Tafsir Al-Razi — يس 36:81 – الصافات 37:55
المحتويات
- يس 36:81
- يس 36:82
- يس 36:83
- الصافات 37:1
- الصافات 37:2
- الصافات 37:3
- الصافات 37:4
- الصافات 37:5
- الصافات 37:6
- الصافات 37:7
- الصافات 37:8
- الصافات 37:9
- الصافات 37:10
- الصافات 37:11
- الصافات 37:12
- الصافات 37:13
- الصافات 37:14
- الصافات 37:15
- الصافات 37:16
- الصافات 37:17
- الصافات 37:18
- الصافات 37:19
- الصافات 37:20
- الصافات 37:21
- الصافات 37:22
- الصافات 37:23
- الصافات 37:24
- الصافات 37:25
- الصافات 37:26
- الصافات 37:27
- الصافات 37:28
- الصافات 37:29
- الصافات 37:30
- الصافات 37:31
- الصافات 37:32
- الصافات 37:33
- الصافات 37:34
- الصافات 37:35
- الصافات 37:36
- الصافات 37:37
- الصافات 37:38
- الصافات 37:39
- الصافات 37:40
- الصافات 37:41
- الصافات 37:42
- الصافات 37:43
- الصافات 37:44
- الصافات 37:45
- الصافات 37:46
- الصافات 37:47
- الصافات 37:48
- الصافات 37:49
- الصافات 37:50
- الصافات 37:51
- الصافات 37:52
- الصافات 37:53
- الصافات 37:54
- الصافات 37:55
يس 36:81
فَقالَ تَعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكم مِنَ الشَّجَرِ الأخْضَرِ نارًا فَإذا أنْتُمْ مِنهُ تُوقِدُونَ﴾ .
ووَجْهُهُ هو أنَّ الإنْسانَ مُشْتَمِلٌ عَلى جِسْمٍ يُحِسُّ بِهِ وحَياةٍ سارِيَةٍ فِيهِ، وهي كَحَرارَةٍ جارِيَةٍ فِيهِ فَإنِ اسْتَبْعَدْتُمْ وُجُودَ حَرارَةٍ وحَياةٍ فِيهِ فَلا تَسْتَبْعِدُوهُ، فَإنَّ النّارَ في الشَّجَرِ الأخْضَرِ الَّذِي يَقْطُرُ مِنهُ الماءُ أعْجَبُ وأغْرَبُ وأنْتُمْ تَحْضُرُونَ حَيْثُ مِنهُ تُوقِدُونَ، وإنِ اسْتَبْعَدْتُمْ خَلْقَ جِسْمِهِ فَخَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ أكْبَرُ مِن خَلْقِ أنْفُسِكم فَلا تَسْتَبْعِدُوهُ فَإنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ فَبانَ لُطْفُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكم مِنَ الشَّجَرِ الأخْضَرِ نارًا فَإذا أنْتُمْ مِنهُ تُوقِدُونَ﴾ .
صفحة ٩٧
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ قُدِّمَ ذِكْرُ النّارِ في الشَّجَرِ عَلى ذِكْرِ الخَلْقِ الأكْبَرِ؛ لِأنَّ اسْتِبْعادَهم كانَ بِالصَّرِيحِ واقِعًا عَلى الإحْياءِ حَيْثُ قالُوا: ﴿مَن يُحْيِي العِظامَ﴾ ولَمْ يَقُولُوا مَن يَجْمَعُها ويُؤَلِّفُها والنّارُ في الشَّجَرِ تُناسِبُ الحَياةَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلى وهو الخَلّاقُ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّهُ في القُدْرَةِ كامِلٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿العَلِيمُ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ عِلْمَهُ شامِلٌ.
ثُمَّ أكَّدَ بَيانَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما أمْرُهُ إذا أرادَ شَيْئًا أنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ وهَذا إظْهارُ فَسادِ تَمْثِيلِهِمْ وتَشْبِيهِهِمْ وضَرْبِ مَثَلِهِمْ، حَيْثُ ضَرَبُوا لِلَّهِ مَثَلًا وقالُوا: لا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى مِثْلِ هَذا؛ قِياسًا لِلْغائِبِ عَلى الشّاهِدِ، فَقالَ في الشّاهِدِ: الخَلْقُ يَكُونُ بِالآلاتِ البَدَنِيَّةِ والِانْتِقالاتِ المَكانِيَّةِ ولا يَقَعُ إلّا في الأزْمِنَةِ المُمْتَدَّةِ واللَّهُ يَخْلُقُ بِكُنْ فَيَكُونُ، فَكَيْفَ تَضْرِبُونَ المَثَلَ الأدْنى ولَهُ المَثَلُ الأعْلى مِن أنْ يُدْرَكَ. وفي الآيَةِ مَباحِثُ:
البَحْثُ الأوَّلُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: هَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّ المَعْدُومَ شَيْءٌ؛ لِأنَّهُ يَقُولُ لِما أرادَهُ: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ فَهو قَبْلَ القَوْلِ لَهُ كُنْ لا يَكُونُ وهو في تِلْكَ الحالَةِ شَيْءٌ حَيْثُ قالَ: ﴿إنَّما أمْرُهُ إذا أرادَ شَيْئًا﴾ والجَوابُ أنَّ هَذا بَيانٌ لِعَدَمِ تَخَلُّفِ الشَّيْءِ عَنْ تَعَلُّقِ إرادَتِهِ بِهِ، فَقَوْلُهُ: ﴿إذا﴾ مَفْهُومُ الحِينِ والوَقْتِ، والآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّ المُرادَ شَيْءٌ حِينَ تُعَلَّقُ الإرادَةُ بِهِ ولا دَلالَةَ فِيها عَلى أنَّهُ شَيْءٌ قَبْلَ ما إذا أرادَ وحِينَئِذٍ لا يَرِدُ ما ذَكَرُوهُ؛ لِأنَّ الشَّيْءَ حِينَ تُعَلَّقُ الإرادَةُ بِهِ شَيْءٌ مَوْجُودٌ لا يُرِيدُهُ في زَمانٍ ويَكُونُ في زَمانٍ آخَرَ، بَلْ يَكُونُ في زَمانِ تَعَلُّقِ الإرادَةِ، فَإذا الشَّيْءُ هو المَوْجُودُ لا المَعْدُومُ لا يُقالُ: كَيْفَ يُرِيدُ المَوْجُودَ وهو مَوْجُودٌ فَيَكُونُ ذَلِكَ إيجادًا لِمَوْجُودٍ ؟ نَقُولُ: هَذا الإشْكالُ مِن بابِ المَعْقُولاتِ ونُجِيبُ عَنْهُ في مَوْضِعِهِ، وإنَّما غَرَضُنا إبْطالُ تَمَسُّكِهِمْ بِاللَّفْظِ، وقَدْ ظَهَرَ أنَّ المَفْهُومَ مِن هَذا الكَلامِ أنَّهُ يُرِيدُ ما هو شَيْءٌ إذا أرادَ، ولَيْسَ في الآيَةِ أنَّهُ إذا أرادَ ما كانَ شَيْئًا قَبْلَ تَعَلُّقِ الإرادَةِ.
البَحْثُ الثّانِي: قالَتِ الكَرّامِيَّةُ: لِلَّهِ إرادَةٌ مُحْدَثَةٌ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذا أرادَ﴾ ووَجْهُ دَلالَتِهِ مِن أمْرَيْنِ:
أحَدُهُما: مِن حَيْثُ إنَّهُ جَعَلَ لِلْإرادَةِ زَمانًا، فَإنَّ إذا ظَرْفُ زَمانٍ، وكُلُّ ما هو زَمانِيٌّ فَهو حادِثٌ.
وثانِيهِما: هو أنَّهُ تَعالى جَعَلَ إرادَتَهُ مُتَّصِلَةً بِقَوْلِهِ: ﴿كُنْ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿كُنْ﴾ مُتَّصِلٌ بِكَوْنِ الشَّيْءِ ووُقُوعِهِ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿فَيَكُونُ﴾ بِفاءِ التَّعْقِيبِ لَكِنَّ الكَوْنَ حادِثٌ، وما قَبْلَ الحادِثِ مُتَّصِلٌ بِهِ حادِثٌ.
والفَلاسِفَةُ وافَقُوهم في هَذا الإشْكالِ مِن وجْهٍ آخَرَ، فَقالُوا: إرادَتُهُ مُتَّصِلَةٌ بِأمْرِهِ وأمْرُهُ مُتَّصِلٌ بِالكَوْنِ، ولَكِنَّ إرادَتَهُ قَدِيمَةٌ، فالكَوْنُ قَدِيمٌ، فَمُكَوِّناتُ اللَّهِ قَدِيمَةٌ، وجَوابُ الضّالِّينَ مِنَ التَّمَسُّكِ بِاللَّفْظِ هو أنَّ المَفْهُومَ مِن قَوْلِهِ: ﴿إذا أرادَ﴾ مِن حَيْثُ اللُّغَةُ إذا تَعَلَّقَتْ إرادَتُهُ بِالشَّيْءِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿أرادَ﴾ فِعْلٌ ماضٍ، وإذا دَخَلَتْ كَلِمَةُ إذا عَلى الماضِي تَجْعَلُهُ في مَعْنى المُسْتَقْبَلِ، ونَحْنُ نَقُولُ: إنَّ مَفْهُومَ قَوْلِنا أرادَ ويُرِيدُ وعَلِمَ ويَعْلَمُ يَجُوزُ أنْ يَدْخُلَهُ الحُدُوثُ، وإنَّما نَقُولُ لِلَّهِ تَعالى صِفَةٌ قَدِيمَةٌ هي الإرادَةُ، وتِلْكَ الصِّفَةُ إذا تَعَلَّقَتْ بِشَيْءٍ نَقُولُ: أرادَ ويُرِيدُ، وقَبْلَ التَّعَلُّقِ لا نَقُولُ أرادَ، وإنَّما نَقُولُ: لَهُ إرادَةٌ وهو بِها مُرِيدٌ، ولْنَضْرِبْ مِثالًا لِلْأفْهامِ الضَّعِيفَةِ لِيَزُولَ ما يَقَعُ في الأوْهامِ السَّخِيفَةِ، فَنَقُولُ: قَوْلُنا: فُلانٌ خَيّاطٌ، يُرادُ بِهِ أنَّ لَهُ صَنْعَةَ الخِياطَةِ، فَلَوْ لَمْ يَصِحَّ مِنّا أنْ نَقُولَ: إنَّهُ خاطَ ثَوْبَ زَيْدٍ أوْ يَخِيطُ ثَوْبَ زَيْدٍ، لا يَلْزَمُ مِنهُ نَفْيُ صِحَّةِ قَوْلِنا: إنَّهُ خَيّاطٌ بِمَعْنى أنَّ لَهُ صَنْعَةً بِها يُطْلَقُ عَلَيْهِ عِنْدَ اسْتِعْمالِهِ الصَّنْعَةَ في ثَوْبِ زَيْدٍ في زَمانٍ ماضٍ خاطَ ثَوْبَهُ، وبِها يُطْلَقُ عَلَيْهِ عِنْدَ اسْتِعْمالِهِ تِلْكَ الصَّنْعَةَ في ثَوْبِ زَيْدٍ في زَمانٍ مُسْتَقْبَلٍ يَخِيطُ ثَوْبَهُ، ولِلَّهِ المَثَلُ الأعْلى فافْهَمْ أنَّ الإرادَةَ أمْرٌ ثابِتٌ إنْ تَعَلَّقَتْ بِوُجُودِ شَيْءٍ نَقُولُ: أرادَ وُجُودَهُ أيْ: يُرِيدُ وُجُودَهُ، وإذا عَلِمْتَ هَذا فَهو في المَعْنى مِن
صفحة ٩٨
كَلامِ أهْلِ السُّنَّةِ: تَعَلُّقُ الإرادَةِ حادِثٌ وخَرَجَ بِما ذَكَرْنا جَوابُ الفَرِيقَيْنِ.
البَحْثُ الثّالِثُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ والكَرّامِيَّةُ كَلامُ اللَّهِ حَرْفٌ وصَوْتٌ وحادِثٌ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿كُنْ﴾ كَلامٌ، (وكُنْ) مِن حَرْفَيْنِ، والحَرْفُ مِنَ الصَّوْتِ، ويَلْزَمُ مِن هَذا أنَّ كَلامَهُ مِنَ الحُرُوفِ والأصْواتِ، وأمّا أنَّهُ حادِثٌ فَلِما تَقَدَّمَ مِنَ الوَجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ زَمانِيٌّ.
والثّانِي: أنَّهُ مُتَّصِلٌ بِالكَوْنِ والكَوْنُ حادِثٌ.
والجَوابُ يُعْلَمُ مِمّا ذَكَرْنا، وذَلِكَ لِأنَّ الكَلامَ صِفَةٌ إذا تَعَلَّقَتْ بِشَيْءٍ تَقُولُ: قالَ ويَقُولُ فَتَعَلُّقُ الخِطابِ حادِثٌ والكَلامُ قَدِيمٌ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما أمْرُهُ إذا أرادَ شَيْئًا أنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ فِيهِ تَعَلُّقٌ وإضافَةٌ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿يَقُولَ لَهُ﴾ بِاللّامِ لِلْإضافَةِ صَرِيحٌ في التَّعَلُّقِ ونَحْنُ نَقُولُ: إنَّ قَوْلَهُ لِلشَّيْءِ الحادِثِ حادِثٌ؛ لِأنَّهُ مَعَ التَّعَلُّقِ، وإنَّما القَدِيمُ قَوْلُهُ وكَلامُهُ لا مَعَ التَّعَلُّقِ، وكُلُّ قَدِيمٍ وحادِثٍ إذا نَظَرْتَ إلى مَجْمُوعِهِما لا تَجِدُهُما في الأزَلِ وإنَّما تَجِدُهُما جَمِيعًا فِيما لا يَزالُ فَلَهُ مَعْنى الحُدُوثِ، ولَكِنَّ الإطْلاقَ مُوهِمٌ، فَتَفَكَّرْ جِدًّا ولا تَقُلِ: المَجْمُوعُ حادِثٌ مِن غَيْرِ بَيانِ مُرادِكَ، فَإنَّ ذَلِكَ قَدْ يُفْهَمُ مِنهُ أنَّ الجَمِيعَ حادِثٌ، بَلْ حَقِّقِ الإشارَةَ وجَوِّدِ العِبادَةَ، وقُلْ: أحَدُ طَرَفَيِ المَجْمُوعِ قَدِيمٌ والآخَرُ حادِثٌ ولَمْ يَكُنِ الآخَرُ مَعَهُ في الأزَلِ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿كُنْ﴾ مِنَ الحُرُوفِ، نَقُولُ: الكَلامُ يُطْلَقُ عَلى مَعْنَيَيْنِ:
أحَدُهُما: ما عِنْدَ المُتَكَلِّمِ.
والثّانِي: ما عِنْدَ السّامِعِ، ثُمَّ إنَّ أحَدَهُما يُطْلَقُ عَلَيْهِ أنَّهُ هو الآخَرُ ومِن هَذا يَظْهَرُ فَوائِدُ.
أمّا بَيانُ ما ذَكَرْناهُ، فَلِأنَّ الإنْسانَ إذا قالَ لِغَيْرِهِ: عِنْدِي كَلامٌ أُرِيدُ أنْ أقُولَهُ لَكَ غَدًا، ثُمَّ إنَّ السّامِعَ أتاهُ غَدًا وسَألَهُ عَنِ الكَلامِ الَّذِي كانَ عِنْدَهُ أمْسِ، فَيَقُولُ لَهُ: إنِّي أُرِيدُ أنْ تَحْضُرَ عِنْدِي اليَوْمَ، فَهَذا الكَلامُ أطْلَقَ عَلَيْهِ المُتَكَلِّمُ أنَّهُ كانَ عِنْدَكَ أمْسِ ولَمْ يَكُنْ عِنْدَ السّامِعِ، ثُمَّ حَصَلَ عِنْدَ السّامِعِ بِحَرْفٍ وصَوْتٍ، ويُطْلِقُ عَلَيْهِ أنَّ هَذا الَّذِي سَمِعْتَ هو الَّذِي كانَ عِنْدِي، ويَعْلَمُ كُلُّ عاقِلٍ أنَّ الصَّوْتَ لَمْ يَكُنْ عِنْدَ المُتَكَلِّمِ أمْسِ ولا الحَرْفَ؛ لِأنَّ الكَلامَ الَّذِي عِنْدَهُ جازَ أنْ يَذْكُرَهُ بِالعَرَبِيَّةِ فَيَكُونُ لَهُ حُرُوفٌ، وجازَ أنْ يَذْكُرَهُ بِالفارِسِيَّةِ فَيَكُونُ لَهُ حُرُوفٌ أُخَرُ، والكَلامُ الَّذِي عِنْدَهُ ووَعَدَ بِهِ واحِدٌ والحُرُوفُ مُخْتَلِفَةٌ كَثِيرَةٌ، فَإذا مَعْنى قَوْلِهِ هَذا ما كانَ عِنْدِي، هو أنَّ هَذا يُؤَدِّي إلَيْكَ ما كانَ عِنْدِي، وهَذا أيْضًا مَجازٌ؛ لِأنَّ الَّذِي عِنْدَهُ ما انْتَقَلَ إلَيْهِ، وإنَّما عَلِمَ ذَلِكَ وحَصَلَ عِنْدَهُ بِهِ عِلْمٌ مُسْتَفادٌ مِنَ السَّمْعِ أوِ البَصَرِ في القِراءَةِ والكِتابَةِ أوِ الإشارَةِ، إذا عَلِمْتَ هَذا فالكَلامُ الَّذِي عِنْدَ اللَّهِ وصِفَةٌ لَهُ لَيْسَ بِحَرْفٍ عَلى ما بانَ، والَّذِي يَحْصُلُ عِنْدَ السّامِعِ حَرْفٌ وصَوْتٌ، وأحَدُهُما الآخَرُ لِما ذَكَرْنا مِنَ المَعْنى وتَوَسُّعِ الإطْلاقِ، فَإذا قالَ تَعالى: ﴿يَقُولَ لَهُ﴾ حَصَلَ قائِلٌ وسامِعٌ، فاعْتَبَرَها مِن جانِبِ السّامِعِ لِكَوْنِ وُجُودِ الفِعْلِ مِنَ السّامِعِ لِذَلِكَ القَوْلِ، فَعَبَّرَ عَنْهُ بِالكافِ والنُّونِ الَّذِي يَحْدُثُ عِنْدَ السّامِعِ ويَحْدُثُ بِهِ المَطْلُوبُ.
يس 36:82
فَقالَ تَعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكم مِنَ الشَّجَرِ الأخْضَرِ نارًا فَإذا أنْتُمْ مِنهُ تُوقِدُونَ﴾ .
ووَجْهُهُ هو أنَّ الإنْسانَ مُشْتَمِلٌ عَلى جِسْمٍ يُحِسُّ بِهِ وحَياةٍ سارِيَةٍ فِيهِ، وهي كَحَرارَةٍ جارِيَةٍ فِيهِ فَإنِ اسْتَبْعَدْتُمْ وُجُودَ حَرارَةٍ وحَياةٍ فِيهِ فَلا تَسْتَبْعِدُوهُ، فَإنَّ النّارَ في الشَّجَرِ الأخْضَرِ الَّذِي يَقْطُرُ مِنهُ الماءُ أعْجَبُ وأغْرَبُ وأنْتُمْ تَحْضُرُونَ حَيْثُ مِنهُ تُوقِدُونَ، وإنِ اسْتَبْعَدْتُمْ خَلْقَ جِسْمِهِ فَخَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ أكْبَرُ مِن خَلْقِ أنْفُسِكم فَلا تَسْتَبْعِدُوهُ فَإنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ فَبانَ لُطْفُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكم مِنَ الشَّجَرِ الأخْضَرِ نارًا فَإذا أنْتُمْ مِنهُ تُوقِدُونَ﴾ .
صفحة ٩٧
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ قُدِّمَ ذِكْرُ النّارِ في الشَّجَرِ عَلى ذِكْرِ الخَلْقِ الأكْبَرِ؛ لِأنَّ اسْتِبْعادَهم كانَ بِالصَّرِيحِ واقِعًا عَلى الإحْياءِ حَيْثُ قالُوا: ﴿مَن يُحْيِي العِظامَ﴾ ولَمْ يَقُولُوا مَن يَجْمَعُها ويُؤَلِّفُها والنّارُ في الشَّجَرِ تُناسِبُ الحَياةَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلى وهو الخَلّاقُ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّهُ في القُدْرَةِ كامِلٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿العَلِيمُ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ عِلْمَهُ شامِلٌ.
ثُمَّ أكَّدَ بَيانَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما أمْرُهُ إذا أرادَ شَيْئًا أنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ وهَذا إظْهارُ فَسادِ تَمْثِيلِهِمْ وتَشْبِيهِهِمْ وضَرْبِ مَثَلِهِمْ، حَيْثُ ضَرَبُوا لِلَّهِ مَثَلًا وقالُوا: لا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى مِثْلِ هَذا؛ قِياسًا لِلْغائِبِ عَلى الشّاهِدِ، فَقالَ في الشّاهِدِ: الخَلْقُ يَكُونُ بِالآلاتِ البَدَنِيَّةِ والِانْتِقالاتِ المَكانِيَّةِ ولا يَقَعُ إلّا في الأزْمِنَةِ المُمْتَدَّةِ واللَّهُ يَخْلُقُ بِكُنْ فَيَكُونُ، فَكَيْفَ تَضْرِبُونَ المَثَلَ الأدْنى ولَهُ المَثَلُ الأعْلى مِن أنْ يُدْرَكَ. وفي الآيَةِ مَباحِثُ:
البَحْثُ الأوَّلُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: هَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّ المَعْدُومَ شَيْءٌ؛ لِأنَّهُ يَقُولُ لِما أرادَهُ: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ فَهو قَبْلَ القَوْلِ لَهُ كُنْ لا يَكُونُ وهو في تِلْكَ الحالَةِ شَيْءٌ حَيْثُ قالَ: ﴿إنَّما أمْرُهُ إذا أرادَ شَيْئًا﴾ والجَوابُ أنَّ هَذا بَيانٌ لِعَدَمِ تَخَلُّفِ الشَّيْءِ عَنْ تَعَلُّقِ إرادَتِهِ بِهِ، فَقَوْلُهُ: ﴿إذا﴾ مَفْهُومُ الحِينِ والوَقْتِ، والآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّ المُرادَ شَيْءٌ حِينَ تُعَلَّقُ الإرادَةُ بِهِ ولا دَلالَةَ فِيها عَلى أنَّهُ شَيْءٌ قَبْلَ ما إذا أرادَ وحِينَئِذٍ لا يَرِدُ ما ذَكَرُوهُ؛ لِأنَّ الشَّيْءَ حِينَ تُعَلَّقُ الإرادَةُ بِهِ شَيْءٌ مَوْجُودٌ لا يُرِيدُهُ في زَمانٍ ويَكُونُ في زَمانٍ آخَرَ، بَلْ يَكُونُ في زَمانِ تَعَلُّقِ الإرادَةِ، فَإذا الشَّيْءُ هو المَوْجُودُ لا المَعْدُومُ لا يُقالُ: كَيْفَ يُرِيدُ المَوْجُودَ وهو مَوْجُودٌ فَيَكُونُ ذَلِكَ إيجادًا لِمَوْجُودٍ ؟ نَقُولُ: هَذا الإشْكالُ مِن بابِ المَعْقُولاتِ ونُجِيبُ عَنْهُ في مَوْضِعِهِ، وإنَّما غَرَضُنا إبْطالُ تَمَسُّكِهِمْ بِاللَّفْظِ، وقَدْ ظَهَرَ أنَّ المَفْهُومَ مِن هَذا الكَلامِ أنَّهُ يُرِيدُ ما هو شَيْءٌ إذا أرادَ، ولَيْسَ في الآيَةِ أنَّهُ إذا أرادَ ما كانَ شَيْئًا قَبْلَ تَعَلُّقِ الإرادَةِ.
البَحْثُ الثّانِي: قالَتِ الكَرّامِيَّةُ: لِلَّهِ إرادَةٌ مُحْدَثَةٌ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذا أرادَ﴾ ووَجْهُ دَلالَتِهِ مِن أمْرَيْنِ:
أحَدُهُما: مِن حَيْثُ إنَّهُ جَعَلَ لِلْإرادَةِ زَمانًا، فَإنَّ إذا ظَرْفُ زَمانٍ، وكُلُّ ما هو زَمانِيٌّ فَهو حادِثٌ.
وثانِيهِما: هو أنَّهُ تَعالى جَعَلَ إرادَتَهُ مُتَّصِلَةً بِقَوْلِهِ: ﴿كُنْ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿كُنْ﴾ مُتَّصِلٌ بِكَوْنِ الشَّيْءِ ووُقُوعِهِ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿فَيَكُونُ﴾ بِفاءِ التَّعْقِيبِ لَكِنَّ الكَوْنَ حادِثٌ، وما قَبْلَ الحادِثِ مُتَّصِلٌ بِهِ حادِثٌ.
والفَلاسِفَةُ وافَقُوهم في هَذا الإشْكالِ مِن وجْهٍ آخَرَ، فَقالُوا: إرادَتُهُ مُتَّصِلَةٌ بِأمْرِهِ وأمْرُهُ مُتَّصِلٌ بِالكَوْنِ، ولَكِنَّ إرادَتَهُ قَدِيمَةٌ، فالكَوْنُ قَدِيمٌ، فَمُكَوِّناتُ اللَّهِ قَدِيمَةٌ، وجَوابُ الضّالِّينَ مِنَ التَّمَسُّكِ بِاللَّفْظِ هو أنَّ المَفْهُومَ مِن قَوْلِهِ: ﴿إذا أرادَ﴾ مِن حَيْثُ اللُّغَةُ إذا تَعَلَّقَتْ إرادَتُهُ بِالشَّيْءِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿أرادَ﴾ فِعْلٌ ماضٍ، وإذا دَخَلَتْ كَلِمَةُ إذا عَلى الماضِي تَجْعَلُهُ في مَعْنى المُسْتَقْبَلِ، ونَحْنُ نَقُولُ: إنَّ مَفْهُومَ قَوْلِنا أرادَ ويُرِيدُ وعَلِمَ ويَعْلَمُ يَجُوزُ أنْ يَدْخُلَهُ الحُدُوثُ، وإنَّما نَقُولُ لِلَّهِ تَعالى صِفَةٌ قَدِيمَةٌ هي الإرادَةُ، وتِلْكَ الصِّفَةُ إذا تَعَلَّقَتْ بِشَيْءٍ نَقُولُ: أرادَ ويُرِيدُ، وقَبْلَ التَّعَلُّقِ لا نَقُولُ أرادَ، وإنَّما نَقُولُ: لَهُ إرادَةٌ وهو بِها مُرِيدٌ، ولْنَضْرِبْ مِثالًا لِلْأفْهامِ الضَّعِيفَةِ لِيَزُولَ ما يَقَعُ في الأوْهامِ السَّخِيفَةِ، فَنَقُولُ: قَوْلُنا: فُلانٌ خَيّاطٌ، يُرادُ بِهِ أنَّ لَهُ صَنْعَةَ الخِياطَةِ، فَلَوْ لَمْ يَصِحَّ مِنّا أنْ نَقُولَ: إنَّهُ خاطَ ثَوْبَ زَيْدٍ أوْ يَخِيطُ ثَوْبَ زَيْدٍ، لا يَلْزَمُ مِنهُ نَفْيُ صِحَّةِ قَوْلِنا: إنَّهُ خَيّاطٌ بِمَعْنى أنَّ لَهُ صَنْعَةً بِها يُطْلَقُ عَلَيْهِ عِنْدَ اسْتِعْمالِهِ الصَّنْعَةَ في ثَوْبِ زَيْدٍ في زَمانٍ ماضٍ خاطَ ثَوْبَهُ، وبِها يُطْلَقُ عَلَيْهِ عِنْدَ اسْتِعْمالِهِ تِلْكَ الصَّنْعَةَ في ثَوْبِ زَيْدٍ في زَمانٍ مُسْتَقْبَلٍ يَخِيطُ ثَوْبَهُ، ولِلَّهِ المَثَلُ الأعْلى فافْهَمْ أنَّ الإرادَةَ أمْرٌ ثابِتٌ إنْ تَعَلَّقَتْ بِوُجُودِ شَيْءٍ نَقُولُ: أرادَ وُجُودَهُ أيْ: يُرِيدُ وُجُودَهُ، وإذا عَلِمْتَ هَذا فَهو في المَعْنى مِن
صفحة ٩٨
كَلامِ أهْلِ السُّنَّةِ: تَعَلُّقُ الإرادَةِ حادِثٌ وخَرَجَ بِما ذَكَرْنا جَوابُ الفَرِيقَيْنِ.
البَحْثُ الثّالِثُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ والكَرّامِيَّةُ كَلامُ اللَّهِ حَرْفٌ وصَوْتٌ وحادِثٌ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿كُنْ﴾ كَلامٌ، (وكُنْ) مِن حَرْفَيْنِ، والحَرْفُ مِنَ الصَّوْتِ، ويَلْزَمُ مِن هَذا أنَّ كَلامَهُ مِنَ الحُرُوفِ والأصْواتِ، وأمّا أنَّهُ حادِثٌ فَلِما تَقَدَّمَ مِنَ الوَجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ زَمانِيٌّ.
والثّانِي: أنَّهُ مُتَّصِلٌ بِالكَوْنِ والكَوْنُ حادِثٌ.
والجَوابُ يُعْلَمُ مِمّا ذَكَرْنا، وذَلِكَ لِأنَّ الكَلامَ صِفَةٌ إذا تَعَلَّقَتْ بِشَيْءٍ تَقُولُ: قالَ ويَقُولُ فَتَعَلُّقُ الخِطابِ حادِثٌ والكَلامُ قَدِيمٌ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما أمْرُهُ إذا أرادَ شَيْئًا أنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ فِيهِ تَعَلُّقٌ وإضافَةٌ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿يَقُولَ لَهُ﴾ بِاللّامِ لِلْإضافَةِ صَرِيحٌ في التَّعَلُّقِ ونَحْنُ نَقُولُ: إنَّ قَوْلَهُ لِلشَّيْءِ الحادِثِ حادِثٌ؛ لِأنَّهُ مَعَ التَّعَلُّقِ، وإنَّما القَدِيمُ قَوْلُهُ وكَلامُهُ لا مَعَ التَّعَلُّقِ، وكُلُّ قَدِيمٍ وحادِثٍ إذا نَظَرْتَ إلى مَجْمُوعِهِما لا تَجِدُهُما في الأزَلِ وإنَّما تَجِدُهُما جَمِيعًا فِيما لا يَزالُ فَلَهُ مَعْنى الحُدُوثِ، ولَكِنَّ الإطْلاقَ مُوهِمٌ، فَتَفَكَّرْ جِدًّا ولا تَقُلِ: المَجْمُوعُ حادِثٌ مِن غَيْرِ بَيانِ مُرادِكَ، فَإنَّ ذَلِكَ قَدْ يُفْهَمُ مِنهُ أنَّ الجَمِيعَ حادِثٌ، بَلْ حَقِّقِ الإشارَةَ وجَوِّدِ العِبادَةَ، وقُلْ: أحَدُ طَرَفَيِ المَجْمُوعِ قَدِيمٌ والآخَرُ حادِثٌ ولَمْ يَكُنِ الآخَرُ مَعَهُ في الأزَلِ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿كُنْ﴾ مِنَ الحُرُوفِ، نَقُولُ: الكَلامُ يُطْلَقُ عَلى مَعْنَيَيْنِ:
أحَدُهُما: ما عِنْدَ المُتَكَلِّمِ.
والثّانِي: ما عِنْدَ السّامِعِ، ثُمَّ إنَّ أحَدَهُما يُطْلَقُ عَلَيْهِ أنَّهُ هو الآخَرُ ومِن هَذا يَظْهَرُ فَوائِدُ.
أمّا بَيانُ ما ذَكَرْناهُ، فَلِأنَّ الإنْسانَ إذا قالَ لِغَيْرِهِ: عِنْدِي كَلامٌ أُرِيدُ أنْ أقُولَهُ لَكَ غَدًا، ثُمَّ إنَّ السّامِعَ أتاهُ غَدًا وسَألَهُ عَنِ الكَلامِ الَّذِي كانَ عِنْدَهُ أمْسِ، فَيَقُولُ لَهُ: إنِّي أُرِيدُ أنْ تَحْضُرَ عِنْدِي اليَوْمَ، فَهَذا الكَلامُ أطْلَقَ عَلَيْهِ المُتَكَلِّمُ أنَّهُ كانَ عِنْدَكَ أمْسِ ولَمْ يَكُنْ عِنْدَ السّامِعِ، ثُمَّ حَصَلَ عِنْدَ السّامِعِ بِحَرْفٍ وصَوْتٍ، ويُطْلِقُ عَلَيْهِ أنَّ هَذا الَّذِي سَمِعْتَ هو الَّذِي كانَ عِنْدِي، ويَعْلَمُ كُلُّ عاقِلٍ أنَّ الصَّوْتَ لَمْ يَكُنْ عِنْدَ المُتَكَلِّمِ أمْسِ ولا الحَرْفَ؛ لِأنَّ الكَلامَ الَّذِي عِنْدَهُ جازَ أنْ يَذْكُرَهُ بِالعَرَبِيَّةِ فَيَكُونُ لَهُ حُرُوفٌ، وجازَ أنْ يَذْكُرَهُ بِالفارِسِيَّةِ فَيَكُونُ لَهُ حُرُوفٌ أُخَرُ، والكَلامُ الَّذِي عِنْدَهُ ووَعَدَ بِهِ واحِدٌ والحُرُوفُ مُخْتَلِفَةٌ كَثِيرَةٌ، فَإذا مَعْنى قَوْلِهِ هَذا ما كانَ عِنْدِي، هو أنَّ هَذا يُؤَدِّي إلَيْكَ ما كانَ عِنْدِي، وهَذا أيْضًا مَجازٌ؛ لِأنَّ الَّذِي عِنْدَهُ ما انْتَقَلَ إلَيْهِ، وإنَّما عَلِمَ ذَلِكَ وحَصَلَ عِنْدَهُ بِهِ عِلْمٌ مُسْتَفادٌ مِنَ السَّمْعِ أوِ البَصَرِ في القِراءَةِ والكِتابَةِ أوِ الإشارَةِ، إذا عَلِمْتَ هَذا فالكَلامُ الَّذِي عِنْدَ اللَّهِ وصِفَةٌ لَهُ لَيْسَ بِحَرْفٍ عَلى ما بانَ، والَّذِي يَحْصُلُ عِنْدَ السّامِعِ حَرْفٌ وصَوْتٌ، وأحَدُهُما الآخَرُ لِما ذَكَرْنا مِنَ المَعْنى وتَوَسُّعِ الإطْلاقِ، فَإذا قالَ تَعالى: ﴿يَقُولَ لَهُ﴾ حَصَلَ قائِلٌ وسامِعٌ، فاعْتَبَرَها مِن جانِبِ السّامِعِ لِكَوْنِ وُجُودِ الفِعْلِ مِنَ السّامِعِ لِذَلِكَ القَوْلِ، فَعَبَّرَ عَنْهُ بِالكافِ والنُّونِ الَّذِي يَحْدُثُ عِنْدَ السّامِعِ ويَحْدُثُ بِهِ المَطْلُوبُ.
يس 36:83
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ .
لَمّا تَقَرَّرَتِ الوَحْدانِيَّةُ والإعادَةُ وأنْكَرُوها وقالُوا بِأنَّ غَيْرَ اللَّهِ آلِهَةٌ، قالَ تَعالى، وتَنَزَّهَ عَنِ الشَّرِيكِ: ﴿الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ وكُلُّ شَيْءٍ مِلْكُهُ فَكَيْفَ يَكُونُ المَمْلُوكُ لِلْمالِكِ شَرِيكًا، وقالُوا: بِأنَّ الإعادَةَ لا تَكُونُ، فَقالَ: ﴿وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ رَدًّا عَلَيْهِمْ في الأمْرَيْنِ، وقَدْ ذَكَرْنا ما يَتَعَلَّقُ بِالنَّحْوِ في قَوْلِهِ: سُبْحانَ، أيْ سَبِّحُوا تَسْبِيحَ الَّذِي أوْ سَبِّحْ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ تَسْبِيحَ الَّذِي ﴿فَسُبْحانَ﴾ عَلَمٌ لِلتَّسْبِيحِ، والتَّسْبِيحُ هو التَّنْزِيهُ، والمَلَكُوتُ مُبالَغَةٌ في المُلْكِ كالرَّحَمُوتِ والرَّهَبُوتِ، وهو فَعَلُولٌ أوْ فَعَلُوتٌ فِيهِ كَلامٌ، ومَن قالَ هو فَعَلُولٌ
صفحة ٩٩
جَعَلُوهُ مُلْحَقًا بِهِ.
ثُمَّ إنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «إنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ قَلْبًا وقَلْبُ القُرْآنِ يس» وقالَ الغَزالِيُّ فِيهِ: إنَّ ذَلِكَ لِأنَّ الإيمانَ صِحَّتُهُ بِالِاعْتِرافِ بِالحَشْرِ، والحَشْرُ مُقَرَّرٌ في هَذِهِ السُّورَةِ بِأبْلَغِ وجْهٍ، فَجَعَلَهُ قَلْبَ القُرْآنِ لِذَلِكَ، واسْتَحْسَنَهُ فَخْرُ الدِّينِ الرّازِيُّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى - سَمِعْتُهُ يَتَرَحَّمُ عَلَيْهِ بِسَبَبِ هَذا الكَلامِ.
ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ بِأنَّ هَذِهِ السُّورَةَ لَيْسَ فِيها إلّا تَقْرِيرُ الأُصُولِ الثَّلاثَةِ بِأقْوى البَراهِينِ فابْتِداؤُها بَيانُ الرِّسالَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ [يس: ٣] ودَلِيلُها ما قَدَّمَهُ عَلَيْها بِقَوْلِهِ: ﴿والقُرْآنِ الحَكِيمِ﴾ [يس: ٢] وما أخَّرَهُ عَنْها بِقَوْلِهِ: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا﴾ وانْتِهاؤُها بَيانُ الوَحْدانِيَّةِ والحَشْرِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ إشارَةٌ إلى التَّوْحِيدِ، وقَوْلِهِ: ﴿وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ إشارَةٌ إلى الحَشْرِ، ولَيْسَ في هَذِهِ السُّورَةِ إلّا هَذِهِ الأُصُولُ الثَّلاثَةُ ودَلائِلُهُ وثَوابُهُ، ومَن حَصَّلَ مِنَ القُرْآنِ هَذا القَدْرَ فَقَدْ حَصَّلَ نَصِيبَ قَلْبِهِ وهو التَّصْدِيقُ الَّذِي بِالجَنانِ.
وأمّا وظِيفَةُ اللِّسانِ الَّتِي هي القَوْلُ، فَكَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ [الأحزاب: ٧٠] وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن أحْسَنُ قَوْلًا﴾ [فصلت: ٣٣] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بِالقَوْلِ الثّابِتِ﴾ [إبراهيم: ٢٧] ﴿وألْزَمَهم كَلِمَةَ التَّقْوى﴾ [الفتح: ٢٦] و﴿إلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠] إلى غَيْرِ هَذِهِ مِمّا في غَيْرِ هَذِهِ السُّورَةِ، ووَظِيفَةُ الأرْكانِ وهو العَمَلُ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ﴾ [الحج: ٧٨] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَقْرَبُوا الزِّنا﴾ [الإسراء: ٣٢] . . ﴿ولا تَقْتُلُوا النَّفْسَ﴾ [الأنعام: ١٥١] وقَوْلِهِ: ﴿واعْمَلُوا صالِحًا﴾ [المؤمنون: ٥١] وأيْضًا مِمّا في غَيْرِ هَذِهِ السُّورَةِ، فَلَمّا لَمْ يَكُنْ فِيها إلّا أعْمالُ القَلْبِ لا غَيْرُ سَمّاها قَلْبًا، ولِهَذا ورَدَ في الأخْبارِ أنَّ «النَّبِيَّ ﷺ نَدَبَ إلى تَلْقِينِ يس لِمَن دَنا مِنهُ المَوْتُ، وقِراءَتِها عِنْدَ رَأْسِهِ»؛ لِأنَّ في ذَلِكَ الوَقْتِ يَكُونُ اللِّسانُ ضَعِيفَ القُوَّةِ، والأعْضاءُ الظّاهِرَةُ ساقِطَةَ البِنْيَةِ، لَكِنَّ القَلْبَ يَكُونُ قَدْ أقْبَلَ عَلى اللَّهِ ورَجَعَ عَنْ كُلِّ ما سِواهُ، فَيُقْرَأُ عِنْدَ رَأْسِهِ ما يُزادُ بِهِ قُوَّةُ قَلْبِهِ، ويُشْتَدُّ تَصْدِيقُهُ بِالأُصُولِ الثَّلاثَةِ وهي شِفاءٌ لَهُ، وأسْرارُ كَلامِ اللَّهِ تَعالى وكَلامِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لا يَعْلَمُها إلّا اللَّهُ ورَسُولُهُ، وما ذَكَرْناهُ ظَنٌّ لا نَقْطَعُ بِهِ، ونَرْجُو اللَّهَ أنْ يَرْحَمَنا وهو أرْحَمُ الرّاحِمِينَ.
تَمَّ تَفْسِيرُ هَذِهِ السُّورَةِ، والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ، وصَلّى اللَّهُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ وعَلى آلِهِ الطّاهِرِينَ.
الصافات 37:1
صفحة ١٠٠
(سُورَةُ الصّافّاتِ)
وآياتُها ثِنْتانِ وثَمانُونَ ومِائَةٌ
﷽
﴿والصّافّاتِ صَفًّا﴾ ﴿فالزّاجِراتِ زَجْرًا﴾ ﴿فالتّالِياتِ ذِكْرًا﴾ ﴿إنَّ إلَهَكم لَواحِدٌ﴾ ﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما ورَبُّ المَشارِقِ﴾ .
﷽
﴿والصّافّاتِ صَفًّا﴾ ﴿فالزّاجِراتِ زَجْرًا﴾ ﴿فالتّالِياتِ ذِكْرًا﴾ ﴿إنَّ إلَهَكم لَواحِدٌ﴾ ﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما ورَبُّ المَشارِقِ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ أبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ: ”والصّافّاتِ صَّفًّا“ بِإدْغامِ التّاءِ فِيما يَلِيهِ، وكَذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿فالزّاجِراتِ زَجْرًا﴾ ﴿فالتّالِياتِ ذِكْرًا﴾ والباقُونَ بِالإظْهارِ، وقالَ الواحِدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: إدْغامُ التّاءِ في الصّادِ حَسَنٌ لِمُقارَبَةِ الحَرْفَيْنِ، ألا تَرى أنَّهُما مِن طَرَفِ اللِّسانِ وأُصُولِ الثَّنايا يُسْمَعانِ في الهَمْسِ، والمُدْغَمُ فِيهِ يَزِيدُ عَلى المُدْغَمِ بِالإطْباقِ والصَّفِيرِ، وإدْغامُ الأنْقَصِ في الأزْيَدِ حَسَنٌ، ولا يَجُوزُ أنْ يُدْغَمَ الأزْيَدُ صَوْتًا في الأنْقَصِ، وأيْضًا إدْغامُ التّاءِ في الزّايِ في قَوْلِهِ: ﴿فالزّاجِراتِ زَجْرًا﴾ حَسَنٌ؛ لِأنَّ التّاءَ مَهْمُوسَةٌ والزّايَ مَجْهُورَةٌ، وفِيها زِيادَةُ صَفِيرٍ كَما كانَ في الصّادِ، وأيْضًا حَسُنَ إدْغامُ التّاءِ في الذّالِ في قَوْلِهِ: ﴿فالتّالِياتِ ذِكْرًا﴾ لِاتِّفاقِهِما في أنَّهُما مِن طَرَفِ اللِّسانِ وأُصُولِ الثَّنايا، وأمّا مَن قَرَأ بِالإظْهارِ وتَرَكَ الإدْغامَ فَذَلِكَ لِاخْتِلافِ المَخارِجِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في هَذِهِ الأشْياءِ الثَّلاثَةِ المَذْكُورَةِ المُقْسَمِ بِها يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ صِفاتٍ ثَلاثَةً لِمَوْصُوفٍ واحِدٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ أشْياءَ ثَلاثَةً مُتَبايِنَةً، أمّا عَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ فَفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّها صِفاتُ المَلائِكَةِ، وتَقْدِيرُهُ أنَّ المَلائِكَةَ يَقِفُونَ صُفُوفًا. إمّا في السَّماواتِ لِأداءِ العِباداتِ كَما أخْبَرَ اللَّهُ عَنْهم أنَّهم قالُوا: ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ﴾ [الصافات: ١٦٥] وقِيلَ: إنَّهم يَصِفُّونَ أجْنِحَتَهم في الهَواءِ يَقِفُونَ مُنْتَظِرِينَ وُصُولَ أمْرِ اللَّهِ إلَيْهِمْ، ويُحْتَمَلُ أيْضًا أنْ يُقالَ مَعْنى كَوْنِهِمْ صُفُوفًا أنَّ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهم مَرْتَبَةً مُعَيَّنَةً ودَرَجَةً مُعَيَّنَةً في الشَّرَفِ والفَضِيلَةِ أوْ في الذّاتِ والعَلِيَّةِ، وتِلْكَ الدَّرَجَةُ المُرَتَّبَةُ باقِيَةٌ غَيْرُ مُتَغَيِّرَةٍ وذَلِكَ يُشْبِهُ الصُّفُوفَ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿فالزّاجِراتِ زَجْرًا﴾ فَقالَ اللَّيْثُ: يُقالُ زَجَرْتُ البَعِيرَ فَأنا أزْجُرُهُ زَجْرًا إذا حَثَثْتَهُ لِيَمْضِيَ،
صفحة ١٠١
وزَجَرْتُ فُلانًا عَنْ سُوءٍ فانْزَجَرَ أيْ نَهَيْتُهُ فانْتَهى، فَعَلى هَذا الزَّجْرِ لِلْبَعِيرِ كالحَثِّ ولِلْإنْسانِ كالنَّهْيِ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ في وصْفِ المَلائِكَةِ بِالزَّجْرِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ المَلائِكَةَ الَّذِينَ وُكِّلُوا بِالسَّحابِ يَزْجُرُونَها بِمَعْنى أنَّهم يَأْتُونَ بِها مِن مَوْضِعٍ إلى مَوْضِعٍ.
الثّانِي: المُرادُ مِنهُ أنَّ المَلائِكَةَ لَهم تَأْثِيراتٌ في قُلُوبِ بَنِي آدَمَ عَلى سَبِيلِ الإلْهاماتِ فَهم يَزْجُرُونَهم عَنِ المَعاصِي زَجْرًا.
الثّالِثُ: لَعَلَّ المَلائِكَةَ أيْضًا يَزْجُرُونَ الشَّياطِينَ عَنِ التَّعَرُّضِ لِبَنِي آدَمَ بِالشَّرِّ والإيذاءِ، وأقُولُ: قَدْ ثَبَتَ في العُلُومِ العَقْلِيَّةِ أنَّ المَوْجُوداتِ عَلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ: مُؤَثِّرٌ لا يَقْبَلُ الأثَرَ وهو اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى وهو أشْرَفُ المَوْجُوداتِ، ومُتَأثِّرٌ لا يُؤَثِّرُ وهم عالَمُ الأجْسامِ وهو أخَسُّ المَوْجُوداتِ، ومَوْجُودٌ يُؤَثِّرُ في شَيْءٍ ويَتَأثَّرُ عَنْ شَيْءٍ آخَرَ وهو عالَمُ الأرْواحِ، وذَلِكَ لِأنَّها تَقْبَلُ الأثَرَ عَنْ عالَمِ كِبْرِياءِ اللَّهِ، ثُمَّ إنَّها تُؤَثِّرُ في عالَمِ الأجْسامِ، واعْلَمْ أنَّ الجِهَةَ الَّتِي بِاعْتِبارِها تَقْبَلُ الأثَرَ مِن عالَمِ كِبْرِياءِ اللَّهِ غَيْرُ الجِهَةِ الَّتِي بِاعْتِبارِها تَسْتَوْلِي عَلى عالَمِ الأجْسامِ وتَقْدِرُ عَلى التَّصَرُّفِ فِيها، وقَوْلُهُ: ﴿فالتّالِياتِ ذِكْرًا﴾ إشارَةٌ إلى الأشْرَفِ مِنَ الجِهَةِ الَّتِي بِاعْتِبارِها تَقْوى عَلى التَّأْثِيرِ في عالَمِ الأجْسامِ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَقَوْلُهُ: ﴿والصّافّاتِ صَفًّا﴾ إشارَةٌ إلى وُقُوفِها صَفًّا صَفًّا في مَقامِ العُبُودِيَّةِ والطّاعَةِ بِالخُشُوعِ والخُضُوعِ، وهي الجِهَةُ الَّتِي بِاعْتِبارِها تَقْبَلُ تِلْكَ الجَواهِرُ القُدْسِيَّةُ أصْنافَ الأنْوارِ الإلَهِيَّةِ والكَمالاتِ الصَّمَدِيَّةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فالزّاجِراتِ زَجْرًا﴾ إشارَةٌ إلى تَأْثِيرِ الجَواهِرِ المَلَكِيَّةِ في تَنْوِيرِ الأرْواحِ القُدْسِيَّةِ البَشَرِيَّةِ وإخْراجِها مِنَ القُوَّةِ إلى الفِعْلِ، وذَلِكَ لِما ثَبَتَ أنَّ هَذِهِ الأرْواحَ النُّطْقِيَّةَ البَشَرِيَّةَ بِالنِّسْبَةِ إلى أرْواحِ المَلائِكَةِ كالقَطْرَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى البَحْرِ وكالشُّعْلَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى الشَّمْسِ، وأنَّ هَذِهِ الأرْواحَ البَشَرِيَّةَ بِالنِّسْبَةِ إلى أرْواحِ المَلائِكَةِ كالقَطْرَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى البَحْرِ وكالشُّعْلَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى الشَّمْسِ، وأنَّ هَذِهِ الأرْواحَ البَشَرِيَّةَ إنَّما تَنْتَقِلُ مِنَ القَوْلِ إلى الفِعْلِ في المَعارِفِ الإلَهِيَّةِ والكَمالاتِ الرُّوحانِيَّةِ بِتَأْثِيراتِ جَواهِرِ المَلائِكَةِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُنَزِّلُ المَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِن أمْرِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ [النحل: ٢] وقَوْلُهُ: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ ﴿عَلى قَلْبِكَ﴾ [الشعراء: ١٩٣] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا﴾ [المرسلات: ٥] إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ في هَذِهِ الآيَةِ دَقِيقَةٌ أُخْرى وهي أنَّ الكَمالَ المُطْلَقَ لِلشَّيْءِ إنَّما يَحْصُلُ إذا كانَ تامًّا وفَوْقَ التّامِّ، والمُرادُ بِكَوْنِهِ تامًّا أنْ تَحْصُلَ جَمِيعُ الكَمالاتِ اللّائِقَةِ بِهِ حُصُولًا بِالفِعْلِ، والمُرادُ بِكَوْنِهِ فَوْقَ التّامِّ أنْ تَفِيضَ مِنهُ أصْنافُ الكَمالاتِ والسَّعاداتِ عَلى غَيْرِهِ، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ كَوْنَهُ كامِلًا في ذاتِهِ مُقَدَّمٌ عَلى كَوْنِهِ مُكَمِّلًا لِغَيْرِهِ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَقَوْلُهُ: ﴿والصّافّاتِ صَفًّا﴾ إشارَةٌ إلى اسْتِكْمالِ جَواهِرِ المَلائِكَةِ في ذَواتِها وقْتَ وُقُوفِها في مَواقِفِ العُبُودِيَّةِ وصُفُوفِ الخِدْمَةِ والطّاعَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فالزّاجِراتِ زَجْرًا﴾ إشارَةٌ إلى كَيْفِيَّةِ تَأْثِيراتِها في إزالَةِ ما لا يَنْبَغِي عَنْ جَواهِرِ الأرْواحِ البَشَرِيَّةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فالتّالِياتِ ذِكْرًا﴾ إشارَةٌ إلى كَيْفِيَّةِ تَأْثِيراتِها في إفاضَةِ الجَلايا القُدْسِيَّةِ والأنْوارِ الإلَهِيَّةِ عَلى الأرْواحِ النّاطِقَةِ البَشَرِيَّةِ، فَهَذِهِ مُناسَباتٌ عَقْلِيَّةٌ واعْتِباراتٌ حَقِيقِيَّةٌ تَنْطَبِقُ عَلَيْها هَذِهِ الألْفاظُ الثَّلاثَةُ، قالَ أبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ: لا يَجُوزُ حَمْلُ هَذِهِ الألْفاظِ عَلى المَلائِكَةِ؛ لِأنَّها مُشْعِرَةٌ بِالتَّأْنِيثِ والمَلائِكَةُ مُبَرَّءُونَ عَنْ هَذِهِ الصِّفَةِ، والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ الصّافّاتِ جَمْعُ الجَمْعِ، فَإنَّهُ يُقالُ: جَماعَةٌ صافَّةٌ ثُمَّ يُجْمَعُ عَلى صافّاتٍ.
والثّانِي: أنَّهم مُبَرَّءُونَ عَنِ التَّأْنِيثِ المَعْنَوِيِّ، أمّا التَّأْنِيثُ في اللَّفْظِ فَلا، وكَيْفَ وهم يُسَمَّوْنَ بِالمَلائِكَةِ مَعَ أنَّ عَلامَةَ التَّأْنِيثِ حاصِلَةٌ في هَذا الوَجْهِ.
الثّانِي: أنْ تُحْمَلَ هَذِهِ الصّافّاتُ عَلى النُّفُوسِ البَشَرِيَّةِ الطّاهِرَةِ المُقَدَّسَةِ المُقْبِلَةِ عَلى عُبُودِيَّةِ اللَّهِ - تَعالى -الَّذِينَ هم مَلائِكَةُ الأرْضِ وبَيانُهُ مِن وجْهَيْنِ:
الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿والصّافّاتِ صَفًّا﴾ المُرادُ الصُّفُوفُ الحاصِلَةُ عِنْدَ أداءِ الصَّلَواتِ بِالجَماعَةِ
صفحة ١٠٢
وقَوْلُهُ: ﴿فالزّاجِراتِ زَجْرًا﴾ إشارَةٌ إلى قِراءَةِ: أعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ كَأنَّهم بِسَبَبِ قِراءَةِ هَذِهِ الكَلِمَةِ يَزْجُرُونَ الشَّياطِينَ عَنْ إلْقاءِ الوَساوِسِ في قُلُوبِهِمْ في أثْناءِ الصَّلاةِ، وقَوْلُهُ: ﴿فالتّالِياتِ ذِكْرًا﴾ إشارَةٌ إلى قِراءَةِ القُرْآنِ في الصَّلاةِ وقِيلَ: ﴿فالزّاجِراتِ زَجْرًا﴾ إشارَةٌ إلى رَفْعِ الصَّوْتِ بِالقِراءَةِ كَأنَّهُ يَزْجُرُ الشَّيْطانَ بِواسِطَةِ رَفْعِ الصَّوْتِ، رُوِيَ «أنَّهُ ﷺ طافَ عَلى بُيُوتِ أصْحابِهِ في اللَّيالِي، فَسَمِعَ أبا بَكْرٍ يَقْرَأُ بِصَوْتٍ مُنْخَفِضٍ، وسَمِعَ عُمَرَ يَقْرَأُ بِصَوْتٍ رَفِيعٍ، فَسَألَ أبا بَكْرٍ: لِمَ تَقْرَأُ هَكَذا ؟ فَقالَ: المَعْبُودُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ، وسَألَ عُمَرَ: لِمَ تَقْرَأُ هَكَذا ؟ فَقالَ: أُوقِظُ الوَسْنانَ وأطْرُدُ الشَّيْطانَ» .
الوَجْهُ الثّانِي: في تَفْسِيرِ هَذِهِ الألْفاظِ الثَّلاثِ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿والصّافّاتِ صَفًّا﴾ الصُّفُوفُ الحاصِلَةُ مِنَ العُلَماءِ المُحِقِّينَ الَّذِينَ يَدْعُونَ إلى دِينِ اللَّهِ تَعالى، والمُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فالزّاجِراتِ زَجْرًا﴾ اشْتِغالُهم بِالزَّجْرِ عَنِ الشُّبُهاتِ والشَّهَواتِ، والمُرادُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فالتّالِياتِ ذِكْرًا﴾ اشْتِغالُهم بِالدَّعْوَةِ إلى دِينِ اللَّهِ والتَّرْغِيبِ في العَمَلِ بِشَرائِعِ اللَّهِ.
الوَجْهُ الثّالِثُ: في تَفْسِيرِ هَذِهِ الألْفاظِ الثَّلاثَةِ أنْ نَحْمِلَها عَلى أحْوالِ الغُزاةِ والمُجاهِدِينَ في سَبِيلِ اللَّهِ فَقَوْلُهُ: ﴿والصّافّاتِ صَفًّا﴾ المُرادُ مِنهُ صُفُوفُ القِتالِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ في سَبِيلِهِ صَفًّا﴾ [الصف: ٤] وأمّا (الزّاجِراتِ زَجْرًا) فالزَّجْرَةُ والصَّيْحَةُ سَواءٌ، والمُرادُ مِنهُ رَفْعُ الصَّوْتِ بِزَجْرِ الخَيْلِ، وأمّا (التّالِياتِ ذِكْرًا) فالمُرادُ اشْتِغالُ الغُزاةِ وقْتَ شُرُوعِهِمْ في مُحارَبَةِ العَدُوِّ بِقِراءَةِ القُرْآنِ وذِكْرِ اللَّهِ تَعالى بِالتَّهْلِيلِ والتَّقْدِيسِ.
الصافات 37:2
صفحة ١٠٠
(سُورَةُ الصّافّاتِ)
وآياتُها ثِنْتانِ وثَمانُونَ ومِائَةٌ
﷽
﴿والصّافّاتِ صَفًّا﴾ ﴿فالزّاجِراتِ زَجْرًا﴾ ﴿فالتّالِياتِ ذِكْرًا﴾ ﴿إنَّ إلَهَكم لَواحِدٌ﴾ ﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما ورَبُّ المَشارِقِ﴾ .
﷽
﴿والصّافّاتِ صَفًّا﴾ ﴿فالزّاجِراتِ زَجْرًا﴾ ﴿فالتّالِياتِ ذِكْرًا﴾ ﴿إنَّ إلَهَكم لَواحِدٌ﴾ ﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما ورَبُّ المَشارِقِ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ أبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ: ”والصّافّاتِ صَّفًّا“ بِإدْغامِ التّاءِ فِيما يَلِيهِ، وكَذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿فالزّاجِراتِ زَجْرًا﴾ ﴿فالتّالِياتِ ذِكْرًا﴾ والباقُونَ بِالإظْهارِ، وقالَ الواحِدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: إدْغامُ التّاءِ في الصّادِ حَسَنٌ لِمُقارَبَةِ الحَرْفَيْنِ، ألا تَرى أنَّهُما مِن طَرَفِ اللِّسانِ وأُصُولِ الثَّنايا يُسْمَعانِ في الهَمْسِ، والمُدْغَمُ فِيهِ يَزِيدُ عَلى المُدْغَمِ بِالإطْباقِ والصَّفِيرِ، وإدْغامُ الأنْقَصِ في الأزْيَدِ حَسَنٌ، ولا يَجُوزُ أنْ يُدْغَمَ الأزْيَدُ صَوْتًا في الأنْقَصِ، وأيْضًا إدْغامُ التّاءِ في الزّايِ في قَوْلِهِ: ﴿فالزّاجِراتِ زَجْرًا﴾ حَسَنٌ؛ لِأنَّ التّاءَ مَهْمُوسَةٌ والزّايَ مَجْهُورَةٌ، وفِيها زِيادَةُ صَفِيرٍ كَما كانَ في الصّادِ، وأيْضًا حَسُنَ إدْغامُ التّاءِ في الذّالِ في قَوْلِهِ: ﴿فالتّالِياتِ ذِكْرًا﴾ لِاتِّفاقِهِما في أنَّهُما مِن طَرَفِ اللِّسانِ وأُصُولِ الثَّنايا، وأمّا مَن قَرَأ بِالإظْهارِ وتَرَكَ الإدْغامَ فَذَلِكَ لِاخْتِلافِ المَخارِجِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في هَذِهِ الأشْياءِ الثَّلاثَةِ المَذْكُورَةِ المُقْسَمِ بِها يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ صِفاتٍ ثَلاثَةً لِمَوْصُوفٍ واحِدٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ أشْياءَ ثَلاثَةً مُتَبايِنَةً، أمّا عَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ فَفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّها صِفاتُ المَلائِكَةِ، وتَقْدِيرُهُ أنَّ المَلائِكَةَ يَقِفُونَ صُفُوفًا. إمّا في السَّماواتِ لِأداءِ العِباداتِ كَما أخْبَرَ اللَّهُ عَنْهم أنَّهم قالُوا: ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ﴾ [الصافات: ١٦٥] وقِيلَ: إنَّهم يَصِفُّونَ أجْنِحَتَهم في الهَواءِ يَقِفُونَ مُنْتَظِرِينَ وُصُولَ أمْرِ اللَّهِ إلَيْهِمْ، ويُحْتَمَلُ أيْضًا أنْ يُقالَ مَعْنى كَوْنِهِمْ صُفُوفًا أنَّ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهم مَرْتَبَةً مُعَيَّنَةً ودَرَجَةً مُعَيَّنَةً في الشَّرَفِ والفَضِيلَةِ أوْ في الذّاتِ والعَلِيَّةِ، وتِلْكَ الدَّرَجَةُ المُرَتَّبَةُ باقِيَةٌ غَيْرُ مُتَغَيِّرَةٍ وذَلِكَ يُشْبِهُ الصُّفُوفَ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿فالزّاجِراتِ زَجْرًا﴾ فَقالَ اللَّيْثُ: يُقالُ زَجَرْتُ البَعِيرَ فَأنا أزْجُرُهُ زَجْرًا إذا حَثَثْتَهُ لِيَمْضِيَ،
صفحة ١٠١
وزَجَرْتُ فُلانًا عَنْ سُوءٍ فانْزَجَرَ أيْ نَهَيْتُهُ فانْتَهى، فَعَلى هَذا الزَّجْرِ لِلْبَعِيرِ كالحَثِّ ولِلْإنْسانِ كالنَّهْيِ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ في وصْفِ المَلائِكَةِ بِالزَّجْرِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ المَلائِكَةَ الَّذِينَ وُكِّلُوا بِالسَّحابِ يَزْجُرُونَها بِمَعْنى أنَّهم يَأْتُونَ بِها مِن مَوْضِعٍ إلى مَوْضِعٍ.
الثّانِي: المُرادُ مِنهُ أنَّ المَلائِكَةَ لَهم تَأْثِيراتٌ في قُلُوبِ بَنِي آدَمَ عَلى سَبِيلِ الإلْهاماتِ فَهم يَزْجُرُونَهم عَنِ المَعاصِي زَجْرًا.
الثّالِثُ: لَعَلَّ المَلائِكَةَ أيْضًا يَزْجُرُونَ الشَّياطِينَ عَنِ التَّعَرُّضِ لِبَنِي آدَمَ بِالشَّرِّ والإيذاءِ، وأقُولُ: قَدْ ثَبَتَ في العُلُومِ العَقْلِيَّةِ أنَّ المَوْجُوداتِ عَلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ: مُؤَثِّرٌ لا يَقْبَلُ الأثَرَ وهو اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى وهو أشْرَفُ المَوْجُوداتِ، ومُتَأثِّرٌ لا يُؤَثِّرُ وهم عالَمُ الأجْسامِ وهو أخَسُّ المَوْجُوداتِ، ومَوْجُودٌ يُؤَثِّرُ في شَيْءٍ ويَتَأثَّرُ عَنْ شَيْءٍ آخَرَ وهو عالَمُ الأرْواحِ، وذَلِكَ لِأنَّها تَقْبَلُ الأثَرَ عَنْ عالَمِ كِبْرِياءِ اللَّهِ، ثُمَّ إنَّها تُؤَثِّرُ في عالَمِ الأجْسامِ، واعْلَمْ أنَّ الجِهَةَ الَّتِي بِاعْتِبارِها تَقْبَلُ الأثَرَ مِن عالَمِ كِبْرِياءِ اللَّهِ غَيْرُ الجِهَةِ الَّتِي بِاعْتِبارِها تَسْتَوْلِي عَلى عالَمِ الأجْسامِ وتَقْدِرُ عَلى التَّصَرُّفِ فِيها، وقَوْلُهُ: ﴿فالتّالِياتِ ذِكْرًا﴾ إشارَةٌ إلى الأشْرَفِ مِنَ الجِهَةِ الَّتِي بِاعْتِبارِها تَقْوى عَلى التَّأْثِيرِ في عالَمِ الأجْسامِ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَقَوْلُهُ: ﴿والصّافّاتِ صَفًّا﴾ إشارَةٌ إلى وُقُوفِها صَفًّا صَفًّا في مَقامِ العُبُودِيَّةِ والطّاعَةِ بِالخُشُوعِ والخُضُوعِ، وهي الجِهَةُ الَّتِي بِاعْتِبارِها تَقْبَلُ تِلْكَ الجَواهِرُ القُدْسِيَّةُ أصْنافَ الأنْوارِ الإلَهِيَّةِ والكَمالاتِ الصَّمَدِيَّةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فالزّاجِراتِ زَجْرًا﴾ إشارَةٌ إلى تَأْثِيرِ الجَواهِرِ المَلَكِيَّةِ في تَنْوِيرِ الأرْواحِ القُدْسِيَّةِ البَشَرِيَّةِ وإخْراجِها مِنَ القُوَّةِ إلى الفِعْلِ، وذَلِكَ لِما ثَبَتَ أنَّ هَذِهِ الأرْواحَ النُّطْقِيَّةَ البَشَرِيَّةَ بِالنِّسْبَةِ إلى أرْواحِ المَلائِكَةِ كالقَطْرَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى البَحْرِ وكالشُّعْلَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى الشَّمْسِ، وأنَّ هَذِهِ الأرْواحَ البَشَرِيَّةَ بِالنِّسْبَةِ إلى أرْواحِ المَلائِكَةِ كالقَطْرَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى البَحْرِ وكالشُّعْلَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى الشَّمْسِ، وأنَّ هَذِهِ الأرْواحَ البَشَرِيَّةَ إنَّما تَنْتَقِلُ مِنَ القَوْلِ إلى الفِعْلِ في المَعارِفِ الإلَهِيَّةِ والكَمالاتِ الرُّوحانِيَّةِ بِتَأْثِيراتِ جَواهِرِ المَلائِكَةِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُنَزِّلُ المَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِن أمْرِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ [النحل: ٢] وقَوْلُهُ: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ ﴿عَلى قَلْبِكَ﴾ [الشعراء: ١٩٣] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا﴾ [المرسلات: ٥] إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ في هَذِهِ الآيَةِ دَقِيقَةٌ أُخْرى وهي أنَّ الكَمالَ المُطْلَقَ لِلشَّيْءِ إنَّما يَحْصُلُ إذا كانَ تامًّا وفَوْقَ التّامِّ، والمُرادُ بِكَوْنِهِ تامًّا أنْ تَحْصُلَ جَمِيعُ الكَمالاتِ اللّائِقَةِ بِهِ حُصُولًا بِالفِعْلِ، والمُرادُ بِكَوْنِهِ فَوْقَ التّامِّ أنْ تَفِيضَ مِنهُ أصْنافُ الكَمالاتِ والسَّعاداتِ عَلى غَيْرِهِ، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ كَوْنَهُ كامِلًا في ذاتِهِ مُقَدَّمٌ عَلى كَوْنِهِ مُكَمِّلًا لِغَيْرِهِ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَقَوْلُهُ: ﴿والصّافّاتِ صَفًّا﴾ إشارَةٌ إلى اسْتِكْمالِ جَواهِرِ المَلائِكَةِ في ذَواتِها وقْتَ وُقُوفِها في مَواقِفِ العُبُودِيَّةِ وصُفُوفِ الخِدْمَةِ والطّاعَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فالزّاجِراتِ زَجْرًا﴾ إشارَةٌ إلى كَيْفِيَّةِ تَأْثِيراتِها في إزالَةِ ما لا يَنْبَغِي عَنْ جَواهِرِ الأرْواحِ البَشَرِيَّةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فالتّالِياتِ ذِكْرًا﴾ إشارَةٌ إلى كَيْفِيَّةِ تَأْثِيراتِها في إفاضَةِ الجَلايا القُدْسِيَّةِ والأنْوارِ الإلَهِيَّةِ عَلى الأرْواحِ النّاطِقَةِ البَشَرِيَّةِ، فَهَذِهِ مُناسَباتٌ عَقْلِيَّةٌ واعْتِباراتٌ حَقِيقِيَّةٌ تَنْطَبِقُ عَلَيْها هَذِهِ الألْفاظُ الثَّلاثَةُ، قالَ أبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ: لا يَجُوزُ حَمْلُ هَذِهِ الألْفاظِ عَلى المَلائِكَةِ؛ لِأنَّها مُشْعِرَةٌ بِالتَّأْنِيثِ والمَلائِكَةُ مُبَرَّءُونَ عَنْ هَذِهِ الصِّفَةِ، والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ الصّافّاتِ جَمْعُ الجَمْعِ، فَإنَّهُ يُقالُ: جَماعَةٌ صافَّةٌ ثُمَّ يُجْمَعُ عَلى صافّاتٍ.
والثّانِي: أنَّهم مُبَرَّءُونَ عَنِ التَّأْنِيثِ المَعْنَوِيِّ، أمّا التَّأْنِيثُ في اللَّفْظِ فَلا، وكَيْفَ وهم يُسَمَّوْنَ بِالمَلائِكَةِ مَعَ أنَّ عَلامَةَ التَّأْنِيثِ حاصِلَةٌ في هَذا الوَجْهِ.
الثّانِي: أنْ تُحْمَلَ هَذِهِ الصّافّاتُ عَلى النُّفُوسِ البَشَرِيَّةِ الطّاهِرَةِ المُقَدَّسَةِ المُقْبِلَةِ عَلى عُبُودِيَّةِ اللَّهِ - تَعالى -الَّذِينَ هم مَلائِكَةُ الأرْضِ وبَيانُهُ مِن وجْهَيْنِ:
الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿والصّافّاتِ صَفًّا﴾ المُرادُ الصُّفُوفُ الحاصِلَةُ عِنْدَ أداءِ الصَّلَواتِ بِالجَماعَةِ
صفحة ١٠٢
وقَوْلُهُ: ﴿فالزّاجِراتِ زَجْرًا﴾ إشارَةٌ إلى قِراءَةِ: أعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ كَأنَّهم بِسَبَبِ قِراءَةِ هَذِهِ الكَلِمَةِ يَزْجُرُونَ الشَّياطِينَ عَنْ إلْقاءِ الوَساوِسِ في قُلُوبِهِمْ في أثْناءِ الصَّلاةِ، وقَوْلُهُ: ﴿فالتّالِياتِ ذِكْرًا﴾ إشارَةٌ إلى قِراءَةِ القُرْآنِ في الصَّلاةِ وقِيلَ: ﴿فالزّاجِراتِ زَجْرًا﴾ إشارَةٌ إلى رَفْعِ الصَّوْتِ بِالقِراءَةِ كَأنَّهُ يَزْجُرُ الشَّيْطانَ بِواسِطَةِ رَفْعِ الصَّوْتِ، رُوِيَ «أنَّهُ ﷺ طافَ عَلى بُيُوتِ أصْحابِهِ في اللَّيالِي، فَسَمِعَ أبا بَكْرٍ يَقْرَأُ بِصَوْتٍ مُنْخَفِضٍ، وسَمِعَ عُمَرَ يَقْرَأُ بِصَوْتٍ رَفِيعٍ، فَسَألَ أبا بَكْرٍ: لِمَ تَقْرَأُ هَكَذا ؟ فَقالَ: المَعْبُودُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ، وسَألَ عُمَرَ: لِمَ تَقْرَأُ هَكَذا ؟ فَقالَ: أُوقِظُ الوَسْنانَ وأطْرُدُ الشَّيْطانَ» .
الوَجْهُ الثّانِي: في تَفْسِيرِ هَذِهِ الألْفاظِ الثَّلاثِ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿والصّافّاتِ صَفًّا﴾ الصُّفُوفُ الحاصِلَةُ مِنَ العُلَماءِ المُحِقِّينَ الَّذِينَ يَدْعُونَ إلى دِينِ اللَّهِ تَعالى، والمُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فالزّاجِراتِ زَجْرًا﴾ اشْتِغالُهم بِالزَّجْرِ عَنِ الشُّبُهاتِ والشَّهَواتِ، والمُرادُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فالتّالِياتِ ذِكْرًا﴾ اشْتِغالُهم بِالدَّعْوَةِ إلى دِينِ اللَّهِ والتَّرْغِيبِ في العَمَلِ بِشَرائِعِ اللَّهِ.
الوَجْهُ الثّالِثُ: في تَفْسِيرِ هَذِهِ الألْفاظِ الثَّلاثَةِ أنْ نَحْمِلَها عَلى أحْوالِ الغُزاةِ والمُجاهِدِينَ في سَبِيلِ اللَّهِ فَقَوْلُهُ: ﴿والصّافّاتِ صَفًّا﴾ المُرادُ مِنهُ صُفُوفُ القِتالِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ في سَبِيلِهِ صَفًّا﴾ [الصف: ٤] وأمّا (الزّاجِراتِ زَجْرًا) فالزَّجْرَةُ والصَّيْحَةُ سَواءٌ، والمُرادُ مِنهُ رَفْعُ الصَّوْتِ بِزَجْرِ الخَيْلِ، وأمّا (التّالِياتِ ذِكْرًا) فالمُرادُ اشْتِغالُ الغُزاةِ وقْتَ شُرُوعِهِمْ في مُحارَبَةِ العَدُوِّ بِقِراءَةِ القُرْآنِ وذِكْرِ اللَّهِ تَعالى بِالتَّهْلِيلِ والتَّقْدِيسِ.
الصافات 37:3
صفحة ١٠٠
(سُورَةُ الصّافّاتِ)
وآياتُها ثِنْتانِ وثَمانُونَ ومِائَةٌ
﷽
﴿والصّافّاتِ صَفًّا﴾ ﴿فالزّاجِراتِ زَجْرًا﴾ ﴿فالتّالِياتِ ذِكْرًا﴾ ﴿إنَّ إلَهَكم لَواحِدٌ﴾ ﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما ورَبُّ المَشارِقِ﴾ .
﷽
﴿والصّافّاتِ صَفًّا﴾ ﴿فالزّاجِراتِ زَجْرًا﴾ ﴿فالتّالِياتِ ذِكْرًا﴾ ﴿إنَّ إلَهَكم لَواحِدٌ﴾ ﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما ورَبُّ المَشارِقِ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ أبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ: ”والصّافّاتِ صَّفًّا“ بِإدْغامِ التّاءِ فِيما يَلِيهِ، وكَذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿فالزّاجِراتِ زَجْرًا﴾ ﴿فالتّالِياتِ ذِكْرًا﴾ والباقُونَ بِالإظْهارِ، وقالَ الواحِدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: إدْغامُ التّاءِ في الصّادِ حَسَنٌ لِمُقارَبَةِ الحَرْفَيْنِ، ألا تَرى أنَّهُما مِن طَرَفِ اللِّسانِ وأُصُولِ الثَّنايا يُسْمَعانِ في الهَمْسِ، والمُدْغَمُ فِيهِ يَزِيدُ عَلى المُدْغَمِ بِالإطْباقِ والصَّفِيرِ، وإدْغامُ الأنْقَصِ في الأزْيَدِ حَسَنٌ، ولا يَجُوزُ أنْ يُدْغَمَ الأزْيَدُ صَوْتًا في الأنْقَصِ، وأيْضًا إدْغامُ التّاءِ في الزّايِ في قَوْلِهِ: ﴿فالزّاجِراتِ زَجْرًا﴾ حَسَنٌ؛ لِأنَّ التّاءَ مَهْمُوسَةٌ والزّايَ مَجْهُورَةٌ، وفِيها زِيادَةُ صَفِيرٍ كَما كانَ في الصّادِ، وأيْضًا حَسُنَ إدْغامُ التّاءِ في الذّالِ في قَوْلِهِ: ﴿فالتّالِياتِ ذِكْرًا﴾ لِاتِّفاقِهِما في أنَّهُما مِن طَرَفِ اللِّسانِ وأُصُولِ الثَّنايا، وأمّا مَن قَرَأ بِالإظْهارِ وتَرَكَ الإدْغامَ فَذَلِكَ لِاخْتِلافِ المَخارِجِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في هَذِهِ الأشْياءِ الثَّلاثَةِ المَذْكُورَةِ المُقْسَمِ بِها يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ صِفاتٍ ثَلاثَةً لِمَوْصُوفٍ واحِدٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ أشْياءَ ثَلاثَةً مُتَبايِنَةً، أمّا عَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ فَفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّها صِفاتُ المَلائِكَةِ، وتَقْدِيرُهُ أنَّ المَلائِكَةَ يَقِفُونَ صُفُوفًا. إمّا في السَّماواتِ لِأداءِ العِباداتِ كَما أخْبَرَ اللَّهُ عَنْهم أنَّهم قالُوا: ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ﴾ [الصافات: ١٦٥] وقِيلَ: إنَّهم يَصِفُّونَ أجْنِحَتَهم في الهَواءِ يَقِفُونَ مُنْتَظِرِينَ وُصُولَ أمْرِ اللَّهِ إلَيْهِمْ، ويُحْتَمَلُ أيْضًا أنْ يُقالَ مَعْنى كَوْنِهِمْ صُفُوفًا أنَّ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهم مَرْتَبَةً مُعَيَّنَةً ودَرَجَةً مُعَيَّنَةً في الشَّرَفِ والفَضِيلَةِ أوْ في الذّاتِ والعَلِيَّةِ، وتِلْكَ الدَّرَجَةُ المُرَتَّبَةُ باقِيَةٌ غَيْرُ مُتَغَيِّرَةٍ وذَلِكَ يُشْبِهُ الصُّفُوفَ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿فالزّاجِراتِ زَجْرًا﴾ فَقالَ اللَّيْثُ: يُقالُ زَجَرْتُ البَعِيرَ فَأنا أزْجُرُهُ زَجْرًا إذا حَثَثْتَهُ لِيَمْضِيَ،
صفحة ١٠١
وزَجَرْتُ فُلانًا عَنْ سُوءٍ فانْزَجَرَ أيْ نَهَيْتُهُ فانْتَهى، فَعَلى هَذا الزَّجْرِ لِلْبَعِيرِ كالحَثِّ ولِلْإنْسانِ كالنَّهْيِ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ في وصْفِ المَلائِكَةِ بِالزَّجْرِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ المَلائِكَةَ الَّذِينَ وُكِّلُوا بِالسَّحابِ يَزْجُرُونَها بِمَعْنى أنَّهم يَأْتُونَ بِها مِن مَوْضِعٍ إلى مَوْضِعٍ.
الثّانِي: المُرادُ مِنهُ أنَّ المَلائِكَةَ لَهم تَأْثِيراتٌ في قُلُوبِ بَنِي آدَمَ عَلى سَبِيلِ الإلْهاماتِ فَهم يَزْجُرُونَهم عَنِ المَعاصِي زَجْرًا.
الثّالِثُ: لَعَلَّ المَلائِكَةَ أيْضًا يَزْجُرُونَ الشَّياطِينَ عَنِ التَّعَرُّضِ لِبَنِي آدَمَ بِالشَّرِّ والإيذاءِ، وأقُولُ: قَدْ ثَبَتَ في العُلُومِ العَقْلِيَّةِ أنَّ المَوْجُوداتِ عَلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ: مُؤَثِّرٌ لا يَقْبَلُ الأثَرَ وهو اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى وهو أشْرَفُ المَوْجُوداتِ، ومُتَأثِّرٌ لا يُؤَثِّرُ وهم عالَمُ الأجْسامِ وهو أخَسُّ المَوْجُوداتِ، ومَوْجُودٌ يُؤَثِّرُ في شَيْءٍ ويَتَأثَّرُ عَنْ شَيْءٍ آخَرَ وهو عالَمُ الأرْواحِ، وذَلِكَ لِأنَّها تَقْبَلُ الأثَرَ عَنْ عالَمِ كِبْرِياءِ اللَّهِ، ثُمَّ إنَّها تُؤَثِّرُ في عالَمِ الأجْسامِ، واعْلَمْ أنَّ الجِهَةَ الَّتِي بِاعْتِبارِها تَقْبَلُ الأثَرَ مِن عالَمِ كِبْرِياءِ اللَّهِ غَيْرُ الجِهَةِ الَّتِي بِاعْتِبارِها تَسْتَوْلِي عَلى عالَمِ الأجْسامِ وتَقْدِرُ عَلى التَّصَرُّفِ فِيها، وقَوْلُهُ: ﴿فالتّالِياتِ ذِكْرًا﴾ إشارَةٌ إلى الأشْرَفِ مِنَ الجِهَةِ الَّتِي بِاعْتِبارِها تَقْوى عَلى التَّأْثِيرِ في عالَمِ الأجْسامِ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَقَوْلُهُ: ﴿والصّافّاتِ صَفًّا﴾ إشارَةٌ إلى وُقُوفِها صَفًّا صَفًّا في مَقامِ العُبُودِيَّةِ والطّاعَةِ بِالخُشُوعِ والخُضُوعِ، وهي الجِهَةُ الَّتِي بِاعْتِبارِها تَقْبَلُ تِلْكَ الجَواهِرُ القُدْسِيَّةُ أصْنافَ الأنْوارِ الإلَهِيَّةِ والكَمالاتِ الصَّمَدِيَّةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فالزّاجِراتِ زَجْرًا﴾ إشارَةٌ إلى تَأْثِيرِ الجَواهِرِ المَلَكِيَّةِ في تَنْوِيرِ الأرْواحِ القُدْسِيَّةِ البَشَرِيَّةِ وإخْراجِها مِنَ القُوَّةِ إلى الفِعْلِ، وذَلِكَ لِما ثَبَتَ أنَّ هَذِهِ الأرْواحَ النُّطْقِيَّةَ البَشَرِيَّةَ بِالنِّسْبَةِ إلى أرْواحِ المَلائِكَةِ كالقَطْرَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى البَحْرِ وكالشُّعْلَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى الشَّمْسِ، وأنَّ هَذِهِ الأرْواحَ البَشَرِيَّةَ بِالنِّسْبَةِ إلى أرْواحِ المَلائِكَةِ كالقَطْرَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى البَحْرِ وكالشُّعْلَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى الشَّمْسِ، وأنَّ هَذِهِ الأرْواحَ البَشَرِيَّةَ إنَّما تَنْتَقِلُ مِنَ القَوْلِ إلى الفِعْلِ في المَعارِفِ الإلَهِيَّةِ والكَمالاتِ الرُّوحانِيَّةِ بِتَأْثِيراتِ جَواهِرِ المَلائِكَةِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُنَزِّلُ المَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِن أمْرِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ [النحل: ٢] وقَوْلُهُ: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ ﴿عَلى قَلْبِكَ﴾ [الشعراء: ١٩٣] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا﴾ [المرسلات: ٥] إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ في هَذِهِ الآيَةِ دَقِيقَةٌ أُخْرى وهي أنَّ الكَمالَ المُطْلَقَ لِلشَّيْءِ إنَّما يَحْصُلُ إذا كانَ تامًّا وفَوْقَ التّامِّ، والمُرادُ بِكَوْنِهِ تامًّا أنْ تَحْصُلَ جَمِيعُ الكَمالاتِ اللّائِقَةِ بِهِ حُصُولًا بِالفِعْلِ، والمُرادُ بِكَوْنِهِ فَوْقَ التّامِّ أنْ تَفِيضَ مِنهُ أصْنافُ الكَمالاتِ والسَّعاداتِ عَلى غَيْرِهِ، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ كَوْنَهُ كامِلًا في ذاتِهِ مُقَدَّمٌ عَلى كَوْنِهِ مُكَمِّلًا لِغَيْرِهِ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَقَوْلُهُ: ﴿والصّافّاتِ صَفًّا﴾ إشارَةٌ إلى اسْتِكْمالِ جَواهِرِ المَلائِكَةِ في ذَواتِها وقْتَ وُقُوفِها في مَواقِفِ العُبُودِيَّةِ وصُفُوفِ الخِدْمَةِ والطّاعَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فالزّاجِراتِ زَجْرًا﴾ إشارَةٌ إلى كَيْفِيَّةِ تَأْثِيراتِها في إزالَةِ ما لا يَنْبَغِي عَنْ جَواهِرِ الأرْواحِ البَشَرِيَّةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فالتّالِياتِ ذِكْرًا﴾ إشارَةٌ إلى كَيْفِيَّةِ تَأْثِيراتِها في إفاضَةِ الجَلايا القُدْسِيَّةِ والأنْوارِ الإلَهِيَّةِ عَلى الأرْواحِ النّاطِقَةِ البَشَرِيَّةِ، فَهَذِهِ مُناسَباتٌ عَقْلِيَّةٌ واعْتِباراتٌ حَقِيقِيَّةٌ تَنْطَبِقُ عَلَيْها هَذِهِ الألْفاظُ الثَّلاثَةُ، قالَ أبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ: لا يَجُوزُ حَمْلُ هَذِهِ الألْفاظِ عَلى المَلائِكَةِ؛ لِأنَّها مُشْعِرَةٌ بِالتَّأْنِيثِ والمَلائِكَةُ مُبَرَّءُونَ عَنْ هَذِهِ الصِّفَةِ، والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ الصّافّاتِ جَمْعُ الجَمْعِ، فَإنَّهُ يُقالُ: جَماعَةٌ صافَّةٌ ثُمَّ يُجْمَعُ عَلى صافّاتٍ.
والثّانِي: أنَّهم مُبَرَّءُونَ عَنِ التَّأْنِيثِ المَعْنَوِيِّ، أمّا التَّأْنِيثُ في اللَّفْظِ فَلا، وكَيْفَ وهم يُسَمَّوْنَ بِالمَلائِكَةِ مَعَ أنَّ عَلامَةَ التَّأْنِيثِ حاصِلَةٌ في هَذا الوَجْهِ.
الثّانِي: أنْ تُحْمَلَ هَذِهِ الصّافّاتُ عَلى النُّفُوسِ البَشَرِيَّةِ الطّاهِرَةِ المُقَدَّسَةِ المُقْبِلَةِ عَلى عُبُودِيَّةِ اللَّهِ - تَعالى -الَّذِينَ هم مَلائِكَةُ الأرْضِ وبَيانُهُ مِن وجْهَيْنِ:
الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿والصّافّاتِ صَفًّا﴾ المُرادُ الصُّفُوفُ الحاصِلَةُ عِنْدَ أداءِ الصَّلَواتِ بِالجَماعَةِ
صفحة ١٠٢
وقَوْلُهُ: ﴿فالزّاجِراتِ زَجْرًا﴾ إشارَةٌ إلى قِراءَةِ: أعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ كَأنَّهم بِسَبَبِ قِراءَةِ هَذِهِ الكَلِمَةِ يَزْجُرُونَ الشَّياطِينَ عَنْ إلْقاءِ الوَساوِسِ في قُلُوبِهِمْ في أثْناءِ الصَّلاةِ، وقَوْلُهُ: ﴿فالتّالِياتِ ذِكْرًا﴾ إشارَةٌ إلى قِراءَةِ القُرْآنِ في الصَّلاةِ وقِيلَ: ﴿فالزّاجِراتِ زَجْرًا﴾ إشارَةٌ إلى رَفْعِ الصَّوْتِ بِالقِراءَةِ كَأنَّهُ يَزْجُرُ الشَّيْطانَ بِواسِطَةِ رَفْعِ الصَّوْتِ، رُوِيَ «أنَّهُ ﷺ طافَ عَلى بُيُوتِ أصْحابِهِ في اللَّيالِي، فَسَمِعَ أبا بَكْرٍ يَقْرَأُ بِصَوْتٍ مُنْخَفِضٍ، وسَمِعَ عُمَرَ يَقْرَأُ بِصَوْتٍ رَفِيعٍ، فَسَألَ أبا بَكْرٍ: لِمَ تَقْرَأُ هَكَذا ؟ فَقالَ: المَعْبُودُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ، وسَألَ عُمَرَ: لِمَ تَقْرَأُ هَكَذا ؟ فَقالَ: أُوقِظُ الوَسْنانَ وأطْرُدُ الشَّيْطانَ» .
الوَجْهُ الثّانِي: في تَفْسِيرِ هَذِهِ الألْفاظِ الثَّلاثِ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿والصّافّاتِ صَفًّا﴾ الصُّفُوفُ الحاصِلَةُ مِنَ العُلَماءِ المُحِقِّينَ الَّذِينَ يَدْعُونَ إلى دِينِ اللَّهِ تَعالى، والمُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فالزّاجِراتِ زَجْرًا﴾ اشْتِغالُهم بِالزَّجْرِ عَنِ الشُّبُهاتِ والشَّهَواتِ، والمُرادُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فالتّالِياتِ ذِكْرًا﴾ اشْتِغالُهم بِالدَّعْوَةِ إلى دِينِ اللَّهِ والتَّرْغِيبِ في العَمَلِ بِشَرائِعِ اللَّهِ.
الوَجْهُ الثّالِثُ: في تَفْسِيرِ هَذِهِ الألْفاظِ الثَّلاثَةِ أنْ نَحْمِلَها عَلى أحْوالِ الغُزاةِ والمُجاهِدِينَ في سَبِيلِ اللَّهِ فَقَوْلُهُ: ﴿والصّافّاتِ صَفًّا﴾ المُرادُ مِنهُ صُفُوفُ القِتالِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ في سَبِيلِهِ صَفًّا﴾ [الصف: ٤] وأمّا (الزّاجِراتِ زَجْرًا) فالزَّجْرَةُ والصَّيْحَةُ سَواءٌ، والمُرادُ مِنهُ رَفْعُ الصَّوْتِ بِزَجْرِ الخَيْلِ، وأمّا (التّالِياتِ ذِكْرًا) فالمُرادُ اشْتِغالُ الغُزاةِ وقْتَ شُرُوعِهِمْ في مُحارَبَةِ العَدُوِّ بِقِراءَةِ القُرْآنِ وذِكْرِ اللَّهِ تَعالى بِالتَّهْلِيلِ والتَّقْدِيسِ.
الصافات 37:4
الوَجْهُ الرّابِعُ: في تَفْسِيرِ هَذِهِ الألْفاظِ الثَّلاثَةِ أنْ نَجْعَلَها صِفاتٍ لِآياتِ القُرْآنِ فَقَوْلُهُ: ﴿والصّافّاتِ صَفًّا﴾ المُرادُ آياتُ القُرْآنِ فَإنَّها أنْواعٌ مُخْتَلِفَةٌ بَعْضُها في دَلائِلِ التَّوْحِيدِ وبَعْضُها في دَلائِلِ العِلْمِ والقُدْرَةِ والحِكْمَةِ، وبَعْضُها في دَلائِلِ النُّبُوَّةِ، وبَعْضُها في دَلائِلِ المَعادِ، وبَعْضُها في بَيانِ التَّكالِيفِ والأحْكامِ، وبَعْضُها في تَعْلِيمِ الأخْلاقِ الفاضِلَةِ، وهَذِهِ الآياتُ مُرَتَّبَةٌ تَرْتِيبًا لا يَتَغَيَّرُ ولا يَتَبَدَّلُ فَهَذِهِ الآياتُ تُشْبِهُ أشْخاصًا واقِفِينَ في صُفُوفٍ مُعَيَّنَةٍ، وقَوْلُهُ: ﴿فالزّاجِراتِ زَجْرًا﴾ المُرادُ مِنهُ الآياتُ الزّاجِرَةُ عَنِ الأفْعالِ المُنْكَرَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿فالتّالِياتِ ذِكْرًا﴾ المُرادُ مِنهُ الآياتُ الدّالَّةُ عَلى وُجُوبِ الإقْدامِ عَلى أعْمالِ البِرِّ والخَيْرِ، وصَفَ الآياتِ بِكَوْنِها تالِيَةً عَلى قانُونِ ما يُقالُ شِعْرُ شاعِرٍ وكَلامُ قائِلٍ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هي أقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩] وقالَ: ﴿يس﴾ ﴿والقُرْآنِ الحَكِيمِ﴾ [يس: ٢] قِيلَ: الحَكِيمُ بِمَعْنى الحاكِمِ فَهَذِهِ جُمْلَةُ الوُجُوهِ المُحْتَمَلَةِ عَلى تَقْدِيرِ أنْ تُجْعَلَ هَذِهِ الألْفاظُ الثَّلاثَةُ صِفاتٍ لِشَيْءٍ واحِدٍ.
وأمّا الِاحْتِمالُ الثّانِي: وهو أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهَذِهِ الثَّلاثَةِ أشْياءَ مُتَغايِرَةً فَقِيلَ: المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿والصّافّاتِ صَفًّا﴾ الطَّيْرُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والطَّيْرُ صافّاتٍ﴾ [النور: ٤١] ”﴿فالزّاجِراتِ﴾“ كُلُّ ما زَجَرَ عَنْ مَعاصِي اللَّهِ ”﴿فالتّالِياتِ﴾“ كُلُّ ما يُتْلى مِن كِتابِ اللَّهِ وأقُولُ فِيهِ وجْهٌ آخَرُ، وهو أنَّ مَخْلُوقاتِ اللَّهِ إمّا جُسْمانِيَّةٌ وإمّا رُوحانِيَّةٌ، أمّا الجُسْمانِيَّةُ فَإنَّها مُرَتَّبَةٌ عَلى طَبَقاتٍ ودَرَجاتٍ لا تَتَغَيَّرُ البَتَّةَ، فالأرْضُ وسَطُ العالَمِ وهي مَحْفُوفَةٌ بِكُرَةِ الماءِ والماءُ مَحْفُوفٌ بِالهَواءِ، والهَواءُ مَحْفُوفٌ بِالنّارِ، ثُمَّ هَذِهِ الأرْبَعَةُ مَحْفُوفَةٌ بِكُراتِ الأفْلاكِ إلى آخِرِ العالَمِ الجُسْمانِيِّ، فَهَذِهِ الأجْسامُ كَأنَّها صُفُوفٌ واقِفَةٌ عَلى عَتَبَةِ جَلالِ اللَّهِ تَعالى، وأمّا الجَواهِرُ الرُّوحانِيَّةُ فَهي عَلى اخْتِلافِ دَرَجاتِها وتَبايُنِ صِفاتِها مُشْتَرِكَةٌ في صِفَتَيْنِ:
إحَداهُما: التَّأْثِيرُ في عالَمِ الأجْسامِ بِالتَّحْرِيكِ والتَّصْرِيفِ وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿فالزّاجِراتِ زَجْرًا﴾ فَإنّا قَدْ بَيَّنّا أنَّ المُرادَ مِن هَذا الزَّجْرِ السَّوْقُ والتَّحْرِيكُ:
والثّانِي:
صفحة ١٠٣
الإدْراكُ والِاسْتِغْراقُ في مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى والثَّناءِ عَلَيْهِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فالتّالِياتِ ذِكْرًا﴾ ولَمّا كانَ الجِسْمُ أدْنى مَنزِلَةً مِنَ الأرْواحِ المُسْتَقِلَّةِ فالتَّصَرُّفُ في الجُسْمانِيّاتِ أدْوَنُ مَنزِلَةً مِنَ الأرْواحِ المُسْتَغْرِقَةِ في مَعْرِفَةِ جَلالِ اللَّهِ المُقْبِلَةِ عَلى تَسْبِيحِ اللَّهِ كَما قالَ: ﴿ومَن عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ﴾ [الأنبياء: ١٩] لا جَرَمَ بَدَأ في المَرْتَبَةِ الأُولى بِذِكْرِ الأجْسامِ فَقالَ: ﴿والصّافّاتِ صَفًّا﴾ ثُمَّ ذَكَرَ في المَرْتَبَةِ الثّانِيَةِ الأرْواحَ المُدَبِّرَةَ لِأجْسامِ هَذا العالَمِ، ثُمَّ ذَكَرَ في هَذِهِ المَرْتَبَةِ الثّالِثَةِ أعْلى الدَّرَجاتِ وهي الأرْواحُ المُقَدَّسَةُ المُتَوَجِّهَةُ بِكُلِّيَّتِها إلى مَعْرِفَةِ جَلالِ اللَّهِ والِاسْتِغْراقِ في الثَّناءِ عَلَيْهِ، فَهَذِهِ احْتِمالاتٌ خَطَرَتْ بِالبالِ، والعالِمُ بِأسْرارِ كَلامِ اللَّهِ تَعالى لَيْسَ إلّا اللَّهُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: لِلنّاسِ في هَذا المَوْضِعِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: قَوْلُ مَن يَقُولُ: المُقْسَمُ بِهِ هَهُنا خالِقُ هَذِهِ الأشْياءِ لا أعْيانُ هَذِهِ الأشْياءِ، واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِوُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ ﷺ نَهى عَنِ الحَلِفِ بِغَيْرِ اللَّهِ فَكَيْفَ يَلِيقُ بِحِكْمَةِ اللَّهِ أنْ يَحْلِفَ بِغَيْرِ اللَّهِ ؟ .
والثّانِي: أنَّ الحَلِفَ بِالشَّيْءِ في مِثْلِ هَذا المَوْضِعِ تَعْظِيمٌ عَظِيمٌ لِلْمَحْلُوفِ بِهِ، ومِثْلُ هَذا التَّعْظِيمِ لا يَلِيقُ إلّا بِاللَّهِ.
والثّالِثُ: أنَّ هَذا الَّذِي ذَكَرْناهُ تَأكُّدٌ بِما أنَّهُ تَعالى صَرَّحَ بِهِ في بَعْضِ السُّوَرِ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والسَّماءِ وما بَناها﴾ ﴿والأرْضِ وما طَحاها﴾ ﴿ونَفْسٍ وما سَوّاها﴾ [الشمس: ٦] .
والقَوْلُ الثّانِي: قَوْلُ مَن يَقُولُ إنَّ القَسَمَ واقِعٌ بِأعْيانِ هَذِهِ الأشْياءِ واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِوُجُوهٍ.
الأوَّلُ: أنَّ القَسَمَ وقَعَ بِهَذِهِ الأشْياءِ بِحَسَبِ ظاهِرِ اللَّفْظِ فالعُدُولُ عَنْهُ خِلافُ الدَّلِيلِ.
والثّانِي: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿والسَّماءِ وما بَناها﴾ فَعَلَّقَ لَفْظَ القَسَمِ بِالسَّماءِ، ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ القَسَمَ بِالبانِي لِلسَّماءِ، فَلَوْ كانَ المُرادُ مِنَ القَسَمِ بِالسَّماءِ القَسَمَ بِمَن بَنى السَّماءَ لَزِمَ التَّكْرارُ في مَوْضِعٍ واحِدٍ وأنَّهُ لا يَجُوزُ.
الثّالِثُ: أنَّهُ لا يَبْعُدُ أنْ تَكُونَ الحِكْمَةُ في قَسَمِ اللَّهِ تَعالى بِهَذِهِ الأشْياءِ التَّنْبِيهَ عَلى شَرَفِ ذَواتِها وكَمالِ حَقائِقِها، لا سِيَّما إذا حَمَلْنا هَذِهِ الألْفاظَ عَلى المَلائِكَةِ فَإنَّهُ تَكُونُ الحِكْمَةُ في القَسَمِ بِها التَّنْبِيهَ عَلى جَلالَةِ دَرَجاتِها وكَمالِ مَراتِبِها واللَّهُ أعْلَمُ، فَإنْ قِيلَ: ذِكْرُ الحَلِفِ في هَذا المَوْضِعِ غَيْرُ لائِقٍ وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذا القَسَمِ إمّا إثْباتُ هَذا المَطْلُوبِ عِنْدَ المُؤْمِنِ أوَ عِنْدَ الكافِرِ والأوَّلُ باطِلٌ؛ لِأنَّ المُؤْمِنَ مُقِرٌّ بِهِ سَواءٌ حَصَلَ الحَلِفُ أوْ لَمْ يَحْصُلْ، فَهَذا الحَلِفُ عَدِيمُ الفائِدَةِ عَلى كُلِّ التَّقْدِيراتِ.
الثّانِي: أنَّهُ تَعالى حَلَفَ في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ عَلى أنَّ الإلَهَ واحِدٌ، وحَلَفَ في أوَّلِ سُورَةِ والذّارِياتِ عَلى أنَّ القِيامَةَ حَقٌّ فَقالَ: ﴿والذّارِياتِ ذَرْوًا﴾ [الذاريات: ١] إلى قَوْلِهِ: ﴿إنَّما تُوعَدُونَ لَصادِقٌ﴾ ﴿وإنَّ الدِّينَ لَواقِعٌ﴾ [الذاريات: ٦] وإثْباتُ هَذِهِ المَطالِبِ العالِيَةِ الشَّرِيفَةِ عَلى المُخالِفِينَ مِنَ الدَّهْرِيَّةِ وأمْثالِهِمْ بِالحَلِفِ واليَمِينِ لا يَلِيقُ بِالعُقَلاءِ، والجَوابُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى قَرَّرَ التَّوْحِيدَ وصِحَّةَ البَعْثِ والقِيامَةِ في سائِرِ السُّوَرِ بِالدَّلائِلِ اليَقِينِيَّةِ، فَلَمّا تَقَدَّمَ ذِكْرُ تِلْكَ الدَّلائِلِ لَمْ يَبْعُدْ تَقْرِيرُها فَذَكَرَ القَسَمَ تَأْكِيدًا لِما تَقَدَّمَ لا سِيَّما والقُرْآنُ إنَّما أُنْزِلَ بِلُغَةِ العَرَبِ، وإثْباتُ المُطالِبِ بِالحَلِفِ واليَمِينِ طَرِيقَةٌ مَأْلُوفَةٌ عِنْدَ العَرَبِ.
والوَجْهُ الثّانِي: في الجَوابِ أنَّهُ تَعالى لَمّا أقْسَمَ بِهَذِهِ الأشْياءِ عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ إلَهَكم لَواحِدٌ﴾ ذَكَرَ عَقِيبَهُ ما هو كالدَّلِيلِ اليَقِينِيِّ في كَوْنِ الإلَهِ واحِدًا، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما ورَبُّ المَشارِقِ﴾ وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ في قَوْلِهِ: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلّا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾ [الأنبياء: ٢٢] أنَّ انْتِظامَ أحْوالِ السَّماواتِ والأرْضِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الإلَهَ واحِدٌ، فَهَهُنا لَمّا قالَ: ﴿إنَّ إلَهَكم لَواحِدٌ﴾ أرْدَفَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما ورَبُّ المَشارِقِ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: قَدْ بَيَّنّا أنَّ النَّظَرَ في انْتِظامِ هَذا العالَمِ دَلَّ عَلى كَوْنِ الإلَهِ واحِدًا فَتَأمَّلُوا في ذَلِكَ الدَّلِيلِ لِيَحْصُلَ لَكُمُ العِلْمُ بِالتَّوْحِيدِ.
الوَجْهُ الثّالِثُ: في الجَوابِ أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذا
صفحة ١٠٤
الكَلامِ الرَّدُّ عَلى عَبَدَةِ الأصْنامِ في قَوْلِهِمْ بِأنَّها آلِهَةٌ فَكَأنَّهُ قِيلَ: هَذا المَذْهَبُ قَدْ بَلَغَ في السُّقُوطِ والرَّكاكَةِ إلى حَيْثُ يَكْفِي في إبْطالِهِ مِثْلُ هَذِهِ الحُجَّةِ واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: أمّا دَلالَةُ أحْوالِ السَّماواتِ والأرْضِ عَلى وُجُودِ الإلَهِ القادِرِ العالِمِ الحَكِيمِ، وعَلى كَوْنِهِ واحِدًا مُنَزَّهًا عَنِ الشَّرِيكِ فَقَدْ سَبَقَ تَقْرِيرُها في هَذا الكِتابِ مِرارًا وأطْوارًا وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ورَبُّ المَشارِقِ﴾ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مَشارِقَ الشَّمْسِ. قالَ السُّدِّيُّ: المَشارِقُ ثَلاثُمِائَةٍ وسِتُّونَ مَشْرِقًا وكَذَلِكَ المَغارِبُ فَإنَّهُ تَطْلُعُ الشَّمْسُ كُلَّ يَوْمٍ مِن مَشْرِقٍ وتَغْرُبُ كُلَّ يَوْمٍ في مَغْرِبٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مَشارِقَ الكَواكِبِ؛ لِأنَّ لِكُلِّ كَوْكَبٍ مَشْرِقًا ومَغْرِبًا، فَإنْ قِيلَ: لِمَ اكْتَفى بِذِكْرِ المَشارِقِ ؟ قُلْنا لِوَجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ اكْتَفى بِذِكْرِ المَشارِقِ كَقَوْلِهِ: ﴿تَقِيكُمُ الحَرَّ﴾ [النحل: ٨١] .
والثّانِي: أنَّ الشَّرْقَ أقْوى حالًا مِنَ الغُرُوبِ وأكْثَرُ نَفْعًا مِنَ الغُرُوبِ، فَذُكِرَ الشَّرْقُ تَنْبِيهًا عَلى كَثْرَةِ إحْسانِ اللَّهِ تَعالى عَلى عِبادِهِ، ولِهَذِهِ الدَّقِيقَةِ اسْتَدَلَّ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالمَشْرِقِ فَقالَ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ المَشْرِقِ﴾ [البقرة: ٢٥٨] .
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: احْتَجَّ الأصْحابُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما﴾ عَلى كَوْنِهِ تَعالى خالِقًا لِأعْمالِ العِبادِ، قالُوا: لِأنَّ أعْمالَ العِبادِ مَوْجُودَةٌ فِيما بَيْنَ السَّماواتِ والأرْضِ، وهَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّ كُلَّ ما حَصَلَ بَيْنَ السَّماواتِ والأرْضِ فاللَّهُ رَبُّهُ ومالِكُهُ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ فِعْلَ العَبْدِ حَصَلَ بِخَلْقِ اللَّهِ، وإنْ قالُوا: الأعْراضُ لا يَصِحُّ وصْفُها بِأنَّها حَصَلَتْ بَيْنَ السَّماواتِ والأرْضِ؛ لِأنَّ هَذا الوَصْفَ إنَّما يَلِيقُ بِما يَكُونُ حاصِلًا في حَيِّزٍ وجِهَةٍ والأعْراضُ لَيْسَتْ كَذَلِكَ، قُلْنا: إنَّها لَمّا كانَتْ حاصِلَةً في الأجْسامِ الحاصِلَةِ بَيْنَ السَّماواتِ والأرْضِ فَهي أيْضًا حاصِلَةٌ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ.
الصافات 37:5
الوَجْهُ الرّابِعُ: في تَفْسِيرِ هَذِهِ الألْفاظِ الثَّلاثَةِ أنْ نَجْعَلَها صِفاتٍ لِآياتِ القُرْآنِ فَقَوْلُهُ: ﴿والصّافّاتِ صَفًّا﴾ المُرادُ آياتُ القُرْآنِ فَإنَّها أنْواعٌ مُخْتَلِفَةٌ بَعْضُها في دَلائِلِ التَّوْحِيدِ وبَعْضُها في دَلائِلِ العِلْمِ والقُدْرَةِ والحِكْمَةِ، وبَعْضُها في دَلائِلِ النُّبُوَّةِ، وبَعْضُها في دَلائِلِ المَعادِ، وبَعْضُها في بَيانِ التَّكالِيفِ والأحْكامِ، وبَعْضُها في تَعْلِيمِ الأخْلاقِ الفاضِلَةِ، وهَذِهِ الآياتُ مُرَتَّبَةٌ تَرْتِيبًا لا يَتَغَيَّرُ ولا يَتَبَدَّلُ فَهَذِهِ الآياتُ تُشْبِهُ أشْخاصًا واقِفِينَ في صُفُوفٍ مُعَيَّنَةٍ، وقَوْلُهُ: ﴿فالزّاجِراتِ زَجْرًا﴾ المُرادُ مِنهُ الآياتُ الزّاجِرَةُ عَنِ الأفْعالِ المُنْكَرَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿فالتّالِياتِ ذِكْرًا﴾ المُرادُ مِنهُ الآياتُ الدّالَّةُ عَلى وُجُوبِ الإقْدامِ عَلى أعْمالِ البِرِّ والخَيْرِ، وصَفَ الآياتِ بِكَوْنِها تالِيَةً عَلى قانُونِ ما يُقالُ شِعْرُ شاعِرٍ وكَلامُ قائِلٍ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هي أقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩] وقالَ: ﴿يس﴾ ﴿والقُرْآنِ الحَكِيمِ﴾ [يس: ٢] قِيلَ: الحَكِيمُ بِمَعْنى الحاكِمِ فَهَذِهِ جُمْلَةُ الوُجُوهِ المُحْتَمَلَةِ عَلى تَقْدِيرِ أنْ تُجْعَلَ هَذِهِ الألْفاظُ الثَّلاثَةُ صِفاتٍ لِشَيْءٍ واحِدٍ.
وأمّا الِاحْتِمالُ الثّانِي: وهو أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهَذِهِ الثَّلاثَةِ أشْياءَ مُتَغايِرَةً فَقِيلَ: المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿والصّافّاتِ صَفًّا﴾ الطَّيْرُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والطَّيْرُ صافّاتٍ﴾ [النور: ٤١] ”﴿فالزّاجِراتِ﴾“ كُلُّ ما زَجَرَ عَنْ مَعاصِي اللَّهِ ”﴿فالتّالِياتِ﴾“ كُلُّ ما يُتْلى مِن كِتابِ اللَّهِ وأقُولُ فِيهِ وجْهٌ آخَرُ، وهو أنَّ مَخْلُوقاتِ اللَّهِ إمّا جُسْمانِيَّةٌ وإمّا رُوحانِيَّةٌ، أمّا الجُسْمانِيَّةُ فَإنَّها مُرَتَّبَةٌ عَلى طَبَقاتٍ ودَرَجاتٍ لا تَتَغَيَّرُ البَتَّةَ، فالأرْضُ وسَطُ العالَمِ وهي مَحْفُوفَةٌ بِكُرَةِ الماءِ والماءُ مَحْفُوفٌ بِالهَواءِ، والهَواءُ مَحْفُوفٌ بِالنّارِ، ثُمَّ هَذِهِ الأرْبَعَةُ مَحْفُوفَةٌ بِكُراتِ الأفْلاكِ إلى آخِرِ العالَمِ الجُسْمانِيِّ، فَهَذِهِ الأجْسامُ كَأنَّها صُفُوفٌ واقِفَةٌ عَلى عَتَبَةِ جَلالِ اللَّهِ تَعالى، وأمّا الجَواهِرُ الرُّوحانِيَّةُ فَهي عَلى اخْتِلافِ دَرَجاتِها وتَبايُنِ صِفاتِها مُشْتَرِكَةٌ في صِفَتَيْنِ:
إحَداهُما: التَّأْثِيرُ في عالَمِ الأجْسامِ بِالتَّحْرِيكِ والتَّصْرِيفِ وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿فالزّاجِراتِ زَجْرًا﴾ فَإنّا قَدْ بَيَّنّا أنَّ المُرادَ مِن هَذا الزَّجْرِ السَّوْقُ والتَّحْرِيكُ:
والثّانِي:
صفحة ١٠٣
الإدْراكُ والِاسْتِغْراقُ في مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى والثَّناءِ عَلَيْهِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فالتّالِياتِ ذِكْرًا﴾ ولَمّا كانَ الجِسْمُ أدْنى مَنزِلَةً مِنَ الأرْواحِ المُسْتَقِلَّةِ فالتَّصَرُّفُ في الجُسْمانِيّاتِ أدْوَنُ مَنزِلَةً مِنَ الأرْواحِ المُسْتَغْرِقَةِ في مَعْرِفَةِ جَلالِ اللَّهِ المُقْبِلَةِ عَلى تَسْبِيحِ اللَّهِ كَما قالَ: ﴿ومَن عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ﴾ [الأنبياء: ١٩] لا جَرَمَ بَدَأ في المَرْتَبَةِ الأُولى بِذِكْرِ الأجْسامِ فَقالَ: ﴿والصّافّاتِ صَفًّا﴾ ثُمَّ ذَكَرَ في المَرْتَبَةِ الثّانِيَةِ الأرْواحَ المُدَبِّرَةَ لِأجْسامِ هَذا العالَمِ، ثُمَّ ذَكَرَ في هَذِهِ المَرْتَبَةِ الثّالِثَةِ أعْلى الدَّرَجاتِ وهي الأرْواحُ المُقَدَّسَةُ المُتَوَجِّهَةُ بِكُلِّيَّتِها إلى مَعْرِفَةِ جَلالِ اللَّهِ والِاسْتِغْراقِ في الثَّناءِ عَلَيْهِ، فَهَذِهِ احْتِمالاتٌ خَطَرَتْ بِالبالِ، والعالِمُ بِأسْرارِ كَلامِ اللَّهِ تَعالى لَيْسَ إلّا اللَّهُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: لِلنّاسِ في هَذا المَوْضِعِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: قَوْلُ مَن يَقُولُ: المُقْسَمُ بِهِ هَهُنا خالِقُ هَذِهِ الأشْياءِ لا أعْيانُ هَذِهِ الأشْياءِ، واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِوُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ ﷺ نَهى عَنِ الحَلِفِ بِغَيْرِ اللَّهِ فَكَيْفَ يَلِيقُ بِحِكْمَةِ اللَّهِ أنْ يَحْلِفَ بِغَيْرِ اللَّهِ ؟ .
والثّانِي: أنَّ الحَلِفَ بِالشَّيْءِ في مِثْلِ هَذا المَوْضِعِ تَعْظِيمٌ عَظِيمٌ لِلْمَحْلُوفِ بِهِ، ومِثْلُ هَذا التَّعْظِيمِ لا يَلِيقُ إلّا بِاللَّهِ.
والثّالِثُ: أنَّ هَذا الَّذِي ذَكَرْناهُ تَأكُّدٌ بِما أنَّهُ تَعالى صَرَّحَ بِهِ في بَعْضِ السُّوَرِ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والسَّماءِ وما بَناها﴾ ﴿والأرْضِ وما طَحاها﴾ ﴿ونَفْسٍ وما سَوّاها﴾ [الشمس: ٦] .
والقَوْلُ الثّانِي: قَوْلُ مَن يَقُولُ إنَّ القَسَمَ واقِعٌ بِأعْيانِ هَذِهِ الأشْياءِ واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِوُجُوهٍ.
الأوَّلُ: أنَّ القَسَمَ وقَعَ بِهَذِهِ الأشْياءِ بِحَسَبِ ظاهِرِ اللَّفْظِ فالعُدُولُ عَنْهُ خِلافُ الدَّلِيلِ.
والثّانِي: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿والسَّماءِ وما بَناها﴾ فَعَلَّقَ لَفْظَ القَسَمِ بِالسَّماءِ، ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ القَسَمَ بِالبانِي لِلسَّماءِ، فَلَوْ كانَ المُرادُ مِنَ القَسَمِ بِالسَّماءِ القَسَمَ بِمَن بَنى السَّماءَ لَزِمَ التَّكْرارُ في مَوْضِعٍ واحِدٍ وأنَّهُ لا يَجُوزُ.
الثّالِثُ: أنَّهُ لا يَبْعُدُ أنْ تَكُونَ الحِكْمَةُ في قَسَمِ اللَّهِ تَعالى بِهَذِهِ الأشْياءِ التَّنْبِيهَ عَلى شَرَفِ ذَواتِها وكَمالِ حَقائِقِها، لا سِيَّما إذا حَمَلْنا هَذِهِ الألْفاظَ عَلى المَلائِكَةِ فَإنَّهُ تَكُونُ الحِكْمَةُ في القَسَمِ بِها التَّنْبِيهَ عَلى جَلالَةِ دَرَجاتِها وكَمالِ مَراتِبِها واللَّهُ أعْلَمُ، فَإنْ قِيلَ: ذِكْرُ الحَلِفِ في هَذا المَوْضِعِ غَيْرُ لائِقٍ وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذا القَسَمِ إمّا إثْباتُ هَذا المَطْلُوبِ عِنْدَ المُؤْمِنِ أوَ عِنْدَ الكافِرِ والأوَّلُ باطِلٌ؛ لِأنَّ المُؤْمِنَ مُقِرٌّ بِهِ سَواءٌ حَصَلَ الحَلِفُ أوْ لَمْ يَحْصُلْ، فَهَذا الحَلِفُ عَدِيمُ الفائِدَةِ عَلى كُلِّ التَّقْدِيراتِ.
الثّانِي: أنَّهُ تَعالى حَلَفَ في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ عَلى أنَّ الإلَهَ واحِدٌ، وحَلَفَ في أوَّلِ سُورَةِ والذّارِياتِ عَلى أنَّ القِيامَةَ حَقٌّ فَقالَ: ﴿والذّارِياتِ ذَرْوًا﴾ [الذاريات: ١] إلى قَوْلِهِ: ﴿إنَّما تُوعَدُونَ لَصادِقٌ﴾ ﴿وإنَّ الدِّينَ لَواقِعٌ﴾ [الذاريات: ٦] وإثْباتُ هَذِهِ المَطالِبِ العالِيَةِ الشَّرِيفَةِ عَلى المُخالِفِينَ مِنَ الدَّهْرِيَّةِ وأمْثالِهِمْ بِالحَلِفِ واليَمِينِ لا يَلِيقُ بِالعُقَلاءِ، والجَوابُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى قَرَّرَ التَّوْحِيدَ وصِحَّةَ البَعْثِ والقِيامَةِ في سائِرِ السُّوَرِ بِالدَّلائِلِ اليَقِينِيَّةِ، فَلَمّا تَقَدَّمَ ذِكْرُ تِلْكَ الدَّلائِلِ لَمْ يَبْعُدْ تَقْرِيرُها فَذَكَرَ القَسَمَ تَأْكِيدًا لِما تَقَدَّمَ لا سِيَّما والقُرْآنُ إنَّما أُنْزِلَ بِلُغَةِ العَرَبِ، وإثْباتُ المُطالِبِ بِالحَلِفِ واليَمِينِ طَرِيقَةٌ مَأْلُوفَةٌ عِنْدَ العَرَبِ.
والوَجْهُ الثّانِي: في الجَوابِ أنَّهُ تَعالى لَمّا أقْسَمَ بِهَذِهِ الأشْياءِ عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ إلَهَكم لَواحِدٌ﴾ ذَكَرَ عَقِيبَهُ ما هو كالدَّلِيلِ اليَقِينِيِّ في كَوْنِ الإلَهِ واحِدًا، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما ورَبُّ المَشارِقِ﴾ وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ في قَوْلِهِ: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلّا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾ [الأنبياء: ٢٢] أنَّ انْتِظامَ أحْوالِ السَّماواتِ والأرْضِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الإلَهَ واحِدٌ، فَهَهُنا لَمّا قالَ: ﴿إنَّ إلَهَكم لَواحِدٌ﴾ أرْدَفَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما ورَبُّ المَشارِقِ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: قَدْ بَيَّنّا أنَّ النَّظَرَ في انْتِظامِ هَذا العالَمِ دَلَّ عَلى كَوْنِ الإلَهِ واحِدًا فَتَأمَّلُوا في ذَلِكَ الدَّلِيلِ لِيَحْصُلَ لَكُمُ العِلْمُ بِالتَّوْحِيدِ.
الوَجْهُ الثّالِثُ: في الجَوابِ أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذا
صفحة ١٠٤
الكَلامِ الرَّدُّ عَلى عَبَدَةِ الأصْنامِ في قَوْلِهِمْ بِأنَّها آلِهَةٌ فَكَأنَّهُ قِيلَ: هَذا المَذْهَبُ قَدْ بَلَغَ في السُّقُوطِ والرَّكاكَةِ إلى حَيْثُ يَكْفِي في إبْطالِهِ مِثْلُ هَذِهِ الحُجَّةِ واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: أمّا دَلالَةُ أحْوالِ السَّماواتِ والأرْضِ عَلى وُجُودِ الإلَهِ القادِرِ العالِمِ الحَكِيمِ، وعَلى كَوْنِهِ واحِدًا مُنَزَّهًا عَنِ الشَّرِيكِ فَقَدْ سَبَقَ تَقْرِيرُها في هَذا الكِتابِ مِرارًا وأطْوارًا وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ورَبُّ المَشارِقِ﴾ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مَشارِقَ الشَّمْسِ. قالَ السُّدِّيُّ: المَشارِقُ ثَلاثُمِائَةٍ وسِتُّونَ مَشْرِقًا وكَذَلِكَ المَغارِبُ فَإنَّهُ تَطْلُعُ الشَّمْسُ كُلَّ يَوْمٍ مِن مَشْرِقٍ وتَغْرُبُ كُلَّ يَوْمٍ في مَغْرِبٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مَشارِقَ الكَواكِبِ؛ لِأنَّ لِكُلِّ كَوْكَبٍ مَشْرِقًا ومَغْرِبًا، فَإنْ قِيلَ: لِمَ اكْتَفى بِذِكْرِ المَشارِقِ ؟ قُلْنا لِوَجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ اكْتَفى بِذِكْرِ المَشارِقِ كَقَوْلِهِ: ﴿تَقِيكُمُ الحَرَّ﴾ [النحل: ٨١] .
والثّانِي: أنَّ الشَّرْقَ أقْوى حالًا مِنَ الغُرُوبِ وأكْثَرُ نَفْعًا مِنَ الغُرُوبِ، فَذُكِرَ الشَّرْقُ تَنْبِيهًا عَلى كَثْرَةِ إحْسانِ اللَّهِ تَعالى عَلى عِبادِهِ، ولِهَذِهِ الدَّقِيقَةِ اسْتَدَلَّ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالمَشْرِقِ فَقالَ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ المَشْرِقِ﴾ [البقرة: ٢٥٨] .
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: احْتَجَّ الأصْحابُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما﴾ عَلى كَوْنِهِ تَعالى خالِقًا لِأعْمالِ العِبادِ، قالُوا: لِأنَّ أعْمالَ العِبادِ مَوْجُودَةٌ فِيما بَيْنَ السَّماواتِ والأرْضِ، وهَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّ كُلَّ ما حَصَلَ بَيْنَ السَّماواتِ والأرْضِ فاللَّهُ رَبُّهُ ومالِكُهُ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ فِعْلَ العَبْدِ حَصَلَ بِخَلْقِ اللَّهِ، وإنْ قالُوا: الأعْراضُ لا يَصِحُّ وصْفُها بِأنَّها حَصَلَتْ بَيْنَ السَّماواتِ والأرْضِ؛ لِأنَّ هَذا الوَصْفَ إنَّما يَلِيقُ بِما يَكُونُ حاصِلًا في حَيِّزٍ وجِهَةٍ والأعْراضُ لَيْسَتْ كَذَلِكَ، قُلْنا: إنَّها لَمّا كانَتْ حاصِلَةً في الأجْسامِ الحاصِلَةِ بَيْنَ السَّماواتِ والأرْضِ فَهي أيْضًا حاصِلَةٌ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ.
الصافات 37:6
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنّا زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الكَواكِبِ﴾ ﴿وحِفْظًا مِن كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ﴾ ﴿لا يَسَّمَّعُونَ إلى المَلَإ الأعْلى ويُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جانِبٍ﴾ ﴿دُحُورًا ولَهم عَذابٌ واصِبٌ﴾ ﴿إلّا مَن خَطِفَ الخَطْفَةَ فَأتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ﴾ .
فِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَمْزَةُ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ ”زِينَةٍ“ مُنَوَّنَةً ”﴿الكَواكِبِ﴾“ بِالجَرِّ، وهو قِراءَةُ مَسْرُوقِ بْنِ الأجْدَعِ، قالَ الفَرّاءُ: وهو رَدُّ مَعْرِفَةٍ عَلى نَكِرَةٍ كَما قالَ: ﴿بِالنّاصِيَةِ﴾ ﴿ناصِيَةٍ﴾ [العلق: ١٥] فَرَدَّ نَكِرَةً عَلى مَعْرِفَةٍ، وقالَ الزَّجّاجُ: الكَواكِبُ بَدَلٌ مِنَ الزِّينَةِ؛ لِأنَّها هي كَما تَقُولُ: مَرَرْتُ بِأبِي عَبْدِ اللَّهِ زَيْدٍ.
وقَرَأ عاصِمٌ بِالتَّنْوِينِ في الزِّينَةِ ونَصْبِ الكَواكِبِ، قالَ الفَرّاءُ: يُرِيدُ زَيَّنّا الكَواكِبَ، وقالَ الزَّجّاجُ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الكَواكِبُ في النِّصْفِ بَدَلًا مِن قَوْلِهِ ﴿بِزِينَةٍ﴾؛ لِأنَّ ﴿بِزِينَةٍ﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ وقَرَأ الباقُونَ ”بِزِينَةِ الكَواكِبِ“ بِالجَرِّ عَلى الإضافَةِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ زَيَّنَ السَّماءَ الدُّنْيا، وبَيَّنَ أنَّهُ إنَّما زَيَّنَها لِمَنفَعَتَيْنِ:
إحْداهُما: تَحْصِيلُ الزِّينَةِ.
والثّانِيَةُ: الحِفْظُ مِنَ الشَّيْطانِ المارِدِ، فَوَجَبَ أنْ نُحَقِّقَ الكَلامَ في هَذِهِ المَطالِبِ الثَّلاثَةِ:
أمّا الأوَّلُ:
صفحة ١٠٥
وهُوَ تَزْيِينُ السَّماءِ الدُّنْيا بِهَذِهِ الكَواكِبِ، فَلِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنَّهُ ثَبَتَ في عِلْمِ الهَيْئَةِ أنَّ هَذِهِ الثَّوابِتَ مَرْكُوزَةٌ في الكُرَةِ الثّامِنَةِ، وأنَّ السَّيّاراتِ السِّتَّةَ مَرْكُوزَةٌ في الكُراتِ السِّتِّ المُحِيطَةِ بِسَماءِ الدُّنْيا فَكَيْفَ يَصِحُّ قَوْلُهُ: ﴿إنّا زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الكَواكِبِ﴾ .
والجَوابُ أنَّ النّاسَ السّاكِنِينَ عَلى سَطْحِ كُرَةِ الأرْضِ إذا نَظَرُوا إلى السَّماءِ فَإنَّهم يُشاهِدُونَها مُزَيَّنَةً بِهَذِهِ الكَواكِبِ، وعَلى أنّا قَدْ بَيَّنّا في عِلْمِ الهَيْئَةِ أنَّ الفَلاسِفَةَ لَمْ يَتِمَّ لَهم دَلِيلٌ في بَيانِ أنَّ هَذِهِ الكَواكِبَ مَرْكُوزَةٌ في الفَلَكِ الثّامِنِ، ولَعَلَّنا شَرَحْنا هَذا الكَلامَ في تَفْسِيرِ سُورَةِ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ﴾ [الملك: ١] في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ﴾ [الملك: ٥] .
وأمّا المَطْلُوبُ الثّانِي: وهو كَوْنُ هَذِهِ الكَواكِبِ زِينَةَ السَّماءِ الدُّنْيا فَفِيهِ بَحْثانِ:
البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّ الزِّينَةَ مَصْدَرٌ كالنِّسْبَةِ واسْمٌ لِما يُزَّنُ بِهِ، كاللِّيقَةِ اسْمٌ لِما تُلاقُ بِهِ الدَّواةُ، قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: وقَوْلُهُ: ﴿بِزِينَةٍ الكَواكِبِ﴾ يَحْتَمِلُهُما فَإنْ أرَدْتَ المَصْدَرَ فَعَلى إضافَتِهِ إلى الفاعِلِ أيْ بِأنَّ زِينَتَها الكَواكِبُ أوْ عَلى إضافَتِهِ إلى المَفْعُولِ أيْ بِأنَّ زانَ اللَّهُ الكَواكِبَ وحَسَّنَها، لِأنَّها إنَّما زُيِّنَتِ السَّماءُ بِحُسْنِها في أنْفُسِها، وإنْ أرَدْتَ الِاسْمَ فَلِلْإضافَةِ وجْهانِ:
أنْ تَقَعَ الكَواكِبُ بَيانًا لِلزِّينَةِ؛ لِأنَّ الزِّينَةَ قَدْ تَحْصُلُ بِالكَواكِبِ وبِغَيْرِها، وأنْ يُرادَ ما زُيِّنَتْ بِهِ الكَواكِبُ.
البَحْثُ الثّانِي: في بَيانِ كَيْفِيَّةِ كَوْنِ الكَواكِبِ زِينَةً لِلسَّماءِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ النُّورَ والضَّوْءَ أحْسَنُ الصِّفاتِ وأكْمَلُها، فَإنَّ تَحَصُلَّ هَذِهِ الكَواكِبِ المُشْرِقَةِ المُضِيئَةِ في سَطْحِ الفَلَكِ لا جَرَمَ بَقِيَ الضَّوْءُ والنُّورُ في جِرْمِ الفَلَكِ بِسَبَبِ حُصُولِ هَذِهِ الكَواكِبِ فِيها. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿بِزِينَةٍ الكَواكِبِ﴾ أيْ بِضَوْءِ الكَواكِبِ.
الوَجْهُ الثّانِي: يَجُوزُ أنْ يُرادَ أشْكالُها المُتَناسِبَةُ المُخْتَلِفَةُ كَشَكْلِ الجَوْزاءِ وبَناتِ نَعْشٍ والثُّرَيّا وغَيْرِها.
الوَجْهُ الثّالِثُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهَذِهِ الزِّينَةِ كَيْفِيَّةَ طُلُوعِها وغُرُوبِها.
الوَجْهُ الرّابِعُ: أنَّ الإنْسانَ إذا نَظَرَ في اللَّيْلَةِ الظَّلْماءِ إلى سَطْحِ الفَلَكِ ورَأى هَذِهِ الجَواهِرَ الزَّواهِرَ مُشْرِقَةً لامِعَةً مُتَلَأْلِئَةً عَلى ذَلِكَ السَّطْحِ الأزْرَقِ، فَلا شَكَّ أنَّها أحْسَنُ الأشْياءِ وأكْمَلُها في التَّرْكِيبِ والجَوْهَرِ، وكُلُّ ذَلِكَ يُفِيدُ كَوْنَ هَذِهِ الكَواكِبِ زِينَةً.
وأمّا المَطْلُوبُ الثّالِثُ: وهو قَوْلُهُ: ﴿وحِفْظًا مِن كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ﴾ فَفِيهِ بَحْثانِ:
البَحْثُ الأوَّلُ: فِيما يَتَعَلَّقُ بِاللُّغَةِ فَقَوْلُهُ: ﴿وحِفْظًا﴾ وحَفِظْناها، قالَ المُبَرِّدُ: إذا ذَكَرْتَ فِعْلًا ثُمَّ عَطَفْتَ عَلَيْهِ مَصْدَرَ فِعْلٍ آخَرَ نَصَبْتَ المَصْدَرَ؛ لِأنَّهُ قَدْ دَلَّ عَلى فِعْلِهِ، مِثْلَ قَوْلِكِ: أفْعَلُ وكَرامَةً؛ لِأنَّهُ لَمّا قالَ أفْعَلُ عُلِمَ أنَّ الأسْماءَ لا تُعْطَفُ عَلى الأفْعالِ، فَكانَ المَعْنى أفْعَلُ ذَلِكَ وأُكْرِمُكَ كَرامَةً، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ حِفْظَ السَّماءِ بِالكَواكِبِ و﴿مِن كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ﴾ يُرِيدُ الَّذِي تَمَرَّدَ عَلى اللَّهِ قِيلَ: إنَّهُ الَّذِي لا يُتَمَكَّنُ مِنهُ، وأصْلُهُ مِنَ المَلاسَةِ ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿صَرْحٌ مُمَرَّدٌ﴾ [النمل: ٤٤] ومِنهُ الأمْرَدُ: وذَكَرْنا تَفْسِيرَ المارِدِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿مَرَدُوا عَلى النِّفاقِ﴾ [التوبة: ١٠١] .
البَحْثُ الثّانِي: فِيما يَتَعَلَّقُ بِالمَباحِثِ العَقْلِيَّةِ في هَذا المَوْضِعِ، فَنَقُولُ: الِاسْتِقْصاءُ فِيهِ مَذْكُورٌ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ﴾ [الملك: ٥] قالَ المُفَسِّرُونَ: الشَّياطِينُ كانُوا يَصْعَدُونَ إلى قُرْبِ السَّماءِ فَرُبَّما سَمِعُوا كَلامَ المَلائِكَةِ وعَرَفُوا بِهِ ما سَيَكُونُ مِنَ الغُيُوبِ، وكانُوا يُخْبِرُونَهم بِهِ ويُوهِمُونَهم أنَّهم يَعْلَمُونَ الغَيْبَ فَمَنَعَهُمُ اللَّهُ تَعالى مِنَ الصُّعُودِ إلى قُرْبِ السَّماءِ بِهَذِهِ الشُّهُبِ، فَإنَّهُ تَعالى يَرْمِيهِمْ بِها فَيُحْرِقُهم بِها، وبَقِيَ هَهُنا سُؤالاتٌ:
صفحة ١٠٦
السُّؤالُ الأوَّلُ: هَذِهِ الشُّهُبُ هَلْ هي مِنَ الكَواكِبِ الَّتِي زَيَّنَ اللَّهُ السَّماءَ بِها أمْ لا ؟ والأوَّلُ باطِلٌ؛ لِأنَّ هَذِهِ الشُّهُبَ تَبْطُلُ وتَضْمَحِلُّ فَلَوْ كانَتْ هَذِهِ الشُّهُبُ تِلْكَ الكَواكِبَ الحَقِيقِيَّةَ لَوَجَبَ أنْ يَظْهَرَ نُقْصانُ كَثِيرٍ مِن أعْدادِ كَواكِبِ السَّماءِ، ومَعْلُومٌ أنَّ هَذا المَعْنى لَمْ يُوجَدِ البَتَّةَ فَإنَّ أعْدادَ كَواكِبِ السَّماءِ باقِيَةٌ في حالَةٍ واحِدَةٍ مِن غَيْرِ تَغَيُّرٍ البَتَّةَ، وأيْضًا فَجَعْلُها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ مِمّا يُوجِبُ وُقُوعَ النُّقْصانِ في زِينَةِ السَّماءِ فَكَأنَّ الجَمْعَ بَيْنَ هَذَيْنِ المَقْصُودَيْنِ كالمُتَناقِضِ.
وأمّا القِسْمُ الثّانِي: وهو أنْ يُقالَ إنَّ هَذِهِ الشُّهُبَ جِنْسٌ آخَرُ غَيْرُ الكَواكِبِ المَرْكُوزَةِ في الفَلَكِ فَهَذا أيْضًا مُشْكِلٌ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ في سُورَةِ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ﴾ [الملك: ١]، ﴿ولَقَدْ زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ﴾ [الملك: ٥] فالضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْناها﴾ عائِدٌ إلى المَصابِيحِ، فَوَجَبَ أنْ تَكُونَ تِلْكَ المَصابِيحُ هي الرُّجُوعَ بِأعْيانِها مِن غَيْرِ تَفاوُتٍ، والجَوابُ أنَّ هَذِهِ الشُّهُبَ غَيْرُ تِلْكَ الثَّواقِبِ الباقِيَةِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ﴾ فَنَقُولُ: كُلُّ نَيِّرٍ يَحْصُلُ في الجَوِّ العالِي فَهو مَصابِيحُ لِأهْلِ الأرْضِ إلّا أنَّ تِلْكَ المَصابِيحَ مِنها باقِيَةٌ عَلى وجْهِ الدَّهْرِ آمِنَةٌ مِنَ التَّغَيُّرِ والفَسادِ، ومِنها ما لا يَكُونُ كَذَلِكَ، وهي هَذِهِ الشُّهُبُ الَّتِي يُحْدِثُها اللَّهُ تَعالى ويَجْعَلُها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ، وبِهَذا التَّقْدِيرِ فَقَدْ زالَ الإشْكالُ، واللَّهُ أعْلَمُ.
السُّؤالُ الثّانِي: كَيْفَ يَجُوزُ أنْ تَذْهَبَ الشَّياطِينُ إلى حَيْثُ يَعْلَمُونَ بِالتَّجْوِيزِ، أنَّ الشُّهُبَ تُحْرِقُهم ولا يَصِلُونَ إلى مَقْصُودِهِمُ البَتَّةَ، وهَلْ يُمْكِنُ أنْ يَصْدُرَ مِثْلُ هَذا الفِعْلِ عَنْ عاقِلٍ، فَكَيْفَ مِنَ الشَّياطِينِ الَّذِينَ لَهم مَزِيَّةٌ في مَعْرِفَةِ الحِيَلِ الدَّقِيقَةِ ؟
والجَوابُ: أنَّ حُصُولَ هَذِهِ الحالَةِ لَيْسَ لَهُ مَوْضِعٌ مُعَيَّنٌ وإلّا لَمْ يَذْهَبُوا إلَيْهِ، وإنَّما يُمْنَعُونَ مِنَ المَصِيرِ إلى مَواضِعِ المَلائِكَةِ ومَواضِعُها مُخْتَلِفَةٌ، فَرُبَّما صارُوا إلى مَوْضِعٍ تُصِيبُهم فِيهِ الشُّهُبُ، ورُبَّما صارُوا إلى غَيْرِهِ ولا يُصادِفُونَ المَلائِكَةَ فَلا تُصِيبُهُمُ الشُّهُبُ، فَلَمّا هَلَكُوا في بَعْضِ الأوْقاتِ، وسَلَّمُوا في بَعْضِ الأوْقاتِ، جازَ أنْ يَصِيرُوا إلى مَواضِعَ يَغْلِبُ عَلى ظُنُونِهِمْ أنَّهُ لا تُصِيبُهُمُ الشُّهُبُ فِيها، كَما يَجُوزُ فِيمَن يَسْلُكُ البَحْرَ أنْ يَسْلُكَهُ في مَوْضِعٍ يَغْلِبُ عَلى ظَنِّهِ حُصُولُ النَّجاةِ، هَذا ما ذَكَرَهُ أبُو عَلِيٍّ الجُبّائِيُّ مِنَ الجَوابِ عَنْ هَذا السُّؤالِ في تَفْسِيرِهِ.
ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنَّهم إذا صَعِدُوا فَإمّا أنْ يَصِلُوا إلى مَواضِعِ المَلائِكَةِ، أوْ إلى غَيْرِ تِلْكَ المَواضِعِ، فَإنْ وصَلُوا إلى مَواضِعِ المَلائِكَةِ احْتَرَقُوا وإنْ وصَلُوا إلى غَيْرِ مَواضِعِ المَلائِكَةِ لَمْ يَفُوزُوا بِمَقْصُودِهِمْ أصْلًا، فَعَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ المَقْصُودُ غَيْرُ حاصِلٍ، إذا حَصَلَتْ هَذِهِ التَّجْرِبَةُ وثَبَتَ بِالِاسْتِقْراءِ أنَّ الفَوْزَ بِالمَقْصُودِ مُحالٌ وجَبَ أنْ يَمْتَنِعُوا عَنْ هَذا العَمَلِ وأنْ لا يُقْدِمُوا عَلَيْهِ أصْلًا بِخِلافِ حالِ المُسافِرِينَ في البَحْرِ، فَإنَّ الغالِبَ عَلَيْهِمُ السَّلامَةُ والفَوْزُ بِالمَقْصُودِ، أمّا هَهُنا فالشَّيْطانُ الَّذِي يَسْلَمُ مِنَ الِاحْتِراقِ إنَّما يَسْلَمُ إذا لَمْ يَصِلْ إلى مَواضِعِ المَلائِكَةِ، وإذا لَمْ يَصِلْ إلى تِلْكَ المَواضِعِ لَمْ يَفُزْ بِالمَقْصُودِ، فَوَجَبَ أنْ لا يَعُودَ إلى هَذا العَمَلِ البَتَّةَ، والأقْرَبُ في الجَوابِ أنْ نَقُولَ: هَذِهِ الوَقْعَةُ إنَّما تَتَّفِقُ في النُّدْرَةِ، فَلَعَلَّها لا تَشْتَهِرُ بِسَبَبِ كَوْنِها نادِرَةً بَيْنَ الشَّياطِينِ واللَّهُ أعْلَمُ.
السُّؤالُ الثّالِثُ: قالُوا: دَلَّتِ التَّوارِيخُ المُتَواتِرَةُ عَلى أنَّ حُدُوثَ الشُّهُبِ كانَ حاصِلًا قَبْلَ مَجِيءِ النَّبِيِّ ﷺ فَإنَّ الحُكَماءَ الَّذِينَ كانُوا مَوْجُودِينَ قَبْلَ مَجِيءِ النَّبِيِّ ﷺ بِزَمانٍ طَوِيلٍ ذَكَرُوا ذَلِكَ وتَكَلَّمُوا في سَبَبِ حُدُوثِهِ، إذا ثَبَتَ أنَّ ذَلِكَ كانَ مَوْجُودًا قَبْلَ مَجِيءِ النَّبِيِّ ﷺ امْتَنَعَ حَمْلُهُ عَلى مَجِيءِ النَّبِيِّ ﷺ
أجابَ القاضِي: بِأنَّ الأقْرَبَ أنَّ هَذِهِ الحالَةَ كانَتْ مَوْجُودَةً قَبْلَ النَّبِيِّ ﷺ لَكِنَّها كَثُرَتْ في زَمانِ النَّبِيِّ ﷺ فَصارَتْ بِسَبَبِ الكَثْرَةِ مُعْجِزَةً.
صفحة ١٠٧
السُّؤالُ الرّابِعُ: الشَّيْطانُ مَخْلُوقٌ مِنَ النّارِ، قالَ تَعالى حِكايَةً عَنْ إبْلِيسَ ﴿خَلَقْتَنِي مِن نارٍ﴾ [ص: ٧٦] وقالَ: ﴿والجانَّ خَلَقْناهُ مِن قَبْلُ مِن نارِ السَّمُومِ﴾ [الحجر: ٢٧] ولِهَذا السَّبَبِ يَقْدِرُ عَلى الصُّعُودِ إلى السَّماواتِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَكَيْفَ يُعْقَلُ إحْراقُ النّارِ بِالنّارِ ؟
والجَوابُ: يُحْتَمَلُ أنَّ الشَّياطِينَ وإنْ كانُوا مِنَ النِّيرانِ إلّا أنَّها نِيرانٌ ضَعِيفَةٌ، فَإنْ وصَلَتْ نِيرانُ الشُّهُبِ إلَيْهِمْ، وتِلْكَ النِّيرانُ أقْوى حالًا مِنهم لا جَرَمَ صارَ الأقْوى مُبْطِلًا لِلْأضْعَفِ، ألا تَرى أنَّ السِّراجَ الضَّعِيفَ إذا رَجَعَ في النّارِ القَوِيَّةِ فَإنَّهُ يَنْطَفِئُ فَكَذَلِكَ هَهُنا.
السُّؤالُ الخامِسُ: أنَّ مَقَرَّ المَلائِكَةِ هو السَّطْحُ الأعْلى مِنَ الفَلَكِ، والشَّياطِينُ لا يُمْكِنُهُمُ الوُصُولُ إلّا إلى الأقْرَبِ مِنَ السَّطْحِ الأسْفَلِ مِنَ الفَلَكِ، فَيَبْقى جِرْمُ الفَلَكِ مانِعًا مِن وُصُولِ الشَّياطِينِ إلى القُرْبِ مِنَ المَلائِكَةِ، ولَعَلَّ الفَلَكَ عَظِيمُ المِقْدارِ دَفَعَ حُصُولَ المانِعِ العَظِيمِ، كَيْفَ يُعْقَلُ أنْ تَسْمَعَ الشَّياطِينُ كَلامَ المَلائِكَةِ، فَإنْ قُلْتُمْ: إنَّ اللَّهَ تَعالى يُقَوِّي سَمْعَ الشَّيْطانِ حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ المَلائِكَةِ، فَنَقُولُ فَعَلى هَذا التَّقْدِيرِ إذا كانَ اللَّهُ تَعالى يُقَوِّي سَمْعَ الشَّيْطانِ حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ المَلائِكَةِ، وجَبَ أنْ لا يَنْفِيَ سَمْعَ الشَّيْطانِ، وإنْ كانَ لا يُرِيدُ مَنعَ الشَّيْطانِ فَما الفائِدَةُ في رَمْيِهِ بِالرُّجُومِ ؟
فالجَوابُ: مَذْهَبُنا أنَّ أفْعالَ اللَّهِ تَعالى غَيْرُ مُعَلَّلَةٍ، فَيَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ ويَحْكُمُ ما يُرِيدُ، ولا اعْتِراضَ لِأحَدٍ عَلَيْهِ في شَيْءٍ مِن أفْعالِهِ، فَهَذا ما يَتَعَلَّقُ بِمَباحِثِ هَذا البابِ، وإذا أُضِيفَ ما كَتَبْناهُ هَهُنا إلى ما كَتَبْناهُ في سُورَةِ المُلْكِ، وفي سائِرِ الآياتِ المُشْتَمِلَةِ عَلى هَذِهِ المَسْألَةِ بَلَغَ تَمامَ الكِفايَةِ في هَذا البابِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
الصافات 37:7
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنّا زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الكَواكِبِ﴾ ﴿وحِفْظًا مِن كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ﴾ ﴿لا يَسَّمَّعُونَ إلى المَلَإ الأعْلى ويُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جانِبٍ﴾ ﴿دُحُورًا ولَهم عَذابٌ واصِبٌ﴾ ﴿إلّا مَن خَطِفَ الخَطْفَةَ فَأتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ﴾ .
فِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَمْزَةُ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ ”زِينَةٍ“ مُنَوَّنَةً ”﴿الكَواكِبِ﴾“ بِالجَرِّ، وهو قِراءَةُ مَسْرُوقِ بْنِ الأجْدَعِ، قالَ الفَرّاءُ: وهو رَدُّ مَعْرِفَةٍ عَلى نَكِرَةٍ كَما قالَ: ﴿بِالنّاصِيَةِ﴾ ﴿ناصِيَةٍ﴾ [العلق: ١٥] فَرَدَّ نَكِرَةً عَلى مَعْرِفَةٍ، وقالَ الزَّجّاجُ: الكَواكِبُ بَدَلٌ مِنَ الزِّينَةِ؛ لِأنَّها هي كَما تَقُولُ: مَرَرْتُ بِأبِي عَبْدِ اللَّهِ زَيْدٍ.
وقَرَأ عاصِمٌ بِالتَّنْوِينِ في الزِّينَةِ ونَصْبِ الكَواكِبِ، قالَ الفَرّاءُ: يُرِيدُ زَيَّنّا الكَواكِبَ، وقالَ الزَّجّاجُ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الكَواكِبُ في النِّصْفِ بَدَلًا مِن قَوْلِهِ ﴿بِزِينَةٍ﴾؛ لِأنَّ ﴿بِزِينَةٍ﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ وقَرَأ الباقُونَ ”بِزِينَةِ الكَواكِبِ“ بِالجَرِّ عَلى الإضافَةِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ زَيَّنَ السَّماءَ الدُّنْيا، وبَيَّنَ أنَّهُ إنَّما زَيَّنَها لِمَنفَعَتَيْنِ:
إحْداهُما: تَحْصِيلُ الزِّينَةِ.
والثّانِيَةُ: الحِفْظُ مِنَ الشَّيْطانِ المارِدِ، فَوَجَبَ أنْ نُحَقِّقَ الكَلامَ في هَذِهِ المَطالِبِ الثَّلاثَةِ:
أمّا الأوَّلُ:
صفحة ١٠٥
وهُوَ تَزْيِينُ السَّماءِ الدُّنْيا بِهَذِهِ الكَواكِبِ، فَلِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنَّهُ ثَبَتَ في عِلْمِ الهَيْئَةِ أنَّ هَذِهِ الثَّوابِتَ مَرْكُوزَةٌ في الكُرَةِ الثّامِنَةِ، وأنَّ السَّيّاراتِ السِّتَّةَ مَرْكُوزَةٌ في الكُراتِ السِّتِّ المُحِيطَةِ بِسَماءِ الدُّنْيا فَكَيْفَ يَصِحُّ قَوْلُهُ: ﴿إنّا زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الكَواكِبِ﴾ .
والجَوابُ أنَّ النّاسَ السّاكِنِينَ عَلى سَطْحِ كُرَةِ الأرْضِ إذا نَظَرُوا إلى السَّماءِ فَإنَّهم يُشاهِدُونَها مُزَيَّنَةً بِهَذِهِ الكَواكِبِ، وعَلى أنّا قَدْ بَيَّنّا في عِلْمِ الهَيْئَةِ أنَّ الفَلاسِفَةَ لَمْ يَتِمَّ لَهم دَلِيلٌ في بَيانِ أنَّ هَذِهِ الكَواكِبَ مَرْكُوزَةٌ في الفَلَكِ الثّامِنِ، ولَعَلَّنا شَرَحْنا هَذا الكَلامَ في تَفْسِيرِ سُورَةِ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ﴾ [الملك: ١] في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ﴾ [الملك: ٥] .
وأمّا المَطْلُوبُ الثّانِي: وهو كَوْنُ هَذِهِ الكَواكِبِ زِينَةَ السَّماءِ الدُّنْيا فَفِيهِ بَحْثانِ:
البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّ الزِّينَةَ مَصْدَرٌ كالنِّسْبَةِ واسْمٌ لِما يُزَّنُ بِهِ، كاللِّيقَةِ اسْمٌ لِما تُلاقُ بِهِ الدَّواةُ، قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: وقَوْلُهُ: ﴿بِزِينَةٍ الكَواكِبِ﴾ يَحْتَمِلُهُما فَإنْ أرَدْتَ المَصْدَرَ فَعَلى إضافَتِهِ إلى الفاعِلِ أيْ بِأنَّ زِينَتَها الكَواكِبُ أوْ عَلى إضافَتِهِ إلى المَفْعُولِ أيْ بِأنَّ زانَ اللَّهُ الكَواكِبَ وحَسَّنَها، لِأنَّها إنَّما زُيِّنَتِ السَّماءُ بِحُسْنِها في أنْفُسِها، وإنْ أرَدْتَ الِاسْمَ فَلِلْإضافَةِ وجْهانِ:
أنْ تَقَعَ الكَواكِبُ بَيانًا لِلزِّينَةِ؛ لِأنَّ الزِّينَةَ قَدْ تَحْصُلُ بِالكَواكِبِ وبِغَيْرِها، وأنْ يُرادَ ما زُيِّنَتْ بِهِ الكَواكِبُ.
البَحْثُ الثّانِي: في بَيانِ كَيْفِيَّةِ كَوْنِ الكَواكِبِ زِينَةً لِلسَّماءِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ النُّورَ والضَّوْءَ أحْسَنُ الصِّفاتِ وأكْمَلُها، فَإنَّ تَحَصُلَّ هَذِهِ الكَواكِبِ المُشْرِقَةِ المُضِيئَةِ في سَطْحِ الفَلَكِ لا جَرَمَ بَقِيَ الضَّوْءُ والنُّورُ في جِرْمِ الفَلَكِ بِسَبَبِ حُصُولِ هَذِهِ الكَواكِبِ فِيها. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿بِزِينَةٍ الكَواكِبِ﴾ أيْ بِضَوْءِ الكَواكِبِ.
الوَجْهُ الثّانِي: يَجُوزُ أنْ يُرادَ أشْكالُها المُتَناسِبَةُ المُخْتَلِفَةُ كَشَكْلِ الجَوْزاءِ وبَناتِ نَعْشٍ والثُّرَيّا وغَيْرِها.
الوَجْهُ الثّالِثُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهَذِهِ الزِّينَةِ كَيْفِيَّةَ طُلُوعِها وغُرُوبِها.
الوَجْهُ الرّابِعُ: أنَّ الإنْسانَ إذا نَظَرَ في اللَّيْلَةِ الظَّلْماءِ إلى سَطْحِ الفَلَكِ ورَأى هَذِهِ الجَواهِرَ الزَّواهِرَ مُشْرِقَةً لامِعَةً مُتَلَأْلِئَةً عَلى ذَلِكَ السَّطْحِ الأزْرَقِ، فَلا شَكَّ أنَّها أحْسَنُ الأشْياءِ وأكْمَلُها في التَّرْكِيبِ والجَوْهَرِ، وكُلُّ ذَلِكَ يُفِيدُ كَوْنَ هَذِهِ الكَواكِبِ زِينَةً.
وأمّا المَطْلُوبُ الثّالِثُ: وهو قَوْلُهُ: ﴿وحِفْظًا مِن كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ﴾ فَفِيهِ بَحْثانِ:
البَحْثُ الأوَّلُ: فِيما يَتَعَلَّقُ بِاللُّغَةِ فَقَوْلُهُ: ﴿وحِفْظًا﴾ وحَفِظْناها، قالَ المُبَرِّدُ: إذا ذَكَرْتَ فِعْلًا ثُمَّ عَطَفْتَ عَلَيْهِ مَصْدَرَ فِعْلٍ آخَرَ نَصَبْتَ المَصْدَرَ؛ لِأنَّهُ قَدْ دَلَّ عَلى فِعْلِهِ، مِثْلَ قَوْلِكِ: أفْعَلُ وكَرامَةً؛ لِأنَّهُ لَمّا قالَ أفْعَلُ عُلِمَ أنَّ الأسْماءَ لا تُعْطَفُ عَلى الأفْعالِ، فَكانَ المَعْنى أفْعَلُ ذَلِكَ وأُكْرِمُكَ كَرامَةً، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ حِفْظَ السَّماءِ بِالكَواكِبِ و﴿مِن كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ﴾ يُرِيدُ الَّذِي تَمَرَّدَ عَلى اللَّهِ قِيلَ: إنَّهُ الَّذِي لا يُتَمَكَّنُ مِنهُ، وأصْلُهُ مِنَ المَلاسَةِ ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿صَرْحٌ مُمَرَّدٌ﴾ [النمل: ٤٤] ومِنهُ الأمْرَدُ: وذَكَرْنا تَفْسِيرَ المارِدِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿مَرَدُوا عَلى النِّفاقِ﴾ [التوبة: ١٠١] .
البَحْثُ الثّانِي: فِيما يَتَعَلَّقُ بِالمَباحِثِ العَقْلِيَّةِ في هَذا المَوْضِعِ، فَنَقُولُ: الِاسْتِقْصاءُ فِيهِ مَذْكُورٌ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ﴾ [الملك: ٥] قالَ المُفَسِّرُونَ: الشَّياطِينُ كانُوا يَصْعَدُونَ إلى قُرْبِ السَّماءِ فَرُبَّما سَمِعُوا كَلامَ المَلائِكَةِ وعَرَفُوا بِهِ ما سَيَكُونُ مِنَ الغُيُوبِ، وكانُوا يُخْبِرُونَهم بِهِ ويُوهِمُونَهم أنَّهم يَعْلَمُونَ الغَيْبَ فَمَنَعَهُمُ اللَّهُ تَعالى مِنَ الصُّعُودِ إلى قُرْبِ السَّماءِ بِهَذِهِ الشُّهُبِ، فَإنَّهُ تَعالى يَرْمِيهِمْ بِها فَيُحْرِقُهم بِها، وبَقِيَ هَهُنا سُؤالاتٌ:
صفحة ١٠٦
السُّؤالُ الأوَّلُ: هَذِهِ الشُّهُبُ هَلْ هي مِنَ الكَواكِبِ الَّتِي زَيَّنَ اللَّهُ السَّماءَ بِها أمْ لا ؟ والأوَّلُ باطِلٌ؛ لِأنَّ هَذِهِ الشُّهُبَ تَبْطُلُ وتَضْمَحِلُّ فَلَوْ كانَتْ هَذِهِ الشُّهُبُ تِلْكَ الكَواكِبَ الحَقِيقِيَّةَ لَوَجَبَ أنْ يَظْهَرَ نُقْصانُ كَثِيرٍ مِن أعْدادِ كَواكِبِ السَّماءِ، ومَعْلُومٌ أنَّ هَذا المَعْنى لَمْ يُوجَدِ البَتَّةَ فَإنَّ أعْدادَ كَواكِبِ السَّماءِ باقِيَةٌ في حالَةٍ واحِدَةٍ مِن غَيْرِ تَغَيُّرٍ البَتَّةَ، وأيْضًا فَجَعْلُها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ مِمّا يُوجِبُ وُقُوعَ النُّقْصانِ في زِينَةِ السَّماءِ فَكَأنَّ الجَمْعَ بَيْنَ هَذَيْنِ المَقْصُودَيْنِ كالمُتَناقِضِ.
وأمّا القِسْمُ الثّانِي: وهو أنْ يُقالَ إنَّ هَذِهِ الشُّهُبَ جِنْسٌ آخَرُ غَيْرُ الكَواكِبِ المَرْكُوزَةِ في الفَلَكِ فَهَذا أيْضًا مُشْكِلٌ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ في سُورَةِ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ﴾ [الملك: ١]، ﴿ولَقَدْ زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ﴾ [الملك: ٥] فالضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْناها﴾ عائِدٌ إلى المَصابِيحِ، فَوَجَبَ أنْ تَكُونَ تِلْكَ المَصابِيحُ هي الرُّجُوعَ بِأعْيانِها مِن غَيْرِ تَفاوُتٍ، والجَوابُ أنَّ هَذِهِ الشُّهُبَ غَيْرُ تِلْكَ الثَّواقِبِ الباقِيَةِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ﴾ فَنَقُولُ: كُلُّ نَيِّرٍ يَحْصُلُ في الجَوِّ العالِي فَهو مَصابِيحُ لِأهْلِ الأرْضِ إلّا أنَّ تِلْكَ المَصابِيحَ مِنها باقِيَةٌ عَلى وجْهِ الدَّهْرِ آمِنَةٌ مِنَ التَّغَيُّرِ والفَسادِ، ومِنها ما لا يَكُونُ كَذَلِكَ، وهي هَذِهِ الشُّهُبُ الَّتِي يُحْدِثُها اللَّهُ تَعالى ويَجْعَلُها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ، وبِهَذا التَّقْدِيرِ فَقَدْ زالَ الإشْكالُ، واللَّهُ أعْلَمُ.
السُّؤالُ الثّانِي: كَيْفَ يَجُوزُ أنْ تَذْهَبَ الشَّياطِينُ إلى حَيْثُ يَعْلَمُونَ بِالتَّجْوِيزِ، أنَّ الشُّهُبَ تُحْرِقُهم ولا يَصِلُونَ إلى مَقْصُودِهِمُ البَتَّةَ، وهَلْ يُمْكِنُ أنْ يَصْدُرَ مِثْلُ هَذا الفِعْلِ عَنْ عاقِلٍ، فَكَيْفَ مِنَ الشَّياطِينِ الَّذِينَ لَهم مَزِيَّةٌ في مَعْرِفَةِ الحِيَلِ الدَّقِيقَةِ ؟
والجَوابُ: أنَّ حُصُولَ هَذِهِ الحالَةِ لَيْسَ لَهُ مَوْضِعٌ مُعَيَّنٌ وإلّا لَمْ يَذْهَبُوا إلَيْهِ، وإنَّما يُمْنَعُونَ مِنَ المَصِيرِ إلى مَواضِعِ المَلائِكَةِ ومَواضِعُها مُخْتَلِفَةٌ، فَرُبَّما صارُوا إلى مَوْضِعٍ تُصِيبُهم فِيهِ الشُّهُبُ، ورُبَّما صارُوا إلى غَيْرِهِ ولا يُصادِفُونَ المَلائِكَةَ فَلا تُصِيبُهُمُ الشُّهُبُ، فَلَمّا هَلَكُوا في بَعْضِ الأوْقاتِ، وسَلَّمُوا في بَعْضِ الأوْقاتِ، جازَ أنْ يَصِيرُوا إلى مَواضِعَ يَغْلِبُ عَلى ظُنُونِهِمْ أنَّهُ لا تُصِيبُهُمُ الشُّهُبُ فِيها، كَما يَجُوزُ فِيمَن يَسْلُكُ البَحْرَ أنْ يَسْلُكَهُ في مَوْضِعٍ يَغْلِبُ عَلى ظَنِّهِ حُصُولُ النَّجاةِ، هَذا ما ذَكَرَهُ أبُو عَلِيٍّ الجُبّائِيُّ مِنَ الجَوابِ عَنْ هَذا السُّؤالِ في تَفْسِيرِهِ.
ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنَّهم إذا صَعِدُوا فَإمّا أنْ يَصِلُوا إلى مَواضِعِ المَلائِكَةِ، أوْ إلى غَيْرِ تِلْكَ المَواضِعِ، فَإنْ وصَلُوا إلى مَواضِعِ المَلائِكَةِ احْتَرَقُوا وإنْ وصَلُوا إلى غَيْرِ مَواضِعِ المَلائِكَةِ لَمْ يَفُوزُوا بِمَقْصُودِهِمْ أصْلًا، فَعَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ المَقْصُودُ غَيْرُ حاصِلٍ، إذا حَصَلَتْ هَذِهِ التَّجْرِبَةُ وثَبَتَ بِالِاسْتِقْراءِ أنَّ الفَوْزَ بِالمَقْصُودِ مُحالٌ وجَبَ أنْ يَمْتَنِعُوا عَنْ هَذا العَمَلِ وأنْ لا يُقْدِمُوا عَلَيْهِ أصْلًا بِخِلافِ حالِ المُسافِرِينَ في البَحْرِ، فَإنَّ الغالِبَ عَلَيْهِمُ السَّلامَةُ والفَوْزُ بِالمَقْصُودِ، أمّا هَهُنا فالشَّيْطانُ الَّذِي يَسْلَمُ مِنَ الِاحْتِراقِ إنَّما يَسْلَمُ إذا لَمْ يَصِلْ إلى مَواضِعِ المَلائِكَةِ، وإذا لَمْ يَصِلْ إلى تِلْكَ المَواضِعِ لَمْ يَفُزْ بِالمَقْصُودِ، فَوَجَبَ أنْ لا يَعُودَ إلى هَذا العَمَلِ البَتَّةَ، والأقْرَبُ في الجَوابِ أنْ نَقُولَ: هَذِهِ الوَقْعَةُ إنَّما تَتَّفِقُ في النُّدْرَةِ، فَلَعَلَّها لا تَشْتَهِرُ بِسَبَبِ كَوْنِها نادِرَةً بَيْنَ الشَّياطِينِ واللَّهُ أعْلَمُ.
السُّؤالُ الثّالِثُ: قالُوا: دَلَّتِ التَّوارِيخُ المُتَواتِرَةُ عَلى أنَّ حُدُوثَ الشُّهُبِ كانَ حاصِلًا قَبْلَ مَجِيءِ النَّبِيِّ ﷺ فَإنَّ الحُكَماءَ الَّذِينَ كانُوا مَوْجُودِينَ قَبْلَ مَجِيءِ النَّبِيِّ ﷺ بِزَمانٍ طَوِيلٍ ذَكَرُوا ذَلِكَ وتَكَلَّمُوا في سَبَبِ حُدُوثِهِ، إذا ثَبَتَ أنَّ ذَلِكَ كانَ مَوْجُودًا قَبْلَ مَجِيءِ النَّبِيِّ ﷺ امْتَنَعَ حَمْلُهُ عَلى مَجِيءِ النَّبِيِّ ﷺ
أجابَ القاضِي: بِأنَّ الأقْرَبَ أنَّ هَذِهِ الحالَةَ كانَتْ مَوْجُودَةً قَبْلَ النَّبِيِّ ﷺ لَكِنَّها كَثُرَتْ في زَمانِ النَّبِيِّ ﷺ فَصارَتْ بِسَبَبِ الكَثْرَةِ مُعْجِزَةً.
صفحة ١٠٧
السُّؤالُ الرّابِعُ: الشَّيْطانُ مَخْلُوقٌ مِنَ النّارِ، قالَ تَعالى حِكايَةً عَنْ إبْلِيسَ ﴿خَلَقْتَنِي مِن نارٍ﴾ [ص: ٧٦] وقالَ: ﴿والجانَّ خَلَقْناهُ مِن قَبْلُ مِن نارِ السَّمُومِ﴾ [الحجر: ٢٧] ولِهَذا السَّبَبِ يَقْدِرُ عَلى الصُّعُودِ إلى السَّماواتِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَكَيْفَ يُعْقَلُ إحْراقُ النّارِ بِالنّارِ ؟
والجَوابُ: يُحْتَمَلُ أنَّ الشَّياطِينَ وإنْ كانُوا مِنَ النِّيرانِ إلّا أنَّها نِيرانٌ ضَعِيفَةٌ، فَإنْ وصَلَتْ نِيرانُ الشُّهُبِ إلَيْهِمْ، وتِلْكَ النِّيرانُ أقْوى حالًا مِنهم لا جَرَمَ صارَ الأقْوى مُبْطِلًا لِلْأضْعَفِ، ألا تَرى أنَّ السِّراجَ الضَّعِيفَ إذا رَجَعَ في النّارِ القَوِيَّةِ فَإنَّهُ يَنْطَفِئُ فَكَذَلِكَ هَهُنا.
السُّؤالُ الخامِسُ: أنَّ مَقَرَّ المَلائِكَةِ هو السَّطْحُ الأعْلى مِنَ الفَلَكِ، والشَّياطِينُ لا يُمْكِنُهُمُ الوُصُولُ إلّا إلى الأقْرَبِ مِنَ السَّطْحِ الأسْفَلِ مِنَ الفَلَكِ، فَيَبْقى جِرْمُ الفَلَكِ مانِعًا مِن وُصُولِ الشَّياطِينِ إلى القُرْبِ مِنَ المَلائِكَةِ، ولَعَلَّ الفَلَكَ عَظِيمُ المِقْدارِ دَفَعَ حُصُولَ المانِعِ العَظِيمِ، كَيْفَ يُعْقَلُ أنْ تَسْمَعَ الشَّياطِينُ كَلامَ المَلائِكَةِ، فَإنْ قُلْتُمْ: إنَّ اللَّهَ تَعالى يُقَوِّي سَمْعَ الشَّيْطانِ حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ المَلائِكَةِ، فَنَقُولُ فَعَلى هَذا التَّقْدِيرِ إذا كانَ اللَّهُ تَعالى يُقَوِّي سَمْعَ الشَّيْطانِ حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ المَلائِكَةِ، وجَبَ أنْ لا يَنْفِيَ سَمْعَ الشَّيْطانِ، وإنْ كانَ لا يُرِيدُ مَنعَ الشَّيْطانِ فَما الفائِدَةُ في رَمْيِهِ بِالرُّجُومِ ؟
فالجَوابُ: مَذْهَبُنا أنَّ أفْعالَ اللَّهِ تَعالى غَيْرُ مُعَلَّلَةٍ، فَيَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ ويَحْكُمُ ما يُرِيدُ، ولا اعْتِراضَ لِأحَدٍ عَلَيْهِ في شَيْءٍ مِن أفْعالِهِ، فَهَذا ما يَتَعَلَّقُ بِمَباحِثِ هَذا البابِ، وإذا أُضِيفَ ما كَتَبْناهُ هَهُنا إلى ما كَتَبْناهُ في سُورَةِ المُلْكِ، وفي سائِرِ الآياتِ المُشْتَمِلَةِ عَلى هَذِهِ المَسْألَةِ بَلَغَ تَمامَ الكِفايَةِ في هَذا البابِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
الصافات 37:8
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿لا يَسَّمَّعُونَ إلى المَلَإ الأعْلى﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ ”﴿لا يَسَّمَّعُونَ﴾“ بِتَشْدِيدِ السِّينِ والمِيمِ وأصْلُهُ يَتَسَمَّعُونَ، فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في السِّينِ لِاشْتِراكِهِما في الهَمْسِ، والتَّسَمُّعُ تَطَلُّبُ السَّماعِ، يُقالُ: تَسَمَّعَ سَمِعَ أوْ لَمْ يَسْمَعْ، والباقُونَ بِتَخْفِيفِ السِّينِ، واخْتارَ أبُو عُبَيْدٍ التَّشْدِيدَ في يَسَّمَّعُونَ، قالَ: لِأنَّ العَرَبَ تَقُولُ: تَسَمَّعْتُ إلى فُلانٍ، ويَقُولُونَ: سَمِعْتُ فُلانًا، ولا يَكادُونَ يَقُولُونَ: سَمِعْتُ إلى فُلانٍ، وقِيلَ: في تَقْوِيَةِ هَذِهِ القِراءَةِ إذا نُفِيَ التَّسَمُّعُ، فَقَدْ نُفِيَ سَمْعُهُ.
وحُجَّةُ القِراءَةِ الثّانِيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهم عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٢] ورَوى مُجاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ الشَّياطِينَ يَسَّمَّعُونَ إلى المَلَأِ الأعْلى ثُمَّ يُمْنَعُونَ فَلا يَسْمَعُونَ، ولِلْأوَّلِينَ أنْ يُجِيبُوا فَيَقُولُونَ: التَّنْصِيصُ عَلى كَوْنِهِمْ مَعْزُولِينَ عَنِ السَّمْعِ لا يَمْنَعُ مِن كَوْنِهِمْ مَعْزُولِينَ أيْضًا عَنِ التَّسَمُّعِ بِدَلالَةِ هَذِهِ الآيَةِ، بَلْ هو أقْوى في رَدْعِ الشَّياطِينِ ومَنعِهِمْ مِنِ اسْتِماعِ أخْبارِ السَّماءِ، فَإنَّ الَّذِي مُنِعَ مِنَ الِاسْتِماعِ فَبِأنْ يَكُونَ مَمْنُوعًا مِنَ السَّمْعِ أوْلى.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الفَرْقُ بَيْنَ قَوْلِكَ سَمِعْتُ حَدِيثَ فُلانٍ، وبَيْنَ قَوْلِكَ: سَمِعْتُ إلى حَدِيثِهِ، بِأنَّ قَوْلَكَ سَمِعْتُ حَدِيثَهُ يُفِيدُ الإدْراكَ، وسَمِعْتُ إلى حَدِيثِهِ يُفِيدُ الإصْغاءَ مَعَ الإدْراكِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في قَوْلِهِ: ﴿لا يَسَّمَّعُونَ إلى المَلَإ الأعْلى﴾ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: وهو المَشْهُورُ أنَّ تَقْدِيرَ الكَلامِ لِئَلّا يَسْمَعُوا، فَلَمّا حُذِفَ النّاصِبُ عادَ الفِعْلُ إلى الرَّفْعِ كَما قالَ: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم أنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦] وكَما قالَ: ﴿رَواسِيَ أنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [النحل: ١٥] قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: حَذْفُ أنْ واللّامِ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما جائِزٌ بِانْفِرادِهِ. أمّا اجْتِماعُهُما فَمِنَ المُنْكَراتِ الَّتِي يَجِبُ صَوْنُ القُرْآنِ عَنْها.
والقَوْلُ الثّانِي: وهو الَّذِي
صفحة ١٠٨
اخْتارَهُ صاحِبُ الكَشّافِ أنَّهُ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ مُنْقَطِعٌ عَمّا قَبْلَهُ، وهو حِكايَةُ حالِ المُسْتَرِقَةِ لِلسَّمْعِ وأنَّهم لا يَقْدِرُونَ أنْ يَسْمَعُوا إلى كَلامِ المَلائِكَةِ ويَتَسَمَّعُوا وهم مَقْذُوفُونَ بِالشُّهُبِ، مَدْحُورُونَ عَنْ ذَلِكَ المَقْصُودِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: المَلَأُ الأعْلى المَلائِكَةُ؛ لِأنَّهم يَسْكُنُونَ السَّماواتِ. وأمّا الإنْسُ والجِنُّ فَهُمُ المَلَأُ الأسْفَلُ؛ لِأنَّهم سُكّانُ الأرْضِ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى وصَفَ أُولَئِكَ الشَّياطِينَ بِصِفاتٍ ثَلاثٍ:
الأُولى: أنَّهم لا يَسَّمَّعُونَ.
الثّانِيَةُ: أنَّهم يُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جانِبٍ دُحُورًا، وفِيهِ أبْحاثٌ:
الأوَّلُ: قَدْ ذَكَرْنا مَعْنى الدُّحُورِ في سُورَةِ الأعْرافِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿اخْرُجْ مِنها مَذْءُومًا مَدْحُورًا﴾ [الأعراف: ١٨] قالَ المُبَرِّدُ: الدُّحُورُ أشَدُّ الصِّغارِ والذُّلِّ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ دَحَرْتُهُ دَحْرًا ودُحُورًا أيْ دَفَعْتُهُ وطَرَدْتُهُ.
البَحْثُ الثّانِي: في انْتِصابِ قَوْلِهِ: ﴿دُحُورًا﴾ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّهُ انْتُصِبَ بِالمَصْدَرِ عَلى مَعْنى يُدْحَرُونَ دُحُورًا، ودَلَّ عَلى الفِعْلِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويُقْذَفُونَ﴾ .
الثّانِي: التَّقْدِيرُ ويُقْذَفُونَ لِلدُّحُورِ ثُمَّ حَذَفَ اللّامَ.
الثّالِثُ: قالَ مُجاهِدٌ: دُحُورًا مَطْرُودِينَ، فَعَلى هَذا هو حالٌ سُمِّيَتْ بِالمَصْدَرِ كالرُّكُوعِ والسُّجُودِ والحُضُورِ.
البَحْثُ الثّالِثُ: قَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السَّمَلِيُّ دَحُورًا بِفَتْحِ الدّالِ، قالَ الفَرّاءُ: كَأنَّهُ قالَ: يُقْذَفُونَ يُدْحَرُونَ بِما يُدْحَرُ، ثُمَّ قالَ: ولَسْتُ أشْتَهِي الفَتْحَ؛ لِأنَّهُ لَوْ وُجِدَ ذَلِكَ عَلى صِحَّةٍ لَكانَ فِيها الباءُ، كَما تَقُولُ: يُقْذَفُونَ بِالحِجارَةِ ولا تَقُولُ: يُقْذَفُونَ الحِجارَةَ إلّا أنَّهُ جائِزٌ في الجُمْلَةِ كَما قالَ الشّاعِرُ:
نُغالِي اللَّحْمَ لِلْأضْيافِ نِيئًا
أيْ نُغالِي بِاللَّحْمِ.
الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَهم عَذابٌ واصِبٌ﴾ والمَعْنى أنَّهم مَرْجُومُونَ بِالشُّهُبِ وهَذا العَذابُ مُسَلَّطٌ عَلَيْهِمْ عَلى سَبِيلِ الدَّوامِ، وذَكَرْنا تَفْسِيرَ الواصِبِ في سُورَةِ النَّحْلِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَهُ الدِّينُ واصِبًا﴾ [النحل: ٥٢] قالُوا كُلُّهم: إنَّهُ الدّائِمُ، قالَ الواحِدِيُّ: ومَن فَسَّرَ الواصِبَ بِالشَّدِيدِ والمُوجِعِ فَهو مَعْنًى ولَيْسَ بِتَفْسِيرٍ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إلّا مَن خَطِفَ الخَطْفَةَ﴾ ذَكَرْنا مَعْنى الخَطْفِ في سُورَةِ الحَجِّ، قالَ الزَّجّاجُ: وهو أخْذُ الشَّيْءِ بِسُرْعَةٍ، وأصْلُ خَطِفَ اخْتَطَفَ، قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: ”مَن“ في مَحَلِّ الرَّفْعِ بَدَلٌ مِنَ الواوِ في لا يَسَّمَّعُونَ أيْ لا يَسَّمَّعُ الشَّياطِينُ إلّا الشَّيْطانُ الَّذِي خَطِفَ الخَطْفَةَ أيِ اخْتَلَسَ الكَلِمَةَ عَلى وجْهِ المُسارَقَةِ ﴿فَأتْبَعَهُ﴾ يَعْنِي لَحِقَهُ وأصابَهُ، يُقالُ: تَبِعَهُ وأتْبَعَهُ إذا مَضى في أثَرِهِ، وأتْبَعَهُ إذا لَحِقَهُ وأصْلُهُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأتْبَعَهُ الشَّيْطانُ﴾ [الأعراف: ١٧٥] وقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿شِهابٌ ثاقِبٌ﴾ قالَ الحَسَنُ: ثاقِبٌ أيْ مُضِيءٌ، وأقُولُ: سُمِّي ثاقِبًا بِنُورِهِ الهَواءَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿النَّجْمُ الثّاقِبُ﴾ [الطارق: ٣] قالَ: إنَّهُ رَجُلٌ سُمِّيَ بِذَلِكَ؛ لِأنَّهُ يَثْقُبُ بِنُورِهِ سَمْكَ سَبْعِ سَماواتٍ واللَّهُ أعْلَمُ.
الصافات 37:9
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿لا يَسَّمَّعُونَ إلى المَلَإ الأعْلى﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ ”﴿لا يَسَّمَّعُونَ﴾“ بِتَشْدِيدِ السِّينِ والمِيمِ وأصْلُهُ يَتَسَمَّعُونَ، فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في السِّينِ لِاشْتِراكِهِما في الهَمْسِ، والتَّسَمُّعُ تَطَلُّبُ السَّماعِ، يُقالُ: تَسَمَّعَ سَمِعَ أوْ لَمْ يَسْمَعْ، والباقُونَ بِتَخْفِيفِ السِّينِ، واخْتارَ أبُو عُبَيْدٍ التَّشْدِيدَ في يَسَّمَّعُونَ، قالَ: لِأنَّ العَرَبَ تَقُولُ: تَسَمَّعْتُ إلى فُلانٍ، ويَقُولُونَ: سَمِعْتُ فُلانًا، ولا يَكادُونَ يَقُولُونَ: سَمِعْتُ إلى فُلانٍ، وقِيلَ: في تَقْوِيَةِ هَذِهِ القِراءَةِ إذا نُفِيَ التَّسَمُّعُ، فَقَدْ نُفِيَ سَمْعُهُ.
وحُجَّةُ القِراءَةِ الثّانِيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهم عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٢] ورَوى مُجاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ الشَّياطِينَ يَسَّمَّعُونَ إلى المَلَأِ الأعْلى ثُمَّ يُمْنَعُونَ فَلا يَسْمَعُونَ، ولِلْأوَّلِينَ أنْ يُجِيبُوا فَيَقُولُونَ: التَّنْصِيصُ عَلى كَوْنِهِمْ مَعْزُولِينَ عَنِ السَّمْعِ لا يَمْنَعُ مِن كَوْنِهِمْ مَعْزُولِينَ أيْضًا عَنِ التَّسَمُّعِ بِدَلالَةِ هَذِهِ الآيَةِ، بَلْ هو أقْوى في رَدْعِ الشَّياطِينِ ومَنعِهِمْ مِنِ اسْتِماعِ أخْبارِ السَّماءِ، فَإنَّ الَّذِي مُنِعَ مِنَ الِاسْتِماعِ فَبِأنْ يَكُونَ مَمْنُوعًا مِنَ السَّمْعِ أوْلى.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الفَرْقُ بَيْنَ قَوْلِكَ سَمِعْتُ حَدِيثَ فُلانٍ، وبَيْنَ قَوْلِكَ: سَمِعْتُ إلى حَدِيثِهِ، بِأنَّ قَوْلَكَ سَمِعْتُ حَدِيثَهُ يُفِيدُ الإدْراكَ، وسَمِعْتُ إلى حَدِيثِهِ يُفِيدُ الإصْغاءَ مَعَ الإدْراكِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في قَوْلِهِ: ﴿لا يَسَّمَّعُونَ إلى المَلَإ الأعْلى﴾ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: وهو المَشْهُورُ أنَّ تَقْدِيرَ الكَلامِ لِئَلّا يَسْمَعُوا، فَلَمّا حُذِفَ النّاصِبُ عادَ الفِعْلُ إلى الرَّفْعِ كَما قالَ: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم أنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦] وكَما قالَ: ﴿رَواسِيَ أنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [النحل: ١٥] قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: حَذْفُ أنْ واللّامِ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما جائِزٌ بِانْفِرادِهِ. أمّا اجْتِماعُهُما فَمِنَ المُنْكَراتِ الَّتِي يَجِبُ صَوْنُ القُرْآنِ عَنْها.
والقَوْلُ الثّانِي: وهو الَّذِي
صفحة ١٠٨
اخْتارَهُ صاحِبُ الكَشّافِ أنَّهُ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ مُنْقَطِعٌ عَمّا قَبْلَهُ، وهو حِكايَةُ حالِ المُسْتَرِقَةِ لِلسَّمْعِ وأنَّهم لا يَقْدِرُونَ أنْ يَسْمَعُوا إلى كَلامِ المَلائِكَةِ ويَتَسَمَّعُوا وهم مَقْذُوفُونَ بِالشُّهُبِ، مَدْحُورُونَ عَنْ ذَلِكَ المَقْصُودِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: المَلَأُ الأعْلى المَلائِكَةُ؛ لِأنَّهم يَسْكُنُونَ السَّماواتِ. وأمّا الإنْسُ والجِنُّ فَهُمُ المَلَأُ الأسْفَلُ؛ لِأنَّهم سُكّانُ الأرْضِ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى وصَفَ أُولَئِكَ الشَّياطِينَ بِصِفاتٍ ثَلاثٍ:
الأُولى: أنَّهم لا يَسَّمَّعُونَ.
الثّانِيَةُ: أنَّهم يُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جانِبٍ دُحُورًا، وفِيهِ أبْحاثٌ:
الأوَّلُ: قَدْ ذَكَرْنا مَعْنى الدُّحُورِ في سُورَةِ الأعْرافِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿اخْرُجْ مِنها مَذْءُومًا مَدْحُورًا﴾ [الأعراف: ١٨] قالَ المُبَرِّدُ: الدُّحُورُ أشَدُّ الصِّغارِ والذُّلِّ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ دَحَرْتُهُ دَحْرًا ودُحُورًا أيْ دَفَعْتُهُ وطَرَدْتُهُ.
البَحْثُ الثّانِي: في انْتِصابِ قَوْلِهِ: ﴿دُحُورًا﴾ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّهُ انْتُصِبَ بِالمَصْدَرِ عَلى مَعْنى يُدْحَرُونَ دُحُورًا، ودَلَّ عَلى الفِعْلِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويُقْذَفُونَ﴾ .
الثّانِي: التَّقْدِيرُ ويُقْذَفُونَ لِلدُّحُورِ ثُمَّ حَذَفَ اللّامَ.
الثّالِثُ: قالَ مُجاهِدٌ: دُحُورًا مَطْرُودِينَ، فَعَلى هَذا هو حالٌ سُمِّيَتْ بِالمَصْدَرِ كالرُّكُوعِ والسُّجُودِ والحُضُورِ.
البَحْثُ الثّالِثُ: قَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السَّمَلِيُّ دَحُورًا بِفَتْحِ الدّالِ، قالَ الفَرّاءُ: كَأنَّهُ قالَ: يُقْذَفُونَ يُدْحَرُونَ بِما يُدْحَرُ، ثُمَّ قالَ: ولَسْتُ أشْتَهِي الفَتْحَ؛ لِأنَّهُ لَوْ وُجِدَ ذَلِكَ عَلى صِحَّةٍ لَكانَ فِيها الباءُ، كَما تَقُولُ: يُقْذَفُونَ بِالحِجارَةِ ولا تَقُولُ: يُقْذَفُونَ الحِجارَةَ إلّا أنَّهُ جائِزٌ في الجُمْلَةِ كَما قالَ الشّاعِرُ:
نُغالِي اللَّحْمَ لِلْأضْيافِ نِيئًا
أيْ نُغالِي بِاللَّحْمِ.
الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَهم عَذابٌ واصِبٌ﴾ والمَعْنى أنَّهم مَرْجُومُونَ بِالشُّهُبِ وهَذا العَذابُ مُسَلَّطٌ عَلَيْهِمْ عَلى سَبِيلِ الدَّوامِ، وذَكَرْنا تَفْسِيرَ الواصِبِ في سُورَةِ النَّحْلِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَهُ الدِّينُ واصِبًا﴾ [النحل: ٥٢] قالُوا كُلُّهم: إنَّهُ الدّائِمُ، قالَ الواحِدِيُّ: ومَن فَسَّرَ الواصِبَ بِالشَّدِيدِ والمُوجِعِ فَهو مَعْنًى ولَيْسَ بِتَفْسِيرٍ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إلّا مَن خَطِفَ الخَطْفَةَ﴾ ذَكَرْنا مَعْنى الخَطْفِ في سُورَةِ الحَجِّ، قالَ الزَّجّاجُ: وهو أخْذُ الشَّيْءِ بِسُرْعَةٍ، وأصْلُ خَطِفَ اخْتَطَفَ، قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: ”مَن“ في مَحَلِّ الرَّفْعِ بَدَلٌ مِنَ الواوِ في لا يَسَّمَّعُونَ أيْ لا يَسَّمَّعُ الشَّياطِينُ إلّا الشَّيْطانُ الَّذِي خَطِفَ الخَطْفَةَ أيِ اخْتَلَسَ الكَلِمَةَ عَلى وجْهِ المُسارَقَةِ ﴿فَأتْبَعَهُ﴾ يَعْنِي لَحِقَهُ وأصابَهُ، يُقالُ: تَبِعَهُ وأتْبَعَهُ إذا مَضى في أثَرِهِ، وأتْبَعَهُ إذا لَحِقَهُ وأصْلُهُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأتْبَعَهُ الشَّيْطانُ﴾ [الأعراف: ١٧٥] وقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿شِهابٌ ثاقِبٌ﴾ قالَ الحَسَنُ: ثاقِبٌ أيْ مُضِيءٌ، وأقُولُ: سُمِّي ثاقِبًا بِنُورِهِ الهَواءَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿النَّجْمُ الثّاقِبُ﴾ [الطارق: ٣] قالَ: إنَّهُ رَجُلٌ سُمِّيَ بِذَلِكَ؛ لِأنَّهُ يَثْقُبُ بِنُورِهِ سَمْكَ سَبْعِ سَماواتٍ واللَّهُ أعْلَمُ.
الصافات 37:10
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿لا يَسَّمَّعُونَ إلى المَلَإ الأعْلى﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ ”﴿لا يَسَّمَّعُونَ﴾“ بِتَشْدِيدِ السِّينِ والمِيمِ وأصْلُهُ يَتَسَمَّعُونَ، فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في السِّينِ لِاشْتِراكِهِما في الهَمْسِ، والتَّسَمُّعُ تَطَلُّبُ السَّماعِ، يُقالُ: تَسَمَّعَ سَمِعَ أوْ لَمْ يَسْمَعْ، والباقُونَ بِتَخْفِيفِ السِّينِ، واخْتارَ أبُو عُبَيْدٍ التَّشْدِيدَ في يَسَّمَّعُونَ، قالَ: لِأنَّ العَرَبَ تَقُولُ: تَسَمَّعْتُ إلى فُلانٍ، ويَقُولُونَ: سَمِعْتُ فُلانًا، ولا يَكادُونَ يَقُولُونَ: سَمِعْتُ إلى فُلانٍ، وقِيلَ: في تَقْوِيَةِ هَذِهِ القِراءَةِ إذا نُفِيَ التَّسَمُّعُ، فَقَدْ نُفِيَ سَمْعُهُ.
وحُجَّةُ القِراءَةِ الثّانِيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهم عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٢] ورَوى مُجاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ الشَّياطِينَ يَسَّمَّعُونَ إلى المَلَأِ الأعْلى ثُمَّ يُمْنَعُونَ فَلا يَسْمَعُونَ، ولِلْأوَّلِينَ أنْ يُجِيبُوا فَيَقُولُونَ: التَّنْصِيصُ عَلى كَوْنِهِمْ مَعْزُولِينَ عَنِ السَّمْعِ لا يَمْنَعُ مِن كَوْنِهِمْ مَعْزُولِينَ أيْضًا عَنِ التَّسَمُّعِ بِدَلالَةِ هَذِهِ الآيَةِ، بَلْ هو أقْوى في رَدْعِ الشَّياطِينِ ومَنعِهِمْ مِنِ اسْتِماعِ أخْبارِ السَّماءِ، فَإنَّ الَّذِي مُنِعَ مِنَ الِاسْتِماعِ فَبِأنْ يَكُونَ مَمْنُوعًا مِنَ السَّمْعِ أوْلى.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الفَرْقُ بَيْنَ قَوْلِكَ سَمِعْتُ حَدِيثَ فُلانٍ، وبَيْنَ قَوْلِكَ: سَمِعْتُ إلى حَدِيثِهِ، بِأنَّ قَوْلَكَ سَمِعْتُ حَدِيثَهُ يُفِيدُ الإدْراكَ، وسَمِعْتُ إلى حَدِيثِهِ يُفِيدُ الإصْغاءَ مَعَ الإدْراكِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في قَوْلِهِ: ﴿لا يَسَّمَّعُونَ إلى المَلَإ الأعْلى﴾ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: وهو المَشْهُورُ أنَّ تَقْدِيرَ الكَلامِ لِئَلّا يَسْمَعُوا، فَلَمّا حُذِفَ النّاصِبُ عادَ الفِعْلُ إلى الرَّفْعِ كَما قالَ: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم أنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦] وكَما قالَ: ﴿رَواسِيَ أنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [النحل: ١٥] قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: حَذْفُ أنْ واللّامِ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما جائِزٌ بِانْفِرادِهِ. أمّا اجْتِماعُهُما فَمِنَ المُنْكَراتِ الَّتِي يَجِبُ صَوْنُ القُرْآنِ عَنْها.
والقَوْلُ الثّانِي: وهو الَّذِي
صفحة ١٠٨
اخْتارَهُ صاحِبُ الكَشّافِ أنَّهُ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ مُنْقَطِعٌ عَمّا قَبْلَهُ، وهو حِكايَةُ حالِ المُسْتَرِقَةِ لِلسَّمْعِ وأنَّهم لا يَقْدِرُونَ أنْ يَسْمَعُوا إلى كَلامِ المَلائِكَةِ ويَتَسَمَّعُوا وهم مَقْذُوفُونَ بِالشُّهُبِ، مَدْحُورُونَ عَنْ ذَلِكَ المَقْصُودِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: المَلَأُ الأعْلى المَلائِكَةُ؛ لِأنَّهم يَسْكُنُونَ السَّماواتِ. وأمّا الإنْسُ والجِنُّ فَهُمُ المَلَأُ الأسْفَلُ؛ لِأنَّهم سُكّانُ الأرْضِ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى وصَفَ أُولَئِكَ الشَّياطِينَ بِصِفاتٍ ثَلاثٍ:
الأُولى: أنَّهم لا يَسَّمَّعُونَ.
الثّانِيَةُ: أنَّهم يُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جانِبٍ دُحُورًا، وفِيهِ أبْحاثٌ:
الأوَّلُ: قَدْ ذَكَرْنا مَعْنى الدُّحُورِ في سُورَةِ الأعْرافِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿اخْرُجْ مِنها مَذْءُومًا مَدْحُورًا﴾ [الأعراف: ١٨] قالَ المُبَرِّدُ: الدُّحُورُ أشَدُّ الصِّغارِ والذُّلِّ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ دَحَرْتُهُ دَحْرًا ودُحُورًا أيْ دَفَعْتُهُ وطَرَدْتُهُ.
البَحْثُ الثّانِي: في انْتِصابِ قَوْلِهِ: ﴿دُحُورًا﴾ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّهُ انْتُصِبَ بِالمَصْدَرِ عَلى مَعْنى يُدْحَرُونَ دُحُورًا، ودَلَّ عَلى الفِعْلِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويُقْذَفُونَ﴾ .
الثّانِي: التَّقْدِيرُ ويُقْذَفُونَ لِلدُّحُورِ ثُمَّ حَذَفَ اللّامَ.
الثّالِثُ: قالَ مُجاهِدٌ: دُحُورًا مَطْرُودِينَ، فَعَلى هَذا هو حالٌ سُمِّيَتْ بِالمَصْدَرِ كالرُّكُوعِ والسُّجُودِ والحُضُورِ.
البَحْثُ الثّالِثُ: قَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السَّمَلِيُّ دَحُورًا بِفَتْحِ الدّالِ، قالَ الفَرّاءُ: كَأنَّهُ قالَ: يُقْذَفُونَ يُدْحَرُونَ بِما يُدْحَرُ، ثُمَّ قالَ: ولَسْتُ أشْتَهِي الفَتْحَ؛ لِأنَّهُ لَوْ وُجِدَ ذَلِكَ عَلى صِحَّةٍ لَكانَ فِيها الباءُ، كَما تَقُولُ: يُقْذَفُونَ بِالحِجارَةِ ولا تَقُولُ: يُقْذَفُونَ الحِجارَةَ إلّا أنَّهُ جائِزٌ في الجُمْلَةِ كَما قالَ الشّاعِرُ:
نُغالِي اللَّحْمَ لِلْأضْيافِ نِيئًا
أيْ نُغالِي بِاللَّحْمِ.
الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَهم عَذابٌ واصِبٌ﴾ والمَعْنى أنَّهم مَرْجُومُونَ بِالشُّهُبِ وهَذا العَذابُ مُسَلَّطٌ عَلَيْهِمْ عَلى سَبِيلِ الدَّوامِ، وذَكَرْنا تَفْسِيرَ الواصِبِ في سُورَةِ النَّحْلِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَهُ الدِّينُ واصِبًا﴾ [النحل: ٥٢] قالُوا كُلُّهم: إنَّهُ الدّائِمُ، قالَ الواحِدِيُّ: ومَن فَسَّرَ الواصِبَ بِالشَّدِيدِ والمُوجِعِ فَهو مَعْنًى ولَيْسَ بِتَفْسِيرٍ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إلّا مَن خَطِفَ الخَطْفَةَ﴾ ذَكَرْنا مَعْنى الخَطْفِ في سُورَةِ الحَجِّ، قالَ الزَّجّاجُ: وهو أخْذُ الشَّيْءِ بِسُرْعَةٍ، وأصْلُ خَطِفَ اخْتَطَفَ، قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: ”مَن“ في مَحَلِّ الرَّفْعِ بَدَلٌ مِنَ الواوِ في لا يَسَّمَّعُونَ أيْ لا يَسَّمَّعُ الشَّياطِينُ إلّا الشَّيْطانُ الَّذِي خَطِفَ الخَطْفَةَ أيِ اخْتَلَسَ الكَلِمَةَ عَلى وجْهِ المُسارَقَةِ ﴿فَأتْبَعَهُ﴾ يَعْنِي لَحِقَهُ وأصابَهُ، يُقالُ: تَبِعَهُ وأتْبَعَهُ إذا مَضى في أثَرِهِ، وأتْبَعَهُ إذا لَحِقَهُ وأصْلُهُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأتْبَعَهُ الشَّيْطانُ﴾ [الأعراف: ١٧٥] وقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿شِهابٌ ثاقِبٌ﴾ قالَ الحَسَنُ: ثاقِبٌ أيْ مُضِيءٌ، وأقُولُ: سُمِّي ثاقِبًا بِنُورِهِ الهَواءَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿النَّجْمُ الثّاقِبُ﴾ [الطارق: ٣] قالَ: إنَّهُ رَجُلٌ سُمِّيَ بِذَلِكَ؛ لِأنَّهُ يَثْقُبُ بِنُورِهِ سَمْكَ سَبْعِ سَماواتٍ واللَّهُ أعْلَمُ.
الصافات 37:11
صفحة ١٠٩
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاسْتَفْتِهِمْ أهم أشَدُّ خَلْقًا أمْ مَن خَلَقْنا إنّا خَلَقْناهم مِن طِينٍ لازِبٍ﴾ في الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في بَيانِ النَّظْمِ اعْلَمْ أنّا قَدْ ذَكَرْنا أنَّ المَقْصِدَ الأقْصى مِن هَذا الكِتابِ الكَرِيمِ إثْباتُ الأُصُولِ الأرْبَعَةِ وهي الإلَهِيّاتُ والمَعادُ والنُّبُوَّةُ وإثْباتُ القَضاءِ والقَدَرِ، فَنَقُولُ: إنَّهُ تَعالى افْتَتَحَ هَذِهِ السُّورَةَ، بِإثْباتِ ما يَدُلُّ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ ويَدُلُّ عَلى وحْدانِيَّتِهِ وهو خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما وخَلْقُ المَشارِقِ والمَغارِبِ، فَلَمّا أحْكَمَ الكَلامَ في هَذا البابِ فَرَّعَ عَلَيْها إثْباتَ القَوْلِ بِالحَشْرِ والنَّشْرِ والقِيامَةِ.
واعْلَمْ أنَّ الكَلامَ في هَذِهِ المَسْألَةِ يَتَعَلَّقُ بِطَرَفَيْنِ:
أوَّلُهُما: إثْباتُ الجَوازِ العَقْلِيِّ.
وثانِيهِما: إثْباتُ الوُقُوعِ.
أمّا الكَلامُ في المَطْلُوبِ الأوَّلِ: فاعْلَمْ أنَّ الِاسْتِدْلالَ عَلى الشَّيْءِ يَقَعُ عَلى وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنْ يُقالَ إنَّهُ قَدَرَ عَلى ما هو أصْعَبُ وأشَدُّ وأشَقُّ مِنهُ، فَوَجَبَ أيْضًا أنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ.
والثّانِي: أنْ يُقالَ: إنَّهُ قَدَرَ عَلَيْهِ في إحْدى الحالَتَيْنِ والفاعِلُ والقابِلُ باقِيَيْنِ كَما كانا، فَوَجَبَ أنْ تَبْقى القُدْرَةُ عَلَيْهِ في الحالَةِ الثّانِيَةِ، واللَّهُ تَعالى ذَكَرَ هَذَيْنِ الطَّرِيقَيْنِ في بَيانِ أنَّ القَوْلَ بِالبَعْثِ والقِيامَةِ أمْرٌ جائِزٌ مُمْكِنٌ.
أمّا الطَّرِيقُ الأوَّلُ: فَهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فاسْتَفْتِهِمْ أهم أشَدُّ خَلْقًا﴾ [الصافات: ١١] والتَّقْدِيرُ كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: اسْتَفْتِ يا مُحَمَّدُ هَؤُلاءِ المُنْكِرِينَ أهم أشَدُّ خَلْقًا مِن خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما وخَلْقِ المَشارِقِ والمَغارِبِ وخَلْقِ الشَّياطِينِ الَّذِينَ يَصْعَدُونَ الفَلَكَ، ولا شَكَّ أنَّهم يَعْتَرِفُونَ بِأنَّ خَلْقَ هَذا القِسْمِ أشَقُّ وأشَدُّ في العُرْفِ مِن خَلْقِ القِسْمِ الأوَّلِ، فَلَمّا ثَبَتَ بِالدَّلائِلِ المَذْكُورَةِ في إثْباتِ التَّوْحِيدِ كَوْنُهُ تَعالى قادِرًا عَلى هَذا القِسْمِ الَّذِي هو أشَدُّ وأصْعَبُ، فَبِأنْ يَكُونَ قادِرًا عَلى إعادَةِ الحَياةِ في هَذِهِ الأجْسادِ كانَ أوْلى، ونَظِيرُ هَذِهِ الدَّلالَةِ قَوْلُهُ تَعالى في آخِرِ يس ﴿أوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ [يس: ٨١] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ أكْبَرُ مِن خَلْقِ النّاسِ﴾ [غافر: ٥٧] .
أمّا الطَّرِيقُ الثّانِي: فَهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنّا خَلَقْناهم مِن طِينٍ لازِبٍ﴾ والمَعْنى أنَّ هَذِهِ الأجْسامَ قابِلَةٌ لِلْحَياةِ إذْ لَوْ لَمْ تَكُنْ قابِلَةً لِلْحَياةِ لَما صارَتْ حَيَّةً في المَرَّةِ الأُولى، والإلَهُ قادِرٌ عَلى خَلْقِ هَذِهِ الحَياةِ في هَذِهِ الأجْسامِ، ولَوْلا كَوْنُهُ تَعالى قادِرًا عَلى هَذا المَعْنى لَما حَصَلَتِ الحَياةُ في المَرَّةِ الأُولى، ولا شَكَّ أنَّ قابِلِيَّةَ تِلْكَ الأجْسامِ باقِيَةٌ وأنَّ قادِرِيَّةَ اللَّهِ تَعالى باقِيَةٌ؛ لِأنَّ هَذِهِ القابِلِيَّةَ وهَذِهِ القادِرِيَّةَ مِنَ الصِّفاتِ الذّاتِيَّةِ فامْتَنَعَ زَوالُها فَثَبَتَ بِهَذَيْنِ الطَّرِيقَيْنِ أنَّ القَوْلَ بِالبَعْثِ والقِيامَةِ أمْرٌ مُمْكِنٌ، ولَمّا بَيَّنَ تَعالى إمْكانَ هَذا المَعْنى بِهَذَيْنِ الطَّرِيقَيْنِ بَيَّنَ وُقُوعَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ نَعَمْ وأنْتُمْ داخِرُونَ﴾ [الصافات: ١٨] وذَلِكَ لِأنَّهُ ثَبَتَ صِدْقُ الرَّسُولِ ﷺ لِأجْلِ ظُهُورِ المُعْجِزاتِ عَلَيْهِ، والصّادِقُ إذا أخْبَرَ عَنْ أمْرٍ مُمْكِنِ الوُقُوعِ وجَبَ الِاعْتِرافُ بِوُقُوعِهِ فَهَذا تَقْرِيرُ نَظْمِ هَذِهِ الآيَةِ وهو في غايَةِ الحُسْنِ واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في تَفْسِيرِ ألْفاظِ هَذِهِ الآيَةِ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿فاسْتَفْتِهِمْ﴾ يَعْنِي أنَّهُ لَمّا ثَبَتَ بِالدَّلائِلِ القاطِعَةِ كَوْنُهُ تَعالى خالِقًا لِلسَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما فاسْتَفْتِ هَؤُلاءِ المُنْكِرِينَ، وقُلْ لَهم: ﴿أهم أشَدُّ خَلْقًا﴾ أمْ هَذِهِ الأشْياءُ الَّتِي بَيَّنّا كَوْنَهُ تَعالى خالِقًا لَها ولَمْ يَحْكِ عَنْهم أنَّهم أقَرُّوا أنَّ خَلْقَ هَذِهِ الأشْياءِ أصْعَبُ لِأجْلِ أنَّ ظُهُورَ ذَلِكَ كالمَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ فَلا حاجَةَ أنْ يُحْكى عَنْهم صِحَّةُ أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنّا خَلَقْناهم مِن طِينٍ لازِبٍ﴾ يَعْنِي أنّا لَمّا قَدَرْنا عَلى خَلْقِ الحَياةِ في ذَواتِهِمْ أوَّلًا وجَبَ أنْ نَبْقى قادِرِينَ عَلى خَلْقِ الحَياةِ فِيهِمْ ثانِيًا؛ لِما بَيَّنّا أنَّ حالَ القابِلِ وحالَ الفاعِلِ مُمْتَنِعُ التَّغَيُّرِ.
وفِيهِ دَقِيقَةٌ أُخْرى وهي أنَّ القَوْمَ قالُوا: كَيْفَ يُعْقَلُ تَوَلُّدُ الإنْسانِ لا مِنَ النُّطْفَةِ ولا مِنَ الأبَوَيْنِ ؟ فَكَأنَّهُ قِيلَ لَهم: إنَّكم لَمّا
صفحة ١١٠
أقْرَرْتُمْ بِحُدُوثِ العالَمِ واعْتَرَفْتُمْ بِأنَّ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إنَّما حَصَلَ بِتَخْلِيقِ اللَّهِ تَعالى وتَكْوِينِهِ فَلا بُدَّ وأنْ تَعْتَرِفُوا بِأنَّ الإنْسانَ الأوَّلَ إنَّما حَدَثَ لا مِنَ الأبَوَيْنِ ؟ فَإذا عَقَلْتُمْ ذَلِكَ واعْتَرَفْتُمْ بِهِ فَقَدْ سَقَطَ قَوْلُكُمُ: الإنْسانُ كَيْفَ يَحْدُثُ مِن غَيْرِ النُّطْفَةِ ومِن غَيْرِ الأبَوَيْنِ ؟ وأيْضًا قَدِ اشْتُهِرَ عِنْدَ الجُمْهُورِ أنَّ آدَمَ مَخْلُوقٌ مِنَ الطِّينِ اللّازِبِ ومَن قَدَرَ عَلى خَلْقِ الحَياةِ في الطِّينِ اللّازِبِ فَكَيْفَ يَعْجِزُ عَنْ إعادَةِ الحَياةِ إلى هَذِهِ الذَّواتِ.
وأمّا كَيْفِيَّةُ خَلْقِ الإنْسانِ مِنَ الطِّينِ اللّازِبِ فَهي مَذْكُورَةٌ في السُّورَةِ المُتَقَدِّمَةِ، واعْلَمْ أنَّ هَذا الوَجْهَ أنَما يَحْسُنُ إذا قُلْنا: المُرادُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا خَلَقْناهم مِن طِينٍ لازِبٍ﴾ هو أنّا خَلَقْنا أباهم آدَمَ مِن طِينٍ لازِبٍ، وفِيهِ وُجُوهٌ أُخَرُ، وهو أنْ يَكُونَ المُرادُ أنّا خَلَقْنا كُلَّ إنْسانٍ مِن طِينٍ لازِبٍ، وتَقْرِيرُهُ أنَّ الحَيَوانَ إنَّما يَتَوَلَّدُ مِنَ المَنِيِّ ودَمِ الطَّمْثِ والمَنِيَّ يَتَوَلَّدُ مِنَ الدَّمِ، فالحَيَوانُ إنَّما يَتَوَلَّدُ مِنَ الدَّمِ والدَّمُ إنَّما يَتَوَلَّدُ مِنَ الغِذاءِ، والغِذاءُ إمّا حَيَوانِيٌّ وإمّا نَباتِيٌّ، أمّا تَوَلُّدُ الحَيَوانِ الَّذِي صارَ غِذاءً فالكَلامُ في كَيْفِيَّةِ تَوَلُّدِهِ كالكَلامِ في تَوَلُّدِ الإنْسانِ، فَثَبَتَ أنَّ الأصْلَ في الأغْذِيَةِ هو النَّباتُ، والنَّباتُ إنَّما يَتَوَلَّدُ مِنِ امْتِزاجِ الأرْضِ بِالماءِ وهو الطِّينُ اللّازِبُ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَقَدْ ظَهَرَ أنَّ كُلَّ الخَلْقِ مُتَوَلِّدُونَ مِنَ الطِّينِ اللّازِبِ، وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّ هَذِهِ الأجْزاءَ الَّتِي مِنها تَرَكَّبَ هَذا الطِّينُ اللّازِبُ قابِلَةٌ لِلْحَياةِ واللَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلَيْها، وهَذِهِ القابِلِيَّةُ والقادِرِيَّةُ واجِبَةُ البَقاءِ، فَوَجَبَ بَقاءُ هَذِهِ الصِّحَّةِ في كُلِّ الأوْقاتِ وهَذِهِ بَياناتٌ ظاهِرَةٌ واضِحَةٌ، وأمّا اللّازِبُ فَقِيلَ اللّاصِقُ، وقِيلَ اللَّزِجُ، وقِيلَ: الحَتِدُ، وأكْثَرُ أهْلِ اللُّغَةِ عَلى أنَّ الباءَ في لازِبٍ بَدَلٌ مِنَ المِيمِ يُقالُ: لازِبٌ ولازِمٌ.
الصافات 37:12
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿بَلْ عَجِبْتَ ويَسْخَرُونَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: تَقْرِيرُ الكَلامِ أنْ يُقالَ إنَّ هَؤُلاءِ المُنْكِرِينَ أقَرُّوا بِأنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى تَكْوِينِ أشْياءَ أصْعَبَ مِن إعادَةِ الحَياةِ إلى هَذِهِ الأجْسادِ، وقَدْ تَقَرَّرَ في صَرائِحِ العُقُولِ أنَّ القادِرَ عَلى الأشَقِّ الأشَدِّ يَكُونُ قادِرًا عَلى الأسْهَلِ الأيْسَرِ، ثُمَّ مَعَ قِيامِ هَذِهِ الحُجَّةِ البَدِيهِيَّةِ بَقِيَ هَؤُلاءِ الأقْوامُ مُصِرِّينَ عَلى إنْكارِ البَعْثِ والقِيامَةِ وهَذا في مَوْضِعِ التَّعَجُّبِ الشَّدِيدِ فَإنَّ مَعَ ظُهُورِ هَذِهِ الحُجَّةِ الجَلِيَّةِ الظّاهِرَةِ كَيْفَ يُعْقَلُ بَقاءُ القَوْمِ عَلى الإصْرارِ فِيهِ، فَأنْتَ يا مُحَمَّدُ تَتَعَجَّبُ مِن إصْرارِهِمْ عَلى الإنْكارِ وهم في طَرَفِ الإنْكارِ وصَلُوا إلى حَيْثُ يَسْخَرُونَ مِنكَ في قَوْلِكَ بِإثْباتِ الحَشْرِ والنَّشْرِ والبَعْثِ والقِيامَةِ، فَهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿بَلْ عَجِبْتَ ويَسْخَرُونَ﴾ .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ”عَجِبْتُ“ بِضَمِّ التّاءِ والباقُونَ بِفَتْحِها قالَ الواحِدِيُّ: والضَّمُّ قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ مَسْعُودٍ وإبْراهِيمَ ويَحْيى بْنِ ثابِتٍ والأعْمَشِ وقِراءَةُ أهْلِ الكُوفَةِ واخْتِيارُ أبِي عُبَيْدَةَ، أمّا الَّذِينَ قَرَءُوا بِالفَتْحِ فَقَدِ احْتَجُّوا بِوُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ القِراءَةَ بِالضَّمِّ تَدُلُّ عَلى إسْنادِ العَجَبِ إلى اللَّهِ تَعالى وذَلِكَ مُحالٌ؛ لِأنَّ التَّعَجُّبَ حالَةٌ تَحْصُلُ عِنْدَ الجَهْلِ بِصِفَةِ الشَّيْءِ ومَعْلُومٌ أنَّ الجَهْلَ عَلى اللَّهِ مُحالٌ.
والثّانِي: أنَّ اللَّهَ تَعالى أضافَ التَّعَجُّبَ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ في آيَةٍ أُخْرى في هَذِهِ المَسْألَةِ فَقالَ: ﴿وإنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهم أئِذا كُنّا تُرابًا﴾ [الرعد: ٥] .
والثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿بَلْ عَجِبْتَ ويَسْخَرُونَ﴾ والظّاهِرُ أنَّهم سَخِرُوا لِأجْلِ
صفحة ١١١
ذَلِكَ التَّعَجُّبِ فَلَمّا سَخِرُوا مِنهُ وجَبَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ التَّعَجُّبُ صادِرًا مِنهُ، وأمّا الَّذِينَ قَرَءُوا بِضَمِّ التّاءِ، فَقَدْ أجابُوا عَنِ الحُجَّةِ الأُولى مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ القِراءَةَ بِالضَّمِّ لا نُسَلِّمُ أنَّها تَدُلُّ عَلى إسْنادِ التَّعَجُّبِ إلى اللَّهِ تَعالى، وبَيانُهُ أنَّهُ يَكُونُ التَّقْدِيرُ قُلْ يا مُحَمَّدُ (بَلْ عَجِبْتُ ويَسْخَرُونَ) ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أسْمِعْ بِهِمْ وأبْصِرْ﴾ [مريم: ٣٨] مَعْناهُ أنَّ هَؤُلاءِ ما تَقُولُونَ فِيهِ أنْتُمْ هَذا النَّحْوَ مِنَ الكَلامِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما أصْبَرَهم عَلى النّارِ﴾ [البقرة: ١٧٥] .
الثّانِي: سَلَّمْنا أنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي إضافَةَ التَّعَجُّبِ إلى اللَّهِ تَعالى فَلِمَ قُلْتُمْ إنَّ ذَلِكَ مُحالٌ ؟ ويُرْوى أنَّ شُرَيْحًا كانَ يَخْتارُ القِراءَةَ بِالنَّصْبِ ويَقُولُ: العَجَبُ لا يَلِيقُ إلّا بِمَن لا يَعْلَمُ، قالَ الأعْمَشُ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِإبْراهِيمَ فَقالَ: إنَّ شُرَيْحًا يَعْجَبُ بِعِلْمِهِ، وكانَ عَبْدُ اللَّهِ أعْلَمَ، وكانَ يَقْرَأُ بِالضَّمِّ، وتَحْقِيقُ القَوْلِ فِيهِ أنْ نَقُولَ: دَلَّ القُرْآنُ والخَبَرُ عَلى جَوازِ إضافَةِ العَجَبِ إلى اللَّهِ تَعالى، أمّا القُرْآنُ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ﴾ [الرعد: ٥] والمَعْنى: وإنْ تَعْجَبْ يا مُحَمَّدُ مِن قَوْلِهِمْ فَهو أيْضًا عَجَبٌ عِنْدِي، وأُجِيبَ عَنْهُ أنَّهُ لا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ المُرادُ وإنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهم عِنْدَكم، وأمّا الخَبَرُ فَقَوْلُهُ ﷺ: «عَجِبَ رَبُّكم مِن إلِّكم وقُنُوطِكم، وعَجِبَ رَبُّكم مِن شابٍّ لَيْسَتْ لَهُ صَبْوَةٌ» . وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: العَجَبُ مِنَ اللَّهِ تَعالى خِلافُ العَجَبِ مِنَ الآدَمِيِّينَ كَما قالَ: ﴿ويَمْكُرُونَ ويَمْكُرُ اللَّهُ﴾ [الأنفال: ٣٠] وقالَ: ﴿سَخِرَ اللَّهُ مِنهُمْ﴾ [التوبة: ٧٩] وقالَ تَعالى: ﴿وهُوَ خادِعُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٢] والمَكْرُ والخِداعُ والسُّخْرِيَةُ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِخِلافِ هَذِهِ الأحْوالِ مِنَ العِبادِ، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ القانُونَ في هَذا البابِ أنَّ هَذِهِ الألْفاظَ مَحْمُولَةٌ عَلى نِهاياتِ الأعْراضِ لا عَلى بِداياتِ الأعْراضِ.
وكَذَلِكَ هَهُنا مَن تَعَجَّبَ مِن شَيْءٍ فَإنَّهُ يَسْتَعْظِمُهُ فالتَّعَجُّبُ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى مَحْمُولٌ عَلى أنَّهُ تَعالى يَسْتَعْظِمُ تِلْكَ الحالَةَ، إنْ كانَتْ قَبِيحَةً فَيَتَرَتَّبُ العِقابُ العَظِيمُ عَلَيْهِ، وإنْ كانَتْ حَسَنَةً فَيَتَرَتَّبُ الثَّوابُ العَظِيمُ عَلَيْهِ، فَهَذا تَمامُ الكَلامِ في هَذِهِ المُناظَرَةِ، والأقْرَبُ أنْ يُقالَ القِراءَةُ بِالضَّمِّ إنَ ثَبَتَ بِالتَّواتُرِ وجَبَ المَصِيرُ إلَيْها ويَكُونُ التَّأْوِيلُ ما ذَكَرْناهُ وإنْ لَمْ تَثْبُتْ هَذِهِ القِراءَةُ بِالتَّواتُرِ، كانَتِ القِراءَةُ بِفَتْحِ التّاءِ أوْلى واللَّهُ أعْلَمُ.
الصافات 37:13
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿بَلْ عَجِبْتَ ويَسْخَرُونَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: تَقْرِيرُ الكَلامِ أنْ يُقالَ إنَّ هَؤُلاءِ المُنْكِرِينَ أقَرُّوا بِأنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى تَكْوِينِ أشْياءَ أصْعَبَ مِن إعادَةِ الحَياةِ إلى هَذِهِ الأجْسادِ، وقَدْ تَقَرَّرَ في صَرائِحِ العُقُولِ أنَّ القادِرَ عَلى الأشَقِّ الأشَدِّ يَكُونُ قادِرًا عَلى الأسْهَلِ الأيْسَرِ، ثُمَّ مَعَ قِيامِ هَذِهِ الحُجَّةِ البَدِيهِيَّةِ بَقِيَ هَؤُلاءِ الأقْوامُ مُصِرِّينَ عَلى إنْكارِ البَعْثِ والقِيامَةِ وهَذا في مَوْضِعِ التَّعَجُّبِ الشَّدِيدِ فَإنَّ مَعَ ظُهُورِ هَذِهِ الحُجَّةِ الجَلِيَّةِ الظّاهِرَةِ كَيْفَ يُعْقَلُ بَقاءُ القَوْمِ عَلى الإصْرارِ فِيهِ، فَأنْتَ يا مُحَمَّدُ تَتَعَجَّبُ مِن إصْرارِهِمْ عَلى الإنْكارِ وهم في طَرَفِ الإنْكارِ وصَلُوا إلى حَيْثُ يَسْخَرُونَ مِنكَ في قَوْلِكَ بِإثْباتِ الحَشْرِ والنَّشْرِ والبَعْثِ والقِيامَةِ، فَهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿بَلْ عَجِبْتَ ويَسْخَرُونَ﴾ .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ”عَجِبْتُ“ بِضَمِّ التّاءِ والباقُونَ بِفَتْحِها قالَ الواحِدِيُّ: والضَّمُّ قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ مَسْعُودٍ وإبْراهِيمَ ويَحْيى بْنِ ثابِتٍ والأعْمَشِ وقِراءَةُ أهْلِ الكُوفَةِ واخْتِيارُ أبِي عُبَيْدَةَ، أمّا الَّذِينَ قَرَءُوا بِالفَتْحِ فَقَدِ احْتَجُّوا بِوُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ القِراءَةَ بِالضَّمِّ تَدُلُّ عَلى إسْنادِ العَجَبِ إلى اللَّهِ تَعالى وذَلِكَ مُحالٌ؛ لِأنَّ التَّعَجُّبَ حالَةٌ تَحْصُلُ عِنْدَ الجَهْلِ بِصِفَةِ الشَّيْءِ ومَعْلُومٌ أنَّ الجَهْلَ عَلى اللَّهِ مُحالٌ.
والثّانِي: أنَّ اللَّهَ تَعالى أضافَ التَّعَجُّبَ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ في آيَةٍ أُخْرى في هَذِهِ المَسْألَةِ فَقالَ: ﴿وإنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهم أئِذا كُنّا تُرابًا﴾ [الرعد: ٥] .
والثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿بَلْ عَجِبْتَ ويَسْخَرُونَ﴾ والظّاهِرُ أنَّهم سَخِرُوا لِأجْلِ
صفحة ١١١
ذَلِكَ التَّعَجُّبِ فَلَمّا سَخِرُوا مِنهُ وجَبَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ التَّعَجُّبُ صادِرًا مِنهُ، وأمّا الَّذِينَ قَرَءُوا بِضَمِّ التّاءِ، فَقَدْ أجابُوا عَنِ الحُجَّةِ الأُولى مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ القِراءَةَ بِالضَّمِّ لا نُسَلِّمُ أنَّها تَدُلُّ عَلى إسْنادِ التَّعَجُّبِ إلى اللَّهِ تَعالى، وبَيانُهُ أنَّهُ يَكُونُ التَّقْدِيرُ قُلْ يا مُحَمَّدُ (بَلْ عَجِبْتُ ويَسْخَرُونَ) ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أسْمِعْ بِهِمْ وأبْصِرْ﴾ [مريم: ٣٨] مَعْناهُ أنَّ هَؤُلاءِ ما تَقُولُونَ فِيهِ أنْتُمْ هَذا النَّحْوَ مِنَ الكَلامِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما أصْبَرَهم عَلى النّارِ﴾ [البقرة: ١٧٥] .
الثّانِي: سَلَّمْنا أنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي إضافَةَ التَّعَجُّبِ إلى اللَّهِ تَعالى فَلِمَ قُلْتُمْ إنَّ ذَلِكَ مُحالٌ ؟ ويُرْوى أنَّ شُرَيْحًا كانَ يَخْتارُ القِراءَةَ بِالنَّصْبِ ويَقُولُ: العَجَبُ لا يَلِيقُ إلّا بِمَن لا يَعْلَمُ، قالَ الأعْمَشُ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِإبْراهِيمَ فَقالَ: إنَّ شُرَيْحًا يَعْجَبُ بِعِلْمِهِ، وكانَ عَبْدُ اللَّهِ أعْلَمَ، وكانَ يَقْرَأُ بِالضَّمِّ، وتَحْقِيقُ القَوْلِ فِيهِ أنْ نَقُولَ: دَلَّ القُرْآنُ والخَبَرُ عَلى جَوازِ إضافَةِ العَجَبِ إلى اللَّهِ تَعالى، أمّا القُرْآنُ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ﴾ [الرعد: ٥] والمَعْنى: وإنْ تَعْجَبْ يا مُحَمَّدُ مِن قَوْلِهِمْ فَهو أيْضًا عَجَبٌ عِنْدِي، وأُجِيبَ عَنْهُ أنَّهُ لا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ المُرادُ وإنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهم عِنْدَكم، وأمّا الخَبَرُ فَقَوْلُهُ ﷺ: «عَجِبَ رَبُّكم مِن إلِّكم وقُنُوطِكم، وعَجِبَ رَبُّكم مِن شابٍّ لَيْسَتْ لَهُ صَبْوَةٌ» . وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: العَجَبُ مِنَ اللَّهِ تَعالى خِلافُ العَجَبِ مِنَ الآدَمِيِّينَ كَما قالَ: ﴿ويَمْكُرُونَ ويَمْكُرُ اللَّهُ﴾ [الأنفال: ٣٠] وقالَ: ﴿سَخِرَ اللَّهُ مِنهُمْ﴾ [التوبة: ٧٩] وقالَ تَعالى: ﴿وهُوَ خادِعُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٢] والمَكْرُ والخِداعُ والسُّخْرِيَةُ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِخِلافِ هَذِهِ الأحْوالِ مِنَ العِبادِ، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ القانُونَ في هَذا البابِ أنَّ هَذِهِ الألْفاظَ مَحْمُولَةٌ عَلى نِهاياتِ الأعْراضِ لا عَلى بِداياتِ الأعْراضِ.
وكَذَلِكَ هَهُنا مَن تَعَجَّبَ مِن شَيْءٍ فَإنَّهُ يَسْتَعْظِمُهُ فالتَّعَجُّبُ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى مَحْمُولٌ عَلى أنَّهُ تَعالى يَسْتَعْظِمُ تِلْكَ الحالَةَ، إنْ كانَتْ قَبِيحَةً فَيَتَرَتَّبُ العِقابُ العَظِيمُ عَلَيْهِ، وإنْ كانَتْ حَسَنَةً فَيَتَرَتَّبُ الثَّوابُ العَظِيمُ عَلَيْهِ، فَهَذا تَمامُ الكَلامِ في هَذِهِ المُناظَرَةِ، والأقْرَبُ أنْ يُقالَ القِراءَةُ بِالضَّمِّ إنَ ثَبَتَ بِالتَّواتُرِ وجَبَ المَصِيرُ إلَيْها ويَكُونُ التَّأْوِيلُ ما ذَكَرْناهُ وإنْ لَمْ تَثْبُتْ هَذِهِ القِراءَةُ بِالتَّواتُرِ، كانَتِ القِراءَةُ بِفَتْحِ التّاءِ أوْلى واللَّهُ أعْلَمُ.
الصافات 37:14
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿بَلْ عَجِبْتَ ويَسْخَرُونَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: تَقْرِيرُ الكَلامِ أنْ يُقالَ إنَّ هَؤُلاءِ المُنْكِرِينَ أقَرُّوا بِأنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى تَكْوِينِ أشْياءَ أصْعَبَ مِن إعادَةِ الحَياةِ إلى هَذِهِ الأجْسادِ، وقَدْ تَقَرَّرَ في صَرائِحِ العُقُولِ أنَّ القادِرَ عَلى الأشَقِّ الأشَدِّ يَكُونُ قادِرًا عَلى الأسْهَلِ الأيْسَرِ، ثُمَّ مَعَ قِيامِ هَذِهِ الحُجَّةِ البَدِيهِيَّةِ بَقِيَ هَؤُلاءِ الأقْوامُ مُصِرِّينَ عَلى إنْكارِ البَعْثِ والقِيامَةِ وهَذا في مَوْضِعِ التَّعَجُّبِ الشَّدِيدِ فَإنَّ مَعَ ظُهُورِ هَذِهِ الحُجَّةِ الجَلِيَّةِ الظّاهِرَةِ كَيْفَ يُعْقَلُ بَقاءُ القَوْمِ عَلى الإصْرارِ فِيهِ، فَأنْتَ يا مُحَمَّدُ تَتَعَجَّبُ مِن إصْرارِهِمْ عَلى الإنْكارِ وهم في طَرَفِ الإنْكارِ وصَلُوا إلى حَيْثُ يَسْخَرُونَ مِنكَ في قَوْلِكَ بِإثْباتِ الحَشْرِ والنَّشْرِ والبَعْثِ والقِيامَةِ، فَهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿بَلْ عَجِبْتَ ويَسْخَرُونَ﴾ .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ”عَجِبْتُ“ بِضَمِّ التّاءِ والباقُونَ بِفَتْحِها قالَ الواحِدِيُّ: والضَّمُّ قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ مَسْعُودٍ وإبْراهِيمَ ويَحْيى بْنِ ثابِتٍ والأعْمَشِ وقِراءَةُ أهْلِ الكُوفَةِ واخْتِيارُ أبِي عُبَيْدَةَ، أمّا الَّذِينَ قَرَءُوا بِالفَتْحِ فَقَدِ احْتَجُّوا بِوُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ القِراءَةَ بِالضَّمِّ تَدُلُّ عَلى إسْنادِ العَجَبِ إلى اللَّهِ تَعالى وذَلِكَ مُحالٌ؛ لِأنَّ التَّعَجُّبَ حالَةٌ تَحْصُلُ عِنْدَ الجَهْلِ بِصِفَةِ الشَّيْءِ ومَعْلُومٌ أنَّ الجَهْلَ عَلى اللَّهِ مُحالٌ.
والثّانِي: أنَّ اللَّهَ تَعالى أضافَ التَّعَجُّبَ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ في آيَةٍ أُخْرى في هَذِهِ المَسْألَةِ فَقالَ: ﴿وإنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهم أئِذا كُنّا تُرابًا﴾ [الرعد: ٥] .
والثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿بَلْ عَجِبْتَ ويَسْخَرُونَ﴾ والظّاهِرُ أنَّهم سَخِرُوا لِأجْلِ
صفحة ١١١
ذَلِكَ التَّعَجُّبِ فَلَمّا سَخِرُوا مِنهُ وجَبَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ التَّعَجُّبُ صادِرًا مِنهُ، وأمّا الَّذِينَ قَرَءُوا بِضَمِّ التّاءِ، فَقَدْ أجابُوا عَنِ الحُجَّةِ الأُولى مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ القِراءَةَ بِالضَّمِّ لا نُسَلِّمُ أنَّها تَدُلُّ عَلى إسْنادِ التَّعَجُّبِ إلى اللَّهِ تَعالى، وبَيانُهُ أنَّهُ يَكُونُ التَّقْدِيرُ قُلْ يا مُحَمَّدُ (بَلْ عَجِبْتُ ويَسْخَرُونَ) ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أسْمِعْ بِهِمْ وأبْصِرْ﴾ [مريم: ٣٨] مَعْناهُ أنَّ هَؤُلاءِ ما تَقُولُونَ فِيهِ أنْتُمْ هَذا النَّحْوَ مِنَ الكَلامِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما أصْبَرَهم عَلى النّارِ﴾ [البقرة: ١٧٥] .
الثّانِي: سَلَّمْنا أنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي إضافَةَ التَّعَجُّبِ إلى اللَّهِ تَعالى فَلِمَ قُلْتُمْ إنَّ ذَلِكَ مُحالٌ ؟ ويُرْوى أنَّ شُرَيْحًا كانَ يَخْتارُ القِراءَةَ بِالنَّصْبِ ويَقُولُ: العَجَبُ لا يَلِيقُ إلّا بِمَن لا يَعْلَمُ، قالَ الأعْمَشُ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِإبْراهِيمَ فَقالَ: إنَّ شُرَيْحًا يَعْجَبُ بِعِلْمِهِ، وكانَ عَبْدُ اللَّهِ أعْلَمَ، وكانَ يَقْرَأُ بِالضَّمِّ، وتَحْقِيقُ القَوْلِ فِيهِ أنْ نَقُولَ: دَلَّ القُرْآنُ والخَبَرُ عَلى جَوازِ إضافَةِ العَجَبِ إلى اللَّهِ تَعالى، أمّا القُرْآنُ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ﴾ [الرعد: ٥] والمَعْنى: وإنْ تَعْجَبْ يا مُحَمَّدُ مِن قَوْلِهِمْ فَهو أيْضًا عَجَبٌ عِنْدِي، وأُجِيبَ عَنْهُ أنَّهُ لا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ المُرادُ وإنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهم عِنْدَكم، وأمّا الخَبَرُ فَقَوْلُهُ ﷺ: «عَجِبَ رَبُّكم مِن إلِّكم وقُنُوطِكم، وعَجِبَ رَبُّكم مِن شابٍّ لَيْسَتْ لَهُ صَبْوَةٌ» . وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: العَجَبُ مِنَ اللَّهِ تَعالى خِلافُ العَجَبِ مِنَ الآدَمِيِّينَ كَما قالَ: ﴿ويَمْكُرُونَ ويَمْكُرُ اللَّهُ﴾ [الأنفال: ٣٠] وقالَ: ﴿سَخِرَ اللَّهُ مِنهُمْ﴾ [التوبة: ٧٩] وقالَ تَعالى: ﴿وهُوَ خادِعُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٢] والمَكْرُ والخِداعُ والسُّخْرِيَةُ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِخِلافِ هَذِهِ الأحْوالِ مِنَ العِبادِ، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ القانُونَ في هَذا البابِ أنَّ هَذِهِ الألْفاظَ مَحْمُولَةٌ عَلى نِهاياتِ الأعْراضِ لا عَلى بِداياتِ الأعْراضِ.
وكَذَلِكَ هَهُنا مَن تَعَجَّبَ مِن شَيْءٍ فَإنَّهُ يَسْتَعْظِمُهُ فالتَّعَجُّبُ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى مَحْمُولٌ عَلى أنَّهُ تَعالى يَسْتَعْظِمُ تِلْكَ الحالَةَ، إنْ كانَتْ قَبِيحَةً فَيَتَرَتَّبُ العِقابُ العَظِيمُ عَلَيْهِ، وإنْ كانَتْ حَسَنَةً فَيَتَرَتَّبُ الثَّوابُ العَظِيمُ عَلَيْهِ، فَهَذا تَمامُ الكَلامِ في هَذِهِ المُناظَرَةِ، والأقْرَبُ أنْ يُقالَ القِراءَةُ بِالضَّمِّ إنَ ثَبَتَ بِالتَّواتُرِ وجَبَ المَصِيرُ إلَيْها ويَكُونُ التَّأْوِيلُ ما ذَكَرْناهُ وإنْ لَمْ تَثْبُتْ هَذِهِ القِراءَةُ بِالتَّواتُرِ، كانَتِ القِراءَةُ بِفَتْحِ التّاءِ أوْلى واللَّهُ أعْلَمُ.
الصافات 37:15
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿بَلْ عَجِبْتَ ويَسْخَرُونَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: تَقْرِيرُ الكَلامِ أنْ يُقالَ إنَّ هَؤُلاءِ المُنْكِرِينَ أقَرُّوا بِأنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى تَكْوِينِ أشْياءَ أصْعَبَ مِن إعادَةِ الحَياةِ إلى هَذِهِ الأجْسادِ، وقَدْ تَقَرَّرَ في صَرائِحِ العُقُولِ أنَّ القادِرَ عَلى الأشَقِّ الأشَدِّ يَكُونُ قادِرًا عَلى الأسْهَلِ الأيْسَرِ، ثُمَّ مَعَ قِيامِ هَذِهِ الحُجَّةِ البَدِيهِيَّةِ بَقِيَ هَؤُلاءِ الأقْوامُ مُصِرِّينَ عَلى إنْكارِ البَعْثِ والقِيامَةِ وهَذا في مَوْضِعِ التَّعَجُّبِ الشَّدِيدِ فَإنَّ مَعَ ظُهُورِ هَذِهِ الحُجَّةِ الجَلِيَّةِ الظّاهِرَةِ كَيْفَ يُعْقَلُ بَقاءُ القَوْمِ عَلى الإصْرارِ فِيهِ، فَأنْتَ يا مُحَمَّدُ تَتَعَجَّبُ مِن إصْرارِهِمْ عَلى الإنْكارِ وهم في طَرَفِ الإنْكارِ وصَلُوا إلى حَيْثُ يَسْخَرُونَ مِنكَ في قَوْلِكَ بِإثْباتِ الحَشْرِ والنَّشْرِ والبَعْثِ والقِيامَةِ، فَهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿بَلْ عَجِبْتَ ويَسْخَرُونَ﴾ .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ”عَجِبْتُ“ بِضَمِّ التّاءِ والباقُونَ بِفَتْحِها قالَ الواحِدِيُّ: والضَّمُّ قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ مَسْعُودٍ وإبْراهِيمَ ويَحْيى بْنِ ثابِتٍ والأعْمَشِ وقِراءَةُ أهْلِ الكُوفَةِ واخْتِيارُ أبِي عُبَيْدَةَ، أمّا الَّذِينَ قَرَءُوا بِالفَتْحِ فَقَدِ احْتَجُّوا بِوُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ القِراءَةَ بِالضَّمِّ تَدُلُّ عَلى إسْنادِ العَجَبِ إلى اللَّهِ تَعالى وذَلِكَ مُحالٌ؛ لِأنَّ التَّعَجُّبَ حالَةٌ تَحْصُلُ عِنْدَ الجَهْلِ بِصِفَةِ الشَّيْءِ ومَعْلُومٌ أنَّ الجَهْلَ عَلى اللَّهِ مُحالٌ.
والثّانِي: أنَّ اللَّهَ تَعالى أضافَ التَّعَجُّبَ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ في آيَةٍ أُخْرى في هَذِهِ المَسْألَةِ فَقالَ: ﴿وإنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهم أئِذا كُنّا تُرابًا﴾ [الرعد: ٥] .
والثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿بَلْ عَجِبْتَ ويَسْخَرُونَ﴾ والظّاهِرُ أنَّهم سَخِرُوا لِأجْلِ
صفحة ١١١
ذَلِكَ التَّعَجُّبِ فَلَمّا سَخِرُوا مِنهُ وجَبَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ التَّعَجُّبُ صادِرًا مِنهُ، وأمّا الَّذِينَ قَرَءُوا بِضَمِّ التّاءِ، فَقَدْ أجابُوا عَنِ الحُجَّةِ الأُولى مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ القِراءَةَ بِالضَّمِّ لا نُسَلِّمُ أنَّها تَدُلُّ عَلى إسْنادِ التَّعَجُّبِ إلى اللَّهِ تَعالى، وبَيانُهُ أنَّهُ يَكُونُ التَّقْدِيرُ قُلْ يا مُحَمَّدُ (بَلْ عَجِبْتُ ويَسْخَرُونَ) ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أسْمِعْ بِهِمْ وأبْصِرْ﴾ [مريم: ٣٨] مَعْناهُ أنَّ هَؤُلاءِ ما تَقُولُونَ فِيهِ أنْتُمْ هَذا النَّحْوَ مِنَ الكَلامِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما أصْبَرَهم عَلى النّارِ﴾ [البقرة: ١٧٥] .
الثّانِي: سَلَّمْنا أنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي إضافَةَ التَّعَجُّبِ إلى اللَّهِ تَعالى فَلِمَ قُلْتُمْ إنَّ ذَلِكَ مُحالٌ ؟ ويُرْوى أنَّ شُرَيْحًا كانَ يَخْتارُ القِراءَةَ بِالنَّصْبِ ويَقُولُ: العَجَبُ لا يَلِيقُ إلّا بِمَن لا يَعْلَمُ، قالَ الأعْمَشُ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِإبْراهِيمَ فَقالَ: إنَّ شُرَيْحًا يَعْجَبُ بِعِلْمِهِ، وكانَ عَبْدُ اللَّهِ أعْلَمَ، وكانَ يَقْرَأُ بِالضَّمِّ، وتَحْقِيقُ القَوْلِ فِيهِ أنْ نَقُولَ: دَلَّ القُرْآنُ والخَبَرُ عَلى جَوازِ إضافَةِ العَجَبِ إلى اللَّهِ تَعالى، أمّا القُرْآنُ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ﴾ [الرعد: ٥] والمَعْنى: وإنْ تَعْجَبْ يا مُحَمَّدُ مِن قَوْلِهِمْ فَهو أيْضًا عَجَبٌ عِنْدِي، وأُجِيبَ عَنْهُ أنَّهُ لا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ المُرادُ وإنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهم عِنْدَكم، وأمّا الخَبَرُ فَقَوْلُهُ ﷺ: «عَجِبَ رَبُّكم مِن إلِّكم وقُنُوطِكم، وعَجِبَ رَبُّكم مِن شابٍّ لَيْسَتْ لَهُ صَبْوَةٌ» . وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: العَجَبُ مِنَ اللَّهِ تَعالى خِلافُ العَجَبِ مِنَ الآدَمِيِّينَ كَما قالَ: ﴿ويَمْكُرُونَ ويَمْكُرُ اللَّهُ﴾ [الأنفال: ٣٠] وقالَ: ﴿سَخِرَ اللَّهُ مِنهُمْ﴾ [التوبة: ٧٩] وقالَ تَعالى: ﴿وهُوَ خادِعُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٢] والمَكْرُ والخِداعُ والسُّخْرِيَةُ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِخِلافِ هَذِهِ الأحْوالِ مِنَ العِبادِ، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ القانُونَ في هَذا البابِ أنَّ هَذِهِ الألْفاظَ مَحْمُولَةٌ عَلى نِهاياتِ الأعْراضِ لا عَلى بِداياتِ الأعْراضِ.
وكَذَلِكَ هَهُنا مَن تَعَجَّبَ مِن شَيْءٍ فَإنَّهُ يَسْتَعْظِمُهُ فالتَّعَجُّبُ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى مَحْمُولٌ عَلى أنَّهُ تَعالى يَسْتَعْظِمُ تِلْكَ الحالَةَ، إنْ كانَتْ قَبِيحَةً فَيَتَرَتَّبُ العِقابُ العَظِيمُ عَلَيْهِ، وإنْ كانَتْ حَسَنَةً فَيَتَرَتَّبُ الثَّوابُ العَظِيمُ عَلَيْهِ، فَهَذا تَمامُ الكَلامِ في هَذِهِ المُناظَرَةِ، والأقْرَبُ أنْ يُقالَ القِراءَةُ بِالضَّمِّ إنَ ثَبَتَ بِالتَّواتُرِ وجَبَ المَصِيرُ إلَيْها ويَكُونُ التَّأْوِيلُ ما ذَكَرْناهُ وإنْ لَمْ تَثْبُتْ هَذِهِ القِراءَةُ بِالتَّواتُرِ، كانَتِ القِراءَةُ بِفَتْحِ التّاءِ أوْلى واللَّهُ أعْلَمُ.
الصافات 37:16
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿بَلْ عَجِبْتَ ويَسْخَرُونَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: تَقْرِيرُ الكَلامِ أنْ يُقالَ إنَّ هَؤُلاءِ المُنْكِرِينَ أقَرُّوا بِأنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى تَكْوِينِ أشْياءَ أصْعَبَ مِن إعادَةِ الحَياةِ إلى هَذِهِ الأجْسادِ، وقَدْ تَقَرَّرَ في صَرائِحِ العُقُولِ أنَّ القادِرَ عَلى الأشَقِّ الأشَدِّ يَكُونُ قادِرًا عَلى الأسْهَلِ الأيْسَرِ، ثُمَّ مَعَ قِيامِ هَذِهِ الحُجَّةِ البَدِيهِيَّةِ بَقِيَ هَؤُلاءِ الأقْوامُ مُصِرِّينَ عَلى إنْكارِ البَعْثِ والقِيامَةِ وهَذا في مَوْضِعِ التَّعَجُّبِ الشَّدِيدِ فَإنَّ مَعَ ظُهُورِ هَذِهِ الحُجَّةِ الجَلِيَّةِ الظّاهِرَةِ كَيْفَ يُعْقَلُ بَقاءُ القَوْمِ عَلى الإصْرارِ فِيهِ، فَأنْتَ يا مُحَمَّدُ تَتَعَجَّبُ مِن إصْرارِهِمْ عَلى الإنْكارِ وهم في طَرَفِ الإنْكارِ وصَلُوا إلى حَيْثُ يَسْخَرُونَ مِنكَ في قَوْلِكَ بِإثْباتِ الحَشْرِ والنَّشْرِ والبَعْثِ والقِيامَةِ، فَهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿بَلْ عَجِبْتَ ويَسْخَرُونَ﴾ .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ”عَجِبْتُ“ بِضَمِّ التّاءِ والباقُونَ بِفَتْحِها قالَ الواحِدِيُّ: والضَّمُّ قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ مَسْعُودٍ وإبْراهِيمَ ويَحْيى بْنِ ثابِتٍ والأعْمَشِ وقِراءَةُ أهْلِ الكُوفَةِ واخْتِيارُ أبِي عُبَيْدَةَ، أمّا الَّذِينَ قَرَءُوا بِالفَتْحِ فَقَدِ احْتَجُّوا بِوُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ القِراءَةَ بِالضَّمِّ تَدُلُّ عَلى إسْنادِ العَجَبِ إلى اللَّهِ تَعالى وذَلِكَ مُحالٌ؛ لِأنَّ التَّعَجُّبَ حالَةٌ تَحْصُلُ عِنْدَ الجَهْلِ بِصِفَةِ الشَّيْءِ ومَعْلُومٌ أنَّ الجَهْلَ عَلى اللَّهِ مُحالٌ.
والثّانِي: أنَّ اللَّهَ تَعالى أضافَ التَّعَجُّبَ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ في آيَةٍ أُخْرى في هَذِهِ المَسْألَةِ فَقالَ: ﴿وإنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهم أئِذا كُنّا تُرابًا﴾ [الرعد: ٥] .
والثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿بَلْ عَجِبْتَ ويَسْخَرُونَ﴾ والظّاهِرُ أنَّهم سَخِرُوا لِأجْلِ
صفحة ١١١
ذَلِكَ التَّعَجُّبِ فَلَمّا سَخِرُوا مِنهُ وجَبَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ التَّعَجُّبُ صادِرًا مِنهُ، وأمّا الَّذِينَ قَرَءُوا بِضَمِّ التّاءِ، فَقَدْ أجابُوا عَنِ الحُجَّةِ الأُولى مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ القِراءَةَ بِالضَّمِّ لا نُسَلِّمُ أنَّها تَدُلُّ عَلى إسْنادِ التَّعَجُّبِ إلى اللَّهِ تَعالى، وبَيانُهُ أنَّهُ يَكُونُ التَّقْدِيرُ قُلْ يا مُحَمَّدُ (بَلْ عَجِبْتُ ويَسْخَرُونَ) ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أسْمِعْ بِهِمْ وأبْصِرْ﴾ [مريم: ٣٨] مَعْناهُ أنَّ هَؤُلاءِ ما تَقُولُونَ فِيهِ أنْتُمْ هَذا النَّحْوَ مِنَ الكَلامِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما أصْبَرَهم عَلى النّارِ﴾ [البقرة: ١٧٥] .
الثّانِي: سَلَّمْنا أنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي إضافَةَ التَّعَجُّبِ إلى اللَّهِ تَعالى فَلِمَ قُلْتُمْ إنَّ ذَلِكَ مُحالٌ ؟ ويُرْوى أنَّ شُرَيْحًا كانَ يَخْتارُ القِراءَةَ بِالنَّصْبِ ويَقُولُ: العَجَبُ لا يَلِيقُ إلّا بِمَن لا يَعْلَمُ، قالَ الأعْمَشُ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِإبْراهِيمَ فَقالَ: إنَّ شُرَيْحًا يَعْجَبُ بِعِلْمِهِ، وكانَ عَبْدُ اللَّهِ أعْلَمَ، وكانَ يَقْرَأُ بِالضَّمِّ، وتَحْقِيقُ القَوْلِ فِيهِ أنْ نَقُولَ: دَلَّ القُرْآنُ والخَبَرُ عَلى جَوازِ إضافَةِ العَجَبِ إلى اللَّهِ تَعالى، أمّا القُرْآنُ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ﴾ [الرعد: ٥] والمَعْنى: وإنْ تَعْجَبْ يا مُحَمَّدُ مِن قَوْلِهِمْ فَهو أيْضًا عَجَبٌ عِنْدِي، وأُجِيبَ عَنْهُ أنَّهُ لا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ المُرادُ وإنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهم عِنْدَكم، وأمّا الخَبَرُ فَقَوْلُهُ ﷺ: «عَجِبَ رَبُّكم مِن إلِّكم وقُنُوطِكم، وعَجِبَ رَبُّكم مِن شابٍّ لَيْسَتْ لَهُ صَبْوَةٌ» . وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: العَجَبُ مِنَ اللَّهِ تَعالى خِلافُ العَجَبِ مِنَ الآدَمِيِّينَ كَما قالَ: ﴿ويَمْكُرُونَ ويَمْكُرُ اللَّهُ﴾ [الأنفال: ٣٠] وقالَ: ﴿سَخِرَ اللَّهُ مِنهُمْ﴾ [التوبة: ٧٩] وقالَ تَعالى: ﴿وهُوَ خادِعُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٢] والمَكْرُ والخِداعُ والسُّخْرِيَةُ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِخِلافِ هَذِهِ الأحْوالِ مِنَ العِبادِ، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ القانُونَ في هَذا البابِ أنَّ هَذِهِ الألْفاظَ مَحْمُولَةٌ عَلى نِهاياتِ الأعْراضِ لا عَلى بِداياتِ الأعْراضِ.
وكَذَلِكَ هَهُنا مَن تَعَجَّبَ مِن شَيْءٍ فَإنَّهُ يَسْتَعْظِمُهُ فالتَّعَجُّبُ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى مَحْمُولٌ عَلى أنَّهُ تَعالى يَسْتَعْظِمُ تِلْكَ الحالَةَ، إنْ كانَتْ قَبِيحَةً فَيَتَرَتَّبُ العِقابُ العَظِيمُ عَلَيْهِ، وإنْ كانَتْ حَسَنَةً فَيَتَرَتَّبُ الثَّوابُ العَظِيمُ عَلَيْهِ، فَهَذا تَمامُ الكَلامِ في هَذِهِ المُناظَرَةِ، والأقْرَبُ أنْ يُقالَ القِراءَةُ بِالضَّمِّ إنَ ثَبَتَ بِالتَّواتُرِ وجَبَ المَصِيرُ إلَيْها ويَكُونُ التَّأْوِيلُ ما ذَكَرْناهُ وإنْ لَمْ تَثْبُتْ هَذِهِ القِراءَةُ بِالتَّواتُرِ، كانَتِ القِراءَةُ بِفَتْحِ التّاءِ أوْلى واللَّهُ أعْلَمُ.
الصافات 37:17
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإذا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُونَ﴾ ﴿وإذا رَأوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ﴾ ﴿وقالُوا إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ ﴿أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ﴾ ﴿قُلْ نَعَمْ وأنْتُمْ داخِرُونَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قَرَّرَ الدَّلِيلَ القاطِعَ في إثْباتِ إمْكانِ البَعْثِ والقِيامَةِ حَكى عَنِ المُنْكِرِينَ أشْياءَ:
أوَّلُها: النَّبِيُّ ﷺ يَتَعَجَّبُ مِن إصْرارِهِمْ عَلى الإنْكارِ وهم يَسْخَرُونَ مِنهُ في إصْرارِهِ عَلى الإثْباتِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ ﷺ مَعَ أُولَئِكَ الأقْوامِ كانُوا في غايَةِ التَّباعُدِ وفي طَرَفَيِ النَّقِيضِ.
وثانِيها قَوْلُهُ: ﴿وإذا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُونَ﴾ .
وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿وإذا رَأوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ﴾ ويَجِبُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن هَذا الثّانِي والثّالِثِ غَيْرَ الأوَّلِ؛ لِأنَّ العَطْفَ يُوجِبُ التَّغايُرَ ولِأنَّ التَّكْرِيرَ خِلافُ الأصْلِ، والَّذِي عِنْدِي في هَذا البابِ أنْ يُقالَ: القَوْمُ كانُوا يَسْتَبْعِدُونَ الحَشْرَ والقِيامَةَ، ويَقُولُونَ: مَن ماتَ وصارَ تُرابًا وتَفَرَّقَتْ أجْزاؤُهُ في العالَمِ كَيْفَ يُعْقَلُ عَوْدُهُ بِعَيْنِهِ ؟ وبَلَغُوا في هَذا الِاسْتِبْعادِ إلى حَيْثُ كانُوا يَسْخَرُونَ مِمَّنْ يَذْهَبُ إلى هَذا المَذْهَبِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَلا طَرِيقَ إلى إزالَةِ هَذا
صفحة ١١٢
الِاسْتِبْعادِ عَنْهم إلّا مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنْ يَذْكُرَ لَهُمُ الدَّلِيلَ الدّالَّ عَلى صِحَّةِ الحَشْرِ والنَّشْرِ مِثْلَ أنْ يُقالَ لَهم: هَلْ تَعْلَمُونَ أنَّ خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ أشَدُّ وأصْعَبُ مِن إعادَةِ إنْسانٍ بَعْدَ مَوْتِهِ ؟ وهَلْ تَعْلَمُونَ أنَّ القادِرَ عَلى الأصْعَبِ الأشَقِّ، يَجِبُ أنْ يَكُونَ قادِرًا عَلى الأسْهَلِ الأيْسَرِ ؟ فَهَذا الدَّلِيلُ وإنْ كانَ جَلِيًّا قَوِيًّا إلّا أنَّ أُولَئِكَ المُنْكِرِينَ إذا عُرِضَ عَلى عُقُولِهِمْ هَذِهِ المُقَدِّماتُ لا يَفْهَمُونَها ولا يَقِفُونَ عَلَيْها، وإذا ذُكِّرُوا لَمْ يَذْكُرُوها لِشِدَّةِ بَلادَتِهِمْ وجَهْلِهِمْ، فَلا جَرَمَ لَمْ يَنْتَفِعُوا بِهَذا النَّوْعِ مِنَ البَيانِ.
الطَّرِيقُ الثّانِي: أنْ يُثْبِتَ الرَّسُولُ ﷺ جِهَةَ رِسالَتِهِ بِالمُعْجِزاتِ ثُمَّ يَقُولُ: لَمّا ثَبَتَ بِالمُعْجِزِ كَوْنِي رَسُولًا صادِقًا مِن عِنْدِ اللَّهِ فَأنا أُخْبِرُكم بِأنَّ البَعْثَ والقِيامَةَ حَقٌّ، ثُمَّ إنَّ أُولَئِكَ المُنْكِرِينَ لا يَنْتَفِعُونَ بِهَذا الطَّرِيقِ أيْضًا؛ لِأنَّهم إذا رَأوْا مُعْجِزَةً قاهِرَةً وآيَةً باهِرَةً حَمَلُوها عَلى كَوْنِها سِحْرًا وسَخِرُوا بِها واسْتَهْزَءُوا مِنها وهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وإذا رَأوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ﴾ فَظَهَرَ بِالبَيانِ الَّذِي ذَكَرْناهُ أنَّ هَذِهِ الألْفاظَ الثَّلاثَةَ مُنَبِّهَةٌ عَلى هَذِهِ الفَوائِدِ الجَلِيَّةِ.
واعْلَمْ أنَّ أكْثَرَ النّاسِ لَمْ يَقِفُوا عَلى هَذِهِ الدَّقائِقِ، فَقالُوا: إنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿بَلْ عَجِبْتَ ويَسْخَرُونَ﴾ .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإذا رَأوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ﴾ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿يَسْتَسْخِرُونَ﴾ غَيْرَ ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ويَسْخَرُونَ﴾ فَقالَ هَذا القائِلُ: المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ويَسْخَرُونَ﴾ إقْدامُهم عَلى السُّخْرِيَةِ، والمُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿يَسْتَسْخِرُونَ﴾ طَلَبَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم مِن صاحَبِهِ أنْ يُقْدِمَ عَلى السُّخْرِيَةِ، وهَذا التَّكْلِيفُ إنَّما لَزِمَهم لِعَدَمِ وُقُوفِهِمْ عَلى الفَوائِدِ الَّتِي ذَكَرْناها واللَّهُ أعْلَمُ.
والرّابِعُ: مِنَ الأُمُورِ الَّتِي حَكاها اللَّهُ تَعالى عَنْهم أنَّهم قالُوا: ﴿إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ يَعْنِي أنَّهم إذا رَأوْا آيَةً ومُعْجِزَةً سَخِرُوا مِنها، والسَّبَبُ في تِلْكَ السُّخْرِيَةِ اعْتِقادُهم أنَّها مِن بابِ السِّحْرِ. وقَوْلُهُ: ﴿مُبِينٌ﴾ مَعْناهُ أنَّ كَوْنَهُ سِحْرًا أمْرٌ بَيِّنٌ لا شُبْهَةَ لِأحَدٍ فِيهِ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ السَّبَبَ الَّذِي يَحْمِلُهم عَلى الِاسْتِهْزاءِ بِالقَوْلِ بِالبَعْثِ وعَلى عَدَمِ الِالتِفاتِ إلى الدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى صِحَّةِ القَوْلِ وعَلى الِاسْتِهْزاءِ بِجَمِيعِ المُعْجِزاتِ هو قَوْلُهم: إنَّ الَّذِي ماتَ وتَفَرَّقَتْ أجْزاؤُهُ في جُمْلَةِ العالَمِ فَما فِيهِ مِنَ الأرْضِيَّةِ اخْتَلَطَ بِتُرابِ الأرْضِ، وما فِيهِ مِنَ المائِيَّةِ والهَوائِيَّةِ اخْتَلَطَ بِبُخاراتِ العالَمِ، فَهَذا الإنْسانُ كَيْفَ يُعْقَلُ عَوْدُهُ بِعَيْنِهِ حَيًّا فاهِمًا ؟ فَهَذا الكَلامُ هو الَّذِي يَحْمِلُهم عَلى تِلْكَ الأحْوالِ الثَّلاثَةِ المُتَقَدِّمَةِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْهم هَذِهِ الشُّبْهَةَ قالَ: قُلْ يا مُحَمَّدُ نَعَمْ وأنْتُمْ داخِرُونَ، وإنَّما اكْتَفى تَعالى بِهَذا القَدْرِ مِنَ الجَوابِ؛ لِأنَّهُ ذَكَرَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ بِالبُرْهانِ اليَقِينِيِّ القَطْعِيِّ أنَّهُ أمْرٌ مُمْكِنٌ، وإذا ثَبَتَ الجَوازُ القَطْعِيُّ فَلا سَبِيلَ إلى القَطْعِ بِالوُقُوعِ إلّا بِإخْبارِ المُخْبِرِ الصّادِقِ، فَلَمّا قامَتِ المُعْجِزاتُ عَلى صِدْقِ مُحَمَّدٍ ﷺ كانَ واجِبَ الصِّدْقِ فَكانَ مُجَرَّدُ قَوْلِهِ: ﴿قُلْ نَعَمْ﴾ دَلِيلًا قاطِعًا عَلى الوُقُوعِ.
ومَن تَأمَّلَ في هَذِهِ الآياتِ عَلِمَ أنَّها ورَدَتْ عَلى أحْسَنِ وُجُوهِ التَّرْتِيبِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ بَيَّنَ الإمْكانَ بِالدَّلِيلِ العَقْلِيِّ وبَيَّنَ وُقُوعَ ذَلِكَ المُمْكِنِ بِالدَّلِيلِ السَّمْعِيِّ، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ الزِّيادَةَ عَلى هَذا البَيانِ كالأمْرِ المُمْتَنِعِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿أوَآباؤُنا﴾ فالمَعْنى أوَ تُبْعَثُ آباؤُنا وهَذِهِ ألِفُ الِاسْتِفْهامِ دَخَلَتْ عَلى حَرْفِ العَطْفِ وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ هَهُنا، وفي سُورَةِ الواقِعَةِ ساكِنَةَ الواوِ وذَكَرْنا الكَلامَ في هَذا في سُورَةِ الأعْرافِ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿أوَأمِنَ أهْلُ القُرى﴾ [الأعراف: ٩٨] .
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ نَعَمْ﴾ فَنَقُولُ قَرَأ الكِسائِيُّ وحْدَهُ: ”نَعِمْ“ بِكَسْرِ العَيْنِ.
صفحة ١١٣
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنْتُمْ داخِرُونَ﴾ أيْ صاغِرُونَ، قالَ أبُو عُبَيْدٍ: الدُّخُورُ أشَدُّ الصَّغارِ، وذَكَرْنا تَفْسِيرَ هَذِهِ اللَّفْظَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿سُجَّدًا لِلَّهِ وهم داخِرُونَ﴾ [النحل: ٤٨] .
الصافات 37:18
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإذا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُونَ﴾ ﴿وإذا رَأوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ﴾ ﴿وقالُوا إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ ﴿أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ﴾ ﴿قُلْ نَعَمْ وأنْتُمْ داخِرُونَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قَرَّرَ الدَّلِيلَ القاطِعَ في إثْباتِ إمْكانِ البَعْثِ والقِيامَةِ حَكى عَنِ المُنْكِرِينَ أشْياءَ:
أوَّلُها: النَّبِيُّ ﷺ يَتَعَجَّبُ مِن إصْرارِهِمْ عَلى الإنْكارِ وهم يَسْخَرُونَ مِنهُ في إصْرارِهِ عَلى الإثْباتِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ ﷺ مَعَ أُولَئِكَ الأقْوامِ كانُوا في غايَةِ التَّباعُدِ وفي طَرَفَيِ النَّقِيضِ.
وثانِيها قَوْلُهُ: ﴿وإذا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُونَ﴾ .
وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿وإذا رَأوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ﴾ ويَجِبُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن هَذا الثّانِي والثّالِثِ غَيْرَ الأوَّلِ؛ لِأنَّ العَطْفَ يُوجِبُ التَّغايُرَ ولِأنَّ التَّكْرِيرَ خِلافُ الأصْلِ، والَّذِي عِنْدِي في هَذا البابِ أنْ يُقالَ: القَوْمُ كانُوا يَسْتَبْعِدُونَ الحَشْرَ والقِيامَةَ، ويَقُولُونَ: مَن ماتَ وصارَ تُرابًا وتَفَرَّقَتْ أجْزاؤُهُ في العالَمِ كَيْفَ يُعْقَلُ عَوْدُهُ بِعَيْنِهِ ؟ وبَلَغُوا في هَذا الِاسْتِبْعادِ إلى حَيْثُ كانُوا يَسْخَرُونَ مِمَّنْ يَذْهَبُ إلى هَذا المَذْهَبِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَلا طَرِيقَ إلى إزالَةِ هَذا
صفحة ١١٢
الِاسْتِبْعادِ عَنْهم إلّا مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنْ يَذْكُرَ لَهُمُ الدَّلِيلَ الدّالَّ عَلى صِحَّةِ الحَشْرِ والنَّشْرِ مِثْلَ أنْ يُقالَ لَهم: هَلْ تَعْلَمُونَ أنَّ خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ أشَدُّ وأصْعَبُ مِن إعادَةِ إنْسانٍ بَعْدَ مَوْتِهِ ؟ وهَلْ تَعْلَمُونَ أنَّ القادِرَ عَلى الأصْعَبِ الأشَقِّ، يَجِبُ أنْ يَكُونَ قادِرًا عَلى الأسْهَلِ الأيْسَرِ ؟ فَهَذا الدَّلِيلُ وإنْ كانَ جَلِيًّا قَوِيًّا إلّا أنَّ أُولَئِكَ المُنْكِرِينَ إذا عُرِضَ عَلى عُقُولِهِمْ هَذِهِ المُقَدِّماتُ لا يَفْهَمُونَها ولا يَقِفُونَ عَلَيْها، وإذا ذُكِّرُوا لَمْ يَذْكُرُوها لِشِدَّةِ بَلادَتِهِمْ وجَهْلِهِمْ، فَلا جَرَمَ لَمْ يَنْتَفِعُوا بِهَذا النَّوْعِ مِنَ البَيانِ.
الطَّرِيقُ الثّانِي: أنْ يُثْبِتَ الرَّسُولُ ﷺ جِهَةَ رِسالَتِهِ بِالمُعْجِزاتِ ثُمَّ يَقُولُ: لَمّا ثَبَتَ بِالمُعْجِزِ كَوْنِي رَسُولًا صادِقًا مِن عِنْدِ اللَّهِ فَأنا أُخْبِرُكم بِأنَّ البَعْثَ والقِيامَةَ حَقٌّ، ثُمَّ إنَّ أُولَئِكَ المُنْكِرِينَ لا يَنْتَفِعُونَ بِهَذا الطَّرِيقِ أيْضًا؛ لِأنَّهم إذا رَأوْا مُعْجِزَةً قاهِرَةً وآيَةً باهِرَةً حَمَلُوها عَلى كَوْنِها سِحْرًا وسَخِرُوا بِها واسْتَهْزَءُوا مِنها وهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وإذا رَأوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ﴾ فَظَهَرَ بِالبَيانِ الَّذِي ذَكَرْناهُ أنَّ هَذِهِ الألْفاظَ الثَّلاثَةَ مُنَبِّهَةٌ عَلى هَذِهِ الفَوائِدِ الجَلِيَّةِ.
واعْلَمْ أنَّ أكْثَرَ النّاسِ لَمْ يَقِفُوا عَلى هَذِهِ الدَّقائِقِ، فَقالُوا: إنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿بَلْ عَجِبْتَ ويَسْخَرُونَ﴾ .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإذا رَأوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ﴾ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿يَسْتَسْخِرُونَ﴾ غَيْرَ ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ويَسْخَرُونَ﴾ فَقالَ هَذا القائِلُ: المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ويَسْخَرُونَ﴾ إقْدامُهم عَلى السُّخْرِيَةِ، والمُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿يَسْتَسْخِرُونَ﴾ طَلَبَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم مِن صاحَبِهِ أنْ يُقْدِمَ عَلى السُّخْرِيَةِ، وهَذا التَّكْلِيفُ إنَّما لَزِمَهم لِعَدَمِ وُقُوفِهِمْ عَلى الفَوائِدِ الَّتِي ذَكَرْناها واللَّهُ أعْلَمُ.
والرّابِعُ: مِنَ الأُمُورِ الَّتِي حَكاها اللَّهُ تَعالى عَنْهم أنَّهم قالُوا: ﴿إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ يَعْنِي أنَّهم إذا رَأوْا آيَةً ومُعْجِزَةً سَخِرُوا مِنها، والسَّبَبُ في تِلْكَ السُّخْرِيَةِ اعْتِقادُهم أنَّها مِن بابِ السِّحْرِ. وقَوْلُهُ: ﴿مُبِينٌ﴾ مَعْناهُ أنَّ كَوْنَهُ سِحْرًا أمْرٌ بَيِّنٌ لا شُبْهَةَ لِأحَدٍ فِيهِ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ السَّبَبَ الَّذِي يَحْمِلُهم عَلى الِاسْتِهْزاءِ بِالقَوْلِ بِالبَعْثِ وعَلى عَدَمِ الِالتِفاتِ إلى الدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى صِحَّةِ القَوْلِ وعَلى الِاسْتِهْزاءِ بِجَمِيعِ المُعْجِزاتِ هو قَوْلُهم: إنَّ الَّذِي ماتَ وتَفَرَّقَتْ أجْزاؤُهُ في جُمْلَةِ العالَمِ فَما فِيهِ مِنَ الأرْضِيَّةِ اخْتَلَطَ بِتُرابِ الأرْضِ، وما فِيهِ مِنَ المائِيَّةِ والهَوائِيَّةِ اخْتَلَطَ بِبُخاراتِ العالَمِ، فَهَذا الإنْسانُ كَيْفَ يُعْقَلُ عَوْدُهُ بِعَيْنِهِ حَيًّا فاهِمًا ؟ فَهَذا الكَلامُ هو الَّذِي يَحْمِلُهم عَلى تِلْكَ الأحْوالِ الثَّلاثَةِ المُتَقَدِّمَةِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْهم هَذِهِ الشُّبْهَةَ قالَ: قُلْ يا مُحَمَّدُ نَعَمْ وأنْتُمْ داخِرُونَ، وإنَّما اكْتَفى تَعالى بِهَذا القَدْرِ مِنَ الجَوابِ؛ لِأنَّهُ ذَكَرَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ بِالبُرْهانِ اليَقِينِيِّ القَطْعِيِّ أنَّهُ أمْرٌ مُمْكِنٌ، وإذا ثَبَتَ الجَوازُ القَطْعِيُّ فَلا سَبِيلَ إلى القَطْعِ بِالوُقُوعِ إلّا بِإخْبارِ المُخْبِرِ الصّادِقِ، فَلَمّا قامَتِ المُعْجِزاتُ عَلى صِدْقِ مُحَمَّدٍ ﷺ كانَ واجِبَ الصِّدْقِ فَكانَ مُجَرَّدُ قَوْلِهِ: ﴿قُلْ نَعَمْ﴾ دَلِيلًا قاطِعًا عَلى الوُقُوعِ.
ومَن تَأمَّلَ في هَذِهِ الآياتِ عَلِمَ أنَّها ورَدَتْ عَلى أحْسَنِ وُجُوهِ التَّرْتِيبِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ بَيَّنَ الإمْكانَ بِالدَّلِيلِ العَقْلِيِّ وبَيَّنَ وُقُوعَ ذَلِكَ المُمْكِنِ بِالدَّلِيلِ السَّمْعِيِّ، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ الزِّيادَةَ عَلى هَذا البَيانِ كالأمْرِ المُمْتَنِعِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿أوَآباؤُنا﴾ فالمَعْنى أوَ تُبْعَثُ آباؤُنا وهَذِهِ ألِفُ الِاسْتِفْهامِ دَخَلَتْ عَلى حَرْفِ العَطْفِ وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ هَهُنا، وفي سُورَةِ الواقِعَةِ ساكِنَةَ الواوِ وذَكَرْنا الكَلامَ في هَذا في سُورَةِ الأعْرافِ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿أوَأمِنَ أهْلُ القُرى﴾ [الأعراف: ٩٨] .
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ نَعَمْ﴾ فَنَقُولُ قَرَأ الكِسائِيُّ وحْدَهُ: ”نَعِمْ“ بِكَسْرِ العَيْنِ.
صفحة ١١٣
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنْتُمْ داخِرُونَ﴾ أيْ صاغِرُونَ، قالَ أبُو عُبَيْدٍ: الدُّخُورُ أشَدُّ الصَّغارِ، وذَكَرْنا تَفْسِيرَ هَذِهِ اللَّفْظَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿سُجَّدًا لِلَّهِ وهم داخِرُونَ﴾ [النحل: ٤٨] .
الصافات 37:19
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإذا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُونَ﴾ ﴿وإذا رَأوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ﴾ ﴿وقالُوا إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ ﴿أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ﴾ ﴿قُلْ نَعَمْ وأنْتُمْ داخِرُونَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قَرَّرَ الدَّلِيلَ القاطِعَ في إثْباتِ إمْكانِ البَعْثِ والقِيامَةِ حَكى عَنِ المُنْكِرِينَ أشْياءَ:
أوَّلُها: النَّبِيُّ ﷺ يَتَعَجَّبُ مِن إصْرارِهِمْ عَلى الإنْكارِ وهم يَسْخَرُونَ مِنهُ في إصْرارِهِ عَلى الإثْباتِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ ﷺ مَعَ أُولَئِكَ الأقْوامِ كانُوا في غايَةِ التَّباعُدِ وفي طَرَفَيِ النَّقِيضِ.
وثانِيها قَوْلُهُ: ﴿وإذا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُونَ﴾ .
وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿وإذا رَأوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ﴾ ويَجِبُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن هَذا الثّانِي والثّالِثِ غَيْرَ الأوَّلِ؛ لِأنَّ العَطْفَ يُوجِبُ التَّغايُرَ ولِأنَّ التَّكْرِيرَ خِلافُ الأصْلِ، والَّذِي عِنْدِي في هَذا البابِ أنْ يُقالَ: القَوْمُ كانُوا يَسْتَبْعِدُونَ الحَشْرَ والقِيامَةَ، ويَقُولُونَ: مَن ماتَ وصارَ تُرابًا وتَفَرَّقَتْ أجْزاؤُهُ في العالَمِ كَيْفَ يُعْقَلُ عَوْدُهُ بِعَيْنِهِ ؟ وبَلَغُوا في هَذا الِاسْتِبْعادِ إلى حَيْثُ كانُوا يَسْخَرُونَ مِمَّنْ يَذْهَبُ إلى هَذا المَذْهَبِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَلا طَرِيقَ إلى إزالَةِ هَذا
صفحة ١١٢
الِاسْتِبْعادِ عَنْهم إلّا مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنْ يَذْكُرَ لَهُمُ الدَّلِيلَ الدّالَّ عَلى صِحَّةِ الحَشْرِ والنَّشْرِ مِثْلَ أنْ يُقالَ لَهم: هَلْ تَعْلَمُونَ أنَّ خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ أشَدُّ وأصْعَبُ مِن إعادَةِ إنْسانٍ بَعْدَ مَوْتِهِ ؟ وهَلْ تَعْلَمُونَ أنَّ القادِرَ عَلى الأصْعَبِ الأشَقِّ، يَجِبُ أنْ يَكُونَ قادِرًا عَلى الأسْهَلِ الأيْسَرِ ؟ فَهَذا الدَّلِيلُ وإنْ كانَ جَلِيًّا قَوِيًّا إلّا أنَّ أُولَئِكَ المُنْكِرِينَ إذا عُرِضَ عَلى عُقُولِهِمْ هَذِهِ المُقَدِّماتُ لا يَفْهَمُونَها ولا يَقِفُونَ عَلَيْها، وإذا ذُكِّرُوا لَمْ يَذْكُرُوها لِشِدَّةِ بَلادَتِهِمْ وجَهْلِهِمْ، فَلا جَرَمَ لَمْ يَنْتَفِعُوا بِهَذا النَّوْعِ مِنَ البَيانِ.
الطَّرِيقُ الثّانِي: أنْ يُثْبِتَ الرَّسُولُ ﷺ جِهَةَ رِسالَتِهِ بِالمُعْجِزاتِ ثُمَّ يَقُولُ: لَمّا ثَبَتَ بِالمُعْجِزِ كَوْنِي رَسُولًا صادِقًا مِن عِنْدِ اللَّهِ فَأنا أُخْبِرُكم بِأنَّ البَعْثَ والقِيامَةَ حَقٌّ، ثُمَّ إنَّ أُولَئِكَ المُنْكِرِينَ لا يَنْتَفِعُونَ بِهَذا الطَّرِيقِ أيْضًا؛ لِأنَّهم إذا رَأوْا مُعْجِزَةً قاهِرَةً وآيَةً باهِرَةً حَمَلُوها عَلى كَوْنِها سِحْرًا وسَخِرُوا بِها واسْتَهْزَءُوا مِنها وهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وإذا رَأوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ﴾ فَظَهَرَ بِالبَيانِ الَّذِي ذَكَرْناهُ أنَّ هَذِهِ الألْفاظَ الثَّلاثَةَ مُنَبِّهَةٌ عَلى هَذِهِ الفَوائِدِ الجَلِيَّةِ.
واعْلَمْ أنَّ أكْثَرَ النّاسِ لَمْ يَقِفُوا عَلى هَذِهِ الدَّقائِقِ، فَقالُوا: إنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿بَلْ عَجِبْتَ ويَسْخَرُونَ﴾ .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإذا رَأوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ﴾ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿يَسْتَسْخِرُونَ﴾ غَيْرَ ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ويَسْخَرُونَ﴾ فَقالَ هَذا القائِلُ: المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ويَسْخَرُونَ﴾ إقْدامُهم عَلى السُّخْرِيَةِ، والمُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿يَسْتَسْخِرُونَ﴾ طَلَبَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم مِن صاحَبِهِ أنْ يُقْدِمَ عَلى السُّخْرِيَةِ، وهَذا التَّكْلِيفُ إنَّما لَزِمَهم لِعَدَمِ وُقُوفِهِمْ عَلى الفَوائِدِ الَّتِي ذَكَرْناها واللَّهُ أعْلَمُ.
والرّابِعُ: مِنَ الأُمُورِ الَّتِي حَكاها اللَّهُ تَعالى عَنْهم أنَّهم قالُوا: ﴿إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ يَعْنِي أنَّهم إذا رَأوْا آيَةً ومُعْجِزَةً سَخِرُوا مِنها، والسَّبَبُ في تِلْكَ السُّخْرِيَةِ اعْتِقادُهم أنَّها مِن بابِ السِّحْرِ. وقَوْلُهُ: ﴿مُبِينٌ﴾ مَعْناهُ أنَّ كَوْنَهُ سِحْرًا أمْرٌ بَيِّنٌ لا شُبْهَةَ لِأحَدٍ فِيهِ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ السَّبَبَ الَّذِي يَحْمِلُهم عَلى الِاسْتِهْزاءِ بِالقَوْلِ بِالبَعْثِ وعَلى عَدَمِ الِالتِفاتِ إلى الدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى صِحَّةِ القَوْلِ وعَلى الِاسْتِهْزاءِ بِجَمِيعِ المُعْجِزاتِ هو قَوْلُهم: إنَّ الَّذِي ماتَ وتَفَرَّقَتْ أجْزاؤُهُ في جُمْلَةِ العالَمِ فَما فِيهِ مِنَ الأرْضِيَّةِ اخْتَلَطَ بِتُرابِ الأرْضِ، وما فِيهِ مِنَ المائِيَّةِ والهَوائِيَّةِ اخْتَلَطَ بِبُخاراتِ العالَمِ، فَهَذا الإنْسانُ كَيْفَ يُعْقَلُ عَوْدُهُ بِعَيْنِهِ حَيًّا فاهِمًا ؟ فَهَذا الكَلامُ هو الَّذِي يَحْمِلُهم عَلى تِلْكَ الأحْوالِ الثَّلاثَةِ المُتَقَدِّمَةِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْهم هَذِهِ الشُّبْهَةَ قالَ: قُلْ يا مُحَمَّدُ نَعَمْ وأنْتُمْ داخِرُونَ، وإنَّما اكْتَفى تَعالى بِهَذا القَدْرِ مِنَ الجَوابِ؛ لِأنَّهُ ذَكَرَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ بِالبُرْهانِ اليَقِينِيِّ القَطْعِيِّ أنَّهُ أمْرٌ مُمْكِنٌ، وإذا ثَبَتَ الجَوازُ القَطْعِيُّ فَلا سَبِيلَ إلى القَطْعِ بِالوُقُوعِ إلّا بِإخْبارِ المُخْبِرِ الصّادِقِ، فَلَمّا قامَتِ المُعْجِزاتُ عَلى صِدْقِ مُحَمَّدٍ ﷺ كانَ واجِبَ الصِّدْقِ فَكانَ مُجَرَّدُ قَوْلِهِ: ﴿قُلْ نَعَمْ﴾ دَلِيلًا قاطِعًا عَلى الوُقُوعِ.
ومَن تَأمَّلَ في هَذِهِ الآياتِ عَلِمَ أنَّها ورَدَتْ عَلى أحْسَنِ وُجُوهِ التَّرْتِيبِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ بَيَّنَ الإمْكانَ بِالدَّلِيلِ العَقْلِيِّ وبَيَّنَ وُقُوعَ ذَلِكَ المُمْكِنِ بِالدَّلِيلِ السَّمْعِيِّ، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ الزِّيادَةَ عَلى هَذا البَيانِ كالأمْرِ المُمْتَنِعِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿أوَآباؤُنا﴾ فالمَعْنى أوَ تُبْعَثُ آباؤُنا وهَذِهِ ألِفُ الِاسْتِفْهامِ دَخَلَتْ عَلى حَرْفِ العَطْفِ وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ هَهُنا، وفي سُورَةِ الواقِعَةِ ساكِنَةَ الواوِ وذَكَرْنا الكَلامَ في هَذا في سُورَةِ الأعْرافِ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿أوَأمِنَ أهْلُ القُرى﴾ [الأعراف: ٩٨] .
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ نَعَمْ﴾ فَنَقُولُ قَرَأ الكِسائِيُّ وحْدَهُ: ”نَعِمْ“ بِكَسْرِ العَيْنِ.
صفحة ١١٣
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنْتُمْ داخِرُونَ﴾ أيْ صاغِرُونَ، قالَ أبُو عُبَيْدٍ: الدُّخُورُ أشَدُّ الصَّغارِ، وذَكَرْنا تَفْسِيرَ هَذِهِ اللَّفْظَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿سُجَّدًا لِلَّهِ وهم داخِرُونَ﴾ [النحل: ٤٨] .
الصافات 37:20
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإذا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُونَ﴾ ﴿وإذا رَأوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ﴾ ﴿وقالُوا إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ ﴿أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ﴾ ﴿قُلْ نَعَمْ وأنْتُمْ داخِرُونَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قَرَّرَ الدَّلِيلَ القاطِعَ في إثْباتِ إمْكانِ البَعْثِ والقِيامَةِ حَكى عَنِ المُنْكِرِينَ أشْياءَ:
أوَّلُها: النَّبِيُّ ﷺ يَتَعَجَّبُ مِن إصْرارِهِمْ عَلى الإنْكارِ وهم يَسْخَرُونَ مِنهُ في إصْرارِهِ عَلى الإثْباتِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ ﷺ مَعَ أُولَئِكَ الأقْوامِ كانُوا في غايَةِ التَّباعُدِ وفي طَرَفَيِ النَّقِيضِ.
وثانِيها قَوْلُهُ: ﴿وإذا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُونَ﴾ .
وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿وإذا رَأوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ﴾ ويَجِبُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن هَذا الثّانِي والثّالِثِ غَيْرَ الأوَّلِ؛ لِأنَّ العَطْفَ يُوجِبُ التَّغايُرَ ولِأنَّ التَّكْرِيرَ خِلافُ الأصْلِ، والَّذِي عِنْدِي في هَذا البابِ أنْ يُقالَ: القَوْمُ كانُوا يَسْتَبْعِدُونَ الحَشْرَ والقِيامَةَ، ويَقُولُونَ: مَن ماتَ وصارَ تُرابًا وتَفَرَّقَتْ أجْزاؤُهُ في العالَمِ كَيْفَ يُعْقَلُ عَوْدُهُ بِعَيْنِهِ ؟ وبَلَغُوا في هَذا الِاسْتِبْعادِ إلى حَيْثُ كانُوا يَسْخَرُونَ مِمَّنْ يَذْهَبُ إلى هَذا المَذْهَبِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَلا طَرِيقَ إلى إزالَةِ هَذا
صفحة ١١٢
الِاسْتِبْعادِ عَنْهم إلّا مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنْ يَذْكُرَ لَهُمُ الدَّلِيلَ الدّالَّ عَلى صِحَّةِ الحَشْرِ والنَّشْرِ مِثْلَ أنْ يُقالَ لَهم: هَلْ تَعْلَمُونَ أنَّ خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ أشَدُّ وأصْعَبُ مِن إعادَةِ إنْسانٍ بَعْدَ مَوْتِهِ ؟ وهَلْ تَعْلَمُونَ أنَّ القادِرَ عَلى الأصْعَبِ الأشَقِّ، يَجِبُ أنْ يَكُونَ قادِرًا عَلى الأسْهَلِ الأيْسَرِ ؟ فَهَذا الدَّلِيلُ وإنْ كانَ جَلِيًّا قَوِيًّا إلّا أنَّ أُولَئِكَ المُنْكِرِينَ إذا عُرِضَ عَلى عُقُولِهِمْ هَذِهِ المُقَدِّماتُ لا يَفْهَمُونَها ولا يَقِفُونَ عَلَيْها، وإذا ذُكِّرُوا لَمْ يَذْكُرُوها لِشِدَّةِ بَلادَتِهِمْ وجَهْلِهِمْ، فَلا جَرَمَ لَمْ يَنْتَفِعُوا بِهَذا النَّوْعِ مِنَ البَيانِ.
الطَّرِيقُ الثّانِي: أنْ يُثْبِتَ الرَّسُولُ ﷺ جِهَةَ رِسالَتِهِ بِالمُعْجِزاتِ ثُمَّ يَقُولُ: لَمّا ثَبَتَ بِالمُعْجِزِ كَوْنِي رَسُولًا صادِقًا مِن عِنْدِ اللَّهِ فَأنا أُخْبِرُكم بِأنَّ البَعْثَ والقِيامَةَ حَقٌّ، ثُمَّ إنَّ أُولَئِكَ المُنْكِرِينَ لا يَنْتَفِعُونَ بِهَذا الطَّرِيقِ أيْضًا؛ لِأنَّهم إذا رَأوْا مُعْجِزَةً قاهِرَةً وآيَةً باهِرَةً حَمَلُوها عَلى كَوْنِها سِحْرًا وسَخِرُوا بِها واسْتَهْزَءُوا مِنها وهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وإذا رَأوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ﴾ فَظَهَرَ بِالبَيانِ الَّذِي ذَكَرْناهُ أنَّ هَذِهِ الألْفاظَ الثَّلاثَةَ مُنَبِّهَةٌ عَلى هَذِهِ الفَوائِدِ الجَلِيَّةِ.
واعْلَمْ أنَّ أكْثَرَ النّاسِ لَمْ يَقِفُوا عَلى هَذِهِ الدَّقائِقِ، فَقالُوا: إنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿بَلْ عَجِبْتَ ويَسْخَرُونَ﴾ .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإذا رَأوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ﴾ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿يَسْتَسْخِرُونَ﴾ غَيْرَ ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ويَسْخَرُونَ﴾ فَقالَ هَذا القائِلُ: المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ويَسْخَرُونَ﴾ إقْدامُهم عَلى السُّخْرِيَةِ، والمُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿يَسْتَسْخِرُونَ﴾ طَلَبَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم مِن صاحَبِهِ أنْ يُقْدِمَ عَلى السُّخْرِيَةِ، وهَذا التَّكْلِيفُ إنَّما لَزِمَهم لِعَدَمِ وُقُوفِهِمْ عَلى الفَوائِدِ الَّتِي ذَكَرْناها واللَّهُ أعْلَمُ.
والرّابِعُ: مِنَ الأُمُورِ الَّتِي حَكاها اللَّهُ تَعالى عَنْهم أنَّهم قالُوا: ﴿إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ يَعْنِي أنَّهم إذا رَأوْا آيَةً ومُعْجِزَةً سَخِرُوا مِنها، والسَّبَبُ في تِلْكَ السُّخْرِيَةِ اعْتِقادُهم أنَّها مِن بابِ السِّحْرِ. وقَوْلُهُ: ﴿مُبِينٌ﴾ مَعْناهُ أنَّ كَوْنَهُ سِحْرًا أمْرٌ بَيِّنٌ لا شُبْهَةَ لِأحَدٍ فِيهِ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ السَّبَبَ الَّذِي يَحْمِلُهم عَلى الِاسْتِهْزاءِ بِالقَوْلِ بِالبَعْثِ وعَلى عَدَمِ الِالتِفاتِ إلى الدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى صِحَّةِ القَوْلِ وعَلى الِاسْتِهْزاءِ بِجَمِيعِ المُعْجِزاتِ هو قَوْلُهم: إنَّ الَّذِي ماتَ وتَفَرَّقَتْ أجْزاؤُهُ في جُمْلَةِ العالَمِ فَما فِيهِ مِنَ الأرْضِيَّةِ اخْتَلَطَ بِتُرابِ الأرْضِ، وما فِيهِ مِنَ المائِيَّةِ والهَوائِيَّةِ اخْتَلَطَ بِبُخاراتِ العالَمِ، فَهَذا الإنْسانُ كَيْفَ يُعْقَلُ عَوْدُهُ بِعَيْنِهِ حَيًّا فاهِمًا ؟ فَهَذا الكَلامُ هو الَّذِي يَحْمِلُهم عَلى تِلْكَ الأحْوالِ الثَّلاثَةِ المُتَقَدِّمَةِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْهم هَذِهِ الشُّبْهَةَ قالَ: قُلْ يا مُحَمَّدُ نَعَمْ وأنْتُمْ داخِرُونَ، وإنَّما اكْتَفى تَعالى بِهَذا القَدْرِ مِنَ الجَوابِ؛ لِأنَّهُ ذَكَرَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ بِالبُرْهانِ اليَقِينِيِّ القَطْعِيِّ أنَّهُ أمْرٌ مُمْكِنٌ، وإذا ثَبَتَ الجَوازُ القَطْعِيُّ فَلا سَبِيلَ إلى القَطْعِ بِالوُقُوعِ إلّا بِإخْبارِ المُخْبِرِ الصّادِقِ، فَلَمّا قامَتِ المُعْجِزاتُ عَلى صِدْقِ مُحَمَّدٍ ﷺ كانَ واجِبَ الصِّدْقِ فَكانَ مُجَرَّدُ قَوْلِهِ: ﴿قُلْ نَعَمْ﴾ دَلِيلًا قاطِعًا عَلى الوُقُوعِ.
ومَن تَأمَّلَ في هَذِهِ الآياتِ عَلِمَ أنَّها ورَدَتْ عَلى أحْسَنِ وُجُوهِ التَّرْتِيبِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ بَيَّنَ الإمْكانَ بِالدَّلِيلِ العَقْلِيِّ وبَيَّنَ وُقُوعَ ذَلِكَ المُمْكِنِ بِالدَّلِيلِ السَّمْعِيِّ، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ الزِّيادَةَ عَلى هَذا البَيانِ كالأمْرِ المُمْتَنِعِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿أوَآباؤُنا﴾ فالمَعْنى أوَ تُبْعَثُ آباؤُنا وهَذِهِ ألِفُ الِاسْتِفْهامِ دَخَلَتْ عَلى حَرْفِ العَطْفِ وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ هَهُنا، وفي سُورَةِ الواقِعَةِ ساكِنَةَ الواوِ وذَكَرْنا الكَلامَ في هَذا في سُورَةِ الأعْرافِ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿أوَأمِنَ أهْلُ القُرى﴾ [الأعراف: ٩٨] .
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ نَعَمْ﴾ فَنَقُولُ قَرَأ الكِسائِيُّ وحْدَهُ: ”نَعِمْ“ بِكَسْرِ العَيْنِ.
صفحة ١١٣
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنْتُمْ داخِرُونَ﴾ أيْ صاغِرُونَ، قالَ أبُو عُبَيْدٍ: الدُّخُورُ أشَدُّ الصَّغارِ، وذَكَرْنا تَفْسِيرَ هَذِهِ اللَّفْظَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿سُجَّدًا لِلَّهِ وهم داخِرُونَ﴾ [النحل: ٤٨] .
الصافات 37:21
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّما هي زَجْرَةٌ واحِدَةٌ فَإذا هم يَنْظُرُونَ﴾ ﴿وقالُوا ياوَيْلَنا هَذا يَوْمُ الدِّينِ﴾ ﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ ما يَدُلُّ عَلى إمْكانِ البَعْثِ والقِيامَةِ، ثُمَّ أرْدَفَهُ بِما يَدُلُّ عَلى وُقُوعِ القِيامَةِ، ذَكَرَ في هَذِهِ الآياتِ بَعْضَ تَفاصِيلِ أحْوالِ القِيامَةِ، وأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ أنْواعًا مِن تِلْكَ الأحْوالِ:
فالحالَةُ الأُولى: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّما هي زَجْرَةٌ واحِدَةٌ فَإذا هم يَنْظُرُونَ﴾ وفِيهِ أبْحاثٌ:
البَحْثُ الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿فَإنَّما﴾ جَوابُ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ، والتَّقْدِيرُ إذا كانَ كَذَلِكَ فَما هي إلّا زَجْرَةٌ واحِدَةٌ.
البَحْثُ الثّانِي: الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّما هِيَ﴾ ضَمِيرٌ عَلى شَرِيطَةِ التَّفْسِيرِ، والتَّقْدِيرُ فَإنَّما البَعْثُ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ.
البَحْثُ الثّالِثُ: الزَّجْرَةُ في اللُّغَةِ الصَّيْحَةُ الَّتِي يُزْجَرُ بِها كالزَّجْرَةِ بِالنَّعَمِ والإبِلِ عِنْدَ البَحْثِ ثُمَّ كَثُرَ اسْتِعْمالُها حَتّى صارَتْ بِمَعْنى الصَّيْحَةِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ فِيها مَعْنى الزَّجْرِ كَما في هَذِهِ الآيَةِ، وأقُولُ: لا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: إنَّ تِلْكَ الصَّيْحَةَ إنَّما سُمِّيَتْ زَجْرَةً؛ لِأنَّها تَزْجُرُ المَوْتى عَنِ الرُّقُودِ في القُبُورِ وتَحُثُّهم عَلى القِيامِ مِنَ القُبُورِ، والحُضُورِ في مَوْقِفِ القِيامَةِ، فَإذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: المُرادُ مِن هَذِهِ الزَّجْرَةِ ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإذا هم قِيامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر: ٦٨] فَبِالنَّفْخَةِ الأُولى يَمُوتُونَ، وبِالنَّفْخَةِ الثّانِيَةِ يَحْيَوْنَ ويَقُومُونَ، وهَهُنا سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: ما الفائِدَةُ في هَذِهِ الصَّيْحَةِ فَإنَّ القَوْمَ في تِلْكَ السّاعَةِ أمْواتٌ؛ لِأنَّ النَّفْخَةَ جارِيَةٌ مَجْرى السَّبَبِ لِحَياتِهِمْ فَتَكُونُ مُقَدِّمَةً عَلى حُصُولِ حَياتِهِمْ فَثَبَتَ أنَّ هَذِهِ الصَّيْحَةَ إنَّما حَصَلَتْ حالَ كَوْنِ الخَلْقِ أمْواتًا، فَتَكُونُ تِلْكَ الصَّيْحَةُ عَدِيمَةَ الفائِدَةِ فَهي عَبَثٌ والعَبَثُ لا يَجُوزُ في فِعْلِ اللَّهِ.
والجَوابُ: أمّا أصْحابُنا فَيَقُولُونَ يَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ، وأمّا المُعْتَزِلَةُ: فَقالَ القاضِي: فِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنْ تَعْتَبِرَ بِها المَلائِكَةُ.
الثّانِي: أنْ تَكُونَ الفائِدَةُ التَّخْوِيفَ والإرْهابَ.
السُّؤالُ الثّانِي: هَلْ لِتِلْكَ الصَّيْحَةِ تَأْثِيرٌ في إعادَةِ الحَياةِ ؟ .
الجَوابُ: لا، بِدَلِيلِ أنَّ الصَّيْحَةَ الأُولى اسْتَعْقَبَتِ المَوْتَ، والثّانِيَةَ الحَياةَ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الصَّيْحَةَ لا أثَرَ لَها في المَوْتِ ولا في الحَياةِ، بَلْ خالِقُ المَوْتِ والحَياةِ هو اللَّهُ تَعالى كَما قالَ: ﴿الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ والحَياةَ﴾ [الملك: ٢] .
السُّؤالُ الثّالِثُ: تِلْكَ الصَّيْحَةُ صَوْتُ المَلائِكَةِ أوِ اللَّهُ تَعالى يَخْلُقُها ابْتِداءً ؟ .
الجَوابُ: الكُلُّ جائِزٌ إلّا أنَّهُ رُوِيَ أنَّ اللَّهَ تَعالى يَأْمُرُ إسْرافِيلَ حَتّى يُنادِيَ: أيَّتُها العِظامُ النَّخِرَةُ والجُلُودُ البالِيَةُ والأجْزاءُ المُتَفَرِّقَةُ اجْتَمِعُوا
صفحة ١١٤
بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى.
اللَّفْظُ الرّابِعُ: مِنَ الألْفاظِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا هم يَنْظُرُونَ﴾ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ يَنْظُرُونَ ما يَحْدُثُ بِهِمْ ويُحْتَمَلُ يَنْظُرُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ وأنْ يَكُونَ المُرادُ: يَنْظُرُونَ إلى البَعْثِ الَّذِي كَذَّبُوا بِهِ.
الحالَةُ الثّانِيَةُ: مِن وقائِعِ القِيامَةِ ما أخْبَرَ اللَّهُ عَنْهم أنَّهم بَعْدَ القِيامِ مِنَ القُبُورِ قالُوا: ﴿وقالُوا ياوَيْلَنا هَذا يَوْمُ الدِّينِ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: الوَيْلُ كَلِمَةٌ يَقُولُها القائِلُ وقْتَ الهَلَكَةِ والمَقْصُودُ أنَّهم لَمّا شاهَدُوا القِيامَةَ قالُوا: ﴿هَذا يَوْمُ الدِّينِ﴾ أيْ يَوْمُ الجَزاءِ هَذا، والمَقْصُودُ أنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ في آياتٍ كَثِيرَةٍ مِنَ القُرْآنِ، أنّا نَرى في الدُّنْيا مُحْسِنًا ومُسِيئًا وعاصِيًا وصِدِّيقًا وزِنْدِيقًا، ورَأيْنا أنَّهُ لَمْ يَصِلْ إلَيْهِمْ في الدُّنْيا ما يَلِيقُ بِهِمْ مِنَ الجَزاءِ فَوَجَبَ القَوْلُ بِإثْباتِ القِيامَةِ: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أساءُوا بِما عَمِلُوا ويَجْزِيَ الَّذِينَ أحْسَنُوا بِالحُسْنى﴾ [النجم: ٣١] وبِالجُمْلَةِ فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الجَزاءَ إنَّما يَحْصُلُ بَعْدَ المَوْتِ، والكُفّارُ وإنْ سَمِعُوا هَذا الدَّلِيلَ القَوِيَّ لَكِنَّهم أنْكَرُوا وتَمَرَّدُوا، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى إذا أحْياهم يَوْمَ القِيامَةِ فَإذا شاهَدُوا القِيامَةَ يَذْكُرُونَ ذَلِكَ اليَوْمَ ويَقُولُونَ: ﴿هَذا يَوْمُ الدِّينِ﴾ أيْ يَوْمُ الجَزاءِ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ الدَّلائِلَ الكَثِيرَةَ عَلَيْهِ في القُرْآنِ فَكَفَرْنا بِها، ونَظِيرُهُ أنَّ مَن خُوِّفَ بِشَيْءٍ ولَمْ يَلْتَفِتْ إلَيْهِ، ثُمَّ عايَنَهُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَقَدْ يَقُولُ هَذا يَوْمُ الواقِعَةِ الفُلانِيَّةِ فَكَذا هَهُنا، وفِيهِ احْتِمالٌ آخَرُ وهو أنَّهُ تَعالى قالَ في سُورَةِ الفاتِحَةِ ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤] فَبَيَّنَ أنَّهُ لا مالِكَ في ذَلِكَ اليَوْمِ إلّا اللَّهُ، فَقَوْلُهم هَذا يَوْمُ الدِّينِ، إشارَةٌ إلى أنَّ هَذا هو اليَوْمُ الَّذِي لا حُكْمَ فِيهِ لِأحَدٍ إلّا لِلَّهِ، وإنَّما ذَكَرُوهُ لِما حَصَلَ في قُلُوبِهِمْ مِنَ الخَوْفِ الشَّدِيدِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ فَفِيهِ بَحْثانِ:
الأوَّلُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ هَذا هَلْ هو مِن بَقِيَّةِ كَلامِ الكُفّارِ، أوْ يُقالُ: تَمَّ كَلامُهم عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَذا يَوْمُ الدِّينِ﴾ . وأمّا قَوْلُهُ: ﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ﴾ فَهو كَلامُ غَيْرِهِمْ، فَبَعْضُهم قالَ بِالأوَّلِ وزَعَمَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ﴾ الآيَةَ. مِن كَلامِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، والأكْثَرُونَ عَلى القَوْلِ الثّانِي، واحْتَجُّوا بِوَجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ مِن كَلامِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ خِطابٌ مَعَ جَمِيعِ الكُفّارِ، فَقائِلُ هَذا القَوْلِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ غَيْرَ الكُفّارِ.
الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وأزْواجَهُمْ﴾ [الصافات: ٢٢] مَسُوقٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ فَلَمّا كانَ قَوْلُهُ: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ كَلامَ غَيْرِ الكُفّارِ، فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ يَجِبُ أنْ يَكُونَ كَلامَ غَيْرِ الكُفّارِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَقَوْلُهُ: ﴿هَذا يَوْمُ الدِّينِ﴾ مِن كَلامِ الكُفّارِ، وقَوْلُهُ: ﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ﴾ مِن كَلامِ المَلائِكَةِ جَوابًا لَهم، والوَجْهُ في كَوْنِهِ جَوابًا لَهم أنَّ أُولَئِكَ الكُفّارَ إنَّما اعْتَقَدُوا في أنْفُسِهِمْ كَوْنَهم مُحِقِّينَ في إنْكارِ دَعْوَةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وكَوْنَهم مُحِقِّينَ في تِلْكَ الأدْيانِ الفاسِدَةِ فَقالُوا: ﴿هَذا يَوْمُ الدِّينِ﴾ أيْ هَذا اليَوْمُ الَّذِي يَصِلُ فِيهِ إلَيْنا جَزاءُ طاعَتِنا وخَيْراتِنا، فالمَلائِكَةُ يَقُولُونَ لَهم: إنَّهُ لا اعْتِبارَ بِظَواهِرِ الأُمُورِ في هَذا اليَوْمِ، فَإنَّ هَذا اليَوْمَ يُفْصَلُ فِيهِ الجَزاءُ الحَقِيقِيُّ عَنِ الجَزاءِ الظّاهِرِيِّ، وتُمَيَّزُ فِيهِ الطّاعاتُ الحَقِيقِيَّةُ عَنِ الطّاعاتِ المَقْرُونَةِ بِالرِّياءِ والسُّمْعَةِ فَبِهَذا الطَّرِيقِ صارَ هَذا الكَلامُ مِنَ المَلائِكَةِ جَوابًا لِما ذَكَرَهُ الكُفّارُ.
الصافات 37:22
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّما هي زَجْرَةٌ واحِدَةٌ فَإذا هم يَنْظُرُونَ﴾ ﴿وقالُوا ياوَيْلَنا هَذا يَوْمُ الدِّينِ﴾ ﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ ما يَدُلُّ عَلى إمْكانِ البَعْثِ والقِيامَةِ، ثُمَّ أرْدَفَهُ بِما يَدُلُّ عَلى وُقُوعِ القِيامَةِ، ذَكَرَ في هَذِهِ الآياتِ بَعْضَ تَفاصِيلِ أحْوالِ القِيامَةِ، وأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ أنْواعًا مِن تِلْكَ الأحْوالِ:
فالحالَةُ الأُولى: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّما هي زَجْرَةٌ واحِدَةٌ فَإذا هم يَنْظُرُونَ﴾ وفِيهِ أبْحاثٌ:
البَحْثُ الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿فَإنَّما﴾ جَوابُ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ، والتَّقْدِيرُ إذا كانَ كَذَلِكَ فَما هي إلّا زَجْرَةٌ واحِدَةٌ.
البَحْثُ الثّانِي: الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّما هِيَ﴾ ضَمِيرٌ عَلى شَرِيطَةِ التَّفْسِيرِ، والتَّقْدِيرُ فَإنَّما البَعْثُ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ.
البَحْثُ الثّالِثُ: الزَّجْرَةُ في اللُّغَةِ الصَّيْحَةُ الَّتِي يُزْجَرُ بِها كالزَّجْرَةِ بِالنَّعَمِ والإبِلِ عِنْدَ البَحْثِ ثُمَّ كَثُرَ اسْتِعْمالُها حَتّى صارَتْ بِمَعْنى الصَّيْحَةِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ فِيها مَعْنى الزَّجْرِ كَما في هَذِهِ الآيَةِ، وأقُولُ: لا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: إنَّ تِلْكَ الصَّيْحَةَ إنَّما سُمِّيَتْ زَجْرَةً؛ لِأنَّها تَزْجُرُ المَوْتى عَنِ الرُّقُودِ في القُبُورِ وتَحُثُّهم عَلى القِيامِ مِنَ القُبُورِ، والحُضُورِ في مَوْقِفِ القِيامَةِ، فَإذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: المُرادُ مِن هَذِهِ الزَّجْرَةِ ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإذا هم قِيامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر: ٦٨] فَبِالنَّفْخَةِ الأُولى يَمُوتُونَ، وبِالنَّفْخَةِ الثّانِيَةِ يَحْيَوْنَ ويَقُومُونَ، وهَهُنا سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: ما الفائِدَةُ في هَذِهِ الصَّيْحَةِ فَإنَّ القَوْمَ في تِلْكَ السّاعَةِ أمْواتٌ؛ لِأنَّ النَّفْخَةَ جارِيَةٌ مَجْرى السَّبَبِ لِحَياتِهِمْ فَتَكُونُ مُقَدِّمَةً عَلى حُصُولِ حَياتِهِمْ فَثَبَتَ أنَّ هَذِهِ الصَّيْحَةَ إنَّما حَصَلَتْ حالَ كَوْنِ الخَلْقِ أمْواتًا، فَتَكُونُ تِلْكَ الصَّيْحَةُ عَدِيمَةَ الفائِدَةِ فَهي عَبَثٌ والعَبَثُ لا يَجُوزُ في فِعْلِ اللَّهِ.
والجَوابُ: أمّا أصْحابُنا فَيَقُولُونَ يَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ، وأمّا المُعْتَزِلَةُ: فَقالَ القاضِي: فِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنْ تَعْتَبِرَ بِها المَلائِكَةُ.
الثّانِي: أنْ تَكُونَ الفائِدَةُ التَّخْوِيفَ والإرْهابَ.
السُّؤالُ الثّانِي: هَلْ لِتِلْكَ الصَّيْحَةِ تَأْثِيرٌ في إعادَةِ الحَياةِ ؟ .
الجَوابُ: لا، بِدَلِيلِ أنَّ الصَّيْحَةَ الأُولى اسْتَعْقَبَتِ المَوْتَ، والثّانِيَةَ الحَياةَ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الصَّيْحَةَ لا أثَرَ لَها في المَوْتِ ولا في الحَياةِ، بَلْ خالِقُ المَوْتِ والحَياةِ هو اللَّهُ تَعالى كَما قالَ: ﴿الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ والحَياةَ﴾ [الملك: ٢] .
السُّؤالُ الثّالِثُ: تِلْكَ الصَّيْحَةُ صَوْتُ المَلائِكَةِ أوِ اللَّهُ تَعالى يَخْلُقُها ابْتِداءً ؟ .
الجَوابُ: الكُلُّ جائِزٌ إلّا أنَّهُ رُوِيَ أنَّ اللَّهَ تَعالى يَأْمُرُ إسْرافِيلَ حَتّى يُنادِيَ: أيَّتُها العِظامُ النَّخِرَةُ والجُلُودُ البالِيَةُ والأجْزاءُ المُتَفَرِّقَةُ اجْتَمِعُوا
صفحة ١١٤
بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى.
اللَّفْظُ الرّابِعُ: مِنَ الألْفاظِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا هم يَنْظُرُونَ﴾ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ يَنْظُرُونَ ما يَحْدُثُ بِهِمْ ويُحْتَمَلُ يَنْظُرُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ وأنْ يَكُونَ المُرادُ: يَنْظُرُونَ إلى البَعْثِ الَّذِي كَذَّبُوا بِهِ.
الحالَةُ الثّانِيَةُ: مِن وقائِعِ القِيامَةِ ما أخْبَرَ اللَّهُ عَنْهم أنَّهم بَعْدَ القِيامِ مِنَ القُبُورِ قالُوا: ﴿وقالُوا ياوَيْلَنا هَذا يَوْمُ الدِّينِ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: الوَيْلُ كَلِمَةٌ يَقُولُها القائِلُ وقْتَ الهَلَكَةِ والمَقْصُودُ أنَّهم لَمّا شاهَدُوا القِيامَةَ قالُوا: ﴿هَذا يَوْمُ الدِّينِ﴾ أيْ يَوْمُ الجَزاءِ هَذا، والمَقْصُودُ أنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ في آياتٍ كَثِيرَةٍ مِنَ القُرْآنِ، أنّا نَرى في الدُّنْيا مُحْسِنًا ومُسِيئًا وعاصِيًا وصِدِّيقًا وزِنْدِيقًا، ورَأيْنا أنَّهُ لَمْ يَصِلْ إلَيْهِمْ في الدُّنْيا ما يَلِيقُ بِهِمْ مِنَ الجَزاءِ فَوَجَبَ القَوْلُ بِإثْباتِ القِيامَةِ: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أساءُوا بِما عَمِلُوا ويَجْزِيَ الَّذِينَ أحْسَنُوا بِالحُسْنى﴾ [النجم: ٣١] وبِالجُمْلَةِ فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الجَزاءَ إنَّما يَحْصُلُ بَعْدَ المَوْتِ، والكُفّارُ وإنْ سَمِعُوا هَذا الدَّلِيلَ القَوِيَّ لَكِنَّهم أنْكَرُوا وتَمَرَّدُوا، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى إذا أحْياهم يَوْمَ القِيامَةِ فَإذا شاهَدُوا القِيامَةَ يَذْكُرُونَ ذَلِكَ اليَوْمَ ويَقُولُونَ: ﴿هَذا يَوْمُ الدِّينِ﴾ أيْ يَوْمُ الجَزاءِ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ الدَّلائِلَ الكَثِيرَةَ عَلَيْهِ في القُرْآنِ فَكَفَرْنا بِها، ونَظِيرُهُ أنَّ مَن خُوِّفَ بِشَيْءٍ ولَمْ يَلْتَفِتْ إلَيْهِ، ثُمَّ عايَنَهُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَقَدْ يَقُولُ هَذا يَوْمُ الواقِعَةِ الفُلانِيَّةِ فَكَذا هَهُنا، وفِيهِ احْتِمالٌ آخَرُ وهو أنَّهُ تَعالى قالَ في سُورَةِ الفاتِحَةِ ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤] فَبَيَّنَ أنَّهُ لا مالِكَ في ذَلِكَ اليَوْمِ إلّا اللَّهُ، فَقَوْلُهم هَذا يَوْمُ الدِّينِ، إشارَةٌ إلى أنَّ هَذا هو اليَوْمُ الَّذِي لا حُكْمَ فِيهِ لِأحَدٍ إلّا لِلَّهِ، وإنَّما ذَكَرُوهُ لِما حَصَلَ في قُلُوبِهِمْ مِنَ الخَوْفِ الشَّدِيدِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ فَفِيهِ بَحْثانِ:
الأوَّلُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ هَذا هَلْ هو مِن بَقِيَّةِ كَلامِ الكُفّارِ، أوْ يُقالُ: تَمَّ كَلامُهم عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَذا يَوْمُ الدِّينِ﴾ . وأمّا قَوْلُهُ: ﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ﴾ فَهو كَلامُ غَيْرِهِمْ، فَبَعْضُهم قالَ بِالأوَّلِ وزَعَمَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ﴾ الآيَةَ. مِن كَلامِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، والأكْثَرُونَ عَلى القَوْلِ الثّانِي، واحْتَجُّوا بِوَجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ مِن كَلامِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ خِطابٌ مَعَ جَمِيعِ الكُفّارِ، فَقائِلُ هَذا القَوْلِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ غَيْرَ الكُفّارِ.
الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وأزْواجَهُمْ﴾ [الصافات: ٢٢] مَسُوقٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ فَلَمّا كانَ قَوْلُهُ: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ كَلامَ غَيْرِ الكُفّارِ، فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ يَجِبُ أنْ يَكُونَ كَلامَ غَيْرِ الكُفّارِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَقَوْلُهُ: ﴿هَذا يَوْمُ الدِّينِ﴾ مِن كَلامِ الكُفّارِ، وقَوْلُهُ: ﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ﴾ مِن كَلامِ المَلائِكَةِ جَوابًا لَهم، والوَجْهُ في كَوْنِهِ جَوابًا لَهم أنَّ أُولَئِكَ الكُفّارَ إنَّما اعْتَقَدُوا في أنْفُسِهِمْ كَوْنَهم مُحِقِّينَ في إنْكارِ دَعْوَةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وكَوْنَهم مُحِقِّينَ في تِلْكَ الأدْيانِ الفاسِدَةِ فَقالُوا: ﴿هَذا يَوْمُ الدِّينِ﴾ أيْ هَذا اليَوْمُ الَّذِي يَصِلُ فِيهِ إلَيْنا جَزاءُ طاعَتِنا وخَيْراتِنا، فالمَلائِكَةُ يَقُولُونَ لَهم: إنَّهُ لا اعْتِبارَ بِظَواهِرِ الأُمُورِ في هَذا اليَوْمِ، فَإنَّ هَذا اليَوْمَ يُفْصَلُ فِيهِ الجَزاءُ الحَقِيقِيُّ عَنِ الجَزاءِ الظّاهِرِيِّ، وتُمَيَّزُ فِيهِ الطّاعاتُ الحَقِيقِيَّةُ عَنِ الطّاعاتِ المَقْرُونَةِ بِالرِّياءِ والسُّمْعَةِ فَبِهَذا الطَّرِيقِ صارَ هَذا الكَلامُ مِنَ المَلائِكَةِ جَوابًا لِما ذَكَرَهُ الكُفّارُ.
الصافات 37:23
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّما هي زَجْرَةٌ واحِدَةٌ فَإذا هم يَنْظُرُونَ﴾ ﴿وقالُوا ياوَيْلَنا هَذا يَوْمُ الدِّينِ﴾ ﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ ما يَدُلُّ عَلى إمْكانِ البَعْثِ والقِيامَةِ، ثُمَّ أرْدَفَهُ بِما يَدُلُّ عَلى وُقُوعِ القِيامَةِ، ذَكَرَ في هَذِهِ الآياتِ بَعْضَ تَفاصِيلِ أحْوالِ القِيامَةِ، وأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ أنْواعًا مِن تِلْكَ الأحْوالِ:
فالحالَةُ الأُولى: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّما هي زَجْرَةٌ واحِدَةٌ فَإذا هم يَنْظُرُونَ﴾ وفِيهِ أبْحاثٌ:
البَحْثُ الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿فَإنَّما﴾ جَوابُ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ، والتَّقْدِيرُ إذا كانَ كَذَلِكَ فَما هي إلّا زَجْرَةٌ واحِدَةٌ.
البَحْثُ الثّانِي: الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّما هِيَ﴾ ضَمِيرٌ عَلى شَرِيطَةِ التَّفْسِيرِ، والتَّقْدِيرُ فَإنَّما البَعْثُ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ.
البَحْثُ الثّالِثُ: الزَّجْرَةُ في اللُّغَةِ الصَّيْحَةُ الَّتِي يُزْجَرُ بِها كالزَّجْرَةِ بِالنَّعَمِ والإبِلِ عِنْدَ البَحْثِ ثُمَّ كَثُرَ اسْتِعْمالُها حَتّى صارَتْ بِمَعْنى الصَّيْحَةِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ فِيها مَعْنى الزَّجْرِ كَما في هَذِهِ الآيَةِ، وأقُولُ: لا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: إنَّ تِلْكَ الصَّيْحَةَ إنَّما سُمِّيَتْ زَجْرَةً؛ لِأنَّها تَزْجُرُ المَوْتى عَنِ الرُّقُودِ في القُبُورِ وتَحُثُّهم عَلى القِيامِ مِنَ القُبُورِ، والحُضُورِ في مَوْقِفِ القِيامَةِ، فَإذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: المُرادُ مِن هَذِهِ الزَّجْرَةِ ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإذا هم قِيامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر: ٦٨] فَبِالنَّفْخَةِ الأُولى يَمُوتُونَ، وبِالنَّفْخَةِ الثّانِيَةِ يَحْيَوْنَ ويَقُومُونَ، وهَهُنا سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: ما الفائِدَةُ في هَذِهِ الصَّيْحَةِ فَإنَّ القَوْمَ في تِلْكَ السّاعَةِ أمْواتٌ؛ لِأنَّ النَّفْخَةَ جارِيَةٌ مَجْرى السَّبَبِ لِحَياتِهِمْ فَتَكُونُ مُقَدِّمَةً عَلى حُصُولِ حَياتِهِمْ فَثَبَتَ أنَّ هَذِهِ الصَّيْحَةَ إنَّما حَصَلَتْ حالَ كَوْنِ الخَلْقِ أمْواتًا، فَتَكُونُ تِلْكَ الصَّيْحَةُ عَدِيمَةَ الفائِدَةِ فَهي عَبَثٌ والعَبَثُ لا يَجُوزُ في فِعْلِ اللَّهِ.
والجَوابُ: أمّا أصْحابُنا فَيَقُولُونَ يَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ، وأمّا المُعْتَزِلَةُ: فَقالَ القاضِي: فِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنْ تَعْتَبِرَ بِها المَلائِكَةُ.
الثّانِي: أنْ تَكُونَ الفائِدَةُ التَّخْوِيفَ والإرْهابَ.
السُّؤالُ الثّانِي: هَلْ لِتِلْكَ الصَّيْحَةِ تَأْثِيرٌ في إعادَةِ الحَياةِ ؟ .
الجَوابُ: لا، بِدَلِيلِ أنَّ الصَّيْحَةَ الأُولى اسْتَعْقَبَتِ المَوْتَ، والثّانِيَةَ الحَياةَ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الصَّيْحَةَ لا أثَرَ لَها في المَوْتِ ولا في الحَياةِ، بَلْ خالِقُ المَوْتِ والحَياةِ هو اللَّهُ تَعالى كَما قالَ: ﴿الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ والحَياةَ﴾ [الملك: ٢] .
السُّؤالُ الثّالِثُ: تِلْكَ الصَّيْحَةُ صَوْتُ المَلائِكَةِ أوِ اللَّهُ تَعالى يَخْلُقُها ابْتِداءً ؟ .
الجَوابُ: الكُلُّ جائِزٌ إلّا أنَّهُ رُوِيَ أنَّ اللَّهَ تَعالى يَأْمُرُ إسْرافِيلَ حَتّى يُنادِيَ: أيَّتُها العِظامُ النَّخِرَةُ والجُلُودُ البالِيَةُ والأجْزاءُ المُتَفَرِّقَةُ اجْتَمِعُوا
صفحة ١١٤
بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى.
اللَّفْظُ الرّابِعُ: مِنَ الألْفاظِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا هم يَنْظُرُونَ﴾ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ يَنْظُرُونَ ما يَحْدُثُ بِهِمْ ويُحْتَمَلُ يَنْظُرُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ وأنْ يَكُونَ المُرادُ: يَنْظُرُونَ إلى البَعْثِ الَّذِي كَذَّبُوا بِهِ.
الحالَةُ الثّانِيَةُ: مِن وقائِعِ القِيامَةِ ما أخْبَرَ اللَّهُ عَنْهم أنَّهم بَعْدَ القِيامِ مِنَ القُبُورِ قالُوا: ﴿وقالُوا ياوَيْلَنا هَذا يَوْمُ الدِّينِ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: الوَيْلُ كَلِمَةٌ يَقُولُها القائِلُ وقْتَ الهَلَكَةِ والمَقْصُودُ أنَّهم لَمّا شاهَدُوا القِيامَةَ قالُوا: ﴿هَذا يَوْمُ الدِّينِ﴾ أيْ يَوْمُ الجَزاءِ هَذا، والمَقْصُودُ أنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ في آياتٍ كَثِيرَةٍ مِنَ القُرْآنِ، أنّا نَرى في الدُّنْيا مُحْسِنًا ومُسِيئًا وعاصِيًا وصِدِّيقًا وزِنْدِيقًا، ورَأيْنا أنَّهُ لَمْ يَصِلْ إلَيْهِمْ في الدُّنْيا ما يَلِيقُ بِهِمْ مِنَ الجَزاءِ فَوَجَبَ القَوْلُ بِإثْباتِ القِيامَةِ: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أساءُوا بِما عَمِلُوا ويَجْزِيَ الَّذِينَ أحْسَنُوا بِالحُسْنى﴾ [النجم: ٣١] وبِالجُمْلَةِ فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الجَزاءَ إنَّما يَحْصُلُ بَعْدَ المَوْتِ، والكُفّارُ وإنْ سَمِعُوا هَذا الدَّلِيلَ القَوِيَّ لَكِنَّهم أنْكَرُوا وتَمَرَّدُوا، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى إذا أحْياهم يَوْمَ القِيامَةِ فَإذا شاهَدُوا القِيامَةَ يَذْكُرُونَ ذَلِكَ اليَوْمَ ويَقُولُونَ: ﴿هَذا يَوْمُ الدِّينِ﴾ أيْ يَوْمُ الجَزاءِ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ الدَّلائِلَ الكَثِيرَةَ عَلَيْهِ في القُرْآنِ فَكَفَرْنا بِها، ونَظِيرُهُ أنَّ مَن خُوِّفَ بِشَيْءٍ ولَمْ يَلْتَفِتْ إلَيْهِ، ثُمَّ عايَنَهُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَقَدْ يَقُولُ هَذا يَوْمُ الواقِعَةِ الفُلانِيَّةِ فَكَذا هَهُنا، وفِيهِ احْتِمالٌ آخَرُ وهو أنَّهُ تَعالى قالَ في سُورَةِ الفاتِحَةِ ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤] فَبَيَّنَ أنَّهُ لا مالِكَ في ذَلِكَ اليَوْمِ إلّا اللَّهُ، فَقَوْلُهم هَذا يَوْمُ الدِّينِ، إشارَةٌ إلى أنَّ هَذا هو اليَوْمُ الَّذِي لا حُكْمَ فِيهِ لِأحَدٍ إلّا لِلَّهِ، وإنَّما ذَكَرُوهُ لِما حَصَلَ في قُلُوبِهِمْ مِنَ الخَوْفِ الشَّدِيدِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ فَفِيهِ بَحْثانِ:
الأوَّلُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ هَذا هَلْ هو مِن بَقِيَّةِ كَلامِ الكُفّارِ، أوْ يُقالُ: تَمَّ كَلامُهم عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَذا يَوْمُ الدِّينِ﴾ . وأمّا قَوْلُهُ: ﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ﴾ فَهو كَلامُ غَيْرِهِمْ، فَبَعْضُهم قالَ بِالأوَّلِ وزَعَمَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ﴾ الآيَةَ. مِن كَلامِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، والأكْثَرُونَ عَلى القَوْلِ الثّانِي، واحْتَجُّوا بِوَجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ مِن كَلامِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ خِطابٌ مَعَ جَمِيعِ الكُفّارِ، فَقائِلُ هَذا القَوْلِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ غَيْرَ الكُفّارِ.
الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وأزْواجَهُمْ﴾ [الصافات: ٢٢] مَسُوقٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ فَلَمّا كانَ قَوْلُهُ: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ كَلامَ غَيْرِ الكُفّارِ، فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ يَجِبُ أنْ يَكُونَ كَلامَ غَيْرِ الكُفّارِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَقَوْلُهُ: ﴿هَذا يَوْمُ الدِّينِ﴾ مِن كَلامِ الكُفّارِ، وقَوْلُهُ: ﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ﴾ مِن كَلامِ المَلائِكَةِ جَوابًا لَهم، والوَجْهُ في كَوْنِهِ جَوابًا لَهم أنَّ أُولَئِكَ الكُفّارَ إنَّما اعْتَقَدُوا في أنْفُسِهِمْ كَوْنَهم مُحِقِّينَ في إنْكارِ دَعْوَةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وكَوْنَهم مُحِقِّينَ في تِلْكَ الأدْيانِ الفاسِدَةِ فَقالُوا: ﴿هَذا يَوْمُ الدِّينِ﴾ أيْ هَذا اليَوْمُ الَّذِي يَصِلُ فِيهِ إلَيْنا جَزاءُ طاعَتِنا وخَيْراتِنا، فالمَلائِكَةُ يَقُولُونَ لَهم: إنَّهُ لا اعْتِبارَ بِظَواهِرِ الأُمُورِ في هَذا اليَوْمِ، فَإنَّ هَذا اليَوْمَ يُفْصَلُ فِيهِ الجَزاءُ الحَقِيقِيُّ عَنِ الجَزاءِ الظّاهِرِيِّ، وتُمَيَّزُ فِيهِ الطّاعاتُ الحَقِيقِيَّةُ عَنِ الطّاعاتِ المَقْرُونَةِ بِالرِّياءِ والسُّمْعَةِ فَبِهَذا الطَّرِيقِ صارَ هَذا الكَلامُ مِنَ المَلائِكَةِ جَوابًا لِما ذَكَرَهُ الكُفّارُ.
الصافات 37:24
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّما هي زَجْرَةٌ واحِدَةٌ فَإذا هم يَنْظُرُونَ﴾ ﴿وقالُوا ياوَيْلَنا هَذا يَوْمُ الدِّينِ﴾ ﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ ما يَدُلُّ عَلى إمْكانِ البَعْثِ والقِيامَةِ، ثُمَّ أرْدَفَهُ بِما يَدُلُّ عَلى وُقُوعِ القِيامَةِ، ذَكَرَ في هَذِهِ الآياتِ بَعْضَ تَفاصِيلِ أحْوالِ القِيامَةِ، وأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ أنْواعًا مِن تِلْكَ الأحْوالِ:
فالحالَةُ الأُولى: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّما هي زَجْرَةٌ واحِدَةٌ فَإذا هم يَنْظُرُونَ﴾ وفِيهِ أبْحاثٌ:
البَحْثُ الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿فَإنَّما﴾ جَوابُ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ، والتَّقْدِيرُ إذا كانَ كَذَلِكَ فَما هي إلّا زَجْرَةٌ واحِدَةٌ.
البَحْثُ الثّانِي: الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّما هِيَ﴾ ضَمِيرٌ عَلى شَرِيطَةِ التَّفْسِيرِ، والتَّقْدِيرُ فَإنَّما البَعْثُ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ.
البَحْثُ الثّالِثُ: الزَّجْرَةُ في اللُّغَةِ الصَّيْحَةُ الَّتِي يُزْجَرُ بِها كالزَّجْرَةِ بِالنَّعَمِ والإبِلِ عِنْدَ البَحْثِ ثُمَّ كَثُرَ اسْتِعْمالُها حَتّى صارَتْ بِمَعْنى الصَّيْحَةِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ فِيها مَعْنى الزَّجْرِ كَما في هَذِهِ الآيَةِ، وأقُولُ: لا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: إنَّ تِلْكَ الصَّيْحَةَ إنَّما سُمِّيَتْ زَجْرَةً؛ لِأنَّها تَزْجُرُ المَوْتى عَنِ الرُّقُودِ في القُبُورِ وتَحُثُّهم عَلى القِيامِ مِنَ القُبُورِ، والحُضُورِ في مَوْقِفِ القِيامَةِ، فَإذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: المُرادُ مِن هَذِهِ الزَّجْرَةِ ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإذا هم قِيامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر: ٦٨] فَبِالنَّفْخَةِ الأُولى يَمُوتُونَ، وبِالنَّفْخَةِ الثّانِيَةِ يَحْيَوْنَ ويَقُومُونَ، وهَهُنا سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: ما الفائِدَةُ في هَذِهِ الصَّيْحَةِ فَإنَّ القَوْمَ في تِلْكَ السّاعَةِ أمْواتٌ؛ لِأنَّ النَّفْخَةَ جارِيَةٌ مَجْرى السَّبَبِ لِحَياتِهِمْ فَتَكُونُ مُقَدِّمَةً عَلى حُصُولِ حَياتِهِمْ فَثَبَتَ أنَّ هَذِهِ الصَّيْحَةَ إنَّما حَصَلَتْ حالَ كَوْنِ الخَلْقِ أمْواتًا، فَتَكُونُ تِلْكَ الصَّيْحَةُ عَدِيمَةَ الفائِدَةِ فَهي عَبَثٌ والعَبَثُ لا يَجُوزُ في فِعْلِ اللَّهِ.
والجَوابُ: أمّا أصْحابُنا فَيَقُولُونَ يَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ، وأمّا المُعْتَزِلَةُ: فَقالَ القاضِي: فِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنْ تَعْتَبِرَ بِها المَلائِكَةُ.
الثّانِي: أنْ تَكُونَ الفائِدَةُ التَّخْوِيفَ والإرْهابَ.
السُّؤالُ الثّانِي: هَلْ لِتِلْكَ الصَّيْحَةِ تَأْثِيرٌ في إعادَةِ الحَياةِ ؟ .
الجَوابُ: لا، بِدَلِيلِ أنَّ الصَّيْحَةَ الأُولى اسْتَعْقَبَتِ المَوْتَ، والثّانِيَةَ الحَياةَ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الصَّيْحَةَ لا أثَرَ لَها في المَوْتِ ولا في الحَياةِ، بَلْ خالِقُ المَوْتِ والحَياةِ هو اللَّهُ تَعالى كَما قالَ: ﴿الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ والحَياةَ﴾ [الملك: ٢] .
السُّؤالُ الثّالِثُ: تِلْكَ الصَّيْحَةُ صَوْتُ المَلائِكَةِ أوِ اللَّهُ تَعالى يَخْلُقُها ابْتِداءً ؟ .
الجَوابُ: الكُلُّ جائِزٌ إلّا أنَّهُ رُوِيَ أنَّ اللَّهَ تَعالى يَأْمُرُ إسْرافِيلَ حَتّى يُنادِيَ: أيَّتُها العِظامُ النَّخِرَةُ والجُلُودُ البالِيَةُ والأجْزاءُ المُتَفَرِّقَةُ اجْتَمِعُوا
صفحة ١١٤
بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى.
اللَّفْظُ الرّابِعُ: مِنَ الألْفاظِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا هم يَنْظُرُونَ﴾ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ يَنْظُرُونَ ما يَحْدُثُ بِهِمْ ويُحْتَمَلُ يَنْظُرُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ وأنْ يَكُونَ المُرادُ: يَنْظُرُونَ إلى البَعْثِ الَّذِي كَذَّبُوا بِهِ.
الحالَةُ الثّانِيَةُ: مِن وقائِعِ القِيامَةِ ما أخْبَرَ اللَّهُ عَنْهم أنَّهم بَعْدَ القِيامِ مِنَ القُبُورِ قالُوا: ﴿وقالُوا ياوَيْلَنا هَذا يَوْمُ الدِّينِ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: الوَيْلُ كَلِمَةٌ يَقُولُها القائِلُ وقْتَ الهَلَكَةِ والمَقْصُودُ أنَّهم لَمّا شاهَدُوا القِيامَةَ قالُوا: ﴿هَذا يَوْمُ الدِّينِ﴾ أيْ يَوْمُ الجَزاءِ هَذا، والمَقْصُودُ أنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ في آياتٍ كَثِيرَةٍ مِنَ القُرْآنِ، أنّا نَرى في الدُّنْيا مُحْسِنًا ومُسِيئًا وعاصِيًا وصِدِّيقًا وزِنْدِيقًا، ورَأيْنا أنَّهُ لَمْ يَصِلْ إلَيْهِمْ في الدُّنْيا ما يَلِيقُ بِهِمْ مِنَ الجَزاءِ فَوَجَبَ القَوْلُ بِإثْباتِ القِيامَةِ: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أساءُوا بِما عَمِلُوا ويَجْزِيَ الَّذِينَ أحْسَنُوا بِالحُسْنى﴾ [النجم: ٣١] وبِالجُمْلَةِ فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الجَزاءَ إنَّما يَحْصُلُ بَعْدَ المَوْتِ، والكُفّارُ وإنْ سَمِعُوا هَذا الدَّلِيلَ القَوِيَّ لَكِنَّهم أنْكَرُوا وتَمَرَّدُوا، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى إذا أحْياهم يَوْمَ القِيامَةِ فَإذا شاهَدُوا القِيامَةَ يَذْكُرُونَ ذَلِكَ اليَوْمَ ويَقُولُونَ: ﴿هَذا يَوْمُ الدِّينِ﴾ أيْ يَوْمُ الجَزاءِ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ الدَّلائِلَ الكَثِيرَةَ عَلَيْهِ في القُرْآنِ فَكَفَرْنا بِها، ونَظِيرُهُ أنَّ مَن خُوِّفَ بِشَيْءٍ ولَمْ يَلْتَفِتْ إلَيْهِ، ثُمَّ عايَنَهُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَقَدْ يَقُولُ هَذا يَوْمُ الواقِعَةِ الفُلانِيَّةِ فَكَذا هَهُنا، وفِيهِ احْتِمالٌ آخَرُ وهو أنَّهُ تَعالى قالَ في سُورَةِ الفاتِحَةِ ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤] فَبَيَّنَ أنَّهُ لا مالِكَ في ذَلِكَ اليَوْمِ إلّا اللَّهُ، فَقَوْلُهم هَذا يَوْمُ الدِّينِ، إشارَةٌ إلى أنَّ هَذا هو اليَوْمُ الَّذِي لا حُكْمَ فِيهِ لِأحَدٍ إلّا لِلَّهِ، وإنَّما ذَكَرُوهُ لِما حَصَلَ في قُلُوبِهِمْ مِنَ الخَوْفِ الشَّدِيدِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ فَفِيهِ بَحْثانِ:
الأوَّلُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ هَذا هَلْ هو مِن بَقِيَّةِ كَلامِ الكُفّارِ، أوْ يُقالُ: تَمَّ كَلامُهم عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَذا يَوْمُ الدِّينِ﴾ . وأمّا قَوْلُهُ: ﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ﴾ فَهو كَلامُ غَيْرِهِمْ، فَبَعْضُهم قالَ بِالأوَّلِ وزَعَمَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ﴾ الآيَةَ. مِن كَلامِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، والأكْثَرُونَ عَلى القَوْلِ الثّانِي، واحْتَجُّوا بِوَجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ مِن كَلامِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ خِطابٌ مَعَ جَمِيعِ الكُفّارِ، فَقائِلُ هَذا القَوْلِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ غَيْرَ الكُفّارِ.
الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وأزْواجَهُمْ﴾ [الصافات: ٢٢] مَسُوقٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ فَلَمّا كانَ قَوْلُهُ: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ كَلامَ غَيْرِ الكُفّارِ، فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ يَجِبُ أنْ يَكُونَ كَلامَ غَيْرِ الكُفّارِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَقَوْلُهُ: ﴿هَذا يَوْمُ الدِّينِ﴾ مِن كَلامِ الكُفّارِ، وقَوْلُهُ: ﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ﴾ مِن كَلامِ المَلائِكَةِ جَوابًا لَهم، والوَجْهُ في كَوْنِهِ جَوابًا لَهم أنَّ أُولَئِكَ الكُفّارَ إنَّما اعْتَقَدُوا في أنْفُسِهِمْ كَوْنَهم مُحِقِّينَ في إنْكارِ دَعْوَةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وكَوْنَهم مُحِقِّينَ في تِلْكَ الأدْيانِ الفاسِدَةِ فَقالُوا: ﴿هَذا يَوْمُ الدِّينِ﴾ أيْ هَذا اليَوْمُ الَّذِي يَصِلُ فِيهِ إلَيْنا جَزاءُ طاعَتِنا وخَيْراتِنا، فالمَلائِكَةُ يَقُولُونَ لَهم: إنَّهُ لا اعْتِبارَ بِظَواهِرِ الأُمُورِ في هَذا اليَوْمِ، فَإنَّ هَذا اليَوْمَ يُفْصَلُ فِيهِ الجَزاءُ الحَقِيقِيُّ عَنِ الجَزاءِ الظّاهِرِيِّ، وتُمَيَّزُ فِيهِ الطّاعاتُ الحَقِيقِيَّةُ عَنِ الطّاعاتِ المَقْرُونَةِ بِالرِّياءِ والسُّمْعَةِ فَبِهَذا الطَّرِيقِ صارَ هَذا الكَلامُ مِنَ المَلائِكَةِ جَوابًا لِما ذَكَرَهُ الكُفّارُ.
الصافات 37:25
صفحة ١١٥
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وأزْواجَهم وما كانُوا يَعْبُدُونَ﴾ ﴿مِن دُونِ اللَّهِ فاهْدُوهم إلى صِراطِ الجَحِيمِ﴾ ﴿وقِفُوهم إنَّهم مَسْئُولُونَ﴾ ﴿ما لَكم لا تَناصَرُونَ﴾ ﴿بَلْ هُمُ اليَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ ﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ .
وفِي الآيَةِ أبْحاثٌ:
البَحْثُ الأوَّلُ: اعْلَمْ أنَّهُ لا نِزاعَ في أنَّ هَذا مِن كَلامِ المَلائِكَةِ فَإنْ قِيلَ: ما مَعْنى: ﴿احْشُرُوا﴾ مَعَ أنَّهم قَدْ حُشِرُوا مِن قَبْلُ، وحَضَرُوا في مَحْفِلِ القِيامَةِ وقالُوا: ﴿هَذا يَوْمُ الدِّينِ﴾ وقالَتِ المَلائِكَةُ لَهم بَلْ: ﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ﴾ أجابَ القاضِي عَنْهُ، فَقالَ: المُرادُ احْشُرُوهم إلى دارِ الجَزاءِ وهي النّارُ، ولِذَلِكَ قالَ بَعْدَهُ: ﴿فاهْدُوهم إلى صِراطِ الجَحِيمِ﴾ أيْ خُذُوهم إلى ذَلِكَ الطَّرِيقِ، ودُلُّوهم عَلَيْهِ، ثُمَّ سَألَ نَفْسَهُ فَقالَ: كَيْفَ يَصِحُّ ذَلِكَ وقَدْ قالَ بَعْدَهُ ﴿وقِفُوهم إنَّهم مَسْئُولُونَ﴾ ومَعْلُومٌ أنَّ حَشْرَهم إلى الجَحِيمِ إنَّما يَكُونُ بَعْدَ المَسْألَةِ ؟ وأجابَ أنَّهُ لَيْسَ في العَطْفِ بِحَرْفِ الواوِ تَرْتِيبٌ فَلا يَمْتَنِعُ أنْ يُقالَ: احْشُرُوهم وقِفُوهم، مَعَ أنّا بِعُقُولِنا نَعْلَمُ أنَّ الوُقُوفَ كانَ قَبْلَ الحَشْرِ إلى النّارِ، هَذا ما قالَهُ القاضِي، وعِنْدِي فِيهِ وجْهٌ آخَرُ، وهو أنْ يُقالَ: إنَّهم إذا قامُوا مِن قُبُورِهِمْ لَمْ يَبْعُدْ أنْ يَقِفُوا هُناكَ بِحَيْرَةٍ تَلْحَقُهم بِسَبَبِ مُعايَنَةِ أهْوالِ القِيامَةِ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ: احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا واهْدُوهم إلى صِراطِ الجَحِيمِ، أيْ: سُوقُوهم إلى طَرِيقِ جَهَنَّمَ وقِفُوهم هُناكَ، وتَحْصُلُ المَسْألَةُ هُناكَ ثُمَّ مِن هُناكَ يُساقُونَ إلى النّارِ وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَظاهِرُ النَّظْمِ مُوافِقٌ لِما عَلَيْهِ الوَجْهُ.
البَحْثُ الثّانِي: الآمِرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿تُكَذِّبُونَ﴾ ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ هو اللَّهُ فَهو تَعالى أمَرَ المَلائِكَةَ أنْ يَحْشُرُوا الكُفّارَ إلى مَوْقِفِ السُّؤالِ، والمُرادُ مِنَ الحَشْرِ أنَّ المَلائِكَةَ يَسُوقُونَهم إلى ذَلِكَ المَوْقِفِ.
البَحْثُ الثّالِثُ: أنَّ اللَّهَ أمَرَ المَلائِكَةَ بِحَشْرِ ثَلاثَةِ أشْياءَ: الظّالِمِينَ، وأزْواجِهِمْ، والأشْياءِ الَّتِي كانُوا يَعْبُدُونَها. وفِيهِ فَوائِدُ:
الفائِدَةُ الأُولى: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ ثُمَّ ذَكَرَ مِن صِفاتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا كَوْنَهم عابِدِينَ لِغَيْرِ اللَّهِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الظّالِمَ المُطْلَقَ هو الكافِرُ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ وعِيدٍ ورَدَ في حَقِّ الظّالِمِ فَهو مَصْرُوفٌ إلى الكُفّارِ ومِمّا يُؤَكِّدُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والكافِرُونَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤] .
الفائِدَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في المُرادِ بِأزْواجِهِمْ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:
الأوَّلُ: المُرادُ بِأزْواجِهِمْ أشْباهُهم أيْ: أحْزابُهم ونُظَراؤُهم مِنَ الكُفْرِ فاليَهُودِيُّ مَعَ اليَهُودِيِّ والنَّصْرانِيُّ مَعَ النَّصْرانِيِّ، والَّذِي يَدُلُّ عَلى جَوازِ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الأزْواجِ، الأشْباهُ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكُنْتُمْ أزْواجًا ثَلاثَةً﴾ [الواقعة: ٧] أيْ أشْكالًا وأشْباهًا.
الثّانِي: أنَّكَ تَقُولُ: عِنْدِي مِن هَذا أزْواجٌ أيْ أمْثالٌ وتَقُولُ: زَوْجانِ مِنَ الخُفِّ لِكَوْنِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما نَظِيرَ الآخَرِ، وكَذَلِكَ الرَّجُلُ والمَرْأةُ سُمِّيا زَوْجَيْنِ لِكَوْنِهِما مُتَشابِهَيْنِ في أكْثَرِ أحْكامِ النِّكاحِ، وكَذَلِكَ العَدَدُ الزَّوْجُ سُمِّيَ بِهَذا الِاسْمِ لِكَوْنِ كُلِّ واحِدٍ مِن سَمِيِّهِ مِثالًا لِلْقِسْمِ الثّانِي في العَدَدِ الصَّحِيحِ، قالَ الواحِدِيُّ: فَعَلى هَذا القَوْلِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالَّذِينِ ظَلَمُوا الرُّؤَساءَ؛ لِأنَّكَ لَوْ جَعَلْتَ الَّذِينَ ظَلَمُوا عامًّا في كُلِّ مَن أشْرَكَ لَمْ يَكُنْ لِلْأزْواجِ مَعْنًى.
القَوْلُ الثّانِي: في تَفْسِيرِ الأزْواجِ أنَّ المُرادَ قُرَناؤُهم مِنَ الشَّياطِينِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإخْوانُهم يَمُدُّونَهم في الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٢] .
والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ المُرادَ نِساؤُهُمُ اللَّواتِي عَلى دِينِهِمْ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿وما كانُوا يَعْبُدُونَ﴾ ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: المُرادُ ما كانُوا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مِنَ الأوْثانِ والطَّواغِيتِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿فاتَّقُوا النّارَ الَّتِي وقُودُها النّاسُ والحِجارَةُ﴾ [البقرة: ٢٤] قِيلَ: المُرادُ بِالنّاسِ عُبّادُ
صفحة ١١٦
الأوْثانِ والمُرادُ بِالحِجارَةِ الأصْنامُ الَّتِي هي أحْجارٌ مَنحُوتَةٌ، فَإنْ قِيلَ: إنَّ تِلْكَ الأحْجارَ جَماداتٌ فَما الفائِدَةُ في حَشْرِها إلى جَهَنَّمَ ؟ أجابَ القاضِي: ورَدَ الخَبَرُ بِأنَّها تُعادُ وتَحْيا لِتَحْصُلَ المُبالَغَةُ في تَوْبِيخِ الكُفّارِ الَّذِينَ كانُوا يَعْبُدُونَها، ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: هَبْ أنَّ اللَّهَ تَعالى يُحْيِي تِلْكَ الأصْنامَ إلّا أنَّهُ لَمْ يَصْدُرْ عَنْها ذَنْبٌ، فَكَيْفَ يَجُوزُ مِنَ اللَّهِ تَعالى تَعْذِيبُها ؟ والأقْرَبُ أنْ يُقالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى لا يُحْيِي تِلْكَ الأصْنامَ بَلْ يَتْرُكُها عَلى الجَمادِيَّةِ، ثُمَّ يُلْقِيها في جَهَنَّمَ؛ لِأنَّ ذَلِكَ مِمّا يَزِيدُ في تَخْجِيلِ الكُفّارِ.
القَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿وما كانُوا يَعْبُدُونَ﴾ ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ الشَّياطِينُ الَّذِينَ دَعَوْهم إلى عِبادَةِ ما عَبَدُوا، فَلَمّا قَبِلُوا مِنهم ذَلِكَ الدِّينَ صارُوا كالعابِدِينَ لِأُولَئِكَ الشَّياطِينِ، وتَأكَّدَ هَذا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ أعْهَدْ إلَيْكم يابَنِي آدَمَ أنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ﴾ [يس: ٦٠] والقَوْلُ الأوَّلُ أوْلى؛ لِأنَّ الشَّياطِينَ عُقَلاءُ، وكَلِمَةُ ما لا تَلِيقُ بِالعُقَلاءِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿فاهْدُوهم إلى صِراطِ الجَحِيمِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: دُلُّوُهم، يُقالُ: هَدَيْتُ الرَّجُلَ إذا دَلَلْتَهُ وإنَّما اسْتُعْمِلَتِ الهِدايَةُ هَهُنا؛ لِأنَّهُ جُعِلَ بَدَلَ الهِدايَةِ إلى الجَنَّةِ، كَما قالَ: ﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [آل عمران: ٢١] فَوَقَعَتِ البِشارَةُ بِالعَذابِ لِهَؤُلاءِ بَدَلَ البِشارَةِ بِالنَّعِيمِ لِأُولَئِكَ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿فاهْدُوهُمْ﴾ سُوقُوهم، وقالَ الأصَمُّ يُقالُ: قَدِّمُوهم، قالَ الواحِدِيُّ: وهَذا وهْمٌ؛ لِأنَّهُ يُقالُ: هَدى إذا تَقَدَّمَ ومِنهُ الهِدايَةُ والهَوادِي والهادِياتُ الوَحْشُ، قالَ: ولا يُقالُ: هَدى بِمَعْنى قَدَّمَ، ثُمَّ قالَ: وقِفُوهم، يُقالُ: وقَفْتُ الدّابَّةَ أقِفُها وقْفًا فَوَقَفَتْ هي وُقُوفًا، والمَعْنى احْبِسُوهم، وفي الآيَةِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، والمَعْنى قِفُوهم واهْدُوهم، والأصْوَبُ أنَّهُ لا حاجَةَ إلَيْهِ، بَلْ كَأنَّهُ قِيلَ: ﴿فاهْدُوهم إلى صِراطِ الجَحِيمِ﴾ فَإذا انْتَهَوْا إلى الصِّراطِ قِيلَ: ﴿وقِفُوهُمْ﴾ فَإنَّ السُّؤالَ يَقَعُ هُناكَ، وقَوْلُهُ: ﴿إنَّهم مَسْئُولُونَ﴾ قِيلَ: عَنْ أعْمالِهِمْ في الدُّنْيا وأقْوالِهِمْ، وقِيلَ: المُرادُ سَألَتْهُمُ الخَزَنَةُ ﴿ألَمْ يَأْتِكم رُسُلٌ مِنكم يَتْلُونَ عَلَيْكم آياتِ رَبِّكم ويُنْذِرُونَكم لِقاءَ يَوْمِكم هَذا قالُوا بَلى ولَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ العَذابِ عَلى الكافِرِينَ﴾ [الزمر: ٧١] ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا السُّؤالُ ما ذُكِرَ بَعْدَ ذَلِكَ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما لَكم لا تَناصَرُونَ﴾ أيْ: أنَّهم يَسْألُونَ تَوْبِيخًا لَهم، فَيُقالُ: ﴿ما لَكم لا تَناصَرُونَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: لا يَنْصُرُ بَعْضُكم بَعْضًا كَما كُنْتُمْ في الدُّنْيا، وذَلِكَ أنَّ أبا جَهْلٍ قالَ يَوْمَ بَدْرٍ: نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ فَقِيلَ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ: ما لَكم غَيْرَ مُتَناصِرِينَ، وقِيلَ: يُقالُ لِلْكُفّارِ ما لِشُرَكائِكم لا يَمْنَعُونَكم مِنَ العَذابِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿بَلْ هُمُ اليَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ يُقالُ اسْتَسْلَمَ لِلشَّيْءِ إذا انْقادَ لَهُ وخَضَعَ، ومَعْناهُ في الأصْلِ طَلَبُ السَّلامَةِ بِتَرْكِ المُنازَعَةِ، والمَقْصُودُ أنَّهم صارُوا مُنْقادِينَ لا حِيلَةَ لَهم في دَفْعِ تِلْكَ المَضارِّ لا العابِدُ ولا المَعْبُودُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ﴾ قِيلَ: هم والشَّياطِينُ، وقِيلَ: الرُّؤَساءُ والأتْباعُ.
﴿يَتَساءَلُونَ﴾ أيْ يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا، وهَذا التَّساؤُلُ عِبارَةٌ عَنِ التَّخاصُمِ وهو سُؤالُ التَّبْكِيتِ، يَقُولُونَ: غَرَرْتُمُونا، ويَقُولُ أُولَئِكَ: لِمَ قَبِلْتُمْ مِنّا، وبِالجُمْلَةِ فَلَيْسَ ذَلِكَ تَساؤُلَ المُسْتَفْهِمِينَ، بَلْ هو تَساؤُلُ التَّوْبِيخِ واللَّوْمِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
الصافات 37:26
صفحة ١١٥
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وأزْواجَهم وما كانُوا يَعْبُدُونَ﴾ ﴿مِن دُونِ اللَّهِ فاهْدُوهم إلى صِراطِ الجَحِيمِ﴾ ﴿وقِفُوهم إنَّهم مَسْئُولُونَ﴾ ﴿ما لَكم لا تَناصَرُونَ﴾ ﴿بَلْ هُمُ اليَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ ﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ .
وفِي الآيَةِ أبْحاثٌ:
البَحْثُ الأوَّلُ: اعْلَمْ أنَّهُ لا نِزاعَ في أنَّ هَذا مِن كَلامِ المَلائِكَةِ فَإنْ قِيلَ: ما مَعْنى: ﴿احْشُرُوا﴾ مَعَ أنَّهم قَدْ حُشِرُوا مِن قَبْلُ، وحَضَرُوا في مَحْفِلِ القِيامَةِ وقالُوا: ﴿هَذا يَوْمُ الدِّينِ﴾ وقالَتِ المَلائِكَةُ لَهم بَلْ: ﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ﴾ أجابَ القاضِي عَنْهُ، فَقالَ: المُرادُ احْشُرُوهم إلى دارِ الجَزاءِ وهي النّارُ، ولِذَلِكَ قالَ بَعْدَهُ: ﴿فاهْدُوهم إلى صِراطِ الجَحِيمِ﴾ أيْ خُذُوهم إلى ذَلِكَ الطَّرِيقِ، ودُلُّوهم عَلَيْهِ، ثُمَّ سَألَ نَفْسَهُ فَقالَ: كَيْفَ يَصِحُّ ذَلِكَ وقَدْ قالَ بَعْدَهُ ﴿وقِفُوهم إنَّهم مَسْئُولُونَ﴾ ومَعْلُومٌ أنَّ حَشْرَهم إلى الجَحِيمِ إنَّما يَكُونُ بَعْدَ المَسْألَةِ ؟ وأجابَ أنَّهُ لَيْسَ في العَطْفِ بِحَرْفِ الواوِ تَرْتِيبٌ فَلا يَمْتَنِعُ أنْ يُقالَ: احْشُرُوهم وقِفُوهم، مَعَ أنّا بِعُقُولِنا نَعْلَمُ أنَّ الوُقُوفَ كانَ قَبْلَ الحَشْرِ إلى النّارِ، هَذا ما قالَهُ القاضِي، وعِنْدِي فِيهِ وجْهٌ آخَرُ، وهو أنْ يُقالَ: إنَّهم إذا قامُوا مِن قُبُورِهِمْ لَمْ يَبْعُدْ أنْ يَقِفُوا هُناكَ بِحَيْرَةٍ تَلْحَقُهم بِسَبَبِ مُعايَنَةِ أهْوالِ القِيامَةِ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ: احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا واهْدُوهم إلى صِراطِ الجَحِيمِ، أيْ: سُوقُوهم إلى طَرِيقِ جَهَنَّمَ وقِفُوهم هُناكَ، وتَحْصُلُ المَسْألَةُ هُناكَ ثُمَّ مِن هُناكَ يُساقُونَ إلى النّارِ وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَظاهِرُ النَّظْمِ مُوافِقٌ لِما عَلَيْهِ الوَجْهُ.
البَحْثُ الثّانِي: الآمِرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿تُكَذِّبُونَ﴾ ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ هو اللَّهُ فَهو تَعالى أمَرَ المَلائِكَةَ أنْ يَحْشُرُوا الكُفّارَ إلى مَوْقِفِ السُّؤالِ، والمُرادُ مِنَ الحَشْرِ أنَّ المَلائِكَةَ يَسُوقُونَهم إلى ذَلِكَ المَوْقِفِ.
البَحْثُ الثّالِثُ: أنَّ اللَّهَ أمَرَ المَلائِكَةَ بِحَشْرِ ثَلاثَةِ أشْياءَ: الظّالِمِينَ، وأزْواجِهِمْ، والأشْياءِ الَّتِي كانُوا يَعْبُدُونَها. وفِيهِ فَوائِدُ:
الفائِدَةُ الأُولى: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ ثُمَّ ذَكَرَ مِن صِفاتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا كَوْنَهم عابِدِينَ لِغَيْرِ اللَّهِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الظّالِمَ المُطْلَقَ هو الكافِرُ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ وعِيدٍ ورَدَ في حَقِّ الظّالِمِ فَهو مَصْرُوفٌ إلى الكُفّارِ ومِمّا يُؤَكِّدُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والكافِرُونَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤] .
الفائِدَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في المُرادِ بِأزْواجِهِمْ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:
الأوَّلُ: المُرادُ بِأزْواجِهِمْ أشْباهُهم أيْ: أحْزابُهم ونُظَراؤُهم مِنَ الكُفْرِ فاليَهُودِيُّ مَعَ اليَهُودِيِّ والنَّصْرانِيُّ مَعَ النَّصْرانِيِّ، والَّذِي يَدُلُّ عَلى جَوازِ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الأزْواجِ، الأشْباهُ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكُنْتُمْ أزْواجًا ثَلاثَةً﴾ [الواقعة: ٧] أيْ أشْكالًا وأشْباهًا.
الثّانِي: أنَّكَ تَقُولُ: عِنْدِي مِن هَذا أزْواجٌ أيْ أمْثالٌ وتَقُولُ: زَوْجانِ مِنَ الخُفِّ لِكَوْنِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما نَظِيرَ الآخَرِ، وكَذَلِكَ الرَّجُلُ والمَرْأةُ سُمِّيا زَوْجَيْنِ لِكَوْنِهِما مُتَشابِهَيْنِ في أكْثَرِ أحْكامِ النِّكاحِ، وكَذَلِكَ العَدَدُ الزَّوْجُ سُمِّيَ بِهَذا الِاسْمِ لِكَوْنِ كُلِّ واحِدٍ مِن سَمِيِّهِ مِثالًا لِلْقِسْمِ الثّانِي في العَدَدِ الصَّحِيحِ، قالَ الواحِدِيُّ: فَعَلى هَذا القَوْلِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالَّذِينِ ظَلَمُوا الرُّؤَساءَ؛ لِأنَّكَ لَوْ جَعَلْتَ الَّذِينَ ظَلَمُوا عامًّا في كُلِّ مَن أشْرَكَ لَمْ يَكُنْ لِلْأزْواجِ مَعْنًى.
القَوْلُ الثّانِي: في تَفْسِيرِ الأزْواجِ أنَّ المُرادَ قُرَناؤُهم مِنَ الشَّياطِينِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإخْوانُهم يَمُدُّونَهم في الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٢] .
والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ المُرادَ نِساؤُهُمُ اللَّواتِي عَلى دِينِهِمْ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿وما كانُوا يَعْبُدُونَ﴾ ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: المُرادُ ما كانُوا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مِنَ الأوْثانِ والطَّواغِيتِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿فاتَّقُوا النّارَ الَّتِي وقُودُها النّاسُ والحِجارَةُ﴾ [البقرة: ٢٤] قِيلَ: المُرادُ بِالنّاسِ عُبّادُ
صفحة ١١٦
الأوْثانِ والمُرادُ بِالحِجارَةِ الأصْنامُ الَّتِي هي أحْجارٌ مَنحُوتَةٌ، فَإنْ قِيلَ: إنَّ تِلْكَ الأحْجارَ جَماداتٌ فَما الفائِدَةُ في حَشْرِها إلى جَهَنَّمَ ؟ أجابَ القاضِي: ورَدَ الخَبَرُ بِأنَّها تُعادُ وتَحْيا لِتَحْصُلَ المُبالَغَةُ في تَوْبِيخِ الكُفّارِ الَّذِينَ كانُوا يَعْبُدُونَها، ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: هَبْ أنَّ اللَّهَ تَعالى يُحْيِي تِلْكَ الأصْنامَ إلّا أنَّهُ لَمْ يَصْدُرْ عَنْها ذَنْبٌ، فَكَيْفَ يَجُوزُ مِنَ اللَّهِ تَعالى تَعْذِيبُها ؟ والأقْرَبُ أنْ يُقالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى لا يُحْيِي تِلْكَ الأصْنامَ بَلْ يَتْرُكُها عَلى الجَمادِيَّةِ، ثُمَّ يُلْقِيها في جَهَنَّمَ؛ لِأنَّ ذَلِكَ مِمّا يَزِيدُ في تَخْجِيلِ الكُفّارِ.
القَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿وما كانُوا يَعْبُدُونَ﴾ ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ الشَّياطِينُ الَّذِينَ دَعَوْهم إلى عِبادَةِ ما عَبَدُوا، فَلَمّا قَبِلُوا مِنهم ذَلِكَ الدِّينَ صارُوا كالعابِدِينَ لِأُولَئِكَ الشَّياطِينِ، وتَأكَّدَ هَذا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ أعْهَدْ إلَيْكم يابَنِي آدَمَ أنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ﴾ [يس: ٦٠] والقَوْلُ الأوَّلُ أوْلى؛ لِأنَّ الشَّياطِينَ عُقَلاءُ، وكَلِمَةُ ما لا تَلِيقُ بِالعُقَلاءِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿فاهْدُوهم إلى صِراطِ الجَحِيمِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: دُلُّوُهم، يُقالُ: هَدَيْتُ الرَّجُلَ إذا دَلَلْتَهُ وإنَّما اسْتُعْمِلَتِ الهِدايَةُ هَهُنا؛ لِأنَّهُ جُعِلَ بَدَلَ الهِدايَةِ إلى الجَنَّةِ، كَما قالَ: ﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [آل عمران: ٢١] فَوَقَعَتِ البِشارَةُ بِالعَذابِ لِهَؤُلاءِ بَدَلَ البِشارَةِ بِالنَّعِيمِ لِأُولَئِكَ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿فاهْدُوهُمْ﴾ سُوقُوهم، وقالَ الأصَمُّ يُقالُ: قَدِّمُوهم، قالَ الواحِدِيُّ: وهَذا وهْمٌ؛ لِأنَّهُ يُقالُ: هَدى إذا تَقَدَّمَ ومِنهُ الهِدايَةُ والهَوادِي والهادِياتُ الوَحْشُ، قالَ: ولا يُقالُ: هَدى بِمَعْنى قَدَّمَ، ثُمَّ قالَ: وقِفُوهم، يُقالُ: وقَفْتُ الدّابَّةَ أقِفُها وقْفًا فَوَقَفَتْ هي وُقُوفًا، والمَعْنى احْبِسُوهم، وفي الآيَةِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، والمَعْنى قِفُوهم واهْدُوهم، والأصْوَبُ أنَّهُ لا حاجَةَ إلَيْهِ، بَلْ كَأنَّهُ قِيلَ: ﴿فاهْدُوهم إلى صِراطِ الجَحِيمِ﴾ فَإذا انْتَهَوْا إلى الصِّراطِ قِيلَ: ﴿وقِفُوهُمْ﴾ فَإنَّ السُّؤالَ يَقَعُ هُناكَ، وقَوْلُهُ: ﴿إنَّهم مَسْئُولُونَ﴾ قِيلَ: عَنْ أعْمالِهِمْ في الدُّنْيا وأقْوالِهِمْ، وقِيلَ: المُرادُ سَألَتْهُمُ الخَزَنَةُ ﴿ألَمْ يَأْتِكم رُسُلٌ مِنكم يَتْلُونَ عَلَيْكم آياتِ رَبِّكم ويُنْذِرُونَكم لِقاءَ يَوْمِكم هَذا قالُوا بَلى ولَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ العَذابِ عَلى الكافِرِينَ﴾ [الزمر: ٧١] ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا السُّؤالُ ما ذُكِرَ بَعْدَ ذَلِكَ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما لَكم لا تَناصَرُونَ﴾ أيْ: أنَّهم يَسْألُونَ تَوْبِيخًا لَهم، فَيُقالُ: ﴿ما لَكم لا تَناصَرُونَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: لا يَنْصُرُ بَعْضُكم بَعْضًا كَما كُنْتُمْ في الدُّنْيا، وذَلِكَ أنَّ أبا جَهْلٍ قالَ يَوْمَ بَدْرٍ: نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ فَقِيلَ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ: ما لَكم غَيْرَ مُتَناصِرِينَ، وقِيلَ: يُقالُ لِلْكُفّارِ ما لِشُرَكائِكم لا يَمْنَعُونَكم مِنَ العَذابِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿بَلْ هُمُ اليَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ يُقالُ اسْتَسْلَمَ لِلشَّيْءِ إذا انْقادَ لَهُ وخَضَعَ، ومَعْناهُ في الأصْلِ طَلَبُ السَّلامَةِ بِتَرْكِ المُنازَعَةِ، والمَقْصُودُ أنَّهم صارُوا مُنْقادِينَ لا حِيلَةَ لَهم في دَفْعِ تِلْكَ المَضارِّ لا العابِدُ ولا المَعْبُودُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ﴾ قِيلَ: هم والشَّياطِينُ، وقِيلَ: الرُّؤَساءُ والأتْباعُ.
﴿يَتَساءَلُونَ﴾ أيْ يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا، وهَذا التَّساؤُلُ عِبارَةٌ عَنِ التَّخاصُمِ وهو سُؤالُ التَّبْكِيتِ، يَقُولُونَ: غَرَرْتُمُونا، ويَقُولُ أُولَئِكَ: لِمَ قَبِلْتُمْ مِنّا، وبِالجُمْلَةِ فَلَيْسَ ذَلِكَ تَساؤُلَ المُسْتَفْهِمِينَ، بَلْ هو تَساؤُلُ التَّوْبِيخِ واللَّوْمِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
الصافات 37:27
صفحة ١١٥
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وأزْواجَهم وما كانُوا يَعْبُدُونَ﴾ ﴿مِن دُونِ اللَّهِ فاهْدُوهم إلى صِراطِ الجَحِيمِ﴾ ﴿وقِفُوهم إنَّهم مَسْئُولُونَ﴾ ﴿ما لَكم لا تَناصَرُونَ﴾ ﴿بَلْ هُمُ اليَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ ﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ .
وفِي الآيَةِ أبْحاثٌ:
البَحْثُ الأوَّلُ: اعْلَمْ أنَّهُ لا نِزاعَ في أنَّ هَذا مِن كَلامِ المَلائِكَةِ فَإنْ قِيلَ: ما مَعْنى: ﴿احْشُرُوا﴾ مَعَ أنَّهم قَدْ حُشِرُوا مِن قَبْلُ، وحَضَرُوا في مَحْفِلِ القِيامَةِ وقالُوا: ﴿هَذا يَوْمُ الدِّينِ﴾ وقالَتِ المَلائِكَةُ لَهم بَلْ: ﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ﴾ أجابَ القاضِي عَنْهُ، فَقالَ: المُرادُ احْشُرُوهم إلى دارِ الجَزاءِ وهي النّارُ، ولِذَلِكَ قالَ بَعْدَهُ: ﴿فاهْدُوهم إلى صِراطِ الجَحِيمِ﴾ أيْ خُذُوهم إلى ذَلِكَ الطَّرِيقِ، ودُلُّوهم عَلَيْهِ، ثُمَّ سَألَ نَفْسَهُ فَقالَ: كَيْفَ يَصِحُّ ذَلِكَ وقَدْ قالَ بَعْدَهُ ﴿وقِفُوهم إنَّهم مَسْئُولُونَ﴾ ومَعْلُومٌ أنَّ حَشْرَهم إلى الجَحِيمِ إنَّما يَكُونُ بَعْدَ المَسْألَةِ ؟ وأجابَ أنَّهُ لَيْسَ في العَطْفِ بِحَرْفِ الواوِ تَرْتِيبٌ فَلا يَمْتَنِعُ أنْ يُقالَ: احْشُرُوهم وقِفُوهم، مَعَ أنّا بِعُقُولِنا نَعْلَمُ أنَّ الوُقُوفَ كانَ قَبْلَ الحَشْرِ إلى النّارِ، هَذا ما قالَهُ القاضِي، وعِنْدِي فِيهِ وجْهٌ آخَرُ، وهو أنْ يُقالَ: إنَّهم إذا قامُوا مِن قُبُورِهِمْ لَمْ يَبْعُدْ أنْ يَقِفُوا هُناكَ بِحَيْرَةٍ تَلْحَقُهم بِسَبَبِ مُعايَنَةِ أهْوالِ القِيامَةِ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ: احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا واهْدُوهم إلى صِراطِ الجَحِيمِ، أيْ: سُوقُوهم إلى طَرِيقِ جَهَنَّمَ وقِفُوهم هُناكَ، وتَحْصُلُ المَسْألَةُ هُناكَ ثُمَّ مِن هُناكَ يُساقُونَ إلى النّارِ وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَظاهِرُ النَّظْمِ مُوافِقٌ لِما عَلَيْهِ الوَجْهُ.
البَحْثُ الثّانِي: الآمِرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿تُكَذِّبُونَ﴾ ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ هو اللَّهُ فَهو تَعالى أمَرَ المَلائِكَةَ أنْ يَحْشُرُوا الكُفّارَ إلى مَوْقِفِ السُّؤالِ، والمُرادُ مِنَ الحَشْرِ أنَّ المَلائِكَةَ يَسُوقُونَهم إلى ذَلِكَ المَوْقِفِ.
البَحْثُ الثّالِثُ: أنَّ اللَّهَ أمَرَ المَلائِكَةَ بِحَشْرِ ثَلاثَةِ أشْياءَ: الظّالِمِينَ، وأزْواجِهِمْ، والأشْياءِ الَّتِي كانُوا يَعْبُدُونَها. وفِيهِ فَوائِدُ:
الفائِدَةُ الأُولى: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ ثُمَّ ذَكَرَ مِن صِفاتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا كَوْنَهم عابِدِينَ لِغَيْرِ اللَّهِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الظّالِمَ المُطْلَقَ هو الكافِرُ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ وعِيدٍ ورَدَ في حَقِّ الظّالِمِ فَهو مَصْرُوفٌ إلى الكُفّارِ ومِمّا يُؤَكِّدُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والكافِرُونَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤] .
الفائِدَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في المُرادِ بِأزْواجِهِمْ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:
الأوَّلُ: المُرادُ بِأزْواجِهِمْ أشْباهُهم أيْ: أحْزابُهم ونُظَراؤُهم مِنَ الكُفْرِ فاليَهُودِيُّ مَعَ اليَهُودِيِّ والنَّصْرانِيُّ مَعَ النَّصْرانِيِّ، والَّذِي يَدُلُّ عَلى جَوازِ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الأزْواجِ، الأشْباهُ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكُنْتُمْ أزْواجًا ثَلاثَةً﴾ [الواقعة: ٧] أيْ أشْكالًا وأشْباهًا.
الثّانِي: أنَّكَ تَقُولُ: عِنْدِي مِن هَذا أزْواجٌ أيْ أمْثالٌ وتَقُولُ: زَوْجانِ مِنَ الخُفِّ لِكَوْنِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما نَظِيرَ الآخَرِ، وكَذَلِكَ الرَّجُلُ والمَرْأةُ سُمِّيا زَوْجَيْنِ لِكَوْنِهِما مُتَشابِهَيْنِ في أكْثَرِ أحْكامِ النِّكاحِ، وكَذَلِكَ العَدَدُ الزَّوْجُ سُمِّيَ بِهَذا الِاسْمِ لِكَوْنِ كُلِّ واحِدٍ مِن سَمِيِّهِ مِثالًا لِلْقِسْمِ الثّانِي في العَدَدِ الصَّحِيحِ، قالَ الواحِدِيُّ: فَعَلى هَذا القَوْلِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالَّذِينِ ظَلَمُوا الرُّؤَساءَ؛ لِأنَّكَ لَوْ جَعَلْتَ الَّذِينَ ظَلَمُوا عامًّا في كُلِّ مَن أشْرَكَ لَمْ يَكُنْ لِلْأزْواجِ مَعْنًى.
القَوْلُ الثّانِي: في تَفْسِيرِ الأزْواجِ أنَّ المُرادَ قُرَناؤُهم مِنَ الشَّياطِينِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإخْوانُهم يَمُدُّونَهم في الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٢] .
والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ المُرادَ نِساؤُهُمُ اللَّواتِي عَلى دِينِهِمْ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿وما كانُوا يَعْبُدُونَ﴾ ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: المُرادُ ما كانُوا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مِنَ الأوْثانِ والطَّواغِيتِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿فاتَّقُوا النّارَ الَّتِي وقُودُها النّاسُ والحِجارَةُ﴾ [البقرة: ٢٤] قِيلَ: المُرادُ بِالنّاسِ عُبّادُ
صفحة ١١٦
الأوْثانِ والمُرادُ بِالحِجارَةِ الأصْنامُ الَّتِي هي أحْجارٌ مَنحُوتَةٌ، فَإنْ قِيلَ: إنَّ تِلْكَ الأحْجارَ جَماداتٌ فَما الفائِدَةُ في حَشْرِها إلى جَهَنَّمَ ؟ أجابَ القاضِي: ورَدَ الخَبَرُ بِأنَّها تُعادُ وتَحْيا لِتَحْصُلَ المُبالَغَةُ في تَوْبِيخِ الكُفّارِ الَّذِينَ كانُوا يَعْبُدُونَها، ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: هَبْ أنَّ اللَّهَ تَعالى يُحْيِي تِلْكَ الأصْنامَ إلّا أنَّهُ لَمْ يَصْدُرْ عَنْها ذَنْبٌ، فَكَيْفَ يَجُوزُ مِنَ اللَّهِ تَعالى تَعْذِيبُها ؟ والأقْرَبُ أنْ يُقالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى لا يُحْيِي تِلْكَ الأصْنامَ بَلْ يَتْرُكُها عَلى الجَمادِيَّةِ، ثُمَّ يُلْقِيها في جَهَنَّمَ؛ لِأنَّ ذَلِكَ مِمّا يَزِيدُ في تَخْجِيلِ الكُفّارِ.
القَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿وما كانُوا يَعْبُدُونَ﴾ ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ الشَّياطِينُ الَّذِينَ دَعَوْهم إلى عِبادَةِ ما عَبَدُوا، فَلَمّا قَبِلُوا مِنهم ذَلِكَ الدِّينَ صارُوا كالعابِدِينَ لِأُولَئِكَ الشَّياطِينِ، وتَأكَّدَ هَذا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ أعْهَدْ إلَيْكم يابَنِي آدَمَ أنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ﴾ [يس: ٦٠] والقَوْلُ الأوَّلُ أوْلى؛ لِأنَّ الشَّياطِينَ عُقَلاءُ، وكَلِمَةُ ما لا تَلِيقُ بِالعُقَلاءِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿فاهْدُوهم إلى صِراطِ الجَحِيمِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: دُلُّوُهم، يُقالُ: هَدَيْتُ الرَّجُلَ إذا دَلَلْتَهُ وإنَّما اسْتُعْمِلَتِ الهِدايَةُ هَهُنا؛ لِأنَّهُ جُعِلَ بَدَلَ الهِدايَةِ إلى الجَنَّةِ، كَما قالَ: ﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [آل عمران: ٢١] فَوَقَعَتِ البِشارَةُ بِالعَذابِ لِهَؤُلاءِ بَدَلَ البِشارَةِ بِالنَّعِيمِ لِأُولَئِكَ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿فاهْدُوهُمْ﴾ سُوقُوهم، وقالَ الأصَمُّ يُقالُ: قَدِّمُوهم، قالَ الواحِدِيُّ: وهَذا وهْمٌ؛ لِأنَّهُ يُقالُ: هَدى إذا تَقَدَّمَ ومِنهُ الهِدايَةُ والهَوادِي والهادِياتُ الوَحْشُ، قالَ: ولا يُقالُ: هَدى بِمَعْنى قَدَّمَ، ثُمَّ قالَ: وقِفُوهم، يُقالُ: وقَفْتُ الدّابَّةَ أقِفُها وقْفًا فَوَقَفَتْ هي وُقُوفًا، والمَعْنى احْبِسُوهم، وفي الآيَةِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، والمَعْنى قِفُوهم واهْدُوهم، والأصْوَبُ أنَّهُ لا حاجَةَ إلَيْهِ، بَلْ كَأنَّهُ قِيلَ: ﴿فاهْدُوهم إلى صِراطِ الجَحِيمِ﴾ فَإذا انْتَهَوْا إلى الصِّراطِ قِيلَ: ﴿وقِفُوهُمْ﴾ فَإنَّ السُّؤالَ يَقَعُ هُناكَ، وقَوْلُهُ: ﴿إنَّهم مَسْئُولُونَ﴾ قِيلَ: عَنْ أعْمالِهِمْ في الدُّنْيا وأقْوالِهِمْ، وقِيلَ: المُرادُ سَألَتْهُمُ الخَزَنَةُ ﴿ألَمْ يَأْتِكم رُسُلٌ مِنكم يَتْلُونَ عَلَيْكم آياتِ رَبِّكم ويُنْذِرُونَكم لِقاءَ يَوْمِكم هَذا قالُوا بَلى ولَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ العَذابِ عَلى الكافِرِينَ﴾ [الزمر: ٧١] ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا السُّؤالُ ما ذُكِرَ بَعْدَ ذَلِكَ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما لَكم لا تَناصَرُونَ﴾ أيْ: أنَّهم يَسْألُونَ تَوْبِيخًا لَهم، فَيُقالُ: ﴿ما لَكم لا تَناصَرُونَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: لا يَنْصُرُ بَعْضُكم بَعْضًا كَما كُنْتُمْ في الدُّنْيا، وذَلِكَ أنَّ أبا جَهْلٍ قالَ يَوْمَ بَدْرٍ: نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ فَقِيلَ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ: ما لَكم غَيْرَ مُتَناصِرِينَ، وقِيلَ: يُقالُ لِلْكُفّارِ ما لِشُرَكائِكم لا يَمْنَعُونَكم مِنَ العَذابِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿بَلْ هُمُ اليَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ يُقالُ اسْتَسْلَمَ لِلشَّيْءِ إذا انْقادَ لَهُ وخَضَعَ، ومَعْناهُ في الأصْلِ طَلَبُ السَّلامَةِ بِتَرْكِ المُنازَعَةِ، والمَقْصُودُ أنَّهم صارُوا مُنْقادِينَ لا حِيلَةَ لَهم في دَفْعِ تِلْكَ المَضارِّ لا العابِدُ ولا المَعْبُودُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ﴾ قِيلَ: هم والشَّياطِينُ، وقِيلَ: الرُّؤَساءُ والأتْباعُ.
﴿يَتَساءَلُونَ﴾ أيْ يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا، وهَذا التَّساؤُلُ عِبارَةٌ عَنِ التَّخاصُمِ وهو سُؤالُ التَّبْكِيتِ، يَقُولُونَ: غَرَرْتُمُونا، ويَقُولُ أُولَئِكَ: لِمَ قَبِلْتُمْ مِنّا، وبِالجُمْلَةِ فَلَيْسَ ذَلِكَ تَساؤُلَ المُسْتَفْهِمِينَ، بَلْ هو تَساؤُلُ التَّوْبِيخِ واللَّوْمِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
الصافات 37:28
صفحة ١١٥
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وأزْواجَهم وما كانُوا يَعْبُدُونَ﴾ ﴿مِن دُونِ اللَّهِ فاهْدُوهم إلى صِراطِ الجَحِيمِ﴾ ﴿وقِفُوهم إنَّهم مَسْئُولُونَ﴾ ﴿ما لَكم لا تَناصَرُونَ﴾ ﴿بَلْ هُمُ اليَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ ﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ .
وفِي الآيَةِ أبْحاثٌ:
البَحْثُ الأوَّلُ: اعْلَمْ أنَّهُ لا نِزاعَ في أنَّ هَذا مِن كَلامِ المَلائِكَةِ فَإنْ قِيلَ: ما مَعْنى: ﴿احْشُرُوا﴾ مَعَ أنَّهم قَدْ حُشِرُوا مِن قَبْلُ، وحَضَرُوا في مَحْفِلِ القِيامَةِ وقالُوا: ﴿هَذا يَوْمُ الدِّينِ﴾ وقالَتِ المَلائِكَةُ لَهم بَلْ: ﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ﴾ أجابَ القاضِي عَنْهُ، فَقالَ: المُرادُ احْشُرُوهم إلى دارِ الجَزاءِ وهي النّارُ، ولِذَلِكَ قالَ بَعْدَهُ: ﴿فاهْدُوهم إلى صِراطِ الجَحِيمِ﴾ أيْ خُذُوهم إلى ذَلِكَ الطَّرِيقِ، ودُلُّوهم عَلَيْهِ، ثُمَّ سَألَ نَفْسَهُ فَقالَ: كَيْفَ يَصِحُّ ذَلِكَ وقَدْ قالَ بَعْدَهُ ﴿وقِفُوهم إنَّهم مَسْئُولُونَ﴾ ومَعْلُومٌ أنَّ حَشْرَهم إلى الجَحِيمِ إنَّما يَكُونُ بَعْدَ المَسْألَةِ ؟ وأجابَ أنَّهُ لَيْسَ في العَطْفِ بِحَرْفِ الواوِ تَرْتِيبٌ فَلا يَمْتَنِعُ أنْ يُقالَ: احْشُرُوهم وقِفُوهم، مَعَ أنّا بِعُقُولِنا نَعْلَمُ أنَّ الوُقُوفَ كانَ قَبْلَ الحَشْرِ إلى النّارِ، هَذا ما قالَهُ القاضِي، وعِنْدِي فِيهِ وجْهٌ آخَرُ، وهو أنْ يُقالَ: إنَّهم إذا قامُوا مِن قُبُورِهِمْ لَمْ يَبْعُدْ أنْ يَقِفُوا هُناكَ بِحَيْرَةٍ تَلْحَقُهم بِسَبَبِ مُعايَنَةِ أهْوالِ القِيامَةِ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ: احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا واهْدُوهم إلى صِراطِ الجَحِيمِ، أيْ: سُوقُوهم إلى طَرِيقِ جَهَنَّمَ وقِفُوهم هُناكَ، وتَحْصُلُ المَسْألَةُ هُناكَ ثُمَّ مِن هُناكَ يُساقُونَ إلى النّارِ وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَظاهِرُ النَّظْمِ مُوافِقٌ لِما عَلَيْهِ الوَجْهُ.
البَحْثُ الثّانِي: الآمِرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿تُكَذِّبُونَ﴾ ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ هو اللَّهُ فَهو تَعالى أمَرَ المَلائِكَةَ أنْ يَحْشُرُوا الكُفّارَ إلى مَوْقِفِ السُّؤالِ، والمُرادُ مِنَ الحَشْرِ أنَّ المَلائِكَةَ يَسُوقُونَهم إلى ذَلِكَ المَوْقِفِ.
البَحْثُ الثّالِثُ: أنَّ اللَّهَ أمَرَ المَلائِكَةَ بِحَشْرِ ثَلاثَةِ أشْياءَ: الظّالِمِينَ، وأزْواجِهِمْ، والأشْياءِ الَّتِي كانُوا يَعْبُدُونَها. وفِيهِ فَوائِدُ:
الفائِدَةُ الأُولى: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ ثُمَّ ذَكَرَ مِن صِفاتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا كَوْنَهم عابِدِينَ لِغَيْرِ اللَّهِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الظّالِمَ المُطْلَقَ هو الكافِرُ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ وعِيدٍ ورَدَ في حَقِّ الظّالِمِ فَهو مَصْرُوفٌ إلى الكُفّارِ ومِمّا يُؤَكِّدُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والكافِرُونَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤] .
الفائِدَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في المُرادِ بِأزْواجِهِمْ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:
الأوَّلُ: المُرادُ بِأزْواجِهِمْ أشْباهُهم أيْ: أحْزابُهم ونُظَراؤُهم مِنَ الكُفْرِ فاليَهُودِيُّ مَعَ اليَهُودِيِّ والنَّصْرانِيُّ مَعَ النَّصْرانِيِّ، والَّذِي يَدُلُّ عَلى جَوازِ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الأزْواجِ، الأشْباهُ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكُنْتُمْ أزْواجًا ثَلاثَةً﴾ [الواقعة: ٧] أيْ أشْكالًا وأشْباهًا.
الثّانِي: أنَّكَ تَقُولُ: عِنْدِي مِن هَذا أزْواجٌ أيْ أمْثالٌ وتَقُولُ: زَوْجانِ مِنَ الخُفِّ لِكَوْنِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما نَظِيرَ الآخَرِ، وكَذَلِكَ الرَّجُلُ والمَرْأةُ سُمِّيا زَوْجَيْنِ لِكَوْنِهِما مُتَشابِهَيْنِ في أكْثَرِ أحْكامِ النِّكاحِ، وكَذَلِكَ العَدَدُ الزَّوْجُ سُمِّيَ بِهَذا الِاسْمِ لِكَوْنِ كُلِّ واحِدٍ مِن سَمِيِّهِ مِثالًا لِلْقِسْمِ الثّانِي في العَدَدِ الصَّحِيحِ، قالَ الواحِدِيُّ: فَعَلى هَذا القَوْلِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالَّذِينِ ظَلَمُوا الرُّؤَساءَ؛ لِأنَّكَ لَوْ جَعَلْتَ الَّذِينَ ظَلَمُوا عامًّا في كُلِّ مَن أشْرَكَ لَمْ يَكُنْ لِلْأزْواجِ مَعْنًى.
القَوْلُ الثّانِي: في تَفْسِيرِ الأزْواجِ أنَّ المُرادَ قُرَناؤُهم مِنَ الشَّياطِينِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإخْوانُهم يَمُدُّونَهم في الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٢] .
والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ المُرادَ نِساؤُهُمُ اللَّواتِي عَلى دِينِهِمْ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿وما كانُوا يَعْبُدُونَ﴾ ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: المُرادُ ما كانُوا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مِنَ الأوْثانِ والطَّواغِيتِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿فاتَّقُوا النّارَ الَّتِي وقُودُها النّاسُ والحِجارَةُ﴾ [البقرة: ٢٤] قِيلَ: المُرادُ بِالنّاسِ عُبّادُ
صفحة ١١٦
الأوْثانِ والمُرادُ بِالحِجارَةِ الأصْنامُ الَّتِي هي أحْجارٌ مَنحُوتَةٌ، فَإنْ قِيلَ: إنَّ تِلْكَ الأحْجارَ جَماداتٌ فَما الفائِدَةُ في حَشْرِها إلى جَهَنَّمَ ؟ أجابَ القاضِي: ورَدَ الخَبَرُ بِأنَّها تُعادُ وتَحْيا لِتَحْصُلَ المُبالَغَةُ في تَوْبِيخِ الكُفّارِ الَّذِينَ كانُوا يَعْبُدُونَها، ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: هَبْ أنَّ اللَّهَ تَعالى يُحْيِي تِلْكَ الأصْنامَ إلّا أنَّهُ لَمْ يَصْدُرْ عَنْها ذَنْبٌ، فَكَيْفَ يَجُوزُ مِنَ اللَّهِ تَعالى تَعْذِيبُها ؟ والأقْرَبُ أنْ يُقالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى لا يُحْيِي تِلْكَ الأصْنامَ بَلْ يَتْرُكُها عَلى الجَمادِيَّةِ، ثُمَّ يُلْقِيها في جَهَنَّمَ؛ لِأنَّ ذَلِكَ مِمّا يَزِيدُ في تَخْجِيلِ الكُفّارِ.
القَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿وما كانُوا يَعْبُدُونَ﴾ ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ الشَّياطِينُ الَّذِينَ دَعَوْهم إلى عِبادَةِ ما عَبَدُوا، فَلَمّا قَبِلُوا مِنهم ذَلِكَ الدِّينَ صارُوا كالعابِدِينَ لِأُولَئِكَ الشَّياطِينِ، وتَأكَّدَ هَذا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ أعْهَدْ إلَيْكم يابَنِي آدَمَ أنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ﴾ [يس: ٦٠] والقَوْلُ الأوَّلُ أوْلى؛ لِأنَّ الشَّياطِينَ عُقَلاءُ، وكَلِمَةُ ما لا تَلِيقُ بِالعُقَلاءِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿فاهْدُوهم إلى صِراطِ الجَحِيمِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: دُلُّوُهم، يُقالُ: هَدَيْتُ الرَّجُلَ إذا دَلَلْتَهُ وإنَّما اسْتُعْمِلَتِ الهِدايَةُ هَهُنا؛ لِأنَّهُ جُعِلَ بَدَلَ الهِدايَةِ إلى الجَنَّةِ، كَما قالَ: ﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [آل عمران: ٢١] فَوَقَعَتِ البِشارَةُ بِالعَذابِ لِهَؤُلاءِ بَدَلَ البِشارَةِ بِالنَّعِيمِ لِأُولَئِكَ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿فاهْدُوهُمْ﴾ سُوقُوهم، وقالَ الأصَمُّ يُقالُ: قَدِّمُوهم، قالَ الواحِدِيُّ: وهَذا وهْمٌ؛ لِأنَّهُ يُقالُ: هَدى إذا تَقَدَّمَ ومِنهُ الهِدايَةُ والهَوادِي والهادِياتُ الوَحْشُ، قالَ: ولا يُقالُ: هَدى بِمَعْنى قَدَّمَ، ثُمَّ قالَ: وقِفُوهم، يُقالُ: وقَفْتُ الدّابَّةَ أقِفُها وقْفًا فَوَقَفَتْ هي وُقُوفًا، والمَعْنى احْبِسُوهم، وفي الآيَةِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، والمَعْنى قِفُوهم واهْدُوهم، والأصْوَبُ أنَّهُ لا حاجَةَ إلَيْهِ، بَلْ كَأنَّهُ قِيلَ: ﴿فاهْدُوهم إلى صِراطِ الجَحِيمِ﴾ فَإذا انْتَهَوْا إلى الصِّراطِ قِيلَ: ﴿وقِفُوهُمْ﴾ فَإنَّ السُّؤالَ يَقَعُ هُناكَ، وقَوْلُهُ: ﴿إنَّهم مَسْئُولُونَ﴾ قِيلَ: عَنْ أعْمالِهِمْ في الدُّنْيا وأقْوالِهِمْ، وقِيلَ: المُرادُ سَألَتْهُمُ الخَزَنَةُ ﴿ألَمْ يَأْتِكم رُسُلٌ مِنكم يَتْلُونَ عَلَيْكم آياتِ رَبِّكم ويُنْذِرُونَكم لِقاءَ يَوْمِكم هَذا قالُوا بَلى ولَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ العَذابِ عَلى الكافِرِينَ﴾ [الزمر: ٧١] ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا السُّؤالُ ما ذُكِرَ بَعْدَ ذَلِكَ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما لَكم لا تَناصَرُونَ﴾ أيْ: أنَّهم يَسْألُونَ تَوْبِيخًا لَهم، فَيُقالُ: ﴿ما لَكم لا تَناصَرُونَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: لا يَنْصُرُ بَعْضُكم بَعْضًا كَما كُنْتُمْ في الدُّنْيا، وذَلِكَ أنَّ أبا جَهْلٍ قالَ يَوْمَ بَدْرٍ: نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ فَقِيلَ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ: ما لَكم غَيْرَ مُتَناصِرِينَ، وقِيلَ: يُقالُ لِلْكُفّارِ ما لِشُرَكائِكم لا يَمْنَعُونَكم مِنَ العَذابِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿بَلْ هُمُ اليَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ يُقالُ اسْتَسْلَمَ لِلشَّيْءِ إذا انْقادَ لَهُ وخَضَعَ، ومَعْناهُ في الأصْلِ طَلَبُ السَّلامَةِ بِتَرْكِ المُنازَعَةِ، والمَقْصُودُ أنَّهم صارُوا مُنْقادِينَ لا حِيلَةَ لَهم في دَفْعِ تِلْكَ المَضارِّ لا العابِدُ ولا المَعْبُودُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ﴾ قِيلَ: هم والشَّياطِينُ، وقِيلَ: الرُّؤَساءُ والأتْباعُ.
﴿يَتَساءَلُونَ﴾ أيْ يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا، وهَذا التَّساؤُلُ عِبارَةٌ عَنِ التَّخاصُمِ وهو سُؤالُ التَّبْكِيتِ، يَقُولُونَ: غَرَرْتُمُونا، ويَقُولُ أُولَئِكَ: لِمَ قَبِلْتُمْ مِنّا، وبِالجُمْلَةِ فَلَيْسَ ذَلِكَ تَساؤُلَ المُسْتَفْهِمِينَ، بَلْ هو تَساؤُلُ التَّوْبِيخِ واللَّوْمِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
الصافات 37:29
صفحة ١١٥
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وأزْواجَهم وما كانُوا يَعْبُدُونَ﴾ ﴿مِن دُونِ اللَّهِ فاهْدُوهم إلى صِراطِ الجَحِيمِ﴾ ﴿وقِفُوهم إنَّهم مَسْئُولُونَ﴾ ﴿ما لَكم لا تَناصَرُونَ﴾ ﴿بَلْ هُمُ اليَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ ﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ .
وفِي الآيَةِ أبْحاثٌ:
البَحْثُ الأوَّلُ: اعْلَمْ أنَّهُ لا نِزاعَ في أنَّ هَذا مِن كَلامِ المَلائِكَةِ فَإنْ قِيلَ: ما مَعْنى: ﴿احْشُرُوا﴾ مَعَ أنَّهم قَدْ حُشِرُوا مِن قَبْلُ، وحَضَرُوا في مَحْفِلِ القِيامَةِ وقالُوا: ﴿هَذا يَوْمُ الدِّينِ﴾ وقالَتِ المَلائِكَةُ لَهم بَلْ: ﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ﴾ أجابَ القاضِي عَنْهُ، فَقالَ: المُرادُ احْشُرُوهم إلى دارِ الجَزاءِ وهي النّارُ، ولِذَلِكَ قالَ بَعْدَهُ: ﴿فاهْدُوهم إلى صِراطِ الجَحِيمِ﴾ أيْ خُذُوهم إلى ذَلِكَ الطَّرِيقِ، ودُلُّوهم عَلَيْهِ، ثُمَّ سَألَ نَفْسَهُ فَقالَ: كَيْفَ يَصِحُّ ذَلِكَ وقَدْ قالَ بَعْدَهُ ﴿وقِفُوهم إنَّهم مَسْئُولُونَ﴾ ومَعْلُومٌ أنَّ حَشْرَهم إلى الجَحِيمِ إنَّما يَكُونُ بَعْدَ المَسْألَةِ ؟ وأجابَ أنَّهُ لَيْسَ في العَطْفِ بِحَرْفِ الواوِ تَرْتِيبٌ فَلا يَمْتَنِعُ أنْ يُقالَ: احْشُرُوهم وقِفُوهم، مَعَ أنّا بِعُقُولِنا نَعْلَمُ أنَّ الوُقُوفَ كانَ قَبْلَ الحَشْرِ إلى النّارِ، هَذا ما قالَهُ القاضِي، وعِنْدِي فِيهِ وجْهٌ آخَرُ، وهو أنْ يُقالَ: إنَّهم إذا قامُوا مِن قُبُورِهِمْ لَمْ يَبْعُدْ أنْ يَقِفُوا هُناكَ بِحَيْرَةٍ تَلْحَقُهم بِسَبَبِ مُعايَنَةِ أهْوالِ القِيامَةِ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ: احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا واهْدُوهم إلى صِراطِ الجَحِيمِ، أيْ: سُوقُوهم إلى طَرِيقِ جَهَنَّمَ وقِفُوهم هُناكَ، وتَحْصُلُ المَسْألَةُ هُناكَ ثُمَّ مِن هُناكَ يُساقُونَ إلى النّارِ وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَظاهِرُ النَّظْمِ مُوافِقٌ لِما عَلَيْهِ الوَجْهُ.
البَحْثُ الثّانِي: الآمِرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿تُكَذِّبُونَ﴾ ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ هو اللَّهُ فَهو تَعالى أمَرَ المَلائِكَةَ أنْ يَحْشُرُوا الكُفّارَ إلى مَوْقِفِ السُّؤالِ، والمُرادُ مِنَ الحَشْرِ أنَّ المَلائِكَةَ يَسُوقُونَهم إلى ذَلِكَ المَوْقِفِ.
البَحْثُ الثّالِثُ: أنَّ اللَّهَ أمَرَ المَلائِكَةَ بِحَشْرِ ثَلاثَةِ أشْياءَ: الظّالِمِينَ، وأزْواجِهِمْ، والأشْياءِ الَّتِي كانُوا يَعْبُدُونَها. وفِيهِ فَوائِدُ:
الفائِدَةُ الأُولى: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ ثُمَّ ذَكَرَ مِن صِفاتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا كَوْنَهم عابِدِينَ لِغَيْرِ اللَّهِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الظّالِمَ المُطْلَقَ هو الكافِرُ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ وعِيدٍ ورَدَ في حَقِّ الظّالِمِ فَهو مَصْرُوفٌ إلى الكُفّارِ ومِمّا يُؤَكِّدُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والكافِرُونَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤] .
الفائِدَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في المُرادِ بِأزْواجِهِمْ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:
الأوَّلُ: المُرادُ بِأزْواجِهِمْ أشْباهُهم أيْ: أحْزابُهم ونُظَراؤُهم مِنَ الكُفْرِ فاليَهُودِيُّ مَعَ اليَهُودِيِّ والنَّصْرانِيُّ مَعَ النَّصْرانِيِّ، والَّذِي يَدُلُّ عَلى جَوازِ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الأزْواجِ، الأشْباهُ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكُنْتُمْ أزْواجًا ثَلاثَةً﴾ [الواقعة: ٧] أيْ أشْكالًا وأشْباهًا.
الثّانِي: أنَّكَ تَقُولُ: عِنْدِي مِن هَذا أزْواجٌ أيْ أمْثالٌ وتَقُولُ: زَوْجانِ مِنَ الخُفِّ لِكَوْنِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما نَظِيرَ الآخَرِ، وكَذَلِكَ الرَّجُلُ والمَرْأةُ سُمِّيا زَوْجَيْنِ لِكَوْنِهِما مُتَشابِهَيْنِ في أكْثَرِ أحْكامِ النِّكاحِ، وكَذَلِكَ العَدَدُ الزَّوْجُ سُمِّيَ بِهَذا الِاسْمِ لِكَوْنِ كُلِّ واحِدٍ مِن سَمِيِّهِ مِثالًا لِلْقِسْمِ الثّانِي في العَدَدِ الصَّحِيحِ، قالَ الواحِدِيُّ: فَعَلى هَذا القَوْلِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالَّذِينِ ظَلَمُوا الرُّؤَساءَ؛ لِأنَّكَ لَوْ جَعَلْتَ الَّذِينَ ظَلَمُوا عامًّا في كُلِّ مَن أشْرَكَ لَمْ يَكُنْ لِلْأزْواجِ مَعْنًى.
القَوْلُ الثّانِي: في تَفْسِيرِ الأزْواجِ أنَّ المُرادَ قُرَناؤُهم مِنَ الشَّياطِينِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإخْوانُهم يَمُدُّونَهم في الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٢] .
والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ المُرادَ نِساؤُهُمُ اللَّواتِي عَلى دِينِهِمْ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿وما كانُوا يَعْبُدُونَ﴾ ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: المُرادُ ما كانُوا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مِنَ الأوْثانِ والطَّواغِيتِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿فاتَّقُوا النّارَ الَّتِي وقُودُها النّاسُ والحِجارَةُ﴾ [البقرة: ٢٤] قِيلَ: المُرادُ بِالنّاسِ عُبّادُ
صفحة ١١٦
الأوْثانِ والمُرادُ بِالحِجارَةِ الأصْنامُ الَّتِي هي أحْجارٌ مَنحُوتَةٌ، فَإنْ قِيلَ: إنَّ تِلْكَ الأحْجارَ جَماداتٌ فَما الفائِدَةُ في حَشْرِها إلى جَهَنَّمَ ؟ أجابَ القاضِي: ورَدَ الخَبَرُ بِأنَّها تُعادُ وتَحْيا لِتَحْصُلَ المُبالَغَةُ في تَوْبِيخِ الكُفّارِ الَّذِينَ كانُوا يَعْبُدُونَها، ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: هَبْ أنَّ اللَّهَ تَعالى يُحْيِي تِلْكَ الأصْنامَ إلّا أنَّهُ لَمْ يَصْدُرْ عَنْها ذَنْبٌ، فَكَيْفَ يَجُوزُ مِنَ اللَّهِ تَعالى تَعْذِيبُها ؟ والأقْرَبُ أنْ يُقالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى لا يُحْيِي تِلْكَ الأصْنامَ بَلْ يَتْرُكُها عَلى الجَمادِيَّةِ، ثُمَّ يُلْقِيها في جَهَنَّمَ؛ لِأنَّ ذَلِكَ مِمّا يَزِيدُ في تَخْجِيلِ الكُفّارِ.
القَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿وما كانُوا يَعْبُدُونَ﴾ ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ الشَّياطِينُ الَّذِينَ دَعَوْهم إلى عِبادَةِ ما عَبَدُوا، فَلَمّا قَبِلُوا مِنهم ذَلِكَ الدِّينَ صارُوا كالعابِدِينَ لِأُولَئِكَ الشَّياطِينِ، وتَأكَّدَ هَذا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ أعْهَدْ إلَيْكم يابَنِي آدَمَ أنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ﴾ [يس: ٦٠] والقَوْلُ الأوَّلُ أوْلى؛ لِأنَّ الشَّياطِينَ عُقَلاءُ، وكَلِمَةُ ما لا تَلِيقُ بِالعُقَلاءِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿فاهْدُوهم إلى صِراطِ الجَحِيمِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: دُلُّوُهم، يُقالُ: هَدَيْتُ الرَّجُلَ إذا دَلَلْتَهُ وإنَّما اسْتُعْمِلَتِ الهِدايَةُ هَهُنا؛ لِأنَّهُ جُعِلَ بَدَلَ الهِدايَةِ إلى الجَنَّةِ، كَما قالَ: ﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [آل عمران: ٢١] فَوَقَعَتِ البِشارَةُ بِالعَذابِ لِهَؤُلاءِ بَدَلَ البِشارَةِ بِالنَّعِيمِ لِأُولَئِكَ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿فاهْدُوهُمْ﴾ سُوقُوهم، وقالَ الأصَمُّ يُقالُ: قَدِّمُوهم، قالَ الواحِدِيُّ: وهَذا وهْمٌ؛ لِأنَّهُ يُقالُ: هَدى إذا تَقَدَّمَ ومِنهُ الهِدايَةُ والهَوادِي والهادِياتُ الوَحْشُ، قالَ: ولا يُقالُ: هَدى بِمَعْنى قَدَّمَ، ثُمَّ قالَ: وقِفُوهم، يُقالُ: وقَفْتُ الدّابَّةَ أقِفُها وقْفًا فَوَقَفَتْ هي وُقُوفًا، والمَعْنى احْبِسُوهم، وفي الآيَةِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، والمَعْنى قِفُوهم واهْدُوهم، والأصْوَبُ أنَّهُ لا حاجَةَ إلَيْهِ، بَلْ كَأنَّهُ قِيلَ: ﴿فاهْدُوهم إلى صِراطِ الجَحِيمِ﴾ فَإذا انْتَهَوْا إلى الصِّراطِ قِيلَ: ﴿وقِفُوهُمْ﴾ فَإنَّ السُّؤالَ يَقَعُ هُناكَ، وقَوْلُهُ: ﴿إنَّهم مَسْئُولُونَ﴾ قِيلَ: عَنْ أعْمالِهِمْ في الدُّنْيا وأقْوالِهِمْ، وقِيلَ: المُرادُ سَألَتْهُمُ الخَزَنَةُ ﴿ألَمْ يَأْتِكم رُسُلٌ مِنكم يَتْلُونَ عَلَيْكم آياتِ رَبِّكم ويُنْذِرُونَكم لِقاءَ يَوْمِكم هَذا قالُوا بَلى ولَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ العَذابِ عَلى الكافِرِينَ﴾ [الزمر: ٧١] ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا السُّؤالُ ما ذُكِرَ بَعْدَ ذَلِكَ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما لَكم لا تَناصَرُونَ﴾ أيْ: أنَّهم يَسْألُونَ تَوْبِيخًا لَهم، فَيُقالُ: ﴿ما لَكم لا تَناصَرُونَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: لا يَنْصُرُ بَعْضُكم بَعْضًا كَما كُنْتُمْ في الدُّنْيا، وذَلِكَ أنَّ أبا جَهْلٍ قالَ يَوْمَ بَدْرٍ: نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ فَقِيلَ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ: ما لَكم غَيْرَ مُتَناصِرِينَ، وقِيلَ: يُقالُ لِلْكُفّارِ ما لِشُرَكائِكم لا يَمْنَعُونَكم مِنَ العَذابِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿بَلْ هُمُ اليَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ يُقالُ اسْتَسْلَمَ لِلشَّيْءِ إذا انْقادَ لَهُ وخَضَعَ، ومَعْناهُ في الأصْلِ طَلَبُ السَّلامَةِ بِتَرْكِ المُنازَعَةِ، والمَقْصُودُ أنَّهم صارُوا مُنْقادِينَ لا حِيلَةَ لَهم في دَفْعِ تِلْكَ المَضارِّ لا العابِدُ ولا المَعْبُودُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ﴾ قِيلَ: هم والشَّياطِينُ، وقِيلَ: الرُّؤَساءُ والأتْباعُ.
﴿يَتَساءَلُونَ﴾ أيْ يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا، وهَذا التَّساؤُلُ عِبارَةٌ عَنِ التَّخاصُمِ وهو سُؤالُ التَّبْكِيتِ، يَقُولُونَ: غَرَرْتُمُونا، ويَقُولُ أُولَئِكَ: لِمَ قَبِلْتُمْ مِنّا، وبِالجُمْلَةِ فَلَيْسَ ذَلِكَ تَساؤُلَ المُسْتَفْهِمِينَ، بَلْ هو تَساؤُلُ التَّوْبِيخِ واللَّوْمِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
الصافات 37:30
صفحة ١١٥
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وأزْواجَهم وما كانُوا يَعْبُدُونَ﴾ ﴿مِن دُونِ اللَّهِ فاهْدُوهم إلى صِراطِ الجَحِيمِ﴾ ﴿وقِفُوهم إنَّهم مَسْئُولُونَ﴾ ﴿ما لَكم لا تَناصَرُونَ﴾ ﴿بَلْ هُمُ اليَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ ﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ .
وفِي الآيَةِ أبْحاثٌ:
البَحْثُ الأوَّلُ: اعْلَمْ أنَّهُ لا نِزاعَ في أنَّ هَذا مِن كَلامِ المَلائِكَةِ فَإنْ قِيلَ: ما مَعْنى: ﴿احْشُرُوا﴾ مَعَ أنَّهم قَدْ حُشِرُوا مِن قَبْلُ، وحَضَرُوا في مَحْفِلِ القِيامَةِ وقالُوا: ﴿هَذا يَوْمُ الدِّينِ﴾ وقالَتِ المَلائِكَةُ لَهم بَلْ: ﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ﴾ أجابَ القاضِي عَنْهُ، فَقالَ: المُرادُ احْشُرُوهم إلى دارِ الجَزاءِ وهي النّارُ، ولِذَلِكَ قالَ بَعْدَهُ: ﴿فاهْدُوهم إلى صِراطِ الجَحِيمِ﴾ أيْ خُذُوهم إلى ذَلِكَ الطَّرِيقِ، ودُلُّوهم عَلَيْهِ، ثُمَّ سَألَ نَفْسَهُ فَقالَ: كَيْفَ يَصِحُّ ذَلِكَ وقَدْ قالَ بَعْدَهُ ﴿وقِفُوهم إنَّهم مَسْئُولُونَ﴾ ومَعْلُومٌ أنَّ حَشْرَهم إلى الجَحِيمِ إنَّما يَكُونُ بَعْدَ المَسْألَةِ ؟ وأجابَ أنَّهُ لَيْسَ في العَطْفِ بِحَرْفِ الواوِ تَرْتِيبٌ فَلا يَمْتَنِعُ أنْ يُقالَ: احْشُرُوهم وقِفُوهم، مَعَ أنّا بِعُقُولِنا نَعْلَمُ أنَّ الوُقُوفَ كانَ قَبْلَ الحَشْرِ إلى النّارِ، هَذا ما قالَهُ القاضِي، وعِنْدِي فِيهِ وجْهٌ آخَرُ، وهو أنْ يُقالَ: إنَّهم إذا قامُوا مِن قُبُورِهِمْ لَمْ يَبْعُدْ أنْ يَقِفُوا هُناكَ بِحَيْرَةٍ تَلْحَقُهم بِسَبَبِ مُعايَنَةِ أهْوالِ القِيامَةِ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ: احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا واهْدُوهم إلى صِراطِ الجَحِيمِ، أيْ: سُوقُوهم إلى طَرِيقِ جَهَنَّمَ وقِفُوهم هُناكَ، وتَحْصُلُ المَسْألَةُ هُناكَ ثُمَّ مِن هُناكَ يُساقُونَ إلى النّارِ وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَظاهِرُ النَّظْمِ مُوافِقٌ لِما عَلَيْهِ الوَجْهُ.
البَحْثُ الثّانِي: الآمِرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿تُكَذِّبُونَ﴾ ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ هو اللَّهُ فَهو تَعالى أمَرَ المَلائِكَةَ أنْ يَحْشُرُوا الكُفّارَ إلى مَوْقِفِ السُّؤالِ، والمُرادُ مِنَ الحَشْرِ أنَّ المَلائِكَةَ يَسُوقُونَهم إلى ذَلِكَ المَوْقِفِ.
البَحْثُ الثّالِثُ: أنَّ اللَّهَ أمَرَ المَلائِكَةَ بِحَشْرِ ثَلاثَةِ أشْياءَ: الظّالِمِينَ، وأزْواجِهِمْ، والأشْياءِ الَّتِي كانُوا يَعْبُدُونَها. وفِيهِ فَوائِدُ:
الفائِدَةُ الأُولى: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ ثُمَّ ذَكَرَ مِن صِفاتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا كَوْنَهم عابِدِينَ لِغَيْرِ اللَّهِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الظّالِمَ المُطْلَقَ هو الكافِرُ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ وعِيدٍ ورَدَ في حَقِّ الظّالِمِ فَهو مَصْرُوفٌ إلى الكُفّارِ ومِمّا يُؤَكِّدُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والكافِرُونَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤] .
الفائِدَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في المُرادِ بِأزْواجِهِمْ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:
الأوَّلُ: المُرادُ بِأزْواجِهِمْ أشْباهُهم أيْ: أحْزابُهم ونُظَراؤُهم مِنَ الكُفْرِ فاليَهُودِيُّ مَعَ اليَهُودِيِّ والنَّصْرانِيُّ مَعَ النَّصْرانِيِّ، والَّذِي يَدُلُّ عَلى جَوازِ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الأزْواجِ، الأشْباهُ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكُنْتُمْ أزْواجًا ثَلاثَةً﴾ [الواقعة: ٧] أيْ أشْكالًا وأشْباهًا.
الثّانِي: أنَّكَ تَقُولُ: عِنْدِي مِن هَذا أزْواجٌ أيْ أمْثالٌ وتَقُولُ: زَوْجانِ مِنَ الخُفِّ لِكَوْنِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما نَظِيرَ الآخَرِ، وكَذَلِكَ الرَّجُلُ والمَرْأةُ سُمِّيا زَوْجَيْنِ لِكَوْنِهِما مُتَشابِهَيْنِ في أكْثَرِ أحْكامِ النِّكاحِ، وكَذَلِكَ العَدَدُ الزَّوْجُ سُمِّيَ بِهَذا الِاسْمِ لِكَوْنِ كُلِّ واحِدٍ مِن سَمِيِّهِ مِثالًا لِلْقِسْمِ الثّانِي في العَدَدِ الصَّحِيحِ، قالَ الواحِدِيُّ: فَعَلى هَذا القَوْلِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالَّذِينِ ظَلَمُوا الرُّؤَساءَ؛ لِأنَّكَ لَوْ جَعَلْتَ الَّذِينَ ظَلَمُوا عامًّا في كُلِّ مَن أشْرَكَ لَمْ يَكُنْ لِلْأزْواجِ مَعْنًى.
القَوْلُ الثّانِي: في تَفْسِيرِ الأزْواجِ أنَّ المُرادَ قُرَناؤُهم مِنَ الشَّياطِينِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإخْوانُهم يَمُدُّونَهم في الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٢] .
والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ المُرادَ نِساؤُهُمُ اللَّواتِي عَلى دِينِهِمْ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿وما كانُوا يَعْبُدُونَ﴾ ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: المُرادُ ما كانُوا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مِنَ الأوْثانِ والطَّواغِيتِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿فاتَّقُوا النّارَ الَّتِي وقُودُها النّاسُ والحِجارَةُ﴾ [البقرة: ٢٤] قِيلَ: المُرادُ بِالنّاسِ عُبّادُ
صفحة ١١٦
الأوْثانِ والمُرادُ بِالحِجارَةِ الأصْنامُ الَّتِي هي أحْجارٌ مَنحُوتَةٌ، فَإنْ قِيلَ: إنَّ تِلْكَ الأحْجارَ جَماداتٌ فَما الفائِدَةُ في حَشْرِها إلى جَهَنَّمَ ؟ أجابَ القاضِي: ورَدَ الخَبَرُ بِأنَّها تُعادُ وتَحْيا لِتَحْصُلَ المُبالَغَةُ في تَوْبِيخِ الكُفّارِ الَّذِينَ كانُوا يَعْبُدُونَها، ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: هَبْ أنَّ اللَّهَ تَعالى يُحْيِي تِلْكَ الأصْنامَ إلّا أنَّهُ لَمْ يَصْدُرْ عَنْها ذَنْبٌ، فَكَيْفَ يَجُوزُ مِنَ اللَّهِ تَعالى تَعْذِيبُها ؟ والأقْرَبُ أنْ يُقالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى لا يُحْيِي تِلْكَ الأصْنامَ بَلْ يَتْرُكُها عَلى الجَمادِيَّةِ، ثُمَّ يُلْقِيها في جَهَنَّمَ؛ لِأنَّ ذَلِكَ مِمّا يَزِيدُ في تَخْجِيلِ الكُفّارِ.
القَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿وما كانُوا يَعْبُدُونَ﴾ ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ الشَّياطِينُ الَّذِينَ دَعَوْهم إلى عِبادَةِ ما عَبَدُوا، فَلَمّا قَبِلُوا مِنهم ذَلِكَ الدِّينَ صارُوا كالعابِدِينَ لِأُولَئِكَ الشَّياطِينِ، وتَأكَّدَ هَذا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ أعْهَدْ إلَيْكم يابَنِي آدَمَ أنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ﴾ [يس: ٦٠] والقَوْلُ الأوَّلُ أوْلى؛ لِأنَّ الشَّياطِينَ عُقَلاءُ، وكَلِمَةُ ما لا تَلِيقُ بِالعُقَلاءِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿فاهْدُوهم إلى صِراطِ الجَحِيمِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: دُلُّوُهم، يُقالُ: هَدَيْتُ الرَّجُلَ إذا دَلَلْتَهُ وإنَّما اسْتُعْمِلَتِ الهِدايَةُ هَهُنا؛ لِأنَّهُ جُعِلَ بَدَلَ الهِدايَةِ إلى الجَنَّةِ، كَما قالَ: ﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [آل عمران: ٢١] فَوَقَعَتِ البِشارَةُ بِالعَذابِ لِهَؤُلاءِ بَدَلَ البِشارَةِ بِالنَّعِيمِ لِأُولَئِكَ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿فاهْدُوهُمْ﴾ سُوقُوهم، وقالَ الأصَمُّ يُقالُ: قَدِّمُوهم، قالَ الواحِدِيُّ: وهَذا وهْمٌ؛ لِأنَّهُ يُقالُ: هَدى إذا تَقَدَّمَ ومِنهُ الهِدايَةُ والهَوادِي والهادِياتُ الوَحْشُ، قالَ: ولا يُقالُ: هَدى بِمَعْنى قَدَّمَ، ثُمَّ قالَ: وقِفُوهم، يُقالُ: وقَفْتُ الدّابَّةَ أقِفُها وقْفًا فَوَقَفَتْ هي وُقُوفًا، والمَعْنى احْبِسُوهم، وفي الآيَةِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، والمَعْنى قِفُوهم واهْدُوهم، والأصْوَبُ أنَّهُ لا حاجَةَ إلَيْهِ، بَلْ كَأنَّهُ قِيلَ: ﴿فاهْدُوهم إلى صِراطِ الجَحِيمِ﴾ فَإذا انْتَهَوْا إلى الصِّراطِ قِيلَ: ﴿وقِفُوهُمْ﴾ فَإنَّ السُّؤالَ يَقَعُ هُناكَ، وقَوْلُهُ: ﴿إنَّهم مَسْئُولُونَ﴾ قِيلَ: عَنْ أعْمالِهِمْ في الدُّنْيا وأقْوالِهِمْ، وقِيلَ: المُرادُ سَألَتْهُمُ الخَزَنَةُ ﴿ألَمْ يَأْتِكم رُسُلٌ مِنكم يَتْلُونَ عَلَيْكم آياتِ رَبِّكم ويُنْذِرُونَكم لِقاءَ يَوْمِكم هَذا قالُوا بَلى ولَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ العَذابِ عَلى الكافِرِينَ﴾ [الزمر: ٧١] ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا السُّؤالُ ما ذُكِرَ بَعْدَ ذَلِكَ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما لَكم لا تَناصَرُونَ﴾ أيْ: أنَّهم يَسْألُونَ تَوْبِيخًا لَهم، فَيُقالُ: ﴿ما لَكم لا تَناصَرُونَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: لا يَنْصُرُ بَعْضُكم بَعْضًا كَما كُنْتُمْ في الدُّنْيا، وذَلِكَ أنَّ أبا جَهْلٍ قالَ يَوْمَ بَدْرٍ: نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ فَقِيلَ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ: ما لَكم غَيْرَ مُتَناصِرِينَ، وقِيلَ: يُقالُ لِلْكُفّارِ ما لِشُرَكائِكم لا يَمْنَعُونَكم مِنَ العَذابِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿بَلْ هُمُ اليَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ يُقالُ اسْتَسْلَمَ لِلشَّيْءِ إذا انْقادَ لَهُ وخَضَعَ، ومَعْناهُ في الأصْلِ طَلَبُ السَّلامَةِ بِتَرْكِ المُنازَعَةِ، والمَقْصُودُ أنَّهم صارُوا مُنْقادِينَ لا حِيلَةَ لَهم في دَفْعِ تِلْكَ المَضارِّ لا العابِدُ ولا المَعْبُودُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ﴾ قِيلَ: هم والشَّياطِينُ، وقِيلَ: الرُّؤَساءُ والأتْباعُ.
﴿يَتَساءَلُونَ﴾ أيْ يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا، وهَذا التَّساؤُلُ عِبارَةٌ عَنِ التَّخاصُمِ وهو سُؤالُ التَّبْكِيتِ، يَقُولُونَ: غَرَرْتُمُونا، ويَقُولُ أُولَئِكَ: لِمَ قَبِلْتُمْ مِنّا، وبِالجُمْلَةِ فَلَيْسَ ذَلِكَ تَساؤُلَ المُسْتَفْهِمِينَ، بَلْ هو تَساؤُلُ التَّوْبِيخِ واللَّوْمِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
الصافات 37:31
صفحة ١١٧
﴿فَإنَّهم يَوْمَئِذٍ في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ ﴿إنَّهم كانُوا إذا قِيلَ لَهم لا إلَهَ إلّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ ﴿ويَقُولُونَ أئِنّا لَتارِكُو آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ ﴿بَلْ جاءَ بِالحَقِّ وصَدَّقَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إنَّكم لَذائِقُو العَذابِ الألِيمِ﴾ ﴿وما تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا إنَّكم كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ اليَمِينِ﴾ ﴿قالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وما كانَ لَنا عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طاغِينَ﴾ ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إنّا لَذائِقُونَ﴾ ﴿فَأغْوَيْناكم إنّا كُنّا غاوِينَ﴾ ﴿فَإنَّهم يَوْمَئِذٍ في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ ﴿إنَّهم كانُوا إذا قِيلَ لَهم لا إلَهَ إلّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ ﴿ويَقُولُونَ أئِنّا لَتارِكُو آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ ﴿بَلْ جاءَ بِالحَقِّ وصَدَّقَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إنَّكم لَذائِقُو العَذابِ الألِيمِ﴾ ﴿وما تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ .
واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا حَكى عَنْهم أنَّهُ أقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ شَرَحَ كَيْفِيَّةَ ذَلِكَ التَّساؤُلِ فَقالُوا: ﴿إنَّكم كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ اليَمِينِ﴾ وهَذا قَوْلُ الأتْباعِ لِمَن دَعاهم إلى الضَّلالَةِ، وفي تَفْسِيرِ اليَمِينِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ لَفْظَ اليَمِينِ هَهُنا اسْتِعارَةٌ عَنِ الخَيْراتِ والسَّعاداتِ، وبَيانُ كَيْفِيَّةِ هَذِهِ الِاسْتِعارَةِ، أنَّ الجانِبَ الأيْمَنَ أفْضَلُ مِنَ الجانِبِ الأيْسَرِ لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: اتِّفاقُ الكُلِّ عَلى أنَّ أشْرَفَ الجانِبَيْنِ هو اليَمِينُ.
والثّانِي: لا يُباشِرُونَ الأعْمالَ الشَّرِيفَةَ إلّا بِاليَمِينِ مِثْلَ مُصافَحَةِ الأخْيارِ والأكْلِ والشُّرْبِ وما عَلى العَكْسِ مِنهُ يُباشِرُونَهُ بِاليَدِ اليُسْرى.
الثّالِثُ: أنَّهم كانُوا يَتَفاءَلُونَ وكانُوا يَتَيَمَّنُونَ بِالجانِبِ الأيْمَنِ ويُسَمُّونَهُ بِالبارِحِ.
الرّابِعُ: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يُحِبُّ التَّيامُنَ في كُلِّ شَيْءٍ.
الخامِسُ: أنَّ الشَّرِيعَةَ حَكَمَتْ بِأنَّ الجانِبَ الأيْمَنَ لِكاتِبِ الحَسَناتِ والأيْسَرَ لِكاتِبِ السَّيِّئاتِ.
السّادِسُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى وعَدَ المُحْسِنَ أنْ يُؤْتى كِتابَهُ بِيَمِينِهِ، والمُسِيءَ أنْ يُؤْتى كِتابَهُ بِيَسارِهِ، فَثَبَتَ أنَّ الجانِبَ الأيْمَنَ أفْضَلُ مِنَ الجانِبِ الأيْسَرِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ لا جَرَمَ، اسْتُعِيرَ لَفْظُ اليَمِينِ لِلْخَيْراتِ والحَسَناتِ والطّاعاتِ، فَقَوْلُهُ: ﴿إنَّكم كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ اليَمِينِ﴾ يَعْنِي أنَّكم كُنْتُمْ تَخْدَعُونَنا وتُوهِمُونَ لَنا أنَّ مَقْصُودَكم مِنَ الدَّعْوَةِ إلى تِلْكَ الأدْيانِ نُصْرَةُ الحَقِّ وتَقْوِيَةُ الصِّدْقِ.
والوَجْهُ الثّانِي: في التَّأْوِيلِ أنَّهُ يُقالُ: فُلانٌ يَمِينُ فُلانٍ، إذا كانَ عِنْدَهُ بِالمَنزِلَةِ الحَسَنَةِ، فَقالَ هَؤُلاءِ الكُفّارُ لِأئِمَّتِهِمُ الَّذِينَ أضَلُّوهم وزَيَّنُوا لَهُمُ الكُفْرَ: إنَّكم كُنْتُمْ تَخْدَعُونَنا وتُوهِمُونَ لَنا، أنَّنا عِنْدَكم بِمَنزِلَةِ اليَمِينِ، أيْ بِالمَنزِلَةِ الحَسَنَةِ، فَوَثِقْنا بِكم وقَبِلْنا عَنْكم.
الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّ أئِمَّةَ الكُفّارِ كانُوا قَدْ حَلَفُوا لِهَؤُلاءِ المُسْتَضْعَفِينَ أنَّ ما يَدْعُونَهم إلَيْهِ هو الحَقُّ، فَوَثِقُوا بِأيْمانِهِمْ وتَمَسَّكُوا بِعُهُودِهِمُ الَّتِي عَهِدُوها لَهم، فَمَعْنى قَوْلِهِ: ﴿كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ اليَمِينِ﴾ أيْ مِن ناحِيَةِ المَواثِيقِ والأيْمانِ الَّتِي قَدَّمْتُمُوها لَنا.
الوَجْهُ الرّابِعُ: أنَّ لَفْظَ اليَمِينِ مُسْتَعارٌ مِنَ القُوَّةِ والقَهْرِ؛ لِأنَّ اليَمِينَ مَوْصُوفَةٌ بِالقَهْرِ وبِها يَقَعُ البَطْشُ، والمَعْنى أنَّكم كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ القُوَّةِ والقَهْرِ، وتَقْصِدُونَنا عَنِ السُّلْطانِ والغَلَبَةِ حَتّى تَحْمِلُونا عَلى الضَّلالِ وتُعَيِّرُونا عَلَيْهِ، ثُمَّ حَكى اللَّهُ تَعالى عَنِ الرُّؤَساءِ أنَّهم أجابُوا الأتْباعَ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهم قالُوا لَهم ﴿بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ يَعْنِي أنَّكم ما كُنْتُمْ مَوْصُوفِينَ بِالإيمانِ حَتّى يُقالَ إنّا أزَلْناكم عَنْهُ.
الثّانِي: قَوْلُهم: ﴿وما كانَ لَنا عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ﴾ يَعْنِي لا قُدْرَةَ لَنا عَلَيْكم حَتّى نَقْهَرَكم ونُجْبِرَكم.
الثّالِثُ: ﴿بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طاغِينَ﴾ أيْ: ضالِّينَ غالِّينَ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ.
الرّابِعُ: قَوْلُهم: ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إنّا لَذائِقُونَ﴾
صفحة ١١٨
والمَعْنى أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا أخْبَرَ عَنْ وُقُوعِنا في العَذابِ، فَلَوْ لَمْ يَحْصُلْ وُقُوعُنا في العَذابِ لَما كانَ خَبَرُ اللَّهِ حَقًّا، بَلْ كانَ باطِلًا، ولَمّا كانَ خَبَرُ اللَّهِ أمْرًا واجِبًا لا جَرَمَ كانَ الوُقُوعُ في العَذابِ الألِيمِ لازِمًا، قالَ مُقاتِلٌ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا﴾ إشارَةٌ إلى قَوْلِ اللَّهِ لِإبْلِيسَ: ﴿لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ ومِمَّنْ تَبِعَكَ مِنهم أجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٥] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا لَذائِقُونَ﴾ يَعْنِي لَمّا وجَبَ أنْ يَحِقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا وجَبَ أنْ نَكُونَ ذائِقِينَ لِهَذا العَذابِ.
الخامِسُ: قَوْلُهم: ﴿فَأغْوَيْناكم إنّا كُنّا غاوِينَ﴾ والمَعْنى أنّا إنَّما أقْدَمْنا عَلى إغْوائِكم لِأنّا كُنّا مَوْصُوفِينَ في أنْفُسِنا بِالغَوايَةِ، وفِيهِ دَقِيقَةٌ أُخْرى، كَأنَّهم قالُوا: إنِ اعْتَقَدْتُمْ أنَّ غَوايَتَكم بِسَبَبِ إغْوائِنا فَغَوايَتُنا إنْ كانَتْ بِسَبَبِ إغْواءِ غاوٍ آخَرَ ولَزِمَ التَّسَلْسُلُ وذَلِكَ مُحالٌ، فَعَلِمْنا أنَّ حُصُولَ الغَوايَةِ والرَّشادِ لَيْسَ مِن قِبَلِنا، بَلْ مِن قِبَلِ غَيْرِنا، وذَلِكَ الغَيْرُ هو الَّذِي ذَكَرَهُ فِيما قَبْلُ، وهو قَوْلُهُ: ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا﴾ ولَمّا حَكى اللَّهُ تَعالى كَلامَ الأتْباعِ لِلرُّؤَساءِ وكَلامَ الرُّؤَساءِ لِلْأتْباعِ قالَ بَعْدَهُ: ﴿فَإنَّهم يَوْمَئِذٍ في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ يَعْنِي فالمَتْبُوعُ والتّابِعُ والمَخْدُومُ والخادِمُ مُشْتَرِكُونَ في الوُقُوعِ في العَذابِ كَما كانُوا في الدُّنْيا مُشْتَرِكِينَ في الغَوايَةِ، ثُمَّ قالَ أيْضًا: ﴿إنّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ وعَنى بِالمُجْرِمِينَ هَهُنا الكُفّارَ، بِدَلِيلِ أنَّهُ تَعالى قالَ بَعْدَ هَذِهِ الكَلِمَةِ: ﴿إنَّهم كانُوا إذا قِيلَ لَهم لا إلَهَ إلّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُمْ﴾ عائِدٌ إلى المَذْكُورِ السّابِقِ وهو قَوْلُهُ: ﴿بِالمُجْرِمِينَ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ لَفْظَ المُجْرِمِ المُطْلَقَ مُخْتَصٌّ في القُرْآنِ بِالكافِرِ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّهم إنَّما وقَعُوا في ذَلِكَ العَذابِ؛ لِأنَّهم كانُوا مُكَذِّبِينَ بِالتَّوْحِيدِ وبِالنُّبُوَّةِ، أمّا التَّكْذِيبُ بِالتَّوْحِيدِ فَهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهم كانُوا إذا قِيلَ لَهم لا إلَهَ إلّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ يَعْنِي يُنْكِرُونَ ويَتَعَصَّبُونَ لِإثْباتِ الشِّرْكِ ويَسْتَنْكِفُونَ عَنِ الإقْرارِ بِالتَّوْحِيدِ.
وأمّا التَّكْذِيبُ بِالنُّبُوَّةِ فَهو قَوْلُهم: ﴿أئِنّا لَتارِكُو آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ ويَعْنُونَ مُحَمَّدًا، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى كَذَّبَهم في ذَلِكَ الكَلامِ فَقالَ: ﴿بَلْ جاءَ بِالحَقِّ وصَدَّقَ المُرْسَلِينَ﴾ وتَقْرِيرُ هَذا الكَلامِ أنَّهُ جاءَ بِالدِّينِ الحَقِّ؛ لِأنَّهُ ثَبَتَ بِالعَقْلِ أنَّهُ تَعالى مُنَزَّهٌ عَنِ الضِّدِّ والنِّدِّ والشَّرِيكِ، فَلَمّا جاءَ مُحَمَّدٌ ﷺ بِتَقْرِيرِ هَذِهِ المَعانِي كانَ مَجِيئُهُ بِالدِّينِ الحَقِّ، قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: ”أيْنا لَتارِكُوا آلِهَتَنا“ بِهَمْزَةٍ وياءٍ بَعْدَها خَفِيفَةٍ ساكِنَةٍ بِلا مَدٍّ، وقَرَأ نافِعٌ في رِوايَةِ قالُونَ وأبِي عَمْرٍو عَلى هَذا التَّفْسِيرِ يَمُدّانِ والباقُونَ بِهَمْزَتَيْنِ بِلا مَدٍّ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وصَدَّقَ المُرْسَلِينَ﴾ يَعْنِي صَدَّقَهم في مَجِيئِهِمْ بِالتَّوْحِيدِ ونَفْيِ الشَّرِيكِ، وهَذا تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ القَوْلَ بِالتَّوْحِيدِ دِينٌ لِكُلِّ الأنْبِياءِ، ولَمّا حَكى اللَّهُ عَنْهم تَكْذِيبَهم بِالتَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ نَقَلَ الكَلامَ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الحُضُورِ فَقالَ: ﴿إنَّكم لَذائِقُو العَذابِ الألِيمِ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: فَكَيْفَ يَلِيقُ بِالرَّحِيمِ الكَرِيمِ المُتَعالِي عَنِ النَّفْعِ والضُّرِّ أنْ يُعَذِّبَ عِبادَهُ فَأجابَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وما تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ والمَعْنى أنَّ الحُكْمَ يَقْتَضِي الأمْرَ بِالحَسَنِ والطّاعَةِ والنَّهْيَ عَنِ القَبِيحِ والمَعْصِيَةِ، والأمْرُ والنَّهْيُ لا يَكْمُلُ المَقْصُودُ مِنهُما إلّا بِالتَّرْغِيبِ في الثَّوابِ والتَّرْهِيبِ بِالعِقابِ، وإذا وقَعَ الإخْبارُ عَنْهُ وجَبَ تَحْقِيقُهُ صَوْنًا لِلْكَلامِ عَنِ الكَذِبِ، فَلِهَذا السَّبَبِ وقَعُوا في العَذابِ ثُمَّ قالَ: ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ يَعْنِي ولَكِنَّ عِبادَ اللَّهِ [ المُخْلَصِينَ ناجُونَ وهو ] مِنَ الِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ.
الصافات 37:32
صفحة ١١٧
﴿فَإنَّهم يَوْمَئِذٍ في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ ﴿إنَّهم كانُوا إذا قِيلَ لَهم لا إلَهَ إلّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ ﴿ويَقُولُونَ أئِنّا لَتارِكُو آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ ﴿بَلْ جاءَ بِالحَقِّ وصَدَّقَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إنَّكم لَذائِقُو العَذابِ الألِيمِ﴾ ﴿وما تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا إنَّكم كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ اليَمِينِ﴾ ﴿قالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وما كانَ لَنا عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طاغِينَ﴾ ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إنّا لَذائِقُونَ﴾ ﴿فَأغْوَيْناكم إنّا كُنّا غاوِينَ﴾ ﴿فَإنَّهم يَوْمَئِذٍ في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ ﴿إنَّهم كانُوا إذا قِيلَ لَهم لا إلَهَ إلّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ ﴿ويَقُولُونَ أئِنّا لَتارِكُو آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ ﴿بَلْ جاءَ بِالحَقِّ وصَدَّقَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إنَّكم لَذائِقُو العَذابِ الألِيمِ﴾ ﴿وما تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ .
واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا حَكى عَنْهم أنَّهُ أقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ شَرَحَ كَيْفِيَّةَ ذَلِكَ التَّساؤُلِ فَقالُوا: ﴿إنَّكم كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ اليَمِينِ﴾ وهَذا قَوْلُ الأتْباعِ لِمَن دَعاهم إلى الضَّلالَةِ، وفي تَفْسِيرِ اليَمِينِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ لَفْظَ اليَمِينِ هَهُنا اسْتِعارَةٌ عَنِ الخَيْراتِ والسَّعاداتِ، وبَيانُ كَيْفِيَّةِ هَذِهِ الِاسْتِعارَةِ، أنَّ الجانِبَ الأيْمَنَ أفْضَلُ مِنَ الجانِبِ الأيْسَرِ لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: اتِّفاقُ الكُلِّ عَلى أنَّ أشْرَفَ الجانِبَيْنِ هو اليَمِينُ.
والثّانِي: لا يُباشِرُونَ الأعْمالَ الشَّرِيفَةَ إلّا بِاليَمِينِ مِثْلَ مُصافَحَةِ الأخْيارِ والأكْلِ والشُّرْبِ وما عَلى العَكْسِ مِنهُ يُباشِرُونَهُ بِاليَدِ اليُسْرى.
الثّالِثُ: أنَّهم كانُوا يَتَفاءَلُونَ وكانُوا يَتَيَمَّنُونَ بِالجانِبِ الأيْمَنِ ويُسَمُّونَهُ بِالبارِحِ.
الرّابِعُ: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يُحِبُّ التَّيامُنَ في كُلِّ شَيْءٍ.
الخامِسُ: أنَّ الشَّرِيعَةَ حَكَمَتْ بِأنَّ الجانِبَ الأيْمَنَ لِكاتِبِ الحَسَناتِ والأيْسَرَ لِكاتِبِ السَّيِّئاتِ.
السّادِسُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى وعَدَ المُحْسِنَ أنْ يُؤْتى كِتابَهُ بِيَمِينِهِ، والمُسِيءَ أنْ يُؤْتى كِتابَهُ بِيَسارِهِ، فَثَبَتَ أنَّ الجانِبَ الأيْمَنَ أفْضَلُ مِنَ الجانِبِ الأيْسَرِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ لا جَرَمَ، اسْتُعِيرَ لَفْظُ اليَمِينِ لِلْخَيْراتِ والحَسَناتِ والطّاعاتِ، فَقَوْلُهُ: ﴿إنَّكم كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ اليَمِينِ﴾ يَعْنِي أنَّكم كُنْتُمْ تَخْدَعُونَنا وتُوهِمُونَ لَنا أنَّ مَقْصُودَكم مِنَ الدَّعْوَةِ إلى تِلْكَ الأدْيانِ نُصْرَةُ الحَقِّ وتَقْوِيَةُ الصِّدْقِ.
والوَجْهُ الثّانِي: في التَّأْوِيلِ أنَّهُ يُقالُ: فُلانٌ يَمِينُ فُلانٍ، إذا كانَ عِنْدَهُ بِالمَنزِلَةِ الحَسَنَةِ، فَقالَ هَؤُلاءِ الكُفّارُ لِأئِمَّتِهِمُ الَّذِينَ أضَلُّوهم وزَيَّنُوا لَهُمُ الكُفْرَ: إنَّكم كُنْتُمْ تَخْدَعُونَنا وتُوهِمُونَ لَنا، أنَّنا عِنْدَكم بِمَنزِلَةِ اليَمِينِ، أيْ بِالمَنزِلَةِ الحَسَنَةِ، فَوَثِقْنا بِكم وقَبِلْنا عَنْكم.
الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّ أئِمَّةَ الكُفّارِ كانُوا قَدْ حَلَفُوا لِهَؤُلاءِ المُسْتَضْعَفِينَ أنَّ ما يَدْعُونَهم إلَيْهِ هو الحَقُّ، فَوَثِقُوا بِأيْمانِهِمْ وتَمَسَّكُوا بِعُهُودِهِمُ الَّتِي عَهِدُوها لَهم، فَمَعْنى قَوْلِهِ: ﴿كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ اليَمِينِ﴾ أيْ مِن ناحِيَةِ المَواثِيقِ والأيْمانِ الَّتِي قَدَّمْتُمُوها لَنا.
الوَجْهُ الرّابِعُ: أنَّ لَفْظَ اليَمِينِ مُسْتَعارٌ مِنَ القُوَّةِ والقَهْرِ؛ لِأنَّ اليَمِينَ مَوْصُوفَةٌ بِالقَهْرِ وبِها يَقَعُ البَطْشُ، والمَعْنى أنَّكم كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ القُوَّةِ والقَهْرِ، وتَقْصِدُونَنا عَنِ السُّلْطانِ والغَلَبَةِ حَتّى تَحْمِلُونا عَلى الضَّلالِ وتُعَيِّرُونا عَلَيْهِ، ثُمَّ حَكى اللَّهُ تَعالى عَنِ الرُّؤَساءِ أنَّهم أجابُوا الأتْباعَ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهم قالُوا لَهم ﴿بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ يَعْنِي أنَّكم ما كُنْتُمْ مَوْصُوفِينَ بِالإيمانِ حَتّى يُقالَ إنّا أزَلْناكم عَنْهُ.
الثّانِي: قَوْلُهم: ﴿وما كانَ لَنا عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ﴾ يَعْنِي لا قُدْرَةَ لَنا عَلَيْكم حَتّى نَقْهَرَكم ونُجْبِرَكم.
الثّالِثُ: ﴿بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طاغِينَ﴾ أيْ: ضالِّينَ غالِّينَ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ.
الرّابِعُ: قَوْلُهم: ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إنّا لَذائِقُونَ﴾
صفحة ١١٨
والمَعْنى أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا أخْبَرَ عَنْ وُقُوعِنا في العَذابِ، فَلَوْ لَمْ يَحْصُلْ وُقُوعُنا في العَذابِ لَما كانَ خَبَرُ اللَّهِ حَقًّا، بَلْ كانَ باطِلًا، ولَمّا كانَ خَبَرُ اللَّهِ أمْرًا واجِبًا لا جَرَمَ كانَ الوُقُوعُ في العَذابِ الألِيمِ لازِمًا، قالَ مُقاتِلٌ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا﴾ إشارَةٌ إلى قَوْلِ اللَّهِ لِإبْلِيسَ: ﴿لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ ومِمَّنْ تَبِعَكَ مِنهم أجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٥] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا لَذائِقُونَ﴾ يَعْنِي لَمّا وجَبَ أنْ يَحِقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا وجَبَ أنْ نَكُونَ ذائِقِينَ لِهَذا العَذابِ.
الخامِسُ: قَوْلُهم: ﴿فَأغْوَيْناكم إنّا كُنّا غاوِينَ﴾ والمَعْنى أنّا إنَّما أقْدَمْنا عَلى إغْوائِكم لِأنّا كُنّا مَوْصُوفِينَ في أنْفُسِنا بِالغَوايَةِ، وفِيهِ دَقِيقَةٌ أُخْرى، كَأنَّهم قالُوا: إنِ اعْتَقَدْتُمْ أنَّ غَوايَتَكم بِسَبَبِ إغْوائِنا فَغَوايَتُنا إنْ كانَتْ بِسَبَبِ إغْواءِ غاوٍ آخَرَ ولَزِمَ التَّسَلْسُلُ وذَلِكَ مُحالٌ، فَعَلِمْنا أنَّ حُصُولَ الغَوايَةِ والرَّشادِ لَيْسَ مِن قِبَلِنا، بَلْ مِن قِبَلِ غَيْرِنا، وذَلِكَ الغَيْرُ هو الَّذِي ذَكَرَهُ فِيما قَبْلُ، وهو قَوْلُهُ: ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا﴾ ولَمّا حَكى اللَّهُ تَعالى كَلامَ الأتْباعِ لِلرُّؤَساءِ وكَلامَ الرُّؤَساءِ لِلْأتْباعِ قالَ بَعْدَهُ: ﴿فَإنَّهم يَوْمَئِذٍ في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ يَعْنِي فالمَتْبُوعُ والتّابِعُ والمَخْدُومُ والخادِمُ مُشْتَرِكُونَ في الوُقُوعِ في العَذابِ كَما كانُوا في الدُّنْيا مُشْتَرِكِينَ في الغَوايَةِ، ثُمَّ قالَ أيْضًا: ﴿إنّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ وعَنى بِالمُجْرِمِينَ هَهُنا الكُفّارَ، بِدَلِيلِ أنَّهُ تَعالى قالَ بَعْدَ هَذِهِ الكَلِمَةِ: ﴿إنَّهم كانُوا إذا قِيلَ لَهم لا إلَهَ إلّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُمْ﴾ عائِدٌ إلى المَذْكُورِ السّابِقِ وهو قَوْلُهُ: ﴿بِالمُجْرِمِينَ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ لَفْظَ المُجْرِمِ المُطْلَقَ مُخْتَصٌّ في القُرْآنِ بِالكافِرِ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّهم إنَّما وقَعُوا في ذَلِكَ العَذابِ؛ لِأنَّهم كانُوا مُكَذِّبِينَ بِالتَّوْحِيدِ وبِالنُّبُوَّةِ، أمّا التَّكْذِيبُ بِالتَّوْحِيدِ فَهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهم كانُوا إذا قِيلَ لَهم لا إلَهَ إلّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ يَعْنِي يُنْكِرُونَ ويَتَعَصَّبُونَ لِإثْباتِ الشِّرْكِ ويَسْتَنْكِفُونَ عَنِ الإقْرارِ بِالتَّوْحِيدِ.
وأمّا التَّكْذِيبُ بِالنُّبُوَّةِ فَهو قَوْلُهم: ﴿أئِنّا لَتارِكُو آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ ويَعْنُونَ مُحَمَّدًا، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى كَذَّبَهم في ذَلِكَ الكَلامِ فَقالَ: ﴿بَلْ جاءَ بِالحَقِّ وصَدَّقَ المُرْسَلِينَ﴾ وتَقْرِيرُ هَذا الكَلامِ أنَّهُ جاءَ بِالدِّينِ الحَقِّ؛ لِأنَّهُ ثَبَتَ بِالعَقْلِ أنَّهُ تَعالى مُنَزَّهٌ عَنِ الضِّدِّ والنِّدِّ والشَّرِيكِ، فَلَمّا جاءَ مُحَمَّدٌ ﷺ بِتَقْرِيرِ هَذِهِ المَعانِي كانَ مَجِيئُهُ بِالدِّينِ الحَقِّ، قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: ”أيْنا لَتارِكُوا آلِهَتَنا“ بِهَمْزَةٍ وياءٍ بَعْدَها خَفِيفَةٍ ساكِنَةٍ بِلا مَدٍّ، وقَرَأ نافِعٌ في رِوايَةِ قالُونَ وأبِي عَمْرٍو عَلى هَذا التَّفْسِيرِ يَمُدّانِ والباقُونَ بِهَمْزَتَيْنِ بِلا مَدٍّ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وصَدَّقَ المُرْسَلِينَ﴾ يَعْنِي صَدَّقَهم في مَجِيئِهِمْ بِالتَّوْحِيدِ ونَفْيِ الشَّرِيكِ، وهَذا تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ القَوْلَ بِالتَّوْحِيدِ دِينٌ لِكُلِّ الأنْبِياءِ، ولَمّا حَكى اللَّهُ عَنْهم تَكْذِيبَهم بِالتَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ نَقَلَ الكَلامَ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الحُضُورِ فَقالَ: ﴿إنَّكم لَذائِقُو العَذابِ الألِيمِ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: فَكَيْفَ يَلِيقُ بِالرَّحِيمِ الكَرِيمِ المُتَعالِي عَنِ النَّفْعِ والضُّرِّ أنْ يُعَذِّبَ عِبادَهُ فَأجابَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وما تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ والمَعْنى أنَّ الحُكْمَ يَقْتَضِي الأمْرَ بِالحَسَنِ والطّاعَةِ والنَّهْيَ عَنِ القَبِيحِ والمَعْصِيَةِ، والأمْرُ والنَّهْيُ لا يَكْمُلُ المَقْصُودُ مِنهُما إلّا بِالتَّرْغِيبِ في الثَّوابِ والتَّرْهِيبِ بِالعِقابِ، وإذا وقَعَ الإخْبارُ عَنْهُ وجَبَ تَحْقِيقُهُ صَوْنًا لِلْكَلامِ عَنِ الكَذِبِ، فَلِهَذا السَّبَبِ وقَعُوا في العَذابِ ثُمَّ قالَ: ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ يَعْنِي ولَكِنَّ عِبادَ اللَّهِ [ المُخْلَصِينَ ناجُونَ وهو ] مِنَ الِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ.
الصافات 37:33
صفحة ١١٧
﴿فَإنَّهم يَوْمَئِذٍ في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ ﴿إنَّهم كانُوا إذا قِيلَ لَهم لا إلَهَ إلّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ ﴿ويَقُولُونَ أئِنّا لَتارِكُو آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ ﴿بَلْ جاءَ بِالحَقِّ وصَدَّقَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إنَّكم لَذائِقُو العَذابِ الألِيمِ﴾ ﴿وما تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا إنَّكم كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ اليَمِينِ﴾ ﴿قالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وما كانَ لَنا عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طاغِينَ﴾ ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إنّا لَذائِقُونَ﴾ ﴿فَأغْوَيْناكم إنّا كُنّا غاوِينَ﴾ ﴿فَإنَّهم يَوْمَئِذٍ في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ ﴿إنَّهم كانُوا إذا قِيلَ لَهم لا إلَهَ إلّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ ﴿ويَقُولُونَ أئِنّا لَتارِكُو آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ ﴿بَلْ جاءَ بِالحَقِّ وصَدَّقَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إنَّكم لَذائِقُو العَذابِ الألِيمِ﴾ ﴿وما تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ .
واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا حَكى عَنْهم أنَّهُ أقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ شَرَحَ كَيْفِيَّةَ ذَلِكَ التَّساؤُلِ فَقالُوا: ﴿إنَّكم كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ اليَمِينِ﴾ وهَذا قَوْلُ الأتْباعِ لِمَن دَعاهم إلى الضَّلالَةِ، وفي تَفْسِيرِ اليَمِينِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ لَفْظَ اليَمِينِ هَهُنا اسْتِعارَةٌ عَنِ الخَيْراتِ والسَّعاداتِ، وبَيانُ كَيْفِيَّةِ هَذِهِ الِاسْتِعارَةِ، أنَّ الجانِبَ الأيْمَنَ أفْضَلُ مِنَ الجانِبِ الأيْسَرِ لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: اتِّفاقُ الكُلِّ عَلى أنَّ أشْرَفَ الجانِبَيْنِ هو اليَمِينُ.
والثّانِي: لا يُباشِرُونَ الأعْمالَ الشَّرِيفَةَ إلّا بِاليَمِينِ مِثْلَ مُصافَحَةِ الأخْيارِ والأكْلِ والشُّرْبِ وما عَلى العَكْسِ مِنهُ يُباشِرُونَهُ بِاليَدِ اليُسْرى.
الثّالِثُ: أنَّهم كانُوا يَتَفاءَلُونَ وكانُوا يَتَيَمَّنُونَ بِالجانِبِ الأيْمَنِ ويُسَمُّونَهُ بِالبارِحِ.
الرّابِعُ: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يُحِبُّ التَّيامُنَ في كُلِّ شَيْءٍ.
الخامِسُ: أنَّ الشَّرِيعَةَ حَكَمَتْ بِأنَّ الجانِبَ الأيْمَنَ لِكاتِبِ الحَسَناتِ والأيْسَرَ لِكاتِبِ السَّيِّئاتِ.
السّادِسُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى وعَدَ المُحْسِنَ أنْ يُؤْتى كِتابَهُ بِيَمِينِهِ، والمُسِيءَ أنْ يُؤْتى كِتابَهُ بِيَسارِهِ، فَثَبَتَ أنَّ الجانِبَ الأيْمَنَ أفْضَلُ مِنَ الجانِبِ الأيْسَرِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ لا جَرَمَ، اسْتُعِيرَ لَفْظُ اليَمِينِ لِلْخَيْراتِ والحَسَناتِ والطّاعاتِ، فَقَوْلُهُ: ﴿إنَّكم كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ اليَمِينِ﴾ يَعْنِي أنَّكم كُنْتُمْ تَخْدَعُونَنا وتُوهِمُونَ لَنا أنَّ مَقْصُودَكم مِنَ الدَّعْوَةِ إلى تِلْكَ الأدْيانِ نُصْرَةُ الحَقِّ وتَقْوِيَةُ الصِّدْقِ.
والوَجْهُ الثّانِي: في التَّأْوِيلِ أنَّهُ يُقالُ: فُلانٌ يَمِينُ فُلانٍ، إذا كانَ عِنْدَهُ بِالمَنزِلَةِ الحَسَنَةِ، فَقالَ هَؤُلاءِ الكُفّارُ لِأئِمَّتِهِمُ الَّذِينَ أضَلُّوهم وزَيَّنُوا لَهُمُ الكُفْرَ: إنَّكم كُنْتُمْ تَخْدَعُونَنا وتُوهِمُونَ لَنا، أنَّنا عِنْدَكم بِمَنزِلَةِ اليَمِينِ، أيْ بِالمَنزِلَةِ الحَسَنَةِ، فَوَثِقْنا بِكم وقَبِلْنا عَنْكم.
الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّ أئِمَّةَ الكُفّارِ كانُوا قَدْ حَلَفُوا لِهَؤُلاءِ المُسْتَضْعَفِينَ أنَّ ما يَدْعُونَهم إلَيْهِ هو الحَقُّ، فَوَثِقُوا بِأيْمانِهِمْ وتَمَسَّكُوا بِعُهُودِهِمُ الَّتِي عَهِدُوها لَهم، فَمَعْنى قَوْلِهِ: ﴿كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ اليَمِينِ﴾ أيْ مِن ناحِيَةِ المَواثِيقِ والأيْمانِ الَّتِي قَدَّمْتُمُوها لَنا.
الوَجْهُ الرّابِعُ: أنَّ لَفْظَ اليَمِينِ مُسْتَعارٌ مِنَ القُوَّةِ والقَهْرِ؛ لِأنَّ اليَمِينَ مَوْصُوفَةٌ بِالقَهْرِ وبِها يَقَعُ البَطْشُ، والمَعْنى أنَّكم كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ القُوَّةِ والقَهْرِ، وتَقْصِدُونَنا عَنِ السُّلْطانِ والغَلَبَةِ حَتّى تَحْمِلُونا عَلى الضَّلالِ وتُعَيِّرُونا عَلَيْهِ، ثُمَّ حَكى اللَّهُ تَعالى عَنِ الرُّؤَساءِ أنَّهم أجابُوا الأتْباعَ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهم قالُوا لَهم ﴿بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ يَعْنِي أنَّكم ما كُنْتُمْ مَوْصُوفِينَ بِالإيمانِ حَتّى يُقالَ إنّا أزَلْناكم عَنْهُ.
الثّانِي: قَوْلُهم: ﴿وما كانَ لَنا عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ﴾ يَعْنِي لا قُدْرَةَ لَنا عَلَيْكم حَتّى نَقْهَرَكم ونُجْبِرَكم.
الثّالِثُ: ﴿بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طاغِينَ﴾ أيْ: ضالِّينَ غالِّينَ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ.
الرّابِعُ: قَوْلُهم: ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إنّا لَذائِقُونَ﴾
صفحة ١١٨
والمَعْنى أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا أخْبَرَ عَنْ وُقُوعِنا في العَذابِ، فَلَوْ لَمْ يَحْصُلْ وُقُوعُنا في العَذابِ لَما كانَ خَبَرُ اللَّهِ حَقًّا، بَلْ كانَ باطِلًا، ولَمّا كانَ خَبَرُ اللَّهِ أمْرًا واجِبًا لا جَرَمَ كانَ الوُقُوعُ في العَذابِ الألِيمِ لازِمًا، قالَ مُقاتِلٌ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا﴾ إشارَةٌ إلى قَوْلِ اللَّهِ لِإبْلِيسَ: ﴿لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ ومِمَّنْ تَبِعَكَ مِنهم أجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٥] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا لَذائِقُونَ﴾ يَعْنِي لَمّا وجَبَ أنْ يَحِقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا وجَبَ أنْ نَكُونَ ذائِقِينَ لِهَذا العَذابِ.
الخامِسُ: قَوْلُهم: ﴿فَأغْوَيْناكم إنّا كُنّا غاوِينَ﴾ والمَعْنى أنّا إنَّما أقْدَمْنا عَلى إغْوائِكم لِأنّا كُنّا مَوْصُوفِينَ في أنْفُسِنا بِالغَوايَةِ، وفِيهِ دَقِيقَةٌ أُخْرى، كَأنَّهم قالُوا: إنِ اعْتَقَدْتُمْ أنَّ غَوايَتَكم بِسَبَبِ إغْوائِنا فَغَوايَتُنا إنْ كانَتْ بِسَبَبِ إغْواءِ غاوٍ آخَرَ ولَزِمَ التَّسَلْسُلُ وذَلِكَ مُحالٌ، فَعَلِمْنا أنَّ حُصُولَ الغَوايَةِ والرَّشادِ لَيْسَ مِن قِبَلِنا، بَلْ مِن قِبَلِ غَيْرِنا، وذَلِكَ الغَيْرُ هو الَّذِي ذَكَرَهُ فِيما قَبْلُ، وهو قَوْلُهُ: ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا﴾ ولَمّا حَكى اللَّهُ تَعالى كَلامَ الأتْباعِ لِلرُّؤَساءِ وكَلامَ الرُّؤَساءِ لِلْأتْباعِ قالَ بَعْدَهُ: ﴿فَإنَّهم يَوْمَئِذٍ في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ يَعْنِي فالمَتْبُوعُ والتّابِعُ والمَخْدُومُ والخادِمُ مُشْتَرِكُونَ في الوُقُوعِ في العَذابِ كَما كانُوا في الدُّنْيا مُشْتَرِكِينَ في الغَوايَةِ، ثُمَّ قالَ أيْضًا: ﴿إنّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ وعَنى بِالمُجْرِمِينَ هَهُنا الكُفّارَ، بِدَلِيلِ أنَّهُ تَعالى قالَ بَعْدَ هَذِهِ الكَلِمَةِ: ﴿إنَّهم كانُوا إذا قِيلَ لَهم لا إلَهَ إلّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُمْ﴾ عائِدٌ إلى المَذْكُورِ السّابِقِ وهو قَوْلُهُ: ﴿بِالمُجْرِمِينَ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ لَفْظَ المُجْرِمِ المُطْلَقَ مُخْتَصٌّ في القُرْآنِ بِالكافِرِ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّهم إنَّما وقَعُوا في ذَلِكَ العَذابِ؛ لِأنَّهم كانُوا مُكَذِّبِينَ بِالتَّوْحِيدِ وبِالنُّبُوَّةِ، أمّا التَّكْذِيبُ بِالتَّوْحِيدِ فَهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهم كانُوا إذا قِيلَ لَهم لا إلَهَ إلّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ يَعْنِي يُنْكِرُونَ ويَتَعَصَّبُونَ لِإثْباتِ الشِّرْكِ ويَسْتَنْكِفُونَ عَنِ الإقْرارِ بِالتَّوْحِيدِ.
وأمّا التَّكْذِيبُ بِالنُّبُوَّةِ فَهو قَوْلُهم: ﴿أئِنّا لَتارِكُو آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ ويَعْنُونَ مُحَمَّدًا، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى كَذَّبَهم في ذَلِكَ الكَلامِ فَقالَ: ﴿بَلْ جاءَ بِالحَقِّ وصَدَّقَ المُرْسَلِينَ﴾ وتَقْرِيرُ هَذا الكَلامِ أنَّهُ جاءَ بِالدِّينِ الحَقِّ؛ لِأنَّهُ ثَبَتَ بِالعَقْلِ أنَّهُ تَعالى مُنَزَّهٌ عَنِ الضِّدِّ والنِّدِّ والشَّرِيكِ، فَلَمّا جاءَ مُحَمَّدٌ ﷺ بِتَقْرِيرِ هَذِهِ المَعانِي كانَ مَجِيئُهُ بِالدِّينِ الحَقِّ، قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: ”أيْنا لَتارِكُوا آلِهَتَنا“ بِهَمْزَةٍ وياءٍ بَعْدَها خَفِيفَةٍ ساكِنَةٍ بِلا مَدٍّ، وقَرَأ نافِعٌ في رِوايَةِ قالُونَ وأبِي عَمْرٍو عَلى هَذا التَّفْسِيرِ يَمُدّانِ والباقُونَ بِهَمْزَتَيْنِ بِلا مَدٍّ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وصَدَّقَ المُرْسَلِينَ﴾ يَعْنِي صَدَّقَهم في مَجِيئِهِمْ بِالتَّوْحِيدِ ونَفْيِ الشَّرِيكِ، وهَذا تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ القَوْلَ بِالتَّوْحِيدِ دِينٌ لِكُلِّ الأنْبِياءِ، ولَمّا حَكى اللَّهُ عَنْهم تَكْذِيبَهم بِالتَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ نَقَلَ الكَلامَ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الحُضُورِ فَقالَ: ﴿إنَّكم لَذائِقُو العَذابِ الألِيمِ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: فَكَيْفَ يَلِيقُ بِالرَّحِيمِ الكَرِيمِ المُتَعالِي عَنِ النَّفْعِ والضُّرِّ أنْ يُعَذِّبَ عِبادَهُ فَأجابَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وما تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ والمَعْنى أنَّ الحُكْمَ يَقْتَضِي الأمْرَ بِالحَسَنِ والطّاعَةِ والنَّهْيَ عَنِ القَبِيحِ والمَعْصِيَةِ، والأمْرُ والنَّهْيُ لا يَكْمُلُ المَقْصُودُ مِنهُما إلّا بِالتَّرْغِيبِ في الثَّوابِ والتَّرْهِيبِ بِالعِقابِ، وإذا وقَعَ الإخْبارُ عَنْهُ وجَبَ تَحْقِيقُهُ صَوْنًا لِلْكَلامِ عَنِ الكَذِبِ، فَلِهَذا السَّبَبِ وقَعُوا في العَذابِ ثُمَّ قالَ: ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ يَعْنِي ولَكِنَّ عِبادَ اللَّهِ [ المُخْلَصِينَ ناجُونَ وهو ] مِنَ الِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ.
الصافات 37:34
صفحة ١١٧
﴿فَإنَّهم يَوْمَئِذٍ في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ ﴿إنَّهم كانُوا إذا قِيلَ لَهم لا إلَهَ إلّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ ﴿ويَقُولُونَ أئِنّا لَتارِكُو آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ ﴿بَلْ جاءَ بِالحَقِّ وصَدَّقَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إنَّكم لَذائِقُو العَذابِ الألِيمِ﴾ ﴿وما تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا إنَّكم كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ اليَمِينِ﴾ ﴿قالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وما كانَ لَنا عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طاغِينَ﴾ ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إنّا لَذائِقُونَ﴾ ﴿فَأغْوَيْناكم إنّا كُنّا غاوِينَ﴾ ﴿فَإنَّهم يَوْمَئِذٍ في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ ﴿إنَّهم كانُوا إذا قِيلَ لَهم لا إلَهَ إلّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ ﴿ويَقُولُونَ أئِنّا لَتارِكُو آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ ﴿بَلْ جاءَ بِالحَقِّ وصَدَّقَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إنَّكم لَذائِقُو العَذابِ الألِيمِ﴾ ﴿وما تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ .
واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا حَكى عَنْهم أنَّهُ أقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ شَرَحَ كَيْفِيَّةَ ذَلِكَ التَّساؤُلِ فَقالُوا: ﴿إنَّكم كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ اليَمِينِ﴾ وهَذا قَوْلُ الأتْباعِ لِمَن دَعاهم إلى الضَّلالَةِ، وفي تَفْسِيرِ اليَمِينِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ لَفْظَ اليَمِينِ هَهُنا اسْتِعارَةٌ عَنِ الخَيْراتِ والسَّعاداتِ، وبَيانُ كَيْفِيَّةِ هَذِهِ الِاسْتِعارَةِ، أنَّ الجانِبَ الأيْمَنَ أفْضَلُ مِنَ الجانِبِ الأيْسَرِ لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: اتِّفاقُ الكُلِّ عَلى أنَّ أشْرَفَ الجانِبَيْنِ هو اليَمِينُ.
والثّانِي: لا يُباشِرُونَ الأعْمالَ الشَّرِيفَةَ إلّا بِاليَمِينِ مِثْلَ مُصافَحَةِ الأخْيارِ والأكْلِ والشُّرْبِ وما عَلى العَكْسِ مِنهُ يُباشِرُونَهُ بِاليَدِ اليُسْرى.
الثّالِثُ: أنَّهم كانُوا يَتَفاءَلُونَ وكانُوا يَتَيَمَّنُونَ بِالجانِبِ الأيْمَنِ ويُسَمُّونَهُ بِالبارِحِ.
الرّابِعُ: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يُحِبُّ التَّيامُنَ في كُلِّ شَيْءٍ.
الخامِسُ: أنَّ الشَّرِيعَةَ حَكَمَتْ بِأنَّ الجانِبَ الأيْمَنَ لِكاتِبِ الحَسَناتِ والأيْسَرَ لِكاتِبِ السَّيِّئاتِ.
السّادِسُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى وعَدَ المُحْسِنَ أنْ يُؤْتى كِتابَهُ بِيَمِينِهِ، والمُسِيءَ أنْ يُؤْتى كِتابَهُ بِيَسارِهِ، فَثَبَتَ أنَّ الجانِبَ الأيْمَنَ أفْضَلُ مِنَ الجانِبِ الأيْسَرِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ لا جَرَمَ، اسْتُعِيرَ لَفْظُ اليَمِينِ لِلْخَيْراتِ والحَسَناتِ والطّاعاتِ، فَقَوْلُهُ: ﴿إنَّكم كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ اليَمِينِ﴾ يَعْنِي أنَّكم كُنْتُمْ تَخْدَعُونَنا وتُوهِمُونَ لَنا أنَّ مَقْصُودَكم مِنَ الدَّعْوَةِ إلى تِلْكَ الأدْيانِ نُصْرَةُ الحَقِّ وتَقْوِيَةُ الصِّدْقِ.
والوَجْهُ الثّانِي: في التَّأْوِيلِ أنَّهُ يُقالُ: فُلانٌ يَمِينُ فُلانٍ، إذا كانَ عِنْدَهُ بِالمَنزِلَةِ الحَسَنَةِ، فَقالَ هَؤُلاءِ الكُفّارُ لِأئِمَّتِهِمُ الَّذِينَ أضَلُّوهم وزَيَّنُوا لَهُمُ الكُفْرَ: إنَّكم كُنْتُمْ تَخْدَعُونَنا وتُوهِمُونَ لَنا، أنَّنا عِنْدَكم بِمَنزِلَةِ اليَمِينِ، أيْ بِالمَنزِلَةِ الحَسَنَةِ، فَوَثِقْنا بِكم وقَبِلْنا عَنْكم.
الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّ أئِمَّةَ الكُفّارِ كانُوا قَدْ حَلَفُوا لِهَؤُلاءِ المُسْتَضْعَفِينَ أنَّ ما يَدْعُونَهم إلَيْهِ هو الحَقُّ، فَوَثِقُوا بِأيْمانِهِمْ وتَمَسَّكُوا بِعُهُودِهِمُ الَّتِي عَهِدُوها لَهم، فَمَعْنى قَوْلِهِ: ﴿كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ اليَمِينِ﴾ أيْ مِن ناحِيَةِ المَواثِيقِ والأيْمانِ الَّتِي قَدَّمْتُمُوها لَنا.
الوَجْهُ الرّابِعُ: أنَّ لَفْظَ اليَمِينِ مُسْتَعارٌ مِنَ القُوَّةِ والقَهْرِ؛ لِأنَّ اليَمِينَ مَوْصُوفَةٌ بِالقَهْرِ وبِها يَقَعُ البَطْشُ، والمَعْنى أنَّكم كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ القُوَّةِ والقَهْرِ، وتَقْصِدُونَنا عَنِ السُّلْطانِ والغَلَبَةِ حَتّى تَحْمِلُونا عَلى الضَّلالِ وتُعَيِّرُونا عَلَيْهِ، ثُمَّ حَكى اللَّهُ تَعالى عَنِ الرُّؤَساءِ أنَّهم أجابُوا الأتْباعَ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهم قالُوا لَهم ﴿بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ يَعْنِي أنَّكم ما كُنْتُمْ مَوْصُوفِينَ بِالإيمانِ حَتّى يُقالَ إنّا أزَلْناكم عَنْهُ.
الثّانِي: قَوْلُهم: ﴿وما كانَ لَنا عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ﴾ يَعْنِي لا قُدْرَةَ لَنا عَلَيْكم حَتّى نَقْهَرَكم ونُجْبِرَكم.
الثّالِثُ: ﴿بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طاغِينَ﴾ أيْ: ضالِّينَ غالِّينَ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ.
الرّابِعُ: قَوْلُهم: ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إنّا لَذائِقُونَ﴾
صفحة ١١٨
والمَعْنى أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا أخْبَرَ عَنْ وُقُوعِنا في العَذابِ، فَلَوْ لَمْ يَحْصُلْ وُقُوعُنا في العَذابِ لَما كانَ خَبَرُ اللَّهِ حَقًّا، بَلْ كانَ باطِلًا، ولَمّا كانَ خَبَرُ اللَّهِ أمْرًا واجِبًا لا جَرَمَ كانَ الوُقُوعُ في العَذابِ الألِيمِ لازِمًا، قالَ مُقاتِلٌ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا﴾ إشارَةٌ إلى قَوْلِ اللَّهِ لِإبْلِيسَ: ﴿لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ ومِمَّنْ تَبِعَكَ مِنهم أجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٥] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا لَذائِقُونَ﴾ يَعْنِي لَمّا وجَبَ أنْ يَحِقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا وجَبَ أنْ نَكُونَ ذائِقِينَ لِهَذا العَذابِ.
الخامِسُ: قَوْلُهم: ﴿فَأغْوَيْناكم إنّا كُنّا غاوِينَ﴾ والمَعْنى أنّا إنَّما أقْدَمْنا عَلى إغْوائِكم لِأنّا كُنّا مَوْصُوفِينَ في أنْفُسِنا بِالغَوايَةِ، وفِيهِ دَقِيقَةٌ أُخْرى، كَأنَّهم قالُوا: إنِ اعْتَقَدْتُمْ أنَّ غَوايَتَكم بِسَبَبِ إغْوائِنا فَغَوايَتُنا إنْ كانَتْ بِسَبَبِ إغْواءِ غاوٍ آخَرَ ولَزِمَ التَّسَلْسُلُ وذَلِكَ مُحالٌ، فَعَلِمْنا أنَّ حُصُولَ الغَوايَةِ والرَّشادِ لَيْسَ مِن قِبَلِنا، بَلْ مِن قِبَلِ غَيْرِنا، وذَلِكَ الغَيْرُ هو الَّذِي ذَكَرَهُ فِيما قَبْلُ، وهو قَوْلُهُ: ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا﴾ ولَمّا حَكى اللَّهُ تَعالى كَلامَ الأتْباعِ لِلرُّؤَساءِ وكَلامَ الرُّؤَساءِ لِلْأتْباعِ قالَ بَعْدَهُ: ﴿فَإنَّهم يَوْمَئِذٍ في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ يَعْنِي فالمَتْبُوعُ والتّابِعُ والمَخْدُومُ والخادِمُ مُشْتَرِكُونَ في الوُقُوعِ في العَذابِ كَما كانُوا في الدُّنْيا مُشْتَرِكِينَ في الغَوايَةِ، ثُمَّ قالَ أيْضًا: ﴿إنّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ وعَنى بِالمُجْرِمِينَ هَهُنا الكُفّارَ، بِدَلِيلِ أنَّهُ تَعالى قالَ بَعْدَ هَذِهِ الكَلِمَةِ: ﴿إنَّهم كانُوا إذا قِيلَ لَهم لا إلَهَ إلّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُمْ﴾ عائِدٌ إلى المَذْكُورِ السّابِقِ وهو قَوْلُهُ: ﴿بِالمُجْرِمِينَ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ لَفْظَ المُجْرِمِ المُطْلَقَ مُخْتَصٌّ في القُرْآنِ بِالكافِرِ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّهم إنَّما وقَعُوا في ذَلِكَ العَذابِ؛ لِأنَّهم كانُوا مُكَذِّبِينَ بِالتَّوْحِيدِ وبِالنُّبُوَّةِ، أمّا التَّكْذِيبُ بِالتَّوْحِيدِ فَهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهم كانُوا إذا قِيلَ لَهم لا إلَهَ إلّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ يَعْنِي يُنْكِرُونَ ويَتَعَصَّبُونَ لِإثْباتِ الشِّرْكِ ويَسْتَنْكِفُونَ عَنِ الإقْرارِ بِالتَّوْحِيدِ.
وأمّا التَّكْذِيبُ بِالنُّبُوَّةِ فَهو قَوْلُهم: ﴿أئِنّا لَتارِكُو آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ ويَعْنُونَ مُحَمَّدًا، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى كَذَّبَهم في ذَلِكَ الكَلامِ فَقالَ: ﴿بَلْ جاءَ بِالحَقِّ وصَدَّقَ المُرْسَلِينَ﴾ وتَقْرِيرُ هَذا الكَلامِ أنَّهُ جاءَ بِالدِّينِ الحَقِّ؛ لِأنَّهُ ثَبَتَ بِالعَقْلِ أنَّهُ تَعالى مُنَزَّهٌ عَنِ الضِّدِّ والنِّدِّ والشَّرِيكِ، فَلَمّا جاءَ مُحَمَّدٌ ﷺ بِتَقْرِيرِ هَذِهِ المَعانِي كانَ مَجِيئُهُ بِالدِّينِ الحَقِّ، قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: ”أيْنا لَتارِكُوا آلِهَتَنا“ بِهَمْزَةٍ وياءٍ بَعْدَها خَفِيفَةٍ ساكِنَةٍ بِلا مَدٍّ، وقَرَأ نافِعٌ في رِوايَةِ قالُونَ وأبِي عَمْرٍو عَلى هَذا التَّفْسِيرِ يَمُدّانِ والباقُونَ بِهَمْزَتَيْنِ بِلا مَدٍّ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وصَدَّقَ المُرْسَلِينَ﴾ يَعْنِي صَدَّقَهم في مَجِيئِهِمْ بِالتَّوْحِيدِ ونَفْيِ الشَّرِيكِ، وهَذا تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ القَوْلَ بِالتَّوْحِيدِ دِينٌ لِكُلِّ الأنْبِياءِ، ولَمّا حَكى اللَّهُ عَنْهم تَكْذِيبَهم بِالتَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ نَقَلَ الكَلامَ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الحُضُورِ فَقالَ: ﴿إنَّكم لَذائِقُو العَذابِ الألِيمِ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: فَكَيْفَ يَلِيقُ بِالرَّحِيمِ الكَرِيمِ المُتَعالِي عَنِ النَّفْعِ والضُّرِّ أنْ يُعَذِّبَ عِبادَهُ فَأجابَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وما تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ والمَعْنى أنَّ الحُكْمَ يَقْتَضِي الأمْرَ بِالحَسَنِ والطّاعَةِ والنَّهْيَ عَنِ القَبِيحِ والمَعْصِيَةِ، والأمْرُ والنَّهْيُ لا يَكْمُلُ المَقْصُودُ مِنهُما إلّا بِالتَّرْغِيبِ في الثَّوابِ والتَّرْهِيبِ بِالعِقابِ، وإذا وقَعَ الإخْبارُ عَنْهُ وجَبَ تَحْقِيقُهُ صَوْنًا لِلْكَلامِ عَنِ الكَذِبِ، فَلِهَذا السَّبَبِ وقَعُوا في العَذابِ ثُمَّ قالَ: ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ يَعْنِي ولَكِنَّ عِبادَ اللَّهِ [ المُخْلَصِينَ ناجُونَ وهو ] مِنَ الِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ.
الصافات 37:35
صفحة ١١٧
﴿فَإنَّهم يَوْمَئِذٍ في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ ﴿إنَّهم كانُوا إذا قِيلَ لَهم لا إلَهَ إلّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ ﴿ويَقُولُونَ أئِنّا لَتارِكُو آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ ﴿بَلْ جاءَ بِالحَقِّ وصَدَّقَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إنَّكم لَذائِقُو العَذابِ الألِيمِ﴾ ﴿وما تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا إنَّكم كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ اليَمِينِ﴾ ﴿قالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وما كانَ لَنا عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طاغِينَ﴾ ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إنّا لَذائِقُونَ﴾ ﴿فَأغْوَيْناكم إنّا كُنّا غاوِينَ﴾ ﴿فَإنَّهم يَوْمَئِذٍ في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ ﴿إنَّهم كانُوا إذا قِيلَ لَهم لا إلَهَ إلّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ ﴿ويَقُولُونَ أئِنّا لَتارِكُو آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ ﴿بَلْ جاءَ بِالحَقِّ وصَدَّقَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إنَّكم لَذائِقُو العَذابِ الألِيمِ﴾ ﴿وما تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ .
واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا حَكى عَنْهم أنَّهُ أقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ شَرَحَ كَيْفِيَّةَ ذَلِكَ التَّساؤُلِ فَقالُوا: ﴿إنَّكم كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ اليَمِينِ﴾ وهَذا قَوْلُ الأتْباعِ لِمَن دَعاهم إلى الضَّلالَةِ، وفي تَفْسِيرِ اليَمِينِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ لَفْظَ اليَمِينِ هَهُنا اسْتِعارَةٌ عَنِ الخَيْراتِ والسَّعاداتِ، وبَيانُ كَيْفِيَّةِ هَذِهِ الِاسْتِعارَةِ، أنَّ الجانِبَ الأيْمَنَ أفْضَلُ مِنَ الجانِبِ الأيْسَرِ لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: اتِّفاقُ الكُلِّ عَلى أنَّ أشْرَفَ الجانِبَيْنِ هو اليَمِينُ.
والثّانِي: لا يُباشِرُونَ الأعْمالَ الشَّرِيفَةَ إلّا بِاليَمِينِ مِثْلَ مُصافَحَةِ الأخْيارِ والأكْلِ والشُّرْبِ وما عَلى العَكْسِ مِنهُ يُباشِرُونَهُ بِاليَدِ اليُسْرى.
الثّالِثُ: أنَّهم كانُوا يَتَفاءَلُونَ وكانُوا يَتَيَمَّنُونَ بِالجانِبِ الأيْمَنِ ويُسَمُّونَهُ بِالبارِحِ.
الرّابِعُ: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يُحِبُّ التَّيامُنَ في كُلِّ شَيْءٍ.
الخامِسُ: أنَّ الشَّرِيعَةَ حَكَمَتْ بِأنَّ الجانِبَ الأيْمَنَ لِكاتِبِ الحَسَناتِ والأيْسَرَ لِكاتِبِ السَّيِّئاتِ.
السّادِسُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى وعَدَ المُحْسِنَ أنْ يُؤْتى كِتابَهُ بِيَمِينِهِ، والمُسِيءَ أنْ يُؤْتى كِتابَهُ بِيَسارِهِ، فَثَبَتَ أنَّ الجانِبَ الأيْمَنَ أفْضَلُ مِنَ الجانِبِ الأيْسَرِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ لا جَرَمَ، اسْتُعِيرَ لَفْظُ اليَمِينِ لِلْخَيْراتِ والحَسَناتِ والطّاعاتِ، فَقَوْلُهُ: ﴿إنَّكم كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ اليَمِينِ﴾ يَعْنِي أنَّكم كُنْتُمْ تَخْدَعُونَنا وتُوهِمُونَ لَنا أنَّ مَقْصُودَكم مِنَ الدَّعْوَةِ إلى تِلْكَ الأدْيانِ نُصْرَةُ الحَقِّ وتَقْوِيَةُ الصِّدْقِ.
والوَجْهُ الثّانِي: في التَّأْوِيلِ أنَّهُ يُقالُ: فُلانٌ يَمِينُ فُلانٍ، إذا كانَ عِنْدَهُ بِالمَنزِلَةِ الحَسَنَةِ، فَقالَ هَؤُلاءِ الكُفّارُ لِأئِمَّتِهِمُ الَّذِينَ أضَلُّوهم وزَيَّنُوا لَهُمُ الكُفْرَ: إنَّكم كُنْتُمْ تَخْدَعُونَنا وتُوهِمُونَ لَنا، أنَّنا عِنْدَكم بِمَنزِلَةِ اليَمِينِ، أيْ بِالمَنزِلَةِ الحَسَنَةِ، فَوَثِقْنا بِكم وقَبِلْنا عَنْكم.
الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّ أئِمَّةَ الكُفّارِ كانُوا قَدْ حَلَفُوا لِهَؤُلاءِ المُسْتَضْعَفِينَ أنَّ ما يَدْعُونَهم إلَيْهِ هو الحَقُّ، فَوَثِقُوا بِأيْمانِهِمْ وتَمَسَّكُوا بِعُهُودِهِمُ الَّتِي عَهِدُوها لَهم، فَمَعْنى قَوْلِهِ: ﴿كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ اليَمِينِ﴾ أيْ مِن ناحِيَةِ المَواثِيقِ والأيْمانِ الَّتِي قَدَّمْتُمُوها لَنا.
الوَجْهُ الرّابِعُ: أنَّ لَفْظَ اليَمِينِ مُسْتَعارٌ مِنَ القُوَّةِ والقَهْرِ؛ لِأنَّ اليَمِينَ مَوْصُوفَةٌ بِالقَهْرِ وبِها يَقَعُ البَطْشُ، والمَعْنى أنَّكم كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ القُوَّةِ والقَهْرِ، وتَقْصِدُونَنا عَنِ السُّلْطانِ والغَلَبَةِ حَتّى تَحْمِلُونا عَلى الضَّلالِ وتُعَيِّرُونا عَلَيْهِ، ثُمَّ حَكى اللَّهُ تَعالى عَنِ الرُّؤَساءِ أنَّهم أجابُوا الأتْباعَ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهم قالُوا لَهم ﴿بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ يَعْنِي أنَّكم ما كُنْتُمْ مَوْصُوفِينَ بِالإيمانِ حَتّى يُقالَ إنّا أزَلْناكم عَنْهُ.
الثّانِي: قَوْلُهم: ﴿وما كانَ لَنا عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ﴾ يَعْنِي لا قُدْرَةَ لَنا عَلَيْكم حَتّى نَقْهَرَكم ونُجْبِرَكم.
الثّالِثُ: ﴿بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طاغِينَ﴾ أيْ: ضالِّينَ غالِّينَ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ.
الرّابِعُ: قَوْلُهم: ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إنّا لَذائِقُونَ﴾
صفحة ١١٨
والمَعْنى أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا أخْبَرَ عَنْ وُقُوعِنا في العَذابِ، فَلَوْ لَمْ يَحْصُلْ وُقُوعُنا في العَذابِ لَما كانَ خَبَرُ اللَّهِ حَقًّا، بَلْ كانَ باطِلًا، ولَمّا كانَ خَبَرُ اللَّهِ أمْرًا واجِبًا لا جَرَمَ كانَ الوُقُوعُ في العَذابِ الألِيمِ لازِمًا، قالَ مُقاتِلٌ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا﴾ إشارَةٌ إلى قَوْلِ اللَّهِ لِإبْلِيسَ: ﴿لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ ومِمَّنْ تَبِعَكَ مِنهم أجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٥] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا لَذائِقُونَ﴾ يَعْنِي لَمّا وجَبَ أنْ يَحِقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا وجَبَ أنْ نَكُونَ ذائِقِينَ لِهَذا العَذابِ.
الخامِسُ: قَوْلُهم: ﴿فَأغْوَيْناكم إنّا كُنّا غاوِينَ﴾ والمَعْنى أنّا إنَّما أقْدَمْنا عَلى إغْوائِكم لِأنّا كُنّا مَوْصُوفِينَ في أنْفُسِنا بِالغَوايَةِ، وفِيهِ دَقِيقَةٌ أُخْرى، كَأنَّهم قالُوا: إنِ اعْتَقَدْتُمْ أنَّ غَوايَتَكم بِسَبَبِ إغْوائِنا فَغَوايَتُنا إنْ كانَتْ بِسَبَبِ إغْواءِ غاوٍ آخَرَ ولَزِمَ التَّسَلْسُلُ وذَلِكَ مُحالٌ، فَعَلِمْنا أنَّ حُصُولَ الغَوايَةِ والرَّشادِ لَيْسَ مِن قِبَلِنا، بَلْ مِن قِبَلِ غَيْرِنا، وذَلِكَ الغَيْرُ هو الَّذِي ذَكَرَهُ فِيما قَبْلُ، وهو قَوْلُهُ: ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا﴾ ولَمّا حَكى اللَّهُ تَعالى كَلامَ الأتْباعِ لِلرُّؤَساءِ وكَلامَ الرُّؤَساءِ لِلْأتْباعِ قالَ بَعْدَهُ: ﴿فَإنَّهم يَوْمَئِذٍ في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ يَعْنِي فالمَتْبُوعُ والتّابِعُ والمَخْدُومُ والخادِمُ مُشْتَرِكُونَ في الوُقُوعِ في العَذابِ كَما كانُوا في الدُّنْيا مُشْتَرِكِينَ في الغَوايَةِ، ثُمَّ قالَ أيْضًا: ﴿إنّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ وعَنى بِالمُجْرِمِينَ هَهُنا الكُفّارَ، بِدَلِيلِ أنَّهُ تَعالى قالَ بَعْدَ هَذِهِ الكَلِمَةِ: ﴿إنَّهم كانُوا إذا قِيلَ لَهم لا إلَهَ إلّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُمْ﴾ عائِدٌ إلى المَذْكُورِ السّابِقِ وهو قَوْلُهُ: ﴿بِالمُجْرِمِينَ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ لَفْظَ المُجْرِمِ المُطْلَقَ مُخْتَصٌّ في القُرْآنِ بِالكافِرِ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّهم إنَّما وقَعُوا في ذَلِكَ العَذابِ؛ لِأنَّهم كانُوا مُكَذِّبِينَ بِالتَّوْحِيدِ وبِالنُّبُوَّةِ، أمّا التَّكْذِيبُ بِالتَّوْحِيدِ فَهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهم كانُوا إذا قِيلَ لَهم لا إلَهَ إلّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ يَعْنِي يُنْكِرُونَ ويَتَعَصَّبُونَ لِإثْباتِ الشِّرْكِ ويَسْتَنْكِفُونَ عَنِ الإقْرارِ بِالتَّوْحِيدِ.
وأمّا التَّكْذِيبُ بِالنُّبُوَّةِ فَهو قَوْلُهم: ﴿أئِنّا لَتارِكُو آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ ويَعْنُونَ مُحَمَّدًا، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى كَذَّبَهم في ذَلِكَ الكَلامِ فَقالَ: ﴿بَلْ جاءَ بِالحَقِّ وصَدَّقَ المُرْسَلِينَ﴾ وتَقْرِيرُ هَذا الكَلامِ أنَّهُ جاءَ بِالدِّينِ الحَقِّ؛ لِأنَّهُ ثَبَتَ بِالعَقْلِ أنَّهُ تَعالى مُنَزَّهٌ عَنِ الضِّدِّ والنِّدِّ والشَّرِيكِ، فَلَمّا جاءَ مُحَمَّدٌ ﷺ بِتَقْرِيرِ هَذِهِ المَعانِي كانَ مَجِيئُهُ بِالدِّينِ الحَقِّ، قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: ”أيْنا لَتارِكُوا آلِهَتَنا“ بِهَمْزَةٍ وياءٍ بَعْدَها خَفِيفَةٍ ساكِنَةٍ بِلا مَدٍّ، وقَرَأ نافِعٌ في رِوايَةِ قالُونَ وأبِي عَمْرٍو عَلى هَذا التَّفْسِيرِ يَمُدّانِ والباقُونَ بِهَمْزَتَيْنِ بِلا مَدٍّ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وصَدَّقَ المُرْسَلِينَ﴾ يَعْنِي صَدَّقَهم في مَجِيئِهِمْ بِالتَّوْحِيدِ ونَفْيِ الشَّرِيكِ، وهَذا تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ القَوْلَ بِالتَّوْحِيدِ دِينٌ لِكُلِّ الأنْبِياءِ، ولَمّا حَكى اللَّهُ عَنْهم تَكْذِيبَهم بِالتَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ نَقَلَ الكَلامَ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الحُضُورِ فَقالَ: ﴿إنَّكم لَذائِقُو العَذابِ الألِيمِ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: فَكَيْفَ يَلِيقُ بِالرَّحِيمِ الكَرِيمِ المُتَعالِي عَنِ النَّفْعِ والضُّرِّ أنْ يُعَذِّبَ عِبادَهُ فَأجابَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وما تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ والمَعْنى أنَّ الحُكْمَ يَقْتَضِي الأمْرَ بِالحَسَنِ والطّاعَةِ والنَّهْيَ عَنِ القَبِيحِ والمَعْصِيَةِ، والأمْرُ والنَّهْيُ لا يَكْمُلُ المَقْصُودُ مِنهُما إلّا بِالتَّرْغِيبِ في الثَّوابِ والتَّرْهِيبِ بِالعِقابِ، وإذا وقَعَ الإخْبارُ عَنْهُ وجَبَ تَحْقِيقُهُ صَوْنًا لِلْكَلامِ عَنِ الكَذِبِ، فَلِهَذا السَّبَبِ وقَعُوا في العَذابِ ثُمَّ قالَ: ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ يَعْنِي ولَكِنَّ عِبادَ اللَّهِ [ المُخْلَصِينَ ناجُونَ وهو ] مِنَ الِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ.
الصافات 37:36
صفحة ١١٧
﴿فَإنَّهم يَوْمَئِذٍ في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ ﴿إنَّهم كانُوا إذا قِيلَ لَهم لا إلَهَ إلّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ ﴿ويَقُولُونَ أئِنّا لَتارِكُو آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ ﴿بَلْ جاءَ بِالحَقِّ وصَدَّقَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إنَّكم لَذائِقُو العَذابِ الألِيمِ﴾ ﴿وما تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا إنَّكم كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ اليَمِينِ﴾ ﴿قالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وما كانَ لَنا عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طاغِينَ﴾ ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إنّا لَذائِقُونَ﴾ ﴿فَأغْوَيْناكم إنّا كُنّا غاوِينَ﴾ ﴿فَإنَّهم يَوْمَئِذٍ في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ ﴿إنَّهم كانُوا إذا قِيلَ لَهم لا إلَهَ إلّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ ﴿ويَقُولُونَ أئِنّا لَتارِكُو آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ ﴿بَلْ جاءَ بِالحَقِّ وصَدَّقَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إنَّكم لَذائِقُو العَذابِ الألِيمِ﴾ ﴿وما تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ .
واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا حَكى عَنْهم أنَّهُ أقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ شَرَحَ كَيْفِيَّةَ ذَلِكَ التَّساؤُلِ فَقالُوا: ﴿إنَّكم كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ اليَمِينِ﴾ وهَذا قَوْلُ الأتْباعِ لِمَن دَعاهم إلى الضَّلالَةِ، وفي تَفْسِيرِ اليَمِينِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ لَفْظَ اليَمِينِ هَهُنا اسْتِعارَةٌ عَنِ الخَيْراتِ والسَّعاداتِ، وبَيانُ كَيْفِيَّةِ هَذِهِ الِاسْتِعارَةِ، أنَّ الجانِبَ الأيْمَنَ أفْضَلُ مِنَ الجانِبِ الأيْسَرِ لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: اتِّفاقُ الكُلِّ عَلى أنَّ أشْرَفَ الجانِبَيْنِ هو اليَمِينُ.
والثّانِي: لا يُباشِرُونَ الأعْمالَ الشَّرِيفَةَ إلّا بِاليَمِينِ مِثْلَ مُصافَحَةِ الأخْيارِ والأكْلِ والشُّرْبِ وما عَلى العَكْسِ مِنهُ يُباشِرُونَهُ بِاليَدِ اليُسْرى.
الثّالِثُ: أنَّهم كانُوا يَتَفاءَلُونَ وكانُوا يَتَيَمَّنُونَ بِالجانِبِ الأيْمَنِ ويُسَمُّونَهُ بِالبارِحِ.
الرّابِعُ: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يُحِبُّ التَّيامُنَ في كُلِّ شَيْءٍ.
الخامِسُ: أنَّ الشَّرِيعَةَ حَكَمَتْ بِأنَّ الجانِبَ الأيْمَنَ لِكاتِبِ الحَسَناتِ والأيْسَرَ لِكاتِبِ السَّيِّئاتِ.
السّادِسُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى وعَدَ المُحْسِنَ أنْ يُؤْتى كِتابَهُ بِيَمِينِهِ، والمُسِيءَ أنْ يُؤْتى كِتابَهُ بِيَسارِهِ، فَثَبَتَ أنَّ الجانِبَ الأيْمَنَ أفْضَلُ مِنَ الجانِبِ الأيْسَرِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ لا جَرَمَ، اسْتُعِيرَ لَفْظُ اليَمِينِ لِلْخَيْراتِ والحَسَناتِ والطّاعاتِ، فَقَوْلُهُ: ﴿إنَّكم كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ اليَمِينِ﴾ يَعْنِي أنَّكم كُنْتُمْ تَخْدَعُونَنا وتُوهِمُونَ لَنا أنَّ مَقْصُودَكم مِنَ الدَّعْوَةِ إلى تِلْكَ الأدْيانِ نُصْرَةُ الحَقِّ وتَقْوِيَةُ الصِّدْقِ.
والوَجْهُ الثّانِي: في التَّأْوِيلِ أنَّهُ يُقالُ: فُلانٌ يَمِينُ فُلانٍ، إذا كانَ عِنْدَهُ بِالمَنزِلَةِ الحَسَنَةِ، فَقالَ هَؤُلاءِ الكُفّارُ لِأئِمَّتِهِمُ الَّذِينَ أضَلُّوهم وزَيَّنُوا لَهُمُ الكُفْرَ: إنَّكم كُنْتُمْ تَخْدَعُونَنا وتُوهِمُونَ لَنا، أنَّنا عِنْدَكم بِمَنزِلَةِ اليَمِينِ، أيْ بِالمَنزِلَةِ الحَسَنَةِ، فَوَثِقْنا بِكم وقَبِلْنا عَنْكم.
الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّ أئِمَّةَ الكُفّارِ كانُوا قَدْ حَلَفُوا لِهَؤُلاءِ المُسْتَضْعَفِينَ أنَّ ما يَدْعُونَهم إلَيْهِ هو الحَقُّ، فَوَثِقُوا بِأيْمانِهِمْ وتَمَسَّكُوا بِعُهُودِهِمُ الَّتِي عَهِدُوها لَهم، فَمَعْنى قَوْلِهِ: ﴿كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ اليَمِينِ﴾ أيْ مِن ناحِيَةِ المَواثِيقِ والأيْمانِ الَّتِي قَدَّمْتُمُوها لَنا.
الوَجْهُ الرّابِعُ: أنَّ لَفْظَ اليَمِينِ مُسْتَعارٌ مِنَ القُوَّةِ والقَهْرِ؛ لِأنَّ اليَمِينَ مَوْصُوفَةٌ بِالقَهْرِ وبِها يَقَعُ البَطْشُ، والمَعْنى أنَّكم كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ القُوَّةِ والقَهْرِ، وتَقْصِدُونَنا عَنِ السُّلْطانِ والغَلَبَةِ حَتّى تَحْمِلُونا عَلى الضَّلالِ وتُعَيِّرُونا عَلَيْهِ، ثُمَّ حَكى اللَّهُ تَعالى عَنِ الرُّؤَساءِ أنَّهم أجابُوا الأتْباعَ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهم قالُوا لَهم ﴿بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ يَعْنِي أنَّكم ما كُنْتُمْ مَوْصُوفِينَ بِالإيمانِ حَتّى يُقالَ إنّا أزَلْناكم عَنْهُ.
الثّانِي: قَوْلُهم: ﴿وما كانَ لَنا عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ﴾ يَعْنِي لا قُدْرَةَ لَنا عَلَيْكم حَتّى نَقْهَرَكم ونُجْبِرَكم.
الثّالِثُ: ﴿بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طاغِينَ﴾ أيْ: ضالِّينَ غالِّينَ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ.
الرّابِعُ: قَوْلُهم: ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إنّا لَذائِقُونَ﴾
صفحة ١١٨
والمَعْنى أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا أخْبَرَ عَنْ وُقُوعِنا في العَذابِ، فَلَوْ لَمْ يَحْصُلْ وُقُوعُنا في العَذابِ لَما كانَ خَبَرُ اللَّهِ حَقًّا، بَلْ كانَ باطِلًا، ولَمّا كانَ خَبَرُ اللَّهِ أمْرًا واجِبًا لا جَرَمَ كانَ الوُقُوعُ في العَذابِ الألِيمِ لازِمًا، قالَ مُقاتِلٌ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا﴾ إشارَةٌ إلى قَوْلِ اللَّهِ لِإبْلِيسَ: ﴿لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ ومِمَّنْ تَبِعَكَ مِنهم أجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٥] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا لَذائِقُونَ﴾ يَعْنِي لَمّا وجَبَ أنْ يَحِقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا وجَبَ أنْ نَكُونَ ذائِقِينَ لِهَذا العَذابِ.
الخامِسُ: قَوْلُهم: ﴿فَأغْوَيْناكم إنّا كُنّا غاوِينَ﴾ والمَعْنى أنّا إنَّما أقْدَمْنا عَلى إغْوائِكم لِأنّا كُنّا مَوْصُوفِينَ في أنْفُسِنا بِالغَوايَةِ، وفِيهِ دَقِيقَةٌ أُخْرى، كَأنَّهم قالُوا: إنِ اعْتَقَدْتُمْ أنَّ غَوايَتَكم بِسَبَبِ إغْوائِنا فَغَوايَتُنا إنْ كانَتْ بِسَبَبِ إغْواءِ غاوٍ آخَرَ ولَزِمَ التَّسَلْسُلُ وذَلِكَ مُحالٌ، فَعَلِمْنا أنَّ حُصُولَ الغَوايَةِ والرَّشادِ لَيْسَ مِن قِبَلِنا، بَلْ مِن قِبَلِ غَيْرِنا، وذَلِكَ الغَيْرُ هو الَّذِي ذَكَرَهُ فِيما قَبْلُ، وهو قَوْلُهُ: ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا﴾ ولَمّا حَكى اللَّهُ تَعالى كَلامَ الأتْباعِ لِلرُّؤَساءِ وكَلامَ الرُّؤَساءِ لِلْأتْباعِ قالَ بَعْدَهُ: ﴿فَإنَّهم يَوْمَئِذٍ في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ يَعْنِي فالمَتْبُوعُ والتّابِعُ والمَخْدُومُ والخادِمُ مُشْتَرِكُونَ في الوُقُوعِ في العَذابِ كَما كانُوا في الدُّنْيا مُشْتَرِكِينَ في الغَوايَةِ، ثُمَّ قالَ أيْضًا: ﴿إنّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ وعَنى بِالمُجْرِمِينَ هَهُنا الكُفّارَ، بِدَلِيلِ أنَّهُ تَعالى قالَ بَعْدَ هَذِهِ الكَلِمَةِ: ﴿إنَّهم كانُوا إذا قِيلَ لَهم لا إلَهَ إلّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُمْ﴾ عائِدٌ إلى المَذْكُورِ السّابِقِ وهو قَوْلُهُ: ﴿بِالمُجْرِمِينَ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ لَفْظَ المُجْرِمِ المُطْلَقَ مُخْتَصٌّ في القُرْآنِ بِالكافِرِ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّهم إنَّما وقَعُوا في ذَلِكَ العَذابِ؛ لِأنَّهم كانُوا مُكَذِّبِينَ بِالتَّوْحِيدِ وبِالنُّبُوَّةِ، أمّا التَّكْذِيبُ بِالتَّوْحِيدِ فَهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهم كانُوا إذا قِيلَ لَهم لا إلَهَ إلّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ يَعْنِي يُنْكِرُونَ ويَتَعَصَّبُونَ لِإثْباتِ الشِّرْكِ ويَسْتَنْكِفُونَ عَنِ الإقْرارِ بِالتَّوْحِيدِ.
وأمّا التَّكْذِيبُ بِالنُّبُوَّةِ فَهو قَوْلُهم: ﴿أئِنّا لَتارِكُو آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ ويَعْنُونَ مُحَمَّدًا، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى كَذَّبَهم في ذَلِكَ الكَلامِ فَقالَ: ﴿بَلْ جاءَ بِالحَقِّ وصَدَّقَ المُرْسَلِينَ﴾ وتَقْرِيرُ هَذا الكَلامِ أنَّهُ جاءَ بِالدِّينِ الحَقِّ؛ لِأنَّهُ ثَبَتَ بِالعَقْلِ أنَّهُ تَعالى مُنَزَّهٌ عَنِ الضِّدِّ والنِّدِّ والشَّرِيكِ، فَلَمّا جاءَ مُحَمَّدٌ ﷺ بِتَقْرِيرِ هَذِهِ المَعانِي كانَ مَجِيئُهُ بِالدِّينِ الحَقِّ، قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: ”أيْنا لَتارِكُوا آلِهَتَنا“ بِهَمْزَةٍ وياءٍ بَعْدَها خَفِيفَةٍ ساكِنَةٍ بِلا مَدٍّ، وقَرَأ نافِعٌ في رِوايَةِ قالُونَ وأبِي عَمْرٍو عَلى هَذا التَّفْسِيرِ يَمُدّانِ والباقُونَ بِهَمْزَتَيْنِ بِلا مَدٍّ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وصَدَّقَ المُرْسَلِينَ﴾ يَعْنِي صَدَّقَهم في مَجِيئِهِمْ بِالتَّوْحِيدِ ونَفْيِ الشَّرِيكِ، وهَذا تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ القَوْلَ بِالتَّوْحِيدِ دِينٌ لِكُلِّ الأنْبِياءِ، ولَمّا حَكى اللَّهُ عَنْهم تَكْذِيبَهم بِالتَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ نَقَلَ الكَلامَ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الحُضُورِ فَقالَ: ﴿إنَّكم لَذائِقُو العَذابِ الألِيمِ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: فَكَيْفَ يَلِيقُ بِالرَّحِيمِ الكَرِيمِ المُتَعالِي عَنِ النَّفْعِ والضُّرِّ أنْ يُعَذِّبَ عِبادَهُ فَأجابَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وما تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ والمَعْنى أنَّ الحُكْمَ يَقْتَضِي الأمْرَ بِالحَسَنِ والطّاعَةِ والنَّهْيَ عَنِ القَبِيحِ والمَعْصِيَةِ، والأمْرُ والنَّهْيُ لا يَكْمُلُ المَقْصُودُ مِنهُما إلّا بِالتَّرْغِيبِ في الثَّوابِ والتَّرْهِيبِ بِالعِقابِ، وإذا وقَعَ الإخْبارُ عَنْهُ وجَبَ تَحْقِيقُهُ صَوْنًا لِلْكَلامِ عَنِ الكَذِبِ، فَلِهَذا السَّبَبِ وقَعُوا في العَذابِ ثُمَّ قالَ: ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ يَعْنِي ولَكِنَّ عِبادَ اللَّهِ [ المُخْلَصِينَ ناجُونَ وهو ] مِنَ الِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ.
الصافات 37:37
صفحة ١١٧
﴿فَإنَّهم يَوْمَئِذٍ في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ ﴿إنَّهم كانُوا إذا قِيلَ لَهم لا إلَهَ إلّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ ﴿ويَقُولُونَ أئِنّا لَتارِكُو آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ ﴿بَلْ جاءَ بِالحَقِّ وصَدَّقَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إنَّكم لَذائِقُو العَذابِ الألِيمِ﴾ ﴿وما تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا إنَّكم كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ اليَمِينِ﴾ ﴿قالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وما كانَ لَنا عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طاغِينَ﴾ ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إنّا لَذائِقُونَ﴾ ﴿فَأغْوَيْناكم إنّا كُنّا غاوِينَ﴾ ﴿فَإنَّهم يَوْمَئِذٍ في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ ﴿إنَّهم كانُوا إذا قِيلَ لَهم لا إلَهَ إلّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ ﴿ويَقُولُونَ أئِنّا لَتارِكُو آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ ﴿بَلْ جاءَ بِالحَقِّ وصَدَّقَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إنَّكم لَذائِقُو العَذابِ الألِيمِ﴾ ﴿وما تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ .
واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا حَكى عَنْهم أنَّهُ أقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ شَرَحَ كَيْفِيَّةَ ذَلِكَ التَّساؤُلِ فَقالُوا: ﴿إنَّكم كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ اليَمِينِ﴾ وهَذا قَوْلُ الأتْباعِ لِمَن دَعاهم إلى الضَّلالَةِ، وفي تَفْسِيرِ اليَمِينِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ لَفْظَ اليَمِينِ هَهُنا اسْتِعارَةٌ عَنِ الخَيْراتِ والسَّعاداتِ، وبَيانُ كَيْفِيَّةِ هَذِهِ الِاسْتِعارَةِ، أنَّ الجانِبَ الأيْمَنَ أفْضَلُ مِنَ الجانِبِ الأيْسَرِ لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: اتِّفاقُ الكُلِّ عَلى أنَّ أشْرَفَ الجانِبَيْنِ هو اليَمِينُ.
والثّانِي: لا يُباشِرُونَ الأعْمالَ الشَّرِيفَةَ إلّا بِاليَمِينِ مِثْلَ مُصافَحَةِ الأخْيارِ والأكْلِ والشُّرْبِ وما عَلى العَكْسِ مِنهُ يُباشِرُونَهُ بِاليَدِ اليُسْرى.
الثّالِثُ: أنَّهم كانُوا يَتَفاءَلُونَ وكانُوا يَتَيَمَّنُونَ بِالجانِبِ الأيْمَنِ ويُسَمُّونَهُ بِالبارِحِ.
الرّابِعُ: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يُحِبُّ التَّيامُنَ في كُلِّ شَيْءٍ.
الخامِسُ: أنَّ الشَّرِيعَةَ حَكَمَتْ بِأنَّ الجانِبَ الأيْمَنَ لِكاتِبِ الحَسَناتِ والأيْسَرَ لِكاتِبِ السَّيِّئاتِ.
السّادِسُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى وعَدَ المُحْسِنَ أنْ يُؤْتى كِتابَهُ بِيَمِينِهِ، والمُسِيءَ أنْ يُؤْتى كِتابَهُ بِيَسارِهِ، فَثَبَتَ أنَّ الجانِبَ الأيْمَنَ أفْضَلُ مِنَ الجانِبِ الأيْسَرِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ لا جَرَمَ، اسْتُعِيرَ لَفْظُ اليَمِينِ لِلْخَيْراتِ والحَسَناتِ والطّاعاتِ، فَقَوْلُهُ: ﴿إنَّكم كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ اليَمِينِ﴾ يَعْنِي أنَّكم كُنْتُمْ تَخْدَعُونَنا وتُوهِمُونَ لَنا أنَّ مَقْصُودَكم مِنَ الدَّعْوَةِ إلى تِلْكَ الأدْيانِ نُصْرَةُ الحَقِّ وتَقْوِيَةُ الصِّدْقِ.
والوَجْهُ الثّانِي: في التَّأْوِيلِ أنَّهُ يُقالُ: فُلانٌ يَمِينُ فُلانٍ، إذا كانَ عِنْدَهُ بِالمَنزِلَةِ الحَسَنَةِ، فَقالَ هَؤُلاءِ الكُفّارُ لِأئِمَّتِهِمُ الَّذِينَ أضَلُّوهم وزَيَّنُوا لَهُمُ الكُفْرَ: إنَّكم كُنْتُمْ تَخْدَعُونَنا وتُوهِمُونَ لَنا، أنَّنا عِنْدَكم بِمَنزِلَةِ اليَمِينِ، أيْ بِالمَنزِلَةِ الحَسَنَةِ، فَوَثِقْنا بِكم وقَبِلْنا عَنْكم.
الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّ أئِمَّةَ الكُفّارِ كانُوا قَدْ حَلَفُوا لِهَؤُلاءِ المُسْتَضْعَفِينَ أنَّ ما يَدْعُونَهم إلَيْهِ هو الحَقُّ، فَوَثِقُوا بِأيْمانِهِمْ وتَمَسَّكُوا بِعُهُودِهِمُ الَّتِي عَهِدُوها لَهم، فَمَعْنى قَوْلِهِ: ﴿كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ اليَمِينِ﴾ أيْ مِن ناحِيَةِ المَواثِيقِ والأيْمانِ الَّتِي قَدَّمْتُمُوها لَنا.
الوَجْهُ الرّابِعُ: أنَّ لَفْظَ اليَمِينِ مُسْتَعارٌ مِنَ القُوَّةِ والقَهْرِ؛ لِأنَّ اليَمِينَ مَوْصُوفَةٌ بِالقَهْرِ وبِها يَقَعُ البَطْشُ، والمَعْنى أنَّكم كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ القُوَّةِ والقَهْرِ، وتَقْصِدُونَنا عَنِ السُّلْطانِ والغَلَبَةِ حَتّى تَحْمِلُونا عَلى الضَّلالِ وتُعَيِّرُونا عَلَيْهِ، ثُمَّ حَكى اللَّهُ تَعالى عَنِ الرُّؤَساءِ أنَّهم أجابُوا الأتْباعَ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهم قالُوا لَهم ﴿بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ يَعْنِي أنَّكم ما كُنْتُمْ مَوْصُوفِينَ بِالإيمانِ حَتّى يُقالَ إنّا أزَلْناكم عَنْهُ.
الثّانِي: قَوْلُهم: ﴿وما كانَ لَنا عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ﴾ يَعْنِي لا قُدْرَةَ لَنا عَلَيْكم حَتّى نَقْهَرَكم ونُجْبِرَكم.
الثّالِثُ: ﴿بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طاغِينَ﴾ أيْ: ضالِّينَ غالِّينَ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ.
الرّابِعُ: قَوْلُهم: ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إنّا لَذائِقُونَ﴾
صفحة ١١٨
والمَعْنى أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا أخْبَرَ عَنْ وُقُوعِنا في العَذابِ، فَلَوْ لَمْ يَحْصُلْ وُقُوعُنا في العَذابِ لَما كانَ خَبَرُ اللَّهِ حَقًّا، بَلْ كانَ باطِلًا، ولَمّا كانَ خَبَرُ اللَّهِ أمْرًا واجِبًا لا جَرَمَ كانَ الوُقُوعُ في العَذابِ الألِيمِ لازِمًا، قالَ مُقاتِلٌ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا﴾ إشارَةٌ إلى قَوْلِ اللَّهِ لِإبْلِيسَ: ﴿لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ ومِمَّنْ تَبِعَكَ مِنهم أجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٥] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا لَذائِقُونَ﴾ يَعْنِي لَمّا وجَبَ أنْ يَحِقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا وجَبَ أنْ نَكُونَ ذائِقِينَ لِهَذا العَذابِ.
الخامِسُ: قَوْلُهم: ﴿فَأغْوَيْناكم إنّا كُنّا غاوِينَ﴾ والمَعْنى أنّا إنَّما أقْدَمْنا عَلى إغْوائِكم لِأنّا كُنّا مَوْصُوفِينَ في أنْفُسِنا بِالغَوايَةِ، وفِيهِ دَقِيقَةٌ أُخْرى، كَأنَّهم قالُوا: إنِ اعْتَقَدْتُمْ أنَّ غَوايَتَكم بِسَبَبِ إغْوائِنا فَغَوايَتُنا إنْ كانَتْ بِسَبَبِ إغْواءِ غاوٍ آخَرَ ولَزِمَ التَّسَلْسُلُ وذَلِكَ مُحالٌ، فَعَلِمْنا أنَّ حُصُولَ الغَوايَةِ والرَّشادِ لَيْسَ مِن قِبَلِنا، بَلْ مِن قِبَلِ غَيْرِنا، وذَلِكَ الغَيْرُ هو الَّذِي ذَكَرَهُ فِيما قَبْلُ، وهو قَوْلُهُ: ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا﴾ ولَمّا حَكى اللَّهُ تَعالى كَلامَ الأتْباعِ لِلرُّؤَساءِ وكَلامَ الرُّؤَساءِ لِلْأتْباعِ قالَ بَعْدَهُ: ﴿فَإنَّهم يَوْمَئِذٍ في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ يَعْنِي فالمَتْبُوعُ والتّابِعُ والمَخْدُومُ والخادِمُ مُشْتَرِكُونَ في الوُقُوعِ في العَذابِ كَما كانُوا في الدُّنْيا مُشْتَرِكِينَ في الغَوايَةِ، ثُمَّ قالَ أيْضًا: ﴿إنّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ وعَنى بِالمُجْرِمِينَ هَهُنا الكُفّارَ، بِدَلِيلِ أنَّهُ تَعالى قالَ بَعْدَ هَذِهِ الكَلِمَةِ: ﴿إنَّهم كانُوا إذا قِيلَ لَهم لا إلَهَ إلّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُمْ﴾ عائِدٌ إلى المَذْكُورِ السّابِقِ وهو قَوْلُهُ: ﴿بِالمُجْرِمِينَ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ لَفْظَ المُجْرِمِ المُطْلَقَ مُخْتَصٌّ في القُرْآنِ بِالكافِرِ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّهم إنَّما وقَعُوا في ذَلِكَ العَذابِ؛ لِأنَّهم كانُوا مُكَذِّبِينَ بِالتَّوْحِيدِ وبِالنُّبُوَّةِ، أمّا التَّكْذِيبُ بِالتَّوْحِيدِ فَهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهم كانُوا إذا قِيلَ لَهم لا إلَهَ إلّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ يَعْنِي يُنْكِرُونَ ويَتَعَصَّبُونَ لِإثْباتِ الشِّرْكِ ويَسْتَنْكِفُونَ عَنِ الإقْرارِ بِالتَّوْحِيدِ.
وأمّا التَّكْذِيبُ بِالنُّبُوَّةِ فَهو قَوْلُهم: ﴿أئِنّا لَتارِكُو آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ ويَعْنُونَ مُحَمَّدًا، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى كَذَّبَهم في ذَلِكَ الكَلامِ فَقالَ: ﴿بَلْ جاءَ بِالحَقِّ وصَدَّقَ المُرْسَلِينَ﴾ وتَقْرِيرُ هَذا الكَلامِ أنَّهُ جاءَ بِالدِّينِ الحَقِّ؛ لِأنَّهُ ثَبَتَ بِالعَقْلِ أنَّهُ تَعالى مُنَزَّهٌ عَنِ الضِّدِّ والنِّدِّ والشَّرِيكِ، فَلَمّا جاءَ مُحَمَّدٌ ﷺ بِتَقْرِيرِ هَذِهِ المَعانِي كانَ مَجِيئُهُ بِالدِّينِ الحَقِّ، قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: ”أيْنا لَتارِكُوا آلِهَتَنا“ بِهَمْزَةٍ وياءٍ بَعْدَها خَفِيفَةٍ ساكِنَةٍ بِلا مَدٍّ، وقَرَأ نافِعٌ في رِوايَةِ قالُونَ وأبِي عَمْرٍو عَلى هَذا التَّفْسِيرِ يَمُدّانِ والباقُونَ بِهَمْزَتَيْنِ بِلا مَدٍّ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وصَدَّقَ المُرْسَلِينَ﴾ يَعْنِي صَدَّقَهم في مَجِيئِهِمْ بِالتَّوْحِيدِ ونَفْيِ الشَّرِيكِ، وهَذا تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ القَوْلَ بِالتَّوْحِيدِ دِينٌ لِكُلِّ الأنْبِياءِ، ولَمّا حَكى اللَّهُ عَنْهم تَكْذِيبَهم بِالتَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ نَقَلَ الكَلامَ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الحُضُورِ فَقالَ: ﴿إنَّكم لَذائِقُو العَذابِ الألِيمِ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: فَكَيْفَ يَلِيقُ بِالرَّحِيمِ الكَرِيمِ المُتَعالِي عَنِ النَّفْعِ والضُّرِّ أنْ يُعَذِّبَ عِبادَهُ فَأجابَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وما تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ والمَعْنى أنَّ الحُكْمَ يَقْتَضِي الأمْرَ بِالحَسَنِ والطّاعَةِ والنَّهْيَ عَنِ القَبِيحِ والمَعْصِيَةِ، والأمْرُ والنَّهْيُ لا يَكْمُلُ المَقْصُودُ مِنهُما إلّا بِالتَّرْغِيبِ في الثَّوابِ والتَّرْهِيبِ بِالعِقابِ، وإذا وقَعَ الإخْبارُ عَنْهُ وجَبَ تَحْقِيقُهُ صَوْنًا لِلْكَلامِ عَنِ الكَذِبِ، فَلِهَذا السَّبَبِ وقَعُوا في العَذابِ ثُمَّ قالَ: ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ يَعْنِي ولَكِنَّ عِبادَ اللَّهِ [ المُخْلَصِينَ ناجُونَ وهو ] مِنَ الِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ.
الصافات 37:38
صفحة ١١٧
﴿فَإنَّهم يَوْمَئِذٍ في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ ﴿إنَّهم كانُوا إذا قِيلَ لَهم لا إلَهَ إلّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ ﴿ويَقُولُونَ أئِنّا لَتارِكُو آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ ﴿بَلْ جاءَ بِالحَقِّ وصَدَّقَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إنَّكم لَذائِقُو العَذابِ الألِيمِ﴾ ﴿وما تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا إنَّكم كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ اليَمِينِ﴾ ﴿قالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وما كانَ لَنا عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طاغِينَ﴾ ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إنّا لَذائِقُونَ﴾ ﴿فَأغْوَيْناكم إنّا كُنّا غاوِينَ﴾ ﴿فَإنَّهم يَوْمَئِذٍ في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ ﴿إنَّهم كانُوا إذا قِيلَ لَهم لا إلَهَ إلّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ ﴿ويَقُولُونَ أئِنّا لَتارِكُو آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ ﴿بَلْ جاءَ بِالحَقِّ وصَدَّقَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إنَّكم لَذائِقُو العَذابِ الألِيمِ﴾ ﴿وما تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ .
واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا حَكى عَنْهم أنَّهُ أقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ شَرَحَ كَيْفِيَّةَ ذَلِكَ التَّساؤُلِ فَقالُوا: ﴿إنَّكم كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ اليَمِينِ﴾ وهَذا قَوْلُ الأتْباعِ لِمَن دَعاهم إلى الضَّلالَةِ، وفي تَفْسِيرِ اليَمِينِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ لَفْظَ اليَمِينِ هَهُنا اسْتِعارَةٌ عَنِ الخَيْراتِ والسَّعاداتِ، وبَيانُ كَيْفِيَّةِ هَذِهِ الِاسْتِعارَةِ، أنَّ الجانِبَ الأيْمَنَ أفْضَلُ مِنَ الجانِبِ الأيْسَرِ لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: اتِّفاقُ الكُلِّ عَلى أنَّ أشْرَفَ الجانِبَيْنِ هو اليَمِينُ.
والثّانِي: لا يُباشِرُونَ الأعْمالَ الشَّرِيفَةَ إلّا بِاليَمِينِ مِثْلَ مُصافَحَةِ الأخْيارِ والأكْلِ والشُّرْبِ وما عَلى العَكْسِ مِنهُ يُباشِرُونَهُ بِاليَدِ اليُسْرى.
الثّالِثُ: أنَّهم كانُوا يَتَفاءَلُونَ وكانُوا يَتَيَمَّنُونَ بِالجانِبِ الأيْمَنِ ويُسَمُّونَهُ بِالبارِحِ.
الرّابِعُ: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يُحِبُّ التَّيامُنَ في كُلِّ شَيْءٍ.
الخامِسُ: أنَّ الشَّرِيعَةَ حَكَمَتْ بِأنَّ الجانِبَ الأيْمَنَ لِكاتِبِ الحَسَناتِ والأيْسَرَ لِكاتِبِ السَّيِّئاتِ.
السّادِسُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى وعَدَ المُحْسِنَ أنْ يُؤْتى كِتابَهُ بِيَمِينِهِ، والمُسِيءَ أنْ يُؤْتى كِتابَهُ بِيَسارِهِ، فَثَبَتَ أنَّ الجانِبَ الأيْمَنَ أفْضَلُ مِنَ الجانِبِ الأيْسَرِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ لا جَرَمَ، اسْتُعِيرَ لَفْظُ اليَمِينِ لِلْخَيْراتِ والحَسَناتِ والطّاعاتِ، فَقَوْلُهُ: ﴿إنَّكم كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ اليَمِينِ﴾ يَعْنِي أنَّكم كُنْتُمْ تَخْدَعُونَنا وتُوهِمُونَ لَنا أنَّ مَقْصُودَكم مِنَ الدَّعْوَةِ إلى تِلْكَ الأدْيانِ نُصْرَةُ الحَقِّ وتَقْوِيَةُ الصِّدْقِ.
والوَجْهُ الثّانِي: في التَّأْوِيلِ أنَّهُ يُقالُ: فُلانٌ يَمِينُ فُلانٍ، إذا كانَ عِنْدَهُ بِالمَنزِلَةِ الحَسَنَةِ، فَقالَ هَؤُلاءِ الكُفّارُ لِأئِمَّتِهِمُ الَّذِينَ أضَلُّوهم وزَيَّنُوا لَهُمُ الكُفْرَ: إنَّكم كُنْتُمْ تَخْدَعُونَنا وتُوهِمُونَ لَنا، أنَّنا عِنْدَكم بِمَنزِلَةِ اليَمِينِ، أيْ بِالمَنزِلَةِ الحَسَنَةِ، فَوَثِقْنا بِكم وقَبِلْنا عَنْكم.
الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّ أئِمَّةَ الكُفّارِ كانُوا قَدْ حَلَفُوا لِهَؤُلاءِ المُسْتَضْعَفِينَ أنَّ ما يَدْعُونَهم إلَيْهِ هو الحَقُّ، فَوَثِقُوا بِأيْمانِهِمْ وتَمَسَّكُوا بِعُهُودِهِمُ الَّتِي عَهِدُوها لَهم، فَمَعْنى قَوْلِهِ: ﴿كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ اليَمِينِ﴾ أيْ مِن ناحِيَةِ المَواثِيقِ والأيْمانِ الَّتِي قَدَّمْتُمُوها لَنا.
الوَجْهُ الرّابِعُ: أنَّ لَفْظَ اليَمِينِ مُسْتَعارٌ مِنَ القُوَّةِ والقَهْرِ؛ لِأنَّ اليَمِينَ مَوْصُوفَةٌ بِالقَهْرِ وبِها يَقَعُ البَطْشُ، والمَعْنى أنَّكم كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ القُوَّةِ والقَهْرِ، وتَقْصِدُونَنا عَنِ السُّلْطانِ والغَلَبَةِ حَتّى تَحْمِلُونا عَلى الضَّلالِ وتُعَيِّرُونا عَلَيْهِ، ثُمَّ حَكى اللَّهُ تَعالى عَنِ الرُّؤَساءِ أنَّهم أجابُوا الأتْباعَ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهم قالُوا لَهم ﴿بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ يَعْنِي أنَّكم ما كُنْتُمْ مَوْصُوفِينَ بِالإيمانِ حَتّى يُقالَ إنّا أزَلْناكم عَنْهُ.
الثّانِي: قَوْلُهم: ﴿وما كانَ لَنا عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ﴾ يَعْنِي لا قُدْرَةَ لَنا عَلَيْكم حَتّى نَقْهَرَكم ونُجْبِرَكم.
الثّالِثُ: ﴿بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طاغِينَ﴾ أيْ: ضالِّينَ غالِّينَ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ.
الرّابِعُ: قَوْلُهم: ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إنّا لَذائِقُونَ﴾
صفحة ١١٨
والمَعْنى أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا أخْبَرَ عَنْ وُقُوعِنا في العَذابِ، فَلَوْ لَمْ يَحْصُلْ وُقُوعُنا في العَذابِ لَما كانَ خَبَرُ اللَّهِ حَقًّا، بَلْ كانَ باطِلًا، ولَمّا كانَ خَبَرُ اللَّهِ أمْرًا واجِبًا لا جَرَمَ كانَ الوُقُوعُ في العَذابِ الألِيمِ لازِمًا، قالَ مُقاتِلٌ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا﴾ إشارَةٌ إلى قَوْلِ اللَّهِ لِإبْلِيسَ: ﴿لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ ومِمَّنْ تَبِعَكَ مِنهم أجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٥] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا لَذائِقُونَ﴾ يَعْنِي لَمّا وجَبَ أنْ يَحِقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا وجَبَ أنْ نَكُونَ ذائِقِينَ لِهَذا العَذابِ.
الخامِسُ: قَوْلُهم: ﴿فَأغْوَيْناكم إنّا كُنّا غاوِينَ﴾ والمَعْنى أنّا إنَّما أقْدَمْنا عَلى إغْوائِكم لِأنّا كُنّا مَوْصُوفِينَ في أنْفُسِنا بِالغَوايَةِ، وفِيهِ دَقِيقَةٌ أُخْرى، كَأنَّهم قالُوا: إنِ اعْتَقَدْتُمْ أنَّ غَوايَتَكم بِسَبَبِ إغْوائِنا فَغَوايَتُنا إنْ كانَتْ بِسَبَبِ إغْواءِ غاوٍ آخَرَ ولَزِمَ التَّسَلْسُلُ وذَلِكَ مُحالٌ، فَعَلِمْنا أنَّ حُصُولَ الغَوايَةِ والرَّشادِ لَيْسَ مِن قِبَلِنا، بَلْ مِن قِبَلِ غَيْرِنا، وذَلِكَ الغَيْرُ هو الَّذِي ذَكَرَهُ فِيما قَبْلُ، وهو قَوْلُهُ: ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا﴾ ولَمّا حَكى اللَّهُ تَعالى كَلامَ الأتْباعِ لِلرُّؤَساءِ وكَلامَ الرُّؤَساءِ لِلْأتْباعِ قالَ بَعْدَهُ: ﴿فَإنَّهم يَوْمَئِذٍ في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ يَعْنِي فالمَتْبُوعُ والتّابِعُ والمَخْدُومُ والخادِمُ مُشْتَرِكُونَ في الوُقُوعِ في العَذابِ كَما كانُوا في الدُّنْيا مُشْتَرِكِينَ في الغَوايَةِ، ثُمَّ قالَ أيْضًا: ﴿إنّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ وعَنى بِالمُجْرِمِينَ هَهُنا الكُفّارَ، بِدَلِيلِ أنَّهُ تَعالى قالَ بَعْدَ هَذِهِ الكَلِمَةِ: ﴿إنَّهم كانُوا إذا قِيلَ لَهم لا إلَهَ إلّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُمْ﴾ عائِدٌ إلى المَذْكُورِ السّابِقِ وهو قَوْلُهُ: ﴿بِالمُجْرِمِينَ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ لَفْظَ المُجْرِمِ المُطْلَقَ مُخْتَصٌّ في القُرْآنِ بِالكافِرِ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّهم إنَّما وقَعُوا في ذَلِكَ العَذابِ؛ لِأنَّهم كانُوا مُكَذِّبِينَ بِالتَّوْحِيدِ وبِالنُّبُوَّةِ، أمّا التَّكْذِيبُ بِالتَّوْحِيدِ فَهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهم كانُوا إذا قِيلَ لَهم لا إلَهَ إلّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ يَعْنِي يُنْكِرُونَ ويَتَعَصَّبُونَ لِإثْباتِ الشِّرْكِ ويَسْتَنْكِفُونَ عَنِ الإقْرارِ بِالتَّوْحِيدِ.
وأمّا التَّكْذِيبُ بِالنُّبُوَّةِ فَهو قَوْلُهم: ﴿أئِنّا لَتارِكُو آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ ويَعْنُونَ مُحَمَّدًا، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى كَذَّبَهم في ذَلِكَ الكَلامِ فَقالَ: ﴿بَلْ جاءَ بِالحَقِّ وصَدَّقَ المُرْسَلِينَ﴾ وتَقْرِيرُ هَذا الكَلامِ أنَّهُ جاءَ بِالدِّينِ الحَقِّ؛ لِأنَّهُ ثَبَتَ بِالعَقْلِ أنَّهُ تَعالى مُنَزَّهٌ عَنِ الضِّدِّ والنِّدِّ والشَّرِيكِ، فَلَمّا جاءَ مُحَمَّدٌ ﷺ بِتَقْرِيرِ هَذِهِ المَعانِي كانَ مَجِيئُهُ بِالدِّينِ الحَقِّ، قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: ”أيْنا لَتارِكُوا آلِهَتَنا“ بِهَمْزَةٍ وياءٍ بَعْدَها خَفِيفَةٍ ساكِنَةٍ بِلا مَدٍّ، وقَرَأ نافِعٌ في رِوايَةِ قالُونَ وأبِي عَمْرٍو عَلى هَذا التَّفْسِيرِ يَمُدّانِ والباقُونَ بِهَمْزَتَيْنِ بِلا مَدٍّ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وصَدَّقَ المُرْسَلِينَ﴾ يَعْنِي صَدَّقَهم في مَجِيئِهِمْ بِالتَّوْحِيدِ ونَفْيِ الشَّرِيكِ، وهَذا تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ القَوْلَ بِالتَّوْحِيدِ دِينٌ لِكُلِّ الأنْبِياءِ، ولَمّا حَكى اللَّهُ عَنْهم تَكْذِيبَهم بِالتَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ نَقَلَ الكَلامَ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الحُضُورِ فَقالَ: ﴿إنَّكم لَذائِقُو العَذابِ الألِيمِ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: فَكَيْفَ يَلِيقُ بِالرَّحِيمِ الكَرِيمِ المُتَعالِي عَنِ النَّفْعِ والضُّرِّ أنْ يُعَذِّبَ عِبادَهُ فَأجابَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وما تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ والمَعْنى أنَّ الحُكْمَ يَقْتَضِي الأمْرَ بِالحَسَنِ والطّاعَةِ والنَّهْيَ عَنِ القَبِيحِ والمَعْصِيَةِ، والأمْرُ والنَّهْيُ لا يَكْمُلُ المَقْصُودُ مِنهُما إلّا بِالتَّرْغِيبِ في الثَّوابِ والتَّرْهِيبِ بِالعِقابِ، وإذا وقَعَ الإخْبارُ عَنْهُ وجَبَ تَحْقِيقُهُ صَوْنًا لِلْكَلامِ عَنِ الكَذِبِ، فَلِهَذا السَّبَبِ وقَعُوا في العَذابِ ثُمَّ قالَ: ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ يَعْنِي ولَكِنَّ عِبادَ اللَّهِ [ المُخْلَصِينَ ناجُونَ وهو ] مِنَ الِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ.
الصافات 37:39
صفحة ١١٧
﴿فَإنَّهم يَوْمَئِذٍ في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ ﴿إنَّهم كانُوا إذا قِيلَ لَهم لا إلَهَ إلّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ ﴿ويَقُولُونَ أئِنّا لَتارِكُو آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ ﴿بَلْ جاءَ بِالحَقِّ وصَدَّقَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إنَّكم لَذائِقُو العَذابِ الألِيمِ﴾ ﴿وما تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا إنَّكم كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ اليَمِينِ﴾ ﴿قالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وما كانَ لَنا عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طاغِينَ﴾ ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إنّا لَذائِقُونَ﴾ ﴿فَأغْوَيْناكم إنّا كُنّا غاوِينَ﴾ ﴿فَإنَّهم يَوْمَئِذٍ في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ ﴿إنَّهم كانُوا إذا قِيلَ لَهم لا إلَهَ إلّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ ﴿ويَقُولُونَ أئِنّا لَتارِكُو آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ ﴿بَلْ جاءَ بِالحَقِّ وصَدَّقَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إنَّكم لَذائِقُو العَذابِ الألِيمِ﴾ ﴿وما تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ .
واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا حَكى عَنْهم أنَّهُ أقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ شَرَحَ كَيْفِيَّةَ ذَلِكَ التَّساؤُلِ فَقالُوا: ﴿إنَّكم كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ اليَمِينِ﴾ وهَذا قَوْلُ الأتْباعِ لِمَن دَعاهم إلى الضَّلالَةِ، وفي تَفْسِيرِ اليَمِينِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ لَفْظَ اليَمِينِ هَهُنا اسْتِعارَةٌ عَنِ الخَيْراتِ والسَّعاداتِ، وبَيانُ كَيْفِيَّةِ هَذِهِ الِاسْتِعارَةِ، أنَّ الجانِبَ الأيْمَنَ أفْضَلُ مِنَ الجانِبِ الأيْسَرِ لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: اتِّفاقُ الكُلِّ عَلى أنَّ أشْرَفَ الجانِبَيْنِ هو اليَمِينُ.
والثّانِي: لا يُباشِرُونَ الأعْمالَ الشَّرِيفَةَ إلّا بِاليَمِينِ مِثْلَ مُصافَحَةِ الأخْيارِ والأكْلِ والشُّرْبِ وما عَلى العَكْسِ مِنهُ يُباشِرُونَهُ بِاليَدِ اليُسْرى.
الثّالِثُ: أنَّهم كانُوا يَتَفاءَلُونَ وكانُوا يَتَيَمَّنُونَ بِالجانِبِ الأيْمَنِ ويُسَمُّونَهُ بِالبارِحِ.
الرّابِعُ: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يُحِبُّ التَّيامُنَ في كُلِّ شَيْءٍ.
الخامِسُ: أنَّ الشَّرِيعَةَ حَكَمَتْ بِأنَّ الجانِبَ الأيْمَنَ لِكاتِبِ الحَسَناتِ والأيْسَرَ لِكاتِبِ السَّيِّئاتِ.
السّادِسُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى وعَدَ المُحْسِنَ أنْ يُؤْتى كِتابَهُ بِيَمِينِهِ، والمُسِيءَ أنْ يُؤْتى كِتابَهُ بِيَسارِهِ، فَثَبَتَ أنَّ الجانِبَ الأيْمَنَ أفْضَلُ مِنَ الجانِبِ الأيْسَرِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ لا جَرَمَ، اسْتُعِيرَ لَفْظُ اليَمِينِ لِلْخَيْراتِ والحَسَناتِ والطّاعاتِ، فَقَوْلُهُ: ﴿إنَّكم كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ اليَمِينِ﴾ يَعْنِي أنَّكم كُنْتُمْ تَخْدَعُونَنا وتُوهِمُونَ لَنا أنَّ مَقْصُودَكم مِنَ الدَّعْوَةِ إلى تِلْكَ الأدْيانِ نُصْرَةُ الحَقِّ وتَقْوِيَةُ الصِّدْقِ.
والوَجْهُ الثّانِي: في التَّأْوِيلِ أنَّهُ يُقالُ: فُلانٌ يَمِينُ فُلانٍ، إذا كانَ عِنْدَهُ بِالمَنزِلَةِ الحَسَنَةِ، فَقالَ هَؤُلاءِ الكُفّارُ لِأئِمَّتِهِمُ الَّذِينَ أضَلُّوهم وزَيَّنُوا لَهُمُ الكُفْرَ: إنَّكم كُنْتُمْ تَخْدَعُونَنا وتُوهِمُونَ لَنا، أنَّنا عِنْدَكم بِمَنزِلَةِ اليَمِينِ، أيْ بِالمَنزِلَةِ الحَسَنَةِ، فَوَثِقْنا بِكم وقَبِلْنا عَنْكم.
الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّ أئِمَّةَ الكُفّارِ كانُوا قَدْ حَلَفُوا لِهَؤُلاءِ المُسْتَضْعَفِينَ أنَّ ما يَدْعُونَهم إلَيْهِ هو الحَقُّ، فَوَثِقُوا بِأيْمانِهِمْ وتَمَسَّكُوا بِعُهُودِهِمُ الَّتِي عَهِدُوها لَهم، فَمَعْنى قَوْلِهِ: ﴿كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ اليَمِينِ﴾ أيْ مِن ناحِيَةِ المَواثِيقِ والأيْمانِ الَّتِي قَدَّمْتُمُوها لَنا.
الوَجْهُ الرّابِعُ: أنَّ لَفْظَ اليَمِينِ مُسْتَعارٌ مِنَ القُوَّةِ والقَهْرِ؛ لِأنَّ اليَمِينَ مَوْصُوفَةٌ بِالقَهْرِ وبِها يَقَعُ البَطْشُ، والمَعْنى أنَّكم كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ القُوَّةِ والقَهْرِ، وتَقْصِدُونَنا عَنِ السُّلْطانِ والغَلَبَةِ حَتّى تَحْمِلُونا عَلى الضَّلالِ وتُعَيِّرُونا عَلَيْهِ، ثُمَّ حَكى اللَّهُ تَعالى عَنِ الرُّؤَساءِ أنَّهم أجابُوا الأتْباعَ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهم قالُوا لَهم ﴿بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ يَعْنِي أنَّكم ما كُنْتُمْ مَوْصُوفِينَ بِالإيمانِ حَتّى يُقالَ إنّا أزَلْناكم عَنْهُ.
الثّانِي: قَوْلُهم: ﴿وما كانَ لَنا عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ﴾ يَعْنِي لا قُدْرَةَ لَنا عَلَيْكم حَتّى نَقْهَرَكم ونُجْبِرَكم.
الثّالِثُ: ﴿بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طاغِينَ﴾ أيْ: ضالِّينَ غالِّينَ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ.
الرّابِعُ: قَوْلُهم: ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إنّا لَذائِقُونَ﴾
صفحة ١١٨
والمَعْنى أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا أخْبَرَ عَنْ وُقُوعِنا في العَذابِ، فَلَوْ لَمْ يَحْصُلْ وُقُوعُنا في العَذابِ لَما كانَ خَبَرُ اللَّهِ حَقًّا، بَلْ كانَ باطِلًا، ولَمّا كانَ خَبَرُ اللَّهِ أمْرًا واجِبًا لا جَرَمَ كانَ الوُقُوعُ في العَذابِ الألِيمِ لازِمًا، قالَ مُقاتِلٌ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا﴾ إشارَةٌ إلى قَوْلِ اللَّهِ لِإبْلِيسَ: ﴿لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ ومِمَّنْ تَبِعَكَ مِنهم أجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٥] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا لَذائِقُونَ﴾ يَعْنِي لَمّا وجَبَ أنْ يَحِقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا وجَبَ أنْ نَكُونَ ذائِقِينَ لِهَذا العَذابِ.
الخامِسُ: قَوْلُهم: ﴿فَأغْوَيْناكم إنّا كُنّا غاوِينَ﴾ والمَعْنى أنّا إنَّما أقْدَمْنا عَلى إغْوائِكم لِأنّا كُنّا مَوْصُوفِينَ في أنْفُسِنا بِالغَوايَةِ، وفِيهِ دَقِيقَةٌ أُخْرى، كَأنَّهم قالُوا: إنِ اعْتَقَدْتُمْ أنَّ غَوايَتَكم بِسَبَبِ إغْوائِنا فَغَوايَتُنا إنْ كانَتْ بِسَبَبِ إغْواءِ غاوٍ آخَرَ ولَزِمَ التَّسَلْسُلُ وذَلِكَ مُحالٌ، فَعَلِمْنا أنَّ حُصُولَ الغَوايَةِ والرَّشادِ لَيْسَ مِن قِبَلِنا، بَلْ مِن قِبَلِ غَيْرِنا، وذَلِكَ الغَيْرُ هو الَّذِي ذَكَرَهُ فِيما قَبْلُ، وهو قَوْلُهُ: ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا﴾ ولَمّا حَكى اللَّهُ تَعالى كَلامَ الأتْباعِ لِلرُّؤَساءِ وكَلامَ الرُّؤَساءِ لِلْأتْباعِ قالَ بَعْدَهُ: ﴿فَإنَّهم يَوْمَئِذٍ في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ يَعْنِي فالمَتْبُوعُ والتّابِعُ والمَخْدُومُ والخادِمُ مُشْتَرِكُونَ في الوُقُوعِ في العَذابِ كَما كانُوا في الدُّنْيا مُشْتَرِكِينَ في الغَوايَةِ، ثُمَّ قالَ أيْضًا: ﴿إنّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ وعَنى بِالمُجْرِمِينَ هَهُنا الكُفّارَ، بِدَلِيلِ أنَّهُ تَعالى قالَ بَعْدَ هَذِهِ الكَلِمَةِ: ﴿إنَّهم كانُوا إذا قِيلَ لَهم لا إلَهَ إلّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُمْ﴾ عائِدٌ إلى المَذْكُورِ السّابِقِ وهو قَوْلُهُ: ﴿بِالمُجْرِمِينَ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ لَفْظَ المُجْرِمِ المُطْلَقَ مُخْتَصٌّ في القُرْآنِ بِالكافِرِ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّهم إنَّما وقَعُوا في ذَلِكَ العَذابِ؛ لِأنَّهم كانُوا مُكَذِّبِينَ بِالتَّوْحِيدِ وبِالنُّبُوَّةِ، أمّا التَّكْذِيبُ بِالتَّوْحِيدِ فَهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهم كانُوا إذا قِيلَ لَهم لا إلَهَ إلّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ يَعْنِي يُنْكِرُونَ ويَتَعَصَّبُونَ لِإثْباتِ الشِّرْكِ ويَسْتَنْكِفُونَ عَنِ الإقْرارِ بِالتَّوْحِيدِ.
وأمّا التَّكْذِيبُ بِالنُّبُوَّةِ فَهو قَوْلُهم: ﴿أئِنّا لَتارِكُو آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ ويَعْنُونَ مُحَمَّدًا، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى كَذَّبَهم في ذَلِكَ الكَلامِ فَقالَ: ﴿بَلْ جاءَ بِالحَقِّ وصَدَّقَ المُرْسَلِينَ﴾ وتَقْرِيرُ هَذا الكَلامِ أنَّهُ جاءَ بِالدِّينِ الحَقِّ؛ لِأنَّهُ ثَبَتَ بِالعَقْلِ أنَّهُ تَعالى مُنَزَّهٌ عَنِ الضِّدِّ والنِّدِّ والشَّرِيكِ، فَلَمّا جاءَ مُحَمَّدٌ ﷺ بِتَقْرِيرِ هَذِهِ المَعانِي كانَ مَجِيئُهُ بِالدِّينِ الحَقِّ، قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: ”أيْنا لَتارِكُوا آلِهَتَنا“ بِهَمْزَةٍ وياءٍ بَعْدَها خَفِيفَةٍ ساكِنَةٍ بِلا مَدٍّ، وقَرَأ نافِعٌ في رِوايَةِ قالُونَ وأبِي عَمْرٍو عَلى هَذا التَّفْسِيرِ يَمُدّانِ والباقُونَ بِهَمْزَتَيْنِ بِلا مَدٍّ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وصَدَّقَ المُرْسَلِينَ﴾ يَعْنِي صَدَّقَهم في مَجِيئِهِمْ بِالتَّوْحِيدِ ونَفْيِ الشَّرِيكِ، وهَذا تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ القَوْلَ بِالتَّوْحِيدِ دِينٌ لِكُلِّ الأنْبِياءِ، ولَمّا حَكى اللَّهُ عَنْهم تَكْذِيبَهم بِالتَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ نَقَلَ الكَلامَ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الحُضُورِ فَقالَ: ﴿إنَّكم لَذائِقُو العَذابِ الألِيمِ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: فَكَيْفَ يَلِيقُ بِالرَّحِيمِ الكَرِيمِ المُتَعالِي عَنِ النَّفْعِ والضُّرِّ أنْ يُعَذِّبَ عِبادَهُ فَأجابَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وما تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ والمَعْنى أنَّ الحُكْمَ يَقْتَضِي الأمْرَ بِالحَسَنِ والطّاعَةِ والنَّهْيَ عَنِ القَبِيحِ والمَعْصِيَةِ، والأمْرُ والنَّهْيُ لا يَكْمُلُ المَقْصُودُ مِنهُما إلّا بِالتَّرْغِيبِ في الثَّوابِ والتَّرْهِيبِ بِالعِقابِ، وإذا وقَعَ الإخْبارُ عَنْهُ وجَبَ تَحْقِيقُهُ صَوْنًا لِلْكَلامِ عَنِ الكَذِبِ، فَلِهَذا السَّبَبِ وقَعُوا في العَذابِ ثُمَّ قالَ: ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ يَعْنِي ولَكِنَّ عِبادَ اللَّهِ [ المُخْلَصِينَ ناجُونَ وهو ] مِنَ الِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ.
الصافات 37:40
صفحة ١١٧
﴿فَإنَّهم يَوْمَئِذٍ في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ ﴿إنَّهم كانُوا إذا قِيلَ لَهم لا إلَهَ إلّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ ﴿ويَقُولُونَ أئِنّا لَتارِكُو آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ ﴿بَلْ جاءَ بِالحَقِّ وصَدَّقَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إنَّكم لَذائِقُو العَذابِ الألِيمِ﴾ ﴿وما تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا إنَّكم كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ اليَمِينِ﴾ ﴿قالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وما كانَ لَنا عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طاغِينَ﴾ ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إنّا لَذائِقُونَ﴾ ﴿فَأغْوَيْناكم إنّا كُنّا غاوِينَ﴾ ﴿فَإنَّهم يَوْمَئِذٍ في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ ﴿إنَّهم كانُوا إذا قِيلَ لَهم لا إلَهَ إلّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ ﴿ويَقُولُونَ أئِنّا لَتارِكُو آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ ﴿بَلْ جاءَ بِالحَقِّ وصَدَّقَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إنَّكم لَذائِقُو العَذابِ الألِيمِ﴾ ﴿وما تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ .
واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا حَكى عَنْهم أنَّهُ أقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ شَرَحَ كَيْفِيَّةَ ذَلِكَ التَّساؤُلِ فَقالُوا: ﴿إنَّكم كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ اليَمِينِ﴾ وهَذا قَوْلُ الأتْباعِ لِمَن دَعاهم إلى الضَّلالَةِ، وفي تَفْسِيرِ اليَمِينِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ لَفْظَ اليَمِينِ هَهُنا اسْتِعارَةٌ عَنِ الخَيْراتِ والسَّعاداتِ، وبَيانُ كَيْفِيَّةِ هَذِهِ الِاسْتِعارَةِ، أنَّ الجانِبَ الأيْمَنَ أفْضَلُ مِنَ الجانِبِ الأيْسَرِ لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: اتِّفاقُ الكُلِّ عَلى أنَّ أشْرَفَ الجانِبَيْنِ هو اليَمِينُ.
والثّانِي: لا يُباشِرُونَ الأعْمالَ الشَّرِيفَةَ إلّا بِاليَمِينِ مِثْلَ مُصافَحَةِ الأخْيارِ والأكْلِ والشُّرْبِ وما عَلى العَكْسِ مِنهُ يُباشِرُونَهُ بِاليَدِ اليُسْرى.
الثّالِثُ: أنَّهم كانُوا يَتَفاءَلُونَ وكانُوا يَتَيَمَّنُونَ بِالجانِبِ الأيْمَنِ ويُسَمُّونَهُ بِالبارِحِ.
الرّابِعُ: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يُحِبُّ التَّيامُنَ في كُلِّ شَيْءٍ.
الخامِسُ: أنَّ الشَّرِيعَةَ حَكَمَتْ بِأنَّ الجانِبَ الأيْمَنَ لِكاتِبِ الحَسَناتِ والأيْسَرَ لِكاتِبِ السَّيِّئاتِ.
السّادِسُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى وعَدَ المُحْسِنَ أنْ يُؤْتى كِتابَهُ بِيَمِينِهِ، والمُسِيءَ أنْ يُؤْتى كِتابَهُ بِيَسارِهِ، فَثَبَتَ أنَّ الجانِبَ الأيْمَنَ أفْضَلُ مِنَ الجانِبِ الأيْسَرِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ لا جَرَمَ، اسْتُعِيرَ لَفْظُ اليَمِينِ لِلْخَيْراتِ والحَسَناتِ والطّاعاتِ، فَقَوْلُهُ: ﴿إنَّكم كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ اليَمِينِ﴾ يَعْنِي أنَّكم كُنْتُمْ تَخْدَعُونَنا وتُوهِمُونَ لَنا أنَّ مَقْصُودَكم مِنَ الدَّعْوَةِ إلى تِلْكَ الأدْيانِ نُصْرَةُ الحَقِّ وتَقْوِيَةُ الصِّدْقِ.
والوَجْهُ الثّانِي: في التَّأْوِيلِ أنَّهُ يُقالُ: فُلانٌ يَمِينُ فُلانٍ، إذا كانَ عِنْدَهُ بِالمَنزِلَةِ الحَسَنَةِ، فَقالَ هَؤُلاءِ الكُفّارُ لِأئِمَّتِهِمُ الَّذِينَ أضَلُّوهم وزَيَّنُوا لَهُمُ الكُفْرَ: إنَّكم كُنْتُمْ تَخْدَعُونَنا وتُوهِمُونَ لَنا، أنَّنا عِنْدَكم بِمَنزِلَةِ اليَمِينِ، أيْ بِالمَنزِلَةِ الحَسَنَةِ، فَوَثِقْنا بِكم وقَبِلْنا عَنْكم.
الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّ أئِمَّةَ الكُفّارِ كانُوا قَدْ حَلَفُوا لِهَؤُلاءِ المُسْتَضْعَفِينَ أنَّ ما يَدْعُونَهم إلَيْهِ هو الحَقُّ، فَوَثِقُوا بِأيْمانِهِمْ وتَمَسَّكُوا بِعُهُودِهِمُ الَّتِي عَهِدُوها لَهم، فَمَعْنى قَوْلِهِ: ﴿كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ اليَمِينِ﴾ أيْ مِن ناحِيَةِ المَواثِيقِ والأيْمانِ الَّتِي قَدَّمْتُمُوها لَنا.
الوَجْهُ الرّابِعُ: أنَّ لَفْظَ اليَمِينِ مُسْتَعارٌ مِنَ القُوَّةِ والقَهْرِ؛ لِأنَّ اليَمِينَ مَوْصُوفَةٌ بِالقَهْرِ وبِها يَقَعُ البَطْشُ، والمَعْنى أنَّكم كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ القُوَّةِ والقَهْرِ، وتَقْصِدُونَنا عَنِ السُّلْطانِ والغَلَبَةِ حَتّى تَحْمِلُونا عَلى الضَّلالِ وتُعَيِّرُونا عَلَيْهِ، ثُمَّ حَكى اللَّهُ تَعالى عَنِ الرُّؤَساءِ أنَّهم أجابُوا الأتْباعَ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهم قالُوا لَهم ﴿بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ يَعْنِي أنَّكم ما كُنْتُمْ مَوْصُوفِينَ بِالإيمانِ حَتّى يُقالَ إنّا أزَلْناكم عَنْهُ.
الثّانِي: قَوْلُهم: ﴿وما كانَ لَنا عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ﴾ يَعْنِي لا قُدْرَةَ لَنا عَلَيْكم حَتّى نَقْهَرَكم ونُجْبِرَكم.
الثّالِثُ: ﴿بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طاغِينَ﴾ أيْ: ضالِّينَ غالِّينَ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ.
الرّابِعُ: قَوْلُهم: ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إنّا لَذائِقُونَ﴾
صفحة ١١٨
والمَعْنى أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا أخْبَرَ عَنْ وُقُوعِنا في العَذابِ، فَلَوْ لَمْ يَحْصُلْ وُقُوعُنا في العَذابِ لَما كانَ خَبَرُ اللَّهِ حَقًّا، بَلْ كانَ باطِلًا، ولَمّا كانَ خَبَرُ اللَّهِ أمْرًا واجِبًا لا جَرَمَ كانَ الوُقُوعُ في العَذابِ الألِيمِ لازِمًا، قالَ مُقاتِلٌ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا﴾ إشارَةٌ إلى قَوْلِ اللَّهِ لِإبْلِيسَ: ﴿لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ ومِمَّنْ تَبِعَكَ مِنهم أجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٥] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا لَذائِقُونَ﴾ يَعْنِي لَمّا وجَبَ أنْ يَحِقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا وجَبَ أنْ نَكُونَ ذائِقِينَ لِهَذا العَذابِ.
الخامِسُ: قَوْلُهم: ﴿فَأغْوَيْناكم إنّا كُنّا غاوِينَ﴾ والمَعْنى أنّا إنَّما أقْدَمْنا عَلى إغْوائِكم لِأنّا كُنّا مَوْصُوفِينَ في أنْفُسِنا بِالغَوايَةِ، وفِيهِ دَقِيقَةٌ أُخْرى، كَأنَّهم قالُوا: إنِ اعْتَقَدْتُمْ أنَّ غَوايَتَكم بِسَبَبِ إغْوائِنا فَغَوايَتُنا إنْ كانَتْ بِسَبَبِ إغْواءِ غاوٍ آخَرَ ولَزِمَ التَّسَلْسُلُ وذَلِكَ مُحالٌ، فَعَلِمْنا أنَّ حُصُولَ الغَوايَةِ والرَّشادِ لَيْسَ مِن قِبَلِنا، بَلْ مِن قِبَلِ غَيْرِنا، وذَلِكَ الغَيْرُ هو الَّذِي ذَكَرَهُ فِيما قَبْلُ، وهو قَوْلُهُ: ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا﴾ ولَمّا حَكى اللَّهُ تَعالى كَلامَ الأتْباعِ لِلرُّؤَساءِ وكَلامَ الرُّؤَساءِ لِلْأتْباعِ قالَ بَعْدَهُ: ﴿فَإنَّهم يَوْمَئِذٍ في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ يَعْنِي فالمَتْبُوعُ والتّابِعُ والمَخْدُومُ والخادِمُ مُشْتَرِكُونَ في الوُقُوعِ في العَذابِ كَما كانُوا في الدُّنْيا مُشْتَرِكِينَ في الغَوايَةِ، ثُمَّ قالَ أيْضًا: ﴿إنّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ وعَنى بِالمُجْرِمِينَ هَهُنا الكُفّارَ، بِدَلِيلِ أنَّهُ تَعالى قالَ بَعْدَ هَذِهِ الكَلِمَةِ: ﴿إنَّهم كانُوا إذا قِيلَ لَهم لا إلَهَ إلّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُمْ﴾ عائِدٌ إلى المَذْكُورِ السّابِقِ وهو قَوْلُهُ: ﴿بِالمُجْرِمِينَ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ لَفْظَ المُجْرِمِ المُطْلَقَ مُخْتَصٌّ في القُرْآنِ بِالكافِرِ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّهم إنَّما وقَعُوا في ذَلِكَ العَذابِ؛ لِأنَّهم كانُوا مُكَذِّبِينَ بِالتَّوْحِيدِ وبِالنُّبُوَّةِ، أمّا التَّكْذِيبُ بِالتَّوْحِيدِ فَهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهم كانُوا إذا قِيلَ لَهم لا إلَهَ إلّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ يَعْنِي يُنْكِرُونَ ويَتَعَصَّبُونَ لِإثْباتِ الشِّرْكِ ويَسْتَنْكِفُونَ عَنِ الإقْرارِ بِالتَّوْحِيدِ.
وأمّا التَّكْذِيبُ بِالنُّبُوَّةِ فَهو قَوْلُهم: ﴿أئِنّا لَتارِكُو آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ ويَعْنُونَ مُحَمَّدًا، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى كَذَّبَهم في ذَلِكَ الكَلامِ فَقالَ: ﴿بَلْ جاءَ بِالحَقِّ وصَدَّقَ المُرْسَلِينَ﴾ وتَقْرِيرُ هَذا الكَلامِ أنَّهُ جاءَ بِالدِّينِ الحَقِّ؛ لِأنَّهُ ثَبَتَ بِالعَقْلِ أنَّهُ تَعالى مُنَزَّهٌ عَنِ الضِّدِّ والنِّدِّ والشَّرِيكِ، فَلَمّا جاءَ مُحَمَّدٌ ﷺ بِتَقْرِيرِ هَذِهِ المَعانِي كانَ مَجِيئُهُ بِالدِّينِ الحَقِّ، قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: ”أيْنا لَتارِكُوا آلِهَتَنا“ بِهَمْزَةٍ وياءٍ بَعْدَها خَفِيفَةٍ ساكِنَةٍ بِلا مَدٍّ، وقَرَأ نافِعٌ في رِوايَةِ قالُونَ وأبِي عَمْرٍو عَلى هَذا التَّفْسِيرِ يَمُدّانِ والباقُونَ بِهَمْزَتَيْنِ بِلا مَدٍّ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وصَدَّقَ المُرْسَلِينَ﴾ يَعْنِي صَدَّقَهم في مَجِيئِهِمْ بِالتَّوْحِيدِ ونَفْيِ الشَّرِيكِ، وهَذا تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ القَوْلَ بِالتَّوْحِيدِ دِينٌ لِكُلِّ الأنْبِياءِ، ولَمّا حَكى اللَّهُ عَنْهم تَكْذِيبَهم بِالتَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ نَقَلَ الكَلامَ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الحُضُورِ فَقالَ: ﴿إنَّكم لَذائِقُو العَذابِ الألِيمِ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: فَكَيْفَ يَلِيقُ بِالرَّحِيمِ الكَرِيمِ المُتَعالِي عَنِ النَّفْعِ والضُّرِّ أنْ يُعَذِّبَ عِبادَهُ فَأجابَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وما تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ والمَعْنى أنَّ الحُكْمَ يَقْتَضِي الأمْرَ بِالحَسَنِ والطّاعَةِ والنَّهْيَ عَنِ القَبِيحِ والمَعْصِيَةِ، والأمْرُ والنَّهْيُ لا يَكْمُلُ المَقْصُودُ مِنهُما إلّا بِالتَّرْغِيبِ في الثَّوابِ والتَّرْهِيبِ بِالعِقابِ، وإذا وقَعَ الإخْبارُ عَنْهُ وجَبَ تَحْقِيقُهُ صَوْنًا لِلْكَلامِ عَنِ الكَذِبِ، فَلِهَذا السَّبَبِ وقَعُوا في العَذابِ ثُمَّ قالَ: ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ يَعْنِي ولَكِنَّ عِبادَ اللَّهِ [ المُخْلَصِينَ ناجُونَ وهو ] مِنَ الِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ.
الصافات 37:41
صفحة ١١٧
﴿فَإنَّهم يَوْمَئِذٍ في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ ﴿إنَّهم كانُوا إذا قِيلَ لَهم لا إلَهَ إلّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ ﴿ويَقُولُونَ أئِنّا لَتارِكُو آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ ﴿بَلْ جاءَ بِالحَقِّ وصَدَّقَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إنَّكم لَذائِقُو العَذابِ الألِيمِ﴾ ﴿وما تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا إنَّكم كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ اليَمِينِ﴾ ﴿قالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وما كانَ لَنا عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طاغِينَ﴾ ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إنّا لَذائِقُونَ﴾ ﴿فَأغْوَيْناكم إنّا كُنّا غاوِينَ﴾ ﴿فَإنَّهم يَوْمَئِذٍ في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ ﴿إنَّهم كانُوا إذا قِيلَ لَهم لا إلَهَ إلّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ ﴿ويَقُولُونَ أئِنّا لَتارِكُو آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ ﴿بَلْ جاءَ بِالحَقِّ وصَدَّقَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إنَّكم لَذائِقُو العَذابِ الألِيمِ﴾ ﴿وما تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ .
واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا حَكى عَنْهم أنَّهُ أقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ شَرَحَ كَيْفِيَّةَ ذَلِكَ التَّساؤُلِ فَقالُوا: ﴿إنَّكم كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ اليَمِينِ﴾ وهَذا قَوْلُ الأتْباعِ لِمَن دَعاهم إلى الضَّلالَةِ، وفي تَفْسِيرِ اليَمِينِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ لَفْظَ اليَمِينِ هَهُنا اسْتِعارَةٌ عَنِ الخَيْراتِ والسَّعاداتِ، وبَيانُ كَيْفِيَّةِ هَذِهِ الِاسْتِعارَةِ، أنَّ الجانِبَ الأيْمَنَ أفْضَلُ مِنَ الجانِبِ الأيْسَرِ لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: اتِّفاقُ الكُلِّ عَلى أنَّ أشْرَفَ الجانِبَيْنِ هو اليَمِينُ.
والثّانِي: لا يُباشِرُونَ الأعْمالَ الشَّرِيفَةَ إلّا بِاليَمِينِ مِثْلَ مُصافَحَةِ الأخْيارِ والأكْلِ والشُّرْبِ وما عَلى العَكْسِ مِنهُ يُباشِرُونَهُ بِاليَدِ اليُسْرى.
الثّالِثُ: أنَّهم كانُوا يَتَفاءَلُونَ وكانُوا يَتَيَمَّنُونَ بِالجانِبِ الأيْمَنِ ويُسَمُّونَهُ بِالبارِحِ.
الرّابِعُ: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يُحِبُّ التَّيامُنَ في كُلِّ شَيْءٍ.
الخامِسُ: أنَّ الشَّرِيعَةَ حَكَمَتْ بِأنَّ الجانِبَ الأيْمَنَ لِكاتِبِ الحَسَناتِ والأيْسَرَ لِكاتِبِ السَّيِّئاتِ.
السّادِسُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى وعَدَ المُحْسِنَ أنْ يُؤْتى كِتابَهُ بِيَمِينِهِ، والمُسِيءَ أنْ يُؤْتى كِتابَهُ بِيَسارِهِ، فَثَبَتَ أنَّ الجانِبَ الأيْمَنَ أفْضَلُ مِنَ الجانِبِ الأيْسَرِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ لا جَرَمَ، اسْتُعِيرَ لَفْظُ اليَمِينِ لِلْخَيْراتِ والحَسَناتِ والطّاعاتِ، فَقَوْلُهُ: ﴿إنَّكم كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ اليَمِينِ﴾ يَعْنِي أنَّكم كُنْتُمْ تَخْدَعُونَنا وتُوهِمُونَ لَنا أنَّ مَقْصُودَكم مِنَ الدَّعْوَةِ إلى تِلْكَ الأدْيانِ نُصْرَةُ الحَقِّ وتَقْوِيَةُ الصِّدْقِ.
والوَجْهُ الثّانِي: في التَّأْوِيلِ أنَّهُ يُقالُ: فُلانٌ يَمِينُ فُلانٍ، إذا كانَ عِنْدَهُ بِالمَنزِلَةِ الحَسَنَةِ، فَقالَ هَؤُلاءِ الكُفّارُ لِأئِمَّتِهِمُ الَّذِينَ أضَلُّوهم وزَيَّنُوا لَهُمُ الكُفْرَ: إنَّكم كُنْتُمْ تَخْدَعُونَنا وتُوهِمُونَ لَنا، أنَّنا عِنْدَكم بِمَنزِلَةِ اليَمِينِ، أيْ بِالمَنزِلَةِ الحَسَنَةِ، فَوَثِقْنا بِكم وقَبِلْنا عَنْكم.
الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّ أئِمَّةَ الكُفّارِ كانُوا قَدْ حَلَفُوا لِهَؤُلاءِ المُسْتَضْعَفِينَ أنَّ ما يَدْعُونَهم إلَيْهِ هو الحَقُّ، فَوَثِقُوا بِأيْمانِهِمْ وتَمَسَّكُوا بِعُهُودِهِمُ الَّتِي عَهِدُوها لَهم، فَمَعْنى قَوْلِهِ: ﴿كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ اليَمِينِ﴾ أيْ مِن ناحِيَةِ المَواثِيقِ والأيْمانِ الَّتِي قَدَّمْتُمُوها لَنا.
الوَجْهُ الرّابِعُ: أنَّ لَفْظَ اليَمِينِ مُسْتَعارٌ مِنَ القُوَّةِ والقَهْرِ؛ لِأنَّ اليَمِينَ مَوْصُوفَةٌ بِالقَهْرِ وبِها يَقَعُ البَطْشُ، والمَعْنى أنَّكم كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ القُوَّةِ والقَهْرِ، وتَقْصِدُونَنا عَنِ السُّلْطانِ والغَلَبَةِ حَتّى تَحْمِلُونا عَلى الضَّلالِ وتُعَيِّرُونا عَلَيْهِ، ثُمَّ حَكى اللَّهُ تَعالى عَنِ الرُّؤَساءِ أنَّهم أجابُوا الأتْباعَ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهم قالُوا لَهم ﴿بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ يَعْنِي أنَّكم ما كُنْتُمْ مَوْصُوفِينَ بِالإيمانِ حَتّى يُقالَ إنّا أزَلْناكم عَنْهُ.
الثّانِي: قَوْلُهم: ﴿وما كانَ لَنا عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ﴾ يَعْنِي لا قُدْرَةَ لَنا عَلَيْكم حَتّى نَقْهَرَكم ونُجْبِرَكم.
الثّالِثُ: ﴿بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طاغِينَ﴾ أيْ: ضالِّينَ غالِّينَ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ.
الرّابِعُ: قَوْلُهم: ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إنّا لَذائِقُونَ﴾
صفحة ١١٨
والمَعْنى أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا أخْبَرَ عَنْ وُقُوعِنا في العَذابِ، فَلَوْ لَمْ يَحْصُلْ وُقُوعُنا في العَذابِ لَما كانَ خَبَرُ اللَّهِ حَقًّا، بَلْ كانَ باطِلًا، ولَمّا كانَ خَبَرُ اللَّهِ أمْرًا واجِبًا لا جَرَمَ كانَ الوُقُوعُ في العَذابِ الألِيمِ لازِمًا، قالَ مُقاتِلٌ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا﴾ إشارَةٌ إلى قَوْلِ اللَّهِ لِإبْلِيسَ: ﴿لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ ومِمَّنْ تَبِعَكَ مِنهم أجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٥] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا لَذائِقُونَ﴾ يَعْنِي لَمّا وجَبَ أنْ يَحِقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا وجَبَ أنْ نَكُونَ ذائِقِينَ لِهَذا العَذابِ.
الخامِسُ: قَوْلُهم: ﴿فَأغْوَيْناكم إنّا كُنّا غاوِينَ﴾ والمَعْنى أنّا إنَّما أقْدَمْنا عَلى إغْوائِكم لِأنّا كُنّا مَوْصُوفِينَ في أنْفُسِنا بِالغَوايَةِ، وفِيهِ دَقِيقَةٌ أُخْرى، كَأنَّهم قالُوا: إنِ اعْتَقَدْتُمْ أنَّ غَوايَتَكم بِسَبَبِ إغْوائِنا فَغَوايَتُنا إنْ كانَتْ بِسَبَبِ إغْواءِ غاوٍ آخَرَ ولَزِمَ التَّسَلْسُلُ وذَلِكَ مُحالٌ، فَعَلِمْنا أنَّ حُصُولَ الغَوايَةِ والرَّشادِ لَيْسَ مِن قِبَلِنا، بَلْ مِن قِبَلِ غَيْرِنا، وذَلِكَ الغَيْرُ هو الَّذِي ذَكَرَهُ فِيما قَبْلُ، وهو قَوْلُهُ: ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا﴾ ولَمّا حَكى اللَّهُ تَعالى كَلامَ الأتْباعِ لِلرُّؤَساءِ وكَلامَ الرُّؤَساءِ لِلْأتْباعِ قالَ بَعْدَهُ: ﴿فَإنَّهم يَوْمَئِذٍ في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ يَعْنِي فالمَتْبُوعُ والتّابِعُ والمَخْدُومُ والخادِمُ مُشْتَرِكُونَ في الوُقُوعِ في العَذابِ كَما كانُوا في الدُّنْيا مُشْتَرِكِينَ في الغَوايَةِ، ثُمَّ قالَ أيْضًا: ﴿إنّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ وعَنى بِالمُجْرِمِينَ هَهُنا الكُفّارَ، بِدَلِيلِ أنَّهُ تَعالى قالَ بَعْدَ هَذِهِ الكَلِمَةِ: ﴿إنَّهم كانُوا إذا قِيلَ لَهم لا إلَهَ إلّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُمْ﴾ عائِدٌ إلى المَذْكُورِ السّابِقِ وهو قَوْلُهُ: ﴿بِالمُجْرِمِينَ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ لَفْظَ المُجْرِمِ المُطْلَقَ مُخْتَصٌّ في القُرْآنِ بِالكافِرِ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّهم إنَّما وقَعُوا في ذَلِكَ العَذابِ؛ لِأنَّهم كانُوا مُكَذِّبِينَ بِالتَّوْحِيدِ وبِالنُّبُوَّةِ، أمّا التَّكْذِيبُ بِالتَّوْحِيدِ فَهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهم كانُوا إذا قِيلَ لَهم لا إلَهَ إلّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ يَعْنِي يُنْكِرُونَ ويَتَعَصَّبُونَ لِإثْباتِ الشِّرْكِ ويَسْتَنْكِفُونَ عَنِ الإقْرارِ بِالتَّوْحِيدِ.
وأمّا التَّكْذِيبُ بِالنُّبُوَّةِ فَهو قَوْلُهم: ﴿أئِنّا لَتارِكُو آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ ويَعْنُونَ مُحَمَّدًا، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى كَذَّبَهم في ذَلِكَ الكَلامِ فَقالَ: ﴿بَلْ جاءَ بِالحَقِّ وصَدَّقَ المُرْسَلِينَ﴾ وتَقْرِيرُ هَذا الكَلامِ أنَّهُ جاءَ بِالدِّينِ الحَقِّ؛ لِأنَّهُ ثَبَتَ بِالعَقْلِ أنَّهُ تَعالى مُنَزَّهٌ عَنِ الضِّدِّ والنِّدِّ والشَّرِيكِ، فَلَمّا جاءَ مُحَمَّدٌ ﷺ بِتَقْرِيرِ هَذِهِ المَعانِي كانَ مَجِيئُهُ بِالدِّينِ الحَقِّ، قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: ”أيْنا لَتارِكُوا آلِهَتَنا“ بِهَمْزَةٍ وياءٍ بَعْدَها خَفِيفَةٍ ساكِنَةٍ بِلا مَدٍّ، وقَرَأ نافِعٌ في رِوايَةِ قالُونَ وأبِي عَمْرٍو عَلى هَذا التَّفْسِيرِ يَمُدّانِ والباقُونَ بِهَمْزَتَيْنِ بِلا مَدٍّ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وصَدَّقَ المُرْسَلِينَ﴾ يَعْنِي صَدَّقَهم في مَجِيئِهِمْ بِالتَّوْحِيدِ ونَفْيِ الشَّرِيكِ، وهَذا تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ القَوْلَ بِالتَّوْحِيدِ دِينٌ لِكُلِّ الأنْبِياءِ، ولَمّا حَكى اللَّهُ عَنْهم تَكْذِيبَهم بِالتَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ نَقَلَ الكَلامَ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الحُضُورِ فَقالَ: ﴿إنَّكم لَذائِقُو العَذابِ الألِيمِ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: فَكَيْفَ يَلِيقُ بِالرَّحِيمِ الكَرِيمِ المُتَعالِي عَنِ النَّفْعِ والضُّرِّ أنْ يُعَذِّبَ عِبادَهُ فَأجابَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وما تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ والمَعْنى أنَّ الحُكْمَ يَقْتَضِي الأمْرَ بِالحَسَنِ والطّاعَةِ والنَّهْيَ عَنِ القَبِيحِ والمَعْصِيَةِ، والأمْرُ والنَّهْيُ لا يَكْمُلُ المَقْصُودُ مِنهُما إلّا بِالتَّرْغِيبِ في الثَّوابِ والتَّرْهِيبِ بِالعِقابِ، وإذا وقَعَ الإخْبارُ عَنْهُ وجَبَ تَحْقِيقُهُ صَوْنًا لِلْكَلامِ عَنِ الكَذِبِ، فَلِهَذا السَّبَبِ وقَعُوا في العَذابِ ثُمَّ قالَ: ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ يَعْنِي ولَكِنَّ عِبادَ اللَّهِ [ المُخْلَصِينَ ناجُونَ وهو ] مِنَ الِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ.
الصافات 37:42
صفحة ١١٧
﴿فَإنَّهم يَوْمَئِذٍ في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ ﴿إنَّهم كانُوا إذا قِيلَ لَهم لا إلَهَ إلّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ ﴿ويَقُولُونَ أئِنّا لَتارِكُو آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ ﴿بَلْ جاءَ بِالحَقِّ وصَدَّقَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إنَّكم لَذائِقُو العَذابِ الألِيمِ﴾ ﴿وما تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا إنَّكم كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ اليَمِينِ﴾ ﴿قالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وما كانَ لَنا عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طاغِينَ﴾ ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إنّا لَذائِقُونَ﴾ ﴿فَأغْوَيْناكم إنّا كُنّا غاوِينَ﴾ ﴿فَإنَّهم يَوْمَئِذٍ في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ ﴿إنَّهم كانُوا إذا قِيلَ لَهم لا إلَهَ إلّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ ﴿ويَقُولُونَ أئِنّا لَتارِكُو آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ ﴿بَلْ جاءَ بِالحَقِّ وصَدَّقَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إنَّكم لَذائِقُو العَذابِ الألِيمِ﴾ ﴿وما تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ .
واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا حَكى عَنْهم أنَّهُ أقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ شَرَحَ كَيْفِيَّةَ ذَلِكَ التَّساؤُلِ فَقالُوا: ﴿إنَّكم كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ اليَمِينِ﴾ وهَذا قَوْلُ الأتْباعِ لِمَن دَعاهم إلى الضَّلالَةِ، وفي تَفْسِيرِ اليَمِينِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ لَفْظَ اليَمِينِ هَهُنا اسْتِعارَةٌ عَنِ الخَيْراتِ والسَّعاداتِ، وبَيانُ كَيْفِيَّةِ هَذِهِ الِاسْتِعارَةِ، أنَّ الجانِبَ الأيْمَنَ أفْضَلُ مِنَ الجانِبِ الأيْسَرِ لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: اتِّفاقُ الكُلِّ عَلى أنَّ أشْرَفَ الجانِبَيْنِ هو اليَمِينُ.
والثّانِي: لا يُباشِرُونَ الأعْمالَ الشَّرِيفَةَ إلّا بِاليَمِينِ مِثْلَ مُصافَحَةِ الأخْيارِ والأكْلِ والشُّرْبِ وما عَلى العَكْسِ مِنهُ يُباشِرُونَهُ بِاليَدِ اليُسْرى.
الثّالِثُ: أنَّهم كانُوا يَتَفاءَلُونَ وكانُوا يَتَيَمَّنُونَ بِالجانِبِ الأيْمَنِ ويُسَمُّونَهُ بِالبارِحِ.
الرّابِعُ: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يُحِبُّ التَّيامُنَ في كُلِّ شَيْءٍ.
الخامِسُ: أنَّ الشَّرِيعَةَ حَكَمَتْ بِأنَّ الجانِبَ الأيْمَنَ لِكاتِبِ الحَسَناتِ والأيْسَرَ لِكاتِبِ السَّيِّئاتِ.
السّادِسُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى وعَدَ المُحْسِنَ أنْ يُؤْتى كِتابَهُ بِيَمِينِهِ، والمُسِيءَ أنْ يُؤْتى كِتابَهُ بِيَسارِهِ، فَثَبَتَ أنَّ الجانِبَ الأيْمَنَ أفْضَلُ مِنَ الجانِبِ الأيْسَرِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ لا جَرَمَ، اسْتُعِيرَ لَفْظُ اليَمِينِ لِلْخَيْراتِ والحَسَناتِ والطّاعاتِ، فَقَوْلُهُ: ﴿إنَّكم كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ اليَمِينِ﴾ يَعْنِي أنَّكم كُنْتُمْ تَخْدَعُونَنا وتُوهِمُونَ لَنا أنَّ مَقْصُودَكم مِنَ الدَّعْوَةِ إلى تِلْكَ الأدْيانِ نُصْرَةُ الحَقِّ وتَقْوِيَةُ الصِّدْقِ.
والوَجْهُ الثّانِي: في التَّأْوِيلِ أنَّهُ يُقالُ: فُلانٌ يَمِينُ فُلانٍ، إذا كانَ عِنْدَهُ بِالمَنزِلَةِ الحَسَنَةِ، فَقالَ هَؤُلاءِ الكُفّارُ لِأئِمَّتِهِمُ الَّذِينَ أضَلُّوهم وزَيَّنُوا لَهُمُ الكُفْرَ: إنَّكم كُنْتُمْ تَخْدَعُونَنا وتُوهِمُونَ لَنا، أنَّنا عِنْدَكم بِمَنزِلَةِ اليَمِينِ، أيْ بِالمَنزِلَةِ الحَسَنَةِ، فَوَثِقْنا بِكم وقَبِلْنا عَنْكم.
الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّ أئِمَّةَ الكُفّارِ كانُوا قَدْ حَلَفُوا لِهَؤُلاءِ المُسْتَضْعَفِينَ أنَّ ما يَدْعُونَهم إلَيْهِ هو الحَقُّ، فَوَثِقُوا بِأيْمانِهِمْ وتَمَسَّكُوا بِعُهُودِهِمُ الَّتِي عَهِدُوها لَهم، فَمَعْنى قَوْلِهِ: ﴿كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ اليَمِينِ﴾ أيْ مِن ناحِيَةِ المَواثِيقِ والأيْمانِ الَّتِي قَدَّمْتُمُوها لَنا.
الوَجْهُ الرّابِعُ: أنَّ لَفْظَ اليَمِينِ مُسْتَعارٌ مِنَ القُوَّةِ والقَهْرِ؛ لِأنَّ اليَمِينَ مَوْصُوفَةٌ بِالقَهْرِ وبِها يَقَعُ البَطْشُ، والمَعْنى أنَّكم كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ القُوَّةِ والقَهْرِ، وتَقْصِدُونَنا عَنِ السُّلْطانِ والغَلَبَةِ حَتّى تَحْمِلُونا عَلى الضَّلالِ وتُعَيِّرُونا عَلَيْهِ، ثُمَّ حَكى اللَّهُ تَعالى عَنِ الرُّؤَساءِ أنَّهم أجابُوا الأتْباعَ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهم قالُوا لَهم ﴿بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ يَعْنِي أنَّكم ما كُنْتُمْ مَوْصُوفِينَ بِالإيمانِ حَتّى يُقالَ إنّا أزَلْناكم عَنْهُ.
الثّانِي: قَوْلُهم: ﴿وما كانَ لَنا عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ﴾ يَعْنِي لا قُدْرَةَ لَنا عَلَيْكم حَتّى نَقْهَرَكم ونُجْبِرَكم.
الثّالِثُ: ﴿بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طاغِينَ﴾ أيْ: ضالِّينَ غالِّينَ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ.
الرّابِعُ: قَوْلُهم: ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إنّا لَذائِقُونَ﴾
صفحة ١١٨
والمَعْنى أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا أخْبَرَ عَنْ وُقُوعِنا في العَذابِ، فَلَوْ لَمْ يَحْصُلْ وُقُوعُنا في العَذابِ لَما كانَ خَبَرُ اللَّهِ حَقًّا، بَلْ كانَ باطِلًا، ولَمّا كانَ خَبَرُ اللَّهِ أمْرًا واجِبًا لا جَرَمَ كانَ الوُقُوعُ في العَذابِ الألِيمِ لازِمًا، قالَ مُقاتِلٌ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا﴾ إشارَةٌ إلى قَوْلِ اللَّهِ لِإبْلِيسَ: ﴿لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ ومِمَّنْ تَبِعَكَ مِنهم أجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٥] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا لَذائِقُونَ﴾ يَعْنِي لَمّا وجَبَ أنْ يَحِقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا وجَبَ أنْ نَكُونَ ذائِقِينَ لِهَذا العَذابِ.
الخامِسُ: قَوْلُهم: ﴿فَأغْوَيْناكم إنّا كُنّا غاوِينَ﴾ والمَعْنى أنّا إنَّما أقْدَمْنا عَلى إغْوائِكم لِأنّا كُنّا مَوْصُوفِينَ في أنْفُسِنا بِالغَوايَةِ، وفِيهِ دَقِيقَةٌ أُخْرى، كَأنَّهم قالُوا: إنِ اعْتَقَدْتُمْ أنَّ غَوايَتَكم بِسَبَبِ إغْوائِنا فَغَوايَتُنا إنْ كانَتْ بِسَبَبِ إغْواءِ غاوٍ آخَرَ ولَزِمَ التَّسَلْسُلُ وذَلِكَ مُحالٌ، فَعَلِمْنا أنَّ حُصُولَ الغَوايَةِ والرَّشادِ لَيْسَ مِن قِبَلِنا، بَلْ مِن قِبَلِ غَيْرِنا، وذَلِكَ الغَيْرُ هو الَّذِي ذَكَرَهُ فِيما قَبْلُ، وهو قَوْلُهُ: ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا﴾ ولَمّا حَكى اللَّهُ تَعالى كَلامَ الأتْباعِ لِلرُّؤَساءِ وكَلامَ الرُّؤَساءِ لِلْأتْباعِ قالَ بَعْدَهُ: ﴿فَإنَّهم يَوْمَئِذٍ في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ يَعْنِي فالمَتْبُوعُ والتّابِعُ والمَخْدُومُ والخادِمُ مُشْتَرِكُونَ في الوُقُوعِ في العَذابِ كَما كانُوا في الدُّنْيا مُشْتَرِكِينَ في الغَوايَةِ، ثُمَّ قالَ أيْضًا: ﴿إنّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ وعَنى بِالمُجْرِمِينَ هَهُنا الكُفّارَ، بِدَلِيلِ أنَّهُ تَعالى قالَ بَعْدَ هَذِهِ الكَلِمَةِ: ﴿إنَّهم كانُوا إذا قِيلَ لَهم لا إلَهَ إلّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُمْ﴾ عائِدٌ إلى المَذْكُورِ السّابِقِ وهو قَوْلُهُ: ﴿بِالمُجْرِمِينَ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ لَفْظَ المُجْرِمِ المُطْلَقَ مُخْتَصٌّ في القُرْآنِ بِالكافِرِ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّهم إنَّما وقَعُوا في ذَلِكَ العَذابِ؛ لِأنَّهم كانُوا مُكَذِّبِينَ بِالتَّوْحِيدِ وبِالنُّبُوَّةِ، أمّا التَّكْذِيبُ بِالتَّوْحِيدِ فَهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهم كانُوا إذا قِيلَ لَهم لا إلَهَ إلّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ يَعْنِي يُنْكِرُونَ ويَتَعَصَّبُونَ لِإثْباتِ الشِّرْكِ ويَسْتَنْكِفُونَ عَنِ الإقْرارِ بِالتَّوْحِيدِ.
وأمّا التَّكْذِيبُ بِالنُّبُوَّةِ فَهو قَوْلُهم: ﴿أئِنّا لَتارِكُو آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ ويَعْنُونَ مُحَمَّدًا، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى كَذَّبَهم في ذَلِكَ الكَلامِ فَقالَ: ﴿بَلْ جاءَ بِالحَقِّ وصَدَّقَ المُرْسَلِينَ﴾ وتَقْرِيرُ هَذا الكَلامِ أنَّهُ جاءَ بِالدِّينِ الحَقِّ؛ لِأنَّهُ ثَبَتَ بِالعَقْلِ أنَّهُ تَعالى مُنَزَّهٌ عَنِ الضِّدِّ والنِّدِّ والشَّرِيكِ، فَلَمّا جاءَ مُحَمَّدٌ ﷺ بِتَقْرِيرِ هَذِهِ المَعانِي كانَ مَجِيئُهُ بِالدِّينِ الحَقِّ، قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: ”أيْنا لَتارِكُوا آلِهَتَنا“ بِهَمْزَةٍ وياءٍ بَعْدَها خَفِيفَةٍ ساكِنَةٍ بِلا مَدٍّ، وقَرَأ نافِعٌ في رِوايَةِ قالُونَ وأبِي عَمْرٍو عَلى هَذا التَّفْسِيرِ يَمُدّانِ والباقُونَ بِهَمْزَتَيْنِ بِلا مَدٍّ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وصَدَّقَ المُرْسَلِينَ﴾ يَعْنِي صَدَّقَهم في مَجِيئِهِمْ بِالتَّوْحِيدِ ونَفْيِ الشَّرِيكِ، وهَذا تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ القَوْلَ بِالتَّوْحِيدِ دِينٌ لِكُلِّ الأنْبِياءِ، ولَمّا حَكى اللَّهُ عَنْهم تَكْذِيبَهم بِالتَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ نَقَلَ الكَلامَ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الحُضُورِ فَقالَ: ﴿إنَّكم لَذائِقُو العَذابِ الألِيمِ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: فَكَيْفَ يَلِيقُ بِالرَّحِيمِ الكَرِيمِ المُتَعالِي عَنِ النَّفْعِ والضُّرِّ أنْ يُعَذِّبَ عِبادَهُ فَأجابَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وما تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ والمَعْنى أنَّ الحُكْمَ يَقْتَضِي الأمْرَ بِالحَسَنِ والطّاعَةِ والنَّهْيَ عَنِ القَبِيحِ والمَعْصِيَةِ، والأمْرُ والنَّهْيُ لا يَكْمُلُ المَقْصُودُ مِنهُما إلّا بِالتَّرْغِيبِ في الثَّوابِ والتَّرْهِيبِ بِالعِقابِ، وإذا وقَعَ الإخْبارُ عَنْهُ وجَبَ تَحْقِيقُهُ صَوْنًا لِلْكَلامِ عَنِ الكَذِبِ، فَلِهَذا السَّبَبِ وقَعُوا في العَذابِ ثُمَّ قالَ: ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ يَعْنِي ولَكِنَّ عِبادَ اللَّهِ [ المُخْلَصِينَ ناجُونَ وهو ] مِنَ الِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ.
الصافات 37:43
صفحة ١١٧
﴿فَإنَّهم يَوْمَئِذٍ في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ ﴿إنَّهم كانُوا إذا قِيلَ لَهم لا إلَهَ إلّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ ﴿ويَقُولُونَ أئِنّا لَتارِكُو آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ ﴿بَلْ جاءَ بِالحَقِّ وصَدَّقَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إنَّكم لَذائِقُو العَذابِ الألِيمِ﴾ ﴿وما تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا إنَّكم كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ اليَمِينِ﴾ ﴿قالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وما كانَ لَنا عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طاغِينَ﴾ ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إنّا لَذائِقُونَ﴾ ﴿فَأغْوَيْناكم إنّا كُنّا غاوِينَ﴾ ﴿فَإنَّهم يَوْمَئِذٍ في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ ﴿إنَّهم كانُوا إذا قِيلَ لَهم لا إلَهَ إلّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ ﴿ويَقُولُونَ أئِنّا لَتارِكُو آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ ﴿بَلْ جاءَ بِالحَقِّ وصَدَّقَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إنَّكم لَذائِقُو العَذابِ الألِيمِ﴾ ﴿وما تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ .
واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا حَكى عَنْهم أنَّهُ أقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ شَرَحَ كَيْفِيَّةَ ذَلِكَ التَّساؤُلِ فَقالُوا: ﴿إنَّكم كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ اليَمِينِ﴾ وهَذا قَوْلُ الأتْباعِ لِمَن دَعاهم إلى الضَّلالَةِ، وفي تَفْسِيرِ اليَمِينِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ لَفْظَ اليَمِينِ هَهُنا اسْتِعارَةٌ عَنِ الخَيْراتِ والسَّعاداتِ، وبَيانُ كَيْفِيَّةِ هَذِهِ الِاسْتِعارَةِ، أنَّ الجانِبَ الأيْمَنَ أفْضَلُ مِنَ الجانِبِ الأيْسَرِ لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: اتِّفاقُ الكُلِّ عَلى أنَّ أشْرَفَ الجانِبَيْنِ هو اليَمِينُ.
والثّانِي: لا يُباشِرُونَ الأعْمالَ الشَّرِيفَةَ إلّا بِاليَمِينِ مِثْلَ مُصافَحَةِ الأخْيارِ والأكْلِ والشُّرْبِ وما عَلى العَكْسِ مِنهُ يُباشِرُونَهُ بِاليَدِ اليُسْرى.
الثّالِثُ: أنَّهم كانُوا يَتَفاءَلُونَ وكانُوا يَتَيَمَّنُونَ بِالجانِبِ الأيْمَنِ ويُسَمُّونَهُ بِالبارِحِ.
الرّابِعُ: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يُحِبُّ التَّيامُنَ في كُلِّ شَيْءٍ.
الخامِسُ: أنَّ الشَّرِيعَةَ حَكَمَتْ بِأنَّ الجانِبَ الأيْمَنَ لِكاتِبِ الحَسَناتِ والأيْسَرَ لِكاتِبِ السَّيِّئاتِ.
السّادِسُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى وعَدَ المُحْسِنَ أنْ يُؤْتى كِتابَهُ بِيَمِينِهِ، والمُسِيءَ أنْ يُؤْتى كِتابَهُ بِيَسارِهِ، فَثَبَتَ أنَّ الجانِبَ الأيْمَنَ أفْضَلُ مِنَ الجانِبِ الأيْسَرِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ لا جَرَمَ، اسْتُعِيرَ لَفْظُ اليَمِينِ لِلْخَيْراتِ والحَسَناتِ والطّاعاتِ، فَقَوْلُهُ: ﴿إنَّكم كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ اليَمِينِ﴾ يَعْنِي أنَّكم كُنْتُمْ تَخْدَعُونَنا وتُوهِمُونَ لَنا أنَّ مَقْصُودَكم مِنَ الدَّعْوَةِ إلى تِلْكَ الأدْيانِ نُصْرَةُ الحَقِّ وتَقْوِيَةُ الصِّدْقِ.
والوَجْهُ الثّانِي: في التَّأْوِيلِ أنَّهُ يُقالُ: فُلانٌ يَمِينُ فُلانٍ، إذا كانَ عِنْدَهُ بِالمَنزِلَةِ الحَسَنَةِ، فَقالَ هَؤُلاءِ الكُفّارُ لِأئِمَّتِهِمُ الَّذِينَ أضَلُّوهم وزَيَّنُوا لَهُمُ الكُفْرَ: إنَّكم كُنْتُمْ تَخْدَعُونَنا وتُوهِمُونَ لَنا، أنَّنا عِنْدَكم بِمَنزِلَةِ اليَمِينِ، أيْ بِالمَنزِلَةِ الحَسَنَةِ، فَوَثِقْنا بِكم وقَبِلْنا عَنْكم.
الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّ أئِمَّةَ الكُفّارِ كانُوا قَدْ حَلَفُوا لِهَؤُلاءِ المُسْتَضْعَفِينَ أنَّ ما يَدْعُونَهم إلَيْهِ هو الحَقُّ، فَوَثِقُوا بِأيْمانِهِمْ وتَمَسَّكُوا بِعُهُودِهِمُ الَّتِي عَهِدُوها لَهم، فَمَعْنى قَوْلِهِ: ﴿كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ اليَمِينِ﴾ أيْ مِن ناحِيَةِ المَواثِيقِ والأيْمانِ الَّتِي قَدَّمْتُمُوها لَنا.
الوَجْهُ الرّابِعُ: أنَّ لَفْظَ اليَمِينِ مُسْتَعارٌ مِنَ القُوَّةِ والقَهْرِ؛ لِأنَّ اليَمِينَ مَوْصُوفَةٌ بِالقَهْرِ وبِها يَقَعُ البَطْشُ، والمَعْنى أنَّكم كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ القُوَّةِ والقَهْرِ، وتَقْصِدُونَنا عَنِ السُّلْطانِ والغَلَبَةِ حَتّى تَحْمِلُونا عَلى الضَّلالِ وتُعَيِّرُونا عَلَيْهِ، ثُمَّ حَكى اللَّهُ تَعالى عَنِ الرُّؤَساءِ أنَّهم أجابُوا الأتْباعَ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهم قالُوا لَهم ﴿بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ يَعْنِي أنَّكم ما كُنْتُمْ مَوْصُوفِينَ بِالإيمانِ حَتّى يُقالَ إنّا أزَلْناكم عَنْهُ.
الثّانِي: قَوْلُهم: ﴿وما كانَ لَنا عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ﴾ يَعْنِي لا قُدْرَةَ لَنا عَلَيْكم حَتّى نَقْهَرَكم ونُجْبِرَكم.
الثّالِثُ: ﴿بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طاغِينَ﴾ أيْ: ضالِّينَ غالِّينَ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ.
الرّابِعُ: قَوْلُهم: ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إنّا لَذائِقُونَ﴾
صفحة ١١٨
والمَعْنى أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا أخْبَرَ عَنْ وُقُوعِنا في العَذابِ، فَلَوْ لَمْ يَحْصُلْ وُقُوعُنا في العَذابِ لَما كانَ خَبَرُ اللَّهِ حَقًّا، بَلْ كانَ باطِلًا، ولَمّا كانَ خَبَرُ اللَّهِ أمْرًا واجِبًا لا جَرَمَ كانَ الوُقُوعُ في العَذابِ الألِيمِ لازِمًا، قالَ مُقاتِلٌ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا﴾ إشارَةٌ إلى قَوْلِ اللَّهِ لِإبْلِيسَ: ﴿لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ ومِمَّنْ تَبِعَكَ مِنهم أجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٥] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا لَذائِقُونَ﴾ يَعْنِي لَمّا وجَبَ أنْ يَحِقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا وجَبَ أنْ نَكُونَ ذائِقِينَ لِهَذا العَذابِ.
الخامِسُ: قَوْلُهم: ﴿فَأغْوَيْناكم إنّا كُنّا غاوِينَ﴾ والمَعْنى أنّا إنَّما أقْدَمْنا عَلى إغْوائِكم لِأنّا كُنّا مَوْصُوفِينَ في أنْفُسِنا بِالغَوايَةِ، وفِيهِ دَقِيقَةٌ أُخْرى، كَأنَّهم قالُوا: إنِ اعْتَقَدْتُمْ أنَّ غَوايَتَكم بِسَبَبِ إغْوائِنا فَغَوايَتُنا إنْ كانَتْ بِسَبَبِ إغْواءِ غاوٍ آخَرَ ولَزِمَ التَّسَلْسُلُ وذَلِكَ مُحالٌ، فَعَلِمْنا أنَّ حُصُولَ الغَوايَةِ والرَّشادِ لَيْسَ مِن قِبَلِنا، بَلْ مِن قِبَلِ غَيْرِنا، وذَلِكَ الغَيْرُ هو الَّذِي ذَكَرَهُ فِيما قَبْلُ، وهو قَوْلُهُ: ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا﴾ ولَمّا حَكى اللَّهُ تَعالى كَلامَ الأتْباعِ لِلرُّؤَساءِ وكَلامَ الرُّؤَساءِ لِلْأتْباعِ قالَ بَعْدَهُ: ﴿فَإنَّهم يَوْمَئِذٍ في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ يَعْنِي فالمَتْبُوعُ والتّابِعُ والمَخْدُومُ والخادِمُ مُشْتَرِكُونَ في الوُقُوعِ في العَذابِ كَما كانُوا في الدُّنْيا مُشْتَرِكِينَ في الغَوايَةِ، ثُمَّ قالَ أيْضًا: ﴿إنّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ وعَنى بِالمُجْرِمِينَ هَهُنا الكُفّارَ، بِدَلِيلِ أنَّهُ تَعالى قالَ بَعْدَ هَذِهِ الكَلِمَةِ: ﴿إنَّهم كانُوا إذا قِيلَ لَهم لا إلَهَ إلّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُمْ﴾ عائِدٌ إلى المَذْكُورِ السّابِقِ وهو قَوْلُهُ: ﴿بِالمُجْرِمِينَ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ لَفْظَ المُجْرِمِ المُطْلَقَ مُخْتَصٌّ في القُرْآنِ بِالكافِرِ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّهم إنَّما وقَعُوا في ذَلِكَ العَذابِ؛ لِأنَّهم كانُوا مُكَذِّبِينَ بِالتَّوْحِيدِ وبِالنُّبُوَّةِ، أمّا التَّكْذِيبُ بِالتَّوْحِيدِ فَهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهم كانُوا إذا قِيلَ لَهم لا إلَهَ إلّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ يَعْنِي يُنْكِرُونَ ويَتَعَصَّبُونَ لِإثْباتِ الشِّرْكِ ويَسْتَنْكِفُونَ عَنِ الإقْرارِ بِالتَّوْحِيدِ.
وأمّا التَّكْذِيبُ بِالنُّبُوَّةِ فَهو قَوْلُهم: ﴿أئِنّا لَتارِكُو آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ ويَعْنُونَ مُحَمَّدًا، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى كَذَّبَهم في ذَلِكَ الكَلامِ فَقالَ: ﴿بَلْ جاءَ بِالحَقِّ وصَدَّقَ المُرْسَلِينَ﴾ وتَقْرِيرُ هَذا الكَلامِ أنَّهُ جاءَ بِالدِّينِ الحَقِّ؛ لِأنَّهُ ثَبَتَ بِالعَقْلِ أنَّهُ تَعالى مُنَزَّهٌ عَنِ الضِّدِّ والنِّدِّ والشَّرِيكِ، فَلَمّا جاءَ مُحَمَّدٌ ﷺ بِتَقْرِيرِ هَذِهِ المَعانِي كانَ مَجِيئُهُ بِالدِّينِ الحَقِّ، قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: ”أيْنا لَتارِكُوا آلِهَتَنا“ بِهَمْزَةٍ وياءٍ بَعْدَها خَفِيفَةٍ ساكِنَةٍ بِلا مَدٍّ، وقَرَأ نافِعٌ في رِوايَةِ قالُونَ وأبِي عَمْرٍو عَلى هَذا التَّفْسِيرِ يَمُدّانِ والباقُونَ بِهَمْزَتَيْنِ بِلا مَدٍّ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وصَدَّقَ المُرْسَلِينَ﴾ يَعْنِي صَدَّقَهم في مَجِيئِهِمْ بِالتَّوْحِيدِ ونَفْيِ الشَّرِيكِ، وهَذا تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ القَوْلَ بِالتَّوْحِيدِ دِينٌ لِكُلِّ الأنْبِياءِ، ولَمّا حَكى اللَّهُ عَنْهم تَكْذِيبَهم بِالتَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ نَقَلَ الكَلامَ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الحُضُورِ فَقالَ: ﴿إنَّكم لَذائِقُو العَذابِ الألِيمِ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: فَكَيْفَ يَلِيقُ بِالرَّحِيمِ الكَرِيمِ المُتَعالِي عَنِ النَّفْعِ والضُّرِّ أنْ يُعَذِّبَ عِبادَهُ فَأجابَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وما تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ والمَعْنى أنَّ الحُكْمَ يَقْتَضِي الأمْرَ بِالحَسَنِ والطّاعَةِ والنَّهْيَ عَنِ القَبِيحِ والمَعْصِيَةِ، والأمْرُ والنَّهْيُ لا يَكْمُلُ المَقْصُودُ مِنهُما إلّا بِالتَّرْغِيبِ في الثَّوابِ والتَّرْهِيبِ بِالعِقابِ، وإذا وقَعَ الإخْبارُ عَنْهُ وجَبَ تَحْقِيقُهُ صَوْنًا لِلْكَلامِ عَنِ الكَذِبِ، فَلِهَذا السَّبَبِ وقَعُوا في العَذابِ ثُمَّ قالَ: ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ يَعْنِي ولَكِنَّ عِبادَ اللَّهِ [ المُخْلَصِينَ ناجُونَ وهو ] مِنَ الِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ.
الصافات 37:44
صفحة ١١٧
﴿فَإنَّهم يَوْمَئِذٍ في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ ﴿إنَّهم كانُوا إذا قِيلَ لَهم لا إلَهَ إلّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ ﴿ويَقُولُونَ أئِنّا لَتارِكُو آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ ﴿بَلْ جاءَ بِالحَقِّ وصَدَّقَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إنَّكم لَذائِقُو العَذابِ الألِيمِ﴾ ﴿وما تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا إنَّكم كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ اليَمِينِ﴾ ﴿قالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وما كانَ لَنا عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طاغِينَ﴾ ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إنّا لَذائِقُونَ﴾ ﴿فَأغْوَيْناكم إنّا كُنّا غاوِينَ﴾ ﴿فَإنَّهم يَوْمَئِذٍ في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ ﴿إنَّهم كانُوا إذا قِيلَ لَهم لا إلَهَ إلّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ ﴿ويَقُولُونَ أئِنّا لَتارِكُو آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ ﴿بَلْ جاءَ بِالحَقِّ وصَدَّقَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إنَّكم لَذائِقُو العَذابِ الألِيمِ﴾ ﴿وما تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ .
واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا حَكى عَنْهم أنَّهُ أقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ شَرَحَ كَيْفِيَّةَ ذَلِكَ التَّساؤُلِ فَقالُوا: ﴿إنَّكم كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ اليَمِينِ﴾ وهَذا قَوْلُ الأتْباعِ لِمَن دَعاهم إلى الضَّلالَةِ، وفي تَفْسِيرِ اليَمِينِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ لَفْظَ اليَمِينِ هَهُنا اسْتِعارَةٌ عَنِ الخَيْراتِ والسَّعاداتِ، وبَيانُ كَيْفِيَّةِ هَذِهِ الِاسْتِعارَةِ، أنَّ الجانِبَ الأيْمَنَ أفْضَلُ مِنَ الجانِبِ الأيْسَرِ لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: اتِّفاقُ الكُلِّ عَلى أنَّ أشْرَفَ الجانِبَيْنِ هو اليَمِينُ.
والثّانِي: لا يُباشِرُونَ الأعْمالَ الشَّرِيفَةَ إلّا بِاليَمِينِ مِثْلَ مُصافَحَةِ الأخْيارِ والأكْلِ والشُّرْبِ وما عَلى العَكْسِ مِنهُ يُباشِرُونَهُ بِاليَدِ اليُسْرى.
الثّالِثُ: أنَّهم كانُوا يَتَفاءَلُونَ وكانُوا يَتَيَمَّنُونَ بِالجانِبِ الأيْمَنِ ويُسَمُّونَهُ بِالبارِحِ.
الرّابِعُ: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يُحِبُّ التَّيامُنَ في كُلِّ شَيْءٍ.
الخامِسُ: أنَّ الشَّرِيعَةَ حَكَمَتْ بِأنَّ الجانِبَ الأيْمَنَ لِكاتِبِ الحَسَناتِ والأيْسَرَ لِكاتِبِ السَّيِّئاتِ.
السّادِسُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى وعَدَ المُحْسِنَ أنْ يُؤْتى كِتابَهُ بِيَمِينِهِ، والمُسِيءَ أنْ يُؤْتى كِتابَهُ بِيَسارِهِ، فَثَبَتَ أنَّ الجانِبَ الأيْمَنَ أفْضَلُ مِنَ الجانِبِ الأيْسَرِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ لا جَرَمَ، اسْتُعِيرَ لَفْظُ اليَمِينِ لِلْخَيْراتِ والحَسَناتِ والطّاعاتِ، فَقَوْلُهُ: ﴿إنَّكم كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ اليَمِينِ﴾ يَعْنِي أنَّكم كُنْتُمْ تَخْدَعُونَنا وتُوهِمُونَ لَنا أنَّ مَقْصُودَكم مِنَ الدَّعْوَةِ إلى تِلْكَ الأدْيانِ نُصْرَةُ الحَقِّ وتَقْوِيَةُ الصِّدْقِ.
والوَجْهُ الثّانِي: في التَّأْوِيلِ أنَّهُ يُقالُ: فُلانٌ يَمِينُ فُلانٍ، إذا كانَ عِنْدَهُ بِالمَنزِلَةِ الحَسَنَةِ، فَقالَ هَؤُلاءِ الكُفّارُ لِأئِمَّتِهِمُ الَّذِينَ أضَلُّوهم وزَيَّنُوا لَهُمُ الكُفْرَ: إنَّكم كُنْتُمْ تَخْدَعُونَنا وتُوهِمُونَ لَنا، أنَّنا عِنْدَكم بِمَنزِلَةِ اليَمِينِ، أيْ بِالمَنزِلَةِ الحَسَنَةِ، فَوَثِقْنا بِكم وقَبِلْنا عَنْكم.
الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّ أئِمَّةَ الكُفّارِ كانُوا قَدْ حَلَفُوا لِهَؤُلاءِ المُسْتَضْعَفِينَ أنَّ ما يَدْعُونَهم إلَيْهِ هو الحَقُّ، فَوَثِقُوا بِأيْمانِهِمْ وتَمَسَّكُوا بِعُهُودِهِمُ الَّتِي عَهِدُوها لَهم، فَمَعْنى قَوْلِهِ: ﴿كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ اليَمِينِ﴾ أيْ مِن ناحِيَةِ المَواثِيقِ والأيْمانِ الَّتِي قَدَّمْتُمُوها لَنا.
الوَجْهُ الرّابِعُ: أنَّ لَفْظَ اليَمِينِ مُسْتَعارٌ مِنَ القُوَّةِ والقَهْرِ؛ لِأنَّ اليَمِينَ مَوْصُوفَةٌ بِالقَهْرِ وبِها يَقَعُ البَطْشُ، والمَعْنى أنَّكم كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ القُوَّةِ والقَهْرِ، وتَقْصِدُونَنا عَنِ السُّلْطانِ والغَلَبَةِ حَتّى تَحْمِلُونا عَلى الضَّلالِ وتُعَيِّرُونا عَلَيْهِ، ثُمَّ حَكى اللَّهُ تَعالى عَنِ الرُّؤَساءِ أنَّهم أجابُوا الأتْباعَ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهم قالُوا لَهم ﴿بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ يَعْنِي أنَّكم ما كُنْتُمْ مَوْصُوفِينَ بِالإيمانِ حَتّى يُقالَ إنّا أزَلْناكم عَنْهُ.
الثّانِي: قَوْلُهم: ﴿وما كانَ لَنا عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ﴾ يَعْنِي لا قُدْرَةَ لَنا عَلَيْكم حَتّى نَقْهَرَكم ونُجْبِرَكم.
الثّالِثُ: ﴿بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طاغِينَ﴾ أيْ: ضالِّينَ غالِّينَ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ.
الرّابِعُ: قَوْلُهم: ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إنّا لَذائِقُونَ﴾
صفحة ١١٨
والمَعْنى أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا أخْبَرَ عَنْ وُقُوعِنا في العَذابِ، فَلَوْ لَمْ يَحْصُلْ وُقُوعُنا في العَذابِ لَما كانَ خَبَرُ اللَّهِ حَقًّا، بَلْ كانَ باطِلًا، ولَمّا كانَ خَبَرُ اللَّهِ أمْرًا واجِبًا لا جَرَمَ كانَ الوُقُوعُ في العَذابِ الألِيمِ لازِمًا، قالَ مُقاتِلٌ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا﴾ إشارَةٌ إلى قَوْلِ اللَّهِ لِإبْلِيسَ: ﴿لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ ومِمَّنْ تَبِعَكَ مِنهم أجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٥] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا لَذائِقُونَ﴾ يَعْنِي لَمّا وجَبَ أنْ يَحِقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا وجَبَ أنْ نَكُونَ ذائِقِينَ لِهَذا العَذابِ.
الخامِسُ: قَوْلُهم: ﴿فَأغْوَيْناكم إنّا كُنّا غاوِينَ﴾ والمَعْنى أنّا إنَّما أقْدَمْنا عَلى إغْوائِكم لِأنّا كُنّا مَوْصُوفِينَ في أنْفُسِنا بِالغَوايَةِ، وفِيهِ دَقِيقَةٌ أُخْرى، كَأنَّهم قالُوا: إنِ اعْتَقَدْتُمْ أنَّ غَوايَتَكم بِسَبَبِ إغْوائِنا فَغَوايَتُنا إنْ كانَتْ بِسَبَبِ إغْواءِ غاوٍ آخَرَ ولَزِمَ التَّسَلْسُلُ وذَلِكَ مُحالٌ، فَعَلِمْنا أنَّ حُصُولَ الغَوايَةِ والرَّشادِ لَيْسَ مِن قِبَلِنا، بَلْ مِن قِبَلِ غَيْرِنا، وذَلِكَ الغَيْرُ هو الَّذِي ذَكَرَهُ فِيما قَبْلُ، وهو قَوْلُهُ: ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا﴾ ولَمّا حَكى اللَّهُ تَعالى كَلامَ الأتْباعِ لِلرُّؤَساءِ وكَلامَ الرُّؤَساءِ لِلْأتْباعِ قالَ بَعْدَهُ: ﴿فَإنَّهم يَوْمَئِذٍ في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ يَعْنِي فالمَتْبُوعُ والتّابِعُ والمَخْدُومُ والخادِمُ مُشْتَرِكُونَ في الوُقُوعِ في العَذابِ كَما كانُوا في الدُّنْيا مُشْتَرِكِينَ في الغَوايَةِ، ثُمَّ قالَ أيْضًا: ﴿إنّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ وعَنى بِالمُجْرِمِينَ هَهُنا الكُفّارَ، بِدَلِيلِ أنَّهُ تَعالى قالَ بَعْدَ هَذِهِ الكَلِمَةِ: ﴿إنَّهم كانُوا إذا قِيلَ لَهم لا إلَهَ إلّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُمْ﴾ عائِدٌ إلى المَذْكُورِ السّابِقِ وهو قَوْلُهُ: ﴿بِالمُجْرِمِينَ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ لَفْظَ المُجْرِمِ المُطْلَقَ مُخْتَصٌّ في القُرْآنِ بِالكافِرِ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّهم إنَّما وقَعُوا في ذَلِكَ العَذابِ؛ لِأنَّهم كانُوا مُكَذِّبِينَ بِالتَّوْحِيدِ وبِالنُّبُوَّةِ، أمّا التَّكْذِيبُ بِالتَّوْحِيدِ فَهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهم كانُوا إذا قِيلَ لَهم لا إلَهَ إلّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ يَعْنِي يُنْكِرُونَ ويَتَعَصَّبُونَ لِإثْباتِ الشِّرْكِ ويَسْتَنْكِفُونَ عَنِ الإقْرارِ بِالتَّوْحِيدِ.
وأمّا التَّكْذِيبُ بِالنُّبُوَّةِ فَهو قَوْلُهم: ﴿أئِنّا لَتارِكُو آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ ويَعْنُونَ مُحَمَّدًا، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى كَذَّبَهم في ذَلِكَ الكَلامِ فَقالَ: ﴿بَلْ جاءَ بِالحَقِّ وصَدَّقَ المُرْسَلِينَ﴾ وتَقْرِيرُ هَذا الكَلامِ أنَّهُ جاءَ بِالدِّينِ الحَقِّ؛ لِأنَّهُ ثَبَتَ بِالعَقْلِ أنَّهُ تَعالى مُنَزَّهٌ عَنِ الضِّدِّ والنِّدِّ والشَّرِيكِ، فَلَمّا جاءَ مُحَمَّدٌ ﷺ بِتَقْرِيرِ هَذِهِ المَعانِي كانَ مَجِيئُهُ بِالدِّينِ الحَقِّ، قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: ”أيْنا لَتارِكُوا آلِهَتَنا“ بِهَمْزَةٍ وياءٍ بَعْدَها خَفِيفَةٍ ساكِنَةٍ بِلا مَدٍّ، وقَرَأ نافِعٌ في رِوايَةِ قالُونَ وأبِي عَمْرٍو عَلى هَذا التَّفْسِيرِ يَمُدّانِ والباقُونَ بِهَمْزَتَيْنِ بِلا مَدٍّ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وصَدَّقَ المُرْسَلِينَ﴾ يَعْنِي صَدَّقَهم في مَجِيئِهِمْ بِالتَّوْحِيدِ ونَفْيِ الشَّرِيكِ، وهَذا تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ القَوْلَ بِالتَّوْحِيدِ دِينٌ لِكُلِّ الأنْبِياءِ، ولَمّا حَكى اللَّهُ عَنْهم تَكْذِيبَهم بِالتَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ نَقَلَ الكَلامَ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الحُضُورِ فَقالَ: ﴿إنَّكم لَذائِقُو العَذابِ الألِيمِ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: فَكَيْفَ يَلِيقُ بِالرَّحِيمِ الكَرِيمِ المُتَعالِي عَنِ النَّفْعِ والضُّرِّ أنْ يُعَذِّبَ عِبادَهُ فَأجابَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وما تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ والمَعْنى أنَّ الحُكْمَ يَقْتَضِي الأمْرَ بِالحَسَنِ والطّاعَةِ والنَّهْيَ عَنِ القَبِيحِ والمَعْصِيَةِ، والأمْرُ والنَّهْيُ لا يَكْمُلُ المَقْصُودُ مِنهُما إلّا بِالتَّرْغِيبِ في الثَّوابِ والتَّرْهِيبِ بِالعِقابِ، وإذا وقَعَ الإخْبارُ عَنْهُ وجَبَ تَحْقِيقُهُ صَوْنًا لِلْكَلامِ عَنِ الكَذِبِ، فَلِهَذا السَّبَبِ وقَعُوا في العَذابِ ثُمَّ قالَ: ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ يَعْنِي ولَكِنَّ عِبادَ اللَّهِ [ المُخْلَصِينَ ناجُونَ وهو ] مِنَ الِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ.
الصافات 37:45
صفحة ١١٧
﴿فَإنَّهم يَوْمَئِذٍ في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ ﴿إنَّهم كانُوا إذا قِيلَ لَهم لا إلَهَ إلّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ ﴿ويَقُولُونَ أئِنّا لَتارِكُو آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ ﴿بَلْ جاءَ بِالحَقِّ وصَدَّقَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إنَّكم لَذائِقُو العَذابِ الألِيمِ﴾ ﴿وما تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا إنَّكم كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ اليَمِينِ﴾ ﴿قالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وما كانَ لَنا عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طاغِينَ﴾ ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إنّا لَذائِقُونَ﴾ ﴿فَأغْوَيْناكم إنّا كُنّا غاوِينَ﴾ ﴿فَإنَّهم يَوْمَئِذٍ في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ ﴿إنَّهم كانُوا إذا قِيلَ لَهم لا إلَهَ إلّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ ﴿ويَقُولُونَ أئِنّا لَتارِكُو آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ ﴿بَلْ جاءَ بِالحَقِّ وصَدَّقَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إنَّكم لَذائِقُو العَذابِ الألِيمِ﴾ ﴿وما تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ .
واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا حَكى عَنْهم أنَّهُ أقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ شَرَحَ كَيْفِيَّةَ ذَلِكَ التَّساؤُلِ فَقالُوا: ﴿إنَّكم كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ اليَمِينِ﴾ وهَذا قَوْلُ الأتْباعِ لِمَن دَعاهم إلى الضَّلالَةِ، وفي تَفْسِيرِ اليَمِينِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ لَفْظَ اليَمِينِ هَهُنا اسْتِعارَةٌ عَنِ الخَيْراتِ والسَّعاداتِ، وبَيانُ كَيْفِيَّةِ هَذِهِ الِاسْتِعارَةِ، أنَّ الجانِبَ الأيْمَنَ أفْضَلُ مِنَ الجانِبِ الأيْسَرِ لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: اتِّفاقُ الكُلِّ عَلى أنَّ أشْرَفَ الجانِبَيْنِ هو اليَمِينُ.
والثّانِي: لا يُباشِرُونَ الأعْمالَ الشَّرِيفَةَ إلّا بِاليَمِينِ مِثْلَ مُصافَحَةِ الأخْيارِ والأكْلِ والشُّرْبِ وما عَلى العَكْسِ مِنهُ يُباشِرُونَهُ بِاليَدِ اليُسْرى.
الثّالِثُ: أنَّهم كانُوا يَتَفاءَلُونَ وكانُوا يَتَيَمَّنُونَ بِالجانِبِ الأيْمَنِ ويُسَمُّونَهُ بِالبارِحِ.
الرّابِعُ: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يُحِبُّ التَّيامُنَ في كُلِّ شَيْءٍ.
الخامِسُ: أنَّ الشَّرِيعَةَ حَكَمَتْ بِأنَّ الجانِبَ الأيْمَنَ لِكاتِبِ الحَسَناتِ والأيْسَرَ لِكاتِبِ السَّيِّئاتِ.
السّادِسُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى وعَدَ المُحْسِنَ أنْ يُؤْتى كِتابَهُ بِيَمِينِهِ، والمُسِيءَ أنْ يُؤْتى كِتابَهُ بِيَسارِهِ، فَثَبَتَ أنَّ الجانِبَ الأيْمَنَ أفْضَلُ مِنَ الجانِبِ الأيْسَرِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ لا جَرَمَ، اسْتُعِيرَ لَفْظُ اليَمِينِ لِلْخَيْراتِ والحَسَناتِ والطّاعاتِ، فَقَوْلُهُ: ﴿إنَّكم كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ اليَمِينِ﴾ يَعْنِي أنَّكم كُنْتُمْ تَخْدَعُونَنا وتُوهِمُونَ لَنا أنَّ مَقْصُودَكم مِنَ الدَّعْوَةِ إلى تِلْكَ الأدْيانِ نُصْرَةُ الحَقِّ وتَقْوِيَةُ الصِّدْقِ.
والوَجْهُ الثّانِي: في التَّأْوِيلِ أنَّهُ يُقالُ: فُلانٌ يَمِينُ فُلانٍ، إذا كانَ عِنْدَهُ بِالمَنزِلَةِ الحَسَنَةِ، فَقالَ هَؤُلاءِ الكُفّارُ لِأئِمَّتِهِمُ الَّذِينَ أضَلُّوهم وزَيَّنُوا لَهُمُ الكُفْرَ: إنَّكم كُنْتُمْ تَخْدَعُونَنا وتُوهِمُونَ لَنا، أنَّنا عِنْدَكم بِمَنزِلَةِ اليَمِينِ، أيْ بِالمَنزِلَةِ الحَسَنَةِ، فَوَثِقْنا بِكم وقَبِلْنا عَنْكم.
الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّ أئِمَّةَ الكُفّارِ كانُوا قَدْ حَلَفُوا لِهَؤُلاءِ المُسْتَضْعَفِينَ أنَّ ما يَدْعُونَهم إلَيْهِ هو الحَقُّ، فَوَثِقُوا بِأيْمانِهِمْ وتَمَسَّكُوا بِعُهُودِهِمُ الَّتِي عَهِدُوها لَهم، فَمَعْنى قَوْلِهِ: ﴿كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ اليَمِينِ﴾ أيْ مِن ناحِيَةِ المَواثِيقِ والأيْمانِ الَّتِي قَدَّمْتُمُوها لَنا.
الوَجْهُ الرّابِعُ: أنَّ لَفْظَ اليَمِينِ مُسْتَعارٌ مِنَ القُوَّةِ والقَهْرِ؛ لِأنَّ اليَمِينَ مَوْصُوفَةٌ بِالقَهْرِ وبِها يَقَعُ البَطْشُ، والمَعْنى أنَّكم كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ القُوَّةِ والقَهْرِ، وتَقْصِدُونَنا عَنِ السُّلْطانِ والغَلَبَةِ حَتّى تَحْمِلُونا عَلى الضَّلالِ وتُعَيِّرُونا عَلَيْهِ، ثُمَّ حَكى اللَّهُ تَعالى عَنِ الرُّؤَساءِ أنَّهم أجابُوا الأتْباعَ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهم قالُوا لَهم ﴿بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ يَعْنِي أنَّكم ما كُنْتُمْ مَوْصُوفِينَ بِالإيمانِ حَتّى يُقالَ إنّا أزَلْناكم عَنْهُ.
الثّانِي: قَوْلُهم: ﴿وما كانَ لَنا عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ﴾ يَعْنِي لا قُدْرَةَ لَنا عَلَيْكم حَتّى نَقْهَرَكم ونُجْبِرَكم.
الثّالِثُ: ﴿بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طاغِينَ﴾ أيْ: ضالِّينَ غالِّينَ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ.
الرّابِعُ: قَوْلُهم: ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إنّا لَذائِقُونَ﴾
صفحة ١١٨
والمَعْنى أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا أخْبَرَ عَنْ وُقُوعِنا في العَذابِ، فَلَوْ لَمْ يَحْصُلْ وُقُوعُنا في العَذابِ لَما كانَ خَبَرُ اللَّهِ حَقًّا، بَلْ كانَ باطِلًا، ولَمّا كانَ خَبَرُ اللَّهِ أمْرًا واجِبًا لا جَرَمَ كانَ الوُقُوعُ في العَذابِ الألِيمِ لازِمًا، قالَ مُقاتِلٌ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا﴾ إشارَةٌ إلى قَوْلِ اللَّهِ لِإبْلِيسَ: ﴿لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ ومِمَّنْ تَبِعَكَ مِنهم أجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٥] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا لَذائِقُونَ﴾ يَعْنِي لَمّا وجَبَ أنْ يَحِقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا وجَبَ أنْ نَكُونَ ذائِقِينَ لِهَذا العَذابِ.
الخامِسُ: قَوْلُهم: ﴿فَأغْوَيْناكم إنّا كُنّا غاوِينَ﴾ والمَعْنى أنّا إنَّما أقْدَمْنا عَلى إغْوائِكم لِأنّا كُنّا مَوْصُوفِينَ في أنْفُسِنا بِالغَوايَةِ، وفِيهِ دَقِيقَةٌ أُخْرى، كَأنَّهم قالُوا: إنِ اعْتَقَدْتُمْ أنَّ غَوايَتَكم بِسَبَبِ إغْوائِنا فَغَوايَتُنا إنْ كانَتْ بِسَبَبِ إغْواءِ غاوٍ آخَرَ ولَزِمَ التَّسَلْسُلُ وذَلِكَ مُحالٌ، فَعَلِمْنا أنَّ حُصُولَ الغَوايَةِ والرَّشادِ لَيْسَ مِن قِبَلِنا، بَلْ مِن قِبَلِ غَيْرِنا، وذَلِكَ الغَيْرُ هو الَّذِي ذَكَرَهُ فِيما قَبْلُ، وهو قَوْلُهُ: ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا﴾ ولَمّا حَكى اللَّهُ تَعالى كَلامَ الأتْباعِ لِلرُّؤَساءِ وكَلامَ الرُّؤَساءِ لِلْأتْباعِ قالَ بَعْدَهُ: ﴿فَإنَّهم يَوْمَئِذٍ في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ يَعْنِي فالمَتْبُوعُ والتّابِعُ والمَخْدُومُ والخادِمُ مُشْتَرِكُونَ في الوُقُوعِ في العَذابِ كَما كانُوا في الدُّنْيا مُشْتَرِكِينَ في الغَوايَةِ، ثُمَّ قالَ أيْضًا: ﴿إنّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ وعَنى بِالمُجْرِمِينَ هَهُنا الكُفّارَ، بِدَلِيلِ أنَّهُ تَعالى قالَ بَعْدَ هَذِهِ الكَلِمَةِ: ﴿إنَّهم كانُوا إذا قِيلَ لَهم لا إلَهَ إلّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُمْ﴾ عائِدٌ إلى المَذْكُورِ السّابِقِ وهو قَوْلُهُ: ﴿بِالمُجْرِمِينَ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ لَفْظَ المُجْرِمِ المُطْلَقَ مُخْتَصٌّ في القُرْآنِ بِالكافِرِ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّهم إنَّما وقَعُوا في ذَلِكَ العَذابِ؛ لِأنَّهم كانُوا مُكَذِّبِينَ بِالتَّوْحِيدِ وبِالنُّبُوَّةِ، أمّا التَّكْذِيبُ بِالتَّوْحِيدِ فَهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهم كانُوا إذا قِيلَ لَهم لا إلَهَ إلّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ يَعْنِي يُنْكِرُونَ ويَتَعَصَّبُونَ لِإثْباتِ الشِّرْكِ ويَسْتَنْكِفُونَ عَنِ الإقْرارِ بِالتَّوْحِيدِ.
وأمّا التَّكْذِيبُ بِالنُّبُوَّةِ فَهو قَوْلُهم: ﴿أئِنّا لَتارِكُو آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ ويَعْنُونَ مُحَمَّدًا، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى كَذَّبَهم في ذَلِكَ الكَلامِ فَقالَ: ﴿بَلْ جاءَ بِالحَقِّ وصَدَّقَ المُرْسَلِينَ﴾ وتَقْرِيرُ هَذا الكَلامِ أنَّهُ جاءَ بِالدِّينِ الحَقِّ؛ لِأنَّهُ ثَبَتَ بِالعَقْلِ أنَّهُ تَعالى مُنَزَّهٌ عَنِ الضِّدِّ والنِّدِّ والشَّرِيكِ، فَلَمّا جاءَ مُحَمَّدٌ ﷺ بِتَقْرِيرِ هَذِهِ المَعانِي كانَ مَجِيئُهُ بِالدِّينِ الحَقِّ، قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: ”أيْنا لَتارِكُوا آلِهَتَنا“ بِهَمْزَةٍ وياءٍ بَعْدَها خَفِيفَةٍ ساكِنَةٍ بِلا مَدٍّ، وقَرَأ نافِعٌ في رِوايَةِ قالُونَ وأبِي عَمْرٍو عَلى هَذا التَّفْسِيرِ يَمُدّانِ والباقُونَ بِهَمْزَتَيْنِ بِلا مَدٍّ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وصَدَّقَ المُرْسَلِينَ﴾ يَعْنِي صَدَّقَهم في مَجِيئِهِمْ بِالتَّوْحِيدِ ونَفْيِ الشَّرِيكِ، وهَذا تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ القَوْلَ بِالتَّوْحِيدِ دِينٌ لِكُلِّ الأنْبِياءِ، ولَمّا حَكى اللَّهُ عَنْهم تَكْذِيبَهم بِالتَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ نَقَلَ الكَلامَ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الحُضُورِ فَقالَ: ﴿إنَّكم لَذائِقُو العَذابِ الألِيمِ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: فَكَيْفَ يَلِيقُ بِالرَّحِيمِ الكَرِيمِ المُتَعالِي عَنِ النَّفْعِ والضُّرِّ أنْ يُعَذِّبَ عِبادَهُ فَأجابَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وما تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ والمَعْنى أنَّ الحُكْمَ يَقْتَضِي الأمْرَ بِالحَسَنِ والطّاعَةِ والنَّهْيَ عَنِ القَبِيحِ والمَعْصِيَةِ، والأمْرُ والنَّهْيُ لا يَكْمُلُ المَقْصُودُ مِنهُما إلّا بِالتَّرْغِيبِ في الثَّوابِ والتَّرْهِيبِ بِالعِقابِ، وإذا وقَعَ الإخْبارُ عَنْهُ وجَبَ تَحْقِيقُهُ صَوْنًا لِلْكَلامِ عَنِ الكَذِبِ، فَلِهَذا السَّبَبِ وقَعُوا في العَذابِ ثُمَّ قالَ: ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ يَعْنِي ولَكِنَّ عِبادَ اللَّهِ [ المُخْلَصِينَ ناجُونَ وهو ] مِنَ الِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ.
الصافات 37:46
صفحة ١١٧
﴿فَإنَّهم يَوْمَئِذٍ في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ ﴿إنَّهم كانُوا إذا قِيلَ لَهم لا إلَهَ إلّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ ﴿ويَقُولُونَ أئِنّا لَتارِكُو آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ ﴿بَلْ جاءَ بِالحَقِّ وصَدَّقَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إنَّكم لَذائِقُو العَذابِ الألِيمِ﴾ ﴿وما تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا إنَّكم كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ اليَمِينِ﴾ ﴿قالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وما كانَ لَنا عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طاغِينَ﴾ ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إنّا لَذائِقُونَ﴾ ﴿فَأغْوَيْناكم إنّا كُنّا غاوِينَ﴾ ﴿فَإنَّهم يَوْمَئِذٍ في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ ﴿إنَّهم كانُوا إذا قِيلَ لَهم لا إلَهَ إلّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ ﴿ويَقُولُونَ أئِنّا لَتارِكُو آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ ﴿بَلْ جاءَ بِالحَقِّ وصَدَّقَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إنَّكم لَذائِقُو العَذابِ الألِيمِ﴾ ﴿وما تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ .
واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا حَكى عَنْهم أنَّهُ أقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ شَرَحَ كَيْفِيَّةَ ذَلِكَ التَّساؤُلِ فَقالُوا: ﴿إنَّكم كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ اليَمِينِ﴾ وهَذا قَوْلُ الأتْباعِ لِمَن دَعاهم إلى الضَّلالَةِ، وفي تَفْسِيرِ اليَمِينِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ لَفْظَ اليَمِينِ هَهُنا اسْتِعارَةٌ عَنِ الخَيْراتِ والسَّعاداتِ، وبَيانُ كَيْفِيَّةِ هَذِهِ الِاسْتِعارَةِ، أنَّ الجانِبَ الأيْمَنَ أفْضَلُ مِنَ الجانِبِ الأيْسَرِ لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: اتِّفاقُ الكُلِّ عَلى أنَّ أشْرَفَ الجانِبَيْنِ هو اليَمِينُ.
والثّانِي: لا يُباشِرُونَ الأعْمالَ الشَّرِيفَةَ إلّا بِاليَمِينِ مِثْلَ مُصافَحَةِ الأخْيارِ والأكْلِ والشُّرْبِ وما عَلى العَكْسِ مِنهُ يُباشِرُونَهُ بِاليَدِ اليُسْرى.
الثّالِثُ: أنَّهم كانُوا يَتَفاءَلُونَ وكانُوا يَتَيَمَّنُونَ بِالجانِبِ الأيْمَنِ ويُسَمُّونَهُ بِالبارِحِ.
الرّابِعُ: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يُحِبُّ التَّيامُنَ في كُلِّ شَيْءٍ.
الخامِسُ: أنَّ الشَّرِيعَةَ حَكَمَتْ بِأنَّ الجانِبَ الأيْمَنَ لِكاتِبِ الحَسَناتِ والأيْسَرَ لِكاتِبِ السَّيِّئاتِ.
السّادِسُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى وعَدَ المُحْسِنَ أنْ يُؤْتى كِتابَهُ بِيَمِينِهِ، والمُسِيءَ أنْ يُؤْتى كِتابَهُ بِيَسارِهِ، فَثَبَتَ أنَّ الجانِبَ الأيْمَنَ أفْضَلُ مِنَ الجانِبِ الأيْسَرِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ لا جَرَمَ، اسْتُعِيرَ لَفْظُ اليَمِينِ لِلْخَيْراتِ والحَسَناتِ والطّاعاتِ، فَقَوْلُهُ: ﴿إنَّكم كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ اليَمِينِ﴾ يَعْنِي أنَّكم كُنْتُمْ تَخْدَعُونَنا وتُوهِمُونَ لَنا أنَّ مَقْصُودَكم مِنَ الدَّعْوَةِ إلى تِلْكَ الأدْيانِ نُصْرَةُ الحَقِّ وتَقْوِيَةُ الصِّدْقِ.
والوَجْهُ الثّانِي: في التَّأْوِيلِ أنَّهُ يُقالُ: فُلانٌ يَمِينُ فُلانٍ، إذا كانَ عِنْدَهُ بِالمَنزِلَةِ الحَسَنَةِ، فَقالَ هَؤُلاءِ الكُفّارُ لِأئِمَّتِهِمُ الَّذِينَ أضَلُّوهم وزَيَّنُوا لَهُمُ الكُفْرَ: إنَّكم كُنْتُمْ تَخْدَعُونَنا وتُوهِمُونَ لَنا، أنَّنا عِنْدَكم بِمَنزِلَةِ اليَمِينِ، أيْ بِالمَنزِلَةِ الحَسَنَةِ، فَوَثِقْنا بِكم وقَبِلْنا عَنْكم.
الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّ أئِمَّةَ الكُفّارِ كانُوا قَدْ حَلَفُوا لِهَؤُلاءِ المُسْتَضْعَفِينَ أنَّ ما يَدْعُونَهم إلَيْهِ هو الحَقُّ، فَوَثِقُوا بِأيْمانِهِمْ وتَمَسَّكُوا بِعُهُودِهِمُ الَّتِي عَهِدُوها لَهم، فَمَعْنى قَوْلِهِ: ﴿كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ اليَمِينِ﴾ أيْ مِن ناحِيَةِ المَواثِيقِ والأيْمانِ الَّتِي قَدَّمْتُمُوها لَنا.
الوَجْهُ الرّابِعُ: أنَّ لَفْظَ اليَمِينِ مُسْتَعارٌ مِنَ القُوَّةِ والقَهْرِ؛ لِأنَّ اليَمِينَ مَوْصُوفَةٌ بِالقَهْرِ وبِها يَقَعُ البَطْشُ، والمَعْنى أنَّكم كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ القُوَّةِ والقَهْرِ، وتَقْصِدُونَنا عَنِ السُّلْطانِ والغَلَبَةِ حَتّى تَحْمِلُونا عَلى الضَّلالِ وتُعَيِّرُونا عَلَيْهِ، ثُمَّ حَكى اللَّهُ تَعالى عَنِ الرُّؤَساءِ أنَّهم أجابُوا الأتْباعَ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهم قالُوا لَهم ﴿بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ يَعْنِي أنَّكم ما كُنْتُمْ مَوْصُوفِينَ بِالإيمانِ حَتّى يُقالَ إنّا أزَلْناكم عَنْهُ.
الثّانِي: قَوْلُهم: ﴿وما كانَ لَنا عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ﴾ يَعْنِي لا قُدْرَةَ لَنا عَلَيْكم حَتّى نَقْهَرَكم ونُجْبِرَكم.
الثّالِثُ: ﴿بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طاغِينَ﴾ أيْ: ضالِّينَ غالِّينَ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ.
الرّابِعُ: قَوْلُهم: ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إنّا لَذائِقُونَ﴾
صفحة ١١٨
والمَعْنى أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا أخْبَرَ عَنْ وُقُوعِنا في العَذابِ، فَلَوْ لَمْ يَحْصُلْ وُقُوعُنا في العَذابِ لَما كانَ خَبَرُ اللَّهِ حَقًّا، بَلْ كانَ باطِلًا، ولَمّا كانَ خَبَرُ اللَّهِ أمْرًا واجِبًا لا جَرَمَ كانَ الوُقُوعُ في العَذابِ الألِيمِ لازِمًا، قالَ مُقاتِلٌ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا﴾ إشارَةٌ إلى قَوْلِ اللَّهِ لِإبْلِيسَ: ﴿لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ ومِمَّنْ تَبِعَكَ مِنهم أجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٥] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا لَذائِقُونَ﴾ يَعْنِي لَمّا وجَبَ أنْ يَحِقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا وجَبَ أنْ نَكُونَ ذائِقِينَ لِهَذا العَذابِ.
الخامِسُ: قَوْلُهم: ﴿فَأغْوَيْناكم إنّا كُنّا غاوِينَ﴾ والمَعْنى أنّا إنَّما أقْدَمْنا عَلى إغْوائِكم لِأنّا كُنّا مَوْصُوفِينَ في أنْفُسِنا بِالغَوايَةِ، وفِيهِ دَقِيقَةٌ أُخْرى، كَأنَّهم قالُوا: إنِ اعْتَقَدْتُمْ أنَّ غَوايَتَكم بِسَبَبِ إغْوائِنا فَغَوايَتُنا إنْ كانَتْ بِسَبَبِ إغْواءِ غاوٍ آخَرَ ولَزِمَ التَّسَلْسُلُ وذَلِكَ مُحالٌ، فَعَلِمْنا أنَّ حُصُولَ الغَوايَةِ والرَّشادِ لَيْسَ مِن قِبَلِنا، بَلْ مِن قِبَلِ غَيْرِنا، وذَلِكَ الغَيْرُ هو الَّذِي ذَكَرَهُ فِيما قَبْلُ، وهو قَوْلُهُ: ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا﴾ ولَمّا حَكى اللَّهُ تَعالى كَلامَ الأتْباعِ لِلرُّؤَساءِ وكَلامَ الرُّؤَساءِ لِلْأتْباعِ قالَ بَعْدَهُ: ﴿فَإنَّهم يَوْمَئِذٍ في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ يَعْنِي فالمَتْبُوعُ والتّابِعُ والمَخْدُومُ والخادِمُ مُشْتَرِكُونَ في الوُقُوعِ في العَذابِ كَما كانُوا في الدُّنْيا مُشْتَرِكِينَ في الغَوايَةِ، ثُمَّ قالَ أيْضًا: ﴿إنّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ وعَنى بِالمُجْرِمِينَ هَهُنا الكُفّارَ، بِدَلِيلِ أنَّهُ تَعالى قالَ بَعْدَ هَذِهِ الكَلِمَةِ: ﴿إنَّهم كانُوا إذا قِيلَ لَهم لا إلَهَ إلّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُمْ﴾ عائِدٌ إلى المَذْكُورِ السّابِقِ وهو قَوْلُهُ: ﴿بِالمُجْرِمِينَ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ لَفْظَ المُجْرِمِ المُطْلَقَ مُخْتَصٌّ في القُرْآنِ بِالكافِرِ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّهم إنَّما وقَعُوا في ذَلِكَ العَذابِ؛ لِأنَّهم كانُوا مُكَذِّبِينَ بِالتَّوْحِيدِ وبِالنُّبُوَّةِ، أمّا التَّكْذِيبُ بِالتَّوْحِيدِ فَهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهم كانُوا إذا قِيلَ لَهم لا إلَهَ إلّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ يَعْنِي يُنْكِرُونَ ويَتَعَصَّبُونَ لِإثْباتِ الشِّرْكِ ويَسْتَنْكِفُونَ عَنِ الإقْرارِ بِالتَّوْحِيدِ.
وأمّا التَّكْذِيبُ بِالنُّبُوَّةِ فَهو قَوْلُهم: ﴿أئِنّا لَتارِكُو آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ ويَعْنُونَ مُحَمَّدًا، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى كَذَّبَهم في ذَلِكَ الكَلامِ فَقالَ: ﴿بَلْ جاءَ بِالحَقِّ وصَدَّقَ المُرْسَلِينَ﴾ وتَقْرِيرُ هَذا الكَلامِ أنَّهُ جاءَ بِالدِّينِ الحَقِّ؛ لِأنَّهُ ثَبَتَ بِالعَقْلِ أنَّهُ تَعالى مُنَزَّهٌ عَنِ الضِّدِّ والنِّدِّ والشَّرِيكِ، فَلَمّا جاءَ مُحَمَّدٌ ﷺ بِتَقْرِيرِ هَذِهِ المَعانِي كانَ مَجِيئُهُ بِالدِّينِ الحَقِّ، قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: ”أيْنا لَتارِكُوا آلِهَتَنا“ بِهَمْزَةٍ وياءٍ بَعْدَها خَفِيفَةٍ ساكِنَةٍ بِلا مَدٍّ، وقَرَأ نافِعٌ في رِوايَةِ قالُونَ وأبِي عَمْرٍو عَلى هَذا التَّفْسِيرِ يَمُدّانِ والباقُونَ بِهَمْزَتَيْنِ بِلا مَدٍّ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وصَدَّقَ المُرْسَلِينَ﴾ يَعْنِي صَدَّقَهم في مَجِيئِهِمْ بِالتَّوْحِيدِ ونَفْيِ الشَّرِيكِ، وهَذا تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ القَوْلَ بِالتَّوْحِيدِ دِينٌ لِكُلِّ الأنْبِياءِ، ولَمّا حَكى اللَّهُ عَنْهم تَكْذِيبَهم بِالتَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ نَقَلَ الكَلامَ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الحُضُورِ فَقالَ: ﴿إنَّكم لَذائِقُو العَذابِ الألِيمِ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: فَكَيْفَ يَلِيقُ بِالرَّحِيمِ الكَرِيمِ المُتَعالِي عَنِ النَّفْعِ والضُّرِّ أنْ يُعَذِّبَ عِبادَهُ فَأجابَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وما تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ والمَعْنى أنَّ الحُكْمَ يَقْتَضِي الأمْرَ بِالحَسَنِ والطّاعَةِ والنَّهْيَ عَنِ القَبِيحِ والمَعْصِيَةِ، والأمْرُ والنَّهْيُ لا يَكْمُلُ المَقْصُودُ مِنهُما إلّا بِالتَّرْغِيبِ في الثَّوابِ والتَّرْهِيبِ بِالعِقابِ، وإذا وقَعَ الإخْبارُ عَنْهُ وجَبَ تَحْقِيقُهُ صَوْنًا لِلْكَلامِ عَنِ الكَذِبِ، فَلِهَذا السَّبَبِ وقَعُوا في العَذابِ ثُمَّ قالَ: ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ يَعْنِي ولَكِنَّ عِبادَ اللَّهِ [ المُخْلَصِينَ ناجُونَ وهو ] مِنَ الِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ.
الصافات 37:47
صفحة ١١٧
﴿فَإنَّهم يَوْمَئِذٍ في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ ﴿إنَّهم كانُوا إذا قِيلَ لَهم لا إلَهَ إلّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ ﴿ويَقُولُونَ أئِنّا لَتارِكُو آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ ﴿بَلْ جاءَ بِالحَقِّ وصَدَّقَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إنَّكم لَذائِقُو العَذابِ الألِيمِ﴾ ﴿وما تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا إنَّكم كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ اليَمِينِ﴾ ﴿قالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وما كانَ لَنا عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طاغِينَ﴾ ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إنّا لَذائِقُونَ﴾ ﴿فَأغْوَيْناكم إنّا كُنّا غاوِينَ﴾ ﴿فَإنَّهم يَوْمَئِذٍ في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ ﴿إنَّهم كانُوا إذا قِيلَ لَهم لا إلَهَ إلّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ ﴿ويَقُولُونَ أئِنّا لَتارِكُو آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ ﴿بَلْ جاءَ بِالحَقِّ وصَدَّقَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إنَّكم لَذائِقُو العَذابِ الألِيمِ﴾ ﴿وما تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ .
واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا حَكى عَنْهم أنَّهُ أقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ شَرَحَ كَيْفِيَّةَ ذَلِكَ التَّساؤُلِ فَقالُوا: ﴿إنَّكم كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ اليَمِينِ﴾ وهَذا قَوْلُ الأتْباعِ لِمَن دَعاهم إلى الضَّلالَةِ، وفي تَفْسِيرِ اليَمِينِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ لَفْظَ اليَمِينِ هَهُنا اسْتِعارَةٌ عَنِ الخَيْراتِ والسَّعاداتِ، وبَيانُ كَيْفِيَّةِ هَذِهِ الِاسْتِعارَةِ، أنَّ الجانِبَ الأيْمَنَ أفْضَلُ مِنَ الجانِبِ الأيْسَرِ لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: اتِّفاقُ الكُلِّ عَلى أنَّ أشْرَفَ الجانِبَيْنِ هو اليَمِينُ.
والثّانِي: لا يُباشِرُونَ الأعْمالَ الشَّرِيفَةَ إلّا بِاليَمِينِ مِثْلَ مُصافَحَةِ الأخْيارِ والأكْلِ والشُّرْبِ وما عَلى العَكْسِ مِنهُ يُباشِرُونَهُ بِاليَدِ اليُسْرى.
الثّالِثُ: أنَّهم كانُوا يَتَفاءَلُونَ وكانُوا يَتَيَمَّنُونَ بِالجانِبِ الأيْمَنِ ويُسَمُّونَهُ بِالبارِحِ.
الرّابِعُ: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يُحِبُّ التَّيامُنَ في كُلِّ شَيْءٍ.
الخامِسُ: أنَّ الشَّرِيعَةَ حَكَمَتْ بِأنَّ الجانِبَ الأيْمَنَ لِكاتِبِ الحَسَناتِ والأيْسَرَ لِكاتِبِ السَّيِّئاتِ.
السّادِسُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى وعَدَ المُحْسِنَ أنْ يُؤْتى كِتابَهُ بِيَمِينِهِ، والمُسِيءَ أنْ يُؤْتى كِتابَهُ بِيَسارِهِ، فَثَبَتَ أنَّ الجانِبَ الأيْمَنَ أفْضَلُ مِنَ الجانِبِ الأيْسَرِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ لا جَرَمَ، اسْتُعِيرَ لَفْظُ اليَمِينِ لِلْخَيْراتِ والحَسَناتِ والطّاعاتِ، فَقَوْلُهُ: ﴿إنَّكم كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ اليَمِينِ﴾ يَعْنِي أنَّكم كُنْتُمْ تَخْدَعُونَنا وتُوهِمُونَ لَنا أنَّ مَقْصُودَكم مِنَ الدَّعْوَةِ إلى تِلْكَ الأدْيانِ نُصْرَةُ الحَقِّ وتَقْوِيَةُ الصِّدْقِ.
والوَجْهُ الثّانِي: في التَّأْوِيلِ أنَّهُ يُقالُ: فُلانٌ يَمِينُ فُلانٍ، إذا كانَ عِنْدَهُ بِالمَنزِلَةِ الحَسَنَةِ، فَقالَ هَؤُلاءِ الكُفّارُ لِأئِمَّتِهِمُ الَّذِينَ أضَلُّوهم وزَيَّنُوا لَهُمُ الكُفْرَ: إنَّكم كُنْتُمْ تَخْدَعُونَنا وتُوهِمُونَ لَنا، أنَّنا عِنْدَكم بِمَنزِلَةِ اليَمِينِ، أيْ بِالمَنزِلَةِ الحَسَنَةِ، فَوَثِقْنا بِكم وقَبِلْنا عَنْكم.
الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّ أئِمَّةَ الكُفّارِ كانُوا قَدْ حَلَفُوا لِهَؤُلاءِ المُسْتَضْعَفِينَ أنَّ ما يَدْعُونَهم إلَيْهِ هو الحَقُّ، فَوَثِقُوا بِأيْمانِهِمْ وتَمَسَّكُوا بِعُهُودِهِمُ الَّتِي عَهِدُوها لَهم، فَمَعْنى قَوْلِهِ: ﴿كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ اليَمِينِ﴾ أيْ مِن ناحِيَةِ المَواثِيقِ والأيْمانِ الَّتِي قَدَّمْتُمُوها لَنا.
الوَجْهُ الرّابِعُ: أنَّ لَفْظَ اليَمِينِ مُسْتَعارٌ مِنَ القُوَّةِ والقَهْرِ؛ لِأنَّ اليَمِينَ مَوْصُوفَةٌ بِالقَهْرِ وبِها يَقَعُ البَطْشُ، والمَعْنى أنَّكم كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ القُوَّةِ والقَهْرِ، وتَقْصِدُونَنا عَنِ السُّلْطانِ والغَلَبَةِ حَتّى تَحْمِلُونا عَلى الضَّلالِ وتُعَيِّرُونا عَلَيْهِ، ثُمَّ حَكى اللَّهُ تَعالى عَنِ الرُّؤَساءِ أنَّهم أجابُوا الأتْباعَ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهم قالُوا لَهم ﴿بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ يَعْنِي أنَّكم ما كُنْتُمْ مَوْصُوفِينَ بِالإيمانِ حَتّى يُقالَ إنّا أزَلْناكم عَنْهُ.
الثّانِي: قَوْلُهم: ﴿وما كانَ لَنا عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ﴾ يَعْنِي لا قُدْرَةَ لَنا عَلَيْكم حَتّى نَقْهَرَكم ونُجْبِرَكم.
الثّالِثُ: ﴿بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طاغِينَ﴾ أيْ: ضالِّينَ غالِّينَ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ.
الرّابِعُ: قَوْلُهم: ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إنّا لَذائِقُونَ﴾
صفحة ١١٨
والمَعْنى أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا أخْبَرَ عَنْ وُقُوعِنا في العَذابِ، فَلَوْ لَمْ يَحْصُلْ وُقُوعُنا في العَذابِ لَما كانَ خَبَرُ اللَّهِ حَقًّا، بَلْ كانَ باطِلًا، ولَمّا كانَ خَبَرُ اللَّهِ أمْرًا واجِبًا لا جَرَمَ كانَ الوُقُوعُ في العَذابِ الألِيمِ لازِمًا، قالَ مُقاتِلٌ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا﴾ إشارَةٌ إلى قَوْلِ اللَّهِ لِإبْلِيسَ: ﴿لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ ومِمَّنْ تَبِعَكَ مِنهم أجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٥] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا لَذائِقُونَ﴾ يَعْنِي لَمّا وجَبَ أنْ يَحِقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا وجَبَ أنْ نَكُونَ ذائِقِينَ لِهَذا العَذابِ.
الخامِسُ: قَوْلُهم: ﴿فَأغْوَيْناكم إنّا كُنّا غاوِينَ﴾ والمَعْنى أنّا إنَّما أقْدَمْنا عَلى إغْوائِكم لِأنّا كُنّا مَوْصُوفِينَ في أنْفُسِنا بِالغَوايَةِ، وفِيهِ دَقِيقَةٌ أُخْرى، كَأنَّهم قالُوا: إنِ اعْتَقَدْتُمْ أنَّ غَوايَتَكم بِسَبَبِ إغْوائِنا فَغَوايَتُنا إنْ كانَتْ بِسَبَبِ إغْواءِ غاوٍ آخَرَ ولَزِمَ التَّسَلْسُلُ وذَلِكَ مُحالٌ، فَعَلِمْنا أنَّ حُصُولَ الغَوايَةِ والرَّشادِ لَيْسَ مِن قِبَلِنا، بَلْ مِن قِبَلِ غَيْرِنا، وذَلِكَ الغَيْرُ هو الَّذِي ذَكَرَهُ فِيما قَبْلُ، وهو قَوْلُهُ: ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا﴾ ولَمّا حَكى اللَّهُ تَعالى كَلامَ الأتْباعِ لِلرُّؤَساءِ وكَلامَ الرُّؤَساءِ لِلْأتْباعِ قالَ بَعْدَهُ: ﴿فَإنَّهم يَوْمَئِذٍ في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ يَعْنِي فالمَتْبُوعُ والتّابِعُ والمَخْدُومُ والخادِمُ مُشْتَرِكُونَ في الوُقُوعِ في العَذابِ كَما كانُوا في الدُّنْيا مُشْتَرِكِينَ في الغَوايَةِ، ثُمَّ قالَ أيْضًا: ﴿إنّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ وعَنى بِالمُجْرِمِينَ هَهُنا الكُفّارَ، بِدَلِيلِ أنَّهُ تَعالى قالَ بَعْدَ هَذِهِ الكَلِمَةِ: ﴿إنَّهم كانُوا إذا قِيلَ لَهم لا إلَهَ إلّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُمْ﴾ عائِدٌ إلى المَذْكُورِ السّابِقِ وهو قَوْلُهُ: ﴿بِالمُجْرِمِينَ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ لَفْظَ المُجْرِمِ المُطْلَقَ مُخْتَصٌّ في القُرْآنِ بِالكافِرِ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّهم إنَّما وقَعُوا في ذَلِكَ العَذابِ؛ لِأنَّهم كانُوا مُكَذِّبِينَ بِالتَّوْحِيدِ وبِالنُّبُوَّةِ، أمّا التَّكْذِيبُ بِالتَّوْحِيدِ فَهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهم كانُوا إذا قِيلَ لَهم لا إلَهَ إلّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ يَعْنِي يُنْكِرُونَ ويَتَعَصَّبُونَ لِإثْباتِ الشِّرْكِ ويَسْتَنْكِفُونَ عَنِ الإقْرارِ بِالتَّوْحِيدِ.
وأمّا التَّكْذِيبُ بِالنُّبُوَّةِ فَهو قَوْلُهم: ﴿أئِنّا لَتارِكُو آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ ويَعْنُونَ مُحَمَّدًا، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى كَذَّبَهم في ذَلِكَ الكَلامِ فَقالَ: ﴿بَلْ جاءَ بِالحَقِّ وصَدَّقَ المُرْسَلِينَ﴾ وتَقْرِيرُ هَذا الكَلامِ أنَّهُ جاءَ بِالدِّينِ الحَقِّ؛ لِأنَّهُ ثَبَتَ بِالعَقْلِ أنَّهُ تَعالى مُنَزَّهٌ عَنِ الضِّدِّ والنِّدِّ والشَّرِيكِ، فَلَمّا جاءَ مُحَمَّدٌ ﷺ بِتَقْرِيرِ هَذِهِ المَعانِي كانَ مَجِيئُهُ بِالدِّينِ الحَقِّ، قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: ”أيْنا لَتارِكُوا آلِهَتَنا“ بِهَمْزَةٍ وياءٍ بَعْدَها خَفِيفَةٍ ساكِنَةٍ بِلا مَدٍّ، وقَرَأ نافِعٌ في رِوايَةِ قالُونَ وأبِي عَمْرٍو عَلى هَذا التَّفْسِيرِ يَمُدّانِ والباقُونَ بِهَمْزَتَيْنِ بِلا مَدٍّ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وصَدَّقَ المُرْسَلِينَ﴾ يَعْنِي صَدَّقَهم في مَجِيئِهِمْ بِالتَّوْحِيدِ ونَفْيِ الشَّرِيكِ، وهَذا تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ القَوْلَ بِالتَّوْحِيدِ دِينٌ لِكُلِّ الأنْبِياءِ، ولَمّا حَكى اللَّهُ عَنْهم تَكْذِيبَهم بِالتَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ نَقَلَ الكَلامَ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الحُضُورِ فَقالَ: ﴿إنَّكم لَذائِقُو العَذابِ الألِيمِ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: فَكَيْفَ يَلِيقُ بِالرَّحِيمِ الكَرِيمِ المُتَعالِي عَنِ النَّفْعِ والضُّرِّ أنْ يُعَذِّبَ عِبادَهُ فَأجابَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وما تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ والمَعْنى أنَّ الحُكْمَ يَقْتَضِي الأمْرَ بِالحَسَنِ والطّاعَةِ والنَّهْيَ عَنِ القَبِيحِ والمَعْصِيَةِ، والأمْرُ والنَّهْيُ لا يَكْمُلُ المَقْصُودُ مِنهُما إلّا بِالتَّرْغِيبِ في الثَّوابِ والتَّرْهِيبِ بِالعِقابِ، وإذا وقَعَ الإخْبارُ عَنْهُ وجَبَ تَحْقِيقُهُ صَوْنًا لِلْكَلامِ عَنِ الكَذِبِ، فَلِهَذا السَّبَبِ وقَعُوا في العَذابِ ثُمَّ قالَ: ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ يَعْنِي ولَكِنَّ عِبادَ اللَّهِ [ المُخْلَصِينَ ناجُونَ وهو ] مِنَ الِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ.
الصافات 37:48
صفحة ١١٩
﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِن مَعِينٍ﴾ ﴿بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ﴾ ﴿لا فِيها غَوْلٌ ولا هم عَنْها يُنْزَفُونَ﴾ ﴿وعِنْدَهم قاصِراتُ الطَّرْفِ عِينٌ﴾ ﴿كَأنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ ﴿فَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ لَهم رِزْقٌ مَعْلُومٌ﴾ ﴿فَواكِهُ وهم مُكْرَمُونَ﴾ ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ ﴿عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِن مَعِينٍ﴾ ﴿بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ﴾ ﴿لا فِيها غَوْلٌ ولا هم عَنْها يُنْزَفُونَ﴾ ﴿وعِنْدَهم قاصِراتُ الطَّرْفِ عِينٌ﴾ ﴿كَأنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ ﴿فَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ أحْوالَ المُتَكَبِّرِينَ عَنْ قَبُولِ التَّوْحِيدِ المُصِرِّينَ عَلى إنْكارِ النُّبُوَّةِ أرْدَفَهُ بِذِكْرِ حالِ المُخْلَصِينَ في كَيْفِيَّةِ الثَّوابِ، وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: ذَكَرْنا في فَتْحِ اللّامِ وكَسْرِها مِنَ المُخْلَصِينَ قِراءَتَيْنِ فالفَتْحُ أنَّ اللَّهَ تَعالى أخْلَصَهم بِلُطْفِهِ واصْطَفاهم بِفَضْلِهِ، والكَسْرُ هو أنَّهم أخْلَصُوا الطّاعَةَ لِلَّهِ تَعالى.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى وصَفَ رِزْقَهم بِكَوْنِهِ مَعْلُومًا، ولَمْ يُبَيِّنْ أنَّ أيَّ الصِّفاتِ مِنهُ هو المَعْلُومُ، فَلِذَلِكَ اخْتَلَفَتِ الأقْوالُ، فَقِيلَ: مَعْناهُ إنَّ ذَلِكَ الرِّزْقَ مَعْلُومُ الوَقْتِ، وهو مِقْدارُ غُدْوَةٍ وعَشِيَّةٍ وإنْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّةَ لا بُكْرَةٌ ولا عَشِيَّةٌ، قالَ تَعالى: ﴿ولَهم رِزْقُهم فِيها بُكْرَةً وعَشِيًّا﴾ [مريم: ٦٢]، وقِيلَ: مَعْناهُ أنَّ ذَلِكَ الرِّزْقَ مَعْلُومُ الصِّفَةِ لِكَوْنِهِ مَخْصُوصًا بِخَصائِصِ خَلَقَها اللَّهُ فِيهِ مِن طِيبِ طَعْمٍ ورائِحَةٍ ولَذَّةٍ وحُسْنِ مَنظَرٍ، وقِيلَ: مَعْناهُ أنَّهم يَتَيَقَّنُونَ دَوامَهُ لا كَرِزْقِ الدُّنْيا الَّذِي لا يُعْلَمُ مَتى يَحْصُلُ ولا مَتى يَنْقَطِعُ، وقِيلَ: مَعْناهُ القَدْرُ الَّذِي يَسْتَحِقُّونَهُ بِأعْمالِهِمْ مِن ثَوابِ اللَّهِ وكَرامَتِهِ عَلَيْهِمْ، وقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ يُعْطِيهِمْ غَيْرَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّفَضُّلِ، ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ تَعالى أنَّ لَهم رِزْقًا بَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ الرِّزْقَ ما هو فَقالَ: ﴿فَواكِهُ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنَّ الفاكِهَةَ عِبارَةٌ عَمّا يُؤْكَلُ لِأجْلِ التَّلَذُّذِ لا لِأجْلِ الحاجَةِ. وأرْزاقُ أهْلِ الجَنَّةِ كُلُّها فَواكِهُ؛ لِأنَّهم مُسْتَغْنُونَ عَنْ حِفْظِ الصِّحَّةِ بِالأقْواتِ فَإنَّهم أجْسامٌ مُحْكَمَةٌ مَخْلُوقَةٌ لِلْأبَدِ، فَكُلُّ ما يَأْكُلُونَهُ فَهو عَلى سَبِيلِ التَّلَذُّذِ.
والثّانِي: أنَّ المَقْصُودَ مِن ذِكْرِ الفاكِهَةِ التَّنْبِيهُ بِالأدْنى عَلى الأعْلى، يَعْنِي لَمّا كانَتِ الفاكِهَةُ حاضِرَةً أبَدًا كانَ الأدامُ أوْلى بِالحُضُورِ، والقَوْلُ الأوَّلُ أقْرَبُ إلى التَّحْقِيقِ، واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ الأكْلَ بَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ الأكْلَ حاصِلٌ مَعَ الإكْرامِ والتَّعْظِيمِ فَقالَ: ﴿وهم مُكْرَمُونَ﴾ لِأنَّ الأكْلَ الخالِيَ عَنِ التَّعْظِيمِ يَلِيقُ بِالبَهائِمِ.
ولَمّا ذَكَرَ تَعالى مَأْكُولَهم وصَفَ تَعالى مَساكِنَهم فَقالَ: ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ ﴿عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ ومَعْناهُ أنَّهُ لا كُلْفَةَ عَلَيْهِمْ في التَّلاقِي لِلْأُنْسِ والتَّخاطُبِ، وفي بَعْضِ الأخْبارِ أنَّهم إذا أرادُوا القُرْبَ سارَ السَّرِيرُ تَحْتَهم، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونُوا مُتَقابِلِينَ إلّا مَعَ حُصُولِ الخَواطِرِ والسَّرائِرِ، ولَنْ يَكُونُوا كَذَلِكَ إلّا مَعَ الفُسْحَةِ والسَّعَةِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَسْمَعَ بَعْضُهم خِطابَ بَعْضٍ ويَراهُ عَلى بُعْدٍ إلّا بِأنْ يُقَوِّيَ اللَّهُ أبْصارَهم وأسْماعَهم وأصْواتَهم، ولَمّا شَرَحَ اللَّهُ صِفَةَ المَأْكَلِ والمَسْكَنِ ذَكَرَ بَعْدَهُ صِفَةَ الشُّرْبِ فَقالَ: ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِن مَعِينٍ﴾ يُقالُ لِلزُّجاجَةِ الَّتِي فِيها الخَمْرُ كَأْسٌ وتُسَمّى الخَمْرَةُ نَفْسُها كَأْسًا قالَ:
وكَأْسٍ شَرِبْتُ عَلى لَذَّةٍ [ وأُخْرى تَداوَيْتُ مِنها بِها ]
وعَنِ الأخْفَشِ: كُلُّ كَأْسٍ في القُرْآنِ فَهي الخَمْرُ، وقَوْلُهُ: ﴿مِن مَعِينٍ﴾ أيْ: مِن شَرابٍ مَعِينٍ، أوْ مِن نَهَرٍ مَعِينٍ، المَعِينُ مَأْخُوذٌ مِن عَيْنِ الماءِ أيْ: يَخْرُجُ مِنَ العُيُونِ كَما يَخْرُجُ الماءُ وسُمِّيَ مَعِينًا لِظُهُورِهِ، يُقالُ: عانَ الماءُ
صفحة ١٢٠
إذا ظَهَرَ جارِيًا، قالَهُ ثَعْلَبٌ، فَهو مَفْعُولٌ مِنَ العَيْنِ نَحْوَ مَبِيعٍ ومَكِيلٍ، وقِيلَ: سُمِّيَ مَعِينًا؛ لِأنَّهُ يَجْرِي ظاهِرَ العَيْنِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ فَعِيلًا مِنَ المَعِينِ وهو الماءُ الشَّدِيدُ الجَرْيِ، ومِنهُ أمْعَنَ في المَسِيرِ إذا اشْتَدَّ فِيهِ، وقَوْلُهُ: ﴿بَيْضاءَ﴾ صِفَةٌ لِلْخَمْرِ، قالَ الأخْفَشُ: خَمْرُ الجَنَّةِ أشَدُّ بَياضًا مِنَ اللَّبَنِ، وقَوْلُهُ: ﴿لَذَّةٍ﴾ فِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّها وُصِفَتْ بِاللَّذَّةِ كَأنَّها نَفْسُ اللَّذَّةِ وعَيْنُها، كَما يُقالُ: فُلانٌ جُودٌ وكَرَمٌ، إذا أرادُوا المُبالَغَةَ في وصْفِهِ بِهاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ.
وثانِيها: قالَ الزَّجّاجُ: أيْ ذاتُ لَذَّةٍ فَعَلى هَذا حُذِفَ المُضافُ.
وثالِثُها: قالَ اللَّيْثُ: اللَّذُّ واللَّذِيذُ يَجْرِيانِ مَجْرًى واحِدًا في النَّعْتِ، ويُقالُ شَرابٌ لَذٌّ ولَذِيذٌ قالَ تَعالى: ﴿بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ﴾ وقالَ تَعالى: ﴿مِن خَمْرٍ لَذَّةٍ﴾ [محمد: ١٥] ولِذَلِكَ سُمِّيَ النَّوْمُ لَذًّا لِاسْتِلْذاذِهِ، وعَلى هَذا (لَذَّةٍ)بِمَعْنى لَذِيذَةٍ، والأقْرَبُ مِن هَذِهِ الوُجُوهِ الأوَّلُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لِلشّارِبِينَ﴾ ﴿لا فِيها غَوْلٌ﴾ وفِيهِ أبْحاثٌ:
البَحْثُ الأوَّلُ: قالَ الفَرّاءُ: العَرَبُ تَقُولُ لَيْسَ فِيها غِيلَةٌ وغائِلَةٌ وغَوْلٌ سَواءً، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الغَوْلُ أنْ يُغْتالَ عُقُولُهم، وأنْشَدَ قَوْلَ مُطِيعِ بْنِ إياسٍ:
وما زالَتِ الكَأْسَ تَغْتالُهم ∗∗∗ وتَذْهَبُ بِالأوَّلِ الأوَّلِ
وقالَ اللَّيْثُ: الغَوْلُ الصُّداعُ والمَعْنى لَيْسَ فِيها صُداعٌ كَما في خَمْرِ الدُّنْيا، قالَ الواحِدِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وحَقِيقَتُهُ الإهْلاكُ، يُقالُ: غالَهُ غَوْلًا أيْ أهْلَكَهُ، والغُولُ والغائِلُ المُهْلِكُ، ثُمَّ سُمِّيَ الصُّداعُ غَوْلًا؛ لِأنَّهُ يُؤَدِّي إلى الهَلاكِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولا هم عَنْها يُنْزَفُونَ﴾ وقُرِئَ بِكَسْرِ الزّايِ، قالَ الفَرّاءُ: مَن كَسَرَ الزّايَ فَلَهُ مَعْنَيانِ، يُقالُ أنْزَفَ الرَّجُلُ إذا نَفِدَتْ خَمْرَتُهُ، وأنْزَفَ إذا ذَهَبَ عَقْلُهُ مِنَ السُّكْرِ ومَن فَتَحَ الزّايَ فَمَعْناهُ لا يَذْهَبُ عُقُولُهم أيْ: لا يَسْكَرُونَ، يُقالُ: نَزَفَ الرَّجُلُ فَهو مَنزُوفٌ ونَزِيفٌ، والمَعْنى لَيْسَ فِيها قَطُّ نَوْعٌ مِن أنْواعِ الفَسادِ الَّتِي تَكُونُ في شُرْبِ الخَمْرِ مِن صُداعٍ أوْ خُمارٍ أوْ عَرْبَدَةٍ، ولا هم يَسْكَرُونَ أيْضًا، وخَصَّهُ بِالذِّكْرِ لِأنَّهُ أعْظَمُ المَفاسِدِ في شُرْبِ الخَمْرِ، ولَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى صِفَةَ مَشْرُوبِهِمْ ذَكَرَ عَقِيبَهُ صِفَةَ مَنكُوحِهِمْ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ:
الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿وعِنْدَهم قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ ومَعْنى القَصْرِ في اللُّغَةِ الحَبْسُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حُورٌ مَقْصُوراتٌ في الخِيامِ﴾ [الرحمن: ٧٢] والمَعْنى أنَّهُنَّ يَحْبِسْنَ نَظَرَهُنَّ ولا يَنْظُرْنَ إلى غَيْرِ أزْواجِهِنَّ.
الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عِينٌ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: كِبارُ الأعْيُنِ حِسانُها واحِدُها عَيْناءُ.
الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَأنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ المَكْنُونُ في اللُّغَةِ المَسْتُورُ، يُقالُ: كَنَنْتُ الشَّيْءَ وأكْنَنْتُهُ، ومَعْنى هَذا التَّشْبِيهِ أنَّ ظاهِرَ البَيْضِ بَياضٌ يَشُوبُهُ قَلِيلٌ مِنَ الصُّفْرَةِ، فَإذا كانَ مَكْنُونًا كانَ مَصُونًا عَنِ الغَبَرَةِ والقَتَرَةِ، فَكانَ هَذا اللَّوْنُ في غايَةِ الحُسْنِ، والعَرَبُ كانُوا يُسَمُّونَ النِّساءَ: بَيْضاتُ الخُدُورِ.
ولَمّا تَمَّمَ اللَّهُ صِفاتِ أهْلِ الجَنَّةِ قالَ: ﴿فَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ فَإنْ قِيلَ: عَلى أيِّ شَيْءٍ عُطِفَ قَوْلُهُ: ﴿فَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ ؟ قُلْنا: عَلى قَوْلِهِ: ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ﴾ والمَعْنى يَشْرَبُونَ ويَتَحادَثُونَ عَلى الشَّرابِ قالَ الشّاعِرُ:
وما بَقِيَتْ مِنَ اللَّذّاتِ إلّا ∗∗∗ مُحادَثَةُ الكِرامِ عَلى المُدامِ
صفحة ١٢١
والمَعْنى فَيُقْبِلُ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ عَمّا جَرى لَهم وعَلَيْهِمْ في الدُّنْيا.
الصافات 37:49
صفحة ١١٩
﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِن مَعِينٍ﴾ ﴿بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ﴾ ﴿لا فِيها غَوْلٌ ولا هم عَنْها يُنْزَفُونَ﴾ ﴿وعِنْدَهم قاصِراتُ الطَّرْفِ عِينٌ﴾ ﴿كَأنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ ﴿فَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ لَهم رِزْقٌ مَعْلُومٌ﴾ ﴿فَواكِهُ وهم مُكْرَمُونَ﴾ ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ ﴿عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِن مَعِينٍ﴾ ﴿بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ﴾ ﴿لا فِيها غَوْلٌ ولا هم عَنْها يُنْزَفُونَ﴾ ﴿وعِنْدَهم قاصِراتُ الطَّرْفِ عِينٌ﴾ ﴿كَأنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ ﴿فَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ أحْوالَ المُتَكَبِّرِينَ عَنْ قَبُولِ التَّوْحِيدِ المُصِرِّينَ عَلى إنْكارِ النُّبُوَّةِ أرْدَفَهُ بِذِكْرِ حالِ المُخْلَصِينَ في كَيْفِيَّةِ الثَّوابِ، وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: ذَكَرْنا في فَتْحِ اللّامِ وكَسْرِها مِنَ المُخْلَصِينَ قِراءَتَيْنِ فالفَتْحُ أنَّ اللَّهَ تَعالى أخْلَصَهم بِلُطْفِهِ واصْطَفاهم بِفَضْلِهِ، والكَسْرُ هو أنَّهم أخْلَصُوا الطّاعَةَ لِلَّهِ تَعالى.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى وصَفَ رِزْقَهم بِكَوْنِهِ مَعْلُومًا، ولَمْ يُبَيِّنْ أنَّ أيَّ الصِّفاتِ مِنهُ هو المَعْلُومُ، فَلِذَلِكَ اخْتَلَفَتِ الأقْوالُ، فَقِيلَ: مَعْناهُ إنَّ ذَلِكَ الرِّزْقَ مَعْلُومُ الوَقْتِ، وهو مِقْدارُ غُدْوَةٍ وعَشِيَّةٍ وإنْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّةَ لا بُكْرَةٌ ولا عَشِيَّةٌ، قالَ تَعالى: ﴿ولَهم رِزْقُهم فِيها بُكْرَةً وعَشِيًّا﴾ [مريم: ٦٢]، وقِيلَ: مَعْناهُ أنَّ ذَلِكَ الرِّزْقَ مَعْلُومُ الصِّفَةِ لِكَوْنِهِ مَخْصُوصًا بِخَصائِصِ خَلَقَها اللَّهُ فِيهِ مِن طِيبِ طَعْمٍ ورائِحَةٍ ولَذَّةٍ وحُسْنِ مَنظَرٍ، وقِيلَ: مَعْناهُ أنَّهم يَتَيَقَّنُونَ دَوامَهُ لا كَرِزْقِ الدُّنْيا الَّذِي لا يُعْلَمُ مَتى يَحْصُلُ ولا مَتى يَنْقَطِعُ، وقِيلَ: مَعْناهُ القَدْرُ الَّذِي يَسْتَحِقُّونَهُ بِأعْمالِهِمْ مِن ثَوابِ اللَّهِ وكَرامَتِهِ عَلَيْهِمْ، وقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ يُعْطِيهِمْ غَيْرَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّفَضُّلِ، ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ تَعالى أنَّ لَهم رِزْقًا بَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ الرِّزْقَ ما هو فَقالَ: ﴿فَواكِهُ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنَّ الفاكِهَةَ عِبارَةٌ عَمّا يُؤْكَلُ لِأجْلِ التَّلَذُّذِ لا لِأجْلِ الحاجَةِ. وأرْزاقُ أهْلِ الجَنَّةِ كُلُّها فَواكِهُ؛ لِأنَّهم مُسْتَغْنُونَ عَنْ حِفْظِ الصِّحَّةِ بِالأقْواتِ فَإنَّهم أجْسامٌ مُحْكَمَةٌ مَخْلُوقَةٌ لِلْأبَدِ، فَكُلُّ ما يَأْكُلُونَهُ فَهو عَلى سَبِيلِ التَّلَذُّذِ.
والثّانِي: أنَّ المَقْصُودَ مِن ذِكْرِ الفاكِهَةِ التَّنْبِيهُ بِالأدْنى عَلى الأعْلى، يَعْنِي لَمّا كانَتِ الفاكِهَةُ حاضِرَةً أبَدًا كانَ الأدامُ أوْلى بِالحُضُورِ، والقَوْلُ الأوَّلُ أقْرَبُ إلى التَّحْقِيقِ، واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ الأكْلَ بَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ الأكْلَ حاصِلٌ مَعَ الإكْرامِ والتَّعْظِيمِ فَقالَ: ﴿وهم مُكْرَمُونَ﴾ لِأنَّ الأكْلَ الخالِيَ عَنِ التَّعْظِيمِ يَلِيقُ بِالبَهائِمِ.
ولَمّا ذَكَرَ تَعالى مَأْكُولَهم وصَفَ تَعالى مَساكِنَهم فَقالَ: ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ ﴿عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ ومَعْناهُ أنَّهُ لا كُلْفَةَ عَلَيْهِمْ في التَّلاقِي لِلْأُنْسِ والتَّخاطُبِ، وفي بَعْضِ الأخْبارِ أنَّهم إذا أرادُوا القُرْبَ سارَ السَّرِيرُ تَحْتَهم، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونُوا مُتَقابِلِينَ إلّا مَعَ حُصُولِ الخَواطِرِ والسَّرائِرِ، ولَنْ يَكُونُوا كَذَلِكَ إلّا مَعَ الفُسْحَةِ والسَّعَةِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَسْمَعَ بَعْضُهم خِطابَ بَعْضٍ ويَراهُ عَلى بُعْدٍ إلّا بِأنْ يُقَوِّيَ اللَّهُ أبْصارَهم وأسْماعَهم وأصْواتَهم، ولَمّا شَرَحَ اللَّهُ صِفَةَ المَأْكَلِ والمَسْكَنِ ذَكَرَ بَعْدَهُ صِفَةَ الشُّرْبِ فَقالَ: ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِن مَعِينٍ﴾ يُقالُ لِلزُّجاجَةِ الَّتِي فِيها الخَمْرُ كَأْسٌ وتُسَمّى الخَمْرَةُ نَفْسُها كَأْسًا قالَ:
وكَأْسٍ شَرِبْتُ عَلى لَذَّةٍ [ وأُخْرى تَداوَيْتُ مِنها بِها ]
وعَنِ الأخْفَشِ: كُلُّ كَأْسٍ في القُرْآنِ فَهي الخَمْرُ، وقَوْلُهُ: ﴿مِن مَعِينٍ﴾ أيْ: مِن شَرابٍ مَعِينٍ، أوْ مِن نَهَرٍ مَعِينٍ، المَعِينُ مَأْخُوذٌ مِن عَيْنِ الماءِ أيْ: يَخْرُجُ مِنَ العُيُونِ كَما يَخْرُجُ الماءُ وسُمِّيَ مَعِينًا لِظُهُورِهِ، يُقالُ: عانَ الماءُ
صفحة ١٢٠
إذا ظَهَرَ جارِيًا، قالَهُ ثَعْلَبٌ، فَهو مَفْعُولٌ مِنَ العَيْنِ نَحْوَ مَبِيعٍ ومَكِيلٍ، وقِيلَ: سُمِّيَ مَعِينًا؛ لِأنَّهُ يَجْرِي ظاهِرَ العَيْنِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ فَعِيلًا مِنَ المَعِينِ وهو الماءُ الشَّدِيدُ الجَرْيِ، ومِنهُ أمْعَنَ في المَسِيرِ إذا اشْتَدَّ فِيهِ، وقَوْلُهُ: ﴿بَيْضاءَ﴾ صِفَةٌ لِلْخَمْرِ، قالَ الأخْفَشُ: خَمْرُ الجَنَّةِ أشَدُّ بَياضًا مِنَ اللَّبَنِ، وقَوْلُهُ: ﴿لَذَّةٍ﴾ فِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّها وُصِفَتْ بِاللَّذَّةِ كَأنَّها نَفْسُ اللَّذَّةِ وعَيْنُها، كَما يُقالُ: فُلانٌ جُودٌ وكَرَمٌ، إذا أرادُوا المُبالَغَةَ في وصْفِهِ بِهاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ.
وثانِيها: قالَ الزَّجّاجُ: أيْ ذاتُ لَذَّةٍ فَعَلى هَذا حُذِفَ المُضافُ.
وثالِثُها: قالَ اللَّيْثُ: اللَّذُّ واللَّذِيذُ يَجْرِيانِ مَجْرًى واحِدًا في النَّعْتِ، ويُقالُ شَرابٌ لَذٌّ ولَذِيذٌ قالَ تَعالى: ﴿بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ﴾ وقالَ تَعالى: ﴿مِن خَمْرٍ لَذَّةٍ﴾ [محمد: ١٥] ولِذَلِكَ سُمِّيَ النَّوْمُ لَذًّا لِاسْتِلْذاذِهِ، وعَلى هَذا (لَذَّةٍ)بِمَعْنى لَذِيذَةٍ، والأقْرَبُ مِن هَذِهِ الوُجُوهِ الأوَّلُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لِلشّارِبِينَ﴾ ﴿لا فِيها غَوْلٌ﴾ وفِيهِ أبْحاثٌ:
البَحْثُ الأوَّلُ: قالَ الفَرّاءُ: العَرَبُ تَقُولُ لَيْسَ فِيها غِيلَةٌ وغائِلَةٌ وغَوْلٌ سَواءً، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الغَوْلُ أنْ يُغْتالَ عُقُولُهم، وأنْشَدَ قَوْلَ مُطِيعِ بْنِ إياسٍ:
وما زالَتِ الكَأْسَ تَغْتالُهم ∗∗∗ وتَذْهَبُ بِالأوَّلِ الأوَّلِ
وقالَ اللَّيْثُ: الغَوْلُ الصُّداعُ والمَعْنى لَيْسَ فِيها صُداعٌ كَما في خَمْرِ الدُّنْيا، قالَ الواحِدِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وحَقِيقَتُهُ الإهْلاكُ، يُقالُ: غالَهُ غَوْلًا أيْ أهْلَكَهُ، والغُولُ والغائِلُ المُهْلِكُ، ثُمَّ سُمِّيَ الصُّداعُ غَوْلًا؛ لِأنَّهُ يُؤَدِّي إلى الهَلاكِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولا هم عَنْها يُنْزَفُونَ﴾ وقُرِئَ بِكَسْرِ الزّايِ، قالَ الفَرّاءُ: مَن كَسَرَ الزّايَ فَلَهُ مَعْنَيانِ، يُقالُ أنْزَفَ الرَّجُلُ إذا نَفِدَتْ خَمْرَتُهُ، وأنْزَفَ إذا ذَهَبَ عَقْلُهُ مِنَ السُّكْرِ ومَن فَتَحَ الزّايَ فَمَعْناهُ لا يَذْهَبُ عُقُولُهم أيْ: لا يَسْكَرُونَ، يُقالُ: نَزَفَ الرَّجُلُ فَهو مَنزُوفٌ ونَزِيفٌ، والمَعْنى لَيْسَ فِيها قَطُّ نَوْعٌ مِن أنْواعِ الفَسادِ الَّتِي تَكُونُ في شُرْبِ الخَمْرِ مِن صُداعٍ أوْ خُمارٍ أوْ عَرْبَدَةٍ، ولا هم يَسْكَرُونَ أيْضًا، وخَصَّهُ بِالذِّكْرِ لِأنَّهُ أعْظَمُ المَفاسِدِ في شُرْبِ الخَمْرِ، ولَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى صِفَةَ مَشْرُوبِهِمْ ذَكَرَ عَقِيبَهُ صِفَةَ مَنكُوحِهِمْ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ:
الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿وعِنْدَهم قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ ومَعْنى القَصْرِ في اللُّغَةِ الحَبْسُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حُورٌ مَقْصُوراتٌ في الخِيامِ﴾ [الرحمن: ٧٢] والمَعْنى أنَّهُنَّ يَحْبِسْنَ نَظَرَهُنَّ ولا يَنْظُرْنَ إلى غَيْرِ أزْواجِهِنَّ.
الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عِينٌ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: كِبارُ الأعْيُنِ حِسانُها واحِدُها عَيْناءُ.
الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَأنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ المَكْنُونُ في اللُّغَةِ المَسْتُورُ، يُقالُ: كَنَنْتُ الشَّيْءَ وأكْنَنْتُهُ، ومَعْنى هَذا التَّشْبِيهِ أنَّ ظاهِرَ البَيْضِ بَياضٌ يَشُوبُهُ قَلِيلٌ مِنَ الصُّفْرَةِ، فَإذا كانَ مَكْنُونًا كانَ مَصُونًا عَنِ الغَبَرَةِ والقَتَرَةِ، فَكانَ هَذا اللَّوْنُ في غايَةِ الحُسْنِ، والعَرَبُ كانُوا يُسَمُّونَ النِّساءَ: بَيْضاتُ الخُدُورِ.
ولَمّا تَمَّمَ اللَّهُ صِفاتِ أهْلِ الجَنَّةِ قالَ: ﴿فَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ فَإنْ قِيلَ: عَلى أيِّ شَيْءٍ عُطِفَ قَوْلُهُ: ﴿فَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ ؟ قُلْنا: عَلى قَوْلِهِ: ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ﴾ والمَعْنى يَشْرَبُونَ ويَتَحادَثُونَ عَلى الشَّرابِ قالَ الشّاعِرُ:
وما بَقِيَتْ مِنَ اللَّذّاتِ إلّا ∗∗∗ مُحادَثَةُ الكِرامِ عَلى المُدامِ
صفحة ١٢١
والمَعْنى فَيُقْبِلُ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ عَمّا جَرى لَهم وعَلَيْهِمْ في الدُّنْيا.
الصافات 37:50
صفحة ١١٩
﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِن مَعِينٍ﴾ ﴿بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ﴾ ﴿لا فِيها غَوْلٌ ولا هم عَنْها يُنْزَفُونَ﴾ ﴿وعِنْدَهم قاصِراتُ الطَّرْفِ عِينٌ﴾ ﴿كَأنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ ﴿فَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ لَهم رِزْقٌ مَعْلُومٌ﴾ ﴿فَواكِهُ وهم مُكْرَمُونَ﴾ ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ ﴿عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِن مَعِينٍ﴾ ﴿بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ﴾ ﴿لا فِيها غَوْلٌ ولا هم عَنْها يُنْزَفُونَ﴾ ﴿وعِنْدَهم قاصِراتُ الطَّرْفِ عِينٌ﴾ ﴿كَأنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ ﴿فَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ أحْوالَ المُتَكَبِّرِينَ عَنْ قَبُولِ التَّوْحِيدِ المُصِرِّينَ عَلى إنْكارِ النُّبُوَّةِ أرْدَفَهُ بِذِكْرِ حالِ المُخْلَصِينَ في كَيْفِيَّةِ الثَّوابِ، وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: ذَكَرْنا في فَتْحِ اللّامِ وكَسْرِها مِنَ المُخْلَصِينَ قِراءَتَيْنِ فالفَتْحُ أنَّ اللَّهَ تَعالى أخْلَصَهم بِلُطْفِهِ واصْطَفاهم بِفَضْلِهِ، والكَسْرُ هو أنَّهم أخْلَصُوا الطّاعَةَ لِلَّهِ تَعالى.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى وصَفَ رِزْقَهم بِكَوْنِهِ مَعْلُومًا، ولَمْ يُبَيِّنْ أنَّ أيَّ الصِّفاتِ مِنهُ هو المَعْلُومُ، فَلِذَلِكَ اخْتَلَفَتِ الأقْوالُ، فَقِيلَ: مَعْناهُ إنَّ ذَلِكَ الرِّزْقَ مَعْلُومُ الوَقْتِ، وهو مِقْدارُ غُدْوَةٍ وعَشِيَّةٍ وإنْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّةَ لا بُكْرَةٌ ولا عَشِيَّةٌ، قالَ تَعالى: ﴿ولَهم رِزْقُهم فِيها بُكْرَةً وعَشِيًّا﴾ [مريم: ٦٢]، وقِيلَ: مَعْناهُ أنَّ ذَلِكَ الرِّزْقَ مَعْلُومُ الصِّفَةِ لِكَوْنِهِ مَخْصُوصًا بِخَصائِصِ خَلَقَها اللَّهُ فِيهِ مِن طِيبِ طَعْمٍ ورائِحَةٍ ولَذَّةٍ وحُسْنِ مَنظَرٍ، وقِيلَ: مَعْناهُ أنَّهم يَتَيَقَّنُونَ دَوامَهُ لا كَرِزْقِ الدُّنْيا الَّذِي لا يُعْلَمُ مَتى يَحْصُلُ ولا مَتى يَنْقَطِعُ، وقِيلَ: مَعْناهُ القَدْرُ الَّذِي يَسْتَحِقُّونَهُ بِأعْمالِهِمْ مِن ثَوابِ اللَّهِ وكَرامَتِهِ عَلَيْهِمْ، وقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ يُعْطِيهِمْ غَيْرَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّفَضُّلِ، ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ تَعالى أنَّ لَهم رِزْقًا بَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ الرِّزْقَ ما هو فَقالَ: ﴿فَواكِهُ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنَّ الفاكِهَةَ عِبارَةٌ عَمّا يُؤْكَلُ لِأجْلِ التَّلَذُّذِ لا لِأجْلِ الحاجَةِ. وأرْزاقُ أهْلِ الجَنَّةِ كُلُّها فَواكِهُ؛ لِأنَّهم مُسْتَغْنُونَ عَنْ حِفْظِ الصِّحَّةِ بِالأقْواتِ فَإنَّهم أجْسامٌ مُحْكَمَةٌ مَخْلُوقَةٌ لِلْأبَدِ، فَكُلُّ ما يَأْكُلُونَهُ فَهو عَلى سَبِيلِ التَّلَذُّذِ.
والثّانِي: أنَّ المَقْصُودَ مِن ذِكْرِ الفاكِهَةِ التَّنْبِيهُ بِالأدْنى عَلى الأعْلى، يَعْنِي لَمّا كانَتِ الفاكِهَةُ حاضِرَةً أبَدًا كانَ الأدامُ أوْلى بِالحُضُورِ، والقَوْلُ الأوَّلُ أقْرَبُ إلى التَّحْقِيقِ، واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ الأكْلَ بَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ الأكْلَ حاصِلٌ مَعَ الإكْرامِ والتَّعْظِيمِ فَقالَ: ﴿وهم مُكْرَمُونَ﴾ لِأنَّ الأكْلَ الخالِيَ عَنِ التَّعْظِيمِ يَلِيقُ بِالبَهائِمِ.
ولَمّا ذَكَرَ تَعالى مَأْكُولَهم وصَفَ تَعالى مَساكِنَهم فَقالَ: ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ ﴿عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ ومَعْناهُ أنَّهُ لا كُلْفَةَ عَلَيْهِمْ في التَّلاقِي لِلْأُنْسِ والتَّخاطُبِ، وفي بَعْضِ الأخْبارِ أنَّهم إذا أرادُوا القُرْبَ سارَ السَّرِيرُ تَحْتَهم، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونُوا مُتَقابِلِينَ إلّا مَعَ حُصُولِ الخَواطِرِ والسَّرائِرِ، ولَنْ يَكُونُوا كَذَلِكَ إلّا مَعَ الفُسْحَةِ والسَّعَةِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَسْمَعَ بَعْضُهم خِطابَ بَعْضٍ ويَراهُ عَلى بُعْدٍ إلّا بِأنْ يُقَوِّيَ اللَّهُ أبْصارَهم وأسْماعَهم وأصْواتَهم، ولَمّا شَرَحَ اللَّهُ صِفَةَ المَأْكَلِ والمَسْكَنِ ذَكَرَ بَعْدَهُ صِفَةَ الشُّرْبِ فَقالَ: ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِن مَعِينٍ﴾ يُقالُ لِلزُّجاجَةِ الَّتِي فِيها الخَمْرُ كَأْسٌ وتُسَمّى الخَمْرَةُ نَفْسُها كَأْسًا قالَ:
وكَأْسٍ شَرِبْتُ عَلى لَذَّةٍ [ وأُخْرى تَداوَيْتُ مِنها بِها ]
وعَنِ الأخْفَشِ: كُلُّ كَأْسٍ في القُرْآنِ فَهي الخَمْرُ، وقَوْلُهُ: ﴿مِن مَعِينٍ﴾ أيْ: مِن شَرابٍ مَعِينٍ، أوْ مِن نَهَرٍ مَعِينٍ، المَعِينُ مَأْخُوذٌ مِن عَيْنِ الماءِ أيْ: يَخْرُجُ مِنَ العُيُونِ كَما يَخْرُجُ الماءُ وسُمِّيَ مَعِينًا لِظُهُورِهِ، يُقالُ: عانَ الماءُ
صفحة ١٢٠
إذا ظَهَرَ جارِيًا، قالَهُ ثَعْلَبٌ، فَهو مَفْعُولٌ مِنَ العَيْنِ نَحْوَ مَبِيعٍ ومَكِيلٍ، وقِيلَ: سُمِّيَ مَعِينًا؛ لِأنَّهُ يَجْرِي ظاهِرَ العَيْنِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ فَعِيلًا مِنَ المَعِينِ وهو الماءُ الشَّدِيدُ الجَرْيِ، ومِنهُ أمْعَنَ في المَسِيرِ إذا اشْتَدَّ فِيهِ، وقَوْلُهُ: ﴿بَيْضاءَ﴾ صِفَةٌ لِلْخَمْرِ، قالَ الأخْفَشُ: خَمْرُ الجَنَّةِ أشَدُّ بَياضًا مِنَ اللَّبَنِ، وقَوْلُهُ: ﴿لَذَّةٍ﴾ فِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّها وُصِفَتْ بِاللَّذَّةِ كَأنَّها نَفْسُ اللَّذَّةِ وعَيْنُها، كَما يُقالُ: فُلانٌ جُودٌ وكَرَمٌ، إذا أرادُوا المُبالَغَةَ في وصْفِهِ بِهاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ.
وثانِيها: قالَ الزَّجّاجُ: أيْ ذاتُ لَذَّةٍ فَعَلى هَذا حُذِفَ المُضافُ.
وثالِثُها: قالَ اللَّيْثُ: اللَّذُّ واللَّذِيذُ يَجْرِيانِ مَجْرًى واحِدًا في النَّعْتِ، ويُقالُ شَرابٌ لَذٌّ ولَذِيذٌ قالَ تَعالى: ﴿بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ﴾ وقالَ تَعالى: ﴿مِن خَمْرٍ لَذَّةٍ﴾ [محمد: ١٥] ولِذَلِكَ سُمِّيَ النَّوْمُ لَذًّا لِاسْتِلْذاذِهِ، وعَلى هَذا (لَذَّةٍ)بِمَعْنى لَذِيذَةٍ، والأقْرَبُ مِن هَذِهِ الوُجُوهِ الأوَّلُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لِلشّارِبِينَ﴾ ﴿لا فِيها غَوْلٌ﴾ وفِيهِ أبْحاثٌ:
البَحْثُ الأوَّلُ: قالَ الفَرّاءُ: العَرَبُ تَقُولُ لَيْسَ فِيها غِيلَةٌ وغائِلَةٌ وغَوْلٌ سَواءً، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الغَوْلُ أنْ يُغْتالَ عُقُولُهم، وأنْشَدَ قَوْلَ مُطِيعِ بْنِ إياسٍ:
وما زالَتِ الكَأْسَ تَغْتالُهم ∗∗∗ وتَذْهَبُ بِالأوَّلِ الأوَّلِ
وقالَ اللَّيْثُ: الغَوْلُ الصُّداعُ والمَعْنى لَيْسَ فِيها صُداعٌ كَما في خَمْرِ الدُّنْيا، قالَ الواحِدِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وحَقِيقَتُهُ الإهْلاكُ، يُقالُ: غالَهُ غَوْلًا أيْ أهْلَكَهُ، والغُولُ والغائِلُ المُهْلِكُ، ثُمَّ سُمِّيَ الصُّداعُ غَوْلًا؛ لِأنَّهُ يُؤَدِّي إلى الهَلاكِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولا هم عَنْها يُنْزَفُونَ﴾ وقُرِئَ بِكَسْرِ الزّايِ، قالَ الفَرّاءُ: مَن كَسَرَ الزّايَ فَلَهُ مَعْنَيانِ، يُقالُ أنْزَفَ الرَّجُلُ إذا نَفِدَتْ خَمْرَتُهُ، وأنْزَفَ إذا ذَهَبَ عَقْلُهُ مِنَ السُّكْرِ ومَن فَتَحَ الزّايَ فَمَعْناهُ لا يَذْهَبُ عُقُولُهم أيْ: لا يَسْكَرُونَ، يُقالُ: نَزَفَ الرَّجُلُ فَهو مَنزُوفٌ ونَزِيفٌ، والمَعْنى لَيْسَ فِيها قَطُّ نَوْعٌ مِن أنْواعِ الفَسادِ الَّتِي تَكُونُ في شُرْبِ الخَمْرِ مِن صُداعٍ أوْ خُمارٍ أوْ عَرْبَدَةٍ، ولا هم يَسْكَرُونَ أيْضًا، وخَصَّهُ بِالذِّكْرِ لِأنَّهُ أعْظَمُ المَفاسِدِ في شُرْبِ الخَمْرِ، ولَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى صِفَةَ مَشْرُوبِهِمْ ذَكَرَ عَقِيبَهُ صِفَةَ مَنكُوحِهِمْ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ:
الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿وعِنْدَهم قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ ومَعْنى القَصْرِ في اللُّغَةِ الحَبْسُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حُورٌ مَقْصُوراتٌ في الخِيامِ﴾ [الرحمن: ٧٢] والمَعْنى أنَّهُنَّ يَحْبِسْنَ نَظَرَهُنَّ ولا يَنْظُرْنَ إلى غَيْرِ أزْواجِهِنَّ.
الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عِينٌ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: كِبارُ الأعْيُنِ حِسانُها واحِدُها عَيْناءُ.
الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَأنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ المَكْنُونُ في اللُّغَةِ المَسْتُورُ، يُقالُ: كَنَنْتُ الشَّيْءَ وأكْنَنْتُهُ، ومَعْنى هَذا التَّشْبِيهِ أنَّ ظاهِرَ البَيْضِ بَياضٌ يَشُوبُهُ قَلِيلٌ مِنَ الصُّفْرَةِ، فَإذا كانَ مَكْنُونًا كانَ مَصُونًا عَنِ الغَبَرَةِ والقَتَرَةِ، فَكانَ هَذا اللَّوْنُ في غايَةِ الحُسْنِ، والعَرَبُ كانُوا يُسَمُّونَ النِّساءَ: بَيْضاتُ الخُدُورِ.
ولَمّا تَمَّمَ اللَّهُ صِفاتِ أهْلِ الجَنَّةِ قالَ: ﴿فَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ فَإنْ قِيلَ: عَلى أيِّ شَيْءٍ عُطِفَ قَوْلُهُ: ﴿فَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ ؟ قُلْنا: عَلى قَوْلِهِ: ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ﴾ والمَعْنى يَشْرَبُونَ ويَتَحادَثُونَ عَلى الشَّرابِ قالَ الشّاعِرُ:
وما بَقِيَتْ مِنَ اللَّذّاتِ إلّا ∗∗∗ مُحادَثَةُ الكِرامِ عَلى المُدامِ
صفحة ١٢١
والمَعْنى فَيُقْبِلُ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ عَمّا جَرى لَهم وعَلَيْهِمْ في الدُّنْيا.
الصافات 37:51
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ قائِلٌ مِنهم إنِّي كانَ لِي قَرِينٌ﴾ ﴿يَقُولُ أئِنَّكَ لَمِنَ المُصَدِّقِينَ﴾ ﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَدِينُونَ﴾ ﴿قالَ هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ ﴿فاطَّلَعَ فَرَآهُ في سَواءِ الجَحِيمِ﴾ ﴿قالَ تاللَّهِ إنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ ﴿ولَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ المُحْضَرِينَ﴾ ﴿أفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ﴾ ﴿إلّا مَوْتَتَنا الأُولى وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ ﴿إنَّ هَذا لَهو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ ﴿لِمِثْلِ هَذا فَلْيَعْمَلِ العامِلُونَ﴾ في الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى كَما ذَكَرَ في أهْلِ الجَنَّةِ أنَّهم يَتَساءَلُونَ عِنْدَ الِاجْتِماعِ عَلى شُرْبِ خَمْرِ الجَنَّةِ فَإنَّ مُحادَثَةَ العُقَلاءِ بَعْضِهِمْ مَعَ بَعْضٍ عَلى الشُّرْبِ مِنَ الأُمُورِ اللَّذِيذَةِ، وتَذَكُّرَ الخَلاصِ عِنْدَ اجْتِماعِ أسْبابِ الهَلاكِ مِنَ الأُمُورِ اللَّذِيذَةِ، ذَكَرَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ أهْلَ الجَنَّةِ إذا اجْتَمَعُوا عَلى الشُّرْبِ وأخَذُوا في المُكالَمَةِ والمُساءَلَةِ كانَ مِن جُمْلَةِ تِلْكَ الكَلِماتِ أنَّهم يَتَذَكَّرُونَ أنَّهم كانَ قَدْ حَصَلَ لَهم في الدُّنْيا ما يُوجِبُ لَهُمُ الوُقُوعَ في عَذابِ اللَّهِ، ثُمَّ إنَّهم تَخَلَّصُوا عَنْهُ وفازُوا بِالسَّعادَةِ الأبَدِيَّةِ، والمَقْصُودُ مِن ذِكْرِ هَذِهِ الأشْياءِ أنَّ أهْلَ الجَنَّةِ يَتَكامَلُ سُرُورُهم وبَهْجَتُهم.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿قالَ قائِلٌ مِنهم إنِّي كانَ لِي قَرِينٌ﴾ أيْ: قالَ قائِلٌ: مِن أهْلِ الجَنَّةِ إنِّي كانَ لِي قَرِينٌ في الدُّنْيا ﴿يَقُولُ أئِنَّكَ لَمِنَ المُصَدِّقِينَ﴾ أيْ كانَ يُوَبِّخُنِي عَلى التَّصْدِيقِ بِالبَعْثِ والقِيامَةِ ويَقُولُ تَعَجُّبًا: ﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَدِينُونَ﴾ أيْ لَمُحاسَبُونَ ومُجازُونَ، والمَعْنى أنَّ ذَلِكَ القَرِينَ كانَ يَقُولُ هَذِهِ الكَلِماتِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِنْكارِ، ثُمَّ إنَّ ذَلِكَ الرَّجُلَ الَّذِي هو مِن أهْلِ الجَنَّةِ يَقُولُ لِجُلَسائِهِ يَدْعُوهم إلى كَمالِ السُّرُورِ بِالِاطِّلاعِ إلى النّارِ لِمُشاهَدَةِ ذَلِكَ القَرِينِ ومُخاطَبَتِهِ ﴿هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ ﴿فاطَّلَعَ﴾ والأقْرَبُ أنَّهُ تَكَلَّفَ أمْرًا اطَّلَعَ مَعَهُ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ مُطَّلِعًا بِلا تَكَلُّفٍ لَمْ يَكُنْ إلى اطِّلاعِهِ حاجَةٌ فَلِذَلِكَ قالَ بَعْضُهم: إنَّهُ ذَهَبَ إلى بَعْضِ أطْرافِ الجَنَّةِ فاطَّلَعَ عِنْدَها إلى النّارِ ﴿فَرَآهُ في سَواءِ الجَحِيمِ﴾ أيْ: في وسَطِ الجَحِيمِ قالَ لَهُ مُوَبِّخًا: ﴿تاللَّهِ إنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ أيْ: لَتُهْلِكُنِي بِدُعائِكَ إيّايَ إلى إنْكارِ البَعْثِ والقِيامَةِ ﴿ولَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي﴾ بِالإرْشادِ إلى الحَقِّ والعِصْمَةِ عَنِ الباطِلِ ﴿لَكُنْتُ مِنَ المُحْضَرِينَ﴾ في النّارِ مِثْلَكَ، ولَمّا تَمَّمَ ذَلِكَ الكَلامَ مَعَ الرَّجُلِ الَّذِي كانَ في الدُّنْيا قَرِينًا لَهُ وهو الآنُ مِن أهْلِ النّارِ عادَ إلى مُخاطَبَةِ جُلَسائِهِ الَّذِينَ هم مِن أهْلِ الجَنَّةِ فَقالَ ﴿أفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنَّ أهْلَ الجَنَّةِ لا يَعْلَمُونَ في أوَّلِ دُخُولِهِمْ في الجَنَّةِ أنَّهم لا يَمُوتُونَ، فَإذا جِيءَ بِالمَوْتِ عَلى صُورَةِ كَبْشٍ أمْلَحَ وذُبِحَ فَعِنْدَ ذَلِكَ يَعْلَمُونَ أنَّهم لا يَمُوتُونَ فَلَعَلَّ هَذا الكَلامَ حَصَلَ قَبْلَ ذَبْحِ المَوْتِ.
والثّانِي: أنَّ الَّذِي يَتَكامَلُ خَيْرُهُ وسَعادَتُهُ فَإذا عَظُمَ تَعَجُّبُهُ بِها قَدْ يَقُولُ أيَدُومُ هَذا لِي ؟ أفَيَبْقى هَذا لِي ؟
صفحة ١٢٢
وإنْ كانَ عَلى يَقِينٍ مِن دَوامِهِ، ثُمَّ عِنْدَ فَراغِهِمْ مِن هَذِهِ المُباحَثاتِ يَقُولُونَ: ﴿إنَّ هَذا لَهو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ .
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿لِمِثْلِ هَذا فَلْيَعْمَلِ العامِلُونَ﴾ فَقِيلَ: إنَّهُ مِن بَقِيَّةِ كَلامِهِمْ، وقِيلَ: إنَّهُ ابْتِداءُ كَلامٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى، أيْ لِطَلَبِ مِثْلِ هَذِهِ السَّعاداتِ يَجِبُ أنْ يَعْمَلَ العامِلُونَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ بَعْضُهُمُ: المُرادُ مِن هَذا القائِلِ ومِن قَرِينِهِ ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في سُورَةِ الكَهْفِ في قَوْلِهِ: ﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلًا رَجُلَيْنِ﴾ [الكهف: ٣٢] إلى آخِرِ الآياتِ، ورُوِيَ أنَّ رَجُلَيْنِ كانا شَرِيكَيْنِ، فَحَصَلَ لَهُما ثَمانِيَةُ آلافِ دِينارٍ، فَقالَ أحَدُهُما لِلْآخَرِ: أُقاسِمُكَ فَقاسَمَهُ، واشْتَرى دارًا بِألْفِ دِينارٍ فَأراها صاحِبَهُ، وقالَ: كَيْفَ تَرى حُسْنَها ؟ فَقالَ: ما أحْسَنَها فَخَرَجَ وقالَ: اللَّهُمَّ إنَّ صاحِبِي هَذا قَدِ ابْتاعَ هَذِهِ الدّارَ بِألْفِ دِينارٍ وإنِّي أسْألُكَ دارًا مِن دُورِ الجَنَّةِ، فَتَصَدَّقَ بِألْفِ دِينارٍ، ثُمَّ إنَّ صاحَبَهُ تَزَوَّجَ بِامْرَأةٍ حَسْناءَ بِألْفِ دِينارٍ فَتَصَدَّقَ هَذا بِألْفِ دِينارٍ، ثُمَّ إنَّ صاحَبَهُ اشْتَرى بَساتِينَ بِألْفَيْ دِينارٍ فَتَصَدَّقَ هَذا بِألْفَيْ دِينارٍ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ أعْطاهُ في الجَنَّةِ ما طَلَبَ، فَعِنْدَ هَذا قالَ: ﴿إنِّي كانَ لِي قَرِينٌ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فاطَّلَعَ فَرَآهُ في سَواءِ الجَحِيمِ﴾ .
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿أئِنَّكَ لَمِنَ المُصَدِّقِينَ﴾ ﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَدِينُونَ﴾ اخْتَلَفَ القُرّاءُ في هَذِهِ الِاسْتِفْهاماتِ الثَّلاثَةِ، قَرَأ نافِعٌ الأُولى والثّانِيَةَ بِالِاسْتِفْهامِ بِهَمْزَةٍ غَيْرِ مَمْدُودَةٍ، والثّالِثَةَ بِكَسْرِ الألِفِ مِن غَيْرِ اسْتِفْهامٍ، ووافَقَهُ الكِسائِيُّ إلّا أنَّهُ يَسْتَفْهِمُ الثّالِثَةَ بِهَمْزَتَيْنِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ الأُولى والثّالِثَةَ بِالِاسْتِفْهامِ بِهَمْزَتَيْنِ، والثّانِيَةَ بِكَسْرِ الألِفِ مِن غَيْرِ اسْتِفْهامٍ، وقَرَأ الباقُونَ بِالِاسْتِفْهامِ في جَمِيعِها، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فابْنُ كَثِيرٍ يَسْتَفْهِمُ بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ غَيْرِ مُطَوَّلَةٍ وبَعْدِها ياءٌ ساكِنَةٌ خَفِيفَةٌ، وأبُو عَمْرٍو مُطَوَّلَةً، وعاصِمٌ وحَمْزَةُ بِهَمْزَتَيْنِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿إنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ قَرَأ نافِعٌ بِرِوايَةِ ورْشٍ لَتُرْدِينِي بِإثْباتِ الياءِ في الوَصْلِ والباقُونَ بِحَذْفِها.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا عَلى أنَّ الهُدى والضَّلالَ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ المُحْضَرِينَ﴾ وقالُوا: مَذْهَبُ الخَصْمِ أنَّ كُلَّ ما فَعَلَهُ اللَّهُ تَعالى مِن وُجُوهِ الإنْعامِ في حَقِّ المُؤْمِنِ فَقَدْ فَعَلَهُ في حَقِّ الكافِرِ، وإذا كانَ ذَلِكَ الإنْعامُ مُشْتَرَكًا فِيهِ امْتَنَعَ أنْ يَكُونَ سَبَبًا لِحُصُولِ الهِدايَةِ لِلْمُؤْمِنِ، وأنْ يَكُونَ سَبَبًا لِخَلاصِهِ مِنَ الكُفْرِ والرَّدى فَوَجَبَ أنْ تَكُونَ تِلْكَ النِّعْمَةُ المَخْصُوصَةُ أمْرًا زائِدًا عَلى تِلْكَ الإنْعاماتِ الَّتِي حَصَلَ الِاشْتِراكُ فِيها، وما ذَلِكَ إلّا بِقُوَّةِ الدّاعِي إلى الإيمانِ وتَكْمِيلِ الصّارِفِ عَنِ الكُفْرِ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: احْتَجَّ نُفاةُ عَذابِ القَبْرِ بِقَوْلِ الرَّجُلِ الَّذِي مِن أهْلِ الجَنَّةِ ﴿أفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ﴾ ﴿إلّا مَوْتَتَنا الأُولى﴾ فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الإنْسانَ لا يَمُوتُ إلّا مَرَّةً واحِدَةً ولَوْ حَصَلَتِ الحَياةُ في القَبْرِ لَكانَ المَوْتُ حاصِلًا مَرَّتَيْنِ، والجَوابُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إلّا مَوْتَتَنا الأُولى﴾ المُرادُ مِنهُ كُلُّ ما وقَعَ في الدُّنْيا، واللَّهُ أعْلَمُ.
الصافات 37:52
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ قائِلٌ مِنهم إنِّي كانَ لِي قَرِينٌ﴾ ﴿يَقُولُ أئِنَّكَ لَمِنَ المُصَدِّقِينَ﴾ ﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَدِينُونَ﴾ ﴿قالَ هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ ﴿فاطَّلَعَ فَرَآهُ في سَواءِ الجَحِيمِ﴾ ﴿قالَ تاللَّهِ إنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ ﴿ولَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ المُحْضَرِينَ﴾ ﴿أفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ﴾ ﴿إلّا مَوْتَتَنا الأُولى وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ ﴿إنَّ هَذا لَهو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ ﴿لِمِثْلِ هَذا فَلْيَعْمَلِ العامِلُونَ﴾ في الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى كَما ذَكَرَ في أهْلِ الجَنَّةِ أنَّهم يَتَساءَلُونَ عِنْدَ الِاجْتِماعِ عَلى شُرْبِ خَمْرِ الجَنَّةِ فَإنَّ مُحادَثَةَ العُقَلاءِ بَعْضِهِمْ مَعَ بَعْضٍ عَلى الشُّرْبِ مِنَ الأُمُورِ اللَّذِيذَةِ، وتَذَكُّرَ الخَلاصِ عِنْدَ اجْتِماعِ أسْبابِ الهَلاكِ مِنَ الأُمُورِ اللَّذِيذَةِ، ذَكَرَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ أهْلَ الجَنَّةِ إذا اجْتَمَعُوا عَلى الشُّرْبِ وأخَذُوا في المُكالَمَةِ والمُساءَلَةِ كانَ مِن جُمْلَةِ تِلْكَ الكَلِماتِ أنَّهم يَتَذَكَّرُونَ أنَّهم كانَ قَدْ حَصَلَ لَهم في الدُّنْيا ما يُوجِبُ لَهُمُ الوُقُوعَ في عَذابِ اللَّهِ، ثُمَّ إنَّهم تَخَلَّصُوا عَنْهُ وفازُوا بِالسَّعادَةِ الأبَدِيَّةِ، والمَقْصُودُ مِن ذِكْرِ هَذِهِ الأشْياءِ أنَّ أهْلَ الجَنَّةِ يَتَكامَلُ سُرُورُهم وبَهْجَتُهم.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿قالَ قائِلٌ مِنهم إنِّي كانَ لِي قَرِينٌ﴾ أيْ: قالَ قائِلٌ: مِن أهْلِ الجَنَّةِ إنِّي كانَ لِي قَرِينٌ في الدُّنْيا ﴿يَقُولُ أئِنَّكَ لَمِنَ المُصَدِّقِينَ﴾ أيْ كانَ يُوَبِّخُنِي عَلى التَّصْدِيقِ بِالبَعْثِ والقِيامَةِ ويَقُولُ تَعَجُّبًا: ﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَدِينُونَ﴾ أيْ لَمُحاسَبُونَ ومُجازُونَ، والمَعْنى أنَّ ذَلِكَ القَرِينَ كانَ يَقُولُ هَذِهِ الكَلِماتِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِنْكارِ، ثُمَّ إنَّ ذَلِكَ الرَّجُلَ الَّذِي هو مِن أهْلِ الجَنَّةِ يَقُولُ لِجُلَسائِهِ يَدْعُوهم إلى كَمالِ السُّرُورِ بِالِاطِّلاعِ إلى النّارِ لِمُشاهَدَةِ ذَلِكَ القَرِينِ ومُخاطَبَتِهِ ﴿هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ ﴿فاطَّلَعَ﴾ والأقْرَبُ أنَّهُ تَكَلَّفَ أمْرًا اطَّلَعَ مَعَهُ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ مُطَّلِعًا بِلا تَكَلُّفٍ لَمْ يَكُنْ إلى اطِّلاعِهِ حاجَةٌ فَلِذَلِكَ قالَ بَعْضُهم: إنَّهُ ذَهَبَ إلى بَعْضِ أطْرافِ الجَنَّةِ فاطَّلَعَ عِنْدَها إلى النّارِ ﴿فَرَآهُ في سَواءِ الجَحِيمِ﴾ أيْ: في وسَطِ الجَحِيمِ قالَ لَهُ مُوَبِّخًا: ﴿تاللَّهِ إنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ أيْ: لَتُهْلِكُنِي بِدُعائِكَ إيّايَ إلى إنْكارِ البَعْثِ والقِيامَةِ ﴿ولَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي﴾ بِالإرْشادِ إلى الحَقِّ والعِصْمَةِ عَنِ الباطِلِ ﴿لَكُنْتُ مِنَ المُحْضَرِينَ﴾ في النّارِ مِثْلَكَ، ولَمّا تَمَّمَ ذَلِكَ الكَلامَ مَعَ الرَّجُلِ الَّذِي كانَ في الدُّنْيا قَرِينًا لَهُ وهو الآنُ مِن أهْلِ النّارِ عادَ إلى مُخاطَبَةِ جُلَسائِهِ الَّذِينَ هم مِن أهْلِ الجَنَّةِ فَقالَ ﴿أفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنَّ أهْلَ الجَنَّةِ لا يَعْلَمُونَ في أوَّلِ دُخُولِهِمْ في الجَنَّةِ أنَّهم لا يَمُوتُونَ، فَإذا جِيءَ بِالمَوْتِ عَلى صُورَةِ كَبْشٍ أمْلَحَ وذُبِحَ فَعِنْدَ ذَلِكَ يَعْلَمُونَ أنَّهم لا يَمُوتُونَ فَلَعَلَّ هَذا الكَلامَ حَصَلَ قَبْلَ ذَبْحِ المَوْتِ.
والثّانِي: أنَّ الَّذِي يَتَكامَلُ خَيْرُهُ وسَعادَتُهُ فَإذا عَظُمَ تَعَجُّبُهُ بِها قَدْ يَقُولُ أيَدُومُ هَذا لِي ؟ أفَيَبْقى هَذا لِي ؟
صفحة ١٢٢
وإنْ كانَ عَلى يَقِينٍ مِن دَوامِهِ، ثُمَّ عِنْدَ فَراغِهِمْ مِن هَذِهِ المُباحَثاتِ يَقُولُونَ: ﴿إنَّ هَذا لَهو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ .
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿لِمِثْلِ هَذا فَلْيَعْمَلِ العامِلُونَ﴾ فَقِيلَ: إنَّهُ مِن بَقِيَّةِ كَلامِهِمْ، وقِيلَ: إنَّهُ ابْتِداءُ كَلامٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى، أيْ لِطَلَبِ مِثْلِ هَذِهِ السَّعاداتِ يَجِبُ أنْ يَعْمَلَ العامِلُونَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ بَعْضُهُمُ: المُرادُ مِن هَذا القائِلِ ومِن قَرِينِهِ ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في سُورَةِ الكَهْفِ في قَوْلِهِ: ﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلًا رَجُلَيْنِ﴾ [الكهف: ٣٢] إلى آخِرِ الآياتِ، ورُوِيَ أنَّ رَجُلَيْنِ كانا شَرِيكَيْنِ، فَحَصَلَ لَهُما ثَمانِيَةُ آلافِ دِينارٍ، فَقالَ أحَدُهُما لِلْآخَرِ: أُقاسِمُكَ فَقاسَمَهُ، واشْتَرى دارًا بِألْفِ دِينارٍ فَأراها صاحِبَهُ، وقالَ: كَيْفَ تَرى حُسْنَها ؟ فَقالَ: ما أحْسَنَها فَخَرَجَ وقالَ: اللَّهُمَّ إنَّ صاحِبِي هَذا قَدِ ابْتاعَ هَذِهِ الدّارَ بِألْفِ دِينارٍ وإنِّي أسْألُكَ دارًا مِن دُورِ الجَنَّةِ، فَتَصَدَّقَ بِألْفِ دِينارٍ، ثُمَّ إنَّ صاحَبَهُ تَزَوَّجَ بِامْرَأةٍ حَسْناءَ بِألْفِ دِينارٍ فَتَصَدَّقَ هَذا بِألْفِ دِينارٍ، ثُمَّ إنَّ صاحَبَهُ اشْتَرى بَساتِينَ بِألْفَيْ دِينارٍ فَتَصَدَّقَ هَذا بِألْفَيْ دِينارٍ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ أعْطاهُ في الجَنَّةِ ما طَلَبَ، فَعِنْدَ هَذا قالَ: ﴿إنِّي كانَ لِي قَرِينٌ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فاطَّلَعَ فَرَآهُ في سَواءِ الجَحِيمِ﴾ .
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿أئِنَّكَ لَمِنَ المُصَدِّقِينَ﴾ ﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَدِينُونَ﴾ اخْتَلَفَ القُرّاءُ في هَذِهِ الِاسْتِفْهاماتِ الثَّلاثَةِ، قَرَأ نافِعٌ الأُولى والثّانِيَةَ بِالِاسْتِفْهامِ بِهَمْزَةٍ غَيْرِ مَمْدُودَةٍ، والثّالِثَةَ بِكَسْرِ الألِفِ مِن غَيْرِ اسْتِفْهامٍ، ووافَقَهُ الكِسائِيُّ إلّا أنَّهُ يَسْتَفْهِمُ الثّالِثَةَ بِهَمْزَتَيْنِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ الأُولى والثّالِثَةَ بِالِاسْتِفْهامِ بِهَمْزَتَيْنِ، والثّانِيَةَ بِكَسْرِ الألِفِ مِن غَيْرِ اسْتِفْهامٍ، وقَرَأ الباقُونَ بِالِاسْتِفْهامِ في جَمِيعِها، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فابْنُ كَثِيرٍ يَسْتَفْهِمُ بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ غَيْرِ مُطَوَّلَةٍ وبَعْدِها ياءٌ ساكِنَةٌ خَفِيفَةٌ، وأبُو عَمْرٍو مُطَوَّلَةً، وعاصِمٌ وحَمْزَةُ بِهَمْزَتَيْنِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿إنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ قَرَأ نافِعٌ بِرِوايَةِ ورْشٍ لَتُرْدِينِي بِإثْباتِ الياءِ في الوَصْلِ والباقُونَ بِحَذْفِها.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا عَلى أنَّ الهُدى والضَّلالَ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ المُحْضَرِينَ﴾ وقالُوا: مَذْهَبُ الخَصْمِ أنَّ كُلَّ ما فَعَلَهُ اللَّهُ تَعالى مِن وُجُوهِ الإنْعامِ في حَقِّ المُؤْمِنِ فَقَدْ فَعَلَهُ في حَقِّ الكافِرِ، وإذا كانَ ذَلِكَ الإنْعامُ مُشْتَرَكًا فِيهِ امْتَنَعَ أنْ يَكُونَ سَبَبًا لِحُصُولِ الهِدايَةِ لِلْمُؤْمِنِ، وأنْ يَكُونَ سَبَبًا لِخَلاصِهِ مِنَ الكُفْرِ والرَّدى فَوَجَبَ أنْ تَكُونَ تِلْكَ النِّعْمَةُ المَخْصُوصَةُ أمْرًا زائِدًا عَلى تِلْكَ الإنْعاماتِ الَّتِي حَصَلَ الِاشْتِراكُ فِيها، وما ذَلِكَ إلّا بِقُوَّةِ الدّاعِي إلى الإيمانِ وتَكْمِيلِ الصّارِفِ عَنِ الكُفْرِ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: احْتَجَّ نُفاةُ عَذابِ القَبْرِ بِقَوْلِ الرَّجُلِ الَّذِي مِن أهْلِ الجَنَّةِ ﴿أفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ﴾ ﴿إلّا مَوْتَتَنا الأُولى﴾ فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الإنْسانَ لا يَمُوتُ إلّا مَرَّةً واحِدَةً ولَوْ حَصَلَتِ الحَياةُ في القَبْرِ لَكانَ المَوْتُ حاصِلًا مَرَّتَيْنِ، والجَوابُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إلّا مَوْتَتَنا الأُولى﴾ المُرادُ مِنهُ كُلُّ ما وقَعَ في الدُّنْيا، واللَّهُ أعْلَمُ.
الصافات 37:53
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ قائِلٌ مِنهم إنِّي كانَ لِي قَرِينٌ﴾ ﴿يَقُولُ أئِنَّكَ لَمِنَ المُصَدِّقِينَ﴾ ﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَدِينُونَ﴾ ﴿قالَ هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ ﴿فاطَّلَعَ فَرَآهُ في سَواءِ الجَحِيمِ﴾ ﴿قالَ تاللَّهِ إنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ ﴿ولَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ المُحْضَرِينَ﴾ ﴿أفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ﴾ ﴿إلّا مَوْتَتَنا الأُولى وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ ﴿إنَّ هَذا لَهو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ ﴿لِمِثْلِ هَذا فَلْيَعْمَلِ العامِلُونَ﴾ في الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى كَما ذَكَرَ في أهْلِ الجَنَّةِ أنَّهم يَتَساءَلُونَ عِنْدَ الِاجْتِماعِ عَلى شُرْبِ خَمْرِ الجَنَّةِ فَإنَّ مُحادَثَةَ العُقَلاءِ بَعْضِهِمْ مَعَ بَعْضٍ عَلى الشُّرْبِ مِنَ الأُمُورِ اللَّذِيذَةِ، وتَذَكُّرَ الخَلاصِ عِنْدَ اجْتِماعِ أسْبابِ الهَلاكِ مِنَ الأُمُورِ اللَّذِيذَةِ، ذَكَرَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ أهْلَ الجَنَّةِ إذا اجْتَمَعُوا عَلى الشُّرْبِ وأخَذُوا في المُكالَمَةِ والمُساءَلَةِ كانَ مِن جُمْلَةِ تِلْكَ الكَلِماتِ أنَّهم يَتَذَكَّرُونَ أنَّهم كانَ قَدْ حَصَلَ لَهم في الدُّنْيا ما يُوجِبُ لَهُمُ الوُقُوعَ في عَذابِ اللَّهِ، ثُمَّ إنَّهم تَخَلَّصُوا عَنْهُ وفازُوا بِالسَّعادَةِ الأبَدِيَّةِ، والمَقْصُودُ مِن ذِكْرِ هَذِهِ الأشْياءِ أنَّ أهْلَ الجَنَّةِ يَتَكامَلُ سُرُورُهم وبَهْجَتُهم.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿قالَ قائِلٌ مِنهم إنِّي كانَ لِي قَرِينٌ﴾ أيْ: قالَ قائِلٌ: مِن أهْلِ الجَنَّةِ إنِّي كانَ لِي قَرِينٌ في الدُّنْيا ﴿يَقُولُ أئِنَّكَ لَمِنَ المُصَدِّقِينَ﴾ أيْ كانَ يُوَبِّخُنِي عَلى التَّصْدِيقِ بِالبَعْثِ والقِيامَةِ ويَقُولُ تَعَجُّبًا: ﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَدِينُونَ﴾ أيْ لَمُحاسَبُونَ ومُجازُونَ، والمَعْنى أنَّ ذَلِكَ القَرِينَ كانَ يَقُولُ هَذِهِ الكَلِماتِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِنْكارِ، ثُمَّ إنَّ ذَلِكَ الرَّجُلَ الَّذِي هو مِن أهْلِ الجَنَّةِ يَقُولُ لِجُلَسائِهِ يَدْعُوهم إلى كَمالِ السُّرُورِ بِالِاطِّلاعِ إلى النّارِ لِمُشاهَدَةِ ذَلِكَ القَرِينِ ومُخاطَبَتِهِ ﴿هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ ﴿فاطَّلَعَ﴾ والأقْرَبُ أنَّهُ تَكَلَّفَ أمْرًا اطَّلَعَ مَعَهُ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ مُطَّلِعًا بِلا تَكَلُّفٍ لَمْ يَكُنْ إلى اطِّلاعِهِ حاجَةٌ فَلِذَلِكَ قالَ بَعْضُهم: إنَّهُ ذَهَبَ إلى بَعْضِ أطْرافِ الجَنَّةِ فاطَّلَعَ عِنْدَها إلى النّارِ ﴿فَرَآهُ في سَواءِ الجَحِيمِ﴾ أيْ: في وسَطِ الجَحِيمِ قالَ لَهُ مُوَبِّخًا: ﴿تاللَّهِ إنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ أيْ: لَتُهْلِكُنِي بِدُعائِكَ إيّايَ إلى إنْكارِ البَعْثِ والقِيامَةِ ﴿ولَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي﴾ بِالإرْشادِ إلى الحَقِّ والعِصْمَةِ عَنِ الباطِلِ ﴿لَكُنْتُ مِنَ المُحْضَرِينَ﴾ في النّارِ مِثْلَكَ، ولَمّا تَمَّمَ ذَلِكَ الكَلامَ مَعَ الرَّجُلِ الَّذِي كانَ في الدُّنْيا قَرِينًا لَهُ وهو الآنُ مِن أهْلِ النّارِ عادَ إلى مُخاطَبَةِ جُلَسائِهِ الَّذِينَ هم مِن أهْلِ الجَنَّةِ فَقالَ ﴿أفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنَّ أهْلَ الجَنَّةِ لا يَعْلَمُونَ في أوَّلِ دُخُولِهِمْ في الجَنَّةِ أنَّهم لا يَمُوتُونَ، فَإذا جِيءَ بِالمَوْتِ عَلى صُورَةِ كَبْشٍ أمْلَحَ وذُبِحَ فَعِنْدَ ذَلِكَ يَعْلَمُونَ أنَّهم لا يَمُوتُونَ فَلَعَلَّ هَذا الكَلامَ حَصَلَ قَبْلَ ذَبْحِ المَوْتِ.
والثّانِي: أنَّ الَّذِي يَتَكامَلُ خَيْرُهُ وسَعادَتُهُ فَإذا عَظُمَ تَعَجُّبُهُ بِها قَدْ يَقُولُ أيَدُومُ هَذا لِي ؟ أفَيَبْقى هَذا لِي ؟
صفحة ١٢٢
وإنْ كانَ عَلى يَقِينٍ مِن دَوامِهِ، ثُمَّ عِنْدَ فَراغِهِمْ مِن هَذِهِ المُباحَثاتِ يَقُولُونَ: ﴿إنَّ هَذا لَهو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ .
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿لِمِثْلِ هَذا فَلْيَعْمَلِ العامِلُونَ﴾ فَقِيلَ: إنَّهُ مِن بَقِيَّةِ كَلامِهِمْ، وقِيلَ: إنَّهُ ابْتِداءُ كَلامٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى، أيْ لِطَلَبِ مِثْلِ هَذِهِ السَّعاداتِ يَجِبُ أنْ يَعْمَلَ العامِلُونَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ بَعْضُهُمُ: المُرادُ مِن هَذا القائِلِ ومِن قَرِينِهِ ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في سُورَةِ الكَهْفِ في قَوْلِهِ: ﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلًا رَجُلَيْنِ﴾ [الكهف: ٣٢] إلى آخِرِ الآياتِ، ورُوِيَ أنَّ رَجُلَيْنِ كانا شَرِيكَيْنِ، فَحَصَلَ لَهُما ثَمانِيَةُ آلافِ دِينارٍ، فَقالَ أحَدُهُما لِلْآخَرِ: أُقاسِمُكَ فَقاسَمَهُ، واشْتَرى دارًا بِألْفِ دِينارٍ فَأراها صاحِبَهُ، وقالَ: كَيْفَ تَرى حُسْنَها ؟ فَقالَ: ما أحْسَنَها فَخَرَجَ وقالَ: اللَّهُمَّ إنَّ صاحِبِي هَذا قَدِ ابْتاعَ هَذِهِ الدّارَ بِألْفِ دِينارٍ وإنِّي أسْألُكَ دارًا مِن دُورِ الجَنَّةِ، فَتَصَدَّقَ بِألْفِ دِينارٍ، ثُمَّ إنَّ صاحَبَهُ تَزَوَّجَ بِامْرَأةٍ حَسْناءَ بِألْفِ دِينارٍ فَتَصَدَّقَ هَذا بِألْفِ دِينارٍ، ثُمَّ إنَّ صاحَبَهُ اشْتَرى بَساتِينَ بِألْفَيْ دِينارٍ فَتَصَدَّقَ هَذا بِألْفَيْ دِينارٍ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ أعْطاهُ في الجَنَّةِ ما طَلَبَ، فَعِنْدَ هَذا قالَ: ﴿إنِّي كانَ لِي قَرِينٌ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فاطَّلَعَ فَرَآهُ في سَواءِ الجَحِيمِ﴾ .
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿أئِنَّكَ لَمِنَ المُصَدِّقِينَ﴾ ﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَدِينُونَ﴾ اخْتَلَفَ القُرّاءُ في هَذِهِ الِاسْتِفْهاماتِ الثَّلاثَةِ، قَرَأ نافِعٌ الأُولى والثّانِيَةَ بِالِاسْتِفْهامِ بِهَمْزَةٍ غَيْرِ مَمْدُودَةٍ، والثّالِثَةَ بِكَسْرِ الألِفِ مِن غَيْرِ اسْتِفْهامٍ، ووافَقَهُ الكِسائِيُّ إلّا أنَّهُ يَسْتَفْهِمُ الثّالِثَةَ بِهَمْزَتَيْنِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ الأُولى والثّالِثَةَ بِالِاسْتِفْهامِ بِهَمْزَتَيْنِ، والثّانِيَةَ بِكَسْرِ الألِفِ مِن غَيْرِ اسْتِفْهامٍ، وقَرَأ الباقُونَ بِالِاسْتِفْهامِ في جَمِيعِها، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فابْنُ كَثِيرٍ يَسْتَفْهِمُ بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ غَيْرِ مُطَوَّلَةٍ وبَعْدِها ياءٌ ساكِنَةٌ خَفِيفَةٌ، وأبُو عَمْرٍو مُطَوَّلَةً، وعاصِمٌ وحَمْزَةُ بِهَمْزَتَيْنِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿إنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ قَرَأ نافِعٌ بِرِوايَةِ ورْشٍ لَتُرْدِينِي بِإثْباتِ الياءِ في الوَصْلِ والباقُونَ بِحَذْفِها.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا عَلى أنَّ الهُدى والضَّلالَ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ المُحْضَرِينَ﴾ وقالُوا: مَذْهَبُ الخَصْمِ أنَّ كُلَّ ما فَعَلَهُ اللَّهُ تَعالى مِن وُجُوهِ الإنْعامِ في حَقِّ المُؤْمِنِ فَقَدْ فَعَلَهُ في حَقِّ الكافِرِ، وإذا كانَ ذَلِكَ الإنْعامُ مُشْتَرَكًا فِيهِ امْتَنَعَ أنْ يَكُونَ سَبَبًا لِحُصُولِ الهِدايَةِ لِلْمُؤْمِنِ، وأنْ يَكُونَ سَبَبًا لِخَلاصِهِ مِنَ الكُفْرِ والرَّدى فَوَجَبَ أنْ تَكُونَ تِلْكَ النِّعْمَةُ المَخْصُوصَةُ أمْرًا زائِدًا عَلى تِلْكَ الإنْعاماتِ الَّتِي حَصَلَ الِاشْتِراكُ فِيها، وما ذَلِكَ إلّا بِقُوَّةِ الدّاعِي إلى الإيمانِ وتَكْمِيلِ الصّارِفِ عَنِ الكُفْرِ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: احْتَجَّ نُفاةُ عَذابِ القَبْرِ بِقَوْلِ الرَّجُلِ الَّذِي مِن أهْلِ الجَنَّةِ ﴿أفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ﴾ ﴿إلّا مَوْتَتَنا الأُولى﴾ فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الإنْسانَ لا يَمُوتُ إلّا مَرَّةً واحِدَةً ولَوْ حَصَلَتِ الحَياةُ في القَبْرِ لَكانَ المَوْتُ حاصِلًا مَرَّتَيْنِ، والجَوابُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إلّا مَوْتَتَنا الأُولى﴾ المُرادُ مِنهُ كُلُّ ما وقَعَ في الدُّنْيا، واللَّهُ أعْلَمُ.
الصافات 37:54
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ قائِلٌ مِنهم إنِّي كانَ لِي قَرِينٌ﴾ ﴿يَقُولُ أئِنَّكَ لَمِنَ المُصَدِّقِينَ﴾ ﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَدِينُونَ﴾ ﴿قالَ هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ ﴿فاطَّلَعَ فَرَآهُ في سَواءِ الجَحِيمِ﴾ ﴿قالَ تاللَّهِ إنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ ﴿ولَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ المُحْضَرِينَ﴾ ﴿أفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ﴾ ﴿إلّا مَوْتَتَنا الأُولى وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ ﴿إنَّ هَذا لَهو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ ﴿لِمِثْلِ هَذا فَلْيَعْمَلِ العامِلُونَ﴾ في الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى كَما ذَكَرَ في أهْلِ الجَنَّةِ أنَّهم يَتَساءَلُونَ عِنْدَ الِاجْتِماعِ عَلى شُرْبِ خَمْرِ الجَنَّةِ فَإنَّ مُحادَثَةَ العُقَلاءِ بَعْضِهِمْ مَعَ بَعْضٍ عَلى الشُّرْبِ مِنَ الأُمُورِ اللَّذِيذَةِ، وتَذَكُّرَ الخَلاصِ عِنْدَ اجْتِماعِ أسْبابِ الهَلاكِ مِنَ الأُمُورِ اللَّذِيذَةِ، ذَكَرَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ أهْلَ الجَنَّةِ إذا اجْتَمَعُوا عَلى الشُّرْبِ وأخَذُوا في المُكالَمَةِ والمُساءَلَةِ كانَ مِن جُمْلَةِ تِلْكَ الكَلِماتِ أنَّهم يَتَذَكَّرُونَ أنَّهم كانَ قَدْ حَصَلَ لَهم في الدُّنْيا ما يُوجِبُ لَهُمُ الوُقُوعَ في عَذابِ اللَّهِ، ثُمَّ إنَّهم تَخَلَّصُوا عَنْهُ وفازُوا بِالسَّعادَةِ الأبَدِيَّةِ، والمَقْصُودُ مِن ذِكْرِ هَذِهِ الأشْياءِ أنَّ أهْلَ الجَنَّةِ يَتَكامَلُ سُرُورُهم وبَهْجَتُهم.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿قالَ قائِلٌ مِنهم إنِّي كانَ لِي قَرِينٌ﴾ أيْ: قالَ قائِلٌ: مِن أهْلِ الجَنَّةِ إنِّي كانَ لِي قَرِينٌ في الدُّنْيا ﴿يَقُولُ أئِنَّكَ لَمِنَ المُصَدِّقِينَ﴾ أيْ كانَ يُوَبِّخُنِي عَلى التَّصْدِيقِ بِالبَعْثِ والقِيامَةِ ويَقُولُ تَعَجُّبًا: ﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَدِينُونَ﴾ أيْ لَمُحاسَبُونَ ومُجازُونَ، والمَعْنى أنَّ ذَلِكَ القَرِينَ كانَ يَقُولُ هَذِهِ الكَلِماتِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِنْكارِ، ثُمَّ إنَّ ذَلِكَ الرَّجُلَ الَّذِي هو مِن أهْلِ الجَنَّةِ يَقُولُ لِجُلَسائِهِ يَدْعُوهم إلى كَمالِ السُّرُورِ بِالِاطِّلاعِ إلى النّارِ لِمُشاهَدَةِ ذَلِكَ القَرِينِ ومُخاطَبَتِهِ ﴿هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ ﴿فاطَّلَعَ﴾ والأقْرَبُ أنَّهُ تَكَلَّفَ أمْرًا اطَّلَعَ مَعَهُ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ مُطَّلِعًا بِلا تَكَلُّفٍ لَمْ يَكُنْ إلى اطِّلاعِهِ حاجَةٌ فَلِذَلِكَ قالَ بَعْضُهم: إنَّهُ ذَهَبَ إلى بَعْضِ أطْرافِ الجَنَّةِ فاطَّلَعَ عِنْدَها إلى النّارِ ﴿فَرَآهُ في سَواءِ الجَحِيمِ﴾ أيْ: في وسَطِ الجَحِيمِ قالَ لَهُ مُوَبِّخًا: ﴿تاللَّهِ إنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ أيْ: لَتُهْلِكُنِي بِدُعائِكَ إيّايَ إلى إنْكارِ البَعْثِ والقِيامَةِ ﴿ولَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي﴾ بِالإرْشادِ إلى الحَقِّ والعِصْمَةِ عَنِ الباطِلِ ﴿لَكُنْتُ مِنَ المُحْضَرِينَ﴾ في النّارِ مِثْلَكَ، ولَمّا تَمَّمَ ذَلِكَ الكَلامَ مَعَ الرَّجُلِ الَّذِي كانَ في الدُّنْيا قَرِينًا لَهُ وهو الآنُ مِن أهْلِ النّارِ عادَ إلى مُخاطَبَةِ جُلَسائِهِ الَّذِينَ هم مِن أهْلِ الجَنَّةِ فَقالَ ﴿أفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنَّ أهْلَ الجَنَّةِ لا يَعْلَمُونَ في أوَّلِ دُخُولِهِمْ في الجَنَّةِ أنَّهم لا يَمُوتُونَ، فَإذا جِيءَ بِالمَوْتِ عَلى صُورَةِ كَبْشٍ أمْلَحَ وذُبِحَ فَعِنْدَ ذَلِكَ يَعْلَمُونَ أنَّهم لا يَمُوتُونَ فَلَعَلَّ هَذا الكَلامَ حَصَلَ قَبْلَ ذَبْحِ المَوْتِ.
والثّانِي: أنَّ الَّذِي يَتَكامَلُ خَيْرُهُ وسَعادَتُهُ فَإذا عَظُمَ تَعَجُّبُهُ بِها قَدْ يَقُولُ أيَدُومُ هَذا لِي ؟ أفَيَبْقى هَذا لِي ؟
صفحة ١٢٢
وإنْ كانَ عَلى يَقِينٍ مِن دَوامِهِ، ثُمَّ عِنْدَ فَراغِهِمْ مِن هَذِهِ المُباحَثاتِ يَقُولُونَ: ﴿إنَّ هَذا لَهو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ .
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿لِمِثْلِ هَذا فَلْيَعْمَلِ العامِلُونَ﴾ فَقِيلَ: إنَّهُ مِن بَقِيَّةِ كَلامِهِمْ، وقِيلَ: إنَّهُ ابْتِداءُ كَلامٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى، أيْ لِطَلَبِ مِثْلِ هَذِهِ السَّعاداتِ يَجِبُ أنْ يَعْمَلَ العامِلُونَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ بَعْضُهُمُ: المُرادُ مِن هَذا القائِلِ ومِن قَرِينِهِ ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في سُورَةِ الكَهْفِ في قَوْلِهِ: ﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلًا رَجُلَيْنِ﴾ [الكهف: ٣٢] إلى آخِرِ الآياتِ، ورُوِيَ أنَّ رَجُلَيْنِ كانا شَرِيكَيْنِ، فَحَصَلَ لَهُما ثَمانِيَةُ آلافِ دِينارٍ، فَقالَ أحَدُهُما لِلْآخَرِ: أُقاسِمُكَ فَقاسَمَهُ، واشْتَرى دارًا بِألْفِ دِينارٍ فَأراها صاحِبَهُ، وقالَ: كَيْفَ تَرى حُسْنَها ؟ فَقالَ: ما أحْسَنَها فَخَرَجَ وقالَ: اللَّهُمَّ إنَّ صاحِبِي هَذا قَدِ ابْتاعَ هَذِهِ الدّارَ بِألْفِ دِينارٍ وإنِّي أسْألُكَ دارًا مِن دُورِ الجَنَّةِ، فَتَصَدَّقَ بِألْفِ دِينارٍ، ثُمَّ إنَّ صاحَبَهُ تَزَوَّجَ بِامْرَأةٍ حَسْناءَ بِألْفِ دِينارٍ فَتَصَدَّقَ هَذا بِألْفِ دِينارٍ، ثُمَّ إنَّ صاحَبَهُ اشْتَرى بَساتِينَ بِألْفَيْ دِينارٍ فَتَصَدَّقَ هَذا بِألْفَيْ دِينارٍ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ أعْطاهُ في الجَنَّةِ ما طَلَبَ، فَعِنْدَ هَذا قالَ: ﴿إنِّي كانَ لِي قَرِينٌ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فاطَّلَعَ فَرَآهُ في سَواءِ الجَحِيمِ﴾ .
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿أئِنَّكَ لَمِنَ المُصَدِّقِينَ﴾ ﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَدِينُونَ﴾ اخْتَلَفَ القُرّاءُ في هَذِهِ الِاسْتِفْهاماتِ الثَّلاثَةِ، قَرَأ نافِعٌ الأُولى والثّانِيَةَ بِالِاسْتِفْهامِ بِهَمْزَةٍ غَيْرِ مَمْدُودَةٍ، والثّالِثَةَ بِكَسْرِ الألِفِ مِن غَيْرِ اسْتِفْهامٍ، ووافَقَهُ الكِسائِيُّ إلّا أنَّهُ يَسْتَفْهِمُ الثّالِثَةَ بِهَمْزَتَيْنِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ الأُولى والثّالِثَةَ بِالِاسْتِفْهامِ بِهَمْزَتَيْنِ، والثّانِيَةَ بِكَسْرِ الألِفِ مِن غَيْرِ اسْتِفْهامٍ، وقَرَأ الباقُونَ بِالِاسْتِفْهامِ في جَمِيعِها، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فابْنُ كَثِيرٍ يَسْتَفْهِمُ بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ غَيْرِ مُطَوَّلَةٍ وبَعْدِها ياءٌ ساكِنَةٌ خَفِيفَةٌ، وأبُو عَمْرٍو مُطَوَّلَةً، وعاصِمٌ وحَمْزَةُ بِهَمْزَتَيْنِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿إنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ قَرَأ نافِعٌ بِرِوايَةِ ورْشٍ لَتُرْدِينِي بِإثْباتِ الياءِ في الوَصْلِ والباقُونَ بِحَذْفِها.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا عَلى أنَّ الهُدى والضَّلالَ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ المُحْضَرِينَ﴾ وقالُوا: مَذْهَبُ الخَصْمِ أنَّ كُلَّ ما فَعَلَهُ اللَّهُ تَعالى مِن وُجُوهِ الإنْعامِ في حَقِّ المُؤْمِنِ فَقَدْ فَعَلَهُ في حَقِّ الكافِرِ، وإذا كانَ ذَلِكَ الإنْعامُ مُشْتَرَكًا فِيهِ امْتَنَعَ أنْ يَكُونَ سَبَبًا لِحُصُولِ الهِدايَةِ لِلْمُؤْمِنِ، وأنْ يَكُونَ سَبَبًا لِخَلاصِهِ مِنَ الكُفْرِ والرَّدى فَوَجَبَ أنْ تَكُونَ تِلْكَ النِّعْمَةُ المَخْصُوصَةُ أمْرًا زائِدًا عَلى تِلْكَ الإنْعاماتِ الَّتِي حَصَلَ الِاشْتِراكُ فِيها، وما ذَلِكَ إلّا بِقُوَّةِ الدّاعِي إلى الإيمانِ وتَكْمِيلِ الصّارِفِ عَنِ الكُفْرِ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: احْتَجَّ نُفاةُ عَذابِ القَبْرِ بِقَوْلِ الرَّجُلِ الَّذِي مِن أهْلِ الجَنَّةِ ﴿أفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ﴾ ﴿إلّا مَوْتَتَنا الأُولى﴾ فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الإنْسانَ لا يَمُوتُ إلّا مَرَّةً واحِدَةً ولَوْ حَصَلَتِ الحَياةُ في القَبْرِ لَكانَ المَوْتُ حاصِلًا مَرَّتَيْنِ، والجَوابُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إلّا مَوْتَتَنا الأُولى﴾ المُرادُ مِنهُ كُلُّ ما وقَعَ في الدُّنْيا، واللَّهُ أعْلَمُ.
الصافات 37:55
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ قائِلٌ مِنهم إنِّي كانَ لِي قَرِينٌ﴾ ﴿يَقُولُ أئِنَّكَ لَمِنَ المُصَدِّقِينَ﴾ ﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَدِينُونَ﴾ ﴿قالَ هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ ﴿فاطَّلَعَ فَرَآهُ في سَواءِ الجَحِيمِ﴾ ﴿قالَ تاللَّهِ إنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ ﴿ولَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ المُحْضَرِينَ﴾ ﴿أفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ﴾ ﴿إلّا مَوْتَتَنا الأُولى وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ ﴿إنَّ هَذا لَهو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ ﴿لِمِثْلِ هَذا فَلْيَعْمَلِ العامِلُونَ﴾ في الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى كَما ذَكَرَ في أهْلِ الجَنَّةِ أنَّهم يَتَساءَلُونَ عِنْدَ الِاجْتِماعِ عَلى شُرْبِ خَمْرِ الجَنَّةِ فَإنَّ مُحادَثَةَ العُقَلاءِ بَعْضِهِمْ مَعَ بَعْضٍ عَلى الشُّرْبِ مِنَ الأُمُورِ اللَّذِيذَةِ، وتَذَكُّرَ الخَلاصِ عِنْدَ اجْتِماعِ أسْبابِ الهَلاكِ مِنَ الأُمُورِ اللَّذِيذَةِ، ذَكَرَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ أهْلَ الجَنَّةِ إذا اجْتَمَعُوا عَلى الشُّرْبِ وأخَذُوا في المُكالَمَةِ والمُساءَلَةِ كانَ مِن جُمْلَةِ تِلْكَ الكَلِماتِ أنَّهم يَتَذَكَّرُونَ أنَّهم كانَ قَدْ حَصَلَ لَهم في الدُّنْيا ما يُوجِبُ لَهُمُ الوُقُوعَ في عَذابِ اللَّهِ، ثُمَّ إنَّهم تَخَلَّصُوا عَنْهُ وفازُوا بِالسَّعادَةِ الأبَدِيَّةِ، والمَقْصُودُ مِن ذِكْرِ هَذِهِ الأشْياءِ أنَّ أهْلَ الجَنَّةِ يَتَكامَلُ سُرُورُهم وبَهْجَتُهم.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿قالَ قائِلٌ مِنهم إنِّي كانَ لِي قَرِينٌ﴾ أيْ: قالَ قائِلٌ: مِن أهْلِ الجَنَّةِ إنِّي كانَ لِي قَرِينٌ في الدُّنْيا ﴿يَقُولُ أئِنَّكَ لَمِنَ المُصَدِّقِينَ﴾ أيْ كانَ يُوَبِّخُنِي عَلى التَّصْدِيقِ بِالبَعْثِ والقِيامَةِ ويَقُولُ تَعَجُّبًا: ﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَدِينُونَ﴾ أيْ لَمُحاسَبُونَ ومُجازُونَ، والمَعْنى أنَّ ذَلِكَ القَرِينَ كانَ يَقُولُ هَذِهِ الكَلِماتِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِنْكارِ، ثُمَّ إنَّ ذَلِكَ الرَّجُلَ الَّذِي هو مِن أهْلِ الجَنَّةِ يَقُولُ لِجُلَسائِهِ يَدْعُوهم إلى كَمالِ السُّرُورِ بِالِاطِّلاعِ إلى النّارِ لِمُشاهَدَةِ ذَلِكَ القَرِينِ ومُخاطَبَتِهِ ﴿هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ ﴿فاطَّلَعَ﴾ والأقْرَبُ أنَّهُ تَكَلَّفَ أمْرًا اطَّلَعَ مَعَهُ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ مُطَّلِعًا بِلا تَكَلُّفٍ لَمْ يَكُنْ إلى اطِّلاعِهِ حاجَةٌ فَلِذَلِكَ قالَ بَعْضُهم: إنَّهُ ذَهَبَ إلى بَعْضِ أطْرافِ الجَنَّةِ فاطَّلَعَ عِنْدَها إلى النّارِ ﴿فَرَآهُ في سَواءِ الجَحِيمِ﴾ أيْ: في وسَطِ الجَحِيمِ قالَ لَهُ مُوَبِّخًا: ﴿تاللَّهِ إنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ أيْ: لَتُهْلِكُنِي بِدُعائِكَ إيّايَ إلى إنْكارِ البَعْثِ والقِيامَةِ ﴿ولَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي﴾ بِالإرْشادِ إلى الحَقِّ والعِصْمَةِ عَنِ الباطِلِ ﴿لَكُنْتُ مِنَ المُحْضَرِينَ﴾ في النّارِ مِثْلَكَ، ولَمّا تَمَّمَ ذَلِكَ الكَلامَ مَعَ الرَّجُلِ الَّذِي كانَ في الدُّنْيا قَرِينًا لَهُ وهو الآنُ مِن أهْلِ النّارِ عادَ إلى مُخاطَبَةِ جُلَسائِهِ الَّذِينَ هم مِن أهْلِ الجَنَّةِ فَقالَ ﴿أفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنَّ أهْلَ الجَنَّةِ لا يَعْلَمُونَ في أوَّلِ دُخُولِهِمْ في الجَنَّةِ أنَّهم لا يَمُوتُونَ، فَإذا جِيءَ بِالمَوْتِ عَلى صُورَةِ كَبْشٍ أمْلَحَ وذُبِحَ فَعِنْدَ ذَلِكَ يَعْلَمُونَ أنَّهم لا يَمُوتُونَ فَلَعَلَّ هَذا الكَلامَ حَصَلَ قَبْلَ ذَبْحِ المَوْتِ.
والثّانِي: أنَّ الَّذِي يَتَكامَلُ خَيْرُهُ وسَعادَتُهُ فَإذا عَظُمَ تَعَجُّبُهُ بِها قَدْ يَقُولُ أيَدُومُ هَذا لِي ؟ أفَيَبْقى هَذا لِي ؟
صفحة ١٢٢
وإنْ كانَ عَلى يَقِينٍ مِن دَوامِهِ، ثُمَّ عِنْدَ فَراغِهِمْ مِن هَذِهِ المُباحَثاتِ يَقُولُونَ: ﴿إنَّ هَذا لَهو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ .
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿لِمِثْلِ هَذا فَلْيَعْمَلِ العامِلُونَ﴾ فَقِيلَ: إنَّهُ مِن بَقِيَّةِ كَلامِهِمْ، وقِيلَ: إنَّهُ ابْتِداءُ كَلامٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى، أيْ لِطَلَبِ مِثْلِ هَذِهِ السَّعاداتِ يَجِبُ أنْ يَعْمَلَ العامِلُونَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ بَعْضُهُمُ: المُرادُ مِن هَذا القائِلِ ومِن قَرِينِهِ ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في سُورَةِ الكَهْفِ في قَوْلِهِ: ﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلًا رَجُلَيْنِ﴾ [الكهف: ٣٢] إلى آخِرِ الآياتِ، ورُوِيَ أنَّ رَجُلَيْنِ كانا شَرِيكَيْنِ، فَحَصَلَ لَهُما ثَمانِيَةُ آلافِ دِينارٍ، فَقالَ أحَدُهُما لِلْآخَرِ: أُقاسِمُكَ فَقاسَمَهُ، واشْتَرى دارًا بِألْفِ دِينارٍ فَأراها صاحِبَهُ، وقالَ: كَيْفَ تَرى حُسْنَها ؟ فَقالَ: ما أحْسَنَها فَخَرَجَ وقالَ: اللَّهُمَّ إنَّ صاحِبِي هَذا قَدِ ابْتاعَ هَذِهِ الدّارَ بِألْفِ دِينارٍ وإنِّي أسْألُكَ دارًا مِن دُورِ الجَنَّةِ، فَتَصَدَّقَ بِألْفِ دِينارٍ، ثُمَّ إنَّ صاحَبَهُ تَزَوَّجَ بِامْرَأةٍ حَسْناءَ بِألْفِ دِينارٍ فَتَصَدَّقَ هَذا بِألْفِ دِينارٍ، ثُمَّ إنَّ صاحَبَهُ اشْتَرى بَساتِينَ بِألْفَيْ دِينارٍ فَتَصَدَّقَ هَذا بِألْفَيْ دِينارٍ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ أعْطاهُ في الجَنَّةِ ما طَلَبَ، فَعِنْدَ هَذا قالَ: ﴿إنِّي كانَ لِي قَرِينٌ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فاطَّلَعَ فَرَآهُ في سَواءِ الجَحِيمِ﴾ .
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿أئِنَّكَ لَمِنَ المُصَدِّقِينَ﴾ ﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَدِينُونَ﴾ اخْتَلَفَ القُرّاءُ في هَذِهِ الِاسْتِفْهاماتِ الثَّلاثَةِ، قَرَأ نافِعٌ الأُولى والثّانِيَةَ بِالِاسْتِفْهامِ بِهَمْزَةٍ غَيْرِ مَمْدُودَةٍ، والثّالِثَةَ بِكَسْرِ الألِفِ مِن غَيْرِ اسْتِفْهامٍ، ووافَقَهُ الكِسائِيُّ إلّا أنَّهُ يَسْتَفْهِمُ الثّالِثَةَ بِهَمْزَتَيْنِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ الأُولى والثّالِثَةَ بِالِاسْتِفْهامِ بِهَمْزَتَيْنِ، والثّانِيَةَ بِكَسْرِ الألِفِ مِن غَيْرِ اسْتِفْهامٍ، وقَرَأ الباقُونَ بِالِاسْتِفْهامِ في جَمِيعِها، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فابْنُ كَثِيرٍ يَسْتَفْهِمُ بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ غَيْرِ مُطَوَّلَةٍ وبَعْدِها ياءٌ ساكِنَةٌ خَفِيفَةٌ، وأبُو عَمْرٍو مُطَوَّلَةً، وعاصِمٌ وحَمْزَةُ بِهَمْزَتَيْنِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿إنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ قَرَأ نافِعٌ بِرِوايَةِ ورْشٍ لَتُرْدِينِي بِإثْباتِ الياءِ في الوَصْلِ والباقُونَ بِحَذْفِها.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا عَلى أنَّ الهُدى والضَّلالَ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ المُحْضَرِينَ﴾ وقالُوا: مَذْهَبُ الخَصْمِ أنَّ كُلَّ ما فَعَلَهُ اللَّهُ تَعالى مِن وُجُوهِ الإنْعامِ في حَقِّ المُؤْمِنِ فَقَدْ فَعَلَهُ في حَقِّ الكافِرِ، وإذا كانَ ذَلِكَ الإنْعامُ مُشْتَرَكًا فِيهِ امْتَنَعَ أنْ يَكُونَ سَبَبًا لِحُصُولِ الهِدايَةِ لِلْمُؤْمِنِ، وأنْ يَكُونَ سَبَبًا لِخَلاصِهِ مِنَ الكُفْرِ والرَّدى فَوَجَبَ أنْ تَكُونَ تِلْكَ النِّعْمَةُ المَخْصُوصَةُ أمْرًا زائِدًا عَلى تِلْكَ الإنْعاماتِ الَّتِي حَصَلَ الِاشْتِراكُ فِيها، وما ذَلِكَ إلّا بِقُوَّةِ الدّاعِي إلى الإيمانِ وتَكْمِيلِ الصّارِفِ عَنِ الكُفْرِ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: احْتَجَّ نُفاةُ عَذابِ القَبْرِ بِقَوْلِ الرَّجُلِ الَّذِي مِن أهْلِ الجَنَّةِ ﴿أفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ﴾ ﴿إلّا مَوْتَتَنا الأُولى﴾ فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الإنْسانَ لا يَمُوتُ إلّا مَرَّةً واحِدَةً ولَوْ حَصَلَتِ الحَياةُ في القَبْرِ لَكانَ المَوْتُ حاصِلًا مَرَّتَيْنِ، والجَوابُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إلّا مَوْتَتَنا الأُولى﴾ المُرادُ مِنهُ كُلُّ ما وقَعَ في الدُّنْيا، واللَّهُ أعْلَمُ.