Lafzullah

Tafsir Al-Razi — القصص 28:57 – العنكبوت 29:35

المؤلف / المصدر: Tafsir Al-Razi

المحتويات
  1. القصص 28:57
  2. القصص 28:58
  3. القصص 28:59
  4. القصص 28:60
  5. القصص 28:61
  6. القصص 28:62
  7. القصص 28:63
  8. القصص 28:64
  9. القصص 28:65
  10. القصص 28:66
  11. القصص 28:67
  12. القصص 28:68
  13. القصص 28:69
  14. القصص 28:70
  15. القصص 28:71
  16. القصص 28:72
  17. القصص 28:73
  18. القصص 28:74
  19. القصص 28:75
  20. القصص 28:76
  21. القصص 28:77
  22. القصص 28:78
  23. القصص 28:79
  24. القصص 28:80
  25. القصص 28:81
  26. القصص 28:82
  27. القصص 28:83
  28. القصص 28:84
  29. القصص 28:85
  30. القصص 28:86
  31. القصص 28:87
  32. القصص 28:88
  33. العنكبوت 29:1
  34. العنكبوت 29:2
  35. العنكبوت 29:3
  36. العنكبوت 29:4
  37. العنكبوت 29:5
  38. العنكبوت 29:6
  39. العنكبوت 29:7
  40. العنكبوت 29:8
  41. العنكبوت 29:9
  42. العنكبوت 29:10
  43. العنكبوت 29:11
  44. العنكبوت 29:12
  45. العنكبوت 29:13
  46. العنكبوت 29:14
  47. العنكبوت 29:15
  48. العنكبوت 29:16
  49. العنكبوت 29:17
  50. العنكبوت 29:18
  51. العنكبوت 29:19
  52. العنكبوت 29:20
  53. العنكبوت 29:21
  54. العنكبوت 29:22
  55. العنكبوت 29:23
  56. العنكبوت 29:24
  57. العنكبوت 29:25
  58. العنكبوت 29:26
  59. العنكبوت 29:27
  60. العنكبوت 29:28
  61. العنكبوت 29:29
  62. العنكبوت 29:30
  63. العنكبوت 29:31
  64. العنكبوت 29:32
  65. العنكبوت 29:33
  66. العنكبوت 29:34
  67. العنكبوت 29:35

القصص 28:57

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: احْتَجَّ الأصْحابُ بِهَذِهِ الآيَةِ في مَسْألَةِ الهُدى والضَّلالِ، فَقالُوا: قَوْلُهُ: ﴿إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ يَقْتَضِي أنْ تَكُونَ الهِدايَةُ في المَوْضِعَيْنِ بِمَعْنًى واحِدٍ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ المُرادُ مِنَ صفحة ٤ الهِدايَةِ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّكَ لا تَهْدِي﴾ شَيْئًا، وفي قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ شَيْئًا آخَرَ لاخْتَلَّ النَّظْمُ، ثُمَّ إمّا أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الهِدايَةِ بَيانَ الدَّلالَةِ، أوِ الدَّعْوَةَ إلى الجَنَّةِ، أوْ تَعْرِيفَ طَرِيقِ الجَنَّةِ، أوْ خَلْقَ المَعْرِفَةِ في القُلُوبِ عَلى سَبِيلِ الإلْجاءِ، أوْ خَلْقَ المَعْرِفَةِ في القُلُوبِ لا عَلى سَبِيلِ الإلْجاءِ، لا جائِزٌ أنْ يَكُونَ المُرادُ بَيانَ الأدِلَّةِ؛ لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ هَدى الكُلَّ بِهَذا المَعْنى فَهي غَيْرُ الهِدايَةِ الَّتِي نَفى اللَّهُ عُمُومَها، وكَذا القَوْلُ في الهِدايَةِ بِمَعْنى الدَّعْوَةِ إلى الجَنَّةِ، وأمّا الهِدايَةُ بِمَعْنى تَعْرِيفِ طَرِيقِ الجَنَّةِ فَهي أيْضًا غَيْرُ مُرادَةٍ مِنَ الآيَةِ؛ لِأنَّهُ تَعالى عَلَّقَ هَذِهِ الهِدايَةَ عَلى المَشِيئَةِ، وتَعْرِيفُ طَرِيقِ الجَنَّةِ غَيْرُ مُعَلَّقٍ عَلى المَشِيئَةِ؛ لِأنَّهُ واجِبٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، والواجِبُ لا يَكُونُ مُعَلَّقًا عَلى المَشِيئَةِ، فَمَن وجَبَ عَلَيْهِ أداءُ عَشَرَةِ دَنانِيرَ، لا يَجُوزُ أنْ يَقُولَ إنِّي أُعْطِي عَشَرَةَ دَنانِيرَ إنْ شِئْتُ، وأمّا الهِدايَةُ بِمَعْنى الإلْجاءِ والقَسْرِ فَغَيْرُ جائِزٍ؛ لِأنَّ ذَلِكَ عِنْدَهم قَبِيحٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى في حَقِّ المُكَلَّفِ، وفِعْلُ القَبِيحِ مُسْتَلْزِمٌ لِلْجَهْلِ أوِ الحاجَةِ، وهُما مُحالانِ ومُسْتَلْزِمُ المُحالِ مُحالٌ، فَذَلِكَ مُحالٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى، والمُحالُ لا يَجُوزُ تَعْلِيقُهُ في المَشِيئَةِ، ولَمّا بَطَلَتِ الأقْسامُ لَمْ يَبْقَ إلّا أنَّ المُرادَ أنَّهُ تَعالى يَخُصُّ البَعْضَ بِخَلْقِ الهِدايَةِ والمَعْرِفَةِ ويَمْنَعُ البَعْضَ مِنها، ولا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ، ومَتى أوْرَدْتَ الكَلامَ عَلى هَذا الوَجْهِ سَقَطَ كُلُّ ما أوْرَدَهُ القاضِي عُذْرًا عَنْ ذَلِكَ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿وهُوَ أعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ﴾ فالمَعْنى أنَّهُ المُخْتَصُّ بِعِلْمِ الغَيْبِ فَيَعْلَمُ مَن يَهْتَدِي بَعْدُ ومَن لا يَهْتَدِي، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ بَعْدَ أنْ ذَكَرَ شُبَهَهُمْ، وأجابَ عَنْها بِالأجْوِبَةِ الواضِحَةِ، وبَيَّنَ أنَّ وُضُوحَ الدَّلائِلِ لا يَكْفِي ما لَمْ يَنْضَمَّ إلَيْهِ هِدايَةُ اللَّهِ تَعالى، حَكى عَنْهم شُبْهَةً أُخْرى مُتَعَلِّقَةً بِأحْوالِ الدُّنْيا، وهي قَوْلُهم: ﴿إنْ نَتَّبِعِ الهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِن أرْضِنا﴾ قالَ المُبَرِّدُ: الخَطْفُ: الِانْتِزاعُ بِسُرْعَةٍ، رُوِيَ أنَّ الحَرْثَ بْنَ عامِرِ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنافٍ قالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: إنّا لَنَعْلَمُ أنَّ الَّذِي تَقُولُهُ حَقٌّ، ولَكِنْ يَمْنَعُنا مِن ذَلِكَ تَخَطُّفُنا مِن أرْضِنا، أيْ يَجْتَمِعُونَ عَلى مُحارَبَتِنا ويُخْرِجُونَنا مِن أرْضِنا، فَأجابَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عَنْها مِن وُجُوهٍ. الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿أوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهم حَرَمًا آمِنًا﴾ أيْ: أعْطَيْناكم مَسْكَنًا لا خَوْفَ لَكم فِيهِ؛ إمّا لِأنَّ العَرَبَ كانُوا يَحْتَرِمُونَ الحَرَمَ، وما كانُوا يَتَعَرَّضُونَ ألْبَتَّةَ لِسُكّانِهِ، فَإنَّهُ يُرْوى أنَّ العَرَبَ خارِجَ الحَرَمِ كانُوا مُشْتَغِلِينَ بِالنَّهْبِ والغارَةِ، وما كانُوا يَتَعَرَّضُونَ ألْبَتَّةَ لِسُكّانِ الحَرَمِ، أوْ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن دَخَلَهُ كانَ آمِنًا﴾ (آلِ عِمْرانَ: ٩٧ ) أمّا قَوْلُهُ: ﴿يُجْبى إلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ فَهو تَعالى كَما بَيَّنَ كَوْنَ ذَلِكَ المَوْضِعِ خالِيًا عَنِ المَخاوِفِ والآفاتِ بَيَّنَ كَثْرَةَ النِّعَمِ فِيهِ، ومَعْنى: ﴿يُجْبى﴾ يُجْمَعُ مِن قَوْلِهِمْ: جَبَيْتُ الماءَ في الحَوْضِ إذا جَمَعْتُهُ، قَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ تُجْبى بِالتّاءِ، وأهْلُ الكُوفَةِ، وأبُو عَمْرٍو بِالياءِ، وذَلِكَ أنَّ تَأْنِيثَ الثَّمَراتِ تَأْنِيثُ جَمْعٍ ولَيْسَ بِتَأْنِيثٍ حَقِيقِيٍّ، فَيَجُوزُ تَأْنِيثُهُ عَلى اللَّفْظِ وتَذْكِيرُهُ عَلى المَعْنى، ومَعْنى الكُلِّيَّةِ الكَثْرَةُ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿وأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ (النَّمْلِ: ٢٣ ) . وحاصِلُ الجَوابِ: أنَّهُ تَعالى لَمّا جَعَلَ الحَرَمَ آمِنًا، وأكْثَرَ فِيهِ الرِّزْقَ حالَ كَوْنِهِمْ مُعْرِضِينَ عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى مُقْبِلِينَ عَلى عِبادَةِ الأوْثانِ، فَلَوْ آمَنُوا لَكانَ بَقاءُ هَذِهِ الحالَةِ أوْلى، قالَ القاضِي: ولَوْ أنَّ الرَّسُولَ قالَ لَهم: إنَّ الَّذِي ذَكَرْتُمْ مِنَ التَّخَطُّفِ لَوْ كانَ حَقًّا لَمْ يَكُنْ عُذْرًا لَكم في أنْ لا تُؤْمِنُوا، وقَدْ ظَهَرَتِ الحُجَّةُ لانْقَطَعُوا، أوْ قالَ لَهم: إنَّ تَخَطُّفَهم لَكم بِالقَتْلِ وغَيْرِهِ، وقَدْ آمَنتُمْ كالشَّهادَةِ لَكم، فَهو نَفْعٌ عائِدٌ عَلَيْكم لانْقَطَعُوا أيْضًا، ولَوْ قالَ لَهم: ما قَدْرُ مَضَرَّةِ التَّخَطُّفِ في جَنْبِ العِقابِ الدّائِمِ الَّذِي أُخَوِّفُكم مِنهُ إنْ بَقِيتُمْ عَلى كُفْرِكم لانْقَطَعُوا، لَكِنَّهُ تَعالى احْتَجَّ بِما هو أقْوى مِن حَيْثُ بَيَّنَ كَذِبَهم في أنَّهم يُتَخَطَّفُونَ مِن حَيْثُ عَرَفُوا مِن حالِ البُقْعَةِ بِالعادَةِ، أنَّ ذَلِكَ لا يَجْرِي إنْ آمَنُوا، ومِثْلُ ذَلِكَ إذا أمْكَنَ بَيانُهُ لِلْخَصْمِ فَهو أوْلى مِن سائِرِ ما ذَكَرْنا، فَلِذَلِكَ قَدَّمَهُ اللَّهُ تَعالى صفحة ٥ والآيَةُ دالَّةٌ عَلى صِحَّةِ الحِجاجِ الَّذِي يُتَوَصَّلُ بِهِ إلى إزالَةِ شُبْهَةِ المُبْطِلِينَ. بَقِيَ هَهُنا بَحْثانِ: الأوَّلُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ في انْتِصابِ ﴿رِزْقًا﴾ إنْ جَعَلْتَهُ مَصْدَرًا جازَ أنْ يَنْتَصِبَ بِمَعْنى ما قَبْلَهُ؛ لِأنَّ مَعْنى ﴿يُجْبى إلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾، و(يُرْزَقُ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ) واحِدٌ، وأنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لَهُ، وإنْ جَعَلْتَهُ بِمَعْنى مَرْزُوقٍ كانَ حالًا مِنَ الثَّمَراتِ لِتَخْصِيصِها بِالإضافَةِ، كَما يَنْتَصِبُ عَلى النَّكِرَةِ المُتَخَصِّصَةِ بِالصِّفَةِ. الثّانِي: احْتَجَّ الأصْحابُ بِقَوْلِهِ: ﴿رِزْقًا مِن لَدُنّا﴾ في أنَّ فِعْلَ العَبْدِ خَلْقُ اللَّهِ تَعالى، وبَيانُهُ أنَّ تِلْكَ الأرْزاقَ إنَّما كانَتْ تَصِلُ إلَيْهِمْ؛ لِأنَّ النّاسَ كانُوا يَحْمِلُونَها إلَيْهِمْ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِعْلُ العَبْدِ خَلْقًا لِلَّهِ تَعالى لَما صَحَّتْ تِلْكَ الإضافَةُ، فَإنْ قِيلَ سَبَبُ تِلْكَ الإضافَةِ أنَّهُ تَعالى هو الَّذِي ألْقى تِلْكَ الدَّواعِيَ في قُلُوبِ مَن ذَهَبَ بِتِلْكَ الأرْزاقِ إلَيْهِمْ، قُلْنا تِلْكَ الدَّواعِي إنِ اقْتَضَتِ الرُّجْحانَ، فَقَدْ بَيَّنّا في غَيْرِ مَوْضِعٍ أنَّهُ مَتى حَصَلَ الرُّجْحانُ، فَقَدْ حَصَلَ الوُجُوبُ، وحِينَئِذٍ يَحْصُلُ المَقْصُودُ، وإنْ لَمْ يَحْصُلِ الرُّجْحانُ انْقَطَعَتِ الإضافَةُ بِالكُلِّيَّةِ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى إنَّما بَيَّنَ أنَّ تِلْكَ الأرْزاقَ ما وصَلَتْ إلَيْهِمْ إلّا مِنَ اللَّهِ تَعالى؛ لِأجْلِ أنَّهم مَتى عَلِمُوا ذَلِكَ صارُوا بِحَيْثُ لا يَخافُونَ أحَدًا سِوى اللَّهِ تَعالى، ولا يَرْجُونَ أحَدًا غَيْرَ اللَّهِ تَعالى، فَيَبْقى نَظَرُهم مُنْقَطِعًا عَنِ الخَلْقِ مُتَعَلِّقًا بِالخالِقِ، وذَلِكَ يُوجِبُ كَمالَ الإيمانِ، والإعْراضَ بِالكُلِّيَّةِ عَنْ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى والإقْبالَ بِالكُلِّيَّةِ عَلى طاعَةِ اللَّهِ تَعالى.

القصص 28:58

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَمْ أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها فَتِلْكَ مَساكِنُهم لَمْ تُسْكَنْ مِن بَعْدِهِمْ إلّا قَلِيلًا وكُنّا نَحْنُ الوارِثِينَ﴾ ﴿وما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرى حَتّى يَبْعَثَ في أُمِّها رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِنا وما كُنّا مُهْلِكِي القُرى إلّا وأهْلُها ظالِمُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّ هَذا هو الجَوابُ الثّانِي عَنْ تِلْكَ الشُّبْهَةِ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ لِأهْلِ مَكَّةَ ما خُصُّوا بِهِ مِنَ النِّعَمِ أتْبَعَهُ بِما أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى بِالأُمَمِ الماضِيَةِ الَّذِينَ كانُوا في نِعَمِ الدُّنْيا، فَلَمّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أزالَ اللَّهُ عَنْهم تِلْكَ النِّعَمَ، والمَقْصُودُ أنَّ الكُفّارَ لَمّا قالُوا: إنّا لا نُؤْمِنُ خَوْفًا مِن زَوالِ نِعْمَةِ الدُّنْيا، فاللَّهُ تَعالى بَيَّنَ لَهم أنَّ الإصْرارَ عَلى عَدَمِ قَبُولِ الإيمانِ هو الَّذِي يُزِيلُ هَذِهِ النِّعَمَ، لا الإقْدامُ عَلى الإيمانِ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: البَطَرُ سُوءُ احْتِمالِ الغِنى، وهو أنْ لا يَحْفَظَ حَقَّ اللَّهِ تَعالى فِيهِ، وانْتَصَبَتْ ﴿مَعِيشَتَها﴾ إمّا بِحَذْفِ الجارِّ واتِّصالِ الفِعْلِ كَقَوْلِهِ: ﴿واخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ﴾ (الأعْرافِ: ١٥٥) أوْ بِتَقْدِيرِ حَذْفِ الزَّمانِ المُضافِ، وأصْلُهُ بَطِرَتْ أيّامَ مَعِيشَتِها، وإمّا تَضْمِينُ بَطِرَتْ مَعْنى كَفَرَتْ. فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿فَتِلْكَ مَساكِنُهم لَمْ تُسْكَنْ مِن بَعْدِهِمْ إلّا قَلِيلًا﴾ فَفي هَذا الِاسْتِثْناءِ وُجُوهٌ: أحَدُها: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: لَمْ يَسْكُنْها إلّا المُسافِرُ ومارُّ الطَّرِيقِ يَوْمًا أوْ ساعَةً. وثانِيها: يُحْتَمَلُ أنَّ شُؤْمَ مَعاصِي صفحة ٦ المُهْلَكِينَ بَقِيَ أثَرُهُ في دِيارِهِمْ، فَكُلُّ مَن سَكَنَها مِن أعْقابِهِمْ لَمْ يَبْقَ فِيها إلّا قَلِيلًا، وكُنّا نَحْنُ الوارِثِينَ لَها بَعْدَ هَلاكِ أهْلِها، وإذا لَمْ يَبْقَ لِلشَّيْءِ مالِكٌ مُعَيَّنٌ قِيلَ: إنَّهُ مِيراثُ اللَّهِ؛ لِأنَّهُ الباقِي بَعْدَ فَناءِ خَلْقِهِ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ أهْلَكَ تِلْكَ القُرى بِسَبَبِ بَطَرِ أهْلِها، فَكَأنَّ سائِلًا أوْرَدَ السُّؤالَ مِن وجْهَيْنِ. الأوَّلُ: لِماذا ما أهْلَكَ اللَّهُ الكُفّارَ قَبْلَ مُحَمَّدٍ -ﷺ- مَعَ أنَّهم كانُوا مُسْتَغْرِقِينَ في الكُفْرِ والعِنادِ ؟ الثّانِي: لِماذا ما أهْلَكَهم بَعْدَ مَبْعَثِ مُحَمَّدٍ -ﷺ- مَعَ تَمادِي القَوْمِ في الكُفْرِ بِاللَّهِ تَعالى والتَّكْذِيبِ بِمُحَمَّدٍ -ﷺ- ؟ فَأجابَ عَنِ السُّؤالِ الأوَّلِ بِقَوْلِهِ: ﴿وما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرى حَتّى يَبْعَثَ في أُمِّها رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِنا﴾ وحاصِلُ الجَوابِ أنَّهُ تَعالى قَدَّمَ بَيانَ أنَّ عَدَمَ البَعْثَةِ يَجْرِي مَجْرى العُذْرِ لِلْقَوْمِ، فَوَجَبَ أنْ لا يَجُوزَ إهْلاكُهم إلّا بَعْدَ البَعْثَةِ، ثُمَّ ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ وجْهَيْنِ. أحَدُهُما: ﴿وما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرى حَتّى يَبْعَثَ في أُمِّها رَسُولًا﴾ أيْ في القَرْيَةِ الَّتِي هي أُمُّها وأصْلُها وقَصَبَتُها الَّتِي هي أعْمالُها وتَوابِعُها رَسُولًا لِإلْزامِ الحُجَّةِ وقَطْعِ المَعْذِرَةِ. الثّانِي: وما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرى الَّتِي في الأرْضِ حَتّى يَبْعَثَ في أُمِّ القُرى يَعْنِي مَكَّةَ رَسُولًا وهو مُحَمَّدٌ -ﷺ- خاتَمُ الأنْبِياءِ، ومَعْنى: ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِنا﴾ يُؤَدِّي ويُبَلِّغُ، وأجابَ عَنِ السُّؤالِ الثّانِي بِقَوْلِهِ: ﴿وما كُنّا مُهْلِكِي القُرى إلّا وأهْلُها ظالِمُونَ﴾ أنْفُسَهم بِالشِّرْكِ، وأهْلُ مَكَّةَ لَيْسُوا كَذَلِكَ؛ فَإنَّ بَعْضَهم قَدْ آمَنَ وبَعْضَهم عَلِمَ اللَّهُ مِنهم أنَّهم سَيُؤْمِنُونَ، وبَعْضٌ آخَرُونَ عَلِمَ اللَّهُ أنَّهم وإنْ لَمْ يُؤْمِنُوا لَكِنَّهُ يَخْرُجُ مِن نَسْلِهِمْ مَن يَكُونُ مُؤْمِنًا.

القصص 28:59

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَمْ أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها فَتِلْكَ مَساكِنُهم لَمْ تُسْكَنْ مِن بَعْدِهِمْ إلّا قَلِيلًا وكُنّا نَحْنُ الوارِثِينَ﴾ ﴿وما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرى حَتّى يَبْعَثَ في أُمِّها رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِنا وما كُنّا مُهْلِكِي القُرى إلّا وأهْلُها ظالِمُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّ هَذا هو الجَوابُ الثّانِي عَنْ تِلْكَ الشُّبْهَةِ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ لِأهْلِ مَكَّةَ ما خُصُّوا بِهِ مِنَ النِّعَمِ أتْبَعَهُ بِما أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى بِالأُمَمِ الماضِيَةِ الَّذِينَ كانُوا في نِعَمِ الدُّنْيا، فَلَمّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أزالَ اللَّهُ عَنْهم تِلْكَ النِّعَمَ، والمَقْصُودُ أنَّ الكُفّارَ لَمّا قالُوا: إنّا لا نُؤْمِنُ خَوْفًا مِن زَوالِ نِعْمَةِ الدُّنْيا، فاللَّهُ تَعالى بَيَّنَ لَهم أنَّ الإصْرارَ عَلى عَدَمِ قَبُولِ الإيمانِ هو الَّذِي يُزِيلُ هَذِهِ النِّعَمَ، لا الإقْدامُ عَلى الإيمانِ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: البَطَرُ سُوءُ احْتِمالِ الغِنى، وهو أنْ لا يَحْفَظَ حَقَّ اللَّهِ تَعالى فِيهِ، وانْتَصَبَتْ ﴿مَعِيشَتَها﴾ إمّا بِحَذْفِ الجارِّ واتِّصالِ الفِعْلِ كَقَوْلِهِ: ﴿واخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ﴾ (الأعْرافِ: ١٥٥) أوْ بِتَقْدِيرِ حَذْفِ الزَّمانِ المُضافِ، وأصْلُهُ بَطِرَتْ أيّامَ مَعِيشَتِها، وإمّا تَضْمِينُ بَطِرَتْ مَعْنى كَفَرَتْ. فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿فَتِلْكَ مَساكِنُهم لَمْ تُسْكَنْ مِن بَعْدِهِمْ إلّا قَلِيلًا﴾ فَفي هَذا الِاسْتِثْناءِ وُجُوهٌ: أحَدُها: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: لَمْ يَسْكُنْها إلّا المُسافِرُ ومارُّ الطَّرِيقِ يَوْمًا أوْ ساعَةً. وثانِيها: يُحْتَمَلُ أنَّ شُؤْمَ مَعاصِي صفحة ٦ المُهْلَكِينَ بَقِيَ أثَرُهُ في دِيارِهِمْ، فَكُلُّ مَن سَكَنَها مِن أعْقابِهِمْ لَمْ يَبْقَ فِيها إلّا قَلِيلًا، وكُنّا نَحْنُ الوارِثِينَ لَها بَعْدَ هَلاكِ أهْلِها، وإذا لَمْ يَبْقَ لِلشَّيْءِ مالِكٌ مُعَيَّنٌ قِيلَ: إنَّهُ مِيراثُ اللَّهِ؛ لِأنَّهُ الباقِي بَعْدَ فَناءِ خَلْقِهِ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ أهْلَكَ تِلْكَ القُرى بِسَبَبِ بَطَرِ أهْلِها، فَكَأنَّ سائِلًا أوْرَدَ السُّؤالَ مِن وجْهَيْنِ. الأوَّلُ: لِماذا ما أهْلَكَ اللَّهُ الكُفّارَ قَبْلَ مُحَمَّدٍ -ﷺ- مَعَ أنَّهم كانُوا مُسْتَغْرِقِينَ في الكُفْرِ والعِنادِ ؟ الثّانِي: لِماذا ما أهْلَكَهم بَعْدَ مَبْعَثِ مُحَمَّدٍ -ﷺ- مَعَ تَمادِي القَوْمِ في الكُفْرِ بِاللَّهِ تَعالى والتَّكْذِيبِ بِمُحَمَّدٍ -ﷺ- ؟ فَأجابَ عَنِ السُّؤالِ الأوَّلِ بِقَوْلِهِ: ﴿وما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرى حَتّى يَبْعَثَ في أُمِّها رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِنا﴾ وحاصِلُ الجَوابِ أنَّهُ تَعالى قَدَّمَ بَيانَ أنَّ عَدَمَ البَعْثَةِ يَجْرِي مَجْرى العُذْرِ لِلْقَوْمِ، فَوَجَبَ أنْ لا يَجُوزَ إهْلاكُهم إلّا بَعْدَ البَعْثَةِ، ثُمَّ ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ وجْهَيْنِ. أحَدُهُما: ﴿وما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرى حَتّى يَبْعَثَ في أُمِّها رَسُولًا﴾ أيْ في القَرْيَةِ الَّتِي هي أُمُّها وأصْلُها وقَصَبَتُها الَّتِي هي أعْمالُها وتَوابِعُها رَسُولًا لِإلْزامِ الحُجَّةِ وقَطْعِ المَعْذِرَةِ. الثّانِي: وما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرى الَّتِي في الأرْضِ حَتّى يَبْعَثَ في أُمِّ القُرى يَعْنِي مَكَّةَ رَسُولًا وهو مُحَمَّدٌ -ﷺ- خاتَمُ الأنْبِياءِ، ومَعْنى: ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِنا﴾ يُؤَدِّي ويُبَلِّغُ، وأجابَ عَنِ السُّؤالِ الثّانِي بِقَوْلِهِ: ﴿وما كُنّا مُهْلِكِي القُرى إلّا وأهْلُها ظالِمُونَ﴾ أنْفُسَهم بِالشِّرْكِ، وأهْلُ مَكَّةَ لَيْسُوا كَذَلِكَ؛ فَإنَّ بَعْضَهم قَدْ آمَنَ وبَعْضَهم عَلِمَ اللَّهُ مِنهم أنَّهم سَيُؤْمِنُونَ، وبَعْضٌ آخَرُونَ عَلِمَ اللَّهُ أنَّهم وإنْ لَمْ يُؤْمِنُوا لَكِنَّهُ يَخْرُجُ مِن نَسْلِهِمْ مَن يَكُونُ مُؤْمِنًا.

القصص 28:60

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَمْ أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها فَتِلْكَ مَساكِنُهم لَمْ تُسْكَنْ مِن بَعْدِهِمْ إلّا قَلِيلًا وكُنّا نَحْنُ الوارِثِينَ﴾ ﴿وما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرى حَتّى يَبْعَثَ في أُمِّها رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِنا وما كُنّا مُهْلِكِي القُرى إلّا وأهْلُها ظالِمُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّ هَذا هو الجَوابُ الثّانِي عَنْ تِلْكَ الشُّبْهَةِ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ لِأهْلِ مَكَّةَ ما خُصُّوا بِهِ مِنَ النِّعَمِ أتْبَعَهُ بِما أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى بِالأُمَمِ الماضِيَةِ الَّذِينَ كانُوا في نِعَمِ الدُّنْيا، فَلَمّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أزالَ اللَّهُ عَنْهم تِلْكَ النِّعَمَ، والمَقْصُودُ أنَّ الكُفّارَ لَمّا قالُوا: إنّا لا نُؤْمِنُ خَوْفًا مِن زَوالِ نِعْمَةِ الدُّنْيا، فاللَّهُ تَعالى بَيَّنَ لَهم أنَّ الإصْرارَ عَلى عَدَمِ قَبُولِ الإيمانِ هو الَّذِي يُزِيلُ هَذِهِ النِّعَمَ، لا الإقْدامُ عَلى الإيمانِ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: البَطَرُ سُوءُ احْتِمالِ الغِنى، وهو أنْ لا يَحْفَظَ حَقَّ اللَّهِ تَعالى فِيهِ، وانْتَصَبَتْ ﴿مَعِيشَتَها﴾ إمّا بِحَذْفِ الجارِّ واتِّصالِ الفِعْلِ كَقَوْلِهِ: ﴿واخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ﴾ (الأعْرافِ: ١٥٥) أوْ بِتَقْدِيرِ حَذْفِ الزَّمانِ المُضافِ، وأصْلُهُ بَطِرَتْ أيّامَ مَعِيشَتِها، وإمّا تَضْمِينُ بَطِرَتْ مَعْنى كَفَرَتْ. فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿فَتِلْكَ مَساكِنُهم لَمْ تُسْكَنْ مِن بَعْدِهِمْ إلّا قَلِيلًا﴾ فَفي هَذا الِاسْتِثْناءِ وُجُوهٌ: أحَدُها: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: لَمْ يَسْكُنْها إلّا المُسافِرُ ومارُّ الطَّرِيقِ يَوْمًا أوْ ساعَةً. وثانِيها: يُحْتَمَلُ أنَّ شُؤْمَ مَعاصِي صفحة ٦ المُهْلَكِينَ بَقِيَ أثَرُهُ في دِيارِهِمْ، فَكُلُّ مَن سَكَنَها مِن أعْقابِهِمْ لَمْ يَبْقَ فِيها إلّا قَلِيلًا، وكُنّا نَحْنُ الوارِثِينَ لَها بَعْدَ هَلاكِ أهْلِها، وإذا لَمْ يَبْقَ لِلشَّيْءِ مالِكٌ مُعَيَّنٌ قِيلَ: إنَّهُ مِيراثُ اللَّهِ؛ لِأنَّهُ الباقِي بَعْدَ فَناءِ خَلْقِهِ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ أهْلَكَ تِلْكَ القُرى بِسَبَبِ بَطَرِ أهْلِها، فَكَأنَّ سائِلًا أوْرَدَ السُّؤالَ مِن وجْهَيْنِ. الأوَّلُ: لِماذا ما أهْلَكَ اللَّهُ الكُفّارَ قَبْلَ مُحَمَّدٍ -ﷺ- مَعَ أنَّهم كانُوا مُسْتَغْرِقِينَ في الكُفْرِ والعِنادِ ؟ الثّانِي: لِماذا ما أهْلَكَهم بَعْدَ مَبْعَثِ مُحَمَّدٍ -ﷺ- مَعَ تَمادِي القَوْمِ في الكُفْرِ بِاللَّهِ تَعالى والتَّكْذِيبِ بِمُحَمَّدٍ -ﷺ- ؟ فَأجابَ عَنِ السُّؤالِ الأوَّلِ بِقَوْلِهِ: ﴿وما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرى حَتّى يَبْعَثَ في أُمِّها رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِنا﴾ وحاصِلُ الجَوابِ أنَّهُ تَعالى قَدَّمَ بَيانَ أنَّ عَدَمَ البَعْثَةِ يَجْرِي مَجْرى العُذْرِ لِلْقَوْمِ، فَوَجَبَ أنْ لا يَجُوزَ إهْلاكُهم إلّا بَعْدَ البَعْثَةِ، ثُمَّ ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ وجْهَيْنِ. أحَدُهُما: ﴿وما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرى حَتّى يَبْعَثَ في أُمِّها رَسُولًا﴾ أيْ في القَرْيَةِ الَّتِي هي أُمُّها وأصْلُها وقَصَبَتُها الَّتِي هي أعْمالُها وتَوابِعُها رَسُولًا لِإلْزامِ الحُجَّةِ وقَطْعِ المَعْذِرَةِ. الثّانِي: وما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرى الَّتِي في الأرْضِ حَتّى يَبْعَثَ في أُمِّ القُرى يَعْنِي مَكَّةَ رَسُولًا وهو مُحَمَّدٌ -ﷺ- خاتَمُ الأنْبِياءِ، ومَعْنى: ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِنا﴾ يُؤَدِّي ويُبَلِّغُ، وأجابَ عَنِ السُّؤالِ الثّانِي بِقَوْلِهِ: ﴿وما كُنّا مُهْلِكِي القُرى إلّا وأهْلُها ظالِمُونَ﴾ أنْفُسَهم بِالشِّرْكِ، وأهْلُ مَكَّةَ لَيْسُوا كَذَلِكَ؛ فَإنَّ بَعْضَهم قَدْ آمَنَ وبَعْضَهم عَلِمَ اللَّهُ مِنهم أنَّهم سَيُؤْمِنُونَ، وبَعْضٌ آخَرُونَ عَلِمَ اللَّهُ أنَّهم وإنْ لَمْ يُؤْمِنُوا لَكِنَّهُ يَخْرُجُ مِن نَسْلِهِمْ مَن يَكُونُ مُؤْمِنًا.

القصص 28:61

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أُوتِيتُمْ مِن شَيْءٍ فَمَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا وزِينَتُها وما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وأبْقى أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ ﴿أفَمَن وعَدْناهُ وعْدًا حَسَنًا فَهو لاقِيهِ كَمَن مَتَّعْناهُ مَتاعَ الحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ هو يَوْمَ القِيامَةِ مِنَ المُحْضَرِينَ﴾ اعْلَمْ أنَّ هَذا هو الجَوابُ الثّالِثُ: عَنْ تِلْكَ الشُّبْهَةِ؛ لِأنَّ حاصِلَ شُبْهَتِهِمْ أنْ قالُوا: تَرَكْنا الدِّينَ لِئَلّا تَفُوتَنا الدُّنْيا، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ ذَلِكَ خَطَأٌ عَظِيمٌ؛ لِأنَّ ما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وأبْقى، أمّا أنَّهُ خَيْرٌ فَلِوَجْهَيْنِ. أحَدُهُما: أنَّ المَنافِعَ هُناكَ أعْظَمُ. وثانِيهِما: أنَّها خالِصَةٌ عَنِ الشَّوائِبِ، ومَنافِعُ الدُّنْيا مَشُوبَةٌ بِالمَضارِّ بَلِ المَضارُّ فِيها أكْثَرُ، وأمّا أنَّها أبْقى فَلِأنَّها دائِمَةٌ غَيْرُ مُنْقَطِعَةٍ، ومَنافِعُ الدُّنْيا مُنْقَطِعَةٌ ومَتى قُوبِلَ المُتَناهِي بِغَيْرِ المُتَناهِي كانَ عَدَمًا، فَكَيْفَ ونَصِيبُ كَلِّ أحَدٍ بِالقِياسِ إلى مَنافِعِ الدُّنْيا كُلِّها كالذَّرَّةِ بِالقِياسِ إلى البَحْرِ ؟ فَظَهَرَ مِن هَذا أنَّ مَنافِعَ الدُّنْيا لا نِسْبَةَ لَها إلى مَنافِعِ الآخِرَةِ ألْبَتَّةَ، فَكانَ مِنَ الجَهْلِ العَظِيمِ تَرْكُ مَنافِعِ الآخِرَةِ لِاسْتِبْقاءِ مَنافِعِ الدُّنْيا، ولَمّا نَبَّهَ سُبْحانَهُ عَلى ذَلِكَ قالَ: ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ يَعْنِي أنَّ مَن لا يُرَجِّحُ مَنافِعَ الآخِرَةِ عَلى مَنافِعِ الدُّنْيا كَأنَّهُ يَكُونُ خارِجًا عَنْ حَدِّ العَقْلِ، ورَحِمَ اللَّهُ الشّافِعِيَّ حَيْثُ قالَ: مَن أوْصى بِثُلُثِ مالِهِ لِأعْقَلِ النّاسِ صَرَفَ ذَلِكَ الثُّلُثَ إلى المُشْتَغِلِينَ بِطاعَةِ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّ أعْقَلَ النّاسِ مَن أعْطى القَلِيلَ وأخَذَ الكَثِيرَ، وما هم إلّا المُشْتَغِلُونَ بِالطّاعَةِ فَكَأنَّهُ رَحِمَهُ اللَّهُ إنَّما أخَذَهُ مِن هَذِهِ الآيَةِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أكَّدَ هَذا التَّرْجِيحَ مِن وجْهٍ آخَرَ وهو أنّا لَوْ قَدَّرْنا أنَّ نِعَمَ اللَّهِ كانَتْ تَنْتَهِي إلى الِانْقِطاعِ والفَناءِ، وما كانَتْ تَتَّصِلُ بِالعَذابِ الدّائِمِ؛ لَكانَ صَرِيحُ العَقْلِ يَقْتَضِي تَرْجِيحَ نِعَمِ الآخِرَةِ صفحة ٧ عَلى نِعَمِ الدُّنْيا فَكَيْفَ إذا اتَّصَلَتْ نِعَمُ الدُّنْيا بِعِقابِ الآخِرَةِ فَأيُّ عَقْلٍ يَرْتابُ في أنَّ نِعَمَ الآخِرَةِ راجِحَةٌ عَلَيْها ؟ وهَذا هو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿أفَمَن وعَدْناهُ وعْدًا حَسَنًا فَهو لاقِيهِ﴾ فَهو يَكُونُ كَمَن أعْطاهُ اللَّهُ قَدْرًا قَلِيلًا مِن مَتاعِ الدُّنْيا، ثُمَّ يَكُونُ في الآخِرَةِ مِنَ المُحْضَرِينَ لِلْعَذابِ، والمَقْصُودُ أنَّهم لَمّا قالُوا: تَرَكْنا الدِّينَ لِلدُّنْيا فَقالَ اللَّهُ لَهم: لَوْ لَمْ يَحْصُلْ عَقِيبَ دُنْياكم مَضَرَّةُ العِقابِ؛ لَكانَ العَقْلُ يَقْتَضِي تَرْجِيحَ مَنافِعِ الآخِرَةِ عَلى مَنافِعِ الدُّنْيا، فَكَيْفَ وهَذِهِ الدُّنْيا يَحْصُلُ بَعْدَها العِقابُ الدّائِمُ، وأوْرَدَ هَذا الكَلامَ عَلى لَفْظِ الِاسْتِفْهامِ؛ لِيَكُونَ أبْلَغَ في الِاعْتِرافِ بِالتَّرْجِيحِ، وتَخْصِيصُ لَفْظِ المُحْضَرِينَ بِالَّذِينِ أُحْضِرُوا لِلْعَذابِ أمْرٌ عُرِفَ مِنَ القُرْآنِ قالَ تَعالى: ﴿لَكُنْتُ مِنَ المُحْضَرِينَ﴾ (الصّافّاتِ: ٥٧ )، ﴿فَإنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ (الصّافّاتِ: ١٢٧) وفي لَفْظِهِ إشْعارٌ بِهِ؛ لِأنَّ الإحْضارَ مُشْعِرٌ بِالتَّكْلِيفِ والإلْزامِ، وذَلِكَ لا يَلِيقُ بِمَجالِسِ اللَّذَّةِ إنَّما يَلِيقُ بِمَجالِسِ الضَّرَرِ والمَكارِهِ.

القصص 28:62

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أُوتِيتُمْ مِن شَيْءٍ فَمَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا وزِينَتُها وما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وأبْقى أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ ﴿أفَمَن وعَدْناهُ وعْدًا حَسَنًا فَهو لاقِيهِ كَمَن مَتَّعْناهُ مَتاعَ الحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ هو يَوْمَ القِيامَةِ مِنَ المُحْضَرِينَ﴾ اعْلَمْ أنَّ هَذا هو الجَوابُ الثّالِثُ: عَنْ تِلْكَ الشُّبْهَةِ؛ لِأنَّ حاصِلَ شُبْهَتِهِمْ أنْ قالُوا: تَرَكْنا الدِّينَ لِئَلّا تَفُوتَنا الدُّنْيا، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ ذَلِكَ خَطَأٌ عَظِيمٌ؛ لِأنَّ ما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وأبْقى، أمّا أنَّهُ خَيْرٌ فَلِوَجْهَيْنِ. أحَدُهُما: أنَّ المَنافِعَ هُناكَ أعْظَمُ. وثانِيهِما: أنَّها خالِصَةٌ عَنِ الشَّوائِبِ، ومَنافِعُ الدُّنْيا مَشُوبَةٌ بِالمَضارِّ بَلِ المَضارُّ فِيها أكْثَرُ، وأمّا أنَّها أبْقى فَلِأنَّها دائِمَةٌ غَيْرُ مُنْقَطِعَةٍ، ومَنافِعُ الدُّنْيا مُنْقَطِعَةٌ ومَتى قُوبِلَ المُتَناهِي بِغَيْرِ المُتَناهِي كانَ عَدَمًا، فَكَيْفَ ونَصِيبُ كَلِّ أحَدٍ بِالقِياسِ إلى مَنافِعِ الدُّنْيا كُلِّها كالذَّرَّةِ بِالقِياسِ إلى البَحْرِ ؟ فَظَهَرَ مِن هَذا أنَّ مَنافِعَ الدُّنْيا لا نِسْبَةَ لَها إلى مَنافِعِ الآخِرَةِ ألْبَتَّةَ، فَكانَ مِنَ الجَهْلِ العَظِيمِ تَرْكُ مَنافِعِ الآخِرَةِ لِاسْتِبْقاءِ مَنافِعِ الدُّنْيا، ولَمّا نَبَّهَ سُبْحانَهُ عَلى ذَلِكَ قالَ: ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ يَعْنِي أنَّ مَن لا يُرَجِّحُ مَنافِعَ الآخِرَةِ عَلى مَنافِعِ الدُّنْيا كَأنَّهُ يَكُونُ خارِجًا عَنْ حَدِّ العَقْلِ، ورَحِمَ اللَّهُ الشّافِعِيَّ حَيْثُ قالَ: مَن أوْصى بِثُلُثِ مالِهِ لِأعْقَلِ النّاسِ صَرَفَ ذَلِكَ الثُّلُثَ إلى المُشْتَغِلِينَ بِطاعَةِ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّ أعْقَلَ النّاسِ مَن أعْطى القَلِيلَ وأخَذَ الكَثِيرَ، وما هم إلّا المُشْتَغِلُونَ بِالطّاعَةِ فَكَأنَّهُ رَحِمَهُ اللَّهُ إنَّما أخَذَهُ مِن هَذِهِ الآيَةِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أكَّدَ هَذا التَّرْجِيحَ مِن وجْهٍ آخَرَ وهو أنّا لَوْ قَدَّرْنا أنَّ نِعَمَ اللَّهِ كانَتْ تَنْتَهِي إلى الِانْقِطاعِ والفَناءِ، وما كانَتْ تَتَّصِلُ بِالعَذابِ الدّائِمِ؛ لَكانَ صَرِيحُ العَقْلِ يَقْتَضِي تَرْجِيحَ نِعَمِ الآخِرَةِ صفحة ٧ عَلى نِعَمِ الدُّنْيا فَكَيْفَ إذا اتَّصَلَتْ نِعَمُ الدُّنْيا بِعِقابِ الآخِرَةِ فَأيُّ عَقْلٍ يَرْتابُ في أنَّ نِعَمَ الآخِرَةِ راجِحَةٌ عَلَيْها ؟ وهَذا هو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿أفَمَن وعَدْناهُ وعْدًا حَسَنًا فَهو لاقِيهِ﴾ فَهو يَكُونُ كَمَن أعْطاهُ اللَّهُ قَدْرًا قَلِيلًا مِن مَتاعِ الدُّنْيا، ثُمَّ يَكُونُ في الآخِرَةِ مِنَ المُحْضَرِينَ لِلْعَذابِ، والمَقْصُودُ أنَّهم لَمّا قالُوا: تَرَكْنا الدِّينَ لِلدُّنْيا فَقالَ اللَّهُ لَهم: لَوْ لَمْ يَحْصُلْ عَقِيبَ دُنْياكم مَضَرَّةُ العِقابِ؛ لَكانَ العَقْلُ يَقْتَضِي تَرْجِيحَ مَنافِعِ الآخِرَةِ عَلى مَنافِعِ الدُّنْيا، فَكَيْفَ وهَذِهِ الدُّنْيا يَحْصُلُ بَعْدَها العِقابُ الدّائِمُ، وأوْرَدَ هَذا الكَلامَ عَلى لَفْظِ الِاسْتِفْهامِ؛ لِيَكُونَ أبْلَغَ في الِاعْتِرافِ بِالتَّرْجِيحِ، وتَخْصِيصُ لَفْظِ المُحْضَرِينَ بِالَّذِينِ أُحْضِرُوا لِلْعَذابِ أمْرٌ عُرِفَ مِنَ القُرْآنِ قالَ تَعالى: ﴿لَكُنْتُ مِنَ المُحْضَرِينَ﴾ (الصّافّاتِ: ٥٧ )، ﴿فَإنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ (الصّافّاتِ: ١٢٧) وفي لَفْظِهِ إشْعارٌ بِهِ؛ لِأنَّ الإحْضارَ مُشْعِرٌ بِالتَّكْلِيفِ والإلْزامِ، وذَلِكَ لا يَلِيقُ بِمَجالِسِ اللَّذَّةِ إنَّما يَلِيقُ بِمَجالِسِ الضَّرَرِ والمَكارِهِ.

القصص 28:63

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أُوتِيتُمْ مِن شَيْءٍ فَمَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا وزِينَتُها وما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وأبْقى أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ ﴿أفَمَن وعَدْناهُ وعْدًا حَسَنًا فَهو لاقِيهِ كَمَن مَتَّعْناهُ مَتاعَ الحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ هو يَوْمَ القِيامَةِ مِنَ المُحْضَرِينَ﴾ اعْلَمْ أنَّ هَذا هو الجَوابُ الثّالِثُ: عَنْ تِلْكَ الشُّبْهَةِ؛ لِأنَّ حاصِلَ شُبْهَتِهِمْ أنْ قالُوا: تَرَكْنا الدِّينَ لِئَلّا تَفُوتَنا الدُّنْيا، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ ذَلِكَ خَطَأٌ عَظِيمٌ؛ لِأنَّ ما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وأبْقى، أمّا أنَّهُ خَيْرٌ فَلِوَجْهَيْنِ. أحَدُهُما: أنَّ المَنافِعَ هُناكَ أعْظَمُ. وثانِيهِما: أنَّها خالِصَةٌ عَنِ الشَّوائِبِ، ومَنافِعُ الدُّنْيا مَشُوبَةٌ بِالمَضارِّ بَلِ المَضارُّ فِيها أكْثَرُ، وأمّا أنَّها أبْقى فَلِأنَّها دائِمَةٌ غَيْرُ مُنْقَطِعَةٍ، ومَنافِعُ الدُّنْيا مُنْقَطِعَةٌ ومَتى قُوبِلَ المُتَناهِي بِغَيْرِ المُتَناهِي كانَ عَدَمًا، فَكَيْفَ ونَصِيبُ كَلِّ أحَدٍ بِالقِياسِ إلى مَنافِعِ الدُّنْيا كُلِّها كالذَّرَّةِ بِالقِياسِ إلى البَحْرِ ؟ فَظَهَرَ مِن هَذا أنَّ مَنافِعَ الدُّنْيا لا نِسْبَةَ لَها إلى مَنافِعِ الآخِرَةِ ألْبَتَّةَ، فَكانَ مِنَ الجَهْلِ العَظِيمِ تَرْكُ مَنافِعِ الآخِرَةِ لِاسْتِبْقاءِ مَنافِعِ الدُّنْيا، ولَمّا نَبَّهَ سُبْحانَهُ عَلى ذَلِكَ قالَ: ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ يَعْنِي أنَّ مَن لا يُرَجِّحُ مَنافِعَ الآخِرَةِ عَلى مَنافِعِ الدُّنْيا كَأنَّهُ يَكُونُ خارِجًا عَنْ حَدِّ العَقْلِ، ورَحِمَ اللَّهُ الشّافِعِيَّ حَيْثُ قالَ: مَن أوْصى بِثُلُثِ مالِهِ لِأعْقَلِ النّاسِ صَرَفَ ذَلِكَ الثُّلُثَ إلى المُشْتَغِلِينَ بِطاعَةِ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّ أعْقَلَ النّاسِ مَن أعْطى القَلِيلَ وأخَذَ الكَثِيرَ، وما هم إلّا المُشْتَغِلُونَ بِالطّاعَةِ فَكَأنَّهُ رَحِمَهُ اللَّهُ إنَّما أخَذَهُ مِن هَذِهِ الآيَةِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أكَّدَ هَذا التَّرْجِيحَ مِن وجْهٍ آخَرَ وهو أنّا لَوْ قَدَّرْنا أنَّ نِعَمَ اللَّهِ كانَتْ تَنْتَهِي إلى الِانْقِطاعِ والفَناءِ، وما كانَتْ تَتَّصِلُ بِالعَذابِ الدّائِمِ؛ لَكانَ صَرِيحُ العَقْلِ يَقْتَضِي تَرْجِيحَ نِعَمِ الآخِرَةِ صفحة ٧ عَلى نِعَمِ الدُّنْيا فَكَيْفَ إذا اتَّصَلَتْ نِعَمُ الدُّنْيا بِعِقابِ الآخِرَةِ فَأيُّ عَقْلٍ يَرْتابُ في أنَّ نِعَمَ الآخِرَةِ راجِحَةٌ عَلَيْها ؟ وهَذا هو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿أفَمَن وعَدْناهُ وعْدًا حَسَنًا فَهو لاقِيهِ﴾ فَهو يَكُونُ كَمَن أعْطاهُ اللَّهُ قَدْرًا قَلِيلًا مِن مَتاعِ الدُّنْيا، ثُمَّ يَكُونُ في الآخِرَةِ مِنَ المُحْضَرِينَ لِلْعَذابِ، والمَقْصُودُ أنَّهم لَمّا قالُوا: تَرَكْنا الدِّينَ لِلدُّنْيا فَقالَ اللَّهُ لَهم: لَوْ لَمْ يَحْصُلْ عَقِيبَ دُنْياكم مَضَرَّةُ العِقابِ؛ لَكانَ العَقْلُ يَقْتَضِي تَرْجِيحَ مَنافِعِ الآخِرَةِ عَلى مَنافِعِ الدُّنْيا، فَكَيْفَ وهَذِهِ الدُّنْيا يَحْصُلُ بَعْدَها العِقابُ الدّائِمُ، وأوْرَدَ هَذا الكَلامَ عَلى لَفْظِ الِاسْتِفْهامِ؛ لِيَكُونَ أبْلَغَ في الِاعْتِرافِ بِالتَّرْجِيحِ، وتَخْصِيصُ لَفْظِ المُحْضَرِينَ بِالَّذِينِ أُحْضِرُوا لِلْعَذابِ أمْرٌ عُرِفَ مِنَ القُرْآنِ قالَ تَعالى: ﴿لَكُنْتُ مِنَ المُحْضَرِينَ﴾ (الصّافّاتِ: ٥٧ )، ﴿فَإنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ (الصّافّاتِ: ١٢٧) وفي لَفْظِهِ إشْعارٌ بِهِ؛ لِأنَّ الإحْضارَ مُشْعِرٌ بِالتَّكْلِيفِ والإلْزامِ، وذَلِكَ لا يَلِيقُ بِمَجالِسِ اللَّذَّةِ إنَّما يَلِيقُ بِمَجالِسِ الضَّرَرِ والمَكارِهِ.

القصص 28:64

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ ﴿قالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ رَبَّنا هَؤُلاءِ الَّذِينَ أغْوَيْنا أغْوَيْناهم كَما غَوَيْنا تَبَرَّأْنا إلَيْكَ ما كانُوا إيّانا يَعْبُدُونَ﴾ ﴿وقِيلَ ادْعُوا شُرَكاءَكم فَدَعَوْهم فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهم ورَأوُا العَذابَ لَوْ أنَّهم كانُوا يَهْتَدُونَ﴾ ﴿ويَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ ماذا أجَبْتُمُ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الأنْباءُ يَوْمَئِذٍ فَهم لا يَتَساءَلُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ يَسْألُ الكُفّارَ يَوْمَ القِيامَةِ عَنْ ثَلاثَةِ أشْياءَ. أحَدُها: قَوْلُهُ: ﴿ويَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ لَمّا ثَبَتَ أنَّ الكُفّارَ يَوْمَ القِيامَةِ قَدْ عَرَفُوا بُطْلانَ ما كانُوا عَلَيْهِ وعَرَفُوا صِحَّةَ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ بِالضَّرُورَةِ فَيَقُولُ لَهم أيْنَ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَهُ وتَجْعَلُونَهُ شَرِيكًا في العِبادَةِ وتَزْعُمُونَ أنَّهُ يَشْفَعُ ؟ أيْنَ هو لِيَنْصُرَكم ويُخَلِّصَكم مِن هَذا الَّذِي نَزَلَ بِكم. ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى ما يَقُولُهُ مَن حَقَّ عَلَيْهِ القَوْلُ، والمُرادُ مِنَ القَوْلِ هو قَوْلُهُ: ﴿لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ (السَّجْدَةِ: ١٣ ) ومَعْنى حَقَّ عَلَيْهِ القَوْلُ، أيْ حَقَّ عَلَيْهِ مُقْتَضاهُ، واخْتَلَفُوا في أنَّ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمْ هَذا القَوْلُ مَن هم ؟ فَقالَ بَعْضُهُمُ: الرُّؤَساءُ الدُّعاةُ إلى الضَّلالِ، وقالَ بَعْضُهُمُ الشَّياطِينُ. قَوْلُهُ: ﴿رَبَّنا هَؤُلاءِ الَّذِينَ أغْوَيْنا﴾ هَؤُلاءِ مُبْتَدَأٌ والَّذِينَ أغْوَيْنا صِفَتُهُ، والرّاجِعُ إلى المَوْصُوفِ مَحْذُوفٌ، وأغْوَيْناهُمُ الخَبَرُ، والكافُ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ أغْوَيْناهم فَغَوَوْا غَيًّا مِثْلَ ما غَوَيْنا، والمُرادُ كَما أنَّ غَيَّنا بِاخْتِيارِنا فَكَذا غَيُّهم بِاخْتِيارِهِمْ يَعْنِي أنَّ إغْواءَنا لَهم ما ألْجَأهم إلى الغَوايَةِ بَلْ كانُوا مُخْتارِينَ بِالإقْدامِ عَلى تِلْكَ العَقائِدِ والأعْمالِ، وهَذا مَعْنى ما حَكاهُ اللَّهُ عَنِ الشَّيْطانِ أنَّهُ قالَ: صفحة ٨ ﴿إنَّ اللَّهَ وعَدَكم وعْدَ الحَقِّ ووَعَدْتُكم فَأخْلَفْتُكم وما كانَ لِي عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ إلّا أنْ دَعَوْتُكم فاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي ولُومُوا أنْفُسَكُمْ﴾ [إبْراهِيمَ: ٢٢] وقالَ تَعالى لِإبْلِيسَ: ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إلّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الغاوِينَ﴾ [الحِجْرِ: ٤٢] فَقَوْلُهُ: ﴿إلّا مَنِ اتَّبَعَكَ﴾ [الحِجْرِ: ٤٢] يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ الِاتِّباعَ لَهم مِن قِبَلِ أنْفُسِهِمْ لا مِن قِبَلِ إلْجاءِ الشَّيْطانِ إلى ذَلِكَ، ثُمَّ قالَ تَبَرَّأْنا إلَيْكَ مِنهم ومِن عَقائِدِهِمْ وأعْمالِهِمْ ما كانُوا إيّانا يَعْبُدُونَ إنَّما كانُوا يَعْبُدُونَ أهْواءَهم، والحاصِلُ أنَّهم يَتَبَرَّءُونَ مِنهم كَما قالَ تَعالى: ﴿إذْ تَبَرَّأ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ (البَقَرَةِ: ١٦٦) وأيْضًا فَلا يَمْتَنِعُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أيْنَ شُرَكائِيَ﴾ أنْ يُرِيدَ بِهِ هَؤُلاءِ الرُّؤَساءَ والشَّياطِينَ، فَإنَّهم لَمّا أطاعُوهم فَقَدْ صَيَّرُوهم لِمَكانِ الطّاعَةِ بِمَنزِلَةِ الشَّرِيكِ لِلَّهِ تَعالى، وإذا حُمِلَ الكَلامُ عَلى هَذا الوَجْهِ كانَ جَوابُهم أنْ يَقُولُوا: إلَهَنا هَؤُلاءِ ما عَبَدُونا إنَّما عَبَدُوا أهْواءَهُمُ الفاسِدَةَ. وثانِيها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقِيلَ ادْعُوا شُرَكاءَكم فَدَعَوْهم فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ﴾ والأقْرَبُ أنَّ هَذا عَلى سَبِيلِ التَّقْرِيرِ؛ لِأنَّهم يَعْلَمُونَ أنَّهُ لا فائِدَةَ في دُعائِهِمْ لَهم، فالمُرادُ أنَّهم لَوْ دَعَوْهم لَمْ يُوجَدْ مِنهم إجابَةٌ في النُّصْرَةِ وأنَّ العَذابَ ثابِتٌ فِيهِمْ، وكُلُّ ذَلِكَ عَلى وجْهِ التَّوْبِيخِ، وفي ذِكْرِهِ رَدْعٌ وزَجْرٌ في دارِ الدُّنْيا، فَأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوْ أنَّهم كانُوا يَهْتَدُونَ﴾ فَكَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ زَعَمُوا أنَّ جَوابَ لَوْ مَحْذُوفٌ وذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا: أحَدُها: قالَ الضَّحّاكُ ومُقاتِلٌ: يَعْنِي: المَتْبُوعُ والتّابِعُ يَرَوْنَ العَذابَ ولَوْ أنَّهم كانُوا يَهْتَدُونَ في الدُّنْيا ما أبْصَرُوهُ في الآخِرَةِ. وثانِيها: لَوْ أنَّهم كانُوا مُهْتَدِينَ في الدُّنْيا لَعَلِمُوا أنَّ العَذابَ حَقٌّ. وثالِثُها: ودُّوا حِينَ رَأوُا العَذابَ لَوْ كانُوا في الدُّنْيا يَهْتَدُونَ. ورابِعُها: لَوْ كانُوا يَهْتَدُونَ لِوَجْهٍ مِن وُجُوهِ الحِيَلِ لَدَفَعُوا بِهِ العَذابَ. وخامِسُها: قَدْ آنَ لَهم أنْ يَهْتَدُوا لَوْ أنَّهم كانُوا يَهْتَدُونَ إذا رَأوُا العَذابَ ويُؤَكِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتّى يَرَوْا العَذابَ الألِيمَ﴾ (الشُّعَراءِ: ٢٠١ ) وعِنْدِي أنَّ الجَوابَ غَيْرُ مَحْذُوفٍ، وفي تَقْرِيرِهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: أنَّ اللَّهَ تَعالى إذا خاطَبَهم بِقَوْلِهِ: ﴿ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ﴾ فَهاهُنا يَشْتَدُّ الخَوْفُ عَلَيْهِمْ ويَلْحَقُهم شَيْءٌ كالسُّكْرِ والدُّوارِ ويَصِيرُونَ بِحَيْثُ لا يُبْصِرُونَ شَيْئًا فَقالَ تَعالى: ﴿ورَأوُا العَذابَ لَوْ أنَّهم كانُوا يَهْتَدُونَ﴾ شَيْئًا، أمّا لَمّا صارُوا مِن شِدَّةِ الخَوْفِ بِحَيْثُ لا يُبْصِرُونَ شَيْئًا لا جَرَمَ ما رَأوُا العَذابَ. وثانِيها: أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ عَنِ الشُّرَكاءِ وهي الأصْنامُ أنَّهم لا يُجِيبُونَ الَّذِينَ دَعَوْهم قالَ في حَقِّهِمْ ﴿ورَأوُا العَذابَ لَوْ أنَّهم كانُوا يَهْتَدُونَ﴾ أيْ: هَذِهِ الأصْنامُ كانُوا يُشاهِدُونَ العَذابَ لَوْ كانُوا مِنَ الأحْياءِ المُهْتَدِينَ، ولَكِنَّها لَيْسَتْ كَذَلِكَ فَلا جَرَمَ ما رَأتِ العَذابَ فَإنْ قِيلَ قَوْلُهُ: ﴿ورَأوُا العَذابَ﴾ ضَمِيرٌ لا يَلِيقُ إلّا بِالعُقَلاءِ فَكَيْفَ يَصِحُّ عَوْدُهُ إلى الأصْنامِ ؟ قُلْنا هَذا كَقَوْلِهِ: ﴿فَدَعَوْهم فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ﴾ وإنَّما ورَدَ ذَلِكَ عَلى حَسَبِ اعْتِقادِ القَوْمِ فَكَذا هاهُنا. وثالِثُها: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الرُّؤْيَةِ رُؤْيَةَ القَلْبِ، أيْ والكُفّارُ عَلِمُوا حَقِيَّةَ هَذا العَذابِ في الدُّنْيا لَوْ كانُوا يَهْتَدُونَ، وهَذِهِ الوُجُوهُ عِنْدِي خَيْرٌ مِنَ الوُجُوهِ المَبْنِيَّةِ عَلى أنَّ جَوابَ (لَوْ) مَحْذُوفٌ فَإنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي تَفْكِيكَ النَّظْمِ مِنَ الآيَةِ. الأمْرُ الثّالِثُ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي يَسْألُ اللَّهُ الكُفّارَ عَنْها قَوْلُهُ: ﴿ويَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ ماذا أجَبْتُمُ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الأنْباءُ﴾ أيْ: فَصارَتِ الأنْباءُ كالعَمى عَلَيْهِمْ جَمِيعًا لا تَهْتَدِي إلَيْهِمْ، فَهم لا يَتَساءَلُونَ لا يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا كَما يَتَساءَلُ النّاسُ في المُشْكِلاتِ؛ لِأنَّهم يَتَساوَوْنَ جَمِيعًا في عَمى الأنْباءِ عَلَيْهِمْ، والعَجْزِ عَنِ الجَوابِ، وقُرِئَ فَعَمِيَتْ وإذا كانَتِ الأنْبِياءُ لِهَوْلِ ذَلِكَ يُتَعْتِعُونَ في الجَوابِ عَنْ مِثْلِ هَذا السُّؤالِ، ويُفَوِّضُونَ الأمْرَ إلى عِلْمِ اللَّهِ تَعالى وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ماذا أُجِبْتُمْ قالُوا لا عِلْمَ لَنا إنَّكَ أنْتَ عَلّامُ الغُيُوبِ﴾ (المائِدَةِ: ١٠٩) فَما ظَنُّكَ بِهَؤُلاءِ الضُّلّالِ، قالَ القاضِي: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى بُطْلانِ القَوْلِ بِالجَبْرِ؛ لِأنَّ فِعْلَهم لَوْ كانَ خَلْقًا مِنَ اللَّهِ تَعالى ويَجِبُ وُقُوعُهُ بِالقُدْرَةِ والإرادَةِ؛ لَما عَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الأنْباءُ ولَقالُوا: إنَّما أتَيْنا في تَكْذِيبِ الرُّسُلِ مِن جِهَةِ خَلْقِكَ فِينا تَكْذِيبَهم والقُدْرَةَ صفحة ٩ المُوجِبَةَ لِذَلِكَ، فَكانَتْ حُجَّتُهم عَلى اللَّهِ تَعالى ظاهِرَةً، وكَذَلِكَ القَوْلُ فِيما تَقَدَّمَ؛ لِأنَّ الشَّيْطانَ كانَ لَهُ أنْ يَقُولَ: إنَّما أغْوَيْتُ بِخَلْقِكَ فِيَّ الغَوايَةَ، وإنَّما قَبِلَ مَن دَعْوَتُهُ لِمِثْلِ ذَلِكَ؛ فَتَكُونُ الحُجَّةُ لَهم في ذَلِكَ قَوِيَّةً والعُذْرُ ظاهِرًا. والجَوابُ: أنَّ القاضِيَ لا يَتْرُكُ آيَةً مِنَ الآياتِ المُشْتَمِلَةِ عَلى المَدْحِ والذَّمِّ والثَّوابِ والعِقابِ إلّا ويُعِيدُ اسْتِدْلالَهُ بِها، وكَما أنَّ وجْهَ اسْتِدْلالِهِ في الكُلِّ هَذا الحَرْفُ، فَكَذا وجْهُ جَوابِنا حَرْفٌ واحِدٌ، وهو أنَّ عِلْمَ اللَّهِ تَعالى بِعَدَمِ الإيمانِ مَعَ وُقُوعِ الإيمانِ مُتَنافِيانِ لِذاتَيْهِما، فَمَعَ العِلْمِ بِعَدَمِ الإيمانِ إذا أمَرَ بِإدْخالِ الإيمانِ في الوُجُودِ فَقَدْ أمَرَ بِالجَمْعِ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ، والَّذِي اعْتَمَدَ القاضِي عَلَيْهِ في دَفْعِ هَذا الحَرْفِ في كُتُبِهِ الكَلامِيَّةِ قَوْلُهُ: خَطَأٌ قَوْلُ مَن يَقُولُ: إنَّهُ يُمْكِنُ، وخَطَأٌ قَوْلُ مَن يَقُولُ: إنَّهُ لا يُمْكِنُ، بَلِ الواجِبُ السُّكُوتُ، ولَوْ أوْرَدَ الكافِرُ هَذا السُّؤالَ عَلى رَبِّهِ لَما كانَ لِرَبِّهِ عَنْهُ جَوابٌ إلّا السُّكُوتَ، فَتَكُونُ حُجَّةُ الكافِرِ قَوِيَّةً، وعُذْرُهُ ظاهِرًا فَثَبَتَ أنَّ الإشْكالَ مُشْتَرَكٌ. واللَّهُ أعْلَمُ.

القصص 28:65

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ ﴿قالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ رَبَّنا هَؤُلاءِ الَّذِينَ أغْوَيْنا أغْوَيْناهم كَما غَوَيْنا تَبَرَّأْنا إلَيْكَ ما كانُوا إيّانا يَعْبُدُونَ﴾ ﴿وقِيلَ ادْعُوا شُرَكاءَكم فَدَعَوْهم فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهم ورَأوُا العَذابَ لَوْ أنَّهم كانُوا يَهْتَدُونَ﴾ ﴿ويَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ ماذا أجَبْتُمُ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الأنْباءُ يَوْمَئِذٍ فَهم لا يَتَساءَلُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ يَسْألُ الكُفّارَ يَوْمَ القِيامَةِ عَنْ ثَلاثَةِ أشْياءَ. أحَدُها: قَوْلُهُ: ﴿ويَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ لَمّا ثَبَتَ أنَّ الكُفّارَ يَوْمَ القِيامَةِ قَدْ عَرَفُوا بُطْلانَ ما كانُوا عَلَيْهِ وعَرَفُوا صِحَّةَ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ بِالضَّرُورَةِ فَيَقُولُ لَهم أيْنَ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَهُ وتَجْعَلُونَهُ شَرِيكًا في العِبادَةِ وتَزْعُمُونَ أنَّهُ يَشْفَعُ ؟ أيْنَ هو لِيَنْصُرَكم ويُخَلِّصَكم مِن هَذا الَّذِي نَزَلَ بِكم. ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى ما يَقُولُهُ مَن حَقَّ عَلَيْهِ القَوْلُ، والمُرادُ مِنَ القَوْلِ هو قَوْلُهُ: ﴿لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ (السَّجْدَةِ: ١٣ ) ومَعْنى حَقَّ عَلَيْهِ القَوْلُ، أيْ حَقَّ عَلَيْهِ مُقْتَضاهُ، واخْتَلَفُوا في أنَّ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمْ هَذا القَوْلُ مَن هم ؟ فَقالَ بَعْضُهُمُ: الرُّؤَساءُ الدُّعاةُ إلى الضَّلالِ، وقالَ بَعْضُهُمُ الشَّياطِينُ. قَوْلُهُ: ﴿رَبَّنا هَؤُلاءِ الَّذِينَ أغْوَيْنا﴾ هَؤُلاءِ مُبْتَدَأٌ والَّذِينَ أغْوَيْنا صِفَتُهُ، والرّاجِعُ إلى المَوْصُوفِ مَحْذُوفٌ، وأغْوَيْناهُمُ الخَبَرُ، والكافُ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ أغْوَيْناهم فَغَوَوْا غَيًّا مِثْلَ ما غَوَيْنا، والمُرادُ كَما أنَّ غَيَّنا بِاخْتِيارِنا فَكَذا غَيُّهم بِاخْتِيارِهِمْ يَعْنِي أنَّ إغْواءَنا لَهم ما ألْجَأهم إلى الغَوايَةِ بَلْ كانُوا مُخْتارِينَ بِالإقْدامِ عَلى تِلْكَ العَقائِدِ والأعْمالِ، وهَذا مَعْنى ما حَكاهُ اللَّهُ عَنِ الشَّيْطانِ أنَّهُ قالَ: صفحة ٨ ﴿إنَّ اللَّهَ وعَدَكم وعْدَ الحَقِّ ووَعَدْتُكم فَأخْلَفْتُكم وما كانَ لِي عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ إلّا أنْ دَعَوْتُكم فاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي ولُومُوا أنْفُسَكُمْ﴾ [إبْراهِيمَ: ٢٢] وقالَ تَعالى لِإبْلِيسَ: ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إلّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الغاوِينَ﴾ [الحِجْرِ: ٤٢] فَقَوْلُهُ: ﴿إلّا مَنِ اتَّبَعَكَ﴾ [الحِجْرِ: ٤٢] يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ الِاتِّباعَ لَهم مِن قِبَلِ أنْفُسِهِمْ لا مِن قِبَلِ إلْجاءِ الشَّيْطانِ إلى ذَلِكَ، ثُمَّ قالَ تَبَرَّأْنا إلَيْكَ مِنهم ومِن عَقائِدِهِمْ وأعْمالِهِمْ ما كانُوا إيّانا يَعْبُدُونَ إنَّما كانُوا يَعْبُدُونَ أهْواءَهم، والحاصِلُ أنَّهم يَتَبَرَّءُونَ مِنهم كَما قالَ تَعالى: ﴿إذْ تَبَرَّأ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ (البَقَرَةِ: ١٦٦) وأيْضًا فَلا يَمْتَنِعُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أيْنَ شُرَكائِيَ﴾ أنْ يُرِيدَ بِهِ هَؤُلاءِ الرُّؤَساءَ والشَّياطِينَ، فَإنَّهم لَمّا أطاعُوهم فَقَدْ صَيَّرُوهم لِمَكانِ الطّاعَةِ بِمَنزِلَةِ الشَّرِيكِ لِلَّهِ تَعالى، وإذا حُمِلَ الكَلامُ عَلى هَذا الوَجْهِ كانَ جَوابُهم أنْ يَقُولُوا: إلَهَنا هَؤُلاءِ ما عَبَدُونا إنَّما عَبَدُوا أهْواءَهُمُ الفاسِدَةَ. وثانِيها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقِيلَ ادْعُوا شُرَكاءَكم فَدَعَوْهم فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ﴾ والأقْرَبُ أنَّ هَذا عَلى سَبِيلِ التَّقْرِيرِ؛ لِأنَّهم يَعْلَمُونَ أنَّهُ لا فائِدَةَ في دُعائِهِمْ لَهم، فالمُرادُ أنَّهم لَوْ دَعَوْهم لَمْ يُوجَدْ مِنهم إجابَةٌ في النُّصْرَةِ وأنَّ العَذابَ ثابِتٌ فِيهِمْ، وكُلُّ ذَلِكَ عَلى وجْهِ التَّوْبِيخِ، وفي ذِكْرِهِ رَدْعٌ وزَجْرٌ في دارِ الدُّنْيا، فَأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوْ أنَّهم كانُوا يَهْتَدُونَ﴾ فَكَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ زَعَمُوا أنَّ جَوابَ لَوْ مَحْذُوفٌ وذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا: أحَدُها: قالَ الضَّحّاكُ ومُقاتِلٌ: يَعْنِي: المَتْبُوعُ والتّابِعُ يَرَوْنَ العَذابَ ولَوْ أنَّهم كانُوا يَهْتَدُونَ في الدُّنْيا ما أبْصَرُوهُ في الآخِرَةِ. وثانِيها: لَوْ أنَّهم كانُوا مُهْتَدِينَ في الدُّنْيا لَعَلِمُوا أنَّ العَذابَ حَقٌّ. وثالِثُها: ودُّوا حِينَ رَأوُا العَذابَ لَوْ كانُوا في الدُّنْيا يَهْتَدُونَ. ورابِعُها: لَوْ كانُوا يَهْتَدُونَ لِوَجْهٍ مِن وُجُوهِ الحِيَلِ لَدَفَعُوا بِهِ العَذابَ. وخامِسُها: قَدْ آنَ لَهم أنْ يَهْتَدُوا لَوْ أنَّهم كانُوا يَهْتَدُونَ إذا رَأوُا العَذابَ ويُؤَكِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتّى يَرَوْا العَذابَ الألِيمَ﴾ (الشُّعَراءِ: ٢٠١ ) وعِنْدِي أنَّ الجَوابَ غَيْرُ مَحْذُوفٍ، وفي تَقْرِيرِهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: أنَّ اللَّهَ تَعالى إذا خاطَبَهم بِقَوْلِهِ: ﴿ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ﴾ فَهاهُنا يَشْتَدُّ الخَوْفُ عَلَيْهِمْ ويَلْحَقُهم شَيْءٌ كالسُّكْرِ والدُّوارِ ويَصِيرُونَ بِحَيْثُ لا يُبْصِرُونَ شَيْئًا فَقالَ تَعالى: ﴿ورَأوُا العَذابَ لَوْ أنَّهم كانُوا يَهْتَدُونَ﴾ شَيْئًا، أمّا لَمّا صارُوا مِن شِدَّةِ الخَوْفِ بِحَيْثُ لا يُبْصِرُونَ شَيْئًا لا جَرَمَ ما رَأوُا العَذابَ. وثانِيها: أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ عَنِ الشُّرَكاءِ وهي الأصْنامُ أنَّهم لا يُجِيبُونَ الَّذِينَ دَعَوْهم قالَ في حَقِّهِمْ ﴿ورَأوُا العَذابَ لَوْ أنَّهم كانُوا يَهْتَدُونَ﴾ أيْ: هَذِهِ الأصْنامُ كانُوا يُشاهِدُونَ العَذابَ لَوْ كانُوا مِنَ الأحْياءِ المُهْتَدِينَ، ولَكِنَّها لَيْسَتْ كَذَلِكَ فَلا جَرَمَ ما رَأتِ العَذابَ فَإنْ قِيلَ قَوْلُهُ: ﴿ورَأوُا العَذابَ﴾ ضَمِيرٌ لا يَلِيقُ إلّا بِالعُقَلاءِ فَكَيْفَ يَصِحُّ عَوْدُهُ إلى الأصْنامِ ؟ قُلْنا هَذا كَقَوْلِهِ: ﴿فَدَعَوْهم فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ﴾ وإنَّما ورَدَ ذَلِكَ عَلى حَسَبِ اعْتِقادِ القَوْمِ فَكَذا هاهُنا. وثالِثُها: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الرُّؤْيَةِ رُؤْيَةَ القَلْبِ، أيْ والكُفّارُ عَلِمُوا حَقِيَّةَ هَذا العَذابِ في الدُّنْيا لَوْ كانُوا يَهْتَدُونَ، وهَذِهِ الوُجُوهُ عِنْدِي خَيْرٌ مِنَ الوُجُوهِ المَبْنِيَّةِ عَلى أنَّ جَوابَ (لَوْ) مَحْذُوفٌ فَإنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي تَفْكِيكَ النَّظْمِ مِنَ الآيَةِ. الأمْرُ الثّالِثُ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي يَسْألُ اللَّهُ الكُفّارَ عَنْها قَوْلُهُ: ﴿ويَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ ماذا أجَبْتُمُ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الأنْباءُ﴾ أيْ: فَصارَتِ الأنْباءُ كالعَمى عَلَيْهِمْ جَمِيعًا لا تَهْتَدِي إلَيْهِمْ، فَهم لا يَتَساءَلُونَ لا يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا كَما يَتَساءَلُ النّاسُ في المُشْكِلاتِ؛ لِأنَّهم يَتَساوَوْنَ جَمِيعًا في عَمى الأنْباءِ عَلَيْهِمْ، والعَجْزِ عَنِ الجَوابِ، وقُرِئَ فَعَمِيَتْ وإذا كانَتِ الأنْبِياءُ لِهَوْلِ ذَلِكَ يُتَعْتِعُونَ في الجَوابِ عَنْ مِثْلِ هَذا السُّؤالِ، ويُفَوِّضُونَ الأمْرَ إلى عِلْمِ اللَّهِ تَعالى وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ماذا أُجِبْتُمْ قالُوا لا عِلْمَ لَنا إنَّكَ أنْتَ عَلّامُ الغُيُوبِ﴾ (المائِدَةِ: ١٠٩) فَما ظَنُّكَ بِهَؤُلاءِ الضُّلّالِ، قالَ القاضِي: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى بُطْلانِ القَوْلِ بِالجَبْرِ؛ لِأنَّ فِعْلَهم لَوْ كانَ خَلْقًا مِنَ اللَّهِ تَعالى ويَجِبُ وُقُوعُهُ بِالقُدْرَةِ والإرادَةِ؛ لَما عَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الأنْباءُ ولَقالُوا: إنَّما أتَيْنا في تَكْذِيبِ الرُّسُلِ مِن جِهَةِ خَلْقِكَ فِينا تَكْذِيبَهم والقُدْرَةَ صفحة ٩ المُوجِبَةَ لِذَلِكَ، فَكانَتْ حُجَّتُهم عَلى اللَّهِ تَعالى ظاهِرَةً، وكَذَلِكَ القَوْلُ فِيما تَقَدَّمَ؛ لِأنَّ الشَّيْطانَ كانَ لَهُ أنْ يَقُولَ: إنَّما أغْوَيْتُ بِخَلْقِكَ فِيَّ الغَوايَةَ، وإنَّما قَبِلَ مَن دَعْوَتُهُ لِمِثْلِ ذَلِكَ؛ فَتَكُونُ الحُجَّةُ لَهم في ذَلِكَ قَوِيَّةً والعُذْرُ ظاهِرًا. والجَوابُ: أنَّ القاضِيَ لا يَتْرُكُ آيَةً مِنَ الآياتِ المُشْتَمِلَةِ عَلى المَدْحِ والذَّمِّ والثَّوابِ والعِقابِ إلّا ويُعِيدُ اسْتِدْلالَهُ بِها، وكَما أنَّ وجْهَ اسْتِدْلالِهِ في الكُلِّ هَذا الحَرْفُ، فَكَذا وجْهُ جَوابِنا حَرْفٌ واحِدٌ، وهو أنَّ عِلْمَ اللَّهِ تَعالى بِعَدَمِ الإيمانِ مَعَ وُقُوعِ الإيمانِ مُتَنافِيانِ لِذاتَيْهِما، فَمَعَ العِلْمِ بِعَدَمِ الإيمانِ إذا أمَرَ بِإدْخالِ الإيمانِ في الوُجُودِ فَقَدْ أمَرَ بِالجَمْعِ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ، والَّذِي اعْتَمَدَ القاضِي عَلَيْهِ في دَفْعِ هَذا الحَرْفِ في كُتُبِهِ الكَلامِيَّةِ قَوْلُهُ: خَطَأٌ قَوْلُ مَن يَقُولُ: إنَّهُ يُمْكِنُ، وخَطَأٌ قَوْلُ مَن يَقُولُ: إنَّهُ لا يُمْكِنُ، بَلِ الواجِبُ السُّكُوتُ، ولَوْ أوْرَدَ الكافِرُ هَذا السُّؤالَ عَلى رَبِّهِ لَما كانَ لِرَبِّهِ عَنْهُ جَوابٌ إلّا السُّكُوتَ، فَتَكُونُ حُجَّةُ الكافِرِ قَوِيَّةً، وعُذْرُهُ ظاهِرًا فَثَبَتَ أنَّ الإشْكالَ مُشْتَرَكٌ. واللَّهُ أعْلَمُ.

القصص 28:66

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ ﴿قالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ رَبَّنا هَؤُلاءِ الَّذِينَ أغْوَيْنا أغْوَيْناهم كَما غَوَيْنا تَبَرَّأْنا إلَيْكَ ما كانُوا إيّانا يَعْبُدُونَ﴾ ﴿وقِيلَ ادْعُوا شُرَكاءَكم فَدَعَوْهم فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهم ورَأوُا العَذابَ لَوْ أنَّهم كانُوا يَهْتَدُونَ﴾ ﴿ويَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ ماذا أجَبْتُمُ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الأنْباءُ يَوْمَئِذٍ فَهم لا يَتَساءَلُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ يَسْألُ الكُفّارَ يَوْمَ القِيامَةِ عَنْ ثَلاثَةِ أشْياءَ. أحَدُها: قَوْلُهُ: ﴿ويَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ لَمّا ثَبَتَ أنَّ الكُفّارَ يَوْمَ القِيامَةِ قَدْ عَرَفُوا بُطْلانَ ما كانُوا عَلَيْهِ وعَرَفُوا صِحَّةَ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ بِالضَّرُورَةِ فَيَقُولُ لَهم أيْنَ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَهُ وتَجْعَلُونَهُ شَرِيكًا في العِبادَةِ وتَزْعُمُونَ أنَّهُ يَشْفَعُ ؟ أيْنَ هو لِيَنْصُرَكم ويُخَلِّصَكم مِن هَذا الَّذِي نَزَلَ بِكم. ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى ما يَقُولُهُ مَن حَقَّ عَلَيْهِ القَوْلُ، والمُرادُ مِنَ القَوْلِ هو قَوْلُهُ: ﴿لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ (السَّجْدَةِ: ١٣ ) ومَعْنى حَقَّ عَلَيْهِ القَوْلُ، أيْ حَقَّ عَلَيْهِ مُقْتَضاهُ، واخْتَلَفُوا في أنَّ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمْ هَذا القَوْلُ مَن هم ؟ فَقالَ بَعْضُهُمُ: الرُّؤَساءُ الدُّعاةُ إلى الضَّلالِ، وقالَ بَعْضُهُمُ الشَّياطِينُ. قَوْلُهُ: ﴿رَبَّنا هَؤُلاءِ الَّذِينَ أغْوَيْنا﴾ هَؤُلاءِ مُبْتَدَأٌ والَّذِينَ أغْوَيْنا صِفَتُهُ، والرّاجِعُ إلى المَوْصُوفِ مَحْذُوفٌ، وأغْوَيْناهُمُ الخَبَرُ، والكافُ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ أغْوَيْناهم فَغَوَوْا غَيًّا مِثْلَ ما غَوَيْنا، والمُرادُ كَما أنَّ غَيَّنا بِاخْتِيارِنا فَكَذا غَيُّهم بِاخْتِيارِهِمْ يَعْنِي أنَّ إغْواءَنا لَهم ما ألْجَأهم إلى الغَوايَةِ بَلْ كانُوا مُخْتارِينَ بِالإقْدامِ عَلى تِلْكَ العَقائِدِ والأعْمالِ، وهَذا مَعْنى ما حَكاهُ اللَّهُ عَنِ الشَّيْطانِ أنَّهُ قالَ: صفحة ٨ ﴿إنَّ اللَّهَ وعَدَكم وعْدَ الحَقِّ ووَعَدْتُكم فَأخْلَفْتُكم وما كانَ لِي عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ إلّا أنْ دَعَوْتُكم فاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي ولُومُوا أنْفُسَكُمْ﴾ [إبْراهِيمَ: ٢٢] وقالَ تَعالى لِإبْلِيسَ: ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إلّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الغاوِينَ﴾ [الحِجْرِ: ٤٢] فَقَوْلُهُ: ﴿إلّا مَنِ اتَّبَعَكَ﴾ [الحِجْرِ: ٤٢] يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ الِاتِّباعَ لَهم مِن قِبَلِ أنْفُسِهِمْ لا مِن قِبَلِ إلْجاءِ الشَّيْطانِ إلى ذَلِكَ، ثُمَّ قالَ تَبَرَّأْنا إلَيْكَ مِنهم ومِن عَقائِدِهِمْ وأعْمالِهِمْ ما كانُوا إيّانا يَعْبُدُونَ إنَّما كانُوا يَعْبُدُونَ أهْواءَهم، والحاصِلُ أنَّهم يَتَبَرَّءُونَ مِنهم كَما قالَ تَعالى: ﴿إذْ تَبَرَّأ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ (البَقَرَةِ: ١٦٦) وأيْضًا فَلا يَمْتَنِعُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أيْنَ شُرَكائِيَ﴾ أنْ يُرِيدَ بِهِ هَؤُلاءِ الرُّؤَساءَ والشَّياطِينَ، فَإنَّهم لَمّا أطاعُوهم فَقَدْ صَيَّرُوهم لِمَكانِ الطّاعَةِ بِمَنزِلَةِ الشَّرِيكِ لِلَّهِ تَعالى، وإذا حُمِلَ الكَلامُ عَلى هَذا الوَجْهِ كانَ جَوابُهم أنْ يَقُولُوا: إلَهَنا هَؤُلاءِ ما عَبَدُونا إنَّما عَبَدُوا أهْواءَهُمُ الفاسِدَةَ. وثانِيها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقِيلَ ادْعُوا شُرَكاءَكم فَدَعَوْهم فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ﴾ والأقْرَبُ أنَّ هَذا عَلى سَبِيلِ التَّقْرِيرِ؛ لِأنَّهم يَعْلَمُونَ أنَّهُ لا فائِدَةَ في دُعائِهِمْ لَهم، فالمُرادُ أنَّهم لَوْ دَعَوْهم لَمْ يُوجَدْ مِنهم إجابَةٌ في النُّصْرَةِ وأنَّ العَذابَ ثابِتٌ فِيهِمْ، وكُلُّ ذَلِكَ عَلى وجْهِ التَّوْبِيخِ، وفي ذِكْرِهِ رَدْعٌ وزَجْرٌ في دارِ الدُّنْيا، فَأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوْ أنَّهم كانُوا يَهْتَدُونَ﴾ فَكَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ زَعَمُوا أنَّ جَوابَ لَوْ مَحْذُوفٌ وذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا: أحَدُها: قالَ الضَّحّاكُ ومُقاتِلٌ: يَعْنِي: المَتْبُوعُ والتّابِعُ يَرَوْنَ العَذابَ ولَوْ أنَّهم كانُوا يَهْتَدُونَ في الدُّنْيا ما أبْصَرُوهُ في الآخِرَةِ. وثانِيها: لَوْ أنَّهم كانُوا مُهْتَدِينَ في الدُّنْيا لَعَلِمُوا أنَّ العَذابَ حَقٌّ. وثالِثُها: ودُّوا حِينَ رَأوُا العَذابَ لَوْ كانُوا في الدُّنْيا يَهْتَدُونَ. ورابِعُها: لَوْ كانُوا يَهْتَدُونَ لِوَجْهٍ مِن وُجُوهِ الحِيَلِ لَدَفَعُوا بِهِ العَذابَ. وخامِسُها: قَدْ آنَ لَهم أنْ يَهْتَدُوا لَوْ أنَّهم كانُوا يَهْتَدُونَ إذا رَأوُا العَذابَ ويُؤَكِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتّى يَرَوْا العَذابَ الألِيمَ﴾ (الشُّعَراءِ: ٢٠١ ) وعِنْدِي أنَّ الجَوابَ غَيْرُ مَحْذُوفٍ، وفي تَقْرِيرِهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: أنَّ اللَّهَ تَعالى إذا خاطَبَهم بِقَوْلِهِ: ﴿ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ﴾ فَهاهُنا يَشْتَدُّ الخَوْفُ عَلَيْهِمْ ويَلْحَقُهم شَيْءٌ كالسُّكْرِ والدُّوارِ ويَصِيرُونَ بِحَيْثُ لا يُبْصِرُونَ شَيْئًا فَقالَ تَعالى: ﴿ورَأوُا العَذابَ لَوْ أنَّهم كانُوا يَهْتَدُونَ﴾ شَيْئًا، أمّا لَمّا صارُوا مِن شِدَّةِ الخَوْفِ بِحَيْثُ لا يُبْصِرُونَ شَيْئًا لا جَرَمَ ما رَأوُا العَذابَ. وثانِيها: أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ عَنِ الشُّرَكاءِ وهي الأصْنامُ أنَّهم لا يُجِيبُونَ الَّذِينَ دَعَوْهم قالَ في حَقِّهِمْ ﴿ورَأوُا العَذابَ لَوْ أنَّهم كانُوا يَهْتَدُونَ﴾ أيْ: هَذِهِ الأصْنامُ كانُوا يُشاهِدُونَ العَذابَ لَوْ كانُوا مِنَ الأحْياءِ المُهْتَدِينَ، ولَكِنَّها لَيْسَتْ كَذَلِكَ فَلا جَرَمَ ما رَأتِ العَذابَ فَإنْ قِيلَ قَوْلُهُ: ﴿ورَأوُا العَذابَ﴾ ضَمِيرٌ لا يَلِيقُ إلّا بِالعُقَلاءِ فَكَيْفَ يَصِحُّ عَوْدُهُ إلى الأصْنامِ ؟ قُلْنا هَذا كَقَوْلِهِ: ﴿فَدَعَوْهم فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ﴾ وإنَّما ورَدَ ذَلِكَ عَلى حَسَبِ اعْتِقادِ القَوْمِ فَكَذا هاهُنا. وثالِثُها: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الرُّؤْيَةِ رُؤْيَةَ القَلْبِ، أيْ والكُفّارُ عَلِمُوا حَقِيَّةَ هَذا العَذابِ في الدُّنْيا لَوْ كانُوا يَهْتَدُونَ، وهَذِهِ الوُجُوهُ عِنْدِي خَيْرٌ مِنَ الوُجُوهِ المَبْنِيَّةِ عَلى أنَّ جَوابَ (لَوْ) مَحْذُوفٌ فَإنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي تَفْكِيكَ النَّظْمِ مِنَ الآيَةِ. الأمْرُ الثّالِثُ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي يَسْألُ اللَّهُ الكُفّارَ عَنْها قَوْلُهُ: ﴿ويَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ ماذا أجَبْتُمُ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الأنْباءُ﴾ أيْ: فَصارَتِ الأنْباءُ كالعَمى عَلَيْهِمْ جَمِيعًا لا تَهْتَدِي إلَيْهِمْ، فَهم لا يَتَساءَلُونَ لا يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا كَما يَتَساءَلُ النّاسُ في المُشْكِلاتِ؛ لِأنَّهم يَتَساوَوْنَ جَمِيعًا في عَمى الأنْباءِ عَلَيْهِمْ، والعَجْزِ عَنِ الجَوابِ، وقُرِئَ فَعَمِيَتْ وإذا كانَتِ الأنْبِياءُ لِهَوْلِ ذَلِكَ يُتَعْتِعُونَ في الجَوابِ عَنْ مِثْلِ هَذا السُّؤالِ، ويُفَوِّضُونَ الأمْرَ إلى عِلْمِ اللَّهِ تَعالى وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ماذا أُجِبْتُمْ قالُوا لا عِلْمَ لَنا إنَّكَ أنْتَ عَلّامُ الغُيُوبِ﴾ (المائِدَةِ: ١٠٩) فَما ظَنُّكَ بِهَؤُلاءِ الضُّلّالِ، قالَ القاضِي: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى بُطْلانِ القَوْلِ بِالجَبْرِ؛ لِأنَّ فِعْلَهم لَوْ كانَ خَلْقًا مِنَ اللَّهِ تَعالى ويَجِبُ وُقُوعُهُ بِالقُدْرَةِ والإرادَةِ؛ لَما عَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الأنْباءُ ولَقالُوا: إنَّما أتَيْنا في تَكْذِيبِ الرُّسُلِ مِن جِهَةِ خَلْقِكَ فِينا تَكْذِيبَهم والقُدْرَةَ صفحة ٩ المُوجِبَةَ لِذَلِكَ، فَكانَتْ حُجَّتُهم عَلى اللَّهِ تَعالى ظاهِرَةً، وكَذَلِكَ القَوْلُ فِيما تَقَدَّمَ؛ لِأنَّ الشَّيْطانَ كانَ لَهُ أنْ يَقُولَ: إنَّما أغْوَيْتُ بِخَلْقِكَ فِيَّ الغَوايَةَ، وإنَّما قَبِلَ مَن دَعْوَتُهُ لِمِثْلِ ذَلِكَ؛ فَتَكُونُ الحُجَّةُ لَهم في ذَلِكَ قَوِيَّةً والعُذْرُ ظاهِرًا. والجَوابُ: أنَّ القاضِيَ لا يَتْرُكُ آيَةً مِنَ الآياتِ المُشْتَمِلَةِ عَلى المَدْحِ والذَّمِّ والثَّوابِ والعِقابِ إلّا ويُعِيدُ اسْتِدْلالَهُ بِها، وكَما أنَّ وجْهَ اسْتِدْلالِهِ في الكُلِّ هَذا الحَرْفُ، فَكَذا وجْهُ جَوابِنا حَرْفٌ واحِدٌ، وهو أنَّ عِلْمَ اللَّهِ تَعالى بِعَدَمِ الإيمانِ مَعَ وُقُوعِ الإيمانِ مُتَنافِيانِ لِذاتَيْهِما، فَمَعَ العِلْمِ بِعَدَمِ الإيمانِ إذا أمَرَ بِإدْخالِ الإيمانِ في الوُجُودِ فَقَدْ أمَرَ بِالجَمْعِ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ، والَّذِي اعْتَمَدَ القاضِي عَلَيْهِ في دَفْعِ هَذا الحَرْفِ في كُتُبِهِ الكَلامِيَّةِ قَوْلُهُ: خَطَأٌ قَوْلُ مَن يَقُولُ: إنَّهُ يُمْكِنُ، وخَطَأٌ قَوْلُ مَن يَقُولُ: إنَّهُ لا يُمْكِنُ، بَلِ الواجِبُ السُّكُوتُ، ولَوْ أوْرَدَ الكافِرُ هَذا السُّؤالَ عَلى رَبِّهِ لَما كانَ لِرَبِّهِ عَنْهُ جَوابٌ إلّا السُّكُوتَ، فَتَكُونُ حُجَّةُ الكافِرِ قَوِيَّةً، وعُذْرُهُ ظاهِرًا فَثَبَتَ أنَّ الإشْكالَ مُشْتَرَكٌ. واللَّهُ أعْلَمُ.

القصص 28:67

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ ﴿قالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ رَبَّنا هَؤُلاءِ الَّذِينَ أغْوَيْنا أغْوَيْناهم كَما غَوَيْنا تَبَرَّأْنا إلَيْكَ ما كانُوا إيّانا يَعْبُدُونَ﴾ ﴿وقِيلَ ادْعُوا شُرَكاءَكم فَدَعَوْهم فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهم ورَأوُا العَذابَ لَوْ أنَّهم كانُوا يَهْتَدُونَ﴾ ﴿ويَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ ماذا أجَبْتُمُ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الأنْباءُ يَوْمَئِذٍ فَهم لا يَتَساءَلُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ يَسْألُ الكُفّارَ يَوْمَ القِيامَةِ عَنْ ثَلاثَةِ أشْياءَ. أحَدُها: قَوْلُهُ: ﴿ويَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ لَمّا ثَبَتَ أنَّ الكُفّارَ يَوْمَ القِيامَةِ قَدْ عَرَفُوا بُطْلانَ ما كانُوا عَلَيْهِ وعَرَفُوا صِحَّةَ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ بِالضَّرُورَةِ فَيَقُولُ لَهم أيْنَ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَهُ وتَجْعَلُونَهُ شَرِيكًا في العِبادَةِ وتَزْعُمُونَ أنَّهُ يَشْفَعُ ؟ أيْنَ هو لِيَنْصُرَكم ويُخَلِّصَكم مِن هَذا الَّذِي نَزَلَ بِكم. ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى ما يَقُولُهُ مَن حَقَّ عَلَيْهِ القَوْلُ، والمُرادُ مِنَ القَوْلِ هو قَوْلُهُ: ﴿لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ (السَّجْدَةِ: ١٣ ) ومَعْنى حَقَّ عَلَيْهِ القَوْلُ، أيْ حَقَّ عَلَيْهِ مُقْتَضاهُ، واخْتَلَفُوا في أنَّ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمْ هَذا القَوْلُ مَن هم ؟ فَقالَ بَعْضُهُمُ: الرُّؤَساءُ الدُّعاةُ إلى الضَّلالِ، وقالَ بَعْضُهُمُ الشَّياطِينُ. قَوْلُهُ: ﴿رَبَّنا هَؤُلاءِ الَّذِينَ أغْوَيْنا﴾ هَؤُلاءِ مُبْتَدَأٌ والَّذِينَ أغْوَيْنا صِفَتُهُ، والرّاجِعُ إلى المَوْصُوفِ مَحْذُوفٌ، وأغْوَيْناهُمُ الخَبَرُ، والكافُ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ أغْوَيْناهم فَغَوَوْا غَيًّا مِثْلَ ما غَوَيْنا، والمُرادُ كَما أنَّ غَيَّنا بِاخْتِيارِنا فَكَذا غَيُّهم بِاخْتِيارِهِمْ يَعْنِي أنَّ إغْواءَنا لَهم ما ألْجَأهم إلى الغَوايَةِ بَلْ كانُوا مُخْتارِينَ بِالإقْدامِ عَلى تِلْكَ العَقائِدِ والأعْمالِ، وهَذا مَعْنى ما حَكاهُ اللَّهُ عَنِ الشَّيْطانِ أنَّهُ قالَ: صفحة ٨ ﴿إنَّ اللَّهَ وعَدَكم وعْدَ الحَقِّ ووَعَدْتُكم فَأخْلَفْتُكم وما كانَ لِي عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ إلّا أنْ دَعَوْتُكم فاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي ولُومُوا أنْفُسَكُمْ﴾ [إبْراهِيمَ: ٢٢] وقالَ تَعالى لِإبْلِيسَ: ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إلّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الغاوِينَ﴾ [الحِجْرِ: ٤٢] فَقَوْلُهُ: ﴿إلّا مَنِ اتَّبَعَكَ﴾ [الحِجْرِ: ٤٢] يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ الِاتِّباعَ لَهم مِن قِبَلِ أنْفُسِهِمْ لا مِن قِبَلِ إلْجاءِ الشَّيْطانِ إلى ذَلِكَ، ثُمَّ قالَ تَبَرَّأْنا إلَيْكَ مِنهم ومِن عَقائِدِهِمْ وأعْمالِهِمْ ما كانُوا إيّانا يَعْبُدُونَ إنَّما كانُوا يَعْبُدُونَ أهْواءَهم، والحاصِلُ أنَّهم يَتَبَرَّءُونَ مِنهم كَما قالَ تَعالى: ﴿إذْ تَبَرَّأ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ (البَقَرَةِ: ١٦٦) وأيْضًا فَلا يَمْتَنِعُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أيْنَ شُرَكائِيَ﴾ أنْ يُرِيدَ بِهِ هَؤُلاءِ الرُّؤَساءَ والشَّياطِينَ، فَإنَّهم لَمّا أطاعُوهم فَقَدْ صَيَّرُوهم لِمَكانِ الطّاعَةِ بِمَنزِلَةِ الشَّرِيكِ لِلَّهِ تَعالى، وإذا حُمِلَ الكَلامُ عَلى هَذا الوَجْهِ كانَ جَوابُهم أنْ يَقُولُوا: إلَهَنا هَؤُلاءِ ما عَبَدُونا إنَّما عَبَدُوا أهْواءَهُمُ الفاسِدَةَ. وثانِيها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقِيلَ ادْعُوا شُرَكاءَكم فَدَعَوْهم فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ﴾ والأقْرَبُ أنَّ هَذا عَلى سَبِيلِ التَّقْرِيرِ؛ لِأنَّهم يَعْلَمُونَ أنَّهُ لا فائِدَةَ في دُعائِهِمْ لَهم، فالمُرادُ أنَّهم لَوْ دَعَوْهم لَمْ يُوجَدْ مِنهم إجابَةٌ في النُّصْرَةِ وأنَّ العَذابَ ثابِتٌ فِيهِمْ، وكُلُّ ذَلِكَ عَلى وجْهِ التَّوْبِيخِ، وفي ذِكْرِهِ رَدْعٌ وزَجْرٌ في دارِ الدُّنْيا، فَأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوْ أنَّهم كانُوا يَهْتَدُونَ﴾ فَكَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ زَعَمُوا أنَّ جَوابَ لَوْ مَحْذُوفٌ وذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا: أحَدُها: قالَ الضَّحّاكُ ومُقاتِلٌ: يَعْنِي: المَتْبُوعُ والتّابِعُ يَرَوْنَ العَذابَ ولَوْ أنَّهم كانُوا يَهْتَدُونَ في الدُّنْيا ما أبْصَرُوهُ في الآخِرَةِ. وثانِيها: لَوْ أنَّهم كانُوا مُهْتَدِينَ في الدُّنْيا لَعَلِمُوا أنَّ العَذابَ حَقٌّ. وثالِثُها: ودُّوا حِينَ رَأوُا العَذابَ لَوْ كانُوا في الدُّنْيا يَهْتَدُونَ. ورابِعُها: لَوْ كانُوا يَهْتَدُونَ لِوَجْهٍ مِن وُجُوهِ الحِيَلِ لَدَفَعُوا بِهِ العَذابَ. وخامِسُها: قَدْ آنَ لَهم أنْ يَهْتَدُوا لَوْ أنَّهم كانُوا يَهْتَدُونَ إذا رَأوُا العَذابَ ويُؤَكِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتّى يَرَوْا العَذابَ الألِيمَ﴾ (الشُّعَراءِ: ٢٠١ ) وعِنْدِي أنَّ الجَوابَ غَيْرُ مَحْذُوفٍ، وفي تَقْرِيرِهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: أنَّ اللَّهَ تَعالى إذا خاطَبَهم بِقَوْلِهِ: ﴿ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ﴾ فَهاهُنا يَشْتَدُّ الخَوْفُ عَلَيْهِمْ ويَلْحَقُهم شَيْءٌ كالسُّكْرِ والدُّوارِ ويَصِيرُونَ بِحَيْثُ لا يُبْصِرُونَ شَيْئًا فَقالَ تَعالى: ﴿ورَأوُا العَذابَ لَوْ أنَّهم كانُوا يَهْتَدُونَ﴾ شَيْئًا، أمّا لَمّا صارُوا مِن شِدَّةِ الخَوْفِ بِحَيْثُ لا يُبْصِرُونَ شَيْئًا لا جَرَمَ ما رَأوُا العَذابَ. وثانِيها: أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ عَنِ الشُّرَكاءِ وهي الأصْنامُ أنَّهم لا يُجِيبُونَ الَّذِينَ دَعَوْهم قالَ في حَقِّهِمْ ﴿ورَأوُا العَذابَ لَوْ أنَّهم كانُوا يَهْتَدُونَ﴾ أيْ: هَذِهِ الأصْنامُ كانُوا يُشاهِدُونَ العَذابَ لَوْ كانُوا مِنَ الأحْياءِ المُهْتَدِينَ، ولَكِنَّها لَيْسَتْ كَذَلِكَ فَلا جَرَمَ ما رَأتِ العَذابَ فَإنْ قِيلَ قَوْلُهُ: ﴿ورَأوُا العَذابَ﴾ ضَمِيرٌ لا يَلِيقُ إلّا بِالعُقَلاءِ فَكَيْفَ يَصِحُّ عَوْدُهُ إلى الأصْنامِ ؟ قُلْنا هَذا كَقَوْلِهِ: ﴿فَدَعَوْهم فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ﴾ وإنَّما ورَدَ ذَلِكَ عَلى حَسَبِ اعْتِقادِ القَوْمِ فَكَذا هاهُنا. وثالِثُها: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الرُّؤْيَةِ رُؤْيَةَ القَلْبِ، أيْ والكُفّارُ عَلِمُوا حَقِيَّةَ هَذا العَذابِ في الدُّنْيا لَوْ كانُوا يَهْتَدُونَ، وهَذِهِ الوُجُوهُ عِنْدِي خَيْرٌ مِنَ الوُجُوهِ المَبْنِيَّةِ عَلى أنَّ جَوابَ (لَوْ) مَحْذُوفٌ فَإنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي تَفْكِيكَ النَّظْمِ مِنَ الآيَةِ. الأمْرُ الثّالِثُ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي يَسْألُ اللَّهُ الكُفّارَ عَنْها قَوْلُهُ: ﴿ويَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ ماذا أجَبْتُمُ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الأنْباءُ﴾ أيْ: فَصارَتِ الأنْباءُ كالعَمى عَلَيْهِمْ جَمِيعًا لا تَهْتَدِي إلَيْهِمْ، فَهم لا يَتَساءَلُونَ لا يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا كَما يَتَساءَلُ النّاسُ في المُشْكِلاتِ؛ لِأنَّهم يَتَساوَوْنَ جَمِيعًا في عَمى الأنْباءِ عَلَيْهِمْ، والعَجْزِ عَنِ الجَوابِ، وقُرِئَ فَعَمِيَتْ وإذا كانَتِ الأنْبِياءُ لِهَوْلِ ذَلِكَ يُتَعْتِعُونَ في الجَوابِ عَنْ مِثْلِ هَذا السُّؤالِ، ويُفَوِّضُونَ الأمْرَ إلى عِلْمِ اللَّهِ تَعالى وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ماذا أُجِبْتُمْ قالُوا لا عِلْمَ لَنا إنَّكَ أنْتَ عَلّامُ الغُيُوبِ﴾ (المائِدَةِ: ١٠٩) فَما ظَنُّكَ بِهَؤُلاءِ الضُّلّالِ، قالَ القاضِي: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى بُطْلانِ القَوْلِ بِالجَبْرِ؛ لِأنَّ فِعْلَهم لَوْ كانَ خَلْقًا مِنَ اللَّهِ تَعالى ويَجِبُ وُقُوعُهُ بِالقُدْرَةِ والإرادَةِ؛ لَما عَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الأنْباءُ ولَقالُوا: إنَّما أتَيْنا في تَكْذِيبِ الرُّسُلِ مِن جِهَةِ خَلْقِكَ فِينا تَكْذِيبَهم والقُدْرَةَ صفحة ٩ المُوجِبَةَ لِذَلِكَ، فَكانَتْ حُجَّتُهم عَلى اللَّهِ تَعالى ظاهِرَةً، وكَذَلِكَ القَوْلُ فِيما تَقَدَّمَ؛ لِأنَّ الشَّيْطانَ كانَ لَهُ أنْ يَقُولَ: إنَّما أغْوَيْتُ بِخَلْقِكَ فِيَّ الغَوايَةَ، وإنَّما قَبِلَ مَن دَعْوَتُهُ لِمِثْلِ ذَلِكَ؛ فَتَكُونُ الحُجَّةُ لَهم في ذَلِكَ قَوِيَّةً والعُذْرُ ظاهِرًا. والجَوابُ: أنَّ القاضِيَ لا يَتْرُكُ آيَةً مِنَ الآياتِ المُشْتَمِلَةِ عَلى المَدْحِ والذَّمِّ والثَّوابِ والعِقابِ إلّا ويُعِيدُ اسْتِدْلالَهُ بِها، وكَما أنَّ وجْهَ اسْتِدْلالِهِ في الكُلِّ هَذا الحَرْفُ، فَكَذا وجْهُ جَوابِنا حَرْفٌ واحِدٌ، وهو أنَّ عِلْمَ اللَّهِ تَعالى بِعَدَمِ الإيمانِ مَعَ وُقُوعِ الإيمانِ مُتَنافِيانِ لِذاتَيْهِما، فَمَعَ العِلْمِ بِعَدَمِ الإيمانِ إذا أمَرَ بِإدْخالِ الإيمانِ في الوُجُودِ فَقَدْ أمَرَ بِالجَمْعِ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ، والَّذِي اعْتَمَدَ القاضِي عَلَيْهِ في دَفْعِ هَذا الحَرْفِ في كُتُبِهِ الكَلامِيَّةِ قَوْلُهُ: خَطَأٌ قَوْلُ مَن يَقُولُ: إنَّهُ يُمْكِنُ، وخَطَأٌ قَوْلُ مَن يَقُولُ: إنَّهُ لا يُمْكِنُ، بَلِ الواجِبُ السُّكُوتُ، ولَوْ أوْرَدَ الكافِرُ هَذا السُّؤالَ عَلى رَبِّهِ لَما كانَ لِرَبِّهِ عَنْهُ جَوابٌ إلّا السُّكُوتَ، فَتَكُونُ حُجَّةُ الكافِرِ قَوِيَّةً، وعُذْرُهُ ظاهِرًا فَثَبَتَ أنَّ الإشْكالَ مُشْتَرَكٌ. واللَّهُ أعْلَمُ.

القصص 28:68

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأمّا مَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ صالِحًا فَعَسى أنْ يَكُونَ مِنَ المُفْلِحِينَ﴾ ﴿ورَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ ويَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الخِيَرَةُ سُبْحانَ اللَّهِ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ ﴿ورَبُّكَ يَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهم وما يُعْلِنُونَ﴾ ﴿وهُوَ اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو لَهُ الحَمْدُ في الأُولى والآخِرَةِ ولَهُ الحُكْمُ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ حالَ المُعَذَّبِينَ مِنَ الكُفّارِ وما يَجْرِي عَلَيْهِمْ مِنَ التَّوْبِيخِ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ مَن يَتُوبُ مِنهم في الدُّنْيا تَرْغِيبًا في التَّوْبَةِ وزَجْرًا عَنِ الثَّباتِ عَلى الكُفْرِ فَقالَ: ﴿فَأمّا مَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ صالِحًا فَعَسى أنْ يَكُونَ مِنَ المُفْلِحِينَ﴾ وفي عَسى وُجُوهٌ: أحَدُها: أنَّهُ مِنَ الكِرامِ تَحْقِيقٌ واللَّهُ أكْرَمُ الأكْرَمِينَ. وثانِيها: أنْ يُرادَ تَرَجِّي التّائِبِ وطَمَعُهُ كَأنَّهُ قالَ: فَلْيَطْمَعْ في الفَلاحِ. وثالِثُها: عَسى أنْ يَكُونُوا كَذَلِكَ إنْ دامُوا عَلى التَّوْبَةِ والإيمانِ لِجَوازِ أنْ لا يَدُومُوا، واعْلَمْ أنَّ القَوْمَ كانُوا يَذْكُرُونَ شُبْهَةً أُخْرى ويَقُولُونَ: ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ (الزُّخْرُفِ: ٣١) يَعْنُونَ الوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ، أوْ أبا مَسْعُودٍ الثَّقَفِيَّ، فَأجابَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ورَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ ويَخْتارُ﴾ والمُرادُ أنَّهُ المالِكُ المُطْلَقُ وهو مُنَزَّهٌ عَنِ النَّفْعِ والضُّرِّ فَلَهُ أنْ يَخُصَّ مَن شاءَ بِما شاءَ لا اعْتِراضَ عَلَيْهِ ألْبَتَّةَ، وعَلى طَرِيقَةِ المُعْتَزِلَةِ لَمّا ثَبَتَ أنَّهُ حَكِيمٌ مُطْلَقٌ عُلِمَ أنَّهُ كُلَّ ما فَعَلَهُ كانَ حِكْمَةً وصَوابًا فَلَيْسَ لِأحَدٍ أنْ يَعْتَرِضَ عَلَيْهِ وقَوْلُهُ: ﴿ما كانَ لَهُمُ الخِيَرَةُ﴾ والخِيَرَةُ اسْمٌ مِنَ الِاخْتِيارِ قامَ مَقامَ المَصْدَرِ والخِيَرَةُ أيْضًا اسْمٌ لِلْمُخْتارِ، يُقالُ مُحَمَّدٌ خِيَرَةُ اللَّهِ في خَلْقِهِ. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ في الآيَةِ وجْهانِ: الأوَّلُ: وهو الأحْسَنُ أنْ يَكُونَ تَمامُ الوَقْفِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ويَخْتارُ﴾ ويَكُونُ ﴿ما﴾ نَفْيًا، والمَعْنى: ﴿ورَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ ويَخْتارُ﴾ لَيْسَ لَهُمُ الخِيَرَةُ؛ إذْ لَيْسَ لَهم أنْ يَخْتارُوا عَلى اللَّهِ أنْ يَفْعَلَ. والثّانِي: أنْ يَكُونَ ﴿ما﴾ بِمَعْنى الَّذِي فَيَكُونُ الوَقْفُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ورَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ ثُمَّ يَقُولُ: ﴿ويَخْتارُ﴾ ما كانَ لَهُمُ الخِيَرَةُ، قالَ صفحة ١٠ أبُو القاسِمِ الأنْصارِيُّ: وهَذا مُتَعَلَّقُ المُعْتَزِلَةِ في إيجابِ الصَّلاحِ والأصْلَحِ عَلَيْهِ، وأيُّ صَلاحٍ في تَكْلِيفِ مَن عَلِمَ أنَّهُ لا يُؤْمِنُ ولَوْ لَمْ يُكَلِّفْهُ لاسْتَحَقَّ الجَنَّةَ والنَّعِيمَ مِن فَضْلِ اللَّهِ ؟ فَإنْ قِيلَ: لَمّا كَلَّفَهُ اسْتَوْجَبَ عَلى اللَّهِ ما هو الأفْضَلُ؛ لِأنَّ المُسْتَحِقَّ أفْضَلُ مِنَ المُتَفَضِّلِ بِهِ، قُلْنا: إذا عَلِمَ قَطْعًا أنَّهُ لا يَحْصُلُ ذَلِكَ الأفْضَلُ فَتَوْرِيطُهُ في العِقابِ الأبَدِيِّ لا يَكُونُ رِعايَةً لِلْمَصْلَحَةِ، ثُمَّ قَوْلُهُمُ: المُسْتَحِقُّ خَيْرٌ مِنَ المُتَفَضِّلِ بِهِ جَهْلٌ؛ لِأنَّ ذَلِكَ التَّفاوُتَ إنَّما يَحْصُلُ في حَقِّ مَن يَسْتَنْكِفُ مِن تُفَضُّلِهِ، أمّا الَّذِي ما حَصَّلَ الذّاتَ والصِّفاتِ إلّا بِخَلْقِهِ وبِفَضْلِهِ وإحْسانِهِ فَكَيْفَ يَسْتَنْكِفُ مِن تَفَضُّلِهِ، ثُمَّ قالَ: ﴿سُبْحانَ اللَّهِ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ والمَقْصُودُ أنْ يُعْلَمَ أنَّ الخَلْقَ والِاخْتِيارَ والإعْزازَ والإذْلالَ مُفَوَّضٌ إلَيْهِ لَيْسَ لِأحَدٍ فِيهِ شَرِكَةٌ ومُنازَعَةٌ، ثُمَّ أكَّدَ ذَلِكَ بِأنَّهُ يَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهم مِن عَداوَةِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وما يُعْلِنُونَ مِن مَطاعِنِهِمْ فِيهِ، وقَوْلِهِمْ هَلّا اخْتِيرَ غَيْرُهُ في النُّبُوَّةِ، ولَمّا بَيَّنَ عِلْمَهُ بِما هم عَلَيْهِ مِنَ الغِلِّ والحَسَدِ والسَّفاهَةِ قالَ: ﴿وهُوَ اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى كَوْنِهِ قادِرًا عَلى كُلِّ المُمْكِناتِ، وعالِمًا بِكُلِّ المَعْلُوماتِ، مُنَزَّهًا عَنِ النَّقائِصِ والآفاتِ، يُجازِي المُحْسِنِينَ عَلى طاعَتِهِمْ، ويُعاقِبُ العُصاةَ عَلى عِصْيانِهِمْ، وفِيهِ نِهايَةُ الزَّجْرِ والرَّدْعِ لِلْعُصاةِ ونِهايَةُ تَقْوِيَةِ القَلْبِ لِلْمُطِيعِينَ، ويُحْتَمَلُ أيْضًا أنَّهُ لَمّا بَيَّنَ فَسادَ طَرِيقِ المُشْرِكِينَ مِن قَوْلِهِ: ﴿ويَوْمَ يُنادِيهِمْ﴾ فَيَقُولُ: ﴿أيْنَ شُرَكائِيَ﴾ خَتَمَ الكَلامَ في ذَلِكَ بِإظْهارِ هَذا التَّوْحِيدِ وبَيانِ أنَّ الحَمْدَ والثَّناءَ لا يَلِيقُ إلّا بِهِ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿لَهُ الحَمْدُ في الأُولى والآخِرَةِ﴾ فَهو ظاهِرٌ عَلى قَوْلِنا؛ لِأنَّ الثَّوابَ غَيْرُ واجِبٍ عَلَيْهِ، بَلْ هو سُبْحانَهُ يُعْطِيهِ فَضْلًا وإحْسانًا، فَلَهُ الحَمْدُ في الأُولى والآخِرَةِ، ويُؤَكِّدُ ذَلِكَ قَوْلُ أهْلِ الجَنَّةِ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أذْهَبَ عَنّا الحَزَنَ﴾ (فاطِرٍ: ٣٤ )، ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وعْدَهُ﴾ (الزُّمَرِ: ٧٤ )، ﴿وآخِرُ دَعْواهم أنِ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ (يُونُسَ: ١٠) أمّا المُعْتَزِلَةُ فَعِنْدَهُمُ الثَّوابُ مُسْتَحَقٌّ فَلا يَسْتَحِقُّ الحَمْدَ بِفِعْلِهِ مِن أهْلِ الجَنَّةِ، وأمّا أهْلُ النّارِ فَما أنْعَمَ عَلَيْهِمْ حَتّى يَسْتَحِقَّ الحَمْدَ مِنهم، قالَ القاضِي: إنَّهُ يَسْتَحِقُّ الحَمْدَ والشُّكْرَ مِن أهْلِ النّارِ أيْضًا بِما فَعَلَهُ بِهِمْ في الدُّنْيا مِنَ التَّمْكِينِ والتَّيْسِيرِ والألْطافِ وسائِرِ النِّعَمِ؛ لِأنَّهم بِإساءَتِهِمْ لا يَخْرُجُ ما أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِن أنْ يُوجِبَ الشُّكْرَ، وهَذا فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأنَّ أهْلَ الآخِرَةِ مُضْطَرُّونَ إلى مَعْرِفَةِ الحَقِّ، فَإذا عَلِمُوا بِالضَّرُورَةِ أنَّ التَّوْبَةَ عَنِ القَبائِحِ يَجِبُ عَلى اللَّهِ قَبُولُها، وعَلِمُوا بِالضَّرُورَةِ أنَّ الِاشْتِغالَ بِالشُّكْرِ الواجِبِ عَلَيْهِمْ يُوجِبُ عَلى اللَّهِ الثَّوابَ، وهم قادِرُونَ عَلى ذَلِكَ وعالِمُونَ بِأنَّ ذَلِكَ مِمّا يُخَلِّصُهم عَنِ العَذابِ، ويُدْخِلُهم في اسْتِحْقاقِ الثَّوابِ، أفَتَرى أنَّ الإنْسانَ مَعَ العِلْمِ بِذَلِكَ والقُدْرَةِ عَلَيْهِ يَتْرُكُ هَذِهِ التَّوْبَةَ ؟ كَلّا، بَلْ لا بُدَّ أنْ يَتُوبُوا وأنْ يَشْتَغِلُوا بِالشُّكْرِ، ومَتى فَعَلُوا ذَلِكَ فَقَدْ بَطَلَ العِقابُ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿ولَهُ الحُكْمُ﴾ فَهو إمّا في الدُّنْيا أوْ في الآخِرَةِ، فَأمّا في الدُّنْيا فَحُكْمُ كُلِّ أحَدٍ سِواهُ إنَّما نُفِّذَ بِحُكْمِهِ، فَلَوْلا حُكْمُهُ لَما نُفِّذَ عَلى العَبْدِ حُكْمُ سَيِّدِهِ، ولا عَلى الزَّوْجَةِ حُكْمُ زَوْجِها، ولا عَلى الِابْنِ حُكْمُ أبِيهِ، ولا عَلى الرَّعِيَّةِ حُكْمُ سُلْطانِهِمْ، ولا عَلى الأُمَّةِ حُكْمُ الرَّسُولِ، فَهو الحاكِمُ في الحَقِيقَةِ، وأمّا في الآخِرَةِ فَلا شَكَّ أنَّهُ هو الحاكِمُ، لِأنَّهُ الَّذِي يَتَوَلّى الحُكْمَ بَيْنَ العِبادِ في الآخِرَةِ، فَيَنْتَصِفُ لِلْمَظْلُومِينَ مِنَ الظّالِمِينَ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ فالمَعْنى: وإلى مَحَلِّ حُكْمِهِ وقَضائِهِ تُرْجَعُونَ، فَإنَّ كَلِمَةَ (إلى) لِانْتِهاءِ الغايَةِ، وهو تَعالى مُنَزَّهٌ عَنِ المَكانِ والجِهَةِ.

القصص 28:69

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأمّا مَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ صالِحًا فَعَسى أنْ يَكُونَ مِنَ المُفْلِحِينَ﴾ ﴿ورَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ ويَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الخِيَرَةُ سُبْحانَ اللَّهِ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ ﴿ورَبُّكَ يَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهم وما يُعْلِنُونَ﴾ ﴿وهُوَ اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو لَهُ الحَمْدُ في الأُولى والآخِرَةِ ولَهُ الحُكْمُ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ حالَ المُعَذَّبِينَ مِنَ الكُفّارِ وما يَجْرِي عَلَيْهِمْ مِنَ التَّوْبِيخِ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ مَن يَتُوبُ مِنهم في الدُّنْيا تَرْغِيبًا في التَّوْبَةِ وزَجْرًا عَنِ الثَّباتِ عَلى الكُفْرِ فَقالَ: ﴿فَأمّا مَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ صالِحًا فَعَسى أنْ يَكُونَ مِنَ المُفْلِحِينَ﴾ وفي عَسى وُجُوهٌ: أحَدُها: أنَّهُ مِنَ الكِرامِ تَحْقِيقٌ واللَّهُ أكْرَمُ الأكْرَمِينَ. وثانِيها: أنْ يُرادَ تَرَجِّي التّائِبِ وطَمَعُهُ كَأنَّهُ قالَ: فَلْيَطْمَعْ في الفَلاحِ. وثالِثُها: عَسى أنْ يَكُونُوا كَذَلِكَ إنْ دامُوا عَلى التَّوْبَةِ والإيمانِ لِجَوازِ أنْ لا يَدُومُوا، واعْلَمْ أنَّ القَوْمَ كانُوا يَذْكُرُونَ شُبْهَةً أُخْرى ويَقُولُونَ: ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ (الزُّخْرُفِ: ٣١) يَعْنُونَ الوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ، أوْ أبا مَسْعُودٍ الثَّقَفِيَّ، فَأجابَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ورَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ ويَخْتارُ﴾ والمُرادُ أنَّهُ المالِكُ المُطْلَقُ وهو مُنَزَّهٌ عَنِ النَّفْعِ والضُّرِّ فَلَهُ أنْ يَخُصَّ مَن شاءَ بِما شاءَ لا اعْتِراضَ عَلَيْهِ ألْبَتَّةَ، وعَلى طَرِيقَةِ المُعْتَزِلَةِ لَمّا ثَبَتَ أنَّهُ حَكِيمٌ مُطْلَقٌ عُلِمَ أنَّهُ كُلَّ ما فَعَلَهُ كانَ حِكْمَةً وصَوابًا فَلَيْسَ لِأحَدٍ أنْ يَعْتَرِضَ عَلَيْهِ وقَوْلُهُ: ﴿ما كانَ لَهُمُ الخِيَرَةُ﴾ والخِيَرَةُ اسْمٌ مِنَ الِاخْتِيارِ قامَ مَقامَ المَصْدَرِ والخِيَرَةُ أيْضًا اسْمٌ لِلْمُخْتارِ، يُقالُ مُحَمَّدٌ خِيَرَةُ اللَّهِ في خَلْقِهِ. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ في الآيَةِ وجْهانِ: الأوَّلُ: وهو الأحْسَنُ أنْ يَكُونَ تَمامُ الوَقْفِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ويَخْتارُ﴾ ويَكُونُ ﴿ما﴾ نَفْيًا، والمَعْنى: ﴿ورَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ ويَخْتارُ﴾ لَيْسَ لَهُمُ الخِيَرَةُ؛ إذْ لَيْسَ لَهم أنْ يَخْتارُوا عَلى اللَّهِ أنْ يَفْعَلَ. والثّانِي: أنْ يَكُونَ ﴿ما﴾ بِمَعْنى الَّذِي فَيَكُونُ الوَقْفُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ورَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ ثُمَّ يَقُولُ: ﴿ويَخْتارُ﴾ ما كانَ لَهُمُ الخِيَرَةُ، قالَ صفحة ١٠ أبُو القاسِمِ الأنْصارِيُّ: وهَذا مُتَعَلَّقُ المُعْتَزِلَةِ في إيجابِ الصَّلاحِ والأصْلَحِ عَلَيْهِ، وأيُّ صَلاحٍ في تَكْلِيفِ مَن عَلِمَ أنَّهُ لا يُؤْمِنُ ولَوْ لَمْ يُكَلِّفْهُ لاسْتَحَقَّ الجَنَّةَ والنَّعِيمَ مِن فَضْلِ اللَّهِ ؟ فَإنْ قِيلَ: لَمّا كَلَّفَهُ اسْتَوْجَبَ عَلى اللَّهِ ما هو الأفْضَلُ؛ لِأنَّ المُسْتَحِقَّ أفْضَلُ مِنَ المُتَفَضِّلِ بِهِ، قُلْنا: إذا عَلِمَ قَطْعًا أنَّهُ لا يَحْصُلُ ذَلِكَ الأفْضَلُ فَتَوْرِيطُهُ في العِقابِ الأبَدِيِّ لا يَكُونُ رِعايَةً لِلْمَصْلَحَةِ، ثُمَّ قَوْلُهُمُ: المُسْتَحِقُّ خَيْرٌ مِنَ المُتَفَضِّلِ بِهِ جَهْلٌ؛ لِأنَّ ذَلِكَ التَّفاوُتَ إنَّما يَحْصُلُ في حَقِّ مَن يَسْتَنْكِفُ مِن تُفَضُّلِهِ، أمّا الَّذِي ما حَصَّلَ الذّاتَ والصِّفاتِ إلّا بِخَلْقِهِ وبِفَضْلِهِ وإحْسانِهِ فَكَيْفَ يَسْتَنْكِفُ مِن تَفَضُّلِهِ، ثُمَّ قالَ: ﴿سُبْحانَ اللَّهِ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ والمَقْصُودُ أنْ يُعْلَمَ أنَّ الخَلْقَ والِاخْتِيارَ والإعْزازَ والإذْلالَ مُفَوَّضٌ إلَيْهِ لَيْسَ لِأحَدٍ فِيهِ شَرِكَةٌ ومُنازَعَةٌ، ثُمَّ أكَّدَ ذَلِكَ بِأنَّهُ يَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهم مِن عَداوَةِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وما يُعْلِنُونَ مِن مَطاعِنِهِمْ فِيهِ، وقَوْلِهِمْ هَلّا اخْتِيرَ غَيْرُهُ في النُّبُوَّةِ، ولَمّا بَيَّنَ عِلْمَهُ بِما هم عَلَيْهِ مِنَ الغِلِّ والحَسَدِ والسَّفاهَةِ قالَ: ﴿وهُوَ اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى كَوْنِهِ قادِرًا عَلى كُلِّ المُمْكِناتِ، وعالِمًا بِكُلِّ المَعْلُوماتِ، مُنَزَّهًا عَنِ النَّقائِصِ والآفاتِ، يُجازِي المُحْسِنِينَ عَلى طاعَتِهِمْ، ويُعاقِبُ العُصاةَ عَلى عِصْيانِهِمْ، وفِيهِ نِهايَةُ الزَّجْرِ والرَّدْعِ لِلْعُصاةِ ونِهايَةُ تَقْوِيَةِ القَلْبِ لِلْمُطِيعِينَ، ويُحْتَمَلُ أيْضًا أنَّهُ لَمّا بَيَّنَ فَسادَ طَرِيقِ المُشْرِكِينَ مِن قَوْلِهِ: ﴿ويَوْمَ يُنادِيهِمْ﴾ فَيَقُولُ: ﴿أيْنَ شُرَكائِيَ﴾ خَتَمَ الكَلامَ في ذَلِكَ بِإظْهارِ هَذا التَّوْحِيدِ وبَيانِ أنَّ الحَمْدَ والثَّناءَ لا يَلِيقُ إلّا بِهِ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿لَهُ الحَمْدُ في الأُولى والآخِرَةِ﴾ فَهو ظاهِرٌ عَلى قَوْلِنا؛ لِأنَّ الثَّوابَ غَيْرُ واجِبٍ عَلَيْهِ، بَلْ هو سُبْحانَهُ يُعْطِيهِ فَضْلًا وإحْسانًا، فَلَهُ الحَمْدُ في الأُولى والآخِرَةِ، ويُؤَكِّدُ ذَلِكَ قَوْلُ أهْلِ الجَنَّةِ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أذْهَبَ عَنّا الحَزَنَ﴾ (فاطِرٍ: ٣٤ )، ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وعْدَهُ﴾ (الزُّمَرِ: ٧٤ )، ﴿وآخِرُ دَعْواهم أنِ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ (يُونُسَ: ١٠) أمّا المُعْتَزِلَةُ فَعِنْدَهُمُ الثَّوابُ مُسْتَحَقٌّ فَلا يَسْتَحِقُّ الحَمْدَ بِفِعْلِهِ مِن أهْلِ الجَنَّةِ، وأمّا أهْلُ النّارِ فَما أنْعَمَ عَلَيْهِمْ حَتّى يَسْتَحِقَّ الحَمْدَ مِنهم، قالَ القاضِي: إنَّهُ يَسْتَحِقُّ الحَمْدَ والشُّكْرَ مِن أهْلِ النّارِ أيْضًا بِما فَعَلَهُ بِهِمْ في الدُّنْيا مِنَ التَّمْكِينِ والتَّيْسِيرِ والألْطافِ وسائِرِ النِّعَمِ؛ لِأنَّهم بِإساءَتِهِمْ لا يَخْرُجُ ما أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِن أنْ يُوجِبَ الشُّكْرَ، وهَذا فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأنَّ أهْلَ الآخِرَةِ مُضْطَرُّونَ إلى مَعْرِفَةِ الحَقِّ، فَإذا عَلِمُوا بِالضَّرُورَةِ أنَّ التَّوْبَةَ عَنِ القَبائِحِ يَجِبُ عَلى اللَّهِ قَبُولُها، وعَلِمُوا بِالضَّرُورَةِ أنَّ الِاشْتِغالَ بِالشُّكْرِ الواجِبِ عَلَيْهِمْ يُوجِبُ عَلى اللَّهِ الثَّوابَ، وهم قادِرُونَ عَلى ذَلِكَ وعالِمُونَ بِأنَّ ذَلِكَ مِمّا يُخَلِّصُهم عَنِ العَذابِ، ويُدْخِلُهم في اسْتِحْقاقِ الثَّوابِ، أفَتَرى أنَّ الإنْسانَ مَعَ العِلْمِ بِذَلِكَ والقُدْرَةِ عَلَيْهِ يَتْرُكُ هَذِهِ التَّوْبَةَ ؟ كَلّا، بَلْ لا بُدَّ أنْ يَتُوبُوا وأنْ يَشْتَغِلُوا بِالشُّكْرِ، ومَتى فَعَلُوا ذَلِكَ فَقَدْ بَطَلَ العِقابُ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿ولَهُ الحُكْمُ﴾ فَهو إمّا في الدُّنْيا أوْ في الآخِرَةِ، فَأمّا في الدُّنْيا فَحُكْمُ كُلِّ أحَدٍ سِواهُ إنَّما نُفِّذَ بِحُكْمِهِ، فَلَوْلا حُكْمُهُ لَما نُفِّذَ عَلى العَبْدِ حُكْمُ سَيِّدِهِ، ولا عَلى الزَّوْجَةِ حُكْمُ زَوْجِها، ولا عَلى الِابْنِ حُكْمُ أبِيهِ، ولا عَلى الرَّعِيَّةِ حُكْمُ سُلْطانِهِمْ، ولا عَلى الأُمَّةِ حُكْمُ الرَّسُولِ، فَهو الحاكِمُ في الحَقِيقَةِ، وأمّا في الآخِرَةِ فَلا شَكَّ أنَّهُ هو الحاكِمُ، لِأنَّهُ الَّذِي يَتَوَلّى الحُكْمَ بَيْنَ العِبادِ في الآخِرَةِ، فَيَنْتَصِفُ لِلْمَظْلُومِينَ مِنَ الظّالِمِينَ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ فالمَعْنى: وإلى مَحَلِّ حُكْمِهِ وقَضائِهِ تُرْجَعُونَ، فَإنَّ كَلِمَةَ (إلى) لِانْتِهاءِ الغايَةِ، وهو تَعالى مُنَزَّهٌ عَنِ المَكانِ والجِهَةِ.

القصص 28:70

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأمّا مَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ صالِحًا فَعَسى أنْ يَكُونَ مِنَ المُفْلِحِينَ﴾ ﴿ورَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ ويَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الخِيَرَةُ سُبْحانَ اللَّهِ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ ﴿ورَبُّكَ يَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهم وما يُعْلِنُونَ﴾ ﴿وهُوَ اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو لَهُ الحَمْدُ في الأُولى والآخِرَةِ ولَهُ الحُكْمُ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ حالَ المُعَذَّبِينَ مِنَ الكُفّارِ وما يَجْرِي عَلَيْهِمْ مِنَ التَّوْبِيخِ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ مَن يَتُوبُ مِنهم في الدُّنْيا تَرْغِيبًا في التَّوْبَةِ وزَجْرًا عَنِ الثَّباتِ عَلى الكُفْرِ فَقالَ: ﴿فَأمّا مَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ صالِحًا فَعَسى أنْ يَكُونَ مِنَ المُفْلِحِينَ﴾ وفي عَسى وُجُوهٌ: أحَدُها: أنَّهُ مِنَ الكِرامِ تَحْقِيقٌ واللَّهُ أكْرَمُ الأكْرَمِينَ. وثانِيها: أنْ يُرادَ تَرَجِّي التّائِبِ وطَمَعُهُ كَأنَّهُ قالَ: فَلْيَطْمَعْ في الفَلاحِ. وثالِثُها: عَسى أنْ يَكُونُوا كَذَلِكَ إنْ دامُوا عَلى التَّوْبَةِ والإيمانِ لِجَوازِ أنْ لا يَدُومُوا، واعْلَمْ أنَّ القَوْمَ كانُوا يَذْكُرُونَ شُبْهَةً أُخْرى ويَقُولُونَ: ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ (الزُّخْرُفِ: ٣١) يَعْنُونَ الوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ، أوْ أبا مَسْعُودٍ الثَّقَفِيَّ، فَأجابَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ورَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ ويَخْتارُ﴾ والمُرادُ أنَّهُ المالِكُ المُطْلَقُ وهو مُنَزَّهٌ عَنِ النَّفْعِ والضُّرِّ فَلَهُ أنْ يَخُصَّ مَن شاءَ بِما شاءَ لا اعْتِراضَ عَلَيْهِ ألْبَتَّةَ، وعَلى طَرِيقَةِ المُعْتَزِلَةِ لَمّا ثَبَتَ أنَّهُ حَكِيمٌ مُطْلَقٌ عُلِمَ أنَّهُ كُلَّ ما فَعَلَهُ كانَ حِكْمَةً وصَوابًا فَلَيْسَ لِأحَدٍ أنْ يَعْتَرِضَ عَلَيْهِ وقَوْلُهُ: ﴿ما كانَ لَهُمُ الخِيَرَةُ﴾ والخِيَرَةُ اسْمٌ مِنَ الِاخْتِيارِ قامَ مَقامَ المَصْدَرِ والخِيَرَةُ أيْضًا اسْمٌ لِلْمُخْتارِ، يُقالُ مُحَمَّدٌ خِيَرَةُ اللَّهِ في خَلْقِهِ. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ في الآيَةِ وجْهانِ: الأوَّلُ: وهو الأحْسَنُ أنْ يَكُونَ تَمامُ الوَقْفِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ويَخْتارُ﴾ ويَكُونُ ﴿ما﴾ نَفْيًا، والمَعْنى: ﴿ورَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ ويَخْتارُ﴾ لَيْسَ لَهُمُ الخِيَرَةُ؛ إذْ لَيْسَ لَهم أنْ يَخْتارُوا عَلى اللَّهِ أنْ يَفْعَلَ. والثّانِي: أنْ يَكُونَ ﴿ما﴾ بِمَعْنى الَّذِي فَيَكُونُ الوَقْفُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ورَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ ثُمَّ يَقُولُ: ﴿ويَخْتارُ﴾ ما كانَ لَهُمُ الخِيَرَةُ، قالَ صفحة ١٠ أبُو القاسِمِ الأنْصارِيُّ: وهَذا مُتَعَلَّقُ المُعْتَزِلَةِ في إيجابِ الصَّلاحِ والأصْلَحِ عَلَيْهِ، وأيُّ صَلاحٍ في تَكْلِيفِ مَن عَلِمَ أنَّهُ لا يُؤْمِنُ ولَوْ لَمْ يُكَلِّفْهُ لاسْتَحَقَّ الجَنَّةَ والنَّعِيمَ مِن فَضْلِ اللَّهِ ؟ فَإنْ قِيلَ: لَمّا كَلَّفَهُ اسْتَوْجَبَ عَلى اللَّهِ ما هو الأفْضَلُ؛ لِأنَّ المُسْتَحِقَّ أفْضَلُ مِنَ المُتَفَضِّلِ بِهِ، قُلْنا: إذا عَلِمَ قَطْعًا أنَّهُ لا يَحْصُلُ ذَلِكَ الأفْضَلُ فَتَوْرِيطُهُ في العِقابِ الأبَدِيِّ لا يَكُونُ رِعايَةً لِلْمَصْلَحَةِ، ثُمَّ قَوْلُهُمُ: المُسْتَحِقُّ خَيْرٌ مِنَ المُتَفَضِّلِ بِهِ جَهْلٌ؛ لِأنَّ ذَلِكَ التَّفاوُتَ إنَّما يَحْصُلُ في حَقِّ مَن يَسْتَنْكِفُ مِن تُفَضُّلِهِ، أمّا الَّذِي ما حَصَّلَ الذّاتَ والصِّفاتِ إلّا بِخَلْقِهِ وبِفَضْلِهِ وإحْسانِهِ فَكَيْفَ يَسْتَنْكِفُ مِن تَفَضُّلِهِ، ثُمَّ قالَ: ﴿سُبْحانَ اللَّهِ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ والمَقْصُودُ أنْ يُعْلَمَ أنَّ الخَلْقَ والِاخْتِيارَ والإعْزازَ والإذْلالَ مُفَوَّضٌ إلَيْهِ لَيْسَ لِأحَدٍ فِيهِ شَرِكَةٌ ومُنازَعَةٌ، ثُمَّ أكَّدَ ذَلِكَ بِأنَّهُ يَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهم مِن عَداوَةِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وما يُعْلِنُونَ مِن مَطاعِنِهِمْ فِيهِ، وقَوْلِهِمْ هَلّا اخْتِيرَ غَيْرُهُ في النُّبُوَّةِ، ولَمّا بَيَّنَ عِلْمَهُ بِما هم عَلَيْهِ مِنَ الغِلِّ والحَسَدِ والسَّفاهَةِ قالَ: ﴿وهُوَ اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى كَوْنِهِ قادِرًا عَلى كُلِّ المُمْكِناتِ، وعالِمًا بِكُلِّ المَعْلُوماتِ، مُنَزَّهًا عَنِ النَّقائِصِ والآفاتِ، يُجازِي المُحْسِنِينَ عَلى طاعَتِهِمْ، ويُعاقِبُ العُصاةَ عَلى عِصْيانِهِمْ، وفِيهِ نِهايَةُ الزَّجْرِ والرَّدْعِ لِلْعُصاةِ ونِهايَةُ تَقْوِيَةِ القَلْبِ لِلْمُطِيعِينَ، ويُحْتَمَلُ أيْضًا أنَّهُ لَمّا بَيَّنَ فَسادَ طَرِيقِ المُشْرِكِينَ مِن قَوْلِهِ: ﴿ويَوْمَ يُنادِيهِمْ﴾ فَيَقُولُ: ﴿أيْنَ شُرَكائِيَ﴾ خَتَمَ الكَلامَ في ذَلِكَ بِإظْهارِ هَذا التَّوْحِيدِ وبَيانِ أنَّ الحَمْدَ والثَّناءَ لا يَلِيقُ إلّا بِهِ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿لَهُ الحَمْدُ في الأُولى والآخِرَةِ﴾ فَهو ظاهِرٌ عَلى قَوْلِنا؛ لِأنَّ الثَّوابَ غَيْرُ واجِبٍ عَلَيْهِ، بَلْ هو سُبْحانَهُ يُعْطِيهِ فَضْلًا وإحْسانًا، فَلَهُ الحَمْدُ في الأُولى والآخِرَةِ، ويُؤَكِّدُ ذَلِكَ قَوْلُ أهْلِ الجَنَّةِ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أذْهَبَ عَنّا الحَزَنَ﴾ (فاطِرٍ: ٣٤ )، ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وعْدَهُ﴾ (الزُّمَرِ: ٧٤ )، ﴿وآخِرُ دَعْواهم أنِ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ (يُونُسَ: ١٠) أمّا المُعْتَزِلَةُ فَعِنْدَهُمُ الثَّوابُ مُسْتَحَقٌّ فَلا يَسْتَحِقُّ الحَمْدَ بِفِعْلِهِ مِن أهْلِ الجَنَّةِ، وأمّا أهْلُ النّارِ فَما أنْعَمَ عَلَيْهِمْ حَتّى يَسْتَحِقَّ الحَمْدَ مِنهم، قالَ القاضِي: إنَّهُ يَسْتَحِقُّ الحَمْدَ والشُّكْرَ مِن أهْلِ النّارِ أيْضًا بِما فَعَلَهُ بِهِمْ في الدُّنْيا مِنَ التَّمْكِينِ والتَّيْسِيرِ والألْطافِ وسائِرِ النِّعَمِ؛ لِأنَّهم بِإساءَتِهِمْ لا يَخْرُجُ ما أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِن أنْ يُوجِبَ الشُّكْرَ، وهَذا فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأنَّ أهْلَ الآخِرَةِ مُضْطَرُّونَ إلى مَعْرِفَةِ الحَقِّ، فَإذا عَلِمُوا بِالضَّرُورَةِ أنَّ التَّوْبَةَ عَنِ القَبائِحِ يَجِبُ عَلى اللَّهِ قَبُولُها، وعَلِمُوا بِالضَّرُورَةِ أنَّ الِاشْتِغالَ بِالشُّكْرِ الواجِبِ عَلَيْهِمْ يُوجِبُ عَلى اللَّهِ الثَّوابَ، وهم قادِرُونَ عَلى ذَلِكَ وعالِمُونَ بِأنَّ ذَلِكَ مِمّا يُخَلِّصُهم عَنِ العَذابِ، ويُدْخِلُهم في اسْتِحْقاقِ الثَّوابِ، أفَتَرى أنَّ الإنْسانَ مَعَ العِلْمِ بِذَلِكَ والقُدْرَةِ عَلَيْهِ يَتْرُكُ هَذِهِ التَّوْبَةَ ؟ كَلّا، بَلْ لا بُدَّ أنْ يَتُوبُوا وأنْ يَشْتَغِلُوا بِالشُّكْرِ، ومَتى فَعَلُوا ذَلِكَ فَقَدْ بَطَلَ العِقابُ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿ولَهُ الحُكْمُ﴾ فَهو إمّا في الدُّنْيا أوْ في الآخِرَةِ، فَأمّا في الدُّنْيا فَحُكْمُ كُلِّ أحَدٍ سِواهُ إنَّما نُفِّذَ بِحُكْمِهِ، فَلَوْلا حُكْمُهُ لَما نُفِّذَ عَلى العَبْدِ حُكْمُ سَيِّدِهِ، ولا عَلى الزَّوْجَةِ حُكْمُ زَوْجِها، ولا عَلى الِابْنِ حُكْمُ أبِيهِ، ولا عَلى الرَّعِيَّةِ حُكْمُ سُلْطانِهِمْ، ولا عَلى الأُمَّةِ حُكْمُ الرَّسُولِ، فَهو الحاكِمُ في الحَقِيقَةِ، وأمّا في الآخِرَةِ فَلا شَكَّ أنَّهُ هو الحاكِمُ، لِأنَّهُ الَّذِي يَتَوَلّى الحُكْمَ بَيْنَ العِبادِ في الآخِرَةِ، فَيَنْتَصِفُ لِلْمَظْلُومِينَ مِنَ الظّالِمِينَ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ فالمَعْنى: وإلى مَحَلِّ حُكْمِهِ وقَضائِهِ تُرْجَعُونَ، فَإنَّ كَلِمَةَ (إلى) لِانْتِهاءِ الغايَةِ، وهو تَعالى مُنَزَّهٌ عَنِ المَكانِ والجِهَةِ.

القصص 28:71

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إلى يَوْمِ القِيامَةِ مَن إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكم بِضِياءٍ أفَلا تَسْمَعُونَ﴾ ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَدًا إلى يَوْمِ القِيامَةِ مَن إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكم بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ ﴿ومِن رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ مِن قَبْلُ اسْتِحْقاقَهُ لِلْحَمْدِ عَلى وجْهِ الإجْمالِ بِقَوْلِهِ: ﴿وهُوَ اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو لَهُ الحَمْدُ في الأُولى والآخِرَةِ ولَهُ الحُكْمُ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ فَصَّلَ عَقِيبَ ذَلِكَ بِبَعْضِ ما يَجِبُ أنْ يُحْمَدَ عَلَيْهِ مِمّا لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ سِواهُ، فَقالَ لِرَسُولِهِ: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ فَنَبَّهَ عَلى أنَّ الوَجْهَ في كَوْنِ اللَّيْلِ والنَّهارِ نِعْمَتانِ يَتَعاقَبانِ عَلى الزَّمانِ؛ لِأنَّ المَرْءَ في الدُّنْيا وفي حالِ التَّكْلِيفِ مَدْفُوعٌ إلى أنْ يَتْعَبَ لِتَحْصِيلِ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ، ولا يَتِمُّ لَهُ ذَلِكَ لَوْلا ضَوْءُ النَّهارِ، ولِأجْلِهِ يَحْصُلُ الِاجْتِماعُ فَيُمْكِنُ المُعامَلاتُ، ومَعْلُومٌ أنَّ ذَلِكَ لا يَتِمُّ لَوْلا الرّاحَةُ والسُّكُونُ بِاللَّيْلِ فَلا بُدَّ مِنهُما والحالَةُ هَذِهِ، فَأمّا في الجَنَّةِ فَلا نَصَبَ ولا تَعَبَ فَلا حاجَةَ بِهِمْ إلى اللَّيْلِ فَلِذَلِكَ يَدُومُ لَهُمُ الضِّياءُ واللَّذّاتُ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهُ لا قادِرَ عَلى ذَلِكَ إلّا اللَّهُ تَعالى، وإنَّما قالَ: ﴿أفَلا تَسْمَعُونَ﴾، ﴿أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ لِأنَّ الغَرَضَ مِن ذَلِكَ الِانْتِفاعُ بِما يَسْمَعُونَ ويُبْصِرُونَ مِن جِهَةِ التَّدَبُّرِ، فَلَمّا لَمْ يَنْتَفِعُوا نُزِّلُوا مَنزِلَةَ مَن لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ، قالَ الكَلْبِيُّ قَوْلُهُ: ﴿أفَلا تَسْمَعُونَ﴾ مَعْناهُ أفَلا تُطِيعُونَ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ، وقَوْلُهُ: ﴿أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ مَعْناهُ أفَلا تُبْصِرُونَ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الخَطَأِ والضَّلالِ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ السَّرْمَدُ الدّائِمِ المُتَّصِلُ مِنَ السَّرْدِ وهو المُتابَعَةُ، ومِنهُ قَوْلُهم: في الأشْهُرِ الحُرُمِ ثَلاثَةٌ سَرْدٌ، وواحِدٌ فَرْدٌ، فَإنْ قِيلَ: هَلّا قالَ: بِنَهارٍ تَتَصَرَّفُونَ فِيهِ، كَما قِيلَ: بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ ؟ قُلْنا ذَكَرَ الضِّياءِ وهو ضَوْءُ الشَّمْسِ؛ لِأنَّ المَنافِعَ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِهِ مُتَكاثِرَةٌ، لَيْسَ التَّصَرُّفُ في المَعاشِ وحْدَهُ، والظَّلامُ لَيْسَ بِتِلْكَ المَنزِلَةِ، وإنَّما قَرَنَ بِالضِّياءِ أفَلا تَسْمَعُونَ؛ لِأنَّ السَّمْعَ يُدْرِكُ ما لا يُدْرِكُهُ البَصَرُ مِن دَرْكِ مَنافِعِهِ ووَصْفِ فَوائِدِهِ، وقَرَنَ بِاللَّيْلِ أفَلا تُبْصِرُونَ؛ لِأنَّ غَيْرَكَ يُدْرِكُ مِن مَنفَعَةِ الظَّلامِ ما تُبْصِرُهُ أنْتَ مِنَ السُّكُونِ ونَحْوِهِ، ومِن رَحْمَتِهِ زاوَجَ بَيْنَ اللَّيْلِ والنَّهارِ لِأغْراضٍ ثَلاثَةٍ لِتَسْكُنُوا في أحَدِهِما وهو اللَّيْلُ، ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ في الآخَرِ وهو النَّهارُ ولِأداءِ الشُّكْرِ عَلى المَنفَعَتَيْنِ مَعًا.

القصص 28:72

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إلى يَوْمِ القِيامَةِ مَن إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكم بِضِياءٍ أفَلا تَسْمَعُونَ﴾ ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَدًا إلى يَوْمِ القِيامَةِ مَن إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكم بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ ﴿ومِن رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ مِن قَبْلُ اسْتِحْقاقَهُ لِلْحَمْدِ عَلى وجْهِ الإجْمالِ بِقَوْلِهِ: ﴿وهُوَ اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو لَهُ الحَمْدُ في الأُولى والآخِرَةِ ولَهُ الحُكْمُ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ فَصَّلَ عَقِيبَ ذَلِكَ بِبَعْضِ ما يَجِبُ أنْ يُحْمَدَ عَلَيْهِ مِمّا لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ سِواهُ، فَقالَ لِرَسُولِهِ: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ فَنَبَّهَ عَلى أنَّ الوَجْهَ في كَوْنِ اللَّيْلِ والنَّهارِ نِعْمَتانِ يَتَعاقَبانِ عَلى الزَّمانِ؛ لِأنَّ المَرْءَ في الدُّنْيا وفي حالِ التَّكْلِيفِ مَدْفُوعٌ إلى أنْ يَتْعَبَ لِتَحْصِيلِ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ، ولا يَتِمُّ لَهُ ذَلِكَ لَوْلا ضَوْءُ النَّهارِ، ولِأجْلِهِ يَحْصُلُ الِاجْتِماعُ فَيُمْكِنُ المُعامَلاتُ، ومَعْلُومٌ أنَّ ذَلِكَ لا يَتِمُّ لَوْلا الرّاحَةُ والسُّكُونُ بِاللَّيْلِ فَلا بُدَّ مِنهُما والحالَةُ هَذِهِ، فَأمّا في الجَنَّةِ فَلا نَصَبَ ولا تَعَبَ فَلا حاجَةَ بِهِمْ إلى اللَّيْلِ فَلِذَلِكَ يَدُومُ لَهُمُ الضِّياءُ واللَّذّاتُ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهُ لا قادِرَ عَلى ذَلِكَ إلّا اللَّهُ تَعالى، وإنَّما قالَ: ﴿أفَلا تَسْمَعُونَ﴾، ﴿أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ لِأنَّ الغَرَضَ مِن ذَلِكَ الِانْتِفاعُ بِما يَسْمَعُونَ ويُبْصِرُونَ مِن جِهَةِ التَّدَبُّرِ، فَلَمّا لَمْ يَنْتَفِعُوا نُزِّلُوا مَنزِلَةَ مَن لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ، قالَ الكَلْبِيُّ قَوْلُهُ: ﴿أفَلا تَسْمَعُونَ﴾ مَعْناهُ أفَلا تُطِيعُونَ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ، وقَوْلُهُ: ﴿أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ مَعْناهُ أفَلا تُبْصِرُونَ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الخَطَأِ والضَّلالِ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ السَّرْمَدُ الدّائِمِ المُتَّصِلُ مِنَ السَّرْدِ وهو المُتابَعَةُ، ومِنهُ قَوْلُهم: في الأشْهُرِ الحُرُمِ ثَلاثَةٌ سَرْدٌ، وواحِدٌ فَرْدٌ، فَإنْ قِيلَ: هَلّا قالَ: بِنَهارٍ تَتَصَرَّفُونَ فِيهِ، كَما قِيلَ: بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ ؟ قُلْنا ذَكَرَ الضِّياءِ وهو ضَوْءُ الشَّمْسِ؛ لِأنَّ المَنافِعَ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِهِ مُتَكاثِرَةٌ، لَيْسَ التَّصَرُّفُ في المَعاشِ وحْدَهُ، والظَّلامُ لَيْسَ بِتِلْكَ المَنزِلَةِ، وإنَّما قَرَنَ بِالضِّياءِ أفَلا تَسْمَعُونَ؛ لِأنَّ السَّمْعَ يُدْرِكُ ما لا يُدْرِكُهُ البَصَرُ مِن دَرْكِ مَنافِعِهِ ووَصْفِ فَوائِدِهِ، وقَرَنَ بِاللَّيْلِ أفَلا تُبْصِرُونَ؛ لِأنَّ غَيْرَكَ يُدْرِكُ مِن مَنفَعَةِ الظَّلامِ ما تُبْصِرُهُ أنْتَ مِنَ السُّكُونِ ونَحْوِهِ، ومِن رَحْمَتِهِ زاوَجَ بَيْنَ اللَّيْلِ والنَّهارِ لِأغْراضٍ ثَلاثَةٍ لِتَسْكُنُوا في أحَدِهِما وهو اللَّيْلُ، ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ في الآخَرِ وهو النَّهارُ ولِأداءِ الشُّكْرِ عَلى المَنفَعَتَيْنِ مَعًا.

القصص 28:73

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إلى يَوْمِ القِيامَةِ مَن إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكم بِضِياءٍ أفَلا تَسْمَعُونَ﴾ ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَدًا إلى يَوْمِ القِيامَةِ مَن إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكم بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ ﴿ومِن رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ مِن قَبْلُ اسْتِحْقاقَهُ لِلْحَمْدِ عَلى وجْهِ الإجْمالِ بِقَوْلِهِ: ﴿وهُوَ اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو لَهُ الحَمْدُ في الأُولى والآخِرَةِ ولَهُ الحُكْمُ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ فَصَّلَ عَقِيبَ ذَلِكَ بِبَعْضِ ما يَجِبُ أنْ يُحْمَدَ عَلَيْهِ مِمّا لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ سِواهُ، فَقالَ لِرَسُولِهِ: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ فَنَبَّهَ عَلى أنَّ الوَجْهَ في كَوْنِ اللَّيْلِ والنَّهارِ نِعْمَتانِ يَتَعاقَبانِ عَلى الزَّمانِ؛ لِأنَّ المَرْءَ في الدُّنْيا وفي حالِ التَّكْلِيفِ مَدْفُوعٌ إلى أنْ يَتْعَبَ لِتَحْصِيلِ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ، ولا يَتِمُّ لَهُ ذَلِكَ لَوْلا ضَوْءُ النَّهارِ، ولِأجْلِهِ يَحْصُلُ الِاجْتِماعُ فَيُمْكِنُ المُعامَلاتُ، ومَعْلُومٌ أنَّ ذَلِكَ لا يَتِمُّ لَوْلا الرّاحَةُ والسُّكُونُ بِاللَّيْلِ فَلا بُدَّ مِنهُما والحالَةُ هَذِهِ، فَأمّا في الجَنَّةِ فَلا نَصَبَ ولا تَعَبَ فَلا حاجَةَ بِهِمْ إلى اللَّيْلِ فَلِذَلِكَ يَدُومُ لَهُمُ الضِّياءُ واللَّذّاتُ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهُ لا قادِرَ عَلى ذَلِكَ إلّا اللَّهُ تَعالى، وإنَّما قالَ: ﴿أفَلا تَسْمَعُونَ﴾، ﴿أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ لِأنَّ الغَرَضَ مِن ذَلِكَ الِانْتِفاعُ بِما يَسْمَعُونَ ويُبْصِرُونَ مِن جِهَةِ التَّدَبُّرِ، فَلَمّا لَمْ يَنْتَفِعُوا نُزِّلُوا مَنزِلَةَ مَن لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ، قالَ الكَلْبِيُّ قَوْلُهُ: ﴿أفَلا تَسْمَعُونَ﴾ مَعْناهُ أفَلا تُطِيعُونَ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ، وقَوْلُهُ: ﴿أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ مَعْناهُ أفَلا تُبْصِرُونَ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الخَطَأِ والضَّلالِ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ السَّرْمَدُ الدّائِمِ المُتَّصِلُ مِنَ السَّرْدِ وهو المُتابَعَةُ، ومِنهُ قَوْلُهم: في الأشْهُرِ الحُرُمِ ثَلاثَةٌ سَرْدٌ، وواحِدٌ فَرْدٌ، فَإنْ قِيلَ: هَلّا قالَ: بِنَهارٍ تَتَصَرَّفُونَ فِيهِ، كَما قِيلَ: بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ ؟ قُلْنا ذَكَرَ الضِّياءِ وهو ضَوْءُ الشَّمْسِ؛ لِأنَّ المَنافِعَ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِهِ مُتَكاثِرَةٌ، لَيْسَ التَّصَرُّفُ في المَعاشِ وحْدَهُ، والظَّلامُ لَيْسَ بِتِلْكَ المَنزِلَةِ، وإنَّما قَرَنَ بِالضِّياءِ أفَلا تَسْمَعُونَ؛ لِأنَّ السَّمْعَ يُدْرِكُ ما لا يُدْرِكُهُ البَصَرُ مِن دَرْكِ مَنافِعِهِ ووَصْفِ فَوائِدِهِ، وقَرَنَ بِاللَّيْلِ أفَلا تُبْصِرُونَ؛ لِأنَّ غَيْرَكَ يُدْرِكُ مِن مَنفَعَةِ الظَّلامِ ما تُبْصِرُهُ أنْتَ مِنَ السُّكُونِ ونَحْوِهِ، ومِن رَحْمَتِهِ زاوَجَ بَيْنَ اللَّيْلِ والنَّهارِ لِأغْراضٍ ثَلاثَةٍ لِتَسْكُنُوا في أحَدِهِما وهو اللَّيْلُ، ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ في الآخَرِ وهو النَّهارُ ولِأداءِ الشُّكْرِ عَلى المَنفَعَتَيْنِ مَعًا.

القصص 28:74

صفحة ١٢ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ ﴿ونَزَعْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنا هاتُوا بُرْهانَكم فَعَلِمُوا أنَّ الحَقَّ لِلَّهِ وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا هَجَّنَ طَرِيقَةَ المُشْرِكِينَ أوَّلًا ثُمَّ ذَكَرَ التَّوْحِيدَ ودَلائِلَهُ ثانِيًا، عادَ إلى تَهْجِينِ طَرِيقَتِهِمْ مَرَّةً أُخْرى وشَرَحَ حالَهم في الآخِرَةِ فَقالَ: ﴿ويَوْمَ يُنادِيهِمْ﴾ أيْ يَوْمَ القِيامَةِ فَيَقُولُ: ﴿أيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ والمَعْنى: أيْنَ الَّذِينَ ادَّعَيْتُمْ إلَهِيَّتَهم لِتَخَلُّصِكم، أوْ أيْنَ قَوْلُكم تُقَرِّبُنا إلى اللَّهِ زُلْفى وقَدْ عَلِمُوا أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، فَيَكُونُ ذَلِكَ زائِدًا في غَمِّهِمْ إذا خُوطِبُوا بِهَذا القَوْلِ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿ونَزَعْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا﴾ فالمُرادُ مَيَّزْنا واحِدًا لِيَشْهَدَ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ قالَ بَعْضُهم هُمُ الأنْبِياءُ يَشْهَدُونَ بِأنَّهم بَلَّغُوا القَوْمَ الدَّلائِلَ، وبَلَغُوا في إيضاحِها كُلَّ غايَةٍ؛ لِيُعْلَمَ أنَّ التَّقْصِيرَ مِنهم فَيَكُونُ ذَلِكَ زائِدًا في غَمِّهِمْ، وقالَ آخَرُونَ بَلْ هُمُ الشُّهَداءُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ عَلى النّاسِ في كُلِّ زَمانٍ، ويَدْخُلُ في جُمْلَتِهِمُ الأنْبِياءُ وهَذا أقْرَبُ؛ لِأنَّهُ تَعالى عَمَّ كَلَّ أُمَّةٍ وكُلَّ جَماعَةٍ بِأنْ يَنْزِعَ مِنهُمُ الشَّهِيدَ فَيَدْخُلَ فِيهِ الأحْوالُ الَّتِي لَمْ يُوجَدْ فِيها النَّبِيُّ وهي أزْمِنَةُ الفَتَراتِ، والأزْمِنَةُ الَّتِي حَصَلَتْ بَعْدَ مُحَمَّدٍ -ﷺ- فَعَلِمُوا حِينَئِذٍ أنَّ الحَقَّ لِلَّهِ ولِرُسُلِهِ ﴿وضَلَّ عَنْهُمْ﴾ غابَ عَنْهم غَيْبَةَ الشَّيْءِ الضّائِعِ ﴿ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ مِنَ الباطِلِ والكَذِبِ.

القصص 28:75

صفحة ١٢ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ ﴿ونَزَعْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنا هاتُوا بُرْهانَكم فَعَلِمُوا أنَّ الحَقَّ لِلَّهِ وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا هَجَّنَ طَرِيقَةَ المُشْرِكِينَ أوَّلًا ثُمَّ ذَكَرَ التَّوْحِيدَ ودَلائِلَهُ ثانِيًا، عادَ إلى تَهْجِينِ طَرِيقَتِهِمْ مَرَّةً أُخْرى وشَرَحَ حالَهم في الآخِرَةِ فَقالَ: ﴿ويَوْمَ يُنادِيهِمْ﴾ أيْ يَوْمَ القِيامَةِ فَيَقُولُ: ﴿أيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ والمَعْنى: أيْنَ الَّذِينَ ادَّعَيْتُمْ إلَهِيَّتَهم لِتَخَلُّصِكم، أوْ أيْنَ قَوْلُكم تُقَرِّبُنا إلى اللَّهِ زُلْفى وقَدْ عَلِمُوا أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، فَيَكُونُ ذَلِكَ زائِدًا في غَمِّهِمْ إذا خُوطِبُوا بِهَذا القَوْلِ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿ونَزَعْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا﴾ فالمُرادُ مَيَّزْنا واحِدًا لِيَشْهَدَ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ قالَ بَعْضُهم هُمُ الأنْبِياءُ يَشْهَدُونَ بِأنَّهم بَلَّغُوا القَوْمَ الدَّلائِلَ، وبَلَغُوا في إيضاحِها كُلَّ غايَةٍ؛ لِيُعْلَمَ أنَّ التَّقْصِيرَ مِنهم فَيَكُونُ ذَلِكَ زائِدًا في غَمِّهِمْ، وقالَ آخَرُونَ بَلْ هُمُ الشُّهَداءُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ عَلى النّاسِ في كُلِّ زَمانٍ، ويَدْخُلُ في جُمْلَتِهِمُ الأنْبِياءُ وهَذا أقْرَبُ؛ لِأنَّهُ تَعالى عَمَّ كَلَّ أُمَّةٍ وكُلَّ جَماعَةٍ بِأنْ يَنْزِعَ مِنهُمُ الشَّهِيدَ فَيَدْخُلَ فِيهِ الأحْوالُ الَّتِي لَمْ يُوجَدْ فِيها النَّبِيُّ وهي أزْمِنَةُ الفَتَراتِ، والأزْمِنَةُ الَّتِي حَصَلَتْ بَعْدَ مُحَمَّدٍ -ﷺ- فَعَلِمُوا حِينَئِذٍ أنَّ الحَقَّ لِلَّهِ ولِرُسُلِهِ ﴿وضَلَّ عَنْهُمْ﴾ غابَ عَنْهم غَيْبَةَ الشَّيْءِ الضّائِعِ ﴿ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ مِنَ الباطِلِ والكَذِبِ.

القصص 28:76

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ قارُونَ كانَ مِن قَوْمِ مُوسى فَبَغى عَلَيْهِمْ وآتَيْناهُ مِنَ الكُنُوزِ ما إنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالعُصْبَةِ أُولِي القُوَّةِ إذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الفَرِحِينَ﴾ ﴿وابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ الدّارَ الآخِرَةَ ولا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا وأحْسِنْ كَما أحْسَنَ اللَّهُ إلَيْكَ ولا تَبْغِ الفَسادَ في الأرْضِ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ المُفْسِدِينَ﴾ ﴿قالَ إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي أوَلَمْ يَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ قَدْ أهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ القُرُونِ مَن هو أشَدُّ مِنهُ قُوَّةً وأكْثَرُ جَمْعًا ولا يُسْألُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ المُجْرِمُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّ نَصَّ القُرْآنِ يَدُلُّ عَلى أنَّ قارُونَ كانَ مِن قَوْمِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وظاهِرُ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ مِمَّنْ قَدْ آمَنَ بِهِ، ولا يَبْعُدُ أيْضًا حَمْلُهُ عَلى القَرابَةِ، قالَ الكَلْبِيُّ: إنَّهُ كانَ ابْنَ عَمِّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، لِأنَّهُ كانَ قارُونُ بْنَ يَصْهَرَ بْنِ قاهِثِ بْنِ لاوِي، ومُوسى بْنَ عِمْرانَ بْنِ قاهِثِ بْنِ لاوِي وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ: إنَّهُ كانَ عَمَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ؛ لِأنَّ مُوسى بْنُ عِمْرانَ بْنِ يَصْهَرَ بْنِ قاهِثَ وقارُونَ بْنُ يَصْهَرَ بْنِ قاهِثَ. وعَنِ ابْنِ صفحة ١٣ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ ابْنَ خالَتِهِ، ثُمَّ قِيلَ: إنَّهُ كانَ يُسَمّى المُنَوَّرَ لِحُسْنِ صُورَتِهِ، وكانَ أقْرَأ بَنِي إسْرائِيلَ لِلتَّوْراةِ، إلّا أنَّهُ نافَقَ كَما نافَقَ السّامِرِيُّ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَبَغى عَلَيْهِمْ﴾ (القَصَصِ: ٧٦) فَفِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: أنَّهُ بَغى بِسَبَبِ مالِهِ، وبَغْيُهُ أنَّهُ اسْتَخَفَّ بِالفُقَراءِ ولَمْ يَرْعَ لَهم حَقَّ الإيمانِ ولا عَظَّمَهم مَعَ كَثْرَةِ أمْوالِهِ. والثّانِي: أنَّهُ مِنَ الظُّلْمِ، قِيلَ: مَلَّكَهُ فِرْعَوْنُ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ فَظَلَمَهم. الثّالِثُ: قالَ القَفّالُ: بَغى عَلَيْهِمْ، أيْ طَلَبَ الفَضْلَ عَلَيْهِمْ وأنْ يَكُونُوا تَحْتَ يَدِهِ. الرّابِعُ: قالَ الضَّحّاكُ: طَغى عَلَيْهِمْ واسْتَطالَ عَلَيْهِمْ فَلَمْ يُوَفِّقْهم في أمْرٍ. الخامِسُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: تَجَبَّرَ وتَكَبَّرَ عَلَيْهِمْ وسَخِطَ عَلَيْهِمْ. السّادِسُ: قالَ شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ: بَغْيُهُ عَلَيْهِمْ أنَّهُ زادَ عَلَيْهِمْ في الثِّيابِ شِبْرًا، وهَذا يَعُودُ إلى التَّكَبُّرِ. السّابِعُ: قالَ الكَلْبِيُّ: بَغْيُهُ عَلَيْهِمْ أنَّهُ حَسَدَ هارُونَ عَلى الحُبُورَةِ، يُرْوى أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا قَطَعَ البَحْرَ وأغْرَقَ اللَّهُ تَعالى فِرْعَوْنَ جَعَلَ الحُبُورَةِ لِهارُونَ، فَحَصَلَتْ لَهُ النُّبُوَّةُ والحُبُورَةُ وكانَ صاحِبَ القُرْبانِ والمَذْبَحِ، وكانَ لِمُوسى الرِّسالَةُ، فَوَجَدَ قارُونُ مِن ذَلِكَ في نَفْسِهِ، فَقالَ يا مُوسى لَكَ الرِّسالَةُ، ولِهارُونَ الحُبُورَةُ، ولَسْتُ في شَيْءٍ ولا أصْبِرُ أنا عَلى هَذا، فَقالَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: واللَّهِ ما صَنَعْتُ ذَلِكَ لِهارُونَ، ولَكِنَّ اللَّهَ جَعَلَهُ لَهُ، فَقالَ: واللَّهِ لا أُصَدِّقُكَ أبَدًا حَتّى تَأْتِيَنِي بِآيَةٍ أعْرِفُ بِها أنَّ اللَّهَ جَعَلَ ذَلِكَ لِهارُونَ، قالَ: فَأمَرَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ رُؤَساءَ بَنِي إسْرائِيلَ أنْ يَجِيءَ كُلُّ رَجُلٍ مِنهم بِعَصاهُ، فَجاءُوا بِها، فَألْقاها مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في قُبَّةٍ لَهُ، وكانَ ذَلِكَ بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى، فَدَعا رَبَّهُ أنْ يُرِيَهم بَيانَ ذَلِكَ، فَباتُوا يَحْرُسُونَ عِصِيَّهم فَأصْبَحَتْ عَصا هارُونَ تَهْتَزُّ لَها ورَقٌ أخْضَرُ وكانَتْ مِن شَجَرِ اللَّوْزِ، فَقالَ مُوسى: يا قارُونُ أما تَرى ما صَنَعَ اللَّهُ لِهارُونَ ! فَقالَ واللَّهِ ما هَذا بِأعْجَبَ مِمّا تَصْنَعُ مِنَ السِّحْرِ، فاعْتَزَلَ قارُونُ ومَعَهُ ناسٌ كَثِيرٌ، ووَلِيَ هارُونُ الحُبُورَةَ والمَذْبَحَ والقُرْبانَ، فَكانَ بَنُو إسْرائِيلَ يَأْتُونَ بِهَداياهم إلى هارُونَ فَيَضَعُها في المَذْبَحِ وتَنْزِلُ النّارُ مِنَ السَّماءِ فَتَأْكُلُها، واعْتَزَلَ قارُونُ بِأتْباعِهِ، وكانَ كَثِيرَ المالِ والتَّبَعِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، فَما كانَ يَأْتِي مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ولا يُجالِسُهُ، ورَوى أبُو أُمامَةَ الباهِلِيُّ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- أنَّهُ قالَ: «”كانَ قارُونُ مِنَ السَّبْعِينَ المُخْتارَةِ الَّذِينَ سَمِعُوا كَلامَ اللَّهِ تَعالى“» . أمّا قَوْلُهُ: ﴿وآتَيْناهُ مِنَ الكُنُوزِ ما إنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالعُصْبَةِ أُولِي القُوَّةِ﴾ فَفِيهِ أبْحاثٌ: البَحْثُ الأوَّلُ: قالَ الكَعْبِيُّ: ألَسْتُمْ تَقُولُونَ إنَّ اللَّهَ لا يُعْطِي الحَرامَ فَكَيْفَ أضافَ اللَّهُ مالَ قارُونَ إلى نَفْسِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وآتَيْناهُ﴾ ؟ وأجابَ بِأنَّهُ لا حُجَّةَ في أنَّهُ كانَ حَرامًا، ويَجُوزُ أنَّ مَن تَقَدَّمَهُ مِنَ المُلُوكِ جَمَعُوا وكَنَزُوا فَظَفِرَ قارُونُ بِذَلِكَ، وكانَ هَذا الظَّفَرُ طَرِيقَ التَّمَلُّكِ، أوْ وصَلَ إلَيْهِ بِالإرْثِ مِن جِهاتٍ، ثُمَّ بِالتَّكَسُّبِ مِن جِهَةِ المُضارَباتِ وغَيْرِها وكانَ الكُلُّ مُحْتَمَلًا. البَحْثُ الثّانِي: المَفاتِحُ: جَمْعُ مِفْتَحٍ بِكَسْرِ المِيمِ وهو ما يُفْتَحُ بِهِ، وقِيلَ: هي الخَزائِنُ وقِياسُ واحِدِها مَفْتَحٌ بِفَتْحِ المِيمِ، ويُقالُ ناءَ بِهِ الحِمْلُ إذا أثْقَلَهُ حَتّى أمالَهُ، والعُصْبَةُ: الجَماعَةُ الكَثِيرَةُ والعِصابَةُ: مِثْلُها، فالعَشَرَةُ عُصْبَةٌ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى في إخْوَةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿ونَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ (يُوسُفَ: ٨ ) وكانُوا عَشْرَةً لِأنَّ يُوسُفَ وأخاهُ لَمْ يَكُونا مَعَهم. إذا عَرَفْتَ مَعْنى الألْفاظِ فَنَقُولُ: هَهُنا قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ المُرادَ بِالمَفاتِحِ المَفاتِيحُ، وهي الَّتِي يُفْتَحُ بِها البابُ، قالُوا كانَتْ مَفاتِيحُهُ مِن جُلُودِ الإبِلِ وكُلُّ مِفْتاحٍ مِثْلُ إصْبَعٍ، وكانَ لِكُلِّ خِزانَةٍ مِفْتاحٌ، وكانَ إذا رَكِبَ صفحة ١٤ قارُونُ حُمِلَتِ المَفاتِيحُ عَلى سِتِّينَ بَغْلًا، ومِنَ النّاسِ مَن طَعَنَ في هَذا القَوْلِ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ مالَ الرَّجُلِ الواحِدِ لا يَبْلُغُ هَذا المَبْلَغَ، ولَوْ أنّا قَدَّرْنا بَلْدَةً مَمْلُوءَةً مِنَ الذَّهَبِ والجَواهِرِ لَكَفاها أعْدادٌ قَلِيلَةٌ مِنَ المَفاتِيحِ، فَأيُّ حاجَةٍ إلى تَكْثِيرِ هَذِهِ المَفاتِيحِ. الثّانِي: أنَّ الكُنُوزَ هي الأمْوالُ المُدَّخَرَةُ في الأرْضِ، فَلا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لَها مَفاتِيحُ. والجَوابُ: عَنِ الأوَّلِ أنَّ المالَ إذا كانَ مِن جِنْسِ العُرُوضِ، لا مِن جِنْسِ النَّقْدِ جازَ أنْ يَبْلُغَ في الكَثْرَةِ إلى هَذا الحَدِّ، وأيْضًا فَهَذا الَّذِي يُقالُ: إنَّ تِلْكَ المَفاتِيحَ بَلَغَتْ سِتِّينَ حِمْلًا، لَيْسَ مَذْكُورًا في القُرْآنِ فَلا تُقْبَلُ هَذِهِ الرِّوايَةُ، وتَفْسِيرُ القُرْآنِ أنَّ تِلْكَ المَفاتِيحَ كانَتْ كَثِيرَةً، وكانَ كُلُّ واحِدٍ مِنها مُعَيَّنًا لِشَيْءٍ آخَرَ، فَكانَ يَثْقُلُ عَلى العُصْبَةِ ضَبْطُها ومَعْرِفَتُها بِسَبَبِ كَثْرَتِها، وعَلى هَذا الوَجْهِ يَزُولُ الِاسْتِبْعادُ، وعَنِ الثّانِي أنَّ ظاهِرَ الكَنْزِ وإنْ كانَ مِن جِهَةِ العُرْفِ ما قالُوا فَقَدْ يَقَعُ عَلى المالِ المَجْمُوعِ في المَواضِعِ الَّتِي عَلَيْها أغْلاقٌ. القَوْلُ الثّانِي: وهو اخْتِيارُ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ أنْ تُحْمَلَ المَفاتِحُ عَلى نَفْسِ المالِ وهَذا أبْيَنُ، وعَنِ الشُّبْهَةِ أبْعَدُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَتْ خَزائِنُهُ يَحْمِلُها أرْبَعُونَ رَجُلًا أقْوِياءَ، وكانَتْ خَزائِنُهُ أرْبَعَمِائَةِ ألْفٍ فَيَحْمِلُ كُلُّ رَجُلٍ عَشَرَةَ آلافٍ. القَوْلُ الثّالِثُ: وهو اخْتِيارُ أبِي مُسْلِمٍ: أنَّ المُرادَ مِنَ المَفاتِحِ العِلْمُ والإحاطَةُ كَقَوْلِهِ: ﴿وعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ﴾ (الأنْعامِ: ٥٩ ) والمُرادُ آتَيْناهُ مِنَ الكُنُوزِ ما إنَّ حِفْظَها والِاطِّلاعَ عَلَيْها لَيَثْقُلُ عَلى العُصْبَةِ أُولِي القُوَّةِ والهِدايَةِ، أيْ هَذِهِ الكُنُوزُ لِكَثْرَتِها واخْتِلافِ أصْنافِها تُتْعِبُ حَفَظَتَها، والقائِمِينَ عَلَيْها أنْ يَحْفَظُوها، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُ كانَ في قَوْمِهِ مَن وعَظَهُ بِأُمُورٍ. أحَدُها: قَوْلُهُ: ﴿لا تَفْرَحْ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الفَرِحِينَ﴾ والمُرادُ لا يَلْحَقُهُ مِنَ البَطَرِ والتَّمَسُّكِ بِالدُّنْيا ما يُلْهِيهِ عَنْ أمْرِ الآخِرَةِ أصْلًا، وقالَ بَعْضُهم: إنَّهُ لا يَفْرَحُ بِالدُّنْيا إلّا مَن رَضِيَ بِها واطْمَأنَّ إلَيْها، فَأمّا مَن يَعْلَمُ أنَّهُ سَيُفارِقُ الدُّنْيا عَنْ قَرِيبٍ لَمْ يَفْرَحْ بِها وما أحْسَنَ ما قالَ المُتَنَبِّي: أشَدُّ الغَمِّ عِنْدِي في سُرُورٍ تَيَقَّنَ عَنْهُ صاحِبُهُ انْتِقالًا وأحْسَنُ وأوْجَزُ مِنهُ ما قالَ تَعالى: ﴿لِكَيْ لا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكم ولا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ﴾ (الحَدِيدِ: ٢٣ ) قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ فَرَحُهُ ذَلِكَ شِرْكًا؛ لِأنَّهُ ما كانَ يَخافُ مَعَهُ عُقُوبَةَ اللَّهِ تَعالى. وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿وابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ الدّارَ الآخِرَةَ﴾ والظّاهِرُ أنَّهُ كانَ مُقِرًّا بِالآخِرَةِ، والمُرادُ أنْ يَصْرِفَ المالَ إلى ما يُؤَدِّيهِ إلى الجَنَّةِ ويَسْلُكُ طَرِيقَةَ التَّواضُعِ. وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿ولا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: لَعَلَّهُ كانَ مُسْتَغْرِقَ الهَمِّ في طَلَبِ الدُّنْيا فَلِأجْلِ ذَلِكَ ما كانَ يَتَفَرَّغُ لِلتَّنَعُّمِ والِالتِذاذِ فَنَهاهُ الواعِظُ عَنْ ذَلِكَ. وثانِيها: لَمّا أمَرَهُ الواعِظُ بِصَرْفِ المالِ إلى الآخِرَةِ بَيَّنَ لَهُ بِهَذا الكَلامِ أنَّهُ لا بَأْسَ بِالتَّمَتُّعِ بِالوُجُوهِ المُباحَةِ. وثالِثُها: المُرادُ مِنهُ الإنْفاقُ في طاعَةِ اللَّهِ فَإنَّ ذَلِكَ هو نَصِيبُ المَرْءِ مِنَ الدُّنْيا دُونَ الَّذِي يَأْكُلُ ويَشْرَبُ، قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «”فَلْيَأْخُذِ العَبْدُ مِن نَفْسِهِ لِنَفْسِهِ، ومِن دُنْياهُ لِآخِرَتِهِ، ومِنَ الشَّبِيبَةِ قَبْلَ الكِبَرِ، ومِنَ الحَياةِ قَبْلَ المَوْتِ فَوالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ ما بَعْدَ المَوْتِ مِن مُسْتَعْتَبٍ، ولا بَعْدَ الدُّنْيا دارٌ إلّا الجَنَّةٌ والنّارُ“» . ورابِعُها: قَوْلُهُ: ﴿وأحْسِنْ كَما أحْسَنَ اللَّهُ إلَيْكَ﴾ لَمّا أمَرَهُ بِالإحْسانِ بِالمالِ أمَرَهُ بِالإحْسانِ مُطْلَقًا، ويَدْخُلُ فِيهِ الإعانَةُ بِالمالِ والجاهِ وطَلاقَةِ الوَجْهِ وحُسْنِ اللِّقاءِ وحُسْنِ الذِّكْرِ، وإنَّما قالَ: ﴿كَما أحْسَنَ اللَّهُ إلَيْكَ﴾ تَنْبِيهًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأزِيدَنَّكُمْ﴾ (إبْراهِيمَ: ٧ ) . وخامِسُها: قَوْلُهُ: ﴿ولا تَبْغِ الفَسادَ في الأرْضِ﴾ والمُرادُ ما كانَ عَلَيْهِ مِنَ الظُّلْمِ والبَغْيِ وقِيلَ: إنَّ هَذا القائِلَ هو مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وقالَ آخَرُونَ: بَلْ مُؤْمِنُو قَوْمِهِ، وكَيْفَ كانَ فَقَدْ جَمَعَ في هَذا الوَعْظِ ما لَوْ قَبِلَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ مَزِيدٌ، لَكِنَّهُ أبى أنْ يَقْبَلَ بَلْ زادَ عَلَيْهِ بِكُفْرِ النِّعْمَةِ فَقالَ: ﴿إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: قالَ صفحة ١٥ قَتادَةُ ومُقاتِلٌ والكَلْبِيُّ: كانَ قارُونُ أقْرَأ بَنِي إسْرائِيلَ لِلتَّوْراةِ فَقالَ: إنَّما أُوتِيتُهُ لِفَضْلِ عِلْمِي واسْتِحْقاقِي لِذَلِكَ. وثانِيها: قالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ والضَّحّاكُ: كانَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أُنْزِلَ عَلَيْهِ عِلْمُ الكِيمْياءِ مِنَ السَّماءِ فَعَلَّمَ قارُونَ ثُلُثَ العِلْمِ ويُوشَعَ ثُلُثَهُ وكالِبَ ثُلُثَهُ، فَخَدَعَهُما قارُونُ حَتّى أضافَ عِلْمَهُما إلى عِلْمِهِ فَكانَ يَأْخُذُ الرَّصاصَ فَيَجْعَلُهُ فِضَّةً والنُّحاسَ فَيَجْعَلُهُ ذَهَبًا. وثالِثُها: أرادَ بِهِ عِلْمَهُ بِوُجُوهِ المَكاسِبِ والتِّجاراتِ. ورابِعُها: أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ أيِ اللَّهُ أعْطانِي ذَلِكَ مَعَ كَوْنِهِ عالِمًا بِي وبِأحْوالِي فَلَوْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مَصْلَحَةً لَما فَعَلَ، وقَوْلُهُ: ﴿عِنْدِي﴾ أيْ عِنْدِي أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ، كَما يَقُولُ المُفْتِي عِنْدِي أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ، أيْ: مَذْهَبِي واعْتِقادِي ذَلِكَ، ثُمَّ أجابَ اللَّهُ تَعالى عَنْ كَلامِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿أوَلَمْ يَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ قَدْ أهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ القُرُونِ مَن هو أشَدُّ مِنهُ قُوَّةً وأكْثَرُ جَمْعًا﴾ وفِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا إثْباتًا لِعِلْمِهِ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ أهْلَكَ قَبْلَهُ مِنَ القُرُونِ مَن هو أقْوى مِنهُ وأغْنى؛ لِأنَّهُ قَدْ قَرَأهُ في التَّوْراةِ وأخْبَرَ بِهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وسَمِعَهُ مِن حُفّاظِ التَّوارِيخِ كَأنَّهُ قِيلَ لَهُ: أوَلَمْ يَعْلَمْ في جُمْلَةِ ما عِنْدَهُ مِنَ العِلْمِ هَذا حَتّى لا يَغْتَرَّ بِكَثْرَةِ مالِهِ وقُوَّتِهِ. الثّانِي: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَفْيًا لِعِلْمِهِ بِذَلِكَ كَأنَّهُ لَمّا قالَ أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي فَتَصَلَّفَ بِالعِلْمِ وتَعَظَّمَ بِهِ، قِيلَ: أعِنْدَهُ مِثْلُ ذَلِكَ العِلْمِ الَّذِي ادَّعاهُ، ورَأى نَفْسَهُ بِهِ مُسْتَوْجِبَةً لِكُلِّ نِعْمَةٍ، ولَمْ يَعْلَمْ هَذا العِلْمَ النّافِعَ حَتّى يَقِيَ بِهِ نَفْسَهُ مَصارِعَ الهالِكِينَ ؟ أمّا قَوْلُهُ: ﴿وأكْثَرُ جَمْعًا﴾ فالمَعْنى أكْثَرُ جَمْعًا لِلْمالِ أوْ أكْثَرُ جَماعَةً وعَدَدًا، وحاصِلُ الجَوابِ أنَّ اغْتِرارَهُ بِمالِهِ وقُوَّتِهِ وجُمُوعِهِ مِنَ الخَطَأِ العَظِيمِ، وأنَّهُ تَعالى إذا أرادَ إهْلاكَهُ لَمْ يَنْفَعْهُ ذَلِكَ ولا ما يَزِيدُ عَلَيْهِ أضْعافًا. فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿ولا يُسْألُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ المُجْرِمُونَ﴾ فالمُرادُ أنَّ اللَّهَ تَعالى إذا عاقَبَ المُجْرِمِينَ فَلا حاجَةَ بِهِ إلى أنْ يَسْألَهم عَنْ كَيْفِيَّةِ ذُنُوبِهِمْ وكَمِّيَّتِها؛ لِأنَّهُ تَعالى عالِمٌ بِكُلِّ المَعْلُوماتِ فَلا حاجَةَ بِهِ إلى السُّؤالِ، فَإنْ قِيلَ كَيْفَ الجَمْعُ بَيْنَهُ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ (الحِجْرِ: ٩٢) ؟ قُلْنا يُحْمَلُ ذَلِكَ عَلى وقْتَيْنِ عَلى ما قَرَّرْناهُ، وذَكَرَ أبُو مُسْلِمٌ وجْهًا آخَرَ فَقالَ: السُّؤالُ قَدْ يَكُونُ لِلْمُحاسَبَةِ، وقَدْ يَكُونُ لِلتَّقْرِيرِ والتَّبْكِيتِ، وقَدْ يَكُونُ لِلِاسْتِعْتابِ، وألْيَقُ الوُجُوهِ بِهَذِهِ الآيَةِ الِاسْتِعْتابُ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ﴾ (النَّحْلِ: ٨٤) ﴿هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ ﴿ولا يُؤْذَنُ لَهم فَيَعْتَذِرُونَ﴾ (المُرْسَلاتِ ٣٥) .

القصص 28:77

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ قارُونَ كانَ مِن قَوْمِ مُوسى فَبَغى عَلَيْهِمْ وآتَيْناهُ مِنَ الكُنُوزِ ما إنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالعُصْبَةِ أُولِي القُوَّةِ إذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الفَرِحِينَ﴾ ﴿وابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ الدّارَ الآخِرَةَ ولا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا وأحْسِنْ كَما أحْسَنَ اللَّهُ إلَيْكَ ولا تَبْغِ الفَسادَ في الأرْضِ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ المُفْسِدِينَ﴾ ﴿قالَ إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي أوَلَمْ يَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ قَدْ أهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ القُرُونِ مَن هو أشَدُّ مِنهُ قُوَّةً وأكْثَرُ جَمْعًا ولا يُسْألُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ المُجْرِمُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّ نَصَّ القُرْآنِ يَدُلُّ عَلى أنَّ قارُونَ كانَ مِن قَوْمِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وظاهِرُ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ مِمَّنْ قَدْ آمَنَ بِهِ، ولا يَبْعُدُ أيْضًا حَمْلُهُ عَلى القَرابَةِ، قالَ الكَلْبِيُّ: إنَّهُ كانَ ابْنَ عَمِّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، لِأنَّهُ كانَ قارُونُ بْنَ يَصْهَرَ بْنِ قاهِثِ بْنِ لاوِي، ومُوسى بْنَ عِمْرانَ بْنِ قاهِثِ بْنِ لاوِي وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ: إنَّهُ كانَ عَمَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ؛ لِأنَّ مُوسى بْنُ عِمْرانَ بْنِ يَصْهَرَ بْنِ قاهِثَ وقارُونَ بْنُ يَصْهَرَ بْنِ قاهِثَ. وعَنِ ابْنِ صفحة ١٣ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ ابْنَ خالَتِهِ، ثُمَّ قِيلَ: إنَّهُ كانَ يُسَمّى المُنَوَّرَ لِحُسْنِ صُورَتِهِ، وكانَ أقْرَأ بَنِي إسْرائِيلَ لِلتَّوْراةِ، إلّا أنَّهُ نافَقَ كَما نافَقَ السّامِرِيُّ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَبَغى عَلَيْهِمْ﴾ (القَصَصِ: ٧٦) فَفِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: أنَّهُ بَغى بِسَبَبِ مالِهِ، وبَغْيُهُ أنَّهُ اسْتَخَفَّ بِالفُقَراءِ ولَمْ يَرْعَ لَهم حَقَّ الإيمانِ ولا عَظَّمَهم مَعَ كَثْرَةِ أمْوالِهِ. والثّانِي: أنَّهُ مِنَ الظُّلْمِ، قِيلَ: مَلَّكَهُ فِرْعَوْنُ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ فَظَلَمَهم. الثّالِثُ: قالَ القَفّالُ: بَغى عَلَيْهِمْ، أيْ طَلَبَ الفَضْلَ عَلَيْهِمْ وأنْ يَكُونُوا تَحْتَ يَدِهِ. الرّابِعُ: قالَ الضَّحّاكُ: طَغى عَلَيْهِمْ واسْتَطالَ عَلَيْهِمْ فَلَمْ يُوَفِّقْهم في أمْرٍ. الخامِسُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: تَجَبَّرَ وتَكَبَّرَ عَلَيْهِمْ وسَخِطَ عَلَيْهِمْ. السّادِسُ: قالَ شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ: بَغْيُهُ عَلَيْهِمْ أنَّهُ زادَ عَلَيْهِمْ في الثِّيابِ شِبْرًا، وهَذا يَعُودُ إلى التَّكَبُّرِ. السّابِعُ: قالَ الكَلْبِيُّ: بَغْيُهُ عَلَيْهِمْ أنَّهُ حَسَدَ هارُونَ عَلى الحُبُورَةِ، يُرْوى أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا قَطَعَ البَحْرَ وأغْرَقَ اللَّهُ تَعالى فِرْعَوْنَ جَعَلَ الحُبُورَةِ لِهارُونَ، فَحَصَلَتْ لَهُ النُّبُوَّةُ والحُبُورَةُ وكانَ صاحِبَ القُرْبانِ والمَذْبَحِ، وكانَ لِمُوسى الرِّسالَةُ، فَوَجَدَ قارُونُ مِن ذَلِكَ في نَفْسِهِ، فَقالَ يا مُوسى لَكَ الرِّسالَةُ، ولِهارُونَ الحُبُورَةُ، ولَسْتُ في شَيْءٍ ولا أصْبِرُ أنا عَلى هَذا، فَقالَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: واللَّهِ ما صَنَعْتُ ذَلِكَ لِهارُونَ، ولَكِنَّ اللَّهَ جَعَلَهُ لَهُ، فَقالَ: واللَّهِ لا أُصَدِّقُكَ أبَدًا حَتّى تَأْتِيَنِي بِآيَةٍ أعْرِفُ بِها أنَّ اللَّهَ جَعَلَ ذَلِكَ لِهارُونَ، قالَ: فَأمَرَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ رُؤَساءَ بَنِي إسْرائِيلَ أنْ يَجِيءَ كُلُّ رَجُلٍ مِنهم بِعَصاهُ، فَجاءُوا بِها، فَألْقاها مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في قُبَّةٍ لَهُ، وكانَ ذَلِكَ بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى، فَدَعا رَبَّهُ أنْ يُرِيَهم بَيانَ ذَلِكَ، فَباتُوا يَحْرُسُونَ عِصِيَّهم فَأصْبَحَتْ عَصا هارُونَ تَهْتَزُّ لَها ورَقٌ أخْضَرُ وكانَتْ مِن شَجَرِ اللَّوْزِ، فَقالَ مُوسى: يا قارُونُ أما تَرى ما صَنَعَ اللَّهُ لِهارُونَ ! فَقالَ واللَّهِ ما هَذا بِأعْجَبَ مِمّا تَصْنَعُ مِنَ السِّحْرِ، فاعْتَزَلَ قارُونُ ومَعَهُ ناسٌ كَثِيرٌ، ووَلِيَ هارُونُ الحُبُورَةَ والمَذْبَحَ والقُرْبانَ، فَكانَ بَنُو إسْرائِيلَ يَأْتُونَ بِهَداياهم إلى هارُونَ فَيَضَعُها في المَذْبَحِ وتَنْزِلُ النّارُ مِنَ السَّماءِ فَتَأْكُلُها، واعْتَزَلَ قارُونُ بِأتْباعِهِ، وكانَ كَثِيرَ المالِ والتَّبَعِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، فَما كانَ يَأْتِي مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ولا يُجالِسُهُ، ورَوى أبُو أُمامَةَ الباهِلِيُّ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- أنَّهُ قالَ: «”كانَ قارُونُ مِنَ السَّبْعِينَ المُخْتارَةِ الَّذِينَ سَمِعُوا كَلامَ اللَّهِ تَعالى“» . أمّا قَوْلُهُ: ﴿وآتَيْناهُ مِنَ الكُنُوزِ ما إنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالعُصْبَةِ أُولِي القُوَّةِ﴾ فَفِيهِ أبْحاثٌ: البَحْثُ الأوَّلُ: قالَ الكَعْبِيُّ: ألَسْتُمْ تَقُولُونَ إنَّ اللَّهَ لا يُعْطِي الحَرامَ فَكَيْفَ أضافَ اللَّهُ مالَ قارُونَ إلى نَفْسِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وآتَيْناهُ﴾ ؟ وأجابَ بِأنَّهُ لا حُجَّةَ في أنَّهُ كانَ حَرامًا، ويَجُوزُ أنَّ مَن تَقَدَّمَهُ مِنَ المُلُوكِ جَمَعُوا وكَنَزُوا فَظَفِرَ قارُونُ بِذَلِكَ، وكانَ هَذا الظَّفَرُ طَرِيقَ التَّمَلُّكِ، أوْ وصَلَ إلَيْهِ بِالإرْثِ مِن جِهاتٍ، ثُمَّ بِالتَّكَسُّبِ مِن جِهَةِ المُضارَباتِ وغَيْرِها وكانَ الكُلُّ مُحْتَمَلًا. البَحْثُ الثّانِي: المَفاتِحُ: جَمْعُ مِفْتَحٍ بِكَسْرِ المِيمِ وهو ما يُفْتَحُ بِهِ، وقِيلَ: هي الخَزائِنُ وقِياسُ واحِدِها مَفْتَحٌ بِفَتْحِ المِيمِ، ويُقالُ ناءَ بِهِ الحِمْلُ إذا أثْقَلَهُ حَتّى أمالَهُ، والعُصْبَةُ: الجَماعَةُ الكَثِيرَةُ والعِصابَةُ: مِثْلُها، فالعَشَرَةُ عُصْبَةٌ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى في إخْوَةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿ونَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ (يُوسُفَ: ٨ ) وكانُوا عَشْرَةً لِأنَّ يُوسُفَ وأخاهُ لَمْ يَكُونا مَعَهم. إذا عَرَفْتَ مَعْنى الألْفاظِ فَنَقُولُ: هَهُنا قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ المُرادَ بِالمَفاتِحِ المَفاتِيحُ، وهي الَّتِي يُفْتَحُ بِها البابُ، قالُوا كانَتْ مَفاتِيحُهُ مِن جُلُودِ الإبِلِ وكُلُّ مِفْتاحٍ مِثْلُ إصْبَعٍ، وكانَ لِكُلِّ خِزانَةٍ مِفْتاحٌ، وكانَ إذا رَكِبَ صفحة ١٤ قارُونُ حُمِلَتِ المَفاتِيحُ عَلى سِتِّينَ بَغْلًا، ومِنَ النّاسِ مَن طَعَنَ في هَذا القَوْلِ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ مالَ الرَّجُلِ الواحِدِ لا يَبْلُغُ هَذا المَبْلَغَ، ولَوْ أنّا قَدَّرْنا بَلْدَةً مَمْلُوءَةً مِنَ الذَّهَبِ والجَواهِرِ لَكَفاها أعْدادٌ قَلِيلَةٌ مِنَ المَفاتِيحِ، فَأيُّ حاجَةٍ إلى تَكْثِيرِ هَذِهِ المَفاتِيحِ. الثّانِي: أنَّ الكُنُوزَ هي الأمْوالُ المُدَّخَرَةُ في الأرْضِ، فَلا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لَها مَفاتِيحُ. والجَوابُ: عَنِ الأوَّلِ أنَّ المالَ إذا كانَ مِن جِنْسِ العُرُوضِ، لا مِن جِنْسِ النَّقْدِ جازَ أنْ يَبْلُغَ في الكَثْرَةِ إلى هَذا الحَدِّ، وأيْضًا فَهَذا الَّذِي يُقالُ: إنَّ تِلْكَ المَفاتِيحَ بَلَغَتْ سِتِّينَ حِمْلًا، لَيْسَ مَذْكُورًا في القُرْآنِ فَلا تُقْبَلُ هَذِهِ الرِّوايَةُ، وتَفْسِيرُ القُرْآنِ أنَّ تِلْكَ المَفاتِيحَ كانَتْ كَثِيرَةً، وكانَ كُلُّ واحِدٍ مِنها مُعَيَّنًا لِشَيْءٍ آخَرَ، فَكانَ يَثْقُلُ عَلى العُصْبَةِ ضَبْطُها ومَعْرِفَتُها بِسَبَبِ كَثْرَتِها، وعَلى هَذا الوَجْهِ يَزُولُ الِاسْتِبْعادُ، وعَنِ الثّانِي أنَّ ظاهِرَ الكَنْزِ وإنْ كانَ مِن جِهَةِ العُرْفِ ما قالُوا فَقَدْ يَقَعُ عَلى المالِ المَجْمُوعِ في المَواضِعِ الَّتِي عَلَيْها أغْلاقٌ. القَوْلُ الثّانِي: وهو اخْتِيارُ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ أنْ تُحْمَلَ المَفاتِحُ عَلى نَفْسِ المالِ وهَذا أبْيَنُ، وعَنِ الشُّبْهَةِ أبْعَدُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَتْ خَزائِنُهُ يَحْمِلُها أرْبَعُونَ رَجُلًا أقْوِياءَ، وكانَتْ خَزائِنُهُ أرْبَعَمِائَةِ ألْفٍ فَيَحْمِلُ كُلُّ رَجُلٍ عَشَرَةَ آلافٍ. القَوْلُ الثّالِثُ: وهو اخْتِيارُ أبِي مُسْلِمٍ: أنَّ المُرادَ مِنَ المَفاتِحِ العِلْمُ والإحاطَةُ كَقَوْلِهِ: ﴿وعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ﴾ (الأنْعامِ: ٥٩ ) والمُرادُ آتَيْناهُ مِنَ الكُنُوزِ ما إنَّ حِفْظَها والِاطِّلاعَ عَلَيْها لَيَثْقُلُ عَلى العُصْبَةِ أُولِي القُوَّةِ والهِدايَةِ، أيْ هَذِهِ الكُنُوزُ لِكَثْرَتِها واخْتِلافِ أصْنافِها تُتْعِبُ حَفَظَتَها، والقائِمِينَ عَلَيْها أنْ يَحْفَظُوها، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُ كانَ في قَوْمِهِ مَن وعَظَهُ بِأُمُورٍ. أحَدُها: قَوْلُهُ: ﴿لا تَفْرَحْ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الفَرِحِينَ﴾ والمُرادُ لا يَلْحَقُهُ مِنَ البَطَرِ والتَّمَسُّكِ بِالدُّنْيا ما يُلْهِيهِ عَنْ أمْرِ الآخِرَةِ أصْلًا، وقالَ بَعْضُهم: إنَّهُ لا يَفْرَحُ بِالدُّنْيا إلّا مَن رَضِيَ بِها واطْمَأنَّ إلَيْها، فَأمّا مَن يَعْلَمُ أنَّهُ سَيُفارِقُ الدُّنْيا عَنْ قَرِيبٍ لَمْ يَفْرَحْ بِها وما أحْسَنَ ما قالَ المُتَنَبِّي: أشَدُّ الغَمِّ عِنْدِي في سُرُورٍ تَيَقَّنَ عَنْهُ صاحِبُهُ انْتِقالًا وأحْسَنُ وأوْجَزُ مِنهُ ما قالَ تَعالى: ﴿لِكَيْ لا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكم ولا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ﴾ (الحَدِيدِ: ٢٣ ) قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ فَرَحُهُ ذَلِكَ شِرْكًا؛ لِأنَّهُ ما كانَ يَخافُ مَعَهُ عُقُوبَةَ اللَّهِ تَعالى. وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿وابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ الدّارَ الآخِرَةَ﴾ والظّاهِرُ أنَّهُ كانَ مُقِرًّا بِالآخِرَةِ، والمُرادُ أنْ يَصْرِفَ المالَ إلى ما يُؤَدِّيهِ إلى الجَنَّةِ ويَسْلُكُ طَرِيقَةَ التَّواضُعِ. وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿ولا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: لَعَلَّهُ كانَ مُسْتَغْرِقَ الهَمِّ في طَلَبِ الدُّنْيا فَلِأجْلِ ذَلِكَ ما كانَ يَتَفَرَّغُ لِلتَّنَعُّمِ والِالتِذاذِ فَنَهاهُ الواعِظُ عَنْ ذَلِكَ. وثانِيها: لَمّا أمَرَهُ الواعِظُ بِصَرْفِ المالِ إلى الآخِرَةِ بَيَّنَ لَهُ بِهَذا الكَلامِ أنَّهُ لا بَأْسَ بِالتَّمَتُّعِ بِالوُجُوهِ المُباحَةِ. وثالِثُها: المُرادُ مِنهُ الإنْفاقُ في طاعَةِ اللَّهِ فَإنَّ ذَلِكَ هو نَصِيبُ المَرْءِ مِنَ الدُّنْيا دُونَ الَّذِي يَأْكُلُ ويَشْرَبُ، قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «”فَلْيَأْخُذِ العَبْدُ مِن نَفْسِهِ لِنَفْسِهِ، ومِن دُنْياهُ لِآخِرَتِهِ، ومِنَ الشَّبِيبَةِ قَبْلَ الكِبَرِ، ومِنَ الحَياةِ قَبْلَ المَوْتِ فَوالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ ما بَعْدَ المَوْتِ مِن مُسْتَعْتَبٍ، ولا بَعْدَ الدُّنْيا دارٌ إلّا الجَنَّةٌ والنّارُ“» . ورابِعُها: قَوْلُهُ: ﴿وأحْسِنْ كَما أحْسَنَ اللَّهُ إلَيْكَ﴾ لَمّا أمَرَهُ بِالإحْسانِ بِالمالِ أمَرَهُ بِالإحْسانِ مُطْلَقًا، ويَدْخُلُ فِيهِ الإعانَةُ بِالمالِ والجاهِ وطَلاقَةِ الوَجْهِ وحُسْنِ اللِّقاءِ وحُسْنِ الذِّكْرِ، وإنَّما قالَ: ﴿كَما أحْسَنَ اللَّهُ إلَيْكَ﴾ تَنْبِيهًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأزِيدَنَّكُمْ﴾ (إبْراهِيمَ: ٧ ) . وخامِسُها: قَوْلُهُ: ﴿ولا تَبْغِ الفَسادَ في الأرْضِ﴾ والمُرادُ ما كانَ عَلَيْهِ مِنَ الظُّلْمِ والبَغْيِ وقِيلَ: إنَّ هَذا القائِلَ هو مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وقالَ آخَرُونَ: بَلْ مُؤْمِنُو قَوْمِهِ، وكَيْفَ كانَ فَقَدْ جَمَعَ في هَذا الوَعْظِ ما لَوْ قَبِلَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ مَزِيدٌ، لَكِنَّهُ أبى أنْ يَقْبَلَ بَلْ زادَ عَلَيْهِ بِكُفْرِ النِّعْمَةِ فَقالَ: ﴿إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: قالَ صفحة ١٥ قَتادَةُ ومُقاتِلٌ والكَلْبِيُّ: كانَ قارُونُ أقْرَأ بَنِي إسْرائِيلَ لِلتَّوْراةِ فَقالَ: إنَّما أُوتِيتُهُ لِفَضْلِ عِلْمِي واسْتِحْقاقِي لِذَلِكَ. وثانِيها: قالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ والضَّحّاكُ: كانَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أُنْزِلَ عَلَيْهِ عِلْمُ الكِيمْياءِ مِنَ السَّماءِ فَعَلَّمَ قارُونَ ثُلُثَ العِلْمِ ويُوشَعَ ثُلُثَهُ وكالِبَ ثُلُثَهُ، فَخَدَعَهُما قارُونُ حَتّى أضافَ عِلْمَهُما إلى عِلْمِهِ فَكانَ يَأْخُذُ الرَّصاصَ فَيَجْعَلُهُ فِضَّةً والنُّحاسَ فَيَجْعَلُهُ ذَهَبًا. وثالِثُها: أرادَ بِهِ عِلْمَهُ بِوُجُوهِ المَكاسِبِ والتِّجاراتِ. ورابِعُها: أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ أيِ اللَّهُ أعْطانِي ذَلِكَ مَعَ كَوْنِهِ عالِمًا بِي وبِأحْوالِي فَلَوْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مَصْلَحَةً لَما فَعَلَ، وقَوْلُهُ: ﴿عِنْدِي﴾ أيْ عِنْدِي أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ، كَما يَقُولُ المُفْتِي عِنْدِي أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ، أيْ: مَذْهَبِي واعْتِقادِي ذَلِكَ، ثُمَّ أجابَ اللَّهُ تَعالى عَنْ كَلامِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿أوَلَمْ يَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ قَدْ أهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ القُرُونِ مَن هو أشَدُّ مِنهُ قُوَّةً وأكْثَرُ جَمْعًا﴾ وفِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا إثْباتًا لِعِلْمِهِ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ أهْلَكَ قَبْلَهُ مِنَ القُرُونِ مَن هو أقْوى مِنهُ وأغْنى؛ لِأنَّهُ قَدْ قَرَأهُ في التَّوْراةِ وأخْبَرَ بِهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وسَمِعَهُ مِن حُفّاظِ التَّوارِيخِ كَأنَّهُ قِيلَ لَهُ: أوَلَمْ يَعْلَمْ في جُمْلَةِ ما عِنْدَهُ مِنَ العِلْمِ هَذا حَتّى لا يَغْتَرَّ بِكَثْرَةِ مالِهِ وقُوَّتِهِ. الثّانِي: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَفْيًا لِعِلْمِهِ بِذَلِكَ كَأنَّهُ لَمّا قالَ أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي فَتَصَلَّفَ بِالعِلْمِ وتَعَظَّمَ بِهِ، قِيلَ: أعِنْدَهُ مِثْلُ ذَلِكَ العِلْمِ الَّذِي ادَّعاهُ، ورَأى نَفْسَهُ بِهِ مُسْتَوْجِبَةً لِكُلِّ نِعْمَةٍ، ولَمْ يَعْلَمْ هَذا العِلْمَ النّافِعَ حَتّى يَقِيَ بِهِ نَفْسَهُ مَصارِعَ الهالِكِينَ ؟ أمّا قَوْلُهُ: ﴿وأكْثَرُ جَمْعًا﴾ فالمَعْنى أكْثَرُ جَمْعًا لِلْمالِ أوْ أكْثَرُ جَماعَةً وعَدَدًا، وحاصِلُ الجَوابِ أنَّ اغْتِرارَهُ بِمالِهِ وقُوَّتِهِ وجُمُوعِهِ مِنَ الخَطَأِ العَظِيمِ، وأنَّهُ تَعالى إذا أرادَ إهْلاكَهُ لَمْ يَنْفَعْهُ ذَلِكَ ولا ما يَزِيدُ عَلَيْهِ أضْعافًا. فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿ولا يُسْألُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ المُجْرِمُونَ﴾ فالمُرادُ أنَّ اللَّهَ تَعالى إذا عاقَبَ المُجْرِمِينَ فَلا حاجَةَ بِهِ إلى أنْ يَسْألَهم عَنْ كَيْفِيَّةِ ذُنُوبِهِمْ وكَمِّيَّتِها؛ لِأنَّهُ تَعالى عالِمٌ بِكُلِّ المَعْلُوماتِ فَلا حاجَةَ بِهِ إلى السُّؤالِ، فَإنْ قِيلَ كَيْفَ الجَمْعُ بَيْنَهُ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ (الحِجْرِ: ٩٢) ؟ قُلْنا يُحْمَلُ ذَلِكَ عَلى وقْتَيْنِ عَلى ما قَرَّرْناهُ، وذَكَرَ أبُو مُسْلِمٌ وجْهًا آخَرَ فَقالَ: السُّؤالُ قَدْ يَكُونُ لِلْمُحاسَبَةِ، وقَدْ يَكُونُ لِلتَّقْرِيرِ والتَّبْكِيتِ، وقَدْ يَكُونُ لِلِاسْتِعْتابِ، وألْيَقُ الوُجُوهِ بِهَذِهِ الآيَةِ الِاسْتِعْتابُ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ﴾ (النَّحْلِ: ٨٤) ﴿هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ ﴿ولا يُؤْذَنُ لَهم فَيَعْتَذِرُونَ﴾ (المُرْسَلاتِ ٣٥) .

القصص 28:78

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ قارُونَ كانَ مِن قَوْمِ مُوسى فَبَغى عَلَيْهِمْ وآتَيْناهُ مِنَ الكُنُوزِ ما إنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالعُصْبَةِ أُولِي القُوَّةِ إذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الفَرِحِينَ﴾ ﴿وابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ الدّارَ الآخِرَةَ ولا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا وأحْسِنْ كَما أحْسَنَ اللَّهُ إلَيْكَ ولا تَبْغِ الفَسادَ في الأرْضِ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ المُفْسِدِينَ﴾ ﴿قالَ إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي أوَلَمْ يَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ قَدْ أهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ القُرُونِ مَن هو أشَدُّ مِنهُ قُوَّةً وأكْثَرُ جَمْعًا ولا يُسْألُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ المُجْرِمُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّ نَصَّ القُرْآنِ يَدُلُّ عَلى أنَّ قارُونَ كانَ مِن قَوْمِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وظاهِرُ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ مِمَّنْ قَدْ آمَنَ بِهِ، ولا يَبْعُدُ أيْضًا حَمْلُهُ عَلى القَرابَةِ، قالَ الكَلْبِيُّ: إنَّهُ كانَ ابْنَ عَمِّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، لِأنَّهُ كانَ قارُونُ بْنَ يَصْهَرَ بْنِ قاهِثِ بْنِ لاوِي، ومُوسى بْنَ عِمْرانَ بْنِ قاهِثِ بْنِ لاوِي وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ: إنَّهُ كانَ عَمَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ؛ لِأنَّ مُوسى بْنُ عِمْرانَ بْنِ يَصْهَرَ بْنِ قاهِثَ وقارُونَ بْنُ يَصْهَرَ بْنِ قاهِثَ. وعَنِ ابْنِ صفحة ١٣ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ ابْنَ خالَتِهِ، ثُمَّ قِيلَ: إنَّهُ كانَ يُسَمّى المُنَوَّرَ لِحُسْنِ صُورَتِهِ، وكانَ أقْرَأ بَنِي إسْرائِيلَ لِلتَّوْراةِ، إلّا أنَّهُ نافَقَ كَما نافَقَ السّامِرِيُّ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَبَغى عَلَيْهِمْ﴾ (القَصَصِ: ٧٦) فَفِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: أنَّهُ بَغى بِسَبَبِ مالِهِ، وبَغْيُهُ أنَّهُ اسْتَخَفَّ بِالفُقَراءِ ولَمْ يَرْعَ لَهم حَقَّ الإيمانِ ولا عَظَّمَهم مَعَ كَثْرَةِ أمْوالِهِ. والثّانِي: أنَّهُ مِنَ الظُّلْمِ، قِيلَ: مَلَّكَهُ فِرْعَوْنُ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ فَظَلَمَهم. الثّالِثُ: قالَ القَفّالُ: بَغى عَلَيْهِمْ، أيْ طَلَبَ الفَضْلَ عَلَيْهِمْ وأنْ يَكُونُوا تَحْتَ يَدِهِ. الرّابِعُ: قالَ الضَّحّاكُ: طَغى عَلَيْهِمْ واسْتَطالَ عَلَيْهِمْ فَلَمْ يُوَفِّقْهم في أمْرٍ. الخامِسُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: تَجَبَّرَ وتَكَبَّرَ عَلَيْهِمْ وسَخِطَ عَلَيْهِمْ. السّادِسُ: قالَ شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ: بَغْيُهُ عَلَيْهِمْ أنَّهُ زادَ عَلَيْهِمْ في الثِّيابِ شِبْرًا، وهَذا يَعُودُ إلى التَّكَبُّرِ. السّابِعُ: قالَ الكَلْبِيُّ: بَغْيُهُ عَلَيْهِمْ أنَّهُ حَسَدَ هارُونَ عَلى الحُبُورَةِ، يُرْوى أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا قَطَعَ البَحْرَ وأغْرَقَ اللَّهُ تَعالى فِرْعَوْنَ جَعَلَ الحُبُورَةِ لِهارُونَ، فَحَصَلَتْ لَهُ النُّبُوَّةُ والحُبُورَةُ وكانَ صاحِبَ القُرْبانِ والمَذْبَحِ، وكانَ لِمُوسى الرِّسالَةُ، فَوَجَدَ قارُونُ مِن ذَلِكَ في نَفْسِهِ، فَقالَ يا مُوسى لَكَ الرِّسالَةُ، ولِهارُونَ الحُبُورَةُ، ولَسْتُ في شَيْءٍ ولا أصْبِرُ أنا عَلى هَذا، فَقالَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: واللَّهِ ما صَنَعْتُ ذَلِكَ لِهارُونَ، ولَكِنَّ اللَّهَ جَعَلَهُ لَهُ، فَقالَ: واللَّهِ لا أُصَدِّقُكَ أبَدًا حَتّى تَأْتِيَنِي بِآيَةٍ أعْرِفُ بِها أنَّ اللَّهَ جَعَلَ ذَلِكَ لِهارُونَ، قالَ: فَأمَرَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ رُؤَساءَ بَنِي إسْرائِيلَ أنْ يَجِيءَ كُلُّ رَجُلٍ مِنهم بِعَصاهُ، فَجاءُوا بِها، فَألْقاها مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في قُبَّةٍ لَهُ، وكانَ ذَلِكَ بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى، فَدَعا رَبَّهُ أنْ يُرِيَهم بَيانَ ذَلِكَ، فَباتُوا يَحْرُسُونَ عِصِيَّهم فَأصْبَحَتْ عَصا هارُونَ تَهْتَزُّ لَها ورَقٌ أخْضَرُ وكانَتْ مِن شَجَرِ اللَّوْزِ، فَقالَ مُوسى: يا قارُونُ أما تَرى ما صَنَعَ اللَّهُ لِهارُونَ ! فَقالَ واللَّهِ ما هَذا بِأعْجَبَ مِمّا تَصْنَعُ مِنَ السِّحْرِ، فاعْتَزَلَ قارُونُ ومَعَهُ ناسٌ كَثِيرٌ، ووَلِيَ هارُونُ الحُبُورَةَ والمَذْبَحَ والقُرْبانَ، فَكانَ بَنُو إسْرائِيلَ يَأْتُونَ بِهَداياهم إلى هارُونَ فَيَضَعُها في المَذْبَحِ وتَنْزِلُ النّارُ مِنَ السَّماءِ فَتَأْكُلُها، واعْتَزَلَ قارُونُ بِأتْباعِهِ، وكانَ كَثِيرَ المالِ والتَّبَعِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، فَما كانَ يَأْتِي مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ولا يُجالِسُهُ، ورَوى أبُو أُمامَةَ الباهِلِيُّ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- أنَّهُ قالَ: «”كانَ قارُونُ مِنَ السَّبْعِينَ المُخْتارَةِ الَّذِينَ سَمِعُوا كَلامَ اللَّهِ تَعالى“» . أمّا قَوْلُهُ: ﴿وآتَيْناهُ مِنَ الكُنُوزِ ما إنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالعُصْبَةِ أُولِي القُوَّةِ﴾ فَفِيهِ أبْحاثٌ: البَحْثُ الأوَّلُ: قالَ الكَعْبِيُّ: ألَسْتُمْ تَقُولُونَ إنَّ اللَّهَ لا يُعْطِي الحَرامَ فَكَيْفَ أضافَ اللَّهُ مالَ قارُونَ إلى نَفْسِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وآتَيْناهُ﴾ ؟ وأجابَ بِأنَّهُ لا حُجَّةَ في أنَّهُ كانَ حَرامًا، ويَجُوزُ أنَّ مَن تَقَدَّمَهُ مِنَ المُلُوكِ جَمَعُوا وكَنَزُوا فَظَفِرَ قارُونُ بِذَلِكَ، وكانَ هَذا الظَّفَرُ طَرِيقَ التَّمَلُّكِ، أوْ وصَلَ إلَيْهِ بِالإرْثِ مِن جِهاتٍ، ثُمَّ بِالتَّكَسُّبِ مِن جِهَةِ المُضارَباتِ وغَيْرِها وكانَ الكُلُّ مُحْتَمَلًا. البَحْثُ الثّانِي: المَفاتِحُ: جَمْعُ مِفْتَحٍ بِكَسْرِ المِيمِ وهو ما يُفْتَحُ بِهِ، وقِيلَ: هي الخَزائِنُ وقِياسُ واحِدِها مَفْتَحٌ بِفَتْحِ المِيمِ، ويُقالُ ناءَ بِهِ الحِمْلُ إذا أثْقَلَهُ حَتّى أمالَهُ، والعُصْبَةُ: الجَماعَةُ الكَثِيرَةُ والعِصابَةُ: مِثْلُها، فالعَشَرَةُ عُصْبَةٌ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى في إخْوَةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿ونَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ (يُوسُفَ: ٨ ) وكانُوا عَشْرَةً لِأنَّ يُوسُفَ وأخاهُ لَمْ يَكُونا مَعَهم. إذا عَرَفْتَ مَعْنى الألْفاظِ فَنَقُولُ: هَهُنا قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ المُرادَ بِالمَفاتِحِ المَفاتِيحُ، وهي الَّتِي يُفْتَحُ بِها البابُ، قالُوا كانَتْ مَفاتِيحُهُ مِن جُلُودِ الإبِلِ وكُلُّ مِفْتاحٍ مِثْلُ إصْبَعٍ، وكانَ لِكُلِّ خِزانَةٍ مِفْتاحٌ، وكانَ إذا رَكِبَ صفحة ١٤ قارُونُ حُمِلَتِ المَفاتِيحُ عَلى سِتِّينَ بَغْلًا، ومِنَ النّاسِ مَن طَعَنَ في هَذا القَوْلِ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ مالَ الرَّجُلِ الواحِدِ لا يَبْلُغُ هَذا المَبْلَغَ، ولَوْ أنّا قَدَّرْنا بَلْدَةً مَمْلُوءَةً مِنَ الذَّهَبِ والجَواهِرِ لَكَفاها أعْدادٌ قَلِيلَةٌ مِنَ المَفاتِيحِ، فَأيُّ حاجَةٍ إلى تَكْثِيرِ هَذِهِ المَفاتِيحِ. الثّانِي: أنَّ الكُنُوزَ هي الأمْوالُ المُدَّخَرَةُ في الأرْضِ، فَلا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لَها مَفاتِيحُ. والجَوابُ: عَنِ الأوَّلِ أنَّ المالَ إذا كانَ مِن جِنْسِ العُرُوضِ، لا مِن جِنْسِ النَّقْدِ جازَ أنْ يَبْلُغَ في الكَثْرَةِ إلى هَذا الحَدِّ، وأيْضًا فَهَذا الَّذِي يُقالُ: إنَّ تِلْكَ المَفاتِيحَ بَلَغَتْ سِتِّينَ حِمْلًا، لَيْسَ مَذْكُورًا في القُرْآنِ فَلا تُقْبَلُ هَذِهِ الرِّوايَةُ، وتَفْسِيرُ القُرْآنِ أنَّ تِلْكَ المَفاتِيحَ كانَتْ كَثِيرَةً، وكانَ كُلُّ واحِدٍ مِنها مُعَيَّنًا لِشَيْءٍ آخَرَ، فَكانَ يَثْقُلُ عَلى العُصْبَةِ ضَبْطُها ومَعْرِفَتُها بِسَبَبِ كَثْرَتِها، وعَلى هَذا الوَجْهِ يَزُولُ الِاسْتِبْعادُ، وعَنِ الثّانِي أنَّ ظاهِرَ الكَنْزِ وإنْ كانَ مِن جِهَةِ العُرْفِ ما قالُوا فَقَدْ يَقَعُ عَلى المالِ المَجْمُوعِ في المَواضِعِ الَّتِي عَلَيْها أغْلاقٌ. القَوْلُ الثّانِي: وهو اخْتِيارُ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ أنْ تُحْمَلَ المَفاتِحُ عَلى نَفْسِ المالِ وهَذا أبْيَنُ، وعَنِ الشُّبْهَةِ أبْعَدُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَتْ خَزائِنُهُ يَحْمِلُها أرْبَعُونَ رَجُلًا أقْوِياءَ، وكانَتْ خَزائِنُهُ أرْبَعَمِائَةِ ألْفٍ فَيَحْمِلُ كُلُّ رَجُلٍ عَشَرَةَ آلافٍ. القَوْلُ الثّالِثُ: وهو اخْتِيارُ أبِي مُسْلِمٍ: أنَّ المُرادَ مِنَ المَفاتِحِ العِلْمُ والإحاطَةُ كَقَوْلِهِ: ﴿وعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ﴾ (الأنْعامِ: ٥٩ ) والمُرادُ آتَيْناهُ مِنَ الكُنُوزِ ما إنَّ حِفْظَها والِاطِّلاعَ عَلَيْها لَيَثْقُلُ عَلى العُصْبَةِ أُولِي القُوَّةِ والهِدايَةِ، أيْ هَذِهِ الكُنُوزُ لِكَثْرَتِها واخْتِلافِ أصْنافِها تُتْعِبُ حَفَظَتَها، والقائِمِينَ عَلَيْها أنْ يَحْفَظُوها، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُ كانَ في قَوْمِهِ مَن وعَظَهُ بِأُمُورٍ. أحَدُها: قَوْلُهُ: ﴿لا تَفْرَحْ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الفَرِحِينَ﴾ والمُرادُ لا يَلْحَقُهُ مِنَ البَطَرِ والتَّمَسُّكِ بِالدُّنْيا ما يُلْهِيهِ عَنْ أمْرِ الآخِرَةِ أصْلًا، وقالَ بَعْضُهم: إنَّهُ لا يَفْرَحُ بِالدُّنْيا إلّا مَن رَضِيَ بِها واطْمَأنَّ إلَيْها، فَأمّا مَن يَعْلَمُ أنَّهُ سَيُفارِقُ الدُّنْيا عَنْ قَرِيبٍ لَمْ يَفْرَحْ بِها وما أحْسَنَ ما قالَ المُتَنَبِّي: أشَدُّ الغَمِّ عِنْدِي في سُرُورٍ تَيَقَّنَ عَنْهُ صاحِبُهُ انْتِقالًا وأحْسَنُ وأوْجَزُ مِنهُ ما قالَ تَعالى: ﴿لِكَيْ لا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكم ولا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ﴾ (الحَدِيدِ: ٢٣ ) قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ فَرَحُهُ ذَلِكَ شِرْكًا؛ لِأنَّهُ ما كانَ يَخافُ مَعَهُ عُقُوبَةَ اللَّهِ تَعالى. وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿وابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ الدّارَ الآخِرَةَ﴾ والظّاهِرُ أنَّهُ كانَ مُقِرًّا بِالآخِرَةِ، والمُرادُ أنْ يَصْرِفَ المالَ إلى ما يُؤَدِّيهِ إلى الجَنَّةِ ويَسْلُكُ طَرِيقَةَ التَّواضُعِ. وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿ولا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: لَعَلَّهُ كانَ مُسْتَغْرِقَ الهَمِّ في طَلَبِ الدُّنْيا فَلِأجْلِ ذَلِكَ ما كانَ يَتَفَرَّغُ لِلتَّنَعُّمِ والِالتِذاذِ فَنَهاهُ الواعِظُ عَنْ ذَلِكَ. وثانِيها: لَمّا أمَرَهُ الواعِظُ بِصَرْفِ المالِ إلى الآخِرَةِ بَيَّنَ لَهُ بِهَذا الكَلامِ أنَّهُ لا بَأْسَ بِالتَّمَتُّعِ بِالوُجُوهِ المُباحَةِ. وثالِثُها: المُرادُ مِنهُ الإنْفاقُ في طاعَةِ اللَّهِ فَإنَّ ذَلِكَ هو نَصِيبُ المَرْءِ مِنَ الدُّنْيا دُونَ الَّذِي يَأْكُلُ ويَشْرَبُ، قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «”فَلْيَأْخُذِ العَبْدُ مِن نَفْسِهِ لِنَفْسِهِ، ومِن دُنْياهُ لِآخِرَتِهِ، ومِنَ الشَّبِيبَةِ قَبْلَ الكِبَرِ، ومِنَ الحَياةِ قَبْلَ المَوْتِ فَوالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ ما بَعْدَ المَوْتِ مِن مُسْتَعْتَبٍ، ولا بَعْدَ الدُّنْيا دارٌ إلّا الجَنَّةٌ والنّارُ“» . ورابِعُها: قَوْلُهُ: ﴿وأحْسِنْ كَما أحْسَنَ اللَّهُ إلَيْكَ﴾ لَمّا أمَرَهُ بِالإحْسانِ بِالمالِ أمَرَهُ بِالإحْسانِ مُطْلَقًا، ويَدْخُلُ فِيهِ الإعانَةُ بِالمالِ والجاهِ وطَلاقَةِ الوَجْهِ وحُسْنِ اللِّقاءِ وحُسْنِ الذِّكْرِ، وإنَّما قالَ: ﴿كَما أحْسَنَ اللَّهُ إلَيْكَ﴾ تَنْبِيهًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأزِيدَنَّكُمْ﴾ (إبْراهِيمَ: ٧ ) . وخامِسُها: قَوْلُهُ: ﴿ولا تَبْغِ الفَسادَ في الأرْضِ﴾ والمُرادُ ما كانَ عَلَيْهِ مِنَ الظُّلْمِ والبَغْيِ وقِيلَ: إنَّ هَذا القائِلَ هو مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وقالَ آخَرُونَ: بَلْ مُؤْمِنُو قَوْمِهِ، وكَيْفَ كانَ فَقَدْ جَمَعَ في هَذا الوَعْظِ ما لَوْ قَبِلَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ مَزِيدٌ، لَكِنَّهُ أبى أنْ يَقْبَلَ بَلْ زادَ عَلَيْهِ بِكُفْرِ النِّعْمَةِ فَقالَ: ﴿إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: قالَ صفحة ١٥ قَتادَةُ ومُقاتِلٌ والكَلْبِيُّ: كانَ قارُونُ أقْرَأ بَنِي إسْرائِيلَ لِلتَّوْراةِ فَقالَ: إنَّما أُوتِيتُهُ لِفَضْلِ عِلْمِي واسْتِحْقاقِي لِذَلِكَ. وثانِيها: قالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ والضَّحّاكُ: كانَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أُنْزِلَ عَلَيْهِ عِلْمُ الكِيمْياءِ مِنَ السَّماءِ فَعَلَّمَ قارُونَ ثُلُثَ العِلْمِ ويُوشَعَ ثُلُثَهُ وكالِبَ ثُلُثَهُ، فَخَدَعَهُما قارُونُ حَتّى أضافَ عِلْمَهُما إلى عِلْمِهِ فَكانَ يَأْخُذُ الرَّصاصَ فَيَجْعَلُهُ فِضَّةً والنُّحاسَ فَيَجْعَلُهُ ذَهَبًا. وثالِثُها: أرادَ بِهِ عِلْمَهُ بِوُجُوهِ المَكاسِبِ والتِّجاراتِ. ورابِعُها: أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ أيِ اللَّهُ أعْطانِي ذَلِكَ مَعَ كَوْنِهِ عالِمًا بِي وبِأحْوالِي فَلَوْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مَصْلَحَةً لَما فَعَلَ، وقَوْلُهُ: ﴿عِنْدِي﴾ أيْ عِنْدِي أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ، كَما يَقُولُ المُفْتِي عِنْدِي أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ، أيْ: مَذْهَبِي واعْتِقادِي ذَلِكَ، ثُمَّ أجابَ اللَّهُ تَعالى عَنْ كَلامِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿أوَلَمْ يَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ قَدْ أهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ القُرُونِ مَن هو أشَدُّ مِنهُ قُوَّةً وأكْثَرُ جَمْعًا﴾ وفِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا إثْباتًا لِعِلْمِهِ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ أهْلَكَ قَبْلَهُ مِنَ القُرُونِ مَن هو أقْوى مِنهُ وأغْنى؛ لِأنَّهُ قَدْ قَرَأهُ في التَّوْراةِ وأخْبَرَ بِهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وسَمِعَهُ مِن حُفّاظِ التَّوارِيخِ كَأنَّهُ قِيلَ لَهُ: أوَلَمْ يَعْلَمْ في جُمْلَةِ ما عِنْدَهُ مِنَ العِلْمِ هَذا حَتّى لا يَغْتَرَّ بِكَثْرَةِ مالِهِ وقُوَّتِهِ. الثّانِي: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَفْيًا لِعِلْمِهِ بِذَلِكَ كَأنَّهُ لَمّا قالَ أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي فَتَصَلَّفَ بِالعِلْمِ وتَعَظَّمَ بِهِ، قِيلَ: أعِنْدَهُ مِثْلُ ذَلِكَ العِلْمِ الَّذِي ادَّعاهُ، ورَأى نَفْسَهُ بِهِ مُسْتَوْجِبَةً لِكُلِّ نِعْمَةٍ، ولَمْ يَعْلَمْ هَذا العِلْمَ النّافِعَ حَتّى يَقِيَ بِهِ نَفْسَهُ مَصارِعَ الهالِكِينَ ؟ أمّا قَوْلُهُ: ﴿وأكْثَرُ جَمْعًا﴾ فالمَعْنى أكْثَرُ جَمْعًا لِلْمالِ أوْ أكْثَرُ جَماعَةً وعَدَدًا، وحاصِلُ الجَوابِ أنَّ اغْتِرارَهُ بِمالِهِ وقُوَّتِهِ وجُمُوعِهِ مِنَ الخَطَأِ العَظِيمِ، وأنَّهُ تَعالى إذا أرادَ إهْلاكَهُ لَمْ يَنْفَعْهُ ذَلِكَ ولا ما يَزِيدُ عَلَيْهِ أضْعافًا. فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿ولا يُسْألُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ المُجْرِمُونَ﴾ فالمُرادُ أنَّ اللَّهَ تَعالى إذا عاقَبَ المُجْرِمِينَ فَلا حاجَةَ بِهِ إلى أنْ يَسْألَهم عَنْ كَيْفِيَّةِ ذُنُوبِهِمْ وكَمِّيَّتِها؛ لِأنَّهُ تَعالى عالِمٌ بِكُلِّ المَعْلُوماتِ فَلا حاجَةَ بِهِ إلى السُّؤالِ، فَإنْ قِيلَ كَيْفَ الجَمْعُ بَيْنَهُ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ (الحِجْرِ: ٩٢) ؟ قُلْنا يُحْمَلُ ذَلِكَ عَلى وقْتَيْنِ عَلى ما قَرَّرْناهُ، وذَكَرَ أبُو مُسْلِمٌ وجْهًا آخَرَ فَقالَ: السُّؤالُ قَدْ يَكُونُ لِلْمُحاسَبَةِ، وقَدْ يَكُونُ لِلتَّقْرِيرِ والتَّبْكِيتِ، وقَدْ يَكُونُ لِلِاسْتِعْتابِ، وألْيَقُ الوُجُوهِ بِهَذِهِ الآيَةِ الِاسْتِعْتابُ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ﴾ (النَّحْلِ: ٨٤) ﴿هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ ﴿ولا يُؤْذَنُ لَهم فَيَعْتَذِرُونَ﴾ (المُرْسَلاتِ ٣٥) .

القصص 28:79

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ في زِينَتِهِ قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الحَياةَ الدُّنْيا يالَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ إنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ ﴿وقالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ ويْلَكم ثَوابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا ولا يُلَقّاها إلّا الصّابِرُونَ﴾ ﴿فَخَسَفْنا بِهِ وبِدارِهِ الأرْضَ فَما كانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وما كانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ﴾ صفحة ١٦ أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ في زِينَتِهِ﴾ فَيَدُلُّ عَلى أنَّهُ خَرَجَ بِأظْهَرِ زِينَةٍ وأكْمَلِها ولَيْسَ في القُرْآنِ إلّا هَذا القَدْرُ، إلّا أنَّ النّاسَ ذَكَرُوا وُجُوهًا مُخْتَلِفَةً في كَيْفِيَّةِ تِلْكَ الزِّينَةِ، قالَ مُقاتِلٌ: خَرَجَ عَلى بَغْلَةٍ شَهْباءَ عَلَيْها سَرْجٌ مِن ذَهَبٍ ومَعَهُ أرْبَعَةُ آلافِ فارِسٍ عَلى الخُيُولِ وعَلَيْها الثِّيابُ الأُرْجُوانِيَّةُ ومَعَهُ ثَلَثُمِائَةِ جارِيَةٍ بِيضٍ عَلَيْهِنَّ الحُلِيُّ والثِّيابُ الحُمْرُ عَلى البِغالِ الشُّهْبِ، وقالَ بَعْضُهم: بَلْ خَرَجَ في تِسْعِينَ ألْفًا هَكَذا، وقالَ آخَرُونَ: بَلْ عَلى ثَلَثِمِائَةٍ. والأوْلى تَرْكُ هَذِهِ التَّقْرِيراتِ؛ لِأنَّها مُتَعارِضَةٌ، ثُمَّ إنَّ النّاسَ لَمّا رَأوْا عَلَيْهِ تِلْكَ الزِّينَةَ قالَ مَن كانَ مِنهم يَرْغَبُ في الدُّنْيا: ﴿يالَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ﴾ مِن هَذِهِ الأُمُورِ والأمْوالِ، والرّاغِبُونَ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونُوا مِنَ الكُفّارِ، وأنْ يَكُونُوا مِنَ المُسْلِمِينَ الَّذِينَ يُحِبُّونَ الدُّنْيا، وأمّا العُلَماءُ وأهْلُ الدِّينِ فَقالُوا لِلَّذِينِ تَمَنَّوْا هَذا: ويْلَكم ثَوابُ اللَّهِ خَيْرٌ مِن هَذِهِ النِّعَمِ؛ لِأنَّ لِلثَّوابِ مَنافِعَ عَظِيمَةً وخالِصَةً عَنْ شَوائِبِ المَضارِّ ودائِمَةً، وهَذِهِ النِّعَمُ العاجِلَةُ عَلى الضِّدِّ مِن هَذِهِ الصِّفاتِ الثَّلاثِ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ويْلَكَ أصْلُهُ الدُّعاءُ بِالهَلاكِ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في الزَّجْرِ والرَّدْعِ والبَعْثِ عَلى تَرْكِ ما لا يُرْتَضى. أمّا قَوْلُهُ: ﴿ولا يُلَقّاها إلّا الصّابِرُونَ﴾ فَقالَ المُفَسِّرُونَ: لا يُوَفَّقُ لَها والضَّمِيرُ في ﴿يُلَقّاها﴾ إلى ماذا يَعُودُ ؟ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: إلى ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا﴾ يَعْنِي هَذِهِ الأعْمالَ لا يُؤْتاها إلّا الصّابِرُونَ. والثّانِي: قالَ الزَّجّاجُ: يَعْنِي ولا يُلَقّى هَذِهِ الكَلِمَةَ، وهي قَوْلُهم ثَوابُ اللَّهِ خَيْرٌ إلّا الصّابِرُونَ عَلى أداءِ الطّاعاتِ، والِاحْتِرازِ عَنِ المُحَرَّماتِ، وعَلى الرِّضا بِقَضاءِ اللَّهِ في كُلِّ ما قَسَمَ مِنَ المَنافِعِ والمَضارِّ. * * * وأمّا قَوْلُهُ: ﴿فَخَسَفْنا بِهِ وبِدارِهِ الأرْضَ﴾ فَفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ لَمّا أشِرَ وبَطِرَ وعَتا خَسَفَ اللَّهُ بِهِ وبِدارِهِ الأرْضَ جَزاءً عَلى عُتُوِّهِ وبَطَرِهِ، والفاءُ تَدُلُّ عَلى ذَلِكَ؛ لِأنَّ الفاءَ تُشْعِرُ بِالعِلِّيَّةِ. وثانِيها: قِيلَ: إنَّ قارُونَ كانَ يُؤْذِي نَبِيَّ اللَّهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كُلَّ وقْتٍ، وهو يُدارِيهِ لِلْقَرابَةِ الَّتِي بَيْنَهُما حَتّى نَزَلَتِ الزَّكاةُ فَصالَحَهُ عَنْ كُلِّ ألْفِ دِينارٍ عَلى دِينارٍ، وعَنْ كُلِّ ألْفِ دِرْهَمٍ عَلى دِرْهَمٍ فَحَسَبَهُ فاسْتَكْثَرَهُ فَشَحَّتْ نَفْسُهُ فَجَمَعَ بَنِي إسْرائِيلَ، وقالَ: إنَّ مُوسى يُرِيدُ أنْ يَأْخُذَ أمْوالَكم فَقالُوا: أنْتَ سَيِّدُنا وكَبِيرُنا فَمُرْنا بِما شِئْتَ، قالَ: نُبَرْطِلُ فُلانَةَ البَغِيَّ حَتّى تَنْسُبَهُ إلى نَفْسِها فَيَرْفُضَهُ بَنُو إسْرائِيلَ فَجَعَلَ لَها طَسْتًا مِن ذَهَبٍ مَمْلُوءًا ذَهَبًا فَلَمّا كانَ يَوْمُ عِيدٍ قامَ مُوسى فَقالَ: يا بَنِي إسْرائِيلَ مَن سَرَقَ قَطَعْناهُ، ومَن زَنى وهو (غَيْرُ مُحْصَنٍ جَلَدْناهُ وإنْ أحْصَنَ رَجَمْناهُ، فَقالَ قارُونُ: وإنْ كُنْتَ أنْتَ ؟ قالَ: وإنْ كُنْتُ أنا، قالَ: فَإنَّ بَنِي إسْرائِيلَ يَقُولُونَ إنَّكَ فَجَرْتَ بِفُلانَةَ فَأُحْضِرَتْ فَناشَدَها مُوسى بِاللَّهِ الَّذِي فَلَقَ البَحْرَ وأنْزَلَ التَّوْراةَ أنْ تَصْدُقَ فَتَدارَكَها اللَّهُ تَعالى، فَقالَتْ: كَذَبُوا بَلْ جَعَلَ لِي قارُونُ جُعْلًا عَلى أنْ أقْذِفَكَ بِنَفْسِي، فَخَرَّ مُوسى ساجِدًا يَبْكِي، وقالَ: يا رَبِّ إنْ كُنْتُ رَسُولَكَ فاغْضَبْ لِي، فَأوْحى اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ إلَيْهِ أنْ مُرِ الأرْضَ بِما شِئْتَ فَإنَّها مُطِيعَةٌ لَكَ، فَقالَ: يا بَنِي إسْرائِيلَ إنَّ اللَّهَ بَعَثَنِي إلى قارُونَ كَما بَعَثَنِي إلى فِرْعَوْنَ فَمَن كانَ مَعَهُ فَلْيَلْزَمْ مَكانَهُ ومَن كانَ مَعِيَ فَلْيَعْتَزِلْ فاعْتَزَلُوا جَمِيعًا غَيْرَ رَجُلَيْنِ، ثُمَّ قالَ: يا أرْضُ خُذِيهِمْ فَأخَذَتْهم إلى الرُّكَبِ ثُمَّ قالَ خُذِيهِمْ فَأخَذَتْهم إلى الأوْساطِ ثُمَّ قالَ: خُذِيهِمْ فَأخَذَتْهم إلى الأعْناقِ، وقارُونُ وأصْحابُهُ يَتَضَرَّعُونَ إلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ويُناشِدُونَهُ بِاللَّهِ والرَّحِمِ، ومُوسى لا يَلْتَفِتُ إلَيْهِمْ لِشِدَّةِ غَضَبِهِ، ثُمَّ قالَ: خُذِيهِمْ فانْطَبَقَتِ الأرْضُ عَلَيْهِمْ فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ما أفَظَّكَ ! اسْتَغاثُوا بِكَ مِرارًا فَلَمْ تَرْحَمْهم، أما وعِزَّتِي لَوْ دَعَوْنِي مَرَّةً واحِدَةً لَوَجَدُونِي قَرِيبًا مُجِيبًا. فَأصْبَحَتْ بَنُو إسْرائِيلَ يَتَناجَوْنَ صفحة ١٧ بَيْنَهم: إنَّما دَعا مُوسى عَلى قارُونَ لِيَسْتَبِدَّ بِدارِهِ وكُنُوزِهِ فَدَعا اللَّهَ حَتّى خَسَفَ بِدارِهِ وأمْوالِهِ، ثُمَّ إنَّ قارُونَ يُخْسَفُ بِهِ كُلَّ يَوْمٍ مِائَةَ قامَةٍ، قالَ القاضِي: إذا هَلَكَ بِالخَسْفِ فَسَواءٌ نَزَلَ عَنْ ظاهِرِ الأرْضِ إلى الأرْضِ السّابِعَةِ أوْ دُونَ ذَلِكَ فَإنَّهُ لا يَمْتَنِعُ ما رُوِيَ عَلى وجْهِ المُبالَغَةِ في الزَّجْرِ، وأمّا قَوْلُهم: إنَّهُ تَعالى قالَ لَوِ اسْتَغاثَ بِي لَأغَثْتُهُ، فَإنْ صَحَّ حُمِلَ عَلى اسْتِغاثَةٍ مَقْرُونَةٍ بِالتَّوْبَةِ، فَأمّا وهو ثابِتٌ عَلى ما هو عَلَيْهِ مَعَ أنَّهُ تَعالى هو الَّذِي حَكَمَ بِذَلِكَ الخَسْفِ؛ لِأنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ما فَعَلَهُ إلّا عَنْ أمْرِهِ فَبَعِيدٌ، وقَوْلُهم: إنَّهُ يَتَجَلْجَلُ في الأرْضِ أبَدًا فَبَعِيدٌ؛ لِأنَّهُ لا بُدَّ لَهُ مِن نِهايَةٍ، وكَذا القَوْلُ فِيما ذُكِرَ مِن عَدَدِ القاماتِ، والَّذِي عِنْدِي في أمْثالِ هَذِهِ الحِكاياتِ أنَّها قَلِيلَةُ الفائِدَةِ؛ لِأنَّها مِن بابِ أخْبارِ الآحادِ فَلا تُفِيدُ اليَقِينَ، ولَيْسَتِ المَسْألَةُ مَسْألَةً عَمَلِيَّةً حَتّى يُكْتَفى فِيها بِالظَّنِّ، ثُمَّ إنَّها في أكْثَرِ الأمْرِ مُتَعارِضَةٌ مُضْطَرِبَةٌ فالأوْلى طَرْحُها والِاكْتِفاءُ بِما دَلَّ عَلَيْهِ نَصُّ القُرْآنِ، وتَفْوِيضُ سائِرِ التَّفاصِيلِ إلى عالِمِ الغَيْبِ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿وما كانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ﴾ فالمُرادُ مِنَ المُنْتَقِمِينَ مِن مُوسى أوْ مِنَ المُمْتَنِعِينَ مِن عَذابِ اللَّهِ تَعالى، يُقالُ: نَصَرَهُ مِن عَدُوِّهِ فانْتَصَرَ، أيْ مَنَعَهُ مِنهُ فامْتَنَعَ.

القصص 28:80

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ في زِينَتِهِ قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الحَياةَ الدُّنْيا يالَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ إنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ ﴿وقالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ ويْلَكم ثَوابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا ولا يُلَقّاها إلّا الصّابِرُونَ﴾ ﴿فَخَسَفْنا بِهِ وبِدارِهِ الأرْضَ فَما كانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وما كانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ﴾ صفحة ١٦ أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ في زِينَتِهِ﴾ فَيَدُلُّ عَلى أنَّهُ خَرَجَ بِأظْهَرِ زِينَةٍ وأكْمَلِها ولَيْسَ في القُرْآنِ إلّا هَذا القَدْرُ، إلّا أنَّ النّاسَ ذَكَرُوا وُجُوهًا مُخْتَلِفَةً في كَيْفِيَّةِ تِلْكَ الزِّينَةِ، قالَ مُقاتِلٌ: خَرَجَ عَلى بَغْلَةٍ شَهْباءَ عَلَيْها سَرْجٌ مِن ذَهَبٍ ومَعَهُ أرْبَعَةُ آلافِ فارِسٍ عَلى الخُيُولِ وعَلَيْها الثِّيابُ الأُرْجُوانِيَّةُ ومَعَهُ ثَلَثُمِائَةِ جارِيَةٍ بِيضٍ عَلَيْهِنَّ الحُلِيُّ والثِّيابُ الحُمْرُ عَلى البِغالِ الشُّهْبِ، وقالَ بَعْضُهم: بَلْ خَرَجَ في تِسْعِينَ ألْفًا هَكَذا، وقالَ آخَرُونَ: بَلْ عَلى ثَلَثِمِائَةٍ. والأوْلى تَرْكُ هَذِهِ التَّقْرِيراتِ؛ لِأنَّها مُتَعارِضَةٌ، ثُمَّ إنَّ النّاسَ لَمّا رَأوْا عَلَيْهِ تِلْكَ الزِّينَةَ قالَ مَن كانَ مِنهم يَرْغَبُ في الدُّنْيا: ﴿يالَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ﴾ مِن هَذِهِ الأُمُورِ والأمْوالِ، والرّاغِبُونَ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونُوا مِنَ الكُفّارِ، وأنْ يَكُونُوا مِنَ المُسْلِمِينَ الَّذِينَ يُحِبُّونَ الدُّنْيا، وأمّا العُلَماءُ وأهْلُ الدِّينِ فَقالُوا لِلَّذِينِ تَمَنَّوْا هَذا: ويْلَكم ثَوابُ اللَّهِ خَيْرٌ مِن هَذِهِ النِّعَمِ؛ لِأنَّ لِلثَّوابِ مَنافِعَ عَظِيمَةً وخالِصَةً عَنْ شَوائِبِ المَضارِّ ودائِمَةً، وهَذِهِ النِّعَمُ العاجِلَةُ عَلى الضِّدِّ مِن هَذِهِ الصِّفاتِ الثَّلاثِ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ويْلَكَ أصْلُهُ الدُّعاءُ بِالهَلاكِ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في الزَّجْرِ والرَّدْعِ والبَعْثِ عَلى تَرْكِ ما لا يُرْتَضى. أمّا قَوْلُهُ: ﴿ولا يُلَقّاها إلّا الصّابِرُونَ﴾ فَقالَ المُفَسِّرُونَ: لا يُوَفَّقُ لَها والضَّمِيرُ في ﴿يُلَقّاها﴾ إلى ماذا يَعُودُ ؟ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: إلى ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا﴾ يَعْنِي هَذِهِ الأعْمالَ لا يُؤْتاها إلّا الصّابِرُونَ. والثّانِي: قالَ الزَّجّاجُ: يَعْنِي ولا يُلَقّى هَذِهِ الكَلِمَةَ، وهي قَوْلُهم ثَوابُ اللَّهِ خَيْرٌ إلّا الصّابِرُونَ عَلى أداءِ الطّاعاتِ، والِاحْتِرازِ عَنِ المُحَرَّماتِ، وعَلى الرِّضا بِقَضاءِ اللَّهِ في كُلِّ ما قَسَمَ مِنَ المَنافِعِ والمَضارِّ. * * * وأمّا قَوْلُهُ: ﴿فَخَسَفْنا بِهِ وبِدارِهِ الأرْضَ﴾ فَفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ لَمّا أشِرَ وبَطِرَ وعَتا خَسَفَ اللَّهُ بِهِ وبِدارِهِ الأرْضَ جَزاءً عَلى عُتُوِّهِ وبَطَرِهِ، والفاءُ تَدُلُّ عَلى ذَلِكَ؛ لِأنَّ الفاءَ تُشْعِرُ بِالعِلِّيَّةِ. وثانِيها: قِيلَ: إنَّ قارُونَ كانَ يُؤْذِي نَبِيَّ اللَّهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كُلَّ وقْتٍ، وهو يُدارِيهِ لِلْقَرابَةِ الَّتِي بَيْنَهُما حَتّى نَزَلَتِ الزَّكاةُ فَصالَحَهُ عَنْ كُلِّ ألْفِ دِينارٍ عَلى دِينارٍ، وعَنْ كُلِّ ألْفِ دِرْهَمٍ عَلى دِرْهَمٍ فَحَسَبَهُ فاسْتَكْثَرَهُ فَشَحَّتْ نَفْسُهُ فَجَمَعَ بَنِي إسْرائِيلَ، وقالَ: إنَّ مُوسى يُرِيدُ أنْ يَأْخُذَ أمْوالَكم فَقالُوا: أنْتَ سَيِّدُنا وكَبِيرُنا فَمُرْنا بِما شِئْتَ، قالَ: نُبَرْطِلُ فُلانَةَ البَغِيَّ حَتّى تَنْسُبَهُ إلى نَفْسِها فَيَرْفُضَهُ بَنُو إسْرائِيلَ فَجَعَلَ لَها طَسْتًا مِن ذَهَبٍ مَمْلُوءًا ذَهَبًا فَلَمّا كانَ يَوْمُ عِيدٍ قامَ مُوسى فَقالَ: يا بَنِي إسْرائِيلَ مَن سَرَقَ قَطَعْناهُ، ومَن زَنى وهو (غَيْرُ مُحْصَنٍ جَلَدْناهُ وإنْ أحْصَنَ رَجَمْناهُ، فَقالَ قارُونُ: وإنْ كُنْتَ أنْتَ ؟ قالَ: وإنْ كُنْتُ أنا، قالَ: فَإنَّ بَنِي إسْرائِيلَ يَقُولُونَ إنَّكَ فَجَرْتَ بِفُلانَةَ فَأُحْضِرَتْ فَناشَدَها مُوسى بِاللَّهِ الَّذِي فَلَقَ البَحْرَ وأنْزَلَ التَّوْراةَ أنْ تَصْدُقَ فَتَدارَكَها اللَّهُ تَعالى، فَقالَتْ: كَذَبُوا بَلْ جَعَلَ لِي قارُونُ جُعْلًا عَلى أنْ أقْذِفَكَ بِنَفْسِي، فَخَرَّ مُوسى ساجِدًا يَبْكِي، وقالَ: يا رَبِّ إنْ كُنْتُ رَسُولَكَ فاغْضَبْ لِي، فَأوْحى اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ إلَيْهِ أنْ مُرِ الأرْضَ بِما شِئْتَ فَإنَّها مُطِيعَةٌ لَكَ، فَقالَ: يا بَنِي إسْرائِيلَ إنَّ اللَّهَ بَعَثَنِي إلى قارُونَ كَما بَعَثَنِي إلى فِرْعَوْنَ فَمَن كانَ مَعَهُ فَلْيَلْزَمْ مَكانَهُ ومَن كانَ مَعِيَ فَلْيَعْتَزِلْ فاعْتَزَلُوا جَمِيعًا غَيْرَ رَجُلَيْنِ، ثُمَّ قالَ: يا أرْضُ خُذِيهِمْ فَأخَذَتْهم إلى الرُّكَبِ ثُمَّ قالَ خُذِيهِمْ فَأخَذَتْهم إلى الأوْساطِ ثُمَّ قالَ: خُذِيهِمْ فَأخَذَتْهم إلى الأعْناقِ، وقارُونُ وأصْحابُهُ يَتَضَرَّعُونَ إلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ويُناشِدُونَهُ بِاللَّهِ والرَّحِمِ، ومُوسى لا يَلْتَفِتُ إلَيْهِمْ لِشِدَّةِ غَضَبِهِ، ثُمَّ قالَ: خُذِيهِمْ فانْطَبَقَتِ الأرْضُ عَلَيْهِمْ فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ما أفَظَّكَ ! اسْتَغاثُوا بِكَ مِرارًا فَلَمْ تَرْحَمْهم، أما وعِزَّتِي لَوْ دَعَوْنِي مَرَّةً واحِدَةً لَوَجَدُونِي قَرِيبًا مُجِيبًا. فَأصْبَحَتْ بَنُو إسْرائِيلَ يَتَناجَوْنَ صفحة ١٧ بَيْنَهم: إنَّما دَعا مُوسى عَلى قارُونَ لِيَسْتَبِدَّ بِدارِهِ وكُنُوزِهِ فَدَعا اللَّهَ حَتّى خَسَفَ بِدارِهِ وأمْوالِهِ، ثُمَّ إنَّ قارُونَ يُخْسَفُ بِهِ كُلَّ يَوْمٍ مِائَةَ قامَةٍ، قالَ القاضِي: إذا هَلَكَ بِالخَسْفِ فَسَواءٌ نَزَلَ عَنْ ظاهِرِ الأرْضِ إلى الأرْضِ السّابِعَةِ أوْ دُونَ ذَلِكَ فَإنَّهُ لا يَمْتَنِعُ ما رُوِيَ عَلى وجْهِ المُبالَغَةِ في الزَّجْرِ، وأمّا قَوْلُهم: إنَّهُ تَعالى قالَ لَوِ اسْتَغاثَ بِي لَأغَثْتُهُ، فَإنْ صَحَّ حُمِلَ عَلى اسْتِغاثَةٍ مَقْرُونَةٍ بِالتَّوْبَةِ، فَأمّا وهو ثابِتٌ عَلى ما هو عَلَيْهِ مَعَ أنَّهُ تَعالى هو الَّذِي حَكَمَ بِذَلِكَ الخَسْفِ؛ لِأنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ما فَعَلَهُ إلّا عَنْ أمْرِهِ فَبَعِيدٌ، وقَوْلُهم: إنَّهُ يَتَجَلْجَلُ في الأرْضِ أبَدًا فَبَعِيدٌ؛ لِأنَّهُ لا بُدَّ لَهُ مِن نِهايَةٍ، وكَذا القَوْلُ فِيما ذُكِرَ مِن عَدَدِ القاماتِ، والَّذِي عِنْدِي في أمْثالِ هَذِهِ الحِكاياتِ أنَّها قَلِيلَةُ الفائِدَةِ؛ لِأنَّها مِن بابِ أخْبارِ الآحادِ فَلا تُفِيدُ اليَقِينَ، ولَيْسَتِ المَسْألَةُ مَسْألَةً عَمَلِيَّةً حَتّى يُكْتَفى فِيها بِالظَّنِّ، ثُمَّ إنَّها في أكْثَرِ الأمْرِ مُتَعارِضَةٌ مُضْطَرِبَةٌ فالأوْلى طَرْحُها والِاكْتِفاءُ بِما دَلَّ عَلَيْهِ نَصُّ القُرْآنِ، وتَفْوِيضُ سائِرِ التَّفاصِيلِ إلى عالِمِ الغَيْبِ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿وما كانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ﴾ فالمُرادُ مِنَ المُنْتَقِمِينَ مِن مُوسى أوْ مِنَ المُمْتَنِعِينَ مِن عَذابِ اللَّهِ تَعالى، يُقالُ: نَصَرَهُ مِن عَدُوِّهِ فانْتَصَرَ، أيْ مَنَعَهُ مِنهُ فامْتَنَعَ.

القصص 28:81

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ في زِينَتِهِ قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الحَياةَ الدُّنْيا يالَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ إنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ ﴿وقالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ ويْلَكم ثَوابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا ولا يُلَقّاها إلّا الصّابِرُونَ﴾ ﴿فَخَسَفْنا بِهِ وبِدارِهِ الأرْضَ فَما كانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وما كانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ﴾ صفحة ١٦ أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ في زِينَتِهِ﴾ فَيَدُلُّ عَلى أنَّهُ خَرَجَ بِأظْهَرِ زِينَةٍ وأكْمَلِها ولَيْسَ في القُرْآنِ إلّا هَذا القَدْرُ، إلّا أنَّ النّاسَ ذَكَرُوا وُجُوهًا مُخْتَلِفَةً في كَيْفِيَّةِ تِلْكَ الزِّينَةِ، قالَ مُقاتِلٌ: خَرَجَ عَلى بَغْلَةٍ شَهْباءَ عَلَيْها سَرْجٌ مِن ذَهَبٍ ومَعَهُ أرْبَعَةُ آلافِ فارِسٍ عَلى الخُيُولِ وعَلَيْها الثِّيابُ الأُرْجُوانِيَّةُ ومَعَهُ ثَلَثُمِائَةِ جارِيَةٍ بِيضٍ عَلَيْهِنَّ الحُلِيُّ والثِّيابُ الحُمْرُ عَلى البِغالِ الشُّهْبِ، وقالَ بَعْضُهم: بَلْ خَرَجَ في تِسْعِينَ ألْفًا هَكَذا، وقالَ آخَرُونَ: بَلْ عَلى ثَلَثِمِائَةٍ. والأوْلى تَرْكُ هَذِهِ التَّقْرِيراتِ؛ لِأنَّها مُتَعارِضَةٌ، ثُمَّ إنَّ النّاسَ لَمّا رَأوْا عَلَيْهِ تِلْكَ الزِّينَةَ قالَ مَن كانَ مِنهم يَرْغَبُ في الدُّنْيا: ﴿يالَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ﴾ مِن هَذِهِ الأُمُورِ والأمْوالِ، والرّاغِبُونَ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونُوا مِنَ الكُفّارِ، وأنْ يَكُونُوا مِنَ المُسْلِمِينَ الَّذِينَ يُحِبُّونَ الدُّنْيا، وأمّا العُلَماءُ وأهْلُ الدِّينِ فَقالُوا لِلَّذِينِ تَمَنَّوْا هَذا: ويْلَكم ثَوابُ اللَّهِ خَيْرٌ مِن هَذِهِ النِّعَمِ؛ لِأنَّ لِلثَّوابِ مَنافِعَ عَظِيمَةً وخالِصَةً عَنْ شَوائِبِ المَضارِّ ودائِمَةً، وهَذِهِ النِّعَمُ العاجِلَةُ عَلى الضِّدِّ مِن هَذِهِ الصِّفاتِ الثَّلاثِ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ويْلَكَ أصْلُهُ الدُّعاءُ بِالهَلاكِ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في الزَّجْرِ والرَّدْعِ والبَعْثِ عَلى تَرْكِ ما لا يُرْتَضى. أمّا قَوْلُهُ: ﴿ولا يُلَقّاها إلّا الصّابِرُونَ﴾ فَقالَ المُفَسِّرُونَ: لا يُوَفَّقُ لَها والضَّمِيرُ في ﴿يُلَقّاها﴾ إلى ماذا يَعُودُ ؟ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: إلى ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا﴾ يَعْنِي هَذِهِ الأعْمالَ لا يُؤْتاها إلّا الصّابِرُونَ. والثّانِي: قالَ الزَّجّاجُ: يَعْنِي ولا يُلَقّى هَذِهِ الكَلِمَةَ، وهي قَوْلُهم ثَوابُ اللَّهِ خَيْرٌ إلّا الصّابِرُونَ عَلى أداءِ الطّاعاتِ، والِاحْتِرازِ عَنِ المُحَرَّماتِ، وعَلى الرِّضا بِقَضاءِ اللَّهِ في كُلِّ ما قَسَمَ مِنَ المَنافِعِ والمَضارِّ. * * * وأمّا قَوْلُهُ: ﴿فَخَسَفْنا بِهِ وبِدارِهِ الأرْضَ﴾ فَفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ لَمّا أشِرَ وبَطِرَ وعَتا خَسَفَ اللَّهُ بِهِ وبِدارِهِ الأرْضَ جَزاءً عَلى عُتُوِّهِ وبَطَرِهِ، والفاءُ تَدُلُّ عَلى ذَلِكَ؛ لِأنَّ الفاءَ تُشْعِرُ بِالعِلِّيَّةِ. وثانِيها: قِيلَ: إنَّ قارُونَ كانَ يُؤْذِي نَبِيَّ اللَّهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كُلَّ وقْتٍ، وهو يُدارِيهِ لِلْقَرابَةِ الَّتِي بَيْنَهُما حَتّى نَزَلَتِ الزَّكاةُ فَصالَحَهُ عَنْ كُلِّ ألْفِ دِينارٍ عَلى دِينارٍ، وعَنْ كُلِّ ألْفِ دِرْهَمٍ عَلى دِرْهَمٍ فَحَسَبَهُ فاسْتَكْثَرَهُ فَشَحَّتْ نَفْسُهُ فَجَمَعَ بَنِي إسْرائِيلَ، وقالَ: إنَّ مُوسى يُرِيدُ أنْ يَأْخُذَ أمْوالَكم فَقالُوا: أنْتَ سَيِّدُنا وكَبِيرُنا فَمُرْنا بِما شِئْتَ، قالَ: نُبَرْطِلُ فُلانَةَ البَغِيَّ حَتّى تَنْسُبَهُ إلى نَفْسِها فَيَرْفُضَهُ بَنُو إسْرائِيلَ فَجَعَلَ لَها طَسْتًا مِن ذَهَبٍ مَمْلُوءًا ذَهَبًا فَلَمّا كانَ يَوْمُ عِيدٍ قامَ مُوسى فَقالَ: يا بَنِي إسْرائِيلَ مَن سَرَقَ قَطَعْناهُ، ومَن زَنى وهو (غَيْرُ مُحْصَنٍ جَلَدْناهُ وإنْ أحْصَنَ رَجَمْناهُ، فَقالَ قارُونُ: وإنْ كُنْتَ أنْتَ ؟ قالَ: وإنْ كُنْتُ أنا، قالَ: فَإنَّ بَنِي إسْرائِيلَ يَقُولُونَ إنَّكَ فَجَرْتَ بِفُلانَةَ فَأُحْضِرَتْ فَناشَدَها مُوسى بِاللَّهِ الَّذِي فَلَقَ البَحْرَ وأنْزَلَ التَّوْراةَ أنْ تَصْدُقَ فَتَدارَكَها اللَّهُ تَعالى، فَقالَتْ: كَذَبُوا بَلْ جَعَلَ لِي قارُونُ جُعْلًا عَلى أنْ أقْذِفَكَ بِنَفْسِي، فَخَرَّ مُوسى ساجِدًا يَبْكِي، وقالَ: يا رَبِّ إنْ كُنْتُ رَسُولَكَ فاغْضَبْ لِي، فَأوْحى اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ إلَيْهِ أنْ مُرِ الأرْضَ بِما شِئْتَ فَإنَّها مُطِيعَةٌ لَكَ، فَقالَ: يا بَنِي إسْرائِيلَ إنَّ اللَّهَ بَعَثَنِي إلى قارُونَ كَما بَعَثَنِي إلى فِرْعَوْنَ فَمَن كانَ مَعَهُ فَلْيَلْزَمْ مَكانَهُ ومَن كانَ مَعِيَ فَلْيَعْتَزِلْ فاعْتَزَلُوا جَمِيعًا غَيْرَ رَجُلَيْنِ، ثُمَّ قالَ: يا أرْضُ خُذِيهِمْ فَأخَذَتْهم إلى الرُّكَبِ ثُمَّ قالَ خُذِيهِمْ فَأخَذَتْهم إلى الأوْساطِ ثُمَّ قالَ: خُذِيهِمْ فَأخَذَتْهم إلى الأعْناقِ، وقارُونُ وأصْحابُهُ يَتَضَرَّعُونَ إلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ويُناشِدُونَهُ بِاللَّهِ والرَّحِمِ، ومُوسى لا يَلْتَفِتُ إلَيْهِمْ لِشِدَّةِ غَضَبِهِ، ثُمَّ قالَ: خُذِيهِمْ فانْطَبَقَتِ الأرْضُ عَلَيْهِمْ فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ما أفَظَّكَ ! اسْتَغاثُوا بِكَ مِرارًا فَلَمْ تَرْحَمْهم، أما وعِزَّتِي لَوْ دَعَوْنِي مَرَّةً واحِدَةً لَوَجَدُونِي قَرِيبًا مُجِيبًا. فَأصْبَحَتْ بَنُو إسْرائِيلَ يَتَناجَوْنَ صفحة ١٧ بَيْنَهم: إنَّما دَعا مُوسى عَلى قارُونَ لِيَسْتَبِدَّ بِدارِهِ وكُنُوزِهِ فَدَعا اللَّهَ حَتّى خَسَفَ بِدارِهِ وأمْوالِهِ، ثُمَّ إنَّ قارُونَ يُخْسَفُ بِهِ كُلَّ يَوْمٍ مِائَةَ قامَةٍ، قالَ القاضِي: إذا هَلَكَ بِالخَسْفِ فَسَواءٌ نَزَلَ عَنْ ظاهِرِ الأرْضِ إلى الأرْضِ السّابِعَةِ أوْ دُونَ ذَلِكَ فَإنَّهُ لا يَمْتَنِعُ ما رُوِيَ عَلى وجْهِ المُبالَغَةِ في الزَّجْرِ، وأمّا قَوْلُهم: إنَّهُ تَعالى قالَ لَوِ اسْتَغاثَ بِي لَأغَثْتُهُ، فَإنْ صَحَّ حُمِلَ عَلى اسْتِغاثَةٍ مَقْرُونَةٍ بِالتَّوْبَةِ، فَأمّا وهو ثابِتٌ عَلى ما هو عَلَيْهِ مَعَ أنَّهُ تَعالى هو الَّذِي حَكَمَ بِذَلِكَ الخَسْفِ؛ لِأنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ما فَعَلَهُ إلّا عَنْ أمْرِهِ فَبَعِيدٌ، وقَوْلُهم: إنَّهُ يَتَجَلْجَلُ في الأرْضِ أبَدًا فَبَعِيدٌ؛ لِأنَّهُ لا بُدَّ لَهُ مِن نِهايَةٍ، وكَذا القَوْلُ فِيما ذُكِرَ مِن عَدَدِ القاماتِ، والَّذِي عِنْدِي في أمْثالِ هَذِهِ الحِكاياتِ أنَّها قَلِيلَةُ الفائِدَةِ؛ لِأنَّها مِن بابِ أخْبارِ الآحادِ فَلا تُفِيدُ اليَقِينَ، ولَيْسَتِ المَسْألَةُ مَسْألَةً عَمَلِيَّةً حَتّى يُكْتَفى فِيها بِالظَّنِّ، ثُمَّ إنَّها في أكْثَرِ الأمْرِ مُتَعارِضَةٌ مُضْطَرِبَةٌ فالأوْلى طَرْحُها والِاكْتِفاءُ بِما دَلَّ عَلَيْهِ نَصُّ القُرْآنِ، وتَفْوِيضُ سائِرِ التَّفاصِيلِ إلى عالِمِ الغَيْبِ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿وما كانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ﴾ فالمُرادُ مِنَ المُنْتَقِمِينَ مِن مُوسى أوْ مِنَ المُمْتَنِعِينَ مِن عَذابِ اللَّهِ تَعالى، يُقالُ: نَصَرَهُ مِن عَدُوِّهِ فانْتَصَرَ، أيْ مَنَعَهُ مِنهُ فامْتَنَعَ.

القصص 28:82

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكانَهُ بِالأمْسِ يَقُولُونَ ويْكَأنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ ويَقْدِرُ لَوْلا أنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا لَخَسَفَ بِنا ويْكَأنَّهُ لا يُفْلِحُ الكافِرُونَ﴾ ﴿تِلْكَ الدّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا في الأرْضِ ولا فَسادًا والعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ اعْلَمْ أنَّ القَوْمَ الَّذِينَ شاهَدُوا قارُونَ في زِينَتِهِ لَمّا شاهَدُوا ما نَزَلَ بِهِ مِنَ الخَسْفِ صارَ ذَلِكَ زاجِرًا لَهم عَنْ حُبِّ الدُّنْيا، ومُخالَفَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وداعِيًا إلى الرِّضا بِقَضاءِ اللَّهِ تَعالى وقِسْمَتِهِ وإلى إظْهارِ الطّاعَةِ والِانْقِيادِ لِأنْبِياءِ اللَّهِ ورُسُلِهِ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿ويْكَأنَّ اللَّهَ﴾ فاعْلَمْ أنَّ (ويْ) كَلِمَةٌ مَفْصُولَةٌ عَنْ (كَأنَّ) وهي كَلِمَةٌ مُسْتَعْمَلَةٌ عِنْدَ التَّنَبُّهِ لِلْخَطَأِ وإظْهارِ التَّنَدُّمِ، فَلَمّا قالُوا: ﴿يالَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ﴾ ثُمَّ شاهَدُوا الخَسْفَ تَنَبَّهُوا لِخَطَئِهِمْ فَقالُوا: (ويْ) ثُمَّ قالُوا: كَأنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ بِحَسَبِ مَشِيئَتِهِ وحِكْمَتِهِ لا لِكَرامَتِهِ عَلَيْهِ، ويُضَيِّقُ عَلى مَن يَشاءُ؛ لا لِهَوانِ مَن يُضَيِّقُ عَلَيْهِ؛ بَلْ لِحِكْمَتِهِ وقَضائِهِ ابْتِلاءً وفِتْنَةً قالَ سِيبَوَيْهِ: سَألْتُ الخَلِيلَ عَنْ هَذا الحَرْفِ فَقالَ: إنَّ (ويْ) مَفْصُولَةٌ مِن (كَأنَّ) وإنَّ القَوْمَ تَنَبَّهُوا وقالُوا مُتَنَدِّمِينَ عَلى ما سَلَفَ مِنهم (ويْ) . وذَكَرَ الفَرّاءُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ المَعْنى ويْلَكَ فَحَذَفَ اللّامَ وإنَّما جازَ هَذا الحَذْفُ لِكَثْرَتِها في الكَلامِ، وجَعَلَ أنَّ مَفْتُوحَةً بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ كَأنَّهُ قالَ: ويْلَكَ اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ، وهَذا قَوْلُ قُطْرُبٍ حَكاهُ عَنْ يُونُسَ. الثّانِي: (ويْ) مُنْفَصِلَةٌ مِن (كَأنَّ) وهو لِلتَّعَجُّبِ يَقُولُ الرَّجُلُ لِغَيْرِهِ: ويْ أما تَرى ما بَيْنَ يَدَيْكَ فَقالَ اللَّهُ: (ويْ) ثُمَّ اسْتَأْنَفَ كَأنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ، فاللَّهُ تَعالى إنَّما ذَكَرَها تَعْجِيبًا لِخَلْقِهِ، قالَ الواحِدِيُّ: وهَذا وجْهٌ مُسْتَقِيمٌ غَيْرَ أنَّ العَرَبَ لَمْ تَكْتُبْها مُنْفَصِلَةً، ولَوْ كانَ عَلى ما قالُوهُ لَكَتَبُوها صفحة ١٨ مُنْفَصِلَةً، وأجابَ الأوَّلُونَ بِأنَّ خَطَّ المُصْحَفِ لا يُقاسُ عَلَيْهِ، ثُمَّ قالُوا: ﴿لَوْلا أنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا لَخَسَفَ بِنا ويْكَأنَّهُ لا يُفْلِحُ الكافِرُونَ﴾ وهَذا تَأْكِيدٌ لِما قَبْلَهُ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿تِلْكَ الدّارُ الآخِرَةُ﴾ فَتَعْظِيمٌ لَها وتَفْخِيمٌ لِشَأْنِها، يَعْنِي: تِلْكَ الَّتِي سَمِعْتَ بِذِكْرِها وبَلَغَكَ وصْفُها، ولَمْ يُعَلَّقِ الوَعْدُ بِتَرْكِ العُلُوِّ والفَسادِ، ولَكِنْ بِتَرْكِ إرادَتِهِما ومَيْلِ القَلْبِ إلَيْهِما، وعَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ: أنَّ الرَّجُلَ لَيُعْجِبُهُ أنْ يَكُونَ شِراكُ نَعْلِهِ أجْوَدَ مِن شِراكِ نَعْلِ صاحِبِهِ فَيَدْخُلُ تَحْتَها، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ومِنَ الطُّمّاعِ مَن يَجْعَلُ العُلُوَّ لِفِرْعَوْنَ لِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ فِرْعَوْنَ عَلا في الأرْضِ﴾ (القَصَصِ: ٤ ) والفَسادَ لِقارُونَ لِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَبْغِ الفَسادَ في الأرْضِ﴾ ويَقُولُ: مَن لَمْ يَكُنْ مِثْلَ فِرْعَوْنَ وقارُونَ فَلَهُ تِلْكَ الدّارُ الآخِرَةُ ولا يَتَدَبَّرُ قَوْلَهُ: ﴿والعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ كَما تَدَبَّرَهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ.

القصص 28:83

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكانَهُ بِالأمْسِ يَقُولُونَ ويْكَأنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ ويَقْدِرُ لَوْلا أنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا لَخَسَفَ بِنا ويْكَأنَّهُ لا يُفْلِحُ الكافِرُونَ﴾ ﴿تِلْكَ الدّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا في الأرْضِ ولا فَسادًا والعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ اعْلَمْ أنَّ القَوْمَ الَّذِينَ شاهَدُوا قارُونَ في زِينَتِهِ لَمّا شاهَدُوا ما نَزَلَ بِهِ مِنَ الخَسْفِ صارَ ذَلِكَ زاجِرًا لَهم عَنْ حُبِّ الدُّنْيا، ومُخالَفَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وداعِيًا إلى الرِّضا بِقَضاءِ اللَّهِ تَعالى وقِسْمَتِهِ وإلى إظْهارِ الطّاعَةِ والِانْقِيادِ لِأنْبِياءِ اللَّهِ ورُسُلِهِ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿ويْكَأنَّ اللَّهَ﴾ فاعْلَمْ أنَّ (ويْ) كَلِمَةٌ مَفْصُولَةٌ عَنْ (كَأنَّ) وهي كَلِمَةٌ مُسْتَعْمَلَةٌ عِنْدَ التَّنَبُّهِ لِلْخَطَأِ وإظْهارِ التَّنَدُّمِ، فَلَمّا قالُوا: ﴿يالَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ﴾ ثُمَّ شاهَدُوا الخَسْفَ تَنَبَّهُوا لِخَطَئِهِمْ فَقالُوا: (ويْ) ثُمَّ قالُوا: كَأنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ بِحَسَبِ مَشِيئَتِهِ وحِكْمَتِهِ لا لِكَرامَتِهِ عَلَيْهِ، ويُضَيِّقُ عَلى مَن يَشاءُ؛ لا لِهَوانِ مَن يُضَيِّقُ عَلَيْهِ؛ بَلْ لِحِكْمَتِهِ وقَضائِهِ ابْتِلاءً وفِتْنَةً قالَ سِيبَوَيْهِ: سَألْتُ الخَلِيلَ عَنْ هَذا الحَرْفِ فَقالَ: إنَّ (ويْ) مَفْصُولَةٌ مِن (كَأنَّ) وإنَّ القَوْمَ تَنَبَّهُوا وقالُوا مُتَنَدِّمِينَ عَلى ما سَلَفَ مِنهم (ويْ) . وذَكَرَ الفَرّاءُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ المَعْنى ويْلَكَ فَحَذَفَ اللّامَ وإنَّما جازَ هَذا الحَذْفُ لِكَثْرَتِها في الكَلامِ، وجَعَلَ أنَّ مَفْتُوحَةً بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ كَأنَّهُ قالَ: ويْلَكَ اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ، وهَذا قَوْلُ قُطْرُبٍ حَكاهُ عَنْ يُونُسَ. الثّانِي: (ويْ) مُنْفَصِلَةٌ مِن (كَأنَّ) وهو لِلتَّعَجُّبِ يَقُولُ الرَّجُلُ لِغَيْرِهِ: ويْ أما تَرى ما بَيْنَ يَدَيْكَ فَقالَ اللَّهُ: (ويْ) ثُمَّ اسْتَأْنَفَ كَأنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ، فاللَّهُ تَعالى إنَّما ذَكَرَها تَعْجِيبًا لِخَلْقِهِ، قالَ الواحِدِيُّ: وهَذا وجْهٌ مُسْتَقِيمٌ غَيْرَ أنَّ العَرَبَ لَمْ تَكْتُبْها مُنْفَصِلَةً، ولَوْ كانَ عَلى ما قالُوهُ لَكَتَبُوها صفحة ١٨ مُنْفَصِلَةً، وأجابَ الأوَّلُونَ بِأنَّ خَطَّ المُصْحَفِ لا يُقاسُ عَلَيْهِ، ثُمَّ قالُوا: ﴿لَوْلا أنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا لَخَسَفَ بِنا ويْكَأنَّهُ لا يُفْلِحُ الكافِرُونَ﴾ وهَذا تَأْكِيدٌ لِما قَبْلَهُ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿تِلْكَ الدّارُ الآخِرَةُ﴾ فَتَعْظِيمٌ لَها وتَفْخِيمٌ لِشَأْنِها، يَعْنِي: تِلْكَ الَّتِي سَمِعْتَ بِذِكْرِها وبَلَغَكَ وصْفُها، ولَمْ يُعَلَّقِ الوَعْدُ بِتَرْكِ العُلُوِّ والفَسادِ، ولَكِنْ بِتَرْكِ إرادَتِهِما ومَيْلِ القَلْبِ إلَيْهِما، وعَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ: أنَّ الرَّجُلَ لَيُعْجِبُهُ أنْ يَكُونَ شِراكُ نَعْلِهِ أجْوَدَ مِن شِراكِ نَعْلِ صاحِبِهِ فَيَدْخُلُ تَحْتَها، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ومِنَ الطُّمّاعِ مَن يَجْعَلُ العُلُوَّ لِفِرْعَوْنَ لِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ فِرْعَوْنَ عَلا في الأرْضِ﴾ (القَصَصِ: ٤ ) والفَسادَ لِقارُونَ لِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَبْغِ الفَسادَ في الأرْضِ﴾ ويَقُولُ: مَن لَمْ يَكُنْ مِثْلَ فِرْعَوْنَ وقارُونَ فَلَهُ تِلْكَ الدّارُ الآخِرَةُ ولا يَتَدَبَّرُ قَوْلَهُ: ﴿والعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ كَما تَدَبَّرَهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ.

القصص 28:84

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ إلّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿إنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ القُرْآنَ لَرادُّكَ إلى مَعادٍ قُلْ رَبِّي أعْلَمُ مَن جاءَ بِالهُدى ومَن هو في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ﴿وما كُنْتَ تَرْجُو أنْ يُلْقى إلَيْكَ الكِتابُ إلّا رَحْمَةً مِن رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكافِرِينَ﴾ ﴿ولا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آياتِ اللَّهِ بَعْدَ إذْ أُنْزِلَتْ إلَيْكَ وادْعُ إلى رَبِّكَ ولا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ ﴿ولا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ لا إلَهَ إلّا هو كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلّا وجْهَهُ لَهُ الحُكْمُ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ الدّارَ الآخِرَةَ لَيْسَتْ لِمَن يُرِيدُ عُلُوًّا في الأرْضِ ولا فَسادًا، بَلْ هي لِلْمُتَّقِينَ بَيَّنَ بَعْدَ ذَلِكَ ما يَحْصُلُ لَهم فَقالَ: ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ. أحَدُها: المَعْنى مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ حَصَلَ لَهُ مِن تِلْكَ الكَلِمَةِ خَيْرٌ. وثانِيها: حَصَلَ لَهُ شَيْءٌ هو أفْضَلُ مِن تِلْكَ الحَسَنَةِ، ومَعْناهُ أنَّهم يُزادُونَ عَلى ثَوابِهِمْ وقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُهُ في آخِرِ النَّمْلِ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ إلّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ فَظاهِرُهُ أنْ لا يُزادُوا عَلى ما يَسْتَحِقُّونَ. وإذا صَحَّ ذَلِكَ في السَّيِّئاتِ دَلَّ أنَّ المُرادَ في الحَسَناتِ بِما هو خَيْرٌ مِنها ما ذَكَرْناهُ مِن مَزِيدِ الفَضْلِ عَلى الثَّوابِ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ تَقْدِيرُ الآيَةِ: ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَوْنَ إلّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ، لَكِنَّهُ كَرَّرَ ذَلِكَ؛ لِأنَّ في إسْنادِ عَمَلِ السَّيِّئَةِ إلَيْهِمْ مُكَرَّرًا فَضْلَ تَهْجِينٍ لِحالِهِمْ وزِيادَةَ تَبْغِيضٍ لِلسَّيِّئَةِ إلى قُلُوبِ السّامِعِينَ، وهَذا مِن فَضْلِهِ العَظِيمِ أنَّهُ لا يَجْزِي بِالسَّيِّئَةِ إلّا مِثْلَها، ويَجْزِي بِالحَسَنَةِ عَشْرَ أمْثالِها، وهَهُنا سُؤالانِ: صفحة ١٩ السُّؤالُ الأوَّلُ: قالَ تَعالى: ﴿إنْ أحْسَنْتُمْ أحْسَنْتُمْ لِأنْفُسِكم وإنْ أسَأْتُمْ فَلَها﴾ (الإسْراءِ: ٧) كَرَّرَ ذَلِكَ الإحْسانَ واكْتَفى بِذِكْرِ الإساءَةِ بِمَرَّةٍ واحِدَةٍ، وفي هَذِهِ الآيَةِ كَرَّرَ ذِكْرَ الإساءَةِ مَرَّتَيْنِ واكْتَفى في ذِكْرِ الإحْسانِ بِمَرَّةٍ واحِدَةٍ، فَما السَّبَبُ ؟ الجَوابُ: لِأنَّ هَذا المَقامَ مَقامُ التَّرْغِيبِ في الدّارِ الآخِرَةِ، فَكانَتِ المُبالَغَةُ في الزَّجْرِ عَنِ المَعْصِيَةِ لائِقَةً بِهَذا البابِ؛ لِأنَّ المُبالَغَةَ في الزَّجْرِ عَنِ المَعْصِيَةِ مُبالَغَةٌ في الدَّعْوَةِ إلى الآخِرَةِ. وأمّا الآيَةُ الأُخْرى فَهي شَرْحُ حالِهِمْ فَكانَتِ المُبالَغَةُ في ذِكْرِ مَحاسِنِهِمْ أوْلى. السُّؤالُ الثّانِي: كَيْفَ قالَ: لا تُجْزى السَّيِّئَةُ إلّا بِمِثْلِها ؟ مَعَ أنَّ المُتَكَلِّمَ بِكَلِمَةِ الكُفْرِ إذا ماتَ في الحالِ عُذِّبَ أبَدَ الآبادِ. والجَوابُ: لِأنَّهُ كانَ عَلى عَزْمٍ أنَّهُ لَوْ عاشَ أبَدًا لَقالَ ذَلِكَ فَعُومِلَ بِمُقْتَضى عَزْمِهِ. قالَ الجُبّائِيُّ: وهَذا يَدُلُّ عَلى بُطْلانِ مَذْهَبِ مَن يُجَوِّزُ عَلى اللَّهِ تَعالى أنْ يُعَذِّبَ الأطْفالَ عَذابًا دائِمًا بِغَيْرِ جُرْمٍ، قُلْنا: لا يَجُوزُ أنْ يَفْعَلَهُ ولَيْسَ في الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا شَرَحَ لِرَسُولِهِ أمْرَ القِيامَةِ واسْتَقْصى في ذَلِكَ، شَرَحَ لَهُ ما يَتَّصِلُ بِأحْوالِهِ فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ القُرْآنَ لَرادُّكَ إلى مَعادٍ﴾ قالَ أبُو عَلِيٍّ: الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ أحْكامَهُ وفَرائِضَهُ لَرادُّكَ بَعْدَ المَوْتِ إلى مَعادٍ، وتَنْكِيرُ المَعادِ لِتَعْظِيمِهِ، كَأنَّهُ قالَ إلى مَعادٍ وأيُّ مَعادٍ، أيْ لَيْسَ لِغَيْرِكَ مِنَ البَشَرِ مِثْلُهُ. وقِيلَ: المُرادُ بِهِ مَكَّةُ، ووَجْهُهُ أنْ يُرادَ بِرَدِّهِ إلَيْها يَوْمُ الفَتْحِ، ووَجْهُ تَنْكِيرِهِ أنَّها كانَتْ في ذَلِكَ اليَوْمِ مَعادًا لَهُ شَأْنٌ عَظِيمٌ لِاسْتِيلاءِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- عَلَيْها وقَهْرِهِ لِأهْلِها وإظْهارِ عِزِّ الإسْلامِ وإذْلالِ حِزْبِ الكُفْرِ، والسُّورَةُ مَكِّيَّةٌ، فَكَأنَّ اللَّهَ تَعالى وعَدَهُ وهو بِمَكَّةَ في أذًى وغَلَبَةٍ مِن أهْلِها أنَّهُ يُهاجِرُ مِنها ويُعِيدُهُ إلَيْها ظاهِرًا ظافِرًا. وقالَ مُقاتِلٌ: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ خَرَجَ مِنَ الغارِ وسارَ في غَيْرِ الطَّرِيقِ مَخافَةَ الطَّلَبِ، فَلَمّا أمِنَ رَجَعَ إلى الطَّرِيقِ ونَزَلَ بِالجُحْفَةِ بَيْنَ مَكَّةَ والمَدِينَةِ، وعَرَفَ الطَّرِيقَ إلى مَكَّةَ واشْتاقَ إلَيْها وذَكَرَ مَوْلِدَهُ ومَوْلِدَ أبِيهِ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ وقالَ: تَشْتاقُ إلى بَلَدِكَ ومَوْلِدِكَ، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: نَعَمْ، فَقالَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ: فَإنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: ﴿إنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ القُرْآنَ لَرادُّكَ إلى مَعادٍ﴾ يَعْنِي إلى مَكَّةَ ظاهِرًا عَلَيْهِمْ وهَذا أقْرَبُ؛ لِأنَّ ظاهِرَ المَعادِ أنَّهُ كانَ فِيهِ وفارَقَهُ وحَصَلَ العَوْدُ، وذَلِكَ لا يَلِيقُ إلّا بِمَكَّةَ، وإنْ كانَ سائِرُ الوُجُوهِ مُحْتَمَلًا لَكِنَّ ذَلِكَ أقْرَبُ قالَ أهْلُ التَّحْقِيقِ: وهَذا أحَدُ ما يَدُلُّ عَلى نُبُوَّتِهِ؛ لِأنَّهُ أخْبَرَ عَنِ الغَيْبِ ووَقَعَ كَما أخْبَرَ فَيَكُونُ مُعْجِزًا، ثُمَّ قالَ ﴿قُلْ رَبِّي أعْلَمُ مَن جاءَ بِالهُدى ومَن هو في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ووَجْهُ تَعَلُّقِهِ بِما قَبْلَهُ أنَّ اللَّهَ تَعالى وعَدَ رَسُولَهُ الرَّدَّ إلى مَعادٍ، قالَ: ﴿قُلْ﴾ لِلْمُشْرِكِينَ ﴿رَبِّي أعْلَمُ مَن جاءَ بِالهُدى﴾ يَعْنِي نَفْسَهُ وما يَسْتَحِقُّهُ مِنَ الثَّوابِ في المَعادِ والإعْزازِ بِالإعادَةِ إلى مَكَّةَ ﴿ومَن هو في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ يَعْنِيهِمْ وما يَسْتَحِقُّونَ مِنَ العِقابِ في مَعادِهِمْ، ثُمَّ قالَ لِرَسُولِهِ: ﴿وما كُنْتَ تَرْجُو أنْ يُلْقى إلَيْكَ الكِتابُ إلّا رَحْمَةً مِن رَبِّكَ﴾ فَفي كَلِمَةِ إلّا وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّها لِلِاسْتِثْناءِ، ثُمَّ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: هَذا كَلامٌ مَحْمُولٌ عَلى المَعْنى كَأنَّهُ قِيلَ: (وما أُلْقِيَ إلَيْكَ الكِتابُ إلّا رَحْمَةً مِن رَبِّكَ) ويُمْكِنُ أيْضًا إجْراؤُهُ عَلى ظاهِرِهِ، أيْ وما كُنْتَ تَرْجُو إلّا أنْ يَرْحَمَكَ اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ فَيُنْعِمَ عَلَيْكَ بِذَلِكَ، أيْ ما كُنْتَ تَرْجُو إلّا عَلى هَذا. والوَجْهُ الثّانِي: أنَّ إلّا بِمَعْنى لَكِنْ لِلِاسْتِدْراكِ، أيْ ولَكِنْ رَحْمَةً مِن رَبِّكَ أُلْقِيَ إلَيْكَ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿وما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إذْ نادَيْنا ولَكِنْ رَحْمَةً مِن رَبِّكَ﴾ (القَصَصِ: ٤٦) خَصَّصَكَ بِهِ، ثُمَّ إنَّهُ كَلَّفَهُ بِأُمُورٍ. أحَدُها: كَلَّفَهُ بِأنْ لا يَكُونَ مُظاهِرًا لِلْكُفّارِ فَقالَ: ﴿فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكافِرِينَ﴾ . وثانِيها: أنْ قالَ: ﴿ولا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آياتِ اللَّهِ بَعْدَ إذْ أُنْزِلَتْ إلَيْكَ﴾ المَيْلُ إلى المُشْرِكِينَ، قالَ الضَّحّاكُ وذَلِكَ حِينَ دَعَوْهُ إلى دِينِ آبائِهِ لِيُزَوِّجُوهُ ويُقاسِمُوهُ شَطْرًا مِن مالِهِ، أيْ لا تَلْتَفِتْ إلى هَؤُلاءِ ولا تَرْكَنْ إلى قَوْلِهِمْ فَيَصُدُّوكَ عَنِ اتِّباعِ آياتِ اللَّهِ. وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿وادْعُ إلى رَبِّكَ﴾ أيْ: صفحة ٢٠ إلى دِينِ رَبِّكَ، وأرادَ التَّشَدُّدَ في دُعاءِ الكُفّارِ والمُشْرِكِينَ، فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿ولا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ لِأنَّ مَن رَضِيَ بِطَرِيقَتِهِمْ أوْ مالَ إلَيْهِمْ كانَ مِنهم. ورابِعُها: قَوْلُهُ: ﴿ولا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ وهَذا وإنْ كانَ واجِبًا عَلى الكُلِّ إلّا أنَّهُ تَعالى خاطَبَهُ بِهِ خُصُوصًا لِأجْلِ التَّعْظِيمِ، فَإنْ قِيلَ: الرَّسُولُ كانَ مَعْلُومًا مِنهُ أنْ لا يَفْعَلَ شَيْئًا مِن ذَلِكَ ألْبَتَّةَ، فَما فائِدَةُ هَذا النَّهْيِ ؟ قُلْنا: لَعَلَّ الخِطابَ مَعَهُ ولَكِنَّ المُرادَ غَيْرُهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى لا تَعْتَمِدْ عَلى غَيْرِ اللَّهِ ولا تَتَّخِذْ غَيْرَهُ وكِيلًا في أُمُورِكَ، فَإنَّ مَن وثِقَ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى فَكَأنَّهُ لَمْ يُكْمِلْ طَرِيقَهُ في التَّوْحِيدِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هو، أيْ لا نافِعَ ولا ضارَّ ولا مُعْطِيَ ولا مانِعَ إلّا هو، كَقَوْلِهِ: ﴿رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ لا إلَهَ إلّا هو فاتَّخِذْهُ وكِيلًا﴾ (المُزَّمِّلِ: ٩) فَلا يَجُوزُ اتِّخاذُ إلَهٍ سِواهُ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلّا وجْهَهُ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اخْتَلَفُوا في قَوْلِهِ: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ﴾ فَمِنَ النّاسِ مَن فَسَّرَ الهَلاكَ بِالعَدَمِ، والمَعْنى أنَّ اللَّهَ تَعالى يُعْدِمُ كُلَّ شَيْءٍ سِواهُ، ومِنهم مَن فَسَّرَ الهَلاكَ بِإخْراجِهِ عَنْ كَوْنِهِ مُنْتَفَعًا بِهِ، إمّا بِالإماتَةِ أوْ بِتَفْرِيقِ الأجْزاءِ، وإنْ كانَتْ أجْزاؤُهُ باقِيَةً، فَإنَّهُ يُقالُ هَلَكَ الثَّوْبُ وهَلَكَ المَتاعُ ولا يُرِيدُونَ بِهِ فَناءَ أجْزائِهِ، بَلْ خُرُوجَهُ عَنْ كَوْنِهِ مُنْتَفَعًا بِهِ، ومِنهم مَن قالَ: مَعْنى كَوْنِهِ هالِكًا كَوْنُهُ قابِلًا لِلْهَلاكِ في ذاتِهِ، فَإنَّ كُلَّ ما عَداهُ مُمْكِنُ الوُجُودِ لِذاتِهِ، وكُلُّ ما كانَ مُمْكِنَ الوُجُودِ كانَ قابِلًا لِلْعَدَمِ فَكانَ قابِلًا لِلْهَلاكِ، فَأُطْلِقَ عَلَيْهِ اسْمُ الهَلاكِ نَظَرًا إلى هَذا الوَجْهِ. واعْلَمْ أنَّ المُتَكَلِّمِينَ لَمّا أرادُوا إقامَةَ الدَّلالَةِ عَلى أنَّ كُلَّ شَيْءٍ سِوى اللَّهِ تَعالى يَقْبَلُ العَدَمَ والهَلاكَ قالُوا: ثَبَتَ أنَّ العالَمَ مُحْدَثٌ، وكُلُّ ما كانَ مُحْدَثًا فَإنَّ حَقِيقَتَهُ قابِلَةٌ لِلْعَدَمِ والوُجُودِ، وكُلَّ ما كانَ كَذَلِكَ وجَبَ أنْ يَبْقى عَلى هَذِهِ الحالَةِ أبَدًا؛ لِأنَّ الإمْكانَ مِن لَوازِمَ الماهِيَّةِ، ولازِمُ الماهِيَّةِ لا يَزُولُ قَطُّ، إلّا أنّا لَمّا نَظَرْنا في هَذِهِ الدَّلالَةِ ما وجَدْناها وافِيَةً بِهَذا الغَرَضِ؛ لِأنَّهم إنَّما أقامُوا الدَّلالَةَ عَلى حُدُوثِ الأجْسامِ والأعْراضِ، فَلَوْ قَدَرُوا عَلى إقامَةِ الدَّلالَةِ عَلى أنَّ ما سِوى اللَّهِ تَعالى إمّا مُتَحَيِّزٌ أوْ قائِمٌ بِالمُتَحَيِّزِ لَتَمَّ غَرَضُهم، إلّا أنَّ الخَصْمَ يُثْبِتُ مَوْجُوداتٍ لا مُتَحَيِّزَةً ولا قائِمَةً بِالمُتَحَيِّزِ، فالدَّلِيلُ الَّذِي يُبَيِّنُ حُدُوثَ المُتَحَيِّزِ والقائِمِ بِالمُتَحَيِّزِ لا يُبَيِّنُ حُدُوثَ كُلِّ ما سِوى اللَّهِ تَعالى إلّا بَعْدَ قِيامِ الدَّلالَةِ عَلى نَفْيِ ذَلِكَ القِسْمِ الثّالِثِ، ولَهم في نَفْيِ هَذا القِسْمِ الثّالِثِ طَرِيقانِ: أحَدُهُما: قَوْلُهم لا دَلِيلَ عَلَيْهِ فَوَجَبَ نَفْيُهُ وهَذِهِ طَرِيقَةٌ رَكِيكَةٌ بَيَّنّا سُقُوطَها في الكُتُبِ الكَلامِيَّةِ. والثّانِي: قَوْلُهم لَوْ وُجِدَ مَوْجُودٌ هَكَذا لَكانَ مُشارِكًا لِلَّهِ تَعالى في نَفْيِ المَكانِ والزَّمانِ والإمْكانِ، ولَوْ كانَ كَذَلِكَ لَصارَ مِثْلًا لِلَّهِ تَعالى وهو ضَعِيفٌ؛ لِاحْتِمالِ أنْ يُقالَ: إنَّهُما وإنِ اشْتَرَكا في هَذا السَّلْبِ إلّا أنَّهُ يَتَمَيَّزُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما عَنِ الآخَرِ بِماهِيَّةٍ وحَقِيقَةٍ، وإذا كانَ كَذَلِكَ ظَهَرَ أنَّ دَلِيلَهُمُ العَقْلِيَّ لا يَفِي بِإثْباتِ أنَّ كُلَّ شَيْءٍ هالِكٌ إلّا وجْهَهُ، والَّذِي يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ في هَذا البابِ أنْ نَقُولَ: ثَبَتَ أنَّ صانِعَ العالِمِ واجِبُ الوُجُودِ لِذاتِهِ، فَيَسْتَحِيلُ وُجُودُ مَوْجُودٍ آخَرَ واجِبٌ لِذاتِهِ، وإلّا لاشْتَرَكا في الوُجُوبِ وامْتازَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما عَنِ الآخَرِ بِخُصُوصِيَّتِهِ، وما بِهِ المُشارَكَةُ غَيْرُ ما بِهِ المُمايَزَةُ فَيَكُونُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما مُرَكَّبًا عَمّا بِهِ المُشارَكَةُ وعَمّا بِهِ المُمايَزَةُ وكُلُّ مُرَكَّبٍ مُمْكِنٌ مُفْتَقِرٌ إلى جُزْئِهِ، ثُمَّ إنَّ الجُزْأيْنِ إنْ كانا واجِبَيْنِ كانا مُشْتَرِكَيْنِ في الوُجُوبِ ومُتَمايِزَيْنِ بِاعْتِبارٍ آخَرَ فَيَلْزَمُ تَرَكُّبُ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما أيْضًا ويَلْزَمُ التَّسَلْسُلُ وهو مُحالٌ، وإنْ لَمْ يَكُونا واجِبَيْنِ؛ فالمُرَكَّبُ عَنْهُما المُفْتَقِرُ إلَيْهِما أوْلى أنْ لا يَكُونَ واجِبًا، فَثَبَتَ أنَّ واجِبَ الوُجُودِ واحِدٌ، وأنَّ كُلَّ ما عَداهُ فَهو مُمْكِنٌ، وكُلُّ مُمْكِنٍ فَلا بُدَّ لَهُ مِن مُرَجِّحٍ، وافْتِقارُهُ إلى المُرَجِّحِ، إمّا حالَ عَدَمِهِ أوْ حالَ وُجُودِهِ، فَإنْ كانَ الأوَّلَ صفحة ٢١ ثَبَتَ أنَّهُ مُحْدَثٌ، وإنْ كانَ الثّانِيَ فافْتِقارُ المَوْجُودِ إلى المُؤَثِّرِ، إمّا حالَ حُدُوثِهِ أوْ حالَ بَقائِهِ، والثّانِي باطِلٌ؛ لِأنَّهُ يَلْزَمُ إيجادُ المَوْجُودِ وهو مُحالٌ، فَثَبَتَ أنَّ الِافْتِقارَ لا يَحْصُلُ إلّا حالَ الحُدُوثِ، وثَبَتَ أنَّ كُلَّ ما سِوى اللَّهِ تَعالى مُحْدَثٌ سَواءٌ كانَ مُتَحَيِّزًا أوْ قائِمًا بِالمُتَحَيِّزِ أوْ لا مُتَحَيِّزًا ولا قائِمًا بِالمُتَحَيِّزِ، فَإنْ نَقَضْتَ هَذِهِ الدَّلالَةَ بِذاتِ اللَّهِ وصِفاتِهِ، فاعْلَمْ أنَّ هُناكَ فَرْقًا قَوِيًّا، وإذا ثَبَتَ حُدُوثُ كُلِّ ما سِواهُ وثَبَتَ أنَّ كُلَّ ما كانَ مُحْدَثًا كانَ قابِلًا لِلْعَدَمِ ثَبَتَ بِهَذا البُرْهانِ الباهِرِ أنَّ كُلَّ شَيْءٍ هالِكٌ إلّا وجْهَهُ، بِمَعْنى كَوْنِهِ قابِلًا لِلْهَلاكِ والعَدَمِ، ثُمَّ إنَّ الَّذِينَ فَسَّرُوا الآيَةَ بِذَلِكَ قالُوا هَذا أوْلى؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ حَكَمَ بِكَوْنِها هالِكَةً في الحالِ، وعَلى ما قُلْناهُ فَهي هالِكَةٌ في الحالِ، وعَلى ما قُلْتُمُوهُ أنَّها سَتَهْلَكُ لا أنَّها هالِكَةٌ في الحالِ، فَكانَ قَوْلُنا أوْلى، وأيْضًا فالمُمْكِنُ إذا وُجِدَ مِن حَيْثُ هو لَمْ يَكُنْ مُسْتَحِقًّا لا لِلْوُجُودِ ولا لِلْعَدَمِ مِن ذاتِهِ، فَهَذِهِ الِاسْتِحْقاقِيَّةُ مُسْتَحَقَّةٌ لَهُ مِن ذاتِهِ، وأمّا الوُجُودُ فَوارِدٌ عَلَيْهِ مِنَ الخارِجِ فالوُجُودُ لَهُ كالثَّوْبِ المُسْتَعارِ لَهُ، وهو مِن حَيْثُ هو هو كالإنْسانِ الفَقِيرِ الَّذِي اسْتَعارَ ثَوْبًا مِن رَجُلٍ غَنِيٍّ، فَإنَّ الفَقِيرَ لا يَخْرُجُ بِسَبَبِ ذَلِكَ عَنْ كَوْنِهِ فَقِيرًا كَذا المُمْكِناتُ عارِيَةٌ عَنِ الوُجُودِ مِن حَيْثُ هي هي، وإنَّما الوُجُودُ ثَوْبٌ حَصَلَ لَها بِالعارِيَةِ فَصَحَّ أنَّها أبَدًا هالِكَةٌ مِن حَيْثُ هي هي، أمّا الَّذِينَ حَمَلُوهُ عَلى أنَّها سَتُعْدَمُ فَقَدِ احْتَجُّوا بِأنْ قالُوا: الهَلاكُ في اللُّغَةِ لَهُ مَعْنَيانِ. أحَدُهُما: خُرُوجُ الشَّيْءِ عَنْ أنْ يَكُونَ مُنْتَفَعًا بِهِ. والثّانِي: الفَناءُ والعَدَمُ؛ لا جائِزٌ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلى الأوَّلِ؛ لِأنَّ هَلاكَها بِمَعْنى خُرُوجِها عَنْ حَدِّ الِانْتِفاعِ مُحالٌ؛ لِأنَّها وإنْ تَفَرَّقَتْ أجْزاؤُها فَإنَّها مُنْتَفَعٌ بِها؛ لِأنَّ النَّفْعَ المَطْلُوبَ كَوْنُها بِحَيْثُ يُمْكِنُ أنْ يُسْتَدَلَّ بِها عَلى وُجُودِ الصّانِعِ القَدِيمِ، وهَذِهِ المَنفَعَةُ باقِيَةٌ سَواءٌ بَقِيَتْ مُتَفَرِّقَةً أوْ مُجْتَمِعَةٌ، وسَواءٌ بَقِيَتْ مَوْجُودَةً أوْ صارَتْ مَعْدُومَةً. وإذا تَعَذَّرَ حَمْلُ الهَلاكِ عَلى هَذا الوَجْهِ وجَبَ حَمْلُهُ عَلى الفَناءِ. أجابَ مَن حَمَلَ الهَلاكَ عَلى التَّفَرُّقِ قالَ: هَلاكُ الشَّيْءِ خُرُوجُهُ عَنِ المَنفَعَةِ الَّتِي يَكُونُ الشَّيْءُ مَطْلُوبًا لِأجْلِها، فَإذا ماتَ الإنْسانُ قِيلَ: هَلَكَ لِأنَّ الصِّفَةَ المَطْلُوبَةَ مِنهُ حَياتُهُ وعَقْلُهُ، وإذا تَمَزَّقَ الثَّوْبُ قِيلَ هَلَكَ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ مِنهُ صَلاحِيَتُهُ لِلُّبْسِ، فَإذا تَفَرَّقَتْ أجْزاءُ العالَمِ خَرَجَتِ السَّماواتُ والكَواكِبُ والجِبالُ والبِحارُ عَنْ صِفاتِها الَّتِي لِأجْلِها كانَتْ مُنْتَفَعًا بِها انْتِفاعًا خاصًّا، فَلا جَرَمَ صَحَّ إطْلاقُ اسْمِ الهالِكِ عَلَيْها فَأمّا صِحَّةُ الِاسْتِدْلالِ بِها عَلى الصّانِعِ سُبْحانَهُ فَهَذِهِ المَنفَعَةُ لَيْسَتْ مَنفَعَةً خاصَّةً بِالشَّمْسِ مِن حَيْثُ هي شَمْسٌ، والقَمَرِ مِن حَيْثُ هو قَمَرٌ، فَلَمْ يَلْزَمْ مِن بَقائِها أنْ لا يُطْلَقُ عَلَيْها اسْمُ الهالِكِ ثُمَّ احْتَجُّوا عَلى بَقاءِ أجْزاءِ العالَمِ بِقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ﴾ (إبْراهِيمَ: ٤٨ ) وهَذا صَرِيحٌ بِأنَّ تِلْكَ الأجْزاءَ باقِيَةٌ إلّا أنَّها صارَتْ مُتَّصِفَةً بِصِفَةٍ أُخْرى فَهَذا ما في هَذا المَوْضِعِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ أهْلُ التَّوْحِيدِ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى شَيْءٌ، قالُوا: لِأنَّهُ اسْتَثْنى مِن قَوْلِهِ: ﴿كُلُّ شَيْءٍ﴾ اسْتِثْناءً يُخْرِجُ ما لَوْلاهُ لَوَجَبَ أوْ لَصَحَّ دُخُولُهُ تَحْتَ اللَّفْظِ فَوَجَبَ كَوْنُهُ شَيْئًا، يُؤَكِّدُهُ ما ذَكَرْناهُ في سُورَةِ الأنْعامِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿قُلْ أيُّ شَيْءٍ أكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ﴾ (الأنْعامِ: ١٩ ) واحْتِجاجُهم عَلى أنَّهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ بِقَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (الشُّورى: ١١ ) والكافُ مَعْناهُ المِثْلُ فَتَقْدِيرُ الآيَةِ لَيْسَ مِثْلُ مِثْلِهِ شَيْءٌ، ومِثْلُ مِثْلِ اللَّهِ هو اللَّهُ فَوَجَبَ أنْ لا يَكُونَ اللَّهُ شَيْئًا، جَوابُهُ: أنَّ الكافَ صِلَةٌ زائِدَةٌ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اسْتَدَلَّتِ المُجَسِّمَةُ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى جِسْمٌ مِن وجْهَيْنِ. الأوَّلُ: قالُوا: الآيَةُ صَرِيحَةٌ في إثْباتِ الوَجْهِ وذَلِكَ يَقْتَضِي الجِسْمِيَّةَ. والثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ وكَلِمَةُ (إلى) لِانْتِهاءِ الغايَةِ وذَلِكَ لا يُعْقَلُ إلّا في الأجْسامِ، والجَوابُ: لَوْ صَحَّ هَذا الكَلامُ يَلْزَمُ أنْ يَفْنى جَمِيعُ أعْضائِهِ وأنْ لا يَبْقى مِنهُ صفحة ٢٢ إلّا الوَجْهُ، وقَدِ التَزَمَ ذَلِكَ بَعْضُ المُشَبِّهَةِ مِنَ الرّافِضَةِ. وهو بَيانُ بْنُ سَمْعانَ وذَلِكَ لا يَقُولُ بِهِ عاقِلٌ، ثُمَّ مِنَ النّاسِ مَن قالَ: الوَجْهُ هو الوُجُودُ والحَقِيقَةُ، يُقالُ: وجْهُ هَذا الأمْرِ كَذا أيْ حَقِيقَتُهُ، ومِنهم مَن قالَ: الوَجْهُ صِلَةٌ، والمُرادُ كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلّا هو، وأمّا كَلِمَةُ إلى فالمَعْنى وإلى مَوْضِعِ حُكْمِهِ وقَضائِهِ تُرْجَعُونَ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: اسْتَدَلَّتِ المُعْتَزِلَةُ بِهِ عَلى أنَّ الجَنَّةَ والنّارَ غَيْرُ مَخْلُوقَتَيْنِ، قالُوا: لِأنَّ الآيَةَ تَقْتَضِي فَناءَ الكُلِّ فَلَوْ كانَتا مَخْلُوقَتَيْنِ لَفَنِيَتا، وهَذا يُناقِضُ قَوْلَهُ تَعالى في صِفَةِ الجَنَّةِ: ﴿أُكُلُها دائِمٌ﴾ (الرَّعْدِ: ٣٥ ) والجَوابُ: هَذا مُعارَضٌ بِقَوْلِهِ تَعالى في صِفَةِ الجَنَّةِ: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (آلِ عِمْرانَ: ١٣٣ ) وفي صِفَةِ النّارِ ﴿وقُودُها النّاسُ والحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾ (البَقَرَةِ: ٢٤ ) ثُمَّ إمّا أنْ يُحْمَلَ قَوْلُهُ: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ﴾ عَلى الأكْثَرِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ (النَّمْلِ: ٢٣ ) أوْ يُحْمَلُ قَوْلُهُ: ﴿أُكُلُها دائِمٌ﴾ عَلى أنَّ زَمانَ فَنائِهِما لَمّا كانَ قَلِيلًا بِالنِّسْبَةِ إلى زَمانِ بَقائِهِما لا جَرَمَ أُطْلِقَ لَفْظُ الدَّوامِ عَلَيْهِ. المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ الذّاتَ ذاتٌ بِالفِعْلِ، لِأنَّهُ حَكَمَ بِالهَلاكِ عَلى الشَّيْءِ فَدَلَّ عَلى أنَّ الشَّيْءَ في كَوْنِهِ شَيْئًا قابِلٌ لِلْهَلاكِ، فَوَجَبَ أنْ لا يَكُونَ المَعْدُومُ شَيْئًا واللَّهُ أعْلَمُ. والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ.

القصص 28:85

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ إلّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿إنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ القُرْآنَ لَرادُّكَ إلى مَعادٍ قُلْ رَبِّي أعْلَمُ مَن جاءَ بِالهُدى ومَن هو في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ﴿وما كُنْتَ تَرْجُو أنْ يُلْقى إلَيْكَ الكِتابُ إلّا رَحْمَةً مِن رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكافِرِينَ﴾ ﴿ولا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آياتِ اللَّهِ بَعْدَ إذْ أُنْزِلَتْ إلَيْكَ وادْعُ إلى رَبِّكَ ولا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ ﴿ولا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ لا إلَهَ إلّا هو كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلّا وجْهَهُ لَهُ الحُكْمُ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ الدّارَ الآخِرَةَ لَيْسَتْ لِمَن يُرِيدُ عُلُوًّا في الأرْضِ ولا فَسادًا، بَلْ هي لِلْمُتَّقِينَ بَيَّنَ بَعْدَ ذَلِكَ ما يَحْصُلُ لَهم فَقالَ: ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ. أحَدُها: المَعْنى مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ حَصَلَ لَهُ مِن تِلْكَ الكَلِمَةِ خَيْرٌ. وثانِيها: حَصَلَ لَهُ شَيْءٌ هو أفْضَلُ مِن تِلْكَ الحَسَنَةِ، ومَعْناهُ أنَّهم يُزادُونَ عَلى ثَوابِهِمْ وقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُهُ في آخِرِ النَّمْلِ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ إلّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ فَظاهِرُهُ أنْ لا يُزادُوا عَلى ما يَسْتَحِقُّونَ. وإذا صَحَّ ذَلِكَ في السَّيِّئاتِ دَلَّ أنَّ المُرادَ في الحَسَناتِ بِما هو خَيْرٌ مِنها ما ذَكَرْناهُ مِن مَزِيدِ الفَضْلِ عَلى الثَّوابِ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ تَقْدِيرُ الآيَةِ: ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَوْنَ إلّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ، لَكِنَّهُ كَرَّرَ ذَلِكَ؛ لِأنَّ في إسْنادِ عَمَلِ السَّيِّئَةِ إلَيْهِمْ مُكَرَّرًا فَضْلَ تَهْجِينٍ لِحالِهِمْ وزِيادَةَ تَبْغِيضٍ لِلسَّيِّئَةِ إلى قُلُوبِ السّامِعِينَ، وهَذا مِن فَضْلِهِ العَظِيمِ أنَّهُ لا يَجْزِي بِالسَّيِّئَةِ إلّا مِثْلَها، ويَجْزِي بِالحَسَنَةِ عَشْرَ أمْثالِها، وهَهُنا سُؤالانِ: صفحة ١٩ السُّؤالُ الأوَّلُ: قالَ تَعالى: ﴿إنْ أحْسَنْتُمْ أحْسَنْتُمْ لِأنْفُسِكم وإنْ أسَأْتُمْ فَلَها﴾ (الإسْراءِ: ٧) كَرَّرَ ذَلِكَ الإحْسانَ واكْتَفى بِذِكْرِ الإساءَةِ بِمَرَّةٍ واحِدَةٍ، وفي هَذِهِ الآيَةِ كَرَّرَ ذِكْرَ الإساءَةِ مَرَّتَيْنِ واكْتَفى في ذِكْرِ الإحْسانِ بِمَرَّةٍ واحِدَةٍ، فَما السَّبَبُ ؟ الجَوابُ: لِأنَّ هَذا المَقامَ مَقامُ التَّرْغِيبِ في الدّارِ الآخِرَةِ، فَكانَتِ المُبالَغَةُ في الزَّجْرِ عَنِ المَعْصِيَةِ لائِقَةً بِهَذا البابِ؛ لِأنَّ المُبالَغَةَ في الزَّجْرِ عَنِ المَعْصِيَةِ مُبالَغَةٌ في الدَّعْوَةِ إلى الآخِرَةِ. وأمّا الآيَةُ الأُخْرى فَهي شَرْحُ حالِهِمْ فَكانَتِ المُبالَغَةُ في ذِكْرِ مَحاسِنِهِمْ أوْلى. السُّؤالُ الثّانِي: كَيْفَ قالَ: لا تُجْزى السَّيِّئَةُ إلّا بِمِثْلِها ؟ مَعَ أنَّ المُتَكَلِّمَ بِكَلِمَةِ الكُفْرِ إذا ماتَ في الحالِ عُذِّبَ أبَدَ الآبادِ. والجَوابُ: لِأنَّهُ كانَ عَلى عَزْمٍ أنَّهُ لَوْ عاشَ أبَدًا لَقالَ ذَلِكَ فَعُومِلَ بِمُقْتَضى عَزْمِهِ. قالَ الجُبّائِيُّ: وهَذا يَدُلُّ عَلى بُطْلانِ مَذْهَبِ مَن يُجَوِّزُ عَلى اللَّهِ تَعالى أنْ يُعَذِّبَ الأطْفالَ عَذابًا دائِمًا بِغَيْرِ جُرْمٍ، قُلْنا: لا يَجُوزُ أنْ يَفْعَلَهُ ولَيْسَ في الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا شَرَحَ لِرَسُولِهِ أمْرَ القِيامَةِ واسْتَقْصى في ذَلِكَ، شَرَحَ لَهُ ما يَتَّصِلُ بِأحْوالِهِ فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ القُرْآنَ لَرادُّكَ إلى مَعادٍ﴾ قالَ أبُو عَلِيٍّ: الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ أحْكامَهُ وفَرائِضَهُ لَرادُّكَ بَعْدَ المَوْتِ إلى مَعادٍ، وتَنْكِيرُ المَعادِ لِتَعْظِيمِهِ، كَأنَّهُ قالَ إلى مَعادٍ وأيُّ مَعادٍ، أيْ لَيْسَ لِغَيْرِكَ مِنَ البَشَرِ مِثْلُهُ. وقِيلَ: المُرادُ بِهِ مَكَّةُ، ووَجْهُهُ أنْ يُرادَ بِرَدِّهِ إلَيْها يَوْمُ الفَتْحِ، ووَجْهُ تَنْكِيرِهِ أنَّها كانَتْ في ذَلِكَ اليَوْمِ مَعادًا لَهُ شَأْنٌ عَظِيمٌ لِاسْتِيلاءِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- عَلَيْها وقَهْرِهِ لِأهْلِها وإظْهارِ عِزِّ الإسْلامِ وإذْلالِ حِزْبِ الكُفْرِ، والسُّورَةُ مَكِّيَّةٌ، فَكَأنَّ اللَّهَ تَعالى وعَدَهُ وهو بِمَكَّةَ في أذًى وغَلَبَةٍ مِن أهْلِها أنَّهُ يُهاجِرُ مِنها ويُعِيدُهُ إلَيْها ظاهِرًا ظافِرًا. وقالَ مُقاتِلٌ: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ خَرَجَ مِنَ الغارِ وسارَ في غَيْرِ الطَّرِيقِ مَخافَةَ الطَّلَبِ، فَلَمّا أمِنَ رَجَعَ إلى الطَّرِيقِ ونَزَلَ بِالجُحْفَةِ بَيْنَ مَكَّةَ والمَدِينَةِ، وعَرَفَ الطَّرِيقَ إلى مَكَّةَ واشْتاقَ إلَيْها وذَكَرَ مَوْلِدَهُ ومَوْلِدَ أبِيهِ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ وقالَ: تَشْتاقُ إلى بَلَدِكَ ومَوْلِدِكَ، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: نَعَمْ، فَقالَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ: فَإنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: ﴿إنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ القُرْآنَ لَرادُّكَ إلى مَعادٍ﴾ يَعْنِي إلى مَكَّةَ ظاهِرًا عَلَيْهِمْ وهَذا أقْرَبُ؛ لِأنَّ ظاهِرَ المَعادِ أنَّهُ كانَ فِيهِ وفارَقَهُ وحَصَلَ العَوْدُ، وذَلِكَ لا يَلِيقُ إلّا بِمَكَّةَ، وإنْ كانَ سائِرُ الوُجُوهِ مُحْتَمَلًا لَكِنَّ ذَلِكَ أقْرَبُ قالَ أهْلُ التَّحْقِيقِ: وهَذا أحَدُ ما يَدُلُّ عَلى نُبُوَّتِهِ؛ لِأنَّهُ أخْبَرَ عَنِ الغَيْبِ ووَقَعَ كَما أخْبَرَ فَيَكُونُ مُعْجِزًا، ثُمَّ قالَ ﴿قُلْ رَبِّي أعْلَمُ مَن جاءَ بِالهُدى ومَن هو في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ووَجْهُ تَعَلُّقِهِ بِما قَبْلَهُ أنَّ اللَّهَ تَعالى وعَدَ رَسُولَهُ الرَّدَّ إلى مَعادٍ، قالَ: ﴿قُلْ﴾ لِلْمُشْرِكِينَ ﴿رَبِّي أعْلَمُ مَن جاءَ بِالهُدى﴾ يَعْنِي نَفْسَهُ وما يَسْتَحِقُّهُ مِنَ الثَّوابِ في المَعادِ والإعْزازِ بِالإعادَةِ إلى مَكَّةَ ﴿ومَن هو في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ يَعْنِيهِمْ وما يَسْتَحِقُّونَ مِنَ العِقابِ في مَعادِهِمْ، ثُمَّ قالَ لِرَسُولِهِ: ﴿وما كُنْتَ تَرْجُو أنْ يُلْقى إلَيْكَ الكِتابُ إلّا رَحْمَةً مِن رَبِّكَ﴾ فَفي كَلِمَةِ إلّا وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّها لِلِاسْتِثْناءِ، ثُمَّ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: هَذا كَلامٌ مَحْمُولٌ عَلى المَعْنى كَأنَّهُ قِيلَ: (وما أُلْقِيَ إلَيْكَ الكِتابُ إلّا رَحْمَةً مِن رَبِّكَ) ويُمْكِنُ أيْضًا إجْراؤُهُ عَلى ظاهِرِهِ، أيْ وما كُنْتَ تَرْجُو إلّا أنْ يَرْحَمَكَ اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ فَيُنْعِمَ عَلَيْكَ بِذَلِكَ، أيْ ما كُنْتَ تَرْجُو إلّا عَلى هَذا. والوَجْهُ الثّانِي: أنَّ إلّا بِمَعْنى لَكِنْ لِلِاسْتِدْراكِ، أيْ ولَكِنْ رَحْمَةً مِن رَبِّكَ أُلْقِيَ إلَيْكَ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿وما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إذْ نادَيْنا ولَكِنْ رَحْمَةً مِن رَبِّكَ﴾ (القَصَصِ: ٤٦) خَصَّصَكَ بِهِ، ثُمَّ إنَّهُ كَلَّفَهُ بِأُمُورٍ. أحَدُها: كَلَّفَهُ بِأنْ لا يَكُونَ مُظاهِرًا لِلْكُفّارِ فَقالَ: ﴿فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكافِرِينَ﴾ . وثانِيها: أنْ قالَ: ﴿ولا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آياتِ اللَّهِ بَعْدَ إذْ أُنْزِلَتْ إلَيْكَ﴾ المَيْلُ إلى المُشْرِكِينَ، قالَ الضَّحّاكُ وذَلِكَ حِينَ دَعَوْهُ إلى دِينِ آبائِهِ لِيُزَوِّجُوهُ ويُقاسِمُوهُ شَطْرًا مِن مالِهِ، أيْ لا تَلْتَفِتْ إلى هَؤُلاءِ ولا تَرْكَنْ إلى قَوْلِهِمْ فَيَصُدُّوكَ عَنِ اتِّباعِ آياتِ اللَّهِ. وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿وادْعُ إلى رَبِّكَ﴾ أيْ: صفحة ٢٠ إلى دِينِ رَبِّكَ، وأرادَ التَّشَدُّدَ في دُعاءِ الكُفّارِ والمُشْرِكِينَ، فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿ولا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ لِأنَّ مَن رَضِيَ بِطَرِيقَتِهِمْ أوْ مالَ إلَيْهِمْ كانَ مِنهم. ورابِعُها: قَوْلُهُ: ﴿ولا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ وهَذا وإنْ كانَ واجِبًا عَلى الكُلِّ إلّا أنَّهُ تَعالى خاطَبَهُ بِهِ خُصُوصًا لِأجْلِ التَّعْظِيمِ، فَإنْ قِيلَ: الرَّسُولُ كانَ مَعْلُومًا مِنهُ أنْ لا يَفْعَلَ شَيْئًا مِن ذَلِكَ ألْبَتَّةَ، فَما فائِدَةُ هَذا النَّهْيِ ؟ قُلْنا: لَعَلَّ الخِطابَ مَعَهُ ولَكِنَّ المُرادَ غَيْرُهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى لا تَعْتَمِدْ عَلى غَيْرِ اللَّهِ ولا تَتَّخِذْ غَيْرَهُ وكِيلًا في أُمُورِكَ، فَإنَّ مَن وثِقَ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى فَكَأنَّهُ لَمْ يُكْمِلْ طَرِيقَهُ في التَّوْحِيدِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هو، أيْ لا نافِعَ ولا ضارَّ ولا مُعْطِيَ ولا مانِعَ إلّا هو، كَقَوْلِهِ: ﴿رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ لا إلَهَ إلّا هو فاتَّخِذْهُ وكِيلًا﴾ (المُزَّمِّلِ: ٩) فَلا يَجُوزُ اتِّخاذُ إلَهٍ سِواهُ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلّا وجْهَهُ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اخْتَلَفُوا في قَوْلِهِ: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ﴾ فَمِنَ النّاسِ مَن فَسَّرَ الهَلاكَ بِالعَدَمِ، والمَعْنى أنَّ اللَّهَ تَعالى يُعْدِمُ كُلَّ شَيْءٍ سِواهُ، ومِنهم مَن فَسَّرَ الهَلاكَ بِإخْراجِهِ عَنْ كَوْنِهِ مُنْتَفَعًا بِهِ، إمّا بِالإماتَةِ أوْ بِتَفْرِيقِ الأجْزاءِ، وإنْ كانَتْ أجْزاؤُهُ باقِيَةً، فَإنَّهُ يُقالُ هَلَكَ الثَّوْبُ وهَلَكَ المَتاعُ ولا يُرِيدُونَ بِهِ فَناءَ أجْزائِهِ، بَلْ خُرُوجَهُ عَنْ كَوْنِهِ مُنْتَفَعًا بِهِ، ومِنهم مَن قالَ: مَعْنى كَوْنِهِ هالِكًا كَوْنُهُ قابِلًا لِلْهَلاكِ في ذاتِهِ، فَإنَّ كُلَّ ما عَداهُ مُمْكِنُ الوُجُودِ لِذاتِهِ، وكُلُّ ما كانَ مُمْكِنَ الوُجُودِ كانَ قابِلًا لِلْعَدَمِ فَكانَ قابِلًا لِلْهَلاكِ، فَأُطْلِقَ عَلَيْهِ اسْمُ الهَلاكِ نَظَرًا إلى هَذا الوَجْهِ. واعْلَمْ أنَّ المُتَكَلِّمِينَ لَمّا أرادُوا إقامَةَ الدَّلالَةِ عَلى أنَّ كُلَّ شَيْءٍ سِوى اللَّهِ تَعالى يَقْبَلُ العَدَمَ والهَلاكَ قالُوا: ثَبَتَ أنَّ العالَمَ مُحْدَثٌ، وكُلُّ ما كانَ مُحْدَثًا فَإنَّ حَقِيقَتَهُ قابِلَةٌ لِلْعَدَمِ والوُجُودِ، وكُلَّ ما كانَ كَذَلِكَ وجَبَ أنْ يَبْقى عَلى هَذِهِ الحالَةِ أبَدًا؛ لِأنَّ الإمْكانَ مِن لَوازِمَ الماهِيَّةِ، ولازِمُ الماهِيَّةِ لا يَزُولُ قَطُّ، إلّا أنّا لَمّا نَظَرْنا في هَذِهِ الدَّلالَةِ ما وجَدْناها وافِيَةً بِهَذا الغَرَضِ؛ لِأنَّهم إنَّما أقامُوا الدَّلالَةَ عَلى حُدُوثِ الأجْسامِ والأعْراضِ، فَلَوْ قَدَرُوا عَلى إقامَةِ الدَّلالَةِ عَلى أنَّ ما سِوى اللَّهِ تَعالى إمّا مُتَحَيِّزٌ أوْ قائِمٌ بِالمُتَحَيِّزِ لَتَمَّ غَرَضُهم، إلّا أنَّ الخَصْمَ يُثْبِتُ مَوْجُوداتٍ لا مُتَحَيِّزَةً ولا قائِمَةً بِالمُتَحَيِّزِ، فالدَّلِيلُ الَّذِي يُبَيِّنُ حُدُوثَ المُتَحَيِّزِ والقائِمِ بِالمُتَحَيِّزِ لا يُبَيِّنُ حُدُوثَ كُلِّ ما سِوى اللَّهِ تَعالى إلّا بَعْدَ قِيامِ الدَّلالَةِ عَلى نَفْيِ ذَلِكَ القِسْمِ الثّالِثِ، ولَهم في نَفْيِ هَذا القِسْمِ الثّالِثِ طَرِيقانِ: أحَدُهُما: قَوْلُهم لا دَلِيلَ عَلَيْهِ فَوَجَبَ نَفْيُهُ وهَذِهِ طَرِيقَةٌ رَكِيكَةٌ بَيَّنّا سُقُوطَها في الكُتُبِ الكَلامِيَّةِ. والثّانِي: قَوْلُهم لَوْ وُجِدَ مَوْجُودٌ هَكَذا لَكانَ مُشارِكًا لِلَّهِ تَعالى في نَفْيِ المَكانِ والزَّمانِ والإمْكانِ، ولَوْ كانَ كَذَلِكَ لَصارَ مِثْلًا لِلَّهِ تَعالى وهو ضَعِيفٌ؛ لِاحْتِمالِ أنْ يُقالَ: إنَّهُما وإنِ اشْتَرَكا في هَذا السَّلْبِ إلّا أنَّهُ يَتَمَيَّزُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما عَنِ الآخَرِ بِماهِيَّةٍ وحَقِيقَةٍ، وإذا كانَ كَذَلِكَ ظَهَرَ أنَّ دَلِيلَهُمُ العَقْلِيَّ لا يَفِي بِإثْباتِ أنَّ كُلَّ شَيْءٍ هالِكٌ إلّا وجْهَهُ، والَّذِي يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ في هَذا البابِ أنْ نَقُولَ: ثَبَتَ أنَّ صانِعَ العالِمِ واجِبُ الوُجُودِ لِذاتِهِ، فَيَسْتَحِيلُ وُجُودُ مَوْجُودٍ آخَرَ واجِبٌ لِذاتِهِ، وإلّا لاشْتَرَكا في الوُجُوبِ وامْتازَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما عَنِ الآخَرِ بِخُصُوصِيَّتِهِ، وما بِهِ المُشارَكَةُ غَيْرُ ما بِهِ المُمايَزَةُ فَيَكُونُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما مُرَكَّبًا عَمّا بِهِ المُشارَكَةُ وعَمّا بِهِ المُمايَزَةُ وكُلُّ مُرَكَّبٍ مُمْكِنٌ مُفْتَقِرٌ إلى جُزْئِهِ، ثُمَّ إنَّ الجُزْأيْنِ إنْ كانا واجِبَيْنِ كانا مُشْتَرِكَيْنِ في الوُجُوبِ ومُتَمايِزَيْنِ بِاعْتِبارٍ آخَرَ فَيَلْزَمُ تَرَكُّبُ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما أيْضًا ويَلْزَمُ التَّسَلْسُلُ وهو مُحالٌ، وإنْ لَمْ يَكُونا واجِبَيْنِ؛ فالمُرَكَّبُ عَنْهُما المُفْتَقِرُ إلَيْهِما أوْلى أنْ لا يَكُونَ واجِبًا، فَثَبَتَ أنَّ واجِبَ الوُجُودِ واحِدٌ، وأنَّ كُلَّ ما عَداهُ فَهو مُمْكِنٌ، وكُلُّ مُمْكِنٍ فَلا بُدَّ لَهُ مِن مُرَجِّحٍ، وافْتِقارُهُ إلى المُرَجِّحِ، إمّا حالَ عَدَمِهِ أوْ حالَ وُجُودِهِ، فَإنْ كانَ الأوَّلَ صفحة ٢١ ثَبَتَ أنَّهُ مُحْدَثٌ، وإنْ كانَ الثّانِيَ فافْتِقارُ المَوْجُودِ إلى المُؤَثِّرِ، إمّا حالَ حُدُوثِهِ أوْ حالَ بَقائِهِ، والثّانِي باطِلٌ؛ لِأنَّهُ يَلْزَمُ إيجادُ المَوْجُودِ وهو مُحالٌ، فَثَبَتَ أنَّ الِافْتِقارَ لا يَحْصُلُ إلّا حالَ الحُدُوثِ، وثَبَتَ أنَّ كُلَّ ما سِوى اللَّهِ تَعالى مُحْدَثٌ سَواءٌ كانَ مُتَحَيِّزًا أوْ قائِمًا بِالمُتَحَيِّزِ أوْ لا مُتَحَيِّزًا ولا قائِمًا بِالمُتَحَيِّزِ، فَإنْ نَقَضْتَ هَذِهِ الدَّلالَةَ بِذاتِ اللَّهِ وصِفاتِهِ، فاعْلَمْ أنَّ هُناكَ فَرْقًا قَوِيًّا، وإذا ثَبَتَ حُدُوثُ كُلِّ ما سِواهُ وثَبَتَ أنَّ كُلَّ ما كانَ مُحْدَثًا كانَ قابِلًا لِلْعَدَمِ ثَبَتَ بِهَذا البُرْهانِ الباهِرِ أنَّ كُلَّ شَيْءٍ هالِكٌ إلّا وجْهَهُ، بِمَعْنى كَوْنِهِ قابِلًا لِلْهَلاكِ والعَدَمِ، ثُمَّ إنَّ الَّذِينَ فَسَّرُوا الآيَةَ بِذَلِكَ قالُوا هَذا أوْلى؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ حَكَمَ بِكَوْنِها هالِكَةً في الحالِ، وعَلى ما قُلْناهُ فَهي هالِكَةٌ في الحالِ، وعَلى ما قُلْتُمُوهُ أنَّها سَتَهْلَكُ لا أنَّها هالِكَةٌ في الحالِ، فَكانَ قَوْلُنا أوْلى، وأيْضًا فالمُمْكِنُ إذا وُجِدَ مِن حَيْثُ هو لَمْ يَكُنْ مُسْتَحِقًّا لا لِلْوُجُودِ ولا لِلْعَدَمِ مِن ذاتِهِ، فَهَذِهِ الِاسْتِحْقاقِيَّةُ مُسْتَحَقَّةٌ لَهُ مِن ذاتِهِ، وأمّا الوُجُودُ فَوارِدٌ عَلَيْهِ مِنَ الخارِجِ فالوُجُودُ لَهُ كالثَّوْبِ المُسْتَعارِ لَهُ، وهو مِن حَيْثُ هو هو كالإنْسانِ الفَقِيرِ الَّذِي اسْتَعارَ ثَوْبًا مِن رَجُلٍ غَنِيٍّ، فَإنَّ الفَقِيرَ لا يَخْرُجُ بِسَبَبِ ذَلِكَ عَنْ كَوْنِهِ فَقِيرًا كَذا المُمْكِناتُ عارِيَةٌ عَنِ الوُجُودِ مِن حَيْثُ هي هي، وإنَّما الوُجُودُ ثَوْبٌ حَصَلَ لَها بِالعارِيَةِ فَصَحَّ أنَّها أبَدًا هالِكَةٌ مِن حَيْثُ هي هي، أمّا الَّذِينَ حَمَلُوهُ عَلى أنَّها سَتُعْدَمُ فَقَدِ احْتَجُّوا بِأنْ قالُوا: الهَلاكُ في اللُّغَةِ لَهُ مَعْنَيانِ. أحَدُهُما: خُرُوجُ الشَّيْءِ عَنْ أنْ يَكُونَ مُنْتَفَعًا بِهِ. والثّانِي: الفَناءُ والعَدَمُ؛ لا جائِزٌ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلى الأوَّلِ؛ لِأنَّ هَلاكَها بِمَعْنى خُرُوجِها عَنْ حَدِّ الِانْتِفاعِ مُحالٌ؛ لِأنَّها وإنْ تَفَرَّقَتْ أجْزاؤُها فَإنَّها مُنْتَفَعٌ بِها؛ لِأنَّ النَّفْعَ المَطْلُوبَ كَوْنُها بِحَيْثُ يُمْكِنُ أنْ يُسْتَدَلَّ بِها عَلى وُجُودِ الصّانِعِ القَدِيمِ، وهَذِهِ المَنفَعَةُ باقِيَةٌ سَواءٌ بَقِيَتْ مُتَفَرِّقَةً أوْ مُجْتَمِعَةٌ، وسَواءٌ بَقِيَتْ مَوْجُودَةً أوْ صارَتْ مَعْدُومَةً. وإذا تَعَذَّرَ حَمْلُ الهَلاكِ عَلى هَذا الوَجْهِ وجَبَ حَمْلُهُ عَلى الفَناءِ. أجابَ مَن حَمَلَ الهَلاكَ عَلى التَّفَرُّقِ قالَ: هَلاكُ الشَّيْءِ خُرُوجُهُ عَنِ المَنفَعَةِ الَّتِي يَكُونُ الشَّيْءُ مَطْلُوبًا لِأجْلِها، فَإذا ماتَ الإنْسانُ قِيلَ: هَلَكَ لِأنَّ الصِّفَةَ المَطْلُوبَةَ مِنهُ حَياتُهُ وعَقْلُهُ، وإذا تَمَزَّقَ الثَّوْبُ قِيلَ هَلَكَ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ مِنهُ صَلاحِيَتُهُ لِلُّبْسِ، فَإذا تَفَرَّقَتْ أجْزاءُ العالَمِ خَرَجَتِ السَّماواتُ والكَواكِبُ والجِبالُ والبِحارُ عَنْ صِفاتِها الَّتِي لِأجْلِها كانَتْ مُنْتَفَعًا بِها انْتِفاعًا خاصًّا، فَلا جَرَمَ صَحَّ إطْلاقُ اسْمِ الهالِكِ عَلَيْها فَأمّا صِحَّةُ الِاسْتِدْلالِ بِها عَلى الصّانِعِ سُبْحانَهُ فَهَذِهِ المَنفَعَةُ لَيْسَتْ مَنفَعَةً خاصَّةً بِالشَّمْسِ مِن حَيْثُ هي شَمْسٌ، والقَمَرِ مِن حَيْثُ هو قَمَرٌ، فَلَمْ يَلْزَمْ مِن بَقائِها أنْ لا يُطْلَقُ عَلَيْها اسْمُ الهالِكِ ثُمَّ احْتَجُّوا عَلى بَقاءِ أجْزاءِ العالَمِ بِقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ﴾ (إبْراهِيمَ: ٤٨ ) وهَذا صَرِيحٌ بِأنَّ تِلْكَ الأجْزاءَ باقِيَةٌ إلّا أنَّها صارَتْ مُتَّصِفَةً بِصِفَةٍ أُخْرى فَهَذا ما في هَذا المَوْضِعِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ أهْلُ التَّوْحِيدِ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى شَيْءٌ، قالُوا: لِأنَّهُ اسْتَثْنى مِن قَوْلِهِ: ﴿كُلُّ شَيْءٍ﴾ اسْتِثْناءً يُخْرِجُ ما لَوْلاهُ لَوَجَبَ أوْ لَصَحَّ دُخُولُهُ تَحْتَ اللَّفْظِ فَوَجَبَ كَوْنُهُ شَيْئًا، يُؤَكِّدُهُ ما ذَكَرْناهُ في سُورَةِ الأنْعامِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿قُلْ أيُّ شَيْءٍ أكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ﴾ (الأنْعامِ: ١٩ ) واحْتِجاجُهم عَلى أنَّهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ بِقَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (الشُّورى: ١١ ) والكافُ مَعْناهُ المِثْلُ فَتَقْدِيرُ الآيَةِ لَيْسَ مِثْلُ مِثْلِهِ شَيْءٌ، ومِثْلُ مِثْلِ اللَّهِ هو اللَّهُ فَوَجَبَ أنْ لا يَكُونَ اللَّهُ شَيْئًا، جَوابُهُ: أنَّ الكافَ صِلَةٌ زائِدَةٌ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اسْتَدَلَّتِ المُجَسِّمَةُ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى جِسْمٌ مِن وجْهَيْنِ. الأوَّلُ: قالُوا: الآيَةُ صَرِيحَةٌ في إثْباتِ الوَجْهِ وذَلِكَ يَقْتَضِي الجِسْمِيَّةَ. والثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ وكَلِمَةُ (إلى) لِانْتِهاءِ الغايَةِ وذَلِكَ لا يُعْقَلُ إلّا في الأجْسامِ، والجَوابُ: لَوْ صَحَّ هَذا الكَلامُ يَلْزَمُ أنْ يَفْنى جَمِيعُ أعْضائِهِ وأنْ لا يَبْقى مِنهُ صفحة ٢٢ إلّا الوَجْهُ، وقَدِ التَزَمَ ذَلِكَ بَعْضُ المُشَبِّهَةِ مِنَ الرّافِضَةِ. وهو بَيانُ بْنُ سَمْعانَ وذَلِكَ لا يَقُولُ بِهِ عاقِلٌ، ثُمَّ مِنَ النّاسِ مَن قالَ: الوَجْهُ هو الوُجُودُ والحَقِيقَةُ، يُقالُ: وجْهُ هَذا الأمْرِ كَذا أيْ حَقِيقَتُهُ، ومِنهم مَن قالَ: الوَجْهُ صِلَةٌ، والمُرادُ كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلّا هو، وأمّا كَلِمَةُ إلى فالمَعْنى وإلى مَوْضِعِ حُكْمِهِ وقَضائِهِ تُرْجَعُونَ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: اسْتَدَلَّتِ المُعْتَزِلَةُ بِهِ عَلى أنَّ الجَنَّةَ والنّارَ غَيْرُ مَخْلُوقَتَيْنِ، قالُوا: لِأنَّ الآيَةَ تَقْتَضِي فَناءَ الكُلِّ فَلَوْ كانَتا مَخْلُوقَتَيْنِ لَفَنِيَتا، وهَذا يُناقِضُ قَوْلَهُ تَعالى في صِفَةِ الجَنَّةِ: ﴿أُكُلُها دائِمٌ﴾ (الرَّعْدِ: ٣٥ ) والجَوابُ: هَذا مُعارَضٌ بِقَوْلِهِ تَعالى في صِفَةِ الجَنَّةِ: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (آلِ عِمْرانَ: ١٣٣ ) وفي صِفَةِ النّارِ ﴿وقُودُها النّاسُ والحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾ (البَقَرَةِ: ٢٤ ) ثُمَّ إمّا أنْ يُحْمَلَ قَوْلُهُ: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ﴾ عَلى الأكْثَرِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ (النَّمْلِ: ٢٣ ) أوْ يُحْمَلُ قَوْلُهُ: ﴿أُكُلُها دائِمٌ﴾ عَلى أنَّ زَمانَ فَنائِهِما لَمّا كانَ قَلِيلًا بِالنِّسْبَةِ إلى زَمانِ بَقائِهِما لا جَرَمَ أُطْلِقَ لَفْظُ الدَّوامِ عَلَيْهِ. المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ الذّاتَ ذاتٌ بِالفِعْلِ، لِأنَّهُ حَكَمَ بِالهَلاكِ عَلى الشَّيْءِ فَدَلَّ عَلى أنَّ الشَّيْءَ في كَوْنِهِ شَيْئًا قابِلٌ لِلْهَلاكِ، فَوَجَبَ أنْ لا يَكُونَ المَعْدُومُ شَيْئًا واللَّهُ أعْلَمُ. والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ.

القصص 28:86

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ إلّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿إنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ القُرْآنَ لَرادُّكَ إلى مَعادٍ قُلْ رَبِّي أعْلَمُ مَن جاءَ بِالهُدى ومَن هو في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ﴿وما كُنْتَ تَرْجُو أنْ يُلْقى إلَيْكَ الكِتابُ إلّا رَحْمَةً مِن رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكافِرِينَ﴾ ﴿ولا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آياتِ اللَّهِ بَعْدَ إذْ أُنْزِلَتْ إلَيْكَ وادْعُ إلى رَبِّكَ ولا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ ﴿ولا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ لا إلَهَ إلّا هو كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلّا وجْهَهُ لَهُ الحُكْمُ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ الدّارَ الآخِرَةَ لَيْسَتْ لِمَن يُرِيدُ عُلُوًّا في الأرْضِ ولا فَسادًا، بَلْ هي لِلْمُتَّقِينَ بَيَّنَ بَعْدَ ذَلِكَ ما يَحْصُلُ لَهم فَقالَ: ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ. أحَدُها: المَعْنى مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ حَصَلَ لَهُ مِن تِلْكَ الكَلِمَةِ خَيْرٌ. وثانِيها: حَصَلَ لَهُ شَيْءٌ هو أفْضَلُ مِن تِلْكَ الحَسَنَةِ، ومَعْناهُ أنَّهم يُزادُونَ عَلى ثَوابِهِمْ وقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُهُ في آخِرِ النَّمْلِ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ إلّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ فَظاهِرُهُ أنْ لا يُزادُوا عَلى ما يَسْتَحِقُّونَ. وإذا صَحَّ ذَلِكَ في السَّيِّئاتِ دَلَّ أنَّ المُرادَ في الحَسَناتِ بِما هو خَيْرٌ مِنها ما ذَكَرْناهُ مِن مَزِيدِ الفَضْلِ عَلى الثَّوابِ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ تَقْدِيرُ الآيَةِ: ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَوْنَ إلّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ، لَكِنَّهُ كَرَّرَ ذَلِكَ؛ لِأنَّ في إسْنادِ عَمَلِ السَّيِّئَةِ إلَيْهِمْ مُكَرَّرًا فَضْلَ تَهْجِينٍ لِحالِهِمْ وزِيادَةَ تَبْغِيضٍ لِلسَّيِّئَةِ إلى قُلُوبِ السّامِعِينَ، وهَذا مِن فَضْلِهِ العَظِيمِ أنَّهُ لا يَجْزِي بِالسَّيِّئَةِ إلّا مِثْلَها، ويَجْزِي بِالحَسَنَةِ عَشْرَ أمْثالِها، وهَهُنا سُؤالانِ: صفحة ١٩ السُّؤالُ الأوَّلُ: قالَ تَعالى: ﴿إنْ أحْسَنْتُمْ أحْسَنْتُمْ لِأنْفُسِكم وإنْ أسَأْتُمْ فَلَها﴾ (الإسْراءِ: ٧) كَرَّرَ ذَلِكَ الإحْسانَ واكْتَفى بِذِكْرِ الإساءَةِ بِمَرَّةٍ واحِدَةٍ، وفي هَذِهِ الآيَةِ كَرَّرَ ذِكْرَ الإساءَةِ مَرَّتَيْنِ واكْتَفى في ذِكْرِ الإحْسانِ بِمَرَّةٍ واحِدَةٍ، فَما السَّبَبُ ؟ الجَوابُ: لِأنَّ هَذا المَقامَ مَقامُ التَّرْغِيبِ في الدّارِ الآخِرَةِ، فَكانَتِ المُبالَغَةُ في الزَّجْرِ عَنِ المَعْصِيَةِ لائِقَةً بِهَذا البابِ؛ لِأنَّ المُبالَغَةَ في الزَّجْرِ عَنِ المَعْصِيَةِ مُبالَغَةٌ في الدَّعْوَةِ إلى الآخِرَةِ. وأمّا الآيَةُ الأُخْرى فَهي شَرْحُ حالِهِمْ فَكانَتِ المُبالَغَةُ في ذِكْرِ مَحاسِنِهِمْ أوْلى. السُّؤالُ الثّانِي: كَيْفَ قالَ: لا تُجْزى السَّيِّئَةُ إلّا بِمِثْلِها ؟ مَعَ أنَّ المُتَكَلِّمَ بِكَلِمَةِ الكُفْرِ إذا ماتَ في الحالِ عُذِّبَ أبَدَ الآبادِ. والجَوابُ: لِأنَّهُ كانَ عَلى عَزْمٍ أنَّهُ لَوْ عاشَ أبَدًا لَقالَ ذَلِكَ فَعُومِلَ بِمُقْتَضى عَزْمِهِ. قالَ الجُبّائِيُّ: وهَذا يَدُلُّ عَلى بُطْلانِ مَذْهَبِ مَن يُجَوِّزُ عَلى اللَّهِ تَعالى أنْ يُعَذِّبَ الأطْفالَ عَذابًا دائِمًا بِغَيْرِ جُرْمٍ، قُلْنا: لا يَجُوزُ أنْ يَفْعَلَهُ ولَيْسَ في الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا شَرَحَ لِرَسُولِهِ أمْرَ القِيامَةِ واسْتَقْصى في ذَلِكَ، شَرَحَ لَهُ ما يَتَّصِلُ بِأحْوالِهِ فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ القُرْآنَ لَرادُّكَ إلى مَعادٍ﴾ قالَ أبُو عَلِيٍّ: الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ أحْكامَهُ وفَرائِضَهُ لَرادُّكَ بَعْدَ المَوْتِ إلى مَعادٍ، وتَنْكِيرُ المَعادِ لِتَعْظِيمِهِ، كَأنَّهُ قالَ إلى مَعادٍ وأيُّ مَعادٍ، أيْ لَيْسَ لِغَيْرِكَ مِنَ البَشَرِ مِثْلُهُ. وقِيلَ: المُرادُ بِهِ مَكَّةُ، ووَجْهُهُ أنْ يُرادَ بِرَدِّهِ إلَيْها يَوْمُ الفَتْحِ، ووَجْهُ تَنْكِيرِهِ أنَّها كانَتْ في ذَلِكَ اليَوْمِ مَعادًا لَهُ شَأْنٌ عَظِيمٌ لِاسْتِيلاءِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- عَلَيْها وقَهْرِهِ لِأهْلِها وإظْهارِ عِزِّ الإسْلامِ وإذْلالِ حِزْبِ الكُفْرِ، والسُّورَةُ مَكِّيَّةٌ، فَكَأنَّ اللَّهَ تَعالى وعَدَهُ وهو بِمَكَّةَ في أذًى وغَلَبَةٍ مِن أهْلِها أنَّهُ يُهاجِرُ مِنها ويُعِيدُهُ إلَيْها ظاهِرًا ظافِرًا. وقالَ مُقاتِلٌ: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ خَرَجَ مِنَ الغارِ وسارَ في غَيْرِ الطَّرِيقِ مَخافَةَ الطَّلَبِ، فَلَمّا أمِنَ رَجَعَ إلى الطَّرِيقِ ونَزَلَ بِالجُحْفَةِ بَيْنَ مَكَّةَ والمَدِينَةِ، وعَرَفَ الطَّرِيقَ إلى مَكَّةَ واشْتاقَ إلَيْها وذَكَرَ مَوْلِدَهُ ومَوْلِدَ أبِيهِ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ وقالَ: تَشْتاقُ إلى بَلَدِكَ ومَوْلِدِكَ، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: نَعَمْ، فَقالَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ: فَإنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: ﴿إنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ القُرْآنَ لَرادُّكَ إلى مَعادٍ﴾ يَعْنِي إلى مَكَّةَ ظاهِرًا عَلَيْهِمْ وهَذا أقْرَبُ؛ لِأنَّ ظاهِرَ المَعادِ أنَّهُ كانَ فِيهِ وفارَقَهُ وحَصَلَ العَوْدُ، وذَلِكَ لا يَلِيقُ إلّا بِمَكَّةَ، وإنْ كانَ سائِرُ الوُجُوهِ مُحْتَمَلًا لَكِنَّ ذَلِكَ أقْرَبُ قالَ أهْلُ التَّحْقِيقِ: وهَذا أحَدُ ما يَدُلُّ عَلى نُبُوَّتِهِ؛ لِأنَّهُ أخْبَرَ عَنِ الغَيْبِ ووَقَعَ كَما أخْبَرَ فَيَكُونُ مُعْجِزًا، ثُمَّ قالَ ﴿قُلْ رَبِّي أعْلَمُ مَن جاءَ بِالهُدى ومَن هو في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ووَجْهُ تَعَلُّقِهِ بِما قَبْلَهُ أنَّ اللَّهَ تَعالى وعَدَ رَسُولَهُ الرَّدَّ إلى مَعادٍ، قالَ: ﴿قُلْ﴾ لِلْمُشْرِكِينَ ﴿رَبِّي أعْلَمُ مَن جاءَ بِالهُدى﴾ يَعْنِي نَفْسَهُ وما يَسْتَحِقُّهُ مِنَ الثَّوابِ في المَعادِ والإعْزازِ بِالإعادَةِ إلى مَكَّةَ ﴿ومَن هو في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ يَعْنِيهِمْ وما يَسْتَحِقُّونَ مِنَ العِقابِ في مَعادِهِمْ، ثُمَّ قالَ لِرَسُولِهِ: ﴿وما كُنْتَ تَرْجُو أنْ يُلْقى إلَيْكَ الكِتابُ إلّا رَحْمَةً مِن رَبِّكَ﴾ فَفي كَلِمَةِ إلّا وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّها لِلِاسْتِثْناءِ، ثُمَّ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: هَذا كَلامٌ مَحْمُولٌ عَلى المَعْنى كَأنَّهُ قِيلَ: (وما أُلْقِيَ إلَيْكَ الكِتابُ إلّا رَحْمَةً مِن رَبِّكَ) ويُمْكِنُ أيْضًا إجْراؤُهُ عَلى ظاهِرِهِ، أيْ وما كُنْتَ تَرْجُو إلّا أنْ يَرْحَمَكَ اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ فَيُنْعِمَ عَلَيْكَ بِذَلِكَ، أيْ ما كُنْتَ تَرْجُو إلّا عَلى هَذا. والوَجْهُ الثّانِي: أنَّ إلّا بِمَعْنى لَكِنْ لِلِاسْتِدْراكِ، أيْ ولَكِنْ رَحْمَةً مِن رَبِّكَ أُلْقِيَ إلَيْكَ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿وما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إذْ نادَيْنا ولَكِنْ رَحْمَةً مِن رَبِّكَ﴾ (القَصَصِ: ٤٦) خَصَّصَكَ بِهِ، ثُمَّ إنَّهُ كَلَّفَهُ بِأُمُورٍ. أحَدُها: كَلَّفَهُ بِأنْ لا يَكُونَ مُظاهِرًا لِلْكُفّارِ فَقالَ: ﴿فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكافِرِينَ﴾ . وثانِيها: أنْ قالَ: ﴿ولا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آياتِ اللَّهِ بَعْدَ إذْ أُنْزِلَتْ إلَيْكَ﴾ المَيْلُ إلى المُشْرِكِينَ، قالَ الضَّحّاكُ وذَلِكَ حِينَ دَعَوْهُ إلى دِينِ آبائِهِ لِيُزَوِّجُوهُ ويُقاسِمُوهُ شَطْرًا مِن مالِهِ، أيْ لا تَلْتَفِتْ إلى هَؤُلاءِ ولا تَرْكَنْ إلى قَوْلِهِمْ فَيَصُدُّوكَ عَنِ اتِّباعِ آياتِ اللَّهِ. وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿وادْعُ إلى رَبِّكَ﴾ أيْ: صفحة ٢٠ إلى دِينِ رَبِّكَ، وأرادَ التَّشَدُّدَ في دُعاءِ الكُفّارِ والمُشْرِكِينَ، فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿ولا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ لِأنَّ مَن رَضِيَ بِطَرِيقَتِهِمْ أوْ مالَ إلَيْهِمْ كانَ مِنهم. ورابِعُها: قَوْلُهُ: ﴿ولا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ وهَذا وإنْ كانَ واجِبًا عَلى الكُلِّ إلّا أنَّهُ تَعالى خاطَبَهُ بِهِ خُصُوصًا لِأجْلِ التَّعْظِيمِ، فَإنْ قِيلَ: الرَّسُولُ كانَ مَعْلُومًا مِنهُ أنْ لا يَفْعَلَ شَيْئًا مِن ذَلِكَ ألْبَتَّةَ، فَما فائِدَةُ هَذا النَّهْيِ ؟ قُلْنا: لَعَلَّ الخِطابَ مَعَهُ ولَكِنَّ المُرادَ غَيْرُهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى لا تَعْتَمِدْ عَلى غَيْرِ اللَّهِ ولا تَتَّخِذْ غَيْرَهُ وكِيلًا في أُمُورِكَ، فَإنَّ مَن وثِقَ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى فَكَأنَّهُ لَمْ يُكْمِلْ طَرِيقَهُ في التَّوْحِيدِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هو، أيْ لا نافِعَ ولا ضارَّ ولا مُعْطِيَ ولا مانِعَ إلّا هو، كَقَوْلِهِ: ﴿رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ لا إلَهَ إلّا هو فاتَّخِذْهُ وكِيلًا﴾ (المُزَّمِّلِ: ٩) فَلا يَجُوزُ اتِّخاذُ إلَهٍ سِواهُ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلّا وجْهَهُ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اخْتَلَفُوا في قَوْلِهِ: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ﴾ فَمِنَ النّاسِ مَن فَسَّرَ الهَلاكَ بِالعَدَمِ، والمَعْنى أنَّ اللَّهَ تَعالى يُعْدِمُ كُلَّ شَيْءٍ سِواهُ، ومِنهم مَن فَسَّرَ الهَلاكَ بِإخْراجِهِ عَنْ كَوْنِهِ مُنْتَفَعًا بِهِ، إمّا بِالإماتَةِ أوْ بِتَفْرِيقِ الأجْزاءِ، وإنْ كانَتْ أجْزاؤُهُ باقِيَةً، فَإنَّهُ يُقالُ هَلَكَ الثَّوْبُ وهَلَكَ المَتاعُ ولا يُرِيدُونَ بِهِ فَناءَ أجْزائِهِ، بَلْ خُرُوجَهُ عَنْ كَوْنِهِ مُنْتَفَعًا بِهِ، ومِنهم مَن قالَ: مَعْنى كَوْنِهِ هالِكًا كَوْنُهُ قابِلًا لِلْهَلاكِ في ذاتِهِ، فَإنَّ كُلَّ ما عَداهُ مُمْكِنُ الوُجُودِ لِذاتِهِ، وكُلُّ ما كانَ مُمْكِنَ الوُجُودِ كانَ قابِلًا لِلْعَدَمِ فَكانَ قابِلًا لِلْهَلاكِ، فَأُطْلِقَ عَلَيْهِ اسْمُ الهَلاكِ نَظَرًا إلى هَذا الوَجْهِ. واعْلَمْ أنَّ المُتَكَلِّمِينَ لَمّا أرادُوا إقامَةَ الدَّلالَةِ عَلى أنَّ كُلَّ شَيْءٍ سِوى اللَّهِ تَعالى يَقْبَلُ العَدَمَ والهَلاكَ قالُوا: ثَبَتَ أنَّ العالَمَ مُحْدَثٌ، وكُلُّ ما كانَ مُحْدَثًا فَإنَّ حَقِيقَتَهُ قابِلَةٌ لِلْعَدَمِ والوُجُودِ، وكُلَّ ما كانَ كَذَلِكَ وجَبَ أنْ يَبْقى عَلى هَذِهِ الحالَةِ أبَدًا؛ لِأنَّ الإمْكانَ مِن لَوازِمَ الماهِيَّةِ، ولازِمُ الماهِيَّةِ لا يَزُولُ قَطُّ، إلّا أنّا لَمّا نَظَرْنا في هَذِهِ الدَّلالَةِ ما وجَدْناها وافِيَةً بِهَذا الغَرَضِ؛ لِأنَّهم إنَّما أقامُوا الدَّلالَةَ عَلى حُدُوثِ الأجْسامِ والأعْراضِ، فَلَوْ قَدَرُوا عَلى إقامَةِ الدَّلالَةِ عَلى أنَّ ما سِوى اللَّهِ تَعالى إمّا مُتَحَيِّزٌ أوْ قائِمٌ بِالمُتَحَيِّزِ لَتَمَّ غَرَضُهم، إلّا أنَّ الخَصْمَ يُثْبِتُ مَوْجُوداتٍ لا مُتَحَيِّزَةً ولا قائِمَةً بِالمُتَحَيِّزِ، فالدَّلِيلُ الَّذِي يُبَيِّنُ حُدُوثَ المُتَحَيِّزِ والقائِمِ بِالمُتَحَيِّزِ لا يُبَيِّنُ حُدُوثَ كُلِّ ما سِوى اللَّهِ تَعالى إلّا بَعْدَ قِيامِ الدَّلالَةِ عَلى نَفْيِ ذَلِكَ القِسْمِ الثّالِثِ، ولَهم في نَفْيِ هَذا القِسْمِ الثّالِثِ طَرِيقانِ: أحَدُهُما: قَوْلُهم لا دَلِيلَ عَلَيْهِ فَوَجَبَ نَفْيُهُ وهَذِهِ طَرِيقَةٌ رَكِيكَةٌ بَيَّنّا سُقُوطَها في الكُتُبِ الكَلامِيَّةِ. والثّانِي: قَوْلُهم لَوْ وُجِدَ مَوْجُودٌ هَكَذا لَكانَ مُشارِكًا لِلَّهِ تَعالى في نَفْيِ المَكانِ والزَّمانِ والإمْكانِ، ولَوْ كانَ كَذَلِكَ لَصارَ مِثْلًا لِلَّهِ تَعالى وهو ضَعِيفٌ؛ لِاحْتِمالِ أنْ يُقالَ: إنَّهُما وإنِ اشْتَرَكا في هَذا السَّلْبِ إلّا أنَّهُ يَتَمَيَّزُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما عَنِ الآخَرِ بِماهِيَّةٍ وحَقِيقَةٍ، وإذا كانَ كَذَلِكَ ظَهَرَ أنَّ دَلِيلَهُمُ العَقْلِيَّ لا يَفِي بِإثْباتِ أنَّ كُلَّ شَيْءٍ هالِكٌ إلّا وجْهَهُ، والَّذِي يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ في هَذا البابِ أنْ نَقُولَ: ثَبَتَ أنَّ صانِعَ العالِمِ واجِبُ الوُجُودِ لِذاتِهِ، فَيَسْتَحِيلُ وُجُودُ مَوْجُودٍ آخَرَ واجِبٌ لِذاتِهِ، وإلّا لاشْتَرَكا في الوُجُوبِ وامْتازَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما عَنِ الآخَرِ بِخُصُوصِيَّتِهِ، وما بِهِ المُشارَكَةُ غَيْرُ ما بِهِ المُمايَزَةُ فَيَكُونُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما مُرَكَّبًا عَمّا بِهِ المُشارَكَةُ وعَمّا بِهِ المُمايَزَةُ وكُلُّ مُرَكَّبٍ مُمْكِنٌ مُفْتَقِرٌ إلى جُزْئِهِ، ثُمَّ إنَّ الجُزْأيْنِ إنْ كانا واجِبَيْنِ كانا مُشْتَرِكَيْنِ في الوُجُوبِ ومُتَمايِزَيْنِ بِاعْتِبارٍ آخَرَ فَيَلْزَمُ تَرَكُّبُ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما أيْضًا ويَلْزَمُ التَّسَلْسُلُ وهو مُحالٌ، وإنْ لَمْ يَكُونا واجِبَيْنِ؛ فالمُرَكَّبُ عَنْهُما المُفْتَقِرُ إلَيْهِما أوْلى أنْ لا يَكُونَ واجِبًا، فَثَبَتَ أنَّ واجِبَ الوُجُودِ واحِدٌ، وأنَّ كُلَّ ما عَداهُ فَهو مُمْكِنٌ، وكُلُّ مُمْكِنٍ فَلا بُدَّ لَهُ مِن مُرَجِّحٍ، وافْتِقارُهُ إلى المُرَجِّحِ، إمّا حالَ عَدَمِهِ أوْ حالَ وُجُودِهِ، فَإنْ كانَ الأوَّلَ صفحة ٢١ ثَبَتَ أنَّهُ مُحْدَثٌ، وإنْ كانَ الثّانِيَ فافْتِقارُ المَوْجُودِ إلى المُؤَثِّرِ، إمّا حالَ حُدُوثِهِ أوْ حالَ بَقائِهِ، والثّانِي باطِلٌ؛ لِأنَّهُ يَلْزَمُ إيجادُ المَوْجُودِ وهو مُحالٌ، فَثَبَتَ أنَّ الِافْتِقارَ لا يَحْصُلُ إلّا حالَ الحُدُوثِ، وثَبَتَ أنَّ كُلَّ ما سِوى اللَّهِ تَعالى مُحْدَثٌ سَواءٌ كانَ مُتَحَيِّزًا أوْ قائِمًا بِالمُتَحَيِّزِ أوْ لا مُتَحَيِّزًا ولا قائِمًا بِالمُتَحَيِّزِ، فَإنْ نَقَضْتَ هَذِهِ الدَّلالَةَ بِذاتِ اللَّهِ وصِفاتِهِ، فاعْلَمْ أنَّ هُناكَ فَرْقًا قَوِيًّا، وإذا ثَبَتَ حُدُوثُ كُلِّ ما سِواهُ وثَبَتَ أنَّ كُلَّ ما كانَ مُحْدَثًا كانَ قابِلًا لِلْعَدَمِ ثَبَتَ بِهَذا البُرْهانِ الباهِرِ أنَّ كُلَّ شَيْءٍ هالِكٌ إلّا وجْهَهُ، بِمَعْنى كَوْنِهِ قابِلًا لِلْهَلاكِ والعَدَمِ، ثُمَّ إنَّ الَّذِينَ فَسَّرُوا الآيَةَ بِذَلِكَ قالُوا هَذا أوْلى؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ حَكَمَ بِكَوْنِها هالِكَةً في الحالِ، وعَلى ما قُلْناهُ فَهي هالِكَةٌ في الحالِ، وعَلى ما قُلْتُمُوهُ أنَّها سَتَهْلَكُ لا أنَّها هالِكَةٌ في الحالِ، فَكانَ قَوْلُنا أوْلى، وأيْضًا فالمُمْكِنُ إذا وُجِدَ مِن حَيْثُ هو لَمْ يَكُنْ مُسْتَحِقًّا لا لِلْوُجُودِ ولا لِلْعَدَمِ مِن ذاتِهِ، فَهَذِهِ الِاسْتِحْقاقِيَّةُ مُسْتَحَقَّةٌ لَهُ مِن ذاتِهِ، وأمّا الوُجُودُ فَوارِدٌ عَلَيْهِ مِنَ الخارِجِ فالوُجُودُ لَهُ كالثَّوْبِ المُسْتَعارِ لَهُ، وهو مِن حَيْثُ هو هو كالإنْسانِ الفَقِيرِ الَّذِي اسْتَعارَ ثَوْبًا مِن رَجُلٍ غَنِيٍّ، فَإنَّ الفَقِيرَ لا يَخْرُجُ بِسَبَبِ ذَلِكَ عَنْ كَوْنِهِ فَقِيرًا كَذا المُمْكِناتُ عارِيَةٌ عَنِ الوُجُودِ مِن حَيْثُ هي هي، وإنَّما الوُجُودُ ثَوْبٌ حَصَلَ لَها بِالعارِيَةِ فَصَحَّ أنَّها أبَدًا هالِكَةٌ مِن حَيْثُ هي هي، أمّا الَّذِينَ حَمَلُوهُ عَلى أنَّها سَتُعْدَمُ فَقَدِ احْتَجُّوا بِأنْ قالُوا: الهَلاكُ في اللُّغَةِ لَهُ مَعْنَيانِ. أحَدُهُما: خُرُوجُ الشَّيْءِ عَنْ أنْ يَكُونَ مُنْتَفَعًا بِهِ. والثّانِي: الفَناءُ والعَدَمُ؛ لا جائِزٌ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلى الأوَّلِ؛ لِأنَّ هَلاكَها بِمَعْنى خُرُوجِها عَنْ حَدِّ الِانْتِفاعِ مُحالٌ؛ لِأنَّها وإنْ تَفَرَّقَتْ أجْزاؤُها فَإنَّها مُنْتَفَعٌ بِها؛ لِأنَّ النَّفْعَ المَطْلُوبَ كَوْنُها بِحَيْثُ يُمْكِنُ أنْ يُسْتَدَلَّ بِها عَلى وُجُودِ الصّانِعِ القَدِيمِ، وهَذِهِ المَنفَعَةُ باقِيَةٌ سَواءٌ بَقِيَتْ مُتَفَرِّقَةً أوْ مُجْتَمِعَةٌ، وسَواءٌ بَقِيَتْ مَوْجُودَةً أوْ صارَتْ مَعْدُومَةً. وإذا تَعَذَّرَ حَمْلُ الهَلاكِ عَلى هَذا الوَجْهِ وجَبَ حَمْلُهُ عَلى الفَناءِ. أجابَ مَن حَمَلَ الهَلاكَ عَلى التَّفَرُّقِ قالَ: هَلاكُ الشَّيْءِ خُرُوجُهُ عَنِ المَنفَعَةِ الَّتِي يَكُونُ الشَّيْءُ مَطْلُوبًا لِأجْلِها، فَإذا ماتَ الإنْسانُ قِيلَ: هَلَكَ لِأنَّ الصِّفَةَ المَطْلُوبَةَ مِنهُ حَياتُهُ وعَقْلُهُ، وإذا تَمَزَّقَ الثَّوْبُ قِيلَ هَلَكَ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ مِنهُ صَلاحِيَتُهُ لِلُّبْسِ، فَإذا تَفَرَّقَتْ أجْزاءُ العالَمِ خَرَجَتِ السَّماواتُ والكَواكِبُ والجِبالُ والبِحارُ عَنْ صِفاتِها الَّتِي لِأجْلِها كانَتْ مُنْتَفَعًا بِها انْتِفاعًا خاصًّا، فَلا جَرَمَ صَحَّ إطْلاقُ اسْمِ الهالِكِ عَلَيْها فَأمّا صِحَّةُ الِاسْتِدْلالِ بِها عَلى الصّانِعِ سُبْحانَهُ فَهَذِهِ المَنفَعَةُ لَيْسَتْ مَنفَعَةً خاصَّةً بِالشَّمْسِ مِن حَيْثُ هي شَمْسٌ، والقَمَرِ مِن حَيْثُ هو قَمَرٌ، فَلَمْ يَلْزَمْ مِن بَقائِها أنْ لا يُطْلَقُ عَلَيْها اسْمُ الهالِكِ ثُمَّ احْتَجُّوا عَلى بَقاءِ أجْزاءِ العالَمِ بِقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ﴾ (إبْراهِيمَ: ٤٨ ) وهَذا صَرِيحٌ بِأنَّ تِلْكَ الأجْزاءَ باقِيَةٌ إلّا أنَّها صارَتْ مُتَّصِفَةً بِصِفَةٍ أُخْرى فَهَذا ما في هَذا المَوْضِعِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ أهْلُ التَّوْحِيدِ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى شَيْءٌ، قالُوا: لِأنَّهُ اسْتَثْنى مِن قَوْلِهِ: ﴿كُلُّ شَيْءٍ﴾ اسْتِثْناءً يُخْرِجُ ما لَوْلاهُ لَوَجَبَ أوْ لَصَحَّ دُخُولُهُ تَحْتَ اللَّفْظِ فَوَجَبَ كَوْنُهُ شَيْئًا، يُؤَكِّدُهُ ما ذَكَرْناهُ في سُورَةِ الأنْعامِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿قُلْ أيُّ شَيْءٍ أكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ﴾ (الأنْعامِ: ١٩ ) واحْتِجاجُهم عَلى أنَّهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ بِقَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (الشُّورى: ١١ ) والكافُ مَعْناهُ المِثْلُ فَتَقْدِيرُ الآيَةِ لَيْسَ مِثْلُ مِثْلِهِ شَيْءٌ، ومِثْلُ مِثْلِ اللَّهِ هو اللَّهُ فَوَجَبَ أنْ لا يَكُونَ اللَّهُ شَيْئًا، جَوابُهُ: أنَّ الكافَ صِلَةٌ زائِدَةٌ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اسْتَدَلَّتِ المُجَسِّمَةُ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى جِسْمٌ مِن وجْهَيْنِ. الأوَّلُ: قالُوا: الآيَةُ صَرِيحَةٌ في إثْباتِ الوَجْهِ وذَلِكَ يَقْتَضِي الجِسْمِيَّةَ. والثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ وكَلِمَةُ (إلى) لِانْتِهاءِ الغايَةِ وذَلِكَ لا يُعْقَلُ إلّا في الأجْسامِ، والجَوابُ: لَوْ صَحَّ هَذا الكَلامُ يَلْزَمُ أنْ يَفْنى جَمِيعُ أعْضائِهِ وأنْ لا يَبْقى مِنهُ صفحة ٢٢ إلّا الوَجْهُ، وقَدِ التَزَمَ ذَلِكَ بَعْضُ المُشَبِّهَةِ مِنَ الرّافِضَةِ. وهو بَيانُ بْنُ سَمْعانَ وذَلِكَ لا يَقُولُ بِهِ عاقِلٌ، ثُمَّ مِنَ النّاسِ مَن قالَ: الوَجْهُ هو الوُجُودُ والحَقِيقَةُ، يُقالُ: وجْهُ هَذا الأمْرِ كَذا أيْ حَقِيقَتُهُ، ومِنهم مَن قالَ: الوَجْهُ صِلَةٌ، والمُرادُ كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلّا هو، وأمّا كَلِمَةُ إلى فالمَعْنى وإلى مَوْضِعِ حُكْمِهِ وقَضائِهِ تُرْجَعُونَ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: اسْتَدَلَّتِ المُعْتَزِلَةُ بِهِ عَلى أنَّ الجَنَّةَ والنّارَ غَيْرُ مَخْلُوقَتَيْنِ، قالُوا: لِأنَّ الآيَةَ تَقْتَضِي فَناءَ الكُلِّ فَلَوْ كانَتا مَخْلُوقَتَيْنِ لَفَنِيَتا، وهَذا يُناقِضُ قَوْلَهُ تَعالى في صِفَةِ الجَنَّةِ: ﴿أُكُلُها دائِمٌ﴾ (الرَّعْدِ: ٣٥ ) والجَوابُ: هَذا مُعارَضٌ بِقَوْلِهِ تَعالى في صِفَةِ الجَنَّةِ: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (آلِ عِمْرانَ: ١٣٣ ) وفي صِفَةِ النّارِ ﴿وقُودُها النّاسُ والحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾ (البَقَرَةِ: ٢٤ ) ثُمَّ إمّا أنْ يُحْمَلَ قَوْلُهُ: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ﴾ عَلى الأكْثَرِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ (النَّمْلِ: ٢٣ ) أوْ يُحْمَلُ قَوْلُهُ: ﴿أُكُلُها دائِمٌ﴾ عَلى أنَّ زَمانَ فَنائِهِما لَمّا كانَ قَلِيلًا بِالنِّسْبَةِ إلى زَمانِ بَقائِهِما لا جَرَمَ أُطْلِقَ لَفْظُ الدَّوامِ عَلَيْهِ. المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ الذّاتَ ذاتٌ بِالفِعْلِ، لِأنَّهُ حَكَمَ بِالهَلاكِ عَلى الشَّيْءِ فَدَلَّ عَلى أنَّ الشَّيْءَ في كَوْنِهِ شَيْئًا قابِلٌ لِلْهَلاكِ، فَوَجَبَ أنْ لا يَكُونَ المَعْدُومُ شَيْئًا واللَّهُ أعْلَمُ. والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ.

القصص 28:87

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ إلّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿إنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ القُرْآنَ لَرادُّكَ إلى مَعادٍ قُلْ رَبِّي أعْلَمُ مَن جاءَ بِالهُدى ومَن هو في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ﴿وما كُنْتَ تَرْجُو أنْ يُلْقى إلَيْكَ الكِتابُ إلّا رَحْمَةً مِن رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكافِرِينَ﴾ ﴿ولا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آياتِ اللَّهِ بَعْدَ إذْ أُنْزِلَتْ إلَيْكَ وادْعُ إلى رَبِّكَ ولا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ ﴿ولا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ لا إلَهَ إلّا هو كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلّا وجْهَهُ لَهُ الحُكْمُ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ الدّارَ الآخِرَةَ لَيْسَتْ لِمَن يُرِيدُ عُلُوًّا في الأرْضِ ولا فَسادًا، بَلْ هي لِلْمُتَّقِينَ بَيَّنَ بَعْدَ ذَلِكَ ما يَحْصُلُ لَهم فَقالَ: ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ. أحَدُها: المَعْنى مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ حَصَلَ لَهُ مِن تِلْكَ الكَلِمَةِ خَيْرٌ. وثانِيها: حَصَلَ لَهُ شَيْءٌ هو أفْضَلُ مِن تِلْكَ الحَسَنَةِ، ومَعْناهُ أنَّهم يُزادُونَ عَلى ثَوابِهِمْ وقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُهُ في آخِرِ النَّمْلِ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ إلّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ فَظاهِرُهُ أنْ لا يُزادُوا عَلى ما يَسْتَحِقُّونَ. وإذا صَحَّ ذَلِكَ في السَّيِّئاتِ دَلَّ أنَّ المُرادَ في الحَسَناتِ بِما هو خَيْرٌ مِنها ما ذَكَرْناهُ مِن مَزِيدِ الفَضْلِ عَلى الثَّوابِ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ تَقْدِيرُ الآيَةِ: ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَوْنَ إلّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ، لَكِنَّهُ كَرَّرَ ذَلِكَ؛ لِأنَّ في إسْنادِ عَمَلِ السَّيِّئَةِ إلَيْهِمْ مُكَرَّرًا فَضْلَ تَهْجِينٍ لِحالِهِمْ وزِيادَةَ تَبْغِيضٍ لِلسَّيِّئَةِ إلى قُلُوبِ السّامِعِينَ، وهَذا مِن فَضْلِهِ العَظِيمِ أنَّهُ لا يَجْزِي بِالسَّيِّئَةِ إلّا مِثْلَها، ويَجْزِي بِالحَسَنَةِ عَشْرَ أمْثالِها، وهَهُنا سُؤالانِ: صفحة ١٩ السُّؤالُ الأوَّلُ: قالَ تَعالى: ﴿إنْ أحْسَنْتُمْ أحْسَنْتُمْ لِأنْفُسِكم وإنْ أسَأْتُمْ فَلَها﴾ (الإسْراءِ: ٧) كَرَّرَ ذَلِكَ الإحْسانَ واكْتَفى بِذِكْرِ الإساءَةِ بِمَرَّةٍ واحِدَةٍ، وفي هَذِهِ الآيَةِ كَرَّرَ ذِكْرَ الإساءَةِ مَرَّتَيْنِ واكْتَفى في ذِكْرِ الإحْسانِ بِمَرَّةٍ واحِدَةٍ، فَما السَّبَبُ ؟ الجَوابُ: لِأنَّ هَذا المَقامَ مَقامُ التَّرْغِيبِ في الدّارِ الآخِرَةِ، فَكانَتِ المُبالَغَةُ في الزَّجْرِ عَنِ المَعْصِيَةِ لائِقَةً بِهَذا البابِ؛ لِأنَّ المُبالَغَةَ في الزَّجْرِ عَنِ المَعْصِيَةِ مُبالَغَةٌ في الدَّعْوَةِ إلى الآخِرَةِ. وأمّا الآيَةُ الأُخْرى فَهي شَرْحُ حالِهِمْ فَكانَتِ المُبالَغَةُ في ذِكْرِ مَحاسِنِهِمْ أوْلى. السُّؤالُ الثّانِي: كَيْفَ قالَ: لا تُجْزى السَّيِّئَةُ إلّا بِمِثْلِها ؟ مَعَ أنَّ المُتَكَلِّمَ بِكَلِمَةِ الكُفْرِ إذا ماتَ في الحالِ عُذِّبَ أبَدَ الآبادِ. والجَوابُ: لِأنَّهُ كانَ عَلى عَزْمٍ أنَّهُ لَوْ عاشَ أبَدًا لَقالَ ذَلِكَ فَعُومِلَ بِمُقْتَضى عَزْمِهِ. قالَ الجُبّائِيُّ: وهَذا يَدُلُّ عَلى بُطْلانِ مَذْهَبِ مَن يُجَوِّزُ عَلى اللَّهِ تَعالى أنْ يُعَذِّبَ الأطْفالَ عَذابًا دائِمًا بِغَيْرِ جُرْمٍ، قُلْنا: لا يَجُوزُ أنْ يَفْعَلَهُ ولَيْسَ في الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا شَرَحَ لِرَسُولِهِ أمْرَ القِيامَةِ واسْتَقْصى في ذَلِكَ، شَرَحَ لَهُ ما يَتَّصِلُ بِأحْوالِهِ فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ القُرْآنَ لَرادُّكَ إلى مَعادٍ﴾ قالَ أبُو عَلِيٍّ: الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ أحْكامَهُ وفَرائِضَهُ لَرادُّكَ بَعْدَ المَوْتِ إلى مَعادٍ، وتَنْكِيرُ المَعادِ لِتَعْظِيمِهِ، كَأنَّهُ قالَ إلى مَعادٍ وأيُّ مَعادٍ، أيْ لَيْسَ لِغَيْرِكَ مِنَ البَشَرِ مِثْلُهُ. وقِيلَ: المُرادُ بِهِ مَكَّةُ، ووَجْهُهُ أنْ يُرادَ بِرَدِّهِ إلَيْها يَوْمُ الفَتْحِ، ووَجْهُ تَنْكِيرِهِ أنَّها كانَتْ في ذَلِكَ اليَوْمِ مَعادًا لَهُ شَأْنٌ عَظِيمٌ لِاسْتِيلاءِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- عَلَيْها وقَهْرِهِ لِأهْلِها وإظْهارِ عِزِّ الإسْلامِ وإذْلالِ حِزْبِ الكُفْرِ، والسُّورَةُ مَكِّيَّةٌ، فَكَأنَّ اللَّهَ تَعالى وعَدَهُ وهو بِمَكَّةَ في أذًى وغَلَبَةٍ مِن أهْلِها أنَّهُ يُهاجِرُ مِنها ويُعِيدُهُ إلَيْها ظاهِرًا ظافِرًا. وقالَ مُقاتِلٌ: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ خَرَجَ مِنَ الغارِ وسارَ في غَيْرِ الطَّرِيقِ مَخافَةَ الطَّلَبِ، فَلَمّا أمِنَ رَجَعَ إلى الطَّرِيقِ ونَزَلَ بِالجُحْفَةِ بَيْنَ مَكَّةَ والمَدِينَةِ، وعَرَفَ الطَّرِيقَ إلى مَكَّةَ واشْتاقَ إلَيْها وذَكَرَ مَوْلِدَهُ ومَوْلِدَ أبِيهِ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ وقالَ: تَشْتاقُ إلى بَلَدِكَ ومَوْلِدِكَ، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: نَعَمْ، فَقالَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ: فَإنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: ﴿إنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ القُرْآنَ لَرادُّكَ إلى مَعادٍ﴾ يَعْنِي إلى مَكَّةَ ظاهِرًا عَلَيْهِمْ وهَذا أقْرَبُ؛ لِأنَّ ظاهِرَ المَعادِ أنَّهُ كانَ فِيهِ وفارَقَهُ وحَصَلَ العَوْدُ، وذَلِكَ لا يَلِيقُ إلّا بِمَكَّةَ، وإنْ كانَ سائِرُ الوُجُوهِ مُحْتَمَلًا لَكِنَّ ذَلِكَ أقْرَبُ قالَ أهْلُ التَّحْقِيقِ: وهَذا أحَدُ ما يَدُلُّ عَلى نُبُوَّتِهِ؛ لِأنَّهُ أخْبَرَ عَنِ الغَيْبِ ووَقَعَ كَما أخْبَرَ فَيَكُونُ مُعْجِزًا، ثُمَّ قالَ ﴿قُلْ رَبِّي أعْلَمُ مَن جاءَ بِالهُدى ومَن هو في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ووَجْهُ تَعَلُّقِهِ بِما قَبْلَهُ أنَّ اللَّهَ تَعالى وعَدَ رَسُولَهُ الرَّدَّ إلى مَعادٍ، قالَ: ﴿قُلْ﴾ لِلْمُشْرِكِينَ ﴿رَبِّي أعْلَمُ مَن جاءَ بِالهُدى﴾ يَعْنِي نَفْسَهُ وما يَسْتَحِقُّهُ مِنَ الثَّوابِ في المَعادِ والإعْزازِ بِالإعادَةِ إلى مَكَّةَ ﴿ومَن هو في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ يَعْنِيهِمْ وما يَسْتَحِقُّونَ مِنَ العِقابِ في مَعادِهِمْ، ثُمَّ قالَ لِرَسُولِهِ: ﴿وما كُنْتَ تَرْجُو أنْ يُلْقى إلَيْكَ الكِتابُ إلّا رَحْمَةً مِن رَبِّكَ﴾ فَفي كَلِمَةِ إلّا وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّها لِلِاسْتِثْناءِ، ثُمَّ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: هَذا كَلامٌ مَحْمُولٌ عَلى المَعْنى كَأنَّهُ قِيلَ: (وما أُلْقِيَ إلَيْكَ الكِتابُ إلّا رَحْمَةً مِن رَبِّكَ) ويُمْكِنُ أيْضًا إجْراؤُهُ عَلى ظاهِرِهِ، أيْ وما كُنْتَ تَرْجُو إلّا أنْ يَرْحَمَكَ اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ فَيُنْعِمَ عَلَيْكَ بِذَلِكَ، أيْ ما كُنْتَ تَرْجُو إلّا عَلى هَذا. والوَجْهُ الثّانِي: أنَّ إلّا بِمَعْنى لَكِنْ لِلِاسْتِدْراكِ، أيْ ولَكِنْ رَحْمَةً مِن رَبِّكَ أُلْقِيَ إلَيْكَ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿وما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إذْ نادَيْنا ولَكِنْ رَحْمَةً مِن رَبِّكَ﴾ (القَصَصِ: ٤٦) خَصَّصَكَ بِهِ، ثُمَّ إنَّهُ كَلَّفَهُ بِأُمُورٍ. أحَدُها: كَلَّفَهُ بِأنْ لا يَكُونَ مُظاهِرًا لِلْكُفّارِ فَقالَ: ﴿فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكافِرِينَ﴾ . وثانِيها: أنْ قالَ: ﴿ولا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آياتِ اللَّهِ بَعْدَ إذْ أُنْزِلَتْ إلَيْكَ﴾ المَيْلُ إلى المُشْرِكِينَ، قالَ الضَّحّاكُ وذَلِكَ حِينَ دَعَوْهُ إلى دِينِ آبائِهِ لِيُزَوِّجُوهُ ويُقاسِمُوهُ شَطْرًا مِن مالِهِ، أيْ لا تَلْتَفِتْ إلى هَؤُلاءِ ولا تَرْكَنْ إلى قَوْلِهِمْ فَيَصُدُّوكَ عَنِ اتِّباعِ آياتِ اللَّهِ. وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿وادْعُ إلى رَبِّكَ﴾ أيْ: صفحة ٢٠ إلى دِينِ رَبِّكَ، وأرادَ التَّشَدُّدَ في دُعاءِ الكُفّارِ والمُشْرِكِينَ، فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿ولا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ لِأنَّ مَن رَضِيَ بِطَرِيقَتِهِمْ أوْ مالَ إلَيْهِمْ كانَ مِنهم. ورابِعُها: قَوْلُهُ: ﴿ولا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ وهَذا وإنْ كانَ واجِبًا عَلى الكُلِّ إلّا أنَّهُ تَعالى خاطَبَهُ بِهِ خُصُوصًا لِأجْلِ التَّعْظِيمِ، فَإنْ قِيلَ: الرَّسُولُ كانَ مَعْلُومًا مِنهُ أنْ لا يَفْعَلَ شَيْئًا مِن ذَلِكَ ألْبَتَّةَ، فَما فائِدَةُ هَذا النَّهْيِ ؟ قُلْنا: لَعَلَّ الخِطابَ مَعَهُ ولَكِنَّ المُرادَ غَيْرُهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى لا تَعْتَمِدْ عَلى غَيْرِ اللَّهِ ولا تَتَّخِذْ غَيْرَهُ وكِيلًا في أُمُورِكَ، فَإنَّ مَن وثِقَ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى فَكَأنَّهُ لَمْ يُكْمِلْ طَرِيقَهُ في التَّوْحِيدِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هو، أيْ لا نافِعَ ولا ضارَّ ولا مُعْطِيَ ولا مانِعَ إلّا هو، كَقَوْلِهِ: ﴿رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ لا إلَهَ إلّا هو فاتَّخِذْهُ وكِيلًا﴾ (المُزَّمِّلِ: ٩) فَلا يَجُوزُ اتِّخاذُ إلَهٍ سِواهُ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلّا وجْهَهُ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اخْتَلَفُوا في قَوْلِهِ: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ﴾ فَمِنَ النّاسِ مَن فَسَّرَ الهَلاكَ بِالعَدَمِ، والمَعْنى أنَّ اللَّهَ تَعالى يُعْدِمُ كُلَّ شَيْءٍ سِواهُ، ومِنهم مَن فَسَّرَ الهَلاكَ بِإخْراجِهِ عَنْ كَوْنِهِ مُنْتَفَعًا بِهِ، إمّا بِالإماتَةِ أوْ بِتَفْرِيقِ الأجْزاءِ، وإنْ كانَتْ أجْزاؤُهُ باقِيَةً، فَإنَّهُ يُقالُ هَلَكَ الثَّوْبُ وهَلَكَ المَتاعُ ولا يُرِيدُونَ بِهِ فَناءَ أجْزائِهِ، بَلْ خُرُوجَهُ عَنْ كَوْنِهِ مُنْتَفَعًا بِهِ، ومِنهم مَن قالَ: مَعْنى كَوْنِهِ هالِكًا كَوْنُهُ قابِلًا لِلْهَلاكِ في ذاتِهِ، فَإنَّ كُلَّ ما عَداهُ مُمْكِنُ الوُجُودِ لِذاتِهِ، وكُلُّ ما كانَ مُمْكِنَ الوُجُودِ كانَ قابِلًا لِلْعَدَمِ فَكانَ قابِلًا لِلْهَلاكِ، فَأُطْلِقَ عَلَيْهِ اسْمُ الهَلاكِ نَظَرًا إلى هَذا الوَجْهِ. واعْلَمْ أنَّ المُتَكَلِّمِينَ لَمّا أرادُوا إقامَةَ الدَّلالَةِ عَلى أنَّ كُلَّ شَيْءٍ سِوى اللَّهِ تَعالى يَقْبَلُ العَدَمَ والهَلاكَ قالُوا: ثَبَتَ أنَّ العالَمَ مُحْدَثٌ، وكُلُّ ما كانَ مُحْدَثًا فَإنَّ حَقِيقَتَهُ قابِلَةٌ لِلْعَدَمِ والوُجُودِ، وكُلَّ ما كانَ كَذَلِكَ وجَبَ أنْ يَبْقى عَلى هَذِهِ الحالَةِ أبَدًا؛ لِأنَّ الإمْكانَ مِن لَوازِمَ الماهِيَّةِ، ولازِمُ الماهِيَّةِ لا يَزُولُ قَطُّ، إلّا أنّا لَمّا نَظَرْنا في هَذِهِ الدَّلالَةِ ما وجَدْناها وافِيَةً بِهَذا الغَرَضِ؛ لِأنَّهم إنَّما أقامُوا الدَّلالَةَ عَلى حُدُوثِ الأجْسامِ والأعْراضِ، فَلَوْ قَدَرُوا عَلى إقامَةِ الدَّلالَةِ عَلى أنَّ ما سِوى اللَّهِ تَعالى إمّا مُتَحَيِّزٌ أوْ قائِمٌ بِالمُتَحَيِّزِ لَتَمَّ غَرَضُهم، إلّا أنَّ الخَصْمَ يُثْبِتُ مَوْجُوداتٍ لا مُتَحَيِّزَةً ولا قائِمَةً بِالمُتَحَيِّزِ، فالدَّلِيلُ الَّذِي يُبَيِّنُ حُدُوثَ المُتَحَيِّزِ والقائِمِ بِالمُتَحَيِّزِ لا يُبَيِّنُ حُدُوثَ كُلِّ ما سِوى اللَّهِ تَعالى إلّا بَعْدَ قِيامِ الدَّلالَةِ عَلى نَفْيِ ذَلِكَ القِسْمِ الثّالِثِ، ولَهم في نَفْيِ هَذا القِسْمِ الثّالِثِ طَرِيقانِ: أحَدُهُما: قَوْلُهم لا دَلِيلَ عَلَيْهِ فَوَجَبَ نَفْيُهُ وهَذِهِ طَرِيقَةٌ رَكِيكَةٌ بَيَّنّا سُقُوطَها في الكُتُبِ الكَلامِيَّةِ. والثّانِي: قَوْلُهم لَوْ وُجِدَ مَوْجُودٌ هَكَذا لَكانَ مُشارِكًا لِلَّهِ تَعالى في نَفْيِ المَكانِ والزَّمانِ والإمْكانِ، ولَوْ كانَ كَذَلِكَ لَصارَ مِثْلًا لِلَّهِ تَعالى وهو ضَعِيفٌ؛ لِاحْتِمالِ أنْ يُقالَ: إنَّهُما وإنِ اشْتَرَكا في هَذا السَّلْبِ إلّا أنَّهُ يَتَمَيَّزُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما عَنِ الآخَرِ بِماهِيَّةٍ وحَقِيقَةٍ، وإذا كانَ كَذَلِكَ ظَهَرَ أنَّ دَلِيلَهُمُ العَقْلِيَّ لا يَفِي بِإثْباتِ أنَّ كُلَّ شَيْءٍ هالِكٌ إلّا وجْهَهُ، والَّذِي يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ في هَذا البابِ أنْ نَقُولَ: ثَبَتَ أنَّ صانِعَ العالِمِ واجِبُ الوُجُودِ لِذاتِهِ، فَيَسْتَحِيلُ وُجُودُ مَوْجُودٍ آخَرَ واجِبٌ لِذاتِهِ، وإلّا لاشْتَرَكا في الوُجُوبِ وامْتازَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما عَنِ الآخَرِ بِخُصُوصِيَّتِهِ، وما بِهِ المُشارَكَةُ غَيْرُ ما بِهِ المُمايَزَةُ فَيَكُونُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما مُرَكَّبًا عَمّا بِهِ المُشارَكَةُ وعَمّا بِهِ المُمايَزَةُ وكُلُّ مُرَكَّبٍ مُمْكِنٌ مُفْتَقِرٌ إلى جُزْئِهِ، ثُمَّ إنَّ الجُزْأيْنِ إنْ كانا واجِبَيْنِ كانا مُشْتَرِكَيْنِ في الوُجُوبِ ومُتَمايِزَيْنِ بِاعْتِبارٍ آخَرَ فَيَلْزَمُ تَرَكُّبُ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما أيْضًا ويَلْزَمُ التَّسَلْسُلُ وهو مُحالٌ، وإنْ لَمْ يَكُونا واجِبَيْنِ؛ فالمُرَكَّبُ عَنْهُما المُفْتَقِرُ إلَيْهِما أوْلى أنْ لا يَكُونَ واجِبًا، فَثَبَتَ أنَّ واجِبَ الوُجُودِ واحِدٌ، وأنَّ كُلَّ ما عَداهُ فَهو مُمْكِنٌ، وكُلُّ مُمْكِنٍ فَلا بُدَّ لَهُ مِن مُرَجِّحٍ، وافْتِقارُهُ إلى المُرَجِّحِ، إمّا حالَ عَدَمِهِ أوْ حالَ وُجُودِهِ، فَإنْ كانَ الأوَّلَ صفحة ٢١ ثَبَتَ أنَّهُ مُحْدَثٌ، وإنْ كانَ الثّانِيَ فافْتِقارُ المَوْجُودِ إلى المُؤَثِّرِ، إمّا حالَ حُدُوثِهِ أوْ حالَ بَقائِهِ، والثّانِي باطِلٌ؛ لِأنَّهُ يَلْزَمُ إيجادُ المَوْجُودِ وهو مُحالٌ، فَثَبَتَ أنَّ الِافْتِقارَ لا يَحْصُلُ إلّا حالَ الحُدُوثِ، وثَبَتَ أنَّ كُلَّ ما سِوى اللَّهِ تَعالى مُحْدَثٌ سَواءٌ كانَ مُتَحَيِّزًا أوْ قائِمًا بِالمُتَحَيِّزِ أوْ لا مُتَحَيِّزًا ولا قائِمًا بِالمُتَحَيِّزِ، فَإنْ نَقَضْتَ هَذِهِ الدَّلالَةَ بِذاتِ اللَّهِ وصِفاتِهِ، فاعْلَمْ أنَّ هُناكَ فَرْقًا قَوِيًّا، وإذا ثَبَتَ حُدُوثُ كُلِّ ما سِواهُ وثَبَتَ أنَّ كُلَّ ما كانَ مُحْدَثًا كانَ قابِلًا لِلْعَدَمِ ثَبَتَ بِهَذا البُرْهانِ الباهِرِ أنَّ كُلَّ شَيْءٍ هالِكٌ إلّا وجْهَهُ، بِمَعْنى كَوْنِهِ قابِلًا لِلْهَلاكِ والعَدَمِ، ثُمَّ إنَّ الَّذِينَ فَسَّرُوا الآيَةَ بِذَلِكَ قالُوا هَذا أوْلى؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ حَكَمَ بِكَوْنِها هالِكَةً في الحالِ، وعَلى ما قُلْناهُ فَهي هالِكَةٌ في الحالِ، وعَلى ما قُلْتُمُوهُ أنَّها سَتَهْلَكُ لا أنَّها هالِكَةٌ في الحالِ، فَكانَ قَوْلُنا أوْلى، وأيْضًا فالمُمْكِنُ إذا وُجِدَ مِن حَيْثُ هو لَمْ يَكُنْ مُسْتَحِقًّا لا لِلْوُجُودِ ولا لِلْعَدَمِ مِن ذاتِهِ، فَهَذِهِ الِاسْتِحْقاقِيَّةُ مُسْتَحَقَّةٌ لَهُ مِن ذاتِهِ، وأمّا الوُجُودُ فَوارِدٌ عَلَيْهِ مِنَ الخارِجِ فالوُجُودُ لَهُ كالثَّوْبِ المُسْتَعارِ لَهُ، وهو مِن حَيْثُ هو هو كالإنْسانِ الفَقِيرِ الَّذِي اسْتَعارَ ثَوْبًا مِن رَجُلٍ غَنِيٍّ، فَإنَّ الفَقِيرَ لا يَخْرُجُ بِسَبَبِ ذَلِكَ عَنْ كَوْنِهِ فَقِيرًا كَذا المُمْكِناتُ عارِيَةٌ عَنِ الوُجُودِ مِن حَيْثُ هي هي، وإنَّما الوُجُودُ ثَوْبٌ حَصَلَ لَها بِالعارِيَةِ فَصَحَّ أنَّها أبَدًا هالِكَةٌ مِن حَيْثُ هي هي، أمّا الَّذِينَ حَمَلُوهُ عَلى أنَّها سَتُعْدَمُ فَقَدِ احْتَجُّوا بِأنْ قالُوا: الهَلاكُ في اللُّغَةِ لَهُ مَعْنَيانِ. أحَدُهُما: خُرُوجُ الشَّيْءِ عَنْ أنْ يَكُونَ مُنْتَفَعًا بِهِ. والثّانِي: الفَناءُ والعَدَمُ؛ لا جائِزٌ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلى الأوَّلِ؛ لِأنَّ هَلاكَها بِمَعْنى خُرُوجِها عَنْ حَدِّ الِانْتِفاعِ مُحالٌ؛ لِأنَّها وإنْ تَفَرَّقَتْ أجْزاؤُها فَإنَّها مُنْتَفَعٌ بِها؛ لِأنَّ النَّفْعَ المَطْلُوبَ كَوْنُها بِحَيْثُ يُمْكِنُ أنْ يُسْتَدَلَّ بِها عَلى وُجُودِ الصّانِعِ القَدِيمِ، وهَذِهِ المَنفَعَةُ باقِيَةٌ سَواءٌ بَقِيَتْ مُتَفَرِّقَةً أوْ مُجْتَمِعَةٌ، وسَواءٌ بَقِيَتْ مَوْجُودَةً أوْ صارَتْ مَعْدُومَةً. وإذا تَعَذَّرَ حَمْلُ الهَلاكِ عَلى هَذا الوَجْهِ وجَبَ حَمْلُهُ عَلى الفَناءِ. أجابَ مَن حَمَلَ الهَلاكَ عَلى التَّفَرُّقِ قالَ: هَلاكُ الشَّيْءِ خُرُوجُهُ عَنِ المَنفَعَةِ الَّتِي يَكُونُ الشَّيْءُ مَطْلُوبًا لِأجْلِها، فَإذا ماتَ الإنْسانُ قِيلَ: هَلَكَ لِأنَّ الصِّفَةَ المَطْلُوبَةَ مِنهُ حَياتُهُ وعَقْلُهُ، وإذا تَمَزَّقَ الثَّوْبُ قِيلَ هَلَكَ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ مِنهُ صَلاحِيَتُهُ لِلُّبْسِ، فَإذا تَفَرَّقَتْ أجْزاءُ العالَمِ خَرَجَتِ السَّماواتُ والكَواكِبُ والجِبالُ والبِحارُ عَنْ صِفاتِها الَّتِي لِأجْلِها كانَتْ مُنْتَفَعًا بِها انْتِفاعًا خاصًّا، فَلا جَرَمَ صَحَّ إطْلاقُ اسْمِ الهالِكِ عَلَيْها فَأمّا صِحَّةُ الِاسْتِدْلالِ بِها عَلى الصّانِعِ سُبْحانَهُ فَهَذِهِ المَنفَعَةُ لَيْسَتْ مَنفَعَةً خاصَّةً بِالشَّمْسِ مِن حَيْثُ هي شَمْسٌ، والقَمَرِ مِن حَيْثُ هو قَمَرٌ، فَلَمْ يَلْزَمْ مِن بَقائِها أنْ لا يُطْلَقُ عَلَيْها اسْمُ الهالِكِ ثُمَّ احْتَجُّوا عَلى بَقاءِ أجْزاءِ العالَمِ بِقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ﴾ (إبْراهِيمَ: ٤٨ ) وهَذا صَرِيحٌ بِأنَّ تِلْكَ الأجْزاءَ باقِيَةٌ إلّا أنَّها صارَتْ مُتَّصِفَةً بِصِفَةٍ أُخْرى فَهَذا ما في هَذا المَوْضِعِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ أهْلُ التَّوْحِيدِ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى شَيْءٌ، قالُوا: لِأنَّهُ اسْتَثْنى مِن قَوْلِهِ: ﴿كُلُّ شَيْءٍ﴾ اسْتِثْناءً يُخْرِجُ ما لَوْلاهُ لَوَجَبَ أوْ لَصَحَّ دُخُولُهُ تَحْتَ اللَّفْظِ فَوَجَبَ كَوْنُهُ شَيْئًا، يُؤَكِّدُهُ ما ذَكَرْناهُ في سُورَةِ الأنْعامِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿قُلْ أيُّ شَيْءٍ أكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ﴾ (الأنْعامِ: ١٩ ) واحْتِجاجُهم عَلى أنَّهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ بِقَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (الشُّورى: ١١ ) والكافُ مَعْناهُ المِثْلُ فَتَقْدِيرُ الآيَةِ لَيْسَ مِثْلُ مِثْلِهِ شَيْءٌ، ومِثْلُ مِثْلِ اللَّهِ هو اللَّهُ فَوَجَبَ أنْ لا يَكُونَ اللَّهُ شَيْئًا، جَوابُهُ: أنَّ الكافَ صِلَةٌ زائِدَةٌ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اسْتَدَلَّتِ المُجَسِّمَةُ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى جِسْمٌ مِن وجْهَيْنِ. الأوَّلُ: قالُوا: الآيَةُ صَرِيحَةٌ في إثْباتِ الوَجْهِ وذَلِكَ يَقْتَضِي الجِسْمِيَّةَ. والثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ وكَلِمَةُ (إلى) لِانْتِهاءِ الغايَةِ وذَلِكَ لا يُعْقَلُ إلّا في الأجْسامِ، والجَوابُ: لَوْ صَحَّ هَذا الكَلامُ يَلْزَمُ أنْ يَفْنى جَمِيعُ أعْضائِهِ وأنْ لا يَبْقى مِنهُ صفحة ٢٢ إلّا الوَجْهُ، وقَدِ التَزَمَ ذَلِكَ بَعْضُ المُشَبِّهَةِ مِنَ الرّافِضَةِ. وهو بَيانُ بْنُ سَمْعانَ وذَلِكَ لا يَقُولُ بِهِ عاقِلٌ، ثُمَّ مِنَ النّاسِ مَن قالَ: الوَجْهُ هو الوُجُودُ والحَقِيقَةُ، يُقالُ: وجْهُ هَذا الأمْرِ كَذا أيْ حَقِيقَتُهُ، ومِنهم مَن قالَ: الوَجْهُ صِلَةٌ، والمُرادُ كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلّا هو، وأمّا كَلِمَةُ إلى فالمَعْنى وإلى مَوْضِعِ حُكْمِهِ وقَضائِهِ تُرْجَعُونَ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: اسْتَدَلَّتِ المُعْتَزِلَةُ بِهِ عَلى أنَّ الجَنَّةَ والنّارَ غَيْرُ مَخْلُوقَتَيْنِ، قالُوا: لِأنَّ الآيَةَ تَقْتَضِي فَناءَ الكُلِّ فَلَوْ كانَتا مَخْلُوقَتَيْنِ لَفَنِيَتا، وهَذا يُناقِضُ قَوْلَهُ تَعالى في صِفَةِ الجَنَّةِ: ﴿أُكُلُها دائِمٌ﴾ (الرَّعْدِ: ٣٥ ) والجَوابُ: هَذا مُعارَضٌ بِقَوْلِهِ تَعالى في صِفَةِ الجَنَّةِ: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (آلِ عِمْرانَ: ١٣٣ ) وفي صِفَةِ النّارِ ﴿وقُودُها النّاسُ والحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾ (البَقَرَةِ: ٢٤ ) ثُمَّ إمّا أنْ يُحْمَلَ قَوْلُهُ: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ﴾ عَلى الأكْثَرِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ (النَّمْلِ: ٢٣ ) أوْ يُحْمَلُ قَوْلُهُ: ﴿أُكُلُها دائِمٌ﴾ عَلى أنَّ زَمانَ فَنائِهِما لَمّا كانَ قَلِيلًا بِالنِّسْبَةِ إلى زَمانِ بَقائِهِما لا جَرَمَ أُطْلِقَ لَفْظُ الدَّوامِ عَلَيْهِ. المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ الذّاتَ ذاتٌ بِالفِعْلِ، لِأنَّهُ حَكَمَ بِالهَلاكِ عَلى الشَّيْءِ فَدَلَّ عَلى أنَّ الشَّيْءَ في كَوْنِهِ شَيْئًا قابِلٌ لِلْهَلاكِ، فَوَجَبَ أنْ لا يَكُونَ المَعْدُومُ شَيْئًا واللَّهُ أعْلَمُ. والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ.

القصص 28:88

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ إلّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿إنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ القُرْآنَ لَرادُّكَ إلى مَعادٍ قُلْ رَبِّي أعْلَمُ مَن جاءَ بِالهُدى ومَن هو في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ﴿وما كُنْتَ تَرْجُو أنْ يُلْقى إلَيْكَ الكِتابُ إلّا رَحْمَةً مِن رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكافِرِينَ﴾ ﴿ولا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آياتِ اللَّهِ بَعْدَ إذْ أُنْزِلَتْ إلَيْكَ وادْعُ إلى رَبِّكَ ولا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ ﴿ولا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ لا إلَهَ إلّا هو كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلّا وجْهَهُ لَهُ الحُكْمُ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ الدّارَ الآخِرَةَ لَيْسَتْ لِمَن يُرِيدُ عُلُوًّا في الأرْضِ ولا فَسادًا، بَلْ هي لِلْمُتَّقِينَ بَيَّنَ بَعْدَ ذَلِكَ ما يَحْصُلُ لَهم فَقالَ: ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ. أحَدُها: المَعْنى مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ حَصَلَ لَهُ مِن تِلْكَ الكَلِمَةِ خَيْرٌ. وثانِيها: حَصَلَ لَهُ شَيْءٌ هو أفْضَلُ مِن تِلْكَ الحَسَنَةِ، ومَعْناهُ أنَّهم يُزادُونَ عَلى ثَوابِهِمْ وقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُهُ في آخِرِ النَّمْلِ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ إلّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ فَظاهِرُهُ أنْ لا يُزادُوا عَلى ما يَسْتَحِقُّونَ. وإذا صَحَّ ذَلِكَ في السَّيِّئاتِ دَلَّ أنَّ المُرادَ في الحَسَناتِ بِما هو خَيْرٌ مِنها ما ذَكَرْناهُ مِن مَزِيدِ الفَضْلِ عَلى الثَّوابِ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ تَقْدِيرُ الآيَةِ: ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَوْنَ إلّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ، لَكِنَّهُ كَرَّرَ ذَلِكَ؛ لِأنَّ في إسْنادِ عَمَلِ السَّيِّئَةِ إلَيْهِمْ مُكَرَّرًا فَضْلَ تَهْجِينٍ لِحالِهِمْ وزِيادَةَ تَبْغِيضٍ لِلسَّيِّئَةِ إلى قُلُوبِ السّامِعِينَ، وهَذا مِن فَضْلِهِ العَظِيمِ أنَّهُ لا يَجْزِي بِالسَّيِّئَةِ إلّا مِثْلَها، ويَجْزِي بِالحَسَنَةِ عَشْرَ أمْثالِها، وهَهُنا سُؤالانِ: صفحة ١٩ السُّؤالُ الأوَّلُ: قالَ تَعالى: ﴿إنْ أحْسَنْتُمْ أحْسَنْتُمْ لِأنْفُسِكم وإنْ أسَأْتُمْ فَلَها﴾ (الإسْراءِ: ٧) كَرَّرَ ذَلِكَ الإحْسانَ واكْتَفى بِذِكْرِ الإساءَةِ بِمَرَّةٍ واحِدَةٍ، وفي هَذِهِ الآيَةِ كَرَّرَ ذِكْرَ الإساءَةِ مَرَّتَيْنِ واكْتَفى في ذِكْرِ الإحْسانِ بِمَرَّةٍ واحِدَةٍ، فَما السَّبَبُ ؟ الجَوابُ: لِأنَّ هَذا المَقامَ مَقامُ التَّرْغِيبِ في الدّارِ الآخِرَةِ، فَكانَتِ المُبالَغَةُ في الزَّجْرِ عَنِ المَعْصِيَةِ لائِقَةً بِهَذا البابِ؛ لِأنَّ المُبالَغَةَ في الزَّجْرِ عَنِ المَعْصِيَةِ مُبالَغَةٌ في الدَّعْوَةِ إلى الآخِرَةِ. وأمّا الآيَةُ الأُخْرى فَهي شَرْحُ حالِهِمْ فَكانَتِ المُبالَغَةُ في ذِكْرِ مَحاسِنِهِمْ أوْلى. السُّؤالُ الثّانِي: كَيْفَ قالَ: لا تُجْزى السَّيِّئَةُ إلّا بِمِثْلِها ؟ مَعَ أنَّ المُتَكَلِّمَ بِكَلِمَةِ الكُفْرِ إذا ماتَ في الحالِ عُذِّبَ أبَدَ الآبادِ. والجَوابُ: لِأنَّهُ كانَ عَلى عَزْمٍ أنَّهُ لَوْ عاشَ أبَدًا لَقالَ ذَلِكَ فَعُومِلَ بِمُقْتَضى عَزْمِهِ. قالَ الجُبّائِيُّ: وهَذا يَدُلُّ عَلى بُطْلانِ مَذْهَبِ مَن يُجَوِّزُ عَلى اللَّهِ تَعالى أنْ يُعَذِّبَ الأطْفالَ عَذابًا دائِمًا بِغَيْرِ جُرْمٍ، قُلْنا: لا يَجُوزُ أنْ يَفْعَلَهُ ولَيْسَ في الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا شَرَحَ لِرَسُولِهِ أمْرَ القِيامَةِ واسْتَقْصى في ذَلِكَ، شَرَحَ لَهُ ما يَتَّصِلُ بِأحْوالِهِ فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ القُرْآنَ لَرادُّكَ إلى مَعادٍ﴾ قالَ أبُو عَلِيٍّ: الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ أحْكامَهُ وفَرائِضَهُ لَرادُّكَ بَعْدَ المَوْتِ إلى مَعادٍ، وتَنْكِيرُ المَعادِ لِتَعْظِيمِهِ، كَأنَّهُ قالَ إلى مَعادٍ وأيُّ مَعادٍ، أيْ لَيْسَ لِغَيْرِكَ مِنَ البَشَرِ مِثْلُهُ. وقِيلَ: المُرادُ بِهِ مَكَّةُ، ووَجْهُهُ أنْ يُرادَ بِرَدِّهِ إلَيْها يَوْمُ الفَتْحِ، ووَجْهُ تَنْكِيرِهِ أنَّها كانَتْ في ذَلِكَ اليَوْمِ مَعادًا لَهُ شَأْنٌ عَظِيمٌ لِاسْتِيلاءِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- عَلَيْها وقَهْرِهِ لِأهْلِها وإظْهارِ عِزِّ الإسْلامِ وإذْلالِ حِزْبِ الكُفْرِ، والسُّورَةُ مَكِّيَّةٌ، فَكَأنَّ اللَّهَ تَعالى وعَدَهُ وهو بِمَكَّةَ في أذًى وغَلَبَةٍ مِن أهْلِها أنَّهُ يُهاجِرُ مِنها ويُعِيدُهُ إلَيْها ظاهِرًا ظافِرًا. وقالَ مُقاتِلٌ: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ خَرَجَ مِنَ الغارِ وسارَ في غَيْرِ الطَّرِيقِ مَخافَةَ الطَّلَبِ، فَلَمّا أمِنَ رَجَعَ إلى الطَّرِيقِ ونَزَلَ بِالجُحْفَةِ بَيْنَ مَكَّةَ والمَدِينَةِ، وعَرَفَ الطَّرِيقَ إلى مَكَّةَ واشْتاقَ إلَيْها وذَكَرَ مَوْلِدَهُ ومَوْلِدَ أبِيهِ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ وقالَ: تَشْتاقُ إلى بَلَدِكَ ومَوْلِدِكَ، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: نَعَمْ، فَقالَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ: فَإنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: ﴿إنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ القُرْآنَ لَرادُّكَ إلى مَعادٍ﴾ يَعْنِي إلى مَكَّةَ ظاهِرًا عَلَيْهِمْ وهَذا أقْرَبُ؛ لِأنَّ ظاهِرَ المَعادِ أنَّهُ كانَ فِيهِ وفارَقَهُ وحَصَلَ العَوْدُ، وذَلِكَ لا يَلِيقُ إلّا بِمَكَّةَ، وإنْ كانَ سائِرُ الوُجُوهِ مُحْتَمَلًا لَكِنَّ ذَلِكَ أقْرَبُ قالَ أهْلُ التَّحْقِيقِ: وهَذا أحَدُ ما يَدُلُّ عَلى نُبُوَّتِهِ؛ لِأنَّهُ أخْبَرَ عَنِ الغَيْبِ ووَقَعَ كَما أخْبَرَ فَيَكُونُ مُعْجِزًا، ثُمَّ قالَ ﴿قُلْ رَبِّي أعْلَمُ مَن جاءَ بِالهُدى ومَن هو في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ووَجْهُ تَعَلُّقِهِ بِما قَبْلَهُ أنَّ اللَّهَ تَعالى وعَدَ رَسُولَهُ الرَّدَّ إلى مَعادٍ، قالَ: ﴿قُلْ﴾ لِلْمُشْرِكِينَ ﴿رَبِّي أعْلَمُ مَن جاءَ بِالهُدى﴾ يَعْنِي نَفْسَهُ وما يَسْتَحِقُّهُ مِنَ الثَّوابِ في المَعادِ والإعْزازِ بِالإعادَةِ إلى مَكَّةَ ﴿ومَن هو في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ يَعْنِيهِمْ وما يَسْتَحِقُّونَ مِنَ العِقابِ في مَعادِهِمْ، ثُمَّ قالَ لِرَسُولِهِ: ﴿وما كُنْتَ تَرْجُو أنْ يُلْقى إلَيْكَ الكِتابُ إلّا رَحْمَةً مِن رَبِّكَ﴾ فَفي كَلِمَةِ إلّا وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّها لِلِاسْتِثْناءِ، ثُمَّ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: هَذا كَلامٌ مَحْمُولٌ عَلى المَعْنى كَأنَّهُ قِيلَ: (وما أُلْقِيَ إلَيْكَ الكِتابُ إلّا رَحْمَةً مِن رَبِّكَ) ويُمْكِنُ أيْضًا إجْراؤُهُ عَلى ظاهِرِهِ، أيْ وما كُنْتَ تَرْجُو إلّا أنْ يَرْحَمَكَ اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ فَيُنْعِمَ عَلَيْكَ بِذَلِكَ، أيْ ما كُنْتَ تَرْجُو إلّا عَلى هَذا. والوَجْهُ الثّانِي: أنَّ إلّا بِمَعْنى لَكِنْ لِلِاسْتِدْراكِ، أيْ ولَكِنْ رَحْمَةً مِن رَبِّكَ أُلْقِيَ إلَيْكَ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿وما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إذْ نادَيْنا ولَكِنْ رَحْمَةً مِن رَبِّكَ﴾ (القَصَصِ: ٤٦) خَصَّصَكَ بِهِ، ثُمَّ إنَّهُ كَلَّفَهُ بِأُمُورٍ. أحَدُها: كَلَّفَهُ بِأنْ لا يَكُونَ مُظاهِرًا لِلْكُفّارِ فَقالَ: ﴿فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكافِرِينَ﴾ . وثانِيها: أنْ قالَ: ﴿ولا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آياتِ اللَّهِ بَعْدَ إذْ أُنْزِلَتْ إلَيْكَ﴾ المَيْلُ إلى المُشْرِكِينَ، قالَ الضَّحّاكُ وذَلِكَ حِينَ دَعَوْهُ إلى دِينِ آبائِهِ لِيُزَوِّجُوهُ ويُقاسِمُوهُ شَطْرًا مِن مالِهِ، أيْ لا تَلْتَفِتْ إلى هَؤُلاءِ ولا تَرْكَنْ إلى قَوْلِهِمْ فَيَصُدُّوكَ عَنِ اتِّباعِ آياتِ اللَّهِ. وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿وادْعُ إلى رَبِّكَ﴾ أيْ: صفحة ٢٠ إلى دِينِ رَبِّكَ، وأرادَ التَّشَدُّدَ في دُعاءِ الكُفّارِ والمُشْرِكِينَ، فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿ولا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ لِأنَّ مَن رَضِيَ بِطَرِيقَتِهِمْ أوْ مالَ إلَيْهِمْ كانَ مِنهم. ورابِعُها: قَوْلُهُ: ﴿ولا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ وهَذا وإنْ كانَ واجِبًا عَلى الكُلِّ إلّا أنَّهُ تَعالى خاطَبَهُ بِهِ خُصُوصًا لِأجْلِ التَّعْظِيمِ، فَإنْ قِيلَ: الرَّسُولُ كانَ مَعْلُومًا مِنهُ أنْ لا يَفْعَلَ شَيْئًا مِن ذَلِكَ ألْبَتَّةَ، فَما فائِدَةُ هَذا النَّهْيِ ؟ قُلْنا: لَعَلَّ الخِطابَ مَعَهُ ولَكِنَّ المُرادَ غَيْرُهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى لا تَعْتَمِدْ عَلى غَيْرِ اللَّهِ ولا تَتَّخِذْ غَيْرَهُ وكِيلًا في أُمُورِكَ، فَإنَّ مَن وثِقَ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى فَكَأنَّهُ لَمْ يُكْمِلْ طَرِيقَهُ في التَّوْحِيدِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هو، أيْ لا نافِعَ ولا ضارَّ ولا مُعْطِيَ ولا مانِعَ إلّا هو، كَقَوْلِهِ: ﴿رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ لا إلَهَ إلّا هو فاتَّخِذْهُ وكِيلًا﴾ (المُزَّمِّلِ: ٩) فَلا يَجُوزُ اتِّخاذُ إلَهٍ سِواهُ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلّا وجْهَهُ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اخْتَلَفُوا في قَوْلِهِ: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ﴾ فَمِنَ النّاسِ مَن فَسَّرَ الهَلاكَ بِالعَدَمِ، والمَعْنى أنَّ اللَّهَ تَعالى يُعْدِمُ كُلَّ شَيْءٍ سِواهُ، ومِنهم مَن فَسَّرَ الهَلاكَ بِإخْراجِهِ عَنْ كَوْنِهِ مُنْتَفَعًا بِهِ، إمّا بِالإماتَةِ أوْ بِتَفْرِيقِ الأجْزاءِ، وإنْ كانَتْ أجْزاؤُهُ باقِيَةً، فَإنَّهُ يُقالُ هَلَكَ الثَّوْبُ وهَلَكَ المَتاعُ ولا يُرِيدُونَ بِهِ فَناءَ أجْزائِهِ، بَلْ خُرُوجَهُ عَنْ كَوْنِهِ مُنْتَفَعًا بِهِ، ومِنهم مَن قالَ: مَعْنى كَوْنِهِ هالِكًا كَوْنُهُ قابِلًا لِلْهَلاكِ في ذاتِهِ، فَإنَّ كُلَّ ما عَداهُ مُمْكِنُ الوُجُودِ لِذاتِهِ، وكُلُّ ما كانَ مُمْكِنَ الوُجُودِ كانَ قابِلًا لِلْعَدَمِ فَكانَ قابِلًا لِلْهَلاكِ، فَأُطْلِقَ عَلَيْهِ اسْمُ الهَلاكِ نَظَرًا إلى هَذا الوَجْهِ. واعْلَمْ أنَّ المُتَكَلِّمِينَ لَمّا أرادُوا إقامَةَ الدَّلالَةِ عَلى أنَّ كُلَّ شَيْءٍ سِوى اللَّهِ تَعالى يَقْبَلُ العَدَمَ والهَلاكَ قالُوا: ثَبَتَ أنَّ العالَمَ مُحْدَثٌ، وكُلُّ ما كانَ مُحْدَثًا فَإنَّ حَقِيقَتَهُ قابِلَةٌ لِلْعَدَمِ والوُجُودِ، وكُلَّ ما كانَ كَذَلِكَ وجَبَ أنْ يَبْقى عَلى هَذِهِ الحالَةِ أبَدًا؛ لِأنَّ الإمْكانَ مِن لَوازِمَ الماهِيَّةِ، ولازِمُ الماهِيَّةِ لا يَزُولُ قَطُّ، إلّا أنّا لَمّا نَظَرْنا في هَذِهِ الدَّلالَةِ ما وجَدْناها وافِيَةً بِهَذا الغَرَضِ؛ لِأنَّهم إنَّما أقامُوا الدَّلالَةَ عَلى حُدُوثِ الأجْسامِ والأعْراضِ، فَلَوْ قَدَرُوا عَلى إقامَةِ الدَّلالَةِ عَلى أنَّ ما سِوى اللَّهِ تَعالى إمّا مُتَحَيِّزٌ أوْ قائِمٌ بِالمُتَحَيِّزِ لَتَمَّ غَرَضُهم، إلّا أنَّ الخَصْمَ يُثْبِتُ مَوْجُوداتٍ لا مُتَحَيِّزَةً ولا قائِمَةً بِالمُتَحَيِّزِ، فالدَّلِيلُ الَّذِي يُبَيِّنُ حُدُوثَ المُتَحَيِّزِ والقائِمِ بِالمُتَحَيِّزِ لا يُبَيِّنُ حُدُوثَ كُلِّ ما سِوى اللَّهِ تَعالى إلّا بَعْدَ قِيامِ الدَّلالَةِ عَلى نَفْيِ ذَلِكَ القِسْمِ الثّالِثِ، ولَهم في نَفْيِ هَذا القِسْمِ الثّالِثِ طَرِيقانِ: أحَدُهُما: قَوْلُهم لا دَلِيلَ عَلَيْهِ فَوَجَبَ نَفْيُهُ وهَذِهِ طَرِيقَةٌ رَكِيكَةٌ بَيَّنّا سُقُوطَها في الكُتُبِ الكَلامِيَّةِ. والثّانِي: قَوْلُهم لَوْ وُجِدَ مَوْجُودٌ هَكَذا لَكانَ مُشارِكًا لِلَّهِ تَعالى في نَفْيِ المَكانِ والزَّمانِ والإمْكانِ، ولَوْ كانَ كَذَلِكَ لَصارَ مِثْلًا لِلَّهِ تَعالى وهو ضَعِيفٌ؛ لِاحْتِمالِ أنْ يُقالَ: إنَّهُما وإنِ اشْتَرَكا في هَذا السَّلْبِ إلّا أنَّهُ يَتَمَيَّزُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما عَنِ الآخَرِ بِماهِيَّةٍ وحَقِيقَةٍ، وإذا كانَ كَذَلِكَ ظَهَرَ أنَّ دَلِيلَهُمُ العَقْلِيَّ لا يَفِي بِإثْباتِ أنَّ كُلَّ شَيْءٍ هالِكٌ إلّا وجْهَهُ، والَّذِي يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ في هَذا البابِ أنْ نَقُولَ: ثَبَتَ أنَّ صانِعَ العالِمِ واجِبُ الوُجُودِ لِذاتِهِ، فَيَسْتَحِيلُ وُجُودُ مَوْجُودٍ آخَرَ واجِبٌ لِذاتِهِ، وإلّا لاشْتَرَكا في الوُجُوبِ وامْتازَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما عَنِ الآخَرِ بِخُصُوصِيَّتِهِ، وما بِهِ المُشارَكَةُ غَيْرُ ما بِهِ المُمايَزَةُ فَيَكُونُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما مُرَكَّبًا عَمّا بِهِ المُشارَكَةُ وعَمّا بِهِ المُمايَزَةُ وكُلُّ مُرَكَّبٍ مُمْكِنٌ مُفْتَقِرٌ إلى جُزْئِهِ، ثُمَّ إنَّ الجُزْأيْنِ إنْ كانا واجِبَيْنِ كانا مُشْتَرِكَيْنِ في الوُجُوبِ ومُتَمايِزَيْنِ بِاعْتِبارٍ آخَرَ فَيَلْزَمُ تَرَكُّبُ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما أيْضًا ويَلْزَمُ التَّسَلْسُلُ وهو مُحالٌ، وإنْ لَمْ يَكُونا واجِبَيْنِ؛ فالمُرَكَّبُ عَنْهُما المُفْتَقِرُ إلَيْهِما أوْلى أنْ لا يَكُونَ واجِبًا، فَثَبَتَ أنَّ واجِبَ الوُجُودِ واحِدٌ، وأنَّ كُلَّ ما عَداهُ فَهو مُمْكِنٌ، وكُلُّ مُمْكِنٍ فَلا بُدَّ لَهُ مِن مُرَجِّحٍ، وافْتِقارُهُ إلى المُرَجِّحِ، إمّا حالَ عَدَمِهِ أوْ حالَ وُجُودِهِ، فَإنْ كانَ الأوَّلَ صفحة ٢١ ثَبَتَ أنَّهُ مُحْدَثٌ، وإنْ كانَ الثّانِيَ فافْتِقارُ المَوْجُودِ إلى المُؤَثِّرِ، إمّا حالَ حُدُوثِهِ أوْ حالَ بَقائِهِ، والثّانِي باطِلٌ؛ لِأنَّهُ يَلْزَمُ إيجادُ المَوْجُودِ وهو مُحالٌ، فَثَبَتَ أنَّ الِافْتِقارَ لا يَحْصُلُ إلّا حالَ الحُدُوثِ، وثَبَتَ أنَّ كُلَّ ما سِوى اللَّهِ تَعالى مُحْدَثٌ سَواءٌ كانَ مُتَحَيِّزًا أوْ قائِمًا بِالمُتَحَيِّزِ أوْ لا مُتَحَيِّزًا ولا قائِمًا بِالمُتَحَيِّزِ، فَإنْ نَقَضْتَ هَذِهِ الدَّلالَةَ بِذاتِ اللَّهِ وصِفاتِهِ، فاعْلَمْ أنَّ هُناكَ فَرْقًا قَوِيًّا، وإذا ثَبَتَ حُدُوثُ كُلِّ ما سِواهُ وثَبَتَ أنَّ كُلَّ ما كانَ مُحْدَثًا كانَ قابِلًا لِلْعَدَمِ ثَبَتَ بِهَذا البُرْهانِ الباهِرِ أنَّ كُلَّ شَيْءٍ هالِكٌ إلّا وجْهَهُ، بِمَعْنى كَوْنِهِ قابِلًا لِلْهَلاكِ والعَدَمِ، ثُمَّ إنَّ الَّذِينَ فَسَّرُوا الآيَةَ بِذَلِكَ قالُوا هَذا أوْلى؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ حَكَمَ بِكَوْنِها هالِكَةً في الحالِ، وعَلى ما قُلْناهُ فَهي هالِكَةٌ في الحالِ، وعَلى ما قُلْتُمُوهُ أنَّها سَتَهْلَكُ لا أنَّها هالِكَةٌ في الحالِ، فَكانَ قَوْلُنا أوْلى، وأيْضًا فالمُمْكِنُ إذا وُجِدَ مِن حَيْثُ هو لَمْ يَكُنْ مُسْتَحِقًّا لا لِلْوُجُودِ ولا لِلْعَدَمِ مِن ذاتِهِ، فَهَذِهِ الِاسْتِحْقاقِيَّةُ مُسْتَحَقَّةٌ لَهُ مِن ذاتِهِ، وأمّا الوُجُودُ فَوارِدٌ عَلَيْهِ مِنَ الخارِجِ فالوُجُودُ لَهُ كالثَّوْبِ المُسْتَعارِ لَهُ، وهو مِن حَيْثُ هو هو كالإنْسانِ الفَقِيرِ الَّذِي اسْتَعارَ ثَوْبًا مِن رَجُلٍ غَنِيٍّ، فَإنَّ الفَقِيرَ لا يَخْرُجُ بِسَبَبِ ذَلِكَ عَنْ كَوْنِهِ فَقِيرًا كَذا المُمْكِناتُ عارِيَةٌ عَنِ الوُجُودِ مِن حَيْثُ هي هي، وإنَّما الوُجُودُ ثَوْبٌ حَصَلَ لَها بِالعارِيَةِ فَصَحَّ أنَّها أبَدًا هالِكَةٌ مِن حَيْثُ هي هي، أمّا الَّذِينَ حَمَلُوهُ عَلى أنَّها سَتُعْدَمُ فَقَدِ احْتَجُّوا بِأنْ قالُوا: الهَلاكُ في اللُّغَةِ لَهُ مَعْنَيانِ. أحَدُهُما: خُرُوجُ الشَّيْءِ عَنْ أنْ يَكُونَ مُنْتَفَعًا بِهِ. والثّانِي: الفَناءُ والعَدَمُ؛ لا جائِزٌ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلى الأوَّلِ؛ لِأنَّ هَلاكَها بِمَعْنى خُرُوجِها عَنْ حَدِّ الِانْتِفاعِ مُحالٌ؛ لِأنَّها وإنْ تَفَرَّقَتْ أجْزاؤُها فَإنَّها مُنْتَفَعٌ بِها؛ لِأنَّ النَّفْعَ المَطْلُوبَ كَوْنُها بِحَيْثُ يُمْكِنُ أنْ يُسْتَدَلَّ بِها عَلى وُجُودِ الصّانِعِ القَدِيمِ، وهَذِهِ المَنفَعَةُ باقِيَةٌ سَواءٌ بَقِيَتْ مُتَفَرِّقَةً أوْ مُجْتَمِعَةٌ، وسَواءٌ بَقِيَتْ مَوْجُودَةً أوْ صارَتْ مَعْدُومَةً. وإذا تَعَذَّرَ حَمْلُ الهَلاكِ عَلى هَذا الوَجْهِ وجَبَ حَمْلُهُ عَلى الفَناءِ. أجابَ مَن حَمَلَ الهَلاكَ عَلى التَّفَرُّقِ قالَ: هَلاكُ الشَّيْءِ خُرُوجُهُ عَنِ المَنفَعَةِ الَّتِي يَكُونُ الشَّيْءُ مَطْلُوبًا لِأجْلِها، فَإذا ماتَ الإنْسانُ قِيلَ: هَلَكَ لِأنَّ الصِّفَةَ المَطْلُوبَةَ مِنهُ حَياتُهُ وعَقْلُهُ، وإذا تَمَزَّقَ الثَّوْبُ قِيلَ هَلَكَ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ مِنهُ صَلاحِيَتُهُ لِلُّبْسِ، فَإذا تَفَرَّقَتْ أجْزاءُ العالَمِ خَرَجَتِ السَّماواتُ والكَواكِبُ والجِبالُ والبِحارُ عَنْ صِفاتِها الَّتِي لِأجْلِها كانَتْ مُنْتَفَعًا بِها انْتِفاعًا خاصًّا، فَلا جَرَمَ صَحَّ إطْلاقُ اسْمِ الهالِكِ عَلَيْها فَأمّا صِحَّةُ الِاسْتِدْلالِ بِها عَلى الصّانِعِ سُبْحانَهُ فَهَذِهِ المَنفَعَةُ لَيْسَتْ مَنفَعَةً خاصَّةً بِالشَّمْسِ مِن حَيْثُ هي شَمْسٌ، والقَمَرِ مِن حَيْثُ هو قَمَرٌ، فَلَمْ يَلْزَمْ مِن بَقائِها أنْ لا يُطْلَقُ عَلَيْها اسْمُ الهالِكِ ثُمَّ احْتَجُّوا عَلى بَقاءِ أجْزاءِ العالَمِ بِقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ﴾ (إبْراهِيمَ: ٤٨ ) وهَذا صَرِيحٌ بِأنَّ تِلْكَ الأجْزاءَ باقِيَةٌ إلّا أنَّها صارَتْ مُتَّصِفَةً بِصِفَةٍ أُخْرى فَهَذا ما في هَذا المَوْضِعِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ أهْلُ التَّوْحِيدِ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى شَيْءٌ، قالُوا: لِأنَّهُ اسْتَثْنى مِن قَوْلِهِ: ﴿كُلُّ شَيْءٍ﴾ اسْتِثْناءً يُخْرِجُ ما لَوْلاهُ لَوَجَبَ أوْ لَصَحَّ دُخُولُهُ تَحْتَ اللَّفْظِ فَوَجَبَ كَوْنُهُ شَيْئًا، يُؤَكِّدُهُ ما ذَكَرْناهُ في سُورَةِ الأنْعامِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿قُلْ أيُّ شَيْءٍ أكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ﴾ (الأنْعامِ: ١٩ ) واحْتِجاجُهم عَلى أنَّهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ بِقَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (الشُّورى: ١١ ) والكافُ مَعْناهُ المِثْلُ فَتَقْدِيرُ الآيَةِ لَيْسَ مِثْلُ مِثْلِهِ شَيْءٌ، ومِثْلُ مِثْلِ اللَّهِ هو اللَّهُ فَوَجَبَ أنْ لا يَكُونَ اللَّهُ شَيْئًا، جَوابُهُ: أنَّ الكافَ صِلَةٌ زائِدَةٌ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اسْتَدَلَّتِ المُجَسِّمَةُ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى جِسْمٌ مِن وجْهَيْنِ. الأوَّلُ: قالُوا: الآيَةُ صَرِيحَةٌ في إثْباتِ الوَجْهِ وذَلِكَ يَقْتَضِي الجِسْمِيَّةَ. والثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ وكَلِمَةُ (إلى) لِانْتِهاءِ الغايَةِ وذَلِكَ لا يُعْقَلُ إلّا في الأجْسامِ، والجَوابُ: لَوْ صَحَّ هَذا الكَلامُ يَلْزَمُ أنْ يَفْنى جَمِيعُ أعْضائِهِ وأنْ لا يَبْقى مِنهُ صفحة ٢٢ إلّا الوَجْهُ، وقَدِ التَزَمَ ذَلِكَ بَعْضُ المُشَبِّهَةِ مِنَ الرّافِضَةِ. وهو بَيانُ بْنُ سَمْعانَ وذَلِكَ لا يَقُولُ بِهِ عاقِلٌ، ثُمَّ مِنَ النّاسِ مَن قالَ: الوَجْهُ هو الوُجُودُ والحَقِيقَةُ، يُقالُ: وجْهُ هَذا الأمْرِ كَذا أيْ حَقِيقَتُهُ، ومِنهم مَن قالَ: الوَجْهُ صِلَةٌ، والمُرادُ كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلّا هو، وأمّا كَلِمَةُ إلى فالمَعْنى وإلى مَوْضِعِ حُكْمِهِ وقَضائِهِ تُرْجَعُونَ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: اسْتَدَلَّتِ المُعْتَزِلَةُ بِهِ عَلى أنَّ الجَنَّةَ والنّارَ غَيْرُ مَخْلُوقَتَيْنِ، قالُوا: لِأنَّ الآيَةَ تَقْتَضِي فَناءَ الكُلِّ فَلَوْ كانَتا مَخْلُوقَتَيْنِ لَفَنِيَتا، وهَذا يُناقِضُ قَوْلَهُ تَعالى في صِفَةِ الجَنَّةِ: ﴿أُكُلُها دائِمٌ﴾ (الرَّعْدِ: ٣٥ ) والجَوابُ: هَذا مُعارَضٌ بِقَوْلِهِ تَعالى في صِفَةِ الجَنَّةِ: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (آلِ عِمْرانَ: ١٣٣ ) وفي صِفَةِ النّارِ ﴿وقُودُها النّاسُ والحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾ (البَقَرَةِ: ٢٤ ) ثُمَّ إمّا أنْ يُحْمَلَ قَوْلُهُ: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ﴾ عَلى الأكْثَرِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ (النَّمْلِ: ٢٣ ) أوْ يُحْمَلُ قَوْلُهُ: ﴿أُكُلُها دائِمٌ﴾ عَلى أنَّ زَمانَ فَنائِهِما لَمّا كانَ قَلِيلًا بِالنِّسْبَةِ إلى زَمانِ بَقائِهِما لا جَرَمَ أُطْلِقَ لَفْظُ الدَّوامِ عَلَيْهِ. المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ الذّاتَ ذاتٌ بِالفِعْلِ، لِأنَّهُ حَكَمَ بِالهَلاكِ عَلى الشَّيْءِ فَدَلَّ عَلى أنَّ الشَّيْءَ في كَوْنِهِ شَيْئًا قابِلٌ لِلْهَلاكِ، فَوَجَبَ أنْ لا يَكُونَ المَعْدُومُ شَيْئًا واللَّهُ أعْلَمُ. والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ.

العنكبوت 29:1

صفحة ٢٣ (سُورَةُ العَنْكَبُوتِ) مَكِّيَّةٌ، وقِيلَ مَدَنِيَّةٌ، وقِيلَ نَزَلَتْ مِن أوَّلِها إلى رَأْسِ عَشْرٍ بِمَكَّةَ وباقِيها بِالمَدِينَةِ أوْ نَزَلَ إلى آخِرِ العَشْرِ بِالمَدِينَةِ وباقِيها بِمَكَّةَ وبِالعَكْسِ، وهي سَبْعُونَ أوْ تِسْعٌ وسِتُّونَ آيَةً ﷽ ﴿الم﴾ ﴿أحَسِبَ النّاسُ أنْ يُتْرَكُوا أنْ يَقُولُوا آمَنّا وهم لا يُفْتَنُونَ﴾ ﷽ ﴿الم﴾ ﴿أحَسِبَ النّاسُ أنْ يُتْرَكُوا أنْ يَقُولُوا آمَنّا وهم لا يُفْتَنُونَ﴾ المَسْألَةُ الأُولى: في تَعَلُّقِ أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ بِما قَبْلَها وفِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: لَمّا قالَ اللَّهُ تَعالى قَبْلَ هَذِهِ السُّورَةِ: ﴿إنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ القُرْآنَ لَرادُّكَ إلى مَعادٍ﴾ وكانَ المُرادُ مِنهُ أنْ يَرُدَّهُ إلى مَكَّةَ ظاهِرًا غالِبًا عَلى الكُفّارِ ظافِرًا طالِبًا لِلثَّأْرِ، وكانَ فِيهِ احْتِمالُ مَشاقِّ القِتالِ صَعُبَ عَلى البَعْضِ ذَلِكَ فَقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿الم﴾ ﴿أحَسِبَ النّاسُ أنْ يُتْرَكُوا أنْ يَقُولُوا آمَنّا﴾ ولا يُؤْمَرُوا بِالجِهادِ. الوَجْهُ الثّانِي: هو أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ في أواخِرِ السُّورَةِ المُتَقَدِّمَةِ ﴿وادْعُ إلى رَبِّكَ﴾ وكانَ في الدُّعاءِ إلَيْهِ الطِّعانُ والحِرابُ والضِّرابُ؛ لِأنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلامُ وأصْحابَهُ كانُوا مَأْمُورِينَ بِالجِهادِ إنْ لَمْ يُؤْمِنِ الكُفّارُ بِمُجَرَّدِ الدُّعاءِ فَشَقَّ عَلى البَعْضِ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿أحَسِبَ النّاسُ أنْ يُتْرَكُوا﴾ . الوَجْهُ الثّالِثُ: هو أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ في آخِرِ السُّورَةِ المُتَقَدِّمَةِ ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلّا وجْهَهُ﴾ ذَكَرَ بَعْدَهُ ما يُبْطِلُ قَوْلَ المُنْكِرِينَ لِلْحَشْرِ فَقالَ: ﴿لَهُ الحُكْمُ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ يَعْنِي لَيْسَ كُلُّ شَيْءٍ هالِكًا مِن غَيْرِ رُجُوعٍ بَلْ كُلُّ هالِكٍ ولَهُ رُجُوعٌ إلى اللَّهِ. إذا تَبَيَّنَ هَذا، فاعْلَمْ أنَّ مُنْكِرِي الحَشْرِ يَقُولُونَ: لا فائِدَةَ في التَّكالِيفِ فَإنَّها مَشاقُّ في الحالِ ولا فائِدَةَ لَها في المَآلِ؛ إذْ لا مَآلَ ولا مَرْجِعَ بَعْدَ الهَلاكِ والزَّوالِ، فَلا فائِدَةَ فِيها. فَلَمّا بَيَّنَ اللَّهُ أنَّهم إلَيْهِ يُرْجَعُونَ بَيَّنَ أنَّ الأمْرَ لَيْسَ عَلى ما حَسِبُوهُ، بَلْ حَسُنَ التَّكْلِيفُ لِيُثِيبَ الشَّكُورَ ويُعَذِّبَ الكَفُورَ، فَقالَ: ﴿أحَسِبَ النّاسُ أنْ يُتْرَكُوا﴾ غَيْرَ مُكَلَّفِينَ مِن غَيْرِ عَمَلٍ يَرْجِعُونَ بِهِ إلى رَبِّهِمْ. صفحة ٢٤ المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في حِكْمَةِ افْتِتاحِ هَذِهِ السُّورَةِ بِحُرُوفٍ مِنَ التَّهَجِّي، ولْنُقَدِّمْ عَلَيْهِ كَلامًا كُلِّيًّا في افْتِتاحِ السُّوَرِ بِالحُرُوفِ فَنَقُولُ: الحَكِيمُ إذا خاطَبَ مَن يَكُونُ مَحَلَّ الغَفْلَةِ أوْ مَن يَكُونُ مَشْغُولَ البالِ بِشُغْلٍ مِنَ الأشْغالِ يُقَدِّمُ عَلى الكَلامِ المَقْصُودِ شَيْئًا غَيْرَهُ لِيَلْتَفِتَ المُخاطَبُ بِسَبَبِهِ إلَيْهِ ويُقْبِلَ بِقَلْبِهِ عَلَيْهِ، ثُمَّ يَشْرَعُ في المَقْصُودِ. إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: ذَلِكَ المُقَدَّمُ عَلى المَقْصُودِ قَدْ يَكُونُ كَلامًا لَهُ مَعْنًى مَفْهُومٌ، كَقَوْلِ القائِلِ اسْمَعْ، واجْعَلْ بالَكَ إلَيَّ، وكُنْ لِي، وقَدْ يَكُونُ شَيْئًا هو في مَعْنى الكَلامِ المَفْهُومِ كَقَوْلِ القائِلِ: أزَيْدُ ويا زَيْدُ ألا يا زَيْدُ، وقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ المُقَدَّمُ عَلى المَقْصُودِ صَوْتًا غَيْرَ مَفْهُومٍ كَمَن يُصَفِّرُ خَلْفَ إنْسانٍ لِيَلْتَفِتَ إلَيْهِ، وقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ الصَّوْتُ بِغَيْرِ الفَمِ كَما يُصَفِّقُ الإنْسانُ بِيَدَيْهِ لِيُقْبِلَ السّامِعُ عَلَيْهِ. ثُمَّ إنَّ مَوْقِعَ الغَفْلَةِ كُلَّما كانَ أتَمَّ والكَلامَ المَقْصُودَ كانَ أهَمَّ، كانَ المُقَدَّمُ عَلى المَقْصُودِ أكْثَرَ. ولِهَذا يُنادى القَرِيبُ بِالهَمْزَةِ فَيُقالُ أزَيْدُ، والبَعِيدُ بِيا فَيُقالُ: يا زَيْدُ، والغافِلُ يُنَبَّهُ أوَّلًا فَيُقالُ: ألا يا زَيْدُ. إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- وإنْ كانَ يَقْظانَ الجَنانِ لَكِنَّهُ إنْسانٌ يَشْغَلُهُ شَأْنٌ عَنْ شَأْنٍ، فَكانَ يَحْسُنُ مِنَ الحَكِيمِ أنْ يُقَدِّمَ عَلى الكَلامِ المَقْصُودِ حُرُوفًا هي كالمُنَبِّهاتِ، ثُمَّ إنَّ تِلْكَ الحُرُوفَ إذا لَمْ تَكُنْ بِحَيْثُ يُفْهَمُ مَعْناها تَكُونُ أتَمَّ في إفادَةِ المَقْصُودِ الَّذِي هو التَّنْبِيهُ مِن تَقْدِيمِ الحُرُوفِ الَّتِي لَها مَعْنًى؛ لِأنَّ تَقْدِيمَ الحُرُوفِ إذا كانَ لِإقْبالِ السّامِعِ عَلى المُتَكَلِّمِ لِسَماعِ ما بَعْدَ ذَلِكَ فَإذا كانَ ذَلِكَ المُقَدَّمُ كَلامًا مَنظُومًا وقَوْلًا مَفْهُومًا فَإذا سَمِعَهُ السّامِعُ رُبَّما يَظُنُّ أنَّهُ كُلُّ المَقْصُودِ ولا كَلامَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَيَقْطَعُ الِالتِفاتَ عَنْهُ. أمّا إذا سَمِعَ مِنهُ صَوْتًا بِلا مَعْنًى يُقْبِلُ عَلَيْهِ ولا يَقْطَعُ نَظَرَهُ عَنْهُ ما لَمْ يَسْمَعْ غَيْرَهُ لِجَزْمِهِ بِأنَّ ما سَمِعَهُ لَيْسَ هو المَقْصُودَ، فَإذَنْ تَقْدِيمُ الحُرُوفِ الَّتِي لا مَعْنى لَها في الوَضْعِ عَلى الكَلامِ المَقْصُودِ فِيهِ حِكْمَةٌ بالِغَةٌ، فَإنْ قالَ قائِلٌ فَما الحِكْمَةُ في اخْتِصاصِ بَعْضِ السُّوَرِ بِهَذِهِ الحُرُوفِ ؟ فَنَقُولُ: عَقْلُ البَشَرِ عَنْ إدْراكِ الأشْياءِ الجُزْئِيَّةِ عَلى تَفاصِيلِها عاجِزٌ، واللَّهُ أعْلَمُ بِجَمِيعِ الأشْياءِ، لَكِنْ نَذْكُرُ ما يُوَفِّقُنا اللَّهُ لَهُ فَنَقُولُ: كُلُّ سُورَةٍ في أوائِلَها حُرُوفُ التَّهَجِّي فَإنَّ في أوائِلَها ذِكْرُ الكِتابِ أوِ التَّنْزِيلِ أوِ القُرْآنِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الم﴾ ﴿ذَلِكَ الكِتابُ﴾ (البَقَرَةِ: ١ ) ﴿الم﴾ ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو الحَيُّ القَيُّومُ﴾ ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الكِتابَ﴾ (آلِ عِمْرانَ: ١)، ﴿المص﴾ ﴿كِتابٌ أُنْزِلَ إلَيْكَ﴾ (الأعْرافِ: ١)، ﴿يس﴾ ﴿والقُرْآنِ﴾ (يس: ١ )، ﴿ص والقُرْآنِ﴾ (ص: ١)، ﴿ق والقُرْآنِ﴾ (ق: ١ )، ﴿الم﴾ ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ﴾ (السَّجْدَةِ: ١)، ﴿حم﴾ ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ﴾ (الجاثِيَةِ: ١) إلّا ثَلاثَ سُوَرٍ ﴿كهيعص﴾ (مَرْيَمَ: ١ )، ﴿الم﴾ ﴿أحَسِبَ النّاسُ﴾ (العَنْكَبُوتِ: ١)، ﴿الم﴾ ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ (الرُّومِ: ١ ) والحِكْمَةُ في افْتِتاحِ السُّوَرِ الَّتِي فِيها القُرْآنُ أوِ التَّنْزِيلُ أوِ الكِتابُ بِالحُرُوفِ هي أنَّ القُرْآنَ عَظِيمٌ، والإنْزالَ لَهُ ثِقَلٌ، والكِتابَ لَهُ عِبْءٌ كَما قالَ تَعالى: ﴿إنّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ (المُزَّمِّلِ: ٥) وكُلُّ سُورَةٍ في أوَّلِها ذِكْرُ القُرْآنِ والكِتابِ والتَّنْزِيلِ قُدِّمَ عَلَيْها مُنَبِّهٌ يُوجِبُ ثَباتَ المُخاطَبِ لِاسْتِماعِهِ، لا يُقالُ كُلُّ سُورَةٍ قُرْآنٌ، واسْتِماعُهُ اسْتِماعُ القُرْآنِ، سَواءٌ كانَ فِيها ذِكْرُ القُرْآنِ لَفْظًا أوْ لَمْ يَكُنْ، فَكانَ الواجِبُ أنْ يَكُونَ في أوائِلِ كُلِّ سُورَةٍ مُنَبِّهٌ، وأيْضًا فَقَدْ ورَدَتْ سُورَةٌ فِيها ذِكْرُ الإنْزالِ والكِتابِ ولَمْ يُذْكَرْ قَبْلَها حُرُوفٌ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الكِتابَ﴾ (الكَهْفِ: ١ ) وقَوْلِهِ: ﴿سُورَةٌ أنْزَلْناها﴾ (النُّورِ: ١ ) وقَوْلِهِ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقانَ﴾ (الفَرْقانِ: ١ ) وقَوْلِهِ: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ﴾ (القَدْرِ: ١ ) لِأنّا نَقُولُ جَوابًا عَنِ الأوَّلِ: لا رَيْبَ في أنَّ كُلَّ سُورَةٍ مِنَ القُرْآنِ؛ لَكِنَّ السُّورَةَ الَّتِي فِيها ذِكْرُ القُرْآنِ والكِتابِ مَعَ أنَّها مِنَ القُرْآنِ تُنَبِّهُ عَلى كُلِّ القُرْآنِ؛ فَإنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿طه﴾ ﴿ما أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ﴾ (طه: ١) مَعَ أنَّها بَعْضُ القُرْآنِ فِيها ذِكْرُ جَمِيعِ القُرْآنِ فَيَصِيرُ مِثالُهُ مِثالَ كِتابٍ يَرِدُ مِن مَلِكٍ عَلى مَمْلُوكِهِ فِيهِ شُغْلٌ ما، وكِتابٍ آخَرَ يَرِدُ مِنهُ عَلَيْهِ فِيهِ: إنّا كَتَبْنا إلَيْكَ كِتابًا فِيهِ أوامِرُنا فامْتَثِلْها، لا شَكَّ صفحة ٢٥ أنَّ عِبْءَ الكِتابِ الآخَرِ أكْثَرُ مِن ثِقَلِ الأوَّلِ وعَنِ الثّانِي أنَّ قَوْلَهُ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ و﴿تَبارَكَ الَّذِي﴾ تَسْبِيحاتٌ مَقْصُودَةٌ، وتَسْبِيحُ اللَّهِ لا يَغْفُلُ عَنْهُ العَبْدُ فَلا يَحْتاجُ إلى مُنَبِّهٍ بِخِلافِ الأوامِرِ والنَّواهِي، وأمّا ذِكْرُ الكِتابِ فِيها فَلِبَيانِ وصْفِ عَظَمَةِ مَن لَهُ التَّسْبِيحُ ﴿سُورَةٌ أنْزَلْناها﴾ قَدْ بَيَّنّا أنَّها مِنَ القُرْآنِ فِيها ذِكْرُ إنْزالِها، وفي السُّورَةِ الَّتِي ذَكَرْناها ذِكْرُ جَمِيعِ القُرْآنِ فَهو أعْظَمُ في النَّفْسِ وأثْقَلُ. * * * وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ﴾ (القَدْرِ: ١) فَنَقُولُ: هَذا لَيْسَ وارِدًا عَلى مَشْغُولِ القَلْبِ بِشَيْءٍ غَيْرِهِ بِدَلِيلِ أنَّهُ ذَكَرَ الكِنايَةَ فِيها، وهي تَرْجِعُ إلى مَذْكُورٍ سابِقٍ أوْ مَعْلُومٍ، وقَوْلُهُ: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ﴾ الهاءُ راجِعٌ إلى مَعْلُومٍ عِنْدَ النَّبِيِّ -ﷺ- فَكانَ مُتَنَبِّهًا لَهُ فَلَمْ يُنَبَّهْ. واعْلَمْ أنَّ التَّنْبِيهَ قَدْ حَصَلَ في القُرْآنِ بِغَيْرِ الحُرُوفِ الَّتِي لا يُفْهَمُ مَعْناها كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكم إنَّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ (الحَجِّ: ١ ) وقَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾ (الأحْزابِ: ١)، ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ﴾ (التَّحْرِيمِ: ١ ) لِأنَّها أشْياءُ هائِلَةٌ عَظِيمَةٌ، فَإنَّ تَقْوى اللَّهِ حَقَّ تُقاتِهِ أمْرٌ عَظِيمٌ فَقُدِّمَ عَلَيْها النِّداءُ الَّذِي يَكُونُ لِلْبَعِيدِ الغافِلِ عَنْها تَنْبِيهًا، وأمّا هَذِهِ السُّورَةُ افْتُتِحَتْ بِالحُرُوفِ ولَيْسَ فِيها الِابْتِداءُ بِالكِتابِ والقُرْآنِ، وذَلِكَ لِأنَّ القُرْآنَ ثِقَلُهُ وعِبْئُهُ بِما فِيهِ مِنَ التَّكالِيفِ والمَعانِي، وهَذِهِ السُّورَةُ فِيها ذِكْرُ جَمِيعِ التَّكالِيفِ حَيْثُ قالَ: ﴿أحَسِبَ النّاسُ أنْ يُتْرَكُوا أنْ يَقُولُوا آمَنّا﴾ يَعْنِي لا يُتْرَكُونَ بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ بَلْ يُؤْمَرُونَ بِأنْواعٍ مِنَ التَّكالِيفِ فَوُجِدَ المَعْنى الَّذِي في السُّوَرِ الَّتِي فِيها ذِكْرُ القُرْآنِ المُشْتَمِلِ عَلى الأوامِرِ والنَّواهِي، فَإنْ قِيلَ: مِثْلُ هَذا الكَلامِ وفي مَعْناهُ ورَدَ في سُورَةِ التَّوْبَةِ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تُتْرَكُوا ولَمّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنكُمْ﴾ (التَّوْبَةِ: ١٦ ) ولَمْ يُقَدَّمْ عَلَيْهِ حُرُوفُ التَّهَجِّي فَنَقُولُ: الجَوابُ عَنْهُ في غايَةِ الظُّهُورِ، وهو أنَّ هَذا ابْتِداءُ كَلامٍ، ولِهَذا وقَعَ الِاسْتِفْهامُ بِالهَمْزَةِ فَقالَ ﴿أحَسِبَ﴾ وذَلِكَ وسَطُ كَلامٍ بِدَلِيلِ وُقُوعِ الِاسْتِفْهامِ بِأمْ، والتَّنْبِيهُ يَكُونُ في أوَّلِ الكَلامِ لا في أثْنائِهِ، وأمّا ﴿الم﴾ ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ (الرُّومِ: ١ - ٢) فَسَيَجِيءُ في مَوْضِعِهِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، هَذا تَمامُ الكَلامِ في الحُرُوفِ.

العنكبوت 29:2

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في إعْرابِ ﴿الم﴾ وقَدْ ذُكِرَ تَمامُ ذَلِكَ في سُورَةِ البَقَرَةِ مَعَ الوُجُوهِ المَنقُولَةِ في تَفْسِيرِهِ ونَزِيدُ هَهُنا عَلى ما ذَكَرْناهُ أنَّ الحُرُوفَ لا إعْرابَ لَها؛ لِأنَّها جارِيَةٌ مَجْرى الأصْواتِ المُنَبِّهَةِ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآياتِ وفِيهِ أقْوالٌ: الأوَّلُ: أنَّها نَزَلَتْ في عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ، وعَيّاشِ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ، والوَلِيدِ بْنِ الوَلِيدِ، وسَلَمَةَ بْنِ هِشامٍ وكانُوا يُعَذَّبُونَ بِمَكَّةَ. الثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في أقْوامٍ بِمَكَّةَ هاجَرُوا وتَبِعَهُمُ الكُفّارُ فاسْتُشْهِدَ بَعْضُهم ونَجا الباقُونَ. الثّالِثُ: أنَّها نَزَلَتْ في مَهْجِعِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ. المَسْألَةُ الخامِسَةُ: في التَّفْسِيرِ، قَوْلُهُ: ﴿أحَسِبَ النّاسُ أنْ يُتْرَكُوا﴾ يَعْنِي أظَنُّوا أنَّهم يُتْرَكُونَ بِمُجَرَّدِ قَوْلِهِمْ ﴿آمَنّا وهم لا يُفْتَنُونَ﴾ لا يُبْتَلَوْنَ بِالفَرائِضِ البَدَنِيَّةِ والمالِيَّةِ، واخْتَلَفَ أئِمَّةُ النَّحْوِ في قَوْلِهِ: ﴿أنْ يَقُولُوا﴾ فَقالَ بَعْضُهم: أنْ يُتْرَكُوا بِأنْ يَقُولُوا، وقالَ بَعْضُهم: أنْ يُتْرَكُوا يَقُولُونَ آمَنّا، ومُقْتَضى ظاهِرِ هَذا أنَّهم يُمْنَعُونَ مِن قَوْلِهِمْ آمَنّا، كَما يُفْهَمُ مِن قَوْلِ القائِلِ تَظُنُّ أنَّكَ تُتْرَكُ أنْ تَضْرِبَ زَيْدًا أيْ تُمْنَعُ مِن ذَلِكَ، وهَذا بَعِيدٌ فَإنَّ اللَّهَ لا يَمْنَعُ أحَدًا مِن أنْ يَقُولَ آمَنتُ، ولَكِنْ مُرادُ هَذا المُفَسِّرِ هو أنَّهم لا يُتْرَكُونَ يَقُولُونَ آمَنّا مِن غَيْرِ ابْتِلاءٍ فَيُمْنَعُونَ مِن هَذا المَجْمُوعِ بِإيجابِ الفَرائِضِ عَلَيْهِمْ. المَسْألَةُ السّادِسَةُ: في الفَوائِدِ المَعْنَوِيَّةِ، وهي أنَّ المَقْصُودَ الأقْصى مِنَ الخَلْقِ العِبادَةُ، والمَقْصِدُ الأعْلى صفحة ٢٦ فِي العِبادَةِ حُصُولُ مَحَبَّةِ اللَّهِ كَما ورَدَ في الخَبَرِ ”لا يَزالُ العَبْدُ يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بِالعِبادَةِ حَتّى أُحِبَّهُ“ وكُلُّ مَن كانَ قَلْبُهُ أشَدَّ امْتَلَأ مِن مَحَبَّةِ اللَّهِ فَهو أعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ، لَكِنْ لِلْقَلْبِ تُرْجُمانٌ وهو اللِّسانُ، ولِلِّسانِ مُصَدِّقاتٌ هي الأعْضاءُ، ولِهَذِهِ المُصَدِّقاتِ مُزَكِّياتٌ، فَإذا قالَ الإنْسانُ آمَنتُ بِاللِّسانِ فَقَدِ ادَّعى مَحَبَّةَ اللَّهِ في الجَنانِ، فَلا بُدَّ لَهُ مِن شُهُودٍ، فَإذا اسْتَعْمَلَ الأرْكانَ في الإتْيانِ بِما عَلَيْهِ بُنْيانُ الإيمانِ حَصَلَ لَهُ عَلى دَعْواهُ شُهُودٌ مُصَدِّقاتٌ، فَإذا بَذَلَ في سَبِيلِ اللَّهِ نَفْسَهُ ومالَهُ، وزَكّى بِتَرْكِ ما سِواهُ أعْمالَهُ، زَكّى شُهُودَهُ الَّذِينَ صَدَّقُوهُ فِيما قالَهُ، فَيُحَرِّرُ في جَرائِدِ المُحِبِّينَ اسْمَهُ، ويُقَرِّرُ في أقْسامِ المُقَرَّبِينَ قَسْمَهُ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿أحَسِبَ النّاسُ أنْ يُتْرَكُوا أنْ يَقُولُوا آمَنّا﴾ يَعْنِي: أظَنُّوا أنْ تُقْبَلَ مِنهم دَعْواهم بِلا شُهُودٍ، وشُهُودُهم بِلا مُزَكِّينَ، بَلْ لا بُدَّ مِن ذَلِكَ جَمِيعِهِ لِيَكُونُوا مِنَ المُحِبِّينَ. فائِدَةٌ ثانِيَةٌ: وهي أنَّ أدْنى دَرَجاتِ العَبْدِ أنْ يَكُونَ مُسْلِمًا، فَإنَّ ما دُونَهُ دَرَكاتُ الكُفْرِ، فالإسْلامُ أوَّلُ دَرَجَةٍ تَحْصُلُ لِلْعَبْدِ فَإذا حَصَلَ لَهُ هَذِهِ المَرْتَبَةُ كُتِبَ اسْمُهُ وأُثْبِتَ قَسْمُهُ، لَكِنَّ المُسْتَخْدَمِينَ عِنْدَ المُلُوكِ عَلى أقْسامٍ مِنهم مَن يَكُونُ ناهِضًا في شُغْلِهِ ماضِيًا في فِعْلِهِ، فَيُنْقَلُ مِن خِدْمَةٍ إلى خِدْمَةٍ أعْلى مِنها مَرْتَبَةً، ومِنهم مَن يَكُونُ كَسْلانًا مُتَخَلِّفًا فَيُنْقَلُ مِن خِدْمَةٍ إلى خِدْمَةٍ أدْنى مِنها، ومِنهم مَن يُتْرَكُ عَلى شَغْلِهِ مِن غَيْرِ تَغْيِيرٍ، ومِنهم مَن يُقْطَعُ رَسْمُهُ ويُمْحى مِنَ الجَرائِدِ اسْمُهُ، فَكَذَلِكَ عِبادُ اللَّهِ قَدْ يَكُونُ المُسْلِمُ عابِدًا مُقْبِلًا عَلى العِبادَةِ مَقْبُولًا لِلسَّعادَةِ فَيُنْقَلُ مِن مَرْتَبَةِ المُؤْمِنِينَ إلى دَرَجَةِ المُوقِنِينَ، وهي دَرَجَةُ المُقَرَّبِينَ، ومِنهم مَن يَكُونُ قَلِيلَ الطّاعَةِ مُشْتَغِلًا بِالخَلاعَةِ، فَيُنْقَلُ إلى مَرْتَبَةٍ دُونَهُ وهي مَرْتَبَةُ العُصاةِ ومَنزِلَةُ القُساةِ، وقَدْ يَسْتَصْغِرُ العُيُوبَ ويَسْتَكْثِرُ الذُّنُوبَ فَيَخْرُجُ مِنَ العِبادَةِ مَحْرُومًا ويَلْحَقُ بِأهْلِ العِنادِ مَرْجُومًا، ومِنهم مَن يَبْقى في أوَّلِ دَرَجَةِ الجَنَّةِ وهُمُ البُلْهُ، فَقالَ اللَّهُ بِشارَةً لِلْمُطِيعِ النّاهِضِ ﴿أحَسِبَ النّاسُ أنْ يُتْرَكُوا﴾ يَعْنِي أظَنُّوا أنَّهم يُتْرَكُونَ في أوَّلِ المَقاماتِ لا، بَلْ يُنْقَلُونَ إلى أعْلى الدَّرَجاتِ كَما قالَ تَعالى: ﴿والَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ دَرَجاتٍ﴾ (المُجادَلَةِ: ١١ )، ﴿فَضَّلَ اللَّهُ المُجاهِدِينَ بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ عَلى القاعِدِينَ دَرَجَةً﴾ (النِّساءِ: ٩٥ ) . وقالَ بِضِدِّهِ لِلْكَسْلانِ ﴿أحَسِبَ النّاسُ أنْ يُتْرَكُوا أنْ يَقُولُوا آمَنّا﴾ يَعْنِي إذا قالَ آمَنتُ ويَتَخَلَّفُ بِالعِصْيانِ يُتْرَكُ ويُرْضى مِنهُ، لا بَلْ يُنْقَلُ إلى مَقامٍ أدْنى وهو مَقامُ العاصِي أوِ الكافِرِ.

العنكبوت 29:3

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَقَدْ فَتَنّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا ولَيَعْلَمَنَّ الكاذِبِينَ﴾ ذَكَرَ اللَّهُ ما يُوجِبُ تَسْلِيَتَهم فَقالَ: كَذَلِكَ فَعَلَ اللَّهُ بِمَن قَبْلَكم ولَمْ يَتْرُكْهم بِمُجَرَّدِ قَوْلِهِمْ (آمَنّا) بَلْ فَرَضَ عَلَيْهِمُ الطّاعاتِ وأوْجَبَ عَلَيْهِمْ، وفي قَوْلِهِ: ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: قَوْلُ مُقاتِلٍ فَلَيَرَيَنَّ اللَّهُ. الثّانِي: فَلَيُظْهِرَنَّ اللَّهُ. الثّالِثُ: فَلَيُمَيِّزَنَّ اللَّهُ، فالحاصِلُ عَلى هَذا هو أنَّ المُفَسِّرِينَ ظَنُّوا أنَّ حَمْلَ الآيَةِ عَلى ظاهِرِها يُوجِبُ تَجَدُّدَ عِلْمِ اللَّهِ، واللَّهُ عالِمٌ بِالصّادِقِ والكاذِبِ قَبْلَ الِامْتِحانِ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ بِعِلْمِهِ عِنْدَ الِامْتِحانِ فَنَقُولُ: الآيَةُ مَحْمُولَةٌ عَلى ظاهِرِها، وذَلِكَ أنَّ عِلْمَ اللَّهِ صِفَةٌ يَظْهَرُ فِيها كُلُّ ما هو واقِعٌ كَما هو واقِعٌ، فَقَبْلَ التَّكْلِيفِ كانَ اللَّهُ يَعْلَمُ أنَّ زَيْدًا مَثَلًا سَيُطِيعُ وعَمْرًا سَيَعْصِي، ثُمَّ وقْتَ التَّكْلِيفِ والإتْيانِ يَعْلَمُ أنَّهُ مُطِيعٌ، والآخَرَ عاصٍ وبَعْدَ الإتْيانِ يَعْلَمُ أنَّهُ أطاعَ، والآخَرَ عَصى ولا يَتَغَيَّرُ عِلْمُهُ في شَيْءٍ مِنَ الأحْوالِ، وإنَّما صفحة ٢٧ المُتَغَيِّرُ المَعْلُومُ، ونُبَيِّنُ هَذا بِمِثالٍ مِنَ الحِسِّيّاتِ ولِلَّهِ المَثَلُ الأعْلى، وهو أنَّ المِرْآةَ الصّافِيَةَ الصَّقِيلَةَ إذا عُلِّقَتْ مِن مَوْضِعٍ، وقُوبِلَ بِوَجْهِها جِهَةٌ ولَمْ تُحَرَّكْ ثُمَّ عَبَرَ عَلَيْها زَيْدٌ لابِسًا ثَوْبًا أبْيَضَ ظَهَرَ فِيها زَيْدٌ في ثَوْبٍ أبْيَضَ، وإذا عَبَرَ عَلَيْها عَمْرٌو في لِباسٍ أصْفَرَ يَظْهَرُ فِيها كَذَلِكَ فَهَلْ يَقَعُ في ذِهْنِ أحَدٍ أنَّ المِرْآةَ في كَوْنِها حَدِيدًا تَغَيَّرَتْ، أوْ يَقَعُ لَهُ أنَّها في تَدْوِيرِها تَبَدَّلَتْ، أوْ يَذْهَبُ فَهْمُهُ إلى أنَّها في صِقالَتِها اخْتَلَفَتْ أوْ يَخْطُرُ بِبالِهِ أنَّها عَنْ سُكّانِها انْتَقَلَتْ، لا يَقَعُ لِأحَدٍ شَيْءٌ مِن هَذِهِ الأشْياءِ ويَقْطَعُ بِأنَّ المُتَغَيِّرَ الخارِجاتُ فافْهَمْ. عِلْمُ اللَّهِ مِن هَذا المِثالِ بَلْ أعْلى مِن هَذا المِثالِ، فَإنَّ المِرْآةَ مُمْكِنَةُ التَّغَيُّرِ وعِلْمُ اللَّهِ غَيْرُ مُمْكِنٍ عَلَيْهِ ذَلِكَ فَقَوْلُهُ: ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ يَعْنِي يَقَعُ مِمَّنْ يَعْلَمُ اللَّهُ أنْ يُطِيعَ الطّاعَةَ فَيَعْلَمُ أنَّهُ مُطِيعٌ بِذَلِكَ العِلْمِ ﴿ولَيَعْلَمَنَّ الكاذِبِينَ﴾ يَعْنِي مَن قالَ أنا مُؤْمِنٌ وكانَ صادِقًا عِنْدَ فَرْضِ العِباداتِ يَظْهَرُ مِنهُ ذَلِكَ ويُعْلَمُ، ومَن قالَ ذَلِكَ وكانَ مُنافِقًا كَذَلِكَ يَبِينُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ بِصِيغَةِ الفِعْلِ وقَوْلِهِ ﴿الكاذِبِينَ﴾ بِاسْمِ الفاعِلِ فائِدَةٌ مَعَ أنَّ الِاخْتِلافَ في اللَّفْظِ أدَلُّ عَلى الفَصاحَةِ، وهي أنَّ اسْمَ الفاعِلِ يَدُلُّ في كَثِيرٍ مِنَ المَواضِعِ عَلى ثُبُوتِ المَصْدَرِ في الفاعِلِ ورُسُوخِهِ فِيهِ، والفِعْلُ الماضِي لا يَدُلُّ عَلَيْهِ كَما يُقالُ فُلانٌ شَرِبَ الخَمْرَ وفُلانٌ شارِبُ الخَمْرِ، وفُلانٌ نَفَذَ أمْرُهُ، وفُلانٌ نافِذُ الأمْرِ، فَإنَّهُ لا يُفْهَمُ مِن صِيغَةِ الفِعْلِ التَّكْرارُ والرُّسُوخُ، ومِنَ اسْمِ الفاعِلِ يُفْهَمُ ذَلِكَ إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: وقْتَ نُزُولِ الآيَةِ كانَتِ الحِكايَةُ عَنْ قَوْمٍ قَرِيبِي العَهْدِ بِالإسْلامِ في أوائِلِ إيجابِ التَّكالِيفِ وعَنْ قَوْمٍ مُسْتَدِيمِينَ لِلْكُفْرِ مُسْتَمِرِّينَ عَلَيْهِ فَقالَ في حَقِّ المُؤْمِنِينَ: ﴿الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ بِصِيغَةِ الفِعْلِ أيْ وُجِدَ مِنهُمُ الصِّدْقُ وقالَ في حَقِّ الكافِرِ ﴿الكاذِبِينَ﴾ بِالصِّيغَةِ المُنْبِئَةِ عَنِ الثَّباتِ والدَّوامِ ولِهَذا قالَ: ﴿يَوْمُ يَنْفَعُ الصّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ (المائِدَةِ: ١١٩ ) بِلَفْظِ اسْمِ الفاعِلِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ في اليَوْمِ المَذْكُورِ الصِّدْقُ قَدْ يَرْسَخُ في قَلْبِ المُؤْمِنِ وهو اليَوْمُ الآخِرُ ولا كَذَلِكَ في أوائِلِ الإسْلامِ.

العنكبوت 29:4

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أنْ يَسْبِقُونا ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ . لَمّا بَيَّنَ حُسْنَ التَّكْلِيفِ بِقَوْلِهِ: ﴿أحَسِبَ النّاسُ أنْ يُتْرَكُوا﴾ بَيَّنَ أنَّ مَن كُلِّفَ بِشَيْءٍ ولَمْ يَأْتِ بِهِ يُعَذَّبُ وإنْ لَمْ يُعَذَّبْ في الحالِ فَسَيُعَذَّبُ في الِاسْتِقْبالِ ولا يَفُوتُ اللَّهَ شَيْءٌ في الحالِ ولا في المَآلِ، وهَذا إبْطالُ مَذْهَبِ مَن يَقُولُ: التَّكالِيفُ إرْشاداتٌ والإيعادُ عَلَيْهِ تَرْغِيبٌ وتَرْهِيبٌ، ولا يُوجَدُ مِنَ اللَّهِ تَعْذِيبٌ، ولَوْ كانَ يُعَذِّبُ ما كانَ عاجِزًا عَنِ العَذابِ عاجِلًا؛ فَلَمّا كانَ يُؤَخِّرُ العِقابَ فَقالَ تَعالى: ﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أنْ يَسْبِقُونا﴾ يَعْنِي لَيْسَ كَما قالُوا؛ بَلْ يُعَذِّبُ مَن يُعَذِّبُ ويُثِيبُ مَن يُثِيبُ بِحُكْمِ الوَعْدِ والإيعادِ، واللَّهُ لا يُخْلِفُ المِيعادَ، وأمّا الإمْهالُ فَلا يُفْضِي إلى الإهْمالِ، والتَّعْجِيلُ في جَزاءِ الأعْمالِ شُغْلُ مَن يَخافُ الفَوْتَ لَوْلا الِاسْتِعْجالُ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ يَعْنِي حُكْمَهم بِأنَّهم يَعْصُونَ ويُخالِفُونَ أمْرَ اللَّهِ ولا يُعاقَبُونَ حُكْمٌ سَيِّئٌ؛ فَإنَّ الحُكْمَ الحَسَنَ لا يَكُونُ إلّا حُكْمَ العَقْلِ أوْ حُكْمَ الشَّرْعِ، والعَقْلُ لا يَحْكُمُ عَلى اللَّهِ بِذَلِكَ فَإنَّ اللَّهَ لَهُ أنْ يَفْعَلَ ما يُرِيدُ والشَّرْعُ حُكْمُهُ بِخِلافِ ما قالُوهُ، فَحُكْمُهم حُكْمٌ في غايَةِ السُّوءِ والرَّداءَةِ. * * * صفحة ٢٨ ثُمَّ قالَ: ﴿مَن كانَ يَرْجُو لِقاءَ اللَّهِ فَإنَّ أجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وهو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ . لَمّا بَيَّنَ بِقَوْلِهِ: أحَسِبَ النّاسُ أنَّ العَبْدَ لا يُتْرَكُ في الدُّنْيا سُدًى، وبَيَّنَ في قَوْلِهِ: ﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ﴾ أنَّ مَن تَرَكَ ما كُلِّفَ بِهِ يُعَذَّبُ كَذا، بَيَّنَ أنَّ مَن يَعْتَرِفُ بِالآخِرَةِ ويَعْمَلُ لَها لا يَضِيعُ عَمَلُهُ ولا يَخِيبُ أمَلُهُ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: أنّا ذَكَرْنا في مَواضِعَ أنَّ الأُصُولَ الثَّلاثَةَ وهي: الأوَّلُ وهو اللَّهُ تَعالى ووَحْدانِيَّتُهُ، والأصْلُ الآخَرُ وهو اليَوْمُ الآخِرُ، والأصْلُ المُتَوَسِّطُ وهو النَّبِيُّ المُرْسَلُ مِنَ الأوَّلِ المُوَصِّلُ إلّا الآخِرِ لا يَكادُ يَنْفَصِلُ في الذِّكْرِ الإلَهِيِّ بَعْضُها عَنْ بَعْضٍ، فَقَوْلُهُ: ﴿أحَسِبَ النّاسُ أنْ يُتْرَكُوا أنْ يَقُولُوا آمَنّا﴾ فِيهِ إشارَةٌ إلى الأصْلِ الأوَّلِ يَعْنِي أظَنُّوا أنَّهُ يَكْفِي الأصْلُ الأوَّلُ، وقَوْلُهُ ﴿وهم لا يُفْتَنُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ فَتَنّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ يَعْنِي بِإرْسالِ الرُّسُلِ وإيضاحِ السُّبُلِ، فِيهِ إشارَةٌ إلى الأصْلِ الثّانِي وقَوْلُهُ: ﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ﴾ مَعَ قَوْلِهِ: ﴿مَن كانَ يَرْجُو لِقاءَ اللَّهِ﴾ فِيهِ إشارَةٌ إلى الأصْلِ الثّالِثِ وهو الآخِرُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ في تَفْسِيرِ لِقاءِ اللَّهِ أنَّهُ الرُّؤْيَةُ وهو ضَعِيفٌ، فَإنَّ اللِّقاءَ والمُلاقاةَ بِمَعْنًى وهو في اللُّغَةِ بِمَعْنى الوُصُولِ حَتّى أنَّ جَمادَيْنِ إذا تَواصَلا فَقَدْ لاقى أحَدُهُما الآخَرَ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ المُرادُ مِنَ الرَّجاءِ الخَوْفُ والمَعْنى مِن قَوْلِهِ: ﴿مَن كانَ يَرْجُو لِقاءَ اللَّهِ﴾ مَن كانَ يَخافُ اللَّهَ وهو أيْضًا ضَعِيفٌ، فَإنَّ المَشْهُورَ في الرَّجاءِ هو تَوَقُّعُ الخَيْرِ لا غَيْرُ، ولِأنّا أجْمَعْنا عَلى أنَّ الرَّجاءَ ورَدَ بِهَذا المَعْنى يُقالُ أرْجُو فَضْلَ اللَّهِ ولا يُفْهَمُ مِنهُ أخافُ فَضْلَ اللَّهِ، وإذا كانَ وارِدًا لِهَذا لا يَكُونُ لِغَيْرِهِ دَفْعًا لِلِاشْتِراكِ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِأجَلِ اللَّهِ المَوْتَ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ هو الحَياةَ الثّانِيَةَ بِالحَشْرِ، فَإنْ كانَ هو المَوْتَ، فَهَذا يُنْبِئُ عَنْ بَقاءِ النُّفُوسِ بَعْدَ المَوْتِ كَما ورَدَ في الأخْبارِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ القائِلَ إذا قالَ: مَن كانَ يَرْجُو الخَيْرَ فَإنَّ السُّلْطانَ واصِلٌ يُفْهَمُ مِنهُ أنَّ مُتَّصِلًا بِوُصُولِ السُّلْطانِ يَكُونُ هو الخَيْرَ حَتّى أنَّهُ لَوْ وصَلَ هو وتَأخَّرَ الخَيْرُ يَصِحُّ أنْ يُقالَ لِلْقائِلِ: أما قُلْتَ ما قُلْتَ ووَصَلَ السُّلْطانُ ولَمْ يَظْهَرِ الخَيْرُ، فَلَوْ لَمْ يَحْصُلِ اللِّقاءُ عِنْدَ المَوْتِ لَما حَسُنَ ذَلِكَ كَما ذَكَرْنا في المِثالِ، وإذا تَبَيَّنَ هَذا فَلَوْلا البَقاءُ لَما حَصَلَ اللِّقاءُ. المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ: ﴿مَن كانَ يَرْجُو﴾ شَرْطٌ وجَزاؤُهُ ﴿فَإنَّ أجَلَ اللَّهِ لَآتٍ﴾ والمُعَلَّقُ بِالشَّرْطِ عَدَمٌ عِنْدَ عَدَمِ الشَّرْطِ فَمَن لا يَرْجُو لِقاءَ اللَّهِ لا يَكُونُ أجَلُ اللَّهِ آتِيًا لَهُ، وهَذا باطِلٌ فَما الجَوابُ عَنْهُ ؟ نَقُولُ: المُرادُ مِن ذِكْرِ إتْيانِ الأجَلِ وعْدُ المُطِيعِ بِما بَعْدَهُ مِنَ الثَّوابِ، يَعْنِي مَن كانَ يَرْجُو لِقاءَ اللَّهِ فَإنَّ أجَلَ اللَّهِ لِآتٍ بِثَوابِ اللَّهِ يُثابُ عَلى طاعَتِهِ عِنْدَهُ، ولا شَكَّ أنَّ مَن لا يَرْجُوهُ لا يَكُونُ أجَلُ اللَّهِ آتِيًا عَلى وجْهٍ يُثابُ هو. المَسْألَةُ السّادِسَةُ: قالَ: ﴿وهُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ ولَمْ يَذْكُرْ صِفَةً غَيْرَهُما كالعَزِيزِ الحَكِيمِ وغَيْرِهِما؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ سَبَقَ القَوْلُ في قَوْلِهِ: ﴿أحَسِبَ النّاسُ أنْ يُتْرَكُوا أنْ يَقُولُوا﴾ وسَبَقَ الفِعْلُ بِقَوْلِهِ: ﴿وهم لا يُفْتَنُونَ﴾ وبِقَوْلِهِ: ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ وبِقَوْلِهِ: ﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ﴾ ولا شَكَّ أنَّ القَوْلَ يُدْرَكُ بِالسَّمْعِ، والعَمَلُ مِنهُ ما لا يُدْرَكُ بِالبَصَرِ ومِنهُ ما يُدْرَكُ بِهِ كالقُصُودِ، والعِلْمُ يَشْمَلُهُما وهو السَّمِيعُ يَسْمَعُ ما قالُوهُ، وهو العَلِيمُ يَعْلَمُ مَن صَدَقَ فِيما قالَ مِمَّنْ كَذَبَ، وأيْضًا عَلِيمٌ يَعْلَمُ ما يَعْمَلُ فَيُثِيبُ ويُعاقِبُ وهَهُنا لَطِيفَةٌ صفحة ٢٩ وهِيَ أنَّ العَبْدَ لَهُ ثَلاثَةُ أُمُورٍ هي أصْنافُ حَسَناتِهِ: أحَدُها: عَمَلُ قَلْبِهِ وهو التَّصْدِيقُ وهو لا يُرى ولا يُسْمَعُ وإنَّما يُعْلَمُ، وعَمَلُ لِسانِهِ وهو يُسْمَعُ، وعَمَلُ أعْضائِهِ وجَوارِحِهِ وهو يُرى، فَإذا أتى بِهَذِهِ الأشْياءِ يَجْعَلُ اللَّهُ لِمَسْمُوعِهِ ما لا أُذُنٌ سَمِعَتْ، ولِمَرْئِيِّهِ ما لا عَيْنٌ رَأتْ، ولِعَمَلِ قَلْبِهِ ما لا خَطَرَ عَلى قَلْبِ أحَدٍ، كَما وصَفَ في الخَبَرِ في وصْفِ الجَنَّةِ.

العنكبوت 29:5

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أنْ يَسْبِقُونا ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ . لَمّا بَيَّنَ حُسْنَ التَّكْلِيفِ بِقَوْلِهِ: ﴿أحَسِبَ النّاسُ أنْ يُتْرَكُوا﴾ بَيَّنَ أنَّ مَن كُلِّفَ بِشَيْءٍ ولَمْ يَأْتِ بِهِ يُعَذَّبُ وإنْ لَمْ يُعَذَّبْ في الحالِ فَسَيُعَذَّبُ في الِاسْتِقْبالِ ولا يَفُوتُ اللَّهَ شَيْءٌ في الحالِ ولا في المَآلِ، وهَذا إبْطالُ مَذْهَبِ مَن يَقُولُ: التَّكالِيفُ إرْشاداتٌ والإيعادُ عَلَيْهِ تَرْغِيبٌ وتَرْهِيبٌ، ولا يُوجَدُ مِنَ اللَّهِ تَعْذِيبٌ، ولَوْ كانَ يُعَذِّبُ ما كانَ عاجِزًا عَنِ العَذابِ عاجِلًا؛ فَلَمّا كانَ يُؤَخِّرُ العِقابَ فَقالَ تَعالى: ﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أنْ يَسْبِقُونا﴾ يَعْنِي لَيْسَ كَما قالُوا؛ بَلْ يُعَذِّبُ مَن يُعَذِّبُ ويُثِيبُ مَن يُثِيبُ بِحُكْمِ الوَعْدِ والإيعادِ، واللَّهُ لا يُخْلِفُ المِيعادَ، وأمّا الإمْهالُ فَلا يُفْضِي إلى الإهْمالِ، والتَّعْجِيلُ في جَزاءِ الأعْمالِ شُغْلُ مَن يَخافُ الفَوْتَ لَوْلا الِاسْتِعْجالُ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ يَعْنِي حُكْمَهم بِأنَّهم يَعْصُونَ ويُخالِفُونَ أمْرَ اللَّهِ ولا يُعاقَبُونَ حُكْمٌ سَيِّئٌ؛ فَإنَّ الحُكْمَ الحَسَنَ لا يَكُونُ إلّا حُكْمَ العَقْلِ أوْ حُكْمَ الشَّرْعِ، والعَقْلُ لا يَحْكُمُ عَلى اللَّهِ بِذَلِكَ فَإنَّ اللَّهَ لَهُ أنْ يَفْعَلَ ما يُرِيدُ والشَّرْعُ حُكْمُهُ بِخِلافِ ما قالُوهُ، فَحُكْمُهم حُكْمٌ في غايَةِ السُّوءِ والرَّداءَةِ. * * * صفحة ٢٨ ثُمَّ قالَ: ﴿مَن كانَ يَرْجُو لِقاءَ اللَّهِ فَإنَّ أجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وهو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ . لَمّا بَيَّنَ بِقَوْلِهِ: أحَسِبَ النّاسُ أنَّ العَبْدَ لا يُتْرَكُ في الدُّنْيا سُدًى، وبَيَّنَ في قَوْلِهِ: ﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ﴾ أنَّ مَن تَرَكَ ما كُلِّفَ بِهِ يُعَذَّبُ كَذا، بَيَّنَ أنَّ مَن يَعْتَرِفُ بِالآخِرَةِ ويَعْمَلُ لَها لا يَضِيعُ عَمَلُهُ ولا يَخِيبُ أمَلُهُ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: أنّا ذَكَرْنا في مَواضِعَ أنَّ الأُصُولَ الثَّلاثَةَ وهي: الأوَّلُ وهو اللَّهُ تَعالى ووَحْدانِيَّتُهُ، والأصْلُ الآخَرُ وهو اليَوْمُ الآخِرُ، والأصْلُ المُتَوَسِّطُ وهو النَّبِيُّ المُرْسَلُ مِنَ الأوَّلِ المُوَصِّلُ إلّا الآخِرِ لا يَكادُ يَنْفَصِلُ في الذِّكْرِ الإلَهِيِّ بَعْضُها عَنْ بَعْضٍ، فَقَوْلُهُ: ﴿أحَسِبَ النّاسُ أنْ يُتْرَكُوا أنْ يَقُولُوا آمَنّا﴾ فِيهِ إشارَةٌ إلى الأصْلِ الأوَّلِ يَعْنِي أظَنُّوا أنَّهُ يَكْفِي الأصْلُ الأوَّلُ، وقَوْلُهُ ﴿وهم لا يُفْتَنُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ فَتَنّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ يَعْنِي بِإرْسالِ الرُّسُلِ وإيضاحِ السُّبُلِ، فِيهِ إشارَةٌ إلى الأصْلِ الثّانِي وقَوْلُهُ: ﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ﴾ مَعَ قَوْلِهِ: ﴿مَن كانَ يَرْجُو لِقاءَ اللَّهِ﴾ فِيهِ إشارَةٌ إلى الأصْلِ الثّالِثِ وهو الآخِرُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ في تَفْسِيرِ لِقاءِ اللَّهِ أنَّهُ الرُّؤْيَةُ وهو ضَعِيفٌ، فَإنَّ اللِّقاءَ والمُلاقاةَ بِمَعْنًى وهو في اللُّغَةِ بِمَعْنى الوُصُولِ حَتّى أنَّ جَمادَيْنِ إذا تَواصَلا فَقَدْ لاقى أحَدُهُما الآخَرَ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ المُرادُ مِنَ الرَّجاءِ الخَوْفُ والمَعْنى مِن قَوْلِهِ: ﴿مَن كانَ يَرْجُو لِقاءَ اللَّهِ﴾ مَن كانَ يَخافُ اللَّهَ وهو أيْضًا ضَعِيفٌ، فَإنَّ المَشْهُورَ في الرَّجاءِ هو تَوَقُّعُ الخَيْرِ لا غَيْرُ، ولِأنّا أجْمَعْنا عَلى أنَّ الرَّجاءَ ورَدَ بِهَذا المَعْنى يُقالُ أرْجُو فَضْلَ اللَّهِ ولا يُفْهَمُ مِنهُ أخافُ فَضْلَ اللَّهِ، وإذا كانَ وارِدًا لِهَذا لا يَكُونُ لِغَيْرِهِ دَفْعًا لِلِاشْتِراكِ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِأجَلِ اللَّهِ المَوْتَ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ هو الحَياةَ الثّانِيَةَ بِالحَشْرِ، فَإنْ كانَ هو المَوْتَ، فَهَذا يُنْبِئُ عَنْ بَقاءِ النُّفُوسِ بَعْدَ المَوْتِ كَما ورَدَ في الأخْبارِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ القائِلَ إذا قالَ: مَن كانَ يَرْجُو الخَيْرَ فَإنَّ السُّلْطانَ واصِلٌ يُفْهَمُ مِنهُ أنَّ مُتَّصِلًا بِوُصُولِ السُّلْطانِ يَكُونُ هو الخَيْرَ حَتّى أنَّهُ لَوْ وصَلَ هو وتَأخَّرَ الخَيْرُ يَصِحُّ أنْ يُقالَ لِلْقائِلِ: أما قُلْتَ ما قُلْتَ ووَصَلَ السُّلْطانُ ولَمْ يَظْهَرِ الخَيْرُ، فَلَوْ لَمْ يَحْصُلِ اللِّقاءُ عِنْدَ المَوْتِ لَما حَسُنَ ذَلِكَ كَما ذَكَرْنا في المِثالِ، وإذا تَبَيَّنَ هَذا فَلَوْلا البَقاءُ لَما حَصَلَ اللِّقاءُ. المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ: ﴿مَن كانَ يَرْجُو﴾ شَرْطٌ وجَزاؤُهُ ﴿فَإنَّ أجَلَ اللَّهِ لَآتٍ﴾ والمُعَلَّقُ بِالشَّرْطِ عَدَمٌ عِنْدَ عَدَمِ الشَّرْطِ فَمَن لا يَرْجُو لِقاءَ اللَّهِ لا يَكُونُ أجَلُ اللَّهِ آتِيًا لَهُ، وهَذا باطِلٌ فَما الجَوابُ عَنْهُ ؟ نَقُولُ: المُرادُ مِن ذِكْرِ إتْيانِ الأجَلِ وعْدُ المُطِيعِ بِما بَعْدَهُ مِنَ الثَّوابِ، يَعْنِي مَن كانَ يَرْجُو لِقاءَ اللَّهِ فَإنَّ أجَلَ اللَّهِ لِآتٍ بِثَوابِ اللَّهِ يُثابُ عَلى طاعَتِهِ عِنْدَهُ، ولا شَكَّ أنَّ مَن لا يَرْجُوهُ لا يَكُونُ أجَلُ اللَّهِ آتِيًا عَلى وجْهٍ يُثابُ هو. المَسْألَةُ السّادِسَةُ: قالَ: ﴿وهُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ ولَمْ يَذْكُرْ صِفَةً غَيْرَهُما كالعَزِيزِ الحَكِيمِ وغَيْرِهِما؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ سَبَقَ القَوْلُ في قَوْلِهِ: ﴿أحَسِبَ النّاسُ أنْ يُتْرَكُوا أنْ يَقُولُوا﴾ وسَبَقَ الفِعْلُ بِقَوْلِهِ: ﴿وهم لا يُفْتَنُونَ﴾ وبِقَوْلِهِ: ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ وبِقَوْلِهِ: ﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ﴾ ولا شَكَّ أنَّ القَوْلَ يُدْرَكُ بِالسَّمْعِ، والعَمَلُ مِنهُ ما لا يُدْرَكُ بِالبَصَرِ ومِنهُ ما يُدْرَكُ بِهِ كالقُصُودِ، والعِلْمُ يَشْمَلُهُما وهو السَّمِيعُ يَسْمَعُ ما قالُوهُ، وهو العَلِيمُ يَعْلَمُ مَن صَدَقَ فِيما قالَ مِمَّنْ كَذَبَ، وأيْضًا عَلِيمٌ يَعْلَمُ ما يَعْمَلُ فَيُثِيبُ ويُعاقِبُ وهَهُنا لَطِيفَةٌ صفحة ٢٩ وهِيَ أنَّ العَبْدَ لَهُ ثَلاثَةُ أُمُورٍ هي أصْنافُ حَسَناتِهِ: أحَدُها: عَمَلُ قَلْبِهِ وهو التَّصْدِيقُ وهو لا يُرى ولا يُسْمَعُ وإنَّما يُعْلَمُ، وعَمَلُ لِسانِهِ وهو يُسْمَعُ، وعَمَلُ أعْضائِهِ وجَوارِحِهِ وهو يُرى، فَإذا أتى بِهَذِهِ الأشْياءِ يَجْعَلُ اللَّهُ لِمَسْمُوعِهِ ما لا أُذُنٌ سَمِعَتْ، ولِمَرْئِيِّهِ ما لا عَيْنٌ رَأتْ، ولِعَمَلِ قَلْبِهِ ما لا خَطَرَ عَلى قَلْبِ أحَدٍ، كَما وصَفَ في الخَبَرِ في وصْفِ الجَنَّةِ.

العنكبوت 29:6

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ومَن جاهَدَ فَإنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ إنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ﴾ لَمّا بَيَّنَ أنَّ التَّكْلِيفَ حَسَنٌ واقِعٌ، وأنَّ عَلَيْهِ وعْدًا وإيعادًا لَيْسَ لَهُما دافِعٌ، بَيَّنَ أنَّ طَلَبَ اللَّهِ ذَلِكَ مِنَ المُكَلِّفِ لَيْسَ لِنَفْعٍ يَعُودُ إلَيْهِ فَإنَّهُ غَنِيٌّ مُطْلَقًا لَيْسَ شَيْءٌ غَيْرُهُ يَتَوَقَّفُ كَمالُهُ عَلَيْهِ، ومِثْلُ هَذا كَثِيرٌ في القُرْآنِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا فَلِنَفْسِهِ﴾ (فُصِّلَتْ: ٤٦ ) وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ أحْسَنْتُمْ أحْسَنْتُمْ لِأنْفُسِكُمْ﴾ (الإسْراءِ: ٧ ) وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: الآيَةُ السّابِقَةُ مَعَ هَذِهِ الآيَةِ يُوجِبانِ إكْثارَ العَبْدِ مِنَ العَمَلِ الصّالِحِ وإتْقانَهُ لَهُ؛ وذَلِكَ لِأنَّ مَن يَفْعَلُ فِعْلًا لِأجْلِ مَلِكٍ ويَعْلَمُ أنَّ المَلِكَ يَراهُ ويُبْصِرُهُ يُحْسِنُ العَمَلَ ويُتْقِنُهُ، وإذا عَلِمَ أنَّ نَفْعَهُ لَهُ ومُقَدَّرٌ بِقَدْرِ عَمَلِهِ يُكْثِرُ مِنهُ، فَإذا قالَ اللَّهُ: إنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ فالعَبْدُ يُتْقِنُ عَمَلَهُ ويُخَلِّصُهُ لَهُ، وإذا قالَ بِأنَّ جِهادَهُ لِنَفْسِهِ يُكْثِرُ مِنهُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الجَزاءَ عَلى العَمَلِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿ومَن جاهَدَ فَإنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ﴾ فُهِمَ مِنهُ أنَّ مَن جاهَدَ رَبِحَ بِجِهادِهِ ما لَوْلاهُ لَما رَبِحَ، فَنَقُولُ هو كَذَلِكَ ولَكِنْ بِحُكْمِ الوَعْدِ لا بِالِاسْتِحْقاقِ، وبَيانُهُ هو أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ المُكَلَّفَ إذا جاهَدَ يُثِيبُهُ فَإذا أتى بِهِ هو يَكُونُ جِهادًا نافِعًا لَهُ ولا نِزاعَ فِيهِ، وإنَّما النِّزاعُ في أنَّ اللَّهَ يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يُثِيبَ عَلى العَمَلِ لَوْلا الوَعْدُ، ولا يَجُوزُ أنْ يُحْسِنَ إلى أحَدٍ إلّا بِالعَمَلِ ولا دَلالَةَ لِلْآيَةِ عَلَيْهِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿فَإنَّما﴾ يَقْتَضِي الحَصْرَ فَيَنْبَغِي أنْ يَكُونَ جِهادُ المَرْءِ لِنَفْسِهِ فَحَسْبُ، ولا يَنْتَفِعُ بِهِ غَيْرُهُ ولَيْسَ كَذَلِكَ فَإنَّ مَن جاهَدَ يَنْتَفِعُ بِهِ ومَن يُرِيدُ هو نَفْعَهُ، حَتّى أنَّ الوالِدَ والوَلَدَ بِبَرَكَةِ المُجاهِدِ وجِهادِهِ يَنْتَفِعانِ فَنَقُولُ ذَلِكَ نَفْعٌ لَهُ، فَإنَّ انْتِفاعَ الوَلَدِ انْتِفاعٌ لِلْأبِ والحَصْرُ هَهُنا مَعْناهُ أنَّ جِهادَهُ لا يَصِلُ إلى اللَّهِ مِنهُ نَفْعٌ ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: الأُولى: تَدُلُّ الآيَةُ عَلى أنَّ رِعايَةَ الأصْلَحِ لا يَجِبُ عَلى اللَّهِ؛ لِأنَّهُ بِالأصْلَحِ لا يَسْتَفِيدُ فائِدَةً، وإلّا لَكانَ مُسْتَكْمِلًا بِتِلْكَ الفائِدَةِ وهي غَيْرُهُ وهي مِنَ العالَمِ فَيَكُونُ مُسْتَكْمِلًا بِغَيْرِهِ فَيَكُونُ مُحْتاجًا إلَيْهِ وهو غَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ، وأيْضًا أفْعالُهُ غَيْرُ مُعَلَّلَةٍ لِما بَيَّنّا. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: تَدُلُّ الآيَةُ عَلى أنَّهُ لَيْسَ في مَكانٍ ولَيْسَ عَلى العَرْشِ عَلى الخُصُوصِ، فَإنَّهُ مِنَ العالَمِ، واللَّهُ غَنِيٌّ عَنْهُ والمُسْتَغْنِي عَنِ المَكانِ لا يُمْكِنُ دُخُولُهُ في مَكانٍ؛ لِأنَّ الدّاخِلَ في المَكانِ يُشارُ إلَيْهِ بِأنَّهُ هَهُنا أوْ هُناكَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِقْلالِ، وما يُشارُ إلَيْهِ بِأنَّهُ هَهُنا أوْ هُناكَ يَسْتَحِيلُ أنْ لا يُوجَدُ لا هَهُنا ولا هُناكَ وإلّا لَجَوَّزَ صفحة ٣٠ العَقْلُ إدْراكَ جِسْمٍ لا في مَكانٍ؛ وإنَّهُ مُحالٌ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: لَوْ قالَ قائِلٌ لَيْسَتْ قادِرِيَّتُهُ بِقُدْرَةٍ ولا عالَمِيَّتُهُ بِعِلْمٍ وإلّا لَكانَ هو في قادِرِيَّتِهِ مُحْتاجًا إلى قُدْرَةٍ هي غَيْرُهُ، وكُلُّ ما هو غَيْرُهُ فَهو مِنَ العالَمِ فَيَكُونُ مُحْتاجًا وهو غَنِيٌّ، نَقُولُ: لِمَ قُلْتُمْ: إنَّ قُدْرَتَهُ مِنَ العالَمِ، وهَذا لِأنَّ العالَمَ كُلُّ مَوْجُودٍ سِوى اللَّهِ بِصِفاتِهِ أيْ: كُلُّ مَوْجُودٍ هو خارِجٌ عَنْ مَفْهُومِ الإلَهِ الحَيِّ القادِرِ المُرِيدِ العالِمِ السَّمِيعِ البَصِيرِ المُتَكَلِّمِ، والقُدْرَةُ لَيْسَتْ خارِجَةً عَنْ مَفْهُومِ القادِرِ، والعِلْمُ لَيْسَ خارِجًا عَنْ مَفْهُومِ العالِمِ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: الآيَةُ فِيها بِشارَةٌ وفِيها إنْذارٌ، أمّا الإنْذارُ فَلِأنَّ اللَّهَ إذا كانَ غَنِيًّا عَنِ العالَمِينَ فَلَوْ أهْلَكَ عِبادَهُ بِعَذابِهِ فَلا شَيْءَ عَلَيْهِ لِغِناهُ عَنْهم، وهَذا يُوجِبُ الخَوْفَ العَظِيمَ، وأمّا البِشارَةُ فَلِأنَّهُ إذا كانَ غَنِيًّا، فَلَوْ أعْطى جَمِيعَ ما خَلَقَهُ لِعَبْدٍ مِن عِبادِهِ لا شَيْءَ عَلَيْهِ لِاسْتِغْنائِهِ عَنْهُ، وهَذا يُوجِبُ الرَّجاءَ التّامَّ.

العنكبوت 29:7

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ ولَنَجْزِيَنَّهم أحْسَنَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ لَمّا بَيَّنَ إجْمالًا أنَّ مَن يَعْمَلُ صالِحًا فَلِنَفْسِهِ بَيَّنَ مُفَصِّلًا بَعْضَ التَّفْصِيلِ أنَّ جَزاءَ المُطِيعِ الصّالِحِ عَمَلُهُ فَقالَ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: أنَّها تَدُلُّ عَلى أنَّ الأعْمالَ مُغايِرَةٌ لِلْإيمانِ؛ لِأنَّ العَطْفَ يُوجِبُ التَّغايُرَ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّها تَدُلُّ عَلى أنَّ الأعْمالَ داخِلَةٌ فِيما هو المَقْصُودُ مِنَ الإيمانِ؛ لِأنَّ تَكْفِيرَ السَّيِّئاتِ، والجَزاءَ بِالأحْسَنِ مُعَلَّقٌ عَلَيْها، وهي ثَمَرَةُ الإيمانِ، ومِثالُ هَذا شَجَرَةٌ مُثْمِرَةٌ؛ لا شَكَّ في أنَّ عُرُوقَها وأغْصانَها مِنها، والماءُ الَّذِي يَجْرِي عَلَيْها والتُّرابُ الَّذِي حَوالَيْها غَيْرُ داخِلٍ فِيها؛ لَكِنَّ الثَّمَرَةَ لا تَحْصُلُ إلّا بِذَلِكَ الماءِ والتُّرابِ الخارِجِ، فَكَذَلِكَ العَمَلُ الصّالِحُ مَعَ الإيمانِ، وأيْضًا الشَّجَرَةُ لَوِ احْتَفَّتْ بِها الحَشائِشُ المُفْسِدَةُ والأشْواكُ المُضِرَّةُ يَنْقُصُ ثَمَرَةُ الشَّجَرَةِ وإنْ غَلَبَتْها عُدِمَتِ الثَّمَرَةُ بِالكُلِّيَّةِ وفَسَدَتْ فَكَذَلِكَ الذُّنُوبُ تَفْعَلُ بِالإيمانِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الإيمانُ هو التَّصْدِيقُ كَما قالَ: ﴿وما أنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا﴾ (يُوسُفَ: ١٧) أيْ بِمُصَدِّقٍ، واخْتُصَّ في اسْتِعْمالِ الشَّرْعِ بِالتَّصْدِيقِ بِجَمِيعِ ما قالَ اللَّهُ، وقالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَلى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ، إنْ عُلِمَ مُفَصَّلًا أنَّهُ قَوْلُ اللَّهِ أوْ قَوْلُ الرَّسُولِ أوْ عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ فِيما لَمْ يُعْلَمْ، والعَمَلُ الصّالِحُ عِنْدَنا كُلُّ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ صارَ صالِحًا بِأمْرِهِ، ولَوْ نَهى عَنْهُ لَما كانَ صالِحًا فَلَيْسَ الصَّلاحُ والفَسادُ مِن لَوازِمَ الفِعْلِ في نَفْسِهِ، وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ ذَلِكَ مِن صِفاتِ الفِعْلِ ويَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الأمْرُ والنَّهْيُ، فالصِّدْقُ عَمَلٌ صالِحٌ في نَفْسِهِ ويَأْمُرُ اللَّهُ بِهِ لِذَلِكَ، فَعِنْدَنا الصَّلاحُ والفَسادُ والحُسْنُ والقُبْحُ يَتَرَتَّبُ عَلى الأمْرِ والنَّهْيِ، وعِنْدَهُمُ الأمْرُ والنَّهْيُ يَتَرَتَّبُ عَلى الحُسْنِ والقُبْحِ، والمَسْألَةُ بِطُولِها في (كُتُبِ الأُصُولِ. صفحة ٣١ المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: العَمَلُ الصّالِحُ باقٍ لِأنَّ الصّالِحَ في مُقابَلَةِ الفاسِدِ والفاسِدُ هو الهالِكُ التّالِفُ، يُقالُ فَسَدَتِ الزُّرُوعُ إذا هَلَكَتْ أوْ خَرَجَتْ عَنْ دَرَجَةِ الِانْتِفاعِ، ويُقالُ هي بَعْدُ صالِحَةٌ أيْ باقِيَةٌ عَلى ما يَنْبَغِي. إذا عُلِمَ هَذا فَنَقُولُ العَمَلُ الصّالِحُ لا يَبْقى بِنَفْسِهِ؛ لِأنَّهُ عَرَضٌ، ولا يَبْقى بِالعامِلِ أيْضًا؛ لِأنَّهُ هالِكٌ كَما قالَ تَعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ﴾ (القَصَصِ: ٨٨) فَبَقاؤُهُ لا بُدَّ مِن أنْ يَكُونَ بِشَيْءٍ باقٍ، لَكِنَّ الباقِيَ هو وجْهُ اللَّهِ لِقَوْلِهِ: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلّا وجْهَهُ﴾ (القَصَصِ: ٨٨ ) فَيَنْبَغِي أنْ يَكُونَ العَمَلُ لِوَجْهِ اللَّهِ حَتّى يَبْقى فَيَكُونَ صالِحًا، وما لا يَكُونُ لِوَجْهِهِ لا يَبْقى لا بِنَفْسِهِ ولا بِالعامِلِ ولا بِالمَعْمُولِ لَهُ فَلا يَكُونُ صالِحًا، فالعَمَلُ الصّالِحُ هو الَّذِي أتى بِهِ المُكَلَّفُ مُخْلِصًا لِلَّهِ. المَسْألَةُ الخامِسَةُ: هَذا يَقْتَضِي أنْ تَكُونَ النِّيَّةُ شَرْطًا في الصّالِحاتِ مِنَ الأعْمالِ، وهي قَصْدُ الإيقاعِ لِلَّهِ، ويَنْدَرِجُ فِيها النِّيَّةُ في الصَّوْمِ خِلافًا لِزُفَرَ، وفي الوُضُوءِ خِلافًا لِأبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ. المَسْألَةُ السّادِسَةُ: العَمَلُ الصّالِحُ مَرْفُوعٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ (فاطِرٍ: ١٠ ) لَكِنَّهُ لا يَرْتَفِعُ إلّا بِالكَلِمِ الطَّيِّبِ فَإنَّهُ يَصْعَدُ بِنَفْسِهِ كَما قالَ تَعالى: ﴿إلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ (فاطِرٍ: ١٠ ) وهو يَرْفَعُ العَمَلَ، فالعَمَلُ مِن غَيْرِ المُؤْمِنِ لا يُقْبَلُ، ولِهَذا قَدَّمَ الإيمانَ عَلى العَمَلِ، وهَهُنا لَطِيفَةٌ، وهي أنَّ أعْمالَ المُكَلَّفِ ثَلاثَةٌ: عَمَلُ قَلْبِهِ وهو فِكْرُهُ واعْتِقادُهُ وتَصْدِيقُهُ، وعَمَلُ لِسانِهِ وهو ذِكْرُهُ وشَهادَتُهُ، وعَمَلُ جَوارِحِهِ وهو طاعَتُهُ وعِبادَتُهُ. فالعِبادَةُ البَدَنِيَّةُ لا تَرْتَفِعُ بِنَفْسِها وإنَّما تَرْتَفِعُ بِغَيْرِها، والقَوْلُ الصّادِقُ يَرْتَفِعُ بِنَفْسِهِ كَما بَيَّنَ في الآيَةِ، وعَمَلُ القَلْبِ وهو الفِكْرُ يَنْزِلُ إلَيْهِ كَما قالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: ”«إنَّ اللَّهَ يَنْزِلُ إلى السَّماءِ الدُّنْيا ويَقُولُ هَلْ مِن تائِبٍ» “ والتّائِبُ النّادِمُ بِقَلْبِهِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ أنا عِنْدَ المُنْكَسِرَةِ قُلُوبُهم» “ يَعْنِي بِالفِكْرَةِ في عَجْزِهِ وقُدْرَتِي، وحَقارَتِهِ وعَظَمَتِي، ومِن حَيْثُ العَقْلُ مَن تَفَكَّرَ في آلاءِ اللَّهِ وجَدَ اللَّهَ، وحَضَرَ ذِهْنُهُ فَعَلِمَ أنَّ لِعَمَلِ القَلْبِ يَأْتِي اللَّهَ، وعَمَلُ اللِّسانِ يَذْهَبُ إلى اللَّهِ وعَمَلُ الأعْضاءِ يُوَصِّلُ إلى اللَّهِ، وهَذا تَنْبِيهٌ عَلى فَضْلِ عَمَلِ القَلْبِ. المَسْألَةُ السّابِعَةُ: ذَكَرَ اللَّهُ مِن أعْمالِ العَبْدِ نَوْعَيْنِ: الإيمانَ والعَمَلَ الصّالِحَ، وذَكَرَ في مُقابَلَتِهِما مِن أفْعالِ اللَّهِ أمْرَيْنِ تَكْفِيرَ السَّيِّئاتِ والجَزاءَ بِالأحْسَنِ حَيْثُ قالَ: ﴿لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ ولَنَجْزِيَنَّهم أحْسَنَ﴾ فَتَكْفِيرُ السَّيِّئاتِ في مُقابَلَةِ الإيمانِ، والجَزاءُ بِالأحْسَنِ في مُقابَلَةِ العَمَلِ الصّالِحِ، وهَذا يَقْتَضِي أُمُورًا: الأوَّلُ: المُؤْمِنُ لا يُخَلَّدُ في النّارِ؛ لِأنَّ بِإيمانِهِ تُكَفَّرُ سَيِّئاتُهُ فَلا يُخَلَّدُ في العَذابِ. الثّانِي: الجَزاءُ الأحْسَنُ المَذْكُورُ هَهُنا غَيْرُ الجَنَّةِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ المُؤْمِنَ بِإيمانِهِ يَدْخُلُ الجَنَّةَ؛ إذْ تُكَفَّرُ سَيِّئاتُهُ، ومَن كُفِّرَتْ سَيِّئاتُهُ أُدْخِلَ الجَنَّةَ، فالجَزاءُ الأحْسَنُ يَكُونُ غَيْرَ الجَنَّةِ، وهو ما لا عَيْنٌ رَأتْ ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ، ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ هو الرُّؤْيَةَ. الأمْرُ الثّالِثُ: هو أنَّ الإيمانَ يَسْتُرُ قُبْحَ الذُّنُوبِ في الدُّنْيا، فَيَسْتُرُ اللَّهُ عُيُوبَهُ في الأُخْرى، والعَمَلَ الصّالِحَ يُحَسِّنُ حالَ الصّالِحِ في الدُّنْيا فَيَجْزِيهِ اللَّهُ الجَزاءَ الأحْسَنَ في العُقْبى، فالإيمانُ إذَنْ لا يُبْطِلُهُ العِصْيانُ بَلْ هو يَغْلِبُ المَعاصِي ويَسْتُرُها ويَحْمِلُ صاحِبَها عَلى النَّدَمِ، واللَّهُ أعْلَمُ. المَسْألَةُ الثّامِنَةُ: قَوْلُهُ: ﴿لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ﴾ يَسْتَدْعِي وُجُودَ السَّيِّئاتِ حَتّى تُكَفَّرَ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ بِأسْرِها مِن أيْنَ يَكُونُ لَهم سَيِّئَةٌ ؟ فَنَقُولُ: الجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ وعْدَ صفحة ٣٢ الجَمِيعِ بِأشْياءَ لا يَسْتَدْعِي وعْدَ كُلِّ واحِدٍ بِكُلِّ واحِدٍ مِن تِلْكَ الأشْياءِ، مِثالُهُ: إذا قالَ المَلِكُ لِأهْلِ بَلَدٍ: إذا أطَعْتُمُونِي أُكْرِمْ آباءَكم، وأحْتَرِمْ أبْناءَكم، وأُنْعِمْ عَلَيْكم، وأُحْسِنْ إلَيْكم، لا يَقْتَضِي هَذا أنَّهُ يُكْرِمُ آباءَ مَن تُوُفِّيَ أبُوهُ، أوْ يَحْتَرِمُ ابْنَ مَن لَمْ يُولَدْ لَهُ ولَدٌ، بَلْ مَفْهُومُهُ أنَّهُ يُكْرِمُ أبَ مَن لَهُ أبٌ، ويَحْتَرِمُ ابْنَ مَن لَهُ ابْنٌ، فَكَذَلِكَ يُكَفِّرُ سَيِّئَةَ مَن لَهُ سَيِّئَةٌ. الجَوابُ الثّانِي: ما مِن مُكَلِّفٍ إلّا ولَهُ سَيِّئَةٌ، أمّا غَيْرُ الأنْبِياءِ فَظاهِرٌ، وأمّا الأنْبِياءُ فَلِأنَّ تَرْكَ الأفْضَلِ مِنهم كالسَّيِّئَةِ مِن غَيْرِهِمْ، ولِهَذا قالَ تَعالى: ﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أذِنْتَ لَهُمْ﴾ (التَّوْبَةِ: ٤٣ ) . المَسْألَةُ التّاسِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ولَنَجْزِيَنَّهم أحْسَنَ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: لَنَجْزِيَنَّهم بِأحْسَنِ أعْمالِهِمْ. وثانِيهِما: لَنَجْزِيَنَّهم أحْسَنَ مِن أعْمالِهِمْ. وعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ مَعْناهُ نُقَدِّرُ أعْمالَهم أحْسَنَ ما تَكُونُ ونَجْزِيهِمْ عَلَيْها لا أنَّهُ يُخْتارُ مِنها أحْسَنَها ويَجْزِي عَلَيْهِ ويَتْرُكُ الباقِي، وعَلى الوَجْهِ الثّانِي: مَعْناهُ قَرِيبٌ مِن مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أمْثالِها﴾ (الأنْعامِ: ١٦٠ ) وقَوْلِهِ: ﴿فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ . المَسْألَةُ العاشِرَةُ: ذَكَرَ حالَ المُسِيءِ مُجْمَلًا بِقَوْلِهِ: ﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أنْ يَسْبِقُونا﴾ إشارَةً إلى التَّعْذِيبِ مُجْمَلًا. وذَكَرَ حالَ المُحْسِنِ مُجْمَلًا بِقَوْلِهِ: ﴿ومَن جاهَدَ فَإنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ﴾ ومُفَصَّلًا بِهَذِهِ الآيَةِ، لِيَكُونَ ذَلِكَ إشارَةً إلى أنَّ رَحْمَتَهُ أتَمُّ مِن غَضَبِهِ وفَضْلَهُ أعَمُّ مِن عَدْلِهِ.

العنكبوت 29:8

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ووَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْنًا وإنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما إلَيَّ مَرْجِعُكم فَأُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ: الأُولى: ما وجْهُ تَعَلُّقِ الآيَةِ بِما قَبْلَها ؟ نَقُولُ: لَمّا بَيَّنَ اللَّهُ حُسْنَ التَّكالِيفِ ووُقُوعِها، وبَيَّنَ ثَوابَ مَن حَقَّقَ التَّكالِيفَ أُصُولَها وفُرُوعَها تَحْرِيضًا لِلْمُكَلَّفِ عَلى الطّاعَةِ، ذَكَرَ المانِعَ، ومَنَعَهُ مِن أنْ يَخْتارَ اتِّباعَهُ، فَقالَ: الإنْسانُ إنِ انْقادَ لِأحَدٍ يَنْبَغِي أنْ يَنْقادَ لِأبَوَيْهِ، ومَعَ هَذا لَوْ أمَراهُ بِالمَعْصِيَةِ لا يَجُوزُ اتِّباعُهُما فَضْلًا عَنْ غَيْرِهِما، فَلا يَمْنَعَنَّ أحَدَكم شَيْءٌ مِن طاعَةِ اللَّهِ ولا يَتَّبِعَنَّ أحَدٌ مَن يَأْمُرُ بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في القِراءَةِ قُرِئَ حُسْنًا وإحْسانًا، وحُسْنًا أظْهَرُ هَهُنا، ومَن قَرَأ إحْسانًا فَمِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ (الإسْراءِ: ٢٣) والتَّفْسِيرُ عَلى القِراءَةِ المَشْهُورَةِ هو أنَّ اللَّهَ تَعالى وصّى الإنْسانَ بِأنْ يَفْعَلَ مَعَ والِدَيْهِ حُسْنَ التَّأبِّي بِالفِعْلِ والقَوْلِ، ونُكِّرَ حُسْنًا لِيَدُلَّ عَلى الكَمالِ، كَما يُقالُ إنَّ لِزَيْدٍ مالًا. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في قَوْلِهِ: ﴿ووَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّ مُتابَعَتَهم في الكُفْرِ لا يَجُوزُ؛ وذَلِكَ لِأنَّ الإحْسانَ بِالوالِدَيْنِ وجَبَ بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى، فَلَوْ تَرَكَ العَبْدُ عِبادَةَ اللَّهِ تَعالى بِقَوْلِ الوالِدَيْنِ لَتَرَكَ طاعَةِ اللَّهِ تَعالى فَلا يَنْقادُ لِما وصّاهُ بِهِ فَلا يُحْسِنُ إلى الوالِدَيْنِ، فاتِّباعُ العَبْدِ أبَوَيْهِ لِأجْلِ الإحْسانِ إلَيْهِمْ يُفْضِي إلى تَرْكِ الإحْسانِ إلَيْهِما، وما يُفْضِي وُجُودُهُ إلى عَدَمِهِ باطِلٌ فالِاتِّباعُ باطِلٌ، وأمّا إذا امْتَنَعَ مِنَ الشِّرْكِ بَقِيَ عَلى الطّاعَةِ، والإحْسانُ إلَيْهِما مِنَ الطّاعَةِ فَيَأْتِي بِهِ فَتَرْكُ هَذا الإحْسانِ صُورَةً يُفْضِي إلى الإحْسانِ حَقِيقَةً. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: الإحْسانُ بِالوالِدَيْنِ مَأْمُورٌ بِهِ، لِأنَّهُما سَبَبُ وُجُودِ الوَلَدِ بِالوِلادَةِ، وسَبَبُ بَقائِهِ بِالتَّرْبِيَةِ صفحة ٣٣ المُعْتادَةِ فَهُما سَبَبٌ مَجازًا، واللَّهُ تَعالى سَبَبٌ لَهُ في الحَقِيقَةِ بِالإرادَةِ، وسَبَبُ بَقائِهِ بِالإعادَةِ لِلسَّعادَةِ، فَهو أوْلى بِأنْ يُحْسِنَ العَبْدُ حالَهُ مَعَهُ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما﴾ فَقَوْلُهُ: ﴿ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ يَعْنِي التَّقْلِيدَ في الإيمانِ لَيْسَ بِجَيِّدٍ فَضْلًا عَنِ التَّقْلِيدِ في الكُفْرِ، فَإذا امْتَنَعَ الإنْسانُ مِنَ التَّقْلِيدِ فِيهِ ولا يُطِيعُ بِغَيْرِ العِلْمِ لا يُطِيعُهُما أصْلًا؛ لِأنَّ العِلْمَ بِصِحَّةِ قَوْلِهِما مُحالُ الحُصُولِ، فَإذا لَمْ يُشْرِكْ تَقْلِيدًا ويَسْتَحِيلُ الشِّرْكُ مَعَ العِلْمِ، فالشِّرْكُ لا يَحْصُلُ مِنهُ قَطُّ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إلَيَّ مَرْجِعُكم فَأُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ يَعْنِي: عاقِبَتُكم ومَآلُكم إلَيَّ، وإنْ كانَ اليَوْمَ مُخالَطَتُكم ومُجالَسَتُكم مَعَ الآباءِ والأوْلادِ والأقارِبِ والعَشائِرِ، ولا شَكَّ أنَّ مَن يَعْلَمُ أنَّ مُجالَسَتَهُ مَعَ واحِدٍ خالِيَةٌ مُنْقَطِعَةٌ، وحُضُورَهُ بَيْنَ يَدَيْ غَيْرِهِ دائِمٌ غَيْرُ مُنْقَطِعٍ، لا يَتْرُكُ مَرْضِيَ مَن تَدُومُ مَعَهُ صُحْبَتُهُ لِرِضا مَن يَتْرُكُهُ في زَمانٍ آخَرَ. ثُمَّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأُنَبِّئُكُمْ﴾ فِيهِ لَطِيفَةٌ، وهي أنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: لا تَظُنُّوا أنِّي غائِبٌ عَنْكم وآباؤُكم حاضِرُونَ فَتُوافِقُونَ الحاضِرِينَ في الحالِ اعْتِمادًا عَلى غَيْبَتِي وعَدَمِ عِلْمِي بِمُخالَفَتِكم إيّايَ؛ فَإنِّي حاضِرٌ مَعَكم أعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ ولا أنْسى فَأُنَبِّئُكم بِجَمِيعِهِ.

العنكبوت 29:9

ثُمَّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَنُدْخِلَنَّهم في الصّالِحِينَ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: ما الفائِدَةُ في إعادَةِ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ مَرَّةً أُخْرى ؟ نَقُولُ: اللَّهُ تَعالى ذَكَرَ مِنَ المُكَلَّفِينَ قَسَمَيْنِ مُهْتَدِيًا وضالًّا بِقَوْلِهِ: ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا ولَيَعْلَمَنَّ الكاذِبِينَ﴾ (العَنْكَبُوتِ: ٣ ) وذَكَرَ حالَ الضّالِّ مُجْمَلًا وحالَ المُهْتَدِي مُفَصَّلًا بِقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ﴾ ولَمّا تَمَّمَ ذَلِكَ ذَكَرَ قِسْمَيْنِ آخَرَيْنِ هادِيًا ومُضِلًّا فَقَوْلُهُ: ﴿ووَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ يَقْتَضِي أنْ يَهْتَدِيَ بِهِما وقَوْلُهُ: ﴿وإنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ﴾ بَيانُ إضْلالِهِما، وقَوْلُهُ: ﴿إلَيَّ مَرْجِعُكم فَأُنَبِّئُكُمْ﴾ بِطَرِيقِ الإجْمالِ تَهْدِيدُ المُضِلِّ، وقَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا﴾ عَلى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ، وعَدَ الهادِي فَذَكَرَ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ مَرَّةً لِبَيانِ حالِ المُهْتَدِي، ومَرَّةً أُخْرى لِبَيانِ حالِ الهادِي، والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ هو أنَّهُ قالَ أوَّلًا: ﴿لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ﴾، وقالَ ثانِيًا: ﴿لَنُدْخِلَنَّهم في الصّالِحِينَ﴾ والصّالِحُونَ هُمُ الهُداةُ لِأنَّهُ مَرْتَبَةُ الأنْبِياءِ، ولِهَذا قالَ كَثِيرٌ مِنَ الأنْبِياءِ ﴿وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ (الشُّعَراءِ: ٨٣) . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَدْ ذَكَرْنا أنَّ الصّالِحَ باقٍ والصّالِحُونَ باقُونَ وبَقاؤُهم لَيْسَ بِأنْفُسِهِمْ، بَلْ بِأعْمالِهِمُ الباقِيَةِ فَأعْمالُهم باقِيَةٌ، والمَعْمُولُ لَهُ وهو وجْهُ اللَّهِ باقٍ، والعامِلُونَ باقُونَ بِبَقاءِ أعْمالِهِمْ، وهَذا عَلى خِلافِ الأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ، فَإنَّ في الدُّنْيا بَقاءَ الفِعْلِ بِالفاعِلِ، وفي الآخِرَةِ بَقاءَ الفاعِلِ بِالفِعْلِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قِيلَ في مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿لَنُدْخِلَنَّهم في الصّالِحِينَ﴾ لَنُدْخِلَنَّهم في مَقامِ الصّالِحِينَ أوْ في دارِ الصّالِحِينَ، والأوْلى أنْ يُقالَ: لا حاجَةَ إلى الإضْمارِ؛ بَلْ يُدْخِلُهم في الصّالِحِينَ أيْ يَجْعَلُهم مِنهم ويُدْخِلُهم في عِدادِهِمْ كَما يُقالُ الفَقِيهُ داخِلٌ في العُلَماءِ. صفحة ٣٤ المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ الحُكَماءُ: عالَمُ العَناصِرِ عالَمُ الكَوْنِ والفَسادِ، وما فِيهِ يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ الفَسادُ، فَإنَّ الماءَ يَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ ماءً، ويَفْسُدُ ويَتَكَوَّنُ مِنهُ هَواءٌ، وعالَمُ السَّماواتِ لا كَوْنَ فِيهِ ولا فَسادَ بَلْ يُوجَدُ مِن عَدَمٍ، ولا يَعْدَمُ ولا يَصِيرُ المَلَكُ تُرابًا بِخِلافِ الإنْسانِ، فَإنَّهُ يَصِيرُ تُرابًا أوْ شَيْئًا آخَرَ، وعَلى هَذا فالعالَمُ العُلْوِيُّ لَيْسَ بِفاسِدٍ فَهو صالِحٌ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَنُدْخِلَنَّهم في الصّالِحِينَ﴾ أيْ في المُجَرَّدِينَ الَّذِينَ لا فَسادَ لَهم.

العنكبوت 29:10

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللَّهِ فَإذا أُوذِيَ في اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النّاسِ كَعَذابِ اللَّهِ ولَئِنْ جاءَ نَصْرٌ مِن رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إنّا كُنّا مَعَكم أوَلَيْسَ اللَّهُ بِأعْلَمَ بِما في صُدُورِ العالَمِينَ﴾ ﴿ولَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ولَيَعْلَمَنَّ المُنافِقِينَ﴾ نَقُولُ أقْسامُ المُكَلَّفِينَ ثَلاثَةٌ: مُؤْمِنٌ ظاهِرٌ بِحُسْنٍ اعْتِقادِهِ، وكافِرٌ مُجاهِرٌ بِكُفْرِهِ وعِنادِهِ، ومُذَبْذَبٌ بَيْنَهُما يُظْهِرُ الإيمانَ بِلِسانِهِ ويُضْمِرُ الكُفْرَ في فُؤادِهِ، واللَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ القِسْمَيْنِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا ولَيَعْلَمَنَّ الكاذِبِينَ﴾ (العَنْكَبُوتِ: ٣ ) وبَيَّنَ أحْوالَهُما بِقَوْلِهِ: ﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ بَيَّنَ القِسْمَ الثّالِثَ وقالَ: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللَّهِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا﴾ ولَمْ يَقُلْ آمَنتُ مَعَ أنَّهُ وحَّدَ الأفْعالَ الَّتِي بَعْدَهُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذا أُوذِيَ في اللَّهِ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿جَعَلَ فِتْنَةَ النّاسِ﴾؛ وذَلِكَ لِأنَّ المُنافِقَ كانَ يُشَبِّهُ نَفْسَهُ بِالمُؤْمِنِ، ويَقُولُ إيمانِي كَإيمانِكَ فَقالَ: ﴿آمَنّا﴾ يَعْنِي أنا والمُؤْمِنُ حَقًّا آمَنّا، إشْعارًا بِأنَّ إيمانَهُ كَإيمانِهِ، وهَذا كَما أنَّ الجَبانَ الضَّعِيفَ إذا خَرَجَ مَعَ الأبْطالِ في القِتالِ وهَزَمُوا خُصُومَهم، يَقُولُ الجَبانُ: خَرَجْنا وقاتَلْناهم وهَزَمْناهم، فَيَصِحُّ مِنَ السّامِعِ لِكَلامِهِ أنْ يَقُولَ: وماذا كُنْتَ أنْتَ فِيهِمْ حَتّى تَقُولَ خَرَجْنا وقاتَلْنا ؟ وهَذا الرَّدُّ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ يَفْهَمُ مِن كَلامِهِ أنَّ خُرُوجَهُ وقِتالَهُ كَخُرُوجِهِمْ وقِتالِهِمْ؛ لِأنَّهُ لا يَصِحُّ الإنْكارُ عَلَيْهِ في دَعْوى نَفْسِ الخُرُوجِ والقِتالِ، وكَذا قَوْلُ القائِلِ أنا والمَلِكُ ألْفَيْنا فُلانًا واسْتَقْبَلْناهُ يُنْكَرُ؛ لِأنَّ المَفْهُومَ مِنهُ المُساواةُ فَهم لَمّا أرادُوا إظْهارَ كَوْنِ إيمانِهِمْ كَإيمانِ المُحِقِّينَ كانَ الواحِدُ يَقُولُ: ﴿آمَنّا﴾ أيْ أنا والمُحِقُّ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿فَإذا أُوذِيَ في اللَّهِ﴾ هو في مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وأُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وأُوذُوا في سَبِيلِي﴾ (آلِ عِمْرانَ: ١٩٥) غَيْرَ أنَّ المُرادَ بِتِلْكَ الآيَةِ الصّابِرُونَ عَلى أذِيَّةِ الكافِرِينَ، والمُرادُ هَهُنا الَّذِينَ لَمْ يَصْبِرُوا عَلَيْها فَقالَ هُناكَ: ﴿وأُوذُوا في سَبِيلِي﴾ (آلِ عِمْرانَ: ١٩٥ ) وقالَ هَهُنا: ﴿أُوذِيَ في اللَّهِ﴾ ولَمْ يَقُلْ في سَبِيلِ اللَّهِ، واللَّطِيفَةُ فِيهِ أنَّ اللَّهَ أرادَ بَيانَ شَرَفِ المُؤْمِنِ الصّابِرِ، وخِسَّةَ المُنافِقِ الكافِرِ فَقالَ هُناكَ أُوذِيَ المُؤْمِنُ في سَبِيلِ اللَّهِ؛ لِيَتْرُكَ سَبِيلَهُ ولَمْ يَتْرُكْهُ، وأُوذِيَ المُنافِقُ الكافِرُ فَتَرَكَ اللَّهَ بِنَفْسِهِ، وكانَ يُمْكِنُهُ أنْ يُظْهِرَ مُوافَقَتَهم إنْ بَلَغَ الإيذاءُ إلى حَدِّ الإكْراهِ، ويَكُونُ قَلْبُهُ مُطْمَئِنًا بِالإيمانِ فَلا يَتْرُكُ اللَّهَ، ومَعَ هَذا لَمْ يَفْعَلْهُ بَلْ تَرَكَ اللَّهَ بِالكُلِّيَّةِ، والمُؤْمِنُ أُوذِيَ ولَمْ يَتْرُكْ صفحة ٣٥ سَبِيلَ اللَّهِ بَلْ أظْهَرَ كَلِمَتَيِ الشَّهادَةِ وصَبَرَ عَلى الطّاعَةِ والعِبادَةِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿جَعَلَ فِتْنَةَ النّاسِ كَعَذابِ اللَّهِ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: جَعَلَ فِتْنَةَ النّاسِ صارِفَةً عَنِ الإيمانِ كَما أنَّ عَذابَ اللَّهِ صارِفٌ عَنِ الكُفْرِ، وقِيلَ جَزِعُوا مِن عَذابِ النّاسِ كَما جَزِعُوا مِن عَذابِ اللَّهِ، وبِالجُمْلَةِ مَعْناهُ أنَّهم جَعَلُوا فِتْنَةَ النّاسِ مَعَ ضَعْفِها وانْقِطاعِها كَعَذابِ اللَّهِ الألِيمِ الدّائِمِ، حَتّى تَرَدَّدُوا في الأمْرِ، وقالُوا: إنْ آمَنّا نَتَعَرَّضُ لِلتَّأذِّي مِنَ النّاسِ، وإنْ تَرَكْنا الإيمانَ نَتَعَرَّضُ لِما تَوَعَّدَنا بِهِ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، واخْتارُوا الِاحْتِرازَ عَنِ التَّأذِّي العاجِلِ، ولا يَكُونُ التَّرَدُّدُ إلّا عِنْدَ التَّساوِي، ومِن أيْنَ إلى أيْنَ تَعْذِيبُ النّاسِ لا يَكُونُ شَدِيدًا ولا يَكُونُ مَدِيدًا؛ لِأنَّ العَذابَ إنْ كانَ شَدِيدًا كَعَذابِ النّارِ وغَيْرِهِ يَمُوتُ الإنْسانُ في الحالِ فَلا يَدُومُ التَّعْذِيبُ، وإنْ كانَ مَدِيدًا كالحَبْسِ والحَصْرِ لا يَكُونُ شَدِيدًا، وعَذابُ اللَّهِ شَدِيدٌ وزَمانُهُ مَدِيدٌ، وأيْضًا عَذابُ النّاسِ لَهُ دافِعٌ وعَذابُ اللَّهِ ما لَهُ مِن دافِعٍ، وأيْضًا عَذابُ النّاسِ عَلَيْهِ ثَوابٌ عَظِيمٌ، وعَذابُ اللَّهِ بَعْدَهُ عَذابٌ ألِيمٌ، والمَشَقَّةُ إذا كانَتْ مُسْتَعْقِبَةً لِلرّاحَةِ العَظِيمَةِ تَطِيبُ ولا تُعَدُّ عَذابًا كَما تُقْطَعُ السِّلْعَةُ المُؤْذِيَةُ ولا تُعَدُّ عَذابًا. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ: ﴿فِتْنَةَ النّاسِ﴾ ولَمْ يَقُلْ: عَذابَ النّاسِ؛ لِأنَّ فِعْلَ العَبْدِ ابْتِلاءٌ وامْتِحانٌ مِنَ اللَّهِ، وفِتْنَتُهُ تَسْلِيطُ بَعْضِ النّاسِ عَلى مَن أظْهَرَ كَلِمَةَ الإيمانِ لِيُؤْذِيَهُ فَتَبِينُ مُنْزِلَتُهُ كَما جَعَلَ التَّكالِيفَ ابْتِلاءً وامْتِحانًا، وهَذا إشارَةٌ إلى أنَّ الصَّبْرَ عَلى البَلِيَّةِ الصّادِرَةِ ابْتِلاءٌ وامْتِحانٌ مِنَ الإنْسانِ كالصَّبْرِ عَلى العِباداتِ. المَسْألَةُ الخامِسَةُ: لَوْ قالَ قائِلٌ: هَذا يَقْتَضِي مَنعَ المُؤْمِنِ مِن إظْهارِ كَلِمَةِ الكُفْرِ بِالإكْراهِ؛ لَأنَّ مَن أظْهَرَ كَلِمَةَ الكُفْرِ بِالإكْراهِ احْتِرازًا عَنِ التَّعْذِيبِ العاجِلِ يَكُونُ قَدْ جَعَلَ فِتْنَةَ النّاسِ كَعَذابِ اللَّهِ، فَنَقُولُ لَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ مَن أُكْرِهَ عَلى الكُفْرِ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ، لَمْ يَجْعَلْ فِتْنَةَ النّاسِ كَعَذابِ اللَّهِ؛ لِأنَّ عَذابَ اللَّهِ يُوجِبُ تَرْكَ ما يُعَذِّبُ عَلَيْهِ ظاهِرًا وباطِنًا، وهَذا المُؤْمِنَ المُكْرَهَ لَمْ يَجْعَلْ فِتْنَةَ النّاسِ كَعَذابِ اللَّهِ، بِحَيْثُ يَتْرُكُ ما يُعَذِّبُ عَلَيْهِ ظاهِرًا وباطِنًا، بَلْ في باطِنِهِ الإيمانُ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَئِنْ جاءَ نَصْرٌ مِن رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إنّا كُنّا مَعَكُمْ﴾ يَعْنِي: دَأْبُ المُنافِقِ أنَّهُ إنْ رَأى اليَدَ لِلْكافِرِ أظْهَرَ ما أضْمَرَ، وأظْهَرَ المَعِيَّةَ وادَّعى التَّبَعِيَّةَ، وفِيهِ فَوائِدُ نَذْكُرُها في مَسائِلَ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ: ﴿ولَئِنْ جاءَ نَصْرٌ مِن رَبِّكَ﴾ ولَمْ يَقُلْ مِنَ اللَّهِ، مَعَ أنَّ ما تَقَدَّمَ كانَ كُلُّهُ بِذِكْرِ اللَّهِ كَقَوْلِهِ: ﴿أُوذِيَ في اللَّهِ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿كَعَذابِ اللَّهِ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ الرَّبَّ اسْمٌ مَدْلُولُهُ الخاصُّ بِهِ الشَّفَقَةُ والرَّحْمَةُ، واللَّهُ اسْمٌ مَدْلُولُهُ الهَيْبَةُ والعَظَمَةُ، فَعِنْدَ النَّصْرِ ذَكَرَ اللَّفْظَ الدّالَّ عَلى الرَّحْمَةِ والعاطِفَةِ، وعِنْدَ العَذابِ ذَكَرَ اللَّفْظَ الدّالَّ عَلى العَظَمَةِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لَمْ يَقُلْ ولَئِنْ جاءَكم أوْ جاءَكَ بَلْ قالَ: ﴿ولَئِنْ جاءَ نَصْرٌ مِن رَبِّكَ﴾ والنَّصْرُ لَوْ جاءَهم ما كانُوا يَقُولُونَ: ﴿إنّا كُنّا مَعَكُمْ﴾ وهَذا يَقْتَضِي أنْ يَكُونُوا قائِلِينَ: إنّا مَعَكم إذا جاءَ نَصْرٌ سَواءٌ جاءَهم أوْ جاءَ المُؤْمِنِينَ، فَنَقُولُ هَذا الكَلامَ يَقْتَضِي أنْ يَكُونُوا قائِلِينَ إنّا مَعَكم إذا جاءَ النَّصْرُ، لَكِنَّ النَّصْرَ لا يَجِيءُ إلّا لِلْمُؤْمِنِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ﴾ (الرُّومِ: ٤٧ ) ولِأنَّ غَلَبَةَ الكافِرِ عَلى المُسْلِمِ لَيْسَ بِنَصْرٍ؛ لِأنَّ النَّصْرَ ما يَكُونُ عاقِبَتُهُ سَلِيمَةً، بِدَلِيلِ أنَّ أحَدَ الجَيْشَيْنِ إنِ انْهَزَمَ في الحالِ ثُمَّ كَرَّ المُنْهَزِمُ كَرَّةً أُخْرى وهَزَمُوا الغالِبِينَ، لا يُطْلَقُ اسْمُ المَنصُورِ إلّا عَلى مَن كانَ لَهُ العاقِبَةُ، فَكَذَلِكَ المُسْلِمُ وإنْ كُسِرَ في صفحة ٣٦ الحالِ فالعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ، فالنَّصْرُ لَهم في الحَقِيقَةِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في (لَيَقُولُنَّ) قِراءَتانِ: إحْداهُما: الفَتْحُ حَمْلًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿مَن يَقُولُ آمَنّا﴾ يَعْنِي مَن يَقُولُ آمَنّا إذا أُوذِيَ يَتْرُكُ ذَلِكَ القَوْلَ، وإذا جاءَ النَّصْرُ يَقُولُ: إنّا كُنّا مَعَكم. وثانِيَتُهُما: الضَّمُّ عَلى الجَمْعِ إسْنادًا لِلْقَوْلِ إلى الجَمِيعِ الَّذِينَ دَلَّ عَلَيْهِمُ المَفْهُومُ، فَإنَّ المُنافِقِينَ كانُوا جَماعَةً، ثُمَّ بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّهم أرادُوا التَّلْبِيسَ، ولا يَصِحُّ ذَلِكَ لَهم؛ لِأنَّ التَّلْبِيسَ إنَّما يَكُونُ عِنْدَما يُخالِفُ القَوْلُ القَلْبَ، فالسّامِعُ يَبْنِي الأمْرَ عَلى قَوْلِهِ ولا يَدْرِي ما في قَلْبِهِ، فَيَلْتَبِسُ الأمْرُ عَلَيْهِ، وأمّا اللَّهُ تَعالى فَهو عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ، وهو أعْلَمُ بِما في صَدْرِ الإنْسانِ مِنَ الإنْسانِ، فَلا يَلْتَبِسُ عَلَيْهِ الأمْرُ، وهَذا إشارَةٌ إلى أنَّ الِاعْتِبارَ بِما في القَلْبِ، فالمُنافِقُ الَّذِي يُظْهِرُ الإيمانَ ويُضْمِرُ الكُفْرَ كافِرٌ، والمُؤْمِنُ المُكْرَهُ الَّذِي يُظْهِرُ الكُفْرَ ويُضْمِرُ الإيمانَ مُؤْمِنٌ واللَّهُ أعْلَمُ بِما في صُدُورِ العالَمِينَ، ولَمّا بَيَّنَ أنَّهُ أعْلَمَ بِما في قُلُوبِ العالَمِينَ، بَيَّنَ أنَّهُ يَعْلَمُ المُؤْمِنَ المُحِقَّ وإنْ لَمْ يَتَكَلَّمْ، والمُنافِقَ وإنْ تَكَلَّمَ فَقالَ: ﴿ولَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ولَيَعْلَمَنَّ المُنافِقِينَ﴾ وقَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ، لَكِنْ فِيهِ مَسْألَةٌ واحِدَةٌ وهي أنَّ اللَّهَ قالَ هُناكَ: ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ وقالَ هَهُنا: ﴿ولَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فَنَقُولُ لَمّا كانَ الذِّكْرُ هُناكَ لِلْمُؤْمِنِ والكافِرِ، والكافِرُ في قَوْلِهِ كاذِبٌ، فَإنَّهُ يَقُولُ: اللَّهُ أكْثَرُ مِن واحِدٍ، والمُؤْمِنُ في قَوْلِهِ صادِقٌ، فَإنَّهُ كانَ يَقُولُ اللَّهُ واحِدٌ، ولَمْ يَكُنْ هُناكَ ذِكْرُ مَن يُضْمِرُ خِلافَ ما يُظْهِرُ، فَكانَ الحاصِلُ هُناكَ قِسْمَيْنِ صادِقًا وكاذِبًا، وكانَ هَهُنا المُنافِقُ صادِقًا في قَوْلِهِ فَإنَّهُ كانَ يَقُولُ اللَّهُ واحِدٌ، فاعْتَبَرَ أمْرَ القَلْبِ في المُنافِقِ فَقالَ: ﴿ولَيَعْلَمَنَّ المُنافِقِينَ﴾ واعْتَبَرَ أمْرَ القَلْبِ في المُؤْمِنِ وهو التَّصْدِيقُ فَقالَ: ﴿ولَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ .

العنكبوت 29:11

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللَّهِ فَإذا أُوذِيَ في اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النّاسِ كَعَذابِ اللَّهِ ولَئِنْ جاءَ نَصْرٌ مِن رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إنّا كُنّا مَعَكم أوَلَيْسَ اللَّهُ بِأعْلَمَ بِما في صُدُورِ العالَمِينَ﴾ ﴿ولَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ولَيَعْلَمَنَّ المُنافِقِينَ﴾ نَقُولُ أقْسامُ المُكَلَّفِينَ ثَلاثَةٌ: مُؤْمِنٌ ظاهِرٌ بِحُسْنٍ اعْتِقادِهِ، وكافِرٌ مُجاهِرٌ بِكُفْرِهِ وعِنادِهِ، ومُذَبْذَبٌ بَيْنَهُما يُظْهِرُ الإيمانَ بِلِسانِهِ ويُضْمِرُ الكُفْرَ في فُؤادِهِ، واللَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ القِسْمَيْنِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا ولَيَعْلَمَنَّ الكاذِبِينَ﴾ (العَنْكَبُوتِ: ٣ ) وبَيَّنَ أحْوالَهُما بِقَوْلِهِ: ﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ بَيَّنَ القِسْمَ الثّالِثَ وقالَ: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللَّهِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا﴾ ولَمْ يَقُلْ آمَنتُ مَعَ أنَّهُ وحَّدَ الأفْعالَ الَّتِي بَعْدَهُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذا أُوذِيَ في اللَّهِ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿جَعَلَ فِتْنَةَ النّاسِ﴾؛ وذَلِكَ لِأنَّ المُنافِقَ كانَ يُشَبِّهُ نَفْسَهُ بِالمُؤْمِنِ، ويَقُولُ إيمانِي كَإيمانِكَ فَقالَ: ﴿آمَنّا﴾ يَعْنِي أنا والمُؤْمِنُ حَقًّا آمَنّا، إشْعارًا بِأنَّ إيمانَهُ كَإيمانِهِ، وهَذا كَما أنَّ الجَبانَ الضَّعِيفَ إذا خَرَجَ مَعَ الأبْطالِ في القِتالِ وهَزَمُوا خُصُومَهم، يَقُولُ الجَبانُ: خَرَجْنا وقاتَلْناهم وهَزَمْناهم، فَيَصِحُّ مِنَ السّامِعِ لِكَلامِهِ أنْ يَقُولَ: وماذا كُنْتَ أنْتَ فِيهِمْ حَتّى تَقُولَ خَرَجْنا وقاتَلْنا ؟ وهَذا الرَّدُّ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ يَفْهَمُ مِن كَلامِهِ أنَّ خُرُوجَهُ وقِتالَهُ كَخُرُوجِهِمْ وقِتالِهِمْ؛ لِأنَّهُ لا يَصِحُّ الإنْكارُ عَلَيْهِ في دَعْوى نَفْسِ الخُرُوجِ والقِتالِ، وكَذا قَوْلُ القائِلِ أنا والمَلِكُ ألْفَيْنا فُلانًا واسْتَقْبَلْناهُ يُنْكَرُ؛ لِأنَّ المَفْهُومَ مِنهُ المُساواةُ فَهم لَمّا أرادُوا إظْهارَ كَوْنِ إيمانِهِمْ كَإيمانِ المُحِقِّينَ كانَ الواحِدُ يَقُولُ: ﴿آمَنّا﴾ أيْ أنا والمُحِقُّ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿فَإذا أُوذِيَ في اللَّهِ﴾ هو في مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وأُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وأُوذُوا في سَبِيلِي﴾ (آلِ عِمْرانَ: ١٩٥) غَيْرَ أنَّ المُرادَ بِتِلْكَ الآيَةِ الصّابِرُونَ عَلى أذِيَّةِ الكافِرِينَ، والمُرادُ هَهُنا الَّذِينَ لَمْ يَصْبِرُوا عَلَيْها فَقالَ هُناكَ: ﴿وأُوذُوا في سَبِيلِي﴾ (آلِ عِمْرانَ: ١٩٥ ) وقالَ هَهُنا: ﴿أُوذِيَ في اللَّهِ﴾ ولَمْ يَقُلْ في سَبِيلِ اللَّهِ، واللَّطِيفَةُ فِيهِ أنَّ اللَّهَ أرادَ بَيانَ شَرَفِ المُؤْمِنِ الصّابِرِ، وخِسَّةَ المُنافِقِ الكافِرِ فَقالَ هُناكَ أُوذِيَ المُؤْمِنُ في سَبِيلِ اللَّهِ؛ لِيَتْرُكَ سَبِيلَهُ ولَمْ يَتْرُكْهُ، وأُوذِيَ المُنافِقُ الكافِرُ فَتَرَكَ اللَّهَ بِنَفْسِهِ، وكانَ يُمْكِنُهُ أنْ يُظْهِرَ مُوافَقَتَهم إنْ بَلَغَ الإيذاءُ إلى حَدِّ الإكْراهِ، ويَكُونُ قَلْبُهُ مُطْمَئِنًا بِالإيمانِ فَلا يَتْرُكُ اللَّهَ، ومَعَ هَذا لَمْ يَفْعَلْهُ بَلْ تَرَكَ اللَّهَ بِالكُلِّيَّةِ، والمُؤْمِنُ أُوذِيَ ولَمْ يَتْرُكْ صفحة ٣٥ سَبِيلَ اللَّهِ بَلْ أظْهَرَ كَلِمَتَيِ الشَّهادَةِ وصَبَرَ عَلى الطّاعَةِ والعِبادَةِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿جَعَلَ فِتْنَةَ النّاسِ كَعَذابِ اللَّهِ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: جَعَلَ فِتْنَةَ النّاسِ صارِفَةً عَنِ الإيمانِ كَما أنَّ عَذابَ اللَّهِ صارِفٌ عَنِ الكُفْرِ، وقِيلَ جَزِعُوا مِن عَذابِ النّاسِ كَما جَزِعُوا مِن عَذابِ اللَّهِ، وبِالجُمْلَةِ مَعْناهُ أنَّهم جَعَلُوا فِتْنَةَ النّاسِ مَعَ ضَعْفِها وانْقِطاعِها كَعَذابِ اللَّهِ الألِيمِ الدّائِمِ، حَتّى تَرَدَّدُوا في الأمْرِ، وقالُوا: إنْ آمَنّا نَتَعَرَّضُ لِلتَّأذِّي مِنَ النّاسِ، وإنْ تَرَكْنا الإيمانَ نَتَعَرَّضُ لِما تَوَعَّدَنا بِهِ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، واخْتارُوا الِاحْتِرازَ عَنِ التَّأذِّي العاجِلِ، ولا يَكُونُ التَّرَدُّدُ إلّا عِنْدَ التَّساوِي، ومِن أيْنَ إلى أيْنَ تَعْذِيبُ النّاسِ لا يَكُونُ شَدِيدًا ولا يَكُونُ مَدِيدًا؛ لِأنَّ العَذابَ إنْ كانَ شَدِيدًا كَعَذابِ النّارِ وغَيْرِهِ يَمُوتُ الإنْسانُ في الحالِ فَلا يَدُومُ التَّعْذِيبُ، وإنْ كانَ مَدِيدًا كالحَبْسِ والحَصْرِ لا يَكُونُ شَدِيدًا، وعَذابُ اللَّهِ شَدِيدٌ وزَمانُهُ مَدِيدٌ، وأيْضًا عَذابُ النّاسِ لَهُ دافِعٌ وعَذابُ اللَّهِ ما لَهُ مِن دافِعٍ، وأيْضًا عَذابُ النّاسِ عَلَيْهِ ثَوابٌ عَظِيمٌ، وعَذابُ اللَّهِ بَعْدَهُ عَذابٌ ألِيمٌ، والمَشَقَّةُ إذا كانَتْ مُسْتَعْقِبَةً لِلرّاحَةِ العَظِيمَةِ تَطِيبُ ولا تُعَدُّ عَذابًا كَما تُقْطَعُ السِّلْعَةُ المُؤْذِيَةُ ولا تُعَدُّ عَذابًا. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ: ﴿فِتْنَةَ النّاسِ﴾ ولَمْ يَقُلْ: عَذابَ النّاسِ؛ لِأنَّ فِعْلَ العَبْدِ ابْتِلاءٌ وامْتِحانٌ مِنَ اللَّهِ، وفِتْنَتُهُ تَسْلِيطُ بَعْضِ النّاسِ عَلى مَن أظْهَرَ كَلِمَةَ الإيمانِ لِيُؤْذِيَهُ فَتَبِينُ مُنْزِلَتُهُ كَما جَعَلَ التَّكالِيفَ ابْتِلاءً وامْتِحانًا، وهَذا إشارَةٌ إلى أنَّ الصَّبْرَ عَلى البَلِيَّةِ الصّادِرَةِ ابْتِلاءٌ وامْتِحانٌ مِنَ الإنْسانِ كالصَّبْرِ عَلى العِباداتِ. المَسْألَةُ الخامِسَةُ: لَوْ قالَ قائِلٌ: هَذا يَقْتَضِي مَنعَ المُؤْمِنِ مِن إظْهارِ كَلِمَةِ الكُفْرِ بِالإكْراهِ؛ لَأنَّ مَن أظْهَرَ كَلِمَةَ الكُفْرِ بِالإكْراهِ احْتِرازًا عَنِ التَّعْذِيبِ العاجِلِ يَكُونُ قَدْ جَعَلَ فِتْنَةَ النّاسِ كَعَذابِ اللَّهِ، فَنَقُولُ لَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ مَن أُكْرِهَ عَلى الكُفْرِ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ، لَمْ يَجْعَلْ فِتْنَةَ النّاسِ كَعَذابِ اللَّهِ؛ لِأنَّ عَذابَ اللَّهِ يُوجِبُ تَرْكَ ما يُعَذِّبُ عَلَيْهِ ظاهِرًا وباطِنًا، وهَذا المُؤْمِنَ المُكْرَهَ لَمْ يَجْعَلْ فِتْنَةَ النّاسِ كَعَذابِ اللَّهِ، بِحَيْثُ يَتْرُكُ ما يُعَذِّبُ عَلَيْهِ ظاهِرًا وباطِنًا، بَلْ في باطِنِهِ الإيمانُ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَئِنْ جاءَ نَصْرٌ مِن رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إنّا كُنّا مَعَكُمْ﴾ يَعْنِي: دَأْبُ المُنافِقِ أنَّهُ إنْ رَأى اليَدَ لِلْكافِرِ أظْهَرَ ما أضْمَرَ، وأظْهَرَ المَعِيَّةَ وادَّعى التَّبَعِيَّةَ، وفِيهِ فَوائِدُ نَذْكُرُها في مَسائِلَ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ: ﴿ولَئِنْ جاءَ نَصْرٌ مِن رَبِّكَ﴾ ولَمْ يَقُلْ مِنَ اللَّهِ، مَعَ أنَّ ما تَقَدَّمَ كانَ كُلُّهُ بِذِكْرِ اللَّهِ كَقَوْلِهِ: ﴿أُوذِيَ في اللَّهِ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿كَعَذابِ اللَّهِ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ الرَّبَّ اسْمٌ مَدْلُولُهُ الخاصُّ بِهِ الشَّفَقَةُ والرَّحْمَةُ، واللَّهُ اسْمٌ مَدْلُولُهُ الهَيْبَةُ والعَظَمَةُ، فَعِنْدَ النَّصْرِ ذَكَرَ اللَّفْظَ الدّالَّ عَلى الرَّحْمَةِ والعاطِفَةِ، وعِنْدَ العَذابِ ذَكَرَ اللَّفْظَ الدّالَّ عَلى العَظَمَةِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لَمْ يَقُلْ ولَئِنْ جاءَكم أوْ جاءَكَ بَلْ قالَ: ﴿ولَئِنْ جاءَ نَصْرٌ مِن رَبِّكَ﴾ والنَّصْرُ لَوْ جاءَهم ما كانُوا يَقُولُونَ: ﴿إنّا كُنّا مَعَكُمْ﴾ وهَذا يَقْتَضِي أنْ يَكُونُوا قائِلِينَ: إنّا مَعَكم إذا جاءَ نَصْرٌ سَواءٌ جاءَهم أوْ جاءَ المُؤْمِنِينَ، فَنَقُولُ هَذا الكَلامَ يَقْتَضِي أنْ يَكُونُوا قائِلِينَ إنّا مَعَكم إذا جاءَ النَّصْرُ، لَكِنَّ النَّصْرَ لا يَجِيءُ إلّا لِلْمُؤْمِنِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ﴾ (الرُّومِ: ٤٧ ) ولِأنَّ غَلَبَةَ الكافِرِ عَلى المُسْلِمِ لَيْسَ بِنَصْرٍ؛ لِأنَّ النَّصْرَ ما يَكُونُ عاقِبَتُهُ سَلِيمَةً، بِدَلِيلِ أنَّ أحَدَ الجَيْشَيْنِ إنِ انْهَزَمَ في الحالِ ثُمَّ كَرَّ المُنْهَزِمُ كَرَّةً أُخْرى وهَزَمُوا الغالِبِينَ، لا يُطْلَقُ اسْمُ المَنصُورِ إلّا عَلى مَن كانَ لَهُ العاقِبَةُ، فَكَذَلِكَ المُسْلِمُ وإنْ كُسِرَ في صفحة ٣٦ الحالِ فالعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ، فالنَّصْرُ لَهم في الحَقِيقَةِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في (لَيَقُولُنَّ) قِراءَتانِ: إحْداهُما: الفَتْحُ حَمْلًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿مَن يَقُولُ آمَنّا﴾ يَعْنِي مَن يَقُولُ آمَنّا إذا أُوذِيَ يَتْرُكُ ذَلِكَ القَوْلَ، وإذا جاءَ النَّصْرُ يَقُولُ: إنّا كُنّا مَعَكم. وثانِيَتُهُما: الضَّمُّ عَلى الجَمْعِ إسْنادًا لِلْقَوْلِ إلى الجَمِيعِ الَّذِينَ دَلَّ عَلَيْهِمُ المَفْهُومُ، فَإنَّ المُنافِقِينَ كانُوا جَماعَةً، ثُمَّ بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّهم أرادُوا التَّلْبِيسَ، ولا يَصِحُّ ذَلِكَ لَهم؛ لِأنَّ التَّلْبِيسَ إنَّما يَكُونُ عِنْدَما يُخالِفُ القَوْلُ القَلْبَ، فالسّامِعُ يَبْنِي الأمْرَ عَلى قَوْلِهِ ولا يَدْرِي ما في قَلْبِهِ، فَيَلْتَبِسُ الأمْرُ عَلَيْهِ، وأمّا اللَّهُ تَعالى فَهو عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ، وهو أعْلَمُ بِما في صَدْرِ الإنْسانِ مِنَ الإنْسانِ، فَلا يَلْتَبِسُ عَلَيْهِ الأمْرُ، وهَذا إشارَةٌ إلى أنَّ الِاعْتِبارَ بِما في القَلْبِ، فالمُنافِقُ الَّذِي يُظْهِرُ الإيمانَ ويُضْمِرُ الكُفْرَ كافِرٌ، والمُؤْمِنُ المُكْرَهُ الَّذِي يُظْهِرُ الكُفْرَ ويُضْمِرُ الإيمانَ مُؤْمِنٌ واللَّهُ أعْلَمُ بِما في صُدُورِ العالَمِينَ، ولَمّا بَيَّنَ أنَّهُ أعْلَمَ بِما في قُلُوبِ العالَمِينَ، بَيَّنَ أنَّهُ يَعْلَمُ المُؤْمِنَ المُحِقَّ وإنْ لَمْ يَتَكَلَّمْ، والمُنافِقَ وإنْ تَكَلَّمَ فَقالَ: ﴿ولَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ولَيَعْلَمَنَّ المُنافِقِينَ﴾ وقَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ، لَكِنْ فِيهِ مَسْألَةٌ واحِدَةٌ وهي أنَّ اللَّهَ قالَ هُناكَ: ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ وقالَ هَهُنا: ﴿ولَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فَنَقُولُ لَمّا كانَ الذِّكْرُ هُناكَ لِلْمُؤْمِنِ والكافِرِ، والكافِرُ في قَوْلِهِ كاذِبٌ، فَإنَّهُ يَقُولُ: اللَّهُ أكْثَرُ مِن واحِدٍ، والمُؤْمِنُ في قَوْلِهِ صادِقٌ، فَإنَّهُ كانَ يَقُولُ اللَّهُ واحِدٌ، ولَمْ يَكُنْ هُناكَ ذِكْرُ مَن يُضْمِرُ خِلافَ ما يُظْهِرُ، فَكانَ الحاصِلُ هُناكَ قِسْمَيْنِ صادِقًا وكاذِبًا، وكانَ هَهُنا المُنافِقُ صادِقًا في قَوْلِهِ فَإنَّهُ كانَ يَقُولُ اللَّهُ واحِدٌ، فاعْتَبَرَ أمْرَ القَلْبِ في المُنافِقِ فَقالَ: ﴿ولَيَعْلَمَنَّ المُنافِقِينَ﴾ واعْتَبَرَ أمْرَ القَلْبِ في المُؤْمِنِ وهو التَّصْدِيقُ فَقالَ: ﴿ولَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ .

العنكبوت 29:12

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنا ولْنَحْمِلْ خَطاياكم وما هم بِحامِلِينَ مِن خَطاياهم مِن شَيْءٍ إنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ لَمّا بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى الفِرَقَ الثَّلاثَةَ وأحْوالَهم، وذَكَرَ أنَّ الكافِرَ يَدْعُو مَن يَقُولُ آمَنتُ إلى الكُفْرِ بِالفِتْنَةِ، وبَيَّنَ أنَّ عَذابَ اللَّهِ فَوْقَها، وكانَ الكافِرُ يَقُولُ لِلْمُؤْمِنِ تَصْبِرُ في الذُّلِّ وعَلى الإيذاءِ لِأيِّ شَيْءٍ ولِمَ لا تَدْفَعُ عَنْ نَفْسِكَ الذُّلَّ والعَذابَ بِمُوافَقَتِنا ؟ فَكانَ جَوابُ المُؤْمِنِ أنْ يَقُولَ: خَوْفًا مِن عَذابِ اللَّهِ عَلى خَطِيئَةِ مَذْهَبِكم، فَقالُوا لا خَطِيئَةَ فِيهِ، وإنْ كانَ فِيهِ خَطِيئَةٌ فَعَلَيْنا، وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: (ولْنَحْمِلْ) صِيغَةُ أمْرٍ، والمَأْمُورُ غَيْرُ الأمْرِ، فَكَيْفَ يَصِحُّ أمْرُ النَّفْسِ مِنَ الشَّخْصِ ؟ فَنَقُولُ الصِّيغَةُ أمْرٌ، والمَعْنى شَرْطٌ وجَزاءٌ، أيْ إنِ اتَّبَعْتُمُونا حَمَلْنا خَطاياكم، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: هو في مَعْنى قَوْلِ مَن يُرِيدُ اجْتِماعَ أمْرَيْنِ في الوُجُودِ، فَيَقُولُ لِيَكُنْ مِنكَ العَطاءُ ولْيَكُنْ مِنِّي الدُّعاءُ، فَقَوْلُهُ: (ولْنَحْمِلْ)، أيْ لِيَكُنْ مِنّا الحَمْلُ، ولَيْسَ هو في الحَقِيقَةِ أمْرُ طَلَبٍ وإيجابٍ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ: ﴿وما هم بِحامِلِينَ مِن خَطاياهُمْ﴾ وقالَ بَعْدَ هَذا: ﴿ولَيَحْمِلُنَّ أثْقالَهم وأثْقالًا مَعَ أثْقالِهِمْ﴾ صفحة ٣٧ فَهُناكَ نَفى الحَمْلَ، وهَهُنا أثْبَتَ الحَمْلَ، فَكَيْفَ الجَمْعُ بَيْنَهُما ؟ فَنَقُولُ: قَوْلُ القائِلِ: فُلانٌ حَمَلَ عَنْ فُلانٍ يُفِيدُ أنَّ حِمْلَ فُلانٍ خَفَّ، وإذا لَمْ يَخِفَّ حِمْلُهُ فَلا يَكُونُ قَدْ حَمَلَ مِنهُ شَيْئًا، فَكَذَلِكَ هَهُنا ما هم بِحامِلِينَ مِن خَطاياهم يَعْنِي لا يَرْفَعُونَ عَنْهم خَطِيئَةً، وهم يَحْمِلُونَ أوْزارًا بِسَبَبِ إضْلالِهِمْ ويَحْمِلُونَ أوْزارًا بِسَبَبِ ضَلالَتِهِمْ، كَما قالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«مَن سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعَلَيْهِ وِزْرُها ووِزْرُ مَن عَمِلَ بِها مِن غَيْرِ أنْ يَنْقُصَ مِن وِزْرِهِ شَيْءٌ» “ . المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الصِّيغَةُ أمْرٌ، والأمْرُ لا يَدْخُلُهُ التَّصْدِيقُ والتَّكْذِيبُ، فَكَيْفَ يُفْهَمُ قَوْلُهُ: ﴿إنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ نَقُولُ: قَدْ تَبَيَّنَ أنَّ مَعْناهُ شَرْطٌ وجَزاءٌ، فَكَأنَّهم قالُوا: إنْ تَتَّبِعُونا نَحْمِلْ خَطاياكم، وهم كَذَبُوا في هَذا فَإنَّهم لا يَحْمِلُونَ شَيْئًا.

العنكبوت 29:13

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَيَحْمِلُنَّ أثْقالَهم وأثْقالًا مَعَ أثْقالِهِمْ ولَيُسْألُنَّ يَوْمَ القِيامَةِ عَمّا كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ فِي الَّذِي كانُوا يَفْتَرُونَهُ يَحْتَمِلُ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ: أحَدُها: كانَ قَوْلُهم: ﴿ولْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ﴾ صادِرًا لِاعْتِقادِهِمْ أنْ لا خَطِيئَةَ في الكُفْرِ، ثُمَّ يَوْمَ القِيامَةِ يَظْهَرُ لَهم خِلافُ ذَلِكَ، فَيُسْألُونَ عَنْ ذَلِكَ الِافْتِراءِ. وثانِيها: أنَّ قَوْلَهم: ﴿ولْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ﴾ كانَ عَنِ اعْتِقادِ أنْ لا حَشْرَ، فَإذا جاءَ يَوْمُ القِيامَةِ ظَهَرَ لَهم خِلافُ ذَلِكَ فَيُسْألُونَ ويُقالُ لَهم: أما قُلْتُمْ أنْ لا حَشْرَ. وثالِثُها: أنَّهم لَمّا قالُوا: إنْ تَتَّبِعُونا نَحْمِلْ يَوْمَ القِيامَةِ خَطاياكم، يُقالُ لَهم فاحْمِلُوا خَطاياهم فَلا يَحْمِلُونَ فَيُسْألُونَ، ويُقالُ لَهم: لِمَ افْتَرَيْتُمْ ؟

العنكبوت 29:14

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ ألْفَ سَنَةٍ إلّا خَمْسِينَ عامًا﴾ . وجْهُ تَعَلُّقِ الآيَةِ بِما قَبْلَها هو أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا بَيَّنَ التَّكْلِيفَ، وذَكَرَ أقْسامَ المُكَلَّفِينَ، ووَعَدَ المُؤْمِنَ الصّادِقَ بِالثَّوابِ العَظِيمِ، وأوْعَدَ الكافِرَ والمُنافِقَ بِالعَذابِ الألِيمِ، وكانَ قَدْ ذَكَرَ أنَّ هَذا التَّكْلِيفَ لَيْسَ مُخْتَصًّا بِالنَّبِيِّ وأصْحابِهِ وأُمَّتِهِ حَتّى صَعُبَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ، بَلْ قَبْلَهُ كانَ كَذَلِكَ كَما قالَ تَعالى: ﴿ولَقَدْ فَتَنّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ (العَنْكَبُوتِ: ٣ ) ذَكَرَ مِن جُمْلَةِ مَن كَلَّفَ جَماعَةً، مِنهم: نُوحٌ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلامُ وقَوْمُهُ، ومِنهم إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ وغَيْرُهُما، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ ألْفَ سَنَةٍ إلّا خَمْسِينَ عامًا﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: ما الفائِدَةُ في ذِكْرِ مُدَّةٍ لُبْثِهِ ؟ نَقُولُ: كانَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلامُ يَضِيقُ صَدْرُهُ بِسَبَبِ عَدَمِ دُخُولِ الكُفّارِ في الإسْلامِ، وإصْرارِهِمْ عَلى الكُفْرِ، فَقالَ: إنَّ نُوحًا لَبِثَ ألْفَ سَنَةٍ تَقْرِيبًا في الدُّعاءِ، ولَمْ يُؤْمِن مِن قَوْمِهِ إلّا قَلِيلٌ، وصَبَرَ وما ضَجِرَ، فَأنْتَ أوْلى بِالصَّبْرِ لِقِلَّةِ مُدَّةِ لُبْثِكَ، وكَثْرَةِ عَدَدِ أُمَّتِكَ، وأيْضًا كانَ الكُفّارُ يَغْتَرُّونَ بِتَأْخِيرِ العَذابِ عَنْهم أكْثَرَ، ومَعَ ذَلِكَ ما نَجَوْا فَبِهَذا المِقْدارِ مِنَ التَّأْخِيرِ لا يَنْبَغِي أنْ يَغْتَرُّوا فَإنَّ العَذابَ يَلْحَقُهم. صفحة ٣٨ المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: الِاسْتِثْناءُ في العَدَدِ تَكَلُّمٌ بِالباقِي، فَإذا قالَ القائِلُ: لِفُلانٍ عَلَيَّ عَشَرَةٌ إلّا ثَلاثَةً، فَكَأنَّهُ قالَ عَلَيَّ سَبْعَةٌ، إذا عُلِمَ هَذا فَقَوْلُهُ: ﴿ألْفَ سَنَةٍ إلّا خَمْسِينَ عامًا﴾ كَقَوْلِهِ: تِسْعَمِائَةٍ وخَمْسِينَ سَنَةً، فَما الفائِدَةُ في العُدُولِ عَنْ هَذِهِ العِبارَةِ إلى غَيْرِها ؟ فَنَقُولُ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ فِيهِ فائِدَتانِ: إحْداهُما: أنَّ الِاسْتِثْناءَ يَدُلُّ عَلى التَّحْقِيقِ وتَرْكَهُ قَدْ يُظَنُّ بِهِ التَّقْرِيبُ، فَإنَّ مَن قالَ: عاشَ فُلانٌ ألْفَ سَنَةٍ أيْ يُمْكِنُ أنْ يُتَوَهَّمَ أنْ يَقُولَ: ألْفُ سَنَةٍ تَقْرِيبًا لا تَحْقِيقًا، فَإذا قالَ إلّا شَهْرًا أوْ إلّا سَنَةً يَزُولُ ذَلِكَ التَّوَهُّمُ ويُفْهَمُ مِنهُ التَّحْقِيقُ. الثّانِيَةُ: هي أنَّ ذِكْرَ لُبْثِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ في قَوْمِهِ كانَ لِبَيانِ أنَّهُ صَبَرَ كَثِيرًا، فالنَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلامُ أوْلى بِالصَّبْرِ مَعَ قِصَرِ مُدَّةِ دُعائِهِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَذِكْرُ العَدَدِ الَّذِي في أعْلى مَراتِبِ الأعْدادِ الَّتِي لَها اسْمٌ مُفْرَدٌ مَوْضُوعٌ، فَإنَّ مَراتِبَ الأعْدادَ هي الآحادُ إلى العَشَرَةِ، والعَشَراتُ إلى المِائَةِ، والمِئاتُ إلى الألْفِ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يَكُونُ التَّكْثِيرُ بِالتَّكْرِيرِ فَيُقالُ عَشَرَةُ آلافٍ، ومِائَةُ ألْفٍ، وألْفُ ألْفٍ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ بَعْضُ الأطِبّاءِ العُمُرُ الإنْسانِيُّ لا يَزِيدُ عَلى مِائَةٍ وعِشْرِينَ سَنَةً والآيَةُ تَدُلُّ عَلى خِلافِ قَوْلِهِمْ، والعَقْلُ يُوافِقُها فَإنَّ البَقاءَ عَلى التَّرْكِيبِ الَّذِي في الإنْسانِ مُمْكِنٌ لِذاتِهِ، وإلّا لَما بَقِيَ، ودَوامُ تَأْثِيرِ المُؤَثِّرِ فِيهِ مُمْكِنٌ؛ لِأنَّ المُؤَثِّرَ فِيهِ إنْ كانَ واجِبَ الوُجُودِ فَظاهِرُ الدَّوامِ، وإنْ كانَ غَيْرَهُ فَلَهُ مُؤَثِّرٌ، ويَنْتَهِي إلى الواجِبِ وهو دائِمٌ، فَتَأْثِيرُهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ دائِمًا فَإذَنْ البَقاءُ مُمْكِنٌ في ذاتِهِ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ فَلِعارِضٍ لَكِنَّ العارِضَ مُمْكِنُ العَدَمِ، وإلّا لَما بَقِيَ هَذا المِقْدارُ لِوُجُوبِ وُجُودِ العارِضِ المانِعِ، فَظَهَرَ أنَّ كَلامَهم عَلى خِلافِ العَقْلِ والنَّقْلِ. (ثُمَّ نَقُولُ) لا نِزاعَ بَيْنَنا وبَيْنَهم لِأنَّهم يَقُولُونَ: العُمُرُ الطَّبِيعِيُّ لا يَكُونُ أكْثَرَ مِن مِائَةٍ وعِشْرِينَ سَنَةً، ونَحْنُ نَقُولُ: هَذا العُمُرُ لَيْسَ طَبِيعِيًّا بَلْ هو عَطاءٌ إلَهِيٌّ، وأمّا العُمُرُ الطَّبِيعِيُّ فَلا يَدُومُ عِنْدَنا ولا لَحْظَةً، فَضْلًا عَنْ مِائَةٍ أوْ أكْثَرَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأخَذَهُمُ الطُّوفانُ وهم ظالِمُونَ﴾ . فِيهِ إشارَةٌ إلى لَطِيفَةٍ، وهي أنَّ اللَّهَ لا يُعَذِّبُ عَلى مُجَرَّدِ وُجُودِ الظُّلْمِ وإلّا لَعَذَّبَ مَن ظَلَمَ وتابَ، فَإنَّ الظُّلْمَ وُجِدَ مِنهُ، وإنَّما يُعَذِّبُ عَلى الإصْرارِ عَلى الظُّلْمِ، فَقَوْلُهُ: ﴿وهم ظالِمُونَ﴾ يَعْنِي: أهْلَكَهم وهم عَلى ظُلْمِهِمْ، ولَوْ كانُوا تَرَكُوهُ لَما أهْلَكَهم. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأنْجَيْناهُ وأصْحابَ السَّفِينَةِ وجَعَلْناها آيَةً لِلْعالَمِينَ﴾ فِي الرّاجِعِ إلَيْهِ الهاءُ في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْناها﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّها راجِعَةٌ إلى السَّفِينَةِ المَذْكُورَةِ، وعَلى هَذا فَفي كَوْنِها آيَةً وُجُوهٌ: أحَدُها: أنَّها اتُّخِذَتْ قَبْلَ ظُهُورِ الماءِ ولَوْلا إعْلامُ اللَّهِ نُوحًا وإنْباؤُهُ إيّاهُ بِهِ لَما اشْتَغَلَ بِها فَلا تَحْصُلُ لَهُمُ النَّجاةُ. وثانِيها: أنَّ نُوحًا أُمِرَ بِأخْذِ قَوْمٍ مَعَهُ، ورَفْعِ قَدْرٍ مِنَ القُوتِ، والبَحْرُ العَظِيمُ لا يَتَوَقَّعُ أحَدٌ نُضُوبَهُ، ثُمَّ إنَّ الماءَ غِيضَ قَبْلَ نَفادِ الزّادِ ولَوْلا ذَلِكَ لَما حَصَلَ النَّجاةُ فَهو بِفَضْلِ اللَّهِ لا بِمُجَرَّدِ السَّفِينَةِ. وثالِثُها: أنَّ اللَّهَ تَعالى كَتَبَ سَلامَةَ السَّفِينَةِ عَنِ الرِّياحِ المُرْجِفَةِ والحَيَواناتِ المُؤْذِيَةِ، ولَوْلا ذَلِكَ لَما حَصَلَتِ النَّجاةُ. والثّانِي: أنَّها راجِعَةٌ إلى الواقِعَةِ أوْ إلى النَّجاةِ أيْ جَعَلْنا الواقِعَةَ أوِ النَّجاةَ آيَةً لِلْعالَمِينَ.

العنكبوت 29:15

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ ألْفَ سَنَةٍ إلّا خَمْسِينَ عامًا﴾ . وجْهُ تَعَلُّقِ الآيَةِ بِما قَبْلَها هو أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا بَيَّنَ التَّكْلِيفَ، وذَكَرَ أقْسامَ المُكَلَّفِينَ، ووَعَدَ المُؤْمِنَ الصّادِقَ بِالثَّوابِ العَظِيمِ، وأوْعَدَ الكافِرَ والمُنافِقَ بِالعَذابِ الألِيمِ، وكانَ قَدْ ذَكَرَ أنَّ هَذا التَّكْلِيفَ لَيْسَ مُخْتَصًّا بِالنَّبِيِّ وأصْحابِهِ وأُمَّتِهِ حَتّى صَعُبَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ، بَلْ قَبْلَهُ كانَ كَذَلِكَ كَما قالَ تَعالى: ﴿ولَقَدْ فَتَنّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ (العَنْكَبُوتِ: ٣ ) ذَكَرَ مِن جُمْلَةِ مَن كَلَّفَ جَماعَةً، مِنهم: نُوحٌ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلامُ وقَوْمُهُ، ومِنهم إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ وغَيْرُهُما، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ ألْفَ سَنَةٍ إلّا خَمْسِينَ عامًا﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: ما الفائِدَةُ في ذِكْرِ مُدَّةٍ لُبْثِهِ ؟ نَقُولُ: كانَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلامُ يَضِيقُ صَدْرُهُ بِسَبَبِ عَدَمِ دُخُولِ الكُفّارِ في الإسْلامِ، وإصْرارِهِمْ عَلى الكُفْرِ، فَقالَ: إنَّ نُوحًا لَبِثَ ألْفَ سَنَةٍ تَقْرِيبًا في الدُّعاءِ، ولَمْ يُؤْمِن مِن قَوْمِهِ إلّا قَلِيلٌ، وصَبَرَ وما ضَجِرَ، فَأنْتَ أوْلى بِالصَّبْرِ لِقِلَّةِ مُدَّةِ لُبْثِكَ، وكَثْرَةِ عَدَدِ أُمَّتِكَ، وأيْضًا كانَ الكُفّارُ يَغْتَرُّونَ بِتَأْخِيرِ العَذابِ عَنْهم أكْثَرَ، ومَعَ ذَلِكَ ما نَجَوْا فَبِهَذا المِقْدارِ مِنَ التَّأْخِيرِ لا يَنْبَغِي أنْ يَغْتَرُّوا فَإنَّ العَذابَ يَلْحَقُهم. صفحة ٣٨ المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: الِاسْتِثْناءُ في العَدَدِ تَكَلُّمٌ بِالباقِي، فَإذا قالَ القائِلُ: لِفُلانٍ عَلَيَّ عَشَرَةٌ إلّا ثَلاثَةً، فَكَأنَّهُ قالَ عَلَيَّ سَبْعَةٌ، إذا عُلِمَ هَذا فَقَوْلُهُ: ﴿ألْفَ سَنَةٍ إلّا خَمْسِينَ عامًا﴾ كَقَوْلِهِ: تِسْعَمِائَةٍ وخَمْسِينَ سَنَةً، فَما الفائِدَةُ في العُدُولِ عَنْ هَذِهِ العِبارَةِ إلى غَيْرِها ؟ فَنَقُولُ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ فِيهِ فائِدَتانِ: إحْداهُما: أنَّ الِاسْتِثْناءَ يَدُلُّ عَلى التَّحْقِيقِ وتَرْكَهُ قَدْ يُظَنُّ بِهِ التَّقْرِيبُ، فَإنَّ مَن قالَ: عاشَ فُلانٌ ألْفَ سَنَةٍ أيْ يُمْكِنُ أنْ يُتَوَهَّمَ أنْ يَقُولَ: ألْفُ سَنَةٍ تَقْرِيبًا لا تَحْقِيقًا، فَإذا قالَ إلّا شَهْرًا أوْ إلّا سَنَةً يَزُولُ ذَلِكَ التَّوَهُّمُ ويُفْهَمُ مِنهُ التَّحْقِيقُ. الثّانِيَةُ: هي أنَّ ذِكْرَ لُبْثِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ في قَوْمِهِ كانَ لِبَيانِ أنَّهُ صَبَرَ كَثِيرًا، فالنَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلامُ أوْلى بِالصَّبْرِ مَعَ قِصَرِ مُدَّةِ دُعائِهِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَذِكْرُ العَدَدِ الَّذِي في أعْلى مَراتِبِ الأعْدادِ الَّتِي لَها اسْمٌ مُفْرَدٌ مَوْضُوعٌ، فَإنَّ مَراتِبَ الأعْدادَ هي الآحادُ إلى العَشَرَةِ، والعَشَراتُ إلى المِائَةِ، والمِئاتُ إلى الألْفِ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يَكُونُ التَّكْثِيرُ بِالتَّكْرِيرِ فَيُقالُ عَشَرَةُ آلافٍ، ومِائَةُ ألْفٍ، وألْفُ ألْفٍ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ بَعْضُ الأطِبّاءِ العُمُرُ الإنْسانِيُّ لا يَزِيدُ عَلى مِائَةٍ وعِشْرِينَ سَنَةً والآيَةُ تَدُلُّ عَلى خِلافِ قَوْلِهِمْ، والعَقْلُ يُوافِقُها فَإنَّ البَقاءَ عَلى التَّرْكِيبِ الَّذِي في الإنْسانِ مُمْكِنٌ لِذاتِهِ، وإلّا لَما بَقِيَ، ودَوامُ تَأْثِيرِ المُؤَثِّرِ فِيهِ مُمْكِنٌ؛ لِأنَّ المُؤَثِّرَ فِيهِ إنْ كانَ واجِبَ الوُجُودِ فَظاهِرُ الدَّوامِ، وإنْ كانَ غَيْرَهُ فَلَهُ مُؤَثِّرٌ، ويَنْتَهِي إلى الواجِبِ وهو دائِمٌ، فَتَأْثِيرُهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ دائِمًا فَإذَنْ البَقاءُ مُمْكِنٌ في ذاتِهِ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ فَلِعارِضٍ لَكِنَّ العارِضَ مُمْكِنُ العَدَمِ، وإلّا لَما بَقِيَ هَذا المِقْدارُ لِوُجُوبِ وُجُودِ العارِضِ المانِعِ، فَظَهَرَ أنَّ كَلامَهم عَلى خِلافِ العَقْلِ والنَّقْلِ. (ثُمَّ نَقُولُ) لا نِزاعَ بَيْنَنا وبَيْنَهم لِأنَّهم يَقُولُونَ: العُمُرُ الطَّبِيعِيُّ لا يَكُونُ أكْثَرَ مِن مِائَةٍ وعِشْرِينَ سَنَةً، ونَحْنُ نَقُولُ: هَذا العُمُرُ لَيْسَ طَبِيعِيًّا بَلْ هو عَطاءٌ إلَهِيٌّ، وأمّا العُمُرُ الطَّبِيعِيُّ فَلا يَدُومُ عِنْدَنا ولا لَحْظَةً، فَضْلًا عَنْ مِائَةٍ أوْ أكْثَرَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأخَذَهُمُ الطُّوفانُ وهم ظالِمُونَ﴾ . فِيهِ إشارَةٌ إلى لَطِيفَةٍ، وهي أنَّ اللَّهَ لا يُعَذِّبُ عَلى مُجَرَّدِ وُجُودِ الظُّلْمِ وإلّا لَعَذَّبَ مَن ظَلَمَ وتابَ، فَإنَّ الظُّلْمَ وُجِدَ مِنهُ، وإنَّما يُعَذِّبُ عَلى الإصْرارِ عَلى الظُّلْمِ، فَقَوْلُهُ: ﴿وهم ظالِمُونَ﴾ يَعْنِي: أهْلَكَهم وهم عَلى ظُلْمِهِمْ، ولَوْ كانُوا تَرَكُوهُ لَما أهْلَكَهم. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأنْجَيْناهُ وأصْحابَ السَّفِينَةِ وجَعَلْناها آيَةً لِلْعالَمِينَ﴾ فِي الرّاجِعِ إلَيْهِ الهاءُ في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْناها﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّها راجِعَةٌ إلى السَّفِينَةِ المَذْكُورَةِ، وعَلى هَذا فَفي كَوْنِها آيَةً وُجُوهٌ: أحَدُها: أنَّها اتُّخِذَتْ قَبْلَ ظُهُورِ الماءِ ولَوْلا إعْلامُ اللَّهِ نُوحًا وإنْباؤُهُ إيّاهُ بِهِ لَما اشْتَغَلَ بِها فَلا تَحْصُلُ لَهُمُ النَّجاةُ. وثانِيها: أنَّ نُوحًا أُمِرَ بِأخْذِ قَوْمٍ مَعَهُ، ورَفْعِ قَدْرٍ مِنَ القُوتِ، والبَحْرُ العَظِيمُ لا يَتَوَقَّعُ أحَدٌ نُضُوبَهُ، ثُمَّ إنَّ الماءَ غِيضَ قَبْلَ نَفادِ الزّادِ ولَوْلا ذَلِكَ لَما حَصَلَ النَّجاةُ فَهو بِفَضْلِ اللَّهِ لا بِمُجَرَّدِ السَّفِينَةِ. وثالِثُها: أنَّ اللَّهَ تَعالى كَتَبَ سَلامَةَ السَّفِينَةِ عَنِ الرِّياحِ المُرْجِفَةِ والحَيَواناتِ المُؤْذِيَةِ، ولَوْلا ذَلِكَ لَما حَصَلَتِ النَّجاةُ. والثّانِي: أنَّها راجِعَةٌ إلى الواقِعَةِ أوْ إلى النَّجاةِ أيْ جَعَلْنا الواقِعَةَ أوِ النَّجاةَ آيَةً لِلْعالَمِينَ.

العنكبوت 29:16

صفحة ٣٩ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإبْراهِيمَ إذْ قالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ واتَّقُوهُ ذَلِكم خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ . لَمّا فَرَغَ مِنَ الإشارَةِ إلى حِكايَةِ نُوحٍ ذَكَرَ حِكايَةَ إبْراهِيمَ وفي إبْراهِيمَ وجْهانِ مِنَ القِراءَةِ: أحَدُهُما: النَّصْبُ وهو المَشْهُورُ. والثّانِي: الرَّفْعُ عَلى مَعْنى: ومِنَ المُرْسَلِينَ إبْراهِيمُ. والأوَّلُ: فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ غَيْرِ مَذْكُورٍ، وهو مَعْنى: ذَكَرَ إبْراهِيمَ. والثّانِي: أنَّهُ مَنصُوبٌ بِمَذْكُورٍ وهو قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا﴾ فَيَكُونُ كَأنَّهُ قالَ وأرْسَلْنا إبْراهِيمَ، وعَلى هَذا فَفي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿إذْ قالَ لِقَوْمِهِ﴾ ظَرْفُ أرْسَلْنا أيْ أرْسَلْنا إبْراهِيمَ إذْ قالَ لِقَوْمِهِ، لَكِنَّ قَوْلَهُ: ﴿لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ دَعْوَةٌ، والإرْسالُ يَكُونُ قَبْلَ الدَّعْوَةِ فَكَيْفَ يُفْهَمُ قَوْلُهُ وأرْسَلْنا إبْراهِيمَ حِينَ قالَ لِقَوْمِهِ مَعَ أنَّهُ يَكُونُ مُرْسَلًا قَبْلَهُ ؟ نَقُولُ: الجَوابَ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ الإرْسالَ أمْرٌ يَمْتَدُّ، فَهو حالَ قَوْلِهِ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ كانَ مُرْسَلًا، وهَذا كَما يَقُولُ القائِلُ: وقَفْنا لِلْأمِيرِ إذْ خَرَجَ مِنَ الدّارِ، وقَدْ يَكُونُ الوُقُوفُ قَبْلَ الخُرُوجِ، لَكِنْ لَمّا كانَ الوُقُوفُ مُمْتَدًّا إلى ذَلِكَ الوَقْتِ صَحَّ ذَلِكَ. الوَجْهُ الثّانِي: هو أنَّ إبْراهِيمَ بِمُجَرَّدِ هِدايَةِ اللَّهِ إيّاهُ كانَ يَعْلَمُ فَسادَ قَوْلُ المُشْرِكِينَ، وكانَ يَهْدِيهِمْ إلى الرَّشادِ قَبْلَ الإرْسالِ، ولَمّا كانَ هو مُشْتَغِلًا بِالدُّعاءِ إلى الإسْلامِ أرْسَلَهُ اللَّهُ تَعالى، وقَوْلُهُ: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ واتَّقُوهُ﴾ إشارَةٌ إلى التَّوْحِيدِ؛ لِأنَّ التَّوْحِيدَ إثْباتُ الإلَهِ، ونَفْيُ غَيْرِهِ فَقَوْلُهُ: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ إشارَةٌ إلى الإثْباتِ، وقَوْلُهُ: ﴿واتَّقُوهُ﴾ إشارَةٌ إلى نَفْيِ الغَيْرِ؛ لِأنَّ مَن يُشْرِكُ مَعَ المَلِكِ غَيْرَهُ في مُلْكِهِ يَكُونُ قَدْ أتى بِأعْظَمِ الجَرائِمِ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ إشارَةٌ إلى الإتْيانِ بِالواجِباتِ، وقَوْلُهُ: ﴿واتَّقُوهُ﴾ إشارَةٌ إلى الِامْتِناعِ عَنِ المُحَرَّماتِ ويَدْخُلُ في الأوَّلِ الِاعْتِرافُ بِاللَّهِ، وفي الثّانِي الِامْتِناعُ مِنَ الشِّرْكِ، ثُمَّ قَوْلُهُ: ﴿ذَلِكم خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ يَعْنِي: عِبادَةُ اللَّهِ وتَقْواهُ خَيْرٌ، والأمْرُ كَذَلِكَ لِأنَّ خِلافَ عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى تَعْطِيلٌ، وخِلافَ تَقْواهُ تَشْرِيكٌ، وكِلاهُما شَرٌّ عَقْلًا واعْتِبارًا، أمّا عَقْلًا فَلِأنَّ المُمْكِنَ لا بُدَّ لَهُ مِن مُؤَثِّرٍ لا يَكُونُ مُمْكِنًا قَطْعًا لِلتَّسَلْسُلِ، وهو واجِبُ الوُجُودِ فَلا تَعْطِيلَ إذْ لَنا إلَهٌ، وأمّا التَّشْرِيكُ فَبُطْلانُهُ عَقْلًا وكَوْنُ خِلافِهِ خَيْرًا وهو أنَّ شَرِيكَ الواجِبِ إنْ لَمْ يَكُنْ واجِبًا فَكَيْفَ يَكُونُ شَرِيكًا، وإنْ كانَ واجِبًا لَزِمَ وُجُودُ واجِبَيْنِ فَيَشْتَرِكانِ في الوُجُوبِ ويَتَبايَنانِ في الإلَهِيَّةِ، وما بِهِ الِاشْتِراكُ غَيْرُ ما بِهِ الِامْتِيازُ فَيَلْزَمُ التَّرْكِيبُ فِيهِما فَلا يَكُونانِ واجِبَيْنِ لِكَوْنِهِما مُرَكَّبَيْنِ فَيَلْزَمُ التَّعْطِيلُ، وإمّا اعْتِبارًا فَلِأنَّ الشَّرَفَ لَنْ يَكُونَ مَلَكًا أوْ قَرِيبَ مَلَكٍ، لَكِنَّ الإنْسانَ لا يَكُونُ مَلَكًا لِلسَّمَواتِ والأرْضِينَ فَأعْلى دَرَجاتِهِ أنْ يَكُونَ قَرِيبَ المَلَكِ لَكِنَّ القُرْبَةَ بِالعِبادَةِ كَما قالَ تَعالى: ﴿واسْجُدْ واقْتَرِبْ﴾ (العَلَقِ: ١٩ ) وقالَ: ”«لَنْ يَتَقَرَّبَ المُتَقَرِّبُونَ إلَيَّ بِمِثْلِ أداءِ ما افْتَرَضْتُ عَلَيْهِمْ» “ وقالَ: ”«لا يَزالُ العَبْدُ يَتَقَرَّبُ بِالعِبادَةِ إلَيَّ» “ فالمُعَطِّلُ لا مَلَكٌ ولا قَرِيبُ مَلَكٍ لِعَدَمِ اعْتِقادِهِ بِمِلْكٍ فَلا مَرْتَبَةَ لَهُ أصْلًا، وأمّا التَّشْرِيكُ فَلِأنَّ مَن يَكُونُ سَيِّدُهُ لا نَظِيرَ لَهُ يَكُونُ أعْلى رُتْبَةً مِمَّنْ يَكُونُ سَيِّدُهُ لَهُ شُرَكاءُ خَسِيسَةُ، فَإذَنْ مَن يَقُولُ إنَّ رَبِّي لا يُماثِلُهُ شَيْءٌ أعْلى مَرْتَبَةً مِمَّنْ يَقُولُ سَيِّدِي صَنَمٌ مَنحُوتٌ عاجِزٌ مِثْلُهُ، فَثَبَتَ أنَّ عِبادَةَ اللَّهِ وتَقْواهُ خَيْرٌ وهو خَيْرٌ لَكم أيْ خَيْرٌ لِلنّاسِ إنْ كانُوا يَعْلَمُونَ ما ذَكَرْناهُ مِنَ الدَّلائِلِ والِاعْتِباراتِ.

العنكبوت 29:17

صفحة ٤٠ ثُمَّ قالَ تَعالى ﴿إنَّما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أوْثانًا وتَخْلُقُونَ إفْكًا﴾ . ذَكَرَ بُطْلانَ مَذْهَبِهِمْ بِأبْلَغِ الوُجُوهِ، وذَلِكَ لِأنَّ المَعْبُودَ إنَّما يُعْبَدُ لِأحَدِ أُمُورٍ، إمّا لِكَوْنِهِ مُسْتَحِقًّا لِلْعِبادَةِ بِذاتِهِ كالعَبْدِ يَخْدُمُ سَيِّدَهُ الَّذِي اشْتَراهُ سَواءٌ أطْعَمَهُ مِنَ الجُوعِ أوْ مَنَعَهُ مِنَ الهُجُوعِ، وإمّا لِكَوْنِهِ نافِعًا في الحالِ كَمَن يَخْدُمُ غَيْرَهُ لِخَيْرٍ يُوَصِّلُهُ إلَيْهِ كالمُسْتَخْدِمِ بِأُجْرَةٍ، وإمّا لِكَوْنِهِ نافِعًا في المُسْتَقْبَلِ كَمَن يَخْدُمُ غَيْرَهُ مُتَوَقِّعًا مِنهُ أمْرًا في المُسْتَقْبَلِ، وإمّا لِكَوْنِهِ خائِفًا مِنهُ، فَقالَ إبْراهِيمُ: ﴿إنَّما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أوْثانًا﴾ إشارَةً إلى أنَّها لا تَسْتَحِقُّ العِبادَةَ لِذاتِها لِكَوْنِها أوْثانًا لا شَرَفَ لَها. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكم رِزْقًا فابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ واعْبُدُوهُ واشْكُرُوا لَهُ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ . إشارَةٌ إلى عَدَمِ المَنفَعَةِ في الحالِ وفي المَآلِ، وهَذا لِأنَّ النَّفْعَ، إمّا في الوُجُودِ وإمّا في البَقاءِ، لَكِنْ لَيْسَ مِنهم نَفْعٌ في الوُجُودِ، لِأنَّ وجُودَهم مِنكم حَيْثُ تَخْلُقُونَها وتَنْحِتُونَها، ولا نَفْعَ في البَقاءِ لِأنَّ ذَلِكَ بِالرِّزْقِ، ولَيْسَ مِنهم ذَلِكَ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ حاصِلٌ مِنَ اللَّهِ فَقالَ: ﴿فابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ﴾ فَقَوْلُهُ: ﴿اللَّهِ﴾ إشارَةٌ إلى اسْتِحْقاقِ عُبُودِيَّتِهِ لِذاتِهِ وقَوْلُهُ: ﴿الرِّزْقَ﴾ إشارَةٌ إلى حُصُولِ النَّفْعِ مِنهُ عاجِلًا وآجِلًا وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ: ﴿لا يَمْلِكُونَ لَكم رِزْقًا﴾ نَكِرَةً، وقالَ: ﴿فابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ﴾ مُعَرَّفًا فَما الفائِدَةُ ؟ فَنَقُولُ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ قالَ: ﴿لا يَمْلِكُونَ لَكم رِزْقًا﴾ نَكِرَةٌ في مَعْرِضِ النَّفْيِ أيْ لا رِزْقَ عِنْدَهم أصْلًا، وقالَ: مَعْرِفَةٌ عِنْدَ الإثْباتِ عِنْدَ اللَّهِ أيْ كُلُّ الرِّزْقِ عِنْدَهُ فاطْلُبُوهُ مِنهُ، وفِيهِ وجْهٌ آخَرُ وهو أنَّ الرِّزْقَ مِنَ اللَّهِ مَعْرُوفٌ بِقَوْلِهِ: ﴿وما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ إلّا عَلى اللَّهِ رِزْقُها﴾ (هُودٍ: ٦ ) والرِّزْقُ مِنَ الأوْثانِ غَيْرُ مَعْلُومٍ فَقالَ: ﴿لا يَمْلِكُونَ لَكم رِزْقًا﴾ لِعَدَمِ حُصُولِ العِلْمِ بِهِ وقالَ: ﴿فابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ﴾ المَوْعُودَ بِهِ، ثُمَّ قالَ: ﴿واعْبُدُوهُ﴾ أيِ اعْبُدُوهُ لِكَوْنِهِ مُسْتَحِقًّا لِلْعِبادَةِ لِذاتِهِ واشْكُرُوا لَهُ أيْ لِكَوْنِهِ سابِقَ النِّعَمِ بِالخَلْقِ وواصِلَها بِالرِّزْقِ ﴿إلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ أيِ اعْبُدُوهُ لِكَوْنِهِ مَرْجِعًا مِنهُ يُتَوَقَّعُ الخَيْرُ لا غَيْرُ.

العنكبوت 29:18

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِن قَبْلِكم وما عَلى الرَّسُولِ إلّا البَلاغُ المُبِينُ﴾ لَمّا فَرَغَ مِن بَيانِ التَّوْحِيدِ أتى بَعْدَهُ بِالتَّهْدِيدِ فَقالَ: ﴿وإنْ تُكَذِّبُوا﴾ وفي المُخاطَبِ في هَذِهِ الآيَةِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ قَوْمُ إبْراهِيمَ، والآيَةُ حِكايَةٌ عَنْ قَوْمِ إبْراهِيمَ كَأنَّ إبْراهِيمَ قالَ لِقَوْمِهِ: ﴿وإنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِن قَبْلِكُمْ﴾ وأنا أتَيْتُ بِما عَلَيَّ مِنَ التَّبْلِيغِ فَإنَّ الرَّسُولَ لَيْسَ عَلَيْهِ إلّا البَلاغُ والبَيانُ. والثّانِي: أنَّهُ خِطابٌ مَعَ قَوْمِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، ووَجْهُهُ أنَّ الحِكاياتِ أكْثَرُها إنَّما تَكُونُ لِمَقاصِدَ لَكِنَّها تُنْسى لِطِيبِ الحِكايَةَ ولِهَذا كَثِيرًا ما يَقُولُ الحاكِي لِأيِّ شَيْءٍ حَكَيْتُ هَذِهِ الحِكايَةَ فالنَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مَقْصُودُهُ تَذْكِيرَ قَوْمِهِ بِحالِ مَن مَضى حَتّى يَمْتَنِعُوا مِنَ التَّكْذِيبِ ويَرْتَدِعُوا خَوْفًا مِنَ التَّعْذِيبِ، فَقالَ في أثْناءِ حِكايَتِهِمْ: يا قَوْمِ إنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ قَبْلَكم أقْوامٌ وأُهْلِكُوا، فَإنْ كَذَّبْتُمْ أخافُ عَلَيْكم ما جاءَ عَلى غَيْرِكم، وعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ في الآيَةِ مَسائِلُ: صفحة ٤١ المَسْألَةُ الأُولى: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ﴾ كَيْفَ يُفْهَمُ، مَعَ أنَّ إبْراهِيمَ لَمْ يَسْبِقْهُ إلّا قَوْمُ نُوحٍ وهم أُمَّةٌ واحِدَةٌ ؟ والجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ قَبْلَ نُوحٍ كانَ أقْوامٌ كَقَوْمِ إدْرِيسَ، وقَوْمِ شِيثَ وآدَمَ. والثّانِي: أنَّ نُوحًا عاشَ ألْفًا وأكْثَرَ وكانَ القَرْنُ يَمُوتُ، ويَجِيءُ أوْلادُهُ والآباءُ يُوصُونَ الأبْناءَ بِالِامْتِناعِ عَنِ الِاتِّباعِ فَكَفى بِقَوْمِ نُوحٍ أُمَمًا. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ما ﴿البَلاغُ﴾ وما ﴿المُبِينُ﴾ ؟ فَنَقُولُ: البَلاغُ هو ذِكْرُ المَسائِلِ، والإبانَةُ هي: إقامَةُ البُرْهانِ عَلَيْهِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ تَأْخِيرَ البَيانِ عَنْ وقْتِ الحاجَةِ لا يَجُوزُ لِأنَّ الرَّسُولَ إذا بَلَّغَ شَيْئًا ولَمْ يُبَيِّنْهُ فَإنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِالبَلاغِ المُبِينِ، فَلا يَكُونُ آتِيًا بِما عَلَيْهِ.

العنكبوت 29:19

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إنَّ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ لَمّا بَيَّنَ الأصْلَ الأوَّلَ وهو التَّوْحِيدُ، وأشارَ إلى الأصْلِ الثّانِي وهو الرِّسالَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿وما عَلى الرَّسُولِ إلّا البَلاغُ المُبِينُ﴾ شَرَعَ في بَيانِ الأصْلِ الثّالِثِ وهو الحَشْرُ، وقَدْ ذَكَرْنا مِرارًا أنَّ الأُصُولَ الثَّلاثَةَ لا يَكادُ يَنْفَصِلُ بَعْضُها عَنْ بَعْضٍ في الذِّكْرِ الإلَهِيِّ، فَأيْنَما يَذْكُرُ اللَّهُ تَعالى مِنها اثْنَيْنِ يَذْكُرُ الثّالِثَ. وفِي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: الإنْسانُ مَتى رَأى بَدْءَ الخَلْقِ حَتّى يُقالَ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الخَلْقَ﴾ ؟ فَنَقُولُ المُرادُ: العِلْمُ الواضِحُ الَّذِي كالرُّؤْيَةِ والعاقِلُ يَعْلَمُ أنَّ البَدْءَ مِنَ اللَّهِ لِأنَّ الخَلْقَ الأوَّلَ لا يَكُونُ مِن مَخْلُوقٍ وإلّا لَمّا كانَ الخَلْقُ الأوَّلُ خَلْقًا أوَّلَ فَهو مِنَ اللَّهِ، هَذا إنْ قُلْنا: أنَّ المُرادَ إثْباتُ نَفْسِ الخَلْقِ، وإنْ قُلْنا إنَّ المُرادَ بِالبَدْءِ خَلْقُ الآدَمِيِّ أوَّلًا، وبِالإعادَةِ خَلْقُهُ ثانِيًا، فَنَقُولُ: العاقِلُ لا يَخْفى عَلَيْهِ أنَّ خالِقَ نَفْسِهِ لَيْسَ إلّا قادِرٌ حَكِيمٌ يُصَوِّرُ الأوْلادَ في الأرْحامِ، ويَخْلُقُهُ مِن نُطْفَةٍ في غايَةِ الإتْقانِ والإحْكامِ، فَذَلِكَ الَّذِي خُلِقَ أوَّلًا مَعْلُومٌ ظاهِرٌ فَأُطْلِقَ عَلى ذَلِكَ العِلْمِ لَفْظُ الرُّؤْيَةِ، وقالَ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا﴾ أيْ ألَمْ يَعْلَمُوا عِلْمًا ظاهِرًا واضِحًا ﴿كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الخَلْقَ﴾ يَخْلُقُهُ مِن تُرابٍ يَجْمَعُهُ فَكَذَلِكَ يَجْمَعُ أجْزاءَهُ مِنَ التُّرابِ يَنْفُخُ فِيهِ رُوحَهُ، بَلْ هو أسْهَلُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْكم، فَإنَّ مَن نَحَتَ حِجاراتٍ ووَضَعَ شَيْئًا بِجَنْبِ شَيْءٍ فَفَرَّقَهُ أمْرٌ ما فَإنَّهُ يَقُولُ: وضْعُهُ شَيْئًا بِجَنْبِ شَيْءٍ في هَذِهِ النَّوْبَةِ أسْهَلُ عَلَيَّ لِأنَّ الحِجاراتِ مَنحُوتَةٌ، ومَعْلُومٌ أنَّ آيَةً واحِدَةً مِنها تَصْلُحُ لِأنْ تَكُونَ بِجَنْبِ الأُخْرى، وعَلى هَذا المَخْرَجِ خَرَجَ كَلامُ اللَّهِ في قَوْلِهِ ﴿وهُوَ أهْوَنُ﴾ (الرُّومِ: ٢٧ ) وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الخَلْقَ﴾ عَلَّقَ الرُّؤْيَةَ بِالكَيْفِيَّةِ لا بِالخَلْقِ وما قالَ: أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ خَلَقَ، أوْ بَدَأ الخَلْقَ، والكَيْفِيَّةُ غَيْرُ مَعْلُومَةٍ ؟ فَنَقُولُ هَذا القَدْرُ مِنَ الكَيْفِيَّةِ مَعْلُومٌ، وهو أنَّهُ خَلَقَهُ ولَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا، وأنَّهُ خَلَقَهُ مِن نُطْفَةٍ هي مِن غِذاءٍ هو مِن ماءٍ وتُرابٍ، وهَذا القَدْرُ كافٍ في حُصُولِ العِلْمِ بِإمْكانِ الإعادَةِ فَإنَّ الإعادَةَ مِثْلُهُ. صفحة ٤٢ المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: لِمَ قالَ: ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ إنَّ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ فَأبْرَزَ اسْمَهُ مَرَّةً أُخْرى، ولَمْ يَقُلْ إنَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ يَسِيرٌ كَما قالَ: ثُمَّ يُعِيدُهُ مِن غَيْرِ إبْرازٍ ؟ نَقُولُ مَعَ إقامَةِ البُرْهانِ عَلى أنَّهُ يَسِيرٌ فَأكَّدَهُ بِإظْهارِ اسْمِهِ فَإنَّهُ يُوجِبُ المَعْرِفَةَ أيْضًا بِكَوْنِ ذَلِكَ يَسِيرًا، فَإنَّ الإنْسانَ إذا سَمِعَ لَفْظَ اللَّهِ وفَهِمَ مَعْناهُ أنَّهُ الحَيُّ القادِرُ بِقُدْرَةٍ كامِلَةٍ، لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ، العالِمُ بِعِلْمٍ مُحِيطٍ بِذَرّاتِ كُلِّ جِسْمٍ، نافِذُ الإرادَةِ لا رادَّ لِما أرادَهُ، يَقْطَعُ بِجَوازِ الإعادَةِ.

العنكبوت 29:20

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأ الخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأةَ الآخِرَةَ إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ . الآيَةُ المُتَقَدِّمَةُ كانَتْ إشارَةً إلى العِلْمِ الحَدْسِيِّ وهو الحاصِلُ مِن غَيْرِ طَلَبٍ فَقالَ ﴿أوَلَمْ يَرَوْا﴾ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِفْهامِ بِمَعْنى اسْتِبْعادِ عَدَمِهِ، وقالَ في هَذِهِ الآيَةِ إنْ لَمْ يَحْصُلْ لَكم هَذا العِلْمُ فَتَفَكَّرُوا في أقْطارِ الأرْضِ لِتَعْلَمُوا بِالعِلْمِ الفِكْرِيِّ، وهَذا لِأنَّ الإنْسانَ لَهُ مَراتِبُ في الإدْراكِ بَعْضُهم يُدْرِكُ شَيْئًا مِن غَيْرِ تَعْلِيمٍ، وإقامَةِ بُرْهانٍ لَهُ، وبَعْضُهم لا يَفْهَمُ إلّا بِإبانَةٍ وبَعْضُهم لا يَفْهَمُهُ أصْلًا فَقالَ: إنْ كُنْتُمْ لَسْتُمْ مِنَ القَبِيلِ الأوَّلِ فَسِيرُوا في الأرْضِ، أيْ: سَيِّرُوا فِكْرَكم في الأرْضِ وأجِيلُوا ذِهْنَكم في الحَوادِثِ الخارِجَةِ عَنْ أنْفُسِكم لِتَعْلَمُوا بَدْءَ الخَلْقِ وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ في الآيَةِ الأُولى بِلَفْظِ الرُّؤْيَةِ وفي هَذِهِ بِلَفْظِ النَّظَرِ ما الحِكْمَةُ فِيهِ ؟ نَقُولُ: العِلْمُ الحَدْسِيُّ أتَمُّ مِنَ العِلْمِ الفِكْرِيِّ كَما تَبَيَّنَ، والرُّؤْيَةُ أتَمُّ مِنَ النَّظَرِ لِأنَّ النَّظَرَ يُفْضِي إلى الرُّؤْيَةِ، يُقالُ: نَظَرْتُ فَرَأيْتُ والمُفْضِي إلى الشَّيْءِ دُونَ ذَلِكَ الشَّيْءِ، فَقالَ في الأوَّلِ أما حَصَلَتْ لَكُمُ الرُّؤْيَةُ فانْظُرُوا في الأرْضِ لِتَحْصُلَ لَكُمُ الرُّؤْيَةُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرَ هَذِهِ الآيَةَ بِصِيغَةِ الأمْرِ وفي الآيَةِ الأوْلى بِصِيغَةِ الِاسْتِفْهامِ لِأنَّ العِلْمَ الحَدْسِيَّ إنْ حَصَلَ فالأمْرُ بِهِ تَحْصِيلُ الحاصِلِ، وإنْ لَمْ يَحْصُلْ فَلا يَحْصُلُ إلّا بِالطَّلَبِ لِأنَّ بِالطَّلَبِ يَصِيرُ الحاصِلُ فِكْرِيًّا فَيَكُونُ الأمْرُ بِهِ تَكْلِيفَ ما لا يُطاقُ، وأمّا العِلْمُ الفِكْرِيُّ فَهو مَقْدُورٌ فَوَرَدَ الأمْرُ بِهِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أبْرَزَ اسْمَ اللَّهِ في الآيَةِ الأُولى عِنْدَ البَدْءِ حَيْثُ قالَ: ﴿كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ﴾ وأضْمَرَهُ عِنْدَ الإعادَةِ وفي هَذِهِ الآيَةِ أضْمَرَهُ عِنْدَ البَدْءِ وأبْرَزَهُ عِنْدَ الإعادَةِ حَيْثُ قالَ: ﴿ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ﴾ لِأنَّ في الآيَةِ الأُولى لَمْ يَسْبِقْ ذِكْرُ اللَّهِ بِفِعْلٍ حَتّى يُسْنَدَ إلَيْهِ البَدْءُ فَقالَ: ﴿كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ كَما يَقُولُ القائِلُ ضَرَبَ زَيْدٌ عَمْرًا، ثُمَّ ضَرَبَ بَكْرًا، ولا يَحْتاجُ إلى إظْهارِ اسْمِ زَيْدٍ اكْتِفاءً بِالأوَّلِ، وفي الآيَةِ الثّانِيَةِ كانَ ذِكْرُ البَدْءِ مُسْنَدًا إلى اللَّهِ فاكْتَفى بِهِ ولَمْ يُبْرِزْهُ، كَقَوْلِ القائِلِ: أما عَلِمْتَ كَيْفَ خَرَجَ زَيْدٌ، اسْمَعْ مِنِّي كَيْفَ خَرَجَ، ولا يُظْهِرُ اسْمَ زَيْدٍ، وأمّا إظْهارُهُ عِنْدَ الإنْشاءِ ثانِيًا حَيْثُ قالَ: ﴿ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ﴾ مَعَ أنَّهُ كانَ يَكْفِي أنْ يَقُولَ: ثُمَّ يُنْشِئُ النَّشْأةَ الآخِرَةَ، فَلِحِكْمَةٍ بالِغَةٍ وهي ما ذَكَرْنا أنَّ مَعَ إقامَةِ البُرْهانِ عَلى إمْكانِ الإعادَةِ أظْهَرَ اسْمًا، مَن يَفْهَمُ المُسَمّى بِهِ بِصِفاتِ كَمالِهِ ونُعُوتِ جَلالِهِ يَقْطَعُ بِجَوازِ الإعادَةِ فَقالَ اللَّهُ مُظْهِرًا مُبْرِزًا لِيَقَعَ في ذِهْنِ الإنْسانِ مِنِ اسْمِهِ كَمالُ صفحة ٤٣ قُدْرَتِهِ وشُمُولُ عِلْمِهِ ونُفُوذُ إرادَتِهِ، ويَعْتَرِفُ بِوُقُوعِ بَدْئِهِ وجَوازِ إعادَتِهِ، فَإنْ قِيلَ فَلِمَ لَمْ يَقُلْ: ثُمَّ اللَّهُ يُعِيدُهُ لِعَيْنِ ما ذَكَرْتَ مِنَ الحِكْمَةِ والفائِدَةِ ؟ نَقُولُ لِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ اللَّهَ كانَ مُظْهِرًا مُبْرِزًا بِقُرْبٍ مِنهُ وهو في قَوْلِهِ: ﴿كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الخَلْقَ﴾ ولَمْ يَكُنْ بَيْنَهُما إلّا لَفْظُ الخَلْقِ وأمّا هَهُنا فَلَمْ يَكُنْ مَذْكُورًا عِنْدَ البَدْءِ فَأظْهَرَهُ. وثانِيهِما: أنَّ الدَّلِيلَ هَهُنا تَمَّ عَلى جَوازِ الإعادَةِ لِأنَّ الدَّلائِلَ مُنْحَصِرَةٌ في الآفاقِ وفي الأنْفُسِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الآفاقِ وفي أنْفُسِهِمْ﴾ (فُصِّلَتْ: ٥٣ ) وفي الآيَةِ الأُولى أشارَ إلى الدَّلِيلِ النَّفْسِيِّ الحاصِلِ لِهَذا الإنْسانِ مِن نَفْسِهِ، وفي الآيَةِ الثّانِيَةِ أشارَ إلى الدَّلِيلِ الحاصِلِ مِنَ الآفاقِ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ﴾ وعِنْدَهُما تَمَّ الدَّلِيلانِ، فَأكَّدَهُ بِإظْهارِ اسْمِهِ، وأمّا الدَّلِيلُ الأوَّلُ فَأكَّدَهُ بِالدَّلِيلِ الثّانِي، فَلَمْ يَقُلْ ثُمَّ اللَّهُ يُعِيدُهُ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: في الآيَةِ الأُولى ذَكَرَ بِلَفْظِ المُسْتَقْبَلِ فَقالَ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ﴾ وهَهُنا قالَ بِلَفْظِ الماضِي فَقالَ: ﴿فانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأ﴾ ولَمْ يَقُلْ كَيْفَ يَبْدَأُ، فَنَقُولُ: الدَّلِيلُ الأوَّلُ هو الدَّلِيلُ النَّفْسِيُّ المُوجِبُ لِلْعِلْمِ الحَدْسِيِّ وهو في كُلِّ حالٍ يُوجِبُ العِلْمَ بِبَدْءِ الخَلْقِ، فَقالَ: إنْ كانَ لَيْسَ لَكم عِلْمٌ بِأنَّ اللَّهَ في كُلِّ حالٍ يَبْدَأُ خَلْقًا فانْظُرُوا إلى الأشْياءِ المَخْلُوقَةِ لِيَحْصُلَ لَكم عِلْمٌ بِأنَّ اللَّهَ بَدَأ خَلْقًا، ويَحْصُلُ المَطْلُوبُ مِن هَذا القَدْرِ فَإنَّهُ يُنْشِيءُ كَما بَدَأ ذَلِكَ. المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قالَ في هَذِهِ الآيَةِ ﴿إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ وقالَ في الآيَةِ الأُولى ﴿إنَّ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ وفِيهِ فائِدَتانِ: إحْداهُما: أنَّ الدَّلِيلَ الأوَّلَ هو الدَّلِيلُ النَّفْسِيُّ، وهو وإنْ كانَ مُوجِبُهُ العِلْمَ الحَدْسِيَّ التّامَّ ولَكِنْ عِنْدَ انْضِمامِ دَلِيلِ الآفاقِ إلَيْهِ يَحْصُلُ العِلْمُ العامُّ، لِأنَّهُ بِالنَّظَرِ في نَفْسِهِ عَلِمَ نَفْسَهُ وحاجَتُهُ إلى اللَّهِ ووُجُودَهُ مِنهُ، وبِالنَّظَرِ إلى الآفاقِ عَلِمَ حاجَةَ غَيْرِهِ إلَيْهِ ووُجُودَهُ مِنهُ، فَتَمَّ عِلْمُهُ بِأنَّ كُلَّ شَيْءٍ مِنَ اللَّهِ فَقالَ عِنْدَ تَمامِ ذِكْرِ الدَّلِيلَيْنِ ﴿إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ وقالَ عِنْدَ الدَّلِيلِ الواحِدِ ﴿إنَّ ذَلِكَ﴾ وهو إعادَتُهُ ﴿عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ . الثّانِيَةُ: هي أنّا بَيَّنّا أنَّ العِلْمَ الأوَّلَ أتَمُّ وإنْ كانَ الثّانِي أعَمَّ، وكَوْنُ الأمْرِ يَسِيرًا عَلى الفاعِلِ أتَمُّ مِن كَوْنِهِ مَقْدُورًا لَهُ بِدَلِيلِ أنَّ القائِلَ يَقُولُ في حَقِّ مَن يَحْمِلُ مِائَةً مِن أنَّهُ قادِرٌ عَلَيْهِ ولا يَقُولُ إنَّهُ سَهْلٌ عَلَيْهِ، فَإذا سُئِلَ عَنْ حَمْلِهِ عَشْرَةَ أمْنانٍ يَقُولُ إنَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ يَسِيرٌ، فَنَقُولُ قالَ اللَّهُ تَعالى إنْ لَمْ يَحْصُلْ لَكُمُ العِلْمُ التّامُّ بِأنَّ هَذِهِ الأُمُورَ عِنْدَ اللَّهِ سَهْلٌ يَسِيرٌ فَسِيرُوا في الأرْضِ لِتَعْلَمُوا أنَّهُ مَقْدُورٌ، ونَفْسُ كَوْنِهِ مَقْدُورًا كافٍ في إمْكانِ الإعادَةِ.

العنكبوت 29:21

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿يُعَذِّبُ مَن يَشاءُ ويَرْحَمُ مَن يَشاءُ وإلَيْهِ تُقْلَبُونَ﴾ ﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ وما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ لَمّا ذَكَرَ النَّشْأةَ الآخِرَةَ ذَكَرَ ما يَكُونُ فِيهِ وهو تَعْذِيبُ أهْلِ التَّكْذِيبِ عَدْلًا وحِكْمَةً، وإثابَةُ أهْلِ الإنابَةِ فَضْلًا ورَحْمَةً، وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَدَّمَ التَّعْذِيبَ في الذِّكْرِ عَلى الرَّحْمَةِ مَعَ أنَّ رَحْمَتَهُ سابِقَةٌ كَما قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ صفحة ٤٤ حاكِيًا عَنْهُ ”«سَبَقَتْ رَحْمَتِي غَضَبِي» “ فَنَقُولُ ذَلِكَ لِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ السّابِقَ ذِكْرُ الكُفّارِ، فَذَكَرَ العَذابَ لِسَبْقِ ذِكْرِ مُسْتَحِقِّيهِ بِحُكْمِ الإيعادِ وعَقَّبَهُ بِالرَّحْمَةِ، وكَما ذَكَرَ بَعْدَ إثْباتِ الأصْلِ الأوَّلِ وهو التَّوْحِيدُ، التَّهْدِيدَ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ﴾ وأُهْلِكُوا بِالتَّكْذِيبِ، كَذَلِكَ ذَكَرَ بَعْدَ إثْباتِ الأصْلِ الآخَرِ التَّهْدِيدَ بِذِكْرِ التَّعْذِيبِ، وذِكْرُ الرَّحْمَةِ وقَعَ تَبَعًا لِئَلّا يَكُونَ العَذابُ مَذْكُورًا وحْدَهُ وهَذا يُحَقِّقُ قَوْلَهُ: («سَبَقَتْ رَحْمَتِي غَضَبِي» ) وذَلِكَ لِأنَّ اللَّهَ حَيْثُ كانَ المَقْصُودُ ذِكْرَ العَذابِ لَمْ يُمَحِّضْهُ في الذِّكْرِ بَلْ ذَكَرَ الرَّحْمَةَ مَعَهُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ:إذا كانَ ذَكَرَ هَذا لِتَخْوِيفِ العاصِي وتَفْرِيحِ المُؤْمِنِ فَلَوْ قالَ: يُعَذِّبُ الكافِرَ ويَرْحَمُ المُؤْمِنَ لَكانَ أدْخَلَ في تَحْصِيلِ المَقْصُودِ، وقَوْلُهُ: ﴿يُعَذِّبُ مَن يَشاءُ﴾ لا يَزْجُرُ الكافِرَ لِجَوازِ أنْ يَقُولَ لَعَلِّي لا أكُونُ مِمَّنْ يَشاءُ اللَّهُ عَذابَهُ، فَنَقُولُ: هَذا أبْلَغُ في التَّخْوِيفِ، وذَلِكَ لِأنَّ اللَّهَ أثْبَتَ بِهَذا إنْفاذَ مَشِيئَتِهِ إذا أرادَ تَعْذِيبَ شَخْصٍ فَلا يَمْنَعُهُ مِنهُ مانِعٌ، ثُمَّ كانَ مِنَ المَعْلُومِ لِلْعِبادِ بِحُكْمِ الوَعْدِ والإيعادِ أنَّهُ شاءَ تَعْذِيبَ أهْلِ العِنادِ، فَلَزِمَ مِنهُ الخَوْفُ التّامُّ بِخِلافِ ما لَوْ قالَ يُعَذِّبُ العاصِيَ، فَإنَّهُ لا يَدُلُّ عَلى كَمالِ مَشِيئَتِهِ، لِأنَّهُ لا يُفِيدُ أنَّهُ لَوْ شاءَ عَذابَ المُؤْمِنِ لَعَذَّبَهُ، فَإذا لَمْ يُفِدْ هَذا فَيَقُولُ الكافِرُ إذا لَمْ يَحْصُلْ مُرادُهُ في تِلْكَ الصُّورَةِ يُمْكِنُ أنْ يَحْصُلَ في صُورَةٍ أُخْرى، ولْنَضْرِبْ لَهُ مَثَلًا فَنَقُولُ: إذا قِيلَ: إنَّ المَلِكَ يَقْدِرُ عَلى ضَرْبِ كُلِّ مَن في بِلادِهِ وقالَ: مَن خالَفَنِي أضْرِبُهُ، يَحْصُلُ الخَوْفُ التّامُّ لِمَن يُخالِفُهُ، وإذا قِيلَ أنَّهُ قادِرٌ عَلى ضَرْبِ المُخالِفِينَ ولا يَقْدِرُ عَلى ضَرْبِ المُطِيعِينَ، فَإذا قالَ: مَن خالَفَنِي أضْرِبُهُ يَقَعُ في وهْمِ المُخالِفِ أنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى ضَرْبِ فُلانٍ المُطِيعِ، فَلا يَقْدِرُ عَلَيَّ أيْضًا لِكَوْنِي مِثْلَهُ، وفي هَذا فائِدَةٌ أُخْرى وهو الخَوْفُ العامُّ والرَّجاءُ العامُّ، لِأنَّ الأمْنَ الكُلِّيَّ مِنَ اللَّهِ يُوجِبُ الجَراءَةَ فَيُفْضِي إلى صَيْرُورَةِ المُطِيعِ عاصِيًا. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ: ﴿وإلَيْهِ تُقْلَبُونَ﴾ مَعَ أنَّ هَذِهِ المَسْألَةَ قَدْ سَبَقَ إثْباتُها وتَقْرِيرُها فَلِمَ أعادَها ؟ فَنَقُولُ لَمّا ذَكَرَ اللَّهُ التَّعْذِيبَ والرَّحْمَةَ وهُما قَدْ يَكُونانِ عاجِلَيْنِ، فَقالَ تَعالى: فَإنْ تَأخَّرَ عَنْكم ذَلِكَ فَلا تَظُنُّوا أنَّهُ فاتَ، فَإنَّ إلَيْهِ إيابَكم، وعَلَيْهِ حِسابَكم وعِنْدَهُ يُدَّخَرُ ثَوابُكم وعِقابُكم، ولِهَذا قالَ بَعْدَها ﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ يَعْنِي لا تَفُوتُونَ اللَّهَ بَلِ الِانْقِلابُ إلَيْهِ ولا يُمْكِنُ الِانْفِلاتُ مِنهُ، وفي تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ لَطائِفُ. إحْداها: هي إعْجازُ المُعَذَّبِ عَنِ التَّعْذِيبِ، إمّا بِالهَرَبِ مِنهُ، أوِ الثَّباتِ لَهُ والمُقاوَمَةِ مَعَهُ لِلدَّفْعِ، وذَكَرَ اللَّهُ القِسْمَيْنِ فَقالَ: ﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ يَعْنِي بِالهَرَبِ لَوْ صَعِدْتُمْ إلى مَحَلِّ السِّماكِ في السَّماءِ أوْ هَبَطْتُمْ إلى مَوْضِعِ السُّمُوكِ في الماءِ لا تَخْرُجُونَ مِن قَبْضَةِ قُدْرَةِ اللَّهِ فَلا مَطْمَعَ في الإعْجازِ بِالهَرَبِ، وأمّا بِالثَّباتِ فَكَذَلِكَ لِأنَّ الإعْجازَ إمّا أنْ يَكُونَ بِالِاسْتِنادِ إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ يَشْفَعُ ولا يُمْكِنُ لِلْمُعَذِّبِ مُخالَفَتُهُ، فَيَفُوتُهُ المُعَذَّبُ ويَعْجِزُ عَنْهُ، أوْ بِالِانْتِصارِ بِقَوْمٍ يَقُومُ مَعَهُ بِالدَّفْعِ وكِلاهُما مُحالٌ، فَإنَّكم ما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ ولِيٌّ يَشْفَعُ ولا نَصِيرٌ يَدْفَعُ، فَلا إعْجازَ لا بِالهُرُوبِ ولا بِالثَّباتِ. الثّانِيَةُ: قالَ: ﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ ولَمْ يَقُلْ لا تُعْجِزُونَ بِصِيغَةِ الفِعْلِ، وذَلِكَ لِأنَّ نَفْيَ الفِعْلِ لا يَدُلُّ عَلى نَفْيِ الصَّلاحِيَةِ، فَإنَّ مَن قالَ إنَّ فُلانًا لا يَخِيطُ لا يَدُلُّ عَلى ما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ إنَّهُ لَيْسَ بِخَيّاطٍ. الثّالِثَةُ: قَدَّمَ الأرْضَ عَلى السَّماءِ، والوَلِيَّ عَلى النَّصِيرِ، لِأنَّ هَرَبَهُمُ المُمْكِنُ في الأرْضِ، فَإنْ كانَ يَقَعُ مِنهم هَرَبٌ يَكُونُ في الأرْضِ، ثُمَّ إنْ فَرَضْنا لَهم قُدْرَةً غَيْرَ ذَلِكَ فَيَكُونُ لَهم صُعُودٌ في السَّماءِ، وأمّا الدَّفْعُ فَإنَّ العاقِلَ ما أمْكَنَهُ الدَّفْعُ بِأجْمَلِ الطُّرُقِ فَلا يَرْتَقِي إلى غَيْرِهِ، والشَّفاعَةُ أجْمَلُ. ولِأنَّ ما مِن أحَدٍ في الشّاهِدِ إلّا ويَكُونُ لَهُ شَفِيعٌ يَتَكَلَّمُ في حَقِّهِ عِنْدَ مَلِكٍ، ولا يَكُونُ كُلُّ أحَدٍ لَهُ ناصِرٌ يُعادِي المَلِكَ لِأجْلِهِ.

العنكبوت 29:22

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿يُعَذِّبُ مَن يَشاءُ ويَرْحَمُ مَن يَشاءُ وإلَيْهِ تُقْلَبُونَ﴾ ﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ وما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ لَمّا ذَكَرَ النَّشْأةَ الآخِرَةَ ذَكَرَ ما يَكُونُ فِيهِ وهو تَعْذِيبُ أهْلِ التَّكْذِيبِ عَدْلًا وحِكْمَةً، وإثابَةُ أهْلِ الإنابَةِ فَضْلًا ورَحْمَةً، وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَدَّمَ التَّعْذِيبَ في الذِّكْرِ عَلى الرَّحْمَةِ مَعَ أنَّ رَحْمَتَهُ سابِقَةٌ كَما قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ صفحة ٤٤ حاكِيًا عَنْهُ ”«سَبَقَتْ رَحْمَتِي غَضَبِي» “ فَنَقُولُ ذَلِكَ لِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ السّابِقَ ذِكْرُ الكُفّارِ، فَذَكَرَ العَذابَ لِسَبْقِ ذِكْرِ مُسْتَحِقِّيهِ بِحُكْمِ الإيعادِ وعَقَّبَهُ بِالرَّحْمَةِ، وكَما ذَكَرَ بَعْدَ إثْباتِ الأصْلِ الأوَّلِ وهو التَّوْحِيدُ، التَّهْدِيدَ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ﴾ وأُهْلِكُوا بِالتَّكْذِيبِ، كَذَلِكَ ذَكَرَ بَعْدَ إثْباتِ الأصْلِ الآخَرِ التَّهْدِيدَ بِذِكْرِ التَّعْذِيبِ، وذِكْرُ الرَّحْمَةِ وقَعَ تَبَعًا لِئَلّا يَكُونَ العَذابُ مَذْكُورًا وحْدَهُ وهَذا يُحَقِّقُ قَوْلَهُ: («سَبَقَتْ رَحْمَتِي غَضَبِي» ) وذَلِكَ لِأنَّ اللَّهَ حَيْثُ كانَ المَقْصُودُ ذِكْرَ العَذابِ لَمْ يُمَحِّضْهُ في الذِّكْرِ بَلْ ذَكَرَ الرَّحْمَةَ مَعَهُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ:إذا كانَ ذَكَرَ هَذا لِتَخْوِيفِ العاصِي وتَفْرِيحِ المُؤْمِنِ فَلَوْ قالَ: يُعَذِّبُ الكافِرَ ويَرْحَمُ المُؤْمِنَ لَكانَ أدْخَلَ في تَحْصِيلِ المَقْصُودِ، وقَوْلُهُ: ﴿يُعَذِّبُ مَن يَشاءُ﴾ لا يَزْجُرُ الكافِرَ لِجَوازِ أنْ يَقُولَ لَعَلِّي لا أكُونُ مِمَّنْ يَشاءُ اللَّهُ عَذابَهُ، فَنَقُولُ: هَذا أبْلَغُ في التَّخْوِيفِ، وذَلِكَ لِأنَّ اللَّهَ أثْبَتَ بِهَذا إنْفاذَ مَشِيئَتِهِ إذا أرادَ تَعْذِيبَ شَخْصٍ فَلا يَمْنَعُهُ مِنهُ مانِعٌ، ثُمَّ كانَ مِنَ المَعْلُومِ لِلْعِبادِ بِحُكْمِ الوَعْدِ والإيعادِ أنَّهُ شاءَ تَعْذِيبَ أهْلِ العِنادِ، فَلَزِمَ مِنهُ الخَوْفُ التّامُّ بِخِلافِ ما لَوْ قالَ يُعَذِّبُ العاصِيَ، فَإنَّهُ لا يَدُلُّ عَلى كَمالِ مَشِيئَتِهِ، لِأنَّهُ لا يُفِيدُ أنَّهُ لَوْ شاءَ عَذابَ المُؤْمِنِ لَعَذَّبَهُ، فَإذا لَمْ يُفِدْ هَذا فَيَقُولُ الكافِرُ إذا لَمْ يَحْصُلْ مُرادُهُ في تِلْكَ الصُّورَةِ يُمْكِنُ أنْ يَحْصُلَ في صُورَةٍ أُخْرى، ولْنَضْرِبْ لَهُ مَثَلًا فَنَقُولُ: إذا قِيلَ: إنَّ المَلِكَ يَقْدِرُ عَلى ضَرْبِ كُلِّ مَن في بِلادِهِ وقالَ: مَن خالَفَنِي أضْرِبُهُ، يَحْصُلُ الخَوْفُ التّامُّ لِمَن يُخالِفُهُ، وإذا قِيلَ أنَّهُ قادِرٌ عَلى ضَرْبِ المُخالِفِينَ ولا يَقْدِرُ عَلى ضَرْبِ المُطِيعِينَ، فَإذا قالَ: مَن خالَفَنِي أضْرِبُهُ يَقَعُ في وهْمِ المُخالِفِ أنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى ضَرْبِ فُلانٍ المُطِيعِ، فَلا يَقْدِرُ عَلَيَّ أيْضًا لِكَوْنِي مِثْلَهُ، وفي هَذا فائِدَةٌ أُخْرى وهو الخَوْفُ العامُّ والرَّجاءُ العامُّ، لِأنَّ الأمْنَ الكُلِّيَّ مِنَ اللَّهِ يُوجِبُ الجَراءَةَ فَيُفْضِي إلى صَيْرُورَةِ المُطِيعِ عاصِيًا. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ: ﴿وإلَيْهِ تُقْلَبُونَ﴾ مَعَ أنَّ هَذِهِ المَسْألَةَ قَدْ سَبَقَ إثْباتُها وتَقْرِيرُها فَلِمَ أعادَها ؟ فَنَقُولُ لَمّا ذَكَرَ اللَّهُ التَّعْذِيبَ والرَّحْمَةَ وهُما قَدْ يَكُونانِ عاجِلَيْنِ، فَقالَ تَعالى: فَإنْ تَأخَّرَ عَنْكم ذَلِكَ فَلا تَظُنُّوا أنَّهُ فاتَ، فَإنَّ إلَيْهِ إيابَكم، وعَلَيْهِ حِسابَكم وعِنْدَهُ يُدَّخَرُ ثَوابُكم وعِقابُكم، ولِهَذا قالَ بَعْدَها ﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ يَعْنِي لا تَفُوتُونَ اللَّهَ بَلِ الِانْقِلابُ إلَيْهِ ولا يُمْكِنُ الِانْفِلاتُ مِنهُ، وفي تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ لَطائِفُ. إحْداها: هي إعْجازُ المُعَذَّبِ عَنِ التَّعْذِيبِ، إمّا بِالهَرَبِ مِنهُ، أوِ الثَّباتِ لَهُ والمُقاوَمَةِ مَعَهُ لِلدَّفْعِ، وذَكَرَ اللَّهُ القِسْمَيْنِ فَقالَ: ﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ يَعْنِي بِالهَرَبِ لَوْ صَعِدْتُمْ إلى مَحَلِّ السِّماكِ في السَّماءِ أوْ هَبَطْتُمْ إلى مَوْضِعِ السُّمُوكِ في الماءِ لا تَخْرُجُونَ مِن قَبْضَةِ قُدْرَةِ اللَّهِ فَلا مَطْمَعَ في الإعْجازِ بِالهَرَبِ، وأمّا بِالثَّباتِ فَكَذَلِكَ لِأنَّ الإعْجازَ إمّا أنْ يَكُونَ بِالِاسْتِنادِ إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ يَشْفَعُ ولا يُمْكِنُ لِلْمُعَذِّبِ مُخالَفَتُهُ، فَيَفُوتُهُ المُعَذَّبُ ويَعْجِزُ عَنْهُ، أوْ بِالِانْتِصارِ بِقَوْمٍ يَقُومُ مَعَهُ بِالدَّفْعِ وكِلاهُما مُحالٌ، فَإنَّكم ما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ ولِيٌّ يَشْفَعُ ولا نَصِيرٌ يَدْفَعُ، فَلا إعْجازَ لا بِالهُرُوبِ ولا بِالثَّباتِ. الثّانِيَةُ: قالَ: ﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ ولَمْ يَقُلْ لا تُعْجِزُونَ بِصِيغَةِ الفِعْلِ، وذَلِكَ لِأنَّ نَفْيَ الفِعْلِ لا يَدُلُّ عَلى نَفْيِ الصَّلاحِيَةِ، فَإنَّ مَن قالَ إنَّ فُلانًا لا يَخِيطُ لا يَدُلُّ عَلى ما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ إنَّهُ لَيْسَ بِخَيّاطٍ. الثّالِثَةُ: قَدَّمَ الأرْضَ عَلى السَّماءِ، والوَلِيَّ عَلى النَّصِيرِ، لِأنَّ هَرَبَهُمُ المُمْكِنُ في الأرْضِ، فَإنْ كانَ يَقَعُ مِنهم هَرَبٌ يَكُونُ في الأرْضِ، ثُمَّ إنْ فَرَضْنا لَهم قُدْرَةً غَيْرَ ذَلِكَ فَيَكُونُ لَهم صُعُودٌ في السَّماءِ، وأمّا الدَّفْعُ فَإنَّ العاقِلَ ما أمْكَنَهُ الدَّفْعُ بِأجْمَلِ الطُّرُقِ فَلا يَرْتَقِي إلى غَيْرِهِ، والشَّفاعَةُ أجْمَلُ. ولِأنَّ ما مِن أحَدٍ في الشّاهِدِ إلّا ويَكُونُ لَهُ شَفِيعٌ يَتَكَلَّمُ في حَقِّهِ عِنْدَ مَلِكٍ، ولا يَكُونُ كُلُّ أحَدٍ لَهُ ناصِرٌ يُعادِي المَلِكَ لِأجْلِهِ.

العنكبوت 29:23

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ ولِقائِهِ أُولَئِكَ يَئِسُوا مِن رَحْمَتِي وأُولَئِكَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ لَمّا بَيَّنَ الأصْلَيْنِ التَّوْحِيدَ والإعادَةَ وقَرَّرَهُما بِالبُرْهانِ وهَدَّدَ مَن خالَفَهُ عَلى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ فَقالَ: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ ولِقائِهِ﴾ إشارَةً إلى الكُفّارِ بِاللَّهِ، فَإنَّ لِلَّهِ في كُلِّ شَيْءٍ آيَةً دالَّةً عَلى وحْدانِيَّتِهِ، فَإذا أشْرَكَ كَفَرَ بِآياتِ اللَّهِ، وإشارَةً إلى المُنْكِرِ لِلْحَشْرِ فَإنَّ مَن أنْكَرَهُ كَفَرَ بِلِقاءِ اللَّهِ فَقالَ: ﴿أُولَئِكَ يَئِسُوا مِن رَحْمَتِي﴾ لَمّا أشْرَكُوا أخْرَجُوا أنْفُسَهم عَنْ مَحَلِّ الرَّحْمَةِ لِأنَّ مَن يَكُونُ لَهُ جِهَةٌ واحِدَةٌ تَدْفَعُ حاجَتَهُ لا غَيْرُ يُرْحَمُ، وإذا كانَ لَهُ جِهاتٌ مُتَعَدِّدَةٌ لا يُبْقِي مَحَلًّا لِلرَّحْمَةِ، فَإذا جَعَلُوا لَهم آلِهَةً لَمْ يَعْتَرِفُوا بِالحاجَةِ إلى طَرِيقٍ مُتَعَيَّنٍ فَيَيْأسُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ، ولَمّا أنْكَرُوا الحَشْرَ وقالُوا: لا عَذابَ فَناسَبَ تَعْذِيبَهم تَحْقِيقًا لِلْأمْرِ عَلَيْهِمْ، وهَذا كَما أنَّ المَلِكَ إذا قالَ أُعَذِّبُ مَن يُخالِفُنِي فَأنْكَرَهُ بَعِيدٌ عَنْهُ وقالَ هو لا يَصِلُ إلَيَّ، فَإذا أُحْضِرَ بَيْنَ يَدَيْهِ يَحْسُنُ مِنهُ أنْ يُعَذِّبَهُ، ويَقُولَ هَلْ قَدَرْتُ وهَلْ عَذَّبْتُ أمْ لا ؟ فَإذَنْ تَبَيَّنَ أنَّ عَدَمَ الرَّحْمَةِ يُناسِبُ الإشْراكَ، والعَذابَ الألِيمَ يُناسِبُ إنْكارَ الحَشْرِ. ثُمَّ إنَّ في الآيَةِ فَوائِدَ: إحْداها: قَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ يَئِسُوا﴾ حَتّى يَكُونَ مُنْبِئًا عَنْ حَصْرِ النّاسِ فِيهِمْ وقالَ أيْضًا ﴿وأُولَئِكَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ لِذَلِكَ، ولَوْ قالَ: أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ ولِقائِهِ يَئِسُوا مِن رَحْمَتِي ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ، ما كانَ يَحْصُلُ هَذِهِ الفائِدَةُ، فَإنْ قالَ قائِلٌ: لَوِ اكْتَفى بِقَوْلِهِ ﴿أُولَئِكَ﴾ مَرَّةً واحِدَةً كانَ يَكْفِي في إفادَةِ ما ذَكَرَ، ثُمَّ قُلْنا لا وذَلِكَ لِأنَّهُ لَوْ قالَ أُولَئِكَ يَئِسُوا ولَهم عَذابٌ، كانَ يَذْهَبُ وهْمُ أحَدٍ إلى أنَّ هَذا المَجْمُوعَ مُنْحَصِرٌ فِيهِمْ، فَلا يُوجَدُ المَجْمُوعُ إلّا فِيهِمْ ولَكِنَّ واحِدًا مِنهُما وحْدَهُ يُمْكِنُ أنْ يُوجَدَ في غَيْرِهِمْ، فَإذا قالَ أُولَئِكَ يَئِسُوا وأُولَئِكَ لَهم عَذابٌ أفادَ أنَّ كُلَّ واحِدٍ لا يُوجَدُ إلّا فِيهِمْ. الثّانِيَةُ: عِنْدَ ذِكْرِ الرَّحْمَةِ أضافَها إلى نَفْسِهِ فَقالَ رَحْمَتِي وعِنْدَ العَذابِ لَمْ يُضِفْهُ لِسَبْقِ رَحْمَتِهِ، وإعْلامًا لِعِبادِهِ بِعُمُومِها لَهم ولُزُومِها لَهُ. الثّالِثَةُ: أضافَ اليَأْسَ إلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ يَئِسُوا﴾ فَحَرَّمَها عَلَيْهِمْ ولَوْ طَمِعُوا لَأباحَها لَهم، فَلَوْ قالَ قائِلٌ: ما ذَكَرْتَ مِن مُقابَلَةِ الأمْرَيْنِ وهُما: اليَأْسُ والعَذابُ، بِأمْرَيْنِ وهُما: الكُفْرُ بِالآياتِ، والكُفْرُ بِاللِّقاءِ، يَقْتَضِي أنْ لا يَكُونَ العَذابُ الألِيمُ لِمَن كَفَرَ بِاللَّهِ واعْتَرَفَ بِالحَشْرِ، أوْ لا يَكُونَ اليَأْسُ لِمَن كَفَرَ بِالحَشْرِ وآمَنَ بِاللَّهِ، فَنَقُولُ: مَعْنى الآيَةِ أنَّهم يَئِسُوا ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ زائِدٌ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ بِالحَشْرِ، ولا شَكَّ أنَّ التَّعْذِيبَ بِسَبَبِ الكُفْرِ بِالحَشْرِ لا يَكُونُ إلّا لِلْكافِرِ بِالحَشْرِ، وأمّا الآخَرُ فالكافِرُ بِالحَشْرِ لا يَكُونُ مُؤْمِنًا بِاللَّهِ؛ لِأنَّ الإيمانَ بِهِ لا يَصِحُّ إلّا إذا صَدَّقَهُ فِيما قالَهُ، والحَشْرُ مِن جُمْلَةِ ذَلِكَ.

العنكبوت 29:24

ثُمَّ قالَ: ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلّا أنْ قالُوا اقْتُلُوهُ أوْ حَرِّقُوهُ فَأنْجاهُ اللَّهُ مِنَ النّارِ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ صفحة ٤٦ لَمّا أتى إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِبَيانِ الأُصُولِ الثَّلاثَةِ، وأقامَ البُرْهانَ عَلَيْهِ، بَقِيَ الأمْرُ مِن جانِبِهِمْ إمّا الإجابَةُ أوِ الإتْيانُ بِما يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ جَوابَهُ فَلَمْ يَأْتُوا إلّا بِقَوْلِهِمُ ﴿اقْتُلُوهُ أوْ حَرِّقُوهُ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: كَيْفَ سَمّى قَوْلَهُمُ ﴿اقْتُلُوهُ﴾ جَوابًا مَعَ أنَّهُ لَيْسَ بِجَوابٍ ؟ فَنَقُولُ: الجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ خَرَجَ مِنهم مَخْرَجَ كَلامِ المُتَكَبِّرِ كَما يَقُولُ المَلِكُ لِرَسُولِ خَصْمِهِ: جَوابُكُمُ السَّيْفُ، مَعَ أنَّ السَّيْفَ لَيْسَ بِجَوابٍ، وإنَّما مَعْناهُ لا أُقابِلُهُ بِالجَوابِ، وإنَّما أُقابِلُهُ بِالسَّيْفِ فَكَذَلِكَ قالُوا لا تُجِيبُوا عَنْ بَراهِينِهِ واقْتُلُوهُ أوْ حَرِّقُوهُ. الثّانِي: هو أنَّ اللَّهَ أرادَ بَيانَ ضَلالَتِهِمْ وهو أنَّهم ذُكِرُوا في مَعْرِضِ الجَوابِ هَذا مَعَ أنَّهُ لَيْسَ بِجَوابٍ، فَتَبَيَّنَ أنَّهم لَمْ يَكُنْ لَهم جَوابٌ أصْلًا، وذَلِكَ لِأنَّ مَن لا يُجِيبُ غَيْرَهُ ويَسْكُتُ، لا يُعْلَمُ أنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى الجَوابِ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ سُكُوتُهُ لِعَدَمِ الِالتِفاتِ، أمّا إذا أجابَ بِجَوابٍ فاسِدٍ، عُلِمَ أنَّهُ قَصَدَ الجَوابَ وما قَدَرَ عَلَيْهِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: القائِلُونَ الَّذِينَ قالُوا: اقْتُلُوهُ هم قَوْمُهُ والمَأْمُورُونَ بِقَوْلِهِمُ اقْتُلُوهُ أيْضًا هم، فَيَكُونُ الآمِرُ نَفْسَ المَأْمُورِ ؟ فَنَقُولُ الجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهم قالَ لِمَن عَداهُ: اقْتُلُوهُ، فَحَصَلَ الأمْرُ مِن كُلِّ واحِدٍ وصارَ المَأْمُورُ كُلَّ واحِدٍ ولا اتِّحادَ، لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ أمَرَ غَيْرَهُ. وثانِيهِما: هو أنَّ الجَوابَ لا يَكُونُ إلّا مِنَ الأكابِرِ والرُّؤَساءِ، فَإذا قالَ أعْيانُ بَلَدٍ كَلامًا يُقالُ: اتَّفَقَ أهْلُ البَلْدَةِ عَلى هَذا ولا يُلْتَفَتُ إلى عَدَمِ قَوْلِ العَبِيدِ والأراذِلِ، فَكانَ جَوابَ قَوْمِهِ وهُمُ الرُّؤَساءُ أنْ قالُوا لِأتْباعِهِمْ وأعْوانِهِمُ: اقْتُلُوهُ، لِأنَّ الجَوابَ لا يُباشِرُهُ إلّا الأكابِرُ، والقَتْلَ لا يُباشِرُهُ إلّا الأتْباعُ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أوْ يُذْكَرُ بَيْنَ أمْرَيْنِ الثّانِي مِنهُما يَنْفَكُّ عَنِ الأوَّلِ كَما يُقالُ: زَوْجٌ أوْ فَرْدٌ، ويُقالُ: هَذا إنْسانٌ أوْ حَيَوانٌ، يَعْنِي إنْ لَمْ يَكُنْ إنْسانًا فَهو حَيَوانٌ، ولا يَصِحُّ أنْ يُقالَ: هَذا حَيَوانٌ أوْ إنْسانٌ، إذْ يُفْهَمُ مِنهُ أنَّهُ يَقُولُ هو حَيَوانٌ فَإنْ لَمْ يَكُنْ حَيَوانًا فَهو إنْسانٌ وهو مُحالٌ، لَكِنَّ التَّحْرِيقَ مُشْتَمِلٌ عَلى القَتْلِ فَقَوْلُهُ اقْتُلُوهُ أوْ حَرِّقُوهُ كَقَوْلِ القائِلِ: حَيَوانٌ أوْ إنْسانٌ، الجَوابُ عَنْهُ: مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ الِاسْتِعْمالَ عَلى خِلافِ ما ذُكِرَ شائِعٌ ويَكُونُ (أوْ) مُسْتَعْمَلًا في مَوْضِعِ بَلْ، كَما يَقُولُ القائِلُ: أعْطَيْتُهُ دِينارًا أوْ دِينارَيْنِ، وكَما يَقُولُ القائِلُ: أعْطِهِ دِينارًا بَلْ دِينارَيْنِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إلّا قَلِيلًا﴾ ﴿نِصْفَهُ أوِ انْقُصْ مِنهُ قَلِيلًا﴾ ﴿أوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ ( المُزَّمِّلِ:٢ - ٣ - ٤) فَكَذَلِكَ هَهُنا اقْتُلُوهُ أوْ زِيدُوا عَلى القَتْلِ وحَرِّقُوهُ. الجَوابُ الثّانِي: هو أنّا نُسَلِّمُ ما ذَكَرْتُمْ والأمْرُ هُنا كَذَلِكَ، لِأنَّ التَّحْرِيقَ فِعْلٌ مُفْضٍ إلى القَتْلِ وقَدْ يَتَخَلَّفُ عَنْهُ القَتْلُ فَإنَّ مَن ألْقى غَيْرَهُ في النّارِ حَتّى احْتَرَقَ جِلْدُهُ بِأسْرِهِ وأُخْرِجَ مِنها حَيًّا يَصِحُّ أنْ يُقالَ: احْتَرَقَ فُلانٌ وأحْرَقَهُ فُلانٌ وما ماتَ، فَكَذَلِكَ هَهُنا قالُوا اقْتُلُوهُ أوْ لا تُعَجِّلُوا قَتْلَهُ وعَذِّبُوهُ بِالنّارِ، وإنْ تَرَكَ مَقالَتَهُ فَخَلُّوا سَبِيلَهُ وإنْ أصَرَّ فَخَلُّوا في النّارِ مَقِيلَهُ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَأنْجاهُ اللَّهُ مِنَ النّارِ﴾ اخْتَلَفَ العُقَلاءُ في كَيْفِيَّةِ الإنْجاءِ، بَعْضُهم قالَ: بَرَّدَ النّارَ وهو الأصَحُّ المُوافِقُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْنا يانارُ كُونِي بَرْدًا﴾ (الأنْبِياءِ: ٦٩ ) وبَعْضُهم قالَ: خَلَقَ في إبْراهِيمَ كَيْفِيَّةً اسْتَبْرَدَ مَعَها النّارَ، وقالَ بَعْضُهم: تَرَكَ إبْراهِيمَ عَلى ما هو عَلَيْهِ والنّارَ عَلى ما كانَتْ عَلَيْهِ ومَنَعَ أذى النّارِ عَنْهُ، والكُلُّ مُمْكِنٌ واللَّهُ قادِرٌ عَلَيْهِ، وأنْكَرَ بَعْضُ الأطِبّاءِ الكُلَّ، أمّا سَلْبُ الحَرارَةِ عَنِ النّارِ، قالُوا: الحَرارَةُ في النّارِ ذاتِيَّةٌ كالزَّوْجِيَّةِ في الأرْبَعَةِ لا يُمْكِنُ أنْ تُفارِقَها، وأمّا خَلْقُ كَيْفِيَّةٍ تَسْتَبْرِدُ النّارَ فَلِأنَّ المِزاجَ الإنْسانِيَّ لَهُ طَرَفا تَفْرِيطٍ وإفْراطٍ، فَلَوْ خَرَجَ عَنْهُما لا يَبْقى إنْسانًا أوْ لا يَعِيشُ. مَثَلًا المِزاجُ إنْ كانَ البارِدُ فِيهِ عَشَرَةَ أجْزاءٍ يَكُونُ إنْسانًا صفحة ٤٧ فَإنْ صارَ أحَدَ عَشَرَ لا يَكُونُ إنْسانًا وإنْ صارَتِ الأجْزاءُ البارِدَةُ خَمْسَةً يَبْقى إنْسانًا، فَإذا صارَتْ أرْبَعَةً لا يَبْقى إنْسانًا لَكِنَّ البُرُودَةَ الَّتِي يَسْتَبْرِدُ مَعَها النّارَ مِزاجُ السَّمَندَلِ، فَلَوْ حَصَلَ في الإنْسانِ لَماتَ أوْ لَكانَ ذَلِكَ فَإنَّ النَّفْسَ تابِعَةٌ لِلْمِزاجِ، وأمّا الثّالِثُ فَمُحالٌ أنْ تَكُونَ القُطْنَةُ في النّارِ والنّارُ كَما هي، والقُطْنَةُ كَما هي ولا تَحْتَرِقُ، فَنَقُولُ: الآيَةُ رَدٌّ عَلَيْهِمْ والعَقْلُ مُوافِقٌ لِلنَّقْلِ، أمّا الأوَّلُ فَلِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ الحَرارَةَ في النّارِ تَقْبَلُ الِاشْتِدادَ والضَّعْفَ، فَإنَّ النّارَ في الفَحْمِ إذا نُفِخَ فِيهِ يَشْتَدُّ حَتّى يُذِيبَ الحَدِيدَ وإنْ لَمْ يُنْفَخْ لا يَشْتَدُّ لَكِنَّ الضَّعْفَ هو عُدْمُ بَعْضٍ مِنَ الحَرارَةِ الَّتِي كانَتْ في النّارِ، فَإذا أمْكَنَ عُدْمُ البَعْضِ جازَ عُدْمُ بَعْضٍ آخَرَ مِن ذَلِكَ عَلَيْها إلى أنْ يَنْتَهِيَ إلى حَدٍّ لا يُؤْذِي الإنْسانَ، ولا كَذَلِكَ الزَّوْجِيَّةٌ فَإنَّها لا تَشْتَدُّ ولا تَضْعُفُ. والثّانِي: وهو أنَّ في أُصُولِ الطِّبِّ ذُكِرَ أنَّ النّارَ لَها كَيْفِيَّةٌ حارَةٌ كَما أنَّ الماءَ لَهُ كَيْفِيَّةٌ بارِدَةٌ لَكِنْ رَأيْنا أنَّ الماءَ تَزُولُ عَنْهُ البُرُودَةُ وهو ماءٌ فَكَذَلِكَ النّارُ تَزُولُ عَنْها الحَرارَةُ وتَبْقى نارًا وهو نُورٌ غَيْرُ مُحْرِقٍ، وأمّا الثّانِي فَأيْضًا مُمْكِنٌ، وقَوْلُهم مَدْفُوعٌ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: مَنعُ أصْلِهِمْ مِن كَوْنِ النَّفْسِ تابِعَةً لِلْمِزاجِ بَلِ اللَّهُ قادِرٌ عَلى أنْ يَخْلُقَ النَّفْسَ الإنْسانِيَّةَ في المِزاجِ الَّذِي مِثْلَ مِزاجِ الجَمَدِ. وثانِيهِما: أنْ نَقُولَ عَلى أصْلِكم لا يَلْزَمُ المُحالُ لِأنَّ الكَيْفِيَّةَ الَّتِي ذَكَرْناها تَكُونُ في ظاهِرٍ كالأجْزاءِ الرَّشِّيَّةِ عَلَيْهِ ولا يَتَأدّى إلى القَلْبِ والأعْضاءِ الرَّئِيسَةِ، ألا تَرى أنَّ الإنْسانَ إذا مَسَّ الجَمَدَ زَمانًا ثُمَّ مَسَّ جَمْرَةَ نارٍ لا تُؤَثِّرُ النّارُ في إحْراقِ يَدِهِ مِثْلَ ما تُؤَثِّرُ في إحْراقِ يَدِ مَن أخْرَجَ يَدَهُ مِن جَيْبِهِ، ولِهَذا تَحْتَرِقُ يَدُهُ قَبْلَ يَدِ هَذا. فَإذا جازَ وُجُودُ كَيْفِيَّةٍ في ظاهِرِ جِلْدِ الإنْسانِ تَمْنَعُ تَأْثِيرَ النّارِ فِيهِ بِالإحْراقِ زَمانًا فَيَجُوزُ أنْ تَتَجَدَّدَ تِلْكَ الكَيْفِيَّةُ لَحْظَةً فَلَحْظَةً حَتّى لا تَحْتَرِقَ. وأمّا الثّالِثُ: فَمُجَرَّدُ اسْتِبْعادِ بَيانِ عَدَمِ الِاعْتِيادِ ونَحْنُ نُسَلِّمُ أنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُعْتادٍ لِأنَّهُ مُعْجِزٌ والمُعْجِزُ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ خارِقًا لِلْعادَةِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ يَعْنِي في إنْجائِهِ مِنَ النّارِ لَآياتٍ، وهُنا مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ في إنْجاءِ نُوحٍ وأصْحابِ السَّفِينَةِ ﴿وجَعَلْناها آيَةً﴾ وقالَ هَهُنا ﴿لَآياتٍ﴾ بِالجَمْعِ لِأنَّ الإنْجاءَ بِالسَّفِينَةِ شَيْءٌ تَتَّسِعُ لَهُ العُقُولُ فَلَمْ يَكُنْ فِيهِ مِنَ الآيَةِ إلّا بِسَبَبِ إعْلامِ اللَّهِ إيّاهُ بِالِاتِّخاذِ وقْتَ الحاجَةِ، فَإنَّهُ لَوْلاهُ لَما اتَّخَذَهُ لِعَدَمِ حُصُولِ عِلْمِهِ بِما في الغَيْبِ، وبِسَبَبِ أنَّ اللَّهَ صانَ السَّفِينَةَ عَنِ المُهْلِكاتِ كالرِّياحِ العاصِفَةِ، وأمّا الإنْجاءُ مِنَ النّارِ فَعَجِيبٌ فَقالَ فِيهِ آياتٌ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ هُناكَ ﴿آيَةً لِلْعالَمِينَ﴾ وقالَ هَهُنا ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ خَصَّ الآياتِ بِالمُؤْمِنِينَ لِأنَّ السَّفِينَةَ بَقِيَتْ أعْوامًا حَتّى مَرَّ عَلَيْها النّاسُ ورَأوْها فَحَصَلَ العِلْمُ بِها لِكُلِّ أحَدٍ، وأمّا تَبْرِيدُ النّارِ فَإنَّهُ لَمْ يَبْقَ فَلَمْ يَظْهَرْ لِمَن بَعْدَهُ إلّا بِطَرِيقِ الإيمانِ بِهِ والتَّصْدِيقِ، وفِيهِ لَطِيفَةٌ: وهي أنَّ اللَّهَ لَمّا بَرَّدَ النّارَ عَلى إبْراهِيمَ بِسَبَبِ اهْتِدائِهِ في نَفْسِهِ وهِدايَتِهِ لِأبْناءِ جِنْسِهِ، وقَدْ قالَ اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِينَ بِأنَّ لَهم أُسْوَةً حَسَنَةً في إبْراهِيمَ، فَحَصَلَ لِلْمُؤْمِنِينَ بِشارَةٌ بِأنَّ اللَّهَ يُبَرِّدُ عَلَيْهِمُ النّارَ يَوْمَ القِيامَةِ، فَقالَ إنَّ في ذَلِكَ التَّبْرِيدِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ هُناكَ ﴿وجَعَلْناها﴾ وقالَ هَهُنا (جَعَلْناهُ) لِأنَّ السَّفِينَةَ ما صارَتْ آيَةً في نَفْسِها ولَوْلا خَلْقُ اللَّهِ الطُّوفانَ لَبَقِيَ فِعْلُ نُوحٍ سَفَهًا، فاللَّهُ تَعالى جَعَلَ السَّفِينَةَ بَعْدَ وُجُودِها آيَةً، وأمّا تَبْرِيدُ النّارِ فَهو في نَفْسِهِ آيَةٌ إذا وُجِدَتْ لا تَحْتاجُ إلى أمْرٍ آخَرَ كَخَلْقِ الطُّوفانِ حَتّى يَصِيرَ آيَةً.

العنكبوت 29:25

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وقالَ إنَّما اتَّخَذْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ أوْثانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكم في الحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ يَوْمَ القِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكم بِبَعْضٍ ويَلْعَنُ بَعْضُكم بَعْضًا ومَأْواكُمُ النّارُ وما لَكم مِن ناصِرِينَ﴾ لَمّا خَرَجَ إبْراهِيمُ مِنَ النّارِ عادَ إلى عَذْلِ الكُفّارِ وبَيانِ فَسادِ ما هم عَلَيْهِ، وقالَ: إذا بَيَّنْتُ لَكم فَسادَ مَذْهَبِكم وما كانَ لَكم جَوابٌ ولا تَرْجِعُونَ عَنْهُ، فَلَيْسَ هَذا إلّا تَقْلِيدًا، فَإنَّ بَيْنَ بَعْضِكم وبَعْضٍ مَوَدَّةً فَلا يُرِيدُ أحَدُكم أنْ يُفارِقَهُ صاحِبُهُ في السِّيرَةِ والطَّرِيقَةِ، أوْ بَيْنَكم وبَيْنَ آبائِكم مَوَدَّةٌ فَوَرِثْتُمُوهم وأخَذْتُمْ مَقالَتَهم ولَزِمْتُمْ ضَلالَتَهم وجَهالَتَهم فَقَوْلُهُ: (إنَّما اتَّخَذْتُمْ. . . . . . . . مَوَدَّةَ بَيْنِكم ) يَعْنِي لَيْسَ بِدَلِيلٍ أصْلًا وفِيهِ وجْهٌ آخَرُ وهو تَحْقِيقٌ دَقِيقٌ، وهو أنْ يُقالَ: قَوْلُهُ: (إنَّما اتَّخَذْتُمْ. . . . . . مَوَدَّةَ بَيْنِكم) أيْ مَوَدَّةً بَيْنَ الأوْثانِ وبَيْنَ عَبَدَتِها، وتِلْكَ المَوَدَّةُ هي أنَّ الإنْسانَ مُشْتَمِلٌ عَلى جِسْمٍ وعَقْلٍ، ولِجِسْمِهِ لَذّاتٌ جُسْمانِيَّةٌ ولِعَقْلِهِ لَذّاتٌ عَقْلِيَّةٌ، ثُمَّ إنَّ مَن غَلَبَتْ فِيهِ الجِسْمِيَّةُ لا يَلْتَفِتُ إلى اللَّذّاتِ العَقْلِيَّةِ، ومَن غَلَبَتْ عَلَيْهِ العَقْلِيَّةُ لا يَلْتَفِتُ إلى اللَّذّاتِ الجُسْمانِيَّةِ، كالمَجْنُونِ إذا احْتاجَ إلى قَضاءِ حاجَةٍ مِن أكْلٍ أوْ شُرْبٍ أوْ إراقَةِ ماءٍ وهو بَيْنَ قَوْمٍ مِنَ الأكابِرِ في مَجْمَعٍ يَحْصُلُ ما فِيهِ لَذَّةُ جِسْمِهِ مِنَ الأكْلِ وإراقَةِ الماءِ وغَيْرِهِما ولا يَلْتَفِتُ إلى اللَّذَّةِ العَقْلِيَّةِ مِن حُسْنِ السِّيرَةِ وحَمْدِ الأوْصافِ ومَكْرُمَةِ الأخْلاقِ. والعاقِلُ يَحْمِلُ الألَمَ الجُسْمانِيَّ ويُحَصِّلُ اللَّذَّةَ العَقْلِيَّةَ، حَتّى لَوْ غَلَبَتْ قُوَّتُهُ الدّافِعَةُ عَلى قُوَّتِهِ الماسِكَةِ وخَرَجَ مِنهُ رِيحٌ أوْ قَطْرَةُ ماءٍ يَكادُ يَمُوتُ مِنَ الخَجالَةِ والألَمِ العَقْلِيِّ. إذا ثَبَتَ هَذا فَهم كانُوا قَلِيلِي العَقْلِ غَلَبَتِ الجِسْمِيَّةُ عَلَيْهِمْ فَلَمْ يَتَّسِعْ عَقْلُهم لِمَعْبُودٍ لا يَكُونُ فَوْقَهم ولا تَحْتَهم، ولا يَمِينَهم ولا يَسارَهم، ولا قُدّامَهم ولا وراءَهم، ولا يَكُونُ جِسْمًا مِنَ الأجْسامِ، ولا شَيْئًا يَدْخُلُ في الأوْهامِ، ورَأوُا الأجْسامَ المُناسِبَةَ لِلْغالِبِ فِيهِمْ مُزَيَّنَةً بِجَواهِرَ فَوَدُّوها، فاتِّخاذُهُمُ الأوْثانَ كانَ مَوَدَّةً بَيْنَهم وبَيْنَ الأوْثانِ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ثُمَّ يَوْمَ القِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكم بِبَعْضٍ﴾ يَعْنِي يَوْمَ يَزُولُ عَمى القُلُوبِ وتَتَبَيَّنُ الأُمُورُ لِلَّبِيبِ والغَفُولِ، يَكْفُرُ بَعْضُكم بِبَعْضٍ ويَعْلَمُ فَسادَ ما كانَ عَلَيْهِ فَيَقُولُ العابِدُ ما هَذا مَعْبُودِي، ويَقُولُ المَعْبُودُ ما هَؤُلاءِ عَبَدَتِي ويَلْعَنُ بَعْضُكم بَعْضًا، ويَقُولُ هَذا لِذاكَ: أنْتَ أوْقَعْتَنِي في العَذابِ حَيْثُ عَبَدْتَنِي، ويَقُولُ ذاكَ لِهَذا أنْتَ أوْقَعْتَنِي فِيهِ حَيْثُ أضْلَلْتَنِي بِعِبادَتِكَ، ويُرِيدُ كُلُّ واحِدٍ أنْ يُبْعِدَ صاحِبَهُ بِاللَّعْنِ ولا يَتَباعَدُونَ، بَلْ هم مُجْتَمِعُونَ في النّارِ كَما كانُوا مُجْتَمِعِينَ في هَذِهِ الدّارِ كَما قالَ تَعالى: ﴿ومَأْواكُمُ النّارُ﴾ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما لَكم مِن ناصِرِينَ﴾ يَعْنِي لَيْسَ تِلْكَ النّارُ مِثْلَ نارِكُمُ الَّتِي أنْجى اللَّهُ مِنها إبْراهِيمَ ونَصَرَهُ فَأنْتُمْ في النّارِ ولا ناصِرَ لَكم، وهَهُنا مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ قَبْلَ هَذا: ﴿وما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ عَلى لَفْظِ الواحِدِ، وقالَ هَهُنا عَلى لَفْظِ الجَمْعِ: ﴿وما لَكم مِن ناصِرِينَ﴾ والحِكْمَةُ فِيهِ أنَّهم لَمّا أرادُوا إحْراقَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ قالُوا نَحْنُ نَنْصُرُ آلِهَتَنا كَما حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهم ﴿حَرِّقُوهُ وانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ﴾ (الأنْبِياءِ: ٦٨) فَقالَ: أنْتُمُ ادَّعَيْتُمْ أنَّ لِهَؤُلاءِ ناصِرِينَ فَما لَكم ولَهم أيْ: لِلْأوْثانِ وعَبَدَتِها مِن ناصِرِينَ، وأمّا هُناكَ ما سَبَقَ مِنهم دَعْوى النّاصِرِينَ فَنَفى الجِنْسَ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا نَصِيرٍ﴾ . صفحة ٤٩ المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ هُناكَ: ﴿ما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ وما ذَكَرَ الوَلِيَّ هَهُنا فَنَقُولُ: قَدْ بَيَّنّا أنَّ المُرادَ بِالوَلِيِّ الشَّفِيعُ، يَعْنِي: لَيْسَ لَكم شافِعٌ ولا نَصِيرٌ دافِعٌ، وهَهُنا لَمّا كانَ الخِطابُ دَخَلَ فِيهِ الأوْثانُ أيْ: ما لَكم كُلِّكم، لَمْ يَقُلْ: شَفِيعٌ لِأنَّهم كانُوا مُعْتَرِفِينَ أنَّ كُلَّهم لَيْسَ لَهم شافِعٌ لِأنَّهم كانُوا يَدَّعُونَ أنَّ آلِهَتَهم شُفَعاءُ، كَما قالَ تَعالى عَنْهم: ﴿هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا﴾ (يُونُسَ: ١٨ ) والشَّفِيعُ لا يَكُونُ لَهُ شَفِيعٌ، فَما نَفى عَنْهُمُ الشَّفِيعَ لِعَدَمِ الحاجَةِ إلى نَفْيِهِ لِاعْتِرافِهِمْ بِهِ، وأمّا هُناكَ فَكانَ الكَلامُ مَعَهم وهم كانُوا يَدَّعُونَ أنَّ لِأنْفُسِهِمْ شُفَعاءَ فَنَفى. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ هُناكَ ﴿وما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ﴾ فَذُكِرَ عَلى مَعْنى الِاسْتِثْناءِ فَيُفْهَمُ أنَّ لَهم ناصِرًا ووَلِيًّا هو اللَّهُ، ولَيْسَ لَهم غَيْرُهُ ولِيٌّ وناصِرٌ وقالَ هَهُنا ﴿وما لَكم مِن ناصِرِينَ﴾ مِن غَيْرِ اسْتِثْناءٍ فَنَقُولُ كانَ ذَلِكَ وارِدًا عَلى أنَّهم في الدُّنْيا فَقالَ لَهم في الدُّنْيا: لا تَظُنُّوا أنَّكم تُعْجِزُونَ اللَّهَ فَما لَكم أحَدٌ يَنْصُرُكم، بَلِ اللَّهُ تَعالى يَنْصُرُكم إنْ تُبْتُمْ، فَهو ناصِرٌ مُعَدٌّ لَكم مَتى أرَدْتُمُ اسْتَنْصَرْتُمُوهُ بِالتَّوْبَةِ وهَذا يَوْمَ القِيامَةِ كَما قالَ تَعالى: ﴿ثُمَّ يَوْمَ القِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكم بِبَعْضٍ﴾ وعَدَمُ النّاصِرِ عامٌّ لِأنَّ التَّوْبَةَ في ذَلِكَ اليَوْمِ لا تُقْبَلْ فَسَواءٌ تابُوا أوْ لَمْ يَتُوبُوا لا يَنْصُرُهُمُ اللَّهُ ولا ناصِرَ لَهم غَيْرُهُ فَلا ناصِرَ لَهم مُطْلَقًا.

العنكبوت 29:26

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وقالَ إنِّي مُهاجِرٌ إلى رَبِّي﴾ أيْ إلى حَيْثُ أمَرَنِي بِالتَّوَجُّهِ إلَيْهِ ﴿إنَّهُ هو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ عَزِيزٌ يَمْنَعُ أعْدائِي عَنْ إيذائِي بِعِزَّتِهِ، وحَكِيمٌ لا يَأْمُرُنِي إلّا بِما يُوافِقُ لِكَمالِ حِكْمَتِهِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ أيْ: بَعْدَما رَأى مِنهُ المُعْجِزَ القاهِرَ، ودَرَجَةُ لُوطٍ كانَتْ عالِيَةً، وبَقاؤُهُ إلى هَذا الوَقْتِ مِمّا يُنْقِصُ مِنَ الدَّرَجَةِ ألا تَرى أنَّ أبا بَكْرٍ لَمّا قَبِلَ دِينَ مُحَمَّدٍ -ﷺ- وكانَ نَيِّرَ القَلْبِ قَبِلَهُ قَبْلَ الكُلِّ مِن غَيْرِ سَماعِ تَكَلُّمِ الحَصى ولا رُؤْيَةِ انْشِقاقِ القَمَرِ، فَنَقُولُ إنَّ لُوطًا لَمّا رَأى مُعْجِزَتَهُ آمَنَ بِرِسالَتِهِ، وأمّا بِالوَحْدانِيَّةِ فَآمَنَ حَيْثُ سَمِعَ حُسْنَ مَقالَتِهِ، وإلَيْهِ أشارَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ وما قالَ فَآمَنَ لُوطٌ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ما تَعَلُّقُ قَوْلِهِ: ﴿وقالَ إنِّي مُهاجِرٌ إلى رَبِّي﴾ بِما تَقَدَّمَ ؟ فَنَقُولُ لَمّا بالَغَ إبْراهِيمُ في الإرْشادِ ولَمْ يَهْتَدِ قَوْمُهُ، وحَصَلَ اليَأْسُ الكُلِّيُّ حَيْثُ رَأى القَوْمُ الآيَةَ الكُبْرى ولَمْ يُؤْمِنُوا وجَبَتِ المُهاجَرَةُ، لِأنَّ الهادِيَ إذا هَدى قَوْمَهُ ولَمْ يَنْتَفِعُوا فَبَقاؤُهُ فِيهِمْ مَفْسَدَةٌ لِأنَّهُ إنْ دامَ عَلى الإرْشادِ كانَ اشْتِغالًا بِما لا يُنْتَفَعُ بِهِ مَعَ عِلْمِهِ، فَيَصِيرُ كَمَن يَقُولُ لِلْحَجَرِ صَدِّقْ، وهو عَبَثٌ، أوْ يَسْكُتُ والسُّكُوتُ دَلِيلُ الرِّضا فَيُقالُ بِأنَّهُ صارَ مِنّا ورَضِيَ بِأفْعالِنا، وإذا لَمْ يَبْقَ لِلْإقامَةِ وجْهٌ وجَبَتِ المُهاجَرَةُ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ: ﴿مُهاجِرٌ إلى رَبِّي﴾ ولَمْ يَقُلْ مُهاجِرٌ إلى حَيْثُ أمَرَنِي رَبِّي مَعَ أنَّ المُهاجَرَةَ إلى الرَّبِّ تُوهِمُ الجِهَةَ، فَنَقُولُ قَوْلُهُ: ﴿مُهاجِرٌ﴾ إلى حَيْثُ أمَرَنِي رَبِّي لَيْسَ في الإخْلاصِ كَقَوْلِهِ: ﴿إلى رَبِّي﴾ لِأنَّ المَلِكَ إذا صَدَرَ مِنهُ أمَرٌ بِرَواحِ الأجْنادِ إلى المَوْضِعِ الفُلانِيِّ، ثُمَّ إنَّ واحِدًا مِنهم سافَرَ إلَيْهِ لِغَرَضٍ [ في ] نَفْسِهِ يُصِيبُهُ فَقَدْ هاجَرَ إلى حَيْثُ أمَرَهُ المَلِكُ ولَكِنْ لا مُخْلِصًا لِوَجْهِهِ فَقالَ: ﴿مُهاجِرٌ إلى رَبِّي﴾ يَعْنِي تَوَجُّهِي إلى الجِهَةِ المَأْمُورُ بِالهِجْرَةِ إلَيْها لَيْسَ طَلَبًا لِلْجِهَةِ إنَّما هو طَلَبٌ لِلَّهِ.

العنكبوت 29:27

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ووَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ وجَعَلْنا في ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ والكِتابَ وآتَيْناهُ أجْرَهُ في الدُّنْيا وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ قَدْ ذَكَرْنا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ ولَنَجْزِيَنَّهُمْ﴾ (العَنْكَبُوتِ: ٧ ) أنَّ أثَرَ رَحْمَةِ اللَّهِ في أمْرَيْنِ في الأمانِ مِن سُوءِ العَذابِ والِامْتِنانِ بِحُسْنِ الثَّوابِ وهو واصِلٌ إلى المُؤْمِنِ في الدّارِ الآخِرَةِ قَطْعًا بِحُكْمِ وعْدِ اللَّهِ نَفْيَ العَذابِ عَنْهُ لِنَفْيِهِ الشِّرْكَ، وإثْباتَ الثَّوابِ لِإثْباتِهِ الواحِدَ، ولَكِنَّ هَذا لَيْسَ بِواجِبِ الحُصُولِ في الدُّنْيا، فَإنَّ كَثِيرًا ما يَكُونُ الكافِرُ في رَغَدٍ، والمُؤْمِنُ جائِعٌ في يَوْمِهِ مُتَفَكِّرٌ في أمْرِ غَدِهِ لَكِنَّهُما مَطْلُوبانِ في الدُّنْيا، أمّا دَفْعُ العَذابِ العاجِلِ فَلِأنَّهُ ورَدَ في دُعاءِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَوْلُهُ: ”«وقِنا عَذابَ الفَقْرِ والنّارِ» “ فَعَذابُ الفَقْرِ إشارَةٌ إلى دَفْعِ العَذابِ العاجِلِ، وأمّا الثَّوابُ العاجِلُ فَفي قَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا حَسَنَةً وفي الآخِرَةِ حَسَنَةً﴾ (البَقَرَةِ: ٢٠١ ) إذا عُلِمَ هَذا فَنَقُولُ إنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا أتى بِبَيانِ التَّوْحِيدِ أوَّلًا دَفَعَ اللَّهُ عَنْهُ عَذابَ الدُّنْيا وهو عَذابُ النّارِ، ولَمّا أتى بِهِ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ مَعَ إصْرارِ القَوْمِ عَلى التَّكْذِيبِ، وإضْرارِهِمْ بِهِ بِالتَّعْذِيبِ، أعْطاهُ الجَزاءَ الآخَرَ، وهو الثَّوابُ العاجِلُ وعَدَّدَهُ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ووَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ﴾ وفي الآيَةِ لَطِيفَةٌ: وهي أنَّ اللَّهَ بَدَّلَ جَمِيعَ أحْوالِ إبْراهِيمَ في الدُّنْيا بِأضْدادِها لَمّا أرادَ القَوْمُ تَعْذِيبَهُ بِالنّارِ وكانَ وحِيدًا فَرِيدًا فَبَدَّلَ وحْدَتَهُ بِالكَثْرَةِ حَتّى مَلَأ الدُّنْيا مِن ذُرِّيَّتِهِ، ولَمّا كانَ أوَّلًا قَوْمُهُ وأقارِبُهُ القَرِيبَةُ ضالِّينَ مُضِلِّينَ مِن جُمْلَتِهِمْ آزَرُ، بَدَّلَ اللَّهُ أقارِبَهُ بِأقارِبَ مُهْتَدِينَ هادِينَ وهم ذُرِّيَّتُهُ الَّذِينَ جَعَلَ اللَّهُ فِيهِمُ النُّبُوَّةَ والكِتابَ، وكانَ أوَّلًا لا جاهَ لَهُ ولا مالَ وهُما غايَةُ اللَّذَّةِ الدُّنْيَوِيَّةِ آتاهُ اللَّهُ أجْرَهُ مِنَ المالِ والجاهِ، فَكَثُرَ مالُهُ حَتّى كانَ لَهُ مِنَ المَواشِي ما عَلِمَ اللَّهُ عَدَدَهُ، حَتّى قِيلَ: إنَّهُ كانَ لَهُ اثْنا عَشَرَ ألْفَ كَلْبٍ حارِسٍ بِأطْواقٍ ذَهَبٍ، وأمّا الجاهُ فَصارَ بِحَيْثُ يَقْرِنُ الصَّلاةَ عَلَيْهِ بِالصَّلاةِ عَلى سائِرِ الأنْبِياءِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، فَصارَ مَعْرُوفًا بِشَيْخِ المُرْسَلِينَ بَعْدَ أنْ كانَ خامِلًا، حَتّى قالَ قائِلُهم: ﴿سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهم يُقالُ لَهُ إبْراهِيمُ﴾ (الأنْبِياءِ: ٦٠ ) وهَذا الكَلامُ لا يُقالُ إلّا في مَجْهُولٍ بَيْنَ النّاسِ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ يَعْنِي لَيْسَ لَهُ هَذا في الدُّنْيا فَحَسْبُ كَما يَكُونُ لِمَن قَدَّمَ لَهُ ثَوابَ حَسَناتِهِ، أوْ أمْلى لَهُ اسْتِدْراجًا لِيُكْثِرَ مِن سَيِّئاتِهِ بَلْ هَذا لَهُ عُجالَةٌ ولَهُ في الآخِرَةِ ثَوابُ الدَّلالَةِ والرِّسالَةِ، وهو كَوْنُهُ مِنَ الصّالِحِينَ، فَإنَّ كَوْنَ العَبْدِ صالِحًا أعْلى مَراتِبِهِ، لَمّا بَيَّنّا أنَّ الصّالِحَ هو الباقِي عَلى ما يَنْبَغِي، يُقالُ: الطَّعامُ بَعْدُ صالِحٌ، أيْ هو باقٍ عَلى ما يَنْبَغِي، ومَن بَقِيَ عَلى ما يَنْبَغِي لا يَكُونُ في عَذابٍ، ويَكُونُ لَهُ كُلُّ ما يُرِيدُ مِن حُسْنِ ثَوابٍ. وفي الآيَةِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: أنَّ إسْماعِيلَ كانَ مِن أوْلادِهِ الصّالِحِينَ، وكانَ قَدْ أسْلَمَ لِأمْرِ اللَّهِ بِالذَّبْحِ وانْقادَ لِحُكْمِ اللَّهِ، فَلِمَ لَمْ يُذْكَرْ ؟ فَيُقالُ هو مَذْكُورٌ في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْنا في ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ﴾ ولَكِنْ لَمْ يُصَرِّحْ بِاسْمِهِ لِأنَّهُ كانَ غَرَضُهُ تَبْيِينَ فَضْلِهِ عَلَيْهِ بِهِبَةِ الأوْلادِ والأحْفادِ، فَذَكَرَ مِنَ الأوْلادِ واحِدًا وهو الأكْبَرُ، ومِنَ الأحْفادِ واحِدًا وهو الأظْهَرُ، كَما يَقُولُ القائِلُ: إنَّ السُّلْطانَ في خِدْمَتِهِ المُلُوكُ والأُمَراءُ، المَلِكُ الفُلانِيُّ والأمِيرُ الفُلانِيُّ ولا يُعَدِّدُ الكُلَّ لِأنَّ ذِكْرَ ذَلِكَ الواحِدِ لِبَيانِ الجِنْسِ لا لِخُصُوصِيَّتِهِ، ولَوْ ذَكَرَ غَيْرَهُ لَفُهِمَ مِنهُ التَّعْدِيدُ واسْتِيعابُ الكُلِّ صفحة ٥١ بِالذِّكْرِ، فَيُظَنُّ أنَّهُ لَيْسَ مَعَهُ غَيْرُ المَذْكُورِينَ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ في ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ إجابَةً لِدُعائِهِ والوالِدُ يَسْتَحِبُّ مِنهُ أنْ يُسَوِّيَ بَيْنَ ولَدَيْهِ، فَكَيْفَ صارَتِ النُّبُوَّةُ في أوْلادِ إسْحاقَ أكْثَرَ مِنَ النُّبُوَّةِ في أوْلادِ إسْماعِيلَ ؟ فَنَقُولُ: اللَّهُ تَعالى قَسَمَ الزَّمانَ مِن وقْتِ إبْراهِيمَ إلى القِيامَةِ قِسْمَيْنِ والنّاسَ أجْمَعِينَ، فالقِسْمُ الأوَّلُ مِنَ الزَّمانِ بَعَثَ اللَّهُ فِيهِ أنْبِياءَ فِيهِمْ فَضائِلُ جَمَّةٌ وجاءُوا تَتْرى واحِدًا بَعْدَ واحِدٍ، ومُجْتَمِعِينَ في عَصْرٍ واحِدٍ، كُلُّهم مِن ورَثَةِ إسْحاقَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ثُمَّ في القِسْمِ الثّانِي مِنَ الزَّمانِ أخْرَجَ مِن ذُرِّيَّةِ ولَدِهِ الآخَرِ وهو إسْماعِيلُ واحِدًا جَمَعَ فِيهِ ما كانَ فِيهِمْ وأرْسَلَهُ إلى كافَّةِ الخَلْقِ وهو مُحَمَّدٌ -ﷺ- وجَعَلَهُ خاتَمَ النَّبِيِّينَ، وقَدْ دامَ الخَلْقُ عَلى دِينِ أوْلادِ إسْحاقَ أكْثَرَ مِن أرْبَعَةِ آلافِ سَنَةٍ فَلا يَبْعُدُ أنْ يَبْقى الخَلْقُ عَلى دِينِ ذُرِّيَّةِ إسْماعِيلَ مِثْلَ ذَلِكَ المِقْدارِ.

العنكبوت 29:28

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولُوطًا إذْ قالَ لِقَوْمِهِ إنَّكم لَتَأْتُونَ الفاحِشَةَ ما سَبَقَكم بِها مِن أحَدٍ مِنَ العالَمِينَ﴾ ﴿أئِنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ وتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وتَأْتُونَ في نادِيكُمُ المُنْكَرَ فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلّا أنْ قالُوا ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿قالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلى القَوْمِ المُفْسِدِينَ﴾ الإعْرابُ في لُوطٍ، والتَّفْسِيرُ كَما ذَكَرْنا في قَوْلِهِ: ﴿وإبْراهِيمَ إذْ قالَ لِقَوْمِهِ﴾ وهَهُنا مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ إبْراهِيمُ لِقَوْمِهِ ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ وقالَ عَنْ لُوطٍ هَهُنا أنَّهُ قالَ لِقَوْمِهِ ﴿لَتَأْتُونَ الفاحِشَةَ﴾ فَنَقُولُ لَمّا ذَكَرَ اللَّهُ لُوطًا عِنْدَ ذِكْرِ إبْراهِيمَ وكانَ لُوطٌ في زَمانِ إبْراهِيمَ لَمْ يَذْكُرْ عَنْ لُوطٍ أنَّهُ أمَرَ قَوْمَهُ بِالتَّوْحِيدِ مَعَ أنَّ الرَّسُولَ لا بُدَّ مِن أنْ يَقُولَ ذَلِكَ فَنَقُولُ: حِكايَةُ لُوطٍ وغَيْرُها هَهُنا ذَكَرَها اللَّهُ عَلى سَبِيلِ الِاخْتِصارِ، فاقْتَصَرَ عَلى ما اخْتَصَّ بِهِ لُوطٌ وهو المَنعُ مِنَ الفاحِشَةِ، ولَمْ يَذْكُرْ عَنْهُ الأمْرَ بِالتَّوْحِيدِ وإنْ كانَ قالَهُ في مَوْضِعٍ آخَرَ حَيْثُ قالَ: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ لِأنَّ ذَلِكَ كانَ قَدْ أتى بِهِ إبْراهِيمُ وسَبَقَهُ فَصارَ كالمُخْتَصِّ بِهِ، ولُوطٌ يُبَلِّغُ ذَلِكَ عَنْ إبْراهِيمَ. وأمّا المَنعُ مِن عَمَلِ قَوْمِ لُوطٍ كانَ مُخْتَصًّا بِلُوطٍ، فَإنَّ إبْراهِيمَ لَمْ يَظْهَرْ ذَلِكَ [ في زَمَنِهِ ] ولَمْ يَمْنَعْهم مِنهُ فَذَكَرَ كُلَّ واحِدٍ بِما اخْتَصَّ بِهِ وسَبَقَ بِهِ غَيْرَهُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لِمَ سَمّى ذَلِكَ الفِعْلَ فاحِشَةً ؟ فَنَقُولُ: الفاحِشَةُ هو القَبِيحُ الظّاهِرُ قُبْحُهُ، ثُمَّ إنَّ الشَّهْوَةَ والغَضَبَ صِفَتا قُبْحٍ لَوْلا مَصْلَحَةٌ ما كانَ يَخْلُقُهُما اللَّهُ في الإنْسانِ، فَمَصْلَحَةُ الشَّهْوَةِ الفَرْجِيَّةِ هي بَقاءُ النَّوْعِ بِتَوْلِيدِ الشَّخْصِ، وهَذِهِ المَصْلَحَةُ لا تَحْصُلُ إلّا بِوُجُودِ الوَلَدِ وبَقائِهِ بَعْدَ الأبِ، فَإنَّهُ لَوْ وُجِدَ وماتَ قَبْلَ الأبِ كانَ يَفْنى النَّوْعُ بِفَناءِ القَرْنِ الأوَّلِ، لَكِنَّ الزِّنا قَضاءُ شَهْوَةٍ ولا يُفْضِي إلى بَقاءِ النَّوْعِ، لِأنّا بَيَّنّا أنَّ البِناءَ بِالوُجُودِ وبَقاءِ الوَلَدِ بَعْدَ الأبِ، لَكِنَّ الزِّنا وإنْ كانَ يُفْضِي إلى وُجُودِ الوَلَدِ ولَكِنْ لا يُفْضِي إلى بَقائِهِ، لِأنَّ المِياهَ إذا صفحة ٥٢ اشْتَبَهَتْ لا يَعْرِفُ الوالِدُ ولَدَهُ فَلا يَقُومُ بِتَرْبِيَتِهِ والإنْفاقِ عَلَيْهِ فَيَضِيعُ ويَهْلِكُ، فَلا يَحْصُلُ مَصْلَحَةُ البَقاءِ، فَإذَنِ الزِّنا شَهْوَةٌ قَبِيحَةٌ خالِيَةٌ عَنِ المَصْلَحَةِ الَّتِي لِأجْلِها خُلِقَتْ، فَهو قَبِيحٌ ظاهِرٌ قُبْحُهُ حَيْثُ لا تَسْتُرُهُ المَصْلَحَةُ فَهو فاحِشَةٌ، وإذا كانَ الزِّنا فاحِشَةً مَعَ أنَّهُ يُفْضِي إلى وُجُودِ الوَلَدِ ولَكِنْ لا يُفْضِي إلى بَقائِهِ، فاللِّواطَةُ الَّتِي لا تُفْضِي إلى وُجُودِهِ أوْلى بِأنْ تَكُونَ فاحِشَةً. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الآيَةُ دالَّةٌ عَلى وُجُوبِ الحَدِّ في اللِّواطَةِ، لِأنَّها مَعَ الزِّنا اشْتَرَكَتْ في كَوْنِهِما فاحِشَةً حَيْثُ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ولا تَقْرَبُوا الزِّنا إنَّهُ كانَ فاحِشَةً﴾ (الإسْراءِ: ٣٢ ) واشْتِراكُهُما في الفاحِشَةِ يُناسِبُ الزَّجْرَ عَنْهُ، فَما شَرَعَ زاجِرًا هُناكَ يَشْرَعُ زاجِرًا هَهُنا، وهَذا وإنْ كانَ قِياسًا إلّا أنَّ جامِعَهُ مُسْتَفادٌ مِنَ الآيَةِ، ووَجْهٌ آخَرُ وهو أنَّ اللَّهَ جَعَلَ عَذابَ مَن أتى بِها إمْطارَ الحِجارَةِ حَيْثُ أمْطَرَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً عاجِلًا، فَوَجَبَ أنْ يُعَذَّبَ مَن أتى بِهِ بِأمْطارِ الحِجارَةِ بِهِ عاجِلًا وهو الرَّجْمُ، وقَوْلُهُ: ﴿ما سَبَقَكم بِها مِن أحَدٍ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ قَبْلَهم لَمْ يَأْتِ أحَدٌ بِهَذا القَبِيحِ وهَذا ظاهِرٌ. والثّانِي: أنَّ قَبْلَهم رُبَّما أتى بِهِ واحِدٌ في النُّدْرَةِ لَكِنَّهم بالَغُوا فِيهِ، فَقالَ لَهم: ما سَبَقَكم بِها مِن أحَدٍ، كَما يُقالُ: إنَّ فُلانًا سَبَقَ البُخَلاءَ في البُخْلِ، وسَبَقَ اللِّئامَ في اللُّؤْمِ إذا زادَ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أئِنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ وتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ﴾ (العَنْكَبُوتِ: ٢٩) بَيانًا لِما ذَكَرْنا، يَعْنِي تَقْضُونَ الشَّهْوَةَ بِالرِّجالِ مَعَ قَطْعِ السَّبِيلِ المُعْتادِ مَعَ النِّساءِ المُشْتَمِلِ عَلى المَصْلَحَةِ الَّتِي هي بَقاءُ النَّوْعِ، حَتّى يُظْهِرَ أنَّهُ قَبِيحٌ لَمْ يَسْتُرْ قُبْحَهُ مَصْلَحَةً، وحِينَئِذٍ يَصِيرُ هَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِن دُونِ النِّساءِ﴾ (الأعْرافِ:٨١ ) يَعْنِي: إتْيانُ النِّساءِ شَهْوَةٌ قَبِيحَةٌ مُسْتَتِرَةٌ بِالمَصْلَحَةِ فَلَكم دافِعٌ لِحاجَتِكم لا فاحِشَةَ فِيهِ وتَتْرُكُونَهُ وتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مَعَ الفاحِشَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿وتَأْتُونَ في نادِيكُمُ المُنْكَرَ﴾ يَعْنِي ما كَفاكم قُبْحُ فِعْلِكم حَتّى تَضُمُّونَ إلَيْهِ قُبْحَ الإظْهارِ، وقَوْلُهُ: ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ﴾ في التَّفْسِيرِ، كَقَوْلِهِ في قِصَّةِ إبْراهِيمَ ﴿وما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ قَوْمُ إبْراهِيمَ: ﴿اقْتُلُوهُ أوْ حَرِّقُوهُ﴾ وقالَ قَوْمُ لُوطٍ: ﴿ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ﴾ وما هَدَّدُوهُ، مَعَ أنَّ إبْراهِيمَ كانَ أعْظَمَ مِن لُوطٍ، فَإنَّ لُوطًا كانَ مِن قَوْمِهِ، فَنَقُولُ إنَّ إبْراهِيمَ كانَ يَقْدَحُ في دِينِهِمْ ويَشْتُمُ آلِهَتَهم بِتَعْدِيدِ صِفاتِ نَقْصِهِمْ بِقَوْلِهِ: لا يَسْمَعُ، ولا يُبْصِرُ، ولا يُغْنِي والقَدْحُ في الدِّينِ صَعْبٌ، فَجَعَلُوا جَزاءَهُ القَتْلَ والتَّحْرِيقَ، ولُوطٌ كانَ يُنْكِرُ عَلَيْهِمْ فِعْلَهم ويَنْسُبُهم إلى ارْتِكابِ المُحَرَّمِ وهم ما كانُوا يَقُولُونَ إنَّ هَذا واجِبٌ مِنَ الدِّينِ، فَلَمْ يَصْعُبْ عَلَيْهِمْ مِثْلَ ما صَعُبَ عَلى قَوْمِ إبْراهِيمَ قَوْلُ إبْراهِيمَ، فَقالُوا إنَّكَ تَقُولُ إنَّ هَذا حَرامٌ واللَّهُ يُعَذِّبُ عَلَيْهِ ونَحْنُ نَقُولُ لا يُعَذِّبُ، فَإنْ كُنْتَ صادِقًا فَأْتِنا بِالعَذابِ، فَإنْ قِيلَ إنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ في مَوْضِعٍ أخَرَ ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلّا أنْ قالُوا أخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِن قَرْيَتِكُمْ﴾ (النَّمْلِ: ٥٦ ) وقالَ هَهُنا ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلّا أنْ قالُوا ائْتِنا﴾ فَكَيْفَ الجَمْعُ ؟ فَنَقُولُ لُوطٌ كانَ ثابِتًا عَلى الإرْشادِ مُكَرِّرًا عَلَيْهِمُ التَّغْيِيرَ والنَّهْيَ والوَعِيدَ، فَقالُوا أوَّلًا: ائْتِنا، ثُمَّ لَمّا كَثُرَ مِنهُ ذَلِكَ ولَمْ يَسْكُتْ عَنْهم قالُوا: أخْرِجُوا، ثُمَّ إنَّ لُوطًا لَمّا يَئِسَ مِنهم طَلَبَ النُّصْرَةَ مِنَ اللَّهِ وذَكَّرَهم بِما لا يُحِبُّ اللَّهُ فَـ ﴿قالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلى القَوْمِ المُفْسِدِينَ﴾ فَإنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ المُفْسِدِينَ، حَتّى يُنْجِزَ النَّصْرَ. واعْلَمْ أنَّ نَبِيًّا مِنَ الأنْبِياءِ ما طَلَبَ هَلاكَ قَوْمٍ إلّا إذا عَلِمَ أنَّ عَدَمَهم خَيْرٌ مِن وُجُودِهِمْ، كَما قالَ نُوحٌ: ﴿إنَّكَ إنْ تَذَرْهم يُضِلُّوا عِبادَكَ ولا يَلِدُوا إلّا فاجِرًا كَفّارًا﴾ (نُوحٍ: ٢٧ ) يَعْنِي: المَصْلَحَةُ إمّا فِيهِمْ حالًا، أوْ بِسَبَبِهِمْ مَآلًا ولا صفحة ٥٣ مَصْلَحَةَ فِيهِمْ، فَإنَّهم يَضِلُّونَ في الحالِ وفي المَآلِ فَإنَّهم يُوصُونَ الأوْلادَ مِن صِغَرِهِمْ بِالِامْتِناعِ مِنَ الِاتِّباعِ، فَكَذَلِكَ لُوطٌ لَمّا رَأى أنَّهم يُفْسِدُونَ في الحالِ واشْتَغَلُوا بِما لا يُرْجى مَعَهُ مِنهم ولَدٌ صالِحٌ يَعْبُدُ اللَّهَ، بَطَلَتِ المَصْلَحَةُ حالًا ومَآلًا، فَعَدَمُهم صارَ خَيْرًا، فَطَلَبَ العَذابَ.

العنكبوت 29:29

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولُوطًا إذْ قالَ لِقَوْمِهِ إنَّكم لَتَأْتُونَ الفاحِشَةَ ما سَبَقَكم بِها مِن أحَدٍ مِنَ العالَمِينَ﴾ ﴿أئِنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ وتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وتَأْتُونَ في نادِيكُمُ المُنْكَرَ فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلّا أنْ قالُوا ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿قالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلى القَوْمِ المُفْسِدِينَ﴾ الإعْرابُ في لُوطٍ، والتَّفْسِيرُ كَما ذَكَرْنا في قَوْلِهِ: ﴿وإبْراهِيمَ إذْ قالَ لِقَوْمِهِ﴾ وهَهُنا مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ إبْراهِيمُ لِقَوْمِهِ ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ وقالَ عَنْ لُوطٍ هَهُنا أنَّهُ قالَ لِقَوْمِهِ ﴿لَتَأْتُونَ الفاحِشَةَ﴾ فَنَقُولُ لَمّا ذَكَرَ اللَّهُ لُوطًا عِنْدَ ذِكْرِ إبْراهِيمَ وكانَ لُوطٌ في زَمانِ إبْراهِيمَ لَمْ يَذْكُرْ عَنْ لُوطٍ أنَّهُ أمَرَ قَوْمَهُ بِالتَّوْحِيدِ مَعَ أنَّ الرَّسُولَ لا بُدَّ مِن أنْ يَقُولَ ذَلِكَ فَنَقُولُ: حِكايَةُ لُوطٍ وغَيْرُها هَهُنا ذَكَرَها اللَّهُ عَلى سَبِيلِ الِاخْتِصارِ، فاقْتَصَرَ عَلى ما اخْتَصَّ بِهِ لُوطٌ وهو المَنعُ مِنَ الفاحِشَةِ، ولَمْ يَذْكُرْ عَنْهُ الأمْرَ بِالتَّوْحِيدِ وإنْ كانَ قالَهُ في مَوْضِعٍ آخَرَ حَيْثُ قالَ: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ لِأنَّ ذَلِكَ كانَ قَدْ أتى بِهِ إبْراهِيمُ وسَبَقَهُ فَصارَ كالمُخْتَصِّ بِهِ، ولُوطٌ يُبَلِّغُ ذَلِكَ عَنْ إبْراهِيمَ. وأمّا المَنعُ مِن عَمَلِ قَوْمِ لُوطٍ كانَ مُخْتَصًّا بِلُوطٍ، فَإنَّ إبْراهِيمَ لَمْ يَظْهَرْ ذَلِكَ [ في زَمَنِهِ ] ولَمْ يَمْنَعْهم مِنهُ فَذَكَرَ كُلَّ واحِدٍ بِما اخْتَصَّ بِهِ وسَبَقَ بِهِ غَيْرَهُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لِمَ سَمّى ذَلِكَ الفِعْلَ فاحِشَةً ؟ فَنَقُولُ: الفاحِشَةُ هو القَبِيحُ الظّاهِرُ قُبْحُهُ، ثُمَّ إنَّ الشَّهْوَةَ والغَضَبَ صِفَتا قُبْحٍ لَوْلا مَصْلَحَةٌ ما كانَ يَخْلُقُهُما اللَّهُ في الإنْسانِ، فَمَصْلَحَةُ الشَّهْوَةِ الفَرْجِيَّةِ هي بَقاءُ النَّوْعِ بِتَوْلِيدِ الشَّخْصِ، وهَذِهِ المَصْلَحَةُ لا تَحْصُلُ إلّا بِوُجُودِ الوَلَدِ وبَقائِهِ بَعْدَ الأبِ، فَإنَّهُ لَوْ وُجِدَ وماتَ قَبْلَ الأبِ كانَ يَفْنى النَّوْعُ بِفَناءِ القَرْنِ الأوَّلِ، لَكِنَّ الزِّنا قَضاءُ شَهْوَةٍ ولا يُفْضِي إلى بَقاءِ النَّوْعِ، لِأنّا بَيَّنّا أنَّ البِناءَ بِالوُجُودِ وبَقاءِ الوَلَدِ بَعْدَ الأبِ، لَكِنَّ الزِّنا وإنْ كانَ يُفْضِي إلى وُجُودِ الوَلَدِ ولَكِنْ لا يُفْضِي إلى بَقائِهِ، لِأنَّ المِياهَ إذا صفحة ٥٢ اشْتَبَهَتْ لا يَعْرِفُ الوالِدُ ولَدَهُ فَلا يَقُومُ بِتَرْبِيَتِهِ والإنْفاقِ عَلَيْهِ فَيَضِيعُ ويَهْلِكُ، فَلا يَحْصُلُ مَصْلَحَةُ البَقاءِ، فَإذَنِ الزِّنا شَهْوَةٌ قَبِيحَةٌ خالِيَةٌ عَنِ المَصْلَحَةِ الَّتِي لِأجْلِها خُلِقَتْ، فَهو قَبِيحٌ ظاهِرٌ قُبْحُهُ حَيْثُ لا تَسْتُرُهُ المَصْلَحَةُ فَهو فاحِشَةٌ، وإذا كانَ الزِّنا فاحِشَةً مَعَ أنَّهُ يُفْضِي إلى وُجُودِ الوَلَدِ ولَكِنْ لا يُفْضِي إلى بَقائِهِ، فاللِّواطَةُ الَّتِي لا تُفْضِي إلى وُجُودِهِ أوْلى بِأنْ تَكُونَ فاحِشَةً. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الآيَةُ دالَّةٌ عَلى وُجُوبِ الحَدِّ في اللِّواطَةِ، لِأنَّها مَعَ الزِّنا اشْتَرَكَتْ في كَوْنِهِما فاحِشَةً حَيْثُ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ولا تَقْرَبُوا الزِّنا إنَّهُ كانَ فاحِشَةً﴾ (الإسْراءِ: ٣٢ ) واشْتِراكُهُما في الفاحِشَةِ يُناسِبُ الزَّجْرَ عَنْهُ، فَما شَرَعَ زاجِرًا هُناكَ يَشْرَعُ زاجِرًا هَهُنا، وهَذا وإنْ كانَ قِياسًا إلّا أنَّ جامِعَهُ مُسْتَفادٌ مِنَ الآيَةِ، ووَجْهٌ آخَرُ وهو أنَّ اللَّهَ جَعَلَ عَذابَ مَن أتى بِها إمْطارَ الحِجارَةِ حَيْثُ أمْطَرَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً عاجِلًا، فَوَجَبَ أنْ يُعَذَّبَ مَن أتى بِهِ بِأمْطارِ الحِجارَةِ بِهِ عاجِلًا وهو الرَّجْمُ، وقَوْلُهُ: ﴿ما سَبَقَكم بِها مِن أحَدٍ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ قَبْلَهم لَمْ يَأْتِ أحَدٌ بِهَذا القَبِيحِ وهَذا ظاهِرٌ. والثّانِي: أنَّ قَبْلَهم رُبَّما أتى بِهِ واحِدٌ في النُّدْرَةِ لَكِنَّهم بالَغُوا فِيهِ، فَقالَ لَهم: ما سَبَقَكم بِها مِن أحَدٍ، كَما يُقالُ: إنَّ فُلانًا سَبَقَ البُخَلاءَ في البُخْلِ، وسَبَقَ اللِّئامَ في اللُّؤْمِ إذا زادَ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أئِنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ وتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ﴾ (العَنْكَبُوتِ: ٢٩) بَيانًا لِما ذَكَرْنا، يَعْنِي تَقْضُونَ الشَّهْوَةَ بِالرِّجالِ مَعَ قَطْعِ السَّبِيلِ المُعْتادِ مَعَ النِّساءِ المُشْتَمِلِ عَلى المَصْلَحَةِ الَّتِي هي بَقاءُ النَّوْعِ، حَتّى يُظْهِرَ أنَّهُ قَبِيحٌ لَمْ يَسْتُرْ قُبْحَهُ مَصْلَحَةً، وحِينَئِذٍ يَصِيرُ هَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِن دُونِ النِّساءِ﴾ (الأعْرافِ:٨١ ) يَعْنِي: إتْيانُ النِّساءِ شَهْوَةٌ قَبِيحَةٌ مُسْتَتِرَةٌ بِالمَصْلَحَةِ فَلَكم دافِعٌ لِحاجَتِكم لا فاحِشَةَ فِيهِ وتَتْرُكُونَهُ وتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مَعَ الفاحِشَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿وتَأْتُونَ في نادِيكُمُ المُنْكَرَ﴾ يَعْنِي ما كَفاكم قُبْحُ فِعْلِكم حَتّى تَضُمُّونَ إلَيْهِ قُبْحَ الإظْهارِ، وقَوْلُهُ: ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ﴾ في التَّفْسِيرِ، كَقَوْلِهِ في قِصَّةِ إبْراهِيمَ ﴿وما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ قَوْمُ إبْراهِيمَ: ﴿اقْتُلُوهُ أوْ حَرِّقُوهُ﴾ وقالَ قَوْمُ لُوطٍ: ﴿ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ﴾ وما هَدَّدُوهُ، مَعَ أنَّ إبْراهِيمَ كانَ أعْظَمَ مِن لُوطٍ، فَإنَّ لُوطًا كانَ مِن قَوْمِهِ، فَنَقُولُ إنَّ إبْراهِيمَ كانَ يَقْدَحُ في دِينِهِمْ ويَشْتُمُ آلِهَتَهم بِتَعْدِيدِ صِفاتِ نَقْصِهِمْ بِقَوْلِهِ: لا يَسْمَعُ، ولا يُبْصِرُ، ولا يُغْنِي والقَدْحُ في الدِّينِ صَعْبٌ، فَجَعَلُوا جَزاءَهُ القَتْلَ والتَّحْرِيقَ، ولُوطٌ كانَ يُنْكِرُ عَلَيْهِمْ فِعْلَهم ويَنْسُبُهم إلى ارْتِكابِ المُحَرَّمِ وهم ما كانُوا يَقُولُونَ إنَّ هَذا واجِبٌ مِنَ الدِّينِ، فَلَمْ يَصْعُبْ عَلَيْهِمْ مِثْلَ ما صَعُبَ عَلى قَوْمِ إبْراهِيمَ قَوْلُ إبْراهِيمَ، فَقالُوا إنَّكَ تَقُولُ إنَّ هَذا حَرامٌ واللَّهُ يُعَذِّبُ عَلَيْهِ ونَحْنُ نَقُولُ لا يُعَذِّبُ، فَإنْ كُنْتَ صادِقًا فَأْتِنا بِالعَذابِ، فَإنْ قِيلَ إنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ في مَوْضِعٍ أخَرَ ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلّا أنْ قالُوا أخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِن قَرْيَتِكُمْ﴾ (النَّمْلِ: ٥٦ ) وقالَ هَهُنا ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلّا أنْ قالُوا ائْتِنا﴾ فَكَيْفَ الجَمْعُ ؟ فَنَقُولُ لُوطٌ كانَ ثابِتًا عَلى الإرْشادِ مُكَرِّرًا عَلَيْهِمُ التَّغْيِيرَ والنَّهْيَ والوَعِيدَ، فَقالُوا أوَّلًا: ائْتِنا، ثُمَّ لَمّا كَثُرَ مِنهُ ذَلِكَ ولَمْ يَسْكُتْ عَنْهم قالُوا: أخْرِجُوا، ثُمَّ إنَّ لُوطًا لَمّا يَئِسَ مِنهم طَلَبَ النُّصْرَةَ مِنَ اللَّهِ وذَكَّرَهم بِما لا يُحِبُّ اللَّهُ فَـ ﴿قالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلى القَوْمِ المُفْسِدِينَ﴾ فَإنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ المُفْسِدِينَ، حَتّى يُنْجِزَ النَّصْرَ. واعْلَمْ أنَّ نَبِيًّا مِنَ الأنْبِياءِ ما طَلَبَ هَلاكَ قَوْمٍ إلّا إذا عَلِمَ أنَّ عَدَمَهم خَيْرٌ مِن وُجُودِهِمْ، كَما قالَ نُوحٌ: ﴿إنَّكَ إنْ تَذَرْهم يُضِلُّوا عِبادَكَ ولا يَلِدُوا إلّا فاجِرًا كَفّارًا﴾ (نُوحٍ: ٢٧ ) يَعْنِي: المَصْلَحَةُ إمّا فِيهِمْ حالًا، أوْ بِسَبَبِهِمْ مَآلًا ولا صفحة ٥٣ مَصْلَحَةَ فِيهِمْ، فَإنَّهم يَضِلُّونَ في الحالِ وفي المَآلِ فَإنَّهم يُوصُونَ الأوْلادَ مِن صِغَرِهِمْ بِالِامْتِناعِ مِنَ الِاتِّباعِ، فَكَذَلِكَ لُوطٌ لَمّا رَأى أنَّهم يُفْسِدُونَ في الحالِ واشْتَغَلُوا بِما لا يُرْجى مَعَهُ مِنهم ولَدٌ صالِحٌ يَعْبُدُ اللَّهَ، بَطَلَتِ المَصْلَحَةُ حالًا ومَآلًا، فَعَدَمُهم صارَ خَيْرًا، فَطَلَبَ العَذابَ.

العنكبوت 29:30

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولُوطًا إذْ قالَ لِقَوْمِهِ إنَّكم لَتَأْتُونَ الفاحِشَةَ ما سَبَقَكم بِها مِن أحَدٍ مِنَ العالَمِينَ﴾ ﴿أئِنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ وتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وتَأْتُونَ في نادِيكُمُ المُنْكَرَ فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلّا أنْ قالُوا ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿قالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلى القَوْمِ المُفْسِدِينَ﴾ الإعْرابُ في لُوطٍ، والتَّفْسِيرُ كَما ذَكَرْنا في قَوْلِهِ: ﴿وإبْراهِيمَ إذْ قالَ لِقَوْمِهِ﴾ وهَهُنا مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ إبْراهِيمُ لِقَوْمِهِ ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ وقالَ عَنْ لُوطٍ هَهُنا أنَّهُ قالَ لِقَوْمِهِ ﴿لَتَأْتُونَ الفاحِشَةَ﴾ فَنَقُولُ لَمّا ذَكَرَ اللَّهُ لُوطًا عِنْدَ ذِكْرِ إبْراهِيمَ وكانَ لُوطٌ في زَمانِ إبْراهِيمَ لَمْ يَذْكُرْ عَنْ لُوطٍ أنَّهُ أمَرَ قَوْمَهُ بِالتَّوْحِيدِ مَعَ أنَّ الرَّسُولَ لا بُدَّ مِن أنْ يَقُولَ ذَلِكَ فَنَقُولُ: حِكايَةُ لُوطٍ وغَيْرُها هَهُنا ذَكَرَها اللَّهُ عَلى سَبِيلِ الِاخْتِصارِ، فاقْتَصَرَ عَلى ما اخْتَصَّ بِهِ لُوطٌ وهو المَنعُ مِنَ الفاحِشَةِ، ولَمْ يَذْكُرْ عَنْهُ الأمْرَ بِالتَّوْحِيدِ وإنْ كانَ قالَهُ في مَوْضِعٍ آخَرَ حَيْثُ قالَ: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ لِأنَّ ذَلِكَ كانَ قَدْ أتى بِهِ إبْراهِيمُ وسَبَقَهُ فَصارَ كالمُخْتَصِّ بِهِ، ولُوطٌ يُبَلِّغُ ذَلِكَ عَنْ إبْراهِيمَ. وأمّا المَنعُ مِن عَمَلِ قَوْمِ لُوطٍ كانَ مُخْتَصًّا بِلُوطٍ، فَإنَّ إبْراهِيمَ لَمْ يَظْهَرْ ذَلِكَ [ في زَمَنِهِ ] ولَمْ يَمْنَعْهم مِنهُ فَذَكَرَ كُلَّ واحِدٍ بِما اخْتَصَّ بِهِ وسَبَقَ بِهِ غَيْرَهُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لِمَ سَمّى ذَلِكَ الفِعْلَ فاحِشَةً ؟ فَنَقُولُ: الفاحِشَةُ هو القَبِيحُ الظّاهِرُ قُبْحُهُ، ثُمَّ إنَّ الشَّهْوَةَ والغَضَبَ صِفَتا قُبْحٍ لَوْلا مَصْلَحَةٌ ما كانَ يَخْلُقُهُما اللَّهُ في الإنْسانِ، فَمَصْلَحَةُ الشَّهْوَةِ الفَرْجِيَّةِ هي بَقاءُ النَّوْعِ بِتَوْلِيدِ الشَّخْصِ، وهَذِهِ المَصْلَحَةُ لا تَحْصُلُ إلّا بِوُجُودِ الوَلَدِ وبَقائِهِ بَعْدَ الأبِ، فَإنَّهُ لَوْ وُجِدَ وماتَ قَبْلَ الأبِ كانَ يَفْنى النَّوْعُ بِفَناءِ القَرْنِ الأوَّلِ، لَكِنَّ الزِّنا قَضاءُ شَهْوَةٍ ولا يُفْضِي إلى بَقاءِ النَّوْعِ، لِأنّا بَيَّنّا أنَّ البِناءَ بِالوُجُودِ وبَقاءِ الوَلَدِ بَعْدَ الأبِ، لَكِنَّ الزِّنا وإنْ كانَ يُفْضِي إلى وُجُودِ الوَلَدِ ولَكِنْ لا يُفْضِي إلى بَقائِهِ، لِأنَّ المِياهَ إذا صفحة ٥٢ اشْتَبَهَتْ لا يَعْرِفُ الوالِدُ ولَدَهُ فَلا يَقُومُ بِتَرْبِيَتِهِ والإنْفاقِ عَلَيْهِ فَيَضِيعُ ويَهْلِكُ، فَلا يَحْصُلُ مَصْلَحَةُ البَقاءِ، فَإذَنِ الزِّنا شَهْوَةٌ قَبِيحَةٌ خالِيَةٌ عَنِ المَصْلَحَةِ الَّتِي لِأجْلِها خُلِقَتْ، فَهو قَبِيحٌ ظاهِرٌ قُبْحُهُ حَيْثُ لا تَسْتُرُهُ المَصْلَحَةُ فَهو فاحِشَةٌ، وإذا كانَ الزِّنا فاحِشَةً مَعَ أنَّهُ يُفْضِي إلى وُجُودِ الوَلَدِ ولَكِنْ لا يُفْضِي إلى بَقائِهِ، فاللِّواطَةُ الَّتِي لا تُفْضِي إلى وُجُودِهِ أوْلى بِأنْ تَكُونَ فاحِشَةً. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الآيَةُ دالَّةٌ عَلى وُجُوبِ الحَدِّ في اللِّواطَةِ، لِأنَّها مَعَ الزِّنا اشْتَرَكَتْ في كَوْنِهِما فاحِشَةً حَيْثُ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ولا تَقْرَبُوا الزِّنا إنَّهُ كانَ فاحِشَةً﴾ (الإسْراءِ: ٣٢ ) واشْتِراكُهُما في الفاحِشَةِ يُناسِبُ الزَّجْرَ عَنْهُ، فَما شَرَعَ زاجِرًا هُناكَ يَشْرَعُ زاجِرًا هَهُنا، وهَذا وإنْ كانَ قِياسًا إلّا أنَّ جامِعَهُ مُسْتَفادٌ مِنَ الآيَةِ، ووَجْهٌ آخَرُ وهو أنَّ اللَّهَ جَعَلَ عَذابَ مَن أتى بِها إمْطارَ الحِجارَةِ حَيْثُ أمْطَرَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً عاجِلًا، فَوَجَبَ أنْ يُعَذَّبَ مَن أتى بِهِ بِأمْطارِ الحِجارَةِ بِهِ عاجِلًا وهو الرَّجْمُ، وقَوْلُهُ: ﴿ما سَبَقَكم بِها مِن أحَدٍ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ قَبْلَهم لَمْ يَأْتِ أحَدٌ بِهَذا القَبِيحِ وهَذا ظاهِرٌ. والثّانِي: أنَّ قَبْلَهم رُبَّما أتى بِهِ واحِدٌ في النُّدْرَةِ لَكِنَّهم بالَغُوا فِيهِ، فَقالَ لَهم: ما سَبَقَكم بِها مِن أحَدٍ، كَما يُقالُ: إنَّ فُلانًا سَبَقَ البُخَلاءَ في البُخْلِ، وسَبَقَ اللِّئامَ في اللُّؤْمِ إذا زادَ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أئِنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ وتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ﴾ (العَنْكَبُوتِ: ٢٩) بَيانًا لِما ذَكَرْنا، يَعْنِي تَقْضُونَ الشَّهْوَةَ بِالرِّجالِ مَعَ قَطْعِ السَّبِيلِ المُعْتادِ مَعَ النِّساءِ المُشْتَمِلِ عَلى المَصْلَحَةِ الَّتِي هي بَقاءُ النَّوْعِ، حَتّى يُظْهِرَ أنَّهُ قَبِيحٌ لَمْ يَسْتُرْ قُبْحَهُ مَصْلَحَةً، وحِينَئِذٍ يَصِيرُ هَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِن دُونِ النِّساءِ﴾ (الأعْرافِ:٨١ ) يَعْنِي: إتْيانُ النِّساءِ شَهْوَةٌ قَبِيحَةٌ مُسْتَتِرَةٌ بِالمَصْلَحَةِ فَلَكم دافِعٌ لِحاجَتِكم لا فاحِشَةَ فِيهِ وتَتْرُكُونَهُ وتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مَعَ الفاحِشَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿وتَأْتُونَ في نادِيكُمُ المُنْكَرَ﴾ يَعْنِي ما كَفاكم قُبْحُ فِعْلِكم حَتّى تَضُمُّونَ إلَيْهِ قُبْحَ الإظْهارِ، وقَوْلُهُ: ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ﴾ في التَّفْسِيرِ، كَقَوْلِهِ في قِصَّةِ إبْراهِيمَ ﴿وما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ قَوْمُ إبْراهِيمَ: ﴿اقْتُلُوهُ أوْ حَرِّقُوهُ﴾ وقالَ قَوْمُ لُوطٍ: ﴿ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ﴾ وما هَدَّدُوهُ، مَعَ أنَّ إبْراهِيمَ كانَ أعْظَمَ مِن لُوطٍ، فَإنَّ لُوطًا كانَ مِن قَوْمِهِ، فَنَقُولُ إنَّ إبْراهِيمَ كانَ يَقْدَحُ في دِينِهِمْ ويَشْتُمُ آلِهَتَهم بِتَعْدِيدِ صِفاتِ نَقْصِهِمْ بِقَوْلِهِ: لا يَسْمَعُ، ولا يُبْصِرُ، ولا يُغْنِي والقَدْحُ في الدِّينِ صَعْبٌ، فَجَعَلُوا جَزاءَهُ القَتْلَ والتَّحْرِيقَ، ولُوطٌ كانَ يُنْكِرُ عَلَيْهِمْ فِعْلَهم ويَنْسُبُهم إلى ارْتِكابِ المُحَرَّمِ وهم ما كانُوا يَقُولُونَ إنَّ هَذا واجِبٌ مِنَ الدِّينِ، فَلَمْ يَصْعُبْ عَلَيْهِمْ مِثْلَ ما صَعُبَ عَلى قَوْمِ إبْراهِيمَ قَوْلُ إبْراهِيمَ، فَقالُوا إنَّكَ تَقُولُ إنَّ هَذا حَرامٌ واللَّهُ يُعَذِّبُ عَلَيْهِ ونَحْنُ نَقُولُ لا يُعَذِّبُ، فَإنْ كُنْتَ صادِقًا فَأْتِنا بِالعَذابِ، فَإنْ قِيلَ إنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ في مَوْضِعٍ أخَرَ ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلّا أنْ قالُوا أخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِن قَرْيَتِكُمْ﴾ (النَّمْلِ: ٥٦ ) وقالَ هَهُنا ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلّا أنْ قالُوا ائْتِنا﴾ فَكَيْفَ الجَمْعُ ؟ فَنَقُولُ لُوطٌ كانَ ثابِتًا عَلى الإرْشادِ مُكَرِّرًا عَلَيْهِمُ التَّغْيِيرَ والنَّهْيَ والوَعِيدَ، فَقالُوا أوَّلًا: ائْتِنا، ثُمَّ لَمّا كَثُرَ مِنهُ ذَلِكَ ولَمْ يَسْكُتْ عَنْهم قالُوا: أخْرِجُوا، ثُمَّ إنَّ لُوطًا لَمّا يَئِسَ مِنهم طَلَبَ النُّصْرَةَ مِنَ اللَّهِ وذَكَّرَهم بِما لا يُحِبُّ اللَّهُ فَـ ﴿قالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلى القَوْمِ المُفْسِدِينَ﴾ فَإنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ المُفْسِدِينَ، حَتّى يُنْجِزَ النَّصْرَ. واعْلَمْ أنَّ نَبِيًّا مِنَ الأنْبِياءِ ما طَلَبَ هَلاكَ قَوْمٍ إلّا إذا عَلِمَ أنَّ عَدَمَهم خَيْرٌ مِن وُجُودِهِمْ، كَما قالَ نُوحٌ: ﴿إنَّكَ إنْ تَذَرْهم يُضِلُّوا عِبادَكَ ولا يَلِدُوا إلّا فاجِرًا كَفّارًا﴾ (نُوحٍ: ٢٧ ) يَعْنِي: المَصْلَحَةُ إمّا فِيهِمْ حالًا، أوْ بِسَبَبِهِمْ مَآلًا ولا صفحة ٥٣ مَصْلَحَةَ فِيهِمْ، فَإنَّهم يَضِلُّونَ في الحالِ وفي المَآلِ فَإنَّهم يُوصُونَ الأوْلادَ مِن صِغَرِهِمْ بِالِامْتِناعِ مِنَ الِاتِّباعِ، فَكَذَلِكَ لُوطٌ لَمّا رَأى أنَّهم يُفْسِدُونَ في الحالِ واشْتَغَلُوا بِما لا يُرْجى مَعَهُ مِنهم ولَدٌ صالِحٌ يَعْبُدُ اللَّهَ، بَطَلَتِ المَصْلَحَةُ حالًا ومَآلًا، فَعَدَمُهم صارَ خَيْرًا، فَطَلَبَ العَذابَ.

العنكبوت 29:31

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَمّا جاءَتْ رُسُلُنا إبْراهِيمَ بِالبُشْرى قالُوا إنّا مُهْلِكُو أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ إنَّ أهْلَها كانُوا ظالِمِينَ﴾ ﴿قالَ إنَّ فِيها لُوطًا قالُوا نَحْنُ أعْلَمُ بِمَن فِيها لَنُنَجِّيَنَّهُ وأهْلَهُ إلّا امْرَأتَهُ كانَتْ مِنَ الغابِرِينَ﴾ لَمّا دَعا لُوطٌ عَلى قَوْمِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿رَبِّ انْصُرْنِي﴾ اسْتَجابَ اللَّهُ دُعاءَهُ، وأمَرَ مَلائِكَتَهُ بِإهْلاكِهِمْ وأرْسَلَهم مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ، فَجاءُوا إبْراهِيمَ وبَشَّرُوهُ بِذُرِّيَّةٍ طَيِّبَةٍ وقالُوا: ﴿إنّا مُهْلِكُو أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ﴾ يَعْنِي أهْلَ سَدُومَ، وفي الآيَةِ لَطِيفَتانِ: إحْداهُما: أنَّ اللَّهَ جَعَلَهم مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ،لَكِنَّ البِشارَةَ أثَرُ الرَّحْمَةِ، والإنْذارَ بِالإهْلاكِ أثَرُ الغَضَبِ، ورَحْمَتُهُ سَبَقَتْ غَضَبَهُ، فَقَدَّمَ البِشارَةَ عَلى الإنْذارِ. وقالَ: ﴿جاءَتْ رُسُلُنا إبْراهِيمَ بِالبُشْرى﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿إنّا مُهْلِكُو﴾ . الثّانِيَةُ: حِينَ ذَكَرُوا البُشْرى ما عَلَّلُوا وقالُوا: إنّا نُبَشِّرُكَ لِأنَّكَ رَسُولٌ، أوْ لِأنَّكَ مُؤْمِنٌ أوْ لِأنَّكَ عادِلٌ، وحِينَ ذَكَرُوا الإهْلاكَ عَلَّلُوا، وقالُوا: ﴿إنَّ أهْلَها كانُوا ظالِمِينَ﴾ لِأنَّ ذا الفَضْلِ لا يَكُونُ فَضْلُهُ بِعِوَضٍ، والعادِلُ لا يَكُونُ عَذابُهُ إلّا عَلى جُرْمٍ، وفِيهِ مَسْألَتانِ: إحْداهُما: لَوْ قالَ قائِلٌ أيُّ تَعَلُّقٍ لِهَذِهِ البُشْرى بِهَذا الإنْذارِ، نَقُولُ لَمّا أرادَ اللَّهُ إهْلاكَ قَوْمٍ وكانَ فِيهِ إخْلاءُ الأرْضِ عَنِ العِبادِ قَدَّمَ عَلى ذَلِكَ إعْلامَ إبْراهِيمَ بِأنَّهُ تَعالى يَمْلَأُ الأرْضَ مِنَ العِبادِ الصّالِحِينَ حَتّى لا يَتَأسَّفَ عَلى إهْلاكِ قَوْمٍ مِن أبْناءِ جِنْسِهِ. والثّانِيَةُ: قالَ في قَوْمِ نُوحٍ ﴿فَأخَذَهُمُ الطُّوفانُ﴾ وقَدْ قُلْتُ إنَّ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى أنَّهم كانُوا عَلى ظُلْمِهِمْ حِينَ أخَذَهم، ولَمْ يَقُلْ فَأخَذَهم وكانُوا ظالِمِينَ، وهَهُنا قالَ: ﴿إنَّ أهْلَها كانُوا ظالِمِينَ﴾ ولَمْ يَقُلْ وإنَّهم ظالِمُونَ، فَنَقُولُ: لا فَرْقَ في المَوْضِعَيْنِ في كَوْنِهِمْ مُهْلَكِينَ وهم مُصِرُّونَ عَلى الظُّلْمِ، لَكِنْ هُناكَ الإخْبارُ مِنَ اللَّهِ وعَنِ الماضِي حَيْثُ قالَ: ﴿فَأخَذَهُمُ﴾ وكانُوا ظالِمِينَ، فَقالَ أخَذَهم وهم عِنْدَ الوُقُوعِ في العَذابِ ظالِمُونَ، وهَهُنا الإخْبارُ مِنَ المَلائِكَةِ، وعَنِ المُسْتَقْبَلِ حَيْثُ قالُوا: ﴿إنّا مُهْلِكُو﴾ فالمَلائِكَةُ ذَكَرُوا ما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ في إبانَةِ حُسْنِ الأمْرِ مِنَ اللَّهِ بِالإهْلاكِ، فَقالُوا: إنّا مُهْلِكُوهم لِأنَّ اللَّهَ أمَرَنا، وحالَ ما أمَرَنا بِهِ كانُوا ظالِمِينَ، فَحَسُنَ أمْرُ اللَّهِ عِنْدَ كُلِّ أحَدٍ، وأمّا نَحْنُ فَلا نُخْبِرُ بِما لا حاجَةَ لَنا إلَيْهِ، فَإنَّ الكَلامَ عَنِ المَلِكِ بِغَيْرِ إذْنِهِ سُوءُ أدَبٍ، فَنَحْنُ ما احْتَجْنا إلّا إلى هَذا القَدْرِ، وهو أنَّهم كانُوا ظالِمِينَ حَيْثُ أمَرَنا اللَّهُ بِإهْلاكِهِمْ بَيانًا لِحُسْنِ الأمْرِ، وأمّا صفحة ٥٤ أنَّهم ظالِمُونَ في وقْتِنا هَذا أوْ يَبْقَوْنَ كَذَلِكَ فَلا حاجَةَ لَنا إلَيْهِ، ثُمَّ إنَّ إبْراهِيمَ لَمّا سَمِعَ قَوْلَهم قالَ لَهم: إنَّ فِيها لُوطًا إشْفاقًا عَلَيْهِ لِيُعْلَمَ حالُهُ، أوْ لِأنَّ المَلائِكَةَ لَمّا قالُوا: ﴿إنّا مُهْلِكُو﴾ وكانَ إبْراهِيمُ يَعْلَمُ أنَّ اللَّهَ لا يُهْلِكُ قَوْمًا وفِيهِمْ رَسُولُهُ، فَقالَ تَعَجُّبًا: إنَّ فِيهِمْ لُوطًا فَكَيْفَ يُهْلَكُونَ، فَقالَتِ المَلائِكَةُ نَحْنُ أعْلَمُ بِمَن فِيها، يَعْنِي نَعْلَمُ أنَّ فِيهِمْ لُوطًا فَلَنُنَجِّيَنَّهُ وأهْلَهُ ونُهْلِكُ الباقِينَ، وهَهُنا لَطِيفَةٌ: وهو أنَّ الجَماعَةَ كانُوا أهْلَ الخَيْرِ، أعْنِي إبْراهِيمَ والمَلائِكَةَ، وكُلُّ واحِدٍ كانَ يَزِيدُ عَلى صاحِبِهِ في كَوْنِهِ خَيْرًا. أمّا إبْراهِيمُ فَلَمّا سَمِعَ قَوْلَ المَلائِكَةِ ﴿إنّا مُهْلِكُو﴾ أظْهَرَ الإشْفاقَ عَلى لُوطٍ ونَسِيَ نَفْسَهُ وما بَشَّرُوهُ ولَمْ يُظْهِرْ بِها فَرَحًا، وقالَ: ﴿إنَّ فِيها لُوطًا﴾ ثُمَّ إنَّ المَلائِكَةَ لَمّا رَأوْا ذَلِكَ مِنهُ زادُوا عَلَيْهِ، وقالُوا إنَّكَ ذَكَرْتَ لُوطًا وحْدَهُ ونَحْنُ نُنْجِيهِ ونُنْجِي مَعَهُ أهْلَهُ، ثُمَّ اسْتَثْنَوْا مِنَ الأهْلِ امْرَأتَهُ، وقالُوا: ﴿إلّا امْرَأتَهُ كانَتْ مِنَ الغابِرِينَ﴾ أيْ مِنَ المُهْلَكِينَ، وفي اسْتِعْمالِ الغابِرِ في المُهْلَكِ وجْهانِ: وذَلِكَ لِأنَّ الغابِرَ لَفْظٌ مُشْتَرَكٌ في الماضِي وفي الباقِي، يُقالُ فِيما غَبَرَ مِنَ الزَّمانِ أيْ فِيما مَضى ويُقالُ: الفِعْلُ ماضٍ وغابِرٌ أيْ: باقٍ، وعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ نَقُولُ إنَّ ذِكْرَ الظّالِمِينَ سَبَقَ في قَوْلِهِمْ: ﴿إنّا مُهْلِكُو أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ إنَّ أهْلَها كانُوا ظالِمِينَ﴾ ثُمَّ جَرى ذِكْرُ لُوطٍ بِتَذْكِيرِ إبْراهِيمَ وجَوابِ المَلائِكَةِ، فَقالَتِ المَلائِكَةُ إنَّها مِنَ الغابِرِينَ أيِ الماضِي ذِكْرُهم لا مِنَ الَّذِينَ نُنْجِي مِنهم، أوْ نَقُولُ المُهْلَكُ يَفْنى ويَمْضِي زَمانُهُ والنّاجِي هو الباقِي فَقالُوا إنَّها مِنَ الغابِرِينَ أيْ مِنَ الرّائِحِينَ الماضِينَ لا مِنَ الباقِينَ المُسْتَمِرِّينَ، وأمّا عَلى الوَجْهِ الثّانِي فَنَقُولُ: لَمّا قَضى اللَّهُ عَلى القَوْمِ بِالإهْلاكِ كانَ الكُلُّ في الهَلاكِ إلّا مَن نُنْجِي مِنهُ فَقالُوا إنّا نُنْجِي لُوطًا وأهْلَهُ، وأمّا امْرَأتُهُ فَهي مِنَ الباقِينَ في الهَلاكِ.

العنكبوت 29:32

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَمّا جاءَتْ رُسُلُنا إبْراهِيمَ بِالبُشْرى قالُوا إنّا مُهْلِكُو أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ إنَّ أهْلَها كانُوا ظالِمِينَ﴾ ﴿قالَ إنَّ فِيها لُوطًا قالُوا نَحْنُ أعْلَمُ بِمَن فِيها لَنُنَجِّيَنَّهُ وأهْلَهُ إلّا امْرَأتَهُ كانَتْ مِنَ الغابِرِينَ﴾ لَمّا دَعا لُوطٌ عَلى قَوْمِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿رَبِّ انْصُرْنِي﴾ اسْتَجابَ اللَّهُ دُعاءَهُ، وأمَرَ مَلائِكَتَهُ بِإهْلاكِهِمْ وأرْسَلَهم مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ، فَجاءُوا إبْراهِيمَ وبَشَّرُوهُ بِذُرِّيَّةٍ طَيِّبَةٍ وقالُوا: ﴿إنّا مُهْلِكُو أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ﴾ يَعْنِي أهْلَ سَدُومَ، وفي الآيَةِ لَطِيفَتانِ: إحْداهُما: أنَّ اللَّهَ جَعَلَهم مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ،لَكِنَّ البِشارَةَ أثَرُ الرَّحْمَةِ، والإنْذارَ بِالإهْلاكِ أثَرُ الغَضَبِ، ورَحْمَتُهُ سَبَقَتْ غَضَبَهُ، فَقَدَّمَ البِشارَةَ عَلى الإنْذارِ. وقالَ: ﴿جاءَتْ رُسُلُنا إبْراهِيمَ بِالبُشْرى﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿إنّا مُهْلِكُو﴾ . الثّانِيَةُ: حِينَ ذَكَرُوا البُشْرى ما عَلَّلُوا وقالُوا: إنّا نُبَشِّرُكَ لِأنَّكَ رَسُولٌ، أوْ لِأنَّكَ مُؤْمِنٌ أوْ لِأنَّكَ عادِلٌ، وحِينَ ذَكَرُوا الإهْلاكَ عَلَّلُوا، وقالُوا: ﴿إنَّ أهْلَها كانُوا ظالِمِينَ﴾ لِأنَّ ذا الفَضْلِ لا يَكُونُ فَضْلُهُ بِعِوَضٍ، والعادِلُ لا يَكُونُ عَذابُهُ إلّا عَلى جُرْمٍ، وفِيهِ مَسْألَتانِ: إحْداهُما: لَوْ قالَ قائِلٌ أيُّ تَعَلُّقٍ لِهَذِهِ البُشْرى بِهَذا الإنْذارِ، نَقُولُ لَمّا أرادَ اللَّهُ إهْلاكَ قَوْمٍ وكانَ فِيهِ إخْلاءُ الأرْضِ عَنِ العِبادِ قَدَّمَ عَلى ذَلِكَ إعْلامَ إبْراهِيمَ بِأنَّهُ تَعالى يَمْلَأُ الأرْضَ مِنَ العِبادِ الصّالِحِينَ حَتّى لا يَتَأسَّفَ عَلى إهْلاكِ قَوْمٍ مِن أبْناءِ جِنْسِهِ. والثّانِيَةُ: قالَ في قَوْمِ نُوحٍ ﴿فَأخَذَهُمُ الطُّوفانُ﴾ وقَدْ قُلْتُ إنَّ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى أنَّهم كانُوا عَلى ظُلْمِهِمْ حِينَ أخَذَهم، ولَمْ يَقُلْ فَأخَذَهم وكانُوا ظالِمِينَ، وهَهُنا قالَ: ﴿إنَّ أهْلَها كانُوا ظالِمِينَ﴾ ولَمْ يَقُلْ وإنَّهم ظالِمُونَ، فَنَقُولُ: لا فَرْقَ في المَوْضِعَيْنِ في كَوْنِهِمْ مُهْلَكِينَ وهم مُصِرُّونَ عَلى الظُّلْمِ، لَكِنْ هُناكَ الإخْبارُ مِنَ اللَّهِ وعَنِ الماضِي حَيْثُ قالَ: ﴿فَأخَذَهُمُ﴾ وكانُوا ظالِمِينَ، فَقالَ أخَذَهم وهم عِنْدَ الوُقُوعِ في العَذابِ ظالِمُونَ، وهَهُنا الإخْبارُ مِنَ المَلائِكَةِ، وعَنِ المُسْتَقْبَلِ حَيْثُ قالُوا: ﴿إنّا مُهْلِكُو﴾ فالمَلائِكَةُ ذَكَرُوا ما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ في إبانَةِ حُسْنِ الأمْرِ مِنَ اللَّهِ بِالإهْلاكِ، فَقالُوا: إنّا مُهْلِكُوهم لِأنَّ اللَّهَ أمَرَنا، وحالَ ما أمَرَنا بِهِ كانُوا ظالِمِينَ، فَحَسُنَ أمْرُ اللَّهِ عِنْدَ كُلِّ أحَدٍ، وأمّا نَحْنُ فَلا نُخْبِرُ بِما لا حاجَةَ لَنا إلَيْهِ، فَإنَّ الكَلامَ عَنِ المَلِكِ بِغَيْرِ إذْنِهِ سُوءُ أدَبٍ، فَنَحْنُ ما احْتَجْنا إلّا إلى هَذا القَدْرِ، وهو أنَّهم كانُوا ظالِمِينَ حَيْثُ أمَرَنا اللَّهُ بِإهْلاكِهِمْ بَيانًا لِحُسْنِ الأمْرِ، وأمّا صفحة ٥٤ أنَّهم ظالِمُونَ في وقْتِنا هَذا أوْ يَبْقَوْنَ كَذَلِكَ فَلا حاجَةَ لَنا إلَيْهِ، ثُمَّ إنَّ إبْراهِيمَ لَمّا سَمِعَ قَوْلَهم قالَ لَهم: إنَّ فِيها لُوطًا إشْفاقًا عَلَيْهِ لِيُعْلَمَ حالُهُ، أوْ لِأنَّ المَلائِكَةَ لَمّا قالُوا: ﴿إنّا مُهْلِكُو﴾ وكانَ إبْراهِيمُ يَعْلَمُ أنَّ اللَّهَ لا يُهْلِكُ قَوْمًا وفِيهِمْ رَسُولُهُ، فَقالَ تَعَجُّبًا: إنَّ فِيهِمْ لُوطًا فَكَيْفَ يُهْلَكُونَ، فَقالَتِ المَلائِكَةُ نَحْنُ أعْلَمُ بِمَن فِيها، يَعْنِي نَعْلَمُ أنَّ فِيهِمْ لُوطًا فَلَنُنَجِّيَنَّهُ وأهْلَهُ ونُهْلِكُ الباقِينَ، وهَهُنا لَطِيفَةٌ: وهو أنَّ الجَماعَةَ كانُوا أهْلَ الخَيْرِ، أعْنِي إبْراهِيمَ والمَلائِكَةَ، وكُلُّ واحِدٍ كانَ يَزِيدُ عَلى صاحِبِهِ في كَوْنِهِ خَيْرًا. أمّا إبْراهِيمُ فَلَمّا سَمِعَ قَوْلَ المَلائِكَةِ ﴿إنّا مُهْلِكُو﴾ أظْهَرَ الإشْفاقَ عَلى لُوطٍ ونَسِيَ نَفْسَهُ وما بَشَّرُوهُ ولَمْ يُظْهِرْ بِها فَرَحًا، وقالَ: ﴿إنَّ فِيها لُوطًا﴾ ثُمَّ إنَّ المَلائِكَةَ لَمّا رَأوْا ذَلِكَ مِنهُ زادُوا عَلَيْهِ، وقالُوا إنَّكَ ذَكَرْتَ لُوطًا وحْدَهُ ونَحْنُ نُنْجِيهِ ونُنْجِي مَعَهُ أهْلَهُ، ثُمَّ اسْتَثْنَوْا مِنَ الأهْلِ امْرَأتَهُ، وقالُوا: ﴿إلّا امْرَأتَهُ كانَتْ مِنَ الغابِرِينَ﴾ أيْ مِنَ المُهْلَكِينَ، وفي اسْتِعْمالِ الغابِرِ في المُهْلَكِ وجْهانِ: وذَلِكَ لِأنَّ الغابِرَ لَفْظٌ مُشْتَرَكٌ في الماضِي وفي الباقِي، يُقالُ فِيما غَبَرَ مِنَ الزَّمانِ أيْ فِيما مَضى ويُقالُ: الفِعْلُ ماضٍ وغابِرٌ أيْ: باقٍ، وعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ نَقُولُ إنَّ ذِكْرَ الظّالِمِينَ سَبَقَ في قَوْلِهِمْ: ﴿إنّا مُهْلِكُو أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ إنَّ أهْلَها كانُوا ظالِمِينَ﴾ ثُمَّ جَرى ذِكْرُ لُوطٍ بِتَذْكِيرِ إبْراهِيمَ وجَوابِ المَلائِكَةِ، فَقالَتِ المَلائِكَةُ إنَّها مِنَ الغابِرِينَ أيِ الماضِي ذِكْرُهم لا مِنَ الَّذِينَ نُنْجِي مِنهم، أوْ نَقُولُ المُهْلَكُ يَفْنى ويَمْضِي زَمانُهُ والنّاجِي هو الباقِي فَقالُوا إنَّها مِنَ الغابِرِينَ أيْ مِنَ الرّائِحِينَ الماضِينَ لا مِنَ الباقِينَ المُسْتَمِرِّينَ، وأمّا عَلى الوَجْهِ الثّانِي فَنَقُولُ: لَمّا قَضى اللَّهُ عَلى القَوْمِ بِالإهْلاكِ كانَ الكُلُّ في الهَلاكِ إلّا مَن نُنْجِي مِنهُ فَقالُوا إنّا نُنْجِي لُوطًا وأهْلَهُ، وأمّا امْرَأتُهُ فَهي مِنَ الباقِينَ في الهَلاكِ.

العنكبوت 29:33

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَمّا أنْ جاءَتْ رُسُلُنا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وقالُوا لا تَخَفْ ولا تَحْزَنْ إنّا مُنَجُّوكَ وأهْلَكَ إلّا امْرَأتَكَ كانَتْ مِنَ الغابِرِينَ﴾ ﴿إنّا مُنْزِلُونَ عَلى أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ تَرَكْنا مِنها آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ثُمَّ إنَّهم جاءُوا مِن عِنْدِ إبْراهِيمَ إلى لُوطٍ عَلى صُورَةِ البَشَرِ فَظَنَّهم بَشَرًا فَخافَ عَلَيْهِمْ مِن قَوْمِهِ لِأنَّهم كانُوا عَلى أحْسَنِ صُورَةٍ خَلَقَ اللَّهُ، والقَوْمُ كَما عُرِفَ حالُهم، فَسِيءَ بِهِمْ أيْ: جاءَهُ ما ساءَهُ وخافَ ثُمَّ عَجَزَ عَنْ تَدْبِيرِهِمْ فَحَزِنَ وضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا كِنايَةً عَنِ العَجْزِ في تَدْبِيرِهِمْ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يُقالُ طالَ ذَرْعُهُ وذِراعُهُ لِلْقادِرِ وضاقَ لِلْعاجِزِ، وذَلِكَ لِأنَّ مَن طالَ ذِراعُهُ يَصِلُ إلى ما لا يَصِلُ إلَيْهِ قَصِيرُ الذِّراعِ والِاسْتِعْمالُ يَحْتَمِلُ وجْهًا مَعْقُولًا غَيْرَ ذَلِكَ، وهو أنَّ الخَوْفَ والحُزْنَ يُوجِبانِ انْقِباضَ الرُّوحِ ويَتْبَعُهُ اشْتِمالُ القَلْبِ عَلَيْهِ فَيَنْقَبِضُ هو أيْضًا، والقَلْبُ هو المُعْتَبَرُ مِنَ الإنْسانِ، فَكَأنَّ الإنْسانَ انْقَبَضَ وانْجَمَعَ وما يَكُونُ كَذَلِكَ يَقِلُّ ذَرْعُهُ ومِساحَتُهُ فَيَضِيقُ، ويُقالُ في الحَزِينِ ضاقَ ذَرْعُهُ، والغَضَبُ والفَرَحُ يُوجِبانِ انْبِساطَ الرُّوحِ فَيَنْبَسِطُ مَكانَهُ وهو القَلْبُ ويَتَّسِعُ فَيُقالُ: صفحة ٥٥ اتَّسَعَ ذَرْعُهَ، ثُمَّ إنَّ المَلائِكَةَ لَمّا رَأوْا خَوْفَهُ في أوَّلِ الأمْرِ وحُزْنَهُ بِسَبَبِ تَدْبِيرِهِمْ في ثانِي الأمْرِ قالُوا لا تَخَفْ عَلَيْنا ولا تَحْزَنْ بِسَبَبِ التَّفَكُّرِ في أمْرِنا ثُمَّ ذَكَرُوا ما يُوجِبُ زَوالَ خَوْفِهِ وحُزْنِهِ فَإنَّ مُجَرَّدَ قَوْلِ القائِلِ لا تَخَفْ لا يُوجِبُ زَوالَ الخَوْفِ فَقالُوا مُعَرِّضِينَ بِحالِهِمْ: ﴿إنّا مُنَجُّوكَ وأهْلَكَ﴾ وإنّا مُنْزِلُونَ عَلَيْهِمُ العَذابَ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهُ أنَّهم مَلائِكَةٌ فَيَطُولُ ذَرْعُهُ ويَزُولُ رَوْعُهُ وفي الآيَةِ مَسائِلُ: إحْداها: أنَّهُ تَعالى قالَ مِن قَبْلُ: ﴿ولَمّا جاءَتْ رُسُلُنا إبْراهِيمَ﴾ وقالَ هَهُنا: ﴿ولَمّا أنْ جاءَتْ رُسُلُنا﴾ فَما الحِكْمَةُ فِيهِ ؟ فَنَقُولُ: حِكْمَةٌ بالِغَةٌ وهي أنَّ الواقِعَ في وقْتِ المَجِيءِ هُناكَ قَوْلُ المَلائِكَةِ: ﴿إنّا مُهْلِكُو﴾ وهو لَمْ يَكُنْ مُتَّصِلًا بِمَجِيئِهِمْ لِأنَّهم بَشَّرُوا أوَّلًا ولَبِثُوا، ثُمَّ قالُوا: إنّا مُهْلِكُوا وأيْضًا فالتَّأنِّي واللُّبْثُ بَعْدَ المَجِيءِ، ثُمَّ الإخْبارُ بِالإهْلاكِ حَسَنٌ فَإنَّ مَن جاءَ ومَعَهُ خَبَرٌ هائِلٌ يَحْسُنُ مِنهُ أنْ لا يُفاجِىءَ بِهِ، والواقِعُ هَهُنا هو خَوْفُ لُوطٍ عَلَيْهِمْ، والمُؤْمِنُ حِينَ ما يَشْعُرُ بِمَضَرَّةٍ تَصِلُ بَرِيئًا مِنَ الجِنايَةِ يَنْبَغِي أنْ يَحْزَنَ ويَخافَ عَلَيْهِ مِن غَيْرِ تَأْخِيرٍ،إذا عُلِمَ هَذا فَقَوْلُهُ هَهُنا: ﴿ولَمّا أنْ جاءَتْ رُسُلُنا﴾ يُفِيدُ الِاتِّصالَ يَعْنِي خافَ حِينَ المَجِيءِ، فَإنْ قُلْتَ: هَذا باطِلٌ بِما أنَّ هَذِهِ الحِكايَةَ جاءَتْ في سُورَةِ هُودٍ، وقالَ: ﴿ولَمّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطًا﴾ مِن غَيْرِ (أنْ)، فَنَقُولُ هُناكَ جاءَتْ حِكايَةُ إبْراهِيمَ بِصِيغَةٍ أُخْرى حَيْثُ قالَ هُناكَ: ﴿ولَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إبْراهِيمَ بِالبُشْرى﴾ فَقَوْلُهُ هُنالِكَ: ﴿ولَقَدْ جاءَتْ﴾ لا يَدُلُّ عَلى أنَّ قَوْلَهم: ﴿إنّا أُرْسِلْنا﴾ كانَ في وقْتِ المَجِيءِ. وقَوْلُهُ: ﴿ولَمّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ﴾ دَلَّ عَلى أنَّ حُزْنَهُ كانَ وقْتَ المَجِيءِ. إذا عُلِمَ هَذا فَنَقُولُ: هُناكَ قَدْ حَصَلَ ما ذَكَرْنا مِنَ المَقْصُودِ بِقَوْلِهِ في حِكايَةِ إبْراهِيمَ: ﴿ولَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إبْراهِيمَ بِالبُشْرى﴾ ثُمَّ جَرى أُمُورٌ مِنَ الكَلامِ وتَقْدِيمِ الطَّعامِ، ثُمَّ قالُوا: ﴿لا تَخَفْ ولا تَحْزَنْ﴾ ﴿إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمِ لُوطٍ﴾ فَحَصَلَ تَأْخِيرُ الإنْذارِ، وبِقَوْلِهِ في حِكايَةِ لُوطٍ ﴿ولَمّا جاءَتْ رُسُلُنا﴾ حَصَلَ بَيانُ تَعْجِيلِ الحُزْنِ، وأمّا هُنا لَمّا قالَ في قِصَّةِ إبْراهِيمَ: ﴿ولَمّا جاءَتْ﴾ قالَ في حِكايَةِ لُوطٍ ﴿ولَمّا أنْ جاءَتْ﴾ لِما ذَكَرْنا مِنَ الفائِدَةِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ هُنا ﴿إنّا مُنَجُّوكَ وأهْلَكَ﴾ وقالَ لِإبْراهِيمَ ﴿لَنُنَجِّيَنَّهُ﴾ بِصِيغَةِ الفِعْلِ فَهَلْ فِيهِ فائِدَةٌ ؟ قُلْنا ما مِن حَرْفٍ ولا حَرَكَةٍ في القُرْآنِ إلّا وفِيهِ فائِدَةٌ، ثُمَّ إنَّ العُقُولَ البَشَرِيَّةَ تُدْرِكُ بَعْضَها ولا تَصِلُ إلى أكْثَرِها، وما أُوتِيَ البَشَرُ مِنَ العِلْمِ إلّا قَلِيلًا، والَّذِي يَظْهَرُ لِعَقْلِ الضَّعِيفِ أنَّ هُناكَ لَمّا قالَ لَهم إبْراهِيمُ: ﴿إنَّ فِيها لُوطًا﴾ وعَدُوهُ بِالتَّنْجِيَةِ ووَعْدُ الكَرِيمِ حَتْمٌ، وهَهُنا لَمّا قالُوا لِلُوطٍ وكانَ ذَلِكَ بَعْدَ سَبْقِ الوَعْدِ مَرَّةً أُخْرى قالُوا: ﴿إنّا مُنَجُّوكَ﴾ أيْ ذَلِكَ واقِعٌ مِنّا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّكَ مَيِّتٌ﴾ (الزُّمَرِ: ٣٠ ) لِضَرُورَةِ وُقُوعِهِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ:قَوْلُهم: ﴿لا تَخَفْ ولا تَحْزَنْ﴾ لا يُناسِبُهُ ﴿إنّا مُنَجُّوكَ﴾ لِأنَّ خَوْفَهُ ما كانَ عَلى نَفْسِهِ، نَقُولُ بَيْنَهُما مُناسَبَةٌ في غايَةِ الحُسْنِ، وهي أنَّ لُوطًا لَمّا خافَ عَلَيْهِمْ وحَزِنَ لِأجْلِهِمْ قالُوا لَهُ: لا تَخَفْ عَلَيْنا ولا تَحْزَنْ لِأجْلِنا فَإنّا مَلائِكَةٌ، ثُمَّ قالُوا لَهُ: يا لُوطُ خِفْتَ عَلَيْنا وحَزِنْتَ لِأجْلِنا، فَفي مُقابَلَةِ خَوْفِكَ وقْتَ الخَوْفِ نُزِيلُ خَوْفَكَ ونُنْجِيكَ، وفي مُقابَلَةِ حُزْنِكَ نُزِيلُ حُزْنَكَ ولا نَتْرُكُكَ تُفْجَعُ في أهْلِكَ فَقالُوا: ﴿إنّا مُنَجُّوكَ وأهْلَكَ﴾ . المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: القَوْمُ عُذِّبُوا بِسَبَبِ ما صَدَرَ مِنهم مِنَ الفاحِشَةِ وامْرَأتُهُ لَمْ يَصْدُرْ مِنها تِلْكَ فَكَيْفَ كانَتْ مِنَ الغابِرِينَ مَعَهم ؟ فَنَقُولُ الدّالُّ عَلى الشَّرِّ لَهُ نَصِيبٌ كَفاعِلِ الشَّرِّ، كَما أنَّ الدّالَّ عَلى الخَيْرِ كَفاعِلِهِ وهي كانَتْ تَدُلُّ القَوْمَ عَلى ضُيُوفِ لُوطٍ حَتّى كانُوا يَقْصِدُونَهم، فَبِالدَّلالَةِ صارَتْ واحِدَةً مِنهم، ثُمَّ إنَّهم بَعْدَ بِشارَةِ صفحة ٥٦ لُوطٍ بِالتَّنْجِيَةِ ذَكَرُوا أنَّهم مُنْزِلُونَ عَلى أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ العَذابَ فَقالُوا: ﴿إنّا مُنْزِلُونَ عَلى أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّماءِ﴾ واخْتَلَفُوا في ذَلِكَ، فَقالَ بَعْضُهم: حِجارَةٌ وقِيلَ: نارٌ، وقِيلَ: خَسْفٌ، وعَلى هَذا فَلا يَكُونُ عَيَّنَهُ مِنَ السَّماءِ وإنَّما يَكُونُ الأمْرُ بِالخَسْفِ مِنَ السَّماءِ أوِ القَضاءُ بِهِ مِنَ السَّماءِ، ثُمَّ اعْلَمْ أنَّ كَلامَ المَلائِكَةِ مَعَ لُوطٍ جَرى عَلى نَمَطِ كَلامِهِمْ مَعَ إبْراهِيمَ قَدَّمُوا البِشارَةَ عَلى الإنْذارِ حَيْثُ قالُوا: ﴿إنّا مُنَجُّوكَ﴾ ثُمَّ قالُوا: ﴿إنّا مُنْزِلُونَ عَلى أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ﴾ ولَمْ يُعَلِّلُوا التَّنْجِيَةَ، فَما قالُوا إنّا مُنَجُّوكَ لِأنَّكَ نَبِيٌّ أوْ عابِدٌ، وعَلَّلُوا الإهْلاكَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ وقالُوا: بِما كانُوا، كَما قالُوا هُناكَ: ﴿إنَّ أهْلَها كانُوا ظالِمِينَ﴾ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَقَدْ تَرَكْنا مِنها آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ أيْ مِنَ القَرْيَةِ فَإنَّ القَرْيَةَ مَعْلُومَةٌ وفِيها الماءُ الأسْوَدُ وهي بَيْنَ القُدْسِ والكَرْكِ وفِيها مَسائِلُ: إحْداها: جَعَلَ اللَّهُ الآيَةَ في نُوحٍ وإبْراهِيمَ بِالنَّجاةِ حَيْثُ قالَ: ﴿فَأنْجَيْناهُ وأصْحابَ السَّفِينَةِ وجَعَلْناها آيَةً﴾ (العَنْكَبُوتِ: ١٥ ) وقالَ: ﴿فَأنْجاهُ اللَّهُ مِنَ النّارِ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ﴾ (العَنْكَبُوتِ: ٢٤ ) وجَعَلَ هَهُنا الهَلاكَ آيَةً فَهَلْ عِنْدَكَ فِيهِ شَيْءٌ ؟ نَقُولُ نَعَمْ، أمّا إبْراهِيمُ فَلِأنَّ الآيَةَ كانَتْ في النَّجاةِ لِأنَّ في ذَلِكَ الوَقْتِ لَمْ يَكُنْ إهْلاكٌ، وأمّا في نُوحٍ فَلِأنَّ الإنْجاءَ مِنَ الطُّوفانِ الَّذِي عَلا الجِبالَ بِأسْرِها أمْرٌ عَجِيبٌ إلَهِيٌّ، وما بِهِ النَّجاةُ وهو السَّفِينَةُ كانَ باقِيًا، والغَرَقُ لَمْ يَبْقَ لِمَن بَعْدَهُ أثَرُهُ فَجَعَلَ الباقِيَ آيَةً، وأمّا هَهُنا فَنَجاةُ لُوطٍ لَمْ يَكُنْ بِأمْرٍ يَبْقى أثَرُهُ لِلْحِسِّ، والهَلاكُ أثَرُهُ مَحْسُوسٌ في البِلادِ فَجَعَلَ الآيَةَ الأمْرَ الباقِيَ وهو هَهُنا البِلادُ وهُناكَ السَّفِينَةُ، وهَهُنا لَطِيفَةٌ: وهي أنَّ اللَّهَ تَعالى آيَةُ قُدْرَتِهِ مَوْجُودَةٌ في الإنْجاءِ والإهْلاكِ فَذَكَرَ مِن كُلِّ بابٍ آيَةً وقَدَّمَ آياتِ الإنْجاءِ لِأنَّها أثَرُ الرَّحْمَةِ وأخَّرَ آياتِ الإهْلاكِ لِأنَّها أثَرُ الغَضَبِ ورَحْمَتُهُ سابِقَةٌ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ في السَّفِينَةِ: ﴿وجَعَلْناها آيَةً﴾ ولَمْ يَقُلْ: بَيِّنَةً وقالَ هَهُنا آيَةً بَيِّنَةً نَقُولُ لِأنَّ الإنْجاءَ بِالسَّفِينَةِ أمْرٌ يَتَّسِعُ لَهُ كُلُّ عَقْلٍ وقَدْ يَقَعُ في وهْمِ جاهِلٍ أنَّ الإنْجاءَ بِالسَّفِينَةِ لا يَفْتَقِرُ إلى أمْرٍ آخَرَ، وأمّا الآيَةُ هَهُنا الخَسْفُ وجَعْلُ دِيارٍ مَعْمُورَةٍ عالِيَها سافِلَها وهو لَيْسَ بِمُعْتادٍ، وإنَّما ذَلِكَ بِإرادَةِ قادِرٍ يُخَصِّصُهُ بِمَكانٍ دُونَ مَكانٍ وفي زَمانٍ دُونَ زَمانٍ، فَهي بَيِّنَةٌ لا يُمْكِنُ لِجاهِلٍ أنْ يَقُولَ: هَذا أمْرٌ يَكُونُ كَذَلِكَ وكانَ لَهُ أنْ يَقُولَ في السَّفِينَةِ: النَّجاةُ بِها أمْرٌ يَكُونُ كَذَلِكَ إلى أنْ يُقالَ لَهُ: فَمِن أيْنَ عَلِمَ أنَّهُ يَحْتاجُ إلَيْها ولَوْ دامَ الماءُ حَتّى يَنْفَدَ زادُهم كَيْفَ كانَ يَحْصُلُ لَهُمُ النَّجاةُ ؟ ولَوْ سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الرِّيحَ العاصِفَةَ كَيْفَ يَكُونُ أحْوالُهم ؟ . المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ هُناكَ لِلْعالَمِينَ وقالَ هَهُنا: ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ قُلْنا لِأنَّ السَّفِينَةَ مَوْجُودَةٌ في جَمِيعِ أقْطارِ العالَمِ فَعِنْدَ كُلِّ قَوْمٍ مِثالٌ لِسَفِينَةِ نُوحٍ يَتَذَكَّرُونَ بِها حالَهُ، وإذا رَكِبُوها يَطْلُبُونَ مِنَ اللَّهِ النَّجاةَ ولا يَثِقُ أحَدٌ بِمُجَرَّدِ السَّفِينَةِ، بَلْ يَكُونُ دائِمًا مُرْتَجِفَ القَلْبِ مُتَضَرِّعًا إلى اللَّهِ تَعالى طَلَبًا لِلنَّجاةِ، وأمّا أثَرُ الهَلاكِ في بِلادِ لُوطٍ فَفي مَوْضِعٍ مَخْصُوصٍ لا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ إلّا مَن يَمُرُّ بِها ويَصِلُ إلَيْها ويَكُونُ لَهُ عَقْلٌ يَعْلَمُ أنَّ ذَلِكَ مِنَ اللَّهِ المُرِيدِ، بِسَبَبِ اخْتِصاصِهِ بِمَكانٍ دُونَ مَكانٍ ووُجُودِهِ في زَمانٍ بَعْدَ زَمانٍ.

العنكبوت 29:34

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَمّا أنْ جاءَتْ رُسُلُنا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وقالُوا لا تَخَفْ ولا تَحْزَنْ إنّا مُنَجُّوكَ وأهْلَكَ إلّا امْرَأتَكَ كانَتْ مِنَ الغابِرِينَ﴾ ﴿إنّا مُنْزِلُونَ عَلى أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ تَرَكْنا مِنها آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ثُمَّ إنَّهم جاءُوا مِن عِنْدِ إبْراهِيمَ إلى لُوطٍ عَلى صُورَةِ البَشَرِ فَظَنَّهم بَشَرًا فَخافَ عَلَيْهِمْ مِن قَوْمِهِ لِأنَّهم كانُوا عَلى أحْسَنِ صُورَةٍ خَلَقَ اللَّهُ، والقَوْمُ كَما عُرِفَ حالُهم، فَسِيءَ بِهِمْ أيْ: جاءَهُ ما ساءَهُ وخافَ ثُمَّ عَجَزَ عَنْ تَدْبِيرِهِمْ فَحَزِنَ وضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا كِنايَةً عَنِ العَجْزِ في تَدْبِيرِهِمْ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يُقالُ طالَ ذَرْعُهُ وذِراعُهُ لِلْقادِرِ وضاقَ لِلْعاجِزِ، وذَلِكَ لِأنَّ مَن طالَ ذِراعُهُ يَصِلُ إلى ما لا يَصِلُ إلَيْهِ قَصِيرُ الذِّراعِ والِاسْتِعْمالُ يَحْتَمِلُ وجْهًا مَعْقُولًا غَيْرَ ذَلِكَ، وهو أنَّ الخَوْفَ والحُزْنَ يُوجِبانِ انْقِباضَ الرُّوحِ ويَتْبَعُهُ اشْتِمالُ القَلْبِ عَلَيْهِ فَيَنْقَبِضُ هو أيْضًا، والقَلْبُ هو المُعْتَبَرُ مِنَ الإنْسانِ، فَكَأنَّ الإنْسانَ انْقَبَضَ وانْجَمَعَ وما يَكُونُ كَذَلِكَ يَقِلُّ ذَرْعُهُ ومِساحَتُهُ فَيَضِيقُ، ويُقالُ في الحَزِينِ ضاقَ ذَرْعُهُ، والغَضَبُ والفَرَحُ يُوجِبانِ انْبِساطَ الرُّوحِ فَيَنْبَسِطُ مَكانَهُ وهو القَلْبُ ويَتَّسِعُ فَيُقالُ: صفحة ٥٥ اتَّسَعَ ذَرْعُهَ، ثُمَّ إنَّ المَلائِكَةَ لَمّا رَأوْا خَوْفَهُ في أوَّلِ الأمْرِ وحُزْنَهُ بِسَبَبِ تَدْبِيرِهِمْ في ثانِي الأمْرِ قالُوا لا تَخَفْ عَلَيْنا ولا تَحْزَنْ بِسَبَبِ التَّفَكُّرِ في أمْرِنا ثُمَّ ذَكَرُوا ما يُوجِبُ زَوالَ خَوْفِهِ وحُزْنِهِ فَإنَّ مُجَرَّدَ قَوْلِ القائِلِ لا تَخَفْ لا يُوجِبُ زَوالَ الخَوْفِ فَقالُوا مُعَرِّضِينَ بِحالِهِمْ: ﴿إنّا مُنَجُّوكَ وأهْلَكَ﴾ وإنّا مُنْزِلُونَ عَلَيْهِمُ العَذابَ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهُ أنَّهم مَلائِكَةٌ فَيَطُولُ ذَرْعُهُ ويَزُولُ رَوْعُهُ وفي الآيَةِ مَسائِلُ: إحْداها: أنَّهُ تَعالى قالَ مِن قَبْلُ: ﴿ولَمّا جاءَتْ رُسُلُنا إبْراهِيمَ﴾ وقالَ هَهُنا: ﴿ولَمّا أنْ جاءَتْ رُسُلُنا﴾ فَما الحِكْمَةُ فِيهِ ؟ فَنَقُولُ: حِكْمَةٌ بالِغَةٌ وهي أنَّ الواقِعَ في وقْتِ المَجِيءِ هُناكَ قَوْلُ المَلائِكَةِ: ﴿إنّا مُهْلِكُو﴾ وهو لَمْ يَكُنْ مُتَّصِلًا بِمَجِيئِهِمْ لِأنَّهم بَشَّرُوا أوَّلًا ولَبِثُوا، ثُمَّ قالُوا: إنّا مُهْلِكُوا وأيْضًا فالتَّأنِّي واللُّبْثُ بَعْدَ المَجِيءِ، ثُمَّ الإخْبارُ بِالإهْلاكِ حَسَنٌ فَإنَّ مَن جاءَ ومَعَهُ خَبَرٌ هائِلٌ يَحْسُنُ مِنهُ أنْ لا يُفاجِىءَ بِهِ، والواقِعُ هَهُنا هو خَوْفُ لُوطٍ عَلَيْهِمْ، والمُؤْمِنُ حِينَ ما يَشْعُرُ بِمَضَرَّةٍ تَصِلُ بَرِيئًا مِنَ الجِنايَةِ يَنْبَغِي أنْ يَحْزَنَ ويَخافَ عَلَيْهِ مِن غَيْرِ تَأْخِيرٍ،إذا عُلِمَ هَذا فَقَوْلُهُ هَهُنا: ﴿ولَمّا أنْ جاءَتْ رُسُلُنا﴾ يُفِيدُ الِاتِّصالَ يَعْنِي خافَ حِينَ المَجِيءِ، فَإنْ قُلْتَ: هَذا باطِلٌ بِما أنَّ هَذِهِ الحِكايَةَ جاءَتْ في سُورَةِ هُودٍ، وقالَ: ﴿ولَمّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطًا﴾ مِن غَيْرِ (أنْ)، فَنَقُولُ هُناكَ جاءَتْ حِكايَةُ إبْراهِيمَ بِصِيغَةٍ أُخْرى حَيْثُ قالَ هُناكَ: ﴿ولَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إبْراهِيمَ بِالبُشْرى﴾ فَقَوْلُهُ هُنالِكَ: ﴿ولَقَدْ جاءَتْ﴾ لا يَدُلُّ عَلى أنَّ قَوْلَهم: ﴿إنّا أُرْسِلْنا﴾ كانَ في وقْتِ المَجِيءِ. وقَوْلُهُ: ﴿ولَمّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ﴾ دَلَّ عَلى أنَّ حُزْنَهُ كانَ وقْتَ المَجِيءِ. إذا عُلِمَ هَذا فَنَقُولُ: هُناكَ قَدْ حَصَلَ ما ذَكَرْنا مِنَ المَقْصُودِ بِقَوْلِهِ في حِكايَةِ إبْراهِيمَ: ﴿ولَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إبْراهِيمَ بِالبُشْرى﴾ ثُمَّ جَرى أُمُورٌ مِنَ الكَلامِ وتَقْدِيمِ الطَّعامِ، ثُمَّ قالُوا: ﴿لا تَخَفْ ولا تَحْزَنْ﴾ ﴿إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمِ لُوطٍ﴾ فَحَصَلَ تَأْخِيرُ الإنْذارِ، وبِقَوْلِهِ في حِكايَةِ لُوطٍ ﴿ولَمّا جاءَتْ رُسُلُنا﴾ حَصَلَ بَيانُ تَعْجِيلِ الحُزْنِ، وأمّا هُنا لَمّا قالَ في قِصَّةِ إبْراهِيمَ: ﴿ولَمّا جاءَتْ﴾ قالَ في حِكايَةِ لُوطٍ ﴿ولَمّا أنْ جاءَتْ﴾ لِما ذَكَرْنا مِنَ الفائِدَةِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ هُنا ﴿إنّا مُنَجُّوكَ وأهْلَكَ﴾ وقالَ لِإبْراهِيمَ ﴿لَنُنَجِّيَنَّهُ﴾ بِصِيغَةِ الفِعْلِ فَهَلْ فِيهِ فائِدَةٌ ؟ قُلْنا ما مِن حَرْفٍ ولا حَرَكَةٍ في القُرْآنِ إلّا وفِيهِ فائِدَةٌ، ثُمَّ إنَّ العُقُولَ البَشَرِيَّةَ تُدْرِكُ بَعْضَها ولا تَصِلُ إلى أكْثَرِها، وما أُوتِيَ البَشَرُ مِنَ العِلْمِ إلّا قَلِيلًا، والَّذِي يَظْهَرُ لِعَقْلِ الضَّعِيفِ أنَّ هُناكَ لَمّا قالَ لَهم إبْراهِيمُ: ﴿إنَّ فِيها لُوطًا﴾ وعَدُوهُ بِالتَّنْجِيَةِ ووَعْدُ الكَرِيمِ حَتْمٌ، وهَهُنا لَمّا قالُوا لِلُوطٍ وكانَ ذَلِكَ بَعْدَ سَبْقِ الوَعْدِ مَرَّةً أُخْرى قالُوا: ﴿إنّا مُنَجُّوكَ﴾ أيْ ذَلِكَ واقِعٌ مِنّا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّكَ مَيِّتٌ﴾ (الزُّمَرِ: ٣٠ ) لِضَرُورَةِ وُقُوعِهِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ:قَوْلُهم: ﴿لا تَخَفْ ولا تَحْزَنْ﴾ لا يُناسِبُهُ ﴿إنّا مُنَجُّوكَ﴾ لِأنَّ خَوْفَهُ ما كانَ عَلى نَفْسِهِ، نَقُولُ بَيْنَهُما مُناسَبَةٌ في غايَةِ الحُسْنِ، وهي أنَّ لُوطًا لَمّا خافَ عَلَيْهِمْ وحَزِنَ لِأجْلِهِمْ قالُوا لَهُ: لا تَخَفْ عَلَيْنا ولا تَحْزَنْ لِأجْلِنا فَإنّا مَلائِكَةٌ، ثُمَّ قالُوا لَهُ: يا لُوطُ خِفْتَ عَلَيْنا وحَزِنْتَ لِأجْلِنا، فَفي مُقابَلَةِ خَوْفِكَ وقْتَ الخَوْفِ نُزِيلُ خَوْفَكَ ونُنْجِيكَ، وفي مُقابَلَةِ حُزْنِكَ نُزِيلُ حُزْنَكَ ولا نَتْرُكُكَ تُفْجَعُ في أهْلِكَ فَقالُوا: ﴿إنّا مُنَجُّوكَ وأهْلَكَ﴾ . المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: القَوْمُ عُذِّبُوا بِسَبَبِ ما صَدَرَ مِنهم مِنَ الفاحِشَةِ وامْرَأتُهُ لَمْ يَصْدُرْ مِنها تِلْكَ فَكَيْفَ كانَتْ مِنَ الغابِرِينَ مَعَهم ؟ فَنَقُولُ الدّالُّ عَلى الشَّرِّ لَهُ نَصِيبٌ كَفاعِلِ الشَّرِّ، كَما أنَّ الدّالَّ عَلى الخَيْرِ كَفاعِلِهِ وهي كانَتْ تَدُلُّ القَوْمَ عَلى ضُيُوفِ لُوطٍ حَتّى كانُوا يَقْصِدُونَهم، فَبِالدَّلالَةِ صارَتْ واحِدَةً مِنهم، ثُمَّ إنَّهم بَعْدَ بِشارَةِ صفحة ٥٦ لُوطٍ بِالتَّنْجِيَةِ ذَكَرُوا أنَّهم مُنْزِلُونَ عَلى أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ العَذابَ فَقالُوا: ﴿إنّا مُنْزِلُونَ عَلى أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّماءِ﴾ واخْتَلَفُوا في ذَلِكَ، فَقالَ بَعْضُهم: حِجارَةٌ وقِيلَ: نارٌ، وقِيلَ: خَسْفٌ، وعَلى هَذا فَلا يَكُونُ عَيَّنَهُ مِنَ السَّماءِ وإنَّما يَكُونُ الأمْرُ بِالخَسْفِ مِنَ السَّماءِ أوِ القَضاءُ بِهِ مِنَ السَّماءِ، ثُمَّ اعْلَمْ أنَّ كَلامَ المَلائِكَةِ مَعَ لُوطٍ جَرى عَلى نَمَطِ كَلامِهِمْ مَعَ إبْراهِيمَ قَدَّمُوا البِشارَةَ عَلى الإنْذارِ حَيْثُ قالُوا: ﴿إنّا مُنَجُّوكَ﴾ ثُمَّ قالُوا: ﴿إنّا مُنْزِلُونَ عَلى أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ﴾ ولَمْ يُعَلِّلُوا التَّنْجِيَةَ، فَما قالُوا إنّا مُنَجُّوكَ لِأنَّكَ نَبِيٌّ أوْ عابِدٌ، وعَلَّلُوا الإهْلاكَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ وقالُوا: بِما كانُوا، كَما قالُوا هُناكَ: ﴿إنَّ أهْلَها كانُوا ظالِمِينَ﴾ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَقَدْ تَرَكْنا مِنها آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ أيْ مِنَ القَرْيَةِ فَإنَّ القَرْيَةَ مَعْلُومَةٌ وفِيها الماءُ الأسْوَدُ وهي بَيْنَ القُدْسِ والكَرْكِ وفِيها مَسائِلُ: إحْداها: جَعَلَ اللَّهُ الآيَةَ في نُوحٍ وإبْراهِيمَ بِالنَّجاةِ حَيْثُ قالَ: ﴿فَأنْجَيْناهُ وأصْحابَ السَّفِينَةِ وجَعَلْناها آيَةً﴾ (العَنْكَبُوتِ: ١٥ ) وقالَ: ﴿فَأنْجاهُ اللَّهُ مِنَ النّارِ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ﴾ (العَنْكَبُوتِ: ٢٤ ) وجَعَلَ هَهُنا الهَلاكَ آيَةً فَهَلْ عِنْدَكَ فِيهِ شَيْءٌ ؟ نَقُولُ نَعَمْ، أمّا إبْراهِيمُ فَلِأنَّ الآيَةَ كانَتْ في النَّجاةِ لِأنَّ في ذَلِكَ الوَقْتِ لَمْ يَكُنْ إهْلاكٌ، وأمّا في نُوحٍ فَلِأنَّ الإنْجاءَ مِنَ الطُّوفانِ الَّذِي عَلا الجِبالَ بِأسْرِها أمْرٌ عَجِيبٌ إلَهِيٌّ، وما بِهِ النَّجاةُ وهو السَّفِينَةُ كانَ باقِيًا، والغَرَقُ لَمْ يَبْقَ لِمَن بَعْدَهُ أثَرُهُ فَجَعَلَ الباقِيَ آيَةً، وأمّا هَهُنا فَنَجاةُ لُوطٍ لَمْ يَكُنْ بِأمْرٍ يَبْقى أثَرُهُ لِلْحِسِّ، والهَلاكُ أثَرُهُ مَحْسُوسٌ في البِلادِ فَجَعَلَ الآيَةَ الأمْرَ الباقِيَ وهو هَهُنا البِلادُ وهُناكَ السَّفِينَةُ، وهَهُنا لَطِيفَةٌ: وهي أنَّ اللَّهَ تَعالى آيَةُ قُدْرَتِهِ مَوْجُودَةٌ في الإنْجاءِ والإهْلاكِ فَذَكَرَ مِن كُلِّ بابٍ آيَةً وقَدَّمَ آياتِ الإنْجاءِ لِأنَّها أثَرُ الرَّحْمَةِ وأخَّرَ آياتِ الإهْلاكِ لِأنَّها أثَرُ الغَضَبِ ورَحْمَتُهُ سابِقَةٌ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ في السَّفِينَةِ: ﴿وجَعَلْناها آيَةً﴾ ولَمْ يَقُلْ: بَيِّنَةً وقالَ هَهُنا آيَةً بَيِّنَةً نَقُولُ لِأنَّ الإنْجاءَ بِالسَّفِينَةِ أمْرٌ يَتَّسِعُ لَهُ كُلُّ عَقْلٍ وقَدْ يَقَعُ في وهْمِ جاهِلٍ أنَّ الإنْجاءَ بِالسَّفِينَةِ لا يَفْتَقِرُ إلى أمْرٍ آخَرَ، وأمّا الآيَةُ هَهُنا الخَسْفُ وجَعْلُ دِيارٍ مَعْمُورَةٍ عالِيَها سافِلَها وهو لَيْسَ بِمُعْتادٍ، وإنَّما ذَلِكَ بِإرادَةِ قادِرٍ يُخَصِّصُهُ بِمَكانٍ دُونَ مَكانٍ وفي زَمانٍ دُونَ زَمانٍ، فَهي بَيِّنَةٌ لا يُمْكِنُ لِجاهِلٍ أنْ يَقُولَ: هَذا أمْرٌ يَكُونُ كَذَلِكَ وكانَ لَهُ أنْ يَقُولَ في السَّفِينَةِ: النَّجاةُ بِها أمْرٌ يَكُونُ كَذَلِكَ إلى أنْ يُقالَ لَهُ: فَمِن أيْنَ عَلِمَ أنَّهُ يَحْتاجُ إلَيْها ولَوْ دامَ الماءُ حَتّى يَنْفَدَ زادُهم كَيْفَ كانَ يَحْصُلُ لَهُمُ النَّجاةُ ؟ ولَوْ سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الرِّيحَ العاصِفَةَ كَيْفَ يَكُونُ أحْوالُهم ؟ . المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ هُناكَ لِلْعالَمِينَ وقالَ هَهُنا: ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ قُلْنا لِأنَّ السَّفِينَةَ مَوْجُودَةٌ في جَمِيعِ أقْطارِ العالَمِ فَعِنْدَ كُلِّ قَوْمٍ مِثالٌ لِسَفِينَةِ نُوحٍ يَتَذَكَّرُونَ بِها حالَهُ، وإذا رَكِبُوها يَطْلُبُونَ مِنَ اللَّهِ النَّجاةَ ولا يَثِقُ أحَدٌ بِمُجَرَّدِ السَّفِينَةِ، بَلْ يَكُونُ دائِمًا مُرْتَجِفَ القَلْبِ مُتَضَرِّعًا إلى اللَّهِ تَعالى طَلَبًا لِلنَّجاةِ، وأمّا أثَرُ الهَلاكِ في بِلادِ لُوطٍ فَفي مَوْضِعٍ مَخْصُوصٍ لا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ إلّا مَن يَمُرُّ بِها ويَصِلُ إلَيْها ويَكُونُ لَهُ عَقْلٌ يَعْلَمُ أنَّ ذَلِكَ مِنَ اللَّهِ المُرِيدِ، بِسَبَبِ اخْتِصاصِهِ بِمَكانٍ دُونَ مَكانٍ ووُجُودِهِ في زَمانٍ بَعْدَ زَمانٍ.

العنكبوت 29:35

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَمّا أنْ جاءَتْ رُسُلُنا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وقالُوا لا تَخَفْ ولا تَحْزَنْ إنّا مُنَجُّوكَ وأهْلَكَ إلّا امْرَأتَكَ كانَتْ مِنَ الغابِرِينَ﴾ ﴿إنّا مُنْزِلُونَ عَلى أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ تَرَكْنا مِنها آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ثُمَّ إنَّهم جاءُوا مِن عِنْدِ إبْراهِيمَ إلى لُوطٍ عَلى صُورَةِ البَشَرِ فَظَنَّهم بَشَرًا فَخافَ عَلَيْهِمْ مِن قَوْمِهِ لِأنَّهم كانُوا عَلى أحْسَنِ صُورَةٍ خَلَقَ اللَّهُ، والقَوْمُ كَما عُرِفَ حالُهم، فَسِيءَ بِهِمْ أيْ: جاءَهُ ما ساءَهُ وخافَ ثُمَّ عَجَزَ عَنْ تَدْبِيرِهِمْ فَحَزِنَ وضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا كِنايَةً عَنِ العَجْزِ في تَدْبِيرِهِمْ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يُقالُ طالَ ذَرْعُهُ وذِراعُهُ لِلْقادِرِ وضاقَ لِلْعاجِزِ، وذَلِكَ لِأنَّ مَن طالَ ذِراعُهُ يَصِلُ إلى ما لا يَصِلُ إلَيْهِ قَصِيرُ الذِّراعِ والِاسْتِعْمالُ يَحْتَمِلُ وجْهًا مَعْقُولًا غَيْرَ ذَلِكَ، وهو أنَّ الخَوْفَ والحُزْنَ يُوجِبانِ انْقِباضَ الرُّوحِ ويَتْبَعُهُ اشْتِمالُ القَلْبِ عَلَيْهِ فَيَنْقَبِضُ هو أيْضًا، والقَلْبُ هو المُعْتَبَرُ مِنَ الإنْسانِ، فَكَأنَّ الإنْسانَ انْقَبَضَ وانْجَمَعَ وما يَكُونُ كَذَلِكَ يَقِلُّ ذَرْعُهُ ومِساحَتُهُ فَيَضِيقُ، ويُقالُ في الحَزِينِ ضاقَ ذَرْعُهُ، والغَضَبُ والفَرَحُ يُوجِبانِ انْبِساطَ الرُّوحِ فَيَنْبَسِطُ مَكانَهُ وهو القَلْبُ ويَتَّسِعُ فَيُقالُ: صفحة ٥٥ اتَّسَعَ ذَرْعُهَ، ثُمَّ إنَّ المَلائِكَةَ لَمّا رَأوْا خَوْفَهُ في أوَّلِ الأمْرِ وحُزْنَهُ بِسَبَبِ تَدْبِيرِهِمْ في ثانِي الأمْرِ قالُوا لا تَخَفْ عَلَيْنا ولا تَحْزَنْ بِسَبَبِ التَّفَكُّرِ في أمْرِنا ثُمَّ ذَكَرُوا ما يُوجِبُ زَوالَ خَوْفِهِ وحُزْنِهِ فَإنَّ مُجَرَّدَ قَوْلِ القائِلِ لا تَخَفْ لا يُوجِبُ زَوالَ الخَوْفِ فَقالُوا مُعَرِّضِينَ بِحالِهِمْ: ﴿إنّا مُنَجُّوكَ وأهْلَكَ﴾ وإنّا مُنْزِلُونَ عَلَيْهِمُ العَذابَ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهُ أنَّهم مَلائِكَةٌ فَيَطُولُ ذَرْعُهُ ويَزُولُ رَوْعُهُ وفي الآيَةِ مَسائِلُ: إحْداها: أنَّهُ تَعالى قالَ مِن قَبْلُ: ﴿ولَمّا جاءَتْ رُسُلُنا إبْراهِيمَ﴾ وقالَ هَهُنا: ﴿ولَمّا أنْ جاءَتْ رُسُلُنا﴾ فَما الحِكْمَةُ فِيهِ ؟ فَنَقُولُ: حِكْمَةٌ بالِغَةٌ وهي أنَّ الواقِعَ في وقْتِ المَجِيءِ هُناكَ قَوْلُ المَلائِكَةِ: ﴿إنّا مُهْلِكُو﴾ وهو لَمْ يَكُنْ مُتَّصِلًا بِمَجِيئِهِمْ لِأنَّهم بَشَّرُوا أوَّلًا ولَبِثُوا، ثُمَّ قالُوا: إنّا مُهْلِكُوا وأيْضًا فالتَّأنِّي واللُّبْثُ بَعْدَ المَجِيءِ، ثُمَّ الإخْبارُ بِالإهْلاكِ حَسَنٌ فَإنَّ مَن جاءَ ومَعَهُ خَبَرٌ هائِلٌ يَحْسُنُ مِنهُ أنْ لا يُفاجِىءَ بِهِ، والواقِعُ هَهُنا هو خَوْفُ لُوطٍ عَلَيْهِمْ، والمُؤْمِنُ حِينَ ما يَشْعُرُ بِمَضَرَّةٍ تَصِلُ بَرِيئًا مِنَ الجِنايَةِ يَنْبَغِي أنْ يَحْزَنَ ويَخافَ عَلَيْهِ مِن غَيْرِ تَأْخِيرٍ،إذا عُلِمَ هَذا فَقَوْلُهُ هَهُنا: ﴿ولَمّا أنْ جاءَتْ رُسُلُنا﴾ يُفِيدُ الِاتِّصالَ يَعْنِي خافَ حِينَ المَجِيءِ، فَإنْ قُلْتَ: هَذا باطِلٌ بِما أنَّ هَذِهِ الحِكايَةَ جاءَتْ في سُورَةِ هُودٍ، وقالَ: ﴿ولَمّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطًا﴾ مِن غَيْرِ (أنْ)، فَنَقُولُ هُناكَ جاءَتْ حِكايَةُ إبْراهِيمَ بِصِيغَةٍ أُخْرى حَيْثُ قالَ هُناكَ: ﴿ولَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إبْراهِيمَ بِالبُشْرى﴾ فَقَوْلُهُ هُنالِكَ: ﴿ولَقَدْ جاءَتْ﴾ لا يَدُلُّ عَلى أنَّ قَوْلَهم: ﴿إنّا أُرْسِلْنا﴾ كانَ في وقْتِ المَجِيءِ. وقَوْلُهُ: ﴿ولَمّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ﴾ دَلَّ عَلى أنَّ حُزْنَهُ كانَ وقْتَ المَجِيءِ. إذا عُلِمَ هَذا فَنَقُولُ: هُناكَ قَدْ حَصَلَ ما ذَكَرْنا مِنَ المَقْصُودِ بِقَوْلِهِ في حِكايَةِ إبْراهِيمَ: ﴿ولَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إبْراهِيمَ بِالبُشْرى﴾ ثُمَّ جَرى أُمُورٌ مِنَ الكَلامِ وتَقْدِيمِ الطَّعامِ، ثُمَّ قالُوا: ﴿لا تَخَفْ ولا تَحْزَنْ﴾ ﴿إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمِ لُوطٍ﴾ فَحَصَلَ تَأْخِيرُ الإنْذارِ، وبِقَوْلِهِ في حِكايَةِ لُوطٍ ﴿ولَمّا جاءَتْ رُسُلُنا﴾ حَصَلَ بَيانُ تَعْجِيلِ الحُزْنِ، وأمّا هُنا لَمّا قالَ في قِصَّةِ إبْراهِيمَ: ﴿ولَمّا جاءَتْ﴾ قالَ في حِكايَةِ لُوطٍ ﴿ولَمّا أنْ جاءَتْ﴾ لِما ذَكَرْنا مِنَ الفائِدَةِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ هُنا ﴿إنّا مُنَجُّوكَ وأهْلَكَ﴾ وقالَ لِإبْراهِيمَ ﴿لَنُنَجِّيَنَّهُ﴾ بِصِيغَةِ الفِعْلِ فَهَلْ فِيهِ فائِدَةٌ ؟ قُلْنا ما مِن حَرْفٍ ولا حَرَكَةٍ في القُرْآنِ إلّا وفِيهِ فائِدَةٌ، ثُمَّ إنَّ العُقُولَ البَشَرِيَّةَ تُدْرِكُ بَعْضَها ولا تَصِلُ إلى أكْثَرِها، وما أُوتِيَ البَشَرُ مِنَ العِلْمِ إلّا قَلِيلًا، والَّذِي يَظْهَرُ لِعَقْلِ الضَّعِيفِ أنَّ هُناكَ لَمّا قالَ لَهم إبْراهِيمُ: ﴿إنَّ فِيها لُوطًا﴾ وعَدُوهُ بِالتَّنْجِيَةِ ووَعْدُ الكَرِيمِ حَتْمٌ، وهَهُنا لَمّا قالُوا لِلُوطٍ وكانَ ذَلِكَ بَعْدَ سَبْقِ الوَعْدِ مَرَّةً أُخْرى قالُوا: ﴿إنّا مُنَجُّوكَ﴾ أيْ ذَلِكَ واقِعٌ مِنّا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّكَ مَيِّتٌ﴾ (الزُّمَرِ: ٣٠ ) لِضَرُورَةِ وُقُوعِهِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ:قَوْلُهم: ﴿لا تَخَفْ ولا تَحْزَنْ﴾ لا يُناسِبُهُ ﴿إنّا مُنَجُّوكَ﴾ لِأنَّ خَوْفَهُ ما كانَ عَلى نَفْسِهِ، نَقُولُ بَيْنَهُما مُناسَبَةٌ في غايَةِ الحُسْنِ، وهي أنَّ لُوطًا لَمّا خافَ عَلَيْهِمْ وحَزِنَ لِأجْلِهِمْ قالُوا لَهُ: لا تَخَفْ عَلَيْنا ولا تَحْزَنْ لِأجْلِنا فَإنّا مَلائِكَةٌ، ثُمَّ قالُوا لَهُ: يا لُوطُ خِفْتَ عَلَيْنا وحَزِنْتَ لِأجْلِنا، فَفي مُقابَلَةِ خَوْفِكَ وقْتَ الخَوْفِ نُزِيلُ خَوْفَكَ ونُنْجِيكَ، وفي مُقابَلَةِ حُزْنِكَ نُزِيلُ حُزْنَكَ ولا نَتْرُكُكَ تُفْجَعُ في أهْلِكَ فَقالُوا: ﴿إنّا مُنَجُّوكَ وأهْلَكَ﴾ . المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: القَوْمُ عُذِّبُوا بِسَبَبِ ما صَدَرَ مِنهم مِنَ الفاحِشَةِ وامْرَأتُهُ لَمْ يَصْدُرْ مِنها تِلْكَ فَكَيْفَ كانَتْ مِنَ الغابِرِينَ مَعَهم ؟ فَنَقُولُ الدّالُّ عَلى الشَّرِّ لَهُ نَصِيبٌ كَفاعِلِ الشَّرِّ، كَما أنَّ الدّالَّ عَلى الخَيْرِ كَفاعِلِهِ وهي كانَتْ تَدُلُّ القَوْمَ عَلى ضُيُوفِ لُوطٍ حَتّى كانُوا يَقْصِدُونَهم، فَبِالدَّلالَةِ صارَتْ واحِدَةً مِنهم، ثُمَّ إنَّهم بَعْدَ بِشارَةِ صفحة ٥٦ لُوطٍ بِالتَّنْجِيَةِ ذَكَرُوا أنَّهم مُنْزِلُونَ عَلى أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ العَذابَ فَقالُوا: ﴿إنّا مُنْزِلُونَ عَلى أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّماءِ﴾ واخْتَلَفُوا في ذَلِكَ، فَقالَ بَعْضُهم: حِجارَةٌ وقِيلَ: نارٌ، وقِيلَ: خَسْفٌ، وعَلى هَذا فَلا يَكُونُ عَيَّنَهُ مِنَ السَّماءِ وإنَّما يَكُونُ الأمْرُ بِالخَسْفِ مِنَ السَّماءِ أوِ القَضاءُ بِهِ مِنَ السَّماءِ، ثُمَّ اعْلَمْ أنَّ كَلامَ المَلائِكَةِ مَعَ لُوطٍ جَرى عَلى نَمَطِ كَلامِهِمْ مَعَ إبْراهِيمَ قَدَّمُوا البِشارَةَ عَلى الإنْذارِ حَيْثُ قالُوا: ﴿إنّا مُنَجُّوكَ﴾ ثُمَّ قالُوا: ﴿إنّا مُنْزِلُونَ عَلى أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ﴾ ولَمْ يُعَلِّلُوا التَّنْجِيَةَ، فَما قالُوا إنّا مُنَجُّوكَ لِأنَّكَ نَبِيٌّ أوْ عابِدٌ، وعَلَّلُوا الإهْلاكَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ وقالُوا: بِما كانُوا، كَما قالُوا هُناكَ: ﴿إنَّ أهْلَها كانُوا ظالِمِينَ﴾ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَقَدْ تَرَكْنا مِنها آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ أيْ مِنَ القَرْيَةِ فَإنَّ القَرْيَةَ مَعْلُومَةٌ وفِيها الماءُ الأسْوَدُ وهي بَيْنَ القُدْسِ والكَرْكِ وفِيها مَسائِلُ: إحْداها: جَعَلَ اللَّهُ الآيَةَ في نُوحٍ وإبْراهِيمَ بِالنَّجاةِ حَيْثُ قالَ: ﴿فَأنْجَيْناهُ وأصْحابَ السَّفِينَةِ وجَعَلْناها آيَةً﴾ (العَنْكَبُوتِ: ١٥ ) وقالَ: ﴿فَأنْجاهُ اللَّهُ مِنَ النّارِ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ﴾ (العَنْكَبُوتِ: ٢٤ ) وجَعَلَ هَهُنا الهَلاكَ آيَةً فَهَلْ عِنْدَكَ فِيهِ شَيْءٌ ؟ نَقُولُ نَعَمْ، أمّا إبْراهِيمُ فَلِأنَّ الآيَةَ كانَتْ في النَّجاةِ لِأنَّ في ذَلِكَ الوَقْتِ لَمْ يَكُنْ إهْلاكٌ، وأمّا في نُوحٍ فَلِأنَّ الإنْجاءَ مِنَ الطُّوفانِ الَّذِي عَلا الجِبالَ بِأسْرِها أمْرٌ عَجِيبٌ إلَهِيٌّ، وما بِهِ النَّجاةُ وهو السَّفِينَةُ كانَ باقِيًا، والغَرَقُ لَمْ يَبْقَ لِمَن بَعْدَهُ أثَرُهُ فَجَعَلَ الباقِيَ آيَةً، وأمّا هَهُنا فَنَجاةُ لُوطٍ لَمْ يَكُنْ بِأمْرٍ يَبْقى أثَرُهُ لِلْحِسِّ، والهَلاكُ أثَرُهُ مَحْسُوسٌ في البِلادِ فَجَعَلَ الآيَةَ الأمْرَ الباقِيَ وهو هَهُنا البِلادُ وهُناكَ السَّفِينَةُ، وهَهُنا لَطِيفَةٌ: وهي أنَّ اللَّهَ تَعالى آيَةُ قُدْرَتِهِ مَوْجُودَةٌ في الإنْجاءِ والإهْلاكِ فَذَكَرَ مِن كُلِّ بابٍ آيَةً وقَدَّمَ آياتِ الإنْجاءِ لِأنَّها أثَرُ الرَّحْمَةِ وأخَّرَ آياتِ الإهْلاكِ لِأنَّها أثَرُ الغَضَبِ ورَحْمَتُهُ سابِقَةٌ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ في السَّفِينَةِ: ﴿وجَعَلْناها آيَةً﴾ ولَمْ يَقُلْ: بَيِّنَةً وقالَ هَهُنا آيَةً بَيِّنَةً نَقُولُ لِأنَّ الإنْجاءَ بِالسَّفِينَةِ أمْرٌ يَتَّسِعُ لَهُ كُلُّ عَقْلٍ وقَدْ يَقَعُ في وهْمِ جاهِلٍ أنَّ الإنْجاءَ بِالسَّفِينَةِ لا يَفْتَقِرُ إلى أمْرٍ آخَرَ، وأمّا الآيَةُ هَهُنا الخَسْفُ وجَعْلُ دِيارٍ مَعْمُورَةٍ عالِيَها سافِلَها وهو لَيْسَ بِمُعْتادٍ، وإنَّما ذَلِكَ بِإرادَةِ قادِرٍ يُخَصِّصُهُ بِمَكانٍ دُونَ مَكانٍ وفي زَمانٍ دُونَ زَمانٍ، فَهي بَيِّنَةٌ لا يُمْكِنُ لِجاهِلٍ أنْ يَقُولَ: هَذا أمْرٌ يَكُونُ كَذَلِكَ وكانَ لَهُ أنْ يَقُولَ في السَّفِينَةِ: النَّجاةُ بِها أمْرٌ يَكُونُ كَذَلِكَ إلى أنْ يُقالَ لَهُ: فَمِن أيْنَ عَلِمَ أنَّهُ يَحْتاجُ إلَيْها ولَوْ دامَ الماءُ حَتّى يَنْفَدَ زادُهم كَيْفَ كانَ يَحْصُلُ لَهُمُ النَّجاةُ ؟ ولَوْ سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الرِّيحَ العاصِفَةَ كَيْفَ يَكُونُ أحْوالُهم ؟ . المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ هُناكَ لِلْعالَمِينَ وقالَ هَهُنا: ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ قُلْنا لِأنَّ السَّفِينَةَ مَوْجُودَةٌ في جَمِيعِ أقْطارِ العالَمِ فَعِنْدَ كُلِّ قَوْمٍ مِثالٌ لِسَفِينَةِ نُوحٍ يَتَذَكَّرُونَ بِها حالَهُ، وإذا رَكِبُوها يَطْلُبُونَ مِنَ اللَّهِ النَّجاةَ ولا يَثِقُ أحَدٌ بِمُجَرَّدِ السَّفِينَةِ، بَلْ يَكُونُ دائِمًا مُرْتَجِفَ القَلْبِ مُتَضَرِّعًا إلى اللَّهِ تَعالى طَلَبًا لِلنَّجاةِ، وأمّا أثَرُ الهَلاكِ في بِلادِ لُوطٍ فَفي مَوْضِعٍ مَخْصُوصٍ لا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ إلّا مَن يَمُرُّ بِها ويَصِلُ إلَيْها ويَكُونُ لَهُ عَقْلٌ يَعْلَمُ أنَّ ذَلِكَ مِنَ اللَّهِ المُرِيدِ، بِسَبَبِ اخْتِصاصِهِ بِمَكانٍ دُونَ مَكانٍ ووُجُودِهِ في زَمانٍ بَعْدَ زَمانٍ.