Tafsir Al-Razi — النمل 27:46 – النمل 27:93
المحتويات
- النمل 27:46
- النمل 27:47
- النمل 27:48
- النمل 27:49
- النمل 27:50
- النمل 27:51
- النمل 27:52
- النمل 27:53
- النمل 27:54
- النمل 27:55
- النمل 27:56
- النمل 27:57
- النمل 27:58
- النمل 27:59
- النمل 27:60
- النمل 27:61
- النمل 27:62
- النمل 27:63
- النمل 27:64
- النمل 27:65
- النمل 27:66
- النمل 27:67
- النمل 27:68
- النمل 27:69
- النمل 27:70
- النمل 27:71
- النمل 27:72
- النمل 27:73
- النمل 27:74
- النمل 27:75
- النمل 27:76
- النمل 27:77
- النمل 27:78
- النمل 27:79
- النمل 27:80
- النمل 27:81
- النمل 27:82
- النمل 27:83
- النمل 27:84
- النمل 27:85
- النمل 27:86
- النمل 27:87
- النمل 27:88
- النمل 27:89
- النمل 27:90
- النمل 27:91
- النمل 27:92
- النمل 27:93
النمل 27:46
صفحة ١٧٣
القِصَّةُ الثّالِثَةُ: قِصَّةُ صالِحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ
﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا إلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإذا هم فَرِيقانِ يَخْتَصِمُونَ﴾ ﴿قالَ يا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ ﴿قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ وبِمَن مَعَكَ قالَ طائِرُكم عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ ﴿وكانَ في المَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يُصْلِحُونَ﴾ ﴿قالُوا تَقاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وأهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أهْلِهِ وإنّا لَصادِقُونَ﴾ ﴿ومَكَرُوا مَكْرًا ومَكَرْنا مَكْرًا وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أنّا دَمَّرْناهم وقَوْمَهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهم خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ ﴿وأنْجَيْنا الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا إلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإذا هم فَرِيقانِ يَخْتَصِمُونَ﴾ ﴿قالَ ياقَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ ﴿قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ وبِمَن مَعَكَ قالَ طائِرُكم عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ ﴿وكانَ في المَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يُصْلِحُونَ﴾ ﴿قالُوا تَقاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وأهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أهْلِهِ وإنّا لَصادِقُونَ﴾ ﴿ومَكَرُوا مَكْرًا ومَكَرْنا مَكْرًا وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أنّا دَمَّرْناهم وقَوْمَهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهم خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ ﴿وأنْجَيْنا الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾
قُرِئَ (أنُ اعْبُدُوا اللَّهَ ) بِالضَّمِّ عَلى اتْباعِ النُّونِ الباءَ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَإذا هم فَرِيقانِ﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: المُرادُ فَرِيقٌ مُؤْمِنٌ وفَرِيقٌ كافِرٌ.
الثّانِي: المُرادُ قَوْمُ صالِحٍ قَبْلَ أنْ يُؤْمِنَ مِنهم أحَدٌ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿يَخْتَصِمُونَ﴾ فالمَعْنى: إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما آمَنُوا لِأنَّهم نَظَرُوا في حُجَّتِهِ فَعَرَفُوا صِحَّتَها، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَلا بُدَّ وأنْ يَكُونَ خَصْمًا لِمَن لَمْ يَقْبَلْها، وإذا كانَ هَذا الِاخْتِصامُ في بابِ الدِّينِ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ الجِدالَ في بابِ الدِّينِ حَقٌّ وفِيهِ إبْطالُ التَّقْلِيدِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿قالَ ياقَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ﴾ فَفِيهِ بَحْثانِ:
الأوَّلُ: في تَفْسِيرِ اسْتِعْجالِ السَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: إنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا صالِحًا عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا لَمْ يَنْفَعْهُمُ الحِجاجُ تَوَعَّدَهم صالِحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالعَذابِ، فَقالُوا: ﴿ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ (العَنْكَبُوتِ: ٢٩) عَلى وجْهِ الِاسْتِهْزاءِ، فَعِنْدَهُ قالَ صالِحٌ: ﴿لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ﴾ والمُرادُ أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ مَكَّنَكم مِنَ التَّوَصُّلِ إلى رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى وثَوابِهِ، فَلِماذا تَعْدِلُونَ عَنْهُ إلى اسْتِعْجالِ عَذابِهِ ؟
وثانِيهِما: إنَّهم كانُوا يَقُولُونَ لِجَهْلِهِمْ: إنَّ العُقُوبَةَ الَّتِي يَعِدُها صالِحٌ إنْ وقَعَتْ عَلى زَعْمِهِ أتَيْنا حِينَئِذٍ واسْتَغْفَرْنا، فَحِينَئِذٍ يَقْبَلُ اللَّهُ تَوْبَتَنا ويَدْفَعُ العَذابَ عَنّا، فَخاطَبَهم صالَحٌ عَلى حَسَبِ اعْتِقادِهِمْ، وقالَ: هَلّا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ قَبْلَ نُزُولِ العَذابِ فَإنَّ اسْتِعْجالَ الخَيْرِ أوْلى مِنَ اسْتِعْجالِ الشَّرِّ.
صفحة ١٧٤
البَحْثُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِالسَّيِّئَةِ العِقابُ وبِالحَسَنَةِ الثَّوابُ، فَأمّا وصْفُ العَذابِ بِأنَّهُ سَيِّئَةٌ فَهو مَجازٌ وسَبَبُ هَذا التَّجْوِيزِ، إمّا لِأنَّ العِقابَ مِن لَوازِمِهِ أوْ لِأنَّهُ يُشْبِهُهُ في كَوْنِهِ مَكْرُوهًا، وأمّا وصْفُ الرَّحْمَةِ بِأنَّها حَسَنَةٌ فَمِنهم مَن قالَ: إنَّهُ حَقِيقَةٌ، ومِنهم مَن قالَ: إنَّهُ مَجازٌ والأوَّلُ أقْرَبُ، ثُمَّ إنَّ صالِحًا عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا قَرَّرَ هَذا الكَلامَ الحَقَّ أجابُوهُ بِكَلامٍ فاسِدٍ، وهو قَوْلُهم: ﴿اطَّيَّرْنا بِكَ﴾ أيْ تَشاءَمْنا بِكَ؛ لِأنَّ الَّذِي يُصِيبُنا مِن شِدَّةٍ وقَحْطٍ فَهو بِشُؤْمِكَ وبِشُؤْمِ مَن مَعَكَ.
قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: كانَ الرَّجُلُ يَخْرُجُ مُسافِرًا فَيَمُرُّ بِطائِرٍ فَيَزْجُرُهُ، فَإنْ مَرَّ سانِحًا تَيَمَّنَ، وإنْ مَرَّ بارِحًا تَشاءَمَ، فَلَمّا نَسَبُوا الخَيْرَ والشَّرَّ إلى الطّائِرِ اسْتُعِيرَ لِما كانَ لِلْخَيْرِ والشَّرِّ وهو قَدَرُ اللَّهِ وقِسْمَتُهُ، فَأجابَ صالِحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَوْلِهِ: ﴿طائِرُكم عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيِ السَّبَبُ الَّذِي مِنهُ يَجِيءُ خَيْرُكم وشَرُّكم عِنْدَ اللَّهِ، وهو قَضاؤُهُ وقَدَرُهُ، إنْ شاءَ رَزَقَكم وإنْ شاءَ حَرَمَكم. وقِيلَ: بَلِ المُرادُ إنَّ جَزاءَ الطِّيَرَةِ مِنكم عِنْدَ اللَّهِ وهو العِقابُ، والأقْرَبُ الوجه الأوَّلُ؛ لِأنَّ القَوْمَ أشارُوا إلى الأمْرِ الحاصِلِ فَيَجِبُ في جَوابِهِ أنْ يَكُونَ فِيهِ لا في غَيْرِهِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ هَذا جَهْلٌ مِنهم بِقَوْلِهِ: ﴿بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ فَيُحْتَمَلُ أنَّ غَيْرَهم دَعاهم إلى هَذا القَوْلِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّ الشَّيْطانَ يَفْتِنُكم بِوَسْوَسَتِهِ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ: ﴿وكانَ في المَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ﴾ والأقْرَبُ أنْ يَكُونَ المُرادُ تِسْعَةَ جَمْعٍ؛ إذِ الظّاهِرُ مِنَ الرَّهْطِ الجَماعَةُ لا الواحِدُ، ثُمَّ يُحْتَمَلُ أنَّهم كانُوا قَبائِلَ، ويُحْتَمَلُ أنَّهم دَخَلُوا تَحْتَ العَدَدِ لِاخْتِلافِ صِفَتِهِمْ وأحْوالِهِمْ لا لِاخْتِلافِ السَّبَبِ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهم يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يَمْزِجُونَ ذَلِكَ الفَسادَ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّلاحِ، فَلِهَذا قالَ: ﴿يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يُصْلِحُونَ﴾ ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ مِن جُمْلَةِ ذَلِكَ ما هَمُّوا بِهِ مِن أمْرِ صالِحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿تَقاسَمُوا بِاللَّهِ﴾ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ أمْرًا أوْ خَبَرًا في مَحَلِّ الحالِ بِإضْمارِ قَدْ، أيْ قالُوا مُتَقاسِمِينَ، والبَياتُ مُتابَعَةُ العَدُوِّ لَيْلًا.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أهْلِهِ﴾ يَعْنِي لَوِ اتَّهَمَنا قَوْمُهُ حَلَفْنا لَهم أنّا لَمْ نَحْضُرْ. وقُرِئَ (مَهْلَكَ) بِفَتْحِ المِيمِ واللّامِ وكَسْرِها مِن هَلَكَ، ومُهْلَكٌ بِضَمِّ المِيمِ مِن أهْلَكَ، ويُحْتَمَلُ المَصْدَرُ والمَكانُ والزَّمانُ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ: ﴿ومَكَرُوا مَكْرًا ومَكَرْنا مَكْرًا وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ وقَدِ اخْتَلَفُوا في مَكْرِ اللَّهِ تَعالى عَلى وُجُوهٍ:
أحَدُها: إنَّ مَكْرَ اللَّهِ إهْلاكُهم مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ، شُبِّهَ بِمَكْرِ الماكِرِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ، رُوِيَ أنَّهُ كانَ لِصالِحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ مَسْجِدٌ في الحِجْرِ في شِعْبٍ يُصَلِّي فِيهِ، فَقالُوا: زَعَمَ صالِحٌ أنَّهُ يَفْرَغُ مِنّا إلى ثَلاثٍ، فَنَحْنُ نَفْرَغُ مِنهُ، ومِن أهْلِهِ قَبْلَ الثَّلاثِ، فَخَرَجُوا إلى الشِّعْبِ، وقالُوا: إذا جاءَ يُصَلِّي قَتَلْناهُ، ثُمَّ رَجَعْنا إلى أهْلِهِ فَقَتَلْناهم، فَبَعَثَ اللَّهُ تَعالى صَخْرَةً فَطَبِقَتِ الصَّخْرَةُ عَلَيْهِمْ فَمَ الشِّعْبِ، فَهَلَكُوا وهَلَكَ الباقُونَ بِالصَّيْحَةِ.
وثانِيها: جاءُوا بِاللَّيْلِ شاهِرِينَ سُيُوفَهم، وقَدْ أرْسَلَ اللَّهُ تَعالى المَلائِكَةَ مِلْءَ دارِ صالِحٍ فَدَمَغُوهم بِالحِجارَةِ، يَرَوْنَ الأحْجارَ ولا يَرَوْنَ رامِيًا.
وثالِثُها: أنَّ اللَّهَ تَعالى أخْبَرَ صالِحًا بِمَكْرِهِمْ فَتَحَرَّزَ عَنْهم فَذاكَ مَكْرُ اللَّهِ تَعالى في حَقِّهِمْ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿أنّا دَمَّرْناهُمْ﴾ اسْتِئْنافٌ، ومَن قَرَأ بِالفَتْحِ رَفَعَهُ بَدَلًا مِنَ العاقِبَةِ، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: هي تُدَمِّرُهم، أوْ نَصَبَهُ عَلى مَعْنى لِأنّا، أوْ عَلى أنَّهُ خَبَرُ كانَ، أيْ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمُ الدَّمارَ.
صفحة ١٧٥
أمّا قَوْلُهُ: ﴿خاوِيَةً﴾ فَهو حالٌ عَمِلَ فِيها ما دَلَّ عَلَيْهِ تِلْكَ، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ (خاوِيَةٌ) بِالرَّفْعِ عَلى خَبَرِ المُبْتَدَأِ المَحْذُوفِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
القِصَّةُ الرّابِعَةُ قِصَّةُ لُوطٍ عَلَيْهِ الُسَّلامُ ﴿ولُوطًا إذْ قالَ لِقَوْمِهِ أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ وأنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ ﴿أئِنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِن دُونِ النِّساءِ بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلّا أنْ قالُوا أخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِن قَرْيَتِكم إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ ﴿فَأنْجَيْناهُ وأهْلَهُ إلّا امْرَأتَهُ قَدَّرْناها مِنَ الغابِرِينَ﴾ ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَساءَ مَطَرُ المُنْذَرِينَ﴾ ﴿قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى آللَّهُ خَيْرٌ أم مّا يُشْرِكُونَ﴾ ﴿أمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وأنْزَلَ لَكم مِنَ السَّماءِ ماءً فَأنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ ما كانَ لَكم أنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هم قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولُوطًا إذْ قالَ لِقَوْمِهِ أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ وأنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ ﴿أئِنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِن دُونِ النِّساءِ بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلّا أنْ قالُوا أخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِن قَرْيَتِكم إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ ﴿فَأنْجَيْناهُ وأهْلَهُ إلّا امْرَأتَهُ قَدَّرْناها مِنَ الغابِرِينَ﴾ ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَساءَ مَطَرُ المُنْذَرِينَ﴾
قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: واذْكُرْ لُوطًا، أوْ أرْسَلَنا لُوطًا بِدَلالَةِ: ولَقَدْ أرْسَلْنا عَلَيْهِ، وإذْ بَدَلٌ عَلى الأوَّلِ، ظَرْفٌ عَلى الثّانِي.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ﴾ فَهو عَلى وجْهِ التَّنْكِيرِ، وإنْ كانَ بِلَفْظِ الِاسْتِفْهامِ، ورُبَّما كانَ التَّوْبِيخُ بِمِثْلِ هَذا اللَّفْظِ أبْلَغَ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وأنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّهم كانُوا لا يَتَحاشَوْنَ مِن إظْهارِ ذَلِكَ عَلى وجْهِ الخَلاعَةِ، ولا يَتَكاتَمُونَ، وذَلِكَ أحَدُ ما لِأجْلِهِ عَظُمَ ذَلِكَ الفِعْلُ مِنهم، فَذَكَرَ في تَوْبِيخِهِ لَهم ما لَهُ عَظُمَ ذَلِكَ الفِعْلُ.
وثانِيها: أنَّ المُرادَ بَصَرُ القَلْبِ أيْ تَعْلَمُونَ أنَّها فاحِشَةٌ لَمْ تُسْبَقُوا إلَيْها، وأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَخْلُقِ الذَّكَرَ لِلذَّكَرِ، فَهي مُضادَّةٌ لِلَّهِ في حِكْمَتِهِ.
وثالِثُها: تُبْصِرُونَ آثارَ العُصاةِ قَبْلَكم وما نَزَلَ بِهِمْ، فَإنْ قُلْتَ: فَسَّرْتَ تُبْصِرُونَ بِالعِلْمِ وبَعْدَهُ ﴿بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ فَكَيْفَ يَكُونُونَ عُلَماءَ وجُهَلاءَ ؟ قُلْتُ: أرادَ تَفْعَلُونَ فِعْلَ الجاهِلِينَ بِأنَّها فاحِشَةٌ مَعَ عِلْمِكم بِذَلِكَ، أوْ تَجْهَلُونَ العاقِبَةَ أوْ أرادَ بِالجَهْلِ السَّفاهَةَ والمَجانَةَ الَّتِي كانُوا عَلَيْها، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ جَهْلَهم بِأنْ حَكى عَنْهم أنَّهم أجابُوا عَنْ هَذا الكَلامِ بِما لا يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ جَوابًا لَهُ فَقالَ:
صفحة ١٧٦
﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلّا أنْ قالُوا أخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِن قَرْيَتِكم إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ فَجَعَلُوا الَّذِي لِأجْلِهِ يُخْرَجُونَ أنَّهم يَتَطَهَّرُونَ مِن هَذا الصَّنِيعِ الفاحِشِ، وهَذا يُوجِبُ تَنْعِيمَهم وتَعْظِيمَهم أوْلى، لَكِنْ في المُفَسِّرِينَ مَن قالَ: إنَّما قالُوا ذَلِكَ عَلى وجْهِ الهُزُءِ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ نَجّاهُ وأهْلَهُ إلّا امْرَأتَهُ وأهْلَكَ الباقِينَ، وقَدْ تَقَدَّمَ كُلُّ ذَلِكَ مَشْرُوحًا، واللَّهُ أعْلَمُ. وهَهُنا آخِرُ القَصَصِ في هَذِهِ السُّورَةِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
القَوْلُ في خِطابِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ مَعَ مُحَمَّدٍ ﷺ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى آللَّهُ خَيْرٌ أمْ ما يُشْرِكُونَ﴾
فِي هَذِهِ الآيَةِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِما قَبْلَهُ مِنَ القَصَصِ، والمَعْنى: الحَمْدُ لِلَّهِ عَلى إهْلاكِهِمْ، وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى بِأنْ أرْسَلَهم ونَجّاهُمُ.
الثّانِي: أنَّهُ مُبْتَدَأٌ، فَإنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أحْوالَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وكانَ مُحَمَّدٌ ﷺ كالمُخالِفِ لِمَن قَبْلَهُ في أمْرِ العَذابِ؛ لِأنَّ عَذابَ الِاسْتِئْصالِ مُرْتَفِعٌ عَنْ قَوْمِهِ، أمَرَهُ تَعالى بِأنْ يَشْكُرَ رَبَّهُ عَلى ما خَصَّهُ بِهَذِهِ النِّعَمِ، وبِأنْ يُسَلِّمَ عَلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ الَّذِينَ صَبَرُوا عَلى مَشاقِّ الرِّسالَةِ.
فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أمْ ما يُشْرِكُونَ﴾ فَهو تَبْكِيتٌ لِلْمُشْرِكِينَ وتَهَكُّمٌ بِحالِهِمْ، وذَلِكَ: أنَّهم آثَرُوا عِبادَةَ الأصْنامِ عَلى عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى، ولا يُؤْثِرُ عاقِلٌ شَيْئًا عَلى شَيْءٍ إلّا لِزِيادَةِ خَيْرٍ ومَنفَعَةٍ، فَقِيلَ لَهم هَذا الكَلامُ تَنْبِيهًا عَلى نِهايَةِ ضَلالِهِمْ وجَهْلِهِمْ. وقُرِئَ (يُشْرِكُونَ) بِالياءِ والتّاءِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ كانَ إذا قَرَأها قالَ: ”«بَلِ اللَّهُ خَيْرٌ وأبْقى وأجَلُّ وأكْرَمُ» “ .
ثُمَّ اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى تَكَلَّمَ بَعْدَ ذَلِكَ في عِدَّةِ فُصُولٍ:
الفَصْلُ الأوَّلُ: في الرَّدِّ عَلى عَبَدَةِ الأوْثانِ، ومَدارُ هَذا الفَصْلِ عَلى بَيانِ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى هو الخالِقُ لِأُصُولِ النِّعَمِ وفُرُوعِها، فَكَيْفَ تَحْسُنُ عِبادَةُ ما لا مَنفَعَةَ مِنهُ البَتَّةَ ؟ ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى ذَكَرَ أنْواعًا:
النمل 27:47
صفحة ١٧٣
القِصَّةُ الثّالِثَةُ: قِصَّةُ صالِحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ
﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا إلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإذا هم فَرِيقانِ يَخْتَصِمُونَ﴾ ﴿قالَ يا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ ﴿قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ وبِمَن مَعَكَ قالَ طائِرُكم عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ ﴿وكانَ في المَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يُصْلِحُونَ﴾ ﴿قالُوا تَقاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وأهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أهْلِهِ وإنّا لَصادِقُونَ﴾ ﴿ومَكَرُوا مَكْرًا ومَكَرْنا مَكْرًا وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أنّا دَمَّرْناهم وقَوْمَهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهم خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ ﴿وأنْجَيْنا الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا إلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإذا هم فَرِيقانِ يَخْتَصِمُونَ﴾ ﴿قالَ ياقَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ ﴿قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ وبِمَن مَعَكَ قالَ طائِرُكم عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ ﴿وكانَ في المَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يُصْلِحُونَ﴾ ﴿قالُوا تَقاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وأهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أهْلِهِ وإنّا لَصادِقُونَ﴾ ﴿ومَكَرُوا مَكْرًا ومَكَرْنا مَكْرًا وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أنّا دَمَّرْناهم وقَوْمَهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهم خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ ﴿وأنْجَيْنا الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾
قُرِئَ (أنُ اعْبُدُوا اللَّهَ ) بِالضَّمِّ عَلى اتْباعِ النُّونِ الباءَ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَإذا هم فَرِيقانِ﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: المُرادُ فَرِيقٌ مُؤْمِنٌ وفَرِيقٌ كافِرٌ.
الثّانِي: المُرادُ قَوْمُ صالِحٍ قَبْلَ أنْ يُؤْمِنَ مِنهم أحَدٌ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿يَخْتَصِمُونَ﴾ فالمَعْنى: إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما آمَنُوا لِأنَّهم نَظَرُوا في حُجَّتِهِ فَعَرَفُوا صِحَّتَها، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَلا بُدَّ وأنْ يَكُونَ خَصْمًا لِمَن لَمْ يَقْبَلْها، وإذا كانَ هَذا الِاخْتِصامُ في بابِ الدِّينِ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ الجِدالَ في بابِ الدِّينِ حَقٌّ وفِيهِ إبْطالُ التَّقْلِيدِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿قالَ ياقَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ﴾ فَفِيهِ بَحْثانِ:
الأوَّلُ: في تَفْسِيرِ اسْتِعْجالِ السَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: إنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا صالِحًا عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا لَمْ يَنْفَعْهُمُ الحِجاجُ تَوَعَّدَهم صالِحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالعَذابِ، فَقالُوا: ﴿ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ (العَنْكَبُوتِ: ٢٩) عَلى وجْهِ الِاسْتِهْزاءِ، فَعِنْدَهُ قالَ صالِحٌ: ﴿لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ﴾ والمُرادُ أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ مَكَّنَكم مِنَ التَّوَصُّلِ إلى رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى وثَوابِهِ، فَلِماذا تَعْدِلُونَ عَنْهُ إلى اسْتِعْجالِ عَذابِهِ ؟
وثانِيهِما: إنَّهم كانُوا يَقُولُونَ لِجَهْلِهِمْ: إنَّ العُقُوبَةَ الَّتِي يَعِدُها صالِحٌ إنْ وقَعَتْ عَلى زَعْمِهِ أتَيْنا حِينَئِذٍ واسْتَغْفَرْنا، فَحِينَئِذٍ يَقْبَلُ اللَّهُ تَوْبَتَنا ويَدْفَعُ العَذابَ عَنّا، فَخاطَبَهم صالَحٌ عَلى حَسَبِ اعْتِقادِهِمْ، وقالَ: هَلّا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ قَبْلَ نُزُولِ العَذابِ فَإنَّ اسْتِعْجالَ الخَيْرِ أوْلى مِنَ اسْتِعْجالِ الشَّرِّ.
صفحة ١٧٤
البَحْثُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِالسَّيِّئَةِ العِقابُ وبِالحَسَنَةِ الثَّوابُ، فَأمّا وصْفُ العَذابِ بِأنَّهُ سَيِّئَةٌ فَهو مَجازٌ وسَبَبُ هَذا التَّجْوِيزِ، إمّا لِأنَّ العِقابَ مِن لَوازِمِهِ أوْ لِأنَّهُ يُشْبِهُهُ في كَوْنِهِ مَكْرُوهًا، وأمّا وصْفُ الرَّحْمَةِ بِأنَّها حَسَنَةٌ فَمِنهم مَن قالَ: إنَّهُ حَقِيقَةٌ، ومِنهم مَن قالَ: إنَّهُ مَجازٌ والأوَّلُ أقْرَبُ، ثُمَّ إنَّ صالِحًا عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا قَرَّرَ هَذا الكَلامَ الحَقَّ أجابُوهُ بِكَلامٍ فاسِدٍ، وهو قَوْلُهم: ﴿اطَّيَّرْنا بِكَ﴾ أيْ تَشاءَمْنا بِكَ؛ لِأنَّ الَّذِي يُصِيبُنا مِن شِدَّةٍ وقَحْطٍ فَهو بِشُؤْمِكَ وبِشُؤْمِ مَن مَعَكَ.
قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: كانَ الرَّجُلُ يَخْرُجُ مُسافِرًا فَيَمُرُّ بِطائِرٍ فَيَزْجُرُهُ، فَإنْ مَرَّ سانِحًا تَيَمَّنَ، وإنْ مَرَّ بارِحًا تَشاءَمَ، فَلَمّا نَسَبُوا الخَيْرَ والشَّرَّ إلى الطّائِرِ اسْتُعِيرَ لِما كانَ لِلْخَيْرِ والشَّرِّ وهو قَدَرُ اللَّهِ وقِسْمَتُهُ، فَأجابَ صالِحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَوْلِهِ: ﴿طائِرُكم عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيِ السَّبَبُ الَّذِي مِنهُ يَجِيءُ خَيْرُكم وشَرُّكم عِنْدَ اللَّهِ، وهو قَضاؤُهُ وقَدَرُهُ، إنْ شاءَ رَزَقَكم وإنْ شاءَ حَرَمَكم. وقِيلَ: بَلِ المُرادُ إنَّ جَزاءَ الطِّيَرَةِ مِنكم عِنْدَ اللَّهِ وهو العِقابُ، والأقْرَبُ الوجه الأوَّلُ؛ لِأنَّ القَوْمَ أشارُوا إلى الأمْرِ الحاصِلِ فَيَجِبُ في جَوابِهِ أنْ يَكُونَ فِيهِ لا في غَيْرِهِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ هَذا جَهْلٌ مِنهم بِقَوْلِهِ: ﴿بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ فَيُحْتَمَلُ أنَّ غَيْرَهم دَعاهم إلى هَذا القَوْلِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّ الشَّيْطانَ يَفْتِنُكم بِوَسْوَسَتِهِ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ: ﴿وكانَ في المَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ﴾ والأقْرَبُ أنْ يَكُونَ المُرادُ تِسْعَةَ جَمْعٍ؛ إذِ الظّاهِرُ مِنَ الرَّهْطِ الجَماعَةُ لا الواحِدُ، ثُمَّ يُحْتَمَلُ أنَّهم كانُوا قَبائِلَ، ويُحْتَمَلُ أنَّهم دَخَلُوا تَحْتَ العَدَدِ لِاخْتِلافِ صِفَتِهِمْ وأحْوالِهِمْ لا لِاخْتِلافِ السَّبَبِ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهم يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يَمْزِجُونَ ذَلِكَ الفَسادَ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّلاحِ، فَلِهَذا قالَ: ﴿يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يُصْلِحُونَ﴾ ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ مِن جُمْلَةِ ذَلِكَ ما هَمُّوا بِهِ مِن أمْرِ صالِحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿تَقاسَمُوا بِاللَّهِ﴾ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ أمْرًا أوْ خَبَرًا في مَحَلِّ الحالِ بِإضْمارِ قَدْ، أيْ قالُوا مُتَقاسِمِينَ، والبَياتُ مُتابَعَةُ العَدُوِّ لَيْلًا.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أهْلِهِ﴾ يَعْنِي لَوِ اتَّهَمَنا قَوْمُهُ حَلَفْنا لَهم أنّا لَمْ نَحْضُرْ. وقُرِئَ (مَهْلَكَ) بِفَتْحِ المِيمِ واللّامِ وكَسْرِها مِن هَلَكَ، ومُهْلَكٌ بِضَمِّ المِيمِ مِن أهْلَكَ، ويُحْتَمَلُ المَصْدَرُ والمَكانُ والزَّمانُ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ: ﴿ومَكَرُوا مَكْرًا ومَكَرْنا مَكْرًا وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ وقَدِ اخْتَلَفُوا في مَكْرِ اللَّهِ تَعالى عَلى وُجُوهٍ:
أحَدُها: إنَّ مَكْرَ اللَّهِ إهْلاكُهم مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ، شُبِّهَ بِمَكْرِ الماكِرِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ، رُوِيَ أنَّهُ كانَ لِصالِحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ مَسْجِدٌ في الحِجْرِ في شِعْبٍ يُصَلِّي فِيهِ، فَقالُوا: زَعَمَ صالِحٌ أنَّهُ يَفْرَغُ مِنّا إلى ثَلاثٍ، فَنَحْنُ نَفْرَغُ مِنهُ، ومِن أهْلِهِ قَبْلَ الثَّلاثِ، فَخَرَجُوا إلى الشِّعْبِ، وقالُوا: إذا جاءَ يُصَلِّي قَتَلْناهُ، ثُمَّ رَجَعْنا إلى أهْلِهِ فَقَتَلْناهم، فَبَعَثَ اللَّهُ تَعالى صَخْرَةً فَطَبِقَتِ الصَّخْرَةُ عَلَيْهِمْ فَمَ الشِّعْبِ، فَهَلَكُوا وهَلَكَ الباقُونَ بِالصَّيْحَةِ.
وثانِيها: جاءُوا بِاللَّيْلِ شاهِرِينَ سُيُوفَهم، وقَدْ أرْسَلَ اللَّهُ تَعالى المَلائِكَةَ مِلْءَ دارِ صالِحٍ فَدَمَغُوهم بِالحِجارَةِ، يَرَوْنَ الأحْجارَ ولا يَرَوْنَ رامِيًا.
وثالِثُها: أنَّ اللَّهَ تَعالى أخْبَرَ صالِحًا بِمَكْرِهِمْ فَتَحَرَّزَ عَنْهم فَذاكَ مَكْرُ اللَّهِ تَعالى في حَقِّهِمْ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿أنّا دَمَّرْناهُمْ﴾ اسْتِئْنافٌ، ومَن قَرَأ بِالفَتْحِ رَفَعَهُ بَدَلًا مِنَ العاقِبَةِ، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: هي تُدَمِّرُهم، أوْ نَصَبَهُ عَلى مَعْنى لِأنّا، أوْ عَلى أنَّهُ خَبَرُ كانَ، أيْ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمُ الدَّمارَ.
صفحة ١٧٥
أمّا قَوْلُهُ: ﴿خاوِيَةً﴾ فَهو حالٌ عَمِلَ فِيها ما دَلَّ عَلَيْهِ تِلْكَ، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ (خاوِيَةٌ) بِالرَّفْعِ عَلى خَبَرِ المُبْتَدَأِ المَحْذُوفِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
القِصَّةُ الرّابِعَةُ قِصَّةُ لُوطٍ عَلَيْهِ الُسَّلامُ ﴿ولُوطًا إذْ قالَ لِقَوْمِهِ أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ وأنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ ﴿أئِنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِن دُونِ النِّساءِ بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلّا أنْ قالُوا أخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِن قَرْيَتِكم إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ ﴿فَأنْجَيْناهُ وأهْلَهُ إلّا امْرَأتَهُ قَدَّرْناها مِنَ الغابِرِينَ﴾ ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَساءَ مَطَرُ المُنْذَرِينَ﴾ ﴿قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى آللَّهُ خَيْرٌ أم مّا يُشْرِكُونَ﴾ ﴿أمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وأنْزَلَ لَكم مِنَ السَّماءِ ماءً فَأنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ ما كانَ لَكم أنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هم قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولُوطًا إذْ قالَ لِقَوْمِهِ أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ وأنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ ﴿أئِنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِن دُونِ النِّساءِ بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلّا أنْ قالُوا أخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِن قَرْيَتِكم إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ ﴿فَأنْجَيْناهُ وأهْلَهُ إلّا امْرَأتَهُ قَدَّرْناها مِنَ الغابِرِينَ﴾ ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَساءَ مَطَرُ المُنْذَرِينَ﴾
قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: واذْكُرْ لُوطًا، أوْ أرْسَلَنا لُوطًا بِدَلالَةِ: ولَقَدْ أرْسَلْنا عَلَيْهِ، وإذْ بَدَلٌ عَلى الأوَّلِ، ظَرْفٌ عَلى الثّانِي.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ﴾ فَهو عَلى وجْهِ التَّنْكِيرِ، وإنْ كانَ بِلَفْظِ الِاسْتِفْهامِ، ورُبَّما كانَ التَّوْبِيخُ بِمِثْلِ هَذا اللَّفْظِ أبْلَغَ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وأنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّهم كانُوا لا يَتَحاشَوْنَ مِن إظْهارِ ذَلِكَ عَلى وجْهِ الخَلاعَةِ، ولا يَتَكاتَمُونَ، وذَلِكَ أحَدُ ما لِأجْلِهِ عَظُمَ ذَلِكَ الفِعْلُ مِنهم، فَذَكَرَ في تَوْبِيخِهِ لَهم ما لَهُ عَظُمَ ذَلِكَ الفِعْلُ.
وثانِيها: أنَّ المُرادَ بَصَرُ القَلْبِ أيْ تَعْلَمُونَ أنَّها فاحِشَةٌ لَمْ تُسْبَقُوا إلَيْها، وأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَخْلُقِ الذَّكَرَ لِلذَّكَرِ، فَهي مُضادَّةٌ لِلَّهِ في حِكْمَتِهِ.
وثالِثُها: تُبْصِرُونَ آثارَ العُصاةِ قَبْلَكم وما نَزَلَ بِهِمْ، فَإنْ قُلْتَ: فَسَّرْتَ تُبْصِرُونَ بِالعِلْمِ وبَعْدَهُ ﴿بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ فَكَيْفَ يَكُونُونَ عُلَماءَ وجُهَلاءَ ؟ قُلْتُ: أرادَ تَفْعَلُونَ فِعْلَ الجاهِلِينَ بِأنَّها فاحِشَةٌ مَعَ عِلْمِكم بِذَلِكَ، أوْ تَجْهَلُونَ العاقِبَةَ أوْ أرادَ بِالجَهْلِ السَّفاهَةَ والمَجانَةَ الَّتِي كانُوا عَلَيْها، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ جَهْلَهم بِأنْ حَكى عَنْهم أنَّهم أجابُوا عَنْ هَذا الكَلامِ بِما لا يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ جَوابًا لَهُ فَقالَ:
صفحة ١٧٦
﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلّا أنْ قالُوا أخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِن قَرْيَتِكم إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ فَجَعَلُوا الَّذِي لِأجْلِهِ يُخْرَجُونَ أنَّهم يَتَطَهَّرُونَ مِن هَذا الصَّنِيعِ الفاحِشِ، وهَذا يُوجِبُ تَنْعِيمَهم وتَعْظِيمَهم أوْلى، لَكِنْ في المُفَسِّرِينَ مَن قالَ: إنَّما قالُوا ذَلِكَ عَلى وجْهِ الهُزُءِ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ نَجّاهُ وأهْلَهُ إلّا امْرَأتَهُ وأهْلَكَ الباقِينَ، وقَدْ تَقَدَّمَ كُلُّ ذَلِكَ مَشْرُوحًا، واللَّهُ أعْلَمُ. وهَهُنا آخِرُ القَصَصِ في هَذِهِ السُّورَةِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
القَوْلُ في خِطابِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ مَعَ مُحَمَّدٍ ﷺ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى آللَّهُ خَيْرٌ أمْ ما يُشْرِكُونَ﴾
فِي هَذِهِ الآيَةِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِما قَبْلَهُ مِنَ القَصَصِ، والمَعْنى: الحَمْدُ لِلَّهِ عَلى إهْلاكِهِمْ، وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى بِأنْ أرْسَلَهم ونَجّاهُمُ.
الثّانِي: أنَّهُ مُبْتَدَأٌ، فَإنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أحْوالَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وكانَ مُحَمَّدٌ ﷺ كالمُخالِفِ لِمَن قَبْلَهُ في أمْرِ العَذابِ؛ لِأنَّ عَذابَ الِاسْتِئْصالِ مُرْتَفِعٌ عَنْ قَوْمِهِ، أمَرَهُ تَعالى بِأنْ يَشْكُرَ رَبَّهُ عَلى ما خَصَّهُ بِهَذِهِ النِّعَمِ، وبِأنْ يُسَلِّمَ عَلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ الَّذِينَ صَبَرُوا عَلى مَشاقِّ الرِّسالَةِ.
فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أمْ ما يُشْرِكُونَ﴾ فَهو تَبْكِيتٌ لِلْمُشْرِكِينَ وتَهَكُّمٌ بِحالِهِمْ، وذَلِكَ: أنَّهم آثَرُوا عِبادَةَ الأصْنامِ عَلى عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى، ولا يُؤْثِرُ عاقِلٌ شَيْئًا عَلى شَيْءٍ إلّا لِزِيادَةِ خَيْرٍ ومَنفَعَةٍ، فَقِيلَ لَهم هَذا الكَلامُ تَنْبِيهًا عَلى نِهايَةِ ضَلالِهِمْ وجَهْلِهِمْ. وقُرِئَ (يُشْرِكُونَ) بِالياءِ والتّاءِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ كانَ إذا قَرَأها قالَ: ”«بَلِ اللَّهُ خَيْرٌ وأبْقى وأجَلُّ وأكْرَمُ» “ .
ثُمَّ اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى تَكَلَّمَ بَعْدَ ذَلِكَ في عِدَّةِ فُصُولٍ:
الفَصْلُ الأوَّلُ: في الرَّدِّ عَلى عَبَدَةِ الأوْثانِ، ومَدارُ هَذا الفَصْلِ عَلى بَيانِ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى هو الخالِقُ لِأُصُولِ النِّعَمِ وفُرُوعِها، فَكَيْفَ تَحْسُنُ عِبادَةُ ما لا مَنفَعَةَ مِنهُ البَتَّةَ ؟ ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى ذَكَرَ أنْواعًا:
النمل 27:48
صفحة ١٧٣
القِصَّةُ الثّالِثَةُ: قِصَّةُ صالِحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ
﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا إلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإذا هم فَرِيقانِ يَخْتَصِمُونَ﴾ ﴿قالَ يا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ ﴿قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ وبِمَن مَعَكَ قالَ طائِرُكم عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ ﴿وكانَ في المَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يُصْلِحُونَ﴾ ﴿قالُوا تَقاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وأهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أهْلِهِ وإنّا لَصادِقُونَ﴾ ﴿ومَكَرُوا مَكْرًا ومَكَرْنا مَكْرًا وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أنّا دَمَّرْناهم وقَوْمَهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهم خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ ﴿وأنْجَيْنا الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا إلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإذا هم فَرِيقانِ يَخْتَصِمُونَ﴾ ﴿قالَ ياقَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ ﴿قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ وبِمَن مَعَكَ قالَ طائِرُكم عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ ﴿وكانَ في المَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يُصْلِحُونَ﴾ ﴿قالُوا تَقاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وأهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أهْلِهِ وإنّا لَصادِقُونَ﴾ ﴿ومَكَرُوا مَكْرًا ومَكَرْنا مَكْرًا وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أنّا دَمَّرْناهم وقَوْمَهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهم خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ ﴿وأنْجَيْنا الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾
قُرِئَ (أنُ اعْبُدُوا اللَّهَ ) بِالضَّمِّ عَلى اتْباعِ النُّونِ الباءَ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَإذا هم فَرِيقانِ﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: المُرادُ فَرِيقٌ مُؤْمِنٌ وفَرِيقٌ كافِرٌ.
الثّانِي: المُرادُ قَوْمُ صالِحٍ قَبْلَ أنْ يُؤْمِنَ مِنهم أحَدٌ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿يَخْتَصِمُونَ﴾ فالمَعْنى: إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما آمَنُوا لِأنَّهم نَظَرُوا في حُجَّتِهِ فَعَرَفُوا صِحَّتَها، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَلا بُدَّ وأنْ يَكُونَ خَصْمًا لِمَن لَمْ يَقْبَلْها، وإذا كانَ هَذا الِاخْتِصامُ في بابِ الدِّينِ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ الجِدالَ في بابِ الدِّينِ حَقٌّ وفِيهِ إبْطالُ التَّقْلِيدِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿قالَ ياقَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ﴾ فَفِيهِ بَحْثانِ:
الأوَّلُ: في تَفْسِيرِ اسْتِعْجالِ السَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: إنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا صالِحًا عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا لَمْ يَنْفَعْهُمُ الحِجاجُ تَوَعَّدَهم صالِحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالعَذابِ، فَقالُوا: ﴿ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ (العَنْكَبُوتِ: ٢٩) عَلى وجْهِ الِاسْتِهْزاءِ، فَعِنْدَهُ قالَ صالِحٌ: ﴿لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ﴾ والمُرادُ أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ مَكَّنَكم مِنَ التَّوَصُّلِ إلى رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى وثَوابِهِ، فَلِماذا تَعْدِلُونَ عَنْهُ إلى اسْتِعْجالِ عَذابِهِ ؟
وثانِيهِما: إنَّهم كانُوا يَقُولُونَ لِجَهْلِهِمْ: إنَّ العُقُوبَةَ الَّتِي يَعِدُها صالِحٌ إنْ وقَعَتْ عَلى زَعْمِهِ أتَيْنا حِينَئِذٍ واسْتَغْفَرْنا، فَحِينَئِذٍ يَقْبَلُ اللَّهُ تَوْبَتَنا ويَدْفَعُ العَذابَ عَنّا، فَخاطَبَهم صالَحٌ عَلى حَسَبِ اعْتِقادِهِمْ، وقالَ: هَلّا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ قَبْلَ نُزُولِ العَذابِ فَإنَّ اسْتِعْجالَ الخَيْرِ أوْلى مِنَ اسْتِعْجالِ الشَّرِّ.
صفحة ١٧٤
البَحْثُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِالسَّيِّئَةِ العِقابُ وبِالحَسَنَةِ الثَّوابُ، فَأمّا وصْفُ العَذابِ بِأنَّهُ سَيِّئَةٌ فَهو مَجازٌ وسَبَبُ هَذا التَّجْوِيزِ، إمّا لِأنَّ العِقابَ مِن لَوازِمِهِ أوْ لِأنَّهُ يُشْبِهُهُ في كَوْنِهِ مَكْرُوهًا، وأمّا وصْفُ الرَّحْمَةِ بِأنَّها حَسَنَةٌ فَمِنهم مَن قالَ: إنَّهُ حَقِيقَةٌ، ومِنهم مَن قالَ: إنَّهُ مَجازٌ والأوَّلُ أقْرَبُ، ثُمَّ إنَّ صالِحًا عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا قَرَّرَ هَذا الكَلامَ الحَقَّ أجابُوهُ بِكَلامٍ فاسِدٍ، وهو قَوْلُهم: ﴿اطَّيَّرْنا بِكَ﴾ أيْ تَشاءَمْنا بِكَ؛ لِأنَّ الَّذِي يُصِيبُنا مِن شِدَّةٍ وقَحْطٍ فَهو بِشُؤْمِكَ وبِشُؤْمِ مَن مَعَكَ.
قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: كانَ الرَّجُلُ يَخْرُجُ مُسافِرًا فَيَمُرُّ بِطائِرٍ فَيَزْجُرُهُ، فَإنْ مَرَّ سانِحًا تَيَمَّنَ، وإنْ مَرَّ بارِحًا تَشاءَمَ، فَلَمّا نَسَبُوا الخَيْرَ والشَّرَّ إلى الطّائِرِ اسْتُعِيرَ لِما كانَ لِلْخَيْرِ والشَّرِّ وهو قَدَرُ اللَّهِ وقِسْمَتُهُ، فَأجابَ صالِحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَوْلِهِ: ﴿طائِرُكم عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيِ السَّبَبُ الَّذِي مِنهُ يَجِيءُ خَيْرُكم وشَرُّكم عِنْدَ اللَّهِ، وهو قَضاؤُهُ وقَدَرُهُ، إنْ شاءَ رَزَقَكم وإنْ شاءَ حَرَمَكم. وقِيلَ: بَلِ المُرادُ إنَّ جَزاءَ الطِّيَرَةِ مِنكم عِنْدَ اللَّهِ وهو العِقابُ، والأقْرَبُ الوجه الأوَّلُ؛ لِأنَّ القَوْمَ أشارُوا إلى الأمْرِ الحاصِلِ فَيَجِبُ في جَوابِهِ أنْ يَكُونَ فِيهِ لا في غَيْرِهِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ هَذا جَهْلٌ مِنهم بِقَوْلِهِ: ﴿بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ فَيُحْتَمَلُ أنَّ غَيْرَهم دَعاهم إلى هَذا القَوْلِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّ الشَّيْطانَ يَفْتِنُكم بِوَسْوَسَتِهِ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ: ﴿وكانَ في المَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ﴾ والأقْرَبُ أنْ يَكُونَ المُرادُ تِسْعَةَ جَمْعٍ؛ إذِ الظّاهِرُ مِنَ الرَّهْطِ الجَماعَةُ لا الواحِدُ، ثُمَّ يُحْتَمَلُ أنَّهم كانُوا قَبائِلَ، ويُحْتَمَلُ أنَّهم دَخَلُوا تَحْتَ العَدَدِ لِاخْتِلافِ صِفَتِهِمْ وأحْوالِهِمْ لا لِاخْتِلافِ السَّبَبِ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهم يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يَمْزِجُونَ ذَلِكَ الفَسادَ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّلاحِ، فَلِهَذا قالَ: ﴿يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يُصْلِحُونَ﴾ ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ مِن جُمْلَةِ ذَلِكَ ما هَمُّوا بِهِ مِن أمْرِ صالِحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿تَقاسَمُوا بِاللَّهِ﴾ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ أمْرًا أوْ خَبَرًا في مَحَلِّ الحالِ بِإضْمارِ قَدْ، أيْ قالُوا مُتَقاسِمِينَ، والبَياتُ مُتابَعَةُ العَدُوِّ لَيْلًا.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أهْلِهِ﴾ يَعْنِي لَوِ اتَّهَمَنا قَوْمُهُ حَلَفْنا لَهم أنّا لَمْ نَحْضُرْ. وقُرِئَ (مَهْلَكَ) بِفَتْحِ المِيمِ واللّامِ وكَسْرِها مِن هَلَكَ، ومُهْلَكٌ بِضَمِّ المِيمِ مِن أهْلَكَ، ويُحْتَمَلُ المَصْدَرُ والمَكانُ والزَّمانُ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ: ﴿ومَكَرُوا مَكْرًا ومَكَرْنا مَكْرًا وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ وقَدِ اخْتَلَفُوا في مَكْرِ اللَّهِ تَعالى عَلى وُجُوهٍ:
أحَدُها: إنَّ مَكْرَ اللَّهِ إهْلاكُهم مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ، شُبِّهَ بِمَكْرِ الماكِرِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ، رُوِيَ أنَّهُ كانَ لِصالِحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ مَسْجِدٌ في الحِجْرِ في شِعْبٍ يُصَلِّي فِيهِ، فَقالُوا: زَعَمَ صالِحٌ أنَّهُ يَفْرَغُ مِنّا إلى ثَلاثٍ، فَنَحْنُ نَفْرَغُ مِنهُ، ومِن أهْلِهِ قَبْلَ الثَّلاثِ، فَخَرَجُوا إلى الشِّعْبِ، وقالُوا: إذا جاءَ يُصَلِّي قَتَلْناهُ، ثُمَّ رَجَعْنا إلى أهْلِهِ فَقَتَلْناهم، فَبَعَثَ اللَّهُ تَعالى صَخْرَةً فَطَبِقَتِ الصَّخْرَةُ عَلَيْهِمْ فَمَ الشِّعْبِ، فَهَلَكُوا وهَلَكَ الباقُونَ بِالصَّيْحَةِ.
وثانِيها: جاءُوا بِاللَّيْلِ شاهِرِينَ سُيُوفَهم، وقَدْ أرْسَلَ اللَّهُ تَعالى المَلائِكَةَ مِلْءَ دارِ صالِحٍ فَدَمَغُوهم بِالحِجارَةِ، يَرَوْنَ الأحْجارَ ولا يَرَوْنَ رامِيًا.
وثالِثُها: أنَّ اللَّهَ تَعالى أخْبَرَ صالِحًا بِمَكْرِهِمْ فَتَحَرَّزَ عَنْهم فَذاكَ مَكْرُ اللَّهِ تَعالى في حَقِّهِمْ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿أنّا دَمَّرْناهُمْ﴾ اسْتِئْنافٌ، ومَن قَرَأ بِالفَتْحِ رَفَعَهُ بَدَلًا مِنَ العاقِبَةِ، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: هي تُدَمِّرُهم، أوْ نَصَبَهُ عَلى مَعْنى لِأنّا، أوْ عَلى أنَّهُ خَبَرُ كانَ، أيْ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمُ الدَّمارَ.
صفحة ١٧٥
أمّا قَوْلُهُ: ﴿خاوِيَةً﴾ فَهو حالٌ عَمِلَ فِيها ما دَلَّ عَلَيْهِ تِلْكَ، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ (خاوِيَةٌ) بِالرَّفْعِ عَلى خَبَرِ المُبْتَدَأِ المَحْذُوفِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
القِصَّةُ الرّابِعَةُ قِصَّةُ لُوطٍ عَلَيْهِ الُسَّلامُ ﴿ولُوطًا إذْ قالَ لِقَوْمِهِ أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ وأنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ ﴿أئِنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِن دُونِ النِّساءِ بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلّا أنْ قالُوا أخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِن قَرْيَتِكم إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ ﴿فَأنْجَيْناهُ وأهْلَهُ إلّا امْرَأتَهُ قَدَّرْناها مِنَ الغابِرِينَ﴾ ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَساءَ مَطَرُ المُنْذَرِينَ﴾ ﴿قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى آللَّهُ خَيْرٌ أم مّا يُشْرِكُونَ﴾ ﴿أمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وأنْزَلَ لَكم مِنَ السَّماءِ ماءً فَأنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ ما كانَ لَكم أنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هم قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولُوطًا إذْ قالَ لِقَوْمِهِ أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ وأنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ ﴿أئِنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِن دُونِ النِّساءِ بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلّا أنْ قالُوا أخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِن قَرْيَتِكم إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ ﴿فَأنْجَيْناهُ وأهْلَهُ إلّا امْرَأتَهُ قَدَّرْناها مِنَ الغابِرِينَ﴾ ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَساءَ مَطَرُ المُنْذَرِينَ﴾
قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: واذْكُرْ لُوطًا، أوْ أرْسَلَنا لُوطًا بِدَلالَةِ: ولَقَدْ أرْسَلْنا عَلَيْهِ، وإذْ بَدَلٌ عَلى الأوَّلِ، ظَرْفٌ عَلى الثّانِي.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ﴾ فَهو عَلى وجْهِ التَّنْكِيرِ، وإنْ كانَ بِلَفْظِ الِاسْتِفْهامِ، ورُبَّما كانَ التَّوْبِيخُ بِمِثْلِ هَذا اللَّفْظِ أبْلَغَ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وأنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّهم كانُوا لا يَتَحاشَوْنَ مِن إظْهارِ ذَلِكَ عَلى وجْهِ الخَلاعَةِ، ولا يَتَكاتَمُونَ، وذَلِكَ أحَدُ ما لِأجْلِهِ عَظُمَ ذَلِكَ الفِعْلُ مِنهم، فَذَكَرَ في تَوْبِيخِهِ لَهم ما لَهُ عَظُمَ ذَلِكَ الفِعْلُ.
وثانِيها: أنَّ المُرادَ بَصَرُ القَلْبِ أيْ تَعْلَمُونَ أنَّها فاحِشَةٌ لَمْ تُسْبَقُوا إلَيْها، وأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَخْلُقِ الذَّكَرَ لِلذَّكَرِ، فَهي مُضادَّةٌ لِلَّهِ في حِكْمَتِهِ.
وثالِثُها: تُبْصِرُونَ آثارَ العُصاةِ قَبْلَكم وما نَزَلَ بِهِمْ، فَإنْ قُلْتَ: فَسَّرْتَ تُبْصِرُونَ بِالعِلْمِ وبَعْدَهُ ﴿بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ فَكَيْفَ يَكُونُونَ عُلَماءَ وجُهَلاءَ ؟ قُلْتُ: أرادَ تَفْعَلُونَ فِعْلَ الجاهِلِينَ بِأنَّها فاحِشَةٌ مَعَ عِلْمِكم بِذَلِكَ، أوْ تَجْهَلُونَ العاقِبَةَ أوْ أرادَ بِالجَهْلِ السَّفاهَةَ والمَجانَةَ الَّتِي كانُوا عَلَيْها، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ جَهْلَهم بِأنْ حَكى عَنْهم أنَّهم أجابُوا عَنْ هَذا الكَلامِ بِما لا يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ جَوابًا لَهُ فَقالَ:
صفحة ١٧٦
﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلّا أنْ قالُوا أخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِن قَرْيَتِكم إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ فَجَعَلُوا الَّذِي لِأجْلِهِ يُخْرَجُونَ أنَّهم يَتَطَهَّرُونَ مِن هَذا الصَّنِيعِ الفاحِشِ، وهَذا يُوجِبُ تَنْعِيمَهم وتَعْظِيمَهم أوْلى، لَكِنْ في المُفَسِّرِينَ مَن قالَ: إنَّما قالُوا ذَلِكَ عَلى وجْهِ الهُزُءِ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ نَجّاهُ وأهْلَهُ إلّا امْرَأتَهُ وأهْلَكَ الباقِينَ، وقَدْ تَقَدَّمَ كُلُّ ذَلِكَ مَشْرُوحًا، واللَّهُ أعْلَمُ. وهَهُنا آخِرُ القَصَصِ في هَذِهِ السُّورَةِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
القَوْلُ في خِطابِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ مَعَ مُحَمَّدٍ ﷺ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى آللَّهُ خَيْرٌ أمْ ما يُشْرِكُونَ﴾
فِي هَذِهِ الآيَةِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِما قَبْلَهُ مِنَ القَصَصِ، والمَعْنى: الحَمْدُ لِلَّهِ عَلى إهْلاكِهِمْ، وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى بِأنْ أرْسَلَهم ونَجّاهُمُ.
الثّانِي: أنَّهُ مُبْتَدَأٌ، فَإنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أحْوالَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وكانَ مُحَمَّدٌ ﷺ كالمُخالِفِ لِمَن قَبْلَهُ في أمْرِ العَذابِ؛ لِأنَّ عَذابَ الِاسْتِئْصالِ مُرْتَفِعٌ عَنْ قَوْمِهِ، أمَرَهُ تَعالى بِأنْ يَشْكُرَ رَبَّهُ عَلى ما خَصَّهُ بِهَذِهِ النِّعَمِ، وبِأنْ يُسَلِّمَ عَلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ الَّذِينَ صَبَرُوا عَلى مَشاقِّ الرِّسالَةِ.
فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أمْ ما يُشْرِكُونَ﴾ فَهو تَبْكِيتٌ لِلْمُشْرِكِينَ وتَهَكُّمٌ بِحالِهِمْ، وذَلِكَ: أنَّهم آثَرُوا عِبادَةَ الأصْنامِ عَلى عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى، ولا يُؤْثِرُ عاقِلٌ شَيْئًا عَلى شَيْءٍ إلّا لِزِيادَةِ خَيْرٍ ومَنفَعَةٍ، فَقِيلَ لَهم هَذا الكَلامُ تَنْبِيهًا عَلى نِهايَةِ ضَلالِهِمْ وجَهْلِهِمْ. وقُرِئَ (يُشْرِكُونَ) بِالياءِ والتّاءِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ كانَ إذا قَرَأها قالَ: ”«بَلِ اللَّهُ خَيْرٌ وأبْقى وأجَلُّ وأكْرَمُ» “ .
ثُمَّ اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى تَكَلَّمَ بَعْدَ ذَلِكَ في عِدَّةِ فُصُولٍ:
الفَصْلُ الأوَّلُ: في الرَّدِّ عَلى عَبَدَةِ الأوْثانِ، ومَدارُ هَذا الفَصْلِ عَلى بَيانِ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى هو الخالِقُ لِأُصُولِ النِّعَمِ وفُرُوعِها، فَكَيْفَ تَحْسُنُ عِبادَةُ ما لا مَنفَعَةَ مِنهُ البَتَّةَ ؟ ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى ذَكَرَ أنْواعًا:
النمل 27:49
صفحة ١٧٣
القِصَّةُ الثّالِثَةُ: قِصَّةُ صالِحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ
﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا إلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإذا هم فَرِيقانِ يَخْتَصِمُونَ﴾ ﴿قالَ يا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ ﴿قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ وبِمَن مَعَكَ قالَ طائِرُكم عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ ﴿وكانَ في المَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يُصْلِحُونَ﴾ ﴿قالُوا تَقاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وأهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أهْلِهِ وإنّا لَصادِقُونَ﴾ ﴿ومَكَرُوا مَكْرًا ومَكَرْنا مَكْرًا وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أنّا دَمَّرْناهم وقَوْمَهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهم خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ ﴿وأنْجَيْنا الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا إلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإذا هم فَرِيقانِ يَخْتَصِمُونَ﴾ ﴿قالَ ياقَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ ﴿قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ وبِمَن مَعَكَ قالَ طائِرُكم عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ ﴿وكانَ في المَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يُصْلِحُونَ﴾ ﴿قالُوا تَقاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وأهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أهْلِهِ وإنّا لَصادِقُونَ﴾ ﴿ومَكَرُوا مَكْرًا ومَكَرْنا مَكْرًا وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أنّا دَمَّرْناهم وقَوْمَهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهم خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ ﴿وأنْجَيْنا الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾
قُرِئَ (أنُ اعْبُدُوا اللَّهَ ) بِالضَّمِّ عَلى اتْباعِ النُّونِ الباءَ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَإذا هم فَرِيقانِ﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: المُرادُ فَرِيقٌ مُؤْمِنٌ وفَرِيقٌ كافِرٌ.
الثّانِي: المُرادُ قَوْمُ صالِحٍ قَبْلَ أنْ يُؤْمِنَ مِنهم أحَدٌ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿يَخْتَصِمُونَ﴾ فالمَعْنى: إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما آمَنُوا لِأنَّهم نَظَرُوا في حُجَّتِهِ فَعَرَفُوا صِحَّتَها، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَلا بُدَّ وأنْ يَكُونَ خَصْمًا لِمَن لَمْ يَقْبَلْها، وإذا كانَ هَذا الِاخْتِصامُ في بابِ الدِّينِ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ الجِدالَ في بابِ الدِّينِ حَقٌّ وفِيهِ إبْطالُ التَّقْلِيدِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿قالَ ياقَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ﴾ فَفِيهِ بَحْثانِ:
الأوَّلُ: في تَفْسِيرِ اسْتِعْجالِ السَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: إنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا صالِحًا عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا لَمْ يَنْفَعْهُمُ الحِجاجُ تَوَعَّدَهم صالِحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالعَذابِ، فَقالُوا: ﴿ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ (العَنْكَبُوتِ: ٢٩) عَلى وجْهِ الِاسْتِهْزاءِ، فَعِنْدَهُ قالَ صالِحٌ: ﴿لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ﴾ والمُرادُ أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ مَكَّنَكم مِنَ التَّوَصُّلِ إلى رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى وثَوابِهِ، فَلِماذا تَعْدِلُونَ عَنْهُ إلى اسْتِعْجالِ عَذابِهِ ؟
وثانِيهِما: إنَّهم كانُوا يَقُولُونَ لِجَهْلِهِمْ: إنَّ العُقُوبَةَ الَّتِي يَعِدُها صالِحٌ إنْ وقَعَتْ عَلى زَعْمِهِ أتَيْنا حِينَئِذٍ واسْتَغْفَرْنا، فَحِينَئِذٍ يَقْبَلُ اللَّهُ تَوْبَتَنا ويَدْفَعُ العَذابَ عَنّا، فَخاطَبَهم صالَحٌ عَلى حَسَبِ اعْتِقادِهِمْ، وقالَ: هَلّا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ قَبْلَ نُزُولِ العَذابِ فَإنَّ اسْتِعْجالَ الخَيْرِ أوْلى مِنَ اسْتِعْجالِ الشَّرِّ.
صفحة ١٧٤
البَحْثُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِالسَّيِّئَةِ العِقابُ وبِالحَسَنَةِ الثَّوابُ، فَأمّا وصْفُ العَذابِ بِأنَّهُ سَيِّئَةٌ فَهو مَجازٌ وسَبَبُ هَذا التَّجْوِيزِ، إمّا لِأنَّ العِقابَ مِن لَوازِمِهِ أوْ لِأنَّهُ يُشْبِهُهُ في كَوْنِهِ مَكْرُوهًا، وأمّا وصْفُ الرَّحْمَةِ بِأنَّها حَسَنَةٌ فَمِنهم مَن قالَ: إنَّهُ حَقِيقَةٌ، ومِنهم مَن قالَ: إنَّهُ مَجازٌ والأوَّلُ أقْرَبُ، ثُمَّ إنَّ صالِحًا عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا قَرَّرَ هَذا الكَلامَ الحَقَّ أجابُوهُ بِكَلامٍ فاسِدٍ، وهو قَوْلُهم: ﴿اطَّيَّرْنا بِكَ﴾ أيْ تَشاءَمْنا بِكَ؛ لِأنَّ الَّذِي يُصِيبُنا مِن شِدَّةٍ وقَحْطٍ فَهو بِشُؤْمِكَ وبِشُؤْمِ مَن مَعَكَ.
قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: كانَ الرَّجُلُ يَخْرُجُ مُسافِرًا فَيَمُرُّ بِطائِرٍ فَيَزْجُرُهُ، فَإنْ مَرَّ سانِحًا تَيَمَّنَ، وإنْ مَرَّ بارِحًا تَشاءَمَ، فَلَمّا نَسَبُوا الخَيْرَ والشَّرَّ إلى الطّائِرِ اسْتُعِيرَ لِما كانَ لِلْخَيْرِ والشَّرِّ وهو قَدَرُ اللَّهِ وقِسْمَتُهُ، فَأجابَ صالِحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَوْلِهِ: ﴿طائِرُكم عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيِ السَّبَبُ الَّذِي مِنهُ يَجِيءُ خَيْرُكم وشَرُّكم عِنْدَ اللَّهِ، وهو قَضاؤُهُ وقَدَرُهُ، إنْ شاءَ رَزَقَكم وإنْ شاءَ حَرَمَكم. وقِيلَ: بَلِ المُرادُ إنَّ جَزاءَ الطِّيَرَةِ مِنكم عِنْدَ اللَّهِ وهو العِقابُ، والأقْرَبُ الوجه الأوَّلُ؛ لِأنَّ القَوْمَ أشارُوا إلى الأمْرِ الحاصِلِ فَيَجِبُ في جَوابِهِ أنْ يَكُونَ فِيهِ لا في غَيْرِهِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ هَذا جَهْلٌ مِنهم بِقَوْلِهِ: ﴿بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ فَيُحْتَمَلُ أنَّ غَيْرَهم دَعاهم إلى هَذا القَوْلِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّ الشَّيْطانَ يَفْتِنُكم بِوَسْوَسَتِهِ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ: ﴿وكانَ في المَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ﴾ والأقْرَبُ أنْ يَكُونَ المُرادُ تِسْعَةَ جَمْعٍ؛ إذِ الظّاهِرُ مِنَ الرَّهْطِ الجَماعَةُ لا الواحِدُ، ثُمَّ يُحْتَمَلُ أنَّهم كانُوا قَبائِلَ، ويُحْتَمَلُ أنَّهم دَخَلُوا تَحْتَ العَدَدِ لِاخْتِلافِ صِفَتِهِمْ وأحْوالِهِمْ لا لِاخْتِلافِ السَّبَبِ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهم يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يَمْزِجُونَ ذَلِكَ الفَسادَ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّلاحِ، فَلِهَذا قالَ: ﴿يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يُصْلِحُونَ﴾ ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ مِن جُمْلَةِ ذَلِكَ ما هَمُّوا بِهِ مِن أمْرِ صالِحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿تَقاسَمُوا بِاللَّهِ﴾ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ أمْرًا أوْ خَبَرًا في مَحَلِّ الحالِ بِإضْمارِ قَدْ، أيْ قالُوا مُتَقاسِمِينَ، والبَياتُ مُتابَعَةُ العَدُوِّ لَيْلًا.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أهْلِهِ﴾ يَعْنِي لَوِ اتَّهَمَنا قَوْمُهُ حَلَفْنا لَهم أنّا لَمْ نَحْضُرْ. وقُرِئَ (مَهْلَكَ) بِفَتْحِ المِيمِ واللّامِ وكَسْرِها مِن هَلَكَ، ومُهْلَكٌ بِضَمِّ المِيمِ مِن أهْلَكَ، ويُحْتَمَلُ المَصْدَرُ والمَكانُ والزَّمانُ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ: ﴿ومَكَرُوا مَكْرًا ومَكَرْنا مَكْرًا وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ وقَدِ اخْتَلَفُوا في مَكْرِ اللَّهِ تَعالى عَلى وُجُوهٍ:
أحَدُها: إنَّ مَكْرَ اللَّهِ إهْلاكُهم مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ، شُبِّهَ بِمَكْرِ الماكِرِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ، رُوِيَ أنَّهُ كانَ لِصالِحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ مَسْجِدٌ في الحِجْرِ في شِعْبٍ يُصَلِّي فِيهِ، فَقالُوا: زَعَمَ صالِحٌ أنَّهُ يَفْرَغُ مِنّا إلى ثَلاثٍ، فَنَحْنُ نَفْرَغُ مِنهُ، ومِن أهْلِهِ قَبْلَ الثَّلاثِ، فَخَرَجُوا إلى الشِّعْبِ، وقالُوا: إذا جاءَ يُصَلِّي قَتَلْناهُ، ثُمَّ رَجَعْنا إلى أهْلِهِ فَقَتَلْناهم، فَبَعَثَ اللَّهُ تَعالى صَخْرَةً فَطَبِقَتِ الصَّخْرَةُ عَلَيْهِمْ فَمَ الشِّعْبِ، فَهَلَكُوا وهَلَكَ الباقُونَ بِالصَّيْحَةِ.
وثانِيها: جاءُوا بِاللَّيْلِ شاهِرِينَ سُيُوفَهم، وقَدْ أرْسَلَ اللَّهُ تَعالى المَلائِكَةَ مِلْءَ دارِ صالِحٍ فَدَمَغُوهم بِالحِجارَةِ، يَرَوْنَ الأحْجارَ ولا يَرَوْنَ رامِيًا.
وثالِثُها: أنَّ اللَّهَ تَعالى أخْبَرَ صالِحًا بِمَكْرِهِمْ فَتَحَرَّزَ عَنْهم فَذاكَ مَكْرُ اللَّهِ تَعالى في حَقِّهِمْ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿أنّا دَمَّرْناهُمْ﴾ اسْتِئْنافٌ، ومَن قَرَأ بِالفَتْحِ رَفَعَهُ بَدَلًا مِنَ العاقِبَةِ، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: هي تُدَمِّرُهم، أوْ نَصَبَهُ عَلى مَعْنى لِأنّا، أوْ عَلى أنَّهُ خَبَرُ كانَ، أيْ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمُ الدَّمارَ.
صفحة ١٧٥
أمّا قَوْلُهُ: ﴿خاوِيَةً﴾ فَهو حالٌ عَمِلَ فِيها ما دَلَّ عَلَيْهِ تِلْكَ، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ (خاوِيَةٌ) بِالرَّفْعِ عَلى خَبَرِ المُبْتَدَأِ المَحْذُوفِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
القِصَّةُ الرّابِعَةُ قِصَّةُ لُوطٍ عَلَيْهِ الُسَّلامُ ﴿ولُوطًا إذْ قالَ لِقَوْمِهِ أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ وأنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ ﴿أئِنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِن دُونِ النِّساءِ بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلّا أنْ قالُوا أخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِن قَرْيَتِكم إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ ﴿فَأنْجَيْناهُ وأهْلَهُ إلّا امْرَأتَهُ قَدَّرْناها مِنَ الغابِرِينَ﴾ ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَساءَ مَطَرُ المُنْذَرِينَ﴾ ﴿قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى آللَّهُ خَيْرٌ أم مّا يُشْرِكُونَ﴾ ﴿أمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وأنْزَلَ لَكم مِنَ السَّماءِ ماءً فَأنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ ما كانَ لَكم أنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هم قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولُوطًا إذْ قالَ لِقَوْمِهِ أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ وأنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ ﴿أئِنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِن دُونِ النِّساءِ بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلّا أنْ قالُوا أخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِن قَرْيَتِكم إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ ﴿فَأنْجَيْناهُ وأهْلَهُ إلّا امْرَأتَهُ قَدَّرْناها مِنَ الغابِرِينَ﴾ ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَساءَ مَطَرُ المُنْذَرِينَ﴾
قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: واذْكُرْ لُوطًا، أوْ أرْسَلَنا لُوطًا بِدَلالَةِ: ولَقَدْ أرْسَلْنا عَلَيْهِ، وإذْ بَدَلٌ عَلى الأوَّلِ، ظَرْفٌ عَلى الثّانِي.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ﴾ فَهو عَلى وجْهِ التَّنْكِيرِ، وإنْ كانَ بِلَفْظِ الِاسْتِفْهامِ، ورُبَّما كانَ التَّوْبِيخُ بِمِثْلِ هَذا اللَّفْظِ أبْلَغَ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وأنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّهم كانُوا لا يَتَحاشَوْنَ مِن إظْهارِ ذَلِكَ عَلى وجْهِ الخَلاعَةِ، ولا يَتَكاتَمُونَ، وذَلِكَ أحَدُ ما لِأجْلِهِ عَظُمَ ذَلِكَ الفِعْلُ مِنهم، فَذَكَرَ في تَوْبِيخِهِ لَهم ما لَهُ عَظُمَ ذَلِكَ الفِعْلُ.
وثانِيها: أنَّ المُرادَ بَصَرُ القَلْبِ أيْ تَعْلَمُونَ أنَّها فاحِشَةٌ لَمْ تُسْبَقُوا إلَيْها، وأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَخْلُقِ الذَّكَرَ لِلذَّكَرِ، فَهي مُضادَّةٌ لِلَّهِ في حِكْمَتِهِ.
وثالِثُها: تُبْصِرُونَ آثارَ العُصاةِ قَبْلَكم وما نَزَلَ بِهِمْ، فَإنْ قُلْتَ: فَسَّرْتَ تُبْصِرُونَ بِالعِلْمِ وبَعْدَهُ ﴿بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ فَكَيْفَ يَكُونُونَ عُلَماءَ وجُهَلاءَ ؟ قُلْتُ: أرادَ تَفْعَلُونَ فِعْلَ الجاهِلِينَ بِأنَّها فاحِشَةٌ مَعَ عِلْمِكم بِذَلِكَ، أوْ تَجْهَلُونَ العاقِبَةَ أوْ أرادَ بِالجَهْلِ السَّفاهَةَ والمَجانَةَ الَّتِي كانُوا عَلَيْها، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ جَهْلَهم بِأنْ حَكى عَنْهم أنَّهم أجابُوا عَنْ هَذا الكَلامِ بِما لا يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ جَوابًا لَهُ فَقالَ:
صفحة ١٧٦
﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلّا أنْ قالُوا أخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِن قَرْيَتِكم إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ فَجَعَلُوا الَّذِي لِأجْلِهِ يُخْرَجُونَ أنَّهم يَتَطَهَّرُونَ مِن هَذا الصَّنِيعِ الفاحِشِ، وهَذا يُوجِبُ تَنْعِيمَهم وتَعْظِيمَهم أوْلى، لَكِنْ في المُفَسِّرِينَ مَن قالَ: إنَّما قالُوا ذَلِكَ عَلى وجْهِ الهُزُءِ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ نَجّاهُ وأهْلَهُ إلّا امْرَأتَهُ وأهْلَكَ الباقِينَ، وقَدْ تَقَدَّمَ كُلُّ ذَلِكَ مَشْرُوحًا، واللَّهُ أعْلَمُ. وهَهُنا آخِرُ القَصَصِ في هَذِهِ السُّورَةِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
القَوْلُ في خِطابِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ مَعَ مُحَمَّدٍ ﷺ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى آللَّهُ خَيْرٌ أمْ ما يُشْرِكُونَ﴾
فِي هَذِهِ الآيَةِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِما قَبْلَهُ مِنَ القَصَصِ، والمَعْنى: الحَمْدُ لِلَّهِ عَلى إهْلاكِهِمْ، وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى بِأنْ أرْسَلَهم ونَجّاهُمُ.
الثّانِي: أنَّهُ مُبْتَدَأٌ، فَإنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أحْوالَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وكانَ مُحَمَّدٌ ﷺ كالمُخالِفِ لِمَن قَبْلَهُ في أمْرِ العَذابِ؛ لِأنَّ عَذابَ الِاسْتِئْصالِ مُرْتَفِعٌ عَنْ قَوْمِهِ، أمَرَهُ تَعالى بِأنْ يَشْكُرَ رَبَّهُ عَلى ما خَصَّهُ بِهَذِهِ النِّعَمِ، وبِأنْ يُسَلِّمَ عَلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ الَّذِينَ صَبَرُوا عَلى مَشاقِّ الرِّسالَةِ.
فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أمْ ما يُشْرِكُونَ﴾ فَهو تَبْكِيتٌ لِلْمُشْرِكِينَ وتَهَكُّمٌ بِحالِهِمْ، وذَلِكَ: أنَّهم آثَرُوا عِبادَةَ الأصْنامِ عَلى عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى، ولا يُؤْثِرُ عاقِلٌ شَيْئًا عَلى شَيْءٍ إلّا لِزِيادَةِ خَيْرٍ ومَنفَعَةٍ، فَقِيلَ لَهم هَذا الكَلامُ تَنْبِيهًا عَلى نِهايَةِ ضَلالِهِمْ وجَهْلِهِمْ. وقُرِئَ (يُشْرِكُونَ) بِالياءِ والتّاءِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ كانَ إذا قَرَأها قالَ: ”«بَلِ اللَّهُ خَيْرٌ وأبْقى وأجَلُّ وأكْرَمُ» “ .
ثُمَّ اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى تَكَلَّمَ بَعْدَ ذَلِكَ في عِدَّةِ فُصُولٍ:
الفَصْلُ الأوَّلُ: في الرَّدِّ عَلى عَبَدَةِ الأوْثانِ، ومَدارُ هَذا الفَصْلِ عَلى بَيانِ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى هو الخالِقُ لِأُصُولِ النِّعَمِ وفُرُوعِها، فَكَيْفَ تَحْسُنُ عِبادَةُ ما لا مَنفَعَةَ مِنهُ البَتَّةَ ؟ ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى ذَكَرَ أنْواعًا:
النمل 27:50
صفحة ١٧٣
القِصَّةُ الثّالِثَةُ: قِصَّةُ صالِحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ
﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا إلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإذا هم فَرِيقانِ يَخْتَصِمُونَ﴾ ﴿قالَ يا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ ﴿قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ وبِمَن مَعَكَ قالَ طائِرُكم عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ ﴿وكانَ في المَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يُصْلِحُونَ﴾ ﴿قالُوا تَقاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وأهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أهْلِهِ وإنّا لَصادِقُونَ﴾ ﴿ومَكَرُوا مَكْرًا ومَكَرْنا مَكْرًا وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أنّا دَمَّرْناهم وقَوْمَهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهم خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ ﴿وأنْجَيْنا الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا إلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإذا هم فَرِيقانِ يَخْتَصِمُونَ﴾ ﴿قالَ ياقَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ ﴿قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ وبِمَن مَعَكَ قالَ طائِرُكم عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ ﴿وكانَ في المَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يُصْلِحُونَ﴾ ﴿قالُوا تَقاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وأهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أهْلِهِ وإنّا لَصادِقُونَ﴾ ﴿ومَكَرُوا مَكْرًا ومَكَرْنا مَكْرًا وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أنّا دَمَّرْناهم وقَوْمَهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهم خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ ﴿وأنْجَيْنا الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾
قُرِئَ (أنُ اعْبُدُوا اللَّهَ ) بِالضَّمِّ عَلى اتْباعِ النُّونِ الباءَ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَإذا هم فَرِيقانِ﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: المُرادُ فَرِيقٌ مُؤْمِنٌ وفَرِيقٌ كافِرٌ.
الثّانِي: المُرادُ قَوْمُ صالِحٍ قَبْلَ أنْ يُؤْمِنَ مِنهم أحَدٌ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿يَخْتَصِمُونَ﴾ فالمَعْنى: إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما آمَنُوا لِأنَّهم نَظَرُوا في حُجَّتِهِ فَعَرَفُوا صِحَّتَها، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَلا بُدَّ وأنْ يَكُونَ خَصْمًا لِمَن لَمْ يَقْبَلْها، وإذا كانَ هَذا الِاخْتِصامُ في بابِ الدِّينِ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ الجِدالَ في بابِ الدِّينِ حَقٌّ وفِيهِ إبْطالُ التَّقْلِيدِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿قالَ ياقَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ﴾ فَفِيهِ بَحْثانِ:
الأوَّلُ: في تَفْسِيرِ اسْتِعْجالِ السَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: إنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا صالِحًا عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا لَمْ يَنْفَعْهُمُ الحِجاجُ تَوَعَّدَهم صالِحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالعَذابِ، فَقالُوا: ﴿ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ (العَنْكَبُوتِ: ٢٩) عَلى وجْهِ الِاسْتِهْزاءِ، فَعِنْدَهُ قالَ صالِحٌ: ﴿لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ﴾ والمُرادُ أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ مَكَّنَكم مِنَ التَّوَصُّلِ إلى رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى وثَوابِهِ، فَلِماذا تَعْدِلُونَ عَنْهُ إلى اسْتِعْجالِ عَذابِهِ ؟
وثانِيهِما: إنَّهم كانُوا يَقُولُونَ لِجَهْلِهِمْ: إنَّ العُقُوبَةَ الَّتِي يَعِدُها صالِحٌ إنْ وقَعَتْ عَلى زَعْمِهِ أتَيْنا حِينَئِذٍ واسْتَغْفَرْنا، فَحِينَئِذٍ يَقْبَلُ اللَّهُ تَوْبَتَنا ويَدْفَعُ العَذابَ عَنّا، فَخاطَبَهم صالَحٌ عَلى حَسَبِ اعْتِقادِهِمْ، وقالَ: هَلّا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ قَبْلَ نُزُولِ العَذابِ فَإنَّ اسْتِعْجالَ الخَيْرِ أوْلى مِنَ اسْتِعْجالِ الشَّرِّ.
صفحة ١٧٤
البَحْثُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِالسَّيِّئَةِ العِقابُ وبِالحَسَنَةِ الثَّوابُ، فَأمّا وصْفُ العَذابِ بِأنَّهُ سَيِّئَةٌ فَهو مَجازٌ وسَبَبُ هَذا التَّجْوِيزِ، إمّا لِأنَّ العِقابَ مِن لَوازِمِهِ أوْ لِأنَّهُ يُشْبِهُهُ في كَوْنِهِ مَكْرُوهًا، وأمّا وصْفُ الرَّحْمَةِ بِأنَّها حَسَنَةٌ فَمِنهم مَن قالَ: إنَّهُ حَقِيقَةٌ، ومِنهم مَن قالَ: إنَّهُ مَجازٌ والأوَّلُ أقْرَبُ، ثُمَّ إنَّ صالِحًا عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا قَرَّرَ هَذا الكَلامَ الحَقَّ أجابُوهُ بِكَلامٍ فاسِدٍ، وهو قَوْلُهم: ﴿اطَّيَّرْنا بِكَ﴾ أيْ تَشاءَمْنا بِكَ؛ لِأنَّ الَّذِي يُصِيبُنا مِن شِدَّةٍ وقَحْطٍ فَهو بِشُؤْمِكَ وبِشُؤْمِ مَن مَعَكَ.
قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: كانَ الرَّجُلُ يَخْرُجُ مُسافِرًا فَيَمُرُّ بِطائِرٍ فَيَزْجُرُهُ، فَإنْ مَرَّ سانِحًا تَيَمَّنَ، وإنْ مَرَّ بارِحًا تَشاءَمَ، فَلَمّا نَسَبُوا الخَيْرَ والشَّرَّ إلى الطّائِرِ اسْتُعِيرَ لِما كانَ لِلْخَيْرِ والشَّرِّ وهو قَدَرُ اللَّهِ وقِسْمَتُهُ، فَأجابَ صالِحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَوْلِهِ: ﴿طائِرُكم عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيِ السَّبَبُ الَّذِي مِنهُ يَجِيءُ خَيْرُكم وشَرُّكم عِنْدَ اللَّهِ، وهو قَضاؤُهُ وقَدَرُهُ، إنْ شاءَ رَزَقَكم وإنْ شاءَ حَرَمَكم. وقِيلَ: بَلِ المُرادُ إنَّ جَزاءَ الطِّيَرَةِ مِنكم عِنْدَ اللَّهِ وهو العِقابُ، والأقْرَبُ الوجه الأوَّلُ؛ لِأنَّ القَوْمَ أشارُوا إلى الأمْرِ الحاصِلِ فَيَجِبُ في جَوابِهِ أنْ يَكُونَ فِيهِ لا في غَيْرِهِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ هَذا جَهْلٌ مِنهم بِقَوْلِهِ: ﴿بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ فَيُحْتَمَلُ أنَّ غَيْرَهم دَعاهم إلى هَذا القَوْلِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّ الشَّيْطانَ يَفْتِنُكم بِوَسْوَسَتِهِ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ: ﴿وكانَ في المَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ﴾ والأقْرَبُ أنْ يَكُونَ المُرادُ تِسْعَةَ جَمْعٍ؛ إذِ الظّاهِرُ مِنَ الرَّهْطِ الجَماعَةُ لا الواحِدُ، ثُمَّ يُحْتَمَلُ أنَّهم كانُوا قَبائِلَ، ويُحْتَمَلُ أنَّهم دَخَلُوا تَحْتَ العَدَدِ لِاخْتِلافِ صِفَتِهِمْ وأحْوالِهِمْ لا لِاخْتِلافِ السَّبَبِ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهم يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يَمْزِجُونَ ذَلِكَ الفَسادَ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّلاحِ، فَلِهَذا قالَ: ﴿يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يُصْلِحُونَ﴾ ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ مِن جُمْلَةِ ذَلِكَ ما هَمُّوا بِهِ مِن أمْرِ صالِحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿تَقاسَمُوا بِاللَّهِ﴾ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ أمْرًا أوْ خَبَرًا في مَحَلِّ الحالِ بِإضْمارِ قَدْ، أيْ قالُوا مُتَقاسِمِينَ، والبَياتُ مُتابَعَةُ العَدُوِّ لَيْلًا.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أهْلِهِ﴾ يَعْنِي لَوِ اتَّهَمَنا قَوْمُهُ حَلَفْنا لَهم أنّا لَمْ نَحْضُرْ. وقُرِئَ (مَهْلَكَ) بِفَتْحِ المِيمِ واللّامِ وكَسْرِها مِن هَلَكَ، ومُهْلَكٌ بِضَمِّ المِيمِ مِن أهْلَكَ، ويُحْتَمَلُ المَصْدَرُ والمَكانُ والزَّمانُ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ: ﴿ومَكَرُوا مَكْرًا ومَكَرْنا مَكْرًا وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ وقَدِ اخْتَلَفُوا في مَكْرِ اللَّهِ تَعالى عَلى وُجُوهٍ:
أحَدُها: إنَّ مَكْرَ اللَّهِ إهْلاكُهم مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ، شُبِّهَ بِمَكْرِ الماكِرِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ، رُوِيَ أنَّهُ كانَ لِصالِحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ مَسْجِدٌ في الحِجْرِ في شِعْبٍ يُصَلِّي فِيهِ، فَقالُوا: زَعَمَ صالِحٌ أنَّهُ يَفْرَغُ مِنّا إلى ثَلاثٍ، فَنَحْنُ نَفْرَغُ مِنهُ، ومِن أهْلِهِ قَبْلَ الثَّلاثِ، فَخَرَجُوا إلى الشِّعْبِ، وقالُوا: إذا جاءَ يُصَلِّي قَتَلْناهُ، ثُمَّ رَجَعْنا إلى أهْلِهِ فَقَتَلْناهم، فَبَعَثَ اللَّهُ تَعالى صَخْرَةً فَطَبِقَتِ الصَّخْرَةُ عَلَيْهِمْ فَمَ الشِّعْبِ، فَهَلَكُوا وهَلَكَ الباقُونَ بِالصَّيْحَةِ.
وثانِيها: جاءُوا بِاللَّيْلِ شاهِرِينَ سُيُوفَهم، وقَدْ أرْسَلَ اللَّهُ تَعالى المَلائِكَةَ مِلْءَ دارِ صالِحٍ فَدَمَغُوهم بِالحِجارَةِ، يَرَوْنَ الأحْجارَ ولا يَرَوْنَ رامِيًا.
وثالِثُها: أنَّ اللَّهَ تَعالى أخْبَرَ صالِحًا بِمَكْرِهِمْ فَتَحَرَّزَ عَنْهم فَذاكَ مَكْرُ اللَّهِ تَعالى في حَقِّهِمْ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿أنّا دَمَّرْناهُمْ﴾ اسْتِئْنافٌ، ومَن قَرَأ بِالفَتْحِ رَفَعَهُ بَدَلًا مِنَ العاقِبَةِ، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: هي تُدَمِّرُهم، أوْ نَصَبَهُ عَلى مَعْنى لِأنّا، أوْ عَلى أنَّهُ خَبَرُ كانَ، أيْ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمُ الدَّمارَ.
صفحة ١٧٥
أمّا قَوْلُهُ: ﴿خاوِيَةً﴾ فَهو حالٌ عَمِلَ فِيها ما دَلَّ عَلَيْهِ تِلْكَ، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ (خاوِيَةٌ) بِالرَّفْعِ عَلى خَبَرِ المُبْتَدَأِ المَحْذُوفِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
القِصَّةُ الرّابِعَةُ قِصَّةُ لُوطٍ عَلَيْهِ الُسَّلامُ ﴿ولُوطًا إذْ قالَ لِقَوْمِهِ أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ وأنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ ﴿أئِنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِن دُونِ النِّساءِ بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلّا أنْ قالُوا أخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِن قَرْيَتِكم إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ ﴿فَأنْجَيْناهُ وأهْلَهُ إلّا امْرَأتَهُ قَدَّرْناها مِنَ الغابِرِينَ﴾ ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَساءَ مَطَرُ المُنْذَرِينَ﴾ ﴿قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى آللَّهُ خَيْرٌ أم مّا يُشْرِكُونَ﴾ ﴿أمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وأنْزَلَ لَكم مِنَ السَّماءِ ماءً فَأنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ ما كانَ لَكم أنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هم قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولُوطًا إذْ قالَ لِقَوْمِهِ أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ وأنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ ﴿أئِنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِن دُونِ النِّساءِ بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلّا أنْ قالُوا أخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِن قَرْيَتِكم إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ ﴿فَأنْجَيْناهُ وأهْلَهُ إلّا امْرَأتَهُ قَدَّرْناها مِنَ الغابِرِينَ﴾ ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَساءَ مَطَرُ المُنْذَرِينَ﴾
قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: واذْكُرْ لُوطًا، أوْ أرْسَلَنا لُوطًا بِدَلالَةِ: ولَقَدْ أرْسَلْنا عَلَيْهِ، وإذْ بَدَلٌ عَلى الأوَّلِ، ظَرْفٌ عَلى الثّانِي.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ﴾ فَهو عَلى وجْهِ التَّنْكِيرِ، وإنْ كانَ بِلَفْظِ الِاسْتِفْهامِ، ورُبَّما كانَ التَّوْبِيخُ بِمِثْلِ هَذا اللَّفْظِ أبْلَغَ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وأنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّهم كانُوا لا يَتَحاشَوْنَ مِن إظْهارِ ذَلِكَ عَلى وجْهِ الخَلاعَةِ، ولا يَتَكاتَمُونَ، وذَلِكَ أحَدُ ما لِأجْلِهِ عَظُمَ ذَلِكَ الفِعْلُ مِنهم، فَذَكَرَ في تَوْبِيخِهِ لَهم ما لَهُ عَظُمَ ذَلِكَ الفِعْلُ.
وثانِيها: أنَّ المُرادَ بَصَرُ القَلْبِ أيْ تَعْلَمُونَ أنَّها فاحِشَةٌ لَمْ تُسْبَقُوا إلَيْها، وأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَخْلُقِ الذَّكَرَ لِلذَّكَرِ، فَهي مُضادَّةٌ لِلَّهِ في حِكْمَتِهِ.
وثالِثُها: تُبْصِرُونَ آثارَ العُصاةِ قَبْلَكم وما نَزَلَ بِهِمْ، فَإنْ قُلْتَ: فَسَّرْتَ تُبْصِرُونَ بِالعِلْمِ وبَعْدَهُ ﴿بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ فَكَيْفَ يَكُونُونَ عُلَماءَ وجُهَلاءَ ؟ قُلْتُ: أرادَ تَفْعَلُونَ فِعْلَ الجاهِلِينَ بِأنَّها فاحِشَةٌ مَعَ عِلْمِكم بِذَلِكَ، أوْ تَجْهَلُونَ العاقِبَةَ أوْ أرادَ بِالجَهْلِ السَّفاهَةَ والمَجانَةَ الَّتِي كانُوا عَلَيْها، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ جَهْلَهم بِأنْ حَكى عَنْهم أنَّهم أجابُوا عَنْ هَذا الكَلامِ بِما لا يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ جَوابًا لَهُ فَقالَ:
صفحة ١٧٦
﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلّا أنْ قالُوا أخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِن قَرْيَتِكم إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ فَجَعَلُوا الَّذِي لِأجْلِهِ يُخْرَجُونَ أنَّهم يَتَطَهَّرُونَ مِن هَذا الصَّنِيعِ الفاحِشِ، وهَذا يُوجِبُ تَنْعِيمَهم وتَعْظِيمَهم أوْلى، لَكِنْ في المُفَسِّرِينَ مَن قالَ: إنَّما قالُوا ذَلِكَ عَلى وجْهِ الهُزُءِ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ نَجّاهُ وأهْلَهُ إلّا امْرَأتَهُ وأهْلَكَ الباقِينَ، وقَدْ تَقَدَّمَ كُلُّ ذَلِكَ مَشْرُوحًا، واللَّهُ أعْلَمُ. وهَهُنا آخِرُ القَصَصِ في هَذِهِ السُّورَةِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
القَوْلُ في خِطابِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ مَعَ مُحَمَّدٍ ﷺ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى آللَّهُ خَيْرٌ أمْ ما يُشْرِكُونَ﴾
فِي هَذِهِ الآيَةِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِما قَبْلَهُ مِنَ القَصَصِ، والمَعْنى: الحَمْدُ لِلَّهِ عَلى إهْلاكِهِمْ، وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى بِأنْ أرْسَلَهم ونَجّاهُمُ.
الثّانِي: أنَّهُ مُبْتَدَأٌ، فَإنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أحْوالَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وكانَ مُحَمَّدٌ ﷺ كالمُخالِفِ لِمَن قَبْلَهُ في أمْرِ العَذابِ؛ لِأنَّ عَذابَ الِاسْتِئْصالِ مُرْتَفِعٌ عَنْ قَوْمِهِ، أمَرَهُ تَعالى بِأنْ يَشْكُرَ رَبَّهُ عَلى ما خَصَّهُ بِهَذِهِ النِّعَمِ، وبِأنْ يُسَلِّمَ عَلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ الَّذِينَ صَبَرُوا عَلى مَشاقِّ الرِّسالَةِ.
فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أمْ ما يُشْرِكُونَ﴾ فَهو تَبْكِيتٌ لِلْمُشْرِكِينَ وتَهَكُّمٌ بِحالِهِمْ، وذَلِكَ: أنَّهم آثَرُوا عِبادَةَ الأصْنامِ عَلى عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى، ولا يُؤْثِرُ عاقِلٌ شَيْئًا عَلى شَيْءٍ إلّا لِزِيادَةِ خَيْرٍ ومَنفَعَةٍ، فَقِيلَ لَهم هَذا الكَلامُ تَنْبِيهًا عَلى نِهايَةِ ضَلالِهِمْ وجَهْلِهِمْ. وقُرِئَ (يُشْرِكُونَ) بِالياءِ والتّاءِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ كانَ إذا قَرَأها قالَ: ”«بَلِ اللَّهُ خَيْرٌ وأبْقى وأجَلُّ وأكْرَمُ» “ .
ثُمَّ اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى تَكَلَّمَ بَعْدَ ذَلِكَ في عِدَّةِ فُصُولٍ:
الفَصْلُ الأوَّلُ: في الرَّدِّ عَلى عَبَدَةِ الأوْثانِ، ومَدارُ هَذا الفَصْلِ عَلى بَيانِ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى هو الخالِقُ لِأُصُولِ النِّعَمِ وفُرُوعِها، فَكَيْفَ تَحْسُنُ عِبادَةُ ما لا مَنفَعَةَ مِنهُ البَتَّةَ ؟ ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى ذَكَرَ أنْواعًا:
النمل 27:51
صفحة ١٧٣
القِصَّةُ الثّالِثَةُ: قِصَّةُ صالِحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ
﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا إلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإذا هم فَرِيقانِ يَخْتَصِمُونَ﴾ ﴿قالَ يا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ ﴿قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ وبِمَن مَعَكَ قالَ طائِرُكم عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ ﴿وكانَ في المَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يُصْلِحُونَ﴾ ﴿قالُوا تَقاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وأهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أهْلِهِ وإنّا لَصادِقُونَ﴾ ﴿ومَكَرُوا مَكْرًا ومَكَرْنا مَكْرًا وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أنّا دَمَّرْناهم وقَوْمَهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهم خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ ﴿وأنْجَيْنا الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا إلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإذا هم فَرِيقانِ يَخْتَصِمُونَ﴾ ﴿قالَ ياقَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ ﴿قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ وبِمَن مَعَكَ قالَ طائِرُكم عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ ﴿وكانَ في المَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يُصْلِحُونَ﴾ ﴿قالُوا تَقاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وأهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أهْلِهِ وإنّا لَصادِقُونَ﴾ ﴿ومَكَرُوا مَكْرًا ومَكَرْنا مَكْرًا وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أنّا دَمَّرْناهم وقَوْمَهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهم خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ ﴿وأنْجَيْنا الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾
قُرِئَ (أنُ اعْبُدُوا اللَّهَ ) بِالضَّمِّ عَلى اتْباعِ النُّونِ الباءَ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَإذا هم فَرِيقانِ﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: المُرادُ فَرِيقٌ مُؤْمِنٌ وفَرِيقٌ كافِرٌ.
الثّانِي: المُرادُ قَوْمُ صالِحٍ قَبْلَ أنْ يُؤْمِنَ مِنهم أحَدٌ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿يَخْتَصِمُونَ﴾ فالمَعْنى: إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما آمَنُوا لِأنَّهم نَظَرُوا في حُجَّتِهِ فَعَرَفُوا صِحَّتَها، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَلا بُدَّ وأنْ يَكُونَ خَصْمًا لِمَن لَمْ يَقْبَلْها، وإذا كانَ هَذا الِاخْتِصامُ في بابِ الدِّينِ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ الجِدالَ في بابِ الدِّينِ حَقٌّ وفِيهِ إبْطالُ التَّقْلِيدِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿قالَ ياقَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ﴾ فَفِيهِ بَحْثانِ:
الأوَّلُ: في تَفْسِيرِ اسْتِعْجالِ السَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: إنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا صالِحًا عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا لَمْ يَنْفَعْهُمُ الحِجاجُ تَوَعَّدَهم صالِحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالعَذابِ، فَقالُوا: ﴿ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ (العَنْكَبُوتِ: ٢٩) عَلى وجْهِ الِاسْتِهْزاءِ، فَعِنْدَهُ قالَ صالِحٌ: ﴿لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ﴾ والمُرادُ أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ مَكَّنَكم مِنَ التَّوَصُّلِ إلى رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى وثَوابِهِ، فَلِماذا تَعْدِلُونَ عَنْهُ إلى اسْتِعْجالِ عَذابِهِ ؟
وثانِيهِما: إنَّهم كانُوا يَقُولُونَ لِجَهْلِهِمْ: إنَّ العُقُوبَةَ الَّتِي يَعِدُها صالِحٌ إنْ وقَعَتْ عَلى زَعْمِهِ أتَيْنا حِينَئِذٍ واسْتَغْفَرْنا، فَحِينَئِذٍ يَقْبَلُ اللَّهُ تَوْبَتَنا ويَدْفَعُ العَذابَ عَنّا، فَخاطَبَهم صالَحٌ عَلى حَسَبِ اعْتِقادِهِمْ، وقالَ: هَلّا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ قَبْلَ نُزُولِ العَذابِ فَإنَّ اسْتِعْجالَ الخَيْرِ أوْلى مِنَ اسْتِعْجالِ الشَّرِّ.
صفحة ١٧٤
البَحْثُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِالسَّيِّئَةِ العِقابُ وبِالحَسَنَةِ الثَّوابُ، فَأمّا وصْفُ العَذابِ بِأنَّهُ سَيِّئَةٌ فَهو مَجازٌ وسَبَبُ هَذا التَّجْوِيزِ، إمّا لِأنَّ العِقابَ مِن لَوازِمِهِ أوْ لِأنَّهُ يُشْبِهُهُ في كَوْنِهِ مَكْرُوهًا، وأمّا وصْفُ الرَّحْمَةِ بِأنَّها حَسَنَةٌ فَمِنهم مَن قالَ: إنَّهُ حَقِيقَةٌ، ومِنهم مَن قالَ: إنَّهُ مَجازٌ والأوَّلُ أقْرَبُ، ثُمَّ إنَّ صالِحًا عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا قَرَّرَ هَذا الكَلامَ الحَقَّ أجابُوهُ بِكَلامٍ فاسِدٍ، وهو قَوْلُهم: ﴿اطَّيَّرْنا بِكَ﴾ أيْ تَشاءَمْنا بِكَ؛ لِأنَّ الَّذِي يُصِيبُنا مِن شِدَّةٍ وقَحْطٍ فَهو بِشُؤْمِكَ وبِشُؤْمِ مَن مَعَكَ.
قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: كانَ الرَّجُلُ يَخْرُجُ مُسافِرًا فَيَمُرُّ بِطائِرٍ فَيَزْجُرُهُ، فَإنْ مَرَّ سانِحًا تَيَمَّنَ، وإنْ مَرَّ بارِحًا تَشاءَمَ، فَلَمّا نَسَبُوا الخَيْرَ والشَّرَّ إلى الطّائِرِ اسْتُعِيرَ لِما كانَ لِلْخَيْرِ والشَّرِّ وهو قَدَرُ اللَّهِ وقِسْمَتُهُ، فَأجابَ صالِحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَوْلِهِ: ﴿طائِرُكم عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيِ السَّبَبُ الَّذِي مِنهُ يَجِيءُ خَيْرُكم وشَرُّكم عِنْدَ اللَّهِ، وهو قَضاؤُهُ وقَدَرُهُ، إنْ شاءَ رَزَقَكم وإنْ شاءَ حَرَمَكم. وقِيلَ: بَلِ المُرادُ إنَّ جَزاءَ الطِّيَرَةِ مِنكم عِنْدَ اللَّهِ وهو العِقابُ، والأقْرَبُ الوجه الأوَّلُ؛ لِأنَّ القَوْمَ أشارُوا إلى الأمْرِ الحاصِلِ فَيَجِبُ في جَوابِهِ أنْ يَكُونَ فِيهِ لا في غَيْرِهِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ هَذا جَهْلٌ مِنهم بِقَوْلِهِ: ﴿بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ فَيُحْتَمَلُ أنَّ غَيْرَهم دَعاهم إلى هَذا القَوْلِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّ الشَّيْطانَ يَفْتِنُكم بِوَسْوَسَتِهِ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ: ﴿وكانَ في المَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ﴾ والأقْرَبُ أنْ يَكُونَ المُرادُ تِسْعَةَ جَمْعٍ؛ إذِ الظّاهِرُ مِنَ الرَّهْطِ الجَماعَةُ لا الواحِدُ، ثُمَّ يُحْتَمَلُ أنَّهم كانُوا قَبائِلَ، ويُحْتَمَلُ أنَّهم دَخَلُوا تَحْتَ العَدَدِ لِاخْتِلافِ صِفَتِهِمْ وأحْوالِهِمْ لا لِاخْتِلافِ السَّبَبِ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهم يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يَمْزِجُونَ ذَلِكَ الفَسادَ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّلاحِ، فَلِهَذا قالَ: ﴿يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يُصْلِحُونَ﴾ ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ مِن جُمْلَةِ ذَلِكَ ما هَمُّوا بِهِ مِن أمْرِ صالِحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿تَقاسَمُوا بِاللَّهِ﴾ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ أمْرًا أوْ خَبَرًا في مَحَلِّ الحالِ بِإضْمارِ قَدْ، أيْ قالُوا مُتَقاسِمِينَ، والبَياتُ مُتابَعَةُ العَدُوِّ لَيْلًا.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أهْلِهِ﴾ يَعْنِي لَوِ اتَّهَمَنا قَوْمُهُ حَلَفْنا لَهم أنّا لَمْ نَحْضُرْ. وقُرِئَ (مَهْلَكَ) بِفَتْحِ المِيمِ واللّامِ وكَسْرِها مِن هَلَكَ، ومُهْلَكٌ بِضَمِّ المِيمِ مِن أهْلَكَ، ويُحْتَمَلُ المَصْدَرُ والمَكانُ والزَّمانُ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ: ﴿ومَكَرُوا مَكْرًا ومَكَرْنا مَكْرًا وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ وقَدِ اخْتَلَفُوا في مَكْرِ اللَّهِ تَعالى عَلى وُجُوهٍ:
أحَدُها: إنَّ مَكْرَ اللَّهِ إهْلاكُهم مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ، شُبِّهَ بِمَكْرِ الماكِرِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ، رُوِيَ أنَّهُ كانَ لِصالِحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ مَسْجِدٌ في الحِجْرِ في شِعْبٍ يُصَلِّي فِيهِ، فَقالُوا: زَعَمَ صالِحٌ أنَّهُ يَفْرَغُ مِنّا إلى ثَلاثٍ، فَنَحْنُ نَفْرَغُ مِنهُ، ومِن أهْلِهِ قَبْلَ الثَّلاثِ، فَخَرَجُوا إلى الشِّعْبِ، وقالُوا: إذا جاءَ يُصَلِّي قَتَلْناهُ، ثُمَّ رَجَعْنا إلى أهْلِهِ فَقَتَلْناهم، فَبَعَثَ اللَّهُ تَعالى صَخْرَةً فَطَبِقَتِ الصَّخْرَةُ عَلَيْهِمْ فَمَ الشِّعْبِ، فَهَلَكُوا وهَلَكَ الباقُونَ بِالصَّيْحَةِ.
وثانِيها: جاءُوا بِاللَّيْلِ شاهِرِينَ سُيُوفَهم، وقَدْ أرْسَلَ اللَّهُ تَعالى المَلائِكَةَ مِلْءَ دارِ صالِحٍ فَدَمَغُوهم بِالحِجارَةِ، يَرَوْنَ الأحْجارَ ولا يَرَوْنَ رامِيًا.
وثالِثُها: أنَّ اللَّهَ تَعالى أخْبَرَ صالِحًا بِمَكْرِهِمْ فَتَحَرَّزَ عَنْهم فَذاكَ مَكْرُ اللَّهِ تَعالى في حَقِّهِمْ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿أنّا دَمَّرْناهُمْ﴾ اسْتِئْنافٌ، ومَن قَرَأ بِالفَتْحِ رَفَعَهُ بَدَلًا مِنَ العاقِبَةِ، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: هي تُدَمِّرُهم، أوْ نَصَبَهُ عَلى مَعْنى لِأنّا، أوْ عَلى أنَّهُ خَبَرُ كانَ، أيْ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمُ الدَّمارَ.
صفحة ١٧٥
أمّا قَوْلُهُ: ﴿خاوِيَةً﴾ فَهو حالٌ عَمِلَ فِيها ما دَلَّ عَلَيْهِ تِلْكَ، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ (خاوِيَةٌ) بِالرَّفْعِ عَلى خَبَرِ المُبْتَدَأِ المَحْذُوفِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
القِصَّةُ الرّابِعَةُ قِصَّةُ لُوطٍ عَلَيْهِ الُسَّلامُ ﴿ولُوطًا إذْ قالَ لِقَوْمِهِ أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ وأنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ ﴿أئِنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِن دُونِ النِّساءِ بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلّا أنْ قالُوا أخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِن قَرْيَتِكم إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ ﴿فَأنْجَيْناهُ وأهْلَهُ إلّا امْرَأتَهُ قَدَّرْناها مِنَ الغابِرِينَ﴾ ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَساءَ مَطَرُ المُنْذَرِينَ﴾ ﴿قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى آللَّهُ خَيْرٌ أم مّا يُشْرِكُونَ﴾ ﴿أمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وأنْزَلَ لَكم مِنَ السَّماءِ ماءً فَأنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ ما كانَ لَكم أنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هم قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولُوطًا إذْ قالَ لِقَوْمِهِ أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ وأنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ ﴿أئِنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِن دُونِ النِّساءِ بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلّا أنْ قالُوا أخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِن قَرْيَتِكم إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ ﴿فَأنْجَيْناهُ وأهْلَهُ إلّا امْرَأتَهُ قَدَّرْناها مِنَ الغابِرِينَ﴾ ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَساءَ مَطَرُ المُنْذَرِينَ﴾
قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: واذْكُرْ لُوطًا، أوْ أرْسَلَنا لُوطًا بِدَلالَةِ: ولَقَدْ أرْسَلْنا عَلَيْهِ، وإذْ بَدَلٌ عَلى الأوَّلِ، ظَرْفٌ عَلى الثّانِي.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ﴾ فَهو عَلى وجْهِ التَّنْكِيرِ، وإنْ كانَ بِلَفْظِ الِاسْتِفْهامِ، ورُبَّما كانَ التَّوْبِيخُ بِمِثْلِ هَذا اللَّفْظِ أبْلَغَ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وأنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّهم كانُوا لا يَتَحاشَوْنَ مِن إظْهارِ ذَلِكَ عَلى وجْهِ الخَلاعَةِ، ولا يَتَكاتَمُونَ، وذَلِكَ أحَدُ ما لِأجْلِهِ عَظُمَ ذَلِكَ الفِعْلُ مِنهم، فَذَكَرَ في تَوْبِيخِهِ لَهم ما لَهُ عَظُمَ ذَلِكَ الفِعْلُ.
وثانِيها: أنَّ المُرادَ بَصَرُ القَلْبِ أيْ تَعْلَمُونَ أنَّها فاحِشَةٌ لَمْ تُسْبَقُوا إلَيْها، وأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَخْلُقِ الذَّكَرَ لِلذَّكَرِ، فَهي مُضادَّةٌ لِلَّهِ في حِكْمَتِهِ.
وثالِثُها: تُبْصِرُونَ آثارَ العُصاةِ قَبْلَكم وما نَزَلَ بِهِمْ، فَإنْ قُلْتَ: فَسَّرْتَ تُبْصِرُونَ بِالعِلْمِ وبَعْدَهُ ﴿بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ فَكَيْفَ يَكُونُونَ عُلَماءَ وجُهَلاءَ ؟ قُلْتُ: أرادَ تَفْعَلُونَ فِعْلَ الجاهِلِينَ بِأنَّها فاحِشَةٌ مَعَ عِلْمِكم بِذَلِكَ، أوْ تَجْهَلُونَ العاقِبَةَ أوْ أرادَ بِالجَهْلِ السَّفاهَةَ والمَجانَةَ الَّتِي كانُوا عَلَيْها، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ جَهْلَهم بِأنْ حَكى عَنْهم أنَّهم أجابُوا عَنْ هَذا الكَلامِ بِما لا يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ جَوابًا لَهُ فَقالَ:
صفحة ١٧٦
﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلّا أنْ قالُوا أخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِن قَرْيَتِكم إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ فَجَعَلُوا الَّذِي لِأجْلِهِ يُخْرَجُونَ أنَّهم يَتَطَهَّرُونَ مِن هَذا الصَّنِيعِ الفاحِشِ، وهَذا يُوجِبُ تَنْعِيمَهم وتَعْظِيمَهم أوْلى، لَكِنْ في المُفَسِّرِينَ مَن قالَ: إنَّما قالُوا ذَلِكَ عَلى وجْهِ الهُزُءِ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ نَجّاهُ وأهْلَهُ إلّا امْرَأتَهُ وأهْلَكَ الباقِينَ، وقَدْ تَقَدَّمَ كُلُّ ذَلِكَ مَشْرُوحًا، واللَّهُ أعْلَمُ. وهَهُنا آخِرُ القَصَصِ في هَذِهِ السُّورَةِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
القَوْلُ في خِطابِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ مَعَ مُحَمَّدٍ ﷺ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى آللَّهُ خَيْرٌ أمْ ما يُشْرِكُونَ﴾
فِي هَذِهِ الآيَةِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِما قَبْلَهُ مِنَ القَصَصِ، والمَعْنى: الحَمْدُ لِلَّهِ عَلى إهْلاكِهِمْ، وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى بِأنْ أرْسَلَهم ونَجّاهُمُ.
الثّانِي: أنَّهُ مُبْتَدَأٌ، فَإنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أحْوالَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وكانَ مُحَمَّدٌ ﷺ كالمُخالِفِ لِمَن قَبْلَهُ في أمْرِ العَذابِ؛ لِأنَّ عَذابَ الِاسْتِئْصالِ مُرْتَفِعٌ عَنْ قَوْمِهِ، أمَرَهُ تَعالى بِأنْ يَشْكُرَ رَبَّهُ عَلى ما خَصَّهُ بِهَذِهِ النِّعَمِ، وبِأنْ يُسَلِّمَ عَلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ الَّذِينَ صَبَرُوا عَلى مَشاقِّ الرِّسالَةِ.
فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أمْ ما يُشْرِكُونَ﴾ فَهو تَبْكِيتٌ لِلْمُشْرِكِينَ وتَهَكُّمٌ بِحالِهِمْ، وذَلِكَ: أنَّهم آثَرُوا عِبادَةَ الأصْنامِ عَلى عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى، ولا يُؤْثِرُ عاقِلٌ شَيْئًا عَلى شَيْءٍ إلّا لِزِيادَةِ خَيْرٍ ومَنفَعَةٍ، فَقِيلَ لَهم هَذا الكَلامُ تَنْبِيهًا عَلى نِهايَةِ ضَلالِهِمْ وجَهْلِهِمْ. وقُرِئَ (يُشْرِكُونَ) بِالياءِ والتّاءِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ كانَ إذا قَرَأها قالَ: ”«بَلِ اللَّهُ خَيْرٌ وأبْقى وأجَلُّ وأكْرَمُ» “ .
ثُمَّ اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى تَكَلَّمَ بَعْدَ ذَلِكَ في عِدَّةِ فُصُولٍ:
الفَصْلُ الأوَّلُ: في الرَّدِّ عَلى عَبَدَةِ الأوْثانِ، ومَدارُ هَذا الفَصْلِ عَلى بَيانِ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى هو الخالِقُ لِأُصُولِ النِّعَمِ وفُرُوعِها، فَكَيْفَ تَحْسُنُ عِبادَةُ ما لا مَنفَعَةَ مِنهُ البَتَّةَ ؟ ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى ذَكَرَ أنْواعًا:
النمل 27:52
صفحة ١٧٣
القِصَّةُ الثّالِثَةُ: قِصَّةُ صالِحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ
﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا إلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإذا هم فَرِيقانِ يَخْتَصِمُونَ﴾ ﴿قالَ يا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ ﴿قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ وبِمَن مَعَكَ قالَ طائِرُكم عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ ﴿وكانَ في المَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يُصْلِحُونَ﴾ ﴿قالُوا تَقاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وأهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أهْلِهِ وإنّا لَصادِقُونَ﴾ ﴿ومَكَرُوا مَكْرًا ومَكَرْنا مَكْرًا وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أنّا دَمَّرْناهم وقَوْمَهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهم خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ ﴿وأنْجَيْنا الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا إلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإذا هم فَرِيقانِ يَخْتَصِمُونَ﴾ ﴿قالَ ياقَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ ﴿قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ وبِمَن مَعَكَ قالَ طائِرُكم عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ ﴿وكانَ في المَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يُصْلِحُونَ﴾ ﴿قالُوا تَقاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وأهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أهْلِهِ وإنّا لَصادِقُونَ﴾ ﴿ومَكَرُوا مَكْرًا ومَكَرْنا مَكْرًا وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أنّا دَمَّرْناهم وقَوْمَهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهم خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ ﴿وأنْجَيْنا الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾
قُرِئَ (أنُ اعْبُدُوا اللَّهَ ) بِالضَّمِّ عَلى اتْباعِ النُّونِ الباءَ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَإذا هم فَرِيقانِ﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: المُرادُ فَرِيقٌ مُؤْمِنٌ وفَرِيقٌ كافِرٌ.
الثّانِي: المُرادُ قَوْمُ صالِحٍ قَبْلَ أنْ يُؤْمِنَ مِنهم أحَدٌ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿يَخْتَصِمُونَ﴾ فالمَعْنى: إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما آمَنُوا لِأنَّهم نَظَرُوا في حُجَّتِهِ فَعَرَفُوا صِحَّتَها، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَلا بُدَّ وأنْ يَكُونَ خَصْمًا لِمَن لَمْ يَقْبَلْها، وإذا كانَ هَذا الِاخْتِصامُ في بابِ الدِّينِ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ الجِدالَ في بابِ الدِّينِ حَقٌّ وفِيهِ إبْطالُ التَّقْلِيدِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿قالَ ياقَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ﴾ فَفِيهِ بَحْثانِ:
الأوَّلُ: في تَفْسِيرِ اسْتِعْجالِ السَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: إنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا صالِحًا عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا لَمْ يَنْفَعْهُمُ الحِجاجُ تَوَعَّدَهم صالِحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالعَذابِ، فَقالُوا: ﴿ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ (العَنْكَبُوتِ: ٢٩) عَلى وجْهِ الِاسْتِهْزاءِ، فَعِنْدَهُ قالَ صالِحٌ: ﴿لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ﴾ والمُرادُ أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ مَكَّنَكم مِنَ التَّوَصُّلِ إلى رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى وثَوابِهِ، فَلِماذا تَعْدِلُونَ عَنْهُ إلى اسْتِعْجالِ عَذابِهِ ؟
وثانِيهِما: إنَّهم كانُوا يَقُولُونَ لِجَهْلِهِمْ: إنَّ العُقُوبَةَ الَّتِي يَعِدُها صالِحٌ إنْ وقَعَتْ عَلى زَعْمِهِ أتَيْنا حِينَئِذٍ واسْتَغْفَرْنا، فَحِينَئِذٍ يَقْبَلُ اللَّهُ تَوْبَتَنا ويَدْفَعُ العَذابَ عَنّا، فَخاطَبَهم صالَحٌ عَلى حَسَبِ اعْتِقادِهِمْ، وقالَ: هَلّا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ قَبْلَ نُزُولِ العَذابِ فَإنَّ اسْتِعْجالَ الخَيْرِ أوْلى مِنَ اسْتِعْجالِ الشَّرِّ.
صفحة ١٧٤
البَحْثُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِالسَّيِّئَةِ العِقابُ وبِالحَسَنَةِ الثَّوابُ، فَأمّا وصْفُ العَذابِ بِأنَّهُ سَيِّئَةٌ فَهو مَجازٌ وسَبَبُ هَذا التَّجْوِيزِ، إمّا لِأنَّ العِقابَ مِن لَوازِمِهِ أوْ لِأنَّهُ يُشْبِهُهُ في كَوْنِهِ مَكْرُوهًا، وأمّا وصْفُ الرَّحْمَةِ بِأنَّها حَسَنَةٌ فَمِنهم مَن قالَ: إنَّهُ حَقِيقَةٌ، ومِنهم مَن قالَ: إنَّهُ مَجازٌ والأوَّلُ أقْرَبُ، ثُمَّ إنَّ صالِحًا عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا قَرَّرَ هَذا الكَلامَ الحَقَّ أجابُوهُ بِكَلامٍ فاسِدٍ، وهو قَوْلُهم: ﴿اطَّيَّرْنا بِكَ﴾ أيْ تَشاءَمْنا بِكَ؛ لِأنَّ الَّذِي يُصِيبُنا مِن شِدَّةٍ وقَحْطٍ فَهو بِشُؤْمِكَ وبِشُؤْمِ مَن مَعَكَ.
قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: كانَ الرَّجُلُ يَخْرُجُ مُسافِرًا فَيَمُرُّ بِطائِرٍ فَيَزْجُرُهُ، فَإنْ مَرَّ سانِحًا تَيَمَّنَ، وإنْ مَرَّ بارِحًا تَشاءَمَ، فَلَمّا نَسَبُوا الخَيْرَ والشَّرَّ إلى الطّائِرِ اسْتُعِيرَ لِما كانَ لِلْخَيْرِ والشَّرِّ وهو قَدَرُ اللَّهِ وقِسْمَتُهُ، فَأجابَ صالِحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَوْلِهِ: ﴿طائِرُكم عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيِ السَّبَبُ الَّذِي مِنهُ يَجِيءُ خَيْرُكم وشَرُّكم عِنْدَ اللَّهِ، وهو قَضاؤُهُ وقَدَرُهُ، إنْ شاءَ رَزَقَكم وإنْ شاءَ حَرَمَكم. وقِيلَ: بَلِ المُرادُ إنَّ جَزاءَ الطِّيَرَةِ مِنكم عِنْدَ اللَّهِ وهو العِقابُ، والأقْرَبُ الوجه الأوَّلُ؛ لِأنَّ القَوْمَ أشارُوا إلى الأمْرِ الحاصِلِ فَيَجِبُ في جَوابِهِ أنْ يَكُونَ فِيهِ لا في غَيْرِهِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ هَذا جَهْلٌ مِنهم بِقَوْلِهِ: ﴿بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ فَيُحْتَمَلُ أنَّ غَيْرَهم دَعاهم إلى هَذا القَوْلِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّ الشَّيْطانَ يَفْتِنُكم بِوَسْوَسَتِهِ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ: ﴿وكانَ في المَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ﴾ والأقْرَبُ أنْ يَكُونَ المُرادُ تِسْعَةَ جَمْعٍ؛ إذِ الظّاهِرُ مِنَ الرَّهْطِ الجَماعَةُ لا الواحِدُ، ثُمَّ يُحْتَمَلُ أنَّهم كانُوا قَبائِلَ، ويُحْتَمَلُ أنَّهم دَخَلُوا تَحْتَ العَدَدِ لِاخْتِلافِ صِفَتِهِمْ وأحْوالِهِمْ لا لِاخْتِلافِ السَّبَبِ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهم يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يَمْزِجُونَ ذَلِكَ الفَسادَ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّلاحِ، فَلِهَذا قالَ: ﴿يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يُصْلِحُونَ﴾ ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ مِن جُمْلَةِ ذَلِكَ ما هَمُّوا بِهِ مِن أمْرِ صالِحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿تَقاسَمُوا بِاللَّهِ﴾ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ أمْرًا أوْ خَبَرًا في مَحَلِّ الحالِ بِإضْمارِ قَدْ، أيْ قالُوا مُتَقاسِمِينَ، والبَياتُ مُتابَعَةُ العَدُوِّ لَيْلًا.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أهْلِهِ﴾ يَعْنِي لَوِ اتَّهَمَنا قَوْمُهُ حَلَفْنا لَهم أنّا لَمْ نَحْضُرْ. وقُرِئَ (مَهْلَكَ) بِفَتْحِ المِيمِ واللّامِ وكَسْرِها مِن هَلَكَ، ومُهْلَكٌ بِضَمِّ المِيمِ مِن أهْلَكَ، ويُحْتَمَلُ المَصْدَرُ والمَكانُ والزَّمانُ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ: ﴿ومَكَرُوا مَكْرًا ومَكَرْنا مَكْرًا وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ وقَدِ اخْتَلَفُوا في مَكْرِ اللَّهِ تَعالى عَلى وُجُوهٍ:
أحَدُها: إنَّ مَكْرَ اللَّهِ إهْلاكُهم مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ، شُبِّهَ بِمَكْرِ الماكِرِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ، رُوِيَ أنَّهُ كانَ لِصالِحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ مَسْجِدٌ في الحِجْرِ في شِعْبٍ يُصَلِّي فِيهِ، فَقالُوا: زَعَمَ صالِحٌ أنَّهُ يَفْرَغُ مِنّا إلى ثَلاثٍ، فَنَحْنُ نَفْرَغُ مِنهُ، ومِن أهْلِهِ قَبْلَ الثَّلاثِ، فَخَرَجُوا إلى الشِّعْبِ، وقالُوا: إذا جاءَ يُصَلِّي قَتَلْناهُ، ثُمَّ رَجَعْنا إلى أهْلِهِ فَقَتَلْناهم، فَبَعَثَ اللَّهُ تَعالى صَخْرَةً فَطَبِقَتِ الصَّخْرَةُ عَلَيْهِمْ فَمَ الشِّعْبِ، فَهَلَكُوا وهَلَكَ الباقُونَ بِالصَّيْحَةِ.
وثانِيها: جاءُوا بِاللَّيْلِ شاهِرِينَ سُيُوفَهم، وقَدْ أرْسَلَ اللَّهُ تَعالى المَلائِكَةَ مِلْءَ دارِ صالِحٍ فَدَمَغُوهم بِالحِجارَةِ، يَرَوْنَ الأحْجارَ ولا يَرَوْنَ رامِيًا.
وثالِثُها: أنَّ اللَّهَ تَعالى أخْبَرَ صالِحًا بِمَكْرِهِمْ فَتَحَرَّزَ عَنْهم فَذاكَ مَكْرُ اللَّهِ تَعالى في حَقِّهِمْ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿أنّا دَمَّرْناهُمْ﴾ اسْتِئْنافٌ، ومَن قَرَأ بِالفَتْحِ رَفَعَهُ بَدَلًا مِنَ العاقِبَةِ، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: هي تُدَمِّرُهم، أوْ نَصَبَهُ عَلى مَعْنى لِأنّا، أوْ عَلى أنَّهُ خَبَرُ كانَ، أيْ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمُ الدَّمارَ.
صفحة ١٧٥
أمّا قَوْلُهُ: ﴿خاوِيَةً﴾ فَهو حالٌ عَمِلَ فِيها ما دَلَّ عَلَيْهِ تِلْكَ، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ (خاوِيَةٌ) بِالرَّفْعِ عَلى خَبَرِ المُبْتَدَأِ المَحْذُوفِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
القِصَّةُ الرّابِعَةُ قِصَّةُ لُوطٍ عَلَيْهِ الُسَّلامُ ﴿ولُوطًا إذْ قالَ لِقَوْمِهِ أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ وأنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ ﴿أئِنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِن دُونِ النِّساءِ بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلّا أنْ قالُوا أخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِن قَرْيَتِكم إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ ﴿فَأنْجَيْناهُ وأهْلَهُ إلّا امْرَأتَهُ قَدَّرْناها مِنَ الغابِرِينَ﴾ ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَساءَ مَطَرُ المُنْذَرِينَ﴾ ﴿قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى آللَّهُ خَيْرٌ أم مّا يُشْرِكُونَ﴾ ﴿أمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وأنْزَلَ لَكم مِنَ السَّماءِ ماءً فَأنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ ما كانَ لَكم أنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هم قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولُوطًا إذْ قالَ لِقَوْمِهِ أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ وأنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ ﴿أئِنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِن دُونِ النِّساءِ بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلّا أنْ قالُوا أخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِن قَرْيَتِكم إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ ﴿فَأنْجَيْناهُ وأهْلَهُ إلّا امْرَأتَهُ قَدَّرْناها مِنَ الغابِرِينَ﴾ ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَساءَ مَطَرُ المُنْذَرِينَ﴾
قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: واذْكُرْ لُوطًا، أوْ أرْسَلَنا لُوطًا بِدَلالَةِ: ولَقَدْ أرْسَلْنا عَلَيْهِ، وإذْ بَدَلٌ عَلى الأوَّلِ، ظَرْفٌ عَلى الثّانِي.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ﴾ فَهو عَلى وجْهِ التَّنْكِيرِ، وإنْ كانَ بِلَفْظِ الِاسْتِفْهامِ، ورُبَّما كانَ التَّوْبِيخُ بِمِثْلِ هَذا اللَّفْظِ أبْلَغَ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وأنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّهم كانُوا لا يَتَحاشَوْنَ مِن إظْهارِ ذَلِكَ عَلى وجْهِ الخَلاعَةِ، ولا يَتَكاتَمُونَ، وذَلِكَ أحَدُ ما لِأجْلِهِ عَظُمَ ذَلِكَ الفِعْلُ مِنهم، فَذَكَرَ في تَوْبِيخِهِ لَهم ما لَهُ عَظُمَ ذَلِكَ الفِعْلُ.
وثانِيها: أنَّ المُرادَ بَصَرُ القَلْبِ أيْ تَعْلَمُونَ أنَّها فاحِشَةٌ لَمْ تُسْبَقُوا إلَيْها، وأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَخْلُقِ الذَّكَرَ لِلذَّكَرِ، فَهي مُضادَّةٌ لِلَّهِ في حِكْمَتِهِ.
وثالِثُها: تُبْصِرُونَ آثارَ العُصاةِ قَبْلَكم وما نَزَلَ بِهِمْ، فَإنْ قُلْتَ: فَسَّرْتَ تُبْصِرُونَ بِالعِلْمِ وبَعْدَهُ ﴿بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ فَكَيْفَ يَكُونُونَ عُلَماءَ وجُهَلاءَ ؟ قُلْتُ: أرادَ تَفْعَلُونَ فِعْلَ الجاهِلِينَ بِأنَّها فاحِشَةٌ مَعَ عِلْمِكم بِذَلِكَ، أوْ تَجْهَلُونَ العاقِبَةَ أوْ أرادَ بِالجَهْلِ السَّفاهَةَ والمَجانَةَ الَّتِي كانُوا عَلَيْها، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ جَهْلَهم بِأنْ حَكى عَنْهم أنَّهم أجابُوا عَنْ هَذا الكَلامِ بِما لا يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ جَوابًا لَهُ فَقالَ:
صفحة ١٧٦
﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلّا أنْ قالُوا أخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِن قَرْيَتِكم إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ فَجَعَلُوا الَّذِي لِأجْلِهِ يُخْرَجُونَ أنَّهم يَتَطَهَّرُونَ مِن هَذا الصَّنِيعِ الفاحِشِ، وهَذا يُوجِبُ تَنْعِيمَهم وتَعْظِيمَهم أوْلى، لَكِنْ في المُفَسِّرِينَ مَن قالَ: إنَّما قالُوا ذَلِكَ عَلى وجْهِ الهُزُءِ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ نَجّاهُ وأهْلَهُ إلّا امْرَأتَهُ وأهْلَكَ الباقِينَ، وقَدْ تَقَدَّمَ كُلُّ ذَلِكَ مَشْرُوحًا، واللَّهُ أعْلَمُ. وهَهُنا آخِرُ القَصَصِ في هَذِهِ السُّورَةِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
القَوْلُ في خِطابِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ مَعَ مُحَمَّدٍ ﷺ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى آللَّهُ خَيْرٌ أمْ ما يُشْرِكُونَ﴾
فِي هَذِهِ الآيَةِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِما قَبْلَهُ مِنَ القَصَصِ، والمَعْنى: الحَمْدُ لِلَّهِ عَلى إهْلاكِهِمْ، وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى بِأنْ أرْسَلَهم ونَجّاهُمُ.
الثّانِي: أنَّهُ مُبْتَدَأٌ، فَإنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أحْوالَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وكانَ مُحَمَّدٌ ﷺ كالمُخالِفِ لِمَن قَبْلَهُ في أمْرِ العَذابِ؛ لِأنَّ عَذابَ الِاسْتِئْصالِ مُرْتَفِعٌ عَنْ قَوْمِهِ، أمَرَهُ تَعالى بِأنْ يَشْكُرَ رَبَّهُ عَلى ما خَصَّهُ بِهَذِهِ النِّعَمِ، وبِأنْ يُسَلِّمَ عَلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ الَّذِينَ صَبَرُوا عَلى مَشاقِّ الرِّسالَةِ.
فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أمْ ما يُشْرِكُونَ﴾ فَهو تَبْكِيتٌ لِلْمُشْرِكِينَ وتَهَكُّمٌ بِحالِهِمْ، وذَلِكَ: أنَّهم آثَرُوا عِبادَةَ الأصْنامِ عَلى عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى، ولا يُؤْثِرُ عاقِلٌ شَيْئًا عَلى شَيْءٍ إلّا لِزِيادَةِ خَيْرٍ ومَنفَعَةٍ، فَقِيلَ لَهم هَذا الكَلامُ تَنْبِيهًا عَلى نِهايَةِ ضَلالِهِمْ وجَهْلِهِمْ. وقُرِئَ (يُشْرِكُونَ) بِالياءِ والتّاءِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ كانَ إذا قَرَأها قالَ: ”«بَلِ اللَّهُ خَيْرٌ وأبْقى وأجَلُّ وأكْرَمُ» “ .
ثُمَّ اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى تَكَلَّمَ بَعْدَ ذَلِكَ في عِدَّةِ فُصُولٍ:
الفَصْلُ الأوَّلُ: في الرَّدِّ عَلى عَبَدَةِ الأوْثانِ، ومَدارُ هَذا الفَصْلِ عَلى بَيانِ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى هو الخالِقُ لِأُصُولِ النِّعَمِ وفُرُوعِها، فَكَيْفَ تَحْسُنُ عِبادَةُ ما لا مَنفَعَةَ مِنهُ البَتَّةَ ؟ ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى ذَكَرَ أنْواعًا:
النمل 27:53
صفحة ١٧٣
القِصَّةُ الثّالِثَةُ: قِصَّةُ صالِحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ
﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا إلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإذا هم فَرِيقانِ يَخْتَصِمُونَ﴾ ﴿قالَ يا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ ﴿قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ وبِمَن مَعَكَ قالَ طائِرُكم عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ ﴿وكانَ في المَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يُصْلِحُونَ﴾ ﴿قالُوا تَقاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وأهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أهْلِهِ وإنّا لَصادِقُونَ﴾ ﴿ومَكَرُوا مَكْرًا ومَكَرْنا مَكْرًا وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أنّا دَمَّرْناهم وقَوْمَهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهم خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ ﴿وأنْجَيْنا الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا إلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإذا هم فَرِيقانِ يَخْتَصِمُونَ﴾ ﴿قالَ ياقَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ ﴿قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ وبِمَن مَعَكَ قالَ طائِرُكم عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ ﴿وكانَ في المَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يُصْلِحُونَ﴾ ﴿قالُوا تَقاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وأهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أهْلِهِ وإنّا لَصادِقُونَ﴾ ﴿ومَكَرُوا مَكْرًا ومَكَرْنا مَكْرًا وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أنّا دَمَّرْناهم وقَوْمَهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهم خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ ﴿وأنْجَيْنا الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾
قُرِئَ (أنُ اعْبُدُوا اللَّهَ ) بِالضَّمِّ عَلى اتْباعِ النُّونِ الباءَ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَإذا هم فَرِيقانِ﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: المُرادُ فَرِيقٌ مُؤْمِنٌ وفَرِيقٌ كافِرٌ.
الثّانِي: المُرادُ قَوْمُ صالِحٍ قَبْلَ أنْ يُؤْمِنَ مِنهم أحَدٌ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿يَخْتَصِمُونَ﴾ فالمَعْنى: إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما آمَنُوا لِأنَّهم نَظَرُوا في حُجَّتِهِ فَعَرَفُوا صِحَّتَها، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَلا بُدَّ وأنْ يَكُونَ خَصْمًا لِمَن لَمْ يَقْبَلْها، وإذا كانَ هَذا الِاخْتِصامُ في بابِ الدِّينِ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ الجِدالَ في بابِ الدِّينِ حَقٌّ وفِيهِ إبْطالُ التَّقْلِيدِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿قالَ ياقَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ﴾ فَفِيهِ بَحْثانِ:
الأوَّلُ: في تَفْسِيرِ اسْتِعْجالِ السَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: إنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا صالِحًا عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا لَمْ يَنْفَعْهُمُ الحِجاجُ تَوَعَّدَهم صالِحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالعَذابِ، فَقالُوا: ﴿ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ (العَنْكَبُوتِ: ٢٩) عَلى وجْهِ الِاسْتِهْزاءِ، فَعِنْدَهُ قالَ صالِحٌ: ﴿لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ﴾ والمُرادُ أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ مَكَّنَكم مِنَ التَّوَصُّلِ إلى رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى وثَوابِهِ، فَلِماذا تَعْدِلُونَ عَنْهُ إلى اسْتِعْجالِ عَذابِهِ ؟
وثانِيهِما: إنَّهم كانُوا يَقُولُونَ لِجَهْلِهِمْ: إنَّ العُقُوبَةَ الَّتِي يَعِدُها صالِحٌ إنْ وقَعَتْ عَلى زَعْمِهِ أتَيْنا حِينَئِذٍ واسْتَغْفَرْنا، فَحِينَئِذٍ يَقْبَلُ اللَّهُ تَوْبَتَنا ويَدْفَعُ العَذابَ عَنّا، فَخاطَبَهم صالَحٌ عَلى حَسَبِ اعْتِقادِهِمْ، وقالَ: هَلّا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ قَبْلَ نُزُولِ العَذابِ فَإنَّ اسْتِعْجالَ الخَيْرِ أوْلى مِنَ اسْتِعْجالِ الشَّرِّ.
صفحة ١٧٤
البَحْثُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِالسَّيِّئَةِ العِقابُ وبِالحَسَنَةِ الثَّوابُ، فَأمّا وصْفُ العَذابِ بِأنَّهُ سَيِّئَةٌ فَهو مَجازٌ وسَبَبُ هَذا التَّجْوِيزِ، إمّا لِأنَّ العِقابَ مِن لَوازِمِهِ أوْ لِأنَّهُ يُشْبِهُهُ في كَوْنِهِ مَكْرُوهًا، وأمّا وصْفُ الرَّحْمَةِ بِأنَّها حَسَنَةٌ فَمِنهم مَن قالَ: إنَّهُ حَقِيقَةٌ، ومِنهم مَن قالَ: إنَّهُ مَجازٌ والأوَّلُ أقْرَبُ، ثُمَّ إنَّ صالِحًا عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا قَرَّرَ هَذا الكَلامَ الحَقَّ أجابُوهُ بِكَلامٍ فاسِدٍ، وهو قَوْلُهم: ﴿اطَّيَّرْنا بِكَ﴾ أيْ تَشاءَمْنا بِكَ؛ لِأنَّ الَّذِي يُصِيبُنا مِن شِدَّةٍ وقَحْطٍ فَهو بِشُؤْمِكَ وبِشُؤْمِ مَن مَعَكَ.
قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: كانَ الرَّجُلُ يَخْرُجُ مُسافِرًا فَيَمُرُّ بِطائِرٍ فَيَزْجُرُهُ، فَإنْ مَرَّ سانِحًا تَيَمَّنَ، وإنْ مَرَّ بارِحًا تَشاءَمَ، فَلَمّا نَسَبُوا الخَيْرَ والشَّرَّ إلى الطّائِرِ اسْتُعِيرَ لِما كانَ لِلْخَيْرِ والشَّرِّ وهو قَدَرُ اللَّهِ وقِسْمَتُهُ، فَأجابَ صالِحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَوْلِهِ: ﴿طائِرُكم عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيِ السَّبَبُ الَّذِي مِنهُ يَجِيءُ خَيْرُكم وشَرُّكم عِنْدَ اللَّهِ، وهو قَضاؤُهُ وقَدَرُهُ، إنْ شاءَ رَزَقَكم وإنْ شاءَ حَرَمَكم. وقِيلَ: بَلِ المُرادُ إنَّ جَزاءَ الطِّيَرَةِ مِنكم عِنْدَ اللَّهِ وهو العِقابُ، والأقْرَبُ الوجه الأوَّلُ؛ لِأنَّ القَوْمَ أشارُوا إلى الأمْرِ الحاصِلِ فَيَجِبُ في جَوابِهِ أنْ يَكُونَ فِيهِ لا في غَيْرِهِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ هَذا جَهْلٌ مِنهم بِقَوْلِهِ: ﴿بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ فَيُحْتَمَلُ أنَّ غَيْرَهم دَعاهم إلى هَذا القَوْلِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّ الشَّيْطانَ يَفْتِنُكم بِوَسْوَسَتِهِ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ: ﴿وكانَ في المَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ﴾ والأقْرَبُ أنْ يَكُونَ المُرادُ تِسْعَةَ جَمْعٍ؛ إذِ الظّاهِرُ مِنَ الرَّهْطِ الجَماعَةُ لا الواحِدُ، ثُمَّ يُحْتَمَلُ أنَّهم كانُوا قَبائِلَ، ويُحْتَمَلُ أنَّهم دَخَلُوا تَحْتَ العَدَدِ لِاخْتِلافِ صِفَتِهِمْ وأحْوالِهِمْ لا لِاخْتِلافِ السَّبَبِ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهم يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يَمْزِجُونَ ذَلِكَ الفَسادَ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّلاحِ، فَلِهَذا قالَ: ﴿يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يُصْلِحُونَ﴾ ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ مِن جُمْلَةِ ذَلِكَ ما هَمُّوا بِهِ مِن أمْرِ صالِحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿تَقاسَمُوا بِاللَّهِ﴾ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ أمْرًا أوْ خَبَرًا في مَحَلِّ الحالِ بِإضْمارِ قَدْ، أيْ قالُوا مُتَقاسِمِينَ، والبَياتُ مُتابَعَةُ العَدُوِّ لَيْلًا.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أهْلِهِ﴾ يَعْنِي لَوِ اتَّهَمَنا قَوْمُهُ حَلَفْنا لَهم أنّا لَمْ نَحْضُرْ. وقُرِئَ (مَهْلَكَ) بِفَتْحِ المِيمِ واللّامِ وكَسْرِها مِن هَلَكَ، ومُهْلَكٌ بِضَمِّ المِيمِ مِن أهْلَكَ، ويُحْتَمَلُ المَصْدَرُ والمَكانُ والزَّمانُ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ: ﴿ومَكَرُوا مَكْرًا ومَكَرْنا مَكْرًا وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ وقَدِ اخْتَلَفُوا في مَكْرِ اللَّهِ تَعالى عَلى وُجُوهٍ:
أحَدُها: إنَّ مَكْرَ اللَّهِ إهْلاكُهم مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ، شُبِّهَ بِمَكْرِ الماكِرِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ، رُوِيَ أنَّهُ كانَ لِصالِحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ مَسْجِدٌ في الحِجْرِ في شِعْبٍ يُصَلِّي فِيهِ، فَقالُوا: زَعَمَ صالِحٌ أنَّهُ يَفْرَغُ مِنّا إلى ثَلاثٍ، فَنَحْنُ نَفْرَغُ مِنهُ، ومِن أهْلِهِ قَبْلَ الثَّلاثِ، فَخَرَجُوا إلى الشِّعْبِ، وقالُوا: إذا جاءَ يُصَلِّي قَتَلْناهُ، ثُمَّ رَجَعْنا إلى أهْلِهِ فَقَتَلْناهم، فَبَعَثَ اللَّهُ تَعالى صَخْرَةً فَطَبِقَتِ الصَّخْرَةُ عَلَيْهِمْ فَمَ الشِّعْبِ، فَهَلَكُوا وهَلَكَ الباقُونَ بِالصَّيْحَةِ.
وثانِيها: جاءُوا بِاللَّيْلِ شاهِرِينَ سُيُوفَهم، وقَدْ أرْسَلَ اللَّهُ تَعالى المَلائِكَةَ مِلْءَ دارِ صالِحٍ فَدَمَغُوهم بِالحِجارَةِ، يَرَوْنَ الأحْجارَ ولا يَرَوْنَ رامِيًا.
وثالِثُها: أنَّ اللَّهَ تَعالى أخْبَرَ صالِحًا بِمَكْرِهِمْ فَتَحَرَّزَ عَنْهم فَذاكَ مَكْرُ اللَّهِ تَعالى في حَقِّهِمْ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿أنّا دَمَّرْناهُمْ﴾ اسْتِئْنافٌ، ومَن قَرَأ بِالفَتْحِ رَفَعَهُ بَدَلًا مِنَ العاقِبَةِ، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: هي تُدَمِّرُهم، أوْ نَصَبَهُ عَلى مَعْنى لِأنّا، أوْ عَلى أنَّهُ خَبَرُ كانَ، أيْ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمُ الدَّمارَ.
صفحة ١٧٥
أمّا قَوْلُهُ: ﴿خاوِيَةً﴾ فَهو حالٌ عَمِلَ فِيها ما دَلَّ عَلَيْهِ تِلْكَ، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ (خاوِيَةٌ) بِالرَّفْعِ عَلى خَبَرِ المُبْتَدَأِ المَحْذُوفِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
القِصَّةُ الرّابِعَةُ قِصَّةُ لُوطٍ عَلَيْهِ الُسَّلامُ ﴿ولُوطًا إذْ قالَ لِقَوْمِهِ أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ وأنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ ﴿أئِنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِن دُونِ النِّساءِ بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلّا أنْ قالُوا أخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِن قَرْيَتِكم إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ ﴿فَأنْجَيْناهُ وأهْلَهُ إلّا امْرَأتَهُ قَدَّرْناها مِنَ الغابِرِينَ﴾ ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَساءَ مَطَرُ المُنْذَرِينَ﴾ ﴿قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى آللَّهُ خَيْرٌ أم مّا يُشْرِكُونَ﴾ ﴿أمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وأنْزَلَ لَكم مِنَ السَّماءِ ماءً فَأنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ ما كانَ لَكم أنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هم قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولُوطًا إذْ قالَ لِقَوْمِهِ أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ وأنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ ﴿أئِنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِن دُونِ النِّساءِ بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلّا أنْ قالُوا أخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِن قَرْيَتِكم إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ ﴿فَأنْجَيْناهُ وأهْلَهُ إلّا امْرَأتَهُ قَدَّرْناها مِنَ الغابِرِينَ﴾ ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَساءَ مَطَرُ المُنْذَرِينَ﴾
قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: واذْكُرْ لُوطًا، أوْ أرْسَلَنا لُوطًا بِدَلالَةِ: ولَقَدْ أرْسَلْنا عَلَيْهِ، وإذْ بَدَلٌ عَلى الأوَّلِ، ظَرْفٌ عَلى الثّانِي.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ﴾ فَهو عَلى وجْهِ التَّنْكِيرِ، وإنْ كانَ بِلَفْظِ الِاسْتِفْهامِ، ورُبَّما كانَ التَّوْبِيخُ بِمِثْلِ هَذا اللَّفْظِ أبْلَغَ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وأنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّهم كانُوا لا يَتَحاشَوْنَ مِن إظْهارِ ذَلِكَ عَلى وجْهِ الخَلاعَةِ، ولا يَتَكاتَمُونَ، وذَلِكَ أحَدُ ما لِأجْلِهِ عَظُمَ ذَلِكَ الفِعْلُ مِنهم، فَذَكَرَ في تَوْبِيخِهِ لَهم ما لَهُ عَظُمَ ذَلِكَ الفِعْلُ.
وثانِيها: أنَّ المُرادَ بَصَرُ القَلْبِ أيْ تَعْلَمُونَ أنَّها فاحِشَةٌ لَمْ تُسْبَقُوا إلَيْها، وأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَخْلُقِ الذَّكَرَ لِلذَّكَرِ، فَهي مُضادَّةٌ لِلَّهِ في حِكْمَتِهِ.
وثالِثُها: تُبْصِرُونَ آثارَ العُصاةِ قَبْلَكم وما نَزَلَ بِهِمْ، فَإنْ قُلْتَ: فَسَّرْتَ تُبْصِرُونَ بِالعِلْمِ وبَعْدَهُ ﴿بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ فَكَيْفَ يَكُونُونَ عُلَماءَ وجُهَلاءَ ؟ قُلْتُ: أرادَ تَفْعَلُونَ فِعْلَ الجاهِلِينَ بِأنَّها فاحِشَةٌ مَعَ عِلْمِكم بِذَلِكَ، أوْ تَجْهَلُونَ العاقِبَةَ أوْ أرادَ بِالجَهْلِ السَّفاهَةَ والمَجانَةَ الَّتِي كانُوا عَلَيْها، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ جَهْلَهم بِأنْ حَكى عَنْهم أنَّهم أجابُوا عَنْ هَذا الكَلامِ بِما لا يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ جَوابًا لَهُ فَقالَ:
صفحة ١٧٦
﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلّا أنْ قالُوا أخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِن قَرْيَتِكم إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ فَجَعَلُوا الَّذِي لِأجْلِهِ يُخْرَجُونَ أنَّهم يَتَطَهَّرُونَ مِن هَذا الصَّنِيعِ الفاحِشِ، وهَذا يُوجِبُ تَنْعِيمَهم وتَعْظِيمَهم أوْلى، لَكِنْ في المُفَسِّرِينَ مَن قالَ: إنَّما قالُوا ذَلِكَ عَلى وجْهِ الهُزُءِ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ نَجّاهُ وأهْلَهُ إلّا امْرَأتَهُ وأهْلَكَ الباقِينَ، وقَدْ تَقَدَّمَ كُلُّ ذَلِكَ مَشْرُوحًا، واللَّهُ أعْلَمُ. وهَهُنا آخِرُ القَصَصِ في هَذِهِ السُّورَةِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
القَوْلُ في خِطابِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ مَعَ مُحَمَّدٍ ﷺ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى آللَّهُ خَيْرٌ أمْ ما يُشْرِكُونَ﴾
فِي هَذِهِ الآيَةِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِما قَبْلَهُ مِنَ القَصَصِ، والمَعْنى: الحَمْدُ لِلَّهِ عَلى إهْلاكِهِمْ، وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى بِأنْ أرْسَلَهم ونَجّاهُمُ.
الثّانِي: أنَّهُ مُبْتَدَأٌ، فَإنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أحْوالَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وكانَ مُحَمَّدٌ ﷺ كالمُخالِفِ لِمَن قَبْلَهُ في أمْرِ العَذابِ؛ لِأنَّ عَذابَ الِاسْتِئْصالِ مُرْتَفِعٌ عَنْ قَوْمِهِ، أمَرَهُ تَعالى بِأنْ يَشْكُرَ رَبَّهُ عَلى ما خَصَّهُ بِهَذِهِ النِّعَمِ، وبِأنْ يُسَلِّمَ عَلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ الَّذِينَ صَبَرُوا عَلى مَشاقِّ الرِّسالَةِ.
فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أمْ ما يُشْرِكُونَ﴾ فَهو تَبْكِيتٌ لِلْمُشْرِكِينَ وتَهَكُّمٌ بِحالِهِمْ، وذَلِكَ: أنَّهم آثَرُوا عِبادَةَ الأصْنامِ عَلى عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى، ولا يُؤْثِرُ عاقِلٌ شَيْئًا عَلى شَيْءٍ إلّا لِزِيادَةِ خَيْرٍ ومَنفَعَةٍ، فَقِيلَ لَهم هَذا الكَلامُ تَنْبِيهًا عَلى نِهايَةِ ضَلالِهِمْ وجَهْلِهِمْ. وقُرِئَ (يُشْرِكُونَ) بِالياءِ والتّاءِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ كانَ إذا قَرَأها قالَ: ”«بَلِ اللَّهُ خَيْرٌ وأبْقى وأجَلُّ وأكْرَمُ» “ .
ثُمَّ اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى تَكَلَّمَ بَعْدَ ذَلِكَ في عِدَّةِ فُصُولٍ:
الفَصْلُ الأوَّلُ: في الرَّدِّ عَلى عَبَدَةِ الأوْثانِ، ومَدارُ هَذا الفَصْلِ عَلى بَيانِ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى هو الخالِقُ لِأُصُولِ النِّعَمِ وفُرُوعِها، فَكَيْفَ تَحْسُنُ عِبادَةُ ما لا مَنفَعَةَ مِنهُ البَتَّةَ ؟ ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى ذَكَرَ أنْواعًا:
النمل 27:54
صفحة ١٧٣
القِصَّةُ الثّالِثَةُ: قِصَّةُ صالِحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ
﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا إلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإذا هم فَرِيقانِ يَخْتَصِمُونَ﴾ ﴿قالَ يا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ ﴿قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ وبِمَن مَعَكَ قالَ طائِرُكم عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ ﴿وكانَ في المَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يُصْلِحُونَ﴾ ﴿قالُوا تَقاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وأهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أهْلِهِ وإنّا لَصادِقُونَ﴾ ﴿ومَكَرُوا مَكْرًا ومَكَرْنا مَكْرًا وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أنّا دَمَّرْناهم وقَوْمَهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهم خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ ﴿وأنْجَيْنا الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا إلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإذا هم فَرِيقانِ يَخْتَصِمُونَ﴾ ﴿قالَ ياقَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ ﴿قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ وبِمَن مَعَكَ قالَ طائِرُكم عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ ﴿وكانَ في المَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يُصْلِحُونَ﴾ ﴿قالُوا تَقاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وأهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أهْلِهِ وإنّا لَصادِقُونَ﴾ ﴿ومَكَرُوا مَكْرًا ومَكَرْنا مَكْرًا وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أنّا دَمَّرْناهم وقَوْمَهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهم خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ ﴿وأنْجَيْنا الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾
قُرِئَ (أنُ اعْبُدُوا اللَّهَ ) بِالضَّمِّ عَلى اتْباعِ النُّونِ الباءَ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَإذا هم فَرِيقانِ﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: المُرادُ فَرِيقٌ مُؤْمِنٌ وفَرِيقٌ كافِرٌ.
الثّانِي: المُرادُ قَوْمُ صالِحٍ قَبْلَ أنْ يُؤْمِنَ مِنهم أحَدٌ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿يَخْتَصِمُونَ﴾ فالمَعْنى: إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما آمَنُوا لِأنَّهم نَظَرُوا في حُجَّتِهِ فَعَرَفُوا صِحَّتَها، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَلا بُدَّ وأنْ يَكُونَ خَصْمًا لِمَن لَمْ يَقْبَلْها، وإذا كانَ هَذا الِاخْتِصامُ في بابِ الدِّينِ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ الجِدالَ في بابِ الدِّينِ حَقٌّ وفِيهِ إبْطالُ التَّقْلِيدِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿قالَ ياقَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ﴾ فَفِيهِ بَحْثانِ:
الأوَّلُ: في تَفْسِيرِ اسْتِعْجالِ السَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: إنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا صالِحًا عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا لَمْ يَنْفَعْهُمُ الحِجاجُ تَوَعَّدَهم صالِحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالعَذابِ، فَقالُوا: ﴿ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ (العَنْكَبُوتِ: ٢٩) عَلى وجْهِ الِاسْتِهْزاءِ، فَعِنْدَهُ قالَ صالِحٌ: ﴿لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ﴾ والمُرادُ أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ مَكَّنَكم مِنَ التَّوَصُّلِ إلى رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى وثَوابِهِ، فَلِماذا تَعْدِلُونَ عَنْهُ إلى اسْتِعْجالِ عَذابِهِ ؟
وثانِيهِما: إنَّهم كانُوا يَقُولُونَ لِجَهْلِهِمْ: إنَّ العُقُوبَةَ الَّتِي يَعِدُها صالِحٌ إنْ وقَعَتْ عَلى زَعْمِهِ أتَيْنا حِينَئِذٍ واسْتَغْفَرْنا، فَحِينَئِذٍ يَقْبَلُ اللَّهُ تَوْبَتَنا ويَدْفَعُ العَذابَ عَنّا، فَخاطَبَهم صالَحٌ عَلى حَسَبِ اعْتِقادِهِمْ، وقالَ: هَلّا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ قَبْلَ نُزُولِ العَذابِ فَإنَّ اسْتِعْجالَ الخَيْرِ أوْلى مِنَ اسْتِعْجالِ الشَّرِّ.
صفحة ١٧٤
البَحْثُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِالسَّيِّئَةِ العِقابُ وبِالحَسَنَةِ الثَّوابُ، فَأمّا وصْفُ العَذابِ بِأنَّهُ سَيِّئَةٌ فَهو مَجازٌ وسَبَبُ هَذا التَّجْوِيزِ، إمّا لِأنَّ العِقابَ مِن لَوازِمِهِ أوْ لِأنَّهُ يُشْبِهُهُ في كَوْنِهِ مَكْرُوهًا، وأمّا وصْفُ الرَّحْمَةِ بِأنَّها حَسَنَةٌ فَمِنهم مَن قالَ: إنَّهُ حَقِيقَةٌ، ومِنهم مَن قالَ: إنَّهُ مَجازٌ والأوَّلُ أقْرَبُ، ثُمَّ إنَّ صالِحًا عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا قَرَّرَ هَذا الكَلامَ الحَقَّ أجابُوهُ بِكَلامٍ فاسِدٍ، وهو قَوْلُهم: ﴿اطَّيَّرْنا بِكَ﴾ أيْ تَشاءَمْنا بِكَ؛ لِأنَّ الَّذِي يُصِيبُنا مِن شِدَّةٍ وقَحْطٍ فَهو بِشُؤْمِكَ وبِشُؤْمِ مَن مَعَكَ.
قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: كانَ الرَّجُلُ يَخْرُجُ مُسافِرًا فَيَمُرُّ بِطائِرٍ فَيَزْجُرُهُ، فَإنْ مَرَّ سانِحًا تَيَمَّنَ، وإنْ مَرَّ بارِحًا تَشاءَمَ، فَلَمّا نَسَبُوا الخَيْرَ والشَّرَّ إلى الطّائِرِ اسْتُعِيرَ لِما كانَ لِلْخَيْرِ والشَّرِّ وهو قَدَرُ اللَّهِ وقِسْمَتُهُ، فَأجابَ صالِحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَوْلِهِ: ﴿طائِرُكم عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيِ السَّبَبُ الَّذِي مِنهُ يَجِيءُ خَيْرُكم وشَرُّكم عِنْدَ اللَّهِ، وهو قَضاؤُهُ وقَدَرُهُ، إنْ شاءَ رَزَقَكم وإنْ شاءَ حَرَمَكم. وقِيلَ: بَلِ المُرادُ إنَّ جَزاءَ الطِّيَرَةِ مِنكم عِنْدَ اللَّهِ وهو العِقابُ، والأقْرَبُ الوجه الأوَّلُ؛ لِأنَّ القَوْمَ أشارُوا إلى الأمْرِ الحاصِلِ فَيَجِبُ في جَوابِهِ أنْ يَكُونَ فِيهِ لا في غَيْرِهِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ هَذا جَهْلٌ مِنهم بِقَوْلِهِ: ﴿بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ فَيُحْتَمَلُ أنَّ غَيْرَهم دَعاهم إلى هَذا القَوْلِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّ الشَّيْطانَ يَفْتِنُكم بِوَسْوَسَتِهِ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ: ﴿وكانَ في المَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ﴾ والأقْرَبُ أنْ يَكُونَ المُرادُ تِسْعَةَ جَمْعٍ؛ إذِ الظّاهِرُ مِنَ الرَّهْطِ الجَماعَةُ لا الواحِدُ، ثُمَّ يُحْتَمَلُ أنَّهم كانُوا قَبائِلَ، ويُحْتَمَلُ أنَّهم دَخَلُوا تَحْتَ العَدَدِ لِاخْتِلافِ صِفَتِهِمْ وأحْوالِهِمْ لا لِاخْتِلافِ السَّبَبِ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهم يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يَمْزِجُونَ ذَلِكَ الفَسادَ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّلاحِ، فَلِهَذا قالَ: ﴿يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يُصْلِحُونَ﴾ ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ مِن جُمْلَةِ ذَلِكَ ما هَمُّوا بِهِ مِن أمْرِ صالِحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿تَقاسَمُوا بِاللَّهِ﴾ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ أمْرًا أوْ خَبَرًا في مَحَلِّ الحالِ بِإضْمارِ قَدْ، أيْ قالُوا مُتَقاسِمِينَ، والبَياتُ مُتابَعَةُ العَدُوِّ لَيْلًا.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أهْلِهِ﴾ يَعْنِي لَوِ اتَّهَمَنا قَوْمُهُ حَلَفْنا لَهم أنّا لَمْ نَحْضُرْ. وقُرِئَ (مَهْلَكَ) بِفَتْحِ المِيمِ واللّامِ وكَسْرِها مِن هَلَكَ، ومُهْلَكٌ بِضَمِّ المِيمِ مِن أهْلَكَ، ويُحْتَمَلُ المَصْدَرُ والمَكانُ والزَّمانُ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ: ﴿ومَكَرُوا مَكْرًا ومَكَرْنا مَكْرًا وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ وقَدِ اخْتَلَفُوا في مَكْرِ اللَّهِ تَعالى عَلى وُجُوهٍ:
أحَدُها: إنَّ مَكْرَ اللَّهِ إهْلاكُهم مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ، شُبِّهَ بِمَكْرِ الماكِرِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ، رُوِيَ أنَّهُ كانَ لِصالِحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ مَسْجِدٌ في الحِجْرِ في شِعْبٍ يُصَلِّي فِيهِ، فَقالُوا: زَعَمَ صالِحٌ أنَّهُ يَفْرَغُ مِنّا إلى ثَلاثٍ، فَنَحْنُ نَفْرَغُ مِنهُ، ومِن أهْلِهِ قَبْلَ الثَّلاثِ، فَخَرَجُوا إلى الشِّعْبِ، وقالُوا: إذا جاءَ يُصَلِّي قَتَلْناهُ، ثُمَّ رَجَعْنا إلى أهْلِهِ فَقَتَلْناهم، فَبَعَثَ اللَّهُ تَعالى صَخْرَةً فَطَبِقَتِ الصَّخْرَةُ عَلَيْهِمْ فَمَ الشِّعْبِ، فَهَلَكُوا وهَلَكَ الباقُونَ بِالصَّيْحَةِ.
وثانِيها: جاءُوا بِاللَّيْلِ شاهِرِينَ سُيُوفَهم، وقَدْ أرْسَلَ اللَّهُ تَعالى المَلائِكَةَ مِلْءَ دارِ صالِحٍ فَدَمَغُوهم بِالحِجارَةِ، يَرَوْنَ الأحْجارَ ولا يَرَوْنَ رامِيًا.
وثالِثُها: أنَّ اللَّهَ تَعالى أخْبَرَ صالِحًا بِمَكْرِهِمْ فَتَحَرَّزَ عَنْهم فَذاكَ مَكْرُ اللَّهِ تَعالى في حَقِّهِمْ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿أنّا دَمَّرْناهُمْ﴾ اسْتِئْنافٌ، ومَن قَرَأ بِالفَتْحِ رَفَعَهُ بَدَلًا مِنَ العاقِبَةِ، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: هي تُدَمِّرُهم، أوْ نَصَبَهُ عَلى مَعْنى لِأنّا، أوْ عَلى أنَّهُ خَبَرُ كانَ، أيْ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمُ الدَّمارَ.
صفحة ١٧٥
أمّا قَوْلُهُ: ﴿خاوِيَةً﴾ فَهو حالٌ عَمِلَ فِيها ما دَلَّ عَلَيْهِ تِلْكَ، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ (خاوِيَةٌ) بِالرَّفْعِ عَلى خَبَرِ المُبْتَدَأِ المَحْذُوفِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
القِصَّةُ الرّابِعَةُ قِصَّةُ لُوطٍ عَلَيْهِ الُسَّلامُ ﴿ولُوطًا إذْ قالَ لِقَوْمِهِ أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ وأنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ ﴿أئِنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِن دُونِ النِّساءِ بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلّا أنْ قالُوا أخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِن قَرْيَتِكم إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ ﴿فَأنْجَيْناهُ وأهْلَهُ إلّا امْرَأتَهُ قَدَّرْناها مِنَ الغابِرِينَ﴾ ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَساءَ مَطَرُ المُنْذَرِينَ﴾ ﴿قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى آللَّهُ خَيْرٌ أم مّا يُشْرِكُونَ﴾ ﴿أمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وأنْزَلَ لَكم مِنَ السَّماءِ ماءً فَأنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ ما كانَ لَكم أنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هم قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولُوطًا إذْ قالَ لِقَوْمِهِ أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ وأنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ ﴿أئِنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِن دُونِ النِّساءِ بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلّا أنْ قالُوا أخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِن قَرْيَتِكم إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ ﴿فَأنْجَيْناهُ وأهْلَهُ إلّا امْرَأتَهُ قَدَّرْناها مِنَ الغابِرِينَ﴾ ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَساءَ مَطَرُ المُنْذَرِينَ﴾
قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: واذْكُرْ لُوطًا، أوْ أرْسَلَنا لُوطًا بِدَلالَةِ: ولَقَدْ أرْسَلْنا عَلَيْهِ، وإذْ بَدَلٌ عَلى الأوَّلِ، ظَرْفٌ عَلى الثّانِي.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ﴾ فَهو عَلى وجْهِ التَّنْكِيرِ، وإنْ كانَ بِلَفْظِ الِاسْتِفْهامِ، ورُبَّما كانَ التَّوْبِيخُ بِمِثْلِ هَذا اللَّفْظِ أبْلَغَ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وأنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّهم كانُوا لا يَتَحاشَوْنَ مِن إظْهارِ ذَلِكَ عَلى وجْهِ الخَلاعَةِ، ولا يَتَكاتَمُونَ، وذَلِكَ أحَدُ ما لِأجْلِهِ عَظُمَ ذَلِكَ الفِعْلُ مِنهم، فَذَكَرَ في تَوْبِيخِهِ لَهم ما لَهُ عَظُمَ ذَلِكَ الفِعْلُ.
وثانِيها: أنَّ المُرادَ بَصَرُ القَلْبِ أيْ تَعْلَمُونَ أنَّها فاحِشَةٌ لَمْ تُسْبَقُوا إلَيْها، وأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَخْلُقِ الذَّكَرَ لِلذَّكَرِ، فَهي مُضادَّةٌ لِلَّهِ في حِكْمَتِهِ.
وثالِثُها: تُبْصِرُونَ آثارَ العُصاةِ قَبْلَكم وما نَزَلَ بِهِمْ، فَإنْ قُلْتَ: فَسَّرْتَ تُبْصِرُونَ بِالعِلْمِ وبَعْدَهُ ﴿بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ فَكَيْفَ يَكُونُونَ عُلَماءَ وجُهَلاءَ ؟ قُلْتُ: أرادَ تَفْعَلُونَ فِعْلَ الجاهِلِينَ بِأنَّها فاحِشَةٌ مَعَ عِلْمِكم بِذَلِكَ، أوْ تَجْهَلُونَ العاقِبَةَ أوْ أرادَ بِالجَهْلِ السَّفاهَةَ والمَجانَةَ الَّتِي كانُوا عَلَيْها، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ جَهْلَهم بِأنْ حَكى عَنْهم أنَّهم أجابُوا عَنْ هَذا الكَلامِ بِما لا يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ جَوابًا لَهُ فَقالَ:
صفحة ١٧٦
﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلّا أنْ قالُوا أخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِن قَرْيَتِكم إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ فَجَعَلُوا الَّذِي لِأجْلِهِ يُخْرَجُونَ أنَّهم يَتَطَهَّرُونَ مِن هَذا الصَّنِيعِ الفاحِشِ، وهَذا يُوجِبُ تَنْعِيمَهم وتَعْظِيمَهم أوْلى، لَكِنْ في المُفَسِّرِينَ مَن قالَ: إنَّما قالُوا ذَلِكَ عَلى وجْهِ الهُزُءِ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ نَجّاهُ وأهْلَهُ إلّا امْرَأتَهُ وأهْلَكَ الباقِينَ، وقَدْ تَقَدَّمَ كُلُّ ذَلِكَ مَشْرُوحًا، واللَّهُ أعْلَمُ. وهَهُنا آخِرُ القَصَصِ في هَذِهِ السُّورَةِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
القَوْلُ في خِطابِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ مَعَ مُحَمَّدٍ ﷺ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى آللَّهُ خَيْرٌ أمْ ما يُشْرِكُونَ﴾
فِي هَذِهِ الآيَةِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِما قَبْلَهُ مِنَ القَصَصِ، والمَعْنى: الحَمْدُ لِلَّهِ عَلى إهْلاكِهِمْ، وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى بِأنْ أرْسَلَهم ونَجّاهُمُ.
الثّانِي: أنَّهُ مُبْتَدَأٌ، فَإنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أحْوالَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وكانَ مُحَمَّدٌ ﷺ كالمُخالِفِ لِمَن قَبْلَهُ في أمْرِ العَذابِ؛ لِأنَّ عَذابَ الِاسْتِئْصالِ مُرْتَفِعٌ عَنْ قَوْمِهِ، أمَرَهُ تَعالى بِأنْ يَشْكُرَ رَبَّهُ عَلى ما خَصَّهُ بِهَذِهِ النِّعَمِ، وبِأنْ يُسَلِّمَ عَلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ الَّذِينَ صَبَرُوا عَلى مَشاقِّ الرِّسالَةِ.
فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أمْ ما يُشْرِكُونَ﴾ فَهو تَبْكِيتٌ لِلْمُشْرِكِينَ وتَهَكُّمٌ بِحالِهِمْ، وذَلِكَ: أنَّهم آثَرُوا عِبادَةَ الأصْنامِ عَلى عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى، ولا يُؤْثِرُ عاقِلٌ شَيْئًا عَلى شَيْءٍ إلّا لِزِيادَةِ خَيْرٍ ومَنفَعَةٍ، فَقِيلَ لَهم هَذا الكَلامُ تَنْبِيهًا عَلى نِهايَةِ ضَلالِهِمْ وجَهْلِهِمْ. وقُرِئَ (يُشْرِكُونَ) بِالياءِ والتّاءِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ كانَ إذا قَرَأها قالَ: ”«بَلِ اللَّهُ خَيْرٌ وأبْقى وأجَلُّ وأكْرَمُ» “ .
ثُمَّ اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى تَكَلَّمَ بَعْدَ ذَلِكَ في عِدَّةِ فُصُولٍ:
الفَصْلُ الأوَّلُ: في الرَّدِّ عَلى عَبَدَةِ الأوْثانِ، ومَدارُ هَذا الفَصْلِ عَلى بَيانِ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى هو الخالِقُ لِأُصُولِ النِّعَمِ وفُرُوعِها، فَكَيْفَ تَحْسُنُ عِبادَةُ ما لا مَنفَعَةَ مِنهُ البَتَّةَ ؟ ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى ذَكَرَ أنْواعًا:
النمل 27:55
صفحة ١٧٣
القِصَّةُ الثّالِثَةُ: قِصَّةُ صالِحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ
﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا إلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإذا هم فَرِيقانِ يَخْتَصِمُونَ﴾ ﴿قالَ يا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ ﴿قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ وبِمَن مَعَكَ قالَ طائِرُكم عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ ﴿وكانَ في المَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يُصْلِحُونَ﴾ ﴿قالُوا تَقاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وأهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أهْلِهِ وإنّا لَصادِقُونَ﴾ ﴿ومَكَرُوا مَكْرًا ومَكَرْنا مَكْرًا وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أنّا دَمَّرْناهم وقَوْمَهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهم خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ ﴿وأنْجَيْنا الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا إلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإذا هم فَرِيقانِ يَخْتَصِمُونَ﴾ ﴿قالَ ياقَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ ﴿قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ وبِمَن مَعَكَ قالَ طائِرُكم عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ ﴿وكانَ في المَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يُصْلِحُونَ﴾ ﴿قالُوا تَقاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وأهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أهْلِهِ وإنّا لَصادِقُونَ﴾ ﴿ومَكَرُوا مَكْرًا ومَكَرْنا مَكْرًا وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أنّا دَمَّرْناهم وقَوْمَهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهم خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ ﴿وأنْجَيْنا الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾
قُرِئَ (أنُ اعْبُدُوا اللَّهَ ) بِالضَّمِّ عَلى اتْباعِ النُّونِ الباءَ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَإذا هم فَرِيقانِ﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: المُرادُ فَرِيقٌ مُؤْمِنٌ وفَرِيقٌ كافِرٌ.
الثّانِي: المُرادُ قَوْمُ صالِحٍ قَبْلَ أنْ يُؤْمِنَ مِنهم أحَدٌ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿يَخْتَصِمُونَ﴾ فالمَعْنى: إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما آمَنُوا لِأنَّهم نَظَرُوا في حُجَّتِهِ فَعَرَفُوا صِحَّتَها، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَلا بُدَّ وأنْ يَكُونَ خَصْمًا لِمَن لَمْ يَقْبَلْها، وإذا كانَ هَذا الِاخْتِصامُ في بابِ الدِّينِ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ الجِدالَ في بابِ الدِّينِ حَقٌّ وفِيهِ إبْطالُ التَّقْلِيدِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿قالَ ياقَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ﴾ فَفِيهِ بَحْثانِ:
الأوَّلُ: في تَفْسِيرِ اسْتِعْجالِ السَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: إنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا صالِحًا عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا لَمْ يَنْفَعْهُمُ الحِجاجُ تَوَعَّدَهم صالِحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالعَذابِ، فَقالُوا: ﴿ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ (العَنْكَبُوتِ: ٢٩) عَلى وجْهِ الِاسْتِهْزاءِ، فَعِنْدَهُ قالَ صالِحٌ: ﴿لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ﴾ والمُرادُ أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ مَكَّنَكم مِنَ التَّوَصُّلِ إلى رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى وثَوابِهِ، فَلِماذا تَعْدِلُونَ عَنْهُ إلى اسْتِعْجالِ عَذابِهِ ؟
وثانِيهِما: إنَّهم كانُوا يَقُولُونَ لِجَهْلِهِمْ: إنَّ العُقُوبَةَ الَّتِي يَعِدُها صالِحٌ إنْ وقَعَتْ عَلى زَعْمِهِ أتَيْنا حِينَئِذٍ واسْتَغْفَرْنا، فَحِينَئِذٍ يَقْبَلُ اللَّهُ تَوْبَتَنا ويَدْفَعُ العَذابَ عَنّا، فَخاطَبَهم صالَحٌ عَلى حَسَبِ اعْتِقادِهِمْ، وقالَ: هَلّا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ قَبْلَ نُزُولِ العَذابِ فَإنَّ اسْتِعْجالَ الخَيْرِ أوْلى مِنَ اسْتِعْجالِ الشَّرِّ.
صفحة ١٧٤
البَحْثُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِالسَّيِّئَةِ العِقابُ وبِالحَسَنَةِ الثَّوابُ، فَأمّا وصْفُ العَذابِ بِأنَّهُ سَيِّئَةٌ فَهو مَجازٌ وسَبَبُ هَذا التَّجْوِيزِ، إمّا لِأنَّ العِقابَ مِن لَوازِمِهِ أوْ لِأنَّهُ يُشْبِهُهُ في كَوْنِهِ مَكْرُوهًا، وأمّا وصْفُ الرَّحْمَةِ بِأنَّها حَسَنَةٌ فَمِنهم مَن قالَ: إنَّهُ حَقِيقَةٌ، ومِنهم مَن قالَ: إنَّهُ مَجازٌ والأوَّلُ أقْرَبُ، ثُمَّ إنَّ صالِحًا عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا قَرَّرَ هَذا الكَلامَ الحَقَّ أجابُوهُ بِكَلامٍ فاسِدٍ، وهو قَوْلُهم: ﴿اطَّيَّرْنا بِكَ﴾ أيْ تَشاءَمْنا بِكَ؛ لِأنَّ الَّذِي يُصِيبُنا مِن شِدَّةٍ وقَحْطٍ فَهو بِشُؤْمِكَ وبِشُؤْمِ مَن مَعَكَ.
قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: كانَ الرَّجُلُ يَخْرُجُ مُسافِرًا فَيَمُرُّ بِطائِرٍ فَيَزْجُرُهُ، فَإنْ مَرَّ سانِحًا تَيَمَّنَ، وإنْ مَرَّ بارِحًا تَشاءَمَ، فَلَمّا نَسَبُوا الخَيْرَ والشَّرَّ إلى الطّائِرِ اسْتُعِيرَ لِما كانَ لِلْخَيْرِ والشَّرِّ وهو قَدَرُ اللَّهِ وقِسْمَتُهُ، فَأجابَ صالِحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَوْلِهِ: ﴿طائِرُكم عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيِ السَّبَبُ الَّذِي مِنهُ يَجِيءُ خَيْرُكم وشَرُّكم عِنْدَ اللَّهِ، وهو قَضاؤُهُ وقَدَرُهُ، إنْ شاءَ رَزَقَكم وإنْ شاءَ حَرَمَكم. وقِيلَ: بَلِ المُرادُ إنَّ جَزاءَ الطِّيَرَةِ مِنكم عِنْدَ اللَّهِ وهو العِقابُ، والأقْرَبُ الوجه الأوَّلُ؛ لِأنَّ القَوْمَ أشارُوا إلى الأمْرِ الحاصِلِ فَيَجِبُ في جَوابِهِ أنْ يَكُونَ فِيهِ لا في غَيْرِهِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ هَذا جَهْلٌ مِنهم بِقَوْلِهِ: ﴿بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ فَيُحْتَمَلُ أنَّ غَيْرَهم دَعاهم إلى هَذا القَوْلِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّ الشَّيْطانَ يَفْتِنُكم بِوَسْوَسَتِهِ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ: ﴿وكانَ في المَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ﴾ والأقْرَبُ أنْ يَكُونَ المُرادُ تِسْعَةَ جَمْعٍ؛ إذِ الظّاهِرُ مِنَ الرَّهْطِ الجَماعَةُ لا الواحِدُ، ثُمَّ يُحْتَمَلُ أنَّهم كانُوا قَبائِلَ، ويُحْتَمَلُ أنَّهم دَخَلُوا تَحْتَ العَدَدِ لِاخْتِلافِ صِفَتِهِمْ وأحْوالِهِمْ لا لِاخْتِلافِ السَّبَبِ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهم يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يَمْزِجُونَ ذَلِكَ الفَسادَ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّلاحِ، فَلِهَذا قالَ: ﴿يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يُصْلِحُونَ﴾ ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ مِن جُمْلَةِ ذَلِكَ ما هَمُّوا بِهِ مِن أمْرِ صالِحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿تَقاسَمُوا بِاللَّهِ﴾ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ أمْرًا أوْ خَبَرًا في مَحَلِّ الحالِ بِإضْمارِ قَدْ، أيْ قالُوا مُتَقاسِمِينَ، والبَياتُ مُتابَعَةُ العَدُوِّ لَيْلًا.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أهْلِهِ﴾ يَعْنِي لَوِ اتَّهَمَنا قَوْمُهُ حَلَفْنا لَهم أنّا لَمْ نَحْضُرْ. وقُرِئَ (مَهْلَكَ) بِفَتْحِ المِيمِ واللّامِ وكَسْرِها مِن هَلَكَ، ومُهْلَكٌ بِضَمِّ المِيمِ مِن أهْلَكَ، ويُحْتَمَلُ المَصْدَرُ والمَكانُ والزَّمانُ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ: ﴿ومَكَرُوا مَكْرًا ومَكَرْنا مَكْرًا وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ وقَدِ اخْتَلَفُوا في مَكْرِ اللَّهِ تَعالى عَلى وُجُوهٍ:
أحَدُها: إنَّ مَكْرَ اللَّهِ إهْلاكُهم مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ، شُبِّهَ بِمَكْرِ الماكِرِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ، رُوِيَ أنَّهُ كانَ لِصالِحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ مَسْجِدٌ في الحِجْرِ في شِعْبٍ يُصَلِّي فِيهِ، فَقالُوا: زَعَمَ صالِحٌ أنَّهُ يَفْرَغُ مِنّا إلى ثَلاثٍ، فَنَحْنُ نَفْرَغُ مِنهُ، ومِن أهْلِهِ قَبْلَ الثَّلاثِ، فَخَرَجُوا إلى الشِّعْبِ، وقالُوا: إذا جاءَ يُصَلِّي قَتَلْناهُ، ثُمَّ رَجَعْنا إلى أهْلِهِ فَقَتَلْناهم، فَبَعَثَ اللَّهُ تَعالى صَخْرَةً فَطَبِقَتِ الصَّخْرَةُ عَلَيْهِمْ فَمَ الشِّعْبِ، فَهَلَكُوا وهَلَكَ الباقُونَ بِالصَّيْحَةِ.
وثانِيها: جاءُوا بِاللَّيْلِ شاهِرِينَ سُيُوفَهم، وقَدْ أرْسَلَ اللَّهُ تَعالى المَلائِكَةَ مِلْءَ دارِ صالِحٍ فَدَمَغُوهم بِالحِجارَةِ، يَرَوْنَ الأحْجارَ ولا يَرَوْنَ رامِيًا.
وثالِثُها: أنَّ اللَّهَ تَعالى أخْبَرَ صالِحًا بِمَكْرِهِمْ فَتَحَرَّزَ عَنْهم فَذاكَ مَكْرُ اللَّهِ تَعالى في حَقِّهِمْ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿أنّا دَمَّرْناهُمْ﴾ اسْتِئْنافٌ، ومَن قَرَأ بِالفَتْحِ رَفَعَهُ بَدَلًا مِنَ العاقِبَةِ، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: هي تُدَمِّرُهم، أوْ نَصَبَهُ عَلى مَعْنى لِأنّا، أوْ عَلى أنَّهُ خَبَرُ كانَ، أيْ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمُ الدَّمارَ.
صفحة ١٧٥
أمّا قَوْلُهُ: ﴿خاوِيَةً﴾ فَهو حالٌ عَمِلَ فِيها ما دَلَّ عَلَيْهِ تِلْكَ، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ (خاوِيَةٌ) بِالرَّفْعِ عَلى خَبَرِ المُبْتَدَأِ المَحْذُوفِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
القِصَّةُ الرّابِعَةُ قِصَّةُ لُوطٍ عَلَيْهِ الُسَّلامُ ﴿ولُوطًا إذْ قالَ لِقَوْمِهِ أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ وأنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ ﴿أئِنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِن دُونِ النِّساءِ بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلّا أنْ قالُوا أخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِن قَرْيَتِكم إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ ﴿فَأنْجَيْناهُ وأهْلَهُ إلّا امْرَأتَهُ قَدَّرْناها مِنَ الغابِرِينَ﴾ ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَساءَ مَطَرُ المُنْذَرِينَ﴾ ﴿قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى آللَّهُ خَيْرٌ أم مّا يُشْرِكُونَ﴾ ﴿أمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وأنْزَلَ لَكم مِنَ السَّماءِ ماءً فَأنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ ما كانَ لَكم أنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هم قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولُوطًا إذْ قالَ لِقَوْمِهِ أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ وأنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ ﴿أئِنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِن دُونِ النِّساءِ بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلّا أنْ قالُوا أخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِن قَرْيَتِكم إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ ﴿فَأنْجَيْناهُ وأهْلَهُ إلّا امْرَأتَهُ قَدَّرْناها مِنَ الغابِرِينَ﴾ ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَساءَ مَطَرُ المُنْذَرِينَ﴾
قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: واذْكُرْ لُوطًا، أوْ أرْسَلَنا لُوطًا بِدَلالَةِ: ولَقَدْ أرْسَلْنا عَلَيْهِ، وإذْ بَدَلٌ عَلى الأوَّلِ، ظَرْفٌ عَلى الثّانِي.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ﴾ فَهو عَلى وجْهِ التَّنْكِيرِ، وإنْ كانَ بِلَفْظِ الِاسْتِفْهامِ، ورُبَّما كانَ التَّوْبِيخُ بِمِثْلِ هَذا اللَّفْظِ أبْلَغَ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وأنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّهم كانُوا لا يَتَحاشَوْنَ مِن إظْهارِ ذَلِكَ عَلى وجْهِ الخَلاعَةِ، ولا يَتَكاتَمُونَ، وذَلِكَ أحَدُ ما لِأجْلِهِ عَظُمَ ذَلِكَ الفِعْلُ مِنهم، فَذَكَرَ في تَوْبِيخِهِ لَهم ما لَهُ عَظُمَ ذَلِكَ الفِعْلُ.
وثانِيها: أنَّ المُرادَ بَصَرُ القَلْبِ أيْ تَعْلَمُونَ أنَّها فاحِشَةٌ لَمْ تُسْبَقُوا إلَيْها، وأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَخْلُقِ الذَّكَرَ لِلذَّكَرِ، فَهي مُضادَّةٌ لِلَّهِ في حِكْمَتِهِ.
وثالِثُها: تُبْصِرُونَ آثارَ العُصاةِ قَبْلَكم وما نَزَلَ بِهِمْ، فَإنْ قُلْتَ: فَسَّرْتَ تُبْصِرُونَ بِالعِلْمِ وبَعْدَهُ ﴿بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ فَكَيْفَ يَكُونُونَ عُلَماءَ وجُهَلاءَ ؟ قُلْتُ: أرادَ تَفْعَلُونَ فِعْلَ الجاهِلِينَ بِأنَّها فاحِشَةٌ مَعَ عِلْمِكم بِذَلِكَ، أوْ تَجْهَلُونَ العاقِبَةَ أوْ أرادَ بِالجَهْلِ السَّفاهَةَ والمَجانَةَ الَّتِي كانُوا عَلَيْها، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ جَهْلَهم بِأنْ حَكى عَنْهم أنَّهم أجابُوا عَنْ هَذا الكَلامِ بِما لا يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ جَوابًا لَهُ فَقالَ:
صفحة ١٧٦
﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلّا أنْ قالُوا أخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِن قَرْيَتِكم إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ فَجَعَلُوا الَّذِي لِأجْلِهِ يُخْرَجُونَ أنَّهم يَتَطَهَّرُونَ مِن هَذا الصَّنِيعِ الفاحِشِ، وهَذا يُوجِبُ تَنْعِيمَهم وتَعْظِيمَهم أوْلى، لَكِنْ في المُفَسِّرِينَ مَن قالَ: إنَّما قالُوا ذَلِكَ عَلى وجْهِ الهُزُءِ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ نَجّاهُ وأهْلَهُ إلّا امْرَأتَهُ وأهْلَكَ الباقِينَ، وقَدْ تَقَدَّمَ كُلُّ ذَلِكَ مَشْرُوحًا، واللَّهُ أعْلَمُ. وهَهُنا آخِرُ القَصَصِ في هَذِهِ السُّورَةِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
القَوْلُ في خِطابِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ مَعَ مُحَمَّدٍ ﷺ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى آللَّهُ خَيْرٌ أمْ ما يُشْرِكُونَ﴾
فِي هَذِهِ الآيَةِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِما قَبْلَهُ مِنَ القَصَصِ، والمَعْنى: الحَمْدُ لِلَّهِ عَلى إهْلاكِهِمْ، وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى بِأنْ أرْسَلَهم ونَجّاهُمُ.
الثّانِي: أنَّهُ مُبْتَدَأٌ، فَإنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أحْوالَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وكانَ مُحَمَّدٌ ﷺ كالمُخالِفِ لِمَن قَبْلَهُ في أمْرِ العَذابِ؛ لِأنَّ عَذابَ الِاسْتِئْصالِ مُرْتَفِعٌ عَنْ قَوْمِهِ، أمَرَهُ تَعالى بِأنْ يَشْكُرَ رَبَّهُ عَلى ما خَصَّهُ بِهَذِهِ النِّعَمِ، وبِأنْ يُسَلِّمَ عَلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ الَّذِينَ صَبَرُوا عَلى مَشاقِّ الرِّسالَةِ.
فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أمْ ما يُشْرِكُونَ﴾ فَهو تَبْكِيتٌ لِلْمُشْرِكِينَ وتَهَكُّمٌ بِحالِهِمْ، وذَلِكَ: أنَّهم آثَرُوا عِبادَةَ الأصْنامِ عَلى عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى، ولا يُؤْثِرُ عاقِلٌ شَيْئًا عَلى شَيْءٍ إلّا لِزِيادَةِ خَيْرٍ ومَنفَعَةٍ، فَقِيلَ لَهم هَذا الكَلامُ تَنْبِيهًا عَلى نِهايَةِ ضَلالِهِمْ وجَهْلِهِمْ. وقُرِئَ (يُشْرِكُونَ) بِالياءِ والتّاءِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ كانَ إذا قَرَأها قالَ: ”«بَلِ اللَّهُ خَيْرٌ وأبْقى وأجَلُّ وأكْرَمُ» “ .
ثُمَّ اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى تَكَلَّمَ بَعْدَ ذَلِكَ في عِدَّةِ فُصُولٍ:
الفَصْلُ الأوَّلُ: في الرَّدِّ عَلى عَبَدَةِ الأوْثانِ، ومَدارُ هَذا الفَصْلِ عَلى بَيانِ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى هو الخالِقُ لِأُصُولِ النِّعَمِ وفُرُوعِها، فَكَيْفَ تَحْسُنُ عِبادَةُ ما لا مَنفَعَةَ مِنهُ البَتَّةَ ؟ ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى ذَكَرَ أنْواعًا:
النمل 27:56
صفحة ١٧٣
القِصَّةُ الثّالِثَةُ: قِصَّةُ صالِحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ
﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا إلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإذا هم فَرِيقانِ يَخْتَصِمُونَ﴾ ﴿قالَ يا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ ﴿قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ وبِمَن مَعَكَ قالَ طائِرُكم عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ ﴿وكانَ في المَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يُصْلِحُونَ﴾ ﴿قالُوا تَقاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وأهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أهْلِهِ وإنّا لَصادِقُونَ﴾ ﴿ومَكَرُوا مَكْرًا ومَكَرْنا مَكْرًا وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أنّا دَمَّرْناهم وقَوْمَهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهم خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ ﴿وأنْجَيْنا الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا إلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإذا هم فَرِيقانِ يَخْتَصِمُونَ﴾ ﴿قالَ ياقَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ ﴿قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ وبِمَن مَعَكَ قالَ طائِرُكم عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ ﴿وكانَ في المَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يُصْلِحُونَ﴾ ﴿قالُوا تَقاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وأهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أهْلِهِ وإنّا لَصادِقُونَ﴾ ﴿ومَكَرُوا مَكْرًا ومَكَرْنا مَكْرًا وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أنّا دَمَّرْناهم وقَوْمَهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهم خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ ﴿وأنْجَيْنا الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾
قُرِئَ (أنُ اعْبُدُوا اللَّهَ ) بِالضَّمِّ عَلى اتْباعِ النُّونِ الباءَ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَإذا هم فَرِيقانِ﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: المُرادُ فَرِيقٌ مُؤْمِنٌ وفَرِيقٌ كافِرٌ.
الثّانِي: المُرادُ قَوْمُ صالِحٍ قَبْلَ أنْ يُؤْمِنَ مِنهم أحَدٌ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿يَخْتَصِمُونَ﴾ فالمَعْنى: إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما آمَنُوا لِأنَّهم نَظَرُوا في حُجَّتِهِ فَعَرَفُوا صِحَّتَها، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَلا بُدَّ وأنْ يَكُونَ خَصْمًا لِمَن لَمْ يَقْبَلْها، وإذا كانَ هَذا الِاخْتِصامُ في بابِ الدِّينِ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ الجِدالَ في بابِ الدِّينِ حَقٌّ وفِيهِ إبْطالُ التَّقْلِيدِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿قالَ ياقَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ﴾ فَفِيهِ بَحْثانِ:
الأوَّلُ: في تَفْسِيرِ اسْتِعْجالِ السَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: إنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا صالِحًا عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا لَمْ يَنْفَعْهُمُ الحِجاجُ تَوَعَّدَهم صالِحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالعَذابِ، فَقالُوا: ﴿ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ (العَنْكَبُوتِ: ٢٩) عَلى وجْهِ الِاسْتِهْزاءِ، فَعِنْدَهُ قالَ صالِحٌ: ﴿لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ﴾ والمُرادُ أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ مَكَّنَكم مِنَ التَّوَصُّلِ إلى رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى وثَوابِهِ، فَلِماذا تَعْدِلُونَ عَنْهُ إلى اسْتِعْجالِ عَذابِهِ ؟
وثانِيهِما: إنَّهم كانُوا يَقُولُونَ لِجَهْلِهِمْ: إنَّ العُقُوبَةَ الَّتِي يَعِدُها صالِحٌ إنْ وقَعَتْ عَلى زَعْمِهِ أتَيْنا حِينَئِذٍ واسْتَغْفَرْنا، فَحِينَئِذٍ يَقْبَلُ اللَّهُ تَوْبَتَنا ويَدْفَعُ العَذابَ عَنّا، فَخاطَبَهم صالَحٌ عَلى حَسَبِ اعْتِقادِهِمْ، وقالَ: هَلّا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ قَبْلَ نُزُولِ العَذابِ فَإنَّ اسْتِعْجالَ الخَيْرِ أوْلى مِنَ اسْتِعْجالِ الشَّرِّ.
صفحة ١٧٤
البَحْثُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِالسَّيِّئَةِ العِقابُ وبِالحَسَنَةِ الثَّوابُ، فَأمّا وصْفُ العَذابِ بِأنَّهُ سَيِّئَةٌ فَهو مَجازٌ وسَبَبُ هَذا التَّجْوِيزِ، إمّا لِأنَّ العِقابَ مِن لَوازِمِهِ أوْ لِأنَّهُ يُشْبِهُهُ في كَوْنِهِ مَكْرُوهًا، وأمّا وصْفُ الرَّحْمَةِ بِأنَّها حَسَنَةٌ فَمِنهم مَن قالَ: إنَّهُ حَقِيقَةٌ، ومِنهم مَن قالَ: إنَّهُ مَجازٌ والأوَّلُ أقْرَبُ، ثُمَّ إنَّ صالِحًا عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا قَرَّرَ هَذا الكَلامَ الحَقَّ أجابُوهُ بِكَلامٍ فاسِدٍ، وهو قَوْلُهم: ﴿اطَّيَّرْنا بِكَ﴾ أيْ تَشاءَمْنا بِكَ؛ لِأنَّ الَّذِي يُصِيبُنا مِن شِدَّةٍ وقَحْطٍ فَهو بِشُؤْمِكَ وبِشُؤْمِ مَن مَعَكَ.
قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: كانَ الرَّجُلُ يَخْرُجُ مُسافِرًا فَيَمُرُّ بِطائِرٍ فَيَزْجُرُهُ، فَإنْ مَرَّ سانِحًا تَيَمَّنَ، وإنْ مَرَّ بارِحًا تَشاءَمَ، فَلَمّا نَسَبُوا الخَيْرَ والشَّرَّ إلى الطّائِرِ اسْتُعِيرَ لِما كانَ لِلْخَيْرِ والشَّرِّ وهو قَدَرُ اللَّهِ وقِسْمَتُهُ، فَأجابَ صالِحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَوْلِهِ: ﴿طائِرُكم عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيِ السَّبَبُ الَّذِي مِنهُ يَجِيءُ خَيْرُكم وشَرُّكم عِنْدَ اللَّهِ، وهو قَضاؤُهُ وقَدَرُهُ، إنْ شاءَ رَزَقَكم وإنْ شاءَ حَرَمَكم. وقِيلَ: بَلِ المُرادُ إنَّ جَزاءَ الطِّيَرَةِ مِنكم عِنْدَ اللَّهِ وهو العِقابُ، والأقْرَبُ الوجه الأوَّلُ؛ لِأنَّ القَوْمَ أشارُوا إلى الأمْرِ الحاصِلِ فَيَجِبُ في جَوابِهِ أنْ يَكُونَ فِيهِ لا في غَيْرِهِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ هَذا جَهْلٌ مِنهم بِقَوْلِهِ: ﴿بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ فَيُحْتَمَلُ أنَّ غَيْرَهم دَعاهم إلى هَذا القَوْلِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّ الشَّيْطانَ يَفْتِنُكم بِوَسْوَسَتِهِ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ: ﴿وكانَ في المَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ﴾ والأقْرَبُ أنْ يَكُونَ المُرادُ تِسْعَةَ جَمْعٍ؛ إذِ الظّاهِرُ مِنَ الرَّهْطِ الجَماعَةُ لا الواحِدُ، ثُمَّ يُحْتَمَلُ أنَّهم كانُوا قَبائِلَ، ويُحْتَمَلُ أنَّهم دَخَلُوا تَحْتَ العَدَدِ لِاخْتِلافِ صِفَتِهِمْ وأحْوالِهِمْ لا لِاخْتِلافِ السَّبَبِ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهم يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يَمْزِجُونَ ذَلِكَ الفَسادَ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّلاحِ، فَلِهَذا قالَ: ﴿يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يُصْلِحُونَ﴾ ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ مِن جُمْلَةِ ذَلِكَ ما هَمُّوا بِهِ مِن أمْرِ صالِحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿تَقاسَمُوا بِاللَّهِ﴾ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ أمْرًا أوْ خَبَرًا في مَحَلِّ الحالِ بِإضْمارِ قَدْ، أيْ قالُوا مُتَقاسِمِينَ، والبَياتُ مُتابَعَةُ العَدُوِّ لَيْلًا.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أهْلِهِ﴾ يَعْنِي لَوِ اتَّهَمَنا قَوْمُهُ حَلَفْنا لَهم أنّا لَمْ نَحْضُرْ. وقُرِئَ (مَهْلَكَ) بِفَتْحِ المِيمِ واللّامِ وكَسْرِها مِن هَلَكَ، ومُهْلَكٌ بِضَمِّ المِيمِ مِن أهْلَكَ، ويُحْتَمَلُ المَصْدَرُ والمَكانُ والزَّمانُ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ: ﴿ومَكَرُوا مَكْرًا ومَكَرْنا مَكْرًا وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ وقَدِ اخْتَلَفُوا في مَكْرِ اللَّهِ تَعالى عَلى وُجُوهٍ:
أحَدُها: إنَّ مَكْرَ اللَّهِ إهْلاكُهم مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ، شُبِّهَ بِمَكْرِ الماكِرِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ، رُوِيَ أنَّهُ كانَ لِصالِحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ مَسْجِدٌ في الحِجْرِ في شِعْبٍ يُصَلِّي فِيهِ، فَقالُوا: زَعَمَ صالِحٌ أنَّهُ يَفْرَغُ مِنّا إلى ثَلاثٍ، فَنَحْنُ نَفْرَغُ مِنهُ، ومِن أهْلِهِ قَبْلَ الثَّلاثِ، فَخَرَجُوا إلى الشِّعْبِ، وقالُوا: إذا جاءَ يُصَلِّي قَتَلْناهُ، ثُمَّ رَجَعْنا إلى أهْلِهِ فَقَتَلْناهم، فَبَعَثَ اللَّهُ تَعالى صَخْرَةً فَطَبِقَتِ الصَّخْرَةُ عَلَيْهِمْ فَمَ الشِّعْبِ، فَهَلَكُوا وهَلَكَ الباقُونَ بِالصَّيْحَةِ.
وثانِيها: جاءُوا بِاللَّيْلِ شاهِرِينَ سُيُوفَهم، وقَدْ أرْسَلَ اللَّهُ تَعالى المَلائِكَةَ مِلْءَ دارِ صالِحٍ فَدَمَغُوهم بِالحِجارَةِ، يَرَوْنَ الأحْجارَ ولا يَرَوْنَ رامِيًا.
وثالِثُها: أنَّ اللَّهَ تَعالى أخْبَرَ صالِحًا بِمَكْرِهِمْ فَتَحَرَّزَ عَنْهم فَذاكَ مَكْرُ اللَّهِ تَعالى في حَقِّهِمْ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿أنّا دَمَّرْناهُمْ﴾ اسْتِئْنافٌ، ومَن قَرَأ بِالفَتْحِ رَفَعَهُ بَدَلًا مِنَ العاقِبَةِ، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: هي تُدَمِّرُهم، أوْ نَصَبَهُ عَلى مَعْنى لِأنّا، أوْ عَلى أنَّهُ خَبَرُ كانَ، أيْ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمُ الدَّمارَ.
صفحة ١٧٥
أمّا قَوْلُهُ: ﴿خاوِيَةً﴾ فَهو حالٌ عَمِلَ فِيها ما دَلَّ عَلَيْهِ تِلْكَ، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ (خاوِيَةٌ) بِالرَّفْعِ عَلى خَبَرِ المُبْتَدَأِ المَحْذُوفِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
القِصَّةُ الرّابِعَةُ قِصَّةُ لُوطٍ عَلَيْهِ الُسَّلامُ ﴿ولُوطًا إذْ قالَ لِقَوْمِهِ أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ وأنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ ﴿أئِنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِن دُونِ النِّساءِ بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلّا أنْ قالُوا أخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِن قَرْيَتِكم إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ ﴿فَأنْجَيْناهُ وأهْلَهُ إلّا امْرَأتَهُ قَدَّرْناها مِنَ الغابِرِينَ﴾ ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَساءَ مَطَرُ المُنْذَرِينَ﴾ ﴿قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى آللَّهُ خَيْرٌ أم مّا يُشْرِكُونَ﴾ ﴿أمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وأنْزَلَ لَكم مِنَ السَّماءِ ماءً فَأنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ ما كانَ لَكم أنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هم قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولُوطًا إذْ قالَ لِقَوْمِهِ أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ وأنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ ﴿أئِنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِن دُونِ النِّساءِ بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلّا أنْ قالُوا أخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِن قَرْيَتِكم إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ ﴿فَأنْجَيْناهُ وأهْلَهُ إلّا امْرَأتَهُ قَدَّرْناها مِنَ الغابِرِينَ﴾ ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَساءَ مَطَرُ المُنْذَرِينَ﴾
قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: واذْكُرْ لُوطًا، أوْ أرْسَلَنا لُوطًا بِدَلالَةِ: ولَقَدْ أرْسَلْنا عَلَيْهِ، وإذْ بَدَلٌ عَلى الأوَّلِ، ظَرْفٌ عَلى الثّانِي.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ﴾ فَهو عَلى وجْهِ التَّنْكِيرِ، وإنْ كانَ بِلَفْظِ الِاسْتِفْهامِ، ورُبَّما كانَ التَّوْبِيخُ بِمِثْلِ هَذا اللَّفْظِ أبْلَغَ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وأنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّهم كانُوا لا يَتَحاشَوْنَ مِن إظْهارِ ذَلِكَ عَلى وجْهِ الخَلاعَةِ، ولا يَتَكاتَمُونَ، وذَلِكَ أحَدُ ما لِأجْلِهِ عَظُمَ ذَلِكَ الفِعْلُ مِنهم، فَذَكَرَ في تَوْبِيخِهِ لَهم ما لَهُ عَظُمَ ذَلِكَ الفِعْلُ.
وثانِيها: أنَّ المُرادَ بَصَرُ القَلْبِ أيْ تَعْلَمُونَ أنَّها فاحِشَةٌ لَمْ تُسْبَقُوا إلَيْها، وأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَخْلُقِ الذَّكَرَ لِلذَّكَرِ، فَهي مُضادَّةٌ لِلَّهِ في حِكْمَتِهِ.
وثالِثُها: تُبْصِرُونَ آثارَ العُصاةِ قَبْلَكم وما نَزَلَ بِهِمْ، فَإنْ قُلْتَ: فَسَّرْتَ تُبْصِرُونَ بِالعِلْمِ وبَعْدَهُ ﴿بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ فَكَيْفَ يَكُونُونَ عُلَماءَ وجُهَلاءَ ؟ قُلْتُ: أرادَ تَفْعَلُونَ فِعْلَ الجاهِلِينَ بِأنَّها فاحِشَةٌ مَعَ عِلْمِكم بِذَلِكَ، أوْ تَجْهَلُونَ العاقِبَةَ أوْ أرادَ بِالجَهْلِ السَّفاهَةَ والمَجانَةَ الَّتِي كانُوا عَلَيْها، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ جَهْلَهم بِأنْ حَكى عَنْهم أنَّهم أجابُوا عَنْ هَذا الكَلامِ بِما لا يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ جَوابًا لَهُ فَقالَ:
صفحة ١٧٦
﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلّا أنْ قالُوا أخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِن قَرْيَتِكم إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ فَجَعَلُوا الَّذِي لِأجْلِهِ يُخْرَجُونَ أنَّهم يَتَطَهَّرُونَ مِن هَذا الصَّنِيعِ الفاحِشِ، وهَذا يُوجِبُ تَنْعِيمَهم وتَعْظِيمَهم أوْلى، لَكِنْ في المُفَسِّرِينَ مَن قالَ: إنَّما قالُوا ذَلِكَ عَلى وجْهِ الهُزُءِ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ نَجّاهُ وأهْلَهُ إلّا امْرَأتَهُ وأهْلَكَ الباقِينَ، وقَدْ تَقَدَّمَ كُلُّ ذَلِكَ مَشْرُوحًا، واللَّهُ أعْلَمُ. وهَهُنا آخِرُ القَصَصِ في هَذِهِ السُّورَةِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
القَوْلُ في خِطابِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ مَعَ مُحَمَّدٍ ﷺ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى آللَّهُ خَيْرٌ أمْ ما يُشْرِكُونَ﴾
فِي هَذِهِ الآيَةِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِما قَبْلَهُ مِنَ القَصَصِ، والمَعْنى: الحَمْدُ لِلَّهِ عَلى إهْلاكِهِمْ، وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى بِأنْ أرْسَلَهم ونَجّاهُمُ.
الثّانِي: أنَّهُ مُبْتَدَأٌ، فَإنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أحْوالَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وكانَ مُحَمَّدٌ ﷺ كالمُخالِفِ لِمَن قَبْلَهُ في أمْرِ العَذابِ؛ لِأنَّ عَذابَ الِاسْتِئْصالِ مُرْتَفِعٌ عَنْ قَوْمِهِ، أمَرَهُ تَعالى بِأنْ يَشْكُرَ رَبَّهُ عَلى ما خَصَّهُ بِهَذِهِ النِّعَمِ، وبِأنْ يُسَلِّمَ عَلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ الَّذِينَ صَبَرُوا عَلى مَشاقِّ الرِّسالَةِ.
فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أمْ ما يُشْرِكُونَ﴾ فَهو تَبْكِيتٌ لِلْمُشْرِكِينَ وتَهَكُّمٌ بِحالِهِمْ، وذَلِكَ: أنَّهم آثَرُوا عِبادَةَ الأصْنامِ عَلى عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى، ولا يُؤْثِرُ عاقِلٌ شَيْئًا عَلى شَيْءٍ إلّا لِزِيادَةِ خَيْرٍ ومَنفَعَةٍ، فَقِيلَ لَهم هَذا الكَلامُ تَنْبِيهًا عَلى نِهايَةِ ضَلالِهِمْ وجَهْلِهِمْ. وقُرِئَ (يُشْرِكُونَ) بِالياءِ والتّاءِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ كانَ إذا قَرَأها قالَ: ”«بَلِ اللَّهُ خَيْرٌ وأبْقى وأجَلُّ وأكْرَمُ» “ .
ثُمَّ اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى تَكَلَّمَ بَعْدَ ذَلِكَ في عِدَّةِ فُصُولٍ:
الفَصْلُ الأوَّلُ: في الرَّدِّ عَلى عَبَدَةِ الأوْثانِ، ومَدارُ هَذا الفَصْلِ عَلى بَيانِ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى هو الخالِقُ لِأُصُولِ النِّعَمِ وفُرُوعِها، فَكَيْفَ تَحْسُنُ عِبادَةُ ما لا مَنفَعَةَ مِنهُ البَتَّةَ ؟ ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى ذَكَرَ أنْواعًا:
النمل 27:57
صفحة ١٧٣
القِصَّةُ الثّالِثَةُ: قِصَّةُ صالِحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ
﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا إلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإذا هم فَرِيقانِ يَخْتَصِمُونَ﴾ ﴿قالَ يا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ ﴿قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ وبِمَن مَعَكَ قالَ طائِرُكم عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ ﴿وكانَ في المَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يُصْلِحُونَ﴾ ﴿قالُوا تَقاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وأهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أهْلِهِ وإنّا لَصادِقُونَ﴾ ﴿ومَكَرُوا مَكْرًا ومَكَرْنا مَكْرًا وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أنّا دَمَّرْناهم وقَوْمَهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهم خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ ﴿وأنْجَيْنا الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا إلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإذا هم فَرِيقانِ يَخْتَصِمُونَ﴾ ﴿قالَ ياقَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ ﴿قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ وبِمَن مَعَكَ قالَ طائِرُكم عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ ﴿وكانَ في المَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يُصْلِحُونَ﴾ ﴿قالُوا تَقاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وأهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أهْلِهِ وإنّا لَصادِقُونَ﴾ ﴿ومَكَرُوا مَكْرًا ومَكَرْنا مَكْرًا وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أنّا دَمَّرْناهم وقَوْمَهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهم خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ ﴿وأنْجَيْنا الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾
قُرِئَ (أنُ اعْبُدُوا اللَّهَ ) بِالضَّمِّ عَلى اتْباعِ النُّونِ الباءَ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَإذا هم فَرِيقانِ﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: المُرادُ فَرِيقٌ مُؤْمِنٌ وفَرِيقٌ كافِرٌ.
الثّانِي: المُرادُ قَوْمُ صالِحٍ قَبْلَ أنْ يُؤْمِنَ مِنهم أحَدٌ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿يَخْتَصِمُونَ﴾ فالمَعْنى: إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما آمَنُوا لِأنَّهم نَظَرُوا في حُجَّتِهِ فَعَرَفُوا صِحَّتَها، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَلا بُدَّ وأنْ يَكُونَ خَصْمًا لِمَن لَمْ يَقْبَلْها، وإذا كانَ هَذا الِاخْتِصامُ في بابِ الدِّينِ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ الجِدالَ في بابِ الدِّينِ حَقٌّ وفِيهِ إبْطالُ التَّقْلِيدِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿قالَ ياقَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ﴾ فَفِيهِ بَحْثانِ:
الأوَّلُ: في تَفْسِيرِ اسْتِعْجالِ السَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: إنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا صالِحًا عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا لَمْ يَنْفَعْهُمُ الحِجاجُ تَوَعَّدَهم صالِحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالعَذابِ، فَقالُوا: ﴿ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ (العَنْكَبُوتِ: ٢٩) عَلى وجْهِ الِاسْتِهْزاءِ، فَعِنْدَهُ قالَ صالِحٌ: ﴿لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ﴾ والمُرادُ أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ مَكَّنَكم مِنَ التَّوَصُّلِ إلى رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى وثَوابِهِ، فَلِماذا تَعْدِلُونَ عَنْهُ إلى اسْتِعْجالِ عَذابِهِ ؟
وثانِيهِما: إنَّهم كانُوا يَقُولُونَ لِجَهْلِهِمْ: إنَّ العُقُوبَةَ الَّتِي يَعِدُها صالِحٌ إنْ وقَعَتْ عَلى زَعْمِهِ أتَيْنا حِينَئِذٍ واسْتَغْفَرْنا، فَحِينَئِذٍ يَقْبَلُ اللَّهُ تَوْبَتَنا ويَدْفَعُ العَذابَ عَنّا، فَخاطَبَهم صالَحٌ عَلى حَسَبِ اعْتِقادِهِمْ، وقالَ: هَلّا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ قَبْلَ نُزُولِ العَذابِ فَإنَّ اسْتِعْجالَ الخَيْرِ أوْلى مِنَ اسْتِعْجالِ الشَّرِّ.
صفحة ١٧٤
البَحْثُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِالسَّيِّئَةِ العِقابُ وبِالحَسَنَةِ الثَّوابُ، فَأمّا وصْفُ العَذابِ بِأنَّهُ سَيِّئَةٌ فَهو مَجازٌ وسَبَبُ هَذا التَّجْوِيزِ، إمّا لِأنَّ العِقابَ مِن لَوازِمِهِ أوْ لِأنَّهُ يُشْبِهُهُ في كَوْنِهِ مَكْرُوهًا، وأمّا وصْفُ الرَّحْمَةِ بِأنَّها حَسَنَةٌ فَمِنهم مَن قالَ: إنَّهُ حَقِيقَةٌ، ومِنهم مَن قالَ: إنَّهُ مَجازٌ والأوَّلُ أقْرَبُ، ثُمَّ إنَّ صالِحًا عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا قَرَّرَ هَذا الكَلامَ الحَقَّ أجابُوهُ بِكَلامٍ فاسِدٍ، وهو قَوْلُهم: ﴿اطَّيَّرْنا بِكَ﴾ أيْ تَشاءَمْنا بِكَ؛ لِأنَّ الَّذِي يُصِيبُنا مِن شِدَّةٍ وقَحْطٍ فَهو بِشُؤْمِكَ وبِشُؤْمِ مَن مَعَكَ.
قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: كانَ الرَّجُلُ يَخْرُجُ مُسافِرًا فَيَمُرُّ بِطائِرٍ فَيَزْجُرُهُ، فَإنْ مَرَّ سانِحًا تَيَمَّنَ، وإنْ مَرَّ بارِحًا تَشاءَمَ، فَلَمّا نَسَبُوا الخَيْرَ والشَّرَّ إلى الطّائِرِ اسْتُعِيرَ لِما كانَ لِلْخَيْرِ والشَّرِّ وهو قَدَرُ اللَّهِ وقِسْمَتُهُ، فَأجابَ صالِحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَوْلِهِ: ﴿طائِرُكم عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيِ السَّبَبُ الَّذِي مِنهُ يَجِيءُ خَيْرُكم وشَرُّكم عِنْدَ اللَّهِ، وهو قَضاؤُهُ وقَدَرُهُ، إنْ شاءَ رَزَقَكم وإنْ شاءَ حَرَمَكم. وقِيلَ: بَلِ المُرادُ إنَّ جَزاءَ الطِّيَرَةِ مِنكم عِنْدَ اللَّهِ وهو العِقابُ، والأقْرَبُ الوجه الأوَّلُ؛ لِأنَّ القَوْمَ أشارُوا إلى الأمْرِ الحاصِلِ فَيَجِبُ في جَوابِهِ أنْ يَكُونَ فِيهِ لا في غَيْرِهِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ هَذا جَهْلٌ مِنهم بِقَوْلِهِ: ﴿بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ فَيُحْتَمَلُ أنَّ غَيْرَهم دَعاهم إلى هَذا القَوْلِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّ الشَّيْطانَ يَفْتِنُكم بِوَسْوَسَتِهِ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ: ﴿وكانَ في المَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ﴾ والأقْرَبُ أنْ يَكُونَ المُرادُ تِسْعَةَ جَمْعٍ؛ إذِ الظّاهِرُ مِنَ الرَّهْطِ الجَماعَةُ لا الواحِدُ، ثُمَّ يُحْتَمَلُ أنَّهم كانُوا قَبائِلَ، ويُحْتَمَلُ أنَّهم دَخَلُوا تَحْتَ العَدَدِ لِاخْتِلافِ صِفَتِهِمْ وأحْوالِهِمْ لا لِاخْتِلافِ السَّبَبِ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهم يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يَمْزِجُونَ ذَلِكَ الفَسادَ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّلاحِ، فَلِهَذا قالَ: ﴿يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يُصْلِحُونَ﴾ ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ مِن جُمْلَةِ ذَلِكَ ما هَمُّوا بِهِ مِن أمْرِ صالِحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿تَقاسَمُوا بِاللَّهِ﴾ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ أمْرًا أوْ خَبَرًا في مَحَلِّ الحالِ بِإضْمارِ قَدْ، أيْ قالُوا مُتَقاسِمِينَ، والبَياتُ مُتابَعَةُ العَدُوِّ لَيْلًا.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أهْلِهِ﴾ يَعْنِي لَوِ اتَّهَمَنا قَوْمُهُ حَلَفْنا لَهم أنّا لَمْ نَحْضُرْ. وقُرِئَ (مَهْلَكَ) بِفَتْحِ المِيمِ واللّامِ وكَسْرِها مِن هَلَكَ، ومُهْلَكٌ بِضَمِّ المِيمِ مِن أهْلَكَ، ويُحْتَمَلُ المَصْدَرُ والمَكانُ والزَّمانُ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ: ﴿ومَكَرُوا مَكْرًا ومَكَرْنا مَكْرًا وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ وقَدِ اخْتَلَفُوا في مَكْرِ اللَّهِ تَعالى عَلى وُجُوهٍ:
أحَدُها: إنَّ مَكْرَ اللَّهِ إهْلاكُهم مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ، شُبِّهَ بِمَكْرِ الماكِرِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ، رُوِيَ أنَّهُ كانَ لِصالِحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ مَسْجِدٌ في الحِجْرِ في شِعْبٍ يُصَلِّي فِيهِ، فَقالُوا: زَعَمَ صالِحٌ أنَّهُ يَفْرَغُ مِنّا إلى ثَلاثٍ، فَنَحْنُ نَفْرَغُ مِنهُ، ومِن أهْلِهِ قَبْلَ الثَّلاثِ، فَخَرَجُوا إلى الشِّعْبِ، وقالُوا: إذا جاءَ يُصَلِّي قَتَلْناهُ، ثُمَّ رَجَعْنا إلى أهْلِهِ فَقَتَلْناهم، فَبَعَثَ اللَّهُ تَعالى صَخْرَةً فَطَبِقَتِ الصَّخْرَةُ عَلَيْهِمْ فَمَ الشِّعْبِ، فَهَلَكُوا وهَلَكَ الباقُونَ بِالصَّيْحَةِ.
وثانِيها: جاءُوا بِاللَّيْلِ شاهِرِينَ سُيُوفَهم، وقَدْ أرْسَلَ اللَّهُ تَعالى المَلائِكَةَ مِلْءَ دارِ صالِحٍ فَدَمَغُوهم بِالحِجارَةِ، يَرَوْنَ الأحْجارَ ولا يَرَوْنَ رامِيًا.
وثالِثُها: أنَّ اللَّهَ تَعالى أخْبَرَ صالِحًا بِمَكْرِهِمْ فَتَحَرَّزَ عَنْهم فَذاكَ مَكْرُ اللَّهِ تَعالى في حَقِّهِمْ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿أنّا دَمَّرْناهُمْ﴾ اسْتِئْنافٌ، ومَن قَرَأ بِالفَتْحِ رَفَعَهُ بَدَلًا مِنَ العاقِبَةِ، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: هي تُدَمِّرُهم، أوْ نَصَبَهُ عَلى مَعْنى لِأنّا، أوْ عَلى أنَّهُ خَبَرُ كانَ، أيْ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمُ الدَّمارَ.
صفحة ١٧٥
أمّا قَوْلُهُ: ﴿خاوِيَةً﴾ فَهو حالٌ عَمِلَ فِيها ما دَلَّ عَلَيْهِ تِلْكَ، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ (خاوِيَةٌ) بِالرَّفْعِ عَلى خَبَرِ المُبْتَدَأِ المَحْذُوفِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
القِصَّةُ الرّابِعَةُ قِصَّةُ لُوطٍ عَلَيْهِ الُسَّلامُ ﴿ولُوطًا إذْ قالَ لِقَوْمِهِ أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ وأنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ ﴿أئِنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِن دُونِ النِّساءِ بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلّا أنْ قالُوا أخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِن قَرْيَتِكم إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ ﴿فَأنْجَيْناهُ وأهْلَهُ إلّا امْرَأتَهُ قَدَّرْناها مِنَ الغابِرِينَ﴾ ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَساءَ مَطَرُ المُنْذَرِينَ﴾ ﴿قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى آللَّهُ خَيْرٌ أم مّا يُشْرِكُونَ﴾ ﴿أمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وأنْزَلَ لَكم مِنَ السَّماءِ ماءً فَأنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ ما كانَ لَكم أنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هم قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولُوطًا إذْ قالَ لِقَوْمِهِ أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ وأنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ ﴿أئِنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِن دُونِ النِّساءِ بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلّا أنْ قالُوا أخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِن قَرْيَتِكم إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ ﴿فَأنْجَيْناهُ وأهْلَهُ إلّا امْرَأتَهُ قَدَّرْناها مِنَ الغابِرِينَ﴾ ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَساءَ مَطَرُ المُنْذَرِينَ﴾
قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: واذْكُرْ لُوطًا، أوْ أرْسَلَنا لُوطًا بِدَلالَةِ: ولَقَدْ أرْسَلْنا عَلَيْهِ، وإذْ بَدَلٌ عَلى الأوَّلِ، ظَرْفٌ عَلى الثّانِي.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ﴾ فَهو عَلى وجْهِ التَّنْكِيرِ، وإنْ كانَ بِلَفْظِ الِاسْتِفْهامِ، ورُبَّما كانَ التَّوْبِيخُ بِمِثْلِ هَذا اللَّفْظِ أبْلَغَ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وأنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّهم كانُوا لا يَتَحاشَوْنَ مِن إظْهارِ ذَلِكَ عَلى وجْهِ الخَلاعَةِ، ولا يَتَكاتَمُونَ، وذَلِكَ أحَدُ ما لِأجْلِهِ عَظُمَ ذَلِكَ الفِعْلُ مِنهم، فَذَكَرَ في تَوْبِيخِهِ لَهم ما لَهُ عَظُمَ ذَلِكَ الفِعْلُ.
وثانِيها: أنَّ المُرادَ بَصَرُ القَلْبِ أيْ تَعْلَمُونَ أنَّها فاحِشَةٌ لَمْ تُسْبَقُوا إلَيْها، وأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَخْلُقِ الذَّكَرَ لِلذَّكَرِ، فَهي مُضادَّةٌ لِلَّهِ في حِكْمَتِهِ.
وثالِثُها: تُبْصِرُونَ آثارَ العُصاةِ قَبْلَكم وما نَزَلَ بِهِمْ، فَإنْ قُلْتَ: فَسَّرْتَ تُبْصِرُونَ بِالعِلْمِ وبَعْدَهُ ﴿بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ فَكَيْفَ يَكُونُونَ عُلَماءَ وجُهَلاءَ ؟ قُلْتُ: أرادَ تَفْعَلُونَ فِعْلَ الجاهِلِينَ بِأنَّها فاحِشَةٌ مَعَ عِلْمِكم بِذَلِكَ، أوْ تَجْهَلُونَ العاقِبَةَ أوْ أرادَ بِالجَهْلِ السَّفاهَةَ والمَجانَةَ الَّتِي كانُوا عَلَيْها، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ جَهْلَهم بِأنْ حَكى عَنْهم أنَّهم أجابُوا عَنْ هَذا الكَلامِ بِما لا يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ جَوابًا لَهُ فَقالَ:
صفحة ١٧٦
﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلّا أنْ قالُوا أخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِن قَرْيَتِكم إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ فَجَعَلُوا الَّذِي لِأجْلِهِ يُخْرَجُونَ أنَّهم يَتَطَهَّرُونَ مِن هَذا الصَّنِيعِ الفاحِشِ، وهَذا يُوجِبُ تَنْعِيمَهم وتَعْظِيمَهم أوْلى، لَكِنْ في المُفَسِّرِينَ مَن قالَ: إنَّما قالُوا ذَلِكَ عَلى وجْهِ الهُزُءِ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ نَجّاهُ وأهْلَهُ إلّا امْرَأتَهُ وأهْلَكَ الباقِينَ، وقَدْ تَقَدَّمَ كُلُّ ذَلِكَ مَشْرُوحًا، واللَّهُ أعْلَمُ. وهَهُنا آخِرُ القَصَصِ في هَذِهِ السُّورَةِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
القَوْلُ في خِطابِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ مَعَ مُحَمَّدٍ ﷺ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى آللَّهُ خَيْرٌ أمْ ما يُشْرِكُونَ﴾
فِي هَذِهِ الآيَةِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِما قَبْلَهُ مِنَ القَصَصِ، والمَعْنى: الحَمْدُ لِلَّهِ عَلى إهْلاكِهِمْ، وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى بِأنْ أرْسَلَهم ونَجّاهُمُ.
الثّانِي: أنَّهُ مُبْتَدَأٌ، فَإنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أحْوالَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وكانَ مُحَمَّدٌ ﷺ كالمُخالِفِ لِمَن قَبْلَهُ في أمْرِ العَذابِ؛ لِأنَّ عَذابَ الِاسْتِئْصالِ مُرْتَفِعٌ عَنْ قَوْمِهِ، أمَرَهُ تَعالى بِأنْ يَشْكُرَ رَبَّهُ عَلى ما خَصَّهُ بِهَذِهِ النِّعَمِ، وبِأنْ يُسَلِّمَ عَلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ الَّذِينَ صَبَرُوا عَلى مَشاقِّ الرِّسالَةِ.
فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أمْ ما يُشْرِكُونَ﴾ فَهو تَبْكِيتٌ لِلْمُشْرِكِينَ وتَهَكُّمٌ بِحالِهِمْ، وذَلِكَ: أنَّهم آثَرُوا عِبادَةَ الأصْنامِ عَلى عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى، ولا يُؤْثِرُ عاقِلٌ شَيْئًا عَلى شَيْءٍ إلّا لِزِيادَةِ خَيْرٍ ومَنفَعَةٍ، فَقِيلَ لَهم هَذا الكَلامُ تَنْبِيهًا عَلى نِهايَةِ ضَلالِهِمْ وجَهْلِهِمْ. وقُرِئَ (يُشْرِكُونَ) بِالياءِ والتّاءِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ كانَ إذا قَرَأها قالَ: ”«بَلِ اللَّهُ خَيْرٌ وأبْقى وأجَلُّ وأكْرَمُ» “ .
ثُمَّ اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى تَكَلَّمَ بَعْدَ ذَلِكَ في عِدَّةِ فُصُولٍ:
الفَصْلُ الأوَّلُ: في الرَّدِّ عَلى عَبَدَةِ الأوْثانِ، ومَدارُ هَذا الفَصْلِ عَلى بَيانِ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى هو الخالِقُ لِأُصُولِ النِّعَمِ وفُرُوعِها، فَكَيْفَ تَحْسُنُ عِبادَةُ ما لا مَنفَعَةَ مِنهُ البَتَّةَ ؟ ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى ذَكَرَ أنْواعًا:
النمل 27:58
صفحة ١٧٣
القِصَّةُ الثّالِثَةُ: قِصَّةُ صالِحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ
﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا إلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإذا هم فَرِيقانِ يَخْتَصِمُونَ﴾ ﴿قالَ يا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ ﴿قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ وبِمَن مَعَكَ قالَ طائِرُكم عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ ﴿وكانَ في المَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يُصْلِحُونَ﴾ ﴿قالُوا تَقاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وأهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أهْلِهِ وإنّا لَصادِقُونَ﴾ ﴿ومَكَرُوا مَكْرًا ومَكَرْنا مَكْرًا وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أنّا دَمَّرْناهم وقَوْمَهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهم خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ ﴿وأنْجَيْنا الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا إلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإذا هم فَرِيقانِ يَخْتَصِمُونَ﴾ ﴿قالَ ياقَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ ﴿قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ وبِمَن مَعَكَ قالَ طائِرُكم عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ ﴿وكانَ في المَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يُصْلِحُونَ﴾ ﴿قالُوا تَقاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وأهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أهْلِهِ وإنّا لَصادِقُونَ﴾ ﴿ومَكَرُوا مَكْرًا ومَكَرْنا مَكْرًا وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أنّا دَمَّرْناهم وقَوْمَهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهم خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ ﴿وأنْجَيْنا الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾
قُرِئَ (أنُ اعْبُدُوا اللَّهَ ) بِالضَّمِّ عَلى اتْباعِ النُّونِ الباءَ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَإذا هم فَرِيقانِ﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: المُرادُ فَرِيقٌ مُؤْمِنٌ وفَرِيقٌ كافِرٌ.
الثّانِي: المُرادُ قَوْمُ صالِحٍ قَبْلَ أنْ يُؤْمِنَ مِنهم أحَدٌ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿يَخْتَصِمُونَ﴾ فالمَعْنى: إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما آمَنُوا لِأنَّهم نَظَرُوا في حُجَّتِهِ فَعَرَفُوا صِحَّتَها، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَلا بُدَّ وأنْ يَكُونَ خَصْمًا لِمَن لَمْ يَقْبَلْها، وإذا كانَ هَذا الِاخْتِصامُ في بابِ الدِّينِ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ الجِدالَ في بابِ الدِّينِ حَقٌّ وفِيهِ إبْطالُ التَّقْلِيدِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿قالَ ياقَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ﴾ فَفِيهِ بَحْثانِ:
الأوَّلُ: في تَفْسِيرِ اسْتِعْجالِ السَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: إنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا صالِحًا عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا لَمْ يَنْفَعْهُمُ الحِجاجُ تَوَعَّدَهم صالِحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالعَذابِ، فَقالُوا: ﴿ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ (العَنْكَبُوتِ: ٢٩) عَلى وجْهِ الِاسْتِهْزاءِ، فَعِنْدَهُ قالَ صالِحٌ: ﴿لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ﴾ والمُرادُ أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ مَكَّنَكم مِنَ التَّوَصُّلِ إلى رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى وثَوابِهِ، فَلِماذا تَعْدِلُونَ عَنْهُ إلى اسْتِعْجالِ عَذابِهِ ؟
وثانِيهِما: إنَّهم كانُوا يَقُولُونَ لِجَهْلِهِمْ: إنَّ العُقُوبَةَ الَّتِي يَعِدُها صالِحٌ إنْ وقَعَتْ عَلى زَعْمِهِ أتَيْنا حِينَئِذٍ واسْتَغْفَرْنا، فَحِينَئِذٍ يَقْبَلُ اللَّهُ تَوْبَتَنا ويَدْفَعُ العَذابَ عَنّا، فَخاطَبَهم صالَحٌ عَلى حَسَبِ اعْتِقادِهِمْ، وقالَ: هَلّا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ قَبْلَ نُزُولِ العَذابِ فَإنَّ اسْتِعْجالَ الخَيْرِ أوْلى مِنَ اسْتِعْجالِ الشَّرِّ.
صفحة ١٧٤
البَحْثُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِالسَّيِّئَةِ العِقابُ وبِالحَسَنَةِ الثَّوابُ، فَأمّا وصْفُ العَذابِ بِأنَّهُ سَيِّئَةٌ فَهو مَجازٌ وسَبَبُ هَذا التَّجْوِيزِ، إمّا لِأنَّ العِقابَ مِن لَوازِمِهِ أوْ لِأنَّهُ يُشْبِهُهُ في كَوْنِهِ مَكْرُوهًا، وأمّا وصْفُ الرَّحْمَةِ بِأنَّها حَسَنَةٌ فَمِنهم مَن قالَ: إنَّهُ حَقِيقَةٌ، ومِنهم مَن قالَ: إنَّهُ مَجازٌ والأوَّلُ أقْرَبُ، ثُمَّ إنَّ صالِحًا عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا قَرَّرَ هَذا الكَلامَ الحَقَّ أجابُوهُ بِكَلامٍ فاسِدٍ، وهو قَوْلُهم: ﴿اطَّيَّرْنا بِكَ﴾ أيْ تَشاءَمْنا بِكَ؛ لِأنَّ الَّذِي يُصِيبُنا مِن شِدَّةٍ وقَحْطٍ فَهو بِشُؤْمِكَ وبِشُؤْمِ مَن مَعَكَ.
قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: كانَ الرَّجُلُ يَخْرُجُ مُسافِرًا فَيَمُرُّ بِطائِرٍ فَيَزْجُرُهُ، فَإنْ مَرَّ سانِحًا تَيَمَّنَ، وإنْ مَرَّ بارِحًا تَشاءَمَ، فَلَمّا نَسَبُوا الخَيْرَ والشَّرَّ إلى الطّائِرِ اسْتُعِيرَ لِما كانَ لِلْخَيْرِ والشَّرِّ وهو قَدَرُ اللَّهِ وقِسْمَتُهُ، فَأجابَ صالِحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَوْلِهِ: ﴿طائِرُكم عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيِ السَّبَبُ الَّذِي مِنهُ يَجِيءُ خَيْرُكم وشَرُّكم عِنْدَ اللَّهِ، وهو قَضاؤُهُ وقَدَرُهُ، إنْ شاءَ رَزَقَكم وإنْ شاءَ حَرَمَكم. وقِيلَ: بَلِ المُرادُ إنَّ جَزاءَ الطِّيَرَةِ مِنكم عِنْدَ اللَّهِ وهو العِقابُ، والأقْرَبُ الوجه الأوَّلُ؛ لِأنَّ القَوْمَ أشارُوا إلى الأمْرِ الحاصِلِ فَيَجِبُ في جَوابِهِ أنْ يَكُونَ فِيهِ لا في غَيْرِهِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ هَذا جَهْلٌ مِنهم بِقَوْلِهِ: ﴿بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ فَيُحْتَمَلُ أنَّ غَيْرَهم دَعاهم إلى هَذا القَوْلِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّ الشَّيْطانَ يَفْتِنُكم بِوَسْوَسَتِهِ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ: ﴿وكانَ في المَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ﴾ والأقْرَبُ أنْ يَكُونَ المُرادُ تِسْعَةَ جَمْعٍ؛ إذِ الظّاهِرُ مِنَ الرَّهْطِ الجَماعَةُ لا الواحِدُ، ثُمَّ يُحْتَمَلُ أنَّهم كانُوا قَبائِلَ، ويُحْتَمَلُ أنَّهم دَخَلُوا تَحْتَ العَدَدِ لِاخْتِلافِ صِفَتِهِمْ وأحْوالِهِمْ لا لِاخْتِلافِ السَّبَبِ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهم يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يَمْزِجُونَ ذَلِكَ الفَسادَ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّلاحِ، فَلِهَذا قالَ: ﴿يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يُصْلِحُونَ﴾ ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ مِن جُمْلَةِ ذَلِكَ ما هَمُّوا بِهِ مِن أمْرِ صالِحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿تَقاسَمُوا بِاللَّهِ﴾ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ أمْرًا أوْ خَبَرًا في مَحَلِّ الحالِ بِإضْمارِ قَدْ، أيْ قالُوا مُتَقاسِمِينَ، والبَياتُ مُتابَعَةُ العَدُوِّ لَيْلًا.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أهْلِهِ﴾ يَعْنِي لَوِ اتَّهَمَنا قَوْمُهُ حَلَفْنا لَهم أنّا لَمْ نَحْضُرْ. وقُرِئَ (مَهْلَكَ) بِفَتْحِ المِيمِ واللّامِ وكَسْرِها مِن هَلَكَ، ومُهْلَكٌ بِضَمِّ المِيمِ مِن أهْلَكَ، ويُحْتَمَلُ المَصْدَرُ والمَكانُ والزَّمانُ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ: ﴿ومَكَرُوا مَكْرًا ومَكَرْنا مَكْرًا وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ وقَدِ اخْتَلَفُوا في مَكْرِ اللَّهِ تَعالى عَلى وُجُوهٍ:
أحَدُها: إنَّ مَكْرَ اللَّهِ إهْلاكُهم مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ، شُبِّهَ بِمَكْرِ الماكِرِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ، رُوِيَ أنَّهُ كانَ لِصالِحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ مَسْجِدٌ في الحِجْرِ في شِعْبٍ يُصَلِّي فِيهِ، فَقالُوا: زَعَمَ صالِحٌ أنَّهُ يَفْرَغُ مِنّا إلى ثَلاثٍ، فَنَحْنُ نَفْرَغُ مِنهُ، ومِن أهْلِهِ قَبْلَ الثَّلاثِ، فَخَرَجُوا إلى الشِّعْبِ، وقالُوا: إذا جاءَ يُصَلِّي قَتَلْناهُ، ثُمَّ رَجَعْنا إلى أهْلِهِ فَقَتَلْناهم، فَبَعَثَ اللَّهُ تَعالى صَخْرَةً فَطَبِقَتِ الصَّخْرَةُ عَلَيْهِمْ فَمَ الشِّعْبِ، فَهَلَكُوا وهَلَكَ الباقُونَ بِالصَّيْحَةِ.
وثانِيها: جاءُوا بِاللَّيْلِ شاهِرِينَ سُيُوفَهم، وقَدْ أرْسَلَ اللَّهُ تَعالى المَلائِكَةَ مِلْءَ دارِ صالِحٍ فَدَمَغُوهم بِالحِجارَةِ، يَرَوْنَ الأحْجارَ ولا يَرَوْنَ رامِيًا.
وثالِثُها: أنَّ اللَّهَ تَعالى أخْبَرَ صالِحًا بِمَكْرِهِمْ فَتَحَرَّزَ عَنْهم فَذاكَ مَكْرُ اللَّهِ تَعالى في حَقِّهِمْ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿أنّا دَمَّرْناهُمْ﴾ اسْتِئْنافٌ، ومَن قَرَأ بِالفَتْحِ رَفَعَهُ بَدَلًا مِنَ العاقِبَةِ، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: هي تُدَمِّرُهم، أوْ نَصَبَهُ عَلى مَعْنى لِأنّا، أوْ عَلى أنَّهُ خَبَرُ كانَ، أيْ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمُ الدَّمارَ.
صفحة ١٧٥
أمّا قَوْلُهُ: ﴿خاوِيَةً﴾ فَهو حالٌ عَمِلَ فِيها ما دَلَّ عَلَيْهِ تِلْكَ، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ (خاوِيَةٌ) بِالرَّفْعِ عَلى خَبَرِ المُبْتَدَأِ المَحْذُوفِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
القِصَّةُ الرّابِعَةُ قِصَّةُ لُوطٍ عَلَيْهِ الُسَّلامُ ﴿ولُوطًا إذْ قالَ لِقَوْمِهِ أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ وأنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ ﴿أئِنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِن دُونِ النِّساءِ بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلّا أنْ قالُوا أخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِن قَرْيَتِكم إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ ﴿فَأنْجَيْناهُ وأهْلَهُ إلّا امْرَأتَهُ قَدَّرْناها مِنَ الغابِرِينَ﴾ ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَساءَ مَطَرُ المُنْذَرِينَ﴾ ﴿قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى آللَّهُ خَيْرٌ أم مّا يُشْرِكُونَ﴾ ﴿أمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وأنْزَلَ لَكم مِنَ السَّماءِ ماءً فَأنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ ما كانَ لَكم أنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هم قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولُوطًا إذْ قالَ لِقَوْمِهِ أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ وأنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ ﴿أئِنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِن دُونِ النِّساءِ بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلّا أنْ قالُوا أخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِن قَرْيَتِكم إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ ﴿فَأنْجَيْناهُ وأهْلَهُ إلّا امْرَأتَهُ قَدَّرْناها مِنَ الغابِرِينَ﴾ ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَساءَ مَطَرُ المُنْذَرِينَ﴾
قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: واذْكُرْ لُوطًا، أوْ أرْسَلَنا لُوطًا بِدَلالَةِ: ولَقَدْ أرْسَلْنا عَلَيْهِ، وإذْ بَدَلٌ عَلى الأوَّلِ، ظَرْفٌ عَلى الثّانِي.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ﴾ فَهو عَلى وجْهِ التَّنْكِيرِ، وإنْ كانَ بِلَفْظِ الِاسْتِفْهامِ، ورُبَّما كانَ التَّوْبِيخُ بِمِثْلِ هَذا اللَّفْظِ أبْلَغَ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وأنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّهم كانُوا لا يَتَحاشَوْنَ مِن إظْهارِ ذَلِكَ عَلى وجْهِ الخَلاعَةِ، ولا يَتَكاتَمُونَ، وذَلِكَ أحَدُ ما لِأجْلِهِ عَظُمَ ذَلِكَ الفِعْلُ مِنهم، فَذَكَرَ في تَوْبِيخِهِ لَهم ما لَهُ عَظُمَ ذَلِكَ الفِعْلُ.
وثانِيها: أنَّ المُرادَ بَصَرُ القَلْبِ أيْ تَعْلَمُونَ أنَّها فاحِشَةٌ لَمْ تُسْبَقُوا إلَيْها، وأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَخْلُقِ الذَّكَرَ لِلذَّكَرِ، فَهي مُضادَّةٌ لِلَّهِ في حِكْمَتِهِ.
وثالِثُها: تُبْصِرُونَ آثارَ العُصاةِ قَبْلَكم وما نَزَلَ بِهِمْ، فَإنْ قُلْتَ: فَسَّرْتَ تُبْصِرُونَ بِالعِلْمِ وبَعْدَهُ ﴿بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ فَكَيْفَ يَكُونُونَ عُلَماءَ وجُهَلاءَ ؟ قُلْتُ: أرادَ تَفْعَلُونَ فِعْلَ الجاهِلِينَ بِأنَّها فاحِشَةٌ مَعَ عِلْمِكم بِذَلِكَ، أوْ تَجْهَلُونَ العاقِبَةَ أوْ أرادَ بِالجَهْلِ السَّفاهَةَ والمَجانَةَ الَّتِي كانُوا عَلَيْها، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ جَهْلَهم بِأنْ حَكى عَنْهم أنَّهم أجابُوا عَنْ هَذا الكَلامِ بِما لا يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ جَوابًا لَهُ فَقالَ:
صفحة ١٧٦
﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلّا أنْ قالُوا أخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِن قَرْيَتِكم إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ فَجَعَلُوا الَّذِي لِأجْلِهِ يُخْرَجُونَ أنَّهم يَتَطَهَّرُونَ مِن هَذا الصَّنِيعِ الفاحِشِ، وهَذا يُوجِبُ تَنْعِيمَهم وتَعْظِيمَهم أوْلى، لَكِنْ في المُفَسِّرِينَ مَن قالَ: إنَّما قالُوا ذَلِكَ عَلى وجْهِ الهُزُءِ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ نَجّاهُ وأهْلَهُ إلّا امْرَأتَهُ وأهْلَكَ الباقِينَ، وقَدْ تَقَدَّمَ كُلُّ ذَلِكَ مَشْرُوحًا، واللَّهُ أعْلَمُ. وهَهُنا آخِرُ القَصَصِ في هَذِهِ السُّورَةِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
القَوْلُ في خِطابِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ مَعَ مُحَمَّدٍ ﷺ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى آللَّهُ خَيْرٌ أمْ ما يُشْرِكُونَ﴾
فِي هَذِهِ الآيَةِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِما قَبْلَهُ مِنَ القَصَصِ، والمَعْنى: الحَمْدُ لِلَّهِ عَلى إهْلاكِهِمْ، وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى بِأنْ أرْسَلَهم ونَجّاهُمُ.
الثّانِي: أنَّهُ مُبْتَدَأٌ، فَإنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أحْوالَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وكانَ مُحَمَّدٌ ﷺ كالمُخالِفِ لِمَن قَبْلَهُ في أمْرِ العَذابِ؛ لِأنَّ عَذابَ الِاسْتِئْصالِ مُرْتَفِعٌ عَنْ قَوْمِهِ، أمَرَهُ تَعالى بِأنْ يَشْكُرَ رَبَّهُ عَلى ما خَصَّهُ بِهَذِهِ النِّعَمِ، وبِأنْ يُسَلِّمَ عَلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ الَّذِينَ صَبَرُوا عَلى مَشاقِّ الرِّسالَةِ.
فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أمْ ما يُشْرِكُونَ﴾ فَهو تَبْكِيتٌ لِلْمُشْرِكِينَ وتَهَكُّمٌ بِحالِهِمْ، وذَلِكَ: أنَّهم آثَرُوا عِبادَةَ الأصْنامِ عَلى عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى، ولا يُؤْثِرُ عاقِلٌ شَيْئًا عَلى شَيْءٍ إلّا لِزِيادَةِ خَيْرٍ ومَنفَعَةٍ، فَقِيلَ لَهم هَذا الكَلامُ تَنْبِيهًا عَلى نِهايَةِ ضَلالِهِمْ وجَهْلِهِمْ. وقُرِئَ (يُشْرِكُونَ) بِالياءِ والتّاءِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ كانَ إذا قَرَأها قالَ: ”«بَلِ اللَّهُ خَيْرٌ وأبْقى وأجَلُّ وأكْرَمُ» “ .
ثُمَّ اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى تَكَلَّمَ بَعْدَ ذَلِكَ في عِدَّةِ فُصُولٍ:
الفَصْلُ الأوَّلُ: في الرَّدِّ عَلى عَبَدَةِ الأوْثانِ، ومَدارُ هَذا الفَصْلِ عَلى بَيانِ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى هو الخالِقُ لِأُصُولِ النِّعَمِ وفُرُوعِها، فَكَيْفَ تَحْسُنُ عِبادَةُ ما لا مَنفَعَةَ مِنهُ البَتَّةَ ؟ ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى ذَكَرَ أنْواعًا:
النمل 27:59
صفحة ١٧٣
القِصَّةُ الثّالِثَةُ: قِصَّةُ صالِحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ
﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا إلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإذا هم فَرِيقانِ يَخْتَصِمُونَ﴾ ﴿قالَ يا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ ﴿قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ وبِمَن مَعَكَ قالَ طائِرُكم عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ ﴿وكانَ في المَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يُصْلِحُونَ﴾ ﴿قالُوا تَقاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وأهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أهْلِهِ وإنّا لَصادِقُونَ﴾ ﴿ومَكَرُوا مَكْرًا ومَكَرْنا مَكْرًا وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أنّا دَمَّرْناهم وقَوْمَهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهم خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ ﴿وأنْجَيْنا الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا إلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإذا هم فَرِيقانِ يَخْتَصِمُونَ﴾ ﴿قالَ ياقَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ ﴿قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ وبِمَن مَعَكَ قالَ طائِرُكم عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ ﴿وكانَ في المَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يُصْلِحُونَ﴾ ﴿قالُوا تَقاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وأهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أهْلِهِ وإنّا لَصادِقُونَ﴾ ﴿ومَكَرُوا مَكْرًا ومَكَرْنا مَكْرًا وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أنّا دَمَّرْناهم وقَوْمَهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهم خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ ﴿وأنْجَيْنا الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾
قُرِئَ (أنُ اعْبُدُوا اللَّهَ ) بِالضَّمِّ عَلى اتْباعِ النُّونِ الباءَ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَإذا هم فَرِيقانِ﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: المُرادُ فَرِيقٌ مُؤْمِنٌ وفَرِيقٌ كافِرٌ.
الثّانِي: المُرادُ قَوْمُ صالِحٍ قَبْلَ أنْ يُؤْمِنَ مِنهم أحَدٌ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿يَخْتَصِمُونَ﴾ فالمَعْنى: إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما آمَنُوا لِأنَّهم نَظَرُوا في حُجَّتِهِ فَعَرَفُوا صِحَّتَها، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَلا بُدَّ وأنْ يَكُونَ خَصْمًا لِمَن لَمْ يَقْبَلْها، وإذا كانَ هَذا الِاخْتِصامُ في بابِ الدِّينِ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ الجِدالَ في بابِ الدِّينِ حَقٌّ وفِيهِ إبْطالُ التَّقْلِيدِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿قالَ ياقَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ﴾ فَفِيهِ بَحْثانِ:
الأوَّلُ: في تَفْسِيرِ اسْتِعْجالِ السَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: إنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا صالِحًا عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا لَمْ يَنْفَعْهُمُ الحِجاجُ تَوَعَّدَهم صالِحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالعَذابِ، فَقالُوا: ﴿ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ (العَنْكَبُوتِ: ٢٩) عَلى وجْهِ الِاسْتِهْزاءِ، فَعِنْدَهُ قالَ صالِحٌ: ﴿لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ﴾ والمُرادُ أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ مَكَّنَكم مِنَ التَّوَصُّلِ إلى رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى وثَوابِهِ، فَلِماذا تَعْدِلُونَ عَنْهُ إلى اسْتِعْجالِ عَذابِهِ ؟
وثانِيهِما: إنَّهم كانُوا يَقُولُونَ لِجَهْلِهِمْ: إنَّ العُقُوبَةَ الَّتِي يَعِدُها صالِحٌ إنْ وقَعَتْ عَلى زَعْمِهِ أتَيْنا حِينَئِذٍ واسْتَغْفَرْنا، فَحِينَئِذٍ يَقْبَلُ اللَّهُ تَوْبَتَنا ويَدْفَعُ العَذابَ عَنّا، فَخاطَبَهم صالَحٌ عَلى حَسَبِ اعْتِقادِهِمْ، وقالَ: هَلّا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ قَبْلَ نُزُولِ العَذابِ فَإنَّ اسْتِعْجالَ الخَيْرِ أوْلى مِنَ اسْتِعْجالِ الشَّرِّ.
صفحة ١٧٤
البَحْثُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِالسَّيِّئَةِ العِقابُ وبِالحَسَنَةِ الثَّوابُ، فَأمّا وصْفُ العَذابِ بِأنَّهُ سَيِّئَةٌ فَهو مَجازٌ وسَبَبُ هَذا التَّجْوِيزِ، إمّا لِأنَّ العِقابَ مِن لَوازِمِهِ أوْ لِأنَّهُ يُشْبِهُهُ في كَوْنِهِ مَكْرُوهًا، وأمّا وصْفُ الرَّحْمَةِ بِأنَّها حَسَنَةٌ فَمِنهم مَن قالَ: إنَّهُ حَقِيقَةٌ، ومِنهم مَن قالَ: إنَّهُ مَجازٌ والأوَّلُ أقْرَبُ، ثُمَّ إنَّ صالِحًا عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا قَرَّرَ هَذا الكَلامَ الحَقَّ أجابُوهُ بِكَلامٍ فاسِدٍ، وهو قَوْلُهم: ﴿اطَّيَّرْنا بِكَ﴾ أيْ تَشاءَمْنا بِكَ؛ لِأنَّ الَّذِي يُصِيبُنا مِن شِدَّةٍ وقَحْطٍ فَهو بِشُؤْمِكَ وبِشُؤْمِ مَن مَعَكَ.
قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: كانَ الرَّجُلُ يَخْرُجُ مُسافِرًا فَيَمُرُّ بِطائِرٍ فَيَزْجُرُهُ، فَإنْ مَرَّ سانِحًا تَيَمَّنَ، وإنْ مَرَّ بارِحًا تَشاءَمَ، فَلَمّا نَسَبُوا الخَيْرَ والشَّرَّ إلى الطّائِرِ اسْتُعِيرَ لِما كانَ لِلْخَيْرِ والشَّرِّ وهو قَدَرُ اللَّهِ وقِسْمَتُهُ، فَأجابَ صالِحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَوْلِهِ: ﴿طائِرُكم عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيِ السَّبَبُ الَّذِي مِنهُ يَجِيءُ خَيْرُكم وشَرُّكم عِنْدَ اللَّهِ، وهو قَضاؤُهُ وقَدَرُهُ، إنْ شاءَ رَزَقَكم وإنْ شاءَ حَرَمَكم. وقِيلَ: بَلِ المُرادُ إنَّ جَزاءَ الطِّيَرَةِ مِنكم عِنْدَ اللَّهِ وهو العِقابُ، والأقْرَبُ الوجه الأوَّلُ؛ لِأنَّ القَوْمَ أشارُوا إلى الأمْرِ الحاصِلِ فَيَجِبُ في جَوابِهِ أنْ يَكُونَ فِيهِ لا في غَيْرِهِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ هَذا جَهْلٌ مِنهم بِقَوْلِهِ: ﴿بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ فَيُحْتَمَلُ أنَّ غَيْرَهم دَعاهم إلى هَذا القَوْلِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّ الشَّيْطانَ يَفْتِنُكم بِوَسْوَسَتِهِ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ: ﴿وكانَ في المَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ﴾ والأقْرَبُ أنْ يَكُونَ المُرادُ تِسْعَةَ جَمْعٍ؛ إذِ الظّاهِرُ مِنَ الرَّهْطِ الجَماعَةُ لا الواحِدُ، ثُمَّ يُحْتَمَلُ أنَّهم كانُوا قَبائِلَ، ويُحْتَمَلُ أنَّهم دَخَلُوا تَحْتَ العَدَدِ لِاخْتِلافِ صِفَتِهِمْ وأحْوالِهِمْ لا لِاخْتِلافِ السَّبَبِ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهم يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يَمْزِجُونَ ذَلِكَ الفَسادَ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّلاحِ، فَلِهَذا قالَ: ﴿يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يُصْلِحُونَ﴾ ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ مِن جُمْلَةِ ذَلِكَ ما هَمُّوا بِهِ مِن أمْرِ صالِحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿تَقاسَمُوا بِاللَّهِ﴾ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ أمْرًا أوْ خَبَرًا في مَحَلِّ الحالِ بِإضْمارِ قَدْ، أيْ قالُوا مُتَقاسِمِينَ، والبَياتُ مُتابَعَةُ العَدُوِّ لَيْلًا.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أهْلِهِ﴾ يَعْنِي لَوِ اتَّهَمَنا قَوْمُهُ حَلَفْنا لَهم أنّا لَمْ نَحْضُرْ. وقُرِئَ (مَهْلَكَ) بِفَتْحِ المِيمِ واللّامِ وكَسْرِها مِن هَلَكَ، ومُهْلَكٌ بِضَمِّ المِيمِ مِن أهْلَكَ، ويُحْتَمَلُ المَصْدَرُ والمَكانُ والزَّمانُ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ: ﴿ومَكَرُوا مَكْرًا ومَكَرْنا مَكْرًا وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ وقَدِ اخْتَلَفُوا في مَكْرِ اللَّهِ تَعالى عَلى وُجُوهٍ:
أحَدُها: إنَّ مَكْرَ اللَّهِ إهْلاكُهم مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ، شُبِّهَ بِمَكْرِ الماكِرِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ، رُوِيَ أنَّهُ كانَ لِصالِحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ مَسْجِدٌ في الحِجْرِ في شِعْبٍ يُصَلِّي فِيهِ، فَقالُوا: زَعَمَ صالِحٌ أنَّهُ يَفْرَغُ مِنّا إلى ثَلاثٍ، فَنَحْنُ نَفْرَغُ مِنهُ، ومِن أهْلِهِ قَبْلَ الثَّلاثِ، فَخَرَجُوا إلى الشِّعْبِ، وقالُوا: إذا جاءَ يُصَلِّي قَتَلْناهُ، ثُمَّ رَجَعْنا إلى أهْلِهِ فَقَتَلْناهم، فَبَعَثَ اللَّهُ تَعالى صَخْرَةً فَطَبِقَتِ الصَّخْرَةُ عَلَيْهِمْ فَمَ الشِّعْبِ، فَهَلَكُوا وهَلَكَ الباقُونَ بِالصَّيْحَةِ.
وثانِيها: جاءُوا بِاللَّيْلِ شاهِرِينَ سُيُوفَهم، وقَدْ أرْسَلَ اللَّهُ تَعالى المَلائِكَةَ مِلْءَ دارِ صالِحٍ فَدَمَغُوهم بِالحِجارَةِ، يَرَوْنَ الأحْجارَ ولا يَرَوْنَ رامِيًا.
وثالِثُها: أنَّ اللَّهَ تَعالى أخْبَرَ صالِحًا بِمَكْرِهِمْ فَتَحَرَّزَ عَنْهم فَذاكَ مَكْرُ اللَّهِ تَعالى في حَقِّهِمْ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿أنّا دَمَّرْناهُمْ﴾ اسْتِئْنافٌ، ومَن قَرَأ بِالفَتْحِ رَفَعَهُ بَدَلًا مِنَ العاقِبَةِ، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: هي تُدَمِّرُهم، أوْ نَصَبَهُ عَلى مَعْنى لِأنّا، أوْ عَلى أنَّهُ خَبَرُ كانَ، أيْ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمُ الدَّمارَ.
صفحة ١٧٥
أمّا قَوْلُهُ: ﴿خاوِيَةً﴾ فَهو حالٌ عَمِلَ فِيها ما دَلَّ عَلَيْهِ تِلْكَ، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ (خاوِيَةٌ) بِالرَّفْعِ عَلى خَبَرِ المُبْتَدَأِ المَحْذُوفِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
القِصَّةُ الرّابِعَةُ قِصَّةُ لُوطٍ عَلَيْهِ الُسَّلامُ ﴿ولُوطًا إذْ قالَ لِقَوْمِهِ أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ وأنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ ﴿أئِنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِن دُونِ النِّساءِ بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلّا أنْ قالُوا أخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِن قَرْيَتِكم إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ ﴿فَأنْجَيْناهُ وأهْلَهُ إلّا امْرَأتَهُ قَدَّرْناها مِنَ الغابِرِينَ﴾ ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَساءَ مَطَرُ المُنْذَرِينَ﴾ ﴿قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى آللَّهُ خَيْرٌ أم مّا يُشْرِكُونَ﴾ ﴿أمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وأنْزَلَ لَكم مِنَ السَّماءِ ماءً فَأنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ ما كانَ لَكم أنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هم قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولُوطًا إذْ قالَ لِقَوْمِهِ أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ وأنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ ﴿أئِنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِن دُونِ النِّساءِ بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلّا أنْ قالُوا أخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِن قَرْيَتِكم إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ ﴿فَأنْجَيْناهُ وأهْلَهُ إلّا امْرَأتَهُ قَدَّرْناها مِنَ الغابِرِينَ﴾ ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَساءَ مَطَرُ المُنْذَرِينَ﴾
قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: واذْكُرْ لُوطًا، أوْ أرْسَلَنا لُوطًا بِدَلالَةِ: ولَقَدْ أرْسَلْنا عَلَيْهِ، وإذْ بَدَلٌ عَلى الأوَّلِ، ظَرْفٌ عَلى الثّانِي.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ﴾ فَهو عَلى وجْهِ التَّنْكِيرِ، وإنْ كانَ بِلَفْظِ الِاسْتِفْهامِ، ورُبَّما كانَ التَّوْبِيخُ بِمِثْلِ هَذا اللَّفْظِ أبْلَغَ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وأنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّهم كانُوا لا يَتَحاشَوْنَ مِن إظْهارِ ذَلِكَ عَلى وجْهِ الخَلاعَةِ، ولا يَتَكاتَمُونَ، وذَلِكَ أحَدُ ما لِأجْلِهِ عَظُمَ ذَلِكَ الفِعْلُ مِنهم، فَذَكَرَ في تَوْبِيخِهِ لَهم ما لَهُ عَظُمَ ذَلِكَ الفِعْلُ.
وثانِيها: أنَّ المُرادَ بَصَرُ القَلْبِ أيْ تَعْلَمُونَ أنَّها فاحِشَةٌ لَمْ تُسْبَقُوا إلَيْها، وأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَخْلُقِ الذَّكَرَ لِلذَّكَرِ، فَهي مُضادَّةٌ لِلَّهِ في حِكْمَتِهِ.
وثالِثُها: تُبْصِرُونَ آثارَ العُصاةِ قَبْلَكم وما نَزَلَ بِهِمْ، فَإنْ قُلْتَ: فَسَّرْتَ تُبْصِرُونَ بِالعِلْمِ وبَعْدَهُ ﴿بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ فَكَيْفَ يَكُونُونَ عُلَماءَ وجُهَلاءَ ؟ قُلْتُ: أرادَ تَفْعَلُونَ فِعْلَ الجاهِلِينَ بِأنَّها فاحِشَةٌ مَعَ عِلْمِكم بِذَلِكَ، أوْ تَجْهَلُونَ العاقِبَةَ أوْ أرادَ بِالجَهْلِ السَّفاهَةَ والمَجانَةَ الَّتِي كانُوا عَلَيْها، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ جَهْلَهم بِأنْ حَكى عَنْهم أنَّهم أجابُوا عَنْ هَذا الكَلامِ بِما لا يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ جَوابًا لَهُ فَقالَ:
صفحة ١٧٦
﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلّا أنْ قالُوا أخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِن قَرْيَتِكم إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ فَجَعَلُوا الَّذِي لِأجْلِهِ يُخْرَجُونَ أنَّهم يَتَطَهَّرُونَ مِن هَذا الصَّنِيعِ الفاحِشِ، وهَذا يُوجِبُ تَنْعِيمَهم وتَعْظِيمَهم أوْلى، لَكِنْ في المُفَسِّرِينَ مَن قالَ: إنَّما قالُوا ذَلِكَ عَلى وجْهِ الهُزُءِ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ نَجّاهُ وأهْلَهُ إلّا امْرَأتَهُ وأهْلَكَ الباقِينَ، وقَدْ تَقَدَّمَ كُلُّ ذَلِكَ مَشْرُوحًا، واللَّهُ أعْلَمُ. وهَهُنا آخِرُ القَصَصِ في هَذِهِ السُّورَةِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
القَوْلُ في خِطابِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ مَعَ مُحَمَّدٍ ﷺ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى آللَّهُ خَيْرٌ أمْ ما يُشْرِكُونَ﴾
فِي هَذِهِ الآيَةِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِما قَبْلَهُ مِنَ القَصَصِ، والمَعْنى: الحَمْدُ لِلَّهِ عَلى إهْلاكِهِمْ، وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى بِأنْ أرْسَلَهم ونَجّاهُمُ.
الثّانِي: أنَّهُ مُبْتَدَأٌ، فَإنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أحْوالَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وكانَ مُحَمَّدٌ ﷺ كالمُخالِفِ لِمَن قَبْلَهُ في أمْرِ العَذابِ؛ لِأنَّ عَذابَ الِاسْتِئْصالِ مُرْتَفِعٌ عَنْ قَوْمِهِ، أمَرَهُ تَعالى بِأنْ يَشْكُرَ رَبَّهُ عَلى ما خَصَّهُ بِهَذِهِ النِّعَمِ، وبِأنْ يُسَلِّمَ عَلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ الَّذِينَ صَبَرُوا عَلى مَشاقِّ الرِّسالَةِ.
فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أمْ ما يُشْرِكُونَ﴾ فَهو تَبْكِيتٌ لِلْمُشْرِكِينَ وتَهَكُّمٌ بِحالِهِمْ، وذَلِكَ: أنَّهم آثَرُوا عِبادَةَ الأصْنامِ عَلى عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى، ولا يُؤْثِرُ عاقِلٌ شَيْئًا عَلى شَيْءٍ إلّا لِزِيادَةِ خَيْرٍ ومَنفَعَةٍ، فَقِيلَ لَهم هَذا الكَلامُ تَنْبِيهًا عَلى نِهايَةِ ضَلالِهِمْ وجَهْلِهِمْ. وقُرِئَ (يُشْرِكُونَ) بِالياءِ والتّاءِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ كانَ إذا قَرَأها قالَ: ”«بَلِ اللَّهُ خَيْرٌ وأبْقى وأجَلُّ وأكْرَمُ» “ .
ثُمَّ اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى تَكَلَّمَ بَعْدَ ذَلِكَ في عِدَّةِ فُصُولٍ:
الفَصْلُ الأوَّلُ: في الرَّدِّ عَلى عَبَدَةِ الأوْثانِ، ومَدارُ هَذا الفَصْلِ عَلى بَيانِ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى هو الخالِقُ لِأُصُولِ النِّعَمِ وفُرُوعِها، فَكَيْفَ تَحْسُنُ عِبادَةُ ما لا مَنفَعَةَ مِنهُ البَتَّةَ ؟ ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى ذَكَرَ أنْواعًا:
النمل 27:60
النوع الأوَّلُ - ما يَتَعَلَّقُ بِالسَّماواتِ
﴿أمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وأنْزَلَ لَكم مِنَ السَّماءِ ماءً فَأنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ ما كانَ لَكم أنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هم قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾
وفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: الفَرْقُ بَيْنَ أمْ وأمْ في ﴿أمْ ما يُشْرِكُونَ﴾ و﴿أمَّنْ خَلَقَ﴾ أنَّ الأُولى مُتَّصِلَةٌ؛ لِأنَّ المَعْنى أيُّهُما خَيْرٌ، وهَذِهِ مُنْقَطِعَةٌ بِمَعْنى بَلْ، والحَدِيقَةُ: البُسْتانُ عَلَيْهِ سُورٌ مِنَ الإحْداقِ وهو الإحاطَةُ، وقِيلَ: (ذاتَ) لِأنَّ المَعْنى جَماعَةُ حَدائِقِ ذاتِ بَهْجَةٍ، كَما يُقالُ: النِّساءُ ذَهَبَتْ، والبَهْجَةُ الحُسْنُ؛ لِأنَّ النّاظِرَ يَبْتَهِجُ بِهِ ﴿أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ﴾ أغَيْرُهُ يُقْرَنُ بِهِ ويُجْعَلُ شَرِيكًا لَهُ، وقُرِئَ (أإلَهًا مَعَ اللَّهِ) بِمَعْنى تَدْعُونَ أوْ تُشْرِكُونَ.
المسألة الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُ الَّذِي اخْتَصَّ بِأنْ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضِ، وجَعَلَ السَّماءَ مَكانًا لِلْماءِ، والأرْضَ لِلنَّباتِ، وذَكَرَ أعْظَمَ النِّعَمِ وهي الحَدائِقُ ذاتُ البَهْجَةِ، ونَبَّهَ تَعالى عَلى أنَّ هَذا الإنْباتَ في الحَدائِقِ لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إلّا اللَّهُ تَعالى؛ لِأنَّ أحَدَنا لَوْ قَدَرَ عَلَيْهِ لَما احْتاجَ إلى غَرْسٍ ومُصابَرَةٍ عَلى ظُهُورِ الثَّمَرَةِ، وإذا كانَ تَعالى هو المُخْتَصُّ بِهَذا الإنْعامِ وجَبَ أنْ يُخَصَّ بِالعِبادَةِ، ثم قال: ﴿بَلْ هم قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ وقَدِ
صفحة ١٧٧
اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَقِيلَ: يَعْدِلُونَ عَنْ هَذا الحَقِّ الظّاهِرِ، وقِيلَ: يَعْدِلُونَ بِاللَّهِ سِواهُ، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ أوَّلُ سُورَةِ الأنْعامِ.
المسألة الثّالِثَةُ: يُقالُ ما حِكْمَةُ الِالتِفاتِ في قَوْلِهِ: ﴿فَأنْبَتْنا﴾ ؟ جَوابُهُ: أنَّهُ لا شُبْهَةَ لِلْعاقِلِ في أنَّ خالِقَ السَّماواتِ والأرْضِ ومُنْزِلَ الماءَ مِنَ السَّماءِ لَيْسَ إلّا اللَّهُ تَعالى، ورُبَّما عَرَضَتِ الشُّبْهَةُ في أنَّ مُنْبِتَ الشَّجَرَةَ هو الإنْسانُ، فَإنَّ الإنْسانَ يَقُولُ: أنا الَّذِي أُلْقِي البَذْرَ في الأرْضِ الحَرَّةِ، وأُسْقِيها الماءَ، وأسْعى في تَشْمِيسِها، وفاعِلُ السَّبَبِ فاعِلٌ لِلْمُسَبَّبِ، فَإذَنْ أنا المُنْبِتُ لِلشَّجَرَةِ، فَلَمّا كانَ هَذا الِاحْتِمالُ قائِمًا، لا جَرَمَ أزالَ هَذا الِاحْتِمالَ، فَرَجَعَ مِن لَفْظِ الغَيْبَةِ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَأنْبَتْنا﴾ وقالَ: ﴿ما كانَ لَكم أنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها﴾؛ لِأنَّ الإنْسانَ قَدْ يَأْتِي بِالبَذْرِ، والسَّقْيِ، والكَرَبِ، والتَّشْمِيسِ، ثُمَّ لا يَأْتِي عَلى وِفْقِ مُرادِهِ، والَّذِي يَقَعُ عَلى وِفْقِ مُرادِهِ، فَإنَّهُ يَكُونُ جاهِلًا بِطَبْعِهِ ومِقْدارِهِ وكَيْفِيَّتِهِ، فَكَيْفَ يَكُونُ فاعِلًا لَها ؟ فَلِهَذِهِ النُّكْتَةِ حَسُنَ الِالتِفاتُ هَهُنا.
النمل 27:61
النوع الثّانِي: ما يَتَعَلَّقُ بِالأرْضِ
﴿أمَّنْ جَعَلَ الأرْضَ قَرارًا وجَعَلَ خِلالَها أنْهارًا وجَعَلَ لَها رَواسِيَ وجَعَلَ بَيْنَ البَحْرَيْنِ حاجِزًا أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾
قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ ﴿أمَّنْ جَعَلَ﴾ وما بَعْدَهُ بَدَلٌ مِن ﴿أمَّنْ خَلَقَ﴾ فَكانَ (حُكْمُها) حُكْمَهُ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ مِن مَنافِعِ الأرْضِ أُمُورًا أرْبَعَةً:
المَنفَعَةُ الأُولى: كَوْنُها قَرارًا وذَلِكَ لِوُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ دَحاها وسَوّاها لِلِاسْتِقْرارِ.
الثّانِي: أنَّهُ تَعالى جَعَلَها مُتَوَسِّطَةً في الصَّلابَةِ والرَّخاوَةِ، فَلَيْسَتْ في الصَّلابَةِ كالحَجَرِ الَّذِي يَتَألَّمُ الإنْسانُ بِالِاضْطِجاعِ عَلَيْهِ، ولَيْسَتْ في الرَّخاوَةِ كالماءِ الَّذِي يَغُوصُ فِيهِ.
الثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى جَعَلَها كَثِيفَةً غَبْراءَ لِيَسْتَقِرَّ عَلَيْها النُّورُ، ولَوْ كانَتْ لَطِيفَةً لَما اسْتَقَرَّ النُّورُ عَلَيْها، ولَوْ لَمْ يَسْتَقِرَّ النُّورُ عَلَيْها لَصارَتْ مِن شِدَّةِ بَرْدِها بِحَيْثُ تَمُوتُ الحَيَواناتُ.
الرّابِعُ: أنَّهُ سُبْحانَهُ جَعَلَ الشَّمْسَ بِسَبَبِ مَيْلِ مَدارِها عَنْ مَدارِ مِنطَقَةِ الكُلِّ بِحَيْثُ تَبْعُدُ تارَةً وتَقْرُبُ أُخْرى مِن سَمْتِ الرَّأْسِ، ولَوْلا ذَلِكَ لَما اخْتَلَفَتِ الفُصُولُ، ولَما حَصَلَتِ المَنافِعُ.
الخامِسُ: أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى جَعَلَها ساكِنَةً، فَإنَّها لَوْ كانَتْ مُتَحَرِّكَةً لَكانَتْ إمّا مُتَحَرِّكَةٌ عَلى الِاسْتِقامَةِ أوْ عَلى الِاسْتِدارَةِ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ: لا يَحْصُلُ الِانْتِفاعُ بِالسُّكْنى عَلى الأرْضِ.
السّادِسُ: أنَّهُ سُبْحانَهُ جَعَلَها كِفاتًا لِلْأحْياءِ والأمْواتِ، وأنَّهُ يَطْرَحُ عَلَيْها كُلَّ قَبِيحٍ، ويُخْرِجُ مِنها كُلَّ مَلِيحٍ.
المَنفَعَةُ الثّانِيَةُ لِلْأرْضِ: قَوْلُهُ: ﴿وجَعَلَ خِلالَها أنْهارًا﴾ فاعْلَمْ أنَّ أقْسامَ المِياهِ المُنْبَعِثَةِ عَنِ الأرْضِ أرْبَعَةٌ:
الأوَّلُ: ماءُ العُيُونِ السَّيّالَةُ، وهي تَنْبَعِثُ مِن أبْخِرَةٍ كَثِيرَةِ المادَّةِ قَوِيَّةِ الِانْدِفاعِ تُفَجِّرُ الأرْضَ بِقُوَّةٍ، ثُمَّ لا يَزالُ يَسْتَتْبِعُ جُزْءٌ مِنها جُزْءًا.
الثّانِي: ماءُ العُيُونِ الرّاكِدَةِ، وهي تَحْدُثُ مِن أبْخِرَةٍ بَلَغَتْ مِن قُوَّتِها أنِ انْدَفَعَتْ
صفحة ١٧٨
إلى وجْهِ الأرْضِ ولَمْ تَبْلُغْ مِن قُوَّتِها وكَثْرَةِ مادَّتِها أنْ يَطْرُدَ تالِيها سابِقَها.
الثّالِثُ: مِياهُ القُنِيِّ والأنْهارِ وهي مُتَوَلِّدَةٌ مِن أبْخِرَةٍ ناقِصَةِ القُوَّةِ عَلى أنْ تَشُقَّ الأرْضَ، فَإذا أُزِيلَ عَنْ وجْهِها ثِقَلُ التُّرابِ صادَفَتْ حِينَئِذٍ تِلْكَ الأبْخِرَةُ مَنفَذًا تَنْدَفِعُ إلَيْهِ بِأدْنى حَرَكَةٍ.
الرّابِعُ: مِياهُ الآبارِ وهي نَبْعِيَّةٌ كَمِياهِ الأنْهارِ إلّا أنَّهُ لَمْ يُجْعَلْ لَهُ سَيْلٌ إلى مَوْضِعٍ يَسِيلُ إلَيْهِ، ونِسْبَةُ القُنِيِّ إلى الآبارِ نِسْبَةُ العُيُونِ الرّاكِدَةِ، فَقَدْ ظَهَرَ أنَّهُ لَوْلا صَلابَةُ الأرْضِ لَما اجْتَمَعَتْ تِلْكَ الأبْخِرَةُ في باطِنِها؛ إذْ لَوْلا اجْتِماعُها في باطِنِها لَما حَدَثَتْ هَذِهِ العُيُونُ في ظاهِرِها.
المَنفَعَةُ الثّالِثَةُ لِلْأرْضِ: قَوْلُهُ: ﴿وجَعَلَ لَها رَواسِيَ﴾ والمُرادُ مِنها الجِبالُ، فَنَقُولُ: أكْثَرُ العُيُونِ والسُّحُبِ والمَعْدِنِيّاتِ إنَّما تَكُونُ في الجِبالِ أوْ فِيما يَقْرُبُ مِنها، أمّا العُيُونُ فَلِأنَّ الأرْضَ إذا كانَتْ رَخْوَةً نَشِفَتِ الأبْخِرَةُ عَنْها فَلا يَجْتَمِعُ مِنها قَدْرٌ يُعْتَدُّ بِهِ، فَإذَنْ هَذِهِ الأبْخِرَةُ لا تَجْتَمِعُ إلّا في الأرْضِ الصَّلْبَةِ والجِبالُ أصْلَبُ الأرْضِ، فَلا جَرَمَ كانَتْ أقْواها عَلى حَبْسِ هَذا البُخارِ حَتّى يَجْتَمِعَ ما يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ مادَّةً لِلْعُيُونِ، ويُشْبِهُ أنْ يَكُونَ مُسْتَقَرُّ الجَبَلِ مَمْلُوءًا ماءً، ويَكُونَ الجَبَلُ في حَقْنِهِ الأبْخِرَةَ مِثْلَ الأنْبِيقِ الصَّلْبِ المُعَدِّ لِلتَّقْطِيرِ لا يَدَعُ شَيْئًا مِنَ البُخارِ يَتَحَلَّلُ، ونَفَسُ الأرْضِ الَّتِي تَحْتَهُ كالقَرْعَةِ، والعُيُونُ كالأذْنابِ، والبُخارُ كالقَوابِلِ؛ ولِذَلِكَ فَإنَّ أكْثَرَ العُيُونِ إنَّما تَنْفَجِرُ مِنَ الجِبالِ وأقَلُّها في البَرارِي، وذَلِكَ الأقَلُّ لا يَكُونُ إلّا إذا كانَتِ الأرْضُ صَلْبَةً. وأمّا أنَّ أكْثَرَ السُّحُبِ تَكُونُ في الجِبالِ فَلِوُجُوهٍ ثَلاثَةٍ:
أحَدُها: أنَّ في باطِنِ الجِبالِ مِنَ النَّداواتِ ما لا يَكُونُ في باطِنِ الأرْضِينَ الرَّخْوَةِ.
وثانِيها: إنَّ الجِبالَ بِسَبَبِ ارْتِفاعِها أبْرَدُ، فَلا جَرَمَ يَبْقى عَلى ظاهِرِها مِنَ الأنْداءِ ومِنَ الثُّلُوجِ ما لا يَبْقى عَلى ظَهْرِ سائِرِ الأرْضِينَ.
وثالِثُها: أنَّ الأبْخِرَةَ الصّاعِدَةَ تَكُونُ مَحْبُوسَةً بِالجِبالِ فَلا تَتَفَرَّقُ ولا تَتَحَلَّلُ، وإذا ثَبَتَ ذَلِكَ ظَهَرَ أنَّ أسْبابَ كَثْرَةِ السُّحُبِ في الجِبالِ أكْثَرُ؛ لِأنَّ المادَّةَ فِيها ظاهِرًا وباطِنًا أكْثَرُ، والِاحْتِقانَ أشَدُّ، والسَّبَبُ المُحَلِّلُ وهو الحَرُّ أقَلُّ، فَلِذَلِكَ كانَتِ السُّحُبُ في الجِبالِ أكْثَرَ. وأمّا المَعْدِنِيّاتُ المُحْتاجَةُ إلى أبْخِرَةٍ يَكُونُ اخْتِلاطُها بِالأرْضِيَّةِ أكْثَرَ وإلى بَقاءِ مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ يَتِمُّ النُّضْجُ فِيها فَلا شَيْءَ لَها في هَذا المَعْنى كالجِبالِ.
المَنفَعَةُ الرّابِعَةُ لِلْأرْضِ: قَوْلُهُ: ﴿وجَعَلَ بَيْنَ البَحْرَيْنِ حاجِزًا﴾ فالمَقْصُودُ مِنهُ أنْ لا يَفْسُدَ العَذْبُ بِالِاخْتِلاطِ، وأيْضًا فَلْيُنْتَفَعْ بِذَلِكَ الحاجِزِ، وأيْضًا المُؤْمِنُ في قَلْبِهِ بَحْرانِ بَحْرُ الإيمانِ والحِكْمَةِ وبَحْرُ الطُّغْيانِ والشَّهْوَةِ، وهو بِتَوْفِيقِهِ جَعَلَ بَيْنَهُما حاجِزًا لِكَيْ لا يُفْسَدَ أحَدُهُما بِالآخَرِ، وقالَ بَعْضُ الحُكَماءِ في قَوْلِهِ: ﴿مَرَجَ البَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ﴾ ﴿بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ﴾ (الرَّحِمَنِ: ٢٠) قالَ عِنْدَ عَدَمِ البَغْيِ ﴿يَخْرُجُ مِنهُما اللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ﴾ (الرَّحِمَنِ: ٢٢) فَعِنْدَ عَدَمِ البَغْيِ في القَلْبِ يَخْرُجُ الدِّينُ والإيمانُ بِالشُّكْرِ، فَإنْ قِيلَ: ولِمَ جَعَلَ البَحْرَ مِلْحًا ؟ قُلْنا: لَوْلا مُلُوحَتُهُ لَأجَنَ، وانْتَشَرَ فَسادُ أُجُونَتِهِ في الأرْضِ، وأحْدَثَ الوَباءَ العامَّ. واعْلَمْ أنَّ اخْتِصاصَ البَحْرِ بِجانِبٍ مِنَ الأرْضِ دُونَ جانِبٍ أمْرٌ غَيْرُ واجِبٍ، بَلِ الحَقُّ أنَّ البَحْرَ يَنْتَقِلُ في مُدَدٍ لا تَضْبُطُها التَّوارِيخُ المَنقُولَةُ مِن قَرْنٍ إلى قَرْنٍ؛ لِأنَّ اسْتِمْدادَ البَحْرِ في الأكْثَرِ مِنَ الأنْهارِ، والأنْهارُ تَسْتَمِدُّ في الأكْثَرِ مِنَ العُيُونِ، وأمّا مِياهُ السَّماءِ فَإنَّ حُدُوثَها في فَصْلٍ بِعَيْنِهِ دُونَ فَصْلٍ، ثُمَّ لا العُيُونُ ولا مِياهُ السَّماءِ يَجِبُ أنْ تَتَشابَهَ أحْوالُها في بِقاعٍ واحِدَةٍ بِأعْيانِها تَشابُهًا مُسْتَمِرًّا فَإنَّ كَثِيرًا مِنَ العُيُونِ يَغُورُ، وكَثِيرًا ما تَقْحَطُ السَّماءُ فَلا بُدَّ حِينَئِذٍ مِن نُضُوبِ الأوْدِيَةِ والأنْهارِ فَيَعْرِضُ بِسَبَبِ ذَلِكَ نُضُوبُ البِحارِ، وإذا حَدَثَتِ العُيُونُ مِن جانِبٍ آخَرَ حَدَثَتِ
صفحة ١٧٩
الأنْهارُ هُناكَ فَحَصَلَتِ البِحارُ مِن ذَلِكَ الجانِبِ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا بَيَّنَ أنَّهُ هو المُخْتَصُّ بِالقُدْرَةِ عَلى خَلْقِ الأرْضِ الَّتِي فِيها هَذِهِ المَنافِعُ الجَلِيلَةُ وجَبَ أنْ يَكُونَ هو المُخْتَصُّ بِالإلَهِيَّةِ، ونَبَّهَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْقِلُونَ﴾ (العَنْكَبُوتِ: ٦٣) عَلى عَظِيمِ جَهْلِهِمْ بِالذَّهابِ عَنْ هَذا التَّفَكُّرِ.
النمل 27:62
النوع الثّالِثُ: ما يَتَعَلَّقُ بِاحْتِياجِ الخَلْقِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ
﴿أمَّنْ يُجِيبُ المُضْطَرَّ إذا دَعاهُ ويَكْشِفُ السُّوءَ ويَجْعَلُكم خُلَفاءَ الأرْضِ أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ﴾
وهُوَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمَّنْ يُجِيبُ المُضْطَرَّ إذا دَعاهُ ويَكْشِفُ السُّوءَ ويَجْعَلُكم خُلَفاءَ الأرْضِ أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ نَبَّهَ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى أمْرَيْنِ:
أحَدُهُما: قَوْلُهُ: ﴿أمَّنْ يُجِيبُ المُضْطَرَّ إذا دَعاهُ﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: الضَّرُورَةُ الحالَةُ المُحْوِجَةُ إلى الِالتِجاءِ، والِاضْطِرارِ افْتِعالٌ مِنها، يُقالُ: اضْطَرَّهُ إلى كَذا والفاعِلُ والمَفْعُولُ مُضْطَرٌّ، واعْلَمْ أنَّ المُضْطَرَّ هو الَّذِي أحْوَجَهُ مَرَضٌ أوْ فَقْرٌ أوْ نازِلَةٌ مِن نَوازِلِ الدَّهْرِ إلى التَّضَرُّعِ إلى اللَّهِ تَعالى، وعَنِ السُّدِّيِّ: الَّذِي لا حَوْلَ لَهُ ولا قُوَّةَ، وقِيلَ: المُذْنِبُ إذا اسْتَغْفَرَ، فَإنْ قِيلَ: قَدْ عَمَّ المُضْطَرِّينَ بِقَوْلِهِ: ﴿أمَّنْ يُجِيبُ المُضْطَرَّ إذا دَعاهُ﴾ وكَمْ مِن مُضْطَرٍّ يَدْعُو فَلا يُجابُ ؟ جَوابُهُ: قَدْ بَيَّنّا في أُصُولِ الفِقْهِ أنَّ المُفْرَدَ المُعَرَّفَ لا يُفِيدُ العُمُومَ، وإنَّما يُفِيدُ الماهِيَّةَ فَقَطْ، والحُكْمُ المُثْبِتُ لِلْماهِيَّةِ يَكْفِي في صِدْقِهِ ثُبُوتُهُ في فَرْدٍ واحِدٍ مِن أفْرادِ الماهِيَّةِ، وأيْضًا فَإنَّهُ تَعالى وعَدَ بِالِاسْتِجابَةِ، ولَمْ يَذْكُرْ أنَّهُ يَسْتَجِيبُ في الحالِ، وتَمامُ القَوْلِ في شَرائِطَ الدُّعاءِ والإجابَةِ مَذْكُورٌ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ (غافِرٍ: ٦٠) فَأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَكْشِفُ السُّوءَ﴾ فَهو كالتَّفْسِيرِ لِلِاسْتِجابَةِ، فَإنَّهُ لا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى كَشْفِ ما دَفَعَ إلَيْهِ مِن فَقْرٍ إلى غِنًى، ومَرَضٍ إلى صِحَّةٍ، وضِيقٍ إلى سَعَةٍ، إلّا القادِرُ الَّذِي لا يَعْجَزُ، والقاهِرُ الَّذِي لا يُنازَعُ.
وثانِيهِما: قَوْلُهُ: ﴿ويَجْعَلُكم خُلَفاءَ الأرْضِ﴾ فالمُرادُ: تَوارُثُهم سُكْناها والتَّصَرُّفُ فِيها قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ، وأرادَ بِالخِلافَةِ المِلْكَ والتَّسَلُّطَ، وقُرِئَ (يَذَّكَّرُونَ) بِالياءِ مَعَ الإدْغامِ، وبِالتّاءِ مَعَ الإدْغامِ، وبِالحَذْفِ؛ وما مَزِيدَةٌ أيْ يَذَّكَّرُونَ تَذَكُّرًا قَلِيلًا، والمَعْنى: نَفْيُ التَّذَكُّرِ والقِلَّةُ تُسْتَعْمَلُ في مَعْنى النَّفْيِ.
النمل 27:63
النوع الرّابِعُ: ما يَتَعَلَّقُ أيْضًا بِاحْتِياجِ الخَلْقِ، ولَكِنَّهُ حاجَةٌ خاصَّةٌ في وقْتٍ خاصٍّ
﴿أمَّنْ يَهْدِيكم في ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ ومَن يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعالى اللَّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمَّنْ يَهْدِيكم في ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ ومَن يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعالى اللَّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾
صفحة ١٨٠
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى نَبَّهَ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى أمْرَيْنِ:
الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿أمَّنْ يَهْدِيكُمْ﴾ والمُرادُ: يَهْدِيكم بِالنُّجُومِ في السَّماءِ والعَلاماتِ في الأرْضِ إذا جَنَّ اللَّيْلُ عَلَيْكم مُسافِرِينَ في البَرِّ والبَحْرِ.
الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿ومَن يُرْسِلُ الرِّياحَ﴾ فَإنَّهُ سُبْحانَهُ هو الَّذِي يُحَرِّكُ الرِّياحَ فَتُثِيرُ السَّحابَ ثُمَّ تَسُوقُهُ إلى حَيْثُ يَشاءُ، فَإنْ قِيلَ: لا نُسَلِّمُ أنَّهُ تَعالى هو الَّذِي يُحَرِّكُ الرِّياحَ، فَإنَّ الفَلاسِفَةَ قالَتْ: الرِّياحُ إنَّما تَتَوَلَّدُ عَنِ الدُّخانِ، ولَيْسَ الدُّخانُ كُلُّهُ هو الجِسْمَ الأسْوَدَ المُرْتَفِعَ مِمّا احْتَرَقَ بِالنّارِ، بَلْ كُلُّ جِسْمٍ أرْضِيٍّ يَرْتَفِعُ بِتَصْعِيدِ الحَرارَةِ سَواءٌ كانَتِ الحَرارَةُ حَرارَةَ النّارِ أوْ حَرارَةَ الشَّمْسِ، فَهو دُخانٌ. قالُوا: وتَوَلُّدُ الرِّياحِ مِنَ الأدْخِنَةِ عَلى وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما أكْثَرِيٌّ، والآخَرُ أقَلِّيٌّ. أمّا الأكْثَرِيُّ فَهو: أنَّهُ إذا صَعِدَتْ أدْخِنَةٌ كَثِيرَةٌ إلى فَوْقَ، فَعِنْدَ وُصُولِها إلى الطَّبَقَةِ البارِدَةِ، إمّا أنْ يَنْكَسِرَ حَرُّها بِبَرْدِ ذَلِكَ الهَواءِ، أوْ لا يَنْكَسِرُ، فَإنِ انْكَسَرَ فَلا مَحالَةَ يَثْقُلُ ويَنْزِلُ فَيَحْصُلُ مِن نُزُولِها تَمَوُّجُ الهَواءِ فَتَحْدُثُ الرِّيحُ، وإنْ لَمْ يَنْكَسِرْ حَرُّها بِبَرْدِ ذَلِكَ الهَواءِ، فَلا بُدَّ وأنْ يَتَصاعَدَ إلى أنْ يَصِلَ إلى كُرَةِ النّارِ المُتَحَرِّكَةِ بِحَرَكَةِ الفَلَكِ، وحِينَئِذٍ لا يَتَمَكَّنُ مِنَ الصُّعُودِ بِسَبَبِ حَرَكَةِ النّارِ، فَتَرْجِعُ تِلْكَ الأدْخِنَةُ وتَصِيرُ رِيحًا، لا يُقالُ: لَوْ كانَ انْدِفاعُ هَذِهِ الأدْخِنَةِ بِسَبَبِ حَرَكَةِ الهَواءِ العالِي لَما كانَتْ حَرَكَتُها إلى أسْفَلَ، بَلْ إلى جِهَةِ حَرَكَةِ الهَواءِ العالِي؛ لِأنّا نَقُولُ الجَوابَ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ رُبَّما أوْجَبَتْ هَيْئَةُ صُعُودِ تِلْكَ الأدْخِنَةِ وهَيْئَةُ لُحُوقِ المادَّةِ بِها أنْ يَتَحَرَّكَ إلى خِلافِ جِهَةِ المُتَحَرِّكِ المانِعِ، كالسَّهْمِ يُصِيبُ جِسْمًا مُتَحَرِّكًا، فَيَعْطِفُهُ تارَةً إلى جِهَتِهِ إنْ كانَ الحابِسُ كَما يَقْدِرُ عَلى صَرْفِ المُتَحَرِّكِ عَنْ مُتَوَجَّهِهِ يَقْدِرُ أيْضًا عَلى صَرْفِهِ إلى جِهَةِ حَرَكَةِ نَفْسِهِ، وتارَةً إلى خِلافِ تِلْكَ الجِهَةِ إذا كانَ المُفارِقُ يَقْدِرُ عَلى الحَبْسِ ولا يَقْدِرُ عَلى الصَّرْفِ.
الثّانِي: أنَّهُ رُبَّما كانَ صُعُودُ بَعْضُ الأدْخِنَةِ مِن تَحْتٍ مانِعًا لِلْأدْخِنَةِ النّازِلَةِ مِن فَوْقٍ إلى أنْ يَتَسَفَّلَ ذَلِكَ؛ فَلِأجْلِ هَذا السَّبَبِ يَتَحَرَّكُ إلى سائِرِ الجَوانِبِ، واعْلَمْ أنَّ لِأهْلِ الإسْلامِ هَهُنا مَقامَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ يُقِيمَ الدَّلالَةَ عَلى فَسادِ هَذِهِ العِلَّةِ، وبَيانُهُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ الأجْزاءَ الدُّخانِيَّةَ أرْضِيَّةٌ فَهي أثْقَلُ مِنَ الأجْزاءِ البُخارِيَّةِ المائِيَّةِ، ثُمَّ إنَّ البُخارَ لَمّا يَبْرُدْ يَنْزِلْ عَلى الخَطِّ المُسْتَقِيمِ مَطَرًا، فالدُّخانُ لَمّا بَرَدَ فَلِماذا لَمْ يَنْزِلْ عَلى الخَطِّ المُسْتَقِيمِ بَلْ ذَهَبَ يُمْنَةً ويُسْرَةً ؟
الثّانِي: أنَّ حَرَكَةَ تِلْكَ الأجْزاءِ إلى أسْفَلَ طَبِيعِيَّةٌ وحَرَكَتَها يُمْنَةً ويُسْرَةً عَرَضِيَّةٌ، والطَّبِيعِيَّةُ أقْوى مِنَ العَرَضِيَّةِ، وإذا لَمْ يَكُنْ أقْوى فَلا أقَلَّ مِنَ المُساواةِ، ثُمَّ إنَّ الرِّيحَ عِنْدَ حَرَكَتِها يُمْنَةً ويُسْرَةً رُبَّما تَقْوى عَلى قَلْعِ الأشْجارِ ورَمْيِ الجِدارِ بَلِ الجِبالِ، فَتِلْكَ الأجْزاءُ الدُّخانِيَّةُ عِنْدَما تَحَرَّكَتْ حَرَكَتُها الطَّبِيعِيَّةُ الَّتِي لَها وهي الحَرَكَةُ إلى السُّفْلِ وجَبَ أنْ تَهْدِمَ السَّقْفَ، ولَكِنّا نَرى الغُبارَ الكَثِيرَ يَنْزِلُ مِنَ الهَواءِ ويَسْقُطُ عَلى السَّقْفِ، ولا يُحَسُّ بِنُزُولِهِ فَضْلًا عَنْ أنْ يَهْدِمَهُ، فَثَبَتَ فَسادُ ما ذَكَرُوهُ.
المَقامُ الثّانِي: هَبْ أنَّ الأمْرَ كَما ذَكَرُوهُ ولَكِنَّ الأسْبابَ الفاعِلِيَّةَ والقابِلِيَّةَ لَها مَخْلُوقَةٌ لِلَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، فَإنَّهُ لَوْلا الشَّمْسُ وتَأْثِيرُها في تَصْعِيدِ الأبْخِرَةِ والأدْخِنَةِ ولَوْلا طَبَقاتُ الهَواءِ، وإلّا لَما حَدَثَتْ هَذِهِ الأُمُورُ، ومَعْلُومٌ أنَّ مَن وضَعَ أسْبابًا فَأدَّتْهُ إلى مَنافِعَ عَجِيبَةٍ وحِكَمٍ بالِغَةٍ، فَذَلِكَ الواضِعُ هو الَّذِي فَعَلَ تِلْكَ المَنافِعَ، فَعَلى جَمِيعِ الأحْوالِ لا بُدَّ مِن شَهادَةِ هَذِهِ الأُمُورِ عَلى مُدَبِّرٍ حَكِيمٍ واجِبٍ لِذاتِهِ، قَطْعًا لِسِلْسِلَةِ الحاجاتِ.
النمل 27:64
صفحة ١٨١
النوع الخامِسُ: ما يَتَعَلَّقُ بِالحَشْرِ والنَّشْرِ
﴿أمَّنْ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ومَن يَرْزُقُكم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمَّنْ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ومَن يَرْزُقُكم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا عَدَّدَ نِعَمَ الدُّنْيا أتْبَعَ ذَلِكَ بِنِعَمِ الآخِرَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿أمَّنْ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ لِأنَّ نِعَمَ الآخِرَةِ بِالثَّوابِ لا تَتِمُّ إلّا بِالإعادَةِ بَعْدَ الِابْتِداءِ والإبْلاغِ إلى حَدِّ التَّكْلِيفِ، فَقَدْ تَضَمَّنَ الكَلامُ كُلَّ هَذِهِ النِّعَمِ، ومَعْلُومٌ أنَّها لا تَتِمُّ إلّا بِالأرْزاقِ فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿ومَن يَرْزُقُكم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾، ثم قال: ﴿أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ مُنْكِرًا لِما هم عَلَيْهِ، ثُمَّ بَيَّنَ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ هاتُوا بُرْهانَكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أنْ لا بُرْهانَ لَكم، فَإذَنْ هم مُبْطِلُونَ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا بُدَّ في الدَّعْوى مِن وعَلى فَسادِ التَّقْلِيدِ، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ قِيلَ لَهم: ﴿أمَّنْ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ وهم مُنْكِرُونَ لِلْإعادَةِ ؟ جَوابُهُ: كانُوا مُعْتَرِفِينَ بِالِابْتِداءِ، ودَلالَةُ الِابْتِداءِ عَلى الإعادَةِ دَلالَةٌ ظاهِرَةٌ قَوِيَّةٌ، فَلَمّا كانَ الكَلامُ مَقْرُونًا بِالدَّلالَةِ الظّاهِرَةِ صارُوا كَأنَّهم لَمْ يَبْقَ لَهم عُذْرٌ في الإنْكارِ، وهَهُنا آخِرُ الدَّلائِلِ المَذْكُورَةِ عَلى كَمالِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى.
النمل 27:65
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ الغَيْبَ إلّا اللَّهُ وما يَشْعُرُونَ أيّانَ يُبْعَثُونَ﴾ ﴿بَلِ ادّارَكَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ بَلْ هم في شَكٍّ مِنها بَلْ هم مِنها عَمُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّهُ المُخْتَصُّ بِالقُدْرَةِ، فَكَذَلِكَ بَيَّنَ أنَّهُ هو المُخْتَصُّ بِعِلْمِ الغَيْبِ، وإذا ثَبَتَ ذَلِكَ ثَبْتَ أنَّهُ هو الإلَهُ المَعْبُودُ، لِأنَّ الإلَهَ هو الَّذِي يَصِحُّ مِنهُ مُجازاةُ مَن يَسْتَحِقُّ الثَّوابَ عَلى وجْهٍ لا يَلْتَبِسُ بِأهْلِ العِقابِ، فَإنْ قِيلَ: الِاسْتِثْناءُ حُكْمُهُ إخْراجُ ما لَوْلاهُ، لَوَجَبَ أوْ لَصَحَّ دُخُولُهُ تَحْتَ المُسْتَثْنى مِنهُ، ودَلَّتِ الآيَةُ هَهُنا عَلى اسْتِثْناءِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمَّنْ في السَّماواتِ والأرْضِ، فَوَجَبَ كَوْنُهُ مِمَّنْ في السَّماواتِ والأرْضِ وذَلِكَ يُوجِبُ كَوْنَهُ تَعالى في المَكانِ، والجَوابُ: هَذِهِ الآيَةُ مَتْرُوكَةُ الظّاهِرِ؛ لِأنَّ مَن قالَ: إنَّهُ تَعالى في المَكانِ زَعَمَ أنَّهُ فَوْقَ السَّماواتِ، ومَن قالَ: إنَّهُ لَيْسَ في مَكانٍ، فَقَدْ نَزَّهَهُ عَنْ كُلِّ الأمْكِنَةِ، فَثَبَتَ بِالإجْماعِ أنَّهُ تَعالى لَيْسَ في السَّماواتِ والأرْضِ، فَإذَنْ وجَبَ تَأْوِيلُهُ، فَنَقُولُ: إنَّهُ تَعالى مِمَّنْ في السَّماواتِ والأرْضِ، كَما يَقُولُ المُتَكَلِّمُونَ: اللَّهُ تَعالى في كُلِّ مَكانٍ عَلى مَعْنى أنَّ عِلْمَهُ في الأماكِنِ كُلِّها، لا يُقالُ: إنَّ كَوْنَهُ في السَّماواتِ والأرْضِ مَجازٌ، وكَوْنَهم فِيهِنَّ حَقِيقَةٌ، وإرادَةُ المُتَكَلِّمِ بِعِبارَةٍ واحِدَةٍ حَقِيقَةً ومَجازًا غَيْرُ جائِزَةٍ، لِأنّا نَقُولُ: كَوْنُهم في السَّماواتِ والأرْضِ، كَما أنَّهُ حاصِلٌ حَقِيقَةً، وهو حُصُولُ ذَواتِهِمْ في الأحْيازِ، فَكَذَلِكَ حاصِلٌ مَجازًا، وهو كَوْنُهم عالِمِينَ
صفحة ١٨٢
بِتِلْكَ الأمْكِنَةِ، فَإذا حَمَلْنا هَذِهِ الغَيْبَةَ عَلى المَعْنى المَجازِيِّ، وهو الكَوْنُ فِيها بِمَعْنى العِلْمِ دَخَلَ الرَّبُّ سُبْحانَهُ وتَعالى والعَبِيدُ فِيهِ، فَصَحَّ الِاسْتِثْناءُ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وما يَشْعُرُونَ﴾ فَهو صِفَةٌ لِأهْلِ السَّماواتِ والأرْضِ نَفى أنْ يَكُونَ لَهم عَلِمُ الغَيْبِ، وذَكَرَ في جُمْلَةِ الغَيْبِ مَتى البَعْثُ بِقَوْلِهِ: ﴿أيّانَ يُبْعَثُونَ﴾ فَأيّانَ بِمَعْنى مَتى وهي كَلِمَةٌ مُرَكَّبَةٌ مِن أيْ والآنَ، وهو الوَقْتُ، وقُرِئَ (إيّانَ) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿بَلِ ادّارَكَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ﴾ فاعْلَمْ أنَّ كَلامَ صاحِبِ ”الكَشّافِ“ فِيهِ مُرَتَّبٌ عَلى ثَلاثَةِ أبْحاثٍ:
البَحْثُ الأوَّلُ: فِيهِ اثْنَتا عَشْرَةَ قِراءَةً: بَلْ أدْرَكَ، بَلِ ادَّرَكَ، بَلِ ادّارَكَ، بَلْ تَدارَكَ، بَلْ أأدْرَكَ بِهَمْزَتَيْنِ، بَلْ آأدْرَكَ بِألْفٍ بَيْنَهُما، بَلْ آدْرَكَ بِالتَّخْفِيفِ والنَّقْلُ، بَلَ ادَّرَكَ بِفَتْحِ اللّامِ وتَشْدِيدِ الدّالِ، وأصْلُهُ: بَلْ أدَّرَكَ عَلى الِاسْتِفْهامِ، بَلى أدْرَكَ، بَلى أأدْرَكَ، أمْ تَدارَكَ، أمْ أدْرَكَ.
البَحْثُ الثّانِي: ادّارَكَ أصْلُهُ تَدارَكَ، فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الدّالِ، وأدَّرَكَ افْتَعَلَ.
البَحْثُ الثّالِثُ: مَعْنى ادَّرَكَ عِلْمُهُمُ انْتَهى وتَكامَلَ، وأدْرَكَ تَتابَعَ واسْتَحْكَمَ ثُمَّ فِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّ أسْبابَ اسْتِحْكامِ العِلْمِ وتَكامُلِهِ بِأنَّ القِيامَةَ كائِنَةٌ لا رَيْبَ فِيها قَدْ حَصَلَتْ لَهم، ومُكِّنُوا مِن مَعْرِفَتِها، وهم شاكُّونَ جاهِلُونَ، وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿بَلْ هم في شَكٍّ مِنها بَلْ هم مِنها عَمُونَ﴾ يُرِيدُ المُشْرِكِينَ مِمَّنْ في السَّماواتِ والأرْضِ؛ لِأنَّهم لَمّا كانُوا مِن جُمْلَتِهِمْ نُسِبَ فِعْلُهم إلى الجَمِيعِ، كَما يُقالُ: بَنُو فُلانٍ فَعَلُوا كَذا، وإنَّما فَعَلَهُ ناسٌ مِنهم. فَإنْ قِيلَ: الآيَةُ سِيقَتْ لِاخْتِصاصِ اللَّهِ تَعالى بِعِلْمِ الغَيْبِ، وإنَّ العِبادَ لا عِلْمَ لَهم بِشَيْءٍ مِنهُ، وإنَّ وقْتَ بَعْثِهِمْ ونُشُورِهِمْ مِن جُمْلَةِ الغَيْبِ وهم لا يَشْعُرُونَ بِهِ، فَكَيْفَ ناسَبَ هَذا المَعْنى وصْفَ المُشْرِكِينَ بِإنْكارِهِمُ البَعْثَ مَعَ اسْتِحْكامِ أسْبابِ العِلْمِ والتَّمَكُّنِ مِنَ المَعْرِفَةِ ؟ والجَوابُ: كَأنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ: كَيْفَ يَعْلَمُونَ الغَيْبَ مَعَ أنَّهم شَكُّوا في ثُبُوتِ الآخِرَةِ الَّتِي دَلَّتِ الدَّلائِلُ الظّاهِرَةُ القاهِرَةُ عَلَيْها، فَمَن غَفَلَ عَنْ هَذا الشَّيْءِ الظّاهِرِ، كَيْفَ يَعْلَمُ الغَيْبَ الَّذِي هو أخْفى الأشْياءِ ؟
الوجه الثّانِي: أنَّ وصْفَهم بِاسْتِحْكامِ العِلْمِ تَهَكُّمٌ بِهِمْ، كَما تَقُولُ لِأجْهَلِ النّاسِ ما أعْلَمَكَ عَلى سَبِيلِ الهُزُءِ، وذَلِكَ حَيْثُ شَكُّوا في إثْباتِ ما الطَّرِيقُ إلَيْهِ واضِحٌ ظاهِرٌ.
الوجه الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ أدْرَكَ بِمَعْنى انْتَهى وفَنِيَ مِن قَوْلِكَ: أدْرَكَتُ الثَّمَرَةَ؛ لِأنَّ تِلْكَ غايَتُها الَّتِي عِنْدَها تُعْدَمُ، وقَدْ فَسَّرَهُ الحَسَنُ بِاضْمَحَلَّ عِلْمُهم؛ وتَدارَكَ مِن تَدارَكَ بَنُو فُلانٍ إذا تَتابَعُوا في الهَلاكِ. أمّا وجْهُ قِراءَةِ مَن قَرَأ: بَلْ أأدْرَكَ عَلى الِاسْتِفْهامِ، فَهو أنَّهُ اسْتِفْهامٌ عَلى وجْهِ الإنْكارِ لِإدْراكِ عِلْمِهم، وكَذا مَن قَرَأ: أمْ أدْرَكَ وأمْ تَدارَكَ؛ لِأنَّها أمْ هي الَّتِي بِمَعْنى بَلْ والهَمْزَةِ، وأمّا مَن قَرَأ: بَلى أدْرَكَ، فَإنَّهُ لَمّا جاءَ بِبِلى بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿وما يَشْعُرُونَ﴾ كانَ مَعْناهُ بَلى يَشْعُرُونَ، ثُمَّ فَسَّرَ الشُّعُورَ بِقَوْلِهِ: أدْرَكَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ عَلى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ الَّذِي مَعْناهُ المُبالَغَةُ في نَفْيِ العِلْمِ، فَكَأنَّهُ قالَ: شُعُورُهم بِوَقْتِ الآخِرَةِ أنَّهم لا يَعْلَمُونَ كَوْنَها، فَيَرْجِعُ إلى نَفْيِ الشُّعُورِ عَلى أبْلَغِ ما يَكُونُ، وأمّا مَن قَرَأ: بَلى أأدْرَكَ عَلى الِاسْتِفْهامِ، فَمَعْناهُ: بَلى يَشْعُرُونَ مَتى يُبْعَثُونَ، ثُمَّ أنْكَرَ عِلْمَهم بِكَوْنِها وإذْ أُنْكِرَ عِلْمُهم بِكَوْنِها، لَمْ يَتَحَصَّلْ لَهم شُعُورٌ بِوَقْتِ كَوْنِها. فَإنْ قُلْتَ: هَذِهِ الإضْراباتُ الثَّلاثُ ما مَعْناها ؟ قُلْتُ: ما هي إلّا بَيانُ دَرَجاتِهِمْ وصَفَهم أوَّلًا بِأنَّهم لا يَشْعُرُونَ وقْتَ البَعْثِ، ثُمَّ بِأنَّهم لا يَعْلَمُونَ أنَّ القِيامَةَ كائِنَةٌ، ثُمَّ بِأنَّهم يَخْبِطُونَ في شَكٍّ ومِرْيَةٍ، ثُمَّ بِما هو أسْوَأُ حالًا وهو العَمى، وفِيهِ نُكْتَةٌ وهي أنَّهُ تَعالى جَعَلَ الآخِرَةَ مَبْدَأ
صفحة ١٨٣
عَماهم فَلِذَلِكَ عَدّاهُ بِمِن دُونَ عَنْ؛ لِأنَّ الفِكْرَ بِالعاقِبَةِ، والجَزاءُ هو الَّذِي جَعَلَهم كالبَهائِمِ.
النمل 27:66
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ الغَيْبَ إلّا اللَّهُ وما يَشْعُرُونَ أيّانَ يُبْعَثُونَ﴾ ﴿بَلِ ادّارَكَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ بَلْ هم في شَكٍّ مِنها بَلْ هم مِنها عَمُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّهُ المُخْتَصُّ بِالقُدْرَةِ، فَكَذَلِكَ بَيَّنَ أنَّهُ هو المُخْتَصُّ بِعِلْمِ الغَيْبِ، وإذا ثَبَتَ ذَلِكَ ثَبْتَ أنَّهُ هو الإلَهُ المَعْبُودُ، لِأنَّ الإلَهَ هو الَّذِي يَصِحُّ مِنهُ مُجازاةُ مَن يَسْتَحِقُّ الثَّوابَ عَلى وجْهٍ لا يَلْتَبِسُ بِأهْلِ العِقابِ، فَإنْ قِيلَ: الِاسْتِثْناءُ حُكْمُهُ إخْراجُ ما لَوْلاهُ، لَوَجَبَ أوْ لَصَحَّ دُخُولُهُ تَحْتَ المُسْتَثْنى مِنهُ، ودَلَّتِ الآيَةُ هَهُنا عَلى اسْتِثْناءِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمَّنْ في السَّماواتِ والأرْضِ، فَوَجَبَ كَوْنُهُ مِمَّنْ في السَّماواتِ والأرْضِ وذَلِكَ يُوجِبُ كَوْنَهُ تَعالى في المَكانِ، والجَوابُ: هَذِهِ الآيَةُ مَتْرُوكَةُ الظّاهِرِ؛ لِأنَّ مَن قالَ: إنَّهُ تَعالى في المَكانِ زَعَمَ أنَّهُ فَوْقَ السَّماواتِ، ومَن قالَ: إنَّهُ لَيْسَ في مَكانٍ، فَقَدْ نَزَّهَهُ عَنْ كُلِّ الأمْكِنَةِ، فَثَبَتَ بِالإجْماعِ أنَّهُ تَعالى لَيْسَ في السَّماواتِ والأرْضِ، فَإذَنْ وجَبَ تَأْوِيلُهُ، فَنَقُولُ: إنَّهُ تَعالى مِمَّنْ في السَّماواتِ والأرْضِ، كَما يَقُولُ المُتَكَلِّمُونَ: اللَّهُ تَعالى في كُلِّ مَكانٍ عَلى مَعْنى أنَّ عِلْمَهُ في الأماكِنِ كُلِّها، لا يُقالُ: إنَّ كَوْنَهُ في السَّماواتِ والأرْضِ مَجازٌ، وكَوْنَهم فِيهِنَّ حَقِيقَةٌ، وإرادَةُ المُتَكَلِّمِ بِعِبارَةٍ واحِدَةٍ حَقِيقَةً ومَجازًا غَيْرُ جائِزَةٍ، لِأنّا نَقُولُ: كَوْنُهم في السَّماواتِ والأرْضِ، كَما أنَّهُ حاصِلٌ حَقِيقَةً، وهو حُصُولُ ذَواتِهِمْ في الأحْيازِ، فَكَذَلِكَ حاصِلٌ مَجازًا، وهو كَوْنُهم عالِمِينَ
صفحة ١٨٢
بِتِلْكَ الأمْكِنَةِ، فَإذا حَمَلْنا هَذِهِ الغَيْبَةَ عَلى المَعْنى المَجازِيِّ، وهو الكَوْنُ فِيها بِمَعْنى العِلْمِ دَخَلَ الرَّبُّ سُبْحانَهُ وتَعالى والعَبِيدُ فِيهِ، فَصَحَّ الِاسْتِثْناءُ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وما يَشْعُرُونَ﴾ فَهو صِفَةٌ لِأهْلِ السَّماواتِ والأرْضِ نَفى أنْ يَكُونَ لَهم عَلِمُ الغَيْبِ، وذَكَرَ في جُمْلَةِ الغَيْبِ مَتى البَعْثُ بِقَوْلِهِ: ﴿أيّانَ يُبْعَثُونَ﴾ فَأيّانَ بِمَعْنى مَتى وهي كَلِمَةٌ مُرَكَّبَةٌ مِن أيْ والآنَ، وهو الوَقْتُ، وقُرِئَ (إيّانَ) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿بَلِ ادّارَكَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ﴾ فاعْلَمْ أنَّ كَلامَ صاحِبِ ”الكَشّافِ“ فِيهِ مُرَتَّبٌ عَلى ثَلاثَةِ أبْحاثٍ:
البَحْثُ الأوَّلُ: فِيهِ اثْنَتا عَشْرَةَ قِراءَةً: بَلْ أدْرَكَ، بَلِ ادَّرَكَ، بَلِ ادّارَكَ، بَلْ تَدارَكَ، بَلْ أأدْرَكَ بِهَمْزَتَيْنِ، بَلْ آأدْرَكَ بِألْفٍ بَيْنَهُما، بَلْ آدْرَكَ بِالتَّخْفِيفِ والنَّقْلُ، بَلَ ادَّرَكَ بِفَتْحِ اللّامِ وتَشْدِيدِ الدّالِ، وأصْلُهُ: بَلْ أدَّرَكَ عَلى الِاسْتِفْهامِ، بَلى أدْرَكَ، بَلى أأدْرَكَ، أمْ تَدارَكَ، أمْ أدْرَكَ.
البَحْثُ الثّانِي: ادّارَكَ أصْلُهُ تَدارَكَ، فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الدّالِ، وأدَّرَكَ افْتَعَلَ.
البَحْثُ الثّالِثُ: مَعْنى ادَّرَكَ عِلْمُهُمُ انْتَهى وتَكامَلَ، وأدْرَكَ تَتابَعَ واسْتَحْكَمَ ثُمَّ فِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّ أسْبابَ اسْتِحْكامِ العِلْمِ وتَكامُلِهِ بِأنَّ القِيامَةَ كائِنَةٌ لا رَيْبَ فِيها قَدْ حَصَلَتْ لَهم، ومُكِّنُوا مِن مَعْرِفَتِها، وهم شاكُّونَ جاهِلُونَ، وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿بَلْ هم في شَكٍّ مِنها بَلْ هم مِنها عَمُونَ﴾ يُرِيدُ المُشْرِكِينَ مِمَّنْ في السَّماواتِ والأرْضِ؛ لِأنَّهم لَمّا كانُوا مِن جُمْلَتِهِمْ نُسِبَ فِعْلُهم إلى الجَمِيعِ، كَما يُقالُ: بَنُو فُلانٍ فَعَلُوا كَذا، وإنَّما فَعَلَهُ ناسٌ مِنهم. فَإنْ قِيلَ: الآيَةُ سِيقَتْ لِاخْتِصاصِ اللَّهِ تَعالى بِعِلْمِ الغَيْبِ، وإنَّ العِبادَ لا عِلْمَ لَهم بِشَيْءٍ مِنهُ، وإنَّ وقْتَ بَعْثِهِمْ ونُشُورِهِمْ مِن جُمْلَةِ الغَيْبِ وهم لا يَشْعُرُونَ بِهِ، فَكَيْفَ ناسَبَ هَذا المَعْنى وصْفَ المُشْرِكِينَ بِإنْكارِهِمُ البَعْثَ مَعَ اسْتِحْكامِ أسْبابِ العِلْمِ والتَّمَكُّنِ مِنَ المَعْرِفَةِ ؟ والجَوابُ: كَأنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ: كَيْفَ يَعْلَمُونَ الغَيْبَ مَعَ أنَّهم شَكُّوا في ثُبُوتِ الآخِرَةِ الَّتِي دَلَّتِ الدَّلائِلُ الظّاهِرَةُ القاهِرَةُ عَلَيْها، فَمَن غَفَلَ عَنْ هَذا الشَّيْءِ الظّاهِرِ، كَيْفَ يَعْلَمُ الغَيْبَ الَّذِي هو أخْفى الأشْياءِ ؟
الوجه الثّانِي: أنَّ وصْفَهم بِاسْتِحْكامِ العِلْمِ تَهَكُّمٌ بِهِمْ، كَما تَقُولُ لِأجْهَلِ النّاسِ ما أعْلَمَكَ عَلى سَبِيلِ الهُزُءِ، وذَلِكَ حَيْثُ شَكُّوا في إثْباتِ ما الطَّرِيقُ إلَيْهِ واضِحٌ ظاهِرٌ.
الوجه الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ أدْرَكَ بِمَعْنى انْتَهى وفَنِيَ مِن قَوْلِكَ: أدْرَكَتُ الثَّمَرَةَ؛ لِأنَّ تِلْكَ غايَتُها الَّتِي عِنْدَها تُعْدَمُ، وقَدْ فَسَّرَهُ الحَسَنُ بِاضْمَحَلَّ عِلْمُهم؛ وتَدارَكَ مِن تَدارَكَ بَنُو فُلانٍ إذا تَتابَعُوا في الهَلاكِ. أمّا وجْهُ قِراءَةِ مَن قَرَأ: بَلْ أأدْرَكَ عَلى الِاسْتِفْهامِ، فَهو أنَّهُ اسْتِفْهامٌ عَلى وجْهِ الإنْكارِ لِإدْراكِ عِلْمِهم، وكَذا مَن قَرَأ: أمْ أدْرَكَ وأمْ تَدارَكَ؛ لِأنَّها أمْ هي الَّتِي بِمَعْنى بَلْ والهَمْزَةِ، وأمّا مَن قَرَأ: بَلى أدْرَكَ، فَإنَّهُ لَمّا جاءَ بِبِلى بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿وما يَشْعُرُونَ﴾ كانَ مَعْناهُ بَلى يَشْعُرُونَ، ثُمَّ فَسَّرَ الشُّعُورَ بِقَوْلِهِ: أدْرَكَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ عَلى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ الَّذِي مَعْناهُ المُبالَغَةُ في نَفْيِ العِلْمِ، فَكَأنَّهُ قالَ: شُعُورُهم بِوَقْتِ الآخِرَةِ أنَّهم لا يَعْلَمُونَ كَوْنَها، فَيَرْجِعُ إلى نَفْيِ الشُّعُورِ عَلى أبْلَغِ ما يَكُونُ، وأمّا مَن قَرَأ: بَلى أأدْرَكَ عَلى الِاسْتِفْهامِ، فَمَعْناهُ: بَلى يَشْعُرُونَ مَتى يُبْعَثُونَ، ثُمَّ أنْكَرَ عِلْمَهم بِكَوْنِها وإذْ أُنْكِرَ عِلْمُهم بِكَوْنِها، لَمْ يَتَحَصَّلْ لَهم شُعُورٌ بِوَقْتِ كَوْنِها. فَإنْ قُلْتَ: هَذِهِ الإضْراباتُ الثَّلاثُ ما مَعْناها ؟ قُلْتُ: ما هي إلّا بَيانُ دَرَجاتِهِمْ وصَفَهم أوَّلًا بِأنَّهم لا يَشْعُرُونَ وقْتَ البَعْثِ، ثُمَّ بِأنَّهم لا يَعْلَمُونَ أنَّ القِيامَةَ كائِنَةٌ، ثُمَّ بِأنَّهم يَخْبِطُونَ في شَكٍّ ومِرْيَةٍ، ثُمَّ بِما هو أسْوَأُ حالًا وهو العَمى، وفِيهِ نُكْتَةٌ وهي أنَّهُ تَعالى جَعَلَ الآخِرَةَ مَبْدَأ
صفحة ١٨٣
عَماهم فَلِذَلِكَ عَدّاهُ بِمِن دُونَ عَنْ؛ لِأنَّ الفِكْرَ بِالعاقِبَةِ، والجَزاءُ هو الَّذِي جَعَلَهم كالبَهائِمِ.
النمل 27:67
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أئِذا كُنّا تُرابًا وآباؤُنا أئِنّا لَمُخْرَجُونَ﴾ ﴿لَقَدْ وُعِدْنا هَذا نَحْنُ وآباؤُنا مِن قَبْلُ إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُجْرِمِينَ﴾ ﴿ولا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ولا تَكُ في ضَيْقٍ مِمّا يَمْكُرُونَ﴾ ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿قُلْ عَسى أنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكم بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَشْكُرُونَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهم وما يُعْلِنُونَ﴾ ﴿وما مِن غائِبَةٍ في السَّماءِ والأرْضِ إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا تَكَلَّمَ في حالِ المَبْدَأِ تَكَلَّمَ بَعْدَهُ في حالِ المَعادِ، وذَلِكَ لِأنَّ الشَّكَّ في المَعادِ لا يَنْشَأُ إلّا مِنَ الشَّكِّ في كَمالِ القُدْرَةِ، أوْ في كَمالِ العِلْمِ، فَإذا ثَبَتَ كَوْنُهُ تَعالى قادِرًا عَلى كُلِّ المُمْكِناتِ، وعالِمًا بِكُلِّ المَعْلُوماتِ، ثَبَتَ أنَّهُ تَعالى يُمْكِنُهُ تَمْيِيزُ أجْزاءِ بَدَنِ كُلِّ واحِدٍ مِنَ المُكَلَّفِينَ عَنْ أجْزاءِ بَدَنِ غَيْرِهِ، وثَبَتَ أنَّهُ قادِرٌ عَلى أنْ يُعِيدَ التَّرْكِيبَ والحَياةَ إلَيْها، وإذا ثَبَتَ إمْكانُ ذَلِكَ ثَبَتَ صِحَّةُ القَوْلِ بِالحَشْرِ، فَلَمّا بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى هَذَيْنِ الأصْلَيْنِ فِيما قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ، لا جَرَمَ لَمْ يَحْكِهِ في هَذِهِ الآيَةِ، فَحَكى عَنْهم أنَّهم تَعَجَّبُوا مِن إخْراجِهِمْ أحْياءً، وقَدْ صارُوا تُرابًا. وطَعَنُوا فِيهِ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: قَوْلُهم: ﴿لَقَدْ وُعِدْنا هَذا نَحْنُ وآباؤُنا﴾ أيْ هَذا كَلامٌ كَما قِيلَ لَنا فَقَدْ قِيلَ لِمَن قَبْلَنا، ولَمْ يَظْهَرْ لَهُ أثَرٌ، فَهو إذَنْ مِن أساطِيرِ الأوَّلِينَ، يُرِيدُونَ: ما لا يَصِحُّ مِنَ الأخْبارِ، فَإنْ قِيلَ: ذَكَرَ هَهُنا ﴿لَقَدْ وُعِدْنا هَذا نَحْنُ وآباؤُنا﴾ وفي آيَةٍ أُخْرى: ﴿لَقَدْ وُعِدْنا نَحْنُ وآباؤُنا هَذا﴾ فَما الفَرْقُ ؟ قُلْنا: التَّقْدِيمُ دَلِيلٌ عَلى أنَّ المُقَدَّمَ هو المَقْصُودُ الأصْلِيُّ، وأنَّ الكَلامَ سِيقَ لِأجْلِهِ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا كانَ قَدْ بَيَّنَ الدَّلالَةَ عَلى هَذَيْنِ الأصْلَيْنِ، ومِنَ الظّاهِرِ أنَّ كُلَّ مَن أحاطَ بِهِما فَقَدْ عَرَفَ صِحَّةَ الحَشْرِ والنَّشْرِ ثَبَتَ أنَّهم أعْرَضُوا عَنْها ولَمْ يَتَأمَّلُوها، وكانَ سَبَبُ ذَلِكَ الإعْراضِ حُبَّ الدُّنْيا وحُبَّ الرِّياسَةِ والجاهِ وعَدَمَ الِانْقِيادِ لِلْغَيْرِ، لا جَرَمَ اقْتَصَرَ عَلى بَيانِ أنَّ الدُّنْيا فانِيَةٌ زائِلَةٌ، فَقالَ: ﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُجْرِمِينَ﴾ وفِيهِ سُؤالانِ:
صفحة ١٨٤
السُّؤالُ الأوَّلُ: لِمَ لَمْ يَقُلْ: كَيْفَ كانَتْ عاقِبَةُ المُجْرِمِينَ ؟ جَوابُهُ: لِأنَّ تَأْنِيثَها غَيْرُ حَقِيقِيٍّ، ولِأنَّ المَعْنى كَيْفَ كانَ آخِرُ أمْرِهِمْ.
السُّؤالُ الثّانِي: لِمَ لَمْ يَقُلْ عاقِبَةَ الكافِرِينَ ؟ جَوابُهُ: الغَرَضُ أنْ يَحْصُلَ التَّخْوِيفُ لِكُلِّ العُصاةِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى صَبَّرَ رَسُولَهُ عَلى ما يَنالُهُ مِن هَؤُلاءِ الكُفّارِ، فَقالَ: ﴿ولا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ولا تَكُ في ضَيْقٍ مِمّا يَمْكُرُونَ﴾ فَجَمَعَ بَيْنَ إزالَةِ الغَمِّ عَنْهُ بِكُفْرِهِمْ، وبَيْنَ إزالَةِ الخَوْفِ مِن جانِبِهِمْ، وصارَ ذَلِكَ كالتَّكَفُّلِ بِنُصْرَتِهِ عَلَيْهِمْ، وقَوْلُهُ: ﴿ولا تَكُ في ضَيْقٍ﴾ أيْ في حَرَجِ قَلْبٍ، يُقالُ: ضاقَ الشَّيْءُ ضَيْقًا وضِيقًا بِالفَتْحِ والكَسْرِ، والضَّيْقُ تَخْفِيفُ الضَّيِّقِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ: في أمْرٍ ضَيِّقٍ مِن مَكْرِهِمْ.
الوجه الثّانِي لِلْكَفّارِ قَوْلُهم: ﴿مَتى هَذا الوَعْدُ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ دَلَّ عَلى أنَّهم ذَكَرُوا ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ السُّخْرِيَةِ فَأجابَ اللَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿عَسى أنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكم بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ وهو عَذابُ يَوْمِ بَدْرٍ، فَزِيدَتِ اللّامُ لِلتَّأْكِيدِ كالباءِ في ﴿ولا تُلْقُوا بِأيْدِيكُمْ﴾ (البَقَرَةِ: ١٩٥) أوْ ضُمِّنَ مَعْنى فِعْلٍ يَتَعَدّى بِاللّامِ، نَحْوُ دَنا لَكم وأزِفَ لَكم، ومَعْناهُ تَبِعَكم ولَحِقَكم، وقَرَأ الأعْرَجُ: (رَدَفَ لَكم) بِوَزْنِ ذَهَبَ وهُما لُغَتانِ، والكَسْرُ أفْصَحُ، وهَهُنا بَحْثانِ:
البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّ عَسى ولَعَلَّ في وعْدِ المُلُوكِ ووَعِيدِهِمْ يَدُلّانِ عَلى صِدْقِ الأمْرِ، وإنَّما يَعْنُونَ بِذَلِكَ إظْهارَ وقارِهِمْ، وأنَّهم لا يُعَجِّلُونَ بِالِانْتِقامِ لِوُثُوقِهِمْ بِأنَّ عَدُوَّهم لا يَفُوتُهم، فَعَلى ذَلِكَ جَرى وعْدُ اللَّهِ ووَعِيدُهُ.
الثّانِي: أنَّهُ قَدْ ثَبَتَ بِالدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ أنَّ عَذابَ الحِجابِ أشَدُّ مِن عَذابِ النّارِ، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿كَلّا إنَّهم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّهم لَصالُو الجَحِيمِ﴾ (المُطَفِّفِينَ: ١٥ - ١٦) فَقَدَّمَ الحِجابَ عَلى الجَحِيمِ، ثُمَّ إنَّهم كانُوا مَحْجُوبِينَ في الحالِ، فَكانَ سَبَبُ العَذابِ بِكَمالِهِ حاصِلًا، إلّا أنَّ الِاشْتِغالَ بِالدُّنْيا ولَذّاتِها كالعائِقِ عَنْ إدْراكِ ذَلِكَ الألَمِ، كَما أنَّ العُضْوَ الخَدِرَ إذا مَسَّتْهُ النّارُ، فَإنَّ سَبَبَ الألَمِ حاصِلٌ في الحالِ، لَكِنَّهُ لا يَحْصُلُ الشُّعُورُ بِذَلِكَ الألَمِ لِقِيامِ العائِقِ، فَإذا زالَ العائِقُ عَظُمَ البَلاءُ، فَكَذا هَهُنا إذا زالَ البَدَنُ عَظُمَ عَذابُ الحِجابِ، فَقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿عَسى أنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكم بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ يَعْنِي المُقْتَضِيَ لَهُ والمُؤَثِّرَ فِيهِ حاصِلٌ، وتَمامُهُ: إنَّما يَحْصُلُ بَعْدَ المَوْتِ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ بَيَّنَ السَّبَبَ في تَرْكِ تَعْجِيلِ العَذابِ، فَقالَ: ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ﴾ والفَضْلُ الإفْضالُ، ومَعْناهُ: أنَّهُ مُتَفَضِّلٌ عَلَيْهِمْ بِتَأْخِيرِ العُقُوبَةِ، وأكْثَرُهم لا يَعْرِفُونَ هَذِهِ النِّعْمَةَ ولا يَشْكُرُونَها، وهَذِهِ الآيَةُ تُبْطِلُ قَوْلَ مَن قالَ: إنَّهُ لا نِعْمَةَ لِلَّهِ عَلى الكُفّارِ، ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّهُ مُطَّلِعٌ عَلى ما في قُلُوبِهِمْ، فَقالَ: ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهم وما يُعْلِنُونَ﴾ وهَهُنا بَحْثٌ عَقْلِيٌّ، وهو أنَّهُ قَدَّمَ ما تُكِنُّهُ صُدُورُهم عَلى ما يُعْلِنُونَ مِنَ العِلْمِ، والسَّبَبُ أنَّ ما تُكِنُّهُ صُدُورُهم هو الدَّواعِي والقُصُودُ، وهي أسْبابٌ لِما يُعْلِنُونَ، وهي أفْعالُ الجَوارِحِ، والعِلْمُ بِالعِلَّةِ عِلَّةٌ لِلْعِلْمِ بِالمَعْلُولِ، فَهَذا هو السَّبَبُ في ذَلِكَ التَّقْدِيمِ، قُرِئَ ( تَكُنُّ) يُقالُ: كَنَنْتُ الشَّيْءَ وأكْنَنْتُهُ إذا سَتَرْتَهُ وأخْفَيْتَهُ، يَعْنِي أنَّهُ تَعالى يَعْلَمُ ما يُخْفُونَ وما يُعْلِنُونَ مِن عَداوَةِ الرَّسُولِ ومَكايِدِهِمْ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وما مِن غائِبَةٍ﴾ فَقالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: سُمِّيَ الشَّيْءُ الَّذِي يَغِيبُ ويَخْفى غائِبَةٌ وخافِيَةٌ، فَكانَتِ التّاءُ فِيها بِمَنزِلَتِها في العاقِبَةِ والعافِيَةِ والنَّطِيحَةِ والذَّبِيحَةِ والرَّمِيَّةِ في أنَّها أسْماءٌ غَيْرُ صِفاتٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونا صِفَتَيْنِ وتاؤُهُما لِلْمُبالَغَةِ كالرّاوِيَةِ في قَوْلِهِمْ: ويْلٌ لِلشّاعِرِ مِن راوِيَةِ السُّوءِ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: وما مِن شَيْءٍ شَدِيدِ الغَيْبُوبَةِ والخَفاءِ، إلّا وقَدْ عَلِمَهُ اللَّهُ تَعالى وأحاطَ بِهِ، وأثْبَتَهُ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ. والمُبَيَّنِ الظّاهِرِ البَيِّنِ لِمَن يَنْظُرُ فِيهِ مِنَ المَلائِكَةِ.
النمل 27:68
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أئِذا كُنّا تُرابًا وآباؤُنا أئِنّا لَمُخْرَجُونَ﴾ ﴿لَقَدْ وُعِدْنا هَذا نَحْنُ وآباؤُنا مِن قَبْلُ إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُجْرِمِينَ﴾ ﴿ولا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ولا تَكُ في ضَيْقٍ مِمّا يَمْكُرُونَ﴾ ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿قُلْ عَسى أنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكم بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَشْكُرُونَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهم وما يُعْلِنُونَ﴾ ﴿وما مِن غائِبَةٍ في السَّماءِ والأرْضِ إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا تَكَلَّمَ في حالِ المَبْدَأِ تَكَلَّمَ بَعْدَهُ في حالِ المَعادِ، وذَلِكَ لِأنَّ الشَّكَّ في المَعادِ لا يَنْشَأُ إلّا مِنَ الشَّكِّ في كَمالِ القُدْرَةِ، أوْ في كَمالِ العِلْمِ، فَإذا ثَبَتَ كَوْنُهُ تَعالى قادِرًا عَلى كُلِّ المُمْكِناتِ، وعالِمًا بِكُلِّ المَعْلُوماتِ، ثَبَتَ أنَّهُ تَعالى يُمْكِنُهُ تَمْيِيزُ أجْزاءِ بَدَنِ كُلِّ واحِدٍ مِنَ المُكَلَّفِينَ عَنْ أجْزاءِ بَدَنِ غَيْرِهِ، وثَبَتَ أنَّهُ قادِرٌ عَلى أنْ يُعِيدَ التَّرْكِيبَ والحَياةَ إلَيْها، وإذا ثَبَتَ إمْكانُ ذَلِكَ ثَبَتَ صِحَّةُ القَوْلِ بِالحَشْرِ، فَلَمّا بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى هَذَيْنِ الأصْلَيْنِ فِيما قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ، لا جَرَمَ لَمْ يَحْكِهِ في هَذِهِ الآيَةِ، فَحَكى عَنْهم أنَّهم تَعَجَّبُوا مِن إخْراجِهِمْ أحْياءً، وقَدْ صارُوا تُرابًا. وطَعَنُوا فِيهِ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: قَوْلُهم: ﴿لَقَدْ وُعِدْنا هَذا نَحْنُ وآباؤُنا﴾ أيْ هَذا كَلامٌ كَما قِيلَ لَنا فَقَدْ قِيلَ لِمَن قَبْلَنا، ولَمْ يَظْهَرْ لَهُ أثَرٌ، فَهو إذَنْ مِن أساطِيرِ الأوَّلِينَ، يُرِيدُونَ: ما لا يَصِحُّ مِنَ الأخْبارِ، فَإنْ قِيلَ: ذَكَرَ هَهُنا ﴿لَقَدْ وُعِدْنا هَذا نَحْنُ وآباؤُنا﴾ وفي آيَةٍ أُخْرى: ﴿لَقَدْ وُعِدْنا نَحْنُ وآباؤُنا هَذا﴾ فَما الفَرْقُ ؟ قُلْنا: التَّقْدِيمُ دَلِيلٌ عَلى أنَّ المُقَدَّمَ هو المَقْصُودُ الأصْلِيُّ، وأنَّ الكَلامَ سِيقَ لِأجْلِهِ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا كانَ قَدْ بَيَّنَ الدَّلالَةَ عَلى هَذَيْنِ الأصْلَيْنِ، ومِنَ الظّاهِرِ أنَّ كُلَّ مَن أحاطَ بِهِما فَقَدْ عَرَفَ صِحَّةَ الحَشْرِ والنَّشْرِ ثَبَتَ أنَّهم أعْرَضُوا عَنْها ولَمْ يَتَأمَّلُوها، وكانَ سَبَبُ ذَلِكَ الإعْراضِ حُبَّ الدُّنْيا وحُبَّ الرِّياسَةِ والجاهِ وعَدَمَ الِانْقِيادِ لِلْغَيْرِ، لا جَرَمَ اقْتَصَرَ عَلى بَيانِ أنَّ الدُّنْيا فانِيَةٌ زائِلَةٌ، فَقالَ: ﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُجْرِمِينَ﴾ وفِيهِ سُؤالانِ:
صفحة ١٨٤
السُّؤالُ الأوَّلُ: لِمَ لَمْ يَقُلْ: كَيْفَ كانَتْ عاقِبَةُ المُجْرِمِينَ ؟ جَوابُهُ: لِأنَّ تَأْنِيثَها غَيْرُ حَقِيقِيٍّ، ولِأنَّ المَعْنى كَيْفَ كانَ آخِرُ أمْرِهِمْ.
السُّؤالُ الثّانِي: لِمَ لَمْ يَقُلْ عاقِبَةَ الكافِرِينَ ؟ جَوابُهُ: الغَرَضُ أنْ يَحْصُلَ التَّخْوِيفُ لِكُلِّ العُصاةِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى صَبَّرَ رَسُولَهُ عَلى ما يَنالُهُ مِن هَؤُلاءِ الكُفّارِ، فَقالَ: ﴿ولا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ولا تَكُ في ضَيْقٍ مِمّا يَمْكُرُونَ﴾ فَجَمَعَ بَيْنَ إزالَةِ الغَمِّ عَنْهُ بِكُفْرِهِمْ، وبَيْنَ إزالَةِ الخَوْفِ مِن جانِبِهِمْ، وصارَ ذَلِكَ كالتَّكَفُّلِ بِنُصْرَتِهِ عَلَيْهِمْ، وقَوْلُهُ: ﴿ولا تَكُ في ضَيْقٍ﴾ أيْ في حَرَجِ قَلْبٍ، يُقالُ: ضاقَ الشَّيْءُ ضَيْقًا وضِيقًا بِالفَتْحِ والكَسْرِ، والضَّيْقُ تَخْفِيفُ الضَّيِّقِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ: في أمْرٍ ضَيِّقٍ مِن مَكْرِهِمْ.
الوجه الثّانِي لِلْكَفّارِ قَوْلُهم: ﴿مَتى هَذا الوَعْدُ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ دَلَّ عَلى أنَّهم ذَكَرُوا ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ السُّخْرِيَةِ فَأجابَ اللَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿عَسى أنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكم بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ وهو عَذابُ يَوْمِ بَدْرٍ، فَزِيدَتِ اللّامُ لِلتَّأْكِيدِ كالباءِ في ﴿ولا تُلْقُوا بِأيْدِيكُمْ﴾ (البَقَرَةِ: ١٩٥) أوْ ضُمِّنَ مَعْنى فِعْلٍ يَتَعَدّى بِاللّامِ، نَحْوُ دَنا لَكم وأزِفَ لَكم، ومَعْناهُ تَبِعَكم ولَحِقَكم، وقَرَأ الأعْرَجُ: (رَدَفَ لَكم) بِوَزْنِ ذَهَبَ وهُما لُغَتانِ، والكَسْرُ أفْصَحُ، وهَهُنا بَحْثانِ:
البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّ عَسى ولَعَلَّ في وعْدِ المُلُوكِ ووَعِيدِهِمْ يَدُلّانِ عَلى صِدْقِ الأمْرِ، وإنَّما يَعْنُونَ بِذَلِكَ إظْهارَ وقارِهِمْ، وأنَّهم لا يُعَجِّلُونَ بِالِانْتِقامِ لِوُثُوقِهِمْ بِأنَّ عَدُوَّهم لا يَفُوتُهم، فَعَلى ذَلِكَ جَرى وعْدُ اللَّهِ ووَعِيدُهُ.
الثّانِي: أنَّهُ قَدْ ثَبَتَ بِالدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ أنَّ عَذابَ الحِجابِ أشَدُّ مِن عَذابِ النّارِ، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿كَلّا إنَّهم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّهم لَصالُو الجَحِيمِ﴾ (المُطَفِّفِينَ: ١٥ - ١٦) فَقَدَّمَ الحِجابَ عَلى الجَحِيمِ، ثُمَّ إنَّهم كانُوا مَحْجُوبِينَ في الحالِ، فَكانَ سَبَبُ العَذابِ بِكَمالِهِ حاصِلًا، إلّا أنَّ الِاشْتِغالَ بِالدُّنْيا ولَذّاتِها كالعائِقِ عَنْ إدْراكِ ذَلِكَ الألَمِ، كَما أنَّ العُضْوَ الخَدِرَ إذا مَسَّتْهُ النّارُ، فَإنَّ سَبَبَ الألَمِ حاصِلٌ في الحالِ، لَكِنَّهُ لا يَحْصُلُ الشُّعُورُ بِذَلِكَ الألَمِ لِقِيامِ العائِقِ، فَإذا زالَ العائِقُ عَظُمَ البَلاءُ، فَكَذا هَهُنا إذا زالَ البَدَنُ عَظُمَ عَذابُ الحِجابِ، فَقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿عَسى أنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكم بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ يَعْنِي المُقْتَضِيَ لَهُ والمُؤَثِّرَ فِيهِ حاصِلٌ، وتَمامُهُ: إنَّما يَحْصُلُ بَعْدَ المَوْتِ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ بَيَّنَ السَّبَبَ في تَرْكِ تَعْجِيلِ العَذابِ، فَقالَ: ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ﴾ والفَضْلُ الإفْضالُ، ومَعْناهُ: أنَّهُ مُتَفَضِّلٌ عَلَيْهِمْ بِتَأْخِيرِ العُقُوبَةِ، وأكْثَرُهم لا يَعْرِفُونَ هَذِهِ النِّعْمَةَ ولا يَشْكُرُونَها، وهَذِهِ الآيَةُ تُبْطِلُ قَوْلَ مَن قالَ: إنَّهُ لا نِعْمَةَ لِلَّهِ عَلى الكُفّارِ، ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّهُ مُطَّلِعٌ عَلى ما في قُلُوبِهِمْ، فَقالَ: ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهم وما يُعْلِنُونَ﴾ وهَهُنا بَحْثٌ عَقْلِيٌّ، وهو أنَّهُ قَدَّمَ ما تُكِنُّهُ صُدُورُهم عَلى ما يُعْلِنُونَ مِنَ العِلْمِ، والسَّبَبُ أنَّ ما تُكِنُّهُ صُدُورُهم هو الدَّواعِي والقُصُودُ، وهي أسْبابٌ لِما يُعْلِنُونَ، وهي أفْعالُ الجَوارِحِ، والعِلْمُ بِالعِلَّةِ عِلَّةٌ لِلْعِلْمِ بِالمَعْلُولِ، فَهَذا هو السَّبَبُ في ذَلِكَ التَّقْدِيمِ، قُرِئَ ( تَكُنُّ) يُقالُ: كَنَنْتُ الشَّيْءَ وأكْنَنْتُهُ إذا سَتَرْتَهُ وأخْفَيْتَهُ، يَعْنِي أنَّهُ تَعالى يَعْلَمُ ما يُخْفُونَ وما يُعْلِنُونَ مِن عَداوَةِ الرَّسُولِ ومَكايِدِهِمْ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وما مِن غائِبَةٍ﴾ فَقالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: سُمِّيَ الشَّيْءُ الَّذِي يَغِيبُ ويَخْفى غائِبَةٌ وخافِيَةٌ، فَكانَتِ التّاءُ فِيها بِمَنزِلَتِها في العاقِبَةِ والعافِيَةِ والنَّطِيحَةِ والذَّبِيحَةِ والرَّمِيَّةِ في أنَّها أسْماءٌ غَيْرُ صِفاتٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونا صِفَتَيْنِ وتاؤُهُما لِلْمُبالَغَةِ كالرّاوِيَةِ في قَوْلِهِمْ: ويْلٌ لِلشّاعِرِ مِن راوِيَةِ السُّوءِ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: وما مِن شَيْءٍ شَدِيدِ الغَيْبُوبَةِ والخَفاءِ، إلّا وقَدْ عَلِمَهُ اللَّهُ تَعالى وأحاطَ بِهِ، وأثْبَتَهُ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ. والمُبَيَّنِ الظّاهِرِ البَيِّنِ لِمَن يَنْظُرُ فِيهِ مِنَ المَلائِكَةِ.
النمل 27:69
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أئِذا كُنّا تُرابًا وآباؤُنا أئِنّا لَمُخْرَجُونَ﴾ ﴿لَقَدْ وُعِدْنا هَذا نَحْنُ وآباؤُنا مِن قَبْلُ إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُجْرِمِينَ﴾ ﴿ولا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ولا تَكُ في ضَيْقٍ مِمّا يَمْكُرُونَ﴾ ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿قُلْ عَسى أنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكم بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَشْكُرُونَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهم وما يُعْلِنُونَ﴾ ﴿وما مِن غائِبَةٍ في السَّماءِ والأرْضِ إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا تَكَلَّمَ في حالِ المَبْدَأِ تَكَلَّمَ بَعْدَهُ في حالِ المَعادِ، وذَلِكَ لِأنَّ الشَّكَّ في المَعادِ لا يَنْشَأُ إلّا مِنَ الشَّكِّ في كَمالِ القُدْرَةِ، أوْ في كَمالِ العِلْمِ، فَإذا ثَبَتَ كَوْنُهُ تَعالى قادِرًا عَلى كُلِّ المُمْكِناتِ، وعالِمًا بِكُلِّ المَعْلُوماتِ، ثَبَتَ أنَّهُ تَعالى يُمْكِنُهُ تَمْيِيزُ أجْزاءِ بَدَنِ كُلِّ واحِدٍ مِنَ المُكَلَّفِينَ عَنْ أجْزاءِ بَدَنِ غَيْرِهِ، وثَبَتَ أنَّهُ قادِرٌ عَلى أنْ يُعِيدَ التَّرْكِيبَ والحَياةَ إلَيْها، وإذا ثَبَتَ إمْكانُ ذَلِكَ ثَبَتَ صِحَّةُ القَوْلِ بِالحَشْرِ، فَلَمّا بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى هَذَيْنِ الأصْلَيْنِ فِيما قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ، لا جَرَمَ لَمْ يَحْكِهِ في هَذِهِ الآيَةِ، فَحَكى عَنْهم أنَّهم تَعَجَّبُوا مِن إخْراجِهِمْ أحْياءً، وقَدْ صارُوا تُرابًا. وطَعَنُوا فِيهِ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: قَوْلُهم: ﴿لَقَدْ وُعِدْنا هَذا نَحْنُ وآباؤُنا﴾ أيْ هَذا كَلامٌ كَما قِيلَ لَنا فَقَدْ قِيلَ لِمَن قَبْلَنا، ولَمْ يَظْهَرْ لَهُ أثَرٌ، فَهو إذَنْ مِن أساطِيرِ الأوَّلِينَ، يُرِيدُونَ: ما لا يَصِحُّ مِنَ الأخْبارِ، فَإنْ قِيلَ: ذَكَرَ هَهُنا ﴿لَقَدْ وُعِدْنا هَذا نَحْنُ وآباؤُنا﴾ وفي آيَةٍ أُخْرى: ﴿لَقَدْ وُعِدْنا نَحْنُ وآباؤُنا هَذا﴾ فَما الفَرْقُ ؟ قُلْنا: التَّقْدِيمُ دَلِيلٌ عَلى أنَّ المُقَدَّمَ هو المَقْصُودُ الأصْلِيُّ، وأنَّ الكَلامَ سِيقَ لِأجْلِهِ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا كانَ قَدْ بَيَّنَ الدَّلالَةَ عَلى هَذَيْنِ الأصْلَيْنِ، ومِنَ الظّاهِرِ أنَّ كُلَّ مَن أحاطَ بِهِما فَقَدْ عَرَفَ صِحَّةَ الحَشْرِ والنَّشْرِ ثَبَتَ أنَّهم أعْرَضُوا عَنْها ولَمْ يَتَأمَّلُوها، وكانَ سَبَبُ ذَلِكَ الإعْراضِ حُبَّ الدُّنْيا وحُبَّ الرِّياسَةِ والجاهِ وعَدَمَ الِانْقِيادِ لِلْغَيْرِ، لا جَرَمَ اقْتَصَرَ عَلى بَيانِ أنَّ الدُّنْيا فانِيَةٌ زائِلَةٌ، فَقالَ: ﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُجْرِمِينَ﴾ وفِيهِ سُؤالانِ:
صفحة ١٨٤
السُّؤالُ الأوَّلُ: لِمَ لَمْ يَقُلْ: كَيْفَ كانَتْ عاقِبَةُ المُجْرِمِينَ ؟ جَوابُهُ: لِأنَّ تَأْنِيثَها غَيْرُ حَقِيقِيٍّ، ولِأنَّ المَعْنى كَيْفَ كانَ آخِرُ أمْرِهِمْ.
السُّؤالُ الثّانِي: لِمَ لَمْ يَقُلْ عاقِبَةَ الكافِرِينَ ؟ جَوابُهُ: الغَرَضُ أنْ يَحْصُلَ التَّخْوِيفُ لِكُلِّ العُصاةِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى صَبَّرَ رَسُولَهُ عَلى ما يَنالُهُ مِن هَؤُلاءِ الكُفّارِ، فَقالَ: ﴿ولا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ولا تَكُ في ضَيْقٍ مِمّا يَمْكُرُونَ﴾ فَجَمَعَ بَيْنَ إزالَةِ الغَمِّ عَنْهُ بِكُفْرِهِمْ، وبَيْنَ إزالَةِ الخَوْفِ مِن جانِبِهِمْ، وصارَ ذَلِكَ كالتَّكَفُّلِ بِنُصْرَتِهِ عَلَيْهِمْ، وقَوْلُهُ: ﴿ولا تَكُ في ضَيْقٍ﴾ أيْ في حَرَجِ قَلْبٍ، يُقالُ: ضاقَ الشَّيْءُ ضَيْقًا وضِيقًا بِالفَتْحِ والكَسْرِ، والضَّيْقُ تَخْفِيفُ الضَّيِّقِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ: في أمْرٍ ضَيِّقٍ مِن مَكْرِهِمْ.
الوجه الثّانِي لِلْكَفّارِ قَوْلُهم: ﴿مَتى هَذا الوَعْدُ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ دَلَّ عَلى أنَّهم ذَكَرُوا ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ السُّخْرِيَةِ فَأجابَ اللَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿عَسى أنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكم بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ وهو عَذابُ يَوْمِ بَدْرٍ، فَزِيدَتِ اللّامُ لِلتَّأْكِيدِ كالباءِ في ﴿ولا تُلْقُوا بِأيْدِيكُمْ﴾ (البَقَرَةِ: ١٩٥) أوْ ضُمِّنَ مَعْنى فِعْلٍ يَتَعَدّى بِاللّامِ، نَحْوُ دَنا لَكم وأزِفَ لَكم، ومَعْناهُ تَبِعَكم ولَحِقَكم، وقَرَأ الأعْرَجُ: (رَدَفَ لَكم) بِوَزْنِ ذَهَبَ وهُما لُغَتانِ، والكَسْرُ أفْصَحُ، وهَهُنا بَحْثانِ:
البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّ عَسى ولَعَلَّ في وعْدِ المُلُوكِ ووَعِيدِهِمْ يَدُلّانِ عَلى صِدْقِ الأمْرِ، وإنَّما يَعْنُونَ بِذَلِكَ إظْهارَ وقارِهِمْ، وأنَّهم لا يُعَجِّلُونَ بِالِانْتِقامِ لِوُثُوقِهِمْ بِأنَّ عَدُوَّهم لا يَفُوتُهم، فَعَلى ذَلِكَ جَرى وعْدُ اللَّهِ ووَعِيدُهُ.
الثّانِي: أنَّهُ قَدْ ثَبَتَ بِالدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ أنَّ عَذابَ الحِجابِ أشَدُّ مِن عَذابِ النّارِ، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿كَلّا إنَّهم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّهم لَصالُو الجَحِيمِ﴾ (المُطَفِّفِينَ: ١٥ - ١٦) فَقَدَّمَ الحِجابَ عَلى الجَحِيمِ، ثُمَّ إنَّهم كانُوا مَحْجُوبِينَ في الحالِ، فَكانَ سَبَبُ العَذابِ بِكَمالِهِ حاصِلًا، إلّا أنَّ الِاشْتِغالَ بِالدُّنْيا ولَذّاتِها كالعائِقِ عَنْ إدْراكِ ذَلِكَ الألَمِ، كَما أنَّ العُضْوَ الخَدِرَ إذا مَسَّتْهُ النّارُ، فَإنَّ سَبَبَ الألَمِ حاصِلٌ في الحالِ، لَكِنَّهُ لا يَحْصُلُ الشُّعُورُ بِذَلِكَ الألَمِ لِقِيامِ العائِقِ، فَإذا زالَ العائِقُ عَظُمَ البَلاءُ، فَكَذا هَهُنا إذا زالَ البَدَنُ عَظُمَ عَذابُ الحِجابِ، فَقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿عَسى أنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكم بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ يَعْنِي المُقْتَضِيَ لَهُ والمُؤَثِّرَ فِيهِ حاصِلٌ، وتَمامُهُ: إنَّما يَحْصُلُ بَعْدَ المَوْتِ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ بَيَّنَ السَّبَبَ في تَرْكِ تَعْجِيلِ العَذابِ، فَقالَ: ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ﴾ والفَضْلُ الإفْضالُ، ومَعْناهُ: أنَّهُ مُتَفَضِّلٌ عَلَيْهِمْ بِتَأْخِيرِ العُقُوبَةِ، وأكْثَرُهم لا يَعْرِفُونَ هَذِهِ النِّعْمَةَ ولا يَشْكُرُونَها، وهَذِهِ الآيَةُ تُبْطِلُ قَوْلَ مَن قالَ: إنَّهُ لا نِعْمَةَ لِلَّهِ عَلى الكُفّارِ، ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّهُ مُطَّلِعٌ عَلى ما في قُلُوبِهِمْ، فَقالَ: ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهم وما يُعْلِنُونَ﴾ وهَهُنا بَحْثٌ عَقْلِيٌّ، وهو أنَّهُ قَدَّمَ ما تُكِنُّهُ صُدُورُهم عَلى ما يُعْلِنُونَ مِنَ العِلْمِ، والسَّبَبُ أنَّ ما تُكِنُّهُ صُدُورُهم هو الدَّواعِي والقُصُودُ، وهي أسْبابٌ لِما يُعْلِنُونَ، وهي أفْعالُ الجَوارِحِ، والعِلْمُ بِالعِلَّةِ عِلَّةٌ لِلْعِلْمِ بِالمَعْلُولِ، فَهَذا هو السَّبَبُ في ذَلِكَ التَّقْدِيمِ، قُرِئَ ( تَكُنُّ) يُقالُ: كَنَنْتُ الشَّيْءَ وأكْنَنْتُهُ إذا سَتَرْتَهُ وأخْفَيْتَهُ، يَعْنِي أنَّهُ تَعالى يَعْلَمُ ما يُخْفُونَ وما يُعْلِنُونَ مِن عَداوَةِ الرَّسُولِ ومَكايِدِهِمْ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وما مِن غائِبَةٍ﴾ فَقالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: سُمِّيَ الشَّيْءُ الَّذِي يَغِيبُ ويَخْفى غائِبَةٌ وخافِيَةٌ، فَكانَتِ التّاءُ فِيها بِمَنزِلَتِها في العاقِبَةِ والعافِيَةِ والنَّطِيحَةِ والذَّبِيحَةِ والرَّمِيَّةِ في أنَّها أسْماءٌ غَيْرُ صِفاتٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونا صِفَتَيْنِ وتاؤُهُما لِلْمُبالَغَةِ كالرّاوِيَةِ في قَوْلِهِمْ: ويْلٌ لِلشّاعِرِ مِن راوِيَةِ السُّوءِ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: وما مِن شَيْءٍ شَدِيدِ الغَيْبُوبَةِ والخَفاءِ، إلّا وقَدْ عَلِمَهُ اللَّهُ تَعالى وأحاطَ بِهِ، وأثْبَتَهُ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ. والمُبَيَّنِ الظّاهِرِ البَيِّنِ لِمَن يَنْظُرُ فِيهِ مِنَ المَلائِكَةِ.
النمل 27:70
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أئِذا كُنّا تُرابًا وآباؤُنا أئِنّا لَمُخْرَجُونَ﴾ ﴿لَقَدْ وُعِدْنا هَذا نَحْنُ وآباؤُنا مِن قَبْلُ إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُجْرِمِينَ﴾ ﴿ولا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ولا تَكُ في ضَيْقٍ مِمّا يَمْكُرُونَ﴾ ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿قُلْ عَسى أنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكم بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَشْكُرُونَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهم وما يُعْلِنُونَ﴾ ﴿وما مِن غائِبَةٍ في السَّماءِ والأرْضِ إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا تَكَلَّمَ في حالِ المَبْدَأِ تَكَلَّمَ بَعْدَهُ في حالِ المَعادِ، وذَلِكَ لِأنَّ الشَّكَّ في المَعادِ لا يَنْشَأُ إلّا مِنَ الشَّكِّ في كَمالِ القُدْرَةِ، أوْ في كَمالِ العِلْمِ، فَإذا ثَبَتَ كَوْنُهُ تَعالى قادِرًا عَلى كُلِّ المُمْكِناتِ، وعالِمًا بِكُلِّ المَعْلُوماتِ، ثَبَتَ أنَّهُ تَعالى يُمْكِنُهُ تَمْيِيزُ أجْزاءِ بَدَنِ كُلِّ واحِدٍ مِنَ المُكَلَّفِينَ عَنْ أجْزاءِ بَدَنِ غَيْرِهِ، وثَبَتَ أنَّهُ قادِرٌ عَلى أنْ يُعِيدَ التَّرْكِيبَ والحَياةَ إلَيْها، وإذا ثَبَتَ إمْكانُ ذَلِكَ ثَبَتَ صِحَّةُ القَوْلِ بِالحَشْرِ، فَلَمّا بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى هَذَيْنِ الأصْلَيْنِ فِيما قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ، لا جَرَمَ لَمْ يَحْكِهِ في هَذِهِ الآيَةِ، فَحَكى عَنْهم أنَّهم تَعَجَّبُوا مِن إخْراجِهِمْ أحْياءً، وقَدْ صارُوا تُرابًا. وطَعَنُوا فِيهِ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: قَوْلُهم: ﴿لَقَدْ وُعِدْنا هَذا نَحْنُ وآباؤُنا﴾ أيْ هَذا كَلامٌ كَما قِيلَ لَنا فَقَدْ قِيلَ لِمَن قَبْلَنا، ولَمْ يَظْهَرْ لَهُ أثَرٌ، فَهو إذَنْ مِن أساطِيرِ الأوَّلِينَ، يُرِيدُونَ: ما لا يَصِحُّ مِنَ الأخْبارِ، فَإنْ قِيلَ: ذَكَرَ هَهُنا ﴿لَقَدْ وُعِدْنا هَذا نَحْنُ وآباؤُنا﴾ وفي آيَةٍ أُخْرى: ﴿لَقَدْ وُعِدْنا نَحْنُ وآباؤُنا هَذا﴾ فَما الفَرْقُ ؟ قُلْنا: التَّقْدِيمُ دَلِيلٌ عَلى أنَّ المُقَدَّمَ هو المَقْصُودُ الأصْلِيُّ، وأنَّ الكَلامَ سِيقَ لِأجْلِهِ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا كانَ قَدْ بَيَّنَ الدَّلالَةَ عَلى هَذَيْنِ الأصْلَيْنِ، ومِنَ الظّاهِرِ أنَّ كُلَّ مَن أحاطَ بِهِما فَقَدْ عَرَفَ صِحَّةَ الحَشْرِ والنَّشْرِ ثَبَتَ أنَّهم أعْرَضُوا عَنْها ولَمْ يَتَأمَّلُوها، وكانَ سَبَبُ ذَلِكَ الإعْراضِ حُبَّ الدُّنْيا وحُبَّ الرِّياسَةِ والجاهِ وعَدَمَ الِانْقِيادِ لِلْغَيْرِ، لا جَرَمَ اقْتَصَرَ عَلى بَيانِ أنَّ الدُّنْيا فانِيَةٌ زائِلَةٌ، فَقالَ: ﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُجْرِمِينَ﴾ وفِيهِ سُؤالانِ:
صفحة ١٨٤
السُّؤالُ الأوَّلُ: لِمَ لَمْ يَقُلْ: كَيْفَ كانَتْ عاقِبَةُ المُجْرِمِينَ ؟ جَوابُهُ: لِأنَّ تَأْنِيثَها غَيْرُ حَقِيقِيٍّ، ولِأنَّ المَعْنى كَيْفَ كانَ آخِرُ أمْرِهِمْ.
السُّؤالُ الثّانِي: لِمَ لَمْ يَقُلْ عاقِبَةَ الكافِرِينَ ؟ جَوابُهُ: الغَرَضُ أنْ يَحْصُلَ التَّخْوِيفُ لِكُلِّ العُصاةِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى صَبَّرَ رَسُولَهُ عَلى ما يَنالُهُ مِن هَؤُلاءِ الكُفّارِ، فَقالَ: ﴿ولا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ولا تَكُ في ضَيْقٍ مِمّا يَمْكُرُونَ﴾ فَجَمَعَ بَيْنَ إزالَةِ الغَمِّ عَنْهُ بِكُفْرِهِمْ، وبَيْنَ إزالَةِ الخَوْفِ مِن جانِبِهِمْ، وصارَ ذَلِكَ كالتَّكَفُّلِ بِنُصْرَتِهِ عَلَيْهِمْ، وقَوْلُهُ: ﴿ولا تَكُ في ضَيْقٍ﴾ أيْ في حَرَجِ قَلْبٍ، يُقالُ: ضاقَ الشَّيْءُ ضَيْقًا وضِيقًا بِالفَتْحِ والكَسْرِ، والضَّيْقُ تَخْفِيفُ الضَّيِّقِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ: في أمْرٍ ضَيِّقٍ مِن مَكْرِهِمْ.
الوجه الثّانِي لِلْكَفّارِ قَوْلُهم: ﴿مَتى هَذا الوَعْدُ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ دَلَّ عَلى أنَّهم ذَكَرُوا ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ السُّخْرِيَةِ فَأجابَ اللَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿عَسى أنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكم بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ وهو عَذابُ يَوْمِ بَدْرٍ، فَزِيدَتِ اللّامُ لِلتَّأْكِيدِ كالباءِ في ﴿ولا تُلْقُوا بِأيْدِيكُمْ﴾ (البَقَرَةِ: ١٩٥) أوْ ضُمِّنَ مَعْنى فِعْلٍ يَتَعَدّى بِاللّامِ، نَحْوُ دَنا لَكم وأزِفَ لَكم، ومَعْناهُ تَبِعَكم ولَحِقَكم، وقَرَأ الأعْرَجُ: (رَدَفَ لَكم) بِوَزْنِ ذَهَبَ وهُما لُغَتانِ، والكَسْرُ أفْصَحُ، وهَهُنا بَحْثانِ:
البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّ عَسى ولَعَلَّ في وعْدِ المُلُوكِ ووَعِيدِهِمْ يَدُلّانِ عَلى صِدْقِ الأمْرِ، وإنَّما يَعْنُونَ بِذَلِكَ إظْهارَ وقارِهِمْ، وأنَّهم لا يُعَجِّلُونَ بِالِانْتِقامِ لِوُثُوقِهِمْ بِأنَّ عَدُوَّهم لا يَفُوتُهم، فَعَلى ذَلِكَ جَرى وعْدُ اللَّهِ ووَعِيدُهُ.
الثّانِي: أنَّهُ قَدْ ثَبَتَ بِالدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ أنَّ عَذابَ الحِجابِ أشَدُّ مِن عَذابِ النّارِ، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿كَلّا إنَّهم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّهم لَصالُو الجَحِيمِ﴾ (المُطَفِّفِينَ: ١٥ - ١٦) فَقَدَّمَ الحِجابَ عَلى الجَحِيمِ، ثُمَّ إنَّهم كانُوا مَحْجُوبِينَ في الحالِ، فَكانَ سَبَبُ العَذابِ بِكَمالِهِ حاصِلًا، إلّا أنَّ الِاشْتِغالَ بِالدُّنْيا ولَذّاتِها كالعائِقِ عَنْ إدْراكِ ذَلِكَ الألَمِ، كَما أنَّ العُضْوَ الخَدِرَ إذا مَسَّتْهُ النّارُ، فَإنَّ سَبَبَ الألَمِ حاصِلٌ في الحالِ، لَكِنَّهُ لا يَحْصُلُ الشُّعُورُ بِذَلِكَ الألَمِ لِقِيامِ العائِقِ، فَإذا زالَ العائِقُ عَظُمَ البَلاءُ، فَكَذا هَهُنا إذا زالَ البَدَنُ عَظُمَ عَذابُ الحِجابِ، فَقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿عَسى أنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكم بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ يَعْنِي المُقْتَضِيَ لَهُ والمُؤَثِّرَ فِيهِ حاصِلٌ، وتَمامُهُ: إنَّما يَحْصُلُ بَعْدَ المَوْتِ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ بَيَّنَ السَّبَبَ في تَرْكِ تَعْجِيلِ العَذابِ، فَقالَ: ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ﴾ والفَضْلُ الإفْضالُ، ومَعْناهُ: أنَّهُ مُتَفَضِّلٌ عَلَيْهِمْ بِتَأْخِيرِ العُقُوبَةِ، وأكْثَرُهم لا يَعْرِفُونَ هَذِهِ النِّعْمَةَ ولا يَشْكُرُونَها، وهَذِهِ الآيَةُ تُبْطِلُ قَوْلَ مَن قالَ: إنَّهُ لا نِعْمَةَ لِلَّهِ عَلى الكُفّارِ، ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّهُ مُطَّلِعٌ عَلى ما في قُلُوبِهِمْ، فَقالَ: ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهم وما يُعْلِنُونَ﴾ وهَهُنا بَحْثٌ عَقْلِيٌّ، وهو أنَّهُ قَدَّمَ ما تُكِنُّهُ صُدُورُهم عَلى ما يُعْلِنُونَ مِنَ العِلْمِ، والسَّبَبُ أنَّ ما تُكِنُّهُ صُدُورُهم هو الدَّواعِي والقُصُودُ، وهي أسْبابٌ لِما يُعْلِنُونَ، وهي أفْعالُ الجَوارِحِ، والعِلْمُ بِالعِلَّةِ عِلَّةٌ لِلْعِلْمِ بِالمَعْلُولِ، فَهَذا هو السَّبَبُ في ذَلِكَ التَّقْدِيمِ، قُرِئَ ( تَكُنُّ) يُقالُ: كَنَنْتُ الشَّيْءَ وأكْنَنْتُهُ إذا سَتَرْتَهُ وأخْفَيْتَهُ، يَعْنِي أنَّهُ تَعالى يَعْلَمُ ما يُخْفُونَ وما يُعْلِنُونَ مِن عَداوَةِ الرَّسُولِ ومَكايِدِهِمْ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وما مِن غائِبَةٍ﴾ فَقالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: سُمِّيَ الشَّيْءُ الَّذِي يَغِيبُ ويَخْفى غائِبَةٌ وخافِيَةٌ، فَكانَتِ التّاءُ فِيها بِمَنزِلَتِها في العاقِبَةِ والعافِيَةِ والنَّطِيحَةِ والذَّبِيحَةِ والرَّمِيَّةِ في أنَّها أسْماءٌ غَيْرُ صِفاتٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونا صِفَتَيْنِ وتاؤُهُما لِلْمُبالَغَةِ كالرّاوِيَةِ في قَوْلِهِمْ: ويْلٌ لِلشّاعِرِ مِن راوِيَةِ السُّوءِ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: وما مِن شَيْءٍ شَدِيدِ الغَيْبُوبَةِ والخَفاءِ، إلّا وقَدْ عَلِمَهُ اللَّهُ تَعالى وأحاطَ بِهِ، وأثْبَتَهُ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ. والمُبَيَّنِ الظّاهِرِ البَيِّنِ لِمَن يَنْظُرُ فِيهِ مِنَ المَلائِكَةِ.
النمل 27:71
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أئِذا كُنّا تُرابًا وآباؤُنا أئِنّا لَمُخْرَجُونَ﴾ ﴿لَقَدْ وُعِدْنا هَذا نَحْنُ وآباؤُنا مِن قَبْلُ إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُجْرِمِينَ﴾ ﴿ولا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ولا تَكُ في ضَيْقٍ مِمّا يَمْكُرُونَ﴾ ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿قُلْ عَسى أنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكم بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَشْكُرُونَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهم وما يُعْلِنُونَ﴾ ﴿وما مِن غائِبَةٍ في السَّماءِ والأرْضِ إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا تَكَلَّمَ في حالِ المَبْدَأِ تَكَلَّمَ بَعْدَهُ في حالِ المَعادِ، وذَلِكَ لِأنَّ الشَّكَّ في المَعادِ لا يَنْشَأُ إلّا مِنَ الشَّكِّ في كَمالِ القُدْرَةِ، أوْ في كَمالِ العِلْمِ، فَإذا ثَبَتَ كَوْنُهُ تَعالى قادِرًا عَلى كُلِّ المُمْكِناتِ، وعالِمًا بِكُلِّ المَعْلُوماتِ، ثَبَتَ أنَّهُ تَعالى يُمْكِنُهُ تَمْيِيزُ أجْزاءِ بَدَنِ كُلِّ واحِدٍ مِنَ المُكَلَّفِينَ عَنْ أجْزاءِ بَدَنِ غَيْرِهِ، وثَبَتَ أنَّهُ قادِرٌ عَلى أنْ يُعِيدَ التَّرْكِيبَ والحَياةَ إلَيْها، وإذا ثَبَتَ إمْكانُ ذَلِكَ ثَبَتَ صِحَّةُ القَوْلِ بِالحَشْرِ، فَلَمّا بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى هَذَيْنِ الأصْلَيْنِ فِيما قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ، لا جَرَمَ لَمْ يَحْكِهِ في هَذِهِ الآيَةِ، فَحَكى عَنْهم أنَّهم تَعَجَّبُوا مِن إخْراجِهِمْ أحْياءً، وقَدْ صارُوا تُرابًا. وطَعَنُوا فِيهِ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: قَوْلُهم: ﴿لَقَدْ وُعِدْنا هَذا نَحْنُ وآباؤُنا﴾ أيْ هَذا كَلامٌ كَما قِيلَ لَنا فَقَدْ قِيلَ لِمَن قَبْلَنا، ولَمْ يَظْهَرْ لَهُ أثَرٌ، فَهو إذَنْ مِن أساطِيرِ الأوَّلِينَ، يُرِيدُونَ: ما لا يَصِحُّ مِنَ الأخْبارِ، فَإنْ قِيلَ: ذَكَرَ هَهُنا ﴿لَقَدْ وُعِدْنا هَذا نَحْنُ وآباؤُنا﴾ وفي آيَةٍ أُخْرى: ﴿لَقَدْ وُعِدْنا نَحْنُ وآباؤُنا هَذا﴾ فَما الفَرْقُ ؟ قُلْنا: التَّقْدِيمُ دَلِيلٌ عَلى أنَّ المُقَدَّمَ هو المَقْصُودُ الأصْلِيُّ، وأنَّ الكَلامَ سِيقَ لِأجْلِهِ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا كانَ قَدْ بَيَّنَ الدَّلالَةَ عَلى هَذَيْنِ الأصْلَيْنِ، ومِنَ الظّاهِرِ أنَّ كُلَّ مَن أحاطَ بِهِما فَقَدْ عَرَفَ صِحَّةَ الحَشْرِ والنَّشْرِ ثَبَتَ أنَّهم أعْرَضُوا عَنْها ولَمْ يَتَأمَّلُوها، وكانَ سَبَبُ ذَلِكَ الإعْراضِ حُبَّ الدُّنْيا وحُبَّ الرِّياسَةِ والجاهِ وعَدَمَ الِانْقِيادِ لِلْغَيْرِ، لا جَرَمَ اقْتَصَرَ عَلى بَيانِ أنَّ الدُّنْيا فانِيَةٌ زائِلَةٌ، فَقالَ: ﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُجْرِمِينَ﴾ وفِيهِ سُؤالانِ:
صفحة ١٨٤
السُّؤالُ الأوَّلُ: لِمَ لَمْ يَقُلْ: كَيْفَ كانَتْ عاقِبَةُ المُجْرِمِينَ ؟ جَوابُهُ: لِأنَّ تَأْنِيثَها غَيْرُ حَقِيقِيٍّ، ولِأنَّ المَعْنى كَيْفَ كانَ آخِرُ أمْرِهِمْ.
السُّؤالُ الثّانِي: لِمَ لَمْ يَقُلْ عاقِبَةَ الكافِرِينَ ؟ جَوابُهُ: الغَرَضُ أنْ يَحْصُلَ التَّخْوِيفُ لِكُلِّ العُصاةِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى صَبَّرَ رَسُولَهُ عَلى ما يَنالُهُ مِن هَؤُلاءِ الكُفّارِ، فَقالَ: ﴿ولا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ولا تَكُ في ضَيْقٍ مِمّا يَمْكُرُونَ﴾ فَجَمَعَ بَيْنَ إزالَةِ الغَمِّ عَنْهُ بِكُفْرِهِمْ، وبَيْنَ إزالَةِ الخَوْفِ مِن جانِبِهِمْ، وصارَ ذَلِكَ كالتَّكَفُّلِ بِنُصْرَتِهِ عَلَيْهِمْ، وقَوْلُهُ: ﴿ولا تَكُ في ضَيْقٍ﴾ أيْ في حَرَجِ قَلْبٍ، يُقالُ: ضاقَ الشَّيْءُ ضَيْقًا وضِيقًا بِالفَتْحِ والكَسْرِ، والضَّيْقُ تَخْفِيفُ الضَّيِّقِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ: في أمْرٍ ضَيِّقٍ مِن مَكْرِهِمْ.
الوجه الثّانِي لِلْكَفّارِ قَوْلُهم: ﴿مَتى هَذا الوَعْدُ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ دَلَّ عَلى أنَّهم ذَكَرُوا ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ السُّخْرِيَةِ فَأجابَ اللَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿عَسى أنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكم بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ وهو عَذابُ يَوْمِ بَدْرٍ، فَزِيدَتِ اللّامُ لِلتَّأْكِيدِ كالباءِ في ﴿ولا تُلْقُوا بِأيْدِيكُمْ﴾ (البَقَرَةِ: ١٩٥) أوْ ضُمِّنَ مَعْنى فِعْلٍ يَتَعَدّى بِاللّامِ، نَحْوُ دَنا لَكم وأزِفَ لَكم، ومَعْناهُ تَبِعَكم ولَحِقَكم، وقَرَأ الأعْرَجُ: (رَدَفَ لَكم) بِوَزْنِ ذَهَبَ وهُما لُغَتانِ، والكَسْرُ أفْصَحُ، وهَهُنا بَحْثانِ:
البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّ عَسى ولَعَلَّ في وعْدِ المُلُوكِ ووَعِيدِهِمْ يَدُلّانِ عَلى صِدْقِ الأمْرِ، وإنَّما يَعْنُونَ بِذَلِكَ إظْهارَ وقارِهِمْ، وأنَّهم لا يُعَجِّلُونَ بِالِانْتِقامِ لِوُثُوقِهِمْ بِأنَّ عَدُوَّهم لا يَفُوتُهم، فَعَلى ذَلِكَ جَرى وعْدُ اللَّهِ ووَعِيدُهُ.
الثّانِي: أنَّهُ قَدْ ثَبَتَ بِالدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ أنَّ عَذابَ الحِجابِ أشَدُّ مِن عَذابِ النّارِ، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿كَلّا إنَّهم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّهم لَصالُو الجَحِيمِ﴾ (المُطَفِّفِينَ: ١٥ - ١٦) فَقَدَّمَ الحِجابَ عَلى الجَحِيمِ، ثُمَّ إنَّهم كانُوا مَحْجُوبِينَ في الحالِ، فَكانَ سَبَبُ العَذابِ بِكَمالِهِ حاصِلًا، إلّا أنَّ الِاشْتِغالَ بِالدُّنْيا ولَذّاتِها كالعائِقِ عَنْ إدْراكِ ذَلِكَ الألَمِ، كَما أنَّ العُضْوَ الخَدِرَ إذا مَسَّتْهُ النّارُ، فَإنَّ سَبَبَ الألَمِ حاصِلٌ في الحالِ، لَكِنَّهُ لا يَحْصُلُ الشُّعُورُ بِذَلِكَ الألَمِ لِقِيامِ العائِقِ، فَإذا زالَ العائِقُ عَظُمَ البَلاءُ، فَكَذا هَهُنا إذا زالَ البَدَنُ عَظُمَ عَذابُ الحِجابِ، فَقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿عَسى أنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكم بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ يَعْنِي المُقْتَضِيَ لَهُ والمُؤَثِّرَ فِيهِ حاصِلٌ، وتَمامُهُ: إنَّما يَحْصُلُ بَعْدَ المَوْتِ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ بَيَّنَ السَّبَبَ في تَرْكِ تَعْجِيلِ العَذابِ، فَقالَ: ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ﴾ والفَضْلُ الإفْضالُ، ومَعْناهُ: أنَّهُ مُتَفَضِّلٌ عَلَيْهِمْ بِتَأْخِيرِ العُقُوبَةِ، وأكْثَرُهم لا يَعْرِفُونَ هَذِهِ النِّعْمَةَ ولا يَشْكُرُونَها، وهَذِهِ الآيَةُ تُبْطِلُ قَوْلَ مَن قالَ: إنَّهُ لا نِعْمَةَ لِلَّهِ عَلى الكُفّارِ، ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّهُ مُطَّلِعٌ عَلى ما في قُلُوبِهِمْ، فَقالَ: ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهم وما يُعْلِنُونَ﴾ وهَهُنا بَحْثٌ عَقْلِيٌّ، وهو أنَّهُ قَدَّمَ ما تُكِنُّهُ صُدُورُهم عَلى ما يُعْلِنُونَ مِنَ العِلْمِ، والسَّبَبُ أنَّ ما تُكِنُّهُ صُدُورُهم هو الدَّواعِي والقُصُودُ، وهي أسْبابٌ لِما يُعْلِنُونَ، وهي أفْعالُ الجَوارِحِ، والعِلْمُ بِالعِلَّةِ عِلَّةٌ لِلْعِلْمِ بِالمَعْلُولِ، فَهَذا هو السَّبَبُ في ذَلِكَ التَّقْدِيمِ، قُرِئَ ( تَكُنُّ) يُقالُ: كَنَنْتُ الشَّيْءَ وأكْنَنْتُهُ إذا سَتَرْتَهُ وأخْفَيْتَهُ، يَعْنِي أنَّهُ تَعالى يَعْلَمُ ما يُخْفُونَ وما يُعْلِنُونَ مِن عَداوَةِ الرَّسُولِ ومَكايِدِهِمْ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وما مِن غائِبَةٍ﴾ فَقالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: سُمِّيَ الشَّيْءُ الَّذِي يَغِيبُ ويَخْفى غائِبَةٌ وخافِيَةٌ، فَكانَتِ التّاءُ فِيها بِمَنزِلَتِها في العاقِبَةِ والعافِيَةِ والنَّطِيحَةِ والذَّبِيحَةِ والرَّمِيَّةِ في أنَّها أسْماءٌ غَيْرُ صِفاتٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونا صِفَتَيْنِ وتاؤُهُما لِلْمُبالَغَةِ كالرّاوِيَةِ في قَوْلِهِمْ: ويْلٌ لِلشّاعِرِ مِن راوِيَةِ السُّوءِ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: وما مِن شَيْءٍ شَدِيدِ الغَيْبُوبَةِ والخَفاءِ، إلّا وقَدْ عَلِمَهُ اللَّهُ تَعالى وأحاطَ بِهِ، وأثْبَتَهُ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ. والمُبَيَّنِ الظّاهِرِ البَيِّنِ لِمَن يَنْظُرُ فِيهِ مِنَ المَلائِكَةِ.
النمل 27:72
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أئِذا كُنّا تُرابًا وآباؤُنا أئِنّا لَمُخْرَجُونَ﴾ ﴿لَقَدْ وُعِدْنا هَذا نَحْنُ وآباؤُنا مِن قَبْلُ إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُجْرِمِينَ﴾ ﴿ولا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ولا تَكُ في ضَيْقٍ مِمّا يَمْكُرُونَ﴾ ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿قُلْ عَسى أنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكم بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَشْكُرُونَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهم وما يُعْلِنُونَ﴾ ﴿وما مِن غائِبَةٍ في السَّماءِ والأرْضِ إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا تَكَلَّمَ في حالِ المَبْدَأِ تَكَلَّمَ بَعْدَهُ في حالِ المَعادِ، وذَلِكَ لِأنَّ الشَّكَّ في المَعادِ لا يَنْشَأُ إلّا مِنَ الشَّكِّ في كَمالِ القُدْرَةِ، أوْ في كَمالِ العِلْمِ، فَإذا ثَبَتَ كَوْنُهُ تَعالى قادِرًا عَلى كُلِّ المُمْكِناتِ، وعالِمًا بِكُلِّ المَعْلُوماتِ، ثَبَتَ أنَّهُ تَعالى يُمْكِنُهُ تَمْيِيزُ أجْزاءِ بَدَنِ كُلِّ واحِدٍ مِنَ المُكَلَّفِينَ عَنْ أجْزاءِ بَدَنِ غَيْرِهِ، وثَبَتَ أنَّهُ قادِرٌ عَلى أنْ يُعِيدَ التَّرْكِيبَ والحَياةَ إلَيْها، وإذا ثَبَتَ إمْكانُ ذَلِكَ ثَبَتَ صِحَّةُ القَوْلِ بِالحَشْرِ، فَلَمّا بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى هَذَيْنِ الأصْلَيْنِ فِيما قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ، لا جَرَمَ لَمْ يَحْكِهِ في هَذِهِ الآيَةِ، فَحَكى عَنْهم أنَّهم تَعَجَّبُوا مِن إخْراجِهِمْ أحْياءً، وقَدْ صارُوا تُرابًا. وطَعَنُوا فِيهِ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: قَوْلُهم: ﴿لَقَدْ وُعِدْنا هَذا نَحْنُ وآباؤُنا﴾ أيْ هَذا كَلامٌ كَما قِيلَ لَنا فَقَدْ قِيلَ لِمَن قَبْلَنا، ولَمْ يَظْهَرْ لَهُ أثَرٌ، فَهو إذَنْ مِن أساطِيرِ الأوَّلِينَ، يُرِيدُونَ: ما لا يَصِحُّ مِنَ الأخْبارِ، فَإنْ قِيلَ: ذَكَرَ هَهُنا ﴿لَقَدْ وُعِدْنا هَذا نَحْنُ وآباؤُنا﴾ وفي آيَةٍ أُخْرى: ﴿لَقَدْ وُعِدْنا نَحْنُ وآباؤُنا هَذا﴾ فَما الفَرْقُ ؟ قُلْنا: التَّقْدِيمُ دَلِيلٌ عَلى أنَّ المُقَدَّمَ هو المَقْصُودُ الأصْلِيُّ، وأنَّ الكَلامَ سِيقَ لِأجْلِهِ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا كانَ قَدْ بَيَّنَ الدَّلالَةَ عَلى هَذَيْنِ الأصْلَيْنِ، ومِنَ الظّاهِرِ أنَّ كُلَّ مَن أحاطَ بِهِما فَقَدْ عَرَفَ صِحَّةَ الحَشْرِ والنَّشْرِ ثَبَتَ أنَّهم أعْرَضُوا عَنْها ولَمْ يَتَأمَّلُوها، وكانَ سَبَبُ ذَلِكَ الإعْراضِ حُبَّ الدُّنْيا وحُبَّ الرِّياسَةِ والجاهِ وعَدَمَ الِانْقِيادِ لِلْغَيْرِ، لا جَرَمَ اقْتَصَرَ عَلى بَيانِ أنَّ الدُّنْيا فانِيَةٌ زائِلَةٌ، فَقالَ: ﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُجْرِمِينَ﴾ وفِيهِ سُؤالانِ:
صفحة ١٨٤
السُّؤالُ الأوَّلُ: لِمَ لَمْ يَقُلْ: كَيْفَ كانَتْ عاقِبَةُ المُجْرِمِينَ ؟ جَوابُهُ: لِأنَّ تَأْنِيثَها غَيْرُ حَقِيقِيٍّ، ولِأنَّ المَعْنى كَيْفَ كانَ آخِرُ أمْرِهِمْ.
السُّؤالُ الثّانِي: لِمَ لَمْ يَقُلْ عاقِبَةَ الكافِرِينَ ؟ جَوابُهُ: الغَرَضُ أنْ يَحْصُلَ التَّخْوِيفُ لِكُلِّ العُصاةِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى صَبَّرَ رَسُولَهُ عَلى ما يَنالُهُ مِن هَؤُلاءِ الكُفّارِ، فَقالَ: ﴿ولا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ولا تَكُ في ضَيْقٍ مِمّا يَمْكُرُونَ﴾ فَجَمَعَ بَيْنَ إزالَةِ الغَمِّ عَنْهُ بِكُفْرِهِمْ، وبَيْنَ إزالَةِ الخَوْفِ مِن جانِبِهِمْ، وصارَ ذَلِكَ كالتَّكَفُّلِ بِنُصْرَتِهِ عَلَيْهِمْ، وقَوْلُهُ: ﴿ولا تَكُ في ضَيْقٍ﴾ أيْ في حَرَجِ قَلْبٍ، يُقالُ: ضاقَ الشَّيْءُ ضَيْقًا وضِيقًا بِالفَتْحِ والكَسْرِ، والضَّيْقُ تَخْفِيفُ الضَّيِّقِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ: في أمْرٍ ضَيِّقٍ مِن مَكْرِهِمْ.
الوجه الثّانِي لِلْكَفّارِ قَوْلُهم: ﴿مَتى هَذا الوَعْدُ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ دَلَّ عَلى أنَّهم ذَكَرُوا ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ السُّخْرِيَةِ فَأجابَ اللَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿عَسى أنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكم بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ وهو عَذابُ يَوْمِ بَدْرٍ، فَزِيدَتِ اللّامُ لِلتَّأْكِيدِ كالباءِ في ﴿ولا تُلْقُوا بِأيْدِيكُمْ﴾ (البَقَرَةِ: ١٩٥) أوْ ضُمِّنَ مَعْنى فِعْلٍ يَتَعَدّى بِاللّامِ، نَحْوُ دَنا لَكم وأزِفَ لَكم، ومَعْناهُ تَبِعَكم ولَحِقَكم، وقَرَأ الأعْرَجُ: (رَدَفَ لَكم) بِوَزْنِ ذَهَبَ وهُما لُغَتانِ، والكَسْرُ أفْصَحُ، وهَهُنا بَحْثانِ:
البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّ عَسى ولَعَلَّ في وعْدِ المُلُوكِ ووَعِيدِهِمْ يَدُلّانِ عَلى صِدْقِ الأمْرِ، وإنَّما يَعْنُونَ بِذَلِكَ إظْهارَ وقارِهِمْ، وأنَّهم لا يُعَجِّلُونَ بِالِانْتِقامِ لِوُثُوقِهِمْ بِأنَّ عَدُوَّهم لا يَفُوتُهم، فَعَلى ذَلِكَ جَرى وعْدُ اللَّهِ ووَعِيدُهُ.
الثّانِي: أنَّهُ قَدْ ثَبَتَ بِالدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ أنَّ عَذابَ الحِجابِ أشَدُّ مِن عَذابِ النّارِ، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿كَلّا إنَّهم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّهم لَصالُو الجَحِيمِ﴾ (المُطَفِّفِينَ: ١٥ - ١٦) فَقَدَّمَ الحِجابَ عَلى الجَحِيمِ، ثُمَّ إنَّهم كانُوا مَحْجُوبِينَ في الحالِ، فَكانَ سَبَبُ العَذابِ بِكَمالِهِ حاصِلًا، إلّا أنَّ الِاشْتِغالَ بِالدُّنْيا ولَذّاتِها كالعائِقِ عَنْ إدْراكِ ذَلِكَ الألَمِ، كَما أنَّ العُضْوَ الخَدِرَ إذا مَسَّتْهُ النّارُ، فَإنَّ سَبَبَ الألَمِ حاصِلٌ في الحالِ، لَكِنَّهُ لا يَحْصُلُ الشُّعُورُ بِذَلِكَ الألَمِ لِقِيامِ العائِقِ، فَإذا زالَ العائِقُ عَظُمَ البَلاءُ، فَكَذا هَهُنا إذا زالَ البَدَنُ عَظُمَ عَذابُ الحِجابِ، فَقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿عَسى أنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكم بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ يَعْنِي المُقْتَضِيَ لَهُ والمُؤَثِّرَ فِيهِ حاصِلٌ، وتَمامُهُ: إنَّما يَحْصُلُ بَعْدَ المَوْتِ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ بَيَّنَ السَّبَبَ في تَرْكِ تَعْجِيلِ العَذابِ، فَقالَ: ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ﴾ والفَضْلُ الإفْضالُ، ومَعْناهُ: أنَّهُ مُتَفَضِّلٌ عَلَيْهِمْ بِتَأْخِيرِ العُقُوبَةِ، وأكْثَرُهم لا يَعْرِفُونَ هَذِهِ النِّعْمَةَ ولا يَشْكُرُونَها، وهَذِهِ الآيَةُ تُبْطِلُ قَوْلَ مَن قالَ: إنَّهُ لا نِعْمَةَ لِلَّهِ عَلى الكُفّارِ، ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّهُ مُطَّلِعٌ عَلى ما في قُلُوبِهِمْ، فَقالَ: ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهم وما يُعْلِنُونَ﴾ وهَهُنا بَحْثٌ عَقْلِيٌّ، وهو أنَّهُ قَدَّمَ ما تُكِنُّهُ صُدُورُهم عَلى ما يُعْلِنُونَ مِنَ العِلْمِ، والسَّبَبُ أنَّ ما تُكِنُّهُ صُدُورُهم هو الدَّواعِي والقُصُودُ، وهي أسْبابٌ لِما يُعْلِنُونَ، وهي أفْعالُ الجَوارِحِ، والعِلْمُ بِالعِلَّةِ عِلَّةٌ لِلْعِلْمِ بِالمَعْلُولِ، فَهَذا هو السَّبَبُ في ذَلِكَ التَّقْدِيمِ، قُرِئَ ( تَكُنُّ) يُقالُ: كَنَنْتُ الشَّيْءَ وأكْنَنْتُهُ إذا سَتَرْتَهُ وأخْفَيْتَهُ، يَعْنِي أنَّهُ تَعالى يَعْلَمُ ما يُخْفُونَ وما يُعْلِنُونَ مِن عَداوَةِ الرَّسُولِ ومَكايِدِهِمْ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وما مِن غائِبَةٍ﴾ فَقالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: سُمِّيَ الشَّيْءُ الَّذِي يَغِيبُ ويَخْفى غائِبَةٌ وخافِيَةٌ، فَكانَتِ التّاءُ فِيها بِمَنزِلَتِها في العاقِبَةِ والعافِيَةِ والنَّطِيحَةِ والذَّبِيحَةِ والرَّمِيَّةِ في أنَّها أسْماءٌ غَيْرُ صِفاتٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونا صِفَتَيْنِ وتاؤُهُما لِلْمُبالَغَةِ كالرّاوِيَةِ في قَوْلِهِمْ: ويْلٌ لِلشّاعِرِ مِن راوِيَةِ السُّوءِ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: وما مِن شَيْءٍ شَدِيدِ الغَيْبُوبَةِ والخَفاءِ، إلّا وقَدْ عَلِمَهُ اللَّهُ تَعالى وأحاطَ بِهِ، وأثْبَتَهُ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ. والمُبَيَّنِ الظّاهِرِ البَيِّنِ لِمَن يَنْظُرُ فِيهِ مِنَ المَلائِكَةِ.
النمل 27:73
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أئِذا كُنّا تُرابًا وآباؤُنا أئِنّا لَمُخْرَجُونَ﴾ ﴿لَقَدْ وُعِدْنا هَذا نَحْنُ وآباؤُنا مِن قَبْلُ إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُجْرِمِينَ﴾ ﴿ولا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ولا تَكُ في ضَيْقٍ مِمّا يَمْكُرُونَ﴾ ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿قُلْ عَسى أنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكم بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَشْكُرُونَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهم وما يُعْلِنُونَ﴾ ﴿وما مِن غائِبَةٍ في السَّماءِ والأرْضِ إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا تَكَلَّمَ في حالِ المَبْدَأِ تَكَلَّمَ بَعْدَهُ في حالِ المَعادِ، وذَلِكَ لِأنَّ الشَّكَّ في المَعادِ لا يَنْشَأُ إلّا مِنَ الشَّكِّ في كَمالِ القُدْرَةِ، أوْ في كَمالِ العِلْمِ، فَإذا ثَبَتَ كَوْنُهُ تَعالى قادِرًا عَلى كُلِّ المُمْكِناتِ، وعالِمًا بِكُلِّ المَعْلُوماتِ، ثَبَتَ أنَّهُ تَعالى يُمْكِنُهُ تَمْيِيزُ أجْزاءِ بَدَنِ كُلِّ واحِدٍ مِنَ المُكَلَّفِينَ عَنْ أجْزاءِ بَدَنِ غَيْرِهِ، وثَبَتَ أنَّهُ قادِرٌ عَلى أنْ يُعِيدَ التَّرْكِيبَ والحَياةَ إلَيْها، وإذا ثَبَتَ إمْكانُ ذَلِكَ ثَبَتَ صِحَّةُ القَوْلِ بِالحَشْرِ، فَلَمّا بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى هَذَيْنِ الأصْلَيْنِ فِيما قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ، لا جَرَمَ لَمْ يَحْكِهِ في هَذِهِ الآيَةِ، فَحَكى عَنْهم أنَّهم تَعَجَّبُوا مِن إخْراجِهِمْ أحْياءً، وقَدْ صارُوا تُرابًا. وطَعَنُوا فِيهِ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: قَوْلُهم: ﴿لَقَدْ وُعِدْنا هَذا نَحْنُ وآباؤُنا﴾ أيْ هَذا كَلامٌ كَما قِيلَ لَنا فَقَدْ قِيلَ لِمَن قَبْلَنا، ولَمْ يَظْهَرْ لَهُ أثَرٌ، فَهو إذَنْ مِن أساطِيرِ الأوَّلِينَ، يُرِيدُونَ: ما لا يَصِحُّ مِنَ الأخْبارِ، فَإنْ قِيلَ: ذَكَرَ هَهُنا ﴿لَقَدْ وُعِدْنا هَذا نَحْنُ وآباؤُنا﴾ وفي آيَةٍ أُخْرى: ﴿لَقَدْ وُعِدْنا نَحْنُ وآباؤُنا هَذا﴾ فَما الفَرْقُ ؟ قُلْنا: التَّقْدِيمُ دَلِيلٌ عَلى أنَّ المُقَدَّمَ هو المَقْصُودُ الأصْلِيُّ، وأنَّ الكَلامَ سِيقَ لِأجْلِهِ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا كانَ قَدْ بَيَّنَ الدَّلالَةَ عَلى هَذَيْنِ الأصْلَيْنِ، ومِنَ الظّاهِرِ أنَّ كُلَّ مَن أحاطَ بِهِما فَقَدْ عَرَفَ صِحَّةَ الحَشْرِ والنَّشْرِ ثَبَتَ أنَّهم أعْرَضُوا عَنْها ولَمْ يَتَأمَّلُوها، وكانَ سَبَبُ ذَلِكَ الإعْراضِ حُبَّ الدُّنْيا وحُبَّ الرِّياسَةِ والجاهِ وعَدَمَ الِانْقِيادِ لِلْغَيْرِ، لا جَرَمَ اقْتَصَرَ عَلى بَيانِ أنَّ الدُّنْيا فانِيَةٌ زائِلَةٌ، فَقالَ: ﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُجْرِمِينَ﴾ وفِيهِ سُؤالانِ:
صفحة ١٨٤
السُّؤالُ الأوَّلُ: لِمَ لَمْ يَقُلْ: كَيْفَ كانَتْ عاقِبَةُ المُجْرِمِينَ ؟ جَوابُهُ: لِأنَّ تَأْنِيثَها غَيْرُ حَقِيقِيٍّ، ولِأنَّ المَعْنى كَيْفَ كانَ آخِرُ أمْرِهِمْ.
السُّؤالُ الثّانِي: لِمَ لَمْ يَقُلْ عاقِبَةَ الكافِرِينَ ؟ جَوابُهُ: الغَرَضُ أنْ يَحْصُلَ التَّخْوِيفُ لِكُلِّ العُصاةِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى صَبَّرَ رَسُولَهُ عَلى ما يَنالُهُ مِن هَؤُلاءِ الكُفّارِ، فَقالَ: ﴿ولا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ولا تَكُ في ضَيْقٍ مِمّا يَمْكُرُونَ﴾ فَجَمَعَ بَيْنَ إزالَةِ الغَمِّ عَنْهُ بِكُفْرِهِمْ، وبَيْنَ إزالَةِ الخَوْفِ مِن جانِبِهِمْ، وصارَ ذَلِكَ كالتَّكَفُّلِ بِنُصْرَتِهِ عَلَيْهِمْ، وقَوْلُهُ: ﴿ولا تَكُ في ضَيْقٍ﴾ أيْ في حَرَجِ قَلْبٍ، يُقالُ: ضاقَ الشَّيْءُ ضَيْقًا وضِيقًا بِالفَتْحِ والكَسْرِ، والضَّيْقُ تَخْفِيفُ الضَّيِّقِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ: في أمْرٍ ضَيِّقٍ مِن مَكْرِهِمْ.
الوجه الثّانِي لِلْكَفّارِ قَوْلُهم: ﴿مَتى هَذا الوَعْدُ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ دَلَّ عَلى أنَّهم ذَكَرُوا ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ السُّخْرِيَةِ فَأجابَ اللَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿عَسى أنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكم بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ وهو عَذابُ يَوْمِ بَدْرٍ، فَزِيدَتِ اللّامُ لِلتَّأْكِيدِ كالباءِ في ﴿ولا تُلْقُوا بِأيْدِيكُمْ﴾ (البَقَرَةِ: ١٩٥) أوْ ضُمِّنَ مَعْنى فِعْلٍ يَتَعَدّى بِاللّامِ، نَحْوُ دَنا لَكم وأزِفَ لَكم، ومَعْناهُ تَبِعَكم ولَحِقَكم، وقَرَأ الأعْرَجُ: (رَدَفَ لَكم) بِوَزْنِ ذَهَبَ وهُما لُغَتانِ، والكَسْرُ أفْصَحُ، وهَهُنا بَحْثانِ:
البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّ عَسى ولَعَلَّ في وعْدِ المُلُوكِ ووَعِيدِهِمْ يَدُلّانِ عَلى صِدْقِ الأمْرِ، وإنَّما يَعْنُونَ بِذَلِكَ إظْهارَ وقارِهِمْ، وأنَّهم لا يُعَجِّلُونَ بِالِانْتِقامِ لِوُثُوقِهِمْ بِأنَّ عَدُوَّهم لا يَفُوتُهم، فَعَلى ذَلِكَ جَرى وعْدُ اللَّهِ ووَعِيدُهُ.
الثّانِي: أنَّهُ قَدْ ثَبَتَ بِالدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ أنَّ عَذابَ الحِجابِ أشَدُّ مِن عَذابِ النّارِ، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿كَلّا إنَّهم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّهم لَصالُو الجَحِيمِ﴾ (المُطَفِّفِينَ: ١٥ - ١٦) فَقَدَّمَ الحِجابَ عَلى الجَحِيمِ، ثُمَّ إنَّهم كانُوا مَحْجُوبِينَ في الحالِ، فَكانَ سَبَبُ العَذابِ بِكَمالِهِ حاصِلًا، إلّا أنَّ الِاشْتِغالَ بِالدُّنْيا ولَذّاتِها كالعائِقِ عَنْ إدْراكِ ذَلِكَ الألَمِ، كَما أنَّ العُضْوَ الخَدِرَ إذا مَسَّتْهُ النّارُ، فَإنَّ سَبَبَ الألَمِ حاصِلٌ في الحالِ، لَكِنَّهُ لا يَحْصُلُ الشُّعُورُ بِذَلِكَ الألَمِ لِقِيامِ العائِقِ، فَإذا زالَ العائِقُ عَظُمَ البَلاءُ، فَكَذا هَهُنا إذا زالَ البَدَنُ عَظُمَ عَذابُ الحِجابِ، فَقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿عَسى أنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكم بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ يَعْنِي المُقْتَضِيَ لَهُ والمُؤَثِّرَ فِيهِ حاصِلٌ، وتَمامُهُ: إنَّما يَحْصُلُ بَعْدَ المَوْتِ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ بَيَّنَ السَّبَبَ في تَرْكِ تَعْجِيلِ العَذابِ، فَقالَ: ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ﴾ والفَضْلُ الإفْضالُ، ومَعْناهُ: أنَّهُ مُتَفَضِّلٌ عَلَيْهِمْ بِتَأْخِيرِ العُقُوبَةِ، وأكْثَرُهم لا يَعْرِفُونَ هَذِهِ النِّعْمَةَ ولا يَشْكُرُونَها، وهَذِهِ الآيَةُ تُبْطِلُ قَوْلَ مَن قالَ: إنَّهُ لا نِعْمَةَ لِلَّهِ عَلى الكُفّارِ، ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّهُ مُطَّلِعٌ عَلى ما في قُلُوبِهِمْ، فَقالَ: ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهم وما يُعْلِنُونَ﴾ وهَهُنا بَحْثٌ عَقْلِيٌّ، وهو أنَّهُ قَدَّمَ ما تُكِنُّهُ صُدُورُهم عَلى ما يُعْلِنُونَ مِنَ العِلْمِ، والسَّبَبُ أنَّ ما تُكِنُّهُ صُدُورُهم هو الدَّواعِي والقُصُودُ، وهي أسْبابٌ لِما يُعْلِنُونَ، وهي أفْعالُ الجَوارِحِ، والعِلْمُ بِالعِلَّةِ عِلَّةٌ لِلْعِلْمِ بِالمَعْلُولِ، فَهَذا هو السَّبَبُ في ذَلِكَ التَّقْدِيمِ، قُرِئَ ( تَكُنُّ) يُقالُ: كَنَنْتُ الشَّيْءَ وأكْنَنْتُهُ إذا سَتَرْتَهُ وأخْفَيْتَهُ، يَعْنِي أنَّهُ تَعالى يَعْلَمُ ما يُخْفُونَ وما يُعْلِنُونَ مِن عَداوَةِ الرَّسُولِ ومَكايِدِهِمْ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وما مِن غائِبَةٍ﴾ فَقالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: سُمِّيَ الشَّيْءُ الَّذِي يَغِيبُ ويَخْفى غائِبَةٌ وخافِيَةٌ، فَكانَتِ التّاءُ فِيها بِمَنزِلَتِها في العاقِبَةِ والعافِيَةِ والنَّطِيحَةِ والذَّبِيحَةِ والرَّمِيَّةِ في أنَّها أسْماءٌ غَيْرُ صِفاتٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونا صِفَتَيْنِ وتاؤُهُما لِلْمُبالَغَةِ كالرّاوِيَةِ في قَوْلِهِمْ: ويْلٌ لِلشّاعِرِ مِن راوِيَةِ السُّوءِ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: وما مِن شَيْءٍ شَدِيدِ الغَيْبُوبَةِ والخَفاءِ، إلّا وقَدْ عَلِمَهُ اللَّهُ تَعالى وأحاطَ بِهِ، وأثْبَتَهُ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ. والمُبَيَّنِ الظّاهِرِ البَيِّنِ لِمَن يَنْظُرُ فِيهِ مِنَ المَلائِكَةِ.
النمل 27:74
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أئِذا كُنّا تُرابًا وآباؤُنا أئِنّا لَمُخْرَجُونَ﴾ ﴿لَقَدْ وُعِدْنا هَذا نَحْنُ وآباؤُنا مِن قَبْلُ إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُجْرِمِينَ﴾ ﴿ولا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ولا تَكُ في ضَيْقٍ مِمّا يَمْكُرُونَ﴾ ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿قُلْ عَسى أنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكم بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَشْكُرُونَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهم وما يُعْلِنُونَ﴾ ﴿وما مِن غائِبَةٍ في السَّماءِ والأرْضِ إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا تَكَلَّمَ في حالِ المَبْدَأِ تَكَلَّمَ بَعْدَهُ في حالِ المَعادِ، وذَلِكَ لِأنَّ الشَّكَّ في المَعادِ لا يَنْشَأُ إلّا مِنَ الشَّكِّ في كَمالِ القُدْرَةِ، أوْ في كَمالِ العِلْمِ، فَإذا ثَبَتَ كَوْنُهُ تَعالى قادِرًا عَلى كُلِّ المُمْكِناتِ، وعالِمًا بِكُلِّ المَعْلُوماتِ، ثَبَتَ أنَّهُ تَعالى يُمْكِنُهُ تَمْيِيزُ أجْزاءِ بَدَنِ كُلِّ واحِدٍ مِنَ المُكَلَّفِينَ عَنْ أجْزاءِ بَدَنِ غَيْرِهِ، وثَبَتَ أنَّهُ قادِرٌ عَلى أنْ يُعِيدَ التَّرْكِيبَ والحَياةَ إلَيْها، وإذا ثَبَتَ إمْكانُ ذَلِكَ ثَبَتَ صِحَّةُ القَوْلِ بِالحَشْرِ، فَلَمّا بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى هَذَيْنِ الأصْلَيْنِ فِيما قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ، لا جَرَمَ لَمْ يَحْكِهِ في هَذِهِ الآيَةِ، فَحَكى عَنْهم أنَّهم تَعَجَّبُوا مِن إخْراجِهِمْ أحْياءً، وقَدْ صارُوا تُرابًا. وطَعَنُوا فِيهِ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: قَوْلُهم: ﴿لَقَدْ وُعِدْنا هَذا نَحْنُ وآباؤُنا﴾ أيْ هَذا كَلامٌ كَما قِيلَ لَنا فَقَدْ قِيلَ لِمَن قَبْلَنا، ولَمْ يَظْهَرْ لَهُ أثَرٌ، فَهو إذَنْ مِن أساطِيرِ الأوَّلِينَ، يُرِيدُونَ: ما لا يَصِحُّ مِنَ الأخْبارِ، فَإنْ قِيلَ: ذَكَرَ هَهُنا ﴿لَقَدْ وُعِدْنا هَذا نَحْنُ وآباؤُنا﴾ وفي آيَةٍ أُخْرى: ﴿لَقَدْ وُعِدْنا نَحْنُ وآباؤُنا هَذا﴾ فَما الفَرْقُ ؟ قُلْنا: التَّقْدِيمُ دَلِيلٌ عَلى أنَّ المُقَدَّمَ هو المَقْصُودُ الأصْلِيُّ، وأنَّ الكَلامَ سِيقَ لِأجْلِهِ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا كانَ قَدْ بَيَّنَ الدَّلالَةَ عَلى هَذَيْنِ الأصْلَيْنِ، ومِنَ الظّاهِرِ أنَّ كُلَّ مَن أحاطَ بِهِما فَقَدْ عَرَفَ صِحَّةَ الحَشْرِ والنَّشْرِ ثَبَتَ أنَّهم أعْرَضُوا عَنْها ولَمْ يَتَأمَّلُوها، وكانَ سَبَبُ ذَلِكَ الإعْراضِ حُبَّ الدُّنْيا وحُبَّ الرِّياسَةِ والجاهِ وعَدَمَ الِانْقِيادِ لِلْغَيْرِ، لا جَرَمَ اقْتَصَرَ عَلى بَيانِ أنَّ الدُّنْيا فانِيَةٌ زائِلَةٌ، فَقالَ: ﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُجْرِمِينَ﴾ وفِيهِ سُؤالانِ:
صفحة ١٨٤
السُّؤالُ الأوَّلُ: لِمَ لَمْ يَقُلْ: كَيْفَ كانَتْ عاقِبَةُ المُجْرِمِينَ ؟ جَوابُهُ: لِأنَّ تَأْنِيثَها غَيْرُ حَقِيقِيٍّ، ولِأنَّ المَعْنى كَيْفَ كانَ آخِرُ أمْرِهِمْ.
السُّؤالُ الثّانِي: لِمَ لَمْ يَقُلْ عاقِبَةَ الكافِرِينَ ؟ جَوابُهُ: الغَرَضُ أنْ يَحْصُلَ التَّخْوِيفُ لِكُلِّ العُصاةِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى صَبَّرَ رَسُولَهُ عَلى ما يَنالُهُ مِن هَؤُلاءِ الكُفّارِ، فَقالَ: ﴿ولا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ولا تَكُ في ضَيْقٍ مِمّا يَمْكُرُونَ﴾ فَجَمَعَ بَيْنَ إزالَةِ الغَمِّ عَنْهُ بِكُفْرِهِمْ، وبَيْنَ إزالَةِ الخَوْفِ مِن جانِبِهِمْ، وصارَ ذَلِكَ كالتَّكَفُّلِ بِنُصْرَتِهِ عَلَيْهِمْ، وقَوْلُهُ: ﴿ولا تَكُ في ضَيْقٍ﴾ أيْ في حَرَجِ قَلْبٍ، يُقالُ: ضاقَ الشَّيْءُ ضَيْقًا وضِيقًا بِالفَتْحِ والكَسْرِ، والضَّيْقُ تَخْفِيفُ الضَّيِّقِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ: في أمْرٍ ضَيِّقٍ مِن مَكْرِهِمْ.
الوجه الثّانِي لِلْكَفّارِ قَوْلُهم: ﴿مَتى هَذا الوَعْدُ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ دَلَّ عَلى أنَّهم ذَكَرُوا ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ السُّخْرِيَةِ فَأجابَ اللَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿عَسى أنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكم بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ وهو عَذابُ يَوْمِ بَدْرٍ، فَزِيدَتِ اللّامُ لِلتَّأْكِيدِ كالباءِ في ﴿ولا تُلْقُوا بِأيْدِيكُمْ﴾ (البَقَرَةِ: ١٩٥) أوْ ضُمِّنَ مَعْنى فِعْلٍ يَتَعَدّى بِاللّامِ، نَحْوُ دَنا لَكم وأزِفَ لَكم، ومَعْناهُ تَبِعَكم ولَحِقَكم، وقَرَأ الأعْرَجُ: (رَدَفَ لَكم) بِوَزْنِ ذَهَبَ وهُما لُغَتانِ، والكَسْرُ أفْصَحُ، وهَهُنا بَحْثانِ:
البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّ عَسى ولَعَلَّ في وعْدِ المُلُوكِ ووَعِيدِهِمْ يَدُلّانِ عَلى صِدْقِ الأمْرِ، وإنَّما يَعْنُونَ بِذَلِكَ إظْهارَ وقارِهِمْ، وأنَّهم لا يُعَجِّلُونَ بِالِانْتِقامِ لِوُثُوقِهِمْ بِأنَّ عَدُوَّهم لا يَفُوتُهم، فَعَلى ذَلِكَ جَرى وعْدُ اللَّهِ ووَعِيدُهُ.
الثّانِي: أنَّهُ قَدْ ثَبَتَ بِالدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ أنَّ عَذابَ الحِجابِ أشَدُّ مِن عَذابِ النّارِ، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿كَلّا إنَّهم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّهم لَصالُو الجَحِيمِ﴾ (المُطَفِّفِينَ: ١٥ - ١٦) فَقَدَّمَ الحِجابَ عَلى الجَحِيمِ، ثُمَّ إنَّهم كانُوا مَحْجُوبِينَ في الحالِ، فَكانَ سَبَبُ العَذابِ بِكَمالِهِ حاصِلًا، إلّا أنَّ الِاشْتِغالَ بِالدُّنْيا ولَذّاتِها كالعائِقِ عَنْ إدْراكِ ذَلِكَ الألَمِ، كَما أنَّ العُضْوَ الخَدِرَ إذا مَسَّتْهُ النّارُ، فَإنَّ سَبَبَ الألَمِ حاصِلٌ في الحالِ، لَكِنَّهُ لا يَحْصُلُ الشُّعُورُ بِذَلِكَ الألَمِ لِقِيامِ العائِقِ، فَإذا زالَ العائِقُ عَظُمَ البَلاءُ، فَكَذا هَهُنا إذا زالَ البَدَنُ عَظُمَ عَذابُ الحِجابِ، فَقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿عَسى أنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكم بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ يَعْنِي المُقْتَضِيَ لَهُ والمُؤَثِّرَ فِيهِ حاصِلٌ، وتَمامُهُ: إنَّما يَحْصُلُ بَعْدَ المَوْتِ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ بَيَّنَ السَّبَبَ في تَرْكِ تَعْجِيلِ العَذابِ، فَقالَ: ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ﴾ والفَضْلُ الإفْضالُ، ومَعْناهُ: أنَّهُ مُتَفَضِّلٌ عَلَيْهِمْ بِتَأْخِيرِ العُقُوبَةِ، وأكْثَرُهم لا يَعْرِفُونَ هَذِهِ النِّعْمَةَ ولا يَشْكُرُونَها، وهَذِهِ الآيَةُ تُبْطِلُ قَوْلَ مَن قالَ: إنَّهُ لا نِعْمَةَ لِلَّهِ عَلى الكُفّارِ، ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّهُ مُطَّلِعٌ عَلى ما في قُلُوبِهِمْ، فَقالَ: ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهم وما يُعْلِنُونَ﴾ وهَهُنا بَحْثٌ عَقْلِيٌّ، وهو أنَّهُ قَدَّمَ ما تُكِنُّهُ صُدُورُهم عَلى ما يُعْلِنُونَ مِنَ العِلْمِ، والسَّبَبُ أنَّ ما تُكِنُّهُ صُدُورُهم هو الدَّواعِي والقُصُودُ، وهي أسْبابٌ لِما يُعْلِنُونَ، وهي أفْعالُ الجَوارِحِ، والعِلْمُ بِالعِلَّةِ عِلَّةٌ لِلْعِلْمِ بِالمَعْلُولِ، فَهَذا هو السَّبَبُ في ذَلِكَ التَّقْدِيمِ، قُرِئَ ( تَكُنُّ) يُقالُ: كَنَنْتُ الشَّيْءَ وأكْنَنْتُهُ إذا سَتَرْتَهُ وأخْفَيْتَهُ، يَعْنِي أنَّهُ تَعالى يَعْلَمُ ما يُخْفُونَ وما يُعْلِنُونَ مِن عَداوَةِ الرَّسُولِ ومَكايِدِهِمْ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وما مِن غائِبَةٍ﴾ فَقالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: سُمِّيَ الشَّيْءُ الَّذِي يَغِيبُ ويَخْفى غائِبَةٌ وخافِيَةٌ، فَكانَتِ التّاءُ فِيها بِمَنزِلَتِها في العاقِبَةِ والعافِيَةِ والنَّطِيحَةِ والذَّبِيحَةِ والرَّمِيَّةِ في أنَّها أسْماءٌ غَيْرُ صِفاتٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونا صِفَتَيْنِ وتاؤُهُما لِلْمُبالَغَةِ كالرّاوِيَةِ في قَوْلِهِمْ: ويْلٌ لِلشّاعِرِ مِن راوِيَةِ السُّوءِ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: وما مِن شَيْءٍ شَدِيدِ الغَيْبُوبَةِ والخَفاءِ، إلّا وقَدْ عَلِمَهُ اللَّهُ تَعالى وأحاطَ بِهِ، وأثْبَتَهُ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ. والمُبَيَّنِ الظّاهِرِ البَيِّنِ لِمَن يَنْظُرُ فِيهِ مِنَ المَلائِكَةِ.
النمل 27:75
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أئِذا كُنّا تُرابًا وآباؤُنا أئِنّا لَمُخْرَجُونَ﴾ ﴿لَقَدْ وُعِدْنا هَذا نَحْنُ وآباؤُنا مِن قَبْلُ إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُجْرِمِينَ﴾ ﴿ولا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ولا تَكُ في ضَيْقٍ مِمّا يَمْكُرُونَ﴾ ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿قُلْ عَسى أنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكم بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَشْكُرُونَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهم وما يُعْلِنُونَ﴾ ﴿وما مِن غائِبَةٍ في السَّماءِ والأرْضِ إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا تَكَلَّمَ في حالِ المَبْدَأِ تَكَلَّمَ بَعْدَهُ في حالِ المَعادِ، وذَلِكَ لِأنَّ الشَّكَّ في المَعادِ لا يَنْشَأُ إلّا مِنَ الشَّكِّ في كَمالِ القُدْرَةِ، أوْ في كَمالِ العِلْمِ، فَإذا ثَبَتَ كَوْنُهُ تَعالى قادِرًا عَلى كُلِّ المُمْكِناتِ، وعالِمًا بِكُلِّ المَعْلُوماتِ، ثَبَتَ أنَّهُ تَعالى يُمْكِنُهُ تَمْيِيزُ أجْزاءِ بَدَنِ كُلِّ واحِدٍ مِنَ المُكَلَّفِينَ عَنْ أجْزاءِ بَدَنِ غَيْرِهِ، وثَبَتَ أنَّهُ قادِرٌ عَلى أنْ يُعِيدَ التَّرْكِيبَ والحَياةَ إلَيْها، وإذا ثَبَتَ إمْكانُ ذَلِكَ ثَبَتَ صِحَّةُ القَوْلِ بِالحَشْرِ، فَلَمّا بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى هَذَيْنِ الأصْلَيْنِ فِيما قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ، لا جَرَمَ لَمْ يَحْكِهِ في هَذِهِ الآيَةِ، فَحَكى عَنْهم أنَّهم تَعَجَّبُوا مِن إخْراجِهِمْ أحْياءً، وقَدْ صارُوا تُرابًا. وطَعَنُوا فِيهِ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: قَوْلُهم: ﴿لَقَدْ وُعِدْنا هَذا نَحْنُ وآباؤُنا﴾ أيْ هَذا كَلامٌ كَما قِيلَ لَنا فَقَدْ قِيلَ لِمَن قَبْلَنا، ولَمْ يَظْهَرْ لَهُ أثَرٌ، فَهو إذَنْ مِن أساطِيرِ الأوَّلِينَ، يُرِيدُونَ: ما لا يَصِحُّ مِنَ الأخْبارِ، فَإنْ قِيلَ: ذَكَرَ هَهُنا ﴿لَقَدْ وُعِدْنا هَذا نَحْنُ وآباؤُنا﴾ وفي آيَةٍ أُخْرى: ﴿لَقَدْ وُعِدْنا نَحْنُ وآباؤُنا هَذا﴾ فَما الفَرْقُ ؟ قُلْنا: التَّقْدِيمُ دَلِيلٌ عَلى أنَّ المُقَدَّمَ هو المَقْصُودُ الأصْلِيُّ، وأنَّ الكَلامَ سِيقَ لِأجْلِهِ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا كانَ قَدْ بَيَّنَ الدَّلالَةَ عَلى هَذَيْنِ الأصْلَيْنِ، ومِنَ الظّاهِرِ أنَّ كُلَّ مَن أحاطَ بِهِما فَقَدْ عَرَفَ صِحَّةَ الحَشْرِ والنَّشْرِ ثَبَتَ أنَّهم أعْرَضُوا عَنْها ولَمْ يَتَأمَّلُوها، وكانَ سَبَبُ ذَلِكَ الإعْراضِ حُبَّ الدُّنْيا وحُبَّ الرِّياسَةِ والجاهِ وعَدَمَ الِانْقِيادِ لِلْغَيْرِ، لا جَرَمَ اقْتَصَرَ عَلى بَيانِ أنَّ الدُّنْيا فانِيَةٌ زائِلَةٌ، فَقالَ: ﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُجْرِمِينَ﴾ وفِيهِ سُؤالانِ:
صفحة ١٨٤
السُّؤالُ الأوَّلُ: لِمَ لَمْ يَقُلْ: كَيْفَ كانَتْ عاقِبَةُ المُجْرِمِينَ ؟ جَوابُهُ: لِأنَّ تَأْنِيثَها غَيْرُ حَقِيقِيٍّ، ولِأنَّ المَعْنى كَيْفَ كانَ آخِرُ أمْرِهِمْ.
السُّؤالُ الثّانِي: لِمَ لَمْ يَقُلْ عاقِبَةَ الكافِرِينَ ؟ جَوابُهُ: الغَرَضُ أنْ يَحْصُلَ التَّخْوِيفُ لِكُلِّ العُصاةِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى صَبَّرَ رَسُولَهُ عَلى ما يَنالُهُ مِن هَؤُلاءِ الكُفّارِ، فَقالَ: ﴿ولا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ولا تَكُ في ضَيْقٍ مِمّا يَمْكُرُونَ﴾ فَجَمَعَ بَيْنَ إزالَةِ الغَمِّ عَنْهُ بِكُفْرِهِمْ، وبَيْنَ إزالَةِ الخَوْفِ مِن جانِبِهِمْ، وصارَ ذَلِكَ كالتَّكَفُّلِ بِنُصْرَتِهِ عَلَيْهِمْ، وقَوْلُهُ: ﴿ولا تَكُ في ضَيْقٍ﴾ أيْ في حَرَجِ قَلْبٍ، يُقالُ: ضاقَ الشَّيْءُ ضَيْقًا وضِيقًا بِالفَتْحِ والكَسْرِ، والضَّيْقُ تَخْفِيفُ الضَّيِّقِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ: في أمْرٍ ضَيِّقٍ مِن مَكْرِهِمْ.
الوجه الثّانِي لِلْكَفّارِ قَوْلُهم: ﴿مَتى هَذا الوَعْدُ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ دَلَّ عَلى أنَّهم ذَكَرُوا ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ السُّخْرِيَةِ فَأجابَ اللَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿عَسى أنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكم بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ وهو عَذابُ يَوْمِ بَدْرٍ، فَزِيدَتِ اللّامُ لِلتَّأْكِيدِ كالباءِ في ﴿ولا تُلْقُوا بِأيْدِيكُمْ﴾ (البَقَرَةِ: ١٩٥) أوْ ضُمِّنَ مَعْنى فِعْلٍ يَتَعَدّى بِاللّامِ، نَحْوُ دَنا لَكم وأزِفَ لَكم، ومَعْناهُ تَبِعَكم ولَحِقَكم، وقَرَأ الأعْرَجُ: (رَدَفَ لَكم) بِوَزْنِ ذَهَبَ وهُما لُغَتانِ، والكَسْرُ أفْصَحُ، وهَهُنا بَحْثانِ:
البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّ عَسى ولَعَلَّ في وعْدِ المُلُوكِ ووَعِيدِهِمْ يَدُلّانِ عَلى صِدْقِ الأمْرِ، وإنَّما يَعْنُونَ بِذَلِكَ إظْهارَ وقارِهِمْ، وأنَّهم لا يُعَجِّلُونَ بِالِانْتِقامِ لِوُثُوقِهِمْ بِأنَّ عَدُوَّهم لا يَفُوتُهم، فَعَلى ذَلِكَ جَرى وعْدُ اللَّهِ ووَعِيدُهُ.
الثّانِي: أنَّهُ قَدْ ثَبَتَ بِالدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ أنَّ عَذابَ الحِجابِ أشَدُّ مِن عَذابِ النّارِ، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿كَلّا إنَّهم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّهم لَصالُو الجَحِيمِ﴾ (المُطَفِّفِينَ: ١٥ - ١٦) فَقَدَّمَ الحِجابَ عَلى الجَحِيمِ، ثُمَّ إنَّهم كانُوا مَحْجُوبِينَ في الحالِ، فَكانَ سَبَبُ العَذابِ بِكَمالِهِ حاصِلًا، إلّا أنَّ الِاشْتِغالَ بِالدُّنْيا ولَذّاتِها كالعائِقِ عَنْ إدْراكِ ذَلِكَ الألَمِ، كَما أنَّ العُضْوَ الخَدِرَ إذا مَسَّتْهُ النّارُ، فَإنَّ سَبَبَ الألَمِ حاصِلٌ في الحالِ، لَكِنَّهُ لا يَحْصُلُ الشُّعُورُ بِذَلِكَ الألَمِ لِقِيامِ العائِقِ، فَإذا زالَ العائِقُ عَظُمَ البَلاءُ، فَكَذا هَهُنا إذا زالَ البَدَنُ عَظُمَ عَذابُ الحِجابِ، فَقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿عَسى أنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكم بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ يَعْنِي المُقْتَضِيَ لَهُ والمُؤَثِّرَ فِيهِ حاصِلٌ، وتَمامُهُ: إنَّما يَحْصُلُ بَعْدَ المَوْتِ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ بَيَّنَ السَّبَبَ في تَرْكِ تَعْجِيلِ العَذابِ، فَقالَ: ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ﴾ والفَضْلُ الإفْضالُ، ومَعْناهُ: أنَّهُ مُتَفَضِّلٌ عَلَيْهِمْ بِتَأْخِيرِ العُقُوبَةِ، وأكْثَرُهم لا يَعْرِفُونَ هَذِهِ النِّعْمَةَ ولا يَشْكُرُونَها، وهَذِهِ الآيَةُ تُبْطِلُ قَوْلَ مَن قالَ: إنَّهُ لا نِعْمَةَ لِلَّهِ عَلى الكُفّارِ، ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّهُ مُطَّلِعٌ عَلى ما في قُلُوبِهِمْ، فَقالَ: ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهم وما يُعْلِنُونَ﴾ وهَهُنا بَحْثٌ عَقْلِيٌّ، وهو أنَّهُ قَدَّمَ ما تُكِنُّهُ صُدُورُهم عَلى ما يُعْلِنُونَ مِنَ العِلْمِ، والسَّبَبُ أنَّ ما تُكِنُّهُ صُدُورُهم هو الدَّواعِي والقُصُودُ، وهي أسْبابٌ لِما يُعْلِنُونَ، وهي أفْعالُ الجَوارِحِ، والعِلْمُ بِالعِلَّةِ عِلَّةٌ لِلْعِلْمِ بِالمَعْلُولِ، فَهَذا هو السَّبَبُ في ذَلِكَ التَّقْدِيمِ، قُرِئَ ( تَكُنُّ) يُقالُ: كَنَنْتُ الشَّيْءَ وأكْنَنْتُهُ إذا سَتَرْتَهُ وأخْفَيْتَهُ، يَعْنِي أنَّهُ تَعالى يَعْلَمُ ما يُخْفُونَ وما يُعْلِنُونَ مِن عَداوَةِ الرَّسُولِ ومَكايِدِهِمْ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وما مِن غائِبَةٍ﴾ فَقالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: سُمِّيَ الشَّيْءُ الَّذِي يَغِيبُ ويَخْفى غائِبَةٌ وخافِيَةٌ، فَكانَتِ التّاءُ فِيها بِمَنزِلَتِها في العاقِبَةِ والعافِيَةِ والنَّطِيحَةِ والذَّبِيحَةِ والرَّمِيَّةِ في أنَّها أسْماءٌ غَيْرُ صِفاتٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونا صِفَتَيْنِ وتاؤُهُما لِلْمُبالَغَةِ كالرّاوِيَةِ في قَوْلِهِمْ: ويْلٌ لِلشّاعِرِ مِن راوِيَةِ السُّوءِ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: وما مِن شَيْءٍ شَدِيدِ الغَيْبُوبَةِ والخَفاءِ، إلّا وقَدْ عَلِمَهُ اللَّهُ تَعالى وأحاطَ بِهِ، وأثْبَتَهُ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ. والمُبَيَّنِ الظّاهِرِ البَيِّنِ لِمَن يَنْظُرُ فِيهِ مِنَ المَلائِكَةِ.
النمل 27:76
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ أكْثَرَ الَّذِي هم فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ ﴿وإنَّهُ لَهُدًى ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿إنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهم بِحُكْمِهِ وهو العَزِيزُ العَلِيمُ﴾ ﴿فَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ إنَّكَ عَلى الحَقِّ المُبِينِ﴾ ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى ولا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إذا ولَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ ﴿وما أنْتَ بِهادِي العُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إنْ تُسْمِعُ إلّا مَن يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهم مُسْلِمُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا تَمَّمَ الكَلامَ في إثْباتِ المَبْدَأِ والمَعادِ، ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ ما يَتَعَلَّقُ بِالنُّبُوَّةِ، ولَمّا كانَتِ العُمْدَةُ الكُبْرى في إثْباتِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ هو القُرْآنَ، لا جَرَمَ بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أوَّلًا كَوْنَهُ مُعْجِزَةً مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: إنَّ الأقاصِيصَ المَذْكُورَةَ في القُرْآنِ مُوافِقَةٌ لِما كانَتْ مَذْكُورَةً في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، مَعَ العِلْمِ بِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ أُمِّيًّا، وأنَّهُ لَمْ يُخالِطْ أحَدًا مِنَ العُلَماءِ، ولَمْ يَشْتَغِلْ قَطُّ بِالِاسْتِفادَةِ والتَّعَلُّمِ، فَإذَنْ لا يَكُونُ ذَلِكَ إلّا مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى، واخْتَلَفُوا فَقالَ بَعْضُهم: أرادَ بِهِ ما اخْتَلَفُوا فِيهِ وتَبايَنُوا، وقالَ آخَرُونَ: أرادَ بِهِ ما حَرَّفَهُ بَعْضُهم، وقالَ بَعْضُهم: بَلْ أرادَ بِهِ أخْبارَ الأنْبِياءِ، والأوَّلُ أقْرَبُ.
وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿وإنَّهُ لَهُدًى ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ بَعْضَ النّاسِ قالَ: إنّا لَمّا تَأمَّلْنا القُرْآنَ فَوَجَدْنا فِيهِ مِنَ الدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ عَلى التَّوْحِيدِ والحَشْرِ والنُّبُوَّةِ، وشَرْحِ صِفاتِ اللَّهِ تَعالى وبَيانِ نُعُوتِ جَلالِهِ ما لَمْ نَجِدْهُ في شَيْءٍ مِنَ الكُتُبِ، ووَجَدْنا ما فِيهِ مِنَ الشَّرائِعِ مُطابِقَةً لِلْعُقُولِ مُوافِقَةً لَها، ووَجَدْناهُ مُبَرَّأً عَنِ التَّناقُضِ والتَّهافُتِ، فَكانَ هُدىً ورَحْمَةً مِن هَذِهِ الجِهاتِ ووَجَدْنا القُوى البَشَرِيَّةَ قاصِرَةً عَلى جَمْعِ كِتابٍ عَلى هَذا الوجه، فَعَلِمْنا أنَّهُ لَيْسَ إلّا مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، فَكانَ القُرْآنُ مُعْجِزًا مِن هَذِهِ الجِهَةِ.
وثالِثُها: أنَّهُ هُدىً ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، لِبُلُوغِهِ في الفَصاحَةِ إلى حَيْثُ عَجَزُوا عَنْ مُعارَضَتِهِ وذَلِكَ مُعْجِزٌ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ كَوْنَهُ مُعْجِزًا دالًّا عَلى الرِّسالَةِ ذَكَرَ بَعْدَهُ أمْرَيْنِ:
الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿إنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهم بِحُكْمِهِ وهو العَزِيزُ العَلِيمُ﴾ والمُرادُ أنَّ القُرْآنَ وإنْ كانَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ أكْثَرَ الَّذِي هم فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، لَكِنْ لا تَكُنْ أنْتَ في قَيْدِهِمْ، فَإنَّ رَبَّكَ هو الَّذِي يَقْضِي بَيْنَهم، أيْ بَيْنَ المُصِيبِ والمُخْطِئِ مِنهم، وذَلِكَ كالزَّجْرِ لِلْكُفّارِ، فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿وهُوَ العَزِيزُ﴾ أيِ القادِرُ الَّذِي لا يُمْنَعُ، العَلِيمُ بِما يَحْكُمُ فَلا يَكُونُ إلّا الحَقُّ، فَإنْ قِيلَ: القَضاءُ والحُكْمُ شَيْءٌ واحِدٌ، فَقَوْلُهُ: ﴿يَقْضِي بَيْنَهم بِحُكْمِهِ﴾ كَقَوْلِهِ: يَقْضِي بِقَضائِهِ، ويَحْكُمُ بِحُكْمِهِ، والجَوابُ: مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿بِحُكْمِهِ﴾ أيْ بِما يَحْكُمُ بِهِ وهو عَدْلُهُ؛ لِأنَّهُ لا يَقْضِي إلّا بِالعَدْلِ، أوْ أرادَ بِحُكْمِهِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ مَن قَرَأ (بِحِكَمِهِ) جَمْعُ حِكْمَةٍ.
الثّانِي: أنَّهُ تَعالى أمَرَهُ بَعْدَ ظُهُورِ حُجَّةِ رِسالَتِهِ بِأنْ يَتَوَكَّلَ عَلى اللَّهِ، ولا يَلْتَفِتَ إلى أعْداءِ اللَّهِ، ويَشْرَعَ في تَمْشِيَةِ مُهِمّاتِ الرِّسالَةِ بِقَلْبٍ قَوِيٍّ، فَقالَ: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ﴾ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِأمْرَيْنِ:
أحَدُهُما: قَوْلُهُ: ﴿إنَّكَ عَلى الحَقِّ المُبِينِ﴾ وفِيهِ بَيانُ أنَّ المُحِقَّ حَقِيقٌ بِنُصْرَةِ اللَّهِ تَعالى وأنَّهُ لا يُخْذَلُ.
وثانِيهِما: قَوْلُهُ: ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى﴾ وإنَّما حَسُنَ جَعْلُهُ سَبَبًا لِلْأمْرِ بِالتَّوَكُّلِ، وذَلِكَ
صفحة ١٨٦
لِأنَّ الإنْسانَ ما دامَ يَطْمَعُ في أحَدٍ أنْ يَأْخُذَ مِنهُ شَيْئًا، فَإنَّهُ لا يَقْوى قَلْبُهُ عَلى إظْهارِ مُخالَفَتِهِ، فَإذا قَطَعَ طَمَعَهُ عَنْهُ قَوِيَ قَلْبُهُ عَلى إظْهارِ مُخالَفَتِهِ، فاللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى قَطَعَ مُحَمَّدًا ﷺ عَنْهم بِأنْ بَيَّنَ لَهُ أنَّهم كالمَوْتى وكالصُّمِّ وكالعُمْيِ، فَلا يَفْهَمُونَ ولا يَسْمَعُونَ ولا يُبْصِرُونَ ولا يَلْتَفِتُونَ إلى شَيْءٍ مِنَ الدَّلائِلِ، وهَذا سَبَبٌ لِقُوَّةِ قَلْبِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى إظْهارِ الدِّينِ كَما يَنْبَغِي، فَإنْ قِيلَ ما مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿إذا ولَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ ؟ جَوابُهُ: هو تَأْكِيدٌ لِحالِ الأصَمِّ؛ لِأنَّهُ إذا تَباعَدَ عَنِ الدّاعِي بِأنْ تَوَلّى عَنْهُ مُدْبِرًا كانَ أبْعَدَ عَنْ إدْراكِ صَوْتِهِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ تُسْمِعُ إلّا مَن يُؤْمِنُ بِآياتِنا﴾ فالمَعْنى: ما يُجْدِي إسْماعُكَ إلّا الَّذِينَ عَلِمَ اللَّهُ أنَّهم يُؤْمِنُونَ بِآياتِهِ، أيْ يُصَدِّقُونَ بِها ﴿فَهم مُسْلِمُونَ﴾ أيْ مُخْلِصُونَ مِن قَوْلِهِ: ﴿بَلى مَن أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ﴾ (البَقَرَةِ: ١١٢) يَعْنِي جَعَلَهُ سالِمًا لِلَّهِ تَعالى خالِصًا لَهُ، واللَّهُ أعْلَمُ.
النمل 27:77
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ أكْثَرَ الَّذِي هم فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ ﴿وإنَّهُ لَهُدًى ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿إنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهم بِحُكْمِهِ وهو العَزِيزُ العَلِيمُ﴾ ﴿فَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ إنَّكَ عَلى الحَقِّ المُبِينِ﴾ ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى ولا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إذا ولَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ ﴿وما أنْتَ بِهادِي العُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إنْ تُسْمِعُ إلّا مَن يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهم مُسْلِمُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا تَمَّمَ الكَلامَ في إثْباتِ المَبْدَأِ والمَعادِ، ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ ما يَتَعَلَّقُ بِالنُّبُوَّةِ، ولَمّا كانَتِ العُمْدَةُ الكُبْرى في إثْباتِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ هو القُرْآنَ، لا جَرَمَ بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أوَّلًا كَوْنَهُ مُعْجِزَةً مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: إنَّ الأقاصِيصَ المَذْكُورَةَ في القُرْآنِ مُوافِقَةٌ لِما كانَتْ مَذْكُورَةً في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، مَعَ العِلْمِ بِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ أُمِّيًّا، وأنَّهُ لَمْ يُخالِطْ أحَدًا مِنَ العُلَماءِ، ولَمْ يَشْتَغِلْ قَطُّ بِالِاسْتِفادَةِ والتَّعَلُّمِ، فَإذَنْ لا يَكُونُ ذَلِكَ إلّا مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى، واخْتَلَفُوا فَقالَ بَعْضُهم: أرادَ بِهِ ما اخْتَلَفُوا فِيهِ وتَبايَنُوا، وقالَ آخَرُونَ: أرادَ بِهِ ما حَرَّفَهُ بَعْضُهم، وقالَ بَعْضُهم: بَلْ أرادَ بِهِ أخْبارَ الأنْبِياءِ، والأوَّلُ أقْرَبُ.
وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿وإنَّهُ لَهُدًى ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ بَعْضَ النّاسِ قالَ: إنّا لَمّا تَأمَّلْنا القُرْآنَ فَوَجَدْنا فِيهِ مِنَ الدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ عَلى التَّوْحِيدِ والحَشْرِ والنُّبُوَّةِ، وشَرْحِ صِفاتِ اللَّهِ تَعالى وبَيانِ نُعُوتِ جَلالِهِ ما لَمْ نَجِدْهُ في شَيْءٍ مِنَ الكُتُبِ، ووَجَدْنا ما فِيهِ مِنَ الشَّرائِعِ مُطابِقَةً لِلْعُقُولِ مُوافِقَةً لَها، ووَجَدْناهُ مُبَرَّأً عَنِ التَّناقُضِ والتَّهافُتِ، فَكانَ هُدىً ورَحْمَةً مِن هَذِهِ الجِهاتِ ووَجَدْنا القُوى البَشَرِيَّةَ قاصِرَةً عَلى جَمْعِ كِتابٍ عَلى هَذا الوجه، فَعَلِمْنا أنَّهُ لَيْسَ إلّا مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، فَكانَ القُرْآنُ مُعْجِزًا مِن هَذِهِ الجِهَةِ.
وثالِثُها: أنَّهُ هُدىً ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، لِبُلُوغِهِ في الفَصاحَةِ إلى حَيْثُ عَجَزُوا عَنْ مُعارَضَتِهِ وذَلِكَ مُعْجِزٌ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ كَوْنَهُ مُعْجِزًا دالًّا عَلى الرِّسالَةِ ذَكَرَ بَعْدَهُ أمْرَيْنِ:
الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿إنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهم بِحُكْمِهِ وهو العَزِيزُ العَلِيمُ﴾ والمُرادُ أنَّ القُرْآنَ وإنْ كانَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ أكْثَرَ الَّذِي هم فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، لَكِنْ لا تَكُنْ أنْتَ في قَيْدِهِمْ، فَإنَّ رَبَّكَ هو الَّذِي يَقْضِي بَيْنَهم، أيْ بَيْنَ المُصِيبِ والمُخْطِئِ مِنهم، وذَلِكَ كالزَّجْرِ لِلْكُفّارِ، فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿وهُوَ العَزِيزُ﴾ أيِ القادِرُ الَّذِي لا يُمْنَعُ، العَلِيمُ بِما يَحْكُمُ فَلا يَكُونُ إلّا الحَقُّ، فَإنْ قِيلَ: القَضاءُ والحُكْمُ شَيْءٌ واحِدٌ، فَقَوْلُهُ: ﴿يَقْضِي بَيْنَهم بِحُكْمِهِ﴾ كَقَوْلِهِ: يَقْضِي بِقَضائِهِ، ويَحْكُمُ بِحُكْمِهِ، والجَوابُ: مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿بِحُكْمِهِ﴾ أيْ بِما يَحْكُمُ بِهِ وهو عَدْلُهُ؛ لِأنَّهُ لا يَقْضِي إلّا بِالعَدْلِ، أوْ أرادَ بِحُكْمِهِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ مَن قَرَأ (بِحِكَمِهِ) جَمْعُ حِكْمَةٍ.
الثّانِي: أنَّهُ تَعالى أمَرَهُ بَعْدَ ظُهُورِ حُجَّةِ رِسالَتِهِ بِأنْ يَتَوَكَّلَ عَلى اللَّهِ، ولا يَلْتَفِتَ إلى أعْداءِ اللَّهِ، ويَشْرَعَ في تَمْشِيَةِ مُهِمّاتِ الرِّسالَةِ بِقَلْبٍ قَوِيٍّ، فَقالَ: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ﴾ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِأمْرَيْنِ:
أحَدُهُما: قَوْلُهُ: ﴿إنَّكَ عَلى الحَقِّ المُبِينِ﴾ وفِيهِ بَيانُ أنَّ المُحِقَّ حَقِيقٌ بِنُصْرَةِ اللَّهِ تَعالى وأنَّهُ لا يُخْذَلُ.
وثانِيهِما: قَوْلُهُ: ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى﴾ وإنَّما حَسُنَ جَعْلُهُ سَبَبًا لِلْأمْرِ بِالتَّوَكُّلِ، وذَلِكَ
صفحة ١٨٦
لِأنَّ الإنْسانَ ما دامَ يَطْمَعُ في أحَدٍ أنْ يَأْخُذَ مِنهُ شَيْئًا، فَإنَّهُ لا يَقْوى قَلْبُهُ عَلى إظْهارِ مُخالَفَتِهِ، فَإذا قَطَعَ طَمَعَهُ عَنْهُ قَوِيَ قَلْبُهُ عَلى إظْهارِ مُخالَفَتِهِ، فاللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى قَطَعَ مُحَمَّدًا ﷺ عَنْهم بِأنْ بَيَّنَ لَهُ أنَّهم كالمَوْتى وكالصُّمِّ وكالعُمْيِ، فَلا يَفْهَمُونَ ولا يَسْمَعُونَ ولا يُبْصِرُونَ ولا يَلْتَفِتُونَ إلى شَيْءٍ مِنَ الدَّلائِلِ، وهَذا سَبَبٌ لِقُوَّةِ قَلْبِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى إظْهارِ الدِّينِ كَما يَنْبَغِي، فَإنْ قِيلَ ما مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿إذا ولَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ ؟ جَوابُهُ: هو تَأْكِيدٌ لِحالِ الأصَمِّ؛ لِأنَّهُ إذا تَباعَدَ عَنِ الدّاعِي بِأنْ تَوَلّى عَنْهُ مُدْبِرًا كانَ أبْعَدَ عَنْ إدْراكِ صَوْتِهِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ تُسْمِعُ إلّا مَن يُؤْمِنُ بِآياتِنا﴾ فالمَعْنى: ما يُجْدِي إسْماعُكَ إلّا الَّذِينَ عَلِمَ اللَّهُ أنَّهم يُؤْمِنُونَ بِآياتِهِ، أيْ يُصَدِّقُونَ بِها ﴿فَهم مُسْلِمُونَ﴾ أيْ مُخْلِصُونَ مِن قَوْلِهِ: ﴿بَلى مَن أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ﴾ (البَقَرَةِ: ١١٢) يَعْنِي جَعَلَهُ سالِمًا لِلَّهِ تَعالى خالِصًا لَهُ، واللَّهُ أعْلَمُ.
النمل 27:78
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ أكْثَرَ الَّذِي هم فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ ﴿وإنَّهُ لَهُدًى ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿إنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهم بِحُكْمِهِ وهو العَزِيزُ العَلِيمُ﴾ ﴿فَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ إنَّكَ عَلى الحَقِّ المُبِينِ﴾ ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى ولا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إذا ولَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ ﴿وما أنْتَ بِهادِي العُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إنْ تُسْمِعُ إلّا مَن يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهم مُسْلِمُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا تَمَّمَ الكَلامَ في إثْباتِ المَبْدَأِ والمَعادِ، ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ ما يَتَعَلَّقُ بِالنُّبُوَّةِ، ولَمّا كانَتِ العُمْدَةُ الكُبْرى في إثْباتِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ هو القُرْآنَ، لا جَرَمَ بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أوَّلًا كَوْنَهُ مُعْجِزَةً مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: إنَّ الأقاصِيصَ المَذْكُورَةَ في القُرْآنِ مُوافِقَةٌ لِما كانَتْ مَذْكُورَةً في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، مَعَ العِلْمِ بِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ أُمِّيًّا، وأنَّهُ لَمْ يُخالِطْ أحَدًا مِنَ العُلَماءِ، ولَمْ يَشْتَغِلْ قَطُّ بِالِاسْتِفادَةِ والتَّعَلُّمِ، فَإذَنْ لا يَكُونُ ذَلِكَ إلّا مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى، واخْتَلَفُوا فَقالَ بَعْضُهم: أرادَ بِهِ ما اخْتَلَفُوا فِيهِ وتَبايَنُوا، وقالَ آخَرُونَ: أرادَ بِهِ ما حَرَّفَهُ بَعْضُهم، وقالَ بَعْضُهم: بَلْ أرادَ بِهِ أخْبارَ الأنْبِياءِ، والأوَّلُ أقْرَبُ.
وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿وإنَّهُ لَهُدًى ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ بَعْضَ النّاسِ قالَ: إنّا لَمّا تَأمَّلْنا القُرْآنَ فَوَجَدْنا فِيهِ مِنَ الدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ عَلى التَّوْحِيدِ والحَشْرِ والنُّبُوَّةِ، وشَرْحِ صِفاتِ اللَّهِ تَعالى وبَيانِ نُعُوتِ جَلالِهِ ما لَمْ نَجِدْهُ في شَيْءٍ مِنَ الكُتُبِ، ووَجَدْنا ما فِيهِ مِنَ الشَّرائِعِ مُطابِقَةً لِلْعُقُولِ مُوافِقَةً لَها، ووَجَدْناهُ مُبَرَّأً عَنِ التَّناقُضِ والتَّهافُتِ، فَكانَ هُدىً ورَحْمَةً مِن هَذِهِ الجِهاتِ ووَجَدْنا القُوى البَشَرِيَّةَ قاصِرَةً عَلى جَمْعِ كِتابٍ عَلى هَذا الوجه، فَعَلِمْنا أنَّهُ لَيْسَ إلّا مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، فَكانَ القُرْآنُ مُعْجِزًا مِن هَذِهِ الجِهَةِ.
وثالِثُها: أنَّهُ هُدىً ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، لِبُلُوغِهِ في الفَصاحَةِ إلى حَيْثُ عَجَزُوا عَنْ مُعارَضَتِهِ وذَلِكَ مُعْجِزٌ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ كَوْنَهُ مُعْجِزًا دالًّا عَلى الرِّسالَةِ ذَكَرَ بَعْدَهُ أمْرَيْنِ:
الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿إنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهم بِحُكْمِهِ وهو العَزِيزُ العَلِيمُ﴾ والمُرادُ أنَّ القُرْآنَ وإنْ كانَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ أكْثَرَ الَّذِي هم فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، لَكِنْ لا تَكُنْ أنْتَ في قَيْدِهِمْ، فَإنَّ رَبَّكَ هو الَّذِي يَقْضِي بَيْنَهم، أيْ بَيْنَ المُصِيبِ والمُخْطِئِ مِنهم، وذَلِكَ كالزَّجْرِ لِلْكُفّارِ، فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿وهُوَ العَزِيزُ﴾ أيِ القادِرُ الَّذِي لا يُمْنَعُ، العَلِيمُ بِما يَحْكُمُ فَلا يَكُونُ إلّا الحَقُّ، فَإنْ قِيلَ: القَضاءُ والحُكْمُ شَيْءٌ واحِدٌ، فَقَوْلُهُ: ﴿يَقْضِي بَيْنَهم بِحُكْمِهِ﴾ كَقَوْلِهِ: يَقْضِي بِقَضائِهِ، ويَحْكُمُ بِحُكْمِهِ، والجَوابُ: مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿بِحُكْمِهِ﴾ أيْ بِما يَحْكُمُ بِهِ وهو عَدْلُهُ؛ لِأنَّهُ لا يَقْضِي إلّا بِالعَدْلِ، أوْ أرادَ بِحُكْمِهِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ مَن قَرَأ (بِحِكَمِهِ) جَمْعُ حِكْمَةٍ.
الثّانِي: أنَّهُ تَعالى أمَرَهُ بَعْدَ ظُهُورِ حُجَّةِ رِسالَتِهِ بِأنْ يَتَوَكَّلَ عَلى اللَّهِ، ولا يَلْتَفِتَ إلى أعْداءِ اللَّهِ، ويَشْرَعَ في تَمْشِيَةِ مُهِمّاتِ الرِّسالَةِ بِقَلْبٍ قَوِيٍّ، فَقالَ: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ﴾ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِأمْرَيْنِ:
أحَدُهُما: قَوْلُهُ: ﴿إنَّكَ عَلى الحَقِّ المُبِينِ﴾ وفِيهِ بَيانُ أنَّ المُحِقَّ حَقِيقٌ بِنُصْرَةِ اللَّهِ تَعالى وأنَّهُ لا يُخْذَلُ.
وثانِيهِما: قَوْلُهُ: ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى﴾ وإنَّما حَسُنَ جَعْلُهُ سَبَبًا لِلْأمْرِ بِالتَّوَكُّلِ، وذَلِكَ
صفحة ١٨٦
لِأنَّ الإنْسانَ ما دامَ يَطْمَعُ في أحَدٍ أنْ يَأْخُذَ مِنهُ شَيْئًا، فَإنَّهُ لا يَقْوى قَلْبُهُ عَلى إظْهارِ مُخالَفَتِهِ، فَإذا قَطَعَ طَمَعَهُ عَنْهُ قَوِيَ قَلْبُهُ عَلى إظْهارِ مُخالَفَتِهِ، فاللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى قَطَعَ مُحَمَّدًا ﷺ عَنْهم بِأنْ بَيَّنَ لَهُ أنَّهم كالمَوْتى وكالصُّمِّ وكالعُمْيِ، فَلا يَفْهَمُونَ ولا يَسْمَعُونَ ولا يُبْصِرُونَ ولا يَلْتَفِتُونَ إلى شَيْءٍ مِنَ الدَّلائِلِ، وهَذا سَبَبٌ لِقُوَّةِ قَلْبِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى إظْهارِ الدِّينِ كَما يَنْبَغِي، فَإنْ قِيلَ ما مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿إذا ولَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ ؟ جَوابُهُ: هو تَأْكِيدٌ لِحالِ الأصَمِّ؛ لِأنَّهُ إذا تَباعَدَ عَنِ الدّاعِي بِأنْ تَوَلّى عَنْهُ مُدْبِرًا كانَ أبْعَدَ عَنْ إدْراكِ صَوْتِهِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ تُسْمِعُ إلّا مَن يُؤْمِنُ بِآياتِنا﴾ فالمَعْنى: ما يُجْدِي إسْماعُكَ إلّا الَّذِينَ عَلِمَ اللَّهُ أنَّهم يُؤْمِنُونَ بِآياتِهِ، أيْ يُصَدِّقُونَ بِها ﴿فَهم مُسْلِمُونَ﴾ أيْ مُخْلِصُونَ مِن قَوْلِهِ: ﴿بَلى مَن أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ﴾ (البَقَرَةِ: ١١٢) يَعْنِي جَعَلَهُ سالِمًا لِلَّهِ تَعالى خالِصًا لَهُ، واللَّهُ أعْلَمُ.
النمل 27:79
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ أكْثَرَ الَّذِي هم فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ ﴿وإنَّهُ لَهُدًى ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿إنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهم بِحُكْمِهِ وهو العَزِيزُ العَلِيمُ﴾ ﴿فَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ إنَّكَ عَلى الحَقِّ المُبِينِ﴾ ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى ولا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إذا ولَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ ﴿وما أنْتَ بِهادِي العُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إنْ تُسْمِعُ إلّا مَن يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهم مُسْلِمُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا تَمَّمَ الكَلامَ في إثْباتِ المَبْدَأِ والمَعادِ، ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ ما يَتَعَلَّقُ بِالنُّبُوَّةِ، ولَمّا كانَتِ العُمْدَةُ الكُبْرى في إثْباتِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ هو القُرْآنَ، لا جَرَمَ بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أوَّلًا كَوْنَهُ مُعْجِزَةً مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: إنَّ الأقاصِيصَ المَذْكُورَةَ في القُرْآنِ مُوافِقَةٌ لِما كانَتْ مَذْكُورَةً في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، مَعَ العِلْمِ بِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ أُمِّيًّا، وأنَّهُ لَمْ يُخالِطْ أحَدًا مِنَ العُلَماءِ، ولَمْ يَشْتَغِلْ قَطُّ بِالِاسْتِفادَةِ والتَّعَلُّمِ، فَإذَنْ لا يَكُونُ ذَلِكَ إلّا مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى، واخْتَلَفُوا فَقالَ بَعْضُهم: أرادَ بِهِ ما اخْتَلَفُوا فِيهِ وتَبايَنُوا، وقالَ آخَرُونَ: أرادَ بِهِ ما حَرَّفَهُ بَعْضُهم، وقالَ بَعْضُهم: بَلْ أرادَ بِهِ أخْبارَ الأنْبِياءِ، والأوَّلُ أقْرَبُ.
وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿وإنَّهُ لَهُدًى ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ بَعْضَ النّاسِ قالَ: إنّا لَمّا تَأمَّلْنا القُرْآنَ فَوَجَدْنا فِيهِ مِنَ الدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ عَلى التَّوْحِيدِ والحَشْرِ والنُّبُوَّةِ، وشَرْحِ صِفاتِ اللَّهِ تَعالى وبَيانِ نُعُوتِ جَلالِهِ ما لَمْ نَجِدْهُ في شَيْءٍ مِنَ الكُتُبِ، ووَجَدْنا ما فِيهِ مِنَ الشَّرائِعِ مُطابِقَةً لِلْعُقُولِ مُوافِقَةً لَها، ووَجَدْناهُ مُبَرَّأً عَنِ التَّناقُضِ والتَّهافُتِ، فَكانَ هُدىً ورَحْمَةً مِن هَذِهِ الجِهاتِ ووَجَدْنا القُوى البَشَرِيَّةَ قاصِرَةً عَلى جَمْعِ كِتابٍ عَلى هَذا الوجه، فَعَلِمْنا أنَّهُ لَيْسَ إلّا مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، فَكانَ القُرْآنُ مُعْجِزًا مِن هَذِهِ الجِهَةِ.
وثالِثُها: أنَّهُ هُدىً ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، لِبُلُوغِهِ في الفَصاحَةِ إلى حَيْثُ عَجَزُوا عَنْ مُعارَضَتِهِ وذَلِكَ مُعْجِزٌ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ كَوْنَهُ مُعْجِزًا دالًّا عَلى الرِّسالَةِ ذَكَرَ بَعْدَهُ أمْرَيْنِ:
الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿إنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهم بِحُكْمِهِ وهو العَزِيزُ العَلِيمُ﴾ والمُرادُ أنَّ القُرْآنَ وإنْ كانَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ أكْثَرَ الَّذِي هم فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، لَكِنْ لا تَكُنْ أنْتَ في قَيْدِهِمْ، فَإنَّ رَبَّكَ هو الَّذِي يَقْضِي بَيْنَهم، أيْ بَيْنَ المُصِيبِ والمُخْطِئِ مِنهم، وذَلِكَ كالزَّجْرِ لِلْكُفّارِ، فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿وهُوَ العَزِيزُ﴾ أيِ القادِرُ الَّذِي لا يُمْنَعُ، العَلِيمُ بِما يَحْكُمُ فَلا يَكُونُ إلّا الحَقُّ، فَإنْ قِيلَ: القَضاءُ والحُكْمُ شَيْءٌ واحِدٌ، فَقَوْلُهُ: ﴿يَقْضِي بَيْنَهم بِحُكْمِهِ﴾ كَقَوْلِهِ: يَقْضِي بِقَضائِهِ، ويَحْكُمُ بِحُكْمِهِ، والجَوابُ: مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿بِحُكْمِهِ﴾ أيْ بِما يَحْكُمُ بِهِ وهو عَدْلُهُ؛ لِأنَّهُ لا يَقْضِي إلّا بِالعَدْلِ، أوْ أرادَ بِحُكْمِهِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ مَن قَرَأ (بِحِكَمِهِ) جَمْعُ حِكْمَةٍ.
الثّانِي: أنَّهُ تَعالى أمَرَهُ بَعْدَ ظُهُورِ حُجَّةِ رِسالَتِهِ بِأنْ يَتَوَكَّلَ عَلى اللَّهِ، ولا يَلْتَفِتَ إلى أعْداءِ اللَّهِ، ويَشْرَعَ في تَمْشِيَةِ مُهِمّاتِ الرِّسالَةِ بِقَلْبٍ قَوِيٍّ، فَقالَ: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ﴾ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِأمْرَيْنِ:
أحَدُهُما: قَوْلُهُ: ﴿إنَّكَ عَلى الحَقِّ المُبِينِ﴾ وفِيهِ بَيانُ أنَّ المُحِقَّ حَقِيقٌ بِنُصْرَةِ اللَّهِ تَعالى وأنَّهُ لا يُخْذَلُ.
وثانِيهِما: قَوْلُهُ: ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى﴾ وإنَّما حَسُنَ جَعْلُهُ سَبَبًا لِلْأمْرِ بِالتَّوَكُّلِ، وذَلِكَ
صفحة ١٨٦
لِأنَّ الإنْسانَ ما دامَ يَطْمَعُ في أحَدٍ أنْ يَأْخُذَ مِنهُ شَيْئًا، فَإنَّهُ لا يَقْوى قَلْبُهُ عَلى إظْهارِ مُخالَفَتِهِ، فَإذا قَطَعَ طَمَعَهُ عَنْهُ قَوِيَ قَلْبُهُ عَلى إظْهارِ مُخالَفَتِهِ، فاللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى قَطَعَ مُحَمَّدًا ﷺ عَنْهم بِأنْ بَيَّنَ لَهُ أنَّهم كالمَوْتى وكالصُّمِّ وكالعُمْيِ، فَلا يَفْهَمُونَ ولا يَسْمَعُونَ ولا يُبْصِرُونَ ولا يَلْتَفِتُونَ إلى شَيْءٍ مِنَ الدَّلائِلِ، وهَذا سَبَبٌ لِقُوَّةِ قَلْبِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى إظْهارِ الدِّينِ كَما يَنْبَغِي، فَإنْ قِيلَ ما مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿إذا ولَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ ؟ جَوابُهُ: هو تَأْكِيدٌ لِحالِ الأصَمِّ؛ لِأنَّهُ إذا تَباعَدَ عَنِ الدّاعِي بِأنْ تَوَلّى عَنْهُ مُدْبِرًا كانَ أبْعَدَ عَنْ إدْراكِ صَوْتِهِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ تُسْمِعُ إلّا مَن يُؤْمِنُ بِآياتِنا﴾ فالمَعْنى: ما يُجْدِي إسْماعُكَ إلّا الَّذِينَ عَلِمَ اللَّهُ أنَّهم يُؤْمِنُونَ بِآياتِهِ، أيْ يُصَدِّقُونَ بِها ﴿فَهم مُسْلِمُونَ﴾ أيْ مُخْلِصُونَ مِن قَوْلِهِ: ﴿بَلى مَن أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ﴾ (البَقَرَةِ: ١١٢) يَعْنِي جَعَلَهُ سالِمًا لِلَّهِ تَعالى خالِصًا لَهُ، واللَّهُ أعْلَمُ.
النمل 27:80
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ أكْثَرَ الَّذِي هم فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ ﴿وإنَّهُ لَهُدًى ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿إنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهم بِحُكْمِهِ وهو العَزِيزُ العَلِيمُ﴾ ﴿فَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ إنَّكَ عَلى الحَقِّ المُبِينِ﴾ ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى ولا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إذا ولَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ ﴿وما أنْتَ بِهادِي العُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إنْ تُسْمِعُ إلّا مَن يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهم مُسْلِمُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا تَمَّمَ الكَلامَ في إثْباتِ المَبْدَأِ والمَعادِ، ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ ما يَتَعَلَّقُ بِالنُّبُوَّةِ، ولَمّا كانَتِ العُمْدَةُ الكُبْرى في إثْباتِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ هو القُرْآنَ، لا جَرَمَ بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أوَّلًا كَوْنَهُ مُعْجِزَةً مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: إنَّ الأقاصِيصَ المَذْكُورَةَ في القُرْآنِ مُوافِقَةٌ لِما كانَتْ مَذْكُورَةً في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، مَعَ العِلْمِ بِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ أُمِّيًّا، وأنَّهُ لَمْ يُخالِطْ أحَدًا مِنَ العُلَماءِ، ولَمْ يَشْتَغِلْ قَطُّ بِالِاسْتِفادَةِ والتَّعَلُّمِ، فَإذَنْ لا يَكُونُ ذَلِكَ إلّا مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى، واخْتَلَفُوا فَقالَ بَعْضُهم: أرادَ بِهِ ما اخْتَلَفُوا فِيهِ وتَبايَنُوا، وقالَ آخَرُونَ: أرادَ بِهِ ما حَرَّفَهُ بَعْضُهم، وقالَ بَعْضُهم: بَلْ أرادَ بِهِ أخْبارَ الأنْبِياءِ، والأوَّلُ أقْرَبُ.
وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿وإنَّهُ لَهُدًى ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ بَعْضَ النّاسِ قالَ: إنّا لَمّا تَأمَّلْنا القُرْآنَ فَوَجَدْنا فِيهِ مِنَ الدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ عَلى التَّوْحِيدِ والحَشْرِ والنُّبُوَّةِ، وشَرْحِ صِفاتِ اللَّهِ تَعالى وبَيانِ نُعُوتِ جَلالِهِ ما لَمْ نَجِدْهُ في شَيْءٍ مِنَ الكُتُبِ، ووَجَدْنا ما فِيهِ مِنَ الشَّرائِعِ مُطابِقَةً لِلْعُقُولِ مُوافِقَةً لَها، ووَجَدْناهُ مُبَرَّأً عَنِ التَّناقُضِ والتَّهافُتِ، فَكانَ هُدىً ورَحْمَةً مِن هَذِهِ الجِهاتِ ووَجَدْنا القُوى البَشَرِيَّةَ قاصِرَةً عَلى جَمْعِ كِتابٍ عَلى هَذا الوجه، فَعَلِمْنا أنَّهُ لَيْسَ إلّا مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، فَكانَ القُرْآنُ مُعْجِزًا مِن هَذِهِ الجِهَةِ.
وثالِثُها: أنَّهُ هُدىً ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، لِبُلُوغِهِ في الفَصاحَةِ إلى حَيْثُ عَجَزُوا عَنْ مُعارَضَتِهِ وذَلِكَ مُعْجِزٌ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ كَوْنَهُ مُعْجِزًا دالًّا عَلى الرِّسالَةِ ذَكَرَ بَعْدَهُ أمْرَيْنِ:
الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿إنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهم بِحُكْمِهِ وهو العَزِيزُ العَلِيمُ﴾ والمُرادُ أنَّ القُرْآنَ وإنْ كانَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ أكْثَرَ الَّذِي هم فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، لَكِنْ لا تَكُنْ أنْتَ في قَيْدِهِمْ، فَإنَّ رَبَّكَ هو الَّذِي يَقْضِي بَيْنَهم، أيْ بَيْنَ المُصِيبِ والمُخْطِئِ مِنهم، وذَلِكَ كالزَّجْرِ لِلْكُفّارِ، فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿وهُوَ العَزِيزُ﴾ أيِ القادِرُ الَّذِي لا يُمْنَعُ، العَلِيمُ بِما يَحْكُمُ فَلا يَكُونُ إلّا الحَقُّ، فَإنْ قِيلَ: القَضاءُ والحُكْمُ شَيْءٌ واحِدٌ، فَقَوْلُهُ: ﴿يَقْضِي بَيْنَهم بِحُكْمِهِ﴾ كَقَوْلِهِ: يَقْضِي بِقَضائِهِ، ويَحْكُمُ بِحُكْمِهِ، والجَوابُ: مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿بِحُكْمِهِ﴾ أيْ بِما يَحْكُمُ بِهِ وهو عَدْلُهُ؛ لِأنَّهُ لا يَقْضِي إلّا بِالعَدْلِ، أوْ أرادَ بِحُكْمِهِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ مَن قَرَأ (بِحِكَمِهِ) جَمْعُ حِكْمَةٍ.
الثّانِي: أنَّهُ تَعالى أمَرَهُ بَعْدَ ظُهُورِ حُجَّةِ رِسالَتِهِ بِأنْ يَتَوَكَّلَ عَلى اللَّهِ، ولا يَلْتَفِتَ إلى أعْداءِ اللَّهِ، ويَشْرَعَ في تَمْشِيَةِ مُهِمّاتِ الرِّسالَةِ بِقَلْبٍ قَوِيٍّ، فَقالَ: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ﴾ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِأمْرَيْنِ:
أحَدُهُما: قَوْلُهُ: ﴿إنَّكَ عَلى الحَقِّ المُبِينِ﴾ وفِيهِ بَيانُ أنَّ المُحِقَّ حَقِيقٌ بِنُصْرَةِ اللَّهِ تَعالى وأنَّهُ لا يُخْذَلُ.
وثانِيهِما: قَوْلُهُ: ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى﴾ وإنَّما حَسُنَ جَعْلُهُ سَبَبًا لِلْأمْرِ بِالتَّوَكُّلِ، وذَلِكَ
صفحة ١٨٦
لِأنَّ الإنْسانَ ما دامَ يَطْمَعُ في أحَدٍ أنْ يَأْخُذَ مِنهُ شَيْئًا، فَإنَّهُ لا يَقْوى قَلْبُهُ عَلى إظْهارِ مُخالَفَتِهِ، فَإذا قَطَعَ طَمَعَهُ عَنْهُ قَوِيَ قَلْبُهُ عَلى إظْهارِ مُخالَفَتِهِ، فاللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى قَطَعَ مُحَمَّدًا ﷺ عَنْهم بِأنْ بَيَّنَ لَهُ أنَّهم كالمَوْتى وكالصُّمِّ وكالعُمْيِ، فَلا يَفْهَمُونَ ولا يَسْمَعُونَ ولا يُبْصِرُونَ ولا يَلْتَفِتُونَ إلى شَيْءٍ مِنَ الدَّلائِلِ، وهَذا سَبَبٌ لِقُوَّةِ قَلْبِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى إظْهارِ الدِّينِ كَما يَنْبَغِي، فَإنْ قِيلَ ما مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿إذا ولَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ ؟ جَوابُهُ: هو تَأْكِيدٌ لِحالِ الأصَمِّ؛ لِأنَّهُ إذا تَباعَدَ عَنِ الدّاعِي بِأنْ تَوَلّى عَنْهُ مُدْبِرًا كانَ أبْعَدَ عَنْ إدْراكِ صَوْتِهِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ تُسْمِعُ إلّا مَن يُؤْمِنُ بِآياتِنا﴾ فالمَعْنى: ما يُجْدِي إسْماعُكَ إلّا الَّذِينَ عَلِمَ اللَّهُ أنَّهم يُؤْمِنُونَ بِآياتِهِ، أيْ يُصَدِّقُونَ بِها ﴿فَهم مُسْلِمُونَ﴾ أيْ مُخْلِصُونَ مِن قَوْلِهِ: ﴿بَلى مَن أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ﴾ (البَقَرَةِ: ١١٢) يَعْنِي جَعَلَهُ سالِمًا لِلَّهِ تَعالى خالِصًا لَهُ، واللَّهُ أعْلَمُ.
النمل 27:81
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ أكْثَرَ الَّذِي هم فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ ﴿وإنَّهُ لَهُدًى ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿إنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهم بِحُكْمِهِ وهو العَزِيزُ العَلِيمُ﴾ ﴿فَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ إنَّكَ عَلى الحَقِّ المُبِينِ﴾ ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى ولا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إذا ولَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ ﴿وما أنْتَ بِهادِي العُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إنْ تُسْمِعُ إلّا مَن يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهم مُسْلِمُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا تَمَّمَ الكَلامَ في إثْباتِ المَبْدَأِ والمَعادِ، ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ ما يَتَعَلَّقُ بِالنُّبُوَّةِ، ولَمّا كانَتِ العُمْدَةُ الكُبْرى في إثْباتِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ هو القُرْآنَ، لا جَرَمَ بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أوَّلًا كَوْنَهُ مُعْجِزَةً مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: إنَّ الأقاصِيصَ المَذْكُورَةَ في القُرْآنِ مُوافِقَةٌ لِما كانَتْ مَذْكُورَةً في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، مَعَ العِلْمِ بِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ أُمِّيًّا، وأنَّهُ لَمْ يُخالِطْ أحَدًا مِنَ العُلَماءِ، ولَمْ يَشْتَغِلْ قَطُّ بِالِاسْتِفادَةِ والتَّعَلُّمِ، فَإذَنْ لا يَكُونُ ذَلِكَ إلّا مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى، واخْتَلَفُوا فَقالَ بَعْضُهم: أرادَ بِهِ ما اخْتَلَفُوا فِيهِ وتَبايَنُوا، وقالَ آخَرُونَ: أرادَ بِهِ ما حَرَّفَهُ بَعْضُهم، وقالَ بَعْضُهم: بَلْ أرادَ بِهِ أخْبارَ الأنْبِياءِ، والأوَّلُ أقْرَبُ.
وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿وإنَّهُ لَهُدًى ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ بَعْضَ النّاسِ قالَ: إنّا لَمّا تَأمَّلْنا القُرْآنَ فَوَجَدْنا فِيهِ مِنَ الدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ عَلى التَّوْحِيدِ والحَشْرِ والنُّبُوَّةِ، وشَرْحِ صِفاتِ اللَّهِ تَعالى وبَيانِ نُعُوتِ جَلالِهِ ما لَمْ نَجِدْهُ في شَيْءٍ مِنَ الكُتُبِ، ووَجَدْنا ما فِيهِ مِنَ الشَّرائِعِ مُطابِقَةً لِلْعُقُولِ مُوافِقَةً لَها، ووَجَدْناهُ مُبَرَّأً عَنِ التَّناقُضِ والتَّهافُتِ، فَكانَ هُدىً ورَحْمَةً مِن هَذِهِ الجِهاتِ ووَجَدْنا القُوى البَشَرِيَّةَ قاصِرَةً عَلى جَمْعِ كِتابٍ عَلى هَذا الوجه، فَعَلِمْنا أنَّهُ لَيْسَ إلّا مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، فَكانَ القُرْآنُ مُعْجِزًا مِن هَذِهِ الجِهَةِ.
وثالِثُها: أنَّهُ هُدىً ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، لِبُلُوغِهِ في الفَصاحَةِ إلى حَيْثُ عَجَزُوا عَنْ مُعارَضَتِهِ وذَلِكَ مُعْجِزٌ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ كَوْنَهُ مُعْجِزًا دالًّا عَلى الرِّسالَةِ ذَكَرَ بَعْدَهُ أمْرَيْنِ:
الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿إنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهم بِحُكْمِهِ وهو العَزِيزُ العَلِيمُ﴾ والمُرادُ أنَّ القُرْآنَ وإنْ كانَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ أكْثَرَ الَّذِي هم فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، لَكِنْ لا تَكُنْ أنْتَ في قَيْدِهِمْ، فَإنَّ رَبَّكَ هو الَّذِي يَقْضِي بَيْنَهم، أيْ بَيْنَ المُصِيبِ والمُخْطِئِ مِنهم، وذَلِكَ كالزَّجْرِ لِلْكُفّارِ، فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿وهُوَ العَزِيزُ﴾ أيِ القادِرُ الَّذِي لا يُمْنَعُ، العَلِيمُ بِما يَحْكُمُ فَلا يَكُونُ إلّا الحَقُّ، فَإنْ قِيلَ: القَضاءُ والحُكْمُ شَيْءٌ واحِدٌ، فَقَوْلُهُ: ﴿يَقْضِي بَيْنَهم بِحُكْمِهِ﴾ كَقَوْلِهِ: يَقْضِي بِقَضائِهِ، ويَحْكُمُ بِحُكْمِهِ، والجَوابُ: مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿بِحُكْمِهِ﴾ أيْ بِما يَحْكُمُ بِهِ وهو عَدْلُهُ؛ لِأنَّهُ لا يَقْضِي إلّا بِالعَدْلِ، أوْ أرادَ بِحُكْمِهِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ مَن قَرَأ (بِحِكَمِهِ) جَمْعُ حِكْمَةٍ.
الثّانِي: أنَّهُ تَعالى أمَرَهُ بَعْدَ ظُهُورِ حُجَّةِ رِسالَتِهِ بِأنْ يَتَوَكَّلَ عَلى اللَّهِ، ولا يَلْتَفِتَ إلى أعْداءِ اللَّهِ، ويَشْرَعَ في تَمْشِيَةِ مُهِمّاتِ الرِّسالَةِ بِقَلْبٍ قَوِيٍّ، فَقالَ: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ﴾ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِأمْرَيْنِ:
أحَدُهُما: قَوْلُهُ: ﴿إنَّكَ عَلى الحَقِّ المُبِينِ﴾ وفِيهِ بَيانُ أنَّ المُحِقَّ حَقِيقٌ بِنُصْرَةِ اللَّهِ تَعالى وأنَّهُ لا يُخْذَلُ.
وثانِيهِما: قَوْلُهُ: ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى﴾ وإنَّما حَسُنَ جَعْلُهُ سَبَبًا لِلْأمْرِ بِالتَّوَكُّلِ، وذَلِكَ
صفحة ١٨٦
لِأنَّ الإنْسانَ ما دامَ يَطْمَعُ في أحَدٍ أنْ يَأْخُذَ مِنهُ شَيْئًا، فَإنَّهُ لا يَقْوى قَلْبُهُ عَلى إظْهارِ مُخالَفَتِهِ، فَإذا قَطَعَ طَمَعَهُ عَنْهُ قَوِيَ قَلْبُهُ عَلى إظْهارِ مُخالَفَتِهِ، فاللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى قَطَعَ مُحَمَّدًا ﷺ عَنْهم بِأنْ بَيَّنَ لَهُ أنَّهم كالمَوْتى وكالصُّمِّ وكالعُمْيِ، فَلا يَفْهَمُونَ ولا يَسْمَعُونَ ولا يُبْصِرُونَ ولا يَلْتَفِتُونَ إلى شَيْءٍ مِنَ الدَّلائِلِ، وهَذا سَبَبٌ لِقُوَّةِ قَلْبِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى إظْهارِ الدِّينِ كَما يَنْبَغِي، فَإنْ قِيلَ ما مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿إذا ولَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ ؟ جَوابُهُ: هو تَأْكِيدٌ لِحالِ الأصَمِّ؛ لِأنَّهُ إذا تَباعَدَ عَنِ الدّاعِي بِأنْ تَوَلّى عَنْهُ مُدْبِرًا كانَ أبْعَدَ عَنْ إدْراكِ صَوْتِهِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ تُسْمِعُ إلّا مَن يُؤْمِنُ بِآياتِنا﴾ فالمَعْنى: ما يُجْدِي إسْماعُكَ إلّا الَّذِينَ عَلِمَ اللَّهُ أنَّهم يُؤْمِنُونَ بِآياتِهِ، أيْ يُصَدِّقُونَ بِها ﴿فَهم مُسْلِمُونَ﴾ أيْ مُخْلِصُونَ مِن قَوْلِهِ: ﴿بَلى مَن أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ﴾ (البَقَرَةِ: ١١٢) يَعْنِي جَعَلَهُ سالِمًا لِلَّهِ تَعالى خالِصًا لَهُ، واللَّهُ أعْلَمُ.
النمل 27:82
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا وقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ أخْرَجْنا لَهم دابَّةً مِنَ الأرْضِ تُكَلِّمُهم أنَّ النّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ﴾ ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا فَهم يُوزَعُونَ﴾ ﴿حَتّى إذا جاءُوا قالَ أكَذَّبْتُمْ بِآياتِي ولَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْمًا أمْ ماذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿ووَقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ بِما ظَلَمُوا فَهم لا يَنْطِقُونَ﴾ ﴿ألَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ والنَّهارَ مُبْصِرًا إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى بَيَّنَ بِالدَّلائِلِ القاهِرَةِ كَمالَ القُدْرَةِ وكَمالَ العِلْمِ، ثُمَّ فَرَّعَ عَلَيْهِما القَوْلَ بِإمْكانِ الحَشْرِ، ثُمَّ بَيَّنَ الوجه في كَوْنِ القُرْآنِ مُعْجِزًا، ثُمَّ فَرَّعَ عَلَيْهِ نُبُوَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ، ثُمَّ تَكَلَّمَ الآنَ في مُقَدِّماتِ قِيامِ القِيامَةِ، وإنَّما أخَّرَ تَعالى الكَلامَ في هَذا البابِ عَنْ إثْباتِ النُّبُوَّةِ، لِما أنَّ هَذِهِ الأشْياءَ لا يُمْكِنُ مَعْرِفَتُها إلّا بِقَوْلِ النَّبِيِّ الصّادِقِ، وهَذا هو النِّهايَةُ في جَوْدَةِ التَّرْتِيبِ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ تارَةً ما يَكُونُ كالعَلامَةِ لِقِيامِ القِيامَةِ، وتارَةً الأُمُورَ الَّتِي تَقَعُ عِنْدَ قِيامِ القِيامَةِ، فَذَكَرَ أوَّلًا مِن عَلاماتِ القِيامَةِ دابَّةَ الأرْضِ، والنّاسُ تَكَلَّمُوا فِيها مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: في مِقْدارِ جِسْمِها، وفي الحَدِيثِ أنَّ طُولَها سِتُّونَ ذِراعًا. ورُوِيَ أيْضًا أنَّ رَأْسَها تَبْلُغُ السَّحابَ. وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ: ما بَيْنَ قَرْنَيْها فَرْسَخٌ لِلرّاكِبِ.
وثانِيها: في كَيْفِيَّةِ خِلْقَتِها، فَرُوِيَ أنَّ لَها أرْبَعَ قَوائِمَ وزَغَبٌ ورِيشٌ وجَناحانِ. وعَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في وصْفِها: رَأْسُ ثَوْرٍ، وعَيْنُ خِنْزِيرٍ، وأُذُنُ فِيلٍ، وقَرْنُ أيْلٍ، وصَدْرُ أسَدٍ، ولَوْنُ نَمِرٍ، وخاصِرَةُ بَقَرَةٍ، وذَنَبُ كَبْشٍ، وخُفُّ بَعِيرٍ.
وثالِثُها: في كَيْفِيَّةِ خُرُوجِها؛ عَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّها تَخْرُجُ ثَلاثَةَ أيّامٍ، والنّاسُ يَنْظُرُونَ، فَلا يَخْرُجُ إلّا ثُلُثُها. وعَنِ الحَسَنِ: لا يَتِمُّ خُرُوجُها إلّا بَعْدَ ثَلاثَةِ أيّامٍ.
ورابِعُها: في مَوْضِعِ خُرُوجِها ”«سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ مِن أيْنَ تَخْرُجُ الدّابَّةُ ؟ فَقالَ: مِن أعْظَمِ المَساجِدِ حُرْمَةً عَلى اللَّهِ تَعالى المَسْجِدِ
صفحة ١٨٧
الحَرامِ» “ . وقِيلَ: تَخْرُجُ مِنَ الصَّفا فَتُكَلِّمُهم بِالعَرَبِيَّةِ.
وخامِسُها: في عَدَدِ خُرُوجِها، فَرُوِيَ أنَّها تَخْرُجُ ثَلاثَ مَرّاتٍ، تَخْرُجُ بِأقْصى اليَمَنِ، ثُمَّ تَكْمُنُ، ثُمَّ تَخْرُجُ بِالبادِيَةِ، ثُمَّ تَكْمُنُ دَهْرًا طَوِيلًا، فَبَيْنا النّاسُ في أعْظَمِ المَساجِدِ حُرْمَةً وأكْرَمِها عَلى اللَّهِ فَما يَهُولُهم إلّا خُرُوجُها مِن بَيْنِ الرُّكْنِ حِذاءَ دارِ بَنِيَ مَخْزُومٍ عَنْ يَمِينِ الخارِجِ مِنَ المَسْجِدِ، فَقَوْمٌ يَهْرُبُونَ، وقَوْمٌ يَقِفُونَ.
واعْلَمْ أنَّهُ لا دَلالَةَ في الكِتابِ عَلى شَيْءٍ مِن هَذِهِ الأُمُورِ، فَإنْ صَحَّ الخَبَرُ فِيهِ عَنِ الرَّسُولِ ﷺ قُبِلَ، وإلّا لَمْ يُلْتَفَتْ إلَيْهِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا وقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ فالمُرادُ مِنَ القَوْلِ مُتَعَلِّقُهُ وهو ما وُعِدُوا بِهِ مِن قِيامِ السّاعَةِ، ووُقُوعُهُ حُصُولُهُ، والمُرادُ مُشارَفَةُ السّاعَةِ وظُهُورُ أشْراطِها، أمّا دابَّةُ الأرْضِ فَقَدْ عَرَفْتَها.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿تُكَلِّمُهُمْ﴾ فَقُرِئَ (تَكْلَمُهم) مِنَ الكَلْمِ وهو الجُرْحُ، رُوِيَ أنَّ الدّابَّةَ تَخْرُجُ مِنَ الصَّفا ومَعَها عَصا مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وخاتَمُ سُلَيْمانَ، فَتَضْرِبُ المُؤْمِنَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ بِعَصا مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَتَنْكُتُ نُكْتَةً بَيْضاءَ، فَتَفْشُو تِلْكَ النُّكْتَةُ في وجْهِهِ حَتّى يُضِيءَ لَها وجْهُهُ، وتَنْكُتُ الكافِرَ في أنْفِهِ فَتَفْشُو النُّكْتَةُ حَتّى يَسْوَدَّ لَها وجْهُهُ.
واعْلَمْ أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ تُكَلِّمُهم مِنَ الكَلْمِ أيْضًا عَلى مَعْنى التَّكْثِيرِ، يُقالُ: فُلانٌ مُكَلَّمٌ، أيْ مُجَرَّحٌ. وقَرَأ أُبَيٌّ (تُنَبِّئُهم)، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: تُكَلِّمُهم بِأنَّ النّاسَ، والقِراءَةُ بِأنَّ مَكْسُورَةً حِكايَةٌ لِقَوْلِ الدّابَّةِ ذَلِكَ، أوْ هي حِكايَةٌ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعالى بَيَّنَ بِهِ أنَّهُ أخْرَجَ الدّابَّةَ لِهَذِهِ العِلَّةِ. فَإنْ قِيلَ: إذا كانَتْ حِكايَةً لِقَوْلِ الدّابَّةِ، فَكَيْفَ يَقُولُ بِآياتِنا ؟ جَوابُهُ: إنَّ قَوْلَها حِكايَةٌ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعالى، أوْ عَلى مَعْنى بِآياتِ رَبِّنا، أوْ لِاخْتِصاصِها بِاللَّهِ تَعالى أضافَتْ آياتِ اللَّهِ إلى نَفْسِها، كَما يَقُولُ بَعْضُ خاصَّةِ المَلِكِ خَيْلُنا وبِلادُنا، وإنَّما هي خَيْلُ مَوْلاهُ وبِلادُهُ، ومَن قَرَأ بِالفَتْحِ فَعَلى حَذْفِ الجارِّ، أيْ تُكَلِّمُهم بِأنَّ النّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا﴾ فاعْلَمْ أنَّ هَذا مِنَ الأُمُورِ الواقِعَةِ بَعْدَ قِيامِ القِيامَةِ، فالفَرْقُ بَيْنَ مِنَ الأُولى والثّانِيَةِ، أنَّ الأُولى لِلتَّبْعِيضِ، والثّانِيَةَ لِلتَّبْيِينِ، كَقَوْلِهِ: ﴿مِنَ الأوْثانِ﴾ (الحَجِّ: ٣٠) .
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَهم يُوزَعُونَ﴾ مَعْناهُ: يُحْبَسُ أوَّلُهم عَلى آخِرِهِمْ حَتّى يَجْتَمِعُوا فَيُكَبْكَبُوا في النّارِ، وهَذِهِ عِبارَةٌ عَنْ كَثْرَةِ العَدَدِ وتَباعُدِ أطْرافِهِ، كَما وُصِفَتْ جُنُودُ سُلَيْمانَ بِذَلِكَ وقَوْلُهُ: ﴿حَتّى إذا جاءُوا قالَ أكَذَّبْتُمْ بِآياتِي﴾ فَهَذا وإنِ احْتَمَلَ مُعْجِزاتِ الرُّسُلِ كَما قالَهُ بَعْضُهم، فالمُرادُ كُلُّ الآياتِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ سائِرُ الكُفّارِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ أجْمَعَ أوْ بِشَيْءٍ مِنها.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿ولَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْمًا﴾ فالواوُ لِلْحالِ كَأنَّهُ قالَ: أكَذَّبْتُمْ بِها، بادِيَ الرَّأْيِ مِن غَيْرِ فِكْرٍ ولا نَظَرٍ يُؤَدِّي إلى إحاطَةِ العِلْمِ بِكُنْهِها.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿أمْ ماذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ فالمُرادُ لَمّا لَمْ تَشْتَغِلُوا بِذَلِكَ العَمَلِ المُهِمِّ، فَأيُّ شَيْءٍ كُنْتُمْ تَعْمَلُونَهُ بَعْدَ ذَلِكَ ؟ ! كَأنَّهُ قالَ: كُلُّ عَمَلٍ سِواهُ فَكَأنَّهُ لَيْسَ بِعَمَلٍ، ثم قال: ﴿ووَقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ يُرِيدُ أنَّ العَذابَ المَوْعُودَ يَغْشاهم بِسَبَبِ تَكْذِيبِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ فَيَشْغَلُهم عَنِ النُّطْقِ والِاعْتِذارِ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ (المُرْسَلاتِ: ٣٥) ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ بَعْدَ أنْ خَوَّفَهم بِأحْوالِ القِيامَةِ ذَكَرَ كَلامًا يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ دَلِيلًا عَلى التَّوْحِيدِ وعَلى الحَشْرِ وعَلى النُّبُوَّةِ مُبالَغَةً في الإرْشادِ إلى الإيمانِ والمَنعِ مِنَ الكُفْرِ فَقالَ: ﴿ألَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ والنَّهارَ مُبْصِرًا﴾
صفحة ١٨٨
أمّا وجْهُ دَلالَتِهِ عَلى التَّوْحِيدِ، فَلَمّا ظَهَرَ في العُقُولِ أنَّ التَّقْلِيبَ مِنَ النُّورِ إلى الظُّلْمَةِ، ومِنَ الظُّلْمَةِ إلى النُّورِ، لا يَحْصُلُ إلّا بِقُدْرَةٍ قاهِرَةٍ عالِيَةٍ. وأمّا وجْهُ دَلالَتِهِ عَلى الحَشْرِ، فَلِأنَّهُ لَمّا ثَبَتَتْ قُدْرَتُهُ تَعالى في هَذِهِ الصُّورَةِ عَلى القَلْبِ مِنَ النُّورِ إلى الظُّلْمَةِ وبِالعَكْسِ، فَأيُّ امْتِناعٍ في ثُبُوتِ قُدْرَتِهِ عَلى القَلْبِ مِنَ الحَياةِ إلى المَوْتِ مَرَّةً، ومِنَ المَوْتِ إلى الحَياةِ أُخْرى. وأمّا وجْهُ دَلالَتِهِ عَلى النُّبُوَّةِ فَلِأنَّهُ تَعالى يُقَلِّبُ اللَّيْلَ والنَّهارَ لِمَنافِعِ المُكَلَّفِينَ، وفي بِعْثَةِ الأنْبِياءِ والرُّسُلِ إلى الخَلْقِ مَنافِعٌ عَظِيمَةٌ، فَما المانِعُ مِن بَعْثَتِهِمْ إلى الخَلْقِ لِأجْلِ تَحْصِيلِ تِلْكَ المَنافِعِ ؟ فَقَدْ ثَبَتَ أنَّ هَذِهِ الكَلِمَةَ الواحِدَةَ كافِيَةٌ في إقامَةِ الدَّلالَةِ عَلى تَصْحِيحِ الأُصُولِ الثَّلاثَةِ الَّتِي مِنها مَنشَأُ كُفْرِهِمْ واسْتِحْقاقِهِمُ العَذابَ، ثُمَّ في الآيَةِ سُؤالانِ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: ما السَّبَبُ في أنْ جَعَلَ الإبْصارَ لِلنَّهارِ وهو لِأهْلِهِ ؟ جَوابُهُ: تَنْبِيهًا عَلى كَمالِ هَذِهِ الصِّفَةِ فِيهِ.
السُّؤالُ الثّانِي: لَمّا قالَ: ﴿جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ [يونس: ٦٧]فَلِمَ لَمْ يَقُلْ: والنَّهارَ لِتُبْصِرُوا فِيهِ ؟ جَوابُهُ: لِأنَّ السُّكُونَ في اللَّيْلِ هو المَقْصُودُ مِنَ اللَّيْلِ، وأمّا الإبْصارُ في النَّهارِ، فَلَيْسَ هو المَقْصُودُ بَلْ هو وسِيلَةٌ إلى جَلْبِ المَنافِعِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ خَصَّ المُؤْمِنِينَ بِالذِّكْرِ، وإنْ كانَتْ أدِلَّةً لِلْكُلِّ مِن حَيْثُ اخْتُصُّوا بِالقَبُولِ والِانْتِفاعِ عَلى ما تَقَدَّمَ في نَظائِرِهِ.
النمل 27:83
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا وقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ أخْرَجْنا لَهم دابَّةً مِنَ الأرْضِ تُكَلِّمُهم أنَّ النّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ﴾ ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا فَهم يُوزَعُونَ﴾ ﴿حَتّى إذا جاءُوا قالَ أكَذَّبْتُمْ بِآياتِي ولَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْمًا أمْ ماذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿ووَقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ بِما ظَلَمُوا فَهم لا يَنْطِقُونَ﴾ ﴿ألَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ والنَّهارَ مُبْصِرًا إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى بَيَّنَ بِالدَّلائِلِ القاهِرَةِ كَمالَ القُدْرَةِ وكَمالَ العِلْمِ، ثُمَّ فَرَّعَ عَلَيْهِما القَوْلَ بِإمْكانِ الحَشْرِ، ثُمَّ بَيَّنَ الوجه في كَوْنِ القُرْآنِ مُعْجِزًا، ثُمَّ فَرَّعَ عَلَيْهِ نُبُوَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ، ثُمَّ تَكَلَّمَ الآنَ في مُقَدِّماتِ قِيامِ القِيامَةِ، وإنَّما أخَّرَ تَعالى الكَلامَ في هَذا البابِ عَنْ إثْباتِ النُّبُوَّةِ، لِما أنَّ هَذِهِ الأشْياءَ لا يُمْكِنُ مَعْرِفَتُها إلّا بِقَوْلِ النَّبِيِّ الصّادِقِ، وهَذا هو النِّهايَةُ في جَوْدَةِ التَّرْتِيبِ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ تارَةً ما يَكُونُ كالعَلامَةِ لِقِيامِ القِيامَةِ، وتارَةً الأُمُورَ الَّتِي تَقَعُ عِنْدَ قِيامِ القِيامَةِ، فَذَكَرَ أوَّلًا مِن عَلاماتِ القِيامَةِ دابَّةَ الأرْضِ، والنّاسُ تَكَلَّمُوا فِيها مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: في مِقْدارِ جِسْمِها، وفي الحَدِيثِ أنَّ طُولَها سِتُّونَ ذِراعًا. ورُوِيَ أيْضًا أنَّ رَأْسَها تَبْلُغُ السَّحابَ. وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ: ما بَيْنَ قَرْنَيْها فَرْسَخٌ لِلرّاكِبِ.
وثانِيها: في كَيْفِيَّةِ خِلْقَتِها، فَرُوِيَ أنَّ لَها أرْبَعَ قَوائِمَ وزَغَبٌ ورِيشٌ وجَناحانِ. وعَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في وصْفِها: رَأْسُ ثَوْرٍ، وعَيْنُ خِنْزِيرٍ، وأُذُنُ فِيلٍ، وقَرْنُ أيْلٍ، وصَدْرُ أسَدٍ، ولَوْنُ نَمِرٍ، وخاصِرَةُ بَقَرَةٍ، وذَنَبُ كَبْشٍ، وخُفُّ بَعِيرٍ.
وثالِثُها: في كَيْفِيَّةِ خُرُوجِها؛ عَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّها تَخْرُجُ ثَلاثَةَ أيّامٍ، والنّاسُ يَنْظُرُونَ، فَلا يَخْرُجُ إلّا ثُلُثُها. وعَنِ الحَسَنِ: لا يَتِمُّ خُرُوجُها إلّا بَعْدَ ثَلاثَةِ أيّامٍ.
ورابِعُها: في مَوْضِعِ خُرُوجِها ”«سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ مِن أيْنَ تَخْرُجُ الدّابَّةُ ؟ فَقالَ: مِن أعْظَمِ المَساجِدِ حُرْمَةً عَلى اللَّهِ تَعالى المَسْجِدِ
صفحة ١٨٧
الحَرامِ» “ . وقِيلَ: تَخْرُجُ مِنَ الصَّفا فَتُكَلِّمُهم بِالعَرَبِيَّةِ.
وخامِسُها: في عَدَدِ خُرُوجِها، فَرُوِيَ أنَّها تَخْرُجُ ثَلاثَ مَرّاتٍ، تَخْرُجُ بِأقْصى اليَمَنِ، ثُمَّ تَكْمُنُ، ثُمَّ تَخْرُجُ بِالبادِيَةِ، ثُمَّ تَكْمُنُ دَهْرًا طَوِيلًا، فَبَيْنا النّاسُ في أعْظَمِ المَساجِدِ حُرْمَةً وأكْرَمِها عَلى اللَّهِ فَما يَهُولُهم إلّا خُرُوجُها مِن بَيْنِ الرُّكْنِ حِذاءَ دارِ بَنِيَ مَخْزُومٍ عَنْ يَمِينِ الخارِجِ مِنَ المَسْجِدِ، فَقَوْمٌ يَهْرُبُونَ، وقَوْمٌ يَقِفُونَ.
واعْلَمْ أنَّهُ لا دَلالَةَ في الكِتابِ عَلى شَيْءٍ مِن هَذِهِ الأُمُورِ، فَإنْ صَحَّ الخَبَرُ فِيهِ عَنِ الرَّسُولِ ﷺ قُبِلَ، وإلّا لَمْ يُلْتَفَتْ إلَيْهِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا وقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ فالمُرادُ مِنَ القَوْلِ مُتَعَلِّقُهُ وهو ما وُعِدُوا بِهِ مِن قِيامِ السّاعَةِ، ووُقُوعُهُ حُصُولُهُ، والمُرادُ مُشارَفَةُ السّاعَةِ وظُهُورُ أشْراطِها، أمّا دابَّةُ الأرْضِ فَقَدْ عَرَفْتَها.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿تُكَلِّمُهُمْ﴾ فَقُرِئَ (تَكْلَمُهم) مِنَ الكَلْمِ وهو الجُرْحُ، رُوِيَ أنَّ الدّابَّةَ تَخْرُجُ مِنَ الصَّفا ومَعَها عَصا مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وخاتَمُ سُلَيْمانَ، فَتَضْرِبُ المُؤْمِنَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ بِعَصا مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَتَنْكُتُ نُكْتَةً بَيْضاءَ، فَتَفْشُو تِلْكَ النُّكْتَةُ في وجْهِهِ حَتّى يُضِيءَ لَها وجْهُهُ، وتَنْكُتُ الكافِرَ في أنْفِهِ فَتَفْشُو النُّكْتَةُ حَتّى يَسْوَدَّ لَها وجْهُهُ.
واعْلَمْ أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ تُكَلِّمُهم مِنَ الكَلْمِ أيْضًا عَلى مَعْنى التَّكْثِيرِ، يُقالُ: فُلانٌ مُكَلَّمٌ، أيْ مُجَرَّحٌ. وقَرَأ أُبَيٌّ (تُنَبِّئُهم)، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: تُكَلِّمُهم بِأنَّ النّاسَ، والقِراءَةُ بِأنَّ مَكْسُورَةً حِكايَةٌ لِقَوْلِ الدّابَّةِ ذَلِكَ، أوْ هي حِكايَةٌ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعالى بَيَّنَ بِهِ أنَّهُ أخْرَجَ الدّابَّةَ لِهَذِهِ العِلَّةِ. فَإنْ قِيلَ: إذا كانَتْ حِكايَةً لِقَوْلِ الدّابَّةِ، فَكَيْفَ يَقُولُ بِآياتِنا ؟ جَوابُهُ: إنَّ قَوْلَها حِكايَةٌ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعالى، أوْ عَلى مَعْنى بِآياتِ رَبِّنا، أوْ لِاخْتِصاصِها بِاللَّهِ تَعالى أضافَتْ آياتِ اللَّهِ إلى نَفْسِها، كَما يَقُولُ بَعْضُ خاصَّةِ المَلِكِ خَيْلُنا وبِلادُنا، وإنَّما هي خَيْلُ مَوْلاهُ وبِلادُهُ، ومَن قَرَأ بِالفَتْحِ فَعَلى حَذْفِ الجارِّ، أيْ تُكَلِّمُهم بِأنَّ النّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا﴾ فاعْلَمْ أنَّ هَذا مِنَ الأُمُورِ الواقِعَةِ بَعْدَ قِيامِ القِيامَةِ، فالفَرْقُ بَيْنَ مِنَ الأُولى والثّانِيَةِ، أنَّ الأُولى لِلتَّبْعِيضِ، والثّانِيَةَ لِلتَّبْيِينِ، كَقَوْلِهِ: ﴿مِنَ الأوْثانِ﴾ (الحَجِّ: ٣٠) .
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَهم يُوزَعُونَ﴾ مَعْناهُ: يُحْبَسُ أوَّلُهم عَلى آخِرِهِمْ حَتّى يَجْتَمِعُوا فَيُكَبْكَبُوا في النّارِ، وهَذِهِ عِبارَةٌ عَنْ كَثْرَةِ العَدَدِ وتَباعُدِ أطْرافِهِ، كَما وُصِفَتْ جُنُودُ سُلَيْمانَ بِذَلِكَ وقَوْلُهُ: ﴿حَتّى إذا جاءُوا قالَ أكَذَّبْتُمْ بِآياتِي﴾ فَهَذا وإنِ احْتَمَلَ مُعْجِزاتِ الرُّسُلِ كَما قالَهُ بَعْضُهم، فالمُرادُ كُلُّ الآياتِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ سائِرُ الكُفّارِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ أجْمَعَ أوْ بِشَيْءٍ مِنها.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿ولَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْمًا﴾ فالواوُ لِلْحالِ كَأنَّهُ قالَ: أكَذَّبْتُمْ بِها، بادِيَ الرَّأْيِ مِن غَيْرِ فِكْرٍ ولا نَظَرٍ يُؤَدِّي إلى إحاطَةِ العِلْمِ بِكُنْهِها.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿أمْ ماذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ فالمُرادُ لَمّا لَمْ تَشْتَغِلُوا بِذَلِكَ العَمَلِ المُهِمِّ، فَأيُّ شَيْءٍ كُنْتُمْ تَعْمَلُونَهُ بَعْدَ ذَلِكَ ؟ ! كَأنَّهُ قالَ: كُلُّ عَمَلٍ سِواهُ فَكَأنَّهُ لَيْسَ بِعَمَلٍ، ثم قال: ﴿ووَقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ يُرِيدُ أنَّ العَذابَ المَوْعُودَ يَغْشاهم بِسَبَبِ تَكْذِيبِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ فَيَشْغَلُهم عَنِ النُّطْقِ والِاعْتِذارِ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ (المُرْسَلاتِ: ٣٥) ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ بَعْدَ أنْ خَوَّفَهم بِأحْوالِ القِيامَةِ ذَكَرَ كَلامًا يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ دَلِيلًا عَلى التَّوْحِيدِ وعَلى الحَشْرِ وعَلى النُّبُوَّةِ مُبالَغَةً في الإرْشادِ إلى الإيمانِ والمَنعِ مِنَ الكُفْرِ فَقالَ: ﴿ألَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ والنَّهارَ مُبْصِرًا﴾
صفحة ١٨٨
أمّا وجْهُ دَلالَتِهِ عَلى التَّوْحِيدِ، فَلَمّا ظَهَرَ في العُقُولِ أنَّ التَّقْلِيبَ مِنَ النُّورِ إلى الظُّلْمَةِ، ومِنَ الظُّلْمَةِ إلى النُّورِ، لا يَحْصُلُ إلّا بِقُدْرَةٍ قاهِرَةٍ عالِيَةٍ. وأمّا وجْهُ دَلالَتِهِ عَلى الحَشْرِ، فَلِأنَّهُ لَمّا ثَبَتَتْ قُدْرَتُهُ تَعالى في هَذِهِ الصُّورَةِ عَلى القَلْبِ مِنَ النُّورِ إلى الظُّلْمَةِ وبِالعَكْسِ، فَأيُّ امْتِناعٍ في ثُبُوتِ قُدْرَتِهِ عَلى القَلْبِ مِنَ الحَياةِ إلى المَوْتِ مَرَّةً، ومِنَ المَوْتِ إلى الحَياةِ أُخْرى. وأمّا وجْهُ دَلالَتِهِ عَلى النُّبُوَّةِ فَلِأنَّهُ تَعالى يُقَلِّبُ اللَّيْلَ والنَّهارَ لِمَنافِعِ المُكَلَّفِينَ، وفي بِعْثَةِ الأنْبِياءِ والرُّسُلِ إلى الخَلْقِ مَنافِعٌ عَظِيمَةٌ، فَما المانِعُ مِن بَعْثَتِهِمْ إلى الخَلْقِ لِأجْلِ تَحْصِيلِ تِلْكَ المَنافِعِ ؟ فَقَدْ ثَبَتَ أنَّ هَذِهِ الكَلِمَةَ الواحِدَةَ كافِيَةٌ في إقامَةِ الدَّلالَةِ عَلى تَصْحِيحِ الأُصُولِ الثَّلاثَةِ الَّتِي مِنها مَنشَأُ كُفْرِهِمْ واسْتِحْقاقِهِمُ العَذابَ، ثُمَّ في الآيَةِ سُؤالانِ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: ما السَّبَبُ في أنْ جَعَلَ الإبْصارَ لِلنَّهارِ وهو لِأهْلِهِ ؟ جَوابُهُ: تَنْبِيهًا عَلى كَمالِ هَذِهِ الصِّفَةِ فِيهِ.
السُّؤالُ الثّانِي: لَمّا قالَ: ﴿جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ [يونس: ٦٧]فَلِمَ لَمْ يَقُلْ: والنَّهارَ لِتُبْصِرُوا فِيهِ ؟ جَوابُهُ: لِأنَّ السُّكُونَ في اللَّيْلِ هو المَقْصُودُ مِنَ اللَّيْلِ، وأمّا الإبْصارُ في النَّهارِ، فَلَيْسَ هو المَقْصُودُ بَلْ هو وسِيلَةٌ إلى جَلْبِ المَنافِعِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ خَصَّ المُؤْمِنِينَ بِالذِّكْرِ، وإنْ كانَتْ أدِلَّةً لِلْكُلِّ مِن حَيْثُ اخْتُصُّوا بِالقَبُولِ والِانْتِفاعِ عَلى ما تَقَدَّمَ في نَظائِرِهِ.
النمل 27:84
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا وقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ أخْرَجْنا لَهم دابَّةً مِنَ الأرْضِ تُكَلِّمُهم أنَّ النّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ﴾ ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا فَهم يُوزَعُونَ﴾ ﴿حَتّى إذا جاءُوا قالَ أكَذَّبْتُمْ بِآياتِي ولَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْمًا أمْ ماذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿ووَقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ بِما ظَلَمُوا فَهم لا يَنْطِقُونَ﴾ ﴿ألَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ والنَّهارَ مُبْصِرًا إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى بَيَّنَ بِالدَّلائِلِ القاهِرَةِ كَمالَ القُدْرَةِ وكَمالَ العِلْمِ، ثُمَّ فَرَّعَ عَلَيْهِما القَوْلَ بِإمْكانِ الحَشْرِ، ثُمَّ بَيَّنَ الوجه في كَوْنِ القُرْآنِ مُعْجِزًا، ثُمَّ فَرَّعَ عَلَيْهِ نُبُوَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ، ثُمَّ تَكَلَّمَ الآنَ في مُقَدِّماتِ قِيامِ القِيامَةِ، وإنَّما أخَّرَ تَعالى الكَلامَ في هَذا البابِ عَنْ إثْباتِ النُّبُوَّةِ، لِما أنَّ هَذِهِ الأشْياءَ لا يُمْكِنُ مَعْرِفَتُها إلّا بِقَوْلِ النَّبِيِّ الصّادِقِ، وهَذا هو النِّهايَةُ في جَوْدَةِ التَّرْتِيبِ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ تارَةً ما يَكُونُ كالعَلامَةِ لِقِيامِ القِيامَةِ، وتارَةً الأُمُورَ الَّتِي تَقَعُ عِنْدَ قِيامِ القِيامَةِ، فَذَكَرَ أوَّلًا مِن عَلاماتِ القِيامَةِ دابَّةَ الأرْضِ، والنّاسُ تَكَلَّمُوا فِيها مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: في مِقْدارِ جِسْمِها، وفي الحَدِيثِ أنَّ طُولَها سِتُّونَ ذِراعًا. ورُوِيَ أيْضًا أنَّ رَأْسَها تَبْلُغُ السَّحابَ. وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ: ما بَيْنَ قَرْنَيْها فَرْسَخٌ لِلرّاكِبِ.
وثانِيها: في كَيْفِيَّةِ خِلْقَتِها، فَرُوِيَ أنَّ لَها أرْبَعَ قَوائِمَ وزَغَبٌ ورِيشٌ وجَناحانِ. وعَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في وصْفِها: رَأْسُ ثَوْرٍ، وعَيْنُ خِنْزِيرٍ، وأُذُنُ فِيلٍ، وقَرْنُ أيْلٍ، وصَدْرُ أسَدٍ، ولَوْنُ نَمِرٍ، وخاصِرَةُ بَقَرَةٍ، وذَنَبُ كَبْشٍ، وخُفُّ بَعِيرٍ.
وثالِثُها: في كَيْفِيَّةِ خُرُوجِها؛ عَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّها تَخْرُجُ ثَلاثَةَ أيّامٍ، والنّاسُ يَنْظُرُونَ، فَلا يَخْرُجُ إلّا ثُلُثُها. وعَنِ الحَسَنِ: لا يَتِمُّ خُرُوجُها إلّا بَعْدَ ثَلاثَةِ أيّامٍ.
ورابِعُها: في مَوْضِعِ خُرُوجِها ”«سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ مِن أيْنَ تَخْرُجُ الدّابَّةُ ؟ فَقالَ: مِن أعْظَمِ المَساجِدِ حُرْمَةً عَلى اللَّهِ تَعالى المَسْجِدِ
صفحة ١٨٧
الحَرامِ» “ . وقِيلَ: تَخْرُجُ مِنَ الصَّفا فَتُكَلِّمُهم بِالعَرَبِيَّةِ.
وخامِسُها: في عَدَدِ خُرُوجِها، فَرُوِيَ أنَّها تَخْرُجُ ثَلاثَ مَرّاتٍ، تَخْرُجُ بِأقْصى اليَمَنِ، ثُمَّ تَكْمُنُ، ثُمَّ تَخْرُجُ بِالبادِيَةِ، ثُمَّ تَكْمُنُ دَهْرًا طَوِيلًا، فَبَيْنا النّاسُ في أعْظَمِ المَساجِدِ حُرْمَةً وأكْرَمِها عَلى اللَّهِ فَما يَهُولُهم إلّا خُرُوجُها مِن بَيْنِ الرُّكْنِ حِذاءَ دارِ بَنِيَ مَخْزُومٍ عَنْ يَمِينِ الخارِجِ مِنَ المَسْجِدِ، فَقَوْمٌ يَهْرُبُونَ، وقَوْمٌ يَقِفُونَ.
واعْلَمْ أنَّهُ لا دَلالَةَ في الكِتابِ عَلى شَيْءٍ مِن هَذِهِ الأُمُورِ، فَإنْ صَحَّ الخَبَرُ فِيهِ عَنِ الرَّسُولِ ﷺ قُبِلَ، وإلّا لَمْ يُلْتَفَتْ إلَيْهِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا وقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ فالمُرادُ مِنَ القَوْلِ مُتَعَلِّقُهُ وهو ما وُعِدُوا بِهِ مِن قِيامِ السّاعَةِ، ووُقُوعُهُ حُصُولُهُ، والمُرادُ مُشارَفَةُ السّاعَةِ وظُهُورُ أشْراطِها، أمّا دابَّةُ الأرْضِ فَقَدْ عَرَفْتَها.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿تُكَلِّمُهُمْ﴾ فَقُرِئَ (تَكْلَمُهم) مِنَ الكَلْمِ وهو الجُرْحُ، رُوِيَ أنَّ الدّابَّةَ تَخْرُجُ مِنَ الصَّفا ومَعَها عَصا مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وخاتَمُ سُلَيْمانَ، فَتَضْرِبُ المُؤْمِنَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ بِعَصا مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَتَنْكُتُ نُكْتَةً بَيْضاءَ، فَتَفْشُو تِلْكَ النُّكْتَةُ في وجْهِهِ حَتّى يُضِيءَ لَها وجْهُهُ، وتَنْكُتُ الكافِرَ في أنْفِهِ فَتَفْشُو النُّكْتَةُ حَتّى يَسْوَدَّ لَها وجْهُهُ.
واعْلَمْ أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ تُكَلِّمُهم مِنَ الكَلْمِ أيْضًا عَلى مَعْنى التَّكْثِيرِ، يُقالُ: فُلانٌ مُكَلَّمٌ، أيْ مُجَرَّحٌ. وقَرَأ أُبَيٌّ (تُنَبِّئُهم)، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: تُكَلِّمُهم بِأنَّ النّاسَ، والقِراءَةُ بِأنَّ مَكْسُورَةً حِكايَةٌ لِقَوْلِ الدّابَّةِ ذَلِكَ، أوْ هي حِكايَةٌ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعالى بَيَّنَ بِهِ أنَّهُ أخْرَجَ الدّابَّةَ لِهَذِهِ العِلَّةِ. فَإنْ قِيلَ: إذا كانَتْ حِكايَةً لِقَوْلِ الدّابَّةِ، فَكَيْفَ يَقُولُ بِآياتِنا ؟ جَوابُهُ: إنَّ قَوْلَها حِكايَةٌ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعالى، أوْ عَلى مَعْنى بِآياتِ رَبِّنا، أوْ لِاخْتِصاصِها بِاللَّهِ تَعالى أضافَتْ آياتِ اللَّهِ إلى نَفْسِها، كَما يَقُولُ بَعْضُ خاصَّةِ المَلِكِ خَيْلُنا وبِلادُنا، وإنَّما هي خَيْلُ مَوْلاهُ وبِلادُهُ، ومَن قَرَأ بِالفَتْحِ فَعَلى حَذْفِ الجارِّ، أيْ تُكَلِّمُهم بِأنَّ النّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا﴾ فاعْلَمْ أنَّ هَذا مِنَ الأُمُورِ الواقِعَةِ بَعْدَ قِيامِ القِيامَةِ، فالفَرْقُ بَيْنَ مِنَ الأُولى والثّانِيَةِ، أنَّ الأُولى لِلتَّبْعِيضِ، والثّانِيَةَ لِلتَّبْيِينِ، كَقَوْلِهِ: ﴿مِنَ الأوْثانِ﴾ (الحَجِّ: ٣٠) .
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَهم يُوزَعُونَ﴾ مَعْناهُ: يُحْبَسُ أوَّلُهم عَلى آخِرِهِمْ حَتّى يَجْتَمِعُوا فَيُكَبْكَبُوا في النّارِ، وهَذِهِ عِبارَةٌ عَنْ كَثْرَةِ العَدَدِ وتَباعُدِ أطْرافِهِ، كَما وُصِفَتْ جُنُودُ سُلَيْمانَ بِذَلِكَ وقَوْلُهُ: ﴿حَتّى إذا جاءُوا قالَ أكَذَّبْتُمْ بِآياتِي﴾ فَهَذا وإنِ احْتَمَلَ مُعْجِزاتِ الرُّسُلِ كَما قالَهُ بَعْضُهم، فالمُرادُ كُلُّ الآياتِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ سائِرُ الكُفّارِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ أجْمَعَ أوْ بِشَيْءٍ مِنها.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿ولَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْمًا﴾ فالواوُ لِلْحالِ كَأنَّهُ قالَ: أكَذَّبْتُمْ بِها، بادِيَ الرَّأْيِ مِن غَيْرِ فِكْرٍ ولا نَظَرٍ يُؤَدِّي إلى إحاطَةِ العِلْمِ بِكُنْهِها.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿أمْ ماذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ فالمُرادُ لَمّا لَمْ تَشْتَغِلُوا بِذَلِكَ العَمَلِ المُهِمِّ، فَأيُّ شَيْءٍ كُنْتُمْ تَعْمَلُونَهُ بَعْدَ ذَلِكَ ؟ ! كَأنَّهُ قالَ: كُلُّ عَمَلٍ سِواهُ فَكَأنَّهُ لَيْسَ بِعَمَلٍ، ثم قال: ﴿ووَقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ يُرِيدُ أنَّ العَذابَ المَوْعُودَ يَغْشاهم بِسَبَبِ تَكْذِيبِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ فَيَشْغَلُهم عَنِ النُّطْقِ والِاعْتِذارِ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ (المُرْسَلاتِ: ٣٥) ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ بَعْدَ أنْ خَوَّفَهم بِأحْوالِ القِيامَةِ ذَكَرَ كَلامًا يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ دَلِيلًا عَلى التَّوْحِيدِ وعَلى الحَشْرِ وعَلى النُّبُوَّةِ مُبالَغَةً في الإرْشادِ إلى الإيمانِ والمَنعِ مِنَ الكُفْرِ فَقالَ: ﴿ألَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ والنَّهارَ مُبْصِرًا﴾
صفحة ١٨٨
أمّا وجْهُ دَلالَتِهِ عَلى التَّوْحِيدِ، فَلَمّا ظَهَرَ في العُقُولِ أنَّ التَّقْلِيبَ مِنَ النُّورِ إلى الظُّلْمَةِ، ومِنَ الظُّلْمَةِ إلى النُّورِ، لا يَحْصُلُ إلّا بِقُدْرَةٍ قاهِرَةٍ عالِيَةٍ. وأمّا وجْهُ دَلالَتِهِ عَلى الحَشْرِ، فَلِأنَّهُ لَمّا ثَبَتَتْ قُدْرَتُهُ تَعالى في هَذِهِ الصُّورَةِ عَلى القَلْبِ مِنَ النُّورِ إلى الظُّلْمَةِ وبِالعَكْسِ، فَأيُّ امْتِناعٍ في ثُبُوتِ قُدْرَتِهِ عَلى القَلْبِ مِنَ الحَياةِ إلى المَوْتِ مَرَّةً، ومِنَ المَوْتِ إلى الحَياةِ أُخْرى. وأمّا وجْهُ دَلالَتِهِ عَلى النُّبُوَّةِ فَلِأنَّهُ تَعالى يُقَلِّبُ اللَّيْلَ والنَّهارَ لِمَنافِعِ المُكَلَّفِينَ، وفي بِعْثَةِ الأنْبِياءِ والرُّسُلِ إلى الخَلْقِ مَنافِعٌ عَظِيمَةٌ، فَما المانِعُ مِن بَعْثَتِهِمْ إلى الخَلْقِ لِأجْلِ تَحْصِيلِ تِلْكَ المَنافِعِ ؟ فَقَدْ ثَبَتَ أنَّ هَذِهِ الكَلِمَةَ الواحِدَةَ كافِيَةٌ في إقامَةِ الدَّلالَةِ عَلى تَصْحِيحِ الأُصُولِ الثَّلاثَةِ الَّتِي مِنها مَنشَأُ كُفْرِهِمْ واسْتِحْقاقِهِمُ العَذابَ، ثُمَّ في الآيَةِ سُؤالانِ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: ما السَّبَبُ في أنْ جَعَلَ الإبْصارَ لِلنَّهارِ وهو لِأهْلِهِ ؟ جَوابُهُ: تَنْبِيهًا عَلى كَمالِ هَذِهِ الصِّفَةِ فِيهِ.
السُّؤالُ الثّانِي: لَمّا قالَ: ﴿جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ [يونس: ٦٧]فَلِمَ لَمْ يَقُلْ: والنَّهارَ لِتُبْصِرُوا فِيهِ ؟ جَوابُهُ: لِأنَّ السُّكُونَ في اللَّيْلِ هو المَقْصُودُ مِنَ اللَّيْلِ، وأمّا الإبْصارُ في النَّهارِ، فَلَيْسَ هو المَقْصُودُ بَلْ هو وسِيلَةٌ إلى جَلْبِ المَنافِعِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ خَصَّ المُؤْمِنِينَ بِالذِّكْرِ، وإنْ كانَتْ أدِلَّةً لِلْكُلِّ مِن حَيْثُ اخْتُصُّوا بِالقَبُولِ والِانْتِفاعِ عَلى ما تَقَدَّمَ في نَظائِرِهِ.
النمل 27:85
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا وقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ أخْرَجْنا لَهم دابَّةً مِنَ الأرْضِ تُكَلِّمُهم أنَّ النّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ﴾ ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا فَهم يُوزَعُونَ﴾ ﴿حَتّى إذا جاءُوا قالَ أكَذَّبْتُمْ بِآياتِي ولَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْمًا أمْ ماذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿ووَقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ بِما ظَلَمُوا فَهم لا يَنْطِقُونَ﴾ ﴿ألَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ والنَّهارَ مُبْصِرًا إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى بَيَّنَ بِالدَّلائِلِ القاهِرَةِ كَمالَ القُدْرَةِ وكَمالَ العِلْمِ، ثُمَّ فَرَّعَ عَلَيْهِما القَوْلَ بِإمْكانِ الحَشْرِ، ثُمَّ بَيَّنَ الوجه في كَوْنِ القُرْآنِ مُعْجِزًا، ثُمَّ فَرَّعَ عَلَيْهِ نُبُوَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ، ثُمَّ تَكَلَّمَ الآنَ في مُقَدِّماتِ قِيامِ القِيامَةِ، وإنَّما أخَّرَ تَعالى الكَلامَ في هَذا البابِ عَنْ إثْباتِ النُّبُوَّةِ، لِما أنَّ هَذِهِ الأشْياءَ لا يُمْكِنُ مَعْرِفَتُها إلّا بِقَوْلِ النَّبِيِّ الصّادِقِ، وهَذا هو النِّهايَةُ في جَوْدَةِ التَّرْتِيبِ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ تارَةً ما يَكُونُ كالعَلامَةِ لِقِيامِ القِيامَةِ، وتارَةً الأُمُورَ الَّتِي تَقَعُ عِنْدَ قِيامِ القِيامَةِ، فَذَكَرَ أوَّلًا مِن عَلاماتِ القِيامَةِ دابَّةَ الأرْضِ، والنّاسُ تَكَلَّمُوا فِيها مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: في مِقْدارِ جِسْمِها، وفي الحَدِيثِ أنَّ طُولَها سِتُّونَ ذِراعًا. ورُوِيَ أيْضًا أنَّ رَأْسَها تَبْلُغُ السَّحابَ. وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ: ما بَيْنَ قَرْنَيْها فَرْسَخٌ لِلرّاكِبِ.
وثانِيها: في كَيْفِيَّةِ خِلْقَتِها، فَرُوِيَ أنَّ لَها أرْبَعَ قَوائِمَ وزَغَبٌ ورِيشٌ وجَناحانِ. وعَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في وصْفِها: رَأْسُ ثَوْرٍ، وعَيْنُ خِنْزِيرٍ، وأُذُنُ فِيلٍ، وقَرْنُ أيْلٍ، وصَدْرُ أسَدٍ، ولَوْنُ نَمِرٍ، وخاصِرَةُ بَقَرَةٍ، وذَنَبُ كَبْشٍ، وخُفُّ بَعِيرٍ.
وثالِثُها: في كَيْفِيَّةِ خُرُوجِها؛ عَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّها تَخْرُجُ ثَلاثَةَ أيّامٍ، والنّاسُ يَنْظُرُونَ، فَلا يَخْرُجُ إلّا ثُلُثُها. وعَنِ الحَسَنِ: لا يَتِمُّ خُرُوجُها إلّا بَعْدَ ثَلاثَةِ أيّامٍ.
ورابِعُها: في مَوْضِعِ خُرُوجِها ”«سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ مِن أيْنَ تَخْرُجُ الدّابَّةُ ؟ فَقالَ: مِن أعْظَمِ المَساجِدِ حُرْمَةً عَلى اللَّهِ تَعالى المَسْجِدِ
صفحة ١٨٧
الحَرامِ» “ . وقِيلَ: تَخْرُجُ مِنَ الصَّفا فَتُكَلِّمُهم بِالعَرَبِيَّةِ.
وخامِسُها: في عَدَدِ خُرُوجِها، فَرُوِيَ أنَّها تَخْرُجُ ثَلاثَ مَرّاتٍ، تَخْرُجُ بِأقْصى اليَمَنِ، ثُمَّ تَكْمُنُ، ثُمَّ تَخْرُجُ بِالبادِيَةِ، ثُمَّ تَكْمُنُ دَهْرًا طَوِيلًا، فَبَيْنا النّاسُ في أعْظَمِ المَساجِدِ حُرْمَةً وأكْرَمِها عَلى اللَّهِ فَما يَهُولُهم إلّا خُرُوجُها مِن بَيْنِ الرُّكْنِ حِذاءَ دارِ بَنِيَ مَخْزُومٍ عَنْ يَمِينِ الخارِجِ مِنَ المَسْجِدِ، فَقَوْمٌ يَهْرُبُونَ، وقَوْمٌ يَقِفُونَ.
واعْلَمْ أنَّهُ لا دَلالَةَ في الكِتابِ عَلى شَيْءٍ مِن هَذِهِ الأُمُورِ، فَإنْ صَحَّ الخَبَرُ فِيهِ عَنِ الرَّسُولِ ﷺ قُبِلَ، وإلّا لَمْ يُلْتَفَتْ إلَيْهِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا وقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ فالمُرادُ مِنَ القَوْلِ مُتَعَلِّقُهُ وهو ما وُعِدُوا بِهِ مِن قِيامِ السّاعَةِ، ووُقُوعُهُ حُصُولُهُ، والمُرادُ مُشارَفَةُ السّاعَةِ وظُهُورُ أشْراطِها، أمّا دابَّةُ الأرْضِ فَقَدْ عَرَفْتَها.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿تُكَلِّمُهُمْ﴾ فَقُرِئَ (تَكْلَمُهم) مِنَ الكَلْمِ وهو الجُرْحُ، رُوِيَ أنَّ الدّابَّةَ تَخْرُجُ مِنَ الصَّفا ومَعَها عَصا مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وخاتَمُ سُلَيْمانَ، فَتَضْرِبُ المُؤْمِنَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ بِعَصا مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَتَنْكُتُ نُكْتَةً بَيْضاءَ، فَتَفْشُو تِلْكَ النُّكْتَةُ في وجْهِهِ حَتّى يُضِيءَ لَها وجْهُهُ، وتَنْكُتُ الكافِرَ في أنْفِهِ فَتَفْشُو النُّكْتَةُ حَتّى يَسْوَدَّ لَها وجْهُهُ.
واعْلَمْ أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ تُكَلِّمُهم مِنَ الكَلْمِ أيْضًا عَلى مَعْنى التَّكْثِيرِ، يُقالُ: فُلانٌ مُكَلَّمٌ، أيْ مُجَرَّحٌ. وقَرَأ أُبَيٌّ (تُنَبِّئُهم)، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: تُكَلِّمُهم بِأنَّ النّاسَ، والقِراءَةُ بِأنَّ مَكْسُورَةً حِكايَةٌ لِقَوْلِ الدّابَّةِ ذَلِكَ، أوْ هي حِكايَةٌ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعالى بَيَّنَ بِهِ أنَّهُ أخْرَجَ الدّابَّةَ لِهَذِهِ العِلَّةِ. فَإنْ قِيلَ: إذا كانَتْ حِكايَةً لِقَوْلِ الدّابَّةِ، فَكَيْفَ يَقُولُ بِآياتِنا ؟ جَوابُهُ: إنَّ قَوْلَها حِكايَةٌ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعالى، أوْ عَلى مَعْنى بِآياتِ رَبِّنا، أوْ لِاخْتِصاصِها بِاللَّهِ تَعالى أضافَتْ آياتِ اللَّهِ إلى نَفْسِها، كَما يَقُولُ بَعْضُ خاصَّةِ المَلِكِ خَيْلُنا وبِلادُنا، وإنَّما هي خَيْلُ مَوْلاهُ وبِلادُهُ، ومَن قَرَأ بِالفَتْحِ فَعَلى حَذْفِ الجارِّ، أيْ تُكَلِّمُهم بِأنَّ النّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا﴾ فاعْلَمْ أنَّ هَذا مِنَ الأُمُورِ الواقِعَةِ بَعْدَ قِيامِ القِيامَةِ، فالفَرْقُ بَيْنَ مِنَ الأُولى والثّانِيَةِ، أنَّ الأُولى لِلتَّبْعِيضِ، والثّانِيَةَ لِلتَّبْيِينِ، كَقَوْلِهِ: ﴿مِنَ الأوْثانِ﴾ (الحَجِّ: ٣٠) .
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَهم يُوزَعُونَ﴾ مَعْناهُ: يُحْبَسُ أوَّلُهم عَلى آخِرِهِمْ حَتّى يَجْتَمِعُوا فَيُكَبْكَبُوا في النّارِ، وهَذِهِ عِبارَةٌ عَنْ كَثْرَةِ العَدَدِ وتَباعُدِ أطْرافِهِ، كَما وُصِفَتْ جُنُودُ سُلَيْمانَ بِذَلِكَ وقَوْلُهُ: ﴿حَتّى إذا جاءُوا قالَ أكَذَّبْتُمْ بِآياتِي﴾ فَهَذا وإنِ احْتَمَلَ مُعْجِزاتِ الرُّسُلِ كَما قالَهُ بَعْضُهم، فالمُرادُ كُلُّ الآياتِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ سائِرُ الكُفّارِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ أجْمَعَ أوْ بِشَيْءٍ مِنها.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿ولَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْمًا﴾ فالواوُ لِلْحالِ كَأنَّهُ قالَ: أكَذَّبْتُمْ بِها، بادِيَ الرَّأْيِ مِن غَيْرِ فِكْرٍ ولا نَظَرٍ يُؤَدِّي إلى إحاطَةِ العِلْمِ بِكُنْهِها.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿أمْ ماذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ فالمُرادُ لَمّا لَمْ تَشْتَغِلُوا بِذَلِكَ العَمَلِ المُهِمِّ، فَأيُّ شَيْءٍ كُنْتُمْ تَعْمَلُونَهُ بَعْدَ ذَلِكَ ؟ ! كَأنَّهُ قالَ: كُلُّ عَمَلٍ سِواهُ فَكَأنَّهُ لَيْسَ بِعَمَلٍ، ثم قال: ﴿ووَقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ يُرِيدُ أنَّ العَذابَ المَوْعُودَ يَغْشاهم بِسَبَبِ تَكْذِيبِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ فَيَشْغَلُهم عَنِ النُّطْقِ والِاعْتِذارِ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ (المُرْسَلاتِ: ٣٥) ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ بَعْدَ أنْ خَوَّفَهم بِأحْوالِ القِيامَةِ ذَكَرَ كَلامًا يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ دَلِيلًا عَلى التَّوْحِيدِ وعَلى الحَشْرِ وعَلى النُّبُوَّةِ مُبالَغَةً في الإرْشادِ إلى الإيمانِ والمَنعِ مِنَ الكُفْرِ فَقالَ: ﴿ألَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ والنَّهارَ مُبْصِرًا﴾
صفحة ١٨٨
أمّا وجْهُ دَلالَتِهِ عَلى التَّوْحِيدِ، فَلَمّا ظَهَرَ في العُقُولِ أنَّ التَّقْلِيبَ مِنَ النُّورِ إلى الظُّلْمَةِ، ومِنَ الظُّلْمَةِ إلى النُّورِ، لا يَحْصُلُ إلّا بِقُدْرَةٍ قاهِرَةٍ عالِيَةٍ. وأمّا وجْهُ دَلالَتِهِ عَلى الحَشْرِ، فَلِأنَّهُ لَمّا ثَبَتَتْ قُدْرَتُهُ تَعالى في هَذِهِ الصُّورَةِ عَلى القَلْبِ مِنَ النُّورِ إلى الظُّلْمَةِ وبِالعَكْسِ، فَأيُّ امْتِناعٍ في ثُبُوتِ قُدْرَتِهِ عَلى القَلْبِ مِنَ الحَياةِ إلى المَوْتِ مَرَّةً، ومِنَ المَوْتِ إلى الحَياةِ أُخْرى. وأمّا وجْهُ دَلالَتِهِ عَلى النُّبُوَّةِ فَلِأنَّهُ تَعالى يُقَلِّبُ اللَّيْلَ والنَّهارَ لِمَنافِعِ المُكَلَّفِينَ، وفي بِعْثَةِ الأنْبِياءِ والرُّسُلِ إلى الخَلْقِ مَنافِعٌ عَظِيمَةٌ، فَما المانِعُ مِن بَعْثَتِهِمْ إلى الخَلْقِ لِأجْلِ تَحْصِيلِ تِلْكَ المَنافِعِ ؟ فَقَدْ ثَبَتَ أنَّ هَذِهِ الكَلِمَةَ الواحِدَةَ كافِيَةٌ في إقامَةِ الدَّلالَةِ عَلى تَصْحِيحِ الأُصُولِ الثَّلاثَةِ الَّتِي مِنها مَنشَأُ كُفْرِهِمْ واسْتِحْقاقِهِمُ العَذابَ، ثُمَّ في الآيَةِ سُؤالانِ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: ما السَّبَبُ في أنْ جَعَلَ الإبْصارَ لِلنَّهارِ وهو لِأهْلِهِ ؟ جَوابُهُ: تَنْبِيهًا عَلى كَمالِ هَذِهِ الصِّفَةِ فِيهِ.
السُّؤالُ الثّانِي: لَمّا قالَ: ﴿جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ [يونس: ٦٧]فَلِمَ لَمْ يَقُلْ: والنَّهارَ لِتُبْصِرُوا فِيهِ ؟ جَوابُهُ: لِأنَّ السُّكُونَ في اللَّيْلِ هو المَقْصُودُ مِنَ اللَّيْلِ، وأمّا الإبْصارُ في النَّهارِ، فَلَيْسَ هو المَقْصُودُ بَلْ هو وسِيلَةٌ إلى جَلْبِ المَنافِعِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ خَصَّ المُؤْمِنِينَ بِالذِّكْرِ، وإنْ كانَتْ أدِلَّةً لِلْكُلِّ مِن حَيْثُ اخْتُصُّوا بِالقَبُولِ والِانْتِفاعِ عَلى ما تَقَدَّمَ في نَظائِرِهِ.
النمل 27:86
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا وقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ أخْرَجْنا لَهم دابَّةً مِنَ الأرْضِ تُكَلِّمُهم أنَّ النّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ﴾ ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا فَهم يُوزَعُونَ﴾ ﴿حَتّى إذا جاءُوا قالَ أكَذَّبْتُمْ بِآياتِي ولَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْمًا أمْ ماذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿ووَقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ بِما ظَلَمُوا فَهم لا يَنْطِقُونَ﴾ ﴿ألَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ والنَّهارَ مُبْصِرًا إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى بَيَّنَ بِالدَّلائِلِ القاهِرَةِ كَمالَ القُدْرَةِ وكَمالَ العِلْمِ، ثُمَّ فَرَّعَ عَلَيْهِما القَوْلَ بِإمْكانِ الحَشْرِ، ثُمَّ بَيَّنَ الوجه في كَوْنِ القُرْآنِ مُعْجِزًا، ثُمَّ فَرَّعَ عَلَيْهِ نُبُوَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ، ثُمَّ تَكَلَّمَ الآنَ في مُقَدِّماتِ قِيامِ القِيامَةِ، وإنَّما أخَّرَ تَعالى الكَلامَ في هَذا البابِ عَنْ إثْباتِ النُّبُوَّةِ، لِما أنَّ هَذِهِ الأشْياءَ لا يُمْكِنُ مَعْرِفَتُها إلّا بِقَوْلِ النَّبِيِّ الصّادِقِ، وهَذا هو النِّهايَةُ في جَوْدَةِ التَّرْتِيبِ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ تارَةً ما يَكُونُ كالعَلامَةِ لِقِيامِ القِيامَةِ، وتارَةً الأُمُورَ الَّتِي تَقَعُ عِنْدَ قِيامِ القِيامَةِ، فَذَكَرَ أوَّلًا مِن عَلاماتِ القِيامَةِ دابَّةَ الأرْضِ، والنّاسُ تَكَلَّمُوا فِيها مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: في مِقْدارِ جِسْمِها، وفي الحَدِيثِ أنَّ طُولَها سِتُّونَ ذِراعًا. ورُوِيَ أيْضًا أنَّ رَأْسَها تَبْلُغُ السَّحابَ. وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ: ما بَيْنَ قَرْنَيْها فَرْسَخٌ لِلرّاكِبِ.
وثانِيها: في كَيْفِيَّةِ خِلْقَتِها، فَرُوِيَ أنَّ لَها أرْبَعَ قَوائِمَ وزَغَبٌ ورِيشٌ وجَناحانِ. وعَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في وصْفِها: رَأْسُ ثَوْرٍ، وعَيْنُ خِنْزِيرٍ، وأُذُنُ فِيلٍ، وقَرْنُ أيْلٍ، وصَدْرُ أسَدٍ، ولَوْنُ نَمِرٍ، وخاصِرَةُ بَقَرَةٍ، وذَنَبُ كَبْشٍ، وخُفُّ بَعِيرٍ.
وثالِثُها: في كَيْفِيَّةِ خُرُوجِها؛ عَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّها تَخْرُجُ ثَلاثَةَ أيّامٍ، والنّاسُ يَنْظُرُونَ، فَلا يَخْرُجُ إلّا ثُلُثُها. وعَنِ الحَسَنِ: لا يَتِمُّ خُرُوجُها إلّا بَعْدَ ثَلاثَةِ أيّامٍ.
ورابِعُها: في مَوْضِعِ خُرُوجِها ”«سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ مِن أيْنَ تَخْرُجُ الدّابَّةُ ؟ فَقالَ: مِن أعْظَمِ المَساجِدِ حُرْمَةً عَلى اللَّهِ تَعالى المَسْجِدِ
صفحة ١٨٧
الحَرامِ» “ . وقِيلَ: تَخْرُجُ مِنَ الصَّفا فَتُكَلِّمُهم بِالعَرَبِيَّةِ.
وخامِسُها: في عَدَدِ خُرُوجِها، فَرُوِيَ أنَّها تَخْرُجُ ثَلاثَ مَرّاتٍ، تَخْرُجُ بِأقْصى اليَمَنِ، ثُمَّ تَكْمُنُ، ثُمَّ تَخْرُجُ بِالبادِيَةِ، ثُمَّ تَكْمُنُ دَهْرًا طَوِيلًا، فَبَيْنا النّاسُ في أعْظَمِ المَساجِدِ حُرْمَةً وأكْرَمِها عَلى اللَّهِ فَما يَهُولُهم إلّا خُرُوجُها مِن بَيْنِ الرُّكْنِ حِذاءَ دارِ بَنِيَ مَخْزُومٍ عَنْ يَمِينِ الخارِجِ مِنَ المَسْجِدِ، فَقَوْمٌ يَهْرُبُونَ، وقَوْمٌ يَقِفُونَ.
واعْلَمْ أنَّهُ لا دَلالَةَ في الكِتابِ عَلى شَيْءٍ مِن هَذِهِ الأُمُورِ، فَإنْ صَحَّ الخَبَرُ فِيهِ عَنِ الرَّسُولِ ﷺ قُبِلَ، وإلّا لَمْ يُلْتَفَتْ إلَيْهِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا وقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ فالمُرادُ مِنَ القَوْلِ مُتَعَلِّقُهُ وهو ما وُعِدُوا بِهِ مِن قِيامِ السّاعَةِ، ووُقُوعُهُ حُصُولُهُ، والمُرادُ مُشارَفَةُ السّاعَةِ وظُهُورُ أشْراطِها، أمّا دابَّةُ الأرْضِ فَقَدْ عَرَفْتَها.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿تُكَلِّمُهُمْ﴾ فَقُرِئَ (تَكْلَمُهم) مِنَ الكَلْمِ وهو الجُرْحُ، رُوِيَ أنَّ الدّابَّةَ تَخْرُجُ مِنَ الصَّفا ومَعَها عَصا مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وخاتَمُ سُلَيْمانَ، فَتَضْرِبُ المُؤْمِنَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ بِعَصا مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَتَنْكُتُ نُكْتَةً بَيْضاءَ، فَتَفْشُو تِلْكَ النُّكْتَةُ في وجْهِهِ حَتّى يُضِيءَ لَها وجْهُهُ، وتَنْكُتُ الكافِرَ في أنْفِهِ فَتَفْشُو النُّكْتَةُ حَتّى يَسْوَدَّ لَها وجْهُهُ.
واعْلَمْ أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ تُكَلِّمُهم مِنَ الكَلْمِ أيْضًا عَلى مَعْنى التَّكْثِيرِ، يُقالُ: فُلانٌ مُكَلَّمٌ، أيْ مُجَرَّحٌ. وقَرَأ أُبَيٌّ (تُنَبِّئُهم)، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: تُكَلِّمُهم بِأنَّ النّاسَ، والقِراءَةُ بِأنَّ مَكْسُورَةً حِكايَةٌ لِقَوْلِ الدّابَّةِ ذَلِكَ، أوْ هي حِكايَةٌ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعالى بَيَّنَ بِهِ أنَّهُ أخْرَجَ الدّابَّةَ لِهَذِهِ العِلَّةِ. فَإنْ قِيلَ: إذا كانَتْ حِكايَةً لِقَوْلِ الدّابَّةِ، فَكَيْفَ يَقُولُ بِآياتِنا ؟ جَوابُهُ: إنَّ قَوْلَها حِكايَةٌ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعالى، أوْ عَلى مَعْنى بِآياتِ رَبِّنا، أوْ لِاخْتِصاصِها بِاللَّهِ تَعالى أضافَتْ آياتِ اللَّهِ إلى نَفْسِها، كَما يَقُولُ بَعْضُ خاصَّةِ المَلِكِ خَيْلُنا وبِلادُنا، وإنَّما هي خَيْلُ مَوْلاهُ وبِلادُهُ، ومَن قَرَأ بِالفَتْحِ فَعَلى حَذْفِ الجارِّ، أيْ تُكَلِّمُهم بِأنَّ النّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا﴾ فاعْلَمْ أنَّ هَذا مِنَ الأُمُورِ الواقِعَةِ بَعْدَ قِيامِ القِيامَةِ، فالفَرْقُ بَيْنَ مِنَ الأُولى والثّانِيَةِ، أنَّ الأُولى لِلتَّبْعِيضِ، والثّانِيَةَ لِلتَّبْيِينِ، كَقَوْلِهِ: ﴿مِنَ الأوْثانِ﴾ (الحَجِّ: ٣٠) .
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَهم يُوزَعُونَ﴾ مَعْناهُ: يُحْبَسُ أوَّلُهم عَلى آخِرِهِمْ حَتّى يَجْتَمِعُوا فَيُكَبْكَبُوا في النّارِ، وهَذِهِ عِبارَةٌ عَنْ كَثْرَةِ العَدَدِ وتَباعُدِ أطْرافِهِ، كَما وُصِفَتْ جُنُودُ سُلَيْمانَ بِذَلِكَ وقَوْلُهُ: ﴿حَتّى إذا جاءُوا قالَ أكَذَّبْتُمْ بِآياتِي﴾ فَهَذا وإنِ احْتَمَلَ مُعْجِزاتِ الرُّسُلِ كَما قالَهُ بَعْضُهم، فالمُرادُ كُلُّ الآياتِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ سائِرُ الكُفّارِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ أجْمَعَ أوْ بِشَيْءٍ مِنها.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿ولَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْمًا﴾ فالواوُ لِلْحالِ كَأنَّهُ قالَ: أكَذَّبْتُمْ بِها، بادِيَ الرَّأْيِ مِن غَيْرِ فِكْرٍ ولا نَظَرٍ يُؤَدِّي إلى إحاطَةِ العِلْمِ بِكُنْهِها.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿أمْ ماذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ فالمُرادُ لَمّا لَمْ تَشْتَغِلُوا بِذَلِكَ العَمَلِ المُهِمِّ، فَأيُّ شَيْءٍ كُنْتُمْ تَعْمَلُونَهُ بَعْدَ ذَلِكَ ؟ ! كَأنَّهُ قالَ: كُلُّ عَمَلٍ سِواهُ فَكَأنَّهُ لَيْسَ بِعَمَلٍ، ثم قال: ﴿ووَقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ يُرِيدُ أنَّ العَذابَ المَوْعُودَ يَغْشاهم بِسَبَبِ تَكْذِيبِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ فَيَشْغَلُهم عَنِ النُّطْقِ والِاعْتِذارِ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ (المُرْسَلاتِ: ٣٥) ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ بَعْدَ أنْ خَوَّفَهم بِأحْوالِ القِيامَةِ ذَكَرَ كَلامًا يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ دَلِيلًا عَلى التَّوْحِيدِ وعَلى الحَشْرِ وعَلى النُّبُوَّةِ مُبالَغَةً في الإرْشادِ إلى الإيمانِ والمَنعِ مِنَ الكُفْرِ فَقالَ: ﴿ألَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ والنَّهارَ مُبْصِرًا﴾
صفحة ١٨٨
أمّا وجْهُ دَلالَتِهِ عَلى التَّوْحِيدِ، فَلَمّا ظَهَرَ في العُقُولِ أنَّ التَّقْلِيبَ مِنَ النُّورِ إلى الظُّلْمَةِ، ومِنَ الظُّلْمَةِ إلى النُّورِ، لا يَحْصُلُ إلّا بِقُدْرَةٍ قاهِرَةٍ عالِيَةٍ. وأمّا وجْهُ دَلالَتِهِ عَلى الحَشْرِ، فَلِأنَّهُ لَمّا ثَبَتَتْ قُدْرَتُهُ تَعالى في هَذِهِ الصُّورَةِ عَلى القَلْبِ مِنَ النُّورِ إلى الظُّلْمَةِ وبِالعَكْسِ، فَأيُّ امْتِناعٍ في ثُبُوتِ قُدْرَتِهِ عَلى القَلْبِ مِنَ الحَياةِ إلى المَوْتِ مَرَّةً، ومِنَ المَوْتِ إلى الحَياةِ أُخْرى. وأمّا وجْهُ دَلالَتِهِ عَلى النُّبُوَّةِ فَلِأنَّهُ تَعالى يُقَلِّبُ اللَّيْلَ والنَّهارَ لِمَنافِعِ المُكَلَّفِينَ، وفي بِعْثَةِ الأنْبِياءِ والرُّسُلِ إلى الخَلْقِ مَنافِعٌ عَظِيمَةٌ، فَما المانِعُ مِن بَعْثَتِهِمْ إلى الخَلْقِ لِأجْلِ تَحْصِيلِ تِلْكَ المَنافِعِ ؟ فَقَدْ ثَبَتَ أنَّ هَذِهِ الكَلِمَةَ الواحِدَةَ كافِيَةٌ في إقامَةِ الدَّلالَةِ عَلى تَصْحِيحِ الأُصُولِ الثَّلاثَةِ الَّتِي مِنها مَنشَأُ كُفْرِهِمْ واسْتِحْقاقِهِمُ العَذابَ، ثُمَّ في الآيَةِ سُؤالانِ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: ما السَّبَبُ في أنْ جَعَلَ الإبْصارَ لِلنَّهارِ وهو لِأهْلِهِ ؟ جَوابُهُ: تَنْبِيهًا عَلى كَمالِ هَذِهِ الصِّفَةِ فِيهِ.
السُّؤالُ الثّانِي: لَمّا قالَ: ﴿جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ [يونس: ٦٧]فَلِمَ لَمْ يَقُلْ: والنَّهارَ لِتُبْصِرُوا فِيهِ ؟ جَوابُهُ: لِأنَّ السُّكُونَ في اللَّيْلِ هو المَقْصُودُ مِنَ اللَّيْلِ، وأمّا الإبْصارُ في النَّهارِ، فَلَيْسَ هو المَقْصُودُ بَلْ هو وسِيلَةٌ إلى جَلْبِ المَنافِعِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ خَصَّ المُؤْمِنِينَ بِالذِّكْرِ، وإنْ كانَتْ أدِلَّةً لِلْكُلِّ مِن حَيْثُ اخْتُصُّوا بِالقَبُولِ والِانْتِفاعِ عَلى ما تَقَدَّمَ في نَظائِرِهِ.
النمل 27:87
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ فَفَزِعَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ إلّا مَن شاءَ اللَّهُ وكُلٌّ أتَوْهُ داخِرِينَ﴾
اعْلَمْ أنَّ هَذا هو العَلامَةُ الثّانِيَةُ لِقِيامِ القِيامَةِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿ويَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّهُ شَيْءٌ شَبِيهٌ بِالقَرْنِ، وأنَّ إسْرافِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَنْفُخُ فِيهِ بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى، فَإذا سَمِعَ النّاسُ ذَلِكَ الصَّوْتَ، وهو في الشِّدَّةِ بِحَيْثُ لا تَحْتَمِلُهُ طَبائِعُهم يَفْزَعُونَ عِنْدَهُ ويُصْعَقُونَ ويَمُوتُونَ، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذا نُقِرَ في النّاقُورِ﴾ (المُدَّثِّرِ: ٨) وهَذا قَوْلُ الأكْثَرِينَ.
وثانِيها: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَمْثِيلًا لِدُعاءِ المَوْتِ فَإنَّ خُرُوجَهم مِن قُبُورِهِمْ كَخُرُوجِ الجَيْشِ عِنْدَ سَماعِ صَوْتِ الآلَةِ.
وثالِثُها: أنَّ الصُّوَرَ جَمْعُ الصُّورَةِ، وجَعَلُوا النَّفْخَ فِيها نَفْخَ الرُّوحِ، والأوَّلُ أقْرَبُ لِدَلالَةِ الظّاهِرِ عَلَيْهِ، ولا مانِعَ يَمْنَعُ مِنهُ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَفَزِعَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ إنَّما قالَ: (فَفَزِعَ)، ولَمْ يَقُلْ: فَيَفْزَعُ لِلْإشْعارِ بِتَحْقِيقِ الفَزَعِ وثُبُوتِهِ، وأنَّهُ كائِنٌ لا مَحالَةَ؛ لِأنَّ الفِعْلَ الماضِيَ يَدُلُّ عَلى وُجُودِ الفِعْلِ وكَوْنِهِ مَقْطُوعًا بِهِ، والمُرادُ فَزَعُهم عِنْدَ النَّفْخَةِ الأُولى.
صفحة ١٨٩
أمّا قَوْلُهُ: ﴿إلّا مَن شاءَ اللَّهُ﴾ فالمُرادُ إلّا مَن ثَبَّتَ اللَّهُ قَلْبَهُ مِنَ المَلائِكَةِ، قالُوا: هم جِبْرِيلُ ومِيكائِيلُ وإسْرافِيلُ، ومَلَكُ المَوْتِ، وقِيلَ: الشُّهَداءُ، وعَنِ الضَّحّاكِ: الحُورُ، وخَزَنَةُ النّارِ، وحَمَلَةُ العَرْشِ. وعَنْ جابِرٍ مُوسى مِنهم؛ لِأنَّهُ صُعِقَ مَرَّةً، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ونُفِخَ في الصُّورِ فَصَعِقَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ إلّا مَن شاءَ اللَّهُ﴾ (الزُّمَرِ: ٦٨) ولَيْسَ فِيهِ خَبَرٌ مَقْطُوعٌ، والكِتابُ إنَّما يَدُلُّ عَلى الجُمْلَةِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وكُلٌّ أتَوْهُ داخِرِينَ﴾ فَقُرِئَ (أتَوْهُ) و(أتاهُ) ودَخِرِينَ وداخِرِينَ، فالجَمْعُ عَلى المَعْنى، والتَّوْحِيدُ عَلى اللَّفْظِ، والدّاخِرُ والدَّخِرُ: الصّاغِرُ، وقِيلَ: مَعْنى الإتْيانِ حُضُورُهُمُ المَوْقِفَ بَعْدَ النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ رُجُوعُهم إلى أمْرِ اللَّهِ وانْقِيادُهم لَهُ.
النمل 27:88
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَرى الجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وهي تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ هَذا هو العَلامَةُ الثّالِثَةُ لِقِيامِ القِيامَةِ وهي تَسْيِيرُ الجِبالِ، والوجه في حُسْبانِهِمْ أنَّها جامِدَةٌ؛ فَلِأنَّ الأجْسامَ الكِبارَ إذا تَحَرَّكَتْ حَرَكَةً سَرِيعَةً عَلى نَهْجٍ واحِدٍ في السَّمْتِ والكَيْفِيَّةِ ظَنَّ النّاظِرُ إلَيْها أنَّها واقِفَةٌ مَعَ أنَّها تَمُرُّ مَرًّا حَثِيثًا.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿صُنْعَ اللَّهِ﴾ فَهو مِنَ المَصادِرِ المُؤَكَّدَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وعَدَ اللَّهُ﴾ (الفَتْحِ: ٢٩) و﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ (البَقَرَةِ: ١٣٨) إلّا أنَّ مُؤَكِّدَهُ مَحْذُوفٌ، وهو النّاصِبُ لِـ ﴿ويَوْمَ يُنْفَخُ﴾، والمَعْنى أنَّهُ لَمّا قَدَّمَ ذِكْرَ هَذِهِ الأُمُورِ الَّتِي لا يَقْدِرُ عَلَيْها سِواهُ جَعَلَ هَذا الصُّنْعَ مِن جُمْلَةِ الأشْياءِ الَّتِي أتْقَنَها وأتى بِها عَلى الحِكْمَةِ والصَّوابِ. قالَ القاضِي عَبْدُ الجَبّارِ: فِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ القَبائِحَ لَيْسَتْ مِن خَلْقِهِ وإلّا وجَبَ وصْفُها بِأنَّها مُتْقَنَةٌ، ولَكِنَّ الإجْماعَ مانِعٌ مِنهُ. والجَوابُ أنَّ الإتْقانَ لا يَحْصُلُ إلّا في المُرَكَبّاتِ فَيَمْتَنِعُ وصْفُ الأعْراضِ بِها، واللَّهُ أعْلَمُ.
النمل 27:89
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها وهم مِن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ ﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا تَكَلَّمَ في عَلاماتِ القِيامَةِ شَرَحَ بَعْدَ ذَلِكَ أحْوالَ المُكَلَّفِينَ بَعْدَ قِيامِ القِيامَةِ، والمُكَلَّفُ إمّا أنْ يَكُونَ مُطِيعًا أوْ عاصِيًا، أمّا المُطِيعُ فَهو الَّذِي جاءَ بِالحَسَنَةِ، ولَهُ أمْرانِ:
أحَدُهُما: أنَّ لَهُ ما هو خَيْرٌ مِنها وذَلِكَ هو الثَّوابُ، فَإنْ قِيلَ: الحَسَنَةُ الَّتِي جاءَ العَبْدُ بِها يَدْخُلُ فِيها مَعْرِفَةُ اللَّهِ تَعالى والإخْلاصُ في الطّاعاتِ، والثَّوابُ إنَّما هو الأكْلُ والشُّرْبُ، فَكَيْفَ يَجُوزُ أنْ يُقالَ: الأكْلُ والشُّرْبُ خَيْرٌ مِن مَعْرِفَةِ اللَّهِ ؟ جَوابُهُ مِن وُجُوهٍ:
صفحة ١٩٠
أحَدُها: أنَّ ثَوابَ المَعْرِفَةِ النَّظَرِيَّةِ الحاصِلَةِ في الدُّنْيا هي المَعْرِفَةُ الضَّرُورِيَّةُ الحاصِلَةُ في الآخِرَةِ، ولَذَّةُ النَّظَرِ إلى وجْهِهِ الكَرِيمِ سُبْحانَهُ وتَعالى، وقَدْ دَلَّتِ الدَّلائِلُ عَلى أنَّ أشْرَفَ السَّعاداتِ هي هَذِهِ اللَّذَّةُ، ولَوْ لَمْ تُحْمَلُ الآيَةُ عَلى ذَلِكَ لَزِمَ أنْ يَكُونَ الأكْلُ والشُّرْبُ خَيْرًا مِن مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى وأنَّهُ باطِلٌ.
وثانِيها: أنَّ الثَّوابَ خَيْرٌ مِنَ العَمَلِ مِن حَيْثُ إنَّ الثَّوابَ دائِمٌ والعَمَلَ مُنْقَضِي؛ ولِأنَّ العَمَلَ فِعْلُ العَبْدِ، والثَّوابَ فِعْلُ اللَّهِ تَعالى.
وثالِثُها: ﴿فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ أيْ لَهُ خَيْرٌ حاصِلٌ مِن جِهَتِها وهو الجَنَّةُ.
السُّؤالُ الثّانِي: الحَسَنَةُ لَفْظَةٌ مُفْرَدَةٌ مُعَرَّفَةٌ، وقَدْ ثَبَتَ أنَّها لا تُفِيدُ العُمُومَ بَلْ يَكْفِي في تَحَقُّقِها حُصُولُ فَرْدٍ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَلْنَحْمِلْها عَلى أكْمَلِ الحَسَناتِ شَأْنًا وأعْلاها دَرَجَةً وهو الإيمانُ، فَلِهَذا قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مِن أفْرادِ الحَسَنَةِ كَلِمَةُ الشَّهادَةِ، وهَذا يُوجِبُ القَطْعَ بِأنْ لا يُعاقَبَ أهْلُ الإيمانِ. وجَوابُهُ: ذَلِكَ الخَيْرُ هو أنْ لا يَكُونَ عِقابُهُ مُخَلَّدًا.
الأمْرُ الثّانِي لِلْمُطِيعِ هو أنَّهم آمِنُونَ مِن كُلِّ فَزَعٍ، لا كَما قالَ بَعْضُهم: إنَّ أهْوالَ القِيامَةِ تَعُمُّ المُؤْمِنَ والكافِرَ، فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ أنَّهُ تَعالى قالَ في أوَّلِ الآيَةِ: ﴿فَفَزِعَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ﴾ فَكَيْفَ نَفى الفَزَعَ هَهُنا ؟ جَوابُهُ: أنَّ الفَزَعَ الأوَّلَ هو ما لا يَخْلُو مِنهُ أحَدٌ عِنْدَ الإحْساسِ لِشِدَّةٍ تَقَعُ، وهو يَفْجَأُ مِن رُعْبٍ وهَيْبَةٍ، وإنْ كانَ المُحْسِنُ يَأْمَنُ وُصُولَ ذَلِكَ الضَّرَرِ إلَيْهِ، كَما قِيلَ: يَدْخُلُ الرَّجُلُ بِصَدْرٍ هَيّابٍ وقَلْبٍ وجّابٍ، وإنْ كانَتْ ساعَةَ إعْزازٍ وتَكْرِمَةٍ.
وأمّا الثّانِي: فالخَوْفُ مِنَ العَذابِ.
أمّا قِراءَةُ مَن قَرَأ ”مِن فَزَعٍ“ بِالتَّنْوِينِ فَهي تَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: مِن فَزَعٍ واحِدٍ، وهو خَوْفُ العِقابِ، وأمّا ما يَلْحَقُ الإنْسانَ مِنَ الهَيْبَةِ والرُّعْبِ عِنْدَ مُشاهَدَةِ الأهْوالِ، فَلا يَنْفَكُّ مِنهُ أحَدٌ، وفي الأخْبارِ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ، ومِن فَزَعٍ شَدِيدٍ مُفْرِطِ الشِّدَّةِ لا يَكْتَنِهُهُ الوَصْفُ، وهو خَوْفُ النّارِ وأمِنَ يُعَدّى بِالجارِّ وبِنَفْسِهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَأمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ﴾ (الأعْرافِ: ٩٩) فَهَذا شَرْحُ حالِ المُطِيعِينَ، أمّا شَرْحُ حالِ العُصاةِ فَهو قَوْلُهُ: ﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ قِيلَ: السَّيِّئَةُ الإشْراكُ، وقَوْلُهُ: ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ يُعَبِّرُ عَنِ الجُمْلَةِ بِالوجه والرَّأْسِ والرَّقَبَةِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَكُبُّوا في النّارِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَكُبْكِبُوا﴾ (الشُّعَراءِ: ٩٤) ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذِكْرُ الوُجُوهِ إيذانًا بِأنَّهم يُلْقَوْنَ عَلى وُجُوهِهِمْ فِيها مَكْبُوبِينَ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ فَيَجُوزُ فِيهِ الِالتِفاتُ، وحِكايَةُ ما يُقالُ لَهم عِنْدَ الكَبِّ بِإضْمارِ القَوْلِ.
النمل 27:90
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها وهم مِن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ ﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا تَكَلَّمَ في عَلاماتِ القِيامَةِ شَرَحَ بَعْدَ ذَلِكَ أحْوالَ المُكَلَّفِينَ بَعْدَ قِيامِ القِيامَةِ، والمُكَلَّفُ إمّا أنْ يَكُونَ مُطِيعًا أوْ عاصِيًا، أمّا المُطِيعُ فَهو الَّذِي جاءَ بِالحَسَنَةِ، ولَهُ أمْرانِ:
أحَدُهُما: أنَّ لَهُ ما هو خَيْرٌ مِنها وذَلِكَ هو الثَّوابُ، فَإنْ قِيلَ: الحَسَنَةُ الَّتِي جاءَ العَبْدُ بِها يَدْخُلُ فِيها مَعْرِفَةُ اللَّهِ تَعالى والإخْلاصُ في الطّاعاتِ، والثَّوابُ إنَّما هو الأكْلُ والشُّرْبُ، فَكَيْفَ يَجُوزُ أنْ يُقالَ: الأكْلُ والشُّرْبُ خَيْرٌ مِن مَعْرِفَةِ اللَّهِ ؟ جَوابُهُ مِن وُجُوهٍ:
صفحة ١٩٠
أحَدُها: أنَّ ثَوابَ المَعْرِفَةِ النَّظَرِيَّةِ الحاصِلَةِ في الدُّنْيا هي المَعْرِفَةُ الضَّرُورِيَّةُ الحاصِلَةُ في الآخِرَةِ، ولَذَّةُ النَّظَرِ إلى وجْهِهِ الكَرِيمِ سُبْحانَهُ وتَعالى، وقَدْ دَلَّتِ الدَّلائِلُ عَلى أنَّ أشْرَفَ السَّعاداتِ هي هَذِهِ اللَّذَّةُ، ولَوْ لَمْ تُحْمَلُ الآيَةُ عَلى ذَلِكَ لَزِمَ أنْ يَكُونَ الأكْلُ والشُّرْبُ خَيْرًا مِن مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى وأنَّهُ باطِلٌ.
وثانِيها: أنَّ الثَّوابَ خَيْرٌ مِنَ العَمَلِ مِن حَيْثُ إنَّ الثَّوابَ دائِمٌ والعَمَلَ مُنْقَضِي؛ ولِأنَّ العَمَلَ فِعْلُ العَبْدِ، والثَّوابَ فِعْلُ اللَّهِ تَعالى.
وثالِثُها: ﴿فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ أيْ لَهُ خَيْرٌ حاصِلٌ مِن جِهَتِها وهو الجَنَّةُ.
السُّؤالُ الثّانِي: الحَسَنَةُ لَفْظَةٌ مُفْرَدَةٌ مُعَرَّفَةٌ، وقَدْ ثَبَتَ أنَّها لا تُفِيدُ العُمُومَ بَلْ يَكْفِي في تَحَقُّقِها حُصُولُ فَرْدٍ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَلْنَحْمِلْها عَلى أكْمَلِ الحَسَناتِ شَأْنًا وأعْلاها دَرَجَةً وهو الإيمانُ، فَلِهَذا قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مِن أفْرادِ الحَسَنَةِ كَلِمَةُ الشَّهادَةِ، وهَذا يُوجِبُ القَطْعَ بِأنْ لا يُعاقَبَ أهْلُ الإيمانِ. وجَوابُهُ: ذَلِكَ الخَيْرُ هو أنْ لا يَكُونَ عِقابُهُ مُخَلَّدًا.
الأمْرُ الثّانِي لِلْمُطِيعِ هو أنَّهم آمِنُونَ مِن كُلِّ فَزَعٍ، لا كَما قالَ بَعْضُهم: إنَّ أهْوالَ القِيامَةِ تَعُمُّ المُؤْمِنَ والكافِرَ، فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ أنَّهُ تَعالى قالَ في أوَّلِ الآيَةِ: ﴿فَفَزِعَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ﴾ فَكَيْفَ نَفى الفَزَعَ هَهُنا ؟ جَوابُهُ: أنَّ الفَزَعَ الأوَّلَ هو ما لا يَخْلُو مِنهُ أحَدٌ عِنْدَ الإحْساسِ لِشِدَّةٍ تَقَعُ، وهو يَفْجَأُ مِن رُعْبٍ وهَيْبَةٍ، وإنْ كانَ المُحْسِنُ يَأْمَنُ وُصُولَ ذَلِكَ الضَّرَرِ إلَيْهِ، كَما قِيلَ: يَدْخُلُ الرَّجُلُ بِصَدْرٍ هَيّابٍ وقَلْبٍ وجّابٍ، وإنْ كانَتْ ساعَةَ إعْزازٍ وتَكْرِمَةٍ.
وأمّا الثّانِي: فالخَوْفُ مِنَ العَذابِ.
أمّا قِراءَةُ مَن قَرَأ ”مِن فَزَعٍ“ بِالتَّنْوِينِ فَهي تَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: مِن فَزَعٍ واحِدٍ، وهو خَوْفُ العِقابِ، وأمّا ما يَلْحَقُ الإنْسانَ مِنَ الهَيْبَةِ والرُّعْبِ عِنْدَ مُشاهَدَةِ الأهْوالِ، فَلا يَنْفَكُّ مِنهُ أحَدٌ، وفي الأخْبارِ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ، ومِن فَزَعٍ شَدِيدٍ مُفْرِطِ الشِّدَّةِ لا يَكْتَنِهُهُ الوَصْفُ، وهو خَوْفُ النّارِ وأمِنَ يُعَدّى بِالجارِّ وبِنَفْسِهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَأمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ﴾ (الأعْرافِ: ٩٩) فَهَذا شَرْحُ حالِ المُطِيعِينَ، أمّا شَرْحُ حالِ العُصاةِ فَهو قَوْلُهُ: ﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ قِيلَ: السَّيِّئَةُ الإشْراكُ، وقَوْلُهُ: ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ يُعَبِّرُ عَنِ الجُمْلَةِ بِالوجه والرَّأْسِ والرَّقَبَةِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَكُبُّوا في النّارِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَكُبْكِبُوا﴾ (الشُّعَراءِ: ٩٤) ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذِكْرُ الوُجُوهِ إيذانًا بِأنَّهم يُلْقَوْنَ عَلى وُجُوهِهِمْ فِيها مَكْبُوبِينَ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ فَيَجُوزُ فِيهِ الِالتِفاتُ، وحِكايَةُ ما يُقالُ لَهم عِنْدَ الكَبِّ بِإضْمارِ القَوْلِ.
النمل 27:91
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ البَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها ولَهُ كُلُّ شَيْءٍ وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ ﴿وأنْ أتْلُوَ القُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ومَن ضَلَّ فَقُلْ إنَّما أنا مِنَ المُنْذِرِينَ﴾ ﴿وقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكم آياتِهِ فَتَعْرِفُونَها وما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا بَيَّنَ المَبْدَأ والمَعادَ والنُّبُوَّةَ ومُقَدِّماتِ القِيامَةِ وصِفَةَ أهْلِ القِيامَةِ مِنَ الثَّوابِ
صفحة ١٩١
والعِقابِ، وذَلِكَ كَمالُ ما يَتَعَلَّقُ بِبَيانِ أُصُولِ الدِّينِ خَتَمَ الكَلامَ بِهَذِهِ الخاتِمَةِ اللَّطِيفَةِ، فَقالَ: قُلْ يا مُحَمَّدُ إنِّي أُمِرْتُ بِأشْياءَ:
الأوَّلُ: أنِّي أُمِرْتُ أنَّ أخُصَّ اللَّهَ وحْدَهُ بِالعِبادَةِ ولا أتَّخِذَ لَهُ شَرِيكًا، وأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا قَدَّمَ دَلائِلَ التَّوْحِيدِ، فَكَأنَّهُ أمَرَ مُحَمَّدًا بِأنْ يَقُولَ لَهم: هَذِهِ الدَّلائِلُ الَّتِي ذَكَرْتُها لَكم إنْ لَمْ تُفِدْ لَكُمُ القَوْلَ بِالتَّوْحِيدِ، فَقَدْ أفادَتْ لِي ذَلِكَ، فَسَواءٌ قَبِلْتُمْ هَذِهِ الدَّعْوَةَ أوْ أعْرَضْتُمْ عَنْها، فَإنِّي مُصِرٌّ عَلَيْها غَيْرُ مُرْتابٍ فِيها، ثُمَّ إنَّهُ وصَفَ اللَّهَ تَعالى بِأمْرَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ رَبُّ هَذِهِ البَلْدَةِ، والمُرادُ مَكَّةُ، وإنَّما اخْتَصَّها مِن بَيْنِ سائِرِ البِلادِ بِإضافَةِ اسْمِهِ إلَيْها؛ لِأنَّها أحَبُّ بِلادِهِ إلَيْهِ، وأكْرَمُها عَلَيْهِ، وأشارَ إلَيْها إشارَةَ تَعْظِيمٍ لَها دالًّا عَلى أنَّها مَوْطِنُ نَبِيِّهِ ومَهْبِطُ وحْيِهِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿الَّذِي حَرَّمَها﴾ فَقُرِئَ (الَّتِي حَرَّمَها)، وإنَّما وصَفَها بِالتَّحْرِيمِ لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ حَرَّمَ فِيها أشْياءَ عَلى مَن يَحُجُّ.
وثانِيها: أنَّ اللّاجِئَ إلَيْها آمِنٌ.
وثالِثُها: لا يَنْتَهِكُ حُرْمَتَها إلّا ظالِمٌ، ولا يُعْضَدُ شَجَرُها، ولا يُنَفَّرُ صَيْدُها. وإنَّما ذَكَرَ ذَلِكَ؛ لِأنَّ العَرَبَ كانُوا مُعْتَرِفِينَ بِكَوْنِ مَكَّةَ مُحَرَّمَةً، وعَلِمُوا أنَّ تِلْكَ الفَضِيلَةَ لَيْسَتْ مِنَ الأصْنامِ بَلْ مِنَ اللَّهِ تَعالى، فَكَأنَّهُ قالَ: لَمّا عَلِمْتَ وعَلِمْتُمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ هو المُتَوَلِّي لِهَذِهِ النِّعَمِ وجَبَ عَلَيَّ أنْ أخُصَّهُ بِالعِبادَةِ.
وثانِيها: وصَفَ اللَّهَ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿ولَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾ وهَذا إشارَةٌ إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ الدَّلائِلِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ عَلى التَّوْحِيدِ مِن كَوْنِهِ تَعالى خالِقًا لِجَمِيعِ النِّعَمِ فَأجْمَلَ هَهُنا تِلْكَ المُفَصَّلاتِ، وهَذا كَمَن أرادَ صِفَةَ بَعْضِ المُلُوكِ بِالقُوَّةِ، فَيَعَدُّ تِلْكَ التَّفاصِيلَ ثُمَّ بَعْدَ التَّطْوِيلِ، يَقُولُ: إنَّ كُلَّ العالَمِ لَهُ وكُلَّ النّاسِ في طاعَتِهِ.
الثّانِي: أُمِرَ بِأنْ يَكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ.
الثّالِثُ: أُمِرَ بِأنْ يَتْلُوَ القُرْآنَ عَلَيْهِمْ، ولَقَدْ قامَ بِكُلِّ ذَلِكَ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ أتَمَّ قِيامٍ، فَمَنِ اهْتَدى في هَذِهِ المَسائِلِ الثَّلاثِ المُتَقَدِّمَةِ، وهي التَّوْحِيدُ والحَشْرُ والنُّبُوَّةُ ﴿فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾ أيْ مَنفَعَةُ اهْتِدائِهِ راجِعَةٌ إلَيْهِ ﴿ومَن ضَلَّ﴾ فَلا عَلَيَّ وما أنا إلّا رَسُولٌ مُنْذِرٌ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ خَتَمَ هَذِهِ [ السُّورَةَ ] بِخاتِمَةٍ في نِهايَةِ الحُسْنِ، وهي قَوْلُهُ: (﴿وقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ عَلى ما أعْطانِي مِن نِعْمَةِ العِلْمِ والحِكْمَةِ والنُّبُوَّةِ، أوْ عَلى ما وفَّقَنِي مِنَ القِيامِ بِأداءِ الرِّسالَةِ وبِالإنْذارِ ﴿سَيُرِيكم آياتِهِ﴾ القاهِرَةَ ﴿فَتَعْرِفُونَها﴾ لَكِنْ حِينَ لا يَنْفَعُكُمُ الإيمانُ ﴿وما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ لِأنَّهُ مِن وراءِ جَزاءِ العامِلِينَ، واللَّهُ أعْلَمُ.
تَمَّ تَفْسِيرُ السُّورَةِ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ، وصَلاتُهُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ
وعَلى آلِهِ وصَحْبِهِ أجْمَعِينَ وعَلى أزْواجِهِ الطّاهِراتِ أُمَّهاتِ المُؤْمِنِينَ
والتّابِعِينَ لَهم بِإحْسانٍ إلى يَوْمِ الدِّينِ
النمل 27:92
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ البَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها ولَهُ كُلُّ شَيْءٍ وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ ﴿وأنْ أتْلُوَ القُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ومَن ضَلَّ فَقُلْ إنَّما أنا مِنَ المُنْذِرِينَ﴾ ﴿وقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكم آياتِهِ فَتَعْرِفُونَها وما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا بَيَّنَ المَبْدَأ والمَعادَ والنُّبُوَّةَ ومُقَدِّماتِ القِيامَةِ وصِفَةَ أهْلِ القِيامَةِ مِنَ الثَّوابِ
صفحة ١٩١
والعِقابِ، وذَلِكَ كَمالُ ما يَتَعَلَّقُ بِبَيانِ أُصُولِ الدِّينِ خَتَمَ الكَلامَ بِهَذِهِ الخاتِمَةِ اللَّطِيفَةِ، فَقالَ: قُلْ يا مُحَمَّدُ إنِّي أُمِرْتُ بِأشْياءَ:
الأوَّلُ: أنِّي أُمِرْتُ أنَّ أخُصَّ اللَّهَ وحْدَهُ بِالعِبادَةِ ولا أتَّخِذَ لَهُ شَرِيكًا، وأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا قَدَّمَ دَلائِلَ التَّوْحِيدِ، فَكَأنَّهُ أمَرَ مُحَمَّدًا بِأنْ يَقُولَ لَهم: هَذِهِ الدَّلائِلُ الَّتِي ذَكَرْتُها لَكم إنْ لَمْ تُفِدْ لَكُمُ القَوْلَ بِالتَّوْحِيدِ، فَقَدْ أفادَتْ لِي ذَلِكَ، فَسَواءٌ قَبِلْتُمْ هَذِهِ الدَّعْوَةَ أوْ أعْرَضْتُمْ عَنْها، فَإنِّي مُصِرٌّ عَلَيْها غَيْرُ مُرْتابٍ فِيها، ثُمَّ إنَّهُ وصَفَ اللَّهَ تَعالى بِأمْرَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ رَبُّ هَذِهِ البَلْدَةِ، والمُرادُ مَكَّةُ، وإنَّما اخْتَصَّها مِن بَيْنِ سائِرِ البِلادِ بِإضافَةِ اسْمِهِ إلَيْها؛ لِأنَّها أحَبُّ بِلادِهِ إلَيْهِ، وأكْرَمُها عَلَيْهِ، وأشارَ إلَيْها إشارَةَ تَعْظِيمٍ لَها دالًّا عَلى أنَّها مَوْطِنُ نَبِيِّهِ ومَهْبِطُ وحْيِهِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿الَّذِي حَرَّمَها﴾ فَقُرِئَ (الَّتِي حَرَّمَها)، وإنَّما وصَفَها بِالتَّحْرِيمِ لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ حَرَّمَ فِيها أشْياءَ عَلى مَن يَحُجُّ.
وثانِيها: أنَّ اللّاجِئَ إلَيْها آمِنٌ.
وثالِثُها: لا يَنْتَهِكُ حُرْمَتَها إلّا ظالِمٌ، ولا يُعْضَدُ شَجَرُها، ولا يُنَفَّرُ صَيْدُها. وإنَّما ذَكَرَ ذَلِكَ؛ لِأنَّ العَرَبَ كانُوا مُعْتَرِفِينَ بِكَوْنِ مَكَّةَ مُحَرَّمَةً، وعَلِمُوا أنَّ تِلْكَ الفَضِيلَةَ لَيْسَتْ مِنَ الأصْنامِ بَلْ مِنَ اللَّهِ تَعالى، فَكَأنَّهُ قالَ: لَمّا عَلِمْتَ وعَلِمْتُمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ هو المُتَوَلِّي لِهَذِهِ النِّعَمِ وجَبَ عَلَيَّ أنْ أخُصَّهُ بِالعِبادَةِ.
وثانِيها: وصَفَ اللَّهَ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿ولَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾ وهَذا إشارَةٌ إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ الدَّلائِلِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ عَلى التَّوْحِيدِ مِن كَوْنِهِ تَعالى خالِقًا لِجَمِيعِ النِّعَمِ فَأجْمَلَ هَهُنا تِلْكَ المُفَصَّلاتِ، وهَذا كَمَن أرادَ صِفَةَ بَعْضِ المُلُوكِ بِالقُوَّةِ، فَيَعَدُّ تِلْكَ التَّفاصِيلَ ثُمَّ بَعْدَ التَّطْوِيلِ، يَقُولُ: إنَّ كُلَّ العالَمِ لَهُ وكُلَّ النّاسِ في طاعَتِهِ.
الثّانِي: أُمِرَ بِأنْ يَكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ.
الثّالِثُ: أُمِرَ بِأنْ يَتْلُوَ القُرْآنَ عَلَيْهِمْ، ولَقَدْ قامَ بِكُلِّ ذَلِكَ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ أتَمَّ قِيامٍ، فَمَنِ اهْتَدى في هَذِهِ المَسائِلِ الثَّلاثِ المُتَقَدِّمَةِ، وهي التَّوْحِيدُ والحَشْرُ والنُّبُوَّةُ ﴿فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾ أيْ مَنفَعَةُ اهْتِدائِهِ راجِعَةٌ إلَيْهِ ﴿ومَن ضَلَّ﴾ فَلا عَلَيَّ وما أنا إلّا رَسُولٌ مُنْذِرٌ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ خَتَمَ هَذِهِ [ السُّورَةَ ] بِخاتِمَةٍ في نِهايَةِ الحُسْنِ، وهي قَوْلُهُ: (﴿وقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ عَلى ما أعْطانِي مِن نِعْمَةِ العِلْمِ والحِكْمَةِ والنُّبُوَّةِ، أوْ عَلى ما وفَّقَنِي مِنَ القِيامِ بِأداءِ الرِّسالَةِ وبِالإنْذارِ ﴿سَيُرِيكم آياتِهِ﴾ القاهِرَةَ ﴿فَتَعْرِفُونَها﴾ لَكِنْ حِينَ لا يَنْفَعُكُمُ الإيمانُ ﴿وما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ لِأنَّهُ مِن وراءِ جَزاءِ العامِلِينَ، واللَّهُ أعْلَمُ.
تَمَّ تَفْسِيرُ السُّورَةِ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ، وصَلاتُهُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ
وعَلى آلِهِ وصَحْبِهِ أجْمَعِينَ وعَلى أزْواجِهِ الطّاهِراتِ أُمَّهاتِ المُؤْمِنِينَ
والتّابِعِينَ لَهم بِإحْسانٍ إلى يَوْمِ الدِّينِ
النمل 27:93
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ البَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها ولَهُ كُلُّ شَيْءٍ وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ ﴿وأنْ أتْلُوَ القُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ومَن ضَلَّ فَقُلْ إنَّما أنا مِنَ المُنْذِرِينَ﴾ ﴿وقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكم آياتِهِ فَتَعْرِفُونَها وما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا بَيَّنَ المَبْدَأ والمَعادَ والنُّبُوَّةَ ومُقَدِّماتِ القِيامَةِ وصِفَةَ أهْلِ القِيامَةِ مِنَ الثَّوابِ
صفحة ١٩١
والعِقابِ، وذَلِكَ كَمالُ ما يَتَعَلَّقُ بِبَيانِ أُصُولِ الدِّينِ خَتَمَ الكَلامَ بِهَذِهِ الخاتِمَةِ اللَّطِيفَةِ، فَقالَ: قُلْ يا مُحَمَّدُ إنِّي أُمِرْتُ بِأشْياءَ:
الأوَّلُ: أنِّي أُمِرْتُ أنَّ أخُصَّ اللَّهَ وحْدَهُ بِالعِبادَةِ ولا أتَّخِذَ لَهُ شَرِيكًا، وأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا قَدَّمَ دَلائِلَ التَّوْحِيدِ، فَكَأنَّهُ أمَرَ مُحَمَّدًا بِأنْ يَقُولَ لَهم: هَذِهِ الدَّلائِلُ الَّتِي ذَكَرْتُها لَكم إنْ لَمْ تُفِدْ لَكُمُ القَوْلَ بِالتَّوْحِيدِ، فَقَدْ أفادَتْ لِي ذَلِكَ، فَسَواءٌ قَبِلْتُمْ هَذِهِ الدَّعْوَةَ أوْ أعْرَضْتُمْ عَنْها، فَإنِّي مُصِرٌّ عَلَيْها غَيْرُ مُرْتابٍ فِيها، ثُمَّ إنَّهُ وصَفَ اللَّهَ تَعالى بِأمْرَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ رَبُّ هَذِهِ البَلْدَةِ، والمُرادُ مَكَّةُ، وإنَّما اخْتَصَّها مِن بَيْنِ سائِرِ البِلادِ بِإضافَةِ اسْمِهِ إلَيْها؛ لِأنَّها أحَبُّ بِلادِهِ إلَيْهِ، وأكْرَمُها عَلَيْهِ، وأشارَ إلَيْها إشارَةَ تَعْظِيمٍ لَها دالًّا عَلى أنَّها مَوْطِنُ نَبِيِّهِ ومَهْبِطُ وحْيِهِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿الَّذِي حَرَّمَها﴾ فَقُرِئَ (الَّتِي حَرَّمَها)، وإنَّما وصَفَها بِالتَّحْرِيمِ لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ حَرَّمَ فِيها أشْياءَ عَلى مَن يَحُجُّ.
وثانِيها: أنَّ اللّاجِئَ إلَيْها آمِنٌ.
وثالِثُها: لا يَنْتَهِكُ حُرْمَتَها إلّا ظالِمٌ، ولا يُعْضَدُ شَجَرُها، ولا يُنَفَّرُ صَيْدُها. وإنَّما ذَكَرَ ذَلِكَ؛ لِأنَّ العَرَبَ كانُوا مُعْتَرِفِينَ بِكَوْنِ مَكَّةَ مُحَرَّمَةً، وعَلِمُوا أنَّ تِلْكَ الفَضِيلَةَ لَيْسَتْ مِنَ الأصْنامِ بَلْ مِنَ اللَّهِ تَعالى، فَكَأنَّهُ قالَ: لَمّا عَلِمْتَ وعَلِمْتُمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ هو المُتَوَلِّي لِهَذِهِ النِّعَمِ وجَبَ عَلَيَّ أنْ أخُصَّهُ بِالعِبادَةِ.
وثانِيها: وصَفَ اللَّهَ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿ولَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾ وهَذا إشارَةٌ إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ الدَّلائِلِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ عَلى التَّوْحِيدِ مِن كَوْنِهِ تَعالى خالِقًا لِجَمِيعِ النِّعَمِ فَأجْمَلَ هَهُنا تِلْكَ المُفَصَّلاتِ، وهَذا كَمَن أرادَ صِفَةَ بَعْضِ المُلُوكِ بِالقُوَّةِ، فَيَعَدُّ تِلْكَ التَّفاصِيلَ ثُمَّ بَعْدَ التَّطْوِيلِ، يَقُولُ: إنَّ كُلَّ العالَمِ لَهُ وكُلَّ النّاسِ في طاعَتِهِ.
الثّانِي: أُمِرَ بِأنْ يَكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ.
الثّالِثُ: أُمِرَ بِأنْ يَتْلُوَ القُرْآنَ عَلَيْهِمْ، ولَقَدْ قامَ بِكُلِّ ذَلِكَ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ أتَمَّ قِيامٍ، فَمَنِ اهْتَدى في هَذِهِ المَسائِلِ الثَّلاثِ المُتَقَدِّمَةِ، وهي التَّوْحِيدُ والحَشْرُ والنُّبُوَّةُ ﴿فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾ أيْ مَنفَعَةُ اهْتِدائِهِ راجِعَةٌ إلَيْهِ ﴿ومَن ضَلَّ﴾ فَلا عَلَيَّ وما أنا إلّا رَسُولٌ مُنْذِرٌ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ خَتَمَ هَذِهِ [ السُّورَةَ ] بِخاتِمَةٍ في نِهايَةِ الحُسْنِ، وهي قَوْلُهُ: (﴿وقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ عَلى ما أعْطانِي مِن نِعْمَةِ العِلْمِ والحِكْمَةِ والنُّبُوَّةِ، أوْ عَلى ما وفَّقَنِي مِنَ القِيامِ بِأداءِ الرِّسالَةِ وبِالإنْذارِ ﴿سَيُرِيكم آياتِهِ﴾ القاهِرَةَ ﴿فَتَعْرِفُونَها﴾ لَكِنْ حِينَ لا يَنْفَعُكُمُ الإيمانُ ﴿وما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ لِأنَّهُ مِن وراءِ جَزاءِ العامِلِينَ، واللَّهُ أعْلَمُ.
تَمَّ تَفْسِيرُ السُّورَةِ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ، وصَلاتُهُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ
وعَلى آلِهِ وصَحْبِهِ أجْمَعِينَ وعَلى أزْواجِهِ الطّاهِراتِ أُمَّهاتِ المُؤْمِنِينَ
والتّابِعِينَ لَهم بِإحْسانٍ إلى يَوْمِ الدِّينِ