Tafsir Al-Razi — الروم 30:52 – السجدة 32:30
المحتويات
- الروم 30:52
- الروم 30:53
- الروم 30:54
- الروم 30:55
- الروم 30:56
- الروم 30:57
- الروم 30:58
- الروم 30:59
- الروم 30:60
- لقمان 31:1
- لقمان 31:2
- لقمان 31:3
- لقمان 31:4
- لقمان 31:5
- لقمان 31:6
- لقمان 31:7
- لقمان 31:8
- لقمان 31:9
- لقمان 31:10
- لقمان 31:11
- لقمان 31:12
- لقمان 31:13
- لقمان 31:14
- لقمان 31:15
- لقمان 31:16
- لقمان 31:17
- لقمان 31:18
- لقمان 31:19
- لقمان 31:20
- لقمان 31:21
- لقمان 31:22
- لقمان 31:23
- لقمان 31:24
- لقمان 31:25
- لقمان 31:26
- لقمان 31:27
- لقمان 31:28
- لقمان 31:29
- لقمان 31:30
- لقمان 31:31
- لقمان 31:32
- لقمان 31:33
- لقمان 31:34
- السجدة 32:1
- السجدة 32:2
- السجدة 32:3
- السجدة 32:4
- السجدة 32:5
- السجدة 32:6
- السجدة 32:7
- السجدة 32:8
- السجدة 32:9
- السجدة 32:10
- السجدة 32:11
- السجدة 32:12
- السجدة 32:13
- السجدة 32:14
- السجدة 32:15
- السجدة 32:16
- السجدة 32:17
- السجدة 32:18
- السجدة 32:19
- السجدة 32:20
- السجدة 32:21
- السجدة 32:22
- السجدة 32:23
- السجدة 32:24
- السجدة 32:25
- السجدة 32:26
- السجدة 32:27
- السجدة 32:28
- السجدة 32:29
- السجدة 32:30
الروم 30:52
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَئِنْ أرْسَلْنا رِيحًا فَرَأوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِن بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ﴾ ﴿فَإنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى ولا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إذا ولَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ ﴿وما أنْتَ بِهادِي العُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إنْ تُسْمِعُ إلّا مَن يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهم مُسْلِمُونَ﴾
لَمّا بَيَّنَ أنَّهم عِنْدَ تَوَقُّفِ الخَيْرِ يَكُونُونَ مُبْلِسِينَ آيِسِينَ، وعِنْدَ ظُهُورِهِ يَكُونُونَ مُسْتَبْشِرِينَ، بَيَّنَ أنَّ تِلْكَ الحالَةَ أيْضًا لا يَدُومُونَ عَلَيْها، بَلْ لَوْ أصابَ زَرْعَهم رِيحٌ مُصْفَرٌّ لَكَفَرُوا فَهم مُنْقَلِبُونَ غَيْرُ ثابِتِينَ لِنَظَرِهِمْ إلى الحالِ لا إلى المَآلِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ في الآيَةِ الأُولى ﴿يُرْسِلُ الرِّياحَ﴾ عَلى طَرِيقَةِ الإخْبارِ عَنِ الإرْسالِ، وقالَ هاهُنا: ﴿ولَئِنْ أرْسَلْنا﴾ لا عَلى طَرِيقَةِ الإخْبارِ عَنِ الإرْسالِ؛ لِأنَّ الرِّياحَ مِن رَحْمَتِهِ وهي مُتَواتِرَةٌ، والرِّيحُ مِن عَذابِهِ
صفحة ١١٨
وهُوَ تَعالى رَءُوفٌ بِالعِبادِ يُمْسِكُها، ولِذَلِكَ نَرى الرِّياحَ النّافِعَةَ تَهُبُّ في اللَّيالِي والأيّامِ في البَرارِي والآكامِ، ورِيحُ السَّمُومِ لا تَهُبُّ إلّا في بَعْضِ الأزْمِنَةِ وفي بَعْضِ الأمْكِنَةِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: سَمّى النّافِعَةَ رِياحًا والضّارَّةَ رِيحًا لِوُجُوهٍ.
أحَدُها: النّافِعَةُ كَثِيرَةُ الأنْواعِ كَثِيرَةُ الأفْرادِ فَجَمَعَها، فَإنَّ كُلَّ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ تَهُبُّ نَفَحاتٌ مِنَ الرِّياحِ النّافِعَةِ، ولا تَهُبُّ الرِّيحُ الضّارَّةُ في أعْوامٍ، بَلِ الضّارَّةُ في الغالِبِ لا تَهُبُّ في الدُّهُورِ.
الثّانِي: هو أنَّ النّافِعَةَ لا تَكُونُ إلّا رِياحًا، فَإنَّ ما يَهُبُّ مَرَّةً واحِدَةً لا يُصْلِحُ الهَواءَ ولا يُنْشِئُ السَّحابَ ولا يُجْرِيَ السُّفُنَ، وأمّا الضّارَّةُ بِنَفْحَةٍ واحِدَةٍ تَقْتُلُ كَرِيحِ السَّمُومِ.
الثّالِثُ: هو أنَّ الرِّيحَ المُضِرَّةَ إمّا أنْ تَضُرَّ بِكَيْفِيَّتِها أوْ بِكَمِّيَّتِها، أمّا الكَيْفِيَّةُ فَهي إذا كانَتْ حارَّةً أوْ مُتَكَيِّفَةً بِكَيْفِيَّةِ سُمٍّ، وهَذا لا يَكُونُ لِلرِّيحِ في هُبُوبِها وإنَّما يَكُونُ بِسَبَبِ أنَّ الهَواءَ السّاكِنَ في بُقْعَةٍ فِيها حَشائِشُ رَدِيئَةٌ أوْ في مَوْضِعٍ غائِرٍ وهو حارٌّ جِدًّا، أوْ تَكُونُ مُتَكَوِّنَةً في أوَّلِ تَكَوُّنِها كَذَلِكَ، وكَيْفَما كانَ فَتَكُونُ واحِدَةً؛ لِأنَّ ذَلِكَ الهَواءَ السّاكِنَ إذا سُخِّنَ ثُمَّ ورَدَ عَلَيْهِ رِيحٌ تُحَرِّكُهُ وتُخْرِجُهُ مِن ذَلِكَ المَكانِ فَتَهُبُّ عَلى مَواضِعَ كاللَّهِيبِ، ثُمَّ ما يَخْرُجُ بَعْدَ ذَلِكَ مِن ذَلِكَ المَكانِ لا يَكُونُ حارًّا ولا مُتَكَيِّفًا؛ لِأنَّ المُكْثَ الطَّوِيلَ شَرْطُ التَّكَيُّفِ، ألا تَرى أنَّكَ لَوْ أدْخَلْتَ إصْبَعَكَ في نارٍ، وأخْرَجْتَها بِسُرْعَةٍ لا تَتَأثَّرُ، والحَدِيدُ إذا مَكَثَ فِيها يَذُوبُ، فَإذا تَحَرَّكَ ذَلِكَ السّاكِنُ وتَفَرَّقَ لا يُوجَدُ في ذَلِكَ الوَقْتِ غَيْرُهُ مِن جِنْسِهِ، وأمّا المُتَوَلِّدَةُ كَذَلِكَ فَنادِرَةٌ، ومَوْضِعُ نُدْرَتِها واحِدٌ. وأمّا الكَمِّيَّةُ فالرِّياحُ إذا اجْتَمَعَتْ وصارَتْ واحِدَةً صارَتْ كالخُلْجانِ، ومِياهُ العُيُونِ إذا اجْتَمَعَتْ تَصِيرُ نَهْرًا عَظِيمًا لا تَسُدُّهُ السُّدُودُ، ولا يُرُدُّهُ الجُلْمُودُ، ولا شَكَّ أنَّ في ذَلِكَ تَكُونُ واحِدَةً مُجْتَمِعَةً مِن كَثِيرٍ، فَلِهَذا قالَ في المُضِرَّةِ رِيحٌ وفي النّافِعَةِ رِياحٌ.
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا عَلَّمَ رَسُولَهُ أنْواعَ الأدِلَّةِ وأصْنافَ الأمْثِلَةِ ووَعَدَ وأوْعَدَ ولَمْ يَزِدْهم دُعاؤُهُ إلّا فِرارًا، وإنْباؤُهُ إلّا كُفْرًا وإصْرارًا، قالَ لَهُ: ﴿فَإنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى ولا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إذا ولَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في التَّرْتِيبِ، فَنَقُولُ: إرْشادُ المَيِّتِ مُحالٌ، والمُحالُ أبْعَدُ مِنَ المُمْكِنِ، ثُمَّ إرْشادُ الأصَمِّ صَعْبٌ؛ فَإنَّهُ لا يَسْمَعُ الكَلامَ وإنَّما يَفْهَمُ ما يَفْهَمُهُ بِالإشارَةِ لا غَيْرَ، والإفْهامُ بِالإشارَةِ صَعْبٌ، ثُمَّ إرْشادُ الأعْمى أيْضًا صَعْبٌ، فَإنَّكَ إذا قُلْتَ لَهُ الطَّرِيقُ عَلى يَمِينِكَ يَدُورُ إلى يَمِينِهِ، لَكِنَّهُ لا يَبْقى عَلَيْهِ بَلْ يَحِيدُ عَنْ قَرِيبٍ، وإرْشادُ الأصَمِّ أصْعَبُ، فَلِهَذا تَكُونُ المُعاشَرَةُ مَعَ الأعْمى أسْهَلَ مِنَ المُعاشَرَةِ مَعَ الأصَمِّ الَّذِي لا يَسْمَعُ شَيْئًا؛ لِأنَّ غايَةَ الإفْهامِ بِالكَلامِ، فَإنَّ ما لا يُفْهَمُ بِالإشارَةِ يُفْهَمُ بِالكَلامِ ولَيْسَ كُلُّ ما يُفْهَمُ بِالكَلامِ يُفْهَمُ بِالإشارَةِ، فَإنَّ المَعْدُومَ والغائِبَ لا إشارَةَ إلَيْهِما، فَقالَ أوَّلًا لا تُسْمِعُ المَوْتى، ثُمَّ قالَ ولا الأصَمَّ ولا تَهْدِي الأعْمى الَّذِي دُونَ الأصَمِّ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ في الصُّمِّ: ﴿إذا ولَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ لِيَكُونَ أدْخَلَ في الِامْتِناعِ، وذَلِكَ لِأنَّ الأصَمَّ وإنْ كانَ يَفْهَمُ فَإنَّما يَفْهَمُ بِالإشارَةِ، فَإذا ولّى ولا يَكُونُ نَظَرُهُ إلى المُشِيرِ فَإنَّهُ يَسْمَعُ ولا يَفْهَمُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ في الأصَمِّ: ﴿ولا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ﴾ ولَمْ يَقُلْ في المَوْتى ذَلِكَ؛ لِأنَّ الأصَمَّ قَدْ يَسْمَعُ الصَّوْتَ الهائِلَ كَصَوْتِ الرَّعْدِ القَوِيِّ، ولَكِنَّ صَوْتَ الدّاعِي لا يَبْلُغُ ذَلِكَ الحَدَّ فَقالَ إنَّكَ داعٍ لَسْتَ بِمُلْجِئٍ إلى الإيمانِ والدّاعِي لا يُسْمِعُ الأصَمَّ الدُّعاءَ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ: ﴿وما أنْتَ بِهادِي العُمْيِ﴾ أيْ لَيْسَ شُغْلُكَ هِدايَةَ العُمْيانِ كَما يَقُولُ القائِلُ: فُلانٌ لَيْسَ بِشاعِرٍ وإنَّما يَنْظِمُ بَيْتًا وبَيْتَيْنِ، أيْ لَيْسَ شُغْلُهُ ذَلِكَ، فَقَوْلُهُ: ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى﴾ نَفْيُ ذَلِكَ عَنْهُ، وقَوْلُهُ:
صفحة ١١٩
﴿وما أنْتَ بِهادِي العُمْيِ﴾ يَعْنِي لَيْسَ شُغْلُكَ ذَلِكَ، وما أُرْسِلْتَ لَهُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنْ تُسْمِعُ إلّا مَن يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهم مُسْلِمُونَ﴾ لَمّا نَفى إسْماعَ المَيِّتِ والأصَمِّ، وأثْبَتَ إسْماعَ المُؤْمِنِ بِآياتِهِ، لَزِمَ أنْ يَكُونَ المُؤْمِنُ حَيًّا سَمِيعًا وهو كَذَلِكَ؛ لِأنَّ المُؤْمِنَ تَرِدُ عَلى قَلْبِهِ أمْطارُ البَراهِينِ، فَتُنْبِتُ في قَلْبِهِ العَقائِدَ الحَقَّةَ، ويَسْمَعُ زَواجِرَ الوَعْظِ فَتَظْهَرُ مِنهُ الأفْعالُ الحَسَنَةُ، وهَذا يَدُلُّ عَلى خِلافِ مَذْهَبِ المُعْتَزِلَةِ، فَإنَّهم قالُوا: اللَّهُ يُرِيدُ مِنَ الكُلِّ الإيمانَ، غَيْرَ أنَّ بَعْضَهم يُخالِفُ إرادَةَ اللَّهِ، وقَوْلُهُ: ﴿إنْ تُسْمِعُ إلّا مَن يُؤْمِنُ﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ يُؤْمِنُ فَيُسْمِعُهُ النَّبِيُّ ﷺ ما يَجِبُ أنْ يَفْعَلَ، فَهم مُسْلِمُونَ مُطِيعُونَ كَما قالَ تَعالى عَنْهم: ﴿قالُوا سَمِعْنا وأطَعْنا﴾ [البقرة: ٢٨٥] .
الروم 30:53
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَئِنْ أرْسَلْنا رِيحًا فَرَأوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِن بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ﴾ ﴿فَإنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى ولا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إذا ولَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ ﴿وما أنْتَ بِهادِي العُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إنْ تُسْمِعُ إلّا مَن يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهم مُسْلِمُونَ﴾
لَمّا بَيَّنَ أنَّهم عِنْدَ تَوَقُّفِ الخَيْرِ يَكُونُونَ مُبْلِسِينَ آيِسِينَ، وعِنْدَ ظُهُورِهِ يَكُونُونَ مُسْتَبْشِرِينَ، بَيَّنَ أنَّ تِلْكَ الحالَةَ أيْضًا لا يَدُومُونَ عَلَيْها، بَلْ لَوْ أصابَ زَرْعَهم رِيحٌ مُصْفَرٌّ لَكَفَرُوا فَهم مُنْقَلِبُونَ غَيْرُ ثابِتِينَ لِنَظَرِهِمْ إلى الحالِ لا إلى المَآلِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ في الآيَةِ الأُولى ﴿يُرْسِلُ الرِّياحَ﴾ عَلى طَرِيقَةِ الإخْبارِ عَنِ الإرْسالِ، وقالَ هاهُنا: ﴿ولَئِنْ أرْسَلْنا﴾ لا عَلى طَرِيقَةِ الإخْبارِ عَنِ الإرْسالِ؛ لِأنَّ الرِّياحَ مِن رَحْمَتِهِ وهي مُتَواتِرَةٌ، والرِّيحُ مِن عَذابِهِ
صفحة ١١٨
وهُوَ تَعالى رَءُوفٌ بِالعِبادِ يُمْسِكُها، ولِذَلِكَ نَرى الرِّياحَ النّافِعَةَ تَهُبُّ في اللَّيالِي والأيّامِ في البَرارِي والآكامِ، ورِيحُ السَّمُومِ لا تَهُبُّ إلّا في بَعْضِ الأزْمِنَةِ وفي بَعْضِ الأمْكِنَةِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: سَمّى النّافِعَةَ رِياحًا والضّارَّةَ رِيحًا لِوُجُوهٍ.
أحَدُها: النّافِعَةُ كَثِيرَةُ الأنْواعِ كَثِيرَةُ الأفْرادِ فَجَمَعَها، فَإنَّ كُلَّ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ تَهُبُّ نَفَحاتٌ مِنَ الرِّياحِ النّافِعَةِ، ولا تَهُبُّ الرِّيحُ الضّارَّةُ في أعْوامٍ، بَلِ الضّارَّةُ في الغالِبِ لا تَهُبُّ في الدُّهُورِ.
الثّانِي: هو أنَّ النّافِعَةَ لا تَكُونُ إلّا رِياحًا، فَإنَّ ما يَهُبُّ مَرَّةً واحِدَةً لا يُصْلِحُ الهَواءَ ولا يُنْشِئُ السَّحابَ ولا يُجْرِيَ السُّفُنَ، وأمّا الضّارَّةُ بِنَفْحَةٍ واحِدَةٍ تَقْتُلُ كَرِيحِ السَّمُومِ.
الثّالِثُ: هو أنَّ الرِّيحَ المُضِرَّةَ إمّا أنْ تَضُرَّ بِكَيْفِيَّتِها أوْ بِكَمِّيَّتِها، أمّا الكَيْفِيَّةُ فَهي إذا كانَتْ حارَّةً أوْ مُتَكَيِّفَةً بِكَيْفِيَّةِ سُمٍّ، وهَذا لا يَكُونُ لِلرِّيحِ في هُبُوبِها وإنَّما يَكُونُ بِسَبَبِ أنَّ الهَواءَ السّاكِنَ في بُقْعَةٍ فِيها حَشائِشُ رَدِيئَةٌ أوْ في مَوْضِعٍ غائِرٍ وهو حارٌّ جِدًّا، أوْ تَكُونُ مُتَكَوِّنَةً في أوَّلِ تَكَوُّنِها كَذَلِكَ، وكَيْفَما كانَ فَتَكُونُ واحِدَةً؛ لِأنَّ ذَلِكَ الهَواءَ السّاكِنَ إذا سُخِّنَ ثُمَّ ورَدَ عَلَيْهِ رِيحٌ تُحَرِّكُهُ وتُخْرِجُهُ مِن ذَلِكَ المَكانِ فَتَهُبُّ عَلى مَواضِعَ كاللَّهِيبِ، ثُمَّ ما يَخْرُجُ بَعْدَ ذَلِكَ مِن ذَلِكَ المَكانِ لا يَكُونُ حارًّا ولا مُتَكَيِّفًا؛ لِأنَّ المُكْثَ الطَّوِيلَ شَرْطُ التَّكَيُّفِ، ألا تَرى أنَّكَ لَوْ أدْخَلْتَ إصْبَعَكَ في نارٍ، وأخْرَجْتَها بِسُرْعَةٍ لا تَتَأثَّرُ، والحَدِيدُ إذا مَكَثَ فِيها يَذُوبُ، فَإذا تَحَرَّكَ ذَلِكَ السّاكِنُ وتَفَرَّقَ لا يُوجَدُ في ذَلِكَ الوَقْتِ غَيْرُهُ مِن جِنْسِهِ، وأمّا المُتَوَلِّدَةُ كَذَلِكَ فَنادِرَةٌ، ومَوْضِعُ نُدْرَتِها واحِدٌ. وأمّا الكَمِّيَّةُ فالرِّياحُ إذا اجْتَمَعَتْ وصارَتْ واحِدَةً صارَتْ كالخُلْجانِ، ومِياهُ العُيُونِ إذا اجْتَمَعَتْ تَصِيرُ نَهْرًا عَظِيمًا لا تَسُدُّهُ السُّدُودُ، ولا يُرُدُّهُ الجُلْمُودُ، ولا شَكَّ أنَّ في ذَلِكَ تَكُونُ واحِدَةً مُجْتَمِعَةً مِن كَثِيرٍ، فَلِهَذا قالَ في المُضِرَّةِ رِيحٌ وفي النّافِعَةِ رِياحٌ.
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا عَلَّمَ رَسُولَهُ أنْواعَ الأدِلَّةِ وأصْنافَ الأمْثِلَةِ ووَعَدَ وأوْعَدَ ولَمْ يَزِدْهم دُعاؤُهُ إلّا فِرارًا، وإنْباؤُهُ إلّا كُفْرًا وإصْرارًا، قالَ لَهُ: ﴿فَإنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى ولا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إذا ولَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في التَّرْتِيبِ، فَنَقُولُ: إرْشادُ المَيِّتِ مُحالٌ، والمُحالُ أبْعَدُ مِنَ المُمْكِنِ، ثُمَّ إرْشادُ الأصَمِّ صَعْبٌ؛ فَإنَّهُ لا يَسْمَعُ الكَلامَ وإنَّما يَفْهَمُ ما يَفْهَمُهُ بِالإشارَةِ لا غَيْرَ، والإفْهامُ بِالإشارَةِ صَعْبٌ، ثُمَّ إرْشادُ الأعْمى أيْضًا صَعْبٌ، فَإنَّكَ إذا قُلْتَ لَهُ الطَّرِيقُ عَلى يَمِينِكَ يَدُورُ إلى يَمِينِهِ، لَكِنَّهُ لا يَبْقى عَلَيْهِ بَلْ يَحِيدُ عَنْ قَرِيبٍ، وإرْشادُ الأصَمِّ أصْعَبُ، فَلِهَذا تَكُونُ المُعاشَرَةُ مَعَ الأعْمى أسْهَلَ مِنَ المُعاشَرَةِ مَعَ الأصَمِّ الَّذِي لا يَسْمَعُ شَيْئًا؛ لِأنَّ غايَةَ الإفْهامِ بِالكَلامِ، فَإنَّ ما لا يُفْهَمُ بِالإشارَةِ يُفْهَمُ بِالكَلامِ ولَيْسَ كُلُّ ما يُفْهَمُ بِالكَلامِ يُفْهَمُ بِالإشارَةِ، فَإنَّ المَعْدُومَ والغائِبَ لا إشارَةَ إلَيْهِما، فَقالَ أوَّلًا لا تُسْمِعُ المَوْتى، ثُمَّ قالَ ولا الأصَمَّ ولا تَهْدِي الأعْمى الَّذِي دُونَ الأصَمِّ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ في الصُّمِّ: ﴿إذا ولَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ لِيَكُونَ أدْخَلَ في الِامْتِناعِ، وذَلِكَ لِأنَّ الأصَمَّ وإنْ كانَ يَفْهَمُ فَإنَّما يَفْهَمُ بِالإشارَةِ، فَإذا ولّى ولا يَكُونُ نَظَرُهُ إلى المُشِيرِ فَإنَّهُ يَسْمَعُ ولا يَفْهَمُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ في الأصَمِّ: ﴿ولا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ﴾ ولَمْ يَقُلْ في المَوْتى ذَلِكَ؛ لِأنَّ الأصَمَّ قَدْ يَسْمَعُ الصَّوْتَ الهائِلَ كَصَوْتِ الرَّعْدِ القَوِيِّ، ولَكِنَّ صَوْتَ الدّاعِي لا يَبْلُغُ ذَلِكَ الحَدَّ فَقالَ إنَّكَ داعٍ لَسْتَ بِمُلْجِئٍ إلى الإيمانِ والدّاعِي لا يُسْمِعُ الأصَمَّ الدُّعاءَ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ: ﴿وما أنْتَ بِهادِي العُمْيِ﴾ أيْ لَيْسَ شُغْلُكَ هِدايَةَ العُمْيانِ كَما يَقُولُ القائِلُ: فُلانٌ لَيْسَ بِشاعِرٍ وإنَّما يَنْظِمُ بَيْتًا وبَيْتَيْنِ، أيْ لَيْسَ شُغْلُهُ ذَلِكَ، فَقَوْلُهُ: ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى﴾ نَفْيُ ذَلِكَ عَنْهُ، وقَوْلُهُ:
صفحة ١١٩
﴿وما أنْتَ بِهادِي العُمْيِ﴾ يَعْنِي لَيْسَ شُغْلُكَ ذَلِكَ، وما أُرْسِلْتَ لَهُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنْ تُسْمِعُ إلّا مَن يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهم مُسْلِمُونَ﴾ لَمّا نَفى إسْماعَ المَيِّتِ والأصَمِّ، وأثْبَتَ إسْماعَ المُؤْمِنِ بِآياتِهِ، لَزِمَ أنْ يَكُونَ المُؤْمِنُ حَيًّا سَمِيعًا وهو كَذَلِكَ؛ لِأنَّ المُؤْمِنَ تَرِدُ عَلى قَلْبِهِ أمْطارُ البَراهِينِ، فَتُنْبِتُ في قَلْبِهِ العَقائِدَ الحَقَّةَ، ويَسْمَعُ زَواجِرَ الوَعْظِ فَتَظْهَرُ مِنهُ الأفْعالُ الحَسَنَةُ، وهَذا يَدُلُّ عَلى خِلافِ مَذْهَبِ المُعْتَزِلَةِ، فَإنَّهم قالُوا: اللَّهُ يُرِيدُ مِنَ الكُلِّ الإيمانَ، غَيْرَ أنَّ بَعْضَهم يُخالِفُ إرادَةَ اللَّهِ، وقَوْلُهُ: ﴿إنْ تُسْمِعُ إلّا مَن يُؤْمِنُ﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ يُؤْمِنُ فَيُسْمِعُهُ النَّبِيُّ ﷺ ما يَجِبُ أنْ يَفْعَلَ، فَهم مُسْلِمُونَ مُطِيعُونَ كَما قالَ تَعالى عَنْهم: ﴿قالُوا سَمِعْنا وأطَعْنا﴾ [البقرة: ٢٨٥] .
الروم 30:54
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكم مِن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وشَيْبَةً يَخْلُقُ ما يَشاءُ وهو العَلِيمُ القَدِيرُ﴾
لَمّا أعادَ مِنَ الدَّلائِلِ الَّتِي مَضَتْ دَلِيلًا مِن دَلائِلِ الآفاقِ وهو قَوْلُهُ: ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحابًا﴾ وذَكَرَ أحْوالَ الرِّيحِ مِن أوَّلِهِ إلى آخِرِهِ أعادَ دَلِيلًا مِن دَلائِلِ الأنْفُسِ وهو خَلْقُ الآدَمِيِّ، وذَكَرَ أحْوالَهُ، فَقالَ: ﴿خَلَقَكم مِن ضَعْفٍ﴾ أيْ مَبْناكم عَلى الضَّعْفِ كَما قالَ تَعالى: ﴿خُلِقَ الإنْسانُ مِن عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: ٣٧] ومِن هاهُنا كَما تَكُونُ في قَوْلِ القائِلِ: فُلانٌ زَيَّنَ فُلانًا مِن فَقْرِهِ وجَعَلَهُ غَنِيًّا، أيْ مِن حالَةِ فَقْرِهِ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً﴾ فَقَوْلُهُ ﴿مِن ضَعْفٍ﴾ إشارَةٌ إلى حالَةٍ كانَ فِيها جَنِينًا وطِفْلًا مَوْلُودًا ورَضِيعًا ومَفْطُومًا، فَهَذِهِ أحْوالُ غايَةِ الضَّعْفِ، وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً﴾ إشارَةٌ إلى حالَةِ بُلُوغِهِ وانْتِقالِهِ وشَبابِهِ واكْتِهالِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وشَيْبَةً يَخْلُقُ ما يَشاءُ وهو العَلِيمُ القَدِيرُ﴾ .
إشارَةٌ إلى ما يَكُونُ بَعْدَ الكُهُولَةِ مِن ظُهُورِ النُّقْصانِ، والشَّيْبَةُ هي تَمامُ الضَّعْفِ، ثُمَّ بَيَّنَ بِقَوْلِهِ: ﴿يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ أنَّ هَذا لَيْسَ طَبْعًا بَلْ هو بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى، كَما قالَ تَعالى في دَلائِلِ الآفاقِ: ﴿فَيَبْسُطُهُ في السَّماءِ كَيْفَ يَشاءُ﴾ ﴿وهُوَ العَلِيمُ القَدِيرُ﴾ لَمّا قَدَّمَ العِلْمَ عَلى القُدْرَةِ وقالَ مِن قَبْلُ: ﴿وهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ فالعِزَّةُ إشارَةٌ إلى تَمامِ القُدْرَةِ، والحِكْمَةُ إلى العِلْمِ، فَقَدَّمَ القُدْرَةَ هُناكَ وقَدَّمَ العِلْمَ عَلى القُدْرَةِ هاهُنا، فَنَقُولُ: هُناكَ المَذْكُورُ الإعادَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿وهُوَ أهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [ الرُّومِ: ٢٧]، ﴿ولَهُ المَثَلُ الأعْلى في السَّماواتِ والأرْضِ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [الروم: ٢٧]؛ لِأنَّ الإعادَةَ تَكُونُ بِكُنْ فَيَكُونُ، فالقُدْرَةُ هُناكَ أظْهَرُ وهاهُنا المَذْكُورُ الإبْداءُ وهو أطْوارٌ وأحْوالٌ، والعِلْمُ بِكُلِّ حالٍ حاصِلٌ، فالعِلْمُ هاهُنا أظْهَرُ، ثُمَّ إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وهُوَ العَلِيمُ القَدِيرُ﴾ تَبْشِيرٌ وإنْذارٌ؛ لِأنَّهُ إذا كانَ عالِمًا بِأعْمالِ الخَلْقِ كانَ عالِمًا بِأحْوالِ المَخْلُوقاتِ، فَإنْ عَمِلُوا خَيْرًا عَلِمَهُ وإنْ عَمِلُوا شَرًّا عَلِمَهُ، ثُمَّ إذا كانَ قادِرًا فَإذا عَلِمَ الخَيْرَ أثابَ وإذا عَلِمَ الشَّرَّ عاقَبَ، ولَمّا كانَ العِلْمُ بِالأحْوالِ قَبْلَ الإثابَةِ والعِقابِ اللَّذَيْنِ هُما بِالقُدْرَةِ قَدَّمَ العِلْمَ، وأمّا في الآخِرَةِ فالعِلْمُ بِتِلْكَ الأحْوالِ مَعَ العِقابِ فَقالَ: ﴿وهُوَ العَلِيمُ الحَكِيمُ﴾ وإلى مِثْلِ هَذا أشارَ في قَوْلِهِ: ﴿فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤] عُقَيْبَ خَلْقِ الإنْسانِ، فَنَقُولُ:
صفحة ١٢٠
أحْسَنَ إشارَةً إلى العِلْمِ؛ لِأنَّ حُسْنَ الخَلْقِ بِالعِلْمِ، والخَلْقُ المَفْهُومُ مِن قَوْلِهِ: ﴿الخالِقِينَ﴾ إشارَةٌ إلى القُدْرَةِ، ثُمَّ لَمّا بَيَّنَ ذَكَرَ الإبْداءَ - والإعادَةُ كالإبْداءِ - ذَكَرَهُ بِذِكْرِ أحْوالِها وأوْقاتِها.
الروم 30:55
فَقالَ تَعالى: ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يُقْسِمُ المُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ كَذَلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ﴾ قِيلَ ما لَبِثُوا في الدُّنْيا غَيْرَ ساعَةٍ. وقِيلَ ما لَبِثُوا في القُبُورِ، وقِيلَ ما لَبِثُوا مِن وقْتِ فَناءِ الدُّنْيا إلى وقْتِ النُّشُورِ: ﴿كَذَلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ﴾ يُصْرَفُونَ مِنَ الحَقِّ إلى الباطِلِ ومِنَ الصِّدْقِ إلى الكَذِبِ.
الروم 30:56
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ والإيمانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ في كِتابِ اللَّهِ إلى يَوْمِ البَعْثِ فَهَذا يَوْمُ البَعْثِ ولَكِنَّكم كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾
قَوْلُهُ: ﴿وقالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ والإيمانَ﴾ مِنَ المَلائِكَةِ وغَيْرِهِمْ: ﴿لَقَدْ لَبِثْتُمْ في كِتابِ اللَّهِ إلى يَوْمِ البَعْثِ﴾ ونَحْنُ نُبَيِّنُ ما هو المَعْنى اللَّطِيفُ في هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ، فَنَقُولُ: المَوْعُودُ بِوَعْدٍ إذا ضُرِبَ لَهُ أجَلٌ يَسْتَكْثِرُ الأجَلَ ويُرِيدُ تَعْجِيلَهُ، والمُوعَدُ بِوَعِيدٍ إذا ضُرِبَ لَهُ أجَلٌ يَسْتَقِلُّ المُدَّةَ ويُرِيدُ تَأْخِيرَها، لَكِنَّ المُجْرِمَ إذا حُشِرَ عَلِمَ أنَّ مَصِيرَهُ إلى النّارِ فَيَسْتَقِلُّ مُدَّةَ اللُّبْثِ ويَخْتارُ تَأْخِيرَ الحَشْرِ والإبْقاءَ في القَبْرِ، والمُؤْمِنَ إذا حُشِرَ عَلِمَ أنَّ مَصِيرَهُ إلى الجَنَّةِ فَيَسْتَكْثِرُ المُدَّةَ ولا يُرِيدُ التَّأْخِيرَ فَيَخْتَلِفُ الفَرِيقانِ، ويَقُولُ أحَدُهُما: إنَّ مُدَّةَ لُبْثِنا قَلِيلٌ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿يُقْسِمُ المُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ﴾ ويَقُولُ الآخَرُ لَبِثْنا مَدِيدًا، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ والإيمانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ في كِتابِ اللَّهِ إلى يَوْمِ البَعْثِ﴾ يَعْنِي كانَ في كِتابِ اللَّهِ ضَرْبُ الأجَلِ إلى يَوْمِ البَعْثِ، ونَحْنُ صَبَرْنا إلى يَوْمِ البَعْثِ ﴿فَهَذا يَوْمُ البَعْثِ ولَكِنَّكم كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ يَعْنِي طَلَبَكُمُ التَّأْخِيرَ؛ لِأنَّكم كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ البَعْثَ ولا تَعْتَرِفُونَ بِهِ، فَصارَ مَصِيرُكم إلى النّارِ فَتَطْلُبُونَ التَّأْخِيرَ.
الروم 30:57
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهم ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ﴾ أيْ لا يُطْلَبُ مِنهُمُ الإعْتابُ وهو إزالَةُ العَتْبِ يَعْنِي: التَّوْبَةُ الَّتِي تُزِيلُ آثارَ الجَرِيمَةِ لا تُطْلَبُ مِنهم؛ لِأنَّها لا تُقْبَلُ مِنهم.
صفحة ١٢١
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ ولَئِنْ جِئْتَهم بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ أنْتُمْ إلّا مُبْطِلُونَ﴾
قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ إشارَةٌ إلى إزالَةِ الأعْذارِ والإتْيانِ بِما فَوْقَ الكِفايَةِ مِنَ الإنْذارِ، وإلى أنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِن جانِبِ الرَّسُولِ تَقْصِيرٌ، فَإنْ طَلَبُوا شَيْئًا آخَرَ فَذَلِكَ عِنادٌ، ومَن هانَ عَلَيْهِ تَكْذِيبُ دَلِيلٍ لا يَصْعُبُ عَلَيْهِ تَكْذِيبُ الدَّلائِلِ، بَلْ لا يَجُوزُ لِلْمُسْتَدِلِّ أنْ يَشْرَعَ في دَلِيلٍ آخَرَ بَعْدَما ذَكَرَ دَلِيلًا جَيِّدًا مُسْتَقِيمًا ظاهِرًا لا غُبارَ عَلَيْهِ وعانَدَهُ الخَصْمُ؛ لِأنَّهُ إمّا أنْ يَعْتَرِفَ بِوُرُودِ سُؤالِ الخَصْمِ عَلَيْهِ أوْ لا يَعْتَرِفُ، فَإنِ اعْتَرَفَ يَكُونُ انْقِطاعًا وهو يَقْدَحُ في الدَّلِيلِ أوِ المُسْتَدِلِّ، إمّا بِأنَّ الدَّلِيلَ فاسِدٌ، وإمّا بِأنَّ المُسْتَدِلَّ جاهِلٌ بِوَجْهِ الدَّلالَةِ والِاسْتِدْلالِ، وكِلاهُما لا يَجُوزُ الِاعْتِرافُ بِهِ مِنَ العالِمِ فَكَيْفَ مِنَ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -، وإنْ لَمْ يَعْتَرِفْ يَكُونُ الشُّرُوعُ في غَيْرِهِ مُوهِمًا أنَّ الخَصْمَ لَيْسَ مُعانِدًا فَيَكُونُ اجْتِراؤُهُ عَلى العِنادِ في الثّانِي أكْثَرَ؛ لِأنَّهُ يَقُولُ: العِنادُ أفادَ في الأوَّلِ حَيْثُ التَزَمَ ذِكْرَ دَلِيلٍ آخَرَ. فَإنْ قِيلَ: فالأنْبِياءُ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - ذَكَرُوا أنْواعًا مِنَ الدَّلائِلِ، نَقُولُ سَرَدُوها سَرْدًا، ثُمَّ قَرَّرُوها فَرْدًا فَرْدًا، كَمَن يَقُولُ: الدَّلِيلُ عَلَيْهِ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ كَذا، والثّانِي كَذا، والثّالِثُ كَذا، وفي مِثْلِ هَذا الواجِبِ عَدَمُ الِالتِفاتِ إلى عِنادِ المُعانِدِ؛ لِأنَّهُ يَزِيدُهُ بِعِنادِهِ حَتّى يَضِيعَ الوَقْتُ فَلا يَتَمَكَّنُ المُسْتَدِلُّ مِنَ الإتْيانِ بِجَمِيعِ ما وعَدَ مِنَ الدَّلائِلِ فَتَنْحَطُّ دَرَجَتُهُ، فَإذَنْ لِكُلِّ مَكانٍ مَقالٌ. وإلى هَذا وقَعَتِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَئِنْ جِئْتَهم بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ أنْتُمْ إلّا مُبْطِلُونَ﴾ وفي تَوْحِيدِ الخِطابِ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَئِنْ جِئْتَهُمْ﴾ والجَمْعِ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ أنْتُمْ﴾ لَطِيفَةٌ وهي أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ولَئِنْ جِئْتَهم بِكُلِّ آيَةٍ جاءَتْ بِها الرُّسُلُ ويُمْكِنُ أنْ يُجاءَ بِها يَقُولُونَ أنْتُمْ كُلُّكم أيُّها المُدَّعُونَ لِلرِّسالَةِ مُبْطِلُونَ. ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ ذَلِكَ بِطَبْعِ اللَّهِ عَلى قُلُوبِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ فَإنْ قِيلَ مَن لا يَعْلَمُ شَيْئًا أيَّةُ فائِدَةٍ في الإخْبارِ عَنِ الطَّبْعِ عَلى قَلْبِهِ ؟ نَقُولُ: المَعْنى هو أنَّ مَن لا يَعْلَمُ الآنَ فَقَدْ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قَلْبِهِ مِن قَبْلُ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى سَلّى قَلْبَ النَّبِيِّ ﷺ بِقَوْلِهِ: ﴿فاصْبِرْ إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ أيْ أنَّ صِدْقَكَ يُبَيَّنُ، وقَوْلُهُ: ﴿ولا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ﴾ إشارَةٌ إلى وُجُوبِ مُداوَمَةِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - عَلى الدُّعاءِ إلى الإيمانِ، فَإنَّهُ لَوْ سَكَتَ لَقالَ الكافِرُ إنَّهُ مُتَقَلِّبُ الرَّأْيِ، لا ثَباتَ لَهُ. واللَّهُ أعْلَمُ بِالصَّوابِ. وإلَيْهِ المَرْجِعُ والمَآبُ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ، وصَلاتُهُ عَلى سَيِّدِ المُرْسَلِينَ وآلِهِ وصَحْبِهِ أجْمَعِينَ.
الروم 30:58
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهم ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ﴾ أيْ لا يُطْلَبُ مِنهُمُ الإعْتابُ وهو إزالَةُ العَتْبِ يَعْنِي: التَّوْبَةُ الَّتِي تُزِيلُ آثارَ الجَرِيمَةِ لا تُطْلَبُ مِنهم؛ لِأنَّها لا تُقْبَلُ مِنهم.
صفحة ١٢١
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ ولَئِنْ جِئْتَهم بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ أنْتُمْ إلّا مُبْطِلُونَ﴾
قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ إشارَةٌ إلى إزالَةِ الأعْذارِ والإتْيانِ بِما فَوْقَ الكِفايَةِ مِنَ الإنْذارِ، وإلى أنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِن جانِبِ الرَّسُولِ تَقْصِيرٌ، فَإنْ طَلَبُوا شَيْئًا آخَرَ فَذَلِكَ عِنادٌ، ومَن هانَ عَلَيْهِ تَكْذِيبُ دَلِيلٍ لا يَصْعُبُ عَلَيْهِ تَكْذِيبُ الدَّلائِلِ، بَلْ لا يَجُوزُ لِلْمُسْتَدِلِّ أنْ يَشْرَعَ في دَلِيلٍ آخَرَ بَعْدَما ذَكَرَ دَلِيلًا جَيِّدًا مُسْتَقِيمًا ظاهِرًا لا غُبارَ عَلَيْهِ وعانَدَهُ الخَصْمُ؛ لِأنَّهُ إمّا أنْ يَعْتَرِفَ بِوُرُودِ سُؤالِ الخَصْمِ عَلَيْهِ أوْ لا يَعْتَرِفُ، فَإنِ اعْتَرَفَ يَكُونُ انْقِطاعًا وهو يَقْدَحُ في الدَّلِيلِ أوِ المُسْتَدِلِّ، إمّا بِأنَّ الدَّلِيلَ فاسِدٌ، وإمّا بِأنَّ المُسْتَدِلَّ جاهِلٌ بِوَجْهِ الدَّلالَةِ والِاسْتِدْلالِ، وكِلاهُما لا يَجُوزُ الِاعْتِرافُ بِهِ مِنَ العالِمِ فَكَيْفَ مِنَ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -، وإنْ لَمْ يَعْتَرِفْ يَكُونُ الشُّرُوعُ في غَيْرِهِ مُوهِمًا أنَّ الخَصْمَ لَيْسَ مُعانِدًا فَيَكُونُ اجْتِراؤُهُ عَلى العِنادِ في الثّانِي أكْثَرَ؛ لِأنَّهُ يَقُولُ: العِنادُ أفادَ في الأوَّلِ حَيْثُ التَزَمَ ذِكْرَ دَلِيلٍ آخَرَ. فَإنْ قِيلَ: فالأنْبِياءُ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - ذَكَرُوا أنْواعًا مِنَ الدَّلائِلِ، نَقُولُ سَرَدُوها سَرْدًا، ثُمَّ قَرَّرُوها فَرْدًا فَرْدًا، كَمَن يَقُولُ: الدَّلِيلُ عَلَيْهِ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ كَذا، والثّانِي كَذا، والثّالِثُ كَذا، وفي مِثْلِ هَذا الواجِبِ عَدَمُ الِالتِفاتِ إلى عِنادِ المُعانِدِ؛ لِأنَّهُ يَزِيدُهُ بِعِنادِهِ حَتّى يَضِيعَ الوَقْتُ فَلا يَتَمَكَّنُ المُسْتَدِلُّ مِنَ الإتْيانِ بِجَمِيعِ ما وعَدَ مِنَ الدَّلائِلِ فَتَنْحَطُّ دَرَجَتُهُ، فَإذَنْ لِكُلِّ مَكانٍ مَقالٌ. وإلى هَذا وقَعَتِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَئِنْ جِئْتَهم بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ أنْتُمْ إلّا مُبْطِلُونَ﴾ وفي تَوْحِيدِ الخِطابِ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَئِنْ جِئْتَهُمْ﴾ والجَمْعِ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ أنْتُمْ﴾ لَطِيفَةٌ وهي أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ولَئِنْ جِئْتَهم بِكُلِّ آيَةٍ جاءَتْ بِها الرُّسُلُ ويُمْكِنُ أنْ يُجاءَ بِها يَقُولُونَ أنْتُمْ كُلُّكم أيُّها المُدَّعُونَ لِلرِّسالَةِ مُبْطِلُونَ. ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ ذَلِكَ بِطَبْعِ اللَّهِ عَلى قُلُوبِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ فَإنْ قِيلَ مَن لا يَعْلَمُ شَيْئًا أيَّةُ فائِدَةٍ في الإخْبارِ عَنِ الطَّبْعِ عَلى قَلْبِهِ ؟ نَقُولُ: المَعْنى هو أنَّ مَن لا يَعْلَمُ الآنَ فَقَدْ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قَلْبِهِ مِن قَبْلُ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى سَلّى قَلْبَ النَّبِيِّ ﷺ بِقَوْلِهِ: ﴿فاصْبِرْ إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ أيْ أنَّ صِدْقَكَ يُبَيَّنُ، وقَوْلُهُ: ﴿ولا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ﴾ إشارَةٌ إلى وُجُوبِ مُداوَمَةِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - عَلى الدُّعاءِ إلى الإيمانِ، فَإنَّهُ لَوْ سَكَتَ لَقالَ الكافِرُ إنَّهُ مُتَقَلِّبُ الرَّأْيِ، لا ثَباتَ لَهُ. واللَّهُ أعْلَمُ بِالصَّوابِ. وإلَيْهِ المَرْجِعُ والمَآبُ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ، وصَلاتُهُ عَلى سَيِّدِ المُرْسَلِينَ وآلِهِ وصَحْبِهِ أجْمَعِينَ.
الروم 30:59
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهم ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ﴾ أيْ لا يُطْلَبُ مِنهُمُ الإعْتابُ وهو إزالَةُ العَتْبِ يَعْنِي: التَّوْبَةُ الَّتِي تُزِيلُ آثارَ الجَرِيمَةِ لا تُطْلَبُ مِنهم؛ لِأنَّها لا تُقْبَلُ مِنهم.
صفحة ١٢١
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ ولَئِنْ جِئْتَهم بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ أنْتُمْ إلّا مُبْطِلُونَ﴾
قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ إشارَةٌ إلى إزالَةِ الأعْذارِ والإتْيانِ بِما فَوْقَ الكِفايَةِ مِنَ الإنْذارِ، وإلى أنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِن جانِبِ الرَّسُولِ تَقْصِيرٌ، فَإنْ طَلَبُوا شَيْئًا آخَرَ فَذَلِكَ عِنادٌ، ومَن هانَ عَلَيْهِ تَكْذِيبُ دَلِيلٍ لا يَصْعُبُ عَلَيْهِ تَكْذِيبُ الدَّلائِلِ، بَلْ لا يَجُوزُ لِلْمُسْتَدِلِّ أنْ يَشْرَعَ في دَلِيلٍ آخَرَ بَعْدَما ذَكَرَ دَلِيلًا جَيِّدًا مُسْتَقِيمًا ظاهِرًا لا غُبارَ عَلَيْهِ وعانَدَهُ الخَصْمُ؛ لِأنَّهُ إمّا أنْ يَعْتَرِفَ بِوُرُودِ سُؤالِ الخَصْمِ عَلَيْهِ أوْ لا يَعْتَرِفُ، فَإنِ اعْتَرَفَ يَكُونُ انْقِطاعًا وهو يَقْدَحُ في الدَّلِيلِ أوِ المُسْتَدِلِّ، إمّا بِأنَّ الدَّلِيلَ فاسِدٌ، وإمّا بِأنَّ المُسْتَدِلَّ جاهِلٌ بِوَجْهِ الدَّلالَةِ والِاسْتِدْلالِ، وكِلاهُما لا يَجُوزُ الِاعْتِرافُ بِهِ مِنَ العالِمِ فَكَيْفَ مِنَ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -، وإنْ لَمْ يَعْتَرِفْ يَكُونُ الشُّرُوعُ في غَيْرِهِ مُوهِمًا أنَّ الخَصْمَ لَيْسَ مُعانِدًا فَيَكُونُ اجْتِراؤُهُ عَلى العِنادِ في الثّانِي أكْثَرَ؛ لِأنَّهُ يَقُولُ: العِنادُ أفادَ في الأوَّلِ حَيْثُ التَزَمَ ذِكْرَ دَلِيلٍ آخَرَ. فَإنْ قِيلَ: فالأنْبِياءُ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - ذَكَرُوا أنْواعًا مِنَ الدَّلائِلِ، نَقُولُ سَرَدُوها سَرْدًا، ثُمَّ قَرَّرُوها فَرْدًا فَرْدًا، كَمَن يَقُولُ: الدَّلِيلُ عَلَيْهِ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ كَذا، والثّانِي كَذا، والثّالِثُ كَذا، وفي مِثْلِ هَذا الواجِبِ عَدَمُ الِالتِفاتِ إلى عِنادِ المُعانِدِ؛ لِأنَّهُ يَزِيدُهُ بِعِنادِهِ حَتّى يَضِيعَ الوَقْتُ فَلا يَتَمَكَّنُ المُسْتَدِلُّ مِنَ الإتْيانِ بِجَمِيعِ ما وعَدَ مِنَ الدَّلائِلِ فَتَنْحَطُّ دَرَجَتُهُ، فَإذَنْ لِكُلِّ مَكانٍ مَقالٌ. وإلى هَذا وقَعَتِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَئِنْ جِئْتَهم بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ أنْتُمْ إلّا مُبْطِلُونَ﴾ وفي تَوْحِيدِ الخِطابِ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَئِنْ جِئْتَهُمْ﴾ والجَمْعِ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ أنْتُمْ﴾ لَطِيفَةٌ وهي أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ولَئِنْ جِئْتَهم بِكُلِّ آيَةٍ جاءَتْ بِها الرُّسُلُ ويُمْكِنُ أنْ يُجاءَ بِها يَقُولُونَ أنْتُمْ كُلُّكم أيُّها المُدَّعُونَ لِلرِّسالَةِ مُبْطِلُونَ. ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ ذَلِكَ بِطَبْعِ اللَّهِ عَلى قُلُوبِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ فَإنْ قِيلَ مَن لا يَعْلَمُ شَيْئًا أيَّةُ فائِدَةٍ في الإخْبارِ عَنِ الطَّبْعِ عَلى قَلْبِهِ ؟ نَقُولُ: المَعْنى هو أنَّ مَن لا يَعْلَمُ الآنَ فَقَدْ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قَلْبِهِ مِن قَبْلُ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى سَلّى قَلْبَ النَّبِيِّ ﷺ بِقَوْلِهِ: ﴿فاصْبِرْ إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ أيْ أنَّ صِدْقَكَ يُبَيَّنُ، وقَوْلُهُ: ﴿ولا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ﴾ إشارَةٌ إلى وُجُوبِ مُداوَمَةِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - عَلى الدُّعاءِ إلى الإيمانِ، فَإنَّهُ لَوْ سَكَتَ لَقالَ الكافِرُ إنَّهُ مُتَقَلِّبُ الرَّأْيِ، لا ثَباتَ لَهُ. واللَّهُ أعْلَمُ بِالصَّوابِ. وإلَيْهِ المَرْجِعُ والمَآبُ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ، وصَلاتُهُ عَلى سَيِّدِ المُرْسَلِينَ وآلِهِ وصَحْبِهِ أجْمَعِينَ.
الروم 30:60
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهم ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ﴾ أيْ لا يُطْلَبُ مِنهُمُ الإعْتابُ وهو إزالَةُ العَتْبِ يَعْنِي: التَّوْبَةُ الَّتِي تُزِيلُ آثارَ الجَرِيمَةِ لا تُطْلَبُ مِنهم؛ لِأنَّها لا تُقْبَلُ مِنهم.
صفحة ١٢١
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ ولَئِنْ جِئْتَهم بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ أنْتُمْ إلّا مُبْطِلُونَ﴾
قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ إشارَةٌ إلى إزالَةِ الأعْذارِ والإتْيانِ بِما فَوْقَ الكِفايَةِ مِنَ الإنْذارِ، وإلى أنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِن جانِبِ الرَّسُولِ تَقْصِيرٌ، فَإنْ طَلَبُوا شَيْئًا آخَرَ فَذَلِكَ عِنادٌ، ومَن هانَ عَلَيْهِ تَكْذِيبُ دَلِيلٍ لا يَصْعُبُ عَلَيْهِ تَكْذِيبُ الدَّلائِلِ، بَلْ لا يَجُوزُ لِلْمُسْتَدِلِّ أنْ يَشْرَعَ في دَلِيلٍ آخَرَ بَعْدَما ذَكَرَ دَلِيلًا جَيِّدًا مُسْتَقِيمًا ظاهِرًا لا غُبارَ عَلَيْهِ وعانَدَهُ الخَصْمُ؛ لِأنَّهُ إمّا أنْ يَعْتَرِفَ بِوُرُودِ سُؤالِ الخَصْمِ عَلَيْهِ أوْ لا يَعْتَرِفُ، فَإنِ اعْتَرَفَ يَكُونُ انْقِطاعًا وهو يَقْدَحُ في الدَّلِيلِ أوِ المُسْتَدِلِّ، إمّا بِأنَّ الدَّلِيلَ فاسِدٌ، وإمّا بِأنَّ المُسْتَدِلَّ جاهِلٌ بِوَجْهِ الدَّلالَةِ والِاسْتِدْلالِ، وكِلاهُما لا يَجُوزُ الِاعْتِرافُ بِهِ مِنَ العالِمِ فَكَيْفَ مِنَ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -، وإنْ لَمْ يَعْتَرِفْ يَكُونُ الشُّرُوعُ في غَيْرِهِ مُوهِمًا أنَّ الخَصْمَ لَيْسَ مُعانِدًا فَيَكُونُ اجْتِراؤُهُ عَلى العِنادِ في الثّانِي أكْثَرَ؛ لِأنَّهُ يَقُولُ: العِنادُ أفادَ في الأوَّلِ حَيْثُ التَزَمَ ذِكْرَ دَلِيلٍ آخَرَ. فَإنْ قِيلَ: فالأنْبِياءُ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - ذَكَرُوا أنْواعًا مِنَ الدَّلائِلِ، نَقُولُ سَرَدُوها سَرْدًا، ثُمَّ قَرَّرُوها فَرْدًا فَرْدًا، كَمَن يَقُولُ: الدَّلِيلُ عَلَيْهِ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ كَذا، والثّانِي كَذا، والثّالِثُ كَذا، وفي مِثْلِ هَذا الواجِبِ عَدَمُ الِالتِفاتِ إلى عِنادِ المُعانِدِ؛ لِأنَّهُ يَزِيدُهُ بِعِنادِهِ حَتّى يَضِيعَ الوَقْتُ فَلا يَتَمَكَّنُ المُسْتَدِلُّ مِنَ الإتْيانِ بِجَمِيعِ ما وعَدَ مِنَ الدَّلائِلِ فَتَنْحَطُّ دَرَجَتُهُ، فَإذَنْ لِكُلِّ مَكانٍ مَقالٌ. وإلى هَذا وقَعَتِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَئِنْ جِئْتَهم بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ أنْتُمْ إلّا مُبْطِلُونَ﴾ وفي تَوْحِيدِ الخِطابِ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَئِنْ جِئْتَهُمْ﴾ والجَمْعِ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ أنْتُمْ﴾ لَطِيفَةٌ وهي أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ولَئِنْ جِئْتَهم بِكُلِّ آيَةٍ جاءَتْ بِها الرُّسُلُ ويُمْكِنُ أنْ يُجاءَ بِها يَقُولُونَ أنْتُمْ كُلُّكم أيُّها المُدَّعُونَ لِلرِّسالَةِ مُبْطِلُونَ. ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ ذَلِكَ بِطَبْعِ اللَّهِ عَلى قُلُوبِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ فَإنْ قِيلَ مَن لا يَعْلَمُ شَيْئًا أيَّةُ فائِدَةٍ في الإخْبارِ عَنِ الطَّبْعِ عَلى قَلْبِهِ ؟ نَقُولُ: المَعْنى هو أنَّ مَن لا يَعْلَمُ الآنَ فَقَدْ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قَلْبِهِ مِن قَبْلُ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى سَلّى قَلْبَ النَّبِيِّ ﷺ بِقَوْلِهِ: ﴿فاصْبِرْ إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ أيْ أنَّ صِدْقَكَ يُبَيَّنُ، وقَوْلُهُ: ﴿ولا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ﴾ إشارَةٌ إلى وُجُوبِ مُداوَمَةِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - عَلى الدُّعاءِ إلى الإيمانِ، فَإنَّهُ لَوْ سَكَتَ لَقالَ الكافِرُ إنَّهُ مُتَقَلِّبُ الرَّأْيِ، لا ثَباتَ لَهُ. واللَّهُ أعْلَمُ بِالصَّوابِ. وإلَيْهِ المَرْجِعُ والمَآبُ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ، وصَلاتُهُ عَلى سَيِّدِ المُرْسَلِينَ وآلِهِ وصَحْبِهِ أجْمَعِينَ.
لقمان 31:1
صفحة ١٢٢
[ سُورَةُ لُقْمانَ ]
(مَكِّيَّةٌ كُلُّها إلّا آيَتَيْنِ نَزَلَتا بِالمَدِينَةِ وهُما ﴿ولَوْ أنَّما في الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ﴾ الآيَتَيْنِ وإلّا آيَةً نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ وهي ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾؛ لِأنَّ الصَّلاةَ والزَّكاةَ نَزَلَتا بِالمَدِينَةِ، وهي ثَلاثٌ وقِيلَ أرْبَعٌ وثَلاثُونَ آيَةً)
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)
﴿الم﴾ ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ الحَكِيمِ﴾ ﴿هُدًى ورَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ وهم بِالآخِرَةِ هم يُوقِنُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ .
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)
﴿الم﴾ ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ الحَكِيمِ﴾ .
وجْهُ ارْتِباطِ أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ بِآخِرِ ما قَبْلَها هو أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿ولَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ [الروم: ٥٨] إشارَةً إلى كَوْنِهِ مُعْجِزَةً وقالَ: ﴿ولَئِنْ جِئْتَهم بِآيَةٍ﴾ [الروم: ٥٨] إشارَةً إلى أنَّهم يَكْفُرُونَ بِالآياتِ، بَيَّنَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿الم﴾ ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ الحَكِيمِ﴾ ولَمْ يُؤْمِنُوا بِها، وإلى هَذا أشارَ بَعْدَ هَذا بِقَوْلِهِ: ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا ولّى مُسْتَكْبِرًا﴾ [الروم: ٥٨] .
وقَوْلُهُ: ﴿هُدًى ورَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ وهم بِالآخِرَةِ هم يُوقِنُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ .
فَقَوْلُهُ: ﴿هُدًى﴾ أيْ بَيانًا وفُرْقانًا، وأمّا التَّفْسِيرُ فَمِثْلُ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الم﴾ ﴿ذَلِكَ الكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى﴾ [البقرة: ١ - ٢] وكَما قِيلَ هُناكَ: إنَّ المَعْنى بِذَلِكَ هَذا، كَذَلِكَ قِيلَ بِأنَّ المُرادَ بِتِلْكَ هَذِهِ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ كَما قُلْنا هُناكَ إنَّ تِلْكَ إشارَةٌ إلى الغائِبِ مَعْناها: آياتُ القُرْآنِ آياتُ الكِتابِ الحَكِيمِ، وعِنْدَ إنْزالِ هَذِهِ الآياتِ الَّتِي نَزَلَتْ مَعَ ﴿الم﴾ ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ الحَكِيمِ﴾ لَمْ تَكُنْ جَمِيعُ الآياتِ نَزَلَتْ، فَقالَ تِلْكَ إشارَةٌ إلى الكُلِّ، أيْ آياتُ القُرْآنِ تِلْكَ آياتٌ، وفِيهِ مَسائِلُ:
صفحة ١٢٣
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ في سُورَةِ البَقَرَةِ ﴿ذَلِكَ الكِتابُ﴾ [البقرة: ١] ولَمْ يَقُلِ: الحَكِيمُ، وهاهُنا قالَ ﴿الحَكِيمِ﴾ فَلَمّا زادَ ذِكْرَ وصْفِ الكِتابِ زادَ ذِكْرَ أمْرٍ في أحْوالِهِ فَقالَ: ﴿هُدًى ورَحْمَةً﴾ وقالَ هُناكَ: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ فَقَوْلُهُ: ﴿هُدًى﴾ في مُقابَلَةِ قَوْلِهِ: ﴿الكِتابِ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿ورَحْمَةً﴾ في مُقابَلَةِ قَوْلِهِ: ﴿الحَكِيمِ﴾ ووَصْفُ الكِتابِ بِالحَكِيمِ عَلى مَعْنى ذِي الحِكْمَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٢١] أيْ ذاتِ رِضًا.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ هُناكَ: ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ وقالَ هاهُنا: ﴿لِلْمُحْسِنِينَ﴾ لِأنَّهُ لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ هُدًى ولَمْ يَذْكُرْ شَيْئًا آخَرَ قالَ: ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ أيْ يَهْتَدِي بِهِ مَن يَتَّقِي الشِّرْكَ والعِنادَ والتَّعَصُّبَ، ويَنْظُرُ فِيهِ مِن غَيْرِ عِنادٍ، ولَمّا زادَ هاهُنا رَحْمَةً قالَ: ﴿لِلْمُحْسِنِينَ﴾ أيِ المُتَّقِينَ الشِّرْكَ والعِنادَ الآتِينَ بِكَلِمَةِ الإحْسانِ، فالمُحْسِنُ هو الآتِي بِالإيمانِ، والمُتَّقِي هو التّارِكُ لِلْكُفْرِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا والَّذِينَ هم مُحْسِنُونَ﴾ [النحل: ١٢٨] ومِن جانِبِ الكُفْرِ كانَ مُتَّقِيًا ولَهُ الجَنَّةُ، ومَن أتى بِحَقِيقَةِ الإيمانِ كانَ مُحْسِنًا ولَهُ الزِّيادَةُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى وزِيادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] ولِأنَّهُ لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ رَحْمَةٌ قالَ: ﴿لِلْمُحْسِنِينَ﴾ لِأنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ المُحْسِنِينَ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ هُناكَ: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ ويُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ [البقرة: ٣] وقالَ هاهُنا ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ ولَمْ يَقُلْ يُؤْمِنُونَ لَمّا بَيَّنّا أنَّ المُتَّقِيَ هو التّارِكُ لِلْكُفْرِ، ويَلْزَمُهُ أنْ يَكُونَ مُؤْمِنًا، والمُحْسِنُ هو الآتِي بِحَقِّ الإيمانِ، ويَلْزَمُهُ أنْ لا يَكُونَ كافِرًا، فَلَمّا كانَ المُتَّقِي دالًّا عَلى المُؤْمِنِ في الِالتِزامِ صَرَّحَ بِالإيمانِ هُناكَ تَبْيِينًا، ولَمّا كانَ المُحْسِنُ دالًّا عَلى الإيمانِ بِالتَّنْصِيصِ لَمْ يُصَرِّحْ بِالإيمانِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ قَدْ ذَكَرْنا ما في الصَّلاةِ وإقامَتِها مِرارًا، وما في الزَّكاةِ والقِيامِ بِها، وذَكَرْنا في تَفْسِيرِ الأنْفالِ في أوائِلِها أنَّ الصَّلاةَ تَرْكُ التَّشَبُّهِ بِالسَّيِّدِ، فَإنَّها عِبادَةُ صُورَةٍ وحَقِيقَةٍ، واللَّهُ تَعالى تَجِبُ لَهُ العِبادَةُ ولا تَجُوزُ عَلَيْهِ العِبادَةُ، وتَرْكُ التَّشَبُّهِ لازِمٌ عَلى العَبْدِ أيْضًا في أُمُورٍ، فَلا يَجْلِسُ عِنْدَ جُلُوسِهِ ولا يَتَّكِئُ عِنْدَ اتِّكائِهِ، والزَّكاةُ تَشَبَّهٌ بِالسَّيِّدِ، فَإنَّها دَفْعُ حاجَةِ الغَيْرِ، واللَّهُ دافِعُ الحاجاتِ، والتَّشَبُّهُ لازِمٌ عَلى العَبْدِ أيْضًا في أُمُورٍ، كَما أنَّ عَبْدَ العالِمِ لا يَتَلَبَّسُ بِلِباسِ الأجْنادِ، وعَبْدَ الجُنْدِيِّ لا يَتَلَبَّسُ بِلِباسِ الزُّهّادِ، وبِهِما تَتِمُّ العُبُودِيَّةُ.
لقمان 31:2
صفحة ١٢٢
[ سُورَةُ لُقْمانَ ]
(مَكِّيَّةٌ كُلُّها إلّا آيَتَيْنِ نَزَلَتا بِالمَدِينَةِ وهُما ﴿ولَوْ أنَّما في الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ﴾ الآيَتَيْنِ وإلّا آيَةً نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ وهي ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾؛ لِأنَّ الصَّلاةَ والزَّكاةَ نَزَلَتا بِالمَدِينَةِ، وهي ثَلاثٌ وقِيلَ أرْبَعٌ وثَلاثُونَ آيَةً)
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)
﴿الم﴾ ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ الحَكِيمِ﴾ ﴿هُدًى ورَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ وهم بِالآخِرَةِ هم يُوقِنُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ .
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)
﴿الم﴾ ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ الحَكِيمِ﴾ .
وجْهُ ارْتِباطِ أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ بِآخِرِ ما قَبْلَها هو أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿ولَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ [الروم: ٥٨] إشارَةً إلى كَوْنِهِ مُعْجِزَةً وقالَ: ﴿ولَئِنْ جِئْتَهم بِآيَةٍ﴾ [الروم: ٥٨] إشارَةً إلى أنَّهم يَكْفُرُونَ بِالآياتِ، بَيَّنَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿الم﴾ ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ الحَكِيمِ﴾ ولَمْ يُؤْمِنُوا بِها، وإلى هَذا أشارَ بَعْدَ هَذا بِقَوْلِهِ: ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا ولّى مُسْتَكْبِرًا﴾ [الروم: ٥٨] .
وقَوْلُهُ: ﴿هُدًى ورَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ وهم بِالآخِرَةِ هم يُوقِنُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ .
فَقَوْلُهُ: ﴿هُدًى﴾ أيْ بَيانًا وفُرْقانًا، وأمّا التَّفْسِيرُ فَمِثْلُ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الم﴾ ﴿ذَلِكَ الكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى﴾ [البقرة: ١ - ٢] وكَما قِيلَ هُناكَ: إنَّ المَعْنى بِذَلِكَ هَذا، كَذَلِكَ قِيلَ بِأنَّ المُرادَ بِتِلْكَ هَذِهِ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ كَما قُلْنا هُناكَ إنَّ تِلْكَ إشارَةٌ إلى الغائِبِ مَعْناها: آياتُ القُرْآنِ آياتُ الكِتابِ الحَكِيمِ، وعِنْدَ إنْزالِ هَذِهِ الآياتِ الَّتِي نَزَلَتْ مَعَ ﴿الم﴾ ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ الحَكِيمِ﴾ لَمْ تَكُنْ جَمِيعُ الآياتِ نَزَلَتْ، فَقالَ تِلْكَ إشارَةٌ إلى الكُلِّ، أيْ آياتُ القُرْآنِ تِلْكَ آياتٌ، وفِيهِ مَسائِلُ:
صفحة ١٢٣
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ في سُورَةِ البَقَرَةِ ﴿ذَلِكَ الكِتابُ﴾ [البقرة: ١] ولَمْ يَقُلِ: الحَكِيمُ، وهاهُنا قالَ ﴿الحَكِيمِ﴾ فَلَمّا زادَ ذِكْرَ وصْفِ الكِتابِ زادَ ذِكْرَ أمْرٍ في أحْوالِهِ فَقالَ: ﴿هُدًى ورَحْمَةً﴾ وقالَ هُناكَ: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ فَقَوْلُهُ: ﴿هُدًى﴾ في مُقابَلَةِ قَوْلِهِ: ﴿الكِتابِ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿ورَحْمَةً﴾ في مُقابَلَةِ قَوْلِهِ: ﴿الحَكِيمِ﴾ ووَصْفُ الكِتابِ بِالحَكِيمِ عَلى مَعْنى ذِي الحِكْمَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٢١] أيْ ذاتِ رِضًا.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ هُناكَ: ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ وقالَ هاهُنا: ﴿لِلْمُحْسِنِينَ﴾ لِأنَّهُ لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ هُدًى ولَمْ يَذْكُرْ شَيْئًا آخَرَ قالَ: ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ أيْ يَهْتَدِي بِهِ مَن يَتَّقِي الشِّرْكَ والعِنادَ والتَّعَصُّبَ، ويَنْظُرُ فِيهِ مِن غَيْرِ عِنادٍ، ولَمّا زادَ هاهُنا رَحْمَةً قالَ: ﴿لِلْمُحْسِنِينَ﴾ أيِ المُتَّقِينَ الشِّرْكَ والعِنادَ الآتِينَ بِكَلِمَةِ الإحْسانِ، فالمُحْسِنُ هو الآتِي بِالإيمانِ، والمُتَّقِي هو التّارِكُ لِلْكُفْرِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا والَّذِينَ هم مُحْسِنُونَ﴾ [النحل: ١٢٨] ومِن جانِبِ الكُفْرِ كانَ مُتَّقِيًا ولَهُ الجَنَّةُ، ومَن أتى بِحَقِيقَةِ الإيمانِ كانَ مُحْسِنًا ولَهُ الزِّيادَةُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى وزِيادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] ولِأنَّهُ لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ رَحْمَةٌ قالَ: ﴿لِلْمُحْسِنِينَ﴾ لِأنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ المُحْسِنِينَ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ هُناكَ: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ ويُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ [البقرة: ٣] وقالَ هاهُنا ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ ولَمْ يَقُلْ يُؤْمِنُونَ لَمّا بَيَّنّا أنَّ المُتَّقِيَ هو التّارِكُ لِلْكُفْرِ، ويَلْزَمُهُ أنْ يَكُونَ مُؤْمِنًا، والمُحْسِنُ هو الآتِي بِحَقِّ الإيمانِ، ويَلْزَمُهُ أنْ لا يَكُونَ كافِرًا، فَلَمّا كانَ المُتَّقِي دالًّا عَلى المُؤْمِنِ في الِالتِزامِ صَرَّحَ بِالإيمانِ هُناكَ تَبْيِينًا، ولَمّا كانَ المُحْسِنُ دالًّا عَلى الإيمانِ بِالتَّنْصِيصِ لَمْ يُصَرِّحْ بِالإيمانِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ قَدْ ذَكَرْنا ما في الصَّلاةِ وإقامَتِها مِرارًا، وما في الزَّكاةِ والقِيامِ بِها، وذَكَرْنا في تَفْسِيرِ الأنْفالِ في أوائِلِها أنَّ الصَّلاةَ تَرْكُ التَّشَبُّهِ بِالسَّيِّدِ، فَإنَّها عِبادَةُ صُورَةٍ وحَقِيقَةٍ، واللَّهُ تَعالى تَجِبُ لَهُ العِبادَةُ ولا تَجُوزُ عَلَيْهِ العِبادَةُ، وتَرْكُ التَّشَبُّهِ لازِمٌ عَلى العَبْدِ أيْضًا في أُمُورٍ، فَلا يَجْلِسُ عِنْدَ جُلُوسِهِ ولا يَتَّكِئُ عِنْدَ اتِّكائِهِ، والزَّكاةُ تَشَبَّهٌ بِالسَّيِّدِ، فَإنَّها دَفْعُ حاجَةِ الغَيْرِ، واللَّهُ دافِعُ الحاجاتِ، والتَّشَبُّهُ لازِمٌ عَلى العَبْدِ أيْضًا في أُمُورٍ، كَما أنَّ عَبْدَ العالِمِ لا يَتَلَبَّسُ بِلِباسِ الأجْنادِ، وعَبْدَ الجُنْدِيِّ لا يَتَلَبَّسُ بِلِباسِ الزُّهّادِ، وبِهِما تَتِمُّ العُبُودِيَّةُ.
لقمان 31:3
صفحة ١٢٢
[ سُورَةُ لُقْمانَ ]
(مَكِّيَّةٌ كُلُّها إلّا آيَتَيْنِ نَزَلَتا بِالمَدِينَةِ وهُما ﴿ولَوْ أنَّما في الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ﴾ الآيَتَيْنِ وإلّا آيَةً نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ وهي ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾؛ لِأنَّ الصَّلاةَ والزَّكاةَ نَزَلَتا بِالمَدِينَةِ، وهي ثَلاثٌ وقِيلَ أرْبَعٌ وثَلاثُونَ آيَةً)
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)
﴿الم﴾ ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ الحَكِيمِ﴾ ﴿هُدًى ورَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ وهم بِالآخِرَةِ هم يُوقِنُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ .
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)
﴿الم﴾ ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ الحَكِيمِ﴾ .
وجْهُ ارْتِباطِ أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ بِآخِرِ ما قَبْلَها هو أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿ولَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ [الروم: ٥٨] إشارَةً إلى كَوْنِهِ مُعْجِزَةً وقالَ: ﴿ولَئِنْ جِئْتَهم بِآيَةٍ﴾ [الروم: ٥٨] إشارَةً إلى أنَّهم يَكْفُرُونَ بِالآياتِ، بَيَّنَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿الم﴾ ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ الحَكِيمِ﴾ ولَمْ يُؤْمِنُوا بِها، وإلى هَذا أشارَ بَعْدَ هَذا بِقَوْلِهِ: ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا ولّى مُسْتَكْبِرًا﴾ [الروم: ٥٨] .
وقَوْلُهُ: ﴿هُدًى ورَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ وهم بِالآخِرَةِ هم يُوقِنُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ .
فَقَوْلُهُ: ﴿هُدًى﴾ أيْ بَيانًا وفُرْقانًا، وأمّا التَّفْسِيرُ فَمِثْلُ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الم﴾ ﴿ذَلِكَ الكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى﴾ [البقرة: ١ - ٢] وكَما قِيلَ هُناكَ: إنَّ المَعْنى بِذَلِكَ هَذا، كَذَلِكَ قِيلَ بِأنَّ المُرادَ بِتِلْكَ هَذِهِ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ كَما قُلْنا هُناكَ إنَّ تِلْكَ إشارَةٌ إلى الغائِبِ مَعْناها: آياتُ القُرْآنِ آياتُ الكِتابِ الحَكِيمِ، وعِنْدَ إنْزالِ هَذِهِ الآياتِ الَّتِي نَزَلَتْ مَعَ ﴿الم﴾ ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ الحَكِيمِ﴾ لَمْ تَكُنْ جَمِيعُ الآياتِ نَزَلَتْ، فَقالَ تِلْكَ إشارَةٌ إلى الكُلِّ، أيْ آياتُ القُرْآنِ تِلْكَ آياتٌ، وفِيهِ مَسائِلُ:
صفحة ١٢٣
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ في سُورَةِ البَقَرَةِ ﴿ذَلِكَ الكِتابُ﴾ [البقرة: ١] ولَمْ يَقُلِ: الحَكِيمُ، وهاهُنا قالَ ﴿الحَكِيمِ﴾ فَلَمّا زادَ ذِكْرَ وصْفِ الكِتابِ زادَ ذِكْرَ أمْرٍ في أحْوالِهِ فَقالَ: ﴿هُدًى ورَحْمَةً﴾ وقالَ هُناكَ: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ فَقَوْلُهُ: ﴿هُدًى﴾ في مُقابَلَةِ قَوْلِهِ: ﴿الكِتابِ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿ورَحْمَةً﴾ في مُقابَلَةِ قَوْلِهِ: ﴿الحَكِيمِ﴾ ووَصْفُ الكِتابِ بِالحَكِيمِ عَلى مَعْنى ذِي الحِكْمَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٢١] أيْ ذاتِ رِضًا.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ هُناكَ: ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ وقالَ هاهُنا: ﴿لِلْمُحْسِنِينَ﴾ لِأنَّهُ لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ هُدًى ولَمْ يَذْكُرْ شَيْئًا آخَرَ قالَ: ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ أيْ يَهْتَدِي بِهِ مَن يَتَّقِي الشِّرْكَ والعِنادَ والتَّعَصُّبَ، ويَنْظُرُ فِيهِ مِن غَيْرِ عِنادٍ، ولَمّا زادَ هاهُنا رَحْمَةً قالَ: ﴿لِلْمُحْسِنِينَ﴾ أيِ المُتَّقِينَ الشِّرْكَ والعِنادَ الآتِينَ بِكَلِمَةِ الإحْسانِ، فالمُحْسِنُ هو الآتِي بِالإيمانِ، والمُتَّقِي هو التّارِكُ لِلْكُفْرِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا والَّذِينَ هم مُحْسِنُونَ﴾ [النحل: ١٢٨] ومِن جانِبِ الكُفْرِ كانَ مُتَّقِيًا ولَهُ الجَنَّةُ، ومَن أتى بِحَقِيقَةِ الإيمانِ كانَ مُحْسِنًا ولَهُ الزِّيادَةُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى وزِيادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] ولِأنَّهُ لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ رَحْمَةٌ قالَ: ﴿لِلْمُحْسِنِينَ﴾ لِأنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ المُحْسِنِينَ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ هُناكَ: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ ويُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ [البقرة: ٣] وقالَ هاهُنا ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ ولَمْ يَقُلْ يُؤْمِنُونَ لَمّا بَيَّنّا أنَّ المُتَّقِيَ هو التّارِكُ لِلْكُفْرِ، ويَلْزَمُهُ أنْ يَكُونَ مُؤْمِنًا، والمُحْسِنُ هو الآتِي بِحَقِّ الإيمانِ، ويَلْزَمُهُ أنْ لا يَكُونَ كافِرًا، فَلَمّا كانَ المُتَّقِي دالًّا عَلى المُؤْمِنِ في الِالتِزامِ صَرَّحَ بِالإيمانِ هُناكَ تَبْيِينًا، ولَمّا كانَ المُحْسِنُ دالًّا عَلى الإيمانِ بِالتَّنْصِيصِ لَمْ يُصَرِّحْ بِالإيمانِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ قَدْ ذَكَرْنا ما في الصَّلاةِ وإقامَتِها مِرارًا، وما في الزَّكاةِ والقِيامِ بِها، وذَكَرْنا في تَفْسِيرِ الأنْفالِ في أوائِلِها أنَّ الصَّلاةَ تَرْكُ التَّشَبُّهِ بِالسَّيِّدِ، فَإنَّها عِبادَةُ صُورَةٍ وحَقِيقَةٍ، واللَّهُ تَعالى تَجِبُ لَهُ العِبادَةُ ولا تَجُوزُ عَلَيْهِ العِبادَةُ، وتَرْكُ التَّشَبُّهِ لازِمٌ عَلى العَبْدِ أيْضًا في أُمُورٍ، فَلا يَجْلِسُ عِنْدَ جُلُوسِهِ ولا يَتَّكِئُ عِنْدَ اتِّكائِهِ، والزَّكاةُ تَشَبَّهٌ بِالسَّيِّدِ، فَإنَّها دَفْعُ حاجَةِ الغَيْرِ، واللَّهُ دافِعُ الحاجاتِ، والتَّشَبُّهُ لازِمٌ عَلى العَبْدِ أيْضًا في أُمُورٍ، كَما أنَّ عَبْدَ العالِمِ لا يَتَلَبَّسُ بِلِباسِ الأجْنادِ، وعَبْدَ الجُنْدِيِّ لا يَتَلَبَّسُ بِلِباسِ الزُّهّادِ، وبِهِما تَتِمُّ العُبُودِيَّةُ.
لقمان 31:4
صفحة ١٢٢
[ سُورَةُ لُقْمانَ ]
(مَكِّيَّةٌ كُلُّها إلّا آيَتَيْنِ نَزَلَتا بِالمَدِينَةِ وهُما ﴿ولَوْ أنَّما في الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ﴾ الآيَتَيْنِ وإلّا آيَةً نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ وهي ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾؛ لِأنَّ الصَّلاةَ والزَّكاةَ نَزَلَتا بِالمَدِينَةِ، وهي ثَلاثٌ وقِيلَ أرْبَعٌ وثَلاثُونَ آيَةً)
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)
﴿الم﴾ ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ الحَكِيمِ﴾ ﴿هُدًى ورَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ وهم بِالآخِرَةِ هم يُوقِنُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ .
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)
﴿الم﴾ ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ الحَكِيمِ﴾ .
وجْهُ ارْتِباطِ أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ بِآخِرِ ما قَبْلَها هو أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿ولَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ [الروم: ٥٨] إشارَةً إلى كَوْنِهِ مُعْجِزَةً وقالَ: ﴿ولَئِنْ جِئْتَهم بِآيَةٍ﴾ [الروم: ٥٨] إشارَةً إلى أنَّهم يَكْفُرُونَ بِالآياتِ، بَيَّنَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿الم﴾ ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ الحَكِيمِ﴾ ولَمْ يُؤْمِنُوا بِها، وإلى هَذا أشارَ بَعْدَ هَذا بِقَوْلِهِ: ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا ولّى مُسْتَكْبِرًا﴾ [الروم: ٥٨] .
وقَوْلُهُ: ﴿هُدًى ورَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ وهم بِالآخِرَةِ هم يُوقِنُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ .
فَقَوْلُهُ: ﴿هُدًى﴾ أيْ بَيانًا وفُرْقانًا، وأمّا التَّفْسِيرُ فَمِثْلُ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الم﴾ ﴿ذَلِكَ الكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى﴾ [البقرة: ١ - ٢] وكَما قِيلَ هُناكَ: إنَّ المَعْنى بِذَلِكَ هَذا، كَذَلِكَ قِيلَ بِأنَّ المُرادَ بِتِلْكَ هَذِهِ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ كَما قُلْنا هُناكَ إنَّ تِلْكَ إشارَةٌ إلى الغائِبِ مَعْناها: آياتُ القُرْآنِ آياتُ الكِتابِ الحَكِيمِ، وعِنْدَ إنْزالِ هَذِهِ الآياتِ الَّتِي نَزَلَتْ مَعَ ﴿الم﴾ ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ الحَكِيمِ﴾ لَمْ تَكُنْ جَمِيعُ الآياتِ نَزَلَتْ، فَقالَ تِلْكَ إشارَةٌ إلى الكُلِّ، أيْ آياتُ القُرْآنِ تِلْكَ آياتٌ، وفِيهِ مَسائِلُ:
صفحة ١٢٣
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ في سُورَةِ البَقَرَةِ ﴿ذَلِكَ الكِتابُ﴾ [البقرة: ١] ولَمْ يَقُلِ: الحَكِيمُ، وهاهُنا قالَ ﴿الحَكِيمِ﴾ فَلَمّا زادَ ذِكْرَ وصْفِ الكِتابِ زادَ ذِكْرَ أمْرٍ في أحْوالِهِ فَقالَ: ﴿هُدًى ورَحْمَةً﴾ وقالَ هُناكَ: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ فَقَوْلُهُ: ﴿هُدًى﴾ في مُقابَلَةِ قَوْلِهِ: ﴿الكِتابِ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿ورَحْمَةً﴾ في مُقابَلَةِ قَوْلِهِ: ﴿الحَكِيمِ﴾ ووَصْفُ الكِتابِ بِالحَكِيمِ عَلى مَعْنى ذِي الحِكْمَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٢١] أيْ ذاتِ رِضًا.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ هُناكَ: ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ وقالَ هاهُنا: ﴿لِلْمُحْسِنِينَ﴾ لِأنَّهُ لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ هُدًى ولَمْ يَذْكُرْ شَيْئًا آخَرَ قالَ: ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ أيْ يَهْتَدِي بِهِ مَن يَتَّقِي الشِّرْكَ والعِنادَ والتَّعَصُّبَ، ويَنْظُرُ فِيهِ مِن غَيْرِ عِنادٍ، ولَمّا زادَ هاهُنا رَحْمَةً قالَ: ﴿لِلْمُحْسِنِينَ﴾ أيِ المُتَّقِينَ الشِّرْكَ والعِنادَ الآتِينَ بِكَلِمَةِ الإحْسانِ، فالمُحْسِنُ هو الآتِي بِالإيمانِ، والمُتَّقِي هو التّارِكُ لِلْكُفْرِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا والَّذِينَ هم مُحْسِنُونَ﴾ [النحل: ١٢٨] ومِن جانِبِ الكُفْرِ كانَ مُتَّقِيًا ولَهُ الجَنَّةُ، ومَن أتى بِحَقِيقَةِ الإيمانِ كانَ مُحْسِنًا ولَهُ الزِّيادَةُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى وزِيادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] ولِأنَّهُ لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ رَحْمَةٌ قالَ: ﴿لِلْمُحْسِنِينَ﴾ لِأنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ المُحْسِنِينَ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ هُناكَ: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ ويُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ [البقرة: ٣] وقالَ هاهُنا ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ ولَمْ يَقُلْ يُؤْمِنُونَ لَمّا بَيَّنّا أنَّ المُتَّقِيَ هو التّارِكُ لِلْكُفْرِ، ويَلْزَمُهُ أنْ يَكُونَ مُؤْمِنًا، والمُحْسِنُ هو الآتِي بِحَقِّ الإيمانِ، ويَلْزَمُهُ أنْ لا يَكُونَ كافِرًا، فَلَمّا كانَ المُتَّقِي دالًّا عَلى المُؤْمِنِ في الِالتِزامِ صَرَّحَ بِالإيمانِ هُناكَ تَبْيِينًا، ولَمّا كانَ المُحْسِنُ دالًّا عَلى الإيمانِ بِالتَّنْصِيصِ لَمْ يُصَرِّحْ بِالإيمانِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ قَدْ ذَكَرْنا ما في الصَّلاةِ وإقامَتِها مِرارًا، وما في الزَّكاةِ والقِيامِ بِها، وذَكَرْنا في تَفْسِيرِ الأنْفالِ في أوائِلِها أنَّ الصَّلاةَ تَرْكُ التَّشَبُّهِ بِالسَّيِّدِ، فَإنَّها عِبادَةُ صُورَةٍ وحَقِيقَةٍ، واللَّهُ تَعالى تَجِبُ لَهُ العِبادَةُ ولا تَجُوزُ عَلَيْهِ العِبادَةُ، وتَرْكُ التَّشَبُّهِ لازِمٌ عَلى العَبْدِ أيْضًا في أُمُورٍ، فَلا يَجْلِسُ عِنْدَ جُلُوسِهِ ولا يَتَّكِئُ عِنْدَ اتِّكائِهِ، والزَّكاةُ تَشَبَّهٌ بِالسَّيِّدِ، فَإنَّها دَفْعُ حاجَةِ الغَيْرِ، واللَّهُ دافِعُ الحاجاتِ، والتَّشَبُّهُ لازِمٌ عَلى العَبْدِ أيْضًا في أُمُورٍ، كَما أنَّ عَبْدَ العالِمِ لا يَتَلَبَّسُ بِلِباسِ الأجْنادِ، وعَبْدَ الجُنْدِيِّ لا يَتَلَبَّسُ بِلِباسِ الزُّهّادِ، وبِهِما تَتِمُّ العُبُودِيَّةُ.
لقمان 31:5
صفحة ١٢٢
[ سُورَةُ لُقْمانَ ]
(مَكِّيَّةٌ كُلُّها إلّا آيَتَيْنِ نَزَلَتا بِالمَدِينَةِ وهُما ﴿ولَوْ أنَّما في الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ﴾ الآيَتَيْنِ وإلّا آيَةً نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ وهي ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾؛ لِأنَّ الصَّلاةَ والزَّكاةَ نَزَلَتا بِالمَدِينَةِ، وهي ثَلاثٌ وقِيلَ أرْبَعٌ وثَلاثُونَ آيَةً)
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)
﴿الم﴾ ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ الحَكِيمِ﴾ ﴿هُدًى ورَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ وهم بِالآخِرَةِ هم يُوقِنُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ .
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)
﴿الم﴾ ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ الحَكِيمِ﴾ .
وجْهُ ارْتِباطِ أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ بِآخِرِ ما قَبْلَها هو أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿ولَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ [الروم: ٥٨] إشارَةً إلى كَوْنِهِ مُعْجِزَةً وقالَ: ﴿ولَئِنْ جِئْتَهم بِآيَةٍ﴾ [الروم: ٥٨] إشارَةً إلى أنَّهم يَكْفُرُونَ بِالآياتِ، بَيَّنَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿الم﴾ ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ الحَكِيمِ﴾ ولَمْ يُؤْمِنُوا بِها، وإلى هَذا أشارَ بَعْدَ هَذا بِقَوْلِهِ: ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا ولّى مُسْتَكْبِرًا﴾ [الروم: ٥٨] .
وقَوْلُهُ: ﴿هُدًى ورَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ وهم بِالآخِرَةِ هم يُوقِنُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ .
فَقَوْلُهُ: ﴿هُدًى﴾ أيْ بَيانًا وفُرْقانًا، وأمّا التَّفْسِيرُ فَمِثْلُ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الم﴾ ﴿ذَلِكَ الكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى﴾ [البقرة: ١ - ٢] وكَما قِيلَ هُناكَ: إنَّ المَعْنى بِذَلِكَ هَذا، كَذَلِكَ قِيلَ بِأنَّ المُرادَ بِتِلْكَ هَذِهِ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ كَما قُلْنا هُناكَ إنَّ تِلْكَ إشارَةٌ إلى الغائِبِ مَعْناها: آياتُ القُرْآنِ آياتُ الكِتابِ الحَكِيمِ، وعِنْدَ إنْزالِ هَذِهِ الآياتِ الَّتِي نَزَلَتْ مَعَ ﴿الم﴾ ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ الحَكِيمِ﴾ لَمْ تَكُنْ جَمِيعُ الآياتِ نَزَلَتْ، فَقالَ تِلْكَ إشارَةٌ إلى الكُلِّ، أيْ آياتُ القُرْآنِ تِلْكَ آياتٌ، وفِيهِ مَسائِلُ:
صفحة ١٢٣
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ في سُورَةِ البَقَرَةِ ﴿ذَلِكَ الكِتابُ﴾ [البقرة: ١] ولَمْ يَقُلِ: الحَكِيمُ، وهاهُنا قالَ ﴿الحَكِيمِ﴾ فَلَمّا زادَ ذِكْرَ وصْفِ الكِتابِ زادَ ذِكْرَ أمْرٍ في أحْوالِهِ فَقالَ: ﴿هُدًى ورَحْمَةً﴾ وقالَ هُناكَ: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ فَقَوْلُهُ: ﴿هُدًى﴾ في مُقابَلَةِ قَوْلِهِ: ﴿الكِتابِ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿ورَحْمَةً﴾ في مُقابَلَةِ قَوْلِهِ: ﴿الحَكِيمِ﴾ ووَصْفُ الكِتابِ بِالحَكِيمِ عَلى مَعْنى ذِي الحِكْمَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٢١] أيْ ذاتِ رِضًا.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ هُناكَ: ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ وقالَ هاهُنا: ﴿لِلْمُحْسِنِينَ﴾ لِأنَّهُ لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ هُدًى ولَمْ يَذْكُرْ شَيْئًا آخَرَ قالَ: ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ أيْ يَهْتَدِي بِهِ مَن يَتَّقِي الشِّرْكَ والعِنادَ والتَّعَصُّبَ، ويَنْظُرُ فِيهِ مِن غَيْرِ عِنادٍ، ولَمّا زادَ هاهُنا رَحْمَةً قالَ: ﴿لِلْمُحْسِنِينَ﴾ أيِ المُتَّقِينَ الشِّرْكَ والعِنادَ الآتِينَ بِكَلِمَةِ الإحْسانِ، فالمُحْسِنُ هو الآتِي بِالإيمانِ، والمُتَّقِي هو التّارِكُ لِلْكُفْرِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا والَّذِينَ هم مُحْسِنُونَ﴾ [النحل: ١٢٨] ومِن جانِبِ الكُفْرِ كانَ مُتَّقِيًا ولَهُ الجَنَّةُ، ومَن أتى بِحَقِيقَةِ الإيمانِ كانَ مُحْسِنًا ولَهُ الزِّيادَةُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى وزِيادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] ولِأنَّهُ لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ رَحْمَةٌ قالَ: ﴿لِلْمُحْسِنِينَ﴾ لِأنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ المُحْسِنِينَ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ هُناكَ: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ ويُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ [البقرة: ٣] وقالَ هاهُنا ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ ولَمْ يَقُلْ يُؤْمِنُونَ لَمّا بَيَّنّا أنَّ المُتَّقِيَ هو التّارِكُ لِلْكُفْرِ، ويَلْزَمُهُ أنْ يَكُونَ مُؤْمِنًا، والمُحْسِنُ هو الآتِي بِحَقِّ الإيمانِ، ويَلْزَمُهُ أنْ لا يَكُونَ كافِرًا، فَلَمّا كانَ المُتَّقِي دالًّا عَلى المُؤْمِنِ في الِالتِزامِ صَرَّحَ بِالإيمانِ هُناكَ تَبْيِينًا، ولَمّا كانَ المُحْسِنُ دالًّا عَلى الإيمانِ بِالتَّنْصِيصِ لَمْ يُصَرِّحْ بِالإيمانِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ قَدْ ذَكَرْنا ما في الصَّلاةِ وإقامَتِها مِرارًا، وما في الزَّكاةِ والقِيامِ بِها، وذَكَرْنا في تَفْسِيرِ الأنْفالِ في أوائِلِها أنَّ الصَّلاةَ تَرْكُ التَّشَبُّهِ بِالسَّيِّدِ، فَإنَّها عِبادَةُ صُورَةٍ وحَقِيقَةٍ، واللَّهُ تَعالى تَجِبُ لَهُ العِبادَةُ ولا تَجُوزُ عَلَيْهِ العِبادَةُ، وتَرْكُ التَّشَبُّهِ لازِمٌ عَلى العَبْدِ أيْضًا في أُمُورٍ، فَلا يَجْلِسُ عِنْدَ جُلُوسِهِ ولا يَتَّكِئُ عِنْدَ اتِّكائِهِ، والزَّكاةُ تَشَبَّهٌ بِالسَّيِّدِ، فَإنَّها دَفْعُ حاجَةِ الغَيْرِ، واللَّهُ دافِعُ الحاجاتِ، والتَّشَبُّهُ لازِمٌ عَلى العَبْدِ أيْضًا في أُمُورٍ، كَما أنَّ عَبْدَ العالِمِ لا يَتَلَبَّسُ بِلِباسِ الأجْنادِ، وعَبْدَ الجُنْدِيِّ لا يَتَلَبَّسُ بِلِباسِ الزُّهّادِ، وبِهِما تَتِمُّ العُبُودِيَّةُ.
لقمان 31:6
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ويَتَّخِذَها هُزُوًا أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾
لَمّا بَيَّنَ أنَّ القُرْآنَ كِتابٌ حَكِيمٌ يَشْتَمِلُ عَلى آياتٍ حُكْمِيَّةٍ بَيَّنَ مِن حالِ الكُفّارِ أنَّهم يَتْرُكُونَ ذَلِكَ ويَشْتَغِلُونَ بِغَيْرِهِ، ثُمَّ إنَّ فِيهِ ما يُبَيِّنُ سُوءَ صَنِيعِهِمْ مِن وُجُوهٍ.
الأوَّلُ: أنَّ تَرْكَ الحِكْمَةِ والِاشْتِغالَ بِحَدِيثٍ آخَرَ قَبِيحٌ.
الثّانِي: هو أنَّ الحَدِيثَ إذا كانَ لَهْوًا لا فائِدَةَ فِيهِ كانَ أقْبَحَ.
الثّالِثُ: هو أنَّ اللَّهْوَ قَدْ يُقْصَدُ بِهِ الإحْماضُ كَما يُنْقَلُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ أحَمِضُوا، ونُقِلَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«رَوِّحُوا القُلُوبَ ساعَةً فَساعَةً» “ رَواهُ الدَّيْلَمِيُّ عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا، ويَشْهَدُ لَهُ ما في مُسْلِمٍ ”«يا حَنْظَلَةُ ساعَةً وساعَةً» “ والعَوامُّ يَفْهَمُونَ مِنهُ الأمْرَ بِما يَجُوزُ
صفحة ١٢٤
مِنَ المُطايَبَةِ، والخَواصُّ يَقُولُونَ هو أمْرٌ بِالنَّظَرِ إلى جانِبِ الحَقِّ، فَإنَّ التَّرْوِيحَ بِهِ لا غَيْرُ، فَلَمّا لَمْ يَكُنْ قَصْدُهم إلّا الإضْلالَ لِقَوْلِهِ: ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ كانَ فِعْلُهُ أدْخَلَ في القُبْحِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ عائِدٌ إلى الشِّراءِ، أيْ يَشْتَرِي بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴿ويَتَّخِذَها﴾ أيْ يَتَّخِذُ السَّبِيلَ هُزُوًا ﴿أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾ قَوْلُهُ: ﴿مُهِينٌ﴾ إشارَةٌ إلى أمْرٍ يُفْهَمُ مِنهُ الدَّوامُ، وذَلِكَ لِأنَّ المَلِكَ إذا أمَرَ بِتَعْذِيبِ عَبْدٍ مِن عَبِيدِهِ، فالجَلّادُ إنْ عَلِمَ أنَّهُ مِمَّنْ يَعُودُ إلى خِدْمَةِ المَلِكِ، ولا يَتْرُكُهُ المَلِكُ في الحَبْسِ، يُكْرِمُهُ ويُخَفِّفُ مِن تَعْذِيبِهِ، وإنْ عَلِمَ أنَّهُ لا يَعُودُ إلى ما كانَ عَلَيْهِ، وأمْرُهُ قَدِ انْقَضى، فَإنَّهُ لا يُكْرِمُهُ. فَقَوْلُهُ: ﴿عَذابٌ مُهِينٌ﴾ إشارَةٌ إلى هَذا، وبِهِ يُفَرَّقُ بَيْنَ عَذابِ المُؤْمِنِ وعَذابِ الكافِرِ، فَإنَّ عَذابَ المُؤْمِنِ لِيُطَهَّرَ فَهو غَيْرُ مُهِينٍ.
لقمان 31:7
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا ولّى مُسْتَكْبِرًا كَأنْ لَمْ يَسْمَعْها كَأنَّ في أُذُنَيْهِ وقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ .
أيْ يَشْتَرِي الحَدِيثَ الباطِلَ، والحَقُّ الصُّراحُ يَأْتِيهِ مَجّانًا يُعْرِضُ عَنْهُ، وإذا نَظَرْتَ فِيهِ فَهِمْتَ حُسْنَ هَذا الكَلامِ مِن حَيْثُ إنَّ المُشْتَرِي يَطْلُبُ المُشْتَرى مَعَ أنَّهُ يَطْلُبُهُ بِبَذْلِ الثَّمَنِ، ومَن يَأْتِيهِ الشَّيْءُ لا يَطْلُبُهُ ولا يَبْذُلُ شَيْئًا، ثُمَّ إنَّ الواجِبَ أنْ يَطْلُبَ العاقِلُ الحِكْمَةَ بِأيِّ شَيْءٍ يَجِدُهُ ويَشْتَرِيها، وهم ما كانُوا يَطْلُبُونَها، وإذا جاءَتْهم مَجّانًا ما كانُوا يَسْمَعُونَها، ثُمَّ إنَّ فِيهِ أيْضًا مَراتِبَ.
الأُولى: التَّوْلِيَةُ عَنِ الحِكْمَةِ وهو قَبِيحٌ.
والثّانِي: الِاسْتِكْبارُ، ومَن يَشْتَرِي حِكايَةَ رُسْتُمَ وبَهْرامَ ويَحْتاجُ إلَيْها كَيْفَ يَكُونُ مُسْتَغْنِيًا عَنِ الحِكْمَةِ حَتّى يَسْتَكْبِرَ عَنْها ؟ وإنَّما يَسْتَكْبِرُ الشَّخْصُ عَنِ الكَلامِ، وإذا كانَ يَقُولُ أنا أقُولُ مِثْلَهُ، فَمَن لا يَقْدِرُ يَصْنَعُ مِثْلَ تِلْكَ الحِكاياتِ الباطِلَةِ كَيْفَ يَسْتَكْبِرُ عَلى الحِكْمَةِ البالِغَةِ الَّتِي مِن عِنْدِ اللَّهِ ؟
الثّالِثُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَأنْ لَمْ يَسْمَعْها﴾ شُغْلُ المُتَكَبِّرِ الَّذِي لا يَلْتَفِتُ إلى الكَلامِ ويَجْعَلُ نَفْسَهُ كَأنَّها غافِلَةٌ.
الرّابِعُ: قَوْلُهُ: ﴿كَأنَّ في أُذُنَيْهِ وقْرًا﴾ أدْخَلُ في الإعْراضِ. ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ أيْ لَهُ عَذابٌ مُهِينٌ فَبَشِّرْهُ أنْتَ بِهِ وأوْعِدْهُ، أوْ يُقالُ إذا كانَ حالُهُ هَذا: ﴿فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ .
لقمان 31:8
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم جَنّاتُ النَّعِيمِ﴾ ﴿خالِدِينَ فِيها وعْدَ اللَّهِ حَقًّا وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾
صفحة ١٢٥
لَمّا بَيَّنَ حالَ مَن إذا تُتْلى عَلَيْهِ الآياتُ ولّى، بَيَّنَ حالَ مَن يُقْبِلُ عَلى تِلْكَ الآياتِ ويَقْبَلُها، وكَما أنَّ ذَلِكَ لَهُ مَراتِبُ مِنَ التَّوْلِيَةِ والِاسْتِكْبارِ، فَهَذا لَهُ مَراتِبُ مِنَ الإقْبالِ والقَبُولِ والعَمَلِ بِهِ، فَإنَّ مَن سَمِعَ شَيْئًا وقَبِلَهُ قَدْ لا يَعْمَلُ بِهِ فَلا تَكُونُ دَرَجَتُهُ مِثْلَ مَن يَسْمَعُ ويُطِيعُ، ثُمَّ إنَّ هَذا لَهُ جَنّاتُ النَّعِيمِ، ولِذَلِكَ عَذابٌ مُهِينٌ، وفِيهِ لَطائِفُ:
إحْداها: تَوْحِيدُ العَذابِ وجَمْعُ الجَنّاتِ إشارَةٌ إلى أنَّ الرَّحْمَةَ واسِعَةٌ أكْثَرُ مِنَ الغَضَبِ.
الثّانِيَةُ: تَنْكِيرُ العَذابِ وتَعْرِيفُ الجَنَّةِ بِالإضافَةِ إلى المُعَرَّفِ إشارَةٌ إلى أنَّ الرَّحِيمَ يُبَيِّنُ النِّعْمَةَ ويُعَرِّفُها إيصالًا لِلرّاحَةِ إلى القَلْبِ، ولا يُبَيِّنُ النِّقْمَةَ، وإنَّما يُنَبِّهُ عَلَيْها تَنْبِيهًا.
الثّالِثَةُ: قالَ عَذابٌ، ولَمْ يُصَرِّحْ بِأنَّهم فِيهِ خالِدُونَ، وإنَّما أشارَ إلى الخُلُودِ بِقَوْلِهِ: ﴿مُهِينٌ﴾ وصَرَّحَ في الثَّوابِ بِالخُلُودِ بِقَوْلِهِ: ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ .
الرّابِعَةُ: أكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وعْدَ اللَّهِ حَقًّا﴾ ولَمْ يَذْكُرْهُ هُناكَ.
الخامِسَةُ: قالَ هُناكَ لِغَيْرِهِ: ﴿فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ﴾ وقالَ هاهُنا بِنَفْسِهِ ﴿وعْدَ اللَّهِ﴾، ثُمَّ لَمْ يَقُلْ أُبَشِّرُكم بِهِ؛ لِأنَّ البِشارَةَ لا تَكُونُ إلّا بِأعْظَمِ ما يَكُونُ، لَكِنَّ الجَنَّةَ دُونَ ما يَكُونُ لِلصّالِحِينَ بِشارَةٌ مِنَ اللَّهِ، وإنَّما تَكُونُ بِشارَتُهم مِنهُ بِرَحْمَتِهِ ورِضْوانِهِ كَما قالَ تَعالى: ﴿يُبَشِّرُهم رَبُّهم بِرَحْمَةٍ مِنهُ ورِضْوانٍ وجَنّاتٍ لَهم فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ﴾ ولَوْلا قَوْلُهُ: (مِنهُ) لَما عَظُمَتِ البِشارَةُ، ولَوْ كانَتْ (مِنهُ) مَقْرُونَةً بِأمْرٍ دُونَ الجَنَّةِ لَكانَ ذَلِكَ فَوْقَ الجَنَّةِ مِن غَيْرِ إضافَةٍ، فَإنْ قِيلَ فَقَدْ بَشَّرَ بِنَفْسِ الجَنَّةِ بِقَوْلِهِ: ﴿وأبْشِرُوا بِالجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت: ٣٠] نَقُولُ: البِشارَةُ هُناكَ لَمْ تَكُنْ بِالجَنَّةِ وحْدَها، بَلْ بِها وبِما ذُكِرَ بَعْدَها إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿نُزُلًا مِن غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ [ فُصِّلَتْ: ٣٢ ] والنُّزُلُ ما يُهَيَّأُ عِنْدَ النُّزُولِ والإكْرامِ العَظِيمِ بَعْدَهُ وهو ﴿العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ كامِلُ القُدْرَةِ يُعَذِّبُ المُعْرِضَ ويُثِيبُ المُقْبِلَ، كامِلُ العِلْمِ يَفْعَلُ الأفْعالَ كَما يَنْبَغِي، فَلا يُعَذِّبُ مَن يُؤْمِنُ ولا يُثِيبُ مَن يَكْفُرُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها﴾
بَيَّنَ عِزَّتَهُ وحِكْمَتَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ﴾ اخْتَلَفَ قَوْلُ العُلَماءِ في السَّماواتِ فَمِنهم مَن قالَ إنَّها مَبْسُوطَةٌ كَصَفِيحَةٍ مُسْتَوِيَةٍ، وهو قَوْلُ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ ومِنهم مَن قالَ إنَّها مُسْتَدِيرَةٌ، وهو قَوْلُ جَمِيعِ المُهَنْدِسِينَ، والغَزالِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ قالَ: نَحْنُ نُوافِقُهم في ذَلِكَ فَإنَّ لَهم عَلَيْها دَلِيلًا مِنَ المَحْسُوساتِ، ومُخالَفَةُ الحِسِّ لا تَجُوزُ، وإنْ كانَ في البابِ خَبَرٌ نُؤَوِّلُهُ بِما يَحْتَمِلُهُ، فَضْلًا مِن أنَّ لَيْسَ في القُرْآنِ والخَبَرِ ما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ صَرِيحًا، بَلْ فِيهِ ما يَدُلُّ عَلى الِاسْتِدارَةِ كَما قالَ تَعالى: ﴿كُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٣] والفَلَكُ اسْمٌ لِشَيْءٍ مُسْتَدِيرٍ، بَلِ الواجِبُ أنْ يُقالَ بِأنَّ السَّماواتِ سَواءٌ كانَتْ مُسْتَدِيرَةً أوْ مُصَفَّحَةً فَهي مَخْلُوقَةٌ بِقُدْرَةِ اللَّهِ لا مَوْجُودَةٌ بِإيجابٍ وطَبْعٍ، وإذا عُلِمَ هَذا فَنَقُولُ: السَّماءُ في مَكانٍ وهو فَضاءٌ، والفَضاءُ لا نِهايَةَ لَهُ، وكَوْنُ السَّماءُ في بَعْضِهِ دُونَ بَعْضٍ لَيْسَ إلّا بِقُدْرَةٍ مُخْتارَةٍ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿بِغَيْرِ عَمَدٍ﴾ أيْ لَيْسَ عَلى شَيْءٍ يَمْنَعُها الزَّوالَ مِن مَوْضِعِها، وهي لا تَزُولُ إلّا بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى، وقالَ بَعْضُهم: المَعْنى أنَّ السَّماواتِ بِأسْرِها ومَجْمُوعِها لا مَكانَ لَها؛ لِأنَّ المَكانَ ما يَعْتَمِدُ عَلَيْهِ ما فِيهِ فَيَكُونُ مُتَمَكِّنًا، والحَيِّزُ ما يُشارُ إلى ما فِيهِ بِسَبَبِهِ يُقالُ هاهُنا وهُناكَ، عَلى هَذا قالُوا إنَّ مَن يَقَعُ مِن شاهِقِ جَبَلٍ فَهو في الهَواءِ في حَيِّزٍ، إذْ يُقالُ لَهُ هو هاهُنا وهُناكَ، ولَيْسَ في مَكانٍ إذْ لا يَعْتَمِدُ عَلى شَيْءٍ، فَإذا حَصَلَ عَلى الأرْضِ حَصَلَ في مَكانٍ، إذا عُلِمَ هَذا فالسَّماواتُ لَيْسَ في مَكانٍ تَعْتَمِدُ عَلَيْهِ فَلا عَمَدَ لَها، وقَوْلُهُ: ﴿تَرَوْنَها﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ راجِعٌ إلى السَّماواتِ أيْ لَيْسَتْ هي بِعَمَدٍ وأنْتُمْ تَرَوْنَها كَذَلِكَ بِغَيْرِ عَمَدٍ.
والثّانِي: أنَّهُ راجِعٌ إلى العَمَدِ، أيْ بِغَيْرِ عَمَدٍ مَرْئِيَّةٍ، وإنْ كانَ هُناكَ عَمَدٌ غَيْرُ مَرْئِيَّةٍ فَهي قُدْرَةُ اللَّهِ وإرادَتُهُ.
صفحة ١٢٦
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وألْقى في الأرْضِ رَواسِيَ أنْ تَمِيدَ بِكم وبَثَّ فِيها مِن كُلِّ دابَّةٍ وأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ .
أيْ جِبالًا راسِيَةً ثابِتَةً ﴿أنْ تَمِيدَ﴾ أيْ كَراهِيَةَ أنْ تَمِيدَ، وقِيلَ: المَعْنى أنْ لا تَمِيدَ، واعْلَمْ أنَّ الأرْضَ ثَباتُها بِسَبَبِ ثِقَلِها، وإلّا كانَتْ تَزُولُ عَنْ مَوْضِعِها بِسَبَبِ المِياهِ والرِّياحِ، ولَوْ خَلَقَها مِثْلَ الرَّمْلِ لَما كانَتْ تَثْبُتُ لِلزِّراعَةِ كَما نَرى الأراضِيَ الرَّمْلَةَ يَنْتَقِلُ الرَّمْلُ الَّذِي فِيها مِن مَوْضِعٍ إلى مَوْضِعٍ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وبَثَّ فِيها مِن كُلِّ دابَّةٍ﴾ أيْ سُكُونُ الأرْضِ فِيهِ مَصْلَحَةُ حَرَكَةِ الدَّوابِّ، فَأسْكَنّا الأرْضَ وحَرَّكْنا الدَّوابَّ، ولَوْ كانَتِ الأرْضُ مُتَزَلْزِلَةً، وبَعْضُ الأراضِي يُناسِبُ بَعْضَ الحَيَواناتِ لَكانَتِ الدّابَّةُ الَّتِي لا تَعِيشُ في مَوْضِعٍ تَقَعُ في ذَلِكَ المَوْضِعِ، فَيَكُونُ فِيهِ هَلاكُ الدَّوابِّ، أمّا إذا كانَتِ الأرْضُ ساكِنَةً والحَيَواناتُ مُتَحَرِّكَةً تَتَحَرَّكُ في المَواضِعِ الَّتِي تُناسِبُها وتَرْعى فِيها وتَعِيشُ فِيها، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ هَذِهِ نِعْمَةٌ أُخْرى أنْعَمَها اللَّهُ عَلى عِبادِهِ، وتَمامُها بِسُكُونِ الأرْضِ؛ لِأنَّ البَذْرَ إذا لَمْ يَثْبُتْ إلى أنْ يَنْبُتَ لَمْ يَكُنْ يَحْصُلُ الزَّرْعُ، ولَوْ كانَتْ أجْزاءُ الأرْضِ مُتَحَرِّكَةً كالرَّمْلِ لَما حَصَلَ الثَّباتُ ولَما كَمُلَ النَّباتُ، والعُدُولُ مِنَ المُغايَبَةِ إلى النَّفْسِ فِيهِ فَصاحَةٌ وحِكْمَةٌ، أمّا الفَصاحَةُ فَمَذْكُورَةٌ في بابِ الِالتِفاتِ مِن أنَّ السّامِعَ إذا سَمِعَ كَلامًا طَوِيلًا مِن نَمَطٍ واحِدٍ، ثُمَّ ورَدَ عَلَيْهِ نَمَطٌ آخَرُ يَسْتَطْيِبُهُ ألا تَرى أنَّكَ إذا قُلْتَ قالَ زَيْدٌ كَذا وكَذا، وقالَ خالِدٌ كَذا وكَذا، وقالَ عَمْرٌو كَذا، ثُمَّ إنَّ بَكْرًا قالَ قَوْلًا حَسَنًا يُسْتَطابُ لِما قَدْ تَكَرَّرَ القَوْلُ مِرارًا. وأمّا الحِكْمَةُ فَمِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ خَلْقَ الأرْضِ ثَقِيلٌ، والسَّماءُ في غَيْرِ مَكانٍ قَدْ يَقَعُ لِجاهِلٍ أنَّهُ بِالطَّبْعِ، وبَثُّ الدَّوابِّ يَقَعُ لِبَعْضِهِمْ أنَّهُ بِاخْتِيارِ الدّابَّةِ؛ لِأنَّ لَها اخْتِيارًا، فَنَقُولُ: الأوَّلُ طَبِيعِيٌّ، والآخَرُ اخْتِيارِيٌّ لِلْحَيَوانِ، ولَكِنْ لا يَشُكُّ أحَدٌ في أنَّ الماءَ في الهَواءِ مِن جِهَةِ فَوْقٍ لَيْسَ طَبْعًا فَإنَّ الماءَ لا يَكُونُ بِطَبْعِهِ فَوْقَ ولا اخْتِيارًا، إذِ الماءُ لا اخْتِيارَ لَهُ فَهو بِإرادَةِ اللَّهِ تَعالى، فَقالَ: ﴿وأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ﴾ .
الثّانِي: هو أنَّ إنْزالَ الماءِ نِعْمَةٌ ظاهِرَةٌ مُتَكَرِّرَةٌ في كُلِّ زَمانٍ، مُتَكَثِّرَةٌ في كُلِّ مَكانٍ، فَأسْنَدَهُ إلى نَفْسِهِ صَرِيحًا لِيَتَنَبَّهَ الإنْسانُ لِشُكْرِ نِعْمَتِهِ، فَيُزِيدَ لَهُ مِن رَحْمَتِهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ زَوْجٍ﴾ أيْ مِن كُلِّ جِنْسٍ، وكُلُّ جِنْسٍ فَتَحْتَهُ زَوْجانِ؛ لِأنَّ النَّباتَ إمّا أنْ يَكُونَ شَجَرًا، وإمّا أنْ يَكُونَ غَيْرَ شَجَرٍ، والَّذِي هو الشَّجَرُ إمّا أنْ يَكُونَ مُثْمِرًا، وإمّا أنْ يَكُونَ غَيْرَ مُثْمِرٍ، والمُثْمِرُ كَذَلِكَ يَنْقَسِمُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَرِيمٍ﴾ [ لُقْمانَ: ١٠] أيْ ذِي كَرَمٍ؛ لِأنَّهُ يَأْتِي كَثِيرًا مِن غَيْرِ حِسابٍ أوْ مُكْرِمٍ، مِثْلَ بَغِيضٍ لِلْمُبْغِضِ.
لقمان 31:9
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم جَنّاتُ النَّعِيمِ﴾ ﴿خالِدِينَ فِيها وعْدَ اللَّهِ حَقًّا وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾
صفحة ١٢٥
لَمّا بَيَّنَ حالَ مَن إذا تُتْلى عَلَيْهِ الآياتُ ولّى، بَيَّنَ حالَ مَن يُقْبِلُ عَلى تِلْكَ الآياتِ ويَقْبَلُها، وكَما أنَّ ذَلِكَ لَهُ مَراتِبُ مِنَ التَّوْلِيَةِ والِاسْتِكْبارِ، فَهَذا لَهُ مَراتِبُ مِنَ الإقْبالِ والقَبُولِ والعَمَلِ بِهِ، فَإنَّ مَن سَمِعَ شَيْئًا وقَبِلَهُ قَدْ لا يَعْمَلُ بِهِ فَلا تَكُونُ دَرَجَتُهُ مِثْلَ مَن يَسْمَعُ ويُطِيعُ، ثُمَّ إنَّ هَذا لَهُ جَنّاتُ النَّعِيمِ، ولِذَلِكَ عَذابٌ مُهِينٌ، وفِيهِ لَطائِفُ:
إحْداها: تَوْحِيدُ العَذابِ وجَمْعُ الجَنّاتِ إشارَةٌ إلى أنَّ الرَّحْمَةَ واسِعَةٌ أكْثَرُ مِنَ الغَضَبِ.
الثّانِيَةُ: تَنْكِيرُ العَذابِ وتَعْرِيفُ الجَنَّةِ بِالإضافَةِ إلى المُعَرَّفِ إشارَةٌ إلى أنَّ الرَّحِيمَ يُبَيِّنُ النِّعْمَةَ ويُعَرِّفُها إيصالًا لِلرّاحَةِ إلى القَلْبِ، ولا يُبَيِّنُ النِّقْمَةَ، وإنَّما يُنَبِّهُ عَلَيْها تَنْبِيهًا.
الثّالِثَةُ: قالَ عَذابٌ، ولَمْ يُصَرِّحْ بِأنَّهم فِيهِ خالِدُونَ، وإنَّما أشارَ إلى الخُلُودِ بِقَوْلِهِ: ﴿مُهِينٌ﴾ وصَرَّحَ في الثَّوابِ بِالخُلُودِ بِقَوْلِهِ: ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ .
الرّابِعَةُ: أكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وعْدَ اللَّهِ حَقًّا﴾ ولَمْ يَذْكُرْهُ هُناكَ.
الخامِسَةُ: قالَ هُناكَ لِغَيْرِهِ: ﴿فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ﴾ وقالَ هاهُنا بِنَفْسِهِ ﴿وعْدَ اللَّهِ﴾، ثُمَّ لَمْ يَقُلْ أُبَشِّرُكم بِهِ؛ لِأنَّ البِشارَةَ لا تَكُونُ إلّا بِأعْظَمِ ما يَكُونُ، لَكِنَّ الجَنَّةَ دُونَ ما يَكُونُ لِلصّالِحِينَ بِشارَةٌ مِنَ اللَّهِ، وإنَّما تَكُونُ بِشارَتُهم مِنهُ بِرَحْمَتِهِ ورِضْوانِهِ كَما قالَ تَعالى: ﴿يُبَشِّرُهم رَبُّهم بِرَحْمَةٍ مِنهُ ورِضْوانٍ وجَنّاتٍ لَهم فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ﴾ ولَوْلا قَوْلُهُ: (مِنهُ) لَما عَظُمَتِ البِشارَةُ، ولَوْ كانَتْ (مِنهُ) مَقْرُونَةً بِأمْرٍ دُونَ الجَنَّةِ لَكانَ ذَلِكَ فَوْقَ الجَنَّةِ مِن غَيْرِ إضافَةٍ، فَإنْ قِيلَ فَقَدْ بَشَّرَ بِنَفْسِ الجَنَّةِ بِقَوْلِهِ: ﴿وأبْشِرُوا بِالجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت: ٣٠] نَقُولُ: البِشارَةُ هُناكَ لَمْ تَكُنْ بِالجَنَّةِ وحْدَها، بَلْ بِها وبِما ذُكِرَ بَعْدَها إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿نُزُلًا مِن غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ [ فُصِّلَتْ: ٣٢ ] والنُّزُلُ ما يُهَيَّأُ عِنْدَ النُّزُولِ والإكْرامِ العَظِيمِ بَعْدَهُ وهو ﴿العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ كامِلُ القُدْرَةِ يُعَذِّبُ المُعْرِضَ ويُثِيبُ المُقْبِلَ، كامِلُ العِلْمِ يَفْعَلُ الأفْعالَ كَما يَنْبَغِي، فَلا يُعَذِّبُ مَن يُؤْمِنُ ولا يُثِيبُ مَن يَكْفُرُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها﴾
بَيَّنَ عِزَّتَهُ وحِكْمَتَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ﴾ اخْتَلَفَ قَوْلُ العُلَماءِ في السَّماواتِ فَمِنهم مَن قالَ إنَّها مَبْسُوطَةٌ كَصَفِيحَةٍ مُسْتَوِيَةٍ، وهو قَوْلُ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ ومِنهم مَن قالَ إنَّها مُسْتَدِيرَةٌ، وهو قَوْلُ جَمِيعِ المُهَنْدِسِينَ، والغَزالِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ قالَ: نَحْنُ نُوافِقُهم في ذَلِكَ فَإنَّ لَهم عَلَيْها دَلِيلًا مِنَ المَحْسُوساتِ، ومُخالَفَةُ الحِسِّ لا تَجُوزُ، وإنْ كانَ في البابِ خَبَرٌ نُؤَوِّلُهُ بِما يَحْتَمِلُهُ، فَضْلًا مِن أنَّ لَيْسَ في القُرْآنِ والخَبَرِ ما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ صَرِيحًا، بَلْ فِيهِ ما يَدُلُّ عَلى الِاسْتِدارَةِ كَما قالَ تَعالى: ﴿كُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٣] والفَلَكُ اسْمٌ لِشَيْءٍ مُسْتَدِيرٍ، بَلِ الواجِبُ أنْ يُقالَ بِأنَّ السَّماواتِ سَواءٌ كانَتْ مُسْتَدِيرَةً أوْ مُصَفَّحَةً فَهي مَخْلُوقَةٌ بِقُدْرَةِ اللَّهِ لا مَوْجُودَةٌ بِإيجابٍ وطَبْعٍ، وإذا عُلِمَ هَذا فَنَقُولُ: السَّماءُ في مَكانٍ وهو فَضاءٌ، والفَضاءُ لا نِهايَةَ لَهُ، وكَوْنُ السَّماءُ في بَعْضِهِ دُونَ بَعْضٍ لَيْسَ إلّا بِقُدْرَةٍ مُخْتارَةٍ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿بِغَيْرِ عَمَدٍ﴾ أيْ لَيْسَ عَلى شَيْءٍ يَمْنَعُها الزَّوالَ مِن مَوْضِعِها، وهي لا تَزُولُ إلّا بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى، وقالَ بَعْضُهم: المَعْنى أنَّ السَّماواتِ بِأسْرِها ومَجْمُوعِها لا مَكانَ لَها؛ لِأنَّ المَكانَ ما يَعْتَمِدُ عَلَيْهِ ما فِيهِ فَيَكُونُ مُتَمَكِّنًا، والحَيِّزُ ما يُشارُ إلى ما فِيهِ بِسَبَبِهِ يُقالُ هاهُنا وهُناكَ، عَلى هَذا قالُوا إنَّ مَن يَقَعُ مِن شاهِقِ جَبَلٍ فَهو في الهَواءِ في حَيِّزٍ، إذْ يُقالُ لَهُ هو هاهُنا وهُناكَ، ولَيْسَ في مَكانٍ إذْ لا يَعْتَمِدُ عَلى شَيْءٍ، فَإذا حَصَلَ عَلى الأرْضِ حَصَلَ في مَكانٍ، إذا عُلِمَ هَذا فالسَّماواتُ لَيْسَ في مَكانٍ تَعْتَمِدُ عَلَيْهِ فَلا عَمَدَ لَها، وقَوْلُهُ: ﴿تَرَوْنَها﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ راجِعٌ إلى السَّماواتِ أيْ لَيْسَتْ هي بِعَمَدٍ وأنْتُمْ تَرَوْنَها كَذَلِكَ بِغَيْرِ عَمَدٍ.
والثّانِي: أنَّهُ راجِعٌ إلى العَمَدِ، أيْ بِغَيْرِ عَمَدٍ مَرْئِيَّةٍ، وإنْ كانَ هُناكَ عَمَدٌ غَيْرُ مَرْئِيَّةٍ فَهي قُدْرَةُ اللَّهِ وإرادَتُهُ.
صفحة ١٢٦
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وألْقى في الأرْضِ رَواسِيَ أنْ تَمِيدَ بِكم وبَثَّ فِيها مِن كُلِّ دابَّةٍ وأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ .
أيْ جِبالًا راسِيَةً ثابِتَةً ﴿أنْ تَمِيدَ﴾ أيْ كَراهِيَةَ أنْ تَمِيدَ، وقِيلَ: المَعْنى أنْ لا تَمِيدَ، واعْلَمْ أنَّ الأرْضَ ثَباتُها بِسَبَبِ ثِقَلِها، وإلّا كانَتْ تَزُولُ عَنْ مَوْضِعِها بِسَبَبِ المِياهِ والرِّياحِ، ولَوْ خَلَقَها مِثْلَ الرَّمْلِ لَما كانَتْ تَثْبُتُ لِلزِّراعَةِ كَما نَرى الأراضِيَ الرَّمْلَةَ يَنْتَقِلُ الرَّمْلُ الَّذِي فِيها مِن مَوْضِعٍ إلى مَوْضِعٍ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وبَثَّ فِيها مِن كُلِّ دابَّةٍ﴾ أيْ سُكُونُ الأرْضِ فِيهِ مَصْلَحَةُ حَرَكَةِ الدَّوابِّ، فَأسْكَنّا الأرْضَ وحَرَّكْنا الدَّوابَّ، ولَوْ كانَتِ الأرْضُ مُتَزَلْزِلَةً، وبَعْضُ الأراضِي يُناسِبُ بَعْضَ الحَيَواناتِ لَكانَتِ الدّابَّةُ الَّتِي لا تَعِيشُ في مَوْضِعٍ تَقَعُ في ذَلِكَ المَوْضِعِ، فَيَكُونُ فِيهِ هَلاكُ الدَّوابِّ، أمّا إذا كانَتِ الأرْضُ ساكِنَةً والحَيَواناتُ مُتَحَرِّكَةً تَتَحَرَّكُ في المَواضِعِ الَّتِي تُناسِبُها وتَرْعى فِيها وتَعِيشُ فِيها، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ هَذِهِ نِعْمَةٌ أُخْرى أنْعَمَها اللَّهُ عَلى عِبادِهِ، وتَمامُها بِسُكُونِ الأرْضِ؛ لِأنَّ البَذْرَ إذا لَمْ يَثْبُتْ إلى أنْ يَنْبُتَ لَمْ يَكُنْ يَحْصُلُ الزَّرْعُ، ولَوْ كانَتْ أجْزاءُ الأرْضِ مُتَحَرِّكَةً كالرَّمْلِ لَما حَصَلَ الثَّباتُ ولَما كَمُلَ النَّباتُ، والعُدُولُ مِنَ المُغايَبَةِ إلى النَّفْسِ فِيهِ فَصاحَةٌ وحِكْمَةٌ، أمّا الفَصاحَةُ فَمَذْكُورَةٌ في بابِ الِالتِفاتِ مِن أنَّ السّامِعَ إذا سَمِعَ كَلامًا طَوِيلًا مِن نَمَطٍ واحِدٍ، ثُمَّ ورَدَ عَلَيْهِ نَمَطٌ آخَرُ يَسْتَطْيِبُهُ ألا تَرى أنَّكَ إذا قُلْتَ قالَ زَيْدٌ كَذا وكَذا، وقالَ خالِدٌ كَذا وكَذا، وقالَ عَمْرٌو كَذا، ثُمَّ إنَّ بَكْرًا قالَ قَوْلًا حَسَنًا يُسْتَطابُ لِما قَدْ تَكَرَّرَ القَوْلُ مِرارًا. وأمّا الحِكْمَةُ فَمِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ خَلْقَ الأرْضِ ثَقِيلٌ، والسَّماءُ في غَيْرِ مَكانٍ قَدْ يَقَعُ لِجاهِلٍ أنَّهُ بِالطَّبْعِ، وبَثُّ الدَّوابِّ يَقَعُ لِبَعْضِهِمْ أنَّهُ بِاخْتِيارِ الدّابَّةِ؛ لِأنَّ لَها اخْتِيارًا، فَنَقُولُ: الأوَّلُ طَبِيعِيٌّ، والآخَرُ اخْتِيارِيٌّ لِلْحَيَوانِ، ولَكِنْ لا يَشُكُّ أحَدٌ في أنَّ الماءَ في الهَواءِ مِن جِهَةِ فَوْقٍ لَيْسَ طَبْعًا فَإنَّ الماءَ لا يَكُونُ بِطَبْعِهِ فَوْقَ ولا اخْتِيارًا، إذِ الماءُ لا اخْتِيارَ لَهُ فَهو بِإرادَةِ اللَّهِ تَعالى، فَقالَ: ﴿وأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ﴾ .
الثّانِي: هو أنَّ إنْزالَ الماءِ نِعْمَةٌ ظاهِرَةٌ مُتَكَرِّرَةٌ في كُلِّ زَمانٍ، مُتَكَثِّرَةٌ في كُلِّ مَكانٍ، فَأسْنَدَهُ إلى نَفْسِهِ صَرِيحًا لِيَتَنَبَّهَ الإنْسانُ لِشُكْرِ نِعْمَتِهِ، فَيُزِيدَ لَهُ مِن رَحْمَتِهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ زَوْجٍ﴾ أيْ مِن كُلِّ جِنْسٍ، وكُلُّ جِنْسٍ فَتَحْتَهُ زَوْجانِ؛ لِأنَّ النَّباتَ إمّا أنْ يَكُونَ شَجَرًا، وإمّا أنْ يَكُونَ غَيْرَ شَجَرٍ، والَّذِي هو الشَّجَرُ إمّا أنْ يَكُونَ مُثْمِرًا، وإمّا أنْ يَكُونَ غَيْرَ مُثْمِرٍ، والمُثْمِرُ كَذَلِكَ يَنْقَسِمُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَرِيمٍ﴾ [ لُقْمانَ: ١٠] أيْ ذِي كَرَمٍ؛ لِأنَّهُ يَأْتِي كَثِيرًا مِن غَيْرِ حِسابٍ أوْ مُكْرِمٍ، مِثْلَ بَغِيضٍ لِلْمُبْغِضِ.
لقمان 31:10
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم جَنّاتُ النَّعِيمِ﴾ ﴿خالِدِينَ فِيها وعْدَ اللَّهِ حَقًّا وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾
صفحة ١٢٥
لَمّا بَيَّنَ حالَ مَن إذا تُتْلى عَلَيْهِ الآياتُ ولّى، بَيَّنَ حالَ مَن يُقْبِلُ عَلى تِلْكَ الآياتِ ويَقْبَلُها، وكَما أنَّ ذَلِكَ لَهُ مَراتِبُ مِنَ التَّوْلِيَةِ والِاسْتِكْبارِ، فَهَذا لَهُ مَراتِبُ مِنَ الإقْبالِ والقَبُولِ والعَمَلِ بِهِ، فَإنَّ مَن سَمِعَ شَيْئًا وقَبِلَهُ قَدْ لا يَعْمَلُ بِهِ فَلا تَكُونُ دَرَجَتُهُ مِثْلَ مَن يَسْمَعُ ويُطِيعُ، ثُمَّ إنَّ هَذا لَهُ جَنّاتُ النَّعِيمِ، ولِذَلِكَ عَذابٌ مُهِينٌ، وفِيهِ لَطائِفُ:
إحْداها: تَوْحِيدُ العَذابِ وجَمْعُ الجَنّاتِ إشارَةٌ إلى أنَّ الرَّحْمَةَ واسِعَةٌ أكْثَرُ مِنَ الغَضَبِ.
الثّانِيَةُ: تَنْكِيرُ العَذابِ وتَعْرِيفُ الجَنَّةِ بِالإضافَةِ إلى المُعَرَّفِ إشارَةٌ إلى أنَّ الرَّحِيمَ يُبَيِّنُ النِّعْمَةَ ويُعَرِّفُها إيصالًا لِلرّاحَةِ إلى القَلْبِ، ولا يُبَيِّنُ النِّقْمَةَ، وإنَّما يُنَبِّهُ عَلَيْها تَنْبِيهًا.
الثّالِثَةُ: قالَ عَذابٌ، ولَمْ يُصَرِّحْ بِأنَّهم فِيهِ خالِدُونَ، وإنَّما أشارَ إلى الخُلُودِ بِقَوْلِهِ: ﴿مُهِينٌ﴾ وصَرَّحَ في الثَّوابِ بِالخُلُودِ بِقَوْلِهِ: ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ .
الرّابِعَةُ: أكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وعْدَ اللَّهِ حَقًّا﴾ ولَمْ يَذْكُرْهُ هُناكَ.
الخامِسَةُ: قالَ هُناكَ لِغَيْرِهِ: ﴿فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ﴾ وقالَ هاهُنا بِنَفْسِهِ ﴿وعْدَ اللَّهِ﴾، ثُمَّ لَمْ يَقُلْ أُبَشِّرُكم بِهِ؛ لِأنَّ البِشارَةَ لا تَكُونُ إلّا بِأعْظَمِ ما يَكُونُ، لَكِنَّ الجَنَّةَ دُونَ ما يَكُونُ لِلصّالِحِينَ بِشارَةٌ مِنَ اللَّهِ، وإنَّما تَكُونُ بِشارَتُهم مِنهُ بِرَحْمَتِهِ ورِضْوانِهِ كَما قالَ تَعالى: ﴿يُبَشِّرُهم رَبُّهم بِرَحْمَةٍ مِنهُ ورِضْوانٍ وجَنّاتٍ لَهم فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ﴾ ولَوْلا قَوْلُهُ: (مِنهُ) لَما عَظُمَتِ البِشارَةُ، ولَوْ كانَتْ (مِنهُ) مَقْرُونَةً بِأمْرٍ دُونَ الجَنَّةِ لَكانَ ذَلِكَ فَوْقَ الجَنَّةِ مِن غَيْرِ إضافَةٍ، فَإنْ قِيلَ فَقَدْ بَشَّرَ بِنَفْسِ الجَنَّةِ بِقَوْلِهِ: ﴿وأبْشِرُوا بِالجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت: ٣٠] نَقُولُ: البِشارَةُ هُناكَ لَمْ تَكُنْ بِالجَنَّةِ وحْدَها، بَلْ بِها وبِما ذُكِرَ بَعْدَها إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿نُزُلًا مِن غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ [ فُصِّلَتْ: ٣٢ ] والنُّزُلُ ما يُهَيَّأُ عِنْدَ النُّزُولِ والإكْرامِ العَظِيمِ بَعْدَهُ وهو ﴿العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ كامِلُ القُدْرَةِ يُعَذِّبُ المُعْرِضَ ويُثِيبُ المُقْبِلَ، كامِلُ العِلْمِ يَفْعَلُ الأفْعالَ كَما يَنْبَغِي، فَلا يُعَذِّبُ مَن يُؤْمِنُ ولا يُثِيبُ مَن يَكْفُرُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها﴾
بَيَّنَ عِزَّتَهُ وحِكْمَتَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ﴾ اخْتَلَفَ قَوْلُ العُلَماءِ في السَّماواتِ فَمِنهم مَن قالَ إنَّها مَبْسُوطَةٌ كَصَفِيحَةٍ مُسْتَوِيَةٍ، وهو قَوْلُ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ ومِنهم مَن قالَ إنَّها مُسْتَدِيرَةٌ، وهو قَوْلُ جَمِيعِ المُهَنْدِسِينَ، والغَزالِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ قالَ: نَحْنُ نُوافِقُهم في ذَلِكَ فَإنَّ لَهم عَلَيْها دَلِيلًا مِنَ المَحْسُوساتِ، ومُخالَفَةُ الحِسِّ لا تَجُوزُ، وإنْ كانَ في البابِ خَبَرٌ نُؤَوِّلُهُ بِما يَحْتَمِلُهُ، فَضْلًا مِن أنَّ لَيْسَ في القُرْآنِ والخَبَرِ ما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ صَرِيحًا، بَلْ فِيهِ ما يَدُلُّ عَلى الِاسْتِدارَةِ كَما قالَ تَعالى: ﴿كُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٣] والفَلَكُ اسْمٌ لِشَيْءٍ مُسْتَدِيرٍ، بَلِ الواجِبُ أنْ يُقالَ بِأنَّ السَّماواتِ سَواءٌ كانَتْ مُسْتَدِيرَةً أوْ مُصَفَّحَةً فَهي مَخْلُوقَةٌ بِقُدْرَةِ اللَّهِ لا مَوْجُودَةٌ بِإيجابٍ وطَبْعٍ، وإذا عُلِمَ هَذا فَنَقُولُ: السَّماءُ في مَكانٍ وهو فَضاءٌ، والفَضاءُ لا نِهايَةَ لَهُ، وكَوْنُ السَّماءُ في بَعْضِهِ دُونَ بَعْضٍ لَيْسَ إلّا بِقُدْرَةٍ مُخْتارَةٍ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿بِغَيْرِ عَمَدٍ﴾ أيْ لَيْسَ عَلى شَيْءٍ يَمْنَعُها الزَّوالَ مِن مَوْضِعِها، وهي لا تَزُولُ إلّا بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى، وقالَ بَعْضُهم: المَعْنى أنَّ السَّماواتِ بِأسْرِها ومَجْمُوعِها لا مَكانَ لَها؛ لِأنَّ المَكانَ ما يَعْتَمِدُ عَلَيْهِ ما فِيهِ فَيَكُونُ مُتَمَكِّنًا، والحَيِّزُ ما يُشارُ إلى ما فِيهِ بِسَبَبِهِ يُقالُ هاهُنا وهُناكَ، عَلى هَذا قالُوا إنَّ مَن يَقَعُ مِن شاهِقِ جَبَلٍ فَهو في الهَواءِ في حَيِّزٍ، إذْ يُقالُ لَهُ هو هاهُنا وهُناكَ، ولَيْسَ في مَكانٍ إذْ لا يَعْتَمِدُ عَلى شَيْءٍ، فَإذا حَصَلَ عَلى الأرْضِ حَصَلَ في مَكانٍ، إذا عُلِمَ هَذا فالسَّماواتُ لَيْسَ في مَكانٍ تَعْتَمِدُ عَلَيْهِ فَلا عَمَدَ لَها، وقَوْلُهُ: ﴿تَرَوْنَها﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ راجِعٌ إلى السَّماواتِ أيْ لَيْسَتْ هي بِعَمَدٍ وأنْتُمْ تَرَوْنَها كَذَلِكَ بِغَيْرِ عَمَدٍ.
والثّانِي: أنَّهُ راجِعٌ إلى العَمَدِ، أيْ بِغَيْرِ عَمَدٍ مَرْئِيَّةٍ، وإنْ كانَ هُناكَ عَمَدٌ غَيْرُ مَرْئِيَّةٍ فَهي قُدْرَةُ اللَّهِ وإرادَتُهُ.
صفحة ١٢٦
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وألْقى في الأرْضِ رَواسِيَ أنْ تَمِيدَ بِكم وبَثَّ فِيها مِن كُلِّ دابَّةٍ وأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ .
أيْ جِبالًا راسِيَةً ثابِتَةً ﴿أنْ تَمِيدَ﴾ أيْ كَراهِيَةَ أنْ تَمِيدَ، وقِيلَ: المَعْنى أنْ لا تَمِيدَ، واعْلَمْ أنَّ الأرْضَ ثَباتُها بِسَبَبِ ثِقَلِها، وإلّا كانَتْ تَزُولُ عَنْ مَوْضِعِها بِسَبَبِ المِياهِ والرِّياحِ، ولَوْ خَلَقَها مِثْلَ الرَّمْلِ لَما كانَتْ تَثْبُتُ لِلزِّراعَةِ كَما نَرى الأراضِيَ الرَّمْلَةَ يَنْتَقِلُ الرَّمْلُ الَّذِي فِيها مِن مَوْضِعٍ إلى مَوْضِعٍ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وبَثَّ فِيها مِن كُلِّ دابَّةٍ﴾ أيْ سُكُونُ الأرْضِ فِيهِ مَصْلَحَةُ حَرَكَةِ الدَّوابِّ، فَأسْكَنّا الأرْضَ وحَرَّكْنا الدَّوابَّ، ولَوْ كانَتِ الأرْضُ مُتَزَلْزِلَةً، وبَعْضُ الأراضِي يُناسِبُ بَعْضَ الحَيَواناتِ لَكانَتِ الدّابَّةُ الَّتِي لا تَعِيشُ في مَوْضِعٍ تَقَعُ في ذَلِكَ المَوْضِعِ، فَيَكُونُ فِيهِ هَلاكُ الدَّوابِّ، أمّا إذا كانَتِ الأرْضُ ساكِنَةً والحَيَواناتُ مُتَحَرِّكَةً تَتَحَرَّكُ في المَواضِعِ الَّتِي تُناسِبُها وتَرْعى فِيها وتَعِيشُ فِيها، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ هَذِهِ نِعْمَةٌ أُخْرى أنْعَمَها اللَّهُ عَلى عِبادِهِ، وتَمامُها بِسُكُونِ الأرْضِ؛ لِأنَّ البَذْرَ إذا لَمْ يَثْبُتْ إلى أنْ يَنْبُتَ لَمْ يَكُنْ يَحْصُلُ الزَّرْعُ، ولَوْ كانَتْ أجْزاءُ الأرْضِ مُتَحَرِّكَةً كالرَّمْلِ لَما حَصَلَ الثَّباتُ ولَما كَمُلَ النَّباتُ، والعُدُولُ مِنَ المُغايَبَةِ إلى النَّفْسِ فِيهِ فَصاحَةٌ وحِكْمَةٌ، أمّا الفَصاحَةُ فَمَذْكُورَةٌ في بابِ الِالتِفاتِ مِن أنَّ السّامِعَ إذا سَمِعَ كَلامًا طَوِيلًا مِن نَمَطٍ واحِدٍ، ثُمَّ ورَدَ عَلَيْهِ نَمَطٌ آخَرُ يَسْتَطْيِبُهُ ألا تَرى أنَّكَ إذا قُلْتَ قالَ زَيْدٌ كَذا وكَذا، وقالَ خالِدٌ كَذا وكَذا، وقالَ عَمْرٌو كَذا، ثُمَّ إنَّ بَكْرًا قالَ قَوْلًا حَسَنًا يُسْتَطابُ لِما قَدْ تَكَرَّرَ القَوْلُ مِرارًا. وأمّا الحِكْمَةُ فَمِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ خَلْقَ الأرْضِ ثَقِيلٌ، والسَّماءُ في غَيْرِ مَكانٍ قَدْ يَقَعُ لِجاهِلٍ أنَّهُ بِالطَّبْعِ، وبَثُّ الدَّوابِّ يَقَعُ لِبَعْضِهِمْ أنَّهُ بِاخْتِيارِ الدّابَّةِ؛ لِأنَّ لَها اخْتِيارًا، فَنَقُولُ: الأوَّلُ طَبِيعِيٌّ، والآخَرُ اخْتِيارِيٌّ لِلْحَيَوانِ، ولَكِنْ لا يَشُكُّ أحَدٌ في أنَّ الماءَ في الهَواءِ مِن جِهَةِ فَوْقٍ لَيْسَ طَبْعًا فَإنَّ الماءَ لا يَكُونُ بِطَبْعِهِ فَوْقَ ولا اخْتِيارًا، إذِ الماءُ لا اخْتِيارَ لَهُ فَهو بِإرادَةِ اللَّهِ تَعالى، فَقالَ: ﴿وأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ﴾ .
الثّانِي: هو أنَّ إنْزالَ الماءِ نِعْمَةٌ ظاهِرَةٌ مُتَكَرِّرَةٌ في كُلِّ زَمانٍ، مُتَكَثِّرَةٌ في كُلِّ مَكانٍ، فَأسْنَدَهُ إلى نَفْسِهِ صَرِيحًا لِيَتَنَبَّهَ الإنْسانُ لِشُكْرِ نِعْمَتِهِ، فَيُزِيدَ لَهُ مِن رَحْمَتِهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ زَوْجٍ﴾ أيْ مِن كُلِّ جِنْسٍ، وكُلُّ جِنْسٍ فَتَحْتَهُ زَوْجانِ؛ لِأنَّ النَّباتَ إمّا أنْ يَكُونَ شَجَرًا، وإمّا أنْ يَكُونَ غَيْرَ شَجَرٍ، والَّذِي هو الشَّجَرُ إمّا أنْ يَكُونَ مُثْمِرًا، وإمّا أنْ يَكُونَ غَيْرَ مُثْمِرٍ، والمُثْمِرُ كَذَلِكَ يَنْقَسِمُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَرِيمٍ﴾ [ لُقْمانَ: ١٠] أيْ ذِي كَرَمٍ؛ لِأنَّهُ يَأْتِي كَثِيرًا مِن غَيْرِ حِسابٍ أوْ مُكْرِمٍ، مِثْلَ بَغِيضٍ لِلْمُبْغِضِ.
لقمان 31:11
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿هَذا خَلْقُ اللَّهِ فَأرُونِي ماذا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ بَلِ الظّالِمُونَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَذا خَلْقُ اللَّهِ فَأرُونِي ماذا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾ يَعْنِي: اللَّهُ خالِقٌ وغَيْرُهُ لَيْسَ بِخالِقٍ فَكَيْفَ تَتْرُكُونَ عِبادَةَ الخالِقِ وتَشْتَغِلُونَ بِعِبادَةِ المَخْلُوقِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿بَلِ الظّالِمُونَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ أيْ بَيِّنٍ أوْ مُبِينٍ لِلْعاقِلِ أنَّهُ ضَلالٌ، وهَذا لِأنَّ تَرْكَ
صفحة ١٢٧
الطَّرِيقِ والحَيْدَ عَنْهُ ضَلالٌ، ثُمَّ إنْ كانَ الحَيْدُ يُمْنَةً أوْ يُسْرَةً فَهو لا يَبْعُدُ عَنِ الطَّرِيقِ المُسْتَقِيمِ، مِثْلُ ما يَكُونُ المَقْصِدُ إلى وراءٍ فَإنَّهُ يَكُونُ غايَةَ الضَّلالِ، فالمَقْصِدُ هو اللَّهُ تَعالى، فَمَن يَطْلُبْهُ ويَلْتَفِتْ إلى غَيْرِهِ مِنَ الدُّنْيا وغَيْرِها فَهو ضالٌّ، لَكِنَّ مَن وجْهُهُ إلى اللَّهِ قَدْ يَصِلُ إلى المَقْصُودِ، ولَكِنْ بَعْدَ تَعَبٍ وطُولِ مُدَّةٍ، ومَن يَطْلُبْهُ ولا يَلْتَفِتْ إلى ما سِواهُ يَكُنْ كالَّذِي عَلى الطَّرِيقِ المُسْتَقِيمِ يَصِلُ عَنْ قَرِيبٍ مِن غَيْرِ تَعَبٍ.
وأمّا الَّذِي تَوَلّى لا يَصِلُ إلى المَقْصُودِ أصْلًا، وإنْ دامَ في السَّفَرِ، والمُرادُ بِالظّالِمِينَ المُشْرِكُونَ الواضِعُونَ لِعِبادَتِهِمْ في غَيْرِ مَوْضِعِها، أوِ الواضِعُونَ أنْفُسَهم في عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الحِكْمَةَ أنِ اشْكُرْ لِلَّهِ ومَن يَشْكُرْ فَإنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ومَن كَفَرَ فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الحِكْمَةَ أنِ اشْكُرْ لِلَّهِ﴾ لَمّا بَيَّنَ اللَّهُ فَسادَ اعْتِقادِهِمْ بِسَبَبِ عِنادِهِمْ بِإشْراكِ مَن لا يَخْلُقُ شَيْئًا بِمَن خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ بِقَوْلِهِ: ﴿هَذا خَلْقُ اللَّهِ فَأرُونِي ماذا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾ وبَيَّنَ أنَّ المُشْرِكَ ظالِمٌ ضالٌّ، ذَكَرَ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ ضَلالَهم وظُلْمَهم بِمُقْتَضى الحِكْمَةِ وإنْ لَمْ يَكُنْ هُناكَ نُبُوَّةٌ وهَذا إشارَةٌ إلى مَعْنًى، وهو أنَّ اتِّباعَ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لازِمٌ فِيما لا يُعْقَلُ مَعْناهُ إظْهارًا لِلتَّعَبُّدِ، فَكَيْفَ ما لا يَخْتَصُّ بِالنُّبُوَّةِ، بَلْ يُدْرَكُ بِالعَقْلِ مَعْناهُ وما جاءَ بِهِ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مُدْرَكٌ بِالحِكْمَةِ، وذَكَرَ حِكايَةَ لُقْمانَ وأنَّهُ أدْرَكَهُ بِالحِكْمَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الحِكْمَةَ﴾ عِبارَةٌ عَنْ تَوْفِيقِ العَمَلِ بِالعِلْمِ، فَكُلُّ مَن أُوتِيَ تَوْفِيقَ العَمَلِ بِالعِلْمِ فَقَدْ أُوتِيَ الحِكْمَةَ، وإنْ أرَدْنا تَحْدِيدَها بِما يَدْخُلُ فِيهِ حِكْمَةُ اللَّهِ تَعالى، فَنَقُولُ: حُصُولُ العَمَلِ عَلى وفْقِ المَعْلُومِ، والَّذِي يَدُلُّ عَلى ما ذَكَرْنا أنَّ مَن تَعَلَّمَ شَيْئًا ولا يَعْلَمُ مَصالِحَهُ ومَفاسِدَهُ لا يُسَمّى حَكِيمًا وإنَّما يَكُونُ مَبْخُوتًا، ألا تَرى أنَّ مَن يُلْقِي نَفْسَهُ مِن مَكانٍ عالٍ، ووَقَعَ عَلى مَوْضِعٍ فانْخَسَفَ بِهِ وظَهَرَ لَهُ كَنْزٌ وسَلِمَ لا يُقالُ إنَّهُ حَكِيمٌ، وإنْ ظَهَرَ لِفِعْلِهِ مَصْلَحَةٌ وخُلُوٌّ عَنْ مَفْسَدَةٍ، لِعَدَمِ عِلْمِهِ بِهِ أوَّلًا، ومَن يَعْلَمُ أنَّ الإلْقاءَ فِيهِ إهْلاكُ النَّفْسِ ويُلْقِي نَفْسَهُ مِن ذَلِكَ المَكانِ وتَنْكَسِرُ أعْضاؤُهُ لا يُقالُ إنَّهُ حَكِيمٌ، وإنْ عَلِمَ ما يَكُونُ في فِعْلِهِ، ثُمَّ الَّذِي يَدُلُّ عَلى ما ذَكَرْنا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنِ اشْكُرْ لِلَّهِ﴾ فَإنَّ أنْ في مِثْلِ هَذا تُسَمّى المُفَسِّرَةَ، فَفَسَّرَ اللَّهُ إيتاءَ الحِكْمَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿أنِ اشْكُرْ لِلَّهِ﴾ وهو كَذَلِكَ؛ لِأنَّ مِن جُمْلَةِ ما يُقالُ: إنَّ العَمَلَ مُوافِقٌ لِلْعِلْمِ؛ لِأنَّ الإنْسانَ إذا عَلِمَ أمْرَيْنِ أحَدُهُما أهَمُّ مِنَ الآخَرِ، فَإنِ اشْتَغَلَ بِالأهَمِّ كانَ عَمَلُهُ مُوافِقًا لِعِلْمِهِ وكانَ حِكْمَةً، وإنْ أهْمَلَ الأهَمَّ كانَ مُخالِفًا لِلْعِلْمِ ولَمْ يَكُنْ مِنَ الحِكْمَةِ في شَيْءٍ، لَكِنَّ شُكْرَ اللَّهِ أهَمُّ الأشْياءِ، فالحِكْمَةُ أوَّلُ ما تَقْتَضِي، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى بَيَّنَ أنَّ بِالشُّكْرِ لا يَنْتَفِعُ إلّا الشّاكِرُ بِقَوْلِهِ: ﴿ومَن يَشْكُرْ فَإنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ وبَيَّنَ أنَّ بِالكُفْرانِ لا يَتَضَرَّرُ غَيْرُ الكافِرِ بِقَوْلِهِ: ﴿ومَن كَفَرَ فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ أيِ اللَّهُ غَيْرُ مُحْتاجٍ إلى شُكْرٍ حَتّى يَتَضَرَّرَ بِكُفْرانِ الكافِرِ، وهو في نَفْسِهِ مَحْمُودٌ سَواءٌ شَكَرَهُ النّاسُ أوْ لَمْ يَشْكُرُوهُ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ ولَطائِفُ.
الأُولى: فَسَّرَ اللَّهُ إيتاءَ الحِكْمَةِ بِالأمْرِ بِالشُّكْرِ، لَكِنَّ الكافِرَ والجاهِلَ مَأْمُورانِ بِالشُّكْرِ، فَيَنْبَغِي أنْ يَكُونَ قَدْ أُوتِيَ الحِكْمَةَ. والجَوابُ: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿أنِ اشْكُرْ لِلَّهِ﴾ أمْرُ تَكْوِينٍ مَعْناهُ آتَيْناهُ الحِكْمَةَ بِأنْ جَعَلْناهُ مِنَ الشّاكِرِينَ، وفي الكافِرِ الأمْرُ بِالشُّكْرِ أمْرُ تَكْلِيفٍ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ في الشُّكْرِ ومَن يَشْكُرْ بِصِيغَةِ المُسْتَقْبَلِ، وفي الكُفْرانِ ومَن كَفَرَ فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ، وإنْ كانَ الشَّرْطُ يَجْعَلُ الماضِيَ والمُسْتَقْبَلَ في مَعْنًى واحِدٍ، كَقَوْلِ القائِلِ: مَن دَخَلَ دارِي فَهو حُرٌّ، ومَن يَدْخُلْ دارِي فَهو حُرٌّ، فَنَقُولُ فِيهِ إشارَةٌ إلى مَعْنًى وإرْشادٌ إلى أمْرٍ، وهو أنَّ الشُّكْرَ يَنْبَغِي أنْ يَتَكَرَّرَ في كُلِّ وقْتٍ لِتَكَرُّرِ
صفحة ١٢٨
النِّعْمَةِ، فَمَن شَكَرَ يَنْبَغِي أنْ يُكَرِّرَ، والكُفْرُ يَنْبَغِي أنْ يَنْقَطِعَ، فَمَن كَفَرَ يَنْبَغِي أنْ يَتْرُكَ الكُفْرانَ، ولِأنَّ الشُّكْرَ مِنَ الشّاكِرِ لا يَقَعُ بِكَمالِهِ، بَلْ أبَدًا يَكُونُ مِنهُ شَيْءٌ في العَدَمِ، يُرِيدُ الشّاكِرُ إدْخالَهُ في الوُجُودِ، كَما قالَ: ﴿رَبِّ أوْزِعْنِي أنْ أشْكُرَ نِعْمَتَكَ﴾ [النمل: ١٩] وكَما قالَ تَعالى: ﴿وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها﴾ [إبراهيم: ٣٤] فَأشارَ إلَيْهِ بِصِيغَةِ المُسْتَقْبَلِ، تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الشُّكْرَ بِكَمالِهِ لَمْ يُوجَدْ. وأمّا الكُفْرانُ فَكُلُّ جُزْءٍ يَقَعُ مِنهُ تامٌّ، فَقالَ بِصِيغَةِ الماضِي.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ تَعالى هُنا: ﴿ومَن يَشْكُرْ فَإنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ومَن كَفَرَ﴾ بِتَقْدِيمِ الشُّكْرِ عَلى الكُفْرانِ، وقالَ في سُورَةِ الرُّومِ: ﴿مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ ومَن عَمِلَ صالِحًا فَلِأنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ فَنَقُولُ: هُناكَ كانَ الذِّكْرُ لِلتَّرْهِيبِ لِقَوْلِهِ تَعالى مِن قَبْلُ: ﴿فَأقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ القَيِّمِ مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ [الروم: ٤٣] وهاهُنا الذِّكْرُ لِلتَّرْغِيبِ؛ لِأنَّ وعْظَ الأبِ لِلِابْنِ يَكُونُ بِطَرِيقِ اللُّطْفِ والوَعْدِ، وقَوْلُهُ: ﴿ومَن عَمِلَ صالِحًا﴾ يُحَقِّقُ ما ذَكَرْنا أوَّلًا؛ لِأنَّ المَذْكُورَ في سُورَةِ الرُّومِ لَمّا كانَ بَعْدَ اليَوْمِ الَّذِي لا مَرَدَّ لَهُ تَكُونُ الأعْمالُ قَدْ سَبَقَتْ فَقالَ بِلَفْظِ الماضِي: ﴿ومَن عَمِلَ﴾، وهاهُنا لَمّا كانَ المَذْكُورُ في الِابْتِداءِ قالَ: ﴿ومَن يَشْكُرْ﴾ بِلَفْظِ المُسْتَقْبَلِ، وقَوْلُهُ: ﴿ومَن كَفَرَ فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ﴾ عَنْ حَمْدِ الحامِدِينَ، حَمِيدٌ في ذاتِهِ مِن غَيْرِ حَمْدِهِمْ، وإنَّما الحامِدُ تَرْتَفِعُ مَرْتَبَتُهُ بِكَوْنِهِ حامِدًا لِلَّهِ تَعالى.
لقمان 31:12
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿هَذا خَلْقُ اللَّهِ فَأرُونِي ماذا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ بَلِ الظّالِمُونَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَذا خَلْقُ اللَّهِ فَأرُونِي ماذا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾ يَعْنِي: اللَّهُ خالِقٌ وغَيْرُهُ لَيْسَ بِخالِقٍ فَكَيْفَ تَتْرُكُونَ عِبادَةَ الخالِقِ وتَشْتَغِلُونَ بِعِبادَةِ المَخْلُوقِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿بَلِ الظّالِمُونَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ أيْ بَيِّنٍ أوْ مُبِينٍ لِلْعاقِلِ أنَّهُ ضَلالٌ، وهَذا لِأنَّ تَرْكَ
صفحة ١٢٧
الطَّرِيقِ والحَيْدَ عَنْهُ ضَلالٌ، ثُمَّ إنْ كانَ الحَيْدُ يُمْنَةً أوْ يُسْرَةً فَهو لا يَبْعُدُ عَنِ الطَّرِيقِ المُسْتَقِيمِ، مِثْلُ ما يَكُونُ المَقْصِدُ إلى وراءٍ فَإنَّهُ يَكُونُ غايَةَ الضَّلالِ، فالمَقْصِدُ هو اللَّهُ تَعالى، فَمَن يَطْلُبْهُ ويَلْتَفِتْ إلى غَيْرِهِ مِنَ الدُّنْيا وغَيْرِها فَهو ضالٌّ، لَكِنَّ مَن وجْهُهُ إلى اللَّهِ قَدْ يَصِلُ إلى المَقْصُودِ، ولَكِنْ بَعْدَ تَعَبٍ وطُولِ مُدَّةٍ، ومَن يَطْلُبْهُ ولا يَلْتَفِتْ إلى ما سِواهُ يَكُنْ كالَّذِي عَلى الطَّرِيقِ المُسْتَقِيمِ يَصِلُ عَنْ قَرِيبٍ مِن غَيْرِ تَعَبٍ.
وأمّا الَّذِي تَوَلّى لا يَصِلُ إلى المَقْصُودِ أصْلًا، وإنْ دامَ في السَّفَرِ، والمُرادُ بِالظّالِمِينَ المُشْرِكُونَ الواضِعُونَ لِعِبادَتِهِمْ في غَيْرِ مَوْضِعِها، أوِ الواضِعُونَ أنْفُسَهم في عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الحِكْمَةَ أنِ اشْكُرْ لِلَّهِ ومَن يَشْكُرْ فَإنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ومَن كَفَرَ فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الحِكْمَةَ أنِ اشْكُرْ لِلَّهِ﴾ لَمّا بَيَّنَ اللَّهُ فَسادَ اعْتِقادِهِمْ بِسَبَبِ عِنادِهِمْ بِإشْراكِ مَن لا يَخْلُقُ شَيْئًا بِمَن خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ بِقَوْلِهِ: ﴿هَذا خَلْقُ اللَّهِ فَأرُونِي ماذا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾ وبَيَّنَ أنَّ المُشْرِكَ ظالِمٌ ضالٌّ، ذَكَرَ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ ضَلالَهم وظُلْمَهم بِمُقْتَضى الحِكْمَةِ وإنْ لَمْ يَكُنْ هُناكَ نُبُوَّةٌ وهَذا إشارَةٌ إلى مَعْنًى، وهو أنَّ اتِّباعَ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لازِمٌ فِيما لا يُعْقَلُ مَعْناهُ إظْهارًا لِلتَّعَبُّدِ، فَكَيْفَ ما لا يَخْتَصُّ بِالنُّبُوَّةِ، بَلْ يُدْرَكُ بِالعَقْلِ مَعْناهُ وما جاءَ بِهِ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مُدْرَكٌ بِالحِكْمَةِ، وذَكَرَ حِكايَةَ لُقْمانَ وأنَّهُ أدْرَكَهُ بِالحِكْمَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الحِكْمَةَ﴾ عِبارَةٌ عَنْ تَوْفِيقِ العَمَلِ بِالعِلْمِ، فَكُلُّ مَن أُوتِيَ تَوْفِيقَ العَمَلِ بِالعِلْمِ فَقَدْ أُوتِيَ الحِكْمَةَ، وإنْ أرَدْنا تَحْدِيدَها بِما يَدْخُلُ فِيهِ حِكْمَةُ اللَّهِ تَعالى، فَنَقُولُ: حُصُولُ العَمَلِ عَلى وفْقِ المَعْلُومِ، والَّذِي يَدُلُّ عَلى ما ذَكَرْنا أنَّ مَن تَعَلَّمَ شَيْئًا ولا يَعْلَمُ مَصالِحَهُ ومَفاسِدَهُ لا يُسَمّى حَكِيمًا وإنَّما يَكُونُ مَبْخُوتًا، ألا تَرى أنَّ مَن يُلْقِي نَفْسَهُ مِن مَكانٍ عالٍ، ووَقَعَ عَلى مَوْضِعٍ فانْخَسَفَ بِهِ وظَهَرَ لَهُ كَنْزٌ وسَلِمَ لا يُقالُ إنَّهُ حَكِيمٌ، وإنْ ظَهَرَ لِفِعْلِهِ مَصْلَحَةٌ وخُلُوٌّ عَنْ مَفْسَدَةٍ، لِعَدَمِ عِلْمِهِ بِهِ أوَّلًا، ومَن يَعْلَمُ أنَّ الإلْقاءَ فِيهِ إهْلاكُ النَّفْسِ ويُلْقِي نَفْسَهُ مِن ذَلِكَ المَكانِ وتَنْكَسِرُ أعْضاؤُهُ لا يُقالُ إنَّهُ حَكِيمٌ، وإنْ عَلِمَ ما يَكُونُ في فِعْلِهِ، ثُمَّ الَّذِي يَدُلُّ عَلى ما ذَكَرْنا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنِ اشْكُرْ لِلَّهِ﴾ فَإنَّ أنْ في مِثْلِ هَذا تُسَمّى المُفَسِّرَةَ، فَفَسَّرَ اللَّهُ إيتاءَ الحِكْمَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿أنِ اشْكُرْ لِلَّهِ﴾ وهو كَذَلِكَ؛ لِأنَّ مِن جُمْلَةِ ما يُقالُ: إنَّ العَمَلَ مُوافِقٌ لِلْعِلْمِ؛ لِأنَّ الإنْسانَ إذا عَلِمَ أمْرَيْنِ أحَدُهُما أهَمُّ مِنَ الآخَرِ، فَإنِ اشْتَغَلَ بِالأهَمِّ كانَ عَمَلُهُ مُوافِقًا لِعِلْمِهِ وكانَ حِكْمَةً، وإنْ أهْمَلَ الأهَمَّ كانَ مُخالِفًا لِلْعِلْمِ ولَمْ يَكُنْ مِنَ الحِكْمَةِ في شَيْءٍ، لَكِنَّ شُكْرَ اللَّهِ أهَمُّ الأشْياءِ، فالحِكْمَةُ أوَّلُ ما تَقْتَضِي، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى بَيَّنَ أنَّ بِالشُّكْرِ لا يَنْتَفِعُ إلّا الشّاكِرُ بِقَوْلِهِ: ﴿ومَن يَشْكُرْ فَإنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ وبَيَّنَ أنَّ بِالكُفْرانِ لا يَتَضَرَّرُ غَيْرُ الكافِرِ بِقَوْلِهِ: ﴿ومَن كَفَرَ فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ أيِ اللَّهُ غَيْرُ مُحْتاجٍ إلى شُكْرٍ حَتّى يَتَضَرَّرَ بِكُفْرانِ الكافِرِ، وهو في نَفْسِهِ مَحْمُودٌ سَواءٌ شَكَرَهُ النّاسُ أوْ لَمْ يَشْكُرُوهُ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ ولَطائِفُ.
الأُولى: فَسَّرَ اللَّهُ إيتاءَ الحِكْمَةِ بِالأمْرِ بِالشُّكْرِ، لَكِنَّ الكافِرَ والجاهِلَ مَأْمُورانِ بِالشُّكْرِ، فَيَنْبَغِي أنْ يَكُونَ قَدْ أُوتِيَ الحِكْمَةَ. والجَوابُ: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿أنِ اشْكُرْ لِلَّهِ﴾ أمْرُ تَكْوِينٍ مَعْناهُ آتَيْناهُ الحِكْمَةَ بِأنْ جَعَلْناهُ مِنَ الشّاكِرِينَ، وفي الكافِرِ الأمْرُ بِالشُّكْرِ أمْرُ تَكْلِيفٍ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ في الشُّكْرِ ومَن يَشْكُرْ بِصِيغَةِ المُسْتَقْبَلِ، وفي الكُفْرانِ ومَن كَفَرَ فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ، وإنْ كانَ الشَّرْطُ يَجْعَلُ الماضِيَ والمُسْتَقْبَلَ في مَعْنًى واحِدٍ، كَقَوْلِ القائِلِ: مَن دَخَلَ دارِي فَهو حُرٌّ، ومَن يَدْخُلْ دارِي فَهو حُرٌّ، فَنَقُولُ فِيهِ إشارَةٌ إلى مَعْنًى وإرْشادٌ إلى أمْرٍ، وهو أنَّ الشُّكْرَ يَنْبَغِي أنْ يَتَكَرَّرَ في كُلِّ وقْتٍ لِتَكَرُّرِ
صفحة ١٢٨
النِّعْمَةِ، فَمَن شَكَرَ يَنْبَغِي أنْ يُكَرِّرَ، والكُفْرُ يَنْبَغِي أنْ يَنْقَطِعَ، فَمَن كَفَرَ يَنْبَغِي أنْ يَتْرُكَ الكُفْرانَ، ولِأنَّ الشُّكْرَ مِنَ الشّاكِرِ لا يَقَعُ بِكَمالِهِ، بَلْ أبَدًا يَكُونُ مِنهُ شَيْءٌ في العَدَمِ، يُرِيدُ الشّاكِرُ إدْخالَهُ في الوُجُودِ، كَما قالَ: ﴿رَبِّ أوْزِعْنِي أنْ أشْكُرَ نِعْمَتَكَ﴾ [النمل: ١٩] وكَما قالَ تَعالى: ﴿وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها﴾ [إبراهيم: ٣٤] فَأشارَ إلَيْهِ بِصِيغَةِ المُسْتَقْبَلِ، تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الشُّكْرَ بِكَمالِهِ لَمْ يُوجَدْ. وأمّا الكُفْرانُ فَكُلُّ جُزْءٍ يَقَعُ مِنهُ تامٌّ، فَقالَ بِصِيغَةِ الماضِي.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ تَعالى هُنا: ﴿ومَن يَشْكُرْ فَإنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ومَن كَفَرَ﴾ بِتَقْدِيمِ الشُّكْرِ عَلى الكُفْرانِ، وقالَ في سُورَةِ الرُّومِ: ﴿مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ ومَن عَمِلَ صالِحًا فَلِأنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ فَنَقُولُ: هُناكَ كانَ الذِّكْرُ لِلتَّرْهِيبِ لِقَوْلِهِ تَعالى مِن قَبْلُ: ﴿فَأقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ القَيِّمِ مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ [الروم: ٤٣] وهاهُنا الذِّكْرُ لِلتَّرْغِيبِ؛ لِأنَّ وعْظَ الأبِ لِلِابْنِ يَكُونُ بِطَرِيقِ اللُّطْفِ والوَعْدِ، وقَوْلُهُ: ﴿ومَن عَمِلَ صالِحًا﴾ يُحَقِّقُ ما ذَكَرْنا أوَّلًا؛ لِأنَّ المَذْكُورَ في سُورَةِ الرُّومِ لَمّا كانَ بَعْدَ اليَوْمِ الَّذِي لا مَرَدَّ لَهُ تَكُونُ الأعْمالُ قَدْ سَبَقَتْ فَقالَ بِلَفْظِ الماضِي: ﴿ومَن عَمِلَ﴾، وهاهُنا لَمّا كانَ المَذْكُورُ في الِابْتِداءِ قالَ: ﴿ومَن يَشْكُرْ﴾ بِلَفْظِ المُسْتَقْبَلِ، وقَوْلُهُ: ﴿ومَن كَفَرَ فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ﴾ عَنْ حَمْدِ الحامِدِينَ، حَمِيدٌ في ذاتِهِ مِن غَيْرِ حَمْدِهِمْ، وإنَّما الحامِدُ تَرْتَفِعُ مَرْتَبَتُهُ بِكَوْنِهِ حامِدًا لِلَّهِ تَعالى.
لقمان 31:13
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإذْ قالَ لُقْمانُ لِابْنِهِ وهو يَعِظُهُ يابُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾
عَطْفٌ عَلى مَعْنى ما سَبَقَ وتَقْدِيرُهُ آتَيْنا لُقْمانَ الحِكْمَةَ حِينَ جَعَلْناهُ شاكِرًا في نَفْسِهِ وحِينَ جَعَلْناهُ واعِظًا لِغَيْرِهِ وهَذا لِأنَّ عُلُوَّ مَرْتَبَةِ الإنْسانِ بِأنْ يَكُونَ كامِلًا في نَفْسِهِ ومُكَمِّلًا لِغَيْرِهِ، فَقَوْلُهُ: ﴿أنِ اشْكُرْ﴾ إشارَةٌ إلى الكَمالِ، وقَوْلُهُ: ﴿وإذْ قالَ لُقْمانُ لِابْنِهِ وهو يَعِظُهُ﴾ إشارَةٌ إلى التَّكْمِيلِ، وفي هَذا لَطِيفَةٌ وهي أنَّ اللَّهَ ذَكَرَ لُقْمانَ وشَكَرَ سَعْيَهُ حَيْثُ أرْشَدَ ابْنَهُ لِيُعْلَمَ مِنهُ فَضِيلَةُ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلامُ - الَّذِي أرْشَدَ الأجانِبَ أنَّ اللَّهَ ذَكَرَ لُقْمانَ وشَكَرَ سَعْيَهُ حَيْثُ أرْشَدَ ابْنَهُ لِيُعْلَمَ مِنهُ فَضِيلَةُ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ الَّذِي أرْشَدَ الأجانِبَ والأقارِبَ، فَإنَّ إرْشادَ الوَلَدِ أمْرٌ مُعْتادٌ، وأمّا تَحَمُّلُ المَشَقَّةِ في تَعْلِيمِ الأباعِدِ فَلا، ثُمَّ إنَّهُ في الوَعْظِ بَدَأ بِالأهَمِّ وهو المَنعُ مِنَ الإشْراكِ وقالَ: ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ أمّا أنَّهُ ظُلْمٌ فَلِأنَّهُ وضْعٌ لِلنَّفْسِ الشَّرِيفِ المُكَرَّمُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: ٧٠] في عِبادَةِ الخَسِيسِ أوْ لِأنَّهُ وضْعُ العِبادَةِ في غَيْرِ مَوْضِعِها وهي غَيْرُ وجْهِ اللَّهِ وسَبِيلِهِ، وأمّا أنَّهُ عَظِيمٌ فَلِأنَّهُ وُضِعَ في مَوْضِعٍ لَيْسَ مَوْضِعَهُ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَوْضِعَهُ؛ وهَذا لِأنَّ مَن يَأْخُذُ مالَ زَيْدٍ ويُعْطِي عَمْرًا يَكُونُ ظُلْمًا مِن حَيْثُ إنَّهُ وضَعَ مالَ زَيْدٍ في يَدِ عَمْرٍو، ولَكِنْ جائِزٌ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِلْكَ عَمْرٍو أوْ يَصِيرَ مِلْكَهُ بِبَيْعٍ سابِقٍ أوْ بِتَمْلِيكٍ لاحِقٍ، وأمّا الإشْراكُ فَوَضْعُ المَعْبُودِيَّةِ في غَيْرِ اللَّهِ تَعالى، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ غَيْرُهُ مَعْبُودًا أصْلًا.
صفحة ١٢٩
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ووَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وهْنًا عَلى وهْنٍ وفِصالُهُ في عامَيْنِ أنِ اشْكُرْ لِي ولِوالِدَيْكَ إلَيَّ المَصِيرُ﴾
لَمّا مَنَعَهُ مِنَ العِبادَةِ لِغَيْرِ اللَّهِ، والخِدْمَةُ قَرِيبَةٌ مِنها في الصُّورَةِ بَيَّنَ أنَّها غَيْرُ مُمْتَنِعَةٍ، بَلْ هي واجِبَةٌ لِغَيْرِ اللَّهِ في بَعْضِ الصُّوَرِ مِثْلُ خِدْمَةِ الأبَوَيْنِ، ثُمَّ بَيَّنَ السَّبَبَ فَقالَ: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ﴾ يَعْنِي لِلَّهِ عَلى العَبِيدِ نِعْمَةُ الإيجادِ ابْتِداءً بِالخَلْقِ، ونِعْمَةُ الإبْقاءِ بِالرِّزْقِ، وجَعَلَ بِفَضْلِهِ لِلْأُمِّ ما لَهُ صُورَةُ ذَلِكَ، وإنْ لَمْ يَكُنْ لَها حَقِيقَةً، فَإنَّ الحَمْلَ بِهِ يَظْهَرُ الوُجُودُ، وبِالرَّضاعِ يَحْصُلُ التَّرْبِيَةُ والبَقاءُ فَقالَ: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ﴾ أيْ صارَتْ بِقُدْرَةِ اللَّهِ سَبَبَ وُجُودِهِ. ﴿وفِصالُهُ في عامَيْنِ﴾ أيْ صارَتْ بِقُدْرَتِهِ أيْضًا سَبَبَ بَقائِهِ، فَإذا كانَ مِنها ما لَهُ صُورَةُ الوُجُودِ والبَقاءِ، وجَبَ عَلَيْهِ ما لَهُ شِبْهُ العِبادَةِ مِنَ الخِدْمَةِ، فَإنَّ الخِدْمَةَ لَها صُورَةُ العِبادَةِ، فَإنْ قالَ قائِلٌ: وصّى اللَّهُ بِالوالِدَيْنِ، وذَكَرَ السَّبَبَ في حَقِّ الأُمِّ فَنَقُولُ: خَصَّ الأُمَّ بِالذِّكْرِ وفي الأبِ ما وُجِدَ في الأُمِّ؛ فَإنَّ الأبَ حَمَلَهُ في صُلْبِهِ سِنِينَ، ورَبّاهُ بِكَسْبِهِ سِنِينَ، فَهو أبْلَغُ، وقَوْلُهُ: ﴿أنِ اشْكُرْ لِي ولِوالِدَيْكَ﴾ لَمّا كانَ اللَّهُ تَعالى بِفَضْلِهِ جَعَلَ مِنَ الوالِدَيْنِ صُورَةَ ما مَنَّ اللَّهُ، فَإنَّ الوُجُودَ في الحَقِيقَةِ مِنَ اللَّهِ، وفي الصُّورَةِ يَظْهَرُ مِنَ الوالِدَيْنِ - جَعَلَ الشُّكْرَ بَيْنَهُما، فَقالَ: ﴿أنِ اشْكُرْ لِي ولِوالِدَيْكَ﴾، ثُمَّ بَيَّنَ الفَرْقَ، وقالَ: ﴿إلَيَّ المَصِيرُ﴾ يَعْنِي نِعْمَتُهُما مُخْتَصَّةٌ بِالدُّنْيا ونِعْمَتِي في الدُّنْيا والآخِرَةِ، فَإنَّ إلَيَّ المَصِيرَ، أوْ نَقُولُ: لَمّا أمَرَ بِالشُّكْرِ لِنَفْسِهِ ولِلْوالِدَيْنِ قالَ: الجَزاءُ عَلَيَّ وقْتَ المَصِيرِ إلَيَّ.
لقمان 31:14
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإذْ قالَ لُقْمانُ لِابْنِهِ وهو يَعِظُهُ يابُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾
عَطْفٌ عَلى مَعْنى ما سَبَقَ وتَقْدِيرُهُ آتَيْنا لُقْمانَ الحِكْمَةَ حِينَ جَعَلْناهُ شاكِرًا في نَفْسِهِ وحِينَ جَعَلْناهُ واعِظًا لِغَيْرِهِ وهَذا لِأنَّ عُلُوَّ مَرْتَبَةِ الإنْسانِ بِأنْ يَكُونَ كامِلًا في نَفْسِهِ ومُكَمِّلًا لِغَيْرِهِ، فَقَوْلُهُ: ﴿أنِ اشْكُرْ﴾ إشارَةٌ إلى الكَمالِ، وقَوْلُهُ: ﴿وإذْ قالَ لُقْمانُ لِابْنِهِ وهو يَعِظُهُ﴾ إشارَةٌ إلى التَّكْمِيلِ، وفي هَذا لَطِيفَةٌ وهي أنَّ اللَّهَ ذَكَرَ لُقْمانَ وشَكَرَ سَعْيَهُ حَيْثُ أرْشَدَ ابْنَهُ لِيُعْلَمَ مِنهُ فَضِيلَةُ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلامُ - الَّذِي أرْشَدَ الأجانِبَ أنَّ اللَّهَ ذَكَرَ لُقْمانَ وشَكَرَ سَعْيَهُ حَيْثُ أرْشَدَ ابْنَهُ لِيُعْلَمَ مِنهُ فَضِيلَةُ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ الَّذِي أرْشَدَ الأجانِبَ والأقارِبَ، فَإنَّ إرْشادَ الوَلَدِ أمْرٌ مُعْتادٌ، وأمّا تَحَمُّلُ المَشَقَّةِ في تَعْلِيمِ الأباعِدِ فَلا، ثُمَّ إنَّهُ في الوَعْظِ بَدَأ بِالأهَمِّ وهو المَنعُ مِنَ الإشْراكِ وقالَ: ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ أمّا أنَّهُ ظُلْمٌ فَلِأنَّهُ وضْعٌ لِلنَّفْسِ الشَّرِيفِ المُكَرَّمُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: ٧٠] في عِبادَةِ الخَسِيسِ أوْ لِأنَّهُ وضْعُ العِبادَةِ في غَيْرِ مَوْضِعِها وهي غَيْرُ وجْهِ اللَّهِ وسَبِيلِهِ، وأمّا أنَّهُ عَظِيمٌ فَلِأنَّهُ وُضِعَ في مَوْضِعٍ لَيْسَ مَوْضِعَهُ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَوْضِعَهُ؛ وهَذا لِأنَّ مَن يَأْخُذُ مالَ زَيْدٍ ويُعْطِي عَمْرًا يَكُونُ ظُلْمًا مِن حَيْثُ إنَّهُ وضَعَ مالَ زَيْدٍ في يَدِ عَمْرٍو، ولَكِنْ جائِزٌ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِلْكَ عَمْرٍو أوْ يَصِيرَ مِلْكَهُ بِبَيْعٍ سابِقٍ أوْ بِتَمْلِيكٍ لاحِقٍ، وأمّا الإشْراكُ فَوَضْعُ المَعْبُودِيَّةِ في غَيْرِ اللَّهِ تَعالى، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ غَيْرُهُ مَعْبُودًا أصْلًا.
صفحة ١٢٩
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ووَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وهْنًا عَلى وهْنٍ وفِصالُهُ في عامَيْنِ أنِ اشْكُرْ لِي ولِوالِدَيْكَ إلَيَّ المَصِيرُ﴾
لَمّا مَنَعَهُ مِنَ العِبادَةِ لِغَيْرِ اللَّهِ، والخِدْمَةُ قَرِيبَةٌ مِنها في الصُّورَةِ بَيَّنَ أنَّها غَيْرُ مُمْتَنِعَةٍ، بَلْ هي واجِبَةٌ لِغَيْرِ اللَّهِ في بَعْضِ الصُّوَرِ مِثْلُ خِدْمَةِ الأبَوَيْنِ، ثُمَّ بَيَّنَ السَّبَبَ فَقالَ: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ﴾ يَعْنِي لِلَّهِ عَلى العَبِيدِ نِعْمَةُ الإيجادِ ابْتِداءً بِالخَلْقِ، ونِعْمَةُ الإبْقاءِ بِالرِّزْقِ، وجَعَلَ بِفَضْلِهِ لِلْأُمِّ ما لَهُ صُورَةُ ذَلِكَ، وإنْ لَمْ يَكُنْ لَها حَقِيقَةً، فَإنَّ الحَمْلَ بِهِ يَظْهَرُ الوُجُودُ، وبِالرَّضاعِ يَحْصُلُ التَّرْبِيَةُ والبَقاءُ فَقالَ: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ﴾ أيْ صارَتْ بِقُدْرَةِ اللَّهِ سَبَبَ وُجُودِهِ. ﴿وفِصالُهُ في عامَيْنِ﴾ أيْ صارَتْ بِقُدْرَتِهِ أيْضًا سَبَبَ بَقائِهِ، فَإذا كانَ مِنها ما لَهُ صُورَةُ الوُجُودِ والبَقاءِ، وجَبَ عَلَيْهِ ما لَهُ شِبْهُ العِبادَةِ مِنَ الخِدْمَةِ، فَإنَّ الخِدْمَةَ لَها صُورَةُ العِبادَةِ، فَإنْ قالَ قائِلٌ: وصّى اللَّهُ بِالوالِدَيْنِ، وذَكَرَ السَّبَبَ في حَقِّ الأُمِّ فَنَقُولُ: خَصَّ الأُمَّ بِالذِّكْرِ وفي الأبِ ما وُجِدَ في الأُمِّ؛ فَإنَّ الأبَ حَمَلَهُ في صُلْبِهِ سِنِينَ، ورَبّاهُ بِكَسْبِهِ سِنِينَ، فَهو أبْلَغُ، وقَوْلُهُ: ﴿أنِ اشْكُرْ لِي ولِوالِدَيْكَ﴾ لَمّا كانَ اللَّهُ تَعالى بِفَضْلِهِ جَعَلَ مِنَ الوالِدَيْنِ صُورَةَ ما مَنَّ اللَّهُ، فَإنَّ الوُجُودَ في الحَقِيقَةِ مِنَ اللَّهِ، وفي الصُّورَةِ يَظْهَرُ مِنَ الوالِدَيْنِ - جَعَلَ الشُّكْرَ بَيْنَهُما، فَقالَ: ﴿أنِ اشْكُرْ لِي ولِوالِدَيْكَ﴾، ثُمَّ بَيَّنَ الفَرْقَ، وقالَ: ﴿إلَيَّ المَصِيرُ﴾ يَعْنِي نِعْمَتُهُما مُخْتَصَّةٌ بِالدُّنْيا ونِعْمَتِي في الدُّنْيا والآخِرَةِ، فَإنَّ إلَيَّ المَصِيرَ، أوْ نَقُولُ: لَمّا أمَرَ بِالشُّكْرِ لِنَفْسِهِ ولِلْوالِدَيْنِ قالَ: الجَزاءُ عَلَيَّ وقْتَ المَصِيرِ إلَيَّ.
لقمان 31:15
ثُمَّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ جاهَداكَ عَلى أنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما وصاحِبْهُما في الدُّنْيا مَعْرُوفًا واتَّبِعْ سَبِيلَ مَن أنابَ إلَيَّ ثُمَّ إلَيَّ مَرْجِعُكم فَأُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿يابُنَيَّ إنَّها إنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ فَتَكُنْ في صَخْرَةٍ أوْ في السَّماواتِ أوْ في الأرْضِ يَأْتِ بِها اللَّهُ إنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾
يَعْنِي أنَّ خِدْمَتَهُما واجِبَةٌ وطاعَتَهُما لازِمَةٌ ما لَمْ يَكُنْ فِيها تَرْكُ طاعَةِ اللَّهِ.
أمّا إذا أفْضى إلَيْهِ فَلا تُطِعْهُما، وقَدْ ذَكَرْنا تَفْسِيرَ الآيَةِ في العَنْكَبُوتِ، وقالَ هَهُنا: ﴿واتَّبِعْ سَبِيلَ مَن أنابَ إلَيَّ﴾، يَعْنِي صاحِبْهُما بِجِسْمِكَ فَإنَّ حَقَّهُما عَلى جِسْمِكَ، واتَّبِعْ سَبِيلَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ بِعَقْلِكَ، فَإنَّهُ مُرَبِّي عَقْلِكَ، كَما أنَّ الوالِدَ مُرَبِّي جِسْمِكَ.
قالَ تَعالى: ﴿يابُنَيَّ إنَّها إنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ فَتَكُنْ في صَخْرَةٍ أوْ في السَّماواتِ أوْ في الأرْضِ يَأْتِ بِها اللَّهُ إنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾
لَمّا قالَ: ﴿فَأُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ وقَعَ لِابْنِهِ أنَّ ما يَفْعَلُ في خُفْيَةٍ يَخْفى، فَقالَ: ﴿يابُنَيَّ إنَّها﴾ أيِ الحَسَنَةُ والسَّيِّئَةُ إنْ كانَتْ في الصِّغَرِ مِثْلَ حَبَّةِ خَرْدَلٍ، وتَكُونُ مَعَ ذَلِكَ الصِّغَرِ في مَوْضِعٍ حَرِيزٍ كالصَّخْرَةِ لا تَخْفى عَلى اللَّهِ، وفِيهِ مَسائِلُ:
صفحة ١٣٠
المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿فَتَكُنْ﴾ بِالفاءِ لِإفادَةِ الِاجْتِماعِ يَعْنِي إنْ كانَتْ صَغِيرَةً ومَعَ صِغَرِها تَكُونُ خَفِيَّةً في مَوْضِعٍ حَرِيزٍ كالصَّخْرَةِ لا تَخْفى عَلى اللَّهِ؛ لِأنَّ الفاءَ لِلِاتِّصالِ بِالتَّعْقِيبِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لَوْ قِيلَ الصَّخْرَةُ لا بُدَّ مِن أنْ تَكُونَ في السَّماواتِ أوْ في الأرْضِ فَما الفائِدَةُ في ذِكْرِها ؟ ولِأنَّ القائِلَ لَوْ قالَ: هَذا رَجُلٌ أوِ امْرَأةٌ أوِ ابْنُ عَمْرٍو. لا يَصِحُّ هَذا الكَلامُ؛ لِكَوْنِ ابْنِ عَمْرٍو داخِلًا في أحَدِ القِسْمَيْنِ، فَكَيْفَ يُفْهَمُ هَذا ؟ فَنَقُولُ الجَوابَ عَنْهُ مِن أوْجُهٍ.
أحَدُها: ما قالَهُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ، وهو أنَّ المُرادَ بِالصَّخْرَةِ صَخْرَةٌ عَلَيْها الثَّوْرُ، وهي لا في الأرْضِ ولا في السَّماءِ.
والثّانِي ما قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهو أنَّ فِيهِ إضْمارًا تَقْدِيرُهُ: فَتَكُنْ في صَخْرَةٍ أوْ في مَوْضِعٍ آخَرَ في السَّماواتِ أوْ في الأرْضِ.
والثّالِثُ: أنْ نَقُولَ: تَقْدِيمُ الخاصِّ وتَأْخِيرُ العامِّ في مِثْلِ هَذا التَّقْسِيمِ جائِزٌ، وتَقْدِيمُ العامِّ وتَأْخِيرُ الخاصِّ غَيْرُ جائِزٍ.
أمّا الثّانِي: فَلَمّا بَيَّنْتُمْ أنَّ مَن قالَ هَذا في دارِ زَيْدٍ أوْ في غَيْرِها أوْ في دارِ عَمْرٍو لا يَصِحُّ لِكَوْنِ دارِ عَمْرٍو داخِلَةً في قَوْلِهِ أوْ في غَيْرِها، وأمّا الأوَّلُ فَلِأنَّ قَوْلَ القائِلِ: هَذا في دارِ زَيْدٍ أوْ في دارِ عَمْرٍو أوْ في غَيْرِها صَحِيحٌ غَيْرُ قَبِيحٍ، فَكَذَلِكَ هَهُنا قَدَّمَ الأخَصَّ أوْ نَقُولُ: خَفاءُ الشَّيْءِ يَكُونُ بِطُرُقٍ؛ مِنها أنْ يَكُونَ في غايَةِ الصِّغَرِ ومِنها أنْ يَكُونَ بَعِيدًا، ومِنها أنْ يَكُونَ في ظُلْمَةٍ، ومِنها أنْ يَكُونَ مِن وراءِ حِجابٍ، فَإنِ انْتَفَتِ الأُمُورُ بِأسْرِها بِأنْ يَكُونَ كَبِيرًا قَرِيبًا في ضَوْءٍ مِن غَيْرِ حِجابٍ، فَلا يَخْفى في العِبادَةِ، فَأثْبَتَ اللَّهُ الرُّؤْيَةَ والعِلْمَ مَعَ انْتِفاءِ الشَّرائِطِ.
فَقَوْلُهُ: ﴿إنَّها إنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ﴾ إشارَةٌ إلى الصِّغَرِ، وقَوْلُهُ: ﴿فَتَكُنْ في صَخْرَةٍ﴾ إشارَةٌ إلى الحِجابِ، وقَوْلُهُ: ﴿أوْ في السَّماواتِ﴾ إشارَةٌ إلى البُعْدِ فَإنَّها أبْعَدُ الأبْعادِ، وقَوْلُهُ: ﴿أوْ في الأرْضِ﴾ إشارَةٌ إلى الظُّلُماتِ فَإنَّ جَوْفَ الأرْضِ أظْلَمُ الأماكِنِ. وقَوْلُهُ: ﴿يَأْتِ بِها اللَّهُ﴾ أبْلَغُ مِن قَوْلِ القائِلِ: يَعْلَمُها اللَّهُ؛ لِأنَّ مَن يَظْهَرُ لَهُ الشَّيْءُ ولا يَقْدِرُ عَلى إظْهارِهِ لِغَيْرِهِ يَكُونُ حالُهُ في العِلْمِ دُونَ حالِ مَن يَظْهَرُ لَهُ الشَّيْءَ، ويُظْهِرُهُ لِغَيْرِهِ، فَقَوْلُهُ: ﴿يَأْتِ بِها اللَّهُ﴾ أيْ يُظْهِرُها اللَّهُ لِلْإشْهادِ. وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ﴾ أيْ نافِذُ القُدْرَةِ، ﴿خَبِيرٌ﴾ أيْ عالِمٌ بِبَواطِنِ الأُمُورِ.
لقمان 31:16
ثُمَّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ جاهَداكَ عَلى أنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما وصاحِبْهُما في الدُّنْيا مَعْرُوفًا واتَّبِعْ سَبِيلَ مَن أنابَ إلَيَّ ثُمَّ إلَيَّ مَرْجِعُكم فَأُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿يابُنَيَّ إنَّها إنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ فَتَكُنْ في صَخْرَةٍ أوْ في السَّماواتِ أوْ في الأرْضِ يَأْتِ بِها اللَّهُ إنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾
يَعْنِي أنَّ خِدْمَتَهُما واجِبَةٌ وطاعَتَهُما لازِمَةٌ ما لَمْ يَكُنْ فِيها تَرْكُ طاعَةِ اللَّهِ.
أمّا إذا أفْضى إلَيْهِ فَلا تُطِعْهُما، وقَدْ ذَكَرْنا تَفْسِيرَ الآيَةِ في العَنْكَبُوتِ، وقالَ هَهُنا: ﴿واتَّبِعْ سَبِيلَ مَن أنابَ إلَيَّ﴾، يَعْنِي صاحِبْهُما بِجِسْمِكَ فَإنَّ حَقَّهُما عَلى جِسْمِكَ، واتَّبِعْ سَبِيلَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ بِعَقْلِكَ، فَإنَّهُ مُرَبِّي عَقْلِكَ، كَما أنَّ الوالِدَ مُرَبِّي جِسْمِكَ.
قالَ تَعالى: ﴿يابُنَيَّ إنَّها إنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ فَتَكُنْ في صَخْرَةٍ أوْ في السَّماواتِ أوْ في الأرْضِ يَأْتِ بِها اللَّهُ إنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾
لَمّا قالَ: ﴿فَأُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ وقَعَ لِابْنِهِ أنَّ ما يَفْعَلُ في خُفْيَةٍ يَخْفى، فَقالَ: ﴿يابُنَيَّ إنَّها﴾ أيِ الحَسَنَةُ والسَّيِّئَةُ إنْ كانَتْ في الصِّغَرِ مِثْلَ حَبَّةِ خَرْدَلٍ، وتَكُونُ مَعَ ذَلِكَ الصِّغَرِ في مَوْضِعٍ حَرِيزٍ كالصَّخْرَةِ لا تَخْفى عَلى اللَّهِ، وفِيهِ مَسائِلُ:
صفحة ١٣٠
المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿فَتَكُنْ﴾ بِالفاءِ لِإفادَةِ الِاجْتِماعِ يَعْنِي إنْ كانَتْ صَغِيرَةً ومَعَ صِغَرِها تَكُونُ خَفِيَّةً في مَوْضِعٍ حَرِيزٍ كالصَّخْرَةِ لا تَخْفى عَلى اللَّهِ؛ لِأنَّ الفاءَ لِلِاتِّصالِ بِالتَّعْقِيبِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لَوْ قِيلَ الصَّخْرَةُ لا بُدَّ مِن أنْ تَكُونَ في السَّماواتِ أوْ في الأرْضِ فَما الفائِدَةُ في ذِكْرِها ؟ ولِأنَّ القائِلَ لَوْ قالَ: هَذا رَجُلٌ أوِ امْرَأةٌ أوِ ابْنُ عَمْرٍو. لا يَصِحُّ هَذا الكَلامُ؛ لِكَوْنِ ابْنِ عَمْرٍو داخِلًا في أحَدِ القِسْمَيْنِ، فَكَيْفَ يُفْهَمُ هَذا ؟ فَنَقُولُ الجَوابَ عَنْهُ مِن أوْجُهٍ.
أحَدُها: ما قالَهُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ، وهو أنَّ المُرادَ بِالصَّخْرَةِ صَخْرَةٌ عَلَيْها الثَّوْرُ، وهي لا في الأرْضِ ولا في السَّماءِ.
والثّانِي ما قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهو أنَّ فِيهِ إضْمارًا تَقْدِيرُهُ: فَتَكُنْ في صَخْرَةٍ أوْ في مَوْضِعٍ آخَرَ في السَّماواتِ أوْ في الأرْضِ.
والثّالِثُ: أنْ نَقُولَ: تَقْدِيمُ الخاصِّ وتَأْخِيرُ العامِّ في مِثْلِ هَذا التَّقْسِيمِ جائِزٌ، وتَقْدِيمُ العامِّ وتَأْخِيرُ الخاصِّ غَيْرُ جائِزٍ.
أمّا الثّانِي: فَلَمّا بَيَّنْتُمْ أنَّ مَن قالَ هَذا في دارِ زَيْدٍ أوْ في غَيْرِها أوْ في دارِ عَمْرٍو لا يَصِحُّ لِكَوْنِ دارِ عَمْرٍو داخِلَةً في قَوْلِهِ أوْ في غَيْرِها، وأمّا الأوَّلُ فَلِأنَّ قَوْلَ القائِلِ: هَذا في دارِ زَيْدٍ أوْ في دارِ عَمْرٍو أوْ في غَيْرِها صَحِيحٌ غَيْرُ قَبِيحٍ، فَكَذَلِكَ هَهُنا قَدَّمَ الأخَصَّ أوْ نَقُولُ: خَفاءُ الشَّيْءِ يَكُونُ بِطُرُقٍ؛ مِنها أنْ يَكُونَ في غايَةِ الصِّغَرِ ومِنها أنْ يَكُونَ بَعِيدًا، ومِنها أنْ يَكُونَ في ظُلْمَةٍ، ومِنها أنْ يَكُونَ مِن وراءِ حِجابٍ، فَإنِ انْتَفَتِ الأُمُورُ بِأسْرِها بِأنْ يَكُونَ كَبِيرًا قَرِيبًا في ضَوْءٍ مِن غَيْرِ حِجابٍ، فَلا يَخْفى في العِبادَةِ، فَأثْبَتَ اللَّهُ الرُّؤْيَةَ والعِلْمَ مَعَ انْتِفاءِ الشَّرائِطِ.
فَقَوْلُهُ: ﴿إنَّها إنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ﴾ إشارَةٌ إلى الصِّغَرِ، وقَوْلُهُ: ﴿فَتَكُنْ في صَخْرَةٍ﴾ إشارَةٌ إلى الحِجابِ، وقَوْلُهُ: ﴿أوْ في السَّماواتِ﴾ إشارَةٌ إلى البُعْدِ فَإنَّها أبْعَدُ الأبْعادِ، وقَوْلُهُ: ﴿أوْ في الأرْضِ﴾ إشارَةٌ إلى الظُّلُماتِ فَإنَّ جَوْفَ الأرْضِ أظْلَمُ الأماكِنِ. وقَوْلُهُ: ﴿يَأْتِ بِها اللَّهُ﴾ أبْلَغُ مِن قَوْلِ القائِلِ: يَعْلَمُها اللَّهُ؛ لِأنَّ مَن يَظْهَرُ لَهُ الشَّيْءُ ولا يَقْدِرُ عَلى إظْهارِهِ لِغَيْرِهِ يَكُونُ حالُهُ في العِلْمِ دُونَ حالِ مَن يَظْهَرُ لَهُ الشَّيْءَ، ويُظْهِرُهُ لِغَيْرِهِ، فَقَوْلُهُ: ﴿يَأْتِ بِها اللَّهُ﴾ أيْ يُظْهِرُها اللَّهُ لِلْإشْهادِ. وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ﴾ أيْ نافِذُ القُدْرَةِ، ﴿خَبِيرٌ﴾ أيْ عالِمٌ بِبَواطِنِ الأُمُورِ.
لقمان 31:17
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يابُنَيَّ أقِمِ الصَّلاةَ وأْمُرْ بِالمَعْرُوفِ وانْهَ عَنِ المُنْكَرِ واصْبِرْ عَلى ما أصابَكَ إنَّ ذَلِكَ مِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾
لَمّا مَنَعَهُ مِنَ الشِّرْكِ وخَوَّفَهُ بِعِلْمِ اللَّهِ وقُدْرَتِهِ، أمَرَهُ بِما يَلْزَمُهُ مِنَ التَّوْحِيدِ وهو الصَّلاةُ وهي العِبادَةُ لِوَجْهِ اللَّهِ مُخْلِصًا، وبِهَذا يَعْلَمُ أنَّ الصَّلاةَ كانَتْ في سائِرِ المِلَلِ، غَيْرَ أنَّ هَيْئَتَها اخْتَلَفَتْ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وأْمُرْ بِالمَعْرُوفِ وانْهَ عَنِ المُنْكَرِ﴾ أيْ إذا كَمُلْتَ أنْتَ في نَفْسِكَ بِعِبادَةِ اللَّهِ فَكَمِّلْ غَيْرَكَ، فَإنَّ شُغْلَ الأنْبِياءِ ووَرَثَتِهِمْ مِنَ العُلَماءِ هو أنْ يَكْمُلُوا في أنْفُسِهِمْ ويُكْمِلُوا غَيْرَهم، فَإنْ قالَ قائِلٌ: كَيْفَ قَدَّمَ في وصِيَّتِهِ لِابْنِهِ الأمْرَ بِالمَعْرُوفِ عَلى النَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، وقَبْلُ قَدَّمَ النَّهْيَ عَنِ المُنْكَرِ عَلى الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ فَإنَّهُ أوَّلَ ما قالَ ﴿يابُنَيَّ لا تُشْرِكْ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿يابُنَيَّ أقِمِ الصَّلاةَ﴾ ؟ فَنَقُولُ: هو كانَ يَعْلَمُ مِنَ ابْنِهِ أنَّهُ مُعْتَرِفٌ بِوُجُودِ اللَّهِ فَما أمَرَهُ بِهَذا المَعْرُوفِ ونَهاهُ عَنِ المُنْكَرِ الَّذِي يَتَرَتَّبُ عَلى هَذا المَعْرُوفِ، فَإنَّ المُشْرِكَ بِاللَّهِ لا يَكُونُ نافِيًا لِلَّهِ في الِاعْتِقادِ، وإنْ كانَ يَلْزَمُهُ نَفْيُهُ بِالدَّلِيلِ، فَكانَ كُلُّ مَعْرُوفٍ في مُقابَلَتِهِ مُنْكَرٌ، والمَعْرُوفُ في
صفحة ١٣١
مَعْرِفَةِ اللَّهِ اعْتِقادُ وُجُودِهِ، والمُنْكَرُ اعْتِقادُ وُجُودِ غَيْرِهِ مَعَهُ، فَلَمْ يَأْمُرْهُ بِذَلِكَ المَعْرُوفِ لِحُصُولِهِ، ونَهاهُ عَنِ المُنْكَرِ لِأنَّهُ ورَدَ في التَّفْسِيرِ أنَّ ابْنَهُ كانَ مُشْرِكًا فَوَعَظَهُ ولَمْ يَزَلْ يَعِظُهُ حَتّى أسْلَمَ، وأمّا هَهُنا فَأمَرَ أمْرًا مُطْلَقًا، والمَعْرُوفُ مُقَدَّمٌ عَلى المُنْكَرِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿واصْبِرْ عَلى ما أصابَكَ﴾ يَعْنِي أنَّ مَن يَأْمُرُ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهى عَنِ المُنْكَرِ يُؤْذى؛ فَأمَرَهُ بِالصَّبْرِ عَلَيْهِ، وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ ذَلِكَ مِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ أيْ مِنَ الأُمُورِ الواجِبَةِ المَعْزُومَةِ، أيِ المَقْطُوعَةِ، ويَكُونُ المَصْدَرُ بِمَعْنى المَفْعُولِ، كَما تَقُولُ أكْلِي في النَّهارِ رَغِيفُ خُبْزٍ، أيْ مَأْكُولِي.
لقمان 31:18
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنّاسِ ولا تَمْشِ في الأرْضِ مَرَحًا إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ﴾
لَمّا أمَرَهُ بِأنْ يَكُونَ كامِلًا في نَفْسِهِ، مُكَمِّلًا لِغَيْرِهِ، وكانَ يَخْشى بَعْدَهُما مِن أمْرَيْنِ؛ أحَدُهُما: التَّكَبُّرُ عَلى الغَيْرِ بِسَبَبِ كَوْنِهِ مُكَمِّلًا لَهُ، والثّانِي: التَّبَخْتُرُ في النَّفْسِ بِسَبَبِ كَوْنِهِ كامِلًا في نَفْسِهِ؛ فَقالَ: ﴿ولا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنّاسِ﴾ تَكَبُّرًا ﴿ولا تَمْشِ في الأرْضِ مَرَحًا﴾ تَبَخْتُرًا؛ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ﴾ يَعْنِي مَن يَكُونُ بِهِ خُيَلاءُ، وهو الَّذِي يَرى النّاسُ عَظَمَةَ نَفْسِهِ، وهو التَّكَبُّرُ؛ ﴿فَخُورٍ﴾ يَعْنِي مَن يَكُونُ مُفْتَخِرًا بِنَفْسِهِ، وهو الَّذِي يَرى عَظَمَةً لِنَفْسِهِ في عَيْنِهِ، وفي الآيَةِ لَطِيفَةٌ وهو أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدَّمَ الكَمالَ عَلى التَّكْمِيلِ، حَيْثُ قالَ ﴿أقِمِ الصَّلاةَ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿وأْمُرْ بِالمَعْرُوفِ﴾، وفي النَّهْيِ قَدَّمَ ما يُورِثُهُ التَّكْمِيلُ عَلى ما يُورِثُهُ الكَمالُ، حَيْثُ قالَ: ﴿ولا تُصَعِّرْ خَدَّكَ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿ولا تَمْشِ في الأرْضِ مَرَحًا﴾؛ لِأنَّ في طَرَفِ الإثْباتِ مَن لا يَكُونُ كامِلًا لا يُمْكِنُ أنْ يَصِيرَ مُكَمِّلًا، فَقَدَّمَ الكَمالَ، وفي طَرَفِ النَّفْيِ مَن يَكُونُ مُتَكَبِّرًا عَلى غَيْرِهِ مُتَبَخْتِرًا؛ لِأنَّهُ لا يَتَكَبَّرُ عَلى الغَيْرِ إلّا عِنْدَ اعْتِقادِهِ أنَّهُ أكْبَرُ مِنهُ مِن وجْهٍ، وأمّا مَن يَكُونُ مُتَبَخْتِرًا في نَفْسِهِ لا يَتَكَبَّرُ، ويَتَوَهَّمُ أنَّهُ يَتَواضَعُ لِلنّاسِ، فَقَدَّمَ نَفْيَ التَّكَبُّرِ ثُمَّ نَفْيَ التَّبَخْتُرِ؛ لِأنَّهُ لَوْ قَدْ نَفى التَّبَخْتُرَ لَلَزِمَ مِنهُ نَفْيُ التَّكَبُّرِ، فَلا يَحْتاجُ إلى النَّهْيِ عَنْهُ. ومِثالُهُ أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: لا تُفْطِرْ ولا تَأْكُلْ؛ لِأنَّ مَن لا يُفْطِرُ لا يَأْكُلُ، ويَجُوزُ أنْ يُقالَ: لا تَأْكُلْ ولا تُفْطِرْ؛ لِأنَّ مَن لا يَأْكُلُ قَدْ يُفْطِرُ بِغَيْرِ الأكْلِ، ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنَّ مِثْلَ هَذا الكَلامِ يَكُونُ لِلتَّفْسِيرِ فَيَقُولُ: لا تُفْطِرْ ولا تَأْكُلْ، أيْ لا تُفْطِرْ بِأنْ تَأْكُلَ، ولا يَكُونُ نَهْيَيْنِ بَلْ واحِدًا.
لقمان 31:19
لَمّا قالَ: ﴿ولا تَمْشِ في الأرْضِ مَرَحًا﴾ وعَدَمُ ذَلِكَ قَدْ يَكُونُ بِضِدِّهِ وهو الَّذِي يُخالِفُ غايَةَ الِاخْتِلافِ، وهو مَشْيُ المُتَماوِتِ الَّذِي يَرى مِن نَفْسِهِ الضَّعْفَ تَزَهُّدًا، فَقالَ: ﴿واقْصِدْ في مَشْيِكَ﴾ أيْ كُنْ وسَطًا بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ المَذْمُومَيْنِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: هَلْ لِلْأمْرِ بِالغَضِّ مِنَ الصَّوْتِ مُناسَبَةٌ مَعَ الأمْرِ بِالقَصْدِ في المَشْيِ ؟ فَنَقُولُ: نَعَمْ. سَواءٌ عَلِمْناها نَحْنُ أوْ لَمْ نَعْلَمْها، وفي كَلامِ اللَّهِ مِنَ الفَوائِدِ ما لا يَحْصُرُهُ حَدٌّ ولا يُصِيبُهُ عَدٌّ، ولا يَعْلَمُهُ أحَدٌ، والَّذِي يَظْهَرُ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: هو أنَّ الإنْسانَ لَمّا كانَ شَرِيفًا تَكُونُ مَطالِبُهُ شَرِيفَةً، فَيَكُونُ فَواتُها خَطَرًا، فَأقْدَرَ اللَّهُ
صفحة ١٣٢
الإنْسانَ عَلى تَحْصِيلِها بِالمَشْيِ، فَإنْ عَجَزَ عَنْ إدْراكِ مَقْصُودِهِ، يُنادِي مَطْلُوبَهُ فَيَقِفُ لَهُ أوْ يَأْتِيهُ مَشْيًا إلَيْهِ، فَإنْ عَجَزَ عَنْ إبْلاغِ كَلامِهِ إلَيْهِ، وبَعْضُ الحَيَواناتِ يُشارِكُ الإنْسانَ في تَحْصِيلِ المَطْلُوبِ بِالصَّوْتِ، كَما أنَّ الغَنَمَ تَطْلُبُ السَّخْلَةَ، والبَقَرَةَ العِجْلَ، والنّاقَةَ الفَصِيلَ بِالثُّغاءِ والخُوارِ والرُّغاءِ، ولَكِنْ لا تَتَعَدّى إلى غَيْرِها، والإنْسانُ يُمَيِّزُ البَعْضَ عَنِ البَعْضِ، فَإذا كانَ المَشْيُ والصَّوْتُ مُفْضِيَيْنِ إلى مَقْصُودٍ واحِدٍ لَمّا أرْشَدَهُ إلى أحَدِهِما أرْشَدَهُ إلى الآخَرِ.
الثّانِي: هو أنَّ الإنْسانَ لَهُ ثَلاثَةُ أشْياءَ؛ عَمَلٌ بِالجَوارِحِ يُشارِكُهُ فِيهِ الحَيَواناتُ، فَإنَّهُ حَرَكَةٌ وسُكُونٌ، وقَوْلٌ بِاللِّسانِ ولا يُشارِكُهُ فِيهِ غَيْرُهُ، وعَزْمٌ بِالقَلْبِ وهو لا اطِّلاعَ عَلَيْهِ إلّا لِلَّهِ، وقَدْ أشارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّها إنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ﴾ أيْ أصْلِحْ ضَمِيرَكَ فَإنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ، بَقِيَ الأمْرانِ، فَقالَ: ﴿واقْصِدْ في مَشْيِكَ واغْضُضْ مِن صَوْتِكَ﴾ إشارَةً إلى التَّوَسُّطِ في الأفْعالِ والأقْوالِ.
الثّالِثُ: هو أنَّ لُقْمانَ أرادَ إرْشادَ ابْنِهِ إلى السَّدادِ في الأوْصافِ الإنْسانِيَّةِ، والأوْصافِ الَّتِي هي لِلْمَلَكِ الَّذِي هو أعْلى مَرْتَبَةً مِنهُ، والأوْصافِ الَّتِي لِلْحَيَوانِ الَّذِي هو أدْنى مَرْتَبَةً مِنهُ، فَقَوْلُهُ: ﴿وأْمُرْ بِالمَعْرُوفِ وانْهَ عَنِ المُنْكَرِ﴾ إشارَةٌ إلى المَكارِمِ المُخْتَصَّةِ بِالإنْسانِ، فَإنَّ المَلَكَ لا يَأْمُرُ مَلَكًا آخَرَ بِشَيْءٍ ولا يَنْهاهُ عَنْ شَيْءٍ.
وقَوْلُهُ: ﴿ولا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنّاسِ ولا تَمْشِ في الأرْضِ مَرَحًا﴾ الَّذِي هو إشارَةٌ إلى عَدَمِ التَّكَبُّرِ والتَّبَخْتُرِ إشارَةٌ إلى المَكارِمِ الَّتِي هي صِفَةُ المَلائِكَةِ، فَإنَّ عَدَمَ التَّكَبُّرِ والتَّبَخْتُرِ صِفَتُهم. وقَوْلُهُ: ﴿واقْصِدْ في مَشْيِكَ واغْضُضْ مِن صَوْتِكَ﴾ إشارَةٌ إلى المَكارِمِ الَّتِي هي صِفَةُ الحَيَوانِ. ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ أنْكَرَ الأصْواتِ لَصَوْتُ الحَمِيرِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: لِمَ ذَكَرَ المانِعَ مَن رَفْعِ الصَّوْتِ ولَمْ يُذْكَرِ المانِعَ مِن سُرْعَةِ المَشْيِ، نَقُولُ: أمّا عَلى قَوْلِنا: إنَّ المَشْيَ والصَّوْتَ كِلاهُما مُوَصِّلانِ إلى شَخْصٍ مَطْلُوبٍ إنْ أدْرَكَهُ بِالمَشْيِ إلَيْهِ فَذاكَ، وإلّا فَيُوقِفُهُ بِالنِّداءِ، فَنَقُولُ: رَفْعُ الصَّوْتِ يُؤْذِي السّامِعَ ويَقْرَعُ الصِّماخَ بِقُوَّةٍ، ورُبَّما يَخْرُقُ الغِشاءَ الَّذِي داخِلَ الأُذُنِ. وأمّا السُّرْعَةُ في المَشْيِ فَلا تُؤْذِي أوْ إنْ كانَتْ تُؤْذِي فَلا تُؤْذِي غَيْرَ مَن في طَرِيقِهِ، والصَّوْتُ يَبْلُغُ مَن عَلى اليَمِينِ واليَسارِ؛ ولِأنَّ المَشْيَ يُؤْذِي آلَةَ المَشْيِ، والصَّوْتَ يُؤْذِي آلَةَ السَّمْعِ، وآلَةُ السَّمْعِ عَلى بابِ القَلْبِ، فَإنَّ الكَلامَ يَنْتَقِلُ مِنَ السَّمْعِ إلى القَلْبِ، ولا كَذَلِكَ المَشْيُ. وأمّا عَلى قَوْلِنا: الإشارَةُ بِالشَّيْءِ والصَّوْتِ إلى الأفْعالِ والأقْوالِ؛ فَلِأنَّ القَوْلَ قَبِيحُهُ أقْبَحُ مِن قَبِيحِ الفِعْلِ، وحَسَنُهُ أحْسَنُ؛ لِأنَّ اللِّسانَ تُرْجُمانُ القَلْبِ، والِاعْتِبارُ يُصَحِّحُ الدَّعْوى.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: كَيْفَ يُفْهَمُ كَوْنُهُ أنْكَرَ مَعَ أنَّ مَسَّ المِنشارِ بِالمِبْرَدِ وحَتَّ النُّحاسِ بِالحَدِيدِ أشَدُّ تَنْفِيرًا ؟ نَقُولُ الجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ المُرادَ أنَّ أنْكَرَ أصْواتِ الحَيَواناتِ صَوْتُ الحَمِيرِ فَلا يَرُدُّ ما ذَكَرْتُمْ، وما ذَكَرْتُمْ في أكْثَرِ الأمْرِ لِمَصْلَحَةٍ وعِمارَةٍ فَلا يُنْكَرُ، بِخِلافِ صَوْتِ الحَمِيرِ وهَذا، وهو الجَوابُ الثّانِي.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أنْكَرُ هو أفْعَلُ التَّفْضِيلِ، فَمِن أيِّ بابٍ هو ؟ نَقُولُ: يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مِن بابِ أطْوَعَ لَهُ مِن بَنانِهِ، بِمَعْنى أشَدِّها طاعَةً، فَإنَّ أفْعَلَ لا يَجِيءُ في مَفْعَلٍ ولا في مَفْعُولٍ ولا في بابِ العُيُوبِ إلّا ما شَذَّ، كَقَوْلِهِمْ: أطْوَعُ مِن كَذا لِلتَّفْضِيلِ عَلى المُطِيعِ، وأشْغَلُ مِن ذاتِ النِّحْيَيْنِ لِلتَّفْضِيلِ عَلى المَشْغُولِ، وأحْمَقُ مِن فُلانٍ مِن بابِ العُيُوبِ، وعَلى هَذا فَهو في بابِ أفْعَلَ كَأشْغَلَ في بابِ مَفْعُولٍ، فَيَكُونُ لِلتَّفْضِيلِ عَلى المُنْكَرِ، أوْ نَقُولُ: هو مِن بابِ أشْغَلَ مَأْخُوذًا مَن نَكِرَ الشَّيْءَ فَهو مُنْكَرٌ، وهَذا أنْكَرُ مِنهُ، وعَلى هَذا فَلَهُ مَعْنًى لَطِيفٌ، وهو أنَّ كُلَّ حَيَوانٍ قَدْ يُفْهَمُ مِن صَوْتِهِ بِأنَّهُ يَصِيحُ مِن ثِقَلٍ أوْ تَعَبٍ كالبَعِيرِ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ، والحِمارُ لَوْ ماتَ تَحْتَ الحِمْلِ لا يَصِيحُ، ولَوْ قُتِلَ لا يَصِيحُ، وفي بَعْضِ أوْقاتِ عَدَمِ الحاجَةِ يَصِيحُ ويَنْهَقُ، فَصَوْتُهُ مَنكُورٌ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: هو مِن نَكِيرٍ، كَأجْدَرَ مِن جَدِيرٍ.
لقمان 31:20
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَوْا أنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكم ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وأسْبَغَ عَلَيْكم نِعَمَهُ ظاهِرَةً وباطِنَةً ومِنَ النّاسِ مَن يُجادِلُ في اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ولا هُدًى ولا كِتابٍ مُنِيرٍ﴾
لَمّا اسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ﴾ [لقمان: ١٠] عَلى الوَحْدانِيَّةِ، وبَيَّنَ بِحِكايَةِ لُقْمانَ أنَّ مَعْرِفَةَ ذَلِكَ غَيْرُ مُخْتَصَّةٍ بِالنُّبُوَّةِ بَلْ ذَلِكَ مُوافِقٌ لِلْحِكْمَةِ، وما جاءَ بِهِ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ التَّوْحِيدِ والصَّلاةِ ومَكارِمِ الأخْلاقِ كُلُّها حِكْمَةٌ بالِغَةٌ، ولَوْ كانَ تَعَبُّدًا مَحْضًا لَلَزِمَ قَبُولُهُ، فَضْلًا عَنْ أنَّهُ عَلى وفْقِ الحِكْمَةِ، اسْتَدَلَّ عَلى الوَحْدانِيَّةِ بِالنِّعْمَةِ، لِأنّا بَيَّنّا مِرارًا أنَّ المَلِكَ يُخْدَمُ لِعَظَمَتِهِ وإنْ لَمْ يُنْعِمْ، ويُخْدَمُ لِنِعْمَتِهِ أيْضًا، فَلَمّا بَيَّنَ أنَّهُ المَعْبُودُ لِعَظَمَتِهِ بِخَلْقِهِ السَّماواتِ بِلا عَمَدٍ، وإلْقائِهِ في الأرْضِ الرَّواسِيَ، وذَكَرَ بَعْضَ النِّعَمِ بِقَوْلِهِ: ﴿وأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ [المؤمنون: ١٨] ذَكَرَ بَعْدَهُ عامَّةَ النِّعَمِ فَقالَ: ﴿سَخَّرَ لَكم ما في السَّماواتِ﴾ أيْ سَخَّرَ لِأجْلِكم ما في السَّماواتِ، فَإنَّ الشَّمْسَ والقَمَرَ والنُّجُومَ مُسَخَّراتٌ بِأمْرِ اللَّهِ، وفِيها فَوائِدُ لِعِبادِهِ، وسَخَّرَ ما في الأرْضِ لِأجْلِ عِبادِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿وأسْبَغَ عَلَيْكم نِعَمَهُ ظاهِرَةً﴾ وهي ما في الأعْضاءِ مِنَ السَّلامَةِ ﴿وباطِنَةً﴾ وهي ما في القُوى، فَإنَّ العُضْوَ ظاهِرٌ، وفِيهِ قُوَّةٌ باطِنَةٌ، ألا تَرى أنَّ العَيْنَ والأُذُنَ شَحْمٌ وغُضْرُوفٌ ظاهِرٌ، واللِّسانَ والأنْفَ لَحْمٌ وعَظْمٌ ظاهِرٌ، وفي كُلِّ واحِدٍ مَعْنًى باطِنٌ مِنَ الإبْصارِ والسَّمْعِ والذَّوْقِ والشَّمِّ، وكَذَلِكَ كَلُّ عُضْوٍ، وقَدْ تَبْطُلُ القُوَّةُ ويَبْقى العُضْوُ قائِمًا، وهَذا أحْسَنُ مِمّا قِيلَ، فَإنَّ عَلى هَذا الوَجْهِ يَكُونُ الِاسْتِدْلالُ بِنِعْمَةِ الآفاقِ وبِنِعْمَةِ الأنْفُسِ، فَقَوْلُهُ: ﴿ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ يَكُونُ إشارَةً إلى النِّعَمِ الآفاقِيَّةِ، وقَوْلُهُ: ﴿وأسْبَغَ عَلَيْكم نِعَمَهُ ظاهِرَةً وباطِنَةً﴾ يَكُونُ إشارَةً إلى النِّعَمِ الأنْفُسِيَّةِ، وفِيهِما أقْوالٌ كَثِيرَةٌ مَذْكُورَةٌ في جَمِيعِ كُتُبِ التَّفاسِيرِ، ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ ما ذَكَرْناهُ مَقُولًا مَنقُولًا، وإنْ لَمْ يَكُنْ فَلا يَخْرُجُ مِن أنْ يَكُونَ سائِغًا مَعْقُولًا.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يُجادِلُ في اللَّهِ﴾ يَعْنِي لَمّا ثَبَتَ الوَحْدانِيَّةُ بِالخَلْقِ والإنْعامِ فَمِنَ النّاسِ مَن يُجادِلُ في اللَّهِ ويُثْبِتُ غَيْرَهُ، إمّا إلَهًا أوْ مُنْعِمًا، ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ ولا هُدًى ولا كِتابٍ مُنِيرٍ﴾ هَذِهِ أُمُورٌ ثَلاثَةٌ: مَرْتَبَةُ العِلْمِ، والهُدى، والكِتابِ. والعِلْمُ أعْلى مِنَ الهُدى، والهُدى مِنَ الكِتابِ، وبَيانُهُ هو أنَّ العِلْمَ تَدْخُلُ فِيهِ الأشْياءُ الواضِحَةُ اللّائِحَةُ الَّتِي تُعْلَمُ مِن غَيْرِ هِدايَةِ هادٍ، ثُمَّ الهُدى يَدْخُلُ فِيهِ الَّذِي يَكُونُ في كِتابٍ، والَّذِي يَكُونُ مِن إلْهامٍ ووَحْيٍ، فَقالَ تَعالى: ﴿يُجادِلُ﴾ ذَلِكَ المُجادِلُ لا مِن عِلْمٍ واضِحٍ، ولا مَن هَدًى أتاهُ مِن هادٍ، ولا مِن كِتابٍ، وكَأنَّ الأوَّلَ إشارَةٌ إلى مَن أُوتِيَ مِن لَدُنْهُ عِلْمًا كَما قالَ تَعالى: ﴿وعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ [النساء: ١١٣] .
والثّانِي: إشارَةٌ إلى مَرْتَبَةِ مَن هُدِيَ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ بِواسِطَةٍ، كَما قالَ تَعالى: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ القُوى﴾ [النجم: ٥] . والثّالِثُ: إشارَةٌ إلى مَرْتَبَةِ مَنِ اهْتَدى بِواسِطَتَيْنِ، ولِهَذا قالَ تَعالى: ﴿الم﴾ ﴿ذَلِكَ الكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ١ - ٢] وقالَ في هَذِهِ السُّورَةِ: ﴿هُدًى ورَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ﴾ [لقمان: ٣] وقالَ في السَّجْدَةِ: ﴿وآتَيْنا مُوسى الكِتابَ وجَعَلْناهُ هُدًى لِبَنِي إسْرائِيلَ﴾ [الإسراء: ٢] فالكِتابُ هَدًى لِقَوْمِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ، والنَّبِيُّ هُداهُ مِنَ اللَّهِ تَعالى مِن غَيْرِ واسِطَةٍ أوْ بِواسِطَةِ الرُّوحِ الأمِينِ، فَقالَ تَعالى: يُجادِلُ مَن يُجادِلُ لا بِعِلْمٍ آتَيْناهُ مَن لَدُنّا كَشْفًا، ولا بِهُدًى أرْسَلْناهُ إلَيْهِ وحْيًا، ولا بِكِتابٍ يُتْلى عَلَيْهِ وعْظًا.
ثُمَّ فِيهِ لَطِيفَةٌ أُخْرى، وهو أنَّهُ
صفحة ١٣٤
تَعالى قالَ في الكِتابِ: ﴿ولا كِتابٍ مُنِيرٍ﴾؛ لِأنَّ المُجادِلَ مِنهُ مَن كانَ يُجادِلُ مِن كِتابٍ ولَكِنَّهُ مُحَرَّفٌ مِثْلُ التَّوْراةِ بَعْدَ التَّحْرِيفِ، فَلَوْ قالَ: ولا كِتابٍ لَكانَ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: لا يُجادِلُ مِن غَيْرِ كِتابٍ، فَإنَّ بَعْضَ ما يَقُولُونَ فَهو في كِتابِهِمْ؛ ولِأنَّ المَجُوسَ والنَّصارى يَقُولُونَ بِالتَّثْنِيَةِ والتَّثْلِيثِ عَنْ كِتابِهِمْ، فَقالَ: ﴿ولا كِتابٍ مُنِيرٍ﴾ فَإنَّ ذَلِكَ الكِتابَ مُظْلِمٌ، ولَمّا لَمْ يَحْتَمِلْ في المَرْتَبَةِ الأُولى والثّانِيَةِ التَّحْرِيفَ والتَّبْدِيلَ لَمْ يَقُلْ بِغَيْرِ عِلْمٍ ولا هُدًى مُنِيرٍ أوْ حَقٍّ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ.
لقمان 31:21
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا أوَلَوْ كانَ الشَّيْطانُ يَدْعُوهم إلى عَذابِ السَّعِيرِ﴾ ﴿ومَن يُسْلِمْ وجْهَهُ إلى اللَّهِ وهو مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةِ الوُثْقى وإلى اللَّهِ عاقِبَةُ الأُمُورِ﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾ بَيَّنَ أنَّ مُجادَلَتَهم مَعَ كَوْنِها مِن غَيْرِ عِلْمٍ فَهي في غايَةِ القُبْحِ، فَإنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلامُ يَدْعُوهم إلى كَلامِ اللَّهِ، وهم يَأْخُذُونَ بِكَلامِ آبائِهِمْ، وبَيْنَ كَلامِ اللَّهِ تَعالى وكَلامِ العُلَماءِ بَوْنٌ عَظِيمٌ، فَكَيْفَ ما بَيْنَ كَلامِ اللَّهِ وكَلامِ الجُهَلاءِ ؟ ! ثُمَّ إنَّ هَهُنا شَيْئًا آخَرَ وهو أنَّهم قالُوا: ﴿بَلْ نَتَّبِعُ ما وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾ يَعْنِي نَتْرُكُ القَوْلَ النّازِلَ مِنَ اللَّهِ ونَتَّبِعُ الفِعْلَ، والقَوْلُ أدَلُّ مِنَ الفِعْلِ لِأنَّ الفِعْلَ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ جائِزًا، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ حَرامًا، وهم تَعاطَوْهُ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ واجِبًا في اعْتِقادِهِمْ، والقَوْلُ بَيِّنُ الدَّلالَةِ، فَلَوْ سَمِعْنا قَوْلَ قائِلٍ افْعَلْ ورَأيْنا فِعْلَهُ يَدُلُّ عَلى خِلافِ قَوْلِهِ، لَكانَ الواجِبُ الأخْذَ بِالقَوْلِ، فَكَيْفَ والقَوْلُ مِنَ اللَّهِ والفِعْلُ مِنَ الجُهّالِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أوَلَوْ كانَ الشَّيْطانُ يَدْعُوهم إلى عَذابِ السَّعِيرِ﴾ اسْتِفْهامًا عَلى سَبِيلِ التَّعَجُّبِ في الإنْكارِ يَعْنِي الشَّيْطانَ يَدْعُوهم إلى العَذابِ واللَّهَ يَدْعُو إلى الثَّوابِ، وهم مَعَ هَذا يَتَّبِعُونَ الشَّيْطانَ. ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ومَن يُسْلِمْ وجْهَهُ إلى اللَّهِ وهو مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةِ الوُثْقى وإلى اللَّهِ عاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ لَمّا بَيَّنَ حالَ المُشْرِكِ والمُجادِلِ في اللَّهِ بَيَّنَ حالَ المُسْلِمِ المُسْتَسْلِمِ لِأمْرِ اللَّهِ، فَقَوْلُهُ: ﴿ومَن يُسْلِمْ وجْهَهُ إلى اللَّهِ﴾ إشارَةٌ إلى الإيمانِ، وقَوْلُهُ: ﴿وهُوَ مُحْسِنٌ﴾ إشارَةٌ إلى العَمَلِ الصّالِحِ، فَتَكُونُ الآيَةُ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا﴾ [سبأ: ٣٧] . وقَوْلُهُ: ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةِ الوُثْقى﴾ أيْ تَمَسَّكَ بِحَبْلٍ لا انْقِطاعَ لَهُ، وتَرَقّى بِسَبَبِهِ إلى أعْلى المَقاماتِ. وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ هَهُنا: ﴿ومَن يُسْلِمْ وجْهَهُ إلى اللَّهِ﴾ وقالَ في سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿بَلى مَن أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١١٢] فَعَدّى هَهُنا بِـ”إلى“ وهُناكَ بِاللّامِ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ﴾ أيْ جَعَلَ نَفْسَهُ لِلَّهِ سالِمًا، أيْ خالِصًا، والوَجْهُ بِمَعْنى النَّفْسِ والذّاتِ، ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿يُسْلِمْ وجْهَهُ إلى اللَّهِ﴾ يُسْلِمُ نَفْسَهُ إلى اللَّهِ كَما يُسْلِمُ واحِدٌ مَتاعًا إلى غَيْرِهِ، ولَمْ يَزِدْ عَلى هَذا، ويُمْكِنُ أنْ يُزادَ عَلَيْهِ ويُقالَ: مَن أسْلَمَ لِلَّهِ أعْلى دَرَجَةً مِمَّنْ يُسْلِمُ إلى اللَّهِ؛ لِأنَّ إلى لِلْغايَةِ، واللّامَ لِلِاخْتِصاصِ، يَقُولُ القائِلُ: أسْلَمْتُ وجْهِي إلَيْكَ أيْ تَوَجَّهْتُ نَحْوَكَ، ويُنْبِئُ هَذا عَنْ عَدَمِ الوُصُولِ؛
صفحة ١٣٥
لِأنَّ التَّوَجُّهَ إلى الشَّيْءِ قَبْلَ الوُصُولِ، وقَوْلُهُ: ﴿أسْلَمْتُ وجْهِيَ لِلَّهِ﴾ [آل عمران: ٢٠] يُفِيدُ الِاخْتِصاصَ، ولا يُنْبِئُ عَنِ الغايَةِ الَّتِي تَدُلُّ عَلى المَسافَةِ وقَطْعِها لِلْوُصُولِ، إذا عُلِمَ هَذا فَنَقُولُ: في البَقَرَةِ قالَتِ اليَهُودُ والنَّصارى: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى﴾ [البقرة: ١١١] فَقالَ اللَّهُ رَدًّا عَلَيْهِمْ: ﴿تِلْكَ أمانِيُّهم قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ﴾ [البقرة: ١١١] ثُمَّ بَيَّنَ فَسادَ قَوْلِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلى مَن أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ﴾ أيْ أنْتُمْ مَعَ أنَّكم تَتْرُكُونَ اللَّهَ لِلدُّنْيا وتُوَلُّونَ عَنْهُ لِلْباطِلِ، وتَشْتَرُونَ بِآياتِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا تَدْخُلُونَ [ النّارَ ] ومَن كانَ بِكُلِّيَّتِهِ لِلَّهِ لا يَدْخُلُها، هَذا كَلامٌ باطِلٌ، فَأوْرَدَ عَلَيْهِمْ مَن أسْلَمَ لِلَّهِ، ولا شَكَّ أنَّ النَّقْضَ بِالصُّورَةِ الَّتِي هي ألْزَمُ أوْلى، فَأوْرَدَ عَلَيْهِمُ المُخْلِصَ الَّذِي لَيْسَ لَهُ أمْرٌ إلّا اللَّهَ، وقالَ: أنْتُمْ تَدْخُلُونَ الجَنَّةَ وهَذا لا يَدْخُلُها، ثُمَّ بَيَّنَ كَذِبَهم، وقالَ: “ بَلى “ وبَيَّنَ أنَّ لَهُ فَوْقَ الجَنَّةِ دَرَجَةً وهي العِنْدِيَّةُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلَهُ أجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ [البقرة: ١١٢] وأمّا هَهُنا أرادَ وعْدَ المُحْسِنِ بِالثَّوابِ والوُصُولِ إلى الدَّرَجَةِ العالِيَةِ، فَوَعَدَ مَن هو دُونَهُ لِيَدْخُلَ فِيهِ مَن هو فَوْقَهُ بِالطَّرِيقِ الأوْلى، ويَعُمَّ الوَعْدُ، وهَذا مِنَ الفَوائِدِ الجَلِيلَةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةِ الوُثْقى﴾ أوْثَقُ العُرى جانِبُ اللَّهِ، لِأنَّ كُلَّ ما عَداهُ هالِكٌ مُنْقَطِعٌ، وهو باقٍ لا انْقِطاعَ لَهُ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإلى اللَّهِ عاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ يَعْنِي اسْتَمْسَكَ بِعُرْوَةٍ تُوصِلُهُ إلى اللَّهِ، وكُلُّ شَيْءٍ عاقِبَتُهُ إلَيْهِ، فَإذا حَصَلَ في الحالِ ما إلَيْهِ عاقِبَتُهُ في عاقِبَتِهِ في غايَةِ الحُسْنِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ مَن يَعْلَمُ أنَّ عاقِبَةَ الأُمُورِ إلى واحِدٍ، ثُمَّ يُقَدِّمُ إلَيْهِ الهَدايا قَبْلَ الوُصُولِ إلَيْهِ يَجِدُ فائِدَتَهُ عِنْدَ القُدُومِ عَلَيْهِ، وإلى هَذا وقَعَتِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿وما تُقَدِّمُوا لِأنْفُسِكم مِن خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٠] .
لقمان 31:22
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا أوَلَوْ كانَ الشَّيْطانُ يَدْعُوهم إلى عَذابِ السَّعِيرِ﴾ ﴿ومَن يُسْلِمْ وجْهَهُ إلى اللَّهِ وهو مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةِ الوُثْقى وإلى اللَّهِ عاقِبَةُ الأُمُورِ﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾ بَيَّنَ أنَّ مُجادَلَتَهم مَعَ كَوْنِها مِن غَيْرِ عِلْمٍ فَهي في غايَةِ القُبْحِ، فَإنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلامُ يَدْعُوهم إلى كَلامِ اللَّهِ، وهم يَأْخُذُونَ بِكَلامِ آبائِهِمْ، وبَيْنَ كَلامِ اللَّهِ تَعالى وكَلامِ العُلَماءِ بَوْنٌ عَظِيمٌ، فَكَيْفَ ما بَيْنَ كَلامِ اللَّهِ وكَلامِ الجُهَلاءِ ؟ ! ثُمَّ إنَّ هَهُنا شَيْئًا آخَرَ وهو أنَّهم قالُوا: ﴿بَلْ نَتَّبِعُ ما وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾ يَعْنِي نَتْرُكُ القَوْلَ النّازِلَ مِنَ اللَّهِ ونَتَّبِعُ الفِعْلَ، والقَوْلُ أدَلُّ مِنَ الفِعْلِ لِأنَّ الفِعْلَ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ جائِزًا، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ حَرامًا، وهم تَعاطَوْهُ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ واجِبًا في اعْتِقادِهِمْ، والقَوْلُ بَيِّنُ الدَّلالَةِ، فَلَوْ سَمِعْنا قَوْلَ قائِلٍ افْعَلْ ورَأيْنا فِعْلَهُ يَدُلُّ عَلى خِلافِ قَوْلِهِ، لَكانَ الواجِبُ الأخْذَ بِالقَوْلِ، فَكَيْفَ والقَوْلُ مِنَ اللَّهِ والفِعْلُ مِنَ الجُهّالِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أوَلَوْ كانَ الشَّيْطانُ يَدْعُوهم إلى عَذابِ السَّعِيرِ﴾ اسْتِفْهامًا عَلى سَبِيلِ التَّعَجُّبِ في الإنْكارِ يَعْنِي الشَّيْطانَ يَدْعُوهم إلى العَذابِ واللَّهَ يَدْعُو إلى الثَّوابِ، وهم مَعَ هَذا يَتَّبِعُونَ الشَّيْطانَ. ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ومَن يُسْلِمْ وجْهَهُ إلى اللَّهِ وهو مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةِ الوُثْقى وإلى اللَّهِ عاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ لَمّا بَيَّنَ حالَ المُشْرِكِ والمُجادِلِ في اللَّهِ بَيَّنَ حالَ المُسْلِمِ المُسْتَسْلِمِ لِأمْرِ اللَّهِ، فَقَوْلُهُ: ﴿ومَن يُسْلِمْ وجْهَهُ إلى اللَّهِ﴾ إشارَةٌ إلى الإيمانِ، وقَوْلُهُ: ﴿وهُوَ مُحْسِنٌ﴾ إشارَةٌ إلى العَمَلِ الصّالِحِ، فَتَكُونُ الآيَةُ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا﴾ [سبأ: ٣٧] . وقَوْلُهُ: ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةِ الوُثْقى﴾ أيْ تَمَسَّكَ بِحَبْلٍ لا انْقِطاعَ لَهُ، وتَرَقّى بِسَبَبِهِ إلى أعْلى المَقاماتِ. وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ هَهُنا: ﴿ومَن يُسْلِمْ وجْهَهُ إلى اللَّهِ﴾ وقالَ في سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿بَلى مَن أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١١٢] فَعَدّى هَهُنا بِـ”إلى“ وهُناكَ بِاللّامِ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ﴾ أيْ جَعَلَ نَفْسَهُ لِلَّهِ سالِمًا، أيْ خالِصًا، والوَجْهُ بِمَعْنى النَّفْسِ والذّاتِ، ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿يُسْلِمْ وجْهَهُ إلى اللَّهِ﴾ يُسْلِمُ نَفْسَهُ إلى اللَّهِ كَما يُسْلِمُ واحِدٌ مَتاعًا إلى غَيْرِهِ، ولَمْ يَزِدْ عَلى هَذا، ويُمْكِنُ أنْ يُزادَ عَلَيْهِ ويُقالَ: مَن أسْلَمَ لِلَّهِ أعْلى دَرَجَةً مِمَّنْ يُسْلِمُ إلى اللَّهِ؛ لِأنَّ إلى لِلْغايَةِ، واللّامَ لِلِاخْتِصاصِ، يَقُولُ القائِلُ: أسْلَمْتُ وجْهِي إلَيْكَ أيْ تَوَجَّهْتُ نَحْوَكَ، ويُنْبِئُ هَذا عَنْ عَدَمِ الوُصُولِ؛
صفحة ١٣٥
لِأنَّ التَّوَجُّهَ إلى الشَّيْءِ قَبْلَ الوُصُولِ، وقَوْلُهُ: ﴿أسْلَمْتُ وجْهِيَ لِلَّهِ﴾ [آل عمران: ٢٠] يُفِيدُ الِاخْتِصاصَ، ولا يُنْبِئُ عَنِ الغايَةِ الَّتِي تَدُلُّ عَلى المَسافَةِ وقَطْعِها لِلْوُصُولِ، إذا عُلِمَ هَذا فَنَقُولُ: في البَقَرَةِ قالَتِ اليَهُودُ والنَّصارى: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى﴾ [البقرة: ١١١] فَقالَ اللَّهُ رَدًّا عَلَيْهِمْ: ﴿تِلْكَ أمانِيُّهم قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ﴾ [البقرة: ١١١] ثُمَّ بَيَّنَ فَسادَ قَوْلِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلى مَن أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ﴾ أيْ أنْتُمْ مَعَ أنَّكم تَتْرُكُونَ اللَّهَ لِلدُّنْيا وتُوَلُّونَ عَنْهُ لِلْباطِلِ، وتَشْتَرُونَ بِآياتِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا تَدْخُلُونَ [ النّارَ ] ومَن كانَ بِكُلِّيَّتِهِ لِلَّهِ لا يَدْخُلُها، هَذا كَلامٌ باطِلٌ، فَأوْرَدَ عَلَيْهِمْ مَن أسْلَمَ لِلَّهِ، ولا شَكَّ أنَّ النَّقْضَ بِالصُّورَةِ الَّتِي هي ألْزَمُ أوْلى، فَأوْرَدَ عَلَيْهِمُ المُخْلِصَ الَّذِي لَيْسَ لَهُ أمْرٌ إلّا اللَّهَ، وقالَ: أنْتُمْ تَدْخُلُونَ الجَنَّةَ وهَذا لا يَدْخُلُها، ثُمَّ بَيَّنَ كَذِبَهم، وقالَ: “ بَلى “ وبَيَّنَ أنَّ لَهُ فَوْقَ الجَنَّةِ دَرَجَةً وهي العِنْدِيَّةُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلَهُ أجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ [البقرة: ١١٢] وأمّا هَهُنا أرادَ وعْدَ المُحْسِنِ بِالثَّوابِ والوُصُولِ إلى الدَّرَجَةِ العالِيَةِ، فَوَعَدَ مَن هو دُونَهُ لِيَدْخُلَ فِيهِ مَن هو فَوْقَهُ بِالطَّرِيقِ الأوْلى، ويَعُمَّ الوَعْدُ، وهَذا مِنَ الفَوائِدِ الجَلِيلَةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةِ الوُثْقى﴾ أوْثَقُ العُرى جانِبُ اللَّهِ، لِأنَّ كُلَّ ما عَداهُ هالِكٌ مُنْقَطِعٌ، وهو باقٍ لا انْقِطاعَ لَهُ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإلى اللَّهِ عاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ يَعْنِي اسْتَمْسَكَ بِعُرْوَةٍ تُوصِلُهُ إلى اللَّهِ، وكُلُّ شَيْءٍ عاقِبَتُهُ إلَيْهِ، فَإذا حَصَلَ في الحالِ ما إلَيْهِ عاقِبَتُهُ في عاقِبَتِهِ في غايَةِ الحُسْنِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ مَن يَعْلَمُ أنَّ عاقِبَةَ الأُمُورِ إلى واحِدٍ، ثُمَّ يُقَدِّمُ إلَيْهِ الهَدايا قَبْلَ الوُصُولِ إلَيْهِ يَجِدُ فائِدَتَهُ عِنْدَ القُدُومِ عَلَيْهِ، وإلى هَذا وقَعَتِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿وما تُقَدِّمُوا لِأنْفُسِكم مِن خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٠] .
لقمان 31:23
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ومَن كَفَرَ فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إلَيْنا مَرْجِعُهم فَنُنَبِّئُهم بِما عَمِلُوا إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ ﴿نُمَتِّعُهم قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهم إلى عَذابٍ غَلِيظٍ﴾
لَمّا بَيَّنَ حالَ المُسْلِمِ رَجَعَ إلى بَيانِ حالِ الكافِرِ فَقالَ: ﴿ومَن كَفَرَ فَلا يَحْزُنْكَ﴾ أيْ لا تَحْزَنْ إذا كَفَرَ كافِرٌ فَإنَّ مَن يُكَذِّبُ وهو قاطِعٌ بِأنَّ صِدْقَهُ يَتَبَيَّنُ عَنْ قَرِيبٍ لا يَحْزَنُ، بَلْ قَدْ يُؤَنَّبُ المُكَذِّبُ عَلى الزِّيادَةِ في التَّكْذِيبِ إذا لَمْ يَكُنْ مِنَ الهُداةِ، ويَكُونُ المُكَذِّبُ مِنَ العُداةِ لِيُخْجِلَهُ غايَةَ التَّخْجِيلِ، وأمّا إذا كانَ لا يَرْجُو ظُهُورَ صِدْقِهِ يَتَألَّمُ مِنَ التَّكْذِيبِ، فَقالَ فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ، فَإنَّ المَرْجِعَ إلَيَّ فَأُنَبِّئُهم بِما عَمِلُوا فَيَخْجَلُونَ.
وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ أيْ لا يَخْفى عَلَيْهِ سِرُّهم وعَلانِيَتُهم فَيُنَبِّئُهم بِما أضْمَرَتْهُ صُدُورُهم، وذاتُ الصُّدُورِ هي المَهْلَكُ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى فَصَّلَ ما ذَكَرْنا وقالَ: ﴿نُمَتِّعُهم قَلِيلًا﴾ أيْ بَقاؤُهم مُدَّةً قَلِيلَةً ثُمَّ بَيَّنَ لَهم وبالَ تَكْذِيبِهِمْ وكُفْرِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ﴾ أيْ نُسَلِّطُ عَلَيْهِمْ أغْلَظَ عَذابٍ حَتّى يَدْخُلُوا بِأنْفُسِهِمْ عَذابًا غَلِيظًا فَيَضْطَرُّونَ إلى عَذابِ النّارِ فِرارًا مِنَ المَلائِكَةِ الغِلاظِ الشِّدادِ الَّذِينَ يُعَذِّبُونَهم بِمَقامِعَ مِن نارٍ، وفِيهِ وجْهٌ آخَرُ لَطِيفٌ وهو أنَّهم لَمّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُمُ الأمْرُ وقَعَ عَلَيْهِمْ مِنَ الخَجالَةِ ما يَدْخُلُونَ النّارَ ولا يَخْتارُونَ الوُقُوفَ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهِمْ بِمَحْضَرِ الأنْبِياءِ، وهو يَتَحَقَّقُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إلَيْنا مَرْجِعُهم فَنُنَبِّئُهم بِما عَمِلُوا﴾ .
لقمان 31:24
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ومَن كَفَرَ فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إلَيْنا مَرْجِعُهم فَنُنَبِّئُهم بِما عَمِلُوا إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ ﴿نُمَتِّعُهم قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهم إلى عَذابٍ غَلِيظٍ﴾
لَمّا بَيَّنَ حالَ المُسْلِمِ رَجَعَ إلى بَيانِ حالِ الكافِرِ فَقالَ: ﴿ومَن كَفَرَ فَلا يَحْزُنْكَ﴾ أيْ لا تَحْزَنْ إذا كَفَرَ كافِرٌ فَإنَّ مَن يُكَذِّبُ وهو قاطِعٌ بِأنَّ صِدْقَهُ يَتَبَيَّنُ عَنْ قَرِيبٍ لا يَحْزَنُ، بَلْ قَدْ يُؤَنَّبُ المُكَذِّبُ عَلى الزِّيادَةِ في التَّكْذِيبِ إذا لَمْ يَكُنْ مِنَ الهُداةِ، ويَكُونُ المُكَذِّبُ مِنَ العُداةِ لِيُخْجِلَهُ غايَةَ التَّخْجِيلِ، وأمّا إذا كانَ لا يَرْجُو ظُهُورَ صِدْقِهِ يَتَألَّمُ مِنَ التَّكْذِيبِ، فَقالَ فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ، فَإنَّ المَرْجِعَ إلَيَّ فَأُنَبِّئُهم بِما عَمِلُوا فَيَخْجَلُونَ.
وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ أيْ لا يَخْفى عَلَيْهِ سِرُّهم وعَلانِيَتُهم فَيُنَبِّئُهم بِما أضْمَرَتْهُ صُدُورُهم، وذاتُ الصُّدُورِ هي المَهْلَكُ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى فَصَّلَ ما ذَكَرْنا وقالَ: ﴿نُمَتِّعُهم قَلِيلًا﴾ أيْ بَقاؤُهم مُدَّةً قَلِيلَةً ثُمَّ بَيَّنَ لَهم وبالَ تَكْذِيبِهِمْ وكُفْرِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ﴾ أيْ نُسَلِّطُ عَلَيْهِمْ أغْلَظَ عَذابٍ حَتّى يَدْخُلُوا بِأنْفُسِهِمْ عَذابًا غَلِيظًا فَيَضْطَرُّونَ إلى عَذابِ النّارِ فِرارًا مِنَ المَلائِكَةِ الغِلاظِ الشِّدادِ الَّذِينَ يُعَذِّبُونَهم بِمَقامِعَ مِن نارٍ، وفِيهِ وجْهٌ آخَرُ لَطِيفٌ وهو أنَّهم لَمّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُمُ الأمْرُ وقَعَ عَلَيْهِمْ مِنَ الخَجالَةِ ما يَدْخُلُونَ النّارَ ولا يَخْتارُونَ الوُقُوفَ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهِمْ بِمَحْضَرِ الأنْبِياءِ، وهو يَتَحَقَّقُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إلَيْنا مَرْجِعُهم فَنُنَبِّئُهم بِما عَمِلُوا﴾ .
لقمان 31:25
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾
الآيَةُ مُتَعَلِّقَةٌ بِما قَبْلَها مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ تَعالى لَمّا اسْتَدَلَّ بِخَلْقِ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ وبِنِعَمِهِ الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ بَيَّنَ أنَّهم مُعْتَرِفُونَ بِذَلِكَ غَيْرَ مُنْكِرِينَ لَهُ، وهَذا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ الحَمْدُ كُلُّهُ لِلَّهِ؛ لِأنَّ خالِقَ السَّماواتِ والأرْضِ يَحْتاجُ إلَيْهِ كُلُّ ما في السَّماواتِ والأرْضِ، وكَوْنُ الحَمْدِ كُلُّهُ لِلَّهِ يَقْتَضِي أنْ لا يُعْبَدَ غَيْرُهُ، لَكِنَّهم لا يَعْلَمُونَ هَذا.
والثّانِي: أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا سَلّى قَلْبَ النَّبِيِّ ﷺ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إلَيْنا مَرْجِعُهم فَنُنَبِّئُهُمْ﴾ أيْ لا تَحْزَنْ عَلى تَكْذِيبِهِمْ فَإنَّ صِدْقَكَ وكَذِبَهم يَتَبَيَّنُ عَنْ قَرِيبٍ عِنْدَ رُجُوعِهِمْ إلَيْنا، قالَ: ولَيْسَ لا يَتَبَيَّنُ إلّا ذَلِكَ اليَوْمَ بَلْ هو يَتَبَيَّنُ قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ لِأنَّهم مُعْتَرِفُونَ بِأنَّ خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ مِنَ اللَّهِ، وهَذا يُصَدِّقُكَ في دَعْوى الوَحْدانِيَّةِ ويُبَيِّنُ كَذِبَهم في الإشْراكِ ﴿فَقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ عَلى ظُهُورِ صِدْقِكَ وكَذِبِ مُكَذِّبِيكَ ﴿بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ لَيْسَ لَهم عِلْمٌ يَمْنَعُهم مِن تَكْذِيبِكَ مَعَ اعْتِرافِهِمْ بِما يُوجِبُ تَصْدِيقَكَ.
وعَلى هَذا يَكُونُ لا يَعْلَمُونَ اسْتِعْمالًا لِلْفِعْلِ مَعَ القَطْعِ عَنِ المَفْعُولِ بِالكُلِّيَّةِ، كَما يَقُولُ القائِلُ: فُلانٌ يُعْطِي ويَمْنَعُ ولا يَكُونُ في ضَمِيرِهِ مَن يُعْطِي بَلْ يُرِيدُ أنَّ لَهُ عَطاءً ومَنعًا، فَكَذَلِكَ هَهُنا قالَ: ﴿لا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ لَيْسَ لَهم عِلْمٌ وعَلى الأوَّلِ يَكُونُ لا يَعْلَمُونَ لَهُ مَفْعُولٌ مَفْهُومٌ، وهو أنَّهم لا يَعْلَمُونَ أنَّ الحَمْدَ كُلَّهُ لِلَّهِ، والثّانِي أبْلَغُ لِأنَّ قَوْلَ القائِلِ: فُلانٌ لا عِلْمَ لَهُ بِكَذا، دُونَ قَوْلِهِ: فُلانٌ لا عِلْمَ لَهُ، وكَذا قَوْلُهُ فُلانٌ لا يَنْفَعُ زَيْدًا ولا يَضُرُّهُ، دُونَ قَوْلِهِ: فُلانٌ لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ إنَّ اللَّهَ هو الغَنِيُّ الحَمِيدُ﴾
ذَكَرَ بِما يَلْزَمُ مِنهُ، وهو أنَّهُ يَكُونُ لَهُ ما فِيهِما، والأمْرُ كَذَلِكَ عَقْلًا وشَرْعًا. أمّا عَقْلًا فَلِأنَّ ما في السَّماواتِ المَخْلُوقَةِ مَخْلُوقٌ، وإضافَةُ خَلْقِهِ إلى مَن مِنهُ خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ لازِمٌ عَقْلًا لِأنَّها مُمْكِنَةٌ، والمُمْكِنُ لا يَقَعُ ولا يُوجَدُ إلّا بِواجِبٍ مِن غَيْرِ واسِطَةٍ كَما هو مَذْهَبُ أهْلِ السُّنَّةِ، أوْ بِواسِطَةٍ كَما يَقُولُهُ غَيْرُهم، وكَيْفَما فُرِضَ فَكُلُّهُ مِنَ اللَّهِ، لِأنَّ سَبَبَ السَّبَبِ سَبَبٌ.
وأمّا شَرْعًا فَلِأنَّ مَن يَمْلِكُ أرْضًا وحَصَلَ مِنها شَيْءٌ ما، يَكُونُ ذَلِكَ لِمالِكِ الأرْضِ، فَكَذَلِكَ كَلُّ ما في السَّماواتِ والأرْضِ حاصِلٌ فِيهِما ومِنهُما، فَهو لِمالِكِ السَّماواتِ والأرْضِ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ تَحَقَّقَ أنَّ الحَمْدَ كُلَّهُ لِلَّهِ.
ثُمَّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ هو الغَنِيُّ الحَمِيدُ﴾ فِيهِ مَعانٍ لَطِيفَةٌ أحَدُها: أنَّ الكُلَّ لِلَّهِ وهو غَيْرُ مُحْتاجٍ إلَيْهِ، غَيْرُ مُنْتَفِعٍ بِهِ، وفِيها مَنافِعُ، فَهي لَكم خَلَقَها، فَهو غَنِيٌّ لِعَدَمِ حاجَتِهِ، حُمَيْدٌ مَشْكُورٌ لِدَفْعِهِ حَوائِجَكم بِها.
وثانِيها: أنَّ بَعْدَ ذِكْرِ الدَّلائِلِ عَلى أنَّ الحَمْدَ كُلَّهُ لِلَّهِ، ولا تَصْلُحُ العِبادَةُ إلّا لِلَّهِ افْتَرَقَ المُكَلَّفُونَ فَرِيقَيْنِ مُؤْمِنٌ وكافِرٌ، والكافِرُ لَمْ يَحْمَدِ اللَّهَ والمُؤْمِنُ حَمِدَهُ، فَقالَ: إنَّهُ غَنِيٌّ عَنْ حَمْدِ الحامِدِينَ فَلا يَلْحَقُهُ نَقْصٌ بِسَبَبِ كُفْرِ الكافِرِينَ، وحَمِيدٌ في نَفْسِهِ، فَيَتَبَيَّنُ بِهِ إصابَةُ المُؤْمِنِينَ، وتَكْمُلُ بِحَمْدِهِ الحامِدُونَ.
وثالِثُها: هو أنَّ السَّماواتَ وما فِيها، والأرْضَ وما فِيها، إذا كانَتْ لِلَّهِ ومَخْلُوقَةً لَهُ، فالكُلُّ مُحْتاجُونَ، فَلا غَنِيَّ إلّا اللَّهُ، فَهو الغَنِيُّ المُطْلَقُ، وكُلٌّ مُحْتاجٌ، فَهو حامِدٌ لِاحْتِياجِهِ إلى مَن يَدْفَعُ حاجَتَهُ، فَلا يَكُونُ الحَمِيدُ المُطْلَقُ إلّا الغَنِيَّ
صفحة ١٣٧
المُطْلَقَ فَهو الحَمِيدُ، وعَلى هَذا [ يَكُونُ ] الحَمِيدُ بِمَعْنى المَحْمُودِ، واللَّهُ إذا قِيلَ لَهُ الحَمِيدُ لا يَكُونُ مَعْناهُ إلّا الواصِفَ، أيْ وصَفَ نَفْسَهُ أوْ عِبادَهُ بِأوْصافٍ حَمِيدَةٍ، والعَبْدُ إذا قِيلَ لَهُ حامِدٌ يَحْتَمِلُ ذَلِكَ المَعْنى، ويَحْتَمِلُ كَوْنُهُ عابِدًا شاكِرًا لَهُ.
لقمان 31:26
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾
الآيَةُ مُتَعَلِّقَةٌ بِما قَبْلَها مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ تَعالى لَمّا اسْتَدَلَّ بِخَلْقِ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ وبِنِعَمِهِ الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ بَيَّنَ أنَّهم مُعْتَرِفُونَ بِذَلِكَ غَيْرَ مُنْكِرِينَ لَهُ، وهَذا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ الحَمْدُ كُلُّهُ لِلَّهِ؛ لِأنَّ خالِقَ السَّماواتِ والأرْضِ يَحْتاجُ إلَيْهِ كُلُّ ما في السَّماواتِ والأرْضِ، وكَوْنُ الحَمْدِ كُلُّهُ لِلَّهِ يَقْتَضِي أنْ لا يُعْبَدَ غَيْرُهُ، لَكِنَّهم لا يَعْلَمُونَ هَذا.
والثّانِي: أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا سَلّى قَلْبَ النَّبِيِّ ﷺ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إلَيْنا مَرْجِعُهم فَنُنَبِّئُهُمْ﴾ أيْ لا تَحْزَنْ عَلى تَكْذِيبِهِمْ فَإنَّ صِدْقَكَ وكَذِبَهم يَتَبَيَّنُ عَنْ قَرِيبٍ عِنْدَ رُجُوعِهِمْ إلَيْنا، قالَ: ولَيْسَ لا يَتَبَيَّنُ إلّا ذَلِكَ اليَوْمَ بَلْ هو يَتَبَيَّنُ قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ لِأنَّهم مُعْتَرِفُونَ بِأنَّ خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ مِنَ اللَّهِ، وهَذا يُصَدِّقُكَ في دَعْوى الوَحْدانِيَّةِ ويُبَيِّنُ كَذِبَهم في الإشْراكِ ﴿فَقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ عَلى ظُهُورِ صِدْقِكَ وكَذِبِ مُكَذِّبِيكَ ﴿بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ لَيْسَ لَهم عِلْمٌ يَمْنَعُهم مِن تَكْذِيبِكَ مَعَ اعْتِرافِهِمْ بِما يُوجِبُ تَصْدِيقَكَ.
وعَلى هَذا يَكُونُ لا يَعْلَمُونَ اسْتِعْمالًا لِلْفِعْلِ مَعَ القَطْعِ عَنِ المَفْعُولِ بِالكُلِّيَّةِ، كَما يَقُولُ القائِلُ: فُلانٌ يُعْطِي ويَمْنَعُ ولا يَكُونُ في ضَمِيرِهِ مَن يُعْطِي بَلْ يُرِيدُ أنَّ لَهُ عَطاءً ومَنعًا، فَكَذَلِكَ هَهُنا قالَ: ﴿لا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ لَيْسَ لَهم عِلْمٌ وعَلى الأوَّلِ يَكُونُ لا يَعْلَمُونَ لَهُ مَفْعُولٌ مَفْهُومٌ، وهو أنَّهم لا يَعْلَمُونَ أنَّ الحَمْدَ كُلَّهُ لِلَّهِ، والثّانِي أبْلَغُ لِأنَّ قَوْلَ القائِلِ: فُلانٌ لا عِلْمَ لَهُ بِكَذا، دُونَ قَوْلِهِ: فُلانٌ لا عِلْمَ لَهُ، وكَذا قَوْلُهُ فُلانٌ لا يَنْفَعُ زَيْدًا ولا يَضُرُّهُ، دُونَ قَوْلِهِ: فُلانٌ لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ إنَّ اللَّهَ هو الغَنِيُّ الحَمِيدُ﴾
ذَكَرَ بِما يَلْزَمُ مِنهُ، وهو أنَّهُ يَكُونُ لَهُ ما فِيهِما، والأمْرُ كَذَلِكَ عَقْلًا وشَرْعًا. أمّا عَقْلًا فَلِأنَّ ما في السَّماواتِ المَخْلُوقَةِ مَخْلُوقٌ، وإضافَةُ خَلْقِهِ إلى مَن مِنهُ خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ لازِمٌ عَقْلًا لِأنَّها مُمْكِنَةٌ، والمُمْكِنُ لا يَقَعُ ولا يُوجَدُ إلّا بِواجِبٍ مِن غَيْرِ واسِطَةٍ كَما هو مَذْهَبُ أهْلِ السُّنَّةِ، أوْ بِواسِطَةٍ كَما يَقُولُهُ غَيْرُهم، وكَيْفَما فُرِضَ فَكُلُّهُ مِنَ اللَّهِ، لِأنَّ سَبَبَ السَّبَبِ سَبَبٌ.
وأمّا شَرْعًا فَلِأنَّ مَن يَمْلِكُ أرْضًا وحَصَلَ مِنها شَيْءٌ ما، يَكُونُ ذَلِكَ لِمالِكِ الأرْضِ، فَكَذَلِكَ كَلُّ ما في السَّماواتِ والأرْضِ حاصِلٌ فِيهِما ومِنهُما، فَهو لِمالِكِ السَّماواتِ والأرْضِ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ تَحَقَّقَ أنَّ الحَمْدَ كُلَّهُ لِلَّهِ.
ثُمَّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ هو الغَنِيُّ الحَمِيدُ﴾ فِيهِ مَعانٍ لَطِيفَةٌ أحَدُها: أنَّ الكُلَّ لِلَّهِ وهو غَيْرُ مُحْتاجٍ إلَيْهِ، غَيْرُ مُنْتَفِعٍ بِهِ، وفِيها مَنافِعُ، فَهي لَكم خَلَقَها، فَهو غَنِيٌّ لِعَدَمِ حاجَتِهِ، حُمَيْدٌ مَشْكُورٌ لِدَفْعِهِ حَوائِجَكم بِها.
وثانِيها: أنَّ بَعْدَ ذِكْرِ الدَّلائِلِ عَلى أنَّ الحَمْدَ كُلَّهُ لِلَّهِ، ولا تَصْلُحُ العِبادَةُ إلّا لِلَّهِ افْتَرَقَ المُكَلَّفُونَ فَرِيقَيْنِ مُؤْمِنٌ وكافِرٌ، والكافِرُ لَمْ يَحْمَدِ اللَّهَ والمُؤْمِنُ حَمِدَهُ، فَقالَ: إنَّهُ غَنِيٌّ عَنْ حَمْدِ الحامِدِينَ فَلا يَلْحَقُهُ نَقْصٌ بِسَبَبِ كُفْرِ الكافِرِينَ، وحَمِيدٌ في نَفْسِهِ، فَيَتَبَيَّنُ بِهِ إصابَةُ المُؤْمِنِينَ، وتَكْمُلُ بِحَمْدِهِ الحامِدُونَ.
وثالِثُها: هو أنَّ السَّماواتَ وما فِيها، والأرْضَ وما فِيها، إذا كانَتْ لِلَّهِ ومَخْلُوقَةً لَهُ، فالكُلُّ مُحْتاجُونَ، فَلا غَنِيَّ إلّا اللَّهُ، فَهو الغَنِيُّ المُطْلَقُ، وكُلٌّ مُحْتاجٌ، فَهو حامِدٌ لِاحْتِياجِهِ إلى مَن يَدْفَعُ حاجَتَهُ، فَلا يَكُونُ الحَمِيدُ المُطْلَقُ إلّا الغَنِيَّ
صفحة ١٣٧
المُطْلَقَ فَهو الحَمِيدُ، وعَلى هَذا [ يَكُونُ ] الحَمِيدُ بِمَعْنى المَحْمُودِ، واللَّهُ إذا قِيلَ لَهُ الحَمِيدُ لا يَكُونُ مَعْناهُ إلّا الواصِفَ، أيْ وصَفَ نَفْسَهُ أوْ عِبادَهُ بِأوْصافٍ حَمِيدَةٍ، والعَبْدُ إذا قِيلَ لَهُ حامِدٌ يَحْتَمِلُ ذَلِكَ المَعْنى، ويَحْتَمِلُ كَوْنُهُ عابِدًا شاكِرًا لَهُ.
لقمان 31:27
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ أنَّما في الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ أقْلامٌ والبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ ﴿ما خَلْقُكم ولا بَعْثُكم إلّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾
لَمّا قالَ تَعالى: ﴿لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ وكانَ ذَلِكَ مُوَهِمًا لِتَناهِي مُلْكِهِ لِانْحِصارِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ فِيهِما، وحُكْمُ العَقْلِ الصَّرِيحُ بِتَناهِيهِما بَيَّنَ أنَّ في قُدْرَتِهِ وعِلْمِهِ عَجائِبَ لا نِهايَةَ لَها؛ فَقالَ: ﴿ولَوْ أنَّما في الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ أقْلامٌ﴾ ويُكْتَبُ بِها، والأبْحُرُ مِدادٌ لا تَفْنى عَجائِبُ صُنْعِ اللَّهِ، وعَلى هَذا فالكَلِمَةُ مُفَسَّرَةٌ بِالعَجِيبَةِ، ووَجْهُها أنَّ العَجائِبَ بِقَوْلِهِ: “ كُنْ “ و“ كُنْ “ كَلِمَةٌ، وإطْلاقُ اسْمِ السَّبَبِ عَلى المُسَبَّبِ جائِزٌ. يَقُولُ الشُّجاعُ: لِمَن يُبارِزُهُ أنا مَوْتُكَ، ويُقالُ لِلدَّواءِ في حَقِّ المَرِيضِ هَذا شِفاؤُكَ، ودَلِيلُ صِحَّةِ هَذا هو أنَّ اللَّهَ تَعالى سَمّى المَسِيحَ كَلِمَةً؛ لِأنَّهُ كانَ أمْرًا عَجِيبًا وصُنْعًا غَرِيبًا لِوُجُودِهِ مِن غَيْرِ أبٍ، فَإنْ قالَ قائِلٌ: الآيَةُ وارِدَةٌ في اليَهُودِ حَيْثُ قالُوا: اللَّهُ ذَكَرَ كُلَّ شَيْءٍ في التَّوْراةِ ولَمْ يَبْقَ شَيْءٌ لَمْ يَذْكُرْهُ، فَقالَ: الَّذِي في التَّوْراةِ بِالنِّسْبَةِ إلى كَلامِ اللَّهِ تَعالى لَيْسَ إلّا قَطْرَةً مِن بِحارٍ، وأنْزَلَ هَذِهِ الآيَةَ.
وقِيلَ أيْضًا: إنَّها نَزَلَتْ في واحِدٍ قالَ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّكَ تَقُولُ: ﴿وما أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إلّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥] وتَقُولُ: ﴿ومَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩] فَنَزَلَتِ الآيَةُ دالَّةً عَلى أنَّهُ خَيْرٌ كَثِيرٌ بِالنِّسْبَةِ إلى العِبادِ، وبِالنِّسْبَةِ إلى اللَّهِ وعُلُومِهِ قَلِيلٌ، وقِيلَ أيْضًا: إنَّها نَزَلَتْ رَدًّا عَلى الكُفّارِ حَيْثُ قالُوا بِأنَّ ما يُورِدُهُ مُحَمَّدٌ سَيَنْفَدُ، فَقالَ: إنَّهُ كَلامُ اللَّهِ وهو لا يَنْفَدُ.
وما ذُكِرَ مِن أسْبابِ النُّزُولِ يُنافِي ما ذَكَرْتُمْ مِنَ التَّفْسِيرِ؛ لِأنَّها تَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ الكَلامُ. فَنَقُولُ: ما ذَكَرْتُمْ مِنَ اخْتِلافِ الأقْوالِ فِيهِ يَدُلُّ عَلى جَوازِ ما ذَكَرْنا؛ لِأنَّهُ إذا صَلَحَ جَوابًا لِهَذِهِ الأشْياءِ الَّتِي ذَكَرْتُمُوها، وهي مُتَبايِنَةُ، عُلِمَ أنَّها عامَّةٌ، وما ذَكَرْنا لا يُنافِي هَذا؛ لِأنَّ كَلامَ اللَّهِ عَجِيبٌ مُعْجِزٌ لا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى الإتْيانِ بِمِثْلِهِ، وإذا قُلْنا بِأنَّ عَجائِبَ اللَّهِ لا نِهايَةَ لَها دَخَلَ فِيها كَلامُهُ، لا يُقالُ: إنَّكَ جَعَلْتَ الكَلامَ مَخْلُوقًا؛ لِأنّا نَقُولُ: المَخْلُوقُ هو الحَرْفُ والتَّرْكِيبُ، وهو عَجِيبٌ، وأمّا الكَلِماتُ فَهي مِن صِفاتِ اللَّهِ تَعالى.
واعْلَمْ أنَّ الآيَةَ، وإنْ كانَتْ نازِلَةً عَلى تَرْتِيبِ غَيْرِ الَّذِي هو مَكْتُوبٌ، ولَكِنَّ التَّرْتِيبَ المَكْتُوبَ عَلَيْهِ القُرْآنُ بِأمْرِ اللَّهِ، فَإنَّهُ بِأمْرِ الرَّسُولِ كُتِبَ كَذَلِكَ، وأمْرُ الرَّسُولِ مِن أمْرِ اللَّهِ، وذَلِكَ مُحَقَّقٌ مُتَيَقَّنٌ مِن سُنَنِ التَّرْتِيبِ الَّذِي فِيهِ. ثُمَّ إنَّ الآيَةَ فِيها لَطائِفُ.
الأُولى: قالَ: ﴿ولَوْ أنَّما في الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ أقْلامٌ﴾ وحَّدَ الشَّجَرَةَ، وجَمَعَ الأقْلامَ، ولَمْ يَقُلْ ولَوْ أنَّ ما في الأرْضِ مِنَ الأشْجارِ أقْلامٌ، ولا قالَ: ولَوْ أنَّ ما في الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ قَلَمٌ، إشارَةً إلى التَّكْثِيرِ، يَعْنِي ولَوْ أنَّ بِعَدَدِ كُلِّ شَجَرَةٍ أقْلامًا.
الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ ﴿والبَحْرُ يَمُدُّهُ﴾ تَعْرِيفُ البَحْرِ بِاللّامِ لِاسْتِغْراقِ الجِنْسِ،
صفحة ١٣٨
وكُلُّ بَحْرٍ مِدادٌ، ثُمَّ قَوْلُهُ: ﴿يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أبْحُرٍ﴾ إشارَةٌ إلى بِحارٍ غَيْرِ مَوْجُودَةٍ، يَعْنِي لَوْ مُدَّتِ البِحارُ المَوْجُودَةُ بِسَبْعَةِ أبْحُرٍ أُخَرَ، وقَوْلُهُ: ﴿سَبْعَةُ﴾ لَيْسَ لِانْحِصارِها في سَبْعَةٍ، وإنَّما الإشارَةُ إلى المَدَدِ والكَثْرَةِ ولَوْ بِألْفِ بَحْرٍ، والسَّبْعَةُ خُصِّصَتْ بِالذِّكْرِ مِن بَيْنِ الأعْدادِ؛ لِأنَّها عَدَدٌ كَثِيرٌ يَحْصُرُ المَعْدُوداتِ في العادَةِ، والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: هو أنَّ ما هو مَعْلُومٌ عِنْدَ كُلِّ أحَدٍ لِحاجَتِهِ إلَيْهِ، هو الزَّمانُ والمَكانُ؛ لِأنَّ المَكانَ فِيهِ الأجْسامُ، والزَّمانَ فِيهِ الأفْعالُ، لَكِنَّ المَكانَ مُنْحَصِرٌ في سَبْعَةِ أقالِيمَ، والزَّمانَ في سَبْعَةِ أيّامٍ؛ ولِأنَّ الكَواكِبَ السَّيّارَةَ سَبْعَةٌ، وكانَ المُنَجِّمُونَ يَنْسُبُونَ إلَيْها أُمُورًا، فَصارَتِ السَّبْعَةُ كالعَدَدِ الحاصِرِ لِلْكَثْراتِ الواقِعَةِ في العادَةِ، فاسْتُعْمِلَتْ في كُلِّ كَثِيرٍ.
الثّانِي: هو أنَّ الآحادَ إلى العَشَرَةِ وهي العِقْدُ الأوَّلُ، وما بَعْدَهُ يَبْتَدِئُ مِنَ الآحادِ مَرَّةً أُخْرى، فَيُقالُ أحَدَ عَشَرَ، واثْنا عَشَرَ، ثُمَّ المِئاتُ مِنَ العَشَراتِ، والأُلُوفُ مِنَ المِئاتِ، إذا عُلِمَ هَذا فَنَقُولُ: أقَلُّ ما يَلْتَئِمُ مِنهُ أكْثَرُ المَعْدُوداتِ هو الثَّلاثَةُ، لِأنَّهُ يَحْتاجُ إلى طَرَفَيْنِ: مَبْدَأٌ ومُنْتَهًى ووَسَطٌ، ولِهَذا يُقالُ: أقَلُّ ما يَكُونُ الِاسْمُ والفِعْلُ مِنهُ هو ثَلاثَةَ أحْرُفٍ، فَإذا كانَتِ الثَّلاثَةُ هو القِسْمَ الأوَّلَ مِنَ العَشَرَةِ الَّتِي هو العَدَدُ الأصْلِيُّ تَبْقى السَّبْعَةُ القِسْمَ الأكْثَرَ، فَإذا أُرِيدَ بَيانُ الكَثْرَةِ ذُكِرَتِ السَّبْعَةُ، ولِهَذا فَإنَّ المَعْدُوداتِ في العِباداتِ مِنَ التَّسْبِيحاتِ في الِانْتِقالاتِ في الصَّلَواتِ ثَلاثَةٌ، والمِرارُ في الوُضُوءِ ثَلاثَةٌ تَيْسِيرًا لِلْأمْرِ عَلى المُكَلَّفِ اكْتِفاءً بِالقِسْمِ الأوَّلِ.
إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: “ «المُؤْمِنُ يَأْكُلُ في مِعًى، والكافِرُ يَأْكُلُ في سَبْعَةِ أمْعاءٍ» “ إشارَةٌ إلى قِلَّةِ الأكْلِ وكَثْرَتِهِ مِن غَيْرِ إرادَةِ السَّبْعَةِ بِخُصُوصِها، ويَحْتَمِلُ أنْ يُقالَ: إنَّ لِجَهَنَّمَ سَبْعَةَ أبْوابٍ بِهَذا التَّفْسِيرِ، ثُمَّ عَلى هَذا فَقَوْلُنا: لِلْجَنَّةِ ثَمانِيَةُ أبْوابٍ إشارَةٌ إلى زِيادَتِها، فَإنَّ فِيها الحُسْنى وزِيادَةً، فَلَها أبْوابٌ كَثِيرَةٌ وزائِدَةٌ عَلى كَثْرَةِ غَيْرِها، والَّذِي يَدُلُّ عَلى ما ذَكَرْنا في السَّبْعَةِ أنَّ العَرَبَ عِنْدَ الثّامِنِ يَزِيدُونَ واوًا، يَقُولُ الفَرّاءُ إنَّها واوُ الثَّمانِيَةِ ولَيْسَ ذَلِكَ إلّا لِلِاسْتِئْنافِ؛ لِأنَّ العَدَدَ بِالسَّبْعَةِ يَتِمُّ في العُرْفِ، ثُمَّ بِالثّامِنِ اسْتِئْنافٌ جَدِيدٌ.
اللَّطِيفَةُ الثّالِثَةُ: لَمْ يَقُلْ في الأقْلامِ المَدَدَ، لِوَجْهَيْنِ.
أحَدُهُما: هو أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولَوْ أنَّما في الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ أقْلامٌ﴾ بَيَّنّا أنَّ المُرادَ مِنهُ هو أنْ يَكُونَ بِعَدَدِ كُلِّ شَجَرَةٍ مَوْجُودَةٍ أقْلامٌ، فَتَكُونُ الأقْلامُ أكْثَرَ مِنَ الأشْجارِ المَوْجُودَةِ، وقَوْلُهُ في البَحْرِ: ﴿والبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أبْحُرٍ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ البَحْرَ لَوْ كانَ أكْثَرَ مِنَ المَوْجُودِ لاسْتَوى القَلَمُ والبَحْرُ في المَعْنى.
والثّانِي: هو أنَّ النُّقْصانَ بِالكِتابَةِ يَلْحَقُ المِدادَ أكْثَرَ، فَإنَّهُ هو النّافِدُ، والقَلَمُ الواحِدُ يُمْكِنُ أنْ يُكْتَبَ بِهِ كُتُبٌ كَثِيرَةٌ، فَذَكَرَ المَدَدَ في البَحْرِ الَّذِي هو كالمِدادِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ لَمّا ذَكَرَ أنَّ مَلَكُوتَهُ كَثِيرٌ، أشارَ إلى ما يُحَقِّقُ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ أيْ كامِلُ القُدْرَةِ، فَيَكُونُ لَهُ مَقْدُوراتٌ لا نِهايَةَ لَها، وإلّا لانْتَهَتِ القُدْرَةُ إلى حَيْثُ لا تَصْلُحُ لِلْإيجادِ، وهو حَكِيمٌ كامِلُ العِلْمِ، فَفي عِلْمِهِ ما لا نِهايَةَ لَهُ، فَتَحَقَّقَ أنَّ البَحْرَ لَوْ كانَ مِدادًا لَما نَفِدَ ما في عِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ما خَلْقُكم ولا بَعْثُكم إلّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ لَمّا بَيَّنَ كَمالَ قُدْرَتِهِ وعِلْمِهِ ذَكَرَ ما يُبْطِلُ اسْتِبْعادَهم لِلْحَشْرِ، وقالَ: ﴿ما خَلْقُكم ولا بَعْثُكم إلّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ ومَن لا نَفادَ لِكَلِماتِهِ، يَقُولُ لِلْمَوْتى كُونُوا فَيَكُونُوا.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ سَمِيعٌ لِما يَقُولُونَ، بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ، فَإذًا كَوْنُهُ قادِرًا عَلى البَعْثِ ومُحِيطًا بِالأقْوالِ والأفْعالِ يُوجِبُ ذَلِكَ الِاجْتِنابَ التّامَّ والِاحْتِرازَ الكامِلَ.
لقمان 31:28
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ أنَّما في الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ أقْلامٌ والبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ ﴿ما خَلْقُكم ولا بَعْثُكم إلّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾
لَمّا قالَ تَعالى: ﴿لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ وكانَ ذَلِكَ مُوَهِمًا لِتَناهِي مُلْكِهِ لِانْحِصارِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ فِيهِما، وحُكْمُ العَقْلِ الصَّرِيحُ بِتَناهِيهِما بَيَّنَ أنَّ في قُدْرَتِهِ وعِلْمِهِ عَجائِبَ لا نِهايَةَ لَها؛ فَقالَ: ﴿ولَوْ أنَّما في الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ أقْلامٌ﴾ ويُكْتَبُ بِها، والأبْحُرُ مِدادٌ لا تَفْنى عَجائِبُ صُنْعِ اللَّهِ، وعَلى هَذا فالكَلِمَةُ مُفَسَّرَةٌ بِالعَجِيبَةِ، ووَجْهُها أنَّ العَجائِبَ بِقَوْلِهِ: “ كُنْ “ و“ كُنْ “ كَلِمَةٌ، وإطْلاقُ اسْمِ السَّبَبِ عَلى المُسَبَّبِ جائِزٌ. يَقُولُ الشُّجاعُ: لِمَن يُبارِزُهُ أنا مَوْتُكَ، ويُقالُ لِلدَّواءِ في حَقِّ المَرِيضِ هَذا شِفاؤُكَ، ودَلِيلُ صِحَّةِ هَذا هو أنَّ اللَّهَ تَعالى سَمّى المَسِيحَ كَلِمَةً؛ لِأنَّهُ كانَ أمْرًا عَجِيبًا وصُنْعًا غَرِيبًا لِوُجُودِهِ مِن غَيْرِ أبٍ، فَإنْ قالَ قائِلٌ: الآيَةُ وارِدَةٌ في اليَهُودِ حَيْثُ قالُوا: اللَّهُ ذَكَرَ كُلَّ شَيْءٍ في التَّوْراةِ ولَمْ يَبْقَ شَيْءٌ لَمْ يَذْكُرْهُ، فَقالَ: الَّذِي في التَّوْراةِ بِالنِّسْبَةِ إلى كَلامِ اللَّهِ تَعالى لَيْسَ إلّا قَطْرَةً مِن بِحارٍ، وأنْزَلَ هَذِهِ الآيَةَ.
وقِيلَ أيْضًا: إنَّها نَزَلَتْ في واحِدٍ قالَ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّكَ تَقُولُ: ﴿وما أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إلّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥] وتَقُولُ: ﴿ومَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩] فَنَزَلَتِ الآيَةُ دالَّةً عَلى أنَّهُ خَيْرٌ كَثِيرٌ بِالنِّسْبَةِ إلى العِبادِ، وبِالنِّسْبَةِ إلى اللَّهِ وعُلُومِهِ قَلِيلٌ، وقِيلَ أيْضًا: إنَّها نَزَلَتْ رَدًّا عَلى الكُفّارِ حَيْثُ قالُوا بِأنَّ ما يُورِدُهُ مُحَمَّدٌ سَيَنْفَدُ، فَقالَ: إنَّهُ كَلامُ اللَّهِ وهو لا يَنْفَدُ.
وما ذُكِرَ مِن أسْبابِ النُّزُولِ يُنافِي ما ذَكَرْتُمْ مِنَ التَّفْسِيرِ؛ لِأنَّها تَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ الكَلامُ. فَنَقُولُ: ما ذَكَرْتُمْ مِنَ اخْتِلافِ الأقْوالِ فِيهِ يَدُلُّ عَلى جَوازِ ما ذَكَرْنا؛ لِأنَّهُ إذا صَلَحَ جَوابًا لِهَذِهِ الأشْياءِ الَّتِي ذَكَرْتُمُوها، وهي مُتَبايِنَةُ، عُلِمَ أنَّها عامَّةٌ، وما ذَكَرْنا لا يُنافِي هَذا؛ لِأنَّ كَلامَ اللَّهِ عَجِيبٌ مُعْجِزٌ لا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى الإتْيانِ بِمِثْلِهِ، وإذا قُلْنا بِأنَّ عَجائِبَ اللَّهِ لا نِهايَةَ لَها دَخَلَ فِيها كَلامُهُ، لا يُقالُ: إنَّكَ جَعَلْتَ الكَلامَ مَخْلُوقًا؛ لِأنّا نَقُولُ: المَخْلُوقُ هو الحَرْفُ والتَّرْكِيبُ، وهو عَجِيبٌ، وأمّا الكَلِماتُ فَهي مِن صِفاتِ اللَّهِ تَعالى.
واعْلَمْ أنَّ الآيَةَ، وإنْ كانَتْ نازِلَةً عَلى تَرْتِيبِ غَيْرِ الَّذِي هو مَكْتُوبٌ، ولَكِنَّ التَّرْتِيبَ المَكْتُوبَ عَلَيْهِ القُرْآنُ بِأمْرِ اللَّهِ، فَإنَّهُ بِأمْرِ الرَّسُولِ كُتِبَ كَذَلِكَ، وأمْرُ الرَّسُولِ مِن أمْرِ اللَّهِ، وذَلِكَ مُحَقَّقٌ مُتَيَقَّنٌ مِن سُنَنِ التَّرْتِيبِ الَّذِي فِيهِ. ثُمَّ إنَّ الآيَةَ فِيها لَطائِفُ.
الأُولى: قالَ: ﴿ولَوْ أنَّما في الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ أقْلامٌ﴾ وحَّدَ الشَّجَرَةَ، وجَمَعَ الأقْلامَ، ولَمْ يَقُلْ ولَوْ أنَّ ما في الأرْضِ مِنَ الأشْجارِ أقْلامٌ، ولا قالَ: ولَوْ أنَّ ما في الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ قَلَمٌ، إشارَةً إلى التَّكْثِيرِ، يَعْنِي ولَوْ أنَّ بِعَدَدِ كُلِّ شَجَرَةٍ أقْلامًا.
الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ ﴿والبَحْرُ يَمُدُّهُ﴾ تَعْرِيفُ البَحْرِ بِاللّامِ لِاسْتِغْراقِ الجِنْسِ،
صفحة ١٣٨
وكُلُّ بَحْرٍ مِدادٌ، ثُمَّ قَوْلُهُ: ﴿يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أبْحُرٍ﴾ إشارَةٌ إلى بِحارٍ غَيْرِ مَوْجُودَةٍ، يَعْنِي لَوْ مُدَّتِ البِحارُ المَوْجُودَةُ بِسَبْعَةِ أبْحُرٍ أُخَرَ، وقَوْلُهُ: ﴿سَبْعَةُ﴾ لَيْسَ لِانْحِصارِها في سَبْعَةٍ، وإنَّما الإشارَةُ إلى المَدَدِ والكَثْرَةِ ولَوْ بِألْفِ بَحْرٍ، والسَّبْعَةُ خُصِّصَتْ بِالذِّكْرِ مِن بَيْنِ الأعْدادِ؛ لِأنَّها عَدَدٌ كَثِيرٌ يَحْصُرُ المَعْدُوداتِ في العادَةِ، والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: هو أنَّ ما هو مَعْلُومٌ عِنْدَ كُلِّ أحَدٍ لِحاجَتِهِ إلَيْهِ، هو الزَّمانُ والمَكانُ؛ لِأنَّ المَكانَ فِيهِ الأجْسامُ، والزَّمانَ فِيهِ الأفْعالُ، لَكِنَّ المَكانَ مُنْحَصِرٌ في سَبْعَةِ أقالِيمَ، والزَّمانَ في سَبْعَةِ أيّامٍ؛ ولِأنَّ الكَواكِبَ السَّيّارَةَ سَبْعَةٌ، وكانَ المُنَجِّمُونَ يَنْسُبُونَ إلَيْها أُمُورًا، فَصارَتِ السَّبْعَةُ كالعَدَدِ الحاصِرِ لِلْكَثْراتِ الواقِعَةِ في العادَةِ، فاسْتُعْمِلَتْ في كُلِّ كَثِيرٍ.
الثّانِي: هو أنَّ الآحادَ إلى العَشَرَةِ وهي العِقْدُ الأوَّلُ، وما بَعْدَهُ يَبْتَدِئُ مِنَ الآحادِ مَرَّةً أُخْرى، فَيُقالُ أحَدَ عَشَرَ، واثْنا عَشَرَ، ثُمَّ المِئاتُ مِنَ العَشَراتِ، والأُلُوفُ مِنَ المِئاتِ، إذا عُلِمَ هَذا فَنَقُولُ: أقَلُّ ما يَلْتَئِمُ مِنهُ أكْثَرُ المَعْدُوداتِ هو الثَّلاثَةُ، لِأنَّهُ يَحْتاجُ إلى طَرَفَيْنِ: مَبْدَأٌ ومُنْتَهًى ووَسَطٌ، ولِهَذا يُقالُ: أقَلُّ ما يَكُونُ الِاسْمُ والفِعْلُ مِنهُ هو ثَلاثَةَ أحْرُفٍ، فَإذا كانَتِ الثَّلاثَةُ هو القِسْمَ الأوَّلَ مِنَ العَشَرَةِ الَّتِي هو العَدَدُ الأصْلِيُّ تَبْقى السَّبْعَةُ القِسْمَ الأكْثَرَ، فَإذا أُرِيدَ بَيانُ الكَثْرَةِ ذُكِرَتِ السَّبْعَةُ، ولِهَذا فَإنَّ المَعْدُوداتِ في العِباداتِ مِنَ التَّسْبِيحاتِ في الِانْتِقالاتِ في الصَّلَواتِ ثَلاثَةٌ، والمِرارُ في الوُضُوءِ ثَلاثَةٌ تَيْسِيرًا لِلْأمْرِ عَلى المُكَلَّفِ اكْتِفاءً بِالقِسْمِ الأوَّلِ.
إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: “ «المُؤْمِنُ يَأْكُلُ في مِعًى، والكافِرُ يَأْكُلُ في سَبْعَةِ أمْعاءٍ» “ إشارَةٌ إلى قِلَّةِ الأكْلِ وكَثْرَتِهِ مِن غَيْرِ إرادَةِ السَّبْعَةِ بِخُصُوصِها، ويَحْتَمِلُ أنْ يُقالَ: إنَّ لِجَهَنَّمَ سَبْعَةَ أبْوابٍ بِهَذا التَّفْسِيرِ، ثُمَّ عَلى هَذا فَقَوْلُنا: لِلْجَنَّةِ ثَمانِيَةُ أبْوابٍ إشارَةٌ إلى زِيادَتِها، فَإنَّ فِيها الحُسْنى وزِيادَةً، فَلَها أبْوابٌ كَثِيرَةٌ وزائِدَةٌ عَلى كَثْرَةِ غَيْرِها، والَّذِي يَدُلُّ عَلى ما ذَكَرْنا في السَّبْعَةِ أنَّ العَرَبَ عِنْدَ الثّامِنِ يَزِيدُونَ واوًا، يَقُولُ الفَرّاءُ إنَّها واوُ الثَّمانِيَةِ ولَيْسَ ذَلِكَ إلّا لِلِاسْتِئْنافِ؛ لِأنَّ العَدَدَ بِالسَّبْعَةِ يَتِمُّ في العُرْفِ، ثُمَّ بِالثّامِنِ اسْتِئْنافٌ جَدِيدٌ.
اللَّطِيفَةُ الثّالِثَةُ: لَمْ يَقُلْ في الأقْلامِ المَدَدَ، لِوَجْهَيْنِ.
أحَدُهُما: هو أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولَوْ أنَّما في الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ أقْلامٌ﴾ بَيَّنّا أنَّ المُرادَ مِنهُ هو أنْ يَكُونَ بِعَدَدِ كُلِّ شَجَرَةٍ مَوْجُودَةٍ أقْلامٌ، فَتَكُونُ الأقْلامُ أكْثَرَ مِنَ الأشْجارِ المَوْجُودَةِ، وقَوْلُهُ في البَحْرِ: ﴿والبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أبْحُرٍ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ البَحْرَ لَوْ كانَ أكْثَرَ مِنَ المَوْجُودِ لاسْتَوى القَلَمُ والبَحْرُ في المَعْنى.
والثّانِي: هو أنَّ النُّقْصانَ بِالكِتابَةِ يَلْحَقُ المِدادَ أكْثَرَ، فَإنَّهُ هو النّافِدُ، والقَلَمُ الواحِدُ يُمْكِنُ أنْ يُكْتَبَ بِهِ كُتُبٌ كَثِيرَةٌ، فَذَكَرَ المَدَدَ في البَحْرِ الَّذِي هو كالمِدادِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ لَمّا ذَكَرَ أنَّ مَلَكُوتَهُ كَثِيرٌ، أشارَ إلى ما يُحَقِّقُ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ أيْ كامِلُ القُدْرَةِ، فَيَكُونُ لَهُ مَقْدُوراتٌ لا نِهايَةَ لَها، وإلّا لانْتَهَتِ القُدْرَةُ إلى حَيْثُ لا تَصْلُحُ لِلْإيجادِ، وهو حَكِيمٌ كامِلُ العِلْمِ، فَفي عِلْمِهِ ما لا نِهايَةَ لَهُ، فَتَحَقَّقَ أنَّ البَحْرَ لَوْ كانَ مِدادًا لَما نَفِدَ ما في عِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ما خَلْقُكم ولا بَعْثُكم إلّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ لَمّا بَيَّنَ كَمالَ قُدْرَتِهِ وعِلْمِهِ ذَكَرَ ما يُبْطِلُ اسْتِبْعادَهم لِلْحَشْرِ، وقالَ: ﴿ما خَلْقُكم ولا بَعْثُكم إلّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ ومَن لا نَفادَ لِكَلِماتِهِ، يَقُولُ لِلْمَوْتى كُونُوا فَيَكُونُوا.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ سَمِيعٌ لِما يَقُولُونَ، بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ، فَإذًا كَوْنُهُ قادِرًا عَلى البَعْثِ ومُحِيطًا بِالأقْوالِ والأفْعالِ يُوجِبُ ذَلِكَ الِاجْتِنابَ التّامَّ والِاحْتِرازَ الكامِلَ.
لقمان 31:29
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ ويُولِجُ النَّهارَ في اللَّيْلِ وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إلى أجَلٍ مُسَمًّى وأنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾
يَحْتَمِلُ أنْ يُقالَ: إنَّ وجْهَ التَّرْتِيبِ هو أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿ألَمْ تَرَوْا أنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكم ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ عَلى وجْهِ العُمُومِ ذَكَرَ مِنها بَعْضَ ما هو فِيهِما عَلى وجْهِ الخُصُوصِ بِقَوْلِهِ: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ﴾ إشارَةٌ إلى ما في السَّماواتِ، وقَوْلُهُ بَعْدَ هَذا: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ الفُلْكَ تَجْرِي في البَحْرِ بِنِعْمَةِ اللَّهِ﴾ [لقمان: ٣١] إشارَةٌ إلى ما في الأرْضِ. ويَحْتَمِلُ أنْ يُقالَ إنَّ وجْهَهُ هو أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا ذَكَرَ البَعْثَ وكانَ مِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ: ﴿وما يُهْلِكُنا إلّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية: ٢٤] والدَّهْرُ هو اللَّيالِي والأيّامُ، قالَ اللَّهُ تَعالى: هَذِهِ اللَّيالِي والأيّامُ الَّتِي تَنْسُبُونَ إلَيْها المَوْتَ والحَياةَ هي بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى فَقالَ: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ ويُولِجُ النَّهارَ في اللَّيْلِ﴾
ثُمَّ إنَّ قائِلًا لَوْ قالَ: إنَّ ذَلِكَ اخْتِلافٌ مُسَيَّرٌ، الشَّمْسُ تارَةً تَكُونُ القَوْسَ الَّتِي هي فَوْقَ الأرْضِ أكْثَرُ مِنَ الَّتِي تَحْتَ الأرْضِ، فَيَكُونُ اللَّيْلُ أقْصَرَ والنَّهارُ أطْوَلَ، وتارَةً تَكُونُ بِالعَكْسِ وتارَةً يَتَساوَيانِ فَيَتَساوَيانِ، فَقالَ تَعالى: ﴿وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ﴾ يَعْنِي إنْ كُنْتُمْ لا تَعْتَرِفُونَ بِأنَّ هَذِهِ الأشْياءَ كُلَّها في أوائِلِها مِنَ اللَّهِ، فَلا بُدَّ مِنَ الِاعْتِرافِ بِأنَّها بِأسْرِها عائِدَةٌ إلى اللَّهِ تَعالى، فالآجالُ إنْ كانَتْ بِالمَدَدِ، والمَدَدُ بِسَيْرِ الكَواكِبِ فَسَيْرُ الكَواكِبِ لَيْسَ إلّا بِاللَّهِ وقُدْرَتِهِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: إيلاجُ اللَّيْلِ في النَّهارِ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ
أحَدُهُما: أنْ يُقالَ: المُرادُ إيلاجُ اللَّيْلِ في زَمانِ النَّهارِ أيْ يَجْعَلُ في الزَّمانِ الَّذِي كانَ فِيهِ النَّهارُ اللَّيْلَ؛ وذَلِكَ لِأنَّ اللَّيْلَ إذا كانَ مَثَلًا اثْنَتَيْ عَشْرَةَ ساعَةً ثُمَّ يَطُولُ يَصِيرُ اللَّيْلُ مَوْجُودًا في زَمانٍ كانَ فِيهِ النَّهارُ.
وثانِيهِما: أنْ يُقالَ المُرادُ إيلاجُ زَمانِ اللَّيْلِ في النَّهارِ، أيْ يَجْعَلُ زَمانَ اللَّيْلِ في النَّهارِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ اللَّيْلَ إذا كانَ كَما ذَكَرْنا اثْنَتَيْ عَشْرَةَ ساعَةً إذا قَصَّرَ صارَ زَمانُ اللَّيْلِ مَوْجُودًا في النَّهارِ، ولا يُمْكِنُ غَيْرُ هَذا؛ لِأنَّ إيلاجَ اللَّيْلِ في النَّهارِ مُحالُ الوُجُودِ، فَما ذَكَرْنا مِنَ الإضْمارِ لا بُدَّ مِنهُ، لَكِنَّ الأوَّلَ أوْلى؛ لِأنَّ اللَّيْلَ والنَّهارَ أفْعالٌ والأفْعالُ في الأزْمِنَةِ؛ لِأنَّ الزَّمانَ ظَرْفٌ، فَقَوْلُنا: اللَّيْلُ في زَمانِ النَّهارِ أقْرَبُ مِن قَوْلِنا: زَمانُ اللَّيْلِ في النَّهارِ؛ لِأنَّ الثّانِيَ يَجْعَلُ الظَّرْفَ مَظْرُوفًا.
إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ﴾ أيْ يُوجِدُهُ في وقْتٍ كانَ فِيهِ النَّهارُ، واللَّهُ تَعالى قَدَّمَ إيجادَ اللَّيْلِ عَلى إيجادِ النَّهارِ في كَثِيرٍ مِنَ المَواضِعِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَعَلْنا اللَّيْلَ والنَّهارَ آيَتَيْنِ﴾ [الإسراء: ١٢]، وقَوْلِهِ: ﴿وجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ﴾ [الأنعام: ١]، وقَوْلِهِ: ﴿واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ [البقرة: ١٦٤] ومِن جِنْسِهِ قَوْلُهُ: ﴿خَلَقَ المَوْتَ والحَياةَ لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢] وهَذا إشارَةٌ إلى مَسْألَةٍ حُكْمِيَّةٍ، وهي أنَّ الظُّلْمَةَ قَدْ يُظَنُّ بِها أنَّها عَدَمُ النُّورِ، واللَّيْلُ عَدَمُ النُّورِ، واللَّيْلُ عَدَمُ النَّهارِ، والحَياةُ عَدَمُ المَوْتِ، ولَيْسَ كَذَلِكَ؛ إذْ في الأزَلِ لَمْ يَكُنْ نَهارٌ ولا نُورٌ ولا حَياةٌ لِمُمْكِنٍ، ولا يُمْكِنُ أنْ يُقالَ كانَ فِيهِ مَوْتٌ أوْ ظُلْمَةٌ أوْ لَيْلٌ، فَهَذِهِ الأُمُورُ كالأعْمى والأصَمِّ، فالعَمى والصَّمَمُ
صفحة ١٤٠
لَيْسَ مُجَرَّدَ عَدَمِ البَصَرِ وعَدَمِ السَّمْعِ؛ إذِ الحَجَرُ والشَّجَرُ لا بَصَرَ لَهُما ولا سَمْعَ، ولا يُقالُ لِشَيْءٍ مِنهُما إنَّهُ أصَمُّ أوْ أعْمى.
إذا عُلِمَ هَذا فَنَقُولُ: ما يَتَحَقَّقُ فِيهِ العَمى والصَّمَمُ، لا بُدَّ مِن أنْ يَكُونَ فِيهِ اقْتِضاءٌ لِخِلافِهِما، وإلّا لَما كانَ يُقالُ لَهُ أعْمى وأصَمُّ، وما يَكُونُ فِيهِ اقْتِضاءُ شَيْءٍ، ويَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مُقْتَضاهُ لا تَطْلُبُ النَّفْسُ لَهُ سَبَبًا؛ لِأنَّ مَن يَرى المُتَعَيِّشَ في السُّوقِ، لا يَقُولُ لِمَ دَخَلَ السُّوقَ ؟ وما يَثْبُتُ عَلى خِلافِ المُقْتَضى تَطْلُبُ النَّفْسُ لَهُ سَبَبًا، كَمَن يَرى مَلِكًا في السُّوقِ يَقُولُ لِمَ دَخَلَ ؟ فَإذَنْ سَبَبُ العَمى والصَّمَمِ يَطْلُبُهُ كُلُّ واحِدٍ، فَيَقُولُ لِمَ صارَ فُلانٌ أعْمى، ولا يَقُولُ: لِمَ صارَ فُلانٌ بَصِيرًا، وإذا كانَ كَذَلِكَ قَدَّمَ اللَّهُ تَعالى ما تَطْلُبُ النَّفْسُ سَبَبَهُ وهو اللَّيْلُ الَّذِي هو عَلى وِزانِ العَمى والظُّلْمَةِ والمَوْتِ لِكَوْنِ كُلِّ واحِدٍ طالِبًا سَبَبَهُ، ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَهُ الأمْرَ الآخَرَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ: ﴿يُولِجُ﴾ بِصِيغَةِ المُسْتَقْبَلِ، وقالَ في الشَّمْسِ والقَمَرِ ﴿سَخَّرَ﴾ بِصِيغَةِ الماضِي؛ لِأنَّ إيلاجَ اللَّيْلِ في النَّهارِ أمْرٌ يَتَجَدَّدُ كُلَّ فَصْلٍ، بَلْ كُلَّ يَوْمٍ، وتَسْخِيرُ الشَّمْسِ والقَمَرِ أمْرٌ مُسْتَمِرٌّ كَما قالَ تَعالى: ﴿حَتّى عادَ كالعُرْجُونِ القَدِيمِ﴾ [يس: ٣٩] .
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَدَّمَ الشَّمْسَ عَلى القَمَرِ مَعَ تَقَدُّمِ اللَّيْلِ الَّذِي فِيهِ سُلْطانُ القَمَرِ عَلى النَّهارِ الَّذِي فِيهِ سُلْطانُ الشَّمْسِ لِما بَيَّنّا أنَّ تَقْدِيمَ اللَّيْلِ كانَ لِأنَّ الأنْفُسَ تَطْلُبُ سَبَبَهُ أكْثَرَ مِمّا تَطْلُبُ سَبَبَ النَّهارِ، وهاهُنا كَذَلِكَ؛ لِأنَّ الشَّمْسَ لَمّا كانَتْ أكْبَرَ وأعْظَمَ كانَتْ أعْجَبَ، والنَّفْسُ تَطْلُبُ سَبَبَ الأمْرِ العَجِيبِ أكْثَرَ مِمّا تَطْلُبُ سَبَبَ الأمْرِ الَّذِي لا يَكُونُ عَجِيبًا.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: ما تَعَلُّقُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ بِما تَقَدَّمَ ؟ نَقُولُ: لَمّا كانَ اللَّيْلُ والنَّهارُ مَحَلَّ الأفْعالِ بَيَّنَ أنَّ ما يَقَعُ في هَذَيْنِ الزَّمانَيْنِ اللَّذَيْنِ هُما بِتَصَرُّفِ اللَّهِ لا يَخْفى عَلى اللَّهِ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ.
أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ الخِطابُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ . وعَلَيْهِ الأكْثَرُونَ، وكَأنَّهُ تَرَكَ الخِطابَ مَعَ غَيْرِهِ؛ لِأنَّ مَن هو غَيْرُهُ مِنَ الكُفّارِ لا فائِدَةَ لِلْخِطابِ مَعَهم لِإصْرارِهِمْ، ومَن هو غَيْرُهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ، فَهم مُؤْتَمِرُونَ بِأمْرِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ناظِرُونَ إلَيْهِ.
الوَجْهُ الثّانِي: أنْ يُقالَ: المُرادُ مِنهُ الوَعْظُ، والواعِظُ يُخاطِبُ ولا يُعَيِّنُ أحَدًا فَيَقُولُ لِجَمْعٍ عَظِيمٍ: يا مِسْكِينُ إلى اللَّهِ مَصِيرُكَ، فَمَن نَصِيرُكَ، ولِماذا تَقْصِيرُكَ. فَقَوْلُهُ: ﴿ألَمْ تَرَ﴾ يَكُونُ خِطابًا مِن ذَلِكَ القَبِيلِ، أيْ يا أيُّها الغافِلُ ألَمْ تَرَ هَذا الأمْرَ الواضِحَ.
لقمان 31:30
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ وأنَّ ما يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الباطِلُ وأنَّ اللَّهَ هو العَلِيُّ الكَبِيرُ﴾
ولَمّا ذَكَرَ تَعالى أوْصافَ الكَمالِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ هو الغَنِيُّ الحَمِيدُ﴾، وقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ وأشارَ إلى الإرادَةِ والكَمالِ بِقَوْلِهِ: ﴿ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ﴾ وبِقَوْلِهِ: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ﴾ وعَلى الجُمْلَةِ فَقَوْلُهُ: ﴿هُوَ الغَنِيُّ﴾ إشارَةٌ إلى كُلِّ صِفَةٍ سَلْبِيَّةٍ فَإنَّهُ إذا كانَ غَنِيًّا لا يَكُونُ عَرَضًا مُحْتاجًا إلى الجَوْهَرِ في القَوامِ، ولا جِسْمًا مُحْتاجًا إلى الحَيِّزِ في الدَّوامِ، ولا شَيْئًا مِنَ المُمْكِناتِ المُحْتاجَةِ إلى
صفحة ١٤١
المُوجِدِ، وذَكَرَ بَعْدَهُ جَمِيعَ الأوْصافِ الثُّبُوتِيَّةِ صَرِيحًا وتَضَمُّنًا، فَإنَّ الحَياةَ في ضِمْنِ العِلْمِ والقُدْرَةِ، قالَ ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ أيْ ذَلِكَ الِاتِّصافُ بِأنَّهُ هو الحَقُّ، والحَقُّ هو الثُّبُوتُ والثّابِتُ اللَّهُ، وهو الثّابِتُ المُطْلَقُ الَّذِي لا زَوالَ لَهُ وهو الثُّبُوتُ، فَإنَّ المَذْهَبَ الصَّحِيحَ أنَّ وُجُودَهُ غَيْرُ حَقِيقَتِهِ فَكُلُّ ما عَداهُ فَلَهُ زَوالٌ نَظَرًا إلَيْهِ، واللَّهُ لَهُ الثُّبُوتُ والوُجُودُ نَظَرًا إلَيْهِ، فَهو الحَقُّ وما عَداهُ الباطِلُ؛ لِأنَّ الباطِلَ هو الزّائِلُ يُقالُ: بَطَلَ ظِلُّهُ إذا زالَ. وإذا كانَ لَهُ الثُّبُوتُ مِن كُلِّ وجْهٍ يَكُونُ تامًّا لا نَقْصَ فِيهِ.
ثُمَّ اعْلَمْ أنَّ الحُكَماءَ قالُوا: اللَّهُ تامٌّ وفَوْقَ التَّمامِ، وجَعَلُوا الأشْياءَ عَلى أرْبَعَةِ أقْسامٍ: ناقِصٌ ومُكْتَفٍ وتامٌّ وفَوْقَ التَّمامِ. فالنّاقِصُ: ما لَيْسَ لَهُ ما يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ لَهُ كالصَّبِيِّ والمَرِيضِ والأعْمى. والمُكْتَفِي: وهو الَّذِي أُعْطِيَ ما يَدْفَعُ بِهِ حاجَتَهُ في وقْتِهِ كالإنْسانِ والحَيَوانِ الَّذِي لَهُ مِنَ الآلاتِ ما يَدْفَعُ بِهِ حاجَتَهُ في وقْتِها، لَكِنَّها في التَّحَلُّلِ والزَّوالِ. والتّامُّ: ما حَصَلَ لَهُ كُلُّ ما جازَ لَهُ، وإنْ لَمْ يَحْتَجْ إلَيْهِ كالمَلائِكَةِ المُقَرَّبِينَ لَهم دَرَجاتٌ لا تَزْدادُ ولا يَنْقُصُ اللَّهُ مِنها لَهم شَيْئًا كَما «قالَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ “ لَوْ دَنَوْتُ أُنْمُلَةً لاحْتَرَقْتَ» “ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصافات: ١٦٤] .
وفَوْقَ التَّمامِ: هو الَّذِي حَصَلَ لَهُ ما جازَ لَهُ، وحَصَلَ لِما عَداهُ ما جازَ لَهُ أوِ احْتاجَ إلَيْهِ لَكِنَّ اللَّهَ تَعالى حاصِلٌ لَهُ كُلَّ ما يَجُوزُ لَهُ مِن صِفاتِ الكَمالِ ونُعُوتِ الجَلالِ، فَهو تامٌّ، وحَصَلَ لِغَيْرِهِ كُلُّ ما جازَ لَهُ أوِ احْتاجَ إلَيْهِ فَهو فَوْقُ التَّمامِ.
إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿هُوَ الحَقُّ﴾ إشارَةٌ إلى التَّمامِ، وقَوْلُهُ: ﴿وأنَّ اللَّهَ هو العَلِيُّ الكَبِيرُ﴾ أيْ فَوْقَ التَّمامِ، وقَوْلُهُ: ﴿هُوَ العَلِيُّ﴾ أيْ في صِفاتِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿الكَبِيرُ﴾ أيْ في ذاتِهِ، وذَلِكَ يُنافِي أنْ يَكُونَ جِسْمًا في مَكانٍ؛ لِأنَّهُ يَكُونُ حِينَئِذٍ جَسَدًا مُقَدَّرًا بِمِقْدارٍ، فَيُمْكِنُ فَرْضُ ما هو أكْبَرُ مِنهُ، فَيَكُونُ صَغِيرًا بِالنِّسْبَةِ إلى المَفْرُوضِ، لَكِنَّهُ كَبِيرٌ مُطْلَقًا أكْبَرُ مِن كُلِّ ما يُتَصَوَّرُ.
لقمان 31:31
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ الفُلْكَ تَجْرِي في البَحْرِ بِنِعْمَةِ اللَّهِ لِيُرِيَكم مِن آياتِهِ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾
لَمّا ذَكَرَ آيَةً سَماوِيَّةً بِقَوْلِهِ: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ ويُولِجُ النَّهارَ في اللَّيْلِ وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ﴾ وأشارَ إلى السَّبَبِ والمُسَبَّبِ ذَكَرَ آيَةً أرْضِيَّةً، وأشارَ إلى السَّبَبِ والمُسَبِّبِ فَقَوْلُهُ: ﴿الفُلْكَ تَجْرِي﴾ إشارَةٌ إلى المُسَبَّبِ وقَوْلُهُ: ﴿بِنِعْمَةِ اللَّهِ﴾ إشارَةٌ إلى السَّبَبِ أيْ إلى الرِّيحِ الَّتِي هي بِأمْرِ اللَّهِ ﴿لِيُرِيَكم مِن آياتِهِ﴾ يَعْنِي يُرِيَكم بِإجْرائِها بِنِعْمَتِهِ ﴿مِن آياتِهِ﴾ أيْ بَعْضِ آياتِهِ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ صَبّارٌ في الشِّدَّةِ، شَكُورٌ في الرَّخاءِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ المُؤْمِنَ مُتَذَكِّرٌ عِنْدَ الشِّدَّةِ والبَلاءِ عِنْدَ النِّعَمِ والآلاءِ، فَيَصْبِرُ إذا أصابَتْهُ نِقْمَةٌ، ويَشْكُرُ إذا أتَتْهُ نِعْمَةٌ، ووَرَدَ في كَلامِ النَّبِيِّ ﷺ “ «الإيمانُ نِصْفانِ؛ نِصْفٌ صَبْرٌ، ونِصْفٌ شُكْرٌ» “ إشارَةٌ إلى أنَّ التَّكالِيفَ أفْعالٌ وتُرُوكٌ، والتُّرُوكُ صَبْرٌ عَنِ المَأْلُوفِ كَما قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ “ «الصَّوْمُ صَبْرٌ، والأفْعالُ شُكْرٌ عَلى المَعْرُوفِ» “ .
لقمان 31:32
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإذا غَشِيَهم مَوْجٌ كالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمّا نَجّاهم إلى البَرِّ فَمِنهم مُقْتَصِدٌ وما يَجْحَدُ بِآياتِنا إلّا كُلُّ خَتّارٍ كَفُورٍ﴾
لَمّا ذَكَرَ اللَّهُ أنَّ في ذَلِكَ لِآياتٍ، ذَكَرَ أنَّ الكُلَّ مُعْتَرِفُونَ بِهِ، غَيْرَ أنَّ البَصِيرَ يُدْرِكُهُ أوَّلًا ومَن في بَصَرِهِ ضَعْفٌ لا يُدْرِكُهُ أوَّلًا، فَإذا غَشِيَهُ مَوْجٌ ووَقَعَ في شِدَّةٍ اعْتَرَفَ بِأنَّ الكُلَّ مِنَ اللَّهِ، ودَعاهُ مُخْلِصًا أيْ يَتْرُكُ كُلَّ مَن عَداهُ ويَنْسى جَمِيعَ مَن سِواهُ، فَإذا نَجّاهُ مِن تِلْكَ الشِّدَّةِ قَدْ بَقِيَ عَلى تِلْكَ الحالَةِ، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَمِنهم مُقْتَصِدٌ﴾ وقَدْ يَعُودُ إلى الشِّرْكِ وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وما يَجْحَدُ بِآياتِنا إلّا كُلُّ خَتّارٍ كَفُورٍ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿مَوْجٌ كالظُّلَلِ﴾ وحَدَّ المَوْجَ، وجَمَعَ الظُّلَلَ، وقِيلَ في مَعْناهُ كالجِبالِ، وقِيلَ كالسَّحابِ إشارَةٌ إلى عِظَمِ المَوْجِ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ المَوْجُ الواحِدُ العَظِيمُ يَرى فِيهِ طُلُوعٌ ونُزُولٌ، وإذا نَظَرْتَ في الجَرْيَةِ الواحِدَةِ مِنَ النَّهْرِ العَظِيمِ تَبَيَّنَ لَكَ ذَلِكَ، فَيَكُونُ ذَلِكَ كالجِبالِ المُتَلاصِقَةِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ في العَنْكَبُوتِ ﴿فَإذا رَكِبُوا في الفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ﴾ [العنكبوت: ٦٥] ثُمَّ قالَ: ﴿فَلَمّا نَجّاهم إلى البَرِّ إذا هم يُشْرِكُونَ﴾ وقالَ هَهُنا: ﴿فَلَمّا نَجّاهم إلى البَرِّ فَمِنهم مُقْتَصِدٌ﴾ فَنَقُولُ: لَمّا ذَكَرَ هَهُنا أمْرًا عَظِيمًا وهو المَوْجُ الَّذِي كالجِبالِ بَقِيَ أثَرُ ذَلِكَ في قُلُوبِهِمْ، فَخَرَجَ مِنهم مُقْتَصِدٌ، أيْ في الكُفْرِ وهو الَّذِي انْزَجَرَ بَعْضَ الِانْزِجارِ، أوْ مُقْتَصِدٌ في الإخْلاصِ فَبَقِيَ مَعَهُ شَيْءٌ مِنهُ ولَمْ يَبْقَ عَلى ما كانَ عَلَيْهِ مِنَ الإخْلاصِ، وهُناكَ لَمْ يَذْكُرْ مَعَ رُكُوبِ البَحْرِ مُعايَنَةً مِثْلَ ذَلِكَ الأمْرِ، فَذَكَرَ إشْراكَهم حَيْثُ لَمْ يَبْقَ عِنْدَهُ أثَرٌ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وما يَجْحَدُ بِآياتِنا﴾ في مُقابَلَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ﴾ يَعْنِي يَعْتَرِفُ بِها الصَّبّارُ الشَّكُورُ، ويَجْحَدُها الخَتّارُ الكَفُورُ، والصَّبّارُ في مُوازَنَةِ الخَتّارِ لَفْظًا ومَعْنًى، والكَفُورُ في مُوازَنَةِ الشَّكُورِ، أمّا لَفْظًا فَظاهِرٌ، وأمّا مَعْنًى فَلِأنَّ الخَتّارَ هو الغَدّارُ الكَثِيرُ الغَدْرِ أوِ الشَّدِيدُ الغَدْرِ، والغَدْرُ لا يَكُونُ إلّا مِن قِلَّةِ الصَّبْرِ؛ لِأنَّ الصَّبُورَ إنْ لَمْ يَكُنْ يَعْهَدُ مَعَ أحَدٍ لا يُعْهَدُ مِنهُ الإضْرارُ، فَإنَّهُ يَصْبِرُ ويُفَوِّضُ الأمْرَ إلى اللَّهِ، وأمّا الغَدّارُ فَيَعْهَدُ ولا يَصْبِرُ عَلى العَهْدِ فَيَنْقُضُهُ، وأمّا أنَّ الكَفُورَ في مُقابَلَةِ الشَّكُورِ مَعْنًى فَظاهِرٌ.
لقمان 31:33
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ياأيُّها النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكم واخْشَوْا يَوْمًا لا يَجْزِي والِدٌ عَنْ ولَدِهِ ولا مَوْلُودٌ هو جازٍ عَنْ والِدِهِ شَيْئًا إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الحَياةُ الدُّنْيا ولا يَغُرَّنَّكم بِاللَّهِ الغَرُورُ﴾
صفحة ١٤٣
لَمّا ذَكَرَ الدَّلائِلَ مِن أوَّلِ السُّورَةِ إلى آخِرِها وعَظَ بِالتَّقْوى؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا كانَ واحِدًا أوْجَبَ التَّقْوى البالِغَةَ، فَإنَّ مَن يَعْلَمُ أنَّ الأمْرَ بِيَدِ اثْنَيْنِ لا يَخافُ أحَدُهُما مِثْلَ ما يَخافُ لَوْ كانَ الأمْرُ بِيَدِ أحَدِهِما لا غَيْرُ، ثُمَّ أكَّدَ الخَوْفَ بِذِكْرِ اليَوْمِ الَّذِي يَحْكُمُ اللَّهُ فِيهِ بَيْنَ العِبادِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ المَلِكَ إذا كانَ واحِدًا ويَعْهَدُ مِنهُ أنَّهُ لا يَعْلَمُ شَيْئًا ولا يَسْتَعْرِضُ عِبادَهُ، لا يَخافُ مِنهُ مِثْلَ ما يَخافُ إذا عَلِمَ أنَّ لَهُ يَوْمَ اسْتِعْراضٍ واسْتِكْشافٍ، ثُمَّ أكَّدَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لا يَجْزِي والِدٌ عَنْ ولَدِهِ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ المُجْرِمَ إذا عَلِمَ أنَّ لَهُ عِنْدَ المَلِكِ مَن يَتَكَلَّمُ في حَقِّهِ ويَقْضِي ما يَخْرُجُ عَلَيْهِ بِرِفْدٍ مِن كَسْبِهِ لا يَخافُ مِثْلَ ما يَخافُ إذا عَلِمَ أنَّهُ لَيْسَ لَهُ مَن يَقْضِي عَنْهُ ما يَخْرُجُ عَلَيْهِ، ثُمَّ ذَكَرَ شَخْصَيْنِ في غايَةِ الشَّفَقَةِ والمَحَبَّةِ، وهُما الوالِدُ والوَلَدُ لِيَسْتَدِلَّ بِالأدْنى عَلى الأعْلى، وذِكْرُ الوَلَدِ والوالِدِ جَمِيعًا فِيهِ لَطِيفَةٌ، وهي أنْ مِنَ الأُمُورِ ما يُبادِرُ الأبُ إلى التَّحَمُّلِ عَنِ الوَلَدِ كَدَفْعِ المالِ وتَحَمُّلِ الآلامِ، والوَلَدُ لا يُبادِرُ إلى تَحَمُّلِهِ عَنِ الوالِدِ مِثْلَ ما يُبادِرُ الوالِدُ إلى تَحَمُّلِهِ عَنِ الوَلَدِ، ومِنها ما يُبادِرُ الوَلَدُ إلى تَحَمُّلِهِ عَنِ الوالِدِ ولا يُبادِرُ الوالِدُ إلى تَحَمُّلِهِ عَنِ الوَلَدِ كالإهانَةِ، فَإنَّ مَن يُرِيدُ إحْضارَ والِدِ أحَدٍ عِنْدَ والٍ أوْ قاضٍ يَهُونُ عَلى الِابْنِ أنْ يَدْفَعَ الإهانَةَ عَنْ والِدِهِ، ويَحْضُرَ هو بَدَلَهُ، فَإذا انْتَهى الأمْرُ إلى الإيلامِ يَهُونُ عَلى الأبِ أنْ يَدْفَعَ الإيلامَ عَنِ ابْنِهِ ويَتَحَمَّلَهُ هو بِنَفْسِهِ، فَقَوْلُهُ: ﴿لا يَجْزِي والِدٌ عَنْ ولَدِهِ﴾ في دَفْعِ الآلامِ ﴿ولا مَوْلُودٌ هو جازٍ عَنْ والِدِهِ شَيْئًا﴾ في دَفْعِ الإهانَةِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿لا يَجْزِي﴾ .
وقَوْلُهُ: ﴿ولا مَوْلُودٌ هو جازٍ﴾ لَطِيفَةٌ أُخْرى، وهي أنّا ذَكَرْنا أنَّ الفِعْلَ يَتَأتّى وإنْ كانَ مِمَّنْ لا يَنْبَغِي ولا يَكُونُ مِن شَأْنِهِ؛ لِأنَّ المَلِكَ إذا كانَ يَخِيطُ شَيْئًا، يُقالُ إنَّهُ يَخِيطُ ولا يُقالُ هو خَيّاطٌ، وكَذَلِكَ مَن يَحِيكُ شَيْئًا، ولا يَكُونُ ذَلِكَ صَنْعَتَهُ، يُقالُ هو يَحِيكُ ولا يُقالُ هو حائِكٌ، إذا عَلِمْتَ هَذا فَنَقُولُ: الِابْنُ مِن شَأْنِهِ أنْ يَكُونَ جازِيًا عَنْ والِدِهِ؛ لِما لَهُ عَلَيْهِ مِنَ الحُقُوقِ، والوالِدُ يَجْزِي لِما فِيهِ مِنَ الشَّفَقَةِ، ولَيْسَ بِواجِبٍ عَلَيْهِ ذَلِكَ، فَقالَ في الوالِدِ لا يَجْزِي، وقالَ في الوَلَدِ ﴿ولا مَوْلُودٌ هو جازٍ﴾ .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ وهو يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ.
أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ تَحْقِيقًا لِلْيَوْمِ، يَعْنِي اخْشَوْا يَوْمًا هَذا شَأْنُهُ، وهو كائِنٌ لِوَعْدِ اللَّهِ بِهِ، ووَعْدُهُ حَقٌّ.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ تَحْقِيقًا لِعَدَمِ الجَزاءِ، يَعْنِي: ﴿لا يَجْزِي والِدٌ عَنْ ولَدِهِ﴾ لِأنَّ اللَّهَ وعَدَ بِـ ﴿ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ [الأنعام: ١٦٤] ووَعْدُ اللَّهِ حَقٌّ، فَلا يَجْزِي. والأوَّلُ أحْسَنُ وأظْهَرُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الحَياةُ الدُّنْيا﴾ يَعْنِي إذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَلا تَغْتَرُّوا بِالدُّنْيا، فَإنَّها زائِلَةٌ لِوُقُوعِ ذَلِكَ اليَوْمِ المَذْكُورِ بِالوَعْدِ الحَقِّ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولا يَغُرَّنَّكم بِاللَّهِ الغَرُورُ﴾ يَعْنِي الدُّنْيا لا يَنْبَغِي أنْ تَغُرَّكم بِنَفْسِها، ولا يَنْبَغِي أنْ تَغْتَرُّوا بِها، وإنْ حَمَلَكم عَلى مَحَبَّتِها غارٌّ مِن نَفْسٍ أمّارَةٍ أوْ شَيْطانٍ، فَكانَ النّاسُ عَلى أقْسامٍ: مِنهم مَن تَدْعُوهُ الدُّنْيا إلى نَفْسِها فَيَمِيلُ إلَيْها، ومِنهم مَن يُوَسْوِسُ في صَدْرِهِ الشَّيْطانُ ويُزَيِّنُ في عَيْنِهِ الدُّنْيا، ويُؤَمِّلُهُ ويَقُولُ: إنَّكَ تُحَصِّلُ بِها الآخِرَةَ أوْ تَلْتَذُّ بِها، ثُمَّ تَتُوبُ فَتَجْتَمِعُ لَكَ الدُّنْيا والآخِرَةُ، فَنَهاهم عَنِ الأمْرَيْنِ، وقالَ: كُونُوا قِسْمًا ثالِثًا: وهُمُ الَّذِينَ لا يَلْتَفِتُونَ إلى الدُّنْيا ولا إلى مَن يُحَسِّنُ الدُّنْيا في الأعْيُنِ.
لقمان 31:34
صفحة ١٤٤
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ ويُنَزِّلُ الغَيْثَ ويَعْلَمُ ما في الأرْحامِ وما تَدْرِي نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَدًا وما تَدْرِي نَفْسٌ بِأيِّ أرْضٍ تَمُوتُ إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾
يَقُولُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى نَفى عِلْمَ أُمُورٍ خَمْسَةٍ بِهَذِهِ الآيَةِ عَنْ غَيْرِهِ، وهو كَذَلِكَ، لَكِنَّ المَقْصُودَ لَيْسَ ذَلِكَ؛ لِأنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ الجَوْهَرَ الفَرْدَ الَّذِي كانَ في كَثِيبِ رَمْلٍ في زَمانِ الطُّوفانِ، ونَقَلَهُ الرِّيحُ مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ كَمْ مَرَّةٍ، ويَعْلَمُ أنَّهُ أيْنَ هو ولا يَعْلَمُهُ غَيْرُهُ، ولِأنَّهُ يَعْلَمُ أنَّهُ يُوجَدُ بَعْدَ هَذِهِ السِّنِينَ ذَرَّةٌ في بَرِّيَّةٍ لا يَسْلُكُها أحَدٌ ولا يَعْلَمُهُ غَيْرُهُ، فَلا وجْهَ لِاخْتِصاصِ هَذِهِ الأشْياءِ بِالذِّكْرِ، وإنَّما الحَقُّ فِيهِ أنْ نَقُولَ لَمّا قالَ اللَّهُ: ﴿واخْشَوْا يَوْمًا لا يَجْزِي والِدٌ عَنْ ولَدِهِ﴾ وذَكَرَ أنَّهُ كائِنٌ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ كَأنَّ قائِلًا قالَ: فَمَتى يَكُونُ هَذا اليَوْمُ ؟ فَأُجِيبَ بِأنَّ هَذا العِلْمَ مِمّا لَمْ يَحْصُلْ لِغَيْرِ اللَّهِ، ولَكِنْ هو كائِنٌ، ثُمَّ ذَكَرَ الدَّلِيلَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرْناهُما مِرارًا عَلى البَعْثِ، أحَدُهُما: إحْياءُ الأرْضِ بَعْدَ مَوْتِها كَما قالَ تَعالى: ﴿وإنْ كانُوا مِن قَبْلِ أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِن قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ﴾ ﴿فانْظُرْ إلى آثارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي المَوْتى﴾ [الروم: ٥٠] وقالَ تَعالى: ﴿ويُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ وقالَ هَهُنا: يا أيُّها السّائِلُ إنَّكَ لا تَعْلَمُ وقْتَها ولَكِنَّها كائِنَةٌ، واللَّهُ قادِرٌ عَلَيْها كَما هو قادِرٌ عَلى إحْياءِ الأرْضِ حَيْثُ قالَ: ﴿وهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الغَيْثَ﴾ وقالَ: ﴿يُحْيِي الأرْضَ﴾ .
وثانِيهِما: الخَلْقُ ابْتِداءً كَما قالَ: ﴿وهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ [الروم: ٢٧] وقالَ تَعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأ الخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأةَ الآخِرَةَ﴾ [العنكبوت: ٢٠] إلى غَيْرِ ذَلِكَ فَقالَ هَهُنا ﴿ويَعْلَمُ ما في الأرْحامِ﴾ إشارَةً إلى أنَّ السّاعَةَ وإنْ كُنْتَ لا تَعْلَمُها لَكِنَّها كائِنَةٌ، واللَّهُ قادِرٌ عَلَيْها، وكَما هو قادِرٌ عَلى الخَلْقِ في الأرْحامِ كَذَلِكَ يَقْدِرُ عَلى الخَلْقِ مِنَ الرُّخامِ، ثُمَّ قالَ لِذَلِكَ الطّالِبِ عِلْمَهُ: يا أيُّها السّائِلُ إنَّكَ تَسْألُ عَنِ السّاعَةِ أيّانَ مُرْساها، فَلَكَ أشْياءُ أهَمُّ مِنها لا تَعْلَمُها، فَإنَّكَ لا تَعْلَمُ مَعاشَكَ ومَعادَكَ، ولا تَعْلَمُ ماذا تَكْسِبُ غَدًا مَعَ أنَّهُ فِعْلُكَ وزَمانُكَ، ولا تَعْلَمُ أيْنَ تَمُوتُ مَعَ أنَّهُ شُغْلُكَ ومَكانُكَ، فَكَيْفَ تَعْلَمُ قِيامَ السّاعَةِ مَتى تَكُونُ، فاللَّهُ ما أعْلَمَكَ كَسْبَ غَدِكَ مَعَ أنَّ لَكَ فِيهِ فَوائِدَ تُبْنى عَلَيْها الأُمُورُ مِن يَوْمِكَ، ولا أعْلَمَكَ أيْنَ تَمُوتُ، مَعَ أنَّ لَكَ فِيهِ أغْراضًا تُهَيِّئُ أُمُورَكَ بِسَبَبِ ذَلِكَ العِلْمِ، وإنَّما لَمْ يُعْلِمْكَ لِكَيْ تَكُونَ في وقْتٍ بِسَبَبِ الرِّزْقِ راجِعًا إلى اللَّهِ تَعالى مُتَوَكِّلًا عَلى اللَّهِ، ولا أعْلَمَكَ الأرْضَ الَّتِي تَمُوتُ فِيها كَيْ لا تَأْمَنَ المَوْتَ، وأنْتَ في غَيْرِها، فَإذا لَمْ يُعْلِمْكَ ما تَحْتاجُ إلَيْهِ كَيْفَ يُعْلِمُكَ ما لا حاجَةَ لَكَ إلَيْهِ، وهي السّاعَةُ ؟ ! وإنَّما الحاجَةُ إلى العِلْمِ بِأنَّها تَكُونُ، وقَدْ أُعْلِمْتَ مِنَ اللَّهِ عَلى لِسانِ أنْبِيائِهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ لَمّا خَصَّصَ أوَّلًا عِلْمَهُ بِالأشْياءِ المَذْكُورَةِ، بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ﴾ ذَكَرَ أنَّ عِلْمَهُ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِها، بَلْ هو عَلِيمٌ مُطْلَقًا بِكُلِّ شَيْءٍ، ولَيْسَ عِلْمُهُ عِلْمًا بِظاهِرِ الأشْياءِ فَحَسْبُ، بَلْ خَبِيرٌ عِلْمُهُ واصِلٌ إلى بَواطِنِ الأشْياءِ، واللَّهُ أعْلَمُ بِالصَّوابِ.
السجدة 32:1
صفحة ١٤٥
سُورَةُ السَّجْدَةِ
وتُسَمّى سُورَةَ المَضاجِعِ، مَكِّيَّةٌ عِنْدَ أكْثَرِهِمْ
وهِيَ تِسْعٌ وعِشْرُونَ آيَةً، وقِيلَ ثَلاثُونَ آيَةً
﷽
﴿الم﴾ ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ بَلْ هو الحَقُّ مِن رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أتاهم مِن نَذِيرٍ مِن قَبْلِكَ لَعَلَّهم يَهْتَدُونَ﴾
﴿الم﴾ ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾
لَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى في السُّورَةِ المُتَقَدِّمَةِ دَلِيلَ الوَحْدانِيَّةِ، وذَكَرَ الأصْلَ، وهو الحَشْرُ، وخَتَمَ السُّورَةَ بِهِما، بَدَأ بِبَيانِ الرِّسالَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ فَقالَ: ﴿الم﴾ ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ وقَدْ عُلِمَ ما في قَوْلِهِ: ﴿الم﴾، وفي قَوْلِهِ: ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ مِن سُورَةِ البَقَرَةِ وغَيْرِها، غَيْرَ أنَّ هَهُنا قالَ: ﴿مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ وقالَ مِن قَبْلُ: ﴿هُدًى ورَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ﴾ [لقمان: ٣] وقالَ في البَقَرَةِ: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ وذَلِكَ؛ لِأنَّ مَن يَرى كِتابًا عِنْدَ غَيْرِهِ، فَأوَّلُ ما تَصِيرُ النَّفْسُ طالِبَةً تَطْلُبُ ما في الكِتابِ، فَيَقُولُ: ما هَذا الكِتابُ ؟ فَإذا قِيلَ هَذا فِقْهٌ أوْ تَفْسِيرٌ فَيَقُولُ بَعْدَ ذَلِكَ: تَصْنِيفُ مَن هو ؟ ولا يُقالُ أوَّلًا: هَذا الكِتابُ تَصْنِيفُ مَن ؟ ثُمَّ يَقُولُ فِيماذا هو ؟ إذا عَلِمَ هَذا فَقالَ أوَّلًا: هَذا الكِتابُ هُدًى ورَحْمَةٌ، ثُمَّ قالَ هَهُنا: هو كِتابُ اللَّهِ تَعالى، وذَكَرَهُ بِلَفْظِ رَبِّ العالَمِينَ، لِأنَّ كِتابَ مَن يَكُونُ رَبَّ العالَمِينَ يَكُونُ فِيهِ عَجائِبُ العالَمِينَ، فَتَدْعُو النَّفْسُ إلى مُطالَعَتِهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ بَلْ هو الحَقُّ مِن رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أتاهم مِن نَذِيرٍ مِن قَبْلِكَ لَعَلَّهم يَهْتَدُونَ﴾
يَعْنِي أتَعْتَرِفُونَ بِهِ أمْ تَقُولُونَ هو مُفْتَرًى، ثُمَّ أجابَ وبَيَّنَ أنَّ الحَقَّ أنَّهُ حَقٌّ مِن رَبِّهِ، ثُمَّ بَيَّنَ فائِدَةَ التَّنْزِيلِ وهو الإنْذارُ، وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: كَيْفَ قالَ: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أتاهم مِن نَذِيرٍ﴾ مَعَ أنَّ النُّذُرَ سَبَقُوهُ.
الجَوابُ: مِن وجْهَيْنِ. أحَدُهُما: مَعْقُولٌ والآخَرُ مَنقُولٌ.
أمّا المَنقُولُ فَهو أنَّ قُرَيْشًا كانَتْ أُمَّةً أُمِّيَّةً لَمْ يَأْتِهِمْ نَذِيرٌ قَبْلَ مُحَمَّدٍ ﷺ وهو
صفحة ١٤٦
بَعِيدٌ، فَإنَّهم كانُوا مِن أوْلادِ إبْراهِيمَ، وجَمِيعُ أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ مِن أوْلادِ أعْمامِهِمْ، وكَيْفَ كانَ اللَّهُ يَتْرُكُ قَوْمًا مِن وقْتِ آدَمَ إلى زَمانِ مُحَمَّدٍ بِلا دِينٍ ولا شَرْعٍ ؟ وإنْ كُنْتَ تَقُولُ: بِأنَّهم ما جاءَهم رَسُولٌ بِخُصُوصِهِمْ، يَعْنِي ذَلِكَ القَرْنَ فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُخْتَصًّا بِالعَرَبِ، بَلْ أهْلُ الكِتابِ أيْضًا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ القَرْنُ قَدْ أتاهم رَسُولٌ، وإنَّما أتى الرُّسُلُ آباءَهم، وكَذَلِكَ العَرَبُ أتى الرُّسُلُ آباءَهم كَيْفَ والَّذِي عَلَيْهِ الأكْثَرُونَ أنَّ آباءَ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانُوا كُفّارًا، ولِأنَّ النَّبِيَّ أوْعَدَهم وأوْعَدَ آباءَهم بِالعَذابِ، وقالَ تَعالى: ﴿وما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] .
وأمّا المَعْقُولُ وهو أنَّ اللَّهَ تَعالى أجْرى عادَتَهُ عَلى أنَّ أهْلَ عَصْرٍ إذا ضَلُّوا بِالكُلِّيَّةِ ولَمْ يَبْقَ فِيهِمْ مَن يَهْدِيهِمْ، يَلْطُفُ بِعِبادِهِ ويُرْسِلُ رَسُولًا، ثُمَّ إنَّهُ إذا أرادَ طُهْرَهم بِإزالَةِ الشِّرْكِ والكُفْرِ مِن قُلُوبِهِمْ وإنْ أرادَ طُهْرَ وجْهِ الأرْضِ بِإهْلاكِهِمْ، ثُمَّ أهْلُ العَصْرِ ضَلُّوا بَعْدَ الرُّسُلِ، فَلَمْ يَأْتِهِمْ رَسُولٌ قَبْلَ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَقالَ: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أتاهُمْ﴾ أيْ بَعْدَ الضَّلالِ الَّذِي كانَ بَعْدَ الهِدايَةِ لَمْ يَأْتِهِمْ نَذِيرٌ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لَوْ قالَ قائِلٌ: التَّخْصِيصُ بِالذِّكْرِ يَدُلُّ عَلى نَفْيِ ما عَداهُ فَقَوْلُهُ: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أتاهُمْ﴾ يُوجِبُ أنْ يَكُونَ إنْذارُهُ مُخْتَصًّا بِمَن لَمْ يَأْتِهِ نَذِيرٌ، لَكِنَّ أهْلَ الكِتابِ قَدْ أتاهم نَذِيرٌ، فَلا يَكُونُ الكِتابُ مُنْزَلًا إلى الرَّسُولِ لِيُنْذِرَ أهْلَ الكِتابِ، فَلا يَكُونُ رَسُولًا إلَيْهِمْ. نَقُولُ: هَذا فاسِدٌ مِن وُجُوهٍ.
أحَدُها: أنَّ التَّخْصِيصَ لا يُوجِبُ نَفْيَ ما عَداهُ.
والثّانِي: أنَّهُ وإنْ قالَ بِهِ قائِلٌ لَكِنَّهُ وافَقَ غَيْرَهُ في أنَّ التَّخْصِيصَ إنْ كانَ لَهُ سَبَبٌ غَيْرُ نَفْيِ ما عَداهُ لا يُوجِبُ نَفْيَ ما عَداهُ، وهاهُنا وُجِدَ ذَلِكَ؛ لِأنَّ إنْذارَهم كانَ أوْلى، ألا تَرى أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] ولَمْ يُفْهَمْ مِنهُ أنَّهُ لا يُنْذِرُ غَيْرَهم أوْ لَمْ يُؤْمَرْ بِإنْذارِ غَيْرِهِمْ، وإنْذارُ المُشْرِكِينَ كانَ أوْلى، لِأنَّ إنْذارَهم كانَ بِالتَّوْحِيدِ والحَشْرِ، وأهْلُ الكِتابِ لَمْ يُنْذَرُوا إلّا بِسَبَبِ إنْكارِهِمُ الرِّسالَةَ فَكانُوا أوْلى بِالذِّكْرِ، فَوَقَعَ التَّخْصِيصُ لِأجْلِ ذَلِكَ.
الثّالِثُ: هو أنَّ عَلى ما ذَكَرْنا لا يُرَدُّ ما ذَكَرَهُ أصْلًا؛ لِأنَّ أهْلَ الكِتابِ كانُوا قَدْ ضَلُّوا ولَمْ يَأْتِهِمْ نَذِيرٌ مِن قَبْلِ مُحَمَّدٍ بَعْدَ ضَلالِهِمْ فَلَزِمَ أنْ يَكُونَ مُرْسَلًا إلى الكُلِّ عَلى دَرَجَةٍ سَواءٍ، وبِهَذا يَتَبَيَّنُ حُسْنُ ما اخْتَرْناهُ، وقَوْلُهُ: ﴿لَعَلَّهم يَهْتَدُونَ﴾ يَعْنِي تُنْذِرُهم راجِيًا أنْتَ اهْتِداءَهم.
السجدة 32:2
صفحة ١٤٥
سُورَةُ السَّجْدَةِ
وتُسَمّى سُورَةَ المَضاجِعِ، مَكِّيَّةٌ عِنْدَ أكْثَرِهِمْ
وهِيَ تِسْعٌ وعِشْرُونَ آيَةً، وقِيلَ ثَلاثُونَ آيَةً
﷽
﴿الم﴾ ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ بَلْ هو الحَقُّ مِن رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أتاهم مِن نَذِيرٍ مِن قَبْلِكَ لَعَلَّهم يَهْتَدُونَ﴾
﴿الم﴾ ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾
لَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى في السُّورَةِ المُتَقَدِّمَةِ دَلِيلَ الوَحْدانِيَّةِ، وذَكَرَ الأصْلَ، وهو الحَشْرُ، وخَتَمَ السُّورَةَ بِهِما، بَدَأ بِبَيانِ الرِّسالَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ فَقالَ: ﴿الم﴾ ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ وقَدْ عُلِمَ ما في قَوْلِهِ: ﴿الم﴾، وفي قَوْلِهِ: ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ مِن سُورَةِ البَقَرَةِ وغَيْرِها، غَيْرَ أنَّ هَهُنا قالَ: ﴿مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ وقالَ مِن قَبْلُ: ﴿هُدًى ورَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ﴾ [لقمان: ٣] وقالَ في البَقَرَةِ: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ وذَلِكَ؛ لِأنَّ مَن يَرى كِتابًا عِنْدَ غَيْرِهِ، فَأوَّلُ ما تَصِيرُ النَّفْسُ طالِبَةً تَطْلُبُ ما في الكِتابِ، فَيَقُولُ: ما هَذا الكِتابُ ؟ فَإذا قِيلَ هَذا فِقْهٌ أوْ تَفْسِيرٌ فَيَقُولُ بَعْدَ ذَلِكَ: تَصْنِيفُ مَن هو ؟ ولا يُقالُ أوَّلًا: هَذا الكِتابُ تَصْنِيفُ مَن ؟ ثُمَّ يَقُولُ فِيماذا هو ؟ إذا عَلِمَ هَذا فَقالَ أوَّلًا: هَذا الكِتابُ هُدًى ورَحْمَةٌ، ثُمَّ قالَ هَهُنا: هو كِتابُ اللَّهِ تَعالى، وذَكَرَهُ بِلَفْظِ رَبِّ العالَمِينَ، لِأنَّ كِتابَ مَن يَكُونُ رَبَّ العالَمِينَ يَكُونُ فِيهِ عَجائِبُ العالَمِينَ، فَتَدْعُو النَّفْسُ إلى مُطالَعَتِهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ بَلْ هو الحَقُّ مِن رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أتاهم مِن نَذِيرٍ مِن قَبْلِكَ لَعَلَّهم يَهْتَدُونَ﴾
يَعْنِي أتَعْتَرِفُونَ بِهِ أمْ تَقُولُونَ هو مُفْتَرًى، ثُمَّ أجابَ وبَيَّنَ أنَّ الحَقَّ أنَّهُ حَقٌّ مِن رَبِّهِ، ثُمَّ بَيَّنَ فائِدَةَ التَّنْزِيلِ وهو الإنْذارُ، وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: كَيْفَ قالَ: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أتاهم مِن نَذِيرٍ﴾ مَعَ أنَّ النُّذُرَ سَبَقُوهُ.
الجَوابُ: مِن وجْهَيْنِ. أحَدُهُما: مَعْقُولٌ والآخَرُ مَنقُولٌ.
أمّا المَنقُولُ فَهو أنَّ قُرَيْشًا كانَتْ أُمَّةً أُمِّيَّةً لَمْ يَأْتِهِمْ نَذِيرٌ قَبْلَ مُحَمَّدٍ ﷺ وهو
صفحة ١٤٦
بَعِيدٌ، فَإنَّهم كانُوا مِن أوْلادِ إبْراهِيمَ، وجَمِيعُ أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ مِن أوْلادِ أعْمامِهِمْ، وكَيْفَ كانَ اللَّهُ يَتْرُكُ قَوْمًا مِن وقْتِ آدَمَ إلى زَمانِ مُحَمَّدٍ بِلا دِينٍ ولا شَرْعٍ ؟ وإنْ كُنْتَ تَقُولُ: بِأنَّهم ما جاءَهم رَسُولٌ بِخُصُوصِهِمْ، يَعْنِي ذَلِكَ القَرْنَ فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُخْتَصًّا بِالعَرَبِ، بَلْ أهْلُ الكِتابِ أيْضًا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ القَرْنُ قَدْ أتاهم رَسُولٌ، وإنَّما أتى الرُّسُلُ آباءَهم، وكَذَلِكَ العَرَبُ أتى الرُّسُلُ آباءَهم كَيْفَ والَّذِي عَلَيْهِ الأكْثَرُونَ أنَّ آباءَ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانُوا كُفّارًا، ولِأنَّ النَّبِيَّ أوْعَدَهم وأوْعَدَ آباءَهم بِالعَذابِ، وقالَ تَعالى: ﴿وما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] .
وأمّا المَعْقُولُ وهو أنَّ اللَّهَ تَعالى أجْرى عادَتَهُ عَلى أنَّ أهْلَ عَصْرٍ إذا ضَلُّوا بِالكُلِّيَّةِ ولَمْ يَبْقَ فِيهِمْ مَن يَهْدِيهِمْ، يَلْطُفُ بِعِبادِهِ ويُرْسِلُ رَسُولًا، ثُمَّ إنَّهُ إذا أرادَ طُهْرَهم بِإزالَةِ الشِّرْكِ والكُفْرِ مِن قُلُوبِهِمْ وإنْ أرادَ طُهْرَ وجْهِ الأرْضِ بِإهْلاكِهِمْ، ثُمَّ أهْلُ العَصْرِ ضَلُّوا بَعْدَ الرُّسُلِ، فَلَمْ يَأْتِهِمْ رَسُولٌ قَبْلَ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَقالَ: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أتاهُمْ﴾ أيْ بَعْدَ الضَّلالِ الَّذِي كانَ بَعْدَ الهِدايَةِ لَمْ يَأْتِهِمْ نَذِيرٌ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لَوْ قالَ قائِلٌ: التَّخْصِيصُ بِالذِّكْرِ يَدُلُّ عَلى نَفْيِ ما عَداهُ فَقَوْلُهُ: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أتاهُمْ﴾ يُوجِبُ أنْ يَكُونَ إنْذارُهُ مُخْتَصًّا بِمَن لَمْ يَأْتِهِ نَذِيرٌ، لَكِنَّ أهْلَ الكِتابِ قَدْ أتاهم نَذِيرٌ، فَلا يَكُونُ الكِتابُ مُنْزَلًا إلى الرَّسُولِ لِيُنْذِرَ أهْلَ الكِتابِ، فَلا يَكُونُ رَسُولًا إلَيْهِمْ. نَقُولُ: هَذا فاسِدٌ مِن وُجُوهٍ.
أحَدُها: أنَّ التَّخْصِيصَ لا يُوجِبُ نَفْيَ ما عَداهُ.
والثّانِي: أنَّهُ وإنْ قالَ بِهِ قائِلٌ لَكِنَّهُ وافَقَ غَيْرَهُ في أنَّ التَّخْصِيصَ إنْ كانَ لَهُ سَبَبٌ غَيْرُ نَفْيِ ما عَداهُ لا يُوجِبُ نَفْيَ ما عَداهُ، وهاهُنا وُجِدَ ذَلِكَ؛ لِأنَّ إنْذارَهم كانَ أوْلى، ألا تَرى أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] ولَمْ يُفْهَمْ مِنهُ أنَّهُ لا يُنْذِرُ غَيْرَهم أوْ لَمْ يُؤْمَرْ بِإنْذارِ غَيْرِهِمْ، وإنْذارُ المُشْرِكِينَ كانَ أوْلى، لِأنَّ إنْذارَهم كانَ بِالتَّوْحِيدِ والحَشْرِ، وأهْلُ الكِتابِ لَمْ يُنْذَرُوا إلّا بِسَبَبِ إنْكارِهِمُ الرِّسالَةَ فَكانُوا أوْلى بِالذِّكْرِ، فَوَقَعَ التَّخْصِيصُ لِأجْلِ ذَلِكَ.
الثّالِثُ: هو أنَّ عَلى ما ذَكَرْنا لا يُرَدُّ ما ذَكَرَهُ أصْلًا؛ لِأنَّ أهْلَ الكِتابِ كانُوا قَدْ ضَلُّوا ولَمْ يَأْتِهِمْ نَذِيرٌ مِن قَبْلِ مُحَمَّدٍ بَعْدَ ضَلالِهِمْ فَلَزِمَ أنْ يَكُونَ مُرْسَلًا إلى الكُلِّ عَلى دَرَجَةٍ سَواءٍ، وبِهَذا يَتَبَيَّنُ حُسْنُ ما اخْتَرْناهُ، وقَوْلُهُ: ﴿لَعَلَّهم يَهْتَدُونَ﴾ يَعْنِي تُنْذِرُهم راجِيًا أنْتَ اهْتِداءَهم.
السجدة 32:3
صفحة ١٤٥
سُورَةُ السَّجْدَةِ
وتُسَمّى سُورَةَ المَضاجِعِ، مَكِّيَّةٌ عِنْدَ أكْثَرِهِمْ
وهِيَ تِسْعٌ وعِشْرُونَ آيَةً، وقِيلَ ثَلاثُونَ آيَةً
﷽
﴿الم﴾ ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ بَلْ هو الحَقُّ مِن رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أتاهم مِن نَذِيرٍ مِن قَبْلِكَ لَعَلَّهم يَهْتَدُونَ﴾
﴿الم﴾ ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾
لَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى في السُّورَةِ المُتَقَدِّمَةِ دَلِيلَ الوَحْدانِيَّةِ، وذَكَرَ الأصْلَ، وهو الحَشْرُ، وخَتَمَ السُّورَةَ بِهِما، بَدَأ بِبَيانِ الرِّسالَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ فَقالَ: ﴿الم﴾ ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ وقَدْ عُلِمَ ما في قَوْلِهِ: ﴿الم﴾، وفي قَوْلِهِ: ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ مِن سُورَةِ البَقَرَةِ وغَيْرِها، غَيْرَ أنَّ هَهُنا قالَ: ﴿مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ وقالَ مِن قَبْلُ: ﴿هُدًى ورَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ﴾ [لقمان: ٣] وقالَ في البَقَرَةِ: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ وذَلِكَ؛ لِأنَّ مَن يَرى كِتابًا عِنْدَ غَيْرِهِ، فَأوَّلُ ما تَصِيرُ النَّفْسُ طالِبَةً تَطْلُبُ ما في الكِتابِ، فَيَقُولُ: ما هَذا الكِتابُ ؟ فَإذا قِيلَ هَذا فِقْهٌ أوْ تَفْسِيرٌ فَيَقُولُ بَعْدَ ذَلِكَ: تَصْنِيفُ مَن هو ؟ ولا يُقالُ أوَّلًا: هَذا الكِتابُ تَصْنِيفُ مَن ؟ ثُمَّ يَقُولُ فِيماذا هو ؟ إذا عَلِمَ هَذا فَقالَ أوَّلًا: هَذا الكِتابُ هُدًى ورَحْمَةٌ، ثُمَّ قالَ هَهُنا: هو كِتابُ اللَّهِ تَعالى، وذَكَرَهُ بِلَفْظِ رَبِّ العالَمِينَ، لِأنَّ كِتابَ مَن يَكُونُ رَبَّ العالَمِينَ يَكُونُ فِيهِ عَجائِبُ العالَمِينَ، فَتَدْعُو النَّفْسُ إلى مُطالَعَتِهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ بَلْ هو الحَقُّ مِن رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أتاهم مِن نَذِيرٍ مِن قَبْلِكَ لَعَلَّهم يَهْتَدُونَ﴾
يَعْنِي أتَعْتَرِفُونَ بِهِ أمْ تَقُولُونَ هو مُفْتَرًى، ثُمَّ أجابَ وبَيَّنَ أنَّ الحَقَّ أنَّهُ حَقٌّ مِن رَبِّهِ، ثُمَّ بَيَّنَ فائِدَةَ التَّنْزِيلِ وهو الإنْذارُ، وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: كَيْفَ قالَ: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أتاهم مِن نَذِيرٍ﴾ مَعَ أنَّ النُّذُرَ سَبَقُوهُ.
الجَوابُ: مِن وجْهَيْنِ. أحَدُهُما: مَعْقُولٌ والآخَرُ مَنقُولٌ.
أمّا المَنقُولُ فَهو أنَّ قُرَيْشًا كانَتْ أُمَّةً أُمِّيَّةً لَمْ يَأْتِهِمْ نَذِيرٌ قَبْلَ مُحَمَّدٍ ﷺ وهو
صفحة ١٤٦
بَعِيدٌ، فَإنَّهم كانُوا مِن أوْلادِ إبْراهِيمَ، وجَمِيعُ أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ مِن أوْلادِ أعْمامِهِمْ، وكَيْفَ كانَ اللَّهُ يَتْرُكُ قَوْمًا مِن وقْتِ آدَمَ إلى زَمانِ مُحَمَّدٍ بِلا دِينٍ ولا شَرْعٍ ؟ وإنْ كُنْتَ تَقُولُ: بِأنَّهم ما جاءَهم رَسُولٌ بِخُصُوصِهِمْ، يَعْنِي ذَلِكَ القَرْنَ فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُخْتَصًّا بِالعَرَبِ، بَلْ أهْلُ الكِتابِ أيْضًا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ القَرْنُ قَدْ أتاهم رَسُولٌ، وإنَّما أتى الرُّسُلُ آباءَهم، وكَذَلِكَ العَرَبُ أتى الرُّسُلُ آباءَهم كَيْفَ والَّذِي عَلَيْهِ الأكْثَرُونَ أنَّ آباءَ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانُوا كُفّارًا، ولِأنَّ النَّبِيَّ أوْعَدَهم وأوْعَدَ آباءَهم بِالعَذابِ، وقالَ تَعالى: ﴿وما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] .
وأمّا المَعْقُولُ وهو أنَّ اللَّهَ تَعالى أجْرى عادَتَهُ عَلى أنَّ أهْلَ عَصْرٍ إذا ضَلُّوا بِالكُلِّيَّةِ ولَمْ يَبْقَ فِيهِمْ مَن يَهْدِيهِمْ، يَلْطُفُ بِعِبادِهِ ويُرْسِلُ رَسُولًا، ثُمَّ إنَّهُ إذا أرادَ طُهْرَهم بِإزالَةِ الشِّرْكِ والكُفْرِ مِن قُلُوبِهِمْ وإنْ أرادَ طُهْرَ وجْهِ الأرْضِ بِإهْلاكِهِمْ، ثُمَّ أهْلُ العَصْرِ ضَلُّوا بَعْدَ الرُّسُلِ، فَلَمْ يَأْتِهِمْ رَسُولٌ قَبْلَ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَقالَ: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أتاهُمْ﴾ أيْ بَعْدَ الضَّلالِ الَّذِي كانَ بَعْدَ الهِدايَةِ لَمْ يَأْتِهِمْ نَذِيرٌ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لَوْ قالَ قائِلٌ: التَّخْصِيصُ بِالذِّكْرِ يَدُلُّ عَلى نَفْيِ ما عَداهُ فَقَوْلُهُ: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أتاهُمْ﴾ يُوجِبُ أنْ يَكُونَ إنْذارُهُ مُخْتَصًّا بِمَن لَمْ يَأْتِهِ نَذِيرٌ، لَكِنَّ أهْلَ الكِتابِ قَدْ أتاهم نَذِيرٌ، فَلا يَكُونُ الكِتابُ مُنْزَلًا إلى الرَّسُولِ لِيُنْذِرَ أهْلَ الكِتابِ، فَلا يَكُونُ رَسُولًا إلَيْهِمْ. نَقُولُ: هَذا فاسِدٌ مِن وُجُوهٍ.
أحَدُها: أنَّ التَّخْصِيصَ لا يُوجِبُ نَفْيَ ما عَداهُ.
والثّانِي: أنَّهُ وإنْ قالَ بِهِ قائِلٌ لَكِنَّهُ وافَقَ غَيْرَهُ في أنَّ التَّخْصِيصَ إنْ كانَ لَهُ سَبَبٌ غَيْرُ نَفْيِ ما عَداهُ لا يُوجِبُ نَفْيَ ما عَداهُ، وهاهُنا وُجِدَ ذَلِكَ؛ لِأنَّ إنْذارَهم كانَ أوْلى، ألا تَرى أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] ولَمْ يُفْهَمْ مِنهُ أنَّهُ لا يُنْذِرُ غَيْرَهم أوْ لَمْ يُؤْمَرْ بِإنْذارِ غَيْرِهِمْ، وإنْذارُ المُشْرِكِينَ كانَ أوْلى، لِأنَّ إنْذارَهم كانَ بِالتَّوْحِيدِ والحَشْرِ، وأهْلُ الكِتابِ لَمْ يُنْذَرُوا إلّا بِسَبَبِ إنْكارِهِمُ الرِّسالَةَ فَكانُوا أوْلى بِالذِّكْرِ، فَوَقَعَ التَّخْصِيصُ لِأجْلِ ذَلِكَ.
الثّالِثُ: هو أنَّ عَلى ما ذَكَرْنا لا يُرَدُّ ما ذَكَرَهُ أصْلًا؛ لِأنَّ أهْلَ الكِتابِ كانُوا قَدْ ضَلُّوا ولَمْ يَأْتِهِمْ نَذِيرٌ مِن قَبْلِ مُحَمَّدٍ بَعْدَ ضَلالِهِمْ فَلَزِمَ أنْ يَكُونَ مُرْسَلًا إلى الكُلِّ عَلى دَرَجَةٍ سَواءٍ، وبِهَذا يَتَبَيَّنُ حُسْنُ ما اخْتَرْناهُ، وقَوْلُهُ: ﴿لَعَلَّهم يَهْتَدُونَ﴾ يَعْنِي تُنْذِرُهم راجِيًا أنْتَ اهْتِداءَهم.
السجدة 32:4
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما في سِتَّةِ أيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ ما لَكم مِن دُونِهِ مِن ولِيٍّ ولا شَفِيعٍ أفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾
لَمّا ذَكَرَ الرِّسالَةَ بَيَّنَ ما عَلى الرَّسُولِ مِنَ الدُّعاءِ إلى التَّوْحِيدِ وإقامَةِ الدَّلِيلِ، فَقالَ: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ “ اللَّهُ “ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ “ الَّذِي خَلَقَ “ يَعْنِي اللَّهُ هو الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ ولَمْ يَخْلُقْهُما إلّا واحِدٌ فَلا إلَهَ إلّا واحِدٌ، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فِي سِتَّةِ أيّامٍ﴾ إشارَةٌ إلى سِتَّةِ أحْوالٍ في نَظَرِ النّاظِرِينَ؛ وذَلِكَ لِأنَّ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما ثَلاثَةُ أشْياءَ، ولِكُلِّ واحِدٍ مِنها ذاتٌ وصِفَةٌ، فَنَظَرًا إلى خَلْقِهِ ذاتَ السَّماواتِ حالَةٌ، ونَظَرًا إلى خَلْقِهِ صِفاتِها أُخْرى، ونَظَرًا إلى ذاتِ الأرْضِ وإلى صِفاتِها كَذَلِكَ، ونَظَرًا إلى ذَواتِ ما بَيْنَهُما، وإلى صِفاتِها كَذَلِكَ فَهي سِتَّةُ أشْياءَ عَلى سِتَّةِ أحْوالٍ، وإنَّما ذَكَرَ الأيّامَ؛ لِأنَّ الإنْسانَ إذا نَظَرَ إلى الخَلْقِ رَآهُ فِعْلًا،
صفحة ١٤٧
والفِعْلُ ظَرْفُهُ الزَّمانُ، والأيّامُ أشْهَرُ الأزْمِنَةِ، وإلّا فَقَبْلَ السَّماواتِ لَمْ يَكُنْ لَيْلٌ ولا نَهارٌ، وهَذا مِثْلُ ما يَقُولُ القائِلُ لِغَيْرِهِ:
إنَّ يَوْمًا وُلِدْتَ فِيهِ كانَ يَوْمًا مُبارَكًا
وقَدْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَدْ وُلِدَ لَيْلًا ولا يَخْرُجُ عَنْ مُرادِهِ؛ لِأنَّ المُرادَ هو الزَّمانُ الَّذِي هو ظَرْفُ وِلادَتِهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾ اعْلَمْ أنَّ مَذْهَبَ العُلَماءِ في هَذِهِ الآيَةِ وأمْثالِها عَلى وجْهَيْنِ.
أحَدُهُما: تَرْكُ التَّعَرُّضِ إلى بَيانِ المُرادِ.
وثانِيهُما: التَّعَرُّضُ إلَيْهِ. والأوَّلُ أسْلَمُ وإلى الحِكْمَةِ أقْرَبُ، أمّا أنَّهُ أسْلَمُ؛ فَذَلِكَ لِأنَّ مَن قالَ أنا لا أتَعَرَّضُ إلى بَيانِ هَذا ولا أعْرِفُ المُرادَ مِن هَذا، لا يَكُونُ حالُهُ إلّا حالَ مَن يَتَكَلَّمُ عِنْدَ عَدَمِ وُجُوبِ الكَلامِ أوْ لا يَعْلَمُ شَيْئًا، لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ أنْ يَعْلَمَهُ؛ وذَلِكَ لِأنَّ الأُصُولَ ثَلاثَةٌ: التَّوْحِيدُ والقَوْلُ بِالحَشْرِ والِاعْتِرافُ بِالرُّسُلِ. لَكِنَّ الحَشْرَ أجْمَعْنا واتَّفَقْنا أنَّ العِلْمَ بِهِ واجِبٌ، والعِلْمُ بِتَفْصِيلِهِ أنَّهُ مَتى يَكُونُ غَيْرَ واجِبٍ، ولِهَذا قالَ تَعالى في آخِرِ السُّورَةِ المُتَقَدِّمَةِ ﴿إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ﴾ [لقمان: ٣٤] فَكَذَلِكَ اللَّهُ يَجِبُ مَعْرِفَةُ وُجُودِهِ ووَحْدانِيَّتِهِ واتِّصافِهِ بِصِفاتِ الجَلالِ ونُعُوتِ الكَمالِ عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ وتَعالِيهِ عَنْ وصَماتِ الإمْكانِ وصِفاتِ النُّقْصانِ، ولا يَجِبُ أنْ يَعْلَمَ جَمِيعَ صِفاتِهِ كَما هي، وصِفَةُ الِاسْتِواءِ مِمّا لا يَجِبُ العِلْمُ بِها، فَمَن تَرَكَ التَّعَرُّضَ إلَيْهِ لَمْ يَتْرُكْ واجِبًا، وأمّا مَن يَتَعَرَّضُ إلَيْهِ فَقَدْ يُخْطِئُ فِيهِ فَيَعْتَقِدُ خِلافَ ما هو عَلَيْهِ، فالأوَّلُ غايَةُ ما يَلْزَمُهُ أنَّهُ لا يَعْلَمُ، والثّانِي يَكادُ أنْ يَقَعَ في أنْ يَكُونَ جاهِلًا مُرَكَّبًا، وعَدَمُ العِلْمِ الجَهْلُ المُرَكَّبُ كالسُّكُوتِ والكَذِبِ، ولا يَشُكُّ أحَدٌ في أنَّ السُّكُوتَ خَيْرٌ مِنَ الكَذِبِ.
وأمّا إنَّهُ أقْرَبُ إلى الحِكْمَةِ، فَذَلِكَ لِأنَّ مَن يُطالِعُ كِتابًا صَنَّفَهُ إنْسانٌ، وكَتَبَ لَهُ شَرْحًا، والشّارِحُ دُونَ المُصَنِّفِ، فالظّاهِرُ أنَّهُ لا يَأْتِي عَلى جَمِيعِ ما أتى عَلَيْهِ المُصَنِّفُ؛ ولِهَذا كَثِيرًا ما نَرى أنَّ الإنْسانَ يُورِدُ الإشْكالاتِ عَلى المُصَنِّفِ المُتَقَدِّمِ ثُمَّ يَجِيءُ مَن يَنْصُرُ كَلامَهُ ويَقُولُ: لَمْ يُرِدِ المُصَنِّفُ هَذا، وإنَّما أرادَ كَذا وكَذا. وإذا كانَ حالُ الكُتُبِ الحادِثَةِ الَّتِي تُكْتَبُ عَنْ عِلْمٍ قاصِرٍ كَذَلِكَ، فَما ظَنُّكَ بِالكِتابِ العَزِيزِ الَّذِي فِيهِ كُلُّ حِكْمَةٍ، يَجُوزُ أنْ يَدَّعِيَ جاهِلٌ أنِّي عَلِمْتُ كُلَّ سِرٍّ في هَذا الكِتابِ، وكَيْفَ ولَوِ ادَّعى عالِمٌ أنِّي عَلِمْتُ كُلَّ سِرٍّ وكُلَّ فائِدَةٍ يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ الكِتابُ الفُلانِيُّ؛ يُسْتَقْبَحُ مِنهُ ذَلِكَ، فَكَيْفَ مَن يَدَّعِي أنَّهُ عَلِمَ كُلَّ ما في كِتابِ اللَّهِ ؟ !
ثُمَّ لَيْسَ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى بَيَّنَ كُلَّ ما أنْزَلَهُ؛ لِأنَّ تَأْخِيرَ البَيانِ إلى وقْتِ الحاجَةِ جائِزٌ، ولَعَلَّ في القُرْآنِ ما لا يَحْتاجُ إلَيْهِ أحَدٌ غَيْرُ نَبِيِّهِ؛ فَبَيَّنَ لَهُ لا لِغَيْرِهِ. إذا ثَبَتَ هَذا عُلِمَ أنَّ في القُرْآنِ ما لا يُعْلَمُ، وهَذا أقْرَبُ إلى ذَلِكَ الَّذِي لا يُعْلَمُ، لِلتَّشابُهِ البالِغِ الَّذِي فِيهِ، لَكِنَّ هَذا المَذْهَبَ لَهُ شَرْطٌ، وهو أنْ يَنْفِيَ بَعْضَ ما يَعْلَمُهُ، قَطْعًا أنَّهُ لَيْسَ بِمُرادٍ، وهَذا لِأنَّ قائِلًا إذا قالَ: إنَّ هَذِهِ الأيّامَ أيّامُ قُرْءِ فُلانَةَ، يُعْلَمُ أنَّهُ لا يُرِيدُ أنَّ هَذِهِ الأيّامَ أيّامُ مَوْتِ فُلانَةَ، ولا يُرِيدُ أنَّ هَذِهِ الأيّامَ أيّامُ سَفَرِ فُلانَةَ، وإنَّما المُرادُ مُنْحَصِرٌ في الطُّهْرِ أوِ الحَيْضِ، فَكَذَلِكَ هَهُنا يُعْلَمُ أنَّ المُرادَ لَيْسَ ما يُوجِبُ نَقْصًا في ذاتِهِ لِاسْتِحالَةِ ذَلِكَ، والجُلُوسُ والِاسْتِقْرارُ المَكانِيُّ مِن ذَلِكَ البابِ؛ فَيَجِبُ القَطْعُ بِنَفْيِ ذَلِكَ، والتَّوَقُّفُ فِيما يَجُوزُ بَعْدَهُ.
والمَذْهَبُ الثّانِي: خَطَرٌ، ومَن يَذْهَبُ إلَيْهِ فَرِيقانِ: أحَدُهُما: مَن يَقُولُ المُرادُ ظاهِرُهُ وهو القِيامُ والِانْتِصابُ أوِ الِاسْتِقْرارُ المَكانِيُّ، وثانِيهِما: مَن يَقُولُ المُرادُ الِاسْتِيلاءُ. والأوَّلُ جَهْلٌ مَحْضٌ، والثّانِي يَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَهْلًا. والأوَّلُ مَعَ كَوْنِهِ جَهْلًا هو بِدْعَةٌ وكادَ يَكُونُ كُفْرًا، والثّانِي وإنْ كانَ جَهْلًا فَلَيْسَ بِجَهْلٍ يُورِثُ بِدْعَةً، وهَذا كَما أنَّ واحِدًا إذا اعْتَقَدَ أنَّ اللَّهَ يَرْحَمُ الكُفّارَ ولا يُعاقِبُ أحَدًا مِنهم، يَكُونُ جَهْلًا وبِدْعَةً وكُفْرًا، وإذا اعْتَقَدَ أنَّهُ يَرْحَمُ زَيْدًا الَّذِي هو مَسْتُورُ
صفحة ١٤٨
الحالِ لا يَكُونُ بِدْعَةً، غايَةُ ما يَكُونُ أنَّهُ اعْتِقادٌ غَيْرُ مُطابِقٍ، ومِمّا قِيلَ فِيهِ: إنَّ المُرادَ مِنهُ اسْتَوى عَلى مُلْكِهِ، والعَرْشُ يُعَبَّرُ بِهِ عَنِ المُلْكِ، يُقالُ: المَلِكُ قَعَدَ عَلى سَرِيرِ المَمْلَكَةِ بِالبَلْدَةِ الفُلانِيَّةِ، وإنْ لَمْ يَدْخُلْها، وهَذا مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقالَتِ اليَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة: ٦٤] إشارَةٌ إلى البُخْلِ، مَعَ أنَّهم لَمْ يَقُولُوا بِأنَّ عَلى يَدِ اللَّهِ غُلًّا عَلى طَرِيقِ الحَقِيقَةِ، ولَوْ كانَ مُرادُ اللَّهِ ذَلِكَ لَكانَ كَذِبًا -جَلَّ كَلامُ اللَّهِ عَنْهُ- ثُمَّ لِهَذا فَضْلُ تَقْرِيرٍ، وهو أنَّ المُلُوكَ عَلى دَرَجاتٍ، فَمَن يَمْلِكُ مَدِينَةً صَغِيرَةً أوْ بِلادًا يَسِيرَةً ما جَرَتِ العادَةُ بِأنْ يَجْلِسَ أوَّلَ ما يَجْلِسُ عَلى سَرِيرٍ، ومَن يَكُونُ سُلْطانًا يَمْلِكُ البِلادَ الشّاسِعَةَ والدِّيارَ الواسِعَةَ، وتَكُونُ المُلُوكُ في خِدْمَتِهِ يَكُونُ لَهُ سَرِيرٌ يَجْلِسُ عَلَيْهِ، وقُدّامَهُ كُرْسِيٌّ يَجْلِسُ عَلَيْهِ وزِيرُهُ، فالعَرْشُ والكُرْسِيُّ في العادَةِ لا يَكُونُ إلّا عِنْدَ عَظَمَةِ المَمْلَكَةِ، فَلَمّا كانَ مَلِكُ السَّماواتِ والأرْضِ في غايَةِ العَظَمَةِ، عَبَّرَ بِما يُنْبِئُ في العُرْفِ عَنِ العَظَمَةِ، ومِمّا يُنَبِّهُكَ لِهَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا خَلَقْنا﴾ [الإنسان: ٢]، ﴿إنّا زَيَّنّا﴾ [الصافات: ٦]، ﴿نَحْنُ أقْرَبُ﴾ [ق: ١٦]، ﴿نَحْنُ نَزَّلْنا﴾ [الحجر: ٩]، أيَظُنُّ أوْ يَشُكُّ مُسْلِمٌ في أنَّ المُرادَ ظاهِرُهُ مِنَ الشَّرِيكِ ؟ وهَلْ يَجِدُ لَهُ مَحْمَلًا، غَيْرَ أنَّ العَظِيمَ في العُرْفِ لا يَكُونُ واحِدًا وإنَّما يَكُونُ مَعَهُ غَيْرُهُ ؟ فَكَذَلِكَ المَلِكُ العَظِيمُ في العُرْفِ لا يَكُونُ إلّا ذا سَرِيرٍ يَسْتَوِي عَلَيْهِ، فاسْتَعْمَلَ ذَلِكَ مُرِيدًا لِلْعَظَمَةِ.
ومِمّا يُؤَيِّدُ هَذا أنَّ المَقْهُورَ المَغْلُوبَ المَهْزُومَ يُقالُ لَهُ: ضاقَتْ بِهِ الأرْضُ حَتّى لَمْ يَبْقَ لَهُ مَكانٌ، أيَظُنُّ أنَّهم يُرِيدُونَ بِهِ أنَّهُ صارَ لا مَكانَ لَهُ ؟ وكَيْفَ يُتَصَوَّرُ الجِسْمُ بِلا مَكانٍ، ولا سِيَّما مَن يَقُولُ بِأنَّ إلَهَهُ في مَكانٍ كَيْفَ يَخْرُجُ الإنْسانُ عَنِ المَكانِ ؟ فَكَما يُقالُ لِلْمَقْهُورِ الهارِبِ لَمْ يَبْقَ لَهُ مَكانٌ مَعَ أنَّ المَكانَ واجِبٌ لَهُ، يُقالُ لِلْقادِرِ القاهِرِ هو مُتَمَكِّنٌ ولَهُ عَرْشٌ، وإنْ كانَ التَّنَزُّهُ عَنِ المَكانِ واجِبًا لَهُ، وعَلى هَذا كَلِمَةُ “ ثُمَّ “ مَعْناها خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ، ثُمَّ القِصَّةُ أنَّهُ اسْتَوى عَلى المُلْكِ، وهَذا كَما يَقُولُ القائِلُ: فُلانٌ أكْرَمَنِي وأنْعَمَ عَلَيَّ مِرارًا، ويَحْكِي عَنْهُ أشْياءَ، ثُمَّ يَقُولُ: إنَّهُ ما كانَ يَعْرِفُنِي ولا كُنْتُ فَعَلْتُ مَعَهُ ما يُجازِينِي بِهَذا. فَنَقُولُ: “ ثُمَّ “ لِلْحِكايَةِ لا لِلْمَحْكِيِّ. الوَجْهُ الآخَرُ: قِيلَ اسْتَوى جاءَ بِمَعْنى اسْتَوْلى عَلى العَرْشِ، واسْتَوى جاءَ بِمَعْنى اسْتَوْلى نَقْلًا واسْتِعْمالًا. أمّا النَّقْلُ فَكَثِيرٌ مَذْكُورٌ في كُتُبِ اللُّغَةِ مِنها دِيوانُ الأدَبِ وغَيْرُهُ مِمّا يُعْتَبَرُ النَّقْلُ عَنْهُ. وأمّا الِاسْتِعْمالُ فَقَوْلُ القائِلِ:
قَدِ اسْتَوى بِشْرٌ عَلى العِراقِ ∗∗∗ مِن غَيْرِ سَيْفٍ ودَمٍ مُهْراقِ
وعَلى هَذا فَكَلِمَةُ “ ثُمَّ “ مَعْناها ما ذَكَرْنا كَأنَّهُ قالَ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ، ثُمَّ هَهُنا ما هو أعْظَمُ مِنهُ اسْتَوى عَلى العَرْشِ، فَإنَّهُ أعْظَمُ مِنَ الكُرْسِيِّ، والكُرْسِيُّ وسِعَ السَّماواتِ والأرْضَ. والوَجْهُ الثّالِثُ: قِيلَ إنَّ المُرادَ الِاسْتِقْرارُ. وهَذا القَوْلُ ظاهِرٌ ولا يُفِيدُ أنَّهُ في مَكانٍ؛ وذَلِكَ لِأنَّ الإنْسانَ يَقُولُ: اسْتَقَرَّ رَأْيُ فُلانٍ عَلى الخُرُوجِ، ولا يَشُكُّ أحَدٌ أنَّهُ لا يُرِيدُ أنَّ الرَّأْيَ في مَكانٍ وهو الخُرُوجُ، لِما أنَّ الرَّأْيَ لا يَجُوزُ فِيهِ أنْ يُقالَ إنَّهُ مُتَمَكِّنٌ أوْ هو مِمّا يَدْخُلُ في مَكانٍ. إذا عُلِمَ هَذا فَنَقُولُ: فَهْمُ التَّمَكُّنِ عِنْدَ اسْتِعْمالِ كَلِمَةِ الِاسْتِقْرارِ مَشْرُوطٌ بِجَوازِ التَّمَكُّنِ، حَتّى إذا قالَ قائِلٌ اسْتَقَرَّ زَيْدٌ عَلى الفُلْكِ أوْ عَلى التَّخْتِ، يُفْهَمُ مِنهُ التَّمَكُّنُ وكَوْنُهُ في مَكانٍ، وإذا قالَ قائِلٌ: اسْتَقَرَّ المُلْكُ عَلى فُلانٍ لا يُفْهَمُ أنَّ المُلْكَ في فُلانٍ.
فَقَوْلُ القائِلِ: اللَّهُ اسْتَقَرَّ عَلى العَرْشِ لا يَنْبَغِي أنْ يُفْهَمَ كَوْنُهُ في مَكانٍ ما لَمْ يُعْلَمْ أنَّهُ مِمّا يَجُوزُ عَلَيْهِ أنْ يَكُونَ في مَكانٍ أوْ لا يَجُوزُ، فَإذَنْ فَهْمُ كَوْنِهِ في مَكانٍ مِن هَذِهِ اللَّفْظَةِ مَشْرُوطٌ بِجَوازِ أنْ يَكُونَ في مَكانٍ، فَجَوازُ كَوْنِهِ في مَكانٍ إنِ اسْتُفِيدَ مِن هَذِهِ اللَّفْظَةِ يَلْزَمُ تَقَدُّمُ الشَّيْءِ عَلى نَفْسِهِ وهو مُحالٌ، ثُمَّ الَّذِي يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى العَرْشِ بِمَعْنى كَوْنِ
صفحة ١٤٩
العَرْشِ مَكانًا لَهُ وُجُوهٌ مِنَ القُرْآنِ:
أحَدُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّ اللَّهَ لَهو الغَنِيُّ﴾ [الحج: ٦٤] وهَذا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ غَنِيًّا عَلى الإطْلاقِ، وكُلُّ ما هو في مَكانٍ فَهو في بَقائِهِ مُحْتاجٌ إلى مَكانٍ؛ لِأنَّ بَدِيهَةَ العَقْلِ حاكِمَةٌ بِأنَّ الحَيِّزَ إنْ لَمْ يَكُنْ لا يَكُونُ المُتَحَيِّزُ باقِيًا، فالمُتَحَيِّزُ يَنْتَفِي عِنْدَ انْتِفاءِ الحَيِّزِ، وكُلُّ ما يَنْتَفِي عِنْدَ انْتِفاءِ غَيْرِهِ فَهو مُحْتاجٌ إلَيْهِ في اسْتِمْرارِهِ، فالقَوْلُ بِاسْتِقْرارِهِ يُوجِبُ احْتِياجَهُ في اسْتِمْرارِهِ وهو غَنِيٌّ بِالنَّصِّ.
الثّانِي: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلّا وجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] فالعَرْشُ يَهْلِكُ، وكَذَلِكَ كَلُّ مَكانٍ فَلا يَبْقى وهو يَبْقى، فَإذَنْ لا يَكُونُ في ذَلِكَ الوَقْتِ في مَكانٍ، فَجازَ عَلَيْهِ أنْ لا يَكُونَ في مَكانٍ، وما جازَ لَهُ مِنَ الصِّفاتِ وجَبَ لَهُ فَيَجِبُ أنْ لا يَكُونَ في مَكانٍ.
الثّالِثُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ مَعَكُمْ﴾ [الحديد: ٤] ووَجْهُ التَّمَسُّكِ بِهِ هو أنَّ “ عَلى “ إذا اسْتُعْمِلَ في المَكانِ يُفْهَمُ كَوْنُهُ عَلَيْهِ بِالذّاتِ كَقَوْلِنا فُلانٌ عَلى السَّطْحِ، وكَلِمَةُ “ مَعَ “ إذا اسْتُعْمِلَتْ في مُتَمَكِّنَيْنِ يُفْهَمُ مِنها اقْتِرانُهُما بِالذّاتِ كَقَوْلِنا زَيْدٌ مَعَ عَمْرٍو إذا اسْتُعْمِلَ هَذا فَإنْ كانَ اللَّهُ في مَكانٍ ونَحْنُ مُتَمَكِّنُونَ، فَقَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ مَعَنا﴾ [التوبة: ٤٠] وقَوْلُهُ: ﴿وهُوَ مَعَكُمْ﴾ كانَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ لِلِاقْتِرانِ ولَيْسَ كَذَلِكَ، فَإنْ قِيلَ كَلِمَةُ “ مَعَ “ تُسْتَعْمَلُ لِكَوْنِ مَيْلِهِ إلَيْهِ وعِلْمِهِ مَعَهُ أوْ نُصْرَتِهِ يُقالُ المَلِكُ الفُلانِيُّ مَعَ المَلِكِ الفُلانِيِّ، أيْ بِالإعانَةِ والنَّصْرِ، فَنَقُولُ: كَلِمَةُ “ عَلى “ تُسْتَعْمَلُ لِكَوْنِ حُكْمِهِ عَلى الغَيْرِ، يَقُولُ القائِلُ: لَوْلا فُلانٌ عَلى فُلانٍ لَأشْرَفَ في الهَلاكِ ولَأشْرَفَ عَلى الهَلاكِ، وكَذَلِكَ يُقالُ: لَوْلا فُلانٌ عَلى أمْلاكِ فُلانٍ أوْ عَلى أرْضِهِ لَما حَصَلَ لَهُ شَيْءٌ مِنها، ولا أكَلَ حاصِلَها بِمَعْنى الإشْرافِ والنَّظَرِ، فَكَيْفَ لا نَقُولُ في ﴿اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾ إنَّهُ اسْتَوى عَلَيْهِ بِحُكْمِهِ كَما نَقُولُ هو مَعْناهُ بِعِلْمِهِ.
الرّابِعُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ وهو يُدْرِكُ الأبْصارَ﴾ [الأنعام: ١٠٣] ولَوْ كانَ في مَكانٍ لَأحاطَ بِهِ المَكانُ وحِينَئِذٍ فَإمّا أنْ يُرى وإمّا أنْ لا يُرى، لا سَبِيلَ إلى الثّانِي بِالِاتِّفاقِ؛ لِأنَّ القَوْلَ بِأنَّهُ في مَكانٍ ولا يُرى باطِلٌ بِالإجْماعِ، وإنْ كانَ يُرى فَيُرى في مَكانٍ أحاطَ بِهِ فَتُدْرِكُهُ الأبْصارُ. وأمّا إذا لَمْ يَكُنْ في مَكانٍ فَسَواءٌ يُرى أوْ لا يُرى لا يَلْزَمُ أنْ تُدْرِكَهُ الأبْصارُ. أمّا إذا لَمْ يُرَ فَظاهِرٌ. وأمّا إذا رُئِيَ فَلِأنَّ البَصَرَ لا يُحِيطُ بِهِ فَلا يُدْرِكُهُ.
وإنَّما قُلْنا: إنَّ البَصَرَ لا يُحِيطُ بِهِ لِأنَّ كُلَّ ما أحاطَ بِهِ البَصَرُ فَلَهُ مَكانٌ يَكُونُ فِيهِ، وقَدْ فَرَضْنا عَدَمَ المَكانِ، ولَوْ تَدَبَّرَ الإنْسانُ القُرْآنَ لَوَجَدَهَ مَمْلُوءًا مِن عَدَمِ جَوازِ كَوْنِهِ في مَكانٍ، كَيْفَ وهَذا الَّذِي يَتَمَسَّكُ بِهِ هَذا القائِلُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَيْسَ عَلى العَرْشِ بِمَعْنى كَوْنِهِ في المَكانِ، وذَلِكَ لِأنَّ كَلِمَةَ “ ثُمَّ “ لِلتَّراخِي فَلَوْ كانَ عَلَيْهِ بِمَعْنى المَكانِ لَكانَ قَدْ حَصَلَ عَلَيْهِ بَعْدَما لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ، فَقَبْلَهُ إمّا أنْ يَكُونَ في مَكانٍ أوْ لا يَكُونَ، فَإنْ كانَ يَلْزَمُ مُحالانِ:
أحَدُهُما: كَوْنُ المَكانِ أزَلِيًّا، ثُمَّ إنَّ هَذا القائِلَ يَدَّعِي مُضادَّةَ الفَلْسَفِيِّ فَيَصِيرُ فَلْسَفِيًّا يَقُولُ بِقِدَمِ سَماءٍ مِنَ السَّماواتِ. والثّانِي: جَوازُ الحَرَكَةِ والِانْتِقالِ عَلى اللَّهِ تَعالى وهو يُفْضِي إلى حُدُوثِ البارِي أوْ يُبْطِلُ دَلائِلَ حُدُوثِ الأجْسامِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ مَكانٌ وما حَصَلَ في مَكانٍ يُحِيلُ العَقْلُ وجُودَهُ بِلا مَكانٍ، ولَوْ جازَ لَما أمْكَنَ أنْ يُقالَ بِأنَّ الجِسْمَ لَوْ كانَ أزَلِيًّا، فَإمّا أنْ يَكُونَ في الأزَلِ ساكِنًا أوْ مُتَحَرِّكًا؛ لِأنَّهُما فَرَّعا الحُصُولَ في مَكانٍ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَيَلْزَمُهُ القَوْلُ بِحُدُوثِ اللَّهِ أوْ عَدَمُ القَوْلِ بِحُدُوثِ العالِمِ، لِأنَّهُ إنْ سَلَّمَ أنَّهُ قَبْلَ المَكانِ لا يَكُونُ فَهو القَوْلُ بِحُدُوثِ اللَّهِ تَعالى وإنْ لَمْ يُسَلِّمْ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ الجِسْمُ في الأزَلِ لَمْ يَكُنْ في مَكانٍ، ثُمَّ حَصَلَ في مَكانٍ فَلا يَتِمُّ دَلِيلُهُ في حُدُوثِ العالَمِ، فَيَلْزَمُهُ أنْ لا يَقُولَ بِحُدُوثِهِ، ثُمَّ إنَّ هَذا القائِلَ يَقُولُ: إنَّكَ تُشَبِّهُ اللَّهَ بِالمَعْدُومِ، فَإنَّهُ لَيْسَ في مَكانٍ ولا يَعْلَمُ أنَّهُ جَعَلَهُ مَعْدُومًا، حَيْثُ أحْوَجَهُ إلى مَكانٍ، وكُلُّ مُحْتاجٍ نَظَرًا إلى عَدَمِ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ مَعْدُومٌ، ولَوْ كَتَبْنا ما فِيها لَطالَ الكَلامُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ما لَكم مِن دُونِهِ مِن ولِيٍّ ولا شَفِيعٍ أفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾ لَمّا ذَكَرَ أنَّ اللَّهَ خالِقُ السَّماواتِ
صفحة ١٥٠
والأرْضِ، قالَ بَعْضُهم: نَحْنُ مُعْتَرِفُونَ بِأنَّ خالِقَ السَّماواتِ والأرْضِ واحِدٌ هو إلَهُ السَّماواتِ، وهَذِهِ الأصْنامُ صُوَرُ الكَواكِبِ مِنها نُصْرَتُنا وقُوَّتُنا، وقالَ آخَرُونَ: هَذِهِ صُوَرُ المَلائِكَةِ عِنْدَ اللَّهِ هم شُفَعاؤُنا فَقالَ اللَّهُ تَعالى: لا إلَهَ غَيْرُ اللَّهِ، ولا نُصْرَةَ مِن غَيْرِ اللَّهِ، ولا شَفاعَةَ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ، فَعِبادَتُكم لَهم -لِهَذِهِ الأصْنامِ- باطِلَةٌ ضائِعَةٌ لا هم خالِقُوكم ولا ناصِرُوكم ولا شُفَعاؤُكم، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾ ما عَلِمْتُمُوهُ مِن أنَّهُ خالِقُ السَّماواتِ والأرْضِ، وخَلْقُ هَذِهِ الأجْسامِ العِظامِ لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِثْلُ هَذِهِ الأصْنامِ حَتّى تَنْصُرَكم، والمَلِكُ العَظِيمُ لا يَكُونُ عِنْدَهُ لِهَذِهِ الأشْياءِ الحَقِيرَةِ احْتِرامٌ وعَظَمَةٌ حَتّى تَكُونَ لَها شَفاعَةٌ.
السجدة 32:5
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿يُدَبِّرُ الأمْرَ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إلَيْهِ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾
لَمّا بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى الخَلْقَ بَيَّنَ الأمْرَ كَما قالَ تَعالى: ﴿ألا لَهُ الخَلْقُ والأمْرُ﴾ [الأعراف: ٥٤] والعَظَمَةُ تَتَبَيَّنُ بِهِما، فَإنَّ مَن يَمْلِكُ مَمالِيكَ كَثِيرِينَ عُظَماءَ تَكُونُ لَهُ عَظَمَةٌ، ثُمَّ إذا كانَ أمْرُهُ نافِذًا فِيهِمْ يَزْدادُ في أعْيُنِ الخَلْقِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نَفاذُ أمْرٍ يَنْقُصُ مِن عَظَمَتِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ يَعْرُجُ إلَيْهِ﴾ مَعْناهُ - واللَّهُ أعْلَمُ - أنَّ أمْرَهُ يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ عَلى عِبادِهِ، وتَعْرُجُ إلَيْهِ أعْمالُهُمُ الصّالِحَةُ الصّادِرَةُ عَلى مُوافَقَةِ ذَلِكَ الأمْرِ، فَإنَّ العَمَلَ أثَرُ الأمْرِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ فِيهِ وُجُوهٌ.
أحَدُها: أنَّ نُزُولَ الأمْرِ وعُرُوجَ العَمَلِ في مَسافَةِ ألْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ وهو في يَوْمٍ، فَإنَّ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ مَسِيرَةَ خَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ، فَيَنْزِلُ في مَسِيرَةِ خَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ، ويَعْرُجُ في مَسِيرَةِ خَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ، فَهو مِقْدارُ ألْفِ سَنَةٍ.
ثانِيها: هو أنَّ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى امْتِدادِ نَفاذِ الأمْرِ، وذَلِكَ لِأنَّ مَن نَفَذَ أمْرُهُ غايَةَ النَّفاذِ في يَوْمٍ أوْ يَوْمَيْنِ وانْقَطَعَ لا يَكُونُ مِثْلَ مَن يَنْفُذُ أمْرُهُ في سِنِينَ مُتَطاوِلَةٍ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ﴾ يَعْنِي ﴿يُدَبِّرُ الأمْرَ﴾ في زَمانٍ يَوْمٌ مِنهُ ألْفُ سَنَةٍ، فَكَمْ يَكُونُ شَهْرٌ مِنهُ، وكَمْ تَكُونُ سَنَةٌ مِنهُ، وكَمْ يَكُونُ دَهْرٌ مِنهُ ؟ وعَلى هَذا الوَجْهِ لا فَرْقَ بَيْنَ هَذا وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ لِأنَّ تِلْكَ إذا كانَتْ إشارَةً إلى دَوامِ نَفاذِ الأمْرِ، فَسَواءٌ يُعَبَّرُ بِالألْفِ أوْ بِالخَمْسِينَ ألْفًا لا يَتَفاوَتُ إلّا أنَّ المُبالَغَةَ تَكُونُ في الخَمْسِينَ أكْثَرُ، ونُبَيِّنُ فائِدَتَها في مَوْضِعِها إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.
وفِي هَذِهِ لَطِيفَةٌ، وهو أنَّ اللَّهَ ذَكَرَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ عالَمَ الأجْسامِ والخَلْقِ، وأشارَ إلى عَظَمَةِ المَلِكِ، وذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ عالَمَ الأرْواحِ والأمْرِ بِقَوْلِهِ: ﴿يُدَبِّرُ الأمْرَ﴾ والرُّوحُ مِن عالَمِ الأمْرِ كَما قالَ تَعالى: ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِن أمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء: ١٥] وأشارَ إلى دَوامِهِ بِلَفْظٍ يُوهِمُ الزَّمانَ، والمُرادُ دَوامُ البَقاءِ كَما يُقالُ في العُرْفِ: طالَ زَمانُ فُلانٍ. والزَّمانُ لا يَطُولُ، وإنَّما الواقِعُ في الزَّمانِ يَمْتَدُّ فَيُوجَدُ في أزْمِنَةٍ كَثِيرَةٍ فَيَطُولُ ذَلِكَ فَيَأْخُذُ أزْمِنَةً كَثِيرَةً، فَأشارَ هُناكَ إلى عَظَمَةِ المُلْكِ بِالمَكانِ وأشارَ إلى دَوامِهِ هَهُنا بِالزَّمانِ، فالمَكانُ مِن خَلْقِهِ ومُلْكِهِ، والزَّمانُ بِحُكْمِهِ وأمْرِهِ.
واعْلَمْ أنَّ ظاهِرَ قَوْلِهِ: ﴿يُدَبِّرُ الأمْرَ﴾ في يَوْمٍ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ أمْرُهُ في يَوْمٍ، واليَوْمُ لَهُ ابْتِداءٌ وانْتِهاءٌ، فَيَكُونُ أمْرُهُ في زَمانٍ حادِثٍ، فَيَكُونُ حادِثًا، وبَعْضُ مَن يَقُولُ بِأنَّ اللَّهَ عَلى العَرْشِ اسْتَوى يَقُولُ:
صفحة ١٥١
بِأنَّ أمْرَهُ قَدِيمٌ حَتّى الحُرُوفِ، وكَلِمَةِ “ كُنْ “، فَكَيْفَ فُهِمَ مِن كَلِمَةِ “ عَلى “ كَوْنُهُ في مَكانٍ ؟ ولَمْ يُفْهَمُ مِن كَلِمَةٍ “ في “ كَوْنُ أمْرِهِ في زَمانٍ ؟ ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ هَذا المَلِكَ العَظِيمَ النّافِذَ الأمْرِ غَيْرُ غافِلٍ، فَإنَّ المَلِكَ إذا كانَ آمِرًا ناهِيًا يُطاعُ في أمْرِهِ ونَهْيِهِ، ولَكِنْ يَكُونُ غافِلًا لا يَكُونُ مَهِيبًا عَظِيمًا كَما يَكُونُ مَعَ ذَلِكَ خَبِيرًا يَقِظًا لا تَخْفى عَلَيْهِ أُمُورُ المَمالِكِ والمَمالِيكِ، فَقالَ: ﴿ذَلِكَ عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾ .
ولَمّا ذَكَرَ مِن قَبْلُ عالَمَ الأشْباحِ بِقَوْلِهِ: ﴿خَلَقَ السَّماواتِ﴾ وعالَمَ الأرْواحِ بِقَوْلِهِ: ﴿يُدَبِّرُ الأمْرَ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ﴾ قالَ: ﴿عالِمُ الغَيْبِ﴾ يَعْلَمُ ما في الأرْواحِ: ﴿والشَّهادَةِ﴾ يَعْلَمُ ما في الأجْسامِ، أوْ نَقُولُ قالَ: ﴿عالِمُ الغَيْبِ﴾ إشارَةٌ إلى ما لَمْ يَكُنْ بَعْدُ: ﴿والشَّهادَةِ﴾ إشارَةٌ إلى ما وُجِدَ وكانَ، وقَدَّمَ العِلْمَ بِالغَيْبِ لِأنَّهُ أقْوى وأشَدُّ إنْباءٍ عَنْ كَمالِ العِلْمِ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ لَمّا بَيَّنَ أنَّهُ عالِمٌ ذَكَرَ أنَّهُ عَزِيزٌ قادِرٌ عَلى الِانْتِقامِ مِنَ الكَفَرَةِ رَحِيمٌ واسِعُ الرَّحْمَةُ عَلى البَرَرَةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿الَّذِي أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وبَدَأ خَلْقَ الإنْسانِ مِن طِينٍ﴾ لَمّا بَيَّنَ الدَّلِيلَ الدّالَّ عَلى الوَحْدانِيَّةِ مِنَ الآفاقِ بِقَوْلِهِ: ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما﴾ وأتَمَّهُ بِتَوابِعِهِ ومُكَمِّلاتِهِ ذَكَرَ الدَّلِيلَ الدّالَّ عَلَيْها مِنَ الأنْفُسِ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِي أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ يَعْنِي أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ مِمّا ذَكَرَهُ، وبَيَّنَ أنَّ الَّذِي بَيْنَ السَّماواتِ والأرْضِ خَلَقَهُ وهو كَذَلِكَ؛ لِأنَّكَ إذا نَظَرْتَ إلى الأشْياءِ رَأيْتَها عَلى ما يَنْبَغِي، صَلابَةُ الأرْضِ لِلنَّباتِ، وسَلاسَةُ الهَواءِ لِلِاسْتِنْشاقِ، وقَبُولُ الِانْشِقاقِ لِسُهُولَةِ الِاسْتِطْراقِ، وسَيَلانُ الماءِ لِنَقْدِرَ عَلَيْهِ في كُلِّ مَوْضِعٍ، وحَرَكَةُ النّارِ إلى فَوْقُ لِأنَّها لَوْ كانَتْ مِثْلَ الماءِ تَتَحَرَّكُ يَمْنَةً ويَسْرَةً لاحْتَرَقَ العالَمُ، فَخُلِقَتْ طالِبَةً لِجِهَةِ فَوْقٍ؛ حَيْثُ لا شَيْءَ هُناكَ يَقْبَلُ الِاحْتِراقَ.
وقَوْلُهُ: ﴿وبَدَأ خَلْقَ الإنْسانِ مِن طِينٍ﴾ قِيلَ المُرادُ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَإنَّهُ خُلِقَ مَن طِينٍ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ بِأنَّ الطِّينَ ماءٌ وتُرابٌ مُجْتَمِعانِ، والآدَمِيُّ أصْلُهُ مَنِيٌّ، والمَنِيُّ أصْلُهُ غِذاءٌ، والأغْذِيَةُ إمّا حَيَوانِيَّةٌ، وإمّا نَباتِيَّةٌ، والحَيَوانِيَّةُ بِالآخِرَةِ تَرْجِعُ إلى النَّباتِيَّةِ، والنَّباتُ وُجُودُهُ بِالماءِ والتُّرابِ الَّذِي هو طِينٌ.
السجدة 32:6
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿الَّذِي أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وبَدَأ خَلْقَ الإنْسانِ مِن طِينٍ﴾ ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلالَةٍ مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾
* وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلالَةٍ مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ عَلى التَّفْسِيرِ الأوَّلِ ظاهِرٌ؛ لِأنَّ آدَمَ كانَ مِن طِينٍ، ونَسْلَهُ مِن سُلالَةٍ مِن ماءٍ مَهِينٍ، هو النُّطْفَةُ، وعَلى التَّفْسِيرِ الثّانِي هو أنَّ أصْلَهُ مِنَ الطِّينِ، ثُمَّ يُوجَدُ مِن ذَلِكَ الأصْلِ سُلالَةٌ هي مِن ماءٍ مَهِينٍ، فَإنْ قالَ قائِلٌ: التَّفْسِيرُ الثّانِي غَيْرُ صَحِيحٍ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿بَدَأ خَلْقَ الإنْسانِ﴾ ثُمَّ
صفحة ١٥٢
جَعَلَ نَسْلَهُ دَلِيلٌ عَلى أنَّ جَعْلَ النَّسْلِ بَعْدَ خَلْقِ الإنْسانِ مِن طِينٍ، فَنَقُولُ: لا، بَلِ التَّفْسِيرُ الثّانِي أقْرَبُ إلى التَّرْتِيبِ اللَّفْظِيِّ، فَإنَّهُ تَعالى بَدَأ بِذِكْرِ الأمْرِ مِنَ الِابْتِداءِ في خَلْقِ الإنْسانِ، فَقالَ: بَدَأهُ مِن طِينٍ، ثُمَّ جَعَلَهُ سُلالَةً، ثُمَّ سَوّاهُ ونَفَخَ فِيهِ مِن رُوحِهِ، وعَلى ما ذَكَرْتُمْ يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: ﴿ثُمَّ سَوّاهُ ونَفَخَ فِيهِ مِن رُوحِهِ﴾ عائِدٌ إلى آدَمَ أيْضًا؛ لِأنَّ كَلِمَةَ “ ثُمَّ “ لِلتَّراخِي، فَتَكُونُ التَّسْوِيَةُ بَعْدَ جَعْلِ النَّسْلِ مِن سُلالَةٍ، وذَلِكَ بَعْدَ خَلْقِ آدَمَ، واعْلَمْ أنَّ دَلائِلَ الآفاقِ أدَلُّ عَلى كَمالِ القُدْرَةِ كَما قالَ تَعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ أكْبَرُ﴾ [غافر: ٥٧] ودَلائِلُ الأنْفُسِ أدَلُّ عَلى نَفاذِ الإرادَةِ، فَإنَّ التَّغَيُّراتِ فِيها كَثِيرَةٌ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ﴾، ﴿ثُمَّ سَوّاهُ﴾ أيْ كانَ طِينًا فَجَعَلَهُ مَنِيًّا، ثُمَّ جَعَلَهُ بَشَرًا سَوِيًّا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ونَفَخَ فِيهِ مِن رُوحِهِ﴾ إضافَةُ الرُّوحِ إلى نَفْسِهِ كَإضافَةِ البَيْتِ إلَيْهِ لِلتَّشْرِيفِ، واعْلَمْ أنَّ النَّصارى يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ ويَقُولُونَ: بِأنَّ عِيسى كانَ رُوحَ اللَّهِ فَهو ابْنٌ، ولا يَعْلَمُونَ أنَّ كُلَّ أحَدٍ رُوحُهُ رُوحُ اللَّهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ونَفَخَ فِيهِ مِن رُوحِهِ﴾ أيِ الرُّوحِ الَّتِي هي مِلْكُهُ كَما يَقُولُ القائِلُ: دارِي وعَبْدِي، ولَمْ يَقُلْ أعْطاهُ مِن جِسْمِهِ؛ لِأنَّ الشَّرَفَ بِالرُّوحِ، فَأضافَ الرُّوحَ دُونَ الجِسْمِ عَلى ما يَتَرَتَّبُ عَلى نَفْخِ الرُّوحِ مِنَ السَّمْعِ والبَصَرِ والعِلْمِ، فَقالَ تَعالى: ﴿وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ: ﴿وجَعَلَ لَكُمُ﴾ مُخاطِبًا ولَمْ يُخاطِبْ مِن قَبْلُ، وذَلِكَ لِأنَّ الخِطابَ يَكُونُ مَعَ الحَيِّ، فَلَمّا قالَ: ﴿ونَفَخَ فِيهِ مِن رُوحِهِ﴾ خاطَبَهُ مِن بَعْدِهِ وقالَ: ﴿جَعَلَ لَكُمُ﴾، فَإنْ قِيلَ: الخِطابُ واقِعٌ قَبْلَ ذَلِكَ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومِن آياتِهِ أنْ خَلَقَكم مِن تُرابٍ﴾ [الروم: ٢٠] فَنَقُولُ: هُناكَ لَمْ يَذْكُرِ الأُمُورَ المُرَتَّبَةَ، وإنَّما أشارَ إلى تَمامِ الخَلْقِ، وهاهُنا ذَكَرَ الأُمُورَ المُرَتَّبَةَ وهي كَوْنُ الإنْسانِ طِينًا ثُمَّ ماءً مَهِينًا، ثُمَّ خَلْقًا مُسَوًّى، بِأنْواعِ القُوى مُقَوًّى؛ فَخاطَبَ في بَعْضِ المَراتِبِ دُونَ البَعْضِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: التَّرْتِيبُ في السَّمْعِ والأبْصارِ والأفْئِدَةِ عَلى مُقْتَضى الحِكْمَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ الإنْسانَ يَسْمَعُ أوَّلًا مِنَ الأبَوَيْنِ أوِ النّاسِ أُمُورًا فَيَفْهَمُها، ثُمَّ يَحْصُلُ لَهُ بِسَبَبِ ذَلِكَ بَصِيرَةٌ فَيُبْصِرُ الأُمُورَ ويُجَرِّبُها، ثُمَّ يَحْصُلُ لَهُ بِسَبَبِ ذَلِكَ إدْراكٌ تامٌّ وذِهْنٌ كامِلٌ فَيَسْتَخْرِجُ الأشْياءَ مِن قِبَلِهِ، ومِثالُهُ: شَخْصٌ يَسْمَعُ مِن أُسْتاذٍ شَيْئًا ثُمَّ يَصِيرُ لَهُ أهْلِيَّةُ مُطالَعَةِ الكُتُبِ وفَهْمِ مَعانِيها، ثُمَّ يَصِيرُ لَهُ أهْلِيَّةُ التَّصْنِيفِ فَيَكْتُبُ مِن قَلْبِهِ كِتابًا، فَكَذَلِكَ الإنْسانُ يَسْمَعُ ثُمَّ يُطالِعُ صَحائِفَ المَوْجُوداتِ ثُمَّ يَعْلَمُ الأُمُورَ الخَفِيَّةَ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ذَكَرَ في السَّمْعِ المَصْدَرَ وفي البَصَرِ والفُؤادِ الِاسْمَ، ولِهَذا جَمَعَ الأبْصارَ والأفْئِدَةَ ولَمْ يَجْمَعِ السَّمْعَ؛ لِأنَّ المَصْدَرَ لا يُجْمَعُ، وذَلِكَ لِحِكْمَةٍ؛ وهو أنَّ السَّمْعَ قُوَّةٌ واحِدَةٌ ولَها فِعْلٌ واحِدٌ، فَإنَّ الإنْسانَ لا يَضْبِطُ في زَمانٍ واحِدٍ كَلامَيْنِ، والأُذُنُ مَحَلُّهُ ولا اخْتِيارَ لَها فِيهِ، فَإنَّ الصَّوْتَ مِن أيِّ جانِبٍ كانَ يَصِلُ إلَيْهِ، ولا قُدْرَةَ لَها عَلى تَخْصِيصِ القُوَّةِ بِإدْراكِ البَعْضِ دُونَ البَعْضِ، وأمّا الإبْصارُ فَمَحَلُّهُ العَيْنُ ولَها فِيهِ شِبْهُ اخْتِيارٍ فَإنَّها تَتَحَرَّكُ إلى جانِبٍ مَرْئِيٍّ دُونَ آخَرَ، وكَذَلِكَ الفُؤادُ مَحَلُّ الإدْراكِ ولَهُ نَوْعُ اخْتِيارٍ يَلْتَفِتُ إلى ما يُرِيدُ دُونَ غَيْرِهِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَلَمْ يَكُنْ لِلْمَحَلِّ في السَّمْعِ تَأْثِيرٌ، والقُوَّةُ مُسْتَبِدَّةٌ، فَذَكَرَ القُوَّةَ في الأُذُنِ وفي العَيْنِ، والفُؤادُ لِلْمَحَلِّ نَوْعُ اخْتِيارٍ، فَذَكَرَ المَحَلَّ لِأنَّ الفِعْلَ يُسْنَدُ إلى المُخْتارِ، ألا تَرى أنَّكَ تَقُولُ: سَمِعَ زَيْدٌ ورَأى عَمْرٌو. ولا تَقُولُ: سَمِعَ أُذُنُ زَيْدٍ ولا رَأى عَيْنُ عَمْرٍو إلّا نادِرًا، لِما بَيَّنّا أنَّ المُخْتارَ هو الأصْلُ وغَيْرُهُ آلَتُهُ، فالسَّمْعُ أصْلٌ دُونَ مَحَلِّهِ لِعَدَمِ الِاخْتِيارِ لَهُ، والعَيْنُ كالأصْلِ، وقُوَّةُ الإبْصارِ آلَتُها، والفُؤادُ كَذَلِكَ، وقُوَّةُ الفَهْمِ آلَتُهُ، فَذَكَرَ في السَّمْعِ المَصْدَرَ الَّذِي هو القُوَّةُ، وفي الأبْصارِ والأفْئِدَةِ الِاسْمَ الَّذِي هو مَحَلُّ القُوَّةِ؛ ولِأنَّ السَّمْعَ لَهُ قُوَّةٌ واحِدَةٌ، ولَها فِعْلٌ
صفحة ١٥٣
واحِدٌ؛ ولِهَذا لا يَسْمَعُ الإنْسانُ في زَمانٍ واحِدٍ كَلامَيْنِ عَلى وجْهٍ يَضْبِطُهُما، ويُدْرِكُ في زَمانٍ واحِدٍ صُورَتَيْنِ وأكْثَرَ ويَسْتَبِينُهُما.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: لِمَ قَدَّمَ السَّمْعَ هَهُنا والقَلْبَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وعَلى سَمْعِهِمْ﴾ [البقرة: ٧] ؟ فَنَقُولُ: ذَلِكَ يُحَقِّقُ ما ذَكَرْنا، وذَلِكَ لِأنَّ عِنْدَ الإعْطاءِ ذَكَرَ الأدْنى وارْتَقى إلى الأعْلى فَقالَ: أعْطاكُمُ السَّمْعَ ثُمَّ أعْطاكم ما هو أشْرَفُ مِنهُ وهو القَلْبُ. وعِنْدَ السَّلْبِ قالَ: لَيْسَ لَهم قَلْبٌ يُدْرِكُونَ بِهِ ولا ما هو دُونَهُ وهو السَّمْعُ الَّذِي يَسْمَعُونَ بِهِ مِمَّنْ لَهُ قَلْبٌ يَفْهَمُ الحَقائِقَ ويَسْتَخْرِجُها، وقَدْ ذَكَرْنا هُناكَ ما هو السَّبَبُ في تَأْخِيرِ الأبْصارِ مَعَ أنَّها في الوَسَطِ فِيما ذَكَرْنا مِنَ التَّرْتِيبِ، وهو أنَّ القَلْبَ والسَّمْعَ سَلَبَ قُوَّتَهُما بِالطَّبْعِ، فَجَمَعَ بَيْنَهُما، وسَلَبَ قُوَّةَ البَصَرِ بِجَعْلِ الغِشاوَةِ عَلَيْهِ فَذَكَرَها مُتَأخِّرَةً.
السجدة 32:7
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿الَّذِي أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وبَدَأ خَلْقَ الإنْسانِ مِن طِينٍ﴾ ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلالَةٍ مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾
* وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلالَةٍ مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ عَلى التَّفْسِيرِ الأوَّلِ ظاهِرٌ؛ لِأنَّ آدَمَ كانَ مِن طِينٍ، ونَسْلَهُ مِن سُلالَةٍ مِن ماءٍ مَهِينٍ، هو النُّطْفَةُ، وعَلى التَّفْسِيرِ الثّانِي هو أنَّ أصْلَهُ مِنَ الطِّينِ، ثُمَّ يُوجَدُ مِن ذَلِكَ الأصْلِ سُلالَةٌ هي مِن ماءٍ مَهِينٍ، فَإنْ قالَ قائِلٌ: التَّفْسِيرُ الثّانِي غَيْرُ صَحِيحٍ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿بَدَأ خَلْقَ الإنْسانِ﴾ ثُمَّ
صفحة ١٥٢
جَعَلَ نَسْلَهُ دَلِيلٌ عَلى أنَّ جَعْلَ النَّسْلِ بَعْدَ خَلْقِ الإنْسانِ مِن طِينٍ، فَنَقُولُ: لا، بَلِ التَّفْسِيرُ الثّانِي أقْرَبُ إلى التَّرْتِيبِ اللَّفْظِيِّ، فَإنَّهُ تَعالى بَدَأ بِذِكْرِ الأمْرِ مِنَ الِابْتِداءِ في خَلْقِ الإنْسانِ، فَقالَ: بَدَأهُ مِن طِينٍ، ثُمَّ جَعَلَهُ سُلالَةً، ثُمَّ سَوّاهُ ونَفَخَ فِيهِ مِن رُوحِهِ، وعَلى ما ذَكَرْتُمْ يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: ﴿ثُمَّ سَوّاهُ ونَفَخَ فِيهِ مِن رُوحِهِ﴾ عائِدٌ إلى آدَمَ أيْضًا؛ لِأنَّ كَلِمَةَ “ ثُمَّ “ لِلتَّراخِي، فَتَكُونُ التَّسْوِيَةُ بَعْدَ جَعْلِ النَّسْلِ مِن سُلالَةٍ، وذَلِكَ بَعْدَ خَلْقِ آدَمَ، واعْلَمْ أنَّ دَلائِلَ الآفاقِ أدَلُّ عَلى كَمالِ القُدْرَةِ كَما قالَ تَعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ أكْبَرُ﴾ [غافر: ٥٧] ودَلائِلُ الأنْفُسِ أدَلُّ عَلى نَفاذِ الإرادَةِ، فَإنَّ التَّغَيُّراتِ فِيها كَثِيرَةٌ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ﴾، ﴿ثُمَّ سَوّاهُ﴾ أيْ كانَ طِينًا فَجَعَلَهُ مَنِيًّا، ثُمَّ جَعَلَهُ بَشَرًا سَوِيًّا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ونَفَخَ فِيهِ مِن رُوحِهِ﴾ إضافَةُ الرُّوحِ إلى نَفْسِهِ كَإضافَةِ البَيْتِ إلَيْهِ لِلتَّشْرِيفِ، واعْلَمْ أنَّ النَّصارى يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ ويَقُولُونَ: بِأنَّ عِيسى كانَ رُوحَ اللَّهِ فَهو ابْنٌ، ولا يَعْلَمُونَ أنَّ كُلَّ أحَدٍ رُوحُهُ رُوحُ اللَّهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ونَفَخَ فِيهِ مِن رُوحِهِ﴾ أيِ الرُّوحِ الَّتِي هي مِلْكُهُ كَما يَقُولُ القائِلُ: دارِي وعَبْدِي، ولَمْ يَقُلْ أعْطاهُ مِن جِسْمِهِ؛ لِأنَّ الشَّرَفَ بِالرُّوحِ، فَأضافَ الرُّوحَ دُونَ الجِسْمِ عَلى ما يَتَرَتَّبُ عَلى نَفْخِ الرُّوحِ مِنَ السَّمْعِ والبَصَرِ والعِلْمِ، فَقالَ تَعالى: ﴿وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ: ﴿وجَعَلَ لَكُمُ﴾ مُخاطِبًا ولَمْ يُخاطِبْ مِن قَبْلُ، وذَلِكَ لِأنَّ الخِطابَ يَكُونُ مَعَ الحَيِّ، فَلَمّا قالَ: ﴿ونَفَخَ فِيهِ مِن رُوحِهِ﴾ خاطَبَهُ مِن بَعْدِهِ وقالَ: ﴿جَعَلَ لَكُمُ﴾، فَإنْ قِيلَ: الخِطابُ واقِعٌ قَبْلَ ذَلِكَ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومِن آياتِهِ أنْ خَلَقَكم مِن تُرابٍ﴾ [الروم: ٢٠] فَنَقُولُ: هُناكَ لَمْ يَذْكُرِ الأُمُورَ المُرَتَّبَةَ، وإنَّما أشارَ إلى تَمامِ الخَلْقِ، وهاهُنا ذَكَرَ الأُمُورَ المُرَتَّبَةَ وهي كَوْنُ الإنْسانِ طِينًا ثُمَّ ماءً مَهِينًا، ثُمَّ خَلْقًا مُسَوًّى، بِأنْواعِ القُوى مُقَوًّى؛ فَخاطَبَ في بَعْضِ المَراتِبِ دُونَ البَعْضِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: التَّرْتِيبُ في السَّمْعِ والأبْصارِ والأفْئِدَةِ عَلى مُقْتَضى الحِكْمَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ الإنْسانَ يَسْمَعُ أوَّلًا مِنَ الأبَوَيْنِ أوِ النّاسِ أُمُورًا فَيَفْهَمُها، ثُمَّ يَحْصُلُ لَهُ بِسَبَبِ ذَلِكَ بَصِيرَةٌ فَيُبْصِرُ الأُمُورَ ويُجَرِّبُها، ثُمَّ يَحْصُلُ لَهُ بِسَبَبِ ذَلِكَ إدْراكٌ تامٌّ وذِهْنٌ كامِلٌ فَيَسْتَخْرِجُ الأشْياءَ مِن قِبَلِهِ، ومِثالُهُ: شَخْصٌ يَسْمَعُ مِن أُسْتاذٍ شَيْئًا ثُمَّ يَصِيرُ لَهُ أهْلِيَّةُ مُطالَعَةِ الكُتُبِ وفَهْمِ مَعانِيها، ثُمَّ يَصِيرُ لَهُ أهْلِيَّةُ التَّصْنِيفِ فَيَكْتُبُ مِن قَلْبِهِ كِتابًا، فَكَذَلِكَ الإنْسانُ يَسْمَعُ ثُمَّ يُطالِعُ صَحائِفَ المَوْجُوداتِ ثُمَّ يَعْلَمُ الأُمُورَ الخَفِيَّةَ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ذَكَرَ في السَّمْعِ المَصْدَرَ وفي البَصَرِ والفُؤادِ الِاسْمَ، ولِهَذا جَمَعَ الأبْصارَ والأفْئِدَةَ ولَمْ يَجْمَعِ السَّمْعَ؛ لِأنَّ المَصْدَرَ لا يُجْمَعُ، وذَلِكَ لِحِكْمَةٍ؛ وهو أنَّ السَّمْعَ قُوَّةٌ واحِدَةٌ ولَها فِعْلٌ واحِدٌ، فَإنَّ الإنْسانَ لا يَضْبِطُ في زَمانٍ واحِدٍ كَلامَيْنِ، والأُذُنُ مَحَلُّهُ ولا اخْتِيارَ لَها فِيهِ، فَإنَّ الصَّوْتَ مِن أيِّ جانِبٍ كانَ يَصِلُ إلَيْهِ، ولا قُدْرَةَ لَها عَلى تَخْصِيصِ القُوَّةِ بِإدْراكِ البَعْضِ دُونَ البَعْضِ، وأمّا الإبْصارُ فَمَحَلُّهُ العَيْنُ ولَها فِيهِ شِبْهُ اخْتِيارٍ فَإنَّها تَتَحَرَّكُ إلى جانِبٍ مَرْئِيٍّ دُونَ آخَرَ، وكَذَلِكَ الفُؤادُ مَحَلُّ الإدْراكِ ولَهُ نَوْعُ اخْتِيارٍ يَلْتَفِتُ إلى ما يُرِيدُ دُونَ غَيْرِهِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَلَمْ يَكُنْ لِلْمَحَلِّ في السَّمْعِ تَأْثِيرٌ، والقُوَّةُ مُسْتَبِدَّةٌ، فَذَكَرَ القُوَّةَ في الأُذُنِ وفي العَيْنِ، والفُؤادُ لِلْمَحَلِّ نَوْعُ اخْتِيارٍ، فَذَكَرَ المَحَلَّ لِأنَّ الفِعْلَ يُسْنَدُ إلى المُخْتارِ، ألا تَرى أنَّكَ تَقُولُ: سَمِعَ زَيْدٌ ورَأى عَمْرٌو. ولا تَقُولُ: سَمِعَ أُذُنُ زَيْدٍ ولا رَأى عَيْنُ عَمْرٍو إلّا نادِرًا، لِما بَيَّنّا أنَّ المُخْتارَ هو الأصْلُ وغَيْرُهُ آلَتُهُ، فالسَّمْعُ أصْلٌ دُونَ مَحَلِّهِ لِعَدَمِ الِاخْتِيارِ لَهُ، والعَيْنُ كالأصْلِ، وقُوَّةُ الإبْصارِ آلَتُها، والفُؤادُ كَذَلِكَ، وقُوَّةُ الفَهْمِ آلَتُهُ، فَذَكَرَ في السَّمْعِ المَصْدَرَ الَّذِي هو القُوَّةُ، وفي الأبْصارِ والأفْئِدَةِ الِاسْمَ الَّذِي هو مَحَلُّ القُوَّةِ؛ ولِأنَّ السَّمْعَ لَهُ قُوَّةٌ واحِدَةٌ، ولَها فِعْلٌ
صفحة ١٥٣
واحِدٌ؛ ولِهَذا لا يَسْمَعُ الإنْسانُ في زَمانٍ واحِدٍ كَلامَيْنِ عَلى وجْهٍ يَضْبِطُهُما، ويُدْرِكُ في زَمانٍ واحِدٍ صُورَتَيْنِ وأكْثَرَ ويَسْتَبِينُهُما.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: لِمَ قَدَّمَ السَّمْعَ هَهُنا والقَلْبَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وعَلى سَمْعِهِمْ﴾ [البقرة: ٧] ؟ فَنَقُولُ: ذَلِكَ يُحَقِّقُ ما ذَكَرْنا، وذَلِكَ لِأنَّ عِنْدَ الإعْطاءِ ذَكَرَ الأدْنى وارْتَقى إلى الأعْلى فَقالَ: أعْطاكُمُ السَّمْعَ ثُمَّ أعْطاكم ما هو أشْرَفُ مِنهُ وهو القَلْبُ. وعِنْدَ السَّلْبِ قالَ: لَيْسَ لَهم قَلْبٌ يُدْرِكُونَ بِهِ ولا ما هو دُونَهُ وهو السَّمْعُ الَّذِي يَسْمَعُونَ بِهِ مِمَّنْ لَهُ قَلْبٌ يَفْهَمُ الحَقائِقَ ويَسْتَخْرِجُها، وقَدْ ذَكَرْنا هُناكَ ما هو السَّبَبُ في تَأْخِيرِ الأبْصارِ مَعَ أنَّها في الوَسَطِ فِيما ذَكَرْنا مِنَ التَّرْتِيبِ، وهو أنَّ القَلْبَ والسَّمْعَ سَلَبَ قُوَّتَهُما بِالطَّبْعِ، فَجَمَعَ بَيْنَهُما، وسَلَبَ قُوَّةَ البَصَرِ بِجَعْلِ الغِشاوَةِ عَلَيْهِ فَذَكَرَها مُتَأخِّرَةً.
السجدة 32:8
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿الَّذِي أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وبَدَأ خَلْقَ الإنْسانِ مِن طِينٍ﴾ ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلالَةٍ مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾
* وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلالَةٍ مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ عَلى التَّفْسِيرِ الأوَّلِ ظاهِرٌ؛ لِأنَّ آدَمَ كانَ مِن طِينٍ، ونَسْلَهُ مِن سُلالَةٍ مِن ماءٍ مَهِينٍ، هو النُّطْفَةُ، وعَلى التَّفْسِيرِ الثّانِي هو أنَّ أصْلَهُ مِنَ الطِّينِ، ثُمَّ يُوجَدُ مِن ذَلِكَ الأصْلِ سُلالَةٌ هي مِن ماءٍ مَهِينٍ، فَإنْ قالَ قائِلٌ: التَّفْسِيرُ الثّانِي غَيْرُ صَحِيحٍ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿بَدَأ خَلْقَ الإنْسانِ﴾ ثُمَّ
صفحة ١٥٢
جَعَلَ نَسْلَهُ دَلِيلٌ عَلى أنَّ جَعْلَ النَّسْلِ بَعْدَ خَلْقِ الإنْسانِ مِن طِينٍ، فَنَقُولُ: لا، بَلِ التَّفْسِيرُ الثّانِي أقْرَبُ إلى التَّرْتِيبِ اللَّفْظِيِّ، فَإنَّهُ تَعالى بَدَأ بِذِكْرِ الأمْرِ مِنَ الِابْتِداءِ في خَلْقِ الإنْسانِ، فَقالَ: بَدَأهُ مِن طِينٍ، ثُمَّ جَعَلَهُ سُلالَةً، ثُمَّ سَوّاهُ ونَفَخَ فِيهِ مِن رُوحِهِ، وعَلى ما ذَكَرْتُمْ يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: ﴿ثُمَّ سَوّاهُ ونَفَخَ فِيهِ مِن رُوحِهِ﴾ عائِدٌ إلى آدَمَ أيْضًا؛ لِأنَّ كَلِمَةَ “ ثُمَّ “ لِلتَّراخِي، فَتَكُونُ التَّسْوِيَةُ بَعْدَ جَعْلِ النَّسْلِ مِن سُلالَةٍ، وذَلِكَ بَعْدَ خَلْقِ آدَمَ، واعْلَمْ أنَّ دَلائِلَ الآفاقِ أدَلُّ عَلى كَمالِ القُدْرَةِ كَما قالَ تَعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ أكْبَرُ﴾ [غافر: ٥٧] ودَلائِلُ الأنْفُسِ أدَلُّ عَلى نَفاذِ الإرادَةِ، فَإنَّ التَّغَيُّراتِ فِيها كَثِيرَةٌ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ﴾، ﴿ثُمَّ سَوّاهُ﴾ أيْ كانَ طِينًا فَجَعَلَهُ مَنِيًّا، ثُمَّ جَعَلَهُ بَشَرًا سَوِيًّا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ونَفَخَ فِيهِ مِن رُوحِهِ﴾ إضافَةُ الرُّوحِ إلى نَفْسِهِ كَإضافَةِ البَيْتِ إلَيْهِ لِلتَّشْرِيفِ، واعْلَمْ أنَّ النَّصارى يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ ويَقُولُونَ: بِأنَّ عِيسى كانَ رُوحَ اللَّهِ فَهو ابْنٌ، ولا يَعْلَمُونَ أنَّ كُلَّ أحَدٍ رُوحُهُ رُوحُ اللَّهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ونَفَخَ فِيهِ مِن رُوحِهِ﴾ أيِ الرُّوحِ الَّتِي هي مِلْكُهُ كَما يَقُولُ القائِلُ: دارِي وعَبْدِي، ولَمْ يَقُلْ أعْطاهُ مِن جِسْمِهِ؛ لِأنَّ الشَّرَفَ بِالرُّوحِ، فَأضافَ الرُّوحَ دُونَ الجِسْمِ عَلى ما يَتَرَتَّبُ عَلى نَفْخِ الرُّوحِ مِنَ السَّمْعِ والبَصَرِ والعِلْمِ، فَقالَ تَعالى: ﴿وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ: ﴿وجَعَلَ لَكُمُ﴾ مُخاطِبًا ولَمْ يُخاطِبْ مِن قَبْلُ، وذَلِكَ لِأنَّ الخِطابَ يَكُونُ مَعَ الحَيِّ، فَلَمّا قالَ: ﴿ونَفَخَ فِيهِ مِن رُوحِهِ﴾ خاطَبَهُ مِن بَعْدِهِ وقالَ: ﴿جَعَلَ لَكُمُ﴾، فَإنْ قِيلَ: الخِطابُ واقِعٌ قَبْلَ ذَلِكَ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومِن آياتِهِ أنْ خَلَقَكم مِن تُرابٍ﴾ [الروم: ٢٠] فَنَقُولُ: هُناكَ لَمْ يَذْكُرِ الأُمُورَ المُرَتَّبَةَ، وإنَّما أشارَ إلى تَمامِ الخَلْقِ، وهاهُنا ذَكَرَ الأُمُورَ المُرَتَّبَةَ وهي كَوْنُ الإنْسانِ طِينًا ثُمَّ ماءً مَهِينًا، ثُمَّ خَلْقًا مُسَوًّى، بِأنْواعِ القُوى مُقَوًّى؛ فَخاطَبَ في بَعْضِ المَراتِبِ دُونَ البَعْضِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: التَّرْتِيبُ في السَّمْعِ والأبْصارِ والأفْئِدَةِ عَلى مُقْتَضى الحِكْمَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ الإنْسانَ يَسْمَعُ أوَّلًا مِنَ الأبَوَيْنِ أوِ النّاسِ أُمُورًا فَيَفْهَمُها، ثُمَّ يَحْصُلُ لَهُ بِسَبَبِ ذَلِكَ بَصِيرَةٌ فَيُبْصِرُ الأُمُورَ ويُجَرِّبُها، ثُمَّ يَحْصُلُ لَهُ بِسَبَبِ ذَلِكَ إدْراكٌ تامٌّ وذِهْنٌ كامِلٌ فَيَسْتَخْرِجُ الأشْياءَ مِن قِبَلِهِ، ومِثالُهُ: شَخْصٌ يَسْمَعُ مِن أُسْتاذٍ شَيْئًا ثُمَّ يَصِيرُ لَهُ أهْلِيَّةُ مُطالَعَةِ الكُتُبِ وفَهْمِ مَعانِيها، ثُمَّ يَصِيرُ لَهُ أهْلِيَّةُ التَّصْنِيفِ فَيَكْتُبُ مِن قَلْبِهِ كِتابًا، فَكَذَلِكَ الإنْسانُ يَسْمَعُ ثُمَّ يُطالِعُ صَحائِفَ المَوْجُوداتِ ثُمَّ يَعْلَمُ الأُمُورَ الخَفِيَّةَ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ذَكَرَ في السَّمْعِ المَصْدَرَ وفي البَصَرِ والفُؤادِ الِاسْمَ، ولِهَذا جَمَعَ الأبْصارَ والأفْئِدَةَ ولَمْ يَجْمَعِ السَّمْعَ؛ لِأنَّ المَصْدَرَ لا يُجْمَعُ، وذَلِكَ لِحِكْمَةٍ؛ وهو أنَّ السَّمْعَ قُوَّةٌ واحِدَةٌ ولَها فِعْلٌ واحِدٌ، فَإنَّ الإنْسانَ لا يَضْبِطُ في زَمانٍ واحِدٍ كَلامَيْنِ، والأُذُنُ مَحَلُّهُ ولا اخْتِيارَ لَها فِيهِ، فَإنَّ الصَّوْتَ مِن أيِّ جانِبٍ كانَ يَصِلُ إلَيْهِ، ولا قُدْرَةَ لَها عَلى تَخْصِيصِ القُوَّةِ بِإدْراكِ البَعْضِ دُونَ البَعْضِ، وأمّا الإبْصارُ فَمَحَلُّهُ العَيْنُ ولَها فِيهِ شِبْهُ اخْتِيارٍ فَإنَّها تَتَحَرَّكُ إلى جانِبٍ مَرْئِيٍّ دُونَ آخَرَ، وكَذَلِكَ الفُؤادُ مَحَلُّ الإدْراكِ ولَهُ نَوْعُ اخْتِيارٍ يَلْتَفِتُ إلى ما يُرِيدُ دُونَ غَيْرِهِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَلَمْ يَكُنْ لِلْمَحَلِّ في السَّمْعِ تَأْثِيرٌ، والقُوَّةُ مُسْتَبِدَّةٌ، فَذَكَرَ القُوَّةَ في الأُذُنِ وفي العَيْنِ، والفُؤادُ لِلْمَحَلِّ نَوْعُ اخْتِيارٍ، فَذَكَرَ المَحَلَّ لِأنَّ الفِعْلَ يُسْنَدُ إلى المُخْتارِ، ألا تَرى أنَّكَ تَقُولُ: سَمِعَ زَيْدٌ ورَأى عَمْرٌو. ولا تَقُولُ: سَمِعَ أُذُنُ زَيْدٍ ولا رَأى عَيْنُ عَمْرٍو إلّا نادِرًا، لِما بَيَّنّا أنَّ المُخْتارَ هو الأصْلُ وغَيْرُهُ آلَتُهُ، فالسَّمْعُ أصْلٌ دُونَ مَحَلِّهِ لِعَدَمِ الِاخْتِيارِ لَهُ، والعَيْنُ كالأصْلِ، وقُوَّةُ الإبْصارِ آلَتُها، والفُؤادُ كَذَلِكَ، وقُوَّةُ الفَهْمِ آلَتُهُ، فَذَكَرَ في السَّمْعِ المَصْدَرَ الَّذِي هو القُوَّةُ، وفي الأبْصارِ والأفْئِدَةِ الِاسْمَ الَّذِي هو مَحَلُّ القُوَّةِ؛ ولِأنَّ السَّمْعَ لَهُ قُوَّةٌ واحِدَةٌ، ولَها فِعْلٌ
صفحة ١٥٣
واحِدٌ؛ ولِهَذا لا يَسْمَعُ الإنْسانُ في زَمانٍ واحِدٍ كَلامَيْنِ عَلى وجْهٍ يَضْبِطُهُما، ويُدْرِكُ في زَمانٍ واحِدٍ صُورَتَيْنِ وأكْثَرَ ويَسْتَبِينُهُما.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: لِمَ قَدَّمَ السَّمْعَ هَهُنا والقَلْبَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وعَلى سَمْعِهِمْ﴾ [البقرة: ٧] ؟ فَنَقُولُ: ذَلِكَ يُحَقِّقُ ما ذَكَرْنا، وذَلِكَ لِأنَّ عِنْدَ الإعْطاءِ ذَكَرَ الأدْنى وارْتَقى إلى الأعْلى فَقالَ: أعْطاكُمُ السَّمْعَ ثُمَّ أعْطاكم ما هو أشْرَفُ مِنهُ وهو القَلْبُ. وعِنْدَ السَّلْبِ قالَ: لَيْسَ لَهم قَلْبٌ يُدْرِكُونَ بِهِ ولا ما هو دُونَهُ وهو السَّمْعُ الَّذِي يَسْمَعُونَ بِهِ مِمَّنْ لَهُ قَلْبٌ يَفْهَمُ الحَقائِقَ ويَسْتَخْرِجُها، وقَدْ ذَكَرْنا هُناكَ ما هو السَّبَبُ في تَأْخِيرِ الأبْصارِ مَعَ أنَّها في الوَسَطِ فِيما ذَكَرْنا مِنَ التَّرْتِيبِ، وهو أنَّ القَلْبَ والسَّمْعَ سَلَبَ قُوَّتَهُما بِالطَّبْعِ، فَجَمَعَ بَيْنَهُما، وسَلَبَ قُوَّةَ البَصَرِ بِجَعْلِ الغِشاوَةِ عَلَيْهِ فَذَكَرَها مُتَأخِّرَةً.
السجدة 32:9
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿الَّذِي أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وبَدَأ خَلْقَ الإنْسانِ مِن طِينٍ﴾ ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلالَةٍ مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾
* وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلالَةٍ مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ عَلى التَّفْسِيرِ الأوَّلِ ظاهِرٌ؛ لِأنَّ آدَمَ كانَ مِن طِينٍ، ونَسْلَهُ مِن سُلالَةٍ مِن ماءٍ مَهِينٍ، هو النُّطْفَةُ، وعَلى التَّفْسِيرِ الثّانِي هو أنَّ أصْلَهُ مِنَ الطِّينِ، ثُمَّ يُوجَدُ مِن ذَلِكَ الأصْلِ سُلالَةٌ هي مِن ماءٍ مَهِينٍ، فَإنْ قالَ قائِلٌ: التَّفْسِيرُ الثّانِي غَيْرُ صَحِيحٍ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿بَدَأ خَلْقَ الإنْسانِ﴾ ثُمَّ
صفحة ١٥٢
جَعَلَ نَسْلَهُ دَلِيلٌ عَلى أنَّ جَعْلَ النَّسْلِ بَعْدَ خَلْقِ الإنْسانِ مِن طِينٍ، فَنَقُولُ: لا، بَلِ التَّفْسِيرُ الثّانِي أقْرَبُ إلى التَّرْتِيبِ اللَّفْظِيِّ، فَإنَّهُ تَعالى بَدَأ بِذِكْرِ الأمْرِ مِنَ الِابْتِداءِ في خَلْقِ الإنْسانِ، فَقالَ: بَدَأهُ مِن طِينٍ، ثُمَّ جَعَلَهُ سُلالَةً، ثُمَّ سَوّاهُ ونَفَخَ فِيهِ مِن رُوحِهِ، وعَلى ما ذَكَرْتُمْ يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: ﴿ثُمَّ سَوّاهُ ونَفَخَ فِيهِ مِن رُوحِهِ﴾ عائِدٌ إلى آدَمَ أيْضًا؛ لِأنَّ كَلِمَةَ “ ثُمَّ “ لِلتَّراخِي، فَتَكُونُ التَّسْوِيَةُ بَعْدَ جَعْلِ النَّسْلِ مِن سُلالَةٍ، وذَلِكَ بَعْدَ خَلْقِ آدَمَ، واعْلَمْ أنَّ دَلائِلَ الآفاقِ أدَلُّ عَلى كَمالِ القُدْرَةِ كَما قالَ تَعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ أكْبَرُ﴾ [غافر: ٥٧] ودَلائِلُ الأنْفُسِ أدَلُّ عَلى نَفاذِ الإرادَةِ، فَإنَّ التَّغَيُّراتِ فِيها كَثِيرَةٌ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ﴾، ﴿ثُمَّ سَوّاهُ﴾ أيْ كانَ طِينًا فَجَعَلَهُ مَنِيًّا، ثُمَّ جَعَلَهُ بَشَرًا سَوِيًّا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ونَفَخَ فِيهِ مِن رُوحِهِ﴾ إضافَةُ الرُّوحِ إلى نَفْسِهِ كَإضافَةِ البَيْتِ إلَيْهِ لِلتَّشْرِيفِ، واعْلَمْ أنَّ النَّصارى يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ ويَقُولُونَ: بِأنَّ عِيسى كانَ رُوحَ اللَّهِ فَهو ابْنٌ، ولا يَعْلَمُونَ أنَّ كُلَّ أحَدٍ رُوحُهُ رُوحُ اللَّهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ونَفَخَ فِيهِ مِن رُوحِهِ﴾ أيِ الرُّوحِ الَّتِي هي مِلْكُهُ كَما يَقُولُ القائِلُ: دارِي وعَبْدِي، ولَمْ يَقُلْ أعْطاهُ مِن جِسْمِهِ؛ لِأنَّ الشَّرَفَ بِالرُّوحِ، فَأضافَ الرُّوحَ دُونَ الجِسْمِ عَلى ما يَتَرَتَّبُ عَلى نَفْخِ الرُّوحِ مِنَ السَّمْعِ والبَصَرِ والعِلْمِ، فَقالَ تَعالى: ﴿وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ: ﴿وجَعَلَ لَكُمُ﴾ مُخاطِبًا ولَمْ يُخاطِبْ مِن قَبْلُ، وذَلِكَ لِأنَّ الخِطابَ يَكُونُ مَعَ الحَيِّ، فَلَمّا قالَ: ﴿ونَفَخَ فِيهِ مِن رُوحِهِ﴾ خاطَبَهُ مِن بَعْدِهِ وقالَ: ﴿جَعَلَ لَكُمُ﴾، فَإنْ قِيلَ: الخِطابُ واقِعٌ قَبْلَ ذَلِكَ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومِن آياتِهِ أنْ خَلَقَكم مِن تُرابٍ﴾ [الروم: ٢٠] فَنَقُولُ: هُناكَ لَمْ يَذْكُرِ الأُمُورَ المُرَتَّبَةَ، وإنَّما أشارَ إلى تَمامِ الخَلْقِ، وهاهُنا ذَكَرَ الأُمُورَ المُرَتَّبَةَ وهي كَوْنُ الإنْسانِ طِينًا ثُمَّ ماءً مَهِينًا، ثُمَّ خَلْقًا مُسَوًّى، بِأنْواعِ القُوى مُقَوًّى؛ فَخاطَبَ في بَعْضِ المَراتِبِ دُونَ البَعْضِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: التَّرْتِيبُ في السَّمْعِ والأبْصارِ والأفْئِدَةِ عَلى مُقْتَضى الحِكْمَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ الإنْسانَ يَسْمَعُ أوَّلًا مِنَ الأبَوَيْنِ أوِ النّاسِ أُمُورًا فَيَفْهَمُها، ثُمَّ يَحْصُلُ لَهُ بِسَبَبِ ذَلِكَ بَصِيرَةٌ فَيُبْصِرُ الأُمُورَ ويُجَرِّبُها، ثُمَّ يَحْصُلُ لَهُ بِسَبَبِ ذَلِكَ إدْراكٌ تامٌّ وذِهْنٌ كامِلٌ فَيَسْتَخْرِجُ الأشْياءَ مِن قِبَلِهِ، ومِثالُهُ: شَخْصٌ يَسْمَعُ مِن أُسْتاذٍ شَيْئًا ثُمَّ يَصِيرُ لَهُ أهْلِيَّةُ مُطالَعَةِ الكُتُبِ وفَهْمِ مَعانِيها، ثُمَّ يَصِيرُ لَهُ أهْلِيَّةُ التَّصْنِيفِ فَيَكْتُبُ مِن قَلْبِهِ كِتابًا، فَكَذَلِكَ الإنْسانُ يَسْمَعُ ثُمَّ يُطالِعُ صَحائِفَ المَوْجُوداتِ ثُمَّ يَعْلَمُ الأُمُورَ الخَفِيَّةَ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ذَكَرَ في السَّمْعِ المَصْدَرَ وفي البَصَرِ والفُؤادِ الِاسْمَ، ولِهَذا جَمَعَ الأبْصارَ والأفْئِدَةَ ولَمْ يَجْمَعِ السَّمْعَ؛ لِأنَّ المَصْدَرَ لا يُجْمَعُ، وذَلِكَ لِحِكْمَةٍ؛ وهو أنَّ السَّمْعَ قُوَّةٌ واحِدَةٌ ولَها فِعْلٌ واحِدٌ، فَإنَّ الإنْسانَ لا يَضْبِطُ في زَمانٍ واحِدٍ كَلامَيْنِ، والأُذُنُ مَحَلُّهُ ولا اخْتِيارَ لَها فِيهِ، فَإنَّ الصَّوْتَ مِن أيِّ جانِبٍ كانَ يَصِلُ إلَيْهِ، ولا قُدْرَةَ لَها عَلى تَخْصِيصِ القُوَّةِ بِإدْراكِ البَعْضِ دُونَ البَعْضِ، وأمّا الإبْصارُ فَمَحَلُّهُ العَيْنُ ولَها فِيهِ شِبْهُ اخْتِيارٍ فَإنَّها تَتَحَرَّكُ إلى جانِبٍ مَرْئِيٍّ دُونَ آخَرَ، وكَذَلِكَ الفُؤادُ مَحَلُّ الإدْراكِ ولَهُ نَوْعُ اخْتِيارٍ يَلْتَفِتُ إلى ما يُرِيدُ دُونَ غَيْرِهِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَلَمْ يَكُنْ لِلْمَحَلِّ في السَّمْعِ تَأْثِيرٌ، والقُوَّةُ مُسْتَبِدَّةٌ، فَذَكَرَ القُوَّةَ في الأُذُنِ وفي العَيْنِ، والفُؤادُ لِلْمَحَلِّ نَوْعُ اخْتِيارٍ، فَذَكَرَ المَحَلَّ لِأنَّ الفِعْلَ يُسْنَدُ إلى المُخْتارِ، ألا تَرى أنَّكَ تَقُولُ: سَمِعَ زَيْدٌ ورَأى عَمْرٌو. ولا تَقُولُ: سَمِعَ أُذُنُ زَيْدٍ ولا رَأى عَيْنُ عَمْرٍو إلّا نادِرًا، لِما بَيَّنّا أنَّ المُخْتارَ هو الأصْلُ وغَيْرُهُ آلَتُهُ، فالسَّمْعُ أصْلٌ دُونَ مَحَلِّهِ لِعَدَمِ الِاخْتِيارِ لَهُ، والعَيْنُ كالأصْلِ، وقُوَّةُ الإبْصارِ آلَتُها، والفُؤادُ كَذَلِكَ، وقُوَّةُ الفَهْمِ آلَتُهُ، فَذَكَرَ في السَّمْعِ المَصْدَرَ الَّذِي هو القُوَّةُ، وفي الأبْصارِ والأفْئِدَةِ الِاسْمَ الَّذِي هو مَحَلُّ القُوَّةِ؛ ولِأنَّ السَّمْعَ لَهُ قُوَّةٌ واحِدَةٌ، ولَها فِعْلٌ
صفحة ١٥٣
واحِدٌ؛ ولِهَذا لا يَسْمَعُ الإنْسانُ في زَمانٍ واحِدٍ كَلامَيْنِ عَلى وجْهٍ يَضْبِطُهُما، ويُدْرِكُ في زَمانٍ واحِدٍ صُورَتَيْنِ وأكْثَرَ ويَسْتَبِينُهُما.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: لِمَ قَدَّمَ السَّمْعَ هَهُنا والقَلْبَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وعَلى سَمْعِهِمْ﴾ [البقرة: ٧] ؟ فَنَقُولُ: ذَلِكَ يُحَقِّقُ ما ذَكَرْنا، وذَلِكَ لِأنَّ عِنْدَ الإعْطاءِ ذَكَرَ الأدْنى وارْتَقى إلى الأعْلى فَقالَ: أعْطاكُمُ السَّمْعَ ثُمَّ أعْطاكم ما هو أشْرَفُ مِنهُ وهو القَلْبُ. وعِنْدَ السَّلْبِ قالَ: لَيْسَ لَهم قَلْبٌ يُدْرِكُونَ بِهِ ولا ما هو دُونَهُ وهو السَّمْعُ الَّذِي يَسْمَعُونَ بِهِ مِمَّنْ لَهُ قَلْبٌ يَفْهَمُ الحَقائِقَ ويَسْتَخْرِجُها، وقَدْ ذَكَرْنا هُناكَ ما هو السَّبَبُ في تَأْخِيرِ الأبْصارِ مَعَ أنَّها في الوَسَطِ فِيما ذَكَرْنا مِنَ التَّرْتِيبِ، وهو أنَّ القَلْبَ والسَّمْعَ سَلَبَ قُوَّتَهُما بِالطَّبْعِ، فَجَمَعَ بَيْنَهُما، وسَلَبَ قُوَّةَ البَصَرِ بِجَعْلِ الغِشاوَةِ عَلَيْهِ فَذَكَرَها مُتَأخِّرَةً.
السجدة 32:10
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وقالُوا أئِذا ضَلَلْنا في الأرْضِ أئِنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هم بِلِقاءِ رَبِّهِمْ كافِرُونَ﴾
لَمّا قالَ: ﴿قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ﴾ بَيَّنَ عَدَمَ شُكْرِهِمْ بِإتْيانِهِمْ بِضِدِّهِ وهو الكُفْرُ وإنْكارُ قُدْرَتِهِ عَلى إحْياءِ المَوْتى، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ اللَّهَ تَعالى في كَلامِهِ القَدِيمِ كُلَّما ذَكَرَ أصْلَيْنِ مِنَ الأُصُولِ الثَّلاثَةِ لَمْ يَتْرُكِ الأصْلَ الثّالِثَ، وهاهُنا كَذَلِكَ لَمّا ذَكَرَ الرِّسالَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ﴾ [السجدة: ٢] إلى قَوْلِهِ: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أتاهم مِن نَذِيرٍ مِن قَبْلِكَ﴾ [السجدة: ٣] وذَكَرَ الوَحْدانِيَّةَ بِقَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ﴾ [السجدة: ٤] إلى قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ﴾ ذَكَرَ الأصْلَ الثّالِثَ وهو الحَشْرُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقالُوا أئِذا ضَلَلْنا في الأرْضِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: الواوُ لِلْعَطْفِ عَلى ما سَبَقَ مِنهم، فَإنَّهم قالُوا: مُحَمَّدٌ لَيْسَ بِرَسُولٍ، واللَّهُ لَيْسَ بِواحِدٍ، وقالُوا: الحَشْرُ لَيْسَ بِمُمْكِنٍ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى قالَ في تَكْذِيبِهِمُ الرَّسُولَ في الرِّسالَةِ: ﴿أمْ يَقُولُونَ﴾ بِلَفْظِ المُسْتَقْبَلِ، وقالَ في تَكْذِيبِهِمْ إيّاهُ في الحَشْرِ: ﴿وقالُوا﴾ بِلَفْظِ الماضِي؛ وذَلِكَ لِأنَّ تَكْذِيبَهم إيّاهُ في رِسالَتِهِ لَمْ يَكُنْ قَبْلَ وُجُودِهِ، وإنَّما كانَ ذَلِكَ حالَةَ وُجُودِهِ فَقالَ: ﴿يَقُولُونَ﴾ يَعْنِي هم فِيهِ، وأمّا إنْكارُهم لِلْحَشْرِ كانَ سابِقًا صادِرًا مِنهم ومِن آبائِهِمْ فَقالَ: ﴿وقالُوا﴾ .
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أنَّهُ تَعالى صَرَّحَ بِذِكْرِ قَوْلِهِمْ في الرِّسالَةِ حَيْثُ قالَ: ﴿أمْ يَقُولُونَ﴾ وفي الحَشْرِ حَيْثُ قالَ: ﴿وقالُوا أئِذا﴾ ولَمْ يُصَرِّحْ بِذِكْرِ قَوْلِهِمْ في الوَحْدانِيَّةِ، وذَلِكَ لِأنَّهم كانُوا مُصِرِّينَ في جَمِيعِ الأحْوالِ عَلى إنْكارِ الحَشْرِ والرَّسُولِ، وأمّا الوَحْدانِيَّةُ فَكانُوا يَعْتَرِفُونَ بِها في المَعْنى، ألا تَرى أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥] فَلَمْ يَقُلْ: قالُوا إنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِواحِدٍ، وإنْ كانُوا قالُوهُ في الظّاهِرِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: لَوْ قالَ قائِلٌ: لَمّا ذَكَرَ الرِّسالَةَ ذَكَرَ مِن قَبْلُ دَلِيلَها وهو التَّنْزِيلُ الَّذِي لا رَيْبَ فِيهِ، ولَمّا ذَكَرَ الوَحْدانِيَّةَ ذَكَرَ دَلِيلَها وهو خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ وخَلْقُ الإنْسانِ مَن طِينٍ، ولَمّا ذَكَرَ إنْكارَهُمُ الحَشْرَ لَمْ يَذْكُرِ الدَّلِيلَ. نَقُولُ في الجَوابِ: ذَكَرَ دَلِيلَهُ أيْضًا؛ وذَلِكَ لِأنَّ خَلْقَ الإنْسانِ ابْتِداءً دَلِيلٌ عَلى قُدْرَتِهِ عَلى إعادَتِهِ،
صفحة ١٥٤
ولِهَذا اسْتَدَلَّ اللَّهُ عَلى إمْكانِ الحَشْرِ بِالخَلْقِ الأوَّلِ كَما قالَ: ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ وهو أهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧] وقَوْلُهُ: ﴿قُلْ يُحْيِيها الَّذِي أنْشَأها أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس: ٧٩] وكَذَلِكَ خَلْقُ السَّماواتِ كَما قالَ تَعالى: ﴿أوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَهم بَلى﴾ [يس: ٨١] .
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أئِنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ أيْ أئِنّا كائِنُونَ في خَلْقٍ جَدِيدٍ أوْ واقِعُونَ فِيهِ ﴿بَلْ هم بِلِقاءِ رَبِّهِمْ كافِرُونَ﴾ إضْرابٌ عَنِ الأوَّلِ؛ يَعْنِي لَيْسَ إنْكارُهم لِمُجَرَّدِ الخَلْقِ ثانِيًا بَلْ يَكْفُرُونَ بِجَمِيعِ أحْوالِ الآخِرَةِ حَتّى لَوْ صَدَّقُوا بِالخَلْقِ؛ الثّانِي لَمّا اعْتَرَفُوا بِالعَذابِ والثَّوابِ، أوْ نَقُولُ: مَعْناهُ لَمْ يُنْكِرُوا البَعْثَ لِنَفْسِهِ بَلْ لِكُفْرِهِمْ، فَإنَّهم أنْكَرُوهُ فَأنْكَرُوا المُفْضِيَ إلَيْهِ، ثُمَّ بَيَّنَ ما يَكُونُ لَهم مِنَ المَوْتِ إلى العَذابِ.
السجدة 32:11
فَقالَ تَعالى: ﴿قُلْ يَتَوَفّاكم مَلَكُ المَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكم ثُمَّ إلى رَبِّكم تُرْجَعُونَ﴾
يَعْنِي لا بُدَّ مِنَ المَوْتِ ثُمَّ مِنَ الحَياةِ بَعْدَهُ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ إلى رَبِّكم تُرْجَعُونَ﴾، وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ إلى رَبِّكم تُرْجَعُونَ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّهُ لا يَغْفُلُ عَنْكم، وإذا جاءَ أجَلُكم لا يُؤَخِّرُكم إذْ لا شُغْلَ لَهُ إلّا هَذا، وقَوْلُهُ: ﴿يَتَوَفّاكم مَلَكُ المَوْتِ﴾ يُنْبِئُ عَنْ بَقاءِ الأرْواحِ، فَإنَّ التَّوَفِّيَ الِاسْتِيفاءُ، والقَبْضَ هو الأخْذُ، والإعْدامُ المَحْضُ لَيْسَ بِأخْذٍ، ثُمَّ إنَّ الرُّوحَ الزَّكِيَّ الطّاهِرَ يَبْقى عِنْدَ المَلائِكَةِ مِثْلَ الشَّخْصِ بَيْنَ أهْلِهِ المُناسِبِينَ لَهُ، والخَبِيثَ الفاجِرَ يَبْقى عِنْدَهم كَأسِيرٍ بَيْنَ قَوْمٍ لا يَعْرِفُهم ولا يَعْرِفُ لِسانَهم، والأوَّلُ يَنْمُو ويَزِيدُ ويَزْدادُ صَفاؤُهُ وقُوَّتُهُ والآخَرُ يَذْبُلُ ويَضْعُفُ ويَزْدادُ شَقاؤُهُ وكُدُورَتُهُ. والحُكَماءُ يَقُولُونَ: إنَّ الأرْواحَ الطّاهِرَةَ تَتَعَلَّقُ بِجِسْمٍ سَماوِيٍّ خَيْرٌ مِن بَدَنِها وتَكْمُلُ بِهِ، والأرْواحَ الفاجِرَةَ لا كَمالَ لَها بَعْدَ التَّعَلُّقِ.
الثّانِي: فَإنْ أرادُوا ما ذُكِرَ بِها فَقَدْ وافَقُونا وإلّا فَيُغَيَّرُ النَّظَرُ في ذَلِكَ بِحَسَبِ إرادَتِهِمْ، فَقَدْ يَكُونُ قَوْلُهم حَقًّا وقَدْ يَكُونُ غَيْرَ حَقٍّ، فَإنْ قِيلَ: هم أنْكَرُوا الإحْياءَ واللَّهُ ذَكَرَ المَوْتَ وبَيْنَهُما مُبايَنَةٌ. نَقُولُ: فِيهِ وجْهانِ.
أحَدُهُما: أنَّ ذَلِكَ دَلِيلُ الإحْياءِ، ودَفَعَ اسْتِبْعادَ ذَلِكَ فَإنَّهم قالُوا: ما عُدِمَ بِالكُلِّيَّةِ كَيْفَ يَكُونُ المَوْجُودُ عَيْنَ ذَلِكَ ؟ فَقالَ: المَلَكُ يَقْبِضُ الرُّوحَ والأجْزاءُ تَتَفَرَّقُ، فَجَمْعُ الأجْزاءِ لا بُعْدَ فِيهِ، وأمْرُ المَلَكِ بِرَدِّ ما قَبَضَهُ لا صُعُوبَةَ فِيهِ أيْضًا، فَقَوْلُهُ: ﴿قُلْ يَتَوَفّاكم مَلَكُ المَوْتِ﴾ أيِ الأرْواحُ مَعْلُومَةٌ، فَتُرَدُّ إلى أجْسادِها.
السجدة 32:12
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ تَرى إذِ المُجْرِمُونَ ناكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنا أبْصَرْنا وسَمِعْنا فارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحًا إنّا مُوقِنُونَ﴾
لَمّا ذَكَرَ أنَّهم يُرْجَعُونَ إلى رَبِّهِمْ بَيَّنَ ما يَكُونُ عِنْدَ الرُّجُوعِ عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَوْ تَرى إذِ المُجْرِمُونَ ناكِسُو رُءُوسِهِمْ﴾ يَعْنِي لَوْ تَرى حالَهم وتُشاهِدُ اسْتِخْجالَهم لَتَرى عَجَبًا، وقَوْلُهُ: ﴿تَرى﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ خِطابًا مَعَ الرَّسُولِ ﷺ تَشَفِّيًا لِصَدْرِهِ، فَإنَّهم كانُوا يُؤْذُونَهُ بِالتَّكْذِيبِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ عامًّا مَعَ كُلِّ أحَدٍ كَما يَقُولُ القائِلُ: إنَّ فُلانًا كَرِيمٌ، إنْ خَدَمْتَهُ ولَوْ لَحْظَةً يُحْسِنُ إلَيْكَ طُولَ عُمُرِكَ ولا يُرِيدُ بِهِ خاصًّا.
وقَوْلُهُ: ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾
صفحة ١٥٥
لِبَيانِ شِدَّةِ الخَجالَةِ؛ لِأنَّ الرَّبَّ إذا أساءَ إلَيْهِ المَرْبُوبُ، ثُمَّ وقَفَ بَيْنَ يَدَيْهِ يَكُونُ في غايَةِ الخَجالَةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿رَبَّنا أبْصَرْنا وسَمِعْنا﴾ يَعْنِي يَقُولُونَ أوْ قائِلِينَ: ﴿رَبَّنا أبْصَرْنا﴾ وحَذَفَ “ يَقُولُونَ “ إشارَةً إلى غايَةِ خَجالَتِهِمْ لِأنَّ الخَجِلَ العَظِيمَ الخَجالَةِ لا يَتَكَلَّمُ، وقَوْلُهُ: ﴿رَبَّنا أبْصَرْنا وسَمِعْنا﴾ أيْ أبْصَرْنا الحَشْرَ وسَمِعْنا قَوْلَ الرَّسُولِ فارْجِعْنا إلى دارِ الدُّنْيا لِنَعْمَلَ صالِحًا، وقَوْلُهم: ﴿إنّا مُوقِنُونَ﴾ مَعْناهُ إنّا في الحالِ آمَنّا، ولَكِنَّ النّافِعَ الإيمانُ والعَمَلُ الصّالِحُ، ولَكِنَّ العَمَلَ الصّالِحَ لا يَكُونُ إلّا عِنْدَ التَّكْلِيفِ بِهِ وهو في الدُّنْيا فارْجِعْنا لِلْعَمَلِ، وهَذا باطِلٌ مِنهم فَإنَّ الإيمانَ لا يُقْبَلُ في الآخِرَةِ كالعَمَلِ الصّالِحِ. أوْ نَقُولُ المُرادُ مِنهُ أنَّهم يُنْكِرُونَ الشِّرْكَ كَما قالُوا: ﴿ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ فَقالُوا: إنَّ هَذا الَّذِي جَرى عَلَيْنا ما جَرى إلّا بِسَبَبِ تَرْكِ العَمَلِ الصّالِحِ، وأمّا الإيمانُ فَإنّا مُوقِنُونَ وما أشْرَكْنا.
السجدة 32:13
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها ولَكِنْ حَقَّ القَوْلُ مِنِّي لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ جَوابًا عَنْ قَوْلِهِمْ: ﴿رَبَّنا أبْصَرْنا وسَمِعْنا فارْجِعْنا﴾ وبَيانُهُ هو أنَّهُ تَعالى قالَ: إنِّي لَوْ أرْجَعْتُكم إلى الإيمانِ لَهَدَيْتُكم في الدُّنْيا، ولَمّا لَمْ أهْدِكم تَبَيَّنَ أنِّي ما أرَدْتُ وما شِئْتُ إيمانَكم فَلا أرُدُّكم، وقَوْلُهُ: ﴿ولَوْ شِئْنا لَآتَيْنا﴾ صَرِيحٌ في أنَّ مَذْهَبَنا صَحِيحٌ حَيْثُ نَقُولُ: إنَّ اللَّهَ ما أرادَ الإيمانَ مِنَ الكافِرِ وما شاءَ مِنهُ إلّا الكُفْرَ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَكِنْ حَقَّ القَوْلُ مِنِّي لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ﴾ أيْ وقَعَ القَوْلُ وهو قَوْلُهُ تَعالى لِإبْلِيسَ: ﴿لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ ومِمَّنْ تَبِعَكَ﴾ هَذا مِن حَيْثُ النَّقْلِ، ولَهُ وجْهٌ في العَقْلِ؛ وهو أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَفْعَلْ فِعْلًا خالِيًا عَنْ حِكْمَةٍ، وهَذا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، والخِلافُ في أنَّهُ هَلْ قَصَدَ الفِعْلَ لِلْحِكْمَةِ أوْ فَعَلَ الفِعْلَ ولَزِمَتْهُ الحِكْمَةُ لا بِحَيْثُ تَحْمِلُهُ تِلْكَ الحِكْمَةُ عَلى الفِعْلِ ؟ وإذا عُلِمَ أنْ فِعْلَهُ لا يَخْلُو عَنِ الحِكْمَةِ فَقالَ الحُكَماءُ: حِكْمَةُ أفْعالِهِ بِأمْرِها لا تُدْرَكُ عَلى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ لَكِنْ تُدْرِكُ عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ، فَكُلُّ ضَرْبٍ يَكُونُ في العالَمِ وفَسادٍ فَحِكْمَتُهُ تَخْرُجُ مِن تَقْسِيمٍ عَقْلِيٍّ، وهو أنَّ الفِعْلَ إمّا أنْ يَكُونَ خَيْرًا مَحْضًا أوْ شَرًّا مَحْضًا أوْ خَيْرًا مَشُوبًا بِشَرٍّ، وهَذا القِسْمُ عَلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ: قِسْمٌ خَيْرُهُ غالِبٌ وقِسْمٌ شَرُّهُ غالِبٌ، وقِسْمٌ خَيْرُهُ وشَرُّهُ مِثْلانِ.
إذا عُلِمَ هَذا فَخَلَقَ اللَّهُ عالَمًا فِيهِ الخَيْرُ المَحْضُ وهو عالَمُ المَلائِكَةِ وهو العالَمُ العُلْوِيُّ، وخَلَقَ عالَمًا فِيهِ خَيْرٌ وشَرٌّ وهو عالَمُنا، وهو العالَمُ السُّفْلِيُّ ولَمْ يَخْلُقْ عالَمًا فِيهِ شَرٌّ مَحْضٌ، ثُمَّ إنَّ العالَمَ السُّفْلِيَّ الَّذِي هو عالَمُنا وإنْ كانَ الخَيْرُ والشَّرُّ مَوْجُودَيْنِ فِيهِ لَكِنَّهُ مِنَ القِسْمِ الأوَّلِ الَّذِي خَيْرُهُ غالِبٌ، فَإنَّكَ إذا قابَلْتَ المَنافِعَ بِالمَضارِّ والنّافِعَ بِالضّارِّ، تَجِدُ المَنافِعَ أكْثَرَ، وإذا قابَلْتَ الشِّرِّيرَ بِالخَيِّرِ تَجِدُ الخَيِّرَ أكْثَرَ، وكَيْفَ لا والمُؤْمِنُ يُقابِلُهُ الكافِرُ، ولَكِنَّ المُؤْمِنَ قَدْ يُمْكِنُ وُجُودُهُ بِحَيْثُ لا يَكُونُ فِيهِ شَرٌّ أصْلًا مِن أوَّلِ عُمُرِهِ إلى آخِرِهِ كالأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ والأوْلِياءُ، والكافِرُ لا يُمْكِنُ وُجُودُهُ بِحَيْثُ لا يَكُونُ فِيهِ خَيْرٌ أصْلًا، غايَةُ ما في البابِ أنَّ الكُفْرَ يُحْبِطُ خَيْرَهُ ولا يَنْفَعُهُ، إنَّما يَسْتَحِيلُ نَظَرًا إلى العادَةِ أنْ يُوجَدَ كافِرٌ لا يَسْقِي العَطْشانَ شَرْبَةَ ماءٍ ولا يُطْعِمُ الجائِعَ لُقْمَةَ خُبْزٍ ولا يَذْكُرُ رَبَّهُ في عُمُرِهِ، وكَيْفَ لا وهو في زَمَنِ صِباهُ كانَ مَخْلُوقًا عَلى الفِطْرَةِ المُقْتَضِيَةِ لِلْخَيْراتِ.
إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: قالُوا: لَوْلا الشَّرُّ في هَذا العالَمِ لَكانَتْ مَخْلُوقاتُ اللَّهِ تَعالى مُنْحَصِرَةً في الخَيْرِ المَحْضِ ولا يَكُونُ قَدْ خَلَقَ القِسْمَ الَّذِي فِيهِ الخَيْرُ الغالِبُ والشَّرُّ
صفحة ١٥٦
القَلِيلُ، ثُمَّ إنَّ تَرْكَ خَلْقِ هَذا القِسْمِ إنْ كانَ لِما فِيهِ مِنَ الشَّرِّ، فَتَرْكُ الخَيْرِ الكَثِيرِ لِأجْلِ الشَّرِّ القَلِيلِ لا يُناسِبُ الحِكْمَةَ، ألا تَرى أنَّ التّاجِرَ إذا طُلِبَ مِنهُ دِرْهَمٌ بِدِينارٍ، فَلَوِ امْتَنَعَ وقالَ: في هَذا شَرٌّ وهو زَوالُ الدِّرْهَمِ عَنْ مِلْكِي، فَيُقالُ لَهُ: لَكِنَّ في مُقابَلَتِهِ خَيْرٌ كَثِيرٌ وهو حُصُولُ الدِّينارِ في مِلْكِكَ، وكَذَلِكَ الإنْسانُ لَوْ تَرَكَ الحَرَكَةَ اليَسِيرَةَ لِما فِيها مِنَ المَشَقَّةِ مَعَ عِلْمِهِ بِأنَّهُ تَحْصُلُ لَهُ راحَةٌ مُسْتَمِرَّةٌ يُنْسَبُ إلى مُخالَفَةِ الحِكْمَةِ، فَإذا نَظَرَ إلى الحِكْمَةِ كانَ وُقُوعُ الخَيْرِ الكَثِيرِ المَشُوبِ بِالشَّرِّ القَلِيلِ مِنَ اللُّطْفِ، فَخَلَقَ العالَمَ الَّذِي يَقَعُ فِيهِ الشَّرُّ، وإلى هَذا أشارَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها ويَسْفِكُ الدِّماءَ ونَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ ونُقَدِّسُ لَكَ﴾ [البقرة: ٣٠] فَقالَ اللَّهُ تَعالى في جَوابِهِمْ: ﴿إنِّي أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠] أيْ أعْلَمُ أنَّ هَذا القِسْمَ يُناسِبُ الحِكْمَةَ؛ لِأنَّ الخَيْرَ فِيهِ كَثِيرٌ، ثُمَّ بَيَّنَ لَهم خَيْرَهُ بِالتَّعْلِيمِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وعَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ كُلَّها﴾ [البقرة: ٣١] يَعْنِي أيُّها المَلائِكَةُ خَلْقُ الشَّرِّ المَحْضِ والشَّرِّ الغالِبِ والشَّرِّ المُساوِي لا يُناسِبُ الحِكْمَةَ. وأمّا الخَيْرُ الكَثِيرُ المَشُوبُ بِالشَّرِّ القَلِيلِ مُناسِبٌ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها﴾ [البقرة: ٣٠] إشارَةٌ إلى الشَّرِّ، وأجابَهُمُ اللَّهُ بِما فِيهِ مِنَ الخَيْرِ بِقَوْلِهِ: ﴿وعَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ﴾ .
فَإنْ قالَ قائِلٌ: فاللَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى تَخْلِيصِ هَذا القِسْمِ مِنَ الشَّرِّ بِحَيْثُ لا يُوجَدُ فِيهِ شَرٌّ. فَيُقالُ لَهُ ما قالَهُ اللَّهُ تَعالى: ﴿ولَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها﴾ يَعْنِي لَوْ شِئْنا لَخَلَّصْنا الخَيْرَ مِنَ الشَّرِّ، لَكِنَّ حِينَئِذٍ لا يَكُونُ اللَّهُ تَعالى خَلَقَ الخَيْرَ الكَثِيرَ المَشُوبَ بِالشَّرِّ القَلِيلِ وهو قِسْمٌ مَعْقُولٌ، فَما كانَ يَجُوزُ تَرْكُهُ لِلشَّرِّ القَلِيلِ وهو لا يُناسِبُ الحِكْمَةَ، لِأنَّ تَرْكَ الخَيْرِ الكَثِيرِ لِلشَّرِّ القَلِيلِ غَيْرُ مُناسِبٍ لِلْحِكْمَةِ، وإنْ كانَ لا كَذَلِكَ فَلا مانِعَ مَن خَلْقِهِ، فَيَخْلُقُهُ لِما فِيهِ مِنَ الخَيْرِ الكَثِيرِ، وهَذا الكَلامُ يُعَبِّرُ عَنْهُ مَن يَقُولُ بِرِعايَةِ المَصالِحِ: إنَّ الخَيْرَ في القَضاءِ والشَّرَّ في القَدَرِ، فاللَّهُ قَضى بِالخَيْرِ ووَقَعَ الشَّرُّ في القَدَرِ بِفِعْلِهِ المُنَزَّهِ عَنِ القُبْحِ والجَهْلِ.
وقَوْلُهُ: ﴿مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ﴾ لِأنَّهُ تَعالى قالَ لِإبْلِيسَ: ﴿لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ ومِمَّنْ تَبِعَكَ﴾ وهَذا إشارَةٌ إلى أنَّ النّارَ لِمَن في العالَمِ السُّفْلِيِّ، والَّذِينَ في العالَمِ العُلْوِيِّ مُبَرَّءُونَ عَنْ دُخُولِ النّارِ وهُمُ المَلائِكَةُ، وهَذا يَقْتَضِي أنْ لا يَكُونَ إبْلِيسُ مِنَ المَلائِكَةِ وهو الصَّحِيحُ. وقَوْلُهُ: ﴿أجْمَعِينَ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ.
أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ تَأْكِيدًا وهو الظّاهِرُ.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ حالًا أيْ مَجْمُوعِينَ.
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ جَعَلَ جَمِيعَ الإنْسِ والجِنِّ مِمّا يَمْلَأُ بِهِمُ النّارَ ؟ نَقُولُ: هَذا لِبَيانِ الجِنْسِ، أيْ جَهَنَّمُ تُمْلَأُ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ لا غَيْرَ أمْنًا لِلْمَلائِكَةِ، ولا يَقْتَضِي ذَلِكَ دُخُولُ الكُلِّ كَما يَقُولُ القائِلُ: مَلَأْتُ الكِيسَ مِنَ الدَّراهِمِ لا يَلْزَمُ أنْ لا يَبْقى دِرْهَمٌ خارِجَ الكِيسِ، فَإنْ قِيلَ: فَهَذا يَقْتَضِي أنْ تَكُونَ جَهَنَّمُ ضَيِّقَةً تَمْتَلِئُ بِبَعْضِ الخَلْقِ. نَقُولُ: هو كَذَلِكَ، وإنَّما الواسِعُ الجَنَّةُ الَّتِي هي مِنَ الرَّحْمَةِ الواسِعَةِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
ولَمّا بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿ولَوْ شِئْنا لَآتَيْنا﴾ أنَّهم لا رُجُوعَ لَهم قالَ لَهم إذا عَلِمْتُمْ أنَّكم لا رُجُوعَ لَكم.
السجدة 32:14
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكم هَذا إنّا نَسِيناكم وذُوقُوا عَذابَ الخُلْدِ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾
المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿فَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِـ”ذُوقُوا“ أيْ ذُوقُوا لِقاءَ يَوْمِكم
صفحة ١٥٧
بِما نَسِيتُمْ، وعَلى هَذا يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَنسِيُّ هو المِيثاقَ الَّذِي أُخِذَ مِنهم بِقَوْلِهِ: ﴿ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى﴾ [الأعراف: ١٧٢]، أوْ بِما في الفِطْرَةِ مِنَ الوَحْدانِيَّةِ فَيُنْسى بِالإقْبالِ عَلى الدُّنْيا والِاشْتِغالِ بِها، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِقَوْلِهِ: ﴿نَسِيتُمْ﴾ أيْ بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ هَذا اليَوْمِ ذُوقُوا، وعَلى هَذا لَوْ قالَ قائِلٌ: النِّسْيانُ لا يَكُونُ إلّا في المَعْلُومِ أوَّلًا إذا جُهِلَ آخِرًا. نَقُولُ: لَمّا ظَهَرَتْ بَراهِينُهُ فَكَأنَّهُ ظَهَرَ وعُلِمَ، ولَمّا تَرَكُوهُ بَعْدَ الظُّهُورِ ذُكِرَ بِلَفْظِ النِّسْيانِ إشارَةً إلى كَوْنِهِمْ مُنْكِرِينَ لِأمْرٍ ظاهِرٍ كَمَن يُنْكِرُ أمْرًا كانَ قَدْ عَلِمَهُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى هَذا يَحْتَمِلُ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ.
أحَدُها: أنْ يَكُونَ إشارَةً إلى اليَوْمِ أيْ فَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ هَذا اليَوْمِ.
وثانِيها: أنْ يَكُونَ إشارَةً إلى لِقاءِ اليَوْمِ أيْ فَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ هَذا اللِّقاءَ.
وثالِثُها: أنْ يَكُونَ إشارَةً إلى العَذابِ أيْ فَذُوقُوا هَذا العَذابَ بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكم. ثُمَّ قالَ: ﴿إنّا نَسِيناكُمْ﴾ أيْ تَرَكْناكم بِالكُلِّيَّةِ غَيْرَ مُلْتَفَتٍ إلَيْكم كَما يَفْعَلُهُ النّاسِي قَطْعًا لِرَجائِكم، ثُمَّ ذَكَرَ ما يَلْزَمُ مِن تَرْكِهِ إيّاهم كَما يَتْرُكُ النّاسِي وهو خُلُودُ العَذابِ؛ لِأنَّ مَن لا يُخَلِّصُهُ اللَّهُ فَلا خَلاصَ لَهُ، فَقالَ: ﴿وذُوقُوا عَذابَ الخُلْدِ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ .
السجدة 32:15
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّما يُؤْمِنُ بِآياتِنا الَّذِينَ إذا ذُكِّرُوا بِها خَرُّوا سُجَّدًا وسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وهم لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ إشارَةً إلى أنَّ الإيمانَ بِالآياتِ كالحاصِلِ، وإنَّما يَنْساهُ البَعْضُ فَإذا ذُكِّرَ بِها خَرَّ ساجِدًا لَهُ، يَعْنِي انْقادَتْ أعْضاؤُهُ لَهُ، وسَبَّحَ بِحَمْدِهِ، يَعْنِي ويُحَرِّكُ لِسانَهُ بِتَنْزِيهِهِ عَنِ الشِّرْكِ، ﴿وهم لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ يَعْنِي وكانَ قَلْبُهُ خاشِعًا لا يَتَكَبَّرُ ومَن لا يَسْتَكْبِرُ عَنْ عِبادَتِهِ فَهو المُؤْمِنُ حَقًّا.
﴿تَتَجافى جُنُوبُهم عَنِ المَضاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهم خَوْفًا وطَمَعًا ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾
يَعْنِي بِاللَّيْلِ قَلِيلًا ما يَهْجَعُونَ، وقَوْلُهُ: ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ أيْ يُصَلُّونَ، فَإنَّ الدُّعاءَ والصَّلاةَ مِن بابٍ واحِدٍ في المَعْنى، أوْ يَطْلُبُونَهُ وهَذا لا يُنافِي الأوَّلَ لِأنَّ الطَّلَبَ قَدْ يَكُونُ بِالصَّلاةِ، والحَمْلُ عَلى الأوَّلِ أوْلى لِأنَّهُ قالَ بَعْدَهُ: ﴿ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ وفي أكْثَرِ المَواضِعِ الَّتِي ذُكِرَ فِيها الزَّكاةُ ذُكِرَ الصَّلاةُ قَبْلَها كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويُقِيمُونَ الصَّلاةَ ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٣]، وقَوْلُهُ: ﴿خَوْفًا وطَمَعًا﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لَهُ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ حالًا أيْ خائِفِينَ طامِعِينَ كَقَوْلِكَ جاءُونِي زُوَّرًا أيْ زائِرِينَ، وكَأنَّ في الآيَةِ الأُولى إشارَةً إلى المَرْتَبَةِ العالِيَةِ وهي العِبادَةُ لِوَجْهِ اللَّهِ تَعالى مَعَ الذُّهُولِ عَنِ الخَوْفِ والطَّمَعِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذا ذُكِّرُوا بِها خَرُّوا﴾ فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ عِنْدَ مُجَرَّدِ الذِّكْرِ يُوجَدُ مِنهُمُ السُّجُودُ وإنْ لَمْ يَكُنْ خَوْفٌ وطَمَعٌ. وفي الآيَةِ الثّانِيَةِ إشارَةٌ إلى المَرْتَبَتَيْنِ الأخِيرَتَيْنِ وهي العِبادَةُ خَوْفًا، كَمَن يَخْدِمُ المَلِكَ الجَبّارَ مَخافَةَ سَطْوَتِهِ أوْ يَخْدِمُ المَلِكَ الجَوادَ طَمَعًا في بِرِّهِ، ثُمَّ بَيَّنَ ما يَكُونُ لَهم جَزاءَ فِعْلِهِمْ.
السجدة 32:16
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّما يُؤْمِنُ بِآياتِنا الَّذِينَ إذا ذُكِّرُوا بِها خَرُّوا سُجَّدًا وسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وهم لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ إشارَةً إلى أنَّ الإيمانَ بِالآياتِ كالحاصِلِ، وإنَّما يَنْساهُ البَعْضُ فَإذا ذُكِّرَ بِها خَرَّ ساجِدًا لَهُ، يَعْنِي انْقادَتْ أعْضاؤُهُ لَهُ، وسَبَّحَ بِحَمْدِهِ، يَعْنِي ويُحَرِّكُ لِسانَهُ بِتَنْزِيهِهِ عَنِ الشِّرْكِ، ﴿وهم لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ يَعْنِي وكانَ قَلْبُهُ خاشِعًا لا يَتَكَبَّرُ ومَن لا يَسْتَكْبِرُ عَنْ عِبادَتِهِ فَهو المُؤْمِنُ حَقًّا.
﴿تَتَجافى جُنُوبُهم عَنِ المَضاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهم خَوْفًا وطَمَعًا ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾
يَعْنِي بِاللَّيْلِ قَلِيلًا ما يَهْجَعُونَ، وقَوْلُهُ: ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ أيْ يُصَلُّونَ، فَإنَّ الدُّعاءَ والصَّلاةَ مِن بابٍ واحِدٍ في المَعْنى، أوْ يَطْلُبُونَهُ وهَذا لا يُنافِي الأوَّلَ لِأنَّ الطَّلَبَ قَدْ يَكُونُ بِالصَّلاةِ، والحَمْلُ عَلى الأوَّلِ أوْلى لِأنَّهُ قالَ بَعْدَهُ: ﴿ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ وفي أكْثَرِ المَواضِعِ الَّتِي ذُكِرَ فِيها الزَّكاةُ ذُكِرَ الصَّلاةُ قَبْلَها كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويُقِيمُونَ الصَّلاةَ ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٣]، وقَوْلُهُ: ﴿خَوْفًا وطَمَعًا﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لَهُ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ حالًا أيْ خائِفِينَ طامِعِينَ كَقَوْلِكَ جاءُونِي زُوَّرًا أيْ زائِرِينَ، وكَأنَّ في الآيَةِ الأُولى إشارَةً إلى المَرْتَبَةِ العالِيَةِ وهي العِبادَةُ لِوَجْهِ اللَّهِ تَعالى مَعَ الذُّهُولِ عَنِ الخَوْفِ والطَّمَعِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذا ذُكِّرُوا بِها خَرُّوا﴾ فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ عِنْدَ مُجَرَّدِ الذِّكْرِ يُوجَدُ مِنهُمُ السُّجُودُ وإنْ لَمْ يَكُنْ خَوْفٌ وطَمَعٌ. وفي الآيَةِ الثّانِيَةِ إشارَةٌ إلى المَرْتَبَتَيْنِ الأخِيرَتَيْنِ وهي العِبادَةُ خَوْفًا، كَمَن يَخْدِمُ المَلِكَ الجَبّارَ مَخافَةَ سَطْوَتِهِ أوْ يَخْدِمُ المَلِكَ الجَوادَ طَمَعًا في بِرِّهِ، ثُمَّ بَيَّنَ ما يَكُونُ لَهم جَزاءَ فِعْلِهِمْ.
السجدة 32:17
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهم مِن قُرَّةِ أعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾
يَعْنِي مِمّا تَقَرُّ العَيْنُ عِنْدَهُ ولا تَلْتَفِتُ إلى غَيْرِهِ، يُقالُ: إنَّ هَذا لا يَدْخُلُ في عَيْنِي، يَعْنِي عَيْنِي تَطَلَّعُ إلى غَيْرِهِ، فَإذا لَمْ يَبْقَ تَطَلُّعٌ لِلْعَيْنِ إلى شَيْءٍ آخَرَ لَمْ يَبْقَ لِلْعَيْنٍ مَسْرَحٌ إلى غَيْرِهِ فَتَقَرُّ جَزاءً بِحُكْمِ الوَعْدِ، وهَذا فِيهِ لَطِيفَةٌ، وهي أنَّ مِنَ العَبْدِ شَيْئًا وهو العَمَلُ الصّالِحُ، ومِنَ اللَّهِ أشْياءُ سابِقَةٌ مِنَ الخَلْقِ والرِّزْقِ وغَيْرِهِما وأشْياءُ لاحِقَةٌ مِنَ الثَّوابِ والإكْرامِ، فَلِلَّهِ تَعالى أنْ يَقُولَ: جَزاءُ الإحْسانِ إحْسانٌ، وأنا أحْسَنْتُ أوَّلًا والعَبْدُ أحْسَنَ في مُقابَلَتِهِ، فالثَّوابُ تَفَضُّلٌ ومِنحَةٌ مِن غَيْرِ عِوَضٍ، ولَهُ أنْ يَقُولَ: جَعَلْتُ الأوَّلَ تَفَضُّلًا لا أطْلُبُ عَلَيْهِ جَزاءً، فَإذا أتى العَبْدُ بِالعَمَلِ الصّالِحِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ لِأنِّي أبْرَأْتُهُ مِمّا عَلَيْهِ مِنَ النِّعَمِ، فَكانَ هو آتِيًا بِالحَسَنَةِ ابْتِداءً، وجَزاءُ الإحْسانِ إحْسانٌ، فَأجْعَلُ الثَّوابَ جَزاءً، كِلاهُما جائِزٌ، لَكِنَّ غايَةَ الكَرَمِ أنْ يَجْعَلَ الأوَّلَ هِبَةً ويَجْعَلَ الثّانِيَ مُقابِلًا وعِوَضًا؛ لِأنَّ العَبْدَ ضَعِيفٌ لَوْ قِيلَ لَهُ بِأنَّ فِعْلَكَ جَزاءٌ فَلا تَسْتَحِقُّ جَزاءً، وإنَّما اللَّهُ يَتَفَضَّلُ، يَثِقُ ولَكِنْ لا يَطْمَئِنُ قَلْبُهُ.
وإذا قِيلَ لَهُ: الأوَّلُ غَيْرُ مَحْسُوبٍ عَلَيْكَ والَّذِي أتَيْتَ بِهِ أنْتَ بِهِ بادٍ، ولَكَ عَلَيْهِ اسْتِحْقاقُ ثَوابٍ يَثِقُ ويَطْمَئِنُ، ثُمَّ إذا عَرَفَ أنَّ هَذا مِن فَضْلِ اللَّهِ فالواجِبُ مِن جانِبِ العَبْدِ أنْ يَقُولَ: فِعْلِي جَزاءُ نِعَمِ اللَّهِ السّابِقَةِ ولا أسْتَحِقُّ بِهِ جَزاءً، فَإذا أثابَهُ اللَّهُ تَعالى يَقُولُ: الَّذِي أتَيْتُ بِهِ كانَ جَزاءً، وهَذا ابْتِداءُ إحْسانٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى يَسْتَحِقُّ حَمْدًا وشُكْرًا فَيَأْتِي بِحَسَنَةٍ، فَيَقُولُ اللَّهُ: إنِّي أحْسَنْتُ إلَيْهِ جَزاءَ فِعْلِهِ الأوَّلِ وما فَعَلْتُ أوَّلًا لا أطْلُبُ لَهُ جَزاءً فَيُجازِيهِ ثالِثًا فَيَشْكُرُ العَبْدَ ثالِثًا فَيُجازِيهِ رابِعًا، وعَلى هَذا لا تَنْقَطِعُ المُعامَلَةُ بَيْنَ العَبْدِ والرَّبِّ، ومِثْلُهُ في الشّاهِدِ اثْنانِ تَحابّا فَأهْدى أحَدُهُما إلى الآخَرِ هَدِيَّةً ونَسِيَها، والمُهْدى إلَيْهِ يَتَذَكَّرُها فَأهْدى إلى المُهْدِي عِوَضًا فَرَآهُ المُهْدِي الأوَّلُ ابْتِداءً لِنِسْيانِهِ ما أهْداهُ إلَيْهِ فَجازاهُ بِهَدِيَّةٍ فَقالَ المُحِبُّ الآخَرُ: ما أهْدَيْتُهُ كانَ جَزاءً لِهَدِيَّتِهِ السّابِقَةِ، وهَذِهِ هَدِيَّةٌ ما عَوَّضْتُها فَيُعَوِّضُ ويُعَوِّضُ عَنْهُ المُحِبُّ الآخَرُ، ويَتَسَلْسَلُ الأمْرُ بَيْنَهُما ولا يَنْقَطِعُ التَّهادِي والتَّحابُّ، بِخِلافِ مَن أرْسَلَ إلى واحِدٍ هَدِيَّةً وهو يَتَذَكَّرُها، فَإذا بَعَثَ إلَيْهِ المُهْدى إلَيْهِ عِوَضًا يَقُولُ المُهْدِي: هَذا عِوْضُ ما أهْدَيْتُ إلَيْهِ فَيَسْكُتُ ويَتْرُكُ الإهْداءَ فَيَنْقَطِعُ.
واعْلَمْ أنَّ التَّكالِيفَ يَوْمَ القِيامَةِ وإنِ ارْتَفَعَتْ لَكِنَّ الذِّكْرَ والشُّكْرَ والعِبادَةَ لا تَرْتَفِعُ بَلِ العَبْدُ يَعْبُدُ رَبَّهُ في الجَنَّةِ أكْثَرَ مِمّا يَعْبُدُهُ في الدُّنْيا، وكَيْفَ لا وقَدْ صارَ حالُهُ مِثْلَ حالِ المَلائِكَةِ الَّذِينَ قالَ في حَقِّهِمْ: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ والنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٠] غايَةُ ما في البابِ أنَّ العِبادَةَ لَيْسَتْ عَلَيْهِمْ بِتَكْلِيفٍ بَلْ هي بِمُقْتَضى الطَّبْعِ، ومِن جُمْلَةِ الأسْبابِ المُوجِبَةِ لِدَوامِ نَعِيمِ الجَنَّةِ هَذا، وكَيْفَ لا وخِدْمَةُ المُلُوكِ لَذَّةٌ وشَرَفٌ فَلا تُتْرَكُ، وإنْ قَرُبَ العَبْدُ مِنهُ بَلْ تَزْدادُ لَذَّتُها.
السجدة 32:18
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أفَمَن كانَ مُؤْمِنًا كَمَن كانَ فاسِقًا لا يَسْتَوُونَ﴾ ﴿أمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَلَهم جَنّاتُ المَأْوى نُزُلًا بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿وأمّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْواهُمُ النّارُ كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها أُعِيدُوا فِيها وقِيلَ لَهم ذُوقُوا عَذابَ النّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾
صفحة ١٥٩
لَمّا بَيَّنَ حالَ المُجْرِمِ والمُؤْمِنِ قالَ لِلْعاقِلِ: هَلْ يَسْتَوِي الفَرِيقانِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُما لا يَسْتَوِيانِ، ثُمَّ بَيَّنَ عَدَمَ الِاسْتِواءِ عَلى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ، فَقالَ: ﴿أمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَلَهم جَنّاتُ المَأْوى﴾ إشارَةً إلى ما ذَكَرْنا أنَّ اللَّهَ أحْسَنَ ابْتِداءً لا لِعِوَضٍ، فَلَمّا آمَنَ العَبْدُ وعَمِلَ صالِحًا قَبِلَهُ مِنهُ كَأنَّهُ ابْتِداءٌ، فَجازاهُ بِأنْ أعْطاهُ الجَنَّةَ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿نُزُلًا﴾ إشارَةً إلى أنَّ بَعْدَها أشْياءَ، لِأنَّ النُّزُلَ ما يُعْطِي المَلِكُ النّازِلَ وقْتَ نُزُولِهِ قَبْلَ أنْ يَجْعَلَ لَهُ راتِبًا أوْ يَكْتُبَ لَهُ خُبْزًا، وقَوْلُهُ: ﴿بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ يُحَقِّقُ ما ذَكَرْنا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأمّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْواهُمُ النّارُ كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها﴾ إشارَةٌ إلى حالِ الكافِرِ، وقَدْ ذَكَرْنا مِرارًا أنَّ العَمَلَ الصّالِحَ لَهُ مَعَ الإيمانِ أثَرٌ، أمّا الكُفْرُ إذا جاءَ فَلا التِفاتَ إلى الأعْمالِ، فَلَمْ يَقُلْ: وأمّا الَّذِينَ فَسَقُوا وعَمِلُوا السَّيِّئاتِ لِأنَّ المُرادَ مِن ﴿فَسَقُوا﴾ كَفَرُوا ولَوْ جَعَلَ العِقابَ في مُقابَلَةِ الكُفْرِ والعَمَلِ، لَظُنَّ أنَّ مُجَرَّدَ الكُفْرِ لا عِقابَ عَلَيْهِ.
وقَوْلُهُ في حَقِّ المُؤْمِنِينَ: (لَهُمْ) بِلامِ التَّمْلِيكِ زِيادَةُ إكْرامٍ؛ لِأنَّ مَن قالَ لِغَيْرِهِ: اسْكُنْ هَذِهِ الدّارَ يَكُونُ ذَلِكَ مَحْمُولًا عَلى العارِيَةِ، ولَهُ اسْتِرْدادُهُ، وإذا قالَ: هَذِهِ الدّارُ لَكَ، يَكُونُ ذَلِكَ مَحْمُولًا عَلى نِسْبَةِ المِلْكِيَّةِ إلَيْهِ ولَيْسَ لَهُ اسْتِرْدادُهُ بِحُكْمِ قَوْلِهِ. وكَذَلِكَ في قَوْلِهِ: ( لَهم جَنّاتُ) ألا تَرى أنَّهُ تَعالى لَمّا أسْكَنَ آدَمَ الجَنَّةَ وكانَ في عِلْمِهِ أنَّهُ يُخْرِجُهُ مِنها قالَ: ﴿اسْكُنْ أنْتَ وزَوْجُكَ الجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥] ولَمْ يَقُلْ: لَكُما الجَنَّةُ. وفي الآخِرَةِ لَمّا لَمْ يَكُنْ لِلْمُؤْمِنِينَ خُرُوجٌ عَنْها قالَ: (لْكُمُ الجَنَّةُ) و(لَهم جَنّاتٍ) وقَوْلُهُ: ﴿كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها أُعِيدُوا فِيها وقِيلَ لَهم ذُوقُوا﴾ إشارَةٌ إلى مَعْنًى حُكْمِيٍّ، وهو أنَّ المُؤْلِمَ إذا تَمَكَّنَ والألَمَ إذا امْتَدَّ لَمْ يَبْقَ بِهِ شُعُورٌ تامٌّ؛ ولِهَذا قالَ الأطِبّاءُ: إنَّ حَرارَةَ حُمّى الدَّقِّ بِالنِّسْبَةِ إلى حَرارَةِ الحُمّى البَلْغَمِيَّةِ نِسْبَةُ النّارِ إلى الماءِ المُسَخَّنِ، ثُمَّ إنَّ المَدْقُوقَ لا يُحِسُّ مِنَ الحَرارَةِ بِما يُحِسُّ بِهِ مَن بِهِ الحُمّى البَلْغَمِيَّةُ لِتَمَكُّنِ الدَّقِّ وقُرْبِ العَهْدِ بِظُهُورِ حَرارَةِ الحُمّى البَلْغَمِيَّةِ، وكَذَلِكَ الإنْسانُ إذا وضَعَ يَدَهُ في ماءٍ بارِدٍ يَتَألَّمُ مِنَ البَرْدِ، فَإذا صَبَرَ زَمانًا طَوِيلًا تَثْلُجُ يَدُهُ ويَبْطُلُ عَنْهُ ذَلِكَ الألَمُ الشَّدِيدُ مَعَ فَسادِ مِزاجِهِ.
إذا عَلِمْتَ هَذا فَقَوْلُهُ: ﴿كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها أُعِيدُوا فِيها﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ الإلَهَ لا يَسْكُنُ عَنْهم بَلْ يَرُدُّ عَلَيْهِمْ في كُلِّ حالِ أمْرٍ مُؤْلِمٍ يُجَدَّدُ، وقَوْلُهُ: ﴿ذُوقُوا عَذابَ النّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ يُقَرِّرُ ما ذَكَرْنا، ومَعْناهُ أنَّهم في الدُّنْيا كانُوا يُكَذِّبُونَ بِعَذابِ النّارِ، فَلَمّا ذاقُوهُ كانَ أشَدَّ إيلامًا؛ لِأنَّ مَن لا يَتَوَقَّعُ شَيْئًا فَيُصِيبُهُ يَكُونُ أشَدَّ تَأْثِيرًا، ثُمَّ إنَّهم في الآخِرَةِ كَما في الدُّنْيا يَجْزِمُونَ أنْ لا عَذابَ إلّا وقَدْ وصَلَ إلَيْهِمْ ولا يَتَوَقَّعُونَ شَيْئًا آخَرَ مِنَ العَذابِ، فَيُرَدُّ عَلَيْهِمْ عَذابٌ أشَدُّ مِنَ الأوَّلِ، وكانُوا يُكَذِّبُونَ بِهِ بِقَوْلِهِمْ لا عَذابَ فَوْقَ ما نَحْنُ فِيهِ، فَإذَنْ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذُوقُوا عَذابَ النّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ لَيْسَ مُقْتَصِرًا عَلى تَكْذِيبِهِمُ الَّذِي كانَ في الدُّنْيا بَلْ ﴿كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها أُعِيدُوا فِيها﴾ وقِيلَ لَهم: ذُوقُوا عَذابًا كَذَّبْتُمْ بِهِ مِن قَبْلُ. أمّا في الدُّنْيا بِقَوْلِكم: لا عَذابَ في الآخِرَةِ، وأمّا في الآخِرَةِ فَبِقَوْلِكم: لا عَذابَ فَوْقَ ما نَحْنُ فِيهِ.
السجدة 32:19
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أفَمَن كانَ مُؤْمِنًا كَمَن كانَ فاسِقًا لا يَسْتَوُونَ﴾ ﴿أمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَلَهم جَنّاتُ المَأْوى نُزُلًا بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿وأمّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْواهُمُ النّارُ كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها أُعِيدُوا فِيها وقِيلَ لَهم ذُوقُوا عَذابَ النّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾
صفحة ١٥٩
لَمّا بَيَّنَ حالَ المُجْرِمِ والمُؤْمِنِ قالَ لِلْعاقِلِ: هَلْ يَسْتَوِي الفَرِيقانِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُما لا يَسْتَوِيانِ، ثُمَّ بَيَّنَ عَدَمَ الِاسْتِواءِ عَلى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ، فَقالَ: ﴿أمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَلَهم جَنّاتُ المَأْوى﴾ إشارَةً إلى ما ذَكَرْنا أنَّ اللَّهَ أحْسَنَ ابْتِداءً لا لِعِوَضٍ، فَلَمّا آمَنَ العَبْدُ وعَمِلَ صالِحًا قَبِلَهُ مِنهُ كَأنَّهُ ابْتِداءٌ، فَجازاهُ بِأنْ أعْطاهُ الجَنَّةَ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿نُزُلًا﴾ إشارَةً إلى أنَّ بَعْدَها أشْياءَ، لِأنَّ النُّزُلَ ما يُعْطِي المَلِكُ النّازِلَ وقْتَ نُزُولِهِ قَبْلَ أنْ يَجْعَلَ لَهُ راتِبًا أوْ يَكْتُبَ لَهُ خُبْزًا، وقَوْلُهُ: ﴿بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ يُحَقِّقُ ما ذَكَرْنا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأمّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْواهُمُ النّارُ كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها﴾ إشارَةٌ إلى حالِ الكافِرِ، وقَدْ ذَكَرْنا مِرارًا أنَّ العَمَلَ الصّالِحَ لَهُ مَعَ الإيمانِ أثَرٌ، أمّا الكُفْرُ إذا جاءَ فَلا التِفاتَ إلى الأعْمالِ، فَلَمْ يَقُلْ: وأمّا الَّذِينَ فَسَقُوا وعَمِلُوا السَّيِّئاتِ لِأنَّ المُرادَ مِن ﴿فَسَقُوا﴾ كَفَرُوا ولَوْ جَعَلَ العِقابَ في مُقابَلَةِ الكُفْرِ والعَمَلِ، لَظُنَّ أنَّ مُجَرَّدَ الكُفْرِ لا عِقابَ عَلَيْهِ.
وقَوْلُهُ في حَقِّ المُؤْمِنِينَ: (لَهُمْ) بِلامِ التَّمْلِيكِ زِيادَةُ إكْرامٍ؛ لِأنَّ مَن قالَ لِغَيْرِهِ: اسْكُنْ هَذِهِ الدّارَ يَكُونُ ذَلِكَ مَحْمُولًا عَلى العارِيَةِ، ولَهُ اسْتِرْدادُهُ، وإذا قالَ: هَذِهِ الدّارُ لَكَ، يَكُونُ ذَلِكَ مَحْمُولًا عَلى نِسْبَةِ المِلْكِيَّةِ إلَيْهِ ولَيْسَ لَهُ اسْتِرْدادُهُ بِحُكْمِ قَوْلِهِ. وكَذَلِكَ في قَوْلِهِ: ( لَهم جَنّاتُ) ألا تَرى أنَّهُ تَعالى لَمّا أسْكَنَ آدَمَ الجَنَّةَ وكانَ في عِلْمِهِ أنَّهُ يُخْرِجُهُ مِنها قالَ: ﴿اسْكُنْ أنْتَ وزَوْجُكَ الجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥] ولَمْ يَقُلْ: لَكُما الجَنَّةُ. وفي الآخِرَةِ لَمّا لَمْ يَكُنْ لِلْمُؤْمِنِينَ خُرُوجٌ عَنْها قالَ: (لْكُمُ الجَنَّةُ) و(لَهم جَنّاتٍ) وقَوْلُهُ: ﴿كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها أُعِيدُوا فِيها وقِيلَ لَهم ذُوقُوا﴾ إشارَةٌ إلى مَعْنًى حُكْمِيٍّ، وهو أنَّ المُؤْلِمَ إذا تَمَكَّنَ والألَمَ إذا امْتَدَّ لَمْ يَبْقَ بِهِ شُعُورٌ تامٌّ؛ ولِهَذا قالَ الأطِبّاءُ: إنَّ حَرارَةَ حُمّى الدَّقِّ بِالنِّسْبَةِ إلى حَرارَةِ الحُمّى البَلْغَمِيَّةِ نِسْبَةُ النّارِ إلى الماءِ المُسَخَّنِ، ثُمَّ إنَّ المَدْقُوقَ لا يُحِسُّ مِنَ الحَرارَةِ بِما يُحِسُّ بِهِ مَن بِهِ الحُمّى البَلْغَمِيَّةُ لِتَمَكُّنِ الدَّقِّ وقُرْبِ العَهْدِ بِظُهُورِ حَرارَةِ الحُمّى البَلْغَمِيَّةِ، وكَذَلِكَ الإنْسانُ إذا وضَعَ يَدَهُ في ماءٍ بارِدٍ يَتَألَّمُ مِنَ البَرْدِ، فَإذا صَبَرَ زَمانًا طَوِيلًا تَثْلُجُ يَدُهُ ويَبْطُلُ عَنْهُ ذَلِكَ الألَمُ الشَّدِيدُ مَعَ فَسادِ مِزاجِهِ.
إذا عَلِمْتَ هَذا فَقَوْلُهُ: ﴿كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها أُعِيدُوا فِيها﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ الإلَهَ لا يَسْكُنُ عَنْهم بَلْ يَرُدُّ عَلَيْهِمْ في كُلِّ حالِ أمْرٍ مُؤْلِمٍ يُجَدَّدُ، وقَوْلُهُ: ﴿ذُوقُوا عَذابَ النّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ يُقَرِّرُ ما ذَكَرْنا، ومَعْناهُ أنَّهم في الدُّنْيا كانُوا يُكَذِّبُونَ بِعَذابِ النّارِ، فَلَمّا ذاقُوهُ كانَ أشَدَّ إيلامًا؛ لِأنَّ مَن لا يَتَوَقَّعُ شَيْئًا فَيُصِيبُهُ يَكُونُ أشَدَّ تَأْثِيرًا، ثُمَّ إنَّهم في الآخِرَةِ كَما في الدُّنْيا يَجْزِمُونَ أنْ لا عَذابَ إلّا وقَدْ وصَلَ إلَيْهِمْ ولا يَتَوَقَّعُونَ شَيْئًا آخَرَ مِنَ العَذابِ، فَيُرَدُّ عَلَيْهِمْ عَذابٌ أشَدُّ مِنَ الأوَّلِ، وكانُوا يُكَذِّبُونَ بِهِ بِقَوْلِهِمْ لا عَذابَ فَوْقَ ما نَحْنُ فِيهِ، فَإذَنْ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذُوقُوا عَذابَ النّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ لَيْسَ مُقْتَصِرًا عَلى تَكْذِيبِهِمُ الَّذِي كانَ في الدُّنْيا بَلْ ﴿كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها أُعِيدُوا فِيها﴾ وقِيلَ لَهم: ذُوقُوا عَذابًا كَذَّبْتُمْ بِهِ مِن قَبْلُ. أمّا في الدُّنْيا بِقَوْلِكم: لا عَذابَ في الآخِرَةِ، وأمّا في الآخِرَةِ فَبِقَوْلِكم: لا عَذابَ فَوْقَ ما نَحْنُ فِيهِ.
السجدة 32:20
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أفَمَن كانَ مُؤْمِنًا كَمَن كانَ فاسِقًا لا يَسْتَوُونَ﴾ ﴿أمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَلَهم جَنّاتُ المَأْوى نُزُلًا بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿وأمّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْواهُمُ النّارُ كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها أُعِيدُوا فِيها وقِيلَ لَهم ذُوقُوا عَذابَ النّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾
صفحة ١٥٩
لَمّا بَيَّنَ حالَ المُجْرِمِ والمُؤْمِنِ قالَ لِلْعاقِلِ: هَلْ يَسْتَوِي الفَرِيقانِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُما لا يَسْتَوِيانِ، ثُمَّ بَيَّنَ عَدَمَ الِاسْتِواءِ عَلى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ، فَقالَ: ﴿أمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَلَهم جَنّاتُ المَأْوى﴾ إشارَةً إلى ما ذَكَرْنا أنَّ اللَّهَ أحْسَنَ ابْتِداءً لا لِعِوَضٍ، فَلَمّا آمَنَ العَبْدُ وعَمِلَ صالِحًا قَبِلَهُ مِنهُ كَأنَّهُ ابْتِداءٌ، فَجازاهُ بِأنْ أعْطاهُ الجَنَّةَ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿نُزُلًا﴾ إشارَةً إلى أنَّ بَعْدَها أشْياءَ، لِأنَّ النُّزُلَ ما يُعْطِي المَلِكُ النّازِلَ وقْتَ نُزُولِهِ قَبْلَ أنْ يَجْعَلَ لَهُ راتِبًا أوْ يَكْتُبَ لَهُ خُبْزًا، وقَوْلُهُ: ﴿بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ يُحَقِّقُ ما ذَكَرْنا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأمّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْواهُمُ النّارُ كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها﴾ إشارَةٌ إلى حالِ الكافِرِ، وقَدْ ذَكَرْنا مِرارًا أنَّ العَمَلَ الصّالِحَ لَهُ مَعَ الإيمانِ أثَرٌ، أمّا الكُفْرُ إذا جاءَ فَلا التِفاتَ إلى الأعْمالِ، فَلَمْ يَقُلْ: وأمّا الَّذِينَ فَسَقُوا وعَمِلُوا السَّيِّئاتِ لِأنَّ المُرادَ مِن ﴿فَسَقُوا﴾ كَفَرُوا ولَوْ جَعَلَ العِقابَ في مُقابَلَةِ الكُفْرِ والعَمَلِ، لَظُنَّ أنَّ مُجَرَّدَ الكُفْرِ لا عِقابَ عَلَيْهِ.
وقَوْلُهُ في حَقِّ المُؤْمِنِينَ: (لَهُمْ) بِلامِ التَّمْلِيكِ زِيادَةُ إكْرامٍ؛ لِأنَّ مَن قالَ لِغَيْرِهِ: اسْكُنْ هَذِهِ الدّارَ يَكُونُ ذَلِكَ مَحْمُولًا عَلى العارِيَةِ، ولَهُ اسْتِرْدادُهُ، وإذا قالَ: هَذِهِ الدّارُ لَكَ، يَكُونُ ذَلِكَ مَحْمُولًا عَلى نِسْبَةِ المِلْكِيَّةِ إلَيْهِ ولَيْسَ لَهُ اسْتِرْدادُهُ بِحُكْمِ قَوْلِهِ. وكَذَلِكَ في قَوْلِهِ: ( لَهم جَنّاتُ) ألا تَرى أنَّهُ تَعالى لَمّا أسْكَنَ آدَمَ الجَنَّةَ وكانَ في عِلْمِهِ أنَّهُ يُخْرِجُهُ مِنها قالَ: ﴿اسْكُنْ أنْتَ وزَوْجُكَ الجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥] ولَمْ يَقُلْ: لَكُما الجَنَّةُ. وفي الآخِرَةِ لَمّا لَمْ يَكُنْ لِلْمُؤْمِنِينَ خُرُوجٌ عَنْها قالَ: (لْكُمُ الجَنَّةُ) و(لَهم جَنّاتٍ) وقَوْلُهُ: ﴿كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها أُعِيدُوا فِيها وقِيلَ لَهم ذُوقُوا﴾ إشارَةٌ إلى مَعْنًى حُكْمِيٍّ، وهو أنَّ المُؤْلِمَ إذا تَمَكَّنَ والألَمَ إذا امْتَدَّ لَمْ يَبْقَ بِهِ شُعُورٌ تامٌّ؛ ولِهَذا قالَ الأطِبّاءُ: إنَّ حَرارَةَ حُمّى الدَّقِّ بِالنِّسْبَةِ إلى حَرارَةِ الحُمّى البَلْغَمِيَّةِ نِسْبَةُ النّارِ إلى الماءِ المُسَخَّنِ، ثُمَّ إنَّ المَدْقُوقَ لا يُحِسُّ مِنَ الحَرارَةِ بِما يُحِسُّ بِهِ مَن بِهِ الحُمّى البَلْغَمِيَّةُ لِتَمَكُّنِ الدَّقِّ وقُرْبِ العَهْدِ بِظُهُورِ حَرارَةِ الحُمّى البَلْغَمِيَّةِ، وكَذَلِكَ الإنْسانُ إذا وضَعَ يَدَهُ في ماءٍ بارِدٍ يَتَألَّمُ مِنَ البَرْدِ، فَإذا صَبَرَ زَمانًا طَوِيلًا تَثْلُجُ يَدُهُ ويَبْطُلُ عَنْهُ ذَلِكَ الألَمُ الشَّدِيدُ مَعَ فَسادِ مِزاجِهِ.
إذا عَلِمْتَ هَذا فَقَوْلُهُ: ﴿كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها أُعِيدُوا فِيها﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ الإلَهَ لا يَسْكُنُ عَنْهم بَلْ يَرُدُّ عَلَيْهِمْ في كُلِّ حالِ أمْرٍ مُؤْلِمٍ يُجَدَّدُ، وقَوْلُهُ: ﴿ذُوقُوا عَذابَ النّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ يُقَرِّرُ ما ذَكَرْنا، ومَعْناهُ أنَّهم في الدُّنْيا كانُوا يُكَذِّبُونَ بِعَذابِ النّارِ، فَلَمّا ذاقُوهُ كانَ أشَدَّ إيلامًا؛ لِأنَّ مَن لا يَتَوَقَّعُ شَيْئًا فَيُصِيبُهُ يَكُونُ أشَدَّ تَأْثِيرًا، ثُمَّ إنَّهم في الآخِرَةِ كَما في الدُّنْيا يَجْزِمُونَ أنْ لا عَذابَ إلّا وقَدْ وصَلَ إلَيْهِمْ ولا يَتَوَقَّعُونَ شَيْئًا آخَرَ مِنَ العَذابِ، فَيُرَدُّ عَلَيْهِمْ عَذابٌ أشَدُّ مِنَ الأوَّلِ، وكانُوا يُكَذِّبُونَ بِهِ بِقَوْلِهِمْ لا عَذابَ فَوْقَ ما نَحْنُ فِيهِ، فَإذَنْ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذُوقُوا عَذابَ النّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ لَيْسَ مُقْتَصِرًا عَلى تَكْذِيبِهِمُ الَّذِي كانَ في الدُّنْيا بَلْ ﴿كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها أُعِيدُوا فِيها﴾ وقِيلَ لَهم: ذُوقُوا عَذابًا كَذَّبْتُمْ بِهِ مِن قَبْلُ. أمّا في الدُّنْيا بِقَوْلِكم: لا عَذابَ في الآخِرَةِ، وأمّا في الآخِرَةِ فَبِقَوْلِكم: لا عَذابَ فَوْقَ ما نَحْنُ فِيهِ.
السجدة 32:21
ثُمَّ لَمّا هَدَّدَهم قالَ تَعالى: ﴿ولَنُذِيقَنَّهم مِنَ العَذابِ الأدْنى دُونَ العَذابِ الأكْبَرِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾
صفحة ١٦٠
يَعْنِي قَبْلَ عَذابِ الآخِرَةِ نُذِيقُهم عَذابَ الدُّنْيا، فَإنَّ عَذابَ الدُّنْيا لا نِسْبَةَ لَهُ إلى عَذابِ الآخِرَةِ؛ لِأنَّ عَذابَ الدُّنْيا لا يَكُونُ شَدِيدًا، ولا يَكُونُ مَدِيدًا، فَإنَّ العَذابَ الشَّدِيدَ في الدُّنْيا يُهْلِكُ فَيَمُوتُ المُعَذَّبُ ويَسْتَرِيحُ مِنهُ فَلا يَمْتَدُّ، وإنْ أرادَ المُعَذَّبُ أنْ يَمْتَدَّ عَذابُ المُعَذَّبِ لا يُعَذِّبُهُ بِعَذابٍ في غايَةِ الشِّدَّةِ، وأمّا عَذابُ الآخِرَةِ فَشَدِيدٌ ومَدِيدٌ، وفي الآيَةِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَنُذِيقَنَّهم مِنَ العَذابِ الأدْنى﴾ في مُقابَلَتِهِ العَذابُ الأقْصى، والعَذابُ الأكْبَرُ في مُقابَلَتِهِ العَذابُ الأصْغَرُ، فَما الحِكْمَةُ في مُقابَلَةِ الأدْنى بِالأكْبَرِ ؟ فَنَقُولُ: حَصَلَ في عَذابِ الدُّنْيا أمْرانِ: أحَدُهُما أنَّهُ قَرِيبٌ، والآخَرُ أنَّهُ قَلِيلٌ صَغِيرٌ. وحَصَلَ في عَذابِ الآخِرَةِ أيْضًا أمْرانِ: أحَدُهُما أنَّهُ بَعِيدٌ والآخَرُ أنَّهُ عَظِيمٌ كَثِيرٌ. لَكِنَّ القُرْبَ في عَذابِ الدُّنْيا هو الَّذِي يَصْلُحُ لِلتَّخْوِيفِ بِهِ، فَإنَّ العَذابَ العاجِلَ وإنْ كانَ قَلِيلًا قَدْ يَحْتَرِزُ مِنهُ بَعْضُ النّاسِ أكْثَرَ مِمّا يَحْتَرِزُ مِنَ العَذابِ الشَّدِيدِ إذا كانَ آجِلًا، وكَذا الثَّوابُ العاجِلُ قَدْ يَرْغَبُ فِيهِ بَعْضُ النّاسِ ويَسْتَبْعِدُ الثَّوابَ العَظِيمَ الآجِلَ، وأمّا في عَذابِ الآخِرَةِ فالَّذِي يَصْلُحُ لِلتَّخْوِيفِ بِهِ هو العَظِيمُ والكَبِيرُ لا البَعِيدُ لِما بَيَّنّا، فَقالَ في عَذابِ الدُّنْيا: ﴿العَذابِ الأدْنى﴾ لِيَحْتَرِزَ العاقِلُ عَنْهُ، ولَوْ قالَ: لَنُذِيقَنَّهم مِنَ العَذابِ الأصْغَرِ، ما كانَ يَحْتَرِزُ عَنْهُ لِصِغَرِهِ وعَدَمِ فَهْمِ كَوْنِهِ عاجِلًا. وقالَ في عَذابِ الآخِرَةِ ﴿الأكْبَرِ﴾ لِذَلِكَ المَعْنى، ولَوْ قالَ: دُونَ العَذابِ الأبْعَدِ الأقْصى لَما حَصَلَ التَّخْوِيفُ بِهِ مِثْلَ ما يَحْصُلُ بِوَصْفِهِ بِالكِبَرِ، وبِالجُمْلَةِ فَقَدِ اخْتارَ اللَّهُ تَعالى في العَذابَيْنِ الوَصْفَ الَّذِي هو أصْلَحُ لِلتَّخْوِيفِ مِنَ الوَصْفَيْنِ الآخَرَيْنِ فِيهِما لِحِكْمَةٍ بالِغَةٍ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ لَعَلَّ هَذِهِ لِلتَّرَجِّي، واللَّهُ تَعالى مُحالٌ ذَلِكَ عَلَيْهِ، فَما الحِكْمَةُ فِيهِ ؟ نَقُولُ: فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: مَعْناهُ لَنُذِيقَنَّهم إذاقَةَ الرّاجِينَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا نَسِيناكُمْ﴾ يَعْنِي تَرَكْناكم كَما يُتْرَكُ النّاسِي حَيْثُ لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ أصْلًا، فَكَذَلِكَ هَهُنا نُذِيقُهم عَلى الوَجْهِ الَّذِي يَفْعَلُ بِالرّاجِي مِنَ التَّدْرِيجِ.
وثانِيهِما: مَعْناهُ نُذِيقُهُمُ العَذابَ إذاقَةً يَقُولُ القائِلُ: لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ بِسَبَبِهِ، ونَزِيدُ وجْهًا آخَرَ مِن عِنْدِنا، وهو أنَّ كُلَّ فِعْلٍ يَتْلُوهُ أمْرٌ مَطْلُوبٌ مِن ذَلِكَ الفِعْلِ يَصِحُّ تَعْلِيلُ ذَلِكَ الفِعْلِ بِذَلِكَ الأمْرِ، كَما يُقالُ: فُلانٌ اتَّجَرَ لِيَرْبَحَ، ثُمَّ إنَّ هَذا التَّعْلِيلَ إنْ كانَ في مَوْضِعٍ لا يَحْصُلُ الجَزْمُ بِحُصُولِ الأمْرِ مِنَ الفِعْلِ نَظَرًا إلى نَفْسِ الفِعْلِ، وإنْ حَصَلَ الجَزْمُ والعِلْمُ بِناءً عَلى أمْرٍ مِن خارِجٍ فَإنَّهُ يَصِحُّ أنْ يُقالَ: يَفْعَلُ كَذا رَجاءَ كَذا، كَما يُقالُ: يَتَّجِرُ رَجاءَ أنْ يَرْبَحَ، وإنْ حَصَلَ لِلتّاجِرِ جَزْمٌ بِالرِّبْحِ لا يَقْدَحُ ذَلِكَ في صِحَّةِ قَوْلِنا يَرْجُو لِما أنَّ الجَزْمَ غَيْرُ حاصِلٍ نَظَرًا إلى التِّجارَةِ، وإنْ كانَ الجَزْمُ حاصِلًا نَظَرًا إلى الفِعْلِ، لا يَصِحُّ أنْ يُقالَ: يَرْجُو، وإنْ كانَ ذَلِكَ الجَزْمُ يَحْتَمِلُ خِلافَهُ كَقَوْلِ القائِلِ: فُلانٌ حَزَّ رَقَبَةَ عَدُوِّهِ رَجاءَ أنْ يَمُوتَ، لا يَصِحُّ لِحُصُولِهِ الجَزْمُ بِالمَوْتِ عَقِيبَ الحَزِّ نَظَرًا إلَيْهِ، وإنْ أمْكَنَ أنْ لا يَمُوتَ نَظَرًا إلى قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى.
ويُصَحِّحُ قَوْلَنا قَوْلُهُ تَعالى في حَقِّ إبْراهِيمَ: ﴿والَّذِي أطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي﴾ [الشعراء: ٨٢] مَعَ أنَّهُ كانَ عالِمًا بِالمَغْفِرَةِ، لَكِنْ لَمّا لَمْ يَكُنِ الجَزْمُ حاصِلًا مِن نَفْسِ الفِعْلِ أطْلَقَ عَلَيْهِ الطَّمَعَ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وارْجُوا اليَوْمَ الآخِرَ﴾ [العنكبوت: ٣٦] مَعَ أنَّ الجَزْمَ بِهِ لازِمٌ.
إذا عُلِمَ ما ذَكَرْنا فَنَقُولُ: في كُلِّ صُورَةٍ قالَ اللَّهُ تَعالى: “ لَعَلَّهم “ فَإنْ نَظَرْنا إلى الفِعْلِ لا يَلْزَمُ الجَزْمُ، فَإنَّ مِنَ التَّعْذِيبِ لا يَلْزَمُ الرُّجُوعُ لُزُومًا بَيِّنًا فَصَحَّ قَوْلُنا: يَرْجُو وإنْ كانَ عِلْمُهُ حاصِلًا بِما يَكُونُ. غايَةُ ما في البابِ أنَّ الرَّجاءَ في أكْثَرِ الأمْرِ اسْتُعْمِلَ فِيما لا يَكُونُ الأمْرُ مَعْلُومًا فَأوْهَمَ أنْ لا يَجُوزَ الإطْلاقُ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى، ولَيْسَ كَذَلِكَ بَلِ التَّرَجِّي يَجُوزُ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى، ولا يَلْزَمُ مِنهُ عَدَمُ العِلْمِ، وإنَّما يَلْزَمُ عَدَمُ الجَزْمِ بِناءً عَلى ذَلِكَ
صفحة ١٦١
الفِعْلِ، وعِلْمُ اللَّهِ لَيْسَ مُسْتَفادًا مِنَ الفِعْلِ فَيَصِحُّ حَقِيقَةُ التَّرَجِّي في حَقِّهِ عَلى ما ذَكَرْنا مِنَ المَعْنى.
السجدة 32:22
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ ثُمَّ أعْرَضَ عَنْها إنّا مِنَ المُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ فَلا تَكُنْ في مِرْيَةٍ مِن لِقائِهِ وجَعَلْناهُ هُدًى لِبَنِي إسْرائِيلَ﴾ ﴿وجَعَلْنا مِنهم أئِمَّةً يَهْدُونَ بِأمْرِنا لَمّا صَبَرُوا وكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ ثُمَّ أعْرَضَ عَنْها﴾ يَعْنِي لَنُذِيقَنَّهم ولا يَرْجِعُونَ فَيَكُونُونَ قَدْ ذُكِّرُوا بِآياتِ اللَّهِ مِنَ النِّعَمِ أوَّلًا والنِّقَمِ ثانِيًا ولَمْ يُؤْمِنُوا، فَلا أظْلِمُ مِنهم أحَدًا؛ لِأنَّ مَن يَكْفُرُ بِاللَّهِ ظالِمٌ، فَإنَّ اللَّهَ لِذَوِي البَصائِرِ ظاهِرٌ لا يَحْتاجُ المُسْتَنِيرُ الباطِنُ إلى شاهِدٍ يَشْهَدُ عَلَيْهِ، بَلْ هو شَهِيدٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ كَما قالَ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [فصلت: ٥٣] أيْ دَلِيلُكَ اللَّهُ لا تَحْتاجُ، بِتَأْثِيرِ الباطِنِ إلى دَلِيلٍ عَلى اللَّهِ، ولِهَذا قالَ بَعْضُ العارِفِينَ: رَأيْتُ اللَّهَ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ فَمَن لَمْ يَكْفِهِ اللَّهُ فَسائِرُ المَوْجُوداتِ سَواءٌ كانَ فِيها نَفْعٌ أوْ ضُرٌّ كافٍ في مَعْرِفَةِ اللَّهِ كَما قالَ تَعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الآفاقِ وفي أنْفُسِهِمْ﴾ [فصلت: ٥٣] فَإنْ لَمْ يَكْفِهِمْ ذَلِكَ فَبِسَبْغِهِ عَلَيْهِمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وباطِنَةً، فالأوَّلُ الَّذِي لا يَحْتاجُ إلى غَيْرِ اللَّهِ هو عَدْلٌ، والثّانِي الَّذِي يَحْتاجُ إلى دَلِيلٍ فَهو مُتَوَسِّطٌ، والثّالِثُ الَّذِي لَمْ تَكِفْهِ الآفاقُ ظالِمٌ، والرّابِعُ الَّذِي لَمْ تُقْنِعْهُ النِّعَمُ أظْلَمُ مِن ذَلِكَ الظّالِمِ، وقَدْ يَكُونُ أظْلَمَ مِنهُ آخَرُ، وهو الَّذِي إذا أُذِيقَ العَذابَ لا يَرْجِعُ عَنْ ضَلالَتِهِ، فَإنَّ الأكْثَرَ كانَ مِن صِفَتِهِمْ أنَّهم إذا مَسَّهم ضُرٌّ دَعُوا رَبَّهم مُنِيبِينَ إلَيْهِ، فَهَذا لَمّا عُذِّبَ ولَمْ يَرْجِعْ فَلا أظْلَمَ مِنهُ أصْلًا فَقالَ: ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ ثُمَّ أعْرَضَ عَنْها﴾
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنّا مِنَ المُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ أيْ لَمّا لَمْ يَنْفَعْهُمُ العَذابُ الأدْنى فَأنا مُنْتَقِمٌ مِنهم بِالعَذابِ الأكْبَرِ
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ﴾ لَمّا قَرَّرَ الأُصُولَ الثَّلاثَةَ عَلى ما بَيَّنّاهُ عادَ إلى الأصْلِ الَّذِي بَدَأ بِهِ وهو الرِّسالَةُ المَذْكُورَةُ في قَوْلِهِ: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أتاهم مِن نَذِيرٍ﴾ [السجدة: ٣] وقالَ: ﴿قُلْ ما كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٩] بَلْ كانَ قَبْلَكَ رُسُلٌ مِثْلُكَ، واخْتارَ مِن بَيْنِهِمْ مُوسى لِقُرْبِهِ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ، ووُجُودُ مَن كانَ عَلى دِينِهِ إلْزامًا لَهم، وإنَّما لَمْ يَخْتَرْ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِلذِّكْرِ والِاسْتِدْلالِ؛ لِأنَّ اليَهُودَ ما كانُوا يُوافِقُونَ عَلى نُبُوَّتِهِ، وأمّا النَّصارى فَكانُوا يَعْتَرِفُونَ بِنُبُوَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَتَمَسَّكَ بِالمُجْمَعِ عَلَيْهِ، وقَوْلُهُ: ﴿فَلا تَكُنْ في مِرْيَةٍ مِن لِقائِهِ﴾ قِيلَ مَعْناهُ: فَلا تَكُنْ في شَكٍّ مِن لِقاءِ مُوسى فَإنَّكَ تَراهُ وتَلْقاهُ، وقِيلَ: بِأنَّهُ رَآهُ لَيْلَةَ المِعْراجِ، وقِيلَ مَعْناهُ: فَلا تَكُنْ في شَكٍّ مِن لِقاءِ الكِتابِ فَإنَّكَ تَلْقاهُ كَما لَقِيَ مُوسى الكِتابَ، ويَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ الآيَةُ وارِدَةً لا لِلتَّقْرِيرِ بَلْ لِتَسْلِيَةِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإنَّهُ لَمّا أتى بِكُلِّ آيَةٍ وذَكَّرَ بِها وأعْرَضَ عَنْها قَوْمُهُ حَزِنَ عَلَيْهِمْ، فَقِيلَ لَهُ
صفحة ١٦٢
تَذَكَّرْ حالَ مُوسى ولا تَحْزَنْ فَإنَّهُ لَقِيَ ما لَقِيتَ وأُوذِيَ كَما أُوذِيتَ، وعَلى هَذا فاخْتِيارُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِحِكْمَةٍ، وهي أنَّ أحَدًا مِنَ الأنْبِياءِ لَمْ يُؤْذِهِ قَوْمُهُ إلّا الَّذِينَ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ، وأمّا الَّذِينَ آمَنُوا بِهِ فَلَمْ يُخالِفُوهُ غَيْرَ قَوْمِ مُوسى، فَإنَّ مَن لَمْ يُؤْمِن بِهِ آذاهُ مِثْلُ فِرْعَوْنَ وغَيْرِهِ، ومَن آمَنَ بِهِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ أيْضًا آذاهُ بِالمُخالَفَةِ وطَلَبِ أشْياءَ مِنهُ مِثْلَ طَلَبِ رُؤْيَةِ اللَّهِ جَهْرَةً، ومِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿فاذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا﴾ [المائدة: ٢٤] .
ثُمَّ بَيَّنَ لَهُ أنَّ هِدايَتَهُ غَيْرُ خالِيَةٍ عَنِ المَنفَعَةِ كَما أنَّهُ لَمْ تَخْلُ هِدايَةُ مُوسى فَقالَ: ﴿وجَعَلْناهُ هُدًى لِبَنِي إسْرائِيلَ﴾، ﴿وجَعَلْنا مِنهم أئِمَّةً يَهْدُونَ بِأمْرِنا﴾ فَحَيْثُ جَعَلَ اللَّهُ كِتابَ مُوسى هَدًى وجَعَلَ مِنهم أئِمَّةً يَهْدُونَ كَذَلِكَ يَجْعَلُ كِتابَكَ هَدًى ويَجْعَلُ مِن أُمَّتِكَ صَحابَةٌ يَهْدُونَ كَما قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «أصْحابِي كالنُّجُومِ بِأيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُمْ» ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ يَحْصُلُ بِالصَّبْرِ، فَقالَ: ﴿لَمّا صَبَرُوا وكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ﴾ فَكَذَلِكَ اصْبِرُوا وآمِنُوا بِأنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ.
السجدة 32:23
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ ثُمَّ أعْرَضَ عَنْها إنّا مِنَ المُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ فَلا تَكُنْ في مِرْيَةٍ مِن لِقائِهِ وجَعَلْناهُ هُدًى لِبَنِي إسْرائِيلَ﴾ ﴿وجَعَلْنا مِنهم أئِمَّةً يَهْدُونَ بِأمْرِنا لَمّا صَبَرُوا وكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ ثُمَّ أعْرَضَ عَنْها﴾ يَعْنِي لَنُذِيقَنَّهم ولا يَرْجِعُونَ فَيَكُونُونَ قَدْ ذُكِّرُوا بِآياتِ اللَّهِ مِنَ النِّعَمِ أوَّلًا والنِّقَمِ ثانِيًا ولَمْ يُؤْمِنُوا، فَلا أظْلِمُ مِنهم أحَدًا؛ لِأنَّ مَن يَكْفُرُ بِاللَّهِ ظالِمٌ، فَإنَّ اللَّهَ لِذَوِي البَصائِرِ ظاهِرٌ لا يَحْتاجُ المُسْتَنِيرُ الباطِنُ إلى شاهِدٍ يَشْهَدُ عَلَيْهِ، بَلْ هو شَهِيدٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ كَما قالَ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [فصلت: ٥٣] أيْ دَلِيلُكَ اللَّهُ لا تَحْتاجُ، بِتَأْثِيرِ الباطِنِ إلى دَلِيلٍ عَلى اللَّهِ، ولِهَذا قالَ بَعْضُ العارِفِينَ: رَأيْتُ اللَّهَ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ فَمَن لَمْ يَكْفِهِ اللَّهُ فَسائِرُ المَوْجُوداتِ سَواءٌ كانَ فِيها نَفْعٌ أوْ ضُرٌّ كافٍ في مَعْرِفَةِ اللَّهِ كَما قالَ تَعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الآفاقِ وفي أنْفُسِهِمْ﴾ [فصلت: ٥٣] فَإنْ لَمْ يَكْفِهِمْ ذَلِكَ فَبِسَبْغِهِ عَلَيْهِمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وباطِنَةً، فالأوَّلُ الَّذِي لا يَحْتاجُ إلى غَيْرِ اللَّهِ هو عَدْلٌ، والثّانِي الَّذِي يَحْتاجُ إلى دَلِيلٍ فَهو مُتَوَسِّطٌ، والثّالِثُ الَّذِي لَمْ تَكِفْهِ الآفاقُ ظالِمٌ، والرّابِعُ الَّذِي لَمْ تُقْنِعْهُ النِّعَمُ أظْلَمُ مِن ذَلِكَ الظّالِمِ، وقَدْ يَكُونُ أظْلَمَ مِنهُ آخَرُ، وهو الَّذِي إذا أُذِيقَ العَذابَ لا يَرْجِعُ عَنْ ضَلالَتِهِ، فَإنَّ الأكْثَرَ كانَ مِن صِفَتِهِمْ أنَّهم إذا مَسَّهم ضُرٌّ دَعُوا رَبَّهم مُنِيبِينَ إلَيْهِ، فَهَذا لَمّا عُذِّبَ ولَمْ يَرْجِعْ فَلا أظْلَمَ مِنهُ أصْلًا فَقالَ: ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ ثُمَّ أعْرَضَ عَنْها﴾
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنّا مِنَ المُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ أيْ لَمّا لَمْ يَنْفَعْهُمُ العَذابُ الأدْنى فَأنا مُنْتَقِمٌ مِنهم بِالعَذابِ الأكْبَرِ
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ﴾ لَمّا قَرَّرَ الأُصُولَ الثَّلاثَةَ عَلى ما بَيَّنّاهُ عادَ إلى الأصْلِ الَّذِي بَدَأ بِهِ وهو الرِّسالَةُ المَذْكُورَةُ في قَوْلِهِ: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أتاهم مِن نَذِيرٍ﴾ [السجدة: ٣] وقالَ: ﴿قُلْ ما كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٩] بَلْ كانَ قَبْلَكَ رُسُلٌ مِثْلُكَ، واخْتارَ مِن بَيْنِهِمْ مُوسى لِقُرْبِهِ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ، ووُجُودُ مَن كانَ عَلى دِينِهِ إلْزامًا لَهم، وإنَّما لَمْ يَخْتَرْ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِلذِّكْرِ والِاسْتِدْلالِ؛ لِأنَّ اليَهُودَ ما كانُوا يُوافِقُونَ عَلى نُبُوَّتِهِ، وأمّا النَّصارى فَكانُوا يَعْتَرِفُونَ بِنُبُوَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَتَمَسَّكَ بِالمُجْمَعِ عَلَيْهِ، وقَوْلُهُ: ﴿فَلا تَكُنْ في مِرْيَةٍ مِن لِقائِهِ﴾ قِيلَ مَعْناهُ: فَلا تَكُنْ في شَكٍّ مِن لِقاءِ مُوسى فَإنَّكَ تَراهُ وتَلْقاهُ، وقِيلَ: بِأنَّهُ رَآهُ لَيْلَةَ المِعْراجِ، وقِيلَ مَعْناهُ: فَلا تَكُنْ في شَكٍّ مِن لِقاءِ الكِتابِ فَإنَّكَ تَلْقاهُ كَما لَقِيَ مُوسى الكِتابَ، ويَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ الآيَةُ وارِدَةً لا لِلتَّقْرِيرِ بَلْ لِتَسْلِيَةِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإنَّهُ لَمّا أتى بِكُلِّ آيَةٍ وذَكَّرَ بِها وأعْرَضَ عَنْها قَوْمُهُ حَزِنَ عَلَيْهِمْ، فَقِيلَ لَهُ
صفحة ١٦٢
تَذَكَّرْ حالَ مُوسى ولا تَحْزَنْ فَإنَّهُ لَقِيَ ما لَقِيتَ وأُوذِيَ كَما أُوذِيتَ، وعَلى هَذا فاخْتِيارُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِحِكْمَةٍ، وهي أنَّ أحَدًا مِنَ الأنْبِياءِ لَمْ يُؤْذِهِ قَوْمُهُ إلّا الَّذِينَ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ، وأمّا الَّذِينَ آمَنُوا بِهِ فَلَمْ يُخالِفُوهُ غَيْرَ قَوْمِ مُوسى، فَإنَّ مَن لَمْ يُؤْمِن بِهِ آذاهُ مِثْلُ فِرْعَوْنَ وغَيْرِهِ، ومَن آمَنَ بِهِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ أيْضًا آذاهُ بِالمُخالَفَةِ وطَلَبِ أشْياءَ مِنهُ مِثْلَ طَلَبِ رُؤْيَةِ اللَّهِ جَهْرَةً، ومِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿فاذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا﴾ [المائدة: ٢٤] .
ثُمَّ بَيَّنَ لَهُ أنَّ هِدايَتَهُ غَيْرُ خالِيَةٍ عَنِ المَنفَعَةِ كَما أنَّهُ لَمْ تَخْلُ هِدايَةُ مُوسى فَقالَ: ﴿وجَعَلْناهُ هُدًى لِبَنِي إسْرائِيلَ﴾، ﴿وجَعَلْنا مِنهم أئِمَّةً يَهْدُونَ بِأمْرِنا﴾ فَحَيْثُ جَعَلَ اللَّهُ كِتابَ مُوسى هَدًى وجَعَلَ مِنهم أئِمَّةً يَهْدُونَ كَذَلِكَ يَجْعَلُ كِتابَكَ هَدًى ويَجْعَلُ مِن أُمَّتِكَ صَحابَةٌ يَهْدُونَ كَما قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «أصْحابِي كالنُّجُومِ بِأيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُمْ» ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ يَحْصُلُ بِالصَّبْرِ، فَقالَ: ﴿لَمّا صَبَرُوا وكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ﴾ فَكَذَلِكَ اصْبِرُوا وآمِنُوا بِأنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ.
السجدة 32:24
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ ثُمَّ أعْرَضَ عَنْها إنّا مِنَ المُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ فَلا تَكُنْ في مِرْيَةٍ مِن لِقائِهِ وجَعَلْناهُ هُدًى لِبَنِي إسْرائِيلَ﴾ ﴿وجَعَلْنا مِنهم أئِمَّةً يَهْدُونَ بِأمْرِنا لَمّا صَبَرُوا وكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ ثُمَّ أعْرَضَ عَنْها﴾ يَعْنِي لَنُذِيقَنَّهم ولا يَرْجِعُونَ فَيَكُونُونَ قَدْ ذُكِّرُوا بِآياتِ اللَّهِ مِنَ النِّعَمِ أوَّلًا والنِّقَمِ ثانِيًا ولَمْ يُؤْمِنُوا، فَلا أظْلِمُ مِنهم أحَدًا؛ لِأنَّ مَن يَكْفُرُ بِاللَّهِ ظالِمٌ، فَإنَّ اللَّهَ لِذَوِي البَصائِرِ ظاهِرٌ لا يَحْتاجُ المُسْتَنِيرُ الباطِنُ إلى شاهِدٍ يَشْهَدُ عَلَيْهِ، بَلْ هو شَهِيدٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ كَما قالَ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [فصلت: ٥٣] أيْ دَلِيلُكَ اللَّهُ لا تَحْتاجُ، بِتَأْثِيرِ الباطِنِ إلى دَلِيلٍ عَلى اللَّهِ، ولِهَذا قالَ بَعْضُ العارِفِينَ: رَأيْتُ اللَّهَ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ فَمَن لَمْ يَكْفِهِ اللَّهُ فَسائِرُ المَوْجُوداتِ سَواءٌ كانَ فِيها نَفْعٌ أوْ ضُرٌّ كافٍ في مَعْرِفَةِ اللَّهِ كَما قالَ تَعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الآفاقِ وفي أنْفُسِهِمْ﴾ [فصلت: ٥٣] فَإنْ لَمْ يَكْفِهِمْ ذَلِكَ فَبِسَبْغِهِ عَلَيْهِمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وباطِنَةً، فالأوَّلُ الَّذِي لا يَحْتاجُ إلى غَيْرِ اللَّهِ هو عَدْلٌ، والثّانِي الَّذِي يَحْتاجُ إلى دَلِيلٍ فَهو مُتَوَسِّطٌ، والثّالِثُ الَّذِي لَمْ تَكِفْهِ الآفاقُ ظالِمٌ، والرّابِعُ الَّذِي لَمْ تُقْنِعْهُ النِّعَمُ أظْلَمُ مِن ذَلِكَ الظّالِمِ، وقَدْ يَكُونُ أظْلَمَ مِنهُ آخَرُ، وهو الَّذِي إذا أُذِيقَ العَذابَ لا يَرْجِعُ عَنْ ضَلالَتِهِ، فَإنَّ الأكْثَرَ كانَ مِن صِفَتِهِمْ أنَّهم إذا مَسَّهم ضُرٌّ دَعُوا رَبَّهم مُنِيبِينَ إلَيْهِ، فَهَذا لَمّا عُذِّبَ ولَمْ يَرْجِعْ فَلا أظْلَمَ مِنهُ أصْلًا فَقالَ: ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ ثُمَّ أعْرَضَ عَنْها﴾
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنّا مِنَ المُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ أيْ لَمّا لَمْ يَنْفَعْهُمُ العَذابُ الأدْنى فَأنا مُنْتَقِمٌ مِنهم بِالعَذابِ الأكْبَرِ
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ﴾ لَمّا قَرَّرَ الأُصُولَ الثَّلاثَةَ عَلى ما بَيَّنّاهُ عادَ إلى الأصْلِ الَّذِي بَدَأ بِهِ وهو الرِّسالَةُ المَذْكُورَةُ في قَوْلِهِ: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أتاهم مِن نَذِيرٍ﴾ [السجدة: ٣] وقالَ: ﴿قُلْ ما كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٩] بَلْ كانَ قَبْلَكَ رُسُلٌ مِثْلُكَ، واخْتارَ مِن بَيْنِهِمْ مُوسى لِقُرْبِهِ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ، ووُجُودُ مَن كانَ عَلى دِينِهِ إلْزامًا لَهم، وإنَّما لَمْ يَخْتَرْ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِلذِّكْرِ والِاسْتِدْلالِ؛ لِأنَّ اليَهُودَ ما كانُوا يُوافِقُونَ عَلى نُبُوَّتِهِ، وأمّا النَّصارى فَكانُوا يَعْتَرِفُونَ بِنُبُوَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَتَمَسَّكَ بِالمُجْمَعِ عَلَيْهِ، وقَوْلُهُ: ﴿فَلا تَكُنْ في مِرْيَةٍ مِن لِقائِهِ﴾ قِيلَ مَعْناهُ: فَلا تَكُنْ في شَكٍّ مِن لِقاءِ مُوسى فَإنَّكَ تَراهُ وتَلْقاهُ، وقِيلَ: بِأنَّهُ رَآهُ لَيْلَةَ المِعْراجِ، وقِيلَ مَعْناهُ: فَلا تَكُنْ في شَكٍّ مِن لِقاءِ الكِتابِ فَإنَّكَ تَلْقاهُ كَما لَقِيَ مُوسى الكِتابَ، ويَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ الآيَةُ وارِدَةً لا لِلتَّقْرِيرِ بَلْ لِتَسْلِيَةِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإنَّهُ لَمّا أتى بِكُلِّ آيَةٍ وذَكَّرَ بِها وأعْرَضَ عَنْها قَوْمُهُ حَزِنَ عَلَيْهِمْ، فَقِيلَ لَهُ
صفحة ١٦٢
تَذَكَّرْ حالَ مُوسى ولا تَحْزَنْ فَإنَّهُ لَقِيَ ما لَقِيتَ وأُوذِيَ كَما أُوذِيتَ، وعَلى هَذا فاخْتِيارُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِحِكْمَةٍ، وهي أنَّ أحَدًا مِنَ الأنْبِياءِ لَمْ يُؤْذِهِ قَوْمُهُ إلّا الَّذِينَ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ، وأمّا الَّذِينَ آمَنُوا بِهِ فَلَمْ يُخالِفُوهُ غَيْرَ قَوْمِ مُوسى، فَإنَّ مَن لَمْ يُؤْمِن بِهِ آذاهُ مِثْلُ فِرْعَوْنَ وغَيْرِهِ، ومَن آمَنَ بِهِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ أيْضًا آذاهُ بِالمُخالَفَةِ وطَلَبِ أشْياءَ مِنهُ مِثْلَ طَلَبِ رُؤْيَةِ اللَّهِ جَهْرَةً، ومِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿فاذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا﴾ [المائدة: ٢٤] .
ثُمَّ بَيَّنَ لَهُ أنَّ هِدايَتَهُ غَيْرُ خالِيَةٍ عَنِ المَنفَعَةِ كَما أنَّهُ لَمْ تَخْلُ هِدايَةُ مُوسى فَقالَ: ﴿وجَعَلْناهُ هُدًى لِبَنِي إسْرائِيلَ﴾، ﴿وجَعَلْنا مِنهم أئِمَّةً يَهْدُونَ بِأمْرِنا﴾ فَحَيْثُ جَعَلَ اللَّهُ كِتابَ مُوسى هَدًى وجَعَلَ مِنهم أئِمَّةً يَهْدُونَ كَذَلِكَ يَجْعَلُ كِتابَكَ هَدًى ويَجْعَلُ مِن أُمَّتِكَ صَحابَةٌ يَهْدُونَ كَما قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «أصْحابِي كالنُّجُومِ بِأيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُمْ» ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ يَحْصُلُ بِالصَّبْرِ، فَقالَ: ﴿لَمّا صَبَرُوا وكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ﴾ فَكَذَلِكَ اصْبِرُوا وآمِنُوا بِأنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ.
السجدة 32:25
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ رَبَّكَ هو يَفْصِلُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ ﴿أوَلَمْ يَهْدِ لَهم كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِنَ القُرُونِ يَمْشُونَ في مَساكِنِهِمْ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ أفَلا يَسْمَعُونَ﴾
قَوْلُهُ: ﴿إنَّ رَبَّكَ هو يَفْصِلُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ هَذا يَصْلُحُ جَوابًا لِسُؤالٍ: وهو أنَّهُ لَمّا قالَ تَعالى: ﴿وجَعَلْنا مِنهم أئِمَّةً يَهْدُونَ﴾ كانَ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: كَيْفَ كانُوا يَهْدُونَ وهُمُ اخْتَلَفُوا وصارُوا فِرَقًا وسَبِيلُ الحَقِّ واحِدٌ ؟ فَقالَ: فِيهِمْ هُداةٌ، واللَّهُ بَيَّنَ المُبْتَدِعَ مِنَ المُتَّبِعِ كَما يُبَيِّنُ المُؤْمِنَ مِنَ الكافِرِ يَوْمَ القِيامَةِ. وفِيهِ وجْهٌ آخَرُ: وهو أنَّ اللَّهَ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُ يَفْصِلُ بَيْنَ المُخْتَلِفِينَ مِن أُمَّةٍ واحِدَةٍ كَما يَفْصِلُ بَيْنَ المُخْتَلِفِينَ مِنَ الأُمَمِ فَيَنْبَغِي أنْ لا يَأْمَنَ مَن آمَنَ وإنْ لَمْ يَجْتَهِدْ، فَإنَّ المُبْتَدِعَ مُعَذَّبٌ كالكافِرِ، غايَةُ ما في البابِ، أنَّ عَذابَ الكافِرِ أشُدُّ وآلَمُ وأمَدُّ وأدْوَمُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَهْدِ لَهم كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِنَ القُرُونِ﴾ قَدْ ذَكَرْنا أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ﴾ تَقْرِيرٌ لِرِسالَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وإعادَةٌ لِبَيانِ ما سَبَقَ في قَوْلِهِ: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أتاهم مِن نَذِيرٍ مِن قَبْلِكَ﴾ [السجدة: ٣] ولَمّا أعادَ ذِكْرَ الرِّسالَةِ أعادَ ذِكْرَ التَّوْحِيدِ، فَقالَ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَهْدِ لَهم كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿يَمْشُونَ في مَساكِنِهِمْ﴾ زِيادَةُ إبانَةٍ، أيْ مَساكِنُ المُهْلَكِينَ دالَّةٌ عَلى حالِهِمْ، وأنْتُمْ تَمْشُونَ فِيها وتُبْصِرُونَها، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ أفَلا يَسْمَعُونَ﴾ اعْتُبِرَ فِيهِ السَّمْعُ، لِأنَّهم ما كانَ لَهم قُوَّةُ الإدْراكِ بِأنْفُسِهِمْ والِاسْتِنْباطُ بِعُقُولِهِمْ، فَقالَ: ﴿أفَلا يَسْمَعُونَ﴾ يَعْنِي لَيْسَ لَهم دَرَجَةُ المُتَعَلِّمِ الَّذِي يَسْمَعُ الشَّيْءَ ويَفْهَمُهُ.
السجدة 32:26
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ رَبَّكَ هو يَفْصِلُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ ﴿أوَلَمْ يَهْدِ لَهم كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِنَ القُرُونِ يَمْشُونَ في مَساكِنِهِمْ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ أفَلا يَسْمَعُونَ﴾
قَوْلُهُ: ﴿إنَّ رَبَّكَ هو يَفْصِلُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ هَذا يَصْلُحُ جَوابًا لِسُؤالٍ: وهو أنَّهُ لَمّا قالَ تَعالى: ﴿وجَعَلْنا مِنهم أئِمَّةً يَهْدُونَ﴾ كانَ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: كَيْفَ كانُوا يَهْدُونَ وهُمُ اخْتَلَفُوا وصارُوا فِرَقًا وسَبِيلُ الحَقِّ واحِدٌ ؟ فَقالَ: فِيهِمْ هُداةٌ، واللَّهُ بَيَّنَ المُبْتَدِعَ مِنَ المُتَّبِعِ كَما يُبَيِّنُ المُؤْمِنَ مِنَ الكافِرِ يَوْمَ القِيامَةِ. وفِيهِ وجْهٌ آخَرُ: وهو أنَّ اللَّهَ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُ يَفْصِلُ بَيْنَ المُخْتَلِفِينَ مِن أُمَّةٍ واحِدَةٍ كَما يَفْصِلُ بَيْنَ المُخْتَلِفِينَ مِنَ الأُمَمِ فَيَنْبَغِي أنْ لا يَأْمَنَ مَن آمَنَ وإنْ لَمْ يَجْتَهِدْ، فَإنَّ المُبْتَدِعَ مُعَذَّبٌ كالكافِرِ، غايَةُ ما في البابِ، أنَّ عَذابَ الكافِرِ أشُدُّ وآلَمُ وأمَدُّ وأدْوَمُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَهْدِ لَهم كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِنَ القُرُونِ﴾ قَدْ ذَكَرْنا أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ﴾ تَقْرِيرٌ لِرِسالَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وإعادَةٌ لِبَيانِ ما سَبَقَ في قَوْلِهِ: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أتاهم مِن نَذِيرٍ مِن قَبْلِكَ﴾ [السجدة: ٣] ولَمّا أعادَ ذِكْرَ الرِّسالَةِ أعادَ ذِكْرَ التَّوْحِيدِ، فَقالَ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَهْدِ لَهم كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿يَمْشُونَ في مَساكِنِهِمْ﴾ زِيادَةُ إبانَةٍ، أيْ مَساكِنُ المُهْلَكِينَ دالَّةٌ عَلى حالِهِمْ، وأنْتُمْ تَمْشُونَ فِيها وتُبْصِرُونَها، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ أفَلا يَسْمَعُونَ﴾ اعْتُبِرَ فِيهِ السَّمْعُ، لِأنَّهم ما كانَ لَهم قُوَّةُ الإدْراكِ بِأنْفُسِهِمْ والِاسْتِنْباطُ بِعُقُولِهِمْ، فَقالَ: ﴿أفَلا يَسْمَعُونَ﴾ يَعْنِي لَيْسَ لَهم دَرَجَةُ المُتَعَلِّمِ الَّذِي يَسْمَعُ الشَّيْءَ ويَفْهَمُهُ.
السجدة 32:27
صفحة ١٦٣
﴿قُلْ يَوْمَ الفَتْحِ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إيمانُهم ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ ﴿فَأعْرِضْ عَنْهم وانْتَظِرْ إنَّهم مُنْتَظِرُونَ﴾
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا نَسُوقُ الماءَ إلى الأرْضِ الجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنهُ أنْعامُهم وأنْفُسُهم أفَلا يُبْصِرُونَ﴾ ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الفَتْحُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا نَسُوقُ الماءَ إلى الأرْضِ الجُرُزِ﴾ لَمّا بَيَّنَ الإهْلاكَ وهو الإماتَةُ بَيْنَ الإحْياءِ لِيَكُونَ إشارَةً إلى أنَّ الضُّرَّ والنَّفْعَ بِيَدِ اللَّهِ، والجُرُزُ الأرْضُ اليابِسَةُ الَّتِي لا نَباتَ فِيها، والجُرُزُ هو القَطْعُ، وكَأنَّها المَقْطُوعُ عَنْها الماءُ والنَّباتُ. ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنهُ أنْعامُهم وأنْفُسُهُمْ﴾ قَدَّمَ الأنْعامَ عَلى الأنْفُسِ في الأكْلِ لِوُجُوهٍ.
أحَدُها: أنَّ الزَّرْعَ أوَّلُ ما يَنْبُتُ يَصْلُحُ لِلدَّوابِّ ولا يَصْلُحُ لِلْإنْسانِ.
والثّانِي: وهو أنَّ الزَّرْعَ غِذاءُ الدَّوابِّ وهو لا بُدَّ مِنهُ، وأمّا غِذاءُ الإنْسانِ فَقَدْ يَحْصُلُ مِنَ الحَيَوانِ، فَكَأنَّ الحَيَوانَ يَأْكُلُ الزَّرْعَ، ثُمَّ الإنْسانُ يَأْكُلُ مِنَ الحَيَوانِ.
الثّالِثُ: إشارَةٌ إلى أنَّ الأكْلَ مِن ذَواتِ الدَّوابِّ، والإنْسانُ يَأْكُلُ بِحَيَوانِيَّتِهِ أوْ بِما فِيهِ مِنَ القُوَّةِ العَقْلِيَّةِ فَكَمالُهُ بِالعِبادَةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أفَلا يُبْصِرُونَ﴾ لِأنَّ الأمْرَ يُرى بِخِلافِ حالِ الماضِينَ، فَإنَّها كانَتْ مَسْمُوعَةً، ثُمَّ لَمّا بَيَّنَ الرِّسالَةَ والتَّوْحِيدَ بَيَّنَ الحَشْرَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الفَتْحُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ إلى آخِرِ السُّورَةِ، فَصارَ تَرْتِيبُ آخِرِ السُّورَةِ كَتَرْتِيبِ أوَّلِها حَيْثُ ذَكَرَ الرِّسالَةَ في أوَّلِها بِقَوْلِهِ: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا﴾ وفي آخِرِها بِقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ﴾ وذَكَرَ التَّوْحِيدَ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ [الأنعام: ١] وقَوْلِهِ: ﴿الَّذِي أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وبَدَأ خَلْقَ الإنْسانِ مِن طِينٍ﴾ وفي آخِرِ السُّورَةِ ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا نَسُوقُ﴾ وذَكَرَ الحَشْرَ في أوَّلِها بِقَوْلِهِ: ﴿وقالُوا أئِذا ضَلَلْنا في الأرْضِ﴾ وفي آخِرِها بِقَوْلِهِ: ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الفَتْحُ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ يَوْمَ الفَتْحِ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إيمانُهم ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ أيْ لا يُقْبَلُ إيمانُهم في تِلْكَ الحالَةِ؛ لِأنَّ الإيمانَ المَقْبُولَ هو الَّذِي يَكُونُ في دارِ الدُّنْيا. ﴿ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ أيْ لا يُمْهَلُونَ بِالإعادَةِ إلى الدُّنْيا لِيُؤْمِنُوا فَيُقْبَلُ إيمانُهم، ثُمَّ لَمّا بَيَّنَ المَسائِلَ وأتْقَنَ الدَّلائِلَ ولَمْ يَنْفَعْهم. قالَ تَعالى: ﴿فَأعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ أيْ لا تُناظِرْهم بَعْدَ ذَلِكَ وإنَّما الطَّرِيقُ بَعْدَ هَذا القِتالُ.
وقَوْلُهُ: ﴿وانْتَظِرْ إنَّهم مُنْتَظِرُونَ﴾ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا.
أحَدُها: وانْتَظِرْ هَلاكَهم فَإنَّهم يَنْتَظِرُونَ هَلاكَكَ، وعَلى هَذا فَرَّقَ بَيَّنَ الِانْتِظارَيْنِ، لِأنَّ انْتِظارَ النَّبِيِّ ﷺ بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى بَعْدَ وعْدِهِ، وانْتِظارَهم بِتَسْوِيلِ أنْفُسِهِمْ والتَّعْوِيلِ عَلى الشَّيْطانِ.
وثانِيها: وانْتَظِرِ النَّصْرَ مِنَ اللَّهِ فَإنَّهم يَنْتَظِرُونَ النَّصْرَ مِن آلِهَتِهِمْ وفَرَّقَ بَيْنَ الِانْتِظارَيْنِ.
وثالِثُها: وانْتَظِرْ عَذابَهم بِنَفْسِكَ فَإنَّهم يَنْتَظِرُونَهُ بِلَفْظِهِمُ اسْتِهْزاءً، كَما قالُوا: ﴿فَأْتِنا بِما تَعِدُنا﴾ [الأعراف: ٧٠] وقالُوا: ﴿مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [يونس: ٤٨] إلى غَيْرِ ذَلِكَ، واللَّهُ أعْلَمُ بِالصَّوابِ وإلَيْهِ المَرْجِعُ والمَآبُ، والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ وصَلاتُهُ عَلى سَيِّدِ المُرْسَلِينَ مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ وآلِهِ وصَحْبِهِ أجْمَعِينَ، وعَلى أزْواجِهِ الطّاهِراتِ أُمَّهاتِ المُؤْمِنِينَ.
السجدة 32:28
صفحة ١٦٣
﴿قُلْ يَوْمَ الفَتْحِ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إيمانُهم ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ ﴿فَأعْرِضْ عَنْهم وانْتَظِرْ إنَّهم مُنْتَظِرُونَ﴾
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا نَسُوقُ الماءَ إلى الأرْضِ الجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنهُ أنْعامُهم وأنْفُسُهم أفَلا يُبْصِرُونَ﴾ ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الفَتْحُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا نَسُوقُ الماءَ إلى الأرْضِ الجُرُزِ﴾ لَمّا بَيَّنَ الإهْلاكَ وهو الإماتَةُ بَيْنَ الإحْياءِ لِيَكُونَ إشارَةً إلى أنَّ الضُّرَّ والنَّفْعَ بِيَدِ اللَّهِ، والجُرُزُ الأرْضُ اليابِسَةُ الَّتِي لا نَباتَ فِيها، والجُرُزُ هو القَطْعُ، وكَأنَّها المَقْطُوعُ عَنْها الماءُ والنَّباتُ. ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنهُ أنْعامُهم وأنْفُسُهُمْ﴾ قَدَّمَ الأنْعامَ عَلى الأنْفُسِ في الأكْلِ لِوُجُوهٍ.
أحَدُها: أنَّ الزَّرْعَ أوَّلُ ما يَنْبُتُ يَصْلُحُ لِلدَّوابِّ ولا يَصْلُحُ لِلْإنْسانِ.
والثّانِي: وهو أنَّ الزَّرْعَ غِذاءُ الدَّوابِّ وهو لا بُدَّ مِنهُ، وأمّا غِذاءُ الإنْسانِ فَقَدْ يَحْصُلُ مِنَ الحَيَوانِ، فَكَأنَّ الحَيَوانَ يَأْكُلُ الزَّرْعَ، ثُمَّ الإنْسانُ يَأْكُلُ مِنَ الحَيَوانِ.
الثّالِثُ: إشارَةٌ إلى أنَّ الأكْلَ مِن ذَواتِ الدَّوابِّ، والإنْسانُ يَأْكُلُ بِحَيَوانِيَّتِهِ أوْ بِما فِيهِ مِنَ القُوَّةِ العَقْلِيَّةِ فَكَمالُهُ بِالعِبادَةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أفَلا يُبْصِرُونَ﴾ لِأنَّ الأمْرَ يُرى بِخِلافِ حالِ الماضِينَ، فَإنَّها كانَتْ مَسْمُوعَةً، ثُمَّ لَمّا بَيَّنَ الرِّسالَةَ والتَّوْحِيدَ بَيَّنَ الحَشْرَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الفَتْحُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ إلى آخِرِ السُّورَةِ، فَصارَ تَرْتِيبُ آخِرِ السُّورَةِ كَتَرْتِيبِ أوَّلِها حَيْثُ ذَكَرَ الرِّسالَةَ في أوَّلِها بِقَوْلِهِ: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا﴾ وفي آخِرِها بِقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ﴾ وذَكَرَ التَّوْحِيدَ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ [الأنعام: ١] وقَوْلِهِ: ﴿الَّذِي أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وبَدَأ خَلْقَ الإنْسانِ مِن طِينٍ﴾ وفي آخِرِ السُّورَةِ ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا نَسُوقُ﴾ وذَكَرَ الحَشْرَ في أوَّلِها بِقَوْلِهِ: ﴿وقالُوا أئِذا ضَلَلْنا في الأرْضِ﴾ وفي آخِرِها بِقَوْلِهِ: ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الفَتْحُ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ يَوْمَ الفَتْحِ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إيمانُهم ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ أيْ لا يُقْبَلُ إيمانُهم في تِلْكَ الحالَةِ؛ لِأنَّ الإيمانَ المَقْبُولَ هو الَّذِي يَكُونُ في دارِ الدُّنْيا. ﴿ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ أيْ لا يُمْهَلُونَ بِالإعادَةِ إلى الدُّنْيا لِيُؤْمِنُوا فَيُقْبَلُ إيمانُهم، ثُمَّ لَمّا بَيَّنَ المَسائِلَ وأتْقَنَ الدَّلائِلَ ولَمْ يَنْفَعْهم. قالَ تَعالى: ﴿فَأعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ أيْ لا تُناظِرْهم بَعْدَ ذَلِكَ وإنَّما الطَّرِيقُ بَعْدَ هَذا القِتالُ.
وقَوْلُهُ: ﴿وانْتَظِرْ إنَّهم مُنْتَظِرُونَ﴾ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا.
أحَدُها: وانْتَظِرْ هَلاكَهم فَإنَّهم يَنْتَظِرُونَ هَلاكَكَ، وعَلى هَذا فَرَّقَ بَيَّنَ الِانْتِظارَيْنِ، لِأنَّ انْتِظارَ النَّبِيِّ ﷺ بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى بَعْدَ وعْدِهِ، وانْتِظارَهم بِتَسْوِيلِ أنْفُسِهِمْ والتَّعْوِيلِ عَلى الشَّيْطانِ.
وثانِيها: وانْتَظِرِ النَّصْرَ مِنَ اللَّهِ فَإنَّهم يَنْتَظِرُونَ النَّصْرَ مِن آلِهَتِهِمْ وفَرَّقَ بَيْنَ الِانْتِظارَيْنِ.
وثالِثُها: وانْتَظِرْ عَذابَهم بِنَفْسِكَ فَإنَّهم يَنْتَظِرُونَهُ بِلَفْظِهِمُ اسْتِهْزاءً، كَما قالُوا: ﴿فَأْتِنا بِما تَعِدُنا﴾ [الأعراف: ٧٠] وقالُوا: ﴿مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [يونس: ٤٨] إلى غَيْرِ ذَلِكَ، واللَّهُ أعْلَمُ بِالصَّوابِ وإلَيْهِ المَرْجِعُ والمَآبُ، والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ وصَلاتُهُ عَلى سَيِّدِ المُرْسَلِينَ مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ وآلِهِ وصَحْبِهِ أجْمَعِينَ، وعَلى أزْواجِهِ الطّاهِراتِ أُمَّهاتِ المُؤْمِنِينَ.
السجدة 32:29
صفحة ١٦٣
﴿قُلْ يَوْمَ الفَتْحِ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إيمانُهم ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ ﴿فَأعْرِضْ عَنْهم وانْتَظِرْ إنَّهم مُنْتَظِرُونَ﴾
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا نَسُوقُ الماءَ إلى الأرْضِ الجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنهُ أنْعامُهم وأنْفُسُهم أفَلا يُبْصِرُونَ﴾ ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الفَتْحُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا نَسُوقُ الماءَ إلى الأرْضِ الجُرُزِ﴾ لَمّا بَيَّنَ الإهْلاكَ وهو الإماتَةُ بَيْنَ الإحْياءِ لِيَكُونَ إشارَةً إلى أنَّ الضُّرَّ والنَّفْعَ بِيَدِ اللَّهِ، والجُرُزُ الأرْضُ اليابِسَةُ الَّتِي لا نَباتَ فِيها، والجُرُزُ هو القَطْعُ، وكَأنَّها المَقْطُوعُ عَنْها الماءُ والنَّباتُ. ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنهُ أنْعامُهم وأنْفُسُهُمْ﴾ قَدَّمَ الأنْعامَ عَلى الأنْفُسِ في الأكْلِ لِوُجُوهٍ.
أحَدُها: أنَّ الزَّرْعَ أوَّلُ ما يَنْبُتُ يَصْلُحُ لِلدَّوابِّ ولا يَصْلُحُ لِلْإنْسانِ.
والثّانِي: وهو أنَّ الزَّرْعَ غِذاءُ الدَّوابِّ وهو لا بُدَّ مِنهُ، وأمّا غِذاءُ الإنْسانِ فَقَدْ يَحْصُلُ مِنَ الحَيَوانِ، فَكَأنَّ الحَيَوانَ يَأْكُلُ الزَّرْعَ، ثُمَّ الإنْسانُ يَأْكُلُ مِنَ الحَيَوانِ.
الثّالِثُ: إشارَةٌ إلى أنَّ الأكْلَ مِن ذَواتِ الدَّوابِّ، والإنْسانُ يَأْكُلُ بِحَيَوانِيَّتِهِ أوْ بِما فِيهِ مِنَ القُوَّةِ العَقْلِيَّةِ فَكَمالُهُ بِالعِبادَةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أفَلا يُبْصِرُونَ﴾ لِأنَّ الأمْرَ يُرى بِخِلافِ حالِ الماضِينَ، فَإنَّها كانَتْ مَسْمُوعَةً، ثُمَّ لَمّا بَيَّنَ الرِّسالَةَ والتَّوْحِيدَ بَيَّنَ الحَشْرَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الفَتْحُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ إلى آخِرِ السُّورَةِ، فَصارَ تَرْتِيبُ آخِرِ السُّورَةِ كَتَرْتِيبِ أوَّلِها حَيْثُ ذَكَرَ الرِّسالَةَ في أوَّلِها بِقَوْلِهِ: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا﴾ وفي آخِرِها بِقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ﴾ وذَكَرَ التَّوْحِيدَ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ [الأنعام: ١] وقَوْلِهِ: ﴿الَّذِي أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وبَدَأ خَلْقَ الإنْسانِ مِن طِينٍ﴾ وفي آخِرِ السُّورَةِ ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا نَسُوقُ﴾ وذَكَرَ الحَشْرَ في أوَّلِها بِقَوْلِهِ: ﴿وقالُوا أئِذا ضَلَلْنا في الأرْضِ﴾ وفي آخِرِها بِقَوْلِهِ: ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الفَتْحُ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ يَوْمَ الفَتْحِ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إيمانُهم ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ أيْ لا يُقْبَلُ إيمانُهم في تِلْكَ الحالَةِ؛ لِأنَّ الإيمانَ المَقْبُولَ هو الَّذِي يَكُونُ في دارِ الدُّنْيا. ﴿ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ أيْ لا يُمْهَلُونَ بِالإعادَةِ إلى الدُّنْيا لِيُؤْمِنُوا فَيُقْبَلُ إيمانُهم، ثُمَّ لَمّا بَيَّنَ المَسائِلَ وأتْقَنَ الدَّلائِلَ ولَمْ يَنْفَعْهم. قالَ تَعالى: ﴿فَأعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ أيْ لا تُناظِرْهم بَعْدَ ذَلِكَ وإنَّما الطَّرِيقُ بَعْدَ هَذا القِتالُ.
وقَوْلُهُ: ﴿وانْتَظِرْ إنَّهم مُنْتَظِرُونَ﴾ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا.
أحَدُها: وانْتَظِرْ هَلاكَهم فَإنَّهم يَنْتَظِرُونَ هَلاكَكَ، وعَلى هَذا فَرَّقَ بَيَّنَ الِانْتِظارَيْنِ، لِأنَّ انْتِظارَ النَّبِيِّ ﷺ بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى بَعْدَ وعْدِهِ، وانْتِظارَهم بِتَسْوِيلِ أنْفُسِهِمْ والتَّعْوِيلِ عَلى الشَّيْطانِ.
وثانِيها: وانْتَظِرِ النَّصْرَ مِنَ اللَّهِ فَإنَّهم يَنْتَظِرُونَ النَّصْرَ مِن آلِهَتِهِمْ وفَرَّقَ بَيْنَ الِانْتِظارَيْنِ.
وثالِثُها: وانْتَظِرْ عَذابَهم بِنَفْسِكَ فَإنَّهم يَنْتَظِرُونَهُ بِلَفْظِهِمُ اسْتِهْزاءً، كَما قالُوا: ﴿فَأْتِنا بِما تَعِدُنا﴾ [الأعراف: ٧٠] وقالُوا: ﴿مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [يونس: ٤٨] إلى غَيْرِ ذَلِكَ، واللَّهُ أعْلَمُ بِالصَّوابِ وإلَيْهِ المَرْجِعُ والمَآبُ، والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ وصَلاتُهُ عَلى سَيِّدِ المُرْسَلِينَ مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ وآلِهِ وصَحْبِهِ أجْمَعِينَ، وعَلى أزْواجِهِ الطّاهِراتِ أُمَّهاتِ المُؤْمِنِينَ.
السجدة 32:30
صفحة ١٦٣
﴿قُلْ يَوْمَ الفَتْحِ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إيمانُهم ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ ﴿فَأعْرِضْ عَنْهم وانْتَظِرْ إنَّهم مُنْتَظِرُونَ﴾
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا نَسُوقُ الماءَ إلى الأرْضِ الجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنهُ أنْعامُهم وأنْفُسُهم أفَلا يُبْصِرُونَ﴾ ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الفَتْحُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا نَسُوقُ الماءَ إلى الأرْضِ الجُرُزِ﴾ لَمّا بَيَّنَ الإهْلاكَ وهو الإماتَةُ بَيْنَ الإحْياءِ لِيَكُونَ إشارَةً إلى أنَّ الضُّرَّ والنَّفْعَ بِيَدِ اللَّهِ، والجُرُزُ الأرْضُ اليابِسَةُ الَّتِي لا نَباتَ فِيها، والجُرُزُ هو القَطْعُ، وكَأنَّها المَقْطُوعُ عَنْها الماءُ والنَّباتُ. ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنهُ أنْعامُهم وأنْفُسُهُمْ﴾ قَدَّمَ الأنْعامَ عَلى الأنْفُسِ في الأكْلِ لِوُجُوهٍ.
أحَدُها: أنَّ الزَّرْعَ أوَّلُ ما يَنْبُتُ يَصْلُحُ لِلدَّوابِّ ولا يَصْلُحُ لِلْإنْسانِ.
والثّانِي: وهو أنَّ الزَّرْعَ غِذاءُ الدَّوابِّ وهو لا بُدَّ مِنهُ، وأمّا غِذاءُ الإنْسانِ فَقَدْ يَحْصُلُ مِنَ الحَيَوانِ، فَكَأنَّ الحَيَوانَ يَأْكُلُ الزَّرْعَ، ثُمَّ الإنْسانُ يَأْكُلُ مِنَ الحَيَوانِ.
الثّالِثُ: إشارَةٌ إلى أنَّ الأكْلَ مِن ذَواتِ الدَّوابِّ، والإنْسانُ يَأْكُلُ بِحَيَوانِيَّتِهِ أوْ بِما فِيهِ مِنَ القُوَّةِ العَقْلِيَّةِ فَكَمالُهُ بِالعِبادَةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أفَلا يُبْصِرُونَ﴾ لِأنَّ الأمْرَ يُرى بِخِلافِ حالِ الماضِينَ، فَإنَّها كانَتْ مَسْمُوعَةً، ثُمَّ لَمّا بَيَّنَ الرِّسالَةَ والتَّوْحِيدَ بَيَّنَ الحَشْرَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الفَتْحُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ إلى آخِرِ السُّورَةِ، فَصارَ تَرْتِيبُ آخِرِ السُّورَةِ كَتَرْتِيبِ أوَّلِها حَيْثُ ذَكَرَ الرِّسالَةَ في أوَّلِها بِقَوْلِهِ: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا﴾ وفي آخِرِها بِقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ﴾ وذَكَرَ التَّوْحِيدَ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ [الأنعام: ١] وقَوْلِهِ: ﴿الَّذِي أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وبَدَأ خَلْقَ الإنْسانِ مِن طِينٍ﴾ وفي آخِرِ السُّورَةِ ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا نَسُوقُ﴾ وذَكَرَ الحَشْرَ في أوَّلِها بِقَوْلِهِ: ﴿وقالُوا أئِذا ضَلَلْنا في الأرْضِ﴾ وفي آخِرِها بِقَوْلِهِ: ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الفَتْحُ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ يَوْمَ الفَتْحِ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إيمانُهم ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ أيْ لا يُقْبَلُ إيمانُهم في تِلْكَ الحالَةِ؛ لِأنَّ الإيمانَ المَقْبُولَ هو الَّذِي يَكُونُ في دارِ الدُّنْيا. ﴿ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ أيْ لا يُمْهَلُونَ بِالإعادَةِ إلى الدُّنْيا لِيُؤْمِنُوا فَيُقْبَلُ إيمانُهم، ثُمَّ لَمّا بَيَّنَ المَسائِلَ وأتْقَنَ الدَّلائِلَ ولَمْ يَنْفَعْهم. قالَ تَعالى: ﴿فَأعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ أيْ لا تُناظِرْهم بَعْدَ ذَلِكَ وإنَّما الطَّرِيقُ بَعْدَ هَذا القِتالُ.
وقَوْلُهُ: ﴿وانْتَظِرْ إنَّهم مُنْتَظِرُونَ﴾ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا.
أحَدُها: وانْتَظِرْ هَلاكَهم فَإنَّهم يَنْتَظِرُونَ هَلاكَكَ، وعَلى هَذا فَرَّقَ بَيَّنَ الِانْتِظارَيْنِ، لِأنَّ انْتِظارَ النَّبِيِّ ﷺ بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى بَعْدَ وعْدِهِ، وانْتِظارَهم بِتَسْوِيلِ أنْفُسِهِمْ والتَّعْوِيلِ عَلى الشَّيْطانِ.
وثانِيها: وانْتَظِرِ النَّصْرَ مِنَ اللَّهِ فَإنَّهم يَنْتَظِرُونَ النَّصْرَ مِن آلِهَتِهِمْ وفَرَّقَ بَيْنَ الِانْتِظارَيْنِ.
وثالِثُها: وانْتَظِرْ عَذابَهم بِنَفْسِكَ فَإنَّهم يَنْتَظِرُونَهُ بِلَفْظِهِمُ اسْتِهْزاءً، كَما قالُوا: ﴿فَأْتِنا بِما تَعِدُنا﴾ [الأعراف: ٧٠] وقالُوا: ﴿مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [يونس: ٤٨] إلى غَيْرِ ذَلِكَ، واللَّهُ أعْلَمُ بِالصَّوابِ وإلَيْهِ المَرْجِعُ والمَآبُ، والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ وصَلاتُهُ عَلى سَيِّدِ المُرْسَلِينَ مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ وآلِهِ وصَحْبِهِ أجْمَعِينَ، وعَلى أزْواجِهِ الطّاهِراتِ أُمَّهاتِ المُؤْمِنِينَ.