطِيعُوا أمْرَ المُسْرِفِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يُصْلِحُونَ﴾ ﴿قالُوا إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ ﴿ما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا فَأْتِ بِآيَةٍ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿قالَ هَذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ ولَكم شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ ﴿ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكم عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿فَعَقَرُوها فَأصْبَحُوا نادِمِينَ﴾ ﴿فَأخَذَهُمُ العَذابُ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ . صفحة ١٣٧ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم صالِحٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أتُتْرَكُونَ في ما هاهُنا آمِنِينَ﴾ ﴿فِي جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿وزُرُوعٍ ونَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمٌ﴾ ﴿وتَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا فارِهِينَ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿ولا تُطِيعُوا أمْرَ المُسْرِفِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يُصْلِحُونَ﴾ ﴿قالُوا إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ ﴿ما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا فَأْتِ بِآيَةٍ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿قالَ هَذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ ولَكم شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ ﴿ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكم عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿فَعَقَرُوها فَأصْبَحُوا نادِمِينَ﴾ ﴿فَأخَذَهُمُ العَذابُ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ . اعْلَمْ أنَّ صالِحًا عَلَيْهِ السَّلامُ خاطَبَ قَوْمَهُ بِأُمُورٍ: أحَدُها: قَوْلُهُ: ﴿أتُتْرَكُونَ في ما هاهُنا آمِنِينَ﴾ أيْ أتَظُنُّونَ أنَّكم تُتْرَكُونَ في دِيارِكم آمِنِينَ وتَطْمَعُونَ في ذَلِكَ وأنْ لا دارَ لِلْمُجازاةِ. وقَوْلُهُ: ﴿فِي ما هاهُنا آمِنِينَ﴾ في الَّذِي اسْتَقَرَّ في هَذا المَكانِ مِنَ النَّعِيمِ، ثُمَّ فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فِي جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ وهَذا أيْضًا إجْمالٌ ثُمَّ تَفْصِيلٌ، فَإنْ قِيلَ: لِمَ قالَ: ﴿ونَخْلٍ﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿فِي جَنّاتٍ﴾ والجَنَّةُ تَتَناوَلُ النَّخْلَ ؟ جَوابُهُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ خَصَّ النَّخْلَ بِإفْرادِهِ بَعْدَ دُخُولِهِ في جُمْلَةِ سائِرِ الشَّجَرِ تَنْبِيهًا عَلى فَضْلِهِ عَلى سائِرِ الأشْجارِ. والثّانِي: أنْ يُرادَ بِالجَنّاتِ غَيْرُها مِنَ الشَّجَرِ؛ لِأنَّ اللَّفْظَ يَصْلُحُ لِذَلِكَ، ثُمَّ يَعْطِفُ عَلَيْها النَّخْلَ، والطَّلْعُ هو الَّذِي يَطْلُعُ مِنَ النَّخْلَةِ كَنَصْلِ السَّيْفِ في جَوْفِهِ شَمارِيخُ، والهَضِيمُ اللَّطِيفُ أيْضًا مِن قَوْلِهِمْ: كَشْحٌ هَضِيمٌ، وقِيلَ: الهَضِيمُ اللَّيِّنُ النَّضِيجُ كَأنَّهُ قالَ: ونَخْلٌ قَدْ أرْطَبَ ثَمَرُهُ. وثانِيها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا فارِهِينَ﴾ قَرَأ الحَسَنُ: ”وتَنْحَتُونَ“ بِفَتْحِ الحاءِ، وقُرِئَ ”فَرِهِينَ“ و”فارِهِينَ“ والفَراهَةُ الكَيْسُ والنَّشاطُ، فَقَوْلُهُ: ﴿فارِهِينَ﴾ حالٌ مِنَ النّاحِيَتَيْنِ. واعْلَمْ أنَّ ظاهِرَ هَذِهِ الآياتِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الغالِبَ عَلى قَوْمِ هُودٍ هو اللَّذّاتُ الحالِيَّةُ، وهي طَلَبُ الِاسْتِعْلاءِ والبَقاءِ والتَّفَرُّدِ والتَّجَبُّرِ، والغالِبُ عَلى قَوْمِ صالِحٍ هو اللَّذّاتُ الحِسِّيَّةُ، وهي طَلَبُ المَأْكُولِ والمَشْرُوبِ والمَساكِنِ الطَّيِّبَةِ الحَصِينَةِ. وثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تُطِيعُوا أمْرَ المُسْرِفِينَ﴾ وهَذا إشارَةٌ إلى أنَّهُ يَجِبُ الِاكْتِفاءُ مِنَ الدُّنْيا بِقَدْرِ الكَفافِ، ولا يَجُوزُ التَّوَسُّعُ في طَلَبِها والِاسْتِكْثارُ مِن لَذّاتِها وشَهَواتِها، فَإنْ قِيلَ: ما فائِدَةُ قَوْلِهِ: ﴿ولا يُصْلِحُونَ﴾ ؟ جَوابُهُ: فائِدَتُهُ بَيانُ أنَّ فَسادَهم فَسادٌ خالِصٌ لَيْسَ مَعَهُ شَيْءٌ مِنَ الصَّلاحِ، كَما يَكُونُ حالُ بَعْضِ المُفْسِدِينَ مَخْلُوطَةً بِبَعْضِ الصَّلاحِ، ثُمَّ إنَّ القَوْمَ أجابُوهُ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: قَوْلُهم: ﴿إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: المُسَحَّرُ هو الَّذِي سُحِرَ كَثِيرًا حَتّى غَلَبَ عَلى عَقْلِهِ. وثانِيها: ﴿مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ أيْ: مَن لَهُ سِحْرٌ، وكُلُّ دابَّةٍ تَأْكُلُ فَهي مُسَحَّرَةٌ، والسِّحْرُ أعْلى البَطْنِ، وعَنِ الفَرّاءِ: المُسَحَّرُ مَن لَهُ جَوْفٌ، أرادَ أنَّكَ تَأْكُلُ الطَّعامَ وتَشْرَبُ الشَّرابَ. وثالِثُها: عَنِ المُؤَرِّجِ المُسَحَّرُ هو المَخْلُوقُ بِلُغَةِ بَجِيلَةَ. وثانِيهِما: قَوْلُهم: ﴿ما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا فَأْتِ بِآيَةٍ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ وهَذا يَحْتَمِلُ أمْرَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّكَ بَشَرٌ مِثْلُنا فَكَيْفَ تَكُونُ نَبِيًّا ؟ وهَذا بِمَنزِلَةِ ما كانُوا يَذْكُرُونَ في الأنْبِياءِ أنَّهم لَوْ كانُوا صادِقِينَ، لَكانُوا مِن جِنْسِ المَلائِكَةِ. الثّانِي: أنْ يَكُونَ مُرادُهم إنَّكَ بَشَرٌ مِثْلُنا، فَلا بُدَّ لَنا في إثْباتِ نُبُوَّتِكَ مِنَ الدَّلِيلِ، فَقالَ صالِحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿هَذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ﴾ وقُرِئَ بِالضَّمِّ، رُوِيَ أنَّهم قالُوا: نُرِيدُ ناقَةً عُشَراءَ تَخْرُجُ مِن هَذِهِ الصَّخْرَةِ فَتَلِدُ سَقْبًا، فَقَعَدَ صالِحٌ يَتَفَكَّرُ، فَقالَ لَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ: صَلِّ رَكْعَتَيْنِ وسَلْ رَبَّكَ صفحة ١٣٨ النّاقَةَ، فَفَعَلَ فَخَرَجَتِ النّاقَةُ وبَرَكَتْ بَيْنَ أيْدِيهِمْ وحَصَلَ لَها سَقْبٌ مِثْلُها في العِظَمِ، ووَصّاهم صالِحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ بِأمْرَيْنِ: الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿لَها شِرْبٌ ولَكم شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ قالَ قَتادَةُ: إذا كانَ يَوْمُ شِرْبِها شَرِبَتْ ماءَهم كُلَّهُ، وشِرْبُهم في اليَوْمِ الَّذِي لا تَشْرَبُ هي. والثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ﴾ أيْ بِضَرْبٍ أوْ عَقْرٍ أوْ غَيْرِهِما ﴿فَيَأْخُذَكم عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ عَظَّمَ اليَوْمَ لِحُلُولِ العَذابِ فِيهِ، ووَصْفُ اليَوْمِ بِهِ أبْلَغُ مِن وصْفِ العَذابِ، لِأنَّ الوَقْتَ إذا عُظِّمَ بِسَبَبِهِ كانَ مَوْقِعُهُ مِنَ العِظَمِ أشَدَّ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى حَكى عَنْهم أنَّهم عَقَرُوها. رُوِيَ أنَّ مِصْدَعًا ألْجَأها إلى مَضِيقٍ فَرَماها بِسَهْمٍ فَسَقَطَتْ، ثُمَّ ضَرَبَها قُدارٌ، فَإنْ قِيلَ: لِمَ أخَذَهُمُ العَذابُ وقَدْ نَدِمُوا ؟ جَوابُهُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَدَمُهم نَدَمَ التّائِبِينَ، لَكِنْ نَدَمَ الخائِفِينَ مِنَ العَذابِ العاجِلِ. الثّانِي: أنَّ النَّدَمَ وإنْ كانَ نَدَمَ التّائِبِينَ، ولَكِنْ كانَ ذَلِكَ في غَيْرِ وقْتِ التَّوْبَةِ، بَلْ عِنْدَ مُعايَنَةِ العَذابِ، وقالَ تَعالى: ﴿ولَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ﴾ [النساء: ١٨] الآيَةَ. واللّامُ في العَذابِ إشارَةٌ إلى عَذابِ يَوْمٍ عَظِيمٍ.

الشعراء 26:168

القِصَّةُ الخامِسَةُ قِصَّةُ صالِحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم صالِحٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أتُتْرَكُونَ في ما هاهُنا آمِنِينَ﴾ ﴿فِي جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿وزُرُوعٍ ونَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمٌ﴾ ﴿وتَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا فارِهِينَ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿ولا تُطِيعُوا أمْرَ المُسْرِفِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يُصْلِحُونَ﴾ ﴿قالُوا إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ ﴿ما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا فَأْتِ بِآيَةٍ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿قالَ هَذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ ولَكم شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ ﴿ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكم عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿فَعَقَرُوها فَأصْبَحُوا نادِمِينَ﴾ ﴿فَأخَذَهُمُ العَذابُ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ . صفحة ١٣٧ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم صالِحٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أتُتْرَكُونَ في ما هاهُنا آمِنِينَ﴾ ﴿فِي جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿وزُرُوعٍ ونَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمٌ﴾ ﴿وتَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا فارِهِينَ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿ولا تُطِيعُوا أمْرَ المُسْرِفِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يُصْلِحُونَ﴾ ﴿قالُوا إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ ﴿ما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا فَأْتِ بِآيَةٍ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿قالَ هَذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ ولَكم شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ ﴿ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكم عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿فَعَقَرُوها فَأصْبَحُوا نادِمِينَ﴾ ﴿فَأخَذَهُمُ العَذابُ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ . اعْلَمْ أنَّ صالِحًا عَلَيْهِ السَّلامُ خاطَبَ قَوْمَهُ بِأُمُورٍ: أحَدُها: قَوْلُهُ: ﴿أتُتْرَكُونَ في ما هاهُنا آمِنِينَ﴾ أيْ أتَظُنُّونَ أنَّكم تُتْرَكُونَ في دِيارِكم آمِنِينَ وتَطْمَعُونَ في ذَلِكَ وأنْ لا دارَ لِلْمُجازاةِ. وقَوْلُهُ: ﴿فِي ما هاهُنا آمِنِينَ﴾ في الَّذِي اسْتَقَرَّ في هَذا المَكانِ مِنَ النَّعِيمِ، ثُمَّ فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فِي جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ وهَذا أيْضًا إجْمالٌ ثُمَّ تَفْصِيلٌ، فَإنْ قِيلَ: لِمَ قالَ: ﴿ونَخْلٍ﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿فِي جَنّاتٍ﴾ والجَنَّةُ تَتَناوَلُ النَّخْلَ ؟ جَوابُهُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ خَصَّ النَّخْلَ بِإفْرادِهِ بَعْدَ دُخُولِهِ في جُمْلَةِ سائِرِ الشَّجَرِ تَنْبِيهًا عَلى فَضْلِهِ عَلى سائِرِ الأشْجارِ. والثّانِي: أنْ يُرادَ بِالجَنّاتِ غَيْرُها مِنَ الشَّجَرِ؛ لِأنَّ اللَّفْظَ يَصْلُحُ لِذَلِكَ، ثُمَّ يَعْطِفُ عَلَيْها النَّخْلَ، والطَّلْعُ هو الَّذِي يَطْلُعُ مِنَ النَّخْلَةِ كَنَصْلِ السَّيْفِ في جَوْفِهِ شَمارِيخُ، والهَضِيمُ اللَّطِيفُ أيْضًا مِن قَوْلِهِمْ: كَشْحٌ هَضِيمٌ، وقِيلَ: الهَضِيمُ اللَّيِّنُ النَّضِيجُ كَأنَّهُ قالَ: ونَخْلٌ قَدْ أرْطَبَ ثَمَرُهُ. وثانِيها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا فارِهِينَ﴾ قَرَأ الحَسَنُ: ”وتَنْحَتُونَ“ بِفَتْحِ الحاءِ، وقُرِئَ ”فَرِهِينَ“ و”فارِهِينَ“ والفَراهَةُ الكَيْسُ والنَّشاطُ، فَقَوْلُهُ: ﴿فارِهِينَ﴾ حالٌ مِنَ النّاحِيَتَيْنِ. واعْلَمْ أنَّ ظاهِرَ هَذِهِ الآياتِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الغالِبَ عَلى قَوْمِ هُودٍ هو اللَّذّاتُ الحالِيَّةُ، وهي طَلَبُ الِاسْتِعْلاءِ والبَقاءِ والتَّفَرُّدِ والتَّجَبُّرِ، والغالِبُ عَلى قَوْمِ صالِحٍ هو اللَّذّاتُ الحِسِّيَّةُ، وهي طَلَبُ المَأْكُولِ والمَشْرُوبِ والمَساكِنِ الطَّيِّبَةِ الحَصِينَةِ. وثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تُطِيعُوا أمْرَ المُسْرِفِينَ﴾ وهَذا إشارَةٌ إلى أنَّهُ يَجِبُ الِاكْتِفاءُ مِنَ الدُّنْيا بِقَدْرِ الكَفافِ، ولا يَجُوزُ التَّوَسُّعُ في طَلَبِها والِاسْتِكْثارُ مِن لَذّاتِها وشَهَواتِها، فَإنْ قِيلَ: ما فائِدَةُ قَوْلِهِ: ﴿ولا يُصْلِحُونَ﴾ ؟ جَوابُهُ: فائِدَتُهُ بَيانُ أنَّ فَسادَهم فَسادٌ خالِصٌ لَيْسَ مَعَهُ شَيْءٌ مِنَ الصَّلاحِ، كَما يَكُونُ حالُ بَعْضِ المُفْسِدِينَ مَخْلُوطَةً بِبَعْضِ الصَّلاحِ، ثُمَّ إنَّ القَوْمَ أجابُوهُ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: قَوْلُهم: ﴿إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: المُسَحَّرُ هو الَّذِي سُحِرَ كَثِيرًا حَتّى غَلَبَ عَلى عَقْلِهِ. وثانِيها: ﴿مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ أيْ: مَن لَهُ سِحْرٌ، وكُلُّ دابَّةٍ تَأْكُلُ فَهي مُسَحَّرَةٌ، والسِّحْرُ أعْلى البَطْنِ، وعَنِ الفَرّاءِ: المُسَحَّرُ مَن لَهُ جَوْفٌ، أرادَ أنَّكَ تَأْكُلُ الطَّعامَ وتَشْرَبُ الشَّرابَ. وثالِثُها: عَنِ المُؤَرِّجِ المُسَحَّرُ هو المَخْلُوقُ بِلُغَةِ بَجِيلَةَ. وثانِيهِما: قَوْلُهم: ﴿ما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا فَأْتِ بِآيَةٍ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ وهَذا يَحْتَمِلُ أمْرَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّكَ بَشَرٌ مِثْلُنا فَكَيْفَ تَكُونُ نَبِيًّا ؟ وهَذا بِمَنزِلَةِ ما كانُوا يَذْكُرُونَ في الأنْبِياءِ أنَّهم لَوْ كانُوا صادِقِينَ، لَكانُوا مِن جِنْسِ المَلائِكَةِ. الثّانِي: أنْ يَكُونَ مُرادُهم إنَّكَ بَشَرٌ مِثْلُنا، فَلا بُدَّ لَنا في إثْباتِ نُبُوَّتِكَ مِنَ الدَّلِيلِ، فَقالَ صالِحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿هَذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ﴾ وقُرِئَ بِالضَّمِّ، رُوِيَ أنَّهم قالُوا: نُرِيدُ ناقَةً عُشَراءَ تَخْرُجُ مِن هَذِهِ الصَّخْرَةِ فَتَلِدُ سَقْبًا، فَقَعَدَ صالِحٌ يَتَفَكَّرُ، فَقالَ لَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ: صَلِّ رَكْعَتَيْنِ وسَلْ رَبَّكَ صفحة ١٣٨ النّاقَةَ، فَفَعَلَ فَخَرَجَتِ النّاقَةُ وبَرَكَتْ بَيْنَ أيْدِيهِمْ وحَصَلَ لَها سَقْبٌ مِثْلُها في العِظَمِ، ووَصّاهم صالِحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ بِأمْرَيْنِ: الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿لَها شِرْبٌ ولَكم شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ قالَ قَتادَةُ: إذا كانَ يَوْمُ شِرْبِها شَرِبَتْ ماءَهم كُلَّهُ، وشِرْبُهم في اليَوْمِ الَّذِي لا تَشْرَبُ هي. والثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ﴾ أيْ بِضَرْبٍ أوْ عَقْرٍ أوْ غَيْرِهِما ﴿فَيَأْخُذَكم عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ عَظَّمَ اليَوْمَ لِحُلُولِ العَذابِ فِيهِ، ووَصْفُ اليَوْمِ بِهِ أبْلَغُ مِن وصْفِ العَذابِ، لِأنَّ الوَقْتَ إذا عُظِّمَ بِسَبَبِهِ كانَ مَوْقِعُهُ مِنَ العِظَمِ أشَدَّ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى حَكى عَنْهم أنَّهم عَقَرُوها. رُوِيَ أنَّ مِصْدَعًا ألْجَأها إلى مَضِيقٍ فَرَماها بِسَهْمٍ فَسَقَطَتْ، ثُمَّ ضَرَبَها قُدارٌ، فَإنْ قِيلَ: لِمَ أخَذَهُمُ العَذابُ وقَدْ نَدِمُوا ؟ جَوابُهُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَدَمُهم نَدَمَ التّائِبِينَ، لَكِنْ نَدَمَ الخائِفِينَ مِنَ العَذابِ العاجِلِ. الثّانِي: أنَّ النَّدَمَ وإنْ كانَ نَدَمَ التّائِبِينَ، ولَكِنْ كانَ ذَلِكَ في غَيْرِ وقْتِ التَّوْبَةِ، بَلْ عِنْدَ مُعايَنَةِ العَذابِ، وقالَ تَعالى: ﴿ولَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ﴾ [النساء: ١٨] الآيَةَ. واللّامُ في العَذابِ إشارَةٌ إلى عَذابِ يَوْمٍ عَظِيمٍ.

الشعراء 26:169

القِصَّةُ الخامِسَةُ قِصَّةُ صالِحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم صالِحٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أتُتْرَكُونَ في ما هاهُنا آمِنِينَ﴾ ﴿فِي جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿وزُرُوعٍ ونَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمٌ﴾ ﴿وتَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا فارِهِينَ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿ولا تُطِيعُوا أمْرَ المُسْرِفِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يُصْلِحُونَ﴾ ﴿قالُوا إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ ﴿ما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا فَأْتِ بِآيَةٍ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿قالَ هَذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ ولَكم شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ ﴿ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكم عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿فَعَقَرُوها فَأصْبَحُوا نادِمِينَ﴾ ﴿فَأخَذَهُمُ العَذابُ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ . صفحة ١٣٧ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم صالِحٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أتُتْرَكُونَ في ما هاهُنا آمِنِينَ﴾ ﴿فِي جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿وزُرُوعٍ ونَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمٌ﴾ ﴿وتَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا فارِهِينَ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿ولا تُطِيعُوا أمْرَ المُسْرِفِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يُصْلِحُونَ﴾ ﴿قالُوا إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ ﴿ما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا فَأْتِ بِآيَةٍ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿قالَ هَذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ ولَكم شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ ﴿ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكم عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿فَعَقَرُوها فَأصْبَحُوا نادِمِينَ﴾ ﴿فَأخَذَهُمُ العَذابُ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ . اعْلَمْ أنَّ صالِحًا عَلَيْهِ السَّلامُ خاطَبَ قَوْمَهُ بِأُمُورٍ: أحَدُها: قَوْلُهُ: ﴿أتُتْرَكُونَ في ما هاهُنا آمِنِينَ﴾ أيْ أتَظُنُّونَ أنَّكم تُتْرَكُونَ في دِيارِكم آمِنِينَ وتَطْمَعُونَ في ذَلِكَ وأنْ لا دارَ لِلْمُجازاةِ. وقَوْلُهُ: ﴿فِي ما هاهُنا آمِنِينَ﴾ في الَّذِي اسْتَقَرَّ في هَذا المَكانِ مِنَ النَّعِيمِ، ثُمَّ فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فِي جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ وهَذا أيْضًا إجْمالٌ ثُمَّ تَفْصِيلٌ، فَإنْ قِيلَ: لِمَ قالَ: ﴿ونَخْلٍ﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿فِي جَنّاتٍ﴾ والجَنَّةُ تَتَناوَلُ النَّخْلَ ؟ جَوابُهُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ خَصَّ النَّخْلَ بِإفْرادِهِ بَعْدَ دُخُولِهِ في جُمْلَةِ سائِرِ الشَّجَرِ تَنْبِيهًا عَلى فَضْلِهِ عَلى سائِرِ الأشْجارِ. والثّانِي: أنْ يُرادَ بِالجَنّاتِ غَيْرُها مِنَ الشَّجَرِ؛ لِأنَّ اللَّفْظَ يَصْلُحُ لِذَلِكَ، ثُمَّ يَعْطِفُ عَلَيْها النَّخْلَ، والطَّلْعُ هو الَّذِي يَطْلُعُ مِنَ النَّخْلَةِ كَنَصْلِ السَّيْفِ في جَوْفِهِ شَمارِيخُ، والهَضِيمُ اللَّطِيفُ أيْضًا مِن قَوْلِهِمْ: كَشْحٌ هَضِيمٌ، وقِيلَ: الهَضِيمُ اللَّيِّنُ النَّضِيجُ كَأنَّهُ قالَ: ونَخْلٌ قَدْ أرْطَبَ ثَمَرُهُ. وثانِيها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا فارِهِينَ﴾ قَرَأ الحَسَنُ: ”وتَنْحَتُونَ“ بِفَتْحِ الحاءِ، وقُرِئَ ”فَرِهِينَ“ و”فارِهِينَ“ والفَراهَةُ الكَيْسُ والنَّشاطُ، فَقَوْلُهُ: ﴿فارِهِينَ﴾ حالٌ مِنَ النّاحِيَتَيْنِ. واعْلَمْ أنَّ ظاهِرَ هَذِهِ الآياتِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الغالِبَ عَلى قَوْمِ هُودٍ هو اللَّذّاتُ الحالِيَّةُ، وهي طَلَبُ الِاسْتِعْلاءِ والبَقاءِ والتَّفَرُّدِ والتَّجَبُّرِ، والغالِبُ عَلى قَوْمِ صالِحٍ هو اللَّذّاتُ الحِسِّيَّةُ، وهي طَلَبُ المَأْكُولِ والمَشْرُوبِ والمَساكِنِ الطَّيِّبَةِ الحَصِينَةِ. وثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تُطِيعُوا أمْرَ المُسْرِفِينَ﴾ وهَذا إشارَةٌ إلى أنَّهُ يَجِبُ الِاكْتِفاءُ مِنَ الدُّنْيا بِقَدْرِ الكَفافِ، ولا يَجُوزُ التَّوَسُّعُ في طَلَبِها والِاسْتِكْثارُ مِن لَذّاتِها وشَهَواتِها، فَإنْ قِيلَ: ما فائِدَةُ قَوْلِهِ: ﴿ولا يُصْلِحُونَ﴾ ؟ جَوابُهُ: فائِدَتُهُ بَيانُ أنَّ فَسادَهم فَسادٌ خالِصٌ لَيْسَ مَعَهُ شَيْءٌ مِنَ الصَّلاحِ، كَما يَكُونُ حالُ بَعْضِ المُفْسِدِينَ مَخْلُوطَةً بِبَعْضِ الصَّلاحِ، ثُمَّ إنَّ القَوْمَ أجابُوهُ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: قَوْلُهم: ﴿إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: المُسَحَّرُ هو الَّذِي سُحِرَ كَثِيرًا حَتّى غَلَبَ عَلى عَقْلِهِ. وثانِيها: ﴿مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ أيْ: مَن لَهُ سِحْرٌ، وكُلُّ دابَّةٍ تَأْكُلُ فَهي مُسَحَّرَةٌ، والسِّحْرُ أعْلى البَطْنِ، وعَنِ الفَرّاءِ: المُسَحَّرُ مَن لَهُ جَوْفٌ، أرادَ أنَّكَ تَأْكُلُ الطَّعامَ وتَشْرَبُ الشَّرابَ. وثالِثُها: عَنِ المُؤَرِّجِ المُسَحَّرُ هو المَخْلُوقُ بِلُغَةِ بَجِيلَةَ. وثانِيهِما: قَوْلُهم: ﴿ما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا فَأْتِ بِآيَةٍ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ وهَذا يَحْتَمِلُ أمْرَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّكَ بَشَرٌ مِثْلُنا فَكَيْفَ تَكُونُ نَبِيًّا ؟ وهَذا بِمَنزِلَةِ ما كانُوا يَذْكُرُونَ في الأنْبِياءِ أنَّهم لَوْ كانُوا صادِقِينَ، لَكانُوا مِن جِنْسِ المَلائِكَةِ. الثّانِي: أنْ يَكُونَ مُرادُهم إنَّكَ بَشَرٌ مِثْلُنا، فَلا بُدَّ لَنا في إثْباتِ نُبُوَّتِكَ مِنَ الدَّلِيلِ، فَقالَ صالِحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿هَذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ﴾ وقُرِئَ بِالضَّمِّ، رُوِيَ أنَّهم قالُوا: نُرِيدُ ناقَةً عُشَراءَ تَخْرُجُ مِن هَذِهِ الصَّخْرَةِ فَتَلِدُ سَقْبًا، فَقَعَدَ صالِحٌ يَتَفَكَّرُ، فَقالَ لَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ: صَلِّ رَكْعَتَيْنِ وسَلْ رَبَّكَ صفحة ١٣٨ النّاقَةَ، فَفَعَلَ فَخَرَجَتِ النّاقَةُ وبَرَكَتْ بَيْنَ أيْدِيهِمْ وحَصَلَ لَها سَقْبٌ مِثْلُها في العِظَمِ، ووَصّاهم صالِحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ بِأمْرَيْنِ: الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿لَها شِرْبٌ ولَكم شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ قالَ قَتادَةُ: إذا كانَ يَوْمُ شِرْبِها شَرِبَتْ ماءَهم كُلَّهُ، وشِرْبُهم في اليَوْمِ الَّذِي لا تَشْرَبُ هي. والثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ﴾ أيْ بِضَرْبٍ أوْ عَقْرٍ أوْ غَيْرِهِما ﴿فَيَأْخُذَكم عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ عَظَّمَ اليَوْمَ لِحُلُولِ العَذابِ فِيهِ، ووَصْفُ اليَوْمِ بِهِ أبْلَغُ مِن وصْفِ العَذابِ، لِأنَّ الوَقْتَ إذا عُظِّمَ بِسَبَبِهِ كانَ مَوْقِعُهُ مِنَ العِظَمِ أشَدَّ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى حَكى عَنْهم أنَّهم عَقَرُوها. رُوِيَ أنَّ مِصْدَعًا ألْجَأها إلى مَضِيقٍ فَرَماها بِسَهْمٍ فَسَقَطَتْ، ثُمَّ ضَرَبَها قُدارٌ، فَإنْ قِيلَ: لِمَ أخَذَهُمُ العَذابُ وقَدْ نَدِمُوا ؟ جَوابُهُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَدَمُهم نَدَمَ التّائِبِينَ، لَكِنْ نَدَمَ الخائِفِينَ مِنَ العَذابِ العاجِلِ. الثّانِي: أنَّ النَّدَمَ وإنْ كانَ نَدَمَ التّائِبِينَ، ولَكِنْ كانَ ذَلِكَ في غَيْرِ وقْتِ التَّوْبَةِ، بَلْ عِنْدَ مُعايَنَةِ العَذابِ، وقالَ تَعالى: ﴿ولَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ﴾ [النساء: ١٨] الآيَةَ. واللّامُ في العَذابِ إشارَةٌ إلى عَذابِ يَوْمٍ عَظِيمٍ.

الشعراء 26:170

القِصَّةُ السّادِسَةُ قِصَّةُ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم لُوطٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ العالَمِينَ﴾ ﴿وتَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكم رَبُّكم مِن أزْواجِكم بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ﴾ ﴿قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ المُخْرَجِينَ﴾ ﴿قالَ إنِّي لِعَمَلِكم مِنَ القالِينَ﴾ ﴿رَبِّ نَجِّنِي وأهْلِي مِمّا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿فَنَجَّيْناهُ وأهْلَهُ أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلّا عَجُوزًا في الغابِرِينَ﴾ ﴿ثُمَّ دَمَّرْنا الآخَرِينَ﴾ ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَساءَ مَطَرُ المُنْذَرِينَ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم لُوطٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ العالَمِينَ﴾ ﴿وتَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكم رَبُّكم مِن أزْواجِكم بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ﴾ ﴿قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يالُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ المُخْرَجِينَ﴾ ﴿قالَ إنِّي لِعَمَلِكم مِنَ القالِينَ﴾ ﴿رَبِّ نَجِّنِي وأهْلِي مِمّا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿فَنَجَّيْناهُ وأهْلَهُ أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلّا عَجُوزًا في الغابِرِينَ﴾ ﴿ثُمَّ دَمَّرْنا الآخَرِينَ﴾ ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَساءَ مَطَرُ المُنْذَرِينَ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ . أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ العالَمِينَ﴾ فَيُحْتَمَلُ عَوْدُهُ إلى الآتِي: أيْ أنْتُمْ مِن جُمْلَةِ العالَمِينَ صِرْتُمْ مَخْصُوصِينَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، وهي إتْيانُ الذُّكْرانِ، ويُحْتَمَلُ عَوْدُهُ إلى المَأْتِيِّ، أيْ أنْتُمُ اخْتَرْتُمُ الذُّكْرانَ مِنَ العالَمِينَ لا الإناثَ مِنهم. صفحة ١٣٩ وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن أزْواجِكُمْ﴾ فَيَصْلُحُ أنْ يَكُونَ تَبْيِينًا لِما خَلَقَ وأنْ يَكُونَ لِلتَّبْعِيضِ، ويُرادُ بِما خَلَقَ العُضْوُ المُباحُ مِنهُنَّ، وكَأنَّهم كانُوا يَفْعَلُونَ مِثْلَ ذَلِكَ بِنِسائِهِمْ، والعادِي هو المُتَعَدِّي في ظُلْمِهِ، ومَعْناهُ أتَرْتَكِبُونَ هَذِهِ المَعْصِيَةَ عَلى عِظَمِها ﴿بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ﴾ في جَمِيعِ المَعاصِي، فَهَذا مِن جُمْلَةِ ذاكَ، أوْ بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ أحِقّاءُ بِأنْ تُوصَفُوا بِالعُدْوانِ حَيْثُ ارْتَكَبْتُمْ مِثْلَ هَذِهِ الفاحِشَةِ، فَقالُوا لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يالُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ المُخْرَجِينَ﴾ أيْ لَتَكُونَنَّ مِن جُمْلَةِ مَن أخْرَجْناهُ مِن بَلَدِنا، ولَعَلَّهم كانُوا يُخْرِجُونَ مَن أخْرَجُوهُ عَلى أسْوَأِ الأحْوالِ، فَقالَ لَهم لُوطٌ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿إنِّي لِعَمَلِكم مِنَ القالِينَ﴾ القِلى: البُغْضُ الشَّدِيدُ، كَأنَّهُ بُغْضٌ يَقْلِي الفُؤادَ والكَبِدَ، وقَوْلُهُ: ﴿مِنَ القالِينَ﴾ أبْلَغُ مِن أنْ يَقُولَ إنِّي لِعَمَلِكم قالٍ، كَما يُقالُ: فُلانٌ مِنَ العُلَماءِ فَهو أبْلَغُ مِن قَوْلِكَ: فُلانٌ عالِمٌ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ مِنَ الكامِلِينَ في قِلاكم، ثم قال تَعالى: ﴿فَنَجَّيْناهُ وأهْلَهُ﴾ والمُرادُ: فَنَجَّيْناهُ وأهْلَهُ مِن عُقُوبَةِ عَمَلِهِمْ، ﴿إلّا عَجُوزًا في الغابِرِينَ﴾ فَإنْ قِيلَ: ﴿فِي الغابِرِينَ﴾ صِفَةٌ لَها كَأنَّهُ قِيلَ إلّا عَجُوزًا غابِرَةً، ولَمْ يَكُنِ الغُبُورُ صِفَتَها وقْتَ تَنْجِيَتِهِمْ. جَوابُهُ: مَعْناهُ إلّا عَجُوزًا مُقَدَّرًا غُبُورُها، قِيلَ: إنَّها هَلَكَتْ مَعَ مَن خَرَجَ مِنَ القَرْيَةِ بِما أُمْطِرُ عَلَيْهِمْ مِنَ الحِجارَةِ، قالَ القاضِي عَبْدُ الجَبّارِ في ”تَفْسِيرِهِ“ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وتَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكم رَبُّكم مِن أزْواجِكُمْ﴾ دَلالَةٌ عَلى بُطْلانِ الجَبْرِ مِن جِهاتٍ: أحَدُها: أنَّهُ لا يُقالُ: تَذَرُونَ إلّا مَعَ القُدْرَةِ عَلى خِلافِهِ، ولِذَلِكَ لا يُقالُ لِلْمَرْءِ: لِمَ تَذَرُ الصُّعُودَ إلى السَّماءِ، كَما يُقالُ لَهُ: لِمَ تَذَرُ الدُّخُولَ والخُرُوجَ. وثانِيها: أنَّهُ قالَ: ﴿ما خَلَقَ لَكُمْ﴾ ولَوْ كانَ خَلْقُ الفِعْلِ لِلَّهِ تَعالى لَكانَ الَّذِي خَلَقَ لَهم ما خَلَقَهُ فِيهِمْ وأوْجَبَهُ لا ما لَمْ يَفْعَلُوهُ. وثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ﴾ فَإنْ كانَ تَعالى خَلَقَ فِيهِمْ ما كانُوا يَعْمَلُونَ فَكَيْفَ يُنْسَبُونَ إلى أنَّهم تَعَدَّوْا، وهَلْ يُقالُ لِلْأسْوَدِ إنَّكَ مُتَعَدٍّ في لَوْنِكَ ؟ فَنَقُولُ: حاصِلُ هَذِهِ الوُجُوهِ يَرْجِعُ إلى أنَّ العَبْدَ لَوْ لَمْ يَكُنْ مُوجِدًا لِأفْعالِ نَفْسِهِ لَما تَوَجَّهَ المَدْحُ والذَّمُّ والأمْرُ والنَّهْيُ عَلَيْهِ، ولِهَذِهِ الآيَةِ في هَذا المَعْنى خاصِّيَّةٌ أزْيَدُ مِمّا ورَدَ مِنَ الأمْرِ والنَّهْيِ والمَدْحِ والذَّمِّ في قِصَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وإبْراهِيمَ ونُوحٍ وسائِرِ القَصَصِ، فَكَيْفَ خَصَّ هَذِهِ القِصَّةَ بِهَذِهِ الوُجُوهِ دُونَ سائِرِ القَصَصِ ؟ وإذا ثَبَتَ بُطْلانُ هَذِهِ الوُجُوهِ بَقِيَ ذَلِكَ الوجه المَشْهُورُ فَنَحْنُ نُجِيبُ عَنْها بِالجَوابَيْنِ المَشْهُورَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا عَلِمَ وُقُوعَ هَذِهِ الأشْياءِ فَعَدَمُها مُحالٌ لِأنَّ عَدَمَها يَسْتَلْزِمُ انْقِلابَ العِلْمِ جَهْلًا وهو مُحالٌ والمُفْضِي إلى المُحالِ مُحالٌ، وإذا كانَ عَدَمُها مُحالًا كانَ التَّكْلِيفُ بِالتَّرْكِ تَكْلِيفًا بِالمُحالِ. الثّانِي: أنَّ القادِرَ لَمّا كانَ قادِرًا عَلى الضِّدَّيْنِ امْتَنَعَ أنْ يَتَرَجَّحَ أحَدُ المَقْدُورَيْنِ عَلى الآخَرِ إلّا لِمُرَجِّحٍ وهو الدّاعِي أوِ الإرادَةُ وذَلِكَ المُرَجِّحُ مُحْدَثٌ فَلَهُ مُؤَثِّرٌ وذَلِكَ المُؤَثِّرُ إنْ كانَ هو العَبْدَ لَزِمَ التَّسَلْسُلُ وهو مُحالٌ وإنْ كانَ هو اللَّهَ تَعالى فَذَلِكَ هو الجَبْرُ عَلى قَوْلِكَ، فَثَبَتَ بِهَذَيْنِ البُرْهانَيْنِ القاطِعَيْنِ سُقُوطُ ما قالَهُ واللَّهُ أعْلَمُ.

الشعراء 26:171

القِصَّةُ السّادِسَةُ قِصَّةُ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم لُوطٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ العالَمِينَ﴾ ﴿وتَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكم رَبُّكم مِن أزْواجِكم بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ﴾ ﴿قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ المُخْرَجِينَ﴾ ﴿قالَ إنِّي لِعَمَلِكم مِنَ القالِينَ﴾ ﴿رَبِّ نَجِّنِي وأهْلِي مِمّا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿فَنَجَّيْناهُ وأهْلَهُ أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلّا عَجُوزًا في الغابِرِينَ﴾ ﴿ثُمَّ دَمَّرْنا الآخَرِينَ﴾ ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَساءَ مَطَرُ المُنْذَرِينَ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم لُوطٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ العالَمِينَ﴾ ﴿وتَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكم رَبُّكم مِن أزْواجِكم بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ﴾ ﴿قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يالُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ المُخْرَجِينَ﴾ ﴿قالَ إنِّي لِعَمَلِكم مِنَ القالِينَ﴾ ﴿رَبِّ نَجِّنِي وأهْلِي مِمّا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿فَنَجَّيْناهُ وأهْلَهُ أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلّا عَجُوزًا في الغابِرِينَ﴾ ﴿ثُمَّ دَمَّرْنا الآخَرِينَ﴾ ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَساءَ مَطَرُ المُنْذَرِينَ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ . أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ العالَمِينَ﴾ فَيُحْتَمَلُ عَوْدُهُ إلى الآتِي: أيْ أنْتُمْ مِن جُمْلَةِ العالَمِينَ صِرْتُمْ مَخْصُوصِينَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، وهي إتْيانُ الذُّكْرانِ، ويُحْتَمَلُ عَوْدُهُ إلى المَأْتِيِّ، أيْ أنْتُمُ اخْتَرْتُمُ الذُّكْرانَ مِنَ العالَمِينَ لا الإناثَ مِنهم. صفحة ١٣٩ وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن أزْواجِكُمْ﴾ فَيَصْلُحُ أنْ يَكُونَ تَبْيِينًا لِما خَلَقَ وأنْ يَكُونَ لِلتَّبْعِيضِ، ويُرادُ بِما خَلَقَ العُضْوُ المُباحُ مِنهُنَّ، وكَأنَّهم كانُوا يَفْعَلُونَ مِثْلَ ذَلِكَ بِنِسائِهِمْ، والعادِي هو المُتَعَدِّي في ظُلْمِهِ، ومَعْناهُ أتَرْتَكِبُونَ هَذِهِ المَعْصِيَةَ عَلى عِظَمِها ﴿بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ﴾ في جَمِيعِ المَعاصِي، فَهَذا مِن جُمْلَةِ ذاكَ، أوْ بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ أحِقّاءُ بِأنْ تُوصَفُوا بِالعُدْوانِ حَيْثُ ارْتَكَبْتُمْ مِثْلَ هَذِهِ الفاحِشَةِ، فَقالُوا لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يالُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ المُخْرَجِينَ﴾ أيْ لَتَكُونَنَّ مِن جُمْلَةِ مَن أخْرَجْناهُ مِن بَلَدِنا، ولَعَلَّهم كانُوا يُخْرِجُونَ مَن أخْرَجُوهُ عَلى أسْوَأِ الأحْوالِ، فَقالَ لَهم لُوطٌ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿إنِّي لِعَمَلِكم مِنَ القالِينَ﴾ القِلى: البُغْضُ الشَّدِيدُ، كَأنَّهُ بُغْضٌ يَقْلِي الفُؤادَ والكَبِدَ، وقَوْلُهُ: ﴿مِنَ القالِينَ﴾ أبْلَغُ مِن أنْ يَقُولَ إنِّي لِعَمَلِكم قالٍ، كَما يُقالُ: فُلانٌ مِنَ العُلَماءِ فَهو أبْلَغُ مِن قَوْلِكَ: فُلانٌ عالِمٌ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ مِنَ الكامِلِينَ في قِلاكم، ثم قال تَعالى: ﴿فَنَجَّيْناهُ وأهْلَهُ﴾ والمُرادُ: فَنَجَّيْناهُ وأهْلَهُ مِن عُقُوبَةِ عَمَلِهِمْ، ﴿إلّا عَجُوزًا في الغابِرِينَ﴾ فَإنْ قِيلَ: ﴿فِي الغابِرِينَ﴾ صِفَةٌ لَها كَأنَّهُ قِيلَ إلّا عَجُوزًا غابِرَةً، ولَمْ يَكُنِ الغُبُورُ صِفَتَها وقْتَ تَنْجِيَتِهِمْ. جَوابُهُ: مَعْناهُ إلّا عَجُوزًا مُقَدَّرًا غُبُورُها، قِيلَ: إنَّها هَلَكَتْ مَعَ مَن خَرَجَ مِنَ القَرْيَةِ بِما أُمْطِرُ عَلَيْهِمْ مِنَ الحِجارَةِ، قالَ القاضِي عَبْدُ الجَبّارِ في ”تَفْسِيرِهِ“ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وتَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكم رَبُّكم مِن أزْواجِكُمْ﴾ دَلالَةٌ عَلى بُطْلانِ الجَبْرِ مِن جِهاتٍ: أحَدُها: أنَّهُ لا يُقالُ: تَذَرُونَ إلّا مَعَ القُدْرَةِ عَلى خِلافِهِ، ولِذَلِكَ لا يُقالُ لِلْمَرْءِ: لِمَ تَذَرُ الصُّعُودَ إلى السَّماءِ، كَما يُقالُ لَهُ: لِمَ تَذَرُ الدُّخُولَ والخُرُوجَ. وثانِيها: أنَّهُ قالَ: ﴿ما خَلَقَ لَكُمْ﴾ ولَوْ كانَ خَلْقُ الفِعْلِ لِلَّهِ تَعالى لَكانَ الَّذِي خَلَقَ لَهم ما خَلَقَهُ فِيهِمْ وأوْجَبَهُ لا ما لَمْ يَفْعَلُوهُ. وثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ﴾ فَإنْ كانَ تَعالى خَلَقَ فِيهِمْ ما كانُوا يَعْمَلُونَ فَكَيْفَ يُنْسَبُونَ إلى أنَّهم تَعَدَّوْا، وهَلْ يُقالُ لِلْأسْوَدِ إنَّكَ مُتَعَدٍّ في لَوْنِكَ ؟ فَنَقُولُ: حاصِلُ هَذِهِ الوُجُوهِ يَرْجِعُ إلى أنَّ العَبْدَ لَوْ لَمْ يَكُنْ مُوجِدًا لِأفْعالِ نَفْسِهِ لَما تَوَجَّهَ المَدْحُ والذَّمُّ والأمْرُ والنَّهْيُ عَلَيْهِ، ولِهَذِهِ الآيَةِ في هَذا المَعْنى خاصِّيَّةٌ أزْيَدُ مِمّا ورَدَ مِنَ الأمْرِ والنَّهْيِ والمَدْحِ والذَّمِّ في قِصَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وإبْراهِيمَ ونُوحٍ وسائِرِ القَصَصِ، فَكَيْفَ خَصَّ هَذِهِ القِصَّةَ بِهَذِهِ الوُجُوهِ دُونَ سائِرِ القَصَصِ ؟ وإذا ثَبَتَ بُطْلانُ هَذِهِ الوُجُوهِ بَقِيَ ذَلِكَ الوجه المَشْهُورُ فَنَحْنُ نُجِيبُ عَنْها بِالجَوابَيْنِ المَشْهُورَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا عَلِمَ وُقُوعَ هَذِهِ الأشْياءِ فَعَدَمُها مُحالٌ لِأنَّ عَدَمَها يَسْتَلْزِمُ انْقِلابَ العِلْمِ جَهْلًا وهو مُحالٌ والمُفْضِي إلى المُحالِ مُحالٌ، وإذا كانَ عَدَمُها مُحالًا كانَ التَّكْلِيفُ بِالتَّرْكِ تَكْلِيفًا بِالمُحالِ. الثّانِي: أنَّ القادِرَ لَمّا كانَ قادِرًا عَلى الضِّدَّيْنِ امْتَنَعَ أنْ يَتَرَجَّحَ أحَدُ المَقْدُورَيْنِ عَلى الآخَرِ إلّا لِمُرَجِّحٍ وهو الدّاعِي أوِ الإرادَةُ وذَلِكَ المُرَجِّحُ مُحْدَثٌ فَلَهُ مُؤَثِّرٌ وذَلِكَ المُؤَثِّرُ إنْ كانَ هو العَبْدَ لَزِمَ التَّسَلْسُلُ وهو مُحالٌ وإنْ كانَ هو اللَّهَ تَعالى فَذَلِكَ هو الجَبْرُ عَلى قَوْلِكَ، فَثَبَتَ بِهَذَيْنِ البُرْهانَيْنِ القاطِعَيْنِ سُقُوطُ ما قالَهُ واللَّهُ أعْلَمُ.

الشعراء 26:172

القِصَّةُ السّادِسَةُ قِصَّةُ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم لُوطٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ العالَمِينَ﴾ ﴿وتَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكم رَبُّكم مِن أزْواجِكم بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ﴾ ﴿قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ المُخْرَجِينَ﴾ ﴿قالَ إنِّي لِعَمَلِكم مِنَ القالِينَ﴾ ﴿رَبِّ نَجِّنِي وأهْلِي مِمّا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿فَنَجَّيْناهُ وأهْلَهُ أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلّا عَجُوزًا في الغابِرِينَ﴾ ﴿ثُمَّ دَمَّرْنا الآخَرِينَ﴾ ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَساءَ مَطَرُ المُنْذَرِينَ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم لُوطٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ العالَمِينَ﴾ ﴿وتَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكم رَبُّكم مِن أزْواجِكم بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ﴾ ﴿قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يالُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ المُخْرَجِينَ﴾ ﴿قالَ إنِّي لِعَمَلِكم مِنَ القالِينَ﴾ ﴿رَبِّ نَجِّنِي وأهْلِي مِمّا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿فَنَجَّيْناهُ وأهْلَهُ أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلّا عَجُوزًا في الغابِرِينَ﴾ ﴿ثُمَّ دَمَّرْنا الآخَرِينَ﴾ ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَساءَ مَطَرُ المُنْذَرِينَ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ . أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ العالَمِينَ﴾ فَيُحْتَمَلُ عَوْدُهُ إلى الآتِي: أيْ أنْتُمْ مِن جُمْلَةِ العالَمِينَ صِرْتُمْ مَخْصُوصِينَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، وهي إتْيانُ الذُّكْرانِ، ويُحْتَمَلُ عَوْدُهُ إلى المَأْتِيِّ، أيْ أنْتُمُ اخْتَرْتُمُ الذُّكْرانَ مِنَ العالَمِينَ لا الإناثَ مِنهم. صفحة ١٣٩ وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن أزْواجِكُمْ﴾ فَيَصْلُحُ أنْ يَكُونَ تَبْيِينًا لِما خَلَقَ وأنْ يَكُونَ لِلتَّبْعِيضِ، ويُرادُ بِما خَلَقَ العُضْوُ المُباحُ مِنهُنَّ، وكَأنَّهم كانُوا يَفْعَلُونَ مِثْلَ ذَلِكَ بِنِسائِهِمْ، والعادِي هو المُتَعَدِّي في ظُلْمِهِ، ومَعْناهُ أتَرْتَكِبُونَ هَذِهِ المَعْصِيَةَ عَلى عِظَمِها ﴿بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ﴾ في جَمِيعِ المَعاصِي، فَهَذا مِن جُمْلَةِ ذاكَ، أوْ بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ أحِقّاءُ بِأنْ تُوصَفُوا بِالعُدْوانِ حَيْثُ ارْتَكَبْتُمْ مِثْلَ هَذِهِ الفاحِشَةِ، فَقالُوا لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يالُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ المُخْرَجِينَ﴾ أيْ لَتَكُونَنَّ مِن جُمْلَةِ مَن أخْرَجْناهُ مِن بَلَدِنا، ولَعَلَّهم كانُوا يُخْرِجُونَ مَن أخْرَجُوهُ عَلى أسْوَأِ الأحْوالِ، فَقالَ لَهم لُوطٌ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿إنِّي لِعَمَلِكم مِنَ القالِينَ﴾ القِلى: البُغْضُ الشَّدِيدُ، كَأنَّهُ بُغْضٌ يَقْلِي الفُؤادَ والكَبِدَ، وقَوْلُهُ: ﴿مِنَ القالِينَ﴾ أبْلَغُ مِن أنْ يَقُولَ إنِّي لِعَمَلِكم قالٍ، كَما يُقالُ: فُلانٌ مِنَ العُلَماءِ فَهو أبْلَغُ مِن قَوْلِكَ: فُلانٌ عالِمٌ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ مِنَ الكامِلِينَ في قِلاكم، ثم قال تَعالى: ﴿فَنَجَّيْناهُ وأهْلَهُ﴾ والمُرادُ: فَنَجَّيْناهُ وأهْلَهُ مِن عُقُوبَةِ عَمَلِهِمْ، ﴿إلّا عَجُوزًا في الغابِرِينَ﴾ فَإنْ قِيلَ: ﴿فِي الغابِرِينَ﴾ صِفَةٌ لَها كَأنَّهُ قِيلَ إلّا عَجُوزًا غابِرَةً، ولَمْ يَكُنِ الغُبُورُ صِفَتَها وقْتَ تَنْجِيَتِهِمْ. جَوابُهُ: مَعْناهُ إلّا عَجُوزًا مُقَدَّرًا غُبُورُها، قِيلَ: إنَّها هَلَكَتْ مَعَ مَن خَرَجَ مِنَ القَرْيَةِ بِما أُمْطِرُ عَلَيْهِمْ مِنَ الحِجارَةِ، قالَ القاضِي عَبْدُ الجَبّارِ في ”تَفْسِيرِهِ“ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وتَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكم رَبُّكم مِن أزْواجِكُمْ﴾ دَلالَةٌ عَلى بُطْلانِ الجَبْرِ مِن جِهاتٍ: أحَدُها: أنَّهُ لا يُقالُ: تَذَرُونَ إلّا مَعَ القُدْرَةِ عَلى خِلافِهِ، ولِذَلِكَ لا يُقالُ لِلْمَرْءِ: لِمَ تَذَرُ الصُّعُودَ إلى السَّماءِ، كَما يُقالُ لَهُ: لِمَ تَذَرُ الدُّخُولَ والخُرُوجَ. وثانِيها: أنَّهُ قالَ: ﴿ما خَلَقَ لَكُمْ﴾ ولَوْ كانَ خَلْقُ الفِعْلِ لِلَّهِ تَعالى لَكانَ الَّذِي خَلَقَ لَهم ما خَلَقَهُ فِيهِمْ وأوْجَبَهُ لا ما لَمْ يَفْعَلُوهُ. وثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ﴾ فَإنْ كانَ تَعالى خَلَقَ فِيهِمْ ما كانُوا يَعْمَلُونَ فَكَيْفَ يُنْسَبُونَ إلى أنَّهم تَعَدَّوْا، وهَلْ يُقالُ لِلْأسْوَدِ إنَّكَ مُتَعَدٍّ في لَوْنِكَ ؟ فَنَقُولُ: حاصِلُ هَذِهِ الوُجُوهِ يَرْجِعُ إلى أنَّ العَبْدَ لَوْ لَمْ يَكُنْ مُوجِدًا لِأفْعالِ نَفْسِهِ لَما تَوَجَّهَ المَدْحُ والذَّمُّ والأمْرُ والنَّهْيُ عَلَيْهِ، ولِهَذِهِ الآيَةِ في هَذا المَعْنى خاصِّيَّةٌ أزْيَدُ مِمّا ورَدَ مِنَ الأمْرِ والنَّهْيِ والمَدْحِ والذَّمِّ في قِصَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وإبْراهِيمَ ونُوحٍ وسائِرِ القَصَصِ، فَكَيْفَ خَصَّ هَذِهِ القِصَّةَ بِهَذِهِ الوُجُوهِ دُونَ سائِرِ القَصَصِ ؟ وإذا ثَبَتَ بُطْلانُ هَذِهِ الوُجُوهِ بَقِيَ ذَلِكَ الوجه المَشْهُورُ فَنَحْنُ نُجِيبُ عَنْها بِالجَوابَيْنِ المَشْهُورَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا عَلِمَ وُقُوعَ هَذِهِ الأشْياءِ فَعَدَمُها مُحالٌ لِأنَّ عَدَمَها يَسْتَلْزِمُ انْقِلابَ العِلْمِ جَهْلًا وهو مُحالٌ والمُفْضِي إلى المُحالِ مُحالٌ، وإذا كانَ عَدَمُها مُحالًا كانَ التَّكْلِيفُ بِالتَّرْكِ تَكْلِيفًا بِالمُحالِ. الثّانِي: أنَّ القادِرَ لَمّا كانَ قادِرًا عَلى الضِّدَّيْنِ امْتَنَعَ أنْ يَتَرَجَّحَ أحَدُ المَقْدُورَيْنِ عَلى الآخَرِ إلّا لِمُرَجِّحٍ وهو الدّاعِي أوِ الإرادَةُ وذَلِكَ المُرَجِّحُ مُحْدَثٌ فَلَهُ مُؤَثِّرٌ وذَلِكَ المُؤَثِّرُ إنْ كانَ هو العَبْدَ لَزِمَ التَّسَلْسُلُ وهو مُحالٌ وإنْ كانَ هو اللَّهَ تَعالى فَذَلِكَ هو الجَبْرُ عَلى قَوْلِكَ، فَثَبَتَ بِهَذَيْنِ البُرْهانَيْنِ القاطِعَيْنِ سُقُوطُ ما قالَهُ واللَّهُ أعْلَمُ.

الشعراء 26:173

القِصَّةُ السّادِسَةُ قِصَّةُ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم لُوطٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ العالَمِينَ﴾ ﴿وتَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكم رَبُّكم مِن أزْواجِكم بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ﴾ ﴿قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ المُخْرَجِينَ﴾ ﴿قالَ إنِّي لِعَمَلِكم مِنَ القالِينَ﴾ ﴿رَبِّ نَجِّنِي وأهْلِي مِمّا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿فَنَجَّيْناهُ وأهْلَهُ أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلّا عَجُوزًا في الغابِرِينَ﴾ ﴿ثُمَّ دَمَّرْنا الآخَرِينَ﴾ ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَساءَ مَطَرُ المُنْذَرِينَ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم لُوطٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ العالَمِينَ﴾ ﴿وتَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكم رَبُّكم مِن أزْواجِكم بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ﴾ ﴿قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يالُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ المُخْرَجِينَ﴾ ﴿قالَ إنِّي لِعَمَلِكم مِنَ القالِينَ﴾ ﴿رَبِّ نَجِّنِي وأهْلِي مِمّا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿فَنَجَّيْناهُ وأهْلَهُ أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلّا عَجُوزًا في الغابِرِينَ﴾ ﴿ثُمَّ دَمَّرْنا الآخَرِينَ﴾ ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَساءَ مَطَرُ المُنْذَرِينَ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ . أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ العالَمِينَ﴾ فَيُحْتَمَلُ عَوْدُهُ إلى الآتِي: أيْ أنْتُمْ مِن جُمْلَةِ العالَمِينَ صِرْتُمْ مَخْصُوصِينَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، وهي إتْيانُ الذُّكْرانِ، ويُحْتَمَلُ عَوْدُهُ إلى المَأْتِيِّ، أيْ أنْتُمُ اخْتَرْتُمُ الذُّكْرانَ مِنَ العالَمِينَ لا الإناثَ مِنهم. صفحة ١٣٩ وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن أزْواجِكُمْ﴾ فَيَصْلُحُ أنْ يَكُونَ تَبْيِينًا لِما خَلَقَ وأنْ يَكُونَ لِلتَّبْعِيضِ، ويُرادُ بِما خَلَقَ العُضْوُ المُباحُ مِنهُنَّ، وكَأنَّهم كانُوا يَفْعَلُونَ مِثْلَ ذَلِكَ بِنِسائِهِمْ، والعادِي هو المُتَعَدِّي في ظُلْمِهِ، ومَعْناهُ أتَرْتَكِبُونَ هَذِهِ المَعْصِيَةَ عَلى عِظَمِها ﴿بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ﴾ في جَمِيعِ المَعاصِي، فَهَذا مِن جُمْلَةِ ذاكَ، أوْ بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ أحِقّاءُ بِأنْ تُوصَفُوا بِالعُدْوانِ حَيْثُ ارْتَكَبْتُمْ مِثْلَ هَذِهِ الفاحِشَةِ، فَقالُوا لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يالُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ المُخْرَجِينَ﴾ أيْ لَتَكُونَنَّ مِن جُمْلَةِ مَن أخْرَجْناهُ مِن بَلَدِنا، ولَعَلَّهم كانُوا يُخْرِجُونَ مَن أخْرَجُوهُ عَلى أسْوَأِ الأحْوالِ، فَقالَ لَهم لُوطٌ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿إنِّي لِعَمَلِكم مِنَ القالِينَ﴾ القِلى: البُغْضُ الشَّدِيدُ، كَأنَّهُ بُغْضٌ يَقْلِي الفُؤادَ والكَبِدَ، وقَوْلُهُ: ﴿مِنَ القالِينَ﴾ أبْلَغُ مِن أنْ يَقُولَ إنِّي لِعَمَلِكم قالٍ، كَما يُقالُ: فُلانٌ مِنَ العُلَماءِ فَهو أبْلَغُ مِن قَوْلِكَ: فُلانٌ عالِمٌ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ مِنَ الكامِلِينَ في قِلاكم، ثم قال تَعالى: ﴿فَنَجَّيْناهُ وأهْلَهُ﴾ والمُرادُ: فَنَجَّيْناهُ وأهْلَهُ مِن عُقُوبَةِ عَمَلِهِمْ، ﴿إلّا عَجُوزًا في الغابِرِينَ﴾ فَإنْ قِيلَ: ﴿فِي الغابِرِينَ﴾ صِفَةٌ لَها كَأنَّهُ قِيلَ إلّا عَجُوزًا غابِرَةً، ولَمْ يَكُنِ الغُبُورُ صِفَتَها وقْتَ تَنْجِيَتِهِمْ. جَوابُهُ: مَعْناهُ إلّا عَجُوزًا مُقَدَّرًا غُبُورُها، قِيلَ: إنَّها هَلَكَتْ مَعَ مَن خَرَجَ مِنَ القَرْيَةِ بِما أُمْطِرُ عَلَيْهِمْ مِنَ الحِجارَةِ، قالَ القاضِي عَبْدُ الجَبّارِ في ”تَفْسِيرِهِ“ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وتَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكم رَبُّكم مِن أزْواجِكُمْ﴾ دَلالَةٌ عَلى بُطْلانِ الجَبْرِ مِن جِهاتٍ: أحَدُها: أنَّهُ لا يُقالُ: تَذَرُونَ إلّا مَعَ القُدْرَةِ عَلى خِلافِهِ، ولِذَلِكَ لا يُقالُ لِلْمَرْءِ: لِمَ تَذَرُ الصُّعُودَ إلى السَّماءِ، كَما يُقالُ لَهُ: لِمَ تَذَرُ الدُّخُولَ والخُرُوجَ. وثانِيها: أنَّهُ قالَ: ﴿ما خَلَقَ لَكُمْ﴾ ولَوْ كانَ خَلْقُ الفِعْلِ لِلَّهِ تَعالى لَكانَ الَّذِي خَلَقَ لَهم ما خَلَقَهُ فِيهِمْ وأوْجَبَهُ لا ما لَمْ يَفْعَلُوهُ. وثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ﴾ فَإنْ كانَ تَعالى خَلَقَ فِيهِمْ ما كانُوا يَعْمَلُونَ فَكَيْفَ يُنْسَبُونَ إلى أنَّهم تَعَدَّوْا، وهَلْ يُقالُ لِلْأسْوَدِ إنَّكَ مُتَعَدٍّ في لَوْنِكَ ؟ فَنَقُولُ: حاصِلُ هَذِهِ الوُجُوهِ يَرْجِعُ إلى أنَّ العَبْدَ لَوْ لَمْ يَكُنْ مُوجِدًا لِأفْعالِ نَفْسِهِ لَما تَوَجَّهَ المَدْحُ والذَّمُّ والأمْرُ والنَّهْيُ عَلَيْهِ، ولِهَذِهِ الآيَةِ في هَذا المَعْنى خاصِّيَّةٌ أزْيَدُ مِمّا ورَدَ مِنَ الأمْرِ والنَّهْيِ والمَدْحِ والذَّمِّ في قِصَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وإبْراهِيمَ ونُوحٍ وسائِرِ القَصَصِ، فَكَيْفَ خَصَّ هَذِهِ القِصَّةَ بِهَذِهِ الوُجُوهِ دُونَ سائِرِ القَصَصِ ؟ وإذا ثَبَتَ بُطْلانُ هَذِهِ الوُجُوهِ بَقِيَ ذَلِكَ الوجه المَشْهُورُ فَنَحْنُ نُجِيبُ عَنْها بِالجَوابَيْنِ المَشْهُورَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا عَلِمَ وُقُوعَ هَذِهِ الأشْياءِ فَعَدَمُها مُحالٌ لِأنَّ عَدَمَها يَسْتَلْزِمُ انْقِلابَ العِلْمِ جَهْلًا وهو مُحالٌ والمُفْضِي إلى المُحالِ مُحالٌ، وإذا كانَ عَدَمُها مُحالًا كانَ التَّكْلِيفُ بِالتَّرْكِ تَكْلِيفًا بِالمُحالِ. الثّانِي: أنَّ القادِرَ لَمّا كانَ قادِرًا عَلى الضِّدَّيْنِ امْتَنَعَ أنْ يَتَرَجَّحَ أحَدُ المَقْدُورَيْنِ عَلى الآخَرِ إلّا لِمُرَجِّحٍ وهو الدّاعِي أوِ الإرادَةُ وذَلِكَ المُرَجِّحُ مُحْدَثٌ فَلَهُ مُؤَثِّرٌ وذَلِكَ المُؤَثِّرُ إنْ كانَ هو العَبْدَ لَزِمَ التَّسَلْسُلُ وهو مُحالٌ وإنْ كانَ هو اللَّهَ تَعالى فَذَلِكَ هو الجَبْرُ عَلى قَوْلِكَ، فَثَبَتَ بِهَذَيْنِ البُرْهانَيْنِ القاطِعَيْنِ سُقُوطُ ما قالَهُ واللَّهُ أعْلَمُ.

الشعراء 26:174

القِصَّةُ السّادِسَةُ قِصَّةُ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم لُوطٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ العالَمِينَ﴾ ﴿وتَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكم رَبُّكم مِن أزْواجِكم بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ﴾ ﴿قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ المُخْرَجِينَ﴾ ﴿قالَ إنِّي لِعَمَلِكم مِنَ القالِينَ﴾ ﴿رَبِّ نَجِّنِي وأهْلِي مِمّا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿فَنَجَّيْناهُ وأهْلَهُ أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلّا عَجُوزًا في الغابِرِينَ﴾ ﴿ثُمَّ دَمَّرْنا الآخَرِينَ﴾ ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَساءَ مَطَرُ المُنْذَرِينَ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم لُوطٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ العالَمِينَ﴾ ﴿وتَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكم رَبُّكم مِن أزْواجِكم بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ﴾ ﴿قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يالُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ المُخْرَجِينَ﴾ ﴿قالَ إنِّي لِعَمَلِكم مِنَ القالِينَ﴾ ﴿رَبِّ نَجِّنِي وأهْلِي مِمّا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿فَنَجَّيْناهُ وأهْلَهُ أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلّا عَجُوزًا في الغابِرِينَ﴾ ﴿ثُمَّ دَمَّرْنا الآخَرِينَ﴾ ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَساءَ مَطَرُ المُنْذَرِينَ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ . أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ العالَمِينَ﴾ فَيُحْتَمَلُ عَوْدُهُ إلى الآتِي: أيْ أنْتُمْ مِن جُمْلَةِ العالَمِينَ صِرْتُمْ مَخْصُوصِينَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، وهي إتْيانُ الذُّكْرانِ، ويُحْتَمَلُ عَوْدُهُ إلى المَأْتِيِّ، أيْ أنْتُمُ اخْتَرْتُمُ الذُّكْرانَ مِنَ العالَمِينَ لا الإناثَ مِنهم. صفحة ١٣٩ وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن أزْواجِكُمْ﴾ فَيَصْلُحُ أنْ يَكُونَ تَبْيِينًا لِما خَلَقَ وأنْ يَكُونَ لِلتَّبْعِيضِ، ويُرادُ بِما خَلَقَ العُضْوُ المُباحُ مِنهُنَّ، وكَأنَّهم كانُوا يَفْعَلُونَ مِثْلَ ذَلِكَ بِنِسائِهِمْ، والعادِي هو المُتَعَدِّي في ظُلْمِهِ، ومَعْناهُ أتَرْتَكِبُونَ هَذِهِ المَعْصِيَةَ عَلى عِظَمِها ﴿بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ﴾ في جَمِيعِ المَعاصِي، فَهَذا مِن جُمْلَةِ ذاكَ، أوْ بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ أحِقّاءُ بِأنْ تُوصَفُوا بِالعُدْوانِ حَيْثُ ارْتَكَبْتُمْ مِثْلَ هَذِهِ الفاحِشَةِ، فَقالُوا لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يالُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ المُخْرَجِينَ﴾ أيْ لَتَكُونَنَّ مِن جُمْلَةِ مَن أخْرَجْناهُ مِن بَلَدِنا، ولَعَلَّهم كانُوا يُخْرِجُونَ مَن أخْرَجُوهُ عَلى أسْوَأِ الأحْوالِ، فَقالَ لَهم لُوطٌ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿إنِّي لِعَمَلِكم مِنَ القالِينَ﴾ القِلى: البُغْضُ الشَّدِيدُ، كَأنَّهُ بُغْضٌ يَقْلِي الفُؤادَ والكَبِدَ، وقَوْلُهُ: ﴿مِنَ القالِينَ﴾ أبْلَغُ مِن أنْ يَقُولَ إنِّي لِعَمَلِكم قالٍ، كَما يُقالُ: فُلانٌ مِنَ العُلَماءِ فَهو أبْلَغُ مِن قَوْلِكَ: فُلانٌ عالِمٌ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ مِنَ الكامِلِينَ في قِلاكم، ثم قال تَعالى: ﴿فَنَجَّيْناهُ وأهْلَهُ﴾ والمُرادُ: فَنَجَّيْناهُ وأهْلَهُ مِن عُقُوبَةِ عَمَلِهِمْ، ﴿إلّا عَجُوزًا في الغابِرِينَ﴾ فَإنْ قِيلَ: ﴿فِي الغابِرِينَ﴾ صِفَةٌ لَها كَأنَّهُ قِيلَ إلّا عَجُوزًا غابِرَةً، ولَمْ يَكُنِ الغُبُورُ صِفَتَها وقْتَ تَنْجِيَتِهِمْ. جَوابُهُ: مَعْناهُ إلّا عَجُوزًا مُقَدَّرًا غُبُورُها، قِيلَ: إنَّها هَلَكَتْ مَعَ مَن خَرَجَ مِنَ القَرْيَةِ بِما أُمْطِرُ عَلَيْهِمْ مِنَ الحِجارَةِ، قالَ القاضِي عَبْدُ الجَبّارِ في ”تَفْسِيرِهِ“ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وتَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكم رَبُّكم مِن أزْواجِكُمْ﴾ دَلالَةٌ عَلى بُطْلانِ الجَبْرِ مِن جِهاتٍ: أحَدُها: أنَّهُ لا يُقالُ: تَذَرُونَ إلّا مَعَ القُدْرَةِ عَلى خِلافِهِ، ولِذَلِكَ لا يُقالُ لِلْمَرْءِ: لِمَ تَذَرُ الصُّعُودَ إلى السَّماءِ، كَما يُقالُ لَهُ: لِمَ تَذَرُ الدُّخُولَ والخُرُوجَ. وثانِيها: أنَّهُ قالَ: ﴿ما خَلَقَ لَكُمْ﴾ ولَوْ كانَ خَلْقُ الفِعْلِ لِلَّهِ تَعالى لَكانَ الَّذِي خَلَقَ لَهم ما خَلَقَهُ فِيهِمْ وأوْجَبَهُ لا ما لَمْ يَفْعَلُوهُ. وثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ﴾ فَإنْ كانَ تَعالى خَلَقَ فِيهِمْ ما كانُوا يَعْمَلُونَ فَكَيْفَ يُنْسَبُونَ إلى أنَّهم تَعَدَّوْا، وهَلْ يُقالُ لِلْأسْوَدِ إنَّكَ مُتَعَدٍّ في لَوْنِكَ ؟ فَنَقُولُ: حاصِلُ هَذِهِ الوُجُوهِ يَرْجِعُ إلى أنَّ العَبْدَ لَوْ لَمْ يَكُنْ مُوجِدًا لِأفْعالِ نَفْسِهِ لَما تَوَجَّهَ المَدْحُ والذَّمُّ والأمْرُ والنَّهْيُ عَلَيْهِ، ولِهَذِهِ الآيَةِ في هَذا المَعْنى خاصِّيَّةٌ أزْيَدُ مِمّا ورَدَ مِنَ الأمْرِ والنَّهْيِ والمَدْحِ والذَّمِّ في قِصَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وإبْراهِيمَ ونُوحٍ وسائِرِ القَصَصِ، فَكَيْفَ خَصَّ هَذِهِ القِصَّةَ بِهَذِهِ الوُجُوهِ دُونَ سائِرِ القَصَصِ ؟ وإذا ثَبَتَ بُطْلانُ هَذِهِ الوُجُوهِ بَقِيَ ذَلِكَ الوجه المَشْهُورُ فَنَحْنُ نُجِيبُ عَنْها بِالجَوابَيْنِ المَشْهُورَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا عَلِمَ وُقُوعَ هَذِهِ الأشْياءِ فَعَدَمُها مُحالٌ لِأنَّ عَدَمَها يَسْتَلْزِمُ انْقِلابَ العِلْمِ جَهْلًا وهو مُحالٌ والمُفْضِي إلى المُحالِ مُحالٌ، وإذا كانَ عَدَمُها مُحالًا كانَ التَّكْلِيفُ بِالتَّرْكِ تَكْلِيفًا بِالمُحالِ. الثّانِي: أنَّ القادِرَ لَمّا كانَ قادِرًا عَلى الضِّدَّيْنِ امْتَنَعَ أنْ يَتَرَجَّحَ أحَدُ المَقْدُورَيْنِ عَلى الآخَرِ إلّا لِمُرَجِّحٍ وهو الدّاعِي أوِ الإرادَةُ وذَلِكَ المُرَجِّحُ مُحْدَثٌ فَلَهُ مُؤَثِّرٌ وذَلِكَ المُؤَثِّرُ إنْ كانَ هو العَبْدَ لَزِمَ التَّسَلْسُلُ وهو مُحالٌ وإنْ كانَ هو اللَّهَ تَعالى فَذَلِكَ هو الجَبْرُ عَلى قَوْلِكَ، فَثَبَتَ بِهَذَيْنِ البُرْهانَيْنِ القاطِعَيْنِ سُقُوطُ ما قالَهُ واللَّهُ أعْلَمُ.

الشعراء 26:175

القِصَّةُ السّادِسَةُ قِصَّةُ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم لُوطٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ العالَمِينَ﴾ ﴿وتَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكم رَبُّكم مِن أزْواجِكم بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ﴾ ﴿قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ المُخْرَجِينَ﴾ ﴿قالَ إنِّي لِعَمَلِكم مِنَ القالِينَ﴾ ﴿رَبِّ نَجِّنِي وأهْلِي مِمّا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿فَنَجَّيْناهُ وأهْلَهُ أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلّا عَجُوزًا في الغابِرِينَ﴾ ﴿ثُمَّ دَمَّرْنا الآخَرِينَ﴾ ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَساءَ مَطَرُ المُنْذَرِينَ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم لُوطٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ العالَمِينَ﴾ ﴿وتَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكم رَبُّكم مِن أزْواجِكم بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ﴾ ﴿قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يالُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ المُخْرَجِينَ﴾ ﴿قالَ إنِّي لِعَمَلِكم مِنَ القالِينَ﴾ ﴿رَبِّ نَجِّنِي وأهْلِي مِمّا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿فَنَجَّيْناهُ وأهْلَهُ أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلّا عَجُوزًا في الغابِرِينَ﴾ ﴿ثُمَّ دَمَّرْنا الآخَرِينَ﴾ ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَساءَ مَطَرُ المُنْذَرِينَ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ . أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ العالَمِينَ﴾ فَيُحْتَمَلُ عَوْدُهُ إلى الآتِي: أيْ أنْتُمْ مِن جُمْلَةِ العالَمِينَ صِرْتُمْ مَخْصُوصِينَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، وهي إتْيانُ الذُّكْرانِ، ويُحْتَمَلُ عَوْدُهُ إلى المَأْتِيِّ، أيْ أنْتُمُ اخْتَرْتُمُ الذُّكْرانَ مِنَ العالَمِينَ لا الإناثَ مِنهم. صفحة ١٣٩ وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن أزْواجِكُمْ﴾ فَيَصْلُحُ أنْ يَكُونَ تَبْيِينًا لِما خَلَقَ وأنْ يَكُونَ لِلتَّبْعِيضِ، ويُرادُ بِما خَلَقَ العُضْوُ المُباحُ مِنهُنَّ، وكَأنَّهم كانُوا يَفْعَلُونَ مِثْلَ ذَلِكَ بِنِسائِهِمْ، والعادِي هو المُتَعَدِّي في ظُلْمِهِ، ومَعْناهُ أتَرْتَكِبُونَ هَذِهِ المَعْصِيَةَ عَلى عِظَمِها ﴿بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ﴾ في جَمِيعِ المَعاصِي، فَهَذا مِن جُمْلَةِ ذاكَ، أوْ بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ أحِقّاءُ بِأنْ تُوصَفُوا بِالعُدْوانِ حَيْثُ ارْتَكَبْتُمْ مِثْلَ هَذِهِ الفاحِشَةِ، فَقالُوا لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يالُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ المُخْرَجِينَ﴾ أيْ لَتَكُونَنَّ مِن جُمْلَةِ مَن أخْرَجْناهُ مِن بَلَدِنا، ولَعَلَّهم كانُوا يُخْرِجُونَ مَن أخْرَجُوهُ عَلى أسْوَأِ الأحْوالِ، فَقالَ لَهم لُوطٌ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿إنِّي لِعَمَلِكم مِنَ القالِينَ﴾ القِلى: البُغْضُ الشَّدِيدُ، كَأنَّهُ بُغْضٌ يَقْلِي الفُؤادَ والكَبِدَ، وقَوْلُهُ: ﴿مِنَ القالِينَ﴾ أبْلَغُ مِن أنْ يَقُولَ إنِّي لِعَمَلِكم قالٍ، كَما يُقالُ: فُلانٌ مِنَ العُلَماءِ فَهو أبْلَغُ مِن قَوْلِكَ: فُلانٌ عالِمٌ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ مِنَ الكامِلِينَ في قِلاكم، ثم قال تَعالى: ﴿فَنَجَّيْناهُ وأهْلَهُ﴾ والمُرادُ: فَنَجَّيْناهُ وأهْلَهُ مِن عُقُوبَةِ عَمَلِهِمْ، ﴿إلّا عَجُوزًا في الغابِرِينَ﴾ فَإنْ قِيلَ: ﴿فِي الغابِرِينَ﴾ صِفَةٌ لَها كَأنَّهُ قِيلَ إلّا عَجُوزًا غابِرَةً، ولَمْ يَكُنِ الغُبُورُ صِفَتَها وقْتَ تَنْجِيَتِهِمْ. جَوابُهُ: مَعْناهُ إلّا عَجُوزًا مُقَدَّرًا غُبُورُها، قِيلَ: إنَّها هَلَكَتْ مَعَ مَن خَرَجَ مِنَ القَرْيَةِ بِما أُمْطِرُ عَلَيْهِمْ مِنَ الحِجارَةِ، قالَ القاضِي عَبْدُ الجَبّارِ في ”تَفْسِيرِهِ“ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وتَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكم رَبُّكم مِن أزْواجِكُمْ﴾ دَلالَةٌ عَلى بُطْلانِ الجَبْرِ مِن جِهاتٍ: أحَدُها: أنَّهُ لا يُقالُ: تَذَرُونَ إلّا مَعَ القُدْرَةِ عَلى خِلافِهِ، ولِذَلِكَ لا يُقالُ لِلْمَرْءِ: لِمَ تَذَرُ الصُّعُودَ إلى السَّماءِ، كَما يُقالُ لَهُ: لِمَ تَذَرُ الدُّخُولَ والخُرُوجَ. وثانِيها: أنَّهُ قالَ: ﴿ما خَلَقَ لَكُمْ﴾ ولَوْ كانَ خَلْقُ الفِعْلِ لِلَّهِ تَعالى لَكانَ الَّذِي خَلَقَ لَهم ما خَلَقَهُ فِيهِمْ وأوْجَبَهُ لا ما لَمْ يَفْعَلُوهُ. وثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ﴾ فَإنْ كانَ تَعالى خَلَقَ فِيهِمْ ما كانُوا يَعْمَلُونَ فَكَيْفَ يُنْسَبُونَ إلى أنَّهم تَعَدَّوْا، وهَلْ يُقالُ لِلْأسْوَدِ إنَّكَ مُتَعَدٍّ في لَوْنِكَ ؟ فَنَقُولُ: حاصِلُ هَذِهِ الوُجُوهِ يَرْجِعُ إلى أنَّ العَبْدَ لَوْ لَمْ يَكُنْ مُوجِدًا لِأفْعالِ نَفْسِهِ لَما تَوَجَّهَ المَدْحُ والذَّمُّ والأمْرُ والنَّهْيُ عَلَيْهِ، ولِهَذِهِ الآيَةِ في هَذا المَعْنى خاصِّيَّةٌ أزْيَدُ مِمّا ورَدَ مِنَ الأمْرِ والنَّهْيِ والمَدْحِ والذَّمِّ في قِصَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وإبْراهِيمَ ونُوحٍ وسائِرِ القَصَصِ، فَكَيْفَ خَصَّ هَذِهِ القِصَّةَ بِهَذِهِ الوُجُوهِ دُونَ سائِرِ القَصَصِ ؟ وإذا ثَبَتَ بُطْلانُ هَذِهِ الوُجُوهِ بَقِيَ ذَلِكَ الوجه المَشْهُورُ فَنَحْنُ نُجِيبُ عَنْها بِالجَوابَيْنِ المَشْهُورَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا عَلِمَ وُقُوعَ هَذِهِ الأشْياءِ فَعَدَمُها مُحالٌ لِأنَّ عَدَمَها يَسْتَلْزِمُ انْقِلابَ العِلْمِ جَهْلًا وهو مُحالٌ والمُفْضِي إلى المُحالِ مُحالٌ، وإذا كانَ عَدَمُها مُحالًا كانَ التَّكْلِيفُ بِالتَّرْكِ تَكْلِيفًا بِالمُحالِ. الثّانِي: أنَّ القادِرَ لَمّا كانَ قادِرًا عَلى الضِّدَّيْنِ امْتَنَعَ أنْ يَتَرَجَّحَ أحَدُ المَقْدُورَيْنِ عَلى الآخَرِ إلّا لِمُرَجِّحٍ وهو الدّاعِي أوِ الإرادَةُ وذَلِكَ المُرَجِّحُ مُحْدَثٌ فَلَهُ مُؤَثِّرٌ وذَلِكَ المُؤَثِّرُ إنْ كانَ هو العَبْدَ لَزِمَ التَّسَلْسُلُ وهو مُحالٌ وإنْ كانَ هو اللَّهَ تَعالى فَذَلِكَ هو الجَبْرُ عَلى قَوْلِكَ، فَثَبَتَ بِهَذَيْنِ البُرْهانَيْنِ القاطِعَيْنِ سُقُوطُ ما قالَهُ واللَّهُ أعْلَمُ.

الشعراء 26:176

القِصَّةُ السّابِعَةُ: قِصَّةُ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ صفحة ١٤٠ ﴿كَذَّبَ أصْحابُ الأيْكَةِ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم شُعَيْبٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أوْفُوا الكَيْلَ ولا تَكُونُوا مِنَ المُخْسِرِينَ﴾ ﴿وزِنُوا بِالقِسْطاسِ المُسْتَقِيمِ﴾ ﴿ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهم ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ ﴿واتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكم والجِبِلَّةَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿قالُوا إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ ﴿وما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا وإنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الكاذِبِينَ﴾ ﴿فَأسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفًا مِنَ السَّماءِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿قالَ رَبِّي أعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأخَذَهم عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾? قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَّبَ أصْحابُ الأيْكَةِ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم شُعَيْبٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أوْفُوا الكَيْلَ ولا تَكُونُوا مِنَ المُخْسِرِينَ﴾ ﴿وزِنُوا بِالقِسْطاسِ المُسْتَقِيمِ﴾ ﴿ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهم ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ ﴿واتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكم والجِبِلَّةَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿قالُوا إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ ﴿وما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا وإنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الكاذِبِينَ﴾ ﴿فَأسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفًا مِنَ السَّماءِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿قالَ رَبِّي أعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأخَذَهم عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ . قُرِئَ ﴿أصْحابُ الأيْكَةِ﴾ بِالهَمْزَةِ وبِتَخْفِيفِها وبِالجَرِّ عَلى الإضافَةِ وهو الوجه، ومَن قَرَأ بِالنَّصْبِ وزَعَمَ أنَّ أيْكَةً بِوَزْنِ لَيْلَةٍ اسْمُ بَلَدٍ يُعْرَفُ فَتَوَهُّمٌ قادَ إلَيْهِ خَطُّ المُصْحَفِ حَيْثُ وُجِدَتْ مَكْتُوبَةً في هَذِهِ السُّورَةِ وفي سُورَةِ ص بِغَيْرِ ألِفٍ لَكِنْ قَدْ كُتِبَتْ في سائِرِ القُرْآنِ عَلى الأصْلِ والقِصَّةُ واحِدَةٌ عَلى أنَّ أيْكَةً اسْمٌ لا يُعْرَفُ، رُوِيَ أنَّ أصْحابَ الأيْكَةِ كانُوا أصْحابَ شَجَرٍ مُلْتَفٍّ وتِلْكَ الشَّجَرُ هي الَّتِي حِمْلُها المُقْلُ، فَإنْ قِيلَ: هَلّا قالَ أخُوهم شُعَيْبٌ كَما في سائِرِ المَواضِعِ، جَوابُهُ: أنَّ شُعَيْبًا لَمْ يَكُنْ مِن أصْحابِ الأيْكَةِ، وفي الحَدِيثِ: ”«إنَّ شُعَيْبًا أخا مَدْيَنَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ وإلى أصْحابِ الأيْكَةِ» “ . ثُمَّ إنَّ شُعَيْبًا عَلَيْهِ السَّلامُ أمَرَهم بِأشْياءَ: أحَدُها: قَوْلُهُ: ﴿أوْفُوا الكَيْلَ ولا تَكُونُوا مِنَ المُخْسِرِينَ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ الكَيْلَ عَلى ثَلاثَةِ أضْرُبٍ: وافٍ وطَفِيفٌ وزائِدٌ، فَأمَرَ بِالواجِبِ الَّذِي هو الإيفاءُ بِقَوْلِهِ: ﴿أوْفُوا الكَيْلَ﴾ ونَهى عَنِ المُحَرَّمِ الَّذِي هو التَّطْفِيفُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَكُونُوا مِنَ المُخْسِرِينَ﴾ ولَمْ يَذْكُرِ الزّائِدَ لِأنَّهُ بِحَيْثُ إنْ فَعَلَهُ فَقَدْ أحْسَنَ وإنْ لَمْ يَفْعَلْهُ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ، ثُمَّ إنَّهُ لَمّا أمَرَ بِالإيفاءِ بَيَّنَ أنَّهُ كَيْفَ يَفْعَلُ فَقالَ: ﴿وزِنُوا بِالقِسْطاسِ المُسْتَقِيمِ﴾ قُرِئَ ”بِالقِسْطاسِ“ مَضْمُومًا ومَكْسُورًا وهو المِيزانُ، وقِيلَ: القَرَسْطُونُ. وثانِيها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهُمْ﴾ يُقالُ: بَخَسَهُ حَقَّهُ إذا نَقَصَهُ إيّاهُ، وهَذا عامٌّ في كُلِّ حَقٍّ يَثْبُتُ لِأحَدٍ أنْ لا يُهْضَمَ وفي كُلِّ مِلْكٍ أنْ لا يُغْصَبَ مالِكُهُ ولا يُتَصَرَّفُ فِيهِ إلّا بِإذْنِهِ تَصَرُّفًا شَرْعِيًّا. وثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ يُقالُ: عَثا في الأرْضِ وعَثِيَ وعاثَ وذَلِكَ نَحْوُ قَطْعِ الطَّرِيقِ والغارَةِ وإهْلاكِ الزَّرْعِ، وكانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ مَعَ تَوْلِيَتِهِمْ أنْواعَ الفَسادِ فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ. ورابِعُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكم والجِبِلَّةَ الأوَّلِينَ﴾ وقُرِئَ ”الجُبُلَّةَ“ بِوَزْنِ الأُبُلَّةِ وقُرِئَ ”الجِبْلَةَ“ بِوَزْنِ الخِلْقَةِ ومَعْناهُنَّ واحِدٌ أيْ ذَوِي الجِبِلَّةِ، والمُرادُ أنَّهُ المُتَفَضِّلُ بِخَلْقِهِمْ وخَلْقِ مَن تَقَدَّمَهم مِمَّنْ لَوْلا خَلْقُهم لَما كانُوا مَخْلُوقِينَ، صفحة ١٤١ فَلَمْ يَكُنْ لِلْقَوْمِ جَوابٌ إلّا ما لَوْ تَرَكُوهُ لَكانَ أوْلى بِهِمْ وهو مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: قَوْلُهم: ﴿إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ و﴿ما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا﴾ فَإنْ قِيلَ: هَلِ اخْتَلَفَ المَعْنى بِإدْخالِ الواوِ هَهُنا وتَرْكِها في قِصَّةِ ثَمُودَ ؟ جَوابُهُ: إذا دَخَلَتِ الواوُ فَقَدْ قُصِدَ مَعْنَيانِ كِلاهُما مُنافٍ لِلرِّسالَةِ عِنْدَهُمُ السِّحْرُ والبَشَرِيَّةُ وإذا تُرِكَتِ الواوُ فَلَمْ يَقْصِدُوا إلّا مَعْنًى واحِدًا وهو كَوْنُهُ مُسَحَّرًا ثُمَّ قَرَّرَهُ بِكَوْنِهِ بَشَرًا مِثْلَهم. الثّانِي: قَوْلُهم: ﴿وإنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الكاذِبِينَ﴾ ومَعْناهُ ظاهِرٌ، ثُمَّ إنَّ شُعَيْبًا عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَتَوَعَّدُهم بِالعَذابِ إنِ اسْتَمَرُّوا عَلى التَّكْذِيبِ فَقالُوا: ﴿فَأسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفًا مِنَ السَّماءِ﴾ قُرِئَ ”كِسْفًا“ بِالسُّكُونِ والحَرَكَةِ وكِلاهُما جَمْعُ كِسْفَةٍ وهي القِطْعَةُ والسَّماءُ السَّحابُ أوِ الظُّلَّةُ، وهم إنَّما طَلَبُوا ذَلِكَ لِاسْتِبْعادِهِمْ وُقُوعَهُ فَظَنُّوا أنَّهُ إذا لَمْ يَقَعْ ظَهَرَ كَذِبُهُ فَعِنْدَهُ قالَ شُعَيْبٌ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿رَبِّي أعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ فَلَمْ يَدْعُ عَلَيْهِمْ بَلْ فَوَّضَ الأمْرَ فِيهِ إلى اللَّهِ تَعالى فَلَمّا اسْتَمَرُّوا عَلى التَّكْذِيبِ أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ العَذابَ عَلى ما اقْتَرَحُوا مِن عَذابِ يَوْمِ الظُّلَّةِ إنْ أرادُوا بِالسَّماءِ السَّحابَ، وإنْ أرادُوا الظُّلَّةَ فَقَدْ خالَفَ بِهِمْ عَنْ مُقْتَرَحِهِمْ، يُرْوى أنَّهُ حَبَسَ عَنْهُمُ الرِّيحَ سَبْعًا وسَلَّطَ عَلَيْهِمُ الرَّمْلَ فَأخَذَ بِأنْفاسِهِمْ، لا يَنْفَعُهم ظِلٌّ ولا ماءٌ فاضْطُرُّوا إلى أنْ خَرَجُوا إلى البَرِّيَّةِ فَأظَلَّتْهم سَحابَةٌ وجَدُوا لَها بَرَدًا ونَسِيمًا فاجْتَمَعُوا تَحْتَها فَأمْطَرَتْ عَلَيْهِمْ نارًا فاحْتَرَقُوا، ورُوِيَ أنَّ شُعَيْبًا بُعِثَ إلى أُمَّتَيْنِ أصْحابِ مَدْيَنَ وأصْحابِ الأيْكَةِ فَأُهْلِكَتْ مَدْيَنُ بِصَيْحَةِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ وأصْحابُ الأيْكَةِ بِعَذابِ يَوْمِ الظُّلَّةِ، وهَهُنا آخِرُ الكَلامِ في هَذِهِ القَصَصِ السَّبْعِ الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ السُّورَةِ تَسْلِيَةً لِمُحَمَّدٍ ﷺ فِيما نالَهُ مِنَ الغَمِّ الشَّدِيدِ، بَقِيَ هَهُنا سُؤالانِ: السُّؤالُ الأوَّلُ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ العَذابَ النّازِلَ بِعادٍ وثَمُودَ وقَوْمِ لُوطٍ وغَيْرِهِمْ ما كانَ ذَلِكَ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ وعِنادِهِمْ، بَلْ كانَ ذَلِكَ بِسَبَبِ قِراناتِ الكَواكِبِ واتِّصالاتِها عَلى ما اتَّفَقَ عَلَيْهِ أهْلُ النُّجُومِ ؟ وإذا قامَ هَذا الِاحْتِمالُ لَمْ يَحْصُلِ الِاعْتِبارُ بِهَذِهِ القَصَصِ، لِأنَّ الِاعْتِبارَ إنَّما يَحْصُلُ أنْ لَوْ عَلِمْنا أنَّ نُزُولَ هَذا العَذابِ كانَ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ وعِنادِهِمْ. الثّانِي: أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ يُنْزِلُ العَذابَ مِحْنَةً لِلْمُكَلَّفِينَ وابْتِلاءً لَهم عَلى ما قالَ: ﴿ولَنَبْلُوَنَّكم حَتّى نَعْلَمَ المُجاهِدِينَ مِنكم والصّابِرِينَ﴾ [محمد: ٣١] ولِأنَّهُ تَعالى قَدِ ابْتَلى المُؤْمِنِينَ بِالبَلاءِ العَظِيمِ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ وإذا كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَدُلَّ نُزُولُ البَلاءِ بِهِمْ عَلى كَوْنِهِمْ مُبْطِلِينَ، والجَوابُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى أنْزَلَ هَذِهِ القَصَصَ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ تَسْلِيَةً وإزالَةً لِلْحُزْنِ عَنْ قَلْبِهِ، فَلَمّا أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى مُحَمَّدًا أنَّهُ هو الَّذِي أنْزَلَ العَذابَ عَلَيْهِمْ، وأنَّهُ إنَّما أنْزَلَهُ عَلَيْهِمْ جَزاءً عَلى كُفْرِهِمْ، عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ، فَحِينَئِذٍ يَحْصُلُ بِهِ التَّسَلِّي والفَرَحُ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ، واحْتَجَّ بَعْضُ النّاسِ عَلى القَدْحِ في عِلْمِ الأحْكامِ بِأنْ قالَ: المُؤَثِّرُ في هَذِهِ الأشْياءِ، إمّا الكَواكِبُ أوِ البُرُوجُ أوْ كَوْنُ الكَوْكَبِ في البُرْجِ المُعَيَّنِ، والأوَّلُ باطِلٌ، وإلّا لَحَصَلَتْ هَذِهِ الآثارُ أيْنَ حَصَلَ الكَوْكَبُ، والثّانِي أيْضًا باطِلٌ، وإلّا لَزِمَ دَوامُ الأثَرِ بِدَوامِ البُرْجِ، والثّالِثُ أيْضًا باطِلٌ؛ لِأنَّ الفَلَكَ عَلى قَوْلِهِمْ بَسِيطٌ لا مُرَكَّبٌ فَيَكُونُ طَبْعُ كُلِّ بُرْجٍ مُساوِيًا لِطَبْعِ البُرْجِ الآخَرِ في تَمامِ الماهِيَّةِ، فَيَكُونُ حالُ الكَوْكَبِ وهو في بُرْجِهِ كَحالِهِ وهو في بُرْجٍ آخَرَ، فَيَلْزَمُ أنْ يَدُومَ ذَلِكَ الأثَرُ بِدَوامِ الكَوْكَبِ، ولِلْقَوْمِ أنْ يَقُولُوا: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ صُدُورُ الأثَرِ عَنِ الكَوْكَبِ المُعَيَّنِ مَوْقُوفًا عَلى كَوْنِهِ مُسامِتًا مُسامَتَةً مَخْصُوصَةً لِكَوْكَبٍ آخَرَ، فَإذا فُقِدَتْ تِلْكَ المُسامَتَةُ فُقِدَ شَرْطُ التَّأْثِيرِ فَلا يَحْصُلُ التَّأْثِيرُ. ولَهم أنْ يَقُولُوا: هَذِهِ الدَّلالَةُ، إنَّما تَدُلُّ عَلى أنَّها لَيْسَتْ مُؤَثِّرَةً بِحَسَبِ ذَواتِها وطَبائِعِها، ولَكِنَّها لا تَدُلُّ عَلى أنَّها لَيْسَتْ مُؤَثِّرَةً بِحَسَبِ جَرْيِ العادَةِ، فَإذا أجْرى اللَّهُ تَعالى صفحة ١٤٢ عادَتَهُ بِحُصُولِ تَأْثِيراتٍ مَخْصُوصَةٍ عَقِيبَ اتِّصالاتِ الكَواكِبِ وقِراناتِها وأدْوارِها لَمْ يَلْزَمْ مِن حُصُولِ هَذِهِ الآثارِ القَطْعُ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى إنَّما خَلَقَها لِأجْلِ زَجْرِ الكُفّارِ بَلْ لَعَلَّهُ تَعالى خَلَقَها تَكْرِيرًا لِتِلْكَ العاداتِ واللَّهُ أعْلَمُ.

الشعراء 26:177

القِصَّةُ السّابِعَةُ: قِصَّةُ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ صفحة ١٤٠ ﴿كَذَّبَ أصْحابُ الأيْكَةِ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم شُعَيْبٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أوْفُوا الكَيْلَ ولا تَكُونُوا مِنَ المُخْسِرِينَ﴾ ﴿وزِنُوا بِالقِسْطاسِ المُسْتَقِيمِ﴾ ﴿ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهم ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ ﴿واتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكم والجِبِلَّةَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿قالُوا إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ ﴿وما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا وإنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الكاذِبِينَ﴾ ﴿فَأسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفًا مِنَ السَّماءِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿قالَ رَبِّي أعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأخَذَهم عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾? قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَّبَ أصْحابُ الأيْكَةِ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم شُعَيْبٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أوْفُوا الكَيْلَ ولا تَكُونُوا مِنَ المُخْسِرِينَ﴾ ﴿وزِنُوا بِالقِسْطاسِ المُسْتَقِيمِ﴾ ﴿ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهم ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ ﴿واتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكم والجِبِلَّةَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿قالُوا إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ ﴿وما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا وإنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الكاذِبِينَ﴾ ﴿فَأسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفًا مِنَ السَّماءِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿قالَ رَبِّي أعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأخَذَهم عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ . قُرِئَ ﴿أصْحابُ الأيْكَةِ﴾ بِالهَمْزَةِ وبِتَخْفِيفِها وبِالجَرِّ عَلى الإضافَةِ وهو الوجه، ومَن قَرَأ بِالنَّصْبِ وزَعَمَ أنَّ أيْكَةً بِوَزْنِ لَيْلَةٍ اسْمُ بَلَدٍ يُعْرَفُ فَتَوَهُّمٌ قادَ إلَيْهِ خَطُّ المُصْحَفِ حَيْثُ وُجِدَتْ مَكْتُوبَةً في هَذِهِ السُّورَةِ وفي سُورَةِ ص بِغَيْرِ ألِفٍ لَكِنْ قَدْ كُتِبَتْ في سائِرِ القُرْآنِ عَلى الأصْلِ والقِصَّةُ واحِدَةٌ عَلى أنَّ أيْكَةً اسْمٌ لا يُعْرَفُ، رُوِيَ أنَّ أصْحابَ الأيْكَةِ كانُوا أصْحابَ شَجَرٍ مُلْتَفٍّ وتِلْكَ الشَّجَرُ هي الَّتِي حِمْلُها المُقْلُ، فَإنْ قِيلَ: هَلّا قالَ أخُوهم شُعَيْبٌ كَما في سائِرِ المَواضِعِ، جَوابُهُ: أنَّ شُعَيْبًا لَمْ يَكُنْ مِن أصْحابِ الأيْكَةِ، وفي الحَدِيثِ: ”«إنَّ شُعَيْبًا أخا مَدْيَنَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ وإلى أصْحابِ الأيْكَةِ» “ . ثُمَّ إنَّ شُعَيْبًا عَلَيْهِ السَّلامُ أمَرَهم بِأشْياءَ: أحَدُها: قَوْلُهُ: ﴿أوْفُوا الكَيْلَ ولا تَكُونُوا مِنَ المُخْسِرِينَ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ الكَيْلَ عَلى ثَلاثَةِ أضْرُبٍ: وافٍ وطَفِيفٌ وزائِدٌ، فَأمَرَ بِالواجِبِ الَّذِي هو الإيفاءُ بِقَوْلِهِ: ﴿أوْفُوا الكَيْلَ﴾ ونَهى عَنِ المُحَرَّمِ الَّذِي هو التَّطْفِيفُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَكُونُوا مِنَ المُخْسِرِينَ﴾ ولَمْ يَذْكُرِ الزّائِدَ لِأنَّهُ بِحَيْثُ إنْ فَعَلَهُ فَقَدْ أحْسَنَ وإنْ لَمْ يَفْعَلْهُ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ، ثُمَّ إنَّهُ لَمّا أمَرَ بِالإيفاءِ بَيَّنَ أنَّهُ كَيْفَ يَفْعَلُ فَقالَ: ﴿وزِنُوا بِالقِسْطاسِ المُسْتَقِيمِ﴾ قُرِئَ ”بِالقِسْطاسِ“ مَضْمُومًا ومَكْسُورًا وهو المِيزانُ، وقِيلَ: القَرَسْطُونُ. وثانِيها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهُمْ﴾ يُقالُ: بَخَسَهُ حَقَّهُ إذا نَقَصَهُ إيّاهُ، وهَذا عامٌّ في كُلِّ حَقٍّ يَثْبُتُ لِأحَدٍ أنْ لا يُهْضَمَ وفي كُلِّ مِلْكٍ أنْ لا يُغْصَبَ مالِكُهُ ولا يُتَصَرَّفُ فِيهِ إلّا بِإذْنِهِ تَصَرُّفًا شَرْعِيًّا. وثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ يُقالُ: عَثا في الأرْضِ وعَثِيَ وعاثَ وذَلِكَ نَحْوُ قَطْعِ الطَّرِيقِ والغارَةِ وإهْلاكِ الزَّرْعِ، وكانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ مَعَ تَوْلِيَتِهِمْ أنْواعَ الفَسادِ فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ. ورابِعُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكم والجِبِلَّةَ الأوَّلِينَ﴾ وقُرِئَ ”الجُبُلَّةَ“ بِوَزْنِ الأُبُلَّةِ وقُرِئَ ”الجِبْلَةَ“ بِوَزْنِ الخِلْقَةِ ومَعْناهُنَّ واحِدٌ أيْ ذَوِي الجِبِلَّةِ، والمُرادُ أنَّهُ المُتَفَضِّلُ بِخَلْقِهِمْ وخَلْقِ مَن تَقَدَّمَهم مِمَّنْ لَوْلا خَلْقُهم لَما كانُوا مَخْلُوقِينَ، صفحة ١٤١ فَلَمْ يَكُنْ لِلْقَوْمِ جَوابٌ إلّا ما لَوْ تَرَكُوهُ لَكانَ أوْلى بِهِمْ وهو مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: قَوْلُهم: ﴿إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ و﴿ما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا﴾ فَإنْ قِيلَ: هَلِ اخْتَلَفَ المَعْنى بِإدْخالِ الواوِ هَهُنا وتَرْكِها في قِصَّةِ ثَمُودَ ؟ جَوابُهُ: إذا دَخَلَتِ الواوُ فَقَدْ قُصِدَ مَعْنَيانِ كِلاهُما مُنافٍ لِلرِّسالَةِ عِنْدَهُمُ السِّحْرُ والبَشَرِيَّةُ وإذا تُرِكَتِ الواوُ فَلَمْ يَقْصِدُوا إلّا مَعْنًى واحِدًا وهو كَوْنُهُ مُسَحَّرًا ثُمَّ قَرَّرَهُ بِكَوْنِهِ بَشَرًا مِثْلَهم. الثّانِي: قَوْلُهم: ﴿وإنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الكاذِبِينَ﴾ ومَعْناهُ ظاهِرٌ، ثُمَّ إنَّ شُعَيْبًا عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَتَوَعَّدُهم بِالعَذابِ إنِ اسْتَمَرُّوا عَلى التَّكْذِيبِ فَقالُوا: ﴿فَأسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفًا مِنَ السَّماءِ﴾ قُرِئَ ”كِسْفًا“ بِالسُّكُونِ والحَرَكَةِ وكِلاهُما جَمْعُ كِسْفَةٍ وهي القِطْعَةُ والسَّماءُ السَّحابُ أوِ الظُّلَّةُ، وهم إنَّما طَلَبُوا ذَلِكَ لِاسْتِبْعادِهِمْ وُقُوعَهُ فَظَنُّوا أنَّهُ إذا لَمْ يَقَعْ ظَهَرَ كَذِبُهُ فَعِنْدَهُ قالَ شُعَيْبٌ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿رَبِّي أعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ فَلَمْ يَدْعُ عَلَيْهِمْ بَلْ فَوَّضَ الأمْرَ فِيهِ إلى اللَّهِ تَعالى فَلَمّا اسْتَمَرُّوا عَلى التَّكْذِيبِ أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ العَذابَ عَلى ما اقْتَرَحُوا مِن عَذابِ يَوْمِ الظُّلَّةِ إنْ أرادُوا بِالسَّماءِ السَّحابَ، وإنْ أرادُوا الظُّلَّةَ فَقَدْ خالَفَ بِهِمْ عَنْ مُقْتَرَحِهِمْ، يُرْوى أنَّهُ حَبَسَ عَنْهُمُ الرِّيحَ سَبْعًا وسَلَّطَ عَلَيْهِمُ الرَّمْلَ فَأخَذَ بِأنْفاسِهِمْ، لا يَنْفَعُهم ظِلٌّ ولا ماءٌ فاضْطُرُّوا إلى أنْ خَرَجُوا إلى البَرِّيَّةِ فَأظَلَّتْهم سَحابَةٌ وجَدُوا لَها بَرَدًا ونَسِيمًا فاجْتَمَعُوا تَحْتَها فَأمْطَرَتْ عَلَيْهِمْ نارًا فاحْتَرَقُوا، ورُوِيَ أنَّ شُعَيْبًا بُعِثَ إلى أُمَّتَيْنِ أصْحابِ مَدْيَنَ وأصْحابِ الأيْكَةِ فَأُهْلِكَتْ مَدْيَنُ بِصَيْحَةِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ وأصْحابُ الأيْكَةِ بِعَذابِ يَوْمِ الظُّلَّةِ، وهَهُنا آخِرُ الكَلامِ في هَذِهِ القَصَصِ السَّبْعِ الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ السُّورَةِ تَسْلِيَةً لِمُحَمَّدٍ ﷺ فِيما نالَهُ مِنَ الغَمِّ الشَّدِيدِ، بَقِيَ هَهُنا سُؤالانِ: السُّؤالُ الأوَّلُ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ العَذابَ النّازِلَ بِعادٍ وثَمُودَ وقَوْمِ لُوطٍ وغَيْرِهِمْ ما كانَ ذَلِكَ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ وعِنادِهِمْ، بَلْ كانَ ذَلِكَ بِسَبَبِ قِراناتِ الكَواكِبِ واتِّصالاتِها عَلى ما اتَّفَقَ عَلَيْهِ أهْلُ النُّجُومِ ؟ وإذا قامَ هَذا الِاحْتِمالُ لَمْ يَحْصُلِ الِاعْتِبارُ بِهَذِهِ القَصَصِ، لِأنَّ الِاعْتِبارَ إنَّما يَحْصُلُ أنْ لَوْ عَلِمْنا أنَّ نُزُولَ هَذا العَذابِ كانَ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ وعِنادِهِمْ. الثّانِي: أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ يُنْزِلُ العَذابَ مِحْنَةً لِلْمُكَلَّفِينَ وابْتِلاءً لَهم عَلى ما قالَ: ﴿ولَنَبْلُوَنَّكم حَتّى نَعْلَمَ المُجاهِدِينَ مِنكم والصّابِرِينَ﴾ [محمد: ٣١] ولِأنَّهُ تَعالى قَدِ ابْتَلى المُؤْمِنِينَ بِالبَلاءِ العَظِيمِ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ وإذا كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَدُلَّ نُزُولُ البَلاءِ بِهِمْ عَلى كَوْنِهِمْ مُبْطِلِينَ، والجَوابُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى أنْزَلَ هَذِهِ القَصَصَ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ تَسْلِيَةً وإزالَةً لِلْحُزْنِ عَنْ قَلْبِهِ، فَلَمّا أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى مُحَمَّدًا أنَّهُ هو الَّذِي أنْزَلَ العَذابَ عَلَيْهِمْ، وأنَّهُ إنَّما أنْزَلَهُ عَلَيْهِمْ جَزاءً عَلى كُفْرِهِمْ، عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ، فَحِينَئِذٍ يَحْصُلُ بِهِ التَّسَلِّي والفَرَحُ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ، واحْتَجَّ بَعْضُ النّاسِ عَلى القَدْحِ في عِلْمِ الأحْكامِ بِأنْ قالَ: المُؤَثِّرُ في هَذِهِ الأشْياءِ، إمّا الكَواكِبُ أوِ البُرُوجُ أوْ كَوْنُ الكَوْكَبِ في البُرْجِ المُعَيَّنِ، والأوَّلُ باطِلٌ، وإلّا لَحَصَلَتْ هَذِهِ الآثارُ أيْنَ حَصَلَ الكَوْكَبُ، والثّانِي أيْضًا باطِلٌ، وإلّا لَزِمَ دَوامُ الأثَرِ بِدَوامِ البُرْجِ، والثّالِثُ أيْضًا باطِلٌ؛ لِأنَّ الفَلَكَ عَلى قَوْلِهِمْ بَسِيطٌ لا مُرَكَّبٌ فَيَكُونُ طَبْعُ كُلِّ بُرْجٍ مُساوِيًا لِطَبْعِ البُرْجِ الآخَرِ في تَمامِ الماهِيَّةِ، فَيَكُونُ حالُ الكَوْكَبِ وهو في بُرْجِهِ كَحالِهِ وهو في بُرْجٍ آخَرَ، فَيَلْزَمُ أنْ يَدُومَ ذَلِكَ الأثَرُ بِدَوامِ الكَوْكَبِ، ولِلْقَوْمِ أنْ يَقُولُوا: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ صُدُورُ الأثَرِ عَنِ الكَوْكَبِ المُعَيَّنِ مَوْقُوفًا عَلى كَوْنِهِ مُسامِتًا مُسامَتَةً مَخْصُوصَةً لِكَوْكَبٍ آخَرَ، فَإذا فُقِدَتْ تِلْكَ المُسامَتَةُ فُقِدَ شَرْطُ التَّأْثِيرِ فَلا يَحْصُلُ التَّأْثِيرُ. ولَهم أنْ يَقُولُوا: هَذِهِ الدَّلالَةُ، إنَّما تَدُلُّ عَلى أنَّها لَيْسَتْ مُؤَثِّرَةً بِحَسَبِ ذَواتِها وطَبائِعِها، ولَكِنَّها لا تَدُلُّ عَلى أنَّها لَيْسَتْ مُؤَثِّرَةً بِحَسَبِ جَرْيِ العادَةِ، فَإذا أجْرى اللَّهُ تَعالى صفحة ١٤٢ عادَتَهُ بِحُصُولِ تَأْثِيراتٍ مَخْصُوصَةٍ عَقِيبَ اتِّصالاتِ الكَواكِبِ وقِراناتِها وأدْوارِها لَمْ يَلْزَمْ مِن حُصُولِ هَذِهِ الآثارِ القَطْعُ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى إنَّما خَلَقَها لِأجْلِ زَجْرِ الكُفّارِ بَلْ لَعَلَّهُ تَعالى خَلَقَها تَكْرِيرًا لِتِلْكَ العاداتِ واللَّهُ أعْلَمُ.

الشعراء 26:178

القِصَّةُ السّابِعَةُ: قِصَّةُ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ صفحة ١٤٠ ﴿كَذَّبَ أصْحابُ الأيْكَةِ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم شُعَيْبٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أوْفُوا الكَيْلَ ولا تَكُونُوا مِنَ المُخْسِرِينَ﴾ ﴿وزِنُوا بِالقِسْطاسِ المُسْتَقِيمِ﴾ ﴿ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهم ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ ﴿واتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكم والجِبِلَّةَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿قالُوا إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ ﴿وما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا وإنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الكاذِبِينَ﴾ ﴿فَأسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفًا مِنَ السَّماءِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿قالَ رَبِّي أعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأخَذَهم عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾? قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَّبَ أصْحابُ الأيْكَةِ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم شُعَيْبٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أوْفُوا الكَيْلَ ولا تَكُونُوا مِنَ المُخْسِرِينَ﴾ ﴿وزِنُوا بِالقِسْطاسِ المُسْتَقِيمِ﴾ ﴿ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهم ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ ﴿واتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكم والجِبِلَّةَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿قالُوا إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ ﴿وما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا وإنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الكاذِبِينَ﴾ ﴿فَأسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفًا مِنَ السَّماءِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿قالَ رَبِّي أعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأخَذَهم عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ . قُرِئَ ﴿أصْحابُ الأيْكَةِ﴾ بِالهَمْزَةِ وبِتَخْفِيفِها وبِالجَرِّ عَلى الإضافَةِ وهو الوجه، ومَن قَرَأ بِالنَّصْبِ وزَعَمَ أنَّ أيْكَةً بِوَزْنِ لَيْلَةٍ اسْمُ بَلَدٍ يُعْرَفُ فَتَوَهُّمٌ قادَ إلَيْهِ خَطُّ المُصْحَفِ حَيْثُ وُجِدَتْ مَكْتُوبَةً في هَذِهِ السُّورَةِ وفي سُورَةِ ص بِغَيْرِ ألِفٍ لَكِنْ قَدْ كُتِبَتْ في سائِرِ القُرْآنِ عَلى الأصْلِ والقِصَّةُ واحِدَةٌ عَلى أنَّ أيْكَةً اسْمٌ لا يُعْرَفُ، رُوِيَ أنَّ أصْحابَ الأيْكَةِ كانُوا أصْحابَ شَجَرٍ مُلْتَفٍّ وتِلْكَ الشَّجَرُ هي الَّتِي حِمْلُها المُقْلُ، فَإنْ قِيلَ: هَلّا قالَ أخُوهم شُعَيْبٌ كَما في سائِرِ المَواضِعِ، جَوابُهُ: أنَّ شُعَيْبًا لَمْ يَكُنْ مِن أصْحابِ الأيْكَةِ، وفي الحَدِيثِ: ”«إنَّ شُعَيْبًا أخا مَدْيَنَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ وإلى أصْحابِ الأيْكَةِ» “ . ثُمَّ إنَّ شُعَيْبًا عَلَيْهِ السَّلامُ أمَرَهم بِأشْياءَ: أحَدُها: قَوْلُهُ: ﴿أوْفُوا الكَيْلَ ولا تَكُونُوا مِنَ المُخْسِرِينَ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ الكَيْلَ عَلى ثَلاثَةِ أضْرُبٍ: وافٍ وطَفِيفٌ وزائِدٌ، فَأمَرَ بِالواجِبِ الَّذِي هو الإيفاءُ بِقَوْلِهِ: ﴿أوْفُوا الكَيْلَ﴾ ونَهى عَنِ المُحَرَّمِ الَّذِي هو التَّطْفِيفُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَكُونُوا مِنَ المُخْسِرِينَ﴾ ولَمْ يَذْكُرِ الزّائِدَ لِأنَّهُ بِحَيْثُ إنْ فَعَلَهُ فَقَدْ أحْسَنَ وإنْ لَمْ يَفْعَلْهُ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ، ثُمَّ إنَّهُ لَمّا أمَرَ بِالإيفاءِ بَيَّنَ أنَّهُ كَيْفَ يَفْعَلُ فَقالَ: ﴿وزِنُوا بِالقِسْطاسِ المُسْتَقِيمِ﴾ قُرِئَ ”بِالقِسْطاسِ“ مَضْمُومًا ومَكْسُورًا وهو المِيزانُ، وقِيلَ: القَرَسْطُونُ. وثانِيها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهُمْ﴾ يُقالُ: بَخَسَهُ حَقَّهُ إذا نَقَصَهُ إيّاهُ، وهَذا عامٌّ في كُلِّ حَقٍّ يَثْبُتُ لِأحَدٍ أنْ لا يُهْضَمَ وفي كُلِّ مِلْكٍ أنْ لا يُغْصَبَ مالِكُهُ ولا يُتَصَرَّفُ فِيهِ إلّا بِإذْنِهِ تَصَرُّفًا شَرْعِيًّا. وثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ يُقالُ: عَثا في الأرْضِ وعَثِيَ وعاثَ وذَلِكَ نَحْوُ قَطْعِ الطَّرِيقِ والغارَةِ وإهْلاكِ الزَّرْعِ، وكانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ مَعَ تَوْلِيَتِهِمْ أنْواعَ الفَسادِ فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ. ورابِعُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكم والجِبِلَّةَ الأوَّلِينَ﴾ وقُرِئَ ”الجُبُلَّةَ“ بِوَزْنِ الأُبُلَّةِ وقُرِئَ ”الجِبْلَةَ“ بِوَزْنِ الخِلْقَةِ ومَعْناهُنَّ واحِدٌ أيْ ذَوِي الجِبِلَّةِ، والمُرادُ أنَّهُ المُتَفَضِّلُ بِخَلْقِهِمْ وخَلْقِ مَن تَقَدَّمَهم مِمَّنْ لَوْلا خَلْقُهم لَما كانُوا مَخْلُوقِينَ، صفحة ١٤١ فَلَمْ يَكُنْ لِلْقَوْمِ جَوابٌ إلّا ما لَوْ تَرَكُوهُ لَكانَ أوْلى بِهِمْ وهو مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: قَوْلُهم: ﴿إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ و﴿ما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا﴾ فَإنْ قِيلَ: هَلِ اخْتَلَفَ المَعْنى بِإدْخالِ الواوِ هَهُنا وتَرْكِها في قِصَّةِ ثَمُودَ ؟ جَوابُهُ: إذا دَخَلَتِ الواوُ فَقَدْ قُصِدَ مَعْنَيانِ كِلاهُما مُنافٍ لِلرِّسالَةِ عِنْدَهُمُ السِّحْرُ والبَشَرِيَّةُ وإذا تُرِكَتِ الواوُ فَلَمْ يَقْصِدُوا إلّا مَعْنًى واحِدًا وهو كَوْنُهُ مُسَحَّرًا ثُمَّ قَرَّرَهُ بِكَوْنِهِ بَشَرًا مِثْلَهم. الثّانِي: قَوْلُهم: ﴿وإنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الكاذِبِينَ﴾ ومَعْناهُ ظاهِرٌ، ثُمَّ إنَّ شُعَيْبًا عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَتَوَعَّدُهم بِالعَذابِ إنِ اسْتَمَرُّوا عَلى التَّكْذِيبِ فَقالُوا: ﴿فَأسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفًا مِنَ السَّماءِ﴾ قُرِئَ ”كِسْفًا“ بِالسُّكُونِ والحَرَكَةِ وكِلاهُما جَمْعُ كِسْفَةٍ وهي القِطْعَةُ والسَّماءُ السَّحابُ أوِ الظُّلَّةُ، وهم إنَّما طَلَبُوا ذَلِكَ لِاسْتِبْعادِهِمْ وُقُوعَهُ فَظَنُّوا أنَّهُ إذا لَمْ يَقَعْ ظَهَرَ كَذِبُهُ فَعِنْدَهُ قالَ شُعَيْبٌ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿رَبِّي أعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ فَلَمْ يَدْعُ عَلَيْهِمْ بَلْ فَوَّضَ الأمْرَ فِيهِ إلى اللَّهِ تَعالى فَلَمّا اسْتَمَرُّوا عَلى التَّكْذِيبِ أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ العَذابَ عَلى ما اقْتَرَحُوا مِن عَذابِ يَوْمِ الظُّلَّةِ إنْ أرادُوا بِالسَّماءِ السَّحابَ، وإنْ أرادُوا الظُّلَّةَ فَقَدْ خالَفَ بِهِمْ عَنْ مُقْتَرَحِهِمْ، يُرْوى أنَّهُ حَبَسَ عَنْهُمُ الرِّيحَ سَبْعًا وسَلَّطَ عَلَيْهِمُ الرَّمْلَ فَأخَذَ بِأنْفاسِهِمْ، لا يَنْفَعُهم ظِلٌّ ولا ماءٌ فاضْطُرُّوا إلى أنْ خَرَجُوا إلى البَرِّيَّةِ فَأظَلَّتْهم سَحابَةٌ وجَدُوا لَها بَرَدًا ونَسِيمًا فاجْتَمَعُوا تَحْتَها فَأمْطَرَتْ عَلَيْهِمْ نارًا فاحْتَرَقُوا، ورُوِيَ أنَّ شُعَيْبًا بُعِثَ إلى أُمَّتَيْنِ أصْحابِ مَدْيَنَ وأصْحابِ الأيْكَةِ فَأُهْلِكَتْ مَدْيَنُ بِصَيْحَةِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ وأصْحابُ الأيْكَةِ بِعَذابِ يَوْمِ الظُّلَّةِ، وهَهُنا آخِرُ الكَلامِ في هَذِهِ القَصَصِ السَّبْعِ الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ السُّورَةِ تَسْلِيَةً لِمُحَمَّدٍ ﷺ فِيما نالَهُ مِنَ الغَمِّ الشَّدِيدِ، بَقِيَ هَهُنا سُؤالانِ: السُّؤالُ الأوَّلُ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ العَذابَ النّازِلَ بِعادٍ وثَمُودَ وقَوْمِ لُوطٍ وغَيْرِهِمْ ما كانَ ذَلِكَ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ وعِنادِهِمْ، بَلْ كانَ ذَلِكَ بِسَبَبِ قِراناتِ الكَواكِبِ واتِّصالاتِها عَلى ما اتَّفَقَ عَلَيْهِ أهْلُ النُّجُومِ ؟ وإذا قامَ هَذا الِاحْتِمالُ لَمْ يَحْصُلِ الِاعْتِبارُ بِهَذِهِ القَصَصِ، لِأنَّ الِاعْتِبارَ إنَّما يَحْصُلُ أنْ لَوْ عَلِمْنا أنَّ نُزُولَ هَذا العَذابِ كانَ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ وعِنادِهِمْ. الثّانِي: أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ يُنْزِلُ العَذابَ مِحْنَةً لِلْمُكَلَّفِينَ وابْتِلاءً لَهم عَلى ما قالَ: ﴿ولَنَبْلُوَنَّكم حَتّى نَعْلَمَ المُجاهِدِينَ مِنكم والصّابِرِينَ﴾ [محمد: ٣١] ولِأنَّهُ تَعالى قَدِ ابْتَلى المُؤْمِنِينَ بِالبَلاءِ العَظِيمِ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ وإذا كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَدُلَّ نُزُولُ البَلاءِ بِهِمْ عَلى كَوْنِهِمْ مُبْطِلِينَ، والجَوابُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى أنْزَلَ هَذِهِ القَصَصَ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ تَسْلِيَةً وإزالَةً لِلْحُزْنِ عَنْ قَلْبِهِ، فَلَمّا أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى مُحَمَّدًا أنَّهُ هو الَّذِي أنْزَلَ العَذابَ عَلَيْهِمْ، وأنَّهُ إنَّما أنْزَلَهُ عَلَيْهِمْ جَزاءً عَلى كُفْرِهِمْ، عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ، فَحِينَئِذٍ يَحْصُلُ بِهِ التَّسَلِّي والفَرَحُ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ، واحْتَجَّ بَعْضُ النّاسِ عَلى القَدْحِ في عِلْمِ الأحْكامِ بِأنْ قالَ: المُؤَثِّرُ في هَذِهِ الأشْياءِ، إمّا الكَواكِبُ أوِ البُرُوجُ أوْ كَوْنُ الكَوْكَبِ في البُرْجِ المُعَيَّنِ، والأوَّلُ باطِلٌ، وإلّا لَحَصَلَتْ هَذِهِ الآثارُ أيْنَ حَصَلَ الكَوْكَبُ، والثّانِي أيْضًا باطِلٌ، وإلّا لَزِمَ دَوامُ الأثَرِ بِدَوامِ البُرْجِ، والثّالِثُ أيْضًا باطِلٌ؛ لِأنَّ الفَلَكَ عَلى قَوْلِهِمْ بَسِيطٌ لا مُرَكَّبٌ فَيَكُونُ طَبْعُ كُلِّ بُرْجٍ مُساوِيًا لِطَبْعِ البُرْجِ الآخَرِ في تَمامِ الماهِيَّةِ، فَيَكُونُ حالُ الكَوْكَبِ وهو في بُرْجِهِ كَحالِهِ وهو في بُرْجٍ آخَرَ، فَيَلْزَمُ أنْ يَدُومَ ذَلِكَ الأثَرُ بِدَوامِ الكَوْكَبِ، ولِلْقَوْمِ أنْ يَقُولُوا: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ صُدُورُ الأثَرِ عَنِ الكَوْكَبِ المُعَيَّنِ مَوْقُوفًا عَلى كَوْنِهِ مُسامِتًا مُسامَتَةً مَخْصُوصَةً لِكَوْكَبٍ آخَرَ، فَإذا فُقِدَتْ تِلْكَ المُسامَتَةُ فُقِدَ شَرْطُ التَّأْثِيرِ فَلا يَحْصُلُ التَّأْثِيرُ. ولَهم أنْ يَقُولُوا: هَذِهِ الدَّلالَةُ، إنَّما تَدُلُّ عَلى أنَّها لَيْسَتْ مُؤَثِّرَةً بِحَسَبِ ذَواتِها وطَبائِعِها، ولَكِنَّها لا تَدُلُّ عَلى أنَّها لَيْسَتْ مُؤَثِّرَةً بِحَسَبِ جَرْيِ العادَةِ، فَإذا أجْرى اللَّهُ تَعالى صفحة ١٤٢ عادَتَهُ بِحُصُولِ تَأْثِيراتٍ مَخْصُوصَةٍ عَقِيبَ اتِّصالاتِ الكَواكِبِ وقِراناتِها وأدْوارِها لَمْ يَلْزَمْ مِن حُصُولِ هَذِهِ الآثارِ القَطْعُ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى إنَّما خَلَقَها لِأجْلِ زَجْرِ الكُفّارِ بَلْ لَعَلَّهُ تَعالى خَلَقَها تَكْرِيرًا لِتِلْكَ العاداتِ واللَّهُ أعْلَمُ.

الشعراء 26:179

القِصَّةُ السّابِعَةُ: قِصَّةُ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ صفحة ١٤٠ ﴿كَذَّبَ أصْحابُ الأيْكَةِ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم شُعَيْبٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أوْفُوا الكَيْلَ ولا تَكُونُوا مِنَ المُخْسِرِينَ﴾ ﴿وزِنُوا بِالقِسْطاسِ المُسْتَقِيمِ﴾ ﴿ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهم ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ ﴿واتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكم والجِبِلَّةَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿قالُوا إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ ﴿وما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا وإنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الكاذِبِينَ﴾ ﴿فَأسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفًا مِنَ السَّماءِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿قالَ رَبِّي أعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأخَذَهم عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾? قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَّبَ أصْحابُ الأيْكَةِ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم شُعَيْبٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أوْفُوا الكَيْلَ ولا تَكُونُوا مِنَ المُخْسِرِينَ﴾ ﴿وزِنُوا بِالقِسْطاسِ المُسْتَقِيمِ﴾ ﴿ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهم ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ ﴿واتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكم والجِبِلَّةَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿قالُوا إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ ﴿وما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا وإنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الكاذِبِينَ﴾ ﴿فَأسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفًا مِنَ السَّماءِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿قالَ رَبِّي أعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأخَذَهم عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ . قُرِئَ ﴿أصْحابُ الأيْكَةِ﴾ بِالهَمْزَةِ وبِتَخْفِيفِها وبِالجَرِّ عَلى الإضافَةِ وهو الوجه، ومَن قَرَأ بِالنَّصْبِ وزَعَمَ أنَّ أيْكَةً بِوَزْنِ لَيْلَةٍ اسْمُ بَلَدٍ يُعْرَفُ فَتَوَهُّمٌ قادَ إلَيْهِ خَطُّ المُصْحَفِ حَيْثُ وُجِدَتْ مَكْتُوبَةً في هَذِهِ السُّورَةِ وفي سُورَةِ ص بِغَيْرِ ألِفٍ لَكِنْ قَدْ كُتِبَتْ في سائِرِ القُرْآنِ عَلى الأصْلِ والقِصَّةُ واحِدَةٌ عَلى أنَّ أيْكَةً اسْمٌ لا يُعْرَفُ، رُوِيَ أنَّ أصْحابَ الأيْكَةِ كانُوا أصْحابَ شَجَرٍ مُلْتَفٍّ وتِلْكَ الشَّجَرُ هي الَّتِي حِمْلُها المُقْلُ، فَإنْ قِيلَ: هَلّا قالَ أخُوهم شُعَيْبٌ كَما في سائِرِ المَواضِعِ، جَوابُهُ: أنَّ شُعَيْبًا لَمْ يَكُنْ مِن أصْحابِ الأيْكَةِ، وفي الحَدِيثِ: ”«إنَّ شُعَيْبًا أخا مَدْيَنَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ وإلى أصْحابِ الأيْكَةِ» “ . ثُمَّ إنَّ شُعَيْبًا عَلَيْهِ السَّلامُ أمَرَهم بِأشْياءَ: أحَدُها: قَوْلُهُ: ﴿أوْفُوا الكَيْلَ ولا تَكُونُوا مِنَ المُخْسِرِينَ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ الكَيْلَ عَلى ثَلاثَةِ أضْرُبٍ: وافٍ وطَفِيفٌ وزائِدٌ، فَأمَرَ بِالواجِبِ الَّذِي هو الإيفاءُ بِقَوْلِهِ: ﴿أوْفُوا الكَيْلَ﴾ ونَهى عَنِ المُحَرَّمِ الَّذِي هو التَّطْفِيفُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَكُونُوا مِنَ المُخْسِرِينَ﴾ ولَمْ يَذْكُرِ الزّائِدَ لِأنَّهُ بِحَيْثُ إنْ فَعَلَهُ فَقَدْ أحْسَنَ وإنْ لَمْ يَفْعَلْهُ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ، ثُمَّ إنَّهُ لَمّا أمَرَ بِالإيفاءِ بَيَّنَ أنَّهُ كَيْفَ يَفْعَلُ فَقالَ: ﴿وزِنُوا بِالقِسْطاسِ المُسْتَقِيمِ﴾ قُرِئَ ”بِالقِسْطاسِ“ مَضْمُومًا ومَكْسُورًا وهو المِيزانُ، وقِيلَ: القَرَسْطُونُ. وثانِيها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهُمْ﴾ يُقالُ: بَخَسَهُ حَقَّهُ إذا نَقَصَهُ إيّاهُ، وهَذا عامٌّ في كُلِّ حَقٍّ يَثْبُتُ لِأحَدٍ أنْ لا يُهْضَمَ وفي كُلِّ مِلْكٍ أنْ لا يُغْصَبَ مالِكُهُ ولا يُتَصَرَّفُ فِيهِ إلّا بِإذْنِهِ تَصَرُّفًا شَرْعِيًّا. وثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ يُقالُ: عَثا في الأرْضِ وعَثِيَ وعاثَ وذَلِكَ نَحْوُ قَطْعِ الطَّرِيقِ والغارَةِ وإهْلاكِ الزَّرْعِ، وكانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ مَعَ تَوْلِيَتِهِمْ أنْواعَ الفَسادِ فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ. ورابِعُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكم والجِبِلَّةَ الأوَّلِينَ﴾ وقُرِئَ ”الجُبُلَّةَ“ بِوَزْنِ الأُبُلَّةِ وقُرِئَ ”الجِبْلَةَ“ بِوَزْنِ الخِلْقَةِ ومَعْناهُنَّ واحِدٌ أيْ ذَوِي الجِبِلَّةِ، والمُرادُ أنَّهُ المُتَفَضِّلُ بِخَلْقِهِمْ وخَلْقِ مَن تَقَدَّمَهم مِمَّنْ لَوْلا خَلْقُهم لَما كانُوا مَخْلُوقِينَ، صفحة ١٤١ فَلَمْ يَكُنْ لِلْقَوْمِ جَوابٌ إلّا ما لَوْ تَرَكُوهُ لَكانَ أوْلى بِهِمْ وهو مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: قَوْلُهم: ﴿إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ و﴿ما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا﴾ فَإنْ قِيلَ: هَلِ اخْتَلَفَ المَعْنى بِإدْخالِ الواوِ هَهُنا وتَرْكِها في قِصَّةِ ثَمُودَ ؟ جَوابُهُ: إذا دَخَلَتِ الواوُ فَقَدْ قُصِدَ مَعْنَيانِ كِلاهُما مُنافٍ لِلرِّسالَةِ عِنْدَهُمُ السِّحْرُ والبَشَرِيَّةُ وإذا تُرِكَتِ الواوُ فَلَمْ يَقْصِدُوا إلّا مَعْنًى واحِدًا وهو كَوْنُهُ مُسَحَّرًا ثُمَّ قَرَّرَهُ بِكَوْنِهِ بَشَرًا مِثْلَهم. الثّانِي: قَوْلُهم: ﴿وإنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الكاذِبِينَ﴾ ومَعْناهُ ظاهِرٌ، ثُمَّ إنَّ شُعَيْبًا عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَتَوَعَّدُهم بِالعَذابِ إنِ اسْتَمَرُّوا عَلى التَّكْذِيبِ فَقالُوا: ﴿فَأسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفًا مِنَ السَّماءِ﴾ قُرِئَ ”كِسْفًا“ بِالسُّكُونِ والحَرَكَةِ وكِلاهُما جَمْعُ كِسْفَةٍ وهي القِطْعَةُ والسَّماءُ السَّحابُ أوِ الظُّلَّةُ، وهم إنَّما طَلَبُوا ذَلِكَ لِاسْتِبْعادِهِمْ وُقُوعَهُ فَظَنُّوا أنَّهُ إذا لَمْ يَقَعْ ظَهَرَ كَذِبُهُ فَعِنْدَهُ قالَ شُعَيْبٌ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿رَبِّي أعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ فَلَمْ يَدْعُ عَلَيْهِمْ بَلْ فَوَّضَ الأمْرَ فِيهِ إلى اللَّهِ تَعالى فَلَمّا اسْتَمَرُّوا عَلى التَّكْذِيبِ أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ العَذابَ عَلى ما اقْتَرَحُوا مِن عَذابِ يَوْمِ الظُّلَّةِ إنْ أرادُوا بِالسَّماءِ السَّحابَ، وإنْ أرادُوا الظُّلَّةَ فَقَدْ خالَفَ بِهِمْ عَنْ مُقْتَرَحِهِمْ، يُرْوى أنَّهُ حَبَسَ عَنْهُمُ الرِّيحَ سَبْعًا وسَلَّطَ عَلَيْهِمُ الرَّمْلَ فَأخَذَ بِأنْفاسِهِمْ، لا يَنْفَعُهم ظِلٌّ ولا ماءٌ فاضْطُرُّوا إلى أنْ خَرَجُوا إلى البَرِّيَّةِ فَأظَلَّتْهم سَحابَةٌ وجَدُوا لَها بَرَدًا ونَسِيمًا فاجْتَمَعُوا تَحْتَها فَأمْطَرَتْ عَلَيْهِمْ نارًا فاحْتَرَقُوا، ورُوِيَ أنَّ شُعَيْبًا بُعِثَ إلى أُمَّتَيْنِ أصْحابِ مَدْيَنَ وأصْحابِ الأيْكَةِ فَأُهْلِكَتْ مَدْيَنُ بِصَيْحَةِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ وأصْحابُ الأيْكَةِ بِعَذابِ يَوْمِ الظُّلَّةِ، وهَهُنا آخِرُ الكَلامِ في هَذِهِ القَصَصِ السَّبْعِ الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ السُّورَةِ تَسْلِيَةً لِمُحَمَّدٍ ﷺ فِيما نالَهُ مِنَ الغَمِّ الشَّدِيدِ، بَقِيَ هَهُنا سُؤالانِ: السُّؤالُ الأوَّلُ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ العَذابَ النّازِلَ بِعادٍ وثَمُودَ وقَوْمِ لُوطٍ وغَيْرِهِمْ ما كانَ ذَلِكَ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ وعِنادِهِمْ، بَلْ كانَ ذَلِكَ بِسَبَبِ قِراناتِ الكَواكِبِ واتِّصالاتِها عَلى ما اتَّفَقَ عَلَيْهِ أهْلُ النُّجُومِ ؟ وإذا قامَ هَذا الِاحْتِمالُ لَمْ يَحْصُلِ الِاعْتِبارُ بِهَذِهِ القَصَصِ، لِأنَّ الِاعْتِبارَ إنَّما يَحْصُلُ أنْ لَوْ عَلِمْنا أنَّ نُزُولَ هَذا العَذابِ كانَ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ وعِنادِهِمْ. الثّانِي: أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ يُنْزِلُ العَذابَ مِحْنَةً لِلْمُكَلَّفِينَ وابْتِلاءً لَهم عَلى ما قالَ: ﴿ولَنَبْلُوَنَّكم حَتّى نَعْلَمَ المُجاهِدِينَ مِنكم والصّابِرِينَ﴾ [محمد: ٣١] ولِأنَّهُ تَعالى قَدِ ابْتَلى المُؤْمِنِينَ بِالبَلاءِ العَظِيمِ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ وإذا كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَدُلَّ نُزُولُ البَلاءِ بِهِمْ عَلى كَوْنِهِمْ مُبْطِلِينَ، والجَوابُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى أنْزَلَ هَذِهِ القَصَصَ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ تَسْلِيَةً وإزالَةً لِلْحُزْنِ عَنْ قَلْبِهِ، فَلَمّا أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى مُحَمَّدًا أنَّهُ هو الَّذِي أنْزَلَ العَذابَ عَلَيْهِمْ، وأنَّهُ إنَّما أنْزَلَهُ عَلَيْهِمْ جَزاءً عَلى كُفْرِهِمْ، عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ، فَحِينَئِذٍ يَحْصُلُ بِهِ التَّسَلِّي والفَرَحُ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ، واحْتَجَّ بَعْضُ النّاسِ عَلى القَدْحِ في عِلْمِ الأحْكامِ بِأنْ قالَ: المُؤَثِّرُ في هَذِهِ الأشْياءِ، إمّا الكَواكِبُ أوِ البُرُوجُ أوْ كَوْنُ الكَوْكَبِ في البُرْجِ المُعَيَّنِ، والأوَّلُ باطِلٌ، وإلّا لَحَصَلَتْ هَذِهِ الآثارُ أيْنَ حَصَلَ الكَوْكَبُ، والثّانِي أيْضًا باطِلٌ، وإلّا لَزِمَ دَوامُ الأثَرِ بِدَوامِ البُرْجِ، والثّالِثُ أيْضًا باطِلٌ؛ لِأنَّ الفَلَكَ عَلى قَوْلِهِمْ بَسِيطٌ لا مُرَكَّبٌ فَيَكُونُ طَبْعُ كُلِّ بُرْجٍ مُساوِيًا لِطَبْعِ البُرْجِ الآخَرِ في تَمامِ الماهِيَّةِ، فَيَكُونُ حالُ الكَوْكَبِ وهو في بُرْجِهِ كَحالِهِ وهو في بُرْجٍ آخَرَ، فَيَلْزَمُ أنْ يَدُومَ ذَلِكَ الأثَرُ بِدَوامِ الكَوْكَبِ، ولِلْقَوْمِ أنْ يَقُولُوا: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ صُدُورُ الأثَرِ عَنِ الكَوْكَبِ المُعَيَّنِ مَوْقُوفًا عَلى كَوْنِهِ مُسامِتًا مُسامَتَةً مَخْصُوصَةً لِكَوْكَبٍ آخَرَ، فَإذا فُقِدَتْ تِلْكَ المُسامَتَةُ فُقِدَ شَرْطُ التَّأْثِيرِ فَلا يَحْصُلُ التَّأْثِيرُ. ولَهم أنْ يَقُولُوا: هَذِهِ الدَّلالَةُ، إنَّما تَدُلُّ عَلى أنَّها لَيْسَتْ مُؤَثِّرَةً بِحَسَبِ ذَواتِها وطَبائِعِها، ولَكِنَّها لا تَدُلُّ عَلى أنَّها لَيْسَتْ مُؤَثِّرَةً بِحَسَبِ جَرْيِ العادَةِ، فَإذا أجْرى اللَّهُ تَعالى صفحة ١٤٢ عادَتَهُ بِحُصُولِ تَأْثِيراتٍ مَخْصُوصَةٍ عَقِيبَ اتِّصالاتِ الكَواكِبِ وقِراناتِها وأدْوارِها لَمْ يَلْزَمْ مِن حُصُولِ هَذِهِ الآثارِ القَطْعُ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى إنَّما خَلَقَها لِأجْلِ زَجْرِ الكُفّارِ بَلْ لَعَلَّهُ تَعالى خَلَقَها تَكْرِيرًا لِتِلْكَ العاداتِ واللَّهُ أعْلَمُ.

الشعراء 26:180

القِصَّةُ السّابِعَةُ: قِصَّةُ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ صفحة ١٤٠ ﴿كَذَّبَ أصْحابُ الأيْكَةِ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم شُعَيْبٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أوْفُوا الكَيْلَ ولا تَكُونُوا مِنَ المُخْسِرِينَ﴾ ﴿وزِنُوا بِالقِسْطاسِ المُسْتَقِيمِ﴾ ﴿ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهم ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ ﴿واتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكم والجِبِلَّةَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿قالُوا إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ ﴿وما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا وإنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الكاذِبِينَ﴾ ﴿فَأسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفًا مِنَ السَّماءِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿قالَ رَبِّي أعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأخَذَهم عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾? قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَّبَ أصْحابُ الأيْكَةِ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم شُعَيْبٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أوْفُوا الكَيْلَ ولا تَكُونُوا مِنَ المُخْسِرِينَ﴾ ﴿وزِنُوا بِالقِسْطاسِ المُسْتَقِيمِ﴾ ﴿ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهم ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ ﴿واتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكم والجِبِلَّةَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿قالُوا إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ ﴿وما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا وإنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الكاذِبِينَ﴾ ﴿فَأسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفًا مِنَ السَّماءِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿قالَ رَبِّي أعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأخَذَهم عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ . قُرِئَ ﴿أصْحابُ الأيْكَةِ﴾ بِالهَمْزَةِ وبِتَخْفِيفِها وبِالجَرِّ عَلى الإضافَةِ وهو الوجه، ومَن قَرَأ بِالنَّصْبِ وزَعَمَ أنَّ أيْكَةً بِوَزْنِ لَيْلَةٍ اسْمُ بَلَدٍ يُعْرَفُ فَتَوَهُّمٌ قادَ إلَيْهِ خَطُّ المُصْحَفِ حَيْثُ وُجِدَتْ مَكْتُوبَةً في هَذِهِ السُّورَةِ وفي سُورَةِ ص بِغَيْرِ ألِفٍ لَكِنْ قَدْ كُتِبَتْ في سائِرِ القُرْآنِ عَلى الأصْلِ والقِصَّةُ واحِدَةٌ عَلى أنَّ أيْكَةً اسْمٌ لا يُعْرَفُ، رُوِيَ أنَّ أصْحابَ الأيْكَةِ كانُوا أصْحابَ شَجَرٍ مُلْتَفٍّ وتِلْكَ الشَّجَرُ هي الَّتِي حِمْلُها المُقْلُ، فَإنْ قِيلَ: هَلّا قالَ أخُوهم شُعَيْبٌ كَما في سائِرِ المَواضِعِ، جَوابُهُ: أنَّ شُعَيْبًا لَمْ يَكُنْ مِن أصْحابِ الأيْكَةِ، وفي الحَدِيثِ: ”«إنَّ شُعَيْبًا أخا مَدْيَنَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ وإلى أصْحابِ الأيْكَةِ» “ . ثُمَّ إنَّ شُعَيْبًا عَلَيْهِ السَّلامُ أمَرَهم بِأشْياءَ: أحَدُها: قَوْلُهُ: ﴿أوْفُوا الكَيْلَ ولا تَكُونُوا مِنَ المُخْسِرِينَ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ الكَيْلَ عَلى ثَلاثَةِ أضْرُبٍ: وافٍ وطَفِيفٌ وزائِدٌ، فَأمَرَ بِالواجِبِ الَّذِي هو الإيفاءُ بِقَوْلِهِ: ﴿أوْفُوا الكَيْلَ﴾ ونَهى عَنِ المُحَرَّمِ الَّذِي هو التَّطْفِيفُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَكُونُوا مِنَ المُخْسِرِينَ﴾ ولَمْ يَذْكُرِ الزّائِدَ لِأنَّهُ بِحَيْثُ إنْ فَعَلَهُ فَقَدْ أحْسَنَ وإنْ لَمْ يَفْعَلْهُ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ، ثُمَّ إنَّهُ لَمّا أمَرَ بِالإيفاءِ بَيَّنَ أنَّهُ كَيْفَ يَفْعَلُ فَقالَ: ﴿وزِنُوا بِالقِسْطاسِ المُسْتَقِيمِ﴾ قُرِئَ ”بِالقِسْطاسِ“ مَضْمُومًا ومَكْسُورًا وهو المِيزانُ، وقِيلَ: القَرَسْطُونُ. وثانِيها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهُمْ﴾ يُقالُ: بَخَسَهُ حَقَّهُ إذا نَقَصَهُ إيّاهُ، وهَذا عامٌّ في كُلِّ حَقٍّ يَثْبُتُ لِأحَدٍ أنْ لا يُهْضَمَ وفي كُلِّ مِلْكٍ أنْ لا يُغْصَبَ مالِكُهُ ولا يُتَصَرَّفُ فِيهِ إلّا بِإذْنِهِ تَصَرُّفًا شَرْعِيًّا. وثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ يُقالُ: عَثا في الأرْضِ وعَثِيَ وعاثَ وذَلِكَ نَحْوُ قَطْعِ الطَّرِيقِ والغارَةِ وإهْلاكِ الزَّرْعِ، وكانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ مَعَ تَوْلِيَتِهِمْ أنْواعَ الفَسادِ فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ. ورابِعُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكم والجِبِلَّةَ الأوَّلِينَ﴾ وقُرِئَ ”الجُبُلَّةَ“ بِوَزْنِ الأُبُلَّةِ وقُرِئَ ”الجِبْلَةَ“ بِوَزْنِ الخِلْقَةِ ومَعْناهُنَّ واحِدٌ أيْ ذَوِي الجِبِلَّةِ، والمُرادُ أنَّهُ المُتَفَضِّلُ بِخَلْقِهِمْ وخَلْقِ مَن تَقَدَّمَهم مِمَّنْ لَوْلا خَلْقُهم لَما كانُوا مَخْلُوقِينَ، صفحة ١٤١ فَلَمْ يَكُنْ لِلْقَوْمِ جَوابٌ إلّا ما لَوْ تَرَكُوهُ لَكانَ أوْلى بِهِمْ وهو مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: قَوْلُهم: ﴿إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ و﴿ما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا﴾ فَإنْ قِيلَ: هَلِ اخْتَلَفَ المَعْنى بِإدْخالِ الواوِ هَهُنا وتَرْكِها في قِصَّةِ ثَمُودَ ؟ جَوابُهُ: إذا دَخَلَتِ الواوُ فَقَدْ قُصِدَ مَعْنَيانِ كِلاهُما مُنافٍ لِلرِّسالَةِ عِنْدَهُمُ السِّحْرُ والبَشَرِيَّةُ وإذا تُرِكَتِ الواوُ فَلَمْ يَقْصِدُوا إلّا مَعْنًى واحِدًا وهو كَوْنُهُ مُسَحَّرًا ثُمَّ قَرَّرَهُ بِكَوْنِهِ بَشَرًا مِثْلَهم. الثّانِي: قَوْلُهم: ﴿وإنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الكاذِبِينَ﴾ ومَعْناهُ ظاهِرٌ، ثُمَّ إنَّ شُعَيْبًا عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَتَوَعَّدُهم بِالعَذابِ إنِ اسْتَمَرُّوا عَلى التَّكْذِيبِ فَقالُوا: ﴿فَأسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفًا مِنَ السَّماءِ﴾ قُرِئَ ”كِسْفًا“ بِالسُّكُونِ والحَرَكَةِ وكِلاهُما جَمْعُ كِسْفَةٍ وهي القِطْعَةُ والسَّماءُ السَّحابُ أوِ الظُّلَّةُ، وهم إنَّما طَلَبُوا ذَلِكَ لِاسْتِبْعادِهِمْ وُقُوعَهُ فَظَنُّوا أنَّهُ إذا لَمْ يَقَعْ ظَهَرَ كَذِبُهُ فَعِنْدَهُ قالَ شُعَيْبٌ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿رَبِّي أعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ فَلَمْ يَدْعُ عَلَيْهِمْ بَلْ فَوَّضَ الأمْرَ فِيهِ إلى اللَّهِ تَعالى فَلَمّا اسْتَمَرُّوا عَلى التَّكْذِيبِ أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ العَذابَ عَلى ما اقْتَرَحُوا مِن عَذابِ يَوْمِ الظُّلَّةِ إنْ أرادُوا بِالسَّماءِ السَّحابَ، وإنْ أرادُوا الظُّلَّةَ فَقَدْ خالَفَ بِهِمْ عَنْ مُقْتَرَحِهِمْ، يُرْوى أنَّهُ حَبَسَ عَنْهُمُ الرِّيحَ سَبْعًا وسَلَّطَ عَلَيْهِمُ الرَّمْلَ فَأخَذَ بِأنْفاسِهِمْ، لا يَنْفَعُهم ظِلٌّ ولا ماءٌ فاضْطُرُّوا إلى أنْ خَرَجُوا إلى البَرِّيَّةِ فَأظَلَّتْهم سَحابَةٌ وجَدُوا لَها بَرَدًا ونَسِيمًا فاجْتَمَعُوا تَحْتَها فَأمْطَرَتْ عَلَيْهِمْ نارًا فاحْتَرَقُوا، ورُوِيَ أنَّ شُعَيْبًا بُعِثَ إلى أُمَّتَيْنِ أصْحابِ مَدْيَنَ وأصْحابِ الأيْكَةِ فَأُهْلِكَتْ مَدْيَنُ بِصَيْحَةِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ وأصْحابُ الأيْكَةِ بِعَذابِ يَوْمِ الظُّلَّةِ، وهَهُنا آخِرُ الكَلامِ في هَذِهِ القَصَصِ السَّبْعِ الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ السُّورَةِ تَسْلِيَةً لِمُحَمَّدٍ ﷺ فِيما نالَهُ مِنَ الغَمِّ الشَّدِيدِ، بَقِيَ هَهُنا سُؤالانِ: السُّؤالُ الأوَّلُ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ العَذابَ النّازِلَ بِعادٍ وثَمُودَ وقَوْمِ لُوطٍ وغَيْرِهِمْ ما كانَ ذَلِكَ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ وعِنادِهِمْ، بَلْ كانَ ذَلِكَ بِسَبَبِ قِراناتِ الكَواكِبِ واتِّصالاتِها عَلى ما اتَّفَقَ عَلَيْهِ أهْلُ النُّجُومِ ؟ وإذا قامَ هَذا الِاحْتِمالُ لَمْ يَحْصُلِ الِاعْتِبارُ بِهَذِهِ القَصَصِ، لِأنَّ الِاعْتِبارَ إنَّما يَحْصُلُ أنْ لَوْ عَلِمْنا أنَّ نُزُولَ هَذا العَذابِ كانَ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ وعِنادِهِمْ. الثّانِي: أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ يُنْزِلُ العَذابَ مِحْنَةً لِلْمُكَلَّفِينَ وابْتِلاءً لَهم عَلى ما قالَ: ﴿ولَنَبْلُوَنَّكم حَتّى نَعْلَمَ المُجاهِدِينَ مِنكم والصّابِرِينَ﴾ [محمد: ٣١] ولِأنَّهُ تَعالى قَدِ ابْتَلى المُؤْمِنِينَ بِالبَلاءِ العَظِيمِ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ وإذا كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَدُلَّ نُزُولُ البَلاءِ بِهِمْ عَلى كَوْنِهِمْ مُبْطِلِينَ، والجَوابُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى أنْزَلَ هَذِهِ القَصَصَ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ تَسْلِيَةً وإزالَةً لِلْحُزْنِ عَنْ قَلْبِهِ، فَلَمّا أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى مُحَمَّدًا أنَّهُ هو الَّذِي أنْزَلَ العَذابَ عَلَيْهِمْ، وأنَّهُ إنَّما أنْزَلَهُ عَلَيْهِمْ جَزاءً عَلى كُفْرِهِمْ، عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ، فَحِينَئِذٍ يَحْصُلُ بِهِ التَّسَلِّي والفَرَحُ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ، واحْتَجَّ بَعْضُ النّاسِ عَلى القَدْحِ في عِلْمِ الأحْكامِ بِأنْ قالَ: المُؤَثِّرُ في هَذِهِ الأشْياءِ، إمّا الكَواكِبُ أوِ البُرُوجُ أوْ كَوْنُ الكَوْكَبِ في البُرْجِ المُعَيَّنِ، والأوَّلُ باطِلٌ، وإلّا لَحَصَلَتْ هَذِهِ الآثارُ أيْنَ حَصَلَ الكَوْكَبُ، والثّانِي أيْضًا باطِلٌ، وإلّا لَزِمَ دَوامُ الأثَرِ بِدَوامِ البُرْجِ، والثّالِثُ أيْضًا باطِلٌ؛ لِأنَّ الفَلَكَ عَلى قَوْلِهِمْ بَسِيطٌ لا مُرَكَّبٌ فَيَكُونُ طَبْعُ كُلِّ بُرْجٍ مُساوِيًا لِطَبْعِ البُرْجِ الآخَرِ في تَمامِ الماهِيَّةِ، فَيَكُونُ حالُ الكَوْكَبِ وهو في بُرْجِهِ كَحالِهِ وهو في بُرْجٍ آخَرَ، فَيَلْزَمُ أنْ يَدُومَ ذَلِكَ الأثَرُ بِدَوامِ الكَوْكَبِ، ولِلْقَوْمِ أنْ يَقُولُوا: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ صُدُورُ الأثَرِ عَنِ الكَوْكَبِ المُعَيَّنِ مَوْقُوفًا عَلى كَوْنِهِ مُسامِتًا مُسامَتَةً مَخْصُوصَةً لِكَوْكَبٍ آخَرَ، فَإذا فُقِدَتْ تِلْكَ المُسامَتَةُ فُقِدَ شَرْطُ التَّأْثِيرِ فَلا يَحْصُلُ التَّأْثِيرُ. ولَهم أنْ يَقُولُوا: هَذِهِ الدَّلالَةُ، إنَّما تَدُلُّ عَلى أنَّها لَيْسَتْ مُؤَثِّرَةً بِحَسَبِ ذَواتِها وطَبائِعِها، ولَكِنَّها لا تَدُلُّ عَلى أنَّها لَيْسَتْ مُؤَثِّرَةً بِحَسَبِ جَرْيِ العادَةِ، فَإذا أجْرى اللَّهُ تَعالى صفحة ١٤٢ عادَتَهُ بِحُصُولِ تَأْثِيراتٍ مَخْصُوصَةٍ عَقِيبَ اتِّصالاتِ الكَواكِبِ وقِراناتِها وأدْوارِها لَمْ يَلْزَمْ مِن حُصُولِ هَذِهِ الآثارِ القَطْعُ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى إنَّما خَلَقَها لِأجْلِ زَجْرِ الكُفّارِ بَلْ لَعَلَّهُ تَعالى خَلَقَها تَكْرِيرًا لِتِلْكَ العاداتِ واللَّهُ أعْلَمُ.

الشعراء 26:181

القِصَّةُ السّابِعَةُ: قِصَّةُ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ صفحة ١٤٠ ﴿كَذَّبَ أصْحابُ الأيْكَةِ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم شُعَيْبٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أوْفُوا الكَيْلَ ولا تَكُونُوا مِنَ المُخْسِرِينَ﴾ ﴿وزِنُوا بِالقِسْطاسِ المُسْتَقِيمِ﴾ ﴿ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهم ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ ﴿واتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكم والجِبِلَّةَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿قالُوا إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ ﴿وما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا وإنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الكاذِبِينَ﴾ ﴿فَأسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفًا مِنَ السَّماءِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿قالَ رَبِّي أعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأخَذَهم عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾? قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَّبَ أصْحابُ الأيْكَةِ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم شُعَيْبٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أوْفُوا الكَيْلَ ولا تَكُونُوا مِنَ المُخْسِرِينَ﴾ ﴿وزِنُوا بِالقِسْطاسِ المُسْتَقِيمِ﴾ ﴿ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهم ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ ﴿واتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكم والجِبِلَّةَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿قالُوا إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ ﴿وما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا وإنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الكاذِبِينَ﴾ ﴿فَأسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفًا مِنَ السَّماءِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿قالَ رَبِّي أعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأخَذَهم عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ . قُرِئَ ﴿أصْحابُ الأيْكَةِ﴾ بِالهَمْزَةِ وبِتَخْفِيفِها وبِالجَرِّ عَلى الإضافَةِ وهو الوجه، ومَن قَرَأ بِالنَّصْبِ وزَعَمَ أنَّ أيْكَةً بِوَزْنِ لَيْلَةٍ اسْمُ بَلَدٍ يُعْرَفُ فَتَوَهُّمٌ قادَ إلَيْهِ خَطُّ المُصْحَفِ حَيْثُ وُجِدَتْ مَكْتُوبَةً في هَذِهِ السُّورَةِ وفي سُورَةِ ص بِغَيْرِ ألِفٍ لَكِنْ قَدْ كُتِبَتْ في سائِرِ القُرْآنِ عَلى الأصْلِ والقِصَّةُ واحِدَةٌ عَلى أنَّ أيْكَةً اسْمٌ لا يُعْرَفُ، رُوِيَ أنَّ أصْحابَ الأيْكَةِ كانُوا أصْحابَ شَجَرٍ مُلْتَفٍّ وتِلْكَ الشَّجَرُ هي الَّتِي حِمْلُها المُقْلُ، فَإنْ قِيلَ: هَلّا قالَ أخُوهم شُعَيْبٌ كَما في سائِرِ المَواضِعِ، جَوابُهُ: أنَّ شُعَيْبًا لَمْ يَكُنْ مِن أصْحابِ الأيْكَةِ، وفي الحَدِيثِ: ”«إنَّ شُعَيْبًا أخا مَدْيَنَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ وإلى أصْحابِ الأيْكَةِ» “ . ثُمَّ إنَّ شُعَيْبًا عَلَيْهِ السَّلامُ أمَرَهم بِأشْياءَ: أحَدُها: قَوْلُهُ: ﴿أوْفُوا الكَيْلَ ولا تَكُونُوا مِنَ المُخْسِرِينَ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ الكَيْلَ عَلى ثَلاثَةِ أضْرُبٍ: وافٍ وطَفِيفٌ وزائِدٌ، فَأمَرَ بِالواجِبِ الَّذِي هو الإيفاءُ بِقَوْلِهِ: ﴿أوْفُوا الكَيْلَ﴾ ونَهى عَنِ المُحَرَّمِ الَّذِي هو التَّطْفِيفُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَكُونُوا مِنَ المُخْسِرِينَ﴾ ولَمْ يَذْكُرِ الزّائِدَ لِأنَّهُ بِحَيْثُ إنْ فَعَلَهُ فَقَدْ أحْسَنَ وإنْ لَمْ يَفْعَلْهُ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ، ثُمَّ إنَّهُ لَمّا أمَرَ بِالإيفاءِ بَيَّنَ أنَّهُ كَيْفَ يَفْعَلُ فَقالَ: ﴿وزِنُوا بِالقِسْطاسِ المُسْتَقِيمِ﴾ قُرِئَ ”بِالقِسْطاسِ“ مَضْمُومًا ومَكْسُورًا وهو المِيزانُ، وقِيلَ: القَرَسْطُونُ. وثانِيها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهُمْ﴾ يُقالُ: بَخَسَهُ حَقَّهُ إذا نَقَصَهُ إيّاهُ، وهَذا عامٌّ في كُلِّ حَقٍّ يَثْبُتُ لِأحَدٍ أنْ لا يُهْضَمَ وفي كُلِّ مِلْكٍ أنْ لا يُغْصَبَ مالِكُهُ ولا يُتَصَرَّفُ فِيهِ إلّا بِإذْنِهِ تَصَرُّفًا شَرْعِيًّا. وثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ يُقالُ: عَثا في الأرْضِ وعَثِيَ وعاثَ وذَلِكَ نَحْوُ قَطْعِ الطَّرِيقِ والغارَةِ وإهْلاكِ الزَّرْعِ، وكانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ مَعَ تَوْلِيَتِهِمْ أنْواعَ الفَسادِ فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ. ورابِعُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكم والجِبِلَّةَ الأوَّلِينَ﴾ وقُرِئَ ”الجُبُلَّةَ“ بِوَزْنِ الأُبُلَّةِ وقُرِئَ ”الجِبْلَةَ“ بِوَزْنِ الخِلْقَةِ ومَعْناهُنَّ واحِدٌ أيْ ذَوِي الجِبِلَّةِ، والمُرادُ أنَّهُ المُتَفَضِّلُ بِخَلْقِهِمْ وخَلْقِ مَن تَقَدَّمَهم مِمَّنْ لَوْلا خَلْقُهم لَما كانُوا مَخْلُوقِينَ، صفحة ١٤١ فَلَمْ يَكُنْ لِلْقَوْمِ جَوابٌ إلّا ما لَوْ تَرَكُوهُ لَكانَ أوْلى بِهِمْ وهو مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: قَوْلُهم: ﴿إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ و﴿ما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا﴾ فَإنْ قِيلَ: هَلِ اخْتَلَفَ المَعْنى بِإدْخالِ الواوِ هَهُنا وتَرْكِها في قِصَّةِ ثَمُودَ ؟ جَوابُهُ: إذا دَخَلَتِ الواوُ فَقَدْ قُصِدَ مَعْنَيانِ كِلاهُما مُنافٍ لِلرِّسالَةِ عِنْدَهُمُ السِّحْرُ والبَشَرِيَّةُ وإذا تُرِكَتِ الواوُ فَلَمْ يَقْصِدُوا إلّا مَعْنًى واحِدًا وهو كَوْنُهُ مُسَحَّرًا ثُمَّ قَرَّرَهُ بِكَوْنِهِ بَشَرًا مِثْلَهم. الثّانِي: قَوْلُهم: ﴿وإنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الكاذِبِينَ﴾ ومَعْناهُ ظاهِرٌ، ثُمَّ إنَّ شُعَيْبًا عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَتَوَعَّدُهم بِالعَذابِ إنِ اسْتَمَرُّوا عَلى التَّكْذِيبِ فَقالُوا: ﴿فَأسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفًا مِنَ السَّماءِ﴾ قُرِئَ ”كِسْفًا“ بِالسُّكُونِ والحَرَكَةِ وكِلاهُما جَمْعُ كِسْفَةٍ وهي القِطْعَةُ والسَّماءُ السَّحابُ أوِ الظُّلَّةُ، وهم إنَّما طَلَبُوا ذَلِكَ لِاسْتِبْعادِهِمْ وُقُوعَهُ فَظَنُّوا أنَّهُ إذا لَمْ يَقَعْ ظَهَرَ كَذِبُهُ فَعِنْدَهُ قالَ شُعَيْبٌ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿رَبِّي أعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ فَلَمْ يَدْعُ عَلَيْهِمْ بَلْ فَوَّضَ الأمْرَ فِيهِ إلى اللَّهِ تَعالى فَلَمّا اسْتَمَرُّوا عَلى التَّكْذِيبِ أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ العَذابَ عَلى ما اقْتَرَحُوا مِن عَذابِ يَوْمِ الظُّلَّةِ إنْ أرادُوا بِالسَّماءِ السَّحابَ، وإنْ أرادُوا الظُّلَّةَ فَقَدْ خالَفَ بِهِمْ عَنْ مُقْتَرَحِهِمْ، يُرْوى أنَّهُ حَبَسَ عَنْهُمُ الرِّيحَ سَبْعًا وسَلَّطَ عَلَيْهِمُ الرَّمْلَ فَأخَذَ بِأنْفاسِهِمْ، لا يَنْفَعُهم ظِلٌّ ولا ماءٌ فاضْطُرُّوا إلى أنْ خَرَجُوا إلى البَرِّيَّةِ فَأظَلَّتْهم سَحابَةٌ وجَدُوا لَها بَرَدًا ونَسِيمًا فاجْتَمَعُوا تَحْتَها فَأمْطَرَتْ عَلَيْهِمْ نارًا فاحْتَرَقُوا، ورُوِيَ أنَّ شُعَيْبًا بُعِثَ إلى أُمَّتَيْنِ أصْحابِ مَدْيَنَ وأصْحابِ الأيْكَةِ فَأُهْلِكَتْ مَدْيَنُ بِصَيْحَةِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ وأصْحابُ الأيْكَةِ بِعَذابِ يَوْمِ الظُّلَّةِ، وهَهُنا آخِرُ الكَلامِ في هَذِهِ القَصَصِ السَّبْعِ الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ السُّورَةِ تَسْلِيَةً لِمُحَمَّدٍ ﷺ فِيما نالَهُ مِنَ الغَمِّ الشَّدِيدِ، بَقِيَ هَهُنا سُؤالانِ: السُّؤالُ الأوَّلُ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ العَذابَ النّازِلَ بِعادٍ وثَمُودَ وقَوْمِ لُوطٍ وغَيْرِهِمْ ما كانَ ذَلِكَ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ وعِنادِهِمْ، بَلْ كانَ ذَلِكَ بِسَبَبِ قِراناتِ الكَواكِبِ واتِّصالاتِها عَلى ما اتَّفَقَ عَلَيْهِ أهْلُ النُّجُومِ ؟ وإذا قامَ هَذا الِاحْتِمالُ لَمْ يَحْصُلِ الِاعْتِبارُ بِهَذِهِ القَصَصِ، لِأنَّ الِاعْتِبارَ إنَّما يَحْصُلُ أنْ لَوْ عَلِمْنا أنَّ نُزُولَ هَذا العَذابِ كانَ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ وعِنادِهِمْ. الثّانِي: أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ يُنْزِلُ العَذابَ مِحْنَةً لِلْمُكَلَّفِينَ وابْتِلاءً لَهم عَلى ما قالَ: ﴿ولَنَبْلُوَنَّكم حَتّى نَعْلَمَ المُجاهِدِينَ مِنكم والصّابِرِينَ﴾ [محمد: ٣١] ولِأنَّهُ تَعالى قَدِ ابْتَلى المُؤْمِنِينَ بِالبَلاءِ العَظِيمِ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ وإذا كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَدُلَّ نُزُولُ البَلاءِ بِهِمْ عَلى كَوْنِهِمْ مُبْطِلِينَ، والجَوابُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى أنْزَلَ هَذِهِ القَصَصَ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ تَسْلِيَةً وإزالَةً لِلْحُزْنِ عَنْ قَلْبِهِ، فَلَمّا أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى مُحَمَّدًا أنَّهُ هو الَّذِي أنْزَلَ العَذابَ عَلَيْهِمْ، وأنَّهُ إنَّما أنْزَلَهُ عَلَيْهِمْ جَزاءً عَلى كُفْرِهِمْ، عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ، فَحِينَئِذٍ يَحْصُلُ بِهِ التَّسَلِّي والفَرَحُ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ، واحْتَجَّ بَعْضُ النّاسِ عَلى القَدْحِ في عِلْمِ الأحْكامِ بِأنْ قالَ: المُؤَثِّرُ في هَذِهِ الأشْياءِ، إمّا الكَواكِبُ أوِ البُرُوجُ أوْ كَوْنُ الكَوْكَبِ في البُرْجِ المُعَيَّنِ، والأوَّلُ باطِلٌ، وإلّا لَحَصَلَتْ هَذِهِ الآثارُ أيْنَ حَصَلَ الكَوْكَبُ، والثّانِي أيْضًا باطِلٌ، وإلّا لَزِمَ دَوامُ الأثَرِ بِدَوامِ البُرْجِ، والثّالِثُ أيْضًا باطِلٌ؛ لِأنَّ الفَلَكَ عَلى قَوْلِهِمْ بَسِيطٌ لا مُرَكَّبٌ فَيَكُونُ طَبْعُ كُلِّ بُرْجٍ مُساوِيًا لِطَبْعِ البُرْجِ الآخَرِ في تَمامِ الماهِيَّةِ، فَيَكُونُ حالُ الكَوْكَبِ وهو في بُرْجِهِ كَحالِهِ وهو في بُرْجٍ آخَرَ، فَيَلْزَمُ أنْ يَدُومَ ذَلِكَ الأثَرُ بِدَوامِ الكَوْكَبِ، ولِلْقَوْمِ أنْ يَقُولُوا: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ صُدُورُ الأثَرِ عَنِ الكَوْكَبِ المُعَيَّنِ مَوْقُوفًا عَلى كَوْنِهِ مُسامِتًا مُسامَتَةً مَخْصُوصَةً لِكَوْكَبٍ آخَرَ، فَإذا فُقِدَتْ تِلْكَ المُسامَتَةُ فُقِدَ شَرْطُ التَّأْثِيرِ فَلا يَحْصُلُ التَّأْثِيرُ. ولَهم أنْ يَقُولُوا: هَذِهِ الدَّلالَةُ، إنَّما تَدُلُّ عَلى أنَّها لَيْسَتْ مُؤَثِّرَةً بِحَسَبِ ذَواتِها وطَبائِعِها، ولَكِنَّها لا تَدُلُّ عَلى أنَّها لَيْسَتْ مُؤَثِّرَةً بِحَسَبِ جَرْيِ العادَةِ، فَإذا أجْرى اللَّهُ تَعالى صفحة ١٤٢ عادَتَهُ بِحُصُولِ تَأْثِيراتٍ مَخْصُوصَةٍ عَقِيبَ اتِّصالاتِ الكَواكِبِ وقِراناتِها وأدْوارِها لَمْ يَلْزَمْ مِن حُصُولِ هَذِهِ الآثارِ القَطْعُ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى إنَّما خَلَقَها لِأجْلِ زَجْرِ الكُفّارِ بَلْ لَعَلَّهُ تَعالى خَلَقَها تَكْرِيرًا لِتِلْكَ العاداتِ واللَّهُ أعْلَمُ.

الشعراء 26:182

القِصَّةُ السّابِعَةُ: قِصَّةُ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ صفحة ١٤٠ ﴿كَذَّبَ أصْحابُ الأيْكَةِ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم شُعَيْبٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أوْفُوا الكَيْلَ ولا تَكُونُوا مِنَ المُخْسِرِينَ﴾ ﴿وزِنُوا بِالقِسْطاسِ المُسْتَقِيمِ﴾ ﴿ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهم ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ ﴿واتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكم والجِبِلَّةَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿قالُوا إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ ﴿وما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا وإنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الكاذِبِينَ﴾ ﴿فَأسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفًا مِنَ السَّماءِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿قالَ رَبِّي أعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأخَذَهم عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾? قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَّبَ أصْحابُ الأيْكَةِ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم شُعَيْبٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أوْفُوا الكَيْلَ ولا تَكُونُوا مِنَ المُخْسِرِينَ﴾ ﴿وزِنُوا بِالقِسْطاسِ المُسْتَقِيمِ﴾ ﴿ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهم ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ ﴿واتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكم والجِبِلَّةَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿قالُوا إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ ﴿وما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا وإنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الكاذِبِينَ﴾ ﴿فَأسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفًا مِنَ السَّماءِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿قالَ رَبِّي أعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأخَذَهم عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ . قُرِئَ ﴿أصْحابُ الأيْكَةِ﴾ بِالهَمْزَةِ وبِتَخْفِيفِها وبِالجَرِّ عَلى الإضافَةِ وهو الوجه، ومَن قَرَأ بِالنَّصْبِ وزَعَمَ أنَّ أيْكَةً بِوَزْنِ لَيْلَةٍ اسْمُ بَلَدٍ يُعْرَفُ فَتَوَهُّمٌ قادَ إلَيْهِ خَطُّ المُصْحَفِ حَيْثُ وُجِدَتْ مَكْتُوبَةً في هَذِهِ السُّورَةِ وفي سُورَةِ ص بِغَيْرِ ألِفٍ لَكِنْ قَدْ كُتِبَتْ في سائِرِ القُرْآنِ عَلى الأصْلِ والقِصَّةُ واحِدَةٌ عَلى أنَّ أيْكَةً اسْمٌ لا يُعْرَفُ، رُوِيَ أنَّ أصْحابَ الأيْكَةِ كانُوا أصْحابَ شَجَرٍ مُلْتَفٍّ وتِلْكَ الشَّجَرُ هي الَّتِي حِمْلُها المُقْلُ، فَإنْ قِيلَ: هَلّا قالَ أخُوهم شُعَيْبٌ كَما في سائِرِ المَواضِعِ، جَوابُهُ: أنَّ شُعَيْبًا لَمْ يَكُنْ مِن أصْحابِ الأيْكَةِ، وفي الحَدِيثِ: ”«إنَّ شُعَيْبًا أخا مَدْيَنَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ وإلى أصْحابِ الأيْكَةِ» “ . ثُمَّ إنَّ شُعَيْبًا عَلَيْهِ السَّلامُ أمَرَهم بِأشْياءَ: أحَدُها: قَوْلُهُ: ﴿أوْفُوا الكَيْلَ ولا تَكُونُوا مِنَ المُخْسِرِينَ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ الكَيْلَ عَلى ثَلاثَةِ أضْرُبٍ: وافٍ وطَفِيفٌ وزائِدٌ، فَأمَرَ بِالواجِبِ الَّذِي هو الإيفاءُ بِقَوْلِهِ: ﴿أوْفُوا الكَيْلَ﴾ ونَهى عَنِ المُحَرَّمِ الَّذِي هو التَّطْفِيفُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَكُونُوا مِنَ المُخْسِرِينَ﴾ ولَمْ يَذْكُرِ الزّائِدَ لِأنَّهُ بِحَيْثُ إنْ فَعَلَهُ فَقَدْ أحْسَنَ وإنْ لَمْ يَفْعَلْهُ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ، ثُمَّ إنَّهُ لَمّا أمَرَ بِالإيفاءِ بَيَّنَ أنَّهُ كَيْفَ يَفْعَلُ فَقالَ: ﴿وزِنُوا بِالقِسْطاسِ المُسْتَقِيمِ﴾ قُرِئَ ”بِالقِسْطاسِ“ مَضْمُومًا ومَكْسُورًا وهو المِيزانُ، وقِيلَ: القَرَسْطُونُ. وثانِيها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهُمْ﴾ يُقالُ: بَخَسَهُ حَقَّهُ إذا نَقَصَهُ إيّاهُ، وهَذا عامٌّ في كُلِّ حَقٍّ يَثْبُتُ لِأحَدٍ أنْ لا يُهْضَمَ وفي كُلِّ مِلْكٍ أنْ لا يُغْصَبَ مالِكُهُ ولا يُتَصَرَّفُ فِيهِ إلّا بِإذْنِهِ تَصَرُّفًا شَرْعِيًّا. وثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ يُقالُ: عَثا في الأرْضِ وعَثِيَ وعاثَ وذَلِكَ نَحْوُ قَطْعِ الطَّرِيقِ والغارَةِ وإهْلاكِ الزَّرْعِ، وكانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ مَعَ تَوْلِيَتِهِمْ أنْواعَ الفَسادِ فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ. ورابِعُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكم والجِبِلَّةَ الأوَّلِينَ﴾ وقُرِئَ ”الجُبُلَّةَ“ بِوَزْنِ الأُبُلَّةِ وقُرِئَ ”الجِبْلَةَ“ بِوَزْنِ الخِلْقَةِ ومَعْناهُنَّ واحِدٌ أيْ ذَوِي الجِبِلَّةِ، والمُرادُ أنَّهُ المُتَفَضِّلُ بِخَلْقِهِمْ وخَلْقِ مَن تَقَدَّمَهم مِمَّنْ لَوْلا خَلْقُهم لَما كانُوا مَخْلُوقِينَ، صفحة ١٤١ فَلَمْ يَكُنْ لِلْقَوْمِ جَوابٌ إلّا ما لَوْ تَرَكُوهُ لَكانَ أوْلى بِهِمْ وهو مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: قَوْلُهم: ﴿إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ و﴿ما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا﴾ فَإنْ قِيلَ: هَلِ اخْتَلَفَ المَعْنى بِإدْخالِ الواوِ هَهُنا وتَرْكِها في قِصَّةِ ثَمُودَ ؟ جَوابُهُ: إذا دَخَلَتِ الواوُ فَقَدْ قُصِدَ مَعْنَيانِ كِلاهُما مُنافٍ لِلرِّسالَةِ عِنْدَهُمُ السِّحْرُ والبَشَرِيَّةُ وإذا تُرِكَتِ الواوُ فَلَمْ يَقْصِدُوا إلّا مَعْنًى واحِدًا وهو كَوْنُهُ مُسَحَّرًا ثُمَّ قَرَّرَهُ بِكَوْنِهِ بَشَرًا مِثْلَهم. الثّانِي: قَوْلُهم: ﴿وإنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الكاذِبِينَ﴾ ومَعْناهُ ظاهِرٌ، ثُمَّ إنَّ شُعَيْبًا عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَتَوَعَّدُهم بِالعَذابِ إنِ اسْتَمَرُّوا عَلى التَّكْذِيبِ فَقالُوا: ﴿فَأسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفًا مِنَ السَّماءِ﴾ قُرِئَ ”كِسْفًا“ بِالسُّكُونِ والحَرَكَةِ وكِلاهُما جَمْعُ كِسْفَةٍ وهي القِطْعَةُ والسَّماءُ السَّحابُ أوِ الظُّلَّةُ، وهم إنَّما طَلَبُوا ذَلِكَ لِاسْتِبْعادِهِمْ وُقُوعَهُ فَظَنُّوا أنَّهُ إذا لَمْ يَقَعْ ظَهَرَ كَذِبُهُ فَعِنْدَهُ قالَ شُعَيْبٌ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿رَبِّي أعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ فَلَمْ يَدْعُ عَلَيْهِمْ بَلْ فَوَّضَ الأمْرَ فِيهِ إلى اللَّهِ تَعالى فَلَمّا اسْتَمَرُّوا عَلى التَّكْذِيبِ أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ العَذابَ عَلى ما اقْتَرَحُوا مِن عَذابِ يَوْمِ الظُّلَّةِ إنْ أرادُوا بِالسَّماءِ السَّحابَ، وإنْ أرادُوا الظُّلَّةَ فَقَدْ خالَفَ بِهِمْ عَنْ مُقْتَرَحِهِمْ، يُرْوى أنَّهُ حَبَسَ عَنْهُمُ الرِّيحَ سَبْعًا وسَلَّطَ عَلَيْهِمُ الرَّمْلَ فَأخَذَ بِأنْفاسِهِمْ، لا يَنْفَعُهم ظِلٌّ ولا ماءٌ فاضْطُرُّوا إلى أنْ خَرَجُوا إلى البَرِّيَّةِ فَأظَلَّتْهم سَحابَةٌ وجَدُوا لَها بَرَدًا ونَسِيمًا فاجْتَمَعُوا تَحْتَها فَأمْطَرَتْ عَلَيْهِمْ نارًا فاحْتَرَقُوا، ورُوِيَ أنَّ شُعَيْبًا بُعِثَ إلى أُمَّتَيْنِ أصْحابِ مَدْيَنَ وأصْحابِ الأيْكَةِ فَأُهْلِكَتْ مَدْيَنُ بِصَيْحَةِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ وأصْحابُ الأيْكَةِ بِعَذابِ يَوْمِ الظُّلَّةِ، وهَهُنا آخِرُ الكَلامِ في هَذِهِ القَصَصِ السَّبْعِ الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ السُّورَةِ تَسْلِيَةً لِمُحَمَّدٍ ﷺ فِيما نالَهُ مِنَ الغَمِّ الشَّدِيدِ، بَقِيَ هَهُنا سُؤالانِ: السُّؤالُ الأوَّلُ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ العَذابَ النّازِلَ بِعادٍ وثَمُودَ وقَوْمِ لُوطٍ وغَيْرِهِمْ ما كانَ ذَلِكَ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ وعِنادِهِمْ، بَلْ كانَ ذَلِكَ بِسَبَبِ قِراناتِ الكَواكِبِ واتِّصالاتِها عَلى ما اتَّفَقَ عَلَيْهِ أهْلُ النُّجُومِ ؟ وإذا قامَ هَذا الِاحْتِمالُ لَمْ يَحْصُلِ الِاعْتِبارُ بِهَذِهِ القَصَصِ، لِأنَّ الِاعْتِبارَ إنَّما يَحْصُلُ أنْ لَوْ عَلِمْنا أنَّ نُزُولَ هَذا العَذابِ كانَ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ وعِنادِهِمْ. الثّانِي: أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ يُنْزِلُ العَذابَ مِحْنَةً لِلْمُكَلَّفِينَ وابْتِلاءً لَهم عَلى ما قالَ: ﴿ولَنَبْلُوَنَّكم حَتّى نَعْلَمَ المُجاهِدِينَ مِنكم والصّابِرِينَ﴾ [محمد: ٣١] ولِأنَّهُ تَعالى قَدِ ابْتَلى المُؤْمِنِينَ بِالبَلاءِ العَظِيمِ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ وإذا كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَدُلَّ نُزُولُ البَلاءِ بِهِمْ عَلى كَوْنِهِمْ مُبْطِلِينَ، والجَوابُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى أنْزَلَ هَذِهِ القَصَصَ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ تَسْلِيَةً وإزالَةً لِلْحُزْنِ عَنْ قَلْبِهِ، فَلَمّا أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى مُحَمَّدًا أنَّهُ هو الَّذِي أنْزَلَ العَذابَ عَلَيْهِمْ، وأنَّهُ إنَّما أنْزَلَهُ عَلَيْهِمْ جَزاءً عَلى كُفْرِهِمْ، عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ، فَحِينَئِذٍ يَحْصُلُ بِهِ التَّسَلِّي والفَرَحُ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ، واحْتَجَّ بَعْضُ النّاسِ عَلى القَدْحِ في عِلْمِ الأحْكامِ بِأنْ قالَ: المُؤَثِّرُ في هَذِهِ الأشْياءِ، إمّا الكَواكِبُ أوِ البُرُوجُ أوْ كَوْنُ الكَوْكَبِ في البُرْجِ المُعَيَّنِ، والأوَّلُ باطِلٌ، وإلّا لَحَصَلَتْ هَذِهِ الآثارُ أيْنَ حَصَلَ الكَوْكَبُ، والثّانِي أيْضًا باطِلٌ، وإلّا لَزِمَ دَوامُ الأثَرِ بِدَوامِ البُرْجِ، والثّالِثُ أيْضًا باطِلٌ؛ لِأنَّ الفَلَكَ عَلى قَوْلِهِمْ بَسِيطٌ لا مُرَكَّبٌ فَيَكُونُ طَبْعُ كُلِّ بُرْجٍ مُساوِيًا لِطَبْعِ البُرْجِ الآخَرِ في تَمامِ الماهِيَّةِ، فَيَكُونُ حالُ الكَوْكَبِ وهو في بُرْجِهِ كَحالِهِ وهو في بُرْجٍ آخَرَ، فَيَلْزَمُ أنْ يَدُومَ ذَلِكَ الأثَرُ بِدَوامِ الكَوْكَبِ، ولِلْقَوْمِ أنْ يَقُولُوا: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ صُدُورُ الأثَرِ عَنِ الكَوْكَبِ المُعَيَّنِ مَوْقُوفًا عَلى كَوْنِهِ مُسامِتًا مُسامَتَةً مَخْصُوصَةً لِكَوْكَبٍ آخَرَ، فَإذا فُقِدَتْ تِلْكَ المُسامَتَةُ فُقِدَ شَرْطُ التَّأْثِيرِ فَلا يَحْصُلُ التَّأْثِيرُ. ولَهم أنْ يَقُولُوا: هَذِهِ الدَّلالَةُ، إنَّما تَدُلُّ عَلى أنَّها لَيْسَتْ مُؤَثِّرَةً بِحَسَبِ ذَواتِها وطَبائِعِها، ولَكِنَّها لا تَدُلُّ عَلى أنَّها لَيْسَتْ مُؤَثِّرَةً بِحَسَبِ جَرْيِ العادَةِ، فَإذا أجْرى اللَّهُ تَعالى صفحة ١٤٢ عادَتَهُ بِحُصُولِ تَأْثِيراتٍ مَخْصُوصَةٍ عَقِيبَ اتِّصالاتِ الكَواكِبِ وقِراناتِها وأدْوارِها لَمْ يَلْزَمْ مِن حُصُولِ هَذِهِ الآثارِ القَطْعُ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى إنَّما خَلَقَها لِأجْلِ زَجْرِ الكُفّارِ بَلْ لَعَلَّهُ تَعالى خَلَقَها تَكْرِيرًا لِتِلْكَ العاداتِ واللَّهُ أعْلَمُ.

الشعراء 26:183

القِصَّةُ السّابِعَةُ: قِصَّةُ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ صفحة ١٤٠ ﴿كَذَّبَ أصْحابُ الأيْكَةِ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم شُعَيْبٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أوْفُوا الكَيْلَ ولا تَكُونُوا مِنَ المُخْسِرِينَ﴾ ﴿وزِنُوا بِالقِسْطاسِ المُسْتَقِيمِ﴾ ﴿ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهم ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ ﴿واتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكم والجِبِلَّةَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿قالُوا إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ ﴿وما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا وإنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الكاذِبِينَ﴾ ﴿فَأسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفًا مِنَ السَّماءِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿قالَ رَبِّي أعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأخَذَهم عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾? قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَّبَ أصْحابُ الأيْكَةِ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم شُعَيْبٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أوْفُوا الكَيْلَ ولا تَكُونُوا مِنَ المُخْسِرِينَ﴾ ﴿وزِنُوا بِالقِسْطاسِ المُسْتَقِيمِ﴾ ﴿ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهم ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ ﴿واتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكم والجِبِلَّةَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿قالُوا إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ ﴿وما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا وإنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الكاذِبِينَ﴾ ﴿فَأسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفًا مِنَ السَّماءِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿قالَ رَبِّي أعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأخَذَهم عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ . قُرِئَ ﴿أصْحابُ الأيْكَةِ﴾ بِالهَمْزَةِ وبِتَخْفِيفِها وبِالجَرِّ عَلى الإضافَةِ وهو الوجه، ومَن قَرَأ بِالنَّصْبِ وزَعَمَ أنَّ أيْكَةً بِوَزْنِ لَيْلَةٍ اسْمُ بَلَدٍ يُعْرَفُ فَتَوَهُّمٌ قادَ إلَيْهِ خَطُّ المُصْحَفِ حَيْثُ وُجِدَتْ مَكْتُوبَةً في هَذِهِ السُّورَةِ وفي سُورَةِ ص بِغَيْرِ ألِفٍ لَكِنْ قَدْ كُتِبَتْ في سائِرِ القُرْآنِ عَلى الأصْلِ والقِصَّةُ واحِدَةٌ عَلى أنَّ أيْكَةً اسْمٌ لا يُعْرَفُ، رُوِيَ أنَّ أصْحابَ الأيْكَةِ كانُوا أصْحابَ شَجَرٍ مُلْتَفٍّ وتِلْكَ الشَّجَرُ هي الَّتِي حِمْلُها المُقْلُ، فَإنْ قِيلَ: هَلّا قالَ أخُوهم شُعَيْبٌ كَما في سائِرِ المَواضِعِ، جَوابُهُ: أنَّ شُعَيْبًا لَمْ يَكُنْ مِن أصْحابِ الأيْكَةِ، وفي الحَدِيثِ: ”«إنَّ شُعَيْبًا أخا مَدْيَنَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ وإلى أصْحابِ الأيْكَةِ» “ . ثُمَّ إنَّ شُعَيْبًا عَلَيْهِ السَّلامُ أمَرَهم بِأشْياءَ: أحَدُها: قَوْلُهُ: ﴿أوْفُوا الكَيْلَ ولا تَكُونُوا مِنَ المُخْسِرِينَ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ الكَيْلَ عَلى ثَلاثَةِ أضْرُبٍ: وافٍ وطَفِيفٌ وزائِدٌ، فَأمَرَ بِالواجِبِ الَّذِي هو الإيفاءُ بِقَوْلِهِ: ﴿أوْفُوا الكَيْلَ﴾ ونَهى عَنِ المُحَرَّمِ الَّذِي هو التَّطْفِيفُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَكُونُوا مِنَ المُخْسِرِينَ﴾ ولَمْ يَذْكُرِ الزّائِدَ لِأنَّهُ بِحَيْثُ إنْ فَعَلَهُ فَقَدْ أحْسَنَ وإنْ لَمْ يَفْعَلْهُ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ، ثُمَّ إنَّهُ لَمّا أمَرَ بِالإيفاءِ بَيَّنَ أنَّهُ كَيْفَ يَفْعَلُ فَقالَ: ﴿وزِنُوا بِالقِسْطاسِ المُسْتَقِيمِ﴾ قُرِئَ ”بِالقِسْطاسِ“ مَضْمُومًا ومَكْسُورًا وهو المِيزانُ، وقِيلَ: القَرَسْطُونُ. وثانِيها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهُمْ﴾ يُقالُ: بَخَسَهُ حَقَّهُ إذا نَقَصَهُ إيّاهُ، وهَذا عامٌّ في كُلِّ حَقٍّ يَثْبُتُ لِأحَدٍ أنْ لا يُهْضَمَ وفي كُلِّ مِلْكٍ أنْ لا يُغْصَبَ مالِكُهُ ولا يُتَصَرَّفُ فِيهِ إلّا بِإذْنِهِ تَصَرُّفًا شَرْعِيًّا. وثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ يُقالُ: عَثا في الأرْضِ وعَثِيَ وعاثَ وذَلِكَ نَحْوُ قَطْعِ الطَّرِيقِ والغارَةِ وإهْلاكِ الزَّرْعِ، وكانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ مَعَ تَوْلِيَتِهِمْ أنْواعَ الفَسادِ فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ. ورابِعُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكم والجِبِلَّةَ الأوَّلِينَ﴾ وقُرِئَ ”الجُبُلَّةَ“ بِوَزْنِ الأُبُلَّةِ وقُرِئَ ”الجِبْلَةَ“ بِوَزْنِ الخِلْقَةِ ومَعْناهُنَّ واحِدٌ أيْ ذَوِي الجِبِلَّةِ، والمُرادُ أنَّهُ المُتَفَضِّلُ بِخَلْقِهِمْ وخَلْقِ مَن تَقَدَّمَهم مِمَّنْ لَوْلا خَلْقُهم لَما كانُوا مَخْلُوقِينَ، صفحة ١٤١ فَلَمْ يَكُنْ لِلْقَوْمِ جَوابٌ إلّا ما لَوْ تَرَكُوهُ لَكانَ أوْلى بِهِمْ وهو مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: قَوْلُهم: ﴿إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ و﴿ما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا﴾ فَإنْ قِيلَ: هَلِ اخْتَلَفَ المَعْنى بِإدْخالِ الواوِ هَهُنا وتَرْكِها في قِصَّةِ ثَمُودَ ؟ جَوابُهُ: إذا دَخَلَتِ الواوُ فَقَدْ قُصِدَ مَعْنَيانِ كِلاهُما مُنافٍ لِلرِّسالَةِ عِنْدَهُمُ السِّحْرُ والبَشَرِيَّةُ وإذا تُرِكَتِ الواوُ فَلَمْ يَقْصِدُوا إلّا مَعْنًى واحِدًا وهو كَوْنُهُ مُسَحَّرًا ثُمَّ قَرَّرَهُ بِكَوْنِهِ بَشَرًا مِثْلَهم. الثّانِي: قَوْلُهم: ﴿وإنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الكاذِبِينَ﴾ ومَعْناهُ ظاهِرٌ، ثُمَّ إنَّ شُعَيْبًا عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَتَوَعَّدُهم بِالعَذابِ إنِ اسْتَمَرُّوا عَلى التَّكْذِيبِ فَقالُوا: ﴿فَأسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفًا مِنَ السَّماءِ﴾ قُرِئَ ”كِسْفًا“ بِالسُّكُونِ والحَرَكَةِ وكِلاهُما جَمْعُ كِسْفَةٍ وهي القِطْعَةُ والسَّماءُ السَّحابُ أوِ الظُّلَّةُ، وهم إنَّما طَلَبُوا ذَلِكَ لِاسْتِبْعادِهِمْ وُقُوعَهُ فَظَنُّوا أنَّهُ إذا لَمْ يَقَعْ ظَهَرَ كَذِبُهُ فَعِنْدَهُ قالَ شُعَيْبٌ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿رَبِّي أعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ فَلَمْ يَدْعُ عَلَيْهِمْ بَلْ فَوَّضَ الأمْرَ فِيهِ إلى اللَّهِ تَعالى فَلَمّا اسْتَمَرُّوا عَلى التَّكْذِيبِ أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ العَذابَ عَلى ما اقْتَرَحُوا مِن عَذابِ يَوْمِ الظُّلَّةِ إنْ أرادُوا بِالسَّماءِ السَّحابَ، وإنْ أرادُوا الظُّلَّةَ فَقَدْ خالَفَ بِهِمْ عَنْ مُقْتَرَحِهِمْ، يُرْوى أنَّهُ حَبَسَ عَنْهُمُ الرِّيحَ سَبْعًا وسَلَّطَ عَلَيْهِمُ الرَّمْلَ فَأخَذَ بِأنْفاسِهِمْ، لا يَنْفَعُهم ظِلٌّ ولا ماءٌ فاضْطُرُّوا إلى أنْ خَرَجُوا إلى البَرِّيَّةِ فَأظَلَّتْهم سَحابَةٌ وجَدُوا لَها بَرَدًا ونَسِيمًا فاجْتَمَعُوا تَحْتَها فَأمْطَرَتْ عَلَيْهِمْ نارًا فاحْتَرَقُوا، ورُوِيَ أنَّ شُعَيْبًا بُعِثَ إلى أُمَّتَيْنِ أصْحابِ مَدْيَنَ وأصْحابِ الأيْكَةِ فَأُهْلِكَتْ مَدْيَنُ بِصَيْحَةِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ وأصْحابُ الأيْكَةِ بِعَذابِ يَوْمِ الظُّلَّةِ، وهَهُنا آخِرُ الكَلامِ في هَذِهِ القَصَصِ السَّبْعِ الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ السُّورَةِ تَسْلِيَةً لِمُحَمَّدٍ ﷺ فِيما نالَهُ مِنَ الغَمِّ الشَّدِيدِ، بَقِيَ هَهُنا سُؤالانِ: السُّؤالُ الأوَّلُ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ العَذابَ النّازِلَ بِعادٍ وثَمُودَ وقَوْمِ لُوطٍ وغَيْرِهِمْ ما كانَ ذَلِكَ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ وعِنادِهِمْ، بَلْ كانَ ذَلِكَ بِسَبَبِ قِراناتِ الكَواكِبِ واتِّصالاتِها عَلى ما اتَّفَقَ عَلَيْهِ أهْلُ النُّجُومِ ؟ وإذا قامَ هَذا الِاحْتِمالُ لَمْ يَحْصُلِ الِاعْتِبارُ بِهَذِهِ القَصَصِ، لِأنَّ الِاعْتِبارَ إنَّما يَحْصُلُ أنْ لَوْ عَلِمْنا أنَّ نُزُولَ هَذا العَذابِ كانَ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ وعِنادِهِمْ. الثّانِي: أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ يُنْزِلُ العَذابَ مِحْنَةً لِلْمُكَلَّفِينَ وابْتِلاءً لَهم عَلى ما قالَ: ﴿ولَنَبْلُوَنَّكم حَتّى نَعْلَمَ المُجاهِدِينَ مِنكم والصّابِرِينَ﴾ [محمد: ٣١] ولِأنَّهُ تَعالى قَدِ ابْتَلى المُؤْمِنِينَ بِالبَلاءِ العَظِيمِ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ وإذا كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَدُلَّ نُزُولُ البَلاءِ بِهِمْ عَلى كَوْنِهِمْ مُبْطِلِينَ، والجَوابُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى أنْزَلَ هَذِهِ القَصَصَ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ تَسْلِيَةً وإزالَةً لِلْحُزْنِ عَنْ قَلْبِهِ، فَلَمّا أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى مُحَمَّدًا أنَّهُ هو الَّذِي أنْزَلَ العَذابَ عَلَيْهِمْ، وأنَّهُ إنَّما أنْزَلَهُ عَلَيْهِمْ جَزاءً عَلى كُفْرِهِمْ، عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ، فَحِينَئِذٍ يَحْصُلُ بِهِ التَّسَلِّي والفَرَحُ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ، واحْتَجَّ بَعْضُ النّاسِ عَلى القَدْحِ في عِلْمِ الأحْكامِ بِأنْ قالَ: المُؤَثِّرُ في هَذِهِ الأشْياءِ، إمّا الكَواكِبُ أوِ البُرُوجُ أوْ كَوْنُ الكَوْكَبِ في البُرْجِ المُعَيَّنِ، والأوَّلُ باطِلٌ، وإلّا لَحَصَلَتْ هَذِهِ الآثارُ أيْنَ حَصَلَ الكَوْكَبُ، والثّانِي أيْضًا باطِلٌ، وإلّا لَزِمَ دَوامُ الأثَرِ بِدَوامِ البُرْجِ، والثّالِثُ أيْضًا باطِلٌ؛ لِأنَّ الفَلَكَ عَلى قَوْلِهِمْ بَسِيطٌ لا مُرَكَّبٌ فَيَكُونُ طَبْعُ كُلِّ بُرْجٍ مُساوِيًا لِطَبْعِ البُرْجِ الآخَرِ في تَمامِ الماهِيَّةِ، فَيَكُونُ حالُ الكَوْكَبِ وهو في بُرْجِهِ كَحالِهِ وهو في بُرْجٍ آخَرَ، فَيَلْزَمُ أنْ يَدُومَ ذَلِكَ الأثَرُ بِدَوامِ الكَوْكَبِ، ولِلْقَوْمِ أنْ يَقُولُوا: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ صُدُورُ الأثَرِ عَنِ الكَوْكَبِ المُعَيَّنِ مَوْقُوفًا عَلى كَوْنِهِ مُسامِتًا مُسامَتَةً مَخْصُوصَةً لِكَوْكَبٍ آخَرَ، فَإذا فُقِدَتْ تِلْكَ المُسامَتَةُ فُقِدَ شَرْطُ التَّأْثِيرِ فَلا يَحْصُلُ التَّأْثِيرُ. ولَهم أنْ يَقُولُوا: هَذِهِ الدَّلالَةُ، إنَّما تَدُلُّ عَلى أنَّها لَيْسَتْ مُؤَثِّرَةً بِحَسَبِ ذَواتِها وطَبائِعِها، ولَكِنَّها لا تَدُلُّ عَلى أنَّها لَيْسَتْ مُؤَثِّرَةً بِحَسَبِ جَرْيِ العادَةِ، فَإذا أجْرى اللَّهُ تَعالى صفحة ١٤٢ عادَتَهُ بِحُصُولِ تَأْثِيراتٍ مَخْصُوصَةٍ عَقِيبَ اتِّصالاتِ الكَواكِبِ وقِراناتِها وأدْوارِها لَمْ يَلْزَمْ مِن حُصُولِ هَذِهِ الآثارِ القَطْعُ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى إنَّما خَلَقَها لِأجْلِ زَجْرِ الكُفّارِ بَلْ لَعَلَّهُ تَعالى خَلَقَها تَكْرِيرًا لِتِلْكَ العاداتِ واللَّهُ أعْلَمُ.

الشعراء 26:184

القِصَّةُ السّابِعَةُ: قِصَّةُ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ صفحة ١٤٠ ﴿كَذَّبَ أصْحابُ الأيْكَةِ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم شُعَيْبٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أوْفُوا الكَيْلَ ولا تَكُونُوا مِنَ المُخْسِرِينَ﴾ ﴿وزِنُوا بِالقِسْطاسِ المُسْتَقِيمِ﴾ ﴿ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهم ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ ﴿واتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكم والجِبِلَّةَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿قالُوا إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ ﴿وما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا وإنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الكاذِبِينَ﴾ ﴿فَأسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفًا مِنَ السَّماءِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿قالَ رَبِّي أعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأخَذَهم عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾? قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَّبَ أصْحابُ الأيْكَةِ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم شُعَيْبٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أوْفُوا الكَيْلَ ولا تَكُونُوا مِنَ المُخْسِرِينَ﴾ ﴿وزِنُوا بِالقِسْطاسِ المُسْتَقِيمِ﴾ ﴿ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهم ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ ﴿واتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكم والجِبِلَّةَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿قالُوا إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ ﴿وما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا وإنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الكاذِبِينَ﴾ ﴿فَأسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفًا مِنَ السَّماءِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿قالَ رَبِّي أعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأخَذَهم عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ . قُرِئَ ﴿أصْحابُ الأيْكَةِ﴾ بِالهَمْزَةِ وبِتَخْفِيفِها وبِالجَرِّ عَلى الإضافَةِ وهو الوجه، ومَن قَرَأ بِالنَّصْبِ وزَعَمَ أنَّ أيْكَةً بِوَزْنِ لَيْلَةٍ اسْمُ بَلَدٍ يُعْرَفُ فَتَوَهُّمٌ قادَ إلَيْهِ خَطُّ المُصْحَفِ حَيْثُ وُجِدَتْ مَكْتُوبَةً في هَذِهِ السُّورَةِ وفي سُورَةِ ص بِغَيْرِ ألِفٍ لَكِنْ قَدْ كُتِبَتْ في سائِرِ القُرْآنِ عَلى الأصْلِ والقِصَّةُ واحِدَةٌ عَلى أنَّ أيْكَةً اسْمٌ لا يُعْرَفُ، رُوِيَ أنَّ أصْحابَ الأيْكَةِ كانُوا أصْحابَ شَجَرٍ مُلْتَفٍّ وتِلْكَ الشَّجَرُ هي الَّتِي حِمْلُها المُقْلُ، فَإنْ قِيلَ: هَلّا قالَ أخُوهم شُعَيْبٌ كَما في سائِرِ المَواضِعِ، جَوابُهُ: أنَّ شُعَيْبًا لَمْ يَكُنْ مِن أصْحابِ الأيْكَةِ، وفي الحَدِيثِ: ”«إنَّ شُعَيْبًا أخا مَدْيَنَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ وإلى أصْحابِ الأيْكَةِ» “ . ثُمَّ إنَّ شُعَيْبًا عَلَيْهِ السَّلامُ أمَرَهم بِأشْياءَ: أحَدُها: قَوْلُهُ: ﴿أوْفُوا الكَيْلَ ولا تَكُونُوا مِنَ المُخْسِرِينَ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ الكَيْلَ عَلى ثَلاثَةِ أضْرُبٍ: وافٍ وطَفِيفٌ وزائِدٌ، فَأمَرَ بِالواجِبِ الَّذِي هو الإيفاءُ بِقَوْلِهِ: ﴿أوْفُوا الكَيْلَ﴾ ونَهى عَنِ المُحَرَّمِ الَّذِي هو التَّطْفِيفُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَكُونُوا مِنَ المُخْسِرِينَ﴾ ولَمْ يَذْكُرِ الزّائِدَ لِأنَّهُ بِحَيْثُ إنْ فَعَلَهُ فَقَدْ أحْسَنَ وإنْ لَمْ يَفْعَلْهُ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ، ثُمَّ إنَّهُ لَمّا أمَرَ بِالإيفاءِ بَيَّنَ أنَّهُ كَيْفَ يَفْعَلُ فَقالَ: ﴿وزِنُوا بِالقِسْطاسِ المُسْتَقِيمِ﴾ قُرِئَ ”بِالقِسْطاسِ“ مَضْمُومًا ومَكْسُورًا وهو المِيزانُ، وقِيلَ: القَرَسْطُونُ. وثانِيها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهُمْ﴾ يُقالُ: بَخَسَهُ حَقَّهُ إذا نَقَصَهُ إيّاهُ، وهَذا عامٌّ في كُلِّ حَقٍّ يَثْبُتُ لِأحَدٍ أنْ لا يُهْضَمَ وفي كُلِّ مِلْكٍ أنْ لا يُغْصَبَ مالِكُهُ ولا يُتَصَرَّفُ فِيهِ إلّا بِإذْنِهِ تَصَرُّفًا شَرْعِيًّا. وثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ يُقالُ: عَثا في الأرْضِ وعَثِيَ وعاثَ وذَلِكَ نَحْوُ قَطْعِ الطَّرِيقِ والغارَةِ وإهْلاكِ الزَّرْعِ، وكانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ مَعَ تَوْلِيَتِهِمْ أنْواعَ الفَسادِ فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ. ورابِعُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكم والجِبِلَّةَ الأوَّلِينَ﴾ وقُرِئَ ”الجُبُلَّةَ“ بِوَزْنِ الأُبُلَّةِ وقُرِئَ ”الجِبْلَةَ“ بِوَزْنِ الخِلْقَةِ ومَعْناهُنَّ واحِدٌ أيْ ذَوِي الجِبِلَّةِ، والمُرادُ أنَّهُ المُتَفَضِّلُ بِخَلْقِهِمْ وخَلْقِ مَن تَقَدَّمَهم مِمَّنْ لَوْلا خَلْقُهم لَما كانُوا مَخْلُوقِينَ، صفحة ١٤١ فَلَمْ يَكُنْ لِلْقَوْمِ جَوابٌ إلّا ما لَوْ تَرَكُوهُ لَكانَ أوْلى بِهِمْ وهو مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: قَوْلُهم: ﴿إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ و﴿ما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا﴾ فَإنْ قِيلَ: هَلِ اخْتَلَفَ المَعْنى بِإدْخالِ الواوِ هَهُنا وتَرْكِها في قِصَّةِ ثَمُودَ ؟ جَوابُهُ: إذا دَخَلَتِ الواوُ فَقَدْ قُصِدَ مَعْنَيانِ كِلاهُما مُنافٍ لِلرِّسالَةِ عِنْدَهُمُ السِّحْرُ والبَشَرِيَّةُ وإذا تُرِكَتِ الواوُ فَلَمْ يَقْصِدُوا إلّا مَعْنًى واحِدًا وهو كَوْنُهُ مُسَحَّرًا ثُمَّ قَرَّرَهُ بِكَوْنِهِ بَشَرًا مِثْلَهم. الثّانِي: قَوْلُهم: ﴿وإنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الكاذِبِينَ﴾ ومَعْناهُ ظاهِرٌ، ثُمَّ إنَّ شُعَيْبًا عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَتَوَعَّدُهم بِالعَذابِ إنِ اسْتَمَرُّوا عَلى التَّكْذِيبِ فَقالُوا: ﴿فَأسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفًا مِنَ السَّماءِ﴾ قُرِئَ ”كِسْفًا“ بِالسُّكُونِ والحَرَكَةِ وكِلاهُما جَمْعُ كِسْفَةٍ وهي القِطْعَةُ والسَّماءُ السَّحابُ أوِ الظُّلَّةُ، وهم إنَّما طَلَبُوا ذَلِكَ لِاسْتِبْعادِهِمْ وُقُوعَهُ فَظَنُّوا أنَّهُ إذا لَمْ يَقَعْ ظَهَرَ كَذِبُهُ فَعِنْدَهُ قالَ شُعَيْبٌ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿رَبِّي أعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ فَلَمْ يَدْعُ عَلَيْهِمْ بَلْ فَوَّضَ الأمْرَ فِيهِ إلى اللَّهِ تَعالى فَلَمّا اسْتَمَرُّوا عَلى التَّكْذِيبِ أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ العَذابَ عَلى ما اقْتَرَحُوا مِن عَذابِ يَوْمِ الظُّلَّةِ إنْ أرادُوا بِالسَّماءِ السَّحابَ، وإنْ أرادُوا الظُّلَّةَ فَقَدْ خالَفَ بِهِمْ عَنْ مُقْتَرَحِهِمْ، يُرْوى أنَّهُ حَبَسَ عَنْهُمُ الرِّيحَ سَبْعًا وسَلَّطَ عَلَيْهِمُ الرَّمْلَ فَأخَذَ بِأنْفاسِهِمْ، لا يَنْفَعُهم ظِلٌّ ولا ماءٌ فاضْطُرُّوا إلى أنْ خَرَجُوا إلى البَرِّيَّةِ فَأظَلَّتْهم سَحابَةٌ وجَدُوا لَها بَرَدًا ونَسِيمًا فاجْتَمَعُوا تَحْتَها فَأمْطَرَتْ عَلَيْهِمْ نارًا فاحْتَرَقُوا، ورُوِيَ أنَّ شُعَيْبًا بُعِثَ إلى أُمَّتَيْنِ أصْحابِ مَدْيَنَ وأصْحابِ الأيْكَةِ فَأُهْلِكَتْ مَدْيَنُ بِصَيْحَةِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ وأصْحابُ الأيْكَةِ بِعَذابِ يَوْمِ الظُّلَّةِ، وهَهُنا آخِرُ الكَلامِ في هَذِهِ القَصَصِ السَّبْعِ الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ السُّورَةِ تَسْلِيَةً لِمُحَمَّدٍ ﷺ فِيما نالَهُ مِنَ الغَمِّ الشَّدِيدِ، بَقِيَ هَهُنا سُؤالانِ: السُّؤالُ الأوَّلُ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ العَذابَ النّازِلَ بِعادٍ وثَمُودَ وقَوْمِ لُوطٍ وغَيْرِهِمْ ما كانَ ذَلِكَ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ وعِنادِهِمْ، بَلْ كانَ ذَلِكَ بِسَبَبِ قِراناتِ الكَواكِبِ واتِّصالاتِها عَلى ما اتَّفَقَ عَلَيْهِ أهْلُ النُّجُومِ ؟ وإذا قامَ هَذا الِاحْتِمالُ لَمْ يَحْصُلِ الِاعْتِبارُ بِهَذِهِ القَصَصِ، لِأنَّ الِاعْتِبارَ إنَّما يَحْصُلُ أنْ لَوْ عَلِمْنا أنَّ نُزُولَ هَذا العَذابِ كانَ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ وعِنادِهِمْ. الثّانِي: أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ يُنْزِلُ العَذابَ مِحْنَةً لِلْمُكَلَّفِينَ وابْتِلاءً لَهم عَلى ما قالَ: ﴿ولَنَبْلُوَنَّكم حَتّى نَعْلَمَ المُجاهِدِينَ مِنكم والصّابِرِينَ﴾ [محمد: ٣١] ولِأنَّهُ تَعالى قَدِ ابْتَلى المُؤْمِنِينَ بِالبَلاءِ العَظِيمِ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ وإذا كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَدُلَّ نُزُولُ البَلاءِ بِهِمْ عَلى كَوْنِهِمْ مُبْطِلِينَ، والجَوابُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى أنْزَلَ هَذِهِ القَصَصَ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ تَسْلِيَةً وإزالَةً لِلْحُزْنِ عَنْ قَلْبِهِ، فَلَمّا أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى مُحَمَّدًا أنَّهُ هو الَّذِي أنْزَلَ العَذابَ عَلَيْهِمْ، وأنَّهُ إنَّما أنْزَلَهُ عَلَيْهِمْ جَزاءً عَلى كُفْرِهِمْ، عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ، فَحِينَئِذٍ يَحْصُلُ بِهِ التَّسَلِّي والفَرَحُ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ، واحْتَجَّ بَعْضُ النّاسِ عَلى القَدْحِ في عِلْمِ الأحْكامِ بِأنْ قالَ: المُؤَثِّرُ في هَذِهِ الأشْياءِ، إمّا الكَواكِبُ أوِ البُرُوجُ أوْ كَوْنُ الكَوْكَبِ في البُرْجِ المُعَيَّنِ، والأوَّلُ باطِلٌ، وإلّا لَحَصَلَتْ هَذِهِ الآثارُ أيْنَ حَصَلَ الكَوْكَبُ، والثّانِي أيْضًا باطِلٌ، وإلّا لَزِمَ دَوامُ الأثَرِ بِدَوامِ البُرْجِ، والثّالِثُ أيْضًا باطِلٌ؛ لِأنَّ الفَلَكَ عَلى قَوْلِهِمْ بَسِيطٌ لا مُرَكَّبٌ فَيَكُونُ طَبْعُ كُلِّ بُرْجٍ مُساوِيًا لِطَبْعِ البُرْجِ الآخَرِ في تَمامِ الماهِيَّةِ، فَيَكُونُ حالُ الكَوْكَبِ وهو في بُرْجِهِ كَحالِهِ وهو في بُرْجٍ آخَرَ، فَيَلْزَمُ أنْ يَدُومَ ذَلِكَ الأثَرُ بِدَوامِ الكَوْكَبِ، ولِلْقَوْمِ أنْ يَقُولُوا: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ صُدُورُ الأثَرِ عَنِ الكَوْكَبِ المُعَيَّنِ مَوْقُوفًا عَلى كَوْنِهِ مُسامِتًا مُسامَتَةً مَخْصُوصَةً لِكَوْكَبٍ آخَرَ، فَإذا فُقِدَتْ تِلْكَ المُسامَتَةُ فُقِدَ شَرْطُ التَّأْثِيرِ فَلا يَحْصُلُ التَّأْثِيرُ. ولَهم أنْ يَقُولُوا: هَذِهِ الدَّلالَةُ، إنَّما تَدُلُّ عَلى أنَّها لَيْسَتْ مُؤَثِّرَةً بِحَسَبِ ذَواتِها وطَبائِعِها، ولَكِنَّها لا تَدُلُّ عَلى أنَّها لَيْسَتْ مُؤَثِّرَةً بِحَسَبِ جَرْيِ العادَةِ، فَإذا أجْرى اللَّهُ تَعالى صفحة ١٤٢ عادَتَهُ بِحُصُولِ تَأْثِيراتٍ مَخْصُوصَةٍ عَقِيبَ اتِّصالاتِ الكَواكِبِ وقِراناتِها وأدْوارِها لَمْ يَلْزَمْ مِن حُصُولِ هَذِهِ الآثارِ القَطْعُ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى إنَّما خَلَقَها لِأجْلِ زَجْرِ الكُفّارِ بَلْ لَعَلَّهُ تَعالى خَلَقَها تَكْرِيرًا لِتِلْكَ العاداتِ واللَّهُ أعْلَمُ.

الشعراء 26:185

القِصَّةُ السّابِعَةُ: قِصَّةُ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ صفحة ١٤٠ ﴿كَذَّبَ أصْحابُ الأيْكَةِ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم شُعَيْبٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أوْفُوا الكَيْلَ ولا تَكُونُوا مِنَ المُخْسِرِينَ﴾ ﴿وزِنُوا بِالقِسْطاسِ المُسْتَقِيمِ﴾ ﴿ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهم ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ ﴿واتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكم والجِبِلَّةَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿قالُوا إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ ﴿وما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا وإنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الكاذِبِينَ﴾ ﴿فَأسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفًا مِنَ السَّماءِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿قالَ رَبِّي أعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأخَذَهم عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾? قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَّبَ أصْحابُ الأيْكَةِ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم شُعَيْبٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أوْفُوا الكَيْلَ ولا تَكُونُوا مِنَ المُخْسِرِينَ﴾ ﴿وزِنُوا بِالقِسْطاسِ المُسْتَقِيمِ﴾ ﴿ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهم ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ ﴿واتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكم والجِبِلَّةَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿قالُوا إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ ﴿وما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا وإنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الكاذِبِينَ﴾ ﴿فَأسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفًا مِنَ السَّماءِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿قالَ رَبِّي أعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأخَذَهم عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ . قُرِئَ ﴿أصْحابُ الأيْكَةِ﴾ بِالهَمْزَةِ وبِتَخْفِيفِها وبِالجَرِّ عَلى الإضافَةِ وهو الوجه، ومَن قَرَأ بِالنَّصْبِ وزَعَمَ أنَّ أيْكَةً بِوَزْنِ لَيْلَةٍ اسْمُ بَلَدٍ يُعْرَفُ فَتَوَهُّمٌ قادَ إلَيْهِ خَطُّ المُصْحَفِ حَيْثُ وُجِدَتْ مَكْتُوبَةً في هَذِهِ السُّورَةِ وفي سُورَةِ ص بِغَيْرِ ألِفٍ لَكِنْ قَدْ كُتِبَتْ في سائِرِ القُرْآنِ عَلى الأصْلِ والقِصَّةُ واحِدَةٌ عَلى أنَّ أيْكَةً اسْمٌ لا يُعْرَفُ، رُوِيَ أنَّ أصْحابَ الأيْكَةِ كانُوا أصْحابَ شَجَرٍ مُلْتَفٍّ وتِلْكَ الشَّجَرُ هي الَّتِي حِمْلُها المُقْلُ، فَإنْ قِيلَ: هَلّا قالَ أخُوهم شُعَيْبٌ كَما في سائِرِ المَواضِعِ، جَوابُهُ: أنَّ شُعَيْبًا لَمْ يَكُنْ مِن أصْحابِ الأيْكَةِ، وفي الحَدِيثِ: ”«إنَّ شُعَيْبًا أخا مَدْيَنَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ وإلى أصْحابِ الأيْكَةِ» “ . ثُمَّ إنَّ شُعَيْبًا عَلَيْهِ السَّلامُ أمَرَهم بِأشْياءَ: أحَدُها: قَوْلُهُ: ﴿أوْفُوا الكَيْلَ ولا تَكُونُوا مِنَ المُخْسِرِينَ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ الكَيْلَ عَلى ثَلاثَةِ أضْرُبٍ: وافٍ وطَفِيفٌ وزائِدٌ، فَأمَرَ بِالواجِبِ الَّذِي هو الإيفاءُ بِقَوْلِهِ: ﴿أوْفُوا الكَيْلَ﴾ ونَهى عَنِ المُحَرَّمِ الَّذِي هو التَّطْفِيفُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَكُونُوا مِنَ المُخْسِرِينَ﴾ ولَمْ يَذْكُرِ الزّائِدَ لِأنَّهُ بِحَيْثُ إنْ فَعَلَهُ فَقَدْ أحْسَنَ وإنْ لَمْ يَفْعَلْهُ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ، ثُمَّ إنَّهُ لَمّا أمَرَ بِالإيفاءِ بَيَّنَ أنَّهُ كَيْفَ يَفْعَلُ فَقالَ: ﴿وزِنُوا بِالقِسْطاسِ المُسْتَقِيمِ﴾ قُرِئَ ”بِالقِسْطاسِ“ مَضْمُومًا ومَكْسُورًا وهو المِيزانُ، وقِيلَ: القَرَسْطُونُ. وثانِيها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهُمْ﴾ يُقالُ: بَخَسَهُ حَقَّهُ إذا نَقَصَهُ إيّاهُ، وهَذا عامٌّ في كُلِّ حَقٍّ يَثْبُتُ لِأحَدٍ أنْ لا يُهْضَمَ وفي كُلِّ مِلْكٍ أنْ لا يُغْصَبَ مالِكُهُ ولا يُتَصَرَّفُ فِيهِ إلّا بِإذْنِهِ تَصَرُّفًا شَرْعِيًّا. وثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ يُقالُ: عَثا في الأرْضِ وعَثِيَ وعاثَ وذَلِكَ نَحْوُ قَطْعِ الطَّرِيقِ والغارَةِ وإهْلاكِ الزَّرْعِ، وكانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ مَعَ تَوْلِيَتِهِمْ أنْواعَ الفَسادِ فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ. ورابِعُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكم والجِبِلَّةَ الأوَّلِينَ﴾ وقُرِئَ ”الجُبُلَّةَ“ بِوَزْنِ الأُبُلَّةِ وقُرِئَ ”الجِبْلَةَ“ بِوَزْنِ الخِلْقَةِ ومَعْناهُنَّ واحِدٌ أيْ ذَوِي الجِبِلَّةِ، والمُرادُ أنَّهُ المُتَفَضِّلُ بِخَلْقِهِمْ وخَلْقِ مَن تَقَدَّمَهم مِمَّنْ لَوْلا خَلْقُهم لَما كانُوا مَخْلُوقِينَ، صفحة ١٤١ فَلَمْ يَكُنْ لِلْقَوْمِ جَوابٌ إلّا ما لَوْ تَرَكُوهُ لَكانَ أوْلى بِهِمْ وهو مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: قَوْلُهم: ﴿إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ و﴿ما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا﴾ فَإنْ قِيلَ: هَلِ اخْتَلَفَ المَعْنى بِإدْخالِ الواوِ هَهُنا وتَرْكِها في قِصَّةِ ثَمُودَ ؟ جَوابُهُ: إذا دَخَلَتِ الواوُ فَقَدْ قُصِدَ مَعْنَيانِ كِلاهُما مُنافٍ لِلرِّسالَةِ عِنْدَهُمُ السِّحْرُ والبَشَرِيَّةُ وإذا تُرِكَتِ الواوُ فَلَمْ يَقْصِدُوا إلّا مَعْنًى واحِدًا وهو كَوْنُهُ مُسَحَّرًا ثُمَّ قَرَّرَهُ بِكَوْنِهِ بَشَرًا مِثْلَهم. الثّانِي: قَوْلُهم: ﴿وإنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الكاذِبِينَ﴾ ومَعْناهُ ظاهِرٌ، ثُمَّ إنَّ شُعَيْبًا عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَتَوَعَّدُهم بِالعَذابِ إنِ اسْتَمَرُّوا عَلى التَّكْذِيبِ فَقالُوا: ﴿فَأسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفًا مِنَ السَّماءِ﴾ قُرِئَ ”كِسْفًا“ بِالسُّكُونِ والحَرَكَةِ وكِلاهُما جَمْعُ كِسْفَةٍ وهي القِطْعَةُ والسَّماءُ السَّحابُ أوِ الظُّلَّةُ، وهم إنَّما طَلَبُوا ذَلِكَ لِاسْتِبْعادِهِمْ وُقُوعَهُ فَظَنُّوا أنَّهُ إذا لَمْ يَقَعْ ظَهَرَ كَذِبُهُ فَعِنْدَهُ قالَ شُعَيْبٌ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿رَبِّي أعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ فَلَمْ يَدْعُ عَلَيْهِمْ بَلْ فَوَّضَ الأمْرَ فِيهِ إلى اللَّهِ تَعالى فَلَمّا اسْتَمَرُّوا عَلى التَّكْذِيبِ أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ العَذابَ عَلى ما اقْتَرَحُوا مِن عَذابِ يَوْمِ الظُّلَّةِ إنْ أرادُوا بِالسَّماءِ السَّحابَ، وإنْ أرادُوا الظُّلَّةَ فَقَدْ خالَفَ بِهِمْ عَنْ مُقْتَرَحِهِمْ، يُرْوى أنَّهُ حَبَسَ عَنْهُمُ الرِّيحَ سَبْعًا وسَلَّطَ عَلَيْهِمُ الرَّمْلَ فَأخَذَ بِأنْفاسِهِمْ، لا يَنْفَعُهم ظِلٌّ ولا ماءٌ فاضْطُرُّوا إلى أنْ خَرَجُوا إلى البَرِّيَّةِ فَأظَلَّتْهم سَحابَةٌ وجَدُوا لَها بَرَدًا ونَسِيمًا فاجْتَمَعُوا تَحْتَها فَأمْطَرَتْ عَلَيْهِمْ نارًا فاحْتَرَقُوا، ورُوِيَ أنَّ شُعَيْبًا بُعِثَ إلى أُمَّتَيْنِ أصْحابِ مَدْيَنَ وأصْحابِ الأيْكَةِ فَأُهْلِكَتْ مَدْيَنُ بِصَيْحَةِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ وأصْحابُ الأيْكَةِ بِعَذابِ يَوْمِ الظُّلَّةِ، وهَهُنا آخِرُ الكَلامِ في هَذِهِ القَصَصِ السَّبْعِ الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ السُّورَةِ تَسْلِيَةً لِمُحَمَّدٍ ﷺ فِيما نالَهُ مِنَ الغَمِّ الشَّدِيدِ، بَقِيَ هَهُنا سُؤالانِ: السُّؤالُ الأوَّلُ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ العَذابَ النّازِلَ بِعادٍ وثَمُودَ وقَوْمِ لُوطٍ وغَيْرِهِمْ ما كانَ ذَلِكَ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ وعِنادِهِمْ، بَلْ كانَ ذَلِكَ بِسَبَبِ قِراناتِ الكَواكِبِ واتِّصالاتِها عَلى ما اتَّفَقَ عَلَيْهِ أهْلُ النُّجُومِ ؟ وإذا قامَ هَذا الِاحْتِمالُ لَمْ يَحْصُلِ الِاعْتِبارُ بِهَذِهِ القَصَصِ، لِأنَّ الِاعْتِبارَ إنَّما يَحْصُلُ أنْ لَوْ عَلِمْنا أنَّ نُزُولَ هَذا العَذابِ كانَ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ وعِنادِهِمْ. الثّانِي: أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ يُنْزِلُ العَذابَ مِحْنَةً لِلْمُكَلَّفِينَ وابْتِلاءً لَهم عَلى ما قالَ: ﴿ولَنَبْلُوَنَّكم حَتّى نَعْلَمَ المُجاهِدِينَ مِنكم والصّابِرِينَ﴾ [محمد: ٣١] ولِأنَّهُ تَعالى قَدِ ابْتَلى المُؤْمِنِينَ بِالبَلاءِ العَظِيمِ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ وإذا كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَدُلَّ نُزُولُ البَلاءِ بِهِمْ عَلى كَوْنِهِمْ مُبْطِلِينَ، والجَوابُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى أنْزَلَ هَذِهِ القَصَصَ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ تَسْلِيَةً وإزالَةً لِلْحُزْنِ عَنْ قَلْبِهِ، فَلَمّا أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى مُحَمَّدًا أنَّهُ هو الَّذِي أنْزَلَ العَذابَ عَلَيْهِمْ، وأنَّهُ إنَّما أنْزَلَهُ عَلَيْهِمْ جَزاءً عَلى كُفْرِهِمْ، عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ، فَحِينَئِذٍ يَحْصُلُ بِهِ التَّسَلِّي والفَرَحُ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ، واحْتَجَّ بَعْضُ النّاسِ عَلى القَدْحِ في عِلْمِ الأحْكامِ بِأنْ قالَ: المُؤَثِّرُ في هَذِهِ الأشْياءِ، إمّا الكَواكِبُ أوِ البُرُوجُ أوْ كَوْنُ الكَوْكَبِ في البُرْجِ المُعَيَّنِ، والأوَّلُ باطِلٌ، وإلّا لَحَصَلَتْ هَذِهِ الآثارُ أيْنَ حَصَلَ الكَوْكَبُ، والثّانِي أيْضًا باطِلٌ، وإلّا لَزِمَ دَوامُ الأثَرِ بِدَوامِ البُرْجِ، والثّالِثُ أيْضًا باطِلٌ؛ لِأنَّ الفَلَكَ عَلى قَوْلِهِمْ بَسِيطٌ لا مُرَكَّبٌ فَيَكُونُ طَبْعُ كُلِّ بُرْجٍ مُساوِيًا لِطَبْعِ البُرْجِ الآخَرِ في تَمامِ الماهِيَّةِ، فَيَكُونُ حالُ الكَوْكَبِ وهو في بُرْجِهِ كَحالِهِ وهو في بُرْجٍ آخَرَ، فَيَلْزَمُ أنْ يَدُومَ ذَلِكَ الأثَرُ بِدَوامِ الكَوْكَبِ، ولِلْقَوْمِ أنْ يَقُولُوا: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ صُدُورُ الأثَرِ عَنِ الكَوْكَبِ المُعَيَّنِ مَوْقُوفًا عَلى كَوْنِهِ مُسامِتًا مُسامَتَةً مَخْصُوصَةً لِكَوْكَبٍ آخَرَ، فَإذا فُقِدَتْ تِلْكَ المُسامَتَةُ فُقِدَ شَرْطُ التَّأْثِيرِ فَلا يَحْصُلُ التَّأْثِيرُ. ولَهم أنْ يَقُولُوا: هَذِهِ الدَّلالَةُ، إنَّما تَدُلُّ عَلى أنَّها لَيْسَتْ مُؤَثِّرَةً بِحَسَبِ ذَواتِها وطَبائِعِها، ولَكِنَّها لا تَدُلُّ عَلى أنَّها لَيْسَتْ مُؤَثِّرَةً بِحَسَبِ جَرْيِ العادَةِ، فَإذا أجْرى اللَّهُ تَعالى صفحة ١٤٢ عادَتَهُ بِحُصُولِ تَأْثِيراتٍ مَخْصُوصَةٍ عَقِيبَ اتِّصالاتِ الكَواكِبِ وقِراناتِها وأدْوارِها لَمْ يَلْزَمْ مِن حُصُولِ هَذِهِ الآثارِ القَطْعُ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى إنَّما خَلَقَها لِأجْلِ زَجْرِ الكُفّارِ بَلْ لَعَلَّهُ تَعالى خَلَقَها تَكْرِيرًا لِتِلْكَ العاداتِ واللَّهُ أعْلَمُ.

الشعراء 26:186

القِصَّةُ السّابِعَةُ: قِصَّةُ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ صفحة ١٤٠ ﴿كَذَّبَ أصْحابُ الأيْكَةِ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم شُعَيْبٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أوْفُوا الكَيْلَ ولا تَكُونُوا مِنَ المُخْسِرِينَ﴾ ﴿وزِنُوا بِالقِسْطاسِ المُسْتَقِيمِ﴾ ﴿ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهم ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ ﴿واتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكم والجِبِلَّةَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿قالُوا إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ ﴿وما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا وإنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الكاذِبِينَ﴾ ﴿فَأسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفًا مِنَ السَّماءِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿قالَ رَبِّي أعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأخَذَهم عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾? قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَّبَ أصْحابُ الأيْكَةِ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم شُعَيْبٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أوْفُوا الكَيْلَ ولا تَكُونُوا مِنَ المُخْسِرِينَ﴾ ﴿وزِنُوا بِالقِسْطاسِ المُسْتَقِيمِ﴾ ﴿ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهم ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ ﴿واتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكم والجِبِلَّةَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿قالُوا إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ ﴿وما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا وإنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الكاذِبِينَ﴾ ﴿فَأسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفًا مِنَ السَّماءِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿قالَ رَبِّي أعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأخَذَهم عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ . قُرِئَ ﴿أصْحابُ الأيْكَةِ﴾ بِالهَمْزَةِ وبِتَخْفِيفِها وبِالجَرِّ عَلى الإضافَةِ وهو الوجه، ومَن قَرَأ بِالنَّصْبِ وزَعَمَ أنَّ أيْكَةً بِوَزْنِ لَيْلَةٍ اسْمُ بَلَدٍ يُعْرَفُ فَتَوَهُّمٌ قادَ إلَيْهِ خَطُّ المُصْحَفِ حَيْثُ وُجِدَتْ مَكْتُوبَةً في هَذِهِ السُّورَةِ وفي سُورَةِ ص بِغَيْرِ ألِفٍ لَكِنْ قَدْ كُتِبَتْ في سائِرِ القُرْآنِ عَلى الأصْلِ والقِصَّةُ واحِدَةٌ عَلى أنَّ أيْكَةً اسْمٌ لا يُعْرَفُ، رُوِيَ أنَّ أصْحابَ الأيْكَةِ كانُوا أصْحابَ شَجَرٍ مُلْتَفٍّ وتِلْكَ الشَّجَرُ هي الَّتِي حِمْلُها المُقْلُ، فَإنْ قِيلَ: هَلّا قالَ أخُوهم شُعَيْبٌ كَما في سائِرِ المَواضِعِ، جَوابُهُ: أنَّ شُعَيْبًا لَمْ يَكُنْ مِن أصْحابِ الأيْكَةِ، وفي الحَدِيثِ: ”«إنَّ شُعَيْبًا أخا مَدْيَنَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ وإلى أصْحابِ الأيْكَةِ» “ . ثُمَّ إنَّ شُعَيْبًا عَلَيْهِ السَّلامُ أمَرَهم بِأشْياءَ: أحَدُها: قَوْلُهُ: ﴿أوْفُوا الكَيْلَ ولا تَكُونُوا مِنَ المُخْسِرِينَ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ الكَيْلَ عَلى ثَلاثَةِ أضْرُبٍ: وافٍ وطَفِيفٌ وزائِدٌ، فَأمَرَ بِالواجِبِ الَّذِي هو الإيفاءُ بِقَوْلِهِ: ﴿أوْفُوا الكَيْلَ﴾ ونَهى عَنِ المُحَرَّمِ الَّذِي هو التَّطْفِيفُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَكُونُوا مِنَ المُخْسِرِينَ﴾ ولَمْ يَذْكُرِ الزّائِدَ لِأنَّهُ بِحَيْثُ إنْ فَعَلَهُ فَقَدْ أحْسَنَ وإنْ لَمْ يَفْعَلْهُ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ، ثُمَّ إنَّهُ لَمّا أمَرَ بِالإيفاءِ بَيَّنَ أنَّهُ كَيْفَ يَفْعَلُ فَقالَ: ﴿وزِنُوا بِالقِسْطاسِ المُسْتَقِيمِ﴾ قُرِئَ ”بِالقِسْطاسِ“ مَضْمُومًا ومَكْسُورًا وهو المِيزانُ، وقِيلَ: القَرَسْطُونُ. وثانِيها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهُمْ﴾ يُقالُ: بَخَسَهُ حَقَّهُ إذا نَقَصَهُ إيّاهُ، وهَذا عامٌّ في كُلِّ حَقٍّ يَثْبُتُ لِأحَدٍ أنْ لا يُهْضَمَ وفي كُلِّ مِلْكٍ أنْ لا يُغْصَبَ مالِكُهُ ولا يُتَصَرَّفُ فِيهِ إلّا بِإذْنِهِ تَصَرُّفًا شَرْعِيًّا. وثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ يُقالُ: عَثا في الأرْضِ وعَثِيَ وعاثَ وذَلِكَ نَحْوُ قَطْعِ الطَّرِيقِ والغارَةِ وإهْلاكِ الزَّرْعِ، وكانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ مَعَ تَوْلِيَتِهِمْ أنْواعَ الفَسادِ فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ. ورابِعُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكم والجِبِلَّةَ الأوَّلِينَ﴾ وقُرِئَ ”الجُبُلَّةَ“ بِوَزْنِ الأُبُلَّةِ وقُرِئَ ”الجِبْلَةَ“ بِوَزْنِ الخِلْقَةِ ومَعْناهُنَّ واحِدٌ أيْ ذَوِي الجِبِلَّةِ، والمُرادُ أنَّهُ المُتَفَضِّلُ بِخَلْقِهِمْ وخَلْقِ مَن تَقَدَّمَهم مِمَّنْ لَوْلا خَلْقُهم لَما كانُوا مَخْلُوقِينَ، صفحة ١٤١ فَلَمْ يَكُنْ لِلْقَوْمِ جَوابٌ إلّا ما لَوْ تَرَكُوهُ لَكانَ أوْلى بِهِمْ وهو مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: قَوْلُهم: ﴿إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ و﴿ما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا﴾ فَإنْ قِيلَ: هَلِ اخْتَلَفَ المَعْنى بِإدْخالِ الواوِ هَهُنا وتَرْكِها في قِصَّةِ ثَمُودَ ؟ جَوابُهُ: إذا دَخَلَتِ الواوُ فَقَدْ قُصِدَ مَعْنَيانِ كِلاهُما مُنافٍ لِلرِّسالَةِ عِنْدَهُمُ السِّحْرُ والبَشَرِيَّةُ وإذا تُرِكَتِ الواوُ فَلَمْ يَقْصِدُوا إلّا مَعْنًى واحِدًا وهو كَوْنُهُ مُسَحَّرًا ثُمَّ قَرَّرَهُ بِكَوْنِهِ بَشَرًا مِثْلَهم. الثّانِي: قَوْلُهم: ﴿وإنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الكاذِبِينَ﴾ ومَعْناهُ ظاهِرٌ، ثُمَّ إنَّ شُعَيْبًا عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَتَوَعَّدُهم بِالعَذابِ إنِ اسْتَمَرُّوا عَلى التَّكْذِيبِ فَقالُوا: ﴿فَأسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفًا مِنَ السَّماءِ﴾ قُرِئَ ”كِسْفًا“ بِالسُّكُونِ والحَرَكَةِ وكِلاهُما جَمْعُ كِسْفَةٍ وهي القِطْعَةُ والسَّماءُ السَّحابُ أوِ الظُّلَّةُ، وهم إنَّما طَلَبُوا ذَلِكَ لِاسْتِبْعادِهِمْ وُقُوعَهُ فَظَنُّوا أنَّهُ إذا لَمْ يَقَعْ ظَهَرَ كَذِبُهُ فَعِنْدَهُ قالَ شُعَيْبٌ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿رَبِّي أعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ فَلَمْ يَدْعُ عَلَيْهِمْ بَلْ فَوَّضَ الأمْرَ فِيهِ إلى اللَّهِ تَعالى فَلَمّا اسْتَمَرُّوا عَلى التَّكْذِيبِ أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ العَذابَ عَلى ما اقْتَرَحُوا مِن عَذابِ يَوْمِ الظُّلَّةِ إنْ أرادُوا بِالسَّماءِ السَّحابَ، وإنْ أرادُوا الظُّلَّةَ فَقَدْ خالَفَ بِهِمْ عَنْ مُقْتَرَحِهِمْ، يُرْوى أنَّهُ حَبَسَ عَنْهُمُ الرِّيحَ سَبْعًا وسَلَّطَ عَلَيْهِمُ الرَّمْلَ فَأخَذَ بِأنْفاسِهِمْ، لا يَنْفَعُهم ظِلٌّ ولا ماءٌ فاضْطُرُّوا إلى أنْ خَرَجُوا إلى البَرِّيَّةِ فَأظَلَّتْهم سَحابَةٌ وجَدُوا لَها بَرَدًا ونَسِيمًا فاجْتَمَعُوا تَحْتَها فَأمْطَرَتْ عَلَيْهِمْ نارًا فاحْتَرَقُوا، ورُوِيَ أنَّ شُعَيْبًا بُعِثَ إلى أُمَّتَيْنِ أصْحابِ مَدْيَنَ وأصْحابِ الأيْكَةِ فَأُهْلِكَتْ مَدْيَنُ بِصَيْحَةِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ وأصْحابُ الأيْكَةِ بِعَذابِ يَوْمِ الظُّلَّةِ، وهَهُنا آخِرُ الكَلامِ في هَذِهِ القَصَصِ السَّبْعِ الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ السُّورَةِ تَسْلِيَةً لِمُحَمَّدٍ ﷺ فِيما نالَهُ مِنَ الغَمِّ الشَّدِيدِ، بَقِيَ هَهُنا سُؤالانِ: السُّؤالُ الأوَّلُ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ العَذابَ النّازِلَ بِعادٍ وثَمُودَ وقَوْمِ لُوطٍ وغَيْرِهِمْ ما كانَ ذَلِكَ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ وعِنادِهِمْ، بَلْ كانَ ذَلِكَ بِسَبَبِ قِراناتِ الكَواكِبِ واتِّصالاتِها عَلى ما اتَّفَقَ عَلَيْهِ أهْلُ النُّجُومِ ؟ وإذا قامَ هَذا الِاحْتِمالُ لَمْ يَحْصُلِ الِاعْتِبارُ بِهَذِهِ القَصَصِ، لِأنَّ الِاعْتِبارَ إنَّما يَحْصُلُ أنْ لَوْ عَلِمْنا أنَّ نُزُولَ هَذا العَذابِ كانَ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ وعِنادِهِمْ. الثّانِي: أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ يُنْزِلُ العَذابَ مِحْنَةً لِلْمُكَلَّفِينَ وابْتِلاءً لَهم عَلى ما قالَ: ﴿ولَنَبْلُوَنَّكم حَتّى نَعْلَمَ المُجاهِدِينَ مِنكم والصّابِرِينَ﴾ [محمد: ٣١] ولِأنَّهُ تَعالى قَدِ ابْتَلى المُؤْمِنِينَ بِالبَلاءِ العَظِيمِ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ وإذا كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَدُلَّ نُزُولُ البَلاءِ بِهِمْ عَلى كَوْنِهِمْ مُبْطِلِينَ، والجَوابُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى أنْزَلَ هَذِهِ القَصَصَ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ تَسْلِيَةً وإزالَةً لِلْحُزْنِ عَنْ قَلْبِهِ، فَلَمّا أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى مُحَمَّدًا أنَّهُ هو الَّذِي أنْزَلَ العَذابَ عَلَيْهِمْ، وأنَّهُ إنَّما أنْزَلَهُ عَلَيْهِمْ جَزاءً عَلى كُفْرِهِمْ، عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ، فَحِينَئِذٍ يَحْصُلُ بِهِ التَّسَلِّي والفَرَحُ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ، واحْتَجَّ بَعْضُ النّاسِ عَلى القَدْحِ في عِلْمِ الأحْكامِ بِأنْ قالَ: المُؤَثِّرُ في هَذِهِ الأشْياءِ، إمّا الكَواكِبُ أوِ البُرُوجُ أوْ كَوْنُ الكَوْكَبِ في البُرْجِ المُعَيَّنِ، والأوَّلُ باطِلٌ، وإلّا لَحَصَلَتْ هَذِهِ الآثارُ أيْنَ حَصَلَ الكَوْكَبُ، والثّانِي أيْضًا باطِلٌ، وإلّا لَزِمَ دَوامُ الأثَرِ بِدَوامِ البُرْجِ، والثّالِثُ أيْضًا باطِلٌ؛ لِأنَّ الفَلَكَ عَلى قَوْلِهِمْ بَسِيطٌ لا مُرَكَّبٌ فَيَكُونُ طَبْعُ كُلِّ بُرْجٍ مُساوِيًا لِطَبْعِ البُرْجِ الآخَرِ في تَمامِ الماهِيَّةِ، فَيَكُونُ حالُ الكَوْكَبِ وهو في بُرْجِهِ كَحالِهِ وهو في بُرْجٍ آخَرَ، فَيَلْزَمُ أنْ يَدُومَ ذَلِكَ الأثَرُ بِدَوامِ الكَوْكَبِ، ولِلْقَوْمِ أنْ يَقُولُوا: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ صُدُورُ الأثَرِ عَنِ الكَوْكَبِ المُعَيَّنِ مَوْقُوفًا عَلى كَوْنِهِ مُسامِتًا مُسامَتَةً مَخْصُوصَةً لِكَوْكَبٍ آخَرَ، فَإذا فُقِدَتْ تِلْكَ المُسامَتَةُ فُقِدَ شَرْطُ التَّأْثِيرِ فَلا يَحْصُلُ التَّأْثِيرُ. ولَهم أنْ يَقُولُوا: هَذِهِ الدَّلالَةُ، إنَّما تَدُلُّ عَلى أنَّها لَيْسَتْ مُؤَثِّرَةً بِحَسَبِ ذَواتِها وطَبائِعِها، ولَكِنَّها لا تَدُلُّ عَلى أنَّها لَيْسَتْ مُؤَثِّرَةً بِحَسَبِ جَرْيِ العادَةِ، فَإذا أجْرى اللَّهُ تَعالى صفحة ١٤٢ عادَتَهُ بِحُصُولِ تَأْثِيراتٍ مَخْصُوصَةٍ عَقِيبَ اتِّصالاتِ الكَواكِبِ وقِراناتِها وأدْوارِها لَمْ يَلْزَمْ مِن حُصُولِ هَذِهِ الآثارِ القَطْعُ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى إنَّما خَلَقَها لِأجْلِ زَجْرِ الكُفّارِ بَلْ لَعَلَّهُ تَعالى خَلَقَها تَكْرِيرًا لِتِلْكَ العاداتِ واللَّهُ أعْلَمُ.

الشعراء 26:187

القِصَّةُ السّابِعَةُ: قِصَّةُ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ صفحة ١٤٠ ﴿كَذَّبَ أصْحابُ الأيْكَةِ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم شُعَيْبٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أوْفُوا الكَيْلَ ولا تَكُونُوا مِنَ المُخْسِرِينَ﴾ ﴿وزِنُوا بِالقِسْطاسِ المُسْتَقِيمِ﴾ ﴿ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهم ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ ﴿واتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكم والجِبِلَّةَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿قالُوا إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ ﴿وما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا وإنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الكاذِبِينَ﴾ ﴿فَأسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفًا مِنَ السَّماءِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿قالَ رَبِّي أعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأخَذَهم عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾? قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَّبَ أصْحابُ الأيْكَةِ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم شُعَيْبٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أوْفُوا الكَيْلَ ولا تَكُونُوا مِنَ المُخْسِرِينَ﴾ ﴿وزِنُوا بِالقِسْطاسِ المُسْتَقِيمِ﴾ ﴿ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهم ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ ﴿واتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكم والجِبِلَّةَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿قالُوا إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ ﴿وما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا وإنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الكاذِبِينَ﴾ ﴿فَأسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفًا مِنَ السَّماءِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿قالَ رَبِّي أعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأخَذَهم عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ . قُرِئَ ﴿أصْحابُ الأيْكَةِ﴾ بِالهَمْزَةِ وبِتَخْفِيفِها وبِالجَرِّ عَلى الإضافَةِ وهو الوجه، ومَن قَرَأ بِالنَّصْبِ وزَعَمَ أنَّ أيْكَةً بِوَزْنِ لَيْلَةٍ اسْمُ بَلَدٍ يُعْرَفُ فَتَوَهُّمٌ قادَ إلَيْهِ خَطُّ المُصْحَفِ حَيْثُ وُجِدَتْ مَكْتُوبَةً في هَذِهِ السُّورَةِ وفي سُورَةِ ص بِغَيْرِ ألِفٍ لَكِنْ قَدْ كُتِبَتْ في سائِرِ القُرْآنِ عَلى الأصْلِ والقِصَّةُ واحِدَةٌ عَلى أنَّ أيْكَةً اسْمٌ لا يُعْرَفُ، رُوِيَ أنَّ أصْحابَ الأيْكَةِ كانُوا أصْحابَ شَجَرٍ مُلْتَفٍّ وتِلْكَ الشَّجَرُ هي الَّتِي حِمْلُها المُقْلُ، فَإنْ قِيلَ: هَلّا قالَ أخُوهم شُعَيْبٌ كَما في سائِرِ المَواضِعِ، جَوابُهُ: أنَّ شُعَيْبًا لَمْ يَكُنْ مِن أصْحابِ الأيْكَةِ، وفي الحَدِيثِ: ”«إنَّ شُعَيْبًا أخا مَدْيَنَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ وإلى أصْحابِ الأيْكَةِ» “ . ثُمَّ إنَّ شُعَيْبًا عَلَيْهِ السَّلامُ أمَرَهم بِأشْياءَ: أحَدُها: قَوْلُهُ: ﴿أوْفُوا الكَيْلَ ولا تَكُونُوا مِنَ المُخْسِرِينَ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ الكَيْلَ عَلى ثَلاثَةِ أضْرُبٍ: وافٍ وطَفِيفٌ وزائِدٌ، فَأمَرَ بِالواجِبِ الَّذِي هو الإيفاءُ بِقَوْلِهِ: ﴿أوْفُوا الكَيْلَ﴾ ونَهى عَنِ المُحَرَّمِ الَّذِي هو التَّطْفِيفُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَكُونُوا مِنَ المُخْسِرِينَ﴾ ولَمْ يَذْكُرِ الزّائِدَ لِأنَّهُ بِحَيْثُ إنْ فَعَلَهُ فَقَدْ أحْسَنَ وإنْ لَمْ يَفْعَلْهُ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ، ثُمَّ إنَّهُ لَمّا أمَرَ بِالإيفاءِ بَيَّنَ أنَّهُ كَيْفَ يَفْعَلُ فَقالَ: ﴿وزِنُوا بِالقِسْطاسِ المُسْتَقِيمِ﴾ قُرِئَ ”بِالقِسْطاسِ“ مَضْمُومًا ومَكْسُورًا وهو المِيزانُ، وقِيلَ: القَرَسْطُونُ. وثانِيها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهُمْ﴾ يُقالُ: بَخَسَهُ حَقَّهُ إذا نَقَصَهُ إيّاهُ، وهَذا عامٌّ في كُلِّ حَقٍّ يَثْبُتُ لِأحَدٍ أنْ لا يُهْضَمَ وفي كُلِّ مِلْكٍ أنْ لا يُغْصَبَ مالِكُهُ ولا يُتَصَرَّفُ فِيهِ إلّا بِإذْنِهِ تَصَرُّفًا شَرْعِيًّا. وثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ يُقالُ: عَثا في الأرْضِ وعَثِيَ وعاثَ وذَلِكَ نَحْوُ قَطْعِ الطَّرِيقِ والغارَةِ وإهْلاكِ الزَّرْعِ، وكانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ مَعَ تَوْلِيَتِهِمْ أنْواعَ الفَسادِ فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ. ورابِعُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكم والجِبِلَّةَ الأوَّلِينَ﴾ وقُرِئَ ”الجُبُلَّةَ“ بِوَزْنِ الأُبُلَّةِ وقُرِئَ ”الجِبْلَةَ“ بِوَزْنِ الخِلْقَةِ ومَعْناهُنَّ واحِدٌ أيْ ذَوِي الجِبِلَّةِ، والمُرادُ أنَّهُ المُتَفَضِّلُ بِخَلْقِهِمْ وخَلْقِ مَن تَقَدَّمَهم مِمَّنْ لَوْلا خَلْقُهم لَما كانُوا مَخْلُوقِينَ، صفحة ١٤١ فَلَمْ يَكُنْ لِلْقَوْمِ جَوابٌ إلّا ما لَوْ تَرَكُوهُ لَكانَ أوْلى بِهِمْ وهو مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: قَوْلُهم: ﴿إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ و﴿ما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا﴾ فَإنْ قِيلَ: هَلِ اخْتَلَفَ المَعْنى بِإدْخالِ الواوِ هَهُنا وتَرْكِها في قِصَّةِ ثَمُودَ ؟ جَوابُهُ: إذا دَخَلَتِ الواوُ فَقَدْ قُصِدَ مَعْنَيانِ كِلاهُما مُنافٍ لِلرِّسالَةِ عِنْدَهُمُ السِّحْرُ والبَشَرِيَّةُ وإذا تُرِكَتِ الواوُ فَلَمْ يَقْصِدُوا إلّا مَعْنًى واحِدًا وهو كَوْنُهُ مُسَحَّرًا ثُمَّ قَرَّرَهُ بِكَوْنِهِ بَشَرًا مِثْلَهم. الثّانِي: قَوْلُهم: ﴿وإنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الكاذِبِينَ﴾ ومَعْناهُ ظاهِرٌ، ثُمَّ إنَّ شُعَيْبًا عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَتَوَعَّدُهم بِالعَذابِ إنِ اسْتَمَرُّوا عَلى التَّكْذِيبِ فَقالُوا: ﴿فَأسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفًا مِنَ السَّماءِ﴾ قُرِئَ ”كِسْفًا“ بِالسُّكُونِ والحَرَكَةِ وكِلاهُما جَمْعُ كِسْفَةٍ وهي القِطْعَةُ والسَّماءُ السَّحابُ أوِ الظُّلَّةُ، وهم إنَّما طَلَبُوا ذَلِكَ لِاسْتِبْعادِهِمْ وُقُوعَهُ فَظَنُّوا أنَّهُ إذا لَمْ يَقَعْ ظَهَرَ كَذِبُهُ فَعِنْدَهُ قالَ شُعَيْبٌ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿رَبِّي أعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ فَلَمْ يَدْعُ عَلَيْهِمْ بَلْ فَوَّضَ الأمْرَ فِيهِ إلى اللَّهِ تَعالى فَلَمّا اسْتَمَرُّوا عَلى التَّكْذِيبِ أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ العَذابَ عَلى ما اقْتَرَحُوا مِن عَذابِ يَوْمِ الظُّلَّةِ إنْ أرادُوا بِالسَّماءِ السَّحابَ، وإنْ أرادُوا الظُّلَّةَ فَقَدْ خالَفَ بِهِمْ عَنْ مُقْتَرَحِهِمْ، يُرْوى أنَّهُ حَبَسَ عَنْهُمُ الرِّيحَ سَبْعًا وسَلَّطَ عَلَيْهِمُ الرَّمْلَ فَأخَذَ بِأنْفاسِهِمْ، لا يَنْفَعُهم ظِلٌّ ولا ماءٌ فاضْطُرُّوا إلى أنْ خَرَجُوا إلى البَرِّيَّةِ فَأظَلَّتْهم سَحابَةٌ وجَدُوا لَها بَرَدًا ونَسِيمًا فاجْتَمَعُوا تَحْتَها فَأمْطَرَتْ عَلَيْهِمْ نارًا فاحْتَرَقُوا، ورُوِيَ أنَّ شُعَيْبًا بُعِثَ إلى أُمَّتَيْنِ أصْحابِ مَدْيَنَ وأصْحابِ الأيْكَةِ فَأُهْلِكَتْ مَدْيَنُ بِصَيْحَةِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ وأصْحابُ الأيْكَةِ بِعَذابِ يَوْمِ الظُّلَّةِ، وهَهُنا آخِرُ الكَلامِ في هَذِهِ القَصَصِ السَّبْعِ الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ السُّورَةِ تَسْلِيَةً لِمُحَمَّدٍ ﷺ فِيما نالَهُ مِنَ الغَمِّ الشَّدِيدِ، بَقِيَ هَهُنا سُؤالانِ: السُّؤالُ الأوَّلُ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ العَذابَ النّازِلَ بِعادٍ وثَمُودَ وقَوْمِ لُوطٍ وغَيْرِهِمْ ما كانَ ذَلِكَ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ وعِنادِهِمْ، بَلْ كانَ ذَلِكَ بِسَبَبِ قِراناتِ الكَواكِبِ واتِّصالاتِها عَلى ما اتَّفَقَ عَلَيْهِ أهْلُ النُّجُومِ ؟ وإذا قامَ هَذا الِاحْتِمالُ لَمْ يَحْصُلِ الِاعْتِبارُ بِهَذِهِ القَصَصِ، لِأنَّ الِاعْتِبارَ إنَّما يَحْصُلُ أنْ لَوْ عَلِمْنا أنَّ نُزُولَ هَذا العَذابِ كانَ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ وعِنادِهِمْ. الثّانِي: أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ يُنْزِلُ العَذابَ مِحْنَةً لِلْمُكَلَّفِينَ وابْتِلاءً لَهم عَلى ما قالَ: ﴿ولَنَبْلُوَنَّكم حَتّى نَعْلَمَ المُجاهِدِينَ مِنكم والصّابِرِينَ﴾ [محمد: ٣١] ولِأنَّهُ تَعالى قَدِ ابْتَلى المُؤْمِنِينَ بِالبَلاءِ العَظِيمِ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ وإذا كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَدُلَّ نُزُولُ البَلاءِ بِهِمْ عَلى كَوْنِهِمْ مُبْطِلِينَ، والجَوابُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى أنْزَلَ هَذِهِ القَصَصَ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ تَسْلِيَةً وإزالَةً لِلْحُزْنِ عَنْ قَلْبِهِ، فَلَمّا أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى مُحَمَّدًا أنَّهُ هو الَّذِي أنْزَلَ العَذابَ عَلَيْهِمْ، وأنَّهُ إنَّما أنْزَلَهُ عَلَيْهِمْ جَزاءً عَلى كُفْرِهِمْ، عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ، فَحِينَئِذٍ يَحْصُلُ بِهِ التَّسَلِّي والفَرَحُ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ، واحْتَجَّ بَعْضُ النّاسِ عَلى القَدْحِ في عِلْمِ الأحْكامِ بِأنْ قالَ: المُؤَثِّرُ في هَذِهِ الأشْياءِ، إمّا الكَواكِبُ أوِ البُرُوجُ أوْ كَوْنُ الكَوْكَبِ في البُرْجِ المُعَيَّنِ، والأوَّلُ باطِلٌ، وإلّا لَحَصَلَتْ هَذِهِ الآثارُ أيْنَ حَصَلَ الكَوْكَبُ، والثّانِي أيْضًا باطِلٌ، وإلّا لَزِمَ دَوامُ الأثَرِ بِدَوامِ البُرْجِ، والثّالِثُ أيْضًا باطِلٌ؛ لِأنَّ الفَلَكَ عَلى قَوْلِهِمْ بَسِيطٌ لا مُرَكَّبٌ فَيَكُونُ طَبْعُ كُلِّ بُرْجٍ مُساوِيًا لِطَبْعِ البُرْجِ الآخَرِ في تَمامِ الماهِيَّةِ، فَيَكُونُ حالُ الكَوْكَبِ وهو في بُرْجِهِ كَحالِهِ وهو في بُرْجٍ آخَرَ، فَيَلْزَمُ أنْ يَدُومَ ذَلِكَ الأثَرُ بِدَوامِ الكَوْكَبِ، ولِلْقَوْمِ أنْ يَقُولُوا: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ صُدُورُ الأثَرِ عَنِ الكَوْكَبِ المُعَيَّنِ مَوْقُوفًا عَلى كَوْنِهِ مُسامِتًا مُسامَتَةً مَخْصُوصَةً لِكَوْكَبٍ آخَرَ، فَإذا فُقِدَتْ تِلْكَ المُسامَتَةُ فُقِدَ شَرْطُ التَّأْثِيرِ فَلا يَحْصُلُ التَّأْثِيرُ. ولَهم أنْ يَقُولُوا: هَذِهِ الدَّلالَةُ، إنَّما تَدُلُّ عَلى أنَّها لَيْسَتْ مُؤَثِّرَةً بِحَسَبِ ذَواتِها وطَبائِعِها، ولَكِنَّها لا تَدُلُّ عَلى أنَّها لَيْسَتْ مُؤَثِّرَةً بِحَسَبِ جَرْيِ العادَةِ، فَإذا أجْرى اللَّهُ تَعالى صفحة ١٤٢ عادَتَهُ بِحُصُولِ تَأْثِيراتٍ مَخْصُوصَةٍ عَقِيبَ اتِّصالاتِ الكَواكِبِ وقِراناتِها وأدْوارِها لَمْ يَلْزَمْ مِن حُصُولِ هَذِهِ الآثارِ القَطْعُ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى إنَّما خَلَقَها لِأجْلِ زَجْرِ الكُفّارِ بَلْ لَعَلَّهُ تَعالى خَلَقَها تَكْرِيرًا لِتِلْكَ العاداتِ واللَّهُ أعْلَمُ.

الشعراء 26:188

القِصَّةُ السّابِعَةُ: قِصَّةُ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ صفحة ١٤٠ ﴿كَذَّبَ أصْحابُ الأيْكَةِ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم شُعَيْبٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أوْفُوا الكَيْلَ ولا تَكُونُوا مِنَ المُخْسِرِينَ﴾ ﴿وزِنُوا بِالقِسْطاسِ المُسْتَقِيمِ﴾ ﴿ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهم ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ ﴿واتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكم والجِبِلَّةَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿قالُوا إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ ﴿وما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا وإنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الكاذِبِينَ﴾ ﴿فَأسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفًا مِنَ السَّماءِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿قالَ رَبِّي أعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأخَذَهم عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾? قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَّبَ أصْحابُ الأيْكَةِ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم شُعَيْبٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أوْفُوا الكَيْلَ ولا تَكُونُوا مِنَ المُخْسِرِينَ﴾ ﴿وزِنُوا بِالقِسْطاسِ المُسْتَقِيمِ﴾ ﴿ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهم ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ ﴿واتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكم والجِبِلَّةَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿قالُوا إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ ﴿وما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا وإنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الكاذِبِينَ﴾ ﴿فَأسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفًا مِنَ السَّماءِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿قالَ رَبِّي أعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأخَذَهم عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ . قُرِئَ ﴿أصْحابُ الأيْكَةِ﴾ بِالهَمْزَةِ وبِتَخْفِيفِها وبِالجَرِّ عَلى الإضافَةِ وهو الوجه، ومَن قَرَأ بِالنَّصْبِ وزَعَمَ أنَّ أيْكَةً بِوَزْنِ لَيْلَةٍ اسْمُ بَلَدٍ يُعْرَفُ فَتَوَهُّمٌ قادَ إلَيْهِ خَطُّ المُصْحَفِ حَيْثُ وُجِدَتْ مَكْتُوبَةً في هَذِهِ السُّورَةِ وفي سُورَةِ ص بِغَيْرِ ألِفٍ لَكِنْ قَدْ كُتِبَتْ في سائِرِ القُرْآنِ عَلى الأصْلِ والقِصَّةُ واحِدَةٌ عَلى أنَّ أيْكَةً اسْمٌ لا يُعْرَفُ، رُوِيَ أنَّ أصْحابَ الأيْكَةِ كانُوا أصْحابَ شَجَرٍ مُلْتَفٍّ وتِلْكَ الشَّجَرُ هي الَّتِي حِمْلُها المُقْلُ، فَإنْ قِيلَ: هَلّا قالَ أخُوهم شُعَيْبٌ كَما في سائِرِ المَواضِعِ، جَوابُهُ: أنَّ شُعَيْبًا لَمْ يَكُنْ مِن أصْحابِ الأيْكَةِ، وفي الحَدِيثِ: ”«إنَّ شُعَيْبًا أخا مَدْيَنَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ وإلى أصْحابِ الأيْكَةِ» “ . ثُمَّ إنَّ شُعَيْبًا عَلَيْهِ السَّلامُ أمَرَهم بِأشْياءَ: أحَدُها: قَوْلُهُ: ﴿أوْفُوا الكَيْلَ ولا تَكُونُوا مِنَ المُخْسِرِينَ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ الكَيْلَ عَلى ثَلاثَةِ أضْرُبٍ: وافٍ وطَفِيفٌ وزائِدٌ، فَأمَرَ بِالواجِبِ الَّذِي هو الإيفاءُ بِقَوْلِهِ: ﴿أوْفُوا الكَيْلَ﴾ ونَهى عَنِ المُحَرَّمِ الَّذِي هو التَّطْفِيفُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَكُونُوا مِنَ المُخْسِرِينَ﴾ ولَمْ يَذْكُرِ الزّائِدَ لِأنَّهُ بِحَيْثُ إنْ فَعَلَهُ فَقَدْ أحْسَنَ وإنْ لَمْ يَفْعَلْهُ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ، ثُمَّ إنَّهُ لَمّا أمَرَ بِالإيفاءِ بَيَّنَ أنَّهُ كَيْفَ يَفْعَلُ فَقالَ: ﴿وزِنُوا بِالقِسْطاسِ المُسْتَقِيمِ﴾ قُرِئَ ”بِالقِسْطاسِ“ مَضْمُومًا ومَكْسُورًا وهو المِيزانُ، وقِيلَ: القَرَسْطُونُ. وثانِيها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهُمْ﴾ يُقالُ: بَخَسَهُ حَقَّهُ إذا نَقَصَهُ إيّاهُ، وهَذا عامٌّ في كُلِّ حَقٍّ يَثْبُتُ لِأحَدٍ أنْ لا يُهْضَمَ وفي كُلِّ مِلْكٍ أنْ لا يُغْصَبَ مالِكُهُ ولا يُتَصَرَّفُ فِيهِ إلّا بِإذْنِهِ تَصَرُّفًا شَرْعِيًّا. وثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ يُقالُ: عَثا في الأرْضِ وعَثِيَ وعاثَ وذَلِكَ نَحْوُ قَطْعِ الطَّرِيقِ والغارَةِ وإهْلاكِ الزَّرْعِ، وكانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ مَعَ تَوْلِيَتِهِمْ أنْواعَ الفَسادِ فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ. ورابِعُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكم والجِبِلَّةَ الأوَّلِينَ﴾ وقُرِئَ ”الجُبُلَّةَ“ بِوَزْنِ الأُبُلَّةِ وقُرِئَ ”الجِبْلَةَ“ بِوَزْنِ الخِلْقَةِ ومَعْناهُنَّ واحِدٌ أيْ ذَوِي الجِبِلَّةِ، والمُرادُ أنَّهُ المُتَفَضِّلُ بِخَلْقِهِمْ وخَلْقِ مَن تَقَدَّمَهم مِمَّنْ لَوْلا خَلْقُهم لَما كانُوا مَخْلُوقِينَ، صفحة ١٤١ فَلَمْ يَكُنْ لِلْقَوْمِ جَوابٌ إلّا ما لَوْ تَرَكُوهُ لَكانَ أوْلى بِهِمْ وهو مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: قَوْلُهم: ﴿إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ و﴿ما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا﴾ فَإنْ قِيلَ: هَلِ اخْتَلَفَ المَعْنى بِإدْخالِ الواوِ هَهُنا وتَرْكِها في قِصَّةِ ثَمُودَ ؟ جَوابُهُ: إذا دَخَلَتِ الواوُ فَقَدْ قُصِدَ مَعْنَيانِ كِلاهُما مُنافٍ لِلرِّسالَةِ عِنْدَهُمُ السِّحْرُ والبَشَرِيَّةُ وإذا تُرِكَتِ الواوُ فَلَمْ يَقْصِدُوا إلّا مَعْنًى واحِدًا وهو كَوْنُهُ مُسَحَّرًا ثُمَّ قَرَّرَهُ بِكَوْنِهِ بَشَرًا مِثْلَهم. الثّانِي: قَوْلُهم: ﴿وإنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الكاذِبِينَ﴾ ومَعْناهُ ظاهِرٌ، ثُمَّ إنَّ شُعَيْبًا عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَتَوَعَّدُهم بِالعَذابِ إنِ اسْتَمَرُّوا عَلى التَّكْذِيبِ فَقالُوا: ﴿فَأسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفًا مِنَ السَّماءِ﴾ قُرِئَ ”كِسْفًا“ بِالسُّكُونِ والحَرَكَةِ وكِلاهُما جَمْعُ كِسْفَةٍ وهي القِطْعَةُ والسَّماءُ السَّحابُ أوِ الظُّلَّةُ، وهم إنَّما طَلَبُوا ذَلِكَ لِاسْتِبْعادِهِمْ وُقُوعَهُ فَظَنُّوا أنَّهُ إذا لَمْ يَقَعْ ظَهَرَ كَذِبُهُ فَعِنْدَهُ قالَ شُعَيْبٌ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿رَبِّي أعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ فَلَمْ يَدْعُ عَلَيْهِمْ بَلْ فَوَّضَ الأمْرَ فِيهِ إلى اللَّهِ تَعالى فَلَمّا اسْتَمَرُّوا عَلى التَّكْذِيبِ أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ العَذابَ عَلى ما اقْتَرَحُوا مِن عَذابِ يَوْمِ الظُّلَّةِ إنْ أرادُوا بِالسَّماءِ السَّحابَ، وإنْ أرادُوا الظُّلَّةَ فَقَدْ خالَفَ بِهِمْ عَنْ مُقْتَرَحِهِمْ، يُرْوى أنَّهُ حَبَسَ عَنْهُمُ الرِّيحَ سَبْعًا وسَلَّطَ عَلَيْهِمُ الرَّمْلَ فَأخَذَ بِأنْفاسِهِمْ، لا يَنْفَعُهم ظِلٌّ ولا ماءٌ فاضْطُرُّوا إلى أنْ خَرَجُوا إلى البَرِّيَّةِ فَأظَلَّتْهم سَحابَةٌ وجَدُوا لَها بَرَدًا ونَسِيمًا فاجْتَمَعُوا تَحْتَها فَأمْطَرَتْ عَلَيْهِمْ نارًا فاحْتَرَقُوا، ورُوِيَ أنَّ شُعَيْبًا بُعِثَ إلى أُمَّتَيْنِ أصْحابِ مَدْيَنَ وأصْحابِ الأيْكَةِ فَأُهْلِكَتْ مَدْيَنُ بِصَيْحَةِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ وأصْحابُ الأيْكَةِ بِعَذابِ يَوْمِ الظُّلَّةِ، وهَهُنا آخِرُ الكَلامِ في هَذِهِ القَصَصِ السَّبْعِ الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ السُّورَةِ تَسْلِيَةً لِمُحَمَّدٍ ﷺ فِيما نالَهُ مِنَ الغَمِّ الشَّدِيدِ، بَقِيَ هَهُنا سُؤالانِ: السُّؤالُ الأوَّلُ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ العَذابَ النّازِلَ بِعادٍ وثَمُودَ وقَوْمِ لُوطٍ وغَيْرِهِمْ ما كانَ ذَلِكَ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ وعِنادِهِمْ، بَلْ كانَ ذَلِكَ بِسَبَبِ قِراناتِ الكَواكِبِ واتِّصالاتِها عَلى ما اتَّفَقَ عَلَيْهِ أهْلُ النُّجُومِ ؟ وإذا قامَ هَذا الِاحْتِمالُ لَمْ يَحْصُلِ الِاعْتِبارُ بِهَذِهِ القَصَصِ، لِأنَّ الِاعْتِبارَ إنَّما يَحْصُلُ أنْ لَوْ عَلِمْنا أنَّ نُزُولَ هَذا العَذابِ كانَ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ وعِنادِهِمْ. الثّانِي: أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ يُنْزِلُ العَذابَ مِحْنَةً لِلْمُكَلَّفِينَ وابْتِلاءً لَهم عَلى ما قالَ: ﴿ولَنَبْلُوَنَّكم حَتّى نَعْلَمَ المُجاهِدِينَ مِنكم والصّابِرِينَ﴾ [محمد: ٣١] ولِأنَّهُ تَعالى قَدِ ابْتَلى المُؤْمِنِينَ بِالبَلاءِ العَظِيمِ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ وإذا كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَدُلَّ نُزُولُ البَلاءِ بِهِمْ عَلى كَوْنِهِمْ مُبْطِلِينَ، والجَوابُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى أنْزَلَ هَذِهِ القَصَصَ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ تَسْلِيَةً وإزالَةً لِلْحُزْنِ عَنْ قَلْبِهِ، فَلَمّا أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى مُحَمَّدًا أنَّهُ هو الَّذِي أنْزَلَ العَذابَ عَلَيْهِمْ، وأنَّهُ إنَّما أنْزَلَهُ عَلَيْهِمْ جَزاءً عَلى كُفْرِهِمْ، عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ، فَحِينَئِذٍ يَحْصُلُ بِهِ التَّسَلِّي والفَرَحُ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ، واحْتَجَّ بَعْضُ النّاسِ عَلى القَدْحِ في عِلْمِ الأحْكامِ بِأنْ قالَ: المُؤَثِّرُ في هَذِهِ الأشْياءِ، إمّا الكَواكِبُ أوِ البُرُوجُ أوْ كَوْنُ الكَوْكَبِ في البُرْجِ المُعَيَّنِ، والأوَّلُ باطِلٌ، وإلّا لَحَصَلَتْ هَذِهِ الآثارُ أيْنَ حَصَلَ الكَوْكَبُ، والثّانِي أيْضًا باطِلٌ، وإلّا لَزِمَ دَوامُ الأثَرِ بِدَوامِ البُرْجِ، والثّالِثُ أيْضًا باطِلٌ؛ لِأنَّ الفَلَكَ عَلى قَوْلِهِمْ بَسِيطٌ لا مُرَكَّبٌ فَيَكُونُ طَبْعُ كُلِّ بُرْجٍ مُساوِيًا لِطَبْعِ البُرْجِ الآخَرِ في تَمامِ الماهِيَّةِ، فَيَكُونُ حالُ الكَوْكَبِ وهو في بُرْجِهِ كَحالِهِ وهو في بُرْجٍ آخَرَ، فَيَلْزَمُ أنْ يَدُومَ ذَلِكَ الأثَرُ بِدَوامِ الكَوْكَبِ، ولِلْقَوْمِ أنْ يَقُولُوا: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ صُدُورُ الأثَرِ عَنِ الكَوْكَبِ المُعَيَّنِ مَوْقُوفًا عَلى كَوْنِهِ مُسامِتًا مُسامَتَةً مَخْصُوصَةً لِكَوْكَبٍ آخَرَ، فَإذا فُقِدَتْ تِلْكَ المُسامَتَةُ فُقِدَ شَرْطُ التَّأْثِيرِ فَلا يَحْصُلُ التَّأْثِيرُ. ولَهم أنْ يَقُولُوا: هَذِهِ الدَّلالَةُ، إنَّما تَدُلُّ عَلى أنَّها لَيْسَتْ مُؤَثِّرَةً بِحَسَبِ ذَواتِها وطَبائِعِها، ولَكِنَّها لا تَدُلُّ عَلى أنَّها لَيْسَتْ مُؤَثِّرَةً بِحَسَبِ جَرْيِ العادَةِ، فَإذا أجْرى اللَّهُ تَعالى صفحة ١٤٢ عادَتَهُ بِحُصُولِ تَأْثِيراتٍ مَخْصُوصَةٍ عَقِيبَ اتِّصالاتِ الكَواكِبِ وقِراناتِها وأدْوارِها لَمْ يَلْزَمْ مِن حُصُولِ هَذِهِ الآثارِ القَطْعُ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى إنَّما خَلَقَها لِأجْلِ زَجْرِ الكُفّارِ بَلْ لَعَلَّهُ تَعالى خَلَقَها تَكْرِيرًا لِتِلْكَ العاداتِ واللَّهُ أعْلَمُ.

الشعراء 26:189

القِصَّةُ السّابِعَةُ: قِصَّةُ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ صفحة ١٤٠ ﴿كَذَّبَ أصْحابُ الأيْكَةِ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم شُعَيْبٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أوْفُوا الكَيْلَ ولا تَكُونُوا مِنَ المُخْسِرِينَ﴾ ﴿وزِنُوا بِالقِسْطاسِ المُسْتَقِيمِ﴾ ﴿ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهم ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ ﴿واتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكم والجِبِلَّةَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿قالُوا إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ ﴿وما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا وإنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الكاذِبِينَ﴾ ﴿فَأسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفًا مِنَ السَّماءِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿قالَ رَبِّي أعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأخَذَهم عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾? قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَّبَ أصْحابُ الأيْكَةِ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم شُعَيْبٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أوْفُوا الكَيْلَ ولا تَكُونُوا مِنَ المُخْسِرِينَ﴾ ﴿وزِنُوا بِالقِسْطاسِ المُسْتَقِيمِ﴾ ﴿ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهم ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ ﴿واتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكم والجِبِلَّةَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿قالُوا إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ ﴿وما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا وإنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الكاذِبِينَ﴾ ﴿فَأسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفًا مِنَ السَّماءِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿قالَ رَبِّي أعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأخَذَهم عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ . قُرِئَ ﴿أصْحابُ الأيْكَةِ﴾ بِالهَمْزَةِ وبِتَخْفِيفِها وبِالجَرِّ عَلى الإضافَةِ وهو الوجه، ومَن قَرَأ بِالنَّصْبِ وزَعَمَ أنَّ أيْكَةً بِوَزْنِ لَيْلَةٍ اسْمُ بَلَدٍ يُعْرَفُ فَتَوَهُّمٌ قادَ إلَيْهِ خَطُّ المُصْحَفِ حَيْثُ وُجِدَتْ مَكْتُوبَةً في هَذِهِ السُّورَةِ وفي سُورَةِ ص بِغَيْرِ ألِفٍ لَكِنْ قَدْ كُتِبَتْ في سائِرِ القُرْآنِ عَلى الأصْلِ والقِصَّةُ واحِدَةٌ عَلى أنَّ أيْكَةً اسْمٌ لا يُعْرَفُ، رُوِيَ أنَّ أصْحابَ الأيْكَةِ كانُوا أصْحابَ شَجَرٍ مُلْتَفٍّ وتِلْكَ الشَّجَرُ هي الَّتِي حِمْلُها المُقْلُ، فَإنْ قِيلَ: هَلّا قالَ أخُوهم شُعَيْبٌ كَما في سائِرِ المَواضِعِ، جَوابُهُ: أنَّ شُعَيْبًا لَمْ يَكُنْ مِن أصْحابِ الأيْكَةِ، وفي الحَدِيثِ: ”«إنَّ شُعَيْبًا أخا مَدْيَنَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ وإلى أصْحابِ الأيْكَةِ» “ . ثُمَّ إنَّ شُعَيْبًا عَلَيْهِ السَّلامُ أمَرَهم بِأشْياءَ: أحَدُها: قَوْلُهُ: ﴿أوْفُوا الكَيْلَ ولا تَكُونُوا مِنَ المُخْسِرِينَ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ الكَيْلَ عَلى ثَلاثَةِ أضْرُبٍ: وافٍ وطَفِيفٌ وزائِدٌ، فَأمَرَ بِالواجِبِ الَّذِي هو الإيفاءُ بِقَوْلِهِ: ﴿أوْفُوا الكَيْلَ﴾ ونَهى عَنِ المُحَرَّمِ الَّذِي هو التَّطْفِيفُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَكُونُوا مِنَ المُخْسِرِينَ﴾ ولَمْ يَذْكُرِ الزّائِدَ لِأنَّهُ بِحَيْثُ إنْ فَعَلَهُ فَقَدْ أحْسَنَ وإنْ لَمْ يَفْعَلْهُ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ، ثُمَّ إنَّهُ لَمّا أمَرَ بِالإيفاءِ بَيَّنَ أنَّهُ كَيْفَ يَفْعَلُ فَقالَ: ﴿وزِنُوا بِالقِسْطاسِ المُسْتَقِيمِ﴾ قُرِئَ ”بِالقِسْطاسِ“ مَضْمُومًا ومَكْسُورًا وهو المِيزانُ، وقِيلَ: القَرَسْطُونُ. وثانِيها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهُمْ﴾ يُقالُ: بَخَسَهُ حَقَّهُ إذا نَقَصَهُ إيّاهُ، وهَذا عامٌّ في كُلِّ حَقٍّ يَثْبُتُ لِأحَدٍ أنْ لا يُهْضَمَ وفي كُلِّ مِلْكٍ أنْ لا يُغْصَبَ مالِكُهُ ولا يُتَصَرَّفُ فِيهِ إلّا بِإذْنِهِ تَصَرُّفًا شَرْعِيًّا. وثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ يُقالُ: عَثا في الأرْضِ وعَثِيَ وعاثَ وذَلِكَ نَحْوُ قَطْعِ الطَّرِيقِ والغارَةِ وإهْلاكِ الزَّرْعِ، وكانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ مَعَ تَوْلِيَتِهِمْ أنْواعَ الفَسادِ فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ. ورابِعُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكم والجِبِلَّةَ الأوَّلِينَ﴾ وقُرِئَ ”الجُبُلَّةَ“ بِوَزْنِ الأُبُلَّةِ وقُرِئَ ”الجِبْلَةَ“ بِوَزْنِ الخِلْقَةِ ومَعْناهُنَّ واحِدٌ أيْ ذَوِي الجِبِلَّةِ، والمُرادُ أنَّهُ المُتَفَضِّلُ بِخَلْقِهِمْ وخَلْقِ مَن تَقَدَّمَهم مِمَّنْ لَوْلا خَلْقُهم لَما كانُوا مَخْلُوقِينَ، صفحة ١٤١ فَلَمْ يَكُنْ لِلْقَوْمِ جَوابٌ إلّا ما لَوْ تَرَكُوهُ لَكانَ أوْلى بِهِمْ وهو مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: قَوْلُهم: ﴿إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ و﴿ما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا﴾ فَإنْ قِيلَ: هَلِ اخْتَلَفَ المَعْنى بِإدْخالِ الواوِ هَهُنا وتَرْكِها في قِصَّةِ ثَمُودَ ؟ جَوابُهُ: إذا دَخَلَتِ الواوُ فَقَدْ قُصِدَ مَعْنَيانِ كِلاهُما مُنافٍ لِلرِّسالَةِ عِنْدَهُمُ السِّحْرُ والبَشَرِيَّةُ وإذا تُرِكَتِ الواوُ فَلَمْ يَقْصِدُوا إلّا مَعْنًى واحِدًا وهو كَوْنُهُ مُسَحَّرًا ثُمَّ قَرَّرَهُ بِكَوْنِهِ بَشَرًا مِثْلَهم. الثّانِي: قَوْلُهم: ﴿وإنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الكاذِبِينَ﴾ ومَعْناهُ ظاهِرٌ، ثُمَّ إنَّ شُعَيْبًا عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَتَوَعَّدُهم بِالعَذابِ إنِ اسْتَمَرُّوا عَلى التَّكْذِيبِ فَقالُوا: ﴿فَأسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفًا مِنَ السَّماءِ﴾ قُرِئَ ”كِسْفًا“ بِالسُّكُونِ والحَرَكَةِ وكِلاهُما جَمْعُ كِسْفَةٍ وهي القِطْعَةُ والسَّماءُ السَّحابُ أوِ الظُّلَّةُ، وهم إنَّما طَلَبُوا ذَلِكَ لِاسْتِبْعادِهِمْ وُقُوعَهُ فَظَنُّوا أنَّهُ إذا لَمْ يَقَعْ ظَهَرَ كَذِبُهُ فَعِنْدَهُ قالَ شُعَيْبٌ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿رَبِّي أعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ فَلَمْ يَدْعُ عَلَيْهِمْ بَلْ فَوَّضَ الأمْرَ فِيهِ إلى اللَّهِ تَعالى فَلَمّا اسْتَمَرُّوا عَلى التَّكْذِيبِ أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ العَذابَ عَلى ما اقْتَرَحُوا مِن عَذابِ يَوْمِ الظُّلَّةِ إنْ أرادُوا بِالسَّماءِ السَّحابَ، وإنْ أرادُوا الظُّلَّةَ فَقَدْ خالَفَ بِهِمْ عَنْ مُقْتَرَحِهِمْ، يُرْوى أنَّهُ حَبَسَ عَنْهُمُ الرِّيحَ سَبْعًا وسَلَّطَ عَلَيْهِمُ الرَّمْلَ فَأخَذَ بِأنْفاسِهِمْ، لا يَنْفَعُهم ظِلٌّ ولا ماءٌ فاضْطُرُّوا إلى أنْ خَرَجُوا إلى البَرِّيَّةِ فَأظَلَّتْهم سَحابَةٌ وجَدُوا لَها بَرَدًا ونَسِيمًا فاجْتَمَعُوا تَحْتَها فَأمْطَرَتْ عَلَيْهِمْ نارًا فاحْتَرَقُوا، ورُوِيَ أنَّ شُعَيْبًا بُعِثَ إلى أُمَّتَيْنِ أصْحابِ مَدْيَنَ وأصْحابِ الأيْكَةِ فَأُهْلِكَتْ مَدْيَنُ بِصَيْحَةِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ وأصْحابُ الأيْكَةِ بِعَذابِ يَوْمِ الظُّلَّةِ، وهَهُنا آخِرُ الكَلامِ في هَذِهِ القَصَصِ السَّبْعِ الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ السُّورَةِ تَسْلِيَةً لِمُحَمَّدٍ ﷺ فِيما نالَهُ مِنَ الغَمِّ الشَّدِيدِ، بَقِيَ هَهُنا سُؤالانِ: السُّؤالُ الأوَّلُ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ العَذابَ النّازِلَ بِعادٍ وثَمُودَ وقَوْمِ لُوطٍ وغَيْرِهِمْ ما كانَ ذَلِكَ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ وعِنادِهِمْ، بَلْ كانَ ذَلِكَ بِسَبَبِ قِراناتِ الكَواكِبِ واتِّصالاتِها عَلى ما اتَّفَقَ عَلَيْهِ أهْلُ النُّجُومِ ؟ وإذا قامَ هَذا الِاحْتِمالُ لَمْ يَحْصُلِ الِاعْتِبارُ بِهَذِهِ القَصَصِ، لِأنَّ الِاعْتِبارَ إنَّما يَحْصُلُ أنْ لَوْ عَلِمْنا أنَّ نُزُولَ هَذا العَذابِ كانَ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ وعِنادِهِمْ. الثّانِي: أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ يُنْزِلُ العَذابَ مِحْنَةً لِلْمُكَلَّفِينَ وابْتِلاءً لَهم عَلى ما قالَ: ﴿ولَنَبْلُوَنَّكم حَتّى نَعْلَمَ المُجاهِدِينَ مِنكم والصّابِرِينَ﴾ [محمد: ٣١] ولِأنَّهُ تَعالى قَدِ ابْتَلى المُؤْمِنِينَ بِالبَلاءِ العَظِيمِ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ وإذا كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَدُلَّ نُزُولُ البَلاءِ بِهِمْ عَلى كَوْنِهِمْ مُبْطِلِينَ، والجَوابُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى أنْزَلَ هَذِهِ القَصَصَ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ تَسْلِيَةً وإزالَةً لِلْحُزْنِ عَنْ قَلْبِهِ، فَلَمّا أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى مُحَمَّدًا أنَّهُ هو الَّذِي أنْزَلَ العَذابَ عَلَيْهِمْ، وأنَّهُ إنَّما أنْزَلَهُ عَلَيْهِمْ جَزاءً عَلى كُفْرِهِمْ، عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ، فَحِينَئِذٍ يَحْصُلُ بِهِ التَّسَلِّي والفَرَحُ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ، واحْتَجَّ بَعْضُ النّاسِ عَلى القَدْحِ في عِلْمِ الأحْكامِ بِأنْ قالَ: المُؤَثِّرُ في هَذِهِ الأشْياءِ، إمّا الكَواكِبُ أوِ البُرُوجُ أوْ كَوْنُ الكَوْكَبِ في البُرْجِ المُعَيَّنِ، والأوَّلُ باطِلٌ، وإلّا لَحَصَلَتْ هَذِهِ الآثارُ أيْنَ حَصَلَ الكَوْكَبُ، والثّانِي أيْضًا باطِلٌ، وإلّا لَزِمَ دَوامُ الأثَرِ بِدَوامِ البُرْجِ، والثّالِثُ أيْضًا باطِلٌ؛ لِأنَّ الفَلَكَ عَلى قَوْلِهِمْ بَسِيطٌ لا مُرَكَّبٌ فَيَكُونُ طَبْعُ كُلِّ بُرْجٍ مُساوِيًا لِطَبْعِ البُرْجِ الآخَرِ في تَمامِ الماهِيَّةِ، فَيَكُونُ حالُ الكَوْكَبِ وهو في بُرْجِهِ كَحالِهِ وهو في بُرْجٍ آخَرَ، فَيَلْزَمُ أنْ يَدُومَ ذَلِكَ الأثَرُ بِدَوامِ الكَوْكَبِ، ولِلْقَوْمِ أنْ يَقُولُوا: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ صُدُورُ الأثَرِ عَنِ الكَوْكَبِ المُعَيَّنِ مَوْقُوفًا عَلى كَوْنِهِ مُسامِتًا مُسامَتَةً مَخْصُوصَةً لِكَوْكَبٍ آخَرَ، فَإذا فُقِدَتْ تِلْكَ المُسامَتَةُ فُقِدَ شَرْطُ التَّأْثِيرِ فَلا يَحْصُلُ التَّأْثِيرُ. ولَهم أنْ يَقُولُوا: هَذِهِ الدَّلالَةُ، إنَّما تَدُلُّ عَلى أنَّها لَيْسَتْ مُؤَثِّرَةً بِحَسَبِ ذَواتِها وطَبائِعِها، ولَكِنَّها لا تَدُلُّ عَلى أنَّها لَيْسَتْ مُؤَثِّرَةً بِحَسَبِ جَرْيِ العادَةِ، فَإذا أجْرى اللَّهُ تَعالى صفحة ١٤٢ عادَتَهُ بِحُصُولِ تَأْثِيراتٍ مَخْصُوصَةٍ عَقِيبَ اتِّصالاتِ الكَواكِبِ وقِراناتِها وأدْوارِها لَمْ يَلْزَمْ مِن حُصُولِ هَذِهِ الآثارِ القَطْعُ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى إنَّما خَلَقَها لِأجْلِ زَجْرِ الكُفّارِ بَلْ لَعَلَّهُ تَعالى خَلَقَها تَكْرِيرًا لِتِلْكَ العاداتِ واللَّهُ أعْلَمُ.

الشعراء 26:190

القِصَّةُ السّابِعَةُ: قِصَّةُ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ صفحة ١٤٠ ﴿كَذَّبَ أصْحابُ الأيْكَةِ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم شُعَيْبٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أوْفُوا الكَيْلَ ولا تَكُونُوا مِنَ المُخْسِرِينَ﴾ ﴿وزِنُوا بِالقِسْطاسِ المُسْتَقِيمِ﴾ ﴿ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهم ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ ﴿واتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكم والجِبِلَّةَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿قالُوا إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ ﴿وما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا وإنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الكاذِبِينَ﴾ ﴿فَأسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفًا مِنَ السَّماءِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿قالَ رَبِّي أعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأخَذَهم عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾? قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَّبَ أصْحابُ الأيْكَةِ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم شُعَيْبٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أوْفُوا الكَيْلَ ولا تَكُونُوا مِنَ المُخْسِرِينَ﴾ ﴿وزِنُوا بِالقِسْطاسِ المُسْتَقِيمِ﴾ ﴿ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهم ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ ﴿واتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكم والجِبِلَّةَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿قالُوا إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ ﴿وما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا وإنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الكاذِبِينَ﴾ ﴿فَأسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفًا مِنَ السَّماءِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿قالَ رَبِّي أعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأخَذَهم عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ . قُرِئَ ﴿أصْحابُ الأيْكَةِ﴾ بِالهَمْزَةِ وبِتَخْفِيفِها وبِالجَرِّ عَلى الإضافَةِ وهو الوجه، ومَن قَرَأ بِالنَّصْبِ وزَعَمَ أنَّ أيْكَةً بِوَزْنِ لَيْلَةٍ اسْمُ بَلَدٍ يُعْرَفُ فَتَوَهُّمٌ قادَ إلَيْهِ خَطُّ المُصْحَفِ حَيْثُ وُجِدَتْ مَكْتُوبَةً في هَذِهِ السُّورَةِ وفي سُورَةِ ص بِغَيْرِ ألِفٍ لَكِنْ قَدْ كُتِبَتْ في سائِرِ القُرْآنِ عَلى الأصْلِ والقِصَّةُ واحِدَةٌ عَلى أنَّ أيْكَةً اسْمٌ لا يُعْرَفُ، رُوِيَ أنَّ أصْحابَ الأيْكَةِ كانُوا أصْحابَ شَجَرٍ مُلْتَفٍّ وتِلْكَ الشَّجَرُ هي الَّتِي حِمْلُها المُقْلُ، فَإنْ قِيلَ: هَلّا قالَ أخُوهم شُعَيْبٌ كَما في سائِرِ المَواضِعِ، جَوابُهُ: أنَّ شُعَيْبًا لَمْ يَكُنْ مِن أصْحابِ الأيْكَةِ، وفي الحَدِيثِ: ”«إنَّ شُعَيْبًا أخا مَدْيَنَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ وإلى أصْحابِ الأيْكَةِ» “ . ثُمَّ إنَّ شُعَيْبًا عَلَيْهِ السَّلامُ أمَرَهم بِأشْياءَ: أحَدُها: قَوْلُهُ: ﴿أوْفُوا الكَيْلَ ولا تَكُونُوا مِنَ المُخْسِرِينَ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ الكَيْلَ عَلى ثَلاثَةِ أضْرُبٍ: وافٍ وطَفِيفٌ وزائِدٌ، فَأمَرَ بِالواجِبِ الَّذِي هو الإيفاءُ بِقَوْلِهِ: ﴿أوْفُوا الكَيْلَ﴾ ونَهى عَنِ المُحَرَّمِ الَّذِي هو التَّطْفِيفُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَكُونُوا مِنَ المُخْسِرِينَ﴾ ولَمْ يَذْكُرِ الزّائِدَ لِأنَّهُ بِحَيْثُ إنْ فَعَلَهُ فَقَدْ أحْسَنَ وإنْ لَمْ يَفْعَلْهُ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ، ثُمَّ إنَّهُ لَمّا أمَرَ بِالإيفاءِ بَيَّنَ أنَّهُ كَيْفَ يَفْعَلُ فَقالَ: ﴿وزِنُوا بِالقِسْطاسِ المُسْتَقِيمِ﴾ قُرِئَ ”بِالقِسْطاسِ“ مَضْمُومًا ومَكْسُورًا وهو المِيزانُ، وقِيلَ: القَرَسْطُونُ. وثانِيها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهُمْ﴾ يُقالُ: بَخَسَهُ حَقَّهُ إذا نَقَصَهُ إيّاهُ، وهَذا عامٌّ في كُلِّ حَقٍّ يَثْبُتُ لِأحَدٍ أنْ لا يُهْضَمَ وفي كُلِّ مِلْكٍ أنْ لا يُغْصَبَ مالِكُهُ ولا يُتَصَرَّفُ فِيهِ إلّا بِإذْنِهِ تَصَرُّفًا شَرْعِيًّا. وثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ يُقالُ: عَثا في الأرْضِ وعَثِيَ وعاثَ وذَلِكَ نَحْوُ قَطْعِ الطَّرِيقِ والغارَةِ وإهْلاكِ الزَّرْعِ، وكانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ مَعَ تَوْلِيَتِهِمْ أنْواعَ الفَسادِ فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ. ورابِعُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكم والجِبِلَّةَ الأوَّلِينَ﴾ وقُرِئَ ”الجُبُلَّةَ“ بِوَزْنِ الأُبُلَّةِ وقُرِئَ ”الجِبْلَةَ“ بِوَزْنِ الخِلْقَةِ ومَعْناهُنَّ واحِدٌ أيْ ذَوِي الجِبِلَّةِ، والمُرادُ أنَّهُ المُتَفَضِّلُ بِخَلْقِهِمْ وخَلْقِ مَن تَقَدَّمَهم مِمَّنْ لَوْلا خَلْقُهم لَما كانُوا مَخْلُوقِينَ، صفحة ١٤١ فَلَمْ يَكُنْ لِلْقَوْمِ جَوابٌ إلّا ما لَوْ تَرَكُوهُ لَكانَ أوْلى بِهِمْ وهو مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: قَوْلُهم: ﴿إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ و﴿ما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا﴾ فَإنْ قِيلَ: هَلِ اخْتَلَفَ المَعْنى بِإدْخالِ الواوِ هَهُنا وتَرْكِها في قِصَّةِ ثَمُودَ ؟ جَوابُهُ: إذا دَخَلَتِ الواوُ فَقَدْ قُصِدَ مَعْنَيانِ كِلاهُما مُنافٍ لِلرِّسالَةِ عِنْدَهُمُ السِّحْرُ والبَشَرِيَّةُ وإذا تُرِكَتِ الواوُ فَلَمْ يَقْصِدُوا إلّا مَعْنًى واحِدًا وهو كَوْنُهُ مُسَحَّرًا ثُمَّ قَرَّرَهُ بِكَوْنِهِ بَشَرًا مِثْلَهم. الثّانِي: قَوْلُهم: ﴿وإنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الكاذِبِينَ﴾ ومَعْناهُ ظاهِرٌ، ثُمَّ إنَّ شُعَيْبًا عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَتَوَعَّدُهم بِالعَذابِ إنِ اسْتَمَرُّوا عَلى التَّكْذِيبِ فَقالُوا: ﴿فَأسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفًا مِنَ السَّماءِ﴾ قُرِئَ ”كِسْفًا“ بِالسُّكُونِ والحَرَكَةِ وكِلاهُما جَمْعُ كِسْفَةٍ وهي القِطْعَةُ والسَّماءُ السَّحابُ أوِ الظُّلَّةُ، وهم إنَّما طَلَبُوا ذَلِكَ لِاسْتِبْعادِهِمْ وُقُوعَهُ فَظَنُّوا أنَّهُ إذا لَمْ يَقَعْ ظَهَرَ كَذِبُهُ فَعِنْدَهُ قالَ شُعَيْبٌ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿رَبِّي أعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ فَلَمْ يَدْعُ عَلَيْهِمْ بَلْ فَوَّضَ الأمْرَ فِيهِ إلى اللَّهِ تَعالى فَلَمّا اسْتَمَرُّوا عَلى التَّكْذِيبِ أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ العَذابَ عَلى ما اقْتَرَحُوا مِن عَذابِ يَوْمِ الظُّلَّةِ إنْ أرادُوا بِالسَّماءِ السَّحابَ، وإنْ أرادُوا الظُّلَّةَ فَقَدْ خالَفَ بِهِمْ عَنْ مُقْتَرَحِهِمْ، يُرْوى أنَّهُ حَبَسَ عَنْهُمُ الرِّيحَ سَبْعًا وسَلَّطَ عَلَيْهِمُ الرَّمْلَ فَأخَذَ بِأنْفاسِهِمْ، لا يَنْفَعُهم ظِلٌّ ولا ماءٌ فاضْطُرُّوا إلى أنْ خَرَجُوا إلى البَرِّيَّةِ فَأظَلَّتْهم سَحابَةٌ وجَدُوا لَها بَرَدًا ونَسِيمًا فاجْتَمَعُوا تَحْتَها فَأمْطَرَتْ عَلَيْهِمْ نارًا فاحْتَرَقُوا، ورُوِيَ أنَّ شُعَيْبًا بُعِثَ إلى أُمَّتَيْنِ أصْحابِ مَدْيَنَ وأصْحابِ الأيْكَةِ فَأُهْلِكَتْ مَدْيَنُ بِصَيْحَةِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ وأصْحابُ الأيْكَةِ بِعَذابِ يَوْمِ الظُّلَّةِ، وهَهُنا آخِرُ الكَلامِ في هَذِهِ القَصَصِ السَّبْعِ الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ السُّورَةِ تَسْلِيَةً لِمُحَمَّدٍ ﷺ فِيما نالَهُ مِنَ الغَمِّ الشَّدِيدِ، بَقِيَ هَهُنا سُؤالانِ: السُّؤالُ الأوَّلُ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ العَذابَ النّازِلَ بِعادٍ وثَمُودَ وقَوْمِ لُوطٍ وغَيْرِهِمْ ما كانَ ذَلِكَ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ وعِنادِهِمْ، بَلْ كانَ ذَلِكَ بِسَبَبِ قِراناتِ الكَواكِبِ واتِّصالاتِها عَلى ما اتَّفَقَ عَلَيْهِ أهْلُ النُّجُومِ ؟ وإذا قامَ هَذا الِاحْتِمالُ لَمْ يَحْصُلِ الِاعْتِبارُ بِهَذِهِ القَصَصِ، لِأنَّ الِاعْتِبارَ إنَّما يَحْصُلُ أنْ لَوْ عَلِمْنا أنَّ نُزُولَ هَذا العَذابِ كانَ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ وعِنادِهِمْ. الثّانِي: أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ يُنْزِلُ العَذابَ مِحْنَةً لِلْمُكَلَّفِينَ وابْتِلاءً لَهم عَلى ما قالَ: ﴿ولَنَبْلُوَنَّكم حَتّى نَعْلَمَ المُجاهِدِينَ مِنكم والصّابِرِينَ﴾ [محمد: ٣١] ولِأنَّهُ تَعالى قَدِ ابْتَلى المُؤْمِنِينَ بِالبَلاءِ العَظِيمِ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ وإذا كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَدُلَّ نُزُولُ البَلاءِ بِهِمْ عَلى كَوْنِهِمْ مُبْطِلِينَ، والجَوابُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى أنْزَلَ هَذِهِ القَصَصَ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ تَسْلِيَةً وإزالَةً لِلْحُزْنِ عَنْ قَلْبِهِ، فَلَمّا أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى مُحَمَّدًا أنَّهُ هو الَّذِي أنْزَلَ العَذابَ عَلَيْهِمْ، وأنَّهُ إنَّما أنْزَلَهُ عَلَيْهِمْ جَزاءً عَلى كُفْرِهِمْ، عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ، فَحِينَئِذٍ يَحْصُلُ بِهِ التَّسَلِّي والفَرَحُ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ، واحْتَجَّ بَعْضُ النّاسِ عَلى القَدْحِ في عِلْمِ الأحْكامِ بِأنْ قالَ: المُؤَثِّرُ في هَذِهِ الأشْياءِ، إمّا الكَواكِبُ أوِ البُرُوجُ أوْ كَوْنُ الكَوْكَبِ في البُرْجِ المُعَيَّنِ، والأوَّلُ باطِلٌ، وإلّا لَحَصَلَتْ هَذِهِ الآثارُ أيْنَ حَصَلَ الكَوْكَبُ، والثّانِي أيْضًا باطِلٌ، وإلّا لَزِمَ دَوامُ الأثَرِ بِدَوامِ البُرْجِ، والثّالِثُ أيْضًا باطِلٌ؛ لِأنَّ الفَلَكَ عَلى قَوْلِهِمْ بَسِيطٌ لا مُرَكَّبٌ فَيَكُونُ طَبْعُ كُلِّ بُرْجٍ مُساوِيًا لِطَبْعِ البُرْجِ الآخَرِ في تَمامِ الماهِيَّةِ، فَيَكُونُ حالُ الكَوْكَبِ وهو في بُرْجِهِ كَحالِهِ وهو في بُرْجٍ آخَرَ، فَيَلْزَمُ أنْ يَدُومَ ذَلِكَ الأثَرُ بِدَوامِ الكَوْكَبِ، ولِلْقَوْمِ أنْ يَقُولُوا: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ صُدُورُ الأثَرِ عَنِ الكَوْكَبِ المُعَيَّنِ مَوْقُوفًا عَلى كَوْنِهِ مُسامِتًا مُسامَتَةً مَخْصُوصَةً لِكَوْكَبٍ آخَرَ، فَإذا فُقِدَتْ تِلْكَ المُسامَتَةُ فُقِدَ شَرْطُ التَّأْثِيرِ فَلا يَحْصُلُ التَّأْثِيرُ. ولَهم أنْ يَقُولُوا: هَذِهِ الدَّلالَةُ، إنَّما تَدُلُّ عَلى أنَّها لَيْسَتْ مُؤَثِّرَةً بِحَسَبِ ذَواتِها وطَبائِعِها، ولَكِنَّها لا تَدُلُّ عَلى أنَّها لَيْسَتْ مُؤَثِّرَةً بِحَسَبِ جَرْيِ العادَةِ، فَإذا أجْرى اللَّهُ تَعالى صفحة ١٤٢ عادَتَهُ بِحُصُولِ تَأْثِيراتٍ مَخْصُوصَةٍ عَقِيبَ اتِّصالاتِ الكَواكِبِ وقِراناتِها وأدْوارِها لَمْ يَلْزَمْ مِن حُصُولِ هَذِهِ الآثارِ القَطْعُ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى إنَّما خَلَقَها لِأجْلِ زَجْرِ الكُفّارِ بَلْ لَعَلَّهُ تَعالى خَلَقَها تَكْرِيرًا لِتِلْكَ العاداتِ واللَّهُ أعْلَمُ.

الشعراء 26:191

القِصَّةُ السّابِعَةُ: قِصَّةُ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ صفحة ١٤٠ ﴿كَذَّبَ أصْحابُ الأيْكَةِ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم شُعَيْبٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أوْفُوا الكَيْلَ ولا تَكُونُوا مِنَ المُخْسِرِينَ﴾ ﴿وزِنُوا بِالقِسْطاسِ المُسْتَقِيمِ﴾ ﴿ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهم ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ ﴿واتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكم والجِبِلَّةَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿قالُوا إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ ﴿وما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا وإنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الكاذِبِينَ﴾ ﴿فَأسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفًا مِنَ السَّماءِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿قالَ رَبِّي أعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأخَذَهم عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾? قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَّبَ أصْحابُ الأيْكَةِ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم شُعَيْبٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أوْفُوا الكَيْلَ ولا تَكُونُوا مِنَ المُخْسِرِينَ﴾ ﴿وزِنُوا بِالقِسْطاسِ المُسْتَقِيمِ﴾ ﴿ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهم ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ ﴿واتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكم والجِبِلَّةَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿قالُوا إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ ﴿وما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا وإنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الكاذِبِينَ﴾ ﴿فَأسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفًا مِنَ السَّماءِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿قالَ رَبِّي أعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأخَذَهم عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ . قُرِئَ ﴿أصْحابُ الأيْكَةِ﴾ بِالهَمْزَةِ وبِتَخْفِيفِها وبِالجَرِّ عَلى الإضافَةِ وهو الوجه، ومَن قَرَأ بِالنَّصْبِ وزَعَمَ أنَّ أيْكَةً بِوَزْنِ لَيْلَةٍ اسْمُ بَلَدٍ يُعْرَفُ فَتَوَهُّمٌ قادَ إلَيْهِ خَطُّ المُصْحَفِ حَيْثُ وُجِدَتْ مَكْتُوبَةً في هَذِهِ السُّورَةِ وفي سُورَةِ ص بِغَيْرِ ألِفٍ لَكِنْ قَدْ كُتِبَتْ في سائِرِ القُرْآنِ عَلى الأصْلِ والقِصَّةُ واحِدَةٌ عَلى أنَّ أيْكَةً اسْمٌ لا يُعْرَفُ، رُوِيَ أنَّ أصْحابَ الأيْكَةِ كانُوا أصْحابَ شَجَرٍ مُلْتَفٍّ وتِلْكَ الشَّجَرُ هي الَّتِي حِمْلُها المُقْلُ، فَإنْ قِيلَ: هَلّا قالَ أخُوهم شُعَيْبٌ كَما في سائِرِ المَواضِعِ، جَوابُهُ: أنَّ شُعَيْبًا لَمْ يَكُنْ مِن أصْحابِ الأيْكَةِ، وفي الحَدِيثِ: ”«إنَّ شُعَيْبًا أخا مَدْيَنَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ وإلى أصْحابِ الأيْكَةِ» “ . ثُمَّ إنَّ شُعَيْبًا عَلَيْهِ السَّلامُ أمَرَهم بِأشْياءَ: أحَدُها: قَوْلُهُ: ﴿أوْفُوا الكَيْلَ ولا تَكُونُوا مِنَ المُخْسِرِينَ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ الكَيْلَ عَلى ثَلاثَةِ أضْرُبٍ: وافٍ وطَفِيفٌ وزائِدٌ، فَأمَرَ بِالواجِبِ الَّذِي هو الإيفاءُ بِقَوْلِهِ: ﴿أوْفُوا الكَيْلَ﴾ ونَهى عَنِ المُحَرَّمِ الَّذِي هو التَّطْفِيفُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَكُونُوا مِنَ المُخْسِرِينَ﴾ ولَمْ يَذْكُرِ الزّائِدَ لِأنَّهُ بِحَيْثُ إنْ فَعَلَهُ فَقَدْ أحْسَنَ وإنْ لَمْ يَفْعَلْهُ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ، ثُمَّ إنَّهُ لَمّا أمَرَ بِالإيفاءِ بَيَّنَ أنَّهُ كَيْفَ يَفْعَلُ فَقالَ: ﴿وزِنُوا بِالقِسْطاسِ المُسْتَقِيمِ﴾ قُرِئَ ”بِالقِسْطاسِ“ مَضْمُومًا ومَكْسُورًا وهو المِيزانُ، وقِيلَ: القَرَسْطُونُ. وثانِيها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهُمْ﴾ يُقالُ: بَخَسَهُ حَقَّهُ إذا نَقَصَهُ إيّاهُ، وهَذا عامٌّ في كُلِّ حَقٍّ يَثْبُتُ لِأحَدٍ أنْ لا يُهْضَمَ وفي كُلِّ مِلْكٍ أنْ لا يُغْصَبَ مالِكُهُ ولا يُتَصَرَّفُ فِيهِ إلّا بِإذْنِهِ تَصَرُّفًا شَرْعِيًّا. وثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ يُقالُ: عَثا في الأرْضِ وعَثِيَ وعاثَ وذَلِكَ نَحْوُ قَطْعِ الطَّرِيقِ والغارَةِ وإهْلاكِ الزَّرْعِ، وكانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ مَعَ تَوْلِيَتِهِمْ أنْواعَ الفَسادِ فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ. ورابِعُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكم والجِبِلَّةَ الأوَّلِينَ﴾ وقُرِئَ ”الجُبُلَّةَ“ بِوَزْنِ الأُبُلَّةِ وقُرِئَ ”الجِبْلَةَ“ بِوَزْنِ الخِلْقَةِ ومَعْناهُنَّ واحِدٌ أيْ ذَوِي الجِبِلَّةِ، والمُرادُ أنَّهُ المُتَفَضِّلُ بِخَلْقِهِمْ وخَلْقِ مَن تَقَدَّمَهم مِمَّنْ لَوْلا خَلْقُهم لَما كانُوا مَخْلُوقِينَ، صفحة ١٤١ فَلَمْ يَكُنْ لِلْقَوْمِ جَوابٌ إلّا ما لَوْ تَرَكُوهُ لَكانَ أوْلى بِهِمْ وهو مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: قَوْلُهم: ﴿إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ و﴿ما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا﴾ فَإنْ قِيلَ: هَلِ اخْتَلَفَ المَعْنى بِإدْخالِ الواوِ هَهُنا وتَرْكِها في قِصَّةِ ثَمُودَ ؟ جَوابُهُ: إذا دَخَلَتِ الواوُ فَقَدْ قُصِدَ مَعْنَيانِ كِلاهُما مُنافٍ لِلرِّسالَةِ عِنْدَهُمُ السِّحْرُ والبَشَرِيَّةُ وإذا تُرِكَتِ الواوُ فَلَمْ يَقْصِدُوا إلّا مَعْنًى واحِدًا وهو كَوْنُهُ مُسَحَّرًا ثُمَّ قَرَّرَهُ بِكَوْنِهِ بَشَرًا مِثْلَهم. الثّانِي: قَوْلُهم: ﴿وإنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الكاذِبِينَ﴾ ومَعْناهُ ظاهِرٌ، ثُمَّ إنَّ شُعَيْبًا عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَتَوَعَّدُهم بِالعَذابِ إنِ اسْتَمَرُّوا عَلى التَّكْذِيبِ فَقالُوا: ﴿فَأسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفًا مِنَ السَّماءِ﴾ قُرِئَ ”كِسْفًا“ بِالسُّكُونِ والحَرَكَةِ وكِلاهُما جَمْعُ كِسْفَةٍ وهي القِطْعَةُ والسَّماءُ السَّحابُ أوِ الظُّلَّةُ، وهم إنَّما طَلَبُوا ذَلِكَ لِاسْتِبْعادِهِمْ وُقُوعَهُ فَظَنُّوا أنَّهُ إذا لَمْ يَقَعْ ظَهَرَ كَذِبُهُ فَعِنْدَهُ قالَ شُعَيْبٌ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿رَبِّي أعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ فَلَمْ يَدْعُ عَلَيْهِمْ بَلْ فَوَّضَ الأمْرَ فِيهِ إلى اللَّهِ تَعالى فَلَمّا اسْتَمَرُّوا عَلى التَّكْذِيبِ أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ العَذابَ عَلى ما اقْتَرَحُوا مِن عَذابِ يَوْمِ الظُّلَّةِ إنْ أرادُوا بِالسَّماءِ السَّحابَ، وإنْ أرادُوا الظُّلَّةَ فَقَدْ خالَفَ بِهِمْ عَنْ مُقْتَرَحِهِمْ، يُرْوى أنَّهُ حَبَسَ عَنْهُمُ الرِّيحَ سَبْعًا وسَلَّطَ عَلَيْهِمُ الرَّمْلَ فَأخَذَ بِأنْفاسِهِمْ، لا يَنْفَعُهم ظِلٌّ ولا ماءٌ فاضْطُرُّوا إلى أنْ خَرَجُوا إلى البَرِّيَّةِ فَأظَلَّتْهم سَحابَةٌ وجَدُوا لَها بَرَدًا ونَسِيمًا فاجْتَمَعُوا تَحْتَها فَأمْطَرَتْ عَلَيْهِمْ نارًا فاحْتَرَقُوا، ورُوِيَ أنَّ شُعَيْبًا بُعِثَ إلى أُمَّتَيْنِ أصْحابِ مَدْيَنَ وأصْحابِ الأيْكَةِ فَأُهْلِكَتْ مَدْيَنُ بِصَيْحَةِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ وأصْحابُ الأيْكَةِ بِعَذابِ يَوْمِ الظُّلَّةِ، وهَهُنا آخِرُ الكَلامِ في هَذِهِ القَصَصِ السَّبْعِ الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ السُّورَةِ تَسْلِيَةً لِمُحَمَّدٍ ﷺ فِيما نالَهُ مِنَ الغَمِّ الشَّدِيدِ، بَقِيَ هَهُنا سُؤالانِ: السُّؤالُ الأوَّلُ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ العَذابَ النّازِلَ بِعادٍ وثَمُودَ وقَوْمِ لُوطٍ وغَيْرِهِمْ ما كانَ ذَلِكَ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ وعِنادِهِمْ، بَلْ كانَ ذَلِكَ بِسَبَبِ قِراناتِ الكَواكِبِ واتِّصالاتِها عَلى ما اتَّفَقَ عَلَيْهِ أهْلُ النُّجُومِ ؟ وإذا قامَ هَذا الِاحْتِمالُ لَمْ يَحْصُلِ الِاعْتِبارُ بِهَذِهِ القَصَصِ، لِأنَّ الِاعْتِبارَ إنَّما يَحْصُلُ أنْ لَوْ عَلِمْنا أنَّ نُزُولَ هَذا العَذابِ كانَ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ وعِنادِهِمْ. الثّانِي: أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ يُنْزِلُ العَذابَ مِحْنَةً لِلْمُكَلَّفِينَ وابْتِلاءً لَهم عَلى ما قالَ: ﴿ولَنَبْلُوَنَّكم حَتّى نَعْلَمَ المُجاهِدِينَ مِنكم والصّابِرِينَ﴾ [محمد: ٣١] ولِأنَّهُ تَعالى قَدِ ابْتَلى المُؤْمِنِينَ بِالبَلاءِ العَظِيمِ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ وإذا كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَدُلَّ نُزُولُ البَلاءِ بِهِمْ عَلى كَوْنِهِمْ مُبْطِلِينَ، والجَوابُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى أنْزَلَ هَذِهِ القَصَصَ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ تَسْلِيَةً وإزالَةً لِلْحُزْنِ عَنْ قَلْبِهِ، فَلَمّا أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى مُحَمَّدًا أنَّهُ هو الَّذِي أنْزَلَ العَذابَ عَلَيْهِمْ، وأنَّهُ إنَّما أنْزَلَهُ عَلَيْهِمْ جَزاءً عَلى كُفْرِهِمْ، عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ، فَحِينَئِذٍ يَحْصُلُ بِهِ التَّسَلِّي والفَرَحُ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ، واحْتَجَّ بَعْضُ النّاسِ عَلى القَدْحِ في عِلْمِ الأحْكامِ بِأنْ قالَ: المُؤَثِّرُ في هَذِهِ الأشْياءِ، إمّا الكَواكِبُ أوِ البُرُوجُ أوْ كَوْنُ الكَوْكَبِ في البُرْجِ المُعَيَّنِ، والأوَّلُ باطِلٌ، وإلّا لَحَصَلَتْ هَذِهِ الآثارُ أيْنَ حَصَلَ الكَوْكَبُ، والثّانِي أيْضًا باطِلٌ، وإلّا لَزِمَ دَوامُ الأثَرِ بِدَوامِ البُرْجِ، والثّالِثُ أيْضًا باطِلٌ؛ لِأنَّ الفَلَكَ عَلى قَوْلِهِمْ بَسِيطٌ لا مُرَكَّبٌ فَيَكُونُ طَبْعُ كُلِّ بُرْجٍ مُساوِيًا لِطَبْعِ البُرْجِ الآخَرِ في تَمامِ الماهِيَّةِ، فَيَكُونُ حالُ الكَوْكَبِ وهو في بُرْجِهِ كَحالِهِ وهو في بُرْجٍ آخَرَ، فَيَلْزَمُ أنْ يَدُومَ ذَلِكَ الأثَرُ بِدَوامِ الكَوْكَبِ، ولِلْقَوْمِ أنْ يَقُولُوا: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ صُدُورُ الأثَرِ عَنِ الكَوْكَبِ المُعَيَّنِ مَوْقُوفًا عَلى كَوْنِهِ مُسامِتًا مُسامَتَةً مَخْصُوصَةً لِكَوْكَبٍ آخَرَ، فَإذا فُقِدَتْ تِلْكَ المُسامَتَةُ فُقِدَ شَرْطُ التَّأْثِيرِ فَلا يَحْصُلُ التَّأْثِيرُ. ولَهم أنْ يَقُولُوا: هَذِهِ الدَّلالَةُ، إنَّما تَدُلُّ عَلى أنَّها لَيْسَتْ مُؤَثِّرَةً بِحَسَبِ ذَواتِها وطَبائِعِها، ولَكِنَّها لا تَدُلُّ عَلى أنَّها لَيْسَتْ مُؤَثِّرَةً بِحَسَبِ جَرْيِ العادَةِ، فَإذا أجْرى اللَّهُ تَعالى صفحة ١٤٢ عادَتَهُ بِحُصُولِ تَأْثِيراتٍ مَخْصُوصَةٍ عَقِيبَ اتِّصالاتِ الكَواكِبِ وقِراناتِها وأدْوارِها لَمْ يَلْزَمْ مِن حُصُولِ هَذِهِ الآثارِ القَطْعُ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى إنَّما خَلَقَها لِأجْلِ زَجْرِ الكُفّارِ بَلْ لَعَلَّهُ تَعالى خَلَقَها تَكْرِيرًا لِتِلْكَ العاداتِ واللَّهُ أعْلَمُ.

الشعراء 26:192

القِصَّةُ السّابِعَةُ: قِصَّةُ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ صفحة ١٤٠ ﴿كَذَّبَ أصْحابُ الأيْكَةِ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم شُعَيْبٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أوْفُوا الكَيْلَ ولا تَكُونُوا مِنَ المُخْسِرِينَ﴾ ﴿وزِنُوا بِالقِسْطاسِ المُسْتَقِيمِ﴾ ﴿ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهم ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ ﴿واتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكم والجِبِلَّةَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿قالُوا إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ ﴿وما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا وإنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الكاذِبِينَ﴾ ﴿فَأسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفًا مِنَ السَّماءِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿قالَ رَبِّي أعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأخَذَهم عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾? قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَّبَ أصْحابُ الأيْكَةِ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم شُعَيْبٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أوْفُوا الكَيْلَ ولا تَكُونُوا مِنَ المُخْسِرِينَ﴾ ﴿وزِنُوا بِالقِسْطاسِ المُسْتَقِيمِ﴾ ﴿ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهم ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ ﴿واتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكم والجِبِلَّةَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿قالُوا إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ ﴿وما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا وإنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الكاذِبِينَ﴾ ﴿فَأسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفًا مِنَ السَّماءِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿قالَ رَبِّي أعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأخَذَهم عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ . قُرِئَ ﴿أصْحابُ الأيْكَةِ﴾ بِالهَمْزَةِ وبِتَخْفِيفِها وبِالجَرِّ عَلى الإضافَةِ وهو الوجه، ومَن قَرَأ بِالنَّصْبِ وزَعَمَ أنَّ أيْكَةً بِوَزْنِ لَيْلَةٍ اسْمُ بَلَدٍ يُعْرَفُ فَتَوَهُّمٌ قادَ إلَيْهِ خَطُّ المُصْحَفِ حَيْثُ وُجِدَتْ مَكْتُوبَةً في هَذِهِ السُّورَةِ وفي سُورَةِ ص بِغَيْرِ ألِفٍ لَكِنْ قَدْ كُتِبَتْ في سائِرِ القُرْآنِ عَلى الأصْلِ والقِصَّةُ واحِدَةٌ عَلى أنَّ أيْكَةً اسْمٌ لا يُعْرَفُ، رُوِيَ أنَّ أصْحابَ الأيْكَةِ كانُوا أصْحابَ شَجَرٍ مُلْتَفٍّ وتِلْكَ الشَّجَرُ هي الَّتِي حِمْلُها المُقْلُ، فَإنْ قِيلَ: هَلّا قالَ أخُوهم شُعَيْبٌ كَما في سائِرِ المَواضِعِ، جَوابُهُ: أنَّ شُعَيْبًا لَمْ يَكُنْ مِن أصْحابِ الأيْكَةِ، وفي الحَدِيثِ: ”«إنَّ شُعَيْبًا أخا مَدْيَنَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ وإلى أصْحابِ الأيْكَةِ» “ . ثُمَّ إنَّ شُعَيْبًا عَلَيْهِ السَّلامُ أمَرَهم بِأشْياءَ: أحَدُها: قَوْلُهُ: ﴿أوْفُوا الكَيْلَ ولا تَكُونُوا مِنَ المُخْسِرِينَ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ الكَيْلَ عَلى ثَلاثَةِ أضْرُبٍ: وافٍ وطَفِيفٌ وزائِدٌ، فَأمَرَ بِالواجِبِ الَّذِي هو الإيفاءُ بِقَوْلِهِ: ﴿أوْفُوا الكَيْلَ﴾ ونَهى عَنِ المُحَرَّمِ الَّذِي هو التَّطْفِيفُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَكُونُوا مِنَ المُخْسِرِينَ﴾ ولَمْ يَذْكُرِ الزّائِدَ لِأنَّهُ بِحَيْثُ إنْ فَعَلَهُ فَقَدْ أحْسَنَ وإنْ لَمْ يَفْعَلْهُ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ، ثُمَّ إنَّهُ لَمّا أمَرَ بِالإيفاءِ بَيَّنَ أنَّهُ كَيْفَ يَفْعَلُ فَقالَ: ﴿وزِنُوا بِالقِسْطاسِ المُسْتَقِيمِ﴾ قُرِئَ ”بِالقِسْطاسِ“ مَضْمُومًا ومَكْسُورًا وهو المِيزانُ، وقِيلَ: القَرَسْطُونُ. وثانِيها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهُمْ﴾ يُقالُ: بَخَسَهُ حَقَّهُ إذا نَقَصَهُ إيّاهُ، وهَذا عامٌّ في كُلِّ حَقٍّ يَثْبُتُ لِأحَدٍ أنْ لا يُهْضَمَ وفي كُلِّ مِلْكٍ أنْ لا يُغْصَبَ مالِكُهُ ولا يُتَصَرَّفُ فِيهِ إلّا بِإذْنِهِ تَصَرُّفًا شَرْعِيًّا. وثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ يُقالُ: عَثا في الأرْضِ وعَثِيَ وعاثَ وذَلِكَ نَحْوُ قَطْعِ الطَّرِيقِ والغارَةِ وإهْلاكِ الزَّرْعِ، وكانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ مَعَ تَوْلِيَتِهِمْ أنْواعَ الفَسادِ فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ. ورابِعُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكم والجِبِلَّةَ الأوَّلِينَ﴾ وقُرِئَ ”الجُبُلَّةَ“ بِوَزْنِ الأُبُلَّةِ وقُرِئَ ”الجِبْلَةَ“ بِوَزْنِ الخِلْقَةِ ومَعْناهُنَّ واحِدٌ أيْ ذَوِي الجِبِلَّةِ، والمُرادُ أنَّهُ المُتَفَضِّلُ بِخَلْقِهِمْ وخَلْقِ مَن تَقَدَّمَهم مِمَّنْ لَوْلا خَلْقُهم لَما كانُوا مَخْلُوقِينَ، صفحة ١٤١ فَلَمْ يَكُنْ لِلْقَوْمِ جَوابٌ إلّا ما لَوْ تَرَكُوهُ لَكانَ أوْلى بِهِمْ وهو مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: قَوْلُهم: ﴿إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ و﴿ما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا﴾ فَإنْ قِيلَ: هَلِ اخْتَلَفَ المَعْنى بِإدْخالِ الواوِ هَهُنا وتَرْكِها في قِصَّةِ ثَمُودَ ؟ جَوابُهُ: إذا دَخَلَتِ الواوُ فَقَدْ قُصِدَ مَعْنَيانِ كِلاهُما مُنافٍ لِلرِّسالَةِ عِنْدَهُمُ السِّحْرُ والبَشَرِيَّةُ وإذا تُرِكَتِ الواوُ فَلَمْ يَقْصِدُوا إلّا مَعْنًى واحِدًا وهو كَوْنُهُ مُسَحَّرًا ثُمَّ قَرَّرَهُ بِكَوْنِهِ بَشَرًا مِثْلَهم. الثّانِي: قَوْلُهم: ﴿وإنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الكاذِبِينَ﴾ ومَعْناهُ ظاهِرٌ، ثُمَّ إنَّ شُعَيْبًا عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَتَوَعَّدُهم بِالعَذابِ إنِ اسْتَمَرُّوا عَلى التَّكْذِيبِ فَقالُوا: ﴿فَأسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفًا مِنَ السَّماءِ﴾ قُرِئَ ”كِسْفًا“ بِالسُّكُونِ والحَرَكَةِ وكِلاهُما جَمْعُ كِسْفَةٍ وهي القِطْعَةُ والسَّماءُ السَّحابُ أوِ الظُّلَّةُ، وهم إنَّما طَلَبُوا ذَلِكَ لِاسْتِبْعادِهِمْ وُقُوعَهُ فَظَنُّوا أنَّهُ إذا لَمْ يَقَعْ ظَهَرَ كَذِبُهُ فَعِنْدَهُ قالَ شُعَيْبٌ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿رَبِّي أعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ فَلَمْ يَدْعُ عَلَيْهِمْ بَلْ فَوَّضَ الأمْرَ فِيهِ إلى اللَّهِ تَعالى فَلَمّا اسْتَمَرُّوا عَلى التَّكْذِيبِ أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ العَذابَ عَلى ما اقْتَرَحُوا مِن عَذابِ يَوْمِ الظُّلَّةِ إنْ أرادُوا بِالسَّماءِ السَّحابَ، وإنْ أرادُوا الظُّلَّةَ فَقَدْ خالَفَ بِهِمْ عَنْ مُقْتَرَحِهِمْ، يُرْوى أنَّهُ حَبَسَ عَنْهُمُ الرِّيحَ سَبْعًا وسَلَّطَ عَلَيْهِمُ الرَّمْلَ فَأخَذَ بِأنْفاسِهِمْ، لا يَنْفَعُهم ظِلٌّ ولا ماءٌ فاضْطُرُّوا إلى أنْ خَرَجُوا إلى البَرِّيَّةِ فَأظَلَّتْهم سَحابَةٌ وجَدُوا لَها بَرَدًا ونَسِيمًا فاجْتَمَعُوا تَحْتَها فَأمْطَرَتْ عَلَيْهِمْ نارًا فاحْتَرَقُوا، ورُوِيَ أنَّ شُعَيْبًا بُعِثَ إلى أُمَّتَيْنِ أصْحابِ مَدْيَنَ وأصْحابِ الأيْكَةِ فَأُهْلِكَتْ مَدْيَنُ بِصَيْحَةِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ وأصْحابُ الأيْكَةِ بِعَذابِ يَوْمِ الظُّلَّةِ، وهَهُنا آخِرُ الكَلامِ في هَذِهِ القَصَصِ السَّبْعِ الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ السُّورَةِ تَسْلِيَةً لِمُحَمَّدٍ ﷺ فِيما نالَهُ مِنَ الغَمِّ الشَّدِيدِ، بَقِيَ هَهُنا سُؤالانِ: السُّؤالُ الأوَّلُ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ العَذابَ النّازِلَ بِعادٍ وثَمُودَ وقَوْمِ لُوطٍ وغَيْرِهِمْ ما كانَ ذَلِكَ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ وعِنادِهِمْ، بَلْ كانَ ذَلِكَ بِسَبَبِ قِراناتِ الكَواكِبِ واتِّصالاتِها عَلى ما اتَّفَقَ عَلَيْهِ أهْلُ النُّجُومِ ؟ وإذا قامَ هَذا الِاحْتِمالُ لَمْ يَحْصُلِ الِاعْتِبارُ بِهَذِهِ القَصَصِ، لِأنَّ الِاعْتِبارَ إنَّما يَحْصُلُ أنْ لَوْ عَلِمْنا أنَّ نُزُولَ هَذا العَذابِ كانَ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ وعِنادِهِمْ. الثّانِي: أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ يُنْزِلُ العَذابَ مِحْنَةً لِلْمُكَلَّفِينَ وابْتِلاءً لَهم عَلى ما قالَ: ﴿ولَنَبْلُوَنَّكم حَتّى نَعْلَمَ المُجاهِدِينَ مِنكم والصّابِرِينَ﴾ [محمد: ٣١] ولِأنَّهُ تَعالى قَدِ ابْتَلى المُؤْمِنِينَ بِالبَلاءِ العَظِيمِ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ وإذا كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَدُلَّ نُزُولُ البَلاءِ بِهِمْ عَلى كَوْنِهِمْ مُبْطِلِينَ، والجَوابُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى أنْزَلَ هَذِهِ القَصَصَ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ تَسْلِيَةً وإزالَةً لِلْحُزْنِ عَنْ قَلْبِهِ، فَلَمّا أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى مُحَمَّدًا أنَّهُ هو الَّذِي أنْزَلَ العَذابَ عَلَيْهِمْ، وأنَّهُ إنَّما أنْزَلَهُ عَلَيْهِمْ جَزاءً عَلى كُفْرِهِمْ، عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ، فَحِينَئِذٍ يَحْصُلُ بِهِ التَّسَلِّي والفَرَحُ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ، واحْتَجَّ بَعْضُ النّاسِ عَلى القَدْحِ في عِلْمِ الأحْكامِ بِأنْ قالَ: المُؤَثِّرُ في هَذِهِ الأشْياءِ، إمّا الكَواكِبُ أوِ البُرُوجُ أوْ كَوْنُ الكَوْكَبِ في البُرْجِ المُعَيَّنِ، والأوَّلُ باطِلٌ، وإلّا لَحَصَلَتْ هَذِهِ الآثارُ أيْنَ حَصَلَ الكَوْكَبُ، والثّانِي أيْضًا باطِلٌ، وإلّا لَزِمَ دَوامُ الأثَرِ بِدَوامِ البُرْجِ، والثّالِثُ أيْضًا باطِلٌ؛ لِأنَّ الفَلَكَ عَلى قَوْلِهِمْ بَسِيطٌ لا مُرَكَّبٌ فَيَكُونُ طَبْعُ كُلِّ بُرْجٍ مُساوِيًا لِطَبْعِ البُرْجِ الآخَرِ في تَمامِ الماهِيَّةِ، فَيَكُونُ حالُ الكَوْكَبِ وهو في بُرْجِهِ كَحالِهِ وهو في بُرْجٍ آخَرَ، فَيَلْزَمُ أنْ يَدُومَ ذَلِكَ الأثَرُ بِدَوامِ الكَوْكَبِ، ولِلْقَوْمِ أنْ يَقُولُوا: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ صُدُورُ الأثَرِ عَنِ الكَوْكَبِ المُعَيَّنِ مَوْقُوفًا عَلى كَوْنِهِ مُسامِتًا مُسامَتَةً مَخْصُوصَةً لِكَوْكَبٍ آخَرَ، فَإذا فُقِدَتْ تِلْكَ المُسامَتَةُ فُقِدَ شَرْطُ التَّأْثِيرِ فَلا يَحْصُلُ التَّأْثِيرُ. ولَهم أنْ يَقُولُوا: هَذِهِ الدَّلالَةُ، إنَّما تَدُلُّ عَلى أنَّها لَيْسَتْ مُؤَثِّرَةً بِحَسَبِ ذَواتِها وطَبائِعِها، ولَكِنَّها لا تَدُلُّ عَلى أنَّها لَيْسَتْ مُؤَثِّرَةً بِحَسَبِ جَرْيِ العادَةِ، فَإذا أجْرى اللَّهُ تَعالى صفحة ١٤٢ عادَتَهُ بِحُصُولِ تَأْثِيراتٍ مَخْصُوصَةٍ عَقِيبَ اتِّصالاتِ الكَواكِبِ وقِراناتِها وأدْوارِها لَمْ يَلْزَمْ مِن حُصُولِ هَذِهِ الآثارِ القَطْعُ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى إنَّما خَلَقَها لِأجْلِ زَجْرِ الكُفّارِ بَلْ لَعَلَّهُ تَعالى خَلَقَها تَكْرِيرًا لِتِلْكَ العاداتِ واللَّهُ أعْلَمُ.

الشعراء 26:193

القِصَّةُ السّابِعَةُ: قِصَّةُ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ صفحة ١٤٠ ﴿كَذَّبَ أصْحابُ الأيْكَةِ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم شُعَيْبٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أوْفُوا الكَيْلَ ولا تَكُونُوا مِنَ المُخْسِرِينَ﴾ ﴿وزِنُوا بِالقِسْطاسِ المُسْتَقِيمِ﴾ ﴿ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهم ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ ﴿واتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكم والجِبِلَّةَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿قالُوا إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ ﴿وما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا وإنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الكاذِبِينَ﴾ ﴿فَأسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفًا مِنَ السَّماءِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿قالَ رَبِّي أعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأخَذَهم عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾? قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَّبَ أصْحابُ الأيْكَةِ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم شُعَيْبٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أوْفُوا الكَيْلَ ولا تَكُونُوا مِنَ المُخْسِرِينَ﴾ ﴿وزِنُوا بِالقِسْطاسِ المُسْتَقِيمِ﴾ ﴿ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهم ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ ﴿واتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكم والجِبِلَّةَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿قالُوا إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ ﴿وما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا وإنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الكاذِبِينَ﴾ ﴿فَأسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفًا مِنَ السَّماءِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿قالَ رَبِّي أعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأخَذَهم عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ . قُرِئَ ﴿أصْحابُ الأيْكَةِ﴾ بِالهَمْزَةِ وبِتَخْفِيفِها وبِالجَرِّ عَلى الإضافَةِ وهو الوجه، ومَن قَرَأ بِالنَّصْبِ وزَعَمَ أنَّ أيْكَةً بِوَزْنِ لَيْلَةٍ اسْمُ بَلَدٍ يُعْرَفُ فَتَوَهُّمٌ قادَ إلَيْهِ خَطُّ المُصْحَفِ حَيْثُ وُجِدَتْ مَكْتُوبَةً في هَذِهِ السُّورَةِ وفي سُورَةِ ص بِغَيْرِ ألِفٍ لَكِنْ قَدْ كُتِبَتْ في سائِرِ القُرْآنِ عَلى الأصْلِ والقِصَّةُ واحِدَةٌ عَلى أنَّ أيْكَةً اسْمٌ لا يُعْرَفُ، رُوِيَ أنَّ أصْحابَ الأيْكَةِ كانُوا أصْحابَ شَجَرٍ مُلْتَفٍّ وتِلْكَ الشَّجَرُ هي الَّتِي حِمْلُها المُقْلُ، فَإنْ قِيلَ: هَلّا قالَ أخُوهم شُعَيْبٌ كَما في سائِرِ المَواضِعِ، جَوابُهُ: أنَّ شُعَيْبًا لَمْ يَكُنْ مِن أصْحابِ الأيْكَةِ، وفي الحَدِيثِ: ”«إنَّ شُعَيْبًا أخا مَدْيَنَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ وإلى أصْحابِ الأيْكَةِ» “ . ثُمَّ إنَّ شُعَيْبًا عَلَيْهِ السَّلامُ أمَرَهم بِأشْياءَ: أحَدُها: قَوْلُهُ: ﴿أوْفُوا الكَيْلَ ولا تَكُونُوا مِنَ المُخْسِرِينَ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ الكَيْلَ عَلى ثَلاثَةِ أضْرُبٍ: وافٍ وطَفِيفٌ وزائِدٌ، فَأمَرَ بِالواجِبِ الَّذِي هو الإيفاءُ بِقَوْلِهِ: ﴿أوْفُوا الكَيْلَ﴾ ونَهى عَنِ المُحَرَّمِ الَّذِي هو التَّطْفِيفُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَكُونُوا مِنَ المُخْسِرِينَ﴾ ولَمْ يَذْكُرِ الزّائِدَ لِأنَّهُ بِحَيْثُ إنْ فَعَلَهُ فَقَدْ أحْسَنَ وإنْ لَمْ يَفْعَلْهُ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ، ثُمَّ إنَّهُ لَمّا أمَرَ بِالإيفاءِ بَيَّنَ أنَّهُ كَيْفَ يَفْعَلُ فَقالَ: ﴿وزِنُوا بِالقِسْطاسِ المُسْتَقِيمِ﴾ قُرِئَ ”بِالقِسْطاسِ“ مَضْمُومًا ومَكْسُورًا وهو المِيزانُ، وقِيلَ: القَرَسْطُونُ. وثانِيها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهُمْ﴾ يُقالُ: بَخَسَهُ حَقَّهُ إذا نَقَصَهُ إيّاهُ، وهَذا عامٌّ في كُلِّ حَقٍّ يَثْبُتُ لِأحَدٍ أنْ لا يُهْضَمَ وفي كُلِّ مِلْكٍ أنْ لا يُغْصَبَ مالِكُهُ ولا يُتَصَرَّفُ فِيهِ إلّا بِإذْنِهِ تَصَرُّفًا شَرْعِيًّا. وثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ يُقالُ: عَثا في الأرْضِ وعَثِيَ وعاثَ وذَلِكَ نَحْوُ قَطْعِ الطَّرِيقِ والغارَةِ وإهْلاكِ الزَّرْعِ، وكانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ مَعَ تَوْلِيَتِهِمْ أنْواعَ الفَسادِ فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ. ورابِعُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكم والجِبِلَّةَ الأوَّلِينَ﴾ وقُرِئَ ”الجُبُلَّةَ“ بِوَزْنِ الأُبُلَّةِ وقُرِئَ ”الجِبْلَةَ“ بِوَزْنِ الخِلْقَةِ ومَعْناهُنَّ واحِدٌ أيْ ذَوِي الجِبِلَّةِ، والمُرادُ أنَّهُ المُتَفَضِّلُ بِخَلْقِهِمْ وخَلْقِ مَن تَقَدَّمَهم مِمَّنْ لَوْلا خَلْقُهم لَما كانُوا مَخْلُوقِينَ، صفحة ١٤١ فَلَمْ يَكُنْ لِلْقَوْمِ جَوابٌ إلّا ما لَوْ تَرَكُوهُ لَكانَ أوْلى بِهِمْ وهو مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: قَوْلُهم: ﴿إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ و﴿ما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا﴾ فَإنْ قِيلَ: هَلِ اخْتَلَفَ المَعْنى بِإدْخالِ الواوِ هَهُنا وتَرْكِها في قِصَّةِ ثَمُودَ ؟ جَوابُهُ: إذا دَخَلَتِ الواوُ فَقَدْ قُصِدَ مَعْنَيانِ كِلاهُما مُنافٍ لِلرِّسالَةِ عِنْدَهُمُ السِّحْرُ والبَشَرِيَّةُ وإذا تُرِكَتِ الواوُ فَلَمْ يَقْصِدُوا إلّا مَعْنًى واحِدًا وهو كَوْنُهُ مُسَحَّرًا ثُمَّ قَرَّرَهُ بِكَوْنِهِ بَشَرًا مِثْلَهم. الثّانِي: قَوْلُهم: ﴿وإنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الكاذِبِينَ﴾ ومَعْناهُ ظاهِرٌ، ثُمَّ إنَّ شُعَيْبًا عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَتَوَعَّدُهم بِالعَذابِ إنِ اسْتَمَرُّوا عَلى التَّكْذِيبِ فَقالُوا: ﴿فَأسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفًا مِنَ السَّماءِ﴾ قُرِئَ ”كِسْفًا“ بِالسُّكُونِ والحَرَكَةِ وكِلاهُما جَمْعُ كِسْفَةٍ وهي القِطْعَةُ والسَّماءُ السَّحابُ أوِ الظُّلَّةُ، وهم إنَّما طَلَبُوا ذَلِكَ لِاسْتِبْعادِهِمْ وُقُوعَهُ فَظَنُّوا أنَّهُ إذا لَمْ يَقَعْ ظَهَرَ كَذِبُهُ فَعِنْدَهُ قالَ شُعَيْبٌ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿رَبِّي أعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ فَلَمْ يَدْعُ عَلَيْهِمْ بَلْ فَوَّضَ الأمْرَ فِيهِ إلى اللَّهِ تَعالى فَلَمّا اسْتَمَرُّوا عَلى التَّكْذِيبِ أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ العَذابَ عَلى ما اقْتَرَحُوا مِن عَذابِ يَوْمِ الظُّلَّةِ إنْ أرادُوا بِالسَّماءِ السَّحابَ، وإنْ أرادُوا الظُّلَّةَ فَقَدْ خالَفَ بِهِمْ عَنْ مُقْتَرَحِهِمْ، يُرْوى أنَّهُ حَبَسَ عَنْهُمُ الرِّيحَ سَبْعًا وسَلَّطَ عَلَيْهِمُ الرَّمْلَ فَأخَذَ بِأنْفاسِهِمْ، لا يَنْفَعُهم ظِلٌّ ولا ماءٌ فاضْطُرُّوا إلى أنْ خَرَجُوا إلى البَرِّيَّةِ فَأظَلَّتْهم سَحابَةٌ وجَدُوا لَها بَرَدًا ونَسِيمًا فاجْتَمَعُوا تَحْتَها فَأمْطَرَتْ عَلَيْهِمْ نارًا فاحْتَرَقُوا، ورُوِيَ أنَّ شُعَيْبًا بُعِثَ إلى أُمَّتَيْنِ أصْحابِ مَدْيَنَ وأصْحابِ الأيْكَةِ فَأُهْلِكَتْ مَدْيَنُ بِصَيْحَةِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ وأصْحابُ الأيْكَةِ بِعَذابِ يَوْمِ الظُّلَّةِ، وهَهُنا آخِرُ الكَلامِ في هَذِهِ القَصَصِ السَّبْعِ الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ السُّورَةِ تَسْلِيَةً لِمُحَمَّدٍ ﷺ فِيما نالَهُ مِنَ الغَمِّ الشَّدِيدِ، بَقِيَ هَهُنا سُؤالانِ: السُّؤالُ الأوَّلُ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ العَذابَ النّازِلَ بِعادٍ وثَمُودَ وقَوْمِ لُوطٍ وغَيْرِهِمْ ما كانَ ذَلِكَ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ وعِنادِهِمْ، بَلْ كانَ ذَلِكَ بِسَبَبِ قِراناتِ الكَواكِبِ واتِّصالاتِها عَلى ما اتَّفَقَ عَلَيْهِ أهْلُ النُّجُومِ ؟ وإذا قامَ هَذا الِاحْتِمالُ لَمْ يَحْصُلِ الِاعْتِبارُ بِهَذِهِ القَصَصِ، لِأنَّ الِاعْتِبارَ إنَّما يَحْصُلُ أنْ لَوْ عَلِمْنا أنَّ نُزُولَ هَذا العَذابِ كانَ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ وعِنادِهِمْ. الثّانِي: أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ يُنْزِلُ العَذابَ مِحْنَةً لِلْمُكَلَّفِينَ وابْتِلاءً لَهم عَلى ما قالَ: ﴿ولَنَبْلُوَنَّكم حَتّى نَعْلَمَ المُجاهِدِينَ مِنكم والصّابِرِينَ﴾ [محمد: ٣١] ولِأنَّهُ تَعالى قَدِ ابْتَلى المُؤْمِنِينَ بِالبَلاءِ العَظِيمِ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ وإذا كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَدُلَّ نُزُولُ البَلاءِ بِهِمْ عَلى كَوْنِهِمْ مُبْطِلِينَ، والجَوابُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى أنْزَلَ هَذِهِ القَصَصَ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ تَسْلِيَةً وإزالَةً لِلْحُزْنِ عَنْ قَلْبِهِ، فَلَمّا أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى مُحَمَّدًا أنَّهُ هو الَّذِي أنْزَلَ العَذابَ عَلَيْهِمْ، وأنَّهُ إنَّما أنْزَلَهُ عَلَيْهِمْ جَزاءً عَلى كُفْرِهِمْ، عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ، فَحِينَئِذٍ يَحْصُلُ بِهِ التَّسَلِّي والفَرَحُ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ، واحْتَجَّ بَعْضُ النّاسِ عَلى القَدْحِ في عِلْمِ الأحْكامِ بِأنْ قالَ: المُؤَثِّرُ في هَذِهِ الأشْياءِ، إمّا الكَواكِبُ أوِ البُرُوجُ أوْ كَوْنُ الكَوْكَبِ في البُرْجِ المُعَيَّنِ، والأوَّلُ باطِلٌ، وإلّا لَحَصَلَتْ هَذِهِ الآثارُ أيْنَ حَصَلَ الكَوْكَبُ، والثّانِي أيْضًا باطِلٌ، وإلّا لَزِمَ دَوامُ الأثَرِ بِدَوامِ البُرْجِ، والثّالِثُ أيْضًا باطِلٌ؛ لِأنَّ الفَلَكَ عَلى قَوْلِهِمْ بَسِيطٌ لا مُرَكَّبٌ فَيَكُونُ طَبْعُ كُلِّ بُرْجٍ مُساوِيًا لِطَبْعِ البُرْجِ الآخَرِ في تَمامِ الماهِيَّةِ، فَيَكُونُ حالُ الكَوْكَبِ وهو في بُرْجِهِ كَحالِهِ وهو في بُرْجٍ آخَرَ، فَيَلْزَمُ أنْ يَدُومَ ذَلِكَ الأثَرُ بِدَوامِ الكَوْكَبِ، ولِلْقَوْمِ أنْ يَقُولُوا: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ صُدُورُ الأثَرِ عَنِ الكَوْكَبِ المُعَيَّنِ مَوْقُوفًا عَلى كَوْنِهِ مُسامِتًا مُسامَتَةً مَخْصُوصَةً لِكَوْكَبٍ آخَرَ، فَإذا فُقِدَتْ تِلْكَ المُسامَتَةُ فُقِدَ شَرْطُ التَّأْثِيرِ فَلا يَحْصُلُ التَّأْثِيرُ. ولَهم أنْ يَقُولُوا: هَذِهِ الدَّلالَةُ، إنَّما تَدُلُّ عَلى أنَّها لَيْسَتْ مُؤَثِّرَةً بِحَسَبِ ذَواتِها وطَبائِعِها، ولَكِنَّها لا تَدُلُّ عَلى أنَّها لَيْسَتْ مُؤَثِّرَةً بِحَسَبِ جَرْيِ العادَةِ، فَإذا أجْرى اللَّهُ تَعالى صفحة ١٤٢ عادَتَهُ بِحُصُولِ تَأْثِيراتٍ مَخْصُوصَةٍ عَقِيبَ اتِّصالاتِ الكَواكِبِ وقِراناتِها وأدْوارِها لَمْ يَلْزَمْ مِن حُصُولِ هَذِهِ الآثارِ القَطْعُ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى إنَّما خَلَقَها لِأجْلِ زَجْرِ الكُفّارِ بَلْ لَعَلَّهُ تَعالى خَلَقَها تَكْرِيرًا لِتِلْكَ العاداتِ واللَّهُ أعْلَمُ.

الشعراء 26:194

القَوْلُ فِيما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى مِن أحْوالِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿وإنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ ﴿عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ المُنْذِرِينَ﴾ ﴿بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ ﴿وإنَّهُ لَفي زُبُرِ الأوَّلِينَ﴾ . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ ﴿عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ المُنْذِرِينَ﴾ ﴿بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ ﴿وإنَّهُ لَفي زُبُرِ الأوَّلِينَ﴾ . اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا خَتَمَ ما اقْتَصَّهُ مِن خَبَرِ الأنْبِياءِ ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ ما يَدُلُّ عَلى نُبُوَّتِهِ ﷺ وهو مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿وإنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ وذَلِكَ لِأنَّهُ لِفَصاحَتِهِ مُعْجِزٌ فَيَكُونُ ذَلِكَ مِن رَبِّ العالَمِينَ، أوْ لِأنَّهُ إخْبارٌ عَنِ القَصَصِ الماضِيَةِ مِن غَيْرِ تَعْلِيمٍ البَتَّةَ، فَلا يَكُونُ ذَلِكَ إلّا بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وقَوْلُهُ بَعْدَهُ: ﴿وإنَّهُ لَفي زُبُرِ الأوَّلِينَ﴾ كَأنَّهُ مُؤَكِّدٌ لِهَذا الِاحْتِمالِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا ذَكَرَ هَذِهِ القَصَصَ السَّبْعَ عَلى ما هي مَوْجُودَةٌ في زُبُرِ الأوَّلِينَ مِن غَيْرِ تَفاوُتٍ أصْلًا مَعَ أنَّهُ لَمْ يَشْتَغِلْ بِالتَّعَلُّمِ والِاسْتِعْدادِ، دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ لَيْسَ إلّا مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، فَهَذا هو المَقْصُودُ مِنَ الآيَةِ. فَأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ فالمُرادُ بِالتَّنْزِيلِ المُنَزَّلُ، ثُمَّ قَدْ كانَ يَجُوزُ في القُرْآنِ وهَذِهِ القَصَصِ أنْ يَكُونَ تَنْزِيلًا مِنَ اللَّهِ تَعالى إلى مُحَمَّدٍ ﷺ بِلا واسِطَةٍ فَقالَ: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ والباءُ في قَوْلِهِ: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ﴾ و”نُزِّلَ بِهِ الرُّوحُ“ عَلى القِراءَتَيْنِ لِلتَّعْدِيَةِ، ومَعْنى ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ﴾ جَعَلَ اللَّهُ الرُّوحَ نازِلًا بِهِ عَلى قَلْبِكَ أيْ فَهَّمَكَ إيّاهُ وأثْبَتَهُ في قَلْبِكَ إثْباتَ ما لا يُنْسى كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ [الأعلى: ٦] والرُّوحُ الأمِينُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ وسَمّاهُ رُوحًا مِن حَيْثُ خُلِقَ مِنَ الرُّوحِ، وقِيلَ: لِأنَّهُ نَجاةُ الخَلْقِ في بابِ الدِّينِ فَهو كالرُّوحِ الَّذِي تَثْبُتُ مَعَهُ الحَياةُ، وقِيلَ: لِأنَّهُ رُوحٌ كُلُّهُ لا كالنّاسِ الَّذِينَ في أبْدانِهِمْ رُوحٌ وسَمّاهُ أمِينًا لِأنَّهُ مُؤْتَمَنٌ عَلى ما يُؤَدِّيهِ إلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وإلى غَيْرِهِمْ. * * * وأمّا قَوْلُهُ: ﴿عَلى قَلْبِكَ﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ إنَّما قالَ: ﴿عَلى قَلْبِكَ﴾ وإنْ كانَ إنَّما أنْزَلَهُ عَلَيْهِ لِيُؤَكِّدَ بِهِ أنَّ ذَلِكَ المُنَزَّلَ مَحْفُوظٌ لِلرَّسُولِ مُتَمَكِّنٌ في قَلْبِهِ لا يَجُوزُ عَلَيْهِ التَّغْيِيرُ فَيُوثَقُ بِالإنْذارِ الواقِعِ مِنهُ الَّذِي بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ هو المَقْصُودُ ولِذَلِكَ قالَ: ﴿لِتَكُونَ مِنَ المُنْذِرِينَ﴾ . الثّانِي: أنَّ القَلْبَ هو المُخاطَبُ في الحَقِيقَةِ لِأنَّهُ مَوْضِعُ التَّمْيِيزِ والِاخْتِيارِ، وأمّا سائِرُ الأعْضاءِ فَمُسَخَّرَةٌ لَهُ والدَّلِيلُ عَلَيْهِ القُرْآنُ والحَدِيثُ والمَعْقُولُ، أمّا القُرْآنُ فَآياتٌ: إحْداها: قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿فَإنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ﴾ وقالَ هَهُنا: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ ﴿عَلى قَلْبِكَ﴾ وقالَ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَذِكْرى لِمَن كانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ [ق: ٣٧] . وثانِيها: أنَّهُ ذَكَرَ أنَّ اسْتِحْقاقَ الجَزاءِ لَيْسَ إلّا عَلى ما في القَلْبِ مِنَ المَساعِي فَقالَ: ﴿لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ في أيْمانِكم ولَكِنْ يُؤاخِذُكم بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥] وقالَ: ﴿لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها ولا دِماؤُها ولَكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنكُمْ﴾ [الحج: ٣٧] والتَّقْوى في القَلْبِ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهم لِلتَّقْوى﴾ [الحجرات: ٣] وقالَ تَعالى: صفحة ١٤٣ ﴿وحُصِّلَ ما في الصُّدُورِ﴾ [العاديات: ١٠] . وثالِثُها: قَوْلُهُ حِكايَةً عَنْ أهْلِ النّارِ: ﴿لَوْ كُنّا نَسْمَعُ أوْ نَعْقِلُ ما كُنّا في أصْحابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١٠] ومَعْلُومٌ أنَّ العَقْلَ في القَلْبِ والسَّمْعَ مُنْفِذٌ إلَيْهِ، وقالَ: ﴿إنَّ السَّمْعَ والبَصَرَ والفُؤادَ كُلُّ أُولَئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦] ومَعْلُومٌ أنَّ السَّمْعَ والبَصَرَ لا يُسْتَفادُ مِنهُما إلّا ما يُؤَدِّيانِهِ إلى القَلْبِ، فَكانَ السُّؤالُ عَنْهُما في الحَقِيقَةِ سُؤالًا عَنِ القَلْبِ وقالَ تَعالى: ﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ وما تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر: ١٩]، ولَمْ تُخْفِ الأعْيُنُ إلّا بِما تُضْمِرُ القُلُوبُ عِنْدَ التَّحْدِيقِ بِها. ورابِعُها: قَوْلُهُ: ﴿وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ﴾ [السجدة: ٩] فَخَصَّ هَذِهِ الثَّلاثَةَ بِإلْزامِ الحجة مِنها واسْتِدْعاءِ الشُّكْرِ عَلَيْها، وقَدْ قُلْنا: لا طائِلَ في السَّمْعِ والأبْصارَ إلّا بِما يُؤَدِّيانِ إلى القَلْبِ لِيَكُونَ القَلْبُ هو القاضِيَ فِيهِ والمُتَحَكِّمَ عَلَيْهِ، وقالَ تَعالى: ﴿ولَقَدْ مَكَّنّاهم فِيما إنْ مَكَّنّاكم فِيهِ وجَعَلْنا لَهم سَمْعًا وأبْصارًا وأفْئِدَةً فَما أغْنى عَنْهم سَمْعُهم ولا أبْصارُهم ولا أفْئِدَتُهُمْ﴾ [الأحقاف: ٢٦] فَجَعَلَ هَذِهِ الثَّلاثَةَ تَمامَ ما ألْزَمَهم مِن حُجَّتِهِ، والمَقْصُودُ مِن ذَلِكَ هو الفُؤادُ القاضِي فِيما يُؤَدِّي إلَيْهِ السَّمْعُ والبَصَرُ. وخامِسُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وعَلى سَمْعِهِمْ وعَلى أبْصارِهِمْ﴾ [البقرة: ٧] فَجَعَلَ العَذابَ لازِمًا عَلى هَذِهِ الثَّلاثَةِ وقالَ: ﴿لَهم قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها ولَهم أعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها ولَهم آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها﴾ [الأعراف: ١٧٩] وجْهُ الدَّلالَةِ أنَّهُ قَصَدَ إلى نَفْيِ العِلْمِ عَنْهم رَأْسًا، فَلَوْ ثَبَتَ العِلْمُ في غَيْرِ القَلْبِ كَثَباتِهِ في القَلْبِ لَمْ يَتِمَّ الغَرَضُ. فَهَذِهِ الآياتُ ومُشاكِلُها ناطِقَةٌ بِأجْمَعِها أنَّ القَلْبَ هو المَقْصُودُ بِإلْزامِ الحجة، وقَدْ بَيَّنّا أنَّ ما قُرِنَ بِذِكْرِهِ مِن ذِكْرِ السَّمْعِ والبَصَرِ فَذَلِكَ لِأنَّهُما آلَتانِ لِلْقَلْبِ في تَأْدِيَةِ صُوَرِ المَحْسُوساتِ والمَسْمُوعاتِ. وأمّا الحَدِيثُ فَما رَوى النُّعْمانُ بْنُ بَشِيرٍ قالَ سَمِعْتُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ يَقُولُ: ”«ألا وإنَّ في الجَسَدِ مُضْغَةً إذا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وإذا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ ألا وهي القَلْبُ» “ وأمّا المَعْقُولُ فَوُجُوهٌ: أحَدُها: أنَّ القَلْبَ إذا غُشِيَ عَلَيْهِ فَلَوْ قُطِعَ سائِرُ الأعْضاءِ لَمْ يَحْصُلِ الشُّعُورُ بِهِ وإذا أفاقَ القَلْبُ فَإنَّهُ يَشْعُرُ بِجَمِيعِ ما يَنْزِلُ بِالأعْضاءِ مِنَ الآفاتِ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ سائِرَ الأعْضاءِ تَبَعٌ لِلْقَلْبِ ولِذَلِكَ فَإنَّ القَلْبَ إذا فَرِحَ أوْ حَزِنَ فَإنَّهُ يَتَغَيَّرُ حالُ الأعْضاءِ عِنْدَ ذَلِكَ، وكَذا القَوْلُ في سائِرِ الأعْراضِ النَّفْسانِيَّةِ. وثانِيها: أنَّ القَلْبَ مَنبَعُ المَشاقِّ الباعِثَةِ عَلى الأفْعالِ الصّادِرَةِ مِن سائِرِ الأعْضاءِ وإذا كانَتِ المَشاقُّ مَبادِئَ لِلْأفْعالِ ومَنبَعُها هو القَلْبُ كانَ الآمِرُ المُطْلَقُ هو القَلْبَ. وثالِثُها: أنَّ مَعْدِنَ العَقْلِ هو القَلْبُ وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ الآمِرُ المُطْلَقُ هو القَلْبَ. أمّا المُقَدِّمَةُ الأُولى: فَفِيها النِّزاعُ فَإنَّ طائِفَةً مِنَ القُدَماءِ ذَهَبُوا إلى أنَّ مَعْدِنَ العَقْلِ هو الدِّماغُ والَّذِي يَدُلُّ عَلى قَوْلِنا وُجُوهٌ: الأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَتَكُونَ لَهم قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها﴾ [الحج: ٤٦] وقَوْلُهُ: ﴿لَهم قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها﴾ [الأعراف: ١٧٩] وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَذِكْرى لِمَن كانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ [ق: ٣٧] أيْ عَقْلٌ، أطْلَقَ عَلَيْهِ اسْمَ القَلْبِ لِما أنَّهُ مَعْدِنُهُ. الثّانِي: أنَّهُ تَعالى أضافَ أضْدادَ العِلْمِ إلى القَلْبِ، وقالَ: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب: ١٢]، ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ [البقرة: ٧]، ﴿قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ﴾ [النساء: ١٥٥]، ﴿يَحْذَرُ المُنافِقُونَ أنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهم بِما في قُلُوبِهِمْ﴾ [التوبة: ٦٤]، ﴿يَقُولُونَ بِألْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ في قُلُوبِهِمْ﴾ [الفتح: ١١]، ﴿كَلّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ [المطففين: ١٤]، ? صفحة ١٤٤ ﴿أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ أمْ عَلى قُلُوبٍ أقْفالُها﴾ [محمد: ٢٤]، ﴿فَإنَّها لا تَعْمى الأبْصارُ ولَكِنْ تَعْمى القُلُوبُ الَّتِي في الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦] فَدَلَّتْ هَذِهِ الآياتُ عَلى أنَّ مَوْضِعَ الجَهْلِ والغَفْلَةِ هو القَلْبُ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ مَوْضِعُ العَقْلِ والفَهْمِ أيْضًا هو القَلْبَ. الثّالِثُ: وهو أنّا إذا جَرَّبْنا أنْفُسَنا وجَدْنا عُلُومَنا حاصِلَةً في ناحِيَةِ القَلْبِ، ولِذَلِكَ فَإنَّ الواحِدَ مِنّا إذا أمْعَنَ في الفِكْرِ وأكْثَرَ مِنهُ أحَسَّ مِن قَلْبِهِ ضِيقًا وضَجَرًا حَتّى كَأنَّهُ يَتَألَّمُ بِذَلِكَ، وكُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ مَوْضِعَ العَقْلِ هو القَلْبُ، وإذا ثَبَتَ ذَلِكَ وجَبَ أنْ يَكُونَ المُكَلَّفُ هو القَلْبَ لِأنَّ التَّكْلِيفَ مَشْرُوطٌ بِالعَقْلِ والفَهْمِ. الرّابِعُ: وهو أنَّ القَلْبَ أوَّلُ الأعْضاءِ تَكَوُّنًا، وآخِرُها مَوْتًا، وقَدْ ثَبَتَ ذَلِكَ بِالتَّشْرِيحِ ولِأنَّهُ مُتَمَكِّنٌ في الصَّدْرِ الَّذِي هو أوْسَطُ الجَسَدِ، ومِن شَأْنِ المُلُوكِ المُحْتاجِينَ إلى الخَدَمِ أنْ يَكُونُوا في وسَطِ المَمْلَكَةِ لِتَكْتَنِفَهُمُ الحَواشِي مِنَ الجَوانِبِ فَيَكُونُوا أبْعَدَ مِنَ الآفاتِ، واحْتَجَّ مَن قالَ العَقْلُ في الدِّماغِ بِأُمُورٍ: أحَدُها: أنَّ الحَواسَّ الَّتِي هي الآلاتُ لِلْإدْراكِ نافِذَةٌ إلى الدِّماغِ دُونَ القَلْبِ. وثانِيها: أنَّ الأعْصابَ الَّتِي هي الآلاتُ في الحَرَكاتِ الِاخْتِيارِيَّةِ نافِذَةٌ مِنَ الدِّماغِ دُونَ القَلْبِ. وثالِثُها: أنَّ الآفَةَ إذا حَلَّتْ في الدِّماغِ اخْتَلَّ العَقْلُ. ورابِعُها: أنَّ في العُرْفِ كُلُّ مَن أُرِيدَ وصْفُهُ بِقِلَّةِ العَقْلِ قِيلَ إنَّهُ خَفِيفُ الدِّماغِ خَفِيفُ الرَّأْسِ. وخامِسُها: أنَّ العَقْلَ أشْرَفُ فَيَكُونُ مَكانُهُ أشْرَفَ، والأعْلى هو الأشْرَفُ وذَلِكَ هو الدِّماغُ لا القَلْبُ؛ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ مَحِلُّ العَقْلِ هو الدِّماغَ. والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ الحَواسُّ تُؤَدِّي آثارُها إلى الدِّماغِ، ثُمَّ إنِ الدِّماغَ يُؤَدِّي تِلْكَ الآثارَ إلى القَلْبِ، فالدِّماغُ آلَةٌ قَرِيبَةٌ لِلْقَلْبِ، والحَواسُّ آلاتٌ بَعِيدَةٌ فالحِسُّ يَخْدِمُ الدِّماغَ، ثُمَّ الدِّماغُ يَخْدِمُ القَلْبَ، وتَحْقِيقُهُ أنّا نُدْرِكُ مِن أنْفُسِنا أنّا إذا عَقَلْنا أنَّ الأمْرَ الفُلانِيَّ يَجِبُ فِعْلُهُ أوْ يَجِبُ تَرْكُهُ، فَإنَّ الأعْضاءَ تَتَحَرَّكُ عِنْدَ ذَلِكَ، ونَحْنُ نَجِدُ التَّعَقُّلاتِ مِن جانِبِ القَلْبِ لا مِن جانِبِ الدِّماغِ. وعَنِ الثّانِي: أنَّهُ لا يَبْعُدُ أنْ يَتَأدّى الأثَرُ مِنَ القَلْبِ إلى الدِّماغِ، ثُمَّ الدِّماغُ يُحَرِّكُ الأعْضاءَ بِواسِطَةِ الأعْصابِ النّابِتَةِ مِنهُ. وعَنِ الثّالِثِ: لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ سَلامَةُ الدِّماغِ شَرْطًا لِوُصُولِ تَأْثِيرِ القَلْبِ إلى سائِرِ الأعْضاءِ. وعَنِ الرّابِعِ: أنَّ ذَلِكَ العُرْفَ إنَّما كانَ لِأنَّ القَلْبَ إنَّما يَعْتَدِلُ مِزاجُهُ بِما يَسْتَمِدُّ مِنَ الدِّماغِ مِن بُرُودَتِهِ، فَإذا لَحِقَ الدِّماغَ خُرُوجٌ عَنِ الِاعْتِدالِ خَرَجَ القَلْبُ عَنِ الِاعْتِدالِ أيْضًا، إمّا لِازْدِيادِ حَرارَتِهِ عَنِ القَدْرِ الواجِبِ أوْ لِنُقْصانِ حَرارَتِهِ عَنْ ذَلِكَ القَدْرِ فَحِينَئِذٍ يَخْتَلُّ العَقْلُ. وعَنِ الخامِسِ: أنَّهُ لَوْ صَحَّ ما قالُوهُ لَوَجَبَ أنْ يَكُونَ مَوْضِعُ العَقْلِ هو القِحْفَ، ولَمّا بَطَلَ ذَلِكَ ثَبَتَ فَسادُ قَوْلِهِمْ واللَّهُ أعْلَمُ. فَرْعٌ: اعْلَمْ أنَّ المَعانِيَ الَّتِي بَيَّنّا كَوْنَها مُخْتَصَّةً بِالقُلُوبِ قَدْ تُضافُ إلى الصَّدْرِ تارَةً وإلى الفُؤادِ أُخْرى، أمّا الصَّدْرُ فَلِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وحُصِّلَ ما في الصُّدُورِ﴾ [العاديات: ١٠] وقَوْلِهِ: ﴿ولِيَبْتَلِيَ اللَّهُ ما في صُدُورِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٤] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ [الأنفال: ٤٣]، و﴿إنْ تُخْفُوا ما في صُدُورِكم أوْ تُبْدُوهُ﴾ [آل عمران: ٢٩] وأمّا الفُؤادُ فَقَوْلُهُ: ﴿ونُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم وأبْصارَهُمْ﴾ [الأنعام: ١١٠] . ومِنَ النّاسِ مَن فَرَّقَ بَيْنَ القَلْبِ والفُؤادِ فَقالَ: القَلْبُ: هو العَلَقَةُ السَّوْداءُ في جَوْفِ الفُؤادِ دُونَ ما يَكْتَنِفُها مِنَ اللَّحْمِ والشَّحْمِ، ومَجْمُوعُ ذَلِكَ هو الفُؤادُ، ومِنهم مَن قالَ القَلْبُ والفُؤادُ لَفْظانِ مُتَرادِفانِ، وكَيْفَ كانَ فَيَجِبُ أنْ يُعْلَمَ أنَّ مِن جُمْلَةِ العُضْوِ المُسَمّى قَلْبًا وفُؤادًا مَوْضِعًا هو المَوْضِعُ في الحَقِيقَةِ لِلْعَقْلِ والِاخْتِيارِ، وأنَّ مُعْظَمَ جِرْمِ هَذا العُضْوِ مُسَخَّرٌ لِذَلِكَ المَوْضِعِ، كَما أنَّ سائِرَ الأعْضاءِ مُسَخَّرَةٌ لِلْقَلْبِ، فَإنَّ العُضْوَ قَدْ تَزِيدُ أجْزاؤُهُ مِن غَيْرِ ازْدِيادِ المَعانِي المَنسُوبَةِ إلَيْهِ أعْنِي العَقْلَ والفَرَحَ والحُزْنَ وقَدْ يَنْقُصُ مِن غَيْرِ نُقْصانٍ في تِلْكَ المَعانِي، فَيُشْبِهُ أنْ يَكُونَ اسْمُ القَلْبِ اسْمًا لِلْأجْزاءِ الَّتِي تَحِلُّ فِيها هَذِهِ المَعانِي بِالحَقِيقَةِ، واسْمُ الفُؤادِ يَكُونُ اسْمًا لِمَجْمُوعِ العُضْوِ، فَهَذا صفحة ١٤٥ هُوَ الكَلامُ في هَذا البابِ واللَّهُ المُوَفِّقُ لِلصَّوابِ. * * * وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِتَكُونَ مِنَ المُنْذِرِينَ﴾ فَيَدْخُلُ تَحْتَ الإنْذارِ الدُّعاءُ إلى كُلِّ واجِبٍ مِن عِلْمٍ وعَمَلٍ والمَنعُ مَن كُلِّ قَبِيحٍ لِأنَّ في الوَجْهَيْنِ جَمِيعًا يَدْخُلُ الخَوْفُ مِنَ العِقابِ. * * * وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ فالباءُ إمّا أنْ تَتَعَلَّقَ بِ ”المُنْذِرِينَ“ فَيَكُونَ المَعْنى لِتَكُونَ مِنَ الَّذِينَ أنْذَرُوا بِهَذا اللِّسانِ، وهم خَمْسَةٌ: هُودٌ وصالِحٌ وشُعَيْبٌ وإسْماعِيلُ ومُحَمَّدٌ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وإمّا أنْ تَتَعَلَّقَ بِ ”نَزَلَ“ فَيَكُونَ المَعْنى نَزَلَّهُ بِاللِّسانِ العَرَبِيِّ لِيُنْذِرَ بِهِ لِأنَّهُ لَوْ نَزَّلَهُ بِاللِّسانِ الأعْجَمِيِّ لَقالُوا لَهُ ما نَصْنَعُ بِما لا نَفْهَمُهُ فَيَتَعَذَّرُ الإنْذارُ بِهِ، وفي هَذا الوجه أنَّ تَنْزِيلَهُ بِالعَرَبِيَّةِ الَّتِي هي لِسانُكَ ولِسانُ قَوْمِكَ تَنْزِيلٌ لَهُ عَلى قَلْبِكَ لِأنَّكَ تَفْهَمُهُ ويَفْهَمُهُ قَوْمُكَ، ولَوْ كانَ أعْجَمِيًّا لَكانَ نازِلًا عَلى سَمْعِكَ دُونَ قَلْبِكَ، لِأنَّكَ تَسْمَعُ أجْراسَ حُرُوفٍ لا تَفْهَمُ مَعانِيَها. * * * وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّهُ لَفي زُبُرِ الأوَّلِينَ﴾ فَيَحْتَمِلُ هَذِهِ الأخْبارَ خاصَّةً، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ صِفَةَ القُرْآنِ، ويَحْتَمِلُ صِفَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ وُجُوهَ التَّخْوِيفِ، لِأنَّ ذِكْرَ هَذِهِ الأشْياءِ بِأسْرِها قَدْ تَقَدَّمَ.

الشعراء 26:195

القَوْلُ فِيما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى مِن أحْوالِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿وإنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ ﴿عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ المُنْذِرِينَ﴾ ﴿بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ ﴿وإنَّهُ لَفي زُبُرِ الأوَّلِينَ﴾ . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ ﴿عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ المُنْذِرِينَ﴾ ﴿بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ ﴿وإنَّهُ لَفي زُبُرِ الأوَّلِينَ﴾ . اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا خَتَمَ ما اقْتَصَّهُ مِن خَبَرِ الأنْبِياءِ ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ ما يَدُلُّ عَلى نُبُوَّتِهِ ﷺ وهو مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿وإنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ وذَلِكَ لِأنَّهُ لِفَصاحَتِهِ مُعْجِزٌ فَيَكُونُ ذَلِكَ مِن رَبِّ العالَمِينَ، أوْ لِأنَّهُ إخْبارٌ عَنِ القَصَصِ الماضِيَةِ مِن غَيْرِ تَعْلِيمٍ البَتَّةَ، فَلا يَكُونُ ذَلِكَ إلّا بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وقَوْلُهُ بَعْدَهُ: ﴿وإنَّهُ لَفي زُبُرِ الأوَّلِينَ﴾ كَأنَّهُ مُؤَكِّدٌ لِهَذا الِاحْتِمالِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا ذَكَرَ هَذِهِ القَصَصَ السَّبْعَ عَلى ما هي مَوْجُودَةٌ في زُبُرِ الأوَّلِينَ مِن غَيْرِ تَفاوُتٍ أصْلًا مَعَ أنَّهُ لَمْ يَشْتَغِلْ بِالتَّعَلُّمِ والِاسْتِعْدادِ، دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ لَيْسَ إلّا مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، فَهَذا هو المَقْصُودُ مِنَ الآيَةِ. فَأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ فالمُرادُ بِالتَّنْزِيلِ المُنَزَّلُ، ثُمَّ قَدْ كانَ يَجُوزُ في القُرْآنِ وهَذِهِ القَصَصِ أنْ يَكُونَ تَنْزِيلًا مِنَ اللَّهِ تَعالى إلى مُحَمَّدٍ ﷺ بِلا واسِطَةٍ فَقالَ: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ والباءُ في قَوْلِهِ: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ﴾ و”نُزِّلَ بِهِ الرُّوحُ“ عَلى القِراءَتَيْنِ لِلتَّعْدِيَةِ، ومَعْنى ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ﴾ جَعَلَ اللَّهُ الرُّوحَ نازِلًا بِهِ عَلى قَلْبِكَ أيْ فَهَّمَكَ إيّاهُ وأثْبَتَهُ في قَلْبِكَ إثْباتَ ما لا يُنْسى كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ [الأعلى: ٦] والرُّوحُ الأمِينُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ وسَمّاهُ رُوحًا مِن حَيْثُ خُلِقَ مِنَ الرُّوحِ، وقِيلَ: لِأنَّهُ نَجاةُ الخَلْقِ في بابِ الدِّينِ فَهو كالرُّوحِ الَّذِي تَثْبُتُ مَعَهُ الحَياةُ، وقِيلَ: لِأنَّهُ رُوحٌ كُلُّهُ لا كالنّاسِ الَّذِينَ في أبْدانِهِمْ رُوحٌ وسَمّاهُ أمِينًا لِأنَّهُ مُؤْتَمَنٌ عَلى ما يُؤَدِّيهِ إلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وإلى غَيْرِهِمْ. * * * وأمّا قَوْلُهُ: ﴿عَلى قَلْبِكَ﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ إنَّما قالَ: ﴿عَلى قَلْبِكَ﴾ وإنْ كانَ إنَّما أنْزَلَهُ عَلَيْهِ لِيُؤَكِّدَ بِهِ أنَّ ذَلِكَ المُنَزَّلَ مَحْفُوظٌ لِلرَّسُولِ مُتَمَكِّنٌ في قَلْبِهِ لا يَجُوزُ عَلَيْهِ التَّغْيِيرُ فَيُوثَقُ بِالإنْذارِ الواقِعِ مِنهُ الَّذِي بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ هو المَقْصُودُ ولِذَلِكَ قالَ: ﴿لِتَكُونَ مِنَ المُنْذِرِينَ﴾ . الثّانِي: أنَّ القَلْبَ هو المُخاطَبُ في الحَقِيقَةِ لِأنَّهُ مَوْضِعُ التَّمْيِيزِ والِاخْتِيارِ، وأمّا سائِرُ الأعْضاءِ فَمُسَخَّرَةٌ لَهُ والدَّلِيلُ عَلَيْهِ القُرْآنُ والحَدِيثُ والمَعْقُولُ، أمّا القُرْآنُ فَآياتٌ: إحْداها: قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿فَإنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ﴾ وقالَ هَهُنا: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ ﴿عَلى قَلْبِكَ﴾ وقالَ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَذِكْرى لِمَن كانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ [ق: ٣٧] . وثانِيها: أنَّهُ ذَكَرَ أنَّ اسْتِحْقاقَ الجَزاءِ لَيْسَ إلّا عَلى ما في القَلْبِ مِنَ المَساعِي فَقالَ: ﴿لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ في أيْمانِكم ولَكِنْ يُؤاخِذُكم بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥] وقالَ: ﴿لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها ولا دِماؤُها ولَكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنكُمْ﴾ [الحج: ٣٧] والتَّقْوى في القَلْبِ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهم لِلتَّقْوى﴾ [الحجرات: ٣] وقالَ تَعالى: صفحة ١٤٣ ﴿وحُصِّلَ ما في الصُّدُورِ﴾ [العاديات: ١٠] . وثالِثُها: قَوْلُهُ حِكايَةً عَنْ أهْلِ النّارِ: ﴿لَوْ كُنّا نَسْمَعُ أوْ نَعْقِلُ ما كُنّا في أصْحابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١٠] ومَعْلُومٌ أنَّ العَقْلَ في القَلْبِ والسَّمْعَ مُنْفِذٌ إلَيْهِ، وقالَ: ﴿إنَّ السَّمْعَ والبَصَرَ والفُؤادَ كُلُّ أُولَئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦] ومَعْلُومٌ أنَّ السَّمْعَ والبَصَرَ لا يُسْتَفادُ مِنهُما إلّا ما يُؤَدِّيانِهِ إلى القَلْبِ، فَكانَ السُّؤالُ عَنْهُما في الحَقِيقَةِ سُؤالًا عَنِ القَلْبِ وقالَ تَعالى: ﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ وما تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر: ١٩]، ولَمْ تُخْفِ الأعْيُنُ إلّا بِما تُضْمِرُ القُلُوبُ عِنْدَ التَّحْدِيقِ بِها. ورابِعُها: قَوْلُهُ: ﴿وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ﴾ [السجدة: ٩] فَخَصَّ هَذِهِ الثَّلاثَةَ بِإلْزامِ الحجة مِنها واسْتِدْعاءِ الشُّكْرِ عَلَيْها، وقَدْ قُلْنا: لا طائِلَ في السَّمْعِ والأبْصارَ إلّا بِما يُؤَدِّيانِ إلى القَلْبِ لِيَكُونَ القَلْبُ هو القاضِيَ فِيهِ والمُتَحَكِّمَ عَلَيْهِ، وقالَ تَعالى: ﴿ولَقَدْ مَكَّنّاهم فِيما إنْ مَكَّنّاكم فِيهِ وجَعَلْنا لَهم سَمْعًا وأبْصارًا وأفْئِدَةً فَما أغْنى عَنْهم سَمْعُهم ولا أبْصارُهم ولا أفْئِدَتُهُمْ﴾ [الأحقاف: ٢٦] فَجَعَلَ هَذِهِ الثَّلاثَةَ تَمامَ ما ألْزَمَهم مِن حُجَّتِهِ، والمَقْصُودُ مِن ذَلِكَ هو الفُؤادُ القاضِي فِيما يُؤَدِّي إلَيْهِ السَّمْعُ والبَصَرُ. وخامِسُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وعَلى سَمْعِهِمْ وعَلى أبْصارِهِمْ﴾ [البقرة: ٧] فَجَعَلَ العَذابَ لازِمًا عَلى هَذِهِ الثَّلاثَةِ وقالَ: ﴿لَهم قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها ولَهم أعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها ولَهم آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها﴾ [الأعراف: ١٧٩] وجْهُ الدَّلالَةِ أنَّهُ قَصَدَ إلى نَفْيِ العِلْمِ عَنْهم رَأْسًا، فَلَوْ ثَبَتَ العِلْمُ في غَيْرِ القَلْبِ كَثَباتِهِ في القَلْبِ لَمْ يَتِمَّ الغَرَضُ. فَهَذِهِ الآياتُ ومُشاكِلُها ناطِقَةٌ بِأجْمَعِها أنَّ القَلْبَ هو المَقْصُودُ بِإلْزامِ الحجة، وقَدْ بَيَّنّا أنَّ ما قُرِنَ بِذِكْرِهِ مِن ذِكْرِ السَّمْعِ والبَصَرِ فَذَلِكَ لِأنَّهُما آلَتانِ لِلْقَلْبِ في تَأْدِيَةِ صُوَرِ المَحْسُوساتِ والمَسْمُوعاتِ. وأمّا الحَدِيثُ فَما رَوى النُّعْمانُ بْنُ بَشِيرٍ قالَ سَمِعْتُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ يَقُولُ: ”«ألا وإنَّ في الجَسَدِ مُضْغَةً إذا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وإذا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ ألا وهي القَلْبُ» “ وأمّا المَعْقُولُ فَوُجُوهٌ: أحَدُها: أنَّ القَلْبَ إذا غُشِيَ عَلَيْهِ فَلَوْ قُطِعَ سائِرُ الأعْضاءِ لَمْ يَحْصُلِ الشُّعُورُ بِهِ وإذا أفاقَ القَلْبُ فَإنَّهُ يَشْعُرُ بِجَمِيعِ ما يَنْزِلُ بِالأعْضاءِ مِنَ الآفاتِ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ سائِرَ الأعْضاءِ تَبَعٌ لِلْقَلْبِ ولِذَلِكَ فَإنَّ القَلْبَ إذا فَرِحَ أوْ حَزِنَ فَإنَّهُ يَتَغَيَّرُ حالُ الأعْضاءِ عِنْدَ ذَلِكَ، وكَذا القَوْلُ في سائِرِ الأعْراضِ النَّفْسانِيَّةِ. وثانِيها: أنَّ القَلْبَ مَنبَعُ المَشاقِّ الباعِثَةِ عَلى الأفْعالِ الصّادِرَةِ مِن سائِرِ الأعْضاءِ وإذا كانَتِ المَشاقُّ مَبادِئَ لِلْأفْعالِ ومَنبَعُها هو القَلْبُ كانَ الآمِرُ المُطْلَقُ هو القَلْبَ. وثالِثُها: أنَّ مَعْدِنَ العَقْلِ هو القَلْبُ وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ الآمِرُ المُطْلَقُ هو القَلْبَ. أمّا المُقَدِّمَةُ الأُولى: فَفِيها النِّزاعُ فَإنَّ طائِفَةً مِنَ القُدَماءِ ذَهَبُوا إلى أنَّ مَعْدِنَ العَقْلِ هو الدِّماغُ والَّذِي يَدُلُّ عَلى قَوْلِنا وُجُوهٌ: الأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَتَكُونَ لَهم قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها﴾ [الحج: ٤٦] وقَوْلُهُ: ﴿لَهم قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها﴾ [الأعراف: ١٧٩] وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَذِكْرى لِمَن كانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ [ق: ٣٧] أيْ عَقْلٌ، أطْلَقَ عَلَيْهِ اسْمَ القَلْبِ لِما أنَّهُ مَعْدِنُهُ. الثّانِي: أنَّهُ تَعالى أضافَ أضْدادَ العِلْمِ إلى القَلْبِ، وقالَ: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب: ١٢]، ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ [البقرة: ٧]، ﴿قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ﴾ [النساء: ١٥٥]، ﴿يَحْذَرُ المُنافِقُونَ أنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهم بِما في قُلُوبِهِمْ﴾ [التوبة: ٦٤]، ﴿يَقُولُونَ بِألْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ في قُلُوبِهِمْ﴾ [الفتح: ١١]، ﴿كَلّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ [المطففين: ١٤]، ? صفحة ١٤٤ ﴿أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ أمْ عَلى قُلُوبٍ أقْفالُها﴾ [محمد: ٢٤]، ﴿فَإنَّها لا تَعْمى الأبْصارُ ولَكِنْ تَعْمى القُلُوبُ الَّتِي في الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦] فَدَلَّتْ هَذِهِ الآياتُ عَلى أنَّ مَوْضِعَ الجَهْلِ والغَفْلَةِ هو القَلْبُ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ مَوْضِعُ العَقْلِ والفَهْمِ أيْضًا هو القَلْبَ. الثّالِثُ: وهو أنّا إذا جَرَّبْنا أنْفُسَنا وجَدْنا عُلُومَنا حاصِلَةً في ناحِيَةِ القَلْبِ، ولِذَلِكَ فَإنَّ الواحِدَ مِنّا إذا أمْعَنَ في الفِكْرِ وأكْثَرَ مِنهُ أحَسَّ مِن قَلْبِهِ ضِيقًا وضَجَرًا حَتّى كَأنَّهُ يَتَألَّمُ بِذَلِكَ، وكُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ مَوْضِعَ العَقْلِ هو القَلْبُ، وإذا ثَبَتَ ذَلِكَ وجَبَ أنْ يَكُونَ المُكَلَّفُ هو القَلْبَ لِأنَّ التَّكْلِيفَ مَشْرُوطٌ بِالعَقْلِ والفَهْمِ. الرّابِعُ: وهو أنَّ القَلْبَ أوَّلُ الأعْضاءِ تَكَوُّنًا، وآخِرُها مَوْتًا، وقَدْ ثَبَتَ ذَلِكَ بِالتَّشْرِيحِ ولِأنَّهُ مُتَمَكِّنٌ في الصَّدْرِ الَّذِي هو أوْسَطُ الجَسَدِ، ومِن شَأْنِ المُلُوكِ المُحْتاجِينَ إلى الخَدَمِ أنْ يَكُونُوا في وسَطِ المَمْلَكَةِ لِتَكْتَنِفَهُمُ الحَواشِي مِنَ الجَوانِبِ فَيَكُونُوا أبْعَدَ مِنَ الآفاتِ، واحْتَجَّ مَن قالَ العَقْلُ في الدِّماغِ بِأُمُورٍ: أحَدُها: أنَّ الحَواسَّ الَّتِي هي الآلاتُ لِلْإدْراكِ نافِذَةٌ إلى الدِّماغِ دُونَ القَلْبِ. وثانِيها: أنَّ الأعْصابَ الَّتِي هي الآلاتُ في الحَرَكاتِ الِاخْتِيارِيَّةِ نافِذَةٌ مِنَ الدِّماغِ دُونَ القَلْبِ. وثالِثُها: أنَّ الآفَةَ إذا حَلَّتْ في الدِّماغِ اخْتَلَّ العَقْلُ. ورابِعُها: أنَّ في العُرْفِ كُلُّ مَن أُرِيدَ وصْفُهُ بِقِلَّةِ العَقْلِ قِيلَ إنَّهُ خَفِيفُ الدِّماغِ خَفِيفُ الرَّأْسِ. وخامِسُها: أنَّ العَقْلَ أشْرَفُ فَيَكُونُ مَكانُهُ أشْرَفَ، والأعْلى هو الأشْرَفُ وذَلِكَ هو الدِّماغُ لا القَلْبُ؛ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ مَحِلُّ العَقْلِ هو الدِّماغَ. والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ الحَواسُّ تُؤَدِّي آثارُها إلى الدِّماغِ، ثُمَّ إنِ الدِّماغَ يُؤَدِّي تِلْكَ الآثارَ إلى القَلْبِ، فالدِّماغُ آلَةٌ قَرِيبَةٌ لِلْقَلْبِ، والحَواسُّ آلاتٌ بَعِيدَةٌ فالحِسُّ يَخْدِمُ الدِّماغَ، ثُمَّ الدِّماغُ يَخْدِمُ القَلْبَ، وتَحْقِيقُهُ أنّا نُدْرِكُ مِن أنْفُسِنا أنّا إذا عَقَلْنا أنَّ الأمْرَ الفُلانِيَّ يَجِبُ فِعْلُهُ أوْ يَجِبُ تَرْكُهُ، فَإنَّ الأعْضاءَ تَتَحَرَّكُ عِنْدَ ذَلِكَ، ونَحْنُ نَجِدُ التَّعَقُّلاتِ مِن جانِبِ القَلْبِ لا مِن جانِبِ الدِّماغِ. وعَنِ الثّانِي: أنَّهُ لا يَبْعُدُ أنْ يَتَأدّى الأثَرُ مِنَ القَلْبِ إلى الدِّماغِ، ثُمَّ الدِّماغُ يُحَرِّكُ الأعْضاءَ بِواسِطَةِ الأعْصابِ النّابِتَةِ مِنهُ. وعَنِ الثّالِثِ: لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ سَلامَةُ الدِّماغِ شَرْطًا لِوُصُولِ تَأْثِيرِ القَلْبِ إلى سائِرِ الأعْضاءِ. وعَنِ الرّابِعِ: أنَّ ذَلِكَ العُرْفَ إنَّما كانَ لِأنَّ القَلْبَ إنَّما يَعْتَدِلُ مِزاجُهُ بِما يَسْتَمِدُّ مِنَ الدِّماغِ مِن بُرُودَتِهِ، فَإذا لَحِقَ الدِّماغَ خُرُوجٌ عَنِ الِاعْتِدالِ خَرَجَ القَلْبُ عَنِ الِاعْتِدالِ أيْضًا، إمّا لِازْدِيادِ حَرارَتِهِ عَنِ القَدْرِ الواجِبِ أوْ لِنُقْصانِ حَرارَتِهِ عَنْ ذَلِكَ القَدْرِ فَحِينَئِذٍ يَخْتَلُّ العَقْلُ. وعَنِ الخامِسِ: أنَّهُ لَوْ صَحَّ ما قالُوهُ لَوَجَبَ أنْ يَكُونَ مَوْضِعُ العَقْلِ هو القِحْفَ، ولَمّا بَطَلَ ذَلِكَ ثَبَتَ فَسادُ قَوْلِهِمْ واللَّهُ أعْلَمُ. فَرْعٌ: اعْلَمْ أنَّ المَعانِيَ الَّتِي بَيَّنّا كَوْنَها مُخْتَصَّةً بِالقُلُوبِ قَدْ تُضافُ إلى الصَّدْرِ تارَةً وإلى الفُؤادِ أُخْرى، أمّا الصَّدْرُ فَلِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وحُصِّلَ ما في الصُّدُورِ﴾ [العاديات: ١٠] وقَوْلِهِ: ﴿ولِيَبْتَلِيَ اللَّهُ ما في صُدُورِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٤] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ [الأنفال: ٤٣]، و﴿إنْ تُخْفُوا ما في صُدُورِكم أوْ تُبْدُوهُ﴾ [آل عمران: ٢٩] وأمّا الفُؤادُ فَقَوْلُهُ: ﴿ونُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم وأبْصارَهُمْ﴾ [الأنعام: ١١٠] . ومِنَ النّاسِ مَن فَرَّقَ بَيْنَ القَلْبِ والفُؤادِ فَقالَ: القَلْبُ: هو العَلَقَةُ السَّوْداءُ في جَوْفِ الفُؤادِ دُونَ ما يَكْتَنِفُها مِنَ اللَّحْمِ والشَّحْمِ، ومَجْمُوعُ ذَلِكَ هو الفُؤادُ، ومِنهم مَن قالَ القَلْبُ والفُؤادُ لَفْظانِ مُتَرادِفانِ، وكَيْفَ كانَ فَيَجِبُ أنْ يُعْلَمَ أنَّ مِن جُمْلَةِ العُضْوِ المُسَمّى قَلْبًا وفُؤادًا مَوْضِعًا هو المَوْضِعُ في الحَقِيقَةِ لِلْعَقْلِ والِاخْتِيارِ، وأنَّ مُعْظَمَ جِرْمِ هَذا العُضْوِ مُسَخَّرٌ لِذَلِكَ المَوْضِعِ، كَما أنَّ سائِرَ الأعْضاءِ مُسَخَّرَةٌ لِلْقَلْبِ، فَإنَّ العُضْوَ قَدْ تَزِيدُ أجْزاؤُهُ مِن غَيْرِ ازْدِيادِ المَعانِي المَنسُوبَةِ إلَيْهِ أعْنِي العَقْلَ والفَرَحَ والحُزْنَ وقَدْ يَنْقُصُ مِن غَيْرِ نُقْصانٍ في تِلْكَ المَعانِي، فَيُشْبِهُ أنْ يَكُونَ اسْمُ القَلْبِ اسْمًا لِلْأجْزاءِ الَّتِي تَحِلُّ فِيها هَذِهِ المَعانِي بِالحَقِيقَةِ، واسْمُ الفُؤادِ يَكُونُ اسْمًا لِمَجْمُوعِ العُضْوِ، فَهَذا صفحة ١٤٥ هُوَ الكَلامُ في هَذا البابِ واللَّهُ المُوَفِّقُ لِلصَّوابِ. * * * وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِتَكُونَ مِنَ المُنْذِرِينَ﴾ فَيَدْخُلُ تَحْتَ الإنْذارِ الدُّعاءُ إلى كُلِّ واجِبٍ مِن عِلْمٍ وعَمَلٍ والمَنعُ مَن كُلِّ قَبِيحٍ لِأنَّ في الوَجْهَيْنِ جَمِيعًا يَدْخُلُ الخَوْفُ مِنَ العِقابِ. * * * وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ فالباءُ إمّا أنْ تَتَعَلَّقَ بِ ”المُنْذِرِينَ“ فَيَكُونَ المَعْنى لِتَكُونَ مِنَ الَّذِينَ أنْذَرُوا بِهَذا اللِّسانِ، وهم خَمْسَةٌ: هُودٌ وصالِحٌ وشُعَيْبٌ وإسْماعِيلُ ومُحَمَّدٌ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وإمّا أنْ تَتَعَلَّقَ بِ ”نَزَلَ“ فَيَكُونَ المَعْنى نَزَلَّهُ بِاللِّسانِ العَرَبِيِّ لِيُنْذِرَ بِهِ لِأنَّهُ لَوْ نَزَّلَهُ بِاللِّسانِ الأعْجَمِيِّ لَقالُوا لَهُ ما نَصْنَعُ بِما لا نَفْهَمُهُ فَيَتَعَذَّرُ الإنْذارُ بِهِ، وفي هَذا الوجه أنَّ تَنْزِيلَهُ بِالعَرَبِيَّةِ الَّتِي هي لِسانُكَ ولِسانُ قَوْمِكَ تَنْزِيلٌ لَهُ عَلى قَلْبِكَ لِأنَّكَ تَفْهَمُهُ ويَفْهَمُهُ قَوْمُكَ، ولَوْ كانَ أعْجَمِيًّا لَكانَ نازِلًا عَلى سَمْعِكَ دُونَ قَلْبِكَ، لِأنَّكَ تَسْمَعُ أجْراسَ حُرُوفٍ لا تَفْهَمُ مَعانِيَها. * * * وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّهُ لَفي زُبُرِ الأوَّلِينَ﴾ فَيَحْتَمِلُ هَذِهِ الأخْبارَ خاصَّةً، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ صِفَةَ القُرْآنِ، ويَحْتَمِلُ صِفَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ وُجُوهَ التَّخْوِيفِ، لِأنَّ ذِكْرَ هَذِهِ الأشْياءِ بِأسْرِها قَدْ تَقَدَّمَ.

الشعراء 26:196

القَوْلُ فِيما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى مِن أحْوالِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿وإنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ ﴿عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ المُنْذِرِينَ﴾ ﴿بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ ﴿وإنَّهُ لَفي زُبُرِ الأوَّلِينَ﴾ . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ ﴿عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ المُنْذِرِينَ﴾ ﴿بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ ﴿وإنَّهُ لَفي زُبُرِ الأوَّلِينَ﴾ . اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا خَتَمَ ما اقْتَصَّهُ مِن خَبَرِ الأنْبِياءِ ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ ما يَدُلُّ عَلى نُبُوَّتِهِ ﷺ وهو مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿وإنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ وذَلِكَ لِأنَّهُ لِفَصاحَتِهِ مُعْجِزٌ فَيَكُونُ ذَلِكَ مِن رَبِّ العالَمِينَ، أوْ لِأنَّهُ إخْبارٌ عَنِ القَصَصِ الماضِيَةِ مِن غَيْرِ تَعْلِيمٍ البَتَّةَ، فَلا يَكُونُ ذَلِكَ إلّا بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وقَوْلُهُ بَعْدَهُ: ﴿وإنَّهُ لَفي زُبُرِ الأوَّلِينَ﴾ كَأنَّهُ مُؤَكِّدٌ لِهَذا الِاحْتِمالِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا ذَكَرَ هَذِهِ القَصَصَ السَّبْعَ عَلى ما هي مَوْجُودَةٌ في زُبُرِ الأوَّلِينَ مِن غَيْرِ تَفاوُتٍ أصْلًا مَعَ أنَّهُ لَمْ يَشْتَغِلْ بِالتَّعَلُّمِ والِاسْتِعْدادِ، دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ لَيْسَ إلّا مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، فَهَذا هو المَقْصُودُ مِنَ الآيَةِ. فَأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ فالمُرادُ بِالتَّنْزِيلِ المُنَزَّلُ، ثُمَّ قَدْ كانَ يَجُوزُ في القُرْآنِ وهَذِهِ القَصَصِ أنْ يَكُونَ تَنْزِيلًا مِنَ اللَّهِ تَعالى إلى مُحَمَّدٍ ﷺ بِلا واسِطَةٍ فَقالَ: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ والباءُ في قَوْلِهِ: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ﴾ و”نُزِّلَ بِهِ الرُّوحُ“ عَلى القِراءَتَيْنِ لِلتَّعْدِيَةِ، ومَعْنى ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ﴾ جَعَلَ اللَّهُ الرُّوحَ نازِلًا بِهِ عَلى قَلْبِكَ أيْ فَهَّمَكَ إيّاهُ وأثْبَتَهُ في قَلْبِكَ إثْباتَ ما لا يُنْسى كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ [الأعلى: ٦] والرُّوحُ الأمِينُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ وسَمّاهُ رُوحًا مِن حَيْثُ خُلِقَ مِنَ الرُّوحِ، وقِيلَ: لِأنَّهُ نَجاةُ الخَلْقِ في بابِ الدِّينِ فَهو كالرُّوحِ الَّذِي تَثْبُتُ مَعَهُ الحَياةُ، وقِيلَ: لِأنَّهُ رُوحٌ كُلُّهُ لا كالنّاسِ الَّذِينَ في أبْدانِهِمْ رُوحٌ وسَمّاهُ أمِينًا لِأنَّهُ مُؤْتَمَنٌ عَلى ما يُؤَدِّيهِ إلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وإلى غَيْرِهِمْ. * * * وأمّا قَوْلُهُ: ﴿عَلى قَلْبِكَ﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ إنَّما قالَ: ﴿عَلى قَلْبِكَ﴾ وإنْ كانَ إنَّما أنْزَلَهُ عَلَيْهِ لِيُؤَكِّدَ بِهِ أنَّ ذَلِكَ المُنَزَّلَ مَحْفُوظٌ لِلرَّسُولِ مُتَمَكِّنٌ في قَلْبِهِ لا يَجُوزُ عَلَيْهِ التَّغْيِيرُ فَيُوثَقُ بِالإنْذارِ الواقِعِ مِنهُ الَّذِي بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ هو المَقْصُودُ ولِذَلِكَ قالَ: ﴿لِتَكُونَ مِنَ المُنْذِرِينَ﴾ . الثّانِي: أنَّ القَلْبَ هو المُخاطَبُ في الحَقِيقَةِ لِأنَّهُ مَوْضِعُ التَّمْيِيزِ والِاخْتِيارِ، وأمّا سائِرُ الأعْضاءِ فَمُسَخَّرَةٌ لَهُ والدَّلِيلُ عَلَيْهِ القُرْآنُ والحَدِيثُ والمَعْقُولُ، أمّا القُرْآنُ فَآياتٌ: إحْداها: قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿فَإنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ﴾ وقالَ هَهُنا: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ ﴿عَلى قَلْبِكَ﴾ وقالَ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَذِكْرى لِمَن كانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ [ق: ٣٧] . وثانِيها: أنَّهُ ذَكَرَ أنَّ اسْتِحْقاقَ الجَزاءِ لَيْسَ إلّا عَلى ما في القَلْبِ مِنَ المَساعِي فَقالَ: ﴿لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ في أيْمانِكم ولَكِنْ يُؤاخِذُكم بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥] وقالَ: ﴿لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها ولا دِماؤُها ولَكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنكُمْ﴾ [الحج: ٣٧] والتَّقْوى في القَلْبِ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهم لِلتَّقْوى﴾ [الحجرات: ٣] وقالَ تَعالى: صفحة ١٤٣ ﴿وحُصِّلَ ما في الصُّدُورِ﴾ [العاديات: ١٠] . وثالِثُها: قَوْلُهُ حِكايَةً عَنْ أهْلِ النّارِ: ﴿لَوْ كُنّا نَسْمَعُ أوْ نَعْقِلُ ما كُنّا في أصْحابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١٠] ومَعْلُومٌ أنَّ العَقْلَ في القَلْبِ والسَّمْعَ مُنْفِذٌ إلَيْهِ، وقالَ: ﴿إنَّ السَّمْعَ والبَصَرَ والفُؤادَ كُلُّ أُولَئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦] ومَعْلُومٌ أنَّ السَّمْعَ والبَصَرَ لا يُسْتَفادُ مِنهُما إلّا ما يُؤَدِّيانِهِ إلى القَلْبِ، فَكانَ السُّؤالُ عَنْهُما في الحَقِيقَةِ سُؤالًا عَنِ القَلْبِ وقالَ تَعالى: ﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ وما تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر: ١٩]، ولَمْ تُخْفِ الأعْيُنُ إلّا بِما تُضْمِرُ القُلُوبُ عِنْدَ التَّحْدِيقِ بِها. ورابِعُها: قَوْلُهُ: ﴿وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ﴾ [السجدة: ٩] فَخَصَّ هَذِهِ الثَّلاثَةَ بِإلْزامِ الحجة مِنها واسْتِدْعاءِ الشُّكْرِ عَلَيْها، وقَدْ قُلْنا: لا طائِلَ في السَّمْعِ والأبْصارَ إلّا بِما يُؤَدِّيانِ إلى القَلْبِ لِيَكُونَ القَلْبُ هو القاضِيَ فِيهِ والمُتَحَكِّمَ عَلَيْهِ، وقالَ تَعالى: ﴿ولَقَدْ مَكَّنّاهم فِيما إنْ مَكَّنّاكم فِيهِ وجَعَلْنا لَهم سَمْعًا وأبْصارًا وأفْئِدَةً فَما أغْنى عَنْهم سَمْعُهم ولا أبْصارُهم ولا أفْئِدَتُهُمْ﴾ [الأحقاف: ٢٦] فَجَعَلَ هَذِهِ الثَّلاثَةَ تَمامَ ما ألْزَمَهم مِن حُجَّتِهِ، والمَقْصُودُ مِن ذَلِكَ هو الفُؤادُ القاضِي فِيما يُؤَدِّي إلَيْهِ السَّمْعُ والبَصَرُ. وخامِسُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وعَلى سَمْعِهِمْ وعَلى أبْصارِهِمْ﴾ [البقرة: ٧] فَجَعَلَ العَذابَ لازِمًا عَلى هَذِهِ الثَّلاثَةِ وقالَ: ﴿لَهم قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها ولَهم أعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها ولَهم آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها﴾ [الأعراف: ١٧٩] وجْهُ الدَّلالَةِ أنَّهُ قَصَدَ إلى نَفْيِ العِلْمِ عَنْهم رَأْسًا، فَلَوْ ثَبَتَ العِلْمُ في غَيْرِ القَلْبِ كَثَباتِهِ في القَلْبِ لَمْ يَتِمَّ الغَرَضُ. فَهَذِهِ الآياتُ ومُشاكِلُها ناطِقَةٌ بِأجْمَعِها أنَّ القَلْبَ هو المَقْصُودُ بِإلْزامِ الحجة، وقَدْ بَيَّنّا أنَّ ما قُرِنَ بِذِكْرِهِ مِن ذِكْرِ السَّمْعِ والبَصَرِ فَذَلِكَ لِأنَّهُما آلَتانِ لِلْقَلْبِ في تَأْدِيَةِ صُوَرِ المَحْسُوساتِ والمَسْمُوعاتِ. وأمّا الحَدِيثُ فَما رَوى النُّعْمانُ بْنُ بَشِيرٍ قالَ سَمِعْتُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ يَقُولُ: ”«ألا وإنَّ في الجَسَدِ مُضْغَةً إذا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وإذا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ ألا وهي القَلْبُ» “ وأمّا المَعْقُولُ فَوُجُوهٌ: أحَدُها: أنَّ القَلْبَ إذا غُشِيَ عَلَيْهِ فَلَوْ قُطِعَ سائِرُ الأعْضاءِ لَمْ يَحْصُلِ الشُّعُورُ بِهِ وإذا أفاقَ القَلْبُ فَإنَّهُ يَشْعُرُ بِجَمِيعِ ما يَنْزِلُ بِالأعْضاءِ مِنَ الآفاتِ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ سائِرَ الأعْضاءِ تَبَعٌ لِلْقَلْبِ ولِذَلِكَ فَإنَّ القَلْبَ إذا فَرِحَ أوْ حَزِنَ فَإنَّهُ يَتَغَيَّرُ حالُ الأعْضاءِ عِنْدَ ذَلِكَ، وكَذا القَوْلُ في سائِرِ الأعْراضِ النَّفْسانِيَّةِ. وثانِيها: أنَّ القَلْبَ مَنبَعُ المَشاقِّ الباعِثَةِ عَلى الأفْعالِ الصّادِرَةِ مِن سائِرِ الأعْضاءِ وإذا كانَتِ المَشاقُّ مَبادِئَ لِلْأفْعالِ ومَنبَعُها هو القَلْبُ كانَ الآمِرُ المُطْلَقُ هو القَلْبَ. وثالِثُها: أنَّ مَعْدِنَ العَقْلِ هو القَلْبُ وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ الآمِرُ المُطْلَقُ هو القَلْبَ. أمّا المُقَدِّمَةُ الأُولى: فَفِيها النِّزاعُ فَإنَّ طائِفَةً مِنَ القُدَماءِ ذَهَبُوا إلى أنَّ مَعْدِنَ العَقْلِ هو الدِّماغُ والَّذِي يَدُلُّ عَلى قَوْلِنا وُجُوهٌ: الأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَتَكُونَ لَهم قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها﴾ [الحج: ٤٦] وقَوْلُهُ: ﴿لَهم قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها﴾ [الأعراف: ١٧٩] وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَذِكْرى لِمَن كانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ [ق: ٣٧] أيْ عَقْلٌ، أطْلَقَ عَلَيْهِ اسْمَ القَلْبِ لِما أنَّهُ مَعْدِنُهُ. الثّانِي: أنَّهُ تَعالى أضافَ أضْدادَ العِلْمِ إلى القَلْبِ، وقالَ: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب: ١٢]، ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ [البقرة: ٧]، ﴿قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ﴾ [النساء: ١٥٥]، ﴿يَحْذَرُ المُنافِقُونَ أنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهم بِما في قُلُوبِهِمْ﴾ [التوبة: ٦٤]، ﴿يَقُولُونَ بِألْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ في قُلُوبِهِمْ﴾ [الفتح: ١١]، ﴿كَلّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ [المطففين: ١٤]، ? صفحة ١٤٤ ﴿أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ أمْ عَلى قُلُوبٍ أقْفالُها﴾ [محمد: ٢٤]، ﴿فَإنَّها لا تَعْمى الأبْصارُ ولَكِنْ تَعْمى القُلُوبُ الَّتِي في الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦] فَدَلَّتْ هَذِهِ الآياتُ عَلى أنَّ مَوْضِعَ الجَهْلِ والغَفْلَةِ هو القَلْبُ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ مَوْضِعُ العَقْلِ والفَهْمِ أيْضًا هو القَلْبَ. الثّالِثُ: وهو أنّا إذا جَرَّبْنا أنْفُسَنا وجَدْنا عُلُومَنا حاصِلَةً في ناحِيَةِ القَلْبِ، ولِذَلِكَ فَإنَّ الواحِدَ مِنّا إذا أمْعَنَ في الفِكْرِ وأكْثَرَ مِنهُ أحَسَّ مِن قَلْبِهِ ضِيقًا وضَجَرًا حَتّى كَأنَّهُ يَتَألَّمُ بِذَلِكَ، وكُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ مَوْضِعَ العَقْلِ هو القَلْبُ، وإذا ثَبَتَ ذَلِكَ وجَبَ أنْ يَكُونَ المُكَلَّفُ هو القَلْبَ لِأنَّ التَّكْلِيفَ مَشْرُوطٌ بِالعَقْلِ والفَهْمِ. الرّابِعُ: وهو أنَّ القَلْبَ أوَّلُ الأعْضاءِ تَكَوُّنًا، وآخِرُها مَوْتًا، وقَدْ ثَبَتَ ذَلِكَ بِالتَّشْرِيحِ ولِأنَّهُ مُتَمَكِّنٌ في الصَّدْرِ الَّذِي هو أوْسَطُ الجَسَدِ، ومِن شَأْنِ المُلُوكِ المُحْتاجِينَ إلى الخَدَمِ أنْ يَكُونُوا في وسَطِ المَمْلَكَةِ لِتَكْتَنِفَهُمُ الحَواشِي مِنَ الجَوانِبِ فَيَكُونُوا أبْعَدَ مِنَ الآفاتِ، واحْتَجَّ مَن قالَ العَقْلُ في الدِّماغِ بِأُمُورٍ: أحَدُها: أنَّ الحَواسَّ الَّتِي هي الآلاتُ لِلْإدْراكِ نافِذَةٌ إلى الدِّماغِ دُونَ القَلْبِ. وثانِيها: أنَّ الأعْصابَ الَّتِي هي الآلاتُ في الحَرَكاتِ الِاخْتِيارِيَّةِ نافِذَةٌ مِنَ الدِّماغِ دُونَ القَلْبِ. وثالِثُها: أنَّ الآفَةَ إذا حَلَّتْ في الدِّماغِ اخْتَلَّ العَقْلُ. ورابِعُها: أنَّ في العُرْفِ كُلُّ مَن أُرِيدَ وصْفُهُ بِقِلَّةِ العَقْلِ قِيلَ إنَّهُ خَفِيفُ الدِّماغِ خَفِيفُ الرَّأْسِ. وخامِسُها: أنَّ العَقْلَ أشْرَفُ فَيَكُونُ مَكانُهُ أشْرَفَ، والأعْلى هو الأشْرَفُ وذَلِكَ هو الدِّماغُ لا القَلْبُ؛ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ مَحِلُّ العَقْلِ هو الدِّماغَ. والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ الحَواسُّ تُؤَدِّي آثارُها إلى الدِّماغِ، ثُمَّ إنِ الدِّماغَ يُؤَدِّي تِلْكَ الآثارَ إلى القَلْبِ، فالدِّماغُ آلَةٌ قَرِيبَةٌ لِلْقَلْبِ، والحَواسُّ آلاتٌ بَعِيدَةٌ فالحِسُّ يَخْدِمُ الدِّماغَ، ثُمَّ الدِّماغُ يَخْدِمُ القَلْبَ، وتَحْقِيقُهُ أنّا نُدْرِكُ مِن أنْفُسِنا أنّا إذا عَقَلْنا أنَّ الأمْرَ الفُلانِيَّ يَجِبُ فِعْلُهُ أوْ يَجِبُ تَرْكُهُ، فَإنَّ الأعْضاءَ تَتَحَرَّكُ عِنْدَ ذَلِكَ، ونَحْنُ نَجِدُ التَّعَقُّلاتِ مِن جانِبِ القَلْبِ لا مِن جانِبِ الدِّماغِ. وعَنِ الثّانِي: أنَّهُ لا يَبْعُدُ أنْ يَتَأدّى الأثَرُ مِنَ القَلْبِ إلى الدِّماغِ، ثُمَّ الدِّماغُ يُحَرِّكُ الأعْضاءَ بِواسِطَةِ الأعْصابِ النّابِتَةِ مِنهُ. وعَنِ الثّالِثِ: لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ سَلامَةُ الدِّماغِ شَرْطًا لِوُصُولِ تَأْثِيرِ القَلْبِ إلى سائِرِ الأعْضاءِ. وعَنِ الرّابِعِ: أنَّ ذَلِكَ العُرْفَ إنَّما كانَ لِأنَّ القَلْبَ إنَّما يَعْتَدِلُ مِزاجُهُ بِما يَسْتَمِدُّ مِنَ الدِّماغِ مِن بُرُودَتِهِ، فَإذا لَحِقَ الدِّماغَ خُرُوجٌ عَنِ الِاعْتِدالِ خَرَجَ القَلْبُ عَنِ الِاعْتِدالِ أيْضًا، إمّا لِازْدِيادِ حَرارَتِهِ عَنِ القَدْرِ الواجِبِ أوْ لِنُقْصانِ حَرارَتِهِ عَنْ ذَلِكَ القَدْرِ فَحِينَئِذٍ يَخْتَلُّ العَقْلُ. وعَنِ الخامِسِ: أنَّهُ لَوْ صَحَّ ما قالُوهُ لَوَجَبَ أنْ يَكُونَ مَوْضِعُ العَقْلِ هو القِحْفَ، ولَمّا بَطَلَ ذَلِكَ ثَبَتَ فَسادُ قَوْلِهِمْ واللَّهُ أعْلَمُ. فَرْعٌ: اعْلَمْ أنَّ المَعانِيَ الَّتِي بَيَّنّا كَوْنَها مُخْتَصَّةً بِالقُلُوبِ قَدْ تُضافُ إلى الصَّدْرِ تارَةً وإلى الفُؤادِ أُخْرى، أمّا الصَّدْرُ فَلِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وحُصِّلَ ما في الصُّدُورِ﴾ [العاديات: ١٠] وقَوْلِهِ: ﴿ولِيَبْتَلِيَ اللَّهُ ما في صُدُورِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٤] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ [الأنفال: ٤٣]، و﴿إنْ تُخْفُوا ما في صُدُورِكم أوْ تُبْدُوهُ﴾ [آل عمران: ٢٩] وأمّا الفُؤادُ فَقَوْلُهُ: ﴿ونُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم وأبْصارَهُمْ﴾ [الأنعام: ١١٠] . ومِنَ النّاسِ مَن فَرَّقَ بَيْنَ القَلْبِ والفُؤادِ فَقالَ: القَلْبُ: هو العَلَقَةُ السَّوْداءُ في جَوْفِ الفُؤادِ دُونَ ما يَكْتَنِفُها مِنَ اللَّحْمِ والشَّحْمِ، ومَجْمُوعُ ذَلِكَ هو الفُؤادُ، ومِنهم مَن قالَ القَلْبُ والفُؤادُ لَفْظانِ مُتَرادِفانِ، وكَيْفَ كانَ فَيَجِبُ أنْ يُعْلَمَ أنَّ مِن جُمْلَةِ العُضْوِ المُسَمّى قَلْبًا وفُؤادًا مَوْضِعًا هو المَوْضِعُ في الحَقِيقَةِ لِلْعَقْلِ والِاخْتِيارِ، وأنَّ مُعْظَمَ جِرْمِ هَذا العُضْوِ مُسَخَّرٌ لِذَلِكَ المَوْضِعِ، كَما أنَّ سائِرَ الأعْضاءِ مُسَخَّرَةٌ لِلْقَلْبِ، فَإنَّ العُضْوَ قَدْ تَزِيدُ أجْزاؤُهُ مِن غَيْرِ ازْدِيادِ المَعانِي المَنسُوبَةِ إلَيْهِ أعْنِي العَقْلَ والفَرَحَ والحُزْنَ وقَدْ يَنْقُصُ مِن غَيْرِ نُقْصانٍ في تِلْكَ المَعانِي، فَيُشْبِهُ أنْ يَكُونَ اسْمُ القَلْبِ اسْمًا لِلْأجْزاءِ الَّتِي تَحِلُّ فِيها هَذِهِ المَعانِي بِالحَقِيقَةِ، واسْمُ الفُؤادِ يَكُونُ اسْمًا لِمَجْمُوعِ العُضْوِ، فَهَذا صفحة ١٤٥ هُوَ الكَلامُ في هَذا البابِ واللَّهُ المُوَفِّقُ لِلصَّوابِ. * * * وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِتَكُونَ مِنَ المُنْذِرِينَ﴾ فَيَدْخُلُ تَحْتَ الإنْذارِ الدُّعاءُ إلى كُلِّ واجِبٍ مِن عِلْمٍ وعَمَلٍ والمَنعُ مَن كُلِّ قَبِيحٍ لِأنَّ في الوَجْهَيْنِ جَمِيعًا يَدْخُلُ الخَوْفُ مِنَ العِقابِ. * * * وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ فالباءُ إمّا أنْ تَتَعَلَّقَ بِ ”المُنْذِرِينَ“ فَيَكُونَ المَعْنى لِتَكُونَ مِنَ الَّذِينَ أنْذَرُوا بِهَذا اللِّسانِ، وهم خَمْسَةٌ: هُودٌ وصالِحٌ وشُعَيْبٌ وإسْماعِيلُ ومُحَمَّدٌ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وإمّا أنْ تَتَعَلَّقَ بِ ”نَزَلَ“ فَيَكُونَ المَعْنى نَزَلَّهُ بِاللِّسانِ العَرَبِيِّ لِيُنْذِرَ بِهِ لِأنَّهُ لَوْ نَزَّلَهُ بِاللِّسانِ الأعْجَمِيِّ لَقالُوا لَهُ ما نَصْنَعُ بِما لا نَفْهَمُهُ فَيَتَعَذَّرُ الإنْذارُ بِهِ، وفي هَذا الوجه أنَّ تَنْزِيلَهُ بِالعَرَبِيَّةِ الَّتِي هي لِسانُكَ ولِسانُ قَوْمِكَ تَنْزِيلٌ لَهُ عَلى قَلْبِكَ لِأنَّكَ تَفْهَمُهُ ويَفْهَمُهُ قَوْمُكَ، ولَوْ كانَ أعْجَمِيًّا لَكانَ نازِلًا عَلى سَمْعِكَ دُونَ قَلْبِكَ، لِأنَّكَ تَسْمَعُ أجْراسَ حُرُوفٍ لا تَفْهَمُ مَعانِيَها. * * * وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّهُ لَفي زُبُرِ الأوَّلِينَ﴾ فَيَحْتَمِلُ هَذِهِ الأخْبارَ خاصَّةً، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ صِفَةَ القُرْآنِ، ويَحْتَمِلُ صِفَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ وُجُوهَ التَّخْوِيفِ، لِأنَّ ذِكْرَ هَذِهِ الأشْياءِ بِأسْرِها قَدْ تَقَدَّمَ.

الشعراء 26:197

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَكُنْ لَهم آيَةً أنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ ﴿ولَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الأعْجَمِينَ﴾ ﴿فَقَرَأهُ عَلَيْهِمْ ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿كَذَلِكَ سَلَكْناهُ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ﴾ ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتّى يَرَوْا العَذابَ الألِيمَ﴾ ﴿فَيَأْتِيَهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ . اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَكُنْ لَهم آيَةً أنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ المُرادُ مِنهُ ذِكْرُ الحجة الثّانِيَةِ عَلى نُبُوَّتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ وصِدْقِهِ، وتَقْرِيرُهُ أنَّ جَماعَةً مِن عُلَماءِ بَنِي إسْرائِيلَ أسْلَمُوا ونَصُّوا عَلى مَواضِعَ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ ذُكِرَ فِيها الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِصِفَتِهِ ونَعْتِهِ، وقَدْ كانَ مُشْرِكُو قُرَيْشٍ يَذْهَبُونَ إلى اليَهُودِ ويَتَعَرَّفُونَ مِنهم هَذا الخَبَرَ، وهَذا يَدُلُّ دَلالَةً ظاهِرَةً عَلى نُبُوَّتِهِ لِأنَّ تَطابُقَ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ عَلى نَعْتِهِ ووَصْفِهِ يَدُلُّ قَطْعًا عَلى نُبُوَّتِهِ، واعْلَمْ أنَّهُ قُرِئَ ”يَكُنْ“ بِالتَّذْكِيرِ، ”وآيَةً“ بِالنَّصْبِ عَلى أنَّها خَبَرُهُ و”أنْ يَعْلَمَهُ“ هو الِاسْمُ، وقُرِئَ ”تَكُنْ“ بِالتَّأْنِيثِ وجُعِلَتْ ”آيَةٌ“ اسْمًا و”أنْ يَعْلَمَهُ“ خَبَرًا، ولَيْسَتْ كالأُولى لِوُقُوعِ النَّكِرَةِ اسْمًا والمَعْرِفَةِ خَبَرًا، ويَجُوزُ مَعَ نَصْبِ الآيَةِ تَأْنِيثُ ”يَكُنْ“ كَقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهم إلّا أنْ قالُوا﴾ [الأنعام: ٢٣] . * * * وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الأعْجَمِينَ﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ بِالدَّلِيلَيْنِ المَذْكُورَيْنِ نُبُوَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ وصِدْقَ لَهْجَتِهِ بَيَّنَ بَعْدَ ذَلِكَ أنَّ هَؤُلاءِ الكُفّارَ لا تَنْفَعُهُمُ الدَّلائِلُ ولا البَراهِينُ، فَقالَ: ﴿ولَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الأعْجَمِينَ﴾ يَعْنِي: إنّا أنْزَلْنا هَذا القُرْآنَ عَلى رَجُلٍ عَرَبِيٍّ بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ، فَسَمِعُوهُ وفَهِمُوهُ وعَرَفُوا صفحة ١٤٦ فَصاحَتَهُ، وأنَّهُ مُعْجِزٌ لا يُعارَضُ بِكَلامٍ مِثْلِهِ، وانْضَمَّ إلى ذَلِكَ بِشارَةُ كُتُبِ اللَّهِ السّالِفَةِ بِهِ، فَلَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ وجَحَدُوهُ، وسَمَّوْهُ شِعْرًا تارَةً وسِحْرًا أُخْرى، فَلَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الأعْجَمِينَ الَّذِي لا يُحْسِنُ العَرَبِيَّةَ لَكَفَرُوا بِهِ أيْضًا ولَتَمَحَّلُوا لِجُحُودِهِمْ عُذْرًا، ثم قال: ﴿كَذَلِكَ سَلَكْناهُ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ﴾ أيْ مِثْلُ هَذا السَّلْكِ سَلَكْناهُ في قُلُوبِهِمْ، وهَكَذا مَكَّنّاهُ وقَرَّرْناهُ فِيها وكَيْفَما فَعَلَ بِهِمْ فَلا سَبِيلَ إلى أنْ يَتَغَيَّرُوا عَمّا هم عَلَيْهِ مِنَ الجُحُودِ والإنْكارِ، وهَذا أيْضًا مِمّا يُفِيدُ تَسْلِيَةَ الرَّسُولِ ﷺ لِأنَّهُ إذا عَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ إصْرارَهم عَلى الكُفْرِ، وأنَّهُ قَدْ جَرى القَضاءُ الأزَلِيُّ بِذَلِكَ حَصَلَ اليَأْسُ، وفي المَثَلِ: اليَأْسُ إحْدى الرّاحَتَيْنِ. المسألة الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿كَذَلِكَ سَلَكْناهُ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ الكُلَّ بِقَضاءِ اللَّهِ وخَلْقِهِ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: أرادَ بِهِ أنَّهُ صارَ ذَلِكَ التَّكْذِيبُ مُتَمَكِّنًا في قُلُوبِهِمْ أشَدَّ التَّمَكُّنِ فَصارَ ذَلِكَ كالشَّيْءِ الجِبِلِّيِّ. والجَوابُ: أنَّهُ إمّا أنْ يَكُونَ قَدْ فَعَلَ اللَّهُ فِيهِمْ ما يَقْتَضِي رُجْحانَ التَّكْذِيبِ عَلى التَّصْدِيقِ أوْ ما فَعَلَ ذَلِكَ فِيهِمْ، فَإنْ كانَ الأوَّلُ فَقَدْ دَلَّلْنا في سُورَةِ الأنْعامِ عَلى أنَّ التَّرْجِيحَ لا يَتَحَقَّقُ ما لَمْ يَنْتَهِ إلى حَدِّ الوُجُوبِ وحِينَئِذٍ يَحْصُلُ المَقْصُودُ، فَإنْ لَمْ يَفْعَلْ فِيهِمْ ما يَقْتَضِي التَّرْجِيحَ البَتَّةَ، امْتَنَعَ قَوْلُهُ: ﴿كَذَلِكَ سَلَكْناهُ﴾ كَما أنَّ طَيَرانَ الطّائِرِ لَمّا لَمْ يَكُنْ لَهُ تَعَلُّقٌ بِكُفْرِهِمْ، امْتَنَعَ إسْنادُ الكُفْرِ إلى ذَلِكَ الطَّيَرانِ. المسألة الخامِسَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: فَإنْ قُلْتَ: ما مَوْقِعُ ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ مِن قَوْلِهِ ﴿سَلَكْناهُ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ﴾ ؟ قُلْتُ: مَوْقِعُهُ مِنهُ مُوقِعُ المُوَضِّحِ والمُبَيِّنِ؛ لِأنَّهُ مَسُوقٌ لِبَيانِهِ مُؤَكِّدٌ لِلْجُحُودِ في قُلُوبِهِمْ، فاتَّبَعَ ما يُقَرِّرُ هَذا المَعْنى مِن أنَّهم لا يَزالُونَ عَلى التَّكْذِيبِ بِهِ حَتّى يُعايِنُوا الوَعِيدَ.

الشعراء 26:198

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَكُنْ لَهم آيَةً أنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ ﴿ولَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الأعْجَمِينَ﴾ ﴿فَقَرَأهُ عَلَيْهِمْ ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿كَذَلِكَ سَلَكْناهُ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ﴾ ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتّى يَرَوْا العَذابَ الألِيمَ﴾ ﴿فَيَأْتِيَهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ . اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَكُنْ لَهم آيَةً أنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ المُرادُ مِنهُ ذِكْرُ الحجة الثّانِيَةِ عَلى نُبُوَّتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ وصِدْقِهِ، وتَقْرِيرُهُ أنَّ جَماعَةً مِن عُلَماءِ بَنِي إسْرائِيلَ أسْلَمُوا ونَصُّوا عَلى مَواضِعَ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ ذُكِرَ فِيها الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِصِفَتِهِ ونَعْتِهِ، وقَدْ كانَ مُشْرِكُو قُرَيْشٍ يَذْهَبُونَ إلى اليَهُودِ ويَتَعَرَّفُونَ مِنهم هَذا الخَبَرَ، وهَذا يَدُلُّ دَلالَةً ظاهِرَةً عَلى نُبُوَّتِهِ لِأنَّ تَطابُقَ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ عَلى نَعْتِهِ ووَصْفِهِ يَدُلُّ قَطْعًا عَلى نُبُوَّتِهِ، واعْلَمْ أنَّهُ قُرِئَ ”يَكُنْ“ بِالتَّذْكِيرِ، ”وآيَةً“ بِالنَّصْبِ عَلى أنَّها خَبَرُهُ و”أنْ يَعْلَمَهُ“ هو الِاسْمُ، وقُرِئَ ”تَكُنْ“ بِالتَّأْنِيثِ وجُعِلَتْ ”آيَةٌ“ اسْمًا و”أنْ يَعْلَمَهُ“ خَبَرًا، ولَيْسَتْ كالأُولى لِوُقُوعِ النَّكِرَةِ اسْمًا والمَعْرِفَةِ خَبَرًا، ويَجُوزُ مَعَ نَصْبِ الآيَةِ تَأْنِيثُ ”يَكُنْ“ كَقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهم إلّا أنْ قالُوا﴾ [الأنعام: ٢٣] . * * * وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الأعْجَمِينَ﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ بِالدَّلِيلَيْنِ المَذْكُورَيْنِ نُبُوَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ وصِدْقَ لَهْجَتِهِ بَيَّنَ بَعْدَ ذَلِكَ أنَّ هَؤُلاءِ الكُفّارَ لا تَنْفَعُهُمُ الدَّلائِلُ ولا البَراهِينُ، فَقالَ: ﴿ولَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الأعْجَمِينَ﴾ يَعْنِي: إنّا أنْزَلْنا هَذا القُرْآنَ عَلى رَجُلٍ عَرَبِيٍّ بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ، فَسَمِعُوهُ وفَهِمُوهُ وعَرَفُوا صفحة ١٤٦ فَصاحَتَهُ، وأنَّهُ مُعْجِزٌ لا يُعارَضُ بِكَلامٍ مِثْلِهِ، وانْضَمَّ إلى ذَلِكَ بِشارَةُ كُتُبِ اللَّهِ السّالِفَةِ بِهِ، فَلَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ وجَحَدُوهُ، وسَمَّوْهُ شِعْرًا تارَةً وسِحْرًا أُخْرى، فَلَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الأعْجَمِينَ الَّذِي لا يُحْسِنُ العَرَبِيَّةَ لَكَفَرُوا بِهِ أيْضًا ولَتَمَحَّلُوا لِجُحُودِهِمْ عُذْرًا، ثم قال: ﴿كَذَلِكَ سَلَكْناهُ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ﴾ أيْ مِثْلُ هَذا السَّلْكِ سَلَكْناهُ في قُلُوبِهِمْ، وهَكَذا مَكَّنّاهُ وقَرَّرْناهُ فِيها وكَيْفَما فَعَلَ بِهِمْ فَلا سَبِيلَ إلى أنْ يَتَغَيَّرُوا عَمّا هم عَلَيْهِ مِنَ الجُحُودِ والإنْكارِ، وهَذا أيْضًا مِمّا يُفِيدُ تَسْلِيَةَ الرَّسُولِ ﷺ لِأنَّهُ إذا عَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ إصْرارَهم عَلى الكُفْرِ، وأنَّهُ قَدْ جَرى القَضاءُ الأزَلِيُّ بِذَلِكَ حَصَلَ اليَأْسُ، وفي المَثَلِ: اليَأْسُ إحْدى الرّاحَتَيْنِ. المسألة الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿كَذَلِكَ سَلَكْناهُ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ الكُلَّ بِقَضاءِ اللَّهِ وخَلْقِهِ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: أرادَ بِهِ أنَّهُ صارَ ذَلِكَ التَّكْذِيبُ مُتَمَكِّنًا في قُلُوبِهِمْ أشَدَّ التَّمَكُّنِ فَصارَ ذَلِكَ كالشَّيْءِ الجِبِلِّيِّ. والجَوابُ: أنَّهُ إمّا أنْ يَكُونَ قَدْ فَعَلَ اللَّهُ فِيهِمْ ما يَقْتَضِي رُجْحانَ التَّكْذِيبِ عَلى التَّصْدِيقِ أوْ ما فَعَلَ ذَلِكَ فِيهِمْ، فَإنْ كانَ الأوَّلُ فَقَدْ دَلَّلْنا في سُورَةِ الأنْعامِ عَلى أنَّ التَّرْجِيحَ لا يَتَحَقَّقُ ما لَمْ يَنْتَهِ إلى حَدِّ الوُجُوبِ وحِينَئِذٍ يَحْصُلُ المَقْصُودُ، فَإنْ لَمْ يَفْعَلْ فِيهِمْ ما يَقْتَضِي التَّرْجِيحَ البَتَّةَ، امْتَنَعَ قَوْلُهُ: ﴿كَذَلِكَ سَلَكْناهُ﴾ كَما أنَّ طَيَرانَ الطّائِرِ لَمّا لَمْ يَكُنْ لَهُ تَعَلُّقٌ بِكُفْرِهِمْ، امْتَنَعَ إسْنادُ الكُفْرِ إلى ذَلِكَ الطَّيَرانِ. المسألة الخامِسَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: فَإنْ قُلْتَ: ما مَوْقِعُ ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ مِن قَوْلِهِ ﴿سَلَكْناهُ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ﴾ ؟ قُلْتُ: مَوْقِعُهُ مِنهُ مُوقِعُ المُوَضِّحِ والمُبَيِّنِ؛ لِأنَّهُ مَسُوقٌ لِبَيانِهِ مُؤَكِّدٌ لِلْجُحُودِ في قُلُوبِهِمْ، فاتَّبَعَ ما يُقَرِّرُ هَذا المَعْنى مِن أنَّهم لا يَزالُونَ عَلى التَّكْذِيبِ بِهِ حَتّى يُعايِنُوا الوَعِيدَ.

الشعراء 26:199

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَكُنْ لَهم آيَةً أنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ ﴿ولَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الأعْجَمِينَ﴾ ﴿فَقَرَأهُ عَلَيْهِمْ ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿كَذَلِكَ سَلَكْناهُ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ﴾ ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتّى يَرَوْا العَذابَ الألِيمَ﴾ ﴿فَيَأْتِيَهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ . اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَكُنْ لَهم آيَةً أنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ المُرادُ مِنهُ ذِكْرُ الحجة الثّانِيَةِ عَلى نُبُوَّتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ وصِدْقِهِ، وتَقْرِيرُهُ أنَّ جَماعَةً مِن عُلَماءِ بَنِي إسْرائِيلَ أسْلَمُوا ونَصُّوا عَلى مَواضِعَ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ ذُكِرَ فِيها الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِصِفَتِهِ ونَعْتِهِ، وقَدْ كانَ مُشْرِكُو قُرَيْشٍ يَذْهَبُونَ إلى اليَهُودِ ويَتَعَرَّفُونَ مِنهم هَذا الخَبَرَ، وهَذا يَدُلُّ دَلالَةً ظاهِرَةً عَلى نُبُوَّتِهِ لِأنَّ تَطابُقَ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ عَلى نَعْتِهِ ووَصْفِهِ يَدُلُّ قَطْعًا عَلى نُبُوَّتِهِ، واعْلَمْ أنَّهُ قُرِئَ ”يَكُنْ“ بِالتَّذْكِيرِ، ”وآيَةً“ بِالنَّصْبِ عَلى أنَّها خَبَرُهُ و”أنْ يَعْلَمَهُ“ هو الِاسْمُ، وقُرِئَ ”تَكُنْ“ بِالتَّأْنِيثِ وجُعِلَتْ ”آيَةٌ“ اسْمًا و”أنْ يَعْلَمَهُ“ خَبَرًا، ولَيْسَتْ كالأُولى لِوُقُوعِ النَّكِرَةِ اسْمًا والمَعْرِفَةِ خَبَرًا، ويَجُوزُ مَعَ نَصْبِ الآيَةِ تَأْنِيثُ ”يَكُنْ“ كَقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهم إلّا أنْ قالُوا﴾ [الأنعام: ٢٣] . * * * وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الأعْجَمِينَ﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ بِالدَّلِيلَيْنِ المَذْكُورَيْنِ نُبُوَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ وصِدْقَ لَهْجَتِهِ بَيَّنَ بَعْدَ ذَلِكَ أنَّ هَؤُلاءِ الكُفّارَ لا تَنْفَعُهُمُ الدَّلائِلُ ولا البَراهِينُ، فَقالَ: ﴿ولَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الأعْجَمِينَ﴾ يَعْنِي: إنّا أنْزَلْنا هَذا القُرْآنَ عَلى رَجُلٍ عَرَبِيٍّ بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ، فَسَمِعُوهُ وفَهِمُوهُ وعَرَفُوا صفحة ١٤٦ فَصاحَتَهُ، وأنَّهُ مُعْجِزٌ لا يُعارَضُ بِكَلامٍ مِثْلِهِ، وانْضَمَّ إلى ذَلِكَ بِشارَةُ كُتُبِ اللَّهِ السّالِفَةِ بِهِ، فَلَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ وجَحَدُوهُ، وسَمَّوْهُ شِعْرًا تارَةً وسِحْرًا أُخْرى، فَلَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الأعْجَمِينَ الَّذِي لا يُحْسِنُ العَرَبِيَّةَ لَكَفَرُوا بِهِ أيْضًا ولَتَمَحَّلُوا لِجُحُودِهِمْ عُذْرًا، ثم قال: ﴿كَذَلِكَ سَلَكْناهُ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ﴾ أيْ مِثْلُ هَذا السَّلْكِ سَلَكْناهُ في قُلُوبِهِمْ، وهَكَذا مَكَّنّاهُ وقَرَّرْناهُ فِيها وكَيْفَما فَعَلَ بِهِمْ فَلا سَبِيلَ إلى أنْ يَتَغَيَّرُوا عَمّا هم عَلَيْهِ مِنَ الجُحُودِ والإنْكارِ، وهَذا أيْضًا مِمّا يُفِيدُ تَسْلِيَةَ الرَّسُولِ ﷺ لِأنَّهُ إذا عَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ إصْرارَهم عَلى الكُفْرِ، وأنَّهُ قَدْ جَرى القَضاءُ الأزَلِيُّ بِذَلِكَ حَصَلَ اليَأْسُ، وفي المَثَلِ: اليَأْسُ إحْدى الرّاحَتَيْنِ. المسألة الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿كَذَلِكَ سَلَكْناهُ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ الكُلَّ بِقَضاءِ اللَّهِ وخَلْقِهِ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: أرادَ بِهِ أنَّهُ صارَ ذَلِكَ التَّكْذِيبُ مُتَمَكِّنًا في قُلُوبِهِمْ أشَدَّ التَّمَكُّنِ فَصارَ ذَلِكَ كالشَّيْءِ الجِبِلِّيِّ. والجَوابُ: أنَّهُ إمّا أنْ يَكُونَ قَدْ فَعَلَ اللَّهُ فِيهِمْ ما يَقْتَضِي رُجْحانَ التَّكْذِيبِ عَلى التَّصْدِيقِ أوْ ما فَعَلَ ذَلِكَ فِيهِمْ، فَإنْ كانَ الأوَّلُ فَقَدْ دَلَّلْنا في سُورَةِ الأنْعامِ عَلى أنَّ التَّرْجِيحَ لا يَتَحَقَّقُ ما لَمْ يَنْتَهِ إلى حَدِّ الوُجُوبِ وحِينَئِذٍ يَحْصُلُ المَقْصُودُ، فَإنْ لَمْ يَفْعَلْ فِيهِمْ ما يَقْتَضِي التَّرْجِيحَ البَتَّةَ، امْتَنَعَ قَوْلُهُ: ﴿كَذَلِكَ سَلَكْناهُ﴾ كَما أنَّ طَيَرانَ الطّائِرِ لَمّا لَمْ يَكُنْ لَهُ تَعَلُّقٌ بِكُفْرِهِمْ، امْتَنَعَ إسْنادُ الكُفْرِ إلى ذَلِكَ الطَّيَرانِ. المسألة الخامِسَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: فَإنْ قُلْتَ: ما مَوْقِعُ ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ مِن قَوْلِهِ ﴿سَلَكْناهُ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ﴾ ؟ قُلْتُ: مَوْقِعُهُ مِنهُ مُوقِعُ المُوَضِّحِ والمُبَيِّنِ؛ لِأنَّهُ مَسُوقٌ لِبَيانِهِ مُؤَكِّدٌ لِلْجُحُودِ في قُلُوبِهِمْ، فاتَّبَعَ ما يُقَرِّرُ هَذا المَعْنى مِن أنَّهم لا يَزالُونَ عَلى التَّكْذِيبِ بِهِ حَتّى يُعايِنُوا الوَعِيدَ.

الشعراء 26:200

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَكُنْ لَهم آيَةً أنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ ﴿ولَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الأعْجَمِينَ﴾ ﴿فَقَرَأهُ عَلَيْهِمْ ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿كَذَلِكَ سَلَكْناهُ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ﴾ ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتّى يَرَوْا العَذابَ الألِيمَ﴾ ﴿فَيَأْتِيَهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ . اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَكُنْ لَهم آيَةً أنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ المُرادُ مِنهُ ذِكْرُ الحجة الثّانِيَةِ عَلى نُبُوَّتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ وصِدْقِهِ، وتَقْرِيرُهُ أنَّ جَماعَةً مِن عُلَماءِ بَنِي إسْرائِيلَ أسْلَمُوا ونَصُّوا عَلى مَواضِعَ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ ذُكِرَ فِيها الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِصِفَتِهِ ونَعْتِهِ، وقَدْ كانَ مُشْرِكُو قُرَيْشٍ يَذْهَبُونَ إلى اليَهُودِ ويَتَعَرَّفُونَ مِنهم هَذا الخَبَرَ، وهَذا يَدُلُّ دَلالَةً ظاهِرَةً عَلى نُبُوَّتِهِ لِأنَّ تَطابُقَ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ عَلى نَعْتِهِ ووَصْفِهِ يَدُلُّ قَطْعًا عَلى نُبُوَّتِهِ، واعْلَمْ أنَّهُ قُرِئَ ”يَكُنْ“ بِالتَّذْكِيرِ، ”وآيَةً“ بِالنَّصْبِ عَلى أنَّها خَبَرُهُ و”أنْ يَعْلَمَهُ“ هو الِاسْمُ، وقُرِئَ ”تَكُنْ“ بِالتَّأْنِيثِ وجُعِلَتْ ”آيَةٌ“ اسْمًا و”أنْ يَعْلَمَهُ“ خَبَرًا، ولَيْسَتْ كالأُولى لِوُقُوعِ النَّكِرَةِ اسْمًا والمَعْرِفَةِ خَبَرًا، ويَجُوزُ مَعَ نَصْبِ الآيَةِ تَأْنِيثُ ”يَكُنْ“ كَقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهم إلّا أنْ قالُوا﴾ [الأنعام: ٢٣] . * * * وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الأعْجَمِينَ﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ بِالدَّلِيلَيْنِ المَذْكُورَيْنِ نُبُوَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ وصِدْقَ لَهْجَتِهِ بَيَّنَ بَعْدَ ذَلِكَ أنَّ هَؤُلاءِ الكُفّارَ لا تَنْفَعُهُمُ الدَّلائِلُ ولا البَراهِينُ، فَقالَ: ﴿ولَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الأعْجَمِينَ﴾ يَعْنِي: إنّا أنْزَلْنا هَذا القُرْآنَ عَلى رَجُلٍ عَرَبِيٍّ بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ، فَسَمِعُوهُ وفَهِمُوهُ وعَرَفُوا صفحة ١٤٦ فَصاحَتَهُ، وأنَّهُ مُعْجِزٌ لا يُعارَضُ بِكَلامٍ مِثْلِهِ، وانْضَمَّ إلى ذَلِكَ بِشارَةُ كُتُبِ اللَّهِ السّالِفَةِ بِهِ، فَلَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ وجَحَدُوهُ، وسَمَّوْهُ شِعْرًا تارَةً وسِحْرًا أُخْرى، فَلَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الأعْجَمِينَ الَّذِي لا يُحْسِنُ العَرَبِيَّةَ لَكَفَرُوا بِهِ أيْضًا ولَتَمَحَّلُوا لِجُحُودِهِمْ عُذْرًا، ثم قال: ﴿كَذَلِكَ سَلَكْناهُ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ﴾ أيْ مِثْلُ هَذا السَّلْكِ سَلَكْناهُ في قُلُوبِهِمْ، وهَكَذا مَكَّنّاهُ وقَرَّرْناهُ فِيها وكَيْفَما فَعَلَ بِهِمْ فَلا سَبِيلَ إلى أنْ يَتَغَيَّرُوا عَمّا هم عَلَيْهِ مِنَ الجُحُودِ والإنْكارِ، وهَذا أيْضًا مِمّا يُفِيدُ تَسْلِيَةَ الرَّسُولِ ﷺ لِأنَّهُ إذا عَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ إصْرارَهم عَلى الكُفْرِ، وأنَّهُ قَدْ جَرى القَضاءُ الأزَلِيُّ بِذَلِكَ حَصَلَ اليَأْسُ، وفي المَثَلِ: اليَأْسُ إحْدى الرّاحَتَيْنِ. المسألة الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿كَذَلِكَ سَلَكْناهُ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ الكُلَّ بِقَضاءِ اللَّهِ وخَلْقِهِ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: أرادَ بِهِ أنَّهُ صارَ ذَلِكَ التَّكْذِيبُ مُتَمَكِّنًا في قُلُوبِهِمْ أشَدَّ التَّمَكُّنِ فَصارَ ذَلِكَ كالشَّيْءِ الجِبِلِّيِّ. والجَوابُ: أنَّهُ إمّا أنْ يَكُونَ قَدْ فَعَلَ اللَّهُ فِيهِمْ ما يَقْتَضِي رُجْحانَ التَّكْذِيبِ عَلى التَّصْدِيقِ أوْ ما فَعَلَ ذَلِكَ فِيهِمْ، فَإنْ كانَ الأوَّلُ فَقَدْ دَلَّلْنا في سُورَةِ الأنْعامِ عَلى أنَّ التَّرْجِيحَ لا يَتَحَقَّقُ ما لَمْ يَنْتَهِ إلى حَدِّ الوُجُوبِ وحِينَئِذٍ يَحْصُلُ المَقْصُودُ، فَإنْ لَمْ يَفْعَلْ فِيهِمْ ما يَقْتَضِي التَّرْجِيحَ البَتَّةَ، امْتَنَعَ قَوْلُهُ: ﴿كَذَلِكَ سَلَكْناهُ﴾ كَما أنَّ طَيَرانَ الطّائِرِ لَمّا لَمْ يَكُنْ لَهُ تَعَلُّقٌ بِكُفْرِهِمْ، امْتَنَعَ إسْنادُ الكُفْرِ إلى ذَلِكَ الطَّيَرانِ. المسألة الخامِسَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: فَإنْ قُلْتَ: ما مَوْقِعُ ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ مِن قَوْلِهِ ﴿سَلَكْناهُ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ﴾ ؟ قُلْتُ: مَوْقِعُهُ مِنهُ مُوقِعُ المُوَضِّحِ والمُبَيِّنِ؛ لِأنَّهُ مَسُوقٌ لِبَيانِهِ مُؤَكِّدٌ لِلْجُحُودِ في قُلُوبِهِمْ، فاتَّبَعَ ما يُقَرِّرُ هَذا المَعْنى مِن أنَّهم لا يَزالُونَ عَلى التَّكْذِيبِ بِهِ حَتّى يُعايِنُوا الوَعِيدَ.