Lafzullah

Tafsir Al-Razi — العنكبوت 29:36 – الروم 30:51

المؤلف / المصدر: Tafsir Al-Razi

المحتويات
  1. العنكبوت 29:36
  2. العنكبوت 29:37
  3. العنكبوت 29:38
  4. العنكبوت 29:39
  5. العنكبوت 29:40
  6. العنكبوت 29:41
  7. العنكبوت 29:42
  8. العنكبوت 29:43
  9. العنكبوت 29:44
  10. العنكبوت 29:45
  11. العنكبوت 29:46
  12. العنكبوت 29:47
  13. العنكبوت 29:48
  14. العنكبوت 29:49
  15. العنكبوت 29:50
  16. العنكبوت 29:51
  17. العنكبوت 29:52
  18. العنكبوت 29:53
  19. العنكبوت 29:54
  20. العنكبوت 29:55
  21. العنكبوت 29:56
  22. العنكبوت 29:57
  23. العنكبوت 29:58
  24. العنكبوت 29:59
  25. العنكبوت 29:60
  26. العنكبوت 29:61
  27. العنكبوت 29:62
  28. العنكبوت 29:63
  29. العنكبوت 29:64
  30. العنكبوت 29:65
  31. العنكبوت 29:66
  32. العنكبوت 29:67
  33. العنكبوت 29:68
  34. العنكبوت 29:69
  35. الروم 30:1
  36. الروم 30:2
  37. الروم 30:3
  38. الروم 30:4
  39. الروم 30:5
  40. الروم 30:6
  41. الروم 30:7
  42. الروم 30:8
  43. الروم 30:9
  44. الروم 30:10
  45. الروم 30:11
  46. الروم 30:12
  47. الروم 30:13
  48. الروم 30:14
  49. الروم 30:15
  50. الروم 30:16
  51. الروم 30:17
  52. الروم 30:18
  53. الروم 30:19
  54. الروم 30:20
  55. الروم 30:21
  56. الروم 30:22
  57. الروم 30:23
  58. الروم 30:24
  59. الروم 30:25
  60. الروم 30:26
  61. الروم 30:27
  62. الروم 30:28
  63. الروم 30:29
  64. الروم 30:30
  65. الروم 30:31
  66. الروم 30:32
  67. الروم 30:33
  68. الروم 30:34
  69. الروم 30:35
  70. الروم 30:36
  71. الروم 30:37
  72. الروم 30:38
  73. الروم 30:39
  74. الروم 30:40
  75. الروم 30:41
  76. الروم 30:42
  77. الروم 30:43
  78. الروم 30:44
  79. الروم 30:45
  80. الروم 30:46
  81. الروم 30:47
  82. الروم 30:48
  83. الروم 30:49
  84. الروم 30:50
  85. الروم 30:51

العنكبوت 29:36

صفحة ٥٧ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإلى مَدْيَنَ أخاهم شُعَيْبًا فَقالَ ياقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وارْجُوا اليَوْمَ الآخِرَ ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأصْبَحُوا في دارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ لَمّا أتَمَّ الحِكايَةَ الثّانِيَةَ عَلى وجْهِ الِاخْتِصارِ لِفائِدَةِ الِاعْتِبارِ شَرَعَ في الثّالِثَةِ وقالَ: ﴿وإلى مَدْيَنَ أخاهُمْ﴾ واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في مَدْيَنَ، فَقالَ بَعْضُهم إنَّهُ اسْمُ رَجُلٍ في الأصْلِ وحَصَلَ لَهُ ذُرِّيَّةٌ فاشْتُهِرَ في القَبِيلَةِ كَتَمِيمٍ وقَيْسٍ وغَيْرِهِما، وقالَ بَعْضُهُمُ: اسْمُ ماءٍ نُسِبَ القَوْمُ إلَيْهِ، واشْتُهِرَ في القَوْمِ، والأوَّلُ كَأنَّهُ أصَحُّ وذَلِكَ لِأنَّ اللَّهَ أضافَ الماءَ إلى مَدْيَنَ حَيْثُ قالَ: ﴿ولَمّا ورَدَ ماءَ مَدْيَنَ﴾ (القَصَصِ: ٢٣ ) ولَوْ كانَ اسْمًا لِلْماءِ لَكانَتِ الإضافَةُ غَيْرَ صَحِيحَةٍ أوْ غَيْرَ حَقِيقَةٍ، والأصْلُ في الإضافَةِ التَّغايُرُ حَقِيقَةً، وقَوْلُهُ: ﴿أخاهُمْ﴾ قِيلَ لِأنَّ شُعَيْبًا كانَ مِنهم نَسَبًا، وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ اللَّهُ تَعالى في نُوحٍ: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ﴾ (هُودٍ: ٢٥ ) قَدَّمَ نُوحًا في الذِّكْرِ وعَرَّفَ القَوْمَ بِالإضافَةِ إلَيْهِ وكَذَلِكَ في إبْراهِيمَ ولُوطٍ، وهَهُنا ذَكَرَ القَوْمَ أوَّلًا وأضافَ إلَيْهِمْ أخاهم شُعَيْبًا، فَنَقُولُ: الأصْلُ في جَمِيعِ المَواضِعِ أنْ يَذْكُرَ القَوْمَ ثُمَّ يَذْكُرَ رَسُولَهم لِأنَّ المُرْسِلَ لا يَبْعَثُ رَسُولًا إلى غَيْرِ مُعَيَّنٍ، وإنَّما يَحْصُلُ قَوْمٌ أوْ شَخْصٌ يَحْتاجُونَ إلى إنْباءٍ مِنَ المُرْسِلِ فَيُرْسِلُ إلَيْهِمْ مَن يَخْتارُهُ، غَيْرَ أنَّ قَوْمَ نُوحٍ وإبْراهِيمَ ولُوطٍ لَمْ يَكُنْ لَهُمُ اسْمٌ خاصٌّ ولا نِسْبَةٌ مَخْصُوصَةٌ يُعْرَفُونَ بِها، فَعُرِفُوا بِالنَّبِيِّ فَقِيلَ: قَوْمُ نُوحٍ وقَوْمُ لُوطٍ، وأمّا قَوْمُ شُعَيْبٍ وهُودٍ وصالِحٍ فَكانَ لَهم نَسَبٌ مَعْلُومٌ اشْتُهِرُوا بِهِ عِنْدَ النّاسِ فَجَرى الكَلامُ عَلى أصْلِهِ وقالَ اللَّهُ: ﴿وإلى مَدْيَنَ أخاهم شُعَيْبًا﴾ وقالَ: ﴿وإلى عادٍ أخاهم هُودًا﴾ (الأعْرافِ: ٦٥ ) . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لَمْ يَذْكُرْ عَنْ لُوطٍ أنَّهُ أمَرَ قَوْمَهُ بِالعِبادَةِ والتَّوْحِيدِ، وذَكَرَ عَنْ شُعَيْبٍ ذَلِكَ ؟ قُلْنا قَدْ ذَكَرْنا أنَّ لُوطًا كانَ لَهُ قَوْمٌ وهو كانَ مِن قَوْمِ إبْراهِيمَ وفي زَمانِهِ، وإبْراهِيمُ سَبَقَهُ بِذَلِكَ واجْتَهَدَ فِيهِ حَتّى اشْتُهِرَ الأمْرُ بِالتَّوْحِيدِ عِنْدَ الخَلْقِ مِن إبْراهِيمَ فَلَمْ يَذْكُرْهُ عَنْ لُوطٍ وإنَّما ذَكَرَ مِنهُ ما اخْتَصَّ بِهِ مِنَ المَنعِ عَنِ الفاحِشَةِ وغَيْرِها، وإنْ كانَ هو أيْضًا يَأْمُرُ بِالتَّوْحِيدِ، إذْ ما مِن رَسُولٍ إلّا ويَكُونُ أكْثَرُ كَلامِهِ في التَّوْحِيدِ، وأمّا شُعَيْبٌ فَكانَ بَعْدَ انْقِراضِ القَوْمِ فَكانَ هو أصْلًا أيْضًا في التَّوْحِيدِ فَبَدَأ بِهِ وقالَ: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ . المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الإيمانُ لا يَتِمُّ إلّا بِالتَّوْحِيدِ، والأمْرُ بِالعِبادَةِ لا يُفِيدُهُ لِأنَّ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ ويَعْبُدُ غَيْرَهُ فَهو مُشْرِكٌ فَكَيْفَ اقْتَصَرَ عَلى قَوْلِهِ: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ ؟ فَنَقُولُ: هَذا الأمْرُ يُفِيدُ التَّوْحِيدَ، وذَلِكَ لِأنَّ مَن يَرى غَيْرَهُ يَخْدُمُ زَيْدًا وعَمْرٌو هُناكَ وهو أكْبَرُ أوْ هو سَيِّدُ زَيْدٍ، فَإذا قالَ لَهُ اخْدِمْ عَمْرًا يَفْهَمُ مِنهُ أنَّهُ يَأْمُرُهُ بِصَرْفِ الخِدْمَةِ إلَيْهِ، وكَذا إذا كانَ لِواحِدٍ دِينارٌ واحِدٌ، وهو يُرِيدُ أنْ يُعْطِيَهُ زَيْدًا، فَإذا قِيلَ لَهُ: أعْطِهِ عَمْرًا يَفْهَمُ مِنهُ لا تُعْطِهِ زَيْدًا، فَنَقُولُ هم كانُوا مُشْتَغِلِينَ بِعِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ، واللَّهُ مالِكُ ذَلِكَ الغَيْرِ فَقالَ لَهم شُعَيْبٌ: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ فَفَهِمُوا مِنهُ تَرْكَ عِبادَةِ غَيْرِهِ، أوْ نَقُولُ لِكُلِّ واحِدٍ نَفْسٌ واحِدَةٌ ويُرِيدُ وضْعَها في عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ فَقالَ لَهم شُعَيْبٌ ضَعُوها في مَوْضِعِها وهو عِبادَةُ اللَّهِ فَفُهِمَ مِنهُ التَّوْحِيدُ، ثُمَّ قالَ: ﴿وارْجُوا اليَوْمَ الآخِرَ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَعْناهُ افْعَلُوا ما تَرْجُونَ بِهِ العاقِبَةَ إذْ قَدْ يَقُولُ القائِلُ لِغَيْرِهِ كُنْ عاقِلًا، ويَكُونُ مَعْناهُ افْعَلْ فِعْلَ مَن يَكُونُ عاقِلًا، وقَوْلُهُ: ﴿وارْجُوا اليَوْمَ الآخِرَ﴾ فِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: هَذا يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ مَذْهَبِنا، فَإنَّ عِنْدَنا مَن عَبَدَ اللَّهَ طُولَ عُمُرِهِ يُثِيبُهُ اللَّهُ تَفَضُّلًا ولا يَجِبُ عَلَيْهِ ذَلِكَ لِأنَّ العابِدَ قَدْ وصَلَ إلَيْهِ مِنَ النِّعَمِ ما لَوْ زادَ عَلى ما أتى بِهِ لَما خَرَجَ عَنْ عُهْدَةِ الشُّكْرِ، ومَن صفحة ٥٨ شَكَرَ المُنْعِمَ عَلى نِعَمٍ سَبَقَتْ لا يَلْزَمُ المُنْعِمُ أنْ يَزِيدَهُ، وإنْ زادَهُ يَكُونُ إحْسانًا مِنهُ إلَيْهِ وإنْعامًا عَلَيْهِ، فَنَقُولُ قَوْلُهُ: ﴿وارْجُوا اليَوْمَ﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ يَدُلُّ عَلى التَّفَضُّلِ لا عَلى الوُجُوبِ فَإنَّ الفَضْلَ يُرْجى، والواجِبُ مِنَ العادِلِ يَقْطَعُ بِهِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ: ﴿وارْجُوا اليَوْمَ الآخِرَ﴾ ولَمْ يَقُلْ وخافُوهُ مَعَ أنَّ ذَلِكَ اليَوْمَ مُخَوِّفٌ عِنْدَ الكُلِّ، وغَيْرُ مَرْجُوٍّ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ النّاسِ لِفِسْقِهِ وفُجُورِهِ ومَحَبَّتِهِ الدُّنْيا ولا يَرْجُوهُ إلّا قَلِيلٌ مِن عِبادِهِ، فَنَقُولُ لَمّا ذَكَرَ التَّوْحِيدَ بِطَرِيقِ الإثْباتِ وقالَ: ﴿اعْبُدُوا﴾ ولَمْ يَذْكُرْهُ بِطَرِيقِ النَّفْيِ وما قالَ: ولا تَعْبُدُوا غَيْرَهُ قالَ بِلَفْظِ الرَّجاءِ لِأنَّ عِبادَةَ اللَّهِ يُرْجى مِنها الخَيْرُ في الدّارَيْنِ، وفِيهِ وجْهٌ آخَرُ وهو أنَّ اللَّهَ حَكى في حِكايَةِ إبْراهِيمَ أنَّهُ قالَ إنَّكُمُ اتَّخَذْتُمُ الأوْثانَ مَوَدَّةَ بَيْنِكم في الحَياةِ الدُّنْيا، وأمّا في الآخِرَةِ فَتَكْفُرُونَ بِها، وقالَ هاهُنا: لا تَكُونُوا كالَّذِينَ سَبَقَ ذِكْرُهم لَمْ يَرْجُوا اليَوْمَ الآخِرَ، فاقْتَصَرُوا عَلى مَوَدَّةِ الحَياةِ الدُّنْيا، وارْجُوا اليَوْمَ الآخِرَ واعْمَلُوا لَهُ، ثُمَّ قالَ: ﴿ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ نُصِبَ مُفْسِدِينَ عَلى المَصْدَرِ كَما يُقالُ قُمْ قائِمًا أيْ: قِيامًا ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ كَقَوْلِ القائِلِ: اجْلِسْ قُعُودًا لِأنَّ العَيْثَ والفَسادَ بِمَعْنًى، وجَمَعَ الأوامِرَ والنَّواهِيَ في قَوْلِهِ: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿ولا تَعْثَوْا﴾ ثُمَّ إنَّ قَوْمَهُ كَذَّبُوهُ بَعْدَما بَلَّغَ وبَيَّنَ، فَحَكى اللَّهُ عَنْهم ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأصْبَحُوا في دارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: ما حُكِيَ عَنْ شُعَيْبٍ أمْرٌ ونَهْيٌ والأمْرُ لا يُصَدَّقُ ولا يُكَذَّبُ، فَإنَّ مَن قالَ لِغَيْرِهِ قُمْ لا يَصِحُّ أنْ يَقُولَ لَهُ: كَذَبْتَ، فَنَقُولُ كانَ شُعَيْبٌ يَقُولُ: اللَّهُ واحِدٌ فاعْبُدُوهُ، والحَشْرُ كائِنٌ فارْجُوهُ، والفَسادُ مُحَرَّمٌ فَلا تَقْرَبُوهُ، وهَذِهِ الأشْياءُ فِيها إخْباراتٌ فَكَذَّبُوهُ فِيما أخْبَرَهم بِهِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ هاهُنا وفي الأعْرافِ: ﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ وقالَ في هُودٍ: ﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ والحِكايَةُ واحِدَةٌ، نَقُولُ لا تَعارُضَ بَيْنَهُما فَإنَّ الصَّيْحَةَ كانَتْ سَبَبًا لِلرَّجْفَةِ، إمّا لِرَجْفَةِ الأرْضِ إذْ قِيلَ: إنَّ جِبْرِيلَ صاحَ فَتَزَلْزَلَتِ الأرْضُ مِن صَيْحَتِهِ، وإمّا لِرَجْفَةِ الأفْئِدَةِ فَإنَّ قُلُوبَهُمُ ارْتَجَفَتْ مِنها، والإضافَةُ إلى السَّبَبِ لا تُنافِي الإضافَةَ إلى سَبَبِ السَّبَبِ، إذْ يَصِحُّ أنْ يُقالَ: رَوِيَ فَقَوِيَ، وأنْ يُقالَ شَرِبَ فَقَوِيَ في صُورَةٍ واحِدَةٍ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: حَيْثُ قالَ: ﴿وأخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ قالَ: ﴿فِي دِيارِهِمْ﴾ وحَيْثُ قالَ: ﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ قالَ: ﴿فِي دارِهِمْ﴾ فَنَقُولُ: المُرادُ مِنَ الدّارِ هو الدَّيّارُ، والإضافَةُ إلى الجَمْعِ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ بِلَفْظِ الجَمْعِ، وأنْ تَكُونَ بِلَفْظِ الواحِدِ إذا أُمِنَ الِالتِباسُ، وإنَّما اخْتَلَفَ اللَّفْظُ لِلَطِيفَةٍ، وهي أنَّ الرَّجْفَةَ هائِلَةٌ في نَفْسِها فَلَمْ يَحْتَجْ إلى مُهَوِّلٍ، وأمّا الصَّيْحَةُ فَغَيْرُ هائِلَةٍ في نَفْسِها لَكِنَّ تِلْكَ الصَّيْحَةَ لَمّا كانَتْ عَظِيمَةً حَتّى أحْدَثَتِ الزَّلْزَلَةَ في الأرْضِ ذَكَرَ الدِّيارَ بِلَفْظِ الجَمْعِ، حَتّى تُعْلَمَ هَيْبَتُها، والرَّجْفَةُ بِمَعْنى الزَّلْزَلَةِ عَظِيمَةٌ عِنْدَ كُلِّ أحَدٍ فَلَمْ يَحْتَجْ إلى مُعَظِّمٍ لِأمْرِها، وقِيلَ إنَّ الصَّيْحَةَ كانَتْ أعَمَّ حَيْثُ عَمَّتِ الأرْضَ والجَوَّ، والزَّلْزَلَةُ لَمْ تَكُنْ إلّا في الأرْضِ فَذَكَرَ الدِّيارَ هُناكَ. غَيْرَ أنَّ هَذا ضَعِيفٌ لِأنَّ الدّارَ والدِّيارَ مَوْضِعُ الجُثُومِ لا مَوْضِعُ الصَّيْحَةِ والرَّجْفَةِ، فَهم ما أصْبَحُوا جاثِمِينَ إلّا في دِيارِهِمْ.

العنكبوت 29:37

صفحة ٥٧ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإلى مَدْيَنَ أخاهم شُعَيْبًا فَقالَ ياقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وارْجُوا اليَوْمَ الآخِرَ ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأصْبَحُوا في دارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ لَمّا أتَمَّ الحِكايَةَ الثّانِيَةَ عَلى وجْهِ الِاخْتِصارِ لِفائِدَةِ الِاعْتِبارِ شَرَعَ في الثّالِثَةِ وقالَ: ﴿وإلى مَدْيَنَ أخاهُمْ﴾ واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في مَدْيَنَ، فَقالَ بَعْضُهم إنَّهُ اسْمُ رَجُلٍ في الأصْلِ وحَصَلَ لَهُ ذُرِّيَّةٌ فاشْتُهِرَ في القَبِيلَةِ كَتَمِيمٍ وقَيْسٍ وغَيْرِهِما، وقالَ بَعْضُهُمُ: اسْمُ ماءٍ نُسِبَ القَوْمُ إلَيْهِ، واشْتُهِرَ في القَوْمِ، والأوَّلُ كَأنَّهُ أصَحُّ وذَلِكَ لِأنَّ اللَّهَ أضافَ الماءَ إلى مَدْيَنَ حَيْثُ قالَ: ﴿ولَمّا ورَدَ ماءَ مَدْيَنَ﴾ (القَصَصِ: ٢٣ ) ولَوْ كانَ اسْمًا لِلْماءِ لَكانَتِ الإضافَةُ غَيْرَ صَحِيحَةٍ أوْ غَيْرَ حَقِيقَةٍ، والأصْلُ في الإضافَةِ التَّغايُرُ حَقِيقَةً، وقَوْلُهُ: ﴿أخاهُمْ﴾ قِيلَ لِأنَّ شُعَيْبًا كانَ مِنهم نَسَبًا، وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ اللَّهُ تَعالى في نُوحٍ: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ﴾ (هُودٍ: ٢٥ ) قَدَّمَ نُوحًا في الذِّكْرِ وعَرَّفَ القَوْمَ بِالإضافَةِ إلَيْهِ وكَذَلِكَ في إبْراهِيمَ ولُوطٍ، وهَهُنا ذَكَرَ القَوْمَ أوَّلًا وأضافَ إلَيْهِمْ أخاهم شُعَيْبًا، فَنَقُولُ: الأصْلُ في جَمِيعِ المَواضِعِ أنْ يَذْكُرَ القَوْمَ ثُمَّ يَذْكُرَ رَسُولَهم لِأنَّ المُرْسِلَ لا يَبْعَثُ رَسُولًا إلى غَيْرِ مُعَيَّنٍ، وإنَّما يَحْصُلُ قَوْمٌ أوْ شَخْصٌ يَحْتاجُونَ إلى إنْباءٍ مِنَ المُرْسِلِ فَيُرْسِلُ إلَيْهِمْ مَن يَخْتارُهُ، غَيْرَ أنَّ قَوْمَ نُوحٍ وإبْراهِيمَ ولُوطٍ لَمْ يَكُنْ لَهُمُ اسْمٌ خاصٌّ ولا نِسْبَةٌ مَخْصُوصَةٌ يُعْرَفُونَ بِها، فَعُرِفُوا بِالنَّبِيِّ فَقِيلَ: قَوْمُ نُوحٍ وقَوْمُ لُوطٍ، وأمّا قَوْمُ شُعَيْبٍ وهُودٍ وصالِحٍ فَكانَ لَهم نَسَبٌ مَعْلُومٌ اشْتُهِرُوا بِهِ عِنْدَ النّاسِ فَجَرى الكَلامُ عَلى أصْلِهِ وقالَ اللَّهُ: ﴿وإلى مَدْيَنَ أخاهم شُعَيْبًا﴾ وقالَ: ﴿وإلى عادٍ أخاهم هُودًا﴾ (الأعْرافِ: ٦٥ ) . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لَمْ يَذْكُرْ عَنْ لُوطٍ أنَّهُ أمَرَ قَوْمَهُ بِالعِبادَةِ والتَّوْحِيدِ، وذَكَرَ عَنْ شُعَيْبٍ ذَلِكَ ؟ قُلْنا قَدْ ذَكَرْنا أنَّ لُوطًا كانَ لَهُ قَوْمٌ وهو كانَ مِن قَوْمِ إبْراهِيمَ وفي زَمانِهِ، وإبْراهِيمُ سَبَقَهُ بِذَلِكَ واجْتَهَدَ فِيهِ حَتّى اشْتُهِرَ الأمْرُ بِالتَّوْحِيدِ عِنْدَ الخَلْقِ مِن إبْراهِيمَ فَلَمْ يَذْكُرْهُ عَنْ لُوطٍ وإنَّما ذَكَرَ مِنهُ ما اخْتَصَّ بِهِ مِنَ المَنعِ عَنِ الفاحِشَةِ وغَيْرِها، وإنْ كانَ هو أيْضًا يَأْمُرُ بِالتَّوْحِيدِ، إذْ ما مِن رَسُولٍ إلّا ويَكُونُ أكْثَرُ كَلامِهِ في التَّوْحِيدِ، وأمّا شُعَيْبٌ فَكانَ بَعْدَ انْقِراضِ القَوْمِ فَكانَ هو أصْلًا أيْضًا في التَّوْحِيدِ فَبَدَأ بِهِ وقالَ: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ . المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الإيمانُ لا يَتِمُّ إلّا بِالتَّوْحِيدِ، والأمْرُ بِالعِبادَةِ لا يُفِيدُهُ لِأنَّ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ ويَعْبُدُ غَيْرَهُ فَهو مُشْرِكٌ فَكَيْفَ اقْتَصَرَ عَلى قَوْلِهِ: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ ؟ فَنَقُولُ: هَذا الأمْرُ يُفِيدُ التَّوْحِيدَ، وذَلِكَ لِأنَّ مَن يَرى غَيْرَهُ يَخْدُمُ زَيْدًا وعَمْرٌو هُناكَ وهو أكْبَرُ أوْ هو سَيِّدُ زَيْدٍ، فَإذا قالَ لَهُ اخْدِمْ عَمْرًا يَفْهَمُ مِنهُ أنَّهُ يَأْمُرُهُ بِصَرْفِ الخِدْمَةِ إلَيْهِ، وكَذا إذا كانَ لِواحِدٍ دِينارٌ واحِدٌ، وهو يُرِيدُ أنْ يُعْطِيَهُ زَيْدًا، فَإذا قِيلَ لَهُ: أعْطِهِ عَمْرًا يَفْهَمُ مِنهُ لا تُعْطِهِ زَيْدًا، فَنَقُولُ هم كانُوا مُشْتَغِلِينَ بِعِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ، واللَّهُ مالِكُ ذَلِكَ الغَيْرِ فَقالَ لَهم شُعَيْبٌ: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ فَفَهِمُوا مِنهُ تَرْكَ عِبادَةِ غَيْرِهِ، أوْ نَقُولُ لِكُلِّ واحِدٍ نَفْسٌ واحِدَةٌ ويُرِيدُ وضْعَها في عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ فَقالَ لَهم شُعَيْبٌ ضَعُوها في مَوْضِعِها وهو عِبادَةُ اللَّهِ فَفُهِمَ مِنهُ التَّوْحِيدُ، ثُمَّ قالَ: ﴿وارْجُوا اليَوْمَ الآخِرَ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَعْناهُ افْعَلُوا ما تَرْجُونَ بِهِ العاقِبَةَ إذْ قَدْ يَقُولُ القائِلُ لِغَيْرِهِ كُنْ عاقِلًا، ويَكُونُ مَعْناهُ افْعَلْ فِعْلَ مَن يَكُونُ عاقِلًا، وقَوْلُهُ: ﴿وارْجُوا اليَوْمَ الآخِرَ﴾ فِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: هَذا يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ مَذْهَبِنا، فَإنَّ عِنْدَنا مَن عَبَدَ اللَّهَ طُولَ عُمُرِهِ يُثِيبُهُ اللَّهُ تَفَضُّلًا ولا يَجِبُ عَلَيْهِ ذَلِكَ لِأنَّ العابِدَ قَدْ وصَلَ إلَيْهِ مِنَ النِّعَمِ ما لَوْ زادَ عَلى ما أتى بِهِ لَما خَرَجَ عَنْ عُهْدَةِ الشُّكْرِ، ومَن صفحة ٥٨ شَكَرَ المُنْعِمَ عَلى نِعَمٍ سَبَقَتْ لا يَلْزَمُ المُنْعِمُ أنْ يَزِيدَهُ، وإنْ زادَهُ يَكُونُ إحْسانًا مِنهُ إلَيْهِ وإنْعامًا عَلَيْهِ، فَنَقُولُ قَوْلُهُ: ﴿وارْجُوا اليَوْمَ﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ يَدُلُّ عَلى التَّفَضُّلِ لا عَلى الوُجُوبِ فَإنَّ الفَضْلَ يُرْجى، والواجِبُ مِنَ العادِلِ يَقْطَعُ بِهِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ: ﴿وارْجُوا اليَوْمَ الآخِرَ﴾ ولَمْ يَقُلْ وخافُوهُ مَعَ أنَّ ذَلِكَ اليَوْمَ مُخَوِّفٌ عِنْدَ الكُلِّ، وغَيْرُ مَرْجُوٍّ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ النّاسِ لِفِسْقِهِ وفُجُورِهِ ومَحَبَّتِهِ الدُّنْيا ولا يَرْجُوهُ إلّا قَلِيلٌ مِن عِبادِهِ، فَنَقُولُ لَمّا ذَكَرَ التَّوْحِيدَ بِطَرِيقِ الإثْباتِ وقالَ: ﴿اعْبُدُوا﴾ ولَمْ يَذْكُرْهُ بِطَرِيقِ النَّفْيِ وما قالَ: ولا تَعْبُدُوا غَيْرَهُ قالَ بِلَفْظِ الرَّجاءِ لِأنَّ عِبادَةَ اللَّهِ يُرْجى مِنها الخَيْرُ في الدّارَيْنِ، وفِيهِ وجْهٌ آخَرُ وهو أنَّ اللَّهَ حَكى في حِكايَةِ إبْراهِيمَ أنَّهُ قالَ إنَّكُمُ اتَّخَذْتُمُ الأوْثانَ مَوَدَّةَ بَيْنِكم في الحَياةِ الدُّنْيا، وأمّا في الآخِرَةِ فَتَكْفُرُونَ بِها، وقالَ هاهُنا: لا تَكُونُوا كالَّذِينَ سَبَقَ ذِكْرُهم لَمْ يَرْجُوا اليَوْمَ الآخِرَ، فاقْتَصَرُوا عَلى مَوَدَّةِ الحَياةِ الدُّنْيا، وارْجُوا اليَوْمَ الآخِرَ واعْمَلُوا لَهُ، ثُمَّ قالَ: ﴿ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ نُصِبَ مُفْسِدِينَ عَلى المَصْدَرِ كَما يُقالُ قُمْ قائِمًا أيْ: قِيامًا ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ كَقَوْلِ القائِلِ: اجْلِسْ قُعُودًا لِأنَّ العَيْثَ والفَسادَ بِمَعْنًى، وجَمَعَ الأوامِرَ والنَّواهِيَ في قَوْلِهِ: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿ولا تَعْثَوْا﴾ ثُمَّ إنَّ قَوْمَهُ كَذَّبُوهُ بَعْدَما بَلَّغَ وبَيَّنَ، فَحَكى اللَّهُ عَنْهم ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأصْبَحُوا في دارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: ما حُكِيَ عَنْ شُعَيْبٍ أمْرٌ ونَهْيٌ والأمْرُ لا يُصَدَّقُ ولا يُكَذَّبُ، فَإنَّ مَن قالَ لِغَيْرِهِ قُمْ لا يَصِحُّ أنْ يَقُولَ لَهُ: كَذَبْتَ، فَنَقُولُ كانَ شُعَيْبٌ يَقُولُ: اللَّهُ واحِدٌ فاعْبُدُوهُ، والحَشْرُ كائِنٌ فارْجُوهُ، والفَسادُ مُحَرَّمٌ فَلا تَقْرَبُوهُ، وهَذِهِ الأشْياءُ فِيها إخْباراتٌ فَكَذَّبُوهُ فِيما أخْبَرَهم بِهِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ هاهُنا وفي الأعْرافِ: ﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ وقالَ في هُودٍ: ﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ والحِكايَةُ واحِدَةٌ، نَقُولُ لا تَعارُضَ بَيْنَهُما فَإنَّ الصَّيْحَةَ كانَتْ سَبَبًا لِلرَّجْفَةِ، إمّا لِرَجْفَةِ الأرْضِ إذْ قِيلَ: إنَّ جِبْرِيلَ صاحَ فَتَزَلْزَلَتِ الأرْضُ مِن صَيْحَتِهِ، وإمّا لِرَجْفَةِ الأفْئِدَةِ فَإنَّ قُلُوبَهُمُ ارْتَجَفَتْ مِنها، والإضافَةُ إلى السَّبَبِ لا تُنافِي الإضافَةَ إلى سَبَبِ السَّبَبِ، إذْ يَصِحُّ أنْ يُقالَ: رَوِيَ فَقَوِيَ، وأنْ يُقالَ شَرِبَ فَقَوِيَ في صُورَةٍ واحِدَةٍ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: حَيْثُ قالَ: ﴿وأخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ قالَ: ﴿فِي دِيارِهِمْ﴾ وحَيْثُ قالَ: ﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ قالَ: ﴿فِي دارِهِمْ﴾ فَنَقُولُ: المُرادُ مِنَ الدّارِ هو الدَّيّارُ، والإضافَةُ إلى الجَمْعِ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ بِلَفْظِ الجَمْعِ، وأنْ تَكُونَ بِلَفْظِ الواحِدِ إذا أُمِنَ الِالتِباسُ، وإنَّما اخْتَلَفَ اللَّفْظُ لِلَطِيفَةٍ، وهي أنَّ الرَّجْفَةَ هائِلَةٌ في نَفْسِها فَلَمْ يَحْتَجْ إلى مُهَوِّلٍ، وأمّا الصَّيْحَةُ فَغَيْرُ هائِلَةٍ في نَفْسِها لَكِنَّ تِلْكَ الصَّيْحَةَ لَمّا كانَتْ عَظِيمَةً حَتّى أحْدَثَتِ الزَّلْزَلَةَ في الأرْضِ ذَكَرَ الدِّيارَ بِلَفْظِ الجَمْعِ، حَتّى تُعْلَمَ هَيْبَتُها، والرَّجْفَةُ بِمَعْنى الزَّلْزَلَةِ عَظِيمَةٌ عِنْدَ كُلِّ أحَدٍ فَلَمْ يَحْتَجْ إلى مُعَظِّمٍ لِأمْرِها، وقِيلَ إنَّ الصَّيْحَةَ كانَتْ أعَمَّ حَيْثُ عَمَّتِ الأرْضَ والجَوَّ، والزَّلْزَلَةُ لَمْ تَكُنْ إلّا في الأرْضِ فَذَكَرَ الدِّيارَ هُناكَ. غَيْرَ أنَّ هَذا ضَعِيفٌ لِأنَّ الدّارَ والدِّيارَ مَوْضِعُ الجُثُومِ لا مَوْضِعُ الصَّيْحَةِ والرَّجْفَةِ، فَهم ما أصْبَحُوا جاثِمِينَ إلّا في دِيارِهِمْ.

العنكبوت 29:38

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وعادًا وثَمُودَ وقَدْ تَبَيَّنَ لَكم مِن مَساكِنِهِمْ وزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهم فَصَدَّهم عَنِ السَّبِيلِ وكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾ ﴿وقارُونَ وفِرْعَوْنَ وهامانَ ولَقَدْ جاءَهم مُوسى بِالبَيِّناتِ فاسْتَكْبَرُوا في الأرْضِ وما كانُوا سابِقِينَ﴾ * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وعادًا وثَمُودَ﴾ أيْ وأهْلَكْنا عادًا وثَمُودَ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ دَلَّ عَلى الإهْلاكِ ﴿وقَدْ تَبَيَّنَ لَكم مِن مَساكِنِهِمْ﴾ الأمْرُ وما تَعْتَبِرُونَ مِنهُ، ثُمَّ بَيَّنَ سَبَبَ ما جَرى عَلَيْهِمْ فَقالَ: ﴿وزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهم فَصَدَّهم عَنِ السَّبِيلِ﴾ فَقَوْلُهُ: ﴿وزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهُمْ﴾ يَعْنِي: عِبادَتَهم لِغَيْرِ اللَّهِ ﴿فَصَدَّهم عَنِ السَّبِيلِ﴾ يَعْنِي: عِبادَةَ اللَّهِ ﴿وكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾ يَعْنِي بِواسِطَةِ الرُّسُلِ يَعْنِي فَلَمْ يَكُنْ لَهم في ذَلِكَ عُذْرٌ، فَإنَّ الرُّسُلَ أوْضَحُوا السُّبُلَ. ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وقارُونَ وفِرْعَوْنَ وهامانَ﴾ عَطْفًا عَلَيْهِمْ أيْ: وأهْلَكْنا قارُونَ وفِرْعَوْنَ وهامانَ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَقَدْ جاءَهم مُوسى بِالبَيِّناتِ﴾ كَما قالَ في عادٍ وثَمُودَ: ﴿وكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾ أيْ: بِالرُّسُلِ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فاسْتَكْبَرُوا﴾ أيْ: عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ. وقَوْلُهُ: ﴿فِي الأرْضِ﴾ إشارَةٌ إلى ما يُوَضِّحُ قِلَّةَ عَقْلِهِمْ في اسْتِكْبارِهِمْ، وذَلِكَ لِأنَّ مَن في الأرْضِ أضْعَفُ أقْسامِ المُكَلَّفِينَ، ومَن في السَّماءِ أقْواهم، ثُمَّ إنَّ مَن في السَّماءِ لا يَسْتَكْبِرُ عَلى اللَّهِ وعَنْ عِبادَتِهِ، فَكَيْفَ [ يَسْتَكْبِرُ ] مَن في الأرْضِ. ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما كانُوا سابِقِينَ﴾ أيْ: ما كانُوا يَفُوتُونَ اللَّهَ لِأنّا بَيَّنّا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ في الأرْضِ﴾ (العَنْكَبُوتِ: ٢٢ ) أنَّ المُرادَ أنَّ أقْطارَ الأرْضِ في قَبْضَةِ قُدْرَةِ اللَّهِ.

العنكبوت 29:39

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وعادًا وثَمُودَ وقَدْ تَبَيَّنَ لَكم مِن مَساكِنِهِمْ وزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهم فَصَدَّهم عَنِ السَّبِيلِ وكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾ ﴿وقارُونَ وفِرْعَوْنَ وهامانَ ولَقَدْ جاءَهم مُوسى بِالبَيِّناتِ فاسْتَكْبَرُوا في الأرْضِ وما كانُوا سابِقِينَ﴾ * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وعادًا وثَمُودَ﴾ أيْ وأهْلَكْنا عادًا وثَمُودَ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ دَلَّ عَلى الإهْلاكِ ﴿وقَدْ تَبَيَّنَ لَكم مِن مَساكِنِهِمْ﴾ الأمْرُ وما تَعْتَبِرُونَ مِنهُ، ثُمَّ بَيَّنَ سَبَبَ ما جَرى عَلَيْهِمْ فَقالَ: ﴿وزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهم فَصَدَّهم عَنِ السَّبِيلِ﴾ فَقَوْلُهُ: ﴿وزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهُمْ﴾ يَعْنِي: عِبادَتَهم لِغَيْرِ اللَّهِ ﴿فَصَدَّهم عَنِ السَّبِيلِ﴾ يَعْنِي: عِبادَةَ اللَّهِ ﴿وكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾ يَعْنِي بِواسِطَةِ الرُّسُلِ يَعْنِي فَلَمْ يَكُنْ لَهم في ذَلِكَ عُذْرٌ، فَإنَّ الرُّسُلَ أوْضَحُوا السُّبُلَ. ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وقارُونَ وفِرْعَوْنَ وهامانَ﴾ عَطْفًا عَلَيْهِمْ أيْ: وأهْلَكْنا قارُونَ وفِرْعَوْنَ وهامانَ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَقَدْ جاءَهم مُوسى بِالبَيِّناتِ﴾ كَما قالَ في عادٍ وثَمُودَ: ﴿وكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾ أيْ: بِالرُّسُلِ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فاسْتَكْبَرُوا﴾ أيْ: عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ. وقَوْلُهُ: ﴿فِي الأرْضِ﴾ إشارَةٌ إلى ما يُوَضِّحُ قِلَّةَ عَقْلِهِمْ في اسْتِكْبارِهِمْ، وذَلِكَ لِأنَّ مَن في الأرْضِ أضْعَفُ أقْسامِ المُكَلَّفِينَ، ومَن في السَّماءِ أقْواهم، ثُمَّ إنَّ مَن في السَّماءِ لا يَسْتَكْبِرُ عَلى اللَّهِ وعَنْ عِبادَتِهِ، فَكَيْفَ [ يَسْتَكْبِرُ ] مَن في الأرْضِ. ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما كانُوا سابِقِينَ﴾ أيْ: ما كانُوا يَفُوتُونَ اللَّهَ لِأنّا بَيَّنّا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ في الأرْضِ﴾ (العَنْكَبُوتِ: ٢٢ ) أنَّ المُرادَ أنَّ أقْطارَ الأرْضِ في قَبْضَةِ قُدْرَةِ اللَّهِ.

العنكبوت 29:40

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَكُلًّا أخَذْنا بِذَنْبِهِ فَمِنهم مَن أرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِبًا ومِنهم مَن أخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ ومِنهم مَن خَسَفْنا بِهِ الأرْضَ ومِنهم مَن أغْرَقْنا وما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهم ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ ذَكَرَ اللَّهُ أرْبَعَةَ أشْياءَ: العَذابُ بِالحاصِبِ، وقِيلَ إنَّهُ كانَ بِحِجارَةٍ مُحْماةٍ يَقَعُ عَلى واحِدٍ مِنهم ويَنْفُذُ مِنَ الجانِبِ الآخَرِ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى النّارِ، والعَذابُ بِالصَّيْحَةِ وهو هَواءٌ مُتَمَوِّجٌ، فَإنَّ الصَّوْتَ قِيلَ سَبَبُهُ تَمَوُّجُ الهَواءِ صفحة ٦٠ ووُصُولُهُ إلى الغِشاءِ الَّذِي عَلى مَنفَذِ الأُذُنِ وهو الصِّماخُ فَيَقْرَعُهُ فَيُحِسُّ، والعَذابُ بِالخَسْفِ وهو الغَمْرُ في التُّرابِ، والعَذابُ بِالإغْراقِ وهو بِالماءِ، فَحَصَلَ العَذابُ بِالعَناصِرِ الأرْبَعَةِ والإنْسانُ مُرَكَّبٌ مِنها وبِها قِوامُهُ وبِسَبَبِها بَقاؤُهُ ودَوامُهُ، فَإذا أرادَ اللَّهُ هَلاكَ الإنْسانِ جَعَلَ ما مِنهُ وجُودُهُ سَبَبًا لِعَدَمِهِ، وما بِهِ بَقاؤُهُ سَبَبًا لِفَنائِهِ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهم ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ يَعْنِي لَمْ يَظْلِمْهم بِالهَلاكِ، وإنَّما هم ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِالإشْراكِ وفِيهِ وجْهٌ آخَرُ ألْطَفُ وهو أنَّ اللَّهَ ما كانَ يَظْلِمُهم أيْ ما كانَ يَضَعُهم في غَيْرِ مَوْضِعِهِمْ فَإنَّ مَوْضِعَهُمُ الكَرامَةُ كَما قالَ تَعالى: ﴿ولَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ﴾ (الإسْراءِ: ٧٠ ) لَكِنَّهم ظَلَمُوا أنْفُسَهم حَيْثُ وضَعُوها مَعَ شَرَفِهِمْ في عِبادَةِ الوَثَنِ مَعَ خِسَّتِهِ.

العنكبوت 29:41

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أوْلِياءَ كَمَثَلِ العَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا﴾ لَمّا بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ أهْلَكَ مَن أشْرَكَ عاجِلًا وعَذَّبَ مَن كَذَّبَ آجِلًا، ولَمْ يَنْفَعْهُ في الدّارَيْنِ مَعْبُودُهُ ولَمْ يَدْفَعْ ذَلِكَ عَنْهُ رُكُوعُهُ وسُجُودُهُ، مَثَّلَ اتِّخاذَهُ ذَلِكَ مَعْبُودًا بِاتِّخاذِ العَنْكَبُوتِ بَيْتًا لا يُجِيرُ آوِيًا ولا يُرِيحُ ثاوِيًا، وفي الآيَةِ لَطائِفُ نَذْكُرُها في مَسائِلَ: المَسْألَةُ الأُولى: ما الحِكْمَةُ في اخْتِيارِ هَذا المَثَلِ مِن بَيْنِ سائِرِ الأمْثالِ ؟ فَنَقُولُ فِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ البَيْتَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ لَهُ أُمُورٌ: حائِطٌ حائِلٌ، وسَقْفٌ مُظِلٌّ، وبابٌ يُغْلَقُ، وأُمُورٌ يُنْتَفَعُ بِها ويُرْتَفَقُ، وإنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَلا بُدَّ مِن أحَدِ أمْرَيْنِ. إمّا حائِطٌ حائِلٌ يَمْنَعُ مِنَ البَرْدِ وإمّا سَقْفٌ مُظِلٌّ يَدْفَعُ عَنْهُ الحَرَّ، فَإنْ لَمْ يَحْصُلْ مِنهُما شَيْءٌ فَهو كالبَيْداءِ لَيْسَ بِبَيْتٍ لَكِنَّ بَيْتَ العَنْكَبُوتِ لا يُجِنُّها ولا يُكِنُّها وكَذَلِكَ المَعْبُودُ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ مِنهُ الخَلْقُ والرِّزْقُ وجَرُّ المَنافِعِ وبِهِ دَفْعُ المَضارِّ، فَإنْ لَمْ تَجْتَمِعْ هَذِهِ الأُمُورُ فَلا أقَلَّ مِن دَفْعِ ضُرٍّ أوْ جَرِّ نَفْعٍ، فَإنَّ مَن لا يَكُونُ كَذَلِكَ فَهو والمَعْدُومُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ سَواءٌ، فَإذَنْ كَما لَمْ يَحْصُلْ لِلْعَنْكَبُوتِ بِاتِّخاذِ ذَلِكَ البَيْتِ مِن مَعانِي البَيْتِ شَيْءٌ، كَذَلِكَ الكافِرُ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ بِاتِّخاذِ الأوْثانِ أوْلِياءَ مِن مَعانِي الأوْلِياءِ شَيْءٌ. الثّانِي: هو أنَّ أقَلَّ دَرَجاتِ البَيْتِ أنْ يَكُونَ لِلظِّلِّ فَإنَّ البَيْتَ مِنَ الحَجَرِ يُفِيدُ الِاسْتِظْلالَ ويَدْفَعُ أيْضًا الهَواءَ والماءَ والنّارَ والتُّرابَ، والبَيْتُ مِنَ الخَشَبِ يُفِيدُ الِاسْتِظْلالَ ويَدْفَعُ الحَرَّ والبَرْدَ ولا يَدْفَعُ الهَواءَ القَوِيَّ ولا الماءَ ولا النّارَ، والخِباءُ الَّذِي هو بَيْتٌ مِنَ الشَّعْرِ، أوِ الخَيْمَةُ الَّتِي هي مِن ثَوْبٍ إنْ كانَ لا يَدْفَعُ شَيْئًا يُظِلُّ ويَدْفَعُ حَرَّ الشَّمْسِ، لَكِنَّ بَيْتَ العَنْكَبُوتِ لا يُظِلُّ فَإنَّ الشَّمْسَ بِشُعاعِها تَنْفُذُ فِيهِ، فَكَذَلِكَ المَعْبُودُ أعْلى دَرَجاتِهِ أنْ يَكُونَ نافِذَ الأمْرِ في الغَيْرِ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَيَكُونُ نافِذَ الأمْرِ في العابِدِ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ فَلا أقَلَّ مِن أنْ لا يَنْفُذَ أمْرُ العابِدِ فِيهِ لَكِنَّ مَعْبُودَهم تَحْتَ تَسْخِيرِهِمْ إنْ أرادُوا أجَلُّوهُ وإنْ أحَبُّوا أذَلُّوهُ. الثّالِثُ: أدْنى مَراتِبِ البَيْتِ أنَّهُ إنْ لَمْ يَكُنْ سَبَبَ ثَباتٍ وارْتِفاقٍ لا يَصِيرُ سَبَبَ شَتاتٍ وافْتِراقٍ، لَكِنَّ بَيْتَ العَنْكَبُوتِ يَصِيرُ سَبَبَ انْزِعاجِ العَنْكَبُوتِ، فَإنَّ العَنْكَبُوتَ لَوْ دامَ في زاوِيَةٍ مُدَّةً لا يَقْصِدُ ولا يَخْرُجُ مِنها، فَإذا نَسَجَ عَلى نَفْسِهِ واتَّخَذَ بَيْتًا يَتْبَعُهُ صاحِبُ المِلْكِ بِتَنْظِيفِ البَيْتِ مِنهُ والمَسْحِ بِالمُسُوحِ الخَشِنَةِ المُؤْذِيَةِ لِجِسْمِ العَنْكَبُوتِ، فَكَذَلِكَ العابِدُ بِسَبَبِ العِبادَةِ يَنْبَغِي أنْ يَسْتَحِقَّ الثَّوابَ، فَإنْ لَمْ يَسْتَحِقَّهُ فَلا أقَلَّ مِن أنْ لا يَسْتَحِقَّ بِسَبَبِها العَذابَ، والكافِرُ يَسْتَحِقُّ بِسَبَبِ العِبادَةِ العَذابَ. صفحة ٦١ المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: مَثَّلَ اللَّهُ اتِّخاذَهُمُ الأوْثانَ أوْلِياءَ بِاتِّخاذِ العَنْكَبُوتِ نَسْجَهُ بَيْتًا ولَمْ يُمَثِّلْهُ بِنَسْجِهِ وذَلِكَ لِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ نَسْجَهُ فِيهِ فائِدَةٌ لَهُ لَوْلاهُ لَما حَصَلَ وهو اصْطِيادُها الذُّبابَ بِهِ مِن غَيْرِ أنْ يَفُوتَهُ ما هو أعْظَمُ مِنهُ، واتِّخاذُهُمُ الأوْثانَ وإنْ كانَ يُفِيدُهم ما هو أقَلُّ مِنَ الذُّبابِ مِن مَتاعِ الدُّنْيا، لَكِنْ يَفُوتُهم ما هو أعْظَمُ مِنها وهو الدّارُ الآخِرَةُ الَّتِي هي خَيْرٌ وأبْقى فَلَيْسَ اتِّخاذُهم كَنَسْجِ العَنْكَبُوتِ. الوَجْهُ الثّانِي: هو أنَّ نَسْجَهُ مُفِيدٌ لَكِنَّ اتِّخاذَها ذَلِكَ بَيْتًا أمْرٌ باطِلٌ فَكَذَلِكَ هم لَوِ اتَّخَذُوا الأوْثانَ دَلائِلَ عَلى وُجُودِ اللَّهِ وصِفاتِ كَمالِهِ، وبَراهِينَ عَلى نُعُوتِ إكْرامِهِ وأوْصافِ جَلالِهِ لَكانَ حِكْمَةً، لَكِنَّهُمُ اتَّخَذُوها أوْلِياءَ كَجَعْلِ العَنْكَبُوتِ النَّسْجَ بَيْتًا وكِلاهُما باطِلٌ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: كَما أنَّ هَذا المَثَلَ صُحِّحَ في الأوَّلِ فَهو صَحِيحٌ في الآخِرِ، فَإنَّ بَيْتَ العَنْكَبُوتِ إذا هَبَّتْ رِيحٌ لا يُرى مِنهُ عَيْنٌ ولا أثَرٌ بَلْ يَصِيرُ هَباءً مَنثُورًا، فَكَذَلِكَ أعْمالُهم لِلْأوْثانِ كَما قالَ تَعالى: ﴿وقَدِمْنا إلى ما عَمِلُوا مِن عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنثُورًا﴾ (الفُرْقانِ: ٢٣ ) . المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أوْلِياءَ﴾ ولَمْ يَقُلْ: (آلِهَةً) إشارَةً إلى إبْطالِ الشِّرْكِ الخَفِيِّ أيْضًا، فَإنَّ مَن عَبَدَ اللَّهَ رِياءً لِغَيْرِهِ فَقَدِ اتَّخَذَ ولِيًّا غَيْرَهُ فَمَثَلُهُ مَثَلُ العَنْكَبُوتِ يَتَّخِذُ نَسْجَهُ بَيْتًا.

العنكبوت 29:42

ثُمَّ إنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿وإنَّ أوْهَنَ البُيُوتِ لَبَيْتُ العَنْكَبُوتِ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ . إشارَةً إلى ما بَيَّنّا أنَّ كُلَّ بَيْتٍ فَفِيهِ إمّا فائِدَةُ الِاسْتِظْلالِ أوْ غَيْرُ ذَلِكَ، وبَيْتُهُ يَضْعُفُ عَنْ إفادَةِ ذَلِكَ لِأنَّهُ يُخَرَّبُ بِأدْنى شَيْءٍ ولا يَبْقى مِنهُ عَيْنٌ ولا أثَرٌ فَكَذَلِكَ عَمَلُهم ﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ . * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يَدْعُونَ مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هَذا زِيادَةُ تَوْكِيدٍ عَلى التَّمْثِيلِ حَيْثُ إنَّهم لا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ، بِمَعْنى ما يَدْعُونَ لَيْسَ بِشَيْءٍ، وهو عَزِيزٌ حَكِيمٌ فَكَيْفَ يَجُوزُ لِلْعاقِلِ أنْ يَتْرُكَ القادِرَ الحَكِيمَ ويَشْتَغِلَ بِعِبادَةِ ما لَيْسَ بِشَيْءٍ أصْلًا، وهَذا يُفْهَمُ مِنهُ أنَّهُ جَعَلَ ما نافِيَةً، وهو صَحِيحٌ، والعِلْمُ يَتَعَلَّقُ بِالجُمْلَةِ كَما يَقُولُ القائِلُ: إنِّي أعْلَمُ أنَّ اللَّهَ واحِدٌ حَقٌّ، يَعْنِي أعْلَمُ هَذِهِ الجُمْلَةَ، وإنْ كُنّا نَجْعَلُ ما خَبَرِيَّةً فَيَكُونُ مَعْناهُ ما يَدْعُونَ مِن شَيْءٍ فاللَّهُ يَعْلَمُهُ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ قادِرٌ عَلى إعْدامِهِ وإهْلاكِهِمْ، لَكِنَّهُ حَكِيمٌ يُمْهِلُهم لِيَكُونَ الهَلاكُ عَنْ بَيِّنَةٍ والحَياةُ عَنْ بَيِّنَةٍ، ومِن هَهُنا يَكُونُ الخِطابُ مَعَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ -ﷺ- وعَلى هَذا لَوْ قالَ قائِلٌ ما وجْهُ تَعَلُّقِ هَذِهِ الآيَةِ بِالتَّمْثِيلِ السّابِقِ ؟ فَنَقُولُ لَمّا قالَ: إنَّ مَثَلَهم كَمَثَلِ العَنْكَبُوتِ، فَكانَ لِلْكافِرِ أنْ يَقُولَ أنا لا أعْبُدُ هَذِهِ الأوْثانَ الَّتِي أتَّخِذُها وهي تَحْتَ تَسْخِيرِي، وإنَّما هي صُورَةُ كَوْكَبٍ أنا تَحْتَ تَسْخِيرِهِ، ومِنهُ نَفْعِي وضُرِّي وخَيْرِي وشَرِّي ووُجُودِي ودَوامِي فَلَهُ سُجُودِي وإعْظامِي، فَقالَ اللَّهُ تَعالى: اللَّهُ يَعْلَمُ أنَّ كُلَّ ما يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ هو مِثْلُ بَيْتِ العَنْكَبُوتِ لِأنَّ الكَوْكَبَ والمَلَكَ وكُلَّ ما عَدا اللَّهَ لا يَنْفَعُ ولا يَضُرُّ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ فَعِبادَتُكم لِلْغائِبِ كَعِبادَتِكم لِلْحاضِرِ ولا مَعْبُودَ صفحة ٦٢ إلّا اللَّهُ ولا إلَهَ سِواهُ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وتِلْكَ الأمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ﴾ قالَ الكافِرُونَ كَيْفَ يَضْرِبُ خالِقُ الأرْضِ والسَّماواتِ الأمْثالَ بِالهَوامِّ والحَشَراتِ كالبَعُوضِ والذُّبابِ والعَنْكَبُوتِ ؟ فَيُقالُ الأمْثالُ تُضْرَبُ لِلنّاسِ إنْ لَمْ تَكُونُوا كالأنْعامِ يَحْصُلْ لَكم مِنهُ إدْراكُ ما يُوجِبُ نَفْرَتَكم مِمّا أنْتُمْ فِيهِ وذَلِكَ لِأنَّ التَّشْبِيهَ يُؤَثِّرُ في النَّفْسِ تَأْثِيرًا مِثْلَ تَأْثِيرِ الدَّلِيلِ، فَإذا قالَ الحَكِيمُ لِمَن يَغْتابُ إنَّكَ بِالغِيبَةِ كَأنَّكَ تَأْكُلُ لَحْمَ مَيِّتٍ لِأنَّكَ وقَعْتَ في هَذا الرَّجُلِ وهو غائِبٌ لا يَفْهَمُ ما تَقُولُ ولا يَسْمَعُ حَتّى يُجِيبَ كَمَن يَقَعُ في مَيِّتٍ يَأْكُلُ مِنهُ وهو لا يَعْلَمُ ما يَفْعَلُهُ ولا يَقْدِرُ عَلى دَفْعِهِ إنْ كانَ يَعْلَمُهُ فَيَنْفِرُ طَبْعُهُ مِنهُ كَما يَنْفِرُ إذا قالَ لَهُ إنَّهُ يُوجِبُ العَذابَ ويُورِثُ العِقابَ.

العنكبوت 29:43

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما يَعْقِلُها إلّا العالِمُونَ﴾ . يَعْنِي: حَقِيقَتَها. وكَوْنُ الأمْرِ كَذَلِكَ لا يَعْلَمُهُ إلّا مَن حَصَلَ لَهُ العِلْمُ بِبُطْلانِ ما سِوى اللَّهِ، وفَسادِ عِبادَةِ ما عَداهُ، وفِيهِ مَعْنًى حُكْمِيٌّ وهو أنَّ العِلْمَ الحَدْسِيَّ يَعْلَمُهُ العاقِلُ والعِلْمَ الفِكْرِيَّ الدَّقِيقَ يَعْقِلُهُ العالِمُ، وذَلِكَ لِأنَّ العاقِلَ إذا عَرَضَ عَلَيْهِ أمْرٌ ظاهِرٌ أدْرَكَهُ كَما هو بِكُنْهِهِ لِكَوْنِ المُدْرَكِ ظاهِرًا وكَوْنِ المُدْرَكِ عاقِلًا، ولا يَحْتاجُ إلى كَوْنِهِ عالِمًا بِأشْياءَ قَبْلَهُ، وأمّا الدَّقِيقُ فَيَحْتاجُ إلى عِلْمٍ سابِقٍ فَلا بُدَّ مِن عالِمٍ، ثُمَّ إنَّهُ قَدْ يَكُونُ دَقِيقًا في غايَةِ الدِّقَّةِ فَيُدْرِكُهُ ولا يُدْرِكُهُ بِتَمامِهِ ويَعْقِلُهُ إذا كانَ عالِمًا. إذا عُلِمَ هَذا فَقَوْلُهُ: ﴿وما يَعْقِلُها إلّا العالِمُونَ﴾ يَعْنِي هو ضَرَبَ لِلنّاسِ أمْثالًا، وحَقِيقَتُها وما فِيها مِنَ الفَوائِدِ بِأسْرِها فَلا يُدْرِكُها إلّا العُلَماءُ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ الخَلْقَ بِالإيمانِ وأظْهَرَ الحَقَّ بِالبُرْهانِ ولَمْ يَأْتِ الكُفّارُ بِما أمَرَهم بِهِ وقَصَّ عَلَيْهِمْ قَصَصًا فِيها عِبَرٌ، وأنْذَرَهم عَلى كُفْرِهِمْ بِإهْلاكِ مَن غَبَرَ، وبَيَّنَ ضَعْفَ دَلِيلِهِمْ بِالتَّمْثِيلِ، ولَمْ يَهْتَدُوا بِذَلِكَ إلى سَواءِ السَّبِيلِ، وحَصَلَ يَأْسُ النّاسِ عَنْهم سَلّى المُؤْمِنِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ يَعْنِي: إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا هم لا يُورِثُ كُفْرُهم شَكًّا في صِحَّةِ دِينِكم، ولا يُؤَثِّرُ شَكُّهم في قُوَّةِ يَقِينِكم، فَإنَّ خَلْقَ اللَّهِ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ لِلْمُؤْمِنِينَ بَيانٌ ظاهِرٌ، وبُرْهانٌ باهِرٌ، وإنْ لَمْ يُؤْمِن بِهِ عَلى وجْهِ الأرْضِ كافِرٌ، وفي الآيَةِ مَسْألَةٌ يَتَبَيَّنُ بِها تَفْسِيرُ الآيَةِ، وهي أنَّ اللَّهَ تَعالى كَيْفَ خَصَّ الآيَةَ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ بِالمُؤْمِنِينَ مَعَ أنَّ في خَلْقِهِما آيَةً لِكُلِّ عاقِلٍ كَما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ (لُقْمانَ: ٢٥ ) وقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ إلى أنْ قالَ ﴿لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (البَقَرَةِ: ١٦٤ ) فَنَقُولُ خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ آيَةٌ لِكُلِّ عاقِلٍ، وخَلْقُهُما بِالحَقِّ آيَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ فَحَسْبُ، وبَيانُهُ مِن حَيْثُ النَّقْلِ والعَقْلِ، أمّا النَّقْلُ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما خَلَقْناهُما إلّا بِالحَقِّ ولَكِنَّ﴾ صفحة ٦٣ ﴿أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [الدُّخانِ: ٣٩] أخْرَجَ أكْثَرَ النّاسِ عَنِ العِلْمِ بِكَوْنِ خَلْقِهِما بِالحَقِّ مَعَ أنَّهُ أثْبَتَ عِلْمَ الكُلِّ بِأنَّهُ خَلَقَهُما حَيْثُ قالَ: ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ وأمّا العَقْلُ فَهو أنَّ العاقِلَ أوَّلَ ما يَنْظُرُ إلى خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ ويَعْلَمُ أنَّ لَهُما خالِقًا وهو اللَّهُ ثُمَّ مَن يَهْدِيهِ اللَّهُ لا يَقْطَعُ النَّظَرَ عَنْهُما عِنْدَ مُجَرَّدِ ذَلِكَ، بَلْ يَقُولُ إنَّهُ خَلَقَهُما مُتْقِنًا مُحْكِمًا وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ ﴿بِالحَقِّ﴾، لِأنَّ ما لا يَكُونُ عَلى وجْهِ الإحْكامِ يَفْسُدُ ويَبْطُلُ فَيَكُونُ باطِلًا، وإذا عَلِمَ أنَّهُ خَلَقَهُما مُتْقِنًا يَقُولُ إنَّهُ قادِرٌ كامِلٌ حَيْثُ خَلَقَ، وعالِمٌ عِلْمُهُ شامِلٌ حَيْثُ أتْقَنَ فَيَقُولُ لا يَعْزُبُ عَنْ عِلْمِهِ أجْزاءُ المَوْجُوداتِ في الأرْضِ ولا في السَّماواتِ ولا يَعْجِزُ عَنْ جَمْعِها كَما جَمَعَ أجْزاءَ الكائِناتِ والمُبْدَعاتِ، فَيُجَوِّزُ بَعْثَ مَن في القُبُورِ وبِعْثَةَ الرَّسُولِ، ويَعْلَمُ وحْدانِيَّةَ اللَّهِ لِأنَّهُ لَوْ كانَ أكْثَرَ مِن واحِدٍ لَفَسَدَتا ولَبَطَلَتا وهُما بِالحَقِّ مَوْجُودانِ فَيَحْصُلُ لَهُ الإيمانُ بِتَمامِهِ، مِن خَلْقِ ما خَلَقَهُ عَلى أحْسَنِ نِظامِهِ

العنكبوت 29:44

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما يَعْقِلُها إلّا العالِمُونَ﴾ . يَعْنِي: حَقِيقَتَها. وكَوْنُ الأمْرِ كَذَلِكَ لا يَعْلَمُهُ إلّا مَن حَصَلَ لَهُ العِلْمُ بِبُطْلانِ ما سِوى اللَّهِ، وفَسادِ عِبادَةِ ما عَداهُ، وفِيهِ مَعْنًى حُكْمِيٌّ وهو أنَّ العِلْمَ الحَدْسِيَّ يَعْلَمُهُ العاقِلُ والعِلْمَ الفِكْرِيَّ الدَّقِيقَ يَعْقِلُهُ العالِمُ، وذَلِكَ لِأنَّ العاقِلَ إذا عَرَضَ عَلَيْهِ أمْرٌ ظاهِرٌ أدْرَكَهُ كَما هو بِكُنْهِهِ لِكَوْنِ المُدْرَكِ ظاهِرًا وكَوْنِ المُدْرَكِ عاقِلًا، ولا يَحْتاجُ إلى كَوْنِهِ عالِمًا بِأشْياءَ قَبْلَهُ، وأمّا الدَّقِيقُ فَيَحْتاجُ إلى عِلْمٍ سابِقٍ فَلا بُدَّ مِن عالِمٍ، ثُمَّ إنَّهُ قَدْ يَكُونُ دَقِيقًا في غايَةِ الدِّقَّةِ فَيُدْرِكُهُ ولا يُدْرِكُهُ بِتَمامِهِ ويَعْقِلُهُ إذا كانَ عالِمًا. إذا عُلِمَ هَذا فَقَوْلُهُ: ﴿وما يَعْقِلُها إلّا العالِمُونَ﴾ يَعْنِي هو ضَرَبَ لِلنّاسِ أمْثالًا، وحَقِيقَتُها وما فِيها مِنَ الفَوائِدِ بِأسْرِها فَلا يُدْرِكُها إلّا العُلَماءُ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ الخَلْقَ بِالإيمانِ وأظْهَرَ الحَقَّ بِالبُرْهانِ ولَمْ يَأْتِ الكُفّارُ بِما أمَرَهم بِهِ وقَصَّ عَلَيْهِمْ قَصَصًا فِيها عِبَرٌ، وأنْذَرَهم عَلى كُفْرِهِمْ بِإهْلاكِ مَن غَبَرَ، وبَيَّنَ ضَعْفَ دَلِيلِهِمْ بِالتَّمْثِيلِ، ولَمْ يَهْتَدُوا بِذَلِكَ إلى سَواءِ السَّبِيلِ، وحَصَلَ يَأْسُ النّاسِ عَنْهم سَلّى المُؤْمِنِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ يَعْنِي: إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا هم لا يُورِثُ كُفْرُهم شَكًّا في صِحَّةِ دِينِكم، ولا يُؤَثِّرُ شَكُّهم في قُوَّةِ يَقِينِكم، فَإنَّ خَلْقَ اللَّهِ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ لِلْمُؤْمِنِينَ بَيانٌ ظاهِرٌ، وبُرْهانٌ باهِرٌ، وإنْ لَمْ يُؤْمِن بِهِ عَلى وجْهِ الأرْضِ كافِرٌ، وفي الآيَةِ مَسْألَةٌ يَتَبَيَّنُ بِها تَفْسِيرُ الآيَةِ، وهي أنَّ اللَّهَ تَعالى كَيْفَ خَصَّ الآيَةَ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ بِالمُؤْمِنِينَ مَعَ أنَّ في خَلْقِهِما آيَةً لِكُلِّ عاقِلٍ كَما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ (لُقْمانَ: ٢٥ ) وقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ إلى أنْ قالَ ﴿لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (البَقَرَةِ: ١٦٤ ) فَنَقُولُ خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ آيَةٌ لِكُلِّ عاقِلٍ، وخَلْقُهُما بِالحَقِّ آيَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ فَحَسْبُ، وبَيانُهُ مِن حَيْثُ النَّقْلِ والعَقْلِ، أمّا النَّقْلُ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما خَلَقْناهُما إلّا بِالحَقِّ ولَكِنَّ﴾ صفحة ٦٣ ﴿أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [الدُّخانِ: ٣٩] أخْرَجَ أكْثَرَ النّاسِ عَنِ العِلْمِ بِكَوْنِ خَلْقِهِما بِالحَقِّ مَعَ أنَّهُ أثْبَتَ عِلْمَ الكُلِّ بِأنَّهُ خَلَقَهُما حَيْثُ قالَ: ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ وأمّا العَقْلُ فَهو أنَّ العاقِلَ أوَّلَ ما يَنْظُرُ إلى خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ ويَعْلَمُ أنَّ لَهُما خالِقًا وهو اللَّهُ ثُمَّ مَن يَهْدِيهِ اللَّهُ لا يَقْطَعُ النَّظَرَ عَنْهُما عِنْدَ مُجَرَّدِ ذَلِكَ، بَلْ يَقُولُ إنَّهُ خَلَقَهُما مُتْقِنًا مُحْكِمًا وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ ﴿بِالحَقِّ﴾، لِأنَّ ما لا يَكُونُ عَلى وجْهِ الإحْكامِ يَفْسُدُ ويَبْطُلُ فَيَكُونُ باطِلًا، وإذا عَلِمَ أنَّهُ خَلَقَهُما مُتْقِنًا يَقُولُ إنَّهُ قادِرٌ كامِلٌ حَيْثُ خَلَقَ، وعالِمٌ عِلْمُهُ شامِلٌ حَيْثُ أتْقَنَ فَيَقُولُ لا يَعْزُبُ عَنْ عِلْمِهِ أجْزاءُ المَوْجُوداتِ في الأرْضِ ولا في السَّماواتِ ولا يَعْجِزُ عَنْ جَمْعِها كَما جَمَعَ أجْزاءَ الكائِناتِ والمُبْدَعاتِ، فَيُجَوِّزُ بَعْثَ مَن في القُبُورِ وبِعْثَةَ الرَّسُولِ، ويَعْلَمُ وحْدانِيَّةَ اللَّهِ لِأنَّهُ لَوْ كانَ أكْثَرَ مِن واحِدٍ لَفَسَدَتا ولَبَطَلَتا وهُما بِالحَقِّ مَوْجُودانِ فَيَحْصُلُ لَهُ الإيمانُ بِتَمامِهِ، مِن خَلْقِ ما خَلَقَهُ عَلى أحْسَنِ نِظامِهِ

العنكبوت 29:45

ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا سَلّى المُؤْمِنِينَ بِهَذِهِ الآيَةِ سَلّى رَسُولَهُ: ﴿اتْلُ ما أُوحِيَ إلَيْكَ مِنَ الكِتابِ وأقِمِ الصَّلاةَ إنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ﴾ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اتْلُ ما أُوحِيَ إلَيْكَ مِنَ الكِتابِ وأقِمِ الصَّلاةَ إنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ﴾ يَعْنِي إنْ كُنْتَ تَأْسَفُ عَلى كُفْرِهِمْ فاتْلُ ما أُوحِيَ إلَيْكَ لِتَعْلَمَ أنَّ نُوحًا ولُوطًا وغَيْرَهُما كانُوا عَلى ما أنْتَ عَلَيْهِ بَلَّغُوا الرِّسالَةَ وبالَغُوا في إقامَةِ الدَّلالَةِ ولَمْ يُنْقِذُوا قَوْمَهم مِنَ الضَّلالَةِ والجَهالَةِ ولِهَذا قالَ: ﴿اتْلُ﴾ وما قالَ عَلَيْهِمْ، لِأنَّ التِّلاوَةَ ما كانَتْ بَعْدَ اليَأْسِ مِنهم إلّا لِتَسْلِيَةِ قَلْبِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى:إنَّ الرَّسُولَ إذا كانَ مَعَهُ كِتابٌ وقَرَأ كِتابَهُ مَرَّةً ولَمْ يُسْمَعْ لَمْ يَبْقَ لَهُ فائِدَةٌ في قِراءَتِهِ لِنَفْسِهِ فَنَقُولُ الكِتابُ المُنَزَّلُ مَعَ النَّبِيِّ المُرْسَلِ لَيْسَ كَذَلِكَ، فَإنَّ الكُتُبَ المُسَيَّرَةَ مَعَ الرُّسُلِ عَلى قِسْمَيْنِ: قِسْمٌ يَكُونُ فِيهِ سَلامٌ وكَلامٌ، مَعَ واحِدٍ يَحْصُلُ بِقِراءَتِهِ مَرَّةً تَمامُ المَرامِ، وقِسْمٌ يَكُونُ فِيهِ قانُونٌ كُلِّيٌّ تَحْتاجُ إلَيْهِ الرَّعِيَّةُ في جَمِيعِ الأوْقاتِ كَما إذا كَتَبَ المَلِكُ كِتابًا فِيهِ إنّا رَفَعْنا عَنْكُمُ البِدْعَةَ الفُلانِيَّةَ ووَضَعْنا فِيكُمُ السُّنَّةَ الفُلانِيَّةَ وبَعَثْنا إلَيْكم هَذا الكِتابَ فِيهِ جَمِيعُ ذَلِكَ فَلْيَكُنْ ذَلِكَ كَمِنوالٍ يَنْسِجُ عَلَيْهِ والٍ بَعْدَ والٍ، فَمِثْلُ هَذا الكِتابِ لا يُقْرَأُ ويُتْرَكُ، بَلْ يُعَلَّقُ مِن مَكانٍ عالٍ، وكَثِيرًا ما تُكْتَبُ نُسْخَتُهُ عَلى لَوْحٍ ويُثَبَّتُ فَوْقَ المَحارِيبِ، ويَكُونُ نَصْبَ الأعْيُنِ، فَكَذَلِكَ كِتابُ اللَّهِ مَعَ رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ قانُونٌ كُلِّيٌّ فِيهِ شِفاءٌ لِلْعالَمِينَ فَوَجَبَ تِلاوَتُهُ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ لِيَبْلُغَ إلى حَدِّ التَّواتُرِ، ويَنْقُلَهُ قَرْنٌ إلى قَرْنٍ ويَأْخُذَهُ قَوْمٌ مِن قَوْمٍ ويَثْبُتَ في الصُّدُورِ عَلى مُرُورِ الدُّهُورِ. الوَجْهُ الثّانِي: هو أنَّ الكُتُبَ عَلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ: كِتابٌ لا تَكْرَهُ قِراءَتَهُ إلّا لِلْغَيْرِ كالقَصَصِ فَإنَّ مَن قَرَأ حِكايَةً مَرَّةً لا يَقْرَؤُها مَرَّةً أُخْرى إلّا لِغَيْرِهِ، ثُمَّ إذا سَمِعَهُ ذَلِكَ الغَيْرُ لا يَقْرَؤُها إلّا لِآخَرَ لَمْ يَسْمَعْهُ ولَوْ قَرَأهُ عَلَيْهِ لَسَئِمُوهُ، وكِتابٌ لا يُكَرَّرُ عَلَيْهِ إلّا لِلنَّفْسِ كالنَّحْوِ والفِقْهِ وغَيْرِهِما، وكِتابٌ يُتْلى مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ لِلنَّفْسِ ولِلْغَيْرِ كالمَواعِظِ الحَسَنَةِ فَإنَّها تُكَرَّرُ لِلْغَيْرِ وكُلَّما سَمِعَها يَلْتَذُّ بِها ويَرِقُّ لَها قَلْبُهُ ويَسْتَعِيدُها وكُلَّما تَدْخُلُ السَّمْعَ يَخْرُجُ الوَسْواسُ مَعَ الدَّمْعِ، وتُكَرَّرُ أيْضًا لِنَفْسِ المُتَكَلِّمِ فَإنَّ كَثِيرًا ما يَلْتَذُّ المُتَكَلِّمُ بِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ وكُلَّما يُعِيدُها يَكُونُ أطْيَبَ وألَذَّ وأثْبَتَ في القَلْبِ وأنْفَذَ حَتّى يَكادُ يَبْكِي مِن رِقَّتِهِ دَمًا ولَوْ أوْرَثَهُ البُكاءُ عَمًى، إذا عُلِمَ هَذا فالقُرْآنُ مِنَ القَبِيلِ الثّالِثِ مَعَ أنَّ فِيهِ القَصَصَ والفِقْهَ والنَّحْوَ فَكانَ في تِلاوَتِهِ في كُلِّ زَمانٍ فائِدَةٌ. صفحة ٦٤ المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لِمَ خَصَّصَ بِالأمْرِ هَذَيْنِ الشَّيْئَيْنِ: تِلاوَةَ الكِتابِ وإقامَةَ الصَّلاةِ ؟ فَنَقُولُ لِوَجْهَيْنِ. أحَدُهُما: أنَّ اللَّهَ لَمّا أرادَ تَسْلِيَةَ قَلْبِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ لَهُ: الرَّسُولُ واسِطَةٌ بَيْنَ طَرَفَيْنِ مِنَ اللَّهِ إلى الخَلْقِ، فَإذا لَمْ يَتَّصِلْ بِهِ الطَّرَفُ الواحِدُ ولَمْ يَقْبَلُوهُ فالطَّرَفُ الآخَرُ مُتَّصِلٌ، ألا تَرى أنَّ الرَّسُولَ إذا لَمْ تُقْبَلْ رِسالَتُهُ تَوَجَّهَ نَحْوَ مُرْسِلِهِ، فَإذا تَلَوْتَ كِتابَكَ ولَمْ يَقْبَلُوكَ فَوَجِّهْ وجْهَكَ إلَيَّ وأقِمِ الصَّلاةَ لِوَجْهِي. الوَجْهُ الثّانِي: هو أنَّ العِباداتِ المُخْتَصَّةَ بِالعَبْدِ ثَلاثَةٌ: وهي الِاعْتِقادُ الحَقُّ، ولِسانِيَّةٌ وهي الذِّكْرُ الحَسَنُ، وبَدَنِيَّةٌ خارِجِيَّةٌ وهي العَمَلُ الصّالِحُ، لَكِنَّ الِاعْتِقادَ لا يَتَكَرَّرُ فَإنَّ مَنِ اعْتَقَدَ شَيْئًا لا يُمْكِنُهُ أنْ يَعْتَقِدَهُ مَرَّةً أُخْرى بَلْ ذَلِكَ يَدُومُ مُسْتَمِرًّا، والنَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ ذَلِكَ حاصِلًا لَهُ عَنْ عَيانٍ أكْمَلَ مِمّا يَحْصُلُ عَنْ بَيانٍ، فَلَمْ يُؤْمَرْ بِهِ لِعَدَمِ إمْكانِ تَكْرارِهِ، لَكِنَّ الذِّكْرَ مُمْكِنُ التَّكْرارِ، والعِبادَةُ البَدَنِيَّةُ كَذَلِكَ فَأمَرَهُ بِهِما فَقالَ: اتْلُ الكِتابَ وأقِمِ الصَّلاةَ. * * * المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: كَيْفَ تَنْهى الصَّلاةُ عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ ؟ نَقُولُ قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: المُرادُ مِنَ الصَّلاةِ القُرْآنُ وهو يَنْهى أيْ: فِيهِ النَّهْيُ عَنْهُما وهو بَعِيدٌ لِأنَّ إرادَةَ القُرْآنِ مِنَ الصَّلاةِ في هَذا المَوْضِعِ الَّذِي قالَ قَبْلَهُ ﴿اتْلُ ما أُوحِيَ إلَيْكَ﴾ بِعِيدٌ مِنَ الفَهْمِ، وقالَ بَعْضُهم أرادَ بِهِ نَفْسَ الصَّلاةِ وهي تَنْهى عَنْهُما ما دامَ العَبْدُ في الصَّلاةِ، لِأنَّهُ لا يُمْكِنُهُ الِاشْتِغالُ بِشَيْءٍ مِنهُما، فَنَقُولُ: هَذا كَذَلِكَ لَكِنْ لَيْسَ المُرادُ هَذا، وإلّا لا يَكُونُ مَدْحًا كامِلًا لِلصَّلاةِ؛ لِأنَّ غَيْرَها مِنَ الأشْغالِ كَثِيرًا ما يَكُونُ كَذَلِكَ كالنَّوْمِ في وقْتِهِ وغَيْرِهِ فَنَقُولُ: المُرادُ أنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ مُطْلَقًا وعَلى هَذا قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: الصَّلاةُ هي الَّتِي تَكُونُ مَعَ الحُضُورِ وهي تَنْهى، حَتّى نُقِلَ عَنْهُ -ﷺ- ”مَن لَمْ تَنْهَهُ صَلاتُهُ عَنِ المَعاصِي لَمْ يَزْدَدْ بِها إلّا بُعْدًا“ ونَحْنُ نَقُولُ: الصَّلاةُ الصَّحِيحَةُ شَرْعًا تَنْهى عَنِ الأمْرَيْنِ مُطْلَقًا وهي الَّتِي أتى بِها المُكَلَّفُ لِلَّهِ حَتّى لَوْ قَصَدَ بِها الرِّياءَ لا تَصِحُّ صَلاتُهُ شَرْعًا وتَجِبْ عَلَيْهِ الإعادَةُ، وهَذا ظاهِرٌ فَإنَّ مَن نَوى بِوُضُوئِهِ الصَّلاةَ والتَّبَرُّدَ قِيلَ: لا يَصِحُّ، فَكَيْفَ مَن نَوى بِصَلاتِهِ اللَّهَ وغَيْرَهُ. إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: الصَّلاةُ تَنْهى مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: هو أنَّ مَن كانَ يَخْدِمُ مَلِكًا عَظِيمَ الشَّأْنِ كَثِيرَ الإحْسانِ ويَكُونُ عِنْدَهُ بِمَنزِلَةٍ، ويَرى عَبْدًا مِن عِبادِهِ قَدْ طَرَدَهُ طَرْدًا لا يَتَصَوَّرُ قَبُولَهُ، وفاتَهُ الخَيْرُ بِحَيْثُ لا يُرْجى حُصُولُهُ، يَسْتَحِيلُ مِن ذَلِكَ المُقَرَّبِ عُرْفًا أنْ يَتْرُكَ خِدْمَةَ المَلِكِ ويَدْخُلَ في طاعَةِ ذَلِكَ المَطْرُودِ فَكَذَلِكَ العَبْدُ إذا صَلّى لِلَّهِ صارَ عَبْدًا لَهُ، وحَصَلَ لَهُ مَنزِلَةُ المُصَلِّي يُناجِي رَبَّهُ، فَيَسْتَحِيلُ مِنهُ أنْ يَتْرُكَ عِبادَةَ اللَّهِ ويَدْخُلَ تَحْتَ طاعَةِ الشَّيْطانِ المَطْرُودِ، لَكِنَّ مُرْتَكِبَ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ تَحْتَ طاعَةِ الشَّيْطانِ فالصَّلاةُ تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ. الثّانِي: هو أنْ مَن يُباشِرُ القاذُوراتِ كالزَّبّالِ والكَنّاسِ يَكُونُ لَهُ لِباسٌ نَظِيفٌ إذا لَبِسَهُ لا يُباشِرُ مَعَهُ القاذُوراتِ وكُلَّما كانَ ثَوْبُهُ أرْفَعَ يَكُونُ امْتِناعُهُ وهو لابِسُهُ عَنِ القاذُوراتِ أكْثَرَ فَإذا لَبِسَ واحِدٌ مِنهم ثَوْبَ دِيباجٍ مُذَهَّبٍ يَسْتَحِيلُ مِنهُ مُباشَرَةُ تِلْكَ الأشْياءِ عُرْفًا، فَكَذَلِكَ العَبْدُ إذا صَلّى لَبِسَ لِباسَ التَّقْوى لِأنَّهُ واقِفٌ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ واضِعٌ يَمِينَهُ عَلى شِمالِهِ؛ عَلى هَيْئَةِ مَن يَقِفُ بِمَرْأى مَلِكٍ ذِي هَيْبَةٍ، ولِباسُ التَّقْوى خَيْرُ لِباسٍ يَكُونُ نِسْبَتُهُ إلى القَلْبِ أعْلى مِن نِسْبَةِ الدِّيباجِ المُذَهَّبِ إلى الجِسْمِ، فَإذَنْ مَن لَبِسَ هَذا اللِّباسَ يَسْتَحِيلُ مِنهُ مُباشَرَةُ قاذُوراتِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ. ثُمَّ إنَّ الصَّلَواتِ مُتَكَرِّرَةٌ واحِدَةً بَعْدَ واحِدَةٍ فَيَدُومُ هَذا اللُّبْسُ فَيَدُومُ الِامْتِناعُ. الثّالِثُ: مَن يَكُونُ أمِيرُ نَفْسِهِ يَجْلِسُ حَيْثُ يُرِيدُ فَإذا دَخَلَ في خِدْمَةِ مَلِكٍ وأعْطاهُ مَنصِبًا لَهُ مَقامٌ خاصٌّ لا يَجْلِسُ صاحِبُ ذَلِكَ المَنصِبِ إلّا في ذَلِكَ المَوْضِعِ، فَلَوْ أرادَ أنْ يَجْلِسَ في صَفِّ النِّعالِ لا يُتْرَكُ، فَكَذَلِكَ العَبْدُ إذا صَلّى دَخَلَ في طاعَةِ اللَّهِ ولَمْ يَبْقَ بِحُكْمِ نَفْسِهِ وصارَ لَهُ مَقامٌ مُعَيَّنٌ، إذْ صارَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ، فَلَوْ أرادَ أنْ يَقِفَ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ وهو مَوْقِفُ أصْحابِ الشِّمالِ لا يُتْرَكُ، لَكِنَّ مُرْتَكِبَ صفحة ٦٥ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ مِن أصْحابِ الشِّمالِ، وهَذا الوَجْهُ إشارَةٌ إلى عِصْمَةِ اللَّهِ يَعْنِي مَن صَلّى عَصَمَهُ اللَّهُ عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ. الرّابِعُ: وهو مُوافِقٌ لِما ورَدَتْ بِهِ الأخْبارُ وهو أنَّ مَن يَكُونُ بَعِيدًا عَنِ المَلِكِ كالسُّوقِيِّ والمُنادِي والمُتَعَيِّشِ لا يُبالِي بِما فَعَلَ مِنَ الأفْعالِ يَأْكُلُ في دُكّانِ الهَرّاسِ والرَّوّاسِ ويَجْلِسُ مَعَ أحْباشِ النّاسِ، فَإذا صارَتْ لَهُ قُرْبَةٌ يَسِيرَةٌ مِنَ المَلِكِ كَما إذا صارَ واحِدًا مِنَ الجُنْدارِيَّةِ والقُوّادِ والسُّوّاسِ عِنْدَ المَلِكِ لا تَمْنَعُهُ تِلْكَ القُرْبَةُ مِن تَعاطِي ما كانَ يَفْعَلُهُ، فَإذا زادَتْ قُرْبَتُهُ وارْتَفَعَتْ مَنزِلَتُهُ حَتّى صارَ أمِيرًا حِينَئِذٍ تَمْنَعُهُ هَذِهِ المَنزِلَةُ عَنِ الأكْلِ في ذَلِكَ المَكانِ والجُلُوسِ مَعَ أُولَئِكَ الخُلّانِ، كَذَلِكَ العَبْدُ إذا صَلّى وسَجَدَ صارَ لَهُ قُرْبَةٌ ما لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واسْجُدْ واقْتَرِبْ﴾ [العلق: ١٩] فَإذا كانَ ذَلِكَ القَدْرُ مِنَ القُرْبَةِ يَمْنَعُهُ مِنَ المَعاصِي والمَناهِي، فَبِتَكَرُّرِ الصَّلاةِ والسُّجُودِ تَزْدادُ مَكانَتُهُ، حَتّى يَرى عَلى نَفْسِهِ مِن آثارِ الكَرامَةِ ما يَسْتَقْذِرُ مَعَهُ مِن نَفْسِهِ الصَّغائِرَ فَضْلًا عَنِ الكَبائِرِ، وفي الآيَةِ وجْهٌ آخَرُ مَعْقُولٌ يُؤَكِّدُهُ المَنقُولُ وهو أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ﴾ هو أنَّها تَنْهى عَنِ التَّعْطِيلِ والإشْراكِ، والتَّعْطِيلُ هو إنْكارُ وُجُودِ اللَّهِ، والإشْراكُ إثْباتُ أُلُوهِيَّةٍ لِغَيْرِ اللَّهِ. فَنَقُولُ: التَّعْطِيلُ عَقِيدَةٌ فَحْشاءُ؛ لِأنَّ الفاحِشَ هو القَبِيحُ الظّاهِرُ القُبْحِ، لَكِنَّ وُجُودَ اللَّهِ أظْهَرُ مِنَ الشَّمْسِ، وما مِن شَيْءٍ إلّا وفِيهِ آيَةٌ عَلى اللَّهِ ظاهِرَةٌ، وإنْكارُ الظّاهِرِ ظاهِرُ الإنْكارِ، فالقَوْلُ بِأنْ لا إلَهَ قَبِيحٌ والإشْراكُ مُنْكَرٌ، وذَلِكَ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا أطْلَقَ اسْمَ المُنْكَرِ عَلى مَن نَسَبَ نَفْسًا إلى غَيْرِ الوالِدِ مَعَ جَوازِ أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ حَيْثُ قالَ: ﴿إنْ أُمَّهاتُهم إلّا اللّائِي ولَدْنَهم وإنَّهم لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ القَوْلِ﴾ [المجادلة: ٢] فالمُشْرِكُ الَّذِي يَقُولُ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ، ويَنْسُبُ إلى مَن لَمْ يَلِدْ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ، ولَدًا كَيْفَ لا يَكُونُ قَوْلُهُ مُنْكَرًا ؟ فالصَّلاةُ تَنْهى عَنْ هَذِهِ الفَحْشاءِ وهَذا المُنْكَرِ، وذَلِكَ لِأنَّ العَبْدَ أوَّلَ ما يَشْرَعُ في الصَّلاةِ يَقُولُ: اللَّهُ أكْبَرُ، فَبِقَوْلِهِ اللَّهُ يَنْفِي التَّعْطِيلَ، وبِقَوْلِهِ أكْبَرُ يَنْفِي التَّشْرِيكَ؛ لِأنَّ الشَّرِيكَ لا يَكُونُ أكْبَرَ مِنَ الشَّرِيكِ الآخَرِ فِيما فِيهِ الِاشْتِراكُ، فَإذا قالَ بِسْمِ اللَّهِ نَفى التَّعْطِيلَ، وإذا قالَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ نَفى الإشْراكَ؛ لِأنَّ الرَّحْمَنَ مَن يُعْطِي الوُجُودَ بِالخَلْقِ بِالرَّحْمَةِ، والرَّحِيمَ مَن يُعْطِي البَقاءَ بِالرِّزْقِ بِالرَّحْمَةِ، فَإذا قالَ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ، أثْبَتَ بِقَوْلِهِ الحَمْدُ لِلَّهِ خِلافَ التَّعْطِيلِ، وبِقَوْلِهِ: ﴿رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الفاتِحَةِ: ٢ ] خِلافَ الإشْراكِ، فَإذا قالَ: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتِحَةِ: ٥ ] بِتَقْدِيمِ إيّاكَ نَفى التَّعْطِيلَ والإشْراكَ، وكَذا بِقَوْلِهِ: ﴿وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتِحَةِ: ٥ ] فَإذا قالَ: ﴿اهْدِنا الصِّراطَ﴾ [الفاتِحَةِ: ٦ ] نَفى التَّعْطِيلَ؛ لِأنَّ طالِبَ الصِّراطِ لَهُ مَقْصِدٌ والمُعَطِّلَ لا مَقْصِدَ لَهُ، وبِقَوْلِهِ: ﴿المُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتِحَةِ: ٦] نَفى الإشْراكَ؛ لِأنَّ المُسْتَقِيمَ هو الأقْرَبُ، والمُشْرِكُ يَعْبُدُ الأصْنامَ حَتّى يَعْبُدَ صُورَةً صَوَّرَها إلَهُ العالَمِينَ، ويَظُنُّونَ أنَّهم يَشْفَعُونَ لَهم، وعِبادَةُ اللَّهِ مِن غَيْرِ واسِطَةٍ أقْرَبُ، وعَلى هَذا إلى آخِرِ الصَّلاةِ يَقُولُ فِيها: أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ فَيَنْفِي الإشْراكَ والتَّعْطِيلَ، وهاهُنا لَطِيفَةٌ وهي أنَّ الصَّلاةَ أوَّلُها لَفْظَةُ اللَّهِ وآخِرُها لَفْظَةُ اللَّهِ في قَوْلِهِ: ”أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ“ لِيَعْلَمَ المُصَلِّي أنَّهُ مِن أوَّلِ الصَّلاةِ إلى آخِرِها مَعَ اللَّهِ، فَإنْ قالَ قائِلٌ فَقَدْ بَقِيَ مِنَ الصَّلاةِ قَوْلُهُ وأشْهَدَ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ والصَّلاةُ عَلى الرَّسُولِ والتَّسْلِيمُ، فَنَقُولُ هَذِهِ الأشْياءُ في آخِرِها دَخَلَتْ لِمَعْنًى خارِجٍ عَنْ ذاتِ الصَّلاةِ، وذَلِكَ لِأنَّ الصَّلاةَ ذِكْرُ اللَّهِ لا غَيْرُ، لَكِنَّ العَبْدَ إذا وصَلَ بِالصَّلاةِ إلى اللَّهِ وحَصَلَ مَعَ اللَّهِ لا يَقَعُ في قَلْبِهِ أنَّهُ اسْتَقَلَّ واسْتَبَدَّ واسْتَغْنى عَنِ الرَّسُولِ، كَمَن تَقَرَّبَ مِنَ السُّلْطانِ فَيَغْتَرُّ بِذَلِكَ ولا يَلْتَفِتُ إلى النُّوّابِ والحُجّابِ، فَقالَ أنْتَ في هَذِهِ المَنزِلَةِ الرَّفِيعَةِ بِهِدايَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ – وغَيْرُ مُسْتَغْنٍ عَنْهُ فَقُلْ مَعَ ذِكْرِي: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، ثُمَّ إذا عَلِمْتَ أنَّ هَذا كُلَّهُ بِبَرَكَةِ هِدايَتِهِ فاذْكُرْ إحْسانَهُ بِالصَّلاةِ عَلَيْهِ، ثُمَّ إذا رَجَعْتَ مِن مِعْراجِكَ وانْتَهَيْتَ إلى إخْوانِكَ فَسَلِّمْ عَلَيْهِمْ وبَلِّغْهم سَلامِي كَما هو تَرْتِيبُ المُسافِرِينَ، واعْلَمْ أنَّ صفحة ٦٦ هَيْئَةَ الصَّلاةِ هَيْئَةٌ فِيها هَيْبَةٌ، فَإنَّ أوَّلَها وُقُوفٌ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ كَوُقُوفِ المَمْلُوكِ بَيْنَ يَدَيِ السُّلْطانِ، ثُمَّ إنَّ آخِرَها جُثُوٌّ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ كَما يَجْثُو بَيْنَ يَدَيِ السُّلْطانِ مَن أكْرَمَهُ بِالإجْلاسِ، كَأنَّ العَبْدَ لَمّا وقَفَ وأثْنى عَلى اللَّهِ أكْرَمَهُ اللَّهُ وأجْلَسَهُ فَجَثا، وفي هَذا الجُثُوِّ لَطِيفَةٌ وهي أنَّ مَن جَثا في الدُّنْيا بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهِ هَذا الجُثُوَّ لا يَكُونُ لَهُ جُثُوٌّ في الآخِرَةِ، ولا يَكُونُ مِنَ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ في حَقِّهِمْ: ﴿ونَذَرُ الظّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا﴾ [مريم: ٧٢] . * * * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَذِكْرُ اللَّهِ أكْبَرُ واللَّهُ يَعْلَمُ ما تَصْنَعُونَ﴾ . لَمّا ذَكَرَ أمْرَيْنِ وهُما تِلاوَةُ الكِتابِ وإقامَةُ الصَّلاةِ بَيَّنَ ما يُوجِبُ أنْ يَكُونَ الإتْيانُ بِهِما عَلى أبْلَغِ وُجُوهِ التَّعْظِيمِ، فَقالَ: ﴿ولَذِكْرُ اللَّهِ أكْبَرُ﴾ وأنْتُمْ إذا ذَكَرْتُمْ آباءَكم بِما فِيهِمْ مِنَ الصِّفاتِ الحَسَنَةِ تَنْبَشُّوا لِذَلِكَ وتَذْكُرُوهم بِمَلْءِ أفْواهِكم وقُلُوبِكم، لَكِنَّ ذِكْرَ اللَّهِ أكْبَرُ، فَيَنْبَغِي أنْ يَكُونَ عَلى أبْلَغِ وُجُوهِ التَّعْظِيمِ، وأمّا الصَّلاةُ فَكَذَلِكَ؛ لِأنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما تَصْنَعُونَ، وهَذا أحْسَنُ صُنْعِكم فَيَنْبَغِي أنْ يَكُونَ عَلى وجْهِ التَّعْظِيمِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿ولَذِكْرُ اللَّهِ أكْبَرُ﴾ مَعَ حَذْفِ بَيانِ ما هو أكْبَرُ مِنهُ لَطِيفَةٌ وهي أنَّ اللَّهَ لَمْ يَقُلْ أكْبَرُ مِن ذِكْرِ فُلانٍ؛ لِأنَّ ما نُسِبَ إلى غَيْرِهِ بِالكِبَرِ فَلَهُ إلَيْهِ نِسْبَةٌ، إذًا لا يُقالُ: الجَبَلُ أكْبَرُ مِن خَرْدَلَةٍ، وإنَّما يُقالُ هَذا الجَبَلُ أكْبَرُ مِن ذَلِكَ الجَبَلِ فَأُسْقِطَ المَنسُوبُ كَأنَّهُ قالَ: ولَذِكْرُ اللَّهِ لَهُ الكِبَرُ لا لِغَيْرِهِ، وهَذا كَما يُقالُ في الصَّلاةِ: اللَّهُ أكْبَرُ أيْ لَهُ الكِبَرُ لا لِغَيْرِهِ.

العنكبوت 29:46

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولا تُجادِلُوا أهْلَ الكِتابِ إلّا بِالَّتِي هي أحْسَنُ إلّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهم وقُولُوا آمَنّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إلَيْنا وأُنْزِلَ إلَيْكم وإلَهُنا وإلَهُكم واحِدٌ ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ ﴿وكَذَلِكَ أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ فالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ومِن هَؤُلاءِ مَن يُؤْمِنُ بِهِ وما يَجْحَدُ بِآياتِنا إلّا الكافِرُونَ﴾ لَمّا بَيَّنَ اللَّهُ طَرِيقَةَ إرْشادِ المُشْرِكِينَ، ونَفَعَ مَنِ انْتَفَعَ وحَصَلَ اليَأْسُ مِمَّنِ امْتَنَعَ بَيَّنَ طَرِيقَةَ إرْشادِ أهْلِ الكِتابِ فَقالَ: ﴿ولا تُجادِلُوا أهْلَ الكِتابِ إلّا بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: المُرادُ مِنهُ لا تُجادِلُوهم بِالسَّيْفِ، وإنْ لَمْ يُؤْمِنُوا إلّا إذا ظَلَمُوا وحارَبُوا، أيْ إذا ظَلَمُوا زائِدًا عَلى كُفْرِهِمْ، وفِيهِ مَعْنًى ألْطَفُ مِنهُ وهو أنَّ المُشْرِكَ جاءَ بِالمُنْكَرِ عَلى ما بَيَّنّاهُ فَكانَ اللّائِقُ أنْ يُجادَلَ بِالأخْشَنِ ويُبالَغَ في تَهْجِينِ مَذْهَبِهِ وتَوْهِينِ شُبَهِهِ، ولِهَذا قالَ تَعالى في حَقِّهِمْ: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ [البقرة: ١٨] وقالَ: صفحة ٦٧ ﴿ولَهم أعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها ولَهم آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها﴾ [الأعراف: ١٧٩] إلى غَيْرِ ذَلِكَ. وأمّا أهْلُ الكِتابِ فَجاءُوا بِكُلِّ حَسَنٍ إلّا الِاعْتِرافَ بِالنَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَوَحَّدُوا وآمَنُوا بِإنْزالِ الكُتُبِ وإرْسالِ الرُّسُلِ والحَشْرِ، فَلِمُقابَلَةِ إحْسانِهِمْ يُجادَلُونَ أوَّلًا بِالأحْسَنِ ولا تُسْتَخَفُّ آراؤُهم ولا يُنْسَبُ إلى الضَّلالِ آباؤُهم، بِخِلافِ المُشْرِكِ، ثُمَّ عَلى هَذا فَقَوْلُهُ: ﴿إلّا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ تَبْيِينٌ لَهُ حُسْنٌ آخَرُ، وهو أنْ يَكُونَ المُرادُ إلّا الَّذِينَ أشْرَكُوا مِنهم بِإثْباتِ الوَلَدِ لِلَّهِ والقَوْلِ بِثالِثِ ثَلاثَةٍ. فَإنَّهم ضاهَوْهم في القَوْلِ المُنْكَرِ فَهُمُ الظّالِمُونَ؛ لِأنَّ الشِّرْكَ ظُلْمٌ عَظِيمٌ، فَيُجادَلُونَ بِالأخْشَنِ مِن تَهْجِينِ مَقالَتِهِمْ وتَبْيِينِ جَهالَتِهِمْ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ ذَلِكَ الأحْسَنَ فَقَدَّمَ مَحاسِنَهم بِقَوْلِهِ: ﴿وقُولُوا آمَنّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إلَيْنا وأُنْزِلَ إلَيْكم وإلَهُنا وإلَهُكم واحِدٌ ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ فَيَلْزَمُنا اتِّباعُ ما قالَهُ لَكِنَّهُ بَيَّنَ رِسالَتِي في كُتُبِكم فَهو دَلِيلٌ مُضِيءٌ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ ذَكَرَ دَلِيلًا قِياسِيًّا فَقالَ: ﴿وكَذَلِكَ أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ﴾ يَعْنِي كَما أنْزَلْنا عَلى مَن تَقَدَّمَكَ أنْزَلْنا عَلَيْكَ وهَذا قِياسٌ، ثُمَّ قالَ: ﴿فالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ لِوُجُودِ النَّصِّ ومِن هَؤُلاءِ كَذَلِكَ، واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ فَقالَ بَعْضُهم: المُرادُ بِالَّذِينِ آتَيْناهُمُ الكِتابَ مَن آمَنَ بِنَبِيِّنا مِن أهْلِ الكِتابِ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وغَيْرِهِ، وبِقَوْلِهِ: ﴿ومِن هَؤُلاءِ﴾ أيْ مِن أهْلِ مَكَّةَ وقالَ بَعْضُهم: المُرادُ بِالَّذِينِ آتَيْناهُمُ الكِتابَ هُمُ الَّذِينَ سَبَقُوا مُحَمَّدًا ﷺ زَمانًا مِن أهْلِ الكِتابِ، ومِن هَؤُلاءِ الَّذِينَ هم في زَمانِ مُحَمَّدٍ ﷺ مِن أهْلِ الكِتابِ وهَذا أقْرَبُ، فَإنَّ قَوْلَهُ: ﴿هَؤُلاءِ﴾ صَرْفُهُ إلى أهْلِ الكِتابِ أوْلى؛ لِأنَّ الكَلامَ فِيهِمْ ولا ذِكْرَ لِلْمُشْرِكِينَ هَهُنا، إذْ كانَ هَذا الكَلامُ بَعْدَ الفَراغِ مِن ذِكْرِهِمْ والإعْراضِ عَنْهم لِإصْرارِهِمْ عَلى الكُفْرِ، وهَهُنا وجْهٌ آخَرُ أوْلى وأقْرَبُ إلى العَقْلِ والنَّقْلِ، وأقْرَبُ إلى الأحْسَنِ مِنَ الجِدالِ المَأْمُورِ بِهِ، وهو أنْ نَقُولَ: المُرادُ بِالَّذِينِ آتَيْناهُمُ الكِتابَ هُمُ الأنْبِياءُ وبِقَوْلِهِ: ﴿ومِن هَؤُلاءِ﴾ أيْ مِن أهْلِ الكِتابِ وهو أقْرَبُ؛ لِأنَّ الَّذِينَ آتاهُمُ الكِتابَ في الحَقِيقَةِ هُمُ الأنْبِياءُ، فَإنَّ اللَّهَ ما آتى الكِتابَ إلّا لِلْأنْبِياءِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ﴾ وقالَ: ﴿وآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا﴾ [الإسراء: ٥٥] وقالَ: ﴿آتانِيَ الكِتابَ﴾ [مريم: ٣٠] وإذا حَمَلْنا الكَلامَ عَلى هَذا لا يَدْخُلُهُ التَّخْصِيصُ؛ لِأنَّ كُلَّ الأنْبِياءِ آمَنُوا بِكُلِّ الأنْبِياءِ، وإذا قُلْنا بِما قالُوا بِهِ يَكُونُ المُرادُ مِنَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلامٍ واثْنَيْنِ أوْ ثَلاثَةً مَعَهُ أوْ عَدَدًا قَلِيلًا، ويَكُونُ المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ومِن هَؤُلاءِ﴾ غَيْرَ المَذْكُورِينَ، وعَلى ما ذَكَرْنا يَكُونُ مَخْرَجُ الكَلامِ كَأنَّهُ قَسَّمَ القَوْمَ قِسْمَيْنِ أحَدُهُما المُشْرِكِينَ، وتَكَلَّمَ فِيهِمْ وفَرَغَ مِنهم، والثّانِي أهْلَ الكِتابِ وهو بُعْدٌ في بَيانِ أمْرِهِمْ، والوَقْتُ وقْتُ جَرَيانِ ذِكْرِهِمْ، فَإذا قالَ هَؤُلاءِ يَكُونُ مُنْصَرِفًا إلى أهْلِ الكِتابِ الَّذِينَ هم في وصْفِهِمْ، وإذا قالَ أُولَئِكَ يَكُونُ مُنْصَرِفًا إلى المُشْرِكِينَ الَّذِينَ سَبَقَ ذِكْرُهم وتَحَقَّقَ أمْرُهم، وعَلى هَذا التَّفْسِيرِ يَكُونُ الجِدالُ عَلى أحْسَنِ الوُجُوهِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ الخِلافَ في الأنْبِياءِ والأئِمَّةِ قَرِيبٌ مِنَ الخِلافِ في فَضِيلَةِ الرُّؤَساءِ والمُلُوكِ، فَإذا اخْتَلَفَ حِزْبانِ في فَضِيلَةِ مَلِكَيْنِ أوْ رَئِيسَيْنِ، وأدّى الِاخْتِلافُ إلى الِاقْتِتالِ يَكُونُ أقْوى كَلامٍ يَصْلُحُ بَيْنَهم أنْ يُقالَ لَهم هَذانِ المَلِكانِ مُتَوافِقانِ مُتَصادِقانِ، فَلا مَعْنى لِنِزاعِكم، فَكَذَلِكَ هَهُنا قالَ النَّبِيُّ ﷺ: نَحْنُ آمَنّا بِالأنْبِياءِ وهم آمَنُوا بِي فَلا مَعْنى لِتَعَصُّبِكم لَهم، وكَذَلِكَ أكابِرُكم وعُلَماؤُكم آمَنُوا، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما يَجْحَدُ بِآياتِنا إلّا الكافِرُونَ﴾ تَنْفِيرًا لَهم عَمّا هم عَلَيْهِ، يَعْنِي أنَّكم آمَنتُمْ بِكُلِّ شَيْءٍ، وامْتَزْتُمْ عَنِ المُشْرِكِينَ بِكُلِّ فَضِيلَةٍ، إلّا هَذِهِ المَسْألَةَ الواحِدَةَ، وبِإنْكارِها تَلْتَحِقُونَ بِهِمْ وتُبْطِلُونَ مَزاياكم، فَإنَّ الجاحِدَ بِآيَةٍ يَكُونُ كافِرًا.

العنكبوت 29:47

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولا تُجادِلُوا أهْلَ الكِتابِ إلّا بِالَّتِي هي أحْسَنُ إلّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهم وقُولُوا آمَنّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إلَيْنا وأُنْزِلَ إلَيْكم وإلَهُنا وإلَهُكم واحِدٌ ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ ﴿وكَذَلِكَ أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ فالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ومِن هَؤُلاءِ مَن يُؤْمِنُ بِهِ وما يَجْحَدُ بِآياتِنا إلّا الكافِرُونَ﴾ لَمّا بَيَّنَ اللَّهُ طَرِيقَةَ إرْشادِ المُشْرِكِينَ، ونَفَعَ مَنِ انْتَفَعَ وحَصَلَ اليَأْسُ مِمَّنِ امْتَنَعَ بَيَّنَ طَرِيقَةَ إرْشادِ أهْلِ الكِتابِ فَقالَ: ﴿ولا تُجادِلُوا أهْلَ الكِتابِ إلّا بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: المُرادُ مِنهُ لا تُجادِلُوهم بِالسَّيْفِ، وإنْ لَمْ يُؤْمِنُوا إلّا إذا ظَلَمُوا وحارَبُوا، أيْ إذا ظَلَمُوا زائِدًا عَلى كُفْرِهِمْ، وفِيهِ مَعْنًى ألْطَفُ مِنهُ وهو أنَّ المُشْرِكَ جاءَ بِالمُنْكَرِ عَلى ما بَيَّنّاهُ فَكانَ اللّائِقُ أنْ يُجادَلَ بِالأخْشَنِ ويُبالَغَ في تَهْجِينِ مَذْهَبِهِ وتَوْهِينِ شُبَهِهِ، ولِهَذا قالَ تَعالى في حَقِّهِمْ: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ [البقرة: ١٨] وقالَ: صفحة ٦٧ ﴿ولَهم أعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها ولَهم آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها﴾ [الأعراف: ١٧٩] إلى غَيْرِ ذَلِكَ. وأمّا أهْلُ الكِتابِ فَجاءُوا بِكُلِّ حَسَنٍ إلّا الِاعْتِرافَ بِالنَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَوَحَّدُوا وآمَنُوا بِإنْزالِ الكُتُبِ وإرْسالِ الرُّسُلِ والحَشْرِ، فَلِمُقابَلَةِ إحْسانِهِمْ يُجادَلُونَ أوَّلًا بِالأحْسَنِ ولا تُسْتَخَفُّ آراؤُهم ولا يُنْسَبُ إلى الضَّلالِ آباؤُهم، بِخِلافِ المُشْرِكِ، ثُمَّ عَلى هَذا فَقَوْلُهُ: ﴿إلّا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ تَبْيِينٌ لَهُ حُسْنٌ آخَرُ، وهو أنْ يَكُونَ المُرادُ إلّا الَّذِينَ أشْرَكُوا مِنهم بِإثْباتِ الوَلَدِ لِلَّهِ والقَوْلِ بِثالِثِ ثَلاثَةٍ. فَإنَّهم ضاهَوْهم في القَوْلِ المُنْكَرِ فَهُمُ الظّالِمُونَ؛ لِأنَّ الشِّرْكَ ظُلْمٌ عَظِيمٌ، فَيُجادَلُونَ بِالأخْشَنِ مِن تَهْجِينِ مَقالَتِهِمْ وتَبْيِينِ جَهالَتِهِمْ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ ذَلِكَ الأحْسَنَ فَقَدَّمَ مَحاسِنَهم بِقَوْلِهِ: ﴿وقُولُوا آمَنّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إلَيْنا وأُنْزِلَ إلَيْكم وإلَهُنا وإلَهُكم واحِدٌ ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ فَيَلْزَمُنا اتِّباعُ ما قالَهُ لَكِنَّهُ بَيَّنَ رِسالَتِي في كُتُبِكم فَهو دَلِيلٌ مُضِيءٌ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ ذَكَرَ دَلِيلًا قِياسِيًّا فَقالَ: ﴿وكَذَلِكَ أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ﴾ يَعْنِي كَما أنْزَلْنا عَلى مَن تَقَدَّمَكَ أنْزَلْنا عَلَيْكَ وهَذا قِياسٌ، ثُمَّ قالَ: ﴿فالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ لِوُجُودِ النَّصِّ ومِن هَؤُلاءِ كَذَلِكَ، واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ فَقالَ بَعْضُهم: المُرادُ بِالَّذِينِ آتَيْناهُمُ الكِتابَ مَن آمَنَ بِنَبِيِّنا مِن أهْلِ الكِتابِ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وغَيْرِهِ، وبِقَوْلِهِ: ﴿ومِن هَؤُلاءِ﴾ أيْ مِن أهْلِ مَكَّةَ وقالَ بَعْضُهم: المُرادُ بِالَّذِينِ آتَيْناهُمُ الكِتابَ هُمُ الَّذِينَ سَبَقُوا مُحَمَّدًا ﷺ زَمانًا مِن أهْلِ الكِتابِ، ومِن هَؤُلاءِ الَّذِينَ هم في زَمانِ مُحَمَّدٍ ﷺ مِن أهْلِ الكِتابِ وهَذا أقْرَبُ، فَإنَّ قَوْلَهُ: ﴿هَؤُلاءِ﴾ صَرْفُهُ إلى أهْلِ الكِتابِ أوْلى؛ لِأنَّ الكَلامَ فِيهِمْ ولا ذِكْرَ لِلْمُشْرِكِينَ هَهُنا، إذْ كانَ هَذا الكَلامُ بَعْدَ الفَراغِ مِن ذِكْرِهِمْ والإعْراضِ عَنْهم لِإصْرارِهِمْ عَلى الكُفْرِ، وهَهُنا وجْهٌ آخَرُ أوْلى وأقْرَبُ إلى العَقْلِ والنَّقْلِ، وأقْرَبُ إلى الأحْسَنِ مِنَ الجِدالِ المَأْمُورِ بِهِ، وهو أنْ نَقُولَ: المُرادُ بِالَّذِينِ آتَيْناهُمُ الكِتابَ هُمُ الأنْبِياءُ وبِقَوْلِهِ: ﴿ومِن هَؤُلاءِ﴾ أيْ مِن أهْلِ الكِتابِ وهو أقْرَبُ؛ لِأنَّ الَّذِينَ آتاهُمُ الكِتابَ في الحَقِيقَةِ هُمُ الأنْبِياءُ، فَإنَّ اللَّهَ ما آتى الكِتابَ إلّا لِلْأنْبِياءِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ﴾ وقالَ: ﴿وآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا﴾ [الإسراء: ٥٥] وقالَ: ﴿آتانِيَ الكِتابَ﴾ [مريم: ٣٠] وإذا حَمَلْنا الكَلامَ عَلى هَذا لا يَدْخُلُهُ التَّخْصِيصُ؛ لِأنَّ كُلَّ الأنْبِياءِ آمَنُوا بِكُلِّ الأنْبِياءِ، وإذا قُلْنا بِما قالُوا بِهِ يَكُونُ المُرادُ مِنَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلامٍ واثْنَيْنِ أوْ ثَلاثَةً مَعَهُ أوْ عَدَدًا قَلِيلًا، ويَكُونُ المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ومِن هَؤُلاءِ﴾ غَيْرَ المَذْكُورِينَ، وعَلى ما ذَكَرْنا يَكُونُ مَخْرَجُ الكَلامِ كَأنَّهُ قَسَّمَ القَوْمَ قِسْمَيْنِ أحَدُهُما المُشْرِكِينَ، وتَكَلَّمَ فِيهِمْ وفَرَغَ مِنهم، والثّانِي أهْلَ الكِتابِ وهو بُعْدٌ في بَيانِ أمْرِهِمْ، والوَقْتُ وقْتُ جَرَيانِ ذِكْرِهِمْ، فَإذا قالَ هَؤُلاءِ يَكُونُ مُنْصَرِفًا إلى أهْلِ الكِتابِ الَّذِينَ هم في وصْفِهِمْ، وإذا قالَ أُولَئِكَ يَكُونُ مُنْصَرِفًا إلى المُشْرِكِينَ الَّذِينَ سَبَقَ ذِكْرُهم وتَحَقَّقَ أمْرُهم، وعَلى هَذا التَّفْسِيرِ يَكُونُ الجِدالُ عَلى أحْسَنِ الوُجُوهِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ الخِلافَ في الأنْبِياءِ والأئِمَّةِ قَرِيبٌ مِنَ الخِلافِ في فَضِيلَةِ الرُّؤَساءِ والمُلُوكِ، فَإذا اخْتَلَفَ حِزْبانِ في فَضِيلَةِ مَلِكَيْنِ أوْ رَئِيسَيْنِ، وأدّى الِاخْتِلافُ إلى الِاقْتِتالِ يَكُونُ أقْوى كَلامٍ يَصْلُحُ بَيْنَهم أنْ يُقالَ لَهم هَذانِ المَلِكانِ مُتَوافِقانِ مُتَصادِقانِ، فَلا مَعْنى لِنِزاعِكم، فَكَذَلِكَ هَهُنا قالَ النَّبِيُّ ﷺ: نَحْنُ آمَنّا بِالأنْبِياءِ وهم آمَنُوا بِي فَلا مَعْنى لِتَعَصُّبِكم لَهم، وكَذَلِكَ أكابِرُكم وعُلَماؤُكم آمَنُوا، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما يَجْحَدُ بِآياتِنا إلّا الكافِرُونَ﴾ تَنْفِيرًا لَهم عَمّا هم عَلَيْهِ، يَعْنِي أنَّكم آمَنتُمْ بِكُلِّ شَيْءٍ، وامْتَزْتُمْ عَنِ المُشْرِكِينَ بِكُلِّ فَضِيلَةٍ، إلّا هَذِهِ المَسْألَةَ الواحِدَةَ، وبِإنْكارِها تَلْتَحِقُونَ بِهِمْ وتُبْطِلُونَ مَزاياكم، فَإنَّ الجاحِدَ بِآيَةٍ يَكُونُ كافِرًا.

العنكبوت 29:48

قالَ تَعالى: ﴿وما كُنْتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتابٍ ولا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إذًا لارْتابَ المُبْطِلُونَ﴾ ﴿بَلْ هو آياتٌ بَيِّناتٌ في صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ وما يَجْحَدُ بِآياتِنا إلّا الظّالِمُونَ﴾ * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما كُنْتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتابٍ ولا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ هَذِهِ دَرَجَةٌ أُخْرى بَعْدَ ما تَقَدَّمَ عَلى التَّرْتِيبِ، وذَلِكَ لِأنَّ المُجادِلَ إذا ذَكَرَ مَسْألَةً مُخْتَلَفًا فِيها كَقَوْلِ القائِلِ: الزَّكاةُ تَجِبُ في مالِ الصَّغِيرِ، فَإذا قِيلَ لَهُ لِمَ ؟ فَيَقُولُ كَما تَجِبُ النَّفَقَةُ في مالِهِ، ولا يَذْكُرُ أوَّلًا الجامِعَ بَيْنَهُما، فَإنْ قَنِعَ الطّالِبُ بِمُجَرَّدِ التَّشْبِيهِ وأدْرَكَ مِن نَفْسِهِ الجامِعَ فَذاكَ، وإنْ لَمْ يُدْرِكْ أوْ لَمْ يَقْنَعْ يُبْدِي الجامِعَ، فَيَقُولُ كِلاهُما مالٌ فَضَلَ عَنِ الحاجَةِ فَيَجِبُ فَكَذَلِكَ هَهُنا ذَكَرَ أوَّلًا التَّمْثِيلَ بِقَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ أنْزَلْنا إلَيْكَ﴾ ثُمَّ ذَكَرَ الجامِعَ وهو المُعْجِزَةُ، فَقالَ: ما عِلْمُ كَوْنِ تِلْكَ الكُتُبِ مُنَزَّلَةً إلّا بِالمُعْجِزَةِ، وهَذا القُرْآنُ مِمَّنْ لَمْ يَكْتُبْ ولَمْ يَقْرَأْ عَيْنُ المُعْجِزَةِ، فَيُعْرَفُ كَوْنُهُ مُنَزَّلًا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذًا لارْتابَ المُبْطِلُونَ﴾ فِيهِ مَعْنًى لَطِيفٌ، وهو أنَّ النَّبِيَّ إذا كانَ قارِئًا كاتِبًا ما كانَ يُوجِبُ كَوْنَ هَذا الكَلامِ كَلامَهُ، فَإنَّ جَمِيعَ كَتَبَةِ الأرْضِ وقُرّائِها لا يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ، لَكِنْ عَلى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ يَكُونُ لِلْمُبْطِلِ وجْهُ ارْتِيابٍ، وعَلى ما هو عَلَيْهِ لا وجْهَ لِارْتِيابِهِ فَهو أدْخَلُ في الإبْطالِ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِمّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِن مِثْلِهِ﴾ [البقرة: ٢٣] أيْ مِن مِثْلِ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وكَقَوْلِهِ: ﴿الم﴾ ﴿ذَلِكَ الكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ١- ٢] . * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿بَلْ هو آياتٌ بَيِّناتٌ في صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ قَوْلُهُ في صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ إشارَةٌ إلى أنَّهُ لَيْسَ مِن مُخْتَرَعاتِ الآدَمِيِّينَ؛ لِأنَّ مَن يَكُونُ لَهُ كَلامٌ مُخْتَرَعٌ يَقُولُ هَذا مِن قَلْبِي وخاطِرِي، وإذا حَفِظَهُ مِن غَيْرِهِ يَقُولُ إنَّهُ في قَلْبِي وصَدْرِي، فَإذا قالَ: ﴿فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ لا يَكُونُ مِن صَدْرِ أحَدٍ مِنهم، والجاهِلُ يَسْتَحِيلُ مِنهُ ذَلِكَ، فَلا ظُهُورَ لَهُ مِنَ الصُّدُورِ ويَلْتَحِقُونَ عِنْدَ هَذِهِ الأُمَّةِ بِالمُشْرِكِينَ، فَظُهُورُهُ مِنَ اللَّهِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما يَجْحَدُ بِآياتِنا إلّا الظّالِمُونَ﴾ قالَ هَهُنا الظّالِمُونَ، ومِن قَبْلُ قالَ الكافِرُونَ، مَعَ أنَّ الكافِرَ ظالِمٌ ولا تَنافِيَ بَيْنَ الكَلامَيْنِ وفِيهِ فائِدَةٌ، وهي أنَّهم قَبْلَ بَيانِ المُعْجِزَةِ قِيلَ لَهم إنَّ لَكُمُ المَزايا فَلا تُبْطِلُوها بِإنْكارِ مُحَمَّدٍ فَتَكُونُوا كافِرِينَ، فَلَفْظُ الكافِرِ هُناكَ كانَ بَلِيغًا يَمْنَعُهم مِن ذَلِكَ لِاسْتِنْكافِهِمْ عَنِ الكُفْرِ، ثُمَّ بَعْدَ بَيانِ المُعْجِزَةِ قالَ لَهم إنْ جَحَدْتُمْ هَذِهِ الآيَةَ لَزِمَكم إنْكارُ إرْسالِ الرُّسُلِ فَتَلْتَحِقُونَ في أوَّلِ الأمْرِ بِالمُشْرِكِينَ حُكْمًا، وتَلْتَحِقُونَ عِنْدَ هَذِهِ الآيَةِ بِالمُشْرِكِينَ حَقِيقَةً فَتَكُونُوا ظالِمِينَ، أيْ مُشْرِكِينَ، كَما بَيَّنّا أنَّ الشِّرْكَ ظُلْمٌ عَظِيمٌ، فَهَذا اللَّفْظُ هَهُنا أبْلَغُ، وذَلِكَ اللَّفْظُ هُناكَ أبْلَغُ.

العنكبوت 29:49

قالَ تَعالى: ﴿وما كُنْتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتابٍ ولا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إذًا لارْتابَ المُبْطِلُونَ﴾ ﴿بَلْ هو آياتٌ بَيِّناتٌ في صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ وما يَجْحَدُ بِآياتِنا إلّا الظّالِمُونَ﴾ * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما كُنْتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتابٍ ولا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ هَذِهِ دَرَجَةٌ أُخْرى بَعْدَ ما تَقَدَّمَ عَلى التَّرْتِيبِ، وذَلِكَ لِأنَّ المُجادِلَ إذا ذَكَرَ مَسْألَةً مُخْتَلَفًا فِيها كَقَوْلِ القائِلِ: الزَّكاةُ تَجِبُ في مالِ الصَّغِيرِ، فَإذا قِيلَ لَهُ لِمَ ؟ فَيَقُولُ كَما تَجِبُ النَّفَقَةُ في مالِهِ، ولا يَذْكُرُ أوَّلًا الجامِعَ بَيْنَهُما، فَإنْ قَنِعَ الطّالِبُ بِمُجَرَّدِ التَّشْبِيهِ وأدْرَكَ مِن نَفْسِهِ الجامِعَ فَذاكَ، وإنْ لَمْ يُدْرِكْ أوْ لَمْ يَقْنَعْ يُبْدِي الجامِعَ، فَيَقُولُ كِلاهُما مالٌ فَضَلَ عَنِ الحاجَةِ فَيَجِبُ فَكَذَلِكَ هَهُنا ذَكَرَ أوَّلًا التَّمْثِيلَ بِقَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ أنْزَلْنا إلَيْكَ﴾ ثُمَّ ذَكَرَ الجامِعَ وهو المُعْجِزَةُ، فَقالَ: ما عِلْمُ كَوْنِ تِلْكَ الكُتُبِ مُنَزَّلَةً إلّا بِالمُعْجِزَةِ، وهَذا القُرْآنُ مِمَّنْ لَمْ يَكْتُبْ ولَمْ يَقْرَأْ عَيْنُ المُعْجِزَةِ، فَيُعْرَفُ كَوْنُهُ مُنَزَّلًا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذًا لارْتابَ المُبْطِلُونَ﴾ فِيهِ مَعْنًى لَطِيفٌ، وهو أنَّ النَّبِيَّ إذا كانَ قارِئًا كاتِبًا ما كانَ يُوجِبُ كَوْنَ هَذا الكَلامِ كَلامَهُ، فَإنَّ جَمِيعَ كَتَبَةِ الأرْضِ وقُرّائِها لا يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ، لَكِنْ عَلى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ يَكُونُ لِلْمُبْطِلِ وجْهُ ارْتِيابٍ، وعَلى ما هو عَلَيْهِ لا وجْهَ لِارْتِيابِهِ فَهو أدْخَلُ في الإبْطالِ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِمّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِن مِثْلِهِ﴾ [البقرة: ٢٣] أيْ مِن مِثْلِ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وكَقَوْلِهِ: ﴿الم﴾ ﴿ذَلِكَ الكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ١- ٢] . * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿بَلْ هو آياتٌ بَيِّناتٌ في صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ قَوْلُهُ في صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ إشارَةٌ إلى أنَّهُ لَيْسَ مِن مُخْتَرَعاتِ الآدَمِيِّينَ؛ لِأنَّ مَن يَكُونُ لَهُ كَلامٌ مُخْتَرَعٌ يَقُولُ هَذا مِن قَلْبِي وخاطِرِي، وإذا حَفِظَهُ مِن غَيْرِهِ يَقُولُ إنَّهُ في قَلْبِي وصَدْرِي، فَإذا قالَ: ﴿فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ لا يَكُونُ مِن صَدْرِ أحَدٍ مِنهم، والجاهِلُ يَسْتَحِيلُ مِنهُ ذَلِكَ، فَلا ظُهُورَ لَهُ مِنَ الصُّدُورِ ويَلْتَحِقُونَ عِنْدَ هَذِهِ الأُمَّةِ بِالمُشْرِكِينَ، فَظُهُورُهُ مِنَ اللَّهِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما يَجْحَدُ بِآياتِنا إلّا الظّالِمُونَ﴾ قالَ هَهُنا الظّالِمُونَ، ومِن قَبْلُ قالَ الكافِرُونَ، مَعَ أنَّ الكافِرَ ظالِمٌ ولا تَنافِيَ بَيْنَ الكَلامَيْنِ وفِيهِ فائِدَةٌ، وهي أنَّهم قَبْلَ بَيانِ المُعْجِزَةِ قِيلَ لَهم إنَّ لَكُمُ المَزايا فَلا تُبْطِلُوها بِإنْكارِ مُحَمَّدٍ فَتَكُونُوا كافِرِينَ، فَلَفْظُ الكافِرِ هُناكَ كانَ بَلِيغًا يَمْنَعُهم مِن ذَلِكَ لِاسْتِنْكافِهِمْ عَنِ الكُفْرِ، ثُمَّ بَعْدَ بَيانِ المُعْجِزَةِ قالَ لَهم إنْ جَحَدْتُمْ هَذِهِ الآيَةَ لَزِمَكم إنْكارُ إرْسالِ الرُّسُلِ فَتَلْتَحِقُونَ في أوَّلِ الأمْرِ بِالمُشْرِكِينَ حُكْمًا، وتَلْتَحِقُونَ عِنْدَ هَذِهِ الآيَةِ بِالمُشْرِكِينَ حَقِيقَةً فَتَكُونُوا ظالِمِينَ، أيْ مُشْرِكِينَ، كَما بَيَّنّا أنَّ الشِّرْكَ ظُلْمٌ عَظِيمٌ، فَهَذا اللَّفْظُ هَهُنا أبْلَغُ، وذَلِكَ اللَّفْظُ هُناكَ أبْلَغُ.

العنكبوت 29:50

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِن رَبِّهِ قُلْ إنَّما الآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وإنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ صفحة ٦٩ لَمّا فَرَغَ مِن ذِكْرِ دَلِيلٍ مِن جانِبِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ذَكَرَ شُبْهَتَهم وهي بِذِكْرِ الفَرْقِ بَيْنَ المَقِيسِ عَلَيْهِ والمَقِيسِ، فَقالُوا إنَّكَ تَقُولُ إنَّهُ أُنْزِلَ إلَيْكَ كِتابٌ كَما أُنْزِلَ إلى مُوسى وعِيسى، ولَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ مُوسى أُوتِيَ تِسْعَ آياتٍ عُلِمَ بِها كَوْنُ الكِتابِ مِن عِنْدِ اللَّهِ وأنْتَ ما أُوتِيتَ شَيْئًا مِنها، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى أرْشَدَ نَبِيَّهُ إلى أجْوِبَةِ هَذِهِ الشُّبْهَةِ مِنها قَوْلُهُ: ﴿إنَّما الآياتُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ ووَجْهُهُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ ادَّعى الرِّسالَةَ ولَيْسَ مِن شَرْطِ الرِّسالَةِ الآيَةُ المُعْجِزَةُ؛ لِأنَّ الرَّسُولَ يُرْسَلُ أوَّلًا ويَدْعُو إلى اللَّهِ، ثُمَّ إنْ تَوَقَّفَ الخَلْقُ في قَبُولِهِ أوْ طَلَبُوا مِنهُ دَلِيلًا، فاللَّهُ إنْ رَحِمَهم بَيَّنَ رِسالَتَهُ وإنْ لَمْ يَرْحَمْهم لا يُبَيِّنْ، فَقالَ أنا السّاعَةَ رَسُولٌ، وأمّا الآيَةُ فاللَّهُ إنْ أرادَ يُنْزِلْها وإنْ لَمْ يُرِدْ لا يُنْزِلْها؛ وهَذا لِأنَّ ما هو مِن ضَرُوراتِ الشَّيْءِ إذا خَلَقَ اللَّهُ الشَّيْءَ لا بُدَّ مِن أنْ يَخْلُقَها كالمَكانِ مِن ضَرُوراتِ الإنْسانِ فَلا يَخْلُقُ اللَّهُ إنْسانًا إلّا ويَكُونُ قَدْ خَلَقَ مَكانًا أوْ يَخْلُقُهُ مَعَهُ، لَكِنَّ الرِّسالَةَ والمُعْجِزَةَ لَيْسَتا كَذَلِكَ، فاللَّهُ إذا خَلَقَ رَسُولًا وجَعَلَهُ رَسُولًا لَيْسَ مِن ضَرُوراتِهِ أنْ تُعْلَمَ لَهُ مُعْجِزَةٌ، ولِهَذا عُلِمَ وُجُودُ رُسُلٍكَشِيثَ وإدْرِيسَ وشُعَيْبٍ ولَمْ تُعْلَمْ لَهم مُعْجِزَةٌ، فَإنْ قِيلَ عُلِمَ رِسالَتُهم، نَقُولُ مَن ثَبَتَتْ رِسالَتُهُ بِلا مُعْجِزَةٍ فَنَبِيُّنا كَذَلِكَ لا حاجَةَ لَهُ إلى مُعْجِزَةٍ؛ لِأنَّ رِسالَتَهُ عُلِمَتْ بِقَوْلِ مُوسى وعِيسى فَتَبَيَّنَ بُطْلانُ قَوْلِهِمْ لِمَ لَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِ آيَةٌ ؟ وهَذا لِأنَّهم طَلَبُوا سَبْقَ الآيَةِ ولَيْسَتْ شَرْطًا حَتّى تَسْبِقَها، بَلى إنْ كانَ لَهم سُؤالٌ فَطَرِيقُهُ أنْ يَقُولُوا يا أيُّها المُدَّعِي نَحْنُ لا نُكَذِّبُكَ ولا نُصَدِّقُكَ لَكِنّا نُرِيدُ أنْ يُبَيِّنَ اللَّهُ لَنا آيَةً تُخَلِّصُنا مِن تَصْدِيقِ المُتَنَبِّي وتَكْذِيبِ النَّبِيِّ، ونَعْلَمُ بِها كَوْنَكَ نَبِيًّا ونُؤْمِنُ بِكَ، فَبَعْدَ ذَلِكَ ما كانَ يَبْعُدُ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ أنْ يُنْزِلَ آيَةً. ثُمَّ قَوْلُهُ: ﴿وإنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ مَعْناهُ أنَّ الآيَةَ عِنْدَ اللَّهِ يُنْزِلُها أوْ لا يُنْزِلُها لا تَتَعَلَّقُ بِي ما أنا إلّا نَذِيرٌ، ولَيْسَ لِي عَلَيْهِ حُكْمٌ بِشَيْءٍ، ثُمَّ إنَّهُ بَعْدَ بَيانِ فَسادِ شُبْهَتِهِمْ مِن وجْهٍ بَيَّنَ فَسادَها مِن وجْهٍ آخَرَ، وقالَ: هَبْ أنَّ إنْزالَ الآيَةِ شَرْطٌ لَكِنَّهُ وُجِدَ وهو في نَفْسِ الكِتابِ.

العنكبوت 29:51

[ فَقالَ تَعالى: ( أوَلَمْ يَكْفِهِمْ أنّا أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ إنَّ في ذَلِكَ لَرَحْمَةً وذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴿قُلْ كَفى بِاللَّهِ بَيْنِي وبَيْنَكم شَهِيدًا يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ والَّذِينَ آمَنُوا بِالباطِلِ وكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ ] . فَقالَ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَكْفِهِمْ أنّا أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ﴾ يَعْنِي إنْ كانَ إنْزالُ الآيَةِ شَرْطًا فَلا يُشْتَرَطُ إلّا إنْزالُ آيَةٍ، وقَدْ أُنْزِلَ وهو القُرْآنُ فَإنَّهُ مُعْجِزَةٌ ظاهِرَةٌ باقِيَةٌ وقَوْلُهُ: ﴿أوَلَمْ يَكْفِهِمْ﴾ عِبارَةٌ تُنْبِئُ عَنْ كَوْنِ القُرْآنِ آيَةً فَوْقَ الكِفايَةِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ القائِلَ إذا قالَ أما يَكْفِي لِلْمُسِيءِ أنْ لا يُضْرَبَ حَتّى يَتَوَقَّعَ الإكْرامَ يُنْبِئُ عَنْ أنَّ تَرْكَ الضَّرْبِ في حَقِّهِ كَثِيرٌ فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿أوَلَمْ يَكْفِهِمْ أنّا أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ﴾ وهَذا لِأنَّ القُرْآنَ صفحة ٧٠ مُعْجِزَةٌ أتَمُّ مِن كُلِّ مُعْجِزَةٍ تَقَدَّمَتْها لِوُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ تِلْكَ المُعْجِزاتِ وُجِدَتْ وما دامَتْ فَإنَّ قَلْبَ العَصا ثُعْبانًا وإحْياءَ المَيِّتِ لَمْ يَبْقَ لَنا مِنهُ أثَرٌ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ واحِدٌ يُؤْمِنُ بِكُتُبِ اللَّهِ ويُكَذِّبُ بِوُجُودِ هَذِهِ الأشْياءِ لا يُمْكِنُ إثْباتُها مَعَهُ بِدُونِ الكِتابِ، وأمّا القُرْآنُ فَهو باقٍ لَوْ أنْكَرَهُ واحِدٌ فَنَقُولُ لَهُ فَأْتِ بِآيَةٍ مِن مِثْلِهِ. الثّانِي: هو أنَّ قَلْبَ العَصا ثُعْبانًا كانَ في مَكانٍ واحِدٍ ولَمْ يَرَهُ مَن لَمْ يَكُنْ في ذَلِكَ المَكانِ، وأمّا القُرْآنُ فَقَدْ وصَلَ إلى المَشْرِقِ والمَغْرِبِ وسَمِعَهُ كُلُّ أحَدٍ، وهَهُنا لَطِيفَةٌ وهي أنَّ آياتِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَتْ أشْياءَ لا تَخْتَصُّ بِمَكانٍ دُونَ مَكانٍ؛ لِأنَّ مِن جُمْلَتِها انْشِقاقَ القَمَرِ وهو يَعُمُّ الأرْضَ؛ لِأنَّ الخُسُوفَ إذا وقَعَ عَمَّ؛ وذَلِكَ لِأنَّ نُبُوَّتَهُ كانَتْ عامَّةً لا تَخْتَصُّ بِقُطْرٍ دُونَ قُطْرٍ وغاضَتْ بُحَيْرَةُ ساوَةَ في قُطْرٍ وسَقَطَ إيوانُ كِسْرى في قُطْرٍ، وانْهَدَّتِ الكَنِيسَةُ بِالرُّومِ في قُطْرٍ آخَرَ إعْلامًا بِأنَّهُ يَكُونُ أمْرٌ عامٌّ. الثّالِثُ: هو أنَّ -غَيْرَ هَذِهِ المُعْجِزَةِ- الكافِرَ المُعانِدَ يَقُولُ إنَّهُ سِحْرٌ عُمِلَ بِدَواءٍ، والقُرْآنُ لا يُمْكِنُ هَذا القَوْلُ فِيهِ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَرَحْمَةً﴾ إشارَةً إلى أنّا جَعَلْناهُ مُعْجِزَةً رَحْمَةً عَلى العِبادِ لِيَعْلَمُوا بِها الصّادِقَ، وهَذا لِأنّا بَيَّنّا أنَّ إظْهارَ المُعْجِزَةِ عَلى يَدِ الصّادِقِ رَحْمَةٌ مِنَ اللَّهِ، وكانَ لَهُ أنْ لا يُظْهِرَ فَيَبْقى الخَلْقُ في ورْطَةِ تَكْذِيبِ الصّادِقِ أوْ تَصْدِيقِ الكاذِبِ؛ لِأنَّ النَّبِيَّ لا يَتَمَيَّزُ عَنِ المُتَنَبِّي لَوْلا المُعْجِزَةُ، لَكِنَّ اللَّهَ لَهُ ذَلِكَ يَفْعَلُ ما يَشاءُ ويَحْكُمُ ما يُرِيدُ وقَوْلُهُ: ﴿وذِكْرى﴾ إشارَةٌ إلى أنَّهُ مُعْجِزَةٌ باقِيَةٌ يَتَذَكَّرُ بِها كُلُّ مَن يَكُونُ ما بَقِيَ الزَّمانُ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ يَعْنِي هَذِهِ الرَّحْمَةُ مُخْتَصَّةٌ بِالمُؤْمِنِينَ؛ لِأنَّ المُعْجِزَةَ كانَتْ غَضَبًا عَلى الكافِرِينَ؛ لِأنَّها قَطَعَتْ أعْذارَهم وعَطَّلَتْ إنْكارَهم. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قُلْ كَفى بِاللَّهِ بَيْنِي وبَيْنَكم شَهِيدًا﴾ لَمّا ظَهَرَتْ رِسالَتُهُ وبَهَرَتْ دَلالَتُهُ ولَمْ يُؤْمِن بِهِ المُعانِدُونَ مِن أهْلِ الكِتابِ قالَ كَما يَقُولُ الصّادِقُ إذا كُذِّبَ، وأتى بِكُلِّ ما يَدُلُّ عَلى صِدْقِهِ ولَمْ يُصَدَّقْ: اللَّهُ يَعْلَمُ صِدْقِي وتَكْذِيبَكَ أيُّها المُعانِدُ وهو عَلى ما أقُولُ شَهِيدٌ يَحْكُمُ بَيْنِي وبَيْنَكم، كُلُّ ذَلِكَ إنْذارٌ وتَهْدِيدٌ يُفِيدُهُ تَقْرِيرًا وتَأْكِيدًا، ثُمَّ بَيَّنَ كَوْنَهُ كافِيًا بِكَوْنِهِ عالِمًا بِجَمِيعِ الأشْياءِ. فَقالَ: ﴿يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ وهَهُنا مَسْألَةٌ: وهي أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ في آخِرِ الرَّعْدِ ﴿ويَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكم ومَن عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ﴾ [الرعد: ٤٣] فَأخَّرَ شَهادَةَ أهْلِ الكِتابِ، وفي هَذِهِ السُّورَةِ قَدَّمَها حَيْثُ قالَ: ﴿فالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ [العنكبوت: ٤٧] ومِن هَؤُلاءِ مَن يُؤْمِنُ بِهِ أيْ مِن أهْلِ الكِتابِ، فَنَقُولُ: الكَلامُ هُناكَ مَعَ المُشْرِكِينَ، فاسْتُدِلَّ عَلَيْهِمْ بِشَهادَةِ غَيْرِهِمْ، ثُمَّ إنَّ شَهادَةَ اللَّهِ أقْوى في إلْزامِهِمْ مِن شَهادَةِ غَيْرِ اللَّهِ، وهَهُنا الكَلامُ مَعَ أهْلِ الكِتابِ، وشَهادَةُ المَرْءِ عَلى نَفْسِهِ هو إقْرارُهُ وهو أقْوى الحُجَجِ عَلَيْهِ فَقَدَّمَ ما هو ألْزَمُ عَلَيْهِمْ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ الطَّرِيقَيْنِ في إرْشادِ الفَرِيقَيْنِ المُشْرِكِينَ وأهْلِ الكِتابِ عادَ إلى الكَلامِ الشّامِلِ لَهُما والإنْذارِ العامِّ فَقالَ تَعالى: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِالباطِلِ وكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ أيِ الَّذِينَ آمَنُوا بِما سِوى اللَّهِ؛ لِأنَّ ما سِوى اللَّهِ باطِلٌ؛ لِأنَّهُ هالِكٌ بِقَوْلِهِ: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلّا وجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] وكُلُّ ما هَلَكَ فَقَدْ بَطَلَ فَكُلُّ هالِكٍ باطِلٌ وكُلُّ ما سِوى اللَّهِ باطِلٌ، فَمَن آمَنَ بِما سِوى اللَّهِ فَقَدْ آمَنَ بِالباطِلِ، وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ يَقْتَضِي الحَصْرَ أيْ مَن أتى بِالإيمانِ بِالباطِلِ والكُفْرِ بِاللَّهِ صفحة ٧١ فَهُوَ خاسِرٌ، فَمَن يَأْتِي بِأحَدِهِما دُونَ الآخَرِ يَنْبَغِي أنْ لا يَكُونَ خاسِرًا فَنَقُولُ: يَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ الآتِي بِأحَدِهِما لا يَكُونُ آتِيًا بِالآخَرِ، أمّا الآتِي بِالإيمانِ بِما سِوى اللَّهِ فَلِأنَّهُ أشْرَكَ بِاللَّهِ، فَجَعَلَ غَيْرَ اللَّهِ مِثْلَ غَيْرِهِ، لَكِنَّ غَيْرَهُ عاجِزٌ جاهِلٌ مُمْكِنٌ باطِلٌ فَيَكُونُ اللَّهُ كَذَلِكَ، فَيَكُونُ إنْكارًا لِلَّهِ وكُفْرًا بِهِ، وأمّا مَن كَفَرَ بِهِ وأنْكَرَهُ فَيَكُونُ قائِلًا بِأنَّ العالَمَ لَيْسَ لَهُ إلَهٌ مُوجِدٌ، فَوُجُودُ العالَمِ مِن نَفْسِهِ، فَيَكُونُ قائِلًا بِأنَّ العالَمَ واجِبٌ والواجِبُ إلَهٌ، فَيَكُونُ قائِلًا بِأنَّ غَيْرَ اللَّهِ إلَهٌ، فَيَكُونُ إثْباتًا لِغَيْرِ اللَّهِ وإيمانًا بِهِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: إذا كانَ الإيمانُ بِما سِوى اللَّهِ كُفْرًا بِهِ، فَيَكُونُ كُلُّ مَن آمَنَ بِالباطِلِ فَقَدْ كَفَرَ بِاللَّهِ، فَهَلْ لِهَذا العَطْفِ فائِدَةٌ غَيْرُ التَّأْكِيدِ الَّذِي هو في قَوْلِ القائِلِ قُمْ ولا تَقْعُدْ واقْرُبْ مِنِّي ولا تَبْعُدْ ؟ نَقُولُ: نَعَمْ فِيهِ فائِدَةٌ غَيْرُها، وهو أنَّهُ ذَكَرَ الثّانِيَ لِبَيانِ قُبْحِ الأوَّلِ كَقَوْلِ القائِلِ: أتَقُولُ بِالباطِلِ وتَتْرُكُ الحَقَّ لِبَيانِ أنَّ القَوْلَ باطِلٌ قَبِيحٌ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: هَلْ يَتَناوَلُ هَذا أهْلَ الكِتابِ، أيْ هَلْ هم آمَنُوا بِالباطِلِ وكَفَرُوا بِاللَّهِ ؟ نَقُولُ نَعَمْ؛ لِأنَّهم لَمّا صَحَّ عِنْدَهم أنَّ مُعْجِزَةَ النَّبِيِّ مِن عِنْدِ اللَّهِ وقَطَعُوا بِها وعانَدُوا وقالُوا إنَّها مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ، يَكُونُ كَمَن رَأى شَخْصًا يَرْمِي حِجارَةً، فَقالَ إنَّ رامِيَ الحِجارَةِ زِيدٌ يَقْطَعُ بِأنَّهُ قائِلٌ بِأنَّ هَذا الشَّخْصَ زِيدٌ حَتّى لَوْ سُئِلَ عَنْ عَيْنِ ذَلِكَ الشَّخْصِ وقِيلَ لَهُ مَن هَذا الرَّجُلُ، يَقُولُ زَيْدٌ، فَكَذَلِكَ هم لَمّا قَطَعُوا بِأنَّ مُظْهِرَ المُعْجِزَةِ هو اللَّهُ، وقالُوا بِأنَّ مُحَمَّدًا مُظْهِرُ هَذا، يَلْزَمُهم أنْ يَقُولُوا مُحَمَّدٌ هو اللَّهُ تَعالى، فَيَكُونُ إيمانًا بِالباطِلِ، وإذا قالُوا بِأنَّ مَن أظْهَرَ المُعْجِزَةَ لَيْسَ بِإلَهٍ مَعَ أنَّهم قَطَعُوا بِخُصُوصِ مُظْهِرِ المُعْجِزَةِ يَكُونُونَ قائِلِينَ بِأنَّ ذَلِكَ المَخْصُوصَ الَّذِي هو اللَّهُ لَيْسَ بِإلَهٍ، فَيَكُونُ كُفْرًا بِهِ، وهَذا لا يَرِدُ عَلَيْنا فِيمَن يَقُولُ: فَلَعَلَّ العَبْدَ مَخْلُوقُ اللَّهِ تَعالى، أوْ مَخْلُوقُ العَبْدِ، فَإنَّهُ أيْضًا يَنْسُبُ فِعْلَ اللَّهِ إلى الغَيْرِ، كَما أنَّ المُعْجِزَةَ فِعْلُ اللَّهِ، وهم نَسَبُوها إلى غَيْرِهِ؛ لِأنَّ هَذا القائِلَ جَهِلَ النِّسْبَةَ، كَمَن يَرى حِجارَةً رُمِيَتْ ولَمْ يَرَ عَيْنَ رامِيها، فَيَظُنُّ أنَّ رامِيَها زَيْدٌ فَيَقُولُ: زَيْدٌ هو رامِي هَذِهِ الحِجارَةِ، ثُمَّ إذا رَأى رامِيَها بِعَيْنِهِ، ويَكُونُ غَيْرَ زَيْدٍ لا يَقْطَعُ بِأنْ يَقُولَ هو زَيْدٌ، وأمّا إذا رَأى عَيْنَهُ ورَمْيَهُ لِلْحِجارَةِ وقالَ رامِي الحِجارَةِ زَيْدٌ، يَقْطَعُ بِأنَّهُ يَقُولُ هَذا الرَّجُلُ زَيْدٌ، فَظَهَرَ الفَرْقُ مِن حَيْثُ إنَّهم كانُوا مُعانِدِينَ عالِمِينَ بِأنَّ اللَّهَ مُظْهِرُ تِلْكَ المُعْجِزَةِ، ويَقُولُونَ بِأنَّها مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ. ثُمَّ قَوْلُهُ: ﴿هُمُ الخاسِرُونَ﴾ كَذَلِكَ بِأتَمِّ وُجُوهِ الخُسْرانِ، وهَذا لِأنَّ مَن يَخْسَرُ رَأْسَ المالِ ولا تَرْكَبُهُ دُيُونٌ يُطالَبُ بِها دُونَ مَن يَخْسَرُ رَأْسَ المالِ وتَرْكَبُهُ تِلْكَ الدُّيُونُ، فَهم لَمّا عَبَدُوا غَيْرَ اللَّهِ أفْنَوُا العُمْرَ ولَمْ يَحْصُلْ لَهم في مُقابَلَتِهِ شَيْءٌ ما أصْلًا مِنَ المَنافِعِ، واجْتَمَعَ عَلَيْهِمْ دُيُونُ تَرْكِ الواجِباتِ يُطالَبُونَ بِها حَيْثُ لا طاقَةَ لَهم بِها.

العنكبوت 29:52

[ فَقالَ تَعالى: ( أوَلَمْ يَكْفِهِمْ أنّا أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ إنَّ في ذَلِكَ لَرَحْمَةً وذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴿قُلْ كَفى بِاللَّهِ بَيْنِي وبَيْنَكم شَهِيدًا يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ والَّذِينَ آمَنُوا بِالباطِلِ وكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ ] . فَقالَ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَكْفِهِمْ أنّا أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ﴾ يَعْنِي إنْ كانَ إنْزالُ الآيَةِ شَرْطًا فَلا يُشْتَرَطُ إلّا إنْزالُ آيَةٍ، وقَدْ أُنْزِلَ وهو القُرْآنُ فَإنَّهُ مُعْجِزَةٌ ظاهِرَةٌ باقِيَةٌ وقَوْلُهُ: ﴿أوَلَمْ يَكْفِهِمْ﴾ عِبارَةٌ تُنْبِئُ عَنْ كَوْنِ القُرْآنِ آيَةً فَوْقَ الكِفايَةِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ القائِلَ إذا قالَ أما يَكْفِي لِلْمُسِيءِ أنْ لا يُضْرَبَ حَتّى يَتَوَقَّعَ الإكْرامَ يُنْبِئُ عَنْ أنَّ تَرْكَ الضَّرْبِ في حَقِّهِ كَثِيرٌ فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿أوَلَمْ يَكْفِهِمْ أنّا أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ﴾ وهَذا لِأنَّ القُرْآنَ صفحة ٧٠ مُعْجِزَةٌ أتَمُّ مِن كُلِّ مُعْجِزَةٍ تَقَدَّمَتْها لِوُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ تِلْكَ المُعْجِزاتِ وُجِدَتْ وما دامَتْ فَإنَّ قَلْبَ العَصا ثُعْبانًا وإحْياءَ المَيِّتِ لَمْ يَبْقَ لَنا مِنهُ أثَرٌ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ واحِدٌ يُؤْمِنُ بِكُتُبِ اللَّهِ ويُكَذِّبُ بِوُجُودِ هَذِهِ الأشْياءِ لا يُمْكِنُ إثْباتُها مَعَهُ بِدُونِ الكِتابِ، وأمّا القُرْآنُ فَهو باقٍ لَوْ أنْكَرَهُ واحِدٌ فَنَقُولُ لَهُ فَأْتِ بِآيَةٍ مِن مِثْلِهِ. الثّانِي: هو أنَّ قَلْبَ العَصا ثُعْبانًا كانَ في مَكانٍ واحِدٍ ولَمْ يَرَهُ مَن لَمْ يَكُنْ في ذَلِكَ المَكانِ، وأمّا القُرْآنُ فَقَدْ وصَلَ إلى المَشْرِقِ والمَغْرِبِ وسَمِعَهُ كُلُّ أحَدٍ، وهَهُنا لَطِيفَةٌ وهي أنَّ آياتِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَتْ أشْياءَ لا تَخْتَصُّ بِمَكانٍ دُونَ مَكانٍ؛ لِأنَّ مِن جُمْلَتِها انْشِقاقَ القَمَرِ وهو يَعُمُّ الأرْضَ؛ لِأنَّ الخُسُوفَ إذا وقَعَ عَمَّ؛ وذَلِكَ لِأنَّ نُبُوَّتَهُ كانَتْ عامَّةً لا تَخْتَصُّ بِقُطْرٍ دُونَ قُطْرٍ وغاضَتْ بُحَيْرَةُ ساوَةَ في قُطْرٍ وسَقَطَ إيوانُ كِسْرى في قُطْرٍ، وانْهَدَّتِ الكَنِيسَةُ بِالرُّومِ في قُطْرٍ آخَرَ إعْلامًا بِأنَّهُ يَكُونُ أمْرٌ عامٌّ. الثّالِثُ: هو أنَّ -غَيْرَ هَذِهِ المُعْجِزَةِ- الكافِرَ المُعانِدَ يَقُولُ إنَّهُ سِحْرٌ عُمِلَ بِدَواءٍ، والقُرْآنُ لا يُمْكِنُ هَذا القَوْلُ فِيهِ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَرَحْمَةً﴾ إشارَةً إلى أنّا جَعَلْناهُ مُعْجِزَةً رَحْمَةً عَلى العِبادِ لِيَعْلَمُوا بِها الصّادِقَ، وهَذا لِأنّا بَيَّنّا أنَّ إظْهارَ المُعْجِزَةِ عَلى يَدِ الصّادِقِ رَحْمَةٌ مِنَ اللَّهِ، وكانَ لَهُ أنْ لا يُظْهِرَ فَيَبْقى الخَلْقُ في ورْطَةِ تَكْذِيبِ الصّادِقِ أوْ تَصْدِيقِ الكاذِبِ؛ لِأنَّ النَّبِيَّ لا يَتَمَيَّزُ عَنِ المُتَنَبِّي لَوْلا المُعْجِزَةُ، لَكِنَّ اللَّهَ لَهُ ذَلِكَ يَفْعَلُ ما يَشاءُ ويَحْكُمُ ما يُرِيدُ وقَوْلُهُ: ﴿وذِكْرى﴾ إشارَةٌ إلى أنَّهُ مُعْجِزَةٌ باقِيَةٌ يَتَذَكَّرُ بِها كُلُّ مَن يَكُونُ ما بَقِيَ الزَّمانُ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ يَعْنِي هَذِهِ الرَّحْمَةُ مُخْتَصَّةٌ بِالمُؤْمِنِينَ؛ لِأنَّ المُعْجِزَةَ كانَتْ غَضَبًا عَلى الكافِرِينَ؛ لِأنَّها قَطَعَتْ أعْذارَهم وعَطَّلَتْ إنْكارَهم. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قُلْ كَفى بِاللَّهِ بَيْنِي وبَيْنَكم شَهِيدًا﴾ لَمّا ظَهَرَتْ رِسالَتُهُ وبَهَرَتْ دَلالَتُهُ ولَمْ يُؤْمِن بِهِ المُعانِدُونَ مِن أهْلِ الكِتابِ قالَ كَما يَقُولُ الصّادِقُ إذا كُذِّبَ، وأتى بِكُلِّ ما يَدُلُّ عَلى صِدْقِهِ ولَمْ يُصَدَّقْ: اللَّهُ يَعْلَمُ صِدْقِي وتَكْذِيبَكَ أيُّها المُعانِدُ وهو عَلى ما أقُولُ شَهِيدٌ يَحْكُمُ بَيْنِي وبَيْنَكم، كُلُّ ذَلِكَ إنْذارٌ وتَهْدِيدٌ يُفِيدُهُ تَقْرِيرًا وتَأْكِيدًا، ثُمَّ بَيَّنَ كَوْنَهُ كافِيًا بِكَوْنِهِ عالِمًا بِجَمِيعِ الأشْياءِ. فَقالَ: ﴿يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ وهَهُنا مَسْألَةٌ: وهي أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ في آخِرِ الرَّعْدِ ﴿ويَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكم ومَن عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ﴾ [الرعد: ٤٣] فَأخَّرَ شَهادَةَ أهْلِ الكِتابِ، وفي هَذِهِ السُّورَةِ قَدَّمَها حَيْثُ قالَ: ﴿فالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ [العنكبوت: ٤٧] ومِن هَؤُلاءِ مَن يُؤْمِنُ بِهِ أيْ مِن أهْلِ الكِتابِ، فَنَقُولُ: الكَلامُ هُناكَ مَعَ المُشْرِكِينَ، فاسْتُدِلَّ عَلَيْهِمْ بِشَهادَةِ غَيْرِهِمْ، ثُمَّ إنَّ شَهادَةَ اللَّهِ أقْوى في إلْزامِهِمْ مِن شَهادَةِ غَيْرِ اللَّهِ، وهَهُنا الكَلامُ مَعَ أهْلِ الكِتابِ، وشَهادَةُ المَرْءِ عَلى نَفْسِهِ هو إقْرارُهُ وهو أقْوى الحُجَجِ عَلَيْهِ فَقَدَّمَ ما هو ألْزَمُ عَلَيْهِمْ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ الطَّرِيقَيْنِ في إرْشادِ الفَرِيقَيْنِ المُشْرِكِينَ وأهْلِ الكِتابِ عادَ إلى الكَلامِ الشّامِلِ لَهُما والإنْذارِ العامِّ فَقالَ تَعالى: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِالباطِلِ وكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ أيِ الَّذِينَ آمَنُوا بِما سِوى اللَّهِ؛ لِأنَّ ما سِوى اللَّهِ باطِلٌ؛ لِأنَّهُ هالِكٌ بِقَوْلِهِ: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلّا وجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] وكُلُّ ما هَلَكَ فَقَدْ بَطَلَ فَكُلُّ هالِكٍ باطِلٌ وكُلُّ ما سِوى اللَّهِ باطِلٌ، فَمَن آمَنَ بِما سِوى اللَّهِ فَقَدْ آمَنَ بِالباطِلِ، وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ يَقْتَضِي الحَصْرَ أيْ مَن أتى بِالإيمانِ بِالباطِلِ والكُفْرِ بِاللَّهِ صفحة ٧١ فَهُوَ خاسِرٌ، فَمَن يَأْتِي بِأحَدِهِما دُونَ الآخَرِ يَنْبَغِي أنْ لا يَكُونَ خاسِرًا فَنَقُولُ: يَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ الآتِي بِأحَدِهِما لا يَكُونُ آتِيًا بِالآخَرِ، أمّا الآتِي بِالإيمانِ بِما سِوى اللَّهِ فَلِأنَّهُ أشْرَكَ بِاللَّهِ، فَجَعَلَ غَيْرَ اللَّهِ مِثْلَ غَيْرِهِ، لَكِنَّ غَيْرَهُ عاجِزٌ جاهِلٌ مُمْكِنٌ باطِلٌ فَيَكُونُ اللَّهُ كَذَلِكَ، فَيَكُونُ إنْكارًا لِلَّهِ وكُفْرًا بِهِ، وأمّا مَن كَفَرَ بِهِ وأنْكَرَهُ فَيَكُونُ قائِلًا بِأنَّ العالَمَ لَيْسَ لَهُ إلَهٌ مُوجِدٌ، فَوُجُودُ العالَمِ مِن نَفْسِهِ، فَيَكُونُ قائِلًا بِأنَّ العالَمَ واجِبٌ والواجِبُ إلَهٌ، فَيَكُونُ قائِلًا بِأنَّ غَيْرَ اللَّهِ إلَهٌ، فَيَكُونُ إثْباتًا لِغَيْرِ اللَّهِ وإيمانًا بِهِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: إذا كانَ الإيمانُ بِما سِوى اللَّهِ كُفْرًا بِهِ، فَيَكُونُ كُلُّ مَن آمَنَ بِالباطِلِ فَقَدْ كَفَرَ بِاللَّهِ، فَهَلْ لِهَذا العَطْفِ فائِدَةٌ غَيْرُ التَّأْكِيدِ الَّذِي هو في قَوْلِ القائِلِ قُمْ ولا تَقْعُدْ واقْرُبْ مِنِّي ولا تَبْعُدْ ؟ نَقُولُ: نَعَمْ فِيهِ فائِدَةٌ غَيْرُها، وهو أنَّهُ ذَكَرَ الثّانِيَ لِبَيانِ قُبْحِ الأوَّلِ كَقَوْلِ القائِلِ: أتَقُولُ بِالباطِلِ وتَتْرُكُ الحَقَّ لِبَيانِ أنَّ القَوْلَ باطِلٌ قَبِيحٌ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: هَلْ يَتَناوَلُ هَذا أهْلَ الكِتابِ، أيْ هَلْ هم آمَنُوا بِالباطِلِ وكَفَرُوا بِاللَّهِ ؟ نَقُولُ نَعَمْ؛ لِأنَّهم لَمّا صَحَّ عِنْدَهم أنَّ مُعْجِزَةَ النَّبِيِّ مِن عِنْدِ اللَّهِ وقَطَعُوا بِها وعانَدُوا وقالُوا إنَّها مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ، يَكُونُ كَمَن رَأى شَخْصًا يَرْمِي حِجارَةً، فَقالَ إنَّ رامِيَ الحِجارَةِ زِيدٌ يَقْطَعُ بِأنَّهُ قائِلٌ بِأنَّ هَذا الشَّخْصَ زِيدٌ حَتّى لَوْ سُئِلَ عَنْ عَيْنِ ذَلِكَ الشَّخْصِ وقِيلَ لَهُ مَن هَذا الرَّجُلُ، يَقُولُ زَيْدٌ، فَكَذَلِكَ هم لَمّا قَطَعُوا بِأنَّ مُظْهِرَ المُعْجِزَةِ هو اللَّهُ، وقالُوا بِأنَّ مُحَمَّدًا مُظْهِرُ هَذا، يَلْزَمُهم أنْ يَقُولُوا مُحَمَّدٌ هو اللَّهُ تَعالى، فَيَكُونُ إيمانًا بِالباطِلِ، وإذا قالُوا بِأنَّ مَن أظْهَرَ المُعْجِزَةَ لَيْسَ بِإلَهٍ مَعَ أنَّهم قَطَعُوا بِخُصُوصِ مُظْهِرِ المُعْجِزَةِ يَكُونُونَ قائِلِينَ بِأنَّ ذَلِكَ المَخْصُوصَ الَّذِي هو اللَّهُ لَيْسَ بِإلَهٍ، فَيَكُونُ كُفْرًا بِهِ، وهَذا لا يَرِدُ عَلَيْنا فِيمَن يَقُولُ: فَلَعَلَّ العَبْدَ مَخْلُوقُ اللَّهِ تَعالى، أوْ مَخْلُوقُ العَبْدِ، فَإنَّهُ أيْضًا يَنْسُبُ فِعْلَ اللَّهِ إلى الغَيْرِ، كَما أنَّ المُعْجِزَةَ فِعْلُ اللَّهِ، وهم نَسَبُوها إلى غَيْرِهِ؛ لِأنَّ هَذا القائِلَ جَهِلَ النِّسْبَةَ، كَمَن يَرى حِجارَةً رُمِيَتْ ولَمْ يَرَ عَيْنَ رامِيها، فَيَظُنُّ أنَّ رامِيَها زَيْدٌ فَيَقُولُ: زَيْدٌ هو رامِي هَذِهِ الحِجارَةِ، ثُمَّ إذا رَأى رامِيَها بِعَيْنِهِ، ويَكُونُ غَيْرَ زَيْدٍ لا يَقْطَعُ بِأنْ يَقُولَ هو زَيْدٌ، وأمّا إذا رَأى عَيْنَهُ ورَمْيَهُ لِلْحِجارَةِ وقالَ رامِي الحِجارَةِ زَيْدٌ، يَقْطَعُ بِأنَّهُ يَقُولُ هَذا الرَّجُلُ زَيْدٌ، فَظَهَرَ الفَرْقُ مِن حَيْثُ إنَّهم كانُوا مُعانِدِينَ عالِمِينَ بِأنَّ اللَّهَ مُظْهِرُ تِلْكَ المُعْجِزَةِ، ويَقُولُونَ بِأنَّها مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ. ثُمَّ قَوْلُهُ: ﴿هُمُ الخاسِرُونَ﴾ كَذَلِكَ بِأتَمِّ وُجُوهِ الخُسْرانِ، وهَذا لِأنَّ مَن يَخْسَرُ رَأْسَ المالِ ولا تَرْكَبُهُ دُيُونٌ يُطالَبُ بِها دُونَ مَن يَخْسَرُ رَأْسَ المالِ وتَرْكَبُهُ تِلْكَ الدُّيُونُ، فَهم لَمّا عَبَدُوا غَيْرَ اللَّهِ أفْنَوُا العُمْرَ ولَمْ يَحْصُلْ لَهم في مُقابَلَتِهِ شَيْءٌ ما أصْلًا مِنَ المَنافِعِ، واجْتَمَعَ عَلَيْهِمْ دُيُونُ تَرْكِ الواجِباتِ يُطالَبُونَ بِها حَيْثُ لا طاقَةَ لَهم بِها.

العنكبوت 29:53

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ ولَوْلا أجَلٌ مُسَمًّى لَجاءَهُمُ العَذابُ ولَيَأْتِيَنَّهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ لَمّا أنْذَرَهُمُ اللَّهُ بِالخُسْرانِ وهو أتَمُّ وُجُوهِ الإنْذارِ؛ لِأنَّ مَن خَسِرَ لا يَحْصُلُ لَهُ في مُقابَلَةِ قَدْرِ الخُسْرانِ شَيْءٌ مِنَ المَنافِعِ، وإلّا لَما كانَ الخُسْرانُ ذَلِكَ القَدْرَ بَلْ دُونَهُ، مِثالُهُ إذا خَسِرَ واحِدٌ مِنَ العَشْرَةِ دِرْهَمًا لا يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ حَصَلَ لَهُ في مُقابَلَةِ الدِّرْهَمِ ما يُساوِي نِصْفَ دِرْهَمٍ، وإلّا لا يَكُونُ الخُسْرانُ دِرْهَمًا بَلْ نِصْفَ دِرْهَمٍ، فَإذَنْ هم لَمّا خَسِرُوا أعْمارَهم لا تَحْصُلُ لَهم مَنفَعَةُ تَخْفِيفِ عَذابٍ، وإلّا يَكُونُ ذَلِكَ القَدْرُ مِنَ العُمُرِ لَهُ مَنفَعَةٌ صفحة ٧٢ فَيَكُونُ لِلْخاسِرِ عَذابٌ ألِيمٌ، فَقَوْلُهُ: ﴿وأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ تَهْدِيدٌ عَظِيمٌ، فَقالُوا إنْ كانَ عَلَيْنا عَذابٌ فَأْتِنا بِهِ، إظْهارًا لِقَطْعِهِمْ بِعَدَمِ العَذابِ، ثُمَّ إنَّهُ أجابَ بِأنَّ العَذابَ لا يَأْتِيكم بِسُؤالِكم ولا يُعَجَّلُ بِاسْتِعْجالِكم؛ لِأنَّهُ أجَّلَهُ اللَّهُ لِحِكْمَةٍ ورَحْمَةٍ فَلِكَوْنِهِ حَكِيمًا لا يَكُونُ مُتَغَيِّرًا مُنْقَلِبًا، ولِكَوْنِهِ رَحِيمًا لا يَكُونُ غَضُوبًا مُنْزَعِجًا، ولَوْلا ذَلِكَ الأجَلُ المُسَمّى الَّذِي اقْتَضَتْهُ حِكْمَتُهُ وارْتَضَتْهُ رَحْمَتُهُ، لَما كانَ لَهُ رَحْمَةٌ وحِكْمَةٌ، فَيَكُونُ غَضُوبًا مُنْقَلِبًا فَيَتَأثَّرُ بِاسْتِعْجالِكم ويَتَغَيَّرُ مِن سُؤالِكم فَيَعْجَلُ، ولَيْسَ كَذَلِكَ فَلا يَأْتِيكم بِالعَذابِ وأنْتُمْ تَسْألُونَهُ، ولا يَدْفَعُ عَنْكُمُ العَذابَ حِينَ تَسْتَعِيذُونَ بِهِ مِنهُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها مِن غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها﴾ [الحج: ٢٢] . * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَيَأْتِيَنَّهم بَغْتَةً﴾ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ فِيهِ، فَقالَ بَعْضُهم لَيَأْتِيَنَّهُمُ العَذابُ بَغْتَةً؛ لِأنَّ العَذابَ أقْرَبُ المَذْكُورِينَ، ولِأنَّ مَسْئُولَهم كانَ العَذابَ، فَقالَ إنَّهُ لَيَأْتِيَنَّهم، وقالَ بَعْضُهم لَيَأْتِيَنَّهم بَغْتَةً أيِ الأجَلُ؛ لِأنَّ الآتِيَ بَغْتَةً هو الأجَلُ، وأمّا العَذابُ بَعْدَ الأجَلِ يَكُونُ مُعايَنَةً، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ في كَوْنِ العَذابِ أوِ الأجَلِ آتِيًا بَغْتَةً حِكْمَةً، وهي أنَّهُ لَوْ كانَ وقْتُهُ مَعْلُومًا، لَكانَ كُلُّ أحَدٍ يَتَّكِلُ عَلى بُعْدِهِ وعِلْمِهِ بِوَقْتِهِ فَيَفْسُقُ ويَفْجُرُ مُعْتَمِدًا عَلى التَّوْبَةِ قَبْلَ المَوْتِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ. أحَدُهُما: تَأْكِيدُ مَعْنى قَوْلِهِ بَغْتَةً كَما يَقُولُ القائِلُ أتَيْتُهُ عَلى غَفْلَةٍ مِنهُ بِحَيْثُ لَمْ يَدْرِ، فَقَوْلُهُ بِحَيْثُ لَمْ يَدْرِ أكَّدَ مَعْنى الغَفْلَةِ. والثّانِي: هو كَلامٌ يُفِيدُ فائِدَةً مُسْتَقِلَّةً، وهي أنَّ العَذابَ يَأْتِيهِمْ بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ هَذا الأمْرَ، ويَظُنُّونَ أنَّ العَذابَ لا يَأْتِيهِمْ أصْلًا.

العنكبوت 29:54

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ ولَوْلا أجَلٌ مُسَمًّى لَجاءَهُمُ العَذابُ ولَيَأْتِيَنَّهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ لَمّا أنْذَرَهُمُ اللَّهُ بِالخُسْرانِ وهو أتَمُّ وُجُوهِ الإنْذارِ؛ لِأنَّ مَن خَسِرَ لا يَحْصُلُ لَهُ في مُقابَلَةِ قَدْرِ الخُسْرانِ شَيْءٌ مِنَ المَنافِعِ، وإلّا لَما كانَ الخُسْرانُ ذَلِكَ القَدْرَ بَلْ دُونَهُ، مِثالُهُ إذا خَسِرَ واحِدٌ مِنَ العَشْرَةِ دِرْهَمًا لا يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ حَصَلَ لَهُ في مُقابَلَةِ الدِّرْهَمِ ما يُساوِي نِصْفَ دِرْهَمٍ، وإلّا لا يَكُونُ الخُسْرانُ دِرْهَمًا بَلْ نِصْفَ دِرْهَمٍ، فَإذَنْ هم لَمّا خَسِرُوا أعْمارَهم لا تَحْصُلُ لَهم مَنفَعَةُ تَخْفِيفِ عَذابٍ، وإلّا يَكُونُ ذَلِكَ القَدْرُ مِنَ العُمُرِ لَهُ مَنفَعَةٌ صفحة ٧٢ فَيَكُونُ لِلْخاسِرِ عَذابٌ ألِيمٌ، فَقَوْلُهُ: ﴿وأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ تَهْدِيدٌ عَظِيمٌ، فَقالُوا إنْ كانَ عَلَيْنا عَذابٌ فَأْتِنا بِهِ، إظْهارًا لِقَطْعِهِمْ بِعَدَمِ العَذابِ، ثُمَّ إنَّهُ أجابَ بِأنَّ العَذابَ لا يَأْتِيكم بِسُؤالِكم ولا يُعَجَّلُ بِاسْتِعْجالِكم؛ لِأنَّهُ أجَّلَهُ اللَّهُ لِحِكْمَةٍ ورَحْمَةٍ فَلِكَوْنِهِ حَكِيمًا لا يَكُونُ مُتَغَيِّرًا مُنْقَلِبًا، ولِكَوْنِهِ رَحِيمًا لا يَكُونُ غَضُوبًا مُنْزَعِجًا، ولَوْلا ذَلِكَ الأجَلُ المُسَمّى الَّذِي اقْتَضَتْهُ حِكْمَتُهُ وارْتَضَتْهُ رَحْمَتُهُ، لَما كانَ لَهُ رَحْمَةٌ وحِكْمَةٌ، فَيَكُونُ غَضُوبًا مُنْقَلِبًا فَيَتَأثَّرُ بِاسْتِعْجالِكم ويَتَغَيَّرُ مِن سُؤالِكم فَيَعْجَلُ، ولَيْسَ كَذَلِكَ فَلا يَأْتِيكم بِالعَذابِ وأنْتُمْ تَسْألُونَهُ، ولا يَدْفَعُ عَنْكُمُ العَذابَ حِينَ تَسْتَعِيذُونَ بِهِ مِنهُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها مِن غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها﴾ [الحج: ٢٢] . * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَيَأْتِيَنَّهم بَغْتَةً﴾ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ فِيهِ، فَقالَ بَعْضُهم لَيَأْتِيَنَّهُمُ العَذابُ بَغْتَةً؛ لِأنَّ العَذابَ أقْرَبُ المَذْكُورِينَ، ولِأنَّ مَسْئُولَهم كانَ العَذابَ، فَقالَ إنَّهُ لَيَأْتِيَنَّهم، وقالَ بَعْضُهم لَيَأْتِيَنَّهم بَغْتَةً أيِ الأجَلُ؛ لِأنَّ الآتِيَ بَغْتَةً هو الأجَلُ، وأمّا العَذابُ بَعْدَ الأجَلِ يَكُونُ مُعايَنَةً، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ في كَوْنِ العَذابِ أوِ الأجَلِ آتِيًا بَغْتَةً حِكْمَةً، وهي أنَّهُ لَوْ كانَ وقْتُهُ مَعْلُومًا، لَكانَ كُلُّ أحَدٍ يَتَّكِلُ عَلى بُعْدِهِ وعِلْمِهِ بِوَقْتِهِ فَيَفْسُقُ ويَفْجُرُ مُعْتَمِدًا عَلى التَّوْبَةِ قَبْلَ المَوْتِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ. أحَدُهُما: تَأْكِيدُ مَعْنى قَوْلِهِ بَغْتَةً كَما يَقُولُ القائِلُ أتَيْتُهُ عَلى غَفْلَةٍ مِنهُ بِحَيْثُ لَمْ يَدْرِ، فَقَوْلُهُ بِحَيْثُ لَمْ يَدْرِ أكَّدَ مَعْنى الغَفْلَةِ. والثّانِي: هو كَلامٌ يُفِيدُ فائِدَةً مُسْتَقِلَّةً، وهي أنَّ العَذابَ يَأْتِيهِمْ بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ هَذا الأمْرَ، ويَظُنُّونَ أنَّ العَذابَ لا يَأْتِيهِمْ أصْلًا.

العنكبوت 29:55

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ وإنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالكافِرِينَ﴾ ذُكِرَ هَذا لِلتَّعَجُّبِ، وهَذا لِأنَّ مَن تُوُعِّدَ بِأمْرٍ فِيهِ ضَرَرٌ يَسِيرُ كَلَطْمَةٍ أوْ لَكْمَةٍ، فَيَرى مِن نَفْسِهِ الجَلَدَ، ويَقُولُ بِاسْمِ اللَّهِ هاتِ، وأمّا مَن تُوُعِّدَ بِإغْراقٍ أوْ إحْراقٍ ويَقْطَعُ بِأنَّ المُتَوَعِّدَ قادِرٌ لا يُخْلِفُ المِيعادَ، لا يَخْطُرُ بِبالِ العاقِلِ أنْ يَقُولَ لَهُ هاتِ ما تَتَوَعَّدُنِي بِهِ، فَقالَ هَهُنا ﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ﴾ والعَذابُ بِنارِ جَهَنَّمَ المُحِيطَةِ بِهِمْ، فَقَوْلُهُ: ﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ﴾ أوَّلًا إخْبارٌ عَنْهم، وثانِيًا تَعَجُّبٌ مِنهم، ثُمَّ ذَكَرَ كَيْفِيَّةَ إحاطَةِ جَهَنَّمَ، فَقالَ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَغْشاهُمُ العَذابُ مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ ويَقُولُ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: لِمَ خَصَّ الجانِبَيْنِ بِالذِّكْرِ ولَمْ يَذْكُرِ اليَمِينَ والشِّمالَ وخَلْفَ وقُدّامَ ؟ فَنَقُولُ: لِأنَّ المَقْصُودَ ذِكْرُ ما تَتَمَيَّزُ بِهِ نارُ جَهَنَّمَ عَنْ نارِ الدُّنْيا ونارُ الدُّنْيا تُحِيطُ بِالجَوانِبِ الأرْبَعِ، فَإنَّ مَن دَخَلَها تَكُونُ الشُّعْلَةُ خَلْفَهُ وقُدّامَهُ ويَمِينَهُ ويَسارَهُ، وأمّا النّارُ مِن فَوْقُ فَلا تَنْزِلُ وإنَّما تَصْعَدُ مِن أسْفَلَ في العادَةِ العاجِلَةِ، وتَحْتَ الأقْدامِ لا تَبْقى الشُّعْلَةُ الَّتِي تَحْتَ القَدَمِ، ونارُ جَهَنَّمَ تَنْزِلُ مِن فَوْقُ ولا تَنْطَفِئُ بِالدَّوْسِ مَوْضِعِ القَدَمِ. صفحة ٧٣ المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ: ﴿مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ﴾ ولَمْ يَقُلْ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمْ، ولا قالَ مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِهِمْ، بَلْ ذَكَرَ المُضافَ إلَيْهِ عِنْدَ ذِكْرِ تَحْتَ ولَمْ يَذْكُرْهُ عِنْدَ ذِكْرِ فَوْقُ، فَنَقُولُ لِأنَّ نُزُولَ النّارِ مِن فَوْقُ سَواءٌ كانَ مِن سَمْتِ الرُّءُوسِ وسَواءٌ كانَ مِن مَوْضِعٍ آخَرَ عَجِيبٌ، فَلِهَذا لَمْ يَخُصَّهُ بِالرَّأْسِ، وأمّا بَقاءُ النّارِ تَحْتَ القَدَمِ فَحَسْبُ عَجِيبٌ، وإلّا فَمِن جَوانِبِ القَدَمِ في الدُّنْيا يَكُونُ شُعَلٌ وهي تَحْتُ فَذَكَرَ العَجِيبَ وهو ما تَحْتَ الأرْجُلِ، حَيْثُ لَمْ يَنْطِقْ بِالدَّوْسِ وما فَوْقُ عَلى الإطْلاقِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ويَقُولُ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ لَمّا بَيَّنَ عَذابَ أجْسامِهِمْ بَيَّنَ عَذابَ أرْواحِهِمْ، وهو أنْ يُقالَ لَهم عَلى سَبِيلِ التَّنْكِيلِ والإهانَةِ: ذُوقُوا عَذابَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ، وجَعَلَ ذَلِكَ عَيْنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ لِلْمُبالَغَةِ بِطَرِيقِ إطْلاقِ اسْمِ المُسَبَّبِ عَلى السَّبَبِ، فَإنَّ عَمَلَهم كانَ سَبَبًا لِجَعْلِ اللَّهِ إيّاهُ سَبَبًا لِعَذابِهِمْ، وهَذا كَثِيرُ النَّظِيرِ في الِاسْتِعْمالِ.

العنكبوت 29:56

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ياعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ أرْضِي واسِعَةٌ فَإيّايَ فاعْبُدُونِ﴾ وجْهُ التَّعَلُّقِ هو أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا ذَكَرَ حالَ المُشْرِكِينَ عَلى حِدَةٍ وحالَ أهْلِ الكِتابِ عَلى حِدَةٍ وجَمَعَهُما في الإنْذارِ وجَعَلَهُما مِن أهْلِ النّارِ اشْتَدَّ عِنادُهم وزادَ فَسادُهم وسَعَوْا في إيذاءِ المُؤْمِنِينَ ومَنَعُوهم مِنَ العِبادَةِ فَقالَ مُخاطِبًا لِلْمُؤْمِنِينَ: ﴿ياعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ أرْضِي واسِعَةٌ فَإيّايَ فاعْبُدُونِ﴾ إنْ تَعَذَّرَتِ العِبادَةُ عَلَيْكم في بَعْضِها فَهاجِرُوا ولا تَتْرُكُوا عِبادَتِي بِحالٍ، وبِهَذا عُلِمَ أنَّ الجُلُوسَ في دارِ الحَرْبِ حَرامٌ والخُرُوجَ مِنها واجِبٌ، حَتّى لَوْ حَلَفَ بِالطَّلاقِ أنَّهُ لا يَخْرُجُ لَزِمَهُ الخُرُوجُ، و[رُ]دِعَ حَتّى يَقَعَ الطَّلاقُ. ثُمَّ في الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: ﴿ياعِبادِيَ﴾ لَمْ يُرِدِ إلّا المُخاطَبَةَ مَعَ المُؤْمِنِينَ مَعَ أنَّ الكافِرَ داخِلٌ في قَوْلِهِ: ﴿ياعِبادِيَ﴾ نَقُولُ لَيْسَ داخِلًا في قَوْلِهِ: ﴿ياعِبادِيَ﴾ نَقُولُ لَيْسَ داخِلًا فِيهِ لِوُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ مَن قالَ في حَقِّهِ: ( عِبادِيَ) لَيْسَ لِلشَّيْطانِ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ﴾ [الحجر: ٤٢] والكافِرُ تَحْتَ سَلْطَنَةِ الشَّيْطانِ فَلا يَكُونُ داخِلًا في قَوْلِهِ: ﴿ياعِبادِيَ﴾ . الثّانِي: هو أنَّ الخِطابَ بِعِبادِي أشْرَفُ مَنازِلِ المُكَلَّفِ، وذَلِكَ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا خَلَقَ آدَمَ آتاهُ اسْمًا عَظِيمًا وهو اسْمُ الخِلافَةِ كَما قالَ تَعالى: ﴿إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠] والخَلِيفَةُ أعْظَمُ النّاسِ مِقْدارًا وأتَمُّ ذَوِي البَأْسِ اقْتِدارًا، ثُمَّ إنَّ إبْلِيسَ لَمْ يُرْهَبْ مِن هَذا الِاسْمِ ولَمْ يَنْهَزِمْ، بَلْ أقْدَمَ عَلَيْهِ بِسَبَبِهِ وعاداهُ وغَلَبَهُ كَما قالَ تَعالى: ﴿فَأزَلَّهُما الشَّيْطانُ﴾ [البقرة: ٣٦] ثُمَّ إنَّ مِن أوْلادِهِ الصّالِحِينَ مَن سُمِّيَ بِعِبادِي فانْخَنَسَ عَنْهُمُ الشَّيْطانُ وتَضاءَلَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ﴾ وقالَ هو بِلِسانِهِ ﴿لَأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلّا عِبادَكَ﴾ [ص: ٨٢ - ٨٣] فَعُلِمَ أنَّ المُكَلَّفَ إذا كانَ عَبْدًا لِلَّهِ يَكُونُ أعْلى دَرَجَةً مِمّا إذا كانَ خَلِيفَةً لِوَجْهِ الأرْضِ، ولَعَلَّ آدَمَ كَداوُدَ الَّذِي قالَ اللَّهُ تَعالى في حَقِّهِ: ﴿إنّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً في الأرْضِ﴾ [ص: ٢٦] لَمْ يَتَخَلَّصْ مِن يَدِ الشَّيْطانِ إلّا وقْتَ ما قالَ اللَّهُ تَعالى في حَقِّهِ عَبْدِي، وعِنْدَما ناداهُ بِقَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا ظَلَمْنا أنْفُسَنا﴾ [الأعراف: ٢٣] واجْتَباهُ بِهَذا النِّداءِ، كَما قالَ في حَقِّ داوُدَ: ﴿واذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذا الأيْدِ﴾ [ص: ١٧] إذا عُلِمَ هَذا فالكافِرُ لا يَصْلُحُ لِلْخِلافَةِ، فَكَيْفَ يَصْلُحُ لِما هو أعْظَمُ مِنَ الخِلافَةِ ؟ فَلا يَدْخُلُ في قَوْلِهِ: ﴿ياعِبادِيَ﴾ إلّا المُؤْمِنُ. الثّالِثُ: هو أنَّ هَذا الخِطابَ حَصَلَ لِلْمُؤْمِنِ صفحة ٧٤ بِسَعْيِهِ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ، وذَلِكَ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠] فالمُؤْمِنُ دَعا رَبَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا إنَّنا سَمِعْنا مُنادِيًا يُنادِي لِلْإيمانِ أنْ آمِنُوا بِرَبِّكم فَآمَنّا﴾ [آل عمران: ١٩٣] فَأجابَهُ اللَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ ياعِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزُّمَرِ: ٥٣] فالإضافَةُ بَيْنَ اللَّهِ وبَيْنَ العَبْدِ بِقَوْلِ العَبْدِ إلَهِي، وقَوْلِ اللَّهِ عَبْدِي تَأكَّدَتْ بِدُعاءِ العَبْدِ، لَكِنَّ الكافِرَ لَمْ يَدْعُ فَلَمْ يُجَبْ، فَلا يَتَناوَلُ ﴿ياعِبادِيَ﴾ غَيْرَ المُؤْمِنِينَ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: إذا كانَ عِبادِي لا يَتَناوَلُ إلّا المُؤْمِنِينَ فَما الفائِدَةُ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ مَعَ أنَّ الوَصْفَ إنَّما يُذْكَرُ لِتَمْيِيزِ المَوْصُوفِ، كَما يُقالُ يا أيُّها المُكَلَّفُونَ المُؤْمِنُونَ، ويا أيُّها الرِّجالُ العُقَلاءُ تَمْيِيزًا عَنِ الكافِرِينَ والجُهّالِ، فَنَقُولُ: الوَصْفُ يُذْكَرُ لا لِلتَّمْيِيزِ بَلْ لِمُجَرَّدِ بَيانِ أنَّ فِيهِ الوَصْفَ كَما يُقالُ: الأنْبِياءُ المُكَرَّمُونَ والمَلائِكَةُ المُطَهَّرُونَ، مَعَ أنَّ كُلَّ نَبِيٍّ مُكَرَّمٌ وكُلَّ مَلَكٍ مُطَهِّرٌ، وإنَّما يُقالُ لِبَيانِ أنَّ فِيهِمُ الإكْرامَ والطَّهارَةَ، ومِثْلُ هَذا قَوْلُنا: اللَّهُ العَظِيمُ وزَيْدٌ الطَّوِيلُ، فَهَهُنا ذُكِرَ لِبَيانِ أنَّهم مُؤْمِنُونَ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: إذْ قالَ ﴿ياعِبادِيَ﴾ فَهم يَكُونُونَ عابِدِينَ فَما الفائِدَةُ في الأمْرِ بِالعِبادَةِ بِقَوْلِهِ فاعْبُدُونِ ؟ فَنَقُولُ فِيهِ فائِدَتانِ إحْداهُما: المُداوَمَةُ أيْ يا مَن عَبَدْتُمُونِي في الماضِي اعْبُدُونِي في المُسْتَقْبَلِ. الثّانِيَةُ: الإخْلاصُ أيْ يا مَن تَعْبُدُنِي أخْلِصِ العَمَلَ لِي ولا تَعْبُدْ غَيْرِي. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: الفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فَإيّايَ﴾ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ جَوابٌ لِشَرْطٍ فَما ذَلِكَ ؟ فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿إنَّ أرْضِي واسِعَةٌ﴾ [العَنْكَبُوتِ: ٥٦] إشارَةٌ إلى عَدَمِ المانِعِ مِن عِبادَتِهِ، فَكَأنَّهُ قالَ إذا كانَ لا مانِعَ مِن عِبادَتِي فاعْبُدُونِي، وأمّا الفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاعْبُدُونِ﴾ فَهو لِتَرْتِيبِ المُقْتَضى عَلى المُقْتَضِي كَما يُقالُ هَذا عالِمٌ فَأكْرِمُوهُ فَكَذَلِكَ هَهُنا لَمّا أعْلَمَ نَفْسَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإيّايَ﴾ وهو لِنَفْسِهِ يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ قالَ فاعْبُدُونِ. المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قالَ العَبْدُ مِثْلَ هَذا في قَوْلِهِ: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتِحَةِ: ٥] وقالَ عَقِيبَهُ: ﴿وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتِحَةِ: ٥] واللَّهُ تَعالى وافَقَهُ في قَوْلِهِ: ﴿فَإيّايَ فاعْبُدُونِ﴾ ولَمْ يَذْكُرِ الإعانَةَ ؟ نَقُولُ بَلْ هي مَذْكُورَةٌ في قَوْلِهِ: ﴿ياعِبادِيَ﴾ لِأنَّ المَذْكُورَ بِعِبادِي لَمّا كانَ الشَّيْطانُ مَسْدُودَ السَّبِيلِ عَلَيْهِ مَسْدُودَ القَبِيلِ عَنْهُ كانَ في غايَةِ الإعانَةِ. المَسْألَةُ السّادِسَةُ: قَدَّمَ اللَّهُ الإعانَةَ وأخَّرَ العَبْدُ الِاسْتِعانَةَ، قُلْنا لِأنَّ العَبْدَ فِعْلُهُ لِغَرَضٍ، وكُلُّ فِعْلٍ لِغَرَضٍ، فَإنَّ الغَرَضَ سابِقٌ عَلى الفِعْلِ في الإدْراكِ، وذَلِكَ لِأنَّ مَن يَبْنِي بَيْتًا لِلسُّكْنى يَدْخُلُ في ذِهْنِهِ أوَّلًا فائِدَةُ السُّكْنى فَيَحْمِلُهُ عَلى البِناءِ، لَكِنَّ الغَرَضَ في الوُجُودِ لا يَكُونُ إلّا بَعْدَ فِعْلِ الواسِطَةِ، فَنَقُولُ: الِاسْتِعانَةُ مِنَ العَبْدِ لِغَرَضِ العِبادَةِ فَهي سابِقَةٌ في إدْراكِهِ، وأمّا اللَّهُ تَعالى فَلَيْسَ فِعْلُهُ لِغَرَضٍ، فَراعى تَرْتِيبَ الوُجُودِ، فَإنَّ الإعانَةَ قَبْلَ العِبادَةِ.

العنكبوت 29:57

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ ثُمَّ إلَيْنا تُرْجَعُونَ﴾ لَمّا أمَرَ اللَّهُ تَعالى المُؤْمِنِينَ بِالمُهاجِرَةِ صَعُبَ عَلَيْهِمْ تَرْكُ الأوْطانِ ومُفارَقَةُ الإخْوانِ، فَقالَ لَهم إنَّ ما صفحة ٧٥ تَكْرَهُونَ لا بُدَّ مِن وُقُوعِهِ فَإنَّ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ﴾ والمَوْتُ مُفَرِّقُ الأحْبابِ، فالأوْلى أنْ يَكُونَ ذَلِكَ في سَبِيلِ اللَّهِ فَيُجازِيَكم عَلَيْهِ، فَإنَّ إلى اللَّهِ مَرْجِعَكم، وفِيهِ وجْهٌ أرَقُّ وأدَقُّ، وهو أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: كُلُّ نَفْسٍ إذا كانَتْ غَيْرَ مُتَعَلِّقَةٍ بِغَيْرِها فَهي لِلْمَوْتِ، ثُمَّ إلى اللَّهِ تَرْجِعُ فَلا تَمُوتُ كَما قالَ تَعالى: ﴿لا يَذُوقُونَ فِيها المَوْتَ﴾ [الدخان: ٥٦] إذا ثَبَتَ هَذا فَمَن يُرِيدُ ألّا يَذُوقَ المَوْتَ لا يَبْقى مَعَ نَفْسِهِ، فَإنَّ النَّفْسَ ذائِقَتُهُ بَلْ يَتَعَلَّقُ بِغَيْرِهِ، وذَلِكَ الغَيْرُ إنْ كانَ غَيْرَ اللَّهِ فَهو ذائِقُ المَوْتِ ومُورِدُ الهَلاكِ بِقَوْلِهِ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ﴾، و﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلّا وجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] فَإذًا التَّعَلُّقُ بِاللَّهِ يُرِيحُ مِنَ المَوْتِ فَقالَ تَعالى: ﴿فَإيّايَ فاعْبُدُونِ﴾ أيْ تَعَلَّقُوا بِي، ولا تَتَّبِعُوا النَّفْسَ فَإنَّها ذائِقَةُ المَوْتِ: ﴿ثُمَّ إلَيْنا تُرْجَعُونَ﴾ أيْ إذا تَعَلَّقْتُمْ بِي فَمَوْتُكم رُجُوعٌ إلَيَّ ولَيْسَ بِمَوْتٍ كَما قالَ تَعالى: ﴿ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتًا بَلْ أحْياءٌ﴾ [آل عمران: ١٦٩] وقالَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ”«المُؤْمِنُونَ لا يَمُوتُونَ بَلْ يُنْقَلُونَ مِن دارٍ إلى دارٍ» “ فَعَلى هَذا الوَجْهِ أيْضًا يَتَبَيَّنُ وجْهُ التَّعَلُّقِ.

العنكبوت 29:58

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَنُبَوِّئَنَّهم مِنَ الجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها نِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ﴾ بَيَّنَ ما يَكُونُ لِلْمُؤْمِنِينَ وقْتَ الرُّجُوعِ إلَيْهِ كَما بَيَّنَ مِن قَبْلُ ما يَكُونُ لِلْكافِرِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالكافِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٥٤] فَبَيَّنَ أنَّ لِلْمُؤْمِنِينَ الجِنانَ في مُقابَلَةِ ما أنَّ لِلْكافِرِينَ النِّيرانَ، وبَيَّنَ أنَّ فِيها غُرَفًا تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ في مُقابَلَةِ ما بَيَّنَ أنَّ تَحْتَ الكافِرِينَ النّارَ، وبَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ أجْرُ عَمَلِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿نِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ﴾ في مُقابَلَةِ ما بَيَّنَ أنَّ ما تَقَدَّمَ جَزاءُ عَمَلِ الكُفّارِ بِقَوْلِهِ: ﴿ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ثُمَّ في الآيَتَيْنِ اخْتِلافاتٌ فِيها لَطائِفُ مِنها أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في العَذابِ أنَّ فَوْقَهم عَذابًا أيْ نارًا، ولَمْ يَذْكُرْ هَهُنا فَوْقَهم شَيْئًا، وإنَّما ذَكَرَ ما فَوْقُ مِن غَيْرِ إضافَةٍ وهو الغُرْفُ، وذَلِكَ؛ لِأنَّ المَذْكُورَ في المَوْضِعَيْنِ العِقابُ والثَّوابُ الجُسْمانِيّانِ، لَكِنَّ الكافِرَ في الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ، فَيَكُونُ فَوْقَهُ طَبَقاتٌ مِنَ النّارِ، فَأمّا المُؤْمِنُونَ فَيَكُونُونَ في أعْلى عِلِّيِّينَ، فَلَمْ يَذْكُرْ فَوْقَهم شَيْئًا إشارَةً إلى عُلُوِّ مَرْتَبَتِهِمْ وارْتِفاعِ مَنزِلَتِهِمْ. * * * وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهم غُرَفٌ مِن فَوْقِها غُرَفٌ﴾ [الزمر: ٢٠] لا يُنافِي [ ذَلِكَ ] لِأنَّ الغُرَفَ فَوْقَ الغُرَفِ لا فَوْقَهم والنّارُ فَوْقَ النّارِ وهي فَوْقَهم، ومِنها أنَّ هُناكَ ذَكَرَ مِن تَحْتِ أرْجُلِهِمُ النّارَ، وهَهُنا ذَكَرَ مِن تَحْتِ غُرَفِهِمُ الماءَ، وذَلِكَ لِأنَّ النّارَ لا تُؤْلِمُ إذا كانَتْ تَحْتُ مُطْلَقًا ما لَمْ تَكُنْ في مُسامَتَةِ الأقْدامِ ومُتَّصِلَةً بِها، أمّا إذا كانَ الشُّعْلَةُ مائِلَةً عَنْ سَمْتِ القَدَمِ وإنْ كانَتْ تَحْتَها، أوْ تَكُونُ مُسامِتَةً ولَكِنْ تَكُونُ غَيْرَ مُلاصِقَةٍ بَلْ تَكُونُ أسْفَلَ في وهْدَةٍ لا تُؤْلِمُ، وأمّا الماءُ إذا كانَ تَحْتَ الغُرْفَةِ في أيِّ وجْهٍ كانَ وعَلى أيِّ بُعْدٍ كانَ يَكُونُ مُلْتَذًّا بِهِ، فَقالَ في النّارِ مِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ لِيَحْصُلَ الألَمُ بِها، وقالَ هَهُنا مِن تَحْتِ الغُرَفِ لِحُصُولِ اللَّذَّةِ بِهِ كَيْفَ كانَ، ومِنها أنَّ هُناكَ قالَ ذُوقُوا لِإيلامِ قُلُوبِهِمْ بِلَفْظِ الأمْرِ، وقالَ هَهُنا ﴿نِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ﴾ لِتَفْرِيحِ قُلُوبِهِمْ لا بِصِيغَةِ الأمْرِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ لَفْظَ الأمْرِ يَدُلُّ عَلى انْقِطاعِ التَّعَلُّقِ بَعْدَهُ، فَإنَّ مَن قالَ لِأجِيرِهِ خُذْ أُجْرَتَكَ يُفْهَمُ مِنهُ أنَّ بِذَلِكَ يَنْقَطِعُ تَعَلُّقُهُ عَنْهُ، وأمّا صفحة ٧٦ إذا قالَ: ما أتَمَّ أُجْرَتَكَ عِنْدِي أوْ نِعْمَ مالُكَ مِنَ الأجْرِ يُفْهَمُ مِنهُ أنَّ ذَلِكَ عِنْدَهُ، ولَمْ يَقُلْ هَهُنا خُذُوا أُجْرَتَكم أيُّها العامِلُونَ وقالَ هُناكَ: ﴿ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [العَنْكَبُوتِ: ٥٥] فَإنْ قالَ قائِلٌ ذُوقُوا إذا كانَ يُفْهَمُ مِنهُ الِانْقِطاعُ فَعَذابُ الكافِرِ يَنْقَطِعُ، قُلْنا لَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ اللَّهَ إذا قالَ ذُوقُوا دَلَّ عَلى أنَّهُ أعْطاهم جَزاءَهم وانْقَطَعَ ما بَيْنَهُ وبَيْنَهم، لَكِنْ يَبْقى عَلَيْهِمْ ذَلِكَ دائِمًا ولا يَنْقُصُ ولا يَزْدادُ، وأمّا المُؤْمِنُ إذا أعْطاهُ شَيْئًا فَلا يَتْرُكُهُ مَعَ ما أعْطاهُ بَلْ يَزِيدُ لَهُ كُلَّ يَوْمٍ في النِّعَمِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى وزِيادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] أيِ الَّذِي يَصِلُ إلى الكافِرِ يَدُومُ مِن غَيْرِ زِيادَةٍ، والَّذِي يَصِلُ إلى المُؤْمِنِ يَزْدادُ عَلى الدَّوامِ، وأمّا الخُلُودُ وإنْ لَمْ يَذْكُرْهُ في حَقِّ الكافِرِ لَكِنَّ ذَلِكَ مَعْلُومٌ بِغَيْرِهِ مِنَ النُّصُوصِ.

العنكبوت 29:59

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ ذَكَرَ أمْرَيْنِ الصَّبْرَ والتَّوَكُّلَ؛ لِأنَّ الزَّمانَ ماضٍ وحاضِرٌ ومُسْتَقْبَلٌ لَكِنَّ الماضِيَ لا تَدارُكَ لَهُ، ولا يُؤْمَرُ العَبْدُ فِيهِ بِشَيْءٍ، بَقِيَ الحاضِرُ واللّائِقُ بِهِ الصَّبْرُ والمُسْتَقْبَلُ واللّائِقُ بِهِ التَّوَكُّلُ، فَيَصْبِرُ عَلى ما يُصِيبُهُ مِنَ الأذى في الحالِ، ويَتَوَكَّلُ فِيما يَحْتاجُ إلَيْهِ في الِاسْتِقْبالِ. واعْلَمْ أنَّ الصَّبْرَ والتَّوَكُّلَ صِفَتانِ لا يَحْصُلانِ إلّا مَعَ العِلْمِ بِاللَّهِ والعِلْمِ بِما سِوى اللَّهِ، فَمَن عَلِمَ ما سِواهُ عَلِمَ أنَّهُ زائِلٌ فَيَهُونُ عَلَيْهِ الصَّبْرُ إذِ الصَّبْرُ عَلى الزّائِلِ هَيِّنٌ، وإذا عَلِمَ اللَّهَ عَلِمَ أنَّهُ باقٍ يَأْتِيهِ بِأرْزاقِهِ فَإنْ فاتَهُ شَيْءٌ فَإنَّهُ يَتَوَكَّلُ عَلى حَيٍّ باقٍ، وذِكْرُ الصَّبْرِ والتَّوَكُّلِ هَهُنا مُناسِبٌ، فَإنَّ قَوْلَهُ: ﴿ياعِبادِيَ﴾ كانَ لِبَيانِ أنَّهُ لا مانِعَ مِنَ العِبادَةِ، ومَن يُؤْذى في بُقْعَةٍ فَلْيَخْرُجْ مِنها. فَحَصَلَ النّاسُ عَلى قِسْمَيْنِ: قادِرٌ عَلى الخُرُوجِ وهو مُتَوَكِّلٌ عَلى رَبِّهِ، يَتْرُكُ الأوْطانَ ويُفارِقُ الإخْوانَ، وعاجِزٌ وهو صابِرٌ عَلى تَحَمُّلِ الأذى ومُواظِبٌ عَلى عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وكَأيِّنْ مِن دابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَها اللَّهُ يَرْزُقُها وإيّاكم وهو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ . لَمّا ذَكَرَ الَّذِينَ صَبَرُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ذَكَرَ ما يُعِينُ عَلى التَّوَكُّلِ وهو بَيانُ حالِ الدَّوابِّ الَّتِي لا تَدَّخِرُ شَيْئًا لِغَدٍ، ويَأْتِيها كُلُّ يَوْمٍ بِرِزْقٍ رَغَدٍ. وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: في كَأيِّنْ لُغاتٌ أرْبَعٌ [ لا ] غَيْرُ، هَذِهِ [ و] كائِنْ عَلى وزْنِ راعٍ وكَأْيِنْ عَلى وزْنِ رَيْعٍ وكَيْ عَلى دَعْ، ولَمْ يُقْرَأْ إلّا كَأيِّنْ، وكائِنْ قِراءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: كَأيِّنْ كَلِمَةٌ مُرَكَّبَةٌ مِن كافِ التَّشْبِيهِ وأيٍّ الَّتِي تُسْتَعْمَلُ اسْتِعْمالَ مَن وما رُكِّبَتا، وجُعِلَ المُرَكَّبُ بِمَعْنى كَمْ، ولَمْ تُكْتَبْ إلّا بِالنُّونِ لِيَفْصِلَ بَيْنَ المُرَكَّبِ وغَيْرِ المُرَكَّبِ؛ لِأنَّ كَأيٍّ يُسْتَعْمَلُ غَيْرَ مُرَكَّبٍ كَما يَقُولُ القائِلُ رَأيْتُ رَجُلًا لا كَأيِّ رَجُلٍ يَكُونُ، فَقَدْ حَذَفَ المُضافَ إلَيْهِ، ويُقالُ رَأيْتُ رَجُلًا لا كَأيِّ رَجُلٍ، وحِينَئِذٍ لا يَكُونُ كَأيٍّ مُرَكَّبًا، فَإذا كانَ كَأيٍّ هَهُنا مُرَكَّبًا كُتِبَتْ بِالنُّونِ لِلتَّمْيِيزِ كَما تُكْتَبُ مَعْدِيكَرِبَ وبَعْلَبَكَّ صفحة ٧٧ مَوْصُولًا لِلْفَرْقِ. وكَما تُكْتَبُ ثَمَّةَ بِالهاءِ تَمْيِيزًا بَيْنَها وبَيْنَ ثُمَّتْ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: كَأيِّنْ بِمَعْنى كَمْ لَمْ تُسْتَعْمَلْ مَعَ مِن إلّا نادِرًا وكَمْ يُسْتَعْمَلُ كَثِيرًا مِن غَيْرِ مِن، يُقالُ كَمْ رَجُلًا وكَمْ مِن رَجُلٍ، وذَلِكَ لِما بَيَّنّا مِنَ الفَرْقِ بَيْنَ كَأيِّنْ بِمَعْنى كَمْ وكَأيٍّ الَّتِي لَيْسَتْ مُرَكَّبَةً، وذَلِكَ لِأنَّ كَأيٍّ إذا لَمْ تَكُنْ مُرَكَّبَةً لا يَجُوزُ إدْخالُ مِن بَعْدَها إذْ لا يُقالُ رَأيْتُ رَجُلًا لا كَأيٍّ مِن رَجُلٍ، والمُرَكَّبَةُ بِمَعْنى كَمْ يَجُوزُ ذَلِكَ فِيها، فالتُزِمَ لِلْفَرْقِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَحْمِلُ رِزْقَها﴾ قِيلَ: لا تَحْمِلُ لِضَعْفِها، وقِيلَ هي كالقُمَّلِ والبُرْغُوثِ والدُّودِ وغَيْرِها وقِيلَ لا تَدَّخِرُ ﴿اللَّهُ يَرْزُقُها وإيّاكُمْ﴾ بِطَرِيقِ القِياسِ، أيْ لا شَكَّ في أنَّ رِزْقَها لَيْسَ إلّا بِاللَّهِ فَكَذَلِكَ يَرْزُقُكم فَتَوَكَّلُوا، فَإنْ قالَ قائِلٌ مَن قالَ بِأنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ الدَّوابَّ بَلِ النَّباتُ في الصَّحْراءِ مُسَبَّبٌ والحَيَوانُ يَسْعى إلَيْهِ ويَرْعى، فَنَقُولُ: الدَّلِيلُ عَلَيْهِ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ نَظَرًا إلى الرِّزْقِ وإلى المُرْتَزَقِ وإلى مَجْمُوعِ الرِّزْقِ والمُرْتَزَقِ. أمّا بِالنَّظَرِ إلى الرِّزْقِ فَلِأنَّ اللَّهَ تَعالى لَوْ لَمْ يَخْلُقِ النَّباتَ لَمْ يَكُنْ لِلْحَيَوانِ رِزْقٌ. وأمّا بِالنَّظَرِ إلى المُرْتَزَقِ فَلِأنَّ الِاغْتِذاءَ لَيْسَ بِمُجَرَّدِ الِابْتِلاعِ، بَلْ لا بُدَّ مِن تَشَبُّثِهِ بِالأعْضاءِ حَتّى يَصِيرَ الحَشِيشُ عَظْمًا ولَحْمًا وشَحْمًا، وما ذاكَ إلّا بِحِكْمَةِ اللَّهِ تَعالى حَيْثُ خَلَقَ فِيهِ جاذِبَةً وماسِكَةً وهاضِمَةً ودافِعَةً وغَيْرَها مِنَ القُوى وبِمَحْضِ قُدْرَةِ اللَّهِ وإرادَتِهِ فَهو الَّذِي يَرْزُقُها. وأمّا بِالنَّظَرِ إلى المُرْتَزَقِ والرِّزْقِ، فَلِأنَّ اللَّهَ لَوْ لَمْ يَهْدِ الحَيَوانَ إلى الغِذاءِ لِيَعْرِفَهُ مِنَ الشَّمِّ ما كانَ يَحْصُلُ لَهُ اغْتِذاءٌ، ألا تَرى أنَّ مِنَ الحَيَوانِ ما لا يَعْرِفُ نَوْعًا مِن أنْواعِ الغِذاءِ حَتّى يُوضَعَ في فَمِهِ بِالشِّدَّةِ لِيَذُوقَ فَيَأْكُلَهُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَإنَّ كَثِيرًا ما يَكُونُ البَعِيرُ لا يَعْرِفُ الخَمِيرَ ولا الشَّعِيرَ حَتّى يَلْقَمَ مَرَّتَيْنِ أوْ ثَلاثَةً فَيَعْرِفَهُ فَيَأْكُلَهُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَإنْ قالَ قائِلٌ كَيْفَ يَصِحُّ قِياسُ الإنْسانِ عَلى الحَيَوانِ فِيما يُوجِبُ التَّوَكُّلَ، والحَيَوانُ رِزْقُهُ لا يُتَعَرَّضُ إلَيْهِ إذا أكَلَ مِنهُ اليَوْمَ شَيْئًا وتَرَكَ بَقِيَّةً يَجِدُها غَدًا، ما مَدَّ إلَيْهِ أحَدٌ يَدًا، والإنْسانُ إنْ لَمْ يَأْخُذِ اليَوْمَ لا يَبْقى لَهُ غَدًا شَيْءٌ ؟ وأيْضًا حاجاتُ الإنْسانِ كَثِيرَةٌ فَإنَّهُ يَحْتاجُ إلى أجْناسِ اللِّباسِ وأنْواعِ الأطْعِمَةِ ولا كَذَلِكَ الحَيَوانُ وأيْضًا قُوتُ الحَيَوانِ مُهَيَّأٌ، وقُوتُ الإنْسانِ يَحْتاجُ إلى كَلَفٍ كالزَّرْعِ والحَصادِ والطَّحْنِ والخَبْزِ، فَلَوْ لَمْ يَجْمَعْهُ قَبْلَ الحاجَةِ ما كانَ يَجِدُهُ وقْتَ الحاجَةِ، فَنَقُولُ نَحْنُ لا نَقُولُ إنَّ الجَمْعَ يَقْدَحُ في التَّوَكُّلِ، بَلْ قَدْ يَكُونُ الزّارِعُ الحاصِدُ مُتَوَكِّلًا والرّاكِعُ السّاجِدُ غَيْرَ مُتَوَكِّلٍ؛ لِأنَّ مَن يَزْرَعُ يَكُونُ اعْتِمادُهُ عَلى اللَّهِ واعْتِقادُهُ في اللَّهِ أنَّهُ إنْ كانَ يُرِيدُ يَرْزُقُ مِن غَيْرِ زَرْعٍ، وإنْ كانَ يُرِيدُ لا يَرْزُقُ مِن ذَلِكَ الزَّرْعِ، فَيَعْمَلُ وقَلْبُهُ مَعَ اللَّهِ هو مُتَوَكِّلٌ حَقَّ التَّوَكُّلِ، ومَن يُصَلِّي وقَلْبُهُ مَعَ ما في يَدِ زَيْدٍ وعَمْرٍو هو غَيْرُ مُتَوَكِّلٍ. وأمّا قَوْلُهُ: حاجاتُ الإنْسانِ كَثِيرَةٌ، فَنَقُولُ مَكاسِبُهُ كَثِيرَةٌ أيْضًا، فَإنَّهُ يَكْتَسِبُ بِيَدِهِ كالخَيّاطِ والنَّسّاجِ وبِرِجْلِهِ كالسّاعِي وغَيْرِهِ، وبِعَيْنِهِ كالنّاطُورِ، وبِلِسانِهِ كالحادِي والمُنادِي، وبِفَهْمِهِ كالمُهَنْدِسِ والتّاجِرِ، وبِعِلْمِهِ كالطَّبِيبِ والفَقِيهِ، وبِقُوَّةِ جِسْمِهِ كالعَتّالِ والحَمّالِ، والحَيَوانُ لا مَكاسِبَ لَهُ، فالرَّغِيفُ الَّذِي يَحْتاجُ إلَيْهِ الإنْسانُ غَدًا أوْ بَعْدَ غَدٍ، بَعِيدٌ أنْ لا يَرْزُقَهُ اللَّهُ مَعَ هَذِهِ المَكاسِبِ، فَهو أوْلى بِالتَّوَكُّلِ. وأيْضًا اللَّهُ تَعالى خَلَقَ الإنْسانَ بِحَيْثُ يَأْتِيهِ الرِّزْقُ وأسْبابُهُ، فَإنَّ اللَّهَ مَلَّكَ الإنْسانَ عَمائِرَ الدُّنْيا وجَعَلَها بِحَيْثُ تَدْخُلُ في مِلْكِهِ شاءَ أمْ أبى، حَتّى أنَّ نِتاجَ الأنْعامِ وثِمارَ الأشْجارِ تَدْخُلُ في المِلْكِ وإنْ لَمْ يُرِدْهُ مالِكُ النَّعَمِ والشَّجَرِ، وإذا ماتَ قَرْنٌ يَنْتَقِلُ ذَلِكَ إلى قَرْنٍ آخَرَ قَهْرًا شاءُوا أمْ أبَوْا، ولَيْسَ كَذَلِكَ حالُ الحَيَوانِ أصْلًا، فَإنَّ الحَيَوانَ إنْ لَمْ يَأْتِ الرِّزْقَ لا يَأْتِيهِ رِزْقُهُ، فَإذَنِ الإنْسانُ لَوْ تَوَكَّلَ كانَ أقْرَبَ إلى العَقْلِ مِن تَوَكُّلِ الحَيَوانِ، ثُمَّ قالَ: ﴿وهُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ سَمِيعٌ إذا طَلَبْتُمُ الرِّزْقَ، يَسْمَعُ ويُجِيبُ، عَلِيمٌ إنْ سَكَتُّمْ، لا تَخْفى عَلَيْهِ حاجَتُكم ومِقْدارُ حاجَتِكم.

العنكبوت 29:60

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ ذَكَرَ أمْرَيْنِ الصَّبْرَ والتَّوَكُّلَ؛ لِأنَّ الزَّمانَ ماضٍ وحاضِرٌ ومُسْتَقْبَلٌ لَكِنَّ الماضِيَ لا تَدارُكَ لَهُ، ولا يُؤْمَرُ العَبْدُ فِيهِ بِشَيْءٍ، بَقِيَ الحاضِرُ واللّائِقُ بِهِ الصَّبْرُ والمُسْتَقْبَلُ واللّائِقُ بِهِ التَّوَكُّلُ، فَيَصْبِرُ عَلى ما يُصِيبُهُ مِنَ الأذى في الحالِ، ويَتَوَكَّلُ فِيما يَحْتاجُ إلَيْهِ في الِاسْتِقْبالِ. واعْلَمْ أنَّ الصَّبْرَ والتَّوَكُّلَ صِفَتانِ لا يَحْصُلانِ إلّا مَعَ العِلْمِ بِاللَّهِ والعِلْمِ بِما سِوى اللَّهِ، فَمَن عَلِمَ ما سِواهُ عَلِمَ أنَّهُ زائِلٌ فَيَهُونُ عَلَيْهِ الصَّبْرُ إذِ الصَّبْرُ عَلى الزّائِلِ هَيِّنٌ، وإذا عَلِمَ اللَّهَ عَلِمَ أنَّهُ باقٍ يَأْتِيهِ بِأرْزاقِهِ فَإنْ فاتَهُ شَيْءٌ فَإنَّهُ يَتَوَكَّلُ عَلى حَيٍّ باقٍ، وذِكْرُ الصَّبْرِ والتَّوَكُّلِ هَهُنا مُناسِبٌ، فَإنَّ قَوْلَهُ: ﴿ياعِبادِيَ﴾ كانَ لِبَيانِ أنَّهُ لا مانِعَ مِنَ العِبادَةِ، ومَن يُؤْذى في بُقْعَةٍ فَلْيَخْرُجْ مِنها. فَحَصَلَ النّاسُ عَلى قِسْمَيْنِ: قادِرٌ عَلى الخُرُوجِ وهو مُتَوَكِّلٌ عَلى رَبِّهِ، يَتْرُكُ الأوْطانَ ويُفارِقُ الإخْوانَ، وعاجِزٌ وهو صابِرٌ عَلى تَحَمُّلِ الأذى ومُواظِبٌ عَلى عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وكَأيِّنْ مِن دابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَها اللَّهُ يَرْزُقُها وإيّاكم وهو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ . لَمّا ذَكَرَ الَّذِينَ صَبَرُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ذَكَرَ ما يُعِينُ عَلى التَّوَكُّلِ وهو بَيانُ حالِ الدَّوابِّ الَّتِي لا تَدَّخِرُ شَيْئًا لِغَدٍ، ويَأْتِيها كُلُّ يَوْمٍ بِرِزْقٍ رَغَدٍ. وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: في كَأيِّنْ لُغاتٌ أرْبَعٌ [ لا ] غَيْرُ، هَذِهِ [ و] كائِنْ عَلى وزْنِ راعٍ وكَأْيِنْ عَلى وزْنِ رَيْعٍ وكَيْ عَلى دَعْ، ولَمْ يُقْرَأْ إلّا كَأيِّنْ، وكائِنْ قِراءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: كَأيِّنْ كَلِمَةٌ مُرَكَّبَةٌ مِن كافِ التَّشْبِيهِ وأيٍّ الَّتِي تُسْتَعْمَلُ اسْتِعْمالَ مَن وما رُكِّبَتا، وجُعِلَ المُرَكَّبُ بِمَعْنى كَمْ، ولَمْ تُكْتَبْ إلّا بِالنُّونِ لِيَفْصِلَ بَيْنَ المُرَكَّبِ وغَيْرِ المُرَكَّبِ؛ لِأنَّ كَأيٍّ يُسْتَعْمَلُ غَيْرَ مُرَكَّبٍ كَما يَقُولُ القائِلُ رَأيْتُ رَجُلًا لا كَأيِّ رَجُلٍ يَكُونُ، فَقَدْ حَذَفَ المُضافَ إلَيْهِ، ويُقالُ رَأيْتُ رَجُلًا لا كَأيِّ رَجُلٍ، وحِينَئِذٍ لا يَكُونُ كَأيٍّ مُرَكَّبًا، فَإذا كانَ كَأيٍّ هَهُنا مُرَكَّبًا كُتِبَتْ بِالنُّونِ لِلتَّمْيِيزِ كَما تُكْتَبُ مَعْدِيكَرِبَ وبَعْلَبَكَّ صفحة ٧٧ مَوْصُولًا لِلْفَرْقِ. وكَما تُكْتَبُ ثَمَّةَ بِالهاءِ تَمْيِيزًا بَيْنَها وبَيْنَ ثُمَّتْ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: كَأيِّنْ بِمَعْنى كَمْ لَمْ تُسْتَعْمَلْ مَعَ مِن إلّا نادِرًا وكَمْ يُسْتَعْمَلُ كَثِيرًا مِن غَيْرِ مِن، يُقالُ كَمْ رَجُلًا وكَمْ مِن رَجُلٍ، وذَلِكَ لِما بَيَّنّا مِنَ الفَرْقِ بَيْنَ كَأيِّنْ بِمَعْنى كَمْ وكَأيٍّ الَّتِي لَيْسَتْ مُرَكَّبَةً، وذَلِكَ لِأنَّ كَأيٍّ إذا لَمْ تَكُنْ مُرَكَّبَةً لا يَجُوزُ إدْخالُ مِن بَعْدَها إذْ لا يُقالُ رَأيْتُ رَجُلًا لا كَأيٍّ مِن رَجُلٍ، والمُرَكَّبَةُ بِمَعْنى كَمْ يَجُوزُ ذَلِكَ فِيها، فالتُزِمَ لِلْفَرْقِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَحْمِلُ رِزْقَها﴾ قِيلَ: لا تَحْمِلُ لِضَعْفِها، وقِيلَ هي كالقُمَّلِ والبُرْغُوثِ والدُّودِ وغَيْرِها وقِيلَ لا تَدَّخِرُ ﴿اللَّهُ يَرْزُقُها وإيّاكُمْ﴾ بِطَرِيقِ القِياسِ، أيْ لا شَكَّ في أنَّ رِزْقَها لَيْسَ إلّا بِاللَّهِ فَكَذَلِكَ يَرْزُقُكم فَتَوَكَّلُوا، فَإنْ قالَ قائِلٌ مَن قالَ بِأنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ الدَّوابَّ بَلِ النَّباتُ في الصَّحْراءِ مُسَبَّبٌ والحَيَوانُ يَسْعى إلَيْهِ ويَرْعى، فَنَقُولُ: الدَّلِيلُ عَلَيْهِ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ نَظَرًا إلى الرِّزْقِ وإلى المُرْتَزَقِ وإلى مَجْمُوعِ الرِّزْقِ والمُرْتَزَقِ. أمّا بِالنَّظَرِ إلى الرِّزْقِ فَلِأنَّ اللَّهَ تَعالى لَوْ لَمْ يَخْلُقِ النَّباتَ لَمْ يَكُنْ لِلْحَيَوانِ رِزْقٌ. وأمّا بِالنَّظَرِ إلى المُرْتَزَقِ فَلِأنَّ الِاغْتِذاءَ لَيْسَ بِمُجَرَّدِ الِابْتِلاعِ، بَلْ لا بُدَّ مِن تَشَبُّثِهِ بِالأعْضاءِ حَتّى يَصِيرَ الحَشِيشُ عَظْمًا ولَحْمًا وشَحْمًا، وما ذاكَ إلّا بِحِكْمَةِ اللَّهِ تَعالى حَيْثُ خَلَقَ فِيهِ جاذِبَةً وماسِكَةً وهاضِمَةً ودافِعَةً وغَيْرَها مِنَ القُوى وبِمَحْضِ قُدْرَةِ اللَّهِ وإرادَتِهِ فَهو الَّذِي يَرْزُقُها. وأمّا بِالنَّظَرِ إلى المُرْتَزَقِ والرِّزْقِ، فَلِأنَّ اللَّهَ لَوْ لَمْ يَهْدِ الحَيَوانَ إلى الغِذاءِ لِيَعْرِفَهُ مِنَ الشَّمِّ ما كانَ يَحْصُلُ لَهُ اغْتِذاءٌ، ألا تَرى أنَّ مِنَ الحَيَوانِ ما لا يَعْرِفُ نَوْعًا مِن أنْواعِ الغِذاءِ حَتّى يُوضَعَ في فَمِهِ بِالشِّدَّةِ لِيَذُوقَ فَيَأْكُلَهُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَإنَّ كَثِيرًا ما يَكُونُ البَعِيرُ لا يَعْرِفُ الخَمِيرَ ولا الشَّعِيرَ حَتّى يَلْقَمَ مَرَّتَيْنِ أوْ ثَلاثَةً فَيَعْرِفَهُ فَيَأْكُلَهُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَإنْ قالَ قائِلٌ كَيْفَ يَصِحُّ قِياسُ الإنْسانِ عَلى الحَيَوانِ فِيما يُوجِبُ التَّوَكُّلَ، والحَيَوانُ رِزْقُهُ لا يُتَعَرَّضُ إلَيْهِ إذا أكَلَ مِنهُ اليَوْمَ شَيْئًا وتَرَكَ بَقِيَّةً يَجِدُها غَدًا، ما مَدَّ إلَيْهِ أحَدٌ يَدًا، والإنْسانُ إنْ لَمْ يَأْخُذِ اليَوْمَ لا يَبْقى لَهُ غَدًا شَيْءٌ ؟ وأيْضًا حاجاتُ الإنْسانِ كَثِيرَةٌ فَإنَّهُ يَحْتاجُ إلى أجْناسِ اللِّباسِ وأنْواعِ الأطْعِمَةِ ولا كَذَلِكَ الحَيَوانُ وأيْضًا قُوتُ الحَيَوانِ مُهَيَّأٌ، وقُوتُ الإنْسانِ يَحْتاجُ إلى كَلَفٍ كالزَّرْعِ والحَصادِ والطَّحْنِ والخَبْزِ، فَلَوْ لَمْ يَجْمَعْهُ قَبْلَ الحاجَةِ ما كانَ يَجِدُهُ وقْتَ الحاجَةِ، فَنَقُولُ نَحْنُ لا نَقُولُ إنَّ الجَمْعَ يَقْدَحُ في التَّوَكُّلِ، بَلْ قَدْ يَكُونُ الزّارِعُ الحاصِدُ مُتَوَكِّلًا والرّاكِعُ السّاجِدُ غَيْرَ مُتَوَكِّلٍ؛ لِأنَّ مَن يَزْرَعُ يَكُونُ اعْتِمادُهُ عَلى اللَّهِ واعْتِقادُهُ في اللَّهِ أنَّهُ إنْ كانَ يُرِيدُ يَرْزُقُ مِن غَيْرِ زَرْعٍ، وإنْ كانَ يُرِيدُ لا يَرْزُقُ مِن ذَلِكَ الزَّرْعِ، فَيَعْمَلُ وقَلْبُهُ مَعَ اللَّهِ هو مُتَوَكِّلٌ حَقَّ التَّوَكُّلِ، ومَن يُصَلِّي وقَلْبُهُ مَعَ ما في يَدِ زَيْدٍ وعَمْرٍو هو غَيْرُ مُتَوَكِّلٍ. وأمّا قَوْلُهُ: حاجاتُ الإنْسانِ كَثِيرَةٌ، فَنَقُولُ مَكاسِبُهُ كَثِيرَةٌ أيْضًا، فَإنَّهُ يَكْتَسِبُ بِيَدِهِ كالخَيّاطِ والنَّسّاجِ وبِرِجْلِهِ كالسّاعِي وغَيْرِهِ، وبِعَيْنِهِ كالنّاطُورِ، وبِلِسانِهِ كالحادِي والمُنادِي، وبِفَهْمِهِ كالمُهَنْدِسِ والتّاجِرِ، وبِعِلْمِهِ كالطَّبِيبِ والفَقِيهِ، وبِقُوَّةِ جِسْمِهِ كالعَتّالِ والحَمّالِ، والحَيَوانُ لا مَكاسِبَ لَهُ، فالرَّغِيفُ الَّذِي يَحْتاجُ إلَيْهِ الإنْسانُ غَدًا أوْ بَعْدَ غَدٍ، بَعِيدٌ أنْ لا يَرْزُقَهُ اللَّهُ مَعَ هَذِهِ المَكاسِبِ، فَهو أوْلى بِالتَّوَكُّلِ. وأيْضًا اللَّهُ تَعالى خَلَقَ الإنْسانَ بِحَيْثُ يَأْتِيهِ الرِّزْقُ وأسْبابُهُ، فَإنَّ اللَّهَ مَلَّكَ الإنْسانَ عَمائِرَ الدُّنْيا وجَعَلَها بِحَيْثُ تَدْخُلُ في مِلْكِهِ شاءَ أمْ أبى، حَتّى أنَّ نِتاجَ الأنْعامِ وثِمارَ الأشْجارِ تَدْخُلُ في المِلْكِ وإنْ لَمْ يُرِدْهُ مالِكُ النَّعَمِ والشَّجَرِ، وإذا ماتَ قَرْنٌ يَنْتَقِلُ ذَلِكَ إلى قَرْنٍ آخَرَ قَهْرًا شاءُوا أمْ أبَوْا، ولَيْسَ كَذَلِكَ حالُ الحَيَوانِ أصْلًا، فَإنَّ الحَيَوانَ إنْ لَمْ يَأْتِ الرِّزْقَ لا يَأْتِيهِ رِزْقُهُ، فَإذَنِ الإنْسانُ لَوْ تَوَكَّلَ كانَ أقْرَبَ إلى العَقْلِ مِن تَوَكُّلِ الحَيَوانِ، ثُمَّ قالَ: ﴿وهُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ سَمِيعٌ إذا طَلَبْتُمُ الرِّزْقَ، يَسْمَعُ ويُجِيبُ، عَلِيمٌ إنْ سَكَتُّمْ، لا تَخْفى عَلَيْهِ حاجَتُكم ومِقْدارُ حاجَتِكم.

العنكبوت 29:61

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأنّى يُؤْفَكُونَ﴾ نَقُولُ لَمّا بَيَّنَ اللَّهُ الأمْرَ لِلْمُشْرِكِ مُخاطِبًا مَعَهُ ولَمْ يَنْتَفِعْ بِهِ وأعْرَضَ عَنْهُ وخاطَبَ المُؤْمِنَ بِقَوْلِهِ: ﴿ياعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وأتَمَّ الكَلامَ مَعَهُ ذَكَرَ مَعَهُ ما يَكُونُ إرْشادًا لِلْمُشْرِكِ بِحَيْثُ يَسْمَعُهُ، وهَذا طَرِيقٌ في غايَةِ الحُسْنِ، فَإنَّ السَّيِّدَ إذا كانَ لَهُ عَبْدانِ، أوِ الوالِدَ إذا كانَ لَهُ ولَدانِ وأحَدُهُما رَشِيدٌ والآخَرُ مُفْسِدٌ، يَنْصَحُ أوَّلًا المُفْسِدَ، فَإنْ لَمْ يَسْمَعْ يَقُولُ مُعْرِضًا عَنْهُ، مُلْتَفِتًا إلى الرَّشِيدِ: إنَّ هَذا لا يَسْتَحِقُّ الخِطابَ فاسْمَعْ أنْتَ، ولا تَكُنْ مِثْلَ هَذا المُفْسِدِ، فَيَتَضَمَّنُ هَذا الكَلامُ نَصِيحَةَ المُصْلِحِ وزَجْرَ المُفْسِدِ، فَإنَّ قَوْلَهُ هَذا لا يَسْتَحِقُّ الخِطابَ يُوجِبُ نِكايَةً في قَلْبِهِ، ثُمَّ إذا ذَكَرَ مَعَ المُصْلِحِ في أثْناءِ الكَلامِ والمُفْسِدُ يَسْمَعُهُ: إنَّ هَذا أخاكَ العَجِيبُ مِنهُ أنَّهُ يَعْلَمُ قُبْحَ فِعْلِهِ، ويَعْرِفُ الفَسادَ مِنَ الصَّلاحِ وسَبِيلَ الرَّشادِ والفَلاحِ ويَشْتَغِلُ بِضِدِّهِ، يَكُونُ هَذا الكَلامُ أيْضًا داعِيًا لَهُ إلى سَبِيلِ الرَّشادِ مانِعًا لَهُ مِن ذَلِكَ الفَسادِ، فَكَذَلِكَ اللَّهُ تَعالى قالَ مَعَ المُؤْمِنِ: العَجَبُ مِنهم أنَّهم إنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ثُمَّ لا يُؤْمِنُونَ. وفِي الآيَةِ لَطائِفُ: إحْداها: ذَكَرَ في السَّماواتِ والأرْضِ الخَلْقَ، وفي الشَّمْسِ والقَمَرِ التَّسْخِيرَ، وذَلِكَ لِأنَّ مُجَرَّدَ خَلْقِ الشَّمْسِ والقَمَرِ لَيْسَ حِكْمَةً، فَإنَّ الشَّمْسَ لَوْ كانَتْ مَخْلُوقَةً بِحَيْثُ تَكُونُ في مَوْضِعٍ واحِدٍ لا تَتَحَرَّكُ ما حَصَلَ اللَّيْلُ والنَّهارُ ولا الصَّيْفُ ولا الشِّتاءُ، فَإذًا الحِكْمَةُ في تَحْرِيكِهِما وتَسْخِيرِهِما. الثّانِيَةُ: في لَفْظِ التَّسْخِيرِ، وذَلِكَ لِأنَّ التَّحْرِيكَ يَدُلُّ عَلى مُجَرَّدِ الحَرَكَةِ ولَيْسَ مُجَرَّدُ الحَرَكَةِ كافِيًا؛ لِأنَّها لَوْ كانَتْ تَتَحَرَّكُ مِثْلَ حَرَكَتِنا لَما كانَتْ تَقْطَعُ الفَلَكَ بِأُلُوفٍ مِنَ السِّنِينَ، فالحِكْمَةُ في تَسْخِيرِهِما تَحَرُّكُهُما في قَدْرِ ما يَتَنَفَّسُ الإنْسانُ آلافًا مِنَ الفَراسِخِ، ثُمَّ لَمْ يَجْعَلْ لَهُما حَرَكَةً واحِدَةً بَلْ حَرَكاتٍ، إحْداها حَرَكَتُها مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ في كُلِّ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ مَرَّةً، والأُخْرى حَرَكَتُها مِنَ المَغْرِبِ إلى المَشْرِقِ، والدَّلِيلُ عَلَيْها أنَّ الهِلالَ يُرى في جانِبِ الغَرْبِ عَلى بُعْدٍ مَخْصُوصٍ مِنَ الشَّمْسِ، ثُمَّ يَبْعُدُ مِنهُ إلى جانِبِ الشَّرْقِ حَتّى يُرى القَمَرُ في نِصْفِ الشَّهْرِ في مُقابَلَةِ الشَّمْسِ، والشَّمْسُ عَلى أُفُقِ المَغْرِبِ، والقَمَرُ عَلى أُفُقِ المَشْرِقِ، وحَرَكَةٌ أُخْرى حَرَكَةُ الأوْجِ وحَرَكَةُ المائِلِ والتَّدْوِيرِ في القَمَرِ، ولَوْلا الحَرَكَةُ الَّتِي مِنَ المَغْرِبِ إلى المَشْرِقِ لَما حَصَلَتِ الفُصُولُ. ثُمَّ اعْلَمْ أنَّ أصْحابَ الهَيْئَةِ قالُوا: الشَّمْسُ في الفَلَكِ مَرْكُوزَةٌ والفَلَكُ يُدِيرُها بِدَوَرانِهِ، وأنْكَرَهُ المُفَسِّرُونَ الظّاهِرِيُّونَ، ونَحْنُ نَقُولُ لا بُعْدَ في ذَلِكَ إنْ لَمْ يَقُولُوا بِالطَّبِيعَةِ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى فاعِلٌ مُخْتارٌ إنْ أرادَ أنْ يُحَرِّكَهُما في الفَلَكِ والفَلَكُ ساكِنٌ يَجُوزُ، وإنْ أرادَ أنْ يُحَرِّكَهُما بِحَرَكَةِ الفَلَكِ وهُما ساكِنانِ يَجُوزُ ولَمْ يَرِدْ فِيهِ نَصٌّ قاطِعٌ أوْ ظاهِرٌ، وسَنَذْكُرُ تَمامَ البَحْثِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [ يس: ٤٠] . الثّالِثَةُ: ذَكَرَ أمْرَيْنِ أحَدُهُما خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ، والآخَرُ تَسْخِيرُ الشَّمْسِ والقَمَرِ؛ لِأنَّ الإيجادَ قَدْ يَكُونُ لِلذَّواتِ وقَدْ يَكُونُ لِلصِّفاتِ، فَخَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ إشارَةٌ إلى إيجادِ الذَّواتِ، وتَسْخِيرُ الشَّمْسِ والقَمَرِ إشارَةٌ إلى إيجادِ الصِّفاتِ وهي الحَرَكَةُ وغَيْرُها، فَكَأنَّهُ ذَكَرَ مِنَ القَبِيلَيْنِ مِثالَيْنِ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَأنّى يُؤْفَكُونَ﴾ يَعْنِي هم يَعْتَقِدُونَ هَذا فَكَيْفَ يُصْرَفُونَ عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ، مَعَ أنَّ مَن عُلِمَتْ عَظَمَتُهُ وجَبَتْ خِدْمَتُهُ، ولا عَظَمَةَ فَوْقَ عَظَمَةِ خالِقِ السَّماواتِ والأرْضِ، ولا حَقارَةَ فَوْقَ حَقارَةِ الجَمادِ؛ لِأنَّ الجَمادَ صفحة ٧٩ دُونَ الحَيَوانِ، والحَيَوانُ دُونَ الإنْسانِ، والإنْسانُ دُونَ سُكّانِ السَّماواتِ فَكَيْفَ يَتْرُكُونَ عِبادَةَ أعْظَمِ المَوْجُوداتِ ويَشْتَغِلُونَ بِعِباداتِ أخَسِّ المَوْجُوداتِ.

العنكبوت 29:62

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ ويَقْدِرُ لَهُ إنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ لَمّا بَيَّنَ الخَلْقَ ذَكَرَ الرِّزْقَ؛ لِأنَّ كَمالَ الخَلْقِ بِبَقائِهِ وبَقاءَ الإنْسانِ بِالرِّزْقِ، فَقالَ المَعْبُودُ إمّا أنْ يُعْبَدَ لِاسْتِحْقاقِهِ العِبادَةَ، وهَذِهِ الأصْنامُ لَيْسَتْ كَذَلِكَ واللَّهُ مُسْتَحِقُّها، وإمّا لِكَوْنِهِ عَلى الشَّأْنِ، واللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ عَلى الشَّأْنِ جَلِيُّ البُرْهانِ فَلَهُ العِبادَةُ، وإمّا لِكَوْنِهِ ولِيَّ الإحْسانِ واللَّهُ يَرْزُقُ الخَلْقَ فَلَهُ الطَّوْلُ والإحْسانُ والفَضْلُ والِامْتِنانُ فَلَهُ العِبادَةُ مِن هَذا الوَجْهِ أيْضًا، قَوْلُهُ: ﴿لِمَن يَشاءُ﴾ شارَةٌ إلى كَمالِ الإحْسانِ، وذَلِكَ لِأنَّ المَلِكَ إذا أمَرَ الخازِنَ بِإعْطاءِ شَخْصٍ شَيْئًا، فَإذا أعْطاهُ يَكُونُ لَهُ مِنَّةٌ ما يَسِيرَةٌ حَقِيرَةٌ؛ لِأنَّ الآخِذَ يَقُولُ هَذا لَيْسَ بِإرادَتِهِ وإنَّما هو بِأمْرِ المَلِكِ، وأمّا إنْ كانَ مُخْتارًا بِأنْ قالَ لَهُ المَلِكُ إنْ شِئْتَ فَأعْطِهِ وإنْ شِئْتَ فَلا تُعْطِهِ، فَإنْ أعْطاهُ يَكُونُ لَهُ مِنَّةٌ جَلِيلَةٌ لا قَلِيلَةٌ، فَقالَ اللَّهُ تَعالى: الرِّزْقُ مِنهُ وبِمَشِيئَتِهِ فَهو إحْسانٌ تامٌّ يَسْتَوْجِبُ شُكْرًا تامًّا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَقْدِرُ لَهُ﴾ أيْ يُضَيِّقُ لَهُ إنْ أرادَ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ أيْ يَعْلَمُ مَقادِيرَ الحاجاتِ ومَقادِيرَ الأرْزاقِ وفي إثْباتِ العِلْمِ هَهُنا لَطائِفُ: إحْداها: أنَّ الرّازِقَ الَّذِي هو كامِلُ المَشِيئَةِ إذا رَأى عَبْدَهُ مُحْتاجًا وعَلِمَ جُوعَهُ لا يُؤَخِّرُ عَنْهُ الرِّزْقَ، ولا يُؤَخِّرُ الرّازِقُ الرِّزْقَ إلّا لِنُقْصانٍ في نُفُوذِ مَشِيئَتِهِ، كالمَلِكِ إذا أرادَ الإطْعامَ والطَّعامُ لا يَكُونُ بَعْدُ قَدِ اسْتَوى، أوْ لِعَدَمِ عِلْمِهِ بِجُوعِ العَبِيدِ. الثّانِيَةُ: وهي أنَّ اللَّهَ بِإثْباتِ العِلْمِ اسْتَوْعَبَ ذِكْرَ الصِّفاتِ الَّتِي هي صِفاتُ الإلَهِ ومَن أنْكَرَها كَفَرَ، وهي أرْبَعَةٌ: الحَياةُ والقُدْرَةُ والإرادَةُ والعِلْمُ، وأمّا السَّمْعُ والبَصَرُ والكَلامُ القائِمُ بِهِ مَن يُنْكِرُها يَكُونُ مُبْتَدِعًا لا كافِرًا، وقَدِ اسْتَوْفى الأرْبَعَ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ إشارَةٌ إلى كَمالِ القُدْرَةِ، وقَوْلَهُ: ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ﴾ إشارَةٌ إلى نُفُوذِ مَشِيئَتِهِ وإرادَتِهِ، وقَوْلَهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ إشارَةٌ إلى شُمُولِ عِلْمِهِ، والقادِرُ المُرِيدُ العالِمُ لا يُتَصَوَّرُ إلّا حَيًّا، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ﴾ ذَكَرَ اعْتِرافَهم بِذَلِكَ فَقالَ:

العنكبوت 29:63

﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأحْيا بِهِ الأرْضَ مِن بَعْدِ مَوْتِها لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْقِلُونَ﴾ يَعْنِي هَذا سَبَبُ الرِّزْقِ ومُوجِدُ السَّبَبِ مُوجِدُ المُسَبَّبِ، فالرِّزْقُ مِنَ اللَّهِ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ وهو يَحْتَمِلُ وُجُوهًا: أحَدُها: أنْ يَكُونَ كَلامًا مُعْتَرِضًا في أثْناءِ كَلامٍ كَأنَّهُ قالَ: فَأحْيا بِهِ الأرْضَ مِن بَعْدِ مَوْتِها صفحة ٨٠ ﴿بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْقِلُونَ﴾ فَذَكَرَ في أثْناءِ هَذا الكَلامِ ﴿الحَمْدُ﴾ لِذِكْرِ النِّعْمَةِ، كَما قالَ القائِلُ: إنَّ الثَّمانِينَ - وبُلِّغْتُها - قَدْ أحْوَجَتْ سَمْعِي إلى تَرْجُمانِ الثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ كَلامًا مُتَّصِلًا، وهو أنَّهم يَعْرِفُونَ بِأنَّ ذَلِكَ مِنَ اللَّهِ ويَعْتَرِفُونَ ولا يَعْمَلُونَ بِما يَعْلَمُونَ، وأنْتَ تَعْلَمُ وتَعْمَلُ فَكَذَلِكَ المُؤْمِنُونَ بِكَ فَقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ وأكْثَرُهم لا يَعْقِلُونَ أنَّ الحَمْدَ كُلَّهُ لِلَّهِ فَيَحْمَدُونَ غَيْرَ اللَّهِ عَلى نِعْمَةٍ هي مِنَ اللَّهِ. الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهم يَقُولُونَ إنَّهُ مِنَ اللَّهِ ويَقُولُونَ بِإلَهِيَّةِ غَيْرِ اللَّهِ، فَيَظْهَرُ تَناقُضُ كَلامِهِمْ وتَهافُتُ مَذْهَبِهِمْ: فَ ﴿قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ عَلى ظُهُورِ تَناقُضِهِمْ ﴿وأكْثَرُهم لا يَعْقِلُونَ﴾ هَذا التَّناقُضَ أوْ فَسادَ هَذا التَّناقُضِ.

العنكبوت 29:64

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما هَذِهِ الحَياةُ الدُّنْيا إلّا لَهْوٌ ولَعِبٌ وإنَّ الدّارَ الآخِرَةَ لَهي الحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ لَمّا بَيَّنَ أنَّهم يَعْتَرِفُونَ بِكَوْنِ اللَّهِ هو الخالِقَ وكَوْنِهِ هو الرَّزّاقَ وهم يَتْرُكُونَ عِبادَتَهُ ولا يَتْرُكُونَها إلّا لِزِينَةِ الحَياةِ الدُّنْيا بَيَّنَ أنَّ ما يَمِيلُونَ إلَيْهِ لَيْسَ بِشَيْءٍ بِقَوْلِهِ: ﴿وما هَذِهِ الحَياةُ الدُّنْيا إلّا لَهْوٌ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: ما الفَرْقُ بَيْنَ اللَّهْوِ واللَّعِبِ، حَتّى يَصِحَّ عَطْفُ أحَدِهِما عَلى الآخَرِ ؟ فَنَقُولُ: الفَرْقُ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ كُلَّ شُغُلٍ يُفْرَضُ، فَإنَّ المُكَلَّفَ إذا أقْبَلَ عَلَيْهِ لَزِمَهُ الإعْراضُ عَنْ غَيْرِهِ، ومَن لا يَشْغَلُهُ شَأْنٌ عَنْ شَأْنٍ هو اللَّهُ تَعالى، فالَّذِي يُقْبِلُ عَلى الباطِلِ لِلَذَّةٍ يَسِيرَةٍ زائِدَةٍ فِيهِ يَلْزَمُهُ الإعْراضُ عَنِ الحَقِّ، فالإقْبالُ عَلى الباطِلِ لَعِبٌ والإعْراضُ عَنِ الحَقِّ لَهْوٌ، فالدُّنْيا لَعِبٌ أيْ إقْبالٌ عَلى الباطِلِ، ولَهْوٌ أيْ إعْراضٌ عَنِ الحَقِّ. الثّانِي: هو أنَّ المُشْتَغِلَ بِشَيْءٍ يُرَجِّحُ ذَلِكَ الشَّيْءَ عَلى غَيْرِهِ لا مَحالَةَ حَتّى يَشْتَغِلَ بِهِ، فَإمّا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ التَّرْجِيحُ عَلى وجْهِ التَّقْدِيمِ بِأنْ يَقُولَ أُقَدِّمُ هَذا وذَلِكَ الآخَرُ آتِي بِهِ بَعْدَهُ، أوْ يَكُونَ عَلى وجْهِ الِاسْتِغْراقِ فِيهِ والإعْراضِ عَنْ غَيْرِهِ بِالكُلِّيَّةِ، فالأوَّلُ لَعِبٌ والثّانِي لَهْوٌ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ هو أنَّ الشِّطْرَنْجَ والحَمامَ وغَيْرَهُما مِمّا يَقْرُبُ مِنهُما لا تُسَمّى آلاتِ المَلاهِي في العُرْفِ، والعُودُ وغَيْرُهُ مِنَ الأوْتارِ تُسَمّى آلاتِ المَلاهِي؛ لِأنَّها تُلْهِي الإنْسانَ عَنْ غَيْرِها لِما فِيها مِنَ اللَّذَّةِ الحالِيَّةِ، فالدُّنْيا لِلْبَعْضِ لَعِبٌ يَشْتَغِلُ بِهِ، ويَقُولُ بَعْدَ هَذا الشُّغْلِ أشْتَغِلُ بِالعِبادَةِ والآخِرَةِ، ولِلْبَعْضِ لَهْوٌ يَشْتَغِلُ بِهِ ويَنْسى الآخِرَةَ بِالكُلِّيَّةِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ اللَّهُ تَعالى في سُورَةِ الأنْعامِ: ﴿وما الحَياةُ الدُّنْيا﴾ ولَمْ يَقُلْ وما هَذِهِ الحَياةُ وقالَ هَهُنا: (وما هَذِهِ) فَنَقُولُ؛ لِأنَّ المَذْكُورَ مِن قَبْلُ هَهُنا أمْرُ الدُّنْيا، حَيْثُ قالَ تَعالى: ﴿فَأحْيا بِهِ الأرْضَ مِن بَعْدِ مَوْتِها﴾ فَقالَ هَذِهِ والمَذْكُورُ قَبْلَها هُناكَ الآخِرَةُ حَيْثُ قالَ: ﴿ياحَسْرَتَنا عَلى ما فَرَّطْنا فِيها وهم يَحْمِلُونَ أوْزارَهم عَلى ظُهُورِهِمْ﴾ [الأنعام: ٣١] فَلَمْ تَكُنِ الدُّنْيا في ذَلِكَ الوَقْتِ في خاطِرِهِمْ فَقالَ: ﴿وما الحَياةُ الدُّنْيا﴾ . المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ هُناكَ: ﴿إلّا لَعِبٌ ولَهْوٌ﴾ وقالَ هَهُنا: ﴿إلّا لَهْوٌ ولَعِبٌ﴾ فَنَقُولُ لَمّا كانَ المَذْكُورُ هُناكَ مِن قَبْلُ الآخِرَةَ وإظْهارَهم لِلْحَسْرَةِ، فَفي ذَلِكَ الوَقْتِ يَبْعُدُ الِاسْتِغْراقُ في الدُّنْيا بَلْ نَفْسُ الِاشْتِغالِ بِها، فَأخَّرَ الأبْعَدَ، وأمّا هَهُنا لَمّا كانَ المَذْكُورُ مِن قَبْلُ الدُّنْيا وهي خَدّاعَةٌ تَدْعُو النُّفُوسَ إلى الإقْبالِ عَلَيْها والِاسْتِغْراقِ صفحة ٨١ فِيها، اللَّهُمَّ إلّا لِمانِعٍ يَمْنَعُهُ مِنَ الِاسْتِغْراقِ فَيَشْتَغِلُ بِها مِن غَيْرِ اسْتِغْراقٍ فِيها، ولِعاصِمٍ يَعْصِمُهُ فَلا يَشْتَغِلُ بِها أصْلًا، فَكانَ هَهُنا الِاسْتِغْراقُ أقْرَبَ مِن عَدَمِهِ فَقَدَّمَ اللَّهْوَ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ هُناكَ: ﴿ولَلدّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ﴾ [الأنعام: ٣٢] وقالَ هَهُنا: ﴿وإنَّ الدّارَ الآخِرَةَ لَهي الحَيَوانُ﴾ فَنَقُولُ لَمّا كانَ الحالُ هُناكَ حالَ إظْهارِ الحَسْرَةِ ما كانَ المُكَلَّفُ يَحْتاجُ إلى رادِعٍ قَوِيٍّ فَقالَ الآخِرَةُ خَيْرٌ، ولَمّا كانَ هَهُنا الحالُ حالَ الِاشْتِغالِ بِالدُّنْيا احْتاجَ إلى رادِعٍ قَوِيٍّ فَقالَ لا حَياةَ إلّا حَياةُ الآخِرَةِ، وهَذا كَما أنَّ العاقِلَ إذا عُرِضَ عَلَيْهِ شَيْئانِ فَقالَ في أحَدِهِما هَذا خَيْرٌ مِن ذَلِكَ يَكُونُ هَذا تَرْجِيحًا فَحَسْبُ، ولَوْ قالَ هَذا جَيِّدٌ وهَذا الآخَرُ لَيْسَ بِشَيْءٍ يَكُونُ تَرْجِيحًا مَعَ المُبالَغَةِ، فَكَذَلِكَ هَهُنا بالَغَ لِكَوْنِ المُكَلَّفِ مُتَوَغِّلًا فِيها. المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قالَ هُناكَ: ﴿خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ٣٢] ولَمْ يَقُلْ هَهُنا إلّا لَهي الحَيَوانُ؛ لِأنَّ الآخِرَةَ خَيْرٌ لِلْمُتَّقِي فَحَسْبُ أيِ المُتَّقِي عَنِ الشِّرْكِ، وأمّا الكافِرُ فالدُّنْيا جَنَّتُهُ فَهي خَيْرٌ لَهُ مِنَ الآخِرَةِ، وأمّا كَوْنُ الآخِرَةِ باقِيَةً فِيها الحَياةُ الدّائِمَةُ فَلا يُخْتَصُّ بِقَوْمٍ دُونَ قَوْمٍ. المَسْألَةُ السّادِسَةُ: كَيْفَ أُطْلِقَ الحَيَوانُ عَلى الدّارِ الآخِرَةِ مَعَ أنَّ الحَيَوانَ نامٍ مُدْرِكٌ ؟ فَنَقُولُ: الحَيَوانُ مَصْدَرُ حَيَّ كالحَياةِ، لَكِنَّ فِيها مُبالَغَةً لَيْسَتْ في الحَياةِ، والمُرادُ بِالدّارِ الآخِرَةِ هي الحَياةُ الثّانِيَةُ، فَكَأنَّهُ قالَ: الحَياةُ الثّانِيَةُ هي الحَياةُ المُعْتَبَرَةُ أوْ نَقُولُ: لَمّا كانَتِ الآخِرَةُ فِيها الزِّيادَةُ والنُّمُوُّ كَما قالَ تَعالى: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى وزِيادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] وكانَتْ هي مَحَلَّ الإدْراكِ التّامِّ الحَقِّ كَما قالَ تَعالى: ﴿يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ﴾ [الطارق: ٩] أطْلَقَ عَلَيْها الِاسْمَ المُسْتَعْمَلَ في النّامِي المُدْرِكِ. المَسْألَةُ السّابِعَةُ: قالَ في سُورَةِ الأنْعامِ: ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ وقالَ هَهُنا: ﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ وذَلِكَ لَأنَّ المُثْبَتَ هُناكَ كَوْنُ الآخِرَةِ خَيْرًا وأنَّهُ ظاهِرٌ لا يَتَوَقَّفُ إلّا عَلى العَقْلِ والمُثْبَتَ هَهُنا أنْ لا حَياةَ إلّا حَياةُ الآخِرَةِ، وهَذا دَقِيقٌ لا يُعْرَفُ إلّا بِعِلْمٍ نافِعٍ.

العنكبوت 29:65

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَإذا رَكِبُوا في الفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمّا نَجّاهم إلى البَرِّ إذا هم يُشْرِكُونَ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ المانِعَ مِنَ التَّوْحِيدِ هو الحَياةُ الدُّنْيا، وبَيانُ ذَلِكَ هو أنَّهم إذا انْقَطَعَ رَجاؤُهم عَنِ الدُّنْيا رَجَعُوا إلى الفِطْرَةِ الشّاهِدَةِ بِالتَّوْحِيدِ ووَحَّدُوا وأخْلَصُوا، فَإذا أنْجاهم وأرْجَأهم عادُوا إلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِن حُبِّ الدُّنْيا وأشْرَكُوا. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهم ولِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ وفِيهِ وجْهانِ. أحَدُهُما: أنَّ اللّامَ لامُ كَيْ، أيْ يُشْرِكُونَ لِيَكُونَ إشْراكُهم كُفْرًا بِنِعْمَةِ الإنْجاءِ، ولِيَتَمَتَّعُوا بِسَبَبِ الشِّرْكِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ بِوَبالِ عَمَلِهِمْ حِينَ زَوالِ أمَلِهِمْ. والثّانِي: أنْ تَكُونَ اللّامُ لامَ الأمْرِ ويَكُونَ المَعْنى لِيَكْفُرُوا عَلى التَّهْدِيدِ. كَما قالَ تَعالى: صفحة ٨٢ ﴿اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠] وكَما قالَ [الأنعام: ١٣٥]: ﴿اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكم إنِّي عامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ فَسادَ ما تَعْمَلُونَ.

العنكبوت 29:66

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَإذا رَكِبُوا في الفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمّا نَجّاهم إلى البَرِّ إذا هم يُشْرِكُونَ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ المانِعَ مِنَ التَّوْحِيدِ هو الحَياةُ الدُّنْيا، وبَيانُ ذَلِكَ هو أنَّهم إذا انْقَطَعَ رَجاؤُهم عَنِ الدُّنْيا رَجَعُوا إلى الفِطْرَةِ الشّاهِدَةِ بِالتَّوْحِيدِ ووَحَّدُوا وأخْلَصُوا، فَإذا أنْجاهم وأرْجَأهم عادُوا إلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِن حُبِّ الدُّنْيا وأشْرَكُوا. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهم ولِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ وفِيهِ وجْهانِ. أحَدُهُما: أنَّ اللّامَ لامُ كَيْ، أيْ يُشْرِكُونَ لِيَكُونَ إشْراكُهم كُفْرًا بِنِعْمَةِ الإنْجاءِ، ولِيَتَمَتَّعُوا بِسَبَبِ الشِّرْكِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ بِوَبالِ عَمَلِهِمْ حِينَ زَوالِ أمَلِهِمْ. والثّانِي: أنْ تَكُونَ اللّامُ لامَ الأمْرِ ويَكُونَ المَعْنى لِيَكْفُرُوا عَلى التَّهْدِيدِ. كَما قالَ تَعالى: صفحة ٨٢ ﴿اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠] وكَما قالَ [الأنعام: ١٣٥]: ﴿اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكم إنِّي عامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ فَسادَ ما تَعْمَلُونَ.

العنكبوت 29:67

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا حَرَمًا آمِنًا ويُتَخَطَّفُ النّاسُ مِن حَوْلِهِمْ أفَبِالباطِلِ يُؤْمِنُونَ وبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾ التَّفْسِيرُ ظاهِرٌ، وإنَّما الدَّقِيقُ وجْهُ تَعَلُّقِ الآيَةِ بِما قَبْلَها، فَنَقُولُ: الإنْسانُ في البَحْرِ يَكُونُ عَلى أخْوَفِ ما يَكُونُ، وفي بَيْتِهِ يَكُونُ عَلى آمَنِ ما يَكُونُ، لا سِيَّما إذا كانَ بَيْتُهُ في بَلَدٍ حَصِينٍ فَلَمّا ذَكَرَ اللَّهُ المُشْرِكِينَ حالَهم عِنْدَ الخَوْفِ الشَّدِيدِ ورَأوْا أنْفُسَهم في تِلْكَ الحالَةِ راجِعَةً إلى اللَّهِ تَعالى ذَكَّرَهم حالَهم عِنْدَ الأمْنِ العَظِيمِ وهي كَوْنُهم في مَكَّةَ فَإنَّها مَدِينَتُهم وبَلَدُهم وفِيها سُكْناهم ومَوْلِدُهم، وهي حَصِينٌ بِحِصْنِ اللَّهِ حَيْثُ كُلُّ مَن حَوْلَها يَمْتَنِعُ مِن قِتالِ مَن حَصَلَ فِيها، والحُصُولُ فِيها يَدْفَعُ الشُّرُورَ عَنِ النُّفُوسِ ويَكُفُّها، يَعْنِي أنَّكم في أخْوَفِ ما كُنْتُمْ دَعَوْتُمُ اللَّهَ وفي آمَنِ ما حَصَلْتُمْ عَلَيْهِ كَفَرْتُمْ بِاللَّهِ، وهَذا مُتَناقِضٌ؛ لِأنَّ دُعاءَكم في ذَلِكَ الوَقْتِ عَلى سَبِيلِ الإخْلاصِ ما كانَ إلّا لِقَطْعِكم بِأنَّ النِّعْمَةَ مِنَ اللَّهِ لا غَيْرُ فَهَذِهِ النِّعْمَةُ العَظِيمَةُ الَّتِي حَصَلَتْ وقَدِ اعْتَرَفْتُمْ بِأنَّها لا تَكُونُ إلّا مِنَ اللَّهِ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِها ؟ والأصْنامُ الَّتِي قَطَعْتُمْ في حالِ الخَوْفِ أنْ لا أمْنَ مِنها كَيْفَ آمَنتُمْ بِها في حالِ الأمْنِ ؟ * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أوْ كَذَّبَ بِالحَقِّ لَمّا جاءَهُ ألَيْسَ في جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكافِرِينَ﴾ لَمّا بَيَّنَ اللَّهُ الأُمُورَ عَلى الوَجْهِ المَذْكُورِ ولَمْ يُؤْمِن بِهِ أحَدٌ بَيَّنَ أنَّهم أظْلَمُ مَن يَكُونُ؛ لِأنَّ الظُّلْمَ عَلى ما بَيَّنَ وضْعُ الشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ، فَإذا وضَعَ واحِدٌ شَيْئًا في مَوْضِعٍ لَيْسَ هو مَوْضِعَهُ يَكُونُ ظالِمًا، فَإذا وضَعَهُ في مَوْضِعٍ لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَوْضِعَهُ يَكُونُ أظْلَمُ؛ لِأنَّ عَدَمَ الإمْكانِ أقْوى مِن عَدَمِ الحُصُولِ؛ لِأنَّ كُلَّ ما لا يُمْكِنُ لا يَحْصُلُ، ولَيْسَ كُلُّ ما لا يَحْصُلُ لا يُمْكِنُ، فاللَّهُ تَعالى لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ لَهُ شَرِيكٌ وجَعَلُوا لَهُ شَرِيكًا فَلَوْ كانَ ذَلِكَ في حَقِّ مَلِكٍ مُسْتَقِلٍّ في المُلْكِ لَكانَ ظُلْمًا يَسْتَحِقُّ مِنَ المَلِكِ العِقابَ الألِيمَ، فَكَيْفَ إذا جُعِلَ الشَّرِيكُ لِمَن لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ لَهُ شَرِيكٌ، وأيْضًا مَن كَذَّبَ صادِقًا يَجُوزُ عَلَيْهِ الكَذِبُ يَكُونُ ظُلْمًا فَمَن يُكَذِّبُ صادِقًا لا يَجُوزُ عَلَيْهِ الكَذِبُ كَيْفَ يَكُونُ حالُهُ ؟ فَإذًا لَيْسَ أظْلَمُ مِمَّنْ يَكْذِبُ عَلى اللَّهِ بِالشِّرْكِ ويُكَذِّبُ اللَّهَ في تَصْدِيقِ نَبِيِّهِ والنَّبِيَّ في رِسالَةِ رَبِّهِ والقُرْآنَ المُنَزَّلَ مِنَ اللَّهِ إلى الرَّسُولِ، والعَجَبُ مِنَ المُشْرِكِينَ أنَّهم قَبِلُوا المُتَّخَذَ مِن خَشَبٍ مَنحُوتٍ بِالإلَهِيَّةِ، ولَمْ يَقْبَلُوا ذا حَسَبٍ مَنعُوتًا بِالرِّسالَةِ، والآيَةُ تَحْتَمِلُ وجْهًا آخَرَ وهو أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا بَيَّنَ التَّوْحِيدَ والرِّسالَةَ والحَشْرَ وقَرَّرَهُ ووَعَظَ وزَجَرَ قالَ لِنَبِيِّهِ لِيَقُولَ لِلنّاسِ: صفحة ٨٣ ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ أيْ إنِّي جِئْتُ بِالرِّسالَةِ وقُلْتُ إنَّها مِنَ اللَّهِ وهَذا كَلامُ اللَّهِ، وأنْتُمْ كَذَّبْتُمُونِي فالحالُ دائِرٌ بَيْنَ أمْرَيْنِ، إمّا أنا مُفْتَرٍ مُتَنَبِّئٌ إنْ كانَ هَذا مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ، أوْ أنْتُمْ مُكَذِّبُونَ بِالحَقِّ إنْ كانَ مِن عِنْدِهِ لَكِنِّي مُعْتَرِفٌ بِالعَذابِ الدّائِمِ عارِفٌ بِهِ فَلا أُقْدِمُ عَلى الِافْتِراءِ لِأنَّ: ﴿جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكافِرِينَ﴾ والمُتَنَبِّئُ كافِرٌ، وأنْتُمْ كَذَّبْتُمُونِي فَجَهَنَّمُ مَثْواكم إذْ هي مَثْوًى لِلْكافِرِينَ، وهَذا حِينَئِذٍ يَكُونُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنّا أوْ إيّاكم لَعَلى هُدًى أوْ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ .

العنكبوت 29:68

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا حَرَمًا آمِنًا ويُتَخَطَّفُ النّاسُ مِن حَوْلِهِمْ أفَبِالباطِلِ يُؤْمِنُونَ وبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾ التَّفْسِيرُ ظاهِرٌ، وإنَّما الدَّقِيقُ وجْهُ تَعَلُّقِ الآيَةِ بِما قَبْلَها، فَنَقُولُ: الإنْسانُ في البَحْرِ يَكُونُ عَلى أخْوَفِ ما يَكُونُ، وفي بَيْتِهِ يَكُونُ عَلى آمَنِ ما يَكُونُ، لا سِيَّما إذا كانَ بَيْتُهُ في بَلَدٍ حَصِينٍ فَلَمّا ذَكَرَ اللَّهُ المُشْرِكِينَ حالَهم عِنْدَ الخَوْفِ الشَّدِيدِ ورَأوْا أنْفُسَهم في تِلْكَ الحالَةِ راجِعَةً إلى اللَّهِ تَعالى ذَكَّرَهم حالَهم عِنْدَ الأمْنِ العَظِيمِ وهي كَوْنُهم في مَكَّةَ فَإنَّها مَدِينَتُهم وبَلَدُهم وفِيها سُكْناهم ومَوْلِدُهم، وهي حَصِينٌ بِحِصْنِ اللَّهِ حَيْثُ كُلُّ مَن حَوْلَها يَمْتَنِعُ مِن قِتالِ مَن حَصَلَ فِيها، والحُصُولُ فِيها يَدْفَعُ الشُّرُورَ عَنِ النُّفُوسِ ويَكُفُّها، يَعْنِي أنَّكم في أخْوَفِ ما كُنْتُمْ دَعَوْتُمُ اللَّهَ وفي آمَنِ ما حَصَلْتُمْ عَلَيْهِ كَفَرْتُمْ بِاللَّهِ، وهَذا مُتَناقِضٌ؛ لِأنَّ دُعاءَكم في ذَلِكَ الوَقْتِ عَلى سَبِيلِ الإخْلاصِ ما كانَ إلّا لِقَطْعِكم بِأنَّ النِّعْمَةَ مِنَ اللَّهِ لا غَيْرُ فَهَذِهِ النِّعْمَةُ العَظِيمَةُ الَّتِي حَصَلَتْ وقَدِ اعْتَرَفْتُمْ بِأنَّها لا تَكُونُ إلّا مِنَ اللَّهِ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِها ؟ والأصْنامُ الَّتِي قَطَعْتُمْ في حالِ الخَوْفِ أنْ لا أمْنَ مِنها كَيْفَ آمَنتُمْ بِها في حالِ الأمْنِ ؟ * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أوْ كَذَّبَ بِالحَقِّ لَمّا جاءَهُ ألَيْسَ في جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكافِرِينَ﴾ لَمّا بَيَّنَ اللَّهُ الأُمُورَ عَلى الوَجْهِ المَذْكُورِ ولَمْ يُؤْمِن بِهِ أحَدٌ بَيَّنَ أنَّهم أظْلَمُ مَن يَكُونُ؛ لِأنَّ الظُّلْمَ عَلى ما بَيَّنَ وضْعُ الشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ، فَإذا وضَعَ واحِدٌ شَيْئًا في مَوْضِعٍ لَيْسَ هو مَوْضِعَهُ يَكُونُ ظالِمًا، فَإذا وضَعَهُ في مَوْضِعٍ لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَوْضِعَهُ يَكُونُ أظْلَمُ؛ لِأنَّ عَدَمَ الإمْكانِ أقْوى مِن عَدَمِ الحُصُولِ؛ لِأنَّ كُلَّ ما لا يُمْكِنُ لا يَحْصُلُ، ولَيْسَ كُلُّ ما لا يَحْصُلُ لا يُمْكِنُ، فاللَّهُ تَعالى لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ لَهُ شَرِيكٌ وجَعَلُوا لَهُ شَرِيكًا فَلَوْ كانَ ذَلِكَ في حَقِّ مَلِكٍ مُسْتَقِلٍّ في المُلْكِ لَكانَ ظُلْمًا يَسْتَحِقُّ مِنَ المَلِكِ العِقابَ الألِيمَ، فَكَيْفَ إذا جُعِلَ الشَّرِيكُ لِمَن لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ لَهُ شَرِيكٌ، وأيْضًا مَن كَذَّبَ صادِقًا يَجُوزُ عَلَيْهِ الكَذِبُ يَكُونُ ظُلْمًا فَمَن يُكَذِّبُ صادِقًا لا يَجُوزُ عَلَيْهِ الكَذِبُ كَيْفَ يَكُونُ حالُهُ ؟ فَإذًا لَيْسَ أظْلَمُ مِمَّنْ يَكْذِبُ عَلى اللَّهِ بِالشِّرْكِ ويُكَذِّبُ اللَّهَ في تَصْدِيقِ نَبِيِّهِ والنَّبِيَّ في رِسالَةِ رَبِّهِ والقُرْآنَ المُنَزَّلَ مِنَ اللَّهِ إلى الرَّسُولِ، والعَجَبُ مِنَ المُشْرِكِينَ أنَّهم قَبِلُوا المُتَّخَذَ مِن خَشَبٍ مَنحُوتٍ بِالإلَهِيَّةِ، ولَمْ يَقْبَلُوا ذا حَسَبٍ مَنعُوتًا بِالرِّسالَةِ، والآيَةُ تَحْتَمِلُ وجْهًا آخَرَ وهو أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا بَيَّنَ التَّوْحِيدَ والرِّسالَةَ والحَشْرَ وقَرَّرَهُ ووَعَظَ وزَجَرَ قالَ لِنَبِيِّهِ لِيَقُولَ لِلنّاسِ: صفحة ٨٣ ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ أيْ إنِّي جِئْتُ بِالرِّسالَةِ وقُلْتُ إنَّها مِنَ اللَّهِ وهَذا كَلامُ اللَّهِ، وأنْتُمْ كَذَّبْتُمُونِي فالحالُ دائِرٌ بَيْنَ أمْرَيْنِ، إمّا أنا مُفْتَرٍ مُتَنَبِّئٌ إنْ كانَ هَذا مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ، أوْ أنْتُمْ مُكَذِّبُونَ بِالحَقِّ إنْ كانَ مِن عِنْدِهِ لَكِنِّي مُعْتَرِفٌ بِالعَذابِ الدّائِمِ عارِفٌ بِهِ فَلا أُقْدِمُ عَلى الِافْتِراءِ لِأنَّ: ﴿جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكافِرِينَ﴾ والمُتَنَبِّئُ كافِرٌ، وأنْتُمْ كَذَّبْتُمُونِي فَجَهَنَّمُ مَثْواكم إذْ هي مَثْوًى لِلْكافِرِينَ، وهَذا حِينَئِذٍ يَكُونُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنّا أوْ إيّاكم لَعَلى هُدًى أوْ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ .

العنكبوت 29:69

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿والَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهم سُبُلَنا وإنَّ اللَّهَ لَمَعَ المُحْسِنِينَ﴾ لَمّا فَرَغَ مِنَ التَّقْرِيرِ والتَّقْرِيعِ ولَمْ يُؤْمِنِ الكُفّارُ سَلّى قُلُوبَ المُؤْمِنِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهم سُبُلَنا﴾ أيْ مَن جاهَدَ بِالطّاعَةِ هَداهُ سُبُلَ الجَنَّةِ ﴿وإنَّ اللَّهَ لَمَعَ المُحْسِنِينَ﴾ إشارَةٌ إلى ما قالَ: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى وزِيادَةٌ﴾ [يُونُسَ: ٢٦] فَقَوْلُهُ: ﴿لَنَهْدِيَنَّهُمْ﴾ إشارَةٌ إلى الحُسْنى، وقَوْلُهُ: ﴿وإنَّ اللَّهَ لَمَعَ المُحْسِنِينَ﴾ إشارَةٌ إلى المَعِيَّةِ والقُرْبَةِ الَّتِي تَكُونُ لِلْمُحْسِنِ زِيادَةٌ عَلى حَسَناتِهِ، وفِيهِ وجْهٌ آخَرُ حُكْمِيٌّ وهو أنْ يَكُونَ المَعْنى ﴿والَّذِينَ جاهَدُوا فِينا﴾ أيِ الَّذِينَ نَظَرُوا في دَلائِلِنا ﴿لَنَهْدِيَنَّهم سُبُلَنا﴾ أيْ لِنُحَصِّلَ فِيهِمُ العِلْمَ بِنا. ولِنُبَيِّنَ هَذا فَضْلَ بَيانٍ، فَنَقُولُ: أصْحابُنا المُتَكَلِّمُونَ قالُوا إنَّ النَّظَرَ كالشَّرْطِ لِلْعِلْمِ الِاسْتِدْلالِيِّ، واللَّهُ يَخْلُقُ في النّاظِرِ عِلْمًا عَقِيبَ نَظَرِهِ، ووافَقَهُمُ الفَلاسِفَةُ عَلى ذَلِكَ في المَعْنى، وقالُوا: النَّظَرُ مُعِدٌّ لِلنَّفْسِ لِقَبُولِ الصُّورَةِ المَعْقُولَةِ، وإذا اسْتَعَدَّتِ النَّفْسُ حَصَلَ لَها العِلْمُ مِن فَيْضِ واهِبِ الصُّوَرِ الجُسْمانِيَّةِ والعَقْلِيَّةِ، وعَلى هَذا يَكُونُ التَّرْتِيبُ حَسَنًا، وذَلِكَ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا ذَكَرَ الدَّلائِلَ ولَمْ تُفِدْهُمُ العِلْمَ والإيمانَ قالَ: ”إنَّهم لَمْ يَنْظُرُوا فَلَمْ يَهْتَدُوا وإنَّما هو هُدًى لِلْمُتَّقِينَ“ الَّذِينَ يَتَّقُونَ التَّعَصُّبَ والعِنادَ فَيَنْظُرُونَ فَيَهْدِيهِمْ، وقَوْلُهُ: ﴿وإنَّ اللَّهَ لَمَعَ المُحْسِنِينَ﴾ إشارَةٌ إلى دَرَجَةٍ أعْلى مِنَ الِاسْتِدْلالِ كَأنَّهُ تَعالى قالَ: مِنَ النّاسِ مَن يَكُونُ بَعِيدًا لا يَتَقَرَّبُ وهُمُ الكُفّارُ، ومِنهم مَن يَتَقَرَّبُ بِالنَّظَرِ والسُّلُوكِ فَيَهْدِيهِمْ ويُقَرِّبُهم ومِنهم مَن يَكُونُ اللَّهُ مَعَهُ، ويَكُونُ قَرِيبًا مِنهُ يَعْلَمُ الأشْياءَ مِنهُ ولا يَعْلَمُهُ مِنَ الأشْياءِ، ومَن يَكُونُ مَعَ الشَّيْءِ كَيْفَ يَطْلُبُهُ، فَقَوْلُهُ: ﴿ومَن أظْلَمُ﴾ إشارَةٌ إلى الأوَّلِ، وقَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ جاهَدُوا فِينا﴾ إشارَةٌ إلى الثّانِي، وقَوْلُهُ: ﴿وإنَّ اللَّهَ لَمَعَ المُحْسِنِينَ﴾ إشارَةٌ إلى الثّالِثِ. واللَّهُ أعْلَمُ بِأسْرارِ كِتابِهِ، والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ وصَلاتُهُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ وآلِهِ وصَحْبِهِ أجْمَعِينَ.

الروم 30:1

صفحة ٨٤ سُورَةُ الرُّومِ سِتُّونَ آيَةً مَكِّيَّةٌ [ إلّا آيَةَ ١٧ فَمَدَنِيَّةٌ، نَزَلَتْ بَعْدَ الِانْشِقاقِ ] ﷽ ﴿الم﴾ ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ ﴿فِي أدْنى الأرْضِ وهم مِن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الأمْرُ مِن قَبْلُ ومِن بَعْدُ ويَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ﴾ ﷽ ﴿الم﴾ ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ ﴿فِي أدْنى الأرْضِ وهم مِن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ وجْهُ تَعَلُّقِ أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ بِما قَبْلَها يَتَبَيَّنُ مِنهُ سَبَبُ النُّزُولِ، فَنَقُولُ: لَمّا قالَ اللَّهُ تَعالى في السُّورَةِ المُتَقَدِّمَةِ ﴿ولا تُجادِلُوا أهْلَ الكِتابِ إلّا بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [العنكبوت: ٤٦] وكانَ يُجادِلُ المُشْرِكِينَ بِنِسْبَتِهِمْ إلى عَدَمِ العَقْلِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهم لا يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٧١] وكانَ أهْلُ الكِتابِ يُوافِقُونَ النَّبِيَّ في الإلَهِ كَما قالَ: ﴿وإلَهُنا وإلَهُكم واحِدٌ﴾ [العنكبوت: ٤٦] وكانُوا يُؤْمِنُونَ بِكَثِيرٍ مِمّا يَقُولُهُ، بَلْ كَثِيرٌ مِنهم كانُوا مُؤْمِنِينَ بِهِ كَما قالَ: ﴿فالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ [العنكبوت: ٤٧] أيْ أبْغَضَ المُشْرِكُونَ أهْلَ الكِتابِ وتَرَكُوا مُراجَعَتَهم، وكانُوا مِن قَبْلُ يُراجِعُونَهم في الأُمُورِ، فَلَمّا وقَعَتِ الكَرَّةُ عَلَيْهِمْ حِينَ قاتَلَهُمُ الفُرْسُ المَجُوسُ فَرِحَ المُشْرِكُونَ بِذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآياتِ لِبَيانِ أنَّ الغَلَبَةَ لا تَدُلُّ عَلى الحَقِّ، بَلِ اللَّهُ تَعالى قَدْ يُرِيدُ مَزِيدَ ثَوابٍ في المُحِبِّ فَيَبْتَلِيهِ ويُسَلِّطُ عَلَيْهِ الأعادِيَ، وقَدْ يَخْتارُ تَعْجِيلَ العَذابِ الأدْنى دُونَ العَذابِ الأكْبَرِ قَبْلَ يَوْمِ المِيعادِ لِلْمُعادِي، وفي الآيَةِ مَسائِلُ: الأُولى: ما الحِكْمَةُ في افْتِتاحِ هَذِهِ السُّورَةِ بِحُرُوفِ التَّهَجِّي ؟ فَنَقُولُ: قَدْ سَبَقَ مِنّا أنَّ كُلَّ سُورَةٍ افْتُتِحَتْ بِحُرُوفِ التَّهَجِّي، فَإنَّ في أوائِلِها ذِكْرَ الكِتابِ أوِ التَّنْزِيلِ أوِ القُرْآنِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الم﴾ ﴿ذَلِكَ الكِتابُ﴾ [البقرة: ١ - ٢]، ﴿المص﴾ ﴿كِتابٌ﴾ [ الأعْرافِ: ١ - ٢]، ﴿طه﴾ ﴿ما أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ﴾ [طه: ١ - ٢]، ﴿الم﴾ ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ﴾ [ السَّجْدَةِ: ١ - ٢] ﴿حم﴾ ﴿تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [ فُصِّلَتْ: ١ - ٢]، ﴿يس﴾ ﴿والقُرْآنِ﴾ [يس: ١ - ٢]، ﴿ص والقُرْآنِ﴾ [ص: ١] إلّا هَذِهِ السُّورَةَ وسُورَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ ذَكَرْناهُما في العَنْكَبُوتِ وقَدْ ذَكَرْنا ما الحِكْمَةُ فِيهِما في مَوْضِعِهِما صفحة ٨٥ فَنَقُولُ: ما يَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ السُّوَرِ وهو أنَّ السُّورَةَ الَّتِي في أوائِلِها التَّنْزِيلُ والكِتابُ والقُرْآنُ في أوائِلِها ذِكْرُ ما هو مُعْجِزَةٌ فَقُدِّمَتْ عَلَيْها الحُرُوفُ عَلى ما تَقَدَّمَ بَيانُهُ في العَنْكَبُوتِ، وهَذِهِ ذَكَرَ في أوَّلِها ما هو مُعْجِزَةٌ وهو الإخْبارُ عَنِ الغَيْبِ، فَقُدِّمَتِ الحُرُوفُ الَّتِي لا يُعْلَمُ مَعْناها لِيَتَنَبَّهَ السّامِعُ؛ فَيُقْبِلَ بِقَلْبِهِ عَلى الِاسْتِماعِ، ثُمَّ تَرِدُ عَلَيْهِ المُعْجِزَةُ وتَقْرَعُ الأسْماعَ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي أدْنى الأرْضِ﴾ أيْ أرْضِ العَرَبِ؛ لِأنَّ الألِفَ واللّامَ لِلتَّعْرِيفِ، والمَعْهُودُ عِنْدَهم أرْضُهم، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهم مِن بَعْدِ غَلَبِهِمْ﴾ أيَّةُ فائِدَةٍ في ذِكْرِهِ مَعَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿سَيَغْلِبُونَ﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ لا يَكُونُ إلّا مِن بَعْدِ الغَلَبَةِ ؟ فَنَقُولُ: الفائِدَةُ فِيهِ إظْهارُ القُدْرَةِ وبَيانُ أنَّ ذَلِكَ بِأمْرِ اللَّهِ؛ لِأنَّ مَن غَلَبَ بَعْدَ غَلَبِهِ لا يَكُونُ إلّا ضَعِيفًا، فَلَوْ كانَ غَلَبَتُهم لِشَوْكَتِهِمْ لَكانَ الواجِبُ أنْ يَغْلِبُوا قَبْلَ غَلَبِهِمْ فَإذا غَلَبُوا بَعْدَما غُلِبُوا، دَلَّ عَلى أنَّ ذَلِكَ بِأمْرِ اللَّهِ، فَذَكَرَ مِن بَعْدِ غَلَبِهِمْ لِيَتَفَكَّرُوا في ضَعْفِهِمْ ويَتَذَكَّرُوا أنَّهُ لَيْسَ بِزَحْفِهِمْ، وإنَّما ذَلِكَ بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى، وقَوْلُهُ: ﴿فِي أدْنى الأرْضِ﴾ لِبَيانِ شِدَّةِ ضَعْفِهِمْ، أيِ انْتَهى ضَعْفُهم إلى أنْ وصَلَ عَدُوُّهم إلى طَرِيقِ الحِجازِ، وكَسَرُوهم وهم في بِلادِهِمْ ثُمَّ غَلَبُوا حَتّى وصَلُوا إلى المَدائِنِ وبَنَوْا هُناكَ الرُّومِيَّةَ لِبَيانِ أنَّ هَذِهِ الغَلَبَةَ العَظِيمَةَ بَعْدَ ذَلِكَ الضَّعْفِ العَظِيمِ بِإذْنِ اللَّهِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ تَعالى: ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ قِيلَ هي ما بَيْنَ الثَّلاثَةِ والعَشَرَةِ، أبْهَمَ الوَقْتَ مَعَ أنَّ المُعْجِزَةَ في تَعْيِينِ الوَقْتِ أتَمُّ، فَنَقُولُ السَّنَةُ والشَّهْرُ واليَوْمُ والسّاعَةُ كُلُّها مَعْلُومَةٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، وبَيَّنَها لِنَبِيِّهِ وما أذِنَ لَهُ في إظْهارِها؛ لِأنَّ الكُفّارَ كانُوا مُعانِدِينَ، والأُمُورُ الَّتِي تَقَعُ في البِلادِ النّائِيَةِ تَكُونُ مَعْلُومَةَ الوُقُوعِ بِحَيْثُ لا يُمْكِنُ إنْكارُها لَكِنَّ وقْتَها يُمْكِنُ الِاخْتِلافُ فِيهِ، فالمُعانِدُ كانَ يَتَمَكَّنُ مِن أنْ يَرْجُفَ بِوُقُوعِ الواقِعَةِ قَبْلَ الوُقُوعِ لِيَحْصُلَ الخُلْفُ في كَلامِهِ، ولَمّا ورَدَتِ الآيَةُ ذَكَرَ أبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّ الرُّومَ سَتَغْلِبُ وأنْكَرَهُ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ وغَيْرُهُ، وناحَبُوا أبا بَكْرٍ أيْ خاطَرُوهُ عَلى عَشَرَةِ قَلائِصَ إلى ثَلاثِ سِنِينَ فَقالَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِأبِي بَكْرٍ البِضْعُ ما بَيْنَ الثَّلاثَةِ والعَشَرَةِ فَزايَدَهُ في الإبِلِ ومادَّهُ في الأجَلِ، فَجَعَلا القَلائِصَ مِائَةً والأجَلَ سَبْعًا، وهَذا يَدُلُّ عَلى عِلْمِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِوَقْتِ الغَلَبَةِ. [ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِلَّهِ الأمْرُ مِن قَبْلُ ومِن بَعْدُ ويَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ﴾ ] . * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لِلَّهِ الأمْرُ مِن قَبْلُ ومِن بَعْدُ﴾ أيْ مِن قَبْلِ الغَلَبَةِ ومِن بَعْدِها، أوْ مِن قَبْلِ هَذِهِ المُدَّةِ ومِن بَعْدِها، يَعْنِي إنْ أرادَ غَلَبَهم غَلَبَهم قَبْلَ بِضْعِ سِنِينَ، وإنْ أرادَ غَلَبَهم غَلَبَهم بَعْدَها، وما قَدَّرَ هَذِهِ المُدَّةَ لِعَجْزٍ وإنَّما هي إرادَةٌ نافِذَةٌ، وبُنِيا عَلى الضَّمِّ لَمّا قُطِعا عَنِ الإضافَةِ؛ لِأنَّ غَيْرَ الضَّمَّةِ مِنَ الفَتْحَةِ والكَسْرَةِ يُشْتَبَهُ بِما يَدْخُلُ عَلَيْهِما وهو النَّصْبُ والجَرُّ، أمّا النَّصْبُ فَفي قَوْلِكَ جِئْتُ قَبْلَهُ أوْ بَعْدَهُ، وأمّا الجَرُّ فَفي قَوْلِكَ مِن قَبْلِهِ ومِن بَعْدِهِ فَبُنِيا عَلى الضَّمِّ لِعَدَمِ دُخُولِ مِثْلِهِما عَلَيْهِ في الإعْرابِ وهو الرَّفْعُ ﴿ويَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ﴾ قِيلَ يَفْرَحُونَ بِغَلَبَةِ الرُّومِ عَلى الفُرْسِ كَما فَرِحَ المُشْرِكُونَ بِغَلَبَةِ الفُرْسِ عَلى الرُّومِ، والأصَحُّ أنَّهم يَفْرَحُونَ بِغَلَبَتِهِمُ المُشْرِكِينَ وذَلِكَ لِأنَّ غَلَبَةَ الرُّومِ كانَتْ يَوْمَ غَلَبَةِ المُسْلِمِينَ المُشْرِكِينَ بِبَدْرٍ، ولَوْ كانَ المُرادُ ما ذَكَرُوهُ لَما صَحَّ؛ لِأنَّ في ذَلِكَ اليَوْمِ بِعَيْنِهِ لَمْ يَصِلْ إلَيْهِمْ خَبَرُ الكَسْرِ، فَلا يَكُونُ فَرَحُهم يَوْمَئِذٍ، بَلِ الفَرَحُ يَحْصُلُ بَعْدَهُ.

الروم 30:2

صفحة ٨٤ سُورَةُ الرُّومِ سِتُّونَ آيَةً مَكِّيَّةٌ [ إلّا آيَةَ ١٧ فَمَدَنِيَّةٌ، نَزَلَتْ بَعْدَ الِانْشِقاقِ ] ﷽ ﴿الم﴾ ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ ﴿فِي أدْنى الأرْضِ وهم مِن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الأمْرُ مِن قَبْلُ ومِن بَعْدُ ويَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ﴾ ﷽ ﴿الم﴾ ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ ﴿فِي أدْنى الأرْضِ وهم مِن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ وجْهُ تَعَلُّقِ أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ بِما قَبْلَها يَتَبَيَّنُ مِنهُ سَبَبُ النُّزُولِ، فَنَقُولُ: لَمّا قالَ اللَّهُ تَعالى في السُّورَةِ المُتَقَدِّمَةِ ﴿ولا تُجادِلُوا أهْلَ الكِتابِ إلّا بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [العنكبوت: ٤٦] وكانَ يُجادِلُ المُشْرِكِينَ بِنِسْبَتِهِمْ إلى عَدَمِ العَقْلِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهم لا يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٧١] وكانَ أهْلُ الكِتابِ يُوافِقُونَ النَّبِيَّ في الإلَهِ كَما قالَ: ﴿وإلَهُنا وإلَهُكم واحِدٌ﴾ [العنكبوت: ٤٦] وكانُوا يُؤْمِنُونَ بِكَثِيرٍ مِمّا يَقُولُهُ، بَلْ كَثِيرٌ مِنهم كانُوا مُؤْمِنِينَ بِهِ كَما قالَ: ﴿فالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ [العنكبوت: ٤٧] أيْ أبْغَضَ المُشْرِكُونَ أهْلَ الكِتابِ وتَرَكُوا مُراجَعَتَهم، وكانُوا مِن قَبْلُ يُراجِعُونَهم في الأُمُورِ، فَلَمّا وقَعَتِ الكَرَّةُ عَلَيْهِمْ حِينَ قاتَلَهُمُ الفُرْسُ المَجُوسُ فَرِحَ المُشْرِكُونَ بِذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآياتِ لِبَيانِ أنَّ الغَلَبَةَ لا تَدُلُّ عَلى الحَقِّ، بَلِ اللَّهُ تَعالى قَدْ يُرِيدُ مَزِيدَ ثَوابٍ في المُحِبِّ فَيَبْتَلِيهِ ويُسَلِّطُ عَلَيْهِ الأعادِيَ، وقَدْ يَخْتارُ تَعْجِيلَ العَذابِ الأدْنى دُونَ العَذابِ الأكْبَرِ قَبْلَ يَوْمِ المِيعادِ لِلْمُعادِي، وفي الآيَةِ مَسائِلُ: الأُولى: ما الحِكْمَةُ في افْتِتاحِ هَذِهِ السُّورَةِ بِحُرُوفِ التَّهَجِّي ؟ فَنَقُولُ: قَدْ سَبَقَ مِنّا أنَّ كُلَّ سُورَةٍ افْتُتِحَتْ بِحُرُوفِ التَّهَجِّي، فَإنَّ في أوائِلِها ذِكْرَ الكِتابِ أوِ التَّنْزِيلِ أوِ القُرْآنِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الم﴾ ﴿ذَلِكَ الكِتابُ﴾ [البقرة: ١ - ٢]، ﴿المص﴾ ﴿كِتابٌ﴾ [ الأعْرافِ: ١ - ٢]، ﴿طه﴾ ﴿ما أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ﴾ [طه: ١ - ٢]، ﴿الم﴾ ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ﴾ [ السَّجْدَةِ: ١ - ٢] ﴿حم﴾ ﴿تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [ فُصِّلَتْ: ١ - ٢]، ﴿يس﴾ ﴿والقُرْآنِ﴾ [يس: ١ - ٢]، ﴿ص والقُرْآنِ﴾ [ص: ١] إلّا هَذِهِ السُّورَةَ وسُورَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ ذَكَرْناهُما في العَنْكَبُوتِ وقَدْ ذَكَرْنا ما الحِكْمَةُ فِيهِما في مَوْضِعِهِما صفحة ٨٥ فَنَقُولُ: ما يَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ السُّوَرِ وهو أنَّ السُّورَةَ الَّتِي في أوائِلِها التَّنْزِيلُ والكِتابُ والقُرْآنُ في أوائِلِها ذِكْرُ ما هو مُعْجِزَةٌ فَقُدِّمَتْ عَلَيْها الحُرُوفُ عَلى ما تَقَدَّمَ بَيانُهُ في العَنْكَبُوتِ، وهَذِهِ ذَكَرَ في أوَّلِها ما هو مُعْجِزَةٌ وهو الإخْبارُ عَنِ الغَيْبِ، فَقُدِّمَتِ الحُرُوفُ الَّتِي لا يُعْلَمُ مَعْناها لِيَتَنَبَّهَ السّامِعُ؛ فَيُقْبِلَ بِقَلْبِهِ عَلى الِاسْتِماعِ، ثُمَّ تَرِدُ عَلَيْهِ المُعْجِزَةُ وتَقْرَعُ الأسْماعَ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي أدْنى الأرْضِ﴾ أيْ أرْضِ العَرَبِ؛ لِأنَّ الألِفَ واللّامَ لِلتَّعْرِيفِ، والمَعْهُودُ عِنْدَهم أرْضُهم، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهم مِن بَعْدِ غَلَبِهِمْ﴾ أيَّةُ فائِدَةٍ في ذِكْرِهِ مَعَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿سَيَغْلِبُونَ﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ لا يَكُونُ إلّا مِن بَعْدِ الغَلَبَةِ ؟ فَنَقُولُ: الفائِدَةُ فِيهِ إظْهارُ القُدْرَةِ وبَيانُ أنَّ ذَلِكَ بِأمْرِ اللَّهِ؛ لِأنَّ مَن غَلَبَ بَعْدَ غَلَبِهِ لا يَكُونُ إلّا ضَعِيفًا، فَلَوْ كانَ غَلَبَتُهم لِشَوْكَتِهِمْ لَكانَ الواجِبُ أنْ يَغْلِبُوا قَبْلَ غَلَبِهِمْ فَإذا غَلَبُوا بَعْدَما غُلِبُوا، دَلَّ عَلى أنَّ ذَلِكَ بِأمْرِ اللَّهِ، فَذَكَرَ مِن بَعْدِ غَلَبِهِمْ لِيَتَفَكَّرُوا في ضَعْفِهِمْ ويَتَذَكَّرُوا أنَّهُ لَيْسَ بِزَحْفِهِمْ، وإنَّما ذَلِكَ بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى، وقَوْلُهُ: ﴿فِي أدْنى الأرْضِ﴾ لِبَيانِ شِدَّةِ ضَعْفِهِمْ، أيِ انْتَهى ضَعْفُهم إلى أنْ وصَلَ عَدُوُّهم إلى طَرِيقِ الحِجازِ، وكَسَرُوهم وهم في بِلادِهِمْ ثُمَّ غَلَبُوا حَتّى وصَلُوا إلى المَدائِنِ وبَنَوْا هُناكَ الرُّومِيَّةَ لِبَيانِ أنَّ هَذِهِ الغَلَبَةَ العَظِيمَةَ بَعْدَ ذَلِكَ الضَّعْفِ العَظِيمِ بِإذْنِ اللَّهِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ تَعالى: ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ قِيلَ هي ما بَيْنَ الثَّلاثَةِ والعَشَرَةِ، أبْهَمَ الوَقْتَ مَعَ أنَّ المُعْجِزَةَ في تَعْيِينِ الوَقْتِ أتَمُّ، فَنَقُولُ السَّنَةُ والشَّهْرُ واليَوْمُ والسّاعَةُ كُلُّها مَعْلُومَةٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، وبَيَّنَها لِنَبِيِّهِ وما أذِنَ لَهُ في إظْهارِها؛ لِأنَّ الكُفّارَ كانُوا مُعانِدِينَ، والأُمُورُ الَّتِي تَقَعُ في البِلادِ النّائِيَةِ تَكُونُ مَعْلُومَةَ الوُقُوعِ بِحَيْثُ لا يُمْكِنُ إنْكارُها لَكِنَّ وقْتَها يُمْكِنُ الِاخْتِلافُ فِيهِ، فالمُعانِدُ كانَ يَتَمَكَّنُ مِن أنْ يَرْجُفَ بِوُقُوعِ الواقِعَةِ قَبْلَ الوُقُوعِ لِيَحْصُلَ الخُلْفُ في كَلامِهِ، ولَمّا ورَدَتِ الآيَةُ ذَكَرَ أبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّ الرُّومَ سَتَغْلِبُ وأنْكَرَهُ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ وغَيْرُهُ، وناحَبُوا أبا بَكْرٍ أيْ خاطَرُوهُ عَلى عَشَرَةِ قَلائِصَ إلى ثَلاثِ سِنِينَ فَقالَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِأبِي بَكْرٍ البِضْعُ ما بَيْنَ الثَّلاثَةِ والعَشَرَةِ فَزايَدَهُ في الإبِلِ ومادَّهُ في الأجَلِ، فَجَعَلا القَلائِصَ مِائَةً والأجَلَ سَبْعًا، وهَذا يَدُلُّ عَلى عِلْمِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِوَقْتِ الغَلَبَةِ. [ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِلَّهِ الأمْرُ مِن قَبْلُ ومِن بَعْدُ ويَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ﴾ ] . * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لِلَّهِ الأمْرُ مِن قَبْلُ ومِن بَعْدُ﴾ أيْ مِن قَبْلِ الغَلَبَةِ ومِن بَعْدِها، أوْ مِن قَبْلِ هَذِهِ المُدَّةِ ومِن بَعْدِها، يَعْنِي إنْ أرادَ غَلَبَهم غَلَبَهم قَبْلَ بِضْعِ سِنِينَ، وإنْ أرادَ غَلَبَهم غَلَبَهم بَعْدَها، وما قَدَّرَ هَذِهِ المُدَّةَ لِعَجْزٍ وإنَّما هي إرادَةٌ نافِذَةٌ، وبُنِيا عَلى الضَّمِّ لَمّا قُطِعا عَنِ الإضافَةِ؛ لِأنَّ غَيْرَ الضَّمَّةِ مِنَ الفَتْحَةِ والكَسْرَةِ يُشْتَبَهُ بِما يَدْخُلُ عَلَيْهِما وهو النَّصْبُ والجَرُّ، أمّا النَّصْبُ فَفي قَوْلِكَ جِئْتُ قَبْلَهُ أوْ بَعْدَهُ، وأمّا الجَرُّ فَفي قَوْلِكَ مِن قَبْلِهِ ومِن بَعْدِهِ فَبُنِيا عَلى الضَّمِّ لِعَدَمِ دُخُولِ مِثْلِهِما عَلَيْهِ في الإعْرابِ وهو الرَّفْعُ ﴿ويَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ﴾ قِيلَ يَفْرَحُونَ بِغَلَبَةِ الرُّومِ عَلى الفُرْسِ كَما فَرِحَ المُشْرِكُونَ بِغَلَبَةِ الفُرْسِ عَلى الرُّومِ، والأصَحُّ أنَّهم يَفْرَحُونَ بِغَلَبَتِهِمُ المُشْرِكِينَ وذَلِكَ لِأنَّ غَلَبَةَ الرُّومِ كانَتْ يَوْمَ غَلَبَةِ المُسْلِمِينَ المُشْرِكِينَ بِبَدْرٍ، ولَوْ كانَ المُرادُ ما ذَكَرُوهُ لَما صَحَّ؛ لِأنَّ في ذَلِكَ اليَوْمِ بِعَيْنِهِ لَمْ يَصِلْ إلَيْهِمْ خَبَرُ الكَسْرِ، فَلا يَكُونُ فَرَحُهم يَوْمَئِذٍ، بَلِ الفَرَحُ يَحْصُلُ بَعْدَهُ.

الروم 30:3

صفحة ٨٤ سُورَةُ الرُّومِ سِتُّونَ آيَةً مَكِّيَّةٌ [ إلّا آيَةَ ١٧ فَمَدَنِيَّةٌ، نَزَلَتْ بَعْدَ الِانْشِقاقِ ] ﷽ ﴿الم﴾ ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ ﴿فِي أدْنى الأرْضِ وهم مِن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الأمْرُ مِن قَبْلُ ومِن بَعْدُ ويَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ﴾ ﷽ ﴿الم﴾ ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ ﴿فِي أدْنى الأرْضِ وهم مِن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ وجْهُ تَعَلُّقِ أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ بِما قَبْلَها يَتَبَيَّنُ مِنهُ سَبَبُ النُّزُولِ، فَنَقُولُ: لَمّا قالَ اللَّهُ تَعالى في السُّورَةِ المُتَقَدِّمَةِ ﴿ولا تُجادِلُوا أهْلَ الكِتابِ إلّا بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [العنكبوت: ٤٦] وكانَ يُجادِلُ المُشْرِكِينَ بِنِسْبَتِهِمْ إلى عَدَمِ العَقْلِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهم لا يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٧١] وكانَ أهْلُ الكِتابِ يُوافِقُونَ النَّبِيَّ في الإلَهِ كَما قالَ: ﴿وإلَهُنا وإلَهُكم واحِدٌ﴾ [العنكبوت: ٤٦] وكانُوا يُؤْمِنُونَ بِكَثِيرٍ مِمّا يَقُولُهُ، بَلْ كَثِيرٌ مِنهم كانُوا مُؤْمِنِينَ بِهِ كَما قالَ: ﴿فالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ [العنكبوت: ٤٧] أيْ أبْغَضَ المُشْرِكُونَ أهْلَ الكِتابِ وتَرَكُوا مُراجَعَتَهم، وكانُوا مِن قَبْلُ يُراجِعُونَهم في الأُمُورِ، فَلَمّا وقَعَتِ الكَرَّةُ عَلَيْهِمْ حِينَ قاتَلَهُمُ الفُرْسُ المَجُوسُ فَرِحَ المُشْرِكُونَ بِذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآياتِ لِبَيانِ أنَّ الغَلَبَةَ لا تَدُلُّ عَلى الحَقِّ، بَلِ اللَّهُ تَعالى قَدْ يُرِيدُ مَزِيدَ ثَوابٍ في المُحِبِّ فَيَبْتَلِيهِ ويُسَلِّطُ عَلَيْهِ الأعادِيَ، وقَدْ يَخْتارُ تَعْجِيلَ العَذابِ الأدْنى دُونَ العَذابِ الأكْبَرِ قَبْلَ يَوْمِ المِيعادِ لِلْمُعادِي، وفي الآيَةِ مَسائِلُ: الأُولى: ما الحِكْمَةُ في افْتِتاحِ هَذِهِ السُّورَةِ بِحُرُوفِ التَّهَجِّي ؟ فَنَقُولُ: قَدْ سَبَقَ مِنّا أنَّ كُلَّ سُورَةٍ افْتُتِحَتْ بِحُرُوفِ التَّهَجِّي، فَإنَّ في أوائِلِها ذِكْرَ الكِتابِ أوِ التَّنْزِيلِ أوِ القُرْآنِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الم﴾ ﴿ذَلِكَ الكِتابُ﴾ [البقرة: ١ - ٢]، ﴿المص﴾ ﴿كِتابٌ﴾ [ الأعْرافِ: ١ - ٢]، ﴿طه﴾ ﴿ما أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ﴾ [طه: ١ - ٢]، ﴿الم﴾ ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ﴾ [ السَّجْدَةِ: ١ - ٢] ﴿حم﴾ ﴿تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [ فُصِّلَتْ: ١ - ٢]، ﴿يس﴾ ﴿والقُرْآنِ﴾ [يس: ١ - ٢]، ﴿ص والقُرْآنِ﴾ [ص: ١] إلّا هَذِهِ السُّورَةَ وسُورَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ ذَكَرْناهُما في العَنْكَبُوتِ وقَدْ ذَكَرْنا ما الحِكْمَةُ فِيهِما في مَوْضِعِهِما صفحة ٨٥ فَنَقُولُ: ما يَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ السُّوَرِ وهو أنَّ السُّورَةَ الَّتِي في أوائِلِها التَّنْزِيلُ والكِتابُ والقُرْآنُ في أوائِلِها ذِكْرُ ما هو مُعْجِزَةٌ فَقُدِّمَتْ عَلَيْها الحُرُوفُ عَلى ما تَقَدَّمَ بَيانُهُ في العَنْكَبُوتِ، وهَذِهِ ذَكَرَ في أوَّلِها ما هو مُعْجِزَةٌ وهو الإخْبارُ عَنِ الغَيْبِ، فَقُدِّمَتِ الحُرُوفُ الَّتِي لا يُعْلَمُ مَعْناها لِيَتَنَبَّهَ السّامِعُ؛ فَيُقْبِلَ بِقَلْبِهِ عَلى الِاسْتِماعِ، ثُمَّ تَرِدُ عَلَيْهِ المُعْجِزَةُ وتَقْرَعُ الأسْماعَ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي أدْنى الأرْضِ﴾ أيْ أرْضِ العَرَبِ؛ لِأنَّ الألِفَ واللّامَ لِلتَّعْرِيفِ، والمَعْهُودُ عِنْدَهم أرْضُهم، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهم مِن بَعْدِ غَلَبِهِمْ﴾ أيَّةُ فائِدَةٍ في ذِكْرِهِ مَعَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿سَيَغْلِبُونَ﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ لا يَكُونُ إلّا مِن بَعْدِ الغَلَبَةِ ؟ فَنَقُولُ: الفائِدَةُ فِيهِ إظْهارُ القُدْرَةِ وبَيانُ أنَّ ذَلِكَ بِأمْرِ اللَّهِ؛ لِأنَّ مَن غَلَبَ بَعْدَ غَلَبِهِ لا يَكُونُ إلّا ضَعِيفًا، فَلَوْ كانَ غَلَبَتُهم لِشَوْكَتِهِمْ لَكانَ الواجِبُ أنْ يَغْلِبُوا قَبْلَ غَلَبِهِمْ فَإذا غَلَبُوا بَعْدَما غُلِبُوا، دَلَّ عَلى أنَّ ذَلِكَ بِأمْرِ اللَّهِ، فَذَكَرَ مِن بَعْدِ غَلَبِهِمْ لِيَتَفَكَّرُوا في ضَعْفِهِمْ ويَتَذَكَّرُوا أنَّهُ لَيْسَ بِزَحْفِهِمْ، وإنَّما ذَلِكَ بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى، وقَوْلُهُ: ﴿فِي أدْنى الأرْضِ﴾ لِبَيانِ شِدَّةِ ضَعْفِهِمْ، أيِ انْتَهى ضَعْفُهم إلى أنْ وصَلَ عَدُوُّهم إلى طَرِيقِ الحِجازِ، وكَسَرُوهم وهم في بِلادِهِمْ ثُمَّ غَلَبُوا حَتّى وصَلُوا إلى المَدائِنِ وبَنَوْا هُناكَ الرُّومِيَّةَ لِبَيانِ أنَّ هَذِهِ الغَلَبَةَ العَظِيمَةَ بَعْدَ ذَلِكَ الضَّعْفِ العَظِيمِ بِإذْنِ اللَّهِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ تَعالى: ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ قِيلَ هي ما بَيْنَ الثَّلاثَةِ والعَشَرَةِ، أبْهَمَ الوَقْتَ مَعَ أنَّ المُعْجِزَةَ في تَعْيِينِ الوَقْتِ أتَمُّ، فَنَقُولُ السَّنَةُ والشَّهْرُ واليَوْمُ والسّاعَةُ كُلُّها مَعْلُومَةٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، وبَيَّنَها لِنَبِيِّهِ وما أذِنَ لَهُ في إظْهارِها؛ لِأنَّ الكُفّارَ كانُوا مُعانِدِينَ، والأُمُورُ الَّتِي تَقَعُ في البِلادِ النّائِيَةِ تَكُونُ مَعْلُومَةَ الوُقُوعِ بِحَيْثُ لا يُمْكِنُ إنْكارُها لَكِنَّ وقْتَها يُمْكِنُ الِاخْتِلافُ فِيهِ، فالمُعانِدُ كانَ يَتَمَكَّنُ مِن أنْ يَرْجُفَ بِوُقُوعِ الواقِعَةِ قَبْلَ الوُقُوعِ لِيَحْصُلَ الخُلْفُ في كَلامِهِ، ولَمّا ورَدَتِ الآيَةُ ذَكَرَ أبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّ الرُّومَ سَتَغْلِبُ وأنْكَرَهُ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ وغَيْرُهُ، وناحَبُوا أبا بَكْرٍ أيْ خاطَرُوهُ عَلى عَشَرَةِ قَلائِصَ إلى ثَلاثِ سِنِينَ فَقالَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِأبِي بَكْرٍ البِضْعُ ما بَيْنَ الثَّلاثَةِ والعَشَرَةِ فَزايَدَهُ في الإبِلِ ومادَّهُ في الأجَلِ، فَجَعَلا القَلائِصَ مِائَةً والأجَلَ سَبْعًا، وهَذا يَدُلُّ عَلى عِلْمِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِوَقْتِ الغَلَبَةِ. [ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِلَّهِ الأمْرُ مِن قَبْلُ ومِن بَعْدُ ويَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ﴾ ] . * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لِلَّهِ الأمْرُ مِن قَبْلُ ومِن بَعْدُ﴾ أيْ مِن قَبْلِ الغَلَبَةِ ومِن بَعْدِها، أوْ مِن قَبْلِ هَذِهِ المُدَّةِ ومِن بَعْدِها، يَعْنِي إنْ أرادَ غَلَبَهم غَلَبَهم قَبْلَ بِضْعِ سِنِينَ، وإنْ أرادَ غَلَبَهم غَلَبَهم بَعْدَها، وما قَدَّرَ هَذِهِ المُدَّةَ لِعَجْزٍ وإنَّما هي إرادَةٌ نافِذَةٌ، وبُنِيا عَلى الضَّمِّ لَمّا قُطِعا عَنِ الإضافَةِ؛ لِأنَّ غَيْرَ الضَّمَّةِ مِنَ الفَتْحَةِ والكَسْرَةِ يُشْتَبَهُ بِما يَدْخُلُ عَلَيْهِما وهو النَّصْبُ والجَرُّ، أمّا النَّصْبُ فَفي قَوْلِكَ جِئْتُ قَبْلَهُ أوْ بَعْدَهُ، وأمّا الجَرُّ فَفي قَوْلِكَ مِن قَبْلِهِ ومِن بَعْدِهِ فَبُنِيا عَلى الضَّمِّ لِعَدَمِ دُخُولِ مِثْلِهِما عَلَيْهِ في الإعْرابِ وهو الرَّفْعُ ﴿ويَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ﴾ قِيلَ يَفْرَحُونَ بِغَلَبَةِ الرُّومِ عَلى الفُرْسِ كَما فَرِحَ المُشْرِكُونَ بِغَلَبَةِ الفُرْسِ عَلى الرُّومِ، والأصَحُّ أنَّهم يَفْرَحُونَ بِغَلَبَتِهِمُ المُشْرِكِينَ وذَلِكَ لِأنَّ غَلَبَةَ الرُّومِ كانَتْ يَوْمَ غَلَبَةِ المُسْلِمِينَ المُشْرِكِينَ بِبَدْرٍ، ولَوْ كانَ المُرادُ ما ذَكَرُوهُ لَما صَحَّ؛ لِأنَّ في ذَلِكَ اليَوْمِ بِعَيْنِهِ لَمْ يَصِلْ إلَيْهِمْ خَبَرُ الكَسْرِ، فَلا يَكُونُ فَرَحُهم يَوْمَئِذٍ، بَلِ الفَرَحُ يَحْصُلُ بَعْدَهُ.

الروم 30:4

صفحة ٨٤ سُورَةُ الرُّومِ سِتُّونَ آيَةً مَكِّيَّةٌ [ إلّا آيَةَ ١٧ فَمَدَنِيَّةٌ، نَزَلَتْ بَعْدَ الِانْشِقاقِ ] ﷽ ﴿الم﴾ ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ ﴿فِي أدْنى الأرْضِ وهم مِن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الأمْرُ مِن قَبْلُ ومِن بَعْدُ ويَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ﴾ ﷽ ﴿الم﴾ ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ ﴿فِي أدْنى الأرْضِ وهم مِن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ وجْهُ تَعَلُّقِ أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ بِما قَبْلَها يَتَبَيَّنُ مِنهُ سَبَبُ النُّزُولِ، فَنَقُولُ: لَمّا قالَ اللَّهُ تَعالى في السُّورَةِ المُتَقَدِّمَةِ ﴿ولا تُجادِلُوا أهْلَ الكِتابِ إلّا بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [العنكبوت: ٤٦] وكانَ يُجادِلُ المُشْرِكِينَ بِنِسْبَتِهِمْ إلى عَدَمِ العَقْلِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهم لا يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٧١] وكانَ أهْلُ الكِتابِ يُوافِقُونَ النَّبِيَّ في الإلَهِ كَما قالَ: ﴿وإلَهُنا وإلَهُكم واحِدٌ﴾ [العنكبوت: ٤٦] وكانُوا يُؤْمِنُونَ بِكَثِيرٍ مِمّا يَقُولُهُ، بَلْ كَثِيرٌ مِنهم كانُوا مُؤْمِنِينَ بِهِ كَما قالَ: ﴿فالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ [العنكبوت: ٤٧] أيْ أبْغَضَ المُشْرِكُونَ أهْلَ الكِتابِ وتَرَكُوا مُراجَعَتَهم، وكانُوا مِن قَبْلُ يُراجِعُونَهم في الأُمُورِ، فَلَمّا وقَعَتِ الكَرَّةُ عَلَيْهِمْ حِينَ قاتَلَهُمُ الفُرْسُ المَجُوسُ فَرِحَ المُشْرِكُونَ بِذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآياتِ لِبَيانِ أنَّ الغَلَبَةَ لا تَدُلُّ عَلى الحَقِّ، بَلِ اللَّهُ تَعالى قَدْ يُرِيدُ مَزِيدَ ثَوابٍ في المُحِبِّ فَيَبْتَلِيهِ ويُسَلِّطُ عَلَيْهِ الأعادِيَ، وقَدْ يَخْتارُ تَعْجِيلَ العَذابِ الأدْنى دُونَ العَذابِ الأكْبَرِ قَبْلَ يَوْمِ المِيعادِ لِلْمُعادِي، وفي الآيَةِ مَسائِلُ: الأُولى: ما الحِكْمَةُ في افْتِتاحِ هَذِهِ السُّورَةِ بِحُرُوفِ التَّهَجِّي ؟ فَنَقُولُ: قَدْ سَبَقَ مِنّا أنَّ كُلَّ سُورَةٍ افْتُتِحَتْ بِحُرُوفِ التَّهَجِّي، فَإنَّ في أوائِلِها ذِكْرَ الكِتابِ أوِ التَّنْزِيلِ أوِ القُرْآنِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الم﴾ ﴿ذَلِكَ الكِتابُ﴾ [البقرة: ١ - ٢]، ﴿المص﴾ ﴿كِتابٌ﴾ [ الأعْرافِ: ١ - ٢]، ﴿طه﴾ ﴿ما أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ﴾ [طه: ١ - ٢]، ﴿الم﴾ ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ﴾ [ السَّجْدَةِ: ١ - ٢] ﴿حم﴾ ﴿تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [ فُصِّلَتْ: ١ - ٢]، ﴿يس﴾ ﴿والقُرْآنِ﴾ [يس: ١ - ٢]، ﴿ص والقُرْآنِ﴾ [ص: ١] إلّا هَذِهِ السُّورَةَ وسُورَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ ذَكَرْناهُما في العَنْكَبُوتِ وقَدْ ذَكَرْنا ما الحِكْمَةُ فِيهِما في مَوْضِعِهِما صفحة ٨٥ فَنَقُولُ: ما يَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ السُّوَرِ وهو أنَّ السُّورَةَ الَّتِي في أوائِلِها التَّنْزِيلُ والكِتابُ والقُرْآنُ في أوائِلِها ذِكْرُ ما هو مُعْجِزَةٌ فَقُدِّمَتْ عَلَيْها الحُرُوفُ عَلى ما تَقَدَّمَ بَيانُهُ في العَنْكَبُوتِ، وهَذِهِ ذَكَرَ في أوَّلِها ما هو مُعْجِزَةٌ وهو الإخْبارُ عَنِ الغَيْبِ، فَقُدِّمَتِ الحُرُوفُ الَّتِي لا يُعْلَمُ مَعْناها لِيَتَنَبَّهَ السّامِعُ؛ فَيُقْبِلَ بِقَلْبِهِ عَلى الِاسْتِماعِ، ثُمَّ تَرِدُ عَلَيْهِ المُعْجِزَةُ وتَقْرَعُ الأسْماعَ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي أدْنى الأرْضِ﴾ أيْ أرْضِ العَرَبِ؛ لِأنَّ الألِفَ واللّامَ لِلتَّعْرِيفِ، والمَعْهُودُ عِنْدَهم أرْضُهم، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهم مِن بَعْدِ غَلَبِهِمْ﴾ أيَّةُ فائِدَةٍ في ذِكْرِهِ مَعَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿سَيَغْلِبُونَ﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ لا يَكُونُ إلّا مِن بَعْدِ الغَلَبَةِ ؟ فَنَقُولُ: الفائِدَةُ فِيهِ إظْهارُ القُدْرَةِ وبَيانُ أنَّ ذَلِكَ بِأمْرِ اللَّهِ؛ لِأنَّ مَن غَلَبَ بَعْدَ غَلَبِهِ لا يَكُونُ إلّا ضَعِيفًا، فَلَوْ كانَ غَلَبَتُهم لِشَوْكَتِهِمْ لَكانَ الواجِبُ أنْ يَغْلِبُوا قَبْلَ غَلَبِهِمْ فَإذا غَلَبُوا بَعْدَما غُلِبُوا، دَلَّ عَلى أنَّ ذَلِكَ بِأمْرِ اللَّهِ، فَذَكَرَ مِن بَعْدِ غَلَبِهِمْ لِيَتَفَكَّرُوا في ضَعْفِهِمْ ويَتَذَكَّرُوا أنَّهُ لَيْسَ بِزَحْفِهِمْ، وإنَّما ذَلِكَ بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى، وقَوْلُهُ: ﴿فِي أدْنى الأرْضِ﴾ لِبَيانِ شِدَّةِ ضَعْفِهِمْ، أيِ انْتَهى ضَعْفُهم إلى أنْ وصَلَ عَدُوُّهم إلى طَرِيقِ الحِجازِ، وكَسَرُوهم وهم في بِلادِهِمْ ثُمَّ غَلَبُوا حَتّى وصَلُوا إلى المَدائِنِ وبَنَوْا هُناكَ الرُّومِيَّةَ لِبَيانِ أنَّ هَذِهِ الغَلَبَةَ العَظِيمَةَ بَعْدَ ذَلِكَ الضَّعْفِ العَظِيمِ بِإذْنِ اللَّهِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ تَعالى: ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ قِيلَ هي ما بَيْنَ الثَّلاثَةِ والعَشَرَةِ، أبْهَمَ الوَقْتَ مَعَ أنَّ المُعْجِزَةَ في تَعْيِينِ الوَقْتِ أتَمُّ، فَنَقُولُ السَّنَةُ والشَّهْرُ واليَوْمُ والسّاعَةُ كُلُّها مَعْلُومَةٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، وبَيَّنَها لِنَبِيِّهِ وما أذِنَ لَهُ في إظْهارِها؛ لِأنَّ الكُفّارَ كانُوا مُعانِدِينَ، والأُمُورُ الَّتِي تَقَعُ في البِلادِ النّائِيَةِ تَكُونُ مَعْلُومَةَ الوُقُوعِ بِحَيْثُ لا يُمْكِنُ إنْكارُها لَكِنَّ وقْتَها يُمْكِنُ الِاخْتِلافُ فِيهِ، فالمُعانِدُ كانَ يَتَمَكَّنُ مِن أنْ يَرْجُفَ بِوُقُوعِ الواقِعَةِ قَبْلَ الوُقُوعِ لِيَحْصُلَ الخُلْفُ في كَلامِهِ، ولَمّا ورَدَتِ الآيَةُ ذَكَرَ أبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّ الرُّومَ سَتَغْلِبُ وأنْكَرَهُ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ وغَيْرُهُ، وناحَبُوا أبا بَكْرٍ أيْ خاطَرُوهُ عَلى عَشَرَةِ قَلائِصَ إلى ثَلاثِ سِنِينَ فَقالَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِأبِي بَكْرٍ البِضْعُ ما بَيْنَ الثَّلاثَةِ والعَشَرَةِ فَزايَدَهُ في الإبِلِ ومادَّهُ في الأجَلِ، فَجَعَلا القَلائِصَ مِائَةً والأجَلَ سَبْعًا، وهَذا يَدُلُّ عَلى عِلْمِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِوَقْتِ الغَلَبَةِ. [ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِلَّهِ الأمْرُ مِن قَبْلُ ومِن بَعْدُ ويَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ﴾ ] . * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لِلَّهِ الأمْرُ مِن قَبْلُ ومِن بَعْدُ﴾ أيْ مِن قَبْلِ الغَلَبَةِ ومِن بَعْدِها، أوْ مِن قَبْلِ هَذِهِ المُدَّةِ ومِن بَعْدِها، يَعْنِي إنْ أرادَ غَلَبَهم غَلَبَهم قَبْلَ بِضْعِ سِنِينَ، وإنْ أرادَ غَلَبَهم غَلَبَهم بَعْدَها، وما قَدَّرَ هَذِهِ المُدَّةَ لِعَجْزٍ وإنَّما هي إرادَةٌ نافِذَةٌ، وبُنِيا عَلى الضَّمِّ لَمّا قُطِعا عَنِ الإضافَةِ؛ لِأنَّ غَيْرَ الضَّمَّةِ مِنَ الفَتْحَةِ والكَسْرَةِ يُشْتَبَهُ بِما يَدْخُلُ عَلَيْهِما وهو النَّصْبُ والجَرُّ، أمّا النَّصْبُ فَفي قَوْلِكَ جِئْتُ قَبْلَهُ أوْ بَعْدَهُ، وأمّا الجَرُّ فَفي قَوْلِكَ مِن قَبْلِهِ ومِن بَعْدِهِ فَبُنِيا عَلى الضَّمِّ لِعَدَمِ دُخُولِ مِثْلِهِما عَلَيْهِ في الإعْرابِ وهو الرَّفْعُ ﴿ويَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ﴾ قِيلَ يَفْرَحُونَ بِغَلَبَةِ الرُّومِ عَلى الفُرْسِ كَما فَرِحَ المُشْرِكُونَ بِغَلَبَةِ الفُرْسِ عَلى الرُّومِ، والأصَحُّ أنَّهم يَفْرَحُونَ بِغَلَبَتِهِمُ المُشْرِكِينَ وذَلِكَ لِأنَّ غَلَبَةَ الرُّومِ كانَتْ يَوْمَ غَلَبَةِ المُسْلِمِينَ المُشْرِكِينَ بِبَدْرٍ، ولَوْ كانَ المُرادُ ما ذَكَرُوهُ لَما صَحَّ؛ لِأنَّ في ذَلِكَ اليَوْمِ بِعَيْنِهِ لَمْ يَصِلْ إلَيْهِمْ خَبَرُ الكَسْرِ، فَلا يَكُونُ فَرَحُهم يَوْمَئِذٍ، بَلِ الفَرَحُ يَحْصُلُ بَعْدَهُ.

الروم 30:5

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَن يَشاءُ وهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿وعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وعْدَهُ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿يَعْلَمُونَ ظاهِرًا مِنَ الحَياةِ الدُّنْيا وهم عَنِ الآخِرَةِ هم غافِلُونَ﴾ ﴿أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا في أنْفُسِهِمْ ما خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلّا بِالحَقِّ وأجَلٍ مُسَمًّى وإنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ لَكافِرُونَ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَن يَشاءُ﴾ قَدَّمَ المَصْدَرَ عَلى الفِعْلِ حَيْثُ قالَ: ﴿بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ﴾ وقَدَّمَ الفِعْلَ عَلى المَصْدَرِ في قَوْلِهِ: ﴿وأيَّدَكم بِنَصْرِهِ﴾ وذَلِكَ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ هَهُنا بَيانُ أنَّ النُّصْرَةَ بِيَدِ اللَّهِ إنْ أرادَ نَصَرَ وإنْ لَمْ يُرِدْ لا يَنْصُرْ، ولَيْسَ المَقْصُودُ النُّصْرَةَ ووُقُوعَها والمَقْصُودُ هُناكَ إظْهارُ النِّعْمَةِ عَلَيْهِ بِأنَّهُ نَصَرَهُ، فالمَقْصُودُ هُناكَ الفِعْلُ ووُقُوعُهُ، فَقَدَّمَ هُناكَ الفِعْلَ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ الفِعْلَ مَصْدَرُهُ عِنْدَ اللَّهِ، والمَقْصُودُ هَهُنا كَوْنُ المَصْدَرُ عِنْدَ اللَّهِ إنْ أرادَ فَعَلَ فَقَدَّمَ المَصْدَرَ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وهُوَ العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ ذَكَرَ مِن أسْمائِهِ هَذَيْنِ الِاسْمَيْنِ؛ لِأنَّهُ إنْ لَمْ يَنْصُرِ المُحِبَّ بَلْ سَلَّطَ العَدُوَّ عَلَيْهِ فَذَلِكَ لِعِزَّتِهِ وعَدَمِ افْتِقارِهِ، وإنْ نَصَرَ المُحِبَّ فَذَلِكَ لِرَحْمَتِهِ عَلَيْهِ، أوْ نَقُولُ: إنْ نَصَرَ اللَّهُ المُحِبِّ فَلِعِزَّتِهِ واسْتِغْنائِهِ عَنِ العَدُوِّ ورَحْمَتِهِ عَلى المُحِبِّ، وإنْ لَمْ يَنْصُرِ المُحِبَّ فَلِعِزَّتِهِ واسْتِغْنائِهِ عَنِ المُحِبِّ، ورَحْمَتُهُ في الآخِرَةِ واصِلَةٌ إلَيْهِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وعْدَهُ﴾ يَعْنِي سَيَغْلِبُونَ وعَدَهُمُ اللَّهُ وعْدًا ووَعْدُ اللَّهِ لا خُلْفَ فِيهِ، قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ لا يَعْلَمُونَ وعْدَهُ وأنَّهُ لا خُلْفَ في وعْدِهِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ظاهِرًا مِنَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ يَعْنِي عِلْمُهم مُنْحَصِرٌ في الدُّنْيا وأيْضًا لا يَعْلَمُونَ الدُّنْيا كَما هي، وإنَّما يَعْلَمُونَ ظاهِرَها وهي مَلاذُها ومَلاعِبُها، ولا يَعْلَمُونَ باطِنَها وهي مَضارُّها ومَتاعِبُها ويَعْلَمُونَ وُجُودَها الظّاهِرَ، ولا يَعْلَمُونَ فَناءَها ﴿وهم عَنِ الآخِرَةِ هم غافِلُونَ﴾ والمَعْنى هم عَنِ الآخِرَةِ غافِلُونَ، وذُكِرَتْ هُمُ الثّانِيَةُ لِتُفِيدَ أنَّ الغَفْلَةَ مِنهم، وإلّا فَأسْبابُ التَّذَكُّرِ حاصِلَةٌ وهَذا كَما يَقُولُ القائِلُ لِغَيْرِهِ: غَفَلْتُ عَنْ أمْرِي، فَإذا قالَ هو: شَغَلَنِي فُلانٌ، فَيَقُولُ: ما شَغَلَكَ ولَكِنْ أنْتَ اشْتَغَلْتَ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا في أنْفُسِهِمْ ما خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلّا بِالحَقِّ وأجَلٍ مُسَمًّى وإنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ لَكافِرُونَ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا في أنْفُسِهِمْ﴾ لَمّا صَدَرَ مِنَ الكُفّارِ الإنْكارَ بِاللَّهِ عِنْدَ إنْكارِ وعْدِ اللَّهِ وعَدَمِ الخُلْفِ فِيهِ كَما قالَ تَعالى: ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ والإنْكارُ بِالحَشْرِ كَما قالَ تَعالى: ﴿وهم عَنِ الآخِرَةِ هم غافِلُونَ﴾ بَيَّنَ أنَّ الغَفْلَةَ وعَدَمَ العِلْمِ مِنهم بِتَقْدِيرِ اللَّهِ، وإلّا فَأسْبابُ التَّذَكُّرِ حاصِلَةٌ وهو [ أنَّ ] أنْفُسَهم لَوْ تَفَكَّرُوا فِيها لَعَلِمُوا وحْدانِيَّةَ اللَّهِ وصَدَّقُوا بِالحَشْرِ، أمّا الوَحْدانِيَّةُ فَلِأنَّ اللَّهَ خَلَقَهم عَلى صفحة ٨٧ أحْسَنِ تَقْوِيمٍ، ولْنَذْكُرْ مِن حُسْنِ خَلْقِهِمْ جُزْأً مِن ألْفِ ألْفِ جُزْءٍ، وهو أنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ لِلْإنْسانِ مَعِدَةً فِيها يَنْهَضِمُ غِذاؤُهُ لِتَقْوى بِهِ أعْضاؤُهُ ولَها مَنفَذانِ أحَدُهُما لِدُخُولِ الطَّعامِ فِيهِ، والآخَرُ لِخُرُوجِ الطَّعامِ مِنهُ، فَإذا دَخَلَ الطَّعامُ فِيها انْطَبَقَ المَنفَذُ الآخَرُ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ، بِحَيْثُ لا يَخْرُجُ مِنهُ ذَرَّةٌ ولا بِالرَّشْحِ، وتُمْسِكُهُ الماسِكَةُ إلى أنْ يَنْضَجَ نُضْجًا صالِحًا، ثُمَّ يَخْرُجُ مِنَ المَنفَذِ الآخَرِ، وخَلَقَ تَحْتَ المَعِدَةِ عُرُوقًا دِقاقًا صِلابًا كالمِصْفاةِ الَّتِي يُصَفّى بِها الشَّيْءُ فَيَنْزِلُ مِنها الصّافِي إلى الكَبِدِ، ويَنْصَبُّ الثُّفْلُ إلى مِعًى مَخْلُوقٍ تَحْتَ المَعِدَةِ مُسْتَقِيمٍ مُتَوَجِّهًا إلى الخُرُوجِ، وما يَدْخُلُ في الكَبِدِ مِنَ العُرُوقِ المَذْكُورَةِ يُسَمّى الماسارِيقا بِالعِبْرِيَّةِ، والعِبْرِيَّةُ عَرَبِيَّةٌ مَفْسُودَةٌ في الأكْثَرِ، يُقالُ لِمُوسى مِيشا ولِلْإلَهِ إيلْ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، فالماسارِيقا مَعْناها ماسارِيقُ اشْتَمَلَ عَلَيْهِ الكَبِدُ وأنْضَجَهُ نُضْجًا آخَرَ، ويَكُونُ مَعَ الغِذاءِ المُتَوَجِّهِ مِنَ المَعِدَةِ إلى الكَبِدِ فَضْلُ ماءٍ مَشْرُوبٍ لِيُرَقَّقَ ويَنْذَرِقَ في العُرُوقِ الدِّقاقِ المَذْكُورَةِ، وفي الكَبِدِ يَسْتَغْنِي عَنْ ذَلِكَ الماءِ فَيَتَمَيَّزُ عَنْهُ ذَلِكَ الماءُ ويَنْصَبُّ مِن جانِبِ حَدَبَةِ الكَبِدِ إلى الكُلْيَةِ ومَعَهُ دَمٌ يَسِيرٌ تَغْتَذِي بِهِ الكُلْيَةُ وغَيْرُها، ويَخْرُجُ الدَّمُ الخالِصُ مِنَ الكَبِدِ في عِرْقٍ كَبِيرٍ، ثُمَّ يَتَشَعَّبُ ذَلِكَ النَّهْرُ إلى جَداوِلَ، والجَداوِلُ إلى سَواقٍ، والسَّواقِي إلى رَواضِعَ ويَصِلُ فِيها إلى جَمِيعِ البَدَنِ، فَهَذِهِ حِكْمَةٌ واحِدَةٌ في خَلْقِ الإنْسانِ، وهَذِهِ كِفايَةٌ في مَعْرِفَةِ كَوْنِ اللَّهِ فاعِلًا مُخْتارًا قادِرًا كامِلًا عالِمًا شامِلًا عِلْمُهُ، ومَن يَكُونُ كَذَلِكَ يَكُونُ واحِدًا وإلّا لَكانَ عاجِزًا عِنْدَ إرادَةِ شَرِيكِهِ ضِدَّ ما أرادَهُ. وأمّا دَلالَةُ الإنْسانِ عَلى الحَشْرِ فَذَلِكَ؛ لِأنَّهُ إذا تَفَكَّرَ في نَفْسِهِ يَرى قُواهُ صائِرَةً إلى الزَّوالِ، وأجْزاءَهُ مائِلَةً إلى الِانْحِلالِ فَلَهُ فَناءٌ ضَرُورِيٌّ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَياةٌ أُخْرى لَكانَ خَلْقُهُ عَلى هَذا الوَجْهِ لِلْفَناءِ عَبَثًا، وإلَيْهِ أشارَ بِقَوْلِهِ: ﴿أفَحَسِبْتُمْ أنَّما خَلَقْناكم عَبَثًا﴾ [المؤمنون: ١١٥] وهَذا ظاهِرٌ؛ لِأنَّ مَن يَفْعَلُ شَيْئًا لِلْعَبَثِ فَلَوْ بالَغَ في إحْكامِهِ وإتْقانِهِ يَضْحَكُ مِنهُ، فَإذا خَلَقَهُ لِلْبَقاءِ ولا بَقاءَ دُونَ اللِّقاءِ فالآخِرَةُ لا بُدَّ مِنها، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ بَعْدَ دَلِيلِ الأنْفُسِ دَلِيلَ الآفاقِ فَقالَ: ﴿ما خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلّا بِالحَقِّ وأجَلٍ مُسَمًّى﴾ فَقَوْلُهُ: ﴿إلّا بِالحَقِّ﴾ إشارَةٌ إلى وجْهِ دَلالَتِها عَلى الوَحْدانِيَّةِ، وقَدْ بَيَّنّا ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [العنكبوت: ٤٤] ونُعِيدُهُ فَإنَّ التَّكْرِيرَ في الذِّهْنِ يُفِيدُ التَّقْرِيرَ لِذِي الذِّهْنِ، فَنَقُولُ: إذا كانَ بِالحَقِّ لا يَكُونُ فِيها بُطْلانٌ فَلا يَكُونُ فِيها فَسادٌ؛ لِأنَّ كُلَّ فاسِدٍ باطِلٌ، وإذا لَمْ يَكُنْ فِيها فَسادٌ لا تَكُونُ آلِهَةً وإلّا لَكانَ فِيها فَسادٌ، كَما قالَ تَعالى: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلّا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾ [الأنبياء: ٢٢] وقَوْلُهُ: ﴿وأجَلٍ مُسَمًّى﴾ يُذَكِّرُ بِالأصْلِ الآخَرِ الَّذِي أنْكَرُوهُ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ لَكافِرُونَ﴾ يَعْنِي لا يَعْلَمُونَ أنَّهُ لا بُدَّ بَعْدَ هَذِهِ الحَياةِ مِن لِقاءٍ وبَقاءٍ إمّا في إسْعادٍ أوْ شَقاءٍ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَدَّمَ هَهُنا دَلائِلَ الأنْفُسِ عَلى دَلائِلِ الآفاقِ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الآفاقِ وفي أنْفُسِهِمْ﴾ [فصلت: ٥٣] قَدَّمَ دَلائِلَ الآفاقِ، وذَلِكَ لِأنَّ المُفِيدَ إذا أفادَ فائِدَةً يَذْكُرُها عَلى وجْهٍ جَيِّدٍ يَخْتارُهُ، فَإنْ فَهِمَهُ السّامِعُ المُسْتَفِيدُ فَذَلِكَ، وإلّا يَذْكُرُها عَلى وجْهٍ أبْيَنَ مِنهُ ويَنْزِلُ دَرَجَةً فَدَرَجَةً، وأمّا المُسْتَفِيدُ فَإنَّهُ يَفْهَمُ أوَّلًا الأبْيَنَ، ثُمَّ يَرْتَقِي إلى فَهْمِ ذَلِكَ الأخْفى الَّذِي لَمْ يَكُنْ فَهِمَهُ فَيَفْهَمُهُ بَعْدَ فَهْمِ الأبْيَنِ المَذْكُورِ آخِرًا، فالمَذْكُورُ مِنَ المُفِيدِ آخِرًا مَفْهُومٌ عِنْدِ السّامِعِ أوَّلًا، إذا عُلِمَ هَذا فَنَقُولُ: هَهُنا الفِعْلُ كانَ مَنسُوبًا إلى السّامِعِ حَيْثُ قالَ: ﴿أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا في أنْفُسِهِمْ﴾ يَعْنِي فِيما فَهِمُوهُ أوَّلًا ولَمْ يَرْتَقُوا إلى ما فَهِمُوهُ ثانِيًا، وأمّا في قَوْلِهِ: ﴿سَنُرِيهِمْ﴾ الأمْرُ مَنسُوبٌ إلى المُفِيدِ المُسْمِعِ، فَذَكَرَ أوَّلًا: الآفاقَ فَإنْ لَمْ يَفْهَمُوهُ فالأنْفُسَ؛ لِأنَّ دَلائِلَ الأنْفُسِ صفحة ٨٨ لا ذُهُولَ لِلْإنْسانِ عَنْها، وهَذا التَّرْتِيبُ مُراعًى في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيامًا وقُعُودًا وعَلى جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٩١] أيْ يَعْلَمُونَ اللَّهَ بِدَلائِلِ الأنْفُسِ في سائِرِ الأحْوالِ، ويَتَفَكَّرُونَ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ بِدَلائِلِ الآفاقِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: وجْهُ دَلالَةِ الخَلْقِ بِالحَقِّ عَلى الوَحْدانِيَّةِ ظاهِرٌ، وأمّا وجْهُ دَلالَتِهِ عَلى الحَشْرِ فَكَيْفَ هو ؟ فَنَقُولُ: وُقُوعُ تَخْرِيبِ السَّماواتِ وعَدَمُها لا يُعْلَمُ بِالعَقْلِ إلّا إمْكانُهُ، وأمّا وُقُوعُهُ فَلا يُعْلَمُ إلّا بِالسَّمْعِ؛ لِأنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى إبْقاءِ الحادِثِ أبَدًا كَما أنَّهُ يُبْقِي الجَنَّةَ والنّارَ بَعْدَ إحْداثِهِما أبَدًا، والخَلْقُ دَلِيلُ إمْكانِ العَدَمِ؛ لِأنَّ المَخْلُوقَ لَمْ يَجِبْ لَهُ القِدَمُ فَجازِ عَلَيْهِ العَدَمُ، فَإذا أخْبَرَ الصّادِقُ عَنْ أمْرٍ لَهُ إمْكانٌ، وجَبَ عَلى العاقِلِ التَّصْدِيقُ والإذْعانُ، ولِأنَّ العالَمَ لَمّا كانَ خَلَقَهُ بِالحَقِّ فَيَنْبَغِي أنْ يَكُونَ بَعْدَ هَذِهِ الحَياةِ حَياةٌ أُخْرى باقِيَةٌ؛ لِأنَّ هَذِهِ الحَياةَ لَيْسَتْ إلّا لَعِبًا ولَهْوًا كَما بَيَّنَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما الحَياةُ الدُّنْيا إلّا لَعِبٌ ولَهْوٌ﴾ [الأنعام: ٣٢] وخَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ لِلَّهْوِ واللَّعِبِ عَبَثٌ، والعَبَثُ لَيْسَ بِحَقٍّ، وخَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ بِالحَقِّ فَلا بُدَّ مِن حَياةٍ بَعْدَ هَذِهِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ هَهُنا: ﴿كَثِيرًا مِنَ النّاسِ﴾ وقالَ مِن قَبْلُ: ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ﴾ وذَلِكَ؛ لِأنَّهُ مِن قَبْلُ لَمْ يَذْكُرْ دَلِيلًا عَلى الأصْلَيْنِ، وهَهُنا قَدْ ذَكَرَ الدَّلائِلَ الواضِحَةَ والبَراهِينَ اللّائِحَةَ ولا شَكَّ في أنَّ الإيمانَ بَعْدَ الدَّلِيلِ أكْثَرُ مِنَ الإيمانِ قَبْلَ الدَّلِيلِ، فَبَعْدَ الدَّلائِلِ لا بُدَّ مِن أنْ يُؤْمِنَ مِن ذَلِكَ الأكْثَرِ جَمْعٌ فَلا يَبْقى الأكْثَرُ كَما هو، فَقالَ بَعْدَ إقامَةِ الدَّلِيلِ ﴿وإنَّ كَثِيرًا﴾ وقَبْلَهُ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ﴾ ثُمَّ بَعْدَ الدَّلِيلِ الَّذِي لا يُمْكِنُ الذُّهُولُ عَنْهُ، والدَّلِيلِ الَّذِي لا يَقَعُ الذُّهُولُ عَنْهُ وإنْ أمْكَنَ هو السَّماواتُ والأرْضُ؛ لِأنَّ مِنَ البَعِيدِ أنْ يَذْهَلَ الإنْسانُ عَنِ السَّماءِ الَّتِي فَوْقَهُ والأرْضِ الَّتِي تَحْتَهُ، فَذَكَرَ ما يَقَعُ الذُّهُولُ عَنْهُ وهو أمْرُ أمْثالِهِمْ وحِكايَةُ أشْكالِهِمْ.

الروم 30:6

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَن يَشاءُ وهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿وعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وعْدَهُ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿يَعْلَمُونَ ظاهِرًا مِنَ الحَياةِ الدُّنْيا وهم عَنِ الآخِرَةِ هم غافِلُونَ﴾ ﴿أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا في أنْفُسِهِمْ ما خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلّا بِالحَقِّ وأجَلٍ مُسَمًّى وإنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ لَكافِرُونَ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَن يَشاءُ﴾ قَدَّمَ المَصْدَرَ عَلى الفِعْلِ حَيْثُ قالَ: ﴿بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ﴾ وقَدَّمَ الفِعْلَ عَلى المَصْدَرِ في قَوْلِهِ: ﴿وأيَّدَكم بِنَصْرِهِ﴾ وذَلِكَ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ هَهُنا بَيانُ أنَّ النُّصْرَةَ بِيَدِ اللَّهِ إنْ أرادَ نَصَرَ وإنْ لَمْ يُرِدْ لا يَنْصُرْ، ولَيْسَ المَقْصُودُ النُّصْرَةَ ووُقُوعَها والمَقْصُودُ هُناكَ إظْهارُ النِّعْمَةِ عَلَيْهِ بِأنَّهُ نَصَرَهُ، فالمَقْصُودُ هُناكَ الفِعْلُ ووُقُوعُهُ، فَقَدَّمَ هُناكَ الفِعْلَ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ الفِعْلَ مَصْدَرُهُ عِنْدَ اللَّهِ، والمَقْصُودُ هَهُنا كَوْنُ المَصْدَرُ عِنْدَ اللَّهِ إنْ أرادَ فَعَلَ فَقَدَّمَ المَصْدَرَ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وهُوَ العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ ذَكَرَ مِن أسْمائِهِ هَذَيْنِ الِاسْمَيْنِ؛ لِأنَّهُ إنْ لَمْ يَنْصُرِ المُحِبَّ بَلْ سَلَّطَ العَدُوَّ عَلَيْهِ فَذَلِكَ لِعِزَّتِهِ وعَدَمِ افْتِقارِهِ، وإنْ نَصَرَ المُحِبَّ فَذَلِكَ لِرَحْمَتِهِ عَلَيْهِ، أوْ نَقُولُ: إنْ نَصَرَ اللَّهُ المُحِبِّ فَلِعِزَّتِهِ واسْتِغْنائِهِ عَنِ العَدُوِّ ورَحْمَتِهِ عَلى المُحِبِّ، وإنْ لَمْ يَنْصُرِ المُحِبَّ فَلِعِزَّتِهِ واسْتِغْنائِهِ عَنِ المُحِبِّ، ورَحْمَتُهُ في الآخِرَةِ واصِلَةٌ إلَيْهِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وعْدَهُ﴾ يَعْنِي سَيَغْلِبُونَ وعَدَهُمُ اللَّهُ وعْدًا ووَعْدُ اللَّهِ لا خُلْفَ فِيهِ، قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ لا يَعْلَمُونَ وعْدَهُ وأنَّهُ لا خُلْفَ في وعْدِهِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ظاهِرًا مِنَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ يَعْنِي عِلْمُهم مُنْحَصِرٌ في الدُّنْيا وأيْضًا لا يَعْلَمُونَ الدُّنْيا كَما هي، وإنَّما يَعْلَمُونَ ظاهِرَها وهي مَلاذُها ومَلاعِبُها، ولا يَعْلَمُونَ باطِنَها وهي مَضارُّها ومَتاعِبُها ويَعْلَمُونَ وُجُودَها الظّاهِرَ، ولا يَعْلَمُونَ فَناءَها ﴿وهم عَنِ الآخِرَةِ هم غافِلُونَ﴾ والمَعْنى هم عَنِ الآخِرَةِ غافِلُونَ، وذُكِرَتْ هُمُ الثّانِيَةُ لِتُفِيدَ أنَّ الغَفْلَةَ مِنهم، وإلّا فَأسْبابُ التَّذَكُّرِ حاصِلَةٌ وهَذا كَما يَقُولُ القائِلُ لِغَيْرِهِ: غَفَلْتُ عَنْ أمْرِي، فَإذا قالَ هو: شَغَلَنِي فُلانٌ، فَيَقُولُ: ما شَغَلَكَ ولَكِنْ أنْتَ اشْتَغَلْتَ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا في أنْفُسِهِمْ ما خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلّا بِالحَقِّ وأجَلٍ مُسَمًّى وإنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ لَكافِرُونَ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا في أنْفُسِهِمْ﴾ لَمّا صَدَرَ مِنَ الكُفّارِ الإنْكارَ بِاللَّهِ عِنْدَ إنْكارِ وعْدِ اللَّهِ وعَدَمِ الخُلْفِ فِيهِ كَما قالَ تَعالى: ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ والإنْكارُ بِالحَشْرِ كَما قالَ تَعالى: ﴿وهم عَنِ الآخِرَةِ هم غافِلُونَ﴾ بَيَّنَ أنَّ الغَفْلَةَ وعَدَمَ العِلْمِ مِنهم بِتَقْدِيرِ اللَّهِ، وإلّا فَأسْبابُ التَّذَكُّرِ حاصِلَةٌ وهو [ أنَّ ] أنْفُسَهم لَوْ تَفَكَّرُوا فِيها لَعَلِمُوا وحْدانِيَّةَ اللَّهِ وصَدَّقُوا بِالحَشْرِ، أمّا الوَحْدانِيَّةُ فَلِأنَّ اللَّهَ خَلَقَهم عَلى صفحة ٨٧ أحْسَنِ تَقْوِيمٍ، ولْنَذْكُرْ مِن حُسْنِ خَلْقِهِمْ جُزْأً مِن ألْفِ ألْفِ جُزْءٍ، وهو أنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ لِلْإنْسانِ مَعِدَةً فِيها يَنْهَضِمُ غِذاؤُهُ لِتَقْوى بِهِ أعْضاؤُهُ ولَها مَنفَذانِ أحَدُهُما لِدُخُولِ الطَّعامِ فِيهِ، والآخَرُ لِخُرُوجِ الطَّعامِ مِنهُ، فَإذا دَخَلَ الطَّعامُ فِيها انْطَبَقَ المَنفَذُ الآخَرُ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ، بِحَيْثُ لا يَخْرُجُ مِنهُ ذَرَّةٌ ولا بِالرَّشْحِ، وتُمْسِكُهُ الماسِكَةُ إلى أنْ يَنْضَجَ نُضْجًا صالِحًا، ثُمَّ يَخْرُجُ مِنَ المَنفَذِ الآخَرِ، وخَلَقَ تَحْتَ المَعِدَةِ عُرُوقًا دِقاقًا صِلابًا كالمِصْفاةِ الَّتِي يُصَفّى بِها الشَّيْءُ فَيَنْزِلُ مِنها الصّافِي إلى الكَبِدِ، ويَنْصَبُّ الثُّفْلُ إلى مِعًى مَخْلُوقٍ تَحْتَ المَعِدَةِ مُسْتَقِيمٍ مُتَوَجِّهًا إلى الخُرُوجِ، وما يَدْخُلُ في الكَبِدِ مِنَ العُرُوقِ المَذْكُورَةِ يُسَمّى الماسارِيقا بِالعِبْرِيَّةِ، والعِبْرِيَّةُ عَرَبِيَّةٌ مَفْسُودَةٌ في الأكْثَرِ، يُقالُ لِمُوسى مِيشا ولِلْإلَهِ إيلْ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، فالماسارِيقا مَعْناها ماسارِيقُ اشْتَمَلَ عَلَيْهِ الكَبِدُ وأنْضَجَهُ نُضْجًا آخَرَ، ويَكُونُ مَعَ الغِذاءِ المُتَوَجِّهِ مِنَ المَعِدَةِ إلى الكَبِدِ فَضْلُ ماءٍ مَشْرُوبٍ لِيُرَقَّقَ ويَنْذَرِقَ في العُرُوقِ الدِّقاقِ المَذْكُورَةِ، وفي الكَبِدِ يَسْتَغْنِي عَنْ ذَلِكَ الماءِ فَيَتَمَيَّزُ عَنْهُ ذَلِكَ الماءُ ويَنْصَبُّ مِن جانِبِ حَدَبَةِ الكَبِدِ إلى الكُلْيَةِ ومَعَهُ دَمٌ يَسِيرٌ تَغْتَذِي بِهِ الكُلْيَةُ وغَيْرُها، ويَخْرُجُ الدَّمُ الخالِصُ مِنَ الكَبِدِ في عِرْقٍ كَبِيرٍ، ثُمَّ يَتَشَعَّبُ ذَلِكَ النَّهْرُ إلى جَداوِلَ، والجَداوِلُ إلى سَواقٍ، والسَّواقِي إلى رَواضِعَ ويَصِلُ فِيها إلى جَمِيعِ البَدَنِ، فَهَذِهِ حِكْمَةٌ واحِدَةٌ في خَلْقِ الإنْسانِ، وهَذِهِ كِفايَةٌ في مَعْرِفَةِ كَوْنِ اللَّهِ فاعِلًا مُخْتارًا قادِرًا كامِلًا عالِمًا شامِلًا عِلْمُهُ، ومَن يَكُونُ كَذَلِكَ يَكُونُ واحِدًا وإلّا لَكانَ عاجِزًا عِنْدَ إرادَةِ شَرِيكِهِ ضِدَّ ما أرادَهُ. وأمّا دَلالَةُ الإنْسانِ عَلى الحَشْرِ فَذَلِكَ؛ لِأنَّهُ إذا تَفَكَّرَ في نَفْسِهِ يَرى قُواهُ صائِرَةً إلى الزَّوالِ، وأجْزاءَهُ مائِلَةً إلى الِانْحِلالِ فَلَهُ فَناءٌ ضَرُورِيٌّ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَياةٌ أُخْرى لَكانَ خَلْقُهُ عَلى هَذا الوَجْهِ لِلْفَناءِ عَبَثًا، وإلَيْهِ أشارَ بِقَوْلِهِ: ﴿أفَحَسِبْتُمْ أنَّما خَلَقْناكم عَبَثًا﴾ [المؤمنون: ١١٥] وهَذا ظاهِرٌ؛ لِأنَّ مَن يَفْعَلُ شَيْئًا لِلْعَبَثِ فَلَوْ بالَغَ في إحْكامِهِ وإتْقانِهِ يَضْحَكُ مِنهُ، فَإذا خَلَقَهُ لِلْبَقاءِ ولا بَقاءَ دُونَ اللِّقاءِ فالآخِرَةُ لا بُدَّ مِنها، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ بَعْدَ دَلِيلِ الأنْفُسِ دَلِيلَ الآفاقِ فَقالَ: ﴿ما خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلّا بِالحَقِّ وأجَلٍ مُسَمًّى﴾ فَقَوْلُهُ: ﴿إلّا بِالحَقِّ﴾ إشارَةٌ إلى وجْهِ دَلالَتِها عَلى الوَحْدانِيَّةِ، وقَدْ بَيَّنّا ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [العنكبوت: ٤٤] ونُعِيدُهُ فَإنَّ التَّكْرِيرَ في الذِّهْنِ يُفِيدُ التَّقْرِيرَ لِذِي الذِّهْنِ، فَنَقُولُ: إذا كانَ بِالحَقِّ لا يَكُونُ فِيها بُطْلانٌ فَلا يَكُونُ فِيها فَسادٌ؛ لِأنَّ كُلَّ فاسِدٍ باطِلٌ، وإذا لَمْ يَكُنْ فِيها فَسادٌ لا تَكُونُ آلِهَةً وإلّا لَكانَ فِيها فَسادٌ، كَما قالَ تَعالى: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلّا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾ [الأنبياء: ٢٢] وقَوْلُهُ: ﴿وأجَلٍ مُسَمًّى﴾ يُذَكِّرُ بِالأصْلِ الآخَرِ الَّذِي أنْكَرُوهُ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ لَكافِرُونَ﴾ يَعْنِي لا يَعْلَمُونَ أنَّهُ لا بُدَّ بَعْدَ هَذِهِ الحَياةِ مِن لِقاءٍ وبَقاءٍ إمّا في إسْعادٍ أوْ شَقاءٍ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَدَّمَ هَهُنا دَلائِلَ الأنْفُسِ عَلى دَلائِلِ الآفاقِ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الآفاقِ وفي أنْفُسِهِمْ﴾ [فصلت: ٥٣] قَدَّمَ دَلائِلَ الآفاقِ، وذَلِكَ لِأنَّ المُفِيدَ إذا أفادَ فائِدَةً يَذْكُرُها عَلى وجْهٍ جَيِّدٍ يَخْتارُهُ، فَإنْ فَهِمَهُ السّامِعُ المُسْتَفِيدُ فَذَلِكَ، وإلّا يَذْكُرُها عَلى وجْهٍ أبْيَنَ مِنهُ ويَنْزِلُ دَرَجَةً فَدَرَجَةً، وأمّا المُسْتَفِيدُ فَإنَّهُ يَفْهَمُ أوَّلًا الأبْيَنَ، ثُمَّ يَرْتَقِي إلى فَهْمِ ذَلِكَ الأخْفى الَّذِي لَمْ يَكُنْ فَهِمَهُ فَيَفْهَمُهُ بَعْدَ فَهْمِ الأبْيَنِ المَذْكُورِ آخِرًا، فالمَذْكُورُ مِنَ المُفِيدِ آخِرًا مَفْهُومٌ عِنْدِ السّامِعِ أوَّلًا، إذا عُلِمَ هَذا فَنَقُولُ: هَهُنا الفِعْلُ كانَ مَنسُوبًا إلى السّامِعِ حَيْثُ قالَ: ﴿أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا في أنْفُسِهِمْ﴾ يَعْنِي فِيما فَهِمُوهُ أوَّلًا ولَمْ يَرْتَقُوا إلى ما فَهِمُوهُ ثانِيًا، وأمّا في قَوْلِهِ: ﴿سَنُرِيهِمْ﴾ الأمْرُ مَنسُوبٌ إلى المُفِيدِ المُسْمِعِ، فَذَكَرَ أوَّلًا: الآفاقَ فَإنْ لَمْ يَفْهَمُوهُ فالأنْفُسَ؛ لِأنَّ دَلائِلَ الأنْفُسِ صفحة ٨٨ لا ذُهُولَ لِلْإنْسانِ عَنْها، وهَذا التَّرْتِيبُ مُراعًى في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيامًا وقُعُودًا وعَلى جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٩١] أيْ يَعْلَمُونَ اللَّهَ بِدَلائِلِ الأنْفُسِ في سائِرِ الأحْوالِ، ويَتَفَكَّرُونَ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ بِدَلائِلِ الآفاقِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: وجْهُ دَلالَةِ الخَلْقِ بِالحَقِّ عَلى الوَحْدانِيَّةِ ظاهِرٌ، وأمّا وجْهُ دَلالَتِهِ عَلى الحَشْرِ فَكَيْفَ هو ؟ فَنَقُولُ: وُقُوعُ تَخْرِيبِ السَّماواتِ وعَدَمُها لا يُعْلَمُ بِالعَقْلِ إلّا إمْكانُهُ، وأمّا وُقُوعُهُ فَلا يُعْلَمُ إلّا بِالسَّمْعِ؛ لِأنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى إبْقاءِ الحادِثِ أبَدًا كَما أنَّهُ يُبْقِي الجَنَّةَ والنّارَ بَعْدَ إحْداثِهِما أبَدًا، والخَلْقُ دَلِيلُ إمْكانِ العَدَمِ؛ لِأنَّ المَخْلُوقَ لَمْ يَجِبْ لَهُ القِدَمُ فَجازِ عَلَيْهِ العَدَمُ، فَإذا أخْبَرَ الصّادِقُ عَنْ أمْرٍ لَهُ إمْكانٌ، وجَبَ عَلى العاقِلِ التَّصْدِيقُ والإذْعانُ، ولِأنَّ العالَمَ لَمّا كانَ خَلَقَهُ بِالحَقِّ فَيَنْبَغِي أنْ يَكُونَ بَعْدَ هَذِهِ الحَياةِ حَياةٌ أُخْرى باقِيَةٌ؛ لِأنَّ هَذِهِ الحَياةَ لَيْسَتْ إلّا لَعِبًا ولَهْوًا كَما بَيَّنَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما الحَياةُ الدُّنْيا إلّا لَعِبٌ ولَهْوٌ﴾ [الأنعام: ٣٢] وخَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ لِلَّهْوِ واللَّعِبِ عَبَثٌ، والعَبَثُ لَيْسَ بِحَقٍّ، وخَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ بِالحَقِّ فَلا بُدَّ مِن حَياةٍ بَعْدَ هَذِهِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ هَهُنا: ﴿كَثِيرًا مِنَ النّاسِ﴾ وقالَ مِن قَبْلُ: ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ﴾ وذَلِكَ؛ لِأنَّهُ مِن قَبْلُ لَمْ يَذْكُرْ دَلِيلًا عَلى الأصْلَيْنِ، وهَهُنا قَدْ ذَكَرَ الدَّلائِلَ الواضِحَةَ والبَراهِينَ اللّائِحَةَ ولا شَكَّ في أنَّ الإيمانَ بَعْدَ الدَّلِيلِ أكْثَرُ مِنَ الإيمانِ قَبْلَ الدَّلِيلِ، فَبَعْدَ الدَّلائِلِ لا بُدَّ مِن أنْ يُؤْمِنَ مِن ذَلِكَ الأكْثَرِ جَمْعٌ فَلا يَبْقى الأكْثَرُ كَما هو، فَقالَ بَعْدَ إقامَةِ الدَّلِيلِ ﴿وإنَّ كَثِيرًا﴾ وقَبْلَهُ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ﴾ ثُمَّ بَعْدَ الدَّلِيلِ الَّذِي لا يُمْكِنُ الذُّهُولُ عَنْهُ، والدَّلِيلِ الَّذِي لا يَقَعُ الذُّهُولُ عَنْهُ وإنْ أمْكَنَ هو السَّماواتُ والأرْضُ؛ لِأنَّ مِنَ البَعِيدِ أنْ يَذْهَلَ الإنْسانُ عَنِ السَّماءِ الَّتِي فَوْقَهُ والأرْضِ الَّتِي تَحْتَهُ، فَذَكَرَ ما يَقَعُ الذُّهُولُ عَنْهُ وهو أمْرُ أمْثالِهِمْ وحِكايَةُ أشْكالِهِمْ.

الروم 30:7

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَن يَشاءُ وهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿وعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وعْدَهُ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿يَعْلَمُونَ ظاهِرًا مِنَ الحَياةِ الدُّنْيا وهم عَنِ الآخِرَةِ هم غافِلُونَ﴾ ﴿أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا في أنْفُسِهِمْ ما خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلّا بِالحَقِّ وأجَلٍ مُسَمًّى وإنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ لَكافِرُونَ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَن يَشاءُ﴾ قَدَّمَ المَصْدَرَ عَلى الفِعْلِ حَيْثُ قالَ: ﴿بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ﴾ وقَدَّمَ الفِعْلَ عَلى المَصْدَرِ في قَوْلِهِ: ﴿وأيَّدَكم بِنَصْرِهِ﴾ وذَلِكَ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ هَهُنا بَيانُ أنَّ النُّصْرَةَ بِيَدِ اللَّهِ إنْ أرادَ نَصَرَ وإنْ لَمْ يُرِدْ لا يَنْصُرْ، ولَيْسَ المَقْصُودُ النُّصْرَةَ ووُقُوعَها والمَقْصُودُ هُناكَ إظْهارُ النِّعْمَةِ عَلَيْهِ بِأنَّهُ نَصَرَهُ، فالمَقْصُودُ هُناكَ الفِعْلُ ووُقُوعُهُ، فَقَدَّمَ هُناكَ الفِعْلَ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ الفِعْلَ مَصْدَرُهُ عِنْدَ اللَّهِ، والمَقْصُودُ هَهُنا كَوْنُ المَصْدَرُ عِنْدَ اللَّهِ إنْ أرادَ فَعَلَ فَقَدَّمَ المَصْدَرَ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وهُوَ العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ ذَكَرَ مِن أسْمائِهِ هَذَيْنِ الِاسْمَيْنِ؛ لِأنَّهُ إنْ لَمْ يَنْصُرِ المُحِبَّ بَلْ سَلَّطَ العَدُوَّ عَلَيْهِ فَذَلِكَ لِعِزَّتِهِ وعَدَمِ افْتِقارِهِ، وإنْ نَصَرَ المُحِبَّ فَذَلِكَ لِرَحْمَتِهِ عَلَيْهِ، أوْ نَقُولُ: إنْ نَصَرَ اللَّهُ المُحِبِّ فَلِعِزَّتِهِ واسْتِغْنائِهِ عَنِ العَدُوِّ ورَحْمَتِهِ عَلى المُحِبِّ، وإنْ لَمْ يَنْصُرِ المُحِبَّ فَلِعِزَّتِهِ واسْتِغْنائِهِ عَنِ المُحِبِّ، ورَحْمَتُهُ في الآخِرَةِ واصِلَةٌ إلَيْهِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وعْدَهُ﴾ يَعْنِي سَيَغْلِبُونَ وعَدَهُمُ اللَّهُ وعْدًا ووَعْدُ اللَّهِ لا خُلْفَ فِيهِ، قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ لا يَعْلَمُونَ وعْدَهُ وأنَّهُ لا خُلْفَ في وعْدِهِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ظاهِرًا مِنَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ يَعْنِي عِلْمُهم مُنْحَصِرٌ في الدُّنْيا وأيْضًا لا يَعْلَمُونَ الدُّنْيا كَما هي، وإنَّما يَعْلَمُونَ ظاهِرَها وهي مَلاذُها ومَلاعِبُها، ولا يَعْلَمُونَ باطِنَها وهي مَضارُّها ومَتاعِبُها ويَعْلَمُونَ وُجُودَها الظّاهِرَ، ولا يَعْلَمُونَ فَناءَها ﴿وهم عَنِ الآخِرَةِ هم غافِلُونَ﴾ والمَعْنى هم عَنِ الآخِرَةِ غافِلُونَ، وذُكِرَتْ هُمُ الثّانِيَةُ لِتُفِيدَ أنَّ الغَفْلَةَ مِنهم، وإلّا فَأسْبابُ التَّذَكُّرِ حاصِلَةٌ وهَذا كَما يَقُولُ القائِلُ لِغَيْرِهِ: غَفَلْتُ عَنْ أمْرِي، فَإذا قالَ هو: شَغَلَنِي فُلانٌ، فَيَقُولُ: ما شَغَلَكَ ولَكِنْ أنْتَ اشْتَغَلْتَ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا في أنْفُسِهِمْ ما خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلّا بِالحَقِّ وأجَلٍ مُسَمًّى وإنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ لَكافِرُونَ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا في أنْفُسِهِمْ﴾ لَمّا صَدَرَ مِنَ الكُفّارِ الإنْكارَ بِاللَّهِ عِنْدَ إنْكارِ وعْدِ اللَّهِ وعَدَمِ الخُلْفِ فِيهِ كَما قالَ تَعالى: ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ والإنْكارُ بِالحَشْرِ كَما قالَ تَعالى: ﴿وهم عَنِ الآخِرَةِ هم غافِلُونَ﴾ بَيَّنَ أنَّ الغَفْلَةَ وعَدَمَ العِلْمِ مِنهم بِتَقْدِيرِ اللَّهِ، وإلّا فَأسْبابُ التَّذَكُّرِ حاصِلَةٌ وهو [ أنَّ ] أنْفُسَهم لَوْ تَفَكَّرُوا فِيها لَعَلِمُوا وحْدانِيَّةَ اللَّهِ وصَدَّقُوا بِالحَشْرِ، أمّا الوَحْدانِيَّةُ فَلِأنَّ اللَّهَ خَلَقَهم عَلى صفحة ٨٧ أحْسَنِ تَقْوِيمٍ، ولْنَذْكُرْ مِن حُسْنِ خَلْقِهِمْ جُزْأً مِن ألْفِ ألْفِ جُزْءٍ، وهو أنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ لِلْإنْسانِ مَعِدَةً فِيها يَنْهَضِمُ غِذاؤُهُ لِتَقْوى بِهِ أعْضاؤُهُ ولَها مَنفَذانِ أحَدُهُما لِدُخُولِ الطَّعامِ فِيهِ، والآخَرُ لِخُرُوجِ الطَّعامِ مِنهُ، فَإذا دَخَلَ الطَّعامُ فِيها انْطَبَقَ المَنفَذُ الآخَرُ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ، بِحَيْثُ لا يَخْرُجُ مِنهُ ذَرَّةٌ ولا بِالرَّشْحِ، وتُمْسِكُهُ الماسِكَةُ إلى أنْ يَنْضَجَ نُضْجًا صالِحًا، ثُمَّ يَخْرُجُ مِنَ المَنفَذِ الآخَرِ، وخَلَقَ تَحْتَ المَعِدَةِ عُرُوقًا دِقاقًا صِلابًا كالمِصْفاةِ الَّتِي يُصَفّى بِها الشَّيْءُ فَيَنْزِلُ مِنها الصّافِي إلى الكَبِدِ، ويَنْصَبُّ الثُّفْلُ إلى مِعًى مَخْلُوقٍ تَحْتَ المَعِدَةِ مُسْتَقِيمٍ مُتَوَجِّهًا إلى الخُرُوجِ، وما يَدْخُلُ في الكَبِدِ مِنَ العُرُوقِ المَذْكُورَةِ يُسَمّى الماسارِيقا بِالعِبْرِيَّةِ، والعِبْرِيَّةُ عَرَبِيَّةٌ مَفْسُودَةٌ في الأكْثَرِ، يُقالُ لِمُوسى مِيشا ولِلْإلَهِ إيلْ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، فالماسارِيقا مَعْناها ماسارِيقُ اشْتَمَلَ عَلَيْهِ الكَبِدُ وأنْضَجَهُ نُضْجًا آخَرَ، ويَكُونُ مَعَ الغِذاءِ المُتَوَجِّهِ مِنَ المَعِدَةِ إلى الكَبِدِ فَضْلُ ماءٍ مَشْرُوبٍ لِيُرَقَّقَ ويَنْذَرِقَ في العُرُوقِ الدِّقاقِ المَذْكُورَةِ، وفي الكَبِدِ يَسْتَغْنِي عَنْ ذَلِكَ الماءِ فَيَتَمَيَّزُ عَنْهُ ذَلِكَ الماءُ ويَنْصَبُّ مِن جانِبِ حَدَبَةِ الكَبِدِ إلى الكُلْيَةِ ومَعَهُ دَمٌ يَسِيرٌ تَغْتَذِي بِهِ الكُلْيَةُ وغَيْرُها، ويَخْرُجُ الدَّمُ الخالِصُ مِنَ الكَبِدِ في عِرْقٍ كَبِيرٍ، ثُمَّ يَتَشَعَّبُ ذَلِكَ النَّهْرُ إلى جَداوِلَ، والجَداوِلُ إلى سَواقٍ، والسَّواقِي إلى رَواضِعَ ويَصِلُ فِيها إلى جَمِيعِ البَدَنِ، فَهَذِهِ حِكْمَةٌ واحِدَةٌ في خَلْقِ الإنْسانِ، وهَذِهِ كِفايَةٌ في مَعْرِفَةِ كَوْنِ اللَّهِ فاعِلًا مُخْتارًا قادِرًا كامِلًا عالِمًا شامِلًا عِلْمُهُ، ومَن يَكُونُ كَذَلِكَ يَكُونُ واحِدًا وإلّا لَكانَ عاجِزًا عِنْدَ إرادَةِ شَرِيكِهِ ضِدَّ ما أرادَهُ. وأمّا دَلالَةُ الإنْسانِ عَلى الحَشْرِ فَذَلِكَ؛ لِأنَّهُ إذا تَفَكَّرَ في نَفْسِهِ يَرى قُواهُ صائِرَةً إلى الزَّوالِ، وأجْزاءَهُ مائِلَةً إلى الِانْحِلالِ فَلَهُ فَناءٌ ضَرُورِيٌّ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَياةٌ أُخْرى لَكانَ خَلْقُهُ عَلى هَذا الوَجْهِ لِلْفَناءِ عَبَثًا، وإلَيْهِ أشارَ بِقَوْلِهِ: ﴿أفَحَسِبْتُمْ أنَّما خَلَقْناكم عَبَثًا﴾ [المؤمنون: ١١٥] وهَذا ظاهِرٌ؛ لِأنَّ مَن يَفْعَلُ شَيْئًا لِلْعَبَثِ فَلَوْ بالَغَ في إحْكامِهِ وإتْقانِهِ يَضْحَكُ مِنهُ، فَإذا خَلَقَهُ لِلْبَقاءِ ولا بَقاءَ دُونَ اللِّقاءِ فالآخِرَةُ لا بُدَّ مِنها، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ بَعْدَ دَلِيلِ الأنْفُسِ دَلِيلَ الآفاقِ فَقالَ: ﴿ما خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلّا بِالحَقِّ وأجَلٍ مُسَمًّى﴾ فَقَوْلُهُ: ﴿إلّا بِالحَقِّ﴾ إشارَةٌ إلى وجْهِ دَلالَتِها عَلى الوَحْدانِيَّةِ، وقَدْ بَيَّنّا ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [العنكبوت: ٤٤] ونُعِيدُهُ فَإنَّ التَّكْرِيرَ في الذِّهْنِ يُفِيدُ التَّقْرِيرَ لِذِي الذِّهْنِ، فَنَقُولُ: إذا كانَ بِالحَقِّ لا يَكُونُ فِيها بُطْلانٌ فَلا يَكُونُ فِيها فَسادٌ؛ لِأنَّ كُلَّ فاسِدٍ باطِلٌ، وإذا لَمْ يَكُنْ فِيها فَسادٌ لا تَكُونُ آلِهَةً وإلّا لَكانَ فِيها فَسادٌ، كَما قالَ تَعالى: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلّا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾ [الأنبياء: ٢٢] وقَوْلُهُ: ﴿وأجَلٍ مُسَمًّى﴾ يُذَكِّرُ بِالأصْلِ الآخَرِ الَّذِي أنْكَرُوهُ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ لَكافِرُونَ﴾ يَعْنِي لا يَعْلَمُونَ أنَّهُ لا بُدَّ بَعْدَ هَذِهِ الحَياةِ مِن لِقاءٍ وبَقاءٍ إمّا في إسْعادٍ أوْ شَقاءٍ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَدَّمَ هَهُنا دَلائِلَ الأنْفُسِ عَلى دَلائِلِ الآفاقِ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الآفاقِ وفي أنْفُسِهِمْ﴾ [فصلت: ٥٣] قَدَّمَ دَلائِلَ الآفاقِ، وذَلِكَ لِأنَّ المُفِيدَ إذا أفادَ فائِدَةً يَذْكُرُها عَلى وجْهٍ جَيِّدٍ يَخْتارُهُ، فَإنْ فَهِمَهُ السّامِعُ المُسْتَفِيدُ فَذَلِكَ، وإلّا يَذْكُرُها عَلى وجْهٍ أبْيَنَ مِنهُ ويَنْزِلُ دَرَجَةً فَدَرَجَةً، وأمّا المُسْتَفِيدُ فَإنَّهُ يَفْهَمُ أوَّلًا الأبْيَنَ، ثُمَّ يَرْتَقِي إلى فَهْمِ ذَلِكَ الأخْفى الَّذِي لَمْ يَكُنْ فَهِمَهُ فَيَفْهَمُهُ بَعْدَ فَهْمِ الأبْيَنِ المَذْكُورِ آخِرًا، فالمَذْكُورُ مِنَ المُفِيدِ آخِرًا مَفْهُومٌ عِنْدِ السّامِعِ أوَّلًا، إذا عُلِمَ هَذا فَنَقُولُ: هَهُنا الفِعْلُ كانَ مَنسُوبًا إلى السّامِعِ حَيْثُ قالَ: ﴿أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا في أنْفُسِهِمْ﴾ يَعْنِي فِيما فَهِمُوهُ أوَّلًا ولَمْ يَرْتَقُوا إلى ما فَهِمُوهُ ثانِيًا، وأمّا في قَوْلِهِ: ﴿سَنُرِيهِمْ﴾ الأمْرُ مَنسُوبٌ إلى المُفِيدِ المُسْمِعِ، فَذَكَرَ أوَّلًا: الآفاقَ فَإنْ لَمْ يَفْهَمُوهُ فالأنْفُسَ؛ لِأنَّ دَلائِلَ الأنْفُسِ صفحة ٨٨ لا ذُهُولَ لِلْإنْسانِ عَنْها، وهَذا التَّرْتِيبُ مُراعًى في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيامًا وقُعُودًا وعَلى جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٩١] أيْ يَعْلَمُونَ اللَّهَ بِدَلائِلِ الأنْفُسِ في سائِرِ الأحْوالِ، ويَتَفَكَّرُونَ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ بِدَلائِلِ الآفاقِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: وجْهُ دَلالَةِ الخَلْقِ بِالحَقِّ عَلى الوَحْدانِيَّةِ ظاهِرٌ، وأمّا وجْهُ دَلالَتِهِ عَلى الحَشْرِ فَكَيْفَ هو ؟ فَنَقُولُ: وُقُوعُ تَخْرِيبِ السَّماواتِ وعَدَمُها لا يُعْلَمُ بِالعَقْلِ إلّا إمْكانُهُ، وأمّا وُقُوعُهُ فَلا يُعْلَمُ إلّا بِالسَّمْعِ؛ لِأنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى إبْقاءِ الحادِثِ أبَدًا كَما أنَّهُ يُبْقِي الجَنَّةَ والنّارَ بَعْدَ إحْداثِهِما أبَدًا، والخَلْقُ دَلِيلُ إمْكانِ العَدَمِ؛ لِأنَّ المَخْلُوقَ لَمْ يَجِبْ لَهُ القِدَمُ فَجازِ عَلَيْهِ العَدَمُ، فَإذا أخْبَرَ الصّادِقُ عَنْ أمْرٍ لَهُ إمْكانٌ، وجَبَ عَلى العاقِلِ التَّصْدِيقُ والإذْعانُ، ولِأنَّ العالَمَ لَمّا كانَ خَلَقَهُ بِالحَقِّ فَيَنْبَغِي أنْ يَكُونَ بَعْدَ هَذِهِ الحَياةِ حَياةٌ أُخْرى باقِيَةٌ؛ لِأنَّ هَذِهِ الحَياةَ لَيْسَتْ إلّا لَعِبًا ولَهْوًا كَما بَيَّنَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما الحَياةُ الدُّنْيا إلّا لَعِبٌ ولَهْوٌ﴾ [الأنعام: ٣٢] وخَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ لِلَّهْوِ واللَّعِبِ عَبَثٌ، والعَبَثُ لَيْسَ بِحَقٍّ، وخَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ بِالحَقِّ فَلا بُدَّ مِن حَياةٍ بَعْدَ هَذِهِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ هَهُنا: ﴿كَثِيرًا مِنَ النّاسِ﴾ وقالَ مِن قَبْلُ: ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ﴾ وذَلِكَ؛ لِأنَّهُ مِن قَبْلُ لَمْ يَذْكُرْ دَلِيلًا عَلى الأصْلَيْنِ، وهَهُنا قَدْ ذَكَرَ الدَّلائِلَ الواضِحَةَ والبَراهِينَ اللّائِحَةَ ولا شَكَّ في أنَّ الإيمانَ بَعْدَ الدَّلِيلِ أكْثَرُ مِنَ الإيمانِ قَبْلَ الدَّلِيلِ، فَبَعْدَ الدَّلائِلِ لا بُدَّ مِن أنْ يُؤْمِنَ مِن ذَلِكَ الأكْثَرِ جَمْعٌ فَلا يَبْقى الأكْثَرُ كَما هو، فَقالَ بَعْدَ إقامَةِ الدَّلِيلِ ﴿وإنَّ كَثِيرًا﴾ وقَبْلَهُ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ﴾ ثُمَّ بَعْدَ الدَّلِيلِ الَّذِي لا يُمْكِنُ الذُّهُولُ عَنْهُ، والدَّلِيلِ الَّذِي لا يَقَعُ الذُّهُولُ عَنْهُ وإنْ أمْكَنَ هو السَّماواتُ والأرْضُ؛ لِأنَّ مِنَ البَعِيدِ أنْ يَذْهَلَ الإنْسانُ عَنِ السَّماءِ الَّتِي فَوْقَهُ والأرْضِ الَّتِي تَحْتَهُ، فَذَكَرَ ما يَقَعُ الذُّهُولُ عَنْهُ وهو أمْرُ أمْثالِهِمْ وحِكايَةُ أشْكالِهِمْ.

الروم 30:8

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَن يَشاءُ وهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿وعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وعْدَهُ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿يَعْلَمُونَ ظاهِرًا مِنَ الحَياةِ الدُّنْيا وهم عَنِ الآخِرَةِ هم غافِلُونَ﴾ ﴿أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا في أنْفُسِهِمْ ما خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلّا بِالحَقِّ وأجَلٍ مُسَمًّى وإنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ لَكافِرُونَ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَن يَشاءُ﴾ قَدَّمَ المَصْدَرَ عَلى الفِعْلِ حَيْثُ قالَ: ﴿بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ﴾ وقَدَّمَ الفِعْلَ عَلى المَصْدَرِ في قَوْلِهِ: ﴿وأيَّدَكم بِنَصْرِهِ﴾ وذَلِكَ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ هَهُنا بَيانُ أنَّ النُّصْرَةَ بِيَدِ اللَّهِ إنْ أرادَ نَصَرَ وإنْ لَمْ يُرِدْ لا يَنْصُرْ، ولَيْسَ المَقْصُودُ النُّصْرَةَ ووُقُوعَها والمَقْصُودُ هُناكَ إظْهارُ النِّعْمَةِ عَلَيْهِ بِأنَّهُ نَصَرَهُ، فالمَقْصُودُ هُناكَ الفِعْلُ ووُقُوعُهُ، فَقَدَّمَ هُناكَ الفِعْلَ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ الفِعْلَ مَصْدَرُهُ عِنْدَ اللَّهِ، والمَقْصُودُ هَهُنا كَوْنُ المَصْدَرُ عِنْدَ اللَّهِ إنْ أرادَ فَعَلَ فَقَدَّمَ المَصْدَرَ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وهُوَ العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ ذَكَرَ مِن أسْمائِهِ هَذَيْنِ الِاسْمَيْنِ؛ لِأنَّهُ إنْ لَمْ يَنْصُرِ المُحِبَّ بَلْ سَلَّطَ العَدُوَّ عَلَيْهِ فَذَلِكَ لِعِزَّتِهِ وعَدَمِ افْتِقارِهِ، وإنْ نَصَرَ المُحِبَّ فَذَلِكَ لِرَحْمَتِهِ عَلَيْهِ، أوْ نَقُولُ: إنْ نَصَرَ اللَّهُ المُحِبِّ فَلِعِزَّتِهِ واسْتِغْنائِهِ عَنِ العَدُوِّ ورَحْمَتِهِ عَلى المُحِبِّ، وإنْ لَمْ يَنْصُرِ المُحِبَّ فَلِعِزَّتِهِ واسْتِغْنائِهِ عَنِ المُحِبِّ، ورَحْمَتُهُ في الآخِرَةِ واصِلَةٌ إلَيْهِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وعْدَهُ﴾ يَعْنِي سَيَغْلِبُونَ وعَدَهُمُ اللَّهُ وعْدًا ووَعْدُ اللَّهِ لا خُلْفَ فِيهِ، قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ لا يَعْلَمُونَ وعْدَهُ وأنَّهُ لا خُلْفَ في وعْدِهِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ظاهِرًا مِنَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ يَعْنِي عِلْمُهم مُنْحَصِرٌ في الدُّنْيا وأيْضًا لا يَعْلَمُونَ الدُّنْيا كَما هي، وإنَّما يَعْلَمُونَ ظاهِرَها وهي مَلاذُها ومَلاعِبُها، ولا يَعْلَمُونَ باطِنَها وهي مَضارُّها ومَتاعِبُها ويَعْلَمُونَ وُجُودَها الظّاهِرَ، ولا يَعْلَمُونَ فَناءَها ﴿وهم عَنِ الآخِرَةِ هم غافِلُونَ﴾ والمَعْنى هم عَنِ الآخِرَةِ غافِلُونَ، وذُكِرَتْ هُمُ الثّانِيَةُ لِتُفِيدَ أنَّ الغَفْلَةَ مِنهم، وإلّا فَأسْبابُ التَّذَكُّرِ حاصِلَةٌ وهَذا كَما يَقُولُ القائِلُ لِغَيْرِهِ: غَفَلْتُ عَنْ أمْرِي، فَإذا قالَ هو: شَغَلَنِي فُلانٌ، فَيَقُولُ: ما شَغَلَكَ ولَكِنْ أنْتَ اشْتَغَلْتَ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا في أنْفُسِهِمْ ما خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلّا بِالحَقِّ وأجَلٍ مُسَمًّى وإنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ لَكافِرُونَ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا في أنْفُسِهِمْ﴾ لَمّا صَدَرَ مِنَ الكُفّارِ الإنْكارَ بِاللَّهِ عِنْدَ إنْكارِ وعْدِ اللَّهِ وعَدَمِ الخُلْفِ فِيهِ كَما قالَ تَعالى: ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ والإنْكارُ بِالحَشْرِ كَما قالَ تَعالى: ﴿وهم عَنِ الآخِرَةِ هم غافِلُونَ﴾ بَيَّنَ أنَّ الغَفْلَةَ وعَدَمَ العِلْمِ مِنهم بِتَقْدِيرِ اللَّهِ، وإلّا فَأسْبابُ التَّذَكُّرِ حاصِلَةٌ وهو [ أنَّ ] أنْفُسَهم لَوْ تَفَكَّرُوا فِيها لَعَلِمُوا وحْدانِيَّةَ اللَّهِ وصَدَّقُوا بِالحَشْرِ، أمّا الوَحْدانِيَّةُ فَلِأنَّ اللَّهَ خَلَقَهم عَلى صفحة ٨٧ أحْسَنِ تَقْوِيمٍ، ولْنَذْكُرْ مِن حُسْنِ خَلْقِهِمْ جُزْأً مِن ألْفِ ألْفِ جُزْءٍ، وهو أنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ لِلْإنْسانِ مَعِدَةً فِيها يَنْهَضِمُ غِذاؤُهُ لِتَقْوى بِهِ أعْضاؤُهُ ولَها مَنفَذانِ أحَدُهُما لِدُخُولِ الطَّعامِ فِيهِ، والآخَرُ لِخُرُوجِ الطَّعامِ مِنهُ، فَإذا دَخَلَ الطَّعامُ فِيها انْطَبَقَ المَنفَذُ الآخَرُ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ، بِحَيْثُ لا يَخْرُجُ مِنهُ ذَرَّةٌ ولا بِالرَّشْحِ، وتُمْسِكُهُ الماسِكَةُ إلى أنْ يَنْضَجَ نُضْجًا صالِحًا، ثُمَّ يَخْرُجُ مِنَ المَنفَذِ الآخَرِ، وخَلَقَ تَحْتَ المَعِدَةِ عُرُوقًا دِقاقًا صِلابًا كالمِصْفاةِ الَّتِي يُصَفّى بِها الشَّيْءُ فَيَنْزِلُ مِنها الصّافِي إلى الكَبِدِ، ويَنْصَبُّ الثُّفْلُ إلى مِعًى مَخْلُوقٍ تَحْتَ المَعِدَةِ مُسْتَقِيمٍ مُتَوَجِّهًا إلى الخُرُوجِ، وما يَدْخُلُ في الكَبِدِ مِنَ العُرُوقِ المَذْكُورَةِ يُسَمّى الماسارِيقا بِالعِبْرِيَّةِ، والعِبْرِيَّةُ عَرَبِيَّةٌ مَفْسُودَةٌ في الأكْثَرِ، يُقالُ لِمُوسى مِيشا ولِلْإلَهِ إيلْ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، فالماسارِيقا مَعْناها ماسارِيقُ اشْتَمَلَ عَلَيْهِ الكَبِدُ وأنْضَجَهُ نُضْجًا آخَرَ، ويَكُونُ مَعَ الغِذاءِ المُتَوَجِّهِ مِنَ المَعِدَةِ إلى الكَبِدِ فَضْلُ ماءٍ مَشْرُوبٍ لِيُرَقَّقَ ويَنْذَرِقَ في العُرُوقِ الدِّقاقِ المَذْكُورَةِ، وفي الكَبِدِ يَسْتَغْنِي عَنْ ذَلِكَ الماءِ فَيَتَمَيَّزُ عَنْهُ ذَلِكَ الماءُ ويَنْصَبُّ مِن جانِبِ حَدَبَةِ الكَبِدِ إلى الكُلْيَةِ ومَعَهُ دَمٌ يَسِيرٌ تَغْتَذِي بِهِ الكُلْيَةُ وغَيْرُها، ويَخْرُجُ الدَّمُ الخالِصُ مِنَ الكَبِدِ في عِرْقٍ كَبِيرٍ، ثُمَّ يَتَشَعَّبُ ذَلِكَ النَّهْرُ إلى جَداوِلَ، والجَداوِلُ إلى سَواقٍ، والسَّواقِي إلى رَواضِعَ ويَصِلُ فِيها إلى جَمِيعِ البَدَنِ، فَهَذِهِ حِكْمَةٌ واحِدَةٌ في خَلْقِ الإنْسانِ، وهَذِهِ كِفايَةٌ في مَعْرِفَةِ كَوْنِ اللَّهِ فاعِلًا مُخْتارًا قادِرًا كامِلًا عالِمًا شامِلًا عِلْمُهُ، ومَن يَكُونُ كَذَلِكَ يَكُونُ واحِدًا وإلّا لَكانَ عاجِزًا عِنْدَ إرادَةِ شَرِيكِهِ ضِدَّ ما أرادَهُ. وأمّا دَلالَةُ الإنْسانِ عَلى الحَشْرِ فَذَلِكَ؛ لِأنَّهُ إذا تَفَكَّرَ في نَفْسِهِ يَرى قُواهُ صائِرَةً إلى الزَّوالِ، وأجْزاءَهُ مائِلَةً إلى الِانْحِلالِ فَلَهُ فَناءٌ ضَرُورِيٌّ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَياةٌ أُخْرى لَكانَ خَلْقُهُ عَلى هَذا الوَجْهِ لِلْفَناءِ عَبَثًا، وإلَيْهِ أشارَ بِقَوْلِهِ: ﴿أفَحَسِبْتُمْ أنَّما خَلَقْناكم عَبَثًا﴾ [المؤمنون: ١١٥] وهَذا ظاهِرٌ؛ لِأنَّ مَن يَفْعَلُ شَيْئًا لِلْعَبَثِ فَلَوْ بالَغَ في إحْكامِهِ وإتْقانِهِ يَضْحَكُ مِنهُ، فَإذا خَلَقَهُ لِلْبَقاءِ ولا بَقاءَ دُونَ اللِّقاءِ فالآخِرَةُ لا بُدَّ مِنها، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ بَعْدَ دَلِيلِ الأنْفُسِ دَلِيلَ الآفاقِ فَقالَ: ﴿ما خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلّا بِالحَقِّ وأجَلٍ مُسَمًّى﴾ فَقَوْلُهُ: ﴿إلّا بِالحَقِّ﴾ إشارَةٌ إلى وجْهِ دَلالَتِها عَلى الوَحْدانِيَّةِ، وقَدْ بَيَّنّا ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [العنكبوت: ٤٤] ونُعِيدُهُ فَإنَّ التَّكْرِيرَ في الذِّهْنِ يُفِيدُ التَّقْرِيرَ لِذِي الذِّهْنِ، فَنَقُولُ: إذا كانَ بِالحَقِّ لا يَكُونُ فِيها بُطْلانٌ فَلا يَكُونُ فِيها فَسادٌ؛ لِأنَّ كُلَّ فاسِدٍ باطِلٌ، وإذا لَمْ يَكُنْ فِيها فَسادٌ لا تَكُونُ آلِهَةً وإلّا لَكانَ فِيها فَسادٌ، كَما قالَ تَعالى: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلّا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾ [الأنبياء: ٢٢] وقَوْلُهُ: ﴿وأجَلٍ مُسَمًّى﴾ يُذَكِّرُ بِالأصْلِ الآخَرِ الَّذِي أنْكَرُوهُ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ لَكافِرُونَ﴾ يَعْنِي لا يَعْلَمُونَ أنَّهُ لا بُدَّ بَعْدَ هَذِهِ الحَياةِ مِن لِقاءٍ وبَقاءٍ إمّا في إسْعادٍ أوْ شَقاءٍ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَدَّمَ هَهُنا دَلائِلَ الأنْفُسِ عَلى دَلائِلِ الآفاقِ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الآفاقِ وفي أنْفُسِهِمْ﴾ [فصلت: ٥٣] قَدَّمَ دَلائِلَ الآفاقِ، وذَلِكَ لِأنَّ المُفِيدَ إذا أفادَ فائِدَةً يَذْكُرُها عَلى وجْهٍ جَيِّدٍ يَخْتارُهُ، فَإنْ فَهِمَهُ السّامِعُ المُسْتَفِيدُ فَذَلِكَ، وإلّا يَذْكُرُها عَلى وجْهٍ أبْيَنَ مِنهُ ويَنْزِلُ دَرَجَةً فَدَرَجَةً، وأمّا المُسْتَفِيدُ فَإنَّهُ يَفْهَمُ أوَّلًا الأبْيَنَ، ثُمَّ يَرْتَقِي إلى فَهْمِ ذَلِكَ الأخْفى الَّذِي لَمْ يَكُنْ فَهِمَهُ فَيَفْهَمُهُ بَعْدَ فَهْمِ الأبْيَنِ المَذْكُورِ آخِرًا، فالمَذْكُورُ مِنَ المُفِيدِ آخِرًا مَفْهُومٌ عِنْدِ السّامِعِ أوَّلًا، إذا عُلِمَ هَذا فَنَقُولُ: هَهُنا الفِعْلُ كانَ مَنسُوبًا إلى السّامِعِ حَيْثُ قالَ: ﴿أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا في أنْفُسِهِمْ﴾ يَعْنِي فِيما فَهِمُوهُ أوَّلًا ولَمْ يَرْتَقُوا إلى ما فَهِمُوهُ ثانِيًا، وأمّا في قَوْلِهِ: ﴿سَنُرِيهِمْ﴾ الأمْرُ مَنسُوبٌ إلى المُفِيدِ المُسْمِعِ، فَذَكَرَ أوَّلًا: الآفاقَ فَإنْ لَمْ يَفْهَمُوهُ فالأنْفُسَ؛ لِأنَّ دَلائِلَ الأنْفُسِ صفحة ٨٨ لا ذُهُولَ لِلْإنْسانِ عَنْها، وهَذا التَّرْتِيبُ مُراعًى في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيامًا وقُعُودًا وعَلى جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٩١] أيْ يَعْلَمُونَ اللَّهَ بِدَلائِلِ الأنْفُسِ في سائِرِ الأحْوالِ، ويَتَفَكَّرُونَ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ بِدَلائِلِ الآفاقِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: وجْهُ دَلالَةِ الخَلْقِ بِالحَقِّ عَلى الوَحْدانِيَّةِ ظاهِرٌ، وأمّا وجْهُ دَلالَتِهِ عَلى الحَشْرِ فَكَيْفَ هو ؟ فَنَقُولُ: وُقُوعُ تَخْرِيبِ السَّماواتِ وعَدَمُها لا يُعْلَمُ بِالعَقْلِ إلّا إمْكانُهُ، وأمّا وُقُوعُهُ فَلا يُعْلَمُ إلّا بِالسَّمْعِ؛ لِأنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى إبْقاءِ الحادِثِ أبَدًا كَما أنَّهُ يُبْقِي الجَنَّةَ والنّارَ بَعْدَ إحْداثِهِما أبَدًا، والخَلْقُ دَلِيلُ إمْكانِ العَدَمِ؛ لِأنَّ المَخْلُوقَ لَمْ يَجِبْ لَهُ القِدَمُ فَجازِ عَلَيْهِ العَدَمُ، فَإذا أخْبَرَ الصّادِقُ عَنْ أمْرٍ لَهُ إمْكانٌ، وجَبَ عَلى العاقِلِ التَّصْدِيقُ والإذْعانُ، ولِأنَّ العالَمَ لَمّا كانَ خَلَقَهُ بِالحَقِّ فَيَنْبَغِي أنْ يَكُونَ بَعْدَ هَذِهِ الحَياةِ حَياةٌ أُخْرى باقِيَةٌ؛ لِأنَّ هَذِهِ الحَياةَ لَيْسَتْ إلّا لَعِبًا ولَهْوًا كَما بَيَّنَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما الحَياةُ الدُّنْيا إلّا لَعِبٌ ولَهْوٌ﴾ [الأنعام: ٣٢] وخَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ لِلَّهْوِ واللَّعِبِ عَبَثٌ، والعَبَثُ لَيْسَ بِحَقٍّ، وخَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ بِالحَقِّ فَلا بُدَّ مِن حَياةٍ بَعْدَ هَذِهِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ هَهُنا: ﴿كَثِيرًا مِنَ النّاسِ﴾ وقالَ مِن قَبْلُ: ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ﴾ وذَلِكَ؛ لِأنَّهُ مِن قَبْلُ لَمْ يَذْكُرْ دَلِيلًا عَلى الأصْلَيْنِ، وهَهُنا قَدْ ذَكَرَ الدَّلائِلَ الواضِحَةَ والبَراهِينَ اللّائِحَةَ ولا شَكَّ في أنَّ الإيمانَ بَعْدَ الدَّلِيلِ أكْثَرُ مِنَ الإيمانِ قَبْلَ الدَّلِيلِ، فَبَعْدَ الدَّلائِلِ لا بُدَّ مِن أنْ يُؤْمِنَ مِن ذَلِكَ الأكْثَرِ جَمْعٌ فَلا يَبْقى الأكْثَرُ كَما هو، فَقالَ بَعْدَ إقامَةِ الدَّلِيلِ ﴿وإنَّ كَثِيرًا﴾ وقَبْلَهُ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ﴾ ثُمَّ بَعْدَ الدَّلِيلِ الَّذِي لا يُمْكِنُ الذُّهُولُ عَنْهُ، والدَّلِيلِ الَّذِي لا يَقَعُ الذُّهُولُ عَنْهُ وإنْ أمْكَنَ هو السَّماواتُ والأرْضُ؛ لِأنَّ مِنَ البَعِيدِ أنْ يَذْهَلَ الإنْسانُ عَنِ السَّماءِ الَّتِي فَوْقَهُ والأرْضِ الَّتِي تَحْتَهُ، فَذَكَرَ ما يَقَعُ الذُّهُولُ عَنْهُ وهو أمْرُ أمْثالِهِمْ وحِكايَةُ أشْكالِهِمْ.

الروم 30:9

فَقالَ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كانُوا أشَدَّ مِنهم قُوَّةً وأثارُوا الأرْضَ وعَمَرُوها أكْثَرَ مِمّا عَمَرُوها وجاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهم ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ وقالَ في الدَّلِيلَيْنِ المُتَقَدِّمَيْنِ: ﴿ألَمْ يَرَوْا﴾ [الأنْعامِ: ٦] ولَمْ يَقُلْ: ﴿أوَلَمْ يَسِيرُوا﴾ إذْ لا حاجَةَ هُناكَ إلى السَّيْرِ بِحُضُورِ النَّفْسِ والسَّماءِ والأرْضِ، وقالَ هَهُنا: ﴿أوَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا﴾ ذَكَّرَهم بِحالِ أمْثالِهِمْ ووَبالِ أشْكالِهِمْ، ثُمَّ ذَكَرَ أنَّهم أوْلى بِالهَلاكِ؛ لِأنَّ مَن تَقَدَّمَ مِن عادٍ وثَمُودَ كانُوا أشَدَّ مِنهم قُوَّةً ولَمْ تَنْفَعْهم قُواهم وكانُوا صفحة ٨٩ أكْثَرَ مالًا وعِمارَةً، ولَمْ يَمْنَعْ عَنْهُمُ الهَلاكَ أمْوالُهم وحُصُونُهم، واعْلَمْ أنَّ اعْتِمادَ الإنْسانِ عَلى ثَلاثَةِ أشْياءَ: قُوَّةٌ جِسْمِيَّةٌ فِيهِ أوْ في أعْوانِهِ إذْ بِها المُباشَرَةُ، وقُوَّةٌ مالِيَّةٌ إذا بِها التَّأهُّبُ لِلْمُباشَرَةِ، وقُوَّةٌ ظَهْرِيَّةٌ يَسْتَنِدُ إلَيْها عِنْدَ الضَّعْفِ والفُتُورِ وهي بِالحُصُونِ والعَمائِرِ، فَقالَ تَعالى: كانُوا أشَدَّ مِنهم قُوَّةً في الجِسْمِ وأكْثَرَ مِنهم مالًا؛ لِأنَّهم أثارُوا الأرْضَ أيْ حَرَثُوها، ومِنهُ بَقَرَةٌ تُثِيرُ الأرْضَ، وقِيلَ مِنهُ سُمِّيَ ثَوْرًا، وأنْتُمْ لا حِراثَةَ لَكم فَأمْوالُهم كانَتْ أكْثَرَ، وعِمارَتُهم كانَتْ أكْثَرَ؛ لِأنَّ أبْنِيَتَهم كانَتْ رَفِيعَةً، وحُصُونُهم مَنِيعَةً، وعِمارَةُ أهْلِ مَكَّةَ كانَتْ يَسِيرَةً ثُمَّ هَؤُلاءِ جاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ وأمَرُوهم ونَهَوْهم، فَلَمّا كَذَّبُوا أُهْلِكُوا فَكَيْفَ أنْتُمْ، وقَوْلُهُ: ﴿فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ يَعْنِي لَمْ يَظْلِمْهم بِالتَّكْلِيفِ، فَإنَّ التَّكْلِيفَ شَرِيفٌ لا يُؤْثَرُ لَهُ إلّا مَحَلٌّ شَرِيفٌ، ولَكِنْ هم ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِوَضْعِها في مَوْضِعٍ خَسِيسٍ، وهو عِبادَةُ الأصْنامِ واتِّباعُ إبْلِيسَ، فَكَأنَّ اللَّهَ بِالتَّكْلِيفِ وضَعَهم فِيما خُلِقُوا لَهُ وهو الرِّبْحُ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ خَلَقْتُكم لِتَرْبَحُوا عَلَيَّ لا لِأرْبَحَ عَلَيْكم، والوَضْعُ في [ أيِّ ] مَوْضِعٍ كانَ الخَلْقُ لَهُ لَيْسَ بِظُلْمٍ، وأمّا هم فَوَضَعُوا أنْفُسَهم في مَواضِعِ الخُسْرانِ ولَمْ يَكُونُوا خُلِقُوا إلّا لِلرِّبْحِ فَهم كانُوا ظالِمِينَ، وهَذا الكَلامُ مِنّا، وإنْ كانَ في الظّاهِرِ يُشْبِهُ كَلامَ المُعْتَزِلَةِ، لَكِنَّ العاقِلَ يَعْلَمُ كَيْفَ يَقُولُهُ أهْلُ السُّنَّةِ، وهو أنَّ هَذا الوَضْعَ كانَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ وإرادَتِهِ، لَكِنَّهُ كانَ مِنهم ومُضافًا إلَيْهِمْ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أساءُوا السُّوءى أنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وكانُوا بِها يَسْتَهْزِئُونَ﴾ كَما قالَ: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى﴾ [يونس: ٢٦] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ كَذَّبُوا﴾ قِيلَ مَعْناهُ بِأنْ كَذَّبُوا أيْ كانَ عاقِبَتُهم ذَلِكَ بِسَبَبِ أنَّهم كَذَّبُوا، وقِيلَ مَعْناهُ أساءُوا وكَذَّبُوا، فَكَذَّبُوا يَكُونُ تَفْسِيرًا لِأساءُوا وفي هَذِهِ الآيَةِ لَطائِفُ. إحْداها: قالَ في حَقِّ الَّذِينَ أحْسَنُوا: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى﴾ وقالَ في حَقِّ مَن أساءَ: ﴿ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أساءُوا السُّوءى﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ الجَنَّةَ لَهم مِنَ ابْتِداءِ الأمْرِ فَإنَّ الحُسْنى اسْمُ الجَنَّةِ والسُّوءى اسْمُ النّارِ، فَإذا كانَتِ الجَنَّةُ لَهم ومِن الِابْتِداءِ، ومَن لَهُ شَيْءٌ كُلَّما يَزْدادُ ويَنْمُو فِيهِ فَهو لَهُ؛ لِأنَّ مِلْكَ الأصْلِ يُوجِبُ مِلْكَ الثَّمَرَةِ، فالجَنَّةُ مِن حَيْثُ خُلِقَتْ تَرْبُو وتَنْمُو لِلْمُحْسِنِينَ، وأمّا الَّذِينَ أساءُوا، فالسُّوءى وهي جَهَنَّمُ في العاقِبَةِ مَصِيرُهم إلَيْها. الثّانِيَةُ: ذَكَرَ الزِّيادَةَ في حَقِّ المُحْسِنِ ولَمْ يَذْكُرِ الزِّيادَةَ في حَقِّ المُسِيءِ؛ لِأنَّ جَزاءَ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها. الثّالِثَةُ: لَمْ يَذْكُرْ في المُحْسِنِ أنَّ لَهُ الحُسْنى بِأنَّهُ صَدَّقَ، وذَكَرَ في المُسِيءِ أنَّ لَهُ السُّوءى بِأنَّهُ كَذَّبَ؛ لِأنَّ الحُسْنى لِلْمُحْسِنِينَ فَضْلٌ، والمُتَفَضِّلُ لَوْ لَمْ يَكُنْ تَفَضُّلُهُ لِسَبَبٍ يَكُونُ أبْلَغَ، وأمّا السُّوءى لِلْمُسِيءِ عَدْلٌ، والعادِلُ إذا لَمْ يَكُنْ تَعْذِيبُهُ لِسَبَبٍ لا يَكُونُ عَدْلًا، فَذَكَرَ السَّبَبَ في التَّعْذِيبِ وهو الإصْرارُ عَلى التَّكْذِيبِ، ولَمْ يَذْكُرِ السَّبَبَ في الثَّوابِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿اللَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ لَمّا ذَكَرَ أنَّ عاقِبَتَهم إلى الجَحِيمِ، وكانَ في ذَلِكَ إشارَةٌ إلى الإعادَةِ والحَشْرِ لَمْ يَتْرُكْهُ دَعْوًى بِلا بَيِّنَةٍ فَقالَ يَبْدَأُ الخَلْقَ، يَعْنِي مَن خَلَقَ بِالقُدْرَةِ والإرادَةِ لا يَعْجِزُ عَنِ الرَّجْعَةِ والإعادَةِ، فَإلَيْهِ تُرْجَعُونَ، ثُمَّ بَيَّنَ ما يَكُونُ وقْتَ الرُّجُوعِ إلَيْهِ فَقالَ: ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يُبْلِسُ المُجْرِمُونَ﴾ ﴿ولَمْ يَكُنْ لَهم مِن شُرَكائِهِمْ شُفَعاءُ وكانُوا بِشُرَكائِهِمْ كافِرِينَ﴾ فِي ذَلِكَ اليَوْمِ يَتَبَيَّنُ إفْلاسُهم ويَتَحَقَّقُ إبْلاسُهم، والإبْلاسُ يَأْسٌ مَعَ حَيْرَةٍ، يَعْنِي يَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يَكُونُ لِلْمُجْرِمِ يَأْسٌ مُحَيِّرٌ لا يَأْسٌ هو إحْدى الرّاحَتَيْنِ، وهَذا لِأنَّ الطَّمَعَ إذا انْقَطَعَ بِاليَأْسِ فَإذا كانَ المَرْجُوُّ أمْرًا غَيْرَ صفحة ٩٠ ضَرُورِيٍّ يَسْتَرِيحُ الطّامِعُ مِنَ الِانْتِظارِ وإنْ كانَ ضَرُورِيًّا بِالإبْقاءِ لَهُ بوونه يَنْفَطِرُ فُؤادُهُ أشَدَّ انْفِطارٍ، ومِثْلُ هَذا اليَأْسِ هو الإبْلاسُ، ولِنُبَيِّنَ حالَ المُجْرِمِ وإبْلاسَهُ بِمِثالٍ، وهو أنْ نَقُولَ: مَثَلُهُ مَثَلُ مَن يَكُونُ في بُسْتانٍ وحَوالَيْهِ المَلاعِبُ والمَلاهِي، ولَدَيْهِ ما يَفْتَخِرُ بِهِ ويُباهِي، فَيُخْبِرُهُ صادِقٌ بِمَجِيءِ عَدُوٍّ لا يَرُدُّهُ رادٌّ، ولا يَصُدُّهُ صادٌّ، إذا جاءَهُ لا يُبْلِعُهُ رِيقًا، ولا يَتْرُكُ لَهُ إلى الخَلاصِ طَرِيقًا، فَيَتَحَتَّمُ عَلَيْهِ الِاشْتِغالُ بِسُلُوكِ طَرِيقِ الخَلاصِ، فَيَقُولُ لَهُ طِفْلٌ أوْ مَجْنُونٌ إنَّ هَذِهِ الشَّجَرَةَ الَّتِي أنْتَ تَحْتَها لَها مِنَ الخَواصِّ دَفْعُ الأعادِي عَمَّنْ يَكُونُ تَحْتَها، فَيُقْبِلُ ذَلِكَ الغافِلُ عَلى اسْتِيفائِهِ مَلاذَهُ مُعْتَمِدًا عَلى الشَّجَرَةِ بِقَوْلِ ذَلِكَ الصَّبِيِّ فَيَجِيئُهُ العَدُوُّ ويُحِيطُ بِهِ، فَأوَّلُ ما يُرِيهِ مِنَ الأهْوالِ قَلْعُ تِلْكَ الشَّجَرَةِ فَيَبْقى مُتَحَيِّرًا آيِسًا مُفْتَقِرًا، فَكَذَلِكَ المُجْرِمُ في دارِ الدُّنْيا أقْبَلَ عَلى اسْتِيفاءِ اللَّذّاتِ وأخْبَرَهُ النَّبِيُّ الصّادِقُ بِأنَّ اللَّهَ يَجْزِيهِ، ويَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ، فَقالَ لَهُ الشَّيْطانُ والنَّفْسُ الأمّارَةُ بِالسُّوءِ: إنَّ هَذِهِ الأخْشابَ الَّتِي هي الأوْثانُ دافِعَةٌ عَنْكِ كُلَّ بَأْسٍ، وشافِعَةٌ لَكَ عِنْدَ خُمُودِ الحَواسِّ، فاشْتَغَلَ بِما هو فِيهِ واسْتَمَرَّ عَلى غَيِّهِ حَتّى إذا جاءَتْهُ الطّامَّةُ الكُبْرى، فَأوَّلُ ما أرَتْهُ إلْقاءُ الأصْنامِ في النّارِ، فَلا يَجِدُ إلى الخَلاصِ مِن طَرِيقٍ، ويَحِقُّ عَلَيْهِ عَذابُ الحَرِيقِ، فَيَيْأسُ حِينَئِذٍ أيَّ إياسٍ، ويُبْلِسُ أشَدَّ إبْلاسٍ. وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَمْ يَكُنْ لَهم مِن شُرَكائِهِمْ شُفَعاءُ وكانُوا بِشُرَكائِهِمْ كافِرِينَ﴾ يَعْنِي يَكْفُرُونَ بِهِمْ ذَلِكَ اليَوْمَ.

الروم 30:10

فَقالَ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كانُوا أشَدَّ مِنهم قُوَّةً وأثارُوا الأرْضَ وعَمَرُوها أكْثَرَ مِمّا عَمَرُوها وجاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهم ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ وقالَ في الدَّلِيلَيْنِ المُتَقَدِّمَيْنِ: ﴿ألَمْ يَرَوْا﴾ [الأنْعامِ: ٦] ولَمْ يَقُلْ: ﴿أوَلَمْ يَسِيرُوا﴾ إذْ لا حاجَةَ هُناكَ إلى السَّيْرِ بِحُضُورِ النَّفْسِ والسَّماءِ والأرْضِ، وقالَ هَهُنا: ﴿أوَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا﴾ ذَكَّرَهم بِحالِ أمْثالِهِمْ ووَبالِ أشْكالِهِمْ، ثُمَّ ذَكَرَ أنَّهم أوْلى بِالهَلاكِ؛ لِأنَّ مَن تَقَدَّمَ مِن عادٍ وثَمُودَ كانُوا أشَدَّ مِنهم قُوَّةً ولَمْ تَنْفَعْهم قُواهم وكانُوا صفحة ٨٩ أكْثَرَ مالًا وعِمارَةً، ولَمْ يَمْنَعْ عَنْهُمُ الهَلاكَ أمْوالُهم وحُصُونُهم، واعْلَمْ أنَّ اعْتِمادَ الإنْسانِ عَلى ثَلاثَةِ أشْياءَ: قُوَّةٌ جِسْمِيَّةٌ فِيهِ أوْ في أعْوانِهِ إذْ بِها المُباشَرَةُ، وقُوَّةٌ مالِيَّةٌ إذا بِها التَّأهُّبُ لِلْمُباشَرَةِ، وقُوَّةٌ ظَهْرِيَّةٌ يَسْتَنِدُ إلَيْها عِنْدَ الضَّعْفِ والفُتُورِ وهي بِالحُصُونِ والعَمائِرِ، فَقالَ تَعالى: كانُوا أشَدَّ مِنهم قُوَّةً في الجِسْمِ وأكْثَرَ مِنهم مالًا؛ لِأنَّهم أثارُوا الأرْضَ أيْ حَرَثُوها، ومِنهُ بَقَرَةٌ تُثِيرُ الأرْضَ، وقِيلَ مِنهُ سُمِّيَ ثَوْرًا، وأنْتُمْ لا حِراثَةَ لَكم فَأمْوالُهم كانَتْ أكْثَرَ، وعِمارَتُهم كانَتْ أكْثَرَ؛ لِأنَّ أبْنِيَتَهم كانَتْ رَفِيعَةً، وحُصُونُهم مَنِيعَةً، وعِمارَةُ أهْلِ مَكَّةَ كانَتْ يَسِيرَةً ثُمَّ هَؤُلاءِ جاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ وأمَرُوهم ونَهَوْهم، فَلَمّا كَذَّبُوا أُهْلِكُوا فَكَيْفَ أنْتُمْ، وقَوْلُهُ: ﴿فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ يَعْنِي لَمْ يَظْلِمْهم بِالتَّكْلِيفِ، فَإنَّ التَّكْلِيفَ شَرِيفٌ لا يُؤْثَرُ لَهُ إلّا مَحَلٌّ شَرِيفٌ، ولَكِنْ هم ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِوَضْعِها في مَوْضِعٍ خَسِيسٍ، وهو عِبادَةُ الأصْنامِ واتِّباعُ إبْلِيسَ، فَكَأنَّ اللَّهَ بِالتَّكْلِيفِ وضَعَهم فِيما خُلِقُوا لَهُ وهو الرِّبْحُ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ خَلَقْتُكم لِتَرْبَحُوا عَلَيَّ لا لِأرْبَحَ عَلَيْكم، والوَضْعُ في [ أيِّ ] مَوْضِعٍ كانَ الخَلْقُ لَهُ لَيْسَ بِظُلْمٍ، وأمّا هم فَوَضَعُوا أنْفُسَهم في مَواضِعِ الخُسْرانِ ولَمْ يَكُونُوا خُلِقُوا إلّا لِلرِّبْحِ فَهم كانُوا ظالِمِينَ، وهَذا الكَلامُ مِنّا، وإنْ كانَ في الظّاهِرِ يُشْبِهُ كَلامَ المُعْتَزِلَةِ، لَكِنَّ العاقِلَ يَعْلَمُ كَيْفَ يَقُولُهُ أهْلُ السُّنَّةِ، وهو أنَّ هَذا الوَضْعَ كانَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ وإرادَتِهِ، لَكِنَّهُ كانَ مِنهم ومُضافًا إلَيْهِمْ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أساءُوا السُّوءى أنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وكانُوا بِها يَسْتَهْزِئُونَ﴾ كَما قالَ: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى﴾ [يونس: ٢٦] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ كَذَّبُوا﴾ قِيلَ مَعْناهُ بِأنْ كَذَّبُوا أيْ كانَ عاقِبَتُهم ذَلِكَ بِسَبَبِ أنَّهم كَذَّبُوا، وقِيلَ مَعْناهُ أساءُوا وكَذَّبُوا، فَكَذَّبُوا يَكُونُ تَفْسِيرًا لِأساءُوا وفي هَذِهِ الآيَةِ لَطائِفُ. إحْداها: قالَ في حَقِّ الَّذِينَ أحْسَنُوا: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى﴾ وقالَ في حَقِّ مَن أساءَ: ﴿ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أساءُوا السُّوءى﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ الجَنَّةَ لَهم مِنَ ابْتِداءِ الأمْرِ فَإنَّ الحُسْنى اسْمُ الجَنَّةِ والسُّوءى اسْمُ النّارِ، فَإذا كانَتِ الجَنَّةُ لَهم ومِن الِابْتِداءِ، ومَن لَهُ شَيْءٌ كُلَّما يَزْدادُ ويَنْمُو فِيهِ فَهو لَهُ؛ لِأنَّ مِلْكَ الأصْلِ يُوجِبُ مِلْكَ الثَّمَرَةِ، فالجَنَّةُ مِن حَيْثُ خُلِقَتْ تَرْبُو وتَنْمُو لِلْمُحْسِنِينَ، وأمّا الَّذِينَ أساءُوا، فالسُّوءى وهي جَهَنَّمُ في العاقِبَةِ مَصِيرُهم إلَيْها. الثّانِيَةُ: ذَكَرَ الزِّيادَةَ في حَقِّ المُحْسِنِ ولَمْ يَذْكُرِ الزِّيادَةَ في حَقِّ المُسِيءِ؛ لِأنَّ جَزاءَ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها. الثّالِثَةُ: لَمْ يَذْكُرْ في المُحْسِنِ أنَّ لَهُ الحُسْنى بِأنَّهُ صَدَّقَ، وذَكَرَ في المُسِيءِ أنَّ لَهُ السُّوءى بِأنَّهُ كَذَّبَ؛ لِأنَّ الحُسْنى لِلْمُحْسِنِينَ فَضْلٌ، والمُتَفَضِّلُ لَوْ لَمْ يَكُنْ تَفَضُّلُهُ لِسَبَبٍ يَكُونُ أبْلَغَ، وأمّا السُّوءى لِلْمُسِيءِ عَدْلٌ، والعادِلُ إذا لَمْ يَكُنْ تَعْذِيبُهُ لِسَبَبٍ لا يَكُونُ عَدْلًا، فَذَكَرَ السَّبَبَ في التَّعْذِيبِ وهو الإصْرارُ عَلى التَّكْذِيبِ، ولَمْ يَذْكُرِ السَّبَبَ في الثَّوابِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿اللَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ لَمّا ذَكَرَ أنَّ عاقِبَتَهم إلى الجَحِيمِ، وكانَ في ذَلِكَ إشارَةٌ إلى الإعادَةِ والحَشْرِ لَمْ يَتْرُكْهُ دَعْوًى بِلا بَيِّنَةٍ فَقالَ يَبْدَأُ الخَلْقَ، يَعْنِي مَن خَلَقَ بِالقُدْرَةِ والإرادَةِ لا يَعْجِزُ عَنِ الرَّجْعَةِ والإعادَةِ، فَإلَيْهِ تُرْجَعُونَ، ثُمَّ بَيَّنَ ما يَكُونُ وقْتَ الرُّجُوعِ إلَيْهِ فَقالَ: ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يُبْلِسُ المُجْرِمُونَ﴾ ﴿ولَمْ يَكُنْ لَهم مِن شُرَكائِهِمْ شُفَعاءُ وكانُوا بِشُرَكائِهِمْ كافِرِينَ﴾ فِي ذَلِكَ اليَوْمِ يَتَبَيَّنُ إفْلاسُهم ويَتَحَقَّقُ إبْلاسُهم، والإبْلاسُ يَأْسٌ مَعَ حَيْرَةٍ، يَعْنِي يَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يَكُونُ لِلْمُجْرِمِ يَأْسٌ مُحَيِّرٌ لا يَأْسٌ هو إحْدى الرّاحَتَيْنِ، وهَذا لِأنَّ الطَّمَعَ إذا انْقَطَعَ بِاليَأْسِ فَإذا كانَ المَرْجُوُّ أمْرًا غَيْرَ صفحة ٩٠ ضَرُورِيٍّ يَسْتَرِيحُ الطّامِعُ مِنَ الِانْتِظارِ وإنْ كانَ ضَرُورِيًّا بِالإبْقاءِ لَهُ بوونه يَنْفَطِرُ فُؤادُهُ أشَدَّ انْفِطارٍ، ومِثْلُ هَذا اليَأْسِ هو الإبْلاسُ، ولِنُبَيِّنَ حالَ المُجْرِمِ وإبْلاسَهُ بِمِثالٍ، وهو أنْ نَقُولَ: مَثَلُهُ مَثَلُ مَن يَكُونُ في بُسْتانٍ وحَوالَيْهِ المَلاعِبُ والمَلاهِي، ولَدَيْهِ ما يَفْتَخِرُ بِهِ ويُباهِي، فَيُخْبِرُهُ صادِقٌ بِمَجِيءِ عَدُوٍّ لا يَرُدُّهُ رادٌّ، ولا يَصُدُّهُ صادٌّ، إذا جاءَهُ لا يُبْلِعُهُ رِيقًا، ولا يَتْرُكُ لَهُ إلى الخَلاصِ طَرِيقًا، فَيَتَحَتَّمُ عَلَيْهِ الِاشْتِغالُ بِسُلُوكِ طَرِيقِ الخَلاصِ، فَيَقُولُ لَهُ طِفْلٌ أوْ مَجْنُونٌ إنَّ هَذِهِ الشَّجَرَةَ الَّتِي أنْتَ تَحْتَها لَها مِنَ الخَواصِّ دَفْعُ الأعادِي عَمَّنْ يَكُونُ تَحْتَها، فَيُقْبِلُ ذَلِكَ الغافِلُ عَلى اسْتِيفائِهِ مَلاذَهُ مُعْتَمِدًا عَلى الشَّجَرَةِ بِقَوْلِ ذَلِكَ الصَّبِيِّ فَيَجِيئُهُ العَدُوُّ ويُحِيطُ بِهِ، فَأوَّلُ ما يُرِيهِ مِنَ الأهْوالِ قَلْعُ تِلْكَ الشَّجَرَةِ فَيَبْقى مُتَحَيِّرًا آيِسًا مُفْتَقِرًا، فَكَذَلِكَ المُجْرِمُ في دارِ الدُّنْيا أقْبَلَ عَلى اسْتِيفاءِ اللَّذّاتِ وأخْبَرَهُ النَّبِيُّ الصّادِقُ بِأنَّ اللَّهَ يَجْزِيهِ، ويَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ، فَقالَ لَهُ الشَّيْطانُ والنَّفْسُ الأمّارَةُ بِالسُّوءِ: إنَّ هَذِهِ الأخْشابَ الَّتِي هي الأوْثانُ دافِعَةٌ عَنْكِ كُلَّ بَأْسٍ، وشافِعَةٌ لَكَ عِنْدَ خُمُودِ الحَواسِّ، فاشْتَغَلَ بِما هو فِيهِ واسْتَمَرَّ عَلى غَيِّهِ حَتّى إذا جاءَتْهُ الطّامَّةُ الكُبْرى، فَأوَّلُ ما أرَتْهُ إلْقاءُ الأصْنامِ في النّارِ، فَلا يَجِدُ إلى الخَلاصِ مِن طَرِيقٍ، ويَحِقُّ عَلَيْهِ عَذابُ الحَرِيقِ، فَيَيْأسُ حِينَئِذٍ أيَّ إياسٍ، ويُبْلِسُ أشَدَّ إبْلاسٍ. وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَمْ يَكُنْ لَهم مِن شُرَكائِهِمْ شُفَعاءُ وكانُوا بِشُرَكائِهِمْ كافِرِينَ﴾ يَعْنِي يَكْفُرُونَ بِهِمْ ذَلِكَ اليَوْمَ.

الروم 30:11

فَقالَ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كانُوا أشَدَّ مِنهم قُوَّةً وأثارُوا الأرْضَ وعَمَرُوها أكْثَرَ مِمّا عَمَرُوها وجاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهم ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ وقالَ في الدَّلِيلَيْنِ المُتَقَدِّمَيْنِ: ﴿ألَمْ يَرَوْا﴾ [الأنْعامِ: ٦] ولَمْ يَقُلْ: ﴿أوَلَمْ يَسِيرُوا﴾ إذْ لا حاجَةَ هُناكَ إلى السَّيْرِ بِحُضُورِ النَّفْسِ والسَّماءِ والأرْضِ، وقالَ هَهُنا: ﴿أوَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا﴾ ذَكَّرَهم بِحالِ أمْثالِهِمْ ووَبالِ أشْكالِهِمْ، ثُمَّ ذَكَرَ أنَّهم أوْلى بِالهَلاكِ؛ لِأنَّ مَن تَقَدَّمَ مِن عادٍ وثَمُودَ كانُوا أشَدَّ مِنهم قُوَّةً ولَمْ تَنْفَعْهم قُواهم وكانُوا صفحة ٨٩ أكْثَرَ مالًا وعِمارَةً، ولَمْ يَمْنَعْ عَنْهُمُ الهَلاكَ أمْوالُهم وحُصُونُهم، واعْلَمْ أنَّ اعْتِمادَ الإنْسانِ عَلى ثَلاثَةِ أشْياءَ: قُوَّةٌ جِسْمِيَّةٌ فِيهِ أوْ في أعْوانِهِ إذْ بِها المُباشَرَةُ، وقُوَّةٌ مالِيَّةٌ إذا بِها التَّأهُّبُ لِلْمُباشَرَةِ، وقُوَّةٌ ظَهْرِيَّةٌ يَسْتَنِدُ إلَيْها عِنْدَ الضَّعْفِ والفُتُورِ وهي بِالحُصُونِ والعَمائِرِ، فَقالَ تَعالى: كانُوا أشَدَّ مِنهم قُوَّةً في الجِسْمِ وأكْثَرَ مِنهم مالًا؛ لِأنَّهم أثارُوا الأرْضَ أيْ حَرَثُوها، ومِنهُ بَقَرَةٌ تُثِيرُ الأرْضَ، وقِيلَ مِنهُ سُمِّيَ ثَوْرًا، وأنْتُمْ لا حِراثَةَ لَكم فَأمْوالُهم كانَتْ أكْثَرَ، وعِمارَتُهم كانَتْ أكْثَرَ؛ لِأنَّ أبْنِيَتَهم كانَتْ رَفِيعَةً، وحُصُونُهم مَنِيعَةً، وعِمارَةُ أهْلِ مَكَّةَ كانَتْ يَسِيرَةً ثُمَّ هَؤُلاءِ جاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ وأمَرُوهم ونَهَوْهم، فَلَمّا كَذَّبُوا أُهْلِكُوا فَكَيْفَ أنْتُمْ، وقَوْلُهُ: ﴿فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ يَعْنِي لَمْ يَظْلِمْهم بِالتَّكْلِيفِ، فَإنَّ التَّكْلِيفَ شَرِيفٌ لا يُؤْثَرُ لَهُ إلّا مَحَلٌّ شَرِيفٌ، ولَكِنْ هم ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِوَضْعِها في مَوْضِعٍ خَسِيسٍ، وهو عِبادَةُ الأصْنامِ واتِّباعُ إبْلِيسَ، فَكَأنَّ اللَّهَ بِالتَّكْلِيفِ وضَعَهم فِيما خُلِقُوا لَهُ وهو الرِّبْحُ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ خَلَقْتُكم لِتَرْبَحُوا عَلَيَّ لا لِأرْبَحَ عَلَيْكم، والوَضْعُ في [ أيِّ ] مَوْضِعٍ كانَ الخَلْقُ لَهُ لَيْسَ بِظُلْمٍ، وأمّا هم فَوَضَعُوا أنْفُسَهم في مَواضِعِ الخُسْرانِ ولَمْ يَكُونُوا خُلِقُوا إلّا لِلرِّبْحِ فَهم كانُوا ظالِمِينَ، وهَذا الكَلامُ مِنّا، وإنْ كانَ في الظّاهِرِ يُشْبِهُ كَلامَ المُعْتَزِلَةِ، لَكِنَّ العاقِلَ يَعْلَمُ كَيْفَ يَقُولُهُ أهْلُ السُّنَّةِ، وهو أنَّ هَذا الوَضْعَ كانَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ وإرادَتِهِ، لَكِنَّهُ كانَ مِنهم ومُضافًا إلَيْهِمْ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أساءُوا السُّوءى أنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وكانُوا بِها يَسْتَهْزِئُونَ﴾ كَما قالَ: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى﴾ [يونس: ٢٦] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ كَذَّبُوا﴾ قِيلَ مَعْناهُ بِأنْ كَذَّبُوا أيْ كانَ عاقِبَتُهم ذَلِكَ بِسَبَبِ أنَّهم كَذَّبُوا، وقِيلَ مَعْناهُ أساءُوا وكَذَّبُوا، فَكَذَّبُوا يَكُونُ تَفْسِيرًا لِأساءُوا وفي هَذِهِ الآيَةِ لَطائِفُ. إحْداها: قالَ في حَقِّ الَّذِينَ أحْسَنُوا: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى﴾ وقالَ في حَقِّ مَن أساءَ: ﴿ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أساءُوا السُّوءى﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ الجَنَّةَ لَهم مِنَ ابْتِداءِ الأمْرِ فَإنَّ الحُسْنى اسْمُ الجَنَّةِ والسُّوءى اسْمُ النّارِ، فَإذا كانَتِ الجَنَّةُ لَهم ومِن الِابْتِداءِ، ومَن لَهُ شَيْءٌ كُلَّما يَزْدادُ ويَنْمُو فِيهِ فَهو لَهُ؛ لِأنَّ مِلْكَ الأصْلِ يُوجِبُ مِلْكَ الثَّمَرَةِ، فالجَنَّةُ مِن حَيْثُ خُلِقَتْ تَرْبُو وتَنْمُو لِلْمُحْسِنِينَ، وأمّا الَّذِينَ أساءُوا، فالسُّوءى وهي جَهَنَّمُ في العاقِبَةِ مَصِيرُهم إلَيْها. الثّانِيَةُ: ذَكَرَ الزِّيادَةَ في حَقِّ المُحْسِنِ ولَمْ يَذْكُرِ الزِّيادَةَ في حَقِّ المُسِيءِ؛ لِأنَّ جَزاءَ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها. الثّالِثَةُ: لَمْ يَذْكُرْ في المُحْسِنِ أنَّ لَهُ الحُسْنى بِأنَّهُ صَدَّقَ، وذَكَرَ في المُسِيءِ أنَّ لَهُ السُّوءى بِأنَّهُ كَذَّبَ؛ لِأنَّ الحُسْنى لِلْمُحْسِنِينَ فَضْلٌ، والمُتَفَضِّلُ لَوْ لَمْ يَكُنْ تَفَضُّلُهُ لِسَبَبٍ يَكُونُ أبْلَغَ، وأمّا السُّوءى لِلْمُسِيءِ عَدْلٌ، والعادِلُ إذا لَمْ يَكُنْ تَعْذِيبُهُ لِسَبَبٍ لا يَكُونُ عَدْلًا، فَذَكَرَ السَّبَبَ في التَّعْذِيبِ وهو الإصْرارُ عَلى التَّكْذِيبِ، ولَمْ يَذْكُرِ السَّبَبَ في الثَّوابِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿اللَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ لَمّا ذَكَرَ أنَّ عاقِبَتَهم إلى الجَحِيمِ، وكانَ في ذَلِكَ إشارَةٌ إلى الإعادَةِ والحَشْرِ لَمْ يَتْرُكْهُ دَعْوًى بِلا بَيِّنَةٍ فَقالَ يَبْدَأُ الخَلْقَ، يَعْنِي مَن خَلَقَ بِالقُدْرَةِ والإرادَةِ لا يَعْجِزُ عَنِ الرَّجْعَةِ والإعادَةِ، فَإلَيْهِ تُرْجَعُونَ، ثُمَّ بَيَّنَ ما يَكُونُ وقْتَ الرُّجُوعِ إلَيْهِ فَقالَ: ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يُبْلِسُ المُجْرِمُونَ﴾ ﴿ولَمْ يَكُنْ لَهم مِن شُرَكائِهِمْ شُفَعاءُ وكانُوا بِشُرَكائِهِمْ كافِرِينَ﴾ فِي ذَلِكَ اليَوْمِ يَتَبَيَّنُ إفْلاسُهم ويَتَحَقَّقُ إبْلاسُهم، والإبْلاسُ يَأْسٌ مَعَ حَيْرَةٍ، يَعْنِي يَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يَكُونُ لِلْمُجْرِمِ يَأْسٌ مُحَيِّرٌ لا يَأْسٌ هو إحْدى الرّاحَتَيْنِ، وهَذا لِأنَّ الطَّمَعَ إذا انْقَطَعَ بِاليَأْسِ فَإذا كانَ المَرْجُوُّ أمْرًا غَيْرَ صفحة ٩٠ ضَرُورِيٍّ يَسْتَرِيحُ الطّامِعُ مِنَ الِانْتِظارِ وإنْ كانَ ضَرُورِيًّا بِالإبْقاءِ لَهُ بوونه يَنْفَطِرُ فُؤادُهُ أشَدَّ انْفِطارٍ، ومِثْلُ هَذا اليَأْسِ هو الإبْلاسُ، ولِنُبَيِّنَ حالَ المُجْرِمِ وإبْلاسَهُ بِمِثالٍ، وهو أنْ نَقُولَ: مَثَلُهُ مَثَلُ مَن يَكُونُ في بُسْتانٍ وحَوالَيْهِ المَلاعِبُ والمَلاهِي، ولَدَيْهِ ما يَفْتَخِرُ بِهِ ويُباهِي، فَيُخْبِرُهُ صادِقٌ بِمَجِيءِ عَدُوٍّ لا يَرُدُّهُ رادٌّ، ولا يَصُدُّهُ صادٌّ، إذا جاءَهُ لا يُبْلِعُهُ رِيقًا، ولا يَتْرُكُ لَهُ إلى الخَلاصِ طَرِيقًا، فَيَتَحَتَّمُ عَلَيْهِ الِاشْتِغالُ بِسُلُوكِ طَرِيقِ الخَلاصِ، فَيَقُولُ لَهُ طِفْلٌ أوْ مَجْنُونٌ إنَّ هَذِهِ الشَّجَرَةَ الَّتِي أنْتَ تَحْتَها لَها مِنَ الخَواصِّ دَفْعُ الأعادِي عَمَّنْ يَكُونُ تَحْتَها، فَيُقْبِلُ ذَلِكَ الغافِلُ عَلى اسْتِيفائِهِ مَلاذَهُ مُعْتَمِدًا عَلى الشَّجَرَةِ بِقَوْلِ ذَلِكَ الصَّبِيِّ فَيَجِيئُهُ العَدُوُّ ويُحِيطُ بِهِ، فَأوَّلُ ما يُرِيهِ مِنَ الأهْوالِ قَلْعُ تِلْكَ الشَّجَرَةِ فَيَبْقى مُتَحَيِّرًا آيِسًا مُفْتَقِرًا، فَكَذَلِكَ المُجْرِمُ في دارِ الدُّنْيا أقْبَلَ عَلى اسْتِيفاءِ اللَّذّاتِ وأخْبَرَهُ النَّبِيُّ الصّادِقُ بِأنَّ اللَّهَ يَجْزِيهِ، ويَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ، فَقالَ لَهُ الشَّيْطانُ والنَّفْسُ الأمّارَةُ بِالسُّوءِ: إنَّ هَذِهِ الأخْشابَ الَّتِي هي الأوْثانُ دافِعَةٌ عَنْكِ كُلَّ بَأْسٍ، وشافِعَةٌ لَكَ عِنْدَ خُمُودِ الحَواسِّ، فاشْتَغَلَ بِما هو فِيهِ واسْتَمَرَّ عَلى غَيِّهِ حَتّى إذا جاءَتْهُ الطّامَّةُ الكُبْرى، فَأوَّلُ ما أرَتْهُ إلْقاءُ الأصْنامِ في النّارِ، فَلا يَجِدُ إلى الخَلاصِ مِن طَرِيقٍ، ويَحِقُّ عَلَيْهِ عَذابُ الحَرِيقِ، فَيَيْأسُ حِينَئِذٍ أيَّ إياسٍ، ويُبْلِسُ أشَدَّ إبْلاسٍ. وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَمْ يَكُنْ لَهم مِن شُرَكائِهِمْ شُفَعاءُ وكانُوا بِشُرَكائِهِمْ كافِرِينَ﴾ يَعْنِي يَكْفُرُونَ بِهِمْ ذَلِكَ اليَوْمَ.

الروم 30:12

فَقالَ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كانُوا أشَدَّ مِنهم قُوَّةً وأثارُوا الأرْضَ وعَمَرُوها أكْثَرَ مِمّا عَمَرُوها وجاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهم ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ وقالَ في الدَّلِيلَيْنِ المُتَقَدِّمَيْنِ: ﴿ألَمْ يَرَوْا﴾ [الأنْعامِ: ٦] ولَمْ يَقُلْ: ﴿أوَلَمْ يَسِيرُوا﴾ إذْ لا حاجَةَ هُناكَ إلى السَّيْرِ بِحُضُورِ النَّفْسِ والسَّماءِ والأرْضِ، وقالَ هَهُنا: ﴿أوَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا﴾ ذَكَّرَهم بِحالِ أمْثالِهِمْ ووَبالِ أشْكالِهِمْ، ثُمَّ ذَكَرَ أنَّهم أوْلى بِالهَلاكِ؛ لِأنَّ مَن تَقَدَّمَ مِن عادٍ وثَمُودَ كانُوا أشَدَّ مِنهم قُوَّةً ولَمْ تَنْفَعْهم قُواهم وكانُوا صفحة ٨٩ أكْثَرَ مالًا وعِمارَةً، ولَمْ يَمْنَعْ عَنْهُمُ الهَلاكَ أمْوالُهم وحُصُونُهم، واعْلَمْ أنَّ اعْتِمادَ الإنْسانِ عَلى ثَلاثَةِ أشْياءَ: قُوَّةٌ جِسْمِيَّةٌ فِيهِ أوْ في أعْوانِهِ إذْ بِها المُباشَرَةُ، وقُوَّةٌ مالِيَّةٌ إذا بِها التَّأهُّبُ لِلْمُباشَرَةِ، وقُوَّةٌ ظَهْرِيَّةٌ يَسْتَنِدُ إلَيْها عِنْدَ الضَّعْفِ والفُتُورِ وهي بِالحُصُونِ والعَمائِرِ، فَقالَ تَعالى: كانُوا أشَدَّ مِنهم قُوَّةً في الجِسْمِ وأكْثَرَ مِنهم مالًا؛ لِأنَّهم أثارُوا الأرْضَ أيْ حَرَثُوها، ومِنهُ بَقَرَةٌ تُثِيرُ الأرْضَ، وقِيلَ مِنهُ سُمِّيَ ثَوْرًا، وأنْتُمْ لا حِراثَةَ لَكم فَأمْوالُهم كانَتْ أكْثَرَ، وعِمارَتُهم كانَتْ أكْثَرَ؛ لِأنَّ أبْنِيَتَهم كانَتْ رَفِيعَةً، وحُصُونُهم مَنِيعَةً، وعِمارَةُ أهْلِ مَكَّةَ كانَتْ يَسِيرَةً ثُمَّ هَؤُلاءِ جاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ وأمَرُوهم ونَهَوْهم، فَلَمّا كَذَّبُوا أُهْلِكُوا فَكَيْفَ أنْتُمْ، وقَوْلُهُ: ﴿فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ يَعْنِي لَمْ يَظْلِمْهم بِالتَّكْلِيفِ، فَإنَّ التَّكْلِيفَ شَرِيفٌ لا يُؤْثَرُ لَهُ إلّا مَحَلٌّ شَرِيفٌ، ولَكِنْ هم ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِوَضْعِها في مَوْضِعٍ خَسِيسٍ، وهو عِبادَةُ الأصْنامِ واتِّباعُ إبْلِيسَ، فَكَأنَّ اللَّهَ بِالتَّكْلِيفِ وضَعَهم فِيما خُلِقُوا لَهُ وهو الرِّبْحُ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ خَلَقْتُكم لِتَرْبَحُوا عَلَيَّ لا لِأرْبَحَ عَلَيْكم، والوَضْعُ في [ أيِّ ] مَوْضِعٍ كانَ الخَلْقُ لَهُ لَيْسَ بِظُلْمٍ، وأمّا هم فَوَضَعُوا أنْفُسَهم في مَواضِعِ الخُسْرانِ ولَمْ يَكُونُوا خُلِقُوا إلّا لِلرِّبْحِ فَهم كانُوا ظالِمِينَ، وهَذا الكَلامُ مِنّا، وإنْ كانَ في الظّاهِرِ يُشْبِهُ كَلامَ المُعْتَزِلَةِ، لَكِنَّ العاقِلَ يَعْلَمُ كَيْفَ يَقُولُهُ أهْلُ السُّنَّةِ، وهو أنَّ هَذا الوَضْعَ كانَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ وإرادَتِهِ، لَكِنَّهُ كانَ مِنهم ومُضافًا إلَيْهِمْ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أساءُوا السُّوءى أنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وكانُوا بِها يَسْتَهْزِئُونَ﴾ كَما قالَ: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى﴾ [يونس: ٢٦] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ كَذَّبُوا﴾ قِيلَ مَعْناهُ بِأنْ كَذَّبُوا أيْ كانَ عاقِبَتُهم ذَلِكَ بِسَبَبِ أنَّهم كَذَّبُوا، وقِيلَ مَعْناهُ أساءُوا وكَذَّبُوا، فَكَذَّبُوا يَكُونُ تَفْسِيرًا لِأساءُوا وفي هَذِهِ الآيَةِ لَطائِفُ. إحْداها: قالَ في حَقِّ الَّذِينَ أحْسَنُوا: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى﴾ وقالَ في حَقِّ مَن أساءَ: ﴿ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أساءُوا السُّوءى﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ الجَنَّةَ لَهم مِنَ ابْتِداءِ الأمْرِ فَإنَّ الحُسْنى اسْمُ الجَنَّةِ والسُّوءى اسْمُ النّارِ، فَإذا كانَتِ الجَنَّةُ لَهم ومِن الِابْتِداءِ، ومَن لَهُ شَيْءٌ كُلَّما يَزْدادُ ويَنْمُو فِيهِ فَهو لَهُ؛ لِأنَّ مِلْكَ الأصْلِ يُوجِبُ مِلْكَ الثَّمَرَةِ، فالجَنَّةُ مِن حَيْثُ خُلِقَتْ تَرْبُو وتَنْمُو لِلْمُحْسِنِينَ، وأمّا الَّذِينَ أساءُوا، فالسُّوءى وهي جَهَنَّمُ في العاقِبَةِ مَصِيرُهم إلَيْها. الثّانِيَةُ: ذَكَرَ الزِّيادَةَ في حَقِّ المُحْسِنِ ولَمْ يَذْكُرِ الزِّيادَةَ في حَقِّ المُسِيءِ؛ لِأنَّ جَزاءَ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها. الثّالِثَةُ: لَمْ يَذْكُرْ في المُحْسِنِ أنَّ لَهُ الحُسْنى بِأنَّهُ صَدَّقَ، وذَكَرَ في المُسِيءِ أنَّ لَهُ السُّوءى بِأنَّهُ كَذَّبَ؛ لِأنَّ الحُسْنى لِلْمُحْسِنِينَ فَضْلٌ، والمُتَفَضِّلُ لَوْ لَمْ يَكُنْ تَفَضُّلُهُ لِسَبَبٍ يَكُونُ أبْلَغَ، وأمّا السُّوءى لِلْمُسِيءِ عَدْلٌ، والعادِلُ إذا لَمْ يَكُنْ تَعْذِيبُهُ لِسَبَبٍ لا يَكُونُ عَدْلًا، فَذَكَرَ السَّبَبَ في التَّعْذِيبِ وهو الإصْرارُ عَلى التَّكْذِيبِ، ولَمْ يَذْكُرِ السَّبَبَ في الثَّوابِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿اللَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ لَمّا ذَكَرَ أنَّ عاقِبَتَهم إلى الجَحِيمِ، وكانَ في ذَلِكَ إشارَةٌ إلى الإعادَةِ والحَشْرِ لَمْ يَتْرُكْهُ دَعْوًى بِلا بَيِّنَةٍ فَقالَ يَبْدَأُ الخَلْقَ، يَعْنِي مَن خَلَقَ بِالقُدْرَةِ والإرادَةِ لا يَعْجِزُ عَنِ الرَّجْعَةِ والإعادَةِ، فَإلَيْهِ تُرْجَعُونَ، ثُمَّ بَيَّنَ ما يَكُونُ وقْتَ الرُّجُوعِ إلَيْهِ فَقالَ: ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يُبْلِسُ المُجْرِمُونَ﴾ ﴿ولَمْ يَكُنْ لَهم مِن شُرَكائِهِمْ شُفَعاءُ وكانُوا بِشُرَكائِهِمْ كافِرِينَ﴾ فِي ذَلِكَ اليَوْمِ يَتَبَيَّنُ إفْلاسُهم ويَتَحَقَّقُ إبْلاسُهم، والإبْلاسُ يَأْسٌ مَعَ حَيْرَةٍ، يَعْنِي يَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يَكُونُ لِلْمُجْرِمِ يَأْسٌ مُحَيِّرٌ لا يَأْسٌ هو إحْدى الرّاحَتَيْنِ، وهَذا لِأنَّ الطَّمَعَ إذا انْقَطَعَ بِاليَأْسِ فَإذا كانَ المَرْجُوُّ أمْرًا غَيْرَ صفحة ٩٠ ضَرُورِيٍّ يَسْتَرِيحُ الطّامِعُ مِنَ الِانْتِظارِ وإنْ كانَ ضَرُورِيًّا بِالإبْقاءِ لَهُ بوونه يَنْفَطِرُ فُؤادُهُ أشَدَّ انْفِطارٍ، ومِثْلُ هَذا اليَأْسِ هو الإبْلاسُ، ولِنُبَيِّنَ حالَ المُجْرِمِ وإبْلاسَهُ بِمِثالٍ، وهو أنْ نَقُولَ: مَثَلُهُ مَثَلُ مَن يَكُونُ في بُسْتانٍ وحَوالَيْهِ المَلاعِبُ والمَلاهِي، ولَدَيْهِ ما يَفْتَخِرُ بِهِ ويُباهِي، فَيُخْبِرُهُ صادِقٌ بِمَجِيءِ عَدُوٍّ لا يَرُدُّهُ رادٌّ، ولا يَصُدُّهُ صادٌّ، إذا جاءَهُ لا يُبْلِعُهُ رِيقًا، ولا يَتْرُكُ لَهُ إلى الخَلاصِ طَرِيقًا، فَيَتَحَتَّمُ عَلَيْهِ الِاشْتِغالُ بِسُلُوكِ طَرِيقِ الخَلاصِ، فَيَقُولُ لَهُ طِفْلٌ أوْ مَجْنُونٌ إنَّ هَذِهِ الشَّجَرَةَ الَّتِي أنْتَ تَحْتَها لَها مِنَ الخَواصِّ دَفْعُ الأعادِي عَمَّنْ يَكُونُ تَحْتَها، فَيُقْبِلُ ذَلِكَ الغافِلُ عَلى اسْتِيفائِهِ مَلاذَهُ مُعْتَمِدًا عَلى الشَّجَرَةِ بِقَوْلِ ذَلِكَ الصَّبِيِّ فَيَجِيئُهُ العَدُوُّ ويُحِيطُ بِهِ، فَأوَّلُ ما يُرِيهِ مِنَ الأهْوالِ قَلْعُ تِلْكَ الشَّجَرَةِ فَيَبْقى مُتَحَيِّرًا آيِسًا مُفْتَقِرًا، فَكَذَلِكَ المُجْرِمُ في دارِ الدُّنْيا أقْبَلَ عَلى اسْتِيفاءِ اللَّذّاتِ وأخْبَرَهُ النَّبِيُّ الصّادِقُ بِأنَّ اللَّهَ يَجْزِيهِ، ويَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ، فَقالَ لَهُ الشَّيْطانُ والنَّفْسُ الأمّارَةُ بِالسُّوءِ: إنَّ هَذِهِ الأخْشابَ الَّتِي هي الأوْثانُ دافِعَةٌ عَنْكِ كُلَّ بَأْسٍ، وشافِعَةٌ لَكَ عِنْدَ خُمُودِ الحَواسِّ، فاشْتَغَلَ بِما هو فِيهِ واسْتَمَرَّ عَلى غَيِّهِ حَتّى إذا جاءَتْهُ الطّامَّةُ الكُبْرى، فَأوَّلُ ما أرَتْهُ إلْقاءُ الأصْنامِ في النّارِ، فَلا يَجِدُ إلى الخَلاصِ مِن طَرِيقٍ، ويَحِقُّ عَلَيْهِ عَذابُ الحَرِيقِ، فَيَيْأسُ حِينَئِذٍ أيَّ إياسٍ، ويُبْلِسُ أشَدَّ إبْلاسٍ. وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَمْ يَكُنْ لَهم مِن شُرَكائِهِمْ شُفَعاءُ وكانُوا بِشُرَكائِهِمْ كافِرِينَ﴾ يَعْنِي يَكْفُرُونَ بِهِمْ ذَلِكَ اليَوْمَ.

الروم 30:13

فَقالَ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كانُوا أشَدَّ مِنهم قُوَّةً وأثارُوا الأرْضَ وعَمَرُوها أكْثَرَ مِمّا عَمَرُوها وجاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهم ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ وقالَ في الدَّلِيلَيْنِ المُتَقَدِّمَيْنِ: ﴿ألَمْ يَرَوْا﴾ [الأنْعامِ: ٦] ولَمْ يَقُلْ: ﴿أوَلَمْ يَسِيرُوا﴾ إذْ لا حاجَةَ هُناكَ إلى السَّيْرِ بِحُضُورِ النَّفْسِ والسَّماءِ والأرْضِ، وقالَ هَهُنا: ﴿أوَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا﴾ ذَكَّرَهم بِحالِ أمْثالِهِمْ ووَبالِ أشْكالِهِمْ، ثُمَّ ذَكَرَ أنَّهم أوْلى بِالهَلاكِ؛ لِأنَّ مَن تَقَدَّمَ مِن عادٍ وثَمُودَ كانُوا أشَدَّ مِنهم قُوَّةً ولَمْ تَنْفَعْهم قُواهم وكانُوا صفحة ٨٩ أكْثَرَ مالًا وعِمارَةً، ولَمْ يَمْنَعْ عَنْهُمُ الهَلاكَ أمْوالُهم وحُصُونُهم، واعْلَمْ أنَّ اعْتِمادَ الإنْسانِ عَلى ثَلاثَةِ أشْياءَ: قُوَّةٌ جِسْمِيَّةٌ فِيهِ أوْ في أعْوانِهِ إذْ بِها المُباشَرَةُ، وقُوَّةٌ مالِيَّةٌ إذا بِها التَّأهُّبُ لِلْمُباشَرَةِ، وقُوَّةٌ ظَهْرِيَّةٌ يَسْتَنِدُ إلَيْها عِنْدَ الضَّعْفِ والفُتُورِ وهي بِالحُصُونِ والعَمائِرِ، فَقالَ تَعالى: كانُوا أشَدَّ مِنهم قُوَّةً في الجِسْمِ وأكْثَرَ مِنهم مالًا؛ لِأنَّهم أثارُوا الأرْضَ أيْ حَرَثُوها، ومِنهُ بَقَرَةٌ تُثِيرُ الأرْضَ، وقِيلَ مِنهُ سُمِّيَ ثَوْرًا، وأنْتُمْ لا حِراثَةَ لَكم فَأمْوالُهم كانَتْ أكْثَرَ، وعِمارَتُهم كانَتْ أكْثَرَ؛ لِأنَّ أبْنِيَتَهم كانَتْ رَفِيعَةً، وحُصُونُهم مَنِيعَةً، وعِمارَةُ أهْلِ مَكَّةَ كانَتْ يَسِيرَةً ثُمَّ هَؤُلاءِ جاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ وأمَرُوهم ونَهَوْهم، فَلَمّا كَذَّبُوا أُهْلِكُوا فَكَيْفَ أنْتُمْ، وقَوْلُهُ: ﴿فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ يَعْنِي لَمْ يَظْلِمْهم بِالتَّكْلِيفِ، فَإنَّ التَّكْلِيفَ شَرِيفٌ لا يُؤْثَرُ لَهُ إلّا مَحَلٌّ شَرِيفٌ، ولَكِنْ هم ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِوَضْعِها في مَوْضِعٍ خَسِيسٍ، وهو عِبادَةُ الأصْنامِ واتِّباعُ إبْلِيسَ، فَكَأنَّ اللَّهَ بِالتَّكْلِيفِ وضَعَهم فِيما خُلِقُوا لَهُ وهو الرِّبْحُ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ خَلَقْتُكم لِتَرْبَحُوا عَلَيَّ لا لِأرْبَحَ عَلَيْكم، والوَضْعُ في [ أيِّ ] مَوْضِعٍ كانَ الخَلْقُ لَهُ لَيْسَ بِظُلْمٍ، وأمّا هم فَوَضَعُوا أنْفُسَهم في مَواضِعِ الخُسْرانِ ولَمْ يَكُونُوا خُلِقُوا إلّا لِلرِّبْحِ فَهم كانُوا ظالِمِينَ، وهَذا الكَلامُ مِنّا، وإنْ كانَ في الظّاهِرِ يُشْبِهُ كَلامَ المُعْتَزِلَةِ، لَكِنَّ العاقِلَ يَعْلَمُ كَيْفَ يَقُولُهُ أهْلُ السُّنَّةِ، وهو أنَّ هَذا الوَضْعَ كانَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ وإرادَتِهِ، لَكِنَّهُ كانَ مِنهم ومُضافًا إلَيْهِمْ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أساءُوا السُّوءى أنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وكانُوا بِها يَسْتَهْزِئُونَ﴾ كَما قالَ: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى﴾ [يونس: ٢٦] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ كَذَّبُوا﴾ قِيلَ مَعْناهُ بِأنْ كَذَّبُوا أيْ كانَ عاقِبَتُهم ذَلِكَ بِسَبَبِ أنَّهم كَذَّبُوا، وقِيلَ مَعْناهُ أساءُوا وكَذَّبُوا، فَكَذَّبُوا يَكُونُ تَفْسِيرًا لِأساءُوا وفي هَذِهِ الآيَةِ لَطائِفُ. إحْداها: قالَ في حَقِّ الَّذِينَ أحْسَنُوا: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى﴾ وقالَ في حَقِّ مَن أساءَ: ﴿ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أساءُوا السُّوءى﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ الجَنَّةَ لَهم مِنَ ابْتِداءِ الأمْرِ فَإنَّ الحُسْنى اسْمُ الجَنَّةِ والسُّوءى اسْمُ النّارِ، فَإذا كانَتِ الجَنَّةُ لَهم ومِن الِابْتِداءِ، ومَن لَهُ شَيْءٌ كُلَّما يَزْدادُ ويَنْمُو فِيهِ فَهو لَهُ؛ لِأنَّ مِلْكَ الأصْلِ يُوجِبُ مِلْكَ الثَّمَرَةِ، فالجَنَّةُ مِن حَيْثُ خُلِقَتْ تَرْبُو وتَنْمُو لِلْمُحْسِنِينَ، وأمّا الَّذِينَ أساءُوا، فالسُّوءى وهي جَهَنَّمُ في العاقِبَةِ مَصِيرُهم إلَيْها. الثّانِيَةُ: ذَكَرَ الزِّيادَةَ في حَقِّ المُحْسِنِ ولَمْ يَذْكُرِ الزِّيادَةَ في حَقِّ المُسِيءِ؛ لِأنَّ جَزاءَ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها. الثّالِثَةُ: لَمْ يَذْكُرْ في المُحْسِنِ أنَّ لَهُ الحُسْنى بِأنَّهُ صَدَّقَ، وذَكَرَ في المُسِيءِ أنَّ لَهُ السُّوءى بِأنَّهُ كَذَّبَ؛ لِأنَّ الحُسْنى لِلْمُحْسِنِينَ فَضْلٌ، والمُتَفَضِّلُ لَوْ لَمْ يَكُنْ تَفَضُّلُهُ لِسَبَبٍ يَكُونُ أبْلَغَ، وأمّا السُّوءى لِلْمُسِيءِ عَدْلٌ، والعادِلُ إذا لَمْ يَكُنْ تَعْذِيبُهُ لِسَبَبٍ لا يَكُونُ عَدْلًا، فَذَكَرَ السَّبَبَ في التَّعْذِيبِ وهو الإصْرارُ عَلى التَّكْذِيبِ، ولَمْ يَذْكُرِ السَّبَبَ في الثَّوابِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿اللَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ لَمّا ذَكَرَ أنَّ عاقِبَتَهم إلى الجَحِيمِ، وكانَ في ذَلِكَ إشارَةٌ إلى الإعادَةِ والحَشْرِ لَمْ يَتْرُكْهُ دَعْوًى بِلا بَيِّنَةٍ فَقالَ يَبْدَأُ الخَلْقَ، يَعْنِي مَن خَلَقَ بِالقُدْرَةِ والإرادَةِ لا يَعْجِزُ عَنِ الرَّجْعَةِ والإعادَةِ، فَإلَيْهِ تُرْجَعُونَ، ثُمَّ بَيَّنَ ما يَكُونُ وقْتَ الرُّجُوعِ إلَيْهِ فَقالَ: ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يُبْلِسُ المُجْرِمُونَ﴾ ﴿ولَمْ يَكُنْ لَهم مِن شُرَكائِهِمْ شُفَعاءُ وكانُوا بِشُرَكائِهِمْ كافِرِينَ﴾ فِي ذَلِكَ اليَوْمِ يَتَبَيَّنُ إفْلاسُهم ويَتَحَقَّقُ إبْلاسُهم، والإبْلاسُ يَأْسٌ مَعَ حَيْرَةٍ، يَعْنِي يَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يَكُونُ لِلْمُجْرِمِ يَأْسٌ مُحَيِّرٌ لا يَأْسٌ هو إحْدى الرّاحَتَيْنِ، وهَذا لِأنَّ الطَّمَعَ إذا انْقَطَعَ بِاليَأْسِ فَإذا كانَ المَرْجُوُّ أمْرًا غَيْرَ صفحة ٩٠ ضَرُورِيٍّ يَسْتَرِيحُ الطّامِعُ مِنَ الِانْتِظارِ وإنْ كانَ ضَرُورِيًّا بِالإبْقاءِ لَهُ بوونه يَنْفَطِرُ فُؤادُهُ أشَدَّ انْفِطارٍ، ومِثْلُ هَذا اليَأْسِ هو الإبْلاسُ، ولِنُبَيِّنَ حالَ المُجْرِمِ وإبْلاسَهُ بِمِثالٍ، وهو أنْ نَقُولَ: مَثَلُهُ مَثَلُ مَن يَكُونُ في بُسْتانٍ وحَوالَيْهِ المَلاعِبُ والمَلاهِي، ولَدَيْهِ ما يَفْتَخِرُ بِهِ ويُباهِي، فَيُخْبِرُهُ صادِقٌ بِمَجِيءِ عَدُوٍّ لا يَرُدُّهُ رادٌّ، ولا يَصُدُّهُ صادٌّ، إذا جاءَهُ لا يُبْلِعُهُ رِيقًا، ولا يَتْرُكُ لَهُ إلى الخَلاصِ طَرِيقًا، فَيَتَحَتَّمُ عَلَيْهِ الِاشْتِغالُ بِسُلُوكِ طَرِيقِ الخَلاصِ، فَيَقُولُ لَهُ طِفْلٌ أوْ مَجْنُونٌ إنَّ هَذِهِ الشَّجَرَةَ الَّتِي أنْتَ تَحْتَها لَها مِنَ الخَواصِّ دَفْعُ الأعادِي عَمَّنْ يَكُونُ تَحْتَها، فَيُقْبِلُ ذَلِكَ الغافِلُ عَلى اسْتِيفائِهِ مَلاذَهُ مُعْتَمِدًا عَلى الشَّجَرَةِ بِقَوْلِ ذَلِكَ الصَّبِيِّ فَيَجِيئُهُ العَدُوُّ ويُحِيطُ بِهِ، فَأوَّلُ ما يُرِيهِ مِنَ الأهْوالِ قَلْعُ تِلْكَ الشَّجَرَةِ فَيَبْقى مُتَحَيِّرًا آيِسًا مُفْتَقِرًا، فَكَذَلِكَ المُجْرِمُ في دارِ الدُّنْيا أقْبَلَ عَلى اسْتِيفاءِ اللَّذّاتِ وأخْبَرَهُ النَّبِيُّ الصّادِقُ بِأنَّ اللَّهَ يَجْزِيهِ، ويَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ، فَقالَ لَهُ الشَّيْطانُ والنَّفْسُ الأمّارَةُ بِالسُّوءِ: إنَّ هَذِهِ الأخْشابَ الَّتِي هي الأوْثانُ دافِعَةٌ عَنْكِ كُلَّ بَأْسٍ، وشافِعَةٌ لَكَ عِنْدَ خُمُودِ الحَواسِّ، فاشْتَغَلَ بِما هو فِيهِ واسْتَمَرَّ عَلى غَيِّهِ حَتّى إذا جاءَتْهُ الطّامَّةُ الكُبْرى، فَأوَّلُ ما أرَتْهُ إلْقاءُ الأصْنامِ في النّارِ، فَلا يَجِدُ إلى الخَلاصِ مِن طَرِيقٍ، ويَحِقُّ عَلَيْهِ عَذابُ الحَرِيقِ، فَيَيْأسُ حِينَئِذٍ أيَّ إياسٍ، ويُبْلِسُ أشَدَّ إبْلاسٍ. وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَمْ يَكُنْ لَهم مِن شُرَكائِهِمْ شُفَعاءُ وكانُوا بِشُرَكائِهِمْ كافِرِينَ﴾ يَعْنِي يَكْفُرُونَ بِهِمْ ذَلِكَ اليَوْمَ.

الروم 30:14

﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَهم في رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾ ﴿وأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا ولِقاءِ الآخِرَةِ فَأُولَئِكَ في العَذابِ مُحْضَرُونَ﴾ * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ ثُمَّ بَيَّنَ أمْرًا آخَرَ يَكُونُ في ذَلِكَ اليَوْمِ وهو الِافْتِراقُ كَما قالَ تَعالى في آيَةٍ أُخْرى: ﴿وامْتازُوا اليَوْمَ أيُّها المُجْرِمُونَ﴾ [يس: ٥٩] فَكَأنَّ هَذِهِ الحالَةَ مُتَرَتِّبَةٌ عَلى الإبْلاسِ، فَكَأنَّهُ أوَّلًا يُبْلَسُ ثُمَّ يُمَيَّزُ ويُجْعَلُ فَرِيقٌ في الجَنَّةِ وفَرِيقٌ في السَّعِيرِ، وأعادَ قَوْلَهُ: ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ﴾ لِأنَّ قِيامَ السّاعَةِ أمْرٌ هائِلٌ فَكَرَّرَهُ تَأْكِيدًا لِلتَّخْوِيفِ، ومِنهُ اعْتادَ الخُطَباءُ تَكْرِيرَ يَوْمِ القِيامَةِ في الخُطَبِ لِتَذْكِيرِ أهْوالِهِ. ثُمَّ بَيَّنَ كَيْفِيَّةَ التَّفَرُّقِ فَقالَ تَعالى: ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَهم في رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾ أيْ في جَنَّةٍ يُسَرُّونَ بِكُلِّ مَسَرَّةٍ ﴿وأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا ولِقاءِ الآخِرَةِ فَأُولَئِكَ في العَذابِ مُحْضَرُونَ﴾ . يَعْنِي لا غِيبَةَ لَهم عَنْهُ ولا فُتُورَ لَهُ عَنْهم كَما قالَ تَعالى: ﴿كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها مِن غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها﴾ [الحَجِّ: ٢٢] وقالَ: ﴿لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ﴾ [الزخرف: ٧٥] أيِ العَذابُ، وفي الآيَتَيْنِ مَسائِلُ فِيها لَطائِفُ: المَسْألَةُ الأُولى: بَدَأ بِذِكْرِ حالِ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَ أنَّ المَوْضِعَ مَوْضِعُ ذِكْرِ المُجْرِمِينَ، وذَلِكَ لِأنَّ المُؤْمِنَ يُوَصَلُ إلَيْهِ الثَّوابُ قَبْلَ أنْ يُوَصَلَ إلى الكافِرِ العِقابُ حَتّى يُرى ويُتَحَقَّقَ أنَّ المُؤْمِنَ وصَلَ إلى الثَّوابِ فَيَكُونَ أنَكى، ولَوْ أُدْخِلَ الكافِرُ النّارَ أوَّلًا لَكانَ يَظُنُّ أنَّ الكُلَّ في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ، فَقَدَّمَ ذَلِكَ زِيادَةً في إيلامِهِمْ. صفحة ٩١ المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرَ في المُؤْمِنِ العَمَلَ الصّالِحَ ولَمْ يَذْكُرْ في الكافِرِ العَمَلَ السَّيِّئَ؛ لِأنَّ العَمَلَ الصّالِحَ مُعْتَبَرٌ مَعَ الإيمانِ، فَإنَّ الإيمانَ المُجَرَّدَ مُفِيدٌ لِلنَّجاةِ دُونَ رَفْعِ الدَّرَجاتِ ولا يَبْلُغُ المُؤْمِنُ الدَّرَجَةَ العالِيَةَ إلّا بِإيمانِهِ وعَمَلِهِ الصّالِحِ، وأمّا الكافِرُ فَهو في الدَّرَكاتِ بِمُجَرَّدِ كُفْرِهِ فَلَوْ قالَ: والَّذِينَ كَفَرُوا وعَمِلُوا السَّيِّئاتِ في العَذابِ مُحْضَرُونَ، لَكانَ العَذابُ لِمَن يَصْدُرُ مِنهُ المَجْمُوعُ، فَإنْ قِيلَ فَمَن يُؤْمِنُ ويَعْمَلُ السَّيِّئاتِ غَيْرُ مَذْكُورٍ في القِسْمَيْنِ، فَنَقُولُ لَهُ مَنزِلَةٌ بَيْنَ المُنْزِلَتَيْنِ لا عَلى ما يَقُولُهُ المُعْتَزِلَةُ، بَلْ هو في الأوَّلِ في العَذابِ ولَكِنْ لَيْسَ مِنَ المُحْضَرِينَ دَوامَ الحُضُورِ، وفي الآخِرَةِ هو في الرِّياضِ ولَكِنَّهُ لَيْسَ مِنَ المَحْبُورِينَ غايَةَ الحُبُورِ كُلُّ ذَلِكَ بِحُكْمِ الوَعْدِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ في الأوَّلِ: ﴿فِي رَوْضَةٍ﴾ عَلى التَّنْكِيرِ، وقالَ في الآخَرِ في العَذابِ عَلى التَّعْرِيفِ، لِتَعْظِيمِ الرَّوْضَةِ بِالتَّنْكِيرِ، كَما يُقالُ: لِفُلانٍ مالٌ وجاهٌ، أيْ كَثِيرٌ وعَظِيمٌ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ في الأوَّلِ: ﴿يُحْبَرُونَ﴾ بِصِيغَةِ الفِعْلِ ولَمْ يَقُلْ مَحْبُورُونَ، وقالَ في الآخَرِ: ﴿مُحْضَرُونَ﴾ بِصِيغَةِ الِاسْمِ ولَمْ يَقُلْ يَحْضُرُونَ؛ لِأنَّ الفِعْلَ يُنْبِئُ عَنِ التَّجَدُّدِ، والِاسْمُ لا يَدُلُّ عَلَيْهِ، فَقَوْلُهُ: ﴿يُحْبَرُونَ﴾ يَعْنِي يَأْتِيهِمْ كُلَّ ساعَةٍ أمْرٌ يُسَرُّونَ بِهِ. وأمّا الكُفّارُ فَهم إذا دَخَلُوا العَذابَ يَبْقَوْنَ فِيهِ مُحْضَرِينَ.

الروم 30:15

﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَهم في رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾ ﴿وأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا ولِقاءِ الآخِرَةِ فَأُولَئِكَ في العَذابِ مُحْضَرُونَ﴾ * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ ثُمَّ بَيَّنَ أمْرًا آخَرَ يَكُونُ في ذَلِكَ اليَوْمِ وهو الِافْتِراقُ كَما قالَ تَعالى في آيَةٍ أُخْرى: ﴿وامْتازُوا اليَوْمَ أيُّها المُجْرِمُونَ﴾ [يس: ٥٩] فَكَأنَّ هَذِهِ الحالَةَ مُتَرَتِّبَةٌ عَلى الإبْلاسِ، فَكَأنَّهُ أوَّلًا يُبْلَسُ ثُمَّ يُمَيَّزُ ويُجْعَلُ فَرِيقٌ في الجَنَّةِ وفَرِيقٌ في السَّعِيرِ، وأعادَ قَوْلَهُ: ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ﴾ لِأنَّ قِيامَ السّاعَةِ أمْرٌ هائِلٌ فَكَرَّرَهُ تَأْكِيدًا لِلتَّخْوِيفِ، ومِنهُ اعْتادَ الخُطَباءُ تَكْرِيرَ يَوْمِ القِيامَةِ في الخُطَبِ لِتَذْكِيرِ أهْوالِهِ. ثُمَّ بَيَّنَ كَيْفِيَّةَ التَّفَرُّقِ فَقالَ تَعالى: ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَهم في رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾ أيْ في جَنَّةٍ يُسَرُّونَ بِكُلِّ مَسَرَّةٍ ﴿وأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا ولِقاءِ الآخِرَةِ فَأُولَئِكَ في العَذابِ مُحْضَرُونَ﴾ . يَعْنِي لا غِيبَةَ لَهم عَنْهُ ولا فُتُورَ لَهُ عَنْهم كَما قالَ تَعالى: ﴿كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها مِن غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها﴾ [الحَجِّ: ٢٢] وقالَ: ﴿لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ﴾ [الزخرف: ٧٥] أيِ العَذابُ، وفي الآيَتَيْنِ مَسائِلُ فِيها لَطائِفُ: المَسْألَةُ الأُولى: بَدَأ بِذِكْرِ حالِ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَ أنَّ المَوْضِعَ مَوْضِعُ ذِكْرِ المُجْرِمِينَ، وذَلِكَ لِأنَّ المُؤْمِنَ يُوَصَلُ إلَيْهِ الثَّوابُ قَبْلَ أنْ يُوَصَلَ إلى الكافِرِ العِقابُ حَتّى يُرى ويُتَحَقَّقَ أنَّ المُؤْمِنَ وصَلَ إلى الثَّوابِ فَيَكُونَ أنَكى، ولَوْ أُدْخِلَ الكافِرُ النّارَ أوَّلًا لَكانَ يَظُنُّ أنَّ الكُلَّ في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ، فَقَدَّمَ ذَلِكَ زِيادَةً في إيلامِهِمْ. صفحة ٩١ المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرَ في المُؤْمِنِ العَمَلَ الصّالِحَ ولَمْ يَذْكُرْ في الكافِرِ العَمَلَ السَّيِّئَ؛ لِأنَّ العَمَلَ الصّالِحَ مُعْتَبَرٌ مَعَ الإيمانِ، فَإنَّ الإيمانَ المُجَرَّدَ مُفِيدٌ لِلنَّجاةِ دُونَ رَفْعِ الدَّرَجاتِ ولا يَبْلُغُ المُؤْمِنُ الدَّرَجَةَ العالِيَةَ إلّا بِإيمانِهِ وعَمَلِهِ الصّالِحِ، وأمّا الكافِرُ فَهو في الدَّرَكاتِ بِمُجَرَّدِ كُفْرِهِ فَلَوْ قالَ: والَّذِينَ كَفَرُوا وعَمِلُوا السَّيِّئاتِ في العَذابِ مُحْضَرُونَ، لَكانَ العَذابُ لِمَن يَصْدُرُ مِنهُ المَجْمُوعُ، فَإنْ قِيلَ فَمَن يُؤْمِنُ ويَعْمَلُ السَّيِّئاتِ غَيْرُ مَذْكُورٍ في القِسْمَيْنِ، فَنَقُولُ لَهُ مَنزِلَةٌ بَيْنَ المُنْزِلَتَيْنِ لا عَلى ما يَقُولُهُ المُعْتَزِلَةُ، بَلْ هو في الأوَّلِ في العَذابِ ولَكِنْ لَيْسَ مِنَ المُحْضَرِينَ دَوامَ الحُضُورِ، وفي الآخِرَةِ هو في الرِّياضِ ولَكِنَّهُ لَيْسَ مِنَ المَحْبُورِينَ غايَةَ الحُبُورِ كُلُّ ذَلِكَ بِحُكْمِ الوَعْدِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ في الأوَّلِ: ﴿فِي رَوْضَةٍ﴾ عَلى التَّنْكِيرِ، وقالَ في الآخَرِ في العَذابِ عَلى التَّعْرِيفِ، لِتَعْظِيمِ الرَّوْضَةِ بِالتَّنْكِيرِ، كَما يُقالُ: لِفُلانٍ مالٌ وجاهٌ، أيْ كَثِيرٌ وعَظِيمٌ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ في الأوَّلِ: ﴿يُحْبَرُونَ﴾ بِصِيغَةِ الفِعْلِ ولَمْ يَقُلْ مَحْبُورُونَ، وقالَ في الآخَرِ: ﴿مُحْضَرُونَ﴾ بِصِيغَةِ الِاسْمِ ولَمْ يَقُلْ يَحْضُرُونَ؛ لِأنَّ الفِعْلَ يُنْبِئُ عَنِ التَّجَدُّدِ، والِاسْمُ لا يَدُلُّ عَلَيْهِ، فَقَوْلُهُ: ﴿يُحْبَرُونَ﴾ يَعْنِي يَأْتِيهِمْ كُلَّ ساعَةٍ أمْرٌ يُسَرُّونَ بِهِ. وأمّا الكُفّارُ فَهم إذا دَخَلُوا العَذابَ يَبْقَوْنَ فِيهِ مُحْضَرِينَ.

الروم 30:16

﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَهم في رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾ ﴿وأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا ولِقاءِ الآخِرَةِ فَأُولَئِكَ في العَذابِ مُحْضَرُونَ﴾ * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ ثُمَّ بَيَّنَ أمْرًا آخَرَ يَكُونُ في ذَلِكَ اليَوْمِ وهو الِافْتِراقُ كَما قالَ تَعالى في آيَةٍ أُخْرى: ﴿وامْتازُوا اليَوْمَ أيُّها المُجْرِمُونَ﴾ [يس: ٥٩] فَكَأنَّ هَذِهِ الحالَةَ مُتَرَتِّبَةٌ عَلى الإبْلاسِ، فَكَأنَّهُ أوَّلًا يُبْلَسُ ثُمَّ يُمَيَّزُ ويُجْعَلُ فَرِيقٌ في الجَنَّةِ وفَرِيقٌ في السَّعِيرِ، وأعادَ قَوْلَهُ: ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ﴾ لِأنَّ قِيامَ السّاعَةِ أمْرٌ هائِلٌ فَكَرَّرَهُ تَأْكِيدًا لِلتَّخْوِيفِ، ومِنهُ اعْتادَ الخُطَباءُ تَكْرِيرَ يَوْمِ القِيامَةِ في الخُطَبِ لِتَذْكِيرِ أهْوالِهِ. ثُمَّ بَيَّنَ كَيْفِيَّةَ التَّفَرُّقِ فَقالَ تَعالى: ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَهم في رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾ أيْ في جَنَّةٍ يُسَرُّونَ بِكُلِّ مَسَرَّةٍ ﴿وأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا ولِقاءِ الآخِرَةِ فَأُولَئِكَ في العَذابِ مُحْضَرُونَ﴾ . يَعْنِي لا غِيبَةَ لَهم عَنْهُ ولا فُتُورَ لَهُ عَنْهم كَما قالَ تَعالى: ﴿كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها مِن غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها﴾ [الحَجِّ: ٢٢] وقالَ: ﴿لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ﴾ [الزخرف: ٧٥] أيِ العَذابُ، وفي الآيَتَيْنِ مَسائِلُ فِيها لَطائِفُ: المَسْألَةُ الأُولى: بَدَأ بِذِكْرِ حالِ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَ أنَّ المَوْضِعَ مَوْضِعُ ذِكْرِ المُجْرِمِينَ، وذَلِكَ لِأنَّ المُؤْمِنَ يُوَصَلُ إلَيْهِ الثَّوابُ قَبْلَ أنْ يُوَصَلَ إلى الكافِرِ العِقابُ حَتّى يُرى ويُتَحَقَّقَ أنَّ المُؤْمِنَ وصَلَ إلى الثَّوابِ فَيَكُونَ أنَكى، ولَوْ أُدْخِلَ الكافِرُ النّارَ أوَّلًا لَكانَ يَظُنُّ أنَّ الكُلَّ في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ، فَقَدَّمَ ذَلِكَ زِيادَةً في إيلامِهِمْ. صفحة ٩١ المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرَ في المُؤْمِنِ العَمَلَ الصّالِحَ ولَمْ يَذْكُرْ في الكافِرِ العَمَلَ السَّيِّئَ؛ لِأنَّ العَمَلَ الصّالِحَ مُعْتَبَرٌ مَعَ الإيمانِ، فَإنَّ الإيمانَ المُجَرَّدَ مُفِيدٌ لِلنَّجاةِ دُونَ رَفْعِ الدَّرَجاتِ ولا يَبْلُغُ المُؤْمِنُ الدَّرَجَةَ العالِيَةَ إلّا بِإيمانِهِ وعَمَلِهِ الصّالِحِ، وأمّا الكافِرُ فَهو في الدَّرَكاتِ بِمُجَرَّدِ كُفْرِهِ فَلَوْ قالَ: والَّذِينَ كَفَرُوا وعَمِلُوا السَّيِّئاتِ في العَذابِ مُحْضَرُونَ، لَكانَ العَذابُ لِمَن يَصْدُرُ مِنهُ المَجْمُوعُ، فَإنْ قِيلَ فَمَن يُؤْمِنُ ويَعْمَلُ السَّيِّئاتِ غَيْرُ مَذْكُورٍ في القِسْمَيْنِ، فَنَقُولُ لَهُ مَنزِلَةٌ بَيْنَ المُنْزِلَتَيْنِ لا عَلى ما يَقُولُهُ المُعْتَزِلَةُ، بَلْ هو في الأوَّلِ في العَذابِ ولَكِنْ لَيْسَ مِنَ المُحْضَرِينَ دَوامَ الحُضُورِ، وفي الآخِرَةِ هو في الرِّياضِ ولَكِنَّهُ لَيْسَ مِنَ المَحْبُورِينَ غايَةَ الحُبُورِ كُلُّ ذَلِكَ بِحُكْمِ الوَعْدِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ في الأوَّلِ: ﴿فِي رَوْضَةٍ﴾ عَلى التَّنْكِيرِ، وقالَ في الآخَرِ في العَذابِ عَلى التَّعْرِيفِ، لِتَعْظِيمِ الرَّوْضَةِ بِالتَّنْكِيرِ، كَما يُقالُ: لِفُلانٍ مالٌ وجاهٌ، أيْ كَثِيرٌ وعَظِيمٌ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ في الأوَّلِ: ﴿يُحْبَرُونَ﴾ بِصِيغَةِ الفِعْلِ ولَمْ يَقُلْ مَحْبُورُونَ، وقالَ في الآخَرِ: ﴿مُحْضَرُونَ﴾ بِصِيغَةِ الِاسْمِ ولَمْ يَقُلْ يَحْضُرُونَ؛ لِأنَّ الفِعْلَ يُنْبِئُ عَنِ التَّجَدُّدِ، والِاسْمُ لا يَدُلُّ عَلَيْهِ، فَقَوْلُهُ: ﴿يُحْبَرُونَ﴾ يَعْنِي يَأْتِيهِمْ كُلَّ ساعَةٍ أمْرٌ يُسَرُّونَ بِهِ. وأمّا الكُفّارُ فَهم إذا دَخَلُوا العَذابَ يَبْقَوْنَ فِيهِ مُحْضَرِينَ.

الروم 30:17

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ ﴿ولَهُ الحَمْدُ في السَّماواتِ والأرْضِ وعَشِيًّا وحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ ﴿يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ ويُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ ويُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ لَمّا بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى عَظَمَتَهُ في الِابْتِداءِ بِقَوْلِهِ: ﴿ما خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلّا بِالحَقِّ﴾ وعَظَمَتَهُ في الِانْتِهاءِ، وهو حِينَ تَقُومُ السّاعَةُ ويَفْتَرِقُ النّاسُ فَرِيقَيْنِ، ويَحْكُمُ عَلى البَعْضِ بِأنَّ هَؤُلاءِ لِلْجَنَّةِ ولا أُبالِي، وهَؤُلاءِ إلى النّارِ ولا أُبالِي، أمَرَ بِتَنْزِيهِهِ عَنْ كُلِّ سُوءٍ وبِحَمْدِهِ عَلى كُلِّ حالٍ فَقالَ: ﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ﴾ أيْ سَبِّحُوا اللَّهَ تَسْبِيحًا، وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: في مَعْنى سُبْحانَ اللَّهِ ولَفْظِهِ، أمّا لَفْظُهُ فَفِعْلانِ اسْمٌ لِلْمَصْدَرِ الَّذِي هو التَّسْبِيحُ، سُمِّيَ التَّسْبِيحُ بِسُبْحانَ وجُعِلَ عَلَمًا لَهُ. وأمّا المَعْنى فَقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: المُرادُ مِنهُ الصَّلاةُ، أيْ صَلُّوا، وذَكَرُوا أنَّهُ أشارَ إلى الصَّلَواتِ الخَمْسِ، وقالَ بَعْضُهم أرادَ بِهِ التَّنْزِيهَ، أيْ نَزِّهُوهُ عَنْ صِفاتِ النَّقْصِ وصِفُوهُ بِصِفاتِ الكَمالِ، وهَذا أقْوى، والمَصِيرُ إلَيْهِ أوْلى؛ لِأنَّهُ يَتَضَمَّنُ الأوَّلَ؛ وذَلِكَ لِأنَّ التَّنْزِيهَ المَأْمُورَ بِهِ يَتَناوَلُ التَّنْزِيهَ بِالقَلْبِ، وهو الِاعْتِقادُ الجازِمُ، وبِاللِّسانِ مَعَ ذَلِكَ وهو الذِّكْرُ الحَسَنُ، وبِالأرْكانِ مَعَهُما جَمِيعًا وهو العَمَلُ الصّالِحُ، والأوَّلُ هو الأصْلُ، والثّانِي ثَمَرَةُ الأوَّلِ والثّالِثُ ثَمَرَةُ الثّانِي، وذَلِكَ لِأنَّ الإنْسانَ إذا اعْتَقَدَ شَيْئًا ظَهَرَ صفحة ٩٢ مِن قَلْبِهِ عَلى لِسانِهِ، وإذا قالَ ظَهَرَ صِدْقُهُ في مَقالِهِ مِن أحْوالِهِ وأفْعالِهِ، واللِّسانُ تَرْجُمانُ الجِنانِ، والأرْكانُ بُرْهانُ اللِّسانِ، لَكِنَّ الصَّلاةَ أفْضَلُ أعْمالِ الأرْكانِ، وهي مُشْتَمِلَةٌ عَلى الذِّكْرِ بِاللِّسانِ والقَصْدِ بِالجَنانِ، وهو تَنْزِيهٌ في التَّحْقِيقِ، فَإذا قالَ نَزِّهُونِي، وهَذا نَوْعٌ مِن أنْواعِ التَّنْزِيهِ، والأمْرُ المُطْلَقُ لا يَخْتَصُّ بِنَوْعٍ دُونَ نَوْعٍ، فَيَجِبُ حَمْلُهُ عَلى كُلِّ ما هو تَنْزِيهٌ فَيَكُونُ أيْضًا هَذا أمْرًا بِالصَّلاةِ، ثُمَّ إنَّ قَوْلَنا يُناسِبُ ما تَقَدَّمَ، وذَلِكَ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ المَقامَ الأعْلى والجَزاءَ الأوْفى لِمَن آمَنَ وعَمِلَ الصّالِحاتِ حَيْثُ قالَ: ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَهم في رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾ قالَ: إذا عَلِمْتُمْ أنَّ ذَلِكَ المَقامَ لِمَن آمَنَ وعَمِلَ الصّالِحاتِ، والإيمانُ تَنْزِيهٌ بِالجَنانِ وتَوْحِيدٌ بِاللِّسانِ، والعَمَلُ الصّالِحُ اسْتِعْمالُ الأرْكانِ والكُلُّ تَنْزِيهاتٌ وتَحْمِيداتٌ، فَسُبْحانَ اللَّهِ أيْ فَأْتُوا بِذَلِكَ الَّذِي هو المُوَصِّلُ إلى الحُبُورِ في الرِّياضِ، والحُضُورِ عَلى الحِياضِ. * * * المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: خَصَّ بَعْضَ الأوْقاتِ بِالأمْرِ بِالتَّسْبِيحِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ أفْضَلَ الأعْمالِ أدْوَمُها، لَكِنَّ أفْضَلَ المَلائِكَةِ مُلازِمُونَ لِلتَّسْبِيحِ عَلى الدَّوامِ كَما قالَ تَعالى: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ والنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٠] والإنْسانُ ما دامَ في الدُّنْيا لا يُمْكِنُهُ أنْ يَصْرِفَ جَمِيعَ أوْقاتِهِ إلى التَّسْبِيحِ، لِكَوْنِهِ مُحْتاجًا إلى أكْلٍ وشُرْبٍ وتَحْصِيلِ مَأْكُولٍ ومَشْرُوبٍ ومَلْبُوسٍ ومَرْكُوبٍ، فَأشارَ اللَّهُ تَعالى إلى أوْقاتٍ إذا أتى العَبْدُ بِتَسْبِيحِ اللَّهِ فِيها يَكُونُ كَأنَّهُ لَمْ يَفْتُرْ وهي الأوَّلُ والآخِرُ والوَسَطُ أوَّلُ النَّهارِ وآخِرُهُ ووَسَطُهُ، فَأمَرَ بِالتَّسْبِيحِ في أوَّلِ اللَّيْلِ ووَسَطِهِ، ولَمْ يَأْمُرْ بِالتَّسْبِيحِ في آخِرِ اللَّيْلِ؛ لِأنَّ النَّوْمَ فِيهِ غالِبٌ، واللَّهُ مَنَّ عَلى عِبادِهِ بِالِاسْتِراحَةِ بِالنَّوْمِ، كَما قالَ: ﴿ومِن آياتِهِ مَنامُكم بِاللَّيْلِ﴾ [الروم: ٢٣] فَإذا صَلّى في أوَّلِ النَّهارِ تَسْبِيحَتَيْنِ وهُما رَكْعَتانِ حُسِبَ لَهُ صَرْفُ ساعَتَيْنِ إلى التَّسْبِيحِ، ثُمَّ إذا صَلّى أرْبَعَ رَكَعاتٍ وقْتَ الظُّهْرِ حُسِبَ لَهُ صَرْفُ أرْبَعِ ساعاتٍ أُخَرَ فَصارَتْ سِتَّ ساعاتٍ، وإذا صَلّى أرْبَعًا في أواخِرِ النَّهارِ وهو العَصْرُ حُسِبَ لَهُ أرْبَعٌ أُخْرى فَصارَتْ عَشْرَ ساعاتٍ، فَإذا صَلّى المَغْرِبَ والعِشاءَ سَبْعَ رَكَعاتٍ أُخَرَ حَصَلَ لَهُ صَرْفُ سَبْعَ عَشْرَةَ ساعَةً إلى التَّسْبِيحِ، وبَقِيَ مِنَ اللَّيْلِ والنَّهارِ سَبْعُ ساعاتٍ وهي ما بَيْنَ نِصْفِ اللَّيْلِ وثُلُثَيْهِ؛ لِأنَّ ثُلُثَيْهِ ثَمانِ ساعاتٍ ونِصْفَهُ سِتُّ ساعاتٍ وما بَيْنَهُما السَّبْعُ، وهَذا القَدْرُ لَوْ نامَ الإنْسانُ فِيهِ لَكانَ كَثِيرًا وإلَيْهِ أشارَ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إلّا قَلِيلًا﴾ ﴿نِصْفَهُ أوِ انْقُصْ مِنهُ قَلِيلًا﴾ ﴿أوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ [المزمل: ٢ - ٤] وزِيادَةُ القَلِيلِ عَلى النِّصْفِ هي ساعَةٌ؛ فَيَصِيرُ سَبْعَ ساعاتٍ مَصْرُوفَةً إلى النَّوْمِ، والنّائِمُ مَرْفُوعٌ عَنْهُ القَلَمُ، فَيَقُولُ اللَّهُ: عَبْدِي صَرَفَ جَمِيعَ أوْقاتِ تَكْلِيفِهِ في تَسْبِيحِي فَلَمْ يَبْقَ لَكم أيُّها المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ المَزِيَّةُ الَّتِي ادَّعَيْتُمْ بِقَوْلِكم: ﴿ونَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ ونُقَدِّسُ لَكَ﴾ [البقرة: ٣٠] عَلى سَبِيلِ الِانْحِصارِ بَلْ هم مِثْلُكم، فَمَقامُهم مِثْلُ مَقامِكم في أعْلى عِلِّيِّينَ. واعْلَمْ أنَّ في وضْعِ الصَّلاةِ في أوْقاتِها وعَدَدِ رَكَعاتِها واخْتِلافِ هَيْئاتِها حِكْمَةٌ بالِغَةٌ، أمّا في عَدَدِ الرَّكَعاتِ فَما تَقَدَّمَ مِن كَوْنِ الإنْسانِ يَقْظانَ في سَبْعَ عَشْرَةَ ساعَةً فَفَرَضَ عَلَيْهِ سَبْعَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، وأمّا عَلى مَذْهَبِ أبِي حَنِيفَةَ حَيْثُ قالَ بِوُجُوبِ الوِتْرِ ثَلاثَ رَكَعاتٍ وهو أقْرَبُ لِلتَّقْوى، فَنَقُولُ هو مَأْخُوذٌ مِن أنَّ الإنْسانَ يَنْبَغِي أنْ يُقَلِّلَ نَوْمَهُ فَلا يَنامُ إلّا ثُلُثَ اللَّيْلِ مَأْخُوذًا مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أنَّكَ تَقُومُ أدْنى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ ونِصْفَهُ وثُلُثَهُ﴾ [ المُزَّمِّلِ: ٢٠] ويُفْهَمُ مِن هَذا أنَّ قِيامَ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ مُسْتَحْسَنٌ مُسْتَحَبٌّ مُؤَكَّدٌ بِاسْتِحْبابٍ ولِهَذا قالَ عَقِيبَهُ: ﴿عَلِمَ أنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتابَ عَلَيْكُمْ﴾ [المزمل: ٢٠] ذُكِرَ بِلَفْظِ التَّوْبَةِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ يَكُونُ الإنْسانُ يَقْظانَ في عِشْرِينَ ساعَةً فَأُمِرَ بِعِشْرِينَ رَكْعَةً، وأمّا النَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَلَمّا كانَ مِن شَأْنِهِ أنْ لا يَنامَ أصْلًا كَما قالَ: ”«تَنامُ عَيْنايَ ولا يَنامُ قَلْبِي» “ جُعِلَ لَهُ كُلُّ اللَّيْلِ كالنَّهارِ، فَزِيدَ لَهُ التَّهَجُّدُ فَأُمِرَ بِهِ، وإلى هَذا أشارَ تَعالى في قَوْلِهِ: ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فاسْجُدْ لَهُ وسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا﴾ [الإنسان: ٢٦] أيْ كُلُّ اللَّيْلِ لَكَ صفحة ٩٣ لِلتَّسْبِيحِ، فَصارَ هو في أرْبَعٍ وعِشْرِينَ ساعَةً مُسَبِّحًا، فَصارَ مِنَ الَّذِينَ لا يَفْتُرُونَ طَرْفَةَ عَيْنٍ، وأمّا في أوْقاتِهِ فَما تَقَدَّمَ أيْضًا أنَّ الأوَّلَ والآخِرَ والوَسَطَ هو المُعْتَبَرُ فَشَرَعَ التَّسْبِيحَ في أوَّلِ النَّهارِ وآخِرِهِ، وأمّا اللَّيْلُ فاعْتَبَرَ أوَّلَهَ ووَسَطَهُ كَما اعْتَبَرَ أوَّلَ النَّهارِ ووَسَطَهُ، وذَلِكَ لِأنَّ الظُّهْرَ وقْتُهُ نِصْفُ النَّهارِ والعِشاءَ وقْتُهُ نِصْفُ اللَّيْلِ؛ لِأنّا بَيَّنّا أنَّ اللَّيْلَ المُعْتَبَرَ هو المِقْدارُ الَّذِي يَكُونُ الإنْسانُ فِيهِ يَقْظانَ وهو مِقْدارُ خَمْسِ ساعاتٍ فَجُعِلَ وقْتُهُ في نِصْفِ هَذا القَدْرِ وهو الثَّلاثَةُ مِنَ اللَّيْلِ، وأمّا أبُو حَنِيفَةَ لَمّا رَأى وُجُوبَ الوِتْرِ كانَ زَمانُ النَّوْمِ عِنْدَهُ أرْبَعَ ساعاتٍ وزَمانُ اليَقَظَةِ بِاللَّيْلِ ثَمانِ ساعاتٍ وأخَّرَ وقْتَ العِشاءِ الآخِرَةِ إلى الرّابِعَةِ والخامِسَةِ، لِيَكُونَ في وسَطِ اللَّيْلِ المُعْتَبَرِ، كَما أنَّ الظُّهْرَ في وسَطِ النَّهارِ، وأمّا النَّبِيُّ ﷺ لَمّا كانَ لَيْلُهُ نَهارًا ونَوْمُهُ انْتِباهًا قالَ: ”«لَوْلا أنْ أشُقَّ عَلى أُمَّتِي لَأمَرْتُهم بِالسِّواكِ وتَأْخِيرِ العِشاءِ إلى نِصْفِ اللَّيْلِ» “ لِيَكُونَ الأرْبَعُ في نِصْفِ اللَّيْلِ كَما أنَّ الأرْبَعَ في نِصْفِ النَّهارِ، وأمّا التَّفْصِيلُ فالَّذِي يَتَبَيَّنُ لِي أنَّ النَّهارَ اثْنَتا عَشْرَةَ ساعَةً زَمانِيَّةً، والصَّلاةُ المُؤَدّاةُ فِيها عَشْرُ رَكَعاتٍ فَيَبْقى عَلى المُكَلَّفِ رَكْعَتانِ يُؤَدِّيهِما في أوَّلِ اللَّيْلِ ويُؤَدِّي رَكْعَةً مِن صَلاةِ اللَّيْلِ؛ لِيَكُونَ ابْتِداءُ اللَّيْلِ بِالتَّسْبِيحِ كَما كانَ ابْتِداءُ النَّهارِ بِالتَّسْبِيحِ، ولَمّا كانَ المُؤَدّى مِن تَسْبِيحِ النَّهارِ في أوَّلِهِ رَكْعَتَيْنِ كانَ المُؤَدّى مِن تَسْبِيحِ اللَّيْلِ في أوَّلِهِ رَكْعَةً؛ لِأنَّ سَبْحَ النَّهارِ طَوِيلٌ مِثْلُ ضِعْفِ سَبْحِ اللَّيْلِ؛ لِأنَّ المُؤَدّى في النَّهارِ عَشَرَةٌ والمُؤَدّى في اللَّيْلِ مِن تَسْبِيحِ اللَّيْلِ خَمْسٌ. ا * * * المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في فَضِيلَةِ السَّبْحَلَةِ والحَمْدَلَةِ في المَساءِ والصَّباحِ، ولْنَذْكُرْها مِن حَيْثُ النَّقْلُ والعَقْلُ، أمّا النَّقْلُ فَأخْبَرَنِي الشَّيْخُ الوَرِعُ الحافِظُ الأُسْتاذُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُلْوانَ بِحَلَبَ مُسْنَدًا «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ لِبَعْضِ أصْحابِهِ: ”أتَعْجِزُ عَنْ أنْ تَأْتِيَ وقْتَ النَّوْمِ بِألْفِ حَسَنَةٍ ؟ فَتَوَقَّفَ، فَقالَ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: قُلْ سُبْحانَ اللَّهِ والحَمْدُ لِلَّهِ واللَّهُ أكْبَرُ مِائَةَ مَرَّةٍ يُكْتَبُ لَكَ بِها ألْفُ حَسَنَةٍ“» وسَمِعْتُهُ يَقُولُ رَحِمَهُ اللَّهُ مُسْنَدًا ”«مَن قالَ خَلْفَ كُلِّ صَلاةٍ مَكْتُوبَةٍ عَشْرَ مَرّاتٍ سُبْحانَ اللَّهِ وعَشْرَ مَرّاتٍ اللَّهُ أكْبَرُ أُدْخِلَ الجَنَّةَ» “ وأمّا العَقْلُ فَهو أنَّ اللَّهَ تَعالى لَهُ صِفاتٌ لازِمَةٌ لا مِن فِعْلِهِ وصِفاتٌ ثابِتَةٌ لَهُ مِن فِعْلِهِ، أمّا الأُولى فَهي صِفاتُ كَمالٍ وجَلالٍ خِلافُها نَقْصٌ، فَإذا أدْرَكَ المُكَلَّفُ اللَّهَ بِأنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ لِكَوْنِهِ عالِمًا بِكُلِّ شَيْءٍ؛ فَقَدْ نَزَّهَهُ عَنِ الجَهْلِ ووَصَفَهُ بِضِدِّهِ، وإذا عَرَفَهُ بِأنَّهُ لا يَعْجِزُ عَنْ شَيْءٍ لِكَوْنِهِ قادِرًا عَلى كُلِّ شَيْءٍ فَقَدْ نَزَّهَهُ عَنِ العَجْزِ، وإذا عَلِمَ أنَّهُ لا يَجْرِي في مِلْكِهِ إلّا ما يَشاءُ لِكَوْنِهِ مُرِيدًا لِكُلِّ كائِنٍ فَقَدْ وصَفَهُ ونَزَّهَهُ، وإذا ظَهَرَ لَهُ أنَّهُ لا يَجُوزُ عَلَيْهِ الفَناءُ لِكَوْنِهِ واجِبَ البَقاءِ فَقَدْ نَزَّهَهُ، وإذا بانَ لَهُ أنَّهُ لا يَسْبِقُهُ العَدَمُ لِاتِّصافِهِ بِالقِدَمِ فَقَدْ نَزَّهَهُ، وإذا لاحَ لَهُ أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَرَضًا أوْ جِسْمًا في مَكانٍ لِكَوْنِهِ واجِبًا بَرِيئًا عَنْ جِهاتِ الإمْكانِ فَقَدْ نَزَّهَهُ. لَكِنَّ صِفاتِهِ السَّلْبِيَّةَ والإضافِيَّةَ لا يَعُدُّها عادٌّ ولَوِ اشْتَغَلَ بِها واحِدٌ لَأفْنى فِيها عُمُرَهُ ولا يُدْرِكُ كُنْهَها. فَإذا قالَ قائِلٌ مُسْتَحْضِرًا بِقَلْبِهِ سُبْحانَ اللَّهِ مُتَنَبِّهًا لِما يَقُولُهُ مِن كَوْنِهِ مُنَزِّهًا لَهُ عَنْ كُلِّ نَقْصٍ فَإتْيانُهُ بِالتَّسْبِيحِ عَلى هَذا الوَجْهِ مِنَ الإجْمالِ يَقُومُ مَقامَ إتْيانِهِ بِهِ عَلى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ، لَكِنْ لا رَيْبَ في أنَّ مَن أتى بِالتَّسْبِيحِ عَنْ كُلِّ واحِدٍ عَلى حِدَةٍ مِمّا لا يَجُوزُ عَلى اللَّهِ يَكُونُ قَدْ أتى بِما لا تَفِي بِهِ الأعْمارُ، فَيَقُولُ: هَذا العَبْدُ أتى بِتَسْبِيحِي طُولَ عُمُرِهِ ومُدَّةَ بَقائِهِ فَأُجازِيهِ بِأنْ أُطَهِّرَهُ عَنْ كُلِّ ذَنْبٍ وأُزَيِّنَهُ بِخُلَعِ الكَرامَةِ وأُنْزِلَهُ بِدارِ المُقامَةِ مُدَّةً لا انْتِهاءَ لَها، وكَما أنَّ العَبْدَ يُنَزِّهُ اللَّهَ في أوَّلِ النَّهارِ وآخِرِهِ ووَسَطِهِ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى يُطَهِّرُهُ في أوَّلِهِ وهو دُنْياهُ وفي آخِرِهِ وهو عُقْباهُ وفي وسَطِهِ، وهو حالَةُ كَوْنِهِ في قَبْرِهِ الَّذِي يَحْوِيهِ إلى أوانِ حَشْرِهِ وهو مَغْناهُ. وأمّا الثّانِيَةُ: وهو صِفاتُ الفِعْلِ، فالإنْسانُ إذا نَظَرَ إلى خَلْقِ اللَّهِ السَّماواتِ يَعْلَمُ أنَّها نِعْمَةٌ وكَرامَةٌ فَيَقُولُ الحَمْدُ لِلَّهِ، فَإذا رَأى الشَّمْسَ فِيها بازِغَةً فَيَعْلَمُ أنَّها نِعْمَةٌ وكَرامَةٌ صفحة ٩٤ فَيَقُولُ الحَمْدُ لِلَّهِ، وكَذَلِكَ القَمَرُ وكُلُّ كَوْكَبٍ والأرْضُ وكُلُّ نَباتٍ وكُلُّ حَيَوانٍ يَقُولُ الحَمْدُ لِلَّهِ، لَكِنَّ الإنْسانَ لَوْ حَمِدَ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ عَلى حِدَةٍ لا يَفِي عُمُرُهُ بِهِ، فَإذا اسْتَحْضَرَ في ذِهْنِهِ النِّعَمَ الَّتِي لا تُعَدُّ كَما قالَ تَعالى: ﴿وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها﴾ [إبراهيم: ٣٤] ويَقُولُ الحَمْدُ لِلَّهِ عَلى ذَلِكَ فَهَذا الحَمْدُ عَلى وجْهِ الإجْمالِ يَقُومُ مِنهُ مَقامَ الحَمْدِ عَلى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ، ويَقُولُ: عَبْدِي اسْتَغْرَقَ عُمُرَهُ في حَمْدِي وأنا وعَدْتُ الشّاكِرَ بِالزِّيادَةِ فَلَهُ عَلى حَسَنَةِ التَّسْبِيحِ الحُسْنى، ولَهُ عَلى حَمْدِهِ الزِّيادَةُ، ثُمَّ إنَّ الإنْسانَ إذا اسْتَغْرَقَ في صِفاتِ اللَّهِ قَدْ يَدْعُوهُ عَقْلُهُ إلى التَّفَكُّرِ في اللَّهِ تَعالى بَعْدَ التَّفَكُّرِ في آلاءِ اللَّهِ، فَكُلُّ ما يَقَعُ في عَقْلِهِ مِن حَقِيقَتِهِ فَيَنْبَغِي أنْ يَقُولَ اللَّهُ أكْبَرُ مِمّا أُدْرِكُهُ؛ لِأنَّ المُدْرَكاتِ وجِهاتِ الإدْراكاتِ لا نِهايَةَ لَها، فَإنْ أرادَ أنْ يَقُولَ عَلى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ: اللَّهُ أكْبَرُ مِن هَذا الَّذِي أدْرَكْتُهُ مِن هَذا الوَجْهِ وأكْبَرُ مِمّا أدْرَكْتُهُ مِن ذَلِكَ الوَجْهِ وأكْبَرُ مِمّا أدْرَكْتُهُ مِن وجْهٍ آخَرَ يَفْنى عُمُرُهُ، ولا يَفِي بِإدْراكِ جَمِيعِ الوُجُوهِ الَّتِي يَظُنُّ الظّانُّ أنَّهُ مُدْرِكٌ لِلَّهِ بِذَلِكَ الوَجْهِ، فَإذا قالَ مَعَ نَفْسِهِ اللَّهُ أكْبَرُ أيْ مِن كُلِّ ما أتَصَوَّرُهُ بِقُوَّةِ عَقْلِي وطاقَةِ إدْراكِي يَكُونُ مُتَوَغِّلًا في العِرْفانِ وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: العَجْزُ عَنْ دَرْكِ الإدْراكِ إدْراكٌ فَقَوْلُ القائِلِ المُسْتَيْقِظِ: ”سُبْحانَ اللَّهِ والحَمْدُ لِلَّهِ واللَّهُ أكْبَرُ“ مُفِيدٌ لِهَذِهِ الفَوائِدِ، لَكِنَّ شَرْطَهُ أنْ يَكُونَ كَلامًا مُعْتَبَرًا وهو الَّذِي يَكُونُ مِن صَمِيمِ القَلْبِ لا الَّذِي يَكُونُ مِن طَرَفِ اللِّسانِ. * * * المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وعَشِيًّا﴾ عَطْفٌ عَلى ”حِينٍ“ أيْ سَبِّحُوهُ حِينَ تُمْسُونَ وحِينَ تُصْبِحُونَ وعَشِيًّا، وقَوْلُهُ: ﴿ولَهُ الحَمْدُ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ كَلامٌ مُعْتَرِضٌ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ وفِيهِ لَطِيفَةٌ، وهو أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا أمَرَ العِبادَ بِالتَّسْبِيحِ كَأنَّهُ بَيَّنَ لَهم أنَّ تَسْبِيحَهُمُ اللَّهَ لِنَفْعِهِمْ لا لِنَفْعٍ يَعُودُ عَلى اللَّهِ، فَعَلَيْهِمْ أنْ يَحْمَدُوا اللَّهَ إذا سَبَّحُوهُ، وهَذا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أنْ أسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إسْلامَكم بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكم أنْ هَداكم لِلْإيمانِ﴾ [الحجرات: ١٧] . المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قَدَّمَ الإمْساءَ عَلى الإصْباحِ هَهُنا وأخَّرَهُ في قَوْلِهِ: ﴿وسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وأصِيلًا﴾ [الأحْزابِ: ٤٢] وذَلِكَ لِأنَّ –هَهُنا- أوَّلَ الكَلامِ ذِكْرُ الحَشْرِ والإعادَةِ مِن قَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَأُولَئِكَ في العَذابِ مُحْضَرُونَ﴾ وآخِرَ هَذِهِ الآيَةِ أيْضًا ذِكْرُ الحَشْرِ والإعادَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ والإمْساءُ آخِرٌ فَذَكَرَ الآخِرَ لِيَذْكُرَ الآخِرَةَ. المَسْألَةُ السّادِسَةُ: في تَعَلُّقِ إخْراجِ الحَيِّ مِنَ المَيِّتِ والمَيِّتِ مِنَ الحَيِّ بِما تَقَدَّمَ عَلَيْهِ هو أنَّ عِنْدَ الإصْباحِ يَخْرُجُ الإنْسانُ مِن شِبْهِ المَوْتِ، وهو النَّوْمُ إلى شِبْهِ الوُجُودِ وهو اليَقَظَةُ، وعِنْدَ العِشاءِ يَخْرُجُ الإنْسانُ مِنَ اليَقَظَةِ إلى النَّوْمِ، واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في قَوْلِهِ: ﴿يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ﴾ فَقالَ أكْثَرُهم: يُخْرِجُ الدَّجاجَةَ مِنَ البَيْضَةِ والبَيْضَةَ مِنَ الدَّجاجَةِ، وكَذَلِكَ الحَيَوانُ مِنَ النُّطْفَةِ والنُّطْفَةُ مِنَ الحَيَوانِ، وقالَ بَعْضُهم: المُؤْمِنُ مِنَ الكافِرِ والكافِرُ مِنَ المُؤْمِنِ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: المُرادُ: ﴿يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ﴾ أيِ اليَقْظانَ مِنَ النّائِمِ والنّائِمَ مِنَ اليَقْظانِ، وهَذا يَكُونُ قَدْ ذَكَرَهُ لِلتَّمْثِيلِ أيْ إحْياءُ المَيِّتِ عِنْدَهُ، وإماتَةُ الحَيِّ كَتَنْبِيهِ النّائِمِ وتَنْوِيمِ المُنْتَبِهِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ويُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ وفي هَذا مَعْنًى لَطِيفٌ وهو أنَّ الإنْسانَ بِالمَوْتِ تَبْطُلُ حَيَوانِيَّتُهُ، وأمّا نَفْسُهُ النّاطِقَةُ فَتُفارِقُهُ وتَبْقى بَعْدَهُ كَما قالَ تَعالى: ﴿ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتًا﴾ صفحة ٩٥ [آل عمران: ١٦٩] لَكِنَّ الحَيَوانَ نامٍ مُتَحَرِّكٌ حَسّاسٌ، لَكِنَّ النّائِمَ لا يَتَحَرَّكُ ولا يَحُسُّ والأرْضُ المَيْتَةُ لا يَكُونُ فِيها نَماءٌ، ثُمَّ إنَّ النّائِمَ بِالِانْتِباهِ يَتَحَرَّكُ ويَحُسُّ، والأرْضُ المَيْتَةُ بَعْدَ مَوْتِها تَنْمُو بِنَباتِها فَكَما أنَّ تَحْرِيكَ ذَلِكَ السّاكِنِ وإنْماءَ هَذا الواقِفِ سَهْلٌ عَلى اللَّهِ تَعالى كَذَلِكَ إحْياءُ المَيِّتِ سَهْلٌ عَلَيْهِ، وإلى هَذا أشارَ بِقَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ .

الروم 30:18

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ ﴿ولَهُ الحَمْدُ في السَّماواتِ والأرْضِ وعَشِيًّا وحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ ﴿يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ ويُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ ويُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ لَمّا بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى عَظَمَتَهُ في الِابْتِداءِ بِقَوْلِهِ: ﴿ما خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلّا بِالحَقِّ﴾ وعَظَمَتَهُ في الِانْتِهاءِ، وهو حِينَ تَقُومُ السّاعَةُ ويَفْتَرِقُ النّاسُ فَرِيقَيْنِ، ويَحْكُمُ عَلى البَعْضِ بِأنَّ هَؤُلاءِ لِلْجَنَّةِ ولا أُبالِي، وهَؤُلاءِ إلى النّارِ ولا أُبالِي، أمَرَ بِتَنْزِيهِهِ عَنْ كُلِّ سُوءٍ وبِحَمْدِهِ عَلى كُلِّ حالٍ فَقالَ: ﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ﴾ أيْ سَبِّحُوا اللَّهَ تَسْبِيحًا، وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: في مَعْنى سُبْحانَ اللَّهِ ولَفْظِهِ، أمّا لَفْظُهُ فَفِعْلانِ اسْمٌ لِلْمَصْدَرِ الَّذِي هو التَّسْبِيحُ، سُمِّيَ التَّسْبِيحُ بِسُبْحانَ وجُعِلَ عَلَمًا لَهُ. وأمّا المَعْنى فَقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: المُرادُ مِنهُ الصَّلاةُ، أيْ صَلُّوا، وذَكَرُوا أنَّهُ أشارَ إلى الصَّلَواتِ الخَمْسِ، وقالَ بَعْضُهم أرادَ بِهِ التَّنْزِيهَ، أيْ نَزِّهُوهُ عَنْ صِفاتِ النَّقْصِ وصِفُوهُ بِصِفاتِ الكَمالِ، وهَذا أقْوى، والمَصِيرُ إلَيْهِ أوْلى؛ لِأنَّهُ يَتَضَمَّنُ الأوَّلَ؛ وذَلِكَ لِأنَّ التَّنْزِيهَ المَأْمُورَ بِهِ يَتَناوَلُ التَّنْزِيهَ بِالقَلْبِ، وهو الِاعْتِقادُ الجازِمُ، وبِاللِّسانِ مَعَ ذَلِكَ وهو الذِّكْرُ الحَسَنُ، وبِالأرْكانِ مَعَهُما جَمِيعًا وهو العَمَلُ الصّالِحُ، والأوَّلُ هو الأصْلُ، والثّانِي ثَمَرَةُ الأوَّلِ والثّالِثُ ثَمَرَةُ الثّانِي، وذَلِكَ لِأنَّ الإنْسانَ إذا اعْتَقَدَ شَيْئًا ظَهَرَ صفحة ٩٢ مِن قَلْبِهِ عَلى لِسانِهِ، وإذا قالَ ظَهَرَ صِدْقُهُ في مَقالِهِ مِن أحْوالِهِ وأفْعالِهِ، واللِّسانُ تَرْجُمانُ الجِنانِ، والأرْكانُ بُرْهانُ اللِّسانِ، لَكِنَّ الصَّلاةَ أفْضَلُ أعْمالِ الأرْكانِ، وهي مُشْتَمِلَةٌ عَلى الذِّكْرِ بِاللِّسانِ والقَصْدِ بِالجَنانِ، وهو تَنْزِيهٌ في التَّحْقِيقِ، فَإذا قالَ نَزِّهُونِي، وهَذا نَوْعٌ مِن أنْواعِ التَّنْزِيهِ، والأمْرُ المُطْلَقُ لا يَخْتَصُّ بِنَوْعٍ دُونَ نَوْعٍ، فَيَجِبُ حَمْلُهُ عَلى كُلِّ ما هو تَنْزِيهٌ فَيَكُونُ أيْضًا هَذا أمْرًا بِالصَّلاةِ، ثُمَّ إنَّ قَوْلَنا يُناسِبُ ما تَقَدَّمَ، وذَلِكَ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ المَقامَ الأعْلى والجَزاءَ الأوْفى لِمَن آمَنَ وعَمِلَ الصّالِحاتِ حَيْثُ قالَ: ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَهم في رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾ قالَ: إذا عَلِمْتُمْ أنَّ ذَلِكَ المَقامَ لِمَن آمَنَ وعَمِلَ الصّالِحاتِ، والإيمانُ تَنْزِيهٌ بِالجَنانِ وتَوْحِيدٌ بِاللِّسانِ، والعَمَلُ الصّالِحُ اسْتِعْمالُ الأرْكانِ والكُلُّ تَنْزِيهاتٌ وتَحْمِيداتٌ، فَسُبْحانَ اللَّهِ أيْ فَأْتُوا بِذَلِكَ الَّذِي هو المُوَصِّلُ إلى الحُبُورِ في الرِّياضِ، والحُضُورِ عَلى الحِياضِ. * * * المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: خَصَّ بَعْضَ الأوْقاتِ بِالأمْرِ بِالتَّسْبِيحِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ أفْضَلَ الأعْمالِ أدْوَمُها، لَكِنَّ أفْضَلَ المَلائِكَةِ مُلازِمُونَ لِلتَّسْبِيحِ عَلى الدَّوامِ كَما قالَ تَعالى: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ والنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٠] والإنْسانُ ما دامَ في الدُّنْيا لا يُمْكِنُهُ أنْ يَصْرِفَ جَمِيعَ أوْقاتِهِ إلى التَّسْبِيحِ، لِكَوْنِهِ مُحْتاجًا إلى أكْلٍ وشُرْبٍ وتَحْصِيلِ مَأْكُولٍ ومَشْرُوبٍ ومَلْبُوسٍ ومَرْكُوبٍ، فَأشارَ اللَّهُ تَعالى إلى أوْقاتٍ إذا أتى العَبْدُ بِتَسْبِيحِ اللَّهِ فِيها يَكُونُ كَأنَّهُ لَمْ يَفْتُرْ وهي الأوَّلُ والآخِرُ والوَسَطُ أوَّلُ النَّهارِ وآخِرُهُ ووَسَطُهُ، فَأمَرَ بِالتَّسْبِيحِ في أوَّلِ اللَّيْلِ ووَسَطِهِ، ولَمْ يَأْمُرْ بِالتَّسْبِيحِ في آخِرِ اللَّيْلِ؛ لِأنَّ النَّوْمَ فِيهِ غالِبٌ، واللَّهُ مَنَّ عَلى عِبادِهِ بِالِاسْتِراحَةِ بِالنَّوْمِ، كَما قالَ: ﴿ومِن آياتِهِ مَنامُكم بِاللَّيْلِ﴾ [الروم: ٢٣] فَإذا صَلّى في أوَّلِ النَّهارِ تَسْبِيحَتَيْنِ وهُما رَكْعَتانِ حُسِبَ لَهُ صَرْفُ ساعَتَيْنِ إلى التَّسْبِيحِ، ثُمَّ إذا صَلّى أرْبَعَ رَكَعاتٍ وقْتَ الظُّهْرِ حُسِبَ لَهُ صَرْفُ أرْبَعِ ساعاتٍ أُخَرَ فَصارَتْ سِتَّ ساعاتٍ، وإذا صَلّى أرْبَعًا في أواخِرِ النَّهارِ وهو العَصْرُ حُسِبَ لَهُ أرْبَعٌ أُخْرى فَصارَتْ عَشْرَ ساعاتٍ، فَإذا صَلّى المَغْرِبَ والعِشاءَ سَبْعَ رَكَعاتٍ أُخَرَ حَصَلَ لَهُ صَرْفُ سَبْعَ عَشْرَةَ ساعَةً إلى التَّسْبِيحِ، وبَقِيَ مِنَ اللَّيْلِ والنَّهارِ سَبْعُ ساعاتٍ وهي ما بَيْنَ نِصْفِ اللَّيْلِ وثُلُثَيْهِ؛ لِأنَّ ثُلُثَيْهِ ثَمانِ ساعاتٍ ونِصْفَهُ سِتُّ ساعاتٍ وما بَيْنَهُما السَّبْعُ، وهَذا القَدْرُ لَوْ نامَ الإنْسانُ فِيهِ لَكانَ كَثِيرًا وإلَيْهِ أشارَ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إلّا قَلِيلًا﴾ ﴿نِصْفَهُ أوِ انْقُصْ مِنهُ قَلِيلًا﴾ ﴿أوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ [المزمل: ٢ - ٤] وزِيادَةُ القَلِيلِ عَلى النِّصْفِ هي ساعَةٌ؛ فَيَصِيرُ سَبْعَ ساعاتٍ مَصْرُوفَةً إلى النَّوْمِ، والنّائِمُ مَرْفُوعٌ عَنْهُ القَلَمُ، فَيَقُولُ اللَّهُ: عَبْدِي صَرَفَ جَمِيعَ أوْقاتِ تَكْلِيفِهِ في تَسْبِيحِي فَلَمْ يَبْقَ لَكم أيُّها المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ المَزِيَّةُ الَّتِي ادَّعَيْتُمْ بِقَوْلِكم: ﴿ونَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ ونُقَدِّسُ لَكَ﴾ [البقرة: ٣٠] عَلى سَبِيلِ الِانْحِصارِ بَلْ هم مِثْلُكم، فَمَقامُهم مِثْلُ مَقامِكم في أعْلى عِلِّيِّينَ. واعْلَمْ أنَّ في وضْعِ الصَّلاةِ في أوْقاتِها وعَدَدِ رَكَعاتِها واخْتِلافِ هَيْئاتِها حِكْمَةٌ بالِغَةٌ، أمّا في عَدَدِ الرَّكَعاتِ فَما تَقَدَّمَ مِن كَوْنِ الإنْسانِ يَقْظانَ في سَبْعَ عَشْرَةَ ساعَةً فَفَرَضَ عَلَيْهِ سَبْعَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، وأمّا عَلى مَذْهَبِ أبِي حَنِيفَةَ حَيْثُ قالَ بِوُجُوبِ الوِتْرِ ثَلاثَ رَكَعاتٍ وهو أقْرَبُ لِلتَّقْوى، فَنَقُولُ هو مَأْخُوذٌ مِن أنَّ الإنْسانَ يَنْبَغِي أنْ يُقَلِّلَ نَوْمَهُ فَلا يَنامُ إلّا ثُلُثَ اللَّيْلِ مَأْخُوذًا مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أنَّكَ تَقُومُ أدْنى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ ونِصْفَهُ وثُلُثَهُ﴾ [ المُزَّمِّلِ: ٢٠] ويُفْهَمُ مِن هَذا أنَّ قِيامَ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ مُسْتَحْسَنٌ مُسْتَحَبٌّ مُؤَكَّدٌ بِاسْتِحْبابٍ ولِهَذا قالَ عَقِيبَهُ: ﴿عَلِمَ أنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتابَ عَلَيْكُمْ﴾ [المزمل: ٢٠] ذُكِرَ بِلَفْظِ التَّوْبَةِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ يَكُونُ الإنْسانُ يَقْظانَ في عِشْرِينَ ساعَةً فَأُمِرَ بِعِشْرِينَ رَكْعَةً، وأمّا النَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَلَمّا كانَ مِن شَأْنِهِ أنْ لا يَنامَ أصْلًا كَما قالَ: ”«تَنامُ عَيْنايَ ولا يَنامُ قَلْبِي» “ جُعِلَ لَهُ كُلُّ اللَّيْلِ كالنَّهارِ، فَزِيدَ لَهُ التَّهَجُّدُ فَأُمِرَ بِهِ، وإلى هَذا أشارَ تَعالى في قَوْلِهِ: ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فاسْجُدْ لَهُ وسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا﴾ [الإنسان: ٢٦] أيْ كُلُّ اللَّيْلِ لَكَ صفحة ٩٣ لِلتَّسْبِيحِ، فَصارَ هو في أرْبَعٍ وعِشْرِينَ ساعَةً مُسَبِّحًا، فَصارَ مِنَ الَّذِينَ لا يَفْتُرُونَ طَرْفَةَ عَيْنٍ، وأمّا في أوْقاتِهِ فَما تَقَدَّمَ أيْضًا أنَّ الأوَّلَ والآخِرَ والوَسَطَ هو المُعْتَبَرُ فَشَرَعَ التَّسْبِيحَ في أوَّلِ النَّهارِ وآخِرِهِ، وأمّا اللَّيْلُ فاعْتَبَرَ أوَّلَهَ ووَسَطَهُ كَما اعْتَبَرَ أوَّلَ النَّهارِ ووَسَطَهُ، وذَلِكَ لِأنَّ الظُّهْرَ وقْتُهُ نِصْفُ النَّهارِ والعِشاءَ وقْتُهُ نِصْفُ اللَّيْلِ؛ لِأنّا بَيَّنّا أنَّ اللَّيْلَ المُعْتَبَرَ هو المِقْدارُ الَّذِي يَكُونُ الإنْسانُ فِيهِ يَقْظانَ وهو مِقْدارُ خَمْسِ ساعاتٍ فَجُعِلَ وقْتُهُ في نِصْفِ هَذا القَدْرِ وهو الثَّلاثَةُ مِنَ اللَّيْلِ، وأمّا أبُو حَنِيفَةَ لَمّا رَأى وُجُوبَ الوِتْرِ كانَ زَمانُ النَّوْمِ عِنْدَهُ أرْبَعَ ساعاتٍ وزَمانُ اليَقَظَةِ بِاللَّيْلِ ثَمانِ ساعاتٍ وأخَّرَ وقْتَ العِشاءِ الآخِرَةِ إلى الرّابِعَةِ والخامِسَةِ، لِيَكُونَ في وسَطِ اللَّيْلِ المُعْتَبَرِ، كَما أنَّ الظُّهْرَ في وسَطِ النَّهارِ، وأمّا النَّبِيُّ ﷺ لَمّا كانَ لَيْلُهُ نَهارًا ونَوْمُهُ انْتِباهًا قالَ: ”«لَوْلا أنْ أشُقَّ عَلى أُمَّتِي لَأمَرْتُهم بِالسِّواكِ وتَأْخِيرِ العِشاءِ إلى نِصْفِ اللَّيْلِ» “ لِيَكُونَ الأرْبَعُ في نِصْفِ اللَّيْلِ كَما أنَّ الأرْبَعَ في نِصْفِ النَّهارِ، وأمّا التَّفْصِيلُ فالَّذِي يَتَبَيَّنُ لِي أنَّ النَّهارَ اثْنَتا عَشْرَةَ ساعَةً زَمانِيَّةً، والصَّلاةُ المُؤَدّاةُ فِيها عَشْرُ رَكَعاتٍ فَيَبْقى عَلى المُكَلَّفِ رَكْعَتانِ يُؤَدِّيهِما في أوَّلِ اللَّيْلِ ويُؤَدِّي رَكْعَةً مِن صَلاةِ اللَّيْلِ؛ لِيَكُونَ ابْتِداءُ اللَّيْلِ بِالتَّسْبِيحِ كَما كانَ ابْتِداءُ النَّهارِ بِالتَّسْبِيحِ، ولَمّا كانَ المُؤَدّى مِن تَسْبِيحِ النَّهارِ في أوَّلِهِ رَكْعَتَيْنِ كانَ المُؤَدّى مِن تَسْبِيحِ اللَّيْلِ في أوَّلِهِ رَكْعَةً؛ لِأنَّ سَبْحَ النَّهارِ طَوِيلٌ مِثْلُ ضِعْفِ سَبْحِ اللَّيْلِ؛ لِأنَّ المُؤَدّى في النَّهارِ عَشَرَةٌ والمُؤَدّى في اللَّيْلِ مِن تَسْبِيحِ اللَّيْلِ خَمْسٌ. ا * * * المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في فَضِيلَةِ السَّبْحَلَةِ والحَمْدَلَةِ في المَساءِ والصَّباحِ، ولْنَذْكُرْها مِن حَيْثُ النَّقْلُ والعَقْلُ، أمّا النَّقْلُ فَأخْبَرَنِي الشَّيْخُ الوَرِعُ الحافِظُ الأُسْتاذُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُلْوانَ بِحَلَبَ مُسْنَدًا «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ لِبَعْضِ أصْحابِهِ: ”أتَعْجِزُ عَنْ أنْ تَأْتِيَ وقْتَ النَّوْمِ بِألْفِ حَسَنَةٍ ؟ فَتَوَقَّفَ، فَقالَ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: قُلْ سُبْحانَ اللَّهِ والحَمْدُ لِلَّهِ واللَّهُ أكْبَرُ مِائَةَ مَرَّةٍ يُكْتَبُ لَكَ بِها ألْفُ حَسَنَةٍ“» وسَمِعْتُهُ يَقُولُ رَحِمَهُ اللَّهُ مُسْنَدًا ”«مَن قالَ خَلْفَ كُلِّ صَلاةٍ مَكْتُوبَةٍ عَشْرَ مَرّاتٍ سُبْحانَ اللَّهِ وعَشْرَ مَرّاتٍ اللَّهُ أكْبَرُ أُدْخِلَ الجَنَّةَ» “ وأمّا العَقْلُ فَهو أنَّ اللَّهَ تَعالى لَهُ صِفاتٌ لازِمَةٌ لا مِن فِعْلِهِ وصِفاتٌ ثابِتَةٌ لَهُ مِن فِعْلِهِ، أمّا الأُولى فَهي صِفاتُ كَمالٍ وجَلالٍ خِلافُها نَقْصٌ، فَإذا أدْرَكَ المُكَلَّفُ اللَّهَ بِأنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ لِكَوْنِهِ عالِمًا بِكُلِّ شَيْءٍ؛ فَقَدْ نَزَّهَهُ عَنِ الجَهْلِ ووَصَفَهُ بِضِدِّهِ، وإذا عَرَفَهُ بِأنَّهُ لا يَعْجِزُ عَنْ شَيْءٍ لِكَوْنِهِ قادِرًا عَلى كُلِّ شَيْءٍ فَقَدْ نَزَّهَهُ عَنِ العَجْزِ، وإذا عَلِمَ أنَّهُ لا يَجْرِي في مِلْكِهِ إلّا ما يَشاءُ لِكَوْنِهِ مُرِيدًا لِكُلِّ كائِنٍ فَقَدْ وصَفَهُ ونَزَّهَهُ، وإذا ظَهَرَ لَهُ أنَّهُ لا يَجُوزُ عَلَيْهِ الفَناءُ لِكَوْنِهِ واجِبَ البَقاءِ فَقَدْ نَزَّهَهُ، وإذا بانَ لَهُ أنَّهُ لا يَسْبِقُهُ العَدَمُ لِاتِّصافِهِ بِالقِدَمِ فَقَدْ نَزَّهَهُ، وإذا لاحَ لَهُ أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَرَضًا أوْ جِسْمًا في مَكانٍ لِكَوْنِهِ واجِبًا بَرِيئًا عَنْ جِهاتِ الإمْكانِ فَقَدْ نَزَّهَهُ. لَكِنَّ صِفاتِهِ السَّلْبِيَّةَ والإضافِيَّةَ لا يَعُدُّها عادٌّ ولَوِ اشْتَغَلَ بِها واحِدٌ لَأفْنى فِيها عُمُرَهُ ولا يُدْرِكُ كُنْهَها. فَإذا قالَ قائِلٌ مُسْتَحْضِرًا بِقَلْبِهِ سُبْحانَ اللَّهِ مُتَنَبِّهًا لِما يَقُولُهُ مِن كَوْنِهِ مُنَزِّهًا لَهُ عَنْ كُلِّ نَقْصٍ فَإتْيانُهُ بِالتَّسْبِيحِ عَلى هَذا الوَجْهِ مِنَ الإجْمالِ يَقُومُ مَقامَ إتْيانِهِ بِهِ عَلى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ، لَكِنْ لا رَيْبَ في أنَّ مَن أتى بِالتَّسْبِيحِ عَنْ كُلِّ واحِدٍ عَلى حِدَةٍ مِمّا لا يَجُوزُ عَلى اللَّهِ يَكُونُ قَدْ أتى بِما لا تَفِي بِهِ الأعْمارُ، فَيَقُولُ: هَذا العَبْدُ أتى بِتَسْبِيحِي طُولَ عُمُرِهِ ومُدَّةَ بَقائِهِ فَأُجازِيهِ بِأنْ أُطَهِّرَهُ عَنْ كُلِّ ذَنْبٍ وأُزَيِّنَهُ بِخُلَعِ الكَرامَةِ وأُنْزِلَهُ بِدارِ المُقامَةِ مُدَّةً لا انْتِهاءَ لَها، وكَما أنَّ العَبْدَ يُنَزِّهُ اللَّهَ في أوَّلِ النَّهارِ وآخِرِهِ ووَسَطِهِ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى يُطَهِّرُهُ في أوَّلِهِ وهو دُنْياهُ وفي آخِرِهِ وهو عُقْباهُ وفي وسَطِهِ، وهو حالَةُ كَوْنِهِ في قَبْرِهِ الَّذِي يَحْوِيهِ إلى أوانِ حَشْرِهِ وهو مَغْناهُ. وأمّا الثّانِيَةُ: وهو صِفاتُ الفِعْلِ، فالإنْسانُ إذا نَظَرَ إلى خَلْقِ اللَّهِ السَّماواتِ يَعْلَمُ أنَّها نِعْمَةٌ وكَرامَةٌ فَيَقُولُ الحَمْدُ لِلَّهِ، فَإذا رَأى الشَّمْسَ فِيها بازِغَةً فَيَعْلَمُ أنَّها نِعْمَةٌ وكَرامَةٌ صفحة ٩٤ فَيَقُولُ الحَمْدُ لِلَّهِ، وكَذَلِكَ القَمَرُ وكُلُّ كَوْكَبٍ والأرْضُ وكُلُّ نَباتٍ وكُلُّ حَيَوانٍ يَقُولُ الحَمْدُ لِلَّهِ، لَكِنَّ الإنْسانَ لَوْ حَمِدَ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ عَلى حِدَةٍ لا يَفِي عُمُرُهُ بِهِ، فَإذا اسْتَحْضَرَ في ذِهْنِهِ النِّعَمَ الَّتِي لا تُعَدُّ كَما قالَ تَعالى: ﴿وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها﴾ [إبراهيم: ٣٤] ويَقُولُ الحَمْدُ لِلَّهِ عَلى ذَلِكَ فَهَذا الحَمْدُ عَلى وجْهِ الإجْمالِ يَقُومُ مِنهُ مَقامَ الحَمْدِ عَلى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ، ويَقُولُ: عَبْدِي اسْتَغْرَقَ عُمُرَهُ في حَمْدِي وأنا وعَدْتُ الشّاكِرَ بِالزِّيادَةِ فَلَهُ عَلى حَسَنَةِ التَّسْبِيحِ الحُسْنى، ولَهُ عَلى حَمْدِهِ الزِّيادَةُ، ثُمَّ إنَّ الإنْسانَ إذا اسْتَغْرَقَ في صِفاتِ اللَّهِ قَدْ يَدْعُوهُ عَقْلُهُ إلى التَّفَكُّرِ في اللَّهِ تَعالى بَعْدَ التَّفَكُّرِ في آلاءِ اللَّهِ، فَكُلُّ ما يَقَعُ في عَقْلِهِ مِن حَقِيقَتِهِ فَيَنْبَغِي أنْ يَقُولَ اللَّهُ أكْبَرُ مِمّا أُدْرِكُهُ؛ لِأنَّ المُدْرَكاتِ وجِهاتِ الإدْراكاتِ لا نِهايَةَ لَها، فَإنْ أرادَ أنْ يَقُولَ عَلى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ: اللَّهُ أكْبَرُ مِن هَذا الَّذِي أدْرَكْتُهُ مِن هَذا الوَجْهِ وأكْبَرُ مِمّا أدْرَكْتُهُ مِن ذَلِكَ الوَجْهِ وأكْبَرُ مِمّا أدْرَكْتُهُ مِن وجْهٍ آخَرَ يَفْنى عُمُرُهُ، ولا يَفِي بِإدْراكِ جَمِيعِ الوُجُوهِ الَّتِي يَظُنُّ الظّانُّ أنَّهُ مُدْرِكٌ لِلَّهِ بِذَلِكَ الوَجْهِ، فَإذا قالَ مَعَ نَفْسِهِ اللَّهُ أكْبَرُ أيْ مِن كُلِّ ما أتَصَوَّرُهُ بِقُوَّةِ عَقْلِي وطاقَةِ إدْراكِي يَكُونُ مُتَوَغِّلًا في العِرْفانِ وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: العَجْزُ عَنْ دَرْكِ الإدْراكِ إدْراكٌ فَقَوْلُ القائِلِ المُسْتَيْقِظِ: ”سُبْحانَ اللَّهِ والحَمْدُ لِلَّهِ واللَّهُ أكْبَرُ“ مُفِيدٌ لِهَذِهِ الفَوائِدِ، لَكِنَّ شَرْطَهُ أنْ يَكُونَ كَلامًا مُعْتَبَرًا وهو الَّذِي يَكُونُ مِن صَمِيمِ القَلْبِ لا الَّذِي يَكُونُ مِن طَرَفِ اللِّسانِ. * * * المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وعَشِيًّا﴾ عَطْفٌ عَلى ”حِينٍ“ أيْ سَبِّحُوهُ حِينَ تُمْسُونَ وحِينَ تُصْبِحُونَ وعَشِيًّا، وقَوْلُهُ: ﴿ولَهُ الحَمْدُ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ كَلامٌ مُعْتَرِضٌ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ وفِيهِ لَطِيفَةٌ، وهو أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا أمَرَ العِبادَ بِالتَّسْبِيحِ كَأنَّهُ بَيَّنَ لَهم أنَّ تَسْبِيحَهُمُ اللَّهَ لِنَفْعِهِمْ لا لِنَفْعٍ يَعُودُ عَلى اللَّهِ، فَعَلَيْهِمْ أنْ يَحْمَدُوا اللَّهَ إذا سَبَّحُوهُ، وهَذا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أنْ أسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إسْلامَكم بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكم أنْ هَداكم لِلْإيمانِ﴾ [الحجرات: ١٧] . المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قَدَّمَ الإمْساءَ عَلى الإصْباحِ هَهُنا وأخَّرَهُ في قَوْلِهِ: ﴿وسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وأصِيلًا﴾ [الأحْزابِ: ٤٢] وذَلِكَ لِأنَّ –هَهُنا- أوَّلَ الكَلامِ ذِكْرُ الحَشْرِ والإعادَةِ مِن قَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَأُولَئِكَ في العَذابِ مُحْضَرُونَ﴾ وآخِرَ هَذِهِ الآيَةِ أيْضًا ذِكْرُ الحَشْرِ والإعادَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ والإمْساءُ آخِرٌ فَذَكَرَ الآخِرَ لِيَذْكُرَ الآخِرَةَ. المَسْألَةُ السّادِسَةُ: في تَعَلُّقِ إخْراجِ الحَيِّ مِنَ المَيِّتِ والمَيِّتِ مِنَ الحَيِّ بِما تَقَدَّمَ عَلَيْهِ هو أنَّ عِنْدَ الإصْباحِ يَخْرُجُ الإنْسانُ مِن شِبْهِ المَوْتِ، وهو النَّوْمُ إلى شِبْهِ الوُجُودِ وهو اليَقَظَةُ، وعِنْدَ العِشاءِ يَخْرُجُ الإنْسانُ مِنَ اليَقَظَةِ إلى النَّوْمِ، واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في قَوْلِهِ: ﴿يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ﴾ فَقالَ أكْثَرُهم: يُخْرِجُ الدَّجاجَةَ مِنَ البَيْضَةِ والبَيْضَةَ مِنَ الدَّجاجَةِ، وكَذَلِكَ الحَيَوانُ مِنَ النُّطْفَةِ والنُّطْفَةُ مِنَ الحَيَوانِ، وقالَ بَعْضُهم: المُؤْمِنُ مِنَ الكافِرِ والكافِرُ مِنَ المُؤْمِنِ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: المُرادُ: ﴿يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ﴾ أيِ اليَقْظانَ مِنَ النّائِمِ والنّائِمَ مِنَ اليَقْظانِ، وهَذا يَكُونُ قَدْ ذَكَرَهُ لِلتَّمْثِيلِ أيْ إحْياءُ المَيِّتِ عِنْدَهُ، وإماتَةُ الحَيِّ كَتَنْبِيهِ النّائِمِ وتَنْوِيمِ المُنْتَبِهِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ويُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ وفي هَذا مَعْنًى لَطِيفٌ وهو أنَّ الإنْسانَ بِالمَوْتِ تَبْطُلُ حَيَوانِيَّتُهُ، وأمّا نَفْسُهُ النّاطِقَةُ فَتُفارِقُهُ وتَبْقى بَعْدَهُ كَما قالَ تَعالى: ﴿ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتًا﴾ صفحة ٩٥ [آل عمران: ١٦٩] لَكِنَّ الحَيَوانَ نامٍ مُتَحَرِّكٌ حَسّاسٌ، لَكِنَّ النّائِمَ لا يَتَحَرَّكُ ولا يَحُسُّ والأرْضُ المَيْتَةُ لا يَكُونُ فِيها نَماءٌ، ثُمَّ إنَّ النّائِمَ بِالِانْتِباهِ يَتَحَرَّكُ ويَحُسُّ، والأرْضُ المَيْتَةُ بَعْدَ مَوْتِها تَنْمُو بِنَباتِها فَكَما أنَّ تَحْرِيكَ ذَلِكَ السّاكِنِ وإنْماءَ هَذا الواقِفِ سَهْلٌ عَلى اللَّهِ تَعالى كَذَلِكَ إحْياءُ المَيِّتِ سَهْلٌ عَلَيْهِ، وإلى هَذا أشارَ بِقَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ .

الروم 30:19

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ ﴿ولَهُ الحَمْدُ في السَّماواتِ والأرْضِ وعَشِيًّا وحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ ﴿يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ ويُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ ويُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ لَمّا بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى عَظَمَتَهُ في الِابْتِداءِ بِقَوْلِهِ: ﴿ما خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلّا بِالحَقِّ﴾ وعَظَمَتَهُ في الِانْتِهاءِ، وهو حِينَ تَقُومُ السّاعَةُ ويَفْتَرِقُ النّاسُ فَرِيقَيْنِ، ويَحْكُمُ عَلى البَعْضِ بِأنَّ هَؤُلاءِ لِلْجَنَّةِ ولا أُبالِي، وهَؤُلاءِ إلى النّارِ ولا أُبالِي، أمَرَ بِتَنْزِيهِهِ عَنْ كُلِّ سُوءٍ وبِحَمْدِهِ عَلى كُلِّ حالٍ فَقالَ: ﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ﴾ أيْ سَبِّحُوا اللَّهَ تَسْبِيحًا، وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: في مَعْنى سُبْحانَ اللَّهِ ولَفْظِهِ، أمّا لَفْظُهُ فَفِعْلانِ اسْمٌ لِلْمَصْدَرِ الَّذِي هو التَّسْبِيحُ، سُمِّيَ التَّسْبِيحُ بِسُبْحانَ وجُعِلَ عَلَمًا لَهُ. وأمّا المَعْنى فَقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: المُرادُ مِنهُ الصَّلاةُ، أيْ صَلُّوا، وذَكَرُوا أنَّهُ أشارَ إلى الصَّلَواتِ الخَمْسِ، وقالَ بَعْضُهم أرادَ بِهِ التَّنْزِيهَ، أيْ نَزِّهُوهُ عَنْ صِفاتِ النَّقْصِ وصِفُوهُ بِصِفاتِ الكَمالِ، وهَذا أقْوى، والمَصِيرُ إلَيْهِ أوْلى؛ لِأنَّهُ يَتَضَمَّنُ الأوَّلَ؛ وذَلِكَ لِأنَّ التَّنْزِيهَ المَأْمُورَ بِهِ يَتَناوَلُ التَّنْزِيهَ بِالقَلْبِ، وهو الِاعْتِقادُ الجازِمُ، وبِاللِّسانِ مَعَ ذَلِكَ وهو الذِّكْرُ الحَسَنُ، وبِالأرْكانِ مَعَهُما جَمِيعًا وهو العَمَلُ الصّالِحُ، والأوَّلُ هو الأصْلُ، والثّانِي ثَمَرَةُ الأوَّلِ والثّالِثُ ثَمَرَةُ الثّانِي، وذَلِكَ لِأنَّ الإنْسانَ إذا اعْتَقَدَ شَيْئًا ظَهَرَ صفحة ٩٢ مِن قَلْبِهِ عَلى لِسانِهِ، وإذا قالَ ظَهَرَ صِدْقُهُ في مَقالِهِ مِن أحْوالِهِ وأفْعالِهِ، واللِّسانُ تَرْجُمانُ الجِنانِ، والأرْكانُ بُرْهانُ اللِّسانِ، لَكِنَّ الصَّلاةَ أفْضَلُ أعْمالِ الأرْكانِ، وهي مُشْتَمِلَةٌ عَلى الذِّكْرِ بِاللِّسانِ والقَصْدِ بِالجَنانِ، وهو تَنْزِيهٌ في التَّحْقِيقِ، فَإذا قالَ نَزِّهُونِي، وهَذا نَوْعٌ مِن أنْواعِ التَّنْزِيهِ، والأمْرُ المُطْلَقُ لا يَخْتَصُّ بِنَوْعٍ دُونَ نَوْعٍ، فَيَجِبُ حَمْلُهُ عَلى كُلِّ ما هو تَنْزِيهٌ فَيَكُونُ أيْضًا هَذا أمْرًا بِالصَّلاةِ، ثُمَّ إنَّ قَوْلَنا يُناسِبُ ما تَقَدَّمَ، وذَلِكَ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ المَقامَ الأعْلى والجَزاءَ الأوْفى لِمَن آمَنَ وعَمِلَ الصّالِحاتِ حَيْثُ قالَ: ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَهم في رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾ قالَ: إذا عَلِمْتُمْ أنَّ ذَلِكَ المَقامَ لِمَن آمَنَ وعَمِلَ الصّالِحاتِ، والإيمانُ تَنْزِيهٌ بِالجَنانِ وتَوْحِيدٌ بِاللِّسانِ، والعَمَلُ الصّالِحُ اسْتِعْمالُ الأرْكانِ والكُلُّ تَنْزِيهاتٌ وتَحْمِيداتٌ، فَسُبْحانَ اللَّهِ أيْ فَأْتُوا بِذَلِكَ الَّذِي هو المُوَصِّلُ إلى الحُبُورِ في الرِّياضِ، والحُضُورِ عَلى الحِياضِ. * * * المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: خَصَّ بَعْضَ الأوْقاتِ بِالأمْرِ بِالتَّسْبِيحِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ أفْضَلَ الأعْمالِ أدْوَمُها، لَكِنَّ أفْضَلَ المَلائِكَةِ مُلازِمُونَ لِلتَّسْبِيحِ عَلى الدَّوامِ كَما قالَ تَعالى: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ والنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٠] والإنْسانُ ما دامَ في الدُّنْيا لا يُمْكِنُهُ أنْ يَصْرِفَ جَمِيعَ أوْقاتِهِ إلى التَّسْبِيحِ، لِكَوْنِهِ مُحْتاجًا إلى أكْلٍ وشُرْبٍ وتَحْصِيلِ مَأْكُولٍ ومَشْرُوبٍ ومَلْبُوسٍ ومَرْكُوبٍ، فَأشارَ اللَّهُ تَعالى إلى أوْقاتٍ إذا أتى العَبْدُ بِتَسْبِيحِ اللَّهِ فِيها يَكُونُ كَأنَّهُ لَمْ يَفْتُرْ وهي الأوَّلُ والآخِرُ والوَسَطُ أوَّلُ النَّهارِ وآخِرُهُ ووَسَطُهُ، فَأمَرَ بِالتَّسْبِيحِ في أوَّلِ اللَّيْلِ ووَسَطِهِ، ولَمْ يَأْمُرْ بِالتَّسْبِيحِ في آخِرِ اللَّيْلِ؛ لِأنَّ النَّوْمَ فِيهِ غالِبٌ، واللَّهُ مَنَّ عَلى عِبادِهِ بِالِاسْتِراحَةِ بِالنَّوْمِ، كَما قالَ: ﴿ومِن آياتِهِ مَنامُكم بِاللَّيْلِ﴾ [الروم: ٢٣] فَإذا صَلّى في أوَّلِ النَّهارِ تَسْبِيحَتَيْنِ وهُما رَكْعَتانِ حُسِبَ لَهُ صَرْفُ ساعَتَيْنِ إلى التَّسْبِيحِ، ثُمَّ إذا صَلّى أرْبَعَ رَكَعاتٍ وقْتَ الظُّهْرِ حُسِبَ لَهُ صَرْفُ أرْبَعِ ساعاتٍ أُخَرَ فَصارَتْ سِتَّ ساعاتٍ، وإذا صَلّى أرْبَعًا في أواخِرِ النَّهارِ وهو العَصْرُ حُسِبَ لَهُ أرْبَعٌ أُخْرى فَصارَتْ عَشْرَ ساعاتٍ، فَإذا صَلّى المَغْرِبَ والعِشاءَ سَبْعَ رَكَعاتٍ أُخَرَ حَصَلَ لَهُ صَرْفُ سَبْعَ عَشْرَةَ ساعَةً إلى التَّسْبِيحِ، وبَقِيَ مِنَ اللَّيْلِ والنَّهارِ سَبْعُ ساعاتٍ وهي ما بَيْنَ نِصْفِ اللَّيْلِ وثُلُثَيْهِ؛ لِأنَّ ثُلُثَيْهِ ثَمانِ ساعاتٍ ونِصْفَهُ سِتُّ ساعاتٍ وما بَيْنَهُما السَّبْعُ، وهَذا القَدْرُ لَوْ نامَ الإنْسانُ فِيهِ لَكانَ كَثِيرًا وإلَيْهِ أشارَ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إلّا قَلِيلًا﴾ ﴿نِصْفَهُ أوِ انْقُصْ مِنهُ قَلِيلًا﴾ ﴿أوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ [المزمل: ٢ - ٤] وزِيادَةُ القَلِيلِ عَلى النِّصْفِ هي ساعَةٌ؛ فَيَصِيرُ سَبْعَ ساعاتٍ مَصْرُوفَةً إلى النَّوْمِ، والنّائِمُ مَرْفُوعٌ عَنْهُ القَلَمُ، فَيَقُولُ اللَّهُ: عَبْدِي صَرَفَ جَمِيعَ أوْقاتِ تَكْلِيفِهِ في تَسْبِيحِي فَلَمْ يَبْقَ لَكم أيُّها المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ المَزِيَّةُ الَّتِي ادَّعَيْتُمْ بِقَوْلِكم: ﴿ونَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ ونُقَدِّسُ لَكَ﴾ [البقرة: ٣٠] عَلى سَبِيلِ الِانْحِصارِ بَلْ هم مِثْلُكم، فَمَقامُهم مِثْلُ مَقامِكم في أعْلى عِلِّيِّينَ. واعْلَمْ أنَّ في وضْعِ الصَّلاةِ في أوْقاتِها وعَدَدِ رَكَعاتِها واخْتِلافِ هَيْئاتِها حِكْمَةٌ بالِغَةٌ، أمّا في عَدَدِ الرَّكَعاتِ فَما تَقَدَّمَ مِن كَوْنِ الإنْسانِ يَقْظانَ في سَبْعَ عَشْرَةَ ساعَةً فَفَرَضَ عَلَيْهِ سَبْعَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، وأمّا عَلى مَذْهَبِ أبِي حَنِيفَةَ حَيْثُ قالَ بِوُجُوبِ الوِتْرِ ثَلاثَ رَكَعاتٍ وهو أقْرَبُ لِلتَّقْوى، فَنَقُولُ هو مَأْخُوذٌ مِن أنَّ الإنْسانَ يَنْبَغِي أنْ يُقَلِّلَ نَوْمَهُ فَلا يَنامُ إلّا ثُلُثَ اللَّيْلِ مَأْخُوذًا مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أنَّكَ تَقُومُ أدْنى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ ونِصْفَهُ وثُلُثَهُ﴾ [ المُزَّمِّلِ: ٢٠] ويُفْهَمُ مِن هَذا أنَّ قِيامَ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ مُسْتَحْسَنٌ مُسْتَحَبٌّ مُؤَكَّدٌ بِاسْتِحْبابٍ ولِهَذا قالَ عَقِيبَهُ: ﴿عَلِمَ أنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتابَ عَلَيْكُمْ﴾ [المزمل: ٢٠] ذُكِرَ بِلَفْظِ التَّوْبَةِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ يَكُونُ الإنْسانُ يَقْظانَ في عِشْرِينَ ساعَةً فَأُمِرَ بِعِشْرِينَ رَكْعَةً، وأمّا النَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَلَمّا كانَ مِن شَأْنِهِ أنْ لا يَنامَ أصْلًا كَما قالَ: ”«تَنامُ عَيْنايَ ولا يَنامُ قَلْبِي» “ جُعِلَ لَهُ كُلُّ اللَّيْلِ كالنَّهارِ، فَزِيدَ لَهُ التَّهَجُّدُ فَأُمِرَ بِهِ، وإلى هَذا أشارَ تَعالى في قَوْلِهِ: ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فاسْجُدْ لَهُ وسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا﴾ [الإنسان: ٢٦] أيْ كُلُّ اللَّيْلِ لَكَ صفحة ٩٣ لِلتَّسْبِيحِ، فَصارَ هو في أرْبَعٍ وعِشْرِينَ ساعَةً مُسَبِّحًا، فَصارَ مِنَ الَّذِينَ لا يَفْتُرُونَ طَرْفَةَ عَيْنٍ، وأمّا في أوْقاتِهِ فَما تَقَدَّمَ أيْضًا أنَّ الأوَّلَ والآخِرَ والوَسَطَ هو المُعْتَبَرُ فَشَرَعَ التَّسْبِيحَ في أوَّلِ النَّهارِ وآخِرِهِ، وأمّا اللَّيْلُ فاعْتَبَرَ أوَّلَهَ ووَسَطَهُ كَما اعْتَبَرَ أوَّلَ النَّهارِ ووَسَطَهُ، وذَلِكَ لِأنَّ الظُّهْرَ وقْتُهُ نِصْفُ النَّهارِ والعِشاءَ وقْتُهُ نِصْفُ اللَّيْلِ؛ لِأنّا بَيَّنّا أنَّ اللَّيْلَ المُعْتَبَرَ هو المِقْدارُ الَّذِي يَكُونُ الإنْسانُ فِيهِ يَقْظانَ وهو مِقْدارُ خَمْسِ ساعاتٍ فَجُعِلَ وقْتُهُ في نِصْفِ هَذا القَدْرِ وهو الثَّلاثَةُ مِنَ اللَّيْلِ، وأمّا أبُو حَنِيفَةَ لَمّا رَأى وُجُوبَ الوِتْرِ كانَ زَمانُ النَّوْمِ عِنْدَهُ أرْبَعَ ساعاتٍ وزَمانُ اليَقَظَةِ بِاللَّيْلِ ثَمانِ ساعاتٍ وأخَّرَ وقْتَ العِشاءِ الآخِرَةِ إلى الرّابِعَةِ والخامِسَةِ، لِيَكُونَ في وسَطِ اللَّيْلِ المُعْتَبَرِ، كَما أنَّ الظُّهْرَ في وسَطِ النَّهارِ، وأمّا النَّبِيُّ ﷺ لَمّا كانَ لَيْلُهُ نَهارًا ونَوْمُهُ انْتِباهًا قالَ: ”«لَوْلا أنْ أشُقَّ عَلى أُمَّتِي لَأمَرْتُهم بِالسِّواكِ وتَأْخِيرِ العِشاءِ إلى نِصْفِ اللَّيْلِ» “ لِيَكُونَ الأرْبَعُ في نِصْفِ اللَّيْلِ كَما أنَّ الأرْبَعَ في نِصْفِ النَّهارِ، وأمّا التَّفْصِيلُ فالَّذِي يَتَبَيَّنُ لِي أنَّ النَّهارَ اثْنَتا عَشْرَةَ ساعَةً زَمانِيَّةً، والصَّلاةُ المُؤَدّاةُ فِيها عَشْرُ رَكَعاتٍ فَيَبْقى عَلى المُكَلَّفِ رَكْعَتانِ يُؤَدِّيهِما في أوَّلِ اللَّيْلِ ويُؤَدِّي رَكْعَةً مِن صَلاةِ اللَّيْلِ؛ لِيَكُونَ ابْتِداءُ اللَّيْلِ بِالتَّسْبِيحِ كَما كانَ ابْتِداءُ النَّهارِ بِالتَّسْبِيحِ، ولَمّا كانَ المُؤَدّى مِن تَسْبِيحِ النَّهارِ في أوَّلِهِ رَكْعَتَيْنِ كانَ المُؤَدّى مِن تَسْبِيحِ اللَّيْلِ في أوَّلِهِ رَكْعَةً؛ لِأنَّ سَبْحَ النَّهارِ طَوِيلٌ مِثْلُ ضِعْفِ سَبْحِ اللَّيْلِ؛ لِأنَّ المُؤَدّى في النَّهارِ عَشَرَةٌ والمُؤَدّى في اللَّيْلِ مِن تَسْبِيحِ اللَّيْلِ خَمْسٌ. ا * * * المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في فَضِيلَةِ السَّبْحَلَةِ والحَمْدَلَةِ في المَساءِ والصَّباحِ، ولْنَذْكُرْها مِن حَيْثُ النَّقْلُ والعَقْلُ، أمّا النَّقْلُ فَأخْبَرَنِي الشَّيْخُ الوَرِعُ الحافِظُ الأُسْتاذُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُلْوانَ بِحَلَبَ مُسْنَدًا «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ لِبَعْضِ أصْحابِهِ: ”أتَعْجِزُ عَنْ أنْ تَأْتِيَ وقْتَ النَّوْمِ بِألْفِ حَسَنَةٍ ؟ فَتَوَقَّفَ، فَقالَ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: قُلْ سُبْحانَ اللَّهِ والحَمْدُ لِلَّهِ واللَّهُ أكْبَرُ مِائَةَ مَرَّةٍ يُكْتَبُ لَكَ بِها ألْفُ حَسَنَةٍ“» وسَمِعْتُهُ يَقُولُ رَحِمَهُ اللَّهُ مُسْنَدًا ”«مَن قالَ خَلْفَ كُلِّ صَلاةٍ مَكْتُوبَةٍ عَشْرَ مَرّاتٍ سُبْحانَ اللَّهِ وعَشْرَ مَرّاتٍ اللَّهُ أكْبَرُ أُدْخِلَ الجَنَّةَ» “ وأمّا العَقْلُ فَهو أنَّ اللَّهَ تَعالى لَهُ صِفاتٌ لازِمَةٌ لا مِن فِعْلِهِ وصِفاتٌ ثابِتَةٌ لَهُ مِن فِعْلِهِ، أمّا الأُولى فَهي صِفاتُ كَمالٍ وجَلالٍ خِلافُها نَقْصٌ، فَإذا أدْرَكَ المُكَلَّفُ اللَّهَ بِأنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ لِكَوْنِهِ عالِمًا بِكُلِّ شَيْءٍ؛ فَقَدْ نَزَّهَهُ عَنِ الجَهْلِ ووَصَفَهُ بِضِدِّهِ، وإذا عَرَفَهُ بِأنَّهُ لا يَعْجِزُ عَنْ شَيْءٍ لِكَوْنِهِ قادِرًا عَلى كُلِّ شَيْءٍ فَقَدْ نَزَّهَهُ عَنِ العَجْزِ، وإذا عَلِمَ أنَّهُ لا يَجْرِي في مِلْكِهِ إلّا ما يَشاءُ لِكَوْنِهِ مُرِيدًا لِكُلِّ كائِنٍ فَقَدْ وصَفَهُ ونَزَّهَهُ، وإذا ظَهَرَ لَهُ أنَّهُ لا يَجُوزُ عَلَيْهِ الفَناءُ لِكَوْنِهِ واجِبَ البَقاءِ فَقَدْ نَزَّهَهُ، وإذا بانَ لَهُ أنَّهُ لا يَسْبِقُهُ العَدَمُ لِاتِّصافِهِ بِالقِدَمِ فَقَدْ نَزَّهَهُ، وإذا لاحَ لَهُ أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَرَضًا أوْ جِسْمًا في مَكانٍ لِكَوْنِهِ واجِبًا بَرِيئًا عَنْ جِهاتِ الإمْكانِ فَقَدْ نَزَّهَهُ. لَكِنَّ صِفاتِهِ السَّلْبِيَّةَ والإضافِيَّةَ لا يَعُدُّها عادٌّ ولَوِ اشْتَغَلَ بِها واحِدٌ لَأفْنى فِيها عُمُرَهُ ولا يُدْرِكُ كُنْهَها. فَإذا قالَ قائِلٌ مُسْتَحْضِرًا بِقَلْبِهِ سُبْحانَ اللَّهِ مُتَنَبِّهًا لِما يَقُولُهُ مِن كَوْنِهِ مُنَزِّهًا لَهُ عَنْ كُلِّ نَقْصٍ فَإتْيانُهُ بِالتَّسْبِيحِ عَلى هَذا الوَجْهِ مِنَ الإجْمالِ يَقُومُ مَقامَ إتْيانِهِ بِهِ عَلى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ، لَكِنْ لا رَيْبَ في أنَّ مَن أتى بِالتَّسْبِيحِ عَنْ كُلِّ واحِدٍ عَلى حِدَةٍ مِمّا لا يَجُوزُ عَلى اللَّهِ يَكُونُ قَدْ أتى بِما لا تَفِي بِهِ الأعْمارُ، فَيَقُولُ: هَذا العَبْدُ أتى بِتَسْبِيحِي طُولَ عُمُرِهِ ومُدَّةَ بَقائِهِ فَأُجازِيهِ بِأنْ أُطَهِّرَهُ عَنْ كُلِّ ذَنْبٍ وأُزَيِّنَهُ بِخُلَعِ الكَرامَةِ وأُنْزِلَهُ بِدارِ المُقامَةِ مُدَّةً لا انْتِهاءَ لَها، وكَما أنَّ العَبْدَ يُنَزِّهُ اللَّهَ في أوَّلِ النَّهارِ وآخِرِهِ ووَسَطِهِ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى يُطَهِّرُهُ في أوَّلِهِ وهو دُنْياهُ وفي آخِرِهِ وهو عُقْباهُ وفي وسَطِهِ، وهو حالَةُ كَوْنِهِ في قَبْرِهِ الَّذِي يَحْوِيهِ إلى أوانِ حَشْرِهِ وهو مَغْناهُ. وأمّا الثّانِيَةُ: وهو صِفاتُ الفِعْلِ، فالإنْسانُ إذا نَظَرَ إلى خَلْقِ اللَّهِ السَّماواتِ يَعْلَمُ أنَّها نِعْمَةٌ وكَرامَةٌ فَيَقُولُ الحَمْدُ لِلَّهِ، فَإذا رَأى الشَّمْسَ فِيها بازِغَةً فَيَعْلَمُ أنَّها نِعْمَةٌ وكَرامَةٌ صفحة ٩٤ فَيَقُولُ الحَمْدُ لِلَّهِ، وكَذَلِكَ القَمَرُ وكُلُّ كَوْكَبٍ والأرْضُ وكُلُّ نَباتٍ وكُلُّ حَيَوانٍ يَقُولُ الحَمْدُ لِلَّهِ، لَكِنَّ الإنْسانَ لَوْ حَمِدَ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ عَلى حِدَةٍ لا يَفِي عُمُرُهُ بِهِ، فَإذا اسْتَحْضَرَ في ذِهْنِهِ النِّعَمَ الَّتِي لا تُعَدُّ كَما قالَ تَعالى: ﴿وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها﴾ [إبراهيم: ٣٤] ويَقُولُ الحَمْدُ لِلَّهِ عَلى ذَلِكَ فَهَذا الحَمْدُ عَلى وجْهِ الإجْمالِ يَقُومُ مِنهُ مَقامَ الحَمْدِ عَلى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ، ويَقُولُ: عَبْدِي اسْتَغْرَقَ عُمُرَهُ في حَمْدِي وأنا وعَدْتُ الشّاكِرَ بِالزِّيادَةِ فَلَهُ عَلى حَسَنَةِ التَّسْبِيحِ الحُسْنى، ولَهُ عَلى حَمْدِهِ الزِّيادَةُ، ثُمَّ إنَّ الإنْسانَ إذا اسْتَغْرَقَ في صِفاتِ اللَّهِ قَدْ يَدْعُوهُ عَقْلُهُ إلى التَّفَكُّرِ في اللَّهِ تَعالى بَعْدَ التَّفَكُّرِ في آلاءِ اللَّهِ، فَكُلُّ ما يَقَعُ في عَقْلِهِ مِن حَقِيقَتِهِ فَيَنْبَغِي أنْ يَقُولَ اللَّهُ أكْبَرُ مِمّا أُدْرِكُهُ؛ لِأنَّ المُدْرَكاتِ وجِهاتِ الإدْراكاتِ لا نِهايَةَ لَها، فَإنْ أرادَ أنْ يَقُولَ عَلى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ: اللَّهُ أكْبَرُ مِن هَذا الَّذِي أدْرَكْتُهُ مِن هَذا الوَجْهِ وأكْبَرُ مِمّا أدْرَكْتُهُ مِن ذَلِكَ الوَجْهِ وأكْبَرُ مِمّا أدْرَكْتُهُ مِن وجْهٍ آخَرَ يَفْنى عُمُرُهُ، ولا يَفِي بِإدْراكِ جَمِيعِ الوُجُوهِ الَّتِي يَظُنُّ الظّانُّ أنَّهُ مُدْرِكٌ لِلَّهِ بِذَلِكَ الوَجْهِ، فَإذا قالَ مَعَ نَفْسِهِ اللَّهُ أكْبَرُ أيْ مِن كُلِّ ما أتَصَوَّرُهُ بِقُوَّةِ عَقْلِي وطاقَةِ إدْراكِي يَكُونُ مُتَوَغِّلًا في العِرْفانِ وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: العَجْزُ عَنْ دَرْكِ الإدْراكِ إدْراكٌ فَقَوْلُ القائِلِ المُسْتَيْقِظِ: ”سُبْحانَ اللَّهِ والحَمْدُ لِلَّهِ واللَّهُ أكْبَرُ“ مُفِيدٌ لِهَذِهِ الفَوائِدِ، لَكِنَّ شَرْطَهُ أنْ يَكُونَ كَلامًا مُعْتَبَرًا وهو الَّذِي يَكُونُ مِن صَمِيمِ القَلْبِ لا الَّذِي يَكُونُ مِن طَرَفِ اللِّسانِ. * * * المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وعَشِيًّا﴾ عَطْفٌ عَلى ”حِينٍ“ أيْ سَبِّحُوهُ حِينَ تُمْسُونَ وحِينَ تُصْبِحُونَ وعَشِيًّا، وقَوْلُهُ: ﴿ولَهُ الحَمْدُ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ كَلامٌ مُعْتَرِضٌ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ وفِيهِ لَطِيفَةٌ، وهو أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا أمَرَ العِبادَ بِالتَّسْبِيحِ كَأنَّهُ بَيَّنَ لَهم أنَّ تَسْبِيحَهُمُ اللَّهَ لِنَفْعِهِمْ لا لِنَفْعٍ يَعُودُ عَلى اللَّهِ، فَعَلَيْهِمْ أنْ يَحْمَدُوا اللَّهَ إذا سَبَّحُوهُ، وهَذا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أنْ أسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إسْلامَكم بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكم أنْ هَداكم لِلْإيمانِ﴾ [الحجرات: ١٧] . المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قَدَّمَ الإمْساءَ عَلى الإصْباحِ هَهُنا وأخَّرَهُ في قَوْلِهِ: ﴿وسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وأصِيلًا﴾ [الأحْزابِ: ٤٢] وذَلِكَ لِأنَّ –هَهُنا- أوَّلَ الكَلامِ ذِكْرُ الحَشْرِ والإعادَةِ مِن قَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَأُولَئِكَ في العَذابِ مُحْضَرُونَ﴾ وآخِرَ هَذِهِ الآيَةِ أيْضًا ذِكْرُ الحَشْرِ والإعادَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ والإمْساءُ آخِرٌ فَذَكَرَ الآخِرَ لِيَذْكُرَ الآخِرَةَ. المَسْألَةُ السّادِسَةُ: في تَعَلُّقِ إخْراجِ الحَيِّ مِنَ المَيِّتِ والمَيِّتِ مِنَ الحَيِّ بِما تَقَدَّمَ عَلَيْهِ هو أنَّ عِنْدَ الإصْباحِ يَخْرُجُ الإنْسانُ مِن شِبْهِ المَوْتِ، وهو النَّوْمُ إلى شِبْهِ الوُجُودِ وهو اليَقَظَةُ، وعِنْدَ العِشاءِ يَخْرُجُ الإنْسانُ مِنَ اليَقَظَةِ إلى النَّوْمِ، واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في قَوْلِهِ: ﴿يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ﴾ فَقالَ أكْثَرُهم: يُخْرِجُ الدَّجاجَةَ مِنَ البَيْضَةِ والبَيْضَةَ مِنَ الدَّجاجَةِ، وكَذَلِكَ الحَيَوانُ مِنَ النُّطْفَةِ والنُّطْفَةُ مِنَ الحَيَوانِ، وقالَ بَعْضُهم: المُؤْمِنُ مِنَ الكافِرِ والكافِرُ مِنَ المُؤْمِنِ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: المُرادُ: ﴿يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ﴾ أيِ اليَقْظانَ مِنَ النّائِمِ والنّائِمَ مِنَ اليَقْظانِ، وهَذا يَكُونُ قَدْ ذَكَرَهُ لِلتَّمْثِيلِ أيْ إحْياءُ المَيِّتِ عِنْدَهُ، وإماتَةُ الحَيِّ كَتَنْبِيهِ النّائِمِ وتَنْوِيمِ المُنْتَبِهِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ويُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ وفي هَذا مَعْنًى لَطِيفٌ وهو أنَّ الإنْسانَ بِالمَوْتِ تَبْطُلُ حَيَوانِيَّتُهُ، وأمّا نَفْسُهُ النّاطِقَةُ فَتُفارِقُهُ وتَبْقى بَعْدَهُ كَما قالَ تَعالى: ﴿ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتًا﴾ صفحة ٩٥ [آل عمران: ١٦٩] لَكِنَّ الحَيَوانَ نامٍ مُتَحَرِّكٌ حَسّاسٌ، لَكِنَّ النّائِمَ لا يَتَحَرَّكُ ولا يَحُسُّ والأرْضُ المَيْتَةُ لا يَكُونُ فِيها نَماءٌ، ثُمَّ إنَّ النّائِمَ بِالِانْتِباهِ يَتَحَرَّكُ ويَحُسُّ، والأرْضُ المَيْتَةُ بَعْدَ مَوْتِها تَنْمُو بِنَباتِها فَكَما أنَّ تَحْرِيكَ ذَلِكَ السّاكِنِ وإنْماءَ هَذا الواقِفِ سَهْلٌ عَلى اللَّهِ تَعالى كَذَلِكَ إحْياءُ المَيِّتِ سَهْلٌ عَلَيْهِ، وإلى هَذا أشارَ بِقَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ .

الروم 30:20

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ومِن آياتِهِ أنْ خَلَقَكم مِن تُرابٍ ثُمَّ إذا أنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾ لَمّا أمَرَ اللَّهُ تَعالى بِالتَّسْبِيحِ عَنِ الأسْواءِ وذَكَرَ أنَّ الحَمْدَ لَهُ عَلى خَلْقِ جَمِيعِ الأشْياءِ وبَيَّنَ قُدْرَتَهُ عَلى الإماتَةِ والإحْياءِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ ذَكَرَ ما هو حُجَّةٌ ظاهِرَةٌ وآيَةٌ باهِرَةٌ عَلى ذَلِكَ ومِن جُمْلَتِها خَلْقُ الإنْسانِ مِن تُرابٍ، وتَقْرِيرُهُ هو أنَّ التُّرابَ أبْعَدُ الأشْياءِ عَنْ دَرَجَةِ الأحْياءِ، وذَلِكَ مِن حَيْثُ كَيْفِيَّتُهُ، فَإنَّهُ بارِدٌ يابِسٌ والحَياةُ بِالحَرارَةِ والرُّطُوبَةِ، ومِن حَيْثُ لَوْنُهُ فَإنَّهُ كَدِرٌ والرُّوحُ نَيْرٌ، ومِن حَيْثُ فِعْلُهُ فَإنَّهُ ثَقِيلٌ والأرْواحُ الَّتِي بِها الحَياةُ خَفِيفَةٌ، ومِن حَيْثُ السُّكُونُ فَإنَّهُ بَعِيدٌ عَنِ الحَرَكَةِ، والحَيَوانُ يَتَحَرَّكُ يُمْنَةً ويُسْرَةً وإلى خَلْفٍ وإلى قُدّامٍ وإلى فَوْقٍ وإلى أسْفَلَ، وفي الجُمْلَةِ فالتُّرابُ أبْعَدُ مِن قَبُولِ الحَياةِ عَنْ سائِرِ الأجْسامِ؛ لِأنَّ العَناصِرَ أبْعَدُ مِنَ المُرَكَّباتِ؛ لِأنَّ المُرَكَّبَ بِالتَّرْكِيبِ أقْرَبُ دَرَجَةً مِنَ الحَيَوانِ، والعَناصِرُ أبْعَدُها التُّرابُ؛ لِأنَّ الماءَ فِيهِ الصَّفاءُ والرُّطُوبَةُ والحَرَكَةُ وكُلُّها عَلى طَبْعِ الأرْواحِ والنّارِ أقْرَبُ؛ لِأنَّها كالحَرارَةِ الغَرِيزِيَّةِ مُنْضَجَةٌ جامِعَةٌ مُفَرَّقَةٌ ثُمَّ المُرَكَّباتُ وأوَّلُ مَراتِبِها المَعْدِنُ فَإنَّهُ مُمْتَزِجٌ، ولَهُ مَراتِبُ أعْلاها الذَّهَبُ وهو قَرِيبٌ مِن أدْنى مَراتِبِ النَّباتِ وهي مَرْتَبَةُ النَّباتِ الَّذِي يَنْبُتُ في الأرْضِ، ولا يَبْرُزُ ولا يَرْتَفِعُ، ثُمَّ النَّباتاتُ وأعْلى مَراتِبِها وهي مَرْتَبَةُ الأشْجارِ الَّتِي تَقْبَلُ التَّعْظِيمَ، ويَكُونُ لِثَمَرِها حَبٌّ يُؤْخَذُ مِنهُ مِثْلُ تِلْكَ الشَّجَرَةِ كالبَيْضَةِ مِنَ الدَّجاجَةِ، والدَّجاجَةُ مِنَ البَيْضَةِ قَرِيبَةٌ مِن أدْنى مَراتِبِ الحَيَواناتِ وهي مَرْتَبَةُ الحَشَراتِ الَّتِي لَيْسَ لَها دَمٌ سائِلٌ، ولا هي إلى المَنافِعِ الجَلِيلَةِ وسائِلُ كالنَّباتاتِ، ثُمَّ الحَيَوانُ وأعْلى مَراتِبِها قَرِيبَةٌ مِن مَرْتَبَةِ الإنْسانِ، فَإنَّ الأنْعامَ ولا سِيَّما الفَرَسُ تُشْبِهُ العَتّالَ والحَمّالَ والسّاعِيَ، ثُمَّ الإنْسانُ، وأعْلى مَراتِبِ الإنْسانِ قَرِيبَةٌ مِن مَرْتَبَةِ المَلائِكَةِ المُسَبِّحِينَ لِلَّهِ الحامِدِينَ لَهُ، فاللَّهُ الَّذِي خَلَقَ مِن أبْعَدِ الأشْياءِ عَنْ مَرْتَبَةِ الأحْياءِ حَيًّا هو في أعْلى المَراتِبِ لا يَكُونُ إلّا مُنَزَّهًا عَنِ العَجْزِ والجَهْلِ، ويَكُونُ لَهُ الحَمْدُ عَلى إنْعامِ الحَياةِ، ويَكُونُ لَهُ كَمالُ القُدْرَةِ ونُفُوذُ الإرادَةِ فَيَجُوزُ مِنهُ الإبْداءُ والإعادَةُ، وفي الآيَةِ لَطِيفَتانِ: إحْداهُما: قَوْلُهُ: ﴿إذا﴾ وهي لِلْمُفاجَأةِ، يُقالُ خَرَجْتُ فَإذا أسَدٌ بِالبابِ وهو إشارَةٌ إلى أنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَهُ مِن تُرابٍ بِكُنْ فَكانَ لا أنَّهُ صارَ مَعْدِنًا ثُمَّ نَباتًا ثُمَّ حَيَوانًا ثُمَّ إنْسانًا وهَذا إشارَةٌ إلى مَسْألَةٍ حُكْمِيَّةٍ، وهي أنَّ اللَّهَ تَعالى يَخْلُقُ أوَّلًا إنْسانًا فَيُنَبِّهُهُ أنَّهُ يَحْيا حَيَوانًا ونامِيًا وغَيْرُ ذَلِكَ لا أنَّهُ خُلِقَ أوَّلًا حَيَوانًا، ثُمَّ يَجْعَلُهُ إنْسانًا، فَخَلْقُ الأنْواعِ هو المُرادُ الأوَّلُ، ثُمَّ تَكُونُ الأنْواعُ فِيها الأجْناسُ بِتِلْكَ الإرادَةِ الأُولى، فاللَّهُ تَعالى جَعَلَ المَرْتَبَةَ الأخِيرَةَ في الشَّيْءِ البَعِيدِ عَنْها غايَةً مِن غَيْرِ انْتِقالٍ مِن مَرْتَبَةٍ إلى مَرْتَبَةٍ مِنَ المَراتِبِ الَّتِي ذَكَرْناها. (اللَّطِيفَةُ الثّانِيَةُ): قَوْلُهُ: ﴿بَشَرٌ﴾ إشارَةٌ إلى القُوَّةِ المُدْرِكَةِ؛ لِأنَّ البَشَرَ بَشَرٌ لا بِحَرَكَتِهِ، فَإنَّ غَيْرَهُ مِنَ الحَيَواناتِ أيْضًا كَذَلِكَ، وقَوْلُهُ: ﴿تَنْتَشِرُونَ﴾ إلى القُوَّةِ المُحَرِّكَةِ وكِلاهُما مِنَ التُّرابِ عَجِيبٌ، أمّا الإدْراكُ فَلِكَثافَتِهِ وجُمُودِهِ، وأمّا الحَرَكَةُ فَلِثِقَلِهِ وخُمُودِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿تَنْتَشِرُونَ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ العَجِيبَةَ غَيْرُ مُخْتَصٍّ صفحة ٩٦ بِخَلْقِ الإنْسانِ مِنَ التُّرابِ بَلْ خَلْقُ الحَيَوانِ المُنْتَشِرِ مِنَ التُّرابِ السّاكِنِ عَجِيبٌ فَضْلًا عَنْ خَلْقِ البَشَرِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: وهي أنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ مِن تُرابٍ وخَلَقَنا مِنهُ فَكَيْفَ قالَ: ﴿خَلَقَكم مِن تُرابٍ﴾ نَقُولُ: الجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: ما قِيلَ إنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿خَلَقَكُمْ﴾ أنَّهُ خَلَقَ أصْلَكم. والثّانِي: أنْ نَقُولَ: إنَّ كُلَّ بَشَرٍ مَخْلُوقٍ مِنَ التُّرابِ، أمّا آدَمُ فَظاهِرٌ، وأمّا نَحْنُ فَلِأنّا خُلِقْنا مِن نُطْفَةٍ، والنُّطْفَةُ مِن صالِحِ الغِذاءِ الَّذِي هو بِالقُوَّةِ بَعْضٌ مِنَ الأعْضاءِ، والغِذاءُ إمّا مِن لُحُومِ الحَيَواناتِ وألْبانِها وأسْمانِها، وإمّا مِنَ النَّباتِ، والحَيَوانُ أيْضًا لَهُ غِذاءٌ هو النَّباتُ، لَكِنِ النَّباتُ مِنَ التُّرابِ، فَإنَّ الحَبَّةَ مِنَ الحِنْطَةِ، والنَّواةُ مِنَ الثَّمَرَةِ لا تَصِيرُ شَجَرَةً إلّا بِالتُّرابِ ويَنْضَمُّ إلَيْها أجْزاءٌ مائِيَّةٌ لِيَصِيرَ ذَلِكَ النَّباتُ بِحَيْثُ يَغْذُو. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ تَعالى في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿خَلَقَ مِنَ الماءِ بَشَرًا﴾ [الفرقان: ٥٤] وقالَ: ﴿مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ [السجدة: ٨] وهاهُنا قالَ: ﴿مِن تُرابٍ﴾ فَكَيْفَ الجَمْعُ ؟ قُلْنا: أمّا عَلى الجَوابِ الأوَّلِ: فالسُّؤالُ زائِلٌ، فَإنَّ المُرادَ مِنهُ آدَمُ. وأمّا عَلى الثّانِي: فَنَقُولُ هاهُنا قالَ ما هو أصْلٌ أوَّلٌ، وفي ذَلِكَ المَوْضِعِ قالَ ما هو أصْلٌ ثانٍ؛ لِأنَّ ذَلِكَ التُّرابَ الَّذِي صارَ غِذاءً يَصِيرُ مائِعًا وهو المَنِيُّ، ثُمَّ يَنْعَقِدُ ويَتَكَوَّنُ بِخَلْقِ اللَّهِ مِنهُ إنْسانًا، أوْ نَقُولُ: الإنْسانُ لَهُ أصْلانِ ظاهِرانِ الماءُ والتُّرابُ، فَإنَّ التُّرابَ لا يُنْبِتُ إلّا بِالماءِ، فَفي النَّباتِ الَّذِي هو أصْلُ غِذاءِ الإنْسانِ تُرابٌ وماءٌ، فَإنْ جُعِلَ التُّرابُ أصْلًا والماءُ لِجَمْعِ أجْزائِهِ المُتَفَتِّتَةِ فالأمْرُ كَذَلِكَ، وإنْ جُعِلَ الأصْلُ هو الماءُ والتُّرابُ لِتَثْبِيتِ أجْزائِهِ الرَّطْبَةِ مِنَ السَّيَلانِ فالأمْرُ كَذَلِكَ، فَإنْ قالَ قائِلٌ: اللَّهُ تَعالى يَعْلَمُ كُلَّ شَيْءٍ فَهو يَعْلَمُ أنَّ الأصْلَ ماذا هو مِنهُما، وإنَّما الأمْرُ عِنْدَنا مُشْتَبَهٌ يَجُوزُ هَذا وذاكَ، فَإنْ كانَ الأصْلُ هو التُّرابُ فَكَيْفَ قالَ: ﴿مِنَ الماءِ بَشَرًا﴾ وإنْ كانَ الماءُ فَكَيْفَ قالَ: ﴿خَلَقَكم مِن تُرابٍ﴾ وإنْ كانا هُما أصْلَيْنِ فَلِمَ لَمْ يَقُلْ خَلَقُكم مِنهُما، فَنَقُولُ: فِيهِ لَطِيفَةٌ، وهي أنَّ كَوْنَ التُّرابِ أصْلًا والماءِ أصْلًا، والماءُ لَيْسَ لِذاتَيْهِما، وإنَّما هو بِجَعْلِ اللَّهِ تَعالى فَإنَّ اللَّهَ نَظَرًا إلى قُدْرَتِهِ كانَ لَهُ أنْ يَخْلُقَ أوَّلَ ما يَخْلُقُ الإنْسانَ ثُمَّ يُفْنِيهِ ويَحْصُلُ مِنهُ التُّرابُ ثُمَّ يُذَوِّبُهُ ويَحْصُلُ مِنهُ الماءُ، لَكِنِ الحِكْمَةُ اقْتَضَتْ أنْ يَكُونَ النّاقِصُ وسِيلَةً إلى الكامِلِ، لا الكامِلُ يَكُونُ وسِيلَةً إلى النّاقِصِ، فَخَلَقَ التُّرابَ والماءَ أوَّلًا، وجَعَلَهُما أصْلَيْنِ لِمَن هو أكْمَلُ مِنهُما بَلْ لِلَّذِي هو أكْمَلُ مِن كُلِّ كائِنٍ وهو الإنْسانُ، فَإنْ كانَ كَوْنُهُما أصْلَيْنِ لَيْسَ أمْرًا ذاتِيًّا لَهُما بَلْ بِجَعْلِ جاعِلٍ، فَتارَةً جَعَلَ الأصْلَ التُّرابَ وتارَةً الماءَ لِيُعْلَمَ أنَّهُ بِإرادَتِهِ واخْتِيارِهِ، فَإنْ شاءَ جَعَلَ هَذا أصْلًا، وإنْ شاءَ جَعَلَ ذَلِكَ أصْلًا، وإنْ شاءَ جَعَلَهُما أصْلَيْنِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ الحُكَماءُ: إنَّ الإنْسانَ مُرَكَّبٌ مِنَ العَناصِرِ الأرْبَعَةِ وهي التُّرابُ والماءُ والهَواءُ والنّارُ، وقالُوا: التُّرابُ فِيهِ لِثَباتِهِ، والماءُ لِاسْتِمْساكِهِ، فَإنَّ التُّرابَ يَتَفَتَّتُ بِسُرْعَةٍ، والهَواءُ لِاسْتِقْلالِهِ كالزِّقِّ المَنفُوخِ يَقُومُ بِالهَواءِ، ولَوْلاهُ لَما كانَ فِيهِ اسْتِقْلالٌ ولا انْتِصابٌ، والنّارُ لِلنُّضْجِ والِالتِئامِ بَيْنَ هَذِهِ الأشْياءِ، فَهَلْ هَذا صَحِيحٌ أمْ لا ؟ فَإنْ كانَ صَحِيحًا فَكَيْفَ اعْتَبَرَ الأمْرَيْنِ فَحَسْبُ ولَمْ يَقُلْ في مَوْضِعٍ آخَرَ إنَّهُ خَلَقَكم مِن نارٍ ولا مِن رِيحٍ ؟ فَنَقُولُ أمّا قَوْلُهم فَلا مَفْسَدَةَ فِيهِ مِن حَيْثُ الشَّرْعِ، فَلا نُنازِعُهم فِيهِ إلّا إذا قالُوا بِأنَّهُ بِالطَّبِيعَةِ كَذَلِكَ، وأمّا إنْ قالُوا بِأنَّ اللَّهَ بِحِكْمَتِهِ خَلَقَ الإنْسانَ مِن هَذِهِ الأشْياءِ فَلا نُنازِعُهم فِيهِ، وأمّا الآياتُ فَنَقُولُ ما ذَكَرْتُمْ لا يُخالِفُ هَذا؛ لِأنَّ الهَواءَ جَعَلْتُمُوهُ لِلِاسْتِقْلالِ والنّارَ لِلنُّضْجِ فَهُما يَكُونانِ بَعْدَ امْتِزاجِ الماءِ بِالتُّرابِ، فالأصْلُ المَوْجُودُ أُولاهُما لا غَيْرَ فَلِذَلِكَ خَصَّهُما، ولِأنَّ المَحْسُوسَ مِنَ العَناصِرِ في الغالِبِ هو التُّرابُ والماءُ ولا سِيَّما كَوْنُهُما في الإنْسانِ ظاهِرٌ لِكُلِّ أحَدٍ فَخَصَّ الظّاهِرَ المَحْسُوسَ بِالذِّكْرِ.

الروم 30:21

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ومِن آياتِهِ أنْ خَلَقَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا لِتَسْكُنُوا إلَيْها وجَعَلَ بَيْنَكم مَوَدَّةً ورَحْمَةً إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ لَمّا بَيَّنَ اللَّهُ خَلْقَ الإنْسانِ بَيَّنَ أنَّهُ لَمّا خَلَقَ الإنْسانَ، ولَمْ يَكُنْ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي تَبْقى وتَدُومُ سِنِينَ مُتَطاوِلَةً أبْقى نَوْعَهُ بِالأشْخاصِ وجَعَلَهُ بِحَيْثُ يَتَوالَدُ، فَإذا ماتَ الأبُ يَقُومُ الِابْنُ مَقامَهُ لِئَلّا يُوجِبَ فَقْدُ الواحِدِ ثُلْمَةً في العِمارَةِ لا تَنْسَدُّ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿خَلَقَ لَكُمْ﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّ النِّساءَ خُلِقْنَ كَخَلْقِ الدَّوابِّ والنَّباتِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المَنافِعِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿خَلَقَ لَكم ما في الأرْضِ﴾ [البقرة: ٢٩] وهَذا يَقْتَضِي أنْ لا تَكُونَ مَخْلُوقَةً لِلْعِبادَةِ والتَّكْلِيفِ، فَنَقُولُ: خَلْقُ النِّساءِ مِنَ النِّعَمِ عَلَيْنا وخَلْقُهُنَّ لَنا وتَكْلِيفُهُنَّ لِإتْمامِ النِّعْمَةِ عَلَيْنا لا لِتَوْجِيهِ التَّكْلِيفِ نَحْوَهُنَّ مِثْلُ تَوْجِيهِهِ إلَيْنا وذَلِكَ مِن حَيْثُ النَّقْلِ والحُكْمِ والمَعْنى، أمّا النَّقْلُ فَهَذا وغَيْرُهُ، وأمّا الحُكْمُ فَلِأنَّ المَرْأةَ لَمْ تُكَلَّفْ بِتَكالِيفٍ كَثِيرَةٍ كَما كُلِّفَ الرَّجُلُ بِها، وأمّا المَعْنى فَلِأنَّ المَرْأةَ ضَعِيفَةُ الخَلْقِ سَخِيفَةٌ فَشابَهَتِ الصَّبِيَّ، لَكِنَّ الصَّبِيَّ لَمْ يُكَلَّفْ فَكانَ يُناسِبُ أنْ لا تُؤَهَّلَ المَرْأةُ لِلتَّكْلِيفِ، لَكِنَّ النِّعْمَةَ عَلَيْنا ما كانَتْ تَتِمُّ إلّا بِتَكْلِيفِهِنَّ لِتَخافَ كُلُّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ العَذابَ فَتَنْقادُ لِلزَّوْجِ وتَمْتَنِعُ عَنِ المُحَرَّمِ، ولَوْلا ذَلِكَ لَظَهَرَ الفَسادُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿مِن أنْفُسِكُمْ﴾ بَعْضُهم قالَ: المُرادُ مِنهُ أنَّ حَوّاءَ خُلِقَتْ مِن جِسْمِ آدَمَ، والصَّحِيحُ أنَّ المُرادَ مِنهُ مِن جِنْسِكم كَما قالَ تَعالى: ﴿لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ مِن أنْفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨] ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿لِتَسْكُنُوا إلَيْها﴾ يَعْنِي أنَّ الجِنْسَيْنِ الحَيَّيْنِ المُخْتَلِفَيْنِ لا يَسْكُنُ أحَدُهُما إلى الآخَرِ أيْ لا تَثْبُتُ نَفْسُهُ مَعَهُ ولا يَمِيلُ قَلْبُهُ إلَيْهِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: يُقالُ سَكَنَ إلَيْهِ لِلسُّكُونِ القَلْبِيِّ، ويُقالُ سَكَنَ عِنْدَهُ لِلسُّكُونِ الجُسْمانِيِّ؛ لِأنَّ كَلِمَةَ عِنْدَ جاءَتْ لِظَرْفِ المَكانِ، وذَلِكَ لِلْأجْسامِ وإلى لِلْغايَةِ وهي لِلْقُلُوبِ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وجَعَلَ بَيْنَكم مَوَدَّةً ورَحْمَةً﴾ فِيهِ أقْوالٌ، قالَ بَعْضُهم: مَوَدَّةٌ بِالمُجامَعَةِ ورَحْمَةٌ بِالوَلَدِ تَمَسُّكًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيّا﴾ [مريم: ٢] وقالَ بَعْضُهم: مَحَبَّةً حالَةَ حاجَةِ نَفْسِهِ، ورَحْمَةً حالَةَ حاجَةِ صاحِبِهِ إلَيْهِ، وهَذا لِأنَّ الإنْسانَ يُحِبُّ مَثَلًا ولَدَهُ، فَإذا رَأى عَدُوَّهُ في شِدَّةِ مِن جُوعٍ وألَمٍ قَدْ يَأْخُذُ مِن ولَدِهِ ويُصْلِحُ بِهِ حالَ ذَلِكَ، وما ذَلِكَ لِسَبَبِ المَحَبَّةِ، وإنَّما هو لِسَبَبِ الرَّحْمَةِ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ ذَكَرَ مِن قَبْلُ أمْرَيْنِ: أحَدُهُما: كَوْنُ الزَّوْجُ مِن جِنْسِهِ. والثّانِي: ما تُفْضِي إلَيْهِ الجِنْسِيَّةُ وهو السُّكُونُ إلَيْهِ، فالجِنْسِيَّةُ تُوجِبُ السُّكُونَ، وذَكَرَ هاهُنا أمْرَيْنِ: أحَدُهُما: يُفْضِي إلى الآخَرِ، فالمَوَدَّةُ تَكُونُ أوَّلًا ثُمَّ إنَّها تُفْضِي إلى الرَّحْمَةِ، ولِهَذا فَإنَّ الزَّوْجَةَ قَدْ تَخْرُجُ عَنْ مَحَلِّ الشَّهْوَةِ بِكِبَرٍ أوْ مَرَضٍ ويَبْقى قِيامُ الزَّوْجِ بِها وبِالعَكْسِ، وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: المُرادُ إنَّ في خَلْقِ الأزْواجِ لَآياتٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ في جَعْلِ المَوَدَّةِ بَيْنَهم آياتٌ. أمّا الأوَّلُ: فَلا بُدَّ لَهُ مِن فِكْرٍ؛ لِأنَّ خَلْقَ الإنْسانِ مِنَ الوالِدَيْنِ يَدُلُّ عَلى كَمالِ القُدْرَةِ ونُفُوذِ الإرادَةِ وشُمُولِ العِلْمِ لِمَن صفحة ٩٨ يَتَفَكَّرُ ولَوْ في خُرُوجِ الوَلَدِ مِن بَطْنِ الأُمِّ، فَإنَّ دُونَ ذَلِكَ لَوْ كانَ مِن غَيْرِ اللَّهِ لَأفْضى إلى هَلاكِ الأُمِّ وهَلاكِ الوَلَدِ أيْضًا؛ لَأنَّ الوَلَدَ لَوْ سُلَّ مِن مَوْضِعٍ ضَيِّقٍ بِغَيْرِ إعانَةِ اللَّهِ لَماتَ. وأمّا الثّانِي: فَكَذَلِكَ؛ لِأنَّ الإنْسانَ يَجِدُ بَيْنَ القَرِينَيْنِ مِنَ التَّراحُمِ ما لا يَجِدُهُ بَيْنَ ذَوِي الأرْحامِ، ولَيْسَ ذَلِكَ بِمُجَرَّدِ الشَّهْوَةِ فَإنَّها قَدْ تَنْتَفِي وتَبْقى الرَّحْمَةُ، فَهو مِنَ اللَّهِ ولَوْ كانَ بَيْنَهُما مُجَرَّدُ الشَّهْوَةِ، والغَضَبُ كَثِيرُ الوُقُوعِ وهو مُبْطِلٌ لِلشَّهْوَةِ، والشَّهْوَةُ غَيْرُ دائِمَةٍ في نَفْسِها لَكانَ كُلَّ ساعَةٍ بَيْنَهُما فِراقٌ وطَلاقٌ، فالرَّحْمَةُ الَّتِي بِها يَدْفَعُ الإنْسانُ المَكارِهَ عَنْ حَرِيمِ حَرَمِهِ هي مِن عِنْدِ اللَّهِ ولا يُعْلَمُ ذَلِكَ إلّا بِفِكْرٍ.

الروم 30:22

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ومِن آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ واخْتِلافُ ألْسِنَتِكم وألْوانِكم إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِلْعالِمِينَ﴾ لَمّا بَيَّنَ دَلائِلَ الأنْفُسِ ذَكَرَ دَلائِلَ الآفاقِ، وأظْهَرُها خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ، فَإنَّ بَعْضَ الكُفّارِ يَقُولُ في خَلْقِ البَشَرِ وغَيْرِهِ مِنَ المُرَكَّباتِ إنَّهُ بِسَبَبِ ما في العَناصِرِ مِنَ الكَيْفِيّاتِ وما في السَّماواتِ مِنَ الحَرَكاتِ، وما فِيها مِن الِاتِّصالاتِ، فَإذا قِيلَ لَهُ: فالسَّماءُ والأرْضُ لَمْ تَكُنْ لِامْتِزاجِ العَناصِرِ واتِّصالاتِ الكَواكِبِ، فَلا يَجِدُ بُدًّا مِن أنْ يَقُولَ ذَلِكَ بِقُدْرَةِ اللَّهِ وإرادَتِهِ، ثُمَّ لَمّا أشارَ إلى دَلائِلِ الأنْفُسِ والآفاقِ ذَكَرَ ما هو مِن صِفاتِ الأنْفُسِ بِالِاخْتِلافِ الَّذِي بَيْنَ ألْوانِ الإنْسانِ فَإنَّ واحِدًا مِنهم مَعَ كَثْرَةِ عَدَدِهِمْ، وصِغَرِ حَجْمِ خُدُودِهِمْ وقُدُودِهِمْ لا يَشْتَبِهُ بِغَيْرِهِ، والسَّماواتُ مَعَ كِبَرِها وقِلَّةِ عَدَدِها مُشْتَبِهاتٌ في الصُّورَةِ. والثّانِي: اخْتِلافُ كَلامِهِمْ فَإنَّ عَرَبِيَّيْنِ هُما أخَوانِ إذا تَكَلَّما بِلُغَةٍ واحِدَةٍ يُعْرَفُ أحَدُهُما مِنَ الآخَرِ حَتّى أنَّ مَن يَكُونُ مَحْجُوبًا عَنْهُما لا يُبْصِرُهُما يَقُولُ هَذا صَوْتُ فُلانٍ وهَذا صَوْتُ فُلانٍ الآخَرِ، وفِيهِ حِكْمَةٌ بالِغَةٌ؛ وذَلِكَ لِأنَّ الإنْسانَ يَحْتاجُ إلى التَّمْيِيزِ بَيْنَ الأشْخاصِ لِيَعْرِفَ صاحِبَ الحَقِّ مِن غَيْرِهِ والعَدُوَّ مِنَ الصَّدِيقِ؛ لِيَحْتَرِزَ قَبْلَ وُصُولِ العَدُوِّ إلَيْهِ، ولِيُقْبِلَ عَلى الصَّدِيقِ قَبْلَ أنْ يَفُوتَهُ الإقْبالُ عَلَيْهِ، وذَلِكَ قَدْ يَكُونُ بِالبَصَرِ فَخَلَقَ اخْتِلافَ الصُّوَرِ، وقَدْ يَكُونُ بِالسَّمْعِ فَخَلَقَ اخْتِلافَ الأصْواتِ، وأمّا اللَّمْسُ والشَّمُّ والذَّوْقُ فَلا يُفِيدُ فائِدَةً في مَعْرِفَةِ العَدُوِّ والصَّدِيقِ فَلا يَقَعُ بِها التَّمْيِيزُ، ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: المُرادُ اخْتِلافُ اللُّغَةِ كالعَرَبِيَّةِ والفارِسِيَّةِ والرُّومِيَّةِ وغَيْرِها، والأوَّلُ أصَحُّ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لَآياتٍ لِلْعالِمِينَ﴾ لَمّا كانَ خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ لَمْ يَحْتَمِلِ الِاحْتِمالاتِ البَعِيدَةَ الَّتِي يَقُولُها أصْحابُ الطَّبائِعِ واخْتِلافُ الألْوانِ كَذَلِكَ واخْتِلافُ الأصْواتِ كَذَلِكَ قالَ: ﴿لِلْعالِمِينَ﴾ لِعُمُومِ العِلْمِ بِذَلِكَ.

الروم 30:23

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ومِن آياتِهِ مَنامُكم بِاللَّيْلِ والنَّهارِ وابْتِغاؤُكم مِن فَضْلِهِ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ صفحة ٩٩ لَمّا ذَكَرَ بَعْضَ العَرَضِيّاتِ اللّازِمَةِ وهو اخْتِلافُ ذِكْرِ الأعْراضِ المُفارِقَةِ ومِن جُمْلَتِها النَّوْمُ بِاللَّيْلِ، والحَرَكَةُ طَلَبًا لِلرِّزْقِ بِالنَّهارِ، فَذَكَرَ مِنَ اللَّوازِمِ أمْرَيْنِ، ومِنَ المُفارَقَةِ أمْرَيْنِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿مَنامُكم بِاللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ قِيلَ أرادَ بِهِ النَّوْمَ بِاللَّيْلِ والنَّوْمَ بِالنَّهارِ وهي القَيْلُولَةُ: ثُمَّ قالَ: ﴿وابْتِغاؤُكُمْ﴾ أيْ فِيهِما فَإنَّ كَثِيرًا ما يَكْتَسِبُ الإنْسانُ بِاللَّيْلِ، وقِيلَ أرادَ: مَنامُكم بِاللَّيْلِ وابْتِغاؤُكم بِالنَّهارِ، فَلَفَّ البَعْضَ بِالبَعْضِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ آياتٌ أُخَرُ. مِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا﴾ [الإسراء: ١٢] وقَوْلُهُ: ﴿وجَعَلْنا اللَّيْلَ لِباسًا﴾ ﴿وجَعَلْنا النَّهارَ مَعاشًا﴾ [ النَّبَأِ: ١٠ - ١١] ويَكُونُ التَّقْدِيرُ هَكَذا: ومِن آياتِهِ مَنامُكم وابْتِغاؤُكم بِاللَّيْلِ والنَّهارِ مِن فَضْلِهِ، فَأخَّرَ الِابْتِغاءَ وقَرَنَهُ في اللَّفْظِ بِالفِعْلِ إشارَةً إلى أنَّ العَبْدَ يَنْبَغِي أنْ لا يَرى الرِّزْقَ مِن كَسْبِهِ وبِحِذْقِهِ، بَلْ يَرى كُلَّ ذَلِكَ مِن فَضْلِ رَبِّهِ، ولِهَذا قَرَنَ الِابْتِغاءَ بِالفَضْلِ في كَثِيرٍ مِنَ المَواضِعِ، مِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فانْتَشِرُوا في الأرْضِ وابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ١٠] وقَوْلُهُ: ﴿ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ﴾ [النحل: ١٤] . المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ: ﴿لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ وقالَ مِن قَبْلُ: ﴿لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ وقالَ: ﴿لِلْعالِمِينَ﴾ فَنَقُولُ: المَنامُ بِاللَّيْلِ والِابْتِغاءُ مِن فَضْلِهِ يَظُنُّ الجاهِلُ أوِ الغافِلُ أنَّهُما مِمّا يَقْتَضِيهِ طَبْعُ الحَيَوانِ، فَلا يَظْهَرُ لِكُلِّ أحَدٍ كَوْنُهُما مِن نِعَمِ اللَّهِ، فَلَمْ يَقُلْ: آياتٌ لِلْعالَمِينَ، ولِأنَّ الأمْرَيْنِ الأوَّلَيْنِ وهو اخْتِلافُ الألْسِنَةِ والألْوانِ مِنَ اللَّوازِمِ، والمَنامُ والِابْتِغاءُ مِنَ الأُمُورِ المُفارِقَةِ، فالنَّظَرُ إلَيْهِما لا يَدُومُ لِزَوالِهِما في بَعْضِ الأوْقاتِ ولا كَذَلِكَ اخْتِلافُ الألْسِنَةِ والألْوانِ؛ فَإنَّهُما يَدُومانِ بِدَوامِ الإنْسانِ، فَجَعَلَهُما آياتٍ عامَّةً، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ فاعْلَمْ أنَّ مِنَ الأشْياءِ ما يَعْلَمُ مِن غَيْرِ تَفَكُّرٍ، ومِنها ما يَكْفِي فِيهِ مُجَرَّدُ الفِكْرَةِ، ومِنها ما لا يَخْرُجُ بِالفِكْرِ بَلْ يَحْتاجُ إلى مَوْقِفٍ يُوقَفُ عَلَيْهِ ومُرْشِدٍ يُرْشِدُ إلَيْهِ، فَيُفْهِمُهُ إذا سَمِعَهُ مِن ذَلِكَ المُرْشِدِ، ومِنها ما يَحْتاجُ إلى بَعْضِ النّاسِ في تَفَهُّمِهِ إلى أمْثِلَةٍ حِسِّيَّةٍ كالأشْكالِ الهَنْدَسِيَّةِ، لَكِنَّ خَلْقَ الأزْواجِ لا يَقَعُ لِأحَدٍ أنَّهُ بِالطَّبْعِ، إلّا إذا كانَ جامِدَ الفِكْرِ، خامِدَ الذِّكْرِ، فَإذا تَفَكَّرَ عَلِمَ كَوْنَ ذَلِكَ الخَلْقِ آيَةً، وأمّا المَنامُ والِابْتِغاءُ فَقَدْ يَقَعُ لِكَثِيرٍ أنَّهُما مِن أفْعالِ العِبادِ، وقَدْ يَحْتاجُ إلى مُرْشِدٍ بِغَيْرِ فِكْرَةٍ، فَقالَ: ﴿لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ ويَجْعَلُونَ بالَهم إلى كَلامِ المُرْشِدِ.

الروم 30:24

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ومِن آياتِهِ يُرِيكُمُ البَرْقَ خَوْفًا وطَمَعًا ويُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ ماءً فَيُحْيِي بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ . لَمّا ذَكَرَ العَرَضِيّاتِ الَّتِي لِلْأنْفُسِ اللّازِمَةِ والمُفارِقَةِ ذَكَرَ العَرَضِيّاتِ الَّتِي لِلْآفاقِ، وقالَ: ﴿يُرِيكُمُ البَرْقَ خَوْفًا وطَمَعًا ويُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ﴾ . وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: لَمّا قَدَّمَ دَلائِلَ الأنْفُسِ هاهُنا قَدَّمَ العَرَضِيّاتِ الَّتِي لِلْأنْفُسِ وأخَّرَ العَرَضِيّاتِ الَّتِي لِلْآفاقِ، كَما أخَّرَ دَلائِلَ الآفاقِ، بِقَوْلِهِ: ﴿ومِن آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَدَّمَ لَوازِمَ الأنْفُسِ عَلى العَوارِضِ المُفارِقَةِ حَيْثُ ذَكَرَ أوَّلًا اخْتِلافَ الألْسِنَةِ والألْوانِ ثُمَّ صفحة ١٠٠ المَنامَ والِابْتِغاءَ، وقَدَّمَ في الآفاقِ العَوارِضَ المُفارِقَةَ عَلى اللَّوازِمِ حَيْثُ قالَ: ﴿يُرِيكُمُ البَرْقَ خَوْفًا وطَمَعًا ويُنَزِّلُ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ الإنْسانَ مُتَغَيِّرُ الحالِ، والعَوارِضُ لَهُ غَيْرُ بَعِيدَةٍ، وأمّا اللَّوازِمُ فِيهِ فَقَرِيبَةٌ. وأمّا السَّماواتُ والأرْضُ فَقَلِيلَةُ التَّغَيُّرِ، فالعَوارِضُ فِيها أغْرَبُ مِنَ اللَّوازِمِ، فَقَدَّمَ ما هو أعْجَبُ لِكَوْنِهِ أدْخَلَ في كَوْنِهِ آيَةً. ونَزِيدُهُ بَيانًا فَنَقُولُ: الإنْسانُ يَتَغَيَّرُ حالُهُ بِالكِبَرِ والصِّغَرِ والصِّحَّةِ والسَّقَمِ ولَهُ صَوْتٌ يُعْرَفُ بِهِ لا يَتَغَيَّرُ ولَهُ لَوْنٌ يَتَمَيَّزُ عَنْ غَيْرِهِ، وهو يَتَغَيَّرُ في الأحْوالِ وذَلِكَ لا يَتَغَيَّرُ وهو آيَةٌ عَجِيبَةٌ، والسَّماءُ والأرْضُ ثابِتانِ لا يَتَغَيَّرانِ، ثُمَّ يُرى في بَعْضِ الأحْوالِ أمْطارٌ هاطِلَةٌ وبُرُوقٌ هائِلَةٌ، والسَّماءُ كَما كانَتْ والأرْضُ كَذَلِكَ، فَهو آيَةٌ دالَّةٌ عَلى فاعِلٍ مُخْتارٍ يُدِيمُ أمْرًا مَعَ تَغَيُّرِ المَحَلِّ ويُزِيلُ أمْرًا مَعَ ثَباتِ المَحَلِّ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: كَما قَدَّمَ السَّماءَ عَلى الأرْضِ قَدَّمَ ما هو مِنَ السَّماءِ وهو البَرْقُ والمَطَرُ عَلى ما هو مِنَ الأرْضِ وهو الإنْباتُ والإحْياءُ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: كَما أنَّ في إنْزالِ المَطَرِ وإنْباتِ الشَّجَرِ مَنافِعَ، كَذَلِكَ في تَقَدُّمِ البَرْقِ والرَّعْدِ عَلى المَطَرِ مَنفَعَةٌ، وذَلِكَ لِأنَّ البَرْقَ إذا لاحَ، فالَّذِي لا يَكُونُ تَحْتَ كِنٍّ يَخافُ الِابْتِلالَ فَيَسْتَعِدُّ لَهُ، والَّذِي لَهُ صِهْرِيجٌ أوْ مَصْنَعٌ يَحْتاجُ إلى الماءِ أوْ زَرْعٌ يُسَوِّي مَجارِيَ الماءِ، وأيْضًا العَرَبُ مِن أهْلِ البَوادِي فَلا يَعْلَمُونَ البِلادَ المُعْشِبَةَ إنْ لَمْ يَكُونُوا قَدْ رَأوُا البُرُوقَ اللّائِحَةَ مِن جانِبٍ دُونَ جانِبٍ، واعْلَمْ أنَّ فَوائِدَ البَرْقِ وإنْ لَمْ تَظْهَرْ لِلْمُقِيمِينَ بِالبِلادِ فَهي ظاهِرَةٌ لِلْبادِينَ؛ ولِهَذا جَعَلَ تَقْدِيمَ البَرْقِ عَلى تَنْزِيلِ الماءِ مِنَ السَّماءِ نِعْمَةً وآيَةً، وأمّا كَوْنُهُ آيَةً فَظاهِرٌ فَإنَّ في السَّحابِ لَيْسَ إلّا ماءً وهَواءً، وخُرُوجُ النّارِ مِنها بِحَيْثُ تَحْرِقُ الجِبالَ في غايَةِ البُعْدِ، فَلا بُدَّ لَهُ مِن خالِقٍ هو اللَّهُ، قالَتِ الفَلاسِفَةُ: السَّحابُ فِيهِ كَثافَةٌ ولَطافَةٌ بِالنِّسْبَةِ إلى الهَواءِ والماءِ. فالهَواءُ ألْطَفُ مِنهُ والماءُ أكْثَفُ فَإذا هَبَّتْ رِيحٌ قَوِيَّةٌ تَخْرِقُ السَّحابَ بِعُنْفٍ فَيَحْدُثُ صَوْتُ الرَّعْدِ ويَخْرُجُ مِنهُ النّارُ كَمِساسِ جِسْمٍ جِسْمًا بِعُنْفٍ، وهَذا كَما أنَّ النّارَ تَخْرُجُ مِن وُقُوعِ الحَجَرِ عَلى الحَدِيدِ فَإنْ قالَ قائِلٌ: الحَجَرُ والحَدِيدُ جِسْمانِ صَلْبانِ، والسَّحابُ والرِّيحُ جِسْمانِ رَطْبانِ، فَيَقُولُونَ لَكِنْ حَرَكَةُ يَدِ الإنْسانِ ضَعِيفَةٌ، وحَرَكَةُ الرِّيحِ قَوِيَّةٌ تَقْلَعُ الأشْجارَ، فَنَقُولُ لَهُمُ: البَرْقُ والرَّعْدُ أمْرانِ حادِثانِ لا بُدَّ لَهُما مِن سَبَبٍ، وقَدْ عُلِمَ بِالبُرْهانِ كَوْنُ كُلِّ حادِثٍ مِنَ اللَّهِ فَهُما مِنَ اللَّهِ، ثُمَّ إنّا نَقُولُ هَبْ أنَّ الأمْرَ كَما تَقُولُونَ، فَهُبُوبُ تِلْكَ الرِّيحِ القَوِيَّةِ مِنَ الأُمُورِ الحادِثَةِ العَجِيبَةِ، لا بُدَّ لَهُ مَن سَبَبٍ ويَنْتَهِي إلى واجِبِ الوُجُودِ، فَهو آيَةٌ لِلْعاقِلِ عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ كَيْفَما فَرَضْتُمْ ذَلِكَ. المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قالَ هاهُنا: ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ لَمّا كانَ حُدُوثُ الوَلَدِ مِنَ الوالِدِ أمْرًا عادِيًّا مُطَّرِدًا قَلِيلَ الِاخْتِلافِ كانَ يَتَطَرَّقُ إلى الأوْهامِ العامِّيَّةِ أنَّ ذَلِكَ بِالطَّبِيعَةِ؛ لِأنَّ المُطَّرِدَ أقْرَبُ إلى الطَّبِيعَةِ مِنَ المُخْتَلِفِ، لَكِنَّ البَرْقَ والمَطَرَ لَيْسَ أمْرًا مُطَّرِدًا غَيْرَ مُتَخَلِّفٍ إذْ يَقَعُ بِبَلْدَةٍ دُونَ بَلْدَةٍ وفي وقْتٍ دُونَ وقْتٍ وتارَةً تَكُونُ قَوِيَّةً وتارَةً تَكُونُ ضَعِيفَةً، فَهو أظْهَرُ في العَقْلِ دَلالَةً عَلى الفاعِلِ المُخْتارِ، فَقالَ هو آيَةٌ لِمَن لَهُ عَقْلٌ إنْ لَمْ يَتَفَكَّرْ تَفَكُّرًا تامًّا. * * صفحة ١٠١ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ومِن آياتِهِ أنْ تَقُومَ السَّماءُ والأرْضُ بِأمْرِهِ ثُمَّ إذا دَعاكم دَعْوَةً مِنَ الأرْضِ إذا أنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ لَمّا ذَكَرَ مِنَ العَوارِضِ الَّتِي لِلسَّماءِ والأرْضِ بَعْضَها، ذَكَرَ مِن لَوازِمِها البَعْضَ وهي قِيامُها، فَإنَّ الأرْضَ لِثِقَلِها يَتَعَجَّبُ الإنْسانُ مِن وُقُوفِها وعَدَمِ نُزُولِها، وكَوْنُ السَّماءِ يَتَعَجَّبُ مِن عُلُوِّها وثَباتِها مِن غَيْرِ عَمَدٍ، وهَذا مِنَ اللَّوازِمِ، فَإنَّ الأرْضَ لا تَخْرُجُ عَنْ مَكانِها الَّذِي هي فِيهِ، والسَّماءُ كَذَلِكَ لا تَخْرُجُ عَنْ مَكانِها الَّذِي هي فِيهِ، فَإنْ قِيلَ إنَّها تَتَحَرَّكُ في مَكانِها كالرَّحى ولَكِنِ اتَّفَقَ العُقَلاءُ عَلى أنَّها في مَكانِها لا تَخْرُجُ عَنْهُ، وهَذِهِ آيَةٌ ظاهِرَةٌ؛ لِأنَّ كَوْنَهُما في المَوْضِعِ الَّذِي هُما فِيهِ وعَلى المَوْضِعِ الَّذِي هُما عَلَيْهِ مِنَ الأُمُورِ المُمْكِنَةِ، وكَوْنُهُما في غَيْرِ ذَلِكَ المَوْضِعِ جائِزٌ، فَكانَ يُمْكِنُ أنْ يَخْرُجا مِنهُ فَلَمّا لَمْ يَخْرُجا كانَ ذَلِكَ تَرْجِيحًا لِلْجائِزِ عَلى غَيْرِهِ، وذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا بِفاعِلٍ مُخْتارٍ، والفَلاسِفَةُ قالُوا: كَوْنُ الأرْضِ في المَكانِ الَّذِي هي فِيهِ طَبِيعِيٌّ لَها؛ لِأنَّها أثْقَلُ الأشْياءِ، والثَّقِيلُ يَطْلُبُ المَرْكَزَ، والخَفِيفُ يَطْلُبُ المُحِيطَ، والسَّماءُ كَوْنُها في مَكانِها إنْ كانَتْ ذاتَ مَكانِ فَلَذاتِها فَقِيامُهُما فِيهِما بِطَبْعِهِما، فَنَقُولُ: قَدْ تَقَدَّمَ مِرارًا أنَّ القَوْلَ بِالطَّبِيعَةِ باطِلٌ، والَّذِي نَزِيدُهُ هاهُنا أنَّكم وافَقْتُمُونا بِأنَّ ما جازَ عَلى أحَدِ المِثْلَيْنِ جازَ عَلى المِثْلِ الآخَرِ، لَكِنَّ مُقَعَّرَ الفَلَكِ لا يُخالِفُ مُحَدَّبَهُ في الطَّبْعِ، فَيَجُوزُ حُصُولُ مُقَعَّرِهِ في مَوْضِعِ مُحَدَّبِهِ، وذَلِكَ بِالخُرُوجِ والزَّوالِ، فَإذَنِ الزَّوالُ عَنِ المَكانِ مُمْكِنٌ لا سِيَّما عَلى السَّماءِ الدُّنْيا، فَإنَّها مُحَدَّدَةُ الجِهاتِ عَلى مَذْهَبِكم أيْضًا، والأرْضُ كانَتْ تَجُوزُ عَلَيْها الحَرَكَةُ الدَّوْرِيَّةُ، كَما تَقُولُونَ عَلى السَّماءِ، فَعَدَمُها وسُكُونُها لَيْسَ إلّا بِفاعِلٍ مُخْتارٍ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: ذَكَرَ اللَّهُ مِن كُلِّ بابٍ أمْرَيْنِ، أمّا مِنَ الأنْفُسِ فَقَوْلُهُ: ﴿خَلَقَ لَكُمْ﴾ اسْتَدَلَّ بِخَلْقِ الزَّوْجَيْنِ ومِنَ الآفاقِ السَّماءُ والأرْضُ في قَوْلِهِ: ﴿خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ ومِن لَوازِمَ الإنْسانِ اخْتِلافُ اللِّسانِ واخْتِلافُ الألْوانِ، ومِن عَوارِضِهِ المَنامُ والِابْتِغاءُ، ومِن عَوارِضِ الآفاقِ البُرُوقُ والأمْطارُ ومِن لَوازِمِها قِيامُ السَّماءِ وقِيامُ الأرْضِ؛ لِأنَّ الواحِدَ يَكْفِي لِإقْرارٍ بِالحَقِّ والثّانِي: يُفِيدُ الظَّنَّ، وقَوْلُ الآخَرِ يُفِيدُ تَأْكِيدَهُ؛ ولِهَذا قالَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ﴿بَلى ولَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠] . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿بِأمْرِهِ﴾ أيْ بِقَوْلِهِ: (قَوْمًا) أوْ بِإرادَتِهِ قِيامَهُما، وذَلِكَ لِأنَّ الأمْرَ عِنْدَ المُعْتَزِلَةِ مُوافِقٌ لِلْإرادَةِ، وعِنْدَنا لَيْسَ كَذَلِكَ ولَكِنَّ النِّزاعَ في الأمْرِ الَّذِي لِلتَّكْلِيفِ لا في الأمْرِ الَّذِي لِلتَّكْوِينِ، فَإنّا لا نُنازِعُهم في أنَّ قَوْلَهُ: (كُنْ) وكُونُوا ﴿يانارُ كُونِي﴾ [الأنْبِياءِ: ٦٩] مُوافِقٌ لِلْإرادَةِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ هاهُنا: ﴿ومِن آياتِهِ أنْ تَقُومَ﴾ وقالَ قَبْلَهُ: ﴿ومِن آياتِهِ يُرِيكُمُ﴾ ولَمْ يَقُلْ أنْ يُرِيَكم، وإنْ قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ إنَّ أنْ مُضْمَرَةٌ هُناكَ مَعْناهُ مِن آياتِهِ (أنْ يُرِيَكم) لِيَصِيرَ كالمَصْدَرِ بِأنْ، وذَلِكَ لِأنَّ القِيامَ لَمّا كانَ غَيْرَ مُتَغَيِّرٍ أخْرَجَ الفِعْلَ بِأنَّ عَنِ الفِعْلِ المُسْتَقْبَلِ، وجَعَلَهُ مَصْدَرًا؛ لِأنَّ المُسْتَقْبَلَ يُنْبِئُ عَنِ التَّجَدُّدِ، وفي البَرْقِ لَمّا كانَ ذَلِكَ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي تَتَجَدَّدُ في زَمانٍ دُونَ زَمانٍ ذَكَرَهُ بِلَفْظِ المُسْتَقْبَلِ، ولَمْ يَذْكُرْ مَعَهُ شَيْئًا مِنَ الحُرُوفِ المَصْدَرِيَّةِ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: ذَكَرَ سِتَّةَ دَلائِلَ، وذَكَرَ في أرْبَعَةٍ مِنها إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ، ولَمْ يَذْكُرْ في الأوَّلِ وهو قَوْلُهُ: ﴿ومِن آياتِهِ أنْ خَلَقَكم مِن تُرابٍ﴾ ولا في الآخَرِ وهو قَوْلُهُ: ﴿ومِن آياتِهِ أنْ تَقُومَ السَّماءُ والأرْضُ﴾ أمّا في الأوَّلِ فَلِأنَّ قَوْلَهُ بَعْدَهُ: ﴿ومِن آياتِهِ أنْ خَلَقَ لَكُمْ﴾ أيْضًا دَلِيلُ الأنْفُسِ، فَخَلْقُ الأنْفُسِ وخَلْقُ الأزْواجِ مِن بابٍ واحِدٍ، صفحة ١٠٢ عَلى ما بَيَّنّا، غَيْرَ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ مِن كُلِّ بابٍ أمْرَيْنِ لِلتَّقْرِيرِ بِالتَّكْرِيرِ، فَإذا قالَ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ﴾ كانَ عائِدًا إلَيْهِما، وأمّا في قِيامِ السَّماءِ والأرْضِ فَنَقُولُ في الآياتِ السَّماوِيَّةِ ذَكَرَ أنَّها آياتٌ لِلْعالِمِينَ، ولِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ لِظُهُورِها، فَلَمّا كانَ في أوَّلِ الأمْرِ ظاهِرًا فَفي آخِرِ الأمْرِ بَعْدَ سَرْدِ الدَّلائِلِ يَكُونُ أظْهَرَ، فَلَمْ يُمَيِّزْ أحَدًا عَنْ أحَدٍ في ذَلِكَ، وذَكَرَ ما هو مَدْلُولُهُ وهو قُدْرَتُهُ عَلى الإعادَةِ، وقالَ: ﴿ثُمَّ إذا دَعاكم دَعْوَةً مِنَ الأرْضِ إذا أنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ وفِيها مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: ما وجْهُ العَطْفِ بِثُمَّ، وبِمَ تَعَلُّقُ ثُمَّ ؟ فَنَقُولُ مَعْناهُ واللَّهُ أعْلَمُ إنَّهُ تَعالى إذا بَيَّنَ لَكم كَمالَ قُدْرَتِهِ بِهَذِهِ الآياتِ بَعْدَ ذَلِكَ يُخْبِرُكم، ويُعْلِمُكم أنَّهُ إذا قالَ لِلْعِظامِ الرَّمِيمَةِ اخْرُجُوا مِنَ الأجْداثِ يَخْرُجُونَ أحْياءً. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُ القائِلِ دَعا فُلانٌ فُلانًا مِنَ الجَبَلِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الدُّعاءُ مِنَ الجَبَلِ، كَما يَقُولُ القائِلُ يا فُلانُ اصْعَدْ إلى الجَبَلِ، فَيُقالُ دَعاهُ مِنَ الجَبَلِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَدْعُوُّ يُدْعى مِنَ الجَبَلِ كَما يَقُولُ القائِلُ يا فُلانُ انْزِلْ مِنَ الجَبَلِ، فَيُقالُ دَعاهُ مِنَ الجَبَلِ، ولا يَخْفى عَلى العاقِلِ أنَّ الدُّعاءَ لا يَكُونُ مِنَ الأرْضِ إذا كانَ الدّاعِي هو اللَّهُ، فالمَدْعُوُّ يُدْعى مِنَ الأرْضِ يَعْنِي أنْتُمْ تَكُونُونَ في الأرْضِ فَيَدْعُوكم مِنها فَتَخْرُجُونَ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذا أنْتُمْ﴾ قَدْ بَيَّنّا أنَّهُ لِلْمُفاجَأةِ يَعْنِي يَكُونُ ذَلِكَ بِكُنْ فَيَكُونُ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ هاهُنا إذا أنْتُمْ تَخْرُجُونَ، وقالَ في خَلْقِ الإنْسانِ أوَّلًا: ﴿ثُمَّ إذا أنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾ فَنَقُولُ هُناكَ يَكُونُ خَلْقٌ وتَقْدِيرٌ وتَدْرِيجٌ وتَراخٍ حَتّى يَصِيرَ التُّرابُ قابِلًا لِلْحَياةِ، فَيَنْفُخُ فِيهِ رُوحَهُ، فَإذا هو بَشَرٌ، وأمّا في الإعادَةِ لا يَكُونُ تَدْرِيجٌ وتَراخٍ بَلْ يَكُونُ نِداءٌ وخُرُوجٌ، فَلَمْ يَقُلْ هاهُنا ثُمَّ.

الروم 30:25

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ومِن آياتِهِ يُرِيكُمُ البَرْقَ خَوْفًا وطَمَعًا ويُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ ماءً فَيُحْيِي بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ . لَمّا ذَكَرَ العَرَضِيّاتِ الَّتِي لِلْأنْفُسِ اللّازِمَةِ والمُفارِقَةِ ذَكَرَ العَرَضِيّاتِ الَّتِي لِلْآفاقِ، وقالَ: ﴿يُرِيكُمُ البَرْقَ خَوْفًا وطَمَعًا ويُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ﴾ . وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: لَمّا قَدَّمَ دَلائِلَ الأنْفُسِ هاهُنا قَدَّمَ العَرَضِيّاتِ الَّتِي لِلْأنْفُسِ وأخَّرَ العَرَضِيّاتِ الَّتِي لِلْآفاقِ، كَما أخَّرَ دَلائِلَ الآفاقِ، بِقَوْلِهِ: ﴿ومِن آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَدَّمَ لَوازِمَ الأنْفُسِ عَلى العَوارِضِ المُفارِقَةِ حَيْثُ ذَكَرَ أوَّلًا اخْتِلافَ الألْسِنَةِ والألْوانِ ثُمَّ صفحة ١٠٠ المَنامَ والِابْتِغاءَ، وقَدَّمَ في الآفاقِ العَوارِضَ المُفارِقَةَ عَلى اللَّوازِمِ حَيْثُ قالَ: ﴿يُرِيكُمُ البَرْقَ خَوْفًا وطَمَعًا ويُنَزِّلُ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ الإنْسانَ مُتَغَيِّرُ الحالِ، والعَوارِضُ لَهُ غَيْرُ بَعِيدَةٍ، وأمّا اللَّوازِمُ فِيهِ فَقَرِيبَةٌ. وأمّا السَّماواتُ والأرْضُ فَقَلِيلَةُ التَّغَيُّرِ، فالعَوارِضُ فِيها أغْرَبُ مِنَ اللَّوازِمِ، فَقَدَّمَ ما هو أعْجَبُ لِكَوْنِهِ أدْخَلَ في كَوْنِهِ آيَةً. ونَزِيدُهُ بَيانًا فَنَقُولُ: الإنْسانُ يَتَغَيَّرُ حالُهُ بِالكِبَرِ والصِّغَرِ والصِّحَّةِ والسَّقَمِ ولَهُ صَوْتٌ يُعْرَفُ بِهِ لا يَتَغَيَّرُ ولَهُ لَوْنٌ يَتَمَيَّزُ عَنْ غَيْرِهِ، وهو يَتَغَيَّرُ في الأحْوالِ وذَلِكَ لا يَتَغَيَّرُ وهو آيَةٌ عَجِيبَةٌ، والسَّماءُ والأرْضُ ثابِتانِ لا يَتَغَيَّرانِ، ثُمَّ يُرى في بَعْضِ الأحْوالِ أمْطارٌ هاطِلَةٌ وبُرُوقٌ هائِلَةٌ، والسَّماءُ كَما كانَتْ والأرْضُ كَذَلِكَ، فَهو آيَةٌ دالَّةٌ عَلى فاعِلٍ مُخْتارٍ يُدِيمُ أمْرًا مَعَ تَغَيُّرِ المَحَلِّ ويُزِيلُ أمْرًا مَعَ ثَباتِ المَحَلِّ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: كَما قَدَّمَ السَّماءَ عَلى الأرْضِ قَدَّمَ ما هو مِنَ السَّماءِ وهو البَرْقُ والمَطَرُ عَلى ما هو مِنَ الأرْضِ وهو الإنْباتُ والإحْياءُ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: كَما أنَّ في إنْزالِ المَطَرِ وإنْباتِ الشَّجَرِ مَنافِعَ، كَذَلِكَ في تَقَدُّمِ البَرْقِ والرَّعْدِ عَلى المَطَرِ مَنفَعَةٌ، وذَلِكَ لِأنَّ البَرْقَ إذا لاحَ، فالَّذِي لا يَكُونُ تَحْتَ كِنٍّ يَخافُ الِابْتِلالَ فَيَسْتَعِدُّ لَهُ، والَّذِي لَهُ صِهْرِيجٌ أوْ مَصْنَعٌ يَحْتاجُ إلى الماءِ أوْ زَرْعٌ يُسَوِّي مَجارِيَ الماءِ، وأيْضًا العَرَبُ مِن أهْلِ البَوادِي فَلا يَعْلَمُونَ البِلادَ المُعْشِبَةَ إنْ لَمْ يَكُونُوا قَدْ رَأوُا البُرُوقَ اللّائِحَةَ مِن جانِبٍ دُونَ جانِبٍ، واعْلَمْ أنَّ فَوائِدَ البَرْقِ وإنْ لَمْ تَظْهَرْ لِلْمُقِيمِينَ بِالبِلادِ فَهي ظاهِرَةٌ لِلْبادِينَ؛ ولِهَذا جَعَلَ تَقْدِيمَ البَرْقِ عَلى تَنْزِيلِ الماءِ مِنَ السَّماءِ نِعْمَةً وآيَةً، وأمّا كَوْنُهُ آيَةً فَظاهِرٌ فَإنَّ في السَّحابِ لَيْسَ إلّا ماءً وهَواءً، وخُرُوجُ النّارِ مِنها بِحَيْثُ تَحْرِقُ الجِبالَ في غايَةِ البُعْدِ، فَلا بُدَّ لَهُ مِن خالِقٍ هو اللَّهُ، قالَتِ الفَلاسِفَةُ: السَّحابُ فِيهِ كَثافَةٌ ولَطافَةٌ بِالنِّسْبَةِ إلى الهَواءِ والماءِ. فالهَواءُ ألْطَفُ مِنهُ والماءُ أكْثَفُ فَإذا هَبَّتْ رِيحٌ قَوِيَّةٌ تَخْرِقُ السَّحابَ بِعُنْفٍ فَيَحْدُثُ صَوْتُ الرَّعْدِ ويَخْرُجُ مِنهُ النّارُ كَمِساسِ جِسْمٍ جِسْمًا بِعُنْفٍ، وهَذا كَما أنَّ النّارَ تَخْرُجُ مِن وُقُوعِ الحَجَرِ عَلى الحَدِيدِ فَإنْ قالَ قائِلٌ: الحَجَرُ والحَدِيدُ جِسْمانِ صَلْبانِ، والسَّحابُ والرِّيحُ جِسْمانِ رَطْبانِ، فَيَقُولُونَ لَكِنْ حَرَكَةُ يَدِ الإنْسانِ ضَعِيفَةٌ، وحَرَكَةُ الرِّيحِ قَوِيَّةٌ تَقْلَعُ الأشْجارَ، فَنَقُولُ لَهُمُ: البَرْقُ والرَّعْدُ أمْرانِ حادِثانِ لا بُدَّ لَهُما مِن سَبَبٍ، وقَدْ عُلِمَ بِالبُرْهانِ كَوْنُ كُلِّ حادِثٍ مِنَ اللَّهِ فَهُما مِنَ اللَّهِ، ثُمَّ إنّا نَقُولُ هَبْ أنَّ الأمْرَ كَما تَقُولُونَ، فَهُبُوبُ تِلْكَ الرِّيحِ القَوِيَّةِ مِنَ الأُمُورِ الحادِثَةِ العَجِيبَةِ، لا بُدَّ لَهُ مَن سَبَبٍ ويَنْتَهِي إلى واجِبِ الوُجُودِ، فَهو آيَةٌ لِلْعاقِلِ عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ كَيْفَما فَرَضْتُمْ ذَلِكَ. المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قالَ هاهُنا: ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ لَمّا كانَ حُدُوثُ الوَلَدِ مِنَ الوالِدِ أمْرًا عادِيًّا مُطَّرِدًا قَلِيلَ الِاخْتِلافِ كانَ يَتَطَرَّقُ إلى الأوْهامِ العامِّيَّةِ أنَّ ذَلِكَ بِالطَّبِيعَةِ؛ لِأنَّ المُطَّرِدَ أقْرَبُ إلى الطَّبِيعَةِ مِنَ المُخْتَلِفِ، لَكِنَّ البَرْقَ والمَطَرَ لَيْسَ أمْرًا مُطَّرِدًا غَيْرَ مُتَخَلِّفٍ إذْ يَقَعُ بِبَلْدَةٍ دُونَ بَلْدَةٍ وفي وقْتٍ دُونَ وقْتٍ وتارَةً تَكُونُ قَوِيَّةً وتارَةً تَكُونُ ضَعِيفَةً، فَهو أظْهَرُ في العَقْلِ دَلالَةً عَلى الفاعِلِ المُخْتارِ، فَقالَ هو آيَةٌ لِمَن لَهُ عَقْلٌ إنْ لَمْ يَتَفَكَّرْ تَفَكُّرًا تامًّا. * * صفحة ١٠١ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ومِن آياتِهِ أنْ تَقُومَ السَّماءُ والأرْضُ بِأمْرِهِ ثُمَّ إذا دَعاكم دَعْوَةً مِنَ الأرْضِ إذا أنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ لَمّا ذَكَرَ مِنَ العَوارِضِ الَّتِي لِلسَّماءِ والأرْضِ بَعْضَها، ذَكَرَ مِن لَوازِمِها البَعْضَ وهي قِيامُها، فَإنَّ الأرْضَ لِثِقَلِها يَتَعَجَّبُ الإنْسانُ مِن وُقُوفِها وعَدَمِ نُزُولِها، وكَوْنُ السَّماءِ يَتَعَجَّبُ مِن عُلُوِّها وثَباتِها مِن غَيْرِ عَمَدٍ، وهَذا مِنَ اللَّوازِمِ، فَإنَّ الأرْضَ لا تَخْرُجُ عَنْ مَكانِها الَّذِي هي فِيهِ، والسَّماءُ كَذَلِكَ لا تَخْرُجُ عَنْ مَكانِها الَّذِي هي فِيهِ، فَإنْ قِيلَ إنَّها تَتَحَرَّكُ في مَكانِها كالرَّحى ولَكِنِ اتَّفَقَ العُقَلاءُ عَلى أنَّها في مَكانِها لا تَخْرُجُ عَنْهُ، وهَذِهِ آيَةٌ ظاهِرَةٌ؛ لِأنَّ كَوْنَهُما في المَوْضِعِ الَّذِي هُما فِيهِ وعَلى المَوْضِعِ الَّذِي هُما عَلَيْهِ مِنَ الأُمُورِ المُمْكِنَةِ، وكَوْنُهُما في غَيْرِ ذَلِكَ المَوْضِعِ جائِزٌ، فَكانَ يُمْكِنُ أنْ يَخْرُجا مِنهُ فَلَمّا لَمْ يَخْرُجا كانَ ذَلِكَ تَرْجِيحًا لِلْجائِزِ عَلى غَيْرِهِ، وذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا بِفاعِلٍ مُخْتارٍ، والفَلاسِفَةُ قالُوا: كَوْنُ الأرْضِ في المَكانِ الَّذِي هي فِيهِ طَبِيعِيٌّ لَها؛ لِأنَّها أثْقَلُ الأشْياءِ، والثَّقِيلُ يَطْلُبُ المَرْكَزَ، والخَفِيفُ يَطْلُبُ المُحِيطَ، والسَّماءُ كَوْنُها في مَكانِها إنْ كانَتْ ذاتَ مَكانِ فَلَذاتِها فَقِيامُهُما فِيهِما بِطَبْعِهِما، فَنَقُولُ: قَدْ تَقَدَّمَ مِرارًا أنَّ القَوْلَ بِالطَّبِيعَةِ باطِلٌ، والَّذِي نَزِيدُهُ هاهُنا أنَّكم وافَقْتُمُونا بِأنَّ ما جازَ عَلى أحَدِ المِثْلَيْنِ جازَ عَلى المِثْلِ الآخَرِ، لَكِنَّ مُقَعَّرَ الفَلَكِ لا يُخالِفُ مُحَدَّبَهُ في الطَّبْعِ، فَيَجُوزُ حُصُولُ مُقَعَّرِهِ في مَوْضِعِ مُحَدَّبِهِ، وذَلِكَ بِالخُرُوجِ والزَّوالِ، فَإذَنِ الزَّوالُ عَنِ المَكانِ مُمْكِنٌ لا سِيَّما عَلى السَّماءِ الدُّنْيا، فَإنَّها مُحَدَّدَةُ الجِهاتِ عَلى مَذْهَبِكم أيْضًا، والأرْضُ كانَتْ تَجُوزُ عَلَيْها الحَرَكَةُ الدَّوْرِيَّةُ، كَما تَقُولُونَ عَلى السَّماءِ، فَعَدَمُها وسُكُونُها لَيْسَ إلّا بِفاعِلٍ مُخْتارٍ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: ذَكَرَ اللَّهُ مِن كُلِّ بابٍ أمْرَيْنِ، أمّا مِنَ الأنْفُسِ فَقَوْلُهُ: ﴿خَلَقَ لَكُمْ﴾ اسْتَدَلَّ بِخَلْقِ الزَّوْجَيْنِ ومِنَ الآفاقِ السَّماءُ والأرْضُ في قَوْلِهِ: ﴿خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ ومِن لَوازِمَ الإنْسانِ اخْتِلافُ اللِّسانِ واخْتِلافُ الألْوانِ، ومِن عَوارِضِهِ المَنامُ والِابْتِغاءُ، ومِن عَوارِضِ الآفاقِ البُرُوقُ والأمْطارُ ومِن لَوازِمِها قِيامُ السَّماءِ وقِيامُ الأرْضِ؛ لِأنَّ الواحِدَ يَكْفِي لِإقْرارٍ بِالحَقِّ والثّانِي: يُفِيدُ الظَّنَّ، وقَوْلُ الآخَرِ يُفِيدُ تَأْكِيدَهُ؛ ولِهَذا قالَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ﴿بَلى ولَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠] . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿بِأمْرِهِ﴾ أيْ بِقَوْلِهِ: (قَوْمًا) أوْ بِإرادَتِهِ قِيامَهُما، وذَلِكَ لِأنَّ الأمْرَ عِنْدَ المُعْتَزِلَةِ مُوافِقٌ لِلْإرادَةِ، وعِنْدَنا لَيْسَ كَذَلِكَ ولَكِنَّ النِّزاعَ في الأمْرِ الَّذِي لِلتَّكْلِيفِ لا في الأمْرِ الَّذِي لِلتَّكْوِينِ، فَإنّا لا نُنازِعُهم في أنَّ قَوْلَهُ: (كُنْ) وكُونُوا ﴿يانارُ كُونِي﴾ [الأنْبِياءِ: ٦٩] مُوافِقٌ لِلْإرادَةِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ هاهُنا: ﴿ومِن آياتِهِ أنْ تَقُومَ﴾ وقالَ قَبْلَهُ: ﴿ومِن آياتِهِ يُرِيكُمُ﴾ ولَمْ يَقُلْ أنْ يُرِيَكم، وإنْ قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ إنَّ أنْ مُضْمَرَةٌ هُناكَ مَعْناهُ مِن آياتِهِ (أنْ يُرِيَكم) لِيَصِيرَ كالمَصْدَرِ بِأنْ، وذَلِكَ لِأنَّ القِيامَ لَمّا كانَ غَيْرَ مُتَغَيِّرٍ أخْرَجَ الفِعْلَ بِأنَّ عَنِ الفِعْلِ المُسْتَقْبَلِ، وجَعَلَهُ مَصْدَرًا؛ لِأنَّ المُسْتَقْبَلَ يُنْبِئُ عَنِ التَّجَدُّدِ، وفي البَرْقِ لَمّا كانَ ذَلِكَ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي تَتَجَدَّدُ في زَمانٍ دُونَ زَمانٍ ذَكَرَهُ بِلَفْظِ المُسْتَقْبَلِ، ولَمْ يَذْكُرْ مَعَهُ شَيْئًا مِنَ الحُرُوفِ المَصْدَرِيَّةِ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: ذَكَرَ سِتَّةَ دَلائِلَ، وذَكَرَ في أرْبَعَةٍ مِنها إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ، ولَمْ يَذْكُرْ في الأوَّلِ وهو قَوْلُهُ: ﴿ومِن آياتِهِ أنْ خَلَقَكم مِن تُرابٍ﴾ ولا في الآخَرِ وهو قَوْلُهُ: ﴿ومِن آياتِهِ أنْ تَقُومَ السَّماءُ والأرْضُ﴾ أمّا في الأوَّلِ فَلِأنَّ قَوْلَهُ بَعْدَهُ: ﴿ومِن آياتِهِ أنْ خَلَقَ لَكُمْ﴾ أيْضًا دَلِيلُ الأنْفُسِ، فَخَلْقُ الأنْفُسِ وخَلْقُ الأزْواجِ مِن بابٍ واحِدٍ، صفحة ١٠٢ عَلى ما بَيَّنّا، غَيْرَ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ مِن كُلِّ بابٍ أمْرَيْنِ لِلتَّقْرِيرِ بِالتَّكْرِيرِ، فَإذا قالَ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ﴾ كانَ عائِدًا إلَيْهِما، وأمّا في قِيامِ السَّماءِ والأرْضِ فَنَقُولُ في الآياتِ السَّماوِيَّةِ ذَكَرَ أنَّها آياتٌ لِلْعالِمِينَ، ولِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ لِظُهُورِها، فَلَمّا كانَ في أوَّلِ الأمْرِ ظاهِرًا فَفي آخِرِ الأمْرِ بَعْدَ سَرْدِ الدَّلائِلِ يَكُونُ أظْهَرَ، فَلَمْ يُمَيِّزْ أحَدًا عَنْ أحَدٍ في ذَلِكَ، وذَكَرَ ما هو مَدْلُولُهُ وهو قُدْرَتُهُ عَلى الإعادَةِ، وقالَ: ﴿ثُمَّ إذا دَعاكم دَعْوَةً مِنَ الأرْضِ إذا أنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ وفِيها مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: ما وجْهُ العَطْفِ بِثُمَّ، وبِمَ تَعَلُّقُ ثُمَّ ؟ فَنَقُولُ مَعْناهُ واللَّهُ أعْلَمُ إنَّهُ تَعالى إذا بَيَّنَ لَكم كَمالَ قُدْرَتِهِ بِهَذِهِ الآياتِ بَعْدَ ذَلِكَ يُخْبِرُكم، ويُعْلِمُكم أنَّهُ إذا قالَ لِلْعِظامِ الرَّمِيمَةِ اخْرُجُوا مِنَ الأجْداثِ يَخْرُجُونَ أحْياءً. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُ القائِلِ دَعا فُلانٌ فُلانًا مِنَ الجَبَلِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الدُّعاءُ مِنَ الجَبَلِ، كَما يَقُولُ القائِلُ يا فُلانُ اصْعَدْ إلى الجَبَلِ، فَيُقالُ دَعاهُ مِنَ الجَبَلِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَدْعُوُّ يُدْعى مِنَ الجَبَلِ كَما يَقُولُ القائِلُ يا فُلانُ انْزِلْ مِنَ الجَبَلِ، فَيُقالُ دَعاهُ مِنَ الجَبَلِ، ولا يَخْفى عَلى العاقِلِ أنَّ الدُّعاءَ لا يَكُونُ مِنَ الأرْضِ إذا كانَ الدّاعِي هو اللَّهُ، فالمَدْعُوُّ يُدْعى مِنَ الأرْضِ يَعْنِي أنْتُمْ تَكُونُونَ في الأرْضِ فَيَدْعُوكم مِنها فَتَخْرُجُونَ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذا أنْتُمْ﴾ قَدْ بَيَّنّا أنَّهُ لِلْمُفاجَأةِ يَعْنِي يَكُونُ ذَلِكَ بِكُنْ فَيَكُونُ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ هاهُنا إذا أنْتُمْ تَخْرُجُونَ، وقالَ في خَلْقِ الإنْسانِ أوَّلًا: ﴿ثُمَّ إذا أنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾ فَنَقُولُ هُناكَ يَكُونُ خَلْقٌ وتَقْدِيرٌ وتَدْرِيجٌ وتَراخٍ حَتّى يَصِيرَ التُّرابُ قابِلًا لِلْحَياةِ، فَيَنْفُخُ فِيهِ رُوحَهُ، فَإذا هو بَشَرٌ، وأمّا في الإعادَةِ لا يَكُونُ تَدْرِيجٌ وتَراخٍ بَلْ يَكُونُ نِداءٌ وخُرُوجٌ، فَلَمْ يَقُلْ هاهُنا ثُمَّ.

الروم 30:26

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ﴾ ﴿وهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وهو أهْوَنُ عَلَيْهِ ولَهُ المَثَلُ الأعْلى في السَّماواتِ والأرْضِ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ لَمّا ذَكَرَ الآياتِ وكانَ مَدْلُولُها القُدْرَةَ عَلى الحَشْرِ الَّتِي هي الأصْلُ الآخَرُ، والوَحْدانِيَّةُ الَّتِي هي الأصْلُ الأوَّلِ، أشارَ إلَيْها بِقَوْلِهِ: ﴿ولَهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ يَعْنِي لا شَرِيكَ لَهُ أصْلًا؛ لِأنَّ كُلَّ مَن في السَّماواتِ وكُلَّ مَن في الأرْضِ لَهُ ومِلْكُهُ، فَكُلٌّ لَهُ مُنْقادُونَ قانِتُونَ، والشَّرِيكُ يَكُونُ مُنازِعًا مُماثِلًا، فَلا شَرِيكَ لَهُ أصْلًا، ثُمَّ ذَكَرَ المَدْلُولَ الآخَرَ، فَقالَ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وهو أهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ أيْ في نَظَرِكُمُ الإعادَةُ أهْوَنُ مِنَ الإبْداءِ لِأنَّ مَن يَفْعَلُ فِعْلًا أوَّلًا يَصْعُبُ عَلَيْهِ، ثُمَّ إذا فَعَلَ بَعْدَ ذَلِكَ مِثْلَهُ يَكُونُ أهْوَنَ، وقِيلَ المُرادُ هو هَيِّنٌ عَلَيْهِ كَما قِيلَ في قَوْلِ القائِلِ: اللَّهُ أكْبَرُ أيْ كَبِيرٌ، وقِيلَ المُرادُ هو أهْوَنُ عَلَيْهِ أيِ الإعادَةُ أهْوَنُ عَلى الخالِقِ مِن الِابْتِداءِ؛ لِأنَّ في البَدْءِ يَكُونُ عَلَقَةً ثُمَّ مُضْغَةً ثُمَّ لَحْمًا ثُمَّ عَظْمًا ثُمَّ يُخْلَقُ بَشَرًا ثُمَّ يَخْرُجُ طِفْلًا يَتَرَعْرَعُ إلى غَيْرِ ذَلِكَ فَيَصْعُبُ عَلَيْهِ ذَلِكَ كُلُّهُ، وأمّا في الإعادَةِ فَيَخْرُجُ صفحة ١٠٣ بَشَرًا سَوِيًّا بِكُنْ فَيَكُونُ أهْوَنَ عَلَيْهِ، والوَجْهُ الأوَّلُ أصَحُّ وعَلَيْهِ نَتَكَلَّمُ فَنَقُولُ: هو أهْوَنُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ؛ لِأنَّ في البَدْءِ خَلْقَ الأجْزاءِ وتَأْلِيفَها، والإعادَةُ تَأْلِيفٌ، ولا شَكَّ أنَّ الأمْرَ الواحِدَ أهْوَنُ مِن أمْرَيْنِ، ولا يَلْزَمُ مِن هَذا أنْ يَكُونَ غَيْرُهُ فِيهِ صُعُوبَةٌ، ولِنُبَيِّنَ هَذا فَنَقُولُ: الهَيِّنُ هو ما لا يَتْعَبُ فِيهِ الفاعِلُ، والأهْوَنُ ما لا يَتْعَبُ فِيهِ الفاعِلُ بِالطَّرِيقِ الأُولى، فَإذا قالَ قائِلٌ إنَّ الرَّجُلَ القَوِيَّ لا يَتْعَبُ مِن نَقْلِ شَعِيرَةٍ مِن مَوْضِعٍ إلى مَوْضِعٍ، وسَلَّمَ السّامِعُ لَهُ ذَلِكَ، فَإذا قالَ فَكَوْنُهُ لا يَتْعَبُ مِن نَقْلِ خَرْدَلَةٍ يَكُونُ ذَلِكَ كَلامًا مَعْقُولًا مُبْقِي عَلى حَقِيقَتِهِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَهُ المَثَلُ الأعْلى في السَّماواتِ والأرْضِ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ أيْ قَوْلُنا هو أهْوَنُ عَلَيْهِ يُفْهَمُ مِنهُ أمْرانِ. أحَدُهُما: هو ما يَكُونُ في الآخَرِ تَعَبٌ كَما يُقالُ إنَّ نَقْلَ الخَفِيفِ أهْوَنُ مِن نَقْلِ الثَّقِيلِ. والآخَرُ: هو ما ذَكَرْنا مِنَ الأوْلَوِيَّةِ مِن غَيْرِ لُزُومِ تَعَبٍ في الآخَرِ، فَقَوْلُهُ: ﴿ولَهُ المَثَلُ الأعْلى﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ كَوْنَهُ أهْوَنَ بِالمَعْنى الثّانِي لا يُفْهَمُ مِنهُ الأوَّلُ، وهاهُنا فائِدَةٌ ذَكَرَها صاحِبُ ”الكَشّافِ“ وهي أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ [مريم: ٩] وقالَ هاهُنا: وهو أهْوَنُ عَلَيْهِ فَقَدَّمَ هُناكَ كَلِمَةَ عَلَيَّ وأخَّرَها هُنا، وذَلِكَ لِأنَّ المَعْنى الَّذِي قالَ هُناكَ إنَّهُ هَيِّنٌ هو خَلْقُ الوَلَدِ مِنَ العَجُوزِ، وأنَّهُ صَعْبٌ عَلى غَيْرِهِ ولَيْسَ بِهَيِّنٍ إلّا عَلَيْهِ فَقالَ: ﴿هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ [مريم: ٩] يَعْنِي لا عَلى غَيْرِي، وأمّا هاهُنا المَعْنى الَّذِي ذُكِرَ أنَّهُ أهْوَنُ هو الإعادَةُ، والإعادَةُ عَلى كُلِّ مُبْدِئٍ أهْوَنُ، فَقالَ: وهو أهْوَنُ عَلَيْهِ لا عَلى سَبِيلِ الحَصْرِ، فالتَّقْدِيمُ هُناكَ كانَ لِلْحَصْرِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَهُ المَثَلُ الأعْلى في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ وهو قَوْلُنا أهْوَنُ عَلَيْهِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْكم لَهُ مَعْنًى، وعَلى الوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْناهُ لَهُ مَعْنًى، أمّا عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ فَلَمّا قالَ: ﴿ولَهُ المَثَلُ الأعْلى﴾ وكانَ ذَلِكَ مَثَلًا مَضْرُوبًا لِمَن في الأرْضِ مِنَ النّاسِ، فَيُفِيدُ ذَلِكَ أنَّ لَهُ المَثَلَ الأعْلى مِن أمْثِلَةِ النّاسِ وهم أهْلُ الأرْضِ ولا يُفِيدُ أنَّ لَهُ المَثَلَ الأعْلى مِن أمْثِلَةِ المَلائِكَةِ فَقالَ: ﴿ولَهُ المَثَلُ الأعْلى في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ يَعْنِي هَذا مَثَلٌ مَضْرُوبٌ لَكم ﴿ولَهُ المَثَلُ الأعْلى﴾ مِن هَذا المَثَلِ ومِن كُلِّ مَثَلٍ يُضْرَبُ في السَّماواتِ، وأمّا عَلى الوَجْهِ الثّانِي فَمَعْناهُ أنَّ لَهُ المَثَلَ الأعْلى أيْ فِعْلَهُ وإنْ شَبَّهَهُ بِفِعْلِكم ومَثَّلَهُ بِهِ، لَكِنَّ ذاتَهُ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ فَلَهُ المَثَلُ الأعْلى وهو مَنقُولٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما. وقِيلَ: المَثَلُ الأعْلى أيِ الصِّفَةُ العُلْيا وهي لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ أيْ كامِلُ القُدْرَةِ عَلى المُمْكِناتِ، شامِلُ العِلْمِ بِجَمِيعِ المَوْجُوداتِ، فَيَعْلَمُ الأجْزاءَ في الأمْكِنَةِ ويَقْدِرُ عَلى جَمْعِها وتَأْلِيفِها.

الروم 30:27

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ﴾ ﴿وهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وهو أهْوَنُ عَلَيْهِ ولَهُ المَثَلُ الأعْلى في السَّماواتِ والأرْضِ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ لَمّا ذَكَرَ الآياتِ وكانَ مَدْلُولُها القُدْرَةَ عَلى الحَشْرِ الَّتِي هي الأصْلُ الآخَرُ، والوَحْدانِيَّةُ الَّتِي هي الأصْلُ الأوَّلِ، أشارَ إلَيْها بِقَوْلِهِ: ﴿ولَهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ يَعْنِي لا شَرِيكَ لَهُ أصْلًا؛ لِأنَّ كُلَّ مَن في السَّماواتِ وكُلَّ مَن في الأرْضِ لَهُ ومِلْكُهُ، فَكُلٌّ لَهُ مُنْقادُونَ قانِتُونَ، والشَّرِيكُ يَكُونُ مُنازِعًا مُماثِلًا، فَلا شَرِيكَ لَهُ أصْلًا، ثُمَّ ذَكَرَ المَدْلُولَ الآخَرَ، فَقالَ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وهو أهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ أيْ في نَظَرِكُمُ الإعادَةُ أهْوَنُ مِنَ الإبْداءِ لِأنَّ مَن يَفْعَلُ فِعْلًا أوَّلًا يَصْعُبُ عَلَيْهِ، ثُمَّ إذا فَعَلَ بَعْدَ ذَلِكَ مِثْلَهُ يَكُونُ أهْوَنَ، وقِيلَ المُرادُ هو هَيِّنٌ عَلَيْهِ كَما قِيلَ في قَوْلِ القائِلِ: اللَّهُ أكْبَرُ أيْ كَبِيرٌ، وقِيلَ المُرادُ هو أهْوَنُ عَلَيْهِ أيِ الإعادَةُ أهْوَنُ عَلى الخالِقِ مِن الِابْتِداءِ؛ لِأنَّ في البَدْءِ يَكُونُ عَلَقَةً ثُمَّ مُضْغَةً ثُمَّ لَحْمًا ثُمَّ عَظْمًا ثُمَّ يُخْلَقُ بَشَرًا ثُمَّ يَخْرُجُ طِفْلًا يَتَرَعْرَعُ إلى غَيْرِ ذَلِكَ فَيَصْعُبُ عَلَيْهِ ذَلِكَ كُلُّهُ، وأمّا في الإعادَةِ فَيَخْرُجُ صفحة ١٠٣ بَشَرًا سَوِيًّا بِكُنْ فَيَكُونُ أهْوَنَ عَلَيْهِ، والوَجْهُ الأوَّلُ أصَحُّ وعَلَيْهِ نَتَكَلَّمُ فَنَقُولُ: هو أهْوَنُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ؛ لِأنَّ في البَدْءِ خَلْقَ الأجْزاءِ وتَأْلِيفَها، والإعادَةُ تَأْلِيفٌ، ولا شَكَّ أنَّ الأمْرَ الواحِدَ أهْوَنُ مِن أمْرَيْنِ، ولا يَلْزَمُ مِن هَذا أنْ يَكُونَ غَيْرُهُ فِيهِ صُعُوبَةٌ، ولِنُبَيِّنَ هَذا فَنَقُولُ: الهَيِّنُ هو ما لا يَتْعَبُ فِيهِ الفاعِلُ، والأهْوَنُ ما لا يَتْعَبُ فِيهِ الفاعِلُ بِالطَّرِيقِ الأُولى، فَإذا قالَ قائِلٌ إنَّ الرَّجُلَ القَوِيَّ لا يَتْعَبُ مِن نَقْلِ شَعِيرَةٍ مِن مَوْضِعٍ إلى مَوْضِعٍ، وسَلَّمَ السّامِعُ لَهُ ذَلِكَ، فَإذا قالَ فَكَوْنُهُ لا يَتْعَبُ مِن نَقْلِ خَرْدَلَةٍ يَكُونُ ذَلِكَ كَلامًا مَعْقُولًا مُبْقِي عَلى حَقِيقَتِهِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَهُ المَثَلُ الأعْلى في السَّماواتِ والأرْضِ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ أيْ قَوْلُنا هو أهْوَنُ عَلَيْهِ يُفْهَمُ مِنهُ أمْرانِ. أحَدُهُما: هو ما يَكُونُ في الآخَرِ تَعَبٌ كَما يُقالُ إنَّ نَقْلَ الخَفِيفِ أهْوَنُ مِن نَقْلِ الثَّقِيلِ. والآخَرُ: هو ما ذَكَرْنا مِنَ الأوْلَوِيَّةِ مِن غَيْرِ لُزُومِ تَعَبٍ في الآخَرِ، فَقَوْلُهُ: ﴿ولَهُ المَثَلُ الأعْلى﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ كَوْنَهُ أهْوَنَ بِالمَعْنى الثّانِي لا يُفْهَمُ مِنهُ الأوَّلُ، وهاهُنا فائِدَةٌ ذَكَرَها صاحِبُ ”الكَشّافِ“ وهي أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ [مريم: ٩] وقالَ هاهُنا: وهو أهْوَنُ عَلَيْهِ فَقَدَّمَ هُناكَ كَلِمَةَ عَلَيَّ وأخَّرَها هُنا، وذَلِكَ لِأنَّ المَعْنى الَّذِي قالَ هُناكَ إنَّهُ هَيِّنٌ هو خَلْقُ الوَلَدِ مِنَ العَجُوزِ، وأنَّهُ صَعْبٌ عَلى غَيْرِهِ ولَيْسَ بِهَيِّنٍ إلّا عَلَيْهِ فَقالَ: ﴿هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ [مريم: ٩] يَعْنِي لا عَلى غَيْرِي، وأمّا هاهُنا المَعْنى الَّذِي ذُكِرَ أنَّهُ أهْوَنُ هو الإعادَةُ، والإعادَةُ عَلى كُلِّ مُبْدِئٍ أهْوَنُ، فَقالَ: وهو أهْوَنُ عَلَيْهِ لا عَلى سَبِيلِ الحَصْرِ، فالتَّقْدِيمُ هُناكَ كانَ لِلْحَصْرِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَهُ المَثَلُ الأعْلى في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ وهو قَوْلُنا أهْوَنُ عَلَيْهِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْكم لَهُ مَعْنًى، وعَلى الوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْناهُ لَهُ مَعْنًى، أمّا عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ فَلَمّا قالَ: ﴿ولَهُ المَثَلُ الأعْلى﴾ وكانَ ذَلِكَ مَثَلًا مَضْرُوبًا لِمَن في الأرْضِ مِنَ النّاسِ، فَيُفِيدُ ذَلِكَ أنَّ لَهُ المَثَلَ الأعْلى مِن أمْثِلَةِ النّاسِ وهم أهْلُ الأرْضِ ولا يُفِيدُ أنَّ لَهُ المَثَلَ الأعْلى مِن أمْثِلَةِ المَلائِكَةِ فَقالَ: ﴿ولَهُ المَثَلُ الأعْلى في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ يَعْنِي هَذا مَثَلٌ مَضْرُوبٌ لَكم ﴿ولَهُ المَثَلُ الأعْلى﴾ مِن هَذا المَثَلِ ومِن كُلِّ مَثَلٍ يُضْرَبُ في السَّماواتِ، وأمّا عَلى الوَجْهِ الثّانِي فَمَعْناهُ أنَّ لَهُ المَثَلَ الأعْلى أيْ فِعْلَهُ وإنْ شَبَّهَهُ بِفِعْلِكم ومَثَّلَهُ بِهِ، لَكِنَّ ذاتَهُ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ فَلَهُ المَثَلُ الأعْلى وهو مَنقُولٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما. وقِيلَ: المَثَلُ الأعْلى أيِ الصِّفَةُ العُلْيا وهي لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ أيْ كامِلُ القُدْرَةِ عَلى المُمْكِناتِ، شامِلُ العِلْمِ بِجَمِيعِ المَوْجُوداتِ، فَيَعْلَمُ الأجْزاءَ في الأمْكِنَةِ ويَقْدِرُ عَلى جَمْعِها وتَأْلِيفِها.

الروم 30:28

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ضَرَبَ لَكم مَثَلًا مِن أنْفُسِكم هَلْ لَكم مِن ما مَلَكَتْ أيْمانُكم مِن شُرَكاءَ في ما رَزَقْناكم فَأنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ تَخافُونَهم كَخِيفَتِكم أنْفُسَكم كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ لَمّا بَيَّنَ الإعادَةَ والقُدْرَةَ عَلَيْها بِالمَثَلِ بَعْدَ الدَّلِيلَيْنِ، بَيَّنَ الوَحْدانِيَّةَ أيْضًا بِالمَثَلِ بَعْدَ الدَّلِيلِ، ومَعْناهُ أنْ يَكُونَ لَهُ مَمْلُوكٌ لا يَكُونُ شَرِيكًا لَهُ في مالِهِ ولا يَكُونُ لَهُ حُرْمَةٌ مِثْلُ حُرْمَةِ سَيِّدِهِ فَكَيْفَ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عِبادُ اللَّهِ صفحة ١٠٤ شُرَكاءً لَهُ، وكَيْفَ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لَهم عَظَمَةٌ مِثْلُ عَظَمَةِ اللَّهِ تَعالى حَتّى يُعْبَدُوا، وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ بَيْنَ المَثَلِ والمُمَثَّلِ بِهِ مُشابَهَةٌ ما، ثُمَّ إنْ كانَ بَيْنَهُما مُخالَفَةٌ فَقَدْ يَكُونُ مُؤَكِّدًا لِمَعْنى المَثَلِ، وقَدْ يَكُونُ مُوهِنًا لَهُ، وهاهُنا وجْهُ المُشابَهَةِ مَعْلُومٌ، وأمّا المُخالَفَةُ فَمَوْجُودَةٌ أيْضًا وهي مُؤَكَّدَةٌ وذَلِكَ مِن وُجُوهٍ. أحَدُها: قَوْلُهُ: ﴿مِن أنْفُسِكُمْ﴾ يَعْنِي ضَرَبَ لَكم مَثَلًا مِن أنْفُسِكم مَعَ حَقارَتِها ونُقْصانِها وعَجْزِها، وقاسَ نَفْسَهُ عَلَيْكم مَعَ عِظَمِها وكَمالِها وقُدْرَتِها. وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿مِمّا مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ يَعْنِي عَبْدُكم لَكم عَلَيْهِمْ مِلْكُ اليَدِ وهو طارِ[ ئٌ ] قابِلٌ لِلنَّقْلِ والزَّوالِ، أمّا النَّقْلُ فَبِالبَيْعِ وغَيْرِهِ، والزَّوالُ بِالعِتْقِ، ومَمْلُوكُ اللَّهِ لا خُرُوجَ لَهُ مِن مُلْكِ اللَّهِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، فَإذا لَمْ يَجُزْ أنْ يَكُونَ مَمْلُوكَ يَمِينِكم شَرِيكًا لَكم مَعَ أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَصِيرَ مِثْلَكم مِن جَمِيعِ الوُجُوهِ، بَلْ هو في الحالِ مِثْلُكم في الآدَمِيَّةِ حَتّى أنَّكم لَيْسَ لَكم تَصَرُّفٌ في رُوحِهِ وآدَمِيَّتِهِ بِقَتْلٍ وقَطْعٍ، ولَيْسَ لَكم مَنعُهم مِنَ العِبادَةِ وقَضاءِ الحاجَةِ، فَكَيْفَ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَمْلُوكُ اللَّهِ الَّذِي هو مَمْلُوكُهُ مِن جَمِيعِ الوُجُوهِ شَرِيكًا لَهُ. وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿مِن شُرَكاءَ في ما رَزَقْناكُمْ﴾ يَعْنِي الَّذِي لَكَمَ هو في الحَقِيقَةِ لَيْسَ لَكم بَلْ هو مِنَ اللَّهِ ومِن رِزْقِهِ، والَّذِي مِنَ اللَّهِ فَهو في الحَقِيقَةِ لَهُ، فَإذا لَمْ يَجُزْ أنْ يَكُونَ لَكم شَرِيكٌ في مالِكم مِن حَيْثُ الِاسْمِ، فَكَيْفَ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لَهُ شَرِيكٌ فِيما لَهُ مِن حَيْثُ الحَقِيقَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿فَأنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ﴾ أيْ هَلْ أنْتُمْ ومَمالِيكُكم في شَيْءٍ مِمّا تَمْلِكُونَ سَواءٌ لَيْسَ كَذَلِكَ فَلا يَكُونُ لِلَّهِ شَرِيكٌ في شَيْءٍ مِمّا يَمْلِكُهُ، لَكِنَّ كُلَّ شَيْءٍ فَهو لِلَّهِ فَما تَدَّعُونَ إلَهِيَّتَهُ لا يَمْلِكُ شَيْئًا أصْلًا ولا مِثْقالَ ذَرَّةٍ مِن خَرْدَلٍ فَلا يُعْبَدُ لِعَظَمَتِهِ ولا لِمَنفَعَةٍ تَصِلُ إلَيْكم مِنهُ، وأمّا قَوْلُكم: هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا فَلَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ المَمْلُوكَ هَلْ لَهُ عِنْدَكم حُرْمَةٌ كَحُرْمَةِ الأحْرارِ، وإذا لَمْ يَكُنْ لِلْمَمْلُوكِ مَعَ مُساواتِهِ إيّاكم في الحَقِيقَةِ والصِّفَةِ عِنْدَكم حُرْمَةٌ، فَكَيْفَ يَكُونُ حالُ المَمالِيكِ الَّذِينَ لا مُساواةَ بَيْنَهم وبَيْنَ المالِكِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، وإلى هَذا أشارَ بِقَوْلِهِ: ﴿تَخافُونَهم كَخِيفَتِكم أنْفُسَكُمْ﴾ . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: بِهَذا نَفى جَمِيعَ وُجُوهِ حُسْنِ العِبادَةِ عَنِ الغَيْرِ؛ لِأنَّ الأغْيارَ إذا لَمْ يَصْلُحُوا لِلشَّرِكَةِ فَلَيْسَ لَهم مِلْكٌ ولا مُلْكٌ، فَلا عَظَمَةَ لَهم حَتّى يُعْبَدُوا لِعَظَمَتِهِمْ ولا يُرْتَجى مِنهم مَنفَعَةٌ لِعَدَمِ مِلْكِهِمْ حَتّى يُعْبَدُوا لِنَفْعٍ، ولَيْسَ لَهم قُوَّةٌ وقُدْرَةٌ؛ لِأنَّهم عَبِيدٌ والعَبْدُ المَمْلُوكُ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ، فَلا تَخافُوهم كَما تَخافُونَ أنْفُسَكم، فَكَيْفَ تَخافُونَهم خَوْفًا أكْثَرَ مِن خَوْفِكم بَعْضًا مِن بَعْضٍ حَتّى تَعْبُدُوهم لِلْخَوْفِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ أيْ نُبَيِّنُها بِالدَّلائِلِ والبَراهِينِ القَطْعِيَّةِ والأمْثِلَةِ والمُحاكِياتِ الإقْناعِيَّةِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ، يَعْنِي لا يَخْفى الأمْرُ بَعْدَ ذَلِكَ إلّا عَلى مَن لا يَكُونُ لَهُ عَقْلٌ.

الروم 30:29

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أهْواءَهم بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَن يَهْدِي مَن أضَلَّ اللَّهُ وما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾ أيْ لا يَجُوزُ أنْ يُشْرِكَ بِالمالِكِ مَمْلُوكُهُ ولَكِنَّ الَّذِينَ أشْرَكُوا اتَّبَعُوا أهْواءَهم مِن غَيْرِ عِلْمٍ، وأثْبَتُوا شُرَكاءَ مِن غَيْرِ صفحة ١٠٥ دَلِيلٍ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ بِإرادَةِ اللَّهِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَمَن يَهْدِي مَن أضَلَّ اللَّهُ﴾ أيْ هَؤُلاءِ أضَلَّهُمُ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهم، فَيَنْبَغِي أنْ لا يُحْزِنَكَ قَوْلُهم، وهاهُنا لَطِيفَةٌ وهي أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَمَن يَهْدِي مَن أضَلَّ اللَّهُ﴾ مُقَوٍّ لِما تَقَدَّمَ وذَلِكَ لِأنَّهُ لَمّا قالَ؛ لِأنَّ اللَّهَ لا شَرِيكَ لَهُ بِوَجْهٍ ما ثُمَّ قالَ تَعالى بَلِ المُشْرِكُونَ يُشْرِكُونَ مِن غَيْرِ عِلْمٍ، يُقالُ فِيهِ أنْتَ أثْبَتَّ لَهم تَصَرُّفًا عَلى خِلافِ رِضاهُ، والسَّيِّدُ العَزِيزُ هو الَّذِي لا يَقْدِرُ عَبْدُهُ عَلى تَصَرُّفٍ يُخالِفُ رِضاهُ، فَقالَ: إنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِاسْتِقْلالِهِ بَلْ بِإرادَةِ اللَّهِ، وما لَهم مِن ناصِرِينَ، لَمّا تَرَكُوا اللَّهَ تَرَكَهُمُ اللَّهُ، ومَن أخَذُوهُ لا يُغْنِي عَنْهم شَيْئًا فَلا ناصِرَ لَهم. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَأقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ أيْ إذا تَبَيَّنَ الأمْرُ وظَهَرَتِ الوَحْدانِيَّةُ ولَمْ يَهْتَدِ المُشْرِكُ فَلا تَلْتَفِتْ أنْتَ إلَيْهِمْ وأقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ، وقَوْلُهُ: ﴿فَأقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ﴾ أيْ أقْبِلْ بِكُلِّكَ عَلى الدِّينِ، عَبَّرَ عَنِ الذّاتِ بِالوَجْهِ كَما قالَ تَعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلّا وجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] أيْ ذاتَهُ بِصِفاتِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿حَنِيفًا﴾ أيْ مائِلًا عَنْ كُلِّ ما عَداهُ، أيْ أقْبِلْ عَلى الدِّينِ ومِلْ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ، أيْ لا يَكُونُ في قَلْبِكَ شَيْءٌ آخَرُ فَتَعُودَ إلَيْهِ، وهَذا قَرِيبٌ مِن مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ولا تَكُونُوا مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ ثُمَّ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ﴾ أيِ الزَمْ فِطْرَةَ اللَّهِ وهي التَّوْحِيدُ، فَإنَّ اللَّهَ فَطَرَ النّاسَ عَلَيْهِ حَيْثُ أخَذَهم مِن ظَهْرِ آدَمَ وسَألَهم: ﴿ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢] فَقالُوا: بَلى، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ فِيهِ وُجُوهٌ: قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: هَذِهِ تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ عَنِ الحُزْنِ حَيْثُ لَمْ يُؤْمِن قَوْمُهُ، فَقالَ هم خُلِقُوا لِلشَّقاوَةِ، ومَن كُتِبَ شَقِيًّا لا يَسْعَدُ، وقِيلَ: ﴿لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ أيِ الوَحْدانِيَّةُ مُتَرَسِّخَةٌ فِيهِمْ لا تَغَيُّرَ لَها حَتّى إنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ يَقُولُونَ اللَّهُ، لَكِنَّ الإيمانَ الفِطْرِيَّ غَيْرُ كافٍ. ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ خَلَقَ اللَّهُ الخَلْقَ لِعِبادَتِهِ وهم كُلُّهم عَبِيدُهُ، لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ أيْ لَيْسَ كَوْنُهم عَبِيدًا مِثْلَ كَوْنِ المَمْلُوكِ عَبْدًا لِإنْسانٍ فَإنَّهُ يَنْتَقِلُ عَنْهُ إلى غَيْرِهِ ويَخْرُجُ عَنْ مِلْكِهِ بِالعِتْقِ، بَلْ لا خُرُوجَ لِلْخَلْقِ عَنِ العِبادَةِ والعُبُودِيَّةِ، وهَذا لِبَيانِ فَسادِ قَوْلِ مَن يَقُولُ: العِبادَةُ لِتَحْصِيلِ الكَمالِ، والعَبْدُ يَكْمُلُ بِالعِبادَةِ فَلا يَبْقى عَلَيْهِ تَكْلِيفٌ، وقَوْلُ المُشْرِكِينَ: إنَّ النّاقِصَ لا يَصْلُحُ لِعِبادَةِ اللَّهِ، وإنَّما الإنْسانُ عَبَدَ الكَواكِبَ، والكَواكِبُ عَبِيدُ اللَّهِ، وقَوْلُ النَّصارى إنَّ عِيسى كانَ يَحِلُّ اللَّهُ فِيهِ وصارَ إلَهًا فَقالَ: ﴿لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ بَلْ كُلُّهم عَبِيدٌ لا خُرُوجَ لَهم عَنْ ذَلِكَ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ﴾ الَّذِي لا عِوَجَ فِيهِ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ أنَّ ذَلِكَ هو الدِّينُ المُسْتَقِيمُ.

الروم 30:30

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿مُنِيبِينَ إلَيْهِ واتَّقُوهُ وأقِيمُوا الصَّلاةَ ولا تَكُونُوا مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ ﴿مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهم وكانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ لَمّا قالَ حَنِيفًا أيْ مائِلًا عَنْ غَيْرِهِ قالَ: ﴿مُنِيبِينَ إلَيْهِ﴾ أيْ مُقْبِلِينَ عَلَيْهِ، والخِطابُ في قَوْلِهِ: ﴿فَأقِمْ وجْهَكَ﴾ مَعَ النَّبِيِّ، والمُرادُ جَمِيعُ المُؤْمِنِينَ، وقَوْلُهُ: ﴿واتَّقُوهُ﴾ يَعْنِي إذا أقْبَلْتُمْ عَلَيْهِ وتَرَكْتُمُ الدُّنْيا فَلا تَأْمَنُوا صفحة ١٠٦ فَتَتْرُكُوا عِبادَتَهُ بَلْ خافُوهُ وداوِمُوا عَلى العِبادَةِ وأقِيمُوا الصَّلاةَ أيْ: كُونُوا عابِدِينَ عِنْدَ حُصُولِ القُرْبَةِ كَما كُنْتُمْ قَبْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿ولا تَكُونُوا مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ يَعْنِي ولا تُشْرِكُوا بَعْدَ الإيمانِ أيْ: ولا تَقْصِدُوا بِذَلِكَ غَيْرَ اللَّهِ، وهاهُنا وجْهٌ آخَرُ وهو أنَّ اللَّهَ بِقَوْلِهِ: ﴿مُنِيبِينَ﴾ أثْبَتَ التَّوْحِيدَ الَّذِي هو مُخْرِجٌ عَنِ الإشْراكِ الظّاهِرِ وبِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَكُونُوا مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ أرادَ إخْراجَ العَبْدِ عَنِ الشِّرْكِ الخَفِيِّ، أيْ لا تَقْصِدُوا بِعَمَلِكم إلّا وجْهَ اللَّهِ، ولا تَطْلُبُوا بِهِ إلّا رِضاءَ اللَّهِ فَإنَّ الدُّنْيا والآخِرَةَ تَحْصِيلٌ وإنْ لَمْ تَطْلُبُوها إذا حَصَلَ رِضا اللَّهِ، وعَلى هَذا فَقَوْلُهُ: ﴿مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهم وكانُوا شِيَعًا﴾ يَعْنِي لَمْ يَجْتَمِعُوا عَلى الإسْلامِ، وذَهَبَ كُلُّ أحَدٍ إلى مَذْهَبٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ وكانُوا شِيَعًا يَعْنِي بَعْضُهم عَبَدَ اللَّهَ لِلدُّنْيا، وبَعْضُهم لِلْجَنَّةِ، وبَعْضُهم لِلْخَلاصِ مِنَ النّارِ، وكُلُّ واحِدٍ بِما في نَظَرِهِ فَرِحٌ، وأمّا المُخْلِصُ فَلا يَفْرَحُ بِما يَكُونُ لَدَيْهِ، وإنَّما يَكُونُ فَرَحُهُ بِأنْ يَحْصُلَ عِنْدَ اللَّهِ ويَقِفَ بَيْنَ يَدَيْهِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ كُلَّ ما لَدَيْنا نافِدٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما عِنْدَكم يَنْفَدُ وما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ﴾ [النحل: ٩٦] فَلا مَطْلُوبَ لَكم فِيما لَدَيْكم حَتّى تَفْرَحُوا بِهِ، وإنَّما المَطْلُوبُ ما لَدى اللَّهِ، وبِهِ الفَرَحُ كَما قالَ تَعالى: ﴿بَلْ أحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩] جَعَلَهم فَرِحِينَ بِكَوْنِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وبِكَوْنِ ما أُوتُوا مِن فَضْلِهِ الَّذِي لا نَفادَ لَهُ، ولِذَلِكَ قالَ تَعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ [يونس: ٥٨] لا بِما عِنْدَهم فَإنَّ كُلَّ ما عِنْدَ العَبْدِ فَهو نافِدٌ، أمّا في الدُّنْيا فَظاهِرٌ، وأمّا في الآخِرَةِ فَلِأنَّ ما وصَلَ إلى العَبْدِ مِنَ الِالتِذاذِ بِالمَأْكُولِ والمَشْرُوبِ فَهو يَزُولُ، ولَكِنَّ اللَّهَ يُجَدِّدُ لَهُ مِثْلَهُ إلى الأبَدِ مِن فَضْلِهِ الَّذِي لا نَفادَ لَهُ، فالَّذِي لا نَفادَ لَهُ هو فَضْلُهُ.

الروم 30:31

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿مُنِيبِينَ إلَيْهِ واتَّقُوهُ وأقِيمُوا الصَّلاةَ ولا تَكُونُوا مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ ﴿مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهم وكانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ لَمّا قالَ حَنِيفًا أيْ مائِلًا عَنْ غَيْرِهِ قالَ: ﴿مُنِيبِينَ إلَيْهِ﴾ أيْ مُقْبِلِينَ عَلَيْهِ، والخِطابُ في قَوْلِهِ: ﴿فَأقِمْ وجْهَكَ﴾ مَعَ النَّبِيِّ، والمُرادُ جَمِيعُ المُؤْمِنِينَ، وقَوْلُهُ: ﴿واتَّقُوهُ﴾ يَعْنِي إذا أقْبَلْتُمْ عَلَيْهِ وتَرَكْتُمُ الدُّنْيا فَلا تَأْمَنُوا صفحة ١٠٦ فَتَتْرُكُوا عِبادَتَهُ بَلْ خافُوهُ وداوِمُوا عَلى العِبادَةِ وأقِيمُوا الصَّلاةَ أيْ: كُونُوا عابِدِينَ عِنْدَ حُصُولِ القُرْبَةِ كَما كُنْتُمْ قَبْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿ولا تَكُونُوا مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ يَعْنِي ولا تُشْرِكُوا بَعْدَ الإيمانِ أيْ: ولا تَقْصِدُوا بِذَلِكَ غَيْرَ اللَّهِ، وهاهُنا وجْهٌ آخَرُ وهو أنَّ اللَّهَ بِقَوْلِهِ: ﴿مُنِيبِينَ﴾ أثْبَتَ التَّوْحِيدَ الَّذِي هو مُخْرِجٌ عَنِ الإشْراكِ الظّاهِرِ وبِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَكُونُوا مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ أرادَ إخْراجَ العَبْدِ عَنِ الشِّرْكِ الخَفِيِّ، أيْ لا تَقْصِدُوا بِعَمَلِكم إلّا وجْهَ اللَّهِ، ولا تَطْلُبُوا بِهِ إلّا رِضاءَ اللَّهِ فَإنَّ الدُّنْيا والآخِرَةَ تَحْصِيلٌ وإنْ لَمْ تَطْلُبُوها إذا حَصَلَ رِضا اللَّهِ، وعَلى هَذا فَقَوْلُهُ: ﴿مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهم وكانُوا شِيَعًا﴾ يَعْنِي لَمْ يَجْتَمِعُوا عَلى الإسْلامِ، وذَهَبَ كُلُّ أحَدٍ إلى مَذْهَبٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ وكانُوا شِيَعًا يَعْنِي بَعْضُهم عَبَدَ اللَّهَ لِلدُّنْيا، وبَعْضُهم لِلْجَنَّةِ، وبَعْضُهم لِلْخَلاصِ مِنَ النّارِ، وكُلُّ واحِدٍ بِما في نَظَرِهِ فَرِحٌ، وأمّا المُخْلِصُ فَلا يَفْرَحُ بِما يَكُونُ لَدَيْهِ، وإنَّما يَكُونُ فَرَحُهُ بِأنْ يَحْصُلَ عِنْدَ اللَّهِ ويَقِفَ بَيْنَ يَدَيْهِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ كُلَّ ما لَدَيْنا نافِدٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما عِنْدَكم يَنْفَدُ وما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ﴾ [النحل: ٩٦] فَلا مَطْلُوبَ لَكم فِيما لَدَيْكم حَتّى تَفْرَحُوا بِهِ، وإنَّما المَطْلُوبُ ما لَدى اللَّهِ، وبِهِ الفَرَحُ كَما قالَ تَعالى: ﴿بَلْ أحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩] جَعَلَهم فَرِحِينَ بِكَوْنِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وبِكَوْنِ ما أُوتُوا مِن فَضْلِهِ الَّذِي لا نَفادَ لَهُ، ولِذَلِكَ قالَ تَعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ [يونس: ٥٨] لا بِما عِنْدَهم فَإنَّ كُلَّ ما عِنْدَ العَبْدِ فَهو نافِدٌ، أمّا في الدُّنْيا فَظاهِرٌ، وأمّا في الآخِرَةِ فَلِأنَّ ما وصَلَ إلى العَبْدِ مِنَ الِالتِذاذِ بِالمَأْكُولِ والمَشْرُوبِ فَهو يَزُولُ، ولَكِنَّ اللَّهَ يُجَدِّدُ لَهُ مِثْلَهُ إلى الأبَدِ مِن فَضْلِهِ الَّذِي لا نَفادَ لَهُ، فالَّذِي لا نَفادَ لَهُ هو فَضْلُهُ.

الروم 30:32

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿مُنِيبِينَ إلَيْهِ واتَّقُوهُ وأقِيمُوا الصَّلاةَ ولا تَكُونُوا مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ ﴿مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهم وكانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ لَمّا قالَ حَنِيفًا أيْ مائِلًا عَنْ غَيْرِهِ قالَ: ﴿مُنِيبِينَ إلَيْهِ﴾ أيْ مُقْبِلِينَ عَلَيْهِ، والخِطابُ في قَوْلِهِ: ﴿فَأقِمْ وجْهَكَ﴾ مَعَ النَّبِيِّ، والمُرادُ جَمِيعُ المُؤْمِنِينَ، وقَوْلُهُ: ﴿واتَّقُوهُ﴾ يَعْنِي إذا أقْبَلْتُمْ عَلَيْهِ وتَرَكْتُمُ الدُّنْيا فَلا تَأْمَنُوا صفحة ١٠٦ فَتَتْرُكُوا عِبادَتَهُ بَلْ خافُوهُ وداوِمُوا عَلى العِبادَةِ وأقِيمُوا الصَّلاةَ أيْ: كُونُوا عابِدِينَ عِنْدَ حُصُولِ القُرْبَةِ كَما كُنْتُمْ قَبْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿ولا تَكُونُوا مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ يَعْنِي ولا تُشْرِكُوا بَعْدَ الإيمانِ أيْ: ولا تَقْصِدُوا بِذَلِكَ غَيْرَ اللَّهِ، وهاهُنا وجْهٌ آخَرُ وهو أنَّ اللَّهَ بِقَوْلِهِ: ﴿مُنِيبِينَ﴾ أثْبَتَ التَّوْحِيدَ الَّذِي هو مُخْرِجٌ عَنِ الإشْراكِ الظّاهِرِ وبِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَكُونُوا مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ أرادَ إخْراجَ العَبْدِ عَنِ الشِّرْكِ الخَفِيِّ، أيْ لا تَقْصِدُوا بِعَمَلِكم إلّا وجْهَ اللَّهِ، ولا تَطْلُبُوا بِهِ إلّا رِضاءَ اللَّهِ فَإنَّ الدُّنْيا والآخِرَةَ تَحْصِيلٌ وإنْ لَمْ تَطْلُبُوها إذا حَصَلَ رِضا اللَّهِ، وعَلى هَذا فَقَوْلُهُ: ﴿مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهم وكانُوا شِيَعًا﴾ يَعْنِي لَمْ يَجْتَمِعُوا عَلى الإسْلامِ، وذَهَبَ كُلُّ أحَدٍ إلى مَذْهَبٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ وكانُوا شِيَعًا يَعْنِي بَعْضُهم عَبَدَ اللَّهَ لِلدُّنْيا، وبَعْضُهم لِلْجَنَّةِ، وبَعْضُهم لِلْخَلاصِ مِنَ النّارِ، وكُلُّ واحِدٍ بِما في نَظَرِهِ فَرِحٌ، وأمّا المُخْلِصُ فَلا يَفْرَحُ بِما يَكُونُ لَدَيْهِ، وإنَّما يَكُونُ فَرَحُهُ بِأنْ يَحْصُلَ عِنْدَ اللَّهِ ويَقِفَ بَيْنَ يَدَيْهِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ كُلَّ ما لَدَيْنا نافِدٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما عِنْدَكم يَنْفَدُ وما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ﴾ [النحل: ٩٦] فَلا مَطْلُوبَ لَكم فِيما لَدَيْكم حَتّى تَفْرَحُوا بِهِ، وإنَّما المَطْلُوبُ ما لَدى اللَّهِ، وبِهِ الفَرَحُ كَما قالَ تَعالى: ﴿بَلْ أحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩] جَعَلَهم فَرِحِينَ بِكَوْنِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وبِكَوْنِ ما أُوتُوا مِن فَضْلِهِ الَّذِي لا نَفادَ لَهُ، ولِذَلِكَ قالَ تَعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ [يونس: ٥٨] لا بِما عِنْدَهم فَإنَّ كُلَّ ما عِنْدَ العَبْدِ فَهو نافِدٌ، أمّا في الدُّنْيا فَظاهِرٌ، وأمّا في الآخِرَةِ فَلِأنَّ ما وصَلَ إلى العَبْدِ مِنَ الِالتِذاذِ بِالمَأْكُولِ والمَشْرُوبِ فَهو يَزُولُ، ولَكِنَّ اللَّهَ يُجَدِّدُ لَهُ مِثْلَهُ إلى الأبَدِ مِن فَضْلِهِ الَّذِي لا نَفادَ لَهُ، فالَّذِي لا نَفادَ لَهُ هو فَضْلُهُ.

الروم 30:33

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإذا مَسَّ النّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهم مُنِيبِينَ إلَيْهِ ثُمَّ إذا أذاقَهم مِنهُ رَحْمَةً إذا فَرِيقٌ مِنهم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ لَمّا بَيَّنَ التَّوْحِيدَ بِالدَّلِيلِ وبِالمَثَلِ، بَيَّنَ أنَّ لَهم حالَةً يُعْرَفُونَ بِها، وإنْ كانُوا يُنْكِرُونَها في وقْتٍ، وهي حالَةُ الشِّدَّةِ، فَإنَّ عِنْدَ انْقِطاعِ رَجائِهِ عَنِ الكُلِّ يَرْجِعُ إلى اللَّهِ، ويَجِدُ نَفْسَهُ مُحْتاجَةً إلى شَيْءٍ لَيْسَ كَهَذِهِ الأشْياءِ طالِبَةً بِهِ النَّجاةَ: ﴿ثُمَّ إذا أذاقَهم مِنهُ رَحْمَةً إذا فَرِيقٌ مِنهم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ يَعْنِي إذا خَلَّصْناهُ يُشْرِكُ بِرَبِّهِ، ويَقُولُ تَخَلَّصْتُ بِسَبَبِ اتِّصالِ الكَوْكَبِ الفُلانِيِّ بِفُلانٍ، وبِسَبَبِ الصَّنَمِ الفُلانِيِّ، لا، بَلْ يَنْبَغِي أنْ لا يَعْتَقِدَ أنَّهُ تَخَلَّصَ بِسَبَبِ فُلانٍ إذا كانَ ظاهِرًا فَإنَّهُ شِرْكٌ خَفِيٌّ، مِثالُهُ رَجُلٌ في بَحْرٍ أدْرَكَهُ الغَرَقُ فَيُهَيِّئُ اللَّهُ لَهُ لَوْحًا يَسُوقُهُ إلَيْهِ رِيحٌ فَيَتَعَلَّقُ بِهِ ويَنْجُو، فَيَقُولُ تَخَلَّصْتُ بِلَوْحٍ، أوْ رَجُلٍ أقْبَلَ عَلَيْهِ سَبْعٌ فَيُرْسِلُ اللَّهُ إلَيْهِ رَجُلًا فَيُعِينُهُ فَيَقُولُ خَلَّصَنِي زَيْدٌ، فَهَذا إذا كانَ عَنِ اعْتِقادٍ فَهو شِرْكٌ خَفِيٌّ، وإنْ كانَ بِمَعْنى أنَّ اللَّهَ خَلَّصَنِي عَلى يَدِ زَيْدٍ فَهو أخْفى، وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أذاقَهُمْ﴾ فِيهِ لَطِيفَةٌ؛ وذَلِكَ لِأنَّ الذَّوْقَ يُقالُ في القَلِيلِ، فَإنَّ العُرْفَ [ أنَّ ] مَن أكَلَ مَأْكُولًا كَثِيرًا لا يَقُولُ ذُقْتُ، ويُقالُ في النَّفْيِ ما ذُقْتُ في بَيْتِهِ طَعامًا نَفْيًا لِلْقَلِيلِ لِيَلْزَمَ نَفْيُ الكَثِيرِ بِالأوْلى، ثُمَّ إنَّ تِلْكَ الرَّحْمَةَ لَمّا كانَتْ خالِيَةً مُنْقَطِعَةً ولَمْ تَكُنْ مُسْتَمِرَّةً في الآخِرَةِ إذْ لَهم في الآخِرَةِ عَذابٌ قالَ أذاقَهم صفحة ١٠٧ ولِهَذا قالَ في العَذابِ: ﴿ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾ [القمر: ٤٨] ﴿ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [العنكبوت: ٥٥] ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٩]؛ لِأنَّ عَذابَ اللَّهِ الواصِلَ إلى العَبْدِ بِالنِّسْبَةِ إلى الرَّحْمَةِ الواصِلَةِ إلى عَبِيدٍ آخَرِينَ في غايَةِ القِلَّةِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنهُ﴾ أيْ مِنَ الضُّرِّ في هَذا التَّخْصِيصِ ما ذَكَرْناهُ مِنَ الفائِدَةِ وهي أنَّ الرَّحْمَةَ غَيْرُ مُطْلَقَةٍ لَهم إنَّما هي عَنْ ذَلِكَ الضُّرِّ وحْدَهُ، وأمّا الضُّرُّ المُؤَخَّرُ فَلا يَذُوقُونَ مِنهُ رَحْمَةً. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ هاهُنا ﴿إذا فَرِيقٌ مِنهُمْ﴾ وقالَ في العَنْكَبُوتِ: ﴿فَلَمّا نَجّاهم إلى البَرِّ إذا هم يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٥] ولَمْ يَقُلْ: فَرِيقٌ؛ وذَلِكَ لِأنَّ المَذْكُورَ هُناكَ ضُرٌّ مُعَيَّنٌ، وهو ما يَكُونُ مِن هَوْلِ البَحْرِ، والمُتَخَلِّصُ مِنهُ بِالنِّسْبَةِ إلى الخَلْقِ قَلِيلٌ، والَّذِي لا يُشْرِكُ بِهِ بَعْدَ الخَلاصِ فِرْقَةٌ مِنهم في غايَةِ القِلَّةِ فَلَمْ يَجْعَلِ المُشْرِكِينَ فَرِيقًا لِقِلَّةِ مَن خَرَجَ مِنَ المُشْرِكِينَ، وأمّا المَذْكُورُ هاهُنا الضُّرُّ مُطْلَقًا فَيَتَناوَلُ ضُرَّ البَرِّ والبَحْرِ والأمْراضِ والأهْوالِ، والمُتَخَلِّصُ مِن أنْواعِ الضُّرِّ خَلْقٌ كَثِيرٌ، بَلْ جَمِيعُ النّاسِ يَكُونُونَ قَدْ وقَعُوا في ضُرٍّ ما وتَخَلَّصُوا مِنهُ، والَّذِي لا يَبْقى بَعْدَ الخَلاصِ مُشْرِكًا مِن جَمِيعِ الأنْواعِ إذا جُمِعَ فَهو خَلْقٌ عَظِيمٌ، وهو جَمِيعُ المُسْلِمِينَ فَإنَّهم تَخَلَّصُوا مِن ضُرٍّ ولَمْ يَبْقَوْا مُشْرِكِينَ، وأمّا المُسْلِمُونَ فَلَمْ يَتَخَلَّصُوا مِن ضُرِّ البَحْرِ بِأجْمَعِهِمْ، فَلَمّا كانَ النّاجِي مِنَ الضُّرِّ مِنَ المُؤْمِنِينَ جَمْعًا كَثِيرًا، جَعَلَ الباقِيَ فَرِيقًا.

الروم 30:34

ثُمَّ قالَ [ تَعالى: ﴿لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهم فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿أمْ أنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطانًا فَهو يَتَكَلَّمُ بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾ قَوْلُهُ ] تَعالى: ﴿لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهم فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ في العَنْكَبُوتِ، بَقِيَ بَيانُ فائِدَةِ الخِطابِ هاهُنا في قَوْلِهِ: ﴿فَتَمَتَّعُوا﴾ وعَدَمُهُ هُناكَ في قَوْلِهِ: ﴿ولِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ فَنَقُولُ لَمّا كانَ الضُّرُّ المَذْكُورُ هُناكَ ضُرًّا واحِدًا جازَ أنْ لا يَكُونَ في ذَلِكَ المَوْضِعِ مِنَ المُخَلَّصِينَ مِن ذَلِكَ الضُّرِّ أحَدٌ، فَلَمْ يُخاطَبْ، ولَمّا كانَ المَذْكُورُ هاهُنا مُطْلَقَ الضُّرِّ ولا يَخْلُو مَوْضِعٌ مِنَ المُخَلَّصِينَ عَنِ الضُّرِّ، فالحاضِرُ يَصِحُّ خِطابُهُ بِأنَّهُ مِنهم فَخاطَبَ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أمْ أنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطانًا فَهو يَتَكَلَّمُ بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾ لَمّا سَبَقَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أهْواءَهُمْ﴾ [الروم: ٢٩] أيِ المُشْرِكُونَ يَقُولُونَ ما لا عِلْمَ لَهم بِهِ، بَلْ هم عالِمُونَ بِخِلافِهِ فَإنَّهم وقْتَ الضُّرِّ يَرْجِعُونَ إلى اللَّهِ، حَقَّقَ ذَلِكَ بِالِاسْتِفْهامِ بِمَعْنى الإنْكارِ، أيْ ما أنْزَلْنا بِما يَقُولُونَ سُلْطانًا، وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: أمْ لِلِاسْتِفْهامِ ولا يَقَعُ إلّا مُتَوَسِّطًا، كَما قالَ قائِلُهم: أيا ظَبْيَةَ الوَعْساءِ بَيْنَ جُلاجِلٍ وبَيْنَ النَّقا آأنْتِ أمْ أُمُّ سالِمٍ صفحة ١٠٨ فَما الِاسْتِفْهامُ الَّذِي قَبْلَهُ ؟ فَنَقُولُ: تَقْدِيرُهُ إذا ظَهَرَتْ هَذِهِ الحُجَجُ عَلى عِنادِهِمْ فَماذا نَقُولُ، أهم يَتَّبِعُونَ الأهْواءَ مِن غَيْرِ عِلْمٍ ؟ أمْ لَهم دَلِيلٌ عَلى ما يَقُولُونَ ؟ ولَيْسَ الثّانِي فَيَتَعَيَّنُ الأوَّلُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿فَهُوَ يَتَكَلَّمُ﴾ مَجازٌ كَما يُقالُ إنَّ كِتابَهُ لَيَنْطِقُ بِكَذا، وفِيهِ مَعْنًى لَطِيفٌ وهو أنَّ المُتَكَلِّمَ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ كَأنَّهُ لا كَلامَ لَهُ؛ لِأنَّ الكَلامَ هو المَسْمُوعُ، وما لا يُقْبَلُ فَكَأنَّهُ لَمْ يُسْمَعْ، فَكَأنَّ المُتَكَلِّمَ لَمْ يَتَكَلَّمْ بِهِ، وما لا دَلِيلَ عَلَيْهِ لا يُقْبَلُ، فَإذا جازَ سَلْبُ الكَلامِ عَنِ المُتَكَلِّمِ عِنْدَ عَدَمِ الدَّلِيلِ وحَسُنَ جازَ إثْباتُ التَّكَلُّمِ لِلدَّلِيلِ وحَسُنَ.

الروم 30:35

ثُمَّ قالَ [ تَعالى: ﴿لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهم فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿أمْ أنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطانًا فَهو يَتَكَلَّمُ بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾ قَوْلُهُ ] تَعالى: ﴿لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهم فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ في العَنْكَبُوتِ، بَقِيَ بَيانُ فائِدَةِ الخِطابِ هاهُنا في قَوْلِهِ: ﴿فَتَمَتَّعُوا﴾ وعَدَمُهُ هُناكَ في قَوْلِهِ: ﴿ولِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ فَنَقُولُ لَمّا كانَ الضُّرُّ المَذْكُورُ هُناكَ ضُرًّا واحِدًا جازَ أنْ لا يَكُونَ في ذَلِكَ المَوْضِعِ مِنَ المُخَلَّصِينَ مِن ذَلِكَ الضُّرِّ أحَدٌ، فَلَمْ يُخاطَبْ، ولَمّا كانَ المَذْكُورُ هاهُنا مُطْلَقَ الضُّرِّ ولا يَخْلُو مَوْضِعٌ مِنَ المُخَلَّصِينَ عَنِ الضُّرِّ، فالحاضِرُ يَصِحُّ خِطابُهُ بِأنَّهُ مِنهم فَخاطَبَ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أمْ أنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطانًا فَهو يَتَكَلَّمُ بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾ لَمّا سَبَقَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أهْواءَهُمْ﴾ [الروم: ٢٩] أيِ المُشْرِكُونَ يَقُولُونَ ما لا عِلْمَ لَهم بِهِ، بَلْ هم عالِمُونَ بِخِلافِهِ فَإنَّهم وقْتَ الضُّرِّ يَرْجِعُونَ إلى اللَّهِ، حَقَّقَ ذَلِكَ بِالِاسْتِفْهامِ بِمَعْنى الإنْكارِ، أيْ ما أنْزَلْنا بِما يَقُولُونَ سُلْطانًا، وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: أمْ لِلِاسْتِفْهامِ ولا يَقَعُ إلّا مُتَوَسِّطًا، كَما قالَ قائِلُهم: أيا ظَبْيَةَ الوَعْساءِ بَيْنَ جُلاجِلٍ وبَيْنَ النَّقا آأنْتِ أمْ أُمُّ سالِمٍ صفحة ١٠٨ فَما الِاسْتِفْهامُ الَّذِي قَبْلَهُ ؟ فَنَقُولُ: تَقْدِيرُهُ إذا ظَهَرَتْ هَذِهِ الحُجَجُ عَلى عِنادِهِمْ فَماذا نَقُولُ، أهم يَتَّبِعُونَ الأهْواءَ مِن غَيْرِ عِلْمٍ ؟ أمْ لَهم دَلِيلٌ عَلى ما يَقُولُونَ ؟ ولَيْسَ الثّانِي فَيَتَعَيَّنُ الأوَّلُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿فَهُوَ يَتَكَلَّمُ﴾ مَجازٌ كَما يُقالُ إنَّ كِتابَهُ لَيَنْطِقُ بِكَذا، وفِيهِ مَعْنًى لَطِيفٌ وهو أنَّ المُتَكَلِّمَ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ كَأنَّهُ لا كَلامَ لَهُ؛ لِأنَّ الكَلامَ هو المَسْمُوعُ، وما لا يُقْبَلُ فَكَأنَّهُ لَمْ يُسْمَعْ، فَكَأنَّ المُتَكَلِّمَ لَمْ يَتَكَلَّمْ بِهِ، وما لا دَلِيلَ عَلَيْهِ لا يُقْبَلُ، فَإذا جازَ سَلْبُ الكَلامِ عَنِ المُتَكَلِّمِ عِنْدَ عَدَمِ الدَّلِيلِ وحَسُنَ جازَ إثْباتُ التَّكَلُّمِ لِلدَّلِيلِ وحَسُنَ.

الروم 30:36

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإذا أذَقْنا النّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِها وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ إذا هم يَقْنَطُونَ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا أذَقْنا النّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِها﴾ لَمّا بَيَّنَ حالَ المُشْرِكِ الظّاهِرِ شِرْكُهُ بَيَّنَ حالَ المُشْرِكِ الَّذِي دُونَهُ وهو مَن تَكُونُ عِبادَتُهُ اللَّهَ لِلدُّنْيا، فَإذا آتاهُ رَضِيَ وإذا مَنَعَهُ سَخِطَ وقَنِطَ، ولا يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ العَبْدُ كَذَلِكَ، بَلْ يَنْبَغِي أنْ يَعْبُدَ اللَّهَ في الشِّدَّةِ والرَّخاءِ، فَمِنَ النّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ في الشِّدَّةِ كَما قالَ تَعالى: ﴿وإذا مَسَّ النّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ﴾ [الروم: ٣٣] ومِنَ النّاسِ مَن يَعْبُدُهُ إذا آتاهُ نِعْمَةً كَما قالَ تَعالى: ﴿وإذا أذَقْنا النّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِها﴾ والأوَّلُ كالَّذِي يَخْدِمُ مُكْرَهًا مَخافَةَ العَذابِ، والثّانِي كالَّذِي يَخْدِمُ أجِيرًا لِتَوَقُّعِ الأجْرِ، وكِلاهُما لا يَكُونُ مِنَ المُثْبَتِينَ في دِيوانِ المُرَتَّبِينَ في الجَرائِدِ الَّذِينَ يَأْخُذُونَ رِزْقَهم سَواءٌ كانَ هُناكَ شُغْلٌ أوْ لَمْ يَكُنْ، فَكَذَلِكَ القِسْمانِ لا يَكُونانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ لَهم رِزْقٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ، وفِيهِ مَسْألَةٌ: وهي أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَرِحُوا بِها﴾ إشارَةٌ إلى دُنُوِّ هِمَّتِهِمْ وقُصُورِ نَظَرِهِمْ، فَإنَّ فَرَحَهم يَكُونُ بِما وصَلَ إلَيْهِمْ لا بِما وصَلَ مِنهُ إلَيْهِمْ، فَإنْ قالَ قائِلٌ: الفَرَحُ بِالرَّحْمَةِ مَأْمُورٌ بِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ [يونس: ٥٨] وهاهُنا ذَمَّهم عَلى الفَرَحِ بِالرَّحْمَةِ، فَكَيْفَ ذَلِكَ ؟ فَنَقُولُ هُناكَ قالَ: فَرِحُوا بِرَحْمَةِ اللَّهِ مِن حَيْثُ إنَّها مُضافَةٌ إلى اللَّهِ تَعالى، وهاهُنا فَرِحُوا بِنَفْسِ الرَّحْمَةِ حَتّى لَوْ كانَ المَطَرُ مِن غَيْرِ اللَّهِ لَكانَ فَرَحُهم بِهِ مِثْلَ فَرَحِهِمْ بِما إذا كانَ مِنَ اللَّهِ، وهو كَما أنَّ المَلِكَ لَوْ حَطَّ عِنْدَ أمِيرٍ رَغِيفًا عَلى السِّماطِ أوْ أمَرَ الغِلْمانَ بِأنْ يَحُطُّوا عِنْدَهُ زُبْدِيَّةَ طَعامٍ يَفْرَحُ ذَلِكَ الأمِيرُ بِهِ، ولَوْ أعْطى المَلِكُ فَقِيرًا غَيْرَ مُلْتَفِتٍ إلَيْهِ رَغِيفًا أوْ زُبْدِيَّةَ طَعامٍ أيْضًا يَفْرَحُ، لَكِنَّ فَرَحَ الأمِيرِ بِكَوْنِ ذَلِكَ مِنَ المَلِكِ، وفَرَحُ الفَقِيرِ بِكَوْنِ ذَلِكَ رَغِيفًا وزُبْدِيَّةً. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ﴾ لَمْ يَذْكُرْ عِنْدَ النِّعْمَةِ سَبَبًا لَها لِتَفَضُّلِهِ بِها، وذَكَرَ عِنْدَ العَذابِ سَبَبًا؛ لِأنَّ الأوَّلَ يَزِيدُ في الإحْسانِ والثّانِي يُحَقِّقُ العَدْلَ. قَوْلُهُ ﴿إذا هم يَقْنَطُونَ﴾ إذا لِلْمُفاجَأةِ، أيْ لا يَصْبِرُونَ عَلى ذَلِكَ قَلِيلًا لَعَلَّ اللَّهَ يُفَرِّجُ عَنْهم وإنَّهُ يُذَكِّرُهم بِهِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ لَمْ يَعْلَمُوا أنَّ الكُلَّ مِنَ اللَّهِ، فالمُحَقِّقُ يَنْبَغِي أنْ لا يَكُونَ نَظَرُهُ عَلى ما يُوجَدُ بَلْ إلى مَن يُوجِدُ وهو اللَّهُ، فَلا يَكُونُ صفحة ١٠٩ لَهُ تَبَدُّلُ حالٍ، وإنَّما يَكُونُ عِنْدَهُ الفَرَحُ الدّائِمُ، ولَكِنَّ ذَلِكَ مَرْتَبَةُ المُؤْمِنِ المُوَحِّدِ المُحَقِّقِ، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ .

الروم 30:37

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإذا أذَقْنا النّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِها وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ إذا هم يَقْنَطُونَ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا أذَقْنا النّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِها﴾ لَمّا بَيَّنَ حالَ المُشْرِكِ الظّاهِرِ شِرْكُهُ بَيَّنَ حالَ المُشْرِكِ الَّذِي دُونَهُ وهو مَن تَكُونُ عِبادَتُهُ اللَّهَ لِلدُّنْيا، فَإذا آتاهُ رَضِيَ وإذا مَنَعَهُ سَخِطَ وقَنِطَ، ولا يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ العَبْدُ كَذَلِكَ، بَلْ يَنْبَغِي أنْ يَعْبُدَ اللَّهَ في الشِّدَّةِ والرَّخاءِ، فَمِنَ النّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ في الشِّدَّةِ كَما قالَ تَعالى: ﴿وإذا مَسَّ النّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ﴾ [الروم: ٣٣] ومِنَ النّاسِ مَن يَعْبُدُهُ إذا آتاهُ نِعْمَةً كَما قالَ تَعالى: ﴿وإذا أذَقْنا النّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِها﴾ والأوَّلُ كالَّذِي يَخْدِمُ مُكْرَهًا مَخافَةَ العَذابِ، والثّانِي كالَّذِي يَخْدِمُ أجِيرًا لِتَوَقُّعِ الأجْرِ، وكِلاهُما لا يَكُونُ مِنَ المُثْبَتِينَ في دِيوانِ المُرَتَّبِينَ في الجَرائِدِ الَّذِينَ يَأْخُذُونَ رِزْقَهم سَواءٌ كانَ هُناكَ شُغْلٌ أوْ لَمْ يَكُنْ، فَكَذَلِكَ القِسْمانِ لا يَكُونانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ لَهم رِزْقٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ، وفِيهِ مَسْألَةٌ: وهي أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَرِحُوا بِها﴾ إشارَةٌ إلى دُنُوِّ هِمَّتِهِمْ وقُصُورِ نَظَرِهِمْ، فَإنَّ فَرَحَهم يَكُونُ بِما وصَلَ إلَيْهِمْ لا بِما وصَلَ مِنهُ إلَيْهِمْ، فَإنْ قالَ قائِلٌ: الفَرَحُ بِالرَّحْمَةِ مَأْمُورٌ بِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ [يونس: ٥٨] وهاهُنا ذَمَّهم عَلى الفَرَحِ بِالرَّحْمَةِ، فَكَيْفَ ذَلِكَ ؟ فَنَقُولُ هُناكَ قالَ: فَرِحُوا بِرَحْمَةِ اللَّهِ مِن حَيْثُ إنَّها مُضافَةٌ إلى اللَّهِ تَعالى، وهاهُنا فَرِحُوا بِنَفْسِ الرَّحْمَةِ حَتّى لَوْ كانَ المَطَرُ مِن غَيْرِ اللَّهِ لَكانَ فَرَحُهم بِهِ مِثْلَ فَرَحِهِمْ بِما إذا كانَ مِنَ اللَّهِ، وهو كَما أنَّ المَلِكَ لَوْ حَطَّ عِنْدَ أمِيرٍ رَغِيفًا عَلى السِّماطِ أوْ أمَرَ الغِلْمانَ بِأنْ يَحُطُّوا عِنْدَهُ زُبْدِيَّةَ طَعامٍ يَفْرَحُ ذَلِكَ الأمِيرُ بِهِ، ولَوْ أعْطى المَلِكُ فَقِيرًا غَيْرَ مُلْتَفِتٍ إلَيْهِ رَغِيفًا أوْ زُبْدِيَّةَ طَعامٍ أيْضًا يَفْرَحُ، لَكِنَّ فَرَحَ الأمِيرِ بِكَوْنِ ذَلِكَ مِنَ المَلِكِ، وفَرَحُ الفَقِيرِ بِكَوْنِ ذَلِكَ رَغِيفًا وزُبْدِيَّةً. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ﴾ لَمْ يَذْكُرْ عِنْدَ النِّعْمَةِ سَبَبًا لَها لِتَفَضُّلِهِ بِها، وذَكَرَ عِنْدَ العَذابِ سَبَبًا؛ لِأنَّ الأوَّلَ يَزِيدُ في الإحْسانِ والثّانِي يُحَقِّقُ العَدْلَ. قَوْلُهُ ﴿إذا هم يَقْنَطُونَ﴾ إذا لِلْمُفاجَأةِ، أيْ لا يَصْبِرُونَ عَلى ذَلِكَ قَلِيلًا لَعَلَّ اللَّهَ يُفَرِّجُ عَنْهم وإنَّهُ يُذَكِّرُهم بِهِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ لَمْ يَعْلَمُوا أنَّ الكُلَّ مِنَ اللَّهِ، فالمُحَقِّقُ يَنْبَغِي أنْ لا يَكُونَ نَظَرُهُ عَلى ما يُوجَدُ بَلْ إلى مَن يُوجِدُ وهو اللَّهُ، فَلا يَكُونُ صفحة ١٠٩ لَهُ تَبَدُّلُ حالٍ، وإنَّما يَكُونُ عِنْدَهُ الفَرَحُ الدّائِمُ، ولَكِنَّ ذَلِكَ مَرْتَبَةُ المُؤْمِنِ المُوَحِّدِ المُحَقِّقِ، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ .

الروم 30:38

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَآتِ ذا القُرْبى حَقَّهُ والمِسْكِينَ وابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وجْهَ اللَّهِ وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ وجْهُ تَعَلُّقِ الآيَةِ بِما قَبْلَها هو أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ العِبادَةَ لا يَنْبَغِي أنْ تَكُونَ مَقْصُورَةً عَلى حالَةِ الشِّدَّةِ بِقَوْلِهِ: ﴿وإذا مَسَّ النّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ﴾ [الروم: ٣٣] ولا أنْ تَكُونَ مَقْصُورَةً عَلى حالَةِ أخْذِ شَيْءٍ مِنَ الدُّنْيا كَما هو عادَةُ المُدَوْكَرِ المُتَسَلِّسِ يَعْبُدُ اللَّهَ إذا كانَ في الخَوانِقِ والرِّباطات لِلرَّغِيفِ والزُّبْدِيَّةِ، وإذا خَلا بِنَفْسِهِ لا يَذْكُرُ اللَّهَ، بِقَوْلِهِ: ﴿وإذا أذَقْنا النّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِها﴾ وبَيَّنَ أنَّهُ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ في حالَةِ بَسْطِ الرِّزْقِ وقَدْرِهِ عَلَيْهِ، نَظَرُهُ عَلى اللَّهِ الخالِقِ الرّازِقِ لِيَحْصُلَ الإرْشادُ إلى تَعْظِيمِ اللَّهِ. والإيمانُ قِسْمانِ: تَعْظِيمٌ لِأمْرِ اللَّهِ، وشَفَقَةٌ عَلى خَلْقِ اللَّهِ، فَقالَ بَعْدَ ذَلِكَ فَآتِ ذا القُرْبى حَقَّهُ والمِسْكِينَ وابْنَ السَّبِيلِ، وفِيهِ وجْهٌ آخَرُ هو أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ ويَقْدِرُ، فَلا يَنْبَغِي أنْ يَتَوَقَّفَ الإنْسانُ في الإحْسانِ، فَإنَّ اللَّهَ إذا بَسَطَ الرِّزْقَ لا يَنْقُصُ بِالإنْفاقِ، وإذا قَدَرَ لا يَزْدادُ بِالإمْساكِ، وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: في تَخْصِيصِ الأقْسامِ الثَّلاثَةِ بِالذِّكْرِ دُونَ غَيْرِهِمْ، مَعَ أنَّ اللَّهَ ذَكَرَ الأصْنافَ الثَّمانِيَةَ في الصَّدَقاتِ فَنَقُولُ: أرادَ هاهُنا بَيانَ مَن يَجِبِ الإحْسانُ إلَيْهِ عَلى كُلِّ مَن لَهُ مالٌ سَواءٌ كانَ زَكَوِيًّا أوْ لَمْ يَكُنْ، وسَواءٌ كانَ بَعْدَ الحَوْلِ أوْ قَبْلَهُ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ هاهُنا الشَّفَقَةُ العامَّةُ، وهَؤُلاءِ الثَّلاثَةُ يَجِبُ الإحْسانُ إلَيْهِمْ وإنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمُحْسِنِ مالٌ زائِدٌ، أمّا القَرِيبُ فَتَجِبُ نَفَقَتُهُ وإنْ كانَ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ زَكاةٌ كَعَقارٍ أوْ مالٍ لَمْ يَحُلْ عَلَيْهِ الحَوْلُ. والمِسْكِينُ كَذَلِكَ فَإنَّهُ مَن لا شَيْءَ لَهُ إذا بَقِيَ في ورْطَةِ الحاجَةِ حَتّى بَلَغَ الشِّدَّةَ يَجِبُ عَلى مَن لَهُ مَقْدِرَةٌ دَفْعُ حاجَتِهِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ زَكاةٌ، وكَذَلِكَ مَنِ انْقَطَعَ في مَفازَةٍ ومَعَ آخِرِ دابَّةٍ يُمْكِنُهُ بِها إيصالُهُ إلى مَأْمَنٍ يَلْزَمُهُ ذَلِكَ، وإنْ لَمْ تَكُنْ عَلَيْهِ زَكاةٌ، والفَقِيرُ داخِلٌ في المِسْكِينِ؛ لِأنَّ مَن أوْصى لِلْمَساكِينِ شَيْئًا يُصْرَفُ إلى الفُقَراءِ أيْضًا، وإذا نَظَرْتَ إلى الباقِينَ مِنَ الأصْنافِ رَأيْتَهم لا يَجِبُ صَرْفُ المالِ إلَيْهِمْ إلّا عَلى الَّذِينَ وجَبَتِ الزَّكاةُ عَلَيْهِمْ، واعْتُبِرَ ذَلِكَ في العامِلِ والمُكاتِبِ والمُؤَلَّفَةِ والمَدْيُونِ، ثُمَّ اعْلَمْ أنَّ عَلى مَذْهَبِ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ حَيْثُ قالَ: المِسْكِينُ مَن لَهُ شَيْءٌ ما، فَنَقُولُ: وإنْ كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ لَكِنْ لا نِزاعَ في أنَّ إطْلاقَ المِسْكِينِ عَلى مَن لا شَيْءَ لَهُ جائِزٌ فَيَكُونُ الإطْلاقُ هاهُنا بِذَلِكَ الوَجْهِ، والفَقِيرُ يَدْخُلُ في ذَلِكَ بِالطَّرِيقِ الأوْلى. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في تَقَدُّمِ البَعْضِ عَلى البَعْضِ: فَنَقُولُ لَمّا كانَ دَفْعُ حاجَةِ القَرِيبِ واجِبًا سَواءٌ كانَ في صفحة ١١٠ شِدَّةٍ ومَخْمَصَةٍ، أوْ لَمْ يَكُنْ كانَ مُقَدَّمًا عَلى مَن لا يَجِبُ دَفْعُ حاجَتِهِ مِن غَيْرِ مالِ الزَّكاةِ إلّا إذا كانَ في شِدَّةٍ، ولَمّا كانَ المِسْكِينُ حاجَتُهُ لَيْسَتْ مُخْتَصَّةً بِمَوْضِعٍ كانَ مُقَدَّمًا عَلى مَن حاجَتُهُ مُخْتَصَّةٌ بِمَوْضِعٍ دُونَ مَوْضِعٍ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ذَكَرَ الأقارِبَ في جَمِيعِ المَواضِعِ كَذا اللَّفْظُ وهو ذَوُو القُرْبى، ولَمْ يَذْكُرِ المِسْكِينَ بِلَفْظِ ذِي المَسْكَنَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ القَرابَةَ لا تَتَجَدَّدُ فَهي شَيْءٌ ثابِتٌ، وذُو كَذا لا يُقالُ إلّا في الثّابِتِ، فَإنَّ مَن صَدَرَ مِنهُ رَأْيٌ صائِبٌ مَرَّةً أوْ حَصَلَ لَهُ جاهٌ يَوْمًا واحِدًا أوْ وُجِدَ مِنهُ فَضْلٌ في وقْتٍ يُقالُ ذُو رَأْيٍ وذُو جاهٍ وذُو فَضْلٍ، وإذا دامَ ذَلِكَ لَهُ أوْ وُجِدَ مِنهُ ذَلِكَ كَثِيرًا يُقالُ لَهُ ذُو الرَّأْيِ وذُو الفَضْلِ، فَقالَ ﴿ذا القُرْبى﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ هَذا حَقٌّ مُتَأكِّدٌ ثابِتٌ، وأمّا المَسْكَنَةُ فَتَطْرَأُ وتَزُولُ؛ ولِهَذا المَعْنى قالَ: ﴿مِسْكِينًا ذا مَتْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٦] فَإنَّ المِسْكِينَ يَدُومُ لَهُ كَوْنُهُ ذا مَتْرَبَةٍ ما دامَتْ مَسْكَنَتُهُ، أوْ يَكُونُ كَذَلِكَ في أكْثَرِ الأمْرِ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ: ﴿فَآتِ ذا القُرْبى حَقَّهُ﴾ ثُمَّ عَطَفَ المِسْكِينَ وابْنَ السَّبِيلِ ولَمْ يَقُلْ فَآتِ ذا القُرْبى والمِسْكِينَ وابْنَ السَّبِيلِ حَقَّهم؛ لِأنَّ العِبارَةَ الثّانِيَةَ لِكَوْنِ صُدُورِ الكَلامِ أوَّلًا لِلتَّشْرِيكِ والأوْلى لِكَوْنِ التَّشْرِيكُ وارِدًا عَلى الكَلامِ، كَأنَّهُ يَقُولُ أعْطِ ذا القُرْبى حَقَّهُ ثُمَّ يَذْكُرُ المِسْكِينَ وابْنَ السَّبِيلِ بِالتَّبَعِيَّةِ؛ ولِهَذا المَعْنى إذا قالَ المَلِكُ خَلِّ فُلانًا يَدْخُلْ، وفُلانًا أيْضًا، يَكُونُ في التَّعْظِيمِ فَوْقَ ما إذا قالَ خَلِّ فُلانًا وفُلانًا يَدْخُلا، وإلى هَذا أشارَ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِقَوْلِهِ: ”«بِئْسَ خَطِيبُ القَوْمِ أنْتَ» “ حَيْثُ قالَ الرَّجُلُ مَن أطاعَ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَقَدِ اهْتَدى، ومَن عَصاهُما فَقَدْ غَوى، ولَمْ يَقُلْ ومَن عَصى اللَّهَ ورَسُولَهُ. * * * المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ ذَلِكَ خَيْرٌ مِن غَيْرِهِ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ ذَلِكَ خَيْرٌ في نَفْسِهِ، وإنْ لَمْ يُقَسْ إلى غَيْرِهِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وافْعَلُوا الخَيْرَ﴾ [الحج: ٧٧] ﴿فاسْتَبِقُوا الخَيْراتِ﴾ [البقرة: ١٤٨] والثّانِي أوْلى لِعَدَمِ احْتِياجِهِ إلى إضْمارٍ، ولِكَوْنِهِ أكْثَرَ فائِدَةً؛ لِأنَّ الخَيْرَ مِنَ الغَيْرِ قَدْ يَكُونُ نازِلَ الدَّرَجَةِ، عِنْدَ نُزُولِ دَرَجَةٍ ما يُقاسُ إلَيْهِ، كَما يُقالُ: السُّكُوتُ خَيْرٌ مِنَ الكَذِبِ، وما هو خَيْرٌ في نَفْسِهِ فَهو حَسَنٌ يَنْفَعُ وفِعْلٌ صالِحٌ يَرْفَعُ. المَسْألَةُ السّادِسَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وجْهَ اللَّهِ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ الِاعْتِبارَ بِالقَصْدِ لا بِنَفْسِ الفِعْلِ، فَإنَّ مَن أنْفَقَ جَمِيعَ أمْوالِهِ رِياءَ النّاسِ لا يَنالُ دَرَجَةَ مَن يَتَصَدَّقُ بِرَغِيفٍ لِلَّهِ، وقَوْلُهُ: ﴿وجْهَ اللَّهِ﴾ أيْ يَكُونُ عَطاؤُهُ لِلَّهِ لا غَيْرَ، فَمَن أعْطى لِلْجَنَّةِ لَمْ يُرِدْ بِهِ وجْهَ اللَّهِ، وإنَّما أرادَ مَخْلُوقَ اللَّهِ. المَسْألَةُ السّابِعَةُ: كَيْفَ قالَ: ﴿وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ مَعَ أنَّ لِلْإفْلاحِ شَرائِطَ أُخَرَ، وهي المَذْكُورَةُ في قَوْلِهِ: ﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ١] فَنَقُولُ: كُلُّ وصْفٍ مَذْكُورٍ هُناكَ يُفِيدُ الإفْلاحَ، فَقَوْلُهُ ﴿والَّذِينَ هم لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ﴾ [المؤمنون: ٤] وقَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ هم لِأماناتِهِمْ وعَهْدِهِمْ راعُونَ﴾ [المؤمنون: ٨] إلى غَيْرِ ذَلِكَ عَطْفٌ عَلى المُفْلِحِ، أيْ هَذا مُفْلِحٌ، وذاكَ مُفْلِحٌ، وذاكَ الآخَرُ مُفْلِحٌ، لا يُقالُ لا يَحْصُلُ الإفْلاحُ لِمَن يَتَصَدَّقُ ولا يُصَلِّي، فَنَقُولُ: هَذا كَقَوْلِ القائِلِ: العالِمُ مُكَرَّمٌ، أيْ نَظَرًا إلى عِلْمِهِ، ثُمَّ إذا حُدَّ في الزِّنا عَلى سَبِيلِ النَّكالِ، وقُطِعَتْ يَدُهُ في السَّرِقَةِ لا يَبْطُلُ ذَلِكَ القَوْلُ حَتّى يَقُولَ القائِلُ: إنَّما ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ أتى بِالفِسْقِ، فَكَذَلِكَ إيتاءُ المالِ لِوَجْهِ اللَّهِ يُفِيدُ الإفْلاحَ، اللَّهُمَّ إلّا إذا وُجِدَ مانِعٌ مِنَ ارْتِكابٍ مَحْظُورٍ أوْ تَرْكِ واجِبٍ. المَسْألَةُ الثّامِنَةُ: لِمَ لَمْ يَذْكُرْ غَيْرَهُ مِنَ الأفْعالِ كالصَّلاةِ وغَيْرِها ؟ فَنَقُولُ: الصَّلاةُ مَذْكُورَةٌ مِن قَبْلُ؛ لِأنَّ الخِطابَ هاهُنا بِقَوْلِهِ: ﴿فَآتِ﴾ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وغَيْرُهُ تَبَعٌ، وقَدْ قالَ لَهُ مِن قَبْلُ ﴿فَأقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾ وقالَ: صفحة ١١١ ﴿مُنِيبِينَ إلَيْهِ واتَّقُوهُ وأقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ . المَسْألَةُ التّاسِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ يُفْهَمُ مِنهُ الحَصْرُ، وقَدْ قالَ في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ إشارَةٌ إلى مَن أقامَ الصَّلاةَ وآتى الزَّكاةَ، وآمَنَ بِما أُنْزِلَ عَلى رَسُولِهِ، وبِما أُنْزِلَ مِن قَبْلِهِ وبِالآخِرَةِ، فَلَوْ كانَ المُفْلِحُ مُنْحَصِرًا في أُولَئِكَ المَذْكُورِينَ في سُورَةِ البَقَرَةِ فَهَذا خارِجٌ عَنْهم، فَكَيْفَ يَكُونُ مُفْلِحًا ؟ فَنَقُولُ: هَذا هو ذاكَ؛ لِأنّا بَيَّنّا أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَأقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ﴾ مُتَّصِلٌ بِهَذا الكَلامِ فَإذا أتى بِالصَّلاةِ وآتى المالَ وأرادَ وجْهَ اللَّهِ، فَقَدْ ثَبَتَ أنَّهُ مُؤْمِنٌ مُقِيمٌ لِلصَّلاةِ مُؤْتٍ لِلزَّكاةِ مُعْتَرِفٌ بِالآخِرَةِ فَصارَ مِثْلَ المَذْكُورِ في البَقَرَةِ.

الروم 30:39

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما آتَيْتُمْ مِن رِبًا لِيَرْبُوَ في أمْوالِ النّاسِ فَلا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وما آتَيْتُمْ مِن زَكاةٍ تُرِيدُونَ وجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُضْعِفُونَ﴾ ذَكَرَ هَذا تَحْرِيضًا، يَعْنِي أنَّكم إذا طُلِبَ مِنكم واحِدٌ بِاثْنَيْنِ تَرْغَبُونَ فِيهِ وتُؤْتُونَهُ، وذَلِكَ لا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ، والزَّكاةُ تَنْمُو عِنْدَ اللَّهِ كَما أخْبَرَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«إنَّ الصَّدَقَةَ تَقَعُ في يَدِ الرَّحْمَنِ فَتَرْبُو حَتّى تَصِيرَ مِثْلَ الجَبَلِ» “ فَيَنْبَغِي أنْ يَكُونَ إقْدامُكم عَلى الزَّكاةِ أكْثَرَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما آتَيْتُمْ مِن زَكاةٍ تُرِيدُونَ وجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُضْعِفُونَ﴾ أيْ أُولَئِكَ ذَوُو الأضْعافِ كالمُوسِرِ لِذِي اليَسارِ، وأقَلُّ مِن ذَلِكَ عَشَرَةُ أضْعافٍ، كُلٌّ مَثَلٌ لِما آتى في كَوْنِهِ حَسَنَةً لا في المِقْدارِ، فَلا يُفْهَمُ أنَّ مَن أعْطى رَغِيفًا يُعْطِيهِ اللَّهُ عَشَرَةَ أرْغِفَةٍ، بَلْ مَعْناهُ أنَّ ما يَقْتَضِيهِ فِعْلُهُ مِنَ الثَّوابِ عَلى وجْهِ الرَّحْمَةِ يُضاعِفُهُ اللَّهُ عَشَرَةَ مَرّاتٍ عَلى وجْهِ التَّفَضُّلِ، فَبِالرَّغِيفِ الواحِدِ يَكُونُ لَهُ قَصْرٌ في الجَنَّةِ فِيهِ مِن كُلِّ شَيْءٍ ثَوابًا نَظَرًا إلى الرَّحْمَةِ، وعَشْرُ قُصُورٍ مِثْلِهِ نَظَرًا إلى الفَضْلِ. مِثالُهُ في الشّاهِدِ: مَلِكٌ عَظِيمٌ قَبِلَ مِن عَبْدِهِ هَدِيَّةً قِيمَتُها دِرْهَمٌ، لَوْ عَوَّضَهُ بِعَشَرَةِ دَراهِمَ لا يَكُونُ كَرَمًا، بَلْ إذا جَرَتْ عادَتُهُ بِأنَّهُ يُعْطِي عَلى مِثْلِ ذَلِكَ ألْفًا، فَإذا أعْطى لَهُ عَشَرَةَ آلافٍ فَقَدْ ضاعَفَ لَهُ الثَّوابَ.

الروم 30:40

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكم ثُمَّ رَزَقَكم ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يُحْيِيكم هَلْ مِن شُرَكائِكم مَن يَفْعَلُ مِن ذَلِكم مِن شَيْءٍ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ أيْ أوْجَدَكم ﴿ثُمَّ رَزَقَكُمْ﴾ أيْ أبْقاكم، فَإنَّ العَرَضَ مَخْلُوقٌ ولَيْسَ بِمُبَقًى: ﴿ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يُحْيِيكم هَلْ مِن شُرَكائِكم مَن يَفْعَلُ مِن ذَلِكم مِن شَيْءٍ﴾ جَمَعَ في هَذِهِ الآيَةِ بَيْنَ إثْباتِ صفحة ١١٢ الأصْلَيْنِ الحَشْرِ والتَّوْحِيدِ، أمّا الحَشْرُ فَبِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ والدَّلِيلُ قُدْرَتُهُ عَلى الخَلْقِ ابْتِداءً، وأمّا التَّوْحِيدُ فَبِقَوْلِهِ: ﴿هَلْ مِن شُرَكائِكم مَن يَفْعَلُ مِن ذَلِكم مِن شَيْءٍ﴾ . ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ فَقَوْلُهُ: ”سُبْحانَهُ“ أيْ سَبِّحُوهُ تَسْبِيحًا، أيْ نَزِّهُوهُ ولا تَصِفُوهُ بِالإشْراكِ، وقَوْلُهُ: ﴿وتَعالى﴾ أيْ لا يَجُوزُ عَلَيْهِ ذَلِكَ؛ وهَذا لِأنَّ مَن لا يَتَّصِفُ بِشَيْءٍ قَدْ يَجُوزُ عَلَيْهِ، فَإذا قالَ سَبِّحُوهُ أيْ لا تَصِفُوهُ بِالإشْراكِ، وإذا قالَ وتَعالى فَكَأنَّهُ قالَ ولا يَجُوزُ عَلَيْهِ ذَلِكَ.

الروم 30:41

ثُمَّ إنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿ظَهَرَ الفَسادُ في البَرِّ والبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أيْدِي النّاسِ لِيُذِيقَهم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ وجْهُ تَعَلُّقِ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها هو أنَّ الشِّرْكَ سَبَبُ الفَسادِ كَما قالَ تَعالى: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلّا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾ [الأنبياء: ٢٢] وإذا كانَ الشِّرْكُ سَبَبُهُ جَعْلُ اللَّهِ إظْهارَهُمُ الشِّرْكَ مُوَرِّثًا لِظُهُورِ الفَسادِ، ولَوْ فَعَلَ بِهِمْ ما يَقْتَضِيهِ قَوْلُهم: ﴿لَفَسَدَتِ السَّماواتُ والأرْضُ﴾ [المؤمنون: ٧١] كَما قالَ تَعالى: ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنهُ وتَنْشَقُّ الأرْضُ وتَخِرُّ الجِبالُ هَدًّا﴾ [مريم: ٩٠] وإلى هَذا أشارَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِيُذِيقَهم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا﴾ واخْتَلَفَتِ الأقْوالُ في قَوْلِهِ: ﴿فِي البَرِّ والبَحْرِ﴾ فَقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: المُرادُ خَوْفُ الطُّوفانِ في البَرِّ والبَحْرِ، وقالَ بَعْضُهم: عَدَمُ إنْباتِ بَعْضِ الأراضِي ومُلُوحَةِ مِياهِ البِحارِ، وقالَ آخَرُونَ: المُرادُ مِنَ البَحْرِ المُدُنُ، فَإنَّ العَرَبَ تُسَمِّي المَدائِنَ بُحُورًا لِكَوْنِ مَبْنى عِمارَتِها عَلى الماءِ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ إنَّ ظُهُورَ الفَسادِ في البَحْرِ قِلَّةُ مِياهِ العُيُونِ فَإنَّها مِنَ البِحارِ، واعْلَمْ أنَّ كُلَّ فَسادٍ يَكُونُ فَهو بِسَبَبِ الشِّرْكِ، لَكِنَّ الشِّرْكَ قَدْ يَكُونُ في العَمَلِ دُونَ القَوْلِ والِاعْتِقادِ فَيُسَمّى فِسْقًا وعِصْيانًا؛ وذَلِكَ لِأنَّ المَعْصِيَةَ فِعْلٌ لا يَكُونُ لِلَّهِ بَلْ يَكُونُ لِلنَّفْسِ، فالفاسِقُ مُشْرِكٌ بِاللَّهِ بِفِعْلِهِ، غايَةُ ما في البابِ أنَّ الشِّرْكَ بِالفِعْلِ لا يُوجِبُ الخُلُودَ؛ لِأنَّ أصْلَ المَرْءِ قَلْبُهُ ولِسانُهُ، فَإذا لَمْ يُوجَدْ مِنهُما إلّا التَّوْحِيدُ يَزُولُ الشِّرْكُ البَدَنِيُّ بِسَبَبِهِما، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيُذِيقَهم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا﴾ قَدْ ذَكَرْنا أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ تَمامَ جَزائِهِمْ وكُلَّ مُوجِبِ افْتِرائِهِمْ، وقَوْلُهُ: ﴿لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ يَعْنِي كَما يَفْعَلُهُ المُتَوَقِّعُ رُجُوعَهم مَعَ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ أنَّ مَن أضَلَّهُ لا يَرْجِعُ، لَكِنَّ النّاسَ يَظُنُّونَ أنَّهُ لَوْ فُعِلَ بِهِمْ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ لَكانَ يُوجَدُ مِنهُمُ الرُّجُوعُ، كَما أنَّ السَّيِّدَ إذا عَلِمَ مِن عَبْدِهِ أنَّهُ لا يَرْتَدِعُ بِالكَلامِ، فَيَقُولُ القائِلُ لِماذا لا تُؤَدِّبُهُ بِالكَلامِ ؟ فَإذا قالَ لا يَنْفَعُ، رُبَّما يَقَعُ في وهْمِهِ أنَّهُ لا يَبْعُدُ عَنْ نَفْعٍ، فَإذا زَجَرَهُ ولَمْ يَرْتَدِعْ يَظْهَرُ لَهُ صِدْقُ كَلامِ السَّيِّدِ ويَطْمَئِنُّ قَلْبُهُ.

الروم 30:42

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلُ كانَ أكْثَرُهم مُشْرِكِينَ﴾ لَمّا بَيَّنَ حالَهم بِظُهُورِ الفَسادِ في أحْوالِهِمْ بِسَبَبِ فَسادِ أقْوالِهِمْ بَيَّنَ لَهم هَلاكَ أمْثالِهِمْ وأشْكالِهِمُ الَّذِينَ صفحة ١١٣ كانَتْ أفْعالُهم كَأفْعالِهِمْ فَقالَ: ﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلُ﴾ أيْ قَوْمَ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ، وهَذا تَرْتِيبٌ في غايَةِ الحُسْنِ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ في وقْتِ الِامْتِنانِ والإحْسانِ قالَ: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكم ثُمَّ رَزَقَكُمْ﴾ أيْ آتاكُمُ الوُجُودَ ثُمَّ البَقاءَ، ووَقْتَ الخِذْلانِ بِالطُّغْيانِ قالَ: ﴿ظَهَرَ الفَسادُ في البَرِّ والبَحْرِ﴾ أيْ قَلَّلَ رِزْقَكم، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿سِيرُوا في الأرْضِ﴾ أيْ هو أعْدَمَكم كَما أعْدَمَ مَن قَبْلَكم، فَكَأنَّهُ قالَ أعْطاكُمُ الوُجُودَ والبَقاءَ، ويَسْلُبُ مِنكُمُ الوُجُودَ والبَقاءَ، وأمّا سَلْبُ البَقاءِ فَبِإظْهارِ الفَسادِ، وأمّا سَلْبُ الوُجُودِ فَبِالإهْلاكِ، وعِنْدَ الإعْطاءِ قَدَّمَ الوُجُودَ عَلى البَقاءِ؛ لِأنَّ الوُجُودَ أوَّلًا ثُمَّ البَقاءَ، وعِنْدَ السَّلْبِ قَدَّمَ البَقاءَ، وهو الِاسْتِمْرارُ ثُمَّ الوُجُودُ. وقَوْلُهُ: ﴿كانَ أكْثَرُهم مُشْرِكِينَ﴾ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا ثَلاثَةً: أحَدُها: أنَّ الهَلاكَ في الأكْثَرِ كانَ بِسَبَبِ الشِّرْكِ الظّاهِرِ وإنْ كانَ بِغَيْرِهِ أيْضًا كالإهْلاكِ بِالفِسْقِ والمُخالَفَةِ كَما كانَ عَلى أصْحابِ السَّبْتِ. الثّانِي: أنَّ كُلَّ كافِرٍ أُهْلِكَ لَمْ يَكُنْ مُشْرِكًا بَلْ مِنهم مَن كانَ مُعَطِّلًا نافِيًا لَكِنَّهم قَلِيلُونَ، وأكْثَرُ الكُفّارِ مُشْرِكُونَ. الثّالِثُ: أنَّ العَذابَ العاجِلَ لَمْ يَخْتَصَّ بِالمُشْرِكِينَ حِينَ أتى، كَما قالَ تَعالى: ﴿واتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكم خاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥] بَلْ كانَ عَلى الصِّغارِ والمَجانِينَ، ولَكِنَّ أكْثَرَهم كانُوا مُشْرِكِينَ.

الروم 30:43

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَأقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ القَيِّمِ مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ ﴿مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ ومَن عَمِلَ صالِحًا فَلِأنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ لَمّا نَهى الكافِرَ عَمّا هو عَلَيْهِ، أمَرَ المُؤْمِنَ بِما هو عَلَيْهِ وخاطَبَ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِيَعْلَمَ المُؤْمِنُ فَضِيلَةَ ما هو مُكَلَّفٌ بِهِ، فَإنَّهُ أمَرَ بِهِ أشْرَفَ الأنْبِياءِ، ولِلْمُؤْمِنِينَ في التَّكْلِيفِ مَقامُ الأنْبِياءِ كَما قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«إنَّ اللَّهَ أمَرَ عِبادَهُ المُؤْمِنِينَ بِما أمَرَ بِهِ عِبادَهُ المُرْسَلِينَ» “ وقَدْ ذَكَرْنا مَعْناهُ، وقَوْلُهُ: ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ: ﴿يَأْتِيَ﴾ والثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ ﴿لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ أيِ اللَّهُ لا يَرُدُّ وغَيْرُهُ عاجِزٌ عَنْ رَدِّهِ، فَلا بُدَّ مِن وُقُوعِهِ: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ أيْ يَتَفَرَّقُونَ. ثُمَّ أشارَ إلى التَّفَرُّقِ بِقَوْلِهِ: ﴿مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ ومَن عَمِلَ صالِحًا فَلِأنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ: ﴿مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ ومَن عَمِلَ صالِحًا﴾ ولَمْ يَقُلْ ومَن آمَنَ؛ وذَلِكَ لِأنَّ العَمَلَ الصّالِحَ بِهِ يَكْمُلُ الإيمانُ، فَذَكَرَهُ تَحْرِيضًا لِلْمُكَلَّفِ عَلَيْهِ، وأمّا الكُفْرُ إذا جاءَ فَلا زِنَةَ لِلْعَمَلِ مَعَهُ، ووَجْهٌ آخَرُ: وهو أنَّ الكُفْرَ قِسْمانِ: أحَدُهُما: فِعْلٌ وهو الإشْراكُ والقَوْلُ بِهِ. والثّانِي: تَرْكٌ وهو عَدَمُ النَّظَرِ والإيمانِ، فالعاقِلُ البالِغُ إذا كانَ في مَدِينَةِ الرَّسُولِ ولَمْ يَأْتِ بِالإيمانِ فَهو كافِرٌ سَواءٌ قالَ بِالشِّرْكِ أوْ لَمْ يَقُلْ، لَكِنَّ الإيمانَ لا بُدَّ مَعَهُ مِنَ العَمَلِ الصّالِحِ، فَإنَّ الِاعْتِقادَ الحَقَّ عَمَلُ القَلْبِ، وقَوْلُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ عَمَلُ اللِّسانِ وشَيْءٌ مِنهُ لا بُدَّ مِنهُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ: ﴿فَعَلَيْهِ﴾ فَوَحَّدَ الكِنايَةَ وقالَ: ﴿فَلِأنْفُسِهِمْ﴾ جَمَعَها إشارَةً إلى أنَّ الرَّحْمَةَ أعَمُّ مِنَ صفحة ١١٤ الغَضَبِ، فَتَشْمَلُهُ وأهْلَهُ وذُرِّيَّتَهُ، أمّا الغَضَبُ فَمَسْبُوقٌ بِالرَّحْمَةِ، لازِمٌ لِمَن أساءَ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ: ﴿فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾ ولَمْ يُبَيِّنْ، وقالَ في المُؤْمِنِ ﴿فَلِأنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ تَحْقِيقًا لِكَمالِ الرَّحْمَةِ فَإنَّهُ عِنْدَ الخَيْرِ بَيَّنَ وفَصَّلَ بِشارَةً، وعِنْدَ غَيْرِهِ أشارَ إلَيْهِ إشارَةً.

الروم 30:44

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَأقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ القَيِّمِ مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ ﴿مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ ومَن عَمِلَ صالِحًا فَلِأنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ لَمّا نَهى الكافِرَ عَمّا هو عَلَيْهِ، أمَرَ المُؤْمِنَ بِما هو عَلَيْهِ وخاطَبَ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِيَعْلَمَ المُؤْمِنُ فَضِيلَةَ ما هو مُكَلَّفٌ بِهِ، فَإنَّهُ أمَرَ بِهِ أشْرَفَ الأنْبِياءِ، ولِلْمُؤْمِنِينَ في التَّكْلِيفِ مَقامُ الأنْبِياءِ كَما قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«إنَّ اللَّهَ أمَرَ عِبادَهُ المُؤْمِنِينَ بِما أمَرَ بِهِ عِبادَهُ المُرْسَلِينَ» “ وقَدْ ذَكَرْنا مَعْناهُ، وقَوْلُهُ: ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ: ﴿يَأْتِيَ﴾ والثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ ﴿لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ أيِ اللَّهُ لا يَرُدُّ وغَيْرُهُ عاجِزٌ عَنْ رَدِّهِ، فَلا بُدَّ مِن وُقُوعِهِ: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ أيْ يَتَفَرَّقُونَ. ثُمَّ أشارَ إلى التَّفَرُّقِ بِقَوْلِهِ: ﴿مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ ومَن عَمِلَ صالِحًا فَلِأنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ: ﴿مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ ومَن عَمِلَ صالِحًا﴾ ولَمْ يَقُلْ ومَن آمَنَ؛ وذَلِكَ لِأنَّ العَمَلَ الصّالِحَ بِهِ يَكْمُلُ الإيمانُ، فَذَكَرَهُ تَحْرِيضًا لِلْمُكَلَّفِ عَلَيْهِ، وأمّا الكُفْرُ إذا جاءَ فَلا زِنَةَ لِلْعَمَلِ مَعَهُ، ووَجْهٌ آخَرُ: وهو أنَّ الكُفْرَ قِسْمانِ: أحَدُهُما: فِعْلٌ وهو الإشْراكُ والقَوْلُ بِهِ. والثّانِي: تَرْكٌ وهو عَدَمُ النَّظَرِ والإيمانِ، فالعاقِلُ البالِغُ إذا كانَ في مَدِينَةِ الرَّسُولِ ولَمْ يَأْتِ بِالإيمانِ فَهو كافِرٌ سَواءٌ قالَ بِالشِّرْكِ أوْ لَمْ يَقُلْ، لَكِنَّ الإيمانَ لا بُدَّ مَعَهُ مِنَ العَمَلِ الصّالِحِ، فَإنَّ الِاعْتِقادَ الحَقَّ عَمَلُ القَلْبِ، وقَوْلُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ عَمَلُ اللِّسانِ وشَيْءٌ مِنهُ لا بُدَّ مِنهُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ: ﴿فَعَلَيْهِ﴾ فَوَحَّدَ الكِنايَةَ وقالَ: ﴿فَلِأنْفُسِهِمْ﴾ جَمَعَها إشارَةً إلى أنَّ الرَّحْمَةَ أعَمُّ مِنَ صفحة ١١٤ الغَضَبِ، فَتَشْمَلُهُ وأهْلَهُ وذُرِّيَّتَهُ، أمّا الغَضَبُ فَمَسْبُوقٌ بِالرَّحْمَةِ، لازِمٌ لِمَن أساءَ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ: ﴿فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾ ولَمْ يُبَيِّنْ، وقالَ في المُؤْمِنِ ﴿فَلِأنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ تَحْقِيقًا لِكَمالِ الرَّحْمَةِ فَإنَّهُ عِنْدَ الخَيْرِ بَيَّنَ وفَصَّلَ بِشارَةً، وعِنْدَ غَيْرِهِ أشارَ إلَيْهِ إشارَةً.

الروم 30:45

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِن فَضْلِهِ إنَّهُ لا يُحِبُّ الكافِرِينَ﴾ ذَكَرَ زِيادَةَ تَفْصِيلٍ لِما يُمَهِّدُهُ المُؤْمِنَ لِفِعْلِهِ الخَيْرَ وعَمَلِهِ الصّالِحِ، وهو الجَزاءُ الَّذِي يُجازِيهِ بِهِ اللَّهُ، والمَلِكُ إذا كانَ كَبِيرًا كَرِيمًا، ووَعَدَ عَبْدًا مِن عِبادِهِ بِأنِّي أُجازِيكَ يَصِلُ إلَيْهِ مِنهُ أكْثَرَ مِمّا يَتَوَقَّعُهُ ثُمَّ أكَّدَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن فَضْلِهِ﴾ يَعْنِي أنا المُجازِي فَكَيْفَ يَكُونُ الجَزاءُ، ثُمَّ إنِّي لا أُجازِيكَ مِنَ العَدْلِ وإنَّما أُجازِيكَ مِنَ الفَضْلِ فَيَزْدادُ الرَّجاءُ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّهُ لا يُحِبُّ الكافِرِينَ﴾ أوْعَدَهم بِوَعِيدٍ ولَمْ يَفْصِلْهُ لِما بَيَّنّا، وإنْ كانَ عِنْدَ المُحَقِّقِ هَذا الإجْمالُ فِيهِ كالتَّفْصِيلِ، فَإنَّ عَدَمَ المَحَبَّةِ مِنَ اللَّهِ غايَةُ العَذابِ، وافْهَمْ ذَلِكَ مِمَّنْ يَكُونُ لَهُ مَعْشُوقٌ فَإنَّهُ إذا أخْبَرَ العاشِقَ بِأنَّهُ وعَدَكَ بِالدَّراهِمِ والدَّنانِيرِ كَيْفَ تَكُونُ مَسَرَّتُهُ، وإذا قِيلَ لَهُ إنَّهُ قالَ: إنِّي أُحِبُّ فُلانًا كَيْفَ يَكُونُ سُرُورُهُ. وفِيهِ لَطِيفَةٌ وهي أنَّ اللَّهَ عِنْدَما أسْنَدَ الكُفْرَ والإيمانَ إلى العَبْدِ قَدَّمَ الكافِرَ فَقالَ: ﴿مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾ وعِنْدَما أسْنَدَ الجَزاءَ إلى نَفْسِهِ قَدَّمَ المُؤْمِنَ فَقالَ: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّهُ لا يُحِبُّ الكافِرِينَ﴾؛ لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿مَن كَفَرَ﴾ في الحَقِيقَةِ لِمَنعِ الكافِرِ عَنِ الكُفْرِ بِالوَعِيدِ ونَهْيِهِ عَنْ فِعْلِهِ بِالتَّهْدِيدِ، وقَوْلُهُ: ﴿ومَن عَمِلَ صالِحًا﴾ لِتَحْرِيضِ المُؤْمِنِ، فالنَّهْيُ كالإيعادِ والتَّحْرِيضِ لِلتَّقْرِيرِ، والإيعادُ مُقَدَّمٌ عِنْدَ الحَكِيمِ الرَّحِيمِ، وأمّا عِنْدَما ذَكَرَ الجَزاءَ بَدَأ بِالإحْسانِ إظْهارًا لِلْكَرَمِ والرَّحْمَةِ، فَإنْ قالَ قائِلٌ: هَذا إنَّما يَصِحُّ أنْ لَوْ كانَ الذِّكْرُ في كُلِّ مَوْضِعٍ كَذَلِكَ، ولَيْسَ كَذَلِكَ، فَإنَّ اللَّهَ في كَثِيرٍ مِنَ المَواضِعِ قَدَّمَ إيمانَ المُؤْمِنِ عَلى كُفْرِ الكافِرِ، وقَدَّمَ التَّعْذِيبَ عَلى الإثابَةِ، فَنَقُولُ إنْ كانَ اللَّهُ يُوَفِّقُنا لِبَيانِ ذَلِكَ نُبَيِّنُ ما اقْتَضى تَقْدِيمَهُ، ونَحْنُ نَقُولُ بِأنَّ كُلَّ كَلِمَةٍ ورَدَتْ في القُرْآنِ فَهي لِمَعْنًى، وكُلُّ تَرْتِيبٍ وُجِدَ فَهو لِحِكْمَةٍ، وما ذُكِرَ عَلى خِلافِهِ لا يَكُونُ في دَرَجَةِ ما ورَدَ بِهِ القُرْآنُ، فَلْنُبَيِّنْ مِن جُمْلَتِهِ مِثالًا وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ [ الرُّومِ: ١٤] ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَهم في رَوْضَةٍ﴾ [ الرُّومِ: ١٥] قَدَّمَ المُؤْمِنَ عَلى الكافِرِ، وهاهُنا ذَكَرَ مِثْلَ ذَلِكَ المَعْنى في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ أيْ يَتَفَرَّقُونَ، فَقَدَّمَ الكافِرَ عَلى المُؤْمِنِ، فَنَقُولُ هُناكَ أيْضًا قَدَّمَ الكافِرَ في الذِّكْرِ؛ لِأنَّهُ قالَ مِن قَبْلُ: ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يُبْلِسُ المُجْرِمُونَ﴾ [الروم: ١٢] فَذَكَرَ الكافِرَ وإبْلاسَهُ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ فَكانَ ذِكْرُ المُؤْمِنِ وحْدَهُ لا بُدَّ مِنهُ لِيُبَيِّنَ كَيْفِيَّةَ التَّفَرُّقِ بِمَجْمُوعِ قَوْلِهِ: ﴿يُبْلِسُ المُجْرِمُونَ﴾، وقَوْلُهُ في حَقِّ المُؤْمِنِ: ﴿فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾ [ الرُّومِ: ١٥] لَكِنَّ اللَّهَ تَعالى أعادَ ذِكْرَ المُجْرِمِينَ مَرَّةً أُخْرى لِلتَّفْصِيلِ فَقالَ: ﴿وأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ .

الروم 30:46

صفحة ١١٥ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ومِن آياتِهِ أنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ ولِيُذِيقَكم مِن رَحْمَتِهِ ولِتَجْرِيَ الفُلْكُ بِأمْرِهِ ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِن آياتِهِ أنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ﴾ لَمّا ذَكَرَ أنَّ ظُهُورَ الفَسادِ والهَلاكِ بِسَبَبِ الشِّرْكِ ذَكَرَ ظُهُورَ الصَّلاحِ ولَمْ يَذْكُرْ أنَّهُ بِسَبَبِ العَمَلِ الصّالِحِ، لِما ذَكَرْنا غَيْرَ مَرَّةٍ أنَّ الكَرِيمَ لا يَذْكُرُ لِإحْسانِهِ عِوَضًا، ويَذْكُرُ لِأضْرارِهِ سَبَبًا؛ لِئَلّا يُتَوَهَّمَ بِهِ الظُّلْمُ فَقالَ: ﴿يُرْسِلَ الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ﴾ قِيلَ بِالمَطَرِ كَما قالَ تَعالى: ﴿بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ [الأعراف: ٥٧] أيْ قَبْلَ المَطَرِ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ مُبَشِّراتٍ بِصَلاحِ الأهْوِيَةِ والأحْوالِ، فَإنَّ الرِّياحَ لَوْ لَمْ تَهُبَّ لَظَهَرَ الوَباءُ والفَسادُ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولِيُذِيقَكم مِن رَحْمَتِهِ﴾ عَطْفٌ عَلى ما ذَكَرْنا، أيْ لِيُبَشِّرَكم بِصَلاحِ الهَواءِ وصِحَّةِ الأبْدانِ ﴿ولِيُذِيقَكم مِن رَحْمَتِهِ﴾ بِالمَطَرِ، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ الإذاقَةَ تُقالُ في القَلِيلِ، ولَمّا كانَ أمْرُ الدُّنْيا قَلِيلًا، وراحَتُها نَزْرٌ قالَ: ﴿ولِيُذِيقَكُمْ﴾، وأمّا في الآخِرَةِ فَيَرْزُقُهم ويُوَسِّعُ عَلَيْهِمْ ويُدِيمُ لَهم. ﴿ولِتَجْرِيَ الفُلْكُ بِأمْرِهِ ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ لَمّا أسْنَدَ الفِعْلَ إلى الفُلْكِ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿بِأمْرِهِ﴾ أيِ الفِعْلُ ظاهِرًا عَلَيْهِ ولَكِنَّهُ بِأمْرِ اللَّهِ، ولِذَلِكَ لَمّا قالَ: ﴿ولِتَبْتَغُوا﴾ مُسْنَدًا إلى العِبادِ ذَكَرَ بَعْدَهُ: ﴿مِن فَضْلِهِ﴾ أيْ لا اسْتِقْلالَ لِشَيْءٍ بِشَيْءٍ وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: في التَّرْتِيبِ فَنَقُولُ: في الرِّياحِ فَوائِدُ، مِنها إصْلاحُ الهَواءِ، ومِنها إثارَةُ السَّحابِ، ومِنها جَرَيانُ الفُلْكِ بِها فَقالَ: ﴿مُبَشِّراتٍ﴾ بِإصْلاحِ الهَواءِ، فَإنَّ إصْلاحَ الهَواءِ يُوجَدُ مِن نَفْسِ الهُبُوبِ ثُمَّ الأمْطارُ بَعْدَهُ، ثُمَّ جَرَيانُ الفُلْكِ فَإنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلى اخْتِبارٍ مِنَ الآدَمِيِّ بِإصْلاحِ السُّفُنِ وإلْقائِها عَلى البَحْرِ، ثُمَّ ابْتِغاءُ الفَضْلِ بِرُكُوبِها. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ظَهَرَ الفَسادُ﴾ . . . . . . ﴿لِيُذِيقَهم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا﴾ [الروم: ٤١] وقالَ هاهُنا ﴿ولِيُذِيقَكم مِن رَحْمَتِهِ﴾ فَخاطَبَ هاهُنا تَشْرِيفًا، ولِأنَّ رَحْمَتَهُ قَرِيبٌ مِنَ المُحْسِنِينَ، فالمُحْسِنُ قَرِيبٌ فَيُخاطَبُ والمُسِيءُ بَعِيدٌ فَلَمْ يُخاطِبْهم، وأيْضًا قالَ هُناكَ ﴿بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا﴾ وقالَ هاهُنا ﴿مِن رَحْمَتِهِ﴾ فَأضافَ ما أصابَهم إلى أنْفُسِهِمْ، وأضافَ ما أصابَ المُؤْمِنَ إلى رَحْمَتِهِ وفِيهِ مَعْنَيانِ: أحَدُهُما: ما ذَكَرْنا أنَّ الكَرِيمَ لا يَذْكُرُ لِإحْسانِهِ ورَحْمَتِهِ عِوَضًا، وإنْ وُجِدَ فَلا يَقُولُ أعْطَيْتُكَ لِأنَّكَ فَعَلْتَ كَذا، بَلْ يَقُولُ هَذا لَكَ مِنِّي. وأمّا ما فَعَلْتَ مِنَ الحَسَنَةِ فَجَزاؤُهُ بَعْدُ عِنْدِي. وثانِيهِما: أنَّ ما يَكُونُ بِسَبَبِ فِعْلِ العَبْدِ قَلِيلٌ، فَلَوْ قالَ أرْسَلْتُ الرِّياحَ بِسَبَبِ فِعْلِكم لا يَكُونُ بِشارَةً عَظِيمَةً، وأمّا إذا قالَ: ﴿مِن رَحْمَتِهِ﴾ كانَ غايَةَ البِشارَةِ، ومَعْنًى ثالِثٌ وهو أنَّهُ لَوْ قالَ بِما فَعَلْتُمْ لَكانَ ذَلِكَ مُوهِمًا لِنُقْصانِ ثَوابِهِمْ في الآخِرَةِ، وأمّا في حَقِّ الكُفّارِ فَإذا قالَ بِما فَعَلْتُمْ يُنْبِئُ عَنْ نُقْصانِ عِقابِهِمْ وهو كَذَلِكَ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ هُناكَ ﴿لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ [ الرُّومِ: ٤١] وقالَ هاهُنا: ﴿ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ قالُوا وإشارَةً إلى أنَّ تَوْفِيقَهم لِلشُّكْرِ مِنَ النِّعَمِ فَعَطَفَ عَلى النِّعَمِ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: إنَّما أخَّرَ هَذِهِ الآيَةَ؛ لِأنَّ في الآياتِ الَّتِي قَدْ سَبَقَ ذِكْرُها قُلْنا إنَّهُ ذَكَرَ مِن كُلِّ بابٍ آيَتَيْنِ، فَذَكَرَ مِنَ المُنْذِراتِ: ﴿يُرِيكُمُ البَرْقَ﴾ [ الرَّعْدِ: ١٢] والحادِثُ في الجَوِّ في أكْثَرِ الأمْرِ نارٌ ورِيحٌ فَذَكَرَ الرِّياحَ هاهُنا تَذْكِيرًا وتَقْرِيرًا لِلدَّلائِلِ، ولَمّا كانَتِ الرِّيحُ فِيها فائِدَةٌ غَيْرُ المَطَرِ، ولَيْسَ في البَرْقِ فائِدَةٌ إنْ لَمْ يَكُنْ مَطَرٌ ذُكِرَ صفحة ١١٦ هُناكَ خَوْفًا وطَمَعًا، أيْ قَدْ يَكُونُ وقَدْ لا يَكُونُ وذَكَرَ هاهُنا: ﴿مُبَشِّراتٍ﴾؛ لِأنَّ تَعْدِيلَ الهَواءِ أوْ تَصْفِيَتَهُ بِالرِّيحِ أمْرٌ لازِمٌ، وحُكْمُهُ بِهِ حُكْمٌ جازِمٌ.

الروم 30:47

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ رُسُلًا إلى قَوْمِهِمْ فَجاءُوهم بِالبَيِّناتِ فانْتَقَمْنا مِنَ الَّذِينَ أجْرَمُوا وكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ﴾ لَمّا بَيَّنَ الأصْلَيْنِ بِبَراهِينَ ذَكَرَ الأصْلَ الثّالِثَ وهو النُّبُوَّةُ فَقالَ: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ رُسُلًا﴾ أيْ إرْسالُهم دَلِيلُ رِسالَتِكَ، فَإنَّهم لَمْ يَكُنْ لَهم شُغْلٌ غَيْرَ شُغْلِكَ، ولَمْ يَظْهَرْ عَلَيْهِمْ غَيْرُ ما ظَهَرَ عَلَيْكَ ومِن كَذِبِهِمْ أصابَهُمُ البَوارُ، ومَن آمَنَ بِهِمْ كانَ لَهم الِانْتِصارُ، ولَهُ وجْهٌ آخَرُ يُبَيِّنُ تَعَلُّقَ الآيَةِ بِما قَبْلَها، وهو أنَّ اللَّهَ لَمّا بَيَّنَ البَراهِينَ، ولَمْ يَنْتَفِعْ بِها الكُفّارُ سَلّى قَلْبَ النَّبِيِّ ﷺ وقالَ: حالُ مَن تَقَدَّمَكَ كانَ كَذَلِكَ وجاءُوا أيْضًا بِالبَيِّناتِ، وكانَ في قَوْمِهِمْ كافِرٌ ومُؤْمِنٌ كَما في قَوْمِكَ فانْتَقَمْنا مِنَ الكافِرِينَ ونَصَرْنا المُؤْمِنِينَ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكانَ حَقًّا﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: فانْتَقَمْنا، وكانَ الِانْتِقامُ حَقًّا، واسْتَأْنَفَ وقالَ عَلَيْنا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ، وعَلى هَذا يَكُونُ هَذا بِشارَةً لِلْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ آمَنُوا بِمُحَمَّدٍ ﷺ أيْ عَلَيْنا نَصْرُكم أيُّها المُؤْمِنُونَ. والوَجْهُ الثّانِي: ﴿وكانَ حَقًّا عَلَيْنا﴾ أيْ نَصْرُ المُؤْمِنِينَ كانَ حَقًّا عَلَيْنا، وعَلى الأوَّلِ لَطِيفَةٌ وعَلى الآخَرِ أُخْرى، أمّا عَلى الأوَّلِ فَهو أنَّهُ لَمّا قالَ فانْتَقَمْنا بَيَّنَ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ ظُلْمًا، وإنَّما كانَ عَدْلًا حَقًّا، وذَلِكَ لِأنَّ الِانْتِقامَ لَمْ يَكُنْ إلّا بَعْدَ كَوْنِ بَقائِهِمْ غَيْرَ مُفِيدٍ إلّا زِيادَةَ الإثْمِ ووِلادَةَ الكافِرِ الفاجِرِ وكانَ عَدَمُهم خَيْرًا مِن وُجُودِهِمُ الخَبِيثِ، وعَلى الثّانِي تَأْكِيدُ البِشارَةِ؛ لِأنَّ كَلِمَةَ عَلى تُفِيدُ مَعْنى اللُّزُومِ، يُقالُ عَلى فُلانٍ كَذا، يُنْبِئُ عَنِ اللُّزُومِ، فَإذا قالَ حَقًّا أكَّدَ ذَلِكَ المَعْنى، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ النَّصْرَ هو الغَلَبَةُ الَّتِي لا تَكُونُ عاقِبَتُها وخِيمَةً، فَإنَّ إحْدى الطّائِفَتَيْنِ إذا انْهَزَمَتْ أوَّلًا، ثُمَّ عادَتْ آخِرًا لا يَكُونُ النَّصْرُ إلّا لِلْمُنْهَزِمِ، وكَذَلِكَ مُوسى وقَوْمُهُ لَمّا انْهَزَمُوا مِن فِرْعَوْنَ ثُمَّ أدْرَكَهُ الغَرَقُ لَمْ يَكُنِ انْهِزامُهم إلّا نُصْرَةً، فالكافِرُ إنْ هَزَمَ المُسْلِمَ في بَعْضِ الأوْقاتِ لا يَكُونُ ذَلِكَ نُصْرَةً إذْ لا عاقِبَةَ لَهُ.

الروم 30:48

ثُمَّ قالَ تَعالى: صفحة ١١٧ ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحابًا فَيَبْسُطُهُ في السَّماءِ كَيْفَ يَشاءُ ويَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرى الوَدْقَ يَخْرُجُ مِن خِلالِهِ فَإذا أصابَ بِهِ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ إذا هم يَسْتَبْشِرُونَ﴾ ﴿وإنْ كانُوا مِن قَبْلِ أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِن قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ﴾ ﴿فانْظُرْ إلى آثارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي المَوْتى وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ . بَيَّنَ دَلائِلَ الرِّياحِ عَلى التَّفْصِيلِ الأوَّلِ في إرْسالِها قُدْرَةٌ وحِكْمَةٌ. أمّا القُدْرَةُ فَظاهِرَةٌ فَإنَّ الهَواءَ اللَّطِيفَ الَّذِي يَشُقُّهُ الوَدْقُ يَصِيرُ بِحَيْثُ يَقْلَعُ الشَّجَرَ، وهو لَيْسَ بِذاتِهِ كَذَلِكَ فَهو بِفِعْلِ فاعِلٍ مُخْتارٍ، وأمّا الحِكْمَةُ فَفي نَفْسِ الهُبُوبِ فِيما يُفْضِي إلَيْهِ مِن إثارَةِ السُّحُبِ، ثُمَّ ذَكَرَ أنْواعَ السُّحُبِ فَمِنهُ ما يَكُونُ مُتَّصِلًا ومِنهُ ما يَكُونُ مُنْقَطِعًا، ثُمَّ المَطَرُ يَخْرُجُ مِنهُ، والماءُ في الهَواءِ أعْجَبُ عَلامَةً لِلْقُدْرَةِ، وما يُفْضِي إلَيْهِ مِن إنْباتِ الزَّرْعِ وإدْرارِ الضَّرْعِ حِكْمَةٌ بالِغَةٌ، ثُمَّ أنَّهُ لا يَعَمُّ بَلْ يَخْتَصُّ بِهِ قَوْمٌ دُونَ قَوْمٍ، وهو عَلامَةُ المَشِيئَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ كانُوا مِن قَبْلِ أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِن قَبْلِهِ﴾ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ فِيهِ، فَقالَ بَعْضُهم هو تَأْكِيدٌ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَكانَ عاقِبَتَهُما أنَّهُما في النّارِ خالِدَيْنِ فِيها﴾ [ الحَشْرِ: ١٧] وقالَ بَعْضُهم مِن قَبْلِ التَّنْزِيلِ مِن قَبْلِ المَطَرِ، والأوْلى أنْ يُقالَ مِن قَبْلِ أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مَن قَبْلِهِ، أيْ مِن قَبْلِ إرْسالِ الرِّياحِ، وذَلِكَ لِأنَّ بَعْدَ الإرْسالِ يَعْرِفُ الخَبِيرُ أنَّ الرِّيحَ فِيها مَطَرٌ أوْ لَيْسَ، فَقَبْلَ المَطَرِ إذا هَبَّتِ الرِّيحُ لا يَكُونُ مُبْلِسًا، فَلَمّا قالَ مِن قَبْلِ أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ لَمْ يَقُلْ إنَّهم كانُوا مُبْلِسِينَ؛ لِأنَّ مَن قَبْلَهُ قَدْ يَكُونُ راجِبًا غالِبًا عَلى ظَنِّهِ المَطَرُ بِرُؤْيَةِ السُّحُبِ وهُبُوبِ الرِّياحِ فَقالَ مِن قَبْلِهِ، أيْ مِن قَبْلِ ما ذَكَرْنا مِن إرْسالِ الرِّيحِ وبَسْطِ السَّحابِ، ثُمَّ لَمّا فَصَّلَ قالَ: ﴿فانْظُرْ إلى آثارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي المَوْتى﴾ لَمّا ذَكَرَ الدَّلائِلَ قالَ لَمُحْيِي بِاللّامِ المُؤَكِّدَةِ وبِاسْمِ الفاعِلِ، فَإنَّ الإنْسانَ إذا قالَ إنَّ المَلِكَ يُعْطِيكَ لا يُفِيدُ ما يُفِيدُ قَوْلُهُ إنَّهُ مُعْطِيكَ؛ لِأنَّ الثّانِيَ يُفِيدُ أنَّهُ أعْطاكَ، فَكانَ وهو مُعْطٍ مُتَّصِفًا بِالعَطاءِ، والأوَّلُ يُفِيدُ أنَّهُ سَيَتَّصِفُ بِهِ، ويَتَبَيَّنُ هَذا بِقَوْلِهِ ﴿إنَّكَ مَيِّتٌ﴾ فَإنَّهُ آكَدٌ مِن قَوْلِهِ إنَّكَ تَمُوتُ: ﴿وهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ تَأْكِيدٌ لِما يُفِيدُ الِاعْتِرافَ.

الروم 30:49

ثُمَّ قالَ تَعالى: صفحة ١١٧ ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحابًا فَيَبْسُطُهُ في السَّماءِ كَيْفَ يَشاءُ ويَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرى الوَدْقَ يَخْرُجُ مِن خِلالِهِ فَإذا أصابَ بِهِ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ إذا هم يَسْتَبْشِرُونَ﴾ ﴿وإنْ كانُوا مِن قَبْلِ أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِن قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ﴾ ﴿فانْظُرْ إلى آثارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي المَوْتى وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ . بَيَّنَ دَلائِلَ الرِّياحِ عَلى التَّفْصِيلِ الأوَّلِ في إرْسالِها قُدْرَةٌ وحِكْمَةٌ. أمّا القُدْرَةُ فَظاهِرَةٌ فَإنَّ الهَواءَ اللَّطِيفَ الَّذِي يَشُقُّهُ الوَدْقُ يَصِيرُ بِحَيْثُ يَقْلَعُ الشَّجَرَ، وهو لَيْسَ بِذاتِهِ كَذَلِكَ فَهو بِفِعْلِ فاعِلٍ مُخْتارٍ، وأمّا الحِكْمَةُ فَفي نَفْسِ الهُبُوبِ فِيما يُفْضِي إلَيْهِ مِن إثارَةِ السُّحُبِ، ثُمَّ ذَكَرَ أنْواعَ السُّحُبِ فَمِنهُ ما يَكُونُ مُتَّصِلًا ومِنهُ ما يَكُونُ مُنْقَطِعًا، ثُمَّ المَطَرُ يَخْرُجُ مِنهُ، والماءُ في الهَواءِ أعْجَبُ عَلامَةً لِلْقُدْرَةِ، وما يُفْضِي إلَيْهِ مِن إنْباتِ الزَّرْعِ وإدْرارِ الضَّرْعِ حِكْمَةٌ بالِغَةٌ، ثُمَّ أنَّهُ لا يَعَمُّ بَلْ يَخْتَصُّ بِهِ قَوْمٌ دُونَ قَوْمٍ، وهو عَلامَةُ المَشِيئَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ كانُوا مِن قَبْلِ أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِن قَبْلِهِ﴾ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ فِيهِ، فَقالَ بَعْضُهم هو تَأْكِيدٌ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَكانَ عاقِبَتَهُما أنَّهُما في النّارِ خالِدَيْنِ فِيها﴾ [ الحَشْرِ: ١٧] وقالَ بَعْضُهم مِن قَبْلِ التَّنْزِيلِ مِن قَبْلِ المَطَرِ، والأوْلى أنْ يُقالَ مِن قَبْلِ أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مَن قَبْلِهِ، أيْ مِن قَبْلِ إرْسالِ الرِّياحِ، وذَلِكَ لِأنَّ بَعْدَ الإرْسالِ يَعْرِفُ الخَبِيرُ أنَّ الرِّيحَ فِيها مَطَرٌ أوْ لَيْسَ، فَقَبْلَ المَطَرِ إذا هَبَّتِ الرِّيحُ لا يَكُونُ مُبْلِسًا، فَلَمّا قالَ مِن قَبْلِ أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ لَمْ يَقُلْ إنَّهم كانُوا مُبْلِسِينَ؛ لِأنَّ مَن قَبْلَهُ قَدْ يَكُونُ راجِبًا غالِبًا عَلى ظَنِّهِ المَطَرُ بِرُؤْيَةِ السُّحُبِ وهُبُوبِ الرِّياحِ فَقالَ مِن قَبْلِهِ، أيْ مِن قَبْلِ ما ذَكَرْنا مِن إرْسالِ الرِّيحِ وبَسْطِ السَّحابِ، ثُمَّ لَمّا فَصَّلَ قالَ: ﴿فانْظُرْ إلى آثارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي المَوْتى﴾ لَمّا ذَكَرَ الدَّلائِلَ قالَ لَمُحْيِي بِاللّامِ المُؤَكِّدَةِ وبِاسْمِ الفاعِلِ، فَإنَّ الإنْسانَ إذا قالَ إنَّ المَلِكَ يُعْطِيكَ لا يُفِيدُ ما يُفِيدُ قَوْلُهُ إنَّهُ مُعْطِيكَ؛ لِأنَّ الثّانِيَ يُفِيدُ أنَّهُ أعْطاكَ، فَكانَ وهو مُعْطٍ مُتَّصِفًا بِالعَطاءِ، والأوَّلُ يُفِيدُ أنَّهُ سَيَتَّصِفُ بِهِ، ويَتَبَيَّنُ هَذا بِقَوْلِهِ ﴿إنَّكَ مَيِّتٌ﴾ فَإنَّهُ آكَدٌ مِن قَوْلِهِ إنَّكَ تَمُوتُ: ﴿وهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ تَأْكِيدٌ لِما يُفِيدُ الِاعْتِرافَ.

الروم 30:50

ثُمَّ قالَ تَعالى: صفحة ١١٧ ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحابًا فَيَبْسُطُهُ في السَّماءِ كَيْفَ يَشاءُ ويَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرى الوَدْقَ يَخْرُجُ مِن خِلالِهِ فَإذا أصابَ بِهِ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ إذا هم يَسْتَبْشِرُونَ﴾ ﴿وإنْ كانُوا مِن قَبْلِ أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِن قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ﴾ ﴿فانْظُرْ إلى آثارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي المَوْتى وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ . بَيَّنَ دَلائِلَ الرِّياحِ عَلى التَّفْصِيلِ الأوَّلِ في إرْسالِها قُدْرَةٌ وحِكْمَةٌ. أمّا القُدْرَةُ فَظاهِرَةٌ فَإنَّ الهَواءَ اللَّطِيفَ الَّذِي يَشُقُّهُ الوَدْقُ يَصِيرُ بِحَيْثُ يَقْلَعُ الشَّجَرَ، وهو لَيْسَ بِذاتِهِ كَذَلِكَ فَهو بِفِعْلِ فاعِلٍ مُخْتارٍ، وأمّا الحِكْمَةُ فَفي نَفْسِ الهُبُوبِ فِيما يُفْضِي إلَيْهِ مِن إثارَةِ السُّحُبِ، ثُمَّ ذَكَرَ أنْواعَ السُّحُبِ فَمِنهُ ما يَكُونُ مُتَّصِلًا ومِنهُ ما يَكُونُ مُنْقَطِعًا، ثُمَّ المَطَرُ يَخْرُجُ مِنهُ، والماءُ في الهَواءِ أعْجَبُ عَلامَةً لِلْقُدْرَةِ، وما يُفْضِي إلَيْهِ مِن إنْباتِ الزَّرْعِ وإدْرارِ الضَّرْعِ حِكْمَةٌ بالِغَةٌ، ثُمَّ أنَّهُ لا يَعَمُّ بَلْ يَخْتَصُّ بِهِ قَوْمٌ دُونَ قَوْمٍ، وهو عَلامَةُ المَشِيئَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ كانُوا مِن قَبْلِ أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِن قَبْلِهِ﴾ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ فِيهِ، فَقالَ بَعْضُهم هو تَأْكِيدٌ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَكانَ عاقِبَتَهُما أنَّهُما في النّارِ خالِدَيْنِ فِيها﴾ [ الحَشْرِ: ١٧] وقالَ بَعْضُهم مِن قَبْلِ التَّنْزِيلِ مِن قَبْلِ المَطَرِ، والأوْلى أنْ يُقالَ مِن قَبْلِ أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مَن قَبْلِهِ، أيْ مِن قَبْلِ إرْسالِ الرِّياحِ، وذَلِكَ لِأنَّ بَعْدَ الإرْسالِ يَعْرِفُ الخَبِيرُ أنَّ الرِّيحَ فِيها مَطَرٌ أوْ لَيْسَ، فَقَبْلَ المَطَرِ إذا هَبَّتِ الرِّيحُ لا يَكُونُ مُبْلِسًا، فَلَمّا قالَ مِن قَبْلِ أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ لَمْ يَقُلْ إنَّهم كانُوا مُبْلِسِينَ؛ لِأنَّ مَن قَبْلَهُ قَدْ يَكُونُ راجِبًا غالِبًا عَلى ظَنِّهِ المَطَرُ بِرُؤْيَةِ السُّحُبِ وهُبُوبِ الرِّياحِ فَقالَ مِن قَبْلِهِ، أيْ مِن قَبْلِ ما ذَكَرْنا مِن إرْسالِ الرِّيحِ وبَسْطِ السَّحابِ، ثُمَّ لَمّا فَصَّلَ قالَ: ﴿فانْظُرْ إلى آثارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي المَوْتى﴾ لَمّا ذَكَرَ الدَّلائِلَ قالَ لَمُحْيِي بِاللّامِ المُؤَكِّدَةِ وبِاسْمِ الفاعِلِ، فَإنَّ الإنْسانَ إذا قالَ إنَّ المَلِكَ يُعْطِيكَ لا يُفِيدُ ما يُفِيدُ قَوْلُهُ إنَّهُ مُعْطِيكَ؛ لِأنَّ الثّانِيَ يُفِيدُ أنَّهُ أعْطاكَ، فَكانَ وهو مُعْطٍ مُتَّصِفًا بِالعَطاءِ، والأوَّلُ يُفِيدُ أنَّهُ سَيَتَّصِفُ بِهِ، ويَتَبَيَّنُ هَذا بِقَوْلِهِ ﴿إنَّكَ مَيِّتٌ﴾ فَإنَّهُ آكَدٌ مِن قَوْلِهِ إنَّكَ تَمُوتُ: ﴿وهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ تَأْكِيدٌ لِما يُفِيدُ الِاعْتِرافَ.

الروم 30:51

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَئِنْ أرْسَلْنا رِيحًا فَرَأوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِن بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ﴾ ﴿فَإنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى ولا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إذا ولَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ ﴿وما أنْتَ بِهادِي العُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إنْ تُسْمِعُ إلّا مَن يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهم مُسْلِمُونَ﴾ لَمّا بَيَّنَ أنَّهم عِنْدَ تَوَقُّفِ الخَيْرِ يَكُونُونَ مُبْلِسِينَ آيِسِينَ، وعِنْدَ ظُهُورِهِ يَكُونُونَ مُسْتَبْشِرِينَ، بَيَّنَ أنَّ تِلْكَ الحالَةَ أيْضًا لا يَدُومُونَ عَلَيْها، بَلْ لَوْ أصابَ زَرْعَهم رِيحٌ مُصْفَرٌّ لَكَفَرُوا فَهم مُنْقَلِبُونَ غَيْرُ ثابِتِينَ لِنَظَرِهِمْ إلى الحالِ لا إلى المَآلِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ في الآيَةِ الأُولى ﴿يُرْسِلُ الرِّياحَ﴾ عَلى طَرِيقَةِ الإخْبارِ عَنِ الإرْسالِ، وقالَ هاهُنا: ﴿ولَئِنْ أرْسَلْنا﴾ لا عَلى طَرِيقَةِ الإخْبارِ عَنِ الإرْسالِ؛ لِأنَّ الرِّياحَ مِن رَحْمَتِهِ وهي مُتَواتِرَةٌ، والرِّيحُ مِن عَذابِهِ صفحة ١١٨ وهُوَ تَعالى رَءُوفٌ بِالعِبادِ يُمْسِكُها، ولِذَلِكَ نَرى الرِّياحَ النّافِعَةَ تَهُبُّ في اللَّيالِي والأيّامِ في البَرارِي والآكامِ، ورِيحُ السَّمُومِ لا تَهُبُّ إلّا في بَعْضِ الأزْمِنَةِ وفي بَعْضِ الأمْكِنَةِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: سَمّى النّافِعَةَ رِياحًا والضّارَّةَ رِيحًا لِوُجُوهٍ. أحَدُها: النّافِعَةُ كَثِيرَةُ الأنْواعِ كَثِيرَةُ الأفْرادِ فَجَمَعَها، فَإنَّ كُلَّ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ تَهُبُّ نَفَحاتٌ مِنَ الرِّياحِ النّافِعَةِ، ولا تَهُبُّ الرِّيحُ الضّارَّةُ في أعْوامٍ، بَلِ الضّارَّةُ في الغالِبِ لا تَهُبُّ في الدُّهُورِ. الثّانِي: هو أنَّ النّافِعَةَ لا تَكُونُ إلّا رِياحًا، فَإنَّ ما يَهُبُّ مَرَّةً واحِدَةً لا يُصْلِحُ الهَواءَ ولا يُنْشِئُ السَّحابَ ولا يُجْرِيَ السُّفُنَ، وأمّا الضّارَّةُ بِنَفْحَةٍ واحِدَةٍ تَقْتُلُ كَرِيحِ السَّمُومِ. الثّالِثُ: هو أنَّ الرِّيحَ المُضِرَّةَ إمّا أنْ تَضُرَّ بِكَيْفِيَّتِها أوْ بِكَمِّيَّتِها، أمّا الكَيْفِيَّةُ فَهي إذا كانَتْ حارَّةً أوْ مُتَكَيِّفَةً بِكَيْفِيَّةِ سُمٍّ، وهَذا لا يَكُونُ لِلرِّيحِ في هُبُوبِها وإنَّما يَكُونُ بِسَبَبِ أنَّ الهَواءَ السّاكِنَ في بُقْعَةٍ فِيها حَشائِشُ رَدِيئَةٌ أوْ في مَوْضِعٍ غائِرٍ وهو حارٌّ جِدًّا، أوْ تَكُونُ مُتَكَوِّنَةً في أوَّلِ تَكَوُّنِها كَذَلِكَ، وكَيْفَما كانَ فَتَكُونُ واحِدَةً؛ لِأنَّ ذَلِكَ الهَواءَ السّاكِنَ إذا سُخِّنَ ثُمَّ ورَدَ عَلَيْهِ رِيحٌ تُحَرِّكُهُ وتُخْرِجُهُ مِن ذَلِكَ المَكانِ فَتَهُبُّ عَلى مَواضِعَ كاللَّهِيبِ، ثُمَّ ما يَخْرُجُ بَعْدَ ذَلِكَ مِن ذَلِكَ المَكانِ لا يَكُونُ حارًّا ولا مُتَكَيِّفًا؛ لِأنَّ المُكْثَ الطَّوِيلَ شَرْطُ التَّكَيُّفِ، ألا تَرى أنَّكَ لَوْ أدْخَلْتَ إصْبَعَكَ في نارٍ، وأخْرَجْتَها بِسُرْعَةٍ لا تَتَأثَّرُ، والحَدِيدُ إذا مَكَثَ فِيها يَذُوبُ، فَإذا تَحَرَّكَ ذَلِكَ السّاكِنُ وتَفَرَّقَ لا يُوجَدُ في ذَلِكَ الوَقْتِ غَيْرُهُ مِن جِنْسِهِ، وأمّا المُتَوَلِّدَةُ كَذَلِكَ فَنادِرَةٌ، ومَوْضِعُ نُدْرَتِها واحِدٌ. وأمّا الكَمِّيَّةُ فالرِّياحُ إذا اجْتَمَعَتْ وصارَتْ واحِدَةً صارَتْ كالخُلْجانِ، ومِياهُ العُيُونِ إذا اجْتَمَعَتْ تَصِيرُ نَهْرًا عَظِيمًا لا تَسُدُّهُ السُّدُودُ، ولا يُرُدُّهُ الجُلْمُودُ، ولا شَكَّ أنَّ في ذَلِكَ تَكُونُ واحِدَةً مُجْتَمِعَةً مِن كَثِيرٍ، فَلِهَذا قالَ في المُضِرَّةِ رِيحٌ وفي النّافِعَةِ رِياحٌ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا عَلَّمَ رَسُولَهُ أنْواعَ الأدِلَّةِ وأصْنافَ الأمْثِلَةِ ووَعَدَ وأوْعَدَ ولَمْ يَزِدْهم دُعاؤُهُ إلّا فِرارًا، وإنْباؤُهُ إلّا كُفْرًا وإصْرارًا، قالَ لَهُ: ﴿فَإنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى ولا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إذا ولَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: في التَّرْتِيبِ، فَنَقُولُ: إرْشادُ المَيِّتِ مُحالٌ، والمُحالُ أبْعَدُ مِنَ المُمْكِنِ، ثُمَّ إرْشادُ الأصَمِّ صَعْبٌ؛ فَإنَّهُ لا يَسْمَعُ الكَلامَ وإنَّما يَفْهَمُ ما يَفْهَمُهُ بِالإشارَةِ لا غَيْرَ، والإفْهامُ بِالإشارَةِ صَعْبٌ، ثُمَّ إرْشادُ الأعْمى أيْضًا صَعْبٌ، فَإنَّكَ إذا قُلْتَ لَهُ الطَّرِيقُ عَلى يَمِينِكَ يَدُورُ إلى يَمِينِهِ، لَكِنَّهُ لا يَبْقى عَلَيْهِ بَلْ يَحِيدُ عَنْ قَرِيبٍ، وإرْشادُ الأصَمِّ أصْعَبُ، فَلِهَذا تَكُونُ المُعاشَرَةُ مَعَ الأعْمى أسْهَلَ مِنَ المُعاشَرَةِ مَعَ الأصَمِّ الَّذِي لا يَسْمَعُ شَيْئًا؛ لِأنَّ غايَةَ الإفْهامِ بِالكَلامِ، فَإنَّ ما لا يُفْهَمُ بِالإشارَةِ يُفْهَمُ بِالكَلامِ ولَيْسَ كُلُّ ما يُفْهَمُ بِالكَلامِ يُفْهَمُ بِالإشارَةِ، فَإنَّ المَعْدُومَ والغائِبَ لا إشارَةَ إلَيْهِما، فَقالَ أوَّلًا لا تُسْمِعُ المَوْتى، ثُمَّ قالَ ولا الأصَمَّ ولا تَهْدِي الأعْمى الَّذِي دُونَ الأصَمِّ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ في الصُّمِّ: ﴿إذا ولَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ لِيَكُونَ أدْخَلَ في الِامْتِناعِ، وذَلِكَ لِأنَّ الأصَمَّ وإنْ كانَ يَفْهَمُ فَإنَّما يَفْهَمُ بِالإشارَةِ، فَإذا ولّى ولا يَكُونُ نَظَرُهُ إلى المُشِيرِ فَإنَّهُ يَسْمَعُ ولا يَفْهَمُ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ في الأصَمِّ: ﴿ولا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ﴾ ولَمْ يَقُلْ في المَوْتى ذَلِكَ؛ لِأنَّ الأصَمَّ قَدْ يَسْمَعُ الصَّوْتَ الهائِلَ كَصَوْتِ الرَّعْدِ القَوِيِّ، ولَكِنَّ صَوْتَ الدّاعِي لا يَبْلُغُ ذَلِكَ الحَدَّ فَقالَ إنَّكَ داعٍ لَسْتَ بِمُلْجِئٍ إلى الإيمانِ والدّاعِي لا يُسْمِعُ الأصَمَّ الدُّعاءَ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ: ﴿وما أنْتَ بِهادِي العُمْيِ﴾ أيْ لَيْسَ شُغْلُكَ هِدايَةَ العُمْيانِ كَما يَقُولُ القائِلُ: فُلانٌ لَيْسَ بِشاعِرٍ وإنَّما يَنْظِمُ بَيْتًا وبَيْتَيْنِ، أيْ لَيْسَ شُغْلُهُ ذَلِكَ، فَقَوْلُهُ: ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى﴾ نَفْيُ ذَلِكَ عَنْهُ، وقَوْلُهُ: صفحة ١١٩ ﴿وما أنْتَ بِهادِي العُمْيِ﴾ يَعْنِي لَيْسَ شُغْلُكَ ذَلِكَ، وما أُرْسِلْتَ لَهُ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنْ تُسْمِعُ إلّا مَن يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهم مُسْلِمُونَ﴾ لَمّا نَفى إسْماعَ المَيِّتِ والأصَمِّ، وأثْبَتَ إسْماعَ المُؤْمِنِ بِآياتِهِ، لَزِمَ أنْ يَكُونَ المُؤْمِنُ حَيًّا سَمِيعًا وهو كَذَلِكَ؛ لِأنَّ المُؤْمِنَ تَرِدُ عَلى قَلْبِهِ أمْطارُ البَراهِينِ، فَتُنْبِتُ في قَلْبِهِ العَقائِدَ الحَقَّةَ، ويَسْمَعُ زَواجِرَ الوَعْظِ فَتَظْهَرُ مِنهُ الأفْعالُ الحَسَنَةُ، وهَذا يَدُلُّ عَلى خِلافِ مَذْهَبِ المُعْتَزِلَةِ، فَإنَّهم قالُوا: اللَّهُ يُرِيدُ مِنَ الكُلِّ الإيمانَ، غَيْرَ أنَّ بَعْضَهم يُخالِفُ إرادَةَ اللَّهِ، وقَوْلُهُ: ﴿إنْ تُسْمِعُ إلّا مَن يُؤْمِنُ﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ يُؤْمِنُ فَيُسْمِعُهُ النَّبِيُّ ﷺ ما يَجِبُ أنْ يَفْعَلَ، فَهم مُسْلِمُونَ مُطِيعُونَ كَما قالَ تَعالى عَنْهم: ﴿قالُوا سَمِعْنا وأطَعْنا﴾ [البقرة: ٢٨٥] .