Tafsir Al-Razi — الشعراء 26:201 – النمل 27:45
المحتويات
- الشعراء 26:201
- الشعراء 26:202
- الشعراء 26:203
- الشعراء 26:204
- الشعراء 26:205
- الشعراء 26:206
- الشعراء 26:207
- الشعراء 26:208
- الشعراء 26:209
- الشعراء 26:210
- الشعراء 26:211
- الشعراء 26:212
- الشعراء 26:213
- الشعراء 26:214
- الشعراء 26:215
- الشعراء 26:216
- الشعراء 26:217
- الشعراء 26:218
- الشعراء 26:219
- الشعراء 26:220
- الشعراء 26:221
- الشعراء 26:222
- الشعراء 26:223
- الشعراء 26:224
- الشعراء 26:225
- الشعراء 26:226
- الشعراء 26:227
- النمل 27:1
- النمل 27:2
- النمل 27:3
- النمل 27:4
- النمل 27:5
- النمل 27:6
- النمل 27:7
- النمل 27:8
- النمل 27:9
- النمل 27:10
- النمل 27:11
- النمل 27:12
- النمل 27:13
- النمل 27:14
- النمل 27:15
- النمل 27:16
- النمل 27:17
- النمل 27:18
- النمل 27:19
- النمل 27:20
- النمل 27:21
- النمل 27:22
- النمل 27:23
- النمل 27:24
- النمل 27:25
- النمل 27:26
- النمل 27:27
- النمل 27:28
- النمل 27:29
- النمل 27:30
- النمل 27:31
- النمل 27:32
- النمل 27:33
- النمل 27:34
- النمل 27:35
- النمل 27:36
- النمل 27:37
- النمل 27:38
- النمل 27:39
- النمل 27:40
- النمل 27:41
- النمل 27:42
- النمل 27:43
- النمل 27:44
- النمل 27:45
الشعراء 26:201
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَكُنْ لَهم آيَةً أنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ ﴿ولَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الأعْجَمِينَ﴾ ﴿فَقَرَأهُ عَلَيْهِمْ ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿كَذَلِكَ سَلَكْناهُ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ﴾ ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتّى يَرَوْا العَذابَ الألِيمَ﴾ ﴿فَيَأْتِيَهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَكُنْ لَهم آيَةً أنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ المُرادُ مِنهُ ذِكْرُ الحجة الثّانِيَةِ عَلى نُبُوَّتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ وصِدْقِهِ، وتَقْرِيرُهُ أنَّ جَماعَةً مِن عُلَماءِ بَنِي إسْرائِيلَ أسْلَمُوا ونَصُّوا عَلى مَواضِعَ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ ذُكِرَ فِيها الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِصِفَتِهِ ونَعْتِهِ، وقَدْ كانَ مُشْرِكُو قُرَيْشٍ يَذْهَبُونَ إلى اليَهُودِ ويَتَعَرَّفُونَ مِنهم هَذا الخَبَرَ، وهَذا يَدُلُّ دَلالَةً ظاهِرَةً عَلى نُبُوَّتِهِ لِأنَّ تَطابُقَ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ عَلى نَعْتِهِ ووَصْفِهِ يَدُلُّ قَطْعًا عَلى نُبُوَّتِهِ، واعْلَمْ أنَّهُ قُرِئَ ”يَكُنْ“ بِالتَّذْكِيرِ، ”وآيَةً“ بِالنَّصْبِ عَلى أنَّها خَبَرُهُ و”أنْ يَعْلَمَهُ“ هو الِاسْمُ، وقُرِئَ ”تَكُنْ“ بِالتَّأْنِيثِ وجُعِلَتْ ”آيَةٌ“ اسْمًا و”أنْ يَعْلَمَهُ“ خَبَرًا، ولَيْسَتْ كالأُولى لِوُقُوعِ النَّكِرَةِ اسْمًا والمَعْرِفَةِ خَبَرًا، ويَجُوزُ مَعَ نَصْبِ الآيَةِ تَأْنِيثُ ”يَكُنْ“ كَقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهم إلّا أنْ قالُوا﴾ [الأنعام: ٢٣] .
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الأعْجَمِينَ﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ بِالدَّلِيلَيْنِ المَذْكُورَيْنِ نُبُوَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ وصِدْقَ لَهْجَتِهِ بَيَّنَ بَعْدَ ذَلِكَ أنَّ هَؤُلاءِ الكُفّارَ لا تَنْفَعُهُمُ الدَّلائِلُ ولا البَراهِينُ، فَقالَ: ﴿ولَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الأعْجَمِينَ﴾ يَعْنِي: إنّا أنْزَلْنا هَذا القُرْآنَ عَلى رَجُلٍ عَرَبِيٍّ بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ، فَسَمِعُوهُ وفَهِمُوهُ وعَرَفُوا
صفحة ١٤٦
فَصاحَتَهُ، وأنَّهُ مُعْجِزٌ لا يُعارَضُ بِكَلامٍ مِثْلِهِ، وانْضَمَّ إلى ذَلِكَ بِشارَةُ كُتُبِ اللَّهِ السّالِفَةِ بِهِ، فَلَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ وجَحَدُوهُ، وسَمَّوْهُ شِعْرًا تارَةً وسِحْرًا أُخْرى، فَلَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الأعْجَمِينَ الَّذِي لا يُحْسِنُ العَرَبِيَّةَ لَكَفَرُوا بِهِ أيْضًا ولَتَمَحَّلُوا لِجُحُودِهِمْ عُذْرًا، ثم قال: ﴿كَذَلِكَ سَلَكْناهُ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ﴾ أيْ مِثْلُ هَذا السَّلْكِ سَلَكْناهُ في قُلُوبِهِمْ، وهَكَذا مَكَّنّاهُ وقَرَّرْناهُ فِيها وكَيْفَما فَعَلَ بِهِمْ فَلا سَبِيلَ إلى أنْ يَتَغَيَّرُوا عَمّا هم عَلَيْهِ مِنَ الجُحُودِ والإنْكارِ، وهَذا أيْضًا مِمّا يُفِيدُ تَسْلِيَةَ الرَّسُولِ ﷺ لِأنَّهُ إذا عَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ إصْرارَهم عَلى الكُفْرِ، وأنَّهُ قَدْ جَرى القَضاءُ الأزَلِيُّ بِذَلِكَ حَصَلَ اليَأْسُ، وفي المَثَلِ: اليَأْسُ إحْدى الرّاحَتَيْنِ.
المسألة الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿كَذَلِكَ سَلَكْناهُ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ الكُلَّ بِقَضاءِ اللَّهِ وخَلْقِهِ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: أرادَ بِهِ أنَّهُ صارَ ذَلِكَ التَّكْذِيبُ مُتَمَكِّنًا في قُلُوبِهِمْ أشَدَّ التَّمَكُّنِ فَصارَ ذَلِكَ كالشَّيْءِ الجِبِلِّيِّ. والجَوابُ: أنَّهُ إمّا أنْ يَكُونَ قَدْ فَعَلَ اللَّهُ فِيهِمْ ما يَقْتَضِي رُجْحانَ التَّكْذِيبِ عَلى التَّصْدِيقِ أوْ ما فَعَلَ ذَلِكَ فِيهِمْ، فَإنْ كانَ الأوَّلُ فَقَدْ دَلَّلْنا في سُورَةِ الأنْعامِ عَلى أنَّ التَّرْجِيحَ لا يَتَحَقَّقُ ما لَمْ يَنْتَهِ إلى حَدِّ الوُجُوبِ وحِينَئِذٍ يَحْصُلُ المَقْصُودُ، فَإنْ لَمْ يَفْعَلْ فِيهِمْ ما يَقْتَضِي التَّرْجِيحَ البَتَّةَ، امْتَنَعَ قَوْلُهُ: ﴿كَذَلِكَ سَلَكْناهُ﴾ كَما أنَّ طَيَرانَ الطّائِرِ لَمّا لَمْ يَكُنْ لَهُ تَعَلُّقٌ بِكُفْرِهِمْ، امْتَنَعَ إسْنادُ الكُفْرِ إلى ذَلِكَ الطَّيَرانِ.
المسألة الخامِسَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: فَإنْ قُلْتَ: ما مَوْقِعُ ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ مِن قَوْلِهِ ﴿سَلَكْناهُ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ﴾ ؟ قُلْتُ: مَوْقِعُهُ مِنهُ مُوقِعُ المُوَضِّحِ والمُبَيِّنِ؛ لِأنَّهُ مَسُوقٌ لِبَيانِهِ مُؤَكِّدٌ لِلْجُحُودِ في قُلُوبِهِمْ، فاتَّبَعَ ما يُقَرِّرُ هَذا المَعْنى مِن أنَّهم لا يَزالُونَ عَلى التَّكْذِيبِ بِهِ حَتّى يُعايِنُوا الوَعِيدَ.
الشعراء 26:202
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَكُنْ لَهم آيَةً أنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ ﴿ولَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الأعْجَمِينَ﴾ ﴿فَقَرَأهُ عَلَيْهِمْ ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿كَذَلِكَ سَلَكْناهُ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ﴾ ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتّى يَرَوْا العَذابَ الألِيمَ﴾ ﴿فَيَأْتِيَهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَكُنْ لَهم آيَةً أنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ المُرادُ مِنهُ ذِكْرُ الحجة الثّانِيَةِ عَلى نُبُوَّتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ وصِدْقِهِ، وتَقْرِيرُهُ أنَّ جَماعَةً مِن عُلَماءِ بَنِي إسْرائِيلَ أسْلَمُوا ونَصُّوا عَلى مَواضِعَ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ ذُكِرَ فِيها الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِصِفَتِهِ ونَعْتِهِ، وقَدْ كانَ مُشْرِكُو قُرَيْشٍ يَذْهَبُونَ إلى اليَهُودِ ويَتَعَرَّفُونَ مِنهم هَذا الخَبَرَ، وهَذا يَدُلُّ دَلالَةً ظاهِرَةً عَلى نُبُوَّتِهِ لِأنَّ تَطابُقَ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ عَلى نَعْتِهِ ووَصْفِهِ يَدُلُّ قَطْعًا عَلى نُبُوَّتِهِ، واعْلَمْ أنَّهُ قُرِئَ ”يَكُنْ“ بِالتَّذْكِيرِ، ”وآيَةً“ بِالنَّصْبِ عَلى أنَّها خَبَرُهُ و”أنْ يَعْلَمَهُ“ هو الِاسْمُ، وقُرِئَ ”تَكُنْ“ بِالتَّأْنِيثِ وجُعِلَتْ ”آيَةٌ“ اسْمًا و”أنْ يَعْلَمَهُ“ خَبَرًا، ولَيْسَتْ كالأُولى لِوُقُوعِ النَّكِرَةِ اسْمًا والمَعْرِفَةِ خَبَرًا، ويَجُوزُ مَعَ نَصْبِ الآيَةِ تَأْنِيثُ ”يَكُنْ“ كَقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهم إلّا أنْ قالُوا﴾ [الأنعام: ٢٣] .
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الأعْجَمِينَ﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ بِالدَّلِيلَيْنِ المَذْكُورَيْنِ نُبُوَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ وصِدْقَ لَهْجَتِهِ بَيَّنَ بَعْدَ ذَلِكَ أنَّ هَؤُلاءِ الكُفّارَ لا تَنْفَعُهُمُ الدَّلائِلُ ولا البَراهِينُ، فَقالَ: ﴿ولَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الأعْجَمِينَ﴾ يَعْنِي: إنّا أنْزَلْنا هَذا القُرْآنَ عَلى رَجُلٍ عَرَبِيٍّ بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ، فَسَمِعُوهُ وفَهِمُوهُ وعَرَفُوا
صفحة ١٤٦
فَصاحَتَهُ، وأنَّهُ مُعْجِزٌ لا يُعارَضُ بِكَلامٍ مِثْلِهِ، وانْضَمَّ إلى ذَلِكَ بِشارَةُ كُتُبِ اللَّهِ السّالِفَةِ بِهِ، فَلَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ وجَحَدُوهُ، وسَمَّوْهُ شِعْرًا تارَةً وسِحْرًا أُخْرى، فَلَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الأعْجَمِينَ الَّذِي لا يُحْسِنُ العَرَبِيَّةَ لَكَفَرُوا بِهِ أيْضًا ولَتَمَحَّلُوا لِجُحُودِهِمْ عُذْرًا، ثم قال: ﴿كَذَلِكَ سَلَكْناهُ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ﴾ أيْ مِثْلُ هَذا السَّلْكِ سَلَكْناهُ في قُلُوبِهِمْ، وهَكَذا مَكَّنّاهُ وقَرَّرْناهُ فِيها وكَيْفَما فَعَلَ بِهِمْ فَلا سَبِيلَ إلى أنْ يَتَغَيَّرُوا عَمّا هم عَلَيْهِ مِنَ الجُحُودِ والإنْكارِ، وهَذا أيْضًا مِمّا يُفِيدُ تَسْلِيَةَ الرَّسُولِ ﷺ لِأنَّهُ إذا عَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ إصْرارَهم عَلى الكُفْرِ، وأنَّهُ قَدْ جَرى القَضاءُ الأزَلِيُّ بِذَلِكَ حَصَلَ اليَأْسُ، وفي المَثَلِ: اليَأْسُ إحْدى الرّاحَتَيْنِ.
المسألة الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿كَذَلِكَ سَلَكْناهُ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ الكُلَّ بِقَضاءِ اللَّهِ وخَلْقِهِ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: أرادَ بِهِ أنَّهُ صارَ ذَلِكَ التَّكْذِيبُ مُتَمَكِّنًا في قُلُوبِهِمْ أشَدَّ التَّمَكُّنِ فَصارَ ذَلِكَ كالشَّيْءِ الجِبِلِّيِّ. والجَوابُ: أنَّهُ إمّا أنْ يَكُونَ قَدْ فَعَلَ اللَّهُ فِيهِمْ ما يَقْتَضِي رُجْحانَ التَّكْذِيبِ عَلى التَّصْدِيقِ أوْ ما فَعَلَ ذَلِكَ فِيهِمْ، فَإنْ كانَ الأوَّلُ فَقَدْ دَلَّلْنا في سُورَةِ الأنْعامِ عَلى أنَّ التَّرْجِيحَ لا يَتَحَقَّقُ ما لَمْ يَنْتَهِ إلى حَدِّ الوُجُوبِ وحِينَئِذٍ يَحْصُلُ المَقْصُودُ، فَإنْ لَمْ يَفْعَلْ فِيهِمْ ما يَقْتَضِي التَّرْجِيحَ البَتَّةَ، امْتَنَعَ قَوْلُهُ: ﴿كَذَلِكَ سَلَكْناهُ﴾ كَما أنَّ طَيَرانَ الطّائِرِ لَمّا لَمْ يَكُنْ لَهُ تَعَلُّقٌ بِكُفْرِهِمْ، امْتَنَعَ إسْنادُ الكُفْرِ إلى ذَلِكَ الطَّيَرانِ.
المسألة الخامِسَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: فَإنْ قُلْتَ: ما مَوْقِعُ ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ مِن قَوْلِهِ ﴿سَلَكْناهُ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ﴾ ؟ قُلْتُ: مَوْقِعُهُ مِنهُ مُوقِعُ المُوَضِّحِ والمُبَيِّنِ؛ لِأنَّهُ مَسُوقٌ لِبَيانِهِ مُؤَكِّدٌ لِلْجُحُودِ في قُلُوبِهِمْ، فاتَّبَعَ ما يُقَرِّرُ هَذا المَعْنى مِن أنَّهم لا يَزالُونَ عَلى التَّكْذِيبِ بِهِ حَتّى يُعايِنُوا الوَعِيدَ.
الشعراء 26:203
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ﴾ ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ ﴿أفَرَأيْتَ إنْ مَتَّعْناهم سِنِينَ﴾ ﴿ثُمَّ جاءَهم ما كانُوا يُوعَدُونَ﴾ ﴿ما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ ﴿وما أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ إلّا لَها مُنْذِرُونَ﴾ ﴿ذِكْرى وما كُنّا ظالِمِينَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ، وأنَّهُ يَأْتِيهِمُ العَذابُ بَغْتَةً أتْبَعَهُ بِما يَكُونُ مِنهم عِنْدَ ذَلِكَ عَلى وجْهِ الحَسْرَةَ فَقالَ: ﴿فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ﴾ كَما يَسْتَغِيثُ المَرْءُ عِنْدَ تَعَذُّرِ الخَلاصِ، لِأنَّهم يَعْلَمُونَ في الآخِرَةِ أنْ لا مَلْجَأ، لَكِنَّهم يَذْكُرُونَ ذَلِكَ اسْتِرْواحًا.
فَأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ فالمُرادُ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهم كانُوا في الدُّنْيا يَسْتَعْجِلُونَ العَذابَ، مَعَ أنَّ حالَهم عِنْدَ نُزُولِ العَذابِ طَلَبُ النَّظْرَةِ لِيُعْرَفَ تَفاوُتُ الطَّرِيقَيْنِ فَيُعْتَبَرَ بِهِ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ اسْتِعْجالَ العَذابِ عَلى وجْهِ التَّكْذِيبِ إنَّما يَقَعُ مِنهم لِيَتَمَتَّعُوا في الدُّنْيا، إلّا أنَّ ذَلِكَ جَهْلٌ، وذَلِكَ لِأنَّ مُدَّةَ التَّمَتُّعِ في الدُّنْيا مُتَناهِيَةٌ قَلِيلَةٌ، ومُدَّةَ العَذابِ الَّذِي يَحْصُلُ بَعْدَ ذَلِكَ غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ، ولَيْسَ في العَقْلِ تَرْجِيحٌ لَذّاتٍ مُتَناهِيَةٍ
صفحة ١٤٧
قَلِيلَةٍ عَلى آلامٍ غَيْرِ مُتَناهِيَةٍ، وعَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرانَ أنَّهُ لَقِيَ الحَسَنَ في الطَّوافِ، فَقالَ لَهُ: عِظْنِي، فَلَمْ يَزِدْ عَلى تِلاوَةِ هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ مَيْمُونٌ: لَقَدْ وعَظْتَ فَأبْلَغْتَ، وقُرِئَ ”يُمْتَعُونَ“ بِالتَّخْفِيفِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ لَمْ يُهْلِكْ قَرْيَةً إلّا وهُناكَ نَذِيرٌ يُقِيمُ عَلَيْهِمُ الحجة.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذِكْرى﴾ فَقالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ذِكْرى مَنصُوبَةٌ بِمَعْنى تَذْكِرَةٍ، إمّا لِأنَّ أنْذَرَ وذَكَّرَ مُتَقارِبانِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: مُذَكِّرُونَ تَذْكِرَةً، وإمّا لِأنَّها حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في ”مُنْذِرُونَ“، أيْ يُنْذِرُونَهم ذَوِي تَذْكِرَةٍ، وإمّا لِأنَّها مَفْعُولٌ لَهُ عَلى مَعْنى أنَّهم يُنْذِرُونَ لِأجْلِ المَوْعِظَةِ والتَّذْكِرَةِ، أوْ مَرْفُوعَةٌ عَلى أنَّها خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ بِمَعْنى هَذِهِ ذِكْرى، والجُمْلَةُ اعْتِراضِيَّةٌ أوْ صِفَةٌ بِمَعْنى مُنْذِرُونَ ذَوُو ذِكْرى، وجَعَلُوا ذِكْرى لِإمْعانِهِمْ في التَّذْكِرَةِ وإطْنابِهِمْ فِيها، ووَجْهٌ آخَرُ وهو أنْ يَكُونَ ذِكْرى مُتَعَلِّقَةً بِ ”أهْلَكْنا“ مَفْعُولًا لَهُ، والمَعْنى وما أهْلَكْنا مِن أهْلِ قَرْيَةٍ قَوْمًا ظالِمِينَ إلّا بَعْدَ ما ألْزَمْناهُمُ الحجة بِإرْسالِ المُنْذِرِينَ إلَيْهِمْ لِيَكُونَ إهْلاكُهم تَذْكِرَةً وعِبْرَةً لِغَيْرِهِمْ فَلا يَعْصُوا مِثْلَ عِصْيانِهِمْ، ﴿وما كُنّا ظالِمِينَ﴾ فَنُهْلِكَ قَوْمًا غَيْرَ ظالِمِينَ، وهَذا الوجه عَلَيْهِ المُعَوَّلُ، فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ عَزَلْتَ الواوَ عَنِ الجُمْلَةِ بَعْدَ إلّا، ولَمْ تَعْزِلْ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وما أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ إلّا ولَها كِتابٌ مَعْلُومٌ﴾ [الحجر: ٤] قُلْتُ: الأصْلُ عَزْلُ الواوِ لِأنَّ الجُمْلَةَ صِفَةٌ لِقَرْيَةٍ، وإذا زِيدَتْ فَلِتَأْكِيدِ وصْلِ الصِّفَةِ بِالمَوْصُوفِ.
الشعراء 26:204
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ﴾ ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ ﴿أفَرَأيْتَ إنْ مَتَّعْناهم سِنِينَ﴾ ﴿ثُمَّ جاءَهم ما كانُوا يُوعَدُونَ﴾ ﴿ما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ ﴿وما أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ إلّا لَها مُنْذِرُونَ﴾ ﴿ذِكْرى وما كُنّا ظالِمِينَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ، وأنَّهُ يَأْتِيهِمُ العَذابُ بَغْتَةً أتْبَعَهُ بِما يَكُونُ مِنهم عِنْدَ ذَلِكَ عَلى وجْهِ الحَسْرَةَ فَقالَ: ﴿فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ﴾ كَما يَسْتَغِيثُ المَرْءُ عِنْدَ تَعَذُّرِ الخَلاصِ، لِأنَّهم يَعْلَمُونَ في الآخِرَةِ أنْ لا مَلْجَأ، لَكِنَّهم يَذْكُرُونَ ذَلِكَ اسْتِرْواحًا.
فَأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ فالمُرادُ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهم كانُوا في الدُّنْيا يَسْتَعْجِلُونَ العَذابَ، مَعَ أنَّ حالَهم عِنْدَ نُزُولِ العَذابِ طَلَبُ النَّظْرَةِ لِيُعْرَفَ تَفاوُتُ الطَّرِيقَيْنِ فَيُعْتَبَرَ بِهِ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ اسْتِعْجالَ العَذابِ عَلى وجْهِ التَّكْذِيبِ إنَّما يَقَعُ مِنهم لِيَتَمَتَّعُوا في الدُّنْيا، إلّا أنَّ ذَلِكَ جَهْلٌ، وذَلِكَ لِأنَّ مُدَّةَ التَّمَتُّعِ في الدُّنْيا مُتَناهِيَةٌ قَلِيلَةٌ، ومُدَّةَ العَذابِ الَّذِي يَحْصُلُ بَعْدَ ذَلِكَ غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ، ولَيْسَ في العَقْلِ تَرْجِيحٌ لَذّاتٍ مُتَناهِيَةٍ
صفحة ١٤٧
قَلِيلَةٍ عَلى آلامٍ غَيْرِ مُتَناهِيَةٍ، وعَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرانَ أنَّهُ لَقِيَ الحَسَنَ في الطَّوافِ، فَقالَ لَهُ: عِظْنِي، فَلَمْ يَزِدْ عَلى تِلاوَةِ هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ مَيْمُونٌ: لَقَدْ وعَظْتَ فَأبْلَغْتَ، وقُرِئَ ”يُمْتَعُونَ“ بِالتَّخْفِيفِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ لَمْ يُهْلِكْ قَرْيَةً إلّا وهُناكَ نَذِيرٌ يُقِيمُ عَلَيْهِمُ الحجة.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذِكْرى﴾ فَقالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ذِكْرى مَنصُوبَةٌ بِمَعْنى تَذْكِرَةٍ، إمّا لِأنَّ أنْذَرَ وذَكَّرَ مُتَقارِبانِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: مُذَكِّرُونَ تَذْكِرَةً، وإمّا لِأنَّها حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في ”مُنْذِرُونَ“، أيْ يُنْذِرُونَهم ذَوِي تَذْكِرَةٍ، وإمّا لِأنَّها مَفْعُولٌ لَهُ عَلى مَعْنى أنَّهم يُنْذِرُونَ لِأجْلِ المَوْعِظَةِ والتَّذْكِرَةِ، أوْ مَرْفُوعَةٌ عَلى أنَّها خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ بِمَعْنى هَذِهِ ذِكْرى، والجُمْلَةُ اعْتِراضِيَّةٌ أوْ صِفَةٌ بِمَعْنى مُنْذِرُونَ ذَوُو ذِكْرى، وجَعَلُوا ذِكْرى لِإمْعانِهِمْ في التَّذْكِرَةِ وإطْنابِهِمْ فِيها، ووَجْهٌ آخَرُ وهو أنْ يَكُونَ ذِكْرى مُتَعَلِّقَةً بِ ”أهْلَكْنا“ مَفْعُولًا لَهُ، والمَعْنى وما أهْلَكْنا مِن أهْلِ قَرْيَةٍ قَوْمًا ظالِمِينَ إلّا بَعْدَ ما ألْزَمْناهُمُ الحجة بِإرْسالِ المُنْذِرِينَ إلَيْهِمْ لِيَكُونَ إهْلاكُهم تَذْكِرَةً وعِبْرَةً لِغَيْرِهِمْ فَلا يَعْصُوا مِثْلَ عِصْيانِهِمْ، ﴿وما كُنّا ظالِمِينَ﴾ فَنُهْلِكَ قَوْمًا غَيْرَ ظالِمِينَ، وهَذا الوجه عَلَيْهِ المُعَوَّلُ، فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ عَزَلْتَ الواوَ عَنِ الجُمْلَةِ بَعْدَ إلّا، ولَمْ تَعْزِلْ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وما أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ إلّا ولَها كِتابٌ مَعْلُومٌ﴾ [الحجر: ٤] قُلْتُ: الأصْلُ عَزْلُ الواوِ لِأنَّ الجُمْلَةَ صِفَةٌ لِقَرْيَةٍ، وإذا زِيدَتْ فَلِتَأْكِيدِ وصْلِ الصِّفَةِ بِالمَوْصُوفِ.
الشعراء 26:205
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ﴾ ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ ﴿أفَرَأيْتَ إنْ مَتَّعْناهم سِنِينَ﴾ ﴿ثُمَّ جاءَهم ما كانُوا يُوعَدُونَ﴾ ﴿ما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ ﴿وما أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ إلّا لَها مُنْذِرُونَ﴾ ﴿ذِكْرى وما كُنّا ظالِمِينَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ، وأنَّهُ يَأْتِيهِمُ العَذابُ بَغْتَةً أتْبَعَهُ بِما يَكُونُ مِنهم عِنْدَ ذَلِكَ عَلى وجْهِ الحَسْرَةَ فَقالَ: ﴿فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ﴾ كَما يَسْتَغِيثُ المَرْءُ عِنْدَ تَعَذُّرِ الخَلاصِ، لِأنَّهم يَعْلَمُونَ في الآخِرَةِ أنْ لا مَلْجَأ، لَكِنَّهم يَذْكُرُونَ ذَلِكَ اسْتِرْواحًا.
فَأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ فالمُرادُ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهم كانُوا في الدُّنْيا يَسْتَعْجِلُونَ العَذابَ، مَعَ أنَّ حالَهم عِنْدَ نُزُولِ العَذابِ طَلَبُ النَّظْرَةِ لِيُعْرَفَ تَفاوُتُ الطَّرِيقَيْنِ فَيُعْتَبَرَ بِهِ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ اسْتِعْجالَ العَذابِ عَلى وجْهِ التَّكْذِيبِ إنَّما يَقَعُ مِنهم لِيَتَمَتَّعُوا في الدُّنْيا، إلّا أنَّ ذَلِكَ جَهْلٌ، وذَلِكَ لِأنَّ مُدَّةَ التَّمَتُّعِ في الدُّنْيا مُتَناهِيَةٌ قَلِيلَةٌ، ومُدَّةَ العَذابِ الَّذِي يَحْصُلُ بَعْدَ ذَلِكَ غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ، ولَيْسَ في العَقْلِ تَرْجِيحٌ لَذّاتٍ مُتَناهِيَةٍ
صفحة ١٤٧
قَلِيلَةٍ عَلى آلامٍ غَيْرِ مُتَناهِيَةٍ، وعَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرانَ أنَّهُ لَقِيَ الحَسَنَ في الطَّوافِ، فَقالَ لَهُ: عِظْنِي، فَلَمْ يَزِدْ عَلى تِلاوَةِ هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ مَيْمُونٌ: لَقَدْ وعَظْتَ فَأبْلَغْتَ، وقُرِئَ ”يُمْتَعُونَ“ بِالتَّخْفِيفِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ لَمْ يُهْلِكْ قَرْيَةً إلّا وهُناكَ نَذِيرٌ يُقِيمُ عَلَيْهِمُ الحجة.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذِكْرى﴾ فَقالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ذِكْرى مَنصُوبَةٌ بِمَعْنى تَذْكِرَةٍ، إمّا لِأنَّ أنْذَرَ وذَكَّرَ مُتَقارِبانِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: مُذَكِّرُونَ تَذْكِرَةً، وإمّا لِأنَّها حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في ”مُنْذِرُونَ“، أيْ يُنْذِرُونَهم ذَوِي تَذْكِرَةٍ، وإمّا لِأنَّها مَفْعُولٌ لَهُ عَلى مَعْنى أنَّهم يُنْذِرُونَ لِأجْلِ المَوْعِظَةِ والتَّذْكِرَةِ، أوْ مَرْفُوعَةٌ عَلى أنَّها خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ بِمَعْنى هَذِهِ ذِكْرى، والجُمْلَةُ اعْتِراضِيَّةٌ أوْ صِفَةٌ بِمَعْنى مُنْذِرُونَ ذَوُو ذِكْرى، وجَعَلُوا ذِكْرى لِإمْعانِهِمْ في التَّذْكِرَةِ وإطْنابِهِمْ فِيها، ووَجْهٌ آخَرُ وهو أنْ يَكُونَ ذِكْرى مُتَعَلِّقَةً بِ ”أهْلَكْنا“ مَفْعُولًا لَهُ، والمَعْنى وما أهْلَكْنا مِن أهْلِ قَرْيَةٍ قَوْمًا ظالِمِينَ إلّا بَعْدَ ما ألْزَمْناهُمُ الحجة بِإرْسالِ المُنْذِرِينَ إلَيْهِمْ لِيَكُونَ إهْلاكُهم تَذْكِرَةً وعِبْرَةً لِغَيْرِهِمْ فَلا يَعْصُوا مِثْلَ عِصْيانِهِمْ، ﴿وما كُنّا ظالِمِينَ﴾ فَنُهْلِكَ قَوْمًا غَيْرَ ظالِمِينَ، وهَذا الوجه عَلَيْهِ المُعَوَّلُ، فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ عَزَلْتَ الواوَ عَنِ الجُمْلَةِ بَعْدَ إلّا، ولَمْ تَعْزِلْ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وما أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ إلّا ولَها كِتابٌ مَعْلُومٌ﴾ [الحجر: ٤] قُلْتُ: الأصْلُ عَزْلُ الواوِ لِأنَّ الجُمْلَةَ صِفَةٌ لِقَرْيَةٍ، وإذا زِيدَتْ فَلِتَأْكِيدِ وصْلِ الصِّفَةِ بِالمَوْصُوفِ.
الشعراء 26:206
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ﴾ ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ ﴿أفَرَأيْتَ إنْ مَتَّعْناهم سِنِينَ﴾ ﴿ثُمَّ جاءَهم ما كانُوا يُوعَدُونَ﴾ ﴿ما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ ﴿وما أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ إلّا لَها مُنْذِرُونَ﴾ ﴿ذِكْرى وما كُنّا ظالِمِينَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ، وأنَّهُ يَأْتِيهِمُ العَذابُ بَغْتَةً أتْبَعَهُ بِما يَكُونُ مِنهم عِنْدَ ذَلِكَ عَلى وجْهِ الحَسْرَةَ فَقالَ: ﴿فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ﴾ كَما يَسْتَغِيثُ المَرْءُ عِنْدَ تَعَذُّرِ الخَلاصِ، لِأنَّهم يَعْلَمُونَ في الآخِرَةِ أنْ لا مَلْجَأ، لَكِنَّهم يَذْكُرُونَ ذَلِكَ اسْتِرْواحًا.
فَأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ فالمُرادُ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهم كانُوا في الدُّنْيا يَسْتَعْجِلُونَ العَذابَ، مَعَ أنَّ حالَهم عِنْدَ نُزُولِ العَذابِ طَلَبُ النَّظْرَةِ لِيُعْرَفَ تَفاوُتُ الطَّرِيقَيْنِ فَيُعْتَبَرَ بِهِ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ اسْتِعْجالَ العَذابِ عَلى وجْهِ التَّكْذِيبِ إنَّما يَقَعُ مِنهم لِيَتَمَتَّعُوا في الدُّنْيا، إلّا أنَّ ذَلِكَ جَهْلٌ، وذَلِكَ لِأنَّ مُدَّةَ التَّمَتُّعِ في الدُّنْيا مُتَناهِيَةٌ قَلِيلَةٌ، ومُدَّةَ العَذابِ الَّذِي يَحْصُلُ بَعْدَ ذَلِكَ غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ، ولَيْسَ في العَقْلِ تَرْجِيحٌ لَذّاتٍ مُتَناهِيَةٍ
صفحة ١٤٧
قَلِيلَةٍ عَلى آلامٍ غَيْرِ مُتَناهِيَةٍ، وعَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرانَ أنَّهُ لَقِيَ الحَسَنَ في الطَّوافِ، فَقالَ لَهُ: عِظْنِي، فَلَمْ يَزِدْ عَلى تِلاوَةِ هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ مَيْمُونٌ: لَقَدْ وعَظْتَ فَأبْلَغْتَ، وقُرِئَ ”يُمْتَعُونَ“ بِالتَّخْفِيفِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ لَمْ يُهْلِكْ قَرْيَةً إلّا وهُناكَ نَذِيرٌ يُقِيمُ عَلَيْهِمُ الحجة.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذِكْرى﴾ فَقالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ذِكْرى مَنصُوبَةٌ بِمَعْنى تَذْكِرَةٍ، إمّا لِأنَّ أنْذَرَ وذَكَّرَ مُتَقارِبانِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: مُذَكِّرُونَ تَذْكِرَةً، وإمّا لِأنَّها حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في ”مُنْذِرُونَ“، أيْ يُنْذِرُونَهم ذَوِي تَذْكِرَةٍ، وإمّا لِأنَّها مَفْعُولٌ لَهُ عَلى مَعْنى أنَّهم يُنْذِرُونَ لِأجْلِ المَوْعِظَةِ والتَّذْكِرَةِ، أوْ مَرْفُوعَةٌ عَلى أنَّها خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ بِمَعْنى هَذِهِ ذِكْرى، والجُمْلَةُ اعْتِراضِيَّةٌ أوْ صِفَةٌ بِمَعْنى مُنْذِرُونَ ذَوُو ذِكْرى، وجَعَلُوا ذِكْرى لِإمْعانِهِمْ في التَّذْكِرَةِ وإطْنابِهِمْ فِيها، ووَجْهٌ آخَرُ وهو أنْ يَكُونَ ذِكْرى مُتَعَلِّقَةً بِ ”أهْلَكْنا“ مَفْعُولًا لَهُ، والمَعْنى وما أهْلَكْنا مِن أهْلِ قَرْيَةٍ قَوْمًا ظالِمِينَ إلّا بَعْدَ ما ألْزَمْناهُمُ الحجة بِإرْسالِ المُنْذِرِينَ إلَيْهِمْ لِيَكُونَ إهْلاكُهم تَذْكِرَةً وعِبْرَةً لِغَيْرِهِمْ فَلا يَعْصُوا مِثْلَ عِصْيانِهِمْ، ﴿وما كُنّا ظالِمِينَ﴾ فَنُهْلِكَ قَوْمًا غَيْرَ ظالِمِينَ، وهَذا الوجه عَلَيْهِ المُعَوَّلُ، فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ عَزَلْتَ الواوَ عَنِ الجُمْلَةِ بَعْدَ إلّا، ولَمْ تَعْزِلْ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وما أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ إلّا ولَها كِتابٌ مَعْلُومٌ﴾ [الحجر: ٤] قُلْتُ: الأصْلُ عَزْلُ الواوِ لِأنَّ الجُمْلَةَ صِفَةٌ لِقَرْيَةٍ، وإذا زِيدَتْ فَلِتَأْكِيدِ وصْلِ الصِّفَةِ بِالمَوْصُوفِ.
الشعراء 26:207
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ﴾ ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ ﴿أفَرَأيْتَ إنْ مَتَّعْناهم سِنِينَ﴾ ﴿ثُمَّ جاءَهم ما كانُوا يُوعَدُونَ﴾ ﴿ما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ ﴿وما أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ إلّا لَها مُنْذِرُونَ﴾ ﴿ذِكْرى وما كُنّا ظالِمِينَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ، وأنَّهُ يَأْتِيهِمُ العَذابُ بَغْتَةً أتْبَعَهُ بِما يَكُونُ مِنهم عِنْدَ ذَلِكَ عَلى وجْهِ الحَسْرَةَ فَقالَ: ﴿فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ﴾ كَما يَسْتَغِيثُ المَرْءُ عِنْدَ تَعَذُّرِ الخَلاصِ، لِأنَّهم يَعْلَمُونَ في الآخِرَةِ أنْ لا مَلْجَأ، لَكِنَّهم يَذْكُرُونَ ذَلِكَ اسْتِرْواحًا.
فَأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ فالمُرادُ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهم كانُوا في الدُّنْيا يَسْتَعْجِلُونَ العَذابَ، مَعَ أنَّ حالَهم عِنْدَ نُزُولِ العَذابِ طَلَبُ النَّظْرَةِ لِيُعْرَفَ تَفاوُتُ الطَّرِيقَيْنِ فَيُعْتَبَرَ بِهِ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ اسْتِعْجالَ العَذابِ عَلى وجْهِ التَّكْذِيبِ إنَّما يَقَعُ مِنهم لِيَتَمَتَّعُوا في الدُّنْيا، إلّا أنَّ ذَلِكَ جَهْلٌ، وذَلِكَ لِأنَّ مُدَّةَ التَّمَتُّعِ في الدُّنْيا مُتَناهِيَةٌ قَلِيلَةٌ، ومُدَّةَ العَذابِ الَّذِي يَحْصُلُ بَعْدَ ذَلِكَ غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ، ولَيْسَ في العَقْلِ تَرْجِيحٌ لَذّاتٍ مُتَناهِيَةٍ
صفحة ١٤٧
قَلِيلَةٍ عَلى آلامٍ غَيْرِ مُتَناهِيَةٍ، وعَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرانَ أنَّهُ لَقِيَ الحَسَنَ في الطَّوافِ، فَقالَ لَهُ: عِظْنِي، فَلَمْ يَزِدْ عَلى تِلاوَةِ هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ مَيْمُونٌ: لَقَدْ وعَظْتَ فَأبْلَغْتَ، وقُرِئَ ”يُمْتَعُونَ“ بِالتَّخْفِيفِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ لَمْ يُهْلِكْ قَرْيَةً إلّا وهُناكَ نَذِيرٌ يُقِيمُ عَلَيْهِمُ الحجة.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذِكْرى﴾ فَقالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ذِكْرى مَنصُوبَةٌ بِمَعْنى تَذْكِرَةٍ، إمّا لِأنَّ أنْذَرَ وذَكَّرَ مُتَقارِبانِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: مُذَكِّرُونَ تَذْكِرَةً، وإمّا لِأنَّها حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في ”مُنْذِرُونَ“، أيْ يُنْذِرُونَهم ذَوِي تَذْكِرَةٍ، وإمّا لِأنَّها مَفْعُولٌ لَهُ عَلى مَعْنى أنَّهم يُنْذِرُونَ لِأجْلِ المَوْعِظَةِ والتَّذْكِرَةِ، أوْ مَرْفُوعَةٌ عَلى أنَّها خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ بِمَعْنى هَذِهِ ذِكْرى، والجُمْلَةُ اعْتِراضِيَّةٌ أوْ صِفَةٌ بِمَعْنى مُنْذِرُونَ ذَوُو ذِكْرى، وجَعَلُوا ذِكْرى لِإمْعانِهِمْ في التَّذْكِرَةِ وإطْنابِهِمْ فِيها، ووَجْهٌ آخَرُ وهو أنْ يَكُونَ ذِكْرى مُتَعَلِّقَةً بِ ”أهْلَكْنا“ مَفْعُولًا لَهُ، والمَعْنى وما أهْلَكْنا مِن أهْلِ قَرْيَةٍ قَوْمًا ظالِمِينَ إلّا بَعْدَ ما ألْزَمْناهُمُ الحجة بِإرْسالِ المُنْذِرِينَ إلَيْهِمْ لِيَكُونَ إهْلاكُهم تَذْكِرَةً وعِبْرَةً لِغَيْرِهِمْ فَلا يَعْصُوا مِثْلَ عِصْيانِهِمْ، ﴿وما كُنّا ظالِمِينَ﴾ فَنُهْلِكَ قَوْمًا غَيْرَ ظالِمِينَ، وهَذا الوجه عَلَيْهِ المُعَوَّلُ، فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ عَزَلْتَ الواوَ عَنِ الجُمْلَةِ بَعْدَ إلّا، ولَمْ تَعْزِلْ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وما أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ إلّا ولَها كِتابٌ مَعْلُومٌ﴾ [الحجر: ٤] قُلْتُ: الأصْلُ عَزْلُ الواوِ لِأنَّ الجُمْلَةَ صِفَةٌ لِقَرْيَةٍ، وإذا زِيدَتْ فَلِتَأْكِيدِ وصْلِ الصِّفَةِ بِالمَوْصُوفِ.
الشعراء 26:208
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ﴾ ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ ﴿أفَرَأيْتَ إنْ مَتَّعْناهم سِنِينَ﴾ ﴿ثُمَّ جاءَهم ما كانُوا يُوعَدُونَ﴾ ﴿ما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ ﴿وما أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ إلّا لَها مُنْذِرُونَ﴾ ﴿ذِكْرى وما كُنّا ظالِمِينَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ، وأنَّهُ يَأْتِيهِمُ العَذابُ بَغْتَةً أتْبَعَهُ بِما يَكُونُ مِنهم عِنْدَ ذَلِكَ عَلى وجْهِ الحَسْرَةَ فَقالَ: ﴿فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ﴾ كَما يَسْتَغِيثُ المَرْءُ عِنْدَ تَعَذُّرِ الخَلاصِ، لِأنَّهم يَعْلَمُونَ في الآخِرَةِ أنْ لا مَلْجَأ، لَكِنَّهم يَذْكُرُونَ ذَلِكَ اسْتِرْواحًا.
فَأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ فالمُرادُ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهم كانُوا في الدُّنْيا يَسْتَعْجِلُونَ العَذابَ، مَعَ أنَّ حالَهم عِنْدَ نُزُولِ العَذابِ طَلَبُ النَّظْرَةِ لِيُعْرَفَ تَفاوُتُ الطَّرِيقَيْنِ فَيُعْتَبَرَ بِهِ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ اسْتِعْجالَ العَذابِ عَلى وجْهِ التَّكْذِيبِ إنَّما يَقَعُ مِنهم لِيَتَمَتَّعُوا في الدُّنْيا، إلّا أنَّ ذَلِكَ جَهْلٌ، وذَلِكَ لِأنَّ مُدَّةَ التَّمَتُّعِ في الدُّنْيا مُتَناهِيَةٌ قَلِيلَةٌ، ومُدَّةَ العَذابِ الَّذِي يَحْصُلُ بَعْدَ ذَلِكَ غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ، ولَيْسَ في العَقْلِ تَرْجِيحٌ لَذّاتٍ مُتَناهِيَةٍ
صفحة ١٤٧
قَلِيلَةٍ عَلى آلامٍ غَيْرِ مُتَناهِيَةٍ، وعَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرانَ أنَّهُ لَقِيَ الحَسَنَ في الطَّوافِ، فَقالَ لَهُ: عِظْنِي، فَلَمْ يَزِدْ عَلى تِلاوَةِ هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ مَيْمُونٌ: لَقَدْ وعَظْتَ فَأبْلَغْتَ، وقُرِئَ ”يُمْتَعُونَ“ بِالتَّخْفِيفِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ لَمْ يُهْلِكْ قَرْيَةً إلّا وهُناكَ نَذِيرٌ يُقِيمُ عَلَيْهِمُ الحجة.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذِكْرى﴾ فَقالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ذِكْرى مَنصُوبَةٌ بِمَعْنى تَذْكِرَةٍ، إمّا لِأنَّ أنْذَرَ وذَكَّرَ مُتَقارِبانِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: مُذَكِّرُونَ تَذْكِرَةً، وإمّا لِأنَّها حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في ”مُنْذِرُونَ“، أيْ يُنْذِرُونَهم ذَوِي تَذْكِرَةٍ، وإمّا لِأنَّها مَفْعُولٌ لَهُ عَلى مَعْنى أنَّهم يُنْذِرُونَ لِأجْلِ المَوْعِظَةِ والتَّذْكِرَةِ، أوْ مَرْفُوعَةٌ عَلى أنَّها خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ بِمَعْنى هَذِهِ ذِكْرى، والجُمْلَةُ اعْتِراضِيَّةٌ أوْ صِفَةٌ بِمَعْنى مُنْذِرُونَ ذَوُو ذِكْرى، وجَعَلُوا ذِكْرى لِإمْعانِهِمْ في التَّذْكِرَةِ وإطْنابِهِمْ فِيها، ووَجْهٌ آخَرُ وهو أنْ يَكُونَ ذِكْرى مُتَعَلِّقَةً بِ ”أهْلَكْنا“ مَفْعُولًا لَهُ، والمَعْنى وما أهْلَكْنا مِن أهْلِ قَرْيَةٍ قَوْمًا ظالِمِينَ إلّا بَعْدَ ما ألْزَمْناهُمُ الحجة بِإرْسالِ المُنْذِرِينَ إلَيْهِمْ لِيَكُونَ إهْلاكُهم تَذْكِرَةً وعِبْرَةً لِغَيْرِهِمْ فَلا يَعْصُوا مِثْلَ عِصْيانِهِمْ، ﴿وما كُنّا ظالِمِينَ﴾ فَنُهْلِكَ قَوْمًا غَيْرَ ظالِمِينَ، وهَذا الوجه عَلَيْهِ المُعَوَّلُ، فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ عَزَلْتَ الواوَ عَنِ الجُمْلَةِ بَعْدَ إلّا، ولَمْ تَعْزِلْ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وما أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ إلّا ولَها كِتابٌ مَعْلُومٌ﴾ [الحجر: ٤] قُلْتُ: الأصْلُ عَزْلُ الواوِ لِأنَّ الجُمْلَةَ صِفَةٌ لِقَرْيَةٍ، وإذا زِيدَتْ فَلِتَأْكِيدِ وصْلِ الصِّفَةِ بِالمَوْصُوفِ.
الشعراء 26:209
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ﴾ ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ ﴿أفَرَأيْتَ إنْ مَتَّعْناهم سِنِينَ﴾ ﴿ثُمَّ جاءَهم ما كانُوا يُوعَدُونَ﴾ ﴿ما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ ﴿وما أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ إلّا لَها مُنْذِرُونَ﴾ ﴿ذِكْرى وما كُنّا ظالِمِينَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ، وأنَّهُ يَأْتِيهِمُ العَذابُ بَغْتَةً أتْبَعَهُ بِما يَكُونُ مِنهم عِنْدَ ذَلِكَ عَلى وجْهِ الحَسْرَةَ فَقالَ: ﴿فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ﴾ كَما يَسْتَغِيثُ المَرْءُ عِنْدَ تَعَذُّرِ الخَلاصِ، لِأنَّهم يَعْلَمُونَ في الآخِرَةِ أنْ لا مَلْجَأ، لَكِنَّهم يَذْكُرُونَ ذَلِكَ اسْتِرْواحًا.
فَأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ فالمُرادُ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهم كانُوا في الدُّنْيا يَسْتَعْجِلُونَ العَذابَ، مَعَ أنَّ حالَهم عِنْدَ نُزُولِ العَذابِ طَلَبُ النَّظْرَةِ لِيُعْرَفَ تَفاوُتُ الطَّرِيقَيْنِ فَيُعْتَبَرَ بِهِ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ اسْتِعْجالَ العَذابِ عَلى وجْهِ التَّكْذِيبِ إنَّما يَقَعُ مِنهم لِيَتَمَتَّعُوا في الدُّنْيا، إلّا أنَّ ذَلِكَ جَهْلٌ، وذَلِكَ لِأنَّ مُدَّةَ التَّمَتُّعِ في الدُّنْيا مُتَناهِيَةٌ قَلِيلَةٌ، ومُدَّةَ العَذابِ الَّذِي يَحْصُلُ بَعْدَ ذَلِكَ غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ، ولَيْسَ في العَقْلِ تَرْجِيحٌ لَذّاتٍ مُتَناهِيَةٍ
صفحة ١٤٧
قَلِيلَةٍ عَلى آلامٍ غَيْرِ مُتَناهِيَةٍ، وعَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرانَ أنَّهُ لَقِيَ الحَسَنَ في الطَّوافِ، فَقالَ لَهُ: عِظْنِي، فَلَمْ يَزِدْ عَلى تِلاوَةِ هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ مَيْمُونٌ: لَقَدْ وعَظْتَ فَأبْلَغْتَ، وقُرِئَ ”يُمْتَعُونَ“ بِالتَّخْفِيفِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ لَمْ يُهْلِكْ قَرْيَةً إلّا وهُناكَ نَذِيرٌ يُقِيمُ عَلَيْهِمُ الحجة.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذِكْرى﴾ فَقالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ذِكْرى مَنصُوبَةٌ بِمَعْنى تَذْكِرَةٍ، إمّا لِأنَّ أنْذَرَ وذَكَّرَ مُتَقارِبانِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: مُذَكِّرُونَ تَذْكِرَةً، وإمّا لِأنَّها حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في ”مُنْذِرُونَ“، أيْ يُنْذِرُونَهم ذَوِي تَذْكِرَةٍ، وإمّا لِأنَّها مَفْعُولٌ لَهُ عَلى مَعْنى أنَّهم يُنْذِرُونَ لِأجْلِ المَوْعِظَةِ والتَّذْكِرَةِ، أوْ مَرْفُوعَةٌ عَلى أنَّها خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ بِمَعْنى هَذِهِ ذِكْرى، والجُمْلَةُ اعْتِراضِيَّةٌ أوْ صِفَةٌ بِمَعْنى مُنْذِرُونَ ذَوُو ذِكْرى، وجَعَلُوا ذِكْرى لِإمْعانِهِمْ في التَّذْكِرَةِ وإطْنابِهِمْ فِيها، ووَجْهٌ آخَرُ وهو أنْ يَكُونَ ذِكْرى مُتَعَلِّقَةً بِ ”أهْلَكْنا“ مَفْعُولًا لَهُ، والمَعْنى وما أهْلَكْنا مِن أهْلِ قَرْيَةٍ قَوْمًا ظالِمِينَ إلّا بَعْدَ ما ألْزَمْناهُمُ الحجة بِإرْسالِ المُنْذِرِينَ إلَيْهِمْ لِيَكُونَ إهْلاكُهم تَذْكِرَةً وعِبْرَةً لِغَيْرِهِمْ فَلا يَعْصُوا مِثْلَ عِصْيانِهِمْ، ﴿وما كُنّا ظالِمِينَ﴾ فَنُهْلِكَ قَوْمًا غَيْرَ ظالِمِينَ، وهَذا الوجه عَلَيْهِ المُعَوَّلُ، فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ عَزَلْتَ الواوَ عَنِ الجُمْلَةِ بَعْدَ إلّا، ولَمْ تَعْزِلْ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وما أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ إلّا ولَها كِتابٌ مَعْلُومٌ﴾ [الحجر: ٤] قُلْتُ: الأصْلُ عَزْلُ الواوِ لِأنَّ الجُمْلَةَ صِفَةٌ لِقَرْيَةٍ، وإذا زِيدَتْ فَلِتَأْكِيدِ وصْلِ الصِّفَةِ بِالمَوْصُوفِ.
الشعراء 26:210
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ﴾ ﴿وما يَنْبَغِي لَهم وما يَسْتَطِيعُونَ﴾ ﴿إنَّهم عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ ﴿فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ المُعَذَّبِينَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا احْتَجَّ عَلى صِدْقِ مُحَمَّدٍ ﷺ بِكَوْنِ القُرْآنِ تَنْزِيلَ رَبِّ العالَمِينَ، وإنَّما يُعْرَفُ ذَلِكَ لِوُقُوعِهِ مِنَ الفَصاحَةِ في النِّهايَةِ القُصْوى، ولِأنَّهُ مُشْتَمِلٌ عَلى قَصَصِ المُتَقَدِّمِينَ مِن غَيْرِ تَفاوُتٍ، مَعَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَشْتَغِلْ بِالتَّعَلُّمِ والِاسْتِفادَةِ، فَكانَ الكُفّارُ يَقُولُونَ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا مِن إلْقاءِ الجِنِّ والشَّياطِينِ كَسائِرِ ما يَنْزِلُ عَلى الكَهَنَةِ ؟، فَأجابَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ بِأنَّ ذَلِكَ لا يَتَسَهَّلُ لِلشَّياطِينِ لِأنَّهم مَرْجُومُونَ بِالشُّهُبِ مَعْزُولُونَ عَنِ اسْتِماعِ كَلامِ أهْلِ السَّماءِ، ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: العِلْمُ بِكَوْنِ الشَّياطِينِ مَمْنُوعِينَ عَنْ ذَلِكَ لا يَحْصُلُ إلّا بِواسِطَةِ خَبَرِ النَّبِيِّ الصّادِقِ، فَإذا أثْبَتْنا كَوْنَ مُحَمَّدٍ ﷺ صادِقًا بِفَصاحَةِ القُرْآنَ وإخْبارِهِ عَنِ الغَيْبِ، ولا يُمْكِنُ إثْباتُ كَوْنِ الفَصاحَةِ والإخْبارِ عَنِ الغَيْبِ مُعْجِزًا إلّا إذا ثَبَتَ كَوْنُ الشَّياطِينِ مَمْنُوعِينَ عَنْ ذَلِكَ، لَزِمَ الدَّوْرُ وهو باطِلٌ وجَوابُهُ: لا نُسَلِّمُ أنَّ العِلْمَ بِكَوْنِ الشَّياطِينِ مَمْنُوعِينَ عَنْ ذَلِكَ لا يُسْتَفادُ إلّا مِن قَوْلِ النَّبِيِّ، وذَلِكَ لِأنّا نَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أنَّ الِاهْتِمامَ بِشَأْنِ الصَّدِيقِ أقْوى مِنَ الِاهْتِمامِ بِشَأْنِ العَدُوِّ، ونَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ كانَ يَلْعَنُ الشَّياطِينَ ويَأْمُرُ النّاسَ بِلَعْنِهِمْ، فَلَوْ كانَ هَذا الغَيْبُ إنَّما حَصَلَ مِن إلْقاءِ الشَّياطِينِ، لَكانَ الكُفّارُ أوْلى بِأنْ يَحْصُلَ لَهم مِثْلُ هَذا العِلْمِ، فَكانَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ اقْتِدارُ الكُفّارِ عَلى مِثْلِهِ أوْلى، فَلَمّا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ عِلِمْنا أنَّ الشَّياطِينَ مَمْنُوعُونَ عَنْ ذَلِكَ، وأنَّهم مَعْزُولُونَ عَنْ تَعَرُّفِ الغُيُوبِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ هَذا الجَوابَ ابْتَدَأ بِخِطابِ الرَّسُولِ ﷺ فَقالَ: ﴿فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ وذَلِكَ في الحَقِيقَةِ خِطابٌ
صفحة ١٤٨
لِغَيْرِهِ، لِأنَّ مِن شَأْنِ الحَكِيمِ إذا أرادَ أنْ يُؤَكِّدَ خِطابَ الغَيْرِ أنْ يُوَجِّهَهُ إلى الرُّؤَساءِ في الظّاهِرِ، وإنْ كانَ المَقْصُودُ بِذَلِكَ هُمُ الأتْباعَ، ولِأنَّهُ تَعالى أرادَ أنْ يُتْبِعَهُ ما يَلِيقُ بِذَلِكَ، فَلِهَذِهِ العِلَّةِ أفْرَدَهُ بِالمُخاطَبَةِ.
الشعراء 26:211
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ﴾ ﴿وما يَنْبَغِي لَهم وما يَسْتَطِيعُونَ﴾ ﴿إنَّهم عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ ﴿فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ المُعَذَّبِينَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا احْتَجَّ عَلى صِدْقِ مُحَمَّدٍ ﷺ بِكَوْنِ القُرْآنِ تَنْزِيلَ رَبِّ العالَمِينَ، وإنَّما يُعْرَفُ ذَلِكَ لِوُقُوعِهِ مِنَ الفَصاحَةِ في النِّهايَةِ القُصْوى، ولِأنَّهُ مُشْتَمِلٌ عَلى قَصَصِ المُتَقَدِّمِينَ مِن غَيْرِ تَفاوُتٍ، مَعَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَشْتَغِلْ بِالتَّعَلُّمِ والِاسْتِفادَةِ، فَكانَ الكُفّارُ يَقُولُونَ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا مِن إلْقاءِ الجِنِّ والشَّياطِينِ كَسائِرِ ما يَنْزِلُ عَلى الكَهَنَةِ ؟، فَأجابَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ بِأنَّ ذَلِكَ لا يَتَسَهَّلُ لِلشَّياطِينِ لِأنَّهم مَرْجُومُونَ بِالشُّهُبِ مَعْزُولُونَ عَنِ اسْتِماعِ كَلامِ أهْلِ السَّماءِ، ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: العِلْمُ بِكَوْنِ الشَّياطِينِ مَمْنُوعِينَ عَنْ ذَلِكَ لا يَحْصُلُ إلّا بِواسِطَةِ خَبَرِ النَّبِيِّ الصّادِقِ، فَإذا أثْبَتْنا كَوْنَ مُحَمَّدٍ ﷺ صادِقًا بِفَصاحَةِ القُرْآنَ وإخْبارِهِ عَنِ الغَيْبِ، ولا يُمْكِنُ إثْباتُ كَوْنِ الفَصاحَةِ والإخْبارِ عَنِ الغَيْبِ مُعْجِزًا إلّا إذا ثَبَتَ كَوْنُ الشَّياطِينِ مَمْنُوعِينَ عَنْ ذَلِكَ، لَزِمَ الدَّوْرُ وهو باطِلٌ وجَوابُهُ: لا نُسَلِّمُ أنَّ العِلْمَ بِكَوْنِ الشَّياطِينِ مَمْنُوعِينَ عَنْ ذَلِكَ لا يُسْتَفادُ إلّا مِن قَوْلِ النَّبِيِّ، وذَلِكَ لِأنّا نَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أنَّ الِاهْتِمامَ بِشَأْنِ الصَّدِيقِ أقْوى مِنَ الِاهْتِمامِ بِشَأْنِ العَدُوِّ، ونَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ كانَ يَلْعَنُ الشَّياطِينَ ويَأْمُرُ النّاسَ بِلَعْنِهِمْ، فَلَوْ كانَ هَذا الغَيْبُ إنَّما حَصَلَ مِن إلْقاءِ الشَّياطِينِ، لَكانَ الكُفّارُ أوْلى بِأنْ يَحْصُلَ لَهم مِثْلُ هَذا العِلْمِ، فَكانَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ اقْتِدارُ الكُفّارِ عَلى مِثْلِهِ أوْلى، فَلَمّا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ عِلِمْنا أنَّ الشَّياطِينَ مَمْنُوعُونَ عَنْ ذَلِكَ، وأنَّهم مَعْزُولُونَ عَنْ تَعَرُّفِ الغُيُوبِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ هَذا الجَوابَ ابْتَدَأ بِخِطابِ الرَّسُولِ ﷺ فَقالَ: ﴿فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ وذَلِكَ في الحَقِيقَةِ خِطابٌ
صفحة ١٤٨
لِغَيْرِهِ، لِأنَّ مِن شَأْنِ الحَكِيمِ إذا أرادَ أنْ يُؤَكِّدَ خِطابَ الغَيْرِ أنْ يُوَجِّهَهُ إلى الرُّؤَساءِ في الظّاهِرِ، وإنْ كانَ المَقْصُودُ بِذَلِكَ هُمُ الأتْباعَ، ولِأنَّهُ تَعالى أرادَ أنْ يُتْبِعَهُ ما يَلِيقُ بِذَلِكَ، فَلِهَذِهِ العِلَّةِ أفْرَدَهُ بِالمُخاطَبَةِ.
الشعراء 26:212
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ﴾ ﴿وما يَنْبَغِي لَهم وما يَسْتَطِيعُونَ﴾ ﴿إنَّهم عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ ﴿فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ المُعَذَّبِينَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا احْتَجَّ عَلى صِدْقِ مُحَمَّدٍ ﷺ بِكَوْنِ القُرْآنِ تَنْزِيلَ رَبِّ العالَمِينَ، وإنَّما يُعْرَفُ ذَلِكَ لِوُقُوعِهِ مِنَ الفَصاحَةِ في النِّهايَةِ القُصْوى، ولِأنَّهُ مُشْتَمِلٌ عَلى قَصَصِ المُتَقَدِّمِينَ مِن غَيْرِ تَفاوُتٍ، مَعَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَشْتَغِلْ بِالتَّعَلُّمِ والِاسْتِفادَةِ، فَكانَ الكُفّارُ يَقُولُونَ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا مِن إلْقاءِ الجِنِّ والشَّياطِينِ كَسائِرِ ما يَنْزِلُ عَلى الكَهَنَةِ ؟، فَأجابَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ بِأنَّ ذَلِكَ لا يَتَسَهَّلُ لِلشَّياطِينِ لِأنَّهم مَرْجُومُونَ بِالشُّهُبِ مَعْزُولُونَ عَنِ اسْتِماعِ كَلامِ أهْلِ السَّماءِ، ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: العِلْمُ بِكَوْنِ الشَّياطِينِ مَمْنُوعِينَ عَنْ ذَلِكَ لا يَحْصُلُ إلّا بِواسِطَةِ خَبَرِ النَّبِيِّ الصّادِقِ، فَإذا أثْبَتْنا كَوْنَ مُحَمَّدٍ ﷺ صادِقًا بِفَصاحَةِ القُرْآنَ وإخْبارِهِ عَنِ الغَيْبِ، ولا يُمْكِنُ إثْباتُ كَوْنِ الفَصاحَةِ والإخْبارِ عَنِ الغَيْبِ مُعْجِزًا إلّا إذا ثَبَتَ كَوْنُ الشَّياطِينِ مَمْنُوعِينَ عَنْ ذَلِكَ، لَزِمَ الدَّوْرُ وهو باطِلٌ وجَوابُهُ: لا نُسَلِّمُ أنَّ العِلْمَ بِكَوْنِ الشَّياطِينِ مَمْنُوعِينَ عَنْ ذَلِكَ لا يُسْتَفادُ إلّا مِن قَوْلِ النَّبِيِّ، وذَلِكَ لِأنّا نَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أنَّ الِاهْتِمامَ بِشَأْنِ الصَّدِيقِ أقْوى مِنَ الِاهْتِمامِ بِشَأْنِ العَدُوِّ، ونَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ كانَ يَلْعَنُ الشَّياطِينَ ويَأْمُرُ النّاسَ بِلَعْنِهِمْ، فَلَوْ كانَ هَذا الغَيْبُ إنَّما حَصَلَ مِن إلْقاءِ الشَّياطِينِ، لَكانَ الكُفّارُ أوْلى بِأنْ يَحْصُلَ لَهم مِثْلُ هَذا العِلْمِ، فَكانَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ اقْتِدارُ الكُفّارِ عَلى مِثْلِهِ أوْلى، فَلَمّا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ عِلِمْنا أنَّ الشَّياطِينَ مَمْنُوعُونَ عَنْ ذَلِكَ، وأنَّهم مَعْزُولُونَ عَنْ تَعَرُّفِ الغُيُوبِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ هَذا الجَوابَ ابْتَدَأ بِخِطابِ الرَّسُولِ ﷺ فَقالَ: ﴿فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ وذَلِكَ في الحَقِيقَةِ خِطابٌ
صفحة ١٤٨
لِغَيْرِهِ، لِأنَّ مِن شَأْنِ الحَكِيمِ إذا أرادَ أنْ يُؤَكِّدَ خِطابَ الغَيْرِ أنْ يُوَجِّهَهُ إلى الرُّؤَساءِ في الظّاهِرِ، وإنْ كانَ المَقْصُودُ بِذَلِكَ هُمُ الأتْباعَ، ولِأنَّهُ تَعالى أرادَ أنْ يُتْبِعَهُ ما يَلِيقُ بِذَلِكَ، فَلِهَذِهِ العِلَّةِ أفْرَدَهُ بِالمُخاطَبَةِ.
الشعراء 26:213
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ﴾ ﴿وما يَنْبَغِي لَهم وما يَسْتَطِيعُونَ﴾ ﴿إنَّهم عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ ﴿فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ المُعَذَّبِينَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا احْتَجَّ عَلى صِدْقِ مُحَمَّدٍ ﷺ بِكَوْنِ القُرْآنِ تَنْزِيلَ رَبِّ العالَمِينَ، وإنَّما يُعْرَفُ ذَلِكَ لِوُقُوعِهِ مِنَ الفَصاحَةِ في النِّهايَةِ القُصْوى، ولِأنَّهُ مُشْتَمِلٌ عَلى قَصَصِ المُتَقَدِّمِينَ مِن غَيْرِ تَفاوُتٍ، مَعَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَشْتَغِلْ بِالتَّعَلُّمِ والِاسْتِفادَةِ، فَكانَ الكُفّارُ يَقُولُونَ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا مِن إلْقاءِ الجِنِّ والشَّياطِينِ كَسائِرِ ما يَنْزِلُ عَلى الكَهَنَةِ ؟، فَأجابَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ بِأنَّ ذَلِكَ لا يَتَسَهَّلُ لِلشَّياطِينِ لِأنَّهم مَرْجُومُونَ بِالشُّهُبِ مَعْزُولُونَ عَنِ اسْتِماعِ كَلامِ أهْلِ السَّماءِ، ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: العِلْمُ بِكَوْنِ الشَّياطِينِ مَمْنُوعِينَ عَنْ ذَلِكَ لا يَحْصُلُ إلّا بِواسِطَةِ خَبَرِ النَّبِيِّ الصّادِقِ، فَإذا أثْبَتْنا كَوْنَ مُحَمَّدٍ ﷺ صادِقًا بِفَصاحَةِ القُرْآنَ وإخْبارِهِ عَنِ الغَيْبِ، ولا يُمْكِنُ إثْباتُ كَوْنِ الفَصاحَةِ والإخْبارِ عَنِ الغَيْبِ مُعْجِزًا إلّا إذا ثَبَتَ كَوْنُ الشَّياطِينِ مَمْنُوعِينَ عَنْ ذَلِكَ، لَزِمَ الدَّوْرُ وهو باطِلٌ وجَوابُهُ: لا نُسَلِّمُ أنَّ العِلْمَ بِكَوْنِ الشَّياطِينِ مَمْنُوعِينَ عَنْ ذَلِكَ لا يُسْتَفادُ إلّا مِن قَوْلِ النَّبِيِّ، وذَلِكَ لِأنّا نَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أنَّ الِاهْتِمامَ بِشَأْنِ الصَّدِيقِ أقْوى مِنَ الِاهْتِمامِ بِشَأْنِ العَدُوِّ، ونَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ كانَ يَلْعَنُ الشَّياطِينَ ويَأْمُرُ النّاسَ بِلَعْنِهِمْ، فَلَوْ كانَ هَذا الغَيْبُ إنَّما حَصَلَ مِن إلْقاءِ الشَّياطِينِ، لَكانَ الكُفّارُ أوْلى بِأنْ يَحْصُلَ لَهم مِثْلُ هَذا العِلْمِ، فَكانَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ اقْتِدارُ الكُفّارِ عَلى مِثْلِهِ أوْلى، فَلَمّا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ عِلِمْنا أنَّ الشَّياطِينَ مَمْنُوعُونَ عَنْ ذَلِكَ، وأنَّهم مَعْزُولُونَ عَنْ تَعَرُّفِ الغُيُوبِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ هَذا الجَوابَ ابْتَدَأ بِخِطابِ الرَّسُولِ ﷺ فَقالَ: ﴿فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ وذَلِكَ في الحَقِيقَةِ خِطابٌ
صفحة ١٤٨
لِغَيْرِهِ، لِأنَّ مِن شَأْنِ الحَكِيمِ إذا أرادَ أنْ يُؤَكِّدَ خِطابَ الغَيْرِ أنْ يُوَجِّهَهُ إلى الرُّؤَساءِ في الظّاهِرِ، وإنْ كانَ المَقْصُودُ بِذَلِكَ هُمُ الأتْباعَ، ولِأنَّهُ تَعالى أرادَ أنْ يُتْبِعَهُ ما يَلِيقُ بِذَلِكَ، فَلِهَذِهِ العِلَّةِ أفْرَدَهُ بِالمُخاطَبَةِ.
الشعراء 26:214
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾ ﴿واخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿فَإنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ ﴿وتَوَكَّلْ عَلى العَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ﴾ ﴿وتَقَلُّبَكَ في السّاجِدِينَ﴾ ﴿إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا بالَغَ في تَسْلِيَةِ رَسُولِهِ أوَّلًا، ثُمَّ أقامَ الحجة عَلى نُبُوَّتِهِ ثانِيًا ثُمَّ أوْرَدَ سُؤالَ المُنْكِرِينَ، وأجابَ عَنْهُ ثالِثًا، أمَرَهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِما يَتَعَلَّقُ بِبابِ التَّبْلِيغِ والرِّسالَةِ وهو هَهُنا أُمُورٌ ثَلاثَةٌ:
الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾ وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى بَدَأ بِالرَّسُولِ فَتَوَعَّدَهُ إنْ دَعا مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ، ثُمَّ أمَرَهُ بِدَعْوَةِ الأقْرَبِ فالأقْرَبِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ إذا تَشَدَّدَ عَلى نَفْسِهِ أوَّلًا، ثُمَّ بِالأقْرَبِ فالأقْرَبِ ثانِيًا، لَمْ يَكُنْ لِأحَدٍ فِيهِ طَعْنٌ البَتَّةَ وكانَ قَوْلُهُ أنْفَعَ وكَلامُهُ أنْجَعَ، ورُوِيَ ”«أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ صَعِدَ الصَّفا فَنادى الأقْرَبَ فالأقْرَبَ وقالَ: يا بَنِي هاشِمٍ، يا بَنِي عَبْدِ مُنافٍ، يا عَبّاسُ عَمَّ مُحَمَّدٍ، يا صَفِيَّةُ عَمَّةَ مُحَمَّدٍ؛ إنِّي لا أمْلِكُ لَكم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، سَلُونِي مِنَ المالِ ما شِئْتُمْ» “ ورُوِيَ ”«أنَّهُ جَمَعَ بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ وهم يَوْمَئِذٍ أرْبَعُونَ رَجُلًا عَلى رِجْلِ شاةٍ وقَعْبٍ مِن لَبَنٍ، وكانَ الرَّجُلُ مِنهم يَأْكُلُ الجَذَعَةَ ويَشْرَبُ العُسَّ، فَأكَلُوا وشَرِبُوا، ثم قال يا بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ لَوْ أخْبَرْتُكم أنَّ بِسَفْحِ هَذا الجَبَلِ خَيْلًا، أكَنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ ؟ قالُوا: نَعَمْ، فَقالَ: إنِّي نَذِيرٌ لَكم بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ» “ .
الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿واخْفِضْ جَناحَكَ﴾ واعْلَمْ أنَّ الطّائِرَ إذا أرادَ أنْ يَنْحَطَّ لِلْوُقُوعِ كَسَرَ جَناحَهُ وخَفَضَهُ، وإذا أرادَ أنْ يَنْهَضَ لِلطَّيَرانِ رَفَعَ جَناحَهُ فَجَعَلَ خَفْضَ جَناحِهِ عِنْدَ الِانْحِطاطِ مَثَلًا في التَّواضُعِ ولِينِ الجانِبِ، فَإنْ قِيلَ المُتَّبِعُونَ لِلرَّسُولِ هُمُ المُؤْمِنُونَ وبِالعَكْسِ فَلِمَ قالَ: ﴿لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ ؟ جَوابُهُ: لا نُسَلِّمُ أنَّ المُتَّبِعِينَ لِلرَّسُولِ هُمُ المُؤْمِنُونَ فَإنَّ كَثِيرًا مِنهم كانُوا يَتَّبِعُونَهُ لِلْقَرابَةِ والنَّسَبِ لا لِلدِّينِ.
فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿فَإنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ فَمَعْناهُ ظاهِرٌ، قالَ الجُبّائِيُّ: هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ بَرِيئًا مِن مَعاصِيهِمْ، وذَلِكَ يُوجِبُ أنَّ اللَّهَ تَعالى أيْضًا بَرِيءٌ مِن عَمَلِهِمْ كالرَّسُولِ وإلّا كانَ مُخالِفًا لِلَّهِ، كَما لَوْ رَضِيَ عَمَّنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِ لَكانَ كَذَلِكَ، وإذا كانَ تَعالى بَرِيئًا مِن عَمَلِهِمْ فَكَيْفَ يَكُونُ فاعِلًا لَهُ ومُرِيدًا لَهُ ؟ الجَوابُ: أنَّهُ تَعالى بَرِيءٌ مِنَ المَعاصِي بِمَعْنى أنَّهُ ما أمَرَ بِها بَلْ نَهى عَنْها، فَأمّا بِمَعْنى أنَّهُ لا يُرِيدُها فَلا نُسَلِّمُ والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ عَلِمَ وُقُوعَها، وعَلِمَ أنَّ ما هو مَعْلُومُ الوُقُوعِ فَهو واجِبُ الوُقُوعِ وإلّا لانْقَلَبَ عِلْمُهُ جَهْلًا وهو مُحالٌ والمُفْضِي إلى المُحالِ مُحالٌ، وعَلِمَ أنَّ ما هو واجِبُ الوُقُوعِ فَإنَّهُ لا يُرادُ عَدَمُ وُقُوعِهِ فَثَبَتَ ما قُلْناهُ.
والثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿وتَوَكَّلْ﴾ والتَّوَكُّلُ عِبارَةٌ عَنْ تَفْوِيضِ الرَّجُلِ أمْرَهُ إلى مَن يَمْلِكُ أمْرَهُ ويَقْدِرُ
صفحة ١٤٩
عَلى نَفْعِهِ وضُرِّهِ، وقَوْلُهُ: ﴿عَلى العَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ أيْ عَلى الَّذِي يَقْهَرُ أعْداءَكَ بِعِزَّتِهِ ويَنْصُرُكَ عَلَيْهِمْ بِرَحْمَتِهِ ثُمَّ أتْبَعُ كَوْنَهُ رَحِيمًا عَلى رَسُولِهِ ما هو كالسَّبَبِ لِتِلْكَ الرَّحْمَةِ، وهو قِيامُهُ وتَقَلُّبُهُ في السّاجِدِينَ وفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: المُرادُ ما كانَ يَفْعَلُهُ في جَوْفِ اللَّيْلِ مِن قِيامِهِ لِلتَّهَجُّدِ وتَقَلُّبِهِ في تَصَفُّحِ أحْوالِ المُجْتَهِدِينَ لِيَطَّلِعَ عَلى أسْرارِهِمْ، كَما يُحْكى أنَّهُ حِينَ نُسِخَ فَرْضُ قِيامِ اللَّيْلِ طافَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ بِبُيُوتِ أصْحابِهِ لِيَنْظُرَ ما يَصْنَعُونَ لِحِرْصِهِ عَلى ما يُوجَدُ مِنهم مَنِ الطّاعاتِ، فَوَجَدَها كَبُيُوتِ الزَّنابِيرِ لِما يَسْمَعُ مِنها مِن دَنْدَنَتِهِمْ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعالى والمُرادُ بِالسّاجِدِينَ المُصَلِّينَ.
وثانِيها: المَعْنى يَراكَ حِينَ تَقُومُ لِلصَّلاةِ بِالنّاسِ جَماعَةً، وتُقَلُّبُهُ في السّاجِدِينَ تَصَرُّفُهُ فِيما بَيْنَهم بِقِيامِهِ ورُكُوعِهِ وسُجُودِهِ وقُعُودِهِ إذْ كانَ إمامًا لَهم.
وثالِثُها: أنَّهُ لا يَخْفى عَلَيْهِ حالُكَ كُلَّما قُمْتَ وتَقَلَّبْتَ مَعَ السّاجِدِينَ في كِفايَةِ أُمُورِ الدِّينِ.
ورابِعُها: المُرادُ تَقَلُّبُ بَصَرِهُ فِيمَن يُصَلِّي خَلْفَهُ مِن قَوْلِهِ ﷺ: ”«أتَمُّوا الرُّكُوعَ والسُّجُودَ فَواللَّهِ إنِّي لَأراكم مِن خَلْفِي» “ .
ثم قال: ﴿إنَّهُ هو السَّمِيعُ﴾ أيْ لِما تَقُولُهُ ﴿العَلِيمُ﴾ أيْ بِما تَنْوِيهِ وتَعْمَلُهُ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ كَوْنَهُ سَمِيعًا أمْرٌ مُغايِرٌ لِعِلْمِهِ بِالمَسْمُوعاتِ وإلّا لَكانَ لَفْظُ ”العَلِيمُ“ مُفِيدًا فائِدَتَهُ. واعْلَمْ أنَّهُ قُرِئَ ”ونُقَلِّبُكَ“ .
واعْلَمْ أنَّ الرّافِضَةَ ذَهَبُوا إلى أنَّ آباءَ النَّبِيِّ ﷺ كانُوا مُؤْمِنِينَ وتَمَسَّكُوا في ذَلِكَ بِهَذِهِ الآيَةِ وبِالخَبَرِ، أمّا هَذِهِ الآيَةُ فَقالُوا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَقَلُّبَكَ في السّاجِدِينَ﴾ يَحْتَمِلُ الوُجُوهَ الَّتِي ذَكَرْتُمْ ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّ اللَّهَ تَعالى نَقَلَ رُوحَهُ مِن ساجِدٍ إلى ساجِدٍ كَما نَقُولُهُ نَحْنُ، وإذا احْتَمَلَ كُلَّ هَذِهِ الوُجُوهِ وجَبَ حَمْلُ الآيَةِ عَلى الكُلِّ ضَرُورَةَ أنَّهُ لا مُنافاةَ ولا رُجْحانَ، وأمّا الخَبَرُ فَقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«لَمْ أزَلْ أُنْقَلُ مِن أصْلابِ الطّاهِرَيْنِ إلى أرْحامِ الطّاهِراتِ» “ وكُلُّ مَن كانَ كافِرًا فَهو نَجِسٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما المُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨] قالُوا: فَإنْ تَمَسَّكْتُمْ عَلى فَسادِ هَذا المَذْهَبِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ لِأبِيهِ آزَرَ﴾ [الأنعام: ٧٤] قُلْنا: الجَوابُ عَنْهُ أنَّ لَفْظَ الأبِ قَدْ يُطْلَقُ عَلى العَمِّ كَما قالَ أبْناءُ يَعْقُوبَ لَهُ: ﴿نَعْبُدُ إلَهَكَ وإلَهَ آبائِكَ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ﴾ [البقرة: ١٣٣] فَسَمَّوْا إسْماعِيلَ أبًا لَهُ مَعَ أنَّهُ كانَ عَمًّا لَهُ، وقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«رُدُّوا عَلَيَّ أبِي» “ يَعْنِي العَبّاسَ، ويَحْتَمِلُ أيْضًا أنْ يَكُونَ مُتَّخِذَ الأصْنامِ أبَ أُمِّهِ فَإنَّ هَذا قَدْ يُقالُ لَهُ الأبُ قالَ تَعالى: ﴿ومِن ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وسُلَيْمانَ﴾ [الأنعام: ٨٤] إلى قَوْلِهِ: ﴿وعِيسى﴾ [الأنعام: ٨٥] فَجَعَلَ عِيسى مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ مَعَ أنَّ إبْراهِيمَ كانَ جَدَّهُ مِن قِبَلِ الأُمِّ.
واعْلَمْ أنّا نَتَمَسَّكُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِأبِيهِ آزَرَ﴾ وما ذَكَرُوهُ صَرْفٌ لِلَّفْظِ عَنْ ظاهِرِهِ، وأمّا حَمْلُ قَوْلِهِ: ﴿وتَقَلُّبَكَ في السّاجِدِينَ﴾ عَلى جَمِيعِ الوُجُوهِ فَغَيْرُ جائِزٍ لِما بَيَّنّا أنَّ حَمْلَ المُشْتَرَكِ عَلى كُلِّ مَعانِيهِ غَيْرُ جائِزٍ، وأمّا الحَدِيثُ فَهو خَبَرٌ واحِدٌ فَلا يُعارِضُ القُرْآنَ.
الشعراء 26:215
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾ ﴿واخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿فَإنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ ﴿وتَوَكَّلْ عَلى العَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ﴾ ﴿وتَقَلُّبَكَ في السّاجِدِينَ﴾ ﴿إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا بالَغَ في تَسْلِيَةِ رَسُولِهِ أوَّلًا، ثُمَّ أقامَ الحجة عَلى نُبُوَّتِهِ ثانِيًا ثُمَّ أوْرَدَ سُؤالَ المُنْكِرِينَ، وأجابَ عَنْهُ ثالِثًا، أمَرَهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِما يَتَعَلَّقُ بِبابِ التَّبْلِيغِ والرِّسالَةِ وهو هَهُنا أُمُورٌ ثَلاثَةٌ:
الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾ وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى بَدَأ بِالرَّسُولِ فَتَوَعَّدَهُ إنْ دَعا مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ، ثُمَّ أمَرَهُ بِدَعْوَةِ الأقْرَبِ فالأقْرَبِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ إذا تَشَدَّدَ عَلى نَفْسِهِ أوَّلًا، ثُمَّ بِالأقْرَبِ فالأقْرَبِ ثانِيًا، لَمْ يَكُنْ لِأحَدٍ فِيهِ طَعْنٌ البَتَّةَ وكانَ قَوْلُهُ أنْفَعَ وكَلامُهُ أنْجَعَ، ورُوِيَ ”«أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ صَعِدَ الصَّفا فَنادى الأقْرَبَ فالأقْرَبَ وقالَ: يا بَنِي هاشِمٍ، يا بَنِي عَبْدِ مُنافٍ، يا عَبّاسُ عَمَّ مُحَمَّدٍ، يا صَفِيَّةُ عَمَّةَ مُحَمَّدٍ؛ إنِّي لا أمْلِكُ لَكم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، سَلُونِي مِنَ المالِ ما شِئْتُمْ» “ ورُوِيَ ”«أنَّهُ جَمَعَ بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ وهم يَوْمَئِذٍ أرْبَعُونَ رَجُلًا عَلى رِجْلِ شاةٍ وقَعْبٍ مِن لَبَنٍ، وكانَ الرَّجُلُ مِنهم يَأْكُلُ الجَذَعَةَ ويَشْرَبُ العُسَّ، فَأكَلُوا وشَرِبُوا، ثم قال يا بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ لَوْ أخْبَرْتُكم أنَّ بِسَفْحِ هَذا الجَبَلِ خَيْلًا، أكَنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ ؟ قالُوا: نَعَمْ، فَقالَ: إنِّي نَذِيرٌ لَكم بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ» “ .
الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿واخْفِضْ جَناحَكَ﴾ واعْلَمْ أنَّ الطّائِرَ إذا أرادَ أنْ يَنْحَطَّ لِلْوُقُوعِ كَسَرَ جَناحَهُ وخَفَضَهُ، وإذا أرادَ أنْ يَنْهَضَ لِلطَّيَرانِ رَفَعَ جَناحَهُ فَجَعَلَ خَفْضَ جَناحِهِ عِنْدَ الِانْحِطاطِ مَثَلًا في التَّواضُعِ ولِينِ الجانِبِ، فَإنْ قِيلَ المُتَّبِعُونَ لِلرَّسُولِ هُمُ المُؤْمِنُونَ وبِالعَكْسِ فَلِمَ قالَ: ﴿لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ ؟ جَوابُهُ: لا نُسَلِّمُ أنَّ المُتَّبِعِينَ لِلرَّسُولِ هُمُ المُؤْمِنُونَ فَإنَّ كَثِيرًا مِنهم كانُوا يَتَّبِعُونَهُ لِلْقَرابَةِ والنَّسَبِ لا لِلدِّينِ.
فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿فَإنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ فَمَعْناهُ ظاهِرٌ، قالَ الجُبّائِيُّ: هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ بَرِيئًا مِن مَعاصِيهِمْ، وذَلِكَ يُوجِبُ أنَّ اللَّهَ تَعالى أيْضًا بَرِيءٌ مِن عَمَلِهِمْ كالرَّسُولِ وإلّا كانَ مُخالِفًا لِلَّهِ، كَما لَوْ رَضِيَ عَمَّنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِ لَكانَ كَذَلِكَ، وإذا كانَ تَعالى بَرِيئًا مِن عَمَلِهِمْ فَكَيْفَ يَكُونُ فاعِلًا لَهُ ومُرِيدًا لَهُ ؟ الجَوابُ: أنَّهُ تَعالى بَرِيءٌ مِنَ المَعاصِي بِمَعْنى أنَّهُ ما أمَرَ بِها بَلْ نَهى عَنْها، فَأمّا بِمَعْنى أنَّهُ لا يُرِيدُها فَلا نُسَلِّمُ والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ عَلِمَ وُقُوعَها، وعَلِمَ أنَّ ما هو مَعْلُومُ الوُقُوعِ فَهو واجِبُ الوُقُوعِ وإلّا لانْقَلَبَ عِلْمُهُ جَهْلًا وهو مُحالٌ والمُفْضِي إلى المُحالِ مُحالٌ، وعَلِمَ أنَّ ما هو واجِبُ الوُقُوعِ فَإنَّهُ لا يُرادُ عَدَمُ وُقُوعِهِ فَثَبَتَ ما قُلْناهُ.
والثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿وتَوَكَّلْ﴾ والتَّوَكُّلُ عِبارَةٌ عَنْ تَفْوِيضِ الرَّجُلِ أمْرَهُ إلى مَن يَمْلِكُ أمْرَهُ ويَقْدِرُ
صفحة ١٤٩
عَلى نَفْعِهِ وضُرِّهِ، وقَوْلُهُ: ﴿عَلى العَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ أيْ عَلى الَّذِي يَقْهَرُ أعْداءَكَ بِعِزَّتِهِ ويَنْصُرُكَ عَلَيْهِمْ بِرَحْمَتِهِ ثُمَّ أتْبَعُ كَوْنَهُ رَحِيمًا عَلى رَسُولِهِ ما هو كالسَّبَبِ لِتِلْكَ الرَّحْمَةِ، وهو قِيامُهُ وتَقَلُّبُهُ في السّاجِدِينَ وفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: المُرادُ ما كانَ يَفْعَلُهُ في جَوْفِ اللَّيْلِ مِن قِيامِهِ لِلتَّهَجُّدِ وتَقَلُّبِهِ في تَصَفُّحِ أحْوالِ المُجْتَهِدِينَ لِيَطَّلِعَ عَلى أسْرارِهِمْ، كَما يُحْكى أنَّهُ حِينَ نُسِخَ فَرْضُ قِيامِ اللَّيْلِ طافَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ بِبُيُوتِ أصْحابِهِ لِيَنْظُرَ ما يَصْنَعُونَ لِحِرْصِهِ عَلى ما يُوجَدُ مِنهم مَنِ الطّاعاتِ، فَوَجَدَها كَبُيُوتِ الزَّنابِيرِ لِما يَسْمَعُ مِنها مِن دَنْدَنَتِهِمْ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعالى والمُرادُ بِالسّاجِدِينَ المُصَلِّينَ.
وثانِيها: المَعْنى يَراكَ حِينَ تَقُومُ لِلصَّلاةِ بِالنّاسِ جَماعَةً، وتُقَلُّبُهُ في السّاجِدِينَ تَصَرُّفُهُ فِيما بَيْنَهم بِقِيامِهِ ورُكُوعِهِ وسُجُودِهِ وقُعُودِهِ إذْ كانَ إمامًا لَهم.
وثالِثُها: أنَّهُ لا يَخْفى عَلَيْهِ حالُكَ كُلَّما قُمْتَ وتَقَلَّبْتَ مَعَ السّاجِدِينَ في كِفايَةِ أُمُورِ الدِّينِ.
ورابِعُها: المُرادُ تَقَلُّبُ بَصَرِهُ فِيمَن يُصَلِّي خَلْفَهُ مِن قَوْلِهِ ﷺ: ”«أتَمُّوا الرُّكُوعَ والسُّجُودَ فَواللَّهِ إنِّي لَأراكم مِن خَلْفِي» “ .
ثم قال: ﴿إنَّهُ هو السَّمِيعُ﴾ أيْ لِما تَقُولُهُ ﴿العَلِيمُ﴾ أيْ بِما تَنْوِيهِ وتَعْمَلُهُ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ كَوْنَهُ سَمِيعًا أمْرٌ مُغايِرٌ لِعِلْمِهِ بِالمَسْمُوعاتِ وإلّا لَكانَ لَفْظُ ”العَلِيمُ“ مُفِيدًا فائِدَتَهُ. واعْلَمْ أنَّهُ قُرِئَ ”ونُقَلِّبُكَ“ .
واعْلَمْ أنَّ الرّافِضَةَ ذَهَبُوا إلى أنَّ آباءَ النَّبِيِّ ﷺ كانُوا مُؤْمِنِينَ وتَمَسَّكُوا في ذَلِكَ بِهَذِهِ الآيَةِ وبِالخَبَرِ، أمّا هَذِهِ الآيَةُ فَقالُوا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَقَلُّبَكَ في السّاجِدِينَ﴾ يَحْتَمِلُ الوُجُوهَ الَّتِي ذَكَرْتُمْ ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّ اللَّهَ تَعالى نَقَلَ رُوحَهُ مِن ساجِدٍ إلى ساجِدٍ كَما نَقُولُهُ نَحْنُ، وإذا احْتَمَلَ كُلَّ هَذِهِ الوُجُوهِ وجَبَ حَمْلُ الآيَةِ عَلى الكُلِّ ضَرُورَةَ أنَّهُ لا مُنافاةَ ولا رُجْحانَ، وأمّا الخَبَرُ فَقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«لَمْ أزَلْ أُنْقَلُ مِن أصْلابِ الطّاهِرَيْنِ إلى أرْحامِ الطّاهِراتِ» “ وكُلُّ مَن كانَ كافِرًا فَهو نَجِسٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما المُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨] قالُوا: فَإنْ تَمَسَّكْتُمْ عَلى فَسادِ هَذا المَذْهَبِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ لِأبِيهِ آزَرَ﴾ [الأنعام: ٧٤] قُلْنا: الجَوابُ عَنْهُ أنَّ لَفْظَ الأبِ قَدْ يُطْلَقُ عَلى العَمِّ كَما قالَ أبْناءُ يَعْقُوبَ لَهُ: ﴿نَعْبُدُ إلَهَكَ وإلَهَ آبائِكَ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ﴾ [البقرة: ١٣٣] فَسَمَّوْا إسْماعِيلَ أبًا لَهُ مَعَ أنَّهُ كانَ عَمًّا لَهُ، وقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«رُدُّوا عَلَيَّ أبِي» “ يَعْنِي العَبّاسَ، ويَحْتَمِلُ أيْضًا أنْ يَكُونَ مُتَّخِذَ الأصْنامِ أبَ أُمِّهِ فَإنَّ هَذا قَدْ يُقالُ لَهُ الأبُ قالَ تَعالى: ﴿ومِن ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وسُلَيْمانَ﴾ [الأنعام: ٨٤] إلى قَوْلِهِ: ﴿وعِيسى﴾ [الأنعام: ٨٥] فَجَعَلَ عِيسى مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ مَعَ أنَّ إبْراهِيمَ كانَ جَدَّهُ مِن قِبَلِ الأُمِّ.
واعْلَمْ أنّا نَتَمَسَّكُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِأبِيهِ آزَرَ﴾ وما ذَكَرُوهُ صَرْفٌ لِلَّفْظِ عَنْ ظاهِرِهِ، وأمّا حَمْلُ قَوْلِهِ: ﴿وتَقَلُّبَكَ في السّاجِدِينَ﴾ عَلى جَمِيعِ الوُجُوهِ فَغَيْرُ جائِزٍ لِما بَيَّنّا أنَّ حَمْلَ المُشْتَرَكِ عَلى كُلِّ مَعانِيهِ غَيْرُ جائِزٍ، وأمّا الحَدِيثُ فَهو خَبَرٌ واحِدٌ فَلا يُعارِضُ القُرْآنَ.
الشعراء 26:216
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾ ﴿واخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿فَإنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ ﴿وتَوَكَّلْ عَلى العَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ﴾ ﴿وتَقَلُّبَكَ في السّاجِدِينَ﴾ ﴿إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا بالَغَ في تَسْلِيَةِ رَسُولِهِ أوَّلًا، ثُمَّ أقامَ الحجة عَلى نُبُوَّتِهِ ثانِيًا ثُمَّ أوْرَدَ سُؤالَ المُنْكِرِينَ، وأجابَ عَنْهُ ثالِثًا، أمَرَهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِما يَتَعَلَّقُ بِبابِ التَّبْلِيغِ والرِّسالَةِ وهو هَهُنا أُمُورٌ ثَلاثَةٌ:
الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾ وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى بَدَأ بِالرَّسُولِ فَتَوَعَّدَهُ إنْ دَعا مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ، ثُمَّ أمَرَهُ بِدَعْوَةِ الأقْرَبِ فالأقْرَبِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ إذا تَشَدَّدَ عَلى نَفْسِهِ أوَّلًا، ثُمَّ بِالأقْرَبِ فالأقْرَبِ ثانِيًا، لَمْ يَكُنْ لِأحَدٍ فِيهِ طَعْنٌ البَتَّةَ وكانَ قَوْلُهُ أنْفَعَ وكَلامُهُ أنْجَعَ، ورُوِيَ ”«أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ صَعِدَ الصَّفا فَنادى الأقْرَبَ فالأقْرَبَ وقالَ: يا بَنِي هاشِمٍ، يا بَنِي عَبْدِ مُنافٍ، يا عَبّاسُ عَمَّ مُحَمَّدٍ، يا صَفِيَّةُ عَمَّةَ مُحَمَّدٍ؛ إنِّي لا أمْلِكُ لَكم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، سَلُونِي مِنَ المالِ ما شِئْتُمْ» “ ورُوِيَ ”«أنَّهُ جَمَعَ بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ وهم يَوْمَئِذٍ أرْبَعُونَ رَجُلًا عَلى رِجْلِ شاةٍ وقَعْبٍ مِن لَبَنٍ، وكانَ الرَّجُلُ مِنهم يَأْكُلُ الجَذَعَةَ ويَشْرَبُ العُسَّ، فَأكَلُوا وشَرِبُوا، ثم قال يا بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ لَوْ أخْبَرْتُكم أنَّ بِسَفْحِ هَذا الجَبَلِ خَيْلًا، أكَنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ ؟ قالُوا: نَعَمْ، فَقالَ: إنِّي نَذِيرٌ لَكم بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ» “ .
الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿واخْفِضْ جَناحَكَ﴾ واعْلَمْ أنَّ الطّائِرَ إذا أرادَ أنْ يَنْحَطَّ لِلْوُقُوعِ كَسَرَ جَناحَهُ وخَفَضَهُ، وإذا أرادَ أنْ يَنْهَضَ لِلطَّيَرانِ رَفَعَ جَناحَهُ فَجَعَلَ خَفْضَ جَناحِهِ عِنْدَ الِانْحِطاطِ مَثَلًا في التَّواضُعِ ولِينِ الجانِبِ، فَإنْ قِيلَ المُتَّبِعُونَ لِلرَّسُولِ هُمُ المُؤْمِنُونَ وبِالعَكْسِ فَلِمَ قالَ: ﴿لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ ؟ جَوابُهُ: لا نُسَلِّمُ أنَّ المُتَّبِعِينَ لِلرَّسُولِ هُمُ المُؤْمِنُونَ فَإنَّ كَثِيرًا مِنهم كانُوا يَتَّبِعُونَهُ لِلْقَرابَةِ والنَّسَبِ لا لِلدِّينِ.
فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿فَإنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ فَمَعْناهُ ظاهِرٌ، قالَ الجُبّائِيُّ: هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ بَرِيئًا مِن مَعاصِيهِمْ، وذَلِكَ يُوجِبُ أنَّ اللَّهَ تَعالى أيْضًا بَرِيءٌ مِن عَمَلِهِمْ كالرَّسُولِ وإلّا كانَ مُخالِفًا لِلَّهِ، كَما لَوْ رَضِيَ عَمَّنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِ لَكانَ كَذَلِكَ، وإذا كانَ تَعالى بَرِيئًا مِن عَمَلِهِمْ فَكَيْفَ يَكُونُ فاعِلًا لَهُ ومُرِيدًا لَهُ ؟ الجَوابُ: أنَّهُ تَعالى بَرِيءٌ مِنَ المَعاصِي بِمَعْنى أنَّهُ ما أمَرَ بِها بَلْ نَهى عَنْها، فَأمّا بِمَعْنى أنَّهُ لا يُرِيدُها فَلا نُسَلِّمُ والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ عَلِمَ وُقُوعَها، وعَلِمَ أنَّ ما هو مَعْلُومُ الوُقُوعِ فَهو واجِبُ الوُقُوعِ وإلّا لانْقَلَبَ عِلْمُهُ جَهْلًا وهو مُحالٌ والمُفْضِي إلى المُحالِ مُحالٌ، وعَلِمَ أنَّ ما هو واجِبُ الوُقُوعِ فَإنَّهُ لا يُرادُ عَدَمُ وُقُوعِهِ فَثَبَتَ ما قُلْناهُ.
والثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿وتَوَكَّلْ﴾ والتَّوَكُّلُ عِبارَةٌ عَنْ تَفْوِيضِ الرَّجُلِ أمْرَهُ إلى مَن يَمْلِكُ أمْرَهُ ويَقْدِرُ
صفحة ١٤٩
عَلى نَفْعِهِ وضُرِّهِ، وقَوْلُهُ: ﴿عَلى العَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ أيْ عَلى الَّذِي يَقْهَرُ أعْداءَكَ بِعِزَّتِهِ ويَنْصُرُكَ عَلَيْهِمْ بِرَحْمَتِهِ ثُمَّ أتْبَعُ كَوْنَهُ رَحِيمًا عَلى رَسُولِهِ ما هو كالسَّبَبِ لِتِلْكَ الرَّحْمَةِ، وهو قِيامُهُ وتَقَلُّبُهُ في السّاجِدِينَ وفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: المُرادُ ما كانَ يَفْعَلُهُ في جَوْفِ اللَّيْلِ مِن قِيامِهِ لِلتَّهَجُّدِ وتَقَلُّبِهِ في تَصَفُّحِ أحْوالِ المُجْتَهِدِينَ لِيَطَّلِعَ عَلى أسْرارِهِمْ، كَما يُحْكى أنَّهُ حِينَ نُسِخَ فَرْضُ قِيامِ اللَّيْلِ طافَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ بِبُيُوتِ أصْحابِهِ لِيَنْظُرَ ما يَصْنَعُونَ لِحِرْصِهِ عَلى ما يُوجَدُ مِنهم مَنِ الطّاعاتِ، فَوَجَدَها كَبُيُوتِ الزَّنابِيرِ لِما يَسْمَعُ مِنها مِن دَنْدَنَتِهِمْ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعالى والمُرادُ بِالسّاجِدِينَ المُصَلِّينَ.
وثانِيها: المَعْنى يَراكَ حِينَ تَقُومُ لِلصَّلاةِ بِالنّاسِ جَماعَةً، وتُقَلُّبُهُ في السّاجِدِينَ تَصَرُّفُهُ فِيما بَيْنَهم بِقِيامِهِ ورُكُوعِهِ وسُجُودِهِ وقُعُودِهِ إذْ كانَ إمامًا لَهم.
وثالِثُها: أنَّهُ لا يَخْفى عَلَيْهِ حالُكَ كُلَّما قُمْتَ وتَقَلَّبْتَ مَعَ السّاجِدِينَ في كِفايَةِ أُمُورِ الدِّينِ.
ورابِعُها: المُرادُ تَقَلُّبُ بَصَرِهُ فِيمَن يُصَلِّي خَلْفَهُ مِن قَوْلِهِ ﷺ: ”«أتَمُّوا الرُّكُوعَ والسُّجُودَ فَواللَّهِ إنِّي لَأراكم مِن خَلْفِي» “ .
ثم قال: ﴿إنَّهُ هو السَّمِيعُ﴾ أيْ لِما تَقُولُهُ ﴿العَلِيمُ﴾ أيْ بِما تَنْوِيهِ وتَعْمَلُهُ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ كَوْنَهُ سَمِيعًا أمْرٌ مُغايِرٌ لِعِلْمِهِ بِالمَسْمُوعاتِ وإلّا لَكانَ لَفْظُ ”العَلِيمُ“ مُفِيدًا فائِدَتَهُ. واعْلَمْ أنَّهُ قُرِئَ ”ونُقَلِّبُكَ“ .
واعْلَمْ أنَّ الرّافِضَةَ ذَهَبُوا إلى أنَّ آباءَ النَّبِيِّ ﷺ كانُوا مُؤْمِنِينَ وتَمَسَّكُوا في ذَلِكَ بِهَذِهِ الآيَةِ وبِالخَبَرِ، أمّا هَذِهِ الآيَةُ فَقالُوا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَقَلُّبَكَ في السّاجِدِينَ﴾ يَحْتَمِلُ الوُجُوهَ الَّتِي ذَكَرْتُمْ ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّ اللَّهَ تَعالى نَقَلَ رُوحَهُ مِن ساجِدٍ إلى ساجِدٍ كَما نَقُولُهُ نَحْنُ، وإذا احْتَمَلَ كُلَّ هَذِهِ الوُجُوهِ وجَبَ حَمْلُ الآيَةِ عَلى الكُلِّ ضَرُورَةَ أنَّهُ لا مُنافاةَ ولا رُجْحانَ، وأمّا الخَبَرُ فَقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«لَمْ أزَلْ أُنْقَلُ مِن أصْلابِ الطّاهِرَيْنِ إلى أرْحامِ الطّاهِراتِ» “ وكُلُّ مَن كانَ كافِرًا فَهو نَجِسٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما المُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨] قالُوا: فَإنْ تَمَسَّكْتُمْ عَلى فَسادِ هَذا المَذْهَبِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ لِأبِيهِ آزَرَ﴾ [الأنعام: ٧٤] قُلْنا: الجَوابُ عَنْهُ أنَّ لَفْظَ الأبِ قَدْ يُطْلَقُ عَلى العَمِّ كَما قالَ أبْناءُ يَعْقُوبَ لَهُ: ﴿نَعْبُدُ إلَهَكَ وإلَهَ آبائِكَ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ﴾ [البقرة: ١٣٣] فَسَمَّوْا إسْماعِيلَ أبًا لَهُ مَعَ أنَّهُ كانَ عَمًّا لَهُ، وقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«رُدُّوا عَلَيَّ أبِي» “ يَعْنِي العَبّاسَ، ويَحْتَمِلُ أيْضًا أنْ يَكُونَ مُتَّخِذَ الأصْنامِ أبَ أُمِّهِ فَإنَّ هَذا قَدْ يُقالُ لَهُ الأبُ قالَ تَعالى: ﴿ومِن ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وسُلَيْمانَ﴾ [الأنعام: ٨٤] إلى قَوْلِهِ: ﴿وعِيسى﴾ [الأنعام: ٨٥] فَجَعَلَ عِيسى مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ مَعَ أنَّ إبْراهِيمَ كانَ جَدَّهُ مِن قِبَلِ الأُمِّ.
واعْلَمْ أنّا نَتَمَسَّكُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِأبِيهِ آزَرَ﴾ وما ذَكَرُوهُ صَرْفٌ لِلَّفْظِ عَنْ ظاهِرِهِ، وأمّا حَمْلُ قَوْلِهِ: ﴿وتَقَلُّبَكَ في السّاجِدِينَ﴾ عَلى جَمِيعِ الوُجُوهِ فَغَيْرُ جائِزٍ لِما بَيَّنّا أنَّ حَمْلَ المُشْتَرَكِ عَلى كُلِّ مَعانِيهِ غَيْرُ جائِزٍ، وأمّا الحَدِيثُ فَهو خَبَرٌ واحِدٌ فَلا يُعارِضُ القُرْآنَ.
الشعراء 26:217
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾ ﴿واخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿فَإنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ ﴿وتَوَكَّلْ عَلى العَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ﴾ ﴿وتَقَلُّبَكَ في السّاجِدِينَ﴾ ﴿إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا بالَغَ في تَسْلِيَةِ رَسُولِهِ أوَّلًا، ثُمَّ أقامَ الحجة عَلى نُبُوَّتِهِ ثانِيًا ثُمَّ أوْرَدَ سُؤالَ المُنْكِرِينَ، وأجابَ عَنْهُ ثالِثًا، أمَرَهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِما يَتَعَلَّقُ بِبابِ التَّبْلِيغِ والرِّسالَةِ وهو هَهُنا أُمُورٌ ثَلاثَةٌ:
الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾ وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى بَدَأ بِالرَّسُولِ فَتَوَعَّدَهُ إنْ دَعا مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ، ثُمَّ أمَرَهُ بِدَعْوَةِ الأقْرَبِ فالأقْرَبِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ إذا تَشَدَّدَ عَلى نَفْسِهِ أوَّلًا، ثُمَّ بِالأقْرَبِ فالأقْرَبِ ثانِيًا، لَمْ يَكُنْ لِأحَدٍ فِيهِ طَعْنٌ البَتَّةَ وكانَ قَوْلُهُ أنْفَعَ وكَلامُهُ أنْجَعَ، ورُوِيَ ”«أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ صَعِدَ الصَّفا فَنادى الأقْرَبَ فالأقْرَبَ وقالَ: يا بَنِي هاشِمٍ، يا بَنِي عَبْدِ مُنافٍ، يا عَبّاسُ عَمَّ مُحَمَّدٍ، يا صَفِيَّةُ عَمَّةَ مُحَمَّدٍ؛ إنِّي لا أمْلِكُ لَكم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، سَلُونِي مِنَ المالِ ما شِئْتُمْ» “ ورُوِيَ ”«أنَّهُ جَمَعَ بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ وهم يَوْمَئِذٍ أرْبَعُونَ رَجُلًا عَلى رِجْلِ شاةٍ وقَعْبٍ مِن لَبَنٍ، وكانَ الرَّجُلُ مِنهم يَأْكُلُ الجَذَعَةَ ويَشْرَبُ العُسَّ، فَأكَلُوا وشَرِبُوا، ثم قال يا بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ لَوْ أخْبَرْتُكم أنَّ بِسَفْحِ هَذا الجَبَلِ خَيْلًا، أكَنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ ؟ قالُوا: نَعَمْ، فَقالَ: إنِّي نَذِيرٌ لَكم بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ» “ .
الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿واخْفِضْ جَناحَكَ﴾ واعْلَمْ أنَّ الطّائِرَ إذا أرادَ أنْ يَنْحَطَّ لِلْوُقُوعِ كَسَرَ جَناحَهُ وخَفَضَهُ، وإذا أرادَ أنْ يَنْهَضَ لِلطَّيَرانِ رَفَعَ جَناحَهُ فَجَعَلَ خَفْضَ جَناحِهِ عِنْدَ الِانْحِطاطِ مَثَلًا في التَّواضُعِ ولِينِ الجانِبِ، فَإنْ قِيلَ المُتَّبِعُونَ لِلرَّسُولِ هُمُ المُؤْمِنُونَ وبِالعَكْسِ فَلِمَ قالَ: ﴿لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ ؟ جَوابُهُ: لا نُسَلِّمُ أنَّ المُتَّبِعِينَ لِلرَّسُولِ هُمُ المُؤْمِنُونَ فَإنَّ كَثِيرًا مِنهم كانُوا يَتَّبِعُونَهُ لِلْقَرابَةِ والنَّسَبِ لا لِلدِّينِ.
فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿فَإنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ فَمَعْناهُ ظاهِرٌ، قالَ الجُبّائِيُّ: هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ بَرِيئًا مِن مَعاصِيهِمْ، وذَلِكَ يُوجِبُ أنَّ اللَّهَ تَعالى أيْضًا بَرِيءٌ مِن عَمَلِهِمْ كالرَّسُولِ وإلّا كانَ مُخالِفًا لِلَّهِ، كَما لَوْ رَضِيَ عَمَّنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِ لَكانَ كَذَلِكَ، وإذا كانَ تَعالى بَرِيئًا مِن عَمَلِهِمْ فَكَيْفَ يَكُونُ فاعِلًا لَهُ ومُرِيدًا لَهُ ؟ الجَوابُ: أنَّهُ تَعالى بَرِيءٌ مِنَ المَعاصِي بِمَعْنى أنَّهُ ما أمَرَ بِها بَلْ نَهى عَنْها، فَأمّا بِمَعْنى أنَّهُ لا يُرِيدُها فَلا نُسَلِّمُ والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ عَلِمَ وُقُوعَها، وعَلِمَ أنَّ ما هو مَعْلُومُ الوُقُوعِ فَهو واجِبُ الوُقُوعِ وإلّا لانْقَلَبَ عِلْمُهُ جَهْلًا وهو مُحالٌ والمُفْضِي إلى المُحالِ مُحالٌ، وعَلِمَ أنَّ ما هو واجِبُ الوُقُوعِ فَإنَّهُ لا يُرادُ عَدَمُ وُقُوعِهِ فَثَبَتَ ما قُلْناهُ.
والثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿وتَوَكَّلْ﴾ والتَّوَكُّلُ عِبارَةٌ عَنْ تَفْوِيضِ الرَّجُلِ أمْرَهُ إلى مَن يَمْلِكُ أمْرَهُ ويَقْدِرُ
صفحة ١٤٩
عَلى نَفْعِهِ وضُرِّهِ، وقَوْلُهُ: ﴿عَلى العَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ أيْ عَلى الَّذِي يَقْهَرُ أعْداءَكَ بِعِزَّتِهِ ويَنْصُرُكَ عَلَيْهِمْ بِرَحْمَتِهِ ثُمَّ أتْبَعُ كَوْنَهُ رَحِيمًا عَلى رَسُولِهِ ما هو كالسَّبَبِ لِتِلْكَ الرَّحْمَةِ، وهو قِيامُهُ وتَقَلُّبُهُ في السّاجِدِينَ وفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: المُرادُ ما كانَ يَفْعَلُهُ في جَوْفِ اللَّيْلِ مِن قِيامِهِ لِلتَّهَجُّدِ وتَقَلُّبِهِ في تَصَفُّحِ أحْوالِ المُجْتَهِدِينَ لِيَطَّلِعَ عَلى أسْرارِهِمْ، كَما يُحْكى أنَّهُ حِينَ نُسِخَ فَرْضُ قِيامِ اللَّيْلِ طافَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ بِبُيُوتِ أصْحابِهِ لِيَنْظُرَ ما يَصْنَعُونَ لِحِرْصِهِ عَلى ما يُوجَدُ مِنهم مَنِ الطّاعاتِ، فَوَجَدَها كَبُيُوتِ الزَّنابِيرِ لِما يَسْمَعُ مِنها مِن دَنْدَنَتِهِمْ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعالى والمُرادُ بِالسّاجِدِينَ المُصَلِّينَ.
وثانِيها: المَعْنى يَراكَ حِينَ تَقُومُ لِلصَّلاةِ بِالنّاسِ جَماعَةً، وتُقَلُّبُهُ في السّاجِدِينَ تَصَرُّفُهُ فِيما بَيْنَهم بِقِيامِهِ ورُكُوعِهِ وسُجُودِهِ وقُعُودِهِ إذْ كانَ إمامًا لَهم.
وثالِثُها: أنَّهُ لا يَخْفى عَلَيْهِ حالُكَ كُلَّما قُمْتَ وتَقَلَّبْتَ مَعَ السّاجِدِينَ في كِفايَةِ أُمُورِ الدِّينِ.
ورابِعُها: المُرادُ تَقَلُّبُ بَصَرِهُ فِيمَن يُصَلِّي خَلْفَهُ مِن قَوْلِهِ ﷺ: ”«أتَمُّوا الرُّكُوعَ والسُّجُودَ فَواللَّهِ إنِّي لَأراكم مِن خَلْفِي» “ .
ثم قال: ﴿إنَّهُ هو السَّمِيعُ﴾ أيْ لِما تَقُولُهُ ﴿العَلِيمُ﴾ أيْ بِما تَنْوِيهِ وتَعْمَلُهُ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ كَوْنَهُ سَمِيعًا أمْرٌ مُغايِرٌ لِعِلْمِهِ بِالمَسْمُوعاتِ وإلّا لَكانَ لَفْظُ ”العَلِيمُ“ مُفِيدًا فائِدَتَهُ. واعْلَمْ أنَّهُ قُرِئَ ”ونُقَلِّبُكَ“ .
واعْلَمْ أنَّ الرّافِضَةَ ذَهَبُوا إلى أنَّ آباءَ النَّبِيِّ ﷺ كانُوا مُؤْمِنِينَ وتَمَسَّكُوا في ذَلِكَ بِهَذِهِ الآيَةِ وبِالخَبَرِ، أمّا هَذِهِ الآيَةُ فَقالُوا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَقَلُّبَكَ في السّاجِدِينَ﴾ يَحْتَمِلُ الوُجُوهَ الَّتِي ذَكَرْتُمْ ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّ اللَّهَ تَعالى نَقَلَ رُوحَهُ مِن ساجِدٍ إلى ساجِدٍ كَما نَقُولُهُ نَحْنُ، وإذا احْتَمَلَ كُلَّ هَذِهِ الوُجُوهِ وجَبَ حَمْلُ الآيَةِ عَلى الكُلِّ ضَرُورَةَ أنَّهُ لا مُنافاةَ ولا رُجْحانَ، وأمّا الخَبَرُ فَقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«لَمْ أزَلْ أُنْقَلُ مِن أصْلابِ الطّاهِرَيْنِ إلى أرْحامِ الطّاهِراتِ» “ وكُلُّ مَن كانَ كافِرًا فَهو نَجِسٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما المُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨] قالُوا: فَإنْ تَمَسَّكْتُمْ عَلى فَسادِ هَذا المَذْهَبِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ لِأبِيهِ آزَرَ﴾ [الأنعام: ٧٤] قُلْنا: الجَوابُ عَنْهُ أنَّ لَفْظَ الأبِ قَدْ يُطْلَقُ عَلى العَمِّ كَما قالَ أبْناءُ يَعْقُوبَ لَهُ: ﴿نَعْبُدُ إلَهَكَ وإلَهَ آبائِكَ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ﴾ [البقرة: ١٣٣] فَسَمَّوْا إسْماعِيلَ أبًا لَهُ مَعَ أنَّهُ كانَ عَمًّا لَهُ، وقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«رُدُّوا عَلَيَّ أبِي» “ يَعْنِي العَبّاسَ، ويَحْتَمِلُ أيْضًا أنْ يَكُونَ مُتَّخِذَ الأصْنامِ أبَ أُمِّهِ فَإنَّ هَذا قَدْ يُقالُ لَهُ الأبُ قالَ تَعالى: ﴿ومِن ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وسُلَيْمانَ﴾ [الأنعام: ٨٤] إلى قَوْلِهِ: ﴿وعِيسى﴾ [الأنعام: ٨٥] فَجَعَلَ عِيسى مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ مَعَ أنَّ إبْراهِيمَ كانَ جَدَّهُ مِن قِبَلِ الأُمِّ.
واعْلَمْ أنّا نَتَمَسَّكُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِأبِيهِ آزَرَ﴾ وما ذَكَرُوهُ صَرْفٌ لِلَّفْظِ عَنْ ظاهِرِهِ، وأمّا حَمْلُ قَوْلِهِ: ﴿وتَقَلُّبَكَ في السّاجِدِينَ﴾ عَلى جَمِيعِ الوُجُوهِ فَغَيْرُ جائِزٍ لِما بَيَّنّا أنَّ حَمْلَ المُشْتَرَكِ عَلى كُلِّ مَعانِيهِ غَيْرُ جائِزٍ، وأمّا الحَدِيثُ فَهو خَبَرٌ واحِدٌ فَلا يُعارِضُ القُرْآنَ.
الشعراء 26:218
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾ ﴿واخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿فَإنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ ﴿وتَوَكَّلْ عَلى العَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ﴾ ﴿وتَقَلُّبَكَ في السّاجِدِينَ﴾ ﴿إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا بالَغَ في تَسْلِيَةِ رَسُولِهِ أوَّلًا، ثُمَّ أقامَ الحجة عَلى نُبُوَّتِهِ ثانِيًا ثُمَّ أوْرَدَ سُؤالَ المُنْكِرِينَ، وأجابَ عَنْهُ ثالِثًا، أمَرَهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِما يَتَعَلَّقُ بِبابِ التَّبْلِيغِ والرِّسالَةِ وهو هَهُنا أُمُورٌ ثَلاثَةٌ:
الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾ وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى بَدَأ بِالرَّسُولِ فَتَوَعَّدَهُ إنْ دَعا مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ، ثُمَّ أمَرَهُ بِدَعْوَةِ الأقْرَبِ فالأقْرَبِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ إذا تَشَدَّدَ عَلى نَفْسِهِ أوَّلًا، ثُمَّ بِالأقْرَبِ فالأقْرَبِ ثانِيًا، لَمْ يَكُنْ لِأحَدٍ فِيهِ طَعْنٌ البَتَّةَ وكانَ قَوْلُهُ أنْفَعَ وكَلامُهُ أنْجَعَ، ورُوِيَ ”«أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ صَعِدَ الصَّفا فَنادى الأقْرَبَ فالأقْرَبَ وقالَ: يا بَنِي هاشِمٍ، يا بَنِي عَبْدِ مُنافٍ، يا عَبّاسُ عَمَّ مُحَمَّدٍ، يا صَفِيَّةُ عَمَّةَ مُحَمَّدٍ؛ إنِّي لا أمْلِكُ لَكم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، سَلُونِي مِنَ المالِ ما شِئْتُمْ» “ ورُوِيَ ”«أنَّهُ جَمَعَ بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ وهم يَوْمَئِذٍ أرْبَعُونَ رَجُلًا عَلى رِجْلِ شاةٍ وقَعْبٍ مِن لَبَنٍ، وكانَ الرَّجُلُ مِنهم يَأْكُلُ الجَذَعَةَ ويَشْرَبُ العُسَّ، فَأكَلُوا وشَرِبُوا، ثم قال يا بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ لَوْ أخْبَرْتُكم أنَّ بِسَفْحِ هَذا الجَبَلِ خَيْلًا، أكَنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ ؟ قالُوا: نَعَمْ، فَقالَ: إنِّي نَذِيرٌ لَكم بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ» “ .
الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿واخْفِضْ جَناحَكَ﴾ واعْلَمْ أنَّ الطّائِرَ إذا أرادَ أنْ يَنْحَطَّ لِلْوُقُوعِ كَسَرَ جَناحَهُ وخَفَضَهُ، وإذا أرادَ أنْ يَنْهَضَ لِلطَّيَرانِ رَفَعَ جَناحَهُ فَجَعَلَ خَفْضَ جَناحِهِ عِنْدَ الِانْحِطاطِ مَثَلًا في التَّواضُعِ ولِينِ الجانِبِ، فَإنْ قِيلَ المُتَّبِعُونَ لِلرَّسُولِ هُمُ المُؤْمِنُونَ وبِالعَكْسِ فَلِمَ قالَ: ﴿لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ ؟ جَوابُهُ: لا نُسَلِّمُ أنَّ المُتَّبِعِينَ لِلرَّسُولِ هُمُ المُؤْمِنُونَ فَإنَّ كَثِيرًا مِنهم كانُوا يَتَّبِعُونَهُ لِلْقَرابَةِ والنَّسَبِ لا لِلدِّينِ.
فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿فَإنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ فَمَعْناهُ ظاهِرٌ، قالَ الجُبّائِيُّ: هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ بَرِيئًا مِن مَعاصِيهِمْ، وذَلِكَ يُوجِبُ أنَّ اللَّهَ تَعالى أيْضًا بَرِيءٌ مِن عَمَلِهِمْ كالرَّسُولِ وإلّا كانَ مُخالِفًا لِلَّهِ، كَما لَوْ رَضِيَ عَمَّنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِ لَكانَ كَذَلِكَ، وإذا كانَ تَعالى بَرِيئًا مِن عَمَلِهِمْ فَكَيْفَ يَكُونُ فاعِلًا لَهُ ومُرِيدًا لَهُ ؟ الجَوابُ: أنَّهُ تَعالى بَرِيءٌ مِنَ المَعاصِي بِمَعْنى أنَّهُ ما أمَرَ بِها بَلْ نَهى عَنْها، فَأمّا بِمَعْنى أنَّهُ لا يُرِيدُها فَلا نُسَلِّمُ والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ عَلِمَ وُقُوعَها، وعَلِمَ أنَّ ما هو مَعْلُومُ الوُقُوعِ فَهو واجِبُ الوُقُوعِ وإلّا لانْقَلَبَ عِلْمُهُ جَهْلًا وهو مُحالٌ والمُفْضِي إلى المُحالِ مُحالٌ، وعَلِمَ أنَّ ما هو واجِبُ الوُقُوعِ فَإنَّهُ لا يُرادُ عَدَمُ وُقُوعِهِ فَثَبَتَ ما قُلْناهُ.
والثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿وتَوَكَّلْ﴾ والتَّوَكُّلُ عِبارَةٌ عَنْ تَفْوِيضِ الرَّجُلِ أمْرَهُ إلى مَن يَمْلِكُ أمْرَهُ ويَقْدِرُ
صفحة ١٤٩
عَلى نَفْعِهِ وضُرِّهِ، وقَوْلُهُ: ﴿عَلى العَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ أيْ عَلى الَّذِي يَقْهَرُ أعْداءَكَ بِعِزَّتِهِ ويَنْصُرُكَ عَلَيْهِمْ بِرَحْمَتِهِ ثُمَّ أتْبَعُ كَوْنَهُ رَحِيمًا عَلى رَسُولِهِ ما هو كالسَّبَبِ لِتِلْكَ الرَّحْمَةِ، وهو قِيامُهُ وتَقَلُّبُهُ في السّاجِدِينَ وفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: المُرادُ ما كانَ يَفْعَلُهُ في جَوْفِ اللَّيْلِ مِن قِيامِهِ لِلتَّهَجُّدِ وتَقَلُّبِهِ في تَصَفُّحِ أحْوالِ المُجْتَهِدِينَ لِيَطَّلِعَ عَلى أسْرارِهِمْ، كَما يُحْكى أنَّهُ حِينَ نُسِخَ فَرْضُ قِيامِ اللَّيْلِ طافَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ بِبُيُوتِ أصْحابِهِ لِيَنْظُرَ ما يَصْنَعُونَ لِحِرْصِهِ عَلى ما يُوجَدُ مِنهم مَنِ الطّاعاتِ، فَوَجَدَها كَبُيُوتِ الزَّنابِيرِ لِما يَسْمَعُ مِنها مِن دَنْدَنَتِهِمْ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعالى والمُرادُ بِالسّاجِدِينَ المُصَلِّينَ.
وثانِيها: المَعْنى يَراكَ حِينَ تَقُومُ لِلصَّلاةِ بِالنّاسِ جَماعَةً، وتُقَلُّبُهُ في السّاجِدِينَ تَصَرُّفُهُ فِيما بَيْنَهم بِقِيامِهِ ورُكُوعِهِ وسُجُودِهِ وقُعُودِهِ إذْ كانَ إمامًا لَهم.
وثالِثُها: أنَّهُ لا يَخْفى عَلَيْهِ حالُكَ كُلَّما قُمْتَ وتَقَلَّبْتَ مَعَ السّاجِدِينَ في كِفايَةِ أُمُورِ الدِّينِ.
ورابِعُها: المُرادُ تَقَلُّبُ بَصَرِهُ فِيمَن يُصَلِّي خَلْفَهُ مِن قَوْلِهِ ﷺ: ”«أتَمُّوا الرُّكُوعَ والسُّجُودَ فَواللَّهِ إنِّي لَأراكم مِن خَلْفِي» “ .
ثم قال: ﴿إنَّهُ هو السَّمِيعُ﴾ أيْ لِما تَقُولُهُ ﴿العَلِيمُ﴾ أيْ بِما تَنْوِيهِ وتَعْمَلُهُ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ كَوْنَهُ سَمِيعًا أمْرٌ مُغايِرٌ لِعِلْمِهِ بِالمَسْمُوعاتِ وإلّا لَكانَ لَفْظُ ”العَلِيمُ“ مُفِيدًا فائِدَتَهُ. واعْلَمْ أنَّهُ قُرِئَ ”ونُقَلِّبُكَ“ .
واعْلَمْ أنَّ الرّافِضَةَ ذَهَبُوا إلى أنَّ آباءَ النَّبِيِّ ﷺ كانُوا مُؤْمِنِينَ وتَمَسَّكُوا في ذَلِكَ بِهَذِهِ الآيَةِ وبِالخَبَرِ، أمّا هَذِهِ الآيَةُ فَقالُوا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَقَلُّبَكَ في السّاجِدِينَ﴾ يَحْتَمِلُ الوُجُوهَ الَّتِي ذَكَرْتُمْ ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّ اللَّهَ تَعالى نَقَلَ رُوحَهُ مِن ساجِدٍ إلى ساجِدٍ كَما نَقُولُهُ نَحْنُ، وإذا احْتَمَلَ كُلَّ هَذِهِ الوُجُوهِ وجَبَ حَمْلُ الآيَةِ عَلى الكُلِّ ضَرُورَةَ أنَّهُ لا مُنافاةَ ولا رُجْحانَ، وأمّا الخَبَرُ فَقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«لَمْ أزَلْ أُنْقَلُ مِن أصْلابِ الطّاهِرَيْنِ إلى أرْحامِ الطّاهِراتِ» “ وكُلُّ مَن كانَ كافِرًا فَهو نَجِسٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما المُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨] قالُوا: فَإنْ تَمَسَّكْتُمْ عَلى فَسادِ هَذا المَذْهَبِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ لِأبِيهِ آزَرَ﴾ [الأنعام: ٧٤] قُلْنا: الجَوابُ عَنْهُ أنَّ لَفْظَ الأبِ قَدْ يُطْلَقُ عَلى العَمِّ كَما قالَ أبْناءُ يَعْقُوبَ لَهُ: ﴿نَعْبُدُ إلَهَكَ وإلَهَ آبائِكَ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ﴾ [البقرة: ١٣٣] فَسَمَّوْا إسْماعِيلَ أبًا لَهُ مَعَ أنَّهُ كانَ عَمًّا لَهُ، وقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«رُدُّوا عَلَيَّ أبِي» “ يَعْنِي العَبّاسَ، ويَحْتَمِلُ أيْضًا أنْ يَكُونَ مُتَّخِذَ الأصْنامِ أبَ أُمِّهِ فَإنَّ هَذا قَدْ يُقالُ لَهُ الأبُ قالَ تَعالى: ﴿ومِن ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وسُلَيْمانَ﴾ [الأنعام: ٨٤] إلى قَوْلِهِ: ﴿وعِيسى﴾ [الأنعام: ٨٥] فَجَعَلَ عِيسى مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ مَعَ أنَّ إبْراهِيمَ كانَ جَدَّهُ مِن قِبَلِ الأُمِّ.
واعْلَمْ أنّا نَتَمَسَّكُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِأبِيهِ آزَرَ﴾ وما ذَكَرُوهُ صَرْفٌ لِلَّفْظِ عَنْ ظاهِرِهِ، وأمّا حَمْلُ قَوْلِهِ: ﴿وتَقَلُّبَكَ في السّاجِدِينَ﴾ عَلى جَمِيعِ الوُجُوهِ فَغَيْرُ جائِزٍ لِما بَيَّنّا أنَّ حَمْلَ المُشْتَرَكِ عَلى كُلِّ مَعانِيهِ غَيْرُ جائِزٍ، وأمّا الحَدِيثُ فَهو خَبَرٌ واحِدٌ فَلا يُعارِضُ القُرْآنَ.
الشعراء 26:219
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾ ﴿واخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿فَإنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ ﴿وتَوَكَّلْ عَلى العَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ﴾ ﴿وتَقَلُّبَكَ في السّاجِدِينَ﴾ ﴿إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا بالَغَ في تَسْلِيَةِ رَسُولِهِ أوَّلًا، ثُمَّ أقامَ الحجة عَلى نُبُوَّتِهِ ثانِيًا ثُمَّ أوْرَدَ سُؤالَ المُنْكِرِينَ، وأجابَ عَنْهُ ثالِثًا، أمَرَهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِما يَتَعَلَّقُ بِبابِ التَّبْلِيغِ والرِّسالَةِ وهو هَهُنا أُمُورٌ ثَلاثَةٌ:
الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾ وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى بَدَأ بِالرَّسُولِ فَتَوَعَّدَهُ إنْ دَعا مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ، ثُمَّ أمَرَهُ بِدَعْوَةِ الأقْرَبِ فالأقْرَبِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ إذا تَشَدَّدَ عَلى نَفْسِهِ أوَّلًا، ثُمَّ بِالأقْرَبِ فالأقْرَبِ ثانِيًا، لَمْ يَكُنْ لِأحَدٍ فِيهِ طَعْنٌ البَتَّةَ وكانَ قَوْلُهُ أنْفَعَ وكَلامُهُ أنْجَعَ، ورُوِيَ ”«أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ صَعِدَ الصَّفا فَنادى الأقْرَبَ فالأقْرَبَ وقالَ: يا بَنِي هاشِمٍ، يا بَنِي عَبْدِ مُنافٍ، يا عَبّاسُ عَمَّ مُحَمَّدٍ، يا صَفِيَّةُ عَمَّةَ مُحَمَّدٍ؛ إنِّي لا أمْلِكُ لَكم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، سَلُونِي مِنَ المالِ ما شِئْتُمْ» “ ورُوِيَ ”«أنَّهُ جَمَعَ بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ وهم يَوْمَئِذٍ أرْبَعُونَ رَجُلًا عَلى رِجْلِ شاةٍ وقَعْبٍ مِن لَبَنٍ، وكانَ الرَّجُلُ مِنهم يَأْكُلُ الجَذَعَةَ ويَشْرَبُ العُسَّ، فَأكَلُوا وشَرِبُوا، ثم قال يا بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ لَوْ أخْبَرْتُكم أنَّ بِسَفْحِ هَذا الجَبَلِ خَيْلًا، أكَنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ ؟ قالُوا: نَعَمْ، فَقالَ: إنِّي نَذِيرٌ لَكم بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ» “ .
الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿واخْفِضْ جَناحَكَ﴾ واعْلَمْ أنَّ الطّائِرَ إذا أرادَ أنْ يَنْحَطَّ لِلْوُقُوعِ كَسَرَ جَناحَهُ وخَفَضَهُ، وإذا أرادَ أنْ يَنْهَضَ لِلطَّيَرانِ رَفَعَ جَناحَهُ فَجَعَلَ خَفْضَ جَناحِهِ عِنْدَ الِانْحِطاطِ مَثَلًا في التَّواضُعِ ولِينِ الجانِبِ، فَإنْ قِيلَ المُتَّبِعُونَ لِلرَّسُولِ هُمُ المُؤْمِنُونَ وبِالعَكْسِ فَلِمَ قالَ: ﴿لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ ؟ جَوابُهُ: لا نُسَلِّمُ أنَّ المُتَّبِعِينَ لِلرَّسُولِ هُمُ المُؤْمِنُونَ فَإنَّ كَثِيرًا مِنهم كانُوا يَتَّبِعُونَهُ لِلْقَرابَةِ والنَّسَبِ لا لِلدِّينِ.
فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿فَإنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ فَمَعْناهُ ظاهِرٌ، قالَ الجُبّائِيُّ: هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ بَرِيئًا مِن مَعاصِيهِمْ، وذَلِكَ يُوجِبُ أنَّ اللَّهَ تَعالى أيْضًا بَرِيءٌ مِن عَمَلِهِمْ كالرَّسُولِ وإلّا كانَ مُخالِفًا لِلَّهِ، كَما لَوْ رَضِيَ عَمَّنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِ لَكانَ كَذَلِكَ، وإذا كانَ تَعالى بَرِيئًا مِن عَمَلِهِمْ فَكَيْفَ يَكُونُ فاعِلًا لَهُ ومُرِيدًا لَهُ ؟ الجَوابُ: أنَّهُ تَعالى بَرِيءٌ مِنَ المَعاصِي بِمَعْنى أنَّهُ ما أمَرَ بِها بَلْ نَهى عَنْها، فَأمّا بِمَعْنى أنَّهُ لا يُرِيدُها فَلا نُسَلِّمُ والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ عَلِمَ وُقُوعَها، وعَلِمَ أنَّ ما هو مَعْلُومُ الوُقُوعِ فَهو واجِبُ الوُقُوعِ وإلّا لانْقَلَبَ عِلْمُهُ جَهْلًا وهو مُحالٌ والمُفْضِي إلى المُحالِ مُحالٌ، وعَلِمَ أنَّ ما هو واجِبُ الوُقُوعِ فَإنَّهُ لا يُرادُ عَدَمُ وُقُوعِهِ فَثَبَتَ ما قُلْناهُ.
والثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿وتَوَكَّلْ﴾ والتَّوَكُّلُ عِبارَةٌ عَنْ تَفْوِيضِ الرَّجُلِ أمْرَهُ إلى مَن يَمْلِكُ أمْرَهُ ويَقْدِرُ
صفحة ١٤٩
عَلى نَفْعِهِ وضُرِّهِ، وقَوْلُهُ: ﴿عَلى العَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ أيْ عَلى الَّذِي يَقْهَرُ أعْداءَكَ بِعِزَّتِهِ ويَنْصُرُكَ عَلَيْهِمْ بِرَحْمَتِهِ ثُمَّ أتْبَعُ كَوْنَهُ رَحِيمًا عَلى رَسُولِهِ ما هو كالسَّبَبِ لِتِلْكَ الرَّحْمَةِ، وهو قِيامُهُ وتَقَلُّبُهُ في السّاجِدِينَ وفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: المُرادُ ما كانَ يَفْعَلُهُ في جَوْفِ اللَّيْلِ مِن قِيامِهِ لِلتَّهَجُّدِ وتَقَلُّبِهِ في تَصَفُّحِ أحْوالِ المُجْتَهِدِينَ لِيَطَّلِعَ عَلى أسْرارِهِمْ، كَما يُحْكى أنَّهُ حِينَ نُسِخَ فَرْضُ قِيامِ اللَّيْلِ طافَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ بِبُيُوتِ أصْحابِهِ لِيَنْظُرَ ما يَصْنَعُونَ لِحِرْصِهِ عَلى ما يُوجَدُ مِنهم مَنِ الطّاعاتِ، فَوَجَدَها كَبُيُوتِ الزَّنابِيرِ لِما يَسْمَعُ مِنها مِن دَنْدَنَتِهِمْ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعالى والمُرادُ بِالسّاجِدِينَ المُصَلِّينَ.
وثانِيها: المَعْنى يَراكَ حِينَ تَقُومُ لِلصَّلاةِ بِالنّاسِ جَماعَةً، وتُقَلُّبُهُ في السّاجِدِينَ تَصَرُّفُهُ فِيما بَيْنَهم بِقِيامِهِ ورُكُوعِهِ وسُجُودِهِ وقُعُودِهِ إذْ كانَ إمامًا لَهم.
وثالِثُها: أنَّهُ لا يَخْفى عَلَيْهِ حالُكَ كُلَّما قُمْتَ وتَقَلَّبْتَ مَعَ السّاجِدِينَ في كِفايَةِ أُمُورِ الدِّينِ.
ورابِعُها: المُرادُ تَقَلُّبُ بَصَرِهُ فِيمَن يُصَلِّي خَلْفَهُ مِن قَوْلِهِ ﷺ: ”«أتَمُّوا الرُّكُوعَ والسُّجُودَ فَواللَّهِ إنِّي لَأراكم مِن خَلْفِي» “ .
ثم قال: ﴿إنَّهُ هو السَّمِيعُ﴾ أيْ لِما تَقُولُهُ ﴿العَلِيمُ﴾ أيْ بِما تَنْوِيهِ وتَعْمَلُهُ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ كَوْنَهُ سَمِيعًا أمْرٌ مُغايِرٌ لِعِلْمِهِ بِالمَسْمُوعاتِ وإلّا لَكانَ لَفْظُ ”العَلِيمُ“ مُفِيدًا فائِدَتَهُ. واعْلَمْ أنَّهُ قُرِئَ ”ونُقَلِّبُكَ“ .
واعْلَمْ أنَّ الرّافِضَةَ ذَهَبُوا إلى أنَّ آباءَ النَّبِيِّ ﷺ كانُوا مُؤْمِنِينَ وتَمَسَّكُوا في ذَلِكَ بِهَذِهِ الآيَةِ وبِالخَبَرِ، أمّا هَذِهِ الآيَةُ فَقالُوا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَقَلُّبَكَ في السّاجِدِينَ﴾ يَحْتَمِلُ الوُجُوهَ الَّتِي ذَكَرْتُمْ ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّ اللَّهَ تَعالى نَقَلَ رُوحَهُ مِن ساجِدٍ إلى ساجِدٍ كَما نَقُولُهُ نَحْنُ، وإذا احْتَمَلَ كُلَّ هَذِهِ الوُجُوهِ وجَبَ حَمْلُ الآيَةِ عَلى الكُلِّ ضَرُورَةَ أنَّهُ لا مُنافاةَ ولا رُجْحانَ، وأمّا الخَبَرُ فَقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«لَمْ أزَلْ أُنْقَلُ مِن أصْلابِ الطّاهِرَيْنِ إلى أرْحامِ الطّاهِراتِ» “ وكُلُّ مَن كانَ كافِرًا فَهو نَجِسٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما المُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨] قالُوا: فَإنْ تَمَسَّكْتُمْ عَلى فَسادِ هَذا المَذْهَبِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ لِأبِيهِ آزَرَ﴾ [الأنعام: ٧٤] قُلْنا: الجَوابُ عَنْهُ أنَّ لَفْظَ الأبِ قَدْ يُطْلَقُ عَلى العَمِّ كَما قالَ أبْناءُ يَعْقُوبَ لَهُ: ﴿نَعْبُدُ إلَهَكَ وإلَهَ آبائِكَ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ﴾ [البقرة: ١٣٣] فَسَمَّوْا إسْماعِيلَ أبًا لَهُ مَعَ أنَّهُ كانَ عَمًّا لَهُ، وقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«رُدُّوا عَلَيَّ أبِي» “ يَعْنِي العَبّاسَ، ويَحْتَمِلُ أيْضًا أنْ يَكُونَ مُتَّخِذَ الأصْنامِ أبَ أُمِّهِ فَإنَّ هَذا قَدْ يُقالُ لَهُ الأبُ قالَ تَعالى: ﴿ومِن ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وسُلَيْمانَ﴾ [الأنعام: ٨٤] إلى قَوْلِهِ: ﴿وعِيسى﴾ [الأنعام: ٨٥] فَجَعَلَ عِيسى مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ مَعَ أنَّ إبْراهِيمَ كانَ جَدَّهُ مِن قِبَلِ الأُمِّ.
واعْلَمْ أنّا نَتَمَسَّكُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِأبِيهِ آزَرَ﴾ وما ذَكَرُوهُ صَرْفٌ لِلَّفْظِ عَنْ ظاهِرِهِ، وأمّا حَمْلُ قَوْلِهِ: ﴿وتَقَلُّبَكَ في السّاجِدِينَ﴾ عَلى جَمِيعِ الوُجُوهِ فَغَيْرُ جائِزٍ لِما بَيَّنّا أنَّ حَمْلَ المُشْتَرَكِ عَلى كُلِّ مَعانِيهِ غَيْرُ جائِزٍ، وأمّا الحَدِيثُ فَهو خَبَرٌ واحِدٌ فَلا يُعارِضُ القُرْآنَ.
الشعراء 26:220
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾ ﴿واخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿فَإنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ ﴿وتَوَكَّلْ عَلى العَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ﴾ ﴿وتَقَلُّبَكَ في السّاجِدِينَ﴾ ﴿إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا بالَغَ في تَسْلِيَةِ رَسُولِهِ أوَّلًا، ثُمَّ أقامَ الحجة عَلى نُبُوَّتِهِ ثانِيًا ثُمَّ أوْرَدَ سُؤالَ المُنْكِرِينَ، وأجابَ عَنْهُ ثالِثًا، أمَرَهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِما يَتَعَلَّقُ بِبابِ التَّبْلِيغِ والرِّسالَةِ وهو هَهُنا أُمُورٌ ثَلاثَةٌ:
الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾ وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى بَدَأ بِالرَّسُولِ فَتَوَعَّدَهُ إنْ دَعا مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ، ثُمَّ أمَرَهُ بِدَعْوَةِ الأقْرَبِ فالأقْرَبِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ إذا تَشَدَّدَ عَلى نَفْسِهِ أوَّلًا، ثُمَّ بِالأقْرَبِ فالأقْرَبِ ثانِيًا، لَمْ يَكُنْ لِأحَدٍ فِيهِ طَعْنٌ البَتَّةَ وكانَ قَوْلُهُ أنْفَعَ وكَلامُهُ أنْجَعَ، ورُوِيَ ”«أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ صَعِدَ الصَّفا فَنادى الأقْرَبَ فالأقْرَبَ وقالَ: يا بَنِي هاشِمٍ، يا بَنِي عَبْدِ مُنافٍ، يا عَبّاسُ عَمَّ مُحَمَّدٍ، يا صَفِيَّةُ عَمَّةَ مُحَمَّدٍ؛ إنِّي لا أمْلِكُ لَكم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، سَلُونِي مِنَ المالِ ما شِئْتُمْ» “ ورُوِيَ ”«أنَّهُ جَمَعَ بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ وهم يَوْمَئِذٍ أرْبَعُونَ رَجُلًا عَلى رِجْلِ شاةٍ وقَعْبٍ مِن لَبَنٍ، وكانَ الرَّجُلُ مِنهم يَأْكُلُ الجَذَعَةَ ويَشْرَبُ العُسَّ، فَأكَلُوا وشَرِبُوا، ثم قال يا بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ لَوْ أخْبَرْتُكم أنَّ بِسَفْحِ هَذا الجَبَلِ خَيْلًا، أكَنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ ؟ قالُوا: نَعَمْ، فَقالَ: إنِّي نَذِيرٌ لَكم بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ» “ .
الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿واخْفِضْ جَناحَكَ﴾ واعْلَمْ أنَّ الطّائِرَ إذا أرادَ أنْ يَنْحَطَّ لِلْوُقُوعِ كَسَرَ جَناحَهُ وخَفَضَهُ، وإذا أرادَ أنْ يَنْهَضَ لِلطَّيَرانِ رَفَعَ جَناحَهُ فَجَعَلَ خَفْضَ جَناحِهِ عِنْدَ الِانْحِطاطِ مَثَلًا في التَّواضُعِ ولِينِ الجانِبِ، فَإنْ قِيلَ المُتَّبِعُونَ لِلرَّسُولِ هُمُ المُؤْمِنُونَ وبِالعَكْسِ فَلِمَ قالَ: ﴿لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ ؟ جَوابُهُ: لا نُسَلِّمُ أنَّ المُتَّبِعِينَ لِلرَّسُولِ هُمُ المُؤْمِنُونَ فَإنَّ كَثِيرًا مِنهم كانُوا يَتَّبِعُونَهُ لِلْقَرابَةِ والنَّسَبِ لا لِلدِّينِ.
فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿فَإنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ فَمَعْناهُ ظاهِرٌ، قالَ الجُبّائِيُّ: هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ بَرِيئًا مِن مَعاصِيهِمْ، وذَلِكَ يُوجِبُ أنَّ اللَّهَ تَعالى أيْضًا بَرِيءٌ مِن عَمَلِهِمْ كالرَّسُولِ وإلّا كانَ مُخالِفًا لِلَّهِ، كَما لَوْ رَضِيَ عَمَّنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِ لَكانَ كَذَلِكَ، وإذا كانَ تَعالى بَرِيئًا مِن عَمَلِهِمْ فَكَيْفَ يَكُونُ فاعِلًا لَهُ ومُرِيدًا لَهُ ؟ الجَوابُ: أنَّهُ تَعالى بَرِيءٌ مِنَ المَعاصِي بِمَعْنى أنَّهُ ما أمَرَ بِها بَلْ نَهى عَنْها، فَأمّا بِمَعْنى أنَّهُ لا يُرِيدُها فَلا نُسَلِّمُ والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ عَلِمَ وُقُوعَها، وعَلِمَ أنَّ ما هو مَعْلُومُ الوُقُوعِ فَهو واجِبُ الوُقُوعِ وإلّا لانْقَلَبَ عِلْمُهُ جَهْلًا وهو مُحالٌ والمُفْضِي إلى المُحالِ مُحالٌ، وعَلِمَ أنَّ ما هو واجِبُ الوُقُوعِ فَإنَّهُ لا يُرادُ عَدَمُ وُقُوعِهِ فَثَبَتَ ما قُلْناهُ.
والثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿وتَوَكَّلْ﴾ والتَّوَكُّلُ عِبارَةٌ عَنْ تَفْوِيضِ الرَّجُلِ أمْرَهُ إلى مَن يَمْلِكُ أمْرَهُ ويَقْدِرُ
صفحة ١٤٩
عَلى نَفْعِهِ وضُرِّهِ، وقَوْلُهُ: ﴿عَلى العَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ أيْ عَلى الَّذِي يَقْهَرُ أعْداءَكَ بِعِزَّتِهِ ويَنْصُرُكَ عَلَيْهِمْ بِرَحْمَتِهِ ثُمَّ أتْبَعُ كَوْنَهُ رَحِيمًا عَلى رَسُولِهِ ما هو كالسَّبَبِ لِتِلْكَ الرَّحْمَةِ، وهو قِيامُهُ وتَقَلُّبُهُ في السّاجِدِينَ وفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: المُرادُ ما كانَ يَفْعَلُهُ في جَوْفِ اللَّيْلِ مِن قِيامِهِ لِلتَّهَجُّدِ وتَقَلُّبِهِ في تَصَفُّحِ أحْوالِ المُجْتَهِدِينَ لِيَطَّلِعَ عَلى أسْرارِهِمْ، كَما يُحْكى أنَّهُ حِينَ نُسِخَ فَرْضُ قِيامِ اللَّيْلِ طافَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ بِبُيُوتِ أصْحابِهِ لِيَنْظُرَ ما يَصْنَعُونَ لِحِرْصِهِ عَلى ما يُوجَدُ مِنهم مَنِ الطّاعاتِ، فَوَجَدَها كَبُيُوتِ الزَّنابِيرِ لِما يَسْمَعُ مِنها مِن دَنْدَنَتِهِمْ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعالى والمُرادُ بِالسّاجِدِينَ المُصَلِّينَ.
وثانِيها: المَعْنى يَراكَ حِينَ تَقُومُ لِلصَّلاةِ بِالنّاسِ جَماعَةً، وتُقَلُّبُهُ في السّاجِدِينَ تَصَرُّفُهُ فِيما بَيْنَهم بِقِيامِهِ ورُكُوعِهِ وسُجُودِهِ وقُعُودِهِ إذْ كانَ إمامًا لَهم.
وثالِثُها: أنَّهُ لا يَخْفى عَلَيْهِ حالُكَ كُلَّما قُمْتَ وتَقَلَّبْتَ مَعَ السّاجِدِينَ في كِفايَةِ أُمُورِ الدِّينِ.
ورابِعُها: المُرادُ تَقَلُّبُ بَصَرِهُ فِيمَن يُصَلِّي خَلْفَهُ مِن قَوْلِهِ ﷺ: ”«أتَمُّوا الرُّكُوعَ والسُّجُودَ فَواللَّهِ إنِّي لَأراكم مِن خَلْفِي» “ .
ثم قال: ﴿إنَّهُ هو السَّمِيعُ﴾ أيْ لِما تَقُولُهُ ﴿العَلِيمُ﴾ أيْ بِما تَنْوِيهِ وتَعْمَلُهُ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ كَوْنَهُ سَمِيعًا أمْرٌ مُغايِرٌ لِعِلْمِهِ بِالمَسْمُوعاتِ وإلّا لَكانَ لَفْظُ ”العَلِيمُ“ مُفِيدًا فائِدَتَهُ. واعْلَمْ أنَّهُ قُرِئَ ”ونُقَلِّبُكَ“ .
واعْلَمْ أنَّ الرّافِضَةَ ذَهَبُوا إلى أنَّ آباءَ النَّبِيِّ ﷺ كانُوا مُؤْمِنِينَ وتَمَسَّكُوا في ذَلِكَ بِهَذِهِ الآيَةِ وبِالخَبَرِ، أمّا هَذِهِ الآيَةُ فَقالُوا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَقَلُّبَكَ في السّاجِدِينَ﴾ يَحْتَمِلُ الوُجُوهَ الَّتِي ذَكَرْتُمْ ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّ اللَّهَ تَعالى نَقَلَ رُوحَهُ مِن ساجِدٍ إلى ساجِدٍ كَما نَقُولُهُ نَحْنُ، وإذا احْتَمَلَ كُلَّ هَذِهِ الوُجُوهِ وجَبَ حَمْلُ الآيَةِ عَلى الكُلِّ ضَرُورَةَ أنَّهُ لا مُنافاةَ ولا رُجْحانَ، وأمّا الخَبَرُ فَقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«لَمْ أزَلْ أُنْقَلُ مِن أصْلابِ الطّاهِرَيْنِ إلى أرْحامِ الطّاهِراتِ» “ وكُلُّ مَن كانَ كافِرًا فَهو نَجِسٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما المُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨] قالُوا: فَإنْ تَمَسَّكْتُمْ عَلى فَسادِ هَذا المَذْهَبِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ لِأبِيهِ آزَرَ﴾ [الأنعام: ٧٤] قُلْنا: الجَوابُ عَنْهُ أنَّ لَفْظَ الأبِ قَدْ يُطْلَقُ عَلى العَمِّ كَما قالَ أبْناءُ يَعْقُوبَ لَهُ: ﴿نَعْبُدُ إلَهَكَ وإلَهَ آبائِكَ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ﴾ [البقرة: ١٣٣] فَسَمَّوْا إسْماعِيلَ أبًا لَهُ مَعَ أنَّهُ كانَ عَمًّا لَهُ، وقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«رُدُّوا عَلَيَّ أبِي» “ يَعْنِي العَبّاسَ، ويَحْتَمِلُ أيْضًا أنْ يَكُونَ مُتَّخِذَ الأصْنامِ أبَ أُمِّهِ فَإنَّ هَذا قَدْ يُقالُ لَهُ الأبُ قالَ تَعالى: ﴿ومِن ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وسُلَيْمانَ﴾ [الأنعام: ٨٤] إلى قَوْلِهِ: ﴿وعِيسى﴾ [الأنعام: ٨٥] فَجَعَلَ عِيسى مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ مَعَ أنَّ إبْراهِيمَ كانَ جَدَّهُ مِن قِبَلِ الأُمِّ.
واعْلَمْ أنّا نَتَمَسَّكُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِأبِيهِ آزَرَ﴾ وما ذَكَرُوهُ صَرْفٌ لِلَّفْظِ عَنْ ظاهِرِهِ، وأمّا حَمْلُ قَوْلِهِ: ﴿وتَقَلُّبَكَ في السّاجِدِينَ﴾ عَلى جَمِيعِ الوُجُوهِ فَغَيْرُ جائِزٍ لِما بَيَّنّا أنَّ حَمْلَ المُشْتَرَكِ عَلى كُلِّ مَعانِيهِ غَيْرُ جائِزٍ، وأمّا الحَدِيثُ فَهو خَبَرٌ واحِدٌ فَلا يُعارِضُ القُرْآنَ.
الشعراء 26:221
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكم عَلى مَن تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ﴾ ﴿تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أفّاكٍ أثِيمٍ﴾ ﴿يُلْقُونَ السَّمْعَ وأكْثَرُهم كاذِبُونَ﴾ .
صفحة ١٥٠
اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى أعادَ الشُّبْهَةَ المُتَقَدِّمَةَ وأجابَ عَنْها مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أفّاكٍ أثِيمٍ﴾ وذَلِكَ هو الَّذِي قَرَّرْناهُ فِيما تَقَدَّمَ أنَّ الكُفّارَ يُدْعَوْنَ إلى طاعَةِ الشَّيْطانِ، ومُحَمَّدًا عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَدْعُو إلى لَعْنِ الشَّيْطانِ والبَراءَةِ عَنْهُ.
والثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿يُلْقُونَ السَّمْعَ وأكْثَرُهم كاذِبُونَ﴾ والمُرادُ أنَّهم كانُوا يَقِيسُونَ حالَ النَّبِيِّ ﷺ عَلى حالِ سائِرِ الكَهَنَةِ فَكَأنَّهُ قِيلَ لَهم: إنْ كانَ الأمْرُ عَلى ما ذَكَرْتُمْ فَكَما أنَّ الغالِبَ عَلى سائِرِ الكَهَنَةِ الكَذِبُ فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ حالُ الرَّسُولِ ﷺ كَذَلِكَ أيْضًا، فَلَمّا لَمْ يَظْهَرْ في إخْبارِ الرَّسُولِ ﷺ عَنِ المُغَيَّباتِ إلّا الصِّدْقُ عَلِمْنا أنَّ حالَهُ بِخِلافِ حالِ الكَهَنَةِ.
ثُمَّ إنَّ المُفَسِّرِينَ ذَكَرُوا في الآيَةِ وُجُوهًا:
أحَدُها: أنَّهُمُ الشَّياطِينُ؛ رُوِيَ أنَّهم كانُوا قَبْلَ أنْ حُجِبُوا بِالرَّجْمِ يَسَّمَّعُونَ إلى المَلَأِ الأعْلى فَيَخْتَطِفُونَ بَعْضَ ما يَتَكَلَّمُونَ بِهِ مِمّا اطَّلَعُوا عَلَيْهِ مِنَ الغُيُوبِ، ثُمَّ يُوحُونَ بِهِ إلى أوْلِيائِهِمْ ﴿وأكْثَرُهم كاذِبُونَ﴾ فِيما يُوحِي بِهِ إلَيْهِمْ، لِأنَّهم يُسْمِعُونَهم ما لَمْ يَسْمَعُوا.
وثانِيها: يُلْقُونَ إلى أوْلِيائِهِمُ السَّمْعَ أيِ المَسْمُوعَ مِنَ المَلائِكَةِ.
وثالِثُها: الأفّاكُونَ يُلْقُونَ السَّمْعَ إلى الشَّياطِينِ فَيُلْقُونَ وحْيَهم إلَيْهِمْ.
ورابِعُها: يُلْقُونَ المَسْمُوعَ مِنَ الشَّياطِينِ إلى النّاسِ، وأكْثَرُ الأفّاكِينَ كاذِبُونَ يَفْتَرُونَ عَلى الشَّياطِينِ ما لَمْ يُوحُوا إلَيْهِمْ، فَإنْ قُلْتَ: ﴿يُلْقُونَ﴾ ما مَحَلُّهُ ؟ قُلْتُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى الحالِ أيْ تَنَزَّلُ مُلْقِينَ السَّمْعَ، وفي مَحَلِّ الجَرِّ صِفَةً لِ ”كُلِّ أفّاكٍ“ لِأنَّهُ في مَعْنى الجَمْعِ، وأنْ لا يَكُونَ لَهُ مَحَلٌّ بِأنْ يَسْتَأْنِفَ كَأنَّ قائِلًا قالَ: لِمَ تَنَزَّلُ عَلى الأفّاكِينَ ؟ فَقِيلَ: يَفْعَلُونَ كَيْتَ وكَيْتَ، فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ ؟ قالَ: ﴿وأكْثَرُهم كاذِبُونَ﴾ بَعْدَما قَضى عَلَيْهِمْ أنَّ كَلَّ واحِدٍ مِنهم أفّاكٌ ؟ قُلْتُ: الأفّاكُونَ هُمُ الَّذِينَ يُكْثِرُونَ الكَذِبَ، لا أنَّهُمُ الَّذِينَ لا يَنْطِقُونَ إلّا بِالكَذِبِ، فَأرادَ أنَّ هَؤُلاءِ الأفّاكِينَ قَلَّ مَن يَصْدُقُ مِنهم فِيما يَحْكِي عَنِ الجِنِّ وأكْثَرُهم يَفْتَرِي عَلَيْهِمْ.
الشعراء 26:222
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكم عَلى مَن تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ﴾ ﴿تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أفّاكٍ أثِيمٍ﴾ ﴿يُلْقُونَ السَّمْعَ وأكْثَرُهم كاذِبُونَ﴾ .
صفحة ١٥٠
اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى أعادَ الشُّبْهَةَ المُتَقَدِّمَةَ وأجابَ عَنْها مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أفّاكٍ أثِيمٍ﴾ وذَلِكَ هو الَّذِي قَرَّرْناهُ فِيما تَقَدَّمَ أنَّ الكُفّارَ يُدْعَوْنَ إلى طاعَةِ الشَّيْطانِ، ومُحَمَّدًا عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَدْعُو إلى لَعْنِ الشَّيْطانِ والبَراءَةِ عَنْهُ.
والثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿يُلْقُونَ السَّمْعَ وأكْثَرُهم كاذِبُونَ﴾ والمُرادُ أنَّهم كانُوا يَقِيسُونَ حالَ النَّبِيِّ ﷺ عَلى حالِ سائِرِ الكَهَنَةِ فَكَأنَّهُ قِيلَ لَهم: إنْ كانَ الأمْرُ عَلى ما ذَكَرْتُمْ فَكَما أنَّ الغالِبَ عَلى سائِرِ الكَهَنَةِ الكَذِبُ فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ حالُ الرَّسُولِ ﷺ كَذَلِكَ أيْضًا، فَلَمّا لَمْ يَظْهَرْ في إخْبارِ الرَّسُولِ ﷺ عَنِ المُغَيَّباتِ إلّا الصِّدْقُ عَلِمْنا أنَّ حالَهُ بِخِلافِ حالِ الكَهَنَةِ.
ثُمَّ إنَّ المُفَسِّرِينَ ذَكَرُوا في الآيَةِ وُجُوهًا:
أحَدُها: أنَّهُمُ الشَّياطِينُ؛ رُوِيَ أنَّهم كانُوا قَبْلَ أنْ حُجِبُوا بِالرَّجْمِ يَسَّمَّعُونَ إلى المَلَأِ الأعْلى فَيَخْتَطِفُونَ بَعْضَ ما يَتَكَلَّمُونَ بِهِ مِمّا اطَّلَعُوا عَلَيْهِ مِنَ الغُيُوبِ، ثُمَّ يُوحُونَ بِهِ إلى أوْلِيائِهِمْ ﴿وأكْثَرُهم كاذِبُونَ﴾ فِيما يُوحِي بِهِ إلَيْهِمْ، لِأنَّهم يُسْمِعُونَهم ما لَمْ يَسْمَعُوا.
وثانِيها: يُلْقُونَ إلى أوْلِيائِهِمُ السَّمْعَ أيِ المَسْمُوعَ مِنَ المَلائِكَةِ.
وثالِثُها: الأفّاكُونَ يُلْقُونَ السَّمْعَ إلى الشَّياطِينِ فَيُلْقُونَ وحْيَهم إلَيْهِمْ.
ورابِعُها: يُلْقُونَ المَسْمُوعَ مِنَ الشَّياطِينِ إلى النّاسِ، وأكْثَرُ الأفّاكِينَ كاذِبُونَ يَفْتَرُونَ عَلى الشَّياطِينِ ما لَمْ يُوحُوا إلَيْهِمْ، فَإنْ قُلْتَ: ﴿يُلْقُونَ﴾ ما مَحَلُّهُ ؟ قُلْتُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى الحالِ أيْ تَنَزَّلُ مُلْقِينَ السَّمْعَ، وفي مَحَلِّ الجَرِّ صِفَةً لِ ”كُلِّ أفّاكٍ“ لِأنَّهُ في مَعْنى الجَمْعِ، وأنْ لا يَكُونَ لَهُ مَحَلٌّ بِأنْ يَسْتَأْنِفَ كَأنَّ قائِلًا قالَ: لِمَ تَنَزَّلُ عَلى الأفّاكِينَ ؟ فَقِيلَ: يَفْعَلُونَ كَيْتَ وكَيْتَ، فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ ؟ قالَ: ﴿وأكْثَرُهم كاذِبُونَ﴾ بَعْدَما قَضى عَلَيْهِمْ أنَّ كَلَّ واحِدٍ مِنهم أفّاكٌ ؟ قُلْتُ: الأفّاكُونَ هُمُ الَّذِينَ يُكْثِرُونَ الكَذِبَ، لا أنَّهُمُ الَّذِينَ لا يَنْطِقُونَ إلّا بِالكَذِبِ، فَأرادَ أنَّ هَؤُلاءِ الأفّاكِينَ قَلَّ مَن يَصْدُقُ مِنهم فِيما يَحْكِي عَنِ الجِنِّ وأكْثَرُهم يَفْتَرِي عَلَيْهِمْ.
الشعراء 26:223
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكم عَلى مَن تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ﴾ ﴿تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أفّاكٍ أثِيمٍ﴾ ﴿يُلْقُونَ السَّمْعَ وأكْثَرُهم كاذِبُونَ﴾ .
صفحة ١٥٠
اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى أعادَ الشُّبْهَةَ المُتَقَدِّمَةَ وأجابَ عَنْها مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أفّاكٍ أثِيمٍ﴾ وذَلِكَ هو الَّذِي قَرَّرْناهُ فِيما تَقَدَّمَ أنَّ الكُفّارَ يُدْعَوْنَ إلى طاعَةِ الشَّيْطانِ، ومُحَمَّدًا عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَدْعُو إلى لَعْنِ الشَّيْطانِ والبَراءَةِ عَنْهُ.
والثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿يُلْقُونَ السَّمْعَ وأكْثَرُهم كاذِبُونَ﴾ والمُرادُ أنَّهم كانُوا يَقِيسُونَ حالَ النَّبِيِّ ﷺ عَلى حالِ سائِرِ الكَهَنَةِ فَكَأنَّهُ قِيلَ لَهم: إنْ كانَ الأمْرُ عَلى ما ذَكَرْتُمْ فَكَما أنَّ الغالِبَ عَلى سائِرِ الكَهَنَةِ الكَذِبُ فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ حالُ الرَّسُولِ ﷺ كَذَلِكَ أيْضًا، فَلَمّا لَمْ يَظْهَرْ في إخْبارِ الرَّسُولِ ﷺ عَنِ المُغَيَّباتِ إلّا الصِّدْقُ عَلِمْنا أنَّ حالَهُ بِخِلافِ حالِ الكَهَنَةِ.
ثُمَّ إنَّ المُفَسِّرِينَ ذَكَرُوا في الآيَةِ وُجُوهًا:
أحَدُها: أنَّهُمُ الشَّياطِينُ؛ رُوِيَ أنَّهم كانُوا قَبْلَ أنْ حُجِبُوا بِالرَّجْمِ يَسَّمَّعُونَ إلى المَلَأِ الأعْلى فَيَخْتَطِفُونَ بَعْضَ ما يَتَكَلَّمُونَ بِهِ مِمّا اطَّلَعُوا عَلَيْهِ مِنَ الغُيُوبِ، ثُمَّ يُوحُونَ بِهِ إلى أوْلِيائِهِمْ ﴿وأكْثَرُهم كاذِبُونَ﴾ فِيما يُوحِي بِهِ إلَيْهِمْ، لِأنَّهم يُسْمِعُونَهم ما لَمْ يَسْمَعُوا.
وثانِيها: يُلْقُونَ إلى أوْلِيائِهِمُ السَّمْعَ أيِ المَسْمُوعَ مِنَ المَلائِكَةِ.
وثالِثُها: الأفّاكُونَ يُلْقُونَ السَّمْعَ إلى الشَّياطِينِ فَيُلْقُونَ وحْيَهم إلَيْهِمْ.
ورابِعُها: يُلْقُونَ المَسْمُوعَ مِنَ الشَّياطِينِ إلى النّاسِ، وأكْثَرُ الأفّاكِينَ كاذِبُونَ يَفْتَرُونَ عَلى الشَّياطِينِ ما لَمْ يُوحُوا إلَيْهِمْ، فَإنْ قُلْتَ: ﴿يُلْقُونَ﴾ ما مَحَلُّهُ ؟ قُلْتُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى الحالِ أيْ تَنَزَّلُ مُلْقِينَ السَّمْعَ، وفي مَحَلِّ الجَرِّ صِفَةً لِ ”كُلِّ أفّاكٍ“ لِأنَّهُ في مَعْنى الجَمْعِ، وأنْ لا يَكُونَ لَهُ مَحَلٌّ بِأنْ يَسْتَأْنِفَ كَأنَّ قائِلًا قالَ: لِمَ تَنَزَّلُ عَلى الأفّاكِينَ ؟ فَقِيلَ: يَفْعَلُونَ كَيْتَ وكَيْتَ، فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ ؟ قالَ: ﴿وأكْثَرُهم كاذِبُونَ﴾ بَعْدَما قَضى عَلَيْهِمْ أنَّ كَلَّ واحِدٍ مِنهم أفّاكٌ ؟ قُلْتُ: الأفّاكُونَ هُمُ الَّذِينَ يُكْثِرُونَ الكَذِبَ، لا أنَّهُمُ الَّذِينَ لا يَنْطِقُونَ إلّا بِالكَذِبِ، فَأرادَ أنَّ هَؤُلاءِ الأفّاكِينَ قَلَّ مَن يَصْدُقُ مِنهم فِيما يَحْكِي عَنِ الجِنِّ وأكْثَرُهم يَفْتَرِي عَلَيْهِمْ.
الشعراء 26:224
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الغاوُونَ﴾ ﴿ألَمْ تَرَ أنَّهم في كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ﴾ ﴿وأنَّهم يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ﴾ ﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وانْتَصَرُوا مِن بَعْدِ ما ظُلِمُوا وسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ الكُفّارَ لَمّا قالُوا: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ الشَّياطِينَ تَنَزَّلُ بِالقُرْآنِ عَلى مُحَمَّدٍ كَما أنَّهم يَنْزِلُونَ بِالكَهانَةِ عَلى الكَهَنَةِ وبِالشِّعْرِ عَلى الشُّعَراءِ ؟ ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ فَرَّقَ بَيْنَ مُحَمَّدٍ ﷺ وبَيْنَ الكَهَنَةِ، فَذَكَرَ هَهُنا ما يَدُلُّ عَلى الفَرْقِ بَيْنَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ وبَيْنَ الشُّعَراءِ، وذَلِكَ هو أنَّ الشُّعَراءَ يَتَّبِعُهُمُ الغاوُونَ، أيِ الضّالُّونَ، ثُمَّ بَيَّنَ تِلْكَ الغِوايَةَ بِأمْرَيْنِ:
الأوَّلُ: ﴿أنَّهم في كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ﴾ والمُرادُ مِنهُ الطُّرُقُ المُخْتَلِفَةُ كَقَوْلِكَ: أنا في وادٍ وأنْتَ في وادٍ، وذَلِكَ لِأنَّهم قَدْ يَمْدَحُونَ الشَّيْءَ بَعْدَ أنْ ذَمُّوهُ وبِالعَكْسِ، وقَدْ يُعَظِّمُونَهُ بَعْدَ أنِ اسْتَحْقَرُوهُ وبِالعَكْسِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهم لا يَطْلُبُونَ بِشِعْرِهِمُ الحَقَّ ولا الصِّدْقَ بِخِلافِ أمْرِ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَإنَّهُ مِن أوَّلِ أمْرِهِ إلى آخِرِهِ بَقِيَ عَلى طَرِيقٍ واحِدٍ وهو الدَّعْوَةُ إلى اللَّهِ تَعالى والتَّرْغِيبُ في الآخِرَةِ والإعْراضُ عَنِ الدُّنْيا.
صفحة ١٥١
الثّانِي: ﴿وأنَّهم يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ﴾ وذَلِكَ أيْضًا مِن عَلاماتِ الغُواةِ، فَإنَّهم يُرَغِّبُونَ في الجُودِ ويَرْغَبُونَ عَنْهُ، ويُنَفِّرُونَ عَنِ البُخْلِ ويُصِرُّونَ عَلَيْهِ، ويَقْدَحُونَ في النّاسِ بِأدْنى شَيْءٍ صَدَرَ عَنْ واحِدٍ مِن أسْلافِهِمْ، ثُمَّ إنَّهم لا يَرْتَكِبُونَ إلّا الفَواحِشَ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى الغِوايَةِ والضَّلالَةِ.
وأمّا مُحَمَّدٌ ﷺ فَإنَّهُ بَدَأ بِنَفْسِهِ حَيْثُ قالَ اللَّهُ تَعالى لَهُ: ﴿فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ المُعَذَّبِينَ﴾ ثُمَّ بِالأقْرَبِ فالأقْرَبِ حَيْثُ قالَ اللَّهُ تَعالى لَهُ: ﴿وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾ وكُلُّ ذَلِكَ عَلى خِلافِ طَرِيقَةِ الشُّعَراءِ، فَقَدْ ظَهَرَ بِهَذا الَّذِي بَيَّنّاهُ أنَّ حالَ مُحَمَّدٍ ﷺ ما كانَ يُشْبِهُ حالَ الشُّعَراءِ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا وصَفَ الشُّعَراءَ بِهَذِهِ الأوْصافِ الذَّمِيمَةِ بَيانًا لِهَذا الفَرْقِ اسْتَثْنى عَنْهُمُ المَوْصُوفِينَ بِأُمُورٍ أرْبَعَةٍ:
أحَدُها: الإيمانُ وهو قَوْلُهُ: ﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ .
وثانِيها: العَمَلُ الصّالِحُ وهو قَوْلُهُ: ﴿وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ .
وثالِثُها: أنْ يَكُونَ شِعْرُهم في التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ ودَعْوَةِ الخَلْقِ إلى الحَقِّ، وهو قَوْلُهُ: ﴿وذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ .
ورابِعُها: أنْ لا يَذْكُرُوا هَجْوَ أحَدٍ إلّا عَلى سَبِيلِ الِانْتِصارِ مِمَّنْ يَهْجُوهم، وهو قَوْلُهُ: ﴿وانْتَصَرُوا مِن بَعْدِ ما ظُلِمُوا﴾ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لا يُحِبُّ اللَّهُ الجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ إلّا مَن ظُلِمَ﴾ [النساء: ١٤٨] ثُمَّ إنَّ الشَّرْطَ فِيهِ تَرْكُ الِاعْتِداءِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكم فاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ ما اعْتَدى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] وقِيلَ: المُرادُ بِهَذا الِاسْتِثْناءِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَواحَةَ وحَسّانُ بْنُ ثابِتٍ وكَعْبُ بْنُ مالِكٍ وكَعْبُ بْنُ زُهَيْرٍ لِأنَّهم كانُوا يَهْجُونَ قُرَيْشًا، وعَنْ كَعْبِ بْنِ مالِكٍ: ”«أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ لَهُ: اهْجُهم، فَوالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَهو أشُدُّ عَلَيْهِمْ مِن رَشْقِ النَّبْلِ» “ وكانَ يَقُولُ لِحَسّانَ بْنِ ثابِتٍ: ”«قُلْ ورُوحُ القُدُسِ مَعَكَ» “ .
فَأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ فالَّذِي عِنْدِي فِيهِ واللَّهُ أعْلَمُ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ في هَذِهِ السُّورَةِ ما يُزِيلُ الحُزْنَ عَنْ قَلْبِ رَسُولِهِ ﷺ مِنَ الدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ، ومِن أخْبارِ الأنْبِياءِ المُتَقَدِّمِينَ، ثُمَّ ذَكَرَ الدَّلائِلَ عَلى نُبُوَّتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، ثُمَّ ذَكَرَ سُؤالَ المُشْرِكِينَ في تَسْمِيَتِهِمْ مُحَمَّدًا ﷺ تارَةً بِالكاهِنِ، وتارَةً بِالشّاعِرِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ الفَرْقَ بَيْنَهُ وبَيْنَ الكاهِنِ أوَّلًا ثُمَّ بَيَّنَ الفَرْقَ بَيْنَهُ وبَيْنَ الشّاعِرِ ثانِيًا، خَتَمَ السُّورَةَ بِهَذا التَّهْدِيدِ العَظِيمِ، يَعْنِي: أنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم وأعْرَضُوا عَنْ تَدَبُّرِ هَذِهِ الآياتِ، والتَّأمُّلِ في هَذِهِ البَيِّناتِ فَإنَّهم سَيَعْلَمُونَ بَعْدَ ذَلِكَ أيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ وقالَ الجُمْهُورُ: المُرادُ مِنهُ الزَّجْرُ عَنِ الطَّرِيقَةِ الَّتِي وصَفَ اللَّهُ بِها هَؤُلاءِ الشُّعَراءَ، والأوَّلُ أقْرَبُ إلى نَظْمِ السُّورَةِ مِن أوَّلِها إلى آخِرِها واللَّهُ أعْلَمُ.
والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ وصَلَواتُهُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ وآلِهِ وصَحْبِهِ أجْمَعِينَ وعَلى أزْواجِهِ أُمَّهاتِ المُؤْمِنِينَ وعَلى التّابِعَيْنِ لَهم بِإحْسانٍ إلى يَوْمِ الدِّينِ.
الشعراء 26:225
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الغاوُونَ﴾ ﴿ألَمْ تَرَ أنَّهم في كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ﴾ ﴿وأنَّهم يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ﴾ ﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وانْتَصَرُوا مِن بَعْدِ ما ظُلِمُوا وسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ الكُفّارَ لَمّا قالُوا: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ الشَّياطِينَ تَنَزَّلُ بِالقُرْآنِ عَلى مُحَمَّدٍ كَما أنَّهم يَنْزِلُونَ بِالكَهانَةِ عَلى الكَهَنَةِ وبِالشِّعْرِ عَلى الشُّعَراءِ ؟ ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ فَرَّقَ بَيْنَ مُحَمَّدٍ ﷺ وبَيْنَ الكَهَنَةِ، فَذَكَرَ هَهُنا ما يَدُلُّ عَلى الفَرْقِ بَيْنَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ وبَيْنَ الشُّعَراءِ، وذَلِكَ هو أنَّ الشُّعَراءَ يَتَّبِعُهُمُ الغاوُونَ، أيِ الضّالُّونَ، ثُمَّ بَيَّنَ تِلْكَ الغِوايَةَ بِأمْرَيْنِ:
الأوَّلُ: ﴿أنَّهم في كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ﴾ والمُرادُ مِنهُ الطُّرُقُ المُخْتَلِفَةُ كَقَوْلِكَ: أنا في وادٍ وأنْتَ في وادٍ، وذَلِكَ لِأنَّهم قَدْ يَمْدَحُونَ الشَّيْءَ بَعْدَ أنْ ذَمُّوهُ وبِالعَكْسِ، وقَدْ يُعَظِّمُونَهُ بَعْدَ أنِ اسْتَحْقَرُوهُ وبِالعَكْسِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهم لا يَطْلُبُونَ بِشِعْرِهِمُ الحَقَّ ولا الصِّدْقَ بِخِلافِ أمْرِ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَإنَّهُ مِن أوَّلِ أمْرِهِ إلى آخِرِهِ بَقِيَ عَلى طَرِيقٍ واحِدٍ وهو الدَّعْوَةُ إلى اللَّهِ تَعالى والتَّرْغِيبُ في الآخِرَةِ والإعْراضُ عَنِ الدُّنْيا.
صفحة ١٥١
الثّانِي: ﴿وأنَّهم يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ﴾ وذَلِكَ أيْضًا مِن عَلاماتِ الغُواةِ، فَإنَّهم يُرَغِّبُونَ في الجُودِ ويَرْغَبُونَ عَنْهُ، ويُنَفِّرُونَ عَنِ البُخْلِ ويُصِرُّونَ عَلَيْهِ، ويَقْدَحُونَ في النّاسِ بِأدْنى شَيْءٍ صَدَرَ عَنْ واحِدٍ مِن أسْلافِهِمْ، ثُمَّ إنَّهم لا يَرْتَكِبُونَ إلّا الفَواحِشَ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى الغِوايَةِ والضَّلالَةِ.
وأمّا مُحَمَّدٌ ﷺ فَإنَّهُ بَدَأ بِنَفْسِهِ حَيْثُ قالَ اللَّهُ تَعالى لَهُ: ﴿فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ المُعَذَّبِينَ﴾ ثُمَّ بِالأقْرَبِ فالأقْرَبِ حَيْثُ قالَ اللَّهُ تَعالى لَهُ: ﴿وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾ وكُلُّ ذَلِكَ عَلى خِلافِ طَرِيقَةِ الشُّعَراءِ، فَقَدْ ظَهَرَ بِهَذا الَّذِي بَيَّنّاهُ أنَّ حالَ مُحَمَّدٍ ﷺ ما كانَ يُشْبِهُ حالَ الشُّعَراءِ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا وصَفَ الشُّعَراءَ بِهَذِهِ الأوْصافِ الذَّمِيمَةِ بَيانًا لِهَذا الفَرْقِ اسْتَثْنى عَنْهُمُ المَوْصُوفِينَ بِأُمُورٍ أرْبَعَةٍ:
أحَدُها: الإيمانُ وهو قَوْلُهُ: ﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ .
وثانِيها: العَمَلُ الصّالِحُ وهو قَوْلُهُ: ﴿وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ .
وثالِثُها: أنْ يَكُونَ شِعْرُهم في التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ ودَعْوَةِ الخَلْقِ إلى الحَقِّ، وهو قَوْلُهُ: ﴿وذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ .
ورابِعُها: أنْ لا يَذْكُرُوا هَجْوَ أحَدٍ إلّا عَلى سَبِيلِ الِانْتِصارِ مِمَّنْ يَهْجُوهم، وهو قَوْلُهُ: ﴿وانْتَصَرُوا مِن بَعْدِ ما ظُلِمُوا﴾ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لا يُحِبُّ اللَّهُ الجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ إلّا مَن ظُلِمَ﴾ [النساء: ١٤٨] ثُمَّ إنَّ الشَّرْطَ فِيهِ تَرْكُ الِاعْتِداءِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكم فاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ ما اعْتَدى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] وقِيلَ: المُرادُ بِهَذا الِاسْتِثْناءِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَواحَةَ وحَسّانُ بْنُ ثابِتٍ وكَعْبُ بْنُ مالِكٍ وكَعْبُ بْنُ زُهَيْرٍ لِأنَّهم كانُوا يَهْجُونَ قُرَيْشًا، وعَنْ كَعْبِ بْنِ مالِكٍ: ”«أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ لَهُ: اهْجُهم، فَوالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَهو أشُدُّ عَلَيْهِمْ مِن رَشْقِ النَّبْلِ» “ وكانَ يَقُولُ لِحَسّانَ بْنِ ثابِتٍ: ”«قُلْ ورُوحُ القُدُسِ مَعَكَ» “ .
فَأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ فالَّذِي عِنْدِي فِيهِ واللَّهُ أعْلَمُ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ في هَذِهِ السُّورَةِ ما يُزِيلُ الحُزْنَ عَنْ قَلْبِ رَسُولِهِ ﷺ مِنَ الدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ، ومِن أخْبارِ الأنْبِياءِ المُتَقَدِّمِينَ، ثُمَّ ذَكَرَ الدَّلائِلَ عَلى نُبُوَّتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، ثُمَّ ذَكَرَ سُؤالَ المُشْرِكِينَ في تَسْمِيَتِهِمْ مُحَمَّدًا ﷺ تارَةً بِالكاهِنِ، وتارَةً بِالشّاعِرِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ الفَرْقَ بَيْنَهُ وبَيْنَ الكاهِنِ أوَّلًا ثُمَّ بَيَّنَ الفَرْقَ بَيْنَهُ وبَيْنَ الشّاعِرِ ثانِيًا، خَتَمَ السُّورَةَ بِهَذا التَّهْدِيدِ العَظِيمِ، يَعْنِي: أنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم وأعْرَضُوا عَنْ تَدَبُّرِ هَذِهِ الآياتِ، والتَّأمُّلِ في هَذِهِ البَيِّناتِ فَإنَّهم سَيَعْلَمُونَ بَعْدَ ذَلِكَ أيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ وقالَ الجُمْهُورُ: المُرادُ مِنهُ الزَّجْرُ عَنِ الطَّرِيقَةِ الَّتِي وصَفَ اللَّهُ بِها هَؤُلاءِ الشُّعَراءَ، والأوَّلُ أقْرَبُ إلى نَظْمِ السُّورَةِ مِن أوَّلِها إلى آخِرِها واللَّهُ أعْلَمُ.
والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ وصَلَواتُهُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ وآلِهِ وصَحْبِهِ أجْمَعِينَ وعَلى أزْواجِهِ أُمَّهاتِ المُؤْمِنِينَ وعَلى التّابِعَيْنِ لَهم بِإحْسانٍ إلى يَوْمِ الدِّينِ.
الشعراء 26:226
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الغاوُونَ﴾ ﴿ألَمْ تَرَ أنَّهم في كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ﴾ ﴿وأنَّهم يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ﴾ ﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وانْتَصَرُوا مِن بَعْدِ ما ظُلِمُوا وسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ الكُفّارَ لَمّا قالُوا: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ الشَّياطِينَ تَنَزَّلُ بِالقُرْآنِ عَلى مُحَمَّدٍ كَما أنَّهم يَنْزِلُونَ بِالكَهانَةِ عَلى الكَهَنَةِ وبِالشِّعْرِ عَلى الشُّعَراءِ ؟ ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ فَرَّقَ بَيْنَ مُحَمَّدٍ ﷺ وبَيْنَ الكَهَنَةِ، فَذَكَرَ هَهُنا ما يَدُلُّ عَلى الفَرْقِ بَيْنَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ وبَيْنَ الشُّعَراءِ، وذَلِكَ هو أنَّ الشُّعَراءَ يَتَّبِعُهُمُ الغاوُونَ، أيِ الضّالُّونَ، ثُمَّ بَيَّنَ تِلْكَ الغِوايَةَ بِأمْرَيْنِ:
الأوَّلُ: ﴿أنَّهم في كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ﴾ والمُرادُ مِنهُ الطُّرُقُ المُخْتَلِفَةُ كَقَوْلِكَ: أنا في وادٍ وأنْتَ في وادٍ، وذَلِكَ لِأنَّهم قَدْ يَمْدَحُونَ الشَّيْءَ بَعْدَ أنْ ذَمُّوهُ وبِالعَكْسِ، وقَدْ يُعَظِّمُونَهُ بَعْدَ أنِ اسْتَحْقَرُوهُ وبِالعَكْسِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهم لا يَطْلُبُونَ بِشِعْرِهِمُ الحَقَّ ولا الصِّدْقَ بِخِلافِ أمْرِ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَإنَّهُ مِن أوَّلِ أمْرِهِ إلى آخِرِهِ بَقِيَ عَلى طَرِيقٍ واحِدٍ وهو الدَّعْوَةُ إلى اللَّهِ تَعالى والتَّرْغِيبُ في الآخِرَةِ والإعْراضُ عَنِ الدُّنْيا.
صفحة ١٥١
الثّانِي: ﴿وأنَّهم يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ﴾ وذَلِكَ أيْضًا مِن عَلاماتِ الغُواةِ، فَإنَّهم يُرَغِّبُونَ في الجُودِ ويَرْغَبُونَ عَنْهُ، ويُنَفِّرُونَ عَنِ البُخْلِ ويُصِرُّونَ عَلَيْهِ، ويَقْدَحُونَ في النّاسِ بِأدْنى شَيْءٍ صَدَرَ عَنْ واحِدٍ مِن أسْلافِهِمْ، ثُمَّ إنَّهم لا يَرْتَكِبُونَ إلّا الفَواحِشَ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى الغِوايَةِ والضَّلالَةِ.
وأمّا مُحَمَّدٌ ﷺ فَإنَّهُ بَدَأ بِنَفْسِهِ حَيْثُ قالَ اللَّهُ تَعالى لَهُ: ﴿فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ المُعَذَّبِينَ﴾ ثُمَّ بِالأقْرَبِ فالأقْرَبِ حَيْثُ قالَ اللَّهُ تَعالى لَهُ: ﴿وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾ وكُلُّ ذَلِكَ عَلى خِلافِ طَرِيقَةِ الشُّعَراءِ، فَقَدْ ظَهَرَ بِهَذا الَّذِي بَيَّنّاهُ أنَّ حالَ مُحَمَّدٍ ﷺ ما كانَ يُشْبِهُ حالَ الشُّعَراءِ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا وصَفَ الشُّعَراءَ بِهَذِهِ الأوْصافِ الذَّمِيمَةِ بَيانًا لِهَذا الفَرْقِ اسْتَثْنى عَنْهُمُ المَوْصُوفِينَ بِأُمُورٍ أرْبَعَةٍ:
أحَدُها: الإيمانُ وهو قَوْلُهُ: ﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ .
وثانِيها: العَمَلُ الصّالِحُ وهو قَوْلُهُ: ﴿وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ .
وثالِثُها: أنْ يَكُونَ شِعْرُهم في التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ ودَعْوَةِ الخَلْقِ إلى الحَقِّ، وهو قَوْلُهُ: ﴿وذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ .
ورابِعُها: أنْ لا يَذْكُرُوا هَجْوَ أحَدٍ إلّا عَلى سَبِيلِ الِانْتِصارِ مِمَّنْ يَهْجُوهم، وهو قَوْلُهُ: ﴿وانْتَصَرُوا مِن بَعْدِ ما ظُلِمُوا﴾ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لا يُحِبُّ اللَّهُ الجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ إلّا مَن ظُلِمَ﴾ [النساء: ١٤٨] ثُمَّ إنَّ الشَّرْطَ فِيهِ تَرْكُ الِاعْتِداءِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكم فاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ ما اعْتَدى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] وقِيلَ: المُرادُ بِهَذا الِاسْتِثْناءِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَواحَةَ وحَسّانُ بْنُ ثابِتٍ وكَعْبُ بْنُ مالِكٍ وكَعْبُ بْنُ زُهَيْرٍ لِأنَّهم كانُوا يَهْجُونَ قُرَيْشًا، وعَنْ كَعْبِ بْنِ مالِكٍ: ”«أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ لَهُ: اهْجُهم، فَوالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَهو أشُدُّ عَلَيْهِمْ مِن رَشْقِ النَّبْلِ» “ وكانَ يَقُولُ لِحَسّانَ بْنِ ثابِتٍ: ”«قُلْ ورُوحُ القُدُسِ مَعَكَ» “ .
فَأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ فالَّذِي عِنْدِي فِيهِ واللَّهُ أعْلَمُ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ في هَذِهِ السُّورَةِ ما يُزِيلُ الحُزْنَ عَنْ قَلْبِ رَسُولِهِ ﷺ مِنَ الدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ، ومِن أخْبارِ الأنْبِياءِ المُتَقَدِّمِينَ، ثُمَّ ذَكَرَ الدَّلائِلَ عَلى نُبُوَّتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، ثُمَّ ذَكَرَ سُؤالَ المُشْرِكِينَ في تَسْمِيَتِهِمْ مُحَمَّدًا ﷺ تارَةً بِالكاهِنِ، وتارَةً بِالشّاعِرِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ الفَرْقَ بَيْنَهُ وبَيْنَ الكاهِنِ أوَّلًا ثُمَّ بَيَّنَ الفَرْقَ بَيْنَهُ وبَيْنَ الشّاعِرِ ثانِيًا، خَتَمَ السُّورَةَ بِهَذا التَّهْدِيدِ العَظِيمِ، يَعْنِي: أنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم وأعْرَضُوا عَنْ تَدَبُّرِ هَذِهِ الآياتِ، والتَّأمُّلِ في هَذِهِ البَيِّناتِ فَإنَّهم سَيَعْلَمُونَ بَعْدَ ذَلِكَ أيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ وقالَ الجُمْهُورُ: المُرادُ مِنهُ الزَّجْرُ عَنِ الطَّرِيقَةِ الَّتِي وصَفَ اللَّهُ بِها هَؤُلاءِ الشُّعَراءَ، والأوَّلُ أقْرَبُ إلى نَظْمِ السُّورَةِ مِن أوَّلِها إلى آخِرِها واللَّهُ أعْلَمُ.
والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ وصَلَواتُهُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ وآلِهِ وصَحْبِهِ أجْمَعِينَ وعَلى أزْواجِهِ أُمَّهاتِ المُؤْمِنِينَ وعَلى التّابِعَيْنِ لَهم بِإحْسانٍ إلى يَوْمِ الدِّينِ.
الشعراء 26:227
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الغاوُونَ﴾ ﴿ألَمْ تَرَ أنَّهم في كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ﴾ ﴿وأنَّهم يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ﴾ ﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وانْتَصَرُوا مِن بَعْدِ ما ظُلِمُوا وسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ الكُفّارَ لَمّا قالُوا: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ الشَّياطِينَ تَنَزَّلُ بِالقُرْآنِ عَلى مُحَمَّدٍ كَما أنَّهم يَنْزِلُونَ بِالكَهانَةِ عَلى الكَهَنَةِ وبِالشِّعْرِ عَلى الشُّعَراءِ ؟ ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ فَرَّقَ بَيْنَ مُحَمَّدٍ ﷺ وبَيْنَ الكَهَنَةِ، فَذَكَرَ هَهُنا ما يَدُلُّ عَلى الفَرْقِ بَيْنَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ وبَيْنَ الشُّعَراءِ، وذَلِكَ هو أنَّ الشُّعَراءَ يَتَّبِعُهُمُ الغاوُونَ، أيِ الضّالُّونَ، ثُمَّ بَيَّنَ تِلْكَ الغِوايَةَ بِأمْرَيْنِ:
الأوَّلُ: ﴿أنَّهم في كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ﴾ والمُرادُ مِنهُ الطُّرُقُ المُخْتَلِفَةُ كَقَوْلِكَ: أنا في وادٍ وأنْتَ في وادٍ، وذَلِكَ لِأنَّهم قَدْ يَمْدَحُونَ الشَّيْءَ بَعْدَ أنْ ذَمُّوهُ وبِالعَكْسِ، وقَدْ يُعَظِّمُونَهُ بَعْدَ أنِ اسْتَحْقَرُوهُ وبِالعَكْسِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهم لا يَطْلُبُونَ بِشِعْرِهِمُ الحَقَّ ولا الصِّدْقَ بِخِلافِ أمْرِ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَإنَّهُ مِن أوَّلِ أمْرِهِ إلى آخِرِهِ بَقِيَ عَلى طَرِيقٍ واحِدٍ وهو الدَّعْوَةُ إلى اللَّهِ تَعالى والتَّرْغِيبُ في الآخِرَةِ والإعْراضُ عَنِ الدُّنْيا.
صفحة ١٥١
الثّانِي: ﴿وأنَّهم يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ﴾ وذَلِكَ أيْضًا مِن عَلاماتِ الغُواةِ، فَإنَّهم يُرَغِّبُونَ في الجُودِ ويَرْغَبُونَ عَنْهُ، ويُنَفِّرُونَ عَنِ البُخْلِ ويُصِرُّونَ عَلَيْهِ، ويَقْدَحُونَ في النّاسِ بِأدْنى شَيْءٍ صَدَرَ عَنْ واحِدٍ مِن أسْلافِهِمْ، ثُمَّ إنَّهم لا يَرْتَكِبُونَ إلّا الفَواحِشَ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى الغِوايَةِ والضَّلالَةِ.
وأمّا مُحَمَّدٌ ﷺ فَإنَّهُ بَدَأ بِنَفْسِهِ حَيْثُ قالَ اللَّهُ تَعالى لَهُ: ﴿فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ المُعَذَّبِينَ﴾ ثُمَّ بِالأقْرَبِ فالأقْرَبِ حَيْثُ قالَ اللَّهُ تَعالى لَهُ: ﴿وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾ وكُلُّ ذَلِكَ عَلى خِلافِ طَرِيقَةِ الشُّعَراءِ، فَقَدْ ظَهَرَ بِهَذا الَّذِي بَيَّنّاهُ أنَّ حالَ مُحَمَّدٍ ﷺ ما كانَ يُشْبِهُ حالَ الشُّعَراءِ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا وصَفَ الشُّعَراءَ بِهَذِهِ الأوْصافِ الذَّمِيمَةِ بَيانًا لِهَذا الفَرْقِ اسْتَثْنى عَنْهُمُ المَوْصُوفِينَ بِأُمُورٍ أرْبَعَةٍ:
أحَدُها: الإيمانُ وهو قَوْلُهُ: ﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ .
وثانِيها: العَمَلُ الصّالِحُ وهو قَوْلُهُ: ﴿وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ .
وثالِثُها: أنْ يَكُونَ شِعْرُهم في التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ ودَعْوَةِ الخَلْقِ إلى الحَقِّ، وهو قَوْلُهُ: ﴿وذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ .
ورابِعُها: أنْ لا يَذْكُرُوا هَجْوَ أحَدٍ إلّا عَلى سَبِيلِ الِانْتِصارِ مِمَّنْ يَهْجُوهم، وهو قَوْلُهُ: ﴿وانْتَصَرُوا مِن بَعْدِ ما ظُلِمُوا﴾ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لا يُحِبُّ اللَّهُ الجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ إلّا مَن ظُلِمَ﴾ [النساء: ١٤٨] ثُمَّ إنَّ الشَّرْطَ فِيهِ تَرْكُ الِاعْتِداءِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكم فاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ ما اعْتَدى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] وقِيلَ: المُرادُ بِهَذا الِاسْتِثْناءِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَواحَةَ وحَسّانُ بْنُ ثابِتٍ وكَعْبُ بْنُ مالِكٍ وكَعْبُ بْنُ زُهَيْرٍ لِأنَّهم كانُوا يَهْجُونَ قُرَيْشًا، وعَنْ كَعْبِ بْنِ مالِكٍ: ”«أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ لَهُ: اهْجُهم، فَوالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَهو أشُدُّ عَلَيْهِمْ مِن رَشْقِ النَّبْلِ» “ وكانَ يَقُولُ لِحَسّانَ بْنِ ثابِتٍ: ”«قُلْ ورُوحُ القُدُسِ مَعَكَ» “ .
فَأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ فالَّذِي عِنْدِي فِيهِ واللَّهُ أعْلَمُ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ في هَذِهِ السُّورَةِ ما يُزِيلُ الحُزْنَ عَنْ قَلْبِ رَسُولِهِ ﷺ مِنَ الدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ، ومِن أخْبارِ الأنْبِياءِ المُتَقَدِّمِينَ، ثُمَّ ذَكَرَ الدَّلائِلَ عَلى نُبُوَّتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، ثُمَّ ذَكَرَ سُؤالَ المُشْرِكِينَ في تَسْمِيَتِهِمْ مُحَمَّدًا ﷺ تارَةً بِالكاهِنِ، وتارَةً بِالشّاعِرِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ الفَرْقَ بَيْنَهُ وبَيْنَ الكاهِنِ أوَّلًا ثُمَّ بَيَّنَ الفَرْقَ بَيْنَهُ وبَيْنَ الشّاعِرِ ثانِيًا، خَتَمَ السُّورَةَ بِهَذا التَّهْدِيدِ العَظِيمِ، يَعْنِي: أنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم وأعْرَضُوا عَنْ تَدَبُّرِ هَذِهِ الآياتِ، والتَّأمُّلِ في هَذِهِ البَيِّناتِ فَإنَّهم سَيَعْلَمُونَ بَعْدَ ذَلِكَ أيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ وقالَ الجُمْهُورُ: المُرادُ مِنهُ الزَّجْرُ عَنِ الطَّرِيقَةِ الَّتِي وصَفَ اللَّهُ بِها هَؤُلاءِ الشُّعَراءَ، والأوَّلُ أقْرَبُ إلى نَظْمِ السُّورَةِ مِن أوَّلِها إلى آخِرِها واللَّهُ أعْلَمُ.
والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ وصَلَواتُهُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ وآلِهِ وصَحْبِهِ أجْمَعِينَ وعَلى أزْواجِهِ أُمَّهاتِ المُؤْمِنِينَ وعَلى التّابِعَيْنِ لَهم بِإحْسانٍ إلى يَوْمِ الدِّينِ.
النمل 27:1
صفحة ١٥٢
سُورَةُ النَّمْلِ
تِسْعُونَ وثَلاثُ أوْ أرْبَعُ أوْ خَمْسُ آياتٍ مَكِّيَّةٌ
﷽
﴿طس تِلْكَ آياتُ القُرْآنِ وكِتابٍ مُبِينٍ﴾ ﴿هُدًى وبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ وهم بِالآخِرَةِ هم يُوقِنُونَ﴾ .
﷽
﴿طس تِلْكَ آياتُ القُرْآنِ وكِتابٍ مُبِينٍ﴾ ﴿هُدًى وبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ وهم بِالآخِرَةِ هم يُوقِنُونَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿تِلْكَ﴾ إشارَةٌ إلى آياتِ السُّورَةِ والكِتابُ المُبِينُ هو اللَّوْحُ المَحْفُوظُ وإبانَتُهُ أنَّهُ قَدْ خَطَّ فِيهِ كُلَّ ما هو كائِنٌ، فالمَلائِكَةُ النّاظِرُونَ فِيهِ يُبَيِّنُونَ الكائِناتِ، وإنَّما نَكَّرَ الكِتابَ المُبِينَ لِيَصِيرَ مُبْهَمًا بِالتَّنْكِيرِ فَيَكُونُ أفْخَمَ لَهُ كَقَوْلِهِ: ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٥٥] وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: (?وكِتابٌ مُبِينٌ ) بِالرَّفْعِ عَلى تَقْدِيرِ ”وآياتُ كِتابٍ مُبِينٍ“ فَحُذِفَ المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ، فَإنْ قُلْتَ: ما الفَرْقُ بَيْنَ هَذا وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿الر تِلْكَ آياتُ الكِتابِ وقُرْآنٍ مُبِينٍ﴾ [الحجر: ١] ؟ قُلْتُ: لا فَرْقَ لِأنَّ واوَ العَطْفِ لا تَقْتَضِي التَّرْتِيبَ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿هُدًى وبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ فَهو في مَحَلِّ النَّصْبِ أوِ الرَّفْعِ فالنَّصْبُ عَلى الحالِ أيْ هادِيَةً ومُبَشِّرَةً، والعامِلُ فِيها ما في تِلْكَ مِن مَعْنى الإشارَةِ، والرَّفْعُ عَلى ثَلاثَةِ أوْجُهٍ عَلى مَعْنى هي هُدًى وبُشْرى، وعَلى البَدَلِ مِنَ الآياتِ، وعَلى أنْ يَكُونَ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ، أيْ جَمَعَتْ آياتُها آياتِ الكِتابِ وأنَّها هُدًى وبُشْرى، واخْتَلَفُوا في وجْهِ تَخْصِيصِ الهُدى بِالمُؤْمِنِينَ عَلى وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: المُرادُ أنَّهُ يَهْدِيهِمْ إلى الجَنَّةِ وبُشْرى لَهم كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَسَيُدْخِلُهم في رَحْمَةٍ مِنهُ وفَضْلٍ ويَهْدِيهِمْ إلَيْهِ صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [النساء: ١٧٥] فَلِهَذا اخْتُصَّ بِهِ المُؤْمِنُونَ.
الثّانِي: المُرادُ بِالهُدى الدَّلالَةُ ثُمَّ ذَكَرُوا في تَخْصِيصِهِ بِالمُؤْمِنِينَ وُجُوهًا:
أحَدُها: أنَّهُ إنَّما خَصَّهُ بِالمُؤْمِنِينَ لِأنَّهُ ذَكَرَ مَعَ الهُدى البُشْرى، والبُشْرى إنَّما تَكُونُ لِلْمُؤْمِنِينَ.
وثانِيها: أنَّ وجْهَ الِاخْتِصاصِ أنَّهم تَمَسَّكُوا بِهِ فَخَصَّهم بِالذِّكْرِ كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّما أنْتَ مُنْذِرُ مَن يَخْشاها﴾ [النازعات: ٤٥] .
وثالِثُها: المُرادُ مِن كَوْنِها هُدًى لِلْمُؤْمِنِينَ أنَّها زائِدَةٌ في هُداهم، قالَ تَعالى: ﴿ويَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ [مريم: ٧٦] .
صفحة ١٥٣
أمّا قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ فالأقْرَبُ أنَّها الصَّلَواتُ الخَمْسُ لِأنَّ التَّعْرِيفَ بِالألِفِ واللّامِ يَقْتَضِي ذَلِكَ، وإقامَةُ الصَّلاةِ أنْ يُؤْتى بِها بِشَرائِطِها، وكَذا القَوْلُ في الزَّكاةِ فَإنَّها هي الواجِبَةُ، وإقامَتُها وضْعُها في حَقِّها.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وهم بِالآخِرَةِ هم يُوقِنُونَ﴾ فَفِيهِ سُؤالٌ وهو: أنَّ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونُوا مُتَيَقِّنِينَ بِالآخِرَةِ، فَما الوجه مَن ذِكْرِهِ مَرَّةً أُخْرى ؟ جَوابُهُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ مِن جُمْلَةِ صِلَةِ المَوْصُولِ، ثُمَّ فِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّ كَمالَ الإنْسانِ في أنْ يَعْرِفَ الحَقَّ لِذاتِهِ، والخَبَرَ لِأجْلِ العَمَلِ بِهِ، وأمّا عِرْفانُ الحَقِّ فَأقْسامٌ كَثِيرَةٌ لَكِنَّ الَّذِي يُسْتَفادُ مِنهُ طَرِيقُ النَّجاةِ مَعْرِفَةُ المَبْدَأِ، ومَعْرِفَةُ المَعادِ، وأمّا الخَيْرُ الَّذِي يُعْمَلُ بِهِ فَأقْسامٌ كَثِيرَةٌ وأشْرَفُها قِسْمانِ: الطّاعَةُ بِالنَّفْسِ والطّاعَةُ بِالمالِ فَقَوْلُهُ: ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ إشارَةٌ إلى مَعْرِفَةِ المَبْدَأِ، وقَوْلُهُ: ﴿يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ إشارَةٌ إلى الطّاعَةِ بِالنَّفْسِ والمالِ، وقَوْلُهُ: ﴿وهم بِالآخِرَةِ هم يُوقِنُونَ﴾ إشارَةٌ إلى عِلْمِ المَعادِ فَكَأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى جَعْلَ مَعْرِفَةَ المَبْدَأِ طَرَفًا أوَّلًا، ومَعْرِفَةَ المَعادِ طَرَفًا أخِيرًا وجَعَلَ الطّاعَةَ بِالنَّفْسِ والمالِ مُتَوَسِّطًا بَيْنَهُما.
الثّانِي: أنَّ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ، مِنهم مَن هو جازِمٌ بِالحَشْرِ والنَّشْرِ، ومِنهم مَن يَكُونُ شاكًّا فِيهِ إلّا أنَّهُ يَأْتِي بِهَذِهِ الطّاعاتِ لِلِاحْتِياطِ، فَيَقُولُ: إنْ كُنْتُ مُصِيبًا فِيها فَقَدْ فُزْتُ بِالسَّعادَةِ، وإنْ كُنْتُ مُخْطِئًا فِيها لَمْ يَفُتْنِي إلّا خَيْراتٌ قَلِيلَةٌ في هَذِهِ المُدَّةِ اليَسِيرَةِ، فَمَن يَأْتِي بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ عَلى هَذا الوجه لَمْ يَكُنْ في الحَقِيقَةِ مُهْتَدِيًا بِالقُرْآنِ، أمّا مَن كانَ حازِمًا بِالآخِرَةِ كانَ مُهْتَدِيًا بِهِ، فَلِهَذا السَّبَبِ ذَكَرَ هَذا القَيْدَ.
الثّانِي: أنْ يُجْعَلَ قَوْلُهُ: ﴿وهم بِالآخِرَةِ هم يُوقِنُونَ﴾ جُمْلَةً اعْتِراضِيَّةً كَأنَّهُ قِيلَ: وهَؤُلاءِ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ ويَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ مِن إقامَةِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ هُمُ المُوقِنُونَ بِالآخِرَةِ، وهَذا هو الأقْرَبُ ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّهُ عَقَدَ جُمْلَةً ابْتِدائِيَّةً وكَرَّرَ فِيها المُبْتَدَأ الَّذِي هو ”هم“ حَتّى صارَ مَعْناها وما يُوقِنُ بِالآخِرَةِ حَقَّ الإيقانِ إلّا هَؤُلاءِ الجامِعُونَ بَيْنَ الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ، لِأنَّ خَوْفَ العاقِبَةِ يَحْمِلُهم عَلى تَحَمُّلِ المَشاقِّ.
النمل 27:2
صفحة ١٥٢
سُورَةُ النَّمْلِ
تِسْعُونَ وثَلاثُ أوْ أرْبَعُ أوْ خَمْسُ آياتٍ مَكِّيَّةٌ
﷽
﴿طس تِلْكَ آياتُ القُرْآنِ وكِتابٍ مُبِينٍ﴾ ﴿هُدًى وبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ وهم بِالآخِرَةِ هم يُوقِنُونَ﴾ .
﷽
﴿طس تِلْكَ آياتُ القُرْآنِ وكِتابٍ مُبِينٍ﴾ ﴿هُدًى وبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ وهم بِالآخِرَةِ هم يُوقِنُونَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿تِلْكَ﴾ إشارَةٌ إلى آياتِ السُّورَةِ والكِتابُ المُبِينُ هو اللَّوْحُ المَحْفُوظُ وإبانَتُهُ أنَّهُ قَدْ خَطَّ فِيهِ كُلَّ ما هو كائِنٌ، فالمَلائِكَةُ النّاظِرُونَ فِيهِ يُبَيِّنُونَ الكائِناتِ، وإنَّما نَكَّرَ الكِتابَ المُبِينَ لِيَصِيرَ مُبْهَمًا بِالتَّنْكِيرِ فَيَكُونُ أفْخَمَ لَهُ كَقَوْلِهِ: ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٥٥] وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: (?وكِتابٌ مُبِينٌ ) بِالرَّفْعِ عَلى تَقْدِيرِ ”وآياتُ كِتابٍ مُبِينٍ“ فَحُذِفَ المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ، فَإنْ قُلْتَ: ما الفَرْقُ بَيْنَ هَذا وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿الر تِلْكَ آياتُ الكِتابِ وقُرْآنٍ مُبِينٍ﴾ [الحجر: ١] ؟ قُلْتُ: لا فَرْقَ لِأنَّ واوَ العَطْفِ لا تَقْتَضِي التَّرْتِيبَ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿هُدًى وبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ فَهو في مَحَلِّ النَّصْبِ أوِ الرَّفْعِ فالنَّصْبُ عَلى الحالِ أيْ هادِيَةً ومُبَشِّرَةً، والعامِلُ فِيها ما في تِلْكَ مِن مَعْنى الإشارَةِ، والرَّفْعُ عَلى ثَلاثَةِ أوْجُهٍ عَلى مَعْنى هي هُدًى وبُشْرى، وعَلى البَدَلِ مِنَ الآياتِ، وعَلى أنْ يَكُونَ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ، أيْ جَمَعَتْ آياتُها آياتِ الكِتابِ وأنَّها هُدًى وبُشْرى، واخْتَلَفُوا في وجْهِ تَخْصِيصِ الهُدى بِالمُؤْمِنِينَ عَلى وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: المُرادُ أنَّهُ يَهْدِيهِمْ إلى الجَنَّةِ وبُشْرى لَهم كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَسَيُدْخِلُهم في رَحْمَةٍ مِنهُ وفَضْلٍ ويَهْدِيهِمْ إلَيْهِ صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [النساء: ١٧٥] فَلِهَذا اخْتُصَّ بِهِ المُؤْمِنُونَ.
الثّانِي: المُرادُ بِالهُدى الدَّلالَةُ ثُمَّ ذَكَرُوا في تَخْصِيصِهِ بِالمُؤْمِنِينَ وُجُوهًا:
أحَدُها: أنَّهُ إنَّما خَصَّهُ بِالمُؤْمِنِينَ لِأنَّهُ ذَكَرَ مَعَ الهُدى البُشْرى، والبُشْرى إنَّما تَكُونُ لِلْمُؤْمِنِينَ.
وثانِيها: أنَّ وجْهَ الِاخْتِصاصِ أنَّهم تَمَسَّكُوا بِهِ فَخَصَّهم بِالذِّكْرِ كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّما أنْتَ مُنْذِرُ مَن يَخْشاها﴾ [النازعات: ٤٥] .
وثالِثُها: المُرادُ مِن كَوْنِها هُدًى لِلْمُؤْمِنِينَ أنَّها زائِدَةٌ في هُداهم، قالَ تَعالى: ﴿ويَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ [مريم: ٧٦] .
صفحة ١٥٣
أمّا قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ فالأقْرَبُ أنَّها الصَّلَواتُ الخَمْسُ لِأنَّ التَّعْرِيفَ بِالألِفِ واللّامِ يَقْتَضِي ذَلِكَ، وإقامَةُ الصَّلاةِ أنْ يُؤْتى بِها بِشَرائِطِها، وكَذا القَوْلُ في الزَّكاةِ فَإنَّها هي الواجِبَةُ، وإقامَتُها وضْعُها في حَقِّها.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وهم بِالآخِرَةِ هم يُوقِنُونَ﴾ فَفِيهِ سُؤالٌ وهو: أنَّ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونُوا مُتَيَقِّنِينَ بِالآخِرَةِ، فَما الوجه مَن ذِكْرِهِ مَرَّةً أُخْرى ؟ جَوابُهُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ مِن جُمْلَةِ صِلَةِ المَوْصُولِ، ثُمَّ فِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّ كَمالَ الإنْسانِ في أنْ يَعْرِفَ الحَقَّ لِذاتِهِ، والخَبَرَ لِأجْلِ العَمَلِ بِهِ، وأمّا عِرْفانُ الحَقِّ فَأقْسامٌ كَثِيرَةٌ لَكِنَّ الَّذِي يُسْتَفادُ مِنهُ طَرِيقُ النَّجاةِ مَعْرِفَةُ المَبْدَأِ، ومَعْرِفَةُ المَعادِ، وأمّا الخَيْرُ الَّذِي يُعْمَلُ بِهِ فَأقْسامٌ كَثِيرَةٌ وأشْرَفُها قِسْمانِ: الطّاعَةُ بِالنَّفْسِ والطّاعَةُ بِالمالِ فَقَوْلُهُ: ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ إشارَةٌ إلى مَعْرِفَةِ المَبْدَأِ، وقَوْلُهُ: ﴿يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ إشارَةٌ إلى الطّاعَةِ بِالنَّفْسِ والمالِ، وقَوْلُهُ: ﴿وهم بِالآخِرَةِ هم يُوقِنُونَ﴾ إشارَةٌ إلى عِلْمِ المَعادِ فَكَأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى جَعْلَ مَعْرِفَةَ المَبْدَأِ طَرَفًا أوَّلًا، ومَعْرِفَةَ المَعادِ طَرَفًا أخِيرًا وجَعَلَ الطّاعَةَ بِالنَّفْسِ والمالِ مُتَوَسِّطًا بَيْنَهُما.
الثّانِي: أنَّ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ، مِنهم مَن هو جازِمٌ بِالحَشْرِ والنَّشْرِ، ومِنهم مَن يَكُونُ شاكًّا فِيهِ إلّا أنَّهُ يَأْتِي بِهَذِهِ الطّاعاتِ لِلِاحْتِياطِ، فَيَقُولُ: إنْ كُنْتُ مُصِيبًا فِيها فَقَدْ فُزْتُ بِالسَّعادَةِ، وإنْ كُنْتُ مُخْطِئًا فِيها لَمْ يَفُتْنِي إلّا خَيْراتٌ قَلِيلَةٌ في هَذِهِ المُدَّةِ اليَسِيرَةِ، فَمَن يَأْتِي بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ عَلى هَذا الوجه لَمْ يَكُنْ في الحَقِيقَةِ مُهْتَدِيًا بِالقُرْآنِ، أمّا مَن كانَ حازِمًا بِالآخِرَةِ كانَ مُهْتَدِيًا بِهِ، فَلِهَذا السَّبَبِ ذَكَرَ هَذا القَيْدَ.
الثّانِي: أنْ يُجْعَلَ قَوْلُهُ: ﴿وهم بِالآخِرَةِ هم يُوقِنُونَ﴾ جُمْلَةً اعْتِراضِيَّةً كَأنَّهُ قِيلَ: وهَؤُلاءِ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ ويَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ مِن إقامَةِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ هُمُ المُوقِنُونَ بِالآخِرَةِ، وهَذا هو الأقْرَبُ ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّهُ عَقَدَ جُمْلَةً ابْتِدائِيَّةً وكَرَّرَ فِيها المُبْتَدَأ الَّذِي هو ”هم“ حَتّى صارَ مَعْناها وما يُوقِنُ بِالآخِرَةِ حَقَّ الإيقانِ إلّا هَؤُلاءِ الجامِعُونَ بَيْنَ الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ، لِأنَّ خَوْفَ العاقِبَةِ يَحْمِلُهم عَلى تَحَمُّلِ المَشاقِّ.
النمل 27:3
صفحة ١٥٢
سُورَةُ النَّمْلِ
تِسْعُونَ وثَلاثُ أوْ أرْبَعُ أوْ خَمْسُ آياتٍ مَكِّيَّةٌ
﷽
﴿طس تِلْكَ آياتُ القُرْآنِ وكِتابٍ مُبِينٍ﴾ ﴿هُدًى وبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ وهم بِالآخِرَةِ هم يُوقِنُونَ﴾ .
﷽
﴿طس تِلْكَ آياتُ القُرْآنِ وكِتابٍ مُبِينٍ﴾ ﴿هُدًى وبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ وهم بِالآخِرَةِ هم يُوقِنُونَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿تِلْكَ﴾ إشارَةٌ إلى آياتِ السُّورَةِ والكِتابُ المُبِينُ هو اللَّوْحُ المَحْفُوظُ وإبانَتُهُ أنَّهُ قَدْ خَطَّ فِيهِ كُلَّ ما هو كائِنٌ، فالمَلائِكَةُ النّاظِرُونَ فِيهِ يُبَيِّنُونَ الكائِناتِ، وإنَّما نَكَّرَ الكِتابَ المُبِينَ لِيَصِيرَ مُبْهَمًا بِالتَّنْكِيرِ فَيَكُونُ أفْخَمَ لَهُ كَقَوْلِهِ: ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٥٥] وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: (?وكِتابٌ مُبِينٌ ) بِالرَّفْعِ عَلى تَقْدِيرِ ”وآياتُ كِتابٍ مُبِينٍ“ فَحُذِفَ المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ، فَإنْ قُلْتَ: ما الفَرْقُ بَيْنَ هَذا وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿الر تِلْكَ آياتُ الكِتابِ وقُرْآنٍ مُبِينٍ﴾ [الحجر: ١] ؟ قُلْتُ: لا فَرْقَ لِأنَّ واوَ العَطْفِ لا تَقْتَضِي التَّرْتِيبَ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿هُدًى وبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ فَهو في مَحَلِّ النَّصْبِ أوِ الرَّفْعِ فالنَّصْبُ عَلى الحالِ أيْ هادِيَةً ومُبَشِّرَةً، والعامِلُ فِيها ما في تِلْكَ مِن مَعْنى الإشارَةِ، والرَّفْعُ عَلى ثَلاثَةِ أوْجُهٍ عَلى مَعْنى هي هُدًى وبُشْرى، وعَلى البَدَلِ مِنَ الآياتِ، وعَلى أنْ يَكُونَ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ، أيْ جَمَعَتْ آياتُها آياتِ الكِتابِ وأنَّها هُدًى وبُشْرى، واخْتَلَفُوا في وجْهِ تَخْصِيصِ الهُدى بِالمُؤْمِنِينَ عَلى وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: المُرادُ أنَّهُ يَهْدِيهِمْ إلى الجَنَّةِ وبُشْرى لَهم كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَسَيُدْخِلُهم في رَحْمَةٍ مِنهُ وفَضْلٍ ويَهْدِيهِمْ إلَيْهِ صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [النساء: ١٧٥] فَلِهَذا اخْتُصَّ بِهِ المُؤْمِنُونَ.
الثّانِي: المُرادُ بِالهُدى الدَّلالَةُ ثُمَّ ذَكَرُوا في تَخْصِيصِهِ بِالمُؤْمِنِينَ وُجُوهًا:
أحَدُها: أنَّهُ إنَّما خَصَّهُ بِالمُؤْمِنِينَ لِأنَّهُ ذَكَرَ مَعَ الهُدى البُشْرى، والبُشْرى إنَّما تَكُونُ لِلْمُؤْمِنِينَ.
وثانِيها: أنَّ وجْهَ الِاخْتِصاصِ أنَّهم تَمَسَّكُوا بِهِ فَخَصَّهم بِالذِّكْرِ كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّما أنْتَ مُنْذِرُ مَن يَخْشاها﴾ [النازعات: ٤٥] .
وثالِثُها: المُرادُ مِن كَوْنِها هُدًى لِلْمُؤْمِنِينَ أنَّها زائِدَةٌ في هُداهم، قالَ تَعالى: ﴿ويَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ [مريم: ٧٦] .
صفحة ١٥٣
أمّا قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ فالأقْرَبُ أنَّها الصَّلَواتُ الخَمْسُ لِأنَّ التَّعْرِيفَ بِالألِفِ واللّامِ يَقْتَضِي ذَلِكَ، وإقامَةُ الصَّلاةِ أنْ يُؤْتى بِها بِشَرائِطِها، وكَذا القَوْلُ في الزَّكاةِ فَإنَّها هي الواجِبَةُ، وإقامَتُها وضْعُها في حَقِّها.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وهم بِالآخِرَةِ هم يُوقِنُونَ﴾ فَفِيهِ سُؤالٌ وهو: أنَّ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونُوا مُتَيَقِّنِينَ بِالآخِرَةِ، فَما الوجه مَن ذِكْرِهِ مَرَّةً أُخْرى ؟ جَوابُهُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ مِن جُمْلَةِ صِلَةِ المَوْصُولِ، ثُمَّ فِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّ كَمالَ الإنْسانِ في أنْ يَعْرِفَ الحَقَّ لِذاتِهِ، والخَبَرَ لِأجْلِ العَمَلِ بِهِ، وأمّا عِرْفانُ الحَقِّ فَأقْسامٌ كَثِيرَةٌ لَكِنَّ الَّذِي يُسْتَفادُ مِنهُ طَرِيقُ النَّجاةِ مَعْرِفَةُ المَبْدَأِ، ومَعْرِفَةُ المَعادِ، وأمّا الخَيْرُ الَّذِي يُعْمَلُ بِهِ فَأقْسامٌ كَثِيرَةٌ وأشْرَفُها قِسْمانِ: الطّاعَةُ بِالنَّفْسِ والطّاعَةُ بِالمالِ فَقَوْلُهُ: ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ إشارَةٌ إلى مَعْرِفَةِ المَبْدَأِ، وقَوْلُهُ: ﴿يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ إشارَةٌ إلى الطّاعَةِ بِالنَّفْسِ والمالِ، وقَوْلُهُ: ﴿وهم بِالآخِرَةِ هم يُوقِنُونَ﴾ إشارَةٌ إلى عِلْمِ المَعادِ فَكَأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى جَعْلَ مَعْرِفَةَ المَبْدَأِ طَرَفًا أوَّلًا، ومَعْرِفَةَ المَعادِ طَرَفًا أخِيرًا وجَعَلَ الطّاعَةَ بِالنَّفْسِ والمالِ مُتَوَسِّطًا بَيْنَهُما.
الثّانِي: أنَّ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ، مِنهم مَن هو جازِمٌ بِالحَشْرِ والنَّشْرِ، ومِنهم مَن يَكُونُ شاكًّا فِيهِ إلّا أنَّهُ يَأْتِي بِهَذِهِ الطّاعاتِ لِلِاحْتِياطِ، فَيَقُولُ: إنْ كُنْتُ مُصِيبًا فِيها فَقَدْ فُزْتُ بِالسَّعادَةِ، وإنْ كُنْتُ مُخْطِئًا فِيها لَمْ يَفُتْنِي إلّا خَيْراتٌ قَلِيلَةٌ في هَذِهِ المُدَّةِ اليَسِيرَةِ، فَمَن يَأْتِي بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ عَلى هَذا الوجه لَمْ يَكُنْ في الحَقِيقَةِ مُهْتَدِيًا بِالقُرْآنِ، أمّا مَن كانَ حازِمًا بِالآخِرَةِ كانَ مُهْتَدِيًا بِهِ، فَلِهَذا السَّبَبِ ذَكَرَ هَذا القَيْدَ.
الثّانِي: أنْ يُجْعَلَ قَوْلُهُ: ﴿وهم بِالآخِرَةِ هم يُوقِنُونَ﴾ جُمْلَةً اعْتِراضِيَّةً كَأنَّهُ قِيلَ: وهَؤُلاءِ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ ويَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ مِن إقامَةِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ هُمُ المُوقِنُونَ بِالآخِرَةِ، وهَذا هو الأقْرَبُ ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّهُ عَقَدَ جُمْلَةً ابْتِدائِيَّةً وكَرَّرَ فِيها المُبْتَدَأ الَّذِي هو ”هم“ حَتّى صارَ مَعْناها وما يُوقِنُ بِالآخِرَةِ حَقَّ الإيقانِ إلّا هَؤُلاءِ الجامِعُونَ بَيْنَ الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ، لِأنَّ خَوْفَ العاقِبَةِ يَحْمِلُهم عَلى تَحَمُّلِ المَشاقِّ.
النمل 27:4
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ زَيَّنّا لَهم أعْمالَهم فَهم يَعْمَهُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَهم سُوءُ العَذابِ وهم في الآخِرَةِ هُمُ الأخْسَرُونَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ ما لِلْمُؤْمِنِينَ مِنَ البُشْرى أتْبَعَهُ بِما عَلى الكُفّارِ مِن سُوءِ العَذابِ فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ زَيَّنّا لَهم أعْمالَهُمْ﴾، واخْتَلَفَ النّاسُ في أنَّهُ كَيْفَ أسْنَدَ تَزْيِينَ أعْمالِهِمْ إلى ذاتِهِ مَعَ أنَّهُ أسْنَدَهُ إلى الشَّيْطانِ في قَوْلِهِ: ﴿فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهُمْ﴾ [النحل: ٦٣] ؟ فَأمّا أصْحابُنا فَقَدْ أجْرَوُا الآيَةَ عَلى ظاهِرِها وذَلِكَ لِأنَّ الإنْسانَ لا يَفْعَلُ شَيْئًا البَتَّةَ إلّا إذا دَعاهُ الدّاعِي إلى الفِعْلِ والمَعْقُولُ مِنَ الدّاعِي هو العِلْمُ والِاعْتِقادُ والظَّنُّ بِكَوْنِ الفِعْلِ مُشْتَمِلًا عَلى مَنفَعَةٍ، وهَذا الدّاعِي لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مِن فِعْلِ اللَّهِ تَعالى لِوَجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ لَوْ كانَ مِن فِعْلِ العَبْدِ لافْتَقَرَ فِيهِ إلى داعٍ آخَرَ ويَلْزَمُ التَّسَلْسُلُ وهو مُحالٌ.
الثّانِي: وهو أنَّ العِلْمَ إمّا أنْ يَكُونَ ضَرُورِيًّا أوْ كَسْبِيًّا، فَإنْ كانَ ضَرُورِيًّا فَلا بُدَّ فِيهِ مِن تَصَوُّرَيْنِ والتَّصَوُّرُ يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ مُكْتَسَبًا لِأنَّ المُكْتَسِبَ إنْ كانَ شاعِرًا بِهِ فَهو مُتَصَوِّرٌ لَهُ، وتَحْصِيلُ الحاصِلِ مُحالٌ وإنْ لَمْ يَكُنْ شاعِرًا بِهِ كانَ
صفحة ١٥٤
غافِلًا عَنْهُ والغافِلُ عَنِ الشَّيْءِ يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ طالِبًا لَهُ، فَإنْ قُلْتَ: هو مَشْعُورٌ بِهِ مِن وجْهٍ دُونَ وجْهٍ، قُلْتُ: فالمَشْعُورُ بِهِ غَيْرُ ما هو غَيْرُ مَشْعُورٍ بِهِ، فَيَعُودُ التَّقْسِيمُ المُتَقَدِّمُ في كُلِّ واحِدٍ مِن هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ، وإذا ثَبَتَ أنَّ التَّصَوُّرَ غَيْرُ مُكْتَسَبٍ البَتَّةَ والعِلْمَ الضَّرُورِيَّ هو الَّذِي يَكُونُ حُضُورُ كُلِّ واحِدٍ مِن تَصَوُّرَيْهِ كافِيًا في حُصُولِ التَّصْدِيقِ، فالتَّصَوُّراتُ غَيْرُ كَسَبِيَّةٍ وهي مُسْتَلْزِمَةٌ لِلتَّصْدِيقاتِ، فَإذَنْ مَتى حَصَلَتِ التَّصَوُّراتُ حَصَلَ التَّصْدِيقُ لا مَحالَةَ، ومَتى لَمْ تَحْصُلْ لَمْ يَحْصُلِ التَّصْدِيقُ البَتَّةَ، فَحُصُولُ هَذِهِ التَّصْدِيقاتِ البَدِيهِيَّةِ لَيْسَ بِالكَسْبِ، ثُمَّ إنَّ التَّصْدِيقاتِ البَدِيهِيَّةَ إنْ كانَتْ مُسْتَلْزِمَةً لِلتَّصْدِيقاتِ النَّظَرِيَّةِ لَمْ تَكُنِ التَّصْدِيقاتُ النَّظَرِيَّةُ كَسَبِيَّةً، لِأنَّ لازِمَ الضَّرُورِيِّ ضَرُورِيٌّ، وإنْ لَمْ تَكُنْ مُسْتَلْزِمَةً لَها لَمْ تَكُنْ تِلْكَ الأشْياءُ الَّتِي فَرَضْناها عُلُومًا نَظَرِيَّةً كَذَلِكَ بَلْ هي اعْتِقاداتٌ تَقْلِيدِيَّةٌ، لِأنَّهُ لا مَعْنى لِاعْتِقادِ المُقَلِّدِ إلّا اعْتِقادٌ تَحْسِينِيٌّ يَفْعَلُهُ ابْتِداءً مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لَهُ مُوجِبٌ فَثَبَتَ بِهَذا أنَّ العُلُومَ بِأسْرِها ضَرُورِيَّةٌ، وثَبَتَ أنَّ مَبادِئَ الأفْعالِ هي العُلُومُ، فَأفْعالُ العِبادِ بِأسْرِها ضَرُورِيَّةٌ، والإنْسانُ مُضْطَرٌّ في صُورَةِ مُخْتارٍ، فَثَبَتَ أنَّ اللَّهَ تَعالى هو الَّذِي زَيَّنَ لِكُلِّ عامِلٍ عَمَلَهُ. والمُرادُ مِنَ التَّزْيِينِ هو أنَّهُ يَخْلُقُ في قَلْبِهِ العِلْمَ بِما فِيهِ مِنَ المَنافِعِ واللَّذّاتِ ولا يَخْلُقُ في قَلْبِهِ العِلْمَ بِما فِيهِ مِنَ المَضارِّ والآفاتِ، فَقَدْ ثَبَتَ بِهَذِهِ الدَّلائِلِ القاطِعَةِ العَقْلِيَّةِ وُجُوبُ إجْراءِ هَذِهِ الآيَةِ عَلى ظاهِرِها، أمّا المُعْتَزِلَةُ فَإنَّهم ذَكَرُوا في تَأْوِيلِها وُجُوهًا:
أحَدُها: أنَّ المُرادَ بَيَّنّا لَهم أمْرَ الدِّينِ وما يَلْزَمُهم أنْ يَتَمَسَّكُوا بِهِ وزَيَّنّاهُ بِأنْ بَيَّنّا حُسْنَهُ وما لَهم فِيهِ مِنَ الثَّوابِ، لِأنَّ التَّزْيِينَ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِلْعَمَلِ لَيْسَ إلّا وصْفُهُ بِأنَّهُ حَسَنٌ وواجِبٌ وحَمِيدُ العاقِبَةِ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿حَبَّبَ إلَيْكُمُ الإيمانَ وزَيَّنَهُ في قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ٧] ومَعْنى ﴿فَهم يَعْمَهُونَ﴾ يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ لِأنَّ المُرادَ فَهم يَعْدِلُونَ ويَنْحَرِفُونَ عَمّا زَيَّنّا مِن أعْمالِهِمْ.
وثانِيها: أنَّهُ تَعالى لَمّا مَتَّعَهم بِطُولِ العُمُرِ وسَعَةِ الرِّزْقِ جَعَلُوا إنْعامَ اللَّهِ تَعالى بِذَلِكَ عَلَيْهِمْ ذَرِيعَةً إلى اتِّباعِ شَهَواتِهِمْ وعَدَمِ الِانْقِيادِ لِما يَلْزَمُهم مِنَ التَّكالِيفِ، فَكَأنَّهُ تَعالى زَيَّنَ بِذَلِكَ أعْمالَهم وإلَيْهِ إشارَةُ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ في قَوْلِهِمْ: ﴿ولَكِنْ مَتَّعْتَهم وآباءَهم حَتّى نَسُوا الذِّكْرَ﴾ [الفرقان: ١٨] .
وثالِثُها: أنَّ إمْهالَهُ الشَّيْطانَ وتَخْلِيَتَهُ حَتّى يُزَيِّنَ لَهم مُلابَسَةٌ ظاهِرَةٌ لِلتَّزْيِينِ فَأُسْنِدَ إلَيْهِ.
والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿أعْمالَهُمْ﴾ صِيغَةُ عُمُومٍ تُوجِبُ أنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعالى قَدْ زَيَّنَ لَهم كُلَّ أعْمالِهِمْ حَسَنًا كانَ العَمَلُ أوْ قَبِيحًا ومَعْنى التَّزْيِينِ قَدْ قَدَّمْناهُ.
وعَنِ الثّانِي: أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا مَتَّعَهم بِطُولِ العُمُرِ وسَعَةِ الرِّزْقِ فَهَلْ لِهَذِهِ الأُمُورِ أثَرٌ في تَرْجِيحِ فاعِلِيَّةِ المَعْصِيَةِ عَلى تَرْكِها أوْ لَيْسَ لَها فِيهِ أثَرٌ، فَإنْ كانَ الأوَّلُ فَقَدْ دَلَّلْنا عَلى أنَّ التَّرْجِيحَ مَتى حَصَلَ فَلا بُدَّ وأنْ يَنْتَهِيَ إلى حَدِّ الِاسْتِلْزامِ وحِينَئِذٍ يَحْصُلُ الغَرَضُ وإنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ أثَرٌ صارَتْ هَذِهِ الأشْياءُ بِالنِّسْبَةِ إلى أعْمالِهِمْ كَصَرِيرِ البابِ ونَعِيقِ الغُرابِ، وذَلِكَ يَمْنَعُ مِن إسْنادِ فِعْلِهِمْ إلَيْها وهَذا بِعَيْنِهِ هو الجَوابُ عَنِ التَّأْوِيلِ الثّالِثِ الَّذِي ذَكَرُوهُ واللَّهُ أعْلَمُ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَهم يَعْمَهُونَ﴾ فالعَمَهُ التَّحَيُّرُ والتَّرَدُّدُ كَما يَكُونُ حالُ الضّالِّ عَنِ الطَّرِيقِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَهم سُوءُ العَذابِ﴾ فَفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ القَتْلُ والأسْرُ يَوْمَ بَدْرٍ.
والثّانِي: مُطْلَقُ العَذابِ سَواءٌ كانَ في الدُّنْيا أوْ في الآخِرَةِ والمُرادُ بِالسُّوءِ شَدَّتُهُ وعِظَمُهُ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿هُمُ الأخْسَرُونَ﴾ فَفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ لا خُسْرانَ أعْظَمُ مِن أنْ يَخْسَرَ المَرْءُ نَفْسَهُ بِأنْ يُسْلَبَ عَنْهُ الصِّحَّةُ والسَّلامَةُ في الدُّنْيا ويُسْلَمَ في الآخِرَةِ إلى العَذابِ العَظِيمِ.
الثّانِي: المُرادُ أنَّهم خَسِرُوا مَنازِلَهم في الجَنَّةِ لَوْ أطاعُوا، فَإنَّهُ لا مُكَلَّفَ إلّا وعُيِّنَ لَهُ مَنزِلٌ في الجَنَّةِ لَوْ أطاعَ فَإذا عَصى عُدِلَ بِهِ إلى غَيْرِهِ فَيَكُونُ قَدْ خَسِرَ ذَلِكَ المَنزِلَ.
النمل 27:5
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ زَيَّنّا لَهم أعْمالَهم فَهم يَعْمَهُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَهم سُوءُ العَذابِ وهم في الآخِرَةِ هُمُ الأخْسَرُونَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ ما لِلْمُؤْمِنِينَ مِنَ البُشْرى أتْبَعَهُ بِما عَلى الكُفّارِ مِن سُوءِ العَذابِ فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ زَيَّنّا لَهم أعْمالَهُمْ﴾، واخْتَلَفَ النّاسُ في أنَّهُ كَيْفَ أسْنَدَ تَزْيِينَ أعْمالِهِمْ إلى ذاتِهِ مَعَ أنَّهُ أسْنَدَهُ إلى الشَّيْطانِ في قَوْلِهِ: ﴿فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهُمْ﴾ [النحل: ٦٣] ؟ فَأمّا أصْحابُنا فَقَدْ أجْرَوُا الآيَةَ عَلى ظاهِرِها وذَلِكَ لِأنَّ الإنْسانَ لا يَفْعَلُ شَيْئًا البَتَّةَ إلّا إذا دَعاهُ الدّاعِي إلى الفِعْلِ والمَعْقُولُ مِنَ الدّاعِي هو العِلْمُ والِاعْتِقادُ والظَّنُّ بِكَوْنِ الفِعْلِ مُشْتَمِلًا عَلى مَنفَعَةٍ، وهَذا الدّاعِي لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مِن فِعْلِ اللَّهِ تَعالى لِوَجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ لَوْ كانَ مِن فِعْلِ العَبْدِ لافْتَقَرَ فِيهِ إلى داعٍ آخَرَ ويَلْزَمُ التَّسَلْسُلُ وهو مُحالٌ.
الثّانِي: وهو أنَّ العِلْمَ إمّا أنْ يَكُونَ ضَرُورِيًّا أوْ كَسْبِيًّا، فَإنْ كانَ ضَرُورِيًّا فَلا بُدَّ فِيهِ مِن تَصَوُّرَيْنِ والتَّصَوُّرُ يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ مُكْتَسَبًا لِأنَّ المُكْتَسِبَ إنْ كانَ شاعِرًا بِهِ فَهو مُتَصَوِّرٌ لَهُ، وتَحْصِيلُ الحاصِلِ مُحالٌ وإنْ لَمْ يَكُنْ شاعِرًا بِهِ كانَ
صفحة ١٥٤
غافِلًا عَنْهُ والغافِلُ عَنِ الشَّيْءِ يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ طالِبًا لَهُ، فَإنْ قُلْتَ: هو مَشْعُورٌ بِهِ مِن وجْهٍ دُونَ وجْهٍ، قُلْتُ: فالمَشْعُورُ بِهِ غَيْرُ ما هو غَيْرُ مَشْعُورٍ بِهِ، فَيَعُودُ التَّقْسِيمُ المُتَقَدِّمُ في كُلِّ واحِدٍ مِن هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ، وإذا ثَبَتَ أنَّ التَّصَوُّرَ غَيْرُ مُكْتَسَبٍ البَتَّةَ والعِلْمَ الضَّرُورِيَّ هو الَّذِي يَكُونُ حُضُورُ كُلِّ واحِدٍ مِن تَصَوُّرَيْهِ كافِيًا في حُصُولِ التَّصْدِيقِ، فالتَّصَوُّراتُ غَيْرُ كَسَبِيَّةٍ وهي مُسْتَلْزِمَةٌ لِلتَّصْدِيقاتِ، فَإذَنْ مَتى حَصَلَتِ التَّصَوُّراتُ حَصَلَ التَّصْدِيقُ لا مَحالَةَ، ومَتى لَمْ تَحْصُلْ لَمْ يَحْصُلِ التَّصْدِيقُ البَتَّةَ، فَحُصُولُ هَذِهِ التَّصْدِيقاتِ البَدِيهِيَّةِ لَيْسَ بِالكَسْبِ، ثُمَّ إنَّ التَّصْدِيقاتِ البَدِيهِيَّةَ إنْ كانَتْ مُسْتَلْزِمَةً لِلتَّصْدِيقاتِ النَّظَرِيَّةِ لَمْ تَكُنِ التَّصْدِيقاتُ النَّظَرِيَّةُ كَسَبِيَّةً، لِأنَّ لازِمَ الضَّرُورِيِّ ضَرُورِيٌّ، وإنْ لَمْ تَكُنْ مُسْتَلْزِمَةً لَها لَمْ تَكُنْ تِلْكَ الأشْياءُ الَّتِي فَرَضْناها عُلُومًا نَظَرِيَّةً كَذَلِكَ بَلْ هي اعْتِقاداتٌ تَقْلِيدِيَّةٌ، لِأنَّهُ لا مَعْنى لِاعْتِقادِ المُقَلِّدِ إلّا اعْتِقادٌ تَحْسِينِيٌّ يَفْعَلُهُ ابْتِداءً مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لَهُ مُوجِبٌ فَثَبَتَ بِهَذا أنَّ العُلُومَ بِأسْرِها ضَرُورِيَّةٌ، وثَبَتَ أنَّ مَبادِئَ الأفْعالِ هي العُلُومُ، فَأفْعالُ العِبادِ بِأسْرِها ضَرُورِيَّةٌ، والإنْسانُ مُضْطَرٌّ في صُورَةِ مُخْتارٍ، فَثَبَتَ أنَّ اللَّهَ تَعالى هو الَّذِي زَيَّنَ لِكُلِّ عامِلٍ عَمَلَهُ. والمُرادُ مِنَ التَّزْيِينِ هو أنَّهُ يَخْلُقُ في قَلْبِهِ العِلْمَ بِما فِيهِ مِنَ المَنافِعِ واللَّذّاتِ ولا يَخْلُقُ في قَلْبِهِ العِلْمَ بِما فِيهِ مِنَ المَضارِّ والآفاتِ، فَقَدْ ثَبَتَ بِهَذِهِ الدَّلائِلِ القاطِعَةِ العَقْلِيَّةِ وُجُوبُ إجْراءِ هَذِهِ الآيَةِ عَلى ظاهِرِها، أمّا المُعْتَزِلَةُ فَإنَّهم ذَكَرُوا في تَأْوِيلِها وُجُوهًا:
أحَدُها: أنَّ المُرادَ بَيَّنّا لَهم أمْرَ الدِّينِ وما يَلْزَمُهم أنْ يَتَمَسَّكُوا بِهِ وزَيَّنّاهُ بِأنْ بَيَّنّا حُسْنَهُ وما لَهم فِيهِ مِنَ الثَّوابِ، لِأنَّ التَّزْيِينَ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِلْعَمَلِ لَيْسَ إلّا وصْفُهُ بِأنَّهُ حَسَنٌ وواجِبٌ وحَمِيدُ العاقِبَةِ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿حَبَّبَ إلَيْكُمُ الإيمانَ وزَيَّنَهُ في قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ٧] ومَعْنى ﴿فَهم يَعْمَهُونَ﴾ يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ لِأنَّ المُرادَ فَهم يَعْدِلُونَ ويَنْحَرِفُونَ عَمّا زَيَّنّا مِن أعْمالِهِمْ.
وثانِيها: أنَّهُ تَعالى لَمّا مَتَّعَهم بِطُولِ العُمُرِ وسَعَةِ الرِّزْقِ جَعَلُوا إنْعامَ اللَّهِ تَعالى بِذَلِكَ عَلَيْهِمْ ذَرِيعَةً إلى اتِّباعِ شَهَواتِهِمْ وعَدَمِ الِانْقِيادِ لِما يَلْزَمُهم مِنَ التَّكالِيفِ، فَكَأنَّهُ تَعالى زَيَّنَ بِذَلِكَ أعْمالَهم وإلَيْهِ إشارَةُ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ في قَوْلِهِمْ: ﴿ولَكِنْ مَتَّعْتَهم وآباءَهم حَتّى نَسُوا الذِّكْرَ﴾ [الفرقان: ١٨] .
وثالِثُها: أنَّ إمْهالَهُ الشَّيْطانَ وتَخْلِيَتَهُ حَتّى يُزَيِّنَ لَهم مُلابَسَةٌ ظاهِرَةٌ لِلتَّزْيِينِ فَأُسْنِدَ إلَيْهِ.
والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿أعْمالَهُمْ﴾ صِيغَةُ عُمُومٍ تُوجِبُ أنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعالى قَدْ زَيَّنَ لَهم كُلَّ أعْمالِهِمْ حَسَنًا كانَ العَمَلُ أوْ قَبِيحًا ومَعْنى التَّزْيِينِ قَدْ قَدَّمْناهُ.
وعَنِ الثّانِي: أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا مَتَّعَهم بِطُولِ العُمُرِ وسَعَةِ الرِّزْقِ فَهَلْ لِهَذِهِ الأُمُورِ أثَرٌ في تَرْجِيحِ فاعِلِيَّةِ المَعْصِيَةِ عَلى تَرْكِها أوْ لَيْسَ لَها فِيهِ أثَرٌ، فَإنْ كانَ الأوَّلُ فَقَدْ دَلَّلْنا عَلى أنَّ التَّرْجِيحَ مَتى حَصَلَ فَلا بُدَّ وأنْ يَنْتَهِيَ إلى حَدِّ الِاسْتِلْزامِ وحِينَئِذٍ يَحْصُلُ الغَرَضُ وإنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ أثَرٌ صارَتْ هَذِهِ الأشْياءُ بِالنِّسْبَةِ إلى أعْمالِهِمْ كَصَرِيرِ البابِ ونَعِيقِ الغُرابِ، وذَلِكَ يَمْنَعُ مِن إسْنادِ فِعْلِهِمْ إلَيْها وهَذا بِعَيْنِهِ هو الجَوابُ عَنِ التَّأْوِيلِ الثّالِثِ الَّذِي ذَكَرُوهُ واللَّهُ أعْلَمُ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَهم يَعْمَهُونَ﴾ فالعَمَهُ التَّحَيُّرُ والتَّرَدُّدُ كَما يَكُونُ حالُ الضّالِّ عَنِ الطَّرِيقِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَهم سُوءُ العَذابِ﴾ فَفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ القَتْلُ والأسْرُ يَوْمَ بَدْرٍ.
والثّانِي: مُطْلَقُ العَذابِ سَواءٌ كانَ في الدُّنْيا أوْ في الآخِرَةِ والمُرادُ بِالسُّوءِ شَدَّتُهُ وعِظَمُهُ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿هُمُ الأخْسَرُونَ﴾ فَفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ لا خُسْرانَ أعْظَمُ مِن أنْ يَخْسَرَ المَرْءُ نَفْسَهُ بِأنْ يُسْلَبَ عَنْهُ الصِّحَّةُ والسَّلامَةُ في الدُّنْيا ويُسْلَمَ في الآخِرَةِ إلى العَذابِ العَظِيمِ.
الثّانِي: المُرادُ أنَّهم خَسِرُوا مَنازِلَهم في الجَنَّةِ لَوْ أطاعُوا، فَإنَّهُ لا مُكَلَّفَ إلّا وعُيِّنَ لَهُ مَنزِلٌ في الجَنَّةِ لَوْ أطاعَ فَإذا عَصى عُدِلَ بِهِ إلى غَيْرِهِ فَيَكُونُ قَدْ خَسِرَ ذَلِكَ المَنزِلَ.
النمل 27:6
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّكَ لَتُلَقّى القُرْآنَ مِن لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ ﴿إذْ قالَ مُوسى لِأهْلِهِ إنِّي آنَسْتُ نارًا سَآتِيكم مِنها بِخَبَرٍ أوْ آتِيكم بِشِهابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكم تَصْطَلُونَ﴾ ﴿فَلَمّا جاءَها نُودِيَ أنْ بُورِكَ مَن في النّارِ ومَن حَوْلَها وسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿يامُوسى إنَّهُ أنا اللَّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ .
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وإنَّكَ لَتُلَقّى القُرْآنَ مِن لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ فَمَعْناهُ لَتُؤْتاهُ وتُلَقّاهُ مِن عِنْدِ أيِّ حَكِيمٍ وأيِّ عَلِيمٍ، وهَذا مَعْنى مَجِيئِهِما نَكِرَتَيْنِ وهَذِهِ الآيَةُ بِساطٌ وتَمْهِيدٌ لِما يُرِيدُ أنْ يَسُوقَ بَعْدَها مِنَ الأقاصِيصِ، و”إذْ“ مَنصُوبٌ بِمُضْمَرٍ وهو اذْكُرْ، كَأنَّهُ قالَ عَلى أثَرِ ذَلِكَ خُذْ مِن آثارِ حِكْمَتِهِ وعِلْمِهِ قِصَّةَ مُوسى، ويَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ بِ ”عَلِيمٍ“ فَإنْ قِيلَ: الحِكْمَةُ إمّا أنْ تَكُونَ نَفْسَ العِلْمِ، والعِلْمُ إمّا أنْ يَكُونَ داخِلًا فِيها، فَلَمّا ذَكَرَ الحِكْمَةَ فَلِمَ ذَكَرَ العِلْمَ ؟ جَوابُهُ: الحِكْمَةُ هي العِلْمُ بِالأُمُورِ العَمَلِيَّةِ فَقَطْ والعِلْمُ أعَمُّ مِنهُ؛ لِأنَّ العِلْمَ قَدْ يَكُونُ عَمَلِيًّا وقَدْ يَكُونُ نَظَرِيًّا والعُلُومُ النَّظَرِيَّةُ أشْرَفُ مِنَ العُلُومِ العَمَلِيَّةِ، فَذَكَرَ الحِكْمَةَ المُشْتَمِلَةَ عَلى العُلُومِ العَمَلِيَّةِ، ثُمَّ ذَكَرَ العَلِيمَ وهو البالِغُ في كَمالِ العِلْمِ وكَمالُ العِلْمِ يَحْصُلُ مِن جِهاتٍ ثَلاثَةٍ وحْدَتُهُ وعُمُومُ تَعَلُّقِهِ بِكُلِّ المَعْلُوماتِ وبَقاؤُهُ مَصُونًا عَنْ كُلِّ التَّغَيُّراتِ، وما حَصَلَتْ هَذِهِ الكِمالاتُ الثَّلاثَةُ إلّا في عِلْمِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى.
واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ في هَذِهِ السُّورَةِ أنْواعًا مِنَ القَصَصِ.
القِصَّةُ الأُولى: قِصَّةُ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ
أمّا قَوْلُهُ: ﴿إذْ قالَ مُوسى لِأهْلِهِ﴾ فَيَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَعَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ غَيْرُ امْرَأتِهِ ابْنَةِ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقَدْ كَنّى اللَّهُ تَعالى عَنْها بِالأهْلِ فَتَبِعَ ذَلِكَ وُرُودُ الخِطابِ عَلى لَفْظِ الجَمْعِ وهو قَوْلُهُ ﴿امْكُثُوا﴾ .
أمّا قَوْلُهُ: ﴿إنِّي آنَسْتُ نارًا﴾ فالمَعْنى أنَّهُما كانا يَسِيرانِ لَيْلًا، وقَدِ اشْتَبَهَ الطَّرِيقُ عَلَيْهِما والوَقْتُ وقْتُ بَرْدٍ وفي مِثْلِ هَذا الحالِ تَقْوى النَّفْسُ بِمُشاهَدَةِ نارٍ مِن بُعْدٍ لِما يُرْجى فِيها مِن زَوالِ الحَيْرَةِ في أمْرِ الطَّرِيقِ، ومِنَ الِانْتِفاعِ بِالنّارِ لِلِاصْطِلاءِ فَلِذَلِكَ بَشَّرَها فَقالَ: ﴿إنِّي آنَسْتُ نارًا﴾ وقَدِ اخْتَلَفُوا فَقالَ بَعْضُهم: المُرادُ أبْصَرْتُ ورَأيْتُ، وقالَ آخَرُونَ: بَلِ المُرادُ صادَفْتُ ووَجَدْتُ فَآنَسْتُ بِهِ، والأوَّلُ أقْرَبُ، لِأنَّهم لا يُفَرِّقُونَ بَيْنَ قَوْلِ القائِلِ: آنَسْتُ بِبَصَرِي، ورَأيْتُ بِبَصَرِي.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿سَآتِيكم مِنها بِخَبَرٍ﴾ فالخَبَرُ ما يُخْبَرُ بِهِ عَنْ حالِ الطَّرِيقِ لِأنَّهُ كانَ قَدْ ضَلَّ، ثُمَّ في الكَلامِ حَذْفٌ وهو أنَّهُ لَمّا أبْصَرَ النّارَ تَوَجَّهَ إلَيْها وقالَ: ﴿سَآتِيكم مِنها بِخَبَرٍ﴾ يَعْرِفُ بِهِ الطَّرِيقَ.
صفحة ١٥٦
أمّا قَوْلُهُ: ﴿أوْ آتِيكم بِشِهابٍ قَبَسٍ﴾ فالشِّهابُ الشُّعْلَةُ والقَبَسُ النّارُ المَقْبُوسَةُ. وأضافَ الشِّهابَ إلى القَبَسِ لِأنَّهُ يَكُونُ قَبَسًا وغَيْرَ قَبَسٍ، ومَن قَرَأ بِالتَّنْوِينِ جَعَلَ القَبَسَ بَدَلًا أوْ صِفَةً لِما فِيهِ مِن مَعْنى القَبَسِ ثُمَّ هَهُنا أسْئِلَةٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: ﴿سَآتِيكم مِنها بِخَبَرٍ﴾ و﴿لَعَلِّي آتِيكم مِنها بِخَبَرٍ﴾ كالمُتَدافِعَيْنِ لِأنَّ أحَدَهُما تَرَجٍّ والآخِرَ تَيَقُّنٌ ؟ نَقُولُ: جَوابُهُ: قَدْ يَقُولُ الرّاجِي إذا قَوِيَ رَجاؤُهُ سَأفْعَلُ كَذا وسَيَكُونُ كَذا مَعَ تَجْوِيزِهِ الخَيْبَةَ.
السُّؤالُ الثّانِي: كَيْفَ جاءَ بِسِينِ التَّسْوِيفِ ؟ جَوابُهُ: عِدَةٌ مِنهُ لِأهْلِهِ أنَّهُ يَأْتِيهِمْ بِهِ وإنْ أبْطَأ أوْ كانَتِ المَسافَةُ بَعِيدَةً.
السُّؤالُ الثّالِثُ: لِماذا أدْخَلَ ”أوْ“ بَيْنَ الأمْرَيْنِ وهَلّا جَمَعَ بَيْنَهُما لِحاجَتِهِ إلَيْهِما مَعًا ؟ جَوابُهُ: بَنى الرَّجاءَ عَلى أنَّهُ إنْ لَمْ يَظْفَرْ بِهَذَيْنِ المَقْصُودَيْنِ ظَفِرَ بِأحَدِهِما، إمّا هِدايَةُ الطَّرِيقِ، وإمّا اقْتِباسُ النّارِ ثِقَةً بِعادَةِ اللَّهِ تَعالى لِأنَّهُ لا يَكادُ يَجْمَعُ بَيْنَ حِرْمانَيْنِ عَلى عَبْدِهِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَعَلَّكم تَصْطَلُونَ﴾ فالمَعْنى لِكَيْ تَصْطَلُونَ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى حاجَةٍ بِهِمْ إلى الِاصْطِلاءِ وحِينَئِذٍ لا يَكُونُ ذَلِكَ إلّا في حالِ بَرْدٍ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿نُودِيَ أنْ بُورِكَ مَن في النّارِ ومَن حَوْلَها وسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ فَفِيهِ أبْحاثٌ:
البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّ ﴿أنْ﴾ هي المُفَسِّرَةُ لِأنَّ النِّداءَ فِيهِ مَعْنى القَوْلِ، والمَعْنى قِيلَ لَهُ: بُورِكَ.
البَحْثُ الثّانِي: اخْتَلَفُوا فِيمَن في النّارِ عَلى وُجُوهٍ:
أحَدُها: ﴿أنْ بُورِكَ﴾ بِمَعْنى تَبارَكَ و﴿النّارِ﴾ بِمَعْنى النُّورِ والمَعْنى: تَبارَكَ مَن في النُّورِ، وذَلِكَ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ ﴿ومَن حَوْلَها﴾ يَعْنِي المَلائِكَةَ وهو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما وإنْ كُنّا نَقْطَعُ بِأنَّ هَذِهِ الرِّوايَةَ مَوْضُوعَةٌ مُخْتَلَقَةٌ.
وثانِيها: ﴿مَن في النّارِ﴾ هو نُورُ اللَّهِ، ﴿ومَن حَوْلَها﴾ المَلائِكَةُ، وهو مَرْوِيٌّ عَنْ قَتادَةَ والزَّجّاجِ.
وثالِثُها: أنَّ اللَّهَ تَعالى ناداهُ بِكَلامٍ سَمِعَهُ مِنَ الشَّجَرَةِ في البُقْعَةِ المُبارَكَةِ فَكانَتِ الشَّجَرَةُ مَحَلًّا لِلْكَلامِ، واللَّهُ هو المُكَلِّمُ لَهُ بِأنَّ فِعْلَهُ فِيهِ دُونَ الشَّجَرَةِ. ثُمَّ إنَّ الشَّجَرَةَ كانَتْ في النّارِ ومَن حَوْلَها مَلائِكَةٌ فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿بُورِكَ مَن في النّارِ ومَن حَوْلَها﴾ وهو قَوْلُ الجُبّائِيُّ.
ورابِعُها: ﴿مَن في النّارِ﴾ هو مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِقُرْبِهِ مِنها ﴿ومَن حَوْلَها﴾ يَعْنِي المَلائِكَةَ، وهَذا أقْرَبُ لِأنَّ القَرِيبَ مِنَ الشَّيْءِ قَدْ يُقالُ إنَّهُ فِيهِ.
وخامِسُها: قَوْلُ صاحِبِ ”الكَشّافِ“: ﴿بُورِكَ مَن في النّارِ﴾ أيْ مَن في مَكانِ النّارِ ومَن حَوْلَ مَكانِها هي البُقْعَةُ الَّتِي حَصَلَتْ فِيها وهي البُقْعَةُ المُبارَكَةُ المَذْكُورَةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن شاطِئِ الوادِي الأيْمَنِ في البُقْعَةِ المُبارَكَةِ﴾ [القصص: ٣٠] ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ أُبَيٍّ ”تَبارَكَتِ الأرْضُ ومَن حَوْلَها“ وعَنْهُ أيْضًا: ”بُورِكَتِ النّارُ“ .
البَحْثُ الثّالِثُ: السَّبَبُ الَّذِي لِأجْلِهِ بُورِكَتِ البُقْعَةُ، وبُورِكَ مَن فِيها وحَوالَيْها حُدُوثُ هَذا الأمْرِ
صفحة ١٥٧
العَظِيمِ فِيها وهو تَكْلِيمُ اللَّهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وجَعْلُهُ رَسُولًا وإظْهارُ المُعْجِزاتِ عَلَيْهِ ولِهَذا جَعَلَ اللَّهُ أرْضَ الشّامِ مَوْسُومَةً بِالبَرَكاتِ في قَوْلِهِ: ﴿ونَجَّيْناهُ ولُوطًا إلى الأرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ٧١] وحُقَّتْ أنْ تَكُونَ كَذَلِكَ فَهي مَبْعَثُ الأنْبِياءِ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، ومَهْبِطُ الوَحْيِ وكِفاتُهم أحْياءً وأمْواتًا.
البَحْثُ الرّابِعُ: أنَّهُ سُبْحانَهُ جَعَلَ هَذا القَوْلَ مُقَدِّمَةً لِمُناجاةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَقَوْلُهُ: ﴿بُورِكَ مَن في النّارِ ومَن حَوْلَها﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ قَدْ قُضِيَ أمْرٌ عَظِيمٌ تَنْتَشِرُ البَرَكَةُ مِنهُ في أرْضِ الشّامِ كُلِّها. وقَوْلُهُ: ﴿وسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ فِيهِ فائِدَتانِ:
إحْداهُما: أنَّهُ سُبْحانَهُ نَزَّهَ نَفْسَهُ عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ في ذاتِهِ وحِكْمَتِهِ لِيَكُونَ ذَلِكَ مُقَدِّمَةً في صِحَّةِ رِسالَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ.
الثّانِيَةُ: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ إيذانًا بِأنَّ ذَلِكَ الأمْرَ مُرِيدُهُ ومُكَوِّنُهُ رَبُّ العالَمِينَ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الكائِنَ مِن جَلائِلِ الأُمُورِ وعَظائِمِ الوَقائِعِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ أنا اللَّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ فَقالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ الهاءُ في ”إنَّهُ“ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرَ الشَّأْنِ و﴿أنا اللَّهُ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، و﴿العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ صِفَتانِ لِلْخَبَرِ، وأنْ يَكُونَ راجِعًا إلى ما دَلَّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ يَعْنِي: أنَّ مُكَلِّمَكَ ”أنا“ واللَّهُ بَيانٌ لِ ”أنا“، و”العَزِيزُ الحَكِيمُ“ صِفَتانِ لِلتَّعْيِينِ وهَذا تَمْهِيدٌ لِما أرادَ أنْ يُظْهِرَهُ عَلى يَدِهِ مِنَ المُعْجِزَةِ يُرِيدُ: أنا القَوِيُّ القادِرُ عَلى ما يَبْعُدُ مِنَ الأوْهامِ كَقَلْبِ العَصا حَيَّةً، الفاعِلُ ما أفْعَلُهُ بِحِكْمَةٍ وتَدْبِيرٍ. فَإنْ قِيلَ: هَذا النِّداءُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى، فَكَيْفَ عَلِمَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ مِنَ اللَّهِ ؟ جَوابُهُ: لِأهْلِ السُّنَّةِ فِيهِ طَرِيقانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ سَمِعَ الكَلامَ المُنَزَّهَ عَنْ مُشابَهَةِ الحُرُوفِ والأصْواتِ فَعَلِمَ بِالضَّرُورَةِ أنَّهُ صِفَةُ اللَّهِ تَعالى.
الثّانِي: قَوْلُ أئِمَّةِ ما وراءَ النَّهْرِ وهو أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ سَمِعَ الصَّوْتَ مِنَ الشَّجَرَةِ فَنَقُولُ: إنَّما عَرَفَ أنَّ ذَلِكَ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِأُمُورٍ:
أحَدُها: أنَّ النِّداءَ إذا حَصَلَ في النّارِ أوِ الشَّجَرَةِ عُلِمَ أنَّهُ مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى لِأنَّ أحَدًا مِنّا لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ وهو ضَعِيفٌ لِاحْتِمالِ أنْ يُقالَ: الشَّيْطانُ دَخَلَ في النّارِ والشَّجَرَةِ ثُمَّ نادى.
وثانِيها: يَجُوزُ في نَفْسِ النِّداءِ أنْ يَكُونَ قَدْ بَلَغَ في العِظَمِ مَبْلَغًا لا يَكُونُ إلّا مُعْجِزًا، وهو أيْضًا ضَعِيفٌ لِأنّا لا نَعْرِفُ مَقادِيرَ قُوى المَلائِكَةِ والشَّياطِينِ فَلا قَدْرَ إلّا ويَجُوزُ صُدُورُهُ مِنهم.
وثالِثُها: أنَّهُ قَدِ اقْتَرَنَ بِهِ مُعْجِزٌ دَلَّ عَلى ذَلِكَ، فَقِيلَ: إنَّ النّارَ كانَتْ مُشْتَعِلَةً في شَجَرَةٍ خَضْراءَ لَمْ تَحْتَرِقْ فَصارَ ذَلِكَ كالمُعْجِزِ، وهَذا هو الأصَحُّ واللَّهُ أعْلَمُ.
النمل 27:7
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّكَ لَتُلَقّى القُرْآنَ مِن لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ ﴿إذْ قالَ مُوسى لِأهْلِهِ إنِّي آنَسْتُ نارًا سَآتِيكم مِنها بِخَبَرٍ أوْ آتِيكم بِشِهابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكم تَصْطَلُونَ﴾ ﴿فَلَمّا جاءَها نُودِيَ أنْ بُورِكَ مَن في النّارِ ومَن حَوْلَها وسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿يامُوسى إنَّهُ أنا اللَّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ .
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وإنَّكَ لَتُلَقّى القُرْآنَ مِن لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ فَمَعْناهُ لَتُؤْتاهُ وتُلَقّاهُ مِن عِنْدِ أيِّ حَكِيمٍ وأيِّ عَلِيمٍ، وهَذا مَعْنى مَجِيئِهِما نَكِرَتَيْنِ وهَذِهِ الآيَةُ بِساطٌ وتَمْهِيدٌ لِما يُرِيدُ أنْ يَسُوقَ بَعْدَها مِنَ الأقاصِيصِ، و”إذْ“ مَنصُوبٌ بِمُضْمَرٍ وهو اذْكُرْ، كَأنَّهُ قالَ عَلى أثَرِ ذَلِكَ خُذْ مِن آثارِ حِكْمَتِهِ وعِلْمِهِ قِصَّةَ مُوسى، ويَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ بِ ”عَلِيمٍ“ فَإنْ قِيلَ: الحِكْمَةُ إمّا أنْ تَكُونَ نَفْسَ العِلْمِ، والعِلْمُ إمّا أنْ يَكُونَ داخِلًا فِيها، فَلَمّا ذَكَرَ الحِكْمَةَ فَلِمَ ذَكَرَ العِلْمَ ؟ جَوابُهُ: الحِكْمَةُ هي العِلْمُ بِالأُمُورِ العَمَلِيَّةِ فَقَطْ والعِلْمُ أعَمُّ مِنهُ؛ لِأنَّ العِلْمَ قَدْ يَكُونُ عَمَلِيًّا وقَدْ يَكُونُ نَظَرِيًّا والعُلُومُ النَّظَرِيَّةُ أشْرَفُ مِنَ العُلُومِ العَمَلِيَّةِ، فَذَكَرَ الحِكْمَةَ المُشْتَمِلَةَ عَلى العُلُومِ العَمَلِيَّةِ، ثُمَّ ذَكَرَ العَلِيمَ وهو البالِغُ في كَمالِ العِلْمِ وكَمالُ العِلْمِ يَحْصُلُ مِن جِهاتٍ ثَلاثَةٍ وحْدَتُهُ وعُمُومُ تَعَلُّقِهِ بِكُلِّ المَعْلُوماتِ وبَقاؤُهُ مَصُونًا عَنْ كُلِّ التَّغَيُّراتِ، وما حَصَلَتْ هَذِهِ الكِمالاتُ الثَّلاثَةُ إلّا في عِلْمِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى.
واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ في هَذِهِ السُّورَةِ أنْواعًا مِنَ القَصَصِ.
القِصَّةُ الأُولى: قِصَّةُ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ
أمّا قَوْلُهُ: ﴿إذْ قالَ مُوسى لِأهْلِهِ﴾ فَيَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَعَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ غَيْرُ امْرَأتِهِ ابْنَةِ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقَدْ كَنّى اللَّهُ تَعالى عَنْها بِالأهْلِ فَتَبِعَ ذَلِكَ وُرُودُ الخِطابِ عَلى لَفْظِ الجَمْعِ وهو قَوْلُهُ ﴿امْكُثُوا﴾ .
أمّا قَوْلُهُ: ﴿إنِّي آنَسْتُ نارًا﴾ فالمَعْنى أنَّهُما كانا يَسِيرانِ لَيْلًا، وقَدِ اشْتَبَهَ الطَّرِيقُ عَلَيْهِما والوَقْتُ وقْتُ بَرْدٍ وفي مِثْلِ هَذا الحالِ تَقْوى النَّفْسُ بِمُشاهَدَةِ نارٍ مِن بُعْدٍ لِما يُرْجى فِيها مِن زَوالِ الحَيْرَةِ في أمْرِ الطَّرِيقِ، ومِنَ الِانْتِفاعِ بِالنّارِ لِلِاصْطِلاءِ فَلِذَلِكَ بَشَّرَها فَقالَ: ﴿إنِّي آنَسْتُ نارًا﴾ وقَدِ اخْتَلَفُوا فَقالَ بَعْضُهم: المُرادُ أبْصَرْتُ ورَأيْتُ، وقالَ آخَرُونَ: بَلِ المُرادُ صادَفْتُ ووَجَدْتُ فَآنَسْتُ بِهِ، والأوَّلُ أقْرَبُ، لِأنَّهم لا يُفَرِّقُونَ بَيْنَ قَوْلِ القائِلِ: آنَسْتُ بِبَصَرِي، ورَأيْتُ بِبَصَرِي.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿سَآتِيكم مِنها بِخَبَرٍ﴾ فالخَبَرُ ما يُخْبَرُ بِهِ عَنْ حالِ الطَّرِيقِ لِأنَّهُ كانَ قَدْ ضَلَّ، ثُمَّ في الكَلامِ حَذْفٌ وهو أنَّهُ لَمّا أبْصَرَ النّارَ تَوَجَّهَ إلَيْها وقالَ: ﴿سَآتِيكم مِنها بِخَبَرٍ﴾ يَعْرِفُ بِهِ الطَّرِيقَ.
صفحة ١٥٦
أمّا قَوْلُهُ: ﴿أوْ آتِيكم بِشِهابٍ قَبَسٍ﴾ فالشِّهابُ الشُّعْلَةُ والقَبَسُ النّارُ المَقْبُوسَةُ. وأضافَ الشِّهابَ إلى القَبَسِ لِأنَّهُ يَكُونُ قَبَسًا وغَيْرَ قَبَسٍ، ومَن قَرَأ بِالتَّنْوِينِ جَعَلَ القَبَسَ بَدَلًا أوْ صِفَةً لِما فِيهِ مِن مَعْنى القَبَسِ ثُمَّ هَهُنا أسْئِلَةٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: ﴿سَآتِيكم مِنها بِخَبَرٍ﴾ و﴿لَعَلِّي آتِيكم مِنها بِخَبَرٍ﴾ كالمُتَدافِعَيْنِ لِأنَّ أحَدَهُما تَرَجٍّ والآخِرَ تَيَقُّنٌ ؟ نَقُولُ: جَوابُهُ: قَدْ يَقُولُ الرّاجِي إذا قَوِيَ رَجاؤُهُ سَأفْعَلُ كَذا وسَيَكُونُ كَذا مَعَ تَجْوِيزِهِ الخَيْبَةَ.
السُّؤالُ الثّانِي: كَيْفَ جاءَ بِسِينِ التَّسْوِيفِ ؟ جَوابُهُ: عِدَةٌ مِنهُ لِأهْلِهِ أنَّهُ يَأْتِيهِمْ بِهِ وإنْ أبْطَأ أوْ كانَتِ المَسافَةُ بَعِيدَةً.
السُّؤالُ الثّالِثُ: لِماذا أدْخَلَ ”أوْ“ بَيْنَ الأمْرَيْنِ وهَلّا جَمَعَ بَيْنَهُما لِحاجَتِهِ إلَيْهِما مَعًا ؟ جَوابُهُ: بَنى الرَّجاءَ عَلى أنَّهُ إنْ لَمْ يَظْفَرْ بِهَذَيْنِ المَقْصُودَيْنِ ظَفِرَ بِأحَدِهِما، إمّا هِدايَةُ الطَّرِيقِ، وإمّا اقْتِباسُ النّارِ ثِقَةً بِعادَةِ اللَّهِ تَعالى لِأنَّهُ لا يَكادُ يَجْمَعُ بَيْنَ حِرْمانَيْنِ عَلى عَبْدِهِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَعَلَّكم تَصْطَلُونَ﴾ فالمَعْنى لِكَيْ تَصْطَلُونَ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى حاجَةٍ بِهِمْ إلى الِاصْطِلاءِ وحِينَئِذٍ لا يَكُونُ ذَلِكَ إلّا في حالِ بَرْدٍ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿نُودِيَ أنْ بُورِكَ مَن في النّارِ ومَن حَوْلَها وسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ فَفِيهِ أبْحاثٌ:
البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّ ﴿أنْ﴾ هي المُفَسِّرَةُ لِأنَّ النِّداءَ فِيهِ مَعْنى القَوْلِ، والمَعْنى قِيلَ لَهُ: بُورِكَ.
البَحْثُ الثّانِي: اخْتَلَفُوا فِيمَن في النّارِ عَلى وُجُوهٍ:
أحَدُها: ﴿أنْ بُورِكَ﴾ بِمَعْنى تَبارَكَ و﴿النّارِ﴾ بِمَعْنى النُّورِ والمَعْنى: تَبارَكَ مَن في النُّورِ، وذَلِكَ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ ﴿ومَن حَوْلَها﴾ يَعْنِي المَلائِكَةَ وهو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما وإنْ كُنّا نَقْطَعُ بِأنَّ هَذِهِ الرِّوايَةَ مَوْضُوعَةٌ مُخْتَلَقَةٌ.
وثانِيها: ﴿مَن في النّارِ﴾ هو نُورُ اللَّهِ، ﴿ومَن حَوْلَها﴾ المَلائِكَةُ، وهو مَرْوِيٌّ عَنْ قَتادَةَ والزَّجّاجِ.
وثالِثُها: أنَّ اللَّهَ تَعالى ناداهُ بِكَلامٍ سَمِعَهُ مِنَ الشَّجَرَةِ في البُقْعَةِ المُبارَكَةِ فَكانَتِ الشَّجَرَةُ مَحَلًّا لِلْكَلامِ، واللَّهُ هو المُكَلِّمُ لَهُ بِأنَّ فِعْلَهُ فِيهِ دُونَ الشَّجَرَةِ. ثُمَّ إنَّ الشَّجَرَةَ كانَتْ في النّارِ ومَن حَوْلَها مَلائِكَةٌ فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿بُورِكَ مَن في النّارِ ومَن حَوْلَها﴾ وهو قَوْلُ الجُبّائِيُّ.
ورابِعُها: ﴿مَن في النّارِ﴾ هو مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِقُرْبِهِ مِنها ﴿ومَن حَوْلَها﴾ يَعْنِي المَلائِكَةَ، وهَذا أقْرَبُ لِأنَّ القَرِيبَ مِنَ الشَّيْءِ قَدْ يُقالُ إنَّهُ فِيهِ.
وخامِسُها: قَوْلُ صاحِبِ ”الكَشّافِ“: ﴿بُورِكَ مَن في النّارِ﴾ أيْ مَن في مَكانِ النّارِ ومَن حَوْلَ مَكانِها هي البُقْعَةُ الَّتِي حَصَلَتْ فِيها وهي البُقْعَةُ المُبارَكَةُ المَذْكُورَةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن شاطِئِ الوادِي الأيْمَنِ في البُقْعَةِ المُبارَكَةِ﴾ [القصص: ٣٠] ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ أُبَيٍّ ”تَبارَكَتِ الأرْضُ ومَن حَوْلَها“ وعَنْهُ أيْضًا: ”بُورِكَتِ النّارُ“ .
البَحْثُ الثّالِثُ: السَّبَبُ الَّذِي لِأجْلِهِ بُورِكَتِ البُقْعَةُ، وبُورِكَ مَن فِيها وحَوالَيْها حُدُوثُ هَذا الأمْرِ
صفحة ١٥٧
العَظِيمِ فِيها وهو تَكْلِيمُ اللَّهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وجَعْلُهُ رَسُولًا وإظْهارُ المُعْجِزاتِ عَلَيْهِ ولِهَذا جَعَلَ اللَّهُ أرْضَ الشّامِ مَوْسُومَةً بِالبَرَكاتِ في قَوْلِهِ: ﴿ونَجَّيْناهُ ولُوطًا إلى الأرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ٧١] وحُقَّتْ أنْ تَكُونَ كَذَلِكَ فَهي مَبْعَثُ الأنْبِياءِ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، ومَهْبِطُ الوَحْيِ وكِفاتُهم أحْياءً وأمْواتًا.
البَحْثُ الرّابِعُ: أنَّهُ سُبْحانَهُ جَعَلَ هَذا القَوْلَ مُقَدِّمَةً لِمُناجاةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَقَوْلُهُ: ﴿بُورِكَ مَن في النّارِ ومَن حَوْلَها﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ قَدْ قُضِيَ أمْرٌ عَظِيمٌ تَنْتَشِرُ البَرَكَةُ مِنهُ في أرْضِ الشّامِ كُلِّها. وقَوْلُهُ: ﴿وسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ فِيهِ فائِدَتانِ:
إحْداهُما: أنَّهُ سُبْحانَهُ نَزَّهَ نَفْسَهُ عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ في ذاتِهِ وحِكْمَتِهِ لِيَكُونَ ذَلِكَ مُقَدِّمَةً في صِحَّةِ رِسالَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ.
الثّانِيَةُ: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ إيذانًا بِأنَّ ذَلِكَ الأمْرَ مُرِيدُهُ ومُكَوِّنُهُ رَبُّ العالَمِينَ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الكائِنَ مِن جَلائِلِ الأُمُورِ وعَظائِمِ الوَقائِعِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ أنا اللَّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ فَقالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ الهاءُ في ”إنَّهُ“ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرَ الشَّأْنِ و﴿أنا اللَّهُ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، و﴿العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ صِفَتانِ لِلْخَبَرِ، وأنْ يَكُونَ راجِعًا إلى ما دَلَّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ يَعْنِي: أنَّ مُكَلِّمَكَ ”أنا“ واللَّهُ بَيانٌ لِ ”أنا“، و”العَزِيزُ الحَكِيمُ“ صِفَتانِ لِلتَّعْيِينِ وهَذا تَمْهِيدٌ لِما أرادَ أنْ يُظْهِرَهُ عَلى يَدِهِ مِنَ المُعْجِزَةِ يُرِيدُ: أنا القَوِيُّ القادِرُ عَلى ما يَبْعُدُ مِنَ الأوْهامِ كَقَلْبِ العَصا حَيَّةً، الفاعِلُ ما أفْعَلُهُ بِحِكْمَةٍ وتَدْبِيرٍ. فَإنْ قِيلَ: هَذا النِّداءُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى، فَكَيْفَ عَلِمَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ مِنَ اللَّهِ ؟ جَوابُهُ: لِأهْلِ السُّنَّةِ فِيهِ طَرِيقانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ سَمِعَ الكَلامَ المُنَزَّهَ عَنْ مُشابَهَةِ الحُرُوفِ والأصْواتِ فَعَلِمَ بِالضَّرُورَةِ أنَّهُ صِفَةُ اللَّهِ تَعالى.
الثّانِي: قَوْلُ أئِمَّةِ ما وراءَ النَّهْرِ وهو أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ سَمِعَ الصَّوْتَ مِنَ الشَّجَرَةِ فَنَقُولُ: إنَّما عَرَفَ أنَّ ذَلِكَ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِأُمُورٍ:
أحَدُها: أنَّ النِّداءَ إذا حَصَلَ في النّارِ أوِ الشَّجَرَةِ عُلِمَ أنَّهُ مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى لِأنَّ أحَدًا مِنّا لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ وهو ضَعِيفٌ لِاحْتِمالِ أنْ يُقالَ: الشَّيْطانُ دَخَلَ في النّارِ والشَّجَرَةِ ثُمَّ نادى.
وثانِيها: يَجُوزُ في نَفْسِ النِّداءِ أنْ يَكُونَ قَدْ بَلَغَ في العِظَمِ مَبْلَغًا لا يَكُونُ إلّا مُعْجِزًا، وهو أيْضًا ضَعِيفٌ لِأنّا لا نَعْرِفُ مَقادِيرَ قُوى المَلائِكَةِ والشَّياطِينِ فَلا قَدْرَ إلّا ويَجُوزُ صُدُورُهُ مِنهم.
وثالِثُها: أنَّهُ قَدِ اقْتَرَنَ بِهِ مُعْجِزٌ دَلَّ عَلى ذَلِكَ، فَقِيلَ: إنَّ النّارَ كانَتْ مُشْتَعِلَةً في شَجَرَةٍ خَضْراءَ لَمْ تَحْتَرِقْ فَصارَ ذَلِكَ كالمُعْجِزِ، وهَذا هو الأصَحُّ واللَّهُ أعْلَمُ.
النمل 27:8
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّكَ لَتُلَقّى القُرْآنَ مِن لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ ﴿إذْ قالَ مُوسى لِأهْلِهِ إنِّي آنَسْتُ نارًا سَآتِيكم مِنها بِخَبَرٍ أوْ آتِيكم بِشِهابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكم تَصْطَلُونَ﴾ ﴿فَلَمّا جاءَها نُودِيَ أنْ بُورِكَ مَن في النّارِ ومَن حَوْلَها وسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿يامُوسى إنَّهُ أنا اللَّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ .
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وإنَّكَ لَتُلَقّى القُرْآنَ مِن لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ فَمَعْناهُ لَتُؤْتاهُ وتُلَقّاهُ مِن عِنْدِ أيِّ حَكِيمٍ وأيِّ عَلِيمٍ، وهَذا مَعْنى مَجِيئِهِما نَكِرَتَيْنِ وهَذِهِ الآيَةُ بِساطٌ وتَمْهِيدٌ لِما يُرِيدُ أنْ يَسُوقَ بَعْدَها مِنَ الأقاصِيصِ، و”إذْ“ مَنصُوبٌ بِمُضْمَرٍ وهو اذْكُرْ، كَأنَّهُ قالَ عَلى أثَرِ ذَلِكَ خُذْ مِن آثارِ حِكْمَتِهِ وعِلْمِهِ قِصَّةَ مُوسى، ويَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ بِ ”عَلِيمٍ“ فَإنْ قِيلَ: الحِكْمَةُ إمّا أنْ تَكُونَ نَفْسَ العِلْمِ، والعِلْمُ إمّا أنْ يَكُونَ داخِلًا فِيها، فَلَمّا ذَكَرَ الحِكْمَةَ فَلِمَ ذَكَرَ العِلْمَ ؟ جَوابُهُ: الحِكْمَةُ هي العِلْمُ بِالأُمُورِ العَمَلِيَّةِ فَقَطْ والعِلْمُ أعَمُّ مِنهُ؛ لِأنَّ العِلْمَ قَدْ يَكُونُ عَمَلِيًّا وقَدْ يَكُونُ نَظَرِيًّا والعُلُومُ النَّظَرِيَّةُ أشْرَفُ مِنَ العُلُومِ العَمَلِيَّةِ، فَذَكَرَ الحِكْمَةَ المُشْتَمِلَةَ عَلى العُلُومِ العَمَلِيَّةِ، ثُمَّ ذَكَرَ العَلِيمَ وهو البالِغُ في كَمالِ العِلْمِ وكَمالُ العِلْمِ يَحْصُلُ مِن جِهاتٍ ثَلاثَةٍ وحْدَتُهُ وعُمُومُ تَعَلُّقِهِ بِكُلِّ المَعْلُوماتِ وبَقاؤُهُ مَصُونًا عَنْ كُلِّ التَّغَيُّراتِ، وما حَصَلَتْ هَذِهِ الكِمالاتُ الثَّلاثَةُ إلّا في عِلْمِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى.
واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ في هَذِهِ السُّورَةِ أنْواعًا مِنَ القَصَصِ.
القِصَّةُ الأُولى: قِصَّةُ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ
أمّا قَوْلُهُ: ﴿إذْ قالَ مُوسى لِأهْلِهِ﴾ فَيَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَعَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ غَيْرُ امْرَأتِهِ ابْنَةِ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقَدْ كَنّى اللَّهُ تَعالى عَنْها بِالأهْلِ فَتَبِعَ ذَلِكَ وُرُودُ الخِطابِ عَلى لَفْظِ الجَمْعِ وهو قَوْلُهُ ﴿امْكُثُوا﴾ .
أمّا قَوْلُهُ: ﴿إنِّي آنَسْتُ نارًا﴾ فالمَعْنى أنَّهُما كانا يَسِيرانِ لَيْلًا، وقَدِ اشْتَبَهَ الطَّرِيقُ عَلَيْهِما والوَقْتُ وقْتُ بَرْدٍ وفي مِثْلِ هَذا الحالِ تَقْوى النَّفْسُ بِمُشاهَدَةِ نارٍ مِن بُعْدٍ لِما يُرْجى فِيها مِن زَوالِ الحَيْرَةِ في أمْرِ الطَّرِيقِ، ومِنَ الِانْتِفاعِ بِالنّارِ لِلِاصْطِلاءِ فَلِذَلِكَ بَشَّرَها فَقالَ: ﴿إنِّي آنَسْتُ نارًا﴾ وقَدِ اخْتَلَفُوا فَقالَ بَعْضُهم: المُرادُ أبْصَرْتُ ورَأيْتُ، وقالَ آخَرُونَ: بَلِ المُرادُ صادَفْتُ ووَجَدْتُ فَآنَسْتُ بِهِ، والأوَّلُ أقْرَبُ، لِأنَّهم لا يُفَرِّقُونَ بَيْنَ قَوْلِ القائِلِ: آنَسْتُ بِبَصَرِي، ورَأيْتُ بِبَصَرِي.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿سَآتِيكم مِنها بِخَبَرٍ﴾ فالخَبَرُ ما يُخْبَرُ بِهِ عَنْ حالِ الطَّرِيقِ لِأنَّهُ كانَ قَدْ ضَلَّ، ثُمَّ في الكَلامِ حَذْفٌ وهو أنَّهُ لَمّا أبْصَرَ النّارَ تَوَجَّهَ إلَيْها وقالَ: ﴿سَآتِيكم مِنها بِخَبَرٍ﴾ يَعْرِفُ بِهِ الطَّرِيقَ.
صفحة ١٥٦
أمّا قَوْلُهُ: ﴿أوْ آتِيكم بِشِهابٍ قَبَسٍ﴾ فالشِّهابُ الشُّعْلَةُ والقَبَسُ النّارُ المَقْبُوسَةُ. وأضافَ الشِّهابَ إلى القَبَسِ لِأنَّهُ يَكُونُ قَبَسًا وغَيْرَ قَبَسٍ، ومَن قَرَأ بِالتَّنْوِينِ جَعَلَ القَبَسَ بَدَلًا أوْ صِفَةً لِما فِيهِ مِن مَعْنى القَبَسِ ثُمَّ هَهُنا أسْئِلَةٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: ﴿سَآتِيكم مِنها بِخَبَرٍ﴾ و﴿لَعَلِّي آتِيكم مِنها بِخَبَرٍ﴾ كالمُتَدافِعَيْنِ لِأنَّ أحَدَهُما تَرَجٍّ والآخِرَ تَيَقُّنٌ ؟ نَقُولُ: جَوابُهُ: قَدْ يَقُولُ الرّاجِي إذا قَوِيَ رَجاؤُهُ سَأفْعَلُ كَذا وسَيَكُونُ كَذا مَعَ تَجْوِيزِهِ الخَيْبَةَ.
السُّؤالُ الثّانِي: كَيْفَ جاءَ بِسِينِ التَّسْوِيفِ ؟ جَوابُهُ: عِدَةٌ مِنهُ لِأهْلِهِ أنَّهُ يَأْتِيهِمْ بِهِ وإنْ أبْطَأ أوْ كانَتِ المَسافَةُ بَعِيدَةً.
السُّؤالُ الثّالِثُ: لِماذا أدْخَلَ ”أوْ“ بَيْنَ الأمْرَيْنِ وهَلّا جَمَعَ بَيْنَهُما لِحاجَتِهِ إلَيْهِما مَعًا ؟ جَوابُهُ: بَنى الرَّجاءَ عَلى أنَّهُ إنْ لَمْ يَظْفَرْ بِهَذَيْنِ المَقْصُودَيْنِ ظَفِرَ بِأحَدِهِما، إمّا هِدايَةُ الطَّرِيقِ، وإمّا اقْتِباسُ النّارِ ثِقَةً بِعادَةِ اللَّهِ تَعالى لِأنَّهُ لا يَكادُ يَجْمَعُ بَيْنَ حِرْمانَيْنِ عَلى عَبْدِهِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَعَلَّكم تَصْطَلُونَ﴾ فالمَعْنى لِكَيْ تَصْطَلُونَ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى حاجَةٍ بِهِمْ إلى الِاصْطِلاءِ وحِينَئِذٍ لا يَكُونُ ذَلِكَ إلّا في حالِ بَرْدٍ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿نُودِيَ أنْ بُورِكَ مَن في النّارِ ومَن حَوْلَها وسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ فَفِيهِ أبْحاثٌ:
البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّ ﴿أنْ﴾ هي المُفَسِّرَةُ لِأنَّ النِّداءَ فِيهِ مَعْنى القَوْلِ، والمَعْنى قِيلَ لَهُ: بُورِكَ.
البَحْثُ الثّانِي: اخْتَلَفُوا فِيمَن في النّارِ عَلى وُجُوهٍ:
أحَدُها: ﴿أنْ بُورِكَ﴾ بِمَعْنى تَبارَكَ و﴿النّارِ﴾ بِمَعْنى النُّورِ والمَعْنى: تَبارَكَ مَن في النُّورِ، وذَلِكَ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ ﴿ومَن حَوْلَها﴾ يَعْنِي المَلائِكَةَ وهو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما وإنْ كُنّا نَقْطَعُ بِأنَّ هَذِهِ الرِّوايَةَ مَوْضُوعَةٌ مُخْتَلَقَةٌ.
وثانِيها: ﴿مَن في النّارِ﴾ هو نُورُ اللَّهِ، ﴿ومَن حَوْلَها﴾ المَلائِكَةُ، وهو مَرْوِيٌّ عَنْ قَتادَةَ والزَّجّاجِ.
وثالِثُها: أنَّ اللَّهَ تَعالى ناداهُ بِكَلامٍ سَمِعَهُ مِنَ الشَّجَرَةِ في البُقْعَةِ المُبارَكَةِ فَكانَتِ الشَّجَرَةُ مَحَلًّا لِلْكَلامِ، واللَّهُ هو المُكَلِّمُ لَهُ بِأنَّ فِعْلَهُ فِيهِ دُونَ الشَّجَرَةِ. ثُمَّ إنَّ الشَّجَرَةَ كانَتْ في النّارِ ومَن حَوْلَها مَلائِكَةٌ فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿بُورِكَ مَن في النّارِ ومَن حَوْلَها﴾ وهو قَوْلُ الجُبّائِيُّ.
ورابِعُها: ﴿مَن في النّارِ﴾ هو مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِقُرْبِهِ مِنها ﴿ومَن حَوْلَها﴾ يَعْنِي المَلائِكَةَ، وهَذا أقْرَبُ لِأنَّ القَرِيبَ مِنَ الشَّيْءِ قَدْ يُقالُ إنَّهُ فِيهِ.
وخامِسُها: قَوْلُ صاحِبِ ”الكَشّافِ“: ﴿بُورِكَ مَن في النّارِ﴾ أيْ مَن في مَكانِ النّارِ ومَن حَوْلَ مَكانِها هي البُقْعَةُ الَّتِي حَصَلَتْ فِيها وهي البُقْعَةُ المُبارَكَةُ المَذْكُورَةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن شاطِئِ الوادِي الأيْمَنِ في البُقْعَةِ المُبارَكَةِ﴾ [القصص: ٣٠] ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ أُبَيٍّ ”تَبارَكَتِ الأرْضُ ومَن حَوْلَها“ وعَنْهُ أيْضًا: ”بُورِكَتِ النّارُ“ .
البَحْثُ الثّالِثُ: السَّبَبُ الَّذِي لِأجْلِهِ بُورِكَتِ البُقْعَةُ، وبُورِكَ مَن فِيها وحَوالَيْها حُدُوثُ هَذا الأمْرِ
صفحة ١٥٧
العَظِيمِ فِيها وهو تَكْلِيمُ اللَّهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وجَعْلُهُ رَسُولًا وإظْهارُ المُعْجِزاتِ عَلَيْهِ ولِهَذا جَعَلَ اللَّهُ أرْضَ الشّامِ مَوْسُومَةً بِالبَرَكاتِ في قَوْلِهِ: ﴿ونَجَّيْناهُ ولُوطًا إلى الأرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ٧١] وحُقَّتْ أنْ تَكُونَ كَذَلِكَ فَهي مَبْعَثُ الأنْبِياءِ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، ومَهْبِطُ الوَحْيِ وكِفاتُهم أحْياءً وأمْواتًا.
البَحْثُ الرّابِعُ: أنَّهُ سُبْحانَهُ جَعَلَ هَذا القَوْلَ مُقَدِّمَةً لِمُناجاةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَقَوْلُهُ: ﴿بُورِكَ مَن في النّارِ ومَن حَوْلَها﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ قَدْ قُضِيَ أمْرٌ عَظِيمٌ تَنْتَشِرُ البَرَكَةُ مِنهُ في أرْضِ الشّامِ كُلِّها. وقَوْلُهُ: ﴿وسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ فِيهِ فائِدَتانِ:
إحْداهُما: أنَّهُ سُبْحانَهُ نَزَّهَ نَفْسَهُ عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ في ذاتِهِ وحِكْمَتِهِ لِيَكُونَ ذَلِكَ مُقَدِّمَةً في صِحَّةِ رِسالَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ.
الثّانِيَةُ: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ إيذانًا بِأنَّ ذَلِكَ الأمْرَ مُرِيدُهُ ومُكَوِّنُهُ رَبُّ العالَمِينَ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الكائِنَ مِن جَلائِلِ الأُمُورِ وعَظائِمِ الوَقائِعِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ أنا اللَّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ فَقالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ الهاءُ في ”إنَّهُ“ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرَ الشَّأْنِ و﴿أنا اللَّهُ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، و﴿العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ صِفَتانِ لِلْخَبَرِ، وأنْ يَكُونَ راجِعًا إلى ما دَلَّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ يَعْنِي: أنَّ مُكَلِّمَكَ ”أنا“ واللَّهُ بَيانٌ لِ ”أنا“، و”العَزِيزُ الحَكِيمُ“ صِفَتانِ لِلتَّعْيِينِ وهَذا تَمْهِيدٌ لِما أرادَ أنْ يُظْهِرَهُ عَلى يَدِهِ مِنَ المُعْجِزَةِ يُرِيدُ: أنا القَوِيُّ القادِرُ عَلى ما يَبْعُدُ مِنَ الأوْهامِ كَقَلْبِ العَصا حَيَّةً، الفاعِلُ ما أفْعَلُهُ بِحِكْمَةٍ وتَدْبِيرٍ. فَإنْ قِيلَ: هَذا النِّداءُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى، فَكَيْفَ عَلِمَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ مِنَ اللَّهِ ؟ جَوابُهُ: لِأهْلِ السُّنَّةِ فِيهِ طَرِيقانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ سَمِعَ الكَلامَ المُنَزَّهَ عَنْ مُشابَهَةِ الحُرُوفِ والأصْواتِ فَعَلِمَ بِالضَّرُورَةِ أنَّهُ صِفَةُ اللَّهِ تَعالى.
الثّانِي: قَوْلُ أئِمَّةِ ما وراءَ النَّهْرِ وهو أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ سَمِعَ الصَّوْتَ مِنَ الشَّجَرَةِ فَنَقُولُ: إنَّما عَرَفَ أنَّ ذَلِكَ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِأُمُورٍ:
أحَدُها: أنَّ النِّداءَ إذا حَصَلَ في النّارِ أوِ الشَّجَرَةِ عُلِمَ أنَّهُ مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى لِأنَّ أحَدًا مِنّا لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ وهو ضَعِيفٌ لِاحْتِمالِ أنْ يُقالَ: الشَّيْطانُ دَخَلَ في النّارِ والشَّجَرَةِ ثُمَّ نادى.
وثانِيها: يَجُوزُ في نَفْسِ النِّداءِ أنْ يَكُونَ قَدْ بَلَغَ في العِظَمِ مَبْلَغًا لا يَكُونُ إلّا مُعْجِزًا، وهو أيْضًا ضَعِيفٌ لِأنّا لا نَعْرِفُ مَقادِيرَ قُوى المَلائِكَةِ والشَّياطِينِ فَلا قَدْرَ إلّا ويَجُوزُ صُدُورُهُ مِنهم.
وثالِثُها: أنَّهُ قَدِ اقْتَرَنَ بِهِ مُعْجِزٌ دَلَّ عَلى ذَلِكَ، فَقِيلَ: إنَّ النّارَ كانَتْ مُشْتَعِلَةً في شَجَرَةٍ خَضْراءَ لَمْ تَحْتَرِقْ فَصارَ ذَلِكَ كالمُعْجِزِ، وهَذا هو الأصَحُّ واللَّهُ أعْلَمُ.
النمل 27:9
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّكَ لَتُلَقّى القُرْآنَ مِن لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ ﴿إذْ قالَ مُوسى لِأهْلِهِ إنِّي آنَسْتُ نارًا سَآتِيكم مِنها بِخَبَرٍ أوْ آتِيكم بِشِهابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكم تَصْطَلُونَ﴾ ﴿فَلَمّا جاءَها نُودِيَ أنْ بُورِكَ مَن في النّارِ ومَن حَوْلَها وسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿يامُوسى إنَّهُ أنا اللَّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ .
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وإنَّكَ لَتُلَقّى القُرْآنَ مِن لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ فَمَعْناهُ لَتُؤْتاهُ وتُلَقّاهُ مِن عِنْدِ أيِّ حَكِيمٍ وأيِّ عَلِيمٍ، وهَذا مَعْنى مَجِيئِهِما نَكِرَتَيْنِ وهَذِهِ الآيَةُ بِساطٌ وتَمْهِيدٌ لِما يُرِيدُ أنْ يَسُوقَ بَعْدَها مِنَ الأقاصِيصِ، و”إذْ“ مَنصُوبٌ بِمُضْمَرٍ وهو اذْكُرْ، كَأنَّهُ قالَ عَلى أثَرِ ذَلِكَ خُذْ مِن آثارِ حِكْمَتِهِ وعِلْمِهِ قِصَّةَ مُوسى، ويَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ بِ ”عَلِيمٍ“ فَإنْ قِيلَ: الحِكْمَةُ إمّا أنْ تَكُونَ نَفْسَ العِلْمِ، والعِلْمُ إمّا أنْ يَكُونَ داخِلًا فِيها، فَلَمّا ذَكَرَ الحِكْمَةَ فَلِمَ ذَكَرَ العِلْمَ ؟ جَوابُهُ: الحِكْمَةُ هي العِلْمُ بِالأُمُورِ العَمَلِيَّةِ فَقَطْ والعِلْمُ أعَمُّ مِنهُ؛ لِأنَّ العِلْمَ قَدْ يَكُونُ عَمَلِيًّا وقَدْ يَكُونُ نَظَرِيًّا والعُلُومُ النَّظَرِيَّةُ أشْرَفُ مِنَ العُلُومِ العَمَلِيَّةِ، فَذَكَرَ الحِكْمَةَ المُشْتَمِلَةَ عَلى العُلُومِ العَمَلِيَّةِ، ثُمَّ ذَكَرَ العَلِيمَ وهو البالِغُ في كَمالِ العِلْمِ وكَمالُ العِلْمِ يَحْصُلُ مِن جِهاتٍ ثَلاثَةٍ وحْدَتُهُ وعُمُومُ تَعَلُّقِهِ بِكُلِّ المَعْلُوماتِ وبَقاؤُهُ مَصُونًا عَنْ كُلِّ التَّغَيُّراتِ، وما حَصَلَتْ هَذِهِ الكِمالاتُ الثَّلاثَةُ إلّا في عِلْمِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى.
واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ في هَذِهِ السُّورَةِ أنْواعًا مِنَ القَصَصِ.
القِصَّةُ الأُولى: قِصَّةُ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ
أمّا قَوْلُهُ: ﴿إذْ قالَ مُوسى لِأهْلِهِ﴾ فَيَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَعَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ غَيْرُ امْرَأتِهِ ابْنَةِ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقَدْ كَنّى اللَّهُ تَعالى عَنْها بِالأهْلِ فَتَبِعَ ذَلِكَ وُرُودُ الخِطابِ عَلى لَفْظِ الجَمْعِ وهو قَوْلُهُ ﴿امْكُثُوا﴾ .
أمّا قَوْلُهُ: ﴿إنِّي آنَسْتُ نارًا﴾ فالمَعْنى أنَّهُما كانا يَسِيرانِ لَيْلًا، وقَدِ اشْتَبَهَ الطَّرِيقُ عَلَيْهِما والوَقْتُ وقْتُ بَرْدٍ وفي مِثْلِ هَذا الحالِ تَقْوى النَّفْسُ بِمُشاهَدَةِ نارٍ مِن بُعْدٍ لِما يُرْجى فِيها مِن زَوالِ الحَيْرَةِ في أمْرِ الطَّرِيقِ، ومِنَ الِانْتِفاعِ بِالنّارِ لِلِاصْطِلاءِ فَلِذَلِكَ بَشَّرَها فَقالَ: ﴿إنِّي آنَسْتُ نارًا﴾ وقَدِ اخْتَلَفُوا فَقالَ بَعْضُهم: المُرادُ أبْصَرْتُ ورَأيْتُ، وقالَ آخَرُونَ: بَلِ المُرادُ صادَفْتُ ووَجَدْتُ فَآنَسْتُ بِهِ، والأوَّلُ أقْرَبُ، لِأنَّهم لا يُفَرِّقُونَ بَيْنَ قَوْلِ القائِلِ: آنَسْتُ بِبَصَرِي، ورَأيْتُ بِبَصَرِي.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿سَآتِيكم مِنها بِخَبَرٍ﴾ فالخَبَرُ ما يُخْبَرُ بِهِ عَنْ حالِ الطَّرِيقِ لِأنَّهُ كانَ قَدْ ضَلَّ، ثُمَّ في الكَلامِ حَذْفٌ وهو أنَّهُ لَمّا أبْصَرَ النّارَ تَوَجَّهَ إلَيْها وقالَ: ﴿سَآتِيكم مِنها بِخَبَرٍ﴾ يَعْرِفُ بِهِ الطَّرِيقَ.
صفحة ١٥٦
أمّا قَوْلُهُ: ﴿أوْ آتِيكم بِشِهابٍ قَبَسٍ﴾ فالشِّهابُ الشُّعْلَةُ والقَبَسُ النّارُ المَقْبُوسَةُ. وأضافَ الشِّهابَ إلى القَبَسِ لِأنَّهُ يَكُونُ قَبَسًا وغَيْرَ قَبَسٍ، ومَن قَرَأ بِالتَّنْوِينِ جَعَلَ القَبَسَ بَدَلًا أوْ صِفَةً لِما فِيهِ مِن مَعْنى القَبَسِ ثُمَّ هَهُنا أسْئِلَةٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: ﴿سَآتِيكم مِنها بِخَبَرٍ﴾ و﴿لَعَلِّي آتِيكم مِنها بِخَبَرٍ﴾ كالمُتَدافِعَيْنِ لِأنَّ أحَدَهُما تَرَجٍّ والآخِرَ تَيَقُّنٌ ؟ نَقُولُ: جَوابُهُ: قَدْ يَقُولُ الرّاجِي إذا قَوِيَ رَجاؤُهُ سَأفْعَلُ كَذا وسَيَكُونُ كَذا مَعَ تَجْوِيزِهِ الخَيْبَةَ.
السُّؤالُ الثّانِي: كَيْفَ جاءَ بِسِينِ التَّسْوِيفِ ؟ جَوابُهُ: عِدَةٌ مِنهُ لِأهْلِهِ أنَّهُ يَأْتِيهِمْ بِهِ وإنْ أبْطَأ أوْ كانَتِ المَسافَةُ بَعِيدَةً.
السُّؤالُ الثّالِثُ: لِماذا أدْخَلَ ”أوْ“ بَيْنَ الأمْرَيْنِ وهَلّا جَمَعَ بَيْنَهُما لِحاجَتِهِ إلَيْهِما مَعًا ؟ جَوابُهُ: بَنى الرَّجاءَ عَلى أنَّهُ إنْ لَمْ يَظْفَرْ بِهَذَيْنِ المَقْصُودَيْنِ ظَفِرَ بِأحَدِهِما، إمّا هِدايَةُ الطَّرِيقِ، وإمّا اقْتِباسُ النّارِ ثِقَةً بِعادَةِ اللَّهِ تَعالى لِأنَّهُ لا يَكادُ يَجْمَعُ بَيْنَ حِرْمانَيْنِ عَلى عَبْدِهِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَعَلَّكم تَصْطَلُونَ﴾ فالمَعْنى لِكَيْ تَصْطَلُونَ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى حاجَةٍ بِهِمْ إلى الِاصْطِلاءِ وحِينَئِذٍ لا يَكُونُ ذَلِكَ إلّا في حالِ بَرْدٍ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿نُودِيَ أنْ بُورِكَ مَن في النّارِ ومَن حَوْلَها وسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ فَفِيهِ أبْحاثٌ:
البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّ ﴿أنْ﴾ هي المُفَسِّرَةُ لِأنَّ النِّداءَ فِيهِ مَعْنى القَوْلِ، والمَعْنى قِيلَ لَهُ: بُورِكَ.
البَحْثُ الثّانِي: اخْتَلَفُوا فِيمَن في النّارِ عَلى وُجُوهٍ:
أحَدُها: ﴿أنْ بُورِكَ﴾ بِمَعْنى تَبارَكَ و﴿النّارِ﴾ بِمَعْنى النُّورِ والمَعْنى: تَبارَكَ مَن في النُّورِ، وذَلِكَ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ ﴿ومَن حَوْلَها﴾ يَعْنِي المَلائِكَةَ وهو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما وإنْ كُنّا نَقْطَعُ بِأنَّ هَذِهِ الرِّوايَةَ مَوْضُوعَةٌ مُخْتَلَقَةٌ.
وثانِيها: ﴿مَن في النّارِ﴾ هو نُورُ اللَّهِ، ﴿ومَن حَوْلَها﴾ المَلائِكَةُ، وهو مَرْوِيٌّ عَنْ قَتادَةَ والزَّجّاجِ.
وثالِثُها: أنَّ اللَّهَ تَعالى ناداهُ بِكَلامٍ سَمِعَهُ مِنَ الشَّجَرَةِ في البُقْعَةِ المُبارَكَةِ فَكانَتِ الشَّجَرَةُ مَحَلًّا لِلْكَلامِ، واللَّهُ هو المُكَلِّمُ لَهُ بِأنَّ فِعْلَهُ فِيهِ دُونَ الشَّجَرَةِ. ثُمَّ إنَّ الشَّجَرَةَ كانَتْ في النّارِ ومَن حَوْلَها مَلائِكَةٌ فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿بُورِكَ مَن في النّارِ ومَن حَوْلَها﴾ وهو قَوْلُ الجُبّائِيُّ.
ورابِعُها: ﴿مَن في النّارِ﴾ هو مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِقُرْبِهِ مِنها ﴿ومَن حَوْلَها﴾ يَعْنِي المَلائِكَةَ، وهَذا أقْرَبُ لِأنَّ القَرِيبَ مِنَ الشَّيْءِ قَدْ يُقالُ إنَّهُ فِيهِ.
وخامِسُها: قَوْلُ صاحِبِ ”الكَشّافِ“: ﴿بُورِكَ مَن في النّارِ﴾ أيْ مَن في مَكانِ النّارِ ومَن حَوْلَ مَكانِها هي البُقْعَةُ الَّتِي حَصَلَتْ فِيها وهي البُقْعَةُ المُبارَكَةُ المَذْكُورَةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن شاطِئِ الوادِي الأيْمَنِ في البُقْعَةِ المُبارَكَةِ﴾ [القصص: ٣٠] ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ أُبَيٍّ ”تَبارَكَتِ الأرْضُ ومَن حَوْلَها“ وعَنْهُ أيْضًا: ”بُورِكَتِ النّارُ“ .
البَحْثُ الثّالِثُ: السَّبَبُ الَّذِي لِأجْلِهِ بُورِكَتِ البُقْعَةُ، وبُورِكَ مَن فِيها وحَوالَيْها حُدُوثُ هَذا الأمْرِ
صفحة ١٥٧
العَظِيمِ فِيها وهو تَكْلِيمُ اللَّهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وجَعْلُهُ رَسُولًا وإظْهارُ المُعْجِزاتِ عَلَيْهِ ولِهَذا جَعَلَ اللَّهُ أرْضَ الشّامِ مَوْسُومَةً بِالبَرَكاتِ في قَوْلِهِ: ﴿ونَجَّيْناهُ ولُوطًا إلى الأرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ٧١] وحُقَّتْ أنْ تَكُونَ كَذَلِكَ فَهي مَبْعَثُ الأنْبِياءِ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، ومَهْبِطُ الوَحْيِ وكِفاتُهم أحْياءً وأمْواتًا.
البَحْثُ الرّابِعُ: أنَّهُ سُبْحانَهُ جَعَلَ هَذا القَوْلَ مُقَدِّمَةً لِمُناجاةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَقَوْلُهُ: ﴿بُورِكَ مَن في النّارِ ومَن حَوْلَها﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ قَدْ قُضِيَ أمْرٌ عَظِيمٌ تَنْتَشِرُ البَرَكَةُ مِنهُ في أرْضِ الشّامِ كُلِّها. وقَوْلُهُ: ﴿وسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ فِيهِ فائِدَتانِ:
إحْداهُما: أنَّهُ سُبْحانَهُ نَزَّهَ نَفْسَهُ عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ في ذاتِهِ وحِكْمَتِهِ لِيَكُونَ ذَلِكَ مُقَدِّمَةً في صِحَّةِ رِسالَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ.
الثّانِيَةُ: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ إيذانًا بِأنَّ ذَلِكَ الأمْرَ مُرِيدُهُ ومُكَوِّنُهُ رَبُّ العالَمِينَ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الكائِنَ مِن جَلائِلِ الأُمُورِ وعَظائِمِ الوَقائِعِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ أنا اللَّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ فَقالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ الهاءُ في ”إنَّهُ“ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرَ الشَّأْنِ و﴿أنا اللَّهُ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، و﴿العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ صِفَتانِ لِلْخَبَرِ، وأنْ يَكُونَ راجِعًا إلى ما دَلَّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ يَعْنِي: أنَّ مُكَلِّمَكَ ”أنا“ واللَّهُ بَيانٌ لِ ”أنا“، و”العَزِيزُ الحَكِيمُ“ صِفَتانِ لِلتَّعْيِينِ وهَذا تَمْهِيدٌ لِما أرادَ أنْ يُظْهِرَهُ عَلى يَدِهِ مِنَ المُعْجِزَةِ يُرِيدُ: أنا القَوِيُّ القادِرُ عَلى ما يَبْعُدُ مِنَ الأوْهامِ كَقَلْبِ العَصا حَيَّةً، الفاعِلُ ما أفْعَلُهُ بِحِكْمَةٍ وتَدْبِيرٍ. فَإنْ قِيلَ: هَذا النِّداءُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى، فَكَيْفَ عَلِمَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ مِنَ اللَّهِ ؟ جَوابُهُ: لِأهْلِ السُّنَّةِ فِيهِ طَرِيقانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ سَمِعَ الكَلامَ المُنَزَّهَ عَنْ مُشابَهَةِ الحُرُوفِ والأصْواتِ فَعَلِمَ بِالضَّرُورَةِ أنَّهُ صِفَةُ اللَّهِ تَعالى.
الثّانِي: قَوْلُ أئِمَّةِ ما وراءَ النَّهْرِ وهو أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ سَمِعَ الصَّوْتَ مِنَ الشَّجَرَةِ فَنَقُولُ: إنَّما عَرَفَ أنَّ ذَلِكَ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِأُمُورٍ:
أحَدُها: أنَّ النِّداءَ إذا حَصَلَ في النّارِ أوِ الشَّجَرَةِ عُلِمَ أنَّهُ مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى لِأنَّ أحَدًا مِنّا لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ وهو ضَعِيفٌ لِاحْتِمالِ أنْ يُقالَ: الشَّيْطانُ دَخَلَ في النّارِ والشَّجَرَةِ ثُمَّ نادى.
وثانِيها: يَجُوزُ في نَفْسِ النِّداءِ أنْ يَكُونَ قَدْ بَلَغَ في العِظَمِ مَبْلَغًا لا يَكُونُ إلّا مُعْجِزًا، وهو أيْضًا ضَعِيفٌ لِأنّا لا نَعْرِفُ مَقادِيرَ قُوى المَلائِكَةِ والشَّياطِينِ فَلا قَدْرَ إلّا ويَجُوزُ صُدُورُهُ مِنهم.
وثالِثُها: أنَّهُ قَدِ اقْتَرَنَ بِهِ مُعْجِزٌ دَلَّ عَلى ذَلِكَ، فَقِيلَ: إنَّ النّارَ كانَتْ مُشْتَعِلَةً في شَجَرَةٍ خَضْراءَ لَمْ تَحْتَرِقْ فَصارَ ذَلِكَ كالمُعْجِزِ، وهَذا هو الأصَحُّ واللَّهُ أعْلَمُ.
النمل 27:10
[ القِصَّةُ الأُولى: قِصَّةُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ]
﴿وألْقِ عَصاكَ فَلَمّا رَآها تَهْتَزُّ كَأنَّها جانٌّ ولّى مُدْبِرًا ولَمْ يُعَقِّبْ يا مُوسى لا تَخَفْ إنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ المُرْسَلُونَ﴾ ﴿إلّا مَن ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿وأدْخِلْ يَدَكَ في جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ في تِسْعِ آياتٍ إلى فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ إنَّهم كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ ﴿فَلَمّا جاءَتْهم آياتُنا مُبْصِرَةً قالُوا هَذا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿وجَحَدُوا بِها واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهم ظُلْمًا وعُلُوًّا فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُفْسِدِينَ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى:
صفحة ١٥٨
﴿وألْقِ عَصاكَ فَلَمّا رَآها تَهْتَزُّ كَأنَّها جانٌّ ولّى مُدْبِرًا ولَمْ يُعَقِّبْ يامُوسى لا تَخَفْ إنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ المُرْسَلُونَ﴾ ﴿إلّا مَن ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿وأدْخِلْ يَدَكَ في جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ في تِسْعِ آياتٍ إلى فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ إنَّهم كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ ﴿فَلَمّا جاءَتْهم آياتُنا مُبْصِرَةً قالُوا هَذا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿وجَحَدُوا بِها واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهم ظُلْمًا وعُلُوًّا فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُفْسِدِينَ﴾? اعْلَمْ أنَّ أكْثَرَ ما في هَذَهِ الآياتِ قَدْ مَرَّ شَرْحُهُ، ولْنَذْكُرْ ما هو مِن خَواصِّ هَذا المَوْضِعِ، يُقالُ: عَلامَ عَطَفَ قَوْلَهُ: ﴿وألْقِ عَصاكَ﴾ ؟ جَوابُهُ: عَلى ”بُورِكَ“، لِأنَّ المَعْنى نُودِيَ أنْ بُورِكَ مَن في النّارِ، وأنْ ألْقِ عَصاكَ، كِلاهُما تَفْسِيرٌ لِ ”نُودِيَ“ .
أمّا قَوْلُهُ: ﴿كَأنَّها جانٌّ﴾ فالجانُّ الحَيَّةُ الصَّغِيرَةُ، سُمِّيَتْ جانًّا، لِأنَّها تَسْتَتِرُ عَنِ النّاسِ، وقَرَأ الحَسَنُ ”جانٌ“ عَلى لُغَةِ مَن يَهْرُبُ مِنَ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ، فَيَقُولُ: شابَةٌ ودابَةٌ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿ولَمْ يُعَقِّبْ﴾ مَعْناهُ لَمْ يَرْجِعْ، يُقالُ: عَقَّبَ المُقاتِلُ إذا مَرَّ بَعْدَ الفِرارِ، وإنَّما خافَ لِظَنِّهِ أنَّ ذَلِكَ لِأمْرٍ أُرِيدَ بِهِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿إنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ المُرْسَلُونَ﴾ وقالَ بَعْضُهم: المُرادُ إنِّي إذا أمَرْتُهم بِإظْهارِ مُعْجِزٍ فَيَنْبَغِي أنْ لا يَخافُوا فِيما يَتَعَلَّقُ بِإظْهارِ ذَلِكَ وإلّا فالمُرْسِلُ قَدْ يَخافُ لا مَحالَةَ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلّا مَن ظَلَمَ﴾ مَعْناهُ لَكِنْ مَن ظُلِمَ وهو مَحْمُولٌ عَلى ما يَصْدُرُ مِنَ الأنْبِياءِ مَن تَرْكِ الأفْضَلِ أوِ الصَّغِيرَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَقْصُودُ مِنهُ التَّعْرِيضَ بِما وُجِدَ مِن مُوسى وهو مِنَ التَّعْرِيضاتِ اللَّطِيفَةِ. قالَ الحَسَنُ رَحِمَهُ اللَّهُ: كانَ واللَّهِ مُوسى مِمَّنْ ظَلَمَ بِقَتْلِ القِبْطِيِّ ثُمَّ بَدَّلَ، فَإنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ﴿رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فاغْفِرْ لِي﴾ [القصص: ١٦] وقُرِئَ ”ألا مَن ظَلَمَ“ بِحَرْفِ التَّنْبِيهِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ﴾ فالمُرادُ حُسْنُ التَّوْبَةِ وسُوءُ الذَّنْبِ، وعَنْ أبِي بَكْرٍ في رِوايَةِ عاصِمٍ ”حَسَنًا“ . أمّا قَوْلُهُ: ﴿فِي تِسْعِ آياتٍ﴾ فَهو كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ، وحَرْفُ الجَرِّ فِيهِ يَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ، والمَعْنى اذْهَبْ في تِسْعِ آياتٍ إلى فِرْعَوْنَ، ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: كانَتِ الآياتُ إحْدى عَشْرَةَ، اثْنَتانِ مِنها اليَدُ والعَصا، والتُّسْعُ: الفَلْقُ والطُّوفانُ والجَرادُ والقَمَّلُ والضَّفادِعُ والدَّمُ والطَّمْسَةُ والجَدْبُ في بَوادِيهِمْ والنُّقْصانُ في مَزارِعِهِمْ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا جاءَتْهم آياتُنا مُبْصِرَةً﴾ فَقَدْ جَعَلَ الإبْصارَ لَها، وهو في الحَقِيقَةِ لِمُتَأمِّلِها، وذَلِكَ بِسَبَبِ نَظَرِهِمْ وتَفَكُّرِهِمْ فِيها، أوْ جُعِلَتْ كَأنَّها لِظُهُورِها تُبْصِرُ فَتَهْتَدِي، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ وقَتادَةُ ”مَبْصَرَةً“ وهو نَحْوُ مَجْبَنَةٍ ومَبْخَلَةٍ، أيْ مَكانًا يَكْثُرُ فِيهِ التَّبَصُّرُ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهُمْ﴾ فالواوُ فِيها واوُ الحالِ، وقَدْ بَعْدَها مُضْمَرَةٌ وفائِدَةُ ذِكْرِ الأنْفُسِ أنَّهم جَحَدُوها بِألْسِنَتِهِمْ واسْتَيْقَنُوها في قُلُوبِهِمْ وضَمائِرِهِمْ، والِاسْتِيقانُ أبْلَغُ مِنَ الإيقانِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿ظُلْمًا وعُلُوًّا﴾ فَأيُّ ظُلْمٍ أفْحَشُ مِن ظُلْمِ مَنِ اسْتَيْقَنَ أنَّها آياتٌ بَيِّنَةٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ كابَرَ بِتَسْمِيَتِها سِحْرًا بَيِّنًا. وأمّا العُلُوُّ فَهو التَّكَبُّرُ والتَّرَفُّعُ عَنِ الإيمانِ بِما جاءَ بِهِ مُوسى كَقَوْلِهِ: ﴿فاسْتَكْبَرُوا وكانُوا قَوْمًا عالِينَ﴾ [المؤمنون: ٤٦] وقُرِئَ ”عُلِيًّا“ و”عِلِيًّا“ بِالضَّمِّ والكَسْرِ، كَما قُرِئَ ”عِتِيًّا“ . واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
القِصَّةُ الثّانِيَةُ: قِصَّةُ داوُدَ وسُلَيْمانَ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿ولَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وسُلَيْمانَ عِلْمًا وقالا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنا عَلى كَثِيرٍ مِن عِبادِهِ المُؤْمِنِينَ﴾
صفحة ١٥٩
﴿ووَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ وقالَ يا أيُّها النّاسُ عُلِّمْنا مَنطِقَ الطَّيْرِ وأُوتِينا مِن كُلِّ شَيْءٍ إنَّ هَذا لَهو الفَضْلُ المُبِينُ﴾ ﴿وحُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ والطَّيْرِ فَهم يُوزَعُونَ﴾ ﴿حَتّى إذا أتَوْا عَلى وادِي النَّمْلِ قالَتْ نَمْلَةٌ يا أيُّها النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكم لا يَحْطِمَنَّكم سُلَيْمانُ وجُنُودُهُ وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ ﴿فَتَبَسَّمَ ضاحِكًا مِن قَوْلِها وقالَ رَبِّ أوْزِعْنِي أنْ أشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أنْعَمْتَ عَلَيَّ وعَلى والِدَيَّ وأنْ أعْمَلَ صالِحًا تَرْضاهُ وأدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ في عِبادِكَ الصّالِحِينَ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وسُلَيْمانَ عِلْمًا وقالا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنا عَلى كَثِيرٍ مِن عِبادِهِ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿ووَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ وقالَ ياأيُّها النّاسُ عُلِّمْنا مَنطِقَ الطَّيْرِ وأُوتِينا مِن كُلِّ شَيْءٍ إنَّ هَذا لَهو الفَضْلُ المُبِينُ﴾ ﴿وحُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ والطَّيْرِ فَهم يُوزَعُونَ﴾ ﴿حَتّى إذا أتَوْا عَلى وادِي النَّمْلِ قالَتْ نَمْلَةٌ ياأيُّها النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكم لا يَحْطِمَنَّكم سُلَيْمانُ وجُنُودُهُ وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ ﴿فَتَبَسَّمَ ضاحِكًا مِن قَوْلِها وقالَ رَبِّ أوْزِعْنِي أنْ أشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أنْعَمْتَ عَلَيَّ وعَلى والِدَيَّ وأنْ أعْمَلَ صالِحًا تَرْضاهُ وأدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ في عِبادِكَ الصّالِحِينَ﴾ .
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عِلْمًا﴾ فالمُرادُ طائِفَةٌ مِنَ العِلْمِ أوْ عِلْمًا سَنِيًّا غَزِيرًا، فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ هَذا مَوْضِعَ الفاءِ دُونَ الواوِ، كَقَوْلِكَ أعْطَيْتُهُ فَشَكَرَ ؟ جَوابُهُ: أنَّ الشُّكْرَ بِاللِّسانِ إنَّما يَحْسُنُ مَوْقِعُهُ إذا كانَ مَسْبُوقًا بِعَمَلِ القَلْبِ وهو العَزْمُ عَلى فِعْلِ الطّاعَةِ وتَرْكِ المَعْصِيَةِ، وبِعَمَلِ الجَوارِحِ وهو الِاشْتِغالُ بِالطّاعاتِ، ولَمّا كانَ الشُّكْرُ بِاللِّسانِ يَجِبُ كَوْنُهُ مَسْبُوقًا بِهِما فَلا جَرَمَ صارَ كَأنَّهُ قالَ: ولَقَدْ آتَيْناهُما عِلْمًا، فَعَمِلا بِهِ قَلْبًا وقالِبًا، وقالا بِاللِّسانِ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَعَلَ كَذا وكَذا.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنا عَلى كَثِيرٍ مِن عِبادِهِ المُؤْمِنِينَ﴾ فَفِيها أبْحاثٌ:
أحَدُها: أنَّ الكَثِيرَ المُفَضَّلَ عَلَيْهِ هو مَن لَمْ يُؤْتَ عِلْمًا أوْ مَن لَمْ يُؤْتَ مِثْلَ عِلْمِهِما، وفِيهِ أنَّهُما فُضِّلا عَلى كَثِيرٍ وفُضِّلَ عَلَيْهِما كَثِيرٌ.
وثانِيها: في الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى عُلُوِّ مَرْتَبَةِ العِلْمِ لِأنَّهُما أُوتِيا مِنَ المُلْكِ ما لَمْ يُؤْتَ غَيْرُهُما فَلَمْ يَكُنْ شُكْرُهُما عَلى المُلْكِ كَشُكْرِهِما عَلى العِلْمِ.
وثالِثُها: أنَّهم لَمْ يُفَضِّلُوا أنْفُسَهم عَلى الكُلِّ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى حُسْنِ التَّواضُعِ.
ورابِعُها: أنَّ الظّاهِرَ يَقْتَضِي أنَّ تِلْكَ الفَضِيلَةَ لَيْسَتْ إلّا ذَلِكَ العِلْمَ، ثُمَّ العِلْمُ بِاللَّهِ وبِصِفاتِهِ أشْرَفُ مِن غَيْرِهِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ هَذا الشُّكْرُ لَيْسَ إلّا عَلى هَذا العِلْمِ، ثُمَّ إنَّ هَذا العِلْمَ حاصِلٌ لِجَمِيعِ المُؤْمِنِينَ فَيَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ سَبَبًا لِفَضِيلَتِهِمْ عَلى المُؤْمِنِينَ فَإذَنْ هو أنْ يَصِيرَ العِلْمُ بِاللَّهِ وبِصِفاتِهِ جَلِيًّا بِحَيْثُ يَصِيرُ المَرْءُ مُسْتَغْرِقًا فِيهِ بِحَيْثُ لا يَخْطُرُ بِبالِهِ شَيْءٌ مِنَ الشُّبَهاتِ ولا يَغْفُلُ القَلْبُ عَنْهُ في حِينٍ مِنَ الأحْيانِ ولا ساعَةٍ مِنَ السّاعاتِ.
* * *
صفحة ١٦٠
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ووَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ﴾ فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَقالَ الحَسَنُ: المالُ؛ لِأنَّ النُّبُوَّةَ عَطِيَّةٌ مُبْتَدَأةٌ ولا تُورَثُ، وقالَ غَيْرُهُ: بَلِ النُّبُوَّةُ، وقالَ آخَرُونَ: بَلِ المُلْكُ والسِّياسَةُ، ولَوْ تَأمَّلَ الحَسَنُ لَعَلِمَ أنَّ المالَ إذا ورِثَهُ الوَلَدُ فَهو أيْضًا عَطِيَّةٌ مُبْتَدَأةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى، ولِذَلِكَ يَرِثُ الوَلَدُ إذا كانَ مُؤْمِنًا ولا يَرِثُ إذا كانَ كافِرًا أوْ قاتِلًا، لَكِنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ سَبَبَ الإرْثِ فِيمَن يَرِثُ المَوْتَ عَلى شَرائِطَ، ولَيْسَ كَذَلِكَ النُّبُوَّةُ لِأنَّ المَوْتَ لا يَكُونُ سَبَبًا لِنُبُوَّةِ الوَلَدِ فَمِن هَذا الوجه يَفْتَرِقانِ، وذَلِكَ لا يَمْنَعُ مِن أنْ يُوصَفَ بِأنَّهُ ورِثَ النُّبُوَّةَ لَمّا قامَ بِهِ عِنْدَ مَوْتِهِ، كَما يَرِثُ الوَلَدُ المالَ إذا قامَ بِهِ عِنْدَ مَوْتِهِ؛ ومِمّا يُبَيِّنُ ما قُلْناهُ أنَّهُ تَعالى لَوْ فَصَّلَ فَقالَ: ووَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ مالَهُ لَمْ يَكُنْ لِقَوْلِهِ: ﴿وقالَ ياأيُّها النّاسُ عُلِّمْنا مَنطِقَ الطَّيْرِ﴾ مَعْنًى، وإذا قُلْنا ووَرِثَ مَقامَهُ مِنَ النُّبُوَّةِ والمُلْكِ حَسُنَ ذَلِكَ لِأنَّ تَعْلِيمَ مَنطِقِ الطَّيْرِ يَكُونُ داخِلًا في جُمْلَةِ ما ورِثَهُ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأُوتِينا مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ لِأنَّ وارِثَ المُلْكِ يَجْمَعُ ذَلِكَ ووارِثَ المالِ لا يَجْمَعُهُ وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ هَذا لَهو الفَضْلُ المُبِينُ﴾ لا يَلِيقُ أيْضًا إلّا بِما ذَكَرْنا دُونَ المالِ الَّذِي قَدْ يَحْصُلُ لِلْكامِلِ والنّاقِصِ، وما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى مِن جُنُودِ سُلَيْمانَ بَعْدَهُ لا يَلِيقُ إلّا بِما ذَكَرْناهُ، فَبَطَلَ بِما ذَكَرْنا قَوْلُ مَن زَعَمَ أنَّهُ لَمْ يَرِثْ إلّا المالَ، فَأمّا إذا قِيلَ: ورِثَ المالَ والمُلْكَ مَعًا فَهَذا لا يَبْطُلُ بِالوُجُوهِ الَّتِي ذَكَرْناها، بَلْ بِظاهِرِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«نَحْنُ مُعاشِرَ الأنْبِياءِ لا نُوَرَّثُ» “ .
فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها النّاسُ﴾ فالمَقْصُودُ مِنهُ تَشْهِيرُ نِعْمَةِ اللَّهِ تَعالى والتَّنْوِيهُ بِها ودُعاءُ النّاسِ إلى التَّصْدِيقِ بِذِكْرِ المُعْجِزَةِ الَّتِي هي عِلْمُ مَنطِقِ الطَّيْرِ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: المَنطِقُ كُلُّ ما يُصَوَّتُ بِهِ مِنَ المُفْرَدِ والمُؤَلَّفِ المُفِيدِ وغَيْرِ المُفِيدِ، وقَدْ تَرْجَمَ يَعْقُوبُ كِتابَهُ بِإصْلاحِ المَنطِقِ وما أصْلَحَ فِيهِ إلّا مُفْرَداتِ الكَلِمِ، وقالَتِ العَرَبُ: نَطَقَتِ الحَمامَةُ؛ فالَّذِي عَلَّمَ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن مَنطِقِ الطَّيْرِ هو ما يُفْهَمُ بَعْضُهُ مِن بَعْضٍ مِن مَقاصِدِهِ وأغْراضِهِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأُوتِينا مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ فالمُرادُ كَثْرَةُ ما أُوتِيَ وذَلِكَ لِأنَّ الكُلَّ والبَعْضَ الكَثِيرَ يَشْتَرِكانِ في صِفَةِ الكَثْرَةِ، والمُشارَكَةُ سَبَبٌ لِجَوازِ الِاسْتِعارَةِ فَلا جَرَمَ يُطْلَقُ لَفْظُ الكُلِّ عَلى الكَثِيرِ ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿وأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ .
أمّا قَوْلُهُ: ﴿إنَّ هَذا لَهو الفَضْلُ المُبِينُ﴾ فَهو تَقْرِيرٌ لِقَوْلِهِ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنا﴾ والمَقْصُودُ مِنهُ الشُّكْرُ والمَحْمَدَةُ كَما قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«أنا سَيِّدُ ولَدِ آدَمَ ولا فَخْرَ» “ فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ قالَ: ”عُلِّمْنا، وأُوتِينا“ وهو مِن كَلامِ المُتَكَبِّرِينَ ؟ جَوابُهُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنْ يُرِيدَ نَفْسَهُ وأباهُ.
والثّانِي: أنَّ هَذِهِ النُّونَ يُقالُ لَها: نُونُ الواحِدِ المُطاعِ وكانَ مَلِكًا مُطاعًا، وقَدْ يَتَعَلَّقُ بِتَعْظِيمِ المَلِكِ مَصالِحُ فَيَصِيرُ ذَلِكَ التَّعْظِيمُ واجِبًا.
النمل 27:11
[ القِصَّةُ الأُولى: قِصَّةُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ]
﴿وألْقِ عَصاكَ فَلَمّا رَآها تَهْتَزُّ كَأنَّها جانٌّ ولّى مُدْبِرًا ولَمْ يُعَقِّبْ يا مُوسى لا تَخَفْ إنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ المُرْسَلُونَ﴾ ﴿إلّا مَن ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿وأدْخِلْ يَدَكَ في جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ في تِسْعِ آياتٍ إلى فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ إنَّهم كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ ﴿فَلَمّا جاءَتْهم آياتُنا مُبْصِرَةً قالُوا هَذا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿وجَحَدُوا بِها واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهم ظُلْمًا وعُلُوًّا فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُفْسِدِينَ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى:
صفحة ١٥٨
﴿وألْقِ عَصاكَ فَلَمّا رَآها تَهْتَزُّ كَأنَّها جانٌّ ولّى مُدْبِرًا ولَمْ يُعَقِّبْ يامُوسى لا تَخَفْ إنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ المُرْسَلُونَ﴾ ﴿إلّا مَن ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿وأدْخِلْ يَدَكَ في جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ في تِسْعِ آياتٍ إلى فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ إنَّهم كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ ﴿فَلَمّا جاءَتْهم آياتُنا مُبْصِرَةً قالُوا هَذا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿وجَحَدُوا بِها واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهم ظُلْمًا وعُلُوًّا فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُفْسِدِينَ﴾? اعْلَمْ أنَّ أكْثَرَ ما في هَذَهِ الآياتِ قَدْ مَرَّ شَرْحُهُ، ولْنَذْكُرْ ما هو مِن خَواصِّ هَذا المَوْضِعِ، يُقالُ: عَلامَ عَطَفَ قَوْلَهُ: ﴿وألْقِ عَصاكَ﴾ ؟ جَوابُهُ: عَلى ”بُورِكَ“، لِأنَّ المَعْنى نُودِيَ أنْ بُورِكَ مَن في النّارِ، وأنْ ألْقِ عَصاكَ، كِلاهُما تَفْسِيرٌ لِ ”نُودِيَ“ .
أمّا قَوْلُهُ: ﴿كَأنَّها جانٌّ﴾ فالجانُّ الحَيَّةُ الصَّغِيرَةُ، سُمِّيَتْ جانًّا، لِأنَّها تَسْتَتِرُ عَنِ النّاسِ، وقَرَأ الحَسَنُ ”جانٌ“ عَلى لُغَةِ مَن يَهْرُبُ مِنَ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ، فَيَقُولُ: شابَةٌ ودابَةٌ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿ولَمْ يُعَقِّبْ﴾ مَعْناهُ لَمْ يَرْجِعْ، يُقالُ: عَقَّبَ المُقاتِلُ إذا مَرَّ بَعْدَ الفِرارِ، وإنَّما خافَ لِظَنِّهِ أنَّ ذَلِكَ لِأمْرٍ أُرِيدَ بِهِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿إنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ المُرْسَلُونَ﴾ وقالَ بَعْضُهم: المُرادُ إنِّي إذا أمَرْتُهم بِإظْهارِ مُعْجِزٍ فَيَنْبَغِي أنْ لا يَخافُوا فِيما يَتَعَلَّقُ بِإظْهارِ ذَلِكَ وإلّا فالمُرْسِلُ قَدْ يَخافُ لا مَحالَةَ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلّا مَن ظَلَمَ﴾ مَعْناهُ لَكِنْ مَن ظُلِمَ وهو مَحْمُولٌ عَلى ما يَصْدُرُ مِنَ الأنْبِياءِ مَن تَرْكِ الأفْضَلِ أوِ الصَّغِيرَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَقْصُودُ مِنهُ التَّعْرِيضَ بِما وُجِدَ مِن مُوسى وهو مِنَ التَّعْرِيضاتِ اللَّطِيفَةِ. قالَ الحَسَنُ رَحِمَهُ اللَّهُ: كانَ واللَّهِ مُوسى مِمَّنْ ظَلَمَ بِقَتْلِ القِبْطِيِّ ثُمَّ بَدَّلَ، فَإنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ﴿رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فاغْفِرْ لِي﴾ [القصص: ١٦] وقُرِئَ ”ألا مَن ظَلَمَ“ بِحَرْفِ التَّنْبِيهِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ﴾ فالمُرادُ حُسْنُ التَّوْبَةِ وسُوءُ الذَّنْبِ، وعَنْ أبِي بَكْرٍ في رِوايَةِ عاصِمٍ ”حَسَنًا“ . أمّا قَوْلُهُ: ﴿فِي تِسْعِ آياتٍ﴾ فَهو كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ، وحَرْفُ الجَرِّ فِيهِ يَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ، والمَعْنى اذْهَبْ في تِسْعِ آياتٍ إلى فِرْعَوْنَ، ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: كانَتِ الآياتُ إحْدى عَشْرَةَ، اثْنَتانِ مِنها اليَدُ والعَصا، والتُّسْعُ: الفَلْقُ والطُّوفانُ والجَرادُ والقَمَّلُ والضَّفادِعُ والدَّمُ والطَّمْسَةُ والجَدْبُ في بَوادِيهِمْ والنُّقْصانُ في مَزارِعِهِمْ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا جاءَتْهم آياتُنا مُبْصِرَةً﴾ فَقَدْ جَعَلَ الإبْصارَ لَها، وهو في الحَقِيقَةِ لِمُتَأمِّلِها، وذَلِكَ بِسَبَبِ نَظَرِهِمْ وتَفَكُّرِهِمْ فِيها، أوْ جُعِلَتْ كَأنَّها لِظُهُورِها تُبْصِرُ فَتَهْتَدِي، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ وقَتادَةُ ”مَبْصَرَةً“ وهو نَحْوُ مَجْبَنَةٍ ومَبْخَلَةٍ، أيْ مَكانًا يَكْثُرُ فِيهِ التَّبَصُّرُ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهُمْ﴾ فالواوُ فِيها واوُ الحالِ، وقَدْ بَعْدَها مُضْمَرَةٌ وفائِدَةُ ذِكْرِ الأنْفُسِ أنَّهم جَحَدُوها بِألْسِنَتِهِمْ واسْتَيْقَنُوها في قُلُوبِهِمْ وضَمائِرِهِمْ، والِاسْتِيقانُ أبْلَغُ مِنَ الإيقانِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿ظُلْمًا وعُلُوًّا﴾ فَأيُّ ظُلْمٍ أفْحَشُ مِن ظُلْمِ مَنِ اسْتَيْقَنَ أنَّها آياتٌ بَيِّنَةٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ كابَرَ بِتَسْمِيَتِها سِحْرًا بَيِّنًا. وأمّا العُلُوُّ فَهو التَّكَبُّرُ والتَّرَفُّعُ عَنِ الإيمانِ بِما جاءَ بِهِ مُوسى كَقَوْلِهِ: ﴿فاسْتَكْبَرُوا وكانُوا قَوْمًا عالِينَ﴾ [المؤمنون: ٤٦] وقُرِئَ ”عُلِيًّا“ و”عِلِيًّا“ بِالضَّمِّ والكَسْرِ، كَما قُرِئَ ”عِتِيًّا“ . واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
القِصَّةُ الثّانِيَةُ: قِصَّةُ داوُدَ وسُلَيْمانَ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿ولَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وسُلَيْمانَ عِلْمًا وقالا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنا عَلى كَثِيرٍ مِن عِبادِهِ المُؤْمِنِينَ﴾
صفحة ١٥٩
﴿ووَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ وقالَ يا أيُّها النّاسُ عُلِّمْنا مَنطِقَ الطَّيْرِ وأُوتِينا مِن كُلِّ شَيْءٍ إنَّ هَذا لَهو الفَضْلُ المُبِينُ﴾ ﴿وحُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ والطَّيْرِ فَهم يُوزَعُونَ﴾ ﴿حَتّى إذا أتَوْا عَلى وادِي النَّمْلِ قالَتْ نَمْلَةٌ يا أيُّها النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكم لا يَحْطِمَنَّكم سُلَيْمانُ وجُنُودُهُ وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ ﴿فَتَبَسَّمَ ضاحِكًا مِن قَوْلِها وقالَ رَبِّ أوْزِعْنِي أنْ أشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أنْعَمْتَ عَلَيَّ وعَلى والِدَيَّ وأنْ أعْمَلَ صالِحًا تَرْضاهُ وأدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ في عِبادِكَ الصّالِحِينَ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وسُلَيْمانَ عِلْمًا وقالا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنا عَلى كَثِيرٍ مِن عِبادِهِ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿ووَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ وقالَ ياأيُّها النّاسُ عُلِّمْنا مَنطِقَ الطَّيْرِ وأُوتِينا مِن كُلِّ شَيْءٍ إنَّ هَذا لَهو الفَضْلُ المُبِينُ﴾ ﴿وحُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ والطَّيْرِ فَهم يُوزَعُونَ﴾ ﴿حَتّى إذا أتَوْا عَلى وادِي النَّمْلِ قالَتْ نَمْلَةٌ ياأيُّها النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكم لا يَحْطِمَنَّكم سُلَيْمانُ وجُنُودُهُ وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ ﴿فَتَبَسَّمَ ضاحِكًا مِن قَوْلِها وقالَ رَبِّ أوْزِعْنِي أنْ أشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أنْعَمْتَ عَلَيَّ وعَلى والِدَيَّ وأنْ أعْمَلَ صالِحًا تَرْضاهُ وأدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ في عِبادِكَ الصّالِحِينَ﴾ .
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عِلْمًا﴾ فالمُرادُ طائِفَةٌ مِنَ العِلْمِ أوْ عِلْمًا سَنِيًّا غَزِيرًا، فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ هَذا مَوْضِعَ الفاءِ دُونَ الواوِ، كَقَوْلِكَ أعْطَيْتُهُ فَشَكَرَ ؟ جَوابُهُ: أنَّ الشُّكْرَ بِاللِّسانِ إنَّما يَحْسُنُ مَوْقِعُهُ إذا كانَ مَسْبُوقًا بِعَمَلِ القَلْبِ وهو العَزْمُ عَلى فِعْلِ الطّاعَةِ وتَرْكِ المَعْصِيَةِ، وبِعَمَلِ الجَوارِحِ وهو الِاشْتِغالُ بِالطّاعاتِ، ولَمّا كانَ الشُّكْرُ بِاللِّسانِ يَجِبُ كَوْنُهُ مَسْبُوقًا بِهِما فَلا جَرَمَ صارَ كَأنَّهُ قالَ: ولَقَدْ آتَيْناهُما عِلْمًا، فَعَمِلا بِهِ قَلْبًا وقالِبًا، وقالا بِاللِّسانِ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَعَلَ كَذا وكَذا.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنا عَلى كَثِيرٍ مِن عِبادِهِ المُؤْمِنِينَ﴾ فَفِيها أبْحاثٌ:
أحَدُها: أنَّ الكَثِيرَ المُفَضَّلَ عَلَيْهِ هو مَن لَمْ يُؤْتَ عِلْمًا أوْ مَن لَمْ يُؤْتَ مِثْلَ عِلْمِهِما، وفِيهِ أنَّهُما فُضِّلا عَلى كَثِيرٍ وفُضِّلَ عَلَيْهِما كَثِيرٌ.
وثانِيها: في الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى عُلُوِّ مَرْتَبَةِ العِلْمِ لِأنَّهُما أُوتِيا مِنَ المُلْكِ ما لَمْ يُؤْتَ غَيْرُهُما فَلَمْ يَكُنْ شُكْرُهُما عَلى المُلْكِ كَشُكْرِهِما عَلى العِلْمِ.
وثالِثُها: أنَّهم لَمْ يُفَضِّلُوا أنْفُسَهم عَلى الكُلِّ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى حُسْنِ التَّواضُعِ.
ورابِعُها: أنَّ الظّاهِرَ يَقْتَضِي أنَّ تِلْكَ الفَضِيلَةَ لَيْسَتْ إلّا ذَلِكَ العِلْمَ، ثُمَّ العِلْمُ بِاللَّهِ وبِصِفاتِهِ أشْرَفُ مِن غَيْرِهِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ هَذا الشُّكْرُ لَيْسَ إلّا عَلى هَذا العِلْمِ، ثُمَّ إنَّ هَذا العِلْمَ حاصِلٌ لِجَمِيعِ المُؤْمِنِينَ فَيَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ سَبَبًا لِفَضِيلَتِهِمْ عَلى المُؤْمِنِينَ فَإذَنْ هو أنْ يَصِيرَ العِلْمُ بِاللَّهِ وبِصِفاتِهِ جَلِيًّا بِحَيْثُ يَصِيرُ المَرْءُ مُسْتَغْرِقًا فِيهِ بِحَيْثُ لا يَخْطُرُ بِبالِهِ شَيْءٌ مِنَ الشُّبَهاتِ ولا يَغْفُلُ القَلْبُ عَنْهُ في حِينٍ مِنَ الأحْيانِ ولا ساعَةٍ مِنَ السّاعاتِ.
* * *
صفحة ١٦٠
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ووَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ﴾ فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَقالَ الحَسَنُ: المالُ؛ لِأنَّ النُّبُوَّةَ عَطِيَّةٌ مُبْتَدَأةٌ ولا تُورَثُ، وقالَ غَيْرُهُ: بَلِ النُّبُوَّةُ، وقالَ آخَرُونَ: بَلِ المُلْكُ والسِّياسَةُ، ولَوْ تَأمَّلَ الحَسَنُ لَعَلِمَ أنَّ المالَ إذا ورِثَهُ الوَلَدُ فَهو أيْضًا عَطِيَّةٌ مُبْتَدَأةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى، ولِذَلِكَ يَرِثُ الوَلَدُ إذا كانَ مُؤْمِنًا ولا يَرِثُ إذا كانَ كافِرًا أوْ قاتِلًا، لَكِنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ سَبَبَ الإرْثِ فِيمَن يَرِثُ المَوْتَ عَلى شَرائِطَ، ولَيْسَ كَذَلِكَ النُّبُوَّةُ لِأنَّ المَوْتَ لا يَكُونُ سَبَبًا لِنُبُوَّةِ الوَلَدِ فَمِن هَذا الوجه يَفْتَرِقانِ، وذَلِكَ لا يَمْنَعُ مِن أنْ يُوصَفَ بِأنَّهُ ورِثَ النُّبُوَّةَ لَمّا قامَ بِهِ عِنْدَ مَوْتِهِ، كَما يَرِثُ الوَلَدُ المالَ إذا قامَ بِهِ عِنْدَ مَوْتِهِ؛ ومِمّا يُبَيِّنُ ما قُلْناهُ أنَّهُ تَعالى لَوْ فَصَّلَ فَقالَ: ووَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ مالَهُ لَمْ يَكُنْ لِقَوْلِهِ: ﴿وقالَ ياأيُّها النّاسُ عُلِّمْنا مَنطِقَ الطَّيْرِ﴾ مَعْنًى، وإذا قُلْنا ووَرِثَ مَقامَهُ مِنَ النُّبُوَّةِ والمُلْكِ حَسُنَ ذَلِكَ لِأنَّ تَعْلِيمَ مَنطِقِ الطَّيْرِ يَكُونُ داخِلًا في جُمْلَةِ ما ورِثَهُ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأُوتِينا مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ لِأنَّ وارِثَ المُلْكِ يَجْمَعُ ذَلِكَ ووارِثَ المالِ لا يَجْمَعُهُ وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ هَذا لَهو الفَضْلُ المُبِينُ﴾ لا يَلِيقُ أيْضًا إلّا بِما ذَكَرْنا دُونَ المالِ الَّذِي قَدْ يَحْصُلُ لِلْكامِلِ والنّاقِصِ، وما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى مِن جُنُودِ سُلَيْمانَ بَعْدَهُ لا يَلِيقُ إلّا بِما ذَكَرْناهُ، فَبَطَلَ بِما ذَكَرْنا قَوْلُ مَن زَعَمَ أنَّهُ لَمْ يَرِثْ إلّا المالَ، فَأمّا إذا قِيلَ: ورِثَ المالَ والمُلْكَ مَعًا فَهَذا لا يَبْطُلُ بِالوُجُوهِ الَّتِي ذَكَرْناها، بَلْ بِظاهِرِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«نَحْنُ مُعاشِرَ الأنْبِياءِ لا نُوَرَّثُ» “ .
فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها النّاسُ﴾ فالمَقْصُودُ مِنهُ تَشْهِيرُ نِعْمَةِ اللَّهِ تَعالى والتَّنْوِيهُ بِها ودُعاءُ النّاسِ إلى التَّصْدِيقِ بِذِكْرِ المُعْجِزَةِ الَّتِي هي عِلْمُ مَنطِقِ الطَّيْرِ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: المَنطِقُ كُلُّ ما يُصَوَّتُ بِهِ مِنَ المُفْرَدِ والمُؤَلَّفِ المُفِيدِ وغَيْرِ المُفِيدِ، وقَدْ تَرْجَمَ يَعْقُوبُ كِتابَهُ بِإصْلاحِ المَنطِقِ وما أصْلَحَ فِيهِ إلّا مُفْرَداتِ الكَلِمِ، وقالَتِ العَرَبُ: نَطَقَتِ الحَمامَةُ؛ فالَّذِي عَلَّمَ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن مَنطِقِ الطَّيْرِ هو ما يُفْهَمُ بَعْضُهُ مِن بَعْضٍ مِن مَقاصِدِهِ وأغْراضِهِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأُوتِينا مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ فالمُرادُ كَثْرَةُ ما أُوتِيَ وذَلِكَ لِأنَّ الكُلَّ والبَعْضَ الكَثِيرَ يَشْتَرِكانِ في صِفَةِ الكَثْرَةِ، والمُشارَكَةُ سَبَبٌ لِجَوازِ الِاسْتِعارَةِ فَلا جَرَمَ يُطْلَقُ لَفْظُ الكُلِّ عَلى الكَثِيرِ ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿وأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ .
أمّا قَوْلُهُ: ﴿إنَّ هَذا لَهو الفَضْلُ المُبِينُ﴾ فَهو تَقْرِيرٌ لِقَوْلِهِ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنا﴾ والمَقْصُودُ مِنهُ الشُّكْرُ والمَحْمَدَةُ كَما قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«أنا سَيِّدُ ولَدِ آدَمَ ولا فَخْرَ» “ فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ قالَ: ”عُلِّمْنا، وأُوتِينا“ وهو مِن كَلامِ المُتَكَبِّرِينَ ؟ جَوابُهُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنْ يُرِيدَ نَفْسَهُ وأباهُ.
والثّانِي: أنَّ هَذِهِ النُّونَ يُقالُ لَها: نُونُ الواحِدِ المُطاعِ وكانَ مَلِكًا مُطاعًا، وقَدْ يَتَعَلَّقُ بِتَعْظِيمِ المَلِكِ مَصالِحُ فَيَصِيرُ ذَلِكَ التَّعْظِيمُ واجِبًا.
النمل 27:12
[ القِصَّةُ الأُولى: قِصَّةُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ]
﴿وألْقِ عَصاكَ فَلَمّا رَآها تَهْتَزُّ كَأنَّها جانٌّ ولّى مُدْبِرًا ولَمْ يُعَقِّبْ يا مُوسى لا تَخَفْ إنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ المُرْسَلُونَ﴾ ﴿إلّا مَن ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿وأدْخِلْ يَدَكَ في جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ في تِسْعِ آياتٍ إلى فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ إنَّهم كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ ﴿فَلَمّا جاءَتْهم آياتُنا مُبْصِرَةً قالُوا هَذا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿وجَحَدُوا بِها واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهم ظُلْمًا وعُلُوًّا فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُفْسِدِينَ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى:
صفحة ١٥٨
﴿وألْقِ عَصاكَ فَلَمّا رَآها تَهْتَزُّ كَأنَّها جانٌّ ولّى مُدْبِرًا ولَمْ يُعَقِّبْ يامُوسى لا تَخَفْ إنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ المُرْسَلُونَ﴾ ﴿إلّا مَن ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿وأدْخِلْ يَدَكَ في جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ في تِسْعِ آياتٍ إلى فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ إنَّهم كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ ﴿فَلَمّا جاءَتْهم آياتُنا مُبْصِرَةً قالُوا هَذا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿وجَحَدُوا بِها واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهم ظُلْمًا وعُلُوًّا فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُفْسِدِينَ﴾? اعْلَمْ أنَّ أكْثَرَ ما في هَذَهِ الآياتِ قَدْ مَرَّ شَرْحُهُ، ولْنَذْكُرْ ما هو مِن خَواصِّ هَذا المَوْضِعِ، يُقالُ: عَلامَ عَطَفَ قَوْلَهُ: ﴿وألْقِ عَصاكَ﴾ ؟ جَوابُهُ: عَلى ”بُورِكَ“، لِأنَّ المَعْنى نُودِيَ أنْ بُورِكَ مَن في النّارِ، وأنْ ألْقِ عَصاكَ، كِلاهُما تَفْسِيرٌ لِ ”نُودِيَ“ .
أمّا قَوْلُهُ: ﴿كَأنَّها جانٌّ﴾ فالجانُّ الحَيَّةُ الصَّغِيرَةُ، سُمِّيَتْ جانًّا، لِأنَّها تَسْتَتِرُ عَنِ النّاسِ، وقَرَأ الحَسَنُ ”جانٌ“ عَلى لُغَةِ مَن يَهْرُبُ مِنَ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ، فَيَقُولُ: شابَةٌ ودابَةٌ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿ولَمْ يُعَقِّبْ﴾ مَعْناهُ لَمْ يَرْجِعْ، يُقالُ: عَقَّبَ المُقاتِلُ إذا مَرَّ بَعْدَ الفِرارِ، وإنَّما خافَ لِظَنِّهِ أنَّ ذَلِكَ لِأمْرٍ أُرِيدَ بِهِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿إنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ المُرْسَلُونَ﴾ وقالَ بَعْضُهم: المُرادُ إنِّي إذا أمَرْتُهم بِإظْهارِ مُعْجِزٍ فَيَنْبَغِي أنْ لا يَخافُوا فِيما يَتَعَلَّقُ بِإظْهارِ ذَلِكَ وإلّا فالمُرْسِلُ قَدْ يَخافُ لا مَحالَةَ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلّا مَن ظَلَمَ﴾ مَعْناهُ لَكِنْ مَن ظُلِمَ وهو مَحْمُولٌ عَلى ما يَصْدُرُ مِنَ الأنْبِياءِ مَن تَرْكِ الأفْضَلِ أوِ الصَّغِيرَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَقْصُودُ مِنهُ التَّعْرِيضَ بِما وُجِدَ مِن مُوسى وهو مِنَ التَّعْرِيضاتِ اللَّطِيفَةِ. قالَ الحَسَنُ رَحِمَهُ اللَّهُ: كانَ واللَّهِ مُوسى مِمَّنْ ظَلَمَ بِقَتْلِ القِبْطِيِّ ثُمَّ بَدَّلَ، فَإنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ﴿رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فاغْفِرْ لِي﴾ [القصص: ١٦] وقُرِئَ ”ألا مَن ظَلَمَ“ بِحَرْفِ التَّنْبِيهِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ﴾ فالمُرادُ حُسْنُ التَّوْبَةِ وسُوءُ الذَّنْبِ، وعَنْ أبِي بَكْرٍ في رِوايَةِ عاصِمٍ ”حَسَنًا“ . أمّا قَوْلُهُ: ﴿فِي تِسْعِ آياتٍ﴾ فَهو كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ، وحَرْفُ الجَرِّ فِيهِ يَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ، والمَعْنى اذْهَبْ في تِسْعِ آياتٍ إلى فِرْعَوْنَ، ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: كانَتِ الآياتُ إحْدى عَشْرَةَ، اثْنَتانِ مِنها اليَدُ والعَصا، والتُّسْعُ: الفَلْقُ والطُّوفانُ والجَرادُ والقَمَّلُ والضَّفادِعُ والدَّمُ والطَّمْسَةُ والجَدْبُ في بَوادِيهِمْ والنُّقْصانُ في مَزارِعِهِمْ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا جاءَتْهم آياتُنا مُبْصِرَةً﴾ فَقَدْ جَعَلَ الإبْصارَ لَها، وهو في الحَقِيقَةِ لِمُتَأمِّلِها، وذَلِكَ بِسَبَبِ نَظَرِهِمْ وتَفَكُّرِهِمْ فِيها، أوْ جُعِلَتْ كَأنَّها لِظُهُورِها تُبْصِرُ فَتَهْتَدِي، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ وقَتادَةُ ”مَبْصَرَةً“ وهو نَحْوُ مَجْبَنَةٍ ومَبْخَلَةٍ، أيْ مَكانًا يَكْثُرُ فِيهِ التَّبَصُّرُ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهُمْ﴾ فالواوُ فِيها واوُ الحالِ، وقَدْ بَعْدَها مُضْمَرَةٌ وفائِدَةُ ذِكْرِ الأنْفُسِ أنَّهم جَحَدُوها بِألْسِنَتِهِمْ واسْتَيْقَنُوها في قُلُوبِهِمْ وضَمائِرِهِمْ، والِاسْتِيقانُ أبْلَغُ مِنَ الإيقانِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿ظُلْمًا وعُلُوًّا﴾ فَأيُّ ظُلْمٍ أفْحَشُ مِن ظُلْمِ مَنِ اسْتَيْقَنَ أنَّها آياتٌ بَيِّنَةٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ كابَرَ بِتَسْمِيَتِها سِحْرًا بَيِّنًا. وأمّا العُلُوُّ فَهو التَّكَبُّرُ والتَّرَفُّعُ عَنِ الإيمانِ بِما جاءَ بِهِ مُوسى كَقَوْلِهِ: ﴿فاسْتَكْبَرُوا وكانُوا قَوْمًا عالِينَ﴾ [المؤمنون: ٤٦] وقُرِئَ ”عُلِيًّا“ و”عِلِيًّا“ بِالضَّمِّ والكَسْرِ، كَما قُرِئَ ”عِتِيًّا“ . واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
القِصَّةُ الثّانِيَةُ: قِصَّةُ داوُدَ وسُلَيْمانَ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿ولَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وسُلَيْمانَ عِلْمًا وقالا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنا عَلى كَثِيرٍ مِن عِبادِهِ المُؤْمِنِينَ﴾
صفحة ١٥٩
﴿ووَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ وقالَ يا أيُّها النّاسُ عُلِّمْنا مَنطِقَ الطَّيْرِ وأُوتِينا مِن كُلِّ شَيْءٍ إنَّ هَذا لَهو الفَضْلُ المُبِينُ﴾ ﴿وحُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ والطَّيْرِ فَهم يُوزَعُونَ﴾ ﴿حَتّى إذا أتَوْا عَلى وادِي النَّمْلِ قالَتْ نَمْلَةٌ يا أيُّها النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكم لا يَحْطِمَنَّكم سُلَيْمانُ وجُنُودُهُ وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ ﴿فَتَبَسَّمَ ضاحِكًا مِن قَوْلِها وقالَ رَبِّ أوْزِعْنِي أنْ أشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أنْعَمْتَ عَلَيَّ وعَلى والِدَيَّ وأنْ أعْمَلَ صالِحًا تَرْضاهُ وأدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ في عِبادِكَ الصّالِحِينَ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وسُلَيْمانَ عِلْمًا وقالا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنا عَلى كَثِيرٍ مِن عِبادِهِ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿ووَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ وقالَ ياأيُّها النّاسُ عُلِّمْنا مَنطِقَ الطَّيْرِ وأُوتِينا مِن كُلِّ شَيْءٍ إنَّ هَذا لَهو الفَضْلُ المُبِينُ﴾ ﴿وحُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ والطَّيْرِ فَهم يُوزَعُونَ﴾ ﴿حَتّى إذا أتَوْا عَلى وادِي النَّمْلِ قالَتْ نَمْلَةٌ ياأيُّها النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكم لا يَحْطِمَنَّكم سُلَيْمانُ وجُنُودُهُ وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ ﴿فَتَبَسَّمَ ضاحِكًا مِن قَوْلِها وقالَ رَبِّ أوْزِعْنِي أنْ أشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أنْعَمْتَ عَلَيَّ وعَلى والِدَيَّ وأنْ أعْمَلَ صالِحًا تَرْضاهُ وأدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ في عِبادِكَ الصّالِحِينَ﴾ .
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عِلْمًا﴾ فالمُرادُ طائِفَةٌ مِنَ العِلْمِ أوْ عِلْمًا سَنِيًّا غَزِيرًا، فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ هَذا مَوْضِعَ الفاءِ دُونَ الواوِ، كَقَوْلِكَ أعْطَيْتُهُ فَشَكَرَ ؟ جَوابُهُ: أنَّ الشُّكْرَ بِاللِّسانِ إنَّما يَحْسُنُ مَوْقِعُهُ إذا كانَ مَسْبُوقًا بِعَمَلِ القَلْبِ وهو العَزْمُ عَلى فِعْلِ الطّاعَةِ وتَرْكِ المَعْصِيَةِ، وبِعَمَلِ الجَوارِحِ وهو الِاشْتِغالُ بِالطّاعاتِ، ولَمّا كانَ الشُّكْرُ بِاللِّسانِ يَجِبُ كَوْنُهُ مَسْبُوقًا بِهِما فَلا جَرَمَ صارَ كَأنَّهُ قالَ: ولَقَدْ آتَيْناهُما عِلْمًا، فَعَمِلا بِهِ قَلْبًا وقالِبًا، وقالا بِاللِّسانِ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَعَلَ كَذا وكَذا.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنا عَلى كَثِيرٍ مِن عِبادِهِ المُؤْمِنِينَ﴾ فَفِيها أبْحاثٌ:
أحَدُها: أنَّ الكَثِيرَ المُفَضَّلَ عَلَيْهِ هو مَن لَمْ يُؤْتَ عِلْمًا أوْ مَن لَمْ يُؤْتَ مِثْلَ عِلْمِهِما، وفِيهِ أنَّهُما فُضِّلا عَلى كَثِيرٍ وفُضِّلَ عَلَيْهِما كَثِيرٌ.
وثانِيها: في الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى عُلُوِّ مَرْتَبَةِ العِلْمِ لِأنَّهُما أُوتِيا مِنَ المُلْكِ ما لَمْ يُؤْتَ غَيْرُهُما فَلَمْ يَكُنْ شُكْرُهُما عَلى المُلْكِ كَشُكْرِهِما عَلى العِلْمِ.
وثالِثُها: أنَّهم لَمْ يُفَضِّلُوا أنْفُسَهم عَلى الكُلِّ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى حُسْنِ التَّواضُعِ.
ورابِعُها: أنَّ الظّاهِرَ يَقْتَضِي أنَّ تِلْكَ الفَضِيلَةَ لَيْسَتْ إلّا ذَلِكَ العِلْمَ، ثُمَّ العِلْمُ بِاللَّهِ وبِصِفاتِهِ أشْرَفُ مِن غَيْرِهِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ هَذا الشُّكْرُ لَيْسَ إلّا عَلى هَذا العِلْمِ، ثُمَّ إنَّ هَذا العِلْمَ حاصِلٌ لِجَمِيعِ المُؤْمِنِينَ فَيَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ سَبَبًا لِفَضِيلَتِهِمْ عَلى المُؤْمِنِينَ فَإذَنْ هو أنْ يَصِيرَ العِلْمُ بِاللَّهِ وبِصِفاتِهِ جَلِيًّا بِحَيْثُ يَصِيرُ المَرْءُ مُسْتَغْرِقًا فِيهِ بِحَيْثُ لا يَخْطُرُ بِبالِهِ شَيْءٌ مِنَ الشُّبَهاتِ ولا يَغْفُلُ القَلْبُ عَنْهُ في حِينٍ مِنَ الأحْيانِ ولا ساعَةٍ مِنَ السّاعاتِ.
* * *
صفحة ١٦٠
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ووَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ﴾ فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَقالَ الحَسَنُ: المالُ؛ لِأنَّ النُّبُوَّةَ عَطِيَّةٌ مُبْتَدَأةٌ ولا تُورَثُ، وقالَ غَيْرُهُ: بَلِ النُّبُوَّةُ، وقالَ آخَرُونَ: بَلِ المُلْكُ والسِّياسَةُ، ولَوْ تَأمَّلَ الحَسَنُ لَعَلِمَ أنَّ المالَ إذا ورِثَهُ الوَلَدُ فَهو أيْضًا عَطِيَّةٌ مُبْتَدَأةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى، ولِذَلِكَ يَرِثُ الوَلَدُ إذا كانَ مُؤْمِنًا ولا يَرِثُ إذا كانَ كافِرًا أوْ قاتِلًا، لَكِنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ سَبَبَ الإرْثِ فِيمَن يَرِثُ المَوْتَ عَلى شَرائِطَ، ولَيْسَ كَذَلِكَ النُّبُوَّةُ لِأنَّ المَوْتَ لا يَكُونُ سَبَبًا لِنُبُوَّةِ الوَلَدِ فَمِن هَذا الوجه يَفْتَرِقانِ، وذَلِكَ لا يَمْنَعُ مِن أنْ يُوصَفَ بِأنَّهُ ورِثَ النُّبُوَّةَ لَمّا قامَ بِهِ عِنْدَ مَوْتِهِ، كَما يَرِثُ الوَلَدُ المالَ إذا قامَ بِهِ عِنْدَ مَوْتِهِ؛ ومِمّا يُبَيِّنُ ما قُلْناهُ أنَّهُ تَعالى لَوْ فَصَّلَ فَقالَ: ووَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ مالَهُ لَمْ يَكُنْ لِقَوْلِهِ: ﴿وقالَ ياأيُّها النّاسُ عُلِّمْنا مَنطِقَ الطَّيْرِ﴾ مَعْنًى، وإذا قُلْنا ووَرِثَ مَقامَهُ مِنَ النُّبُوَّةِ والمُلْكِ حَسُنَ ذَلِكَ لِأنَّ تَعْلِيمَ مَنطِقِ الطَّيْرِ يَكُونُ داخِلًا في جُمْلَةِ ما ورِثَهُ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأُوتِينا مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ لِأنَّ وارِثَ المُلْكِ يَجْمَعُ ذَلِكَ ووارِثَ المالِ لا يَجْمَعُهُ وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ هَذا لَهو الفَضْلُ المُبِينُ﴾ لا يَلِيقُ أيْضًا إلّا بِما ذَكَرْنا دُونَ المالِ الَّذِي قَدْ يَحْصُلُ لِلْكامِلِ والنّاقِصِ، وما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى مِن جُنُودِ سُلَيْمانَ بَعْدَهُ لا يَلِيقُ إلّا بِما ذَكَرْناهُ، فَبَطَلَ بِما ذَكَرْنا قَوْلُ مَن زَعَمَ أنَّهُ لَمْ يَرِثْ إلّا المالَ، فَأمّا إذا قِيلَ: ورِثَ المالَ والمُلْكَ مَعًا فَهَذا لا يَبْطُلُ بِالوُجُوهِ الَّتِي ذَكَرْناها، بَلْ بِظاهِرِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«نَحْنُ مُعاشِرَ الأنْبِياءِ لا نُوَرَّثُ» “ .
فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها النّاسُ﴾ فالمَقْصُودُ مِنهُ تَشْهِيرُ نِعْمَةِ اللَّهِ تَعالى والتَّنْوِيهُ بِها ودُعاءُ النّاسِ إلى التَّصْدِيقِ بِذِكْرِ المُعْجِزَةِ الَّتِي هي عِلْمُ مَنطِقِ الطَّيْرِ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: المَنطِقُ كُلُّ ما يُصَوَّتُ بِهِ مِنَ المُفْرَدِ والمُؤَلَّفِ المُفِيدِ وغَيْرِ المُفِيدِ، وقَدْ تَرْجَمَ يَعْقُوبُ كِتابَهُ بِإصْلاحِ المَنطِقِ وما أصْلَحَ فِيهِ إلّا مُفْرَداتِ الكَلِمِ، وقالَتِ العَرَبُ: نَطَقَتِ الحَمامَةُ؛ فالَّذِي عَلَّمَ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن مَنطِقِ الطَّيْرِ هو ما يُفْهَمُ بَعْضُهُ مِن بَعْضٍ مِن مَقاصِدِهِ وأغْراضِهِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأُوتِينا مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ فالمُرادُ كَثْرَةُ ما أُوتِيَ وذَلِكَ لِأنَّ الكُلَّ والبَعْضَ الكَثِيرَ يَشْتَرِكانِ في صِفَةِ الكَثْرَةِ، والمُشارَكَةُ سَبَبٌ لِجَوازِ الِاسْتِعارَةِ فَلا جَرَمَ يُطْلَقُ لَفْظُ الكُلِّ عَلى الكَثِيرِ ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿وأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ .
أمّا قَوْلُهُ: ﴿إنَّ هَذا لَهو الفَضْلُ المُبِينُ﴾ فَهو تَقْرِيرٌ لِقَوْلِهِ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنا﴾ والمَقْصُودُ مِنهُ الشُّكْرُ والمَحْمَدَةُ كَما قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«أنا سَيِّدُ ولَدِ آدَمَ ولا فَخْرَ» “ فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ قالَ: ”عُلِّمْنا، وأُوتِينا“ وهو مِن كَلامِ المُتَكَبِّرِينَ ؟ جَوابُهُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنْ يُرِيدَ نَفْسَهُ وأباهُ.
والثّانِي: أنَّ هَذِهِ النُّونَ يُقالُ لَها: نُونُ الواحِدِ المُطاعِ وكانَ مَلِكًا مُطاعًا، وقَدْ يَتَعَلَّقُ بِتَعْظِيمِ المَلِكِ مَصالِحُ فَيَصِيرُ ذَلِكَ التَّعْظِيمُ واجِبًا.
النمل 27:13
[ القِصَّةُ الأُولى: قِصَّةُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ]
﴿وألْقِ عَصاكَ فَلَمّا رَآها تَهْتَزُّ كَأنَّها جانٌّ ولّى مُدْبِرًا ولَمْ يُعَقِّبْ يا مُوسى لا تَخَفْ إنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ المُرْسَلُونَ﴾ ﴿إلّا مَن ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿وأدْخِلْ يَدَكَ في جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ في تِسْعِ آياتٍ إلى فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ إنَّهم كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ ﴿فَلَمّا جاءَتْهم آياتُنا مُبْصِرَةً قالُوا هَذا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿وجَحَدُوا بِها واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهم ظُلْمًا وعُلُوًّا فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُفْسِدِينَ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى:
صفحة ١٥٨
﴿وألْقِ عَصاكَ فَلَمّا رَآها تَهْتَزُّ كَأنَّها جانٌّ ولّى مُدْبِرًا ولَمْ يُعَقِّبْ يامُوسى لا تَخَفْ إنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ المُرْسَلُونَ﴾ ﴿إلّا مَن ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿وأدْخِلْ يَدَكَ في جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ في تِسْعِ آياتٍ إلى فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ إنَّهم كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ ﴿فَلَمّا جاءَتْهم آياتُنا مُبْصِرَةً قالُوا هَذا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿وجَحَدُوا بِها واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهم ظُلْمًا وعُلُوًّا فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُفْسِدِينَ﴾? اعْلَمْ أنَّ أكْثَرَ ما في هَذَهِ الآياتِ قَدْ مَرَّ شَرْحُهُ، ولْنَذْكُرْ ما هو مِن خَواصِّ هَذا المَوْضِعِ، يُقالُ: عَلامَ عَطَفَ قَوْلَهُ: ﴿وألْقِ عَصاكَ﴾ ؟ جَوابُهُ: عَلى ”بُورِكَ“، لِأنَّ المَعْنى نُودِيَ أنْ بُورِكَ مَن في النّارِ، وأنْ ألْقِ عَصاكَ، كِلاهُما تَفْسِيرٌ لِ ”نُودِيَ“ .
أمّا قَوْلُهُ: ﴿كَأنَّها جانٌّ﴾ فالجانُّ الحَيَّةُ الصَّغِيرَةُ، سُمِّيَتْ جانًّا، لِأنَّها تَسْتَتِرُ عَنِ النّاسِ، وقَرَأ الحَسَنُ ”جانٌ“ عَلى لُغَةِ مَن يَهْرُبُ مِنَ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ، فَيَقُولُ: شابَةٌ ودابَةٌ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿ولَمْ يُعَقِّبْ﴾ مَعْناهُ لَمْ يَرْجِعْ، يُقالُ: عَقَّبَ المُقاتِلُ إذا مَرَّ بَعْدَ الفِرارِ، وإنَّما خافَ لِظَنِّهِ أنَّ ذَلِكَ لِأمْرٍ أُرِيدَ بِهِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿إنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ المُرْسَلُونَ﴾ وقالَ بَعْضُهم: المُرادُ إنِّي إذا أمَرْتُهم بِإظْهارِ مُعْجِزٍ فَيَنْبَغِي أنْ لا يَخافُوا فِيما يَتَعَلَّقُ بِإظْهارِ ذَلِكَ وإلّا فالمُرْسِلُ قَدْ يَخافُ لا مَحالَةَ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلّا مَن ظَلَمَ﴾ مَعْناهُ لَكِنْ مَن ظُلِمَ وهو مَحْمُولٌ عَلى ما يَصْدُرُ مِنَ الأنْبِياءِ مَن تَرْكِ الأفْضَلِ أوِ الصَّغِيرَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَقْصُودُ مِنهُ التَّعْرِيضَ بِما وُجِدَ مِن مُوسى وهو مِنَ التَّعْرِيضاتِ اللَّطِيفَةِ. قالَ الحَسَنُ رَحِمَهُ اللَّهُ: كانَ واللَّهِ مُوسى مِمَّنْ ظَلَمَ بِقَتْلِ القِبْطِيِّ ثُمَّ بَدَّلَ، فَإنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ﴿رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فاغْفِرْ لِي﴾ [القصص: ١٦] وقُرِئَ ”ألا مَن ظَلَمَ“ بِحَرْفِ التَّنْبِيهِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ﴾ فالمُرادُ حُسْنُ التَّوْبَةِ وسُوءُ الذَّنْبِ، وعَنْ أبِي بَكْرٍ في رِوايَةِ عاصِمٍ ”حَسَنًا“ . أمّا قَوْلُهُ: ﴿فِي تِسْعِ آياتٍ﴾ فَهو كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ، وحَرْفُ الجَرِّ فِيهِ يَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ، والمَعْنى اذْهَبْ في تِسْعِ آياتٍ إلى فِرْعَوْنَ، ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: كانَتِ الآياتُ إحْدى عَشْرَةَ، اثْنَتانِ مِنها اليَدُ والعَصا، والتُّسْعُ: الفَلْقُ والطُّوفانُ والجَرادُ والقَمَّلُ والضَّفادِعُ والدَّمُ والطَّمْسَةُ والجَدْبُ في بَوادِيهِمْ والنُّقْصانُ في مَزارِعِهِمْ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا جاءَتْهم آياتُنا مُبْصِرَةً﴾ فَقَدْ جَعَلَ الإبْصارَ لَها، وهو في الحَقِيقَةِ لِمُتَأمِّلِها، وذَلِكَ بِسَبَبِ نَظَرِهِمْ وتَفَكُّرِهِمْ فِيها، أوْ جُعِلَتْ كَأنَّها لِظُهُورِها تُبْصِرُ فَتَهْتَدِي، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ وقَتادَةُ ”مَبْصَرَةً“ وهو نَحْوُ مَجْبَنَةٍ ومَبْخَلَةٍ، أيْ مَكانًا يَكْثُرُ فِيهِ التَّبَصُّرُ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهُمْ﴾ فالواوُ فِيها واوُ الحالِ، وقَدْ بَعْدَها مُضْمَرَةٌ وفائِدَةُ ذِكْرِ الأنْفُسِ أنَّهم جَحَدُوها بِألْسِنَتِهِمْ واسْتَيْقَنُوها في قُلُوبِهِمْ وضَمائِرِهِمْ، والِاسْتِيقانُ أبْلَغُ مِنَ الإيقانِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿ظُلْمًا وعُلُوًّا﴾ فَأيُّ ظُلْمٍ أفْحَشُ مِن ظُلْمِ مَنِ اسْتَيْقَنَ أنَّها آياتٌ بَيِّنَةٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ كابَرَ بِتَسْمِيَتِها سِحْرًا بَيِّنًا. وأمّا العُلُوُّ فَهو التَّكَبُّرُ والتَّرَفُّعُ عَنِ الإيمانِ بِما جاءَ بِهِ مُوسى كَقَوْلِهِ: ﴿فاسْتَكْبَرُوا وكانُوا قَوْمًا عالِينَ﴾ [المؤمنون: ٤٦] وقُرِئَ ”عُلِيًّا“ و”عِلِيًّا“ بِالضَّمِّ والكَسْرِ، كَما قُرِئَ ”عِتِيًّا“ . واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
القِصَّةُ الثّانِيَةُ: قِصَّةُ داوُدَ وسُلَيْمانَ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿ولَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وسُلَيْمانَ عِلْمًا وقالا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنا عَلى كَثِيرٍ مِن عِبادِهِ المُؤْمِنِينَ﴾
صفحة ١٥٩
﴿ووَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ وقالَ يا أيُّها النّاسُ عُلِّمْنا مَنطِقَ الطَّيْرِ وأُوتِينا مِن كُلِّ شَيْءٍ إنَّ هَذا لَهو الفَضْلُ المُبِينُ﴾ ﴿وحُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ والطَّيْرِ فَهم يُوزَعُونَ﴾ ﴿حَتّى إذا أتَوْا عَلى وادِي النَّمْلِ قالَتْ نَمْلَةٌ يا أيُّها النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكم لا يَحْطِمَنَّكم سُلَيْمانُ وجُنُودُهُ وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ ﴿فَتَبَسَّمَ ضاحِكًا مِن قَوْلِها وقالَ رَبِّ أوْزِعْنِي أنْ أشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أنْعَمْتَ عَلَيَّ وعَلى والِدَيَّ وأنْ أعْمَلَ صالِحًا تَرْضاهُ وأدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ في عِبادِكَ الصّالِحِينَ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وسُلَيْمانَ عِلْمًا وقالا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنا عَلى كَثِيرٍ مِن عِبادِهِ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿ووَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ وقالَ ياأيُّها النّاسُ عُلِّمْنا مَنطِقَ الطَّيْرِ وأُوتِينا مِن كُلِّ شَيْءٍ إنَّ هَذا لَهو الفَضْلُ المُبِينُ﴾ ﴿وحُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ والطَّيْرِ فَهم يُوزَعُونَ﴾ ﴿حَتّى إذا أتَوْا عَلى وادِي النَّمْلِ قالَتْ نَمْلَةٌ ياأيُّها النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكم لا يَحْطِمَنَّكم سُلَيْمانُ وجُنُودُهُ وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ ﴿فَتَبَسَّمَ ضاحِكًا مِن قَوْلِها وقالَ رَبِّ أوْزِعْنِي أنْ أشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أنْعَمْتَ عَلَيَّ وعَلى والِدَيَّ وأنْ أعْمَلَ صالِحًا تَرْضاهُ وأدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ في عِبادِكَ الصّالِحِينَ﴾ .
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عِلْمًا﴾ فالمُرادُ طائِفَةٌ مِنَ العِلْمِ أوْ عِلْمًا سَنِيًّا غَزِيرًا، فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ هَذا مَوْضِعَ الفاءِ دُونَ الواوِ، كَقَوْلِكَ أعْطَيْتُهُ فَشَكَرَ ؟ جَوابُهُ: أنَّ الشُّكْرَ بِاللِّسانِ إنَّما يَحْسُنُ مَوْقِعُهُ إذا كانَ مَسْبُوقًا بِعَمَلِ القَلْبِ وهو العَزْمُ عَلى فِعْلِ الطّاعَةِ وتَرْكِ المَعْصِيَةِ، وبِعَمَلِ الجَوارِحِ وهو الِاشْتِغالُ بِالطّاعاتِ، ولَمّا كانَ الشُّكْرُ بِاللِّسانِ يَجِبُ كَوْنُهُ مَسْبُوقًا بِهِما فَلا جَرَمَ صارَ كَأنَّهُ قالَ: ولَقَدْ آتَيْناهُما عِلْمًا، فَعَمِلا بِهِ قَلْبًا وقالِبًا، وقالا بِاللِّسانِ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَعَلَ كَذا وكَذا.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنا عَلى كَثِيرٍ مِن عِبادِهِ المُؤْمِنِينَ﴾ فَفِيها أبْحاثٌ:
أحَدُها: أنَّ الكَثِيرَ المُفَضَّلَ عَلَيْهِ هو مَن لَمْ يُؤْتَ عِلْمًا أوْ مَن لَمْ يُؤْتَ مِثْلَ عِلْمِهِما، وفِيهِ أنَّهُما فُضِّلا عَلى كَثِيرٍ وفُضِّلَ عَلَيْهِما كَثِيرٌ.
وثانِيها: في الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى عُلُوِّ مَرْتَبَةِ العِلْمِ لِأنَّهُما أُوتِيا مِنَ المُلْكِ ما لَمْ يُؤْتَ غَيْرُهُما فَلَمْ يَكُنْ شُكْرُهُما عَلى المُلْكِ كَشُكْرِهِما عَلى العِلْمِ.
وثالِثُها: أنَّهم لَمْ يُفَضِّلُوا أنْفُسَهم عَلى الكُلِّ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى حُسْنِ التَّواضُعِ.
ورابِعُها: أنَّ الظّاهِرَ يَقْتَضِي أنَّ تِلْكَ الفَضِيلَةَ لَيْسَتْ إلّا ذَلِكَ العِلْمَ، ثُمَّ العِلْمُ بِاللَّهِ وبِصِفاتِهِ أشْرَفُ مِن غَيْرِهِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ هَذا الشُّكْرُ لَيْسَ إلّا عَلى هَذا العِلْمِ، ثُمَّ إنَّ هَذا العِلْمَ حاصِلٌ لِجَمِيعِ المُؤْمِنِينَ فَيَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ سَبَبًا لِفَضِيلَتِهِمْ عَلى المُؤْمِنِينَ فَإذَنْ هو أنْ يَصِيرَ العِلْمُ بِاللَّهِ وبِصِفاتِهِ جَلِيًّا بِحَيْثُ يَصِيرُ المَرْءُ مُسْتَغْرِقًا فِيهِ بِحَيْثُ لا يَخْطُرُ بِبالِهِ شَيْءٌ مِنَ الشُّبَهاتِ ولا يَغْفُلُ القَلْبُ عَنْهُ في حِينٍ مِنَ الأحْيانِ ولا ساعَةٍ مِنَ السّاعاتِ.
* * *
صفحة ١٦٠
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ووَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ﴾ فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَقالَ الحَسَنُ: المالُ؛ لِأنَّ النُّبُوَّةَ عَطِيَّةٌ مُبْتَدَأةٌ ولا تُورَثُ، وقالَ غَيْرُهُ: بَلِ النُّبُوَّةُ، وقالَ آخَرُونَ: بَلِ المُلْكُ والسِّياسَةُ، ولَوْ تَأمَّلَ الحَسَنُ لَعَلِمَ أنَّ المالَ إذا ورِثَهُ الوَلَدُ فَهو أيْضًا عَطِيَّةٌ مُبْتَدَأةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى، ولِذَلِكَ يَرِثُ الوَلَدُ إذا كانَ مُؤْمِنًا ولا يَرِثُ إذا كانَ كافِرًا أوْ قاتِلًا، لَكِنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ سَبَبَ الإرْثِ فِيمَن يَرِثُ المَوْتَ عَلى شَرائِطَ، ولَيْسَ كَذَلِكَ النُّبُوَّةُ لِأنَّ المَوْتَ لا يَكُونُ سَبَبًا لِنُبُوَّةِ الوَلَدِ فَمِن هَذا الوجه يَفْتَرِقانِ، وذَلِكَ لا يَمْنَعُ مِن أنْ يُوصَفَ بِأنَّهُ ورِثَ النُّبُوَّةَ لَمّا قامَ بِهِ عِنْدَ مَوْتِهِ، كَما يَرِثُ الوَلَدُ المالَ إذا قامَ بِهِ عِنْدَ مَوْتِهِ؛ ومِمّا يُبَيِّنُ ما قُلْناهُ أنَّهُ تَعالى لَوْ فَصَّلَ فَقالَ: ووَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ مالَهُ لَمْ يَكُنْ لِقَوْلِهِ: ﴿وقالَ ياأيُّها النّاسُ عُلِّمْنا مَنطِقَ الطَّيْرِ﴾ مَعْنًى، وإذا قُلْنا ووَرِثَ مَقامَهُ مِنَ النُّبُوَّةِ والمُلْكِ حَسُنَ ذَلِكَ لِأنَّ تَعْلِيمَ مَنطِقِ الطَّيْرِ يَكُونُ داخِلًا في جُمْلَةِ ما ورِثَهُ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأُوتِينا مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ لِأنَّ وارِثَ المُلْكِ يَجْمَعُ ذَلِكَ ووارِثَ المالِ لا يَجْمَعُهُ وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ هَذا لَهو الفَضْلُ المُبِينُ﴾ لا يَلِيقُ أيْضًا إلّا بِما ذَكَرْنا دُونَ المالِ الَّذِي قَدْ يَحْصُلُ لِلْكامِلِ والنّاقِصِ، وما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى مِن جُنُودِ سُلَيْمانَ بَعْدَهُ لا يَلِيقُ إلّا بِما ذَكَرْناهُ، فَبَطَلَ بِما ذَكَرْنا قَوْلُ مَن زَعَمَ أنَّهُ لَمْ يَرِثْ إلّا المالَ، فَأمّا إذا قِيلَ: ورِثَ المالَ والمُلْكَ مَعًا فَهَذا لا يَبْطُلُ بِالوُجُوهِ الَّتِي ذَكَرْناها، بَلْ بِظاهِرِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«نَحْنُ مُعاشِرَ الأنْبِياءِ لا نُوَرَّثُ» “ .
فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها النّاسُ﴾ فالمَقْصُودُ مِنهُ تَشْهِيرُ نِعْمَةِ اللَّهِ تَعالى والتَّنْوِيهُ بِها ودُعاءُ النّاسِ إلى التَّصْدِيقِ بِذِكْرِ المُعْجِزَةِ الَّتِي هي عِلْمُ مَنطِقِ الطَّيْرِ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: المَنطِقُ كُلُّ ما يُصَوَّتُ بِهِ مِنَ المُفْرَدِ والمُؤَلَّفِ المُفِيدِ وغَيْرِ المُفِيدِ، وقَدْ تَرْجَمَ يَعْقُوبُ كِتابَهُ بِإصْلاحِ المَنطِقِ وما أصْلَحَ فِيهِ إلّا مُفْرَداتِ الكَلِمِ، وقالَتِ العَرَبُ: نَطَقَتِ الحَمامَةُ؛ فالَّذِي عَلَّمَ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن مَنطِقِ الطَّيْرِ هو ما يُفْهَمُ بَعْضُهُ مِن بَعْضٍ مِن مَقاصِدِهِ وأغْراضِهِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأُوتِينا مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ فالمُرادُ كَثْرَةُ ما أُوتِيَ وذَلِكَ لِأنَّ الكُلَّ والبَعْضَ الكَثِيرَ يَشْتَرِكانِ في صِفَةِ الكَثْرَةِ، والمُشارَكَةُ سَبَبٌ لِجَوازِ الِاسْتِعارَةِ فَلا جَرَمَ يُطْلَقُ لَفْظُ الكُلِّ عَلى الكَثِيرِ ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿وأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ .
أمّا قَوْلُهُ: ﴿إنَّ هَذا لَهو الفَضْلُ المُبِينُ﴾ فَهو تَقْرِيرٌ لِقَوْلِهِ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنا﴾ والمَقْصُودُ مِنهُ الشُّكْرُ والمَحْمَدَةُ كَما قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«أنا سَيِّدُ ولَدِ آدَمَ ولا فَخْرَ» “ فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ قالَ: ”عُلِّمْنا، وأُوتِينا“ وهو مِن كَلامِ المُتَكَبِّرِينَ ؟ جَوابُهُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنْ يُرِيدَ نَفْسَهُ وأباهُ.
والثّانِي: أنَّ هَذِهِ النُّونَ يُقالُ لَها: نُونُ الواحِدِ المُطاعِ وكانَ مَلِكًا مُطاعًا، وقَدْ يَتَعَلَّقُ بِتَعْظِيمِ المَلِكِ مَصالِحُ فَيَصِيرُ ذَلِكَ التَّعْظِيمُ واجِبًا.
النمل 27:14
[ القِصَّةُ الأُولى: قِصَّةُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ]
﴿وألْقِ عَصاكَ فَلَمّا رَآها تَهْتَزُّ كَأنَّها جانٌّ ولّى مُدْبِرًا ولَمْ يُعَقِّبْ يا مُوسى لا تَخَفْ إنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ المُرْسَلُونَ﴾ ﴿إلّا مَن ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿وأدْخِلْ يَدَكَ في جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ في تِسْعِ آياتٍ إلى فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ إنَّهم كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ ﴿فَلَمّا جاءَتْهم آياتُنا مُبْصِرَةً قالُوا هَذا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿وجَحَدُوا بِها واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهم ظُلْمًا وعُلُوًّا فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُفْسِدِينَ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى:
صفحة ١٥٨
﴿وألْقِ عَصاكَ فَلَمّا رَآها تَهْتَزُّ كَأنَّها جانٌّ ولّى مُدْبِرًا ولَمْ يُعَقِّبْ يامُوسى لا تَخَفْ إنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ المُرْسَلُونَ﴾ ﴿إلّا مَن ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿وأدْخِلْ يَدَكَ في جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ في تِسْعِ آياتٍ إلى فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ إنَّهم كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ ﴿فَلَمّا جاءَتْهم آياتُنا مُبْصِرَةً قالُوا هَذا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿وجَحَدُوا بِها واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهم ظُلْمًا وعُلُوًّا فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُفْسِدِينَ﴾? اعْلَمْ أنَّ أكْثَرَ ما في هَذَهِ الآياتِ قَدْ مَرَّ شَرْحُهُ، ولْنَذْكُرْ ما هو مِن خَواصِّ هَذا المَوْضِعِ، يُقالُ: عَلامَ عَطَفَ قَوْلَهُ: ﴿وألْقِ عَصاكَ﴾ ؟ جَوابُهُ: عَلى ”بُورِكَ“، لِأنَّ المَعْنى نُودِيَ أنْ بُورِكَ مَن في النّارِ، وأنْ ألْقِ عَصاكَ، كِلاهُما تَفْسِيرٌ لِ ”نُودِيَ“ .
أمّا قَوْلُهُ: ﴿كَأنَّها جانٌّ﴾ فالجانُّ الحَيَّةُ الصَّغِيرَةُ، سُمِّيَتْ جانًّا، لِأنَّها تَسْتَتِرُ عَنِ النّاسِ، وقَرَأ الحَسَنُ ”جانٌ“ عَلى لُغَةِ مَن يَهْرُبُ مِنَ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ، فَيَقُولُ: شابَةٌ ودابَةٌ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿ولَمْ يُعَقِّبْ﴾ مَعْناهُ لَمْ يَرْجِعْ، يُقالُ: عَقَّبَ المُقاتِلُ إذا مَرَّ بَعْدَ الفِرارِ، وإنَّما خافَ لِظَنِّهِ أنَّ ذَلِكَ لِأمْرٍ أُرِيدَ بِهِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿إنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ المُرْسَلُونَ﴾ وقالَ بَعْضُهم: المُرادُ إنِّي إذا أمَرْتُهم بِإظْهارِ مُعْجِزٍ فَيَنْبَغِي أنْ لا يَخافُوا فِيما يَتَعَلَّقُ بِإظْهارِ ذَلِكَ وإلّا فالمُرْسِلُ قَدْ يَخافُ لا مَحالَةَ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلّا مَن ظَلَمَ﴾ مَعْناهُ لَكِنْ مَن ظُلِمَ وهو مَحْمُولٌ عَلى ما يَصْدُرُ مِنَ الأنْبِياءِ مَن تَرْكِ الأفْضَلِ أوِ الصَّغِيرَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَقْصُودُ مِنهُ التَّعْرِيضَ بِما وُجِدَ مِن مُوسى وهو مِنَ التَّعْرِيضاتِ اللَّطِيفَةِ. قالَ الحَسَنُ رَحِمَهُ اللَّهُ: كانَ واللَّهِ مُوسى مِمَّنْ ظَلَمَ بِقَتْلِ القِبْطِيِّ ثُمَّ بَدَّلَ، فَإنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ﴿رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فاغْفِرْ لِي﴾ [القصص: ١٦] وقُرِئَ ”ألا مَن ظَلَمَ“ بِحَرْفِ التَّنْبِيهِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ﴾ فالمُرادُ حُسْنُ التَّوْبَةِ وسُوءُ الذَّنْبِ، وعَنْ أبِي بَكْرٍ في رِوايَةِ عاصِمٍ ”حَسَنًا“ . أمّا قَوْلُهُ: ﴿فِي تِسْعِ آياتٍ﴾ فَهو كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ، وحَرْفُ الجَرِّ فِيهِ يَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ، والمَعْنى اذْهَبْ في تِسْعِ آياتٍ إلى فِرْعَوْنَ، ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: كانَتِ الآياتُ إحْدى عَشْرَةَ، اثْنَتانِ مِنها اليَدُ والعَصا، والتُّسْعُ: الفَلْقُ والطُّوفانُ والجَرادُ والقَمَّلُ والضَّفادِعُ والدَّمُ والطَّمْسَةُ والجَدْبُ في بَوادِيهِمْ والنُّقْصانُ في مَزارِعِهِمْ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا جاءَتْهم آياتُنا مُبْصِرَةً﴾ فَقَدْ جَعَلَ الإبْصارَ لَها، وهو في الحَقِيقَةِ لِمُتَأمِّلِها، وذَلِكَ بِسَبَبِ نَظَرِهِمْ وتَفَكُّرِهِمْ فِيها، أوْ جُعِلَتْ كَأنَّها لِظُهُورِها تُبْصِرُ فَتَهْتَدِي، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ وقَتادَةُ ”مَبْصَرَةً“ وهو نَحْوُ مَجْبَنَةٍ ومَبْخَلَةٍ، أيْ مَكانًا يَكْثُرُ فِيهِ التَّبَصُّرُ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهُمْ﴾ فالواوُ فِيها واوُ الحالِ، وقَدْ بَعْدَها مُضْمَرَةٌ وفائِدَةُ ذِكْرِ الأنْفُسِ أنَّهم جَحَدُوها بِألْسِنَتِهِمْ واسْتَيْقَنُوها في قُلُوبِهِمْ وضَمائِرِهِمْ، والِاسْتِيقانُ أبْلَغُ مِنَ الإيقانِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿ظُلْمًا وعُلُوًّا﴾ فَأيُّ ظُلْمٍ أفْحَشُ مِن ظُلْمِ مَنِ اسْتَيْقَنَ أنَّها آياتٌ بَيِّنَةٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ كابَرَ بِتَسْمِيَتِها سِحْرًا بَيِّنًا. وأمّا العُلُوُّ فَهو التَّكَبُّرُ والتَّرَفُّعُ عَنِ الإيمانِ بِما جاءَ بِهِ مُوسى كَقَوْلِهِ: ﴿فاسْتَكْبَرُوا وكانُوا قَوْمًا عالِينَ﴾ [المؤمنون: ٤٦] وقُرِئَ ”عُلِيًّا“ و”عِلِيًّا“ بِالضَّمِّ والكَسْرِ، كَما قُرِئَ ”عِتِيًّا“ . واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
القِصَّةُ الثّانِيَةُ: قِصَّةُ داوُدَ وسُلَيْمانَ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿ولَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وسُلَيْمانَ عِلْمًا وقالا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنا عَلى كَثِيرٍ مِن عِبادِهِ المُؤْمِنِينَ﴾
صفحة ١٥٩
﴿ووَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ وقالَ يا أيُّها النّاسُ عُلِّمْنا مَنطِقَ الطَّيْرِ وأُوتِينا مِن كُلِّ شَيْءٍ إنَّ هَذا لَهو الفَضْلُ المُبِينُ﴾ ﴿وحُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ والطَّيْرِ فَهم يُوزَعُونَ﴾ ﴿حَتّى إذا أتَوْا عَلى وادِي النَّمْلِ قالَتْ نَمْلَةٌ يا أيُّها النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكم لا يَحْطِمَنَّكم سُلَيْمانُ وجُنُودُهُ وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ ﴿فَتَبَسَّمَ ضاحِكًا مِن قَوْلِها وقالَ رَبِّ أوْزِعْنِي أنْ أشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أنْعَمْتَ عَلَيَّ وعَلى والِدَيَّ وأنْ أعْمَلَ صالِحًا تَرْضاهُ وأدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ في عِبادِكَ الصّالِحِينَ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وسُلَيْمانَ عِلْمًا وقالا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنا عَلى كَثِيرٍ مِن عِبادِهِ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿ووَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ وقالَ ياأيُّها النّاسُ عُلِّمْنا مَنطِقَ الطَّيْرِ وأُوتِينا مِن كُلِّ شَيْءٍ إنَّ هَذا لَهو الفَضْلُ المُبِينُ﴾ ﴿وحُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ والطَّيْرِ فَهم يُوزَعُونَ﴾ ﴿حَتّى إذا أتَوْا عَلى وادِي النَّمْلِ قالَتْ نَمْلَةٌ ياأيُّها النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكم لا يَحْطِمَنَّكم سُلَيْمانُ وجُنُودُهُ وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ ﴿فَتَبَسَّمَ ضاحِكًا مِن قَوْلِها وقالَ رَبِّ أوْزِعْنِي أنْ أشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أنْعَمْتَ عَلَيَّ وعَلى والِدَيَّ وأنْ أعْمَلَ صالِحًا تَرْضاهُ وأدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ في عِبادِكَ الصّالِحِينَ﴾ .
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عِلْمًا﴾ فالمُرادُ طائِفَةٌ مِنَ العِلْمِ أوْ عِلْمًا سَنِيًّا غَزِيرًا، فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ هَذا مَوْضِعَ الفاءِ دُونَ الواوِ، كَقَوْلِكَ أعْطَيْتُهُ فَشَكَرَ ؟ جَوابُهُ: أنَّ الشُّكْرَ بِاللِّسانِ إنَّما يَحْسُنُ مَوْقِعُهُ إذا كانَ مَسْبُوقًا بِعَمَلِ القَلْبِ وهو العَزْمُ عَلى فِعْلِ الطّاعَةِ وتَرْكِ المَعْصِيَةِ، وبِعَمَلِ الجَوارِحِ وهو الِاشْتِغالُ بِالطّاعاتِ، ولَمّا كانَ الشُّكْرُ بِاللِّسانِ يَجِبُ كَوْنُهُ مَسْبُوقًا بِهِما فَلا جَرَمَ صارَ كَأنَّهُ قالَ: ولَقَدْ آتَيْناهُما عِلْمًا، فَعَمِلا بِهِ قَلْبًا وقالِبًا، وقالا بِاللِّسانِ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَعَلَ كَذا وكَذا.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنا عَلى كَثِيرٍ مِن عِبادِهِ المُؤْمِنِينَ﴾ فَفِيها أبْحاثٌ:
أحَدُها: أنَّ الكَثِيرَ المُفَضَّلَ عَلَيْهِ هو مَن لَمْ يُؤْتَ عِلْمًا أوْ مَن لَمْ يُؤْتَ مِثْلَ عِلْمِهِما، وفِيهِ أنَّهُما فُضِّلا عَلى كَثِيرٍ وفُضِّلَ عَلَيْهِما كَثِيرٌ.
وثانِيها: في الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى عُلُوِّ مَرْتَبَةِ العِلْمِ لِأنَّهُما أُوتِيا مِنَ المُلْكِ ما لَمْ يُؤْتَ غَيْرُهُما فَلَمْ يَكُنْ شُكْرُهُما عَلى المُلْكِ كَشُكْرِهِما عَلى العِلْمِ.
وثالِثُها: أنَّهم لَمْ يُفَضِّلُوا أنْفُسَهم عَلى الكُلِّ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى حُسْنِ التَّواضُعِ.
ورابِعُها: أنَّ الظّاهِرَ يَقْتَضِي أنَّ تِلْكَ الفَضِيلَةَ لَيْسَتْ إلّا ذَلِكَ العِلْمَ، ثُمَّ العِلْمُ بِاللَّهِ وبِصِفاتِهِ أشْرَفُ مِن غَيْرِهِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ هَذا الشُّكْرُ لَيْسَ إلّا عَلى هَذا العِلْمِ، ثُمَّ إنَّ هَذا العِلْمَ حاصِلٌ لِجَمِيعِ المُؤْمِنِينَ فَيَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ سَبَبًا لِفَضِيلَتِهِمْ عَلى المُؤْمِنِينَ فَإذَنْ هو أنْ يَصِيرَ العِلْمُ بِاللَّهِ وبِصِفاتِهِ جَلِيًّا بِحَيْثُ يَصِيرُ المَرْءُ مُسْتَغْرِقًا فِيهِ بِحَيْثُ لا يَخْطُرُ بِبالِهِ شَيْءٌ مِنَ الشُّبَهاتِ ولا يَغْفُلُ القَلْبُ عَنْهُ في حِينٍ مِنَ الأحْيانِ ولا ساعَةٍ مِنَ السّاعاتِ.
* * *
صفحة ١٦٠
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ووَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ﴾ فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَقالَ الحَسَنُ: المالُ؛ لِأنَّ النُّبُوَّةَ عَطِيَّةٌ مُبْتَدَأةٌ ولا تُورَثُ، وقالَ غَيْرُهُ: بَلِ النُّبُوَّةُ، وقالَ آخَرُونَ: بَلِ المُلْكُ والسِّياسَةُ، ولَوْ تَأمَّلَ الحَسَنُ لَعَلِمَ أنَّ المالَ إذا ورِثَهُ الوَلَدُ فَهو أيْضًا عَطِيَّةٌ مُبْتَدَأةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى، ولِذَلِكَ يَرِثُ الوَلَدُ إذا كانَ مُؤْمِنًا ولا يَرِثُ إذا كانَ كافِرًا أوْ قاتِلًا، لَكِنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ سَبَبَ الإرْثِ فِيمَن يَرِثُ المَوْتَ عَلى شَرائِطَ، ولَيْسَ كَذَلِكَ النُّبُوَّةُ لِأنَّ المَوْتَ لا يَكُونُ سَبَبًا لِنُبُوَّةِ الوَلَدِ فَمِن هَذا الوجه يَفْتَرِقانِ، وذَلِكَ لا يَمْنَعُ مِن أنْ يُوصَفَ بِأنَّهُ ورِثَ النُّبُوَّةَ لَمّا قامَ بِهِ عِنْدَ مَوْتِهِ، كَما يَرِثُ الوَلَدُ المالَ إذا قامَ بِهِ عِنْدَ مَوْتِهِ؛ ومِمّا يُبَيِّنُ ما قُلْناهُ أنَّهُ تَعالى لَوْ فَصَّلَ فَقالَ: ووَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ مالَهُ لَمْ يَكُنْ لِقَوْلِهِ: ﴿وقالَ ياأيُّها النّاسُ عُلِّمْنا مَنطِقَ الطَّيْرِ﴾ مَعْنًى، وإذا قُلْنا ووَرِثَ مَقامَهُ مِنَ النُّبُوَّةِ والمُلْكِ حَسُنَ ذَلِكَ لِأنَّ تَعْلِيمَ مَنطِقِ الطَّيْرِ يَكُونُ داخِلًا في جُمْلَةِ ما ورِثَهُ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأُوتِينا مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ لِأنَّ وارِثَ المُلْكِ يَجْمَعُ ذَلِكَ ووارِثَ المالِ لا يَجْمَعُهُ وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ هَذا لَهو الفَضْلُ المُبِينُ﴾ لا يَلِيقُ أيْضًا إلّا بِما ذَكَرْنا دُونَ المالِ الَّذِي قَدْ يَحْصُلُ لِلْكامِلِ والنّاقِصِ، وما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى مِن جُنُودِ سُلَيْمانَ بَعْدَهُ لا يَلِيقُ إلّا بِما ذَكَرْناهُ، فَبَطَلَ بِما ذَكَرْنا قَوْلُ مَن زَعَمَ أنَّهُ لَمْ يَرِثْ إلّا المالَ، فَأمّا إذا قِيلَ: ورِثَ المالَ والمُلْكَ مَعًا فَهَذا لا يَبْطُلُ بِالوُجُوهِ الَّتِي ذَكَرْناها، بَلْ بِظاهِرِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«نَحْنُ مُعاشِرَ الأنْبِياءِ لا نُوَرَّثُ» “ .
فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها النّاسُ﴾ فالمَقْصُودُ مِنهُ تَشْهِيرُ نِعْمَةِ اللَّهِ تَعالى والتَّنْوِيهُ بِها ودُعاءُ النّاسِ إلى التَّصْدِيقِ بِذِكْرِ المُعْجِزَةِ الَّتِي هي عِلْمُ مَنطِقِ الطَّيْرِ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: المَنطِقُ كُلُّ ما يُصَوَّتُ بِهِ مِنَ المُفْرَدِ والمُؤَلَّفِ المُفِيدِ وغَيْرِ المُفِيدِ، وقَدْ تَرْجَمَ يَعْقُوبُ كِتابَهُ بِإصْلاحِ المَنطِقِ وما أصْلَحَ فِيهِ إلّا مُفْرَداتِ الكَلِمِ، وقالَتِ العَرَبُ: نَطَقَتِ الحَمامَةُ؛ فالَّذِي عَلَّمَ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن مَنطِقِ الطَّيْرِ هو ما يُفْهَمُ بَعْضُهُ مِن بَعْضٍ مِن مَقاصِدِهِ وأغْراضِهِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأُوتِينا مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ فالمُرادُ كَثْرَةُ ما أُوتِيَ وذَلِكَ لِأنَّ الكُلَّ والبَعْضَ الكَثِيرَ يَشْتَرِكانِ في صِفَةِ الكَثْرَةِ، والمُشارَكَةُ سَبَبٌ لِجَوازِ الِاسْتِعارَةِ فَلا جَرَمَ يُطْلَقُ لَفْظُ الكُلِّ عَلى الكَثِيرِ ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿وأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ .
أمّا قَوْلُهُ: ﴿إنَّ هَذا لَهو الفَضْلُ المُبِينُ﴾ فَهو تَقْرِيرٌ لِقَوْلِهِ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنا﴾ والمَقْصُودُ مِنهُ الشُّكْرُ والمَحْمَدَةُ كَما قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«أنا سَيِّدُ ولَدِ آدَمَ ولا فَخْرَ» “ فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ قالَ: ”عُلِّمْنا، وأُوتِينا“ وهو مِن كَلامِ المُتَكَبِّرِينَ ؟ جَوابُهُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنْ يُرِيدَ نَفْسَهُ وأباهُ.
والثّانِي: أنَّ هَذِهِ النُّونَ يُقالُ لَها: نُونُ الواحِدِ المُطاعِ وكانَ مَلِكًا مُطاعًا، وقَدْ يَتَعَلَّقُ بِتَعْظِيمِ المَلِكِ مَصالِحُ فَيَصِيرُ ذَلِكَ التَّعْظِيمُ واجِبًا.
النمل 27:15
[ القِصَّةُ الأُولى: قِصَّةُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ]
﴿وألْقِ عَصاكَ فَلَمّا رَآها تَهْتَزُّ كَأنَّها جانٌّ ولّى مُدْبِرًا ولَمْ يُعَقِّبْ يا مُوسى لا تَخَفْ إنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ المُرْسَلُونَ﴾ ﴿إلّا مَن ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿وأدْخِلْ يَدَكَ في جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ في تِسْعِ آياتٍ إلى فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ إنَّهم كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ ﴿فَلَمّا جاءَتْهم آياتُنا مُبْصِرَةً قالُوا هَذا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿وجَحَدُوا بِها واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهم ظُلْمًا وعُلُوًّا فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُفْسِدِينَ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى:
صفحة ١٥٨
﴿وألْقِ عَصاكَ فَلَمّا رَآها تَهْتَزُّ كَأنَّها جانٌّ ولّى مُدْبِرًا ولَمْ يُعَقِّبْ يامُوسى لا تَخَفْ إنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ المُرْسَلُونَ﴾ ﴿إلّا مَن ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿وأدْخِلْ يَدَكَ في جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ في تِسْعِ آياتٍ إلى فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ إنَّهم كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ ﴿فَلَمّا جاءَتْهم آياتُنا مُبْصِرَةً قالُوا هَذا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿وجَحَدُوا بِها واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهم ظُلْمًا وعُلُوًّا فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُفْسِدِينَ﴾? اعْلَمْ أنَّ أكْثَرَ ما في هَذَهِ الآياتِ قَدْ مَرَّ شَرْحُهُ، ولْنَذْكُرْ ما هو مِن خَواصِّ هَذا المَوْضِعِ، يُقالُ: عَلامَ عَطَفَ قَوْلَهُ: ﴿وألْقِ عَصاكَ﴾ ؟ جَوابُهُ: عَلى ”بُورِكَ“، لِأنَّ المَعْنى نُودِيَ أنْ بُورِكَ مَن في النّارِ، وأنْ ألْقِ عَصاكَ، كِلاهُما تَفْسِيرٌ لِ ”نُودِيَ“ .
أمّا قَوْلُهُ: ﴿كَأنَّها جانٌّ﴾ فالجانُّ الحَيَّةُ الصَّغِيرَةُ، سُمِّيَتْ جانًّا، لِأنَّها تَسْتَتِرُ عَنِ النّاسِ، وقَرَأ الحَسَنُ ”جانٌ“ عَلى لُغَةِ مَن يَهْرُبُ مِنَ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ، فَيَقُولُ: شابَةٌ ودابَةٌ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿ولَمْ يُعَقِّبْ﴾ مَعْناهُ لَمْ يَرْجِعْ، يُقالُ: عَقَّبَ المُقاتِلُ إذا مَرَّ بَعْدَ الفِرارِ، وإنَّما خافَ لِظَنِّهِ أنَّ ذَلِكَ لِأمْرٍ أُرِيدَ بِهِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿إنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ المُرْسَلُونَ﴾ وقالَ بَعْضُهم: المُرادُ إنِّي إذا أمَرْتُهم بِإظْهارِ مُعْجِزٍ فَيَنْبَغِي أنْ لا يَخافُوا فِيما يَتَعَلَّقُ بِإظْهارِ ذَلِكَ وإلّا فالمُرْسِلُ قَدْ يَخافُ لا مَحالَةَ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلّا مَن ظَلَمَ﴾ مَعْناهُ لَكِنْ مَن ظُلِمَ وهو مَحْمُولٌ عَلى ما يَصْدُرُ مِنَ الأنْبِياءِ مَن تَرْكِ الأفْضَلِ أوِ الصَّغِيرَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَقْصُودُ مِنهُ التَّعْرِيضَ بِما وُجِدَ مِن مُوسى وهو مِنَ التَّعْرِيضاتِ اللَّطِيفَةِ. قالَ الحَسَنُ رَحِمَهُ اللَّهُ: كانَ واللَّهِ مُوسى مِمَّنْ ظَلَمَ بِقَتْلِ القِبْطِيِّ ثُمَّ بَدَّلَ، فَإنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ﴿رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فاغْفِرْ لِي﴾ [القصص: ١٦] وقُرِئَ ”ألا مَن ظَلَمَ“ بِحَرْفِ التَّنْبِيهِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ﴾ فالمُرادُ حُسْنُ التَّوْبَةِ وسُوءُ الذَّنْبِ، وعَنْ أبِي بَكْرٍ في رِوايَةِ عاصِمٍ ”حَسَنًا“ . أمّا قَوْلُهُ: ﴿فِي تِسْعِ آياتٍ﴾ فَهو كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ، وحَرْفُ الجَرِّ فِيهِ يَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ، والمَعْنى اذْهَبْ في تِسْعِ آياتٍ إلى فِرْعَوْنَ، ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: كانَتِ الآياتُ إحْدى عَشْرَةَ، اثْنَتانِ مِنها اليَدُ والعَصا، والتُّسْعُ: الفَلْقُ والطُّوفانُ والجَرادُ والقَمَّلُ والضَّفادِعُ والدَّمُ والطَّمْسَةُ والجَدْبُ في بَوادِيهِمْ والنُّقْصانُ في مَزارِعِهِمْ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا جاءَتْهم آياتُنا مُبْصِرَةً﴾ فَقَدْ جَعَلَ الإبْصارَ لَها، وهو في الحَقِيقَةِ لِمُتَأمِّلِها، وذَلِكَ بِسَبَبِ نَظَرِهِمْ وتَفَكُّرِهِمْ فِيها، أوْ جُعِلَتْ كَأنَّها لِظُهُورِها تُبْصِرُ فَتَهْتَدِي، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ وقَتادَةُ ”مَبْصَرَةً“ وهو نَحْوُ مَجْبَنَةٍ ومَبْخَلَةٍ، أيْ مَكانًا يَكْثُرُ فِيهِ التَّبَصُّرُ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهُمْ﴾ فالواوُ فِيها واوُ الحالِ، وقَدْ بَعْدَها مُضْمَرَةٌ وفائِدَةُ ذِكْرِ الأنْفُسِ أنَّهم جَحَدُوها بِألْسِنَتِهِمْ واسْتَيْقَنُوها في قُلُوبِهِمْ وضَمائِرِهِمْ، والِاسْتِيقانُ أبْلَغُ مِنَ الإيقانِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿ظُلْمًا وعُلُوًّا﴾ فَأيُّ ظُلْمٍ أفْحَشُ مِن ظُلْمِ مَنِ اسْتَيْقَنَ أنَّها آياتٌ بَيِّنَةٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ كابَرَ بِتَسْمِيَتِها سِحْرًا بَيِّنًا. وأمّا العُلُوُّ فَهو التَّكَبُّرُ والتَّرَفُّعُ عَنِ الإيمانِ بِما جاءَ بِهِ مُوسى كَقَوْلِهِ: ﴿فاسْتَكْبَرُوا وكانُوا قَوْمًا عالِينَ﴾ [المؤمنون: ٤٦] وقُرِئَ ”عُلِيًّا“ و”عِلِيًّا“ بِالضَّمِّ والكَسْرِ، كَما قُرِئَ ”عِتِيًّا“ . واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
القِصَّةُ الثّانِيَةُ: قِصَّةُ داوُدَ وسُلَيْمانَ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿ولَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وسُلَيْمانَ عِلْمًا وقالا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنا عَلى كَثِيرٍ مِن عِبادِهِ المُؤْمِنِينَ﴾
صفحة ١٥٩
﴿ووَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ وقالَ يا أيُّها النّاسُ عُلِّمْنا مَنطِقَ الطَّيْرِ وأُوتِينا مِن كُلِّ شَيْءٍ إنَّ هَذا لَهو الفَضْلُ المُبِينُ﴾ ﴿وحُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ والطَّيْرِ فَهم يُوزَعُونَ﴾ ﴿حَتّى إذا أتَوْا عَلى وادِي النَّمْلِ قالَتْ نَمْلَةٌ يا أيُّها النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكم لا يَحْطِمَنَّكم سُلَيْمانُ وجُنُودُهُ وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ ﴿فَتَبَسَّمَ ضاحِكًا مِن قَوْلِها وقالَ رَبِّ أوْزِعْنِي أنْ أشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أنْعَمْتَ عَلَيَّ وعَلى والِدَيَّ وأنْ أعْمَلَ صالِحًا تَرْضاهُ وأدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ في عِبادِكَ الصّالِحِينَ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وسُلَيْمانَ عِلْمًا وقالا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنا عَلى كَثِيرٍ مِن عِبادِهِ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿ووَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ وقالَ ياأيُّها النّاسُ عُلِّمْنا مَنطِقَ الطَّيْرِ وأُوتِينا مِن كُلِّ شَيْءٍ إنَّ هَذا لَهو الفَضْلُ المُبِينُ﴾ ﴿وحُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ والطَّيْرِ فَهم يُوزَعُونَ﴾ ﴿حَتّى إذا أتَوْا عَلى وادِي النَّمْلِ قالَتْ نَمْلَةٌ ياأيُّها النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكم لا يَحْطِمَنَّكم سُلَيْمانُ وجُنُودُهُ وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ ﴿فَتَبَسَّمَ ضاحِكًا مِن قَوْلِها وقالَ رَبِّ أوْزِعْنِي أنْ أشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أنْعَمْتَ عَلَيَّ وعَلى والِدَيَّ وأنْ أعْمَلَ صالِحًا تَرْضاهُ وأدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ في عِبادِكَ الصّالِحِينَ﴾ .
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عِلْمًا﴾ فالمُرادُ طائِفَةٌ مِنَ العِلْمِ أوْ عِلْمًا سَنِيًّا غَزِيرًا، فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ هَذا مَوْضِعَ الفاءِ دُونَ الواوِ، كَقَوْلِكَ أعْطَيْتُهُ فَشَكَرَ ؟ جَوابُهُ: أنَّ الشُّكْرَ بِاللِّسانِ إنَّما يَحْسُنُ مَوْقِعُهُ إذا كانَ مَسْبُوقًا بِعَمَلِ القَلْبِ وهو العَزْمُ عَلى فِعْلِ الطّاعَةِ وتَرْكِ المَعْصِيَةِ، وبِعَمَلِ الجَوارِحِ وهو الِاشْتِغالُ بِالطّاعاتِ، ولَمّا كانَ الشُّكْرُ بِاللِّسانِ يَجِبُ كَوْنُهُ مَسْبُوقًا بِهِما فَلا جَرَمَ صارَ كَأنَّهُ قالَ: ولَقَدْ آتَيْناهُما عِلْمًا، فَعَمِلا بِهِ قَلْبًا وقالِبًا، وقالا بِاللِّسانِ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَعَلَ كَذا وكَذا.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنا عَلى كَثِيرٍ مِن عِبادِهِ المُؤْمِنِينَ﴾ فَفِيها أبْحاثٌ:
أحَدُها: أنَّ الكَثِيرَ المُفَضَّلَ عَلَيْهِ هو مَن لَمْ يُؤْتَ عِلْمًا أوْ مَن لَمْ يُؤْتَ مِثْلَ عِلْمِهِما، وفِيهِ أنَّهُما فُضِّلا عَلى كَثِيرٍ وفُضِّلَ عَلَيْهِما كَثِيرٌ.
وثانِيها: في الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى عُلُوِّ مَرْتَبَةِ العِلْمِ لِأنَّهُما أُوتِيا مِنَ المُلْكِ ما لَمْ يُؤْتَ غَيْرُهُما فَلَمْ يَكُنْ شُكْرُهُما عَلى المُلْكِ كَشُكْرِهِما عَلى العِلْمِ.
وثالِثُها: أنَّهم لَمْ يُفَضِّلُوا أنْفُسَهم عَلى الكُلِّ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى حُسْنِ التَّواضُعِ.
ورابِعُها: أنَّ الظّاهِرَ يَقْتَضِي أنَّ تِلْكَ الفَضِيلَةَ لَيْسَتْ إلّا ذَلِكَ العِلْمَ، ثُمَّ العِلْمُ بِاللَّهِ وبِصِفاتِهِ أشْرَفُ مِن غَيْرِهِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ هَذا الشُّكْرُ لَيْسَ إلّا عَلى هَذا العِلْمِ، ثُمَّ إنَّ هَذا العِلْمَ حاصِلٌ لِجَمِيعِ المُؤْمِنِينَ فَيَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ سَبَبًا لِفَضِيلَتِهِمْ عَلى المُؤْمِنِينَ فَإذَنْ هو أنْ يَصِيرَ العِلْمُ بِاللَّهِ وبِصِفاتِهِ جَلِيًّا بِحَيْثُ يَصِيرُ المَرْءُ مُسْتَغْرِقًا فِيهِ بِحَيْثُ لا يَخْطُرُ بِبالِهِ شَيْءٌ مِنَ الشُّبَهاتِ ولا يَغْفُلُ القَلْبُ عَنْهُ في حِينٍ مِنَ الأحْيانِ ولا ساعَةٍ مِنَ السّاعاتِ.
* * *
صفحة ١٦٠
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ووَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ﴾ فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَقالَ الحَسَنُ: المالُ؛ لِأنَّ النُّبُوَّةَ عَطِيَّةٌ مُبْتَدَأةٌ ولا تُورَثُ، وقالَ غَيْرُهُ: بَلِ النُّبُوَّةُ، وقالَ آخَرُونَ: بَلِ المُلْكُ والسِّياسَةُ، ولَوْ تَأمَّلَ الحَسَنُ لَعَلِمَ أنَّ المالَ إذا ورِثَهُ الوَلَدُ فَهو أيْضًا عَطِيَّةٌ مُبْتَدَأةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى، ولِذَلِكَ يَرِثُ الوَلَدُ إذا كانَ مُؤْمِنًا ولا يَرِثُ إذا كانَ كافِرًا أوْ قاتِلًا، لَكِنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ سَبَبَ الإرْثِ فِيمَن يَرِثُ المَوْتَ عَلى شَرائِطَ، ولَيْسَ كَذَلِكَ النُّبُوَّةُ لِأنَّ المَوْتَ لا يَكُونُ سَبَبًا لِنُبُوَّةِ الوَلَدِ فَمِن هَذا الوجه يَفْتَرِقانِ، وذَلِكَ لا يَمْنَعُ مِن أنْ يُوصَفَ بِأنَّهُ ورِثَ النُّبُوَّةَ لَمّا قامَ بِهِ عِنْدَ مَوْتِهِ، كَما يَرِثُ الوَلَدُ المالَ إذا قامَ بِهِ عِنْدَ مَوْتِهِ؛ ومِمّا يُبَيِّنُ ما قُلْناهُ أنَّهُ تَعالى لَوْ فَصَّلَ فَقالَ: ووَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ مالَهُ لَمْ يَكُنْ لِقَوْلِهِ: ﴿وقالَ ياأيُّها النّاسُ عُلِّمْنا مَنطِقَ الطَّيْرِ﴾ مَعْنًى، وإذا قُلْنا ووَرِثَ مَقامَهُ مِنَ النُّبُوَّةِ والمُلْكِ حَسُنَ ذَلِكَ لِأنَّ تَعْلِيمَ مَنطِقِ الطَّيْرِ يَكُونُ داخِلًا في جُمْلَةِ ما ورِثَهُ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأُوتِينا مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ لِأنَّ وارِثَ المُلْكِ يَجْمَعُ ذَلِكَ ووارِثَ المالِ لا يَجْمَعُهُ وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ هَذا لَهو الفَضْلُ المُبِينُ﴾ لا يَلِيقُ أيْضًا إلّا بِما ذَكَرْنا دُونَ المالِ الَّذِي قَدْ يَحْصُلُ لِلْكامِلِ والنّاقِصِ، وما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى مِن جُنُودِ سُلَيْمانَ بَعْدَهُ لا يَلِيقُ إلّا بِما ذَكَرْناهُ، فَبَطَلَ بِما ذَكَرْنا قَوْلُ مَن زَعَمَ أنَّهُ لَمْ يَرِثْ إلّا المالَ، فَأمّا إذا قِيلَ: ورِثَ المالَ والمُلْكَ مَعًا فَهَذا لا يَبْطُلُ بِالوُجُوهِ الَّتِي ذَكَرْناها، بَلْ بِظاهِرِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«نَحْنُ مُعاشِرَ الأنْبِياءِ لا نُوَرَّثُ» “ .
فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها النّاسُ﴾ فالمَقْصُودُ مِنهُ تَشْهِيرُ نِعْمَةِ اللَّهِ تَعالى والتَّنْوِيهُ بِها ودُعاءُ النّاسِ إلى التَّصْدِيقِ بِذِكْرِ المُعْجِزَةِ الَّتِي هي عِلْمُ مَنطِقِ الطَّيْرِ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: المَنطِقُ كُلُّ ما يُصَوَّتُ بِهِ مِنَ المُفْرَدِ والمُؤَلَّفِ المُفِيدِ وغَيْرِ المُفِيدِ، وقَدْ تَرْجَمَ يَعْقُوبُ كِتابَهُ بِإصْلاحِ المَنطِقِ وما أصْلَحَ فِيهِ إلّا مُفْرَداتِ الكَلِمِ، وقالَتِ العَرَبُ: نَطَقَتِ الحَمامَةُ؛ فالَّذِي عَلَّمَ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن مَنطِقِ الطَّيْرِ هو ما يُفْهَمُ بَعْضُهُ مِن بَعْضٍ مِن مَقاصِدِهِ وأغْراضِهِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأُوتِينا مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ فالمُرادُ كَثْرَةُ ما أُوتِيَ وذَلِكَ لِأنَّ الكُلَّ والبَعْضَ الكَثِيرَ يَشْتَرِكانِ في صِفَةِ الكَثْرَةِ، والمُشارَكَةُ سَبَبٌ لِجَوازِ الِاسْتِعارَةِ فَلا جَرَمَ يُطْلَقُ لَفْظُ الكُلِّ عَلى الكَثِيرِ ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿وأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ .
أمّا قَوْلُهُ: ﴿إنَّ هَذا لَهو الفَضْلُ المُبِينُ﴾ فَهو تَقْرِيرٌ لِقَوْلِهِ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنا﴾ والمَقْصُودُ مِنهُ الشُّكْرُ والمَحْمَدَةُ كَما قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«أنا سَيِّدُ ولَدِ آدَمَ ولا فَخْرَ» “ فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ قالَ: ”عُلِّمْنا، وأُوتِينا“ وهو مِن كَلامِ المُتَكَبِّرِينَ ؟ جَوابُهُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنْ يُرِيدَ نَفْسَهُ وأباهُ.
والثّانِي: أنَّ هَذِهِ النُّونَ يُقالُ لَها: نُونُ الواحِدِ المُطاعِ وكانَ مَلِكًا مُطاعًا، وقَدْ يَتَعَلَّقُ بِتَعْظِيمِ المَلِكِ مَصالِحُ فَيَصِيرُ ذَلِكَ التَّعْظِيمُ واجِبًا.
النمل 27:16
[ القِصَّةُ الأُولى: قِصَّةُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ]
﴿وألْقِ عَصاكَ فَلَمّا رَآها تَهْتَزُّ كَأنَّها جانٌّ ولّى مُدْبِرًا ولَمْ يُعَقِّبْ يا مُوسى لا تَخَفْ إنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ المُرْسَلُونَ﴾ ﴿إلّا مَن ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿وأدْخِلْ يَدَكَ في جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ في تِسْعِ آياتٍ إلى فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ إنَّهم كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ ﴿فَلَمّا جاءَتْهم آياتُنا مُبْصِرَةً قالُوا هَذا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿وجَحَدُوا بِها واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهم ظُلْمًا وعُلُوًّا فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُفْسِدِينَ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى:
صفحة ١٥٨
﴿وألْقِ عَصاكَ فَلَمّا رَآها تَهْتَزُّ كَأنَّها جانٌّ ولّى مُدْبِرًا ولَمْ يُعَقِّبْ يامُوسى لا تَخَفْ إنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ المُرْسَلُونَ﴾ ﴿إلّا مَن ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿وأدْخِلْ يَدَكَ في جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ في تِسْعِ آياتٍ إلى فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ إنَّهم كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ ﴿فَلَمّا جاءَتْهم آياتُنا مُبْصِرَةً قالُوا هَذا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿وجَحَدُوا بِها واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهم ظُلْمًا وعُلُوًّا فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُفْسِدِينَ﴾? اعْلَمْ أنَّ أكْثَرَ ما في هَذَهِ الآياتِ قَدْ مَرَّ شَرْحُهُ، ولْنَذْكُرْ ما هو مِن خَواصِّ هَذا المَوْضِعِ، يُقالُ: عَلامَ عَطَفَ قَوْلَهُ: ﴿وألْقِ عَصاكَ﴾ ؟ جَوابُهُ: عَلى ”بُورِكَ“، لِأنَّ المَعْنى نُودِيَ أنْ بُورِكَ مَن في النّارِ، وأنْ ألْقِ عَصاكَ، كِلاهُما تَفْسِيرٌ لِ ”نُودِيَ“ .
أمّا قَوْلُهُ: ﴿كَأنَّها جانٌّ﴾ فالجانُّ الحَيَّةُ الصَّغِيرَةُ، سُمِّيَتْ جانًّا، لِأنَّها تَسْتَتِرُ عَنِ النّاسِ، وقَرَأ الحَسَنُ ”جانٌ“ عَلى لُغَةِ مَن يَهْرُبُ مِنَ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ، فَيَقُولُ: شابَةٌ ودابَةٌ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿ولَمْ يُعَقِّبْ﴾ مَعْناهُ لَمْ يَرْجِعْ، يُقالُ: عَقَّبَ المُقاتِلُ إذا مَرَّ بَعْدَ الفِرارِ، وإنَّما خافَ لِظَنِّهِ أنَّ ذَلِكَ لِأمْرٍ أُرِيدَ بِهِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿إنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ المُرْسَلُونَ﴾ وقالَ بَعْضُهم: المُرادُ إنِّي إذا أمَرْتُهم بِإظْهارِ مُعْجِزٍ فَيَنْبَغِي أنْ لا يَخافُوا فِيما يَتَعَلَّقُ بِإظْهارِ ذَلِكَ وإلّا فالمُرْسِلُ قَدْ يَخافُ لا مَحالَةَ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلّا مَن ظَلَمَ﴾ مَعْناهُ لَكِنْ مَن ظُلِمَ وهو مَحْمُولٌ عَلى ما يَصْدُرُ مِنَ الأنْبِياءِ مَن تَرْكِ الأفْضَلِ أوِ الصَّغِيرَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَقْصُودُ مِنهُ التَّعْرِيضَ بِما وُجِدَ مِن مُوسى وهو مِنَ التَّعْرِيضاتِ اللَّطِيفَةِ. قالَ الحَسَنُ رَحِمَهُ اللَّهُ: كانَ واللَّهِ مُوسى مِمَّنْ ظَلَمَ بِقَتْلِ القِبْطِيِّ ثُمَّ بَدَّلَ، فَإنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ﴿رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فاغْفِرْ لِي﴾ [القصص: ١٦] وقُرِئَ ”ألا مَن ظَلَمَ“ بِحَرْفِ التَّنْبِيهِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ﴾ فالمُرادُ حُسْنُ التَّوْبَةِ وسُوءُ الذَّنْبِ، وعَنْ أبِي بَكْرٍ في رِوايَةِ عاصِمٍ ”حَسَنًا“ . أمّا قَوْلُهُ: ﴿فِي تِسْعِ آياتٍ﴾ فَهو كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ، وحَرْفُ الجَرِّ فِيهِ يَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ، والمَعْنى اذْهَبْ في تِسْعِ آياتٍ إلى فِرْعَوْنَ، ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: كانَتِ الآياتُ إحْدى عَشْرَةَ، اثْنَتانِ مِنها اليَدُ والعَصا، والتُّسْعُ: الفَلْقُ والطُّوفانُ والجَرادُ والقَمَّلُ والضَّفادِعُ والدَّمُ والطَّمْسَةُ والجَدْبُ في بَوادِيهِمْ والنُّقْصانُ في مَزارِعِهِمْ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا جاءَتْهم آياتُنا مُبْصِرَةً﴾ فَقَدْ جَعَلَ الإبْصارَ لَها، وهو في الحَقِيقَةِ لِمُتَأمِّلِها، وذَلِكَ بِسَبَبِ نَظَرِهِمْ وتَفَكُّرِهِمْ فِيها، أوْ جُعِلَتْ كَأنَّها لِظُهُورِها تُبْصِرُ فَتَهْتَدِي، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ وقَتادَةُ ”مَبْصَرَةً“ وهو نَحْوُ مَجْبَنَةٍ ومَبْخَلَةٍ، أيْ مَكانًا يَكْثُرُ فِيهِ التَّبَصُّرُ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهُمْ﴾ فالواوُ فِيها واوُ الحالِ، وقَدْ بَعْدَها مُضْمَرَةٌ وفائِدَةُ ذِكْرِ الأنْفُسِ أنَّهم جَحَدُوها بِألْسِنَتِهِمْ واسْتَيْقَنُوها في قُلُوبِهِمْ وضَمائِرِهِمْ، والِاسْتِيقانُ أبْلَغُ مِنَ الإيقانِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿ظُلْمًا وعُلُوًّا﴾ فَأيُّ ظُلْمٍ أفْحَشُ مِن ظُلْمِ مَنِ اسْتَيْقَنَ أنَّها آياتٌ بَيِّنَةٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ كابَرَ بِتَسْمِيَتِها سِحْرًا بَيِّنًا. وأمّا العُلُوُّ فَهو التَّكَبُّرُ والتَّرَفُّعُ عَنِ الإيمانِ بِما جاءَ بِهِ مُوسى كَقَوْلِهِ: ﴿فاسْتَكْبَرُوا وكانُوا قَوْمًا عالِينَ﴾ [المؤمنون: ٤٦] وقُرِئَ ”عُلِيًّا“ و”عِلِيًّا“ بِالضَّمِّ والكَسْرِ، كَما قُرِئَ ”عِتِيًّا“ . واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
القِصَّةُ الثّانِيَةُ: قِصَّةُ داوُدَ وسُلَيْمانَ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿ولَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وسُلَيْمانَ عِلْمًا وقالا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنا عَلى كَثِيرٍ مِن عِبادِهِ المُؤْمِنِينَ﴾
صفحة ١٥٩
﴿ووَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ وقالَ يا أيُّها النّاسُ عُلِّمْنا مَنطِقَ الطَّيْرِ وأُوتِينا مِن كُلِّ شَيْءٍ إنَّ هَذا لَهو الفَضْلُ المُبِينُ﴾ ﴿وحُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ والطَّيْرِ فَهم يُوزَعُونَ﴾ ﴿حَتّى إذا أتَوْا عَلى وادِي النَّمْلِ قالَتْ نَمْلَةٌ يا أيُّها النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكم لا يَحْطِمَنَّكم سُلَيْمانُ وجُنُودُهُ وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ ﴿فَتَبَسَّمَ ضاحِكًا مِن قَوْلِها وقالَ رَبِّ أوْزِعْنِي أنْ أشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أنْعَمْتَ عَلَيَّ وعَلى والِدَيَّ وأنْ أعْمَلَ صالِحًا تَرْضاهُ وأدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ في عِبادِكَ الصّالِحِينَ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وسُلَيْمانَ عِلْمًا وقالا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنا عَلى كَثِيرٍ مِن عِبادِهِ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿ووَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ وقالَ ياأيُّها النّاسُ عُلِّمْنا مَنطِقَ الطَّيْرِ وأُوتِينا مِن كُلِّ شَيْءٍ إنَّ هَذا لَهو الفَضْلُ المُبِينُ﴾ ﴿وحُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ والطَّيْرِ فَهم يُوزَعُونَ﴾ ﴿حَتّى إذا أتَوْا عَلى وادِي النَّمْلِ قالَتْ نَمْلَةٌ ياأيُّها النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكم لا يَحْطِمَنَّكم سُلَيْمانُ وجُنُودُهُ وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ ﴿فَتَبَسَّمَ ضاحِكًا مِن قَوْلِها وقالَ رَبِّ أوْزِعْنِي أنْ أشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أنْعَمْتَ عَلَيَّ وعَلى والِدَيَّ وأنْ أعْمَلَ صالِحًا تَرْضاهُ وأدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ في عِبادِكَ الصّالِحِينَ﴾ .
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عِلْمًا﴾ فالمُرادُ طائِفَةٌ مِنَ العِلْمِ أوْ عِلْمًا سَنِيًّا غَزِيرًا، فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ هَذا مَوْضِعَ الفاءِ دُونَ الواوِ، كَقَوْلِكَ أعْطَيْتُهُ فَشَكَرَ ؟ جَوابُهُ: أنَّ الشُّكْرَ بِاللِّسانِ إنَّما يَحْسُنُ مَوْقِعُهُ إذا كانَ مَسْبُوقًا بِعَمَلِ القَلْبِ وهو العَزْمُ عَلى فِعْلِ الطّاعَةِ وتَرْكِ المَعْصِيَةِ، وبِعَمَلِ الجَوارِحِ وهو الِاشْتِغالُ بِالطّاعاتِ، ولَمّا كانَ الشُّكْرُ بِاللِّسانِ يَجِبُ كَوْنُهُ مَسْبُوقًا بِهِما فَلا جَرَمَ صارَ كَأنَّهُ قالَ: ولَقَدْ آتَيْناهُما عِلْمًا، فَعَمِلا بِهِ قَلْبًا وقالِبًا، وقالا بِاللِّسانِ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَعَلَ كَذا وكَذا.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنا عَلى كَثِيرٍ مِن عِبادِهِ المُؤْمِنِينَ﴾ فَفِيها أبْحاثٌ:
أحَدُها: أنَّ الكَثِيرَ المُفَضَّلَ عَلَيْهِ هو مَن لَمْ يُؤْتَ عِلْمًا أوْ مَن لَمْ يُؤْتَ مِثْلَ عِلْمِهِما، وفِيهِ أنَّهُما فُضِّلا عَلى كَثِيرٍ وفُضِّلَ عَلَيْهِما كَثِيرٌ.
وثانِيها: في الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى عُلُوِّ مَرْتَبَةِ العِلْمِ لِأنَّهُما أُوتِيا مِنَ المُلْكِ ما لَمْ يُؤْتَ غَيْرُهُما فَلَمْ يَكُنْ شُكْرُهُما عَلى المُلْكِ كَشُكْرِهِما عَلى العِلْمِ.
وثالِثُها: أنَّهم لَمْ يُفَضِّلُوا أنْفُسَهم عَلى الكُلِّ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى حُسْنِ التَّواضُعِ.
ورابِعُها: أنَّ الظّاهِرَ يَقْتَضِي أنَّ تِلْكَ الفَضِيلَةَ لَيْسَتْ إلّا ذَلِكَ العِلْمَ، ثُمَّ العِلْمُ بِاللَّهِ وبِصِفاتِهِ أشْرَفُ مِن غَيْرِهِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ هَذا الشُّكْرُ لَيْسَ إلّا عَلى هَذا العِلْمِ، ثُمَّ إنَّ هَذا العِلْمَ حاصِلٌ لِجَمِيعِ المُؤْمِنِينَ فَيَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ سَبَبًا لِفَضِيلَتِهِمْ عَلى المُؤْمِنِينَ فَإذَنْ هو أنْ يَصِيرَ العِلْمُ بِاللَّهِ وبِصِفاتِهِ جَلِيًّا بِحَيْثُ يَصِيرُ المَرْءُ مُسْتَغْرِقًا فِيهِ بِحَيْثُ لا يَخْطُرُ بِبالِهِ شَيْءٌ مِنَ الشُّبَهاتِ ولا يَغْفُلُ القَلْبُ عَنْهُ في حِينٍ مِنَ الأحْيانِ ولا ساعَةٍ مِنَ السّاعاتِ.
* * *
صفحة ١٦٠
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ووَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ﴾ فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَقالَ الحَسَنُ: المالُ؛ لِأنَّ النُّبُوَّةَ عَطِيَّةٌ مُبْتَدَأةٌ ولا تُورَثُ، وقالَ غَيْرُهُ: بَلِ النُّبُوَّةُ، وقالَ آخَرُونَ: بَلِ المُلْكُ والسِّياسَةُ، ولَوْ تَأمَّلَ الحَسَنُ لَعَلِمَ أنَّ المالَ إذا ورِثَهُ الوَلَدُ فَهو أيْضًا عَطِيَّةٌ مُبْتَدَأةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى، ولِذَلِكَ يَرِثُ الوَلَدُ إذا كانَ مُؤْمِنًا ولا يَرِثُ إذا كانَ كافِرًا أوْ قاتِلًا، لَكِنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ سَبَبَ الإرْثِ فِيمَن يَرِثُ المَوْتَ عَلى شَرائِطَ، ولَيْسَ كَذَلِكَ النُّبُوَّةُ لِأنَّ المَوْتَ لا يَكُونُ سَبَبًا لِنُبُوَّةِ الوَلَدِ فَمِن هَذا الوجه يَفْتَرِقانِ، وذَلِكَ لا يَمْنَعُ مِن أنْ يُوصَفَ بِأنَّهُ ورِثَ النُّبُوَّةَ لَمّا قامَ بِهِ عِنْدَ مَوْتِهِ، كَما يَرِثُ الوَلَدُ المالَ إذا قامَ بِهِ عِنْدَ مَوْتِهِ؛ ومِمّا يُبَيِّنُ ما قُلْناهُ أنَّهُ تَعالى لَوْ فَصَّلَ فَقالَ: ووَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ مالَهُ لَمْ يَكُنْ لِقَوْلِهِ: ﴿وقالَ ياأيُّها النّاسُ عُلِّمْنا مَنطِقَ الطَّيْرِ﴾ مَعْنًى، وإذا قُلْنا ووَرِثَ مَقامَهُ مِنَ النُّبُوَّةِ والمُلْكِ حَسُنَ ذَلِكَ لِأنَّ تَعْلِيمَ مَنطِقِ الطَّيْرِ يَكُونُ داخِلًا في جُمْلَةِ ما ورِثَهُ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأُوتِينا مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ لِأنَّ وارِثَ المُلْكِ يَجْمَعُ ذَلِكَ ووارِثَ المالِ لا يَجْمَعُهُ وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ هَذا لَهو الفَضْلُ المُبِينُ﴾ لا يَلِيقُ أيْضًا إلّا بِما ذَكَرْنا دُونَ المالِ الَّذِي قَدْ يَحْصُلُ لِلْكامِلِ والنّاقِصِ، وما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى مِن جُنُودِ سُلَيْمانَ بَعْدَهُ لا يَلِيقُ إلّا بِما ذَكَرْناهُ، فَبَطَلَ بِما ذَكَرْنا قَوْلُ مَن زَعَمَ أنَّهُ لَمْ يَرِثْ إلّا المالَ، فَأمّا إذا قِيلَ: ورِثَ المالَ والمُلْكَ مَعًا فَهَذا لا يَبْطُلُ بِالوُجُوهِ الَّتِي ذَكَرْناها، بَلْ بِظاهِرِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«نَحْنُ مُعاشِرَ الأنْبِياءِ لا نُوَرَّثُ» “ .
فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها النّاسُ﴾ فالمَقْصُودُ مِنهُ تَشْهِيرُ نِعْمَةِ اللَّهِ تَعالى والتَّنْوِيهُ بِها ودُعاءُ النّاسِ إلى التَّصْدِيقِ بِذِكْرِ المُعْجِزَةِ الَّتِي هي عِلْمُ مَنطِقِ الطَّيْرِ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: المَنطِقُ كُلُّ ما يُصَوَّتُ بِهِ مِنَ المُفْرَدِ والمُؤَلَّفِ المُفِيدِ وغَيْرِ المُفِيدِ، وقَدْ تَرْجَمَ يَعْقُوبُ كِتابَهُ بِإصْلاحِ المَنطِقِ وما أصْلَحَ فِيهِ إلّا مُفْرَداتِ الكَلِمِ، وقالَتِ العَرَبُ: نَطَقَتِ الحَمامَةُ؛ فالَّذِي عَلَّمَ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن مَنطِقِ الطَّيْرِ هو ما يُفْهَمُ بَعْضُهُ مِن بَعْضٍ مِن مَقاصِدِهِ وأغْراضِهِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأُوتِينا مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ فالمُرادُ كَثْرَةُ ما أُوتِيَ وذَلِكَ لِأنَّ الكُلَّ والبَعْضَ الكَثِيرَ يَشْتَرِكانِ في صِفَةِ الكَثْرَةِ، والمُشارَكَةُ سَبَبٌ لِجَوازِ الِاسْتِعارَةِ فَلا جَرَمَ يُطْلَقُ لَفْظُ الكُلِّ عَلى الكَثِيرِ ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿وأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ .
أمّا قَوْلُهُ: ﴿إنَّ هَذا لَهو الفَضْلُ المُبِينُ﴾ فَهو تَقْرِيرٌ لِقَوْلِهِ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنا﴾ والمَقْصُودُ مِنهُ الشُّكْرُ والمَحْمَدَةُ كَما قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«أنا سَيِّدُ ولَدِ آدَمَ ولا فَخْرَ» “ فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ قالَ: ”عُلِّمْنا، وأُوتِينا“ وهو مِن كَلامِ المُتَكَبِّرِينَ ؟ جَوابُهُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنْ يُرِيدَ نَفْسَهُ وأباهُ.
والثّانِي: أنَّ هَذِهِ النُّونَ يُقالُ لَها: نُونُ الواحِدِ المُطاعِ وكانَ مَلِكًا مُطاعًا، وقَدْ يَتَعَلَّقُ بِتَعْظِيمِ المَلِكِ مَصالِحُ فَيَصِيرُ ذَلِكَ التَّعْظِيمُ واجِبًا.
النمل 27:17
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وحُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ والطَّيْرِ﴾ فالحَشْرُ هو الإحْضارُ والجَمْعُ مِنَ الأماكِنِ المُخْتَلِفَةِ، والمَعْنى أنَّهُ جَعَلَ اللَّهُ تَعالى كُلَّ هَذِهِ الأصْنافِ جُنُودَهُ ولا يَكُونُ كَذَلِكَ إلّا بِأنْ يَتَصَرَّفَ عَلى مُرادِهِ، ولا يَكُونُ كَذَلِكَ إلّا مَعَ العَقْلِ الَّذِي يَصِحُّ مَعَهُ التَّكْلِيفُ، أوْ يَكُونُ بِمَنزِلَةِ المُراهِقِ الَّذِي قَدْ قارَبَ حَدَّ التَّكْلِيفِ فَلِذَلِكَ قُلْنا: إنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ الطَّيْرَ في أيّامِهِ مِمّا لَهُ عَقْلٌ، ولَيْسَ كَذَلِكَ حالُ الطُّيُورِ في أيّامِنا وإنْ كانَ فِيها ما قَدْ ألْهَمَهُ اللَّهُ تَعالى الدَّقائِقَ الَّتِي خُصَّتْ بِالحاجَةِ إلَيْها أوْ خَصَّها اللَّهُ بِها لِمَنافِعِ العِبادِ كالنَّحْلِ وغَيْرِهِ.
صفحة ١٦١
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَهم يُوزَعُونَ﴾ مَعْناهُ يُحْبَسُونَ وهَذا لا يَكُونُ إلّا إذا كانَ في كُلِّ قَبِيلٍ مِنها وازِعٌ، ويَكُونُ لَهُ تَسَلُّطٌ عَلى مَن يَرُدُّهُ ويَكُفُّهُ ويَصْرِفُهُ، فالظّاهِرُ يَشْهَدُ بِهَذا القَدْرِ والَّذِي جاءَ في الخَبَرِ مِن أنَّهم كانُوا يَمْنَعُونَ مَن يَتَقَدَّمُ لِيَكُونَ مَسِيرُهُ مَعَ جُنُودِهِ عَلى تَرْتِيبٍ فَغَيْرُ مُمْتَنِعٍ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى إذا أتَوْا عَلى وادِي النَّمْلِ﴾ فَقِيلَ هو وادٍ بِالشّامِ كَثِيرُ النَّمْلِ، ويُقالُ لَهُ لِمَ عَدّى ﴿أتَوْا﴾ بِعَلى ؟ فَجَوابُهُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ إتْيانَهم كانَ مِن فَوْقُ فَأتى بِحَرْفِ الِاسْتِعْلاءِ.
والثّانِي: أنْ يُرادَ قَطْعُ الوادِي وبُلُوغُ آخِرِهِ مِن قَوْلِهِمْ أتى عَلى الشَّيْءِ إذا بَلَغَ آخِرَهُ كَأنَّهم أرادُوا أنْ يَنْزِلُوا عِنْدَ مُنْقَطَعِ الوادِي، وقُرِئَ ”نَمُلَةٌ يا أيُّها النُّمُلُ“ بِضَمِّ المِيمِ وبِضَمِّ النُّونِ والمِيمِ وكانَ الأصْلُ النَّمُلَ بِوَزْنِ الرَّجُلِ والنَّمْلُ الَّذِي عَلَيْهِ الِاسْتِعْمالُ تَخْفِيفٌ عَنْهُ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَتْ نَمْلَةٌ﴾ فالمَعْنى أنَّها تَكَلَّمَتْ بِذَلِكَ وهَذا غَيْرُ مُسْتَبْعَدٍ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى قادِرٌ عَلى أنْ يَخْلُقَ فِيها العَقْلَ والنُّطْقَ. وعَنْ قَتادَةَ: أنَّهُ دَخَلَ الكُوفَةَ فالتَفَّ عَلَيْهِ النّاسُ فَقالَ: سَلُوا عَمّا شِئْتُمْ وكانَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ حاضِرًا وهو غُلامٌ حَدَثٌ فَقالَ: سَلُوهُ عَنْ نَمْلَةِ سُلَيْمانَ أكانَتْ ذَكَرًا أمْ أُنْثى ؟ فَسَألُوهُ فَأُفْحِمَ، فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: كانَتْ أُنْثى، فَقِيلَ لَهُ: مَن أيْنَ عَرَفْتَ ؟ فَقالَ مِن كِتابِ اللَّهِ تَعالى وهو قَوْلُهُ: ﴿قالَتْ نَمْلَةٌ﴾ ولَوْ كانَ ذَكَرًا لَقالَ ”قالَ نَمْلَةٌ“، وذَلِكَ لِأنَّ النَّمْلَةَ مِثْلُ الحَمامَةِ والشّاةِ في وُقُوعِها عَلى الذَّكَرِ والأُنْثى فَيُمَيَّزُ بَيْنَهُما بِعَلامَةٍ نَحْوُ قَوْلِهِمْ حَمامَةٌ ذَكَرٌ وحَمامَةٌ أُنْثى وهو وهي.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ﴾ فاعْلَمْ أنَّ النَّمْلَةَ لَمّا قارَبَتْ حَدَّ العَقْلِ، لا جَرَمَ ذُكِرَتْ بِما يُذْكَرُ بِهِ العُقَلاءُ فَلِذَلِكَ قالَ تَعالى: ﴿ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ﴾ فَإنْ قُلْتَ: ﴿لا يَحْطِمَنَّكُمْ﴾ ما هو ؟ قُلْتُ: يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ جَوابًا لِلْأمْرِ وأنْ يَكُونَ نَهْيًا بَدَلًا مِنَ الأمْرِ، والمَعْنى: لا تَكُونُوا حَيْثُ أنْتُمْ فَيَحْطِمَنَّكم عَلى طَرِيقَةِ: لا أرَيَنَّكَ هَهُنا.
وفِي هَذِهِ الآيَةِ تَنْبِيهٌ عَلى أُمُورٍ:
أحَدُها: أنَّ مَن يَسِيرُ في الطَّرِيقِ لا يَلْزَمُهُ التَّحَرُّزُ، وإنَّما يَلْزَمُ مَن في الطَّرِيقِ التَّحَرُّزُ.
وثانِيها: أنَّ النَّمْلَةَ قالَتْ: ﴿وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ كَأنَّها عَرَفَتْ أنَّ النَّبِيَّ مَعْصُومٌ فَلا يَقَعُ مِنهُ قَتْلُ هَذِهِ الحَيَواناتِ إلّا عَلى سَبِيلِ السَّهْوِ، وهَذا تَنْبِيهٌ عَظِيمٌ عَلى وُجُوبِ الجَزْمِ بِعِصْمَةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ.
وثالِثُها: ما رَأيْتُ في بَعْضِ الكُتُبِ أنَّ تِلْكَ النَّمْلَةَ إنَّما أمَرَتْ غَيْرَها بِالدُّخُولِ لِأنَّها خافَتْ عَلى قَوْمِها أنَّها إذا رَأتْ سُلَيْمانَ في جَلالَتِهِ، فَرُبَّما وقَعَتْ في كُفْرانِ نِعْمَةِ اللَّهِ تَعالى وهَذا هو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿لا يَحْطِمَنَّكم سُلَيْمانُ﴾ فَأمَرَتْها بِالدُّخُولِ في مَساكِنِها لِئَلّا تَرى تِلْكَ النِّعَمِ فَلا تَقَعُ في كُفْرانِ نِعْمَةِ اللَّهِ تَعالى، وهَذا تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ مُجالَسَةَ أرْبابِ الدُّنْيا مَحْذُورَةٌ.
ورابِعُها: قُرِئَ ”مَسْكَنَكم“ و”لا يَحْطِمَنكم“ بِتَخْفِيفِ النُّونِ، وقُرِئَ ”لا يَحْطَمَنَّكم“ بِفَتْحِ الطّاءِ وكَسْرِها وأصْلُها يَحْطِمَنَّكم.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَبَسَّمَ ضاحِكًا مِن قَوْلِها﴾ يَعْنِي تَبَسَّمَ شارِعًا في الضَّحِكِ، يَعْنِي أنَّهُ قَدْ تَجاوَزَ حَدَّ التَّبَسُّمِ إلى الضَّحِكِ، وإنَّما ضَحِكَ لِأمْرَيْنِ:
أحَدُهُما: إعْجابُهُ بِما دَلَّ مِن قَوْلِها عَلى ظُهُورِ رَحْمَتِهِ ورَحْمَةِ جُنُودِهِ وعَلى شُهْرَةِ حالِهِ وحالِهِمْ في بابِ التَّقْوى، وذَلِكَ قَوْلُها: ﴿وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ .
والثّانِي: سُرُورُهُ بِما آتاهُ اللَّهُ مِمّا لَمْ يُؤْتِ أحَدًا مِن سَماعِهِ لِكَلامِ النَّمْلَةِ وإحاطَتِهِ بِمَعْناهُ.
صفحة ١٦٢
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبِّ أوْزِعْنِي﴾ فَقالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: حَقِيقَةُ أوْزِعْنِي: اجْعَلْنِي أزَعُ شُكْرَ نِعْمَتِكَ عِنْدِي وأكُفُّهُ عَنْ أنْ يَنْقَلِبَ عَنِّي، حَتّى أكُونَ شاكِرًا لَكَ أبَدًا، وهَذا يَدُلُّ عَلى مَذْهَبِنا فَإنَّ عِنْدَ المُعْتَزِلَةِ كُلَّ ما أمْكَنَ فِعْلُهُ مِنَ الألْطافِ فَقَدْ صارَتْ مَفْعُولَةً وطَلَبَ تَحْصِيلِ الحاصِلِ عَبَثٌ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وعَلى والِدَيَّ﴾ فَذَلِكَ لِأنَّهُ عَدَّ نِعَمَ اللَّهِ تَعالى عَلى والِدَيْهِ نِعْمَةً عَلَيْهِ. ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وأنْ أعْمَلَ صالِحًا تَرْضاهُ﴾ طَلَبَ الإعانَةَ في الشُّكْرِ وفي العَمَلِ الصّالِحِ، ثم قال: ﴿وأدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ في عِبادِكَ الصّالِحِينَ﴾ فَلَمّا طَلَبَ في الدُّنْيا الإعانَةَ عَلى الخَيْراتِ طَلَبَ أنْ يُجْعَلَ في الآخِرَةِ مِنَ الصّالِحِينَ، وقَوْلُهُ: ﴿بِرَحْمَتِكَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ دُخُولَ الجَنَّةِ بِرَحْمَتِهِ وفَضْلِهِ لا بِاسْتِحْقاقٍ مِن جانِبِ العَبْدِ واعْلَمْ أنَّ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ طَلَبَ ما يَكُونُ وسِيلَةً إلى ثَوابِ الآخِرَةِ أوَّلًا ثُمَّ طَلَبَ ثَوابَ الآخِرَةِ ثانِيًا، أمّا وسِيلَةُ الثَّوابِ فَهي أمْرانِ:
أحَدُهُما: شُكْرُ النِّعْمَةِ السّالِفَةِ.
والثّانِي: الِاشْتِغالُ بِسائِرِ أنْواعِ الخِدْمَةِ.
أمّا الِاشْتِغالُ بِشُكْرِ النِّعْمَةِ السّالِفَةِ، فَهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبِّ أوْزِعْنِي أنْ أشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾ ولَمّا كانَ الإنْعامُ عَلى الآباءِ إنْعامًا عَلى الأبْناءِ لِأنَّ انْتِسابَ الِابْنِ إلى أبٍ شَرِيفٍ نِعْمَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى عَلى الِابْنِ، لا جَرَمَ اشْتَغَلَ بِشُكْرِ نِعَمِ اللَّهِ عَلى الآباءِ بِقَوْلِهِ: ﴿وعَلى والِدَيَّ﴾ وأمّا الِاشْتِغالُ بِسائِرِ أنْواعِ الخِدْمَةِ، فَقَوْلُهُ: ﴿وأنْ أعْمَلَ صالِحًا تَرْضاهُ﴾ وأمّا طَلَبُ ثَوابِ الآخِرَةِ فَقَوْلُهُ: ﴿وأدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ في عِبادِكَ الصّالِحِينَ﴾ فَإنْ قِيلَ دَرَجاتُ الأنْبِياءِ أعْظَمُ مِن دَرَجاتِ الأوْلِياءِ والصّالِحِينَ، فَما السَّبَبُ في أنَّ الأنْبِياءَ يَطْلُبُونَ جَعْلَهم مِنَ الصّالِحِينَ فَقالَ يُوسُفُ: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ [يوسف: ١٠١] وقالَ سُلَيْمانُ: ﴿وأدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ في عِبادِكَ الصّالِحِينَ﴾ ؟ جَوابُهُ: الصّالِحُ الكامِلُ هو الَّذِي لا يَعْصِي اللَّهَ تَعالى ولا يَهُمُّ بِمَعْصِيَةٍ وهَذِهِ دَرَجَةٌ عالِيَةٌ، واللَّهُ أعْلَمُ.
النمل 27:18
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وحُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ والطَّيْرِ﴾ فالحَشْرُ هو الإحْضارُ والجَمْعُ مِنَ الأماكِنِ المُخْتَلِفَةِ، والمَعْنى أنَّهُ جَعَلَ اللَّهُ تَعالى كُلَّ هَذِهِ الأصْنافِ جُنُودَهُ ولا يَكُونُ كَذَلِكَ إلّا بِأنْ يَتَصَرَّفَ عَلى مُرادِهِ، ولا يَكُونُ كَذَلِكَ إلّا مَعَ العَقْلِ الَّذِي يَصِحُّ مَعَهُ التَّكْلِيفُ، أوْ يَكُونُ بِمَنزِلَةِ المُراهِقِ الَّذِي قَدْ قارَبَ حَدَّ التَّكْلِيفِ فَلِذَلِكَ قُلْنا: إنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ الطَّيْرَ في أيّامِهِ مِمّا لَهُ عَقْلٌ، ولَيْسَ كَذَلِكَ حالُ الطُّيُورِ في أيّامِنا وإنْ كانَ فِيها ما قَدْ ألْهَمَهُ اللَّهُ تَعالى الدَّقائِقَ الَّتِي خُصَّتْ بِالحاجَةِ إلَيْها أوْ خَصَّها اللَّهُ بِها لِمَنافِعِ العِبادِ كالنَّحْلِ وغَيْرِهِ.
صفحة ١٦١
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَهم يُوزَعُونَ﴾ مَعْناهُ يُحْبَسُونَ وهَذا لا يَكُونُ إلّا إذا كانَ في كُلِّ قَبِيلٍ مِنها وازِعٌ، ويَكُونُ لَهُ تَسَلُّطٌ عَلى مَن يَرُدُّهُ ويَكُفُّهُ ويَصْرِفُهُ، فالظّاهِرُ يَشْهَدُ بِهَذا القَدْرِ والَّذِي جاءَ في الخَبَرِ مِن أنَّهم كانُوا يَمْنَعُونَ مَن يَتَقَدَّمُ لِيَكُونَ مَسِيرُهُ مَعَ جُنُودِهِ عَلى تَرْتِيبٍ فَغَيْرُ مُمْتَنِعٍ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى إذا أتَوْا عَلى وادِي النَّمْلِ﴾ فَقِيلَ هو وادٍ بِالشّامِ كَثِيرُ النَّمْلِ، ويُقالُ لَهُ لِمَ عَدّى ﴿أتَوْا﴾ بِعَلى ؟ فَجَوابُهُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ إتْيانَهم كانَ مِن فَوْقُ فَأتى بِحَرْفِ الِاسْتِعْلاءِ.
والثّانِي: أنْ يُرادَ قَطْعُ الوادِي وبُلُوغُ آخِرِهِ مِن قَوْلِهِمْ أتى عَلى الشَّيْءِ إذا بَلَغَ آخِرَهُ كَأنَّهم أرادُوا أنْ يَنْزِلُوا عِنْدَ مُنْقَطَعِ الوادِي، وقُرِئَ ”نَمُلَةٌ يا أيُّها النُّمُلُ“ بِضَمِّ المِيمِ وبِضَمِّ النُّونِ والمِيمِ وكانَ الأصْلُ النَّمُلَ بِوَزْنِ الرَّجُلِ والنَّمْلُ الَّذِي عَلَيْهِ الِاسْتِعْمالُ تَخْفِيفٌ عَنْهُ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَتْ نَمْلَةٌ﴾ فالمَعْنى أنَّها تَكَلَّمَتْ بِذَلِكَ وهَذا غَيْرُ مُسْتَبْعَدٍ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى قادِرٌ عَلى أنْ يَخْلُقَ فِيها العَقْلَ والنُّطْقَ. وعَنْ قَتادَةَ: أنَّهُ دَخَلَ الكُوفَةَ فالتَفَّ عَلَيْهِ النّاسُ فَقالَ: سَلُوا عَمّا شِئْتُمْ وكانَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ حاضِرًا وهو غُلامٌ حَدَثٌ فَقالَ: سَلُوهُ عَنْ نَمْلَةِ سُلَيْمانَ أكانَتْ ذَكَرًا أمْ أُنْثى ؟ فَسَألُوهُ فَأُفْحِمَ، فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: كانَتْ أُنْثى، فَقِيلَ لَهُ: مَن أيْنَ عَرَفْتَ ؟ فَقالَ مِن كِتابِ اللَّهِ تَعالى وهو قَوْلُهُ: ﴿قالَتْ نَمْلَةٌ﴾ ولَوْ كانَ ذَكَرًا لَقالَ ”قالَ نَمْلَةٌ“، وذَلِكَ لِأنَّ النَّمْلَةَ مِثْلُ الحَمامَةِ والشّاةِ في وُقُوعِها عَلى الذَّكَرِ والأُنْثى فَيُمَيَّزُ بَيْنَهُما بِعَلامَةٍ نَحْوُ قَوْلِهِمْ حَمامَةٌ ذَكَرٌ وحَمامَةٌ أُنْثى وهو وهي.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ﴾ فاعْلَمْ أنَّ النَّمْلَةَ لَمّا قارَبَتْ حَدَّ العَقْلِ، لا جَرَمَ ذُكِرَتْ بِما يُذْكَرُ بِهِ العُقَلاءُ فَلِذَلِكَ قالَ تَعالى: ﴿ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ﴾ فَإنْ قُلْتَ: ﴿لا يَحْطِمَنَّكُمْ﴾ ما هو ؟ قُلْتُ: يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ جَوابًا لِلْأمْرِ وأنْ يَكُونَ نَهْيًا بَدَلًا مِنَ الأمْرِ، والمَعْنى: لا تَكُونُوا حَيْثُ أنْتُمْ فَيَحْطِمَنَّكم عَلى طَرِيقَةِ: لا أرَيَنَّكَ هَهُنا.
وفِي هَذِهِ الآيَةِ تَنْبِيهٌ عَلى أُمُورٍ:
أحَدُها: أنَّ مَن يَسِيرُ في الطَّرِيقِ لا يَلْزَمُهُ التَّحَرُّزُ، وإنَّما يَلْزَمُ مَن في الطَّرِيقِ التَّحَرُّزُ.
وثانِيها: أنَّ النَّمْلَةَ قالَتْ: ﴿وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ كَأنَّها عَرَفَتْ أنَّ النَّبِيَّ مَعْصُومٌ فَلا يَقَعُ مِنهُ قَتْلُ هَذِهِ الحَيَواناتِ إلّا عَلى سَبِيلِ السَّهْوِ، وهَذا تَنْبِيهٌ عَظِيمٌ عَلى وُجُوبِ الجَزْمِ بِعِصْمَةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ.
وثالِثُها: ما رَأيْتُ في بَعْضِ الكُتُبِ أنَّ تِلْكَ النَّمْلَةَ إنَّما أمَرَتْ غَيْرَها بِالدُّخُولِ لِأنَّها خافَتْ عَلى قَوْمِها أنَّها إذا رَأتْ سُلَيْمانَ في جَلالَتِهِ، فَرُبَّما وقَعَتْ في كُفْرانِ نِعْمَةِ اللَّهِ تَعالى وهَذا هو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿لا يَحْطِمَنَّكم سُلَيْمانُ﴾ فَأمَرَتْها بِالدُّخُولِ في مَساكِنِها لِئَلّا تَرى تِلْكَ النِّعَمِ فَلا تَقَعُ في كُفْرانِ نِعْمَةِ اللَّهِ تَعالى، وهَذا تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ مُجالَسَةَ أرْبابِ الدُّنْيا مَحْذُورَةٌ.
ورابِعُها: قُرِئَ ”مَسْكَنَكم“ و”لا يَحْطِمَنكم“ بِتَخْفِيفِ النُّونِ، وقُرِئَ ”لا يَحْطَمَنَّكم“ بِفَتْحِ الطّاءِ وكَسْرِها وأصْلُها يَحْطِمَنَّكم.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَبَسَّمَ ضاحِكًا مِن قَوْلِها﴾ يَعْنِي تَبَسَّمَ شارِعًا في الضَّحِكِ، يَعْنِي أنَّهُ قَدْ تَجاوَزَ حَدَّ التَّبَسُّمِ إلى الضَّحِكِ، وإنَّما ضَحِكَ لِأمْرَيْنِ:
أحَدُهُما: إعْجابُهُ بِما دَلَّ مِن قَوْلِها عَلى ظُهُورِ رَحْمَتِهِ ورَحْمَةِ جُنُودِهِ وعَلى شُهْرَةِ حالِهِ وحالِهِمْ في بابِ التَّقْوى، وذَلِكَ قَوْلُها: ﴿وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ .
والثّانِي: سُرُورُهُ بِما آتاهُ اللَّهُ مِمّا لَمْ يُؤْتِ أحَدًا مِن سَماعِهِ لِكَلامِ النَّمْلَةِ وإحاطَتِهِ بِمَعْناهُ.
صفحة ١٦٢
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبِّ أوْزِعْنِي﴾ فَقالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: حَقِيقَةُ أوْزِعْنِي: اجْعَلْنِي أزَعُ شُكْرَ نِعْمَتِكَ عِنْدِي وأكُفُّهُ عَنْ أنْ يَنْقَلِبَ عَنِّي، حَتّى أكُونَ شاكِرًا لَكَ أبَدًا، وهَذا يَدُلُّ عَلى مَذْهَبِنا فَإنَّ عِنْدَ المُعْتَزِلَةِ كُلَّ ما أمْكَنَ فِعْلُهُ مِنَ الألْطافِ فَقَدْ صارَتْ مَفْعُولَةً وطَلَبَ تَحْصِيلِ الحاصِلِ عَبَثٌ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وعَلى والِدَيَّ﴾ فَذَلِكَ لِأنَّهُ عَدَّ نِعَمَ اللَّهِ تَعالى عَلى والِدَيْهِ نِعْمَةً عَلَيْهِ. ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وأنْ أعْمَلَ صالِحًا تَرْضاهُ﴾ طَلَبَ الإعانَةَ في الشُّكْرِ وفي العَمَلِ الصّالِحِ، ثم قال: ﴿وأدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ في عِبادِكَ الصّالِحِينَ﴾ فَلَمّا طَلَبَ في الدُّنْيا الإعانَةَ عَلى الخَيْراتِ طَلَبَ أنْ يُجْعَلَ في الآخِرَةِ مِنَ الصّالِحِينَ، وقَوْلُهُ: ﴿بِرَحْمَتِكَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ دُخُولَ الجَنَّةِ بِرَحْمَتِهِ وفَضْلِهِ لا بِاسْتِحْقاقٍ مِن جانِبِ العَبْدِ واعْلَمْ أنَّ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ طَلَبَ ما يَكُونُ وسِيلَةً إلى ثَوابِ الآخِرَةِ أوَّلًا ثُمَّ طَلَبَ ثَوابَ الآخِرَةِ ثانِيًا، أمّا وسِيلَةُ الثَّوابِ فَهي أمْرانِ:
أحَدُهُما: شُكْرُ النِّعْمَةِ السّالِفَةِ.
والثّانِي: الِاشْتِغالُ بِسائِرِ أنْواعِ الخِدْمَةِ.
أمّا الِاشْتِغالُ بِشُكْرِ النِّعْمَةِ السّالِفَةِ، فَهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبِّ أوْزِعْنِي أنْ أشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾ ولَمّا كانَ الإنْعامُ عَلى الآباءِ إنْعامًا عَلى الأبْناءِ لِأنَّ انْتِسابَ الِابْنِ إلى أبٍ شَرِيفٍ نِعْمَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى عَلى الِابْنِ، لا جَرَمَ اشْتَغَلَ بِشُكْرِ نِعَمِ اللَّهِ عَلى الآباءِ بِقَوْلِهِ: ﴿وعَلى والِدَيَّ﴾ وأمّا الِاشْتِغالُ بِسائِرِ أنْواعِ الخِدْمَةِ، فَقَوْلُهُ: ﴿وأنْ أعْمَلَ صالِحًا تَرْضاهُ﴾ وأمّا طَلَبُ ثَوابِ الآخِرَةِ فَقَوْلُهُ: ﴿وأدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ في عِبادِكَ الصّالِحِينَ﴾ فَإنْ قِيلَ دَرَجاتُ الأنْبِياءِ أعْظَمُ مِن دَرَجاتِ الأوْلِياءِ والصّالِحِينَ، فَما السَّبَبُ في أنَّ الأنْبِياءَ يَطْلُبُونَ جَعْلَهم مِنَ الصّالِحِينَ فَقالَ يُوسُفُ: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ [يوسف: ١٠١] وقالَ سُلَيْمانُ: ﴿وأدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ في عِبادِكَ الصّالِحِينَ﴾ ؟ جَوابُهُ: الصّالِحُ الكامِلُ هو الَّذِي لا يَعْصِي اللَّهَ تَعالى ولا يَهُمُّ بِمَعْصِيَةٍ وهَذِهِ دَرَجَةٌ عالِيَةٌ، واللَّهُ أعْلَمُ.
النمل 27:19
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وحُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ والطَّيْرِ﴾ فالحَشْرُ هو الإحْضارُ والجَمْعُ مِنَ الأماكِنِ المُخْتَلِفَةِ، والمَعْنى أنَّهُ جَعَلَ اللَّهُ تَعالى كُلَّ هَذِهِ الأصْنافِ جُنُودَهُ ولا يَكُونُ كَذَلِكَ إلّا بِأنْ يَتَصَرَّفَ عَلى مُرادِهِ، ولا يَكُونُ كَذَلِكَ إلّا مَعَ العَقْلِ الَّذِي يَصِحُّ مَعَهُ التَّكْلِيفُ، أوْ يَكُونُ بِمَنزِلَةِ المُراهِقِ الَّذِي قَدْ قارَبَ حَدَّ التَّكْلِيفِ فَلِذَلِكَ قُلْنا: إنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ الطَّيْرَ في أيّامِهِ مِمّا لَهُ عَقْلٌ، ولَيْسَ كَذَلِكَ حالُ الطُّيُورِ في أيّامِنا وإنْ كانَ فِيها ما قَدْ ألْهَمَهُ اللَّهُ تَعالى الدَّقائِقَ الَّتِي خُصَّتْ بِالحاجَةِ إلَيْها أوْ خَصَّها اللَّهُ بِها لِمَنافِعِ العِبادِ كالنَّحْلِ وغَيْرِهِ.
صفحة ١٦١
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَهم يُوزَعُونَ﴾ مَعْناهُ يُحْبَسُونَ وهَذا لا يَكُونُ إلّا إذا كانَ في كُلِّ قَبِيلٍ مِنها وازِعٌ، ويَكُونُ لَهُ تَسَلُّطٌ عَلى مَن يَرُدُّهُ ويَكُفُّهُ ويَصْرِفُهُ، فالظّاهِرُ يَشْهَدُ بِهَذا القَدْرِ والَّذِي جاءَ في الخَبَرِ مِن أنَّهم كانُوا يَمْنَعُونَ مَن يَتَقَدَّمُ لِيَكُونَ مَسِيرُهُ مَعَ جُنُودِهِ عَلى تَرْتِيبٍ فَغَيْرُ مُمْتَنِعٍ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى إذا أتَوْا عَلى وادِي النَّمْلِ﴾ فَقِيلَ هو وادٍ بِالشّامِ كَثِيرُ النَّمْلِ، ويُقالُ لَهُ لِمَ عَدّى ﴿أتَوْا﴾ بِعَلى ؟ فَجَوابُهُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ إتْيانَهم كانَ مِن فَوْقُ فَأتى بِحَرْفِ الِاسْتِعْلاءِ.
والثّانِي: أنْ يُرادَ قَطْعُ الوادِي وبُلُوغُ آخِرِهِ مِن قَوْلِهِمْ أتى عَلى الشَّيْءِ إذا بَلَغَ آخِرَهُ كَأنَّهم أرادُوا أنْ يَنْزِلُوا عِنْدَ مُنْقَطَعِ الوادِي، وقُرِئَ ”نَمُلَةٌ يا أيُّها النُّمُلُ“ بِضَمِّ المِيمِ وبِضَمِّ النُّونِ والمِيمِ وكانَ الأصْلُ النَّمُلَ بِوَزْنِ الرَّجُلِ والنَّمْلُ الَّذِي عَلَيْهِ الِاسْتِعْمالُ تَخْفِيفٌ عَنْهُ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَتْ نَمْلَةٌ﴾ فالمَعْنى أنَّها تَكَلَّمَتْ بِذَلِكَ وهَذا غَيْرُ مُسْتَبْعَدٍ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى قادِرٌ عَلى أنْ يَخْلُقَ فِيها العَقْلَ والنُّطْقَ. وعَنْ قَتادَةَ: أنَّهُ دَخَلَ الكُوفَةَ فالتَفَّ عَلَيْهِ النّاسُ فَقالَ: سَلُوا عَمّا شِئْتُمْ وكانَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ حاضِرًا وهو غُلامٌ حَدَثٌ فَقالَ: سَلُوهُ عَنْ نَمْلَةِ سُلَيْمانَ أكانَتْ ذَكَرًا أمْ أُنْثى ؟ فَسَألُوهُ فَأُفْحِمَ، فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: كانَتْ أُنْثى، فَقِيلَ لَهُ: مَن أيْنَ عَرَفْتَ ؟ فَقالَ مِن كِتابِ اللَّهِ تَعالى وهو قَوْلُهُ: ﴿قالَتْ نَمْلَةٌ﴾ ولَوْ كانَ ذَكَرًا لَقالَ ”قالَ نَمْلَةٌ“، وذَلِكَ لِأنَّ النَّمْلَةَ مِثْلُ الحَمامَةِ والشّاةِ في وُقُوعِها عَلى الذَّكَرِ والأُنْثى فَيُمَيَّزُ بَيْنَهُما بِعَلامَةٍ نَحْوُ قَوْلِهِمْ حَمامَةٌ ذَكَرٌ وحَمامَةٌ أُنْثى وهو وهي.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ﴾ فاعْلَمْ أنَّ النَّمْلَةَ لَمّا قارَبَتْ حَدَّ العَقْلِ، لا جَرَمَ ذُكِرَتْ بِما يُذْكَرُ بِهِ العُقَلاءُ فَلِذَلِكَ قالَ تَعالى: ﴿ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ﴾ فَإنْ قُلْتَ: ﴿لا يَحْطِمَنَّكُمْ﴾ ما هو ؟ قُلْتُ: يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ جَوابًا لِلْأمْرِ وأنْ يَكُونَ نَهْيًا بَدَلًا مِنَ الأمْرِ، والمَعْنى: لا تَكُونُوا حَيْثُ أنْتُمْ فَيَحْطِمَنَّكم عَلى طَرِيقَةِ: لا أرَيَنَّكَ هَهُنا.
وفِي هَذِهِ الآيَةِ تَنْبِيهٌ عَلى أُمُورٍ:
أحَدُها: أنَّ مَن يَسِيرُ في الطَّرِيقِ لا يَلْزَمُهُ التَّحَرُّزُ، وإنَّما يَلْزَمُ مَن في الطَّرِيقِ التَّحَرُّزُ.
وثانِيها: أنَّ النَّمْلَةَ قالَتْ: ﴿وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ كَأنَّها عَرَفَتْ أنَّ النَّبِيَّ مَعْصُومٌ فَلا يَقَعُ مِنهُ قَتْلُ هَذِهِ الحَيَواناتِ إلّا عَلى سَبِيلِ السَّهْوِ، وهَذا تَنْبِيهٌ عَظِيمٌ عَلى وُجُوبِ الجَزْمِ بِعِصْمَةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ.
وثالِثُها: ما رَأيْتُ في بَعْضِ الكُتُبِ أنَّ تِلْكَ النَّمْلَةَ إنَّما أمَرَتْ غَيْرَها بِالدُّخُولِ لِأنَّها خافَتْ عَلى قَوْمِها أنَّها إذا رَأتْ سُلَيْمانَ في جَلالَتِهِ، فَرُبَّما وقَعَتْ في كُفْرانِ نِعْمَةِ اللَّهِ تَعالى وهَذا هو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿لا يَحْطِمَنَّكم سُلَيْمانُ﴾ فَأمَرَتْها بِالدُّخُولِ في مَساكِنِها لِئَلّا تَرى تِلْكَ النِّعَمِ فَلا تَقَعُ في كُفْرانِ نِعْمَةِ اللَّهِ تَعالى، وهَذا تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ مُجالَسَةَ أرْبابِ الدُّنْيا مَحْذُورَةٌ.
ورابِعُها: قُرِئَ ”مَسْكَنَكم“ و”لا يَحْطِمَنكم“ بِتَخْفِيفِ النُّونِ، وقُرِئَ ”لا يَحْطَمَنَّكم“ بِفَتْحِ الطّاءِ وكَسْرِها وأصْلُها يَحْطِمَنَّكم.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَبَسَّمَ ضاحِكًا مِن قَوْلِها﴾ يَعْنِي تَبَسَّمَ شارِعًا في الضَّحِكِ، يَعْنِي أنَّهُ قَدْ تَجاوَزَ حَدَّ التَّبَسُّمِ إلى الضَّحِكِ، وإنَّما ضَحِكَ لِأمْرَيْنِ:
أحَدُهُما: إعْجابُهُ بِما دَلَّ مِن قَوْلِها عَلى ظُهُورِ رَحْمَتِهِ ورَحْمَةِ جُنُودِهِ وعَلى شُهْرَةِ حالِهِ وحالِهِمْ في بابِ التَّقْوى، وذَلِكَ قَوْلُها: ﴿وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ .
والثّانِي: سُرُورُهُ بِما آتاهُ اللَّهُ مِمّا لَمْ يُؤْتِ أحَدًا مِن سَماعِهِ لِكَلامِ النَّمْلَةِ وإحاطَتِهِ بِمَعْناهُ.
صفحة ١٦٢
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبِّ أوْزِعْنِي﴾ فَقالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: حَقِيقَةُ أوْزِعْنِي: اجْعَلْنِي أزَعُ شُكْرَ نِعْمَتِكَ عِنْدِي وأكُفُّهُ عَنْ أنْ يَنْقَلِبَ عَنِّي، حَتّى أكُونَ شاكِرًا لَكَ أبَدًا، وهَذا يَدُلُّ عَلى مَذْهَبِنا فَإنَّ عِنْدَ المُعْتَزِلَةِ كُلَّ ما أمْكَنَ فِعْلُهُ مِنَ الألْطافِ فَقَدْ صارَتْ مَفْعُولَةً وطَلَبَ تَحْصِيلِ الحاصِلِ عَبَثٌ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وعَلى والِدَيَّ﴾ فَذَلِكَ لِأنَّهُ عَدَّ نِعَمَ اللَّهِ تَعالى عَلى والِدَيْهِ نِعْمَةً عَلَيْهِ. ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وأنْ أعْمَلَ صالِحًا تَرْضاهُ﴾ طَلَبَ الإعانَةَ في الشُّكْرِ وفي العَمَلِ الصّالِحِ، ثم قال: ﴿وأدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ في عِبادِكَ الصّالِحِينَ﴾ فَلَمّا طَلَبَ في الدُّنْيا الإعانَةَ عَلى الخَيْراتِ طَلَبَ أنْ يُجْعَلَ في الآخِرَةِ مِنَ الصّالِحِينَ، وقَوْلُهُ: ﴿بِرَحْمَتِكَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ دُخُولَ الجَنَّةِ بِرَحْمَتِهِ وفَضْلِهِ لا بِاسْتِحْقاقٍ مِن جانِبِ العَبْدِ واعْلَمْ أنَّ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ طَلَبَ ما يَكُونُ وسِيلَةً إلى ثَوابِ الآخِرَةِ أوَّلًا ثُمَّ طَلَبَ ثَوابَ الآخِرَةِ ثانِيًا، أمّا وسِيلَةُ الثَّوابِ فَهي أمْرانِ:
أحَدُهُما: شُكْرُ النِّعْمَةِ السّالِفَةِ.
والثّانِي: الِاشْتِغالُ بِسائِرِ أنْواعِ الخِدْمَةِ.
أمّا الِاشْتِغالُ بِشُكْرِ النِّعْمَةِ السّالِفَةِ، فَهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبِّ أوْزِعْنِي أنْ أشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾ ولَمّا كانَ الإنْعامُ عَلى الآباءِ إنْعامًا عَلى الأبْناءِ لِأنَّ انْتِسابَ الِابْنِ إلى أبٍ شَرِيفٍ نِعْمَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى عَلى الِابْنِ، لا جَرَمَ اشْتَغَلَ بِشُكْرِ نِعَمِ اللَّهِ عَلى الآباءِ بِقَوْلِهِ: ﴿وعَلى والِدَيَّ﴾ وأمّا الِاشْتِغالُ بِسائِرِ أنْواعِ الخِدْمَةِ، فَقَوْلُهُ: ﴿وأنْ أعْمَلَ صالِحًا تَرْضاهُ﴾ وأمّا طَلَبُ ثَوابِ الآخِرَةِ فَقَوْلُهُ: ﴿وأدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ في عِبادِكَ الصّالِحِينَ﴾ فَإنْ قِيلَ دَرَجاتُ الأنْبِياءِ أعْظَمُ مِن دَرَجاتِ الأوْلِياءِ والصّالِحِينَ، فَما السَّبَبُ في أنَّ الأنْبِياءَ يَطْلُبُونَ جَعْلَهم مِنَ الصّالِحِينَ فَقالَ يُوسُفُ: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ [يوسف: ١٠١] وقالَ سُلَيْمانُ: ﴿وأدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ في عِبادِكَ الصّالِحِينَ﴾ ؟ جَوابُهُ: الصّالِحُ الكامِلُ هو الَّذِي لا يَعْصِي اللَّهَ تَعالى ولا يَهُمُّ بِمَعْصِيَةٍ وهَذِهِ دَرَجَةٌ عالِيَةٌ، واللَّهُ أعْلَمُ.
النمل 27:20
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقالَ ما لِيَ لا أرى الهُدْهُدَ أمْ كانَ مِنَ الغائِبِينَ﴾ ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذابًا شَدِيدًا أوْ لَأذْبَحَنَّهُ أوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقالَ أحَطتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ وجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾ ﴿إنِّي وجَدْتُ امْرَأةً تَمْلِكُهم وأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ ولَها عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿وجَدْتُها وقَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ وزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهم فَصَدَّهم عَنِ السَّبِيلِ فَهم لا يَهْتَدُونَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا تَفَقَّدَ الطَّيْرَ أوْهَمَ ذَلِكَ أنَّهُ إنَّما تَفَقَّدَهُ لِأمْرٍ يَخْتَصُّ بِهِ ذَلِكَ الطَّيْرُ، واخْتَلَفُوا فِيما لِأجْلِهِ تَفَقَّدَهُ عَلى وُجُوهٍ:
أحَدُها: قَوْلُ وهْبٍ أنَّهُ أخَلَّ بِالنَّوْبَةِ الَّتِي كانَ يَنُوبُها فَلِذَلِكَ تَفَقَّدَهُ.
صفحة ١٦٣
وثانِيها: أنَّهُ تَفَقَّدَهُ لِأنَّ مَقايِيسَ الماءِ كانَتْ إلَيْهِ، وكانَ يَعْرِفُ الفَصْلَ بَيْنَ قَرِيبِهِ وبَعِيدِهِ، فَلِحاجَةِ سُلَيْمانَ إلى ذَلِكَ طَلَبَهُ وتَفَقَّدَهُ.
وثالِثُها: أنَّهُ كانَ يُظِلُّهُ مِنَ الشَّمْسِ، فَلَمّا فَقَدَ ذَلِكَ تَفَقَّدَهُ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَقالَ ما لِيَ لا أرى الهُدْهُدَ أمْ كانَ مِنَ الغائِبِينَ﴾ فَأمْ هي المُنْقَطِعَةُ نَظَرَ إلى مَكانِ الهُدْهُدِ فَلَمْ يُبْصِرْهُ فَقالَ: ما لِيَ لا أراهُ، عَلى مَعْنى أنَّهُ لا يَراهُ وهو حاضِرٌ لِساتِرٍ سَتَرَهُ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ ثُمَّ لاحَ لَهُ أنَّهُ غائِبٌ فَأضْرَبَ عَنْ ذَلِكَ وأخَذَ يَقُولُ: أهْوَ غائِبٌ ؟ كَأنَّهُ يَسْألُ عَنْ صِحَّةِ ما لاحَ لَهُ، ومِثْلُهُ قَوْلُهم: إنَّها لَإبِلٌ أمْ شاءٌ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذابًا شَدِيدًا أوْ لَأذْبَحَنَّهُ أوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ فَهَذا لا يَجُوزُ أنْ يَقُولَهُ إلّا فِيمَن هو مُكَلَّفٌ أوْ فِيمَن قارَبَ العَقْلَ فَيَصْلُحُ لِأنْ يُؤَدَّبَ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا في قَوْلِهِ: ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ﴾ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّهُ نَتْفُ الرِّيشِ والإلْقاءُ في الشَّمْسِ، وقِيلَ: أنْ يُطْلى بِالقَطِرانِ ويُشَمَّسُ، وقِيلَ: أنْ يُلْقى لِلنَّمْلِ فَتَأْكُلُهُ، وقِيلَ: إيداعُهُ القَفَصَ، وقِيلَ: التَّفْرِيقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ إلْفِهِ، وقِيلَ: لَأُلْزِمَنَّهُ صُحْبَةَ الأضْدادِ، وعَنْ بَعْضِهِمْ: أضْيَقُ السُّجُونِ مُعاشَرَةُ الأضْدادِ، وقِيلَ: لَأُلْزِمَنَّهُ خِدْمَةَ أقْرانِهِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَمَكَثَ﴾ فَقَدْ قُرِئَ بِفَتْحِ الكافِ وضَمِّها ﴿غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ كَقَوْلِكَ عَنْ قَرِيبٍ، ووَصَفَ مُكْثَهُ بِقِصَرِ المُدَّةِ لِلدَّلالَةِ عَلى إسْراعِهِ خَوْفًا مِن سُلَيْمانَ ولِيُعْلَمَ كَيْفَ كانَ الطَّيْرُ مُسَخَّرًا لَهُ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿أحَطتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ فَفِيهِ تَنْبِيهٌ لِسُلَيْمانَ عَلى أنَّ في أدْنى خَلْقِ اللَّهِ تَعالى مَن أحاطَ عِلْمًا بِما لَمْ يُحِطْ بِهِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ لُطْفًا في تَرْكِ الإعْجابِ، والإحاطَةُ بِالشَّيْءِ عِلْمًا أنْ يُعْلَمَ مِن جَمِيعِ جِهاتِهِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾ فاعْلَمْ أنَّ سَبَأً قُرِئَ بِالصَّرْفِ ومَنعِهِ، وقَدْ رُوِيَ بِسُكُونِ الباءِ، وعَنِ ابْنِ كَثِيرٍ في رِوايَةِ سَبا بِالألْفِ كَقَوْلِهِمْ: ذَهَبُوا أيْدِيَ سَبا وهو سَبَأُ بْنُ يَشْجُبَ بْنِ يَعْرُبَ بْنِ قَحْطانَ، فَمَن جَعَلَهُ اسْمًا لِلْقَبِيلَةِ لَمْ يَصْرِفْ، ومِن جَعَلَهُ اسْمًا لِلْحَيِّ أوْ لِلْأبِ الأكْبَرِ صَرَفَ، ثُمَّ سُمِّيَتْ مَدِينَةُ مَأْرِبَ بِسَبَأٍ وبَيْنَها وبَيْنَ صَنْعاءَ مَسِيرَةُ ثَلاثَةِ أيّامٍ، والنَّبَأُ الخَبَرُ الَّذِي لَهُ شَأْنٌ.
وقَوْلُهُ: ﴿مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ﴾ مِن مَحاسِنَ الكَلامِ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِاللَّفْظِ وشَرْطُ حُسْنِهِ صِحَّةُ المَعْنى، ولَقَدْ جاءَ هَهُنا زائِدًا عَلى الصِّحَّةِ فَحَسُنَ لَفْظًا ومَعْنًى، ألا تَرى أنَّهُ لَوْ وضَعَ مَكانَ ”بِنَبَأٍ“ بِخَبَرٍ لَكانَ المَعْنى صَحِيحًا، ولَكِنَّ لَفْظَ النَّبَأِ أوْلى لِما فِيهِ مِنَ الزِّيادَةِ الَّتِي يُطابِقُها وصْفُ الحالِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿إنِّي وجَدْتُ امْرَأةً تَمْلِكُهُمْ﴾ فالمَرْأةُ بِلْقِيسُ بِنْتُ شَراحِيلَ، وكانَ أبُوها مَلِكُ أرْضِ اليَمَنِ وكانَتْ هي وقَوْمُها مَجُوسًا يَعْبُدُونَ الشَّمْسَ، والضَّمِيرُ في تَمْلِكُهم راجِعٌ إلى سَبَأٍ، فَإنْ أُرِيدَ بِهِ القَوْمُ فالأمْرُ ظاهِرٌ، وإنْ أُرِيدَتِ المَدِينَةُ فَمَعْناهُ تَمْلِكُ أهْلَها.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ فَفِيهِ سُؤالٌ وهو أنَّهُ كَيْفَ قالَ: ﴿وأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ مَعَ قَوْلِ سُلَيْمانَ ﴿وأُوتِينا مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ فَكَأنَّ الهُدْهُدَ سَوّى بَيْنَهُما ؟ جَوابُهُ: أنَّ قَوْلَ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَرْجِعُ إلى ما أُوتِيَ مِنَ النُّبُوَّةِ والحِكْمَةِ، ثُمَّ إلى المُلْكِ وأسْبابِ الدُّنْيا، وأمّا قَوْلُ الهُدْهُدِ فَلَمْ يَكُنْ إلّا إلى ما يَتَعَلَّقُ بِالدُّنْيا.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ولَها عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ فَفِيهِ سُؤالٌ، وهو أنَّهُ كَيْفَ اسْتَعْظَمَ الهُدْهُدُ عَرْشَها مَعَ ما كانَ يَرى مِن مُلْكِ سُلَيْمانَ ؟ وأيْضًا فَكَيْفَ سَوّى بَيْنِ عَرْشِ بِلْقِيسَ وعَرْشِ اللَّهِ تَعالى في الوَصْفِ بِالعَظِيمِ ؟
والجَوابُ عَنِ
صفحة ١٦٤
الأوَّلِ: يَجُوزُ أنْ يَسْتَصْغِرَ حالَها إلى حالِ سُلَيْمانَ فاسْتَعْظَمَ لَها ذَلِكَ العَرْشَ، ويَجُوزُ أنْ لا يَكُونَ لِسُلَيْمانَ مَعَ جَلالَتِهِ مِثْلُهُ كَما قَدْ يَتَّفِقُ لِبَعْضِ الأُمَراءِ شَيْءٌ لا يَكُونُ مِثْلُهُ عِنْدَ السُّلْطانِ.
وعَنِ الثّانِي: أنَّ وصْفَ عَرْشِها بِالعِظَمِ تَعْظِيمٌ لَهُ بِالإضافَةِ إلى عُرُوشِ أبْناءِ جِنْسِها مِنَ المُلُوكِ ووَصْفَ عَرْشِ اللَّهِ بِالعِظَمِ تَعْظِيمٌ لَهُ بِالنِّسْبَةِ إلى سائِرِ ما خَلَقَ مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ، واعْلَمْ أنَّ هَهُنا بَحْثَيْنِ:
البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّ المَلاحِدَةَ طَعَنَتْ في هَذِهِ القِصَّةِ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ هَذِهِ الآياتِ اشْتَمَلَتْ عَلى أنَّ النَّمْلَةَ والهُدْهُدَ تَكَلَّما بِكَلامٍ لا يَصْدُرُ ذَلِكَ الكَلامُ إلّا مِنَ العُقَلاءِ وذَلِكَ يَجُرُّ إلى السَّفْسَطَةِ، فَإنّا لَوْ جَوَّزْنا ذَلِكَ لَما أمِنّا في النَّمْلَةِ الَّتِي نُشاهِدُها في زَمانِنا هَذا، أنْ تَكُونَ أعْلَمَ بِالهَنْدَسَةِ مِن إقْلِيدِسَ، وبِالنَّحْوِ مِن سِيبَوَيْهِ، وكَذا القَوْلُ في القَمْلَةِ والصِّئْبانِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ فِيهِمُ الأنْبِياءُ والتَّكالِيفُ والمُعْجِزاتُ، ومَعْلُومٌ أنَّ مَن جَوَّزَ ذَلِكَ كانَ إلى الجُنُونِ أقْرَبَ.
وثانِيها: أنَّ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ بِالشّامِ فَكَيْفَ طارَ الهُدْهُدُ في تِلْكَ اللَّحْظَةِ اللَّطِيفَةِ مِنَ الشّامِ إلى اليَمَنِ ثُمَّ رَجَعَ إلَيْهِ ؟ .
وثالِثُها: كَيْفَ خَفِيَ عَلى سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ حالَ مِثْلِ تِلْكَ المَلِكَةِ العَظِيمَةِ مَعَ ما يُقالُ إنَّ الجِنَّ والإنْسَ كانُوا في طاعَةِ سُلَيْمانَ، وإنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مَلِكَ الدُّنْيا بِالكُلِّيَّةِ وكانَ تَحْتَ رايَةِ بِلْقِيسَ عَلى ما يُقالُ اثْنا عَشَرَ ألْفَ مَلِكٍ تَحْتَ رايَةِ كُلِّ واحِدٍ مِنهم مِائَةُ ألْفٍ، ومَعَ أنَّهُ يُقالُ: إنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ سُلَيْمانَ وبَيْنَ بَلْدَةِ بِلْقِيسَ حالَ طَيَرانِ الهُدْهُدِ إلّا مَسِيرَةُ ثَلاثَةِ أيّامٍ.
ورابِعُها: مَن أيْنَ حَصَلَ لِلْهُدْهُدِ مَعْرِفَةُ اللَّهِ تَعالى ووُجُوبُ السُّجُودِ لَهُ وإنْكارُ سُجُودِهِمْ لِلشَّمْسِ وإضافَتُهُ إلى الشَّيْطانِ وتَزْيِينُهُ ؟
والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: أنَّ ذَلِكَ الِاحْتِمالَ قائِمٌ في أوَّلِ العَقْلِ، وإنَّما يُدْفَعُ ذَلِكَ بِالإجْماعِ، وعَنِ البَواقِي أنَّ الإيمانَ بِافْتِقارِ العالَمِ إلى القادِرِ المُخْتارِ يُزِيلُ هَذِهِ الشُّكُوكَ.
البَحْثُ الثّانِي: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: قَوْلُهُ: ﴿يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ وزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهُمْ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ فِعْلَ العَبْدِ مِن جِهَتِهِ لِأنَّهُ تَعالى أضافَ ذَلِكَ إلى الشَّيْطانِ بَعْدَ إضافَتِهِ إلَيْهِمْ ولِأنَّهُ أوْرَدَهُ مَوْرِدَ الذَّمِّ ولِأنَّهُ بَيَّنَ أنَّهم لا يَهْتَدُونَ والجَوابُ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ هَذا قَوْلُ الهُدْهُدِ فَلا يَكُونُ حُجَّةً.
وثانِيها: أنَّهُ مَتْرُوكُ الظّاهِرِ، فَإنَّهُ قالَ: ﴿فَصَدَّهم عَنِ السَّبِيلِ﴾ وعِنْدَهُمُ الشَّيْطانُ ما صَدَّ الكافِرَ عَنِ السَّبِيلِ إذْ لَوْ كانَ مَصْدُودًا مَمْنُوعًا لَسَقَطَ عَنْهُ التَّكْلِيفُ، فَلَمْ يَبْقَ هَهُنا إلّا التَّمَسُّكُ بِفَصْلِ المَدْحِ والذَّمِّ والجَوابُ: قَدْ تَقَدَّمَ عَنْهُ مِرارًا فَلا فائِدَةَ في الإعادَةِ واللَّهُ أعْلَمُ.
النمل 27:21
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقالَ ما لِيَ لا أرى الهُدْهُدَ أمْ كانَ مِنَ الغائِبِينَ﴾ ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذابًا شَدِيدًا أوْ لَأذْبَحَنَّهُ أوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقالَ أحَطتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ وجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾ ﴿إنِّي وجَدْتُ امْرَأةً تَمْلِكُهم وأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ ولَها عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿وجَدْتُها وقَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ وزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهم فَصَدَّهم عَنِ السَّبِيلِ فَهم لا يَهْتَدُونَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا تَفَقَّدَ الطَّيْرَ أوْهَمَ ذَلِكَ أنَّهُ إنَّما تَفَقَّدَهُ لِأمْرٍ يَخْتَصُّ بِهِ ذَلِكَ الطَّيْرُ، واخْتَلَفُوا فِيما لِأجْلِهِ تَفَقَّدَهُ عَلى وُجُوهٍ:
أحَدُها: قَوْلُ وهْبٍ أنَّهُ أخَلَّ بِالنَّوْبَةِ الَّتِي كانَ يَنُوبُها فَلِذَلِكَ تَفَقَّدَهُ.
صفحة ١٦٣
وثانِيها: أنَّهُ تَفَقَّدَهُ لِأنَّ مَقايِيسَ الماءِ كانَتْ إلَيْهِ، وكانَ يَعْرِفُ الفَصْلَ بَيْنَ قَرِيبِهِ وبَعِيدِهِ، فَلِحاجَةِ سُلَيْمانَ إلى ذَلِكَ طَلَبَهُ وتَفَقَّدَهُ.
وثالِثُها: أنَّهُ كانَ يُظِلُّهُ مِنَ الشَّمْسِ، فَلَمّا فَقَدَ ذَلِكَ تَفَقَّدَهُ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَقالَ ما لِيَ لا أرى الهُدْهُدَ أمْ كانَ مِنَ الغائِبِينَ﴾ فَأمْ هي المُنْقَطِعَةُ نَظَرَ إلى مَكانِ الهُدْهُدِ فَلَمْ يُبْصِرْهُ فَقالَ: ما لِيَ لا أراهُ، عَلى مَعْنى أنَّهُ لا يَراهُ وهو حاضِرٌ لِساتِرٍ سَتَرَهُ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ ثُمَّ لاحَ لَهُ أنَّهُ غائِبٌ فَأضْرَبَ عَنْ ذَلِكَ وأخَذَ يَقُولُ: أهْوَ غائِبٌ ؟ كَأنَّهُ يَسْألُ عَنْ صِحَّةِ ما لاحَ لَهُ، ومِثْلُهُ قَوْلُهم: إنَّها لَإبِلٌ أمْ شاءٌ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذابًا شَدِيدًا أوْ لَأذْبَحَنَّهُ أوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ فَهَذا لا يَجُوزُ أنْ يَقُولَهُ إلّا فِيمَن هو مُكَلَّفٌ أوْ فِيمَن قارَبَ العَقْلَ فَيَصْلُحُ لِأنْ يُؤَدَّبَ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا في قَوْلِهِ: ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ﴾ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّهُ نَتْفُ الرِّيشِ والإلْقاءُ في الشَّمْسِ، وقِيلَ: أنْ يُطْلى بِالقَطِرانِ ويُشَمَّسُ، وقِيلَ: أنْ يُلْقى لِلنَّمْلِ فَتَأْكُلُهُ، وقِيلَ: إيداعُهُ القَفَصَ، وقِيلَ: التَّفْرِيقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ إلْفِهِ، وقِيلَ: لَأُلْزِمَنَّهُ صُحْبَةَ الأضْدادِ، وعَنْ بَعْضِهِمْ: أضْيَقُ السُّجُونِ مُعاشَرَةُ الأضْدادِ، وقِيلَ: لَأُلْزِمَنَّهُ خِدْمَةَ أقْرانِهِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَمَكَثَ﴾ فَقَدْ قُرِئَ بِفَتْحِ الكافِ وضَمِّها ﴿غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ كَقَوْلِكَ عَنْ قَرِيبٍ، ووَصَفَ مُكْثَهُ بِقِصَرِ المُدَّةِ لِلدَّلالَةِ عَلى إسْراعِهِ خَوْفًا مِن سُلَيْمانَ ولِيُعْلَمَ كَيْفَ كانَ الطَّيْرُ مُسَخَّرًا لَهُ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿أحَطتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ فَفِيهِ تَنْبِيهٌ لِسُلَيْمانَ عَلى أنَّ في أدْنى خَلْقِ اللَّهِ تَعالى مَن أحاطَ عِلْمًا بِما لَمْ يُحِطْ بِهِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ لُطْفًا في تَرْكِ الإعْجابِ، والإحاطَةُ بِالشَّيْءِ عِلْمًا أنْ يُعْلَمَ مِن جَمِيعِ جِهاتِهِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾ فاعْلَمْ أنَّ سَبَأً قُرِئَ بِالصَّرْفِ ومَنعِهِ، وقَدْ رُوِيَ بِسُكُونِ الباءِ، وعَنِ ابْنِ كَثِيرٍ في رِوايَةِ سَبا بِالألْفِ كَقَوْلِهِمْ: ذَهَبُوا أيْدِيَ سَبا وهو سَبَأُ بْنُ يَشْجُبَ بْنِ يَعْرُبَ بْنِ قَحْطانَ، فَمَن جَعَلَهُ اسْمًا لِلْقَبِيلَةِ لَمْ يَصْرِفْ، ومِن جَعَلَهُ اسْمًا لِلْحَيِّ أوْ لِلْأبِ الأكْبَرِ صَرَفَ، ثُمَّ سُمِّيَتْ مَدِينَةُ مَأْرِبَ بِسَبَأٍ وبَيْنَها وبَيْنَ صَنْعاءَ مَسِيرَةُ ثَلاثَةِ أيّامٍ، والنَّبَأُ الخَبَرُ الَّذِي لَهُ شَأْنٌ.
وقَوْلُهُ: ﴿مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ﴾ مِن مَحاسِنَ الكَلامِ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِاللَّفْظِ وشَرْطُ حُسْنِهِ صِحَّةُ المَعْنى، ولَقَدْ جاءَ هَهُنا زائِدًا عَلى الصِّحَّةِ فَحَسُنَ لَفْظًا ومَعْنًى، ألا تَرى أنَّهُ لَوْ وضَعَ مَكانَ ”بِنَبَأٍ“ بِخَبَرٍ لَكانَ المَعْنى صَحِيحًا، ولَكِنَّ لَفْظَ النَّبَأِ أوْلى لِما فِيهِ مِنَ الزِّيادَةِ الَّتِي يُطابِقُها وصْفُ الحالِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿إنِّي وجَدْتُ امْرَأةً تَمْلِكُهُمْ﴾ فالمَرْأةُ بِلْقِيسُ بِنْتُ شَراحِيلَ، وكانَ أبُوها مَلِكُ أرْضِ اليَمَنِ وكانَتْ هي وقَوْمُها مَجُوسًا يَعْبُدُونَ الشَّمْسَ، والضَّمِيرُ في تَمْلِكُهم راجِعٌ إلى سَبَأٍ، فَإنْ أُرِيدَ بِهِ القَوْمُ فالأمْرُ ظاهِرٌ، وإنْ أُرِيدَتِ المَدِينَةُ فَمَعْناهُ تَمْلِكُ أهْلَها.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ فَفِيهِ سُؤالٌ وهو أنَّهُ كَيْفَ قالَ: ﴿وأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ مَعَ قَوْلِ سُلَيْمانَ ﴿وأُوتِينا مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ فَكَأنَّ الهُدْهُدَ سَوّى بَيْنَهُما ؟ جَوابُهُ: أنَّ قَوْلَ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَرْجِعُ إلى ما أُوتِيَ مِنَ النُّبُوَّةِ والحِكْمَةِ، ثُمَّ إلى المُلْكِ وأسْبابِ الدُّنْيا، وأمّا قَوْلُ الهُدْهُدِ فَلَمْ يَكُنْ إلّا إلى ما يَتَعَلَّقُ بِالدُّنْيا.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ولَها عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ فَفِيهِ سُؤالٌ، وهو أنَّهُ كَيْفَ اسْتَعْظَمَ الهُدْهُدُ عَرْشَها مَعَ ما كانَ يَرى مِن مُلْكِ سُلَيْمانَ ؟ وأيْضًا فَكَيْفَ سَوّى بَيْنِ عَرْشِ بِلْقِيسَ وعَرْشِ اللَّهِ تَعالى في الوَصْفِ بِالعَظِيمِ ؟
والجَوابُ عَنِ
صفحة ١٦٤
الأوَّلِ: يَجُوزُ أنْ يَسْتَصْغِرَ حالَها إلى حالِ سُلَيْمانَ فاسْتَعْظَمَ لَها ذَلِكَ العَرْشَ، ويَجُوزُ أنْ لا يَكُونَ لِسُلَيْمانَ مَعَ جَلالَتِهِ مِثْلُهُ كَما قَدْ يَتَّفِقُ لِبَعْضِ الأُمَراءِ شَيْءٌ لا يَكُونُ مِثْلُهُ عِنْدَ السُّلْطانِ.
وعَنِ الثّانِي: أنَّ وصْفَ عَرْشِها بِالعِظَمِ تَعْظِيمٌ لَهُ بِالإضافَةِ إلى عُرُوشِ أبْناءِ جِنْسِها مِنَ المُلُوكِ ووَصْفَ عَرْشِ اللَّهِ بِالعِظَمِ تَعْظِيمٌ لَهُ بِالنِّسْبَةِ إلى سائِرِ ما خَلَقَ مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ، واعْلَمْ أنَّ هَهُنا بَحْثَيْنِ:
البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّ المَلاحِدَةَ طَعَنَتْ في هَذِهِ القِصَّةِ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ هَذِهِ الآياتِ اشْتَمَلَتْ عَلى أنَّ النَّمْلَةَ والهُدْهُدَ تَكَلَّما بِكَلامٍ لا يَصْدُرُ ذَلِكَ الكَلامُ إلّا مِنَ العُقَلاءِ وذَلِكَ يَجُرُّ إلى السَّفْسَطَةِ، فَإنّا لَوْ جَوَّزْنا ذَلِكَ لَما أمِنّا في النَّمْلَةِ الَّتِي نُشاهِدُها في زَمانِنا هَذا، أنْ تَكُونَ أعْلَمَ بِالهَنْدَسَةِ مِن إقْلِيدِسَ، وبِالنَّحْوِ مِن سِيبَوَيْهِ، وكَذا القَوْلُ في القَمْلَةِ والصِّئْبانِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ فِيهِمُ الأنْبِياءُ والتَّكالِيفُ والمُعْجِزاتُ، ومَعْلُومٌ أنَّ مَن جَوَّزَ ذَلِكَ كانَ إلى الجُنُونِ أقْرَبَ.
وثانِيها: أنَّ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ بِالشّامِ فَكَيْفَ طارَ الهُدْهُدُ في تِلْكَ اللَّحْظَةِ اللَّطِيفَةِ مِنَ الشّامِ إلى اليَمَنِ ثُمَّ رَجَعَ إلَيْهِ ؟ .
وثالِثُها: كَيْفَ خَفِيَ عَلى سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ حالَ مِثْلِ تِلْكَ المَلِكَةِ العَظِيمَةِ مَعَ ما يُقالُ إنَّ الجِنَّ والإنْسَ كانُوا في طاعَةِ سُلَيْمانَ، وإنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مَلِكَ الدُّنْيا بِالكُلِّيَّةِ وكانَ تَحْتَ رايَةِ بِلْقِيسَ عَلى ما يُقالُ اثْنا عَشَرَ ألْفَ مَلِكٍ تَحْتَ رايَةِ كُلِّ واحِدٍ مِنهم مِائَةُ ألْفٍ، ومَعَ أنَّهُ يُقالُ: إنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ سُلَيْمانَ وبَيْنَ بَلْدَةِ بِلْقِيسَ حالَ طَيَرانِ الهُدْهُدِ إلّا مَسِيرَةُ ثَلاثَةِ أيّامٍ.
ورابِعُها: مَن أيْنَ حَصَلَ لِلْهُدْهُدِ مَعْرِفَةُ اللَّهِ تَعالى ووُجُوبُ السُّجُودِ لَهُ وإنْكارُ سُجُودِهِمْ لِلشَّمْسِ وإضافَتُهُ إلى الشَّيْطانِ وتَزْيِينُهُ ؟
والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: أنَّ ذَلِكَ الِاحْتِمالَ قائِمٌ في أوَّلِ العَقْلِ، وإنَّما يُدْفَعُ ذَلِكَ بِالإجْماعِ، وعَنِ البَواقِي أنَّ الإيمانَ بِافْتِقارِ العالَمِ إلى القادِرِ المُخْتارِ يُزِيلُ هَذِهِ الشُّكُوكَ.
البَحْثُ الثّانِي: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: قَوْلُهُ: ﴿يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ وزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهُمْ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ فِعْلَ العَبْدِ مِن جِهَتِهِ لِأنَّهُ تَعالى أضافَ ذَلِكَ إلى الشَّيْطانِ بَعْدَ إضافَتِهِ إلَيْهِمْ ولِأنَّهُ أوْرَدَهُ مَوْرِدَ الذَّمِّ ولِأنَّهُ بَيَّنَ أنَّهم لا يَهْتَدُونَ والجَوابُ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ هَذا قَوْلُ الهُدْهُدِ فَلا يَكُونُ حُجَّةً.
وثانِيها: أنَّهُ مَتْرُوكُ الظّاهِرِ، فَإنَّهُ قالَ: ﴿فَصَدَّهم عَنِ السَّبِيلِ﴾ وعِنْدَهُمُ الشَّيْطانُ ما صَدَّ الكافِرَ عَنِ السَّبِيلِ إذْ لَوْ كانَ مَصْدُودًا مَمْنُوعًا لَسَقَطَ عَنْهُ التَّكْلِيفُ، فَلَمْ يَبْقَ هَهُنا إلّا التَّمَسُّكُ بِفَصْلِ المَدْحِ والذَّمِّ والجَوابُ: قَدْ تَقَدَّمَ عَنْهُ مِرارًا فَلا فائِدَةَ في الإعادَةِ واللَّهُ أعْلَمُ.
النمل 27:22
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقالَ ما لِيَ لا أرى الهُدْهُدَ أمْ كانَ مِنَ الغائِبِينَ﴾ ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذابًا شَدِيدًا أوْ لَأذْبَحَنَّهُ أوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقالَ أحَطتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ وجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾ ﴿إنِّي وجَدْتُ امْرَأةً تَمْلِكُهم وأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ ولَها عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿وجَدْتُها وقَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ وزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهم فَصَدَّهم عَنِ السَّبِيلِ فَهم لا يَهْتَدُونَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا تَفَقَّدَ الطَّيْرَ أوْهَمَ ذَلِكَ أنَّهُ إنَّما تَفَقَّدَهُ لِأمْرٍ يَخْتَصُّ بِهِ ذَلِكَ الطَّيْرُ، واخْتَلَفُوا فِيما لِأجْلِهِ تَفَقَّدَهُ عَلى وُجُوهٍ:
أحَدُها: قَوْلُ وهْبٍ أنَّهُ أخَلَّ بِالنَّوْبَةِ الَّتِي كانَ يَنُوبُها فَلِذَلِكَ تَفَقَّدَهُ.
صفحة ١٦٣
وثانِيها: أنَّهُ تَفَقَّدَهُ لِأنَّ مَقايِيسَ الماءِ كانَتْ إلَيْهِ، وكانَ يَعْرِفُ الفَصْلَ بَيْنَ قَرِيبِهِ وبَعِيدِهِ، فَلِحاجَةِ سُلَيْمانَ إلى ذَلِكَ طَلَبَهُ وتَفَقَّدَهُ.
وثالِثُها: أنَّهُ كانَ يُظِلُّهُ مِنَ الشَّمْسِ، فَلَمّا فَقَدَ ذَلِكَ تَفَقَّدَهُ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَقالَ ما لِيَ لا أرى الهُدْهُدَ أمْ كانَ مِنَ الغائِبِينَ﴾ فَأمْ هي المُنْقَطِعَةُ نَظَرَ إلى مَكانِ الهُدْهُدِ فَلَمْ يُبْصِرْهُ فَقالَ: ما لِيَ لا أراهُ، عَلى مَعْنى أنَّهُ لا يَراهُ وهو حاضِرٌ لِساتِرٍ سَتَرَهُ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ ثُمَّ لاحَ لَهُ أنَّهُ غائِبٌ فَأضْرَبَ عَنْ ذَلِكَ وأخَذَ يَقُولُ: أهْوَ غائِبٌ ؟ كَأنَّهُ يَسْألُ عَنْ صِحَّةِ ما لاحَ لَهُ، ومِثْلُهُ قَوْلُهم: إنَّها لَإبِلٌ أمْ شاءٌ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذابًا شَدِيدًا أوْ لَأذْبَحَنَّهُ أوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ فَهَذا لا يَجُوزُ أنْ يَقُولَهُ إلّا فِيمَن هو مُكَلَّفٌ أوْ فِيمَن قارَبَ العَقْلَ فَيَصْلُحُ لِأنْ يُؤَدَّبَ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا في قَوْلِهِ: ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ﴾ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّهُ نَتْفُ الرِّيشِ والإلْقاءُ في الشَّمْسِ، وقِيلَ: أنْ يُطْلى بِالقَطِرانِ ويُشَمَّسُ، وقِيلَ: أنْ يُلْقى لِلنَّمْلِ فَتَأْكُلُهُ، وقِيلَ: إيداعُهُ القَفَصَ، وقِيلَ: التَّفْرِيقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ إلْفِهِ، وقِيلَ: لَأُلْزِمَنَّهُ صُحْبَةَ الأضْدادِ، وعَنْ بَعْضِهِمْ: أضْيَقُ السُّجُونِ مُعاشَرَةُ الأضْدادِ، وقِيلَ: لَأُلْزِمَنَّهُ خِدْمَةَ أقْرانِهِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَمَكَثَ﴾ فَقَدْ قُرِئَ بِفَتْحِ الكافِ وضَمِّها ﴿غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ كَقَوْلِكَ عَنْ قَرِيبٍ، ووَصَفَ مُكْثَهُ بِقِصَرِ المُدَّةِ لِلدَّلالَةِ عَلى إسْراعِهِ خَوْفًا مِن سُلَيْمانَ ولِيُعْلَمَ كَيْفَ كانَ الطَّيْرُ مُسَخَّرًا لَهُ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿أحَطتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ فَفِيهِ تَنْبِيهٌ لِسُلَيْمانَ عَلى أنَّ في أدْنى خَلْقِ اللَّهِ تَعالى مَن أحاطَ عِلْمًا بِما لَمْ يُحِطْ بِهِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ لُطْفًا في تَرْكِ الإعْجابِ، والإحاطَةُ بِالشَّيْءِ عِلْمًا أنْ يُعْلَمَ مِن جَمِيعِ جِهاتِهِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾ فاعْلَمْ أنَّ سَبَأً قُرِئَ بِالصَّرْفِ ومَنعِهِ، وقَدْ رُوِيَ بِسُكُونِ الباءِ، وعَنِ ابْنِ كَثِيرٍ في رِوايَةِ سَبا بِالألْفِ كَقَوْلِهِمْ: ذَهَبُوا أيْدِيَ سَبا وهو سَبَأُ بْنُ يَشْجُبَ بْنِ يَعْرُبَ بْنِ قَحْطانَ، فَمَن جَعَلَهُ اسْمًا لِلْقَبِيلَةِ لَمْ يَصْرِفْ، ومِن جَعَلَهُ اسْمًا لِلْحَيِّ أوْ لِلْأبِ الأكْبَرِ صَرَفَ، ثُمَّ سُمِّيَتْ مَدِينَةُ مَأْرِبَ بِسَبَأٍ وبَيْنَها وبَيْنَ صَنْعاءَ مَسِيرَةُ ثَلاثَةِ أيّامٍ، والنَّبَأُ الخَبَرُ الَّذِي لَهُ شَأْنٌ.
وقَوْلُهُ: ﴿مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ﴾ مِن مَحاسِنَ الكَلامِ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِاللَّفْظِ وشَرْطُ حُسْنِهِ صِحَّةُ المَعْنى، ولَقَدْ جاءَ هَهُنا زائِدًا عَلى الصِّحَّةِ فَحَسُنَ لَفْظًا ومَعْنًى، ألا تَرى أنَّهُ لَوْ وضَعَ مَكانَ ”بِنَبَأٍ“ بِخَبَرٍ لَكانَ المَعْنى صَحِيحًا، ولَكِنَّ لَفْظَ النَّبَأِ أوْلى لِما فِيهِ مِنَ الزِّيادَةِ الَّتِي يُطابِقُها وصْفُ الحالِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿إنِّي وجَدْتُ امْرَأةً تَمْلِكُهُمْ﴾ فالمَرْأةُ بِلْقِيسُ بِنْتُ شَراحِيلَ، وكانَ أبُوها مَلِكُ أرْضِ اليَمَنِ وكانَتْ هي وقَوْمُها مَجُوسًا يَعْبُدُونَ الشَّمْسَ، والضَّمِيرُ في تَمْلِكُهم راجِعٌ إلى سَبَأٍ، فَإنْ أُرِيدَ بِهِ القَوْمُ فالأمْرُ ظاهِرٌ، وإنْ أُرِيدَتِ المَدِينَةُ فَمَعْناهُ تَمْلِكُ أهْلَها.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ فَفِيهِ سُؤالٌ وهو أنَّهُ كَيْفَ قالَ: ﴿وأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ مَعَ قَوْلِ سُلَيْمانَ ﴿وأُوتِينا مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ فَكَأنَّ الهُدْهُدَ سَوّى بَيْنَهُما ؟ جَوابُهُ: أنَّ قَوْلَ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَرْجِعُ إلى ما أُوتِيَ مِنَ النُّبُوَّةِ والحِكْمَةِ، ثُمَّ إلى المُلْكِ وأسْبابِ الدُّنْيا، وأمّا قَوْلُ الهُدْهُدِ فَلَمْ يَكُنْ إلّا إلى ما يَتَعَلَّقُ بِالدُّنْيا.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ولَها عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ فَفِيهِ سُؤالٌ، وهو أنَّهُ كَيْفَ اسْتَعْظَمَ الهُدْهُدُ عَرْشَها مَعَ ما كانَ يَرى مِن مُلْكِ سُلَيْمانَ ؟ وأيْضًا فَكَيْفَ سَوّى بَيْنِ عَرْشِ بِلْقِيسَ وعَرْشِ اللَّهِ تَعالى في الوَصْفِ بِالعَظِيمِ ؟
والجَوابُ عَنِ
صفحة ١٦٤
الأوَّلِ: يَجُوزُ أنْ يَسْتَصْغِرَ حالَها إلى حالِ سُلَيْمانَ فاسْتَعْظَمَ لَها ذَلِكَ العَرْشَ، ويَجُوزُ أنْ لا يَكُونَ لِسُلَيْمانَ مَعَ جَلالَتِهِ مِثْلُهُ كَما قَدْ يَتَّفِقُ لِبَعْضِ الأُمَراءِ شَيْءٌ لا يَكُونُ مِثْلُهُ عِنْدَ السُّلْطانِ.
وعَنِ الثّانِي: أنَّ وصْفَ عَرْشِها بِالعِظَمِ تَعْظِيمٌ لَهُ بِالإضافَةِ إلى عُرُوشِ أبْناءِ جِنْسِها مِنَ المُلُوكِ ووَصْفَ عَرْشِ اللَّهِ بِالعِظَمِ تَعْظِيمٌ لَهُ بِالنِّسْبَةِ إلى سائِرِ ما خَلَقَ مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ، واعْلَمْ أنَّ هَهُنا بَحْثَيْنِ:
البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّ المَلاحِدَةَ طَعَنَتْ في هَذِهِ القِصَّةِ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ هَذِهِ الآياتِ اشْتَمَلَتْ عَلى أنَّ النَّمْلَةَ والهُدْهُدَ تَكَلَّما بِكَلامٍ لا يَصْدُرُ ذَلِكَ الكَلامُ إلّا مِنَ العُقَلاءِ وذَلِكَ يَجُرُّ إلى السَّفْسَطَةِ، فَإنّا لَوْ جَوَّزْنا ذَلِكَ لَما أمِنّا في النَّمْلَةِ الَّتِي نُشاهِدُها في زَمانِنا هَذا، أنْ تَكُونَ أعْلَمَ بِالهَنْدَسَةِ مِن إقْلِيدِسَ، وبِالنَّحْوِ مِن سِيبَوَيْهِ، وكَذا القَوْلُ في القَمْلَةِ والصِّئْبانِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ فِيهِمُ الأنْبِياءُ والتَّكالِيفُ والمُعْجِزاتُ، ومَعْلُومٌ أنَّ مَن جَوَّزَ ذَلِكَ كانَ إلى الجُنُونِ أقْرَبَ.
وثانِيها: أنَّ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ بِالشّامِ فَكَيْفَ طارَ الهُدْهُدُ في تِلْكَ اللَّحْظَةِ اللَّطِيفَةِ مِنَ الشّامِ إلى اليَمَنِ ثُمَّ رَجَعَ إلَيْهِ ؟ .
وثالِثُها: كَيْفَ خَفِيَ عَلى سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ حالَ مِثْلِ تِلْكَ المَلِكَةِ العَظِيمَةِ مَعَ ما يُقالُ إنَّ الجِنَّ والإنْسَ كانُوا في طاعَةِ سُلَيْمانَ، وإنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مَلِكَ الدُّنْيا بِالكُلِّيَّةِ وكانَ تَحْتَ رايَةِ بِلْقِيسَ عَلى ما يُقالُ اثْنا عَشَرَ ألْفَ مَلِكٍ تَحْتَ رايَةِ كُلِّ واحِدٍ مِنهم مِائَةُ ألْفٍ، ومَعَ أنَّهُ يُقالُ: إنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ سُلَيْمانَ وبَيْنَ بَلْدَةِ بِلْقِيسَ حالَ طَيَرانِ الهُدْهُدِ إلّا مَسِيرَةُ ثَلاثَةِ أيّامٍ.
ورابِعُها: مَن أيْنَ حَصَلَ لِلْهُدْهُدِ مَعْرِفَةُ اللَّهِ تَعالى ووُجُوبُ السُّجُودِ لَهُ وإنْكارُ سُجُودِهِمْ لِلشَّمْسِ وإضافَتُهُ إلى الشَّيْطانِ وتَزْيِينُهُ ؟
والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: أنَّ ذَلِكَ الِاحْتِمالَ قائِمٌ في أوَّلِ العَقْلِ، وإنَّما يُدْفَعُ ذَلِكَ بِالإجْماعِ، وعَنِ البَواقِي أنَّ الإيمانَ بِافْتِقارِ العالَمِ إلى القادِرِ المُخْتارِ يُزِيلُ هَذِهِ الشُّكُوكَ.
البَحْثُ الثّانِي: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: قَوْلُهُ: ﴿يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ وزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهُمْ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ فِعْلَ العَبْدِ مِن جِهَتِهِ لِأنَّهُ تَعالى أضافَ ذَلِكَ إلى الشَّيْطانِ بَعْدَ إضافَتِهِ إلَيْهِمْ ولِأنَّهُ أوْرَدَهُ مَوْرِدَ الذَّمِّ ولِأنَّهُ بَيَّنَ أنَّهم لا يَهْتَدُونَ والجَوابُ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ هَذا قَوْلُ الهُدْهُدِ فَلا يَكُونُ حُجَّةً.
وثانِيها: أنَّهُ مَتْرُوكُ الظّاهِرِ، فَإنَّهُ قالَ: ﴿فَصَدَّهم عَنِ السَّبِيلِ﴾ وعِنْدَهُمُ الشَّيْطانُ ما صَدَّ الكافِرَ عَنِ السَّبِيلِ إذْ لَوْ كانَ مَصْدُودًا مَمْنُوعًا لَسَقَطَ عَنْهُ التَّكْلِيفُ، فَلَمْ يَبْقَ هَهُنا إلّا التَّمَسُّكُ بِفَصْلِ المَدْحِ والذَّمِّ والجَوابُ: قَدْ تَقَدَّمَ عَنْهُ مِرارًا فَلا فائِدَةَ في الإعادَةِ واللَّهُ أعْلَمُ.
النمل 27:23
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقالَ ما لِيَ لا أرى الهُدْهُدَ أمْ كانَ مِنَ الغائِبِينَ﴾ ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذابًا شَدِيدًا أوْ لَأذْبَحَنَّهُ أوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقالَ أحَطتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ وجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾ ﴿إنِّي وجَدْتُ امْرَأةً تَمْلِكُهم وأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ ولَها عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿وجَدْتُها وقَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ وزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهم فَصَدَّهم عَنِ السَّبِيلِ فَهم لا يَهْتَدُونَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا تَفَقَّدَ الطَّيْرَ أوْهَمَ ذَلِكَ أنَّهُ إنَّما تَفَقَّدَهُ لِأمْرٍ يَخْتَصُّ بِهِ ذَلِكَ الطَّيْرُ، واخْتَلَفُوا فِيما لِأجْلِهِ تَفَقَّدَهُ عَلى وُجُوهٍ:
أحَدُها: قَوْلُ وهْبٍ أنَّهُ أخَلَّ بِالنَّوْبَةِ الَّتِي كانَ يَنُوبُها فَلِذَلِكَ تَفَقَّدَهُ.
صفحة ١٦٣
وثانِيها: أنَّهُ تَفَقَّدَهُ لِأنَّ مَقايِيسَ الماءِ كانَتْ إلَيْهِ، وكانَ يَعْرِفُ الفَصْلَ بَيْنَ قَرِيبِهِ وبَعِيدِهِ، فَلِحاجَةِ سُلَيْمانَ إلى ذَلِكَ طَلَبَهُ وتَفَقَّدَهُ.
وثالِثُها: أنَّهُ كانَ يُظِلُّهُ مِنَ الشَّمْسِ، فَلَمّا فَقَدَ ذَلِكَ تَفَقَّدَهُ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَقالَ ما لِيَ لا أرى الهُدْهُدَ أمْ كانَ مِنَ الغائِبِينَ﴾ فَأمْ هي المُنْقَطِعَةُ نَظَرَ إلى مَكانِ الهُدْهُدِ فَلَمْ يُبْصِرْهُ فَقالَ: ما لِيَ لا أراهُ، عَلى مَعْنى أنَّهُ لا يَراهُ وهو حاضِرٌ لِساتِرٍ سَتَرَهُ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ ثُمَّ لاحَ لَهُ أنَّهُ غائِبٌ فَأضْرَبَ عَنْ ذَلِكَ وأخَذَ يَقُولُ: أهْوَ غائِبٌ ؟ كَأنَّهُ يَسْألُ عَنْ صِحَّةِ ما لاحَ لَهُ، ومِثْلُهُ قَوْلُهم: إنَّها لَإبِلٌ أمْ شاءٌ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذابًا شَدِيدًا أوْ لَأذْبَحَنَّهُ أوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ فَهَذا لا يَجُوزُ أنْ يَقُولَهُ إلّا فِيمَن هو مُكَلَّفٌ أوْ فِيمَن قارَبَ العَقْلَ فَيَصْلُحُ لِأنْ يُؤَدَّبَ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا في قَوْلِهِ: ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ﴾ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّهُ نَتْفُ الرِّيشِ والإلْقاءُ في الشَّمْسِ، وقِيلَ: أنْ يُطْلى بِالقَطِرانِ ويُشَمَّسُ، وقِيلَ: أنْ يُلْقى لِلنَّمْلِ فَتَأْكُلُهُ، وقِيلَ: إيداعُهُ القَفَصَ، وقِيلَ: التَّفْرِيقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ إلْفِهِ، وقِيلَ: لَأُلْزِمَنَّهُ صُحْبَةَ الأضْدادِ، وعَنْ بَعْضِهِمْ: أضْيَقُ السُّجُونِ مُعاشَرَةُ الأضْدادِ، وقِيلَ: لَأُلْزِمَنَّهُ خِدْمَةَ أقْرانِهِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَمَكَثَ﴾ فَقَدْ قُرِئَ بِفَتْحِ الكافِ وضَمِّها ﴿غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ كَقَوْلِكَ عَنْ قَرِيبٍ، ووَصَفَ مُكْثَهُ بِقِصَرِ المُدَّةِ لِلدَّلالَةِ عَلى إسْراعِهِ خَوْفًا مِن سُلَيْمانَ ولِيُعْلَمَ كَيْفَ كانَ الطَّيْرُ مُسَخَّرًا لَهُ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿أحَطتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ فَفِيهِ تَنْبِيهٌ لِسُلَيْمانَ عَلى أنَّ في أدْنى خَلْقِ اللَّهِ تَعالى مَن أحاطَ عِلْمًا بِما لَمْ يُحِطْ بِهِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ لُطْفًا في تَرْكِ الإعْجابِ، والإحاطَةُ بِالشَّيْءِ عِلْمًا أنْ يُعْلَمَ مِن جَمِيعِ جِهاتِهِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾ فاعْلَمْ أنَّ سَبَأً قُرِئَ بِالصَّرْفِ ومَنعِهِ، وقَدْ رُوِيَ بِسُكُونِ الباءِ، وعَنِ ابْنِ كَثِيرٍ في رِوايَةِ سَبا بِالألْفِ كَقَوْلِهِمْ: ذَهَبُوا أيْدِيَ سَبا وهو سَبَأُ بْنُ يَشْجُبَ بْنِ يَعْرُبَ بْنِ قَحْطانَ، فَمَن جَعَلَهُ اسْمًا لِلْقَبِيلَةِ لَمْ يَصْرِفْ، ومِن جَعَلَهُ اسْمًا لِلْحَيِّ أوْ لِلْأبِ الأكْبَرِ صَرَفَ، ثُمَّ سُمِّيَتْ مَدِينَةُ مَأْرِبَ بِسَبَأٍ وبَيْنَها وبَيْنَ صَنْعاءَ مَسِيرَةُ ثَلاثَةِ أيّامٍ، والنَّبَأُ الخَبَرُ الَّذِي لَهُ شَأْنٌ.
وقَوْلُهُ: ﴿مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ﴾ مِن مَحاسِنَ الكَلامِ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِاللَّفْظِ وشَرْطُ حُسْنِهِ صِحَّةُ المَعْنى، ولَقَدْ جاءَ هَهُنا زائِدًا عَلى الصِّحَّةِ فَحَسُنَ لَفْظًا ومَعْنًى، ألا تَرى أنَّهُ لَوْ وضَعَ مَكانَ ”بِنَبَأٍ“ بِخَبَرٍ لَكانَ المَعْنى صَحِيحًا، ولَكِنَّ لَفْظَ النَّبَأِ أوْلى لِما فِيهِ مِنَ الزِّيادَةِ الَّتِي يُطابِقُها وصْفُ الحالِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿إنِّي وجَدْتُ امْرَأةً تَمْلِكُهُمْ﴾ فالمَرْأةُ بِلْقِيسُ بِنْتُ شَراحِيلَ، وكانَ أبُوها مَلِكُ أرْضِ اليَمَنِ وكانَتْ هي وقَوْمُها مَجُوسًا يَعْبُدُونَ الشَّمْسَ، والضَّمِيرُ في تَمْلِكُهم راجِعٌ إلى سَبَأٍ، فَإنْ أُرِيدَ بِهِ القَوْمُ فالأمْرُ ظاهِرٌ، وإنْ أُرِيدَتِ المَدِينَةُ فَمَعْناهُ تَمْلِكُ أهْلَها.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ فَفِيهِ سُؤالٌ وهو أنَّهُ كَيْفَ قالَ: ﴿وأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ مَعَ قَوْلِ سُلَيْمانَ ﴿وأُوتِينا مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ فَكَأنَّ الهُدْهُدَ سَوّى بَيْنَهُما ؟ جَوابُهُ: أنَّ قَوْلَ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَرْجِعُ إلى ما أُوتِيَ مِنَ النُّبُوَّةِ والحِكْمَةِ، ثُمَّ إلى المُلْكِ وأسْبابِ الدُّنْيا، وأمّا قَوْلُ الهُدْهُدِ فَلَمْ يَكُنْ إلّا إلى ما يَتَعَلَّقُ بِالدُّنْيا.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ولَها عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ فَفِيهِ سُؤالٌ، وهو أنَّهُ كَيْفَ اسْتَعْظَمَ الهُدْهُدُ عَرْشَها مَعَ ما كانَ يَرى مِن مُلْكِ سُلَيْمانَ ؟ وأيْضًا فَكَيْفَ سَوّى بَيْنِ عَرْشِ بِلْقِيسَ وعَرْشِ اللَّهِ تَعالى في الوَصْفِ بِالعَظِيمِ ؟
والجَوابُ عَنِ
صفحة ١٦٤
الأوَّلِ: يَجُوزُ أنْ يَسْتَصْغِرَ حالَها إلى حالِ سُلَيْمانَ فاسْتَعْظَمَ لَها ذَلِكَ العَرْشَ، ويَجُوزُ أنْ لا يَكُونَ لِسُلَيْمانَ مَعَ جَلالَتِهِ مِثْلُهُ كَما قَدْ يَتَّفِقُ لِبَعْضِ الأُمَراءِ شَيْءٌ لا يَكُونُ مِثْلُهُ عِنْدَ السُّلْطانِ.
وعَنِ الثّانِي: أنَّ وصْفَ عَرْشِها بِالعِظَمِ تَعْظِيمٌ لَهُ بِالإضافَةِ إلى عُرُوشِ أبْناءِ جِنْسِها مِنَ المُلُوكِ ووَصْفَ عَرْشِ اللَّهِ بِالعِظَمِ تَعْظِيمٌ لَهُ بِالنِّسْبَةِ إلى سائِرِ ما خَلَقَ مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ، واعْلَمْ أنَّ هَهُنا بَحْثَيْنِ:
البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّ المَلاحِدَةَ طَعَنَتْ في هَذِهِ القِصَّةِ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ هَذِهِ الآياتِ اشْتَمَلَتْ عَلى أنَّ النَّمْلَةَ والهُدْهُدَ تَكَلَّما بِكَلامٍ لا يَصْدُرُ ذَلِكَ الكَلامُ إلّا مِنَ العُقَلاءِ وذَلِكَ يَجُرُّ إلى السَّفْسَطَةِ، فَإنّا لَوْ جَوَّزْنا ذَلِكَ لَما أمِنّا في النَّمْلَةِ الَّتِي نُشاهِدُها في زَمانِنا هَذا، أنْ تَكُونَ أعْلَمَ بِالهَنْدَسَةِ مِن إقْلِيدِسَ، وبِالنَّحْوِ مِن سِيبَوَيْهِ، وكَذا القَوْلُ في القَمْلَةِ والصِّئْبانِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ فِيهِمُ الأنْبِياءُ والتَّكالِيفُ والمُعْجِزاتُ، ومَعْلُومٌ أنَّ مَن جَوَّزَ ذَلِكَ كانَ إلى الجُنُونِ أقْرَبَ.
وثانِيها: أنَّ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ بِالشّامِ فَكَيْفَ طارَ الهُدْهُدُ في تِلْكَ اللَّحْظَةِ اللَّطِيفَةِ مِنَ الشّامِ إلى اليَمَنِ ثُمَّ رَجَعَ إلَيْهِ ؟ .
وثالِثُها: كَيْفَ خَفِيَ عَلى سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ حالَ مِثْلِ تِلْكَ المَلِكَةِ العَظِيمَةِ مَعَ ما يُقالُ إنَّ الجِنَّ والإنْسَ كانُوا في طاعَةِ سُلَيْمانَ، وإنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مَلِكَ الدُّنْيا بِالكُلِّيَّةِ وكانَ تَحْتَ رايَةِ بِلْقِيسَ عَلى ما يُقالُ اثْنا عَشَرَ ألْفَ مَلِكٍ تَحْتَ رايَةِ كُلِّ واحِدٍ مِنهم مِائَةُ ألْفٍ، ومَعَ أنَّهُ يُقالُ: إنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ سُلَيْمانَ وبَيْنَ بَلْدَةِ بِلْقِيسَ حالَ طَيَرانِ الهُدْهُدِ إلّا مَسِيرَةُ ثَلاثَةِ أيّامٍ.
ورابِعُها: مَن أيْنَ حَصَلَ لِلْهُدْهُدِ مَعْرِفَةُ اللَّهِ تَعالى ووُجُوبُ السُّجُودِ لَهُ وإنْكارُ سُجُودِهِمْ لِلشَّمْسِ وإضافَتُهُ إلى الشَّيْطانِ وتَزْيِينُهُ ؟
والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: أنَّ ذَلِكَ الِاحْتِمالَ قائِمٌ في أوَّلِ العَقْلِ، وإنَّما يُدْفَعُ ذَلِكَ بِالإجْماعِ، وعَنِ البَواقِي أنَّ الإيمانَ بِافْتِقارِ العالَمِ إلى القادِرِ المُخْتارِ يُزِيلُ هَذِهِ الشُّكُوكَ.
البَحْثُ الثّانِي: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: قَوْلُهُ: ﴿يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ وزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهُمْ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ فِعْلَ العَبْدِ مِن جِهَتِهِ لِأنَّهُ تَعالى أضافَ ذَلِكَ إلى الشَّيْطانِ بَعْدَ إضافَتِهِ إلَيْهِمْ ولِأنَّهُ أوْرَدَهُ مَوْرِدَ الذَّمِّ ولِأنَّهُ بَيَّنَ أنَّهم لا يَهْتَدُونَ والجَوابُ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ هَذا قَوْلُ الهُدْهُدِ فَلا يَكُونُ حُجَّةً.
وثانِيها: أنَّهُ مَتْرُوكُ الظّاهِرِ، فَإنَّهُ قالَ: ﴿فَصَدَّهم عَنِ السَّبِيلِ﴾ وعِنْدَهُمُ الشَّيْطانُ ما صَدَّ الكافِرَ عَنِ السَّبِيلِ إذْ لَوْ كانَ مَصْدُودًا مَمْنُوعًا لَسَقَطَ عَنْهُ التَّكْلِيفُ، فَلَمْ يَبْقَ هَهُنا إلّا التَّمَسُّكُ بِفَصْلِ المَدْحِ والذَّمِّ والجَوابُ: قَدْ تَقَدَّمَ عَنْهُ مِرارًا فَلا فائِدَةَ في الإعادَةِ واللَّهُ أعْلَمُ.
النمل 27:24
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقالَ ما لِيَ لا أرى الهُدْهُدَ أمْ كانَ مِنَ الغائِبِينَ﴾ ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذابًا شَدِيدًا أوْ لَأذْبَحَنَّهُ أوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقالَ أحَطتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ وجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾ ﴿إنِّي وجَدْتُ امْرَأةً تَمْلِكُهم وأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ ولَها عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿وجَدْتُها وقَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ وزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهم فَصَدَّهم عَنِ السَّبِيلِ فَهم لا يَهْتَدُونَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا تَفَقَّدَ الطَّيْرَ أوْهَمَ ذَلِكَ أنَّهُ إنَّما تَفَقَّدَهُ لِأمْرٍ يَخْتَصُّ بِهِ ذَلِكَ الطَّيْرُ، واخْتَلَفُوا فِيما لِأجْلِهِ تَفَقَّدَهُ عَلى وُجُوهٍ:
أحَدُها: قَوْلُ وهْبٍ أنَّهُ أخَلَّ بِالنَّوْبَةِ الَّتِي كانَ يَنُوبُها فَلِذَلِكَ تَفَقَّدَهُ.
صفحة ١٦٣
وثانِيها: أنَّهُ تَفَقَّدَهُ لِأنَّ مَقايِيسَ الماءِ كانَتْ إلَيْهِ، وكانَ يَعْرِفُ الفَصْلَ بَيْنَ قَرِيبِهِ وبَعِيدِهِ، فَلِحاجَةِ سُلَيْمانَ إلى ذَلِكَ طَلَبَهُ وتَفَقَّدَهُ.
وثالِثُها: أنَّهُ كانَ يُظِلُّهُ مِنَ الشَّمْسِ، فَلَمّا فَقَدَ ذَلِكَ تَفَقَّدَهُ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَقالَ ما لِيَ لا أرى الهُدْهُدَ أمْ كانَ مِنَ الغائِبِينَ﴾ فَأمْ هي المُنْقَطِعَةُ نَظَرَ إلى مَكانِ الهُدْهُدِ فَلَمْ يُبْصِرْهُ فَقالَ: ما لِيَ لا أراهُ، عَلى مَعْنى أنَّهُ لا يَراهُ وهو حاضِرٌ لِساتِرٍ سَتَرَهُ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ ثُمَّ لاحَ لَهُ أنَّهُ غائِبٌ فَأضْرَبَ عَنْ ذَلِكَ وأخَذَ يَقُولُ: أهْوَ غائِبٌ ؟ كَأنَّهُ يَسْألُ عَنْ صِحَّةِ ما لاحَ لَهُ، ومِثْلُهُ قَوْلُهم: إنَّها لَإبِلٌ أمْ شاءٌ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذابًا شَدِيدًا أوْ لَأذْبَحَنَّهُ أوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ فَهَذا لا يَجُوزُ أنْ يَقُولَهُ إلّا فِيمَن هو مُكَلَّفٌ أوْ فِيمَن قارَبَ العَقْلَ فَيَصْلُحُ لِأنْ يُؤَدَّبَ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا في قَوْلِهِ: ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ﴾ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّهُ نَتْفُ الرِّيشِ والإلْقاءُ في الشَّمْسِ، وقِيلَ: أنْ يُطْلى بِالقَطِرانِ ويُشَمَّسُ، وقِيلَ: أنْ يُلْقى لِلنَّمْلِ فَتَأْكُلُهُ، وقِيلَ: إيداعُهُ القَفَصَ، وقِيلَ: التَّفْرِيقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ إلْفِهِ، وقِيلَ: لَأُلْزِمَنَّهُ صُحْبَةَ الأضْدادِ، وعَنْ بَعْضِهِمْ: أضْيَقُ السُّجُونِ مُعاشَرَةُ الأضْدادِ، وقِيلَ: لَأُلْزِمَنَّهُ خِدْمَةَ أقْرانِهِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَمَكَثَ﴾ فَقَدْ قُرِئَ بِفَتْحِ الكافِ وضَمِّها ﴿غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ كَقَوْلِكَ عَنْ قَرِيبٍ، ووَصَفَ مُكْثَهُ بِقِصَرِ المُدَّةِ لِلدَّلالَةِ عَلى إسْراعِهِ خَوْفًا مِن سُلَيْمانَ ولِيُعْلَمَ كَيْفَ كانَ الطَّيْرُ مُسَخَّرًا لَهُ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿أحَطتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ فَفِيهِ تَنْبِيهٌ لِسُلَيْمانَ عَلى أنَّ في أدْنى خَلْقِ اللَّهِ تَعالى مَن أحاطَ عِلْمًا بِما لَمْ يُحِطْ بِهِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ لُطْفًا في تَرْكِ الإعْجابِ، والإحاطَةُ بِالشَّيْءِ عِلْمًا أنْ يُعْلَمَ مِن جَمِيعِ جِهاتِهِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾ فاعْلَمْ أنَّ سَبَأً قُرِئَ بِالصَّرْفِ ومَنعِهِ، وقَدْ رُوِيَ بِسُكُونِ الباءِ، وعَنِ ابْنِ كَثِيرٍ في رِوايَةِ سَبا بِالألْفِ كَقَوْلِهِمْ: ذَهَبُوا أيْدِيَ سَبا وهو سَبَأُ بْنُ يَشْجُبَ بْنِ يَعْرُبَ بْنِ قَحْطانَ، فَمَن جَعَلَهُ اسْمًا لِلْقَبِيلَةِ لَمْ يَصْرِفْ، ومِن جَعَلَهُ اسْمًا لِلْحَيِّ أوْ لِلْأبِ الأكْبَرِ صَرَفَ، ثُمَّ سُمِّيَتْ مَدِينَةُ مَأْرِبَ بِسَبَأٍ وبَيْنَها وبَيْنَ صَنْعاءَ مَسِيرَةُ ثَلاثَةِ أيّامٍ، والنَّبَأُ الخَبَرُ الَّذِي لَهُ شَأْنٌ.
وقَوْلُهُ: ﴿مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ﴾ مِن مَحاسِنَ الكَلامِ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِاللَّفْظِ وشَرْطُ حُسْنِهِ صِحَّةُ المَعْنى، ولَقَدْ جاءَ هَهُنا زائِدًا عَلى الصِّحَّةِ فَحَسُنَ لَفْظًا ومَعْنًى، ألا تَرى أنَّهُ لَوْ وضَعَ مَكانَ ”بِنَبَأٍ“ بِخَبَرٍ لَكانَ المَعْنى صَحِيحًا، ولَكِنَّ لَفْظَ النَّبَأِ أوْلى لِما فِيهِ مِنَ الزِّيادَةِ الَّتِي يُطابِقُها وصْفُ الحالِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿إنِّي وجَدْتُ امْرَأةً تَمْلِكُهُمْ﴾ فالمَرْأةُ بِلْقِيسُ بِنْتُ شَراحِيلَ، وكانَ أبُوها مَلِكُ أرْضِ اليَمَنِ وكانَتْ هي وقَوْمُها مَجُوسًا يَعْبُدُونَ الشَّمْسَ، والضَّمِيرُ في تَمْلِكُهم راجِعٌ إلى سَبَأٍ، فَإنْ أُرِيدَ بِهِ القَوْمُ فالأمْرُ ظاهِرٌ، وإنْ أُرِيدَتِ المَدِينَةُ فَمَعْناهُ تَمْلِكُ أهْلَها.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ فَفِيهِ سُؤالٌ وهو أنَّهُ كَيْفَ قالَ: ﴿وأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ مَعَ قَوْلِ سُلَيْمانَ ﴿وأُوتِينا مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ فَكَأنَّ الهُدْهُدَ سَوّى بَيْنَهُما ؟ جَوابُهُ: أنَّ قَوْلَ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَرْجِعُ إلى ما أُوتِيَ مِنَ النُّبُوَّةِ والحِكْمَةِ، ثُمَّ إلى المُلْكِ وأسْبابِ الدُّنْيا، وأمّا قَوْلُ الهُدْهُدِ فَلَمْ يَكُنْ إلّا إلى ما يَتَعَلَّقُ بِالدُّنْيا.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ولَها عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ فَفِيهِ سُؤالٌ، وهو أنَّهُ كَيْفَ اسْتَعْظَمَ الهُدْهُدُ عَرْشَها مَعَ ما كانَ يَرى مِن مُلْكِ سُلَيْمانَ ؟ وأيْضًا فَكَيْفَ سَوّى بَيْنِ عَرْشِ بِلْقِيسَ وعَرْشِ اللَّهِ تَعالى في الوَصْفِ بِالعَظِيمِ ؟
والجَوابُ عَنِ
صفحة ١٦٤
الأوَّلِ: يَجُوزُ أنْ يَسْتَصْغِرَ حالَها إلى حالِ سُلَيْمانَ فاسْتَعْظَمَ لَها ذَلِكَ العَرْشَ، ويَجُوزُ أنْ لا يَكُونَ لِسُلَيْمانَ مَعَ جَلالَتِهِ مِثْلُهُ كَما قَدْ يَتَّفِقُ لِبَعْضِ الأُمَراءِ شَيْءٌ لا يَكُونُ مِثْلُهُ عِنْدَ السُّلْطانِ.
وعَنِ الثّانِي: أنَّ وصْفَ عَرْشِها بِالعِظَمِ تَعْظِيمٌ لَهُ بِالإضافَةِ إلى عُرُوشِ أبْناءِ جِنْسِها مِنَ المُلُوكِ ووَصْفَ عَرْشِ اللَّهِ بِالعِظَمِ تَعْظِيمٌ لَهُ بِالنِّسْبَةِ إلى سائِرِ ما خَلَقَ مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ، واعْلَمْ أنَّ هَهُنا بَحْثَيْنِ:
البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّ المَلاحِدَةَ طَعَنَتْ في هَذِهِ القِصَّةِ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ هَذِهِ الآياتِ اشْتَمَلَتْ عَلى أنَّ النَّمْلَةَ والهُدْهُدَ تَكَلَّما بِكَلامٍ لا يَصْدُرُ ذَلِكَ الكَلامُ إلّا مِنَ العُقَلاءِ وذَلِكَ يَجُرُّ إلى السَّفْسَطَةِ، فَإنّا لَوْ جَوَّزْنا ذَلِكَ لَما أمِنّا في النَّمْلَةِ الَّتِي نُشاهِدُها في زَمانِنا هَذا، أنْ تَكُونَ أعْلَمَ بِالهَنْدَسَةِ مِن إقْلِيدِسَ، وبِالنَّحْوِ مِن سِيبَوَيْهِ، وكَذا القَوْلُ في القَمْلَةِ والصِّئْبانِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ فِيهِمُ الأنْبِياءُ والتَّكالِيفُ والمُعْجِزاتُ، ومَعْلُومٌ أنَّ مَن جَوَّزَ ذَلِكَ كانَ إلى الجُنُونِ أقْرَبَ.
وثانِيها: أنَّ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ بِالشّامِ فَكَيْفَ طارَ الهُدْهُدُ في تِلْكَ اللَّحْظَةِ اللَّطِيفَةِ مِنَ الشّامِ إلى اليَمَنِ ثُمَّ رَجَعَ إلَيْهِ ؟ .
وثالِثُها: كَيْفَ خَفِيَ عَلى سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ حالَ مِثْلِ تِلْكَ المَلِكَةِ العَظِيمَةِ مَعَ ما يُقالُ إنَّ الجِنَّ والإنْسَ كانُوا في طاعَةِ سُلَيْمانَ، وإنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مَلِكَ الدُّنْيا بِالكُلِّيَّةِ وكانَ تَحْتَ رايَةِ بِلْقِيسَ عَلى ما يُقالُ اثْنا عَشَرَ ألْفَ مَلِكٍ تَحْتَ رايَةِ كُلِّ واحِدٍ مِنهم مِائَةُ ألْفٍ، ومَعَ أنَّهُ يُقالُ: إنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ سُلَيْمانَ وبَيْنَ بَلْدَةِ بِلْقِيسَ حالَ طَيَرانِ الهُدْهُدِ إلّا مَسِيرَةُ ثَلاثَةِ أيّامٍ.
ورابِعُها: مَن أيْنَ حَصَلَ لِلْهُدْهُدِ مَعْرِفَةُ اللَّهِ تَعالى ووُجُوبُ السُّجُودِ لَهُ وإنْكارُ سُجُودِهِمْ لِلشَّمْسِ وإضافَتُهُ إلى الشَّيْطانِ وتَزْيِينُهُ ؟
والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: أنَّ ذَلِكَ الِاحْتِمالَ قائِمٌ في أوَّلِ العَقْلِ، وإنَّما يُدْفَعُ ذَلِكَ بِالإجْماعِ، وعَنِ البَواقِي أنَّ الإيمانَ بِافْتِقارِ العالَمِ إلى القادِرِ المُخْتارِ يُزِيلُ هَذِهِ الشُّكُوكَ.
البَحْثُ الثّانِي: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: قَوْلُهُ: ﴿يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ وزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهُمْ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ فِعْلَ العَبْدِ مِن جِهَتِهِ لِأنَّهُ تَعالى أضافَ ذَلِكَ إلى الشَّيْطانِ بَعْدَ إضافَتِهِ إلَيْهِمْ ولِأنَّهُ أوْرَدَهُ مَوْرِدَ الذَّمِّ ولِأنَّهُ بَيَّنَ أنَّهم لا يَهْتَدُونَ والجَوابُ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ هَذا قَوْلُ الهُدْهُدِ فَلا يَكُونُ حُجَّةً.
وثانِيها: أنَّهُ مَتْرُوكُ الظّاهِرِ، فَإنَّهُ قالَ: ﴿فَصَدَّهم عَنِ السَّبِيلِ﴾ وعِنْدَهُمُ الشَّيْطانُ ما صَدَّ الكافِرَ عَنِ السَّبِيلِ إذْ لَوْ كانَ مَصْدُودًا مَمْنُوعًا لَسَقَطَ عَنْهُ التَّكْلِيفُ، فَلَمْ يَبْقَ هَهُنا إلّا التَّمَسُّكُ بِفَصْلِ المَدْحِ والذَّمِّ والجَوابُ: قَدْ تَقَدَّمَ عَنْهُ مِرارًا فَلا فائِدَةَ في الإعادَةِ واللَّهُ أعْلَمُ.
النمل 27:25
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الخَبْءَ في السَّماواتِ والأرْضِ ويَعْلَمُ ما تُخْفُونَ وما تُعْلِنُونَ﴾ ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ﴾ ﴿قالَ سَنَنْظُرُ أصَدَقْتَ أمْ كُنْتَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ ﴿اذْهَبْ بِكِتابِي هَذا فَألْقِهِ إلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهم فانْظُرْ ماذا يَرْجِعُونَ﴾ .
وفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: اعْلَمْ أنَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألّا يَسْجُدُوا﴾ قِراءاتٍ أحَدُها: قِراءَةُ مَن قَرَأ بِالتَّخْفِيفِ ”ألا“
صفحة ١٦٥
لِلتَّنْبِيهِ ويا حَرْفُ النِّداءِ ومُناداهُ مَحْذُوفٌ، كَما حَذَفَهُ مَن قالَ:
ألا يا اسْلَمِي يا دارَ مَيَّ عَلى البِلى [ ولا زالَ مُنْهَلًّا بِجَرْعائِكِ القَطْرُ ]
وثانِيها: بِالتَّشْدِيدِ أرادَ فَصَدَّهم عَنِ السَّبِيلِ لِئَلّا يَسْجُدُوا، فَحَذَفَ الجارَّ مَعَ أنْ ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ لا مَزِيدَةً، ويَكُونُ المَعْنى فَهم لا يَهْتَدُونَ إلّا أنْ يَسْجُدُوا.
وثالِثُها: وهي حَرْفُ عَبْدِ اللَّهِ وقِراءَةُ الأعْمَشِ هَلّا بِقَلْبِ الهَمْزَةِ هاءً، وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ هَلّا تَسْجُدُونَ بِمَعْنى ألا تَسْجُدُونَ عَلى الخِطابِ.
ورابِعُها: قِراءَةُ أُبَيٍّ ”ألا يَسْجُدُونَ لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الخَبْءَ في السَّماواتِ والأرْضِ ويَعْلَمُ سِرَّكم وما تُعْلِنُونَ“ .
المسألة الثّانِيَةُ: قالَ أهْلُ التَّحْقِيقِ قَوْلُهُ: ﴿ألّا يَسْجُدُوا﴾ يَجِبُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى الأمْرِ لِأنَّهُ لَوْ كانَ بِمَعْنى المَنعِ مِنَ السَّجْدَةِ لَمْ يَكُنْ لِوَصْفِهِ تَعالى بِما يُوجِبُ أنْ يَكُونَ السُّجُودُ لَهُ وهو كَوْنُهُ قادِرًا عَلى إخْراجِ الخَبْءِ عالِمًا بِالأسْرارِ مَعْنًى.
* * *
المسألة الثّالِثَةُ: الآيَةُ دَلَّتْ عَلى وصْفِ اللَّهِ تَعالى بِالقُدْرَةِ والعِلْمِ، أمّا القُدْرَةُ فَقَوْلُهُ: ﴿يُخْرِجُ الخَبْءَ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ وسَمّى المَخْبُوءَ بِالمَصْدَرِ، وهو يَتَناوَلُ جَمِيعَ أنْواعِ الأرْزاقِ والأمْوالِ وإخْراجُهُ مِنَ السَّماءِ بِالغَيْثِ، ومِنَ الأرْضِ بِالنَّباتِ. وأمّا العِلْمُ فَقَوْلُهُ: ﴿ويَعْلَمُ ما تُخْفُونَ وما تُعْلِنُونَ﴾ .
واعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذا الكَلامِ الرَّدُّ عَلى مَن يَعْبُدُ الشَّمْسَ وتَحْرِيرُ الدَّلالَةِ هَكَذا: الإلَهُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ قادِرًا عَلى إخْراجِ الخَبْءِ وعالِمًا بِالخَفِيّاتِ، والشَّمْسُ لَيْسَتْ كَذَلِكَ فَهي لا تَكُونُ إلَهًا وإذا لَمْ تَكُنْ إلَهًا لَمْ يَجُزِ السُّجُودُ لَها، أمّا أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى يَجِبُ أنْ يَكُونَ قادِرًا عالِمًا عَلى الوجه المَذْكُورِ، فَلَمّا أنَّهُ واجِبٌ لِذاتِهِ فَلا تَخْتَصُّ قادِرِيَّتُهُ وعالَمِيَّتُهُ بِبَعْضِ المَقْدُوراتِ والمَعْلُوماتِ دُونَ البَعْضِ، وأمّا أنَّ الشَّمْسَ لَيْسَتْ كَذَلِكَ فَلِأنَّها جِسْمٌ مُتَناهٍ، وكُلُّ ما كانَ مُتَناهِيًا في الذّاتِ كانَ مُتَناهِيًا في الصِّفاتِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَحِينَئِذٍ لا يُعْلَمُ كَوْنُها قادِرَةً عَلى إخْراجِ الخَبْءِ عالِمَةً بِالخَفِيّاتِ، فَإذا لَمْ يُعْلَمْ مِن حالِها ذَلِكَ لَمْ يُعْلَمْ مِن حالِها كَوْنُها قادِرَةً عَلى جَلْبِ المَنافِعِ ودَفْعِ المَضارِّ، فَرَجَعَ حاصِلُ الدَّلالَةِ إلى ما ذَكَرَهُ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ في قَوْلِهِ: ﴿لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ ولا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريم: ٤٢] وفي قَوْلِهِ: ﴿لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الخَبْءَ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ وجْهٌ آخَرُ وهو أنَّ هَذا إشارَةٌ إلى ما اسْتَدَلَّ بِهِ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ في قَوْلِهِ: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ﴾ [البقرة: ٢٥٨] وفي قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ المَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ المَغْرِبِ﴾ [البقرة: ٢٥٨] وذَلِكَ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى هو الَّذِي يُخْرِجُ الشَّمْسَ مِنَ المَشْرِقِ بَعْدَ أُفُولِها في المَغْرِبِ فَهَذا هو إخْراجُ الخَبْءِ في السَّماواتِ وهو المُرادُ مِن قَوْلِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ [الأنعام: ٧٦] وحاصِلُهُ يَرْجِعُ إلى أنَّ أُفُولَ الشَّمْسِ وطُلُوعَها يَدُلّانِ عَلى كَوْنِها تَحْتَ تَدْبِيرِ مُدَبِّرٍ قاهِرٍ فَكانَتِ العِبادَةُ لِقاهِرِها والمُتَصَرِّفِ فِيها أوْلى، وأمّا إخْراجُ الخَبْءِ مِنَ الأرْضِ فَهو يَتَناوَلُ إخْراجَ النُّطْفَةِ مِنَ الصُّلْبِ والتَّرائِبِ وتَكْوِينَ الجَنِينِ مِنهُ، فَإنْ قِيلَ: إنَّ إبْراهِيمَ ومُوسى عَلَيْهِما السَّلامُ قَدَّما دَلالَةَ الأنْفُسِ عَلى دَلالَةِ الآفاقِ فَإنَّ إبْراهِيمَ قالَ: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ﴾ ثم قال: ﴿فَإنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ المَشْرِقِ﴾ ومُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ﴿رَبُّكم ورَبُّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ [الشعراء: ٢٦] ثم قال: ﴿رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ﴾ فَلِمَ كانَ الأمْرُ هَهُنا بِالعَكْسِ فَقَدَّمَ خَبْءَ السَّماواتِ عَلى خَبْءِ الأرْضِ ؟ جَوابُهُ: أنَّ إبْراهِيمَ ومُوسى عَلَيْهِما السَّلامُ ناظَرا مَعَ مَنِ ادَّعى إلَهِيَّةَ البَشَرِ، فَلا جَرَمَ ابْتَدَءا بِإبْطالِ إلَهِيَّةِ البَشَرِ ثُمَّ انْتَقَلا إلى إبْطالِ إلَهِيَّةِ السَّماواتِ، وهَهُنا المُناظَرَةُ مَعَ مَنِ ادَّعى إلَهِيَّةَ الشَّمْسِ لِقَوْلِهِ:
صفحة ١٦٦
﴿وجَدْتُها وقَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ فَلا جَرَمَ ابْتَدَأ بِذِكْرِ السَّماوِيّاتِ ثُمَّ بِالأرْضِيّاتِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ﴾ فالمُرادُ مِنهُ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا بَيَّنَ افْتِقارَ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما إلى المُدَبِّرِ ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ أنَّ ما هو أعْظَمُ الأجْسامِ فَهي مَخْلُوقَةٌ ومَرْبُوبَةٌ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ هو المُنْتَهى في القُدْرَةِ والرُّبُوبِيَّةِ إلى ما لا يَزِيدُ عَلَيْهِ واللَّهُ أعْلَمُ.
المسألة الرّابِعَةُ: قِيلَ مِن ”أحَطْتُ“ إلى ”العَظِيمِ“ كَلامُ الهُدْهُدِ وقِيلَ كَلامُ رَبِّ العِزَّةِ.
* * *
المسألة الخامِسَةُ: الحَقُّ أنَّ سَجْدَةَ التِّلاوَةِ واجِبَةٌ في القِراءَتَيْنِ جَمِيعًا وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ وأبِي حَنِيفَةَ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِما لِأنَّهم أجْمَعُوا عَلى أنَّ سَجَداتِ القُرْآنِ أرْبَعَ عَشْرَةَ سَجْدَةً، وهَذا واحِدٌ مِنها ولِأنَّ مَواضِعَ السَّجْدَةِ إمّا أمْرٌ بِها أوْ مَدْحٌ لِمَن أتى بِها أوْ ذَمٌّ لِمَن تَرَكَها، وإحْدى القِراءَتَيْنِ أمْرٌ بِالسُّجُودِ والأُخْرى ذَمٌّ لِلتّارِكِ فَثَبَتَ أنَّ الَّذِي ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ مِن وُجُوبِ السَّجْدَةِ مَعَ التَّخْفِيفِ دُونَ التَّشْدِيدِ غَيْرُ مُلْتَفَتٍ إلَيْهِ.
المسألة السّادِسَةُ: يُقالُ: هَلْ يُفَرِّقُ الواقِفُ بَيْنَ القِراءَتَيْنِ ؟ جَوابُهُ: نَعَمْ إذا خَفَّفَ وقَفَ عَلى ﴿فَهم لا يَهْتَدُونَ﴾ ثُمَّ ابْتَدَأ بِ (?ألا يَسْجُدُوا ) وإنْ شاءَ وقَفَ عَلى ”ألا يا“ ثُمَّ ابْتَدَأ ”اسْجُدُوا“ وإذا شَدَّدَ لَمْ يَقِفْ إلّا عَلى ”العَرْشِ العَظِيمِ“ .
أمّا قَوْلُهُ: ﴿سَنَنْظُرُ﴾ فَمِنَ النَّظَرِ الَّذِي هو التَّأمُّلُ، وأرادَ صَدَقْتَ أمْ كَذَبْتَ إلّا أنَّ ﴿أمْ كُنْتَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ أبْلَغُ، لِأنَّهُ إذا كانَ مَعْرُوفًا بِالكَذِبِ كانَ مُتَّهَمًا بِالكَذِبِ فِيما أخْبَرَ بِهِ فَلَمْ يُوثَقْ بِهِ، وإنَّما قالَ: ﴿فَألْقِهِ إلَيْهِمْ﴾ عَلى لَفْظِ الجَمْعِ لِأنَّهُ قالَ: ﴿وجَدْتُها وقَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ﴾ فَقالَ: ﴿فَألْقِهِ إلَيْهِمْ﴾ أيْ إلى الَّذِينَ هَذا دِينُهم.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ أيْ تَنَحَّ عَنْهم إلى مَكانٍ قَرِيبٍ تَتَوارى فِيهِ لِيَكُونَ ما يَقُولُونَهُ بِمَسْمَعٍ مِنكَ و﴿يَرْجِعُونَ﴾ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَرْجِعُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ القَوْلَ﴾ [سبأ: ٣٠] ويُقالُ دَخَلَ عَلَيْها مِن كُوَّةٍ وألْقى إلَيْها الكِتابَ وتَوارى في الكُوَّةِ.
النمل 27:26
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الخَبْءَ في السَّماواتِ والأرْضِ ويَعْلَمُ ما تُخْفُونَ وما تُعْلِنُونَ﴾ ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ﴾ ﴿قالَ سَنَنْظُرُ أصَدَقْتَ أمْ كُنْتَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ ﴿اذْهَبْ بِكِتابِي هَذا فَألْقِهِ إلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهم فانْظُرْ ماذا يَرْجِعُونَ﴾ .
وفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: اعْلَمْ أنَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألّا يَسْجُدُوا﴾ قِراءاتٍ أحَدُها: قِراءَةُ مَن قَرَأ بِالتَّخْفِيفِ ”ألا“
صفحة ١٦٥
لِلتَّنْبِيهِ ويا حَرْفُ النِّداءِ ومُناداهُ مَحْذُوفٌ، كَما حَذَفَهُ مَن قالَ:
ألا يا اسْلَمِي يا دارَ مَيَّ عَلى البِلى [ ولا زالَ مُنْهَلًّا بِجَرْعائِكِ القَطْرُ ]
وثانِيها: بِالتَّشْدِيدِ أرادَ فَصَدَّهم عَنِ السَّبِيلِ لِئَلّا يَسْجُدُوا، فَحَذَفَ الجارَّ مَعَ أنْ ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ لا مَزِيدَةً، ويَكُونُ المَعْنى فَهم لا يَهْتَدُونَ إلّا أنْ يَسْجُدُوا.
وثالِثُها: وهي حَرْفُ عَبْدِ اللَّهِ وقِراءَةُ الأعْمَشِ هَلّا بِقَلْبِ الهَمْزَةِ هاءً، وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ هَلّا تَسْجُدُونَ بِمَعْنى ألا تَسْجُدُونَ عَلى الخِطابِ.
ورابِعُها: قِراءَةُ أُبَيٍّ ”ألا يَسْجُدُونَ لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الخَبْءَ في السَّماواتِ والأرْضِ ويَعْلَمُ سِرَّكم وما تُعْلِنُونَ“ .
المسألة الثّانِيَةُ: قالَ أهْلُ التَّحْقِيقِ قَوْلُهُ: ﴿ألّا يَسْجُدُوا﴾ يَجِبُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى الأمْرِ لِأنَّهُ لَوْ كانَ بِمَعْنى المَنعِ مِنَ السَّجْدَةِ لَمْ يَكُنْ لِوَصْفِهِ تَعالى بِما يُوجِبُ أنْ يَكُونَ السُّجُودُ لَهُ وهو كَوْنُهُ قادِرًا عَلى إخْراجِ الخَبْءِ عالِمًا بِالأسْرارِ مَعْنًى.
* * *
المسألة الثّالِثَةُ: الآيَةُ دَلَّتْ عَلى وصْفِ اللَّهِ تَعالى بِالقُدْرَةِ والعِلْمِ، أمّا القُدْرَةُ فَقَوْلُهُ: ﴿يُخْرِجُ الخَبْءَ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ وسَمّى المَخْبُوءَ بِالمَصْدَرِ، وهو يَتَناوَلُ جَمِيعَ أنْواعِ الأرْزاقِ والأمْوالِ وإخْراجُهُ مِنَ السَّماءِ بِالغَيْثِ، ومِنَ الأرْضِ بِالنَّباتِ. وأمّا العِلْمُ فَقَوْلُهُ: ﴿ويَعْلَمُ ما تُخْفُونَ وما تُعْلِنُونَ﴾ .
واعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذا الكَلامِ الرَّدُّ عَلى مَن يَعْبُدُ الشَّمْسَ وتَحْرِيرُ الدَّلالَةِ هَكَذا: الإلَهُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ قادِرًا عَلى إخْراجِ الخَبْءِ وعالِمًا بِالخَفِيّاتِ، والشَّمْسُ لَيْسَتْ كَذَلِكَ فَهي لا تَكُونُ إلَهًا وإذا لَمْ تَكُنْ إلَهًا لَمْ يَجُزِ السُّجُودُ لَها، أمّا أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى يَجِبُ أنْ يَكُونَ قادِرًا عالِمًا عَلى الوجه المَذْكُورِ، فَلَمّا أنَّهُ واجِبٌ لِذاتِهِ فَلا تَخْتَصُّ قادِرِيَّتُهُ وعالَمِيَّتُهُ بِبَعْضِ المَقْدُوراتِ والمَعْلُوماتِ دُونَ البَعْضِ، وأمّا أنَّ الشَّمْسَ لَيْسَتْ كَذَلِكَ فَلِأنَّها جِسْمٌ مُتَناهٍ، وكُلُّ ما كانَ مُتَناهِيًا في الذّاتِ كانَ مُتَناهِيًا في الصِّفاتِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَحِينَئِذٍ لا يُعْلَمُ كَوْنُها قادِرَةً عَلى إخْراجِ الخَبْءِ عالِمَةً بِالخَفِيّاتِ، فَإذا لَمْ يُعْلَمْ مِن حالِها ذَلِكَ لَمْ يُعْلَمْ مِن حالِها كَوْنُها قادِرَةً عَلى جَلْبِ المَنافِعِ ودَفْعِ المَضارِّ، فَرَجَعَ حاصِلُ الدَّلالَةِ إلى ما ذَكَرَهُ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ في قَوْلِهِ: ﴿لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ ولا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريم: ٤٢] وفي قَوْلِهِ: ﴿لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الخَبْءَ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ وجْهٌ آخَرُ وهو أنَّ هَذا إشارَةٌ إلى ما اسْتَدَلَّ بِهِ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ في قَوْلِهِ: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ﴾ [البقرة: ٢٥٨] وفي قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ المَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ المَغْرِبِ﴾ [البقرة: ٢٥٨] وذَلِكَ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى هو الَّذِي يُخْرِجُ الشَّمْسَ مِنَ المَشْرِقِ بَعْدَ أُفُولِها في المَغْرِبِ فَهَذا هو إخْراجُ الخَبْءِ في السَّماواتِ وهو المُرادُ مِن قَوْلِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ [الأنعام: ٧٦] وحاصِلُهُ يَرْجِعُ إلى أنَّ أُفُولَ الشَّمْسِ وطُلُوعَها يَدُلّانِ عَلى كَوْنِها تَحْتَ تَدْبِيرِ مُدَبِّرٍ قاهِرٍ فَكانَتِ العِبادَةُ لِقاهِرِها والمُتَصَرِّفِ فِيها أوْلى، وأمّا إخْراجُ الخَبْءِ مِنَ الأرْضِ فَهو يَتَناوَلُ إخْراجَ النُّطْفَةِ مِنَ الصُّلْبِ والتَّرائِبِ وتَكْوِينَ الجَنِينِ مِنهُ، فَإنْ قِيلَ: إنَّ إبْراهِيمَ ومُوسى عَلَيْهِما السَّلامُ قَدَّما دَلالَةَ الأنْفُسِ عَلى دَلالَةِ الآفاقِ فَإنَّ إبْراهِيمَ قالَ: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ﴾ ثم قال: ﴿فَإنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ المَشْرِقِ﴾ ومُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ﴿رَبُّكم ورَبُّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ [الشعراء: ٢٦] ثم قال: ﴿رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ﴾ فَلِمَ كانَ الأمْرُ هَهُنا بِالعَكْسِ فَقَدَّمَ خَبْءَ السَّماواتِ عَلى خَبْءِ الأرْضِ ؟ جَوابُهُ: أنَّ إبْراهِيمَ ومُوسى عَلَيْهِما السَّلامُ ناظَرا مَعَ مَنِ ادَّعى إلَهِيَّةَ البَشَرِ، فَلا جَرَمَ ابْتَدَءا بِإبْطالِ إلَهِيَّةِ البَشَرِ ثُمَّ انْتَقَلا إلى إبْطالِ إلَهِيَّةِ السَّماواتِ، وهَهُنا المُناظَرَةُ مَعَ مَنِ ادَّعى إلَهِيَّةَ الشَّمْسِ لِقَوْلِهِ:
صفحة ١٦٦
﴿وجَدْتُها وقَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ فَلا جَرَمَ ابْتَدَأ بِذِكْرِ السَّماوِيّاتِ ثُمَّ بِالأرْضِيّاتِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ﴾ فالمُرادُ مِنهُ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا بَيَّنَ افْتِقارَ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما إلى المُدَبِّرِ ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ أنَّ ما هو أعْظَمُ الأجْسامِ فَهي مَخْلُوقَةٌ ومَرْبُوبَةٌ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ هو المُنْتَهى في القُدْرَةِ والرُّبُوبِيَّةِ إلى ما لا يَزِيدُ عَلَيْهِ واللَّهُ أعْلَمُ.
المسألة الرّابِعَةُ: قِيلَ مِن ”أحَطْتُ“ إلى ”العَظِيمِ“ كَلامُ الهُدْهُدِ وقِيلَ كَلامُ رَبِّ العِزَّةِ.
* * *
المسألة الخامِسَةُ: الحَقُّ أنَّ سَجْدَةَ التِّلاوَةِ واجِبَةٌ في القِراءَتَيْنِ جَمِيعًا وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ وأبِي حَنِيفَةَ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِما لِأنَّهم أجْمَعُوا عَلى أنَّ سَجَداتِ القُرْآنِ أرْبَعَ عَشْرَةَ سَجْدَةً، وهَذا واحِدٌ مِنها ولِأنَّ مَواضِعَ السَّجْدَةِ إمّا أمْرٌ بِها أوْ مَدْحٌ لِمَن أتى بِها أوْ ذَمٌّ لِمَن تَرَكَها، وإحْدى القِراءَتَيْنِ أمْرٌ بِالسُّجُودِ والأُخْرى ذَمٌّ لِلتّارِكِ فَثَبَتَ أنَّ الَّذِي ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ مِن وُجُوبِ السَّجْدَةِ مَعَ التَّخْفِيفِ دُونَ التَّشْدِيدِ غَيْرُ مُلْتَفَتٍ إلَيْهِ.
المسألة السّادِسَةُ: يُقالُ: هَلْ يُفَرِّقُ الواقِفُ بَيْنَ القِراءَتَيْنِ ؟ جَوابُهُ: نَعَمْ إذا خَفَّفَ وقَفَ عَلى ﴿فَهم لا يَهْتَدُونَ﴾ ثُمَّ ابْتَدَأ بِ (?ألا يَسْجُدُوا ) وإنْ شاءَ وقَفَ عَلى ”ألا يا“ ثُمَّ ابْتَدَأ ”اسْجُدُوا“ وإذا شَدَّدَ لَمْ يَقِفْ إلّا عَلى ”العَرْشِ العَظِيمِ“ .
أمّا قَوْلُهُ: ﴿سَنَنْظُرُ﴾ فَمِنَ النَّظَرِ الَّذِي هو التَّأمُّلُ، وأرادَ صَدَقْتَ أمْ كَذَبْتَ إلّا أنَّ ﴿أمْ كُنْتَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ أبْلَغُ، لِأنَّهُ إذا كانَ مَعْرُوفًا بِالكَذِبِ كانَ مُتَّهَمًا بِالكَذِبِ فِيما أخْبَرَ بِهِ فَلَمْ يُوثَقْ بِهِ، وإنَّما قالَ: ﴿فَألْقِهِ إلَيْهِمْ﴾ عَلى لَفْظِ الجَمْعِ لِأنَّهُ قالَ: ﴿وجَدْتُها وقَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ﴾ فَقالَ: ﴿فَألْقِهِ إلَيْهِمْ﴾ أيْ إلى الَّذِينَ هَذا دِينُهم.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ أيْ تَنَحَّ عَنْهم إلى مَكانٍ قَرِيبٍ تَتَوارى فِيهِ لِيَكُونَ ما يَقُولُونَهُ بِمَسْمَعٍ مِنكَ و﴿يَرْجِعُونَ﴾ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَرْجِعُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ القَوْلَ﴾ [سبأ: ٣٠] ويُقالُ دَخَلَ عَلَيْها مِن كُوَّةٍ وألْقى إلَيْها الكِتابَ وتَوارى في الكُوَّةِ.
النمل 27:27
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الخَبْءَ في السَّماواتِ والأرْضِ ويَعْلَمُ ما تُخْفُونَ وما تُعْلِنُونَ﴾ ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ﴾ ﴿قالَ سَنَنْظُرُ أصَدَقْتَ أمْ كُنْتَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ ﴿اذْهَبْ بِكِتابِي هَذا فَألْقِهِ إلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهم فانْظُرْ ماذا يَرْجِعُونَ﴾ .
وفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: اعْلَمْ أنَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألّا يَسْجُدُوا﴾ قِراءاتٍ أحَدُها: قِراءَةُ مَن قَرَأ بِالتَّخْفِيفِ ”ألا“
صفحة ١٦٥
لِلتَّنْبِيهِ ويا حَرْفُ النِّداءِ ومُناداهُ مَحْذُوفٌ، كَما حَذَفَهُ مَن قالَ:
ألا يا اسْلَمِي يا دارَ مَيَّ عَلى البِلى [ ولا زالَ مُنْهَلًّا بِجَرْعائِكِ القَطْرُ ]
وثانِيها: بِالتَّشْدِيدِ أرادَ فَصَدَّهم عَنِ السَّبِيلِ لِئَلّا يَسْجُدُوا، فَحَذَفَ الجارَّ مَعَ أنْ ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ لا مَزِيدَةً، ويَكُونُ المَعْنى فَهم لا يَهْتَدُونَ إلّا أنْ يَسْجُدُوا.
وثالِثُها: وهي حَرْفُ عَبْدِ اللَّهِ وقِراءَةُ الأعْمَشِ هَلّا بِقَلْبِ الهَمْزَةِ هاءً، وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ هَلّا تَسْجُدُونَ بِمَعْنى ألا تَسْجُدُونَ عَلى الخِطابِ.
ورابِعُها: قِراءَةُ أُبَيٍّ ”ألا يَسْجُدُونَ لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الخَبْءَ في السَّماواتِ والأرْضِ ويَعْلَمُ سِرَّكم وما تُعْلِنُونَ“ .
المسألة الثّانِيَةُ: قالَ أهْلُ التَّحْقِيقِ قَوْلُهُ: ﴿ألّا يَسْجُدُوا﴾ يَجِبُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى الأمْرِ لِأنَّهُ لَوْ كانَ بِمَعْنى المَنعِ مِنَ السَّجْدَةِ لَمْ يَكُنْ لِوَصْفِهِ تَعالى بِما يُوجِبُ أنْ يَكُونَ السُّجُودُ لَهُ وهو كَوْنُهُ قادِرًا عَلى إخْراجِ الخَبْءِ عالِمًا بِالأسْرارِ مَعْنًى.
* * *
المسألة الثّالِثَةُ: الآيَةُ دَلَّتْ عَلى وصْفِ اللَّهِ تَعالى بِالقُدْرَةِ والعِلْمِ، أمّا القُدْرَةُ فَقَوْلُهُ: ﴿يُخْرِجُ الخَبْءَ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ وسَمّى المَخْبُوءَ بِالمَصْدَرِ، وهو يَتَناوَلُ جَمِيعَ أنْواعِ الأرْزاقِ والأمْوالِ وإخْراجُهُ مِنَ السَّماءِ بِالغَيْثِ، ومِنَ الأرْضِ بِالنَّباتِ. وأمّا العِلْمُ فَقَوْلُهُ: ﴿ويَعْلَمُ ما تُخْفُونَ وما تُعْلِنُونَ﴾ .
واعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذا الكَلامِ الرَّدُّ عَلى مَن يَعْبُدُ الشَّمْسَ وتَحْرِيرُ الدَّلالَةِ هَكَذا: الإلَهُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ قادِرًا عَلى إخْراجِ الخَبْءِ وعالِمًا بِالخَفِيّاتِ، والشَّمْسُ لَيْسَتْ كَذَلِكَ فَهي لا تَكُونُ إلَهًا وإذا لَمْ تَكُنْ إلَهًا لَمْ يَجُزِ السُّجُودُ لَها، أمّا أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى يَجِبُ أنْ يَكُونَ قادِرًا عالِمًا عَلى الوجه المَذْكُورِ، فَلَمّا أنَّهُ واجِبٌ لِذاتِهِ فَلا تَخْتَصُّ قادِرِيَّتُهُ وعالَمِيَّتُهُ بِبَعْضِ المَقْدُوراتِ والمَعْلُوماتِ دُونَ البَعْضِ، وأمّا أنَّ الشَّمْسَ لَيْسَتْ كَذَلِكَ فَلِأنَّها جِسْمٌ مُتَناهٍ، وكُلُّ ما كانَ مُتَناهِيًا في الذّاتِ كانَ مُتَناهِيًا في الصِّفاتِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَحِينَئِذٍ لا يُعْلَمُ كَوْنُها قادِرَةً عَلى إخْراجِ الخَبْءِ عالِمَةً بِالخَفِيّاتِ، فَإذا لَمْ يُعْلَمْ مِن حالِها ذَلِكَ لَمْ يُعْلَمْ مِن حالِها كَوْنُها قادِرَةً عَلى جَلْبِ المَنافِعِ ودَفْعِ المَضارِّ، فَرَجَعَ حاصِلُ الدَّلالَةِ إلى ما ذَكَرَهُ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ في قَوْلِهِ: ﴿لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ ولا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريم: ٤٢] وفي قَوْلِهِ: ﴿لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الخَبْءَ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ وجْهٌ آخَرُ وهو أنَّ هَذا إشارَةٌ إلى ما اسْتَدَلَّ بِهِ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ في قَوْلِهِ: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ﴾ [البقرة: ٢٥٨] وفي قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ المَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ المَغْرِبِ﴾ [البقرة: ٢٥٨] وذَلِكَ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى هو الَّذِي يُخْرِجُ الشَّمْسَ مِنَ المَشْرِقِ بَعْدَ أُفُولِها في المَغْرِبِ فَهَذا هو إخْراجُ الخَبْءِ في السَّماواتِ وهو المُرادُ مِن قَوْلِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ [الأنعام: ٧٦] وحاصِلُهُ يَرْجِعُ إلى أنَّ أُفُولَ الشَّمْسِ وطُلُوعَها يَدُلّانِ عَلى كَوْنِها تَحْتَ تَدْبِيرِ مُدَبِّرٍ قاهِرٍ فَكانَتِ العِبادَةُ لِقاهِرِها والمُتَصَرِّفِ فِيها أوْلى، وأمّا إخْراجُ الخَبْءِ مِنَ الأرْضِ فَهو يَتَناوَلُ إخْراجَ النُّطْفَةِ مِنَ الصُّلْبِ والتَّرائِبِ وتَكْوِينَ الجَنِينِ مِنهُ، فَإنْ قِيلَ: إنَّ إبْراهِيمَ ومُوسى عَلَيْهِما السَّلامُ قَدَّما دَلالَةَ الأنْفُسِ عَلى دَلالَةِ الآفاقِ فَإنَّ إبْراهِيمَ قالَ: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ﴾ ثم قال: ﴿فَإنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ المَشْرِقِ﴾ ومُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ﴿رَبُّكم ورَبُّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ [الشعراء: ٢٦] ثم قال: ﴿رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ﴾ فَلِمَ كانَ الأمْرُ هَهُنا بِالعَكْسِ فَقَدَّمَ خَبْءَ السَّماواتِ عَلى خَبْءِ الأرْضِ ؟ جَوابُهُ: أنَّ إبْراهِيمَ ومُوسى عَلَيْهِما السَّلامُ ناظَرا مَعَ مَنِ ادَّعى إلَهِيَّةَ البَشَرِ، فَلا جَرَمَ ابْتَدَءا بِإبْطالِ إلَهِيَّةِ البَشَرِ ثُمَّ انْتَقَلا إلى إبْطالِ إلَهِيَّةِ السَّماواتِ، وهَهُنا المُناظَرَةُ مَعَ مَنِ ادَّعى إلَهِيَّةَ الشَّمْسِ لِقَوْلِهِ:
صفحة ١٦٦
﴿وجَدْتُها وقَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ فَلا جَرَمَ ابْتَدَأ بِذِكْرِ السَّماوِيّاتِ ثُمَّ بِالأرْضِيّاتِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ﴾ فالمُرادُ مِنهُ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا بَيَّنَ افْتِقارَ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما إلى المُدَبِّرِ ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ أنَّ ما هو أعْظَمُ الأجْسامِ فَهي مَخْلُوقَةٌ ومَرْبُوبَةٌ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ هو المُنْتَهى في القُدْرَةِ والرُّبُوبِيَّةِ إلى ما لا يَزِيدُ عَلَيْهِ واللَّهُ أعْلَمُ.
المسألة الرّابِعَةُ: قِيلَ مِن ”أحَطْتُ“ إلى ”العَظِيمِ“ كَلامُ الهُدْهُدِ وقِيلَ كَلامُ رَبِّ العِزَّةِ.
* * *
المسألة الخامِسَةُ: الحَقُّ أنَّ سَجْدَةَ التِّلاوَةِ واجِبَةٌ في القِراءَتَيْنِ جَمِيعًا وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ وأبِي حَنِيفَةَ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِما لِأنَّهم أجْمَعُوا عَلى أنَّ سَجَداتِ القُرْآنِ أرْبَعَ عَشْرَةَ سَجْدَةً، وهَذا واحِدٌ مِنها ولِأنَّ مَواضِعَ السَّجْدَةِ إمّا أمْرٌ بِها أوْ مَدْحٌ لِمَن أتى بِها أوْ ذَمٌّ لِمَن تَرَكَها، وإحْدى القِراءَتَيْنِ أمْرٌ بِالسُّجُودِ والأُخْرى ذَمٌّ لِلتّارِكِ فَثَبَتَ أنَّ الَّذِي ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ مِن وُجُوبِ السَّجْدَةِ مَعَ التَّخْفِيفِ دُونَ التَّشْدِيدِ غَيْرُ مُلْتَفَتٍ إلَيْهِ.
المسألة السّادِسَةُ: يُقالُ: هَلْ يُفَرِّقُ الواقِفُ بَيْنَ القِراءَتَيْنِ ؟ جَوابُهُ: نَعَمْ إذا خَفَّفَ وقَفَ عَلى ﴿فَهم لا يَهْتَدُونَ﴾ ثُمَّ ابْتَدَأ بِ (?ألا يَسْجُدُوا ) وإنْ شاءَ وقَفَ عَلى ”ألا يا“ ثُمَّ ابْتَدَأ ”اسْجُدُوا“ وإذا شَدَّدَ لَمْ يَقِفْ إلّا عَلى ”العَرْشِ العَظِيمِ“ .
أمّا قَوْلُهُ: ﴿سَنَنْظُرُ﴾ فَمِنَ النَّظَرِ الَّذِي هو التَّأمُّلُ، وأرادَ صَدَقْتَ أمْ كَذَبْتَ إلّا أنَّ ﴿أمْ كُنْتَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ أبْلَغُ، لِأنَّهُ إذا كانَ مَعْرُوفًا بِالكَذِبِ كانَ مُتَّهَمًا بِالكَذِبِ فِيما أخْبَرَ بِهِ فَلَمْ يُوثَقْ بِهِ، وإنَّما قالَ: ﴿فَألْقِهِ إلَيْهِمْ﴾ عَلى لَفْظِ الجَمْعِ لِأنَّهُ قالَ: ﴿وجَدْتُها وقَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ﴾ فَقالَ: ﴿فَألْقِهِ إلَيْهِمْ﴾ أيْ إلى الَّذِينَ هَذا دِينُهم.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ أيْ تَنَحَّ عَنْهم إلى مَكانٍ قَرِيبٍ تَتَوارى فِيهِ لِيَكُونَ ما يَقُولُونَهُ بِمَسْمَعٍ مِنكَ و﴿يَرْجِعُونَ﴾ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَرْجِعُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ القَوْلَ﴾ [سبأ: ٣٠] ويُقالُ دَخَلَ عَلَيْها مِن كُوَّةٍ وألْقى إلَيْها الكِتابَ وتَوارى في الكُوَّةِ.
النمل 27:28
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الخَبْءَ في السَّماواتِ والأرْضِ ويَعْلَمُ ما تُخْفُونَ وما تُعْلِنُونَ﴾ ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ﴾ ﴿قالَ سَنَنْظُرُ أصَدَقْتَ أمْ كُنْتَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ ﴿اذْهَبْ بِكِتابِي هَذا فَألْقِهِ إلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهم فانْظُرْ ماذا يَرْجِعُونَ﴾ .
وفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: اعْلَمْ أنَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألّا يَسْجُدُوا﴾ قِراءاتٍ أحَدُها: قِراءَةُ مَن قَرَأ بِالتَّخْفِيفِ ”ألا“
صفحة ١٦٥
لِلتَّنْبِيهِ ويا حَرْفُ النِّداءِ ومُناداهُ مَحْذُوفٌ، كَما حَذَفَهُ مَن قالَ:
ألا يا اسْلَمِي يا دارَ مَيَّ عَلى البِلى [ ولا زالَ مُنْهَلًّا بِجَرْعائِكِ القَطْرُ ]
وثانِيها: بِالتَّشْدِيدِ أرادَ فَصَدَّهم عَنِ السَّبِيلِ لِئَلّا يَسْجُدُوا، فَحَذَفَ الجارَّ مَعَ أنْ ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ لا مَزِيدَةً، ويَكُونُ المَعْنى فَهم لا يَهْتَدُونَ إلّا أنْ يَسْجُدُوا.
وثالِثُها: وهي حَرْفُ عَبْدِ اللَّهِ وقِراءَةُ الأعْمَشِ هَلّا بِقَلْبِ الهَمْزَةِ هاءً، وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ هَلّا تَسْجُدُونَ بِمَعْنى ألا تَسْجُدُونَ عَلى الخِطابِ.
ورابِعُها: قِراءَةُ أُبَيٍّ ”ألا يَسْجُدُونَ لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الخَبْءَ في السَّماواتِ والأرْضِ ويَعْلَمُ سِرَّكم وما تُعْلِنُونَ“ .
المسألة الثّانِيَةُ: قالَ أهْلُ التَّحْقِيقِ قَوْلُهُ: ﴿ألّا يَسْجُدُوا﴾ يَجِبُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى الأمْرِ لِأنَّهُ لَوْ كانَ بِمَعْنى المَنعِ مِنَ السَّجْدَةِ لَمْ يَكُنْ لِوَصْفِهِ تَعالى بِما يُوجِبُ أنْ يَكُونَ السُّجُودُ لَهُ وهو كَوْنُهُ قادِرًا عَلى إخْراجِ الخَبْءِ عالِمًا بِالأسْرارِ مَعْنًى.
* * *
المسألة الثّالِثَةُ: الآيَةُ دَلَّتْ عَلى وصْفِ اللَّهِ تَعالى بِالقُدْرَةِ والعِلْمِ، أمّا القُدْرَةُ فَقَوْلُهُ: ﴿يُخْرِجُ الخَبْءَ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ وسَمّى المَخْبُوءَ بِالمَصْدَرِ، وهو يَتَناوَلُ جَمِيعَ أنْواعِ الأرْزاقِ والأمْوالِ وإخْراجُهُ مِنَ السَّماءِ بِالغَيْثِ، ومِنَ الأرْضِ بِالنَّباتِ. وأمّا العِلْمُ فَقَوْلُهُ: ﴿ويَعْلَمُ ما تُخْفُونَ وما تُعْلِنُونَ﴾ .
واعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذا الكَلامِ الرَّدُّ عَلى مَن يَعْبُدُ الشَّمْسَ وتَحْرِيرُ الدَّلالَةِ هَكَذا: الإلَهُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ قادِرًا عَلى إخْراجِ الخَبْءِ وعالِمًا بِالخَفِيّاتِ، والشَّمْسُ لَيْسَتْ كَذَلِكَ فَهي لا تَكُونُ إلَهًا وإذا لَمْ تَكُنْ إلَهًا لَمْ يَجُزِ السُّجُودُ لَها، أمّا أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى يَجِبُ أنْ يَكُونَ قادِرًا عالِمًا عَلى الوجه المَذْكُورِ، فَلَمّا أنَّهُ واجِبٌ لِذاتِهِ فَلا تَخْتَصُّ قادِرِيَّتُهُ وعالَمِيَّتُهُ بِبَعْضِ المَقْدُوراتِ والمَعْلُوماتِ دُونَ البَعْضِ، وأمّا أنَّ الشَّمْسَ لَيْسَتْ كَذَلِكَ فَلِأنَّها جِسْمٌ مُتَناهٍ، وكُلُّ ما كانَ مُتَناهِيًا في الذّاتِ كانَ مُتَناهِيًا في الصِّفاتِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَحِينَئِذٍ لا يُعْلَمُ كَوْنُها قادِرَةً عَلى إخْراجِ الخَبْءِ عالِمَةً بِالخَفِيّاتِ، فَإذا لَمْ يُعْلَمْ مِن حالِها ذَلِكَ لَمْ يُعْلَمْ مِن حالِها كَوْنُها قادِرَةً عَلى جَلْبِ المَنافِعِ ودَفْعِ المَضارِّ، فَرَجَعَ حاصِلُ الدَّلالَةِ إلى ما ذَكَرَهُ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ في قَوْلِهِ: ﴿لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ ولا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريم: ٤٢] وفي قَوْلِهِ: ﴿لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الخَبْءَ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ وجْهٌ آخَرُ وهو أنَّ هَذا إشارَةٌ إلى ما اسْتَدَلَّ بِهِ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ في قَوْلِهِ: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ﴾ [البقرة: ٢٥٨] وفي قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ المَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ المَغْرِبِ﴾ [البقرة: ٢٥٨] وذَلِكَ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى هو الَّذِي يُخْرِجُ الشَّمْسَ مِنَ المَشْرِقِ بَعْدَ أُفُولِها في المَغْرِبِ فَهَذا هو إخْراجُ الخَبْءِ في السَّماواتِ وهو المُرادُ مِن قَوْلِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ [الأنعام: ٧٦] وحاصِلُهُ يَرْجِعُ إلى أنَّ أُفُولَ الشَّمْسِ وطُلُوعَها يَدُلّانِ عَلى كَوْنِها تَحْتَ تَدْبِيرِ مُدَبِّرٍ قاهِرٍ فَكانَتِ العِبادَةُ لِقاهِرِها والمُتَصَرِّفِ فِيها أوْلى، وأمّا إخْراجُ الخَبْءِ مِنَ الأرْضِ فَهو يَتَناوَلُ إخْراجَ النُّطْفَةِ مِنَ الصُّلْبِ والتَّرائِبِ وتَكْوِينَ الجَنِينِ مِنهُ، فَإنْ قِيلَ: إنَّ إبْراهِيمَ ومُوسى عَلَيْهِما السَّلامُ قَدَّما دَلالَةَ الأنْفُسِ عَلى دَلالَةِ الآفاقِ فَإنَّ إبْراهِيمَ قالَ: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ﴾ ثم قال: ﴿فَإنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ المَشْرِقِ﴾ ومُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ﴿رَبُّكم ورَبُّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ [الشعراء: ٢٦] ثم قال: ﴿رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ﴾ فَلِمَ كانَ الأمْرُ هَهُنا بِالعَكْسِ فَقَدَّمَ خَبْءَ السَّماواتِ عَلى خَبْءِ الأرْضِ ؟ جَوابُهُ: أنَّ إبْراهِيمَ ومُوسى عَلَيْهِما السَّلامُ ناظَرا مَعَ مَنِ ادَّعى إلَهِيَّةَ البَشَرِ، فَلا جَرَمَ ابْتَدَءا بِإبْطالِ إلَهِيَّةِ البَشَرِ ثُمَّ انْتَقَلا إلى إبْطالِ إلَهِيَّةِ السَّماواتِ، وهَهُنا المُناظَرَةُ مَعَ مَنِ ادَّعى إلَهِيَّةَ الشَّمْسِ لِقَوْلِهِ:
صفحة ١٦٦
﴿وجَدْتُها وقَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ فَلا جَرَمَ ابْتَدَأ بِذِكْرِ السَّماوِيّاتِ ثُمَّ بِالأرْضِيّاتِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ﴾ فالمُرادُ مِنهُ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا بَيَّنَ افْتِقارَ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما إلى المُدَبِّرِ ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ أنَّ ما هو أعْظَمُ الأجْسامِ فَهي مَخْلُوقَةٌ ومَرْبُوبَةٌ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ هو المُنْتَهى في القُدْرَةِ والرُّبُوبِيَّةِ إلى ما لا يَزِيدُ عَلَيْهِ واللَّهُ أعْلَمُ.
المسألة الرّابِعَةُ: قِيلَ مِن ”أحَطْتُ“ إلى ”العَظِيمِ“ كَلامُ الهُدْهُدِ وقِيلَ كَلامُ رَبِّ العِزَّةِ.
* * *
المسألة الخامِسَةُ: الحَقُّ أنَّ سَجْدَةَ التِّلاوَةِ واجِبَةٌ في القِراءَتَيْنِ جَمِيعًا وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ وأبِي حَنِيفَةَ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِما لِأنَّهم أجْمَعُوا عَلى أنَّ سَجَداتِ القُرْآنِ أرْبَعَ عَشْرَةَ سَجْدَةً، وهَذا واحِدٌ مِنها ولِأنَّ مَواضِعَ السَّجْدَةِ إمّا أمْرٌ بِها أوْ مَدْحٌ لِمَن أتى بِها أوْ ذَمٌّ لِمَن تَرَكَها، وإحْدى القِراءَتَيْنِ أمْرٌ بِالسُّجُودِ والأُخْرى ذَمٌّ لِلتّارِكِ فَثَبَتَ أنَّ الَّذِي ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ مِن وُجُوبِ السَّجْدَةِ مَعَ التَّخْفِيفِ دُونَ التَّشْدِيدِ غَيْرُ مُلْتَفَتٍ إلَيْهِ.
المسألة السّادِسَةُ: يُقالُ: هَلْ يُفَرِّقُ الواقِفُ بَيْنَ القِراءَتَيْنِ ؟ جَوابُهُ: نَعَمْ إذا خَفَّفَ وقَفَ عَلى ﴿فَهم لا يَهْتَدُونَ﴾ ثُمَّ ابْتَدَأ بِ (?ألا يَسْجُدُوا ) وإنْ شاءَ وقَفَ عَلى ”ألا يا“ ثُمَّ ابْتَدَأ ”اسْجُدُوا“ وإذا شَدَّدَ لَمْ يَقِفْ إلّا عَلى ”العَرْشِ العَظِيمِ“ .
أمّا قَوْلُهُ: ﴿سَنَنْظُرُ﴾ فَمِنَ النَّظَرِ الَّذِي هو التَّأمُّلُ، وأرادَ صَدَقْتَ أمْ كَذَبْتَ إلّا أنَّ ﴿أمْ كُنْتَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ أبْلَغُ، لِأنَّهُ إذا كانَ مَعْرُوفًا بِالكَذِبِ كانَ مُتَّهَمًا بِالكَذِبِ فِيما أخْبَرَ بِهِ فَلَمْ يُوثَقْ بِهِ، وإنَّما قالَ: ﴿فَألْقِهِ إلَيْهِمْ﴾ عَلى لَفْظِ الجَمْعِ لِأنَّهُ قالَ: ﴿وجَدْتُها وقَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ﴾ فَقالَ: ﴿فَألْقِهِ إلَيْهِمْ﴾ أيْ إلى الَّذِينَ هَذا دِينُهم.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ أيْ تَنَحَّ عَنْهم إلى مَكانٍ قَرِيبٍ تَتَوارى فِيهِ لِيَكُونَ ما يَقُولُونَهُ بِمَسْمَعٍ مِنكَ و﴿يَرْجِعُونَ﴾ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَرْجِعُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ القَوْلَ﴾ [سبأ: ٣٠] ويُقالُ دَخَلَ عَلَيْها مِن كُوَّةٍ وألْقى إلَيْها الكِتابَ وتَوارى في الكُوَّةِ.
النمل 27:29
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَتْ ياأيُّها المَلَأُ إنِّي أُلْقِيَ إلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ﴾ ﴿إنَّهُ مِن سُلَيْمانَ وإنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿ألّا تَعْلُوا عَلَيَّ وأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ ﴿قالَتْ ياأيُّها المَلَأُ أفْتُونِي في أمْرِي ما كُنْتُ قاطِعَةً أمْرًا حَتّى تَشْهَدُونِ﴾ ﴿قالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ والأمْرُ إلَيْكِ فانْظُرِي ماذا تَأْمُرِينَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿قالَتْ ياأيُّها المَلَأُ إنِّي أُلْقِيَ إلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ﴾ بِمَعْنى أنْ يُقالَ: إنَّ الهُدْهُدَ ألْقى إلَيْها الكِتابَ فَهو مَحْذُوفٌ كَأنَّهُ ثابِتٌ، رُوِيَ أنَّها كانَتْ إذا رَقَدَتْ غَلَّقَتِ الأبْوابَ ووَضَعَتِ المَفاتِيحَ تَحْتَ رَأْسِها فَدَخَلَ مِن كُوَّةٍ وطَرَحَ الكِتابَ عَلى نَحْرِها وهي مُسْتَلْقِيَةٌ، وقِيلَ نَقَرَها فانْتَبَهَتْ فَزِعَةً.
صفحة ١٦٧
أمّا قَوْلُهُ: ﴿كِتابٌ كَرِيمٌ﴾ فَفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: حُسْنُ مَضْمُونِهِ وما فِيهِ.
وثانِيها: وصْفُهُ بِالكَرِيمِ لِأنَّهُ مِن عِنْدِ مَلِكٍ كَرِيمٍ.
وثالِثُها: أنَّ الكِتابَ كانَ مَخْتُومًا وقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«كَرَّمَ الكِتابَ خَتْمُهُ» “ وكانَ عَلَيْهِ السَّلامُ ”«يَكْتُبُ إلى العَجَمِ، فَقِيلَ لَهُ: إنَّهم لا يَقْبَلُونَ إلّا كِتابًا عَلَيْهِ خاتَمٌ فاتَّخَذَ لِنَفْسِهِ خاتَمًا» “ .
أمّا قَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ مِن سُلَيْمانَ وإنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ فَفِيهِ أبْحاثٌ:
البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّهُ اسْتِئْنافٌ وتَبْيِينٌ لِما أُلْقِيَ إلَيْها كَأنَّها لَمّا قالَتْ: ﴿إنِّي أُلْقِيَ إلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ﴾ قِيلَ لَها: مِمَّنْ هو ؟ وما هو ؟ فَقالَتْ: إنَّهُ مِن سُلَيْمانَ وإنَّهُ كَيْتَ وكَيْتَ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ ”إنَّهُ مِن سُلَيْمانَ وإنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ“ عَطْفًا عَلى ”إنِّي“ وقُرِئَ ”أنَّهُ مِن سُلَيْمانَ وأنَّهُ“ بِالفَتْحِ وفِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ بَدَلٌ مِن ”كِتابٌ“ كَأنَّهُ قِيلَ: أُلْقِيَ إلَيَّ أنَّهُ مِن سُلَيْمانَ.
وثانِيهِما: أنْ يُرِيدَ أنَّهُ مِن سُلَيْمانَ ولِأنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ كَأنَّها عَلَّلَتْ كَرَمَهُ بِكَوْنِهِ مِن سُلَيْمانَ وتَصْدِيرِهِ بِسْمِ اللَّهِ وقَرَأ أُبَيٌّ: ”أنْ مِن سُلَيْمانَ وأنْ بِسْمِ اللَّهِ“ عَلى أنِ المُفَسِّرَةِ، وأنْ في ”أنْ لا تَعْلُوا“ مُفَسِّرَةٌ أيْضًا ومَعْنى ”لا تَعْلُوا“ لا تَتَكَبَّرُوا كَما تَفْعَلُ المُلُوكُ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ بالغَيْنِ مُعْجَمَةً مِنَ الغُلُوِّ وهي مُجاوَزَةُ الحَدِّ.
البَحْثُ الثّانِي: يُقالُ لِمَ قَدَّمَ سُلَيْمانُ اسْمَهُ عَلى قَوْلِهِ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ؟ جَوابُهُ: حاشاهُ مِن ذَلِكَ بَلِ ابْتَدَأ هو بِبَسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وإنَّما ذَكَرَتْ بِلْقِيسُ أنَّ هَذا الكِتابَ مِن سُلَيْمانَ ثُمَّ حَكَتْ ما في الكِتابِ واللَّهُ تَعالى حَكى ذَلِكَ فالتَّقْدِيمُ واقِعٌ في الحِكايَةِ.
البَحْثُ الثّالِثُ: أنَّ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لا يُطِيلُونَ بَلْ يَقْتَصِرُونَ عَلى المَقْصُودِ، وهَذا الكِتابُ مُشْتَمِلٌ عَلى تَمامِ المَقْصُودِ، وذَلِكَ لِأنَّ المَطْلُوبَ مِنَ الخَلْقِ، إمّا العِلْمُ أوِ العَمَلُ والعِلْمُ مُقَدَّمٌ عَلى العَمَلِ فَقَوْلُهُ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ مُشْتَمِلٌ عَلى إثْباتِ الصّانِعِ سُبْحانَهُ وتَعالى وإثْباتِ كَوْنِهِ عالِمًا قادِرًا حَيًّا مُرِيدًا حَكِيمًا رَحِيمًا.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ألّا تَعْلُوا عَلَيَّ﴾ فَهو نَهْيٌ عَنِ الِانْقِيادِ لِطاعَةِ النَّفْسِ والهَوى والتَّكَبُّرِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ فالمُرادُ مِنَ المُسْلِمِ إمّا المُنْقادُ أوِ المُؤْمِنُ، فَثَبَتَ أنَّ هَذا الكِتابَ عَلى وجازَتِهِ يَحْوِي كُلَّ ما لا بُدَّ مِنهُ في الدِّينِ والدُّنْيا، فَإنْ قِيلَ النَّهْيُ عَنِ الِاسْتِعْلاءِ والأمْرِ بِالِانْقِيادِ قَبْلَ إقامَةِ الدَّلالَةِ عَلى كَوْنِهِ رَسُولًا حَقًّا يَدُلُّ عَلى الِاكْتِفاءِ بِالتَّقْلِيدِ. جَوابُهُ: مَعاذَ اللَّهِ أنْ يَكُونَ هُناكَ تَقْلِيدٌ وذَلِكَ لِأنَّ رَسُولَ سُلَيْمانَ إلى بِلْقِيسَ كانَ الهُدْهُدُ ورِسالَةُ الهُدْهُدِ مُعْجِزٌ، والمُعْجِزُ يَدُلُّ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ وعَلى صِفاتِهِ ويَدُلُّ عَلى صِدْقِ المُدَّعِي فَلَمّا كانَتْ تِلْكَ الرِّسالَةُ دَلالَةً تامَّةً عَلى التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ لا جَرَمَ لَمْ يَذْكُرْ في الكِتابِ دَلِيلًا آخَرَ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها المَلَأُ أفْتُونِي في أمْرِي﴾ فالفَتْوى هي الجَوابُ في الحادِثَةِ اشْتُقَّتْ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ مِنَ الفَتِيِّ في السِّنِّ أيْ أجِيبُونِي في الأمْرِ الفَتِيِّ، وقَصَدَتْ بِالِانْقِطاعِ إلَيْهِمْ واسْتِطْلاعِ رَأْيِهِمْ تَطْيِيبَ قُلُوبِهِمْ ﴿ما كُنْتُ قاطِعَةً أمْرًا﴾ أيْ لا أبُتُّ أمْرًا إلّا بِمَحْضَرِكم.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿قالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ﴾ فالمُرادُ قُوَّةُ الأجْسامِ وقُوَّةُ الآلاتِ والمُرادُ بِالبَأْسِ النَّجْدَةُ والثَّباتُ في الحَرْبِ، وحاصِلُ الجَوابِ أنَّ القَوْمَ ذَكَرُوا أمْرَيْنِ:
أحَدُهُما: إظْهارُ القُوَّةِ الذّاتِيَّةِ والعَرَضِيَّةِ لِيَظْهَرَ أنَّها إنْ أرادَتْهم لِلدَّفْعِ والحَرْبِ وجَدَتْهم بِحَيْثُ تُرِيدُ، والآخَرُ قَوْلُهم: ﴿والأمْرُ إلَيْكِ فانْظُرِي ماذا تَأْمُرِينَ﴾ وفي ذَلِكَ إظْهارُ الطّاعَةِ لَها إنْ أرادَتِ السِّلْمَ، ولا يُمْكِنُ ذِكْرُ جَوابٍ أحْسَنَ مِن هَذا واللَّهُ أعْلَمُ.
النمل 27:30
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَتْ ياأيُّها المَلَأُ إنِّي أُلْقِيَ إلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ﴾ ﴿إنَّهُ مِن سُلَيْمانَ وإنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿ألّا تَعْلُوا عَلَيَّ وأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ ﴿قالَتْ ياأيُّها المَلَأُ أفْتُونِي في أمْرِي ما كُنْتُ قاطِعَةً أمْرًا حَتّى تَشْهَدُونِ﴾ ﴿قالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ والأمْرُ إلَيْكِ فانْظُرِي ماذا تَأْمُرِينَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿قالَتْ ياأيُّها المَلَأُ إنِّي أُلْقِيَ إلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ﴾ بِمَعْنى أنْ يُقالَ: إنَّ الهُدْهُدَ ألْقى إلَيْها الكِتابَ فَهو مَحْذُوفٌ كَأنَّهُ ثابِتٌ، رُوِيَ أنَّها كانَتْ إذا رَقَدَتْ غَلَّقَتِ الأبْوابَ ووَضَعَتِ المَفاتِيحَ تَحْتَ رَأْسِها فَدَخَلَ مِن كُوَّةٍ وطَرَحَ الكِتابَ عَلى نَحْرِها وهي مُسْتَلْقِيَةٌ، وقِيلَ نَقَرَها فانْتَبَهَتْ فَزِعَةً.
صفحة ١٦٧
أمّا قَوْلُهُ: ﴿كِتابٌ كَرِيمٌ﴾ فَفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: حُسْنُ مَضْمُونِهِ وما فِيهِ.
وثانِيها: وصْفُهُ بِالكَرِيمِ لِأنَّهُ مِن عِنْدِ مَلِكٍ كَرِيمٍ.
وثالِثُها: أنَّ الكِتابَ كانَ مَخْتُومًا وقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«كَرَّمَ الكِتابَ خَتْمُهُ» “ وكانَ عَلَيْهِ السَّلامُ ”«يَكْتُبُ إلى العَجَمِ، فَقِيلَ لَهُ: إنَّهم لا يَقْبَلُونَ إلّا كِتابًا عَلَيْهِ خاتَمٌ فاتَّخَذَ لِنَفْسِهِ خاتَمًا» “ .
أمّا قَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ مِن سُلَيْمانَ وإنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ فَفِيهِ أبْحاثٌ:
البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّهُ اسْتِئْنافٌ وتَبْيِينٌ لِما أُلْقِيَ إلَيْها كَأنَّها لَمّا قالَتْ: ﴿إنِّي أُلْقِيَ إلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ﴾ قِيلَ لَها: مِمَّنْ هو ؟ وما هو ؟ فَقالَتْ: إنَّهُ مِن سُلَيْمانَ وإنَّهُ كَيْتَ وكَيْتَ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ ”إنَّهُ مِن سُلَيْمانَ وإنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ“ عَطْفًا عَلى ”إنِّي“ وقُرِئَ ”أنَّهُ مِن سُلَيْمانَ وأنَّهُ“ بِالفَتْحِ وفِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ بَدَلٌ مِن ”كِتابٌ“ كَأنَّهُ قِيلَ: أُلْقِيَ إلَيَّ أنَّهُ مِن سُلَيْمانَ.
وثانِيهِما: أنْ يُرِيدَ أنَّهُ مِن سُلَيْمانَ ولِأنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ كَأنَّها عَلَّلَتْ كَرَمَهُ بِكَوْنِهِ مِن سُلَيْمانَ وتَصْدِيرِهِ بِسْمِ اللَّهِ وقَرَأ أُبَيٌّ: ”أنْ مِن سُلَيْمانَ وأنْ بِسْمِ اللَّهِ“ عَلى أنِ المُفَسِّرَةِ، وأنْ في ”أنْ لا تَعْلُوا“ مُفَسِّرَةٌ أيْضًا ومَعْنى ”لا تَعْلُوا“ لا تَتَكَبَّرُوا كَما تَفْعَلُ المُلُوكُ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ بالغَيْنِ مُعْجَمَةً مِنَ الغُلُوِّ وهي مُجاوَزَةُ الحَدِّ.
البَحْثُ الثّانِي: يُقالُ لِمَ قَدَّمَ سُلَيْمانُ اسْمَهُ عَلى قَوْلِهِ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ؟ جَوابُهُ: حاشاهُ مِن ذَلِكَ بَلِ ابْتَدَأ هو بِبَسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وإنَّما ذَكَرَتْ بِلْقِيسُ أنَّ هَذا الكِتابَ مِن سُلَيْمانَ ثُمَّ حَكَتْ ما في الكِتابِ واللَّهُ تَعالى حَكى ذَلِكَ فالتَّقْدِيمُ واقِعٌ في الحِكايَةِ.
البَحْثُ الثّالِثُ: أنَّ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لا يُطِيلُونَ بَلْ يَقْتَصِرُونَ عَلى المَقْصُودِ، وهَذا الكِتابُ مُشْتَمِلٌ عَلى تَمامِ المَقْصُودِ، وذَلِكَ لِأنَّ المَطْلُوبَ مِنَ الخَلْقِ، إمّا العِلْمُ أوِ العَمَلُ والعِلْمُ مُقَدَّمٌ عَلى العَمَلِ فَقَوْلُهُ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ مُشْتَمِلٌ عَلى إثْباتِ الصّانِعِ سُبْحانَهُ وتَعالى وإثْباتِ كَوْنِهِ عالِمًا قادِرًا حَيًّا مُرِيدًا حَكِيمًا رَحِيمًا.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ألّا تَعْلُوا عَلَيَّ﴾ فَهو نَهْيٌ عَنِ الِانْقِيادِ لِطاعَةِ النَّفْسِ والهَوى والتَّكَبُّرِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ فالمُرادُ مِنَ المُسْلِمِ إمّا المُنْقادُ أوِ المُؤْمِنُ، فَثَبَتَ أنَّ هَذا الكِتابَ عَلى وجازَتِهِ يَحْوِي كُلَّ ما لا بُدَّ مِنهُ في الدِّينِ والدُّنْيا، فَإنْ قِيلَ النَّهْيُ عَنِ الِاسْتِعْلاءِ والأمْرِ بِالِانْقِيادِ قَبْلَ إقامَةِ الدَّلالَةِ عَلى كَوْنِهِ رَسُولًا حَقًّا يَدُلُّ عَلى الِاكْتِفاءِ بِالتَّقْلِيدِ. جَوابُهُ: مَعاذَ اللَّهِ أنْ يَكُونَ هُناكَ تَقْلِيدٌ وذَلِكَ لِأنَّ رَسُولَ سُلَيْمانَ إلى بِلْقِيسَ كانَ الهُدْهُدُ ورِسالَةُ الهُدْهُدِ مُعْجِزٌ، والمُعْجِزُ يَدُلُّ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ وعَلى صِفاتِهِ ويَدُلُّ عَلى صِدْقِ المُدَّعِي فَلَمّا كانَتْ تِلْكَ الرِّسالَةُ دَلالَةً تامَّةً عَلى التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ لا جَرَمَ لَمْ يَذْكُرْ في الكِتابِ دَلِيلًا آخَرَ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها المَلَأُ أفْتُونِي في أمْرِي﴾ فالفَتْوى هي الجَوابُ في الحادِثَةِ اشْتُقَّتْ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ مِنَ الفَتِيِّ في السِّنِّ أيْ أجِيبُونِي في الأمْرِ الفَتِيِّ، وقَصَدَتْ بِالِانْقِطاعِ إلَيْهِمْ واسْتِطْلاعِ رَأْيِهِمْ تَطْيِيبَ قُلُوبِهِمْ ﴿ما كُنْتُ قاطِعَةً أمْرًا﴾ أيْ لا أبُتُّ أمْرًا إلّا بِمَحْضَرِكم.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿قالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ﴾ فالمُرادُ قُوَّةُ الأجْسامِ وقُوَّةُ الآلاتِ والمُرادُ بِالبَأْسِ النَّجْدَةُ والثَّباتُ في الحَرْبِ، وحاصِلُ الجَوابِ أنَّ القَوْمَ ذَكَرُوا أمْرَيْنِ:
أحَدُهُما: إظْهارُ القُوَّةِ الذّاتِيَّةِ والعَرَضِيَّةِ لِيَظْهَرَ أنَّها إنْ أرادَتْهم لِلدَّفْعِ والحَرْبِ وجَدَتْهم بِحَيْثُ تُرِيدُ، والآخَرُ قَوْلُهم: ﴿والأمْرُ إلَيْكِ فانْظُرِي ماذا تَأْمُرِينَ﴾ وفي ذَلِكَ إظْهارُ الطّاعَةِ لَها إنْ أرادَتِ السِّلْمَ، ولا يُمْكِنُ ذِكْرُ جَوابٍ أحْسَنَ مِن هَذا واللَّهُ أعْلَمُ.
النمل 27:31
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَتْ ياأيُّها المَلَأُ إنِّي أُلْقِيَ إلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ﴾ ﴿إنَّهُ مِن سُلَيْمانَ وإنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿ألّا تَعْلُوا عَلَيَّ وأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ ﴿قالَتْ ياأيُّها المَلَأُ أفْتُونِي في أمْرِي ما كُنْتُ قاطِعَةً أمْرًا حَتّى تَشْهَدُونِ﴾ ﴿قالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ والأمْرُ إلَيْكِ فانْظُرِي ماذا تَأْمُرِينَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿قالَتْ ياأيُّها المَلَأُ إنِّي أُلْقِيَ إلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ﴾ بِمَعْنى أنْ يُقالَ: إنَّ الهُدْهُدَ ألْقى إلَيْها الكِتابَ فَهو مَحْذُوفٌ كَأنَّهُ ثابِتٌ، رُوِيَ أنَّها كانَتْ إذا رَقَدَتْ غَلَّقَتِ الأبْوابَ ووَضَعَتِ المَفاتِيحَ تَحْتَ رَأْسِها فَدَخَلَ مِن كُوَّةٍ وطَرَحَ الكِتابَ عَلى نَحْرِها وهي مُسْتَلْقِيَةٌ، وقِيلَ نَقَرَها فانْتَبَهَتْ فَزِعَةً.
صفحة ١٦٧
أمّا قَوْلُهُ: ﴿كِتابٌ كَرِيمٌ﴾ فَفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: حُسْنُ مَضْمُونِهِ وما فِيهِ.
وثانِيها: وصْفُهُ بِالكَرِيمِ لِأنَّهُ مِن عِنْدِ مَلِكٍ كَرِيمٍ.
وثالِثُها: أنَّ الكِتابَ كانَ مَخْتُومًا وقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«كَرَّمَ الكِتابَ خَتْمُهُ» “ وكانَ عَلَيْهِ السَّلامُ ”«يَكْتُبُ إلى العَجَمِ، فَقِيلَ لَهُ: إنَّهم لا يَقْبَلُونَ إلّا كِتابًا عَلَيْهِ خاتَمٌ فاتَّخَذَ لِنَفْسِهِ خاتَمًا» “ .
أمّا قَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ مِن سُلَيْمانَ وإنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ فَفِيهِ أبْحاثٌ:
البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّهُ اسْتِئْنافٌ وتَبْيِينٌ لِما أُلْقِيَ إلَيْها كَأنَّها لَمّا قالَتْ: ﴿إنِّي أُلْقِيَ إلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ﴾ قِيلَ لَها: مِمَّنْ هو ؟ وما هو ؟ فَقالَتْ: إنَّهُ مِن سُلَيْمانَ وإنَّهُ كَيْتَ وكَيْتَ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ ”إنَّهُ مِن سُلَيْمانَ وإنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ“ عَطْفًا عَلى ”إنِّي“ وقُرِئَ ”أنَّهُ مِن سُلَيْمانَ وأنَّهُ“ بِالفَتْحِ وفِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ بَدَلٌ مِن ”كِتابٌ“ كَأنَّهُ قِيلَ: أُلْقِيَ إلَيَّ أنَّهُ مِن سُلَيْمانَ.
وثانِيهِما: أنْ يُرِيدَ أنَّهُ مِن سُلَيْمانَ ولِأنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ كَأنَّها عَلَّلَتْ كَرَمَهُ بِكَوْنِهِ مِن سُلَيْمانَ وتَصْدِيرِهِ بِسْمِ اللَّهِ وقَرَأ أُبَيٌّ: ”أنْ مِن سُلَيْمانَ وأنْ بِسْمِ اللَّهِ“ عَلى أنِ المُفَسِّرَةِ، وأنْ في ”أنْ لا تَعْلُوا“ مُفَسِّرَةٌ أيْضًا ومَعْنى ”لا تَعْلُوا“ لا تَتَكَبَّرُوا كَما تَفْعَلُ المُلُوكُ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ بالغَيْنِ مُعْجَمَةً مِنَ الغُلُوِّ وهي مُجاوَزَةُ الحَدِّ.
البَحْثُ الثّانِي: يُقالُ لِمَ قَدَّمَ سُلَيْمانُ اسْمَهُ عَلى قَوْلِهِ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ؟ جَوابُهُ: حاشاهُ مِن ذَلِكَ بَلِ ابْتَدَأ هو بِبَسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وإنَّما ذَكَرَتْ بِلْقِيسُ أنَّ هَذا الكِتابَ مِن سُلَيْمانَ ثُمَّ حَكَتْ ما في الكِتابِ واللَّهُ تَعالى حَكى ذَلِكَ فالتَّقْدِيمُ واقِعٌ في الحِكايَةِ.
البَحْثُ الثّالِثُ: أنَّ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لا يُطِيلُونَ بَلْ يَقْتَصِرُونَ عَلى المَقْصُودِ، وهَذا الكِتابُ مُشْتَمِلٌ عَلى تَمامِ المَقْصُودِ، وذَلِكَ لِأنَّ المَطْلُوبَ مِنَ الخَلْقِ، إمّا العِلْمُ أوِ العَمَلُ والعِلْمُ مُقَدَّمٌ عَلى العَمَلِ فَقَوْلُهُ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ مُشْتَمِلٌ عَلى إثْباتِ الصّانِعِ سُبْحانَهُ وتَعالى وإثْباتِ كَوْنِهِ عالِمًا قادِرًا حَيًّا مُرِيدًا حَكِيمًا رَحِيمًا.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ألّا تَعْلُوا عَلَيَّ﴾ فَهو نَهْيٌ عَنِ الِانْقِيادِ لِطاعَةِ النَّفْسِ والهَوى والتَّكَبُّرِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ فالمُرادُ مِنَ المُسْلِمِ إمّا المُنْقادُ أوِ المُؤْمِنُ، فَثَبَتَ أنَّ هَذا الكِتابَ عَلى وجازَتِهِ يَحْوِي كُلَّ ما لا بُدَّ مِنهُ في الدِّينِ والدُّنْيا، فَإنْ قِيلَ النَّهْيُ عَنِ الِاسْتِعْلاءِ والأمْرِ بِالِانْقِيادِ قَبْلَ إقامَةِ الدَّلالَةِ عَلى كَوْنِهِ رَسُولًا حَقًّا يَدُلُّ عَلى الِاكْتِفاءِ بِالتَّقْلِيدِ. جَوابُهُ: مَعاذَ اللَّهِ أنْ يَكُونَ هُناكَ تَقْلِيدٌ وذَلِكَ لِأنَّ رَسُولَ سُلَيْمانَ إلى بِلْقِيسَ كانَ الهُدْهُدُ ورِسالَةُ الهُدْهُدِ مُعْجِزٌ، والمُعْجِزُ يَدُلُّ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ وعَلى صِفاتِهِ ويَدُلُّ عَلى صِدْقِ المُدَّعِي فَلَمّا كانَتْ تِلْكَ الرِّسالَةُ دَلالَةً تامَّةً عَلى التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ لا جَرَمَ لَمْ يَذْكُرْ في الكِتابِ دَلِيلًا آخَرَ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها المَلَأُ أفْتُونِي في أمْرِي﴾ فالفَتْوى هي الجَوابُ في الحادِثَةِ اشْتُقَّتْ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ مِنَ الفَتِيِّ في السِّنِّ أيْ أجِيبُونِي في الأمْرِ الفَتِيِّ، وقَصَدَتْ بِالِانْقِطاعِ إلَيْهِمْ واسْتِطْلاعِ رَأْيِهِمْ تَطْيِيبَ قُلُوبِهِمْ ﴿ما كُنْتُ قاطِعَةً أمْرًا﴾ أيْ لا أبُتُّ أمْرًا إلّا بِمَحْضَرِكم.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿قالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ﴾ فالمُرادُ قُوَّةُ الأجْسامِ وقُوَّةُ الآلاتِ والمُرادُ بِالبَأْسِ النَّجْدَةُ والثَّباتُ في الحَرْبِ، وحاصِلُ الجَوابِ أنَّ القَوْمَ ذَكَرُوا أمْرَيْنِ:
أحَدُهُما: إظْهارُ القُوَّةِ الذّاتِيَّةِ والعَرَضِيَّةِ لِيَظْهَرَ أنَّها إنْ أرادَتْهم لِلدَّفْعِ والحَرْبِ وجَدَتْهم بِحَيْثُ تُرِيدُ، والآخَرُ قَوْلُهم: ﴿والأمْرُ إلَيْكِ فانْظُرِي ماذا تَأْمُرِينَ﴾ وفي ذَلِكَ إظْهارُ الطّاعَةِ لَها إنْ أرادَتِ السِّلْمَ، ولا يُمْكِنُ ذِكْرُ جَوابٍ أحْسَنَ مِن هَذا واللَّهُ أعْلَمُ.
النمل 27:32
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَتْ ياأيُّها المَلَأُ إنِّي أُلْقِيَ إلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ﴾ ﴿إنَّهُ مِن سُلَيْمانَ وإنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿ألّا تَعْلُوا عَلَيَّ وأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ ﴿قالَتْ ياأيُّها المَلَأُ أفْتُونِي في أمْرِي ما كُنْتُ قاطِعَةً أمْرًا حَتّى تَشْهَدُونِ﴾ ﴿قالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ والأمْرُ إلَيْكِ فانْظُرِي ماذا تَأْمُرِينَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿قالَتْ ياأيُّها المَلَأُ إنِّي أُلْقِيَ إلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ﴾ بِمَعْنى أنْ يُقالَ: إنَّ الهُدْهُدَ ألْقى إلَيْها الكِتابَ فَهو مَحْذُوفٌ كَأنَّهُ ثابِتٌ، رُوِيَ أنَّها كانَتْ إذا رَقَدَتْ غَلَّقَتِ الأبْوابَ ووَضَعَتِ المَفاتِيحَ تَحْتَ رَأْسِها فَدَخَلَ مِن كُوَّةٍ وطَرَحَ الكِتابَ عَلى نَحْرِها وهي مُسْتَلْقِيَةٌ، وقِيلَ نَقَرَها فانْتَبَهَتْ فَزِعَةً.
صفحة ١٦٧
أمّا قَوْلُهُ: ﴿كِتابٌ كَرِيمٌ﴾ فَفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: حُسْنُ مَضْمُونِهِ وما فِيهِ.
وثانِيها: وصْفُهُ بِالكَرِيمِ لِأنَّهُ مِن عِنْدِ مَلِكٍ كَرِيمٍ.
وثالِثُها: أنَّ الكِتابَ كانَ مَخْتُومًا وقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«كَرَّمَ الكِتابَ خَتْمُهُ» “ وكانَ عَلَيْهِ السَّلامُ ”«يَكْتُبُ إلى العَجَمِ، فَقِيلَ لَهُ: إنَّهم لا يَقْبَلُونَ إلّا كِتابًا عَلَيْهِ خاتَمٌ فاتَّخَذَ لِنَفْسِهِ خاتَمًا» “ .
أمّا قَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ مِن سُلَيْمانَ وإنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ فَفِيهِ أبْحاثٌ:
البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّهُ اسْتِئْنافٌ وتَبْيِينٌ لِما أُلْقِيَ إلَيْها كَأنَّها لَمّا قالَتْ: ﴿إنِّي أُلْقِيَ إلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ﴾ قِيلَ لَها: مِمَّنْ هو ؟ وما هو ؟ فَقالَتْ: إنَّهُ مِن سُلَيْمانَ وإنَّهُ كَيْتَ وكَيْتَ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ ”إنَّهُ مِن سُلَيْمانَ وإنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ“ عَطْفًا عَلى ”إنِّي“ وقُرِئَ ”أنَّهُ مِن سُلَيْمانَ وأنَّهُ“ بِالفَتْحِ وفِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ بَدَلٌ مِن ”كِتابٌ“ كَأنَّهُ قِيلَ: أُلْقِيَ إلَيَّ أنَّهُ مِن سُلَيْمانَ.
وثانِيهِما: أنْ يُرِيدَ أنَّهُ مِن سُلَيْمانَ ولِأنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ كَأنَّها عَلَّلَتْ كَرَمَهُ بِكَوْنِهِ مِن سُلَيْمانَ وتَصْدِيرِهِ بِسْمِ اللَّهِ وقَرَأ أُبَيٌّ: ”أنْ مِن سُلَيْمانَ وأنْ بِسْمِ اللَّهِ“ عَلى أنِ المُفَسِّرَةِ، وأنْ في ”أنْ لا تَعْلُوا“ مُفَسِّرَةٌ أيْضًا ومَعْنى ”لا تَعْلُوا“ لا تَتَكَبَّرُوا كَما تَفْعَلُ المُلُوكُ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ بالغَيْنِ مُعْجَمَةً مِنَ الغُلُوِّ وهي مُجاوَزَةُ الحَدِّ.
البَحْثُ الثّانِي: يُقالُ لِمَ قَدَّمَ سُلَيْمانُ اسْمَهُ عَلى قَوْلِهِ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ؟ جَوابُهُ: حاشاهُ مِن ذَلِكَ بَلِ ابْتَدَأ هو بِبَسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وإنَّما ذَكَرَتْ بِلْقِيسُ أنَّ هَذا الكِتابَ مِن سُلَيْمانَ ثُمَّ حَكَتْ ما في الكِتابِ واللَّهُ تَعالى حَكى ذَلِكَ فالتَّقْدِيمُ واقِعٌ في الحِكايَةِ.
البَحْثُ الثّالِثُ: أنَّ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لا يُطِيلُونَ بَلْ يَقْتَصِرُونَ عَلى المَقْصُودِ، وهَذا الكِتابُ مُشْتَمِلٌ عَلى تَمامِ المَقْصُودِ، وذَلِكَ لِأنَّ المَطْلُوبَ مِنَ الخَلْقِ، إمّا العِلْمُ أوِ العَمَلُ والعِلْمُ مُقَدَّمٌ عَلى العَمَلِ فَقَوْلُهُ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ مُشْتَمِلٌ عَلى إثْباتِ الصّانِعِ سُبْحانَهُ وتَعالى وإثْباتِ كَوْنِهِ عالِمًا قادِرًا حَيًّا مُرِيدًا حَكِيمًا رَحِيمًا.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ألّا تَعْلُوا عَلَيَّ﴾ فَهو نَهْيٌ عَنِ الِانْقِيادِ لِطاعَةِ النَّفْسِ والهَوى والتَّكَبُّرِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ فالمُرادُ مِنَ المُسْلِمِ إمّا المُنْقادُ أوِ المُؤْمِنُ، فَثَبَتَ أنَّ هَذا الكِتابَ عَلى وجازَتِهِ يَحْوِي كُلَّ ما لا بُدَّ مِنهُ في الدِّينِ والدُّنْيا، فَإنْ قِيلَ النَّهْيُ عَنِ الِاسْتِعْلاءِ والأمْرِ بِالِانْقِيادِ قَبْلَ إقامَةِ الدَّلالَةِ عَلى كَوْنِهِ رَسُولًا حَقًّا يَدُلُّ عَلى الِاكْتِفاءِ بِالتَّقْلِيدِ. جَوابُهُ: مَعاذَ اللَّهِ أنْ يَكُونَ هُناكَ تَقْلِيدٌ وذَلِكَ لِأنَّ رَسُولَ سُلَيْمانَ إلى بِلْقِيسَ كانَ الهُدْهُدُ ورِسالَةُ الهُدْهُدِ مُعْجِزٌ، والمُعْجِزُ يَدُلُّ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ وعَلى صِفاتِهِ ويَدُلُّ عَلى صِدْقِ المُدَّعِي فَلَمّا كانَتْ تِلْكَ الرِّسالَةُ دَلالَةً تامَّةً عَلى التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ لا جَرَمَ لَمْ يَذْكُرْ في الكِتابِ دَلِيلًا آخَرَ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها المَلَأُ أفْتُونِي في أمْرِي﴾ فالفَتْوى هي الجَوابُ في الحادِثَةِ اشْتُقَّتْ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ مِنَ الفَتِيِّ في السِّنِّ أيْ أجِيبُونِي في الأمْرِ الفَتِيِّ، وقَصَدَتْ بِالِانْقِطاعِ إلَيْهِمْ واسْتِطْلاعِ رَأْيِهِمْ تَطْيِيبَ قُلُوبِهِمْ ﴿ما كُنْتُ قاطِعَةً أمْرًا﴾ أيْ لا أبُتُّ أمْرًا إلّا بِمَحْضَرِكم.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿قالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ﴾ فالمُرادُ قُوَّةُ الأجْسامِ وقُوَّةُ الآلاتِ والمُرادُ بِالبَأْسِ النَّجْدَةُ والثَّباتُ في الحَرْبِ، وحاصِلُ الجَوابِ أنَّ القَوْمَ ذَكَرُوا أمْرَيْنِ:
أحَدُهُما: إظْهارُ القُوَّةِ الذّاتِيَّةِ والعَرَضِيَّةِ لِيَظْهَرَ أنَّها إنْ أرادَتْهم لِلدَّفْعِ والحَرْبِ وجَدَتْهم بِحَيْثُ تُرِيدُ، والآخَرُ قَوْلُهم: ﴿والأمْرُ إلَيْكِ فانْظُرِي ماذا تَأْمُرِينَ﴾ وفي ذَلِكَ إظْهارُ الطّاعَةِ لَها إنْ أرادَتِ السِّلْمَ، ولا يُمْكِنُ ذِكْرُ جَوابٍ أحْسَنَ مِن هَذا واللَّهُ أعْلَمُ.
النمل 27:33
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَتْ ياأيُّها المَلَأُ إنِّي أُلْقِيَ إلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ﴾ ﴿إنَّهُ مِن سُلَيْمانَ وإنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿ألّا تَعْلُوا عَلَيَّ وأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ ﴿قالَتْ ياأيُّها المَلَأُ أفْتُونِي في أمْرِي ما كُنْتُ قاطِعَةً أمْرًا حَتّى تَشْهَدُونِ﴾ ﴿قالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ والأمْرُ إلَيْكِ فانْظُرِي ماذا تَأْمُرِينَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿قالَتْ ياأيُّها المَلَأُ إنِّي أُلْقِيَ إلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ﴾ بِمَعْنى أنْ يُقالَ: إنَّ الهُدْهُدَ ألْقى إلَيْها الكِتابَ فَهو مَحْذُوفٌ كَأنَّهُ ثابِتٌ، رُوِيَ أنَّها كانَتْ إذا رَقَدَتْ غَلَّقَتِ الأبْوابَ ووَضَعَتِ المَفاتِيحَ تَحْتَ رَأْسِها فَدَخَلَ مِن كُوَّةٍ وطَرَحَ الكِتابَ عَلى نَحْرِها وهي مُسْتَلْقِيَةٌ، وقِيلَ نَقَرَها فانْتَبَهَتْ فَزِعَةً.
صفحة ١٦٧
أمّا قَوْلُهُ: ﴿كِتابٌ كَرِيمٌ﴾ فَفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: حُسْنُ مَضْمُونِهِ وما فِيهِ.
وثانِيها: وصْفُهُ بِالكَرِيمِ لِأنَّهُ مِن عِنْدِ مَلِكٍ كَرِيمٍ.
وثالِثُها: أنَّ الكِتابَ كانَ مَخْتُومًا وقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«كَرَّمَ الكِتابَ خَتْمُهُ» “ وكانَ عَلَيْهِ السَّلامُ ”«يَكْتُبُ إلى العَجَمِ، فَقِيلَ لَهُ: إنَّهم لا يَقْبَلُونَ إلّا كِتابًا عَلَيْهِ خاتَمٌ فاتَّخَذَ لِنَفْسِهِ خاتَمًا» “ .
أمّا قَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ مِن سُلَيْمانَ وإنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ فَفِيهِ أبْحاثٌ:
البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّهُ اسْتِئْنافٌ وتَبْيِينٌ لِما أُلْقِيَ إلَيْها كَأنَّها لَمّا قالَتْ: ﴿إنِّي أُلْقِيَ إلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ﴾ قِيلَ لَها: مِمَّنْ هو ؟ وما هو ؟ فَقالَتْ: إنَّهُ مِن سُلَيْمانَ وإنَّهُ كَيْتَ وكَيْتَ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ ”إنَّهُ مِن سُلَيْمانَ وإنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ“ عَطْفًا عَلى ”إنِّي“ وقُرِئَ ”أنَّهُ مِن سُلَيْمانَ وأنَّهُ“ بِالفَتْحِ وفِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ بَدَلٌ مِن ”كِتابٌ“ كَأنَّهُ قِيلَ: أُلْقِيَ إلَيَّ أنَّهُ مِن سُلَيْمانَ.
وثانِيهِما: أنْ يُرِيدَ أنَّهُ مِن سُلَيْمانَ ولِأنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ كَأنَّها عَلَّلَتْ كَرَمَهُ بِكَوْنِهِ مِن سُلَيْمانَ وتَصْدِيرِهِ بِسْمِ اللَّهِ وقَرَأ أُبَيٌّ: ”أنْ مِن سُلَيْمانَ وأنْ بِسْمِ اللَّهِ“ عَلى أنِ المُفَسِّرَةِ، وأنْ في ”أنْ لا تَعْلُوا“ مُفَسِّرَةٌ أيْضًا ومَعْنى ”لا تَعْلُوا“ لا تَتَكَبَّرُوا كَما تَفْعَلُ المُلُوكُ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ بالغَيْنِ مُعْجَمَةً مِنَ الغُلُوِّ وهي مُجاوَزَةُ الحَدِّ.
البَحْثُ الثّانِي: يُقالُ لِمَ قَدَّمَ سُلَيْمانُ اسْمَهُ عَلى قَوْلِهِ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ؟ جَوابُهُ: حاشاهُ مِن ذَلِكَ بَلِ ابْتَدَأ هو بِبَسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وإنَّما ذَكَرَتْ بِلْقِيسُ أنَّ هَذا الكِتابَ مِن سُلَيْمانَ ثُمَّ حَكَتْ ما في الكِتابِ واللَّهُ تَعالى حَكى ذَلِكَ فالتَّقْدِيمُ واقِعٌ في الحِكايَةِ.
البَحْثُ الثّالِثُ: أنَّ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لا يُطِيلُونَ بَلْ يَقْتَصِرُونَ عَلى المَقْصُودِ، وهَذا الكِتابُ مُشْتَمِلٌ عَلى تَمامِ المَقْصُودِ، وذَلِكَ لِأنَّ المَطْلُوبَ مِنَ الخَلْقِ، إمّا العِلْمُ أوِ العَمَلُ والعِلْمُ مُقَدَّمٌ عَلى العَمَلِ فَقَوْلُهُ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ مُشْتَمِلٌ عَلى إثْباتِ الصّانِعِ سُبْحانَهُ وتَعالى وإثْباتِ كَوْنِهِ عالِمًا قادِرًا حَيًّا مُرِيدًا حَكِيمًا رَحِيمًا.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ألّا تَعْلُوا عَلَيَّ﴾ فَهو نَهْيٌ عَنِ الِانْقِيادِ لِطاعَةِ النَّفْسِ والهَوى والتَّكَبُّرِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ فالمُرادُ مِنَ المُسْلِمِ إمّا المُنْقادُ أوِ المُؤْمِنُ، فَثَبَتَ أنَّ هَذا الكِتابَ عَلى وجازَتِهِ يَحْوِي كُلَّ ما لا بُدَّ مِنهُ في الدِّينِ والدُّنْيا، فَإنْ قِيلَ النَّهْيُ عَنِ الِاسْتِعْلاءِ والأمْرِ بِالِانْقِيادِ قَبْلَ إقامَةِ الدَّلالَةِ عَلى كَوْنِهِ رَسُولًا حَقًّا يَدُلُّ عَلى الِاكْتِفاءِ بِالتَّقْلِيدِ. جَوابُهُ: مَعاذَ اللَّهِ أنْ يَكُونَ هُناكَ تَقْلِيدٌ وذَلِكَ لِأنَّ رَسُولَ سُلَيْمانَ إلى بِلْقِيسَ كانَ الهُدْهُدُ ورِسالَةُ الهُدْهُدِ مُعْجِزٌ، والمُعْجِزُ يَدُلُّ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ وعَلى صِفاتِهِ ويَدُلُّ عَلى صِدْقِ المُدَّعِي فَلَمّا كانَتْ تِلْكَ الرِّسالَةُ دَلالَةً تامَّةً عَلى التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ لا جَرَمَ لَمْ يَذْكُرْ في الكِتابِ دَلِيلًا آخَرَ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها المَلَأُ أفْتُونِي في أمْرِي﴾ فالفَتْوى هي الجَوابُ في الحادِثَةِ اشْتُقَّتْ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ مِنَ الفَتِيِّ في السِّنِّ أيْ أجِيبُونِي في الأمْرِ الفَتِيِّ، وقَصَدَتْ بِالِانْقِطاعِ إلَيْهِمْ واسْتِطْلاعِ رَأْيِهِمْ تَطْيِيبَ قُلُوبِهِمْ ﴿ما كُنْتُ قاطِعَةً أمْرًا﴾ أيْ لا أبُتُّ أمْرًا إلّا بِمَحْضَرِكم.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿قالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ﴾ فالمُرادُ قُوَّةُ الأجْسامِ وقُوَّةُ الآلاتِ والمُرادُ بِالبَأْسِ النَّجْدَةُ والثَّباتُ في الحَرْبِ، وحاصِلُ الجَوابِ أنَّ القَوْمَ ذَكَرُوا أمْرَيْنِ:
أحَدُهُما: إظْهارُ القُوَّةِ الذّاتِيَّةِ والعَرَضِيَّةِ لِيَظْهَرَ أنَّها إنْ أرادَتْهم لِلدَّفْعِ والحَرْبِ وجَدَتْهم بِحَيْثُ تُرِيدُ، والآخَرُ قَوْلُهم: ﴿والأمْرُ إلَيْكِ فانْظُرِي ماذا تَأْمُرِينَ﴾ وفي ذَلِكَ إظْهارُ الطّاعَةِ لَها إنْ أرادَتِ السِّلْمَ، ولا يُمْكِنُ ذِكْرُ جَوابٍ أحْسَنَ مِن هَذا واللَّهُ أعْلَمُ.
النمل 27:34
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَتْ إنَّ المُلُوكَ إذا دَخَلُوا قَرْيَةً أفْسَدُوها وجَعَلُوا أعِزَّةَ أهْلِها أذِلَّةً وكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ ﴿وإنِّي مُرْسِلَةٌ إلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ المُرْسَلُونَ﴾ ﴿فَلَمّا جاءَ سُلَيْمانَ قالَ أتُمِدُّونَنِي بِمالٍ فَما آتانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمّا آتاكم بَلْ أنْتُمْ بِهَدِيَّتِكم تَفْرَحُونَ﴾ ﴿ارْجِعْ إلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهم بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهم بِها ولَنُخْرِجَنَّهم مِنها أذِلَّةً وهم صاغِرُونَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّها لَمّا عَرَضَتِ الواقِعَةَ عَلى أكابِرِ قَوْمِها وقالُوا ما تَقَدَّمَ أظْهَرَتْ رَأْيَها، وهو أنَّ المُلُوكَ إذا دَخَلُوا قَرْيَةً بِالقَهْرِ أفْسَدُوها، أيْ خَرَّبُوها وأذَلُّوا أعِزَّتَها، فَذَكَرَتْ لَهم عاقِبَةَ الحَرْبِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ فَقَدِ اخْتَلَفُوا أهْوَ مِن كَلامِها أوْ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى كالتَّصْوِيبِ لَها والأقْرَبُ أنَّهُ مِن كَلامِها، وأنَّها ذَكَرَتْهُ تَأْكِيدًا لِما وصَفَتْهُ مِن حالِ المُلُوكِ. فَأمّا الكَلامُ في صِفَةِ الهَدِيَّةِ فالنّاسُ أكْثَرُوا فِيها لَكِنْ لا ذِكْرَ لَها في الكِتابِ، وقَوْلُها: ﴿فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ المُرْسَلُونَ﴾ فِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّها لَمْ تَثِقْ بِالقَبُولِ وجَوَّزَتِ الرَّدَّ، وأرادَتْ بِذَلِكَ أنْ يَنْكَشِفَ لَها غَرَضُ سُلَيْمانَ، ولَمّا وصَلَتِ الهَدايا إلى سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ ذَكَرَ أمْرَيْنِ:
الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿أتُمِدُّونَنِي بِمالٍ﴾ فَأظْهَرَ بِهَذا الكَلامِ قِلَّةَ الِاكْتِراثِ بِذَلِكَ المالِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿بَلْ أنْتُمْ بِهَدِيَّتِكم تَفْرَحُونَ﴾ فَفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: أنَّ الهَدِيَّةَ اسْمٌ لِلْمُهْدى، كَما أنَّ العَطِيَّةَ اسْمٌ لِلْمُعْطى، فَتُضافُ إلى المَهْدِيِّ وإلى المُهْدى لَهُ، والمُضافُ إلَيْهِ هَهُنا هو المُهْدى إلَيْهِ، والمَعْنى أنَّ اللَّهَ تَعالى آتانِي الدِّينَ الَّذِي هو السَّعادَةُ القُصْوى، وآتانِي مِنَ الدُّنْيا ما لا مَزِيدَ عَلَيْهِ، فَكَيْفَ يُسْتَمالُ مِثْلِي بِمِثْلِ هَذِهِ الهَدِيَّةِ، بَلْ أنْتُمْ تَفْرَحُونَ بِما يُهْدى إلَيْكم، لَكِنَّ حالِي خِلافُ حالِكم.
وثانِيها: بَلْ أنْتُمْ بِهَدِيَّتِكم هَذِهِ الَّتِي أهْدَيْتُمُوها تَفْرَحُونَ مِن حَيْثُ إنَّكم قَدَرْتُمْ عَلى إهْداءِ مِثْلِها.
وثالِثُها: كَأنَّهُ قالَ: بَلْ أنْتُمْ مِن حَقِّكم أنْ تَأْخُذُوا هَدِيَّتَكم وتَفْرَحُوا بِها.
الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿ارْجِعْ إلَيْهِمْ﴾ فَقِيلَ: ارْجِعْ خِطابٌ لِلرَّسُولِ، وقِيلَ: لِلْهُدْهُدِ مُحَمَّلًا كِتابًا آخَرَ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا قِبَلَ﴾ أيْ لا طاقَةَ، وحَقِيقَةُ القِبَلِ المُقاوَمَةُ والمُقابَلَةُ، أيْ لا يَقْدِرُونَ أنْ يُقابِلُوهم. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: ”لا قِبَلَ لَهم بِهِمْ“، والضَّمِيرُ في ”مِنها“ لِسَبَأٍ، والذُّلُّ أنْ يَذْهَبَ عَنْهم ما كانَ عِنْدَهم مِنَ العِزِّ والمُلْكِ، والصَّغارُ أنْ يَقَعُوا في أسْرٍ واسْتِعْبادٍ، ولا يَقْتَصِرُ بِهِمْ عَلى أنْ يَرْجِعُوا سُوقَةً بَعْدَ أنْ كانُوا مُلُوكًا.
النمل 27:35
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَتْ إنَّ المُلُوكَ إذا دَخَلُوا قَرْيَةً أفْسَدُوها وجَعَلُوا أعِزَّةَ أهْلِها أذِلَّةً وكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ ﴿وإنِّي مُرْسِلَةٌ إلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ المُرْسَلُونَ﴾ ﴿فَلَمّا جاءَ سُلَيْمانَ قالَ أتُمِدُّونَنِي بِمالٍ فَما آتانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمّا آتاكم بَلْ أنْتُمْ بِهَدِيَّتِكم تَفْرَحُونَ﴾ ﴿ارْجِعْ إلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهم بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهم بِها ولَنُخْرِجَنَّهم مِنها أذِلَّةً وهم صاغِرُونَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّها لَمّا عَرَضَتِ الواقِعَةَ عَلى أكابِرِ قَوْمِها وقالُوا ما تَقَدَّمَ أظْهَرَتْ رَأْيَها، وهو أنَّ المُلُوكَ إذا دَخَلُوا قَرْيَةً بِالقَهْرِ أفْسَدُوها، أيْ خَرَّبُوها وأذَلُّوا أعِزَّتَها، فَذَكَرَتْ لَهم عاقِبَةَ الحَرْبِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ فَقَدِ اخْتَلَفُوا أهْوَ مِن كَلامِها أوْ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى كالتَّصْوِيبِ لَها والأقْرَبُ أنَّهُ مِن كَلامِها، وأنَّها ذَكَرَتْهُ تَأْكِيدًا لِما وصَفَتْهُ مِن حالِ المُلُوكِ. فَأمّا الكَلامُ في صِفَةِ الهَدِيَّةِ فالنّاسُ أكْثَرُوا فِيها لَكِنْ لا ذِكْرَ لَها في الكِتابِ، وقَوْلُها: ﴿فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ المُرْسَلُونَ﴾ فِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّها لَمْ تَثِقْ بِالقَبُولِ وجَوَّزَتِ الرَّدَّ، وأرادَتْ بِذَلِكَ أنْ يَنْكَشِفَ لَها غَرَضُ سُلَيْمانَ، ولَمّا وصَلَتِ الهَدايا إلى سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ ذَكَرَ أمْرَيْنِ:
الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿أتُمِدُّونَنِي بِمالٍ﴾ فَأظْهَرَ بِهَذا الكَلامِ قِلَّةَ الِاكْتِراثِ بِذَلِكَ المالِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿بَلْ أنْتُمْ بِهَدِيَّتِكم تَفْرَحُونَ﴾ فَفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: أنَّ الهَدِيَّةَ اسْمٌ لِلْمُهْدى، كَما أنَّ العَطِيَّةَ اسْمٌ لِلْمُعْطى، فَتُضافُ إلى المَهْدِيِّ وإلى المُهْدى لَهُ، والمُضافُ إلَيْهِ هَهُنا هو المُهْدى إلَيْهِ، والمَعْنى أنَّ اللَّهَ تَعالى آتانِي الدِّينَ الَّذِي هو السَّعادَةُ القُصْوى، وآتانِي مِنَ الدُّنْيا ما لا مَزِيدَ عَلَيْهِ، فَكَيْفَ يُسْتَمالُ مِثْلِي بِمِثْلِ هَذِهِ الهَدِيَّةِ، بَلْ أنْتُمْ تَفْرَحُونَ بِما يُهْدى إلَيْكم، لَكِنَّ حالِي خِلافُ حالِكم.
وثانِيها: بَلْ أنْتُمْ بِهَدِيَّتِكم هَذِهِ الَّتِي أهْدَيْتُمُوها تَفْرَحُونَ مِن حَيْثُ إنَّكم قَدَرْتُمْ عَلى إهْداءِ مِثْلِها.
وثالِثُها: كَأنَّهُ قالَ: بَلْ أنْتُمْ مِن حَقِّكم أنْ تَأْخُذُوا هَدِيَّتَكم وتَفْرَحُوا بِها.
الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿ارْجِعْ إلَيْهِمْ﴾ فَقِيلَ: ارْجِعْ خِطابٌ لِلرَّسُولِ، وقِيلَ: لِلْهُدْهُدِ مُحَمَّلًا كِتابًا آخَرَ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا قِبَلَ﴾ أيْ لا طاقَةَ، وحَقِيقَةُ القِبَلِ المُقاوَمَةُ والمُقابَلَةُ، أيْ لا يَقْدِرُونَ أنْ يُقابِلُوهم. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: ”لا قِبَلَ لَهم بِهِمْ“، والضَّمِيرُ في ”مِنها“ لِسَبَأٍ، والذُّلُّ أنْ يَذْهَبَ عَنْهم ما كانَ عِنْدَهم مِنَ العِزِّ والمُلْكِ، والصَّغارُ أنْ يَقَعُوا في أسْرٍ واسْتِعْبادٍ، ولا يَقْتَصِرُ بِهِمْ عَلى أنْ يَرْجِعُوا سُوقَةً بَعْدَ أنْ كانُوا مُلُوكًا.
النمل 27:36
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَتْ إنَّ المُلُوكَ إذا دَخَلُوا قَرْيَةً أفْسَدُوها وجَعَلُوا أعِزَّةَ أهْلِها أذِلَّةً وكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ ﴿وإنِّي مُرْسِلَةٌ إلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ المُرْسَلُونَ﴾ ﴿فَلَمّا جاءَ سُلَيْمانَ قالَ أتُمِدُّونَنِي بِمالٍ فَما آتانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمّا آتاكم بَلْ أنْتُمْ بِهَدِيَّتِكم تَفْرَحُونَ﴾ ﴿ارْجِعْ إلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهم بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهم بِها ولَنُخْرِجَنَّهم مِنها أذِلَّةً وهم صاغِرُونَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّها لَمّا عَرَضَتِ الواقِعَةَ عَلى أكابِرِ قَوْمِها وقالُوا ما تَقَدَّمَ أظْهَرَتْ رَأْيَها، وهو أنَّ المُلُوكَ إذا دَخَلُوا قَرْيَةً بِالقَهْرِ أفْسَدُوها، أيْ خَرَّبُوها وأذَلُّوا أعِزَّتَها، فَذَكَرَتْ لَهم عاقِبَةَ الحَرْبِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ فَقَدِ اخْتَلَفُوا أهْوَ مِن كَلامِها أوْ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى كالتَّصْوِيبِ لَها والأقْرَبُ أنَّهُ مِن كَلامِها، وأنَّها ذَكَرَتْهُ تَأْكِيدًا لِما وصَفَتْهُ مِن حالِ المُلُوكِ. فَأمّا الكَلامُ في صِفَةِ الهَدِيَّةِ فالنّاسُ أكْثَرُوا فِيها لَكِنْ لا ذِكْرَ لَها في الكِتابِ، وقَوْلُها: ﴿فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ المُرْسَلُونَ﴾ فِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّها لَمْ تَثِقْ بِالقَبُولِ وجَوَّزَتِ الرَّدَّ، وأرادَتْ بِذَلِكَ أنْ يَنْكَشِفَ لَها غَرَضُ سُلَيْمانَ، ولَمّا وصَلَتِ الهَدايا إلى سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ ذَكَرَ أمْرَيْنِ:
الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿أتُمِدُّونَنِي بِمالٍ﴾ فَأظْهَرَ بِهَذا الكَلامِ قِلَّةَ الِاكْتِراثِ بِذَلِكَ المالِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿بَلْ أنْتُمْ بِهَدِيَّتِكم تَفْرَحُونَ﴾ فَفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: أنَّ الهَدِيَّةَ اسْمٌ لِلْمُهْدى، كَما أنَّ العَطِيَّةَ اسْمٌ لِلْمُعْطى، فَتُضافُ إلى المَهْدِيِّ وإلى المُهْدى لَهُ، والمُضافُ إلَيْهِ هَهُنا هو المُهْدى إلَيْهِ، والمَعْنى أنَّ اللَّهَ تَعالى آتانِي الدِّينَ الَّذِي هو السَّعادَةُ القُصْوى، وآتانِي مِنَ الدُّنْيا ما لا مَزِيدَ عَلَيْهِ، فَكَيْفَ يُسْتَمالُ مِثْلِي بِمِثْلِ هَذِهِ الهَدِيَّةِ، بَلْ أنْتُمْ تَفْرَحُونَ بِما يُهْدى إلَيْكم، لَكِنَّ حالِي خِلافُ حالِكم.
وثانِيها: بَلْ أنْتُمْ بِهَدِيَّتِكم هَذِهِ الَّتِي أهْدَيْتُمُوها تَفْرَحُونَ مِن حَيْثُ إنَّكم قَدَرْتُمْ عَلى إهْداءِ مِثْلِها.
وثالِثُها: كَأنَّهُ قالَ: بَلْ أنْتُمْ مِن حَقِّكم أنْ تَأْخُذُوا هَدِيَّتَكم وتَفْرَحُوا بِها.
الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿ارْجِعْ إلَيْهِمْ﴾ فَقِيلَ: ارْجِعْ خِطابٌ لِلرَّسُولِ، وقِيلَ: لِلْهُدْهُدِ مُحَمَّلًا كِتابًا آخَرَ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا قِبَلَ﴾ أيْ لا طاقَةَ، وحَقِيقَةُ القِبَلِ المُقاوَمَةُ والمُقابَلَةُ، أيْ لا يَقْدِرُونَ أنْ يُقابِلُوهم. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: ”لا قِبَلَ لَهم بِهِمْ“، والضَّمِيرُ في ”مِنها“ لِسَبَأٍ، والذُّلُّ أنْ يَذْهَبَ عَنْهم ما كانَ عِنْدَهم مِنَ العِزِّ والمُلْكِ، والصَّغارُ أنْ يَقَعُوا في أسْرٍ واسْتِعْبادٍ، ولا يَقْتَصِرُ بِهِمْ عَلى أنْ يَرْجِعُوا سُوقَةً بَعْدَ أنْ كانُوا مُلُوكًا.
النمل 27:37
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَتْ إنَّ المُلُوكَ إذا دَخَلُوا قَرْيَةً أفْسَدُوها وجَعَلُوا أعِزَّةَ أهْلِها أذِلَّةً وكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ ﴿وإنِّي مُرْسِلَةٌ إلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ المُرْسَلُونَ﴾ ﴿فَلَمّا جاءَ سُلَيْمانَ قالَ أتُمِدُّونَنِي بِمالٍ فَما آتانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمّا آتاكم بَلْ أنْتُمْ بِهَدِيَّتِكم تَفْرَحُونَ﴾ ﴿ارْجِعْ إلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهم بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهم بِها ولَنُخْرِجَنَّهم مِنها أذِلَّةً وهم صاغِرُونَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّها لَمّا عَرَضَتِ الواقِعَةَ عَلى أكابِرِ قَوْمِها وقالُوا ما تَقَدَّمَ أظْهَرَتْ رَأْيَها، وهو أنَّ المُلُوكَ إذا دَخَلُوا قَرْيَةً بِالقَهْرِ أفْسَدُوها، أيْ خَرَّبُوها وأذَلُّوا أعِزَّتَها، فَذَكَرَتْ لَهم عاقِبَةَ الحَرْبِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ فَقَدِ اخْتَلَفُوا أهْوَ مِن كَلامِها أوْ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى كالتَّصْوِيبِ لَها والأقْرَبُ أنَّهُ مِن كَلامِها، وأنَّها ذَكَرَتْهُ تَأْكِيدًا لِما وصَفَتْهُ مِن حالِ المُلُوكِ. فَأمّا الكَلامُ في صِفَةِ الهَدِيَّةِ فالنّاسُ أكْثَرُوا فِيها لَكِنْ لا ذِكْرَ لَها في الكِتابِ، وقَوْلُها: ﴿فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ المُرْسَلُونَ﴾ فِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّها لَمْ تَثِقْ بِالقَبُولِ وجَوَّزَتِ الرَّدَّ، وأرادَتْ بِذَلِكَ أنْ يَنْكَشِفَ لَها غَرَضُ سُلَيْمانَ، ولَمّا وصَلَتِ الهَدايا إلى سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ ذَكَرَ أمْرَيْنِ:
الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿أتُمِدُّونَنِي بِمالٍ﴾ فَأظْهَرَ بِهَذا الكَلامِ قِلَّةَ الِاكْتِراثِ بِذَلِكَ المالِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿بَلْ أنْتُمْ بِهَدِيَّتِكم تَفْرَحُونَ﴾ فَفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: أنَّ الهَدِيَّةَ اسْمٌ لِلْمُهْدى، كَما أنَّ العَطِيَّةَ اسْمٌ لِلْمُعْطى، فَتُضافُ إلى المَهْدِيِّ وإلى المُهْدى لَهُ، والمُضافُ إلَيْهِ هَهُنا هو المُهْدى إلَيْهِ، والمَعْنى أنَّ اللَّهَ تَعالى آتانِي الدِّينَ الَّذِي هو السَّعادَةُ القُصْوى، وآتانِي مِنَ الدُّنْيا ما لا مَزِيدَ عَلَيْهِ، فَكَيْفَ يُسْتَمالُ مِثْلِي بِمِثْلِ هَذِهِ الهَدِيَّةِ، بَلْ أنْتُمْ تَفْرَحُونَ بِما يُهْدى إلَيْكم، لَكِنَّ حالِي خِلافُ حالِكم.
وثانِيها: بَلْ أنْتُمْ بِهَدِيَّتِكم هَذِهِ الَّتِي أهْدَيْتُمُوها تَفْرَحُونَ مِن حَيْثُ إنَّكم قَدَرْتُمْ عَلى إهْداءِ مِثْلِها.
وثالِثُها: كَأنَّهُ قالَ: بَلْ أنْتُمْ مِن حَقِّكم أنْ تَأْخُذُوا هَدِيَّتَكم وتَفْرَحُوا بِها.
الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿ارْجِعْ إلَيْهِمْ﴾ فَقِيلَ: ارْجِعْ خِطابٌ لِلرَّسُولِ، وقِيلَ: لِلْهُدْهُدِ مُحَمَّلًا كِتابًا آخَرَ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا قِبَلَ﴾ أيْ لا طاقَةَ، وحَقِيقَةُ القِبَلِ المُقاوَمَةُ والمُقابَلَةُ، أيْ لا يَقْدِرُونَ أنْ يُقابِلُوهم. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: ”لا قِبَلَ لَهم بِهِمْ“، والضَّمِيرُ في ”مِنها“ لِسَبَأٍ، والذُّلُّ أنْ يَذْهَبَ عَنْهم ما كانَ عِنْدَهم مِنَ العِزِّ والمُلْكِ، والصَّغارُ أنْ يَقَعُوا في أسْرٍ واسْتِعْبادٍ، ولا يَقْتَصِرُ بِهِمْ عَلى أنْ يَرْجِعُوا سُوقَةً بَعْدَ أنْ كانُوا مُلُوكًا.
النمل 27:38
?
صفحة ١٦٩
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ ياأيُّها المَلَأُ أيُّكم يَأْتِينِي بِعَرْشِها قَبْلَ أنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ ﴿قالَ عِفْريتٌ مِنَ الجِنِّ أنا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ تَقُومَ مِن مَقامِكَ وإنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أمِينٌ﴾ ﴿قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الكِتابِ أنا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ يَرْتَدَّ إلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قالَ هَذا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أأشْكُرُ أمْ أكْفُرُ ومَن شَكَرَ فَإنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ومَن كَفَرَ فَإنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ ياأيُّها المَلَأُ أيُّكم يَأْتِينِي بِعَرْشِها﴾ دَلالَةً عَلى أنَّها عَزَمَتْ عَلى اللُّحُوقِ بِسُلَيْمانَ، ودَلالَةً عَلى أنَّ أمْرَ ذَلِكَ العَرْشِ كانَ مَشْهُورًا، فَأحَبَّ أنْ يَحْصُلَ عِنْدَهُ قَبْلَ حُضُورِها، واخْتَلَفُوا في غَرَضِ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن إحْضارِ ذَلِكَ العَرْشِ عَلى وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ المُرادَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ دَلالَةٌ لِبِلْقِيسَ عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وعَلى نُبُوَّةِ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ، حَتّى تَنْضَمَّ هَذِهِ الدَّلالَةُ إلى سائِرِ الدَّلائِلِ الَّتِي سَلَفَتْ.
وثانِيها: أرادَ أنْ يُؤْتى بِذَلِكَ العَرْشِ فَيُغَيَّرَ ويُنَكَّرَ، ثُمَّ يُعْرَضَ عَلَيْها حَتّى أنَّها هَلْ تَعْرِفُهُ أوْ تُنْكِرُهُ، والمَقْصُودُ اخْتِبارُ عَقْلِها، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ نَكِّرُوا لَها عَرْشَها نَنْظُرْ أتَهْتَدِي﴾ [النمل: ٤١] كالدَّلالَةِ عَلى ذَلِكَ.
وثالِثُها: قالَ قَتادَةُ: أرادَ أنْ يَأْخُذَهُ قَبْلَ إسْلامِها، لِعِلْمِهِ أنَّها إذا أسْلَمَتْ لَمْ يَحِلَّ لَهُ أخْذُ مالِها.
ورابِعُها: أنَّ العَرْشَ سَرِيرُ المَمْلَكَةِ، فَأرادَ أنْ يَعْرِفَ مِقْدارَ مَمْلَكَتِها قَبْلَ وُصُولِها إلَيْهِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿قالَ عِفْريتٌ مِنَ الجِنِّ﴾ فالعِفْرِيتُ مِنَ الرِّجالِ الخَبِيثُ المُنْكَرُ الَّذِي يُعَفِّرُ أقْرانَهُ، ومِنَ الشَّياطِينِ الخَبِيثُ المارِدُ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿قَبْلَ أنْ تَقُومَ مِن مَقامِكَ﴾ فالمَعْنى مِن مَجْلِسِكَ، ولا بُدَّ فِيهِ مِن عادَةٍ مَعْلُومَةٍ حَتّى يَصِحَّ أنْ يُؤَقِّتَ، فَقِيلَ: المُرادُ مَجْلِسُ الحُكْمِ بَيْنَ النّاسِ، وقِيلَ: الوَقْتُ الَّذِي يَخْطُبُ فِيهِ النّاسَ، وقِيلَ: إلى انْتِصافِ النَّهارِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿لَقَوِيٌّ﴾ أيْ عَلى حَمْلِهِ أمِينٌ آتِي بِهِ كَما هو لا أخْتَزِلُ مِنهُ شَيْئًا.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الكِتابِ﴾ فَفِيهِ بَحْثانِ:
الأوَّلُ: اخْتَلَفُوا في ذَلِكَ الشَّخْصِ عَلى قَوْلَيْنِ: قِيلَ: كانَ مِنَ المَلائِكَةِ، وقِيلَ: كانَ مِنَ الإنْسِ، فَمَن قالَ بِالأوَّلِ اخْتَلَفُوا، قِيلَ: هو جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقِيلَ: هو مَلَكٌ أيَّدَ اللَّهُ تَعالى بِهِ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ومَن قالَ بِالثّانِي اخْتَلَفُوا عَلى وُجُوهٍ:
أحَدُها: قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ: إنَّهُ الخَضِرُ عَلَيْهِ السَّلامُ.
وثانِيها: وهو المَشْهُورُ مِن قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ: إنَّهُ آصَفُ بْنُ بَرْخِيا وزِيرُ سُلَيْمانَ، وكانَ صَدِّيقًا يَعْلَمُ الِاسْمَ الأعْظَمَ إذا دَعا بِهِ أُجِيبَ.
وثالِثُها: قَوْلُ قَتادَةَ: رَجُلٌ مِنَ الإنْسِ كانَ يَعْلَمُ اسْمَ اللَّهِ الأعْظَمِ.
ورابِعُها: قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ: كانَ رَجُلًا صالِحًا في جَزِيرَةٍ في البَحْرِ، خَرَجَ ذَلِكَ اليَوْمَ يَنْظُرُ إلى سُلَيْمانَ.
وخامِسُها: بَلْ هو سُلَيْمانُ نَفْسُهُ. والمُخاطَبُ هو العِفْرِيتُ الَّذِي كَلَّمَهُ، وأرادَ سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَّلامُ إظْهارَ مُعْجِزَةٍ فَتَحَدّاهم أوَّلًا، ثُمَّ بَيَّنَ لِلْعِفْرِيتِ أنَّهُ يَتَأتّى لَهُ مِن سُرْعَةِ الإتْيانِ بِالعَرْشِ ما لا يَتَهَيَّأُ لِلْعِفْرِيتِ، وهَذا القَوْلُ أقْرَبُ لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ لَفْظَةَ ”الَّذِي“ مَوْضُوعَةٌ
صفحة ١٧٠
فِي اللُّغَةِ لِلْإشارَةِ إلى شَخْصٍ مُعَيَّنٍ عِنْدَ مُحاوَلَةِ تَعْرِيفِهِ بِقِصَّةٍ مَعْلُومَةٍ والشَّخْصُ المَعْرُوفُ بِأنَّهُ عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ هو سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَوَجَبَ انْصِرافُهُ إلَيْهِ، أقْصى ما في البابِ أنْ يُقالَ: كانَ آصَفُ كَذَلِكَ أيْضًا لَكِنّا نَقُولُ: إنَّ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ، كانَ أعْرَفَ بِالكِتابِ مِنهُ لِأنَّهُ هو النَّبِيُّ، فَكانَ صَرْفُ هَذا اللَّفْظِ إلى سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ أوْلى.
الثّانِي: أنَّ إحْضارَ العَرْشِ في تِلْكَ السّاعَةِ اللَّطِيفَةِ دَرَجَةٌ عالِيَةٌ، فَلَوْ حَصَلَتْ لِآصَفَ دُونَ سُلَيْمانَ لاقْتَضى ذَلِكَ تَفْضِيلَ آصَفَ عَلى سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وإنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ.
الثّالِثُ: أنَّ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ، لَوِ افْتَقَرَ في ذَلِكَ إلى وصْفٍ لاقْتَضى ذَلِكَ قُصُورَ حالِ سُلَيْمانَ في أعْيُنِ الخَلْقِ.
الرّابِعُ: أنَّ سُلَيْمانَ قالَ: ﴿هَذا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أأشْكُرُ أمْ أكْفُرُ﴾ وظاهِرُهُ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ ذَلِكَ المُعْجِزُ قَدْ أظْهَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِدُعاءِ سُلَيْمانَ.
البَحْثُ الثّانِي: اخْتَلَفُوا في الكِتابِ، فَقِيلَ: اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، والَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ. وقِيلَ: كِتابُ سُلَيْمانَ، أوْ كِتابُ بَعْضِ الأنْبِياءِ، ومَعْلُومٌ في الجُمْلَةِ أنَّ ذَلِكَ مَدْحٌ، وأنَّ لِهَذا الوَصْفِ تَأْثِيرًا في نَقْلِ ذَلِكَ العَرْشِ، فَلِذَلِكَ قالُوا: إنَّهُ الِاسْمُ الأعْظَمُ وإنَّ عِنْدَهُ وقَعَتِ الإجابَةُ مِنَ اللَّهِ تَعالى في أسْرَعِ الأوْقاتِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ يَرْتَدَّ إلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ فَفِيهِ بَحْثانِ:
الأوَّلُ: آتِيكَ في المَوْضِعَيْنِ، يَجُوزُ أنْ يَكُونَ فِعْلًا واسْمَ فاعِلٍ.
الثّانِي: اخْتَلَفُوا في قَوْلِهِ: ﴿قَبْلَ أنْ يَرْتَدَّ إلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ عَلى وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ أرادَ المُبالَغَةَ في السُّرْعَةِ، كَما تَقُولُ لِصاحِبِكَ: افْعَلْ ذَلِكَ في لَحْظَةٍ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ.
الثّانِي: أنْ نُجْرِيَهُ عَلى ظاهِرِهِ، والطَّرْفُ تَحْرِيكُ الأجْفانِ عِنْدَ النَّظَرِ، فَإذا فَتَحْتَ الجَفْنَ فَقَدْ يُتَوَهَّمُ أنَّ نُورَ العَيْنِ امْتَدَّ إلى المَرْئِيِّ، وإذا أغْمَضْتَ الجَفْنَ فَقَدْ يُتَوَهَّمُ أنَّ ذَلِكَ النُّورَ ارْتَدَّ إلى العَيْنِ، فَهَذا هو المُرادُ مِنَ ارْتِدادِ الطَّرَفِ وهَهُنا سُؤالٌ: وهو أنَّهُ كَيْفَ يَجُوزُ والمَسافَةُ بَعِيدَةٌ أنْ يَنْقُلَ العَرْشَ في هَذا القَدْرِ مِنَ الزَّمانِ، وهَذا يَقْتَضِي إمّا القَوْلَ بِالطَّفْرَةِ أوْ حُصُولَ الجِسْمِ الواحِدِ دُفْعَةً واحِدَةً في مَكانَيْنِ جَوابُهُ: أنَّ المُهَنْدِسِينَ قالُوا: كُرَةُ الشَّمْسِ مِثْلُ كُرَةِ الأرْضِ مِائَةً وأرْبَعَةً وسِتِّينَ مَرَّةً، ثُمَّ إنَّ زَمانَ طُلُوعِها زَمانٌ قَصِيرٌ. فَإذا قَسَمْنا زَمانَ طُلُوعِ تَمامِ القُرْصِ عَلى زَمانِ القَدْرِ الَّذِي بَيْنَ الشّامِ واليَمَنِ كانَتِ اللَّمْحَةُ كَثِيرَةً فَلَمّا ثَبَتَ عَقْلًا إمْكانُ وُجُودِ هَذِهِ الحَرَكَةِ السَّرِيعَةِ، وثَبَتَ أنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى كُلِّ المُمْكِناتِ زالَ السُّؤالُ، ثُمَّ إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا ﴿رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قالَ هَذا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أأشْكُرُ أمْ أكْفُرُ﴾ والكَلامُ في تَفْسِيرِ الِابْتِلاءِ قَدْ مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ، ثُمَّ إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بَيَّنَ أنَّ نَفْعَ الشُّكْرِ عائِدٌ إلى الشّاكِرِ لا إلى اللَّهِ تَعالى، أمّا أنَّهُ عائِدٌ إلى الشّاكِرِ فَلِوُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ يَخْرُجُ عَنْ عُهْدَةِ ما وجَبَ عَلَيْهِ مِنَ الشُّكْرِ.
وثانِيها: أنَّهُ يَسْتَمِدُّ بِهِ المَزِيدَ عَلى ما قالَ: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧] .
وثالِثُها: أنَّ المُشْتَغِلَ بِالشُّكْرِ مُشْتَغِلٌ بِاللَّذّاتِ الحِسِّيَّةِ وفَرْقُ ما بَيْنَهُما كَفَرْقِ ما بَيْنَ المُنْعِمِ والنِّعْمَةِ في الشَّرَفِ، ثم قال: ﴿ومَن كَفَرَ فَإنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ غَنِيٌ عَنْ شُكْرِهِ لا يَضُرُّهُ كُفْرانُهُ، كَرِيمٌ لا يَقْطَعُ عَنْهُ نِعَمَهُ بِسَبَبِ إعْراضِهِ عَنِ الشُّكْرِ.
النمل 27:39
?
صفحة ١٦٩
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ ياأيُّها المَلَأُ أيُّكم يَأْتِينِي بِعَرْشِها قَبْلَ أنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ ﴿قالَ عِفْريتٌ مِنَ الجِنِّ أنا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ تَقُومَ مِن مَقامِكَ وإنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أمِينٌ﴾ ﴿قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الكِتابِ أنا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ يَرْتَدَّ إلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قالَ هَذا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أأشْكُرُ أمْ أكْفُرُ ومَن شَكَرَ فَإنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ومَن كَفَرَ فَإنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ ياأيُّها المَلَأُ أيُّكم يَأْتِينِي بِعَرْشِها﴾ دَلالَةً عَلى أنَّها عَزَمَتْ عَلى اللُّحُوقِ بِسُلَيْمانَ، ودَلالَةً عَلى أنَّ أمْرَ ذَلِكَ العَرْشِ كانَ مَشْهُورًا، فَأحَبَّ أنْ يَحْصُلَ عِنْدَهُ قَبْلَ حُضُورِها، واخْتَلَفُوا في غَرَضِ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن إحْضارِ ذَلِكَ العَرْشِ عَلى وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ المُرادَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ دَلالَةٌ لِبِلْقِيسَ عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وعَلى نُبُوَّةِ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ، حَتّى تَنْضَمَّ هَذِهِ الدَّلالَةُ إلى سائِرِ الدَّلائِلِ الَّتِي سَلَفَتْ.
وثانِيها: أرادَ أنْ يُؤْتى بِذَلِكَ العَرْشِ فَيُغَيَّرَ ويُنَكَّرَ، ثُمَّ يُعْرَضَ عَلَيْها حَتّى أنَّها هَلْ تَعْرِفُهُ أوْ تُنْكِرُهُ، والمَقْصُودُ اخْتِبارُ عَقْلِها، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ نَكِّرُوا لَها عَرْشَها نَنْظُرْ أتَهْتَدِي﴾ [النمل: ٤١] كالدَّلالَةِ عَلى ذَلِكَ.
وثالِثُها: قالَ قَتادَةُ: أرادَ أنْ يَأْخُذَهُ قَبْلَ إسْلامِها، لِعِلْمِهِ أنَّها إذا أسْلَمَتْ لَمْ يَحِلَّ لَهُ أخْذُ مالِها.
ورابِعُها: أنَّ العَرْشَ سَرِيرُ المَمْلَكَةِ، فَأرادَ أنْ يَعْرِفَ مِقْدارَ مَمْلَكَتِها قَبْلَ وُصُولِها إلَيْهِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿قالَ عِفْريتٌ مِنَ الجِنِّ﴾ فالعِفْرِيتُ مِنَ الرِّجالِ الخَبِيثُ المُنْكَرُ الَّذِي يُعَفِّرُ أقْرانَهُ، ومِنَ الشَّياطِينِ الخَبِيثُ المارِدُ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿قَبْلَ أنْ تَقُومَ مِن مَقامِكَ﴾ فالمَعْنى مِن مَجْلِسِكَ، ولا بُدَّ فِيهِ مِن عادَةٍ مَعْلُومَةٍ حَتّى يَصِحَّ أنْ يُؤَقِّتَ، فَقِيلَ: المُرادُ مَجْلِسُ الحُكْمِ بَيْنَ النّاسِ، وقِيلَ: الوَقْتُ الَّذِي يَخْطُبُ فِيهِ النّاسَ، وقِيلَ: إلى انْتِصافِ النَّهارِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿لَقَوِيٌّ﴾ أيْ عَلى حَمْلِهِ أمِينٌ آتِي بِهِ كَما هو لا أخْتَزِلُ مِنهُ شَيْئًا.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الكِتابِ﴾ فَفِيهِ بَحْثانِ:
الأوَّلُ: اخْتَلَفُوا في ذَلِكَ الشَّخْصِ عَلى قَوْلَيْنِ: قِيلَ: كانَ مِنَ المَلائِكَةِ، وقِيلَ: كانَ مِنَ الإنْسِ، فَمَن قالَ بِالأوَّلِ اخْتَلَفُوا، قِيلَ: هو جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقِيلَ: هو مَلَكٌ أيَّدَ اللَّهُ تَعالى بِهِ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ومَن قالَ بِالثّانِي اخْتَلَفُوا عَلى وُجُوهٍ:
أحَدُها: قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ: إنَّهُ الخَضِرُ عَلَيْهِ السَّلامُ.
وثانِيها: وهو المَشْهُورُ مِن قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ: إنَّهُ آصَفُ بْنُ بَرْخِيا وزِيرُ سُلَيْمانَ، وكانَ صَدِّيقًا يَعْلَمُ الِاسْمَ الأعْظَمَ إذا دَعا بِهِ أُجِيبَ.
وثالِثُها: قَوْلُ قَتادَةَ: رَجُلٌ مِنَ الإنْسِ كانَ يَعْلَمُ اسْمَ اللَّهِ الأعْظَمِ.
ورابِعُها: قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ: كانَ رَجُلًا صالِحًا في جَزِيرَةٍ في البَحْرِ، خَرَجَ ذَلِكَ اليَوْمَ يَنْظُرُ إلى سُلَيْمانَ.
وخامِسُها: بَلْ هو سُلَيْمانُ نَفْسُهُ. والمُخاطَبُ هو العِفْرِيتُ الَّذِي كَلَّمَهُ، وأرادَ سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَّلامُ إظْهارَ مُعْجِزَةٍ فَتَحَدّاهم أوَّلًا، ثُمَّ بَيَّنَ لِلْعِفْرِيتِ أنَّهُ يَتَأتّى لَهُ مِن سُرْعَةِ الإتْيانِ بِالعَرْشِ ما لا يَتَهَيَّأُ لِلْعِفْرِيتِ، وهَذا القَوْلُ أقْرَبُ لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ لَفْظَةَ ”الَّذِي“ مَوْضُوعَةٌ
صفحة ١٧٠
فِي اللُّغَةِ لِلْإشارَةِ إلى شَخْصٍ مُعَيَّنٍ عِنْدَ مُحاوَلَةِ تَعْرِيفِهِ بِقِصَّةٍ مَعْلُومَةٍ والشَّخْصُ المَعْرُوفُ بِأنَّهُ عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ هو سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَوَجَبَ انْصِرافُهُ إلَيْهِ، أقْصى ما في البابِ أنْ يُقالَ: كانَ آصَفُ كَذَلِكَ أيْضًا لَكِنّا نَقُولُ: إنَّ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ، كانَ أعْرَفَ بِالكِتابِ مِنهُ لِأنَّهُ هو النَّبِيُّ، فَكانَ صَرْفُ هَذا اللَّفْظِ إلى سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ أوْلى.
الثّانِي: أنَّ إحْضارَ العَرْشِ في تِلْكَ السّاعَةِ اللَّطِيفَةِ دَرَجَةٌ عالِيَةٌ، فَلَوْ حَصَلَتْ لِآصَفَ دُونَ سُلَيْمانَ لاقْتَضى ذَلِكَ تَفْضِيلَ آصَفَ عَلى سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وإنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ.
الثّالِثُ: أنَّ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ، لَوِ افْتَقَرَ في ذَلِكَ إلى وصْفٍ لاقْتَضى ذَلِكَ قُصُورَ حالِ سُلَيْمانَ في أعْيُنِ الخَلْقِ.
الرّابِعُ: أنَّ سُلَيْمانَ قالَ: ﴿هَذا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أأشْكُرُ أمْ أكْفُرُ﴾ وظاهِرُهُ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ ذَلِكَ المُعْجِزُ قَدْ أظْهَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِدُعاءِ سُلَيْمانَ.
البَحْثُ الثّانِي: اخْتَلَفُوا في الكِتابِ، فَقِيلَ: اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، والَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ. وقِيلَ: كِتابُ سُلَيْمانَ، أوْ كِتابُ بَعْضِ الأنْبِياءِ، ومَعْلُومٌ في الجُمْلَةِ أنَّ ذَلِكَ مَدْحٌ، وأنَّ لِهَذا الوَصْفِ تَأْثِيرًا في نَقْلِ ذَلِكَ العَرْشِ، فَلِذَلِكَ قالُوا: إنَّهُ الِاسْمُ الأعْظَمُ وإنَّ عِنْدَهُ وقَعَتِ الإجابَةُ مِنَ اللَّهِ تَعالى في أسْرَعِ الأوْقاتِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ يَرْتَدَّ إلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ فَفِيهِ بَحْثانِ:
الأوَّلُ: آتِيكَ في المَوْضِعَيْنِ، يَجُوزُ أنْ يَكُونَ فِعْلًا واسْمَ فاعِلٍ.
الثّانِي: اخْتَلَفُوا في قَوْلِهِ: ﴿قَبْلَ أنْ يَرْتَدَّ إلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ عَلى وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ أرادَ المُبالَغَةَ في السُّرْعَةِ، كَما تَقُولُ لِصاحِبِكَ: افْعَلْ ذَلِكَ في لَحْظَةٍ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ.
الثّانِي: أنْ نُجْرِيَهُ عَلى ظاهِرِهِ، والطَّرْفُ تَحْرِيكُ الأجْفانِ عِنْدَ النَّظَرِ، فَإذا فَتَحْتَ الجَفْنَ فَقَدْ يُتَوَهَّمُ أنَّ نُورَ العَيْنِ امْتَدَّ إلى المَرْئِيِّ، وإذا أغْمَضْتَ الجَفْنَ فَقَدْ يُتَوَهَّمُ أنَّ ذَلِكَ النُّورَ ارْتَدَّ إلى العَيْنِ، فَهَذا هو المُرادُ مِنَ ارْتِدادِ الطَّرَفِ وهَهُنا سُؤالٌ: وهو أنَّهُ كَيْفَ يَجُوزُ والمَسافَةُ بَعِيدَةٌ أنْ يَنْقُلَ العَرْشَ في هَذا القَدْرِ مِنَ الزَّمانِ، وهَذا يَقْتَضِي إمّا القَوْلَ بِالطَّفْرَةِ أوْ حُصُولَ الجِسْمِ الواحِدِ دُفْعَةً واحِدَةً في مَكانَيْنِ جَوابُهُ: أنَّ المُهَنْدِسِينَ قالُوا: كُرَةُ الشَّمْسِ مِثْلُ كُرَةِ الأرْضِ مِائَةً وأرْبَعَةً وسِتِّينَ مَرَّةً، ثُمَّ إنَّ زَمانَ طُلُوعِها زَمانٌ قَصِيرٌ. فَإذا قَسَمْنا زَمانَ طُلُوعِ تَمامِ القُرْصِ عَلى زَمانِ القَدْرِ الَّذِي بَيْنَ الشّامِ واليَمَنِ كانَتِ اللَّمْحَةُ كَثِيرَةً فَلَمّا ثَبَتَ عَقْلًا إمْكانُ وُجُودِ هَذِهِ الحَرَكَةِ السَّرِيعَةِ، وثَبَتَ أنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى كُلِّ المُمْكِناتِ زالَ السُّؤالُ، ثُمَّ إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا ﴿رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قالَ هَذا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أأشْكُرُ أمْ أكْفُرُ﴾ والكَلامُ في تَفْسِيرِ الِابْتِلاءِ قَدْ مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ، ثُمَّ إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بَيَّنَ أنَّ نَفْعَ الشُّكْرِ عائِدٌ إلى الشّاكِرِ لا إلى اللَّهِ تَعالى، أمّا أنَّهُ عائِدٌ إلى الشّاكِرِ فَلِوُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ يَخْرُجُ عَنْ عُهْدَةِ ما وجَبَ عَلَيْهِ مِنَ الشُّكْرِ.
وثانِيها: أنَّهُ يَسْتَمِدُّ بِهِ المَزِيدَ عَلى ما قالَ: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧] .
وثالِثُها: أنَّ المُشْتَغِلَ بِالشُّكْرِ مُشْتَغِلٌ بِاللَّذّاتِ الحِسِّيَّةِ وفَرْقُ ما بَيْنَهُما كَفَرْقِ ما بَيْنَ المُنْعِمِ والنِّعْمَةِ في الشَّرَفِ، ثم قال: ﴿ومَن كَفَرَ فَإنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ غَنِيٌ عَنْ شُكْرِهِ لا يَضُرُّهُ كُفْرانُهُ، كَرِيمٌ لا يَقْطَعُ عَنْهُ نِعَمَهُ بِسَبَبِ إعْراضِهِ عَنِ الشُّكْرِ.
النمل 27:40
?
صفحة ١٦٩
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ ياأيُّها المَلَأُ أيُّكم يَأْتِينِي بِعَرْشِها قَبْلَ أنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ ﴿قالَ عِفْريتٌ مِنَ الجِنِّ أنا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ تَقُومَ مِن مَقامِكَ وإنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أمِينٌ﴾ ﴿قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الكِتابِ أنا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ يَرْتَدَّ إلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قالَ هَذا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أأشْكُرُ أمْ أكْفُرُ ومَن شَكَرَ فَإنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ومَن كَفَرَ فَإنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ ياأيُّها المَلَأُ أيُّكم يَأْتِينِي بِعَرْشِها﴾ دَلالَةً عَلى أنَّها عَزَمَتْ عَلى اللُّحُوقِ بِسُلَيْمانَ، ودَلالَةً عَلى أنَّ أمْرَ ذَلِكَ العَرْشِ كانَ مَشْهُورًا، فَأحَبَّ أنْ يَحْصُلَ عِنْدَهُ قَبْلَ حُضُورِها، واخْتَلَفُوا في غَرَضِ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن إحْضارِ ذَلِكَ العَرْشِ عَلى وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ المُرادَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ دَلالَةٌ لِبِلْقِيسَ عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وعَلى نُبُوَّةِ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ، حَتّى تَنْضَمَّ هَذِهِ الدَّلالَةُ إلى سائِرِ الدَّلائِلِ الَّتِي سَلَفَتْ.
وثانِيها: أرادَ أنْ يُؤْتى بِذَلِكَ العَرْشِ فَيُغَيَّرَ ويُنَكَّرَ، ثُمَّ يُعْرَضَ عَلَيْها حَتّى أنَّها هَلْ تَعْرِفُهُ أوْ تُنْكِرُهُ، والمَقْصُودُ اخْتِبارُ عَقْلِها، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ نَكِّرُوا لَها عَرْشَها نَنْظُرْ أتَهْتَدِي﴾ [النمل: ٤١] كالدَّلالَةِ عَلى ذَلِكَ.
وثالِثُها: قالَ قَتادَةُ: أرادَ أنْ يَأْخُذَهُ قَبْلَ إسْلامِها، لِعِلْمِهِ أنَّها إذا أسْلَمَتْ لَمْ يَحِلَّ لَهُ أخْذُ مالِها.
ورابِعُها: أنَّ العَرْشَ سَرِيرُ المَمْلَكَةِ، فَأرادَ أنْ يَعْرِفَ مِقْدارَ مَمْلَكَتِها قَبْلَ وُصُولِها إلَيْهِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿قالَ عِفْريتٌ مِنَ الجِنِّ﴾ فالعِفْرِيتُ مِنَ الرِّجالِ الخَبِيثُ المُنْكَرُ الَّذِي يُعَفِّرُ أقْرانَهُ، ومِنَ الشَّياطِينِ الخَبِيثُ المارِدُ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿قَبْلَ أنْ تَقُومَ مِن مَقامِكَ﴾ فالمَعْنى مِن مَجْلِسِكَ، ولا بُدَّ فِيهِ مِن عادَةٍ مَعْلُومَةٍ حَتّى يَصِحَّ أنْ يُؤَقِّتَ، فَقِيلَ: المُرادُ مَجْلِسُ الحُكْمِ بَيْنَ النّاسِ، وقِيلَ: الوَقْتُ الَّذِي يَخْطُبُ فِيهِ النّاسَ، وقِيلَ: إلى انْتِصافِ النَّهارِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿لَقَوِيٌّ﴾ أيْ عَلى حَمْلِهِ أمِينٌ آتِي بِهِ كَما هو لا أخْتَزِلُ مِنهُ شَيْئًا.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الكِتابِ﴾ فَفِيهِ بَحْثانِ:
الأوَّلُ: اخْتَلَفُوا في ذَلِكَ الشَّخْصِ عَلى قَوْلَيْنِ: قِيلَ: كانَ مِنَ المَلائِكَةِ، وقِيلَ: كانَ مِنَ الإنْسِ، فَمَن قالَ بِالأوَّلِ اخْتَلَفُوا، قِيلَ: هو جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقِيلَ: هو مَلَكٌ أيَّدَ اللَّهُ تَعالى بِهِ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ومَن قالَ بِالثّانِي اخْتَلَفُوا عَلى وُجُوهٍ:
أحَدُها: قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ: إنَّهُ الخَضِرُ عَلَيْهِ السَّلامُ.
وثانِيها: وهو المَشْهُورُ مِن قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ: إنَّهُ آصَفُ بْنُ بَرْخِيا وزِيرُ سُلَيْمانَ، وكانَ صَدِّيقًا يَعْلَمُ الِاسْمَ الأعْظَمَ إذا دَعا بِهِ أُجِيبَ.
وثالِثُها: قَوْلُ قَتادَةَ: رَجُلٌ مِنَ الإنْسِ كانَ يَعْلَمُ اسْمَ اللَّهِ الأعْظَمِ.
ورابِعُها: قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ: كانَ رَجُلًا صالِحًا في جَزِيرَةٍ في البَحْرِ، خَرَجَ ذَلِكَ اليَوْمَ يَنْظُرُ إلى سُلَيْمانَ.
وخامِسُها: بَلْ هو سُلَيْمانُ نَفْسُهُ. والمُخاطَبُ هو العِفْرِيتُ الَّذِي كَلَّمَهُ، وأرادَ سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَّلامُ إظْهارَ مُعْجِزَةٍ فَتَحَدّاهم أوَّلًا، ثُمَّ بَيَّنَ لِلْعِفْرِيتِ أنَّهُ يَتَأتّى لَهُ مِن سُرْعَةِ الإتْيانِ بِالعَرْشِ ما لا يَتَهَيَّأُ لِلْعِفْرِيتِ، وهَذا القَوْلُ أقْرَبُ لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ لَفْظَةَ ”الَّذِي“ مَوْضُوعَةٌ
صفحة ١٧٠
فِي اللُّغَةِ لِلْإشارَةِ إلى شَخْصٍ مُعَيَّنٍ عِنْدَ مُحاوَلَةِ تَعْرِيفِهِ بِقِصَّةٍ مَعْلُومَةٍ والشَّخْصُ المَعْرُوفُ بِأنَّهُ عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ هو سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَوَجَبَ انْصِرافُهُ إلَيْهِ، أقْصى ما في البابِ أنْ يُقالَ: كانَ آصَفُ كَذَلِكَ أيْضًا لَكِنّا نَقُولُ: إنَّ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ، كانَ أعْرَفَ بِالكِتابِ مِنهُ لِأنَّهُ هو النَّبِيُّ، فَكانَ صَرْفُ هَذا اللَّفْظِ إلى سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ أوْلى.
الثّانِي: أنَّ إحْضارَ العَرْشِ في تِلْكَ السّاعَةِ اللَّطِيفَةِ دَرَجَةٌ عالِيَةٌ، فَلَوْ حَصَلَتْ لِآصَفَ دُونَ سُلَيْمانَ لاقْتَضى ذَلِكَ تَفْضِيلَ آصَفَ عَلى سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وإنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ.
الثّالِثُ: أنَّ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ، لَوِ افْتَقَرَ في ذَلِكَ إلى وصْفٍ لاقْتَضى ذَلِكَ قُصُورَ حالِ سُلَيْمانَ في أعْيُنِ الخَلْقِ.
الرّابِعُ: أنَّ سُلَيْمانَ قالَ: ﴿هَذا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أأشْكُرُ أمْ أكْفُرُ﴾ وظاهِرُهُ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ ذَلِكَ المُعْجِزُ قَدْ أظْهَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِدُعاءِ سُلَيْمانَ.
البَحْثُ الثّانِي: اخْتَلَفُوا في الكِتابِ، فَقِيلَ: اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، والَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ. وقِيلَ: كِتابُ سُلَيْمانَ، أوْ كِتابُ بَعْضِ الأنْبِياءِ، ومَعْلُومٌ في الجُمْلَةِ أنَّ ذَلِكَ مَدْحٌ، وأنَّ لِهَذا الوَصْفِ تَأْثِيرًا في نَقْلِ ذَلِكَ العَرْشِ، فَلِذَلِكَ قالُوا: إنَّهُ الِاسْمُ الأعْظَمُ وإنَّ عِنْدَهُ وقَعَتِ الإجابَةُ مِنَ اللَّهِ تَعالى في أسْرَعِ الأوْقاتِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ يَرْتَدَّ إلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ فَفِيهِ بَحْثانِ:
الأوَّلُ: آتِيكَ في المَوْضِعَيْنِ، يَجُوزُ أنْ يَكُونَ فِعْلًا واسْمَ فاعِلٍ.
الثّانِي: اخْتَلَفُوا في قَوْلِهِ: ﴿قَبْلَ أنْ يَرْتَدَّ إلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ عَلى وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ أرادَ المُبالَغَةَ في السُّرْعَةِ، كَما تَقُولُ لِصاحِبِكَ: افْعَلْ ذَلِكَ في لَحْظَةٍ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ.
الثّانِي: أنْ نُجْرِيَهُ عَلى ظاهِرِهِ، والطَّرْفُ تَحْرِيكُ الأجْفانِ عِنْدَ النَّظَرِ، فَإذا فَتَحْتَ الجَفْنَ فَقَدْ يُتَوَهَّمُ أنَّ نُورَ العَيْنِ امْتَدَّ إلى المَرْئِيِّ، وإذا أغْمَضْتَ الجَفْنَ فَقَدْ يُتَوَهَّمُ أنَّ ذَلِكَ النُّورَ ارْتَدَّ إلى العَيْنِ، فَهَذا هو المُرادُ مِنَ ارْتِدادِ الطَّرَفِ وهَهُنا سُؤالٌ: وهو أنَّهُ كَيْفَ يَجُوزُ والمَسافَةُ بَعِيدَةٌ أنْ يَنْقُلَ العَرْشَ في هَذا القَدْرِ مِنَ الزَّمانِ، وهَذا يَقْتَضِي إمّا القَوْلَ بِالطَّفْرَةِ أوْ حُصُولَ الجِسْمِ الواحِدِ دُفْعَةً واحِدَةً في مَكانَيْنِ جَوابُهُ: أنَّ المُهَنْدِسِينَ قالُوا: كُرَةُ الشَّمْسِ مِثْلُ كُرَةِ الأرْضِ مِائَةً وأرْبَعَةً وسِتِّينَ مَرَّةً، ثُمَّ إنَّ زَمانَ طُلُوعِها زَمانٌ قَصِيرٌ. فَإذا قَسَمْنا زَمانَ طُلُوعِ تَمامِ القُرْصِ عَلى زَمانِ القَدْرِ الَّذِي بَيْنَ الشّامِ واليَمَنِ كانَتِ اللَّمْحَةُ كَثِيرَةً فَلَمّا ثَبَتَ عَقْلًا إمْكانُ وُجُودِ هَذِهِ الحَرَكَةِ السَّرِيعَةِ، وثَبَتَ أنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى كُلِّ المُمْكِناتِ زالَ السُّؤالُ، ثُمَّ إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا ﴿رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قالَ هَذا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أأشْكُرُ أمْ أكْفُرُ﴾ والكَلامُ في تَفْسِيرِ الِابْتِلاءِ قَدْ مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ، ثُمَّ إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بَيَّنَ أنَّ نَفْعَ الشُّكْرِ عائِدٌ إلى الشّاكِرِ لا إلى اللَّهِ تَعالى، أمّا أنَّهُ عائِدٌ إلى الشّاكِرِ فَلِوُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ يَخْرُجُ عَنْ عُهْدَةِ ما وجَبَ عَلَيْهِ مِنَ الشُّكْرِ.
وثانِيها: أنَّهُ يَسْتَمِدُّ بِهِ المَزِيدَ عَلى ما قالَ: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧] .
وثالِثُها: أنَّ المُشْتَغِلَ بِالشُّكْرِ مُشْتَغِلٌ بِاللَّذّاتِ الحِسِّيَّةِ وفَرْقُ ما بَيْنَهُما كَفَرْقِ ما بَيْنَ المُنْعِمِ والنِّعْمَةِ في الشَّرَفِ، ثم قال: ﴿ومَن كَفَرَ فَإنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ غَنِيٌ عَنْ شُكْرِهِ لا يَضُرُّهُ كُفْرانُهُ، كَرِيمٌ لا يَقْطَعُ عَنْهُ نِعَمَهُ بِسَبَبِ إعْراضِهِ عَنِ الشُّكْرِ.
النمل 27:41
صفحة ١٧١
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ نَكِّرُوا لَها عَرْشَها نَنْظُرْ أتَهْتَدِي أمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ﴾ ﴿فَلَمّا جاءَتْ قِيلَ أهَكَذا عَرْشُكِ قالَتْ كَأنَّهُ هو وأُوتِينا العِلْمَ مِن قَبْلِها وكُنّا مُسْلِمِينَ﴾ ﴿وصَدَّها ما كانَتْ تَعْبُدُ مِن دُونِ اللَّهِ إنَّها كانَتْ مِن قَوْمٍ كافِرِينَ﴾
اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿نَكِّرُوا﴾ مَعْناهُ: اجْعَلُوا العَرْشَ مُنَكَّرًا مُغَيَّرًا عَنْ شَكْلِهِ، كَما يَتَنَكَّرُ الرَّجُلُ لِلنّاسِ لِئَلّا يَعْرِفُوهُ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ لَوْ تُرِكَ عَلى ما كانَ لَعَرَفَتْهُ لا مَحالَةَ، وكانَ لا تَدُلُّ مَعْرِفَتُها بِهِ عَلى ثَباتِ عَقْلِها، وإذا غُيِّرَ دَلَّتْ مَعْرِفَتُها أوْ تَوَقُّفُها فِيهِ عَلى فَضْلِ عَقْلٍ، ولا يَمْتَنِعُ صِحَّةُ ما قِيلَ: إنَّ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ أُلْقِيَ إلَيْهِ أنَّ فِيها نُقْصانَ عَقْلٍ؛ لِكَيْ لا يَتَزَوَّجَها أوْ لا تَحْظى عِنْدَهُ عَلى وجْهِ الحَسَدِ، فَأرادَ بِما ذَكَرْنا اخْتِبارَ عَقْلِها.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿نَنْظُرْ﴾ فَقُرِئَ بِالجَزْمِ عَلى الجَوابِ، وبِالرَّفْعِ عَلى الِاسْتِئْنافِ، واخْتَلَفُوا في (أتَهْتَدِي) عَلى وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أتَعْرِفُ أنَّهُ عَرْشُها أمْ لا ؟ كَما قَدَّمْنا.
الثّانِي: أتَعْرِفُ بِهِ نُبُوَّةَ سُلَيْمانَ أمْ لا ؟ ولِذَلِكَ قالَ: ﴿أمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ﴾ وذَلِكَ كالذَّمِّ ولا يَلِيقُ إلّا بِطَرِيقَةِ الدَّلالَةِ، فَكَأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أحَبَّ أنْ تَنْظُرَ فَتَعْرِفَ بِهِ نُبُوَّتَهُ مِن حَيْثُ صارَ مُتَنَقِّلًا مِنَ المَكانِ البَعِيدِ إلى هُناكَ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وعَلى صِدْقِ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ويَعْرِفُ بِذَلِكَ أيْضًا فَضْلَ عَقْلِها لِأغْراضٍ كانَتْ لَهُ، فَعِنْدَ ذَلِكَ سَألَها.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿أهَكَذا عَرْشُكِ﴾ فاعْلَمْ أنَّ هَكَذا ثَلاثُ كَلِماتٍ، حَرْفُ التَّنْبِيهِ، وكافُ التَّشْبِيهِ، واسْمُ الإشارَةِ، ولَمْ يَقُلْ: أهَذا عَرْشُكِ، ولَكِنْ أمِثْلُ هَذا عَرْشُكِ ؟ لِئَلّا يَكُونَ تَلْقِينًا، فَقالَتْ: ﴿كَأنَّهُ هُوَ﴾ ولَمْ تَقُلْ: هو هو، ولا لَيْسَ بِهِ، وذَلِكَ مِن كَمالِ عَقْلِها حَيْثُ تَوَقَّفَتْ في مَحَلِّ التَّوَقُّفِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وأُوتِينا العِلْمَ مِن قَبْلِها﴾ فَفِيهِ سُؤالانِ: وهو أنَّ هَذا الكَلامَ كَلامُ مَن ؟ وأيْضًا فَعَلى أيِّ شَيْءٍ عَطَفَ هَذا الكَلامَ ؟ وعَنْهُ جَوابانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ كَلامُ سُلَيْمانَ وقَوْمِهِ، وذَلِكَ لِأنَّ بِلْقِيسَ لَمّا سُئِلَتْ عَنْ عَرْشِها، ثُمَّ إنَّها أجابَتْ بِقَوْلِها: ﴿كَأنَّهُ هُوَ﴾ فالظّاهِرُ أنَّ سُلَيْمانَ وقَوْمَهُ قالُوا: إنَّها قَدْ أصابَتْ في جَوابِها، وهي عاقِلَةٌ لَبِيبَةٌ، وقَدْ رُزِقَتِ الإسْلامَ، ثُمَّ عَطَفُوا عَلى ذَلِكَ قَوْلَهم: وأُوتِينا نَحْنُ العِلْمَ بِاللَّهِ وبِقُدْرَتِهِ قَبْلَ عِلْمِها، ويَكُونُ غَرَضُهم مِن ذَلِكَ شُكْرَ اللَّهِ تَعالى في أنْ خَصَّهم بِمَزِيَّةِ التَّقَدُّمِ في الإسْلامِ.
الثّانِي: أنَّهُ مِن كَلامِ بِلْقِيسَ مَوْصُولًا بِقَوْلِها: ﴿كَأنَّهُ هُوَ﴾ والمَعْنى: وأُوتِينا العِلْمَ بِاللَّهِ وبِصِحَّةِ نُبُوَّةِ سُلَيْمانَ قَبْلَ هَذِهِ المُعْجِزَةِ أوْ قَبْلَ هَذِهِ الحالَةِ، ثُمَّ إنَّ قَوْلَهُ: ﴿وصَدَّها ما كانَتْ تَعْبُدُ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ يَكُونُ مِن كَلامِ رَبِّ العِزَّةِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وصَدَّها ما كانَتْ تَعْبُدُ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ فَفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: المُرادُ: وصَدَّها عِبادَتُها لِغَيْرِ اللَّهِ عَنِ الإيمانِ.
الثّانِي: وصَدَّها اللَّهُ أوْ سُلَيْمانُ عَمّا كانَتْ تَعْبُدُ، بِتَقْدِيرِ حَذْفِ الجارِّ وإيصالِ الفِعْلِ، وقُرِئَ (أنَّها) بِالفَتْحِ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن فاعِلِ صَدَّ وبِمَعْنى لِأنَّها، واحْتَجَّتِ المُعْتَزِلَةُ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَقالُوا: لَوْ كانَ تَعالى خَلَقَ الكُفْرَ فِيها لَمْ يَكُنِ الصّادُّ لَها كُفْرَها المُتَقَدِّمَ ولا كَوْنَها مِن جُمْلَةِ الكُفّارِ، بَلْ كانَ يَكُونُ الصّادُّ لَها عَنِ الإيمانِ تَجَدُّدَ خَلْقِ اللَّهِ الكُفْرَ فِيها.
والجَوابُ: أمّا عَلى التَّأْوِيلِ الثّانِي فَلا شَكَّ في سُقُوطِ الِاسْتِدْلالِ.
وأمّا عَلى الأوَّلِ فَجَوابُنا: أنَّ كَوْنَها مِن جُمْلَةِ الكُفّارِ صارَ سَبَبًا لِحُصُولِ الدّاعِيَةِ المُسْتَلْزِمَةِ لِلْكُفْرِ، وحِينَئِذٍ يَبْقى ظاهِرُ الآيَةِ مُوافِقًا لِقَوْلِنا، واللَّهُ أعْلَمُ.
النمل 27:42
صفحة ١٧١
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ نَكِّرُوا لَها عَرْشَها نَنْظُرْ أتَهْتَدِي أمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ﴾ ﴿فَلَمّا جاءَتْ قِيلَ أهَكَذا عَرْشُكِ قالَتْ كَأنَّهُ هو وأُوتِينا العِلْمَ مِن قَبْلِها وكُنّا مُسْلِمِينَ﴾ ﴿وصَدَّها ما كانَتْ تَعْبُدُ مِن دُونِ اللَّهِ إنَّها كانَتْ مِن قَوْمٍ كافِرِينَ﴾
اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿نَكِّرُوا﴾ مَعْناهُ: اجْعَلُوا العَرْشَ مُنَكَّرًا مُغَيَّرًا عَنْ شَكْلِهِ، كَما يَتَنَكَّرُ الرَّجُلُ لِلنّاسِ لِئَلّا يَعْرِفُوهُ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ لَوْ تُرِكَ عَلى ما كانَ لَعَرَفَتْهُ لا مَحالَةَ، وكانَ لا تَدُلُّ مَعْرِفَتُها بِهِ عَلى ثَباتِ عَقْلِها، وإذا غُيِّرَ دَلَّتْ مَعْرِفَتُها أوْ تَوَقُّفُها فِيهِ عَلى فَضْلِ عَقْلٍ، ولا يَمْتَنِعُ صِحَّةُ ما قِيلَ: إنَّ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ أُلْقِيَ إلَيْهِ أنَّ فِيها نُقْصانَ عَقْلٍ؛ لِكَيْ لا يَتَزَوَّجَها أوْ لا تَحْظى عِنْدَهُ عَلى وجْهِ الحَسَدِ، فَأرادَ بِما ذَكَرْنا اخْتِبارَ عَقْلِها.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿نَنْظُرْ﴾ فَقُرِئَ بِالجَزْمِ عَلى الجَوابِ، وبِالرَّفْعِ عَلى الِاسْتِئْنافِ، واخْتَلَفُوا في (أتَهْتَدِي) عَلى وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أتَعْرِفُ أنَّهُ عَرْشُها أمْ لا ؟ كَما قَدَّمْنا.
الثّانِي: أتَعْرِفُ بِهِ نُبُوَّةَ سُلَيْمانَ أمْ لا ؟ ولِذَلِكَ قالَ: ﴿أمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ﴾ وذَلِكَ كالذَّمِّ ولا يَلِيقُ إلّا بِطَرِيقَةِ الدَّلالَةِ، فَكَأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أحَبَّ أنْ تَنْظُرَ فَتَعْرِفَ بِهِ نُبُوَّتَهُ مِن حَيْثُ صارَ مُتَنَقِّلًا مِنَ المَكانِ البَعِيدِ إلى هُناكَ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وعَلى صِدْقِ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ويَعْرِفُ بِذَلِكَ أيْضًا فَضْلَ عَقْلِها لِأغْراضٍ كانَتْ لَهُ، فَعِنْدَ ذَلِكَ سَألَها.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿أهَكَذا عَرْشُكِ﴾ فاعْلَمْ أنَّ هَكَذا ثَلاثُ كَلِماتٍ، حَرْفُ التَّنْبِيهِ، وكافُ التَّشْبِيهِ، واسْمُ الإشارَةِ، ولَمْ يَقُلْ: أهَذا عَرْشُكِ، ولَكِنْ أمِثْلُ هَذا عَرْشُكِ ؟ لِئَلّا يَكُونَ تَلْقِينًا، فَقالَتْ: ﴿كَأنَّهُ هُوَ﴾ ولَمْ تَقُلْ: هو هو، ولا لَيْسَ بِهِ، وذَلِكَ مِن كَمالِ عَقْلِها حَيْثُ تَوَقَّفَتْ في مَحَلِّ التَّوَقُّفِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وأُوتِينا العِلْمَ مِن قَبْلِها﴾ فَفِيهِ سُؤالانِ: وهو أنَّ هَذا الكَلامَ كَلامُ مَن ؟ وأيْضًا فَعَلى أيِّ شَيْءٍ عَطَفَ هَذا الكَلامَ ؟ وعَنْهُ جَوابانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ كَلامُ سُلَيْمانَ وقَوْمِهِ، وذَلِكَ لِأنَّ بِلْقِيسَ لَمّا سُئِلَتْ عَنْ عَرْشِها، ثُمَّ إنَّها أجابَتْ بِقَوْلِها: ﴿كَأنَّهُ هُوَ﴾ فالظّاهِرُ أنَّ سُلَيْمانَ وقَوْمَهُ قالُوا: إنَّها قَدْ أصابَتْ في جَوابِها، وهي عاقِلَةٌ لَبِيبَةٌ، وقَدْ رُزِقَتِ الإسْلامَ، ثُمَّ عَطَفُوا عَلى ذَلِكَ قَوْلَهم: وأُوتِينا نَحْنُ العِلْمَ بِاللَّهِ وبِقُدْرَتِهِ قَبْلَ عِلْمِها، ويَكُونُ غَرَضُهم مِن ذَلِكَ شُكْرَ اللَّهِ تَعالى في أنْ خَصَّهم بِمَزِيَّةِ التَّقَدُّمِ في الإسْلامِ.
الثّانِي: أنَّهُ مِن كَلامِ بِلْقِيسَ مَوْصُولًا بِقَوْلِها: ﴿كَأنَّهُ هُوَ﴾ والمَعْنى: وأُوتِينا العِلْمَ بِاللَّهِ وبِصِحَّةِ نُبُوَّةِ سُلَيْمانَ قَبْلَ هَذِهِ المُعْجِزَةِ أوْ قَبْلَ هَذِهِ الحالَةِ، ثُمَّ إنَّ قَوْلَهُ: ﴿وصَدَّها ما كانَتْ تَعْبُدُ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ يَكُونُ مِن كَلامِ رَبِّ العِزَّةِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وصَدَّها ما كانَتْ تَعْبُدُ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ فَفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: المُرادُ: وصَدَّها عِبادَتُها لِغَيْرِ اللَّهِ عَنِ الإيمانِ.
الثّانِي: وصَدَّها اللَّهُ أوْ سُلَيْمانُ عَمّا كانَتْ تَعْبُدُ، بِتَقْدِيرِ حَذْفِ الجارِّ وإيصالِ الفِعْلِ، وقُرِئَ (أنَّها) بِالفَتْحِ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن فاعِلِ صَدَّ وبِمَعْنى لِأنَّها، واحْتَجَّتِ المُعْتَزِلَةُ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَقالُوا: لَوْ كانَ تَعالى خَلَقَ الكُفْرَ فِيها لَمْ يَكُنِ الصّادُّ لَها كُفْرَها المُتَقَدِّمَ ولا كَوْنَها مِن جُمْلَةِ الكُفّارِ، بَلْ كانَ يَكُونُ الصّادُّ لَها عَنِ الإيمانِ تَجَدُّدَ خَلْقِ اللَّهِ الكُفْرَ فِيها.
والجَوابُ: أمّا عَلى التَّأْوِيلِ الثّانِي فَلا شَكَّ في سُقُوطِ الِاسْتِدْلالِ.
وأمّا عَلى الأوَّلِ فَجَوابُنا: أنَّ كَوْنَها مِن جُمْلَةِ الكُفّارِ صارَ سَبَبًا لِحُصُولِ الدّاعِيَةِ المُسْتَلْزِمَةِ لِلْكُفْرِ، وحِينَئِذٍ يَبْقى ظاهِرُ الآيَةِ مُوافِقًا لِقَوْلِنا، واللَّهُ أعْلَمُ.
النمل 27:43
صفحة ١٧١
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ نَكِّرُوا لَها عَرْشَها نَنْظُرْ أتَهْتَدِي أمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ﴾ ﴿فَلَمّا جاءَتْ قِيلَ أهَكَذا عَرْشُكِ قالَتْ كَأنَّهُ هو وأُوتِينا العِلْمَ مِن قَبْلِها وكُنّا مُسْلِمِينَ﴾ ﴿وصَدَّها ما كانَتْ تَعْبُدُ مِن دُونِ اللَّهِ إنَّها كانَتْ مِن قَوْمٍ كافِرِينَ﴾
اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿نَكِّرُوا﴾ مَعْناهُ: اجْعَلُوا العَرْشَ مُنَكَّرًا مُغَيَّرًا عَنْ شَكْلِهِ، كَما يَتَنَكَّرُ الرَّجُلُ لِلنّاسِ لِئَلّا يَعْرِفُوهُ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ لَوْ تُرِكَ عَلى ما كانَ لَعَرَفَتْهُ لا مَحالَةَ، وكانَ لا تَدُلُّ مَعْرِفَتُها بِهِ عَلى ثَباتِ عَقْلِها، وإذا غُيِّرَ دَلَّتْ مَعْرِفَتُها أوْ تَوَقُّفُها فِيهِ عَلى فَضْلِ عَقْلٍ، ولا يَمْتَنِعُ صِحَّةُ ما قِيلَ: إنَّ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ أُلْقِيَ إلَيْهِ أنَّ فِيها نُقْصانَ عَقْلٍ؛ لِكَيْ لا يَتَزَوَّجَها أوْ لا تَحْظى عِنْدَهُ عَلى وجْهِ الحَسَدِ، فَأرادَ بِما ذَكَرْنا اخْتِبارَ عَقْلِها.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿نَنْظُرْ﴾ فَقُرِئَ بِالجَزْمِ عَلى الجَوابِ، وبِالرَّفْعِ عَلى الِاسْتِئْنافِ، واخْتَلَفُوا في (أتَهْتَدِي) عَلى وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أتَعْرِفُ أنَّهُ عَرْشُها أمْ لا ؟ كَما قَدَّمْنا.
الثّانِي: أتَعْرِفُ بِهِ نُبُوَّةَ سُلَيْمانَ أمْ لا ؟ ولِذَلِكَ قالَ: ﴿أمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ﴾ وذَلِكَ كالذَّمِّ ولا يَلِيقُ إلّا بِطَرِيقَةِ الدَّلالَةِ، فَكَأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أحَبَّ أنْ تَنْظُرَ فَتَعْرِفَ بِهِ نُبُوَّتَهُ مِن حَيْثُ صارَ مُتَنَقِّلًا مِنَ المَكانِ البَعِيدِ إلى هُناكَ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وعَلى صِدْقِ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ويَعْرِفُ بِذَلِكَ أيْضًا فَضْلَ عَقْلِها لِأغْراضٍ كانَتْ لَهُ، فَعِنْدَ ذَلِكَ سَألَها.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿أهَكَذا عَرْشُكِ﴾ فاعْلَمْ أنَّ هَكَذا ثَلاثُ كَلِماتٍ، حَرْفُ التَّنْبِيهِ، وكافُ التَّشْبِيهِ، واسْمُ الإشارَةِ، ولَمْ يَقُلْ: أهَذا عَرْشُكِ، ولَكِنْ أمِثْلُ هَذا عَرْشُكِ ؟ لِئَلّا يَكُونَ تَلْقِينًا، فَقالَتْ: ﴿كَأنَّهُ هُوَ﴾ ولَمْ تَقُلْ: هو هو، ولا لَيْسَ بِهِ، وذَلِكَ مِن كَمالِ عَقْلِها حَيْثُ تَوَقَّفَتْ في مَحَلِّ التَّوَقُّفِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وأُوتِينا العِلْمَ مِن قَبْلِها﴾ فَفِيهِ سُؤالانِ: وهو أنَّ هَذا الكَلامَ كَلامُ مَن ؟ وأيْضًا فَعَلى أيِّ شَيْءٍ عَطَفَ هَذا الكَلامَ ؟ وعَنْهُ جَوابانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ كَلامُ سُلَيْمانَ وقَوْمِهِ، وذَلِكَ لِأنَّ بِلْقِيسَ لَمّا سُئِلَتْ عَنْ عَرْشِها، ثُمَّ إنَّها أجابَتْ بِقَوْلِها: ﴿كَأنَّهُ هُوَ﴾ فالظّاهِرُ أنَّ سُلَيْمانَ وقَوْمَهُ قالُوا: إنَّها قَدْ أصابَتْ في جَوابِها، وهي عاقِلَةٌ لَبِيبَةٌ، وقَدْ رُزِقَتِ الإسْلامَ، ثُمَّ عَطَفُوا عَلى ذَلِكَ قَوْلَهم: وأُوتِينا نَحْنُ العِلْمَ بِاللَّهِ وبِقُدْرَتِهِ قَبْلَ عِلْمِها، ويَكُونُ غَرَضُهم مِن ذَلِكَ شُكْرَ اللَّهِ تَعالى في أنْ خَصَّهم بِمَزِيَّةِ التَّقَدُّمِ في الإسْلامِ.
الثّانِي: أنَّهُ مِن كَلامِ بِلْقِيسَ مَوْصُولًا بِقَوْلِها: ﴿كَأنَّهُ هُوَ﴾ والمَعْنى: وأُوتِينا العِلْمَ بِاللَّهِ وبِصِحَّةِ نُبُوَّةِ سُلَيْمانَ قَبْلَ هَذِهِ المُعْجِزَةِ أوْ قَبْلَ هَذِهِ الحالَةِ، ثُمَّ إنَّ قَوْلَهُ: ﴿وصَدَّها ما كانَتْ تَعْبُدُ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ يَكُونُ مِن كَلامِ رَبِّ العِزَّةِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وصَدَّها ما كانَتْ تَعْبُدُ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ فَفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: المُرادُ: وصَدَّها عِبادَتُها لِغَيْرِ اللَّهِ عَنِ الإيمانِ.
الثّانِي: وصَدَّها اللَّهُ أوْ سُلَيْمانُ عَمّا كانَتْ تَعْبُدُ، بِتَقْدِيرِ حَذْفِ الجارِّ وإيصالِ الفِعْلِ، وقُرِئَ (أنَّها) بِالفَتْحِ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن فاعِلِ صَدَّ وبِمَعْنى لِأنَّها، واحْتَجَّتِ المُعْتَزِلَةُ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَقالُوا: لَوْ كانَ تَعالى خَلَقَ الكُفْرَ فِيها لَمْ يَكُنِ الصّادُّ لَها كُفْرَها المُتَقَدِّمَ ولا كَوْنَها مِن جُمْلَةِ الكُفّارِ، بَلْ كانَ يَكُونُ الصّادُّ لَها عَنِ الإيمانِ تَجَدُّدَ خَلْقِ اللَّهِ الكُفْرَ فِيها.
والجَوابُ: أمّا عَلى التَّأْوِيلِ الثّانِي فَلا شَكَّ في سُقُوطِ الِاسْتِدْلالِ.
وأمّا عَلى الأوَّلِ فَجَوابُنا: أنَّ كَوْنَها مِن جُمْلَةِ الكُفّارِ صارَ سَبَبًا لِحُصُولِ الدّاعِيَةِ المُسْتَلْزِمَةِ لِلْكُفْرِ، وحِينَئِذٍ يَبْقى ظاهِرُ الآيَةِ مُوافِقًا لِقَوْلِنا، واللَّهُ أعْلَمُ.
النمل 27:44
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قِيلَ لَها ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمّا رَأتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وكَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها قالَ إنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِن قَوارِيرَ قالَتْ رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وأسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى إقامَتَها عَلى الكُفْرِ مَعَ كُلِّ ما تَقَدَّمَ مِنَ الدَّلائِلِ ذَكَرَ أنَّ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ أظْهَرَ مِنَ الأمْرِ ما صارَ داعِيًا لَها إلى الإسْلامِ وهو قَوْلُهُ: ﴿قِيلَ لَها ادْخُلِي الصَّرْحَ﴾ والصَّرْحُ القَصْرُ، كَقَوْلِهِ: ﴿ياهامانُ ابْنِ لِي صَرْحًا﴾ [غافر: ٣٦] وقِيلَ: صَحْنُ الدّارِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ عَنْ (سَأْقَيْها) بِالهَمْزِ، ووَجْهُهُ أنَّهُ سَمِعَ سُؤْقًا، فَأجْرى عَلَيْهِ الواحِدَ، والمُمَرَّدُ المُمَلَّسُ، رُوِيَ أنَّ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ أمَرَ قَبْلَ قُدُومِها، فَبُنِيَ لَهُ عَلى طَرِيقِها قَصْرٌ مِن زُجاجٍ أبْيَضَ كالماءِ بَياضًا، ثُمَّ أرْسَلَ الماءَ تَحْتَهُ وألْقى فِيهِ السَّمَكَ وغَيْرَهُ، ووَضَعَ سَرِيرَهُ في صَدْرِهِ فَجَلَسَ عَلَيْهِ، وعَكَفَ عَلَيْهِ الإنْسُ والجِنُّ والطَّيْرُ، وإنَّما فَعَلَ ذَلِكَ لِيَزِيدَها اسْتِعْظامًا لِأمْرِهِ وتَحَقُّقًا لِنُبُوَّتِهِ، وزَعَمُوا أنَّ الجِنَّ كَرِهُوا أنْ يَتَزَوَّجَها فَتُفْضِي إلَيْهِ بِأسْرارِهِمْ؛ لِأنَّها كانَتْ بِنْتَ جِنِّيَّةٍ، وقِيلَ: خافُوا أنْ يُولَدَ لَهُ مِنها ولَدٌ، فَيَجْتَمِعُ لَهُ فِطْنَةُ الجِنِّ والإنْسِ، فَيَخْرُجُونَ مِن مُلْكِ سُلَيْمانَ إلى مُلْكٍ هو أشَدُّ، فَقالُوا: إنَّ في عَقْلِها نُقْصانًا، وإنَّها شَعْراءُ السّاقَيْنِ، ورِجْلُها كَحافِرِ حِمارٍ، فاخْتَبَرَ سُلَيْمانُ عَقْلَها بِتَنْكِيرِ العَرْشِ، واتَّخَذَ الصَّرْحَ لِيَتَعَرَّفَ ساقَها، ومَعْلُومٌ مِن حالِ الزُّجاجِ الصّافِي أنَّهُ يَكُونُ كالماءِ، فَلَمّا أبْصَرَتْ ذَلِكَ ظَنَّتْهُ ماءًا راكِدًا فَكَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها لِتَخُوضَهُ، فَإذا هي أحْسَنُ النّاسِ ساقًا وقَدَمًا، وهَذا عَلى طَرِيقَةِ مَن يَقُولُ تَزَوَّجَها، وقالَ آخَرُونَ: كانَ المَقْصُودُ مِنَ الصَّرْحِ تَهْوِيلَ المَجْلِسِ وتَعْظِيمَهُ، وحَصَلَ كَشْفُ السّاقِ عَلى سَبِيلِ التَّبَعِ، فَلَمّا قِيلَ لَها: هو صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِن قَوارِيرَ اسْتَتَرَتْ، وعَجِبَتْ مِن ذَلِكَ واسْتَدَلَّتْ بِهِ عَلى التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ، فَقالَتْ: ﴿رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ فِيما تَقَدَّمَ بِالثَّباتِ عَلى الكُفْرِ، ثُمَّ قالَتْ: ﴿وأسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ وقِيلَ: حَسِبَتْ أنَّ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ يُغْرِقُها في اللُّجَّةِ، فَقالَتْ: ظَلَمْتُ نَفْسِي بِسُوءِ ظَنِّي بِسُلَيْمانَ، واخْتَلَفُوا في أنَّهُ هَلْ تَزَوَّجَها أمْ لا، وأنَّهُ تَزَوَّجَها في هَذِهِ الحالِ أوْ قَبْلَ أنْ كَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها ؟ والأظْهَرُ في كَلامِ النّاسِ أنَّهُ تَزَوَّجَها، ولَيْسَ لِذَلِكَ ذِكْرٌ في الكِتابِ، ولا في خَبَرٍ مَقْطُوعٍ بِصِحَّتِهِ، ويُرْوى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها لَمّا أسْلَمَتْ قالَ لَها: اخْتارِي مِن قَوْمِكِ مَن أُزَوِّجُكِ مِنهُ، فَقالَتْ مِثْلِي لا يَنْكِحُ الرِّجالَ مَعَ سُلْطانِي، فَقالَ: النِّكاحُ مِنَ الإسْلامِ، فَقالَتْ: إنْ كانَ كَذَلِكَ فَزَوِّجْنِي ذا تُبَّعٍ مَلِكَ هَمْدانَ، فَزَوَّجَها إيّاهُ، ثُمَّ رَدَّهُما إلى اليَمَنِ، ولَمْ يَزَلْ بِها مَلِكًا، واللَّهُ أعْلَمُ.
النمل 27:45
صفحة ١٧٣
القِصَّةُ الثّالِثَةُ: قِصَّةُ صالِحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ
﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا إلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإذا هم فَرِيقانِ يَخْتَصِمُونَ﴾ ﴿قالَ يا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ ﴿قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ وبِمَن مَعَكَ قالَ طائِرُكم عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ ﴿وكانَ في المَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يُصْلِحُونَ﴾ ﴿قالُوا تَقاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وأهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أهْلِهِ وإنّا لَصادِقُونَ﴾ ﴿ومَكَرُوا مَكْرًا ومَكَرْنا مَكْرًا وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أنّا دَمَّرْناهم وقَوْمَهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهم خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ ﴿وأنْجَيْنا الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا إلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإذا هم فَرِيقانِ يَخْتَصِمُونَ﴾ ﴿قالَ ياقَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ ﴿قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ وبِمَن مَعَكَ قالَ طائِرُكم عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ ﴿وكانَ في المَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يُصْلِحُونَ﴾ ﴿قالُوا تَقاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وأهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أهْلِهِ وإنّا لَصادِقُونَ﴾ ﴿ومَكَرُوا مَكْرًا ومَكَرْنا مَكْرًا وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أنّا دَمَّرْناهم وقَوْمَهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهم خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ ﴿وأنْجَيْنا الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾
قُرِئَ (أنُ اعْبُدُوا اللَّهَ ) بِالضَّمِّ عَلى اتْباعِ النُّونِ الباءَ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَإذا هم فَرِيقانِ﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: المُرادُ فَرِيقٌ مُؤْمِنٌ وفَرِيقٌ كافِرٌ.
الثّانِي: المُرادُ قَوْمُ صالِحٍ قَبْلَ أنْ يُؤْمِنَ مِنهم أحَدٌ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿يَخْتَصِمُونَ﴾ فالمَعْنى: إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما آمَنُوا لِأنَّهم نَظَرُوا في حُجَّتِهِ فَعَرَفُوا صِحَّتَها، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَلا بُدَّ وأنْ يَكُونَ خَصْمًا لِمَن لَمْ يَقْبَلْها، وإذا كانَ هَذا الِاخْتِصامُ في بابِ الدِّينِ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ الجِدالَ في بابِ الدِّينِ حَقٌّ وفِيهِ إبْطالُ التَّقْلِيدِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿قالَ ياقَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ﴾ فَفِيهِ بَحْثانِ:
الأوَّلُ: في تَفْسِيرِ اسْتِعْجالِ السَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: إنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا صالِحًا عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا لَمْ يَنْفَعْهُمُ الحِجاجُ تَوَعَّدَهم صالِحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالعَذابِ، فَقالُوا: ﴿ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ (العَنْكَبُوتِ: ٢٩) عَلى وجْهِ الِاسْتِهْزاءِ، فَعِنْدَهُ قالَ صالِحٌ: ﴿لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ﴾ والمُرادُ أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ مَكَّنَكم مِنَ التَّوَصُّلِ إلى رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى وثَوابِهِ، فَلِماذا تَعْدِلُونَ عَنْهُ إلى اسْتِعْجالِ عَذابِهِ ؟
وثانِيهِما: إنَّهم كانُوا يَقُولُونَ لِجَهْلِهِمْ: إنَّ العُقُوبَةَ الَّتِي يَعِدُها صالِحٌ إنْ وقَعَتْ عَلى زَعْمِهِ أتَيْنا حِينَئِذٍ واسْتَغْفَرْنا، فَحِينَئِذٍ يَقْبَلُ اللَّهُ تَوْبَتَنا ويَدْفَعُ العَذابَ عَنّا، فَخاطَبَهم صالَحٌ عَلى حَسَبِ اعْتِقادِهِمْ، وقالَ: هَلّا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ قَبْلَ نُزُولِ العَذابِ فَإنَّ اسْتِعْجالَ الخَيْرِ أوْلى مِنَ اسْتِعْجالِ الشَّرِّ.
صفحة ١٧٤
البَحْثُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِالسَّيِّئَةِ العِقابُ وبِالحَسَنَةِ الثَّوابُ، فَأمّا وصْفُ العَذابِ بِأنَّهُ سَيِّئَةٌ فَهو مَجازٌ وسَبَبُ هَذا التَّجْوِيزِ، إمّا لِأنَّ العِقابَ مِن لَوازِمِهِ أوْ لِأنَّهُ يُشْبِهُهُ في كَوْنِهِ مَكْرُوهًا، وأمّا وصْفُ الرَّحْمَةِ بِأنَّها حَسَنَةٌ فَمِنهم مَن قالَ: إنَّهُ حَقِيقَةٌ، ومِنهم مَن قالَ: إنَّهُ مَجازٌ والأوَّلُ أقْرَبُ، ثُمَّ إنَّ صالِحًا عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا قَرَّرَ هَذا الكَلامَ الحَقَّ أجابُوهُ بِكَلامٍ فاسِدٍ، وهو قَوْلُهم: ﴿اطَّيَّرْنا بِكَ﴾ أيْ تَشاءَمْنا بِكَ؛ لِأنَّ الَّذِي يُصِيبُنا مِن شِدَّةٍ وقَحْطٍ فَهو بِشُؤْمِكَ وبِشُؤْمِ مَن مَعَكَ.
قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: كانَ الرَّجُلُ يَخْرُجُ مُسافِرًا فَيَمُرُّ بِطائِرٍ فَيَزْجُرُهُ، فَإنْ مَرَّ سانِحًا تَيَمَّنَ، وإنْ مَرَّ بارِحًا تَشاءَمَ، فَلَمّا نَسَبُوا الخَيْرَ والشَّرَّ إلى الطّائِرِ اسْتُعِيرَ لِما كانَ لِلْخَيْرِ والشَّرِّ وهو قَدَرُ اللَّهِ وقِسْمَتُهُ، فَأجابَ صالِحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَوْلِهِ: ﴿طائِرُكم عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيِ السَّبَبُ الَّذِي مِنهُ يَجِيءُ خَيْرُكم وشَرُّكم عِنْدَ اللَّهِ، وهو قَضاؤُهُ وقَدَرُهُ، إنْ شاءَ رَزَقَكم وإنْ شاءَ حَرَمَكم. وقِيلَ: بَلِ المُرادُ إنَّ جَزاءَ الطِّيَرَةِ مِنكم عِنْدَ اللَّهِ وهو العِقابُ، والأقْرَبُ الوجه الأوَّلُ؛ لِأنَّ القَوْمَ أشارُوا إلى الأمْرِ الحاصِلِ فَيَجِبُ في جَوابِهِ أنْ يَكُونَ فِيهِ لا في غَيْرِهِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ هَذا جَهْلٌ مِنهم بِقَوْلِهِ: ﴿بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ فَيُحْتَمَلُ أنَّ غَيْرَهم دَعاهم إلى هَذا القَوْلِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّ الشَّيْطانَ يَفْتِنُكم بِوَسْوَسَتِهِ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ: ﴿وكانَ في المَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ﴾ والأقْرَبُ أنْ يَكُونَ المُرادُ تِسْعَةَ جَمْعٍ؛ إذِ الظّاهِرُ مِنَ الرَّهْطِ الجَماعَةُ لا الواحِدُ، ثُمَّ يُحْتَمَلُ أنَّهم كانُوا قَبائِلَ، ويُحْتَمَلُ أنَّهم دَخَلُوا تَحْتَ العَدَدِ لِاخْتِلافِ صِفَتِهِمْ وأحْوالِهِمْ لا لِاخْتِلافِ السَّبَبِ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهم يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يَمْزِجُونَ ذَلِكَ الفَسادَ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّلاحِ، فَلِهَذا قالَ: ﴿يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يُصْلِحُونَ﴾ ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ مِن جُمْلَةِ ذَلِكَ ما هَمُّوا بِهِ مِن أمْرِ صالِحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿تَقاسَمُوا بِاللَّهِ﴾ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ أمْرًا أوْ خَبَرًا في مَحَلِّ الحالِ بِإضْمارِ قَدْ، أيْ قالُوا مُتَقاسِمِينَ، والبَياتُ مُتابَعَةُ العَدُوِّ لَيْلًا.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أهْلِهِ﴾ يَعْنِي لَوِ اتَّهَمَنا قَوْمُهُ حَلَفْنا لَهم أنّا لَمْ نَحْضُرْ. وقُرِئَ (مَهْلَكَ) بِفَتْحِ المِيمِ واللّامِ وكَسْرِها مِن هَلَكَ، ومُهْلَكٌ بِضَمِّ المِيمِ مِن أهْلَكَ، ويُحْتَمَلُ المَصْدَرُ والمَكانُ والزَّمانُ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ: ﴿ومَكَرُوا مَكْرًا ومَكَرْنا مَكْرًا وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ وقَدِ اخْتَلَفُوا في مَكْرِ اللَّهِ تَعالى عَلى وُجُوهٍ:
أحَدُها: إنَّ مَكْرَ اللَّهِ إهْلاكُهم مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ، شُبِّهَ بِمَكْرِ الماكِرِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ، رُوِيَ أنَّهُ كانَ لِصالِحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ مَسْجِدٌ في الحِجْرِ في شِعْبٍ يُصَلِّي فِيهِ، فَقالُوا: زَعَمَ صالِحٌ أنَّهُ يَفْرَغُ مِنّا إلى ثَلاثٍ، فَنَحْنُ نَفْرَغُ مِنهُ، ومِن أهْلِهِ قَبْلَ الثَّلاثِ، فَخَرَجُوا إلى الشِّعْبِ، وقالُوا: إذا جاءَ يُصَلِّي قَتَلْناهُ، ثُمَّ رَجَعْنا إلى أهْلِهِ فَقَتَلْناهم، فَبَعَثَ اللَّهُ تَعالى صَخْرَةً فَطَبِقَتِ الصَّخْرَةُ عَلَيْهِمْ فَمَ الشِّعْبِ، فَهَلَكُوا وهَلَكَ الباقُونَ بِالصَّيْحَةِ.
وثانِيها: جاءُوا بِاللَّيْلِ شاهِرِينَ سُيُوفَهم، وقَدْ أرْسَلَ اللَّهُ تَعالى المَلائِكَةَ مِلْءَ دارِ صالِحٍ فَدَمَغُوهم بِالحِجارَةِ، يَرَوْنَ الأحْجارَ ولا يَرَوْنَ رامِيًا.
وثالِثُها: أنَّ اللَّهَ تَعالى أخْبَرَ صالِحًا بِمَكْرِهِمْ فَتَحَرَّزَ عَنْهم فَذاكَ مَكْرُ اللَّهِ تَعالى في حَقِّهِمْ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿أنّا دَمَّرْناهُمْ﴾ اسْتِئْنافٌ، ومَن قَرَأ بِالفَتْحِ رَفَعَهُ بَدَلًا مِنَ العاقِبَةِ، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: هي تُدَمِّرُهم، أوْ نَصَبَهُ عَلى مَعْنى لِأنّا، أوْ عَلى أنَّهُ خَبَرُ كانَ، أيْ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمُ الدَّمارَ.
صفحة ١٧٥
أمّا قَوْلُهُ: ﴿خاوِيَةً﴾ فَهو حالٌ عَمِلَ فِيها ما دَلَّ عَلَيْهِ تِلْكَ، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ (خاوِيَةٌ) بِالرَّفْعِ عَلى خَبَرِ المُبْتَدَأِ المَحْذُوفِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
القِصَّةُ الرّابِعَةُ قِصَّةُ لُوطٍ عَلَيْهِ الُسَّلامُ ﴿ولُوطًا إذْ قالَ لِقَوْمِهِ أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ وأنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ ﴿أئِنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِن دُونِ النِّساءِ بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلّا أنْ قالُوا أخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِن قَرْيَتِكم إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ ﴿فَأنْجَيْناهُ وأهْلَهُ إلّا امْرَأتَهُ قَدَّرْناها مِنَ الغابِرِينَ﴾ ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَساءَ مَطَرُ المُنْذَرِينَ﴾ ﴿قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى آللَّهُ خَيْرٌ أم مّا يُشْرِكُونَ﴾ ﴿أمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وأنْزَلَ لَكم مِنَ السَّماءِ ماءً فَأنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ ما كانَ لَكم أنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هم قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولُوطًا إذْ قالَ لِقَوْمِهِ أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ وأنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ ﴿أئِنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِن دُونِ النِّساءِ بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلّا أنْ قالُوا أخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِن قَرْيَتِكم إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ ﴿فَأنْجَيْناهُ وأهْلَهُ إلّا امْرَأتَهُ قَدَّرْناها مِنَ الغابِرِينَ﴾ ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَساءَ مَطَرُ المُنْذَرِينَ﴾
قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: واذْكُرْ لُوطًا، أوْ أرْسَلَنا لُوطًا بِدَلالَةِ: ولَقَدْ أرْسَلْنا عَلَيْهِ، وإذْ بَدَلٌ عَلى الأوَّلِ، ظَرْفٌ عَلى الثّانِي.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ﴾ فَهو عَلى وجْهِ التَّنْكِيرِ، وإنْ كانَ بِلَفْظِ الِاسْتِفْهامِ، ورُبَّما كانَ التَّوْبِيخُ بِمِثْلِ هَذا اللَّفْظِ أبْلَغَ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وأنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّهم كانُوا لا يَتَحاشَوْنَ مِن إظْهارِ ذَلِكَ عَلى وجْهِ الخَلاعَةِ، ولا يَتَكاتَمُونَ، وذَلِكَ أحَدُ ما لِأجْلِهِ عَظُمَ ذَلِكَ الفِعْلُ مِنهم، فَذَكَرَ في تَوْبِيخِهِ لَهم ما لَهُ عَظُمَ ذَلِكَ الفِعْلُ.
وثانِيها: أنَّ المُرادَ بَصَرُ القَلْبِ أيْ تَعْلَمُونَ أنَّها فاحِشَةٌ لَمْ تُسْبَقُوا إلَيْها، وأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَخْلُقِ الذَّكَرَ لِلذَّكَرِ، فَهي مُضادَّةٌ لِلَّهِ في حِكْمَتِهِ.
وثالِثُها: تُبْصِرُونَ آثارَ العُصاةِ قَبْلَكم وما نَزَلَ بِهِمْ، فَإنْ قُلْتَ: فَسَّرْتَ تُبْصِرُونَ بِالعِلْمِ وبَعْدَهُ ﴿بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ فَكَيْفَ يَكُونُونَ عُلَماءَ وجُهَلاءَ ؟ قُلْتُ: أرادَ تَفْعَلُونَ فِعْلَ الجاهِلِينَ بِأنَّها فاحِشَةٌ مَعَ عِلْمِكم بِذَلِكَ، أوْ تَجْهَلُونَ العاقِبَةَ أوْ أرادَ بِالجَهْلِ السَّفاهَةَ والمَجانَةَ الَّتِي كانُوا عَلَيْها، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ جَهْلَهم بِأنْ حَكى عَنْهم أنَّهم أجابُوا عَنْ هَذا الكَلامِ بِما لا يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ جَوابًا لَهُ فَقالَ:
صفحة ١٧٦
﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلّا أنْ قالُوا أخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِن قَرْيَتِكم إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ فَجَعَلُوا الَّذِي لِأجْلِهِ يُخْرَجُونَ أنَّهم يَتَطَهَّرُونَ مِن هَذا الصَّنِيعِ الفاحِشِ، وهَذا يُوجِبُ تَنْعِيمَهم وتَعْظِيمَهم أوْلى، لَكِنْ في المُفَسِّرِينَ مَن قالَ: إنَّما قالُوا ذَلِكَ عَلى وجْهِ الهُزُءِ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ نَجّاهُ وأهْلَهُ إلّا امْرَأتَهُ وأهْلَكَ الباقِينَ، وقَدْ تَقَدَّمَ كُلُّ ذَلِكَ مَشْرُوحًا، واللَّهُ أعْلَمُ. وهَهُنا آخِرُ القَصَصِ في هَذِهِ السُّورَةِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
القَوْلُ في خِطابِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ مَعَ مُحَمَّدٍ ﷺ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى آللَّهُ خَيْرٌ أمْ ما يُشْرِكُونَ﴾
فِي هَذِهِ الآيَةِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِما قَبْلَهُ مِنَ القَصَصِ، والمَعْنى: الحَمْدُ لِلَّهِ عَلى إهْلاكِهِمْ، وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى بِأنْ أرْسَلَهم ونَجّاهُمُ.
الثّانِي: أنَّهُ مُبْتَدَأٌ، فَإنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أحْوالَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وكانَ مُحَمَّدٌ ﷺ كالمُخالِفِ لِمَن قَبْلَهُ في أمْرِ العَذابِ؛ لِأنَّ عَذابَ الِاسْتِئْصالِ مُرْتَفِعٌ عَنْ قَوْمِهِ، أمَرَهُ تَعالى بِأنْ يَشْكُرَ رَبَّهُ عَلى ما خَصَّهُ بِهَذِهِ النِّعَمِ، وبِأنْ يُسَلِّمَ عَلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ الَّذِينَ صَبَرُوا عَلى مَشاقِّ الرِّسالَةِ.
فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أمْ ما يُشْرِكُونَ﴾ فَهو تَبْكِيتٌ لِلْمُشْرِكِينَ وتَهَكُّمٌ بِحالِهِمْ، وذَلِكَ: أنَّهم آثَرُوا عِبادَةَ الأصْنامِ عَلى عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى، ولا يُؤْثِرُ عاقِلٌ شَيْئًا عَلى شَيْءٍ إلّا لِزِيادَةِ خَيْرٍ ومَنفَعَةٍ، فَقِيلَ لَهم هَذا الكَلامُ تَنْبِيهًا عَلى نِهايَةِ ضَلالِهِمْ وجَهْلِهِمْ. وقُرِئَ (يُشْرِكُونَ) بِالياءِ والتّاءِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ كانَ إذا قَرَأها قالَ: ”«بَلِ اللَّهُ خَيْرٌ وأبْقى وأجَلُّ وأكْرَمُ» “ .
ثُمَّ اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى تَكَلَّمَ بَعْدَ ذَلِكَ في عِدَّةِ فُصُولٍ:
الفَصْلُ الأوَّلُ: في الرَّدِّ عَلى عَبَدَةِ الأوْثانِ، ومَدارُ هَذا الفَصْلِ عَلى بَيانِ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى هو الخالِقُ لِأُصُولِ النِّعَمِ وفُرُوعِها، فَكَيْفَ تَحْسُنُ عِبادَةُ ما لا مَنفَعَةَ مِنهُ البَتَّةَ ؟ ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى ذَكَرَ أنْواعًا: