Lafzullah

Tafsir Al-Razi — الصافات 37:56 – الصافات 37:101

المؤلف / المصدر: Tafsir Al-Razi

المحتويات
  1. الصافات 37:56
  2. الصافات 37:57
  3. الصافات 37:58
  4. الصافات 37:59
  5. الصافات 37:60
  6. الصافات 37:61
  7. الصافات 37:62
  8. الصافات 37:63
  9. الصافات 37:64
  10. الصافات 37:65
  11. الصافات 37:66
  12. الصافات 37:67
  13. الصافات 37:68
  14. الصافات 37:69
  15. الصافات 37:70
  16. الصافات 37:71
  17. الصافات 37:72
  18. الصافات 37:73
  19. الصافات 37:74
  20. الصافات 37:75
  21. الصافات 37:76
  22. الصافات 37:77
  23. الصافات 37:78
  24. الصافات 37:79
  25. الصافات 37:80
  26. الصافات 37:81
  27. الصافات 37:82
  28. الصافات 37:83
  29. الصافات 37:84
  30. الصافات 37:85
  31. الصافات 37:86
  32. الصافات 37:87
  33. الصافات 37:88
  34. الصافات 37:89
  35. الصافات 37:90
  36. الصافات 37:91
  37. الصافات 37:92
  38. الصافات 37:93
  39. الصافات 37:94
  40. الصافات 37:95
  41. الصافات 37:96
  42. الصافات 37:97
  43. الصافات 37:98
  44. الصافات 37:99
  45. الصافات 37:100
  46. الصافات 37:101

الصافات 37:56

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ قائِلٌ مِنهم إنِّي كانَ لِي قَرِينٌ﴾ ﴿يَقُولُ أئِنَّكَ لَمِنَ المُصَدِّقِينَ﴾ ﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَدِينُونَ﴾ ﴿قالَ هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ ﴿فاطَّلَعَ فَرَآهُ في سَواءِ الجَحِيمِ﴾ ﴿قالَ تاللَّهِ إنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ ﴿ولَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ المُحْضَرِينَ﴾ ﴿أفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ﴾ ﴿إلّا مَوْتَتَنا الأُولى وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ ﴿إنَّ هَذا لَهو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ ﴿لِمِثْلِ هَذا فَلْيَعْمَلِ العامِلُونَ﴾ في الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى كَما ذَكَرَ في أهْلِ الجَنَّةِ أنَّهم يَتَساءَلُونَ عِنْدَ الِاجْتِماعِ عَلى شُرْبِ خَمْرِ الجَنَّةِ فَإنَّ مُحادَثَةَ العُقَلاءِ بَعْضِهِمْ مَعَ بَعْضٍ عَلى الشُّرْبِ مِنَ الأُمُورِ اللَّذِيذَةِ، وتَذَكُّرَ الخَلاصِ عِنْدَ اجْتِماعِ أسْبابِ الهَلاكِ مِنَ الأُمُورِ اللَّذِيذَةِ، ذَكَرَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ أهْلَ الجَنَّةِ إذا اجْتَمَعُوا عَلى الشُّرْبِ وأخَذُوا في المُكالَمَةِ والمُساءَلَةِ كانَ مِن جُمْلَةِ تِلْكَ الكَلِماتِ أنَّهم يَتَذَكَّرُونَ أنَّهم كانَ قَدْ حَصَلَ لَهم في الدُّنْيا ما يُوجِبُ لَهُمُ الوُقُوعَ في عَذابِ اللَّهِ، ثُمَّ إنَّهم تَخَلَّصُوا عَنْهُ وفازُوا بِالسَّعادَةِ الأبَدِيَّةِ، والمَقْصُودُ مِن ذِكْرِ هَذِهِ الأشْياءِ أنَّ أهْلَ الجَنَّةِ يَتَكامَلُ سُرُورُهم وبَهْجَتُهم. أمّا قَوْلُهُ: ﴿قالَ قائِلٌ مِنهم إنِّي كانَ لِي قَرِينٌ﴾ أيْ: قالَ قائِلٌ: مِن أهْلِ الجَنَّةِ إنِّي كانَ لِي قَرِينٌ في الدُّنْيا ﴿يَقُولُ أئِنَّكَ لَمِنَ المُصَدِّقِينَ﴾ أيْ كانَ يُوَبِّخُنِي عَلى التَّصْدِيقِ بِالبَعْثِ والقِيامَةِ ويَقُولُ تَعَجُّبًا: ﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَدِينُونَ﴾ أيْ لَمُحاسَبُونَ ومُجازُونَ، والمَعْنى أنَّ ذَلِكَ القَرِينَ كانَ يَقُولُ هَذِهِ الكَلِماتِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِنْكارِ، ثُمَّ إنَّ ذَلِكَ الرَّجُلَ الَّذِي هو مِن أهْلِ الجَنَّةِ يَقُولُ لِجُلَسائِهِ يَدْعُوهم إلى كَمالِ السُّرُورِ بِالِاطِّلاعِ إلى النّارِ لِمُشاهَدَةِ ذَلِكَ القَرِينِ ومُخاطَبَتِهِ ﴿هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ ﴿فاطَّلَعَ﴾ والأقْرَبُ أنَّهُ تَكَلَّفَ أمْرًا اطَّلَعَ مَعَهُ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ مُطَّلِعًا بِلا تَكَلُّفٍ لَمْ يَكُنْ إلى اطِّلاعِهِ حاجَةٌ فَلِذَلِكَ قالَ بَعْضُهم: إنَّهُ ذَهَبَ إلى بَعْضِ أطْرافِ الجَنَّةِ فاطَّلَعَ عِنْدَها إلى النّارِ ﴿فَرَآهُ في سَواءِ الجَحِيمِ﴾ أيْ: في وسَطِ الجَحِيمِ قالَ لَهُ مُوَبِّخًا: ﴿تاللَّهِ إنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ أيْ: لَتُهْلِكُنِي بِدُعائِكَ إيّايَ إلى إنْكارِ البَعْثِ والقِيامَةِ ﴿ولَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي﴾ بِالإرْشادِ إلى الحَقِّ والعِصْمَةِ عَنِ الباطِلِ ﴿لَكُنْتُ مِنَ المُحْضَرِينَ﴾ في النّارِ مِثْلَكَ، ولَمّا تَمَّمَ ذَلِكَ الكَلامَ مَعَ الرَّجُلِ الَّذِي كانَ في الدُّنْيا قَرِينًا لَهُ وهو الآنُ مِن أهْلِ النّارِ عادَ إلى مُخاطَبَةِ جُلَسائِهِ الَّذِينَ هم مِن أهْلِ الجَنَّةِ فَقالَ ﴿أفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّ أهْلَ الجَنَّةِ لا يَعْلَمُونَ في أوَّلِ دُخُولِهِمْ في الجَنَّةِ أنَّهم لا يَمُوتُونَ، فَإذا جِيءَ بِالمَوْتِ عَلى صُورَةِ كَبْشٍ أمْلَحَ وذُبِحَ فَعِنْدَ ذَلِكَ يَعْلَمُونَ أنَّهم لا يَمُوتُونَ فَلَعَلَّ هَذا الكَلامَ حَصَلَ قَبْلَ ذَبْحِ المَوْتِ. والثّانِي: أنَّ الَّذِي يَتَكامَلُ خَيْرُهُ وسَعادَتُهُ فَإذا عَظُمَ تَعَجُّبُهُ بِها قَدْ يَقُولُ أيَدُومُ هَذا لِي ؟ أفَيَبْقى هَذا لِي ؟ صفحة ١٢٢ وإنْ كانَ عَلى يَقِينٍ مِن دَوامِهِ، ثُمَّ عِنْدَ فَراغِهِمْ مِن هَذِهِ المُباحَثاتِ يَقُولُونَ: ﴿إنَّ هَذا لَهو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ . * * * وأمّا قَوْلُهُ: ﴿لِمِثْلِ هَذا فَلْيَعْمَلِ العامِلُونَ﴾ فَقِيلَ: إنَّهُ مِن بَقِيَّةِ كَلامِهِمْ، وقِيلَ: إنَّهُ ابْتِداءُ كَلامٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى، أيْ لِطَلَبِ مِثْلِ هَذِهِ السَّعاداتِ يَجِبُ أنْ يَعْمَلَ العامِلُونَ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ بَعْضُهُمُ: المُرادُ مِن هَذا القائِلِ ومِن قَرِينِهِ ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في سُورَةِ الكَهْفِ في قَوْلِهِ: ﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلًا رَجُلَيْنِ﴾ [الكهف: ٣٢] إلى آخِرِ الآياتِ، ورُوِيَ أنَّ رَجُلَيْنِ كانا شَرِيكَيْنِ، فَحَصَلَ لَهُما ثَمانِيَةُ آلافِ دِينارٍ، فَقالَ أحَدُهُما لِلْآخَرِ: أُقاسِمُكَ فَقاسَمَهُ، واشْتَرى دارًا بِألْفِ دِينارٍ فَأراها صاحِبَهُ، وقالَ: كَيْفَ تَرى حُسْنَها ؟ فَقالَ: ما أحْسَنَها فَخَرَجَ وقالَ: اللَّهُمَّ إنَّ صاحِبِي هَذا قَدِ ابْتاعَ هَذِهِ الدّارَ بِألْفِ دِينارٍ وإنِّي أسْألُكَ دارًا مِن دُورِ الجَنَّةِ، فَتَصَدَّقَ بِألْفِ دِينارٍ، ثُمَّ إنَّ صاحَبَهُ تَزَوَّجَ بِامْرَأةٍ حَسْناءَ بِألْفِ دِينارٍ فَتَصَدَّقَ هَذا بِألْفِ دِينارٍ، ثُمَّ إنَّ صاحَبَهُ اشْتَرى بَساتِينَ بِألْفَيْ دِينارٍ فَتَصَدَّقَ هَذا بِألْفَيْ دِينارٍ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ أعْطاهُ في الجَنَّةِ ما طَلَبَ، فَعِنْدَ هَذا قالَ: ﴿إنِّي كانَ لِي قَرِينٌ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فاطَّلَعَ فَرَآهُ في سَواءِ الجَحِيمِ﴾ . المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿أئِنَّكَ لَمِنَ المُصَدِّقِينَ﴾ ﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَدِينُونَ﴾ اخْتَلَفَ القُرّاءُ في هَذِهِ الِاسْتِفْهاماتِ الثَّلاثَةِ، قَرَأ نافِعٌ الأُولى والثّانِيَةَ بِالِاسْتِفْهامِ بِهَمْزَةٍ غَيْرِ مَمْدُودَةٍ، والثّالِثَةَ بِكَسْرِ الألِفِ مِن غَيْرِ اسْتِفْهامٍ، ووافَقَهُ الكِسائِيُّ إلّا أنَّهُ يَسْتَفْهِمُ الثّالِثَةَ بِهَمْزَتَيْنِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ الأُولى والثّالِثَةَ بِالِاسْتِفْهامِ بِهَمْزَتَيْنِ، والثّانِيَةَ بِكَسْرِ الألِفِ مِن غَيْرِ اسْتِفْهامٍ، وقَرَأ الباقُونَ بِالِاسْتِفْهامِ في جَمِيعِها، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فابْنُ كَثِيرٍ يَسْتَفْهِمُ بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ غَيْرِ مُطَوَّلَةٍ وبَعْدِها ياءٌ ساكِنَةٌ خَفِيفَةٌ، وأبُو عَمْرٍو مُطَوَّلَةً، وعاصِمٌ وحَمْزَةُ بِهَمْزَتَيْنِ. * * * وأمّا قَوْلُهُ: ﴿إنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ قَرَأ نافِعٌ بِرِوايَةِ ورْشٍ لَتُرْدِينِي بِإثْباتِ الياءِ في الوَصْلِ والباقُونَ بِحَذْفِها. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا عَلى أنَّ الهُدى والضَّلالَ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ المُحْضَرِينَ﴾ وقالُوا: مَذْهَبُ الخَصْمِ أنَّ كُلَّ ما فَعَلَهُ اللَّهُ تَعالى مِن وُجُوهِ الإنْعامِ في حَقِّ المُؤْمِنِ فَقَدْ فَعَلَهُ في حَقِّ الكافِرِ، وإذا كانَ ذَلِكَ الإنْعامُ مُشْتَرَكًا فِيهِ امْتَنَعَ أنْ يَكُونَ سَبَبًا لِحُصُولِ الهِدايَةِ لِلْمُؤْمِنِ، وأنْ يَكُونَ سَبَبًا لِخَلاصِهِ مِنَ الكُفْرِ والرَّدى فَوَجَبَ أنْ تَكُونَ تِلْكَ النِّعْمَةُ المَخْصُوصَةُ أمْرًا زائِدًا عَلى تِلْكَ الإنْعاماتِ الَّتِي حَصَلَ الِاشْتِراكُ فِيها، وما ذَلِكَ إلّا بِقُوَّةِ الدّاعِي إلى الإيمانِ وتَكْمِيلِ الصّارِفِ عَنِ الكُفْرِ. المَسْألَةُ الخامِسَةُ: احْتَجَّ نُفاةُ عَذابِ القَبْرِ بِقَوْلِ الرَّجُلِ الَّذِي مِن أهْلِ الجَنَّةِ ﴿أفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ﴾ ﴿إلّا مَوْتَتَنا الأُولى﴾ فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الإنْسانَ لا يَمُوتُ إلّا مَرَّةً واحِدَةً ولَوْ حَصَلَتِ الحَياةُ في القَبْرِ لَكانَ المَوْتُ حاصِلًا مَرَّتَيْنِ، والجَوابُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إلّا مَوْتَتَنا الأُولى﴾ المُرادُ مِنهُ كُلُّ ما وقَعَ في الدُّنْيا، واللَّهُ أعْلَمُ.

الصافات 37:57

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ قائِلٌ مِنهم إنِّي كانَ لِي قَرِينٌ﴾ ﴿يَقُولُ أئِنَّكَ لَمِنَ المُصَدِّقِينَ﴾ ﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَدِينُونَ﴾ ﴿قالَ هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ ﴿فاطَّلَعَ فَرَآهُ في سَواءِ الجَحِيمِ﴾ ﴿قالَ تاللَّهِ إنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ ﴿ولَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ المُحْضَرِينَ﴾ ﴿أفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ﴾ ﴿إلّا مَوْتَتَنا الأُولى وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ ﴿إنَّ هَذا لَهو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ ﴿لِمِثْلِ هَذا فَلْيَعْمَلِ العامِلُونَ﴾ في الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى كَما ذَكَرَ في أهْلِ الجَنَّةِ أنَّهم يَتَساءَلُونَ عِنْدَ الِاجْتِماعِ عَلى شُرْبِ خَمْرِ الجَنَّةِ فَإنَّ مُحادَثَةَ العُقَلاءِ بَعْضِهِمْ مَعَ بَعْضٍ عَلى الشُّرْبِ مِنَ الأُمُورِ اللَّذِيذَةِ، وتَذَكُّرَ الخَلاصِ عِنْدَ اجْتِماعِ أسْبابِ الهَلاكِ مِنَ الأُمُورِ اللَّذِيذَةِ، ذَكَرَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ أهْلَ الجَنَّةِ إذا اجْتَمَعُوا عَلى الشُّرْبِ وأخَذُوا في المُكالَمَةِ والمُساءَلَةِ كانَ مِن جُمْلَةِ تِلْكَ الكَلِماتِ أنَّهم يَتَذَكَّرُونَ أنَّهم كانَ قَدْ حَصَلَ لَهم في الدُّنْيا ما يُوجِبُ لَهُمُ الوُقُوعَ في عَذابِ اللَّهِ، ثُمَّ إنَّهم تَخَلَّصُوا عَنْهُ وفازُوا بِالسَّعادَةِ الأبَدِيَّةِ، والمَقْصُودُ مِن ذِكْرِ هَذِهِ الأشْياءِ أنَّ أهْلَ الجَنَّةِ يَتَكامَلُ سُرُورُهم وبَهْجَتُهم. أمّا قَوْلُهُ: ﴿قالَ قائِلٌ مِنهم إنِّي كانَ لِي قَرِينٌ﴾ أيْ: قالَ قائِلٌ: مِن أهْلِ الجَنَّةِ إنِّي كانَ لِي قَرِينٌ في الدُّنْيا ﴿يَقُولُ أئِنَّكَ لَمِنَ المُصَدِّقِينَ﴾ أيْ كانَ يُوَبِّخُنِي عَلى التَّصْدِيقِ بِالبَعْثِ والقِيامَةِ ويَقُولُ تَعَجُّبًا: ﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَدِينُونَ﴾ أيْ لَمُحاسَبُونَ ومُجازُونَ، والمَعْنى أنَّ ذَلِكَ القَرِينَ كانَ يَقُولُ هَذِهِ الكَلِماتِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِنْكارِ، ثُمَّ إنَّ ذَلِكَ الرَّجُلَ الَّذِي هو مِن أهْلِ الجَنَّةِ يَقُولُ لِجُلَسائِهِ يَدْعُوهم إلى كَمالِ السُّرُورِ بِالِاطِّلاعِ إلى النّارِ لِمُشاهَدَةِ ذَلِكَ القَرِينِ ومُخاطَبَتِهِ ﴿هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ ﴿فاطَّلَعَ﴾ والأقْرَبُ أنَّهُ تَكَلَّفَ أمْرًا اطَّلَعَ مَعَهُ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ مُطَّلِعًا بِلا تَكَلُّفٍ لَمْ يَكُنْ إلى اطِّلاعِهِ حاجَةٌ فَلِذَلِكَ قالَ بَعْضُهم: إنَّهُ ذَهَبَ إلى بَعْضِ أطْرافِ الجَنَّةِ فاطَّلَعَ عِنْدَها إلى النّارِ ﴿فَرَآهُ في سَواءِ الجَحِيمِ﴾ أيْ: في وسَطِ الجَحِيمِ قالَ لَهُ مُوَبِّخًا: ﴿تاللَّهِ إنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ أيْ: لَتُهْلِكُنِي بِدُعائِكَ إيّايَ إلى إنْكارِ البَعْثِ والقِيامَةِ ﴿ولَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي﴾ بِالإرْشادِ إلى الحَقِّ والعِصْمَةِ عَنِ الباطِلِ ﴿لَكُنْتُ مِنَ المُحْضَرِينَ﴾ في النّارِ مِثْلَكَ، ولَمّا تَمَّمَ ذَلِكَ الكَلامَ مَعَ الرَّجُلِ الَّذِي كانَ في الدُّنْيا قَرِينًا لَهُ وهو الآنُ مِن أهْلِ النّارِ عادَ إلى مُخاطَبَةِ جُلَسائِهِ الَّذِينَ هم مِن أهْلِ الجَنَّةِ فَقالَ ﴿أفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّ أهْلَ الجَنَّةِ لا يَعْلَمُونَ في أوَّلِ دُخُولِهِمْ في الجَنَّةِ أنَّهم لا يَمُوتُونَ، فَإذا جِيءَ بِالمَوْتِ عَلى صُورَةِ كَبْشٍ أمْلَحَ وذُبِحَ فَعِنْدَ ذَلِكَ يَعْلَمُونَ أنَّهم لا يَمُوتُونَ فَلَعَلَّ هَذا الكَلامَ حَصَلَ قَبْلَ ذَبْحِ المَوْتِ. والثّانِي: أنَّ الَّذِي يَتَكامَلُ خَيْرُهُ وسَعادَتُهُ فَإذا عَظُمَ تَعَجُّبُهُ بِها قَدْ يَقُولُ أيَدُومُ هَذا لِي ؟ أفَيَبْقى هَذا لِي ؟ صفحة ١٢٢ وإنْ كانَ عَلى يَقِينٍ مِن دَوامِهِ، ثُمَّ عِنْدَ فَراغِهِمْ مِن هَذِهِ المُباحَثاتِ يَقُولُونَ: ﴿إنَّ هَذا لَهو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ . * * * وأمّا قَوْلُهُ: ﴿لِمِثْلِ هَذا فَلْيَعْمَلِ العامِلُونَ﴾ فَقِيلَ: إنَّهُ مِن بَقِيَّةِ كَلامِهِمْ، وقِيلَ: إنَّهُ ابْتِداءُ كَلامٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى، أيْ لِطَلَبِ مِثْلِ هَذِهِ السَّعاداتِ يَجِبُ أنْ يَعْمَلَ العامِلُونَ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ بَعْضُهُمُ: المُرادُ مِن هَذا القائِلِ ومِن قَرِينِهِ ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في سُورَةِ الكَهْفِ في قَوْلِهِ: ﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلًا رَجُلَيْنِ﴾ [الكهف: ٣٢] إلى آخِرِ الآياتِ، ورُوِيَ أنَّ رَجُلَيْنِ كانا شَرِيكَيْنِ، فَحَصَلَ لَهُما ثَمانِيَةُ آلافِ دِينارٍ، فَقالَ أحَدُهُما لِلْآخَرِ: أُقاسِمُكَ فَقاسَمَهُ، واشْتَرى دارًا بِألْفِ دِينارٍ فَأراها صاحِبَهُ، وقالَ: كَيْفَ تَرى حُسْنَها ؟ فَقالَ: ما أحْسَنَها فَخَرَجَ وقالَ: اللَّهُمَّ إنَّ صاحِبِي هَذا قَدِ ابْتاعَ هَذِهِ الدّارَ بِألْفِ دِينارٍ وإنِّي أسْألُكَ دارًا مِن دُورِ الجَنَّةِ، فَتَصَدَّقَ بِألْفِ دِينارٍ، ثُمَّ إنَّ صاحَبَهُ تَزَوَّجَ بِامْرَأةٍ حَسْناءَ بِألْفِ دِينارٍ فَتَصَدَّقَ هَذا بِألْفِ دِينارٍ، ثُمَّ إنَّ صاحَبَهُ اشْتَرى بَساتِينَ بِألْفَيْ دِينارٍ فَتَصَدَّقَ هَذا بِألْفَيْ دِينارٍ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ أعْطاهُ في الجَنَّةِ ما طَلَبَ، فَعِنْدَ هَذا قالَ: ﴿إنِّي كانَ لِي قَرِينٌ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فاطَّلَعَ فَرَآهُ في سَواءِ الجَحِيمِ﴾ . المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿أئِنَّكَ لَمِنَ المُصَدِّقِينَ﴾ ﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَدِينُونَ﴾ اخْتَلَفَ القُرّاءُ في هَذِهِ الِاسْتِفْهاماتِ الثَّلاثَةِ، قَرَأ نافِعٌ الأُولى والثّانِيَةَ بِالِاسْتِفْهامِ بِهَمْزَةٍ غَيْرِ مَمْدُودَةٍ، والثّالِثَةَ بِكَسْرِ الألِفِ مِن غَيْرِ اسْتِفْهامٍ، ووافَقَهُ الكِسائِيُّ إلّا أنَّهُ يَسْتَفْهِمُ الثّالِثَةَ بِهَمْزَتَيْنِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ الأُولى والثّالِثَةَ بِالِاسْتِفْهامِ بِهَمْزَتَيْنِ، والثّانِيَةَ بِكَسْرِ الألِفِ مِن غَيْرِ اسْتِفْهامٍ، وقَرَأ الباقُونَ بِالِاسْتِفْهامِ في جَمِيعِها، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فابْنُ كَثِيرٍ يَسْتَفْهِمُ بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ غَيْرِ مُطَوَّلَةٍ وبَعْدِها ياءٌ ساكِنَةٌ خَفِيفَةٌ، وأبُو عَمْرٍو مُطَوَّلَةً، وعاصِمٌ وحَمْزَةُ بِهَمْزَتَيْنِ. * * * وأمّا قَوْلُهُ: ﴿إنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ قَرَأ نافِعٌ بِرِوايَةِ ورْشٍ لَتُرْدِينِي بِإثْباتِ الياءِ في الوَصْلِ والباقُونَ بِحَذْفِها. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا عَلى أنَّ الهُدى والضَّلالَ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ المُحْضَرِينَ﴾ وقالُوا: مَذْهَبُ الخَصْمِ أنَّ كُلَّ ما فَعَلَهُ اللَّهُ تَعالى مِن وُجُوهِ الإنْعامِ في حَقِّ المُؤْمِنِ فَقَدْ فَعَلَهُ في حَقِّ الكافِرِ، وإذا كانَ ذَلِكَ الإنْعامُ مُشْتَرَكًا فِيهِ امْتَنَعَ أنْ يَكُونَ سَبَبًا لِحُصُولِ الهِدايَةِ لِلْمُؤْمِنِ، وأنْ يَكُونَ سَبَبًا لِخَلاصِهِ مِنَ الكُفْرِ والرَّدى فَوَجَبَ أنْ تَكُونَ تِلْكَ النِّعْمَةُ المَخْصُوصَةُ أمْرًا زائِدًا عَلى تِلْكَ الإنْعاماتِ الَّتِي حَصَلَ الِاشْتِراكُ فِيها، وما ذَلِكَ إلّا بِقُوَّةِ الدّاعِي إلى الإيمانِ وتَكْمِيلِ الصّارِفِ عَنِ الكُفْرِ. المَسْألَةُ الخامِسَةُ: احْتَجَّ نُفاةُ عَذابِ القَبْرِ بِقَوْلِ الرَّجُلِ الَّذِي مِن أهْلِ الجَنَّةِ ﴿أفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ﴾ ﴿إلّا مَوْتَتَنا الأُولى﴾ فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الإنْسانَ لا يَمُوتُ إلّا مَرَّةً واحِدَةً ولَوْ حَصَلَتِ الحَياةُ في القَبْرِ لَكانَ المَوْتُ حاصِلًا مَرَّتَيْنِ، والجَوابُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إلّا مَوْتَتَنا الأُولى﴾ المُرادُ مِنهُ كُلُّ ما وقَعَ في الدُّنْيا، واللَّهُ أعْلَمُ.

الصافات 37:58

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ قائِلٌ مِنهم إنِّي كانَ لِي قَرِينٌ﴾ ﴿يَقُولُ أئِنَّكَ لَمِنَ المُصَدِّقِينَ﴾ ﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَدِينُونَ﴾ ﴿قالَ هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ ﴿فاطَّلَعَ فَرَآهُ في سَواءِ الجَحِيمِ﴾ ﴿قالَ تاللَّهِ إنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ ﴿ولَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ المُحْضَرِينَ﴾ ﴿أفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ﴾ ﴿إلّا مَوْتَتَنا الأُولى وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ ﴿إنَّ هَذا لَهو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ ﴿لِمِثْلِ هَذا فَلْيَعْمَلِ العامِلُونَ﴾ في الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى كَما ذَكَرَ في أهْلِ الجَنَّةِ أنَّهم يَتَساءَلُونَ عِنْدَ الِاجْتِماعِ عَلى شُرْبِ خَمْرِ الجَنَّةِ فَإنَّ مُحادَثَةَ العُقَلاءِ بَعْضِهِمْ مَعَ بَعْضٍ عَلى الشُّرْبِ مِنَ الأُمُورِ اللَّذِيذَةِ، وتَذَكُّرَ الخَلاصِ عِنْدَ اجْتِماعِ أسْبابِ الهَلاكِ مِنَ الأُمُورِ اللَّذِيذَةِ، ذَكَرَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ أهْلَ الجَنَّةِ إذا اجْتَمَعُوا عَلى الشُّرْبِ وأخَذُوا في المُكالَمَةِ والمُساءَلَةِ كانَ مِن جُمْلَةِ تِلْكَ الكَلِماتِ أنَّهم يَتَذَكَّرُونَ أنَّهم كانَ قَدْ حَصَلَ لَهم في الدُّنْيا ما يُوجِبُ لَهُمُ الوُقُوعَ في عَذابِ اللَّهِ، ثُمَّ إنَّهم تَخَلَّصُوا عَنْهُ وفازُوا بِالسَّعادَةِ الأبَدِيَّةِ، والمَقْصُودُ مِن ذِكْرِ هَذِهِ الأشْياءِ أنَّ أهْلَ الجَنَّةِ يَتَكامَلُ سُرُورُهم وبَهْجَتُهم. أمّا قَوْلُهُ: ﴿قالَ قائِلٌ مِنهم إنِّي كانَ لِي قَرِينٌ﴾ أيْ: قالَ قائِلٌ: مِن أهْلِ الجَنَّةِ إنِّي كانَ لِي قَرِينٌ في الدُّنْيا ﴿يَقُولُ أئِنَّكَ لَمِنَ المُصَدِّقِينَ﴾ أيْ كانَ يُوَبِّخُنِي عَلى التَّصْدِيقِ بِالبَعْثِ والقِيامَةِ ويَقُولُ تَعَجُّبًا: ﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَدِينُونَ﴾ أيْ لَمُحاسَبُونَ ومُجازُونَ، والمَعْنى أنَّ ذَلِكَ القَرِينَ كانَ يَقُولُ هَذِهِ الكَلِماتِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِنْكارِ، ثُمَّ إنَّ ذَلِكَ الرَّجُلَ الَّذِي هو مِن أهْلِ الجَنَّةِ يَقُولُ لِجُلَسائِهِ يَدْعُوهم إلى كَمالِ السُّرُورِ بِالِاطِّلاعِ إلى النّارِ لِمُشاهَدَةِ ذَلِكَ القَرِينِ ومُخاطَبَتِهِ ﴿هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ ﴿فاطَّلَعَ﴾ والأقْرَبُ أنَّهُ تَكَلَّفَ أمْرًا اطَّلَعَ مَعَهُ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ مُطَّلِعًا بِلا تَكَلُّفٍ لَمْ يَكُنْ إلى اطِّلاعِهِ حاجَةٌ فَلِذَلِكَ قالَ بَعْضُهم: إنَّهُ ذَهَبَ إلى بَعْضِ أطْرافِ الجَنَّةِ فاطَّلَعَ عِنْدَها إلى النّارِ ﴿فَرَآهُ في سَواءِ الجَحِيمِ﴾ أيْ: في وسَطِ الجَحِيمِ قالَ لَهُ مُوَبِّخًا: ﴿تاللَّهِ إنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ أيْ: لَتُهْلِكُنِي بِدُعائِكَ إيّايَ إلى إنْكارِ البَعْثِ والقِيامَةِ ﴿ولَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي﴾ بِالإرْشادِ إلى الحَقِّ والعِصْمَةِ عَنِ الباطِلِ ﴿لَكُنْتُ مِنَ المُحْضَرِينَ﴾ في النّارِ مِثْلَكَ، ولَمّا تَمَّمَ ذَلِكَ الكَلامَ مَعَ الرَّجُلِ الَّذِي كانَ في الدُّنْيا قَرِينًا لَهُ وهو الآنُ مِن أهْلِ النّارِ عادَ إلى مُخاطَبَةِ جُلَسائِهِ الَّذِينَ هم مِن أهْلِ الجَنَّةِ فَقالَ ﴿أفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّ أهْلَ الجَنَّةِ لا يَعْلَمُونَ في أوَّلِ دُخُولِهِمْ في الجَنَّةِ أنَّهم لا يَمُوتُونَ، فَإذا جِيءَ بِالمَوْتِ عَلى صُورَةِ كَبْشٍ أمْلَحَ وذُبِحَ فَعِنْدَ ذَلِكَ يَعْلَمُونَ أنَّهم لا يَمُوتُونَ فَلَعَلَّ هَذا الكَلامَ حَصَلَ قَبْلَ ذَبْحِ المَوْتِ. والثّانِي: أنَّ الَّذِي يَتَكامَلُ خَيْرُهُ وسَعادَتُهُ فَإذا عَظُمَ تَعَجُّبُهُ بِها قَدْ يَقُولُ أيَدُومُ هَذا لِي ؟ أفَيَبْقى هَذا لِي ؟ صفحة ١٢٢ وإنْ كانَ عَلى يَقِينٍ مِن دَوامِهِ، ثُمَّ عِنْدَ فَراغِهِمْ مِن هَذِهِ المُباحَثاتِ يَقُولُونَ: ﴿إنَّ هَذا لَهو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ . * * * وأمّا قَوْلُهُ: ﴿لِمِثْلِ هَذا فَلْيَعْمَلِ العامِلُونَ﴾ فَقِيلَ: إنَّهُ مِن بَقِيَّةِ كَلامِهِمْ، وقِيلَ: إنَّهُ ابْتِداءُ كَلامٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى، أيْ لِطَلَبِ مِثْلِ هَذِهِ السَّعاداتِ يَجِبُ أنْ يَعْمَلَ العامِلُونَ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ بَعْضُهُمُ: المُرادُ مِن هَذا القائِلِ ومِن قَرِينِهِ ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في سُورَةِ الكَهْفِ في قَوْلِهِ: ﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلًا رَجُلَيْنِ﴾ [الكهف: ٣٢] إلى آخِرِ الآياتِ، ورُوِيَ أنَّ رَجُلَيْنِ كانا شَرِيكَيْنِ، فَحَصَلَ لَهُما ثَمانِيَةُ آلافِ دِينارٍ، فَقالَ أحَدُهُما لِلْآخَرِ: أُقاسِمُكَ فَقاسَمَهُ، واشْتَرى دارًا بِألْفِ دِينارٍ فَأراها صاحِبَهُ، وقالَ: كَيْفَ تَرى حُسْنَها ؟ فَقالَ: ما أحْسَنَها فَخَرَجَ وقالَ: اللَّهُمَّ إنَّ صاحِبِي هَذا قَدِ ابْتاعَ هَذِهِ الدّارَ بِألْفِ دِينارٍ وإنِّي أسْألُكَ دارًا مِن دُورِ الجَنَّةِ، فَتَصَدَّقَ بِألْفِ دِينارٍ، ثُمَّ إنَّ صاحَبَهُ تَزَوَّجَ بِامْرَأةٍ حَسْناءَ بِألْفِ دِينارٍ فَتَصَدَّقَ هَذا بِألْفِ دِينارٍ، ثُمَّ إنَّ صاحَبَهُ اشْتَرى بَساتِينَ بِألْفَيْ دِينارٍ فَتَصَدَّقَ هَذا بِألْفَيْ دِينارٍ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ أعْطاهُ في الجَنَّةِ ما طَلَبَ، فَعِنْدَ هَذا قالَ: ﴿إنِّي كانَ لِي قَرِينٌ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فاطَّلَعَ فَرَآهُ في سَواءِ الجَحِيمِ﴾ . المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿أئِنَّكَ لَمِنَ المُصَدِّقِينَ﴾ ﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَدِينُونَ﴾ اخْتَلَفَ القُرّاءُ في هَذِهِ الِاسْتِفْهاماتِ الثَّلاثَةِ، قَرَأ نافِعٌ الأُولى والثّانِيَةَ بِالِاسْتِفْهامِ بِهَمْزَةٍ غَيْرِ مَمْدُودَةٍ، والثّالِثَةَ بِكَسْرِ الألِفِ مِن غَيْرِ اسْتِفْهامٍ، ووافَقَهُ الكِسائِيُّ إلّا أنَّهُ يَسْتَفْهِمُ الثّالِثَةَ بِهَمْزَتَيْنِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ الأُولى والثّالِثَةَ بِالِاسْتِفْهامِ بِهَمْزَتَيْنِ، والثّانِيَةَ بِكَسْرِ الألِفِ مِن غَيْرِ اسْتِفْهامٍ، وقَرَأ الباقُونَ بِالِاسْتِفْهامِ في جَمِيعِها، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فابْنُ كَثِيرٍ يَسْتَفْهِمُ بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ غَيْرِ مُطَوَّلَةٍ وبَعْدِها ياءٌ ساكِنَةٌ خَفِيفَةٌ، وأبُو عَمْرٍو مُطَوَّلَةً، وعاصِمٌ وحَمْزَةُ بِهَمْزَتَيْنِ. * * * وأمّا قَوْلُهُ: ﴿إنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ قَرَأ نافِعٌ بِرِوايَةِ ورْشٍ لَتُرْدِينِي بِإثْباتِ الياءِ في الوَصْلِ والباقُونَ بِحَذْفِها. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا عَلى أنَّ الهُدى والضَّلالَ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ المُحْضَرِينَ﴾ وقالُوا: مَذْهَبُ الخَصْمِ أنَّ كُلَّ ما فَعَلَهُ اللَّهُ تَعالى مِن وُجُوهِ الإنْعامِ في حَقِّ المُؤْمِنِ فَقَدْ فَعَلَهُ في حَقِّ الكافِرِ، وإذا كانَ ذَلِكَ الإنْعامُ مُشْتَرَكًا فِيهِ امْتَنَعَ أنْ يَكُونَ سَبَبًا لِحُصُولِ الهِدايَةِ لِلْمُؤْمِنِ، وأنْ يَكُونَ سَبَبًا لِخَلاصِهِ مِنَ الكُفْرِ والرَّدى فَوَجَبَ أنْ تَكُونَ تِلْكَ النِّعْمَةُ المَخْصُوصَةُ أمْرًا زائِدًا عَلى تِلْكَ الإنْعاماتِ الَّتِي حَصَلَ الِاشْتِراكُ فِيها، وما ذَلِكَ إلّا بِقُوَّةِ الدّاعِي إلى الإيمانِ وتَكْمِيلِ الصّارِفِ عَنِ الكُفْرِ. المَسْألَةُ الخامِسَةُ: احْتَجَّ نُفاةُ عَذابِ القَبْرِ بِقَوْلِ الرَّجُلِ الَّذِي مِن أهْلِ الجَنَّةِ ﴿أفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ﴾ ﴿إلّا مَوْتَتَنا الأُولى﴾ فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الإنْسانَ لا يَمُوتُ إلّا مَرَّةً واحِدَةً ولَوْ حَصَلَتِ الحَياةُ في القَبْرِ لَكانَ المَوْتُ حاصِلًا مَرَّتَيْنِ، والجَوابُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إلّا مَوْتَتَنا الأُولى﴾ المُرادُ مِنهُ كُلُّ ما وقَعَ في الدُّنْيا، واللَّهُ أعْلَمُ.

الصافات 37:59

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ قائِلٌ مِنهم إنِّي كانَ لِي قَرِينٌ﴾ ﴿يَقُولُ أئِنَّكَ لَمِنَ المُصَدِّقِينَ﴾ ﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَدِينُونَ﴾ ﴿قالَ هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ ﴿فاطَّلَعَ فَرَآهُ في سَواءِ الجَحِيمِ﴾ ﴿قالَ تاللَّهِ إنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ ﴿ولَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ المُحْضَرِينَ﴾ ﴿أفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ﴾ ﴿إلّا مَوْتَتَنا الأُولى وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ ﴿إنَّ هَذا لَهو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ ﴿لِمِثْلِ هَذا فَلْيَعْمَلِ العامِلُونَ﴾ في الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى كَما ذَكَرَ في أهْلِ الجَنَّةِ أنَّهم يَتَساءَلُونَ عِنْدَ الِاجْتِماعِ عَلى شُرْبِ خَمْرِ الجَنَّةِ فَإنَّ مُحادَثَةَ العُقَلاءِ بَعْضِهِمْ مَعَ بَعْضٍ عَلى الشُّرْبِ مِنَ الأُمُورِ اللَّذِيذَةِ، وتَذَكُّرَ الخَلاصِ عِنْدَ اجْتِماعِ أسْبابِ الهَلاكِ مِنَ الأُمُورِ اللَّذِيذَةِ، ذَكَرَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ أهْلَ الجَنَّةِ إذا اجْتَمَعُوا عَلى الشُّرْبِ وأخَذُوا في المُكالَمَةِ والمُساءَلَةِ كانَ مِن جُمْلَةِ تِلْكَ الكَلِماتِ أنَّهم يَتَذَكَّرُونَ أنَّهم كانَ قَدْ حَصَلَ لَهم في الدُّنْيا ما يُوجِبُ لَهُمُ الوُقُوعَ في عَذابِ اللَّهِ، ثُمَّ إنَّهم تَخَلَّصُوا عَنْهُ وفازُوا بِالسَّعادَةِ الأبَدِيَّةِ، والمَقْصُودُ مِن ذِكْرِ هَذِهِ الأشْياءِ أنَّ أهْلَ الجَنَّةِ يَتَكامَلُ سُرُورُهم وبَهْجَتُهم. أمّا قَوْلُهُ: ﴿قالَ قائِلٌ مِنهم إنِّي كانَ لِي قَرِينٌ﴾ أيْ: قالَ قائِلٌ: مِن أهْلِ الجَنَّةِ إنِّي كانَ لِي قَرِينٌ في الدُّنْيا ﴿يَقُولُ أئِنَّكَ لَمِنَ المُصَدِّقِينَ﴾ أيْ كانَ يُوَبِّخُنِي عَلى التَّصْدِيقِ بِالبَعْثِ والقِيامَةِ ويَقُولُ تَعَجُّبًا: ﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَدِينُونَ﴾ أيْ لَمُحاسَبُونَ ومُجازُونَ، والمَعْنى أنَّ ذَلِكَ القَرِينَ كانَ يَقُولُ هَذِهِ الكَلِماتِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِنْكارِ، ثُمَّ إنَّ ذَلِكَ الرَّجُلَ الَّذِي هو مِن أهْلِ الجَنَّةِ يَقُولُ لِجُلَسائِهِ يَدْعُوهم إلى كَمالِ السُّرُورِ بِالِاطِّلاعِ إلى النّارِ لِمُشاهَدَةِ ذَلِكَ القَرِينِ ومُخاطَبَتِهِ ﴿هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ ﴿فاطَّلَعَ﴾ والأقْرَبُ أنَّهُ تَكَلَّفَ أمْرًا اطَّلَعَ مَعَهُ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ مُطَّلِعًا بِلا تَكَلُّفٍ لَمْ يَكُنْ إلى اطِّلاعِهِ حاجَةٌ فَلِذَلِكَ قالَ بَعْضُهم: إنَّهُ ذَهَبَ إلى بَعْضِ أطْرافِ الجَنَّةِ فاطَّلَعَ عِنْدَها إلى النّارِ ﴿فَرَآهُ في سَواءِ الجَحِيمِ﴾ أيْ: في وسَطِ الجَحِيمِ قالَ لَهُ مُوَبِّخًا: ﴿تاللَّهِ إنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ أيْ: لَتُهْلِكُنِي بِدُعائِكَ إيّايَ إلى إنْكارِ البَعْثِ والقِيامَةِ ﴿ولَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي﴾ بِالإرْشادِ إلى الحَقِّ والعِصْمَةِ عَنِ الباطِلِ ﴿لَكُنْتُ مِنَ المُحْضَرِينَ﴾ في النّارِ مِثْلَكَ، ولَمّا تَمَّمَ ذَلِكَ الكَلامَ مَعَ الرَّجُلِ الَّذِي كانَ في الدُّنْيا قَرِينًا لَهُ وهو الآنُ مِن أهْلِ النّارِ عادَ إلى مُخاطَبَةِ جُلَسائِهِ الَّذِينَ هم مِن أهْلِ الجَنَّةِ فَقالَ ﴿أفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّ أهْلَ الجَنَّةِ لا يَعْلَمُونَ في أوَّلِ دُخُولِهِمْ في الجَنَّةِ أنَّهم لا يَمُوتُونَ، فَإذا جِيءَ بِالمَوْتِ عَلى صُورَةِ كَبْشٍ أمْلَحَ وذُبِحَ فَعِنْدَ ذَلِكَ يَعْلَمُونَ أنَّهم لا يَمُوتُونَ فَلَعَلَّ هَذا الكَلامَ حَصَلَ قَبْلَ ذَبْحِ المَوْتِ. والثّانِي: أنَّ الَّذِي يَتَكامَلُ خَيْرُهُ وسَعادَتُهُ فَإذا عَظُمَ تَعَجُّبُهُ بِها قَدْ يَقُولُ أيَدُومُ هَذا لِي ؟ أفَيَبْقى هَذا لِي ؟ صفحة ١٢٢ وإنْ كانَ عَلى يَقِينٍ مِن دَوامِهِ، ثُمَّ عِنْدَ فَراغِهِمْ مِن هَذِهِ المُباحَثاتِ يَقُولُونَ: ﴿إنَّ هَذا لَهو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ . * * * وأمّا قَوْلُهُ: ﴿لِمِثْلِ هَذا فَلْيَعْمَلِ العامِلُونَ﴾ فَقِيلَ: إنَّهُ مِن بَقِيَّةِ كَلامِهِمْ، وقِيلَ: إنَّهُ ابْتِداءُ كَلامٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى، أيْ لِطَلَبِ مِثْلِ هَذِهِ السَّعاداتِ يَجِبُ أنْ يَعْمَلَ العامِلُونَ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ بَعْضُهُمُ: المُرادُ مِن هَذا القائِلِ ومِن قَرِينِهِ ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في سُورَةِ الكَهْفِ في قَوْلِهِ: ﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلًا رَجُلَيْنِ﴾ [الكهف: ٣٢] إلى آخِرِ الآياتِ، ورُوِيَ أنَّ رَجُلَيْنِ كانا شَرِيكَيْنِ، فَحَصَلَ لَهُما ثَمانِيَةُ آلافِ دِينارٍ، فَقالَ أحَدُهُما لِلْآخَرِ: أُقاسِمُكَ فَقاسَمَهُ، واشْتَرى دارًا بِألْفِ دِينارٍ فَأراها صاحِبَهُ، وقالَ: كَيْفَ تَرى حُسْنَها ؟ فَقالَ: ما أحْسَنَها فَخَرَجَ وقالَ: اللَّهُمَّ إنَّ صاحِبِي هَذا قَدِ ابْتاعَ هَذِهِ الدّارَ بِألْفِ دِينارٍ وإنِّي أسْألُكَ دارًا مِن دُورِ الجَنَّةِ، فَتَصَدَّقَ بِألْفِ دِينارٍ، ثُمَّ إنَّ صاحَبَهُ تَزَوَّجَ بِامْرَأةٍ حَسْناءَ بِألْفِ دِينارٍ فَتَصَدَّقَ هَذا بِألْفِ دِينارٍ، ثُمَّ إنَّ صاحَبَهُ اشْتَرى بَساتِينَ بِألْفَيْ دِينارٍ فَتَصَدَّقَ هَذا بِألْفَيْ دِينارٍ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ أعْطاهُ في الجَنَّةِ ما طَلَبَ، فَعِنْدَ هَذا قالَ: ﴿إنِّي كانَ لِي قَرِينٌ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فاطَّلَعَ فَرَآهُ في سَواءِ الجَحِيمِ﴾ . المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿أئِنَّكَ لَمِنَ المُصَدِّقِينَ﴾ ﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَدِينُونَ﴾ اخْتَلَفَ القُرّاءُ في هَذِهِ الِاسْتِفْهاماتِ الثَّلاثَةِ، قَرَأ نافِعٌ الأُولى والثّانِيَةَ بِالِاسْتِفْهامِ بِهَمْزَةٍ غَيْرِ مَمْدُودَةٍ، والثّالِثَةَ بِكَسْرِ الألِفِ مِن غَيْرِ اسْتِفْهامٍ، ووافَقَهُ الكِسائِيُّ إلّا أنَّهُ يَسْتَفْهِمُ الثّالِثَةَ بِهَمْزَتَيْنِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ الأُولى والثّالِثَةَ بِالِاسْتِفْهامِ بِهَمْزَتَيْنِ، والثّانِيَةَ بِكَسْرِ الألِفِ مِن غَيْرِ اسْتِفْهامٍ، وقَرَأ الباقُونَ بِالِاسْتِفْهامِ في جَمِيعِها، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فابْنُ كَثِيرٍ يَسْتَفْهِمُ بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ غَيْرِ مُطَوَّلَةٍ وبَعْدِها ياءٌ ساكِنَةٌ خَفِيفَةٌ، وأبُو عَمْرٍو مُطَوَّلَةً، وعاصِمٌ وحَمْزَةُ بِهَمْزَتَيْنِ. * * * وأمّا قَوْلُهُ: ﴿إنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ قَرَأ نافِعٌ بِرِوايَةِ ورْشٍ لَتُرْدِينِي بِإثْباتِ الياءِ في الوَصْلِ والباقُونَ بِحَذْفِها. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا عَلى أنَّ الهُدى والضَّلالَ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ المُحْضَرِينَ﴾ وقالُوا: مَذْهَبُ الخَصْمِ أنَّ كُلَّ ما فَعَلَهُ اللَّهُ تَعالى مِن وُجُوهِ الإنْعامِ في حَقِّ المُؤْمِنِ فَقَدْ فَعَلَهُ في حَقِّ الكافِرِ، وإذا كانَ ذَلِكَ الإنْعامُ مُشْتَرَكًا فِيهِ امْتَنَعَ أنْ يَكُونَ سَبَبًا لِحُصُولِ الهِدايَةِ لِلْمُؤْمِنِ، وأنْ يَكُونَ سَبَبًا لِخَلاصِهِ مِنَ الكُفْرِ والرَّدى فَوَجَبَ أنْ تَكُونَ تِلْكَ النِّعْمَةُ المَخْصُوصَةُ أمْرًا زائِدًا عَلى تِلْكَ الإنْعاماتِ الَّتِي حَصَلَ الِاشْتِراكُ فِيها، وما ذَلِكَ إلّا بِقُوَّةِ الدّاعِي إلى الإيمانِ وتَكْمِيلِ الصّارِفِ عَنِ الكُفْرِ. المَسْألَةُ الخامِسَةُ: احْتَجَّ نُفاةُ عَذابِ القَبْرِ بِقَوْلِ الرَّجُلِ الَّذِي مِن أهْلِ الجَنَّةِ ﴿أفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ﴾ ﴿إلّا مَوْتَتَنا الأُولى﴾ فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الإنْسانَ لا يَمُوتُ إلّا مَرَّةً واحِدَةً ولَوْ حَصَلَتِ الحَياةُ في القَبْرِ لَكانَ المَوْتُ حاصِلًا مَرَّتَيْنِ، والجَوابُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إلّا مَوْتَتَنا الأُولى﴾ المُرادُ مِنهُ كُلُّ ما وقَعَ في الدُّنْيا، واللَّهُ أعْلَمُ.

الصافات 37:60

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ قائِلٌ مِنهم إنِّي كانَ لِي قَرِينٌ﴾ ﴿يَقُولُ أئِنَّكَ لَمِنَ المُصَدِّقِينَ﴾ ﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَدِينُونَ﴾ ﴿قالَ هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ ﴿فاطَّلَعَ فَرَآهُ في سَواءِ الجَحِيمِ﴾ ﴿قالَ تاللَّهِ إنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ ﴿ولَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ المُحْضَرِينَ﴾ ﴿أفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ﴾ ﴿إلّا مَوْتَتَنا الأُولى وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ ﴿إنَّ هَذا لَهو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ ﴿لِمِثْلِ هَذا فَلْيَعْمَلِ العامِلُونَ﴾ في الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى كَما ذَكَرَ في أهْلِ الجَنَّةِ أنَّهم يَتَساءَلُونَ عِنْدَ الِاجْتِماعِ عَلى شُرْبِ خَمْرِ الجَنَّةِ فَإنَّ مُحادَثَةَ العُقَلاءِ بَعْضِهِمْ مَعَ بَعْضٍ عَلى الشُّرْبِ مِنَ الأُمُورِ اللَّذِيذَةِ، وتَذَكُّرَ الخَلاصِ عِنْدَ اجْتِماعِ أسْبابِ الهَلاكِ مِنَ الأُمُورِ اللَّذِيذَةِ، ذَكَرَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ أهْلَ الجَنَّةِ إذا اجْتَمَعُوا عَلى الشُّرْبِ وأخَذُوا في المُكالَمَةِ والمُساءَلَةِ كانَ مِن جُمْلَةِ تِلْكَ الكَلِماتِ أنَّهم يَتَذَكَّرُونَ أنَّهم كانَ قَدْ حَصَلَ لَهم في الدُّنْيا ما يُوجِبُ لَهُمُ الوُقُوعَ في عَذابِ اللَّهِ، ثُمَّ إنَّهم تَخَلَّصُوا عَنْهُ وفازُوا بِالسَّعادَةِ الأبَدِيَّةِ، والمَقْصُودُ مِن ذِكْرِ هَذِهِ الأشْياءِ أنَّ أهْلَ الجَنَّةِ يَتَكامَلُ سُرُورُهم وبَهْجَتُهم. أمّا قَوْلُهُ: ﴿قالَ قائِلٌ مِنهم إنِّي كانَ لِي قَرِينٌ﴾ أيْ: قالَ قائِلٌ: مِن أهْلِ الجَنَّةِ إنِّي كانَ لِي قَرِينٌ في الدُّنْيا ﴿يَقُولُ أئِنَّكَ لَمِنَ المُصَدِّقِينَ﴾ أيْ كانَ يُوَبِّخُنِي عَلى التَّصْدِيقِ بِالبَعْثِ والقِيامَةِ ويَقُولُ تَعَجُّبًا: ﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَدِينُونَ﴾ أيْ لَمُحاسَبُونَ ومُجازُونَ، والمَعْنى أنَّ ذَلِكَ القَرِينَ كانَ يَقُولُ هَذِهِ الكَلِماتِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِنْكارِ، ثُمَّ إنَّ ذَلِكَ الرَّجُلَ الَّذِي هو مِن أهْلِ الجَنَّةِ يَقُولُ لِجُلَسائِهِ يَدْعُوهم إلى كَمالِ السُّرُورِ بِالِاطِّلاعِ إلى النّارِ لِمُشاهَدَةِ ذَلِكَ القَرِينِ ومُخاطَبَتِهِ ﴿هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ ﴿فاطَّلَعَ﴾ والأقْرَبُ أنَّهُ تَكَلَّفَ أمْرًا اطَّلَعَ مَعَهُ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ مُطَّلِعًا بِلا تَكَلُّفٍ لَمْ يَكُنْ إلى اطِّلاعِهِ حاجَةٌ فَلِذَلِكَ قالَ بَعْضُهم: إنَّهُ ذَهَبَ إلى بَعْضِ أطْرافِ الجَنَّةِ فاطَّلَعَ عِنْدَها إلى النّارِ ﴿فَرَآهُ في سَواءِ الجَحِيمِ﴾ أيْ: في وسَطِ الجَحِيمِ قالَ لَهُ مُوَبِّخًا: ﴿تاللَّهِ إنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ أيْ: لَتُهْلِكُنِي بِدُعائِكَ إيّايَ إلى إنْكارِ البَعْثِ والقِيامَةِ ﴿ولَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي﴾ بِالإرْشادِ إلى الحَقِّ والعِصْمَةِ عَنِ الباطِلِ ﴿لَكُنْتُ مِنَ المُحْضَرِينَ﴾ في النّارِ مِثْلَكَ، ولَمّا تَمَّمَ ذَلِكَ الكَلامَ مَعَ الرَّجُلِ الَّذِي كانَ في الدُّنْيا قَرِينًا لَهُ وهو الآنُ مِن أهْلِ النّارِ عادَ إلى مُخاطَبَةِ جُلَسائِهِ الَّذِينَ هم مِن أهْلِ الجَنَّةِ فَقالَ ﴿أفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّ أهْلَ الجَنَّةِ لا يَعْلَمُونَ في أوَّلِ دُخُولِهِمْ في الجَنَّةِ أنَّهم لا يَمُوتُونَ، فَإذا جِيءَ بِالمَوْتِ عَلى صُورَةِ كَبْشٍ أمْلَحَ وذُبِحَ فَعِنْدَ ذَلِكَ يَعْلَمُونَ أنَّهم لا يَمُوتُونَ فَلَعَلَّ هَذا الكَلامَ حَصَلَ قَبْلَ ذَبْحِ المَوْتِ. والثّانِي: أنَّ الَّذِي يَتَكامَلُ خَيْرُهُ وسَعادَتُهُ فَإذا عَظُمَ تَعَجُّبُهُ بِها قَدْ يَقُولُ أيَدُومُ هَذا لِي ؟ أفَيَبْقى هَذا لِي ؟ صفحة ١٢٢ وإنْ كانَ عَلى يَقِينٍ مِن دَوامِهِ، ثُمَّ عِنْدَ فَراغِهِمْ مِن هَذِهِ المُباحَثاتِ يَقُولُونَ: ﴿إنَّ هَذا لَهو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ . * * * وأمّا قَوْلُهُ: ﴿لِمِثْلِ هَذا فَلْيَعْمَلِ العامِلُونَ﴾ فَقِيلَ: إنَّهُ مِن بَقِيَّةِ كَلامِهِمْ، وقِيلَ: إنَّهُ ابْتِداءُ كَلامٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى، أيْ لِطَلَبِ مِثْلِ هَذِهِ السَّعاداتِ يَجِبُ أنْ يَعْمَلَ العامِلُونَ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ بَعْضُهُمُ: المُرادُ مِن هَذا القائِلِ ومِن قَرِينِهِ ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في سُورَةِ الكَهْفِ في قَوْلِهِ: ﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلًا رَجُلَيْنِ﴾ [الكهف: ٣٢] إلى آخِرِ الآياتِ، ورُوِيَ أنَّ رَجُلَيْنِ كانا شَرِيكَيْنِ، فَحَصَلَ لَهُما ثَمانِيَةُ آلافِ دِينارٍ، فَقالَ أحَدُهُما لِلْآخَرِ: أُقاسِمُكَ فَقاسَمَهُ، واشْتَرى دارًا بِألْفِ دِينارٍ فَأراها صاحِبَهُ، وقالَ: كَيْفَ تَرى حُسْنَها ؟ فَقالَ: ما أحْسَنَها فَخَرَجَ وقالَ: اللَّهُمَّ إنَّ صاحِبِي هَذا قَدِ ابْتاعَ هَذِهِ الدّارَ بِألْفِ دِينارٍ وإنِّي أسْألُكَ دارًا مِن دُورِ الجَنَّةِ، فَتَصَدَّقَ بِألْفِ دِينارٍ، ثُمَّ إنَّ صاحَبَهُ تَزَوَّجَ بِامْرَأةٍ حَسْناءَ بِألْفِ دِينارٍ فَتَصَدَّقَ هَذا بِألْفِ دِينارٍ، ثُمَّ إنَّ صاحَبَهُ اشْتَرى بَساتِينَ بِألْفَيْ دِينارٍ فَتَصَدَّقَ هَذا بِألْفَيْ دِينارٍ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ أعْطاهُ في الجَنَّةِ ما طَلَبَ، فَعِنْدَ هَذا قالَ: ﴿إنِّي كانَ لِي قَرِينٌ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فاطَّلَعَ فَرَآهُ في سَواءِ الجَحِيمِ﴾ . المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿أئِنَّكَ لَمِنَ المُصَدِّقِينَ﴾ ﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَدِينُونَ﴾ اخْتَلَفَ القُرّاءُ في هَذِهِ الِاسْتِفْهاماتِ الثَّلاثَةِ، قَرَأ نافِعٌ الأُولى والثّانِيَةَ بِالِاسْتِفْهامِ بِهَمْزَةٍ غَيْرِ مَمْدُودَةٍ، والثّالِثَةَ بِكَسْرِ الألِفِ مِن غَيْرِ اسْتِفْهامٍ، ووافَقَهُ الكِسائِيُّ إلّا أنَّهُ يَسْتَفْهِمُ الثّالِثَةَ بِهَمْزَتَيْنِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ الأُولى والثّالِثَةَ بِالِاسْتِفْهامِ بِهَمْزَتَيْنِ، والثّانِيَةَ بِكَسْرِ الألِفِ مِن غَيْرِ اسْتِفْهامٍ، وقَرَأ الباقُونَ بِالِاسْتِفْهامِ في جَمِيعِها، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فابْنُ كَثِيرٍ يَسْتَفْهِمُ بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ غَيْرِ مُطَوَّلَةٍ وبَعْدِها ياءٌ ساكِنَةٌ خَفِيفَةٌ، وأبُو عَمْرٍو مُطَوَّلَةً، وعاصِمٌ وحَمْزَةُ بِهَمْزَتَيْنِ. * * * وأمّا قَوْلُهُ: ﴿إنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ قَرَأ نافِعٌ بِرِوايَةِ ورْشٍ لَتُرْدِينِي بِإثْباتِ الياءِ في الوَصْلِ والباقُونَ بِحَذْفِها. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا عَلى أنَّ الهُدى والضَّلالَ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ المُحْضَرِينَ﴾ وقالُوا: مَذْهَبُ الخَصْمِ أنَّ كُلَّ ما فَعَلَهُ اللَّهُ تَعالى مِن وُجُوهِ الإنْعامِ في حَقِّ المُؤْمِنِ فَقَدْ فَعَلَهُ في حَقِّ الكافِرِ، وإذا كانَ ذَلِكَ الإنْعامُ مُشْتَرَكًا فِيهِ امْتَنَعَ أنْ يَكُونَ سَبَبًا لِحُصُولِ الهِدايَةِ لِلْمُؤْمِنِ، وأنْ يَكُونَ سَبَبًا لِخَلاصِهِ مِنَ الكُفْرِ والرَّدى فَوَجَبَ أنْ تَكُونَ تِلْكَ النِّعْمَةُ المَخْصُوصَةُ أمْرًا زائِدًا عَلى تِلْكَ الإنْعاماتِ الَّتِي حَصَلَ الِاشْتِراكُ فِيها، وما ذَلِكَ إلّا بِقُوَّةِ الدّاعِي إلى الإيمانِ وتَكْمِيلِ الصّارِفِ عَنِ الكُفْرِ. المَسْألَةُ الخامِسَةُ: احْتَجَّ نُفاةُ عَذابِ القَبْرِ بِقَوْلِ الرَّجُلِ الَّذِي مِن أهْلِ الجَنَّةِ ﴿أفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ﴾ ﴿إلّا مَوْتَتَنا الأُولى﴾ فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الإنْسانَ لا يَمُوتُ إلّا مَرَّةً واحِدَةً ولَوْ حَصَلَتِ الحَياةُ في القَبْرِ لَكانَ المَوْتُ حاصِلًا مَرَّتَيْنِ، والجَوابُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إلّا مَوْتَتَنا الأُولى﴾ المُرادُ مِنهُ كُلُّ ما وقَعَ في الدُّنْيا، واللَّهُ أعْلَمُ.

الصافات 37:61

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ قائِلٌ مِنهم إنِّي كانَ لِي قَرِينٌ﴾ ﴿يَقُولُ أئِنَّكَ لَمِنَ المُصَدِّقِينَ﴾ ﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَدِينُونَ﴾ ﴿قالَ هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ ﴿فاطَّلَعَ فَرَآهُ في سَواءِ الجَحِيمِ﴾ ﴿قالَ تاللَّهِ إنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ ﴿ولَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ المُحْضَرِينَ﴾ ﴿أفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ﴾ ﴿إلّا مَوْتَتَنا الأُولى وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ ﴿إنَّ هَذا لَهو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ ﴿لِمِثْلِ هَذا فَلْيَعْمَلِ العامِلُونَ﴾ في الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى كَما ذَكَرَ في أهْلِ الجَنَّةِ أنَّهم يَتَساءَلُونَ عِنْدَ الِاجْتِماعِ عَلى شُرْبِ خَمْرِ الجَنَّةِ فَإنَّ مُحادَثَةَ العُقَلاءِ بَعْضِهِمْ مَعَ بَعْضٍ عَلى الشُّرْبِ مِنَ الأُمُورِ اللَّذِيذَةِ، وتَذَكُّرَ الخَلاصِ عِنْدَ اجْتِماعِ أسْبابِ الهَلاكِ مِنَ الأُمُورِ اللَّذِيذَةِ، ذَكَرَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ أهْلَ الجَنَّةِ إذا اجْتَمَعُوا عَلى الشُّرْبِ وأخَذُوا في المُكالَمَةِ والمُساءَلَةِ كانَ مِن جُمْلَةِ تِلْكَ الكَلِماتِ أنَّهم يَتَذَكَّرُونَ أنَّهم كانَ قَدْ حَصَلَ لَهم في الدُّنْيا ما يُوجِبُ لَهُمُ الوُقُوعَ في عَذابِ اللَّهِ، ثُمَّ إنَّهم تَخَلَّصُوا عَنْهُ وفازُوا بِالسَّعادَةِ الأبَدِيَّةِ، والمَقْصُودُ مِن ذِكْرِ هَذِهِ الأشْياءِ أنَّ أهْلَ الجَنَّةِ يَتَكامَلُ سُرُورُهم وبَهْجَتُهم. أمّا قَوْلُهُ: ﴿قالَ قائِلٌ مِنهم إنِّي كانَ لِي قَرِينٌ﴾ أيْ: قالَ قائِلٌ: مِن أهْلِ الجَنَّةِ إنِّي كانَ لِي قَرِينٌ في الدُّنْيا ﴿يَقُولُ أئِنَّكَ لَمِنَ المُصَدِّقِينَ﴾ أيْ كانَ يُوَبِّخُنِي عَلى التَّصْدِيقِ بِالبَعْثِ والقِيامَةِ ويَقُولُ تَعَجُّبًا: ﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَدِينُونَ﴾ أيْ لَمُحاسَبُونَ ومُجازُونَ، والمَعْنى أنَّ ذَلِكَ القَرِينَ كانَ يَقُولُ هَذِهِ الكَلِماتِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِنْكارِ، ثُمَّ إنَّ ذَلِكَ الرَّجُلَ الَّذِي هو مِن أهْلِ الجَنَّةِ يَقُولُ لِجُلَسائِهِ يَدْعُوهم إلى كَمالِ السُّرُورِ بِالِاطِّلاعِ إلى النّارِ لِمُشاهَدَةِ ذَلِكَ القَرِينِ ومُخاطَبَتِهِ ﴿هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ ﴿فاطَّلَعَ﴾ والأقْرَبُ أنَّهُ تَكَلَّفَ أمْرًا اطَّلَعَ مَعَهُ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ مُطَّلِعًا بِلا تَكَلُّفٍ لَمْ يَكُنْ إلى اطِّلاعِهِ حاجَةٌ فَلِذَلِكَ قالَ بَعْضُهم: إنَّهُ ذَهَبَ إلى بَعْضِ أطْرافِ الجَنَّةِ فاطَّلَعَ عِنْدَها إلى النّارِ ﴿فَرَآهُ في سَواءِ الجَحِيمِ﴾ أيْ: في وسَطِ الجَحِيمِ قالَ لَهُ مُوَبِّخًا: ﴿تاللَّهِ إنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ أيْ: لَتُهْلِكُنِي بِدُعائِكَ إيّايَ إلى إنْكارِ البَعْثِ والقِيامَةِ ﴿ولَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي﴾ بِالإرْشادِ إلى الحَقِّ والعِصْمَةِ عَنِ الباطِلِ ﴿لَكُنْتُ مِنَ المُحْضَرِينَ﴾ في النّارِ مِثْلَكَ، ولَمّا تَمَّمَ ذَلِكَ الكَلامَ مَعَ الرَّجُلِ الَّذِي كانَ في الدُّنْيا قَرِينًا لَهُ وهو الآنُ مِن أهْلِ النّارِ عادَ إلى مُخاطَبَةِ جُلَسائِهِ الَّذِينَ هم مِن أهْلِ الجَنَّةِ فَقالَ ﴿أفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّ أهْلَ الجَنَّةِ لا يَعْلَمُونَ في أوَّلِ دُخُولِهِمْ في الجَنَّةِ أنَّهم لا يَمُوتُونَ، فَإذا جِيءَ بِالمَوْتِ عَلى صُورَةِ كَبْشٍ أمْلَحَ وذُبِحَ فَعِنْدَ ذَلِكَ يَعْلَمُونَ أنَّهم لا يَمُوتُونَ فَلَعَلَّ هَذا الكَلامَ حَصَلَ قَبْلَ ذَبْحِ المَوْتِ. والثّانِي: أنَّ الَّذِي يَتَكامَلُ خَيْرُهُ وسَعادَتُهُ فَإذا عَظُمَ تَعَجُّبُهُ بِها قَدْ يَقُولُ أيَدُومُ هَذا لِي ؟ أفَيَبْقى هَذا لِي ؟ صفحة ١٢٢ وإنْ كانَ عَلى يَقِينٍ مِن دَوامِهِ، ثُمَّ عِنْدَ فَراغِهِمْ مِن هَذِهِ المُباحَثاتِ يَقُولُونَ: ﴿إنَّ هَذا لَهو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ . * * * وأمّا قَوْلُهُ: ﴿لِمِثْلِ هَذا فَلْيَعْمَلِ العامِلُونَ﴾ فَقِيلَ: إنَّهُ مِن بَقِيَّةِ كَلامِهِمْ، وقِيلَ: إنَّهُ ابْتِداءُ كَلامٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى، أيْ لِطَلَبِ مِثْلِ هَذِهِ السَّعاداتِ يَجِبُ أنْ يَعْمَلَ العامِلُونَ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ بَعْضُهُمُ: المُرادُ مِن هَذا القائِلِ ومِن قَرِينِهِ ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في سُورَةِ الكَهْفِ في قَوْلِهِ: ﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلًا رَجُلَيْنِ﴾ [الكهف: ٣٢] إلى آخِرِ الآياتِ، ورُوِيَ أنَّ رَجُلَيْنِ كانا شَرِيكَيْنِ، فَحَصَلَ لَهُما ثَمانِيَةُ آلافِ دِينارٍ، فَقالَ أحَدُهُما لِلْآخَرِ: أُقاسِمُكَ فَقاسَمَهُ، واشْتَرى دارًا بِألْفِ دِينارٍ فَأراها صاحِبَهُ، وقالَ: كَيْفَ تَرى حُسْنَها ؟ فَقالَ: ما أحْسَنَها فَخَرَجَ وقالَ: اللَّهُمَّ إنَّ صاحِبِي هَذا قَدِ ابْتاعَ هَذِهِ الدّارَ بِألْفِ دِينارٍ وإنِّي أسْألُكَ دارًا مِن دُورِ الجَنَّةِ، فَتَصَدَّقَ بِألْفِ دِينارٍ، ثُمَّ إنَّ صاحَبَهُ تَزَوَّجَ بِامْرَأةٍ حَسْناءَ بِألْفِ دِينارٍ فَتَصَدَّقَ هَذا بِألْفِ دِينارٍ، ثُمَّ إنَّ صاحَبَهُ اشْتَرى بَساتِينَ بِألْفَيْ دِينارٍ فَتَصَدَّقَ هَذا بِألْفَيْ دِينارٍ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ أعْطاهُ في الجَنَّةِ ما طَلَبَ، فَعِنْدَ هَذا قالَ: ﴿إنِّي كانَ لِي قَرِينٌ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فاطَّلَعَ فَرَآهُ في سَواءِ الجَحِيمِ﴾ . المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿أئِنَّكَ لَمِنَ المُصَدِّقِينَ﴾ ﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَدِينُونَ﴾ اخْتَلَفَ القُرّاءُ في هَذِهِ الِاسْتِفْهاماتِ الثَّلاثَةِ، قَرَأ نافِعٌ الأُولى والثّانِيَةَ بِالِاسْتِفْهامِ بِهَمْزَةٍ غَيْرِ مَمْدُودَةٍ، والثّالِثَةَ بِكَسْرِ الألِفِ مِن غَيْرِ اسْتِفْهامٍ، ووافَقَهُ الكِسائِيُّ إلّا أنَّهُ يَسْتَفْهِمُ الثّالِثَةَ بِهَمْزَتَيْنِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ الأُولى والثّالِثَةَ بِالِاسْتِفْهامِ بِهَمْزَتَيْنِ، والثّانِيَةَ بِكَسْرِ الألِفِ مِن غَيْرِ اسْتِفْهامٍ، وقَرَأ الباقُونَ بِالِاسْتِفْهامِ في جَمِيعِها، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فابْنُ كَثِيرٍ يَسْتَفْهِمُ بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ غَيْرِ مُطَوَّلَةٍ وبَعْدِها ياءٌ ساكِنَةٌ خَفِيفَةٌ، وأبُو عَمْرٍو مُطَوَّلَةً، وعاصِمٌ وحَمْزَةُ بِهَمْزَتَيْنِ. * * * وأمّا قَوْلُهُ: ﴿إنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ قَرَأ نافِعٌ بِرِوايَةِ ورْشٍ لَتُرْدِينِي بِإثْباتِ الياءِ في الوَصْلِ والباقُونَ بِحَذْفِها. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا عَلى أنَّ الهُدى والضَّلالَ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ المُحْضَرِينَ﴾ وقالُوا: مَذْهَبُ الخَصْمِ أنَّ كُلَّ ما فَعَلَهُ اللَّهُ تَعالى مِن وُجُوهِ الإنْعامِ في حَقِّ المُؤْمِنِ فَقَدْ فَعَلَهُ في حَقِّ الكافِرِ، وإذا كانَ ذَلِكَ الإنْعامُ مُشْتَرَكًا فِيهِ امْتَنَعَ أنْ يَكُونَ سَبَبًا لِحُصُولِ الهِدايَةِ لِلْمُؤْمِنِ، وأنْ يَكُونَ سَبَبًا لِخَلاصِهِ مِنَ الكُفْرِ والرَّدى فَوَجَبَ أنْ تَكُونَ تِلْكَ النِّعْمَةُ المَخْصُوصَةُ أمْرًا زائِدًا عَلى تِلْكَ الإنْعاماتِ الَّتِي حَصَلَ الِاشْتِراكُ فِيها، وما ذَلِكَ إلّا بِقُوَّةِ الدّاعِي إلى الإيمانِ وتَكْمِيلِ الصّارِفِ عَنِ الكُفْرِ. المَسْألَةُ الخامِسَةُ: احْتَجَّ نُفاةُ عَذابِ القَبْرِ بِقَوْلِ الرَّجُلِ الَّذِي مِن أهْلِ الجَنَّةِ ﴿أفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ﴾ ﴿إلّا مَوْتَتَنا الأُولى﴾ فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الإنْسانَ لا يَمُوتُ إلّا مَرَّةً واحِدَةً ولَوْ حَصَلَتِ الحَياةُ في القَبْرِ لَكانَ المَوْتُ حاصِلًا مَرَّتَيْنِ، والجَوابُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إلّا مَوْتَتَنا الأُولى﴾ المُرادُ مِنهُ كُلُّ ما وقَعَ في الدُّنْيا، واللَّهُ أعْلَمُ.

الصافات 37:62

صفحة ١٢٣ ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُنْذَرِينَ﴾ ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾ ﴿إنّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظّالِمِينَ﴾ ﴿إنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ في أصْلِ الجَحِيمِ﴾ ﴿طَلْعُها كَأنَّهُ رُءُوسُ الشَّياطِينِ﴾ ﴿فَإنَّهم لَآكِلُونَ مِنها فَمالِئُونَ مِنها البُطُونَ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّ لَهم عَلَيْها لَشَوْبًا مِن حَمِيمٍ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّ مَرْجِعَهم لَإلى الجَحِيمِ﴾ ﴿إنَّهم ألْفَوْا آباءَهم ضالِّينَ﴾ ﴿فَهم عَلى آثارِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهم أكْثَرُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُنْذَرِينَ﴾ ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ بَعْدَ ذِكْرِ أهْلِ الجَنَّةِ ووَصْفِها ﴿لِمِثْلِ هَذا فَلْيَعْمَلِ العامِلُونَ﴾ أتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾ فَأمَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أنْ يُورِدَ ذَلِكَ عَلى كُفّارِ قَوْمِهِ لِيَصِيرَ ذَلِكَ زاجِرًا لَهم عَنِ الكُفْرِ، وكَما وصَفَ مِن قَبْلُ مَآكِلَ أهْلِ الجَنَّةِ ومَشارِبَهم، وصَفَ أيْضًا في هَذِهِ الآيَةِ مَآكِلَ أهْلِ النّارِ ومَشارِبَهم. أمّا قَوْلُهُ: ﴿أذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾ فالمَعْنى أنَّ الرِّزْقَ المَعْلُومَ المَذْكُورَ لِأهْلِ الجَنَّةِ ﴿أذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا﴾ أيْ خَيْرٌ حاصِلًا ﴿أمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾ وأصْلُ النُّزُلِ الفَضْلُ الواسِعُ في الطَّعامِ يُقالُ: طَعامٌ كَثِيرُ النُّزُلِ، فاسْتُعِيرَ لِلْحاصِلِ مِنَ الشَّيْءِ، ويُقالُ: أرْسَلَ الأمِيرُ إلى فُلانٍ نُزُلًا وهو الشَّيْءُ الَّذِي يَصْلُحُ حالُ مَن يَنْزِلُ بِسَبَبِهِ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: حاصِلُ الرِّزْقِ المَعْلُومِ لِأهْلِ الجَنَّةِ اللَّذَّةُ والسُّرُورُ، وحاصِلُ شَجَرَةِ الزَّقُّومِ الألَمُ والغَمُّ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ لا نِسْبَةَ لِأحَدِهِما إلى الآخَرِ في الخَيْرِيَّةِ إلّا أنَّهُ جاءَ هَذا الكَلامُ إمّا عَلى سَبِيلِ السُّخْرِيَةِ بِهِمْ أوْ لِأجْلِ أنَّ المُؤْمِنِينَ لَمّا اخْتارُوا ما أوْصَلَهم إلى الرِّزْقِ الكَرِيمِ، والكافِرِينَ اخْتارُوا ما أوْصَلَهم إلى العَذابِ الألِيمِ فَقِيلَ لَهم ذَلِكَ تَوْبِيخًا لَهم عَلى سُوءِ اخْتِيارِهِمْ، وأمّا ﴿الزَّقُّومِ﴾ فَقالَ الواحِدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: لَمْ يَذْكُرِ المُفَسِّرُونَ لِلزَّقُّومِ تَفْسِيرًا إلّا الكَلْبِيَّ فَإنَّهُ رَوى أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قالَ ابْنُ الزِّبَعْرى: أكْثَرَ اللَّهُ في بُيُوتِكُمُ الزَّقُّومَ، فَإنَّ أهْلَ اليَمَنِ يُسَمُّونَ التَّمْرَ والزُّبْدَ بِالزَّقُّومِ، فَقالَ أبُو جَهْلٍ لِجارِيَتِهِ زَقِّمِينا فَأتَتْهُ بِزُبْدٍ وتَمْرٍ، وقالَ: تَزَقَّمُوا. ثُمَّ قالَ الواحِدِيُّ: ومَعْلُومٌ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يُرِدْ بِالزَّقُّومِ هَهُنا الزُّبْدَ والتَّمْرَ، قالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: لَمْ يَكُنْ لِلزَّقُّومِ اشْتِقاقٌ مِنَ التَّزَقُّمِ وهو الإفْراطُ مِن أكْلِ الشَّيْءِ حَتّى يُكْرَهَ ذَلِكَ، يُقالُ: باتَ فُلانٌ يَتَزَقَّمُ، وظاهِرُ لَفْظِ القُرْآنِ يَدُلُّ عَلى أنَّها شَجَرَةٌ كَرِيهَةُ الطَّعامِ مُنْتِنَةُ الرّائِحَةِ شَدِيدَةُ الخُشُونَةِ، مَوْصُوفَةٌ بِصِفاتٍ كُلُّ مَن تَناوَلَها عَظُمَ مِن تَناوُلِها، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى يُكْرِهُ أهْلَ النّارِ عَلى تَناوُلِ بَعْضِ أجْزائِها. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظّالِمِينَ﴾ فَفِيهِ أقْوالٌ: الأوَّلُ: أنَّها إنَّما صارَتْ فِتْنَةً لِلظّالِمِينَ، مِن حَيْثُ إنَّ الكُفّارَ لَمّا سَمِعُوا هَذِهِ الآيَةَ، قالُوا: كَيْفَ يُعْقَلُ أنْ تَنْبُتَ الشَّجَرَةُ في جَهَنَّمَ، مَعَ أنَّ النّارَ تُحْرِقُ الشَّجَرَةَ ؟ . والجَوابُ عَنْهُ أنَّ خالِقَ النّارِ قادِرٌ عَلى أنْ يَمْنَعَ النّارَ مِن إحْراقِ الشَّجَرِ، ولِأنَّهُ إذا جازَ أنْ يَكُونَ في النّارِ زَبانِيَةٌ واللَّهُ تَعالى يَمْنَعُ النّارَ عَنْ إحْراقِهِمْ فَلِمَ لا يَجُوزُ مِثْلُهُ في هَذِهِ الشَّجَرَةِ ؟ إذا عَرَفْتَ هَذا السُّؤالَ، والجَوابُ بِمَعْنى كَوْنِ شَجَرَةِ الزَّقُّومِ فِتْنَةً لِلظّالِمِينَ هو أنَّهم لَمّا سَمِعُوا هَذِهِ الآيَةَ وقَعَتْ تِلْكَ الشُّبْهَةُ في قُلُوبِهِمْ، وصارَتْ تِلْكَ الشُّبْهَةُ سَبَبًا لِتَمادِيهِمْ في الكُفْرِ، فَهَذا هو المُرادُ مِن كَوْنِها فِتْنَةً لَهم. والوَجْهُ الثّانِي: في التَّفْسِيرِ أنْ يَكُونَ المُرادُ صَيْرُورَةَ هَذِهِ الشَّجَرَةِ فِتْنَةً لَهم في النّارِ؛ لِأنَّهم إذا كُلِّفُوا تَناوُلَها وشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، فَحِينَئِذٍ يَصِيرُ ذَلِكَ فِتْنَةً في حَقِّهِمْ. الوَجْهُ الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الفِتْنَةِ الِامْتِحانَ والِاخْتِبارَ، فَإنَّ هَذا شَيْءٌ بَعِيدٌ عَنِ العُرْفِ صفحة ١٢٤ والعادَةِ مُخالِفٌ لِلْمَأْلُوفِ والمَعْرُوفِ، فَإذا ورَدَ عَلى سَمْعِ المُؤْمِنِ فَوَّضَ عِلْمَهُ إلى اللَّهِ وإذا ورَدَ عَلى الزِّنْدِيقِ تَوَسَّلَ بِهِ إلى الطَّعْنِ في القُرْآنِ والنُّبُوَّةِ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ هَذِهِ الشَّجَرَةَ وصَفَها بِصِفاتٍ: الصِّفَةُ الأُولى: قَوْلُهُ إنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ في أصْلِ الجَحِيمِ، قِيلَ: مَنبَتُها في قَعْرِ جَهَنَّمَ وأغْصانُها تَرْتَفِعُ إلى دَرَكاتِها. الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿طَلْعُها كَأنَّهُ رُءُوسُ الشَّياطِينِ﴾ قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: الطَّلْعُ لِلنَّخْلَةِ فاسْتُعِيرَ لِما طَلَعَ مِن شَجَرَةِ الزَّقُّومِ مِن حَمْلِها، إمّا اسْتِعارَةً لَفْظِيَّةً أوْ مَعْنَوِيَّةً، وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: سُمِّيَ ”طَلْعًا“ لِطُلُوعِهِ كُلَّ سَنَةٍ، ولِذَلِكَ قِيلَ: طَلْعُ النَّخْلِ لِأوَّلِ ما يَخْرُجُ مِن ثَمَرِهِ، وأمّا تَشْبِيهُ هَذا الطَّلْعِ بِرُءُوسِ الشَّياطِينِ فَفِيهِ سُؤالٌ؛ لِأنَّهُ قِيلَ: إنّا ما رَأيْنا رَءُوسَ الشَّياطِينِ فَكَيْفَ يُمْكِنُ تَشْبِيهُ شَيْءٍ بِها ؟ وأجابُوا عَنْهُ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ وهو الصَّحِيحُ: أنَّ النّاسَ لَمّا اعْتَقَدُوا في المَلائِكَةِ كَمالَ الفَضْلِ في الصُّورَةِ والسِّيرَةِ، اعْتَقَدُوا في الشَّياطِينِ نِهايَةَ القُبْحِ والتَّشْوِيهِ في الصُّورَةِ والسِّيرَةِ، فَكَما حَسُنَ التَّشْبِيهُ بِالمَلَكِ عِنْدَ إرادَةِ تَقْرِيرِ الكَمالِ والفَضِيلَةِ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ هَذا إلّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ [يوسف: ٣١] فَكَذَلِكَ وجَبَ أنْ يَحْسُنَ التَّشْبِيهُ بِرُءُوسِ الشَّياطِينِ في القُبْحِ وتَشْوِيهِ الخِلْقَةِ، والحاصِلُ أنَّ هَذا مِن بابِ التَّشْبِيهِ لا بِالمَحْسُوسِ بَلْ بِالمُتَخَيَّلِ، كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ أقْبَحَ الأشْياءِ في الوَهْمِ والخِيارِ هو رُءُوسُ الشَّياطِينِ، فَهَذِهِ الشَّجَرَةُ تُشْبِهُها في قُبْحِ النَّظَرِ وتَشْوِيهِ الصُّورَةِ، والَّذِي يُؤَكِّدُ هَذا أنَّ العُقَلاءَ إذا رَأوْا شَيْئًا شَدِيدَ الِاضْطِرابِ مُنْكَرَ الصُّورَةِ قَبِيحَ الخِلْقَةِ، قالُوا: إنَّهُ شَيْطانٌ، وإذا رَأوْا شَيْئًا حَسَنَ الصُّورَةِ والسِّيرَةِ، قالُوا: إنَّهُ مَلَكٌ، وقالَ امْرُؤُ القَيْسِ: أتَقْتُلُنِي والمَشْرَفِيُّ مُضاجِعِي ومَسْنُونَةٌ زُرْقٌ كَأنْيابِ أغْوالِ والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ الشَّياطِينَ حَيّاتٌ لَها رُءُوسٌ وأعْرافٌ، وهي مِن أقْبَحِ الحَيّاتِ، وبِها يُضْرَبُ المَثَلُ في القُبْحِ، والعَرَبُ إذا رَأتْ مَنظَرًا قَبِيحًا قالَتْ: كَأنَّهُ شَيْطانُ الحَماطَةِ، والحَماطَةُ شَجَرَةٌ مُعَيَّنَةٌ. والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ رُءُوسَ الشَّياطِينِ، نَبْتٌ مَعْرُوفٌ قَبِيحُ الرَّأْسِ، والوَجْهُ الأوَّلُ هو الجَوابُ الحَقُّ، واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ هَذِهِ الشَّجَرَةَ وذَكَرَ صِفَتَها بَيَّنَ أنَّ الكُفّارَ ﴿لَآكِلُونَ مِنها فَمالِئُونَ مِنها البُطُونَ﴾ واعْلَمْ أنَّ إقْدامَهم عَلى ذَلِكَ الأكْلِ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهم أكَلُوا مِنها لِشِدَّةِ الجُوعِ، فَإنْ قِيلَ: وكَيْفَ يَأْكُلُونَها مَعَ نِهايَةِ خُشُونَتِها ونَتْنِها ومَرارَةِ طَعْمِها ؟ قُلْنا: إنَّ الوِقاعَ في الضَّرَرِ العَظِيمِ رُبَّما اسْتُرْوِحَ مِنهُ إلى ما يُقارِبُهُ في الضَّرَرِ، فَإذا جَوَّعَهُمُ اللَّهُ الجُوعَ الشَّدِيدَ فَزِعُوا في إزالَةِ ذَلِكَ الجُوعِ إلى تَناوُلِ هَذا الشَّيْءِ، وإنْ كانَ بِالصِّفَةِ الَّتِي ذَكَرْتُمُوها. الوَجْهُ الثّانِي: أنْ يُقالَ الزَّبانِيَةُ يُكْرِهُونَهم عَلى الأكْلِ مِن تِلْكَ الشَّجَرَةِ تَكْمِيلًا لِعَذابِهِمْ. واعْلَمْ أنَّهم إذا شَبِعُوا فَحِينَئِذٍ يَشْتَدُّ عَطَشُهم ويَحْتاجُونَ إلى الشَّرابِ، فَعِنْدَ هَذا وصَفَ اللَّهُ شَرابَهم، فَقالَ: ﴿ثُمَّ إنَّ لَهم عَلَيْها لَشَوْبًا مِن حَمِيمٍ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: الشَّوْبُ اسْمٌ عامٌّ في كُلِّ ما خُلِطَ بِغَيْرِهِ، والحَمِيمُ الماءُ الحارُّ المُتَناهِي في الحَرارَةِ، والمَعْنى أنَّهُ إذا غَلَبَهم ذَلِكَ العَطَشُ الشَّدِيدُ سُقُوا مِن ذَلِكَ الحَمِيمِ، فَحِينَئِذٍ يَشُوبُ الزَّقُّومُ بِالحَمِيمِ نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنهُما. واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ وصَفَ شَرابَهم في القُرْآنِ بِأشْياءَ مِنها كَوْنُهُ غَسّاقًا، ومِنها قَوْلُهُ: ﴿وسُقُوا ماءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أمْعاءَهُمْ﴾ [محمد: ١٥] ومِنها ما ذَكَرَهُ في هَذِهِ الآيَةِ، فَإنْ قِيلَ ما الفائِدَةُ في كَلِمَةِ ”ثُمَّ“ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ إنَّ لَهم عَلَيْها لَشَوْبًا مِن حَمِيمٍ﴾ ؟ قُلْنا: فِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّهم يَمْلَئُونَ بُطُونَهم مِن شَجَرَةِ الزَّقُّومِ وهو حارٌّ يَحْرُقُ صفحة ١٢٥ بُطُونَهم فَيَعْظُمُ عَطَشُهم، ثُمَّ إنَّهم لا يُسْقَوْنَ إلّا بَعْدَ مُدَّةٍ مَدِيدَةٍ والغَرَضُ تَكْمِيلُ التَّعْذِيبِ. والثّانِي: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ الطَّعامَ بِتِلْكَ البَشاعَةِ والكَراهَةِ، ثُمَّ وصَفَ الشَّرابَ بِما هو أبْشَعُ مِنهُ، فَكانَ المَقْصُودُ مِن كَلِمَةِ ثُمَّ بَيانَ أنَّ حالَ المَشْرُوبِ في البَشاعَةِ أعْظَمُ مِن حالِ المَأْكُولِ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ثُمَّ إنَّ مَرْجِعَهم لَإلى الجَحِيمِ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: أيْ بَعْدِ أكْلِ الزَّقُّومِ وشُرْبِ الحَمِيمِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهم عِنْدَ شُرْبِ الحَمِيمِ لَمْ يَكُونُوا في الجَحِيمِ، وذَلِكَ بِأنْ يَكُونَ الحَمِيمُ مِن مَوْضِعٍ خارِجٍ عَنِ الجَحِيمِ، فَهم يُورَدُونَ الحَمِيمَ لِأجْلِ الشُّرْبِ كَما تُورَدُ الإبِلُ إلى الماءِ، ثُمَّ يُورَدُونَ إلى الجَحِيمِ، فَهَذا قَوْلُ مُقاتِلٍ، واحْتَجَّ عَلى صِحَّتِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِها المُجْرِمُونَ﴾ ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَها وبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: ٤٤] وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ ما ذَكَرْناهُ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ عَذابَهم في أكْلِهِمْ وشُرْبِهِمْ قالَ: ﴿إنَّهم ألْفَوْا آباءَهم ضالِّينَ﴾ ﴿فَهم عَلى آثارِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾ قالَ الفَرّاءُ: الإهْراعُ الإسْراعُ يُقالُ: هَرَعَ وأهْرَعَ إذا اسْتُحِثَّ، والمَعْنى أنَّهم يَتَّبِعُونَ آباءَهُمُ اتِّباعًا في سُرْعَةٍ كَأنَّهم يُزْعَجُونَ إلى اتِّباعِ آبائِهِمْ، والمَقْصُودُ مِنَ الآيَةِ أنَّهُ تَعالى عَلَّلَ اسْتِحْقاقَهم لِلْوُقُوعِ في تِلْكَ الشَّدائِدِ كُلِّها، بِتَقْلِيدِ الآباءِ في الدِّينِ وتَرْكِ اتِّباعِ الدَّلِيلِ، ولَوْ لَمْ يُوجَدْ في القُرْآنِ آيَةٌ غَيْرُ هَذِهِ الآيَةِ في ذَمِّ التَّقْلِيدِ لَكَفى. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ لِرَسُولِهِ ما يُوجِبُ التَّسْلِيَةَ لَهُ في كُفْرِهِمْ وتَكْذِيبِهِمْ، فَقالَ: ﴿ولَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهم أكْثَرُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ إرْسالَهُ لِلرُّسُلِ قَدْ تَقَدَّمَ والتَّكْذِيبَ لَهم قَدْ سَلَفَ، ويَجِبُ أنْ يَكُونَ لَهُ ﷺ أُسْوَةٌ بِهِمْ حَتّى يَصْبِرَ كَما صَبَرُوا، ويَسْتَمِرَّ عَلى الدُّعاءِ إلى اللَّهِ وإنْ تَمَرَّدُوا، فَلَيْسَ عَلَيْهِ إلّا البَلاغُ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُنْذَرِينَ﴾ وهَذا وإنْ كانَ في الظّاهِرِ خِطابًا مَعَ الرَّسُولِ ﷺ إلّا أنَّ المَقْصُودَ مِنهُ خِطابُ الكُفّارِ؛ لِأنَّهم سَمِعُوا بِالأخْبارِ جَمِيعَ ما جَرى مِن أنْواعِ العَذابِ عَلى قَوْمِ نُوحٍ وعَلى عادٍ وثَمُودَ وغَيْرِهِمْ، فَإنْ لَمْ يَعْلَمُوا ذَلِكَ فَلا أقَلَّ مِن ظَنٍّ وخَوْفٍ يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ زاجِرًا لَهم عَنْ كُفْرِهِمْ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهم أكْثَرُ الأوَّلِينَ﴾ . والثّانِي: أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُنْذَرِينَ﴾ فَإنَّها كانَتْ أقْبَحَ العَواقِبِ وأفْظَعَها إلّا عاقِبَةَ عِبادِ اللَّهِ المُخْلَصِينَ، فَإنَّها كانَتْ مَقْرُونَةً بِالخَيْرِ والرّاحَةِ.

الصافات 37:63

صفحة ١٢٣ ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُنْذَرِينَ﴾ ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾ ﴿إنّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظّالِمِينَ﴾ ﴿إنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ في أصْلِ الجَحِيمِ﴾ ﴿طَلْعُها كَأنَّهُ رُءُوسُ الشَّياطِينِ﴾ ﴿فَإنَّهم لَآكِلُونَ مِنها فَمالِئُونَ مِنها البُطُونَ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّ لَهم عَلَيْها لَشَوْبًا مِن حَمِيمٍ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّ مَرْجِعَهم لَإلى الجَحِيمِ﴾ ﴿إنَّهم ألْفَوْا آباءَهم ضالِّينَ﴾ ﴿فَهم عَلى آثارِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهم أكْثَرُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُنْذَرِينَ﴾ ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ بَعْدَ ذِكْرِ أهْلِ الجَنَّةِ ووَصْفِها ﴿لِمِثْلِ هَذا فَلْيَعْمَلِ العامِلُونَ﴾ أتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾ فَأمَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أنْ يُورِدَ ذَلِكَ عَلى كُفّارِ قَوْمِهِ لِيَصِيرَ ذَلِكَ زاجِرًا لَهم عَنِ الكُفْرِ، وكَما وصَفَ مِن قَبْلُ مَآكِلَ أهْلِ الجَنَّةِ ومَشارِبَهم، وصَفَ أيْضًا في هَذِهِ الآيَةِ مَآكِلَ أهْلِ النّارِ ومَشارِبَهم. أمّا قَوْلُهُ: ﴿أذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾ فالمَعْنى أنَّ الرِّزْقَ المَعْلُومَ المَذْكُورَ لِأهْلِ الجَنَّةِ ﴿أذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا﴾ أيْ خَيْرٌ حاصِلًا ﴿أمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾ وأصْلُ النُّزُلِ الفَضْلُ الواسِعُ في الطَّعامِ يُقالُ: طَعامٌ كَثِيرُ النُّزُلِ، فاسْتُعِيرَ لِلْحاصِلِ مِنَ الشَّيْءِ، ويُقالُ: أرْسَلَ الأمِيرُ إلى فُلانٍ نُزُلًا وهو الشَّيْءُ الَّذِي يَصْلُحُ حالُ مَن يَنْزِلُ بِسَبَبِهِ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: حاصِلُ الرِّزْقِ المَعْلُومِ لِأهْلِ الجَنَّةِ اللَّذَّةُ والسُّرُورُ، وحاصِلُ شَجَرَةِ الزَّقُّومِ الألَمُ والغَمُّ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ لا نِسْبَةَ لِأحَدِهِما إلى الآخَرِ في الخَيْرِيَّةِ إلّا أنَّهُ جاءَ هَذا الكَلامُ إمّا عَلى سَبِيلِ السُّخْرِيَةِ بِهِمْ أوْ لِأجْلِ أنَّ المُؤْمِنِينَ لَمّا اخْتارُوا ما أوْصَلَهم إلى الرِّزْقِ الكَرِيمِ، والكافِرِينَ اخْتارُوا ما أوْصَلَهم إلى العَذابِ الألِيمِ فَقِيلَ لَهم ذَلِكَ تَوْبِيخًا لَهم عَلى سُوءِ اخْتِيارِهِمْ، وأمّا ﴿الزَّقُّومِ﴾ فَقالَ الواحِدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: لَمْ يَذْكُرِ المُفَسِّرُونَ لِلزَّقُّومِ تَفْسِيرًا إلّا الكَلْبِيَّ فَإنَّهُ رَوى أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قالَ ابْنُ الزِّبَعْرى: أكْثَرَ اللَّهُ في بُيُوتِكُمُ الزَّقُّومَ، فَإنَّ أهْلَ اليَمَنِ يُسَمُّونَ التَّمْرَ والزُّبْدَ بِالزَّقُّومِ، فَقالَ أبُو جَهْلٍ لِجارِيَتِهِ زَقِّمِينا فَأتَتْهُ بِزُبْدٍ وتَمْرٍ، وقالَ: تَزَقَّمُوا. ثُمَّ قالَ الواحِدِيُّ: ومَعْلُومٌ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يُرِدْ بِالزَّقُّومِ هَهُنا الزُّبْدَ والتَّمْرَ، قالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: لَمْ يَكُنْ لِلزَّقُّومِ اشْتِقاقٌ مِنَ التَّزَقُّمِ وهو الإفْراطُ مِن أكْلِ الشَّيْءِ حَتّى يُكْرَهَ ذَلِكَ، يُقالُ: باتَ فُلانٌ يَتَزَقَّمُ، وظاهِرُ لَفْظِ القُرْآنِ يَدُلُّ عَلى أنَّها شَجَرَةٌ كَرِيهَةُ الطَّعامِ مُنْتِنَةُ الرّائِحَةِ شَدِيدَةُ الخُشُونَةِ، مَوْصُوفَةٌ بِصِفاتٍ كُلُّ مَن تَناوَلَها عَظُمَ مِن تَناوُلِها، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى يُكْرِهُ أهْلَ النّارِ عَلى تَناوُلِ بَعْضِ أجْزائِها. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظّالِمِينَ﴾ فَفِيهِ أقْوالٌ: الأوَّلُ: أنَّها إنَّما صارَتْ فِتْنَةً لِلظّالِمِينَ، مِن حَيْثُ إنَّ الكُفّارَ لَمّا سَمِعُوا هَذِهِ الآيَةَ، قالُوا: كَيْفَ يُعْقَلُ أنْ تَنْبُتَ الشَّجَرَةُ في جَهَنَّمَ، مَعَ أنَّ النّارَ تُحْرِقُ الشَّجَرَةَ ؟ . والجَوابُ عَنْهُ أنَّ خالِقَ النّارِ قادِرٌ عَلى أنْ يَمْنَعَ النّارَ مِن إحْراقِ الشَّجَرِ، ولِأنَّهُ إذا جازَ أنْ يَكُونَ في النّارِ زَبانِيَةٌ واللَّهُ تَعالى يَمْنَعُ النّارَ عَنْ إحْراقِهِمْ فَلِمَ لا يَجُوزُ مِثْلُهُ في هَذِهِ الشَّجَرَةِ ؟ إذا عَرَفْتَ هَذا السُّؤالَ، والجَوابُ بِمَعْنى كَوْنِ شَجَرَةِ الزَّقُّومِ فِتْنَةً لِلظّالِمِينَ هو أنَّهم لَمّا سَمِعُوا هَذِهِ الآيَةَ وقَعَتْ تِلْكَ الشُّبْهَةُ في قُلُوبِهِمْ، وصارَتْ تِلْكَ الشُّبْهَةُ سَبَبًا لِتَمادِيهِمْ في الكُفْرِ، فَهَذا هو المُرادُ مِن كَوْنِها فِتْنَةً لَهم. والوَجْهُ الثّانِي: في التَّفْسِيرِ أنْ يَكُونَ المُرادُ صَيْرُورَةَ هَذِهِ الشَّجَرَةِ فِتْنَةً لَهم في النّارِ؛ لِأنَّهم إذا كُلِّفُوا تَناوُلَها وشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، فَحِينَئِذٍ يَصِيرُ ذَلِكَ فِتْنَةً في حَقِّهِمْ. الوَجْهُ الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الفِتْنَةِ الِامْتِحانَ والِاخْتِبارَ، فَإنَّ هَذا شَيْءٌ بَعِيدٌ عَنِ العُرْفِ صفحة ١٢٤ والعادَةِ مُخالِفٌ لِلْمَأْلُوفِ والمَعْرُوفِ، فَإذا ورَدَ عَلى سَمْعِ المُؤْمِنِ فَوَّضَ عِلْمَهُ إلى اللَّهِ وإذا ورَدَ عَلى الزِّنْدِيقِ تَوَسَّلَ بِهِ إلى الطَّعْنِ في القُرْآنِ والنُّبُوَّةِ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ هَذِهِ الشَّجَرَةَ وصَفَها بِصِفاتٍ: الصِّفَةُ الأُولى: قَوْلُهُ إنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ في أصْلِ الجَحِيمِ، قِيلَ: مَنبَتُها في قَعْرِ جَهَنَّمَ وأغْصانُها تَرْتَفِعُ إلى دَرَكاتِها. الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿طَلْعُها كَأنَّهُ رُءُوسُ الشَّياطِينِ﴾ قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: الطَّلْعُ لِلنَّخْلَةِ فاسْتُعِيرَ لِما طَلَعَ مِن شَجَرَةِ الزَّقُّومِ مِن حَمْلِها، إمّا اسْتِعارَةً لَفْظِيَّةً أوْ مَعْنَوِيَّةً، وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: سُمِّيَ ”طَلْعًا“ لِطُلُوعِهِ كُلَّ سَنَةٍ، ولِذَلِكَ قِيلَ: طَلْعُ النَّخْلِ لِأوَّلِ ما يَخْرُجُ مِن ثَمَرِهِ، وأمّا تَشْبِيهُ هَذا الطَّلْعِ بِرُءُوسِ الشَّياطِينِ فَفِيهِ سُؤالٌ؛ لِأنَّهُ قِيلَ: إنّا ما رَأيْنا رَءُوسَ الشَّياطِينِ فَكَيْفَ يُمْكِنُ تَشْبِيهُ شَيْءٍ بِها ؟ وأجابُوا عَنْهُ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ وهو الصَّحِيحُ: أنَّ النّاسَ لَمّا اعْتَقَدُوا في المَلائِكَةِ كَمالَ الفَضْلِ في الصُّورَةِ والسِّيرَةِ، اعْتَقَدُوا في الشَّياطِينِ نِهايَةَ القُبْحِ والتَّشْوِيهِ في الصُّورَةِ والسِّيرَةِ، فَكَما حَسُنَ التَّشْبِيهُ بِالمَلَكِ عِنْدَ إرادَةِ تَقْرِيرِ الكَمالِ والفَضِيلَةِ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ هَذا إلّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ [يوسف: ٣١] فَكَذَلِكَ وجَبَ أنْ يَحْسُنَ التَّشْبِيهُ بِرُءُوسِ الشَّياطِينِ في القُبْحِ وتَشْوِيهِ الخِلْقَةِ، والحاصِلُ أنَّ هَذا مِن بابِ التَّشْبِيهِ لا بِالمَحْسُوسِ بَلْ بِالمُتَخَيَّلِ، كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ أقْبَحَ الأشْياءِ في الوَهْمِ والخِيارِ هو رُءُوسُ الشَّياطِينِ، فَهَذِهِ الشَّجَرَةُ تُشْبِهُها في قُبْحِ النَّظَرِ وتَشْوِيهِ الصُّورَةِ، والَّذِي يُؤَكِّدُ هَذا أنَّ العُقَلاءَ إذا رَأوْا شَيْئًا شَدِيدَ الِاضْطِرابِ مُنْكَرَ الصُّورَةِ قَبِيحَ الخِلْقَةِ، قالُوا: إنَّهُ شَيْطانٌ، وإذا رَأوْا شَيْئًا حَسَنَ الصُّورَةِ والسِّيرَةِ، قالُوا: إنَّهُ مَلَكٌ، وقالَ امْرُؤُ القَيْسِ: أتَقْتُلُنِي والمَشْرَفِيُّ مُضاجِعِي ومَسْنُونَةٌ زُرْقٌ كَأنْيابِ أغْوالِ والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ الشَّياطِينَ حَيّاتٌ لَها رُءُوسٌ وأعْرافٌ، وهي مِن أقْبَحِ الحَيّاتِ، وبِها يُضْرَبُ المَثَلُ في القُبْحِ، والعَرَبُ إذا رَأتْ مَنظَرًا قَبِيحًا قالَتْ: كَأنَّهُ شَيْطانُ الحَماطَةِ، والحَماطَةُ شَجَرَةٌ مُعَيَّنَةٌ. والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ رُءُوسَ الشَّياطِينِ، نَبْتٌ مَعْرُوفٌ قَبِيحُ الرَّأْسِ، والوَجْهُ الأوَّلُ هو الجَوابُ الحَقُّ، واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ هَذِهِ الشَّجَرَةَ وذَكَرَ صِفَتَها بَيَّنَ أنَّ الكُفّارَ ﴿لَآكِلُونَ مِنها فَمالِئُونَ مِنها البُطُونَ﴾ واعْلَمْ أنَّ إقْدامَهم عَلى ذَلِكَ الأكْلِ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهم أكَلُوا مِنها لِشِدَّةِ الجُوعِ، فَإنْ قِيلَ: وكَيْفَ يَأْكُلُونَها مَعَ نِهايَةِ خُشُونَتِها ونَتْنِها ومَرارَةِ طَعْمِها ؟ قُلْنا: إنَّ الوِقاعَ في الضَّرَرِ العَظِيمِ رُبَّما اسْتُرْوِحَ مِنهُ إلى ما يُقارِبُهُ في الضَّرَرِ، فَإذا جَوَّعَهُمُ اللَّهُ الجُوعَ الشَّدِيدَ فَزِعُوا في إزالَةِ ذَلِكَ الجُوعِ إلى تَناوُلِ هَذا الشَّيْءِ، وإنْ كانَ بِالصِّفَةِ الَّتِي ذَكَرْتُمُوها. الوَجْهُ الثّانِي: أنْ يُقالَ الزَّبانِيَةُ يُكْرِهُونَهم عَلى الأكْلِ مِن تِلْكَ الشَّجَرَةِ تَكْمِيلًا لِعَذابِهِمْ. واعْلَمْ أنَّهم إذا شَبِعُوا فَحِينَئِذٍ يَشْتَدُّ عَطَشُهم ويَحْتاجُونَ إلى الشَّرابِ، فَعِنْدَ هَذا وصَفَ اللَّهُ شَرابَهم، فَقالَ: ﴿ثُمَّ إنَّ لَهم عَلَيْها لَشَوْبًا مِن حَمِيمٍ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: الشَّوْبُ اسْمٌ عامٌّ في كُلِّ ما خُلِطَ بِغَيْرِهِ، والحَمِيمُ الماءُ الحارُّ المُتَناهِي في الحَرارَةِ، والمَعْنى أنَّهُ إذا غَلَبَهم ذَلِكَ العَطَشُ الشَّدِيدُ سُقُوا مِن ذَلِكَ الحَمِيمِ، فَحِينَئِذٍ يَشُوبُ الزَّقُّومُ بِالحَمِيمِ نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنهُما. واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ وصَفَ شَرابَهم في القُرْآنِ بِأشْياءَ مِنها كَوْنُهُ غَسّاقًا، ومِنها قَوْلُهُ: ﴿وسُقُوا ماءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أمْعاءَهُمْ﴾ [محمد: ١٥] ومِنها ما ذَكَرَهُ في هَذِهِ الآيَةِ، فَإنْ قِيلَ ما الفائِدَةُ في كَلِمَةِ ”ثُمَّ“ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ إنَّ لَهم عَلَيْها لَشَوْبًا مِن حَمِيمٍ﴾ ؟ قُلْنا: فِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّهم يَمْلَئُونَ بُطُونَهم مِن شَجَرَةِ الزَّقُّومِ وهو حارٌّ يَحْرُقُ صفحة ١٢٥ بُطُونَهم فَيَعْظُمُ عَطَشُهم، ثُمَّ إنَّهم لا يُسْقَوْنَ إلّا بَعْدَ مُدَّةٍ مَدِيدَةٍ والغَرَضُ تَكْمِيلُ التَّعْذِيبِ. والثّانِي: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ الطَّعامَ بِتِلْكَ البَشاعَةِ والكَراهَةِ، ثُمَّ وصَفَ الشَّرابَ بِما هو أبْشَعُ مِنهُ، فَكانَ المَقْصُودُ مِن كَلِمَةِ ثُمَّ بَيانَ أنَّ حالَ المَشْرُوبِ في البَشاعَةِ أعْظَمُ مِن حالِ المَأْكُولِ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ثُمَّ إنَّ مَرْجِعَهم لَإلى الجَحِيمِ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: أيْ بَعْدِ أكْلِ الزَّقُّومِ وشُرْبِ الحَمِيمِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهم عِنْدَ شُرْبِ الحَمِيمِ لَمْ يَكُونُوا في الجَحِيمِ، وذَلِكَ بِأنْ يَكُونَ الحَمِيمُ مِن مَوْضِعٍ خارِجٍ عَنِ الجَحِيمِ، فَهم يُورَدُونَ الحَمِيمَ لِأجْلِ الشُّرْبِ كَما تُورَدُ الإبِلُ إلى الماءِ، ثُمَّ يُورَدُونَ إلى الجَحِيمِ، فَهَذا قَوْلُ مُقاتِلٍ، واحْتَجَّ عَلى صِحَّتِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِها المُجْرِمُونَ﴾ ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَها وبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: ٤٤] وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ ما ذَكَرْناهُ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ عَذابَهم في أكْلِهِمْ وشُرْبِهِمْ قالَ: ﴿إنَّهم ألْفَوْا آباءَهم ضالِّينَ﴾ ﴿فَهم عَلى آثارِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾ قالَ الفَرّاءُ: الإهْراعُ الإسْراعُ يُقالُ: هَرَعَ وأهْرَعَ إذا اسْتُحِثَّ، والمَعْنى أنَّهم يَتَّبِعُونَ آباءَهُمُ اتِّباعًا في سُرْعَةٍ كَأنَّهم يُزْعَجُونَ إلى اتِّباعِ آبائِهِمْ، والمَقْصُودُ مِنَ الآيَةِ أنَّهُ تَعالى عَلَّلَ اسْتِحْقاقَهم لِلْوُقُوعِ في تِلْكَ الشَّدائِدِ كُلِّها، بِتَقْلِيدِ الآباءِ في الدِّينِ وتَرْكِ اتِّباعِ الدَّلِيلِ، ولَوْ لَمْ يُوجَدْ في القُرْآنِ آيَةٌ غَيْرُ هَذِهِ الآيَةِ في ذَمِّ التَّقْلِيدِ لَكَفى. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ لِرَسُولِهِ ما يُوجِبُ التَّسْلِيَةَ لَهُ في كُفْرِهِمْ وتَكْذِيبِهِمْ، فَقالَ: ﴿ولَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهم أكْثَرُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ إرْسالَهُ لِلرُّسُلِ قَدْ تَقَدَّمَ والتَّكْذِيبَ لَهم قَدْ سَلَفَ، ويَجِبُ أنْ يَكُونَ لَهُ ﷺ أُسْوَةٌ بِهِمْ حَتّى يَصْبِرَ كَما صَبَرُوا، ويَسْتَمِرَّ عَلى الدُّعاءِ إلى اللَّهِ وإنْ تَمَرَّدُوا، فَلَيْسَ عَلَيْهِ إلّا البَلاغُ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُنْذَرِينَ﴾ وهَذا وإنْ كانَ في الظّاهِرِ خِطابًا مَعَ الرَّسُولِ ﷺ إلّا أنَّ المَقْصُودَ مِنهُ خِطابُ الكُفّارِ؛ لِأنَّهم سَمِعُوا بِالأخْبارِ جَمِيعَ ما جَرى مِن أنْواعِ العَذابِ عَلى قَوْمِ نُوحٍ وعَلى عادٍ وثَمُودَ وغَيْرِهِمْ، فَإنْ لَمْ يَعْلَمُوا ذَلِكَ فَلا أقَلَّ مِن ظَنٍّ وخَوْفٍ يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ زاجِرًا لَهم عَنْ كُفْرِهِمْ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهم أكْثَرُ الأوَّلِينَ﴾ . والثّانِي: أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُنْذَرِينَ﴾ فَإنَّها كانَتْ أقْبَحَ العَواقِبِ وأفْظَعَها إلّا عاقِبَةَ عِبادِ اللَّهِ المُخْلَصِينَ، فَإنَّها كانَتْ مَقْرُونَةً بِالخَيْرِ والرّاحَةِ.

الصافات 37:64

صفحة ١٢٣ ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُنْذَرِينَ﴾ ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾ ﴿إنّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظّالِمِينَ﴾ ﴿إنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ في أصْلِ الجَحِيمِ﴾ ﴿طَلْعُها كَأنَّهُ رُءُوسُ الشَّياطِينِ﴾ ﴿فَإنَّهم لَآكِلُونَ مِنها فَمالِئُونَ مِنها البُطُونَ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّ لَهم عَلَيْها لَشَوْبًا مِن حَمِيمٍ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّ مَرْجِعَهم لَإلى الجَحِيمِ﴾ ﴿إنَّهم ألْفَوْا آباءَهم ضالِّينَ﴾ ﴿فَهم عَلى آثارِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهم أكْثَرُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُنْذَرِينَ﴾ ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ بَعْدَ ذِكْرِ أهْلِ الجَنَّةِ ووَصْفِها ﴿لِمِثْلِ هَذا فَلْيَعْمَلِ العامِلُونَ﴾ أتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾ فَأمَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أنْ يُورِدَ ذَلِكَ عَلى كُفّارِ قَوْمِهِ لِيَصِيرَ ذَلِكَ زاجِرًا لَهم عَنِ الكُفْرِ، وكَما وصَفَ مِن قَبْلُ مَآكِلَ أهْلِ الجَنَّةِ ومَشارِبَهم، وصَفَ أيْضًا في هَذِهِ الآيَةِ مَآكِلَ أهْلِ النّارِ ومَشارِبَهم. أمّا قَوْلُهُ: ﴿أذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾ فالمَعْنى أنَّ الرِّزْقَ المَعْلُومَ المَذْكُورَ لِأهْلِ الجَنَّةِ ﴿أذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا﴾ أيْ خَيْرٌ حاصِلًا ﴿أمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾ وأصْلُ النُّزُلِ الفَضْلُ الواسِعُ في الطَّعامِ يُقالُ: طَعامٌ كَثِيرُ النُّزُلِ، فاسْتُعِيرَ لِلْحاصِلِ مِنَ الشَّيْءِ، ويُقالُ: أرْسَلَ الأمِيرُ إلى فُلانٍ نُزُلًا وهو الشَّيْءُ الَّذِي يَصْلُحُ حالُ مَن يَنْزِلُ بِسَبَبِهِ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: حاصِلُ الرِّزْقِ المَعْلُومِ لِأهْلِ الجَنَّةِ اللَّذَّةُ والسُّرُورُ، وحاصِلُ شَجَرَةِ الزَّقُّومِ الألَمُ والغَمُّ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ لا نِسْبَةَ لِأحَدِهِما إلى الآخَرِ في الخَيْرِيَّةِ إلّا أنَّهُ جاءَ هَذا الكَلامُ إمّا عَلى سَبِيلِ السُّخْرِيَةِ بِهِمْ أوْ لِأجْلِ أنَّ المُؤْمِنِينَ لَمّا اخْتارُوا ما أوْصَلَهم إلى الرِّزْقِ الكَرِيمِ، والكافِرِينَ اخْتارُوا ما أوْصَلَهم إلى العَذابِ الألِيمِ فَقِيلَ لَهم ذَلِكَ تَوْبِيخًا لَهم عَلى سُوءِ اخْتِيارِهِمْ، وأمّا ﴿الزَّقُّومِ﴾ فَقالَ الواحِدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: لَمْ يَذْكُرِ المُفَسِّرُونَ لِلزَّقُّومِ تَفْسِيرًا إلّا الكَلْبِيَّ فَإنَّهُ رَوى أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قالَ ابْنُ الزِّبَعْرى: أكْثَرَ اللَّهُ في بُيُوتِكُمُ الزَّقُّومَ، فَإنَّ أهْلَ اليَمَنِ يُسَمُّونَ التَّمْرَ والزُّبْدَ بِالزَّقُّومِ، فَقالَ أبُو جَهْلٍ لِجارِيَتِهِ زَقِّمِينا فَأتَتْهُ بِزُبْدٍ وتَمْرٍ، وقالَ: تَزَقَّمُوا. ثُمَّ قالَ الواحِدِيُّ: ومَعْلُومٌ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يُرِدْ بِالزَّقُّومِ هَهُنا الزُّبْدَ والتَّمْرَ، قالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: لَمْ يَكُنْ لِلزَّقُّومِ اشْتِقاقٌ مِنَ التَّزَقُّمِ وهو الإفْراطُ مِن أكْلِ الشَّيْءِ حَتّى يُكْرَهَ ذَلِكَ، يُقالُ: باتَ فُلانٌ يَتَزَقَّمُ، وظاهِرُ لَفْظِ القُرْآنِ يَدُلُّ عَلى أنَّها شَجَرَةٌ كَرِيهَةُ الطَّعامِ مُنْتِنَةُ الرّائِحَةِ شَدِيدَةُ الخُشُونَةِ، مَوْصُوفَةٌ بِصِفاتٍ كُلُّ مَن تَناوَلَها عَظُمَ مِن تَناوُلِها، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى يُكْرِهُ أهْلَ النّارِ عَلى تَناوُلِ بَعْضِ أجْزائِها. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظّالِمِينَ﴾ فَفِيهِ أقْوالٌ: الأوَّلُ: أنَّها إنَّما صارَتْ فِتْنَةً لِلظّالِمِينَ، مِن حَيْثُ إنَّ الكُفّارَ لَمّا سَمِعُوا هَذِهِ الآيَةَ، قالُوا: كَيْفَ يُعْقَلُ أنْ تَنْبُتَ الشَّجَرَةُ في جَهَنَّمَ، مَعَ أنَّ النّارَ تُحْرِقُ الشَّجَرَةَ ؟ . والجَوابُ عَنْهُ أنَّ خالِقَ النّارِ قادِرٌ عَلى أنْ يَمْنَعَ النّارَ مِن إحْراقِ الشَّجَرِ، ولِأنَّهُ إذا جازَ أنْ يَكُونَ في النّارِ زَبانِيَةٌ واللَّهُ تَعالى يَمْنَعُ النّارَ عَنْ إحْراقِهِمْ فَلِمَ لا يَجُوزُ مِثْلُهُ في هَذِهِ الشَّجَرَةِ ؟ إذا عَرَفْتَ هَذا السُّؤالَ، والجَوابُ بِمَعْنى كَوْنِ شَجَرَةِ الزَّقُّومِ فِتْنَةً لِلظّالِمِينَ هو أنَّهم لَمّا سَمِعُوا هَذِهِ الآيَةَ وقَعَتْ تِلْكَ الشُّبْهَةُ في قُلُوبِهِمْ، وصارَتْ تِلْكَ الشُّبْهَةُ سَبَبًا لِتَمادِيهِمْ في الكُفْرِ، فَهَذا هو المُرادُ مِن كَوْنِها فِتْنَةً لَهم. والوَجْهُ الثّانِي: في التَّفْسِيرِ أنْ يَكُونَ المُرادُ صَيْرُورَةَ هَذِهِ الشَّجَرَةِ فِتْنَةً لَهم في النّارِ؛ لِأنَّهم إذا كُلِّفُوا تَناوُلَها وشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، فَحِينَئِذٍ يَصِيرُ ذَلِكَ فِتْنَةً في حَقِّهِمْ. الوَجْهُ الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الفِتْنَةِ الِامْتِحانَ والِاخْتِبارَ، فَإنَّ هَذا شَيْءٌ بَعِيدٌ عَنِ العُرْفِ صفحة ١٢٤ والعادَةِ مُخالِفٌ لِلْمَأْلُوفِ والمَعْرُوفِ، فَإذا ورَدَ عَلى سَمْعِ المُؤْمِنِ فَوَّضَ عِلْمَهُ إلى اللَّهِ وإذا ورَدَ عَلى الزِّنْدِيقِ تَوَسَّلَ بِهِ إلى الطَّعْنِ في القُرْآنِ والنُّبُوَّةِ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ هَذِهِ الشَّجَرَةَ وصَفَها بِصِفاتٍ: الصِّفَةُ الأُولى: قَوْلُهُ إنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ في أصْلِ الجَحِيمِ، قِيلَ: مَنبَتُها في قَعْرِ جَهَنَّمَ وأغْصانُها تَرْتَفِعُ إلى دَرَكاتِها. الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿طَلْعُها كَأنَّهُ رُءُوسُ الشَّياطِينِ﴾ قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: الطَّلْعُ لِلنَّخْلَةِ فاسْتُعِيرَ لِما طَلَعَ مِن شَجَرَةِ الزَّقُّومِ مِن حَمْلِها، إمّا اسْتِعارَةً لَفْظِيَّةً أوْ مَعْنَوِيَّةً، وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: سُمِّيَ ”طَلْعًا“ لِطُلُوعِهِ كُلَّ سَنَةٍ، ولِذَلِكَ قِيلَ: طَلْعُ النَّخْلِ لِأوَّلِ ما يَخْرُجُ مِن ثَمَرِهِ، وأمّا تَشْبِيهُ هَذا الطَّلْعِ بِرُءُوسِ الشَّياطِينِ فَفِيهِ سُؤالٌ؛ لِأنَّهُ قِيلَ: إنّا ما رَأيْنا رَءُوسَ الشَّياطِينِ فَكَيْفَ يُمْكِنُ تَشْبِيهُ شَيْءٍ بِها ؟ وأجابُوا عَنْهُ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ وهو الصَّحِيحُ: أنَّ النّاسَ لَمّا اعْتَقَدُوا في المَلائِكَةِ كَمالَ الفَضْلِ في الصُّورَةِ والسِّيرَةِ، اعْتَقَدُوا في الشَّياطِينِ نِهايَةَ القُبْحِ والتَّشْوِيهِ في الصُّورَةِ والسِّيرَةِ، فَكَما حَسُنَ التَّشْبِيهُ بِالمَلَكِ عِنْدَ إرادَةِ تَقْرِيرِ الكَمالِ والفَضِيلَةِ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ هَذا إلّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ [يوسف: ٣١] فَكَذَلِكَ وجَبَ أنْ يَحْسُنَ التَّشْبِيهُ بِرُءُوسِ الشَّياطِينِ في القُبْحِ وتَشْوِيهِ الخِلْقَةِ، والحاصِلُ أنَّ هَذا مِن بابِ التَّشْبِيهِ لا بِالمَحْسُوسِ بَلْ بِالمُتَخَيَّلِ، كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ أقْبَحَ الأشْياءِ في الوَهْمِ والخِيارِ هو رُءُوسُ الشَّياطِينِ، فَهَذِهِ الشَّجَرَةُ تُشْبِهُها في قُبْحِ النَّظَرِ وتَشْوِيهِ الصُّورَةِ، والَّذِي يُؤَكِّدُ هَذا أنَّ العُقَلاءَ إذا رَأوْا شَيْئًا شَدِيدَ الِاضْطِرابِ مُنْكَرَ الصُّورَةِ قَبِيحَ الخِلْقَةِ، قالُوا: إنَّهُ شَيْطانٌ، وإذا رَأوْا شَيْئًا حَسَنَ الصُّورَةِ والسِّيرَةِ، قالُوا: إنَّهُ مَلَكٌ، وقالَ امْرُؤُ القَيْسِ: أتَقْتُلُنِي والمَشْرَفِيُّ مُضاجِعِي ومَسْنُونَةٌ زُرْقٌ كَأنْيابِ أغْوالِ والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ الشَّياطِينَ حَيّاتٌ لَها رُءُوسٌ وأعْرافٌ، وهي مِن أقْبَحِ الحَيّاتِ، وبِها يُضْرَبُ المَثَلُ في القُبْحِ، والعَرَبُ إذا رَأتْ مَنظَرًا قَبِيحًا قالَتْ: كَأنَّهُ شَيْطانُ الحَماطَةِ، والحَماطَةُ شَجَرَةٌ مُعَيَّنَةٌ. والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ رُءُوسَ الشَّياطِينِ، نَبْتٌ مَعْرُوفٌ قَبِيحُ الرَّأْسِ، والوَجْهُ الأوَّلُ هو الجَوابُ الحَقُّ، واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ هَذِهِ الشَّجَرَةَ وذَكَرَ صِفَتَها بَيَّنَ أنَّ الكُفّارَ ﴿لَآكِلُونَ مِنها فَمالِئُونَ مِنها البُطُونَ﴾ واعْلَمْ أنَّ إقْدامَهم عَلى ذَلِكَ الأكْلِ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهم أكَلُوا مِنها لِشِدَّةِ الجُوعِ، فَإنْ قِيلَ: وكَيْفَ يَأْكُلُونَها مَعَ نِهايَةِ خُشُونَتِها ونَتْنِها ومَرارَةِ طَعْمِها ؟ قُلْنا: إنَّ الوِقاعَ في الضَّرَرِ العَظِيمِ رُبَّما اسْتُرْوِحَ مِنهُ إلى ما يُقارِبُهُ في الضَّرَرِ، فَإذا جَوَّعَهُمُ اللَّهُ الجُوعَ الشَّدِيدَ فَزِعُوا في إزالَةِ ذَلِكَ الجُوعِ إلى تَناوُلِ هَذا الشَّيْءِ، وإنْ كانَ بِالصِّفَةِ الَّتِي ذَكَرْتُمُوها. الوَجْهُ الثّانِي: أنْ يُقالَ الزَّبانِيَةُ يُكْرِهُونَهم عَلى الأكْلِ مِن تِلْكَ الشَّجَرَةِ تَكْمِيلًا لِعَذابِهِمْ. واعْلَمْ أنَّهم إذا شَبِعُوا فَحِينَئِذٍ يَشْتَدُّ عَطَشُهم ويَحْتاجُونَ إلى الشَّرابِ، فَعِنْدَ هَذا وصَفَ اللَّهُ شَرابَهم، فَقالَ: ﴿ثُمَّ إنَّ لَهم عَلَيْها لَشَوْبًا مِن حَمِيمٍ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: الشَّوْبُ اسْمٌ عامٌّ في كُلِّ ما خُلِطَ بِغَيْرِهِ، والحَمِيمُ الماءُ الحارُّ المُتَناهِي في الحَرارَةِ، والمَعْنى أنَّهُ إذا غَلَبَهم ذَلِكَ العَطَشُ الشَّدِيدُ سُقُوا مِن ذَلِكَ الحَمِيمِ، فَحِينَئِذٍ يَشُوبُ الزَّقُّومُ بِالحَمِيمِ نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنهُما. واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ وصَفَ شَرابَهم في القُرْآنِ بِأشْياءَ مِنها كَوْنُهُ غَسّاقًا، ومِنها قَوْلُهُ: ﴿وسُقُوا ماءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أمْعاءَهُمْ﴾ [محمد: ١٥] ومِنها ما ذَكَرَهُ في هَذِهِ الآيَةِ، فَإنْ قِيلَ ما الفائِدَةُ في كَلِمَةِ ”ثُمَّ“ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ إنَّ لَهم عَلَيْها لَشَوْبًا مِن حَمِيمٍ﴾ ؟ قُلْنا: فِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّهم يَمْلَئُونَ بُطُونَهم مِن شَجَرَةِ الزَّقُّومِ وهو حارٌّ يَحْرُقُ صفحة ١٢٥ بُطُونَهم فَيَعْظُمُ عَطَشُهم، ثُمَّ إنَّهم لا يُسْقَوْنَ إلّا بَعْدَ مُدَّةٍ مَدِيدَةٍ والغَرَضُ تَكْمِيلُ التَّعْذِيبِ. والثّانِي: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ الطَّعامَ بِتِلْكَ البَشاعَةِ والكَراهَةِ، ثُمَّ وصَفَ الشَّرابَ بِما هو أبْشَعُ مِنهُ، فَكانَ المَقْصُودُ مِن كَلِمَةِ ثُمَّ بَيانَ أنَّ حالَ المَشْرُوبِ في البَشاعَةِ أعْظَمُ مِن حالِ المَأْكُولِ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ثُمَّ إنَّ مَرْجِعَهم لَإلى الجَحِيمِ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: أيْ بَعْدِ أكْلِ الزَّقُّومِ وشُرْبِ الحَمِيمِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهم عِنْدَ شُرْبِ الحَمِيمِ لَمْ يَكُونُوا في الجَحِيمِ، وذَلِكَ بِأنْ يَكُونَ الحَمِيمُ مِن مَوْضِعٍ خارِجٍ عَنِ الجَحِيمِ، فَهم يُورَدُونَ الحَمِيمَ لِأجْلِ الشُّرْبِ كَما تُورَدُ الإبِلُ إلى الماءِ، ثُمَّ يُورَدُونَ إلى الجَحِيمِ، فَهَذا قَوْلُ مُقاتِلٍ، واحْتَجَّ عَلى صِحَّتِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِها المُجْرِمُونَ﴾ ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَها وبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: ٤٤] وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ ما ذَكَرْناهُ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ عَذابَهم في أكْلِهِمْ وشُرْبِهِمْ قالَ: ﴿إنَّهم ألْفَوْا آباءَهم ضالِّينَ﴾ ﴿فَهم عَلى آثارِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾ قالَ الفَرّاءُ: الإهْراعُ الإسْراعُ يُقالُ: هَرَعَ وأهْرَعَ إذا اسْتُحِثَّ، والمَعْنى أنَّهم يَتَّبِعُونَ آباءَهُمُ اتِّباعًا في سُرْعَةٍ كَأنَّهم يُزْعَجُونَ إلى اتِّباعِ آبائِهِمْ، والمَقْصُودُ مِنَ الآيَةِ أنَّهُ تَعالى عَلَّلَ اسْتِحْقاقَهم لِلْوُقُوعِ في تِلْكَ الشَّدائِدِ كُلِّها، بِتَقْلِيدِ الآباءِ في الدِّينِ وتَرْكِ اتِّباعِ الدَّلِيلِ، ولَوْ لَمْ يُوجَدْ في القُرْآنِ آيَةٌ غَيْرُ هَذِهِ الآيَةِ في ذَمِّ التَّقْلِيدِ لَكَفى. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ لِرَسُولِهِ ما يُوجِبُ التَّسْلِيَةَ لَهُ في كُفْرِهِمْ وتَكْذِيبِهِمْ، فَقالَ: ﴿ولَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهم أكْثَرُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ إرْسالَهُ لِلرُّسُلِ قَدْ تَقَدَّمَ والتَّكْذِيبَ لَهم قَدْ سَلَفَ، ويَجِبُ أنْ يَكُونَ لَهُ ﷺ أُسْوَةٌ بِهِمْ حَتّى يَصْبِرَ كَما صَبَرُوا، ويَسْتَمِرَّ عَلى الدُّعاءِ إلى اللَّهِ وإنْ تَمَرَّدُوا، فَلَيْسَ عَلَيْهِ إلّا البَلاغُ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُنْذَرِينَ﴾ وهَذا وإنْ كانَ في الظّاهِرِ خِطابًا مَعَ الرَّسُولِ ﷺ إلّا أنَّ المَقْصُودَ مِنهُ خِطابُ الكُفّارِ؛ لِأنَّهم سَمِعُوا بِالأخْبارِ جَمِيعَ ما جَرى مِن أنْواعِ العَذابِ عَلى قَوْمِ نُوحٍ وعَلى عادٍ وثَمُودَ وغَيْرِهِمْ، فَإنْ لَمْ يَعْلَمُوا ذَلِكَ فَلا أقَلَّ مِن ظَنٍّ وخَوْفٍ يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ زاجِرًا لَهم عَنْ كُفْرِهِمْ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهم أكْثَرُ الأوَّلِينَ﴾ . والثّانِي: أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُنْذَرِينَ﴾ فَإنَّها كانَتْ أقْبَحَ العَواقِبِ وأفْظَعَها إلّا عاقِبَةَ عِبادِ اللَّهِ المُخْلَصِينَ، فَإنَّها كانَتْ مَقْرُونَةً بِالخَيْرِ والرّاحَةِ.

الصافات 37:65

صفحة ١٢٣ ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُنْذَرِينَ﴾ ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾ ﴿إنّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظّالِمِينَ﴾ ﴿إنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ في أصْلِ الجَحِيمِ﴾ ﴿طَلْعُها كَأنَّهُ رُءُوسُ الشَّياطِينِ﴾ ﴿فَإنَّهم لَآكِلُونَ مِنها فَمالِئُونَ مِنها البُطُونَ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّ لَهم عَلَيْها لَشَوْبًا مِن حَمِيمٍ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّ مَرْجِعَهم لَإلى الجَحِيمِ﴾ ﴿إنَّهم ألْفَوْا آباءَهم ضالِّينَ﴾ ﴿فَهم عَلى آثارِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهم أكْثَرُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُنْذَرِينَ﴾ ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ بَعْدَ ذِكْرِ أهْلِ الجَنَّةِ ووَصْفِها ﴿لِمِثْلِ هَذا فَلْيَعْمَلِ العامِلُونَ﴾ أتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾ فَأمَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أنْ يُورِدَ ذَلِكَ عَلى كُفّارِ قَوْمِهِ لِيَصِيرَ ذَلِكَ زاجِرًا لَهم عَنِ الكُفْرِ، وكَما وصَفَ مِن قَبْلُ مَآكِلَ أهْلِ الجَنَّةِ ومَشارِبَهم، وصَفَ أيْضًا في هَذِهِ الآيَةِ مَآكِلَ أهْلِ النّارِ ومَشارِبَهم. أمّا قَوْلُهُ: ﴿أذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾ فالمَعْنى أنَّ الرِّزْقَ المَعْلُومَ المَذْكُورَ لِأهْلِ الجَنَّةِ ﴿أذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا﴾ أيْ خَيْرٌ حاصِلًا ﴿أمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾ وأصْلُ النُّزُلِ الفَضْلُ الواسِعُ في الطَّعامِ يُقالُ: طَعامٌ كَثِيرُ النُّزُلِ، فاسْتُعِيرَ لِلْحاصِلِ مِنَ الشَّيْءِ، ويُقالُ: أرْسَلَ الأمِيرُ إلى فُلانٍ نُزُلًا وهو الشَّيْءُ الَّذِي يَصْلُحُ حالُ مَن يَنْزِلُ بِسَبَبِهِ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: حاصِلُ الرِّزْقِ المَعْلُومِ لِأهْلِ الجَنَّةِ اللَّذَّةُ والسُّرُورُ، وحاصِلُ شَجَرَةِ الزَّقُّومِ الألَمُ والغَمُّ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ لا نِسْبَةَ لِأحَدِهِما إلى الآخَرِ في الخَيْرِيَّةِ إلّا أنَّهُ جاءَ هَذا الكَلامُ إمّا عَلى سَبِيلِ السُّخْرِيَةِ بِهِمْ أوْ لِأجْلِ أنَّ المُؤْمِنِينَ لَمّا اخْتارُوا ما أوْصَلَهم إلى الرِّزْقِ الكَرِيمِ، والكافِرِينَ اخْتارُوا ما أوْصَلَهم إلى العَذابِ الألِيمِ فَقِيلَ لَهم ذَلِكَ تَوْبِيخًا لَهم عَلى سُوءِ اخْتِيارِهِمْ، وأمّا ﴿الزَّقُّومِ﴾ فَقالَ الواحِدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: لَمْ يَذْكُرِ المُفَسِّرُونَ لِلزَّقُّومِ تَفْسِيرًا إلّا الكَلْبِيَّ فَإنَّهُ رَوى أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قالَ ابْنُ الزِّبَعْرى: أكْثَرَ اللَّهُ في بُيُوتِكُمُ الزَّقُّومَ، فَإنَّ أهْلَ اليَمَنِ يُسَمُّونَ التَّمْرَ والزُّبْدَ بِالزَّقُّومِ، فَقالَ أبُو جَهْلٍ لِجارِيَتِهِ زَقِّمِينا فَأتَتْهُ بِزُبْدٍ وتَمْرٍ، وقالَ: تَزَقَّمُوا. ثُمَّ قالَ الواحِدِيُّ: ومَعْلُومٌ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يُرِدْ بِالزَّقُّومِ هَهُنا الزُّبْدَ والتَّمْرَ، قالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: لَمْ يَكُنْ لِلزَّقُّومِ اشْتِقاقٌ مِنَ التَّزَقُّمِ وهو الإفْراطُ مِن أكْلِ الشَّيْءِ حَتّى يُكْرَهَ ذَلِكَ، يُقالُ: باتَ فُلانٌ يَتَزَقَّمُ، وظاهِرُ لَفْظِ القُرْآنِ يَدُلُّ عَلى أنَّها شَجَرَةٌ كَرِيهَةُ الطَّعامِ مُنْتِنَةُ الرّائِحَةِ شَدِيدَةُ الخُشُونَةِ، مَوْصُوفَةٌ بِصِفاتٍ كُلُّ مَن تَناوَلَها عَظُمَ مِن تَناوُلِها، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى يُكْرِهُ أهْلَ النّارِ عَلى تَناوُلِ بَعْضِ أجْزائِها. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظّالِمِينَ﴾ فَفِيهِ أقْوالٌ: الأوَّلُ: أنَّها إنَّما صارَتْ فِتْنَةً لِلظّالِمِينَ، مِن حَيْثُ إنَّ الكُفّارَ لَمّا سَمِعُوا هَذِهِ الآيَةَ، قالُوا: كَيْفَ يُعْقَلُ أنْ تَنْبُتَ الشَّجَرَةُ في جَهَنَّمَ، مَعَ أنَّ النّارَ تُحْرِقُ الشَّجَرَةَ ؟ . والجَوابُ عَنْهُ أنَّ خالِقَ النّارِ قادِرٌ عَلى أنْ يَمْنَعَ النّارَ مِن إحْراقِ الشَّجَرِ، ولِأنَّهُ إذا جازَ أنْ يَكُونَ في النّارِ زَبانِيَةٌ واللَّهُ تَعالى يَمْنَعُ النّارَ عَنْ إحْراقِهِمْ فَلِمَ لا يَجُوزُ مِثْلُهُ في هَذِهِ الشَّجَرَةِ ؟ إذا عَرَفْتَ هَذا السُّؤالَ، والجَوابُ بِمَعْنى كَوْنِ شَجَرَةِ الزَّقُّومِ فِتْنَةً لِلظّالِمِينَ هو أنَّهم لَمّا سَمِعُوا هَذِهِ الآيَةَ وقَعَتْ تِلْكَ الشُّبْهَةُ في قُلُوبِهِمْ، وصارَتْ تِلْكَ الشُّبْهَةُ سَبَبًا لِتَمادِيهِمْ في الكُفْرِ، فَهَذا هو المُرادُ مِن كَوْنِها فِتْنَةً لَهم. والوَجْهُ الثّانِي: في التَّفْسِيرِ أنْ يَكُونَ المُرادُ صَيْرُورَةَ هَذِهِ الشَّجَرَةِ فِتْنَةً لَهم في النّارِ؛ لِأنَّهم إذا كُلِّفُوا تَناوُلَها وشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، فَحِينَئِذٍ يَصِيرُ ذَلِكَ فِتْنَةً في حَقِّهِمْ. الوَجْهُ الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الفِتْنَةِ الِامْتِحانَ والِاخْتِبارَ، فَإنَّ هَذا شَيْءٌ بَعِيدٌ عَنِ العُرْفِ صفحة ١٢٤ والعادَةِ مُخالِفٌ لِلْمَأْلُوفِ والمَعْرُوفِ، فَإذا ورَدَ عَلى سَمْعِ المُؤْمِنِ فَوَّضَ عِلْمَهُ إلى اللَّهِ وإذا ورَدَ عَلى الزِّنْدِيقِ تَوَسَّلَ بِهِ إلى الطَّعْنِ في القُرْآنِ والنُّبُوَّةِ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ هَذِهِ الشَّجَرَةَ وصَفَها بِصِفاتٍ: الصِّفَةُ الأُولى: قَوْلُهُ إنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ في أصْلِ الجَحِيمِ، قِيلَ: مَنبَتُها في قَعْرِ جَهَنَّمَ وأغْصانُها تَرْتَفِعُ إلى دَرَكاتِها. الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿طَلْعُها كَأنَّهُ رُءُوسُ الشَّياطِينِ﴾ قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: الطَّلْعُ لِلنَّخْلَةِ فاسْتُعِيرَ لِما طَلَعَ مِن شَجَرَةِ الزَّقُّومِ مِن حَمْلِها، إمّا اسْتِعارَةً لَفْظِيَّةً أوْ مَعْنَوِيَّةً، وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: سُمِّيَ ”طَلْعًا“ لِطُلُوعِهِ كُلَّ سَنَةٍ، ولِذَلِكَ قِيلَ: طَلْعُ النَّخْلِ لِأوَّلِ ما يَخْرُجُ مِن ثَمَرِهِ، وأمّا تَشْبِيهُ هَذا الطَّلْعِ بِرُءُوسِ الشَّياطِينِ فَفِيهِ سُؤالٌ؛ لِأنَّهُ قِيلَ: إنّا ما رَأيْنا رَءُوسَ الشَّياطِينِ فَكَيْفَ يُمْكِنُ تَشْبِيهُ شَيْءٍ بِها ؟ وأجابُوا عَنْهُ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ وهو الصَّحِيحُ: أنَّ النّاسَ لَمّا اعْتَقَدُوا في المَلائِكَةِ كَمالَ الفَضْلِ في الصُّورَةِ والسِّيرَةِ، اعْتَقَدُوا في الشَّياطِينِ نِهايَةَ القُبْحِ والتَّشْوِيهِ في الصُّورَةِ والسِّيرَةِ، فَكَما حَسُنَ التَّشْبِيهُ بِالمَلَكِ عِنْدَ إرادَةِ تَقْرِيرِ الكَمالِ والفَضِيلَةِ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ هَذا إلّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ [يوسف: ٣١] فَكَذَلِكَ وجَبَ أنْ يَحْسُنَ التَّشْبِيهُ بِرُءُوسِ الشَّياطِينِ في القُبْحِ وتَشْوِيهِ الخِلْقَةِ، والحاصِلُ أنَّ هَذا مِن بابِ التَّشْبِيهِ لا بِالمَحْسُوسِ بَلْ بِالمُتَخَيَّلِ، كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ أقْبَحَ الأشْياءِ في الوَهْمِ والخِيارِ هو رُءُوسُ الشَّياطِينِ، فَهَذِهِ الشَّجَرَةُ تُشْبِهُها في قُبْحِ النَّظَرِ وتَشْوِيهِ الصُّورَةِ، والَّذِي يُؤَكِّدُ هَذا أنَّ العُقَلاءَ إذا رَأوْا شَيْئًا شَدِيدَ الِاضْطِرابِ مُنْكَرَ الصُّورَةِ قَبِيحَ الخِلْقَةِ، قالُوا: إنَّهُ شَيْطانٌ، وإذا رَأوْا شَيْئًا حَسَنَ الصُّورَةِ والسِّيرَةِ، قالُوا: إنَّهُ مَلَكٌ، وقالَ امْرُؤُ القَيْسِ: أتَقْتُلُنِي والمَشْرَفِيُّ مُضاجِعِي ومَسْنُونَةٌ زُرْقٌ كَأنْيابِ أغْوالِ والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ الشَّياطِينَ حَيّاتٌ لَها رُءُوسٌ وأعْرافٌ، وهي مِن أقْبَحِ الحَيّاتِ، وبِها يُضْرَبُ المَثَلُ في القُبْحِ، والعَرَبُ إذا رَأتْ مَنظَرًا قَبِيحًا قالَتْ: كَأنَّهُ شَيْطانُ الحَماطَةِ، والحَماطَةُ شَجَرَةٌ مُعَيَّنَةٌ. والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ رُءُوسَ الشَّياطِينِ، نَبْتٌ مَعْرُوفٌ قَبِيحُ الرَّأْسِ، والوَجْهُ الأوَّلُ هو الجَوابُ الحَقُّ، واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ هَذِهِ الشَّجَرَةَ وذَكَرَ صِفَتَها بَيَّنَ أنَّ الكُفّارَ ﴿لَآكِلُونَ مِنها فَمالِئُونَ مِنها البُطُونَ﴾ واعْلَمْ أنَّ إقْدامَهم عَلى ذَلِكَ الأكْلِ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهم أكَلُوا مِنها لِشِدَّةِ الجُوعِ، فَإنْ قِيلَ: وكَيْفَ يَأْكُلُونَها مَعَ نِهايَةِ خُشُونَتِها ونَتْنِها ومَرارَةِ طَعْمِها ؟ قُلْنا: إنَّ الوِقاعَ في الضَّرَرِ العَظِيمِ رُبَّما اسْتُرْوِحَ مِنهُ إلى ما يُقارِبُهُ في الضَّرَرِ، فَإذا جَوَّعَهُمُ اللَّهُ الجُوعَ الشَّدِيدَ فَزِعُوا في إزالَةِ ذَلِكَ الجُوعِ إلى تَناوُلِ هَذا الشَّيْءِ، وإنْ كانَ بِالصِّفَةِ الَّتِي ذَكَرْتُمُوها. الوَجْهُ الثّانِي: أنْ يُقالَ الزَّبانِيَةُ يُكْرِهُونَهم عَلى الأكْلِ مِن تِلْكَ الشَّجَرَةِ تَكْمِيلًا لِعَذابِهِمْ. واعْلَمْ أنَّهم إذا شَبِعُوا فَحِينَئِذٍ يَشْتَدُّ عَطَشُهم ويَحْتاجُونَ إلى الشَّرابِ، فَعِنْدَ هَذا وصَفَ اللَّهُ شَرابَهم، فَقالَ: ﴿ثُمَّ إنَّ لَهم عَلَيْها لَشَوْبًا مِن حَمِيمٍ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: الشَّوْبُ اسْمٌ عامٌّ في كُلِّ ما خُلِطَ بِغَيْرِهِ، والحَمِيمُ الماءُ الحارُّ المُتَناهِي في الحَرارَةِ، والمَعْنى أنَّهُ إذا غَلَبَهم ذَلِكَ العَطَشُ الشَّدِيدُ سُقُوا مِن ذَلِكَ الحَمِيمِ، فَحِينَئِذٍ يَشُوبُ الزَّقُّومُ بِالحَمِيمِ نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنهُما. واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ وصَفَ شَرابَهم في القُرْآنِ بِأشْياءَ مِنها كَوْنُهُ غَسّاقًا، ومِنها قَوْلُهُ: ﴿وسُقُوا ماءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أمْعاءَهُمْ﴾ [محمد: ١٥] ومِنها ما ذَكَرَهُ في هَذِهِ الآيَةِ، فَإنْ قِيلَ ما الفائِدَةُ في كَلِمَةِ ”ثُمَّ“ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ إنَّ لَهم عَلَيْها لَشَوْبًا مِن حَمِيمٍ﴾ ؟ قُلْنا: فِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّهم يَمْلَئُونَ بُطُونَهم مِن شَجَرَةِ الزَّقُّومِ وهو حارٌّ يَحْرُقُ صفحة ١٢٥ بُطُونَهم فَيَعْظُمُ عَطَشُهم، ثُمَّ إنَّهم لا يُسْقَوْنَ إلّا بَعْدَ مُدَّةٍ مَدِيدَةٍ والغَرَضُ تَكْمِيلُ التَّعْذِيبِ. والثّانِي: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ الطَّعامَ بِتِلْكَ البَشاعَةِ والكَراهَةِ، ثُمَّ وصَفَ الشَّرابَ بِما هو أبْشَعُ مِنهُ، فَكانَ المَقْصُودُ مِن كَلِمَةِ ثُمَّ بَيانَ أنَّ حالَ المَشْرُوبِ في البَشاعَةِ أعْظَمُ مِن حالِ المَأْكُولِ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ثُمَّ إنَّ مَرْجِعَهم لَإلى الجَحِيمِ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: أيْ بَعْدِ أكْلِ الزَّقُّومِ وشُرْبِ الحَمِيمِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهم عِنْدَ شُرْبِ الحَمِيمِ لَمْ يَكُونُوا في الجَحِيمِ، وذَلِكَ بِأنْ يَكُونَ الحَمِيمُ مِن مَوْضِعٍ خارِجٍ عَنِ الجَحِيمِ، فَهم يُورَدُونَ الحَمِيمَ لِأجْلِ الشُّرْبِ كَما تُورَدُ الإبِلُ إلى الماءِ، ثُمَّ يُورَدُونَ إلى الجَحِيمِ، فَهَذا قَوْلُ مُقاتِلٍ، واحْتَجَّ عَلى صِحَّتِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِها المُجْرِمُونَ﴾ ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَها وبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: ٤٤] وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ ما ذَكَرْناهُ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ عَذابَهم في أكْلِهِمْ وشُرْبِهِمْ قالَ: ﴿إنَّهم ألْفَوْا آباءَهم ضالِّينَ﴾ ﴿فَهم عَلى آثارِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾ قالَ الفَرّاءُ: الإهْراعُ الإسْراعُ يُقالُ: هَرَعَ وأهْرَعَ إذا اسْتُحِثَّ، والمَعْنى أنَّهم يَتَّبِعُونَ آباءَهُمُ اتِّباعًا في سُرْعَةٍ كَأنَّهم يُزْعَجُونَ إلى اتِّباعِ آبائِهِمْ، والمَقْصُودُ مِنَ الآيَةِ أنَّهُ تَعالى عَلَّلَ اسْتِحْقاقَهم لِلْوُقُوعِ في تِلْكَ الشَّدائِدِ كُلِّها، بِتَقْلِيدِ الآباءِ في الدِّينِ وتَرْكِ اتِّباعِ الدَّلِيلِ، ولَوْ لَمْ يُوجَدْ في القُرْآنِ آيَةٌ غَيْرُ هَذِهِ الآيَةِ في ذَمِّ التَّقْلِيدِ لَكَفى. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ لِرَسُولِهِ ما يُوجِبُ التَّسْلِيَةَ لَهُ في كُفْرِهِمْ وتَكْذِيبِهِمْ، فَقالَ: ﴿ولَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهم أكْثَرُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ إرْسالَهُ لِلرُّسُلِ قَدْ تَقَدَّمَ والتَّكْذِيبَ لَهم قَدْ سَلَفَ، ويَجِبُ أنْ يَكُونَ لَهُ ﷺ أُسْوَةٌ بِهِمْ حَتّى يَصْبِرَ كَما صَبَرُوا، ويَسْتَمِرَّ عَلى الدُّعاءِ إلى اللَّهِ وإنْ تَمَرَّدُوا، فَلَيْسَ عَلَيْهِ إلّا البَلاغُ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُنْذَرِينَ﴾ وهَذا وإنْ كانَ في الظّاهِرِ خِطابًا مَعَ الرَّسُولِ ﷺ إلّا أنَّ المَقْصُودَ مِنهُ خِطابُ الكُفّارِ؛ لِأنَّهم سَمِعُوا بِالأخْبارِ جَمِيعَ ما جَرى مِن أنْواعِ العَذابِ عَلى قَوْمِ نُوحٍ وعَلى عادٍ وثَمُودَ وغَيْرِهِمْ، فَإنْ لَمْ يَعْلَمُوا ذَلِكَ فَلا أقَلَّ مِن ظَنٍّ وخَوْفٍ يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ زاجِرًا لَهم عَنْ كُفْرِهِمْ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهم أكْثَرُ الأوَّلِينَ﴾ . والثّانِي: أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُنْذَرِينَ﴾ فَإنَّها كانَتْ أقْبَحَ العَواقِبِ وأفْظَعَها إلّا عاقِبَةَ عِبادِ اللَّهِ المُخْلَصِينَ، فَإنَّها كانَتْ مَقْرُونَةً بِالخَيْرِ والرّاحَةِ.

الصافات 37:66

صفحة ١٢٣ ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُنْذَرِينَ﴾ ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾ ﴿إنّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظّالِمِينَ﴾ ﴿إنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ في أصْلِ الجَحِيمِ﴾ ﴿طَلْعُها كَأنَّهُ رُءُوسُ الشَّياطِينِ﴾ ﴿فَإنَّهم لَآكِلُونَ مِنها فَمالِئُونَ مِنها البُطُونَ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّ لَهم عَلَيْها لَشَوْبًا مِن حَمِيمٍ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّ مَرْجِعَهم لَإلى الجَحِيمِ﴾ ﴿إنَّهم ألْفَوْا آباءَهم ضالِّينَ﴾ ﴿فَهم عَلى آثارِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهم أكْثَرُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُنْذَرِينَ﴾ ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ بَعْدَ ذِكْرِ أهْلِ الجَنَّةِ ووَصْفِها ﴿لِمِثْلِ هَذا فَلْيَعْمَلِ العامِلُونَ﴾ أتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾ فَأمَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أنْ يُورِدَ ذَلِكَ عَلى كُفّارِ قَوْمِهِ لِيَصِيرَ ذَلِكَ زاجِرًا لَهم عَنِ الكُفْرِ، وكَما وصَفَ مِن قَبْلُ مَآكِلَ أهْلِ الجَنَّةِ ومَشارِبَهم، وصَفَ أيْضًا في هَذِهِ الآيَةِ مَآكِلَ أهْلِ النّارِ ومَشارِبَهم. أمّا قَوْلُهُ: ﴿أذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾ فالمَعْنى أنَّ الرِّزْقَ المَعْلُومَ المَذْكُورَ لِأهْلِ الجَنَّةِ ﴿أذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا﴾ أيْ خَيْرٌ حاصِلًا ﴿أمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾ وأصْلُ النُّزُلِ الفَضْلُ الواسِعُ في الطَّعامِ يُقالُ: طَعامٌ كَثِيرُ النُّزُلِ، فاسْتُعِيرَ لِلْحاصِلِ مِنَ الشَّيْءِ، ويُقالُ: أرْسَلَ الأمِيرُ إلى فُلانٍ نُزُلًا وهو الشَّيْءُ الَّذِي يَصْلُحُ حالُ مَن يَنْزِلُ بِسَبَبِهِ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: حاصِلُ الرِّزْقِ المَعْلُومِ لِأهْلِ الجَنَّةِ اللَّذَّةُ والسُّرُورُ، وحاصِلُ شَجَرَةِ الزَّقُّومِ الألَمُ والغَمُّ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ لا نِسْبَةَ لِأحَدِهِما إلى الآخَرِ في الخَيْرِيَّةِ إلّا أنَّهُ جاءَ هَذا الكَلامُ إمّا عَلى سَبِيلِ السُّخْرِيَةِ بِهِمْ أوْ لِأجْلِ أنَّ المُؤْمِنِينَ لَمّا اخْتارُوا ما أوْصَلَهم إلى الرِّزْقِ الكَرِيمِ، والكافِرِينَ اخْتارُوا ما أوْصَلَهم إلى العَذابِ الألِيمِ فَقِيلَ لَهم ذَلِكَ تَوْبِيخًا لَهم عَلى سُوءِ اخْتِيارِهِمْ، وأمّا ﴿الزَّقُّومِ﴾ فَقالَ الواحِدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: لَمْ يَذْكُرِ المُفَسِّرُونَ لِلزَّقُّومِ تَفْسِيرًا إلّا الكَلْبِيَّ فَإنَّهُ رَوى أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قالَ ابْنُ الزِّبَعْرى: أكْثَرَ اللَّهُ في بُيُوتِكُمُ الزَّقُّومَ، فَإنَّ أهْلَ اليَمَنِ يُسَمُّونَ التَّمْرَ والزُّبْدَ بِالزَّقُّومِ، فَقالَ أبُو جَهْلٍ لِجارِيَتِهِ زَقِّمِينا فَأتَتْهُ بِزُبْدٍ وتَمْرٍ، وقالَ: تَزَقَّمُوا. ثُمَّ قالَ الواحِدِيُّ: ومَعْلُومٌ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يُرِدْ بِالزَّقُّومِ هَهُنا الزُّبْدَ والتَّمْرَ، قالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: لَمْ يَكُنْ لِلزَّقُّومِ اشْتِقاقٌ مِنَ التَّزَقُّمِ وهو الإفْراطُ مِن أكْلِ الشَّيْءِ حَتّى يُكْرَهَ ذَلِكَ، يُقالُ: باتَ فُلانٌ يَتَزَقَّمُ، وظاهِرُ لَفْظِ القُرْآنِ يَدُلُّ عَلى أنَّها شَجَرَةٌ كَرِيهَةُ الطَّعامِ مُنْتِنَةُ الرّائِحَةِ شَدِيدَةُ الخُشُونَةِ، مَوْصُوفَةٌ بِصِفاتٍ كُلُّ مَن تَناوَلَها عَظُمَ مِن تَناوُلِها، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى يُكْرِهُ أهْلَ النّارِ عَلى تَناوُلِ بَعْضِ أجْزائِها. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظّالِمِينَ﴾ فَفِيهِ أقْوالٌ: الأوَّلُ: أنَّها إنَّما صارَتْ فِتْنَةً لِلظّالِمِينَ، مِن حَيْثُ إنَّ الكُفّارَ لَمّا سَمِعُوا هَذِهِ الآيَةَ، قالُوا: كَيْفَ يُعْقَلُ أنْ تَنْبُتَ الشَّجَرَةُ في جَهَنَّمَ، مَعَ أنَّ النّارَ تُحْرِقُ الشَّجَرَةَ ؟ . والجَوابُ عَنْهُ أنَّ خالِقَ النّارِ قادِرٌ عَلى أنْ يَمْنَعَ النّارَ مِن إحْراقِ الشَّجَرِ، ولِأنَّهُ إذا جازَ أنْ يَكُونَ في النّارِ زَبانِيَةٌ واللَّهُ تَعالى يَمْنَعُ النّارَ عَنْ إحْراقِهِمْ فَلِمَ لا يَجُوزُ مِثْلُهُ في هَذِهِ الشَّجَرَةِ ؟ إذا عَرَفْتَ هَذا السُّؤالَ، والجَوابُ بِمَعْنى كَوْنِ شَجَرَةِ الزَّقُّومِ فِتْنَةً لِلظّالِمِينَ هو أنَّهم لَمّا سَمِعُوا هَذِهِ الآيَةَ وقَعَتْ تِلْكَ الشُّبْهَةُ في قُلُوبِهِمْ، وصارَتْ تِلْكَ الشُّبْهَةُ سَبَبًا لِتَمادِيهِمْ في الكُفْرِ، فَهَذا هو المُرادُ مِن كَوْنِها فِتْنَةً لَهم. والوَجْهُ الثّانِي: في التَّفْسِيرِ أنْ يَكُونَ المُرادُ صَيْرُورَةَ هَذِهِ الشَّجَرَةِ فِتْنَةً لَهم في النّارِ؛ لِأنَّهم إذا كُلِّفُوا تَناوُلَها وشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، فَحِينَئِذٍ يَصِيرُ ذَلِكَ فِتْنَةً في حَقِّهِمْ. الوَجْهُ الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الفِتْنَةِ الِامْتِحانَ والِاخْتِبارَ، فَإنَّ هَذا شَيْءٌ بَعِيدٌ عَنِ العُرْفِ صفحة ١٢٤ والعادَةِ مُخالِفٌ لِلْمَأْلُوفِ والمَعْرُوفِ، فَإذا ورَدَ عَلى سَمْعِ المُؤْمِنِ فَوَّضَ عِلْمَهُ إلى اللَّهِ وإذا ورَدَ عَلى الزِّنْدِيقِ تَوَسَّلَ بِهِ إلى الطَّعْنِ في القُرْآنِ والنُّبُوَّةِ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ هَذِهِ الشَّجَرَةَ وصَفَها بِصِفاتٍ: الصِّفَةُ الأُولى: قَوْلُهُ إنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ في أصْلِ الجَحِيمِ، قِيلَ: مَنبَتُها في قَعْرِ جَهَنَّمَ وأغْصانُها تَرْتَفِعُ إلى دَرَكاتِها. الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿طَلْعُها كَأنَّهُ رُءُوسُ الشَّياطِينِ﴾ قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: الطَّلْعُ لِلنَّخْلَةِ فاسْتُعِيرَ لِما طَلَعَ مِن شَجَرَةِ الزَّقُّومِ مِن حَمْلِها، إمّا اسْتِعارَةً لَفْظِيَّةً أوْ مَعْنَوِيَّةً، وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: سُمِّيَ ”طَلْعًا“ لِطُلُوعِهِ كُلَّ سَنَةٍ، ولِذَلِكَ قِيلَ: طَلْعُ النَّخْلِ لِأوَّلِ ما يَخْرُجُ مِن ثَمَرِهِ، وأمّا تَشْبِيهُ هَذا الطَّلْعِ بِرُءُوسِ الشَّياطِينِ فَفِيهِ سُؤالٌ؛ لِأنَّهُ قِيلَ: إنّا ما رَأيْنا رَءُوسَ الشَّياطِينِ فَكَيْفَ يُمْكِنُ تَشْبِيهُ شَيْءٍ بِها ؟ وأجابُوا عَنْهُ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ وهو الصَّحِيحُ: أنَّ النّاسَ لَمّا اعْتَقَدُوا في المَلائِكَةِ كَمالَ الفَضْلِ في الصُّورَةِ والسِّيرَةِ، اعْتَقَدُوا في الشَّياطِينِ نِهايَةَ القُبْحِ والتَّشْوِيهِ في الصُّورَةِ والسِّيرَةِ، فَكَما حَسُنَ التَّشْبِيهُ بِالمَلَكِ عِنْدَ إرادَةِ تَقْرِيرِ الكَمالِ والفَضِيلَةِ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ هَذا إلّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ [يوسف: ٣١] فَكَذَلِكَ وجَبَ أنْ يَحْسُنَ التَّشْبِيهُ بِرُءُوسِ الشَّياطِينِ في القُبْحِ وتَشْوِيهِ الخِلْقَةِ، والحاصِلُ أنَّ هَذا مِن بابِ التَّشْبِيهِ لا بِالمَحْسُوسِ بَلْ بِالمُتَخَيَّلِ، كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ أقْبَحَ الأشْياءِ في الوَهْمِ والخِيارِ هو رُءُوسُ الشَّياطِينِ، فَهَذِهِ الشَّجَرَةُ تُشْبِهُها في قُبْحِ النَّظَرِ وتَشْوِيهِ الصُّورَةِ، والَّذِي يُؤَكِّدُ هَذا أنَّ العُقَلاءَ إذا رَأوْا شَيْئًا شَدِيدَ الِاضْطِرابِ مُنْكَرَ الصُّورَةِ قَبِيحَ الخِلْقَةِ، قالُوا: إنَّهُ شَيْطانٌ، وإذا رَأوْا شَيْئًا حَسَنَ الصُّورَةِ والسِّيرَةِ، قالُوا: إنَّهُ مَلَكٌ، وقالَ امْرُؤُ القَيْسِ: أتَقْتُلُنِي والمَشْرَفِيُّ مُضاجِعِي ومَسْنُونَةٌ زُرْقٌ كَأنْيابِ أغْوالِ والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ الشَّياطِينَ حَيّاتٌ لَها رُءُوسٌ وأعْرافٌ، وهي مِن أقْبَحِ الحَيّاتِ، وبِها يُضْرَبُ المَثَلُ في القُبْحِ، والعَرَبُ إذا رَأتْ مَنظَرًا قَبِيحًا قالَتْ: كَأنَّهُ شَيْطانُ الحَماطَةِ، والحَماطَةُ شَجَرَةٌ مُعَيَّنَةٌ. والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ رُءُوسَ الشَّياطِينِ، نَبْتٌ مَعْرُوفٌ قَبِيحُ الرَّأْسِ، والوَجْهُ الأوَّلُ هو الجَوابُ الحَقُّ، واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ هَذِهِ الشَّجَرَةَ وذَكَرَ صِفَتَها بَيَّنَ أنَّ الكُفّارَ ﴿لَآكِلُونَ مِنها فَمالِئُونَ مِنها البُطُونَ﴾ واعْلَمْ أنَّ إقْدامَهم عَلى ذَلِكَ الأكْلِ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهم أكَلُوا مِنها لِشِدَّةِ الجُوعِ، فَإنْ قِيلَ: وكَيْفَ يَأْكُلُونَها مَعَ نِهايَةِ خُشُونَتِها ونَتْنِها ومَرارَةِ طَعْمِها ؟ قُلْنا: إنَّ الوِقاعَ في الضَّرَرِ العَظِيمِ رُبَّما اسْتُرْوِحَ مِنهُ إلى ما يُقارِبُهُ في الضَّرَرِ، فَإذا جَوَّعَهُمُ اللَّهُ الجُوعَ الشَّدِيدَ فَزِعُوا في إزالَةِ ذَلِكَ الجُوعِ إلى تَناوُلِ هَذا الشَّيْءِ، وإنْ كانَ بِالصِّفَةِ الَّتِي ذَكَرْتُمُوها. الوَجْهُ الثّانِي: أنْ يُقالَ الزَّبانِيَةُ يُكْرِهُونَهم عَلى الأكْلِ مِن تِلْكَ الشَّجَرَةِ تَكْمِيلًا لِعَذابِهِمْ. واعْلَمْ أنَّهم إذا شَبِعُوا فَحِينَئِذٍ يَشْتَدُّ عَطَشُهم ويَحْتاجُونَ إلى الشَّرابِ، فَعِنْدَ هَذا وصَفَ اللَّهُ شَرابَهم، فَقالَ: ﴿ثُمَّ إنَّ لَهم عَلَيْها لَشَوْبًا مِن حَمِيمٍ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: الشَّوْبُ اسْمٌ عامٌّ في كُلِّ ما خُلِطَ بِغَيْرِهِ، والحَمِيمُ الماءُ الحارُّ المُتَناهِي في الحَرارَةِ، والمَعْنى أنَّهُ إذا غَلَبَهم ذَلِكَ العَطَشُ الشَّدِيدُ سُقُوا مِن ذَلِكَ الحَمِيمِ، فَحِينَئِذٍ يَشُوبُ الزَّقُّومُ بِالحَمِيمِ نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنهُما. واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ وصَفَ شَرابَهم في القُرْآنِ بِأشْياءَ مِنها كَوْنُهُ غَسّاقًا، ومِنها قَوْلُهُ: ﴿وسُقُوا ماءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أمْعاءَهُمْ﴾ [محمد: ١٥] ومِنها ما ذَكَرَهُ في هَذِهِ الآيَةِ، فَإنْ قِيلَ ما الفائِدَةُ في كَلِمَةِ ”ثُمَّ“ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ إنَّ لَهم عَلَيْها لَشَوْبًا مِن حَمِيمٍ﴾ ؟ قُلْنا: فِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّهم يَمْلَئُونَ بُطُونَهم مِن شَجَرَةِ الزَّقُّومِ وهو حارٌّ يَحْرُقُ صفحة ١٢٥ بُطُونَهم فَيَعْظُمُ عَطَشُهم، ثُمَّ إنَّهم لا يُسْقَوْنَ إلّا بَعْدَ مُدَّةٍ مَدِيدَةٍ والغَرَضُ تَكْمِيلُ التَّعْذِيبِ. والثّانِي: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ الطَّعامَ بِتِلْكَ البَشاعَةِ والكَراهَةِ، ثُمَّ وصَفَ الشَّرابَ بِما هو أبْشَعُ مِنهُ، فَكانَ المَقْصُودُ مِن كَلِمَةِ ثُمَّ بَيانَ أنَّ حالَ المَشْرُوبِ في البَشاعَةِ أعْظَمُ مِن حالِ المَأْكُولِ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ثُمَّ إنَّ مَرْجِعَهم لَإلى الجَحِيمِ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: أيْ بَعْدِ أكْلِ الزَّقُّومِ وشُرْبِ الحَمِيمِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهم عِنْدَ شُرْبِ الحَمِيمِ لَمْ يَكُونُوا في الجَحِيمِ، وذَلِكَ بِأنْ يَكُونَ الحَمِيمُ مِن مَوْضِعٍ خارِجٍ عَنِ الجَحِيمِ، فَهم يُورَدُونَ الحَمِيمَ لِأجْلِ الشُّرْبِ كَما تُورَدُ الإبِلُ إلى الماءِ، ثُمَّ يُورَدُونَ إلى الجَحِيمِ، فَهَذا قَوْلُ مُقاتِلٍ، واحْتَجَّ عَلى صِحَّتِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِها المُجْرِمُونَ﴾ ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَها وبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: ٤٤] وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ ما ذَكَرْناهُ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ عَذابَهم في أكْلِهِمْ وشُرْبِهِمْ قالَ: ﴿إنَّهم ألْفَوْا آباءَهم ضالِّينَ﴾ ﴿فَهم عَلى آثارِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾ قالَ الفَرّاءُ: الإهْراعُ الإسْراعُ يُقالُ: هَرَعَ وأهْرَعَ إذا اسْتُحِثَّ، والمَعْنى أنَّهم يَتَّبِعُونَ آباءَهُمُ اتِّباعًا في سُرْعَةٍ كَأنَّهم يُزْعَجُونَ إلى اتِّباعِ آبائِهِمْ، والمَقْصُودُ مِنَ الآيَةِ أنَّهُ تَعالى عَلَّلَ اسْتِحْقاقَهم لِلْوُقُوعِ في تِلْكَ الشَّدائِدِ كُلِّها، بِتَقْلِيدِ الآباءِ في الدِّينِ وتَرْكِ اتِّباعِ الدَّلِيلِ، ولَوْ لَمْ يُوجَدْ في القُرْآنِ آيَةٌ غَيْرُ هَذِهِ الآيَةِ في ذَمِّ التَّقْلِيدِ لَكَفى. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ لِرَسُولِهِ ما يُوجِبُ التَّسْلِيَةَ لَهُ في كُفْرِهِمْ وتَكْذِيبِهِمْ، فَقالَ: ﴿ولَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهم أكْثَرُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ إرْسالَهُ لِلرُّسُلِ قَدْ تَقَدَّمَ والتَّكْذِيبَ لَهم قَدْ سَلَفَ، ويَجِبُ أنْ يَكُونَ لَهُ ﷺ أُسْوَةٌ بِهِمْ حَتّى يَصْبِرَ كَما صَبَرُوا، ويَسْتَمِرَّ عَلى الدُّعاءِ إلى اللَّهِ وإنْ تَمَرَّدُوا، فَلَيْسَ عَلَيْهِ إلّا البَلاغُ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُنْذَرِينَ﴾ وهَذا وإنْ كانَ في الظّاهِرِ خِطابًا مَعَ الرَّسُولِ ﷺ إلّا أنَّ المَقْصُودَ مِنهُ خِطابُ الكُفّارِ؛ لِأنَّهم سَمِعُوا بِالأخْبارِ جَمِيعَ ما جَرى مِن أنْواعِ العَذابِ عَلى قَوْمِ نُوحٍ وعَلى عادٍ وثَمُودَ وغَيْرِهِمْ، فَإنْ لَمْ يَعْلَمُوا ذَلِكَ فَلا أقَلَّ مِن ظَنٍّ وخَوْفٍ يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ زاجِرًا لَهم عَنْ كُفْرِهِمْ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهم أكْثَرُ الأوَّلِينَ﴾ . والثّانِي: أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُنْذَرِينَ﴾ فَإنَّها كانَتْ أقْبَحَ العَواقِبِ وأفْظَعَها إلّا عاقِبَةَ عِبادِ اللَّهِ المُخْلَصِينَ، فَإنَّها كانَتْ مَقْرُونَةً بِالخَيْرِ والرّاحَةِ.

الصافات 37:67

صفحة ١٢٣ ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُنْذَرِينَ﴾ ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾ ﴿إنّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظّالِمِينَ﴾ ﴿إنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ في أصْلِ الجَحِيمِ﴾ ﴿طَلْعُها كَأنَّهُ رُءُوسُ الشَّياطِينِ﴾ ﴿فَإنَّهم لَآكِلُونَ مِنها فَمالِئُونَ مِنها البُطُونَ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّ لَهم عَلَيْها لَشَوْبًا مِن حَمِيمٍ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّ مَرْجِعَهم لَإلى الجَحِيمِ﴾ ﴿إنَّهم ألْفَوْا آباءَهم ضالِّينَ﴾ ﴿فَهم عَلى آثارِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهم أكْثَرُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُنْذَرِينَ﴾ ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ بَعْدَ ذِكْرِ أهْلِ الجَنَّةِ ووَصْفِها ﴿لِمِثْلِ هَذا فَلْيَعْمَلِ العامِلُونَ﴾ أتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾ فَأمَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أنْ يُورِدَ ذَلِكَ عَلى كُفّارِ قَوْمِهِ لِيَصِيرَ ذَلِكَ زاجِرًا لَهم عَنِ الكُفْرِ، وكَما وصَفَ مِن قَبْلُ مَآكِلَ أهْلِ الجَنَّةِ ومَشارِبَهم، وصَفَ أيْضًا في هَذِهِ الآيَةِ مَآكِلَ أهْلِ النّارِ ومَشارِبَهم. أمّا قَوْلُهُ: ﴿أذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾ فالمَعْنى أنَّ الرِّزْقَ المَعْلُومَ المَذْكُورَ لِأهْلِ الجَنَّةِ ﴿أذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا﴾ أيْ خَيْرٌ حاصِلًا ﴿أمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾ وأصْلُ النُّزُلِ الفَضْلُ الواسِعُ في الطَّعامِ يُقالُ: طَعامٌ كَثِيرُ النُّزُلِ، فاسْتُعِيرَ لِلْحاصِلِ مِنَ الشَّيْءِ، ويُقالُ: أرْسَلَ الأمِيرُ إلى فُلانٍ نُزُلًا وهو الشَّيْءُ الَّذِي يَصْلُحُ حالُ مَن يَنْزِلُ بِسَبَبِهِ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: حاصِلُ الرِّزْقِ المَعْلُومِ لِأهْلِ الجَنَّةِ اللَّذَّةُ والسُّرُورُ، وحاصِلُ شَجَرَةِ الزَّقُّومِ الألَمُ والغَمُّ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ لا نِسْبَةَ لِأحَدِهِما إلى الآخَرِ في الخَيْرِيَّةِ إلّا أنَّهُ جاءَ هَذا الكَلامُ إمّا عَلى سَبِيلِ السُّخْرِيَةِ بِهِمْ أوْ لِأجْلِ أنَّ المُؤْمِنِينَ لَمّا اخْتارُوا ما أوْصَلَهم إلى الرِّزْقِ الكَرِيمِ، والكافِرِينَ اخْتارُوا ما أوْصَلَهم إلى العَذابِ الألِيمِ فَقِيلَ لَهم ذَلِكَ تَوْبِيخًا لَهم عَلى سُوءِ اخْتِيارِهِمْ، وأمّا ﴿الزَّقُّومِ﴾ فَقالَ الواحِدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: لَمْ يَذْكُرِ المُفَسِّرُونَ لِلزَّقُّومِ تَفْسِيرًا إلّا الكَلْبِيَّ فَإنَّهُ رَوى أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قالَ ابْنُ الزِّبَعْرى: أكْثَرَ اللَّهُ في بُيُوتِكُمُ الزَّقُّومَ، فَإنَّ أهْلَ اليَمَنِ يُسَمُّونَ التَّمْرَ والزُّبْدَ بِالزَّقُّومِ، فَقالَ أبُو جَهْلٍ لِجارِيَتِهِ زَقِّمِينا فَأتَتْهُ بِزُبْدٍ وتَمْرٍ، وقالَ: تَزَقَّمُوا. ثُمَّ قالَ الواحِدِيُّ: ومَعْلُومٌ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يُرِدْ بِالزَّقُّومِ هَهُنا الزُّبْدَ والتَّمْرَ، قالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: لَمْ يَكُنْ لِلزَّقُّومِ اشْتِقاقٌ مِنَ التَّزَقُّمِ وهو الإفْراطُ مِن أكْلِ الشَّيْءِ حَتّى يُكْرَهَ ذَلِكَ، يُقالُ: باتَ فُلانٌ يَتَزَقَّمُ، وظاهِرُ لَفْظِ القُرْآنِ يَدُلُّ عَلى أنَّها شَجَرَةٌ كَرِيهَةُ الطَّعامِ مُنْتِنَةُ الرّائِحَةِ شَدِيدَةُ الخُشُونَةِ، مَوْصُوفَةٌ بِصِفاتٍ كُلُّ مَن تَناوَلَها عَظُمَ مِن تَناوُلِها، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى يُكْرِهُ أهْلَ النّارِ عَلى تَناوُلِ بَعْضِ أجْزائِها. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظّالِمِينَ﴾ فَفِيهِ أقْوالٌ: الأوَّلُ: أنَّها إنَّما صارَتْ فِتْنَةً لِلظّالِمِينَ، مِن حَيْثُ إنَّ الكُفّارَ لَمّا سَمِعُوا هَذِهِ الآيَةَ، قالُوا: كَيْفَ يُعْقَلُ أنْ تَنْبُتَ الشَّجَرَةُ في جَهَنَّمَ، مَعَ أنَّ النّارَ تُحْرِقُ الشَّجَرَةَ ؟ . والجَوابُ عَنْهُ أنَّ خالِقَ النّارِ قادِرٌ عَلى أنْ يَمْنَعَ النّارَ مِن إحْراقِ الشَّجَرِ، ولِأنَّهُ إذا جازَ أنْ يَكُونَ في النّارِ زَبانِيَةٌ واللَّهُ تَعالى يَمْنَعُ النّارَ عَنْ إحْراقِهِمْ فَلِمَ لا يَجُوزُ مِثْلُهُ في هَذِهِ الشَّجَرَةِ ؟ إذا عَرَفْتَ هَذا السُّؤالَ، والجَوابُ بِمَعْنى كَوْنِ شَجَرَةِ الزَّقُّومِ فِتْنَةً لِلظّالِمِينَ هو أنَّهم لَمّا سَمِعُوا هَذِهِ الآيَةَ وقَعَتْ تِلْكَ الشُّبْهَةُ في قُلُوبِهِمْ، وصارَتْ تِلْكَ الشُّبْهَةُ سَبَبًا لِتَمادِيهِمْ في الكُفْرِ، فَهَذا هو المُرادُ مِن كَوْنِها فِتْنَةً لَهم. والوَجْهُ الثّانِي: في التَّفْسِيرِ أنْ يَكُونَ المُرادُ صَيْرُورَةَ هَذِهِ الشَّجَرَةِ فِتْنَةً لَهم في النّارِ؛ لِأنَّهم إذا كُلِّفُوا تَناوُلَها وشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، فَحِينَئِذٍ يَصِيرُ ذَلِكَ فِتْنَةً في حَقِّهِمْ. الوَجْهُ الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الفِتْنَةِ الِامْتِحانَ والِاخْتِبارَ، فَإنَّ هَذا شَيْءٌ بَعِيدٌ عَنِ العُرْفِ صفحة ١٢٤ والعادَةِ مُخالِفٌ لِلْمَأْلُوفِ والمَعْرُوفِ، فَإذا ورَدَ عَلى سَمْعِ المُؤْمِنِ فَوَّضَ عِلْمَهُ إلى اللَّهِ وإذا ورَدَ عَلى الزِّنْدِيقِ تَوَسَّلَ بِهِ إلى الطَّعْنِ في القُرْآنِ والنُّبُوَّةِ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ هَذِهِ الشَّجَرَةَ وصَفَها بِصِفاتٍ: الصِّفَةُ الأُولى: قَوْلُهُ إنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ في أصْلِ الجَحِيمِ، قِيلَ: مَنبَتُها في قَعْرِ جَهَنَّمَ وأغْصانُها تَرْتَفِعُ إلى دَرَكاتِها. الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿طَلْعُها كَأنَّهُ رُءُوسُ الشَّياطِينِ﴾ قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: الطَّلْعُ لِلنَّخْلَةِ فاسْتُعِيرَ لِما طَلَعَ مِن شَجَرَةِ الزَّقُّومِ مِن حَمْلِها، إمّا اسْتِعارَةً لَفْظِيَّةً أوْ مَعْنَوِيَّةً، وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: سُمِّيَ ”طَلْعًا“ لِطُلُوعِهِ كُلَّ سَنَةٍ، ولِذَلِكَ قِيلَ: طَلْعُ النَّخْلِ لِأوَّلِ ما يَخْرُجُ مِن ثَمَرِهِ، وأمّا تَشْبِيهُ هَذا الطَّلْعِ بِرُءُوسِ الشَّياطِينِ فَفِيهِ سُؤالٌ؛ لِأنَّهُ قِيلَ: إنّا ما رَأيْنا رَءُوسَ الشَّياطِينِ فَكَيْفَ يُمْكِنُ تَشْبِيهُ شَيْءٍ بِها ؟ وأجابُوا عَنْهُ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ وهو الصَّحِيحُ: أنَّ النّاسَ لَمّا اعْتَقَدُوا في المَلائِكَةِ كَمالَ الفَضْلِ في الصُّورَةِ والسِّيرَةِ، اعْتَقَدُوا في الشَّياطِينِ نِهايَةَ القُبْحِ والتَّشْوِيهِ في الصُّورَةِ والسِّيرَةِ، فَكَما حَسُنَ التَّشْبِيهُ بِالمَلَكِ عِنْدَ إرادَةِ تَقْرِيرِ الكَمالِ والفَضِيلَةِ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ هَذا إلّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ [يوسف: ٣١] فَكَذَلِكَ وجَبَ أنْ يَحْسُنَ التَّشْبِيهُ بِرُءُوسِ الشَّياطِينِ في القُبْحِ وتَشْوِيهِ الخِلْقَةِ، والحاصِلُ أنَّ هَذا مِن بابِ التَّشْبِيهِ لا بِالمَحْسُوسِ بَلْ بِالمُتَخَيَّلِ، كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ أقْبَحَ الأشْياءِ في الوَهْمِ والخِيارِ هو رُءُوسُ الشَّياطِينِ، فَهَذِهِ الشَّجَرَةُ تُشْبِهُها في قُبْحِ النَّظَرِ وتَشْوِيهِ الصُّورَةِ، والَّذِي يُؤَكِّدُ هَذا أنَّ العُقَلاءَ إذا رَأوْا شَيْئًا شَدِيدَ الِاضْطِرابِ مُنْكَرَ الصُّورَةِ قَبِيحَ الخِلْقَةِ، قالُوا: إنَّهُ شَيْطانٌ، وإذا رَأوْا شَيْئًا حَسَنَ الصُّورَةِ والسِّيرَةِ، قالُوا: إنَّهُ مَلَكٌ، وقالَ امْرُؤُ القَيْسِ: أتَقْتُلُنِي والمَشْرَفِيُّ مُضاجِعِي ومَسْنُونَةٌ زُرْقٌ كَأنْيابِ أغْوالِ والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ الشَّياطِينَ حَيّاتٌ لَها رُءُوسٌ وأعْرافٌ، وهي مِن أقْبَحِ الحَيّاتِ، وبِها يُضْرَبُ المَثَلُ في القُبْحِ، والعَرَبُ إذا رَأتْ مَنظَرًا قَبِيحًا قالَتْ: كَأنَّهُ شَيْطانُ الحَماطَةِ، والحَماطَةُ شَجَرَةٌ مُعَيَّنَةٌ. والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ رُءُوسَ الشَّياطِينِ، نَبْتٌ مَعْرُوفٌ قَبِيحُ الرَّأْسِ، والوَجْهُ الأوَّلُ هو الجَوابُ الحَقُّ، واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ هَذِهِ الشَّجَرَةَ وذَكَرَ صِفَتَها بَيَّنَ أنَّ الكُفّارَ ﴿لَآكِلُونَ مِنها فَمالِئُونَ مِنها البُطُونَ﴾ واعْلَمْ أنَّ إقْدامَهم عَلى ذَلِكَ الأكْلِ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهم أكَلُوا مِنها لِشِدَّةِ الجُوعِ، فَإنْ قِيلَ: وكَيْفَ يَأْكُلُونَها مَعَ نِهايَةِ خُشُونَتِها ونَتْنِها ومَرارَةِ طَعْمِها ؟ قُلْنا: إنَّ الوِقاعَ في الضَّرَرِ العَظِيمِ رُبَّما اسْتُرْوِحَ مِنهُ إلى ما يُقارِبُهُ في الضَّرَرِ، فَإذا جَوَّعَهُمُ اللَّهُ الجُوعَ الشَّدِيدَ فَزِعُوا في إزالَةِ ذَلِكَ الجُوعِ إلى تَناوُلِ هَذا الشَّيْءِ، وإنْ كانَ بِالصِّفَةِ الَّتِي ذَكَرْتُمُوها. الوَجْهُ الثّانِي: أنْ يُقالَ الزَّبانِيَةُ يُكْرِهُونَهم عَلى الأكْلِ مِن تِلْكَ الشَّجَرَةِ تَكْمِيلًا لِعَذابِهِمْ. واعْلَمْ أنَّهم إذا شَبِعُوا فَحِينَئِذٍ يَشْتَدُّ عَطَشُهم ويَحْتاجُونَ إلى الشَّرابِ، فَعِنْدَ هَذا وصَفَ اللَّهُ شَرابَهم، فَقالَ: ﴿ثُمَّ إنَّ لَهم عَلَيْها لَشَوْبًا مِن حَمِيمٍ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: الشَّوْبُ اسْمٌ عامٌّ في كُلِّ ما خُلِطَ بِغَيْرِهِ، والحَمِيمُ الماءُ الحارُّ المُتَناهِي في الحَرارَةِ، والمَعْنى أنَّهُ إذا غَلَبَهم ذَلِكَ العَطَشُ الشَّدِيدُ سُقُوا مِن ذَلِكَ الحَمِيمِ، فَحِينَئِذٍ يَشُوبُ الزَّقُّومُ بِالحَمِيمِ نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنهُما. واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ وصَفَ شَرابَهم في القُرْآنِ بِأشْياءَ مِنها كَوْنُهُ غَسّاقًا، ومِنها قَوْلُهُ: ﴿وسُقُوا ماءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أمْعاءَهُمْ﴾ [محمد: ١٥] ومِنها ما ذَكَرَهُ في هَذِهِ الآيَةِ، فَإنْ قِيلَ ما الفائِدَةُ في كَلِمَةِ ”ثُمَّ“ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ إنَّ لَهم عَلَيْها لَشَوْبًا مِن حَمِيمٍ﴾ ؟ قُلْنا: فِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّهم يَمْلَئُونَ بُطُونَهم مِن شَجَرَةِ الزَّقُّومِ وهو حارٌّ يَحْرُقُ صفحة ١٢٥ بُطُونَهم فَيَعْظُمُ عَطَشُهم، ثُمَّ إنَّهم لا يُسْقَوْنَ إلّا بَعْدَ مُدَّةٍ مَدِيدَةٍ والغَرَضُ تَكْمِيلُ التَّعْذِيبِ. والثّانِي: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ الطَّعامَ بِتِلْكَ البَشاعَةِ والكَراهَةِ، ثُمَّ وصَفَ الشَّرابَ بِما هو أبْشَعُ مِنهُ، فَكانَ المَقْصُودُ مِن كَلِمَةِ ثُمَّ بَيانَ أنَّ حالَ المَشْرُوبِ في البَشاعَةِ أعْظَمُ مِن حالِ المَأْكُولِ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ثُمَّ إنَّ مَرْجِعَهم لَإلى الجَحِيمِ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: أيْ بَعْدِ أكْلِ الزَّقُّومِ وشُرْبِ الحَمِيمِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهم عِنْدَ شُرْبِ الحَمِيمِ لَمْ يَكُونُوا في الجَحِيمِ، وذَلِكَ بِأنْ يَكُونَ الحَمِيمُ مِن مَوْضِعٍ خارِجٍ عَنِ الجَحِيمِ، فَهم يُورَدُونَ الحَمِيمَ لِأجْلِ الشُّرْبِ كَما تُورَدُ الإبِلُ إلى الماءِ، ثُمَّ يُورَدُونَ إلى الجَحِيمِ، فَهَذا قَوْلُ مُقاتِلٍ، واحْتَجَّ عَلى صِحَّتِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِها المُجْرِمُونَ﴾ ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَها وبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: ٤٤] وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ ما ذَكَرْناهُ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ عَذابَهم في أكْلِهِمْ وشُرْبِهِمْ قالَ: ﴿إنَّهم ألْفَوْا آباءَهم ضالِّينَ﴾ ﴿فَهم عَلى آثارِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾ قالَ الفَرّاءُ: الإهْراعُ الإسْراعُ يُقالُ: هَرَعَ وأهْرَعَ إذا اسْتُحِثَّ، والمَعْنى أنَّهم يَتَّبِعُونَ آباءَهُمُ اتِّباعًا في سُرْعَةٍ كَأنَّهم يُزْعَجُونَ إلى اتِّباعِ آبائِهِمْ، والمَقْصُودُ مِنَ الآيَةِ أنَّهُ تَعالى عَلَّلَ اسْتِحْقاقَهم لِلْوُقُوعِ في تِلْكَ الشَّدائِدِ كُلِّها، بِتَقْلِيدِ الآباءِ في الدِّينِ وتَرْكِ اتِّباعِ الدَّلِيلِ، ولَوْ لَمْ يُوجَدْ في القُرْآنِ آيَةٌ غَيْرُ هَذِهِ الآيَةِ في ذَمِّ التَّقْلِيدِ لَكَفى. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ لِرَسُولِهِ ما يُوجِبُ التَّسْلِيَةَ لَهُ في كُفْرِهِمْ وتَكْذِيبِهِمْ، فَقالَ: ﴿ولَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهم أكْثَرُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ إرْسالَهُ لِلرُّسُلِ قَدْ تَقَدَّمَ والتَّكْذِيبَ لَهم قَدْ سَلَفَ، ويَجِبُ أنْ يَكُونَ لَهُ ﷺ أُسْوَةٌ بِهِمْ حَتّى يَصْبِرَ كَما صَبَرُوا، ويَسْتَمِرَّ عَلى الدُّعاءِ إلى اللَّهِ وإنْ تَمَرَّدُوا، فَلَيْسَ عَلَيْهِ إلّا البَلاغُ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُنْذَرِينَ﴾ وهَذا وإنْ كانَ في الظّاهِرِ خِطابًا مَعَ الرَّسُولِ ﷺ إلّا أنَّ المَقْصُودَ مِنهُ خِطابُ الكُفّارِ؛ لِأنَّهم سَمِعُوا بِالأخْبارِ جَمِيعَ ما جَرى مِن أنْواعِ العَذابِ عَلى قَوْمِ نُوحٍ وعَلى عادٍ وثَمُودَ وغَيْرِهِمْ، فَإنْ لَمْ يَعْلَمُوا ذَلِكَ فَلا أقَلَّ مِن ظَنٍّ وخَوْفٍ يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ زاجِرًا لَهم عَنْ كُفْرِهِمْ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهم أكْثَرُ الأوَّلِينَ﴾ . والثّانِي: أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُنْذَرِينَ﴾ فَإنَّها كانَتْ أقْبَحَ العَواقِبِ وأفْظَعَها إلّا عاقِبَةَ عِبادِ اللَّهِ المُخْلَصِينَ، فَإنَّها كانَتْ مَقْرُونَةً بِالخَيْرِ والرّاحَةِ.

الصافات 37:68

صفحة ١٢٣ ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُنْذَرِينَ﴾ ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾ ﴿إنّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظّالِمِينَ﴾ ﴿إنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ في أصْلِ الجَحِيمِ﴾ ﴿طَلْعُها كَأنَّهُ رُءُوسُ الشَّياطِينِ﴾ ﴿فَإنَّهم لَآكِلُونَ مِنها فَمالِئُونَ مِنها البُطُونَ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّ لَهم عَلَيْها لَشَوْبًا مِن حَمِيمٍ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّ مَرْجِعَهم لَإلى الجَحِيمِ﴾ ﴿إنَّهم ألْفَوْا آباءَهم ضالِّينَ﴾ ﴿فَهم عَلى آثارِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهم أكْثَرُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُنْذَرِينَ﴾ ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ بَعْدَ ذِكْرِ أهْلِ الجَنَّةِ ووَصْفِها ﴿لِمِثْلِ هَذا فَلْيَعْمَلِ العامِلُونَ﴾ أتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾ فَأمَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أنْ يُورِدَ ذَلِكَ عَلى كُفّارِ قَوْمِهِ لِيَصِيرَ ذَلِكَ زاجِرًا لَهم عَنِ الكُفْرِ، وكَما وصَفَ مِن قَبْلُ مَآكِلَ أهْلِ الجَنَّةِ ومَشارِبَهم، وصَفَ أيْضًا في هَذِهِ الآيَةِ مَآكِلَ أهْلِ النّارِ ومَشارِبَهم. أمّا قَوْلُهُ: ﴿أذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾ فالمَعْنى أنَّ الرِّزْقَ المَعْلُومَ المَذْكُورَ لِأهْلِ الجَنَّةِ ﴿أذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا﴾ أيْ خَيْرٌ حاصِلًا ﴿أمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾ وأصْلُ النُّزُلِ الفَضْلُ الواسِعُ في الطَّعامِ يُقالُ: طَعامٌ كَثِيرُ النُّزُلِ، فاسْتُعِيرَ لِلْحاصِلِ مِنَ الشَّيْءِ، ويُقالُ: أرْسَلَ الأمِيرُ إلى فُلانٍ نُزُلًا وهو الشَّيْءُ الَّذِي يَصْلُحُ حالُ مَن يَنْزِلُ بِسَبَبِهِ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: حاصِلُ الرِّزْقِ المَعْلُومِ لِأهْلِ الجَنَّةِ اللَّذَّةُ والسُّرُورُ، وحاصِلُ شَجَرَةِ الزَّقُّومِ الألَمُ والغَمُّ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ لا نِسْبَةَ لِأحَدِهِما إلى الآخَرِ في الخَيْرِيَّةِ إلّا أنَّهُ جاءَ هَذا الكَلامُ إمّا عَلى سَبِيلِ السُّخْرِيَةِ بِهِمْ أوْ لِأجْلِ أنَّ المُؤْمِنِينَ لَمّا اخْتارُوا ما أوْصَلَهم إلى الرِّزْقِ الكَرِيمِ، والكافِرِينَ اخْتارُوا ما أوْصَلَهم إلى العَذابِ الألِيمِ فَقِيلَ لَهم ذَلِكَ تَوْبِيخًا لَهم عَلى سُوءِ اخْتِيارِهِمْ، وأمّا ﴿الزَّقُّومِ﴾ فَقالَ الواحِدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: لَمْ يَذْكُرِ المُفَسِّرُونَ لِلزَّقُّومِ تَفْسِيرًا إلّا الكَلْبِيَّ فَإنَّهُ رَوى أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قالَ ابْنُ الزِّبَعْرى: أكْثَرَ اللَّهُ في بُيُوتِكُمُ الزَّقُّومَ، فَإنَّ أهْلَ اليَمَنِ يُسَمُّونَ التَّمْرَ والزُّبْدَ بِالزَّقُّومِ، فَقالَ أبُو جَهْلٍ لِجارِيَتِهِ زَقِّمِينا فَأتَتْهُ بِزُبْدٍ وتَمْرٍ، وقالَ: تَزَقَّمُوا. ثُمَّ قالَ الواحِدِيُّ: ومَعْلُومٌ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يُرِدْ بِالزَّقُّومِ هَهُنا الزُّبْدَ والتَّمْرَ، قالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: لَمْ يَكُنْ لِلزَّقُّومِ اشْتِقاقٌ مِنَ التَّزَقُّمِ وهو الإفْراطُ مِن أكْلِ الشَّيْءِ حَتّى يُكْرَهَ ذَلِكَ، يُقالُ: باتَ فُلانٌ يَتَزَقَّمُ، وظاهِرُ لَفْظِ القُرْآنِ يَدُلُّ عَلى أنَّها شَجَرَةٌ كَرِيهَةُ الطَّعامِ مُنْتِنَةُ الرّائِحَةِ شَدِيدَةُ الخُشُونَةِ، مَوْصُوفَةٌ بِصِفاتٍ كُلُّ مَن تَناوَلَها عَظُمَ مِن تَناوُلِها، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى يُكْرِهُ أهْلَ النّارِ عَلى تَناوُلِ بَعْضِ أجْزائِها. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظّالِمِينَ﴾ فَفِيهِ أقْوالٌ: الأوَّلُ: أنَّها إنَّما صارَتْ فِتْنَةً لِلظّالِمِينَ، مِن حَيْثُ إنَّ الكُفّارَ لَمّا سَمِعُوا هَذِهِ الآيَةَ، قالُوا: كَيْفَ يُعْقَلُ أنْ تَنْبُتَ الشَّجَرَةُ في جَهَنَّمَ، مَعَ أنَّ النّارَ تُحْرِقُ الشَّجَرَةَ ؟ . والجَوابُ عَنْهُ أنَّ خالِقَ النّارِ قادِرٌ عَلى أنْ يَمْنَعَ النّارَ مِن إحْراقِ الشَّجَرِ، ولِأنَّهُ إذا جازَ أنْ يَكُونَ في النّارِ زَبانِيَةٌ واللَّهُ تَعالى يَمْنَعُ النّارَ عَنْ إحْراقِهِمْ فَلِمَ لا يَجُوزُ مِثْلُهُ في هَذِهِ الشَّجَرَةِ ؟ إذا عَرَفْتَ هَذا السُّؤالَ، والجَوابُ بِمَعْنى كَوْنِ شَجَرَةِ الزَّقُّومِ فِتْنَةً لِلظّالِمِينَ هو أنَّهم لَمّا سَمِعُوا هَذِهِ الآيَةَ وقَعَتْ تِلْكَ الشُّبْهَةُ في قُلُوبِهِمْ، وصارَتْ تِلْكَ الشُّبْهَةُ سَبَبًا لِتَمادِيهِمْ في الكُفْرِ، فَهَذا هو المُرادُ مِن كَوْنِها فِتْنَةً لَهم. والوَجْهُ الثّانِي: في التَّفْسِيرِ أنْ يَكُونَ المُرادُ صَيْرُورَةَ هَذِهِ الشَّجَرَةِ فِتْنَةً لَهم في النّارِ؛ لِأنَّهم إذا كُلِّفُوا تَناوُلَها وشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، فَحِينَئِذٍ يَصِيرُ ذَلِكَ فِتْنَةً في حَقِّهِمْ. الوَجْهُ الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الفِتْنَةِ الِامْتِحانَ والِاخْتِبارَ، فَإنَّ هَذا شَيْءٌ بَعِيدٌ عَنِ العُرْفِ صفحة ١٢٤ والعادَةِ مُخالِفٌ لِلْمَأْلُوفِ والمَعْرُوفِ، فَإذا ورَدَ عَلى سَمْعِ المُؤْمِنِ فَوَّضَ عِلْمَهُ إلى اللَّهِ وإذا ورَدَ عَلى الزِّنْدِيقِ تَوَسَّلَ بِهِ إلى الطَّعْنِ في القُرْآنِ والنُّبُوَّةِ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ هَذِهِ الشَّجَرَةَ وصَفَها بِصِفاتٍ: الصِّفَةُ الأُولى: قَوْلُهُ إنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ في أصْلِ الجَحِيمِ، قِيلَ: مَنبَتُها في قَعْرِ جَهَنَّمَ وأغْصانُها تَرْتَفِعُ إلى دَرَكاتِها. الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿طَلْعُها كَأنَّهُ رُءُوسُ الشَّياطِينِ﴾ قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: الطَّلْعُ لِلنَّخْلَةِ فاسْتُعِيرَ لِما طَلَعَ مِن شَجَرَةِ الزَّقُّومِ مِن حَمْلِها، إمّا اسْتِعارَةً لَفْظِيَّةً أوْ مَعْنَوِيَّةً، وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: سُمِّيَ ”طَلْعًا“ لِطُلُوعِهِ كُلَّ سَنَةٍ، ولِذَلِكَ قِيلَ: طَلْعُ النَّخْلِ لِأوَّلِ ما يَخْرُجُ مِن ثَمَرِهِ، وأمّا تَشْبِيهُ هَذا الطَّلْعِ بِرُءُوسِ الشَّياطِينِ فَفِيهِ سُؤالٌ؛ لِأنَّهُ قِيلَ: إنّا ما رَأيْنا رَءُوسَ الشَّياطِينِ فَكَيْفَ يُمْكِنُ تَشْبِيهُ شَيْءٍ بِها ؟ وأجابُوا عَنْهُ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ وهو الصَّحِيحُ: أنَّ النّاسَ لَمّا اعْتَقَدُوا في المَلائِكَةِ كَمالَ الفَضْلِ في الصُّورَةِ والسِّيرَةِ، اعْتَقَدُوا في الشَّياطِينِ نِهايَةَ القُبْحِ والتَّشْوِيهِ في الصُّورَةِ والسِّيرَةِ، فَكَما حَسُنَ التَّشْبِيهُ بِالمَلَكِ عِنْدَ إرادَةِ تَقْرِيرِ الكَمالِ والفَضِيلَةِ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ هَذا إلّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ [يوسف: ٣١] فَكَذَلِكَ وجَبَ أنْ يَحْسُنَ التَّشْبِيهُ بِرُءُوسِ الشَّياطِينِ في القُبْحِ وتَشْوِيهِ الخِلْقَةِ، والحاصِلُ أنَّ هَذا مِن بابِ التَّشْبِيهِ لا بِالمَحْسُوسِ بَلْ بِالمُتَخَيَّلِ، كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ أقْبَحَ الأشْياءِ في الوَهْمِ والخِيارِ هو رُءُوسُ الشَّياطِينِ، فَهَذِهِ الشَّجَرَةُ تُشْبِهُها في قُبْحِ النَّظَرِ وتَشْوِيهِ الصُّورَةِ، والَّذِي يُؤَكِّدُ هَذا أنَّ العُقَلاءَ إذا رَأوْا شَيْئًا شَدِيدَ الِاضْطِرابِ مُنْكَرَ الصُّورَةِ قَبِيحَ الخِلْقَةِ، قالُوا: إنَّهُ شَيْطانٌ، وإذا رَأوْا شَيْئًا حَسَنَ الصُّورَةِ والسِّيرَةِ، قالُوا: إنَّهُ مَلَكٌ، وقالَ امْرُؤُ القَيْسِ: أتَقْتُلُنِي والمَشْرَفِيُّ مُضاجِعِي ومَسْنُونَةٌ زُرْقٌ كَأنْيابِ أغْوالِ والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ الشَّياطِينَ حَيّاتٌ لَها رُءُوسٌ وأعْرافٌ، وهي مِن أقْبَحِ الحَيّاتِ، وبِها يُضْرَبُ المَثَلُ في القُبْحِ، والعَرَبُ إذا رَأتْ مَنظَرًا قَبِيحًا قالَتْ: كَأنَّهُ شَيْطانُ الحَماطَةِ، والحَماطَةُ شَجَرَةٌ مُعَيَّنَةٌ. والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ رُءُوسَ الشَّياطِينِ، نَبْتٌ مَعْرُوفٌ قَبِيحُ الرَّأْسِ، والوَجْهُ الأوَّلُ هو الجَوابُ الحَقُّ، واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ هَذِهِ الشَّجَرَةَ وذَكَرَ صِفَتَها بَيَّنَ أنَّ الكُفّارَ ﴿لَآكِلُونَ مِنها فَمالِئُونَ مِنها البُطُونَ﴾ واعْلَمْ أنَّ إقْدامَهم عَلى ذَلِكَ الأكْلِ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهم أكَلُوا مِنها لِشِدَّةِ الجُوعِ، فَإنْ قِيلَ: وكَيْفَ يَأْكُلُونَها مَعَ نِهايَةِ خُشُونَتِها ونَتْنِها ومَرارَةِ طَعْمِها ؟ قُلْنا: إنَّ الوِقاعَ في الضَّرَرِ العَظِيمِ رُبَّما اسْتُرْوِحَ مِنهُ إلى ما يُقارِبُهُ في الضَّرَرِ، فَإذا جَوَّعَهُمُ اللَّهُ الجُوعَ الشَّدِيدَ فَزِعُوا في إزالَةِ ذَلِكَ الجُوعِ إلى تَناوُلِ هَذا الشَّيْءِ، وإنْ كانَ بِالصِّفَةِ الَّتِي ذَكَرْتُمُوها. الوَجْهُ الثّانِي: أنْ يُقالَ الزَّبانِيَةُ يُكْرِهُونَهم عَلى الأكْلِ مِن تِلْكَ الشَّجَرَةِ تَكْمِيلًا لِعَذابِهِمْ. واعْلَمْ أنَّهم إذا شَبِعُوا فَحِينَئِذٍ يَشْتَدُّ عَطَشُهم ويَحْتاجُونَ إلى الشَّرابِ، فَعِنْدَ هَذا وصَفَ اللَّهُ شَرابَهم، فَقالَ: ﴿ثُمَّ إنَّ لَهم عَلَيْها لَشَوْبًا مِن حَمِيمٍ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: الشَّوْبُ اسْمٌ عامٌّ في كُلِّ ما خُلِطَ بِغَيْرِهِ، والحَمِيمُ الماءُ الحارُّ المُتَناهِي في الحَرارَةِ، والمَعْنى أنَّهُ إذا غَلَبَهم ذَلِكَ العَطَشُ الشَّدِيدُ سُقُوا مِن ذَلِكَ الحَمِيمِ، فَحِينَئِذٍ يَشُوبُ الزَّقُّومُ بِالحَمِيمِ نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنهُما. واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ وصَفَ شَرابَهم في القُرْآنِ بِأشْياءَ مِنها كَوْنُهُ غَسّاقًا، ومِنها قَوْلُهُ: ﴿وسُقُوا ماءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أمْعاءَهُمْ﴾ [محمد: ١٥] ومِنها ما ذَكَرَهُ في هَذِهِ الآيَةِ، فَإنْ قِيلَ ما الفائِدَةُ في كَلِمَةِ ”ثُمَّ“ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ إنَّ لَهم عَلَيْها لَشَوْبًا مِن حَمِيمٍ﴾ ؟ قُلْنا: فِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّهم يَمْلَئُونَ بُطُونَهم مِن شَجَرَةِ الزَّقُّومِ وهو حارٌّ يَحْرُقُ صفحة ١٢٥ بُطُونَهم فَيَعْظُمُ عَطَشُهم، ثُمَّ إنَّهم لا يُسْقَوْنَ إلّا بَعْدَ مُدَّةٍ مَدِيدَةٍ والغَرَضُ تَكْمِيلُ التَّعْذِيبِ. والثّانِي: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ الطَّعامَ بِتِلْكَ البَشاعَةِ والكَراهَةِ، ثُمَّ وصَفَ الشَّرابَ بِما هو أبْشَعُ مِنهُ، فَكانَ المَقْصُودُ مِن كَلِمَةِ ثُمَّ بَيانَ أنَّ حالَ المَشْرُوبِ في البَشاعَةِ أعْظَمُ مِن حالِ المَأْكُولِ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ثُمَّ إنَّ مَرْجِعَهم لَإلى الجَحِيمِ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: أيْ بَعْدِ أكْلِ الزَّقُّومِ وشُرْبِ الحَمِيمِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهم عِنْدَ شُرْبِ الحَمِيمِ لَمْ يَكُونُوا في الجَحِيمِ، وذَلِكَ بِأنْ يَكُونَ الحَمِيمُ مِن مَوْضِعٍ خارِجٍ عَنِ الجَحِيمِ، فَهم يُورَدُونَ الحَمِيمَ لِأجْلِ الشُّرْبِ كَما تُورَدُ الإبِلُ إلى الماءِ، ثُمَّ يُورَدُونَ إلى الجَحِيمِ، فَهَذا قَوْلُ مُقاتِلٍ، واحْتَجَّ عَلى صِحَّتِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِها المُجْرِمُونَ﴾ ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَها وبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: ٤٤] وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ ما ذَكَرْناهُ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ عَذابَهم في أكْلِهِمْ وشُرْبِهِمْ قالَ: ﴿إنَّهم ألْفَوْا آباءَهم ضالِّينَ﴾ ﴿فَهم عَلى آثارِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾ قالَ الفَرّاءُ: الإهْراعُ الإسْراعُ يُقالُ: هَرَعَ وأهْرَعَ إذا اسْتُحِثَّ، والمَعْنى أنَّهم يَتَّبِعُونَ آباءَهُمُ اتِّباعًا في سُرْعَةٍ كَأنَّهم يُزْعَجُونَ إلى اتِّباعِ آبائِهِمْ، والمَقْصُودُ مِنَ الآيَةِ أنَّهُ تَعالى عَلَّلَ اسْتِحْقاقَهم لِلْوُقُوعِ في تِلْكَ الشَّدائِدِ كُلِّها، بِتَقْلِيدِ الآباءِ في الدِّينِ وتَرْكِ اتِّباعِ الدَّلِيلِ، ولَوْ لَمْ يُوجَدْ في القُرْآنِ آيَةٌ غَيْرُ هَذِهِ الآيَةِ في ذَمِّ التَّقْلِيدِ لَكَفى. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ لِرَسُولِهِ ما يُوجِبُ التَّسْلِيَةَ لَهُ في كُفْرِهِمْ وتَكْذِيبِهِمْ، فَقالَ: ﴿ولَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهم أكْثَرُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ إرْسالَهُ لِلرُّسُلِ قَدْ تَقَدَّمَ والتَّكْذِيبَ لَهم قَدْ سَلَفَ، ويَجِبُ أنْ يَكُونَ لَهُ ﷺ أُسْوَةٌ بِهِمْ حَتّى يَصْبِرَ كَما صَبَرُوا، ويَسْتَمِرَّ عَلى الدُّعاءِ إلى اللَّهِ وإنْ تَمَرَّدُوا، فَلَيْسَ عَلَيْهِ إلّا البَلاغُ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُنْذَرِينَ﴾ وهَذا وإنْ كانَ في الظّاهِرِ خِطابًا مَعَ الرَّسُولِ ﷺ إلّا أنَّ المَقْصُودَ مِنهُ خِطابُ الكُفّارِ؛ لِأنَّهم سَمِعُوا بِالأخْبارِ جَمِيعَ ما جَرى مِن أنْواعِ العَذابِ عَلى قَوْمِ نُوحٍ وعَلى عادٍ وثَمُودَ وغَيْرِهِمْ، فَإنْ لَمْ يَعْلَمُوا ذَلِكَ فَلا أقَلَّ مِن ظَنٍّ وخَوْفٍ يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ زاجِرًا لَهم عَنْ كُفْرِهِمْ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهم أكْثَرُ الأوَّلِينَ﴾ . والثّانِي: أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُنْذَرِينَ﴾ فَإنَّها كانَتْ أقْبَحَ العَواقِبِ وأفْظَعَها إلّا عاقِبَةَ عِبادِ اللَّهِ المُخْلَصِينَ، فَإنَّها كانَتْ مَقْرُونَةً بِالخَيْرِ والرّاحَةِ.

الصافات 37:69

صفحة ١٢٣ ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُنْذَرِينَ﴾ ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾ ﴿إنّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظّالِمِينَ﴾ ﴿إنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ في أصْلِ الجَحِيمِ﴾ ﴿طَلْعُها كَأنَّهُ رُءُوسُ الشَّياطِينِ﴾ ﴿فَإنَّهم لَآكِلُونَ مِنها فَمالِئُونَ مِنها البُطُونَ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّ لَهم عَلَيْها لَشَوْبًا مِن حَمِيمٍ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّ مَرْجِعَهم لَإلى الجَحِيمِ﴾ ﴿إنَّهم ألْفَوْا آباءَهم ضالِّينَ﴾ ﴿فَهم عَلى آثارِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهم أكْثَرُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُنْذَرِينَ﴾ ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ بَعْدَ ذِكْرِ أهْلِ الجَنَّةِ ووَصْفِها ﴿لِمِثْلِ هَذا فَلْيَعْمَلِ العامِلُونَ﴾ أتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾ فَأمَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أنْ يُورِدَ ذَلِكَ عَلى كُفّارِ قَوْمِهِ لِيَصِيرَ ذَلِكَ زاجِرًا لَهم عَنِ الكُفْرِ، وكَما وصَفَ مِن قَبْلُ مَآكِلَ أهْلِ الجَنَّةِ ومَشارِبَهم، وصَفَ أيْضًا في هَذِهِ الآيَةِ مَآكِلَ أهْلِ النّارِ ومَشارِبَهم. أمّا قَوْلُهُ: ﴿أذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾ فالمَعْنى أنَّ الرِّزْقَ المَعْلُومَ المَذْكُورَ لِأهْلِ الجَنَّةِ ﴿أذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا﴾ أيْ خَيْرٌ حاصِلًا ﴿أمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾ وأصْلُ النُّزُلِ الفَضْلُ الواسِعُ في الطَّعامِ يُقالُ: طَعامٌ كَثِيرُ النُّزُلِ، فاسْتُعِيرَ لِلْحاصِلِ مِنَ الشَّيْءِ، ويُقالُ: أرْسَلَ الأمِيرُ إلى فُلانٍ نُزُلًا وهو الشَّيْءُ الَّذِي يَصْلُحُ حالُ مَن يَنْزِلُ بِسَبَبِهِ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: حاصِلُ الرِّزْقِ المَعْلُومِ لِأهْلِ الجَنَّةِ اللَّذَّةُ والسُّرُورُ، وحاصِلُ شَجَرَةِ الزَّقُّومِ الألَمُ والغَمُّ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ لا نِسْبَةَ لِأحَدِهِما إلى الآخَرِ في الخَيْرِيَّةِ إلّا أنَّهُ جاءَ هَذا الكَلامُ إمّا عَلى سَبِيلِ السُّخْرِيَةِ بِهِمْ أوْ لِأجْلِ أنَّ المُؤْمِنِينَ لَمّا اخْتارُوا ما أوْصَلَهم إلى الرِّزْقِ الكَرِيمِ، والكافِرِينَ اخْتارُوا ما أوْصَلَهم إلى العَذابِ الألِيمِ فَقِيلَ لَهم ذَلِكَ تَوْبِيخًا لَهم عَلى سُوءِ اخْتِيارِهِمْ، وأمّا ﴿الزَّقُّومِ﴾ فَقالَ الواحِدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: لَمْ يَذْكُرِ المُفَسِّرُونَ لِلزَّقُّومِ تَفْسِيرًا إلّا الكَلْبِيَّ فَإنَّهُ رَوى أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قالَ ابْنُ الزِّبَعْرى: أكْثَرَ اللَّهُ في بُيُوتِكُمُ الزَّقُّومَ، فَإنَّ أهْلَ اليَمَنِ يُسَمُّونَ التَّمْرَ والزُّبْدَ بِالزَّقُّومِ، فَقالَ أبُو جَهْلٍ لِجارِيَتِهِ زَقِّمِينا فَأتَتْهُ بِزُبْدٍ وتَمْرٍ، وقالَ: تَزَقَّمُوا. ثُمَّ قالَ الواحِدِيُّ: ومَعْلُومٌ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يُرِدْ بِالزَّقُّومِ هَهُنا الزُّبْدَ والتَّمْرَ، قالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: لَمْ يَكُنْ لِلزَّقُّومِ اشْتِقاقٌ مِنَ التَّزَقُّمِ وهو الإفْراطُ مِن أكْلِ الشَّيْءِ حَتّى يُكْرَهَ ذَلِكَ، يُقالُ: باتَ فُلانٌ يَتَزَقَّمُ، وظاهِرُ لَفْظِ القُرْآنِ يَدُلُّ عَلى أنَّها شَجَرَةٌ كَرِيهَةُ الطَّعامِ مُنْتِنَةُ الرّائِحَةِ شَدِيدَةُ الخُشُونَةِ، مَوْصُوفَةٌ بِصِفاتٍ كُلُّ مَن تَناوَلَها عَظُمَ مِن تَناوُلِها، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى يُكْرِهُ أهْلَ النّارِ عَلى تَناوُلِ بَعْضِ أجْزائِها. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظّالِمِينَ﴾ فَفِيهِ أقْوالٌ: الأوَّلُ: أنَّها إنَّما صارَتْ فِتْنَةً لِلظّالِمِينَ، مِن حَيْثُ إنَّ الكُفّارَ لَمّا سَمِعُوا هَذِهِ الآيَةَ، قالُوا: كَيْفَ يُعْقَلُ أنْ تَنْبُتَ الشَّجَرَةُ في جَهَنَّمَ، مَعَ أنَّ النّارَ تُحْرِقُ الشَّجَرَةَ ؟ . والجَوابُ عَنْهُ أنَّ خالِقَ النّارِ قادِرٌ عَلى أنْ يَمْنَعَ النّارَ مِن إحْراقِ الشَّجَرِ، ولِأنَّهُ إذا جازَ أنْ يَكُونَ في النّارِ زَبانِيَةٌ واللَّهُ تَعالى يَمْنَعُ النّارَ عَنْ إحْراقِهِمْ فَلِمَ لا يَجُوزُ مِثْلُهُ في هَذِهِ الشَّجَرَةِ ؟ إذا عَرَفْتَ هَذا السُّؤالَ، والجَوابُ بِمَعْنى كَوْنِ شَجَرَةِ الزَّقُّومِ فِتْنَةً لِلظّالِمِينَ هو أنَّهم لَمّا سَمِعُوا هَذِهِ الآيَةَ وقَعَتْ تِلْكَ الشُّبْهَةُ في قُلُوبِهِمْ، وصارَتْ تِلْكَ الشُّبْهَةُ سَبَبًا لِتَمادِيهِمْ في الكُفْرِ، فَهَذا هو المُرادُ مِن كَوْنِها فِتْنَةً لَهم. والوَجْهُ الثّانِي: في التَّفْسِيرِ أنْ يَكُونَ المُرادُ صَيْرُورَةَ هَذِهِ الشَّجَرَةِ فِتْنَةً لَهم في النّارِ؛ لِأنَّهم إذا كُلِّفُوا تَناوُلَها وشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، فَحِينَئِذٍ يَصِيرُ ذَلِكَ فِتْنَةً في حَقِّهِمْ. الوَجْهُ الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الفِتْنَةِ الِامْتِحانَ والِاخْتِبارَ، فَإنَّ هَذا شَيْءٌ بَعِيدٌ عَنِ العُرْفِ صفحة ١٢٤ والعادَةِ مُخالِفٌ لِلْمَأْلُوفِ والمَعْرُوفِ، فَإذا ورَدَ عَلى سَمْعِ المُؤْمِنِ فَوَّضَ عِلْمَهُ إلى اللَّهِ وإذا ورَدَ عَلى الزِّنْدِيقِ تَوَسَّلَ بِهِ إلى الطَّعْنِ في القُرْآنِ والنُّبُوَّةِ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ هَذِهِ الشَّجَرَةَ وصَفَها بِصِفاتٍ: الصِّفَةُ الأُولى: قَوْلُهُ إنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ في أصْلِ الجَحِيمِ، قِيلَ: مَنبَتُها في قَعْرِ جَهَنَّمَ وأغْصانُها تَرْتَفِعُ إلى دَرَكاتِها. الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿طَلْعُها كَأنَّهُ رُءُوسُ الشَّياطِينِ﴾ قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: الطَّلْعُ لِلنَّخْلَةِ فاسْتُعِيرَ لِما طَلَعَ مِن شَجَرَةِ الزَّقُّومِ مِن حَمْلِها، إمّا اسْتِعارَةً لَفْظِيَّةً أوْ مَعْنَوِيَّةً، وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: سُمِّيَ ”طَلْعًا“ لِطُلُوعِهِ كُلَّ سَنَةٍ، ولِذَلِكَ قِيلَ: طَلْعُ النَّخْلِ لِأوَّلِ ما يَخْرُجُ مِن ثَمَرِهِ، وأمّا تَشْبِيهُ هَذا الطَّلْعِ بِرُءُوسِ الشَّياطِينِ فَفِيهِ سُؤالٌ؛ لِأنَّهُ قِيلَ: إنّا ما رَأيْنا رَءُوسَ الشَّياطِينِ فَكَيْفَ يُمْكِنُ تَشْبِيهُ شَيْءٍ بِها ؟ وأجابُوا عَنْهُ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ وهو الصَّحِيحُ: أنَّ النّاسَ لَمّا اعْتَقَدُوا في المَلائِكَةِ كَمالَ الفَضْلِ في الصُّورَةِ والسِّيرَةِ، اعْتَقَدُوا في الشَّياطِينِ نِهايَةَ القُبْحِ والتَّشْوِيهِ في الصُّورَةِ والسِّيرَةِ، فَكَما حَسُنَ التَّشْبِيهُ بِالمَلَكِ عِنْدَ إرادَةِ تَقْرِيرِ الكَمالِ والفَضِيلَةِ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ هَذا إلّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ [يوسف: ٣١] فَكَذَلِكَ وجَبَ أنْ يَحْسُنَ التَّشْبِيهُ بِرُءُوسِ الشَّياطِينِ في القُبْحِ وتَشْوِيهِ الخِلْقَةِ، والحاصِلُ أنَّ هَذا مِن بابِ التَّشْبِيهِ لا بِالمَحْسُوسِ بَلْ بِالمُتَخَيَّلِ، كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ أقْبَحَ الأشْياءِ في الوَهْمِ والخِيارِ هو رُءُوسُ الشَّياطِينِ، فَهَذِهِ الشَّجَرَةُ تُشْبِهُها في قُبْحِ النَّظَرِ وتَشْوِيهِ الصُّورَةِ، والَّذِي يُؤَكِّدُ هَذا أنَّ العُقَلاءَ إذا رَأوْا شَيْئًا شَدِيدَ الِاضْطِرابِ مُنْكَرَ الصُّورَةِ قَبِيحَ الخِلْقَةِ، قالُوا: إنَّهُ شَيْطانٌ، وإذا رَأوْا شَيْئًا حَسَنَ الصُّورَةِ والسِّيرَةِ، قالُوا: إنَّهُ مَلَكٌ، وقالَ امْرُؤُ القَيْسِ: أتَقْتُلُنِي والمَشْرَفِيُّ مُضاجِعِي ومَسْنُونَةٌ زُرْقٌ كَأنْيابِ أغْوالِ والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ الشَّياطِينَ حَيّاتٌ لَها رُءُوسٌ وأعْرافٌ، وهي مِن أقْبَحِ الحَيّاتِ، وبِها يُضْرَبُ المَثَلُ في القُبْحِ، والعَرَبُ إذا رَأتْ مَنظَرًا قَبِيحًا قالَتْ: كَأنَّهُ شَيْطانُ الحَماطَةِ، والحَماطَةُ شَجَرَةٌ مُعَيَّنَةٌ. والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ رُءُوسَ الشَّياطِينِ، نَبْتٌ مَعْرُوفٌ قَبِيحُ الرَّأْسِ، والوَجْهُ الأوَّلُ هو الجَوابُ الحَقُّ، واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ هَذِهِ الشَّجَرَةَ وذَكَرَ صِفَتَها بَيَّنَ أنَّ الكُفّارَ ﴿لَآكِلُونَ مِنها فَمالِئُونَ مِنها البُطُونَ﴾ واعْلَمْ أنَّ إقْدامَهم عَلى ذَلِكَ الأكْلِ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهم أكَلُوا مِنها لِشِدَّةِ الجُوعِ، فَإنْ قِيلَ: وكَيْفَ يَأْكُلُونَها مَعَ نِهايَةِ خُشُونَتِها ونَتْنِها ومَرارَةِ طَعْمِها ؟ قُلْنا: إنَّ الوِقاعَ في الضَّرَرِ العَظِيمِ رُبَّما اسْتُرْوِحَ مِنهُ إلى ما يُقارِبُهُ في الضَّرَرِ، فَإذا جَوَّعَهُمُ اللَّهُ الجُوعَ الشَّدِيدَ فَزِعُوا في إزالَةِ ذَلِكَ الجُوعِ إلى تَناوُلِ هَذا الشَّيْءِ، وإنْ كانَ بِالصِّفَةِ الَّتِي ذَكَرْتُمُوها. الوَجْهُ الثّانِي: أنْ يُقالَ الزَّبانِيَةُ يُكْرِهُونَهم عَلى الأكْلِ مِن تِلْكَ الشَّجَرَةِ تَكْمِيلًا لِعَذابِهِمْ. واعْلَمْ أنَّهم إذا شَبِعُوا فَحِينَئِذٍ يَشْتَدُّ عَطَشُهم ويَحْتاجُونَ إلى الشَّرابِ، فَعِنْدَ هَذا وصَفَ اللَّهُ شَرابَهم، فَقالَ: ﴿ثُمَّ إنَّ لَهم عَلَيْها لَشَوْبًا مِن حَمِيمٍ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: الشَّوْبُ اسْمٌ عامٌّ في كُلِّ ما خُلِطَ بِغَيْرِهِ، والحَمِيمُ الماءُ الحارُّ المُتَناهِي في الحَرارَةِ، والمَعْنى أنَّهُ إذا غَلَبَهم ذَلِكَ العَطَشُ الشَّدِيدُ سُقُوا مِن ذَلِكَ الحَمِيمِ، فَحِينَئِذٍ يَشُوبُ الزَّقُّومُ بِالحَمِيمِ نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنهُما. واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ وصَفَ شَرابَهم في القُرْآنِ بِأشْياءَ مِنها كَوْنُهُ غَسّاقًا، ومِنها قَوْلُهُ: ﴿وسُقُوا ماءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أمْعاءَهُمْ﴾ [محمد: ١٥] ومِنها ما ذَكَرَهُ في هَذِهِ الآيَةِ، فَإنْ قِيلَ ما الفائِدَةُ في كَلِمَةِ ”ثُمَّ“ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ إنَّ لَهم عَلَيْها لَشَوْبًا مِن حَمِيمٍ﴾ ؟ قُلْنا: فِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّهم يَمْلَئُونَ بُطُونَهم مِن شَجَرَةِ الزَّقُّومِ وهو حارٌّ يَحْرُقُ صفحة ١٢٥ بُطُونَهم فَيَعْظُمُ عَطَشُهم، ثُمَّ إنَّهم لا يُسْقَوْنَ إلّا بَعْدَ مُدَّةٍ مَدِيدَةٍ والغَرَضُ تَكْمِيلُ التَّعْذِيبِ. والثّانِي: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ الطَّعامَ بِتِلْكَ البَشاعَةِ والكَراهَةِ، ثُمَّ وصَفَ الشَّرابَ بِما هو أبْشَعُ مِنهُ، فَكانَ المَقْصُودُ مِن كَلِمَةِ ثُمَّ بَيانَ أنَّ حالَ المَشْرُوبِ في البَشاعَةِ أعْظَمُ مِن حالِ المَأْكُولِ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ثُمَّ إنَّ مَرْجِعَهم لَإلى الجَحِيمِ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: أيْ بَعْدِ أكْلِ الزَّقُّومِ وشُرْبِ الحَمِيمِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهم عِنْدَ شُرْبِ الحَمِيمِ لَمْ يَكُونُوا في الجَحِيمِ، وذَلِكَ بِأنْ يَكُونَ الحَمِيمُ مِن مَوْضِعٍ خارِجٍ عَنِ الجَحِيمِ، فَهم يُورَدُونَ الحَمِيمَ لِأجْلِ الشُّرْبِ كَما تُورَدُ الإبِلُ إلى الماءِ، ثُمَّ يُورَدُونَ إلى الجَحِيمِ، فَهَذا قَوْلُ مُقاتِلٍ، واحْتَجَّ عَلى صِحَّتِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِها المُجْرِمُونَ﴾ ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَها وبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: ٤٤] وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ ما ذَكَرْناهُ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ عَذابَهم في أكْلِهِمْ وشُرْبِهِمْ قالَ: ﴿إنَّهم ألْفَوْا آباءَهم ضالِّينَ﴾ ﴿فَهم عَلى آثارِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾ قالَ الفَرّاءُ: الإهْراعُ الإسْراعُ يُقالُ: هَرَعَ وأهْرَعَ إذا اسْتُحِثَّ، والمَعْنى أنَّهم يَتَّبِعُونَ آباءَهُمُ اتِّباعًا في سُرْعَةٍ كَأنَّهم يُزْعَجُونَ إلى اتِّباعِ آبائِهِمْ، والمَقْصُودُ مِنَ الآيَةِ أنَّهُ تَعالى عَلَّلَ اسْتِحْقاقَهم لِلْوُقُوعِ في تِلْكَ الشَّدائِدِ كُلِّها، بِتَقْلِيدِ الآباءِ في الدِّينِ وتَرْكِ اتِّباعِ الدَّلِيلِ، ولَوْ لَمْ يُوجَدْ في القُرْآنِ آيَةٌ غَيْرُ هَذِهِ الآيَةِ في ذَمِّ التَّقْلِيدِ لَكَفى. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ لِرَسُولِهِ ما يُوجِبُ التَّسْلِيَةَ لَهُ في كُفْرِهِمْ وتَكْذِيبِهِمْ، فَقالَ: ﴿ولَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهم أكْثَرُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ إرْسالَهُ لِلرُّسُلِ قَدْ تَقَدَّمَ والتَّكْذِيبَ لَهم قَدْ سَلَفَ، ويَجِبُ أنْ يَكُونَ لَهُ ﷺ أُسْوَةٌ بِهِمْ حَتّى يَصْبِرَ كَما صَبَرُوا، ويَسْتَمِرَّ عَلى الدُّعاءِ إلى اللَّهِ وإنْ تَمَرَّدُوا، فَلَيْسَ عَلَيْهِ إلّا البَلاغُ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُنْذَرِينَ﴾ وهَذا وإنْ كانَ في الظّاهِرِ خِطابًا مَعَ الرَّسُولِ ﷺ إلّا أنَّ المَقْصُودَ مِنهُ خِطابُ الكُفّارِ؛ لِأنَّهم سَمِعُوا بِالأخْبارِ جَمِيعَ ما جَرى مِن أنْواعِ العَذابِ عَلى قَوْمِ نُوحٍ وعَلى عادٍ وثَمُودَ وغَيْرِهِمْ، فَإنْ لَمْ يَعْلَمُوا ذَلِكَ فَلا أقَلَّ مِن ظَنٍّ وخَوْفٍ يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ زاجِرًا لَهم عَنْ كُفْرِهِمْ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهم أكْثَرُ الأوَّلِينَ﴾ . والثّانِي: أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُنْذَرِينَ﴾ فَإنَّها كانَتْ أقْبَحَ العَواقِبِ وأفْظَعَها إلّا عاقِبَةَ عِبادِ اللَّهِ المُخْلَصِينَ، فَإنَّها كانَتْ مَقْرُونَةً بِالخَيْرِ والرّاحَةِ.

الصافات 37:70

صفحة ١٢٣ ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُنْذَرِينَ﴾ ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾ ﴿إنّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظّالِمِينَ﴾ ﴿إنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ في أصْلِ الجَحِيمِ﴾ ﴿طَلْعُها كَأنَّهُ رُءُوسُ الشَّياطِينِ﴾ ﴿فَإنَّهم لَآكِلُونَ مِنها فَمالِئُونَ مِنها البُطُونَ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّ لَهم عَلَيْها لَشَوْبًا مِن حَمِيمٍ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّ مَرْجِعَهم لَإلى الجَحِيمِ﴾ ﴿إنَّهم ألْفَوْا آباءَهم ضالِّينَ﴾ ﴿فَهم عَلى آثارِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهم أكْثَرُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُنْذَرِينَ﴾ ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ بَعْدَ ذِكْرِ أهْلِ الجَنَّةِ ووَصْفِها ﴿لِمِثْلِ هَذا فَلْيَعْمَلِ العامِلُونَ﴾ أتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾ فَأمَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أنْ يُورِدَ ذَلِكَ عَلى كُفّارِ قَوْمِهِ لِيَصِيرَ ذَلِكَ زاجِرًا لَهم عَنِ الكُفْرِ، وكَما وصَفَ مِن قَبْلُ مَآكِلَ أهْلِ الجَنَّةِ ومَشارِبَهم، وصَفَ أيْضًا في هَذِهِ الآيَةِ مَآكِلَ أهْلِ النّارِ ومَشارِبَهم. أمّا قَوْلُهُ: ﴿أذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾ فالمَعْنى أنَّ الرِّزْقَ المَعْلُومَ المَذْكُورَ لِأهْلِ الجَنَّةِ ﴿أذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا﴾ أيْ خَيْرٌ حاصِلًا ﴿أمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾ وأصْلُ النُّزُلِ الفَضْلُ الواسِعُ في الطَّعامِ يُقالُ: طَعامٌ كَثِيرُ النُّزُلِ، فاسْتُعِيرَ لِلْحاصِلِ مِنَ الشَّيْءِ، ويُقالُ: أرْسَلَ الأمِيرُ إلى فُلانٍ نُزُلًا وهو الشَّيْءُ الَّذِي يَصْلُحُ حالُ مَن يَنْزِلُ بِسَبَبِهِ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: حاصِلُ الرِّزْقِ المَعْلُومِ لِأهْلِ الجَنَّةِ اللَّذَّةُ والسُّرُورُ، وحاصِلُ شَجَرَةِ الزَّقُّومِ الألَمُ والغَمُّ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ لا نِسْبَةَ لِأحَدِهِما إلى الآخَرِ في الخَيْرِيَّةِ إلّا أنَّهُ جاءَ هَذا الكَلامُ إمّا عَلى سَبِيلِ السُّخْرِيَةِ بِهِمْ أوْ لِأجْلِ أنَّ المُؤْمِنِينَ لَمّا اخْتارُوا ما أوْصَلَهم إلى الرِّزْقِ الكَرِيمِ، والكافِرِينَ اخْتارُوا ما أوْصَلَهم إلى العَذابِ الألِيمِ فَقِيلَ لَهم ذَلِكَ تَوْبِيخًا لَهم عَلى سُوءِ اخْتِيارِهِمْ، وأمّا ﴿الزَّقُّومِ﴾ فَقالَ الواحِدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: لَمْ يَذْكُرِ المُفَسِّرُونَ لِلزَّقُّومِ تَفْسِيرًا إلّا الكَلْبِيَّ فَإنَّهُ رَوى أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قالَ ابْنُ الزِّبَعْرى: أكْثَرَ اللَّهُ في بُيُوتِكُمُ الزَّقُّومَ، فَإنَّ أهْلَ اليَمَنِ يُسَمُّونَ التَّمْرَ والزُّبْدَ بِالزَّقُّومِ، فَقالَ أبُو جَهْلٍ لِجارِيَتِهِ زَقِّمِينا فَأتَتْهُ بِزُبْدٍ وتَمْرٍ، وقالَ: تَزَقَّمُوا. ثُمَّ قالَ الواحِدِيُّ: ومَعْلُومٌ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يُرِدْ بِالزَّقُّومِ هَهُنا الزُّبْدَ والتَّمْرَ، قالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: لَمْ يَكُنْ لِلزَّقُّومِ اشْتِقاقٌ مِنَ التَّزَقُّمِ وهو الإفْراطُ مِن أكْلِ الشَّيْءِ حَتّى يُكْرَهَ ذَلِكَ، يُقالُ: باتَ فُلانٌ يَتَزَقَّمُ، وظاهِرُ لَفْظِ القُرْآنِ يَدُلُّ عَلى أنَّها شَجَرَةٌ كَرِيهَةُ الطَّعامِ مُنْتِنَةُ الرّائِحَةِ شَدِيدَةُ الخُشُونَةِ، مَوْصُوفَةٌ بِصِفاتٍ كُلُّ مَن تَناوَلَها عَظُمَ مِن تَناوُلِها، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى يُكْرِهُ أهْلَ النّارِ عَلى تَناوُلِ بَعْضِ أجْزائِها. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظّالِمِينَ﴾ فَفِيهِ أقْوالٌ: الأوَّلُ: أنَّها إنَّما صارَتْ فِتْنَةً لِلظّالِمِينَ، مِن حَيْثُ إنَّ الكُفّارَ لَمّا سَمِعُوا هَذِهِ الآيَةَ، قالُوا: كَيْفَ يُعْقَلُ أنْ تَنْبُتَ الشَّجَرَةُ في جَهَنَّمَ، مَعَ أنَّ النّارَ تُحْرِقُ الشَّجَرَةَ ؟ . والجَوابُ عَنْهُ أنَّ خالِقَ النّارِ قادِرٌ عَلى أنْ يَمْنَعَ النّارَ مِن إحْراقِ الشَّجَرِ، ولِأنَّهُ إذا جازَ أنْ يَكُونَ في النّارِ زَبانِيَةٌ واللَّهُ تَعالى يَمْنَعُ النّارَ عَنْ إحْراقِهِمْ فَلِمَ لا يَجُوزُ مِثْلُهُ في هَذِهِ الشَّجَرَةِ ؟ إذا عَرَفْتَ هَذا السُّؤالَ، والجَوابُ بِمَعْنى كَوْنِ شَجَرَةِ الزَّقُّومِ فِتْنَةً لِلظّالِمِينَ هو أنَّهم لَمّا سَمِعُوا هَذِهِ الآيَةَ وقَعَتْ تِلْكَ الشُّبْهَةُ في قُلُوبِهِمْ، وصارَتْ تِلْكَ الشُّبْهَةُ سَبَبًا لِتَمادِيهِمْ في الكُفْرِ، فَهَذا هو المُرادُ مِن كَوْنِها فِتْنَةً لَهم. والوَجْهُ الثّانِي: في التَّفْسِيرِ أنْ يَكُونَ المُرادُ صَيْرُورَةَ هَذِهِ الشَّجَرَةِ فِتْنَةً لَهم في النّارِ؛ لِأنَّهم إذا كُلِّفُوا تَناوُلَها وشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، فَحِينَئِذٍ يَصِيرُ ذَلِكَ فِتْنَةً في حَقِّهِمْ. الوَجْهُ الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الفِتْنَةِ الِامْتِحانَ والِاخْتِبارَ، فَإنَّ هَذا شَيْءٌ بَعِيدٌ عَنِ العُرْفِ صفحة ١٢٤ والعادَةِ مُخالِفٌ لِلْمَأْلُوفِ والمَعْرُوفِ، فَإذا ورَدَ عَلى سَمْعِ المُؤْمِنِ فَوَّضَ عِلْمَهُ إلى اللَّهِ وإذا ورَدَ عَلى الزِّنْدِيقِ تَوَسَّلَ بِهِ إلى الطَّعْنِ في القُرْآنِ والنُّبُوَّةِ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ هَذِهِ الشَّجَرَةَ وصَفَها بِصِفاتٍ: الصِّفَةُ الأُولى: قَوْلُهُ إنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ في أصْلِ الجَحِيمِ، قِيلَ: مَنبَتُها في قَعْرِ جَهَنَّمَ وأغْصانُها تَرْتَفِعُ إلى دَرَكاتِها. الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿طَلْعُها كَأنَّهُ رُءُوسُ الشَّياطِينِ﴾ قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: الطَّلْعُ لِلنَّخْلَةِ فاسْتُعِيرَ لِما طَلَعَ مِن شَجَرَةِ الزَّقُّومِ مِن حَمْلِها، إمّا اسْتِعارَةً لَفْظِيَّةً أوْ مَعْنَوِيَّةً، وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: سُمِّيَ ”طَلْعًا“ لِطُلُوعِهِ كُلَّ سَنَةٍ، ولِذَلِكَ قِيلَ: طَلْعُ النَّخْلِ لِأوَّلِ ما يَخْرُجُ مِن ثَمَرِهِ، وأمّا تَشْبِيهُ هَذا الطَّلْعِ بِرُءُوسِ الشَّياطِينِ فَفِيهِ سُؤالٌ؛ لِأنَّهُ قِيلَ: إنّا ما رَأيْنا رَءُوسَ الشَّياطِينِ فَكَيْفَ يُمْكِنُ تَشْبِيهُ شَيْءٍ بِها ؟ وأجابُوا عَنْهُ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ وهو الصَّحِيحُ: أنَّ النّاسَ لَمّا اعْتَقَدُوا في المَلائِكَةِ كَمالَ الفَضْلِ في الصُّورَةِ والسِّيرَةِ، اعْتَقَدُوا في الشَّياطِينِ نِهايَةَ القُبْحِ والتَّشْوِيهِ في الصُّورَةِ والسِّيرَةِ، فَكَما حَسُنَ التَّشْبِيهُ بِالمَلَكِ عِنْدَ إرادَةِ تَقْرِيرِ الكَمالِ والفَضِيلَةِ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ هَذا إلّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ [يوسف: ٣١] فَكَذَلِكَ وجَبَ أنْ يَحْسُنَ التَّشْبِيهُ بِرُءُوسِ الشَّياطِينِ في القُبْحِ وتَشْوِيهِ الخِلْقَةِ، والحاصِلُ أنَّ هَذا مِن بابِ التَّشْبِيهِ لا بِالمَحْسُوسِ بَلْ بِالمُتَخَيَّلِ، كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ أقْبَحَ الأشْياءِ في الوَهْمِ والخِيارِ هو رُءُوسُ الشَّياطِينِ، فَهَذِهِ الشَّجَرَةُ تُشْبِهُها في قُبْحِ النَّظَرِ وتَشْوِيهِ الصُّورَةِ، والَّذِي يُؤَكِّدُ هَذا أنَّ العُقَلاءَ إذا رَأوْا شَيْئًا شَدِيدَ الِاضْطِرابِ مُنْكَرَ الصُّورَةِ قَبِيحَ الخِلْقَةِ، قالُوا: إنَّهُ شَيْطانٌ، وإذا رَأوْا شَيْئًا حَسَنَ الصُّورَةِ والسِّيرَةِ، قالُوا: إنَّهُ مَلَكٌ، وقالَ امْرُؤُ القَيْسِ: أتَقْتُلُنِي والمَشْرَفِيُّ مُضاجِعِي ومَسْنُونَةٌ زُرْقٌ كَأنْيابِ أغْوالِ والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ الشَّياطِينَ حَيّاتٌ لَها رُءُوسٌ وأعْرافٌ، وهي مِن أقْبَحِ الحَيّاتِ، وبِها يُضْرَبُ المَثَلُ في القُبْحِ، والعَرَبُ إذا رَأتْ مَنظَرًا قَبِيحًا قالَتْ: كَأنَّهُ شَيْطانُ الحَماطَةِ، والحَماطَةُ شَجَرَةٌ مُعَيَّنَةٌ. والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ رُءُوسَ الشَّياطِينِ، نَبْتٌ مَعْرُوفٌ قَبِيحُ الرَّأْسِ، والوَجْهُ الأوَّلُ هو الجَوابُ الحَقُّ، واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ هَذِهِ الشَّجَرَةَ وذَكَرَ صِفَتَها بَيَّنَ أنَّ الكُفّارَ ﴿لَآكِلُونَ مِنها فَمالِئُونَ مِنها البُطُونَ﴾ واعْلَمْ أنَّ إقْدامَهم عَلى ذَلِكَ الأكْلِ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهم أكَلُوا مِنها لِشِدَّةِ الجُوعِ، فَإنْ قِيلَ: وكَيْفَ يَأْكُلُونَها مَعَ نِهايَةِ خُشُونَتِها ونَتْنِها ومَرارَةِ طَعْمِها ؟ قُلْنا: إنَّ الوِقاعَ في الضَّرَرِ العَظِيمِ رُبَّما اسْتُرْوِحَ مِنهُ إلى ما يُقارِبُهُ في الضَّرَرِ، فَإذا جَوَّعَهُمُ اللَّهُ الجُوعَ الشَّدِيدَ فَزِعُوا في إزالَةِ ذَلِكَ الجُوعِ إلى تَناوُلِ هَذا الشَّيْءِ، وإنْ كانَ بِالصِّفَةِ الَّتِي ذَكَرْتُمُوها. الوَجْهُ الثّانِي: أنْ يُقالَ الزَّبانِيَةُ يُكْرِهُونَهم عَلى الأكْلِ مِن تِلْكَ الشَّجَرَةِ تَكْمِيلًا لِعَذابِهِمْ. واعْلَمْ أنَّهم إذا شَبِعُوا فَحِينَئِذٍ يَشْتَدُّ عَطَشُهم ويَحْتاجُونَ إلى الشَّرابِ، فَعِنْدَ هَذا وصَفَ اللَّهُ شَرابَهم، فَقالَ: ﴿ثُمَّ إنَّ لَهم عَلَيْها لَشَوْبًا مِن حَمِيمٍ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: الشَّوْبُ اسْمٌ عامٌّ في كُلِّ ما خُلِطَ بِغَيْرِهِ، والحَمِيمُ الماءُ الحارُّ المُتَناهِي في الحَرارَةِ، والمَعْنى أنَّهُ إذا غَلَبَهم ذَلِكَ العَطَشُ الشَّدِيدُ سُقُوا مِن ذَلِكَ الحَمِيمِ، فَحِينَئِذٍ يَشُوبُ الزَّقُّومُ بِالحَمِيمِ نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنهُما. واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ وصَفَ شَرابَهم في القُرْآنِ بِأشْياءَ مِنها كَوْنُهُ غَسّاقًا، ومِنها قَوْلُهُ: ﴿وسُقُوا ماءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أمْعاءَهُمْ﴾ [محمد: ١٥] ومِنها ما ذَكَرَهُ في هَذِهِ الآيَةِ، فَإنْ قِيلَ ما الفائِدَةُ في كَلِمَةِ ”ثُمَّ“ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ إنَّ لَهم عَلَيْها لَشَوْبًا مِن حَمِيمٍ﴾ ؟ قُلْنا: فِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّهم يَمْلَئُونَ بُطُونَهم مِن شَجَرَةِ الزَّقُّومِ وهو حارٌّ يَحْرُقُ صفحة ١٢٥ بُطُونَهم فَيَعْظُمُ عَطَشُهم، ثُمَّ إنَّهم لا يُسْقَوْنَ إلّا بَعْدَ مُدَّةٍ مَدِيدَةٍ والغَرَضُ تَكْمِيلُ التَّعْذِيبِ. والثّانِي: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ الطَّعامَ بِتِلْكَ البَشاعَةِ والكَراهَةِ، ثُمَّ وصَفَ الشَّرابَ بِما هو أبْشَعُ مِنهُ، فَكانَ المَقْصُودُ مِن كَلِمَةِ ثُمَّ بَيانَ أنَّ حالَ المَشْرُوبِ في البَشاعَةِ أعْظَمُ مِن حالِ المَأْكُولِ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ثُمَّ إنَّ مَرْجِعَهم لَإلى الجَحِيمِ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: أيْ بَعْدِ أكْلِ الزَّقُّومِ وشُرْبِ الحَمِيمِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهم عِنْدَ شُرْبِ الحَمِيمِ لَمْ يَكُونُوا في الجَحِيمِ، وذَلِكَ بِأنْ يَكُونَ الحَمِيمُ مِن مَوْضِعٍ خارِجٍ عَنِ الجَحِيمِ، فَهم يُورَدُونَ الحَمِيمَ لِأجْلِ الشُّرْبِ كَما تُورَدُ الإبِلُ إلى الماءِ، ثُمَّ يُورَدُونَ إلى الجَحِيمِ، فَهَذا قَوْلُ مُقاتِلٍ، واحْتَجَّ عَلى صِحَّتِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِها المُجْرِمُونَ﴾ ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَها وبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: ٤٤] وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ ما ذَكَرْناهُ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ عَذابَهم في أكْلِهِمْ وشُرْبِهِمْ قالَ: ﴿إنَّهم ألْفَوْا آباءَهم ضالِّينَ﴾ ﴿فَهم عَلى آثارِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾ قالَ الفَرّاءُ: الإهْراعُ الإسْراعُ يُقالُ: هَرَعَ وأهْرَعَ إذا اسْتُحِثَّ، والمَعْنى أنَّهم يَتَّبِعُونَ آباءَهُمُ اتِّباعًا في سُرْعَةٍ كَأنَّهم يُزْعَجُونَ إلى اتِّباعِ آبائِهِمْ، والمَقْصُودُ مِنَ الآيَةِ أنَّهُ تَعالى عَلَّلَ اسْتِحْقاقَهم لِلْوُقُوعِ في تِلْكَ الشَّدائِدِ كُلِّها، بِتَقْلِيدِ الآباءِ في الدِّينِ وتَرْكِ اتِّباعِ الدَّلِيلِ، ولَوْ لَمْ يُوجَدْ في القُرْآنِ آيَةٌ غَيْرُ هَذِهِ الآيَةِ في ذَمِّ التَّقْلِيدِ لَكَفى. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ لِرَسُولِهِ ما يُوجِبُ التَّسْلِيَةَ لَهُ في كُفْرِهِمْ وتَكْذِيبِهِمْ، فَقالَ: ﴿ولَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهم أكْثَرُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ إرْسالَهُ لِلرُّسُلِ قَدْ تَقَدَّمَ والتَّكْذِيبَ لَهم قَدْ سَلَفَ، ويَجِبُ أنْ يَكُونَ لَهُ ﷺ أُسْوَةٌ بِهِمْ حَتّى يَصْبِرَ كَما صَبَرُوا، ويَسْتَمِرَّ عَلى الدُّعاءِ إلى اللَّهِ وإنْ تَمَرَّدُوا، فَلَيْسَ عَلَيْهِ إلّا البَلاغُ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُنْذَرِينَ﴾ وهَذا وإنْ كانَ في الظّاهِرِ خِطابًا مَعَ الرَّسُولِ ﷺ إلّا أنَّ المَقْصُودَ مِنهُ خِطابُ الكُفّارِ؛ لِأنَّهم سَمِعُوا بِالأخْبارِ جَمِيعَ ما جَرى مِن أنْواعِ العَذابِ عَلى قَوْمِ نُوحٍ وعَلى عادٍ وثَمُودَ وغَيْرِهِمْ، فَإنْ لَمْ يَعْلَمُوا ذَلِكَ فَلا أقَلَّ مِن ظَنٍّ وخَوْفٍ يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ زاجِرًا لَهم عَنْ كُفْرِهِمْ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهم أكْثَرُ الأوَّلِينَ﴾ . والثّانِي: أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُنْذَرِينَ﴾ فَإنَّها كانَتْ أقْبَحَ العَواقِبِ وأفْظَعَها إلّا عاقِبَةَ عِبادِ اللَّهِ المُخْلَصِينَ، فَإنَّها كانَتْ مَقْرُونَةً بِالخَيْرِ والرّاحَةِ.

الصافات 37:71

صفحة ١٢٣ ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُنْذَرِينَ﴾ ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾ ﴿إنّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظّالِمِينَ﴾ ﴿إنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ في أصْلِ الجَحِيمِ﴾ ﴿طَلْعُها كَأنَّهُ رُءُوسُ الشَّياطِينِ﴾ ﴿فَإنَّهم لَآكِلُونَ مِنها فَمالِئُونَ مِنها البُطُونَ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّ لَهم عَلَيْها لَشَوْبًا مِن حَمِيمٍ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّ مَرْجِعَهم لَإلى الجَحِيمِ﴾ ﴿إنَّهم ألْفَوْا آباءَهم ضالِّينَ﴾ ﴿فَهم عَلى آثارِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهم أكْثَرُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُنْذَرِينَ﴾ ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ بَعْدَ ذِكْرِ أهْلِ الجَنَّةِ ووَصْفِها ﴿لِمِثْلِ هَذا فَلْيَعْمَلِ العامِلُونَ﴾ أتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾ فَأمَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أنْ يُورِدَ ذَلِكَ عَلى كُفّارِ قَوْمِهِ لِيَصِيرَ ذَلِكَ زاجِرًا لَهم عَنِ الكُفْرِ، وكَما وصَفَ مِن قَبْلُ مَآكِلَ أهْلِ الجَنَّةِ ومَشارِبَهم، وصَفَ أيْضًا في هَذِهِ الآيَةِ مَآكِلَ أهْلِ النّارِ ومَشارِبَهم. أمّا قَوْلُهُ: ﴿أذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾ فالمَعْنى أنَّ الرِّزْقَ المَعْلُومَ المَذْكُورَ لِأهْلِ الجَنَّةِ ﴿أذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا﴾ أيْ خَيْرٌ حاصِلًا ﴿أمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾ وأصْلُ النُّزُلِ الفَضْلُ الواسِعُ في الطَّعامِ يُقالُ: طَعامٌ كَثِيرُ النُّزُلِ، فاسْتُعِيرَ لِلْحاصِلِ مِنَ الشَّيْءِ، ويُقالُ: أرْسَلَ الأمِيرُ إلى فُلانٍ نُزُلًا وهو الشَّيْءُ الَّذِي يَصْلُحُ حالُ مَن يَنْزِلُ بِسَبَبِهِ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: حاصِلُ الرِّزْقِ المَعْلُومِ لِأهْلِ الجَنَّةِ اللَّذَّةُ والسُّرُورُ، وحاصِلُ شَجَرَةِ الزَّقُّومِ الألَمُ والغَمُّ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ لا نِسْبَةَ لِأحَدِهِما إلى الآخَرِ في الخَيْرِيَّةِ إلّا أنَّهُ جاءَ هَذا الكَلامُ إمّا عَلى سَبِيلِ السُّخْرِيَةِ بِهِمْ أوْ لِأجْلِ أنَّ المُؤْمِنِينَ لَمّا اخْتارُوا ما أوْصَلَهم إلى الرِّزْقِ الكَرِيمِ، والكافِرِينَ اخْتارُوا ما أوْصَلَهم إلى العَذابِ الألِيمِ فَقِيلَ لَهم ذَلِكَ تَوْبِيخًا لَهم عَلى سُوءِ اخْتِيارِهِمْ، وأمّا ﴿الزَّقُّومِ﴾ فَقالَ الواحِدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: لَمْ يَذْكُرِ المُفَسِّرُونَ لِلزَّقُّومِ تَفْسِيرًا إلّا الكَلْبِيَّ فَإنَّهُ رَوى أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قالَ ابْنُ الزِّبَعْرى: أكْثَرَ اللَّهُ في بُيُوتِكُمُ الزَّقُّومَ، فَإنَّ أهْلَ اليَمَنِ يُسَمُّونَ التَّمْرَ والزُّبْدَ بِالزَّقُّومِ، فَقالَ أبُو جَهْلٍ لِجارِيَتِهِ زَقِّمِينا فَأتَتْهُ بِزُبْدٍ وتَمْرٍ، وقالَ: تَزَقَّمُوا. ثُمَّ قالَ الواحِدِيُّ: ومَعْلُومٌ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يُرِدْ بِالزَّقُّومِ هَهُنا الزُّبْدَ والتَّمْرَ، قالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: لَمْ يَكُنْ لِلزَّقُّومِ اشْتِقاقٌ مِنَ التَّزَقُّمِ وهو الإفْراطُ مِن أكْلِ الشَّيْءِ حَتّى يُكْرَهَ ذَلِكَ، يُقالُ: باتَ فُلانٌ يَتَزَقَّمُ، وظاهِرُ لَفْظِ القُرْآنِ يَدُلُّ عَلى أنَّها شَجَرَةٌ كَرِيهَةُ الطَّعامِ مُنْتِنَةُ الرّائِحَةِ شَدِيدَةُ الخُشُونَةِ، مَوْصُوفَةٌ بِصِفاتٍ كُلُّ مَن تَناوَلَها عَظُمَ مِن تَناوُلِها، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى يُكْرِهُ أهْلَ النّارِ عَلى تَناوُلِ بَعْضِ أجْزائِها. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظّالِمِينَ﴾ فَفِيهِ أقْوالٌ: الأوَّلُ: أنَّها إنَّما صارَتْ فِتْنَةً لِلظّالِمِينَ، مِن حَيْثُ إنَّ الكُفّارَ لَمّا سَمِعُوا هَذِهِ الآيَةَ، قالُوا: كَيْفَ يُعْقَلُ أنْ تَنْبُتَ الشَّجَرَةُ في جَهَنَّمَ، مَعَ أنَّ النّارَ تُحْرِقُ الشَّجَرَةَ ؟ . والجَوابُ عَنْهُ أنَّ خالِقَ النّارِ قادِرٌ عَلى أنْ يَمْنَعَ النّارَ مِن إحْراقِ الشَّجَرِ، ولِأنَّهُ إذا جازَ أنْ يَكُونَ في النّارِ زَبانِيَةٌ واللَّهُ تَعالى يَمْنَعُ النّارَ عَنْ إحْراقِهِمْ فَلِمَ لا يَجُوزُ مِثْلُهُ في هَذِهِ الشَّجَرَةِ ؟ إذا عَرَفْتَ هَذا السُّؤالَ، والجَوابُ بِمَعْنى كَوْنِ شَجَرَةِ الزَّقُّومِ فِتْنَةً لِلظّالِمِينَ هو أنَّهم لَمّا سَمِعُوا هَذِهِ الآيَةَ وقَعَتْ تِلْكَ الشُّبْهَةُ في قُلُوبِهِمْ، وصارَتْ تِلْكَ الشُّبْهَةُ سَبَبًا لِتَمادِيهِمْ في الكُفْرِ، فَهَذا هو المُرادُ مِن كَوْنِها فِتْنَةً لَهم. والوَجْهُ الثّانِي: في التَّفْسِيرِ أنْ يَكُونَ المُرادُ صَيْرُورَةَ هَذِهِ الشَّجَرَةِ فِتْنَةً لَهم في النّارِ؛ لِأنَّهم إذا كُلِّفُوا تَناوُلَها وشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، فَحِينَئِذٍ يَصِيرُ ذَلِكَ فِتْنَةً في حَقِّهِمْ. الوَجْهُ الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الفِتْنَةِ الِامْتِحانَ والِاخْتِبارَ، فَإنَّ هَذا شَيْءٌ بَعِيدٌ عَنِ العُرْفِ صفحة ١٢٤ والعادَةِ مُخالِفٌ لِلْمَأْلُوفِ والمَعْرُوفِ، فَإذا ورَدَ عَلى سَمْعِ المُؤْمِنِ فَوَّضَ عِلْمَهُ إلى اللَّهِ وإذا ورَدَ عَلى الزِّنْدِيقِ تَوَسَّلَ بِهِ إلى الطَّعْنِ في القُرْآنِ والنُّبُوَّةِ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ هَذِهِ الشَّجَرَةَ وصَفَها بِصِفاتٍ: الصِّفَةُ الأُولى: قَوْلُهُ إنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ في أصْلِ الجَحِيمِ، قِيلَ: مَنبَتُها في قَعْرِ جَهَنَّمَ وأغْصانُها تَرْتَفِعُ إلى دَرَكاتِها. الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿طَلْعُها كَأنَّهُ رُءُوسُ الشَّياطِينِ﴾ قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: الطَّلْعُ لِلنَّخْلَةِ فاسْتُعِيرَ لِما طَلَعَ مِن شَجَرَةِ الزَّقُّومِ مِن حَمْلِها، إمّا اسْتِعارَةً لَفْظِيَّةً أوْ مَعْنَوِيَّةً، وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: سُمِّيَ ”طَلْعًا“ لِطُلُوعِهِ كُلَّ سَنَةٍ، ولِذَلِكَ قِيلَ: طَلْعُ النَّخْلِ لِأوَّلِ ما يَخْرُجُ مِن ثَمَرِهِ، وأمّا تَشْبِيهُ هَذا الطَّلْعِ بِرُءُوسِ الشَّياطِينِ فَفِيهِ سُؤالٌ؛ لِأنَّهُ قِيلَ: إنّا ما رَأيْنا رَءُوسَ الشَّياطِينِ فَكَيْفَ يُمْكِنُ تَشْبِيهُ شَيْءٍ بِها ؟ وأجابُوا عَنْهُ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ وهو الصَّحِيحُ: أنَّ النّاسَ لَمّا اعْتَقَدُوا في المَلائِكَةِ كَمالَ الفَضْلِ في الصُّورَةِ والسِّيرَةِ، اعْتَقَدُوا في الشَّياطِينِ نِهايَةَ القُبْحِ والتَّشْوِيهِ في الصُّورَةِ والسِّيرَةِ، فَكَما حَسُنَ التَّشْبِيهُ بِالمَلَكِ عِنْدَ إرادَةِ تَقْرِيرِ الكَمالِ والفَضِيلَةِ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ هَذا إلّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ [يوسف: ٣١] فَكَذَلِكَ وجَبَ أنْ يَحْسُنَ التَّشْبِيهُ بِرُءُوسِ الشَّياطِينِ في القُبْحِ وتَشْوِيهِ الخِلْقَةِ، والحاصِلُ أنَّ هَذا مِن بابِ التَّشْبِيهِ لا بِالمَحْسُوسِ بَلْ بِالمُتَخَيَّلِ، كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ أقْبَحَ الأشْياءِ في الوَهْمِ والخِيارِ هو رُءُوسُ الشَّياطِينِ، فَهَذِهِ الشَّجَرَةُ تُشْبِهُها في قُبْحِ النَّظَرِ وتَشْوِيهِ الصُّورَةِ، والَّذِي يُؤَكِّدُ هَذا أنَّ العُقَلاءَ إذا رَأوْا شَيْئًا شَدِيدَ الِاضْطِرابِ مُنْكَرَ الصُّورَةِ قَبِيحَ الخِلْقَةِ، قالُوا: إنَّهُ شَيْطانٌ، وإذا رَأوْا شَيْئًا حَسَنَ الصُّورَةِ والسِّيرَةِ، قالُوا: إنَّهُ مَلَكٌ، وقالَ امْرُؤُ القَيْسِ: أتَقْتُلُنِي والمَشْرَفِيُّ مُضاجِعِي ومَسْنُونَةٌ زُرْقٌ كَأنْيابِ أغْوالِ والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ الشَّياطِينَ حَيّاتٌ لَها رُءُوسٌ وأعْرافٌ، وهي مِن أقْبَحِ الحَيّاتِ، وبِها يُضْرَبُ المَثَلُ في القُبْحِ، والعَرَبُ إذا رَأتْ مَنظَرًا قَبِيحًا قالَتْ: كَأنَّهُ شَيْطانُ الحَماطَةِ، والحَماطَةُ شَجَرَةٌ مُعَيَّنَةٌ. والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ رُءُوسَ الشَّياطِينِ، نَبْتٌ مَعْرُوفٌ قَبِيحُ الرَّأْسِ، والوَجْهُ الأوَّلُ هو الجَوابُ الحَقُّ، واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ هَذِهِ الشَّجَرَةَ وذَكَرَ صِفَتَها بَيَّنَ أنَّ الكُفّارَ ﴿لَآكِلُونَ مِنها فَمالِئُونَ مِنها البُطُونَ﴾ واعْلَمْ أنَّ إقْدامَهم عَلى ذَلِكَ الأكْلِ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهم أكَلُوا مِنها لِشِدَّةِ الجُوعِ، فَإنْ قِيلَ: وكَيْفَ يَأْكُلُونَها مَعَ نِهايَةِ خُشُونَتِها ونَتْنِها ومَرارَةِ طَعْمِها ؟ قُلْنا: إنَّ الوِقاعَ في الضَّرَرِ العَظِيمِ رُبَّما اسْتُرْوِحَ مِنهُ إلى ما يُقارِبُهُ في الضَّرَرِ، فَإذا جَوَّعَهُمُ اللَّهُ الجُوعَ الشَّدِيدَ فَزِعُوا في إزالَةِ ذَلِكَ الجُوعِ إلى تَناوُلِ هَذا الشَّيْءِ، وإنْ كانَ بِالصِّفَةِ الَّتِي ذَكَرْتُمُوها. الوَجْهُ الثّانِي: أنْ يُقالَ الزَّبانِيَةُ يُكْرِهُونَهم عَلى الأكْلِ مِن تِلْكَ الشَّجَرَةِ تَكْمِيلًا لِعَذابِهِمْ. واعْلَمْ أنَّهم إذا شَبِعُوا فَحِينَئِذٍ يَشْتَدُّ عَطَشُهم ويَحْتاجُونَ إلى الشَّرابِ، فَعِنْدَ هَذا وصَفَ اللَّهُ شَرابَهم، فَقالَ: ﴿ثُمَّ إنَّ لَهم عَلَيْها لَشَوْبًا مِن حَمِيمٍ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: الشَّوْبُ اسْمٌ عامٌّ في كُلِّ ما خُلِطَ بِغَيْرِهِ، والحَمِيمُ الماءُ الحارُّ المُتَناهِي في الحَرارَةِ، والمَعْنى أنَّهُ إذا غَلَبَهم ذَلِكَ العَطَشُ الشَّدِيدُ سُقُوا مِن ذَلِكَ الحَمِيمِ، فَحِينَئِذٍ يَشُوبُ الزَّقُّومُ بِالحَمِيمِ نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنهُما. واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ وصَفَ شَرابَهم في القُرْآنِ بِأشْياءَ مِنها كَوْنُهُ غَسّاقًا، ومِنها قَوْلُهُ: ﴿وسُقُوا ماءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أمْعاءَهُمْ﴾ [محمد: ١٥] ومِنها ما ذَكَرَهُ في هَذِهِ الآيَةِ، فَإنْ قِيلَ ما الفائِدَةُ في كَلِمَةِ ”ثُمَّ“ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ إنَّ لَهم عَلَيْها لَشَوْبًا مِن حَمِيمٍ﴾ ؟ قُلْنا: فِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّهم يَمْلَئُونَ بُطُونَهم مِن شَجَرَةِ الزَّقُّومِ وهو حارٌّ يَحْرُقُ صفحة ١٢٥ بُطُونَهم فَيَعْظُمُ عَطَشُهم، ثُمَّ إنَّهم لا يُسْقَوْنَ إلّا بَعْدَ مُدَّةٍ مَدِيدَةٍ والغَرَضُ تَكْمِيلُ التَّعْذِيبِ. والثّانِي: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ الطَّعامَ بِتِلْكَ البَشاعَةِ والكَراهَةِ، ثُمَّ وصَفَ الشَّرابَ بِما هو أبْشَعُ مِنهُ، فَكانَ المَقْصُودُ مِن كَلِمَةِ ثُمَّ بَيانَ أنَّ حالَ المَشْرُوبِ في البَشاعَةِ أعْظَمُ مِن حالِ المَأْكُولِ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ثُمَّ إنَّ مَرْجِعَهم لَإلى الجَحِيمِ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: أيْ بَعْدِ أكْلِ الزَّقُّومِ وشُرْبِ الحَمِيمِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهم عِنْدَ شُرْبِ الحَمِيمِ لَمْ يَكُونُوا في الجَحِيمِ، وذَلِكَ بِأنْ يَكُونَ الحَمِيمُ مِن مَوْضِعٍ خارِجٍ عَنِ الجَحِيمِ، فَهم يُورَدُونَ الحَمِيمَ لِأجْلِ الشُّرْبِ كَما تُورَدُ الإبِلُ إلى الماءِ، ثُمَّ يُورَدُونَ إلى الجَحِيمِ، فَهَذا قَوْلُ مُقاتِلٍ، واحْتَجَّ عَلى صِحَّتِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِها المُجْرِمُونَ﴾ ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَها وبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: ٤٤] وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ ما ذَكَرْناهُ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ عَذابَهم في أكْلِهِمْ وشُرْبِهِمْ قالَ: ﴿إنَّهم ألْفَوْا آباءَهم ضالِّينَ﴾ ﴿فَهم عَلى آثارِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾ قالَ الفَرّاءُ: الإهْراعُ الإسْراعُ يُقالُ: هَرَعَ وأهْرَعَ إذا اسْتُحِثَّ، والمَعْنى أنَّهم يَتَّبِعُونَ آباءَهُمُ اتِّباعًا في سُرْعَةٍ كَأنَّهم يُزْعَجُونَ إلى اتِّباعِ آبائِهِمْ، والمَقْصُودُ مِنَ الآيَةِ أنَّهُ تَعالى عَلَّلَ اسْتِحْقاقَهم لِلْوُقُوعِ في تِلْكَ الشَّدائِدِ كُلِّها، بِتَقْلِيدِ الآباءِ في الدِّينِ وتَرْكِ اتِّباعِ الدَّلِيلِ، ولَوْ لَمْ يُوجَدْ في القُرْآنِ آيَةٌ غَيْرُ هَذِهِ الآيَةِ في ذَمِّ التَّقْلِيدِ لَكَفى. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ لِرَسُولِهِ ما يُوجِبُ التَّسْلِيَةَ لَهُ في كُفْرِهِمْ وتَكْذِيبِهِمْ، فَقالَ: ﴿ولَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهم أكْثَرُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ إرْسالَهُ لِلرُّسُلِ قَدْ تَقَدَّمَ والتَّكْذِيبَ لَهم قَدْ سَلَفَ، ويَجِبُ أنْ يَكُونَ لَهُ ﷺ أُسْوَةٌ بِهِمْ حَتّى يَصْبِرَ كَما صَبَرُوا، ويَسْتَمِرَّ عَلى الدُّعاءِ إلى اللَّهِ وإنْ تَمَرَّدُوا، فَلَيْسَ عَلَيْهِ إلّا البَلاغُ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُنْذَرِينَ﴾ وهَذا وإنْ كانَ في الظّاهِرِ خِطابًا مَعَ الرَّسُولِ ﷺ إلّا أنَّ المَقْصُودَ مِنهُ خِطابُ الكُفّارِ؛ لِأنَّهم سَمِعُوا بِالأخْبارِ جَمِيعَ ما جَرى مِن أنْواعِ العَذابِ عَلى قَوْمِ نُوحٍ وعَلى عادٍ وثَمُودَ وغَيْرِهِمْ، فَإنْ لَمْ يَعْلَمُوا ذَلِكَ فَلا أقَلَّ مِن ظَنٍّ وخَوْفٍ يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ زاجِرًا لَهم عَنْ كُفْرِهِمْ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهم أكْثَرُ الأوَّلِينَ﴾ . والثّانِي: أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُنْذَرِينَ﴾ فَإنَّها كانَتْ أقْبَحَ العَواقِبِ وأفْظَعَها إلّا عاقِبَةَ عِبادِ اللَّهِ المُخْلَصِينَ، فَإنَّها كانَتْ مَقْرُونَةً بِالخَيْرِ والرّاحَةِ.

الصافات 37:72

صفحة ١٢٣ ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُنْذَرِينَ﴾ ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾ ﴿إنّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظّالِمِينَ﴾ ﴿إنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ في أصْلِ الجَحِيمِ﴾ ﴿طَلْعُها كَأنَّهُ رُءُوسُ الشَّياطِينِ﴾ ﴿فَإنَّهم لَآكِلُونَ مِنها فَمالِئُونَ مِنها البُطُونَ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّ لَهم عَلَيْها لَشَوْبًا مِن حَمِيمٍ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّ مَرْجِعَهم لَإلى الجَحِيمِ﴾ ﴿إنَّهم ألْفَوْا آباءَهم ضالِّينَ﴾ ﴿فَهم عَلى آثارِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهم أكْثَرُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُنْذَرِينَ﴾ ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ بَعْدَ ذِكْرِ أهْلِ الجَنَّةِ ووَصْفِها ﴿لِمِثْلِ هَذا فَلْيَعْمَلِ العامِلُونَ﴾ أتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾ فَأمَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أنْ يُورِدَ ذَلِكَ عَلى كُفّارِ قَوْمِهِ لِيَصِيرَ ذَلِكَ زاجِرًا لَهم عَنِ الكُفْرِ، وكَما وصَفَ مِن قَبْلُ مَآكِلَ أهْلِ الجَنَّةِ ومَشارِبَهم، وصَفَ أيْضًا في هَذِهِ الآيَةِ مَآكِلَ أهْلِ النّارِ ومَشارِبَهم. أمّا قَوْلُهُ: ﴿أذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾ فالمَعْنى أنَّ الرِّزْقَ المَعْلُومَ المَذْكُورَ لِأهْلِ الجَنَّةِ ﴿أذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا﴾ أيْ خَيْرٌ حاصِلًا ﴿أمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾ وأصْلُ النُّزُلِ الفَضْلُ الواسِعُ في الطَّعامِ يُقالُ: طَعامٌ كَثِيرُ النُّزُلِ، فاسْتُعِيرَ لِلْحاصِلِ مِنَ الشَّيْءِ، ويُقالُ: أرْسَلَ الأمِيرُ إلى فُلانٍ نُزُلًا وهو الشَّيْءُ الَّذِي يَصْلُحُ حالُ مَن يَنْزِلُ بِسَبَبِهِ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: حاصِلُ الرِّزْقِ المَعْلُومِ لِأهْلِ الجَنَّةِ اللَّذَّةُ والسُّرُورُ، وحاصِلُ شَجَرَةِ الزَّقُّومِ الألَمُ والغَمُّ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ لا نِسْبَةَ لِأحَدِهِما إلى الآخَرِ في الخَيْرِيَّةِ إلّا أنَّهُ جاءَ هَذا الكَلامُ إمّا عَلى سَبِيلِ السُّخْرِيَةِ بِهِمْ أوْ لِأجْلِ أنَّ المُؤْمِنِينَ لَمّا اخْتارُوا ما أوْصَلَهم إلى الرِّزْقِ الكَرِيمِ، والكافِرِينَ اخْتارُوا ما أوْصَلَهم إلى العَذابِ الألِيمِ فَقِيلَ لَهم ذَلِكَ تَوْبِيخًا لَهم عَلى سُوءِ اخْتِيارِهِمْ، وأمّا ﴿الزَّقُّومِ﴾ فَقالَ الواحِدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: لَمْ يَذْكُرِ المُفَسِّرُونَ لِلزَّقُّومِ تَفْسِيرًا إلّا الكَلْبِيَّ فَإنَّهُ رَوى أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قالَ ابْنُ الزِّبَعْرى: أكْثَرَ اللَّهُ في بُيُوتِكُمُ الزَّقُّومَ، فَإنَّ أهْلَ اليَمَنِ يُسَمُّونَ التَّمْرَ والزُّبْدَ بِالزَّقُّومِ، فَقالَ أبُو جَهْلٍ لِجارِيَتِهِ زَقِّمِينا فَأتَتْهُ بِزُبْدٍ وتَمْرٍ، وقالَ: تَزَقَّمُوا. ثُمَّ قالَ الواحِدِيُّ: ومَعْلُومٌ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يُرِدْ بِالزَّقُّومِ هَهُنا الزُّبْدَ والتَّمْرَ، قالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: لَمْ يَكُنْ لِلزَّقُّومِ اشْتِقاقٌ مِنَ التَّزَقُّمِ وهو الإفْراطُ مِن أكْلِ الشَّيْءِ حَتّى يُكْرَهَ ذَلِكَ، يُقالُ: باتَ فُلانٌ يَتَزَقَّمُ، وظاهِرُ لَفْظِ القُرْآنِ يَدُلُّ عَلى أنَّها شَجَرَةٌ كَرِيهَةُ الطَّعامِ مُنْتِنَةُ الرّائِحَةِ شَدِيدَةُ الخُشُونَةِ، مَوْصُوفَةٌ بِصِفاتٍ كُلُّ مَن تَناوَلَها عَظُمَ مِن تَناوُلِها، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى يُكْرِهُ أهْلَ النّارِ عَلى تَناوُلِ بَعْضِ أجْزائِها. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظّالِمِينَ﴾ فَفِيهِ أقْوالٌ: الأوَّلُ: أنَّها إنَّما صارَتْ فِتْنَةً لِلظّالِمِينَ، مِن حَيْثُ إنَّ الكُفّارَ لَمّا سَمِعُوا هَذِهِ الآيَةَ، قالُوا: كَيْفَ يُعْقَلُ أنْ تَنْبُتَ الشَّجَرَةُ في جَهَنَّمَ، مَعَ أنَّ النّارَ تُحْرِقُ الشَّجَرَةَ ؟ . والجَوابُ عَنْهُ أنَّ خالِقَ النّارِ قادِرٌ عَلى أنْ يَمْنَعَ النّارَ مِن إحْراقِ الشَّجَرِ، ولِأنَّهُ إذا جازَ أنْ يَكُونَ في النّارِ زَبانِيَةٌ واللَّهُ تَعالى يَمْنَعُ النّارَ عَنْ إحْراقِهِمْ فَلِمَ لا يَجُوزُ مِثْلُهُ في هَذِهِ الشَّجَرَةِ ؟ إذا عَرَفْتَ هَذا السُّؤالَ، والجَوابُ بِمَعْنى كَوْنِ شَجَرَةِ الزَّقُّومِ فِتْنَةً لِلظّالِمِينَ هو أنَّهم لَمّا سَمِعُوا هَذِهِ الآيَةَ وقَعَتْ تِلْكَ الشُّبْهَةُ في قُلُوبِهِمْ، وصارَتْ تِلْكَ الشُّبْهَةُ سَبَبًا لِتَمادِيهِمْ في الكُفْرِ، فَهَذا هو المُرادُ مِن كَوْنِها فِتْنَةً لَهم. والوَجْهُ الثّانِي: في التَّفْسِيرِ أنْ يَكُونَ المُرادُ صَيْرُورَةَ هَذِهِ الشَّجَرَةِ فِتْنَةً لَهم في النّارِ؛ لِأنَّهم إذا كُلِّفُوا تَناوُلَها وشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، فَحِينَئِذٍ يَصِيرُ ذَلِكَ فِتْنَةً في حَقِّهِمْ. الوَجْهُ الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الفِتْنَةِ الِامْتِحانَ والِاخْتِبارَ، فَإنَّ هَذا شَيْءٌ بَعِيدٌ عَنِ العُرْفِ صفحة ١٢٤ والعادَةِ مُخالِفٌ لِلْمَأْلُوفِ والمَعْرُوفِ، فَإذا ورَدَ عَلى سَمْعِ المُؤْمِنِ فَوَّضَ عِلْمَهُ إلى اللَّهِ وإذا ورَدَ عَلى الزِّنْدِيقِ تَوَسَّلَ بِهِ إلى الطَّعْنِ في القُرْآنِ والنُّبُوَّةِ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ هَذِهِ الشَّجَرَةَ وصَفَها بِصِفاتٍ: الصِّفَةُ الأُولى: قَوْلُهُ إنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ في أصْلِ الجَحِيمِ، قِيلَ: مَنبَتُها في قَعْرِ جَهَنَّمَ وأغْصانُها تَرْتَفِعُ إلى دَرَكاتِها. الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿طَلْعُها كَأنَّهُ رُءُوسُ الشَّياطِينِ﴾ قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: الطَّلْعُ لِلنَّخْلَةِ فاسْتُعِيرَ لِما طَلَعَ مِن شَجَرَةِ الزَّقُّومِ مِن حَمْلِها، إمّا اسْتِعارَةً لَفْظِيَّةً أوْ مَعْنَوِيَّةً، وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: سُمِّيَ ”طَلْعًا“ لِطُلُوعِهِ كُلَّ سَنَةٍ، ولِذَلِكَ قِيلَ: طَلْعُ النَّخْلِ لِأوَّلِ ما يَخْرُجُ مِن ثَمَرِهِ، وأمّا تَشْبِيهُ هَذا الطَّلْعِ بِرُءُوسِ الشَّياطِينِ فَفِيهِ سُؤالٌ؛ لِأنَّهُ قِيلَ: إنّا ما رَأيْنا رَءُوسَ الشَّياطِينِ فَكَيْفَ يُمْكِنُ تَشْبِيهُ شَيْءٍ بِها ؟ وأجابُوا عَنْهُ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ وهو الصَّحِيحُ: أنَّ النّاسَ لَمّا اعْتَقَدُوا في المَلائِكَةِ كَمالَ الفَضْلِ في الصُّورَةِ والسِّيرَةِ، اعْتَقَدُوا في الشَّياطِينِ نِهايَةَ القُبْحِ والتَّشْوِيهِ في الصُّورَةِ والسِّيرَةِ، فَكَما حَسُنَ التَّشْبِيهُ بِالمَلَكِ عِنْدَ إرادَةِ تَقْرِيرِ الكَمالِ والفَضِيلَةِ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ هَذا إلّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ [يوسف: ٣١] فَكَذَلِكَ وجَبَ أنْ يَحْسُنَ التَّشْبِيهُ بِرُءُوسِ الشَّياطِينِ في القُبْحِ وتَشْوِيهِ الخِلْقَةِ، والحاصِلُ أنَّ هَذا مِن بابِ التَّشْبِيهِ لا بِالمَحْسُوسِ بَلْ بِالمُتَخَيَّلِ، كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ أقْبَحَ الأشْياءِ في الوَهْمِ والخِيارِ هو رُءُوسُ الشَّياطِينِ، فَهَذِهِ الشَّجَرَةُ تُشْبِهُها في قُبْحِ النَّظَرِ وتَشْوِيهِ الصُّورَةِ، والَّذِي يُؤَكِّدُ هَذا أنَّ العُقَلاءَ إذا رَأوْا شَيْئًا شَدِيدَ الِاضْطِرابِ مُنْكَرَ الصُّورَةِ قَبِيحَ الخِلْقَةِ، قالُوا: إنَّهُ شَيْطانٌ، وإذا رَأوْا شَيْئًا حَسَنَ الصُّورَةِ والسِّيرَةِ، قالُوا: إنَّهُ مَلَكٌ، وقالَ امْرُؤُ القَيْسِ: أتَقْتُلُنِي والمَشْرَفِيُّ مُضاجِعِي ومَسْنُونَةٌ زُرْقٌ كَأنْيابِ أغْوالِ والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ الشَّياطِينَ حَيّاتٌ لَها رُءُوسٌ وأعْرافٌ، وهي مِن أقْبَحِ الحَيّاتِ، وبِها يُضْرَبُ المَثَلُ في القُبْحِ، والعَرَبُ إذا رَأتْ مَنظَرًا قَبِيحًا قالَتْ: كَأنَّهُ شَيْطانُ الحَماطَةِ، والحَماطَةُ شَجَرَةٌ مُعَيَّنَةٌ. والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ رُءُوسَ الشَّياطِينِ، نَبْتٌ مَعْرُوفٌ قَبِيحُ الرَّأْسِ، والوَجْهُ الأوَّلُ هو الجَوابُ الحَقُّ، واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ هَذِهِ الشَّجَرَةَ وذَكَرَ صِفَتَها بَيَّنَ أنَّ الكُفّارَ ﴿لَآكِلُونَ مِنها فَمالِئُونَ مِنها البُطُونَ﴾ واعْلَمْ أنَّ إقْدامَهم عَلى ذَلِكَ الأكْلِ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهم أكَلُوا مِنها لِشِدَّةِ الجُوعِ، فَإنْ قِيلَ: وكَيْفَ يَأْكُلُونَها مَعَ نِهايَةِ خُشُونَتِها ونَتْنِها ومَرارَةِ طَعْمِها ؟ قُلْنا: إنَّ الوِقاعَ في الضَّرَرِ العَظِيمِ رُبَّما اسْتُرْوِحَ مِنهُ إلى ما يُقارِبُهُ في الضَّرَرِ، فَإذا جَوَّعَهُمُ اللَّهُ الجُوعَ الشَّدِيدَ فَزِعُوا في إزالَةِ ذَلِكَ الجُوعِ إلى تَناوُلِ هَذا الشَّيْءِ، وإنْ كانَ بِالصِّفَةِ الَّتِي ذَكَرْتُمُوها. الوَجْهُ الثّانِي: أنْ يُقالَ الزَّبانِيَةُ يُكْرِهُونَهم عَلى الأكْلِ مِن تِلْكَ الشَّجَرَةِ تَكْمِيلًا لِعَذابِهِمْ. واعْلَمْ أنَّهم إذا شَبِعُوا فَحِينَئِذٍ يَشْتَدُّ عَطَشُهم ويَحْتاجُونَ إلى الشَّرابِ، فَعِنْدَ هَذا وصَفَ اللَّهُ شَرابَهم، فَقالَ: ﴿ثُمَّ إنَّ لَهم عَلَيْها لَشَوْبًا مِن حَمِيمٍ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: الشَّوْبُ اسْمٌ عامٌّ في كُلِّ ما خُلِطَ بِغَيْرِهِ، والحَمِيمُ الماءُ الحارُّ المُتَناهِي في الحَرارَةِ، والمَعْنى أنَّهُ إذا غَلَبَهم ذَلِكَ العَطَشُ الشَّدِيدُ سُقُوا مِن ذَلِكَ الحَمِيمِ، فَحِينَئِذٍ يَشُوبُ الزَّقُّومُ بِالحَمِيمِ نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنهُما. واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ وصَفَ شَرابَهم في القُرْآنِ بِأشْياءَ مِنها كَوْنُهُ غَسّاقًا، ومِنها قَوْلُهُ: ﴿وسُقُوا ماءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أمْعاءَهُمْ﴾ [محمد: ١٥] ومِنها ما ذَكَرَهُ في هَذِهِ الآيَةِ، فَإنْ قِيلَ ما الفائِدَةُ في كَلِمَةِ ”ثُمَّ“ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ إنَّ لَهم عَلَيْها لَشَوْبًا مِن حَمِيمٍ﴾ ؟ قُلْنا: فِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّهم يَمْلَئُونَ بُطُونَهم مِن شَجَرَةِ الزَّقُّومِ وهو حارٌّ يَحْرُقُ صفحة ١٢٥ بُطُونَهم فَيَعْظُمُ عَطَشُهم، ثُمَّ إنَّهم لا يُسْقَوْنَ إلّا بَعْدَ مُدَّةٍ مَدِيدَةٍ والغَرَضُ تَكْمِيلُ التَّعْذِيبِ. والثّانِي: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ الطَّعامَ بِتِلْكَ البَشاعَةِ والكَراهَةِ، ثُمَّ وصَفَ الشَّرابَ بِما هو أبْشَعُ مِنهُ، فَكانَ المَقْصُودُ مِن كَلِمَةِ ثُمَّ بَيانَ أنَّ حالَ المَشْرُوبِ في البَشاعَةِ أعْظَمُ مِن حالِ المَأْكُولِ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ثُمَّ إنَّ مَرْجِعَهم لَإلى الجَحِيمِ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: أيْ بَعْدِ أكْلِ الزَّقُّومِ وشُرْبِ الحَمِيمِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهم عِنْدَ شُرْبِ الحَمِيمِ لَمْ يَكُونُوا في الجَحِيمِ، وذَلِكَ بِأنْ يَكُونَ الحَمِيمُ مِن مَوْضِعٍ خارِجٍ عَنِ الجَحِيمِ، فَهم يُورَدُونَ الحَمِيمَ لِأجْلِ الشُّرْبِ كَما تُورَدُ الإبِلُ إلى الماءِ، ثُمَّ يُورَدُونَ إلى الجَحِيمِ، فَهَذا قَوْلُ مُقاتِلٍ، واحْتَجَّ عَلى صِحَّتِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِها المُجْرِمُونَ﴾ ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَها وبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: ٤٤] وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ ما ذَكَرْناهُ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ عَذابَهم في أكْلِهِمْ وشُرْبِهِمْ قالَ: ﴿إنَّهم ألْفَوْا آباءَهم ضالِّينَ﴾ ﴿فَهم عَلى آثارِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾ قالَ الفَرّاءُ: الإهْراعُ الإسْراعُ يُقالُ: هَرَعَ وأهْرَعَ إذا اسْتُحِثَّ، والمَعْنى أنَّهم يَتَّبِعُونَ آباءَهُمُ اتِّباعًا في سُرْعَةٍ كَأنَّهم يُزْعَجُونَ إلى اتِّباعِ آبائِهِمْ، والمَقْصُودُ مِنَ الآيَةِ أنَّهُ تَعالى عَلَّلَ اسْتِحْقاقَهم لِلْوُقُوعِ في تِلْكَ الشَّدائِدِ كُلِّها، بِتَقْلِيدِ الآباءِ في الدِّينِ وتَرْكِ اتِّباعِ الدَّلِيلِ، ولَوْ لَمْ يُوجَدْ في القُرْآنِ آيَةٌ غَيْرُ هَذِهِ الآيَةِ في ذَمِّ التَّقْلِيدِ لَكَفى. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ لِرَسُولِهِ ما يُوجِبُ التَّسْلِيَةَ لَهُ في كُفْرِهِمْ وتَكْذِيبِهِمْ، فَقالَ: ﴿ولَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهم أكْثَرُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ إرْسالَهُ لِلرُّسُلِ قَدْ تَقَدَّمَ والتَّكْذِيبَ لَهم قَدْ سَلَفَ، ويَجِبُ أنْ يَكُونَ لَهُ ﷺ أُسْوَةٌ بِهِمْ حَتّى يَصْبِرَ كَما صَبَرُوا، ويَسْتَمِرَّ عَلى الدُّعاءِ إلى اللَّهِ وإنْ تَمَرَّدُوا، فَلَيْسَ عَلَيْهِ إلّا البَلاغُ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُنْذَرِينَ﴾ وهَذا وإنْ كانَ في الظّاهِرِ خِطابًا مَعَ الرَّسُولِ ﷺ إلّا أنَّ المَقْصُودَ مِنهُ خِطابُ الكُفّارِ؛ لِأنَّهم سَمِعُوا بِالأخْبارِ جَمِيعَ ما جَرى مِن أنْواعِ العَذابِ عَلى قَوْمِ نُوحٍ وعَلى عادٍ وثَمُودَ وغَيْرِهِمْ، فَإنْ لَمْ يَعْلَمُوا ذَلِكَ فَلا أقَلَّ مِن ظَنٍّ وخَوْفٍ يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ زاجِرًا لَهم عَنْ كُفْرِهِمْ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهم أكْثَرُ الأوَّلِينَ﴾ . والثّانِي: أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُنْذَرِينَ﴾ فَإنَّها كانَتْ أقْبَحَ العَواقِبِ وأفْظَعَها إلّا عاقِبَةَ عِبادِ اللَّهِ المُخْلَصِينَ، فَإنَّها كانَتْ مَقْرُونَةً بِالخَيْرِ والرّاحَةِ.

الصافات 37:73

صفحة ١٢٣ ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُنْذَرِينَ﴾ ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾ ﴿إنّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظّالِمِينَ﴾ ﴿إنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ في أصْلِ الجَحِيمِ﴾ ﴿طَلْعُها كَأنَّهُ رُءُوسُ الشَّياطِينِ﴾ ﴿فَإنَّهم لَآكِلُونَ مِنها فَمالِئُونَ مِنها البُطُونَ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّ لَهم عَلَيْها لَشَوْبًا مِن حَمِيمٍ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّ مَرْجِعَهم لَإلى الجَحِيمِ﴾ ﴿إنَّهم ألْفَوْا آباءَهم ضالِّينَ﴾ ﴿فَهم عَلى آثارِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهم أكْثَرُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُنْذَرِينَ﴾ ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ بَعْدَ ذِكْرِ أهْلِ الجَنَّةِ ووَصْفِها ﴿لِمِثْلِ هَذا فَلْيَعْمَلِ العامِلُونَ﴾ أتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾ فَأمَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أنْ يُورِدَ ذَلِكَ عَلى كُفّارِ قَوْمِهِ لِيَصِيرَ ذَلِكَ زاجِرًا لَهم عَنِ الكُفْرِ، وكَما وصَفَ مِن قَبْلُ مَآكِلَ أهْلِ الجَنَّةِ ومَشارِبَهم، وصَفَ أيْضًا في هَذِهِ الآيَةِ مَآكِلَ أهْلِ النّارِ ومَشارِبَهم. أمّا قَوْلُهُ: ﴿أذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾ فالمَعْنى أنَّ الرِّزْقَ المَعْلُومَ المَذْكُورَ لِأهْلِ الجَنَّةِ ﴿أذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا﴾ أيْ خَيْرٌ حاصِلًا ﴿أمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾ وأصْلُ النُّزُلِ الفَضْلُ الواسِعُ في الطَّعامِ يُقالُ: طَعامٌ كَثِيرُ النُّزُلِ، فاسْتُعِيرَ لِلْحاصِلِ مِنَ الشَّيْءِ، ويُقالُ: أرْسَلَ الأمِيرُ إلى فُلانٍ نُزُلًا وهو الشَّيْءُ الَّذِي يَصْلُحُ حالُ مَن يَنْزِلُ بِسَبَبِهِ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: حاصِلُ الرِّزْقِ المَعْلُومِ لِأهْلِ الجَنَّةِ اللَّذَّةُ والسُّرُورُ، وحاصِلُ شَجَرَةِ الزَّقُّومِ الألَمُ والغَمُّ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ لا نِسْبَةَ لِأحَدِهِما إلى الآخَرِ في الخَيْرِيَّةِ إلّا أنَّهُ جاءَ هَذا الكَلامُ إمّا عَلى سَبِيلِ السُّخْرِيَةِ بِهِمْ أوْ لِأجْلِ أنَّ المُؤْمِنِينَ لَمّا اخْتارُوا ما أوْصَلَهم إلى الرِّزْقِ الكَرِيمِ، والكافِرِينَ اخْتارُوا ما أوْصَلَهم إلى العَذابِ الألِيمِ فَقِيلَ لَهم ذَلِكَ تَوْبِيخًا لَهم عَلى سُوءِ اخْتِيارِهِمْ، وأمّا ﴿الزَّقُّومِ﴾ فَقالَ الواحِدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: لَمْ يَذْكُرِ المُفَسِّرُونَ لِلزَّقُّومِ تَفْسِيرًا إلّا الكَلْبِيَّ فَإنَّهُ رَوى أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قالَ ابْنُ الزِّبَعْرى: أكْثَرَ اللَّهُ في بُيُوتِكُمُ الزَّقُّومَ، فَإنَّ أهْلَ اليَمَنِ يُسَمُّونَ التَّمْرَ والزُّبْدَ بِالزَّقُّومِ، فَقالَ أبُو جَهْلٍ لِجارِيَتِهِ زَقِّمِينا فَأتَتْهُ بِزُبْدٍ وتَمْرٍ، وقالَ: تَزَقَّمُوا. ثُمَّ قالَ الواحِدِيُّ: ومَعْلُومٌ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يُرِدْ بِالزَّقُّومِ هَهُنا الزُّبْدَ والتَّمْرَ، قالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: لَمْ يَكُنْ لِلزَّقُّومِ اشْتِقاقٌ مِنَ التَّزَقُّمِ وهو الإفْراطُ مِن أكْلِ الشَّيْءِ حَتّى يُكْرَهَ ذَلِكَ، يُقالُ: باتَ فُلانٌ يَتَزَقَّمُ، وظاهِرُ لَفْظِ القُرْآنِ يَدُلُّ عَلى أنَّها شَجَرَةٌ كَرِيهَةُ الطَّعامِ مُنْتِنَةُ الرّائِحَةِ شَدِيدَةُ الخُشُونَةِ، مَوْصُوفَةٌ بِصِفاتٍ كُلُّ مَن تَناوَلَها عَظُمَ مِن تَناوُلِها، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى يُكْرِهُ أهْلَ النّارِ عَلى تَناوُلِ بَعْضِ أجْزائِها. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظّالِمِينَ﴾ فَفِيهِ أقْوالٌ: الأوَّلُ: أنَّها إنَّما صارَتْ فِتْنَةً لِلظّالِمِينَ، مِن حَيْثُ إنَّ الكُفّارَ لَمّا سَمِعُوا هَذِهِ الآيَةَ، قالُوا: كَيْفَ يُعْقَلُ أنْ تَنْبُتَ الشَّجَرَةُ في جَهَنَّمَ، مَعَ أنَّ النّارَ تُحْرِقُ الشَّجَرَةَ ؟ . والجَوابُ عَنْهُ أنَّ خالِقَ النّارِ قادِرٌ عَلى أنْ يَمْنَعَ النّارَ مِن إحْراقِ الشَّجَرِ، ولِأنَّهُ إذا جازَ أنْ يَكُونَ في النّارِ زَبانِيَةٌ واللَّهُ تَعالى يَمْنَعُ النّارَ عَنْ إحْراقِهِمْ فَلِمَ لا يَجُوزُ مِثْلُهُ في هَذِهِ الشَّجَرَةِ ؟ إذا عَرَفْتَ هَذا السُّؤالَ، والجَوابُ بِمَعْنى كَوْنِ شَجَرَةِ الزَّقُّومِ فِتْنَةً لِلظّالِمِينَ هو أنَّهم لَمّا سَمِعُوا هَذِهِ الآيَةَ وقَعَتْ تِلْكَ الشُّبْهَةُ في قُلُوبِهِمْ، وصارَتْ تِلْكَ الشُّبْهَةُ سَبَبًا لِتَمادِيهِمْ في الكُفْرِ، فَهَذا هو المُرادُ مِن كَوْنِها فِتْنَةً لَهم. والوَجْهُ الثّانِي: في التَّفْسِيرِ أنْ يَكُونَ المُرادُ صَيْرُورَةَ هَذِهِ الشَّجَرَةِ فِتْنَةً لَهم في النّارِ؛ لِأنَّهم إذا كُلِّفُوا تَناوُلَها وشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، فَحِينَئِذٍ يَصِيرُ ذَلِكَ فِتْنَةً في حَقِّهِمْ. الوَجْهُ الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الفِتْنَةِ الِامْتِحانَ والِاخْتِبارَ، فَإنَّ هَذا شَيْءٌ بَعِيدٌ عَنِ العُرْفِ صفحة ١٢٤ والعادَةِ مُخالِفٌ لِلْمَأْلُوفِ والمَعْرُوفِ، فَإذا ورَدَ عَلى سَمْعِ المُؤْمِنِ فَوَّضَ عِلْمَهُ إلى اللَّهِ وإذا ورَدَ عَلى الزِّنْدِيقِ تَوَسَّلَ بِهِ إلى الطَّعْنِ في القُرْآنِ والنُّبُوَّةِ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ هَذِهِ الشَّجَرَةَ وصَفَها بِصِفاتٍ: الصِّفَةُ الأُولى: قَوْلُهُ إنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ في أصْلِ الجَحِيمِ، قِيلَ: مَنبَتُها في قَعْرِ جَهَنَّمَ وأغْصانُها تَرْتَفِعُ إلى دَرَكاتِها. الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿طَلْعُها كَأنَّهُ رُءُوسُ الشَّياطِينِ﴾ قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: الطَّلْعُ لِلنَّخْلَةِ فاسْتُعِيرَ لِما طَلَعَ مِن شَجَرَةِ الزَّقُّومِ مِن حَمْلِها، إمّا اسْتِعارَةً لَفْظِيَّةً أوْ مَعْنَوِيَّةً، وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: سُمِّيَ ”طَلْعًا“ لِطُلُوعِهِ كُلَّ سَنَةٍ، ولِذَلِكَ قِيلَ: طَلْعُ النَّخْلِ لِأوَّلِ ما يَخْرُجُ مِن ثَمَرِهِ، وأمّا تَشْبِيهُ هَذا الطَّلْعِ بِرُءُوسِ الشَّياطِينِ فَفِيهِ سُؤالٌ؛ لِأنَّهُ قِيلَ: إنّا ما رَأيْنا رَءُوسَ الشَّياطِينِ فَكَيْفَ يُمْكِنُ تَشْبِيهُ شَيْءٍ بِها ؟ وأجابُوا عَنْهُ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ وهو الصَّحِيحُ: أنَّ النّاسَ لَمّا اعْتَقَدُوا في المَلائِكَةِ كَمالَ الفَضْلِ في الصُّورَةِ والسِّيرَةِ، اعْتَقَدُوا في الشَّياطِينِ نِهايَةَ القُبْحِ والتَّشْوِيهِ في الصُّورَةِ والسِّيرَةِ، فَكَما حَسُنَ التَّشْبِيهُ بِالمَلَكِ عِنْدَ إرادَةِ تَقْرِيرِ الكَمالِ والفَضِيلَةِ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ هَذا إلّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ [يوسف: ٣١] فَكَذَلِكَ وجَبَ أنْ يَحْسُنَ التَّشْبِيهُ بِرُءُوسِ الشَّياطِينِ في القُبْحِ وتَشْوِيهِ الخِلْقَةِ، والحاصِلُ أنَّ هَذا مِن بابِ التَّشْبِيهِ لا بِالمَحْسُوسِ بَلْ بِالمُتَخَيَّلِ، كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ أقْبَحَ الأشْياءِ في الوَهْمِ والخِيارِ هو رُءُوسُ الشَّياطِينِ، فَهَذِهِ الشَّجَرَةُ تُشْبِهُها في قُبْحِ النَّظَرِ وتَشْوِيهِ الصُّورَةِ، والَّذِي يُؤَكِّدُ هَذا أنَّ العُقَلاءَ إذا رَأوْا شَيْئًا شَدِيدَ الِاضْطِرابِ مُنْكَرَ الصُّورَةِ قَبِيحَ الخِلْقَةِ، قالُوا: إنَّهُ شَيْطانٌ، وإذا رَأوْا شَيْئًا حَسَنَ الصُّورَةِ والسِّيرَةِ، قالُوا: إنَّهُ مَلَكٌ، وقالَ امْرُؤُ القَيْسِ: أتَقْتُلُنِي والمَشْرَفِيُّ مُضاجِعِي ومَسْنُونَةٌ زُرْقٌ كَأنْيابِ أغْوالِ والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ الشَّياطِينَ حَيّاتٌ لَها رُءُوسٌ وأعْرافٌ، وهي مِن أقْبَحِ الحَيّاتِ، وبِها يُضْرَبُ المَثَلُ في القُبْحِ، والعَرَبُ إذا رَأتْ مَنظَرًا قَبِيحًا قالَتْ: كَأنَّهُ شَيْطانُ الحَماطَةِ، والحَماطَةُ شَجَرَةٌ مُعَيَّنَةٌ. والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ رُءُوسَ الشَّياطِينِ، نَبْتٌ مَعْرُوفٌ قَبِيحُ الرَّأْسِ، والوَجْهُ الأوَّلُ هو الجَوابُ الحَقُّ، واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ هَذِهِ الشَّجَرَةَ وذَكَرَ صِفَتَها بَيَّنَ أنَّ الكُفّارَ ﴿لَآكِلُونَ مِنها فَمالِئُونَ مِنها البُطُونَ﴾ واعْلَمْ أنَّ إقْدامَهم عَلى ذَلِكَ الأكْلِ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهم أكَلُوا مِنها لِشِدَّةِ الجُوعِ، فَإنْ قِيلَ: وكَيْفَ يَأْكُلُونَها مَعَ نِهايَةِ خُشُونَتِها ونَتْنِها ومَرارَةِ طَعْمِها ؟ قُلْنا: إنَّ الوِقاعَ في الضَّرَرِ العَظِيمِ رُبَّما اسْتُرْوِحَ مِنهُ إلى ما يُقارِبُهُ في الضَّرَرِ، فَإذا جَوَّعَهُمُ اللَّهُ الجُوعَ الشَّدِيدَ فَزِعُوا في إزالَةِ ذَلِكَ الجُوعِ إلى تَناوُلِ هَذا الشَّيْءِ، وإنْ كانَ بِالصِّفَةِ الَّتِي ذَكَرْتُمُوها. الوَجْهُ الثّانِي: أنْ يُقالَ الزَّبانِيَةُ يُكْرِهُونَهم عَلى الأكْلِ مِن تِلْكَ الشَّجَرَةِ تَكْمِيلًا لِعَذابِهِمْ. واعْلَمْ أنَّهم إذا شَبِعُوا فَحِينَئِذٍ يَشْتَدُّ عَطَشُهم ويَحْتاجُونَ إلى الشَّرابِ، فَعِنْدَ هَذا وصَفَ اللَّهُ شَرابَهم، فَقالَ: ﴿ثُمَّ إنَّ لَهم عَلَيْها لَشَوْبًا مِن حَمِيمٍ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: الشَّوْبُ اسْمٌ عامٌّ في كُلِّ ما خُلِطَ بِغَيْرِهِ، والحَمِيمُ الماءُ الحارُّ المُتَناهِي في الحَرارَةِ، والمَعْنى أنَّهُ إذا غَلَبَهم ذَلِكَ العَطَشُ الشَّدِيدُ سُقُوا مِن ذَلِكَ الحَمِيمِ، فَحِينَئِذٍ يَشُوبُ الزَّقُّومُ بِالحَمِيمِ نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنهُما. واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ وصَفَ شَرابَهم في القُرْآنِ بِأشْياءَ مِنها كَوْنُهُ غَسّاقًا، ومِنها قَوْلُهُ: ﴿وسُقُوا ماءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أمْعاءَهُمْ﴾ [محمد: ١٥] ومِنها ما ذَكَرَهُ في هَذِهِ الآيَةِ، فَإنْ قِيلَ ما الفائِدَةُ في كَلِمَةِ ”ثُمَّ“ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ إنَّ لَهم عَلَيْها لَشَوْبًا مِن حَمِيمٍ﴾ ؟ قُلْنا: فِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّهم يَمْلَئُونَ بُطُونَهم مِن شَجَرَةِ الزَّقُّومِ وهو حارٌّ يَحْرُقُ صفحة ١٢٥ بُطُونَهم فَيَعْظُمُ عَطَشُهم، ثُمَّ إنَّهم لا يُسْقَوْنَ إلّا بَعْدَ مُدَّةٍ مَدِيدَةٍ والغَرَضُ تَكْمِيلُ التَّعْذِيبِ. والثّانِي: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ الطَّعامَ بِتِلْكَ البَشاعَةِ والكَراهَةِ، ثُمَّ وصَفَ الشَّرابَ بِما هو أبْشَعُ مِنهُ، فَكانَ المَقْصُودُ مِن كَلِمَةِ ثُمَّ بَيانَ أنَّ حالَ المَشْرُوبِ في البَشاعَةِ أعْظَمُ مِن حالِ المَأْكُولِ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ثُمَّ إنَّ مَرْجِعَهم لَإلى الجَحِيمِ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: أيْ بَعْدِ أكْلِ الزَّقُّومِ وشُرْبِ الحَمِيمِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهم عِنْدَ شُرْبِ الحَمِيمِ لَمْ يَكُونُوا في الجَحِيمِ، وذَلِكَ بِأنْ يَكُونَ الحَمِيمُ مِن مَوْضِعٍ خارِجٍ عَنِ الجَحِيمِ، فَهم يُورَدُونَ الحَمِيمَ لِأجْلِ الشُّرْبِ كَما تُورَدُ الإبِلُ إلى الماءِ، ثُمَّ يُورَدُونَ إلى الجَحِيمِ، فَهَذا قَوْلُ مُقاتِلٍ، واحْتَجَّ عَلى صِحَّتِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِها المُجْرِمُونَ﴾ ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَها وبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: ٤٤] وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ ما ذَكَرْناهُ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ عَذابَهم في أكْلِهِمْ وشُرْبِهِمْ قالَ: ﴿إنَّهم ألْفَوْا آباءَهم ضالِّينَ﴾ ﴿فَهم عَلى آثارِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾ قالَ الفَرّاءُ: الإهْراعُ الإسْراعُ يُقالُ: هَرَعَ وأهْرَعَ إذا اسْتُحِثَّ، والمَعْنى أنَّهم يَتَّبِعُونَ آباءَهُمُ اتِّباعًا في سُرْعَةٍ كَأنَّهم يُزْعَجُونَ إلى اتِّباعِ آبائِهِمْ، والمَقْصُودُ مِنَ الآيَةِ أنَّهُ تَعالى عَلَّلَ اسْتِحْقاقَهم لِلْوُقُوعِ في تِلْكَ الشَّدائِدِ كُلِّها، بِتَقْلِيدِ الآباءِ في الدِّينِ وتَرْكِ اتِّباعِ الدَّلِيلِ، ولَوْ لَمْ يُوجَدْ في القُرْآنِ آيَةٌ غَيْرُ هَذِهِ الآيَةِ في ذَمِّ التَّقْلِيدِ لَكَفى. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ لِرَسُولِهِ ما يُوجِبُ التَّسْلِيَةَ لَهُ في كُفْرِهِمْ وتَكْذِيبِهِمْ، فَقالَ: ﴿ولَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهم أكْثَرُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ إرْسالَهُ لِلرُّسُلِ قَدْ تَقَدَّمَ والتَّكْذِيبَ لَهم قَدْ سَلَفَ، ويَجِبُ أنْ يَكُونَ لَهُ ﷺ أُسْوَةٌ بِهِمْ حَتّى يَصْبِرَ كَما صَبَرُوا، ويَسْتَمِرَّ عَلى الدُّعاءِ إلى اللَّهِ وإنْ تَمَرَّدُوا، فَلَيْسَ عَلَيْهِ إلّا البَلاغُ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُنْذَرِينَ﴾ وهَذا وإنْ كانَ في الظّاهِرِ خِطابًا مَعَ الرَّسُولِ ﷺ إلّا أنَّ المَقْصُودَ مِنهُ خِطابُ الكُفّارِ؛ لِأنَّهم سَمِعُوا بِالأخْبارِ جَمِيعَ ما جَرى مِن أنْواعِ العَذابِ عَلى قَوْمِ نُوحٍ وعَلى عادٍ وثَمُودَ وغَيْرِهِمْ، فَإنْ لَمْ يَعْلَمُوا ذَلِكَ فَلا أقَلَّ مِن ظَنٍّ وخَوْفٍ يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ زاجِرًا لَهم عَنْ كُفْرِهِمْ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهم أكْثَرُ الأوَّلِينَ﴾ . والثّانِي: أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُنْذَرِينَ﴾ فَإنَّها كانَتْ أقْبَحَ العَواقِبِ وأفْظَعَها إلّا عاقِبَةَ عِبادِ اللَّهِ المُخْلَصِينَ، فَإنَّها كانَتْ مَقْرُونَةً بِالخَيْرِ والرّاحَةِ.

الصافات 37:74

صفحة ١٢٣ ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُنْذَرِينَ﴾ ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾ ﴿إنّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظّالِمِينَ﴾ ﴿إنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ في أصْلِ الجَحِيمِ﴾ ﴿طَلْعُها كَأنَّهُ رُءُوسُ الشَّياطِينِ﴾ ﴿فَإنَّهم لَآكِلُونَ مِنها فَمالِئُونَ مِنها البُطُونَ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّ لَهم عَلَيْها لَشَوْبًا مِن حَمِيمٍ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّ مَرْجِعَهم لَإلى الجَحِيمِ﴾ ﴿إنَّهم ألْفَوْا آباءَهم ضالِّينَ﴾ ﴿فَهم عَلى آثارِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهم أكْثَرُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُنْذَرِينَ﴾ ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ بَعْدَ ذِكْرِ أهْلِ الجَنَّةِ ووَصْفِها ﴿لِمِثْلِ هَذا فَلْيَعْمَلِ العامِلُونَ﴾ أتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾ فَأمَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أنْ يُورِدَ ذَلِكَ عَلى كُفّارِ قَوْمِهِ لِيَصِيرَ ذَلِكَ زاجِرًا لَهم عَنِ الكُفْرِ، وكَما وصَفَ مِن قَبْلُ مَآكِلَ أهْلِ الجَنَّةِ ومَشارِبَهم، وصَفَ أيْضًا في هَذِهِ الآيَةِ مَآكِلَ أهْلِ النّارِ ومَشارِبَهم. أمّا قَوْلُهُ: ﴿أذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾ فالمَعْنى أنَّ الرِّزْقَ المَعْلُومَ المَذْكُورَ لِأهْلِ الجَنَّةِ ﴿أذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا﴾ أيْ خَيْرٌ حاصِلًا ﴿أمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾ وأصْلُ النُّزُلِ الفَضْلُ الواسِعُ في الطَّعامِ يُقالُ: طَعامٌ كَثِيرُ النُّزُلِ، فاسْتُعِيرَ لِلْحاصِلِ مِنَ الشَّيْءِ، ويُقالُ: أرْسَلَ الأمِيرُ إلى فُلانٍ نُزُلًا وهو الشَّيْءُ الَّذِي يَصْلُحُ حالُ مَن يَنْزِلُ بِسَبَبِهِ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: حاصِلُ الرِّزْقِ المَعْلُومِ لِأهْلِ الجَنَّةِ اللَّذَّةُ والسُّرُورُ، وحاصِلُ شَجَرَةِ الزَّقُّومِ الألَمُ والغَمُّ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ لا نِسْبَةَ لِأحَدِهِما إلى الآخَرِ في الخَيْرِيَّةِ إلّا أنَّهُ جاءَ هَذا الكَلامُ إمّا عَلى سَبِيلِ السُّخْرِيَةِ بِهِمْ أوْ لِأجْلِ أنَّ المُؤْمِنِينَ لَمّا اخْتارُوا ما أوْصَلَهم إلى الرِّزْقِ الكَرِيمِ، والكافِرِينَ اخْتارُوا ما أوْصَلَهم إلى العَذابِ الألِيمِ فَقِيلَ لَهم ذَلِكَ تَوْبِيخًا لَهم عَلى سُوءِ اخْتِيارِهِمْ، وأمّا ﴿الزَّقُّومِ﴾ فَقالَ الواحِدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: لَمْ يَذْكُرِ المُفَسِّرُونَ لِلزَّقُّومِ تَفْسِيرًا إلّا الكَلْبِيَّ فَإنَّهُ رَوى أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قالَ ابْنُ الزِّبَعْرى: أكْثَرَ اللَّهُ في بُيُوتِكُمُ الزَّقُّومَ، فَإنَّ أهْلَ اليَمَنِ يُسَمُّونَ التَّمْرَ والزُّبْدَ بِالزَّقُّومِ، فَقالَ أبُو جَهْلٍ لِجارِيَتِهِ زَقِّمِينا فَأتَتْهُ بِزُبْدٍ وتَمْرٍ، وقالَ: تَزَقَّمُوا. ثُمَّ قالَ الواحِدِيُّ: ومَعْلُومٌ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يُرِدْ بِالزَّقُّومِ هَهُنا الزُّبْدَ والتَّمْرَ، قالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: لَمْ يَكُنْ لِلزَّقُّومِ اشْتِقاقٌ مِنَ التَّزَقُّمِ وهو الإفْراطُ مِن أكْلِ الشَّيْءِ حَتّى يُكْرَهَ ذَلِكَ، يُقالُ: باتَ فُلانٌ يَتَزَقَّمُ، وظاهِرُ لَفْظِ القُرْآنِ يَدُلُّ عَلى أنَّها شَجَرَةٌ كَرِيهَةُ الطَّعامِ مُنْتِنَةُ الرّائِحَةِ شَدِيدَةُ الخُشُونَةِ، مَوْصُوفَةٌ بِصِفاتٍ كُلُّ مَن تَناوَلَها عَظُمَ مِن تَناوُلِها، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى يُكْرِهُ أهْلَ النّارِ عَلى تَناوُلِ بَعْضِ أجْزائِها. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظّالِمِينَ﴾ فَفِيهِ أقْوالٌ: الأوَّلُ: أنَّها إنَّما صارَتْ فِتْنَةً لِلظّالِمِينَ، مِن حَيْثُ إنَّ الكُفّارَ لَمّا سَمِعُوا هَذِهِ الآيَةَ، قالُوا: كَيْفَ يُعْقَلُ أنْ تَنْبُتَ الشَّجَرَةُ في جَهَنَّمَ، مَعَ أنَّ النّارَ تُحْرِقُ الشَّجَرَةَ ؟ . والجَوابُ عَنْهُ أنَّ خالِقَ النّارِ قادِرٌ عَلى أنْ يَمْنَعَ النّارَ مِن إحْراقِ الشَّجَرِ، ولِأنَّهُ إذا جازَ أنْ يَكُونَ في النّارِ زَبانِيَةٌ واللَّهُ تَعالى يَمْنَعُ النّارَ عَنْ إحْراقِهِمْ فَلِمَ لا يَجُوزُ مِثْلُهُ في هَذِهِ الشَّجَرَةِ ؟ إذا عَرَفْتَ هَذا السُّؤالَ، والجَوابُ بِمَعْنى كَوْنِ شَجَرَةِ الزَّقُّومِ فِتْنَةً لِلظّالِمِينَ هو أنَّهم لَمّا سَمِعُوا هَذِهِ الآيَةَ وقَعَتْ تِلْكَ الشُّبْهَةُ في قُلُوبِهِمْ، وصارَتْ تِلْكَ الشُّبْهَةُ سَبَبًا لِتَمادِيهِمْ في الكُفْرِ، فَهَذا هو المُرادُ مِن كَوْنِها فِتْنَةً لَهم. والوَجْهُ الثّانِي: في التَّفْسِيرِ أنْ يَكُونَ المُرادُ صَيْرُورَةَ هَذِهِ الشَّجَرَةِ فِتْنَةً لَهم في النّارِ؛ لِأنَّهم إذا كُلِّفُوا تَناوُلَها وشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، فَحِينَئِذٍ يَصِيرُ ذَلِكَ فِتْنَةً في حَقِّهِمْ. الوَجْهُ الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الفِتْنَةِ الِامْتِحانَ والِاخْتِبارَ، فَإنَّ هَذا شَيْءٌ بَعِيدٌ عَنِ العُرْفِ صفحة ١٢٤ والعادَةِ مُخالِفٌ لِلْمَأْلُوفِ والمَعْرُوفِ، فَإذا ورَدَ عَلى سَمْعِ المُؤْمِنِ فَوَّضَ عِلْمَهُ إلى اللَّهِ وإذا ورَدَ عَلى الزِّنْدِيقِ تَوَسَّلَ بِهِ إلى الطَّعْنِ في القُرْآنِ والنُّبُوَّةِ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ هَذِهِ الشَّجَرَةَ وصَفَها بِصِفاتٍ: الصِّفَةُ الأُولى: قَوْلُهُ إنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ في أصْلِ الجَحِيمِ، قِيلَ: مَنبَتُها في قَعْرِ جَهَنَّمَ وأغْصانُها تَرْتَفِعُ إلى دَرَكاتِها. الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿طَلْعُها كَأنَّهُ رُءُوسُ الشَّياطِينِ﴾ قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: الطَّلْعُ لِلنَّخْلَةِ فاسْتُعِيرَ لِما طَلَعَ مِن شَجَرَةِ الزَّقُّومِ مِن حَمْلِها، إمّا اسْتِعارَةً لَفْظِيَّةً أوْ مَعْنَوِيَّةً، وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: سُمِّيَ ”طَلْعًا“ لِطُلُوعِهِ كُلَّ سَنَةٍ، ولِذَلِكَ قِيلَ: طَلْعُ النَّخْلِ لِأوَّلِ ما يَخْرُجُ مِن ثَمَرِهِ، وأمّا تَشْبِيهُ هَذا الطَّلْعِ بِرُءُوسِ الشَّياطِينِ فَفِيهِ سُؤالٌ؛ لِأنَّهُ قِيلَ: إنّا ما رَأيْنا رَءُوسَ الشَّياطِينِ فَكَيْفَ يُمْكِنُ تَشْبِيهُ شَيْءٍ بِها ؟ وأجابُوا عَنْهُ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ وهو الصَّحِيحُ: أنَّ النّاسَ لَمّا اعْتَقَدُوا في المَلائِكَةِ كَمالَ الفَضْلِ في الصُّورَةِ والسِّيرَةِ، اعْتَقَدُوا في الشَّياطِينِ نِهايَةَ القُبْحِ والتَّشْوِيهِ في الصُّورَةِ والسِّيرَةِ، فَكَما حَسُنَ التَّشْبِيهُ بِالمَلَكِ عِنْدَ إرادَةِ تَقْرِيرِ الكَمالِ والفَضِيلَةِ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ هَذا إلّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ [يوسف: ٣١] فَكَذَلِكَ وجَبَ أنْ يَحْسُنَ التَّشْبِيهُ بِرُءُوسِ الشَّياطِينِ في القُبْحِ وتَشْوِيهِ الخِلْقَةِ، والحاصِلُ أنَّ هَذا مِن بابِ التَّشْبِيهِ لا بِالمَحْسُوسِ بَلْ بِالمُتَخَيَّلِ، كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ أقْبَحَ الأشْياءِ في الوَهْمِ والخِيارِ هو رُءُوسُ الشَّياطِينِ، فَهَذِهِ الشَّجَرَةُ تُشْبِهُها في قُبْحِ النَّظَرِ وتَشْوِيهِ الصُّورَةِ، والَّذِي يُؤَكِّدُ هَذا أنَّ العُقَلاءَ إذا رَأوْا شَيْئًا شَدِيدَ الِاضْطِرابِ مُنْكَرَ الصُّورَةِ قَبِيحَ الخِلْقَةِ، قالُوا: إنَّهُ شَيْطانٌ، وإذا رَأوْا شَيْئًا حَسَنَ الصُّورَةِ والسِّيرَةِ، قالُوا: إنَّهُ مَلَكٌ، وقالَ امْرُؤُ القَيْسِ: أتَقْتُلُنِي والمَشْرَفِيُّ مُضاجِعِي ومَسْنُونَةٌ زُرْقٌ كَأنْيابِ أغْوالِ والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ الشَّياطِينَ حَيّاتٌ لَها رُءُوسٌ وأعْرافٌ، وهي مِن أقْبَحِ الحَيّاتِ، وبِها يُضْرَبُ المَثَلُ في القُبْحِ، والعَرَبُ إذا رَأتْ مَنظَرًا قَبِيحًا قالَتْ: كَأنَّهُ شَيْطانُ الحَماطَةِ، والحَماطَةُ شَجَرَةٌ مُعَيَّنَةٌ. والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ رُءُوسَ الشَّياطِينِ، نَبْتٌ مَعْرُوفٌ قَبِيحُ الرَّأْسِ، والوَجْهُ الأوَّلُ هو الجَوابُ الحَقُّ، واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ هَذِهِ الشَّجَرَةَ وذَكَرَ صِفَتَها بَيَّنَ أنَّ الكُفّارَ ﴿لَآكِلُونَ مِنها فَمالِئُونَ مِنها البُطُونَ﴾ واعْلَمْ أنَّ إقْدامَهم عَلى ذَلِكَ الأكْلِ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهم أكَلُوا مِنها لِشِدَّةِ الجُوعِ، فَإنْ قِيلَ: وكَيْفَ يَأْكُلُونَها مَعَ نِهايَةِ خُشُونَتِها ونَتْنِها ومَرارَةِ طَعْمِها ؟ قُلْنا: إنَّ الوِقاعَ في الضَّرَرِ العَظِيمِ رُبَّما اسْتُرْوِحَ مِنهُ إلى ما يُقارِبُهُ في الضَّرَرِ، فَإذا جَوَّعَهُمُ اللَّهُ الجُوعَ الشَّدِيدَ فَزِعُوا في إزالَةِ ذَلِكَ الجُوعِ إلى تَناوُلِ هَذا الشَّيْءِ، وإنْ كانَ بِالصِّفَةِ الَّتِي ذَكَرْتُمُوها. الوَجْهُ الثّانِي: أنْ يُقالَ الزَّبانِيَةُ يُكْرِهُونَهم عَلى الأكْلِ مِن تِلْكَ الشَّجَرَةِ تَكْمِيلًا لِعَذابِهِمْ. واعْلَمْ أنَّهم إذا شَبِعُوا فَحِينَئِذٍ يَشْتَدُّ عَطَشُهم ويَحْتاجُونَ إلى الشَّرابِ، فَعِنْدَ هَذا وصَفَ اللَّهُ شَرابَهم، فَقالَ: ﴿ثُمَّ إنَّ لَهم عَلَيْها لَشَوْبًا مِن حَمِيمٍ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: الشَّوْبُ اسْمٌ عامٌّ في كُلِّ ما خُلِطَ بِغَيْرِهِ، والحَمِيمُ الماءُ الحارُّ المُتَناهِي في الحَرارَةِ، والمَعْنى أنَّهُ إذا غَلَبَهم ذَلِكَ العَطَشُ الشَّدِيدُ سُقُوا مِن ذَلِكَ الحَمِيمِ، فَحِينَئِذٍ يَشُوبُ الزَّقُّومُ بِالحَمِيمِ نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنهُما. واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ وصَفَ شَرابَهم في القُرْآنِ بِأشْياءَ مِنها كَوْنُهُ غَسّاقًا، ومِنها قَوْلُهُ: ﴿وسُقُوا ماءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أمْعاءَهُمْ﴾ [محمد: ١٥] ومِنها ما ذَكَرَهُ في هَذِهِ الآيَةِ، فَإنْ قِيلَ ما الفائِدَةُ في كَلِمَةِ ”ثُمَّ“ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ إنَّ لَهم عَلَيْها لَشَوْبًا مِن حَمِيمٍ﴾ ؟ قُلْنا: فِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّهم يَمْلَئُونَ بُطُونَهم مِن شَجَرَةِ الزَّقُّومِ وهو حارٌّ يَحْرُقُ صفحة ١٢٥ بُطُونَهم فَيَعْظُمُ عَطَشُهم، ثُمَّ إنَّهم لا يُسْقَوْنَ إلّا بَعْدَ مُدَّةٍ مَدِيدَةٍ والغَرَضُ تَكْمِيلُ التَّعْذِيبِ. والثّانِي: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ الطَّعامَ بِتِلْكَ البَشاعَةِ والكَراهَةِ، ثُمَّ وصَفَ الشَّرابَ بِما هو أبْشَعُ مِنهُ، فَكانَ المَقْصُودُ مِن كَلِمَةِ ثُمَّ بَيانَ أنَّ حالَ المَشْرُوبِ في البَشاعَةِ أعْظَمُ مِن حالِ المَأْكُولِ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ثُمَّ إنَّ مَرْجِعَهم لَإلى الجَحِيمِ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: أيْ بَعْدِ أكْلِ الزَّقُّومِ وشُرْبِ الحَمِيمِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهم عِنْدَ شُرْبِ الحَمِيمِ لَمْ يَكُونُوا في الجَحِيمِ، وذَلِكَ بِأنْ يَكُونَ الحَمِيمُ مِن مَوْضِعٍ خارِجٍ عَنِ الجَحِيمِ، فَهم يُورَدُونَ الحَمِيمَ لِأجْلِ الشُّرْبِ كَما تُورَدُ الإبِلُ إلى الماءِ، ثُمَّ يُورَدُونَ إلى الجَحِيمِ، فَهَذا قَوْلُ مُقاتِلٍ، واحْتَجَّ عَلى صِحَّتِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِها المُجْرِمُونَ﴾ ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَها وبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: ٤٤] وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ ما ذَكَرْناهُ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ عَذابَهم في أكْلِهِمْ وشُرْبِهِمْ قالَ: ﴿إنَّهم ألْفَوْا آباءَهم ضالِّينَ﴾ ﴿فَهم عَلى آثارِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾ قالَ الفَرّاءُ: الإهْراعُ الإسْراعُ يُقالُ: هَرَعَ وأهْرَعَ إذا اسْتُحِثَّ، والمَعْنى أنَّهم يَتَّبِعُونَ آباءَهُمُ اتِّباعًا في سُرْعَةٍ كَأنَّهم يُزْعَجُونَ إلى اتِّباعِ آبائِهِمْ، والمَقْصُودُ مِنَ الآيَةِ أنَّهُ تَعالى عَلَّلَ اسْتِحْقاقَهم لِلْوُقُوعِ في تِلْكَ الشَّدائِدِ كُلِّها، بِتَقْلِيدِ الآباءِ في الدِّينِ وتَرْكِ اتِّباعِ الدَّلِيلِ، ولَوْ لَمْ يُوجَدْ في القُرْآنِ آيَةٌ غَيْرُ هَذِهِ الآيَةِ في ذَمِّ التَّقْلِيدِ لَكَفى. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ لِرَسُولِهِ ما يُوجِبُ التَّسْلِيَةَ لَهُ في كُفْرِهِمْ وتَكْذِيبِهِمْ، فَقالَ: ﴿ولَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهم أكْثَرُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ إرْسالَهُ لِلرُّسُلِ قَدْ تَقَدَّمَ والتَّكْذِيبَ لَهم قَدْ سَلَفَ، ويَجِبُ أنْ يَكُونَ لَهُ ﷺ أُسْوَةٌ بِهِمْ حَتّى يَصْبِرَ كَما صَبَرُوا، ويَسْتَمِرَّ عَلى الدُّعاءِ إلى اللَّهِ وإنْ تَمَرَّدُوا، فَلَيْسَ عَلَيْهِ إلّا البَلاغُ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُنْذَرِينَ﴾ وهَذا وإنْ كانَ في الظّاهِرِ خِطابًا مَعَ الرَّسُولِ ﷺ إلّا أنَّ المَقْصُودَ مِنهُ خِطابُ الكُفّارِ؛ لِأنَّهم سَمِعُوا بِالأخْبارِ جَمِيعَ ما جَرى مِن أنْواعِ العَذابِ عَلى قَوْمِ نُوحٍ وعَلى عادٍ وثَمُودَ وغَيْرِهِمْ، فَإنْ لَمْ يَعْلَمُوا ذَلِكَ فَلا أقَلَّ مِن ظَنٍّ وخَوْفٍ يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ زاجِرًا لَهم عَنْ كُفْرِهِمْ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهم أكْثَرُ الأوَّلِينَ﴾ . والثّانِي: أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُنْذَرِينَ﴾ فَإنَّها كانَتْ أقْبَحَ العَواقِبِ وأفْظَعَها إلّا عاقِبَةَ عِبادِ اللَّهِ المُخْلَصِينَ، فَإنَّها كانَتْ مَقْرُونَةً بِالخَيْرِ والرّاحَةِ.

الصافات 37:75

صفحة ١٢٣ ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُنْذَرِينَ﴾ ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾ ﴿إنّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظّالِمِينَ﴾ ﴿إنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ في أصْلِ الجَحِيمِ﴾ ﴿طَلْعُها كَأنَّهُ رُءُوسُ الشَّياطِينِ﴾ ﴿فَإنَّهم لَآكِلُونَ مِنها فَمالِئُونَ مِنها البُطُونَ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّ لَهم عَلَيْها لَشَوْبًا مِن حَمِيمٍ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّ مَرْجِعَهم لَإلى الجَحِيمِ﴾ ﴿إنَّهم ألْفَوْا آباءَهم ضالِّينَ﴾ ﴿فَهم عَلى آثارِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهم أكْثَرُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُنْذَرِينَ﴾ ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ بَعْدَ ذِكْرِ أهْلِ الجَنَّةِ ووَصْفِها ﴿لِمِثْلِ هَذا فَلْيَعْمَلِ العامِلُونَ﴾ أتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾ فَأمَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أنْ يُورِدَ ذَلِكَ عَلى كُفّارِ قَوْمِهِ لِيَصِيرَ ذَلِكَ زاجِرًا لَهم عَنِ الكُفْرِ، وكَما وصَفَ مِن قَبْلُ مَآكِلَ أهْلِ الجَنَّةِ ومَشارِبَهم، وصَفَ أيْضًا في هَذِهِ الآيَةِ مَآكِلَ أهْلِ النّارِ ومَشارِبَهم. أمّا قَوْلُهُ: ﴿أذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾ فالمَعْنى أنَّ الرِّزْقَ المَعْلُومَ المَذْكُورَ لِأهْلِ الجَنَّةِ ﴿أذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا﴾ أيْ خَيْرٌ حاصِلًا ﴿أمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾ وأصْلُ النُّزُلِ الفَضْلُ الواسِعُ في الطَّعامِ يُقالُ: طَعامٌ كَثِيرُ النُّزُلِ، فاسْتُعِيرَ لِلْحاصِلِ مِنَ الشَّيْءِ، ويُقالُ: أرْسَلَ الأمِيرُ إلى فُلانٍ نُزُلًا وهو الشَّيْءُ الَّذِي يَصْلُحُ حالُ مَن يَنْزِلُ بِسَبَبِهِ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: حاصِلُ الرِّزْقِ المَعْلُومِ لِأهْلِ الجَنَّةِ اللَّذَّةُ والسُّرُورُ، وحاصِلُ شَجَرَةِ الزَّقُّومِ الألَمُ والغَمُّ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ لا نِسْبَةَ لِأحَدِهِما إلى الآخَرِ في الخَيْرِيَّةِ إلّا أنَّهُ جاءَ هَذا الكَلامُ إمّا عَلى سَبِيلِ السُّخْرِيَةِ بِهِمْ أوْ لِأجْلِ أنَّ المُؤْمِنِينَ لَمّا اخْتارُوا ما أوْصَلَهم إلى الرِّزْقِ الكَرِيمِ، والكافِرِينَ اخْتارُوا ما أوْصَلَهم إلى العَذابِ الألِيمِ فَقِيلَ لَهم ذَلِكَ تَوْبِيخًا لَهم عَلى سُوءِ اخْتِيارِهِمْ، وأمّا ﴿الزَّقُّومِ﴾ فَقالَ الواحِدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: لَمْ يَذْكُرِ المُفَسِّرُونَ لِلزَّقُّومِ تَفْسِيرًا إلّا الكَلْبِيَّ فَإنَّهُ رَوى أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قالَ ابْنُ الزِّبَعْرى: أكْثَرَ اللَّهُ في بُيُوتِكُمُ الزَّقُّومَ، فَإنَّ أهْلَ اليَمَنِ يُسَمُّونَ التَّمْرَ والزُّبْدَ بِالزَّقُّومِ، فَقالَ أبُو جَهْلٍ لِجارِيَتِهِ زَقِّمِينا فَأتَتْهُ بِزُبْدٍ وتَمْرٍ، وقالَ: تَزَقَّمُوا. ثُمَّ قالَ الواحِدِيُّ: ومَعْلُومٌ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يُرِدْ بِالزَّقُّومِ هَهُنا الزُّبْدَ والتَّمْرَ، قالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: لَمْ يَكُنْ لِلزَّقُّومِ اشْتِقاقٌ مِنَ التَّزَقُّمِ وهو الإفْراطُ مِن أكْلِ الشَّيْءِ حَتّى يُكْرَهَ ذَلِكَ، يُقالُ: باتَ فُلانٌ يَتَزَقَّمُ، وظاهِرُ لَفْظِ القُرْآنِ يَدُلُّ عَلى أنَّها شَجَرَةٌ كَرِيهَةُ الطَّعامِ مُنْتِنَةُ الرّائِحَةِ شَدِيدَةُ الخُشُونَةِ، مَوْصُوفَةٌ بِصِفاتٍ كُلُّ مَن تَناوَلَها عَظُمَ مِن تَناوُلِها، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى يُكْرِهُ أهْلَ النّارِ عَلى تَناوُلِ بَعْضِ أجْزائِها. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظّالِمِينَ﴾ فَفِيهِ أقْوالٌ: الأوَّلُ: أنَّها إنَّما صارَتْ فِتْنَةً لِلظّالِمِينَ، مِن حَيْثُ إنَّ الكُفّارَ لَمّا سَمِعُوا هَذِهِ الآيَةَ، قالُوا: كَيْفَ يُعْقَلُ أنْ تَنْبُتَ الشَّجَرَةُ في جَهَنَّمَ، مَعَ أنَّ النّارَ تُحْرِقُ الشَّجَرَةَ ؟ . والجَوابُ عَنْهُ أنَّ خالِقَ النّارِ قادِرٌ عَلى أنْ يَمْنَعَ النّارَ مِن إحْراقِ الشَّجَرِ، ولِأنَّهُ إذا جازَ أنْ يَكُونَ في النّارِ زَبانِيَةٌ واللَّهُ تَعالى يَمْنَعُ النّارَ عَنْ إحْراقِهِمْ فَلِمَ لا يَجُوزُ مِثْلُهُ في هَذِهِ الشَّجَرَةِ ؟ إذا عَرَفْتَ هَذا السُّؤالَ، والجَوابُ بِمَعْنى كَوْنِ شَجَرَةِ الزَّقُّومِ فِتْنَةً لِلظّالِمِينَ هو أنَّهم لَمّا سَمِعُوا هَذِهِ الآيَةَ وقَعَتْ تِلْكَ الشُّبْهَةُ في قُلُوبِهِمْ، وصارَتْ تِلْكَ الشُّبْهَةُ سَبَبًا لِتَمادِيهِمْ في الكُفْرِ، فَهَذا هو المُرادُ مِن كَوْنِها فِتْنَةً لَهم. والوَجْهُ الثّانِي: في التَّفْسِيرِ أنْ يَكُونَ المُرادُ صَيْرُورَةَ هَذِهِ الشَّجَرَةِ فِتْنَةً لَهم في النّارِ؛ لِأنَّهم إذا كُلِّفُوا تَناوُلَها وشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، فَحِينَئِذٍ يَصِيرُ ذَلِكَ فِتْنَةً في حَقِّهِمْ. الوَجْهُ الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الفِتْنَةِ الِامْتِحانَ والِاخْتِبارَ، فَإنَّ هَذا شَيْءٌ بَعِيدٌ عَنِ العُرْفِ صفحة ١٢٤ والعادَةِ مُخالِفٌ لِلْمَأْلُوفِ والمَعْرُوفِ، فَإذا ورَدَ عَلى سَمْعِ المُؤْمِنِ فَوَّضَ عِلْمَهُ إلى اللَّهِ وإذا ورَدَ عَلى الزِّنْدِيقِ تَوَسَّلَ بِهِ إلى الطَّعْنِ في القُرْآنِ والنُّبُوَّةِ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ هَذِهِ الشَّجَرَةَ وصَفَها بِصِفاتٍ: الصِّفَةُ الأُولى: قَوْلُهُ إنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ في أصْلِ الجَحِيمِ، قِيلَ: مَنبَتُها في قَعْرِ جَهَنَّمَ وأغْصانُها تَرْتَفِعُ إلى دَرَكاتِها. الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿طَلْعُها كَأنَّهُ رُءُوسُ الشَّياطِينِ﴾ قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: الطَّلْعُ لِلنَّخْلَةِ فاسْتُعِيرَ لِما طَلَعَ مِن شَجَرَةِ الزَّقُّومِ مِن حَمْلِها، إمّا اسْتِعارَةً لَفْظِيَّةً أوْ مَعْنَوِيَّةً، وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: سُمِّيَ ”طَلْعًا“ لِطُلُوعِهِ كُلَّ سَنَةٍ، ولِذَلِكَ قِيلَ: طَلْعُ النَّخْلِ لِأوَّلِ ما يَخْرُجُ مِن ثَمَرِهِ، وأمّا تَشْبِيهُ هَذا الطَّلْعِ بِرُءُوسِ الشَّياطِينِ فَفِيهِ سُؤالٌ؛ لِأنَّهُ قِيلَ: إنّا ما رَأيْنا رَءُوسَ الشَّياطِينِ فَكَيْفَ يُمْكِنُ تَشْبِيهُ شَيْءٍ بِها ؟ وأجابُوا عَنْهُ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ وهو الصَّحِيحُ: أنَّ النّاسَ لَمّا اعْتَقَدُوا في المَلائِكَةِ كَمالَ الفَضْلِ في الصُّورَةِ والسِّيرَةِ، اعْتَقَدُوا في الشَّياطِينِ نِهايَةَ القُبْحِ والتَّشْوِيهِ في الصُّورَةِ والسِّيرَةِ، فَكَما حَسُنَ التَّشْبِيهُ بِالمَلَكِ عِنْدَ إرادَةِ تَقْرِيرِ الكَمالِ والفَضِيلَةِ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ هَذا إلّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ [يوسف: ٣١] فَكَذَلِكَ وجَبَ أنْ يَحْسُنَ التَّشْبِيهُ بِرُءُوسِ الشَّياطِينِ في القُبْحِ وتَشْوِيهِ الخِلْقَةِ، والحاصِلُ أنَّ هَذا مِن بابِ التَّشْبِيهِ لا بِالمَحْسُوسِ بَلْ بِالمُتَخَيَّلِ، كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ أقْبَحَ الأشْياءِ في الوَهْمِ والخِيارِ هو رُءُوسُ الشَّياطِينِ، فَهَذِهِ الشَّجَرَةُ تُشْبِهُها في قُبْحِ النَّظَرِ وتَشْوِيهِ الصُّورَةِ، والَّذِي يُؤَكِّدُ هَذا أنَّ العُقَلاءَ إذا رَأوْا شَيْئًا شَدِيدَ الِاضْطِرابِ مُنْكَرَ الصُّورَةِ قَبِيحَ الخِلْقَةِ، قالُوا: إنَّهُ شَيْطانٌ، وإذا رَأوْا شَيْئًا حَسَنَ الصُّورَةِ والسِّيرَةِ، قالُوا: إنَّهُ مَلَكٌ، وقالَ امْرُؤُ القَيْسِ: أتَقْتُلُنِي والمَشْرَفِيُّ مُضاجِعِي ومَسْنُونَةٌ زُرْقٌ كَأنْيابِ أغْوالِ والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ الشَّياطِينَ حَيّاتٌ لَها رُءُوسٌ وأعْرافٌ، وهي مِن أقْبَحِ الحَيّاتِ، وبِها يُضْرَبُ المَثَلُ في القُبْحِ، والعَرَبُ إذا رَأتْ مَنظَرًا قَبِيحًا قالَتْ: كَأنَّهُ شَيْطانُ الحَماطَةِ، والحَماطَةُ شَجَرَةٌ مُعَيَّنَةٌ. والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ رُءُوسَ الشَّياطِينِ، نَبْتٌ مَعْرُوفٌ قَبِيحُ الرَّأْسِ، والوَجْهُ الأوَّلُ هو الجَوابُ الحَقُّ، واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ هَذِهِ الشَّجَرَةَ وذَكَرَ صِفَتَها بَيَّنَ أنَّ الكُفّارَ ﴿لَآكِلُونَ مِنها فَمالِئُونَ مِنها البُطُونَ﴾ واعْلَمْ أنَّ إقْدامَهم عَلى ذَلِكَ الأكْلِ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهم أكَلُوا مِنها لِشِدَّةِ الجُوعِ، فَإنْ قِيلَ: وكَيْفَ يَأْكُلُونَها مَعَ نِهايَةِ خُشُونَتِها ونَتْنِها ومَرارَةِ طَعْمِها ؟ قُلْنا: إنَّ الوِقاعَ في الضَّرَرِ العَظِيمِ رُبَّما اسْتُرْوِحَ مِنهُ إلى ما يُقارِبُهُ في الضَّرَرِ، فَإذا جَوَّعَهُمُ اللَّهُ الجُوعَ الشَّدِيدَ فَزِعُوا في إزالَةِ ذَلِكَ الجُوعِ إلى تَناوُلِ هَذا الشَّيْءِ، وإنْ كانَ بِالصِّفَةِ الَّتِي ذَكَرْتُمُوها. الوَجْهُ الثّانِي: أنْ يُقالَ الزَّبانِيَةُ يُكْرِهُونَهم عَلى الأكْلِ مِن تِلْكَ الشَّجَرَةِ تَكْمِيلًا لِعَذابِهِمْ. واعْلَمْ أنَّهم إذا شَبِعُوا فَحِينَئِذٍ يَشْتَدُّ عَطَشُهم ويَحْتاجُونَ إلى الشَّرابِ، فَعِنْدَ هَذا وصَفَ اللَّهُ شَرابَهم، فَقالَ: ﴿ثُمَّ إنَّ لَهم عَلَيْها لَشَوْبًا مِن حَمِيمٍ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: الشَّوْبُ اسْمٌ عامٌّ في كُلِّ ما خُلِطَ بِغَيْرِهِ، والحَمِيمُ الماءُ الحارُّ المُتَناهِي في الحَرارَةِ، والمَعْنى أنَّهُ إذا غَلَبَهم ذَلِكَ العَطَشُ الشَّدِيدُ سُقُوا مِن ذَلِكَ الحَمِيمِ، فَحِينَئِذٍ يَشُوبُ الزَّقُّومُ بِالحَمِيمِ نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنهُما. واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ وصَفَ شَرابَهم في القُرْآنِ بِأشْياءَ مِنها كَوْنُهُ غَسّاقًا، ومِنها قَوْلُهُ: ﴿وسُقُوا ماءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أمْعاءَهُمْ﴾ [محمد: ١٥] ومِنها ما ذَكَرَهُ في هَذِهِ الآيَةِ، فَإنْ قِيلَ ما الفائِدَةُ في كَلِمَةِ ”ثُمَّ“ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ إنَّ لَهم عَلَيْها لَشَوْبًا مِن حَمِيمٍ﴾ ؟ قُلْنا: فِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّهم يَمْلَئُونَ بُطُونَهم مِن شَجَرَةِ الزَّقُّومِ وهو حارٌّ يَحْرُقُ صفحة ١٢٥ بُطُونَهم فَيَعْظُمُ عَطَشُهم، ثُمَّ إنَّهم لا يُسْقَوْنَ إلّا بَعْدَ مُدَّةٍ مَدِيدَةٍ والغَرَضُ تَكْمِيلُ التَّعْذِيبِ. والثّانِي: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ الطَّعامَ بِتِلْكَ البَشاعَةِ والكَراهَةِ، ثُمَّ وصَفَ الشَّرابَ بِما هو أبْشَعُ مِنهُ، فَكانَ المَقْصُودُ مِن كَلِمَةِ ثُمَّ بَيانَ أنَّ حالَ المَشْرُوبِ في البَشاعَةِ أعْظَمُ مِن حالِ المَأْكُولِ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ثُمَّ إنَّ مَرْجِعَهم لَإلى الجَحِيمِ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: أيْ بَعْدِ أكْلِ الزَّقُّومِ وشُرْبِ الحَمِيمِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهم عِنْدَ شُرْبِ الحَمِيمِ لَمْ يَكُونُوا في الجَحِيمِ، وذَلِكَ بِأنْ يَكُونَ الحَمِيمُ مِن مَوْضِعٍ خارِجٍ عَنِ الجَحِيمِ، فَهم يُورَدُونَ الحَمِيمَ لِأجْلِ الشُّرْبِ كَما تُورَدُ الإبِلُ إلى الماءِ، ثُمَّ يُورَدُونَ إلى الجَحِيمِ، فَهَذا قَوْلُ مُقاتِلٍ، واحْتَجَّ عَلى صِحَّتِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِها المُجْرِمُونَ﴾ ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَها وبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: ٤٤] وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ ما ذَكَرْناهُ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ عَذابَهم في أكْلِهِمْ وشُرْبِهِمْ قالَ: ﴿إنَّهم ألْفَوْا آباءَهم ضالِّينَ﴾ ﴿فَهم عَلى آثارِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾ قالَ الفَرّاءُ: الإهْراعُ الإسْراعُ يُقالُ: هَرَعَ وأهْرَعَ إذا اسْتُحِثَّ، والمَعْنى أنَّهم يَتَّبِعُونَ آباءَهُمُ اتِّباعًا في سُرْعَةٍ كَأنَّهم يُزْعَجُونَ إلى اتِّباعِ آبائِهِمْ، والمَقْصُودُ مِنَ الآيَةِ أنَّهُ تَعالى عَلَّلَ اسْتِحْقاقَهم لِلْوُقُوعِ في تِلْكَ الشَّدائِدِ كُلِّها، بِتَقْلِيدِ الآباءِ في الدِّينِ وتَرْكِ اتِّباعِ الدَّلِيلِ، ولَوْ لَمْ يُوجَدْ في القُرْآنِ آيَةٌ غَيْرُ هَذِهِ الآيَةِ في ذَمِّ التَّقْلِيدِ لَكَفى. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ لِرَسُولِهِ ما يُوجِبُ التَّسْلِيَةَ لَهُ في كُفْرِهِمْ وتَكْذِيبِهِمْ، فَقالَ: ﴿ولَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهم أكْثَرُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ إرْسالَهُ لِلرُّسُلِ قَدْ تَقَدَّمَ والتَّكْذِيبَ لَهم قَدْ سَلَفَ، ويَجِبُ أنْ يَكُونَ لَهُ ﷺ أُسْوَةٌ بِهِمْ حَتّى يَصْبِرَ كَما صَبَرُوا، ويَسْتَمِرَّ عَلى الدُّعاءِ إلى اللَّهِ وإنْ تَمَرَّدُوا، فَلَيْسَ عَلَيْهِ إلّا البَلاغُ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُنْذَرِينَ﴾ وهَذا وإنْ كانَ في الظّاهِرِ خِطابًا مَعَ الرَّسُولِ ﷺ إلّا أنَّ المَقْصُودَ مِنهُ خِطابُ الكُفّارِ؛ لِأنَّهم سَمِعُوا بِالأخْبارِ جَمِيعَ ما جَرى مِن أنْواعِ العَذابِ عَلى قَوْمِ نُوحٍ وعَلى عادٍ وثَمُودَ وغَيْرِهِمْ، فَإنْ لَمْ يَعْلَمُوا ذَلِكَ فَلا أقَلَّ مِن ظَنٍّ وخَوْفٍ يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ زاجِرًا لَهم عَنْ كُفْرِهِمْ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهم أكْثَرُ الأوَّلِينَ﴾ . والثّانِي: أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُنْذَرِينَ﴾ فَإنَّها كانَتْ أقْبَحَ العَواقِبِ وأفْظَعَها إلّا عاقِبَةَ عِبادِ اللَّهِ المُخْلَصِينَ، فَإنَّها كانَتْ مَقْرُونَةً بِالخَيْرِ والرّاحَةِ.

الصافات 37:76

القِصَّةُ الأُولى - قِصَّةُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ نادانا نُوحٌ فَلَنِعْمَ المُجِيبُونَ﴾ ﴿ونَجَّيْناهُ وأهْلَهُ مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ ﴿وجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الباقِينَ﴾ صفحة ١٢٦ ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى نُوحٍ في العالَمِينَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿ثُمَّ أغْرَقْنا الآخَرِينَ﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ مِن قَبْلُ: ﴿ولَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهم أكْثَرُ الأوَّلِينَ﴾ وقالَ: ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُنْذَرِينَ﴾ أتْبَعَهُ بِشَرْحِ وقائِعِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ. فالقِصَّةُ الأُولى: حِكايَةُ حالِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ. وقَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ نادانا نُوحٌ فَلَنِعْمَ المُجِيبُونَ﴾ فِيهِ مَباحِثُ: الأوَّلُ: أنَّ اللّامَ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَنِعْمَ المُجِيبُونَ﴾ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٌ والمَخْصُوصُ بِالمَدْحِ مَحْذُوفٌ، أيْ فَلَنِعْمَ المُجِيبُونَ نَحْنُ. البَحْثُ الثّانِي: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أنَّ نُوحًا نادى، ولَمْ يَذْكُرْ أنَّ ذَلِكَ النِّداءَ في أيِّ الوَقائِعِ كانَ ؟ لا جَرَمَ حَصَلَ فِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: وهو المَشْهُورُ عِنْدَ الجُمْهُورِ أنَّهُ نادى الرَّبَّ تَعالى في أنْ يُنْجِيَهُ مِن مِحْنَةِ الغَرَقِ وكَرْبِ تِلْكَ الواقِعَةِ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا اشْتَغَلَ بِدَعْوَةِ قَوْمِهِ إلى الدِّينِ الحَقِّ بالَغُوا في إيذائِهِ وقَصَدُوا قَتْلَهُ، ثُمَّ إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ نادى رَبَّهُ واسْتَنْصَرَهُ عَلى كُفّارِ قَوْمِهِ، فَأجابَهُ اللَّهُ تَعالى ومَنَعَهم مِن قَتْلِهِ وإيذائِهِ، واحْتَجَّ هَذا القائِلُ عَلى ضَعْفِ القَوْلِ الأوَّلِ بِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما دَعا عَلَيْهِمْ لِأجْلِ أنْ يُنْجِيَهُ اللَّهُ تَعالى وأهْلَهُ، وأجابَ اللَّهُ دُعاءَهُ فِيهِ فَكانَ حُصُولُ تِلْكَ النَّجاةِ كالمَعْلُومِ المُتَيَقَّنِ في دُعائِهِ، وذَلِكَ يَمْنَعُ مِن أنْ يُقالَ: المَطْلُوبُ مِن هَذا النِّداءِ حُصُولُ هَذِهِ النَّجاةِ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْ نُوحٍ أنَّهُ ناداهُ قالَ بَعْدَهُ: ﴿فَلَنِعْمَ المُجِيبُونَ﴾ وهَذِهِ اللَّفْظَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ تِلْكَ الإجابَةَ كانَتْ مِنَ النِّعَمِ العَظِيمَةِ، وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى عَبَّرَ عَنْ ذاتِهِ بِصِيغَةِ الجَمْعِ فَقالَ: ﴿ولَقَدْ نادانا نُوحٌ﴾ والقادِرُ العَظِيمُ لا يَلِيقُ بِهِ إلّا الإحْسانُ العَظِيمُ. والثّانِي: أنَّهُ أعادَ صِيغَةَ الجَمْعِ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَنِعْمَ المُجِيبُونَ﴾ وذَلِكَ أيْضًا يَدُلُّ عَلى تَعْظِيمِ تِلْكَ النِّعْمَةِ، لا سِيَّما وقَدْ وصَفَ تِلْكَ الإجابَةَ بِأنَّها نِعْمَتِ الإجابَةُ. والثّالِثُ: أنَّ الفاءَ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَنِعْمَ المُجِيبُونَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ حُصُولَ هَذِهِ الإجابَةِ مُرَتَّبٌ عَلى ذَلِكَ النِّداءِ، والحُكْمُ المُرَتَّبُ عَلى الوَصْفِ المُناسِبِ يَقْتَضِي كَوْنَهُ مُعَلَّلًا بِهِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ النِّداءَ بِالإخْلاصِ سَبَبٌ لِحُصُولِ الإجابَةِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّهُ سُبْحانَهُ نِعْمَ المُجِيبُ عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ، بَيَّنَ أنَّ الإنْعامَ حَصَلَ في تِلْكَ الإجابَةِ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ونَجَّيْناهُ وأهْلَهُ مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ وهو عَلى القَوْلِ الأوَّلِ الكَرْبُ الحاصِلُ بِسَبَبِ الخَوْفِ مِنَ الغَرَقِ، وعَلى الثّانِي الكَرْبُ الحاصِلُ مِن أذى قَوْمِهِ. والثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿وجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الباقِينَ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ مَن سِواهُ وسِوى ذُرِّيَّتِهِ فَقَدْ فَنُوا، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ذُرِّيَّتُهُ بَنُوهُ الثَّلاثَةُ: سامٌ وحامٌ ويافِثُ، فَسامٌ أبُو العَرَبِ وفارِسَ والرُّومِ، وحامٌ أبُو السُّودانِ، ويافِثُ أبُو التُّرْكِ. النِّعْمَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى نُوحٍ في العالَمِينَ﴾ يَعْنِي يَذْكُرُونَ هَذِهِ الكَلِمَةَ، فَإنْ قِيلَ: فَما مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿فِي العالَمِينَ﴾ قُلْنا: مَعْناهُ الدُّعاءُ بِثُبُوتِ هَذِهِ التَّحِيَّةِ فِيهِمْ جَمِيعًا أيْ لا يَخْلُو أحَدٌ مِنهم مِنها، كَأنَّهُ قِيلَ: أثْبَتَ اللَّهُ التَّسْلِيمَ عَلى نُوحٍ وأدامَهُ في المَلائِكَةِ والثَّقَلَيْنِ فَيُسَلِّمُونَ عَلَيْهِ بِكُلِّيَّتِهِمْ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا شَرَحَ تَفاصِيلَ إنْعامِهِ عَلَيْهِ قالَ: ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ والمَعْنى أنّا إنَّما خَصَصْنا نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ بِتِلْكَ التَّشْرِيفاتِ الرَّفِيعَةِ مِن جَعْلِ الدُّنْيا مَمْلُوءَةً مِن ذُرِّيَّتِهِ ومِن تَبْقِيَةِ ذِكْرِهِ الحَسَنِ صفحة ١٢٧ فِي ألْسِنَةِ جَمِيعِ العالَمِينَ لِأجْلِ أنَّهُ كانَ مُحْسِنًا، ثُمَّ عَلَّلَ كَوْنَهُ مُحْسِنًا بِأنَّهُ كانَ عَبْدًا لِلَّهِ مُؤْمِنًا، والمَقْصُودُ مِنهُ بَيانُ أنَّ أعْظَمَ الدَّرَجاتِ وأشْرَفَ المَقاماتِ الإيمانُ بِاللَّهِ والِانْقِيادُ لِطاعَتِهِ.

الصافات 37:77

القِصَّةُ الأُولى - قِصَّةُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ نادانا نُوحٌ فَلَنِعْمَ المُجِيبُونَ﴾ ﴿ونَجَّيْناهُ وأهْلَهُ مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ ﴿وجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الباقِينَ﴾ صفحة ١٢٦ ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى نُوحٍ في العالَمِينَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿ثُمَّ أغْرَقْنا الآخَرِينَ﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ مِن قَبْلُ: ﴿ولَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهم أكْثَرُ الأوَّلِينَ﴾ وقالَ: ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُنْذَرِينَ﴾ أتْبَعَهُ بِشَرْحِ وقائِعِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ. فالقِصَّةُ الأُولى: حِكايَةُ حالِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ. وقَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ نادانا نُوحٌ فَلَنِعْمَ المُجِيبُونَ﴾ فِيهِ مَباحِثُ: الأوَّلُ: أنَّ اللّامَ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَنِعْمَ المُجِيبُونَ﴾ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٌ والمَخْصُوصُ بِالمَدْحِ مَحْذُوفٌ، أيْ فَلَنِعْمَ المُجِيبُونَ نَحْنُ. البَحْثُ الثّانِي: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أنَّ نُوحًا نادى، ولَمْ يَذْكُرْ أنَّ ذَلِكَ النِّداءَ في أيِّ الوَقائِعِ كانَ ؟ لا جَرَمَ حَصَلَ فِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: وهو المَشْهُورُ عِنْدَ الجُمْهُورِ أنَّهُ نادى الرَّبَّ تَعالى في أنْ يُنْجِيَهُ مِن مِحْنَةِ الغَرَقِ وكَرْبِ تِلْكَ الواقِعَةِ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا اشْتَغَلَ بِدَعْوَةِ قَوْمِهِ إلى الدِّينِ الحَقِّ بالَغُوا في إيذائِهِ وقَصَدُوا قَتْلَهُ، ثُمَّ إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ نادى رَبَّهُ واسْتَنْصَرَهُ عَلى كُفّارِ قَوْمِهِ، فَأجابَهُ اللَّهُ تَعالى ومَنَعَهم مِن قَتْلِهِ وإيذائِهِ، واحْتَجَّ هَذا القائِلُ عَلى ضَعْفِ القَوْلِ الأوَّلِ بِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما دَعا عَلَيْهِمْ لِأجْلِ أنْ يُنْجِيَهُ اللَّهُ تَعالى وأهْلَهُ، وأجابَ اللَّهُ دُعاءَهُ فِيهِ فَكانَ حُصُولُ تِلْكَ النَّجاةِ كالمَعْلُومِ المُتَيَقَّنِ في دُعائِهِ، وذَلِكَ يَمْنَعُ مِن أنْ يُقالَ: المَطْلُوبُ مِن هَذا النِّداءِ حُصُولُ هَذِهِ النَّجاةِ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْ نُوحٍ أنَّهُ ناداهُ قالَ بَعْدَهُ: ﴿فَلَنِعْمَ المُجِيبُونَ﴾ وهَذِهِ اللَّفْظَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ تِلْكَ الإجابَةَ كانَتْ مِنَ النِّعَمِ العَظِيمَةِ، وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى عَبَّرَ عَنْ ذاتِهِ بِصِيغَةِ الجَمْعِ فَقالَ: ﴿ولَقَدْ نادانا نُوحٌ﴾ والقادِرُ العَظِيمُ لا يَلِيقُ بِهِ إلّا الإحْسانُ العَظِيمُ. والثّانِي: أنَّهُ أعادَ صِيغَةَ الجَمْعِ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَنِعْمَ المُجِيبُونَ﴾ وذَلِكَ أيْضًا يَدُلُّ عَلى تَعْظِيمِ تِلْكَ النِّعْمَةِ، لا سِيَّما وقَدْ وصَفَ تِلْكَ الإجابَةَ بِأنَّها نِعْمَتِ الإجابَةُ. والثّالِثُ: أنَّ الفاءَ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَنِعْمَ المُجِيبُونَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ حُصُولَ هَذِهِ الإجابَةِ مُرَتَّبٌ عَلى ذَلِكَ النِّداءِ، والحُكْمُ المُرَتَّبُ عَلى الوَصْفِ المُناسِبِ يَقْتَضِي كَوْنَهُ مُعَلَّلًا بِهِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ النِّداءَ بِالإخْلاصِ سَبَبٌ لِحُصُولِ الإجابَةِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّهُ سُبْحانَهُ نِعْمَ المُجِيبُ عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ، بَيَّنَ أنَّ الإنْعامَ حَصَلَ في تِلْكَ الإجابَةِ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ونَجَّيْناهُ وأهْلَهُ مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ وهو عَلى القَوْلِ الأوَّلِ الكَرْبُ الحاصِلُ بِسَبَبِ الخَوْفِ مِنَ الغَرَقِ، وعَلى الثّانِي الكَرْبُ الحاصِلُ مِن أذى قَوْمِهِ. والثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿وجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الباقِينَ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ مَن سِواهُ وسِوى ذُرِّيَّتِهِ فَقَدْ فَنُوا، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ذُرِّيَّتُهُ بَنُوهُ الثَّلاثَةُ: سامٌ وحامٌ ويافِثُ، فَسامٌ أبُو العَرَبِ وفارِسَ والرُّومِ، وحامٌ أبُو السُّودانِ، ويافِثُ أبُو التُّرْكِ. النِّعْمَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى نُوحٍ في العالَمِينَ﴾ يَعْنِي يَذْكُرُونَ هَذِهِ الكَلِمَةَ، فَإنْ قِيلَ: فَما مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿فِي العالَمِينَ﴾ قُلْنا: مَعْناهُ الدُّعاءُ بِثُبُوتِ هَذِهِ التَّحِيَّةِ فِيهِمْ جَمِيعًا أيْ لا يَخْلُو أحَدٌ مِنهم مِنها، كَأنَّهُ قِيلَ: أثْبَتَ اللَّهُ التَّسْلِيمَ عَلى نُوحٍ وأدامَهُ في المَلائِكَةِ والثَّقَلَيْنِ فَيُسَلِّمُونَ عَلَيْهِ بِكُلِّيَّتِهِمْ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا شَرَحَ تَفاصِيلَ إنْعامِهِ عَلَيْهِ قالَ: ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ والمَعْنى أنّا إنَّما خَصَصْنا نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ بِتِلْكَ التَّشْرِيفاتِ الرَّفِيعَةِ مِن جَعْلِ الدُّنْيا مَمْلُوءَةً مِن ذُرِّيَّتِهِ ومِن تَبْقِيَةِ ذِكْرِهِ الحَسَنِ صفحة ١٢٧ فِي ألْسِنَةِ جَمِيعِ العالَمِينَ لِأجْلِ أنَّهُ كانَ مُحْسِنًا، ثُمَّ عَلَّلَ كَوْنَهُ مُحْسِنًا بِأنَّهُ كانَ عَبْدًا لِلَّهِ مُؤْمِنًا، والمَقْصُودُ مِنهُ بَيانُ أنَّ أعْظَمَ الدَّرَجاتِ وأشْرَفَ المَقاماتِ الإيمانُ بِاللَّهِ والِانْقِيادُ لِطاعَتِهِ.

الصافات 37:78

القِصَّةُ الأُولى - قِصَّةُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ نادانا نُوحٌ فَلَنِعْمَ المُجِيبُونَ﴾ ﴿ونَجَّيْناهُ وأهْلَهُ مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ ﴿وجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الباقِينَ﴾ صفحة ١٢٦ ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى نُوحٍ في العالَمِينَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿ثُمَّ أغْرَقْنا الآخَرِينَ﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ مِن قَبْلُ: ﴿ولَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهم أكْثَرُ الأوَّلِينَ﴾ وقالَ: ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُنْذَرِينَ﴾ أتْبَعَهُ بِشَرْحِ وقائِعِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ. فالقِصَّةُ الأُولى: حِكايَةُ حالِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ. وقَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ نادانا نُوحٌ فَلَنِعْمَ المُجِيبُونَ﴾ فِيهِ مَباحِثُ: الأوَّلُ: أنَّ اللّامَ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَنِعْمَ المُجِيبُونَ﴾ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٌ والمَخْصُوصُ بِالمَدْحِ مَحْذُوفٌ، أيْ فَلَنِعْمَ المُجِيبُونَ نَحْنُ. البَحْثُ الثّانِي: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أنَّ نُوحًا نادى، ولَمْ يَذْكُرْ أنَّ ذَلِكَ النِّداءَ في أيِّ الوَقائِعِ كانَ ؟ لا جَرَمَ حَصَلَ فِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: وهو المَشْهُورُ عِنْدَ الجُمْهُورِ أنَّهُ نادى الرَّبَّ تَعالى في أنْ يُنْجِيَهُ مِن مِحْنَةِ الغَرَقِ وكَرْبِ تِلْكَ الواقِعَةِ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا اشْتَغَلَ بِدَعْوَةِ قَوْمِهِ إلى الدِّينِ الحَقِّ بالَغُوا في إيذائِهِ وقَصَدُوا قَتْلَهُ، ثُمَّ إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ نادى رَبَّهُ واسْتَنْصَرَهُ عَلى كُفّارِ قَوْمِهِ، فَأجابَهُ اللَّهُ تَعالى ومَنَعَهم مِن قَتْلِهِ وإيذائِهِ، واحْتَجَّ هَذا القائِلُ عَلى ضَعْفِ القَوْلِ الأوَّلِ بِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما دَعا عَلَيْهِمْ لِأجْلِ أنْ يُنْجِيَهُ اللَّهُ تَعالى وأهْلَهُ، وأجابَ اللَّهُ دُعاءَهُ فِيهِ فَكانَ حُصُولُ تِلْكَ النَّجاةِ كالمَعْلُومِ المُتَيَقَّنِ في دُعائِهِ، وذَلِكَ يَمْنَعُ مِن أنْ يُقالَ: المَطْلُوبُ مِن هَذا النِّداءِ حُصُولُ هَذِهِ النَّجاةِ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْ نُوحٍ أنَّهُ ناداهُ قالَ بَعْدَهُ: ﴿فَلَنِعْمَ المُجِيبُونَ﴾ وهَذِهِ اللَّفْظَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ تِلْكَ الإجابَةَ كانَتْ مِنَ النِّعَمِ العَظِيمَةِ، وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى عَبَّرَ عَنْ ذاتِهِ بِصِيغَةِ الجَمْعِ فَقالَ: ﴿ولَقَدْ نادانا نُوحٌ﴾ والقادِرُ العَظِيمُ لا يَلِيقُ بِهِ إلّا الإحْسانُ العَظِيمُ. والثّانِي: أنَّهُ أعادَ صِيغَةَ الجَمْعِ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَنِعْمَ المُجِيبُونَ﴾ وذَلِكَ أيْضًا يَدُلُّ عَلى تَعْظِيمِ تِلْكَ النِّعْمَةِ، لا سِيَّما وقَدْ وصَفَ تِلْكَ الإجابَةَ بِأنَّها نِعْمَتِ الإجابَةُ. والثّالِثُ: أنَّ الفاءَ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَنِعْمَ المُجِيبُونَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ حُصُولَ هَذِهِ الإجابَةِ مُرَتَّبٌ عَلى ذَلِكَ النِّداءِ، والحُكْمُ المُرَتَّبُ عَلى الوَصْفِ المُناسِبِ يَقْتَضِي كَوْنَهُ مُعَلَّلًا بِهِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ النِّداءَ بِالإخْلاصِ سَبَبٌ لِحُصُولِ الإجابَةِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّهُ سُبْحانَهُ نِعْمَ المُجِيبُ عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ، بَيَّنَ أنَّ الإنْعامَ حَصَلَ في تِلْكَ الإجابَةِ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ونَجَّيْناهُ وأهْلَهُ مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ وهو عَلى القَوْلِ الأوَّلِ الكَرْبُ الحاصِلُ بِسَبَبِ الخَوْفِ مِنَ الغَرَقِ، وعَلى الثّانِي الكَرْبُ الحاصِلُ مِن أذى قَوْمِهِ. والثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿وجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الباقِينَ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ مَن سِواهُ وسِوى ذُرِّيَّتِهِ فَقَدْ فَنُوا، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ذُرِّيَّتُهُ بَنُوهُ الثَّلاثَةُ: سامٌ وحامٌ ويافِثُ، فَسامٌ أبُو العَرَبِ وفارِسَ والرُّومِ، وحامٌ أبُو السُّودانِ، ويافِثُ أبُو التُّرْكِ. النِّعْمَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى نُوحٍ في العالَمِينَ﴾ يَعْنِي يَذْكُرُونَ هَذِهِ الكَلِمَةَ، فَإنْ قِيلَ: فَما مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿فِي العالَمِينَ﴾ قُلْنا: مَعْناهُ الدُّعاءُ بِثُبُوتِ هَذِهِ التَّحِيَّةِ فِيهِمْ جَمِيعًا أيْ لا يَخْلُو أحَدٌ مِنهم مِنها، كَأنَّهُ قِيلَ: أثْبَتَ اللَّهُ التَّسْلِيمَ عَلى نُوحٍ وأدامَهُ في المَلائِكَةِ والثَّقَلَيْنِ فَيُسَلِّمُونَ عَلَيْهِ بِكُلِّيَّتِهِمْ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا شَرَحَ تَفاصِيلَ إنْعامِهِ عَلَيْهِ قالَ: ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ والمَعْنى أنّا إنَّما خَصَصْنا نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ بِتِلْكَ التَّشْرِيفاتِ الرَّفِيعَةِ مِن جَعْلِ الدُّنْيا مَمْلُوءَةً مِن ذُرِّيَّتِهِ ومِن تَبْقِيَةِ ذِكْرِهِ الحَسَنِ صفحة ١٢٧ فِي ألْسِنَةِ جَمِيعِ العالَمِينَ لِأجْلِ أنَّهُ كانَ مُحْسِنًا، ثُمَّ عَلَّلَ كَوْنَهُ مُحْسِنًا بِأنَّهُ كانَ عَبْدًا لِلَّهِ مُؤْمِنًا، والمَقْصُودُ مِنهُ بَيانُ أنَّ أعْظَمَ الدَّرَجاتِ وأشْرَفَ المَقاماتِ الإيمانُ بِاللَّهِ والِانْقِيادُ لِطاعَتِهِ.

الصافات 37:79

القِصَّةُ الأُولى - قِصَّةُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ نادانا نُوحٌ فَلَنِعْمَ المُجِيبُونَ﴾ ﴿ونَجَّيْناهُ وأهْلَهُ مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ ﴿وجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الباقِينَ﴾ صفحة ١٢٦ ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى نُوحٍ في العالَمِينَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿ثُمَّ أغْرَقْنا الآخَرِينَ﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ مِن قَبْلُ: ﴿ولَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهم أكْثَرُ الأوَّلِينَ﴾ وقالَ: ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُنْذَرِينَ﴾ أتْبَعَهُ بِشَرْحِ وقائِعِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ. فالقِصَّةُ الأُولى: حِكايَةُ حالِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ. وقَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ نادانا نُوحٌ فَلَنِعْمَ المُجِيبُونَ﴾ فِيهِ مَباحِثُ: الأوَّلُ: أنَّ اللّامَ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَنِعْمَ المُجِيبُونَ﴾ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٌ والمَخْصُوصُ بِالمَدْحِ مَحْذُوفٌ، أيْ فَلَنِعْمَ المُجِيبُونَ نَحْنُ. البَحْثُ الثّانِي: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أنَّ نُوحًا نادى، ولَمْ يَذْكُرْ أنَّ ذَلِكَ النِّداءَ في أيِّ الوَقائِعِ كانَ ؟ لا جَرَمَ حَصَلَ فِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: وهو المَشْهُورُ عِنْدَ الجُمْهُورِ أنَّهُ نادى الرَّبَّ تَعالى في أنْ يُنْجِيَهُ مِن مِحْنَةِ الغَرَقِ وكَرْبِ تِلْكَ الواقِعَةِ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا اشْتَغَلَ بِدَعْوَةِ قَوْمِهِ إلى الدِّينِ الحَقِّ بالَغُوا في إيذائِهِ وقَصَدُوا قَتْلَهُ، ثُمَّ إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ نادى رَبَّهُ واسْتَنْصَرَهُ عَلى كُفّارِ قَوْمِهِ، فَأجابَهُ اللَّهُ تَعالى ومَنَعَهم مِن قَتْلِهِ وإيذائِهِ، واحْتَجَّ هَذا القائِلُ عَلى ضَعْفِ القَوْلِ الأوَّلِ بِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما دَعا عَلَيْهِمْ لِأجْلِ أنْ يُنْجِيَهُ اللَّهُ تَعالى وأهْلَهُ، وأجابَ اللَّهُ دُعاءَهُ فِيهِ فَكانَ حُصُولُ تِلْكَ النَّجاةِ كالمَعْلُومِ المُتَيَقَّنِ في دُعائِهِ، وذَلِكَ يَمْنَعُ مِن أنْ يُقالَ: المَطْلُوبُ مِن هَذا النِّداءِ حُصُولُ هَذِهِ النَّجاةِ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْ نُوحٍ أنَّهُ ناداهُ قالَ بَعْدَهُ: ﴿فَلَنِعْمَ المُجِيبُونَ﴾ وهَذِهِ اللَّفْظَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ تِلْكَ الإجابَةَ كانَتْ مِنَ النِّعَمِ العَظِيمَةِ، وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى عَبَّرَ عَنْ ذاتِهِ بِصِيغَةِ الجَمْعِ فَقالَ: ﴿ولَقَدْ نادانا نُوحٌ﴾ والقادِرُ العَظِيمُ لا يَلِيقُ بِهِ إلّا الإحْسانُ العَظِيمُ. والثّانِي: أنَّهُ أعادَ صِيغَةَ الجَمْعِ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَنِعْمَ المُجِيبُونَ﴾ وذَلِكَ أيْضًا يَدُلُّ عَلى تَعْظِيمِ تِلْكَ النِّعْمَةِ، لا سِيَّما وقَدْ وصَفَ تِلْكَ الإجابَةَ بِأنَّها نِعْمَتِ الإجابَةُ. والثّالِثُ: أنَّ الفاءَ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَنِعْمَ المُجِيبُونَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ حُصُولَ هَذِهِ الإجابَةِ مُرَتَّبٌ عَلى ذَلِكَ النِّداءِ، والحُكْمُ المُرَتَّبُ عَلى الوَصْفِ المُناسِبِ يَقْتَضِي كَوْنَهُ مُعَلَّلًا بِهِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ النِّداءَ بِالإخْلاصِ سَبَبٌ لِحُصُولِ الإجابَةِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّهُ سُبْحانَهُ نِعْمَ المُجِيبُ عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ، بَيَّنَ أنَّ الإنْعامَ حَصَلَ في تِلْكَ الإجابَةِ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ونَجَّيْناهُ وأهْلَهُ مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ وهو عَلى القَوْلِ الأوَّلِ الكَرْبُ الحاصِلُ بِسَبَبِ الخَوْفِ مِنَ الغَرَقِ، وعَلى الثّانِي الكَرْبُ الحاصِلُ مِن أذى قَوْمِهِ. والثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿وجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الباقِينَ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ مَن سِواهُ وسِوى ذُرِّيَّتِهِ فَقَدْ فَنُوا، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ذُرِّيَّتُهُ بَنُوهُ الثَّلاثَةُ: سامٌ وحامٌ ويافِثُ، فَسامٌ أبُو العَرَبِ وفارِسَ والرُّومِ، وحامٌ أبُو السُّودانِ، ويافِثُ أبُو التُّرْكِ. النِّعْمَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى نُوحٍ في العالَمِينَ﴾ يَعْنِي يَذْكُرُونَ هَذِهِ الكَلِمَةَ، فَإنْ قِيلَ: فَما مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿فِي العالَمِينَ﴾ قُلْنا: مَعْناهُ الدُّعاءُ بِثُبُوتِ هَذِهِ التَّحِيَّةِ فِيهِمْ جَمِيعًا أيْ لا يَخْلُو أحَدٌ مِنهم مِنها، كَأنَّهُ قِيلَ: أثْبَتَ اللَّهُ التَّسْلِيمَ عَلى نُوحٍ وأدامَهُ في المَلائِكَةِ والثَّقَلَيْنِ فَيُسَلِّمُونَ عَلَيْهِ بِكُلِّيَّتِهِمْ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا شَرَحَ تَفاصِيلَ إنْعامِهِ عَلَيْهِ قالَ: ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ والمَعْنى أنّا إنَّما خَصَصْنا نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ بِتِلْكَ التَّشْرِيفاتِ الرَّفِيعَةِ مِن جَعْلِ الدُّنْيا مَمْلُوءَةً مِن ذُرِّيَّتِهِ ومِن تَبْقِيَةِ ذِكْرِهِ الحَسَنِ صفحة ١٢٧ فِي ألْسِنَةِ جَمِيعِ العالَمِينَ لِأجْلِ أنَّهُ كانَ مُحْسِنًا، ثُمَّ عَلَّلَ كَوْنَهُ مُحْسِنًا بِأنَّهُ كانَ عَبْدًا لِلَّهِ مُؤْمِنًا، والمَقْصُودُ مِنهُ بَيانُ أنَّ أعْظَمَ الدَّرَجاتِ وأشْرَفَ المَقاماتِ الإيمانُ بِاللَّهِ والِانْقِيادُ لِطاعَتِهِ.

الصافات 37:80

القِصَّةُ الأُولى - قِصَّةُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ نادانا نُوحٌ فَلَنِعْمَ المُجِيبُونَ﴾ ﴿ونَجَّيْناهُ وأهْلَهُ مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ ﴿وجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الباقِينَ﴾ صفحة ١٢٦ ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى نُوحٍ في العالَمِينَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿ثُمَّ أغْرَقْنا الآخَرِينَ﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ مِن قَبْلُ: ﴿ولَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهم أكْثَرُ الأوَّلِينَ﴾ وقالَ: ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُنْذَرِينَ﴾ أتْبَعَهُ بِشَرْحِ وقائِعِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ. فالقِصَّةُ الأُولى: حِكايَةُ حالِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ. وقَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ نادانا نُوحٌ فَلَنِعْمَ المُجِيبُونَ﴾ فِيهِ مَباحِثُ: الأوَّلُ: أنَّ اللّامَ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَنِعْمَ المُجِيبُونَ﴾ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٌ والمَخْصُوصُ بِالمَدْحِ مَحْذُوفٌ، أيْ فَلَنِعْمَ المُجِيبُونَ نَحْنُ. البَحْثُ الثّانِي: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أنَّ نُوحًا نادى، ولَمْ يَذْكُرْ أنَّ ذَلِكَ النِّداءَ في أيِّ الوَقائِعِ كانَ ؟ لا جَرَمَ حَصَلَ فِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: وهو المَشْهُورُ عِنْدَ الجُمْهُورِ أنَّهُ نادى الرَّبَّ تَعالى في أنْ يُنْجِيَهُ مِن مِحْنَةِ الغَرَقِ وكَرْبِ تِلْكَ الواقِعَةِ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا اشْتَغَلَ بِدَعْوَةِ قَوْمِهِ إلى الدِّينِ الحَقِّ بالَغُوا في إيذائِهِ وقَصَدُوا قَتْلَهُ، ثُمَّ إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ نادى رَبَّهُ واسْتَنْصَرَهُ عَلى كُفّارِ قَوْمِهِ، فَأجابَهُ اللَّهُ تَعالى ومَنَعَهم مِن قَتْلِهِ وإيذائِهِ، واحْتَجَّ هَذا القائِلُ عَلى ضَعْفِ القَوْلِ الأوَّلِ بِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما دَعا عَلَيْهِمْ لِأجْلِ أنْ يُنْجِيَهُ اللَّهُ تَعالى وأهْلَهُ، وأجابَ اللَّهُ دُعاءَهُ فِيهِ فَكانَ حُصُولُ تِلْكَ النَّجاةِ كالمَعْلُومِ المُتَيَقَّنِ في دُعائِهِ، وذَلِكَ يَمْنَعُ مِن أنْ يُقالَ: المَطْلُوبُ مِن هَذا النِّداءِ حُصُولُ هَذِهِ النَّجاةِ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْ نُوحٍ أنَّهُ ناداهُ قالَ بَعْدَهُ: ﴿فَلَنِعْمَ المُجِيبُونَ﴾ وهَذِهِ اللَّفْظَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ تِلْكَ الإجابَةَ كانَتْ مِنَ النِّعَمِ العَظِيمَةِ، وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى عَبَّرَ عَنْ ذاتِهِ بِصِيغَةِ الجَمْعِ فَقالَ: ﴿ولَقَدْ نادانا نُوحٌ﴾ والقادِرُ العَظِيمُ لا يَلِيقُ بِهِ إلّا الإحْسانُ العَظِيمُ. والثّانِي: أنَّهُ أعادَ صِيغَةَ الجَمْعِ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَنِعْمَ المُجِيبُونَ﴾ وذَلِكَ أيْضًا يَدُلُّ عَلى تَعْظِيمِ تِلْكَ النِّعْمَةِ، لا سِيَّما وقَدْ وصَفَ تِلْكَ الإجابَةَ بِأنَّها نِعْمَتِ الإجابَةُ. والثّالِثُ: أنَّ الفاءَ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَنِعْمَ المُجِيبُونَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ حُصُولَ هَذِهِ الإجابَةِ مُرَتَّبٌ عَلى ذَلِكَ النِّداءِ، والحُكْمُ المُرَتَّبُ عَلى الوَصْفِ المُناسِبِ يَقْتَضِي كَوْنَهُ مُعَلَّلًا بِهِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ النِّداءَ بِالإخْلاصِ سَبَبٌ لِحُصُولِ الإجابَةِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّهُ سُبْحانَهُ نِعْمَ المُجِيبُ عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ، بَيَّنَ أنَّ الإنْعامَ حَصَلَ في تِلْكَ الإجابَةِ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ونَجَّيْناهُ وأهْلَهُ مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ وهو عَلى القَوْلِ الأوَّلِ الكَرْبُ الحاصِلُ بِسَبَبِ الخَوْفِ مِنَ الغَرَقِ، وعَلى الثّانِي الكَرْبُ الحاصِلُ مِن أذى قَوْمِهِ. والثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿وجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الباقِينَ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ مَن سِواهُ وسِوى ذُرِّيَّتِهِ فَقَدْ فَنُوا، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ذُرِّيَّتُهُ بَنُوهُ الثَّلاثَةُ: سامٌ وحامٌ ويافِثُ، فَسامٌ أبُو العَرَبِ وفارِسَ والرُّومِ، وحامٌ أبُو السُّودانِ، ويافِثُ أبُو التُّرْكِ. النِّعْمَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى نُوحٍ في العالَمِينَ﴾ يَعْنِي يَذْكُرُونَ هَذِهِ الكَلِمَةَ، فَإنْ قِيلَ: فَما مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿فِي العالَمِينَ﴾ قُلْنا: مَعْناهُ الدُّعاءُ بِثُبُوتِ هَذِهِ التَّحِيَّةِ فِيهِمْ جَمِيعًا أيْ لا يَخْلُو أحَدٌ مِنهم مِنها، كَأنَّهُ قِيلَ: أثْبَتَ اللَّهُ التَّسْلِيمَ عَلى نُوحٍ وأدامَهُ في المَلائِكَةِ والثَّقَلَيْنِ فَيُسَلِّمُونَ عَلَيْهِ بِكُلِّيَّتِهِمْ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا شَرَحَ تَفاصِيلَ إنْعامِهِ عَلَيْهِ قالَ: ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ والمَعْنى أنّا إنَّما خَصَصْنا نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ بِتِلْكَ التَّشْرِيفاتِ الرَّفِيعَةِ مِن جَعْلِ الدُّنْيا مَمْلُوءَةً مِن ذُرِّيَّتِهِ ومِن تَبْقِيَةِ ذِكْرِهِ الحَسَنِ صفحة ١٢٧ فِي ألْسِنَةِ جَمِيعِ العالَمِينَ لِأجْلِ أنَّهُ كانَ مُحْسِنًا، ثُمَّ عَلَّلَ كَوْنَهُ مُحْسِنًا بِأنَّهُ كانَ عَبْدًا لِلَّهِ مُؤْمِنًا، والمَقْصُودُ مِنهُ بَيانُ أنَّ أعْظَمَ الدَّرَجاتِ وأشْرَفَ المَقاماتِ الإيمانُ بِاللَّهِ والِانْقِيادُ لِطاعَتِهِ.

الصافات 37:81

القِصَّةُ الأُولى - قِصَّةُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ نادانا نُوحٌ فَلَنِعْمَ المُجِيبُونَ﴾ ﴿ونَجَّيْناهُ وأهْلَهُ مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ ﴿وجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الباقِينَ﴾ صفحة ١٢٦ ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى نُوحٍ في العالَمِينَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿ثُمَّ أغْرَقْنا الآخَرِينَ﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ مِن قَبْلُ: ﴿ولَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهم أكْثَرُ الأوَّلِينَ﴾ وقالَ: ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُنْذَرِينَ﴾ أتْبَعَهُ بِشَرْحِ وقائِعِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ. فالقِصَّةُ الأُولى: حِكايَةُ حالِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ. وقَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ نادانا نُوحٌ فَلَنِعْمَ المُجِيبُونَ﴾ فِيهِ مَباحِثُ: الأوَّلُ: أنَّ اللّامَ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَنِعْمَ المُجِيبُونَ﴾ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٌ والمَخْصُوصُ بِالمَدْحِ مَحْذُوفٌ، أيْ فَلَنِعْمَ المُجِيبُونَ نَحْنُ. البَحْثُ الثّانِي: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أنَّ نُوحًا نادى، ولَمْ يَذْكُرْ أنَّ ذَلِكَ النِّداءَ في أيِّ الوَقائِعِ كانَ ؟ لا جَرَمَ حَصَلَ فِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: وهو المَشْهُورُ عِنْدَ الجُمْهُورِ أنَّهُ نادى الرَّبَّ تَعالى في أنْ يُنْجِيَهُ مِن مِحْنَةِ الغَرَقِ وكَرْبِ تِلْكَ الواقِعَةِ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا اشْتَغَلَ بِدَعْوَةِ قَوْمِهِ إلى الدِّينِ الحَقِّ بالَغُوا في إيذائِهِ وقَصَدُوا قَتْلَهُ، ثُمَّ إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ نادى رَبَّهُ واسْتَنْصَرَهُ عَلى كُفّارِ قَوْمِهِ، فَأجابَهُ اللَّهُ تَعالى ومَنَعَهم مِن قَتْلِهِ وإيذائِهِ، واحْتَجَّ هَذا القائِلُ عَلى ضَعْفِ القَوْلِ الأوَّلِ بِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما دَعا عَلَيْهِمْ لِأجْلِ أنْ يُنْجِيَهُ اللَّهُ تَعالى وأهْلَهُ، وأجابَ اللَّهُ دُعاءَهُ فِيهِ فَكانَ حُصُولُ تِلْكَ النَّجاةِ كالمَعْلُومِ المُتَيَقَّنِ في دُعائِهِ، وذَلِكَ يَمْنَعُ مِن أنْ يُقالَ: المَطْلُوبُ مِن هَذا النِّداءِ حُصُولُ هَذِهِ النَّجاةِ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْ نُوحٍ أنَّهُ ناداهُ قالَ بَعْدَهُ: ﴿فَلَنِعْمَ المُجِيبُونَ﴾ وهَذِهِ اللَّفْظَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ تِلْكَ الإجابَةَ كانَتْ مِنَ النِّعَمِ العَظِيمَةِ، وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى عَبَّرَ عَنْ ذاتِهِ بِصِيغَةِ الجَمْعِ فَقالَ: ﴿ولَقَدْ نادانا نُوحٌ﴾ والقادِرُ العَظِيمُ لا يَلِيقُ بِهِ إلّا الإحْسانُ العَظِيمُ. والثّانِي: أنَّهُ أعادَ صِيغَةَ الجَمْعِ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَنِعْمَ المُجِيبُونَ﴾ وذَلِكَ أيْضًا يَدُلُّ عَلى تَعْظِيمِ تِلْكَ النِّعْمَةِ، لا سِيَّما وقَدْ وصَفَ تِلْكَ الإجابَةَ بِأنَّها نِعْمَتِ الإجابَةُ. والثّالِثُ: أنَّ الفاءَ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَنِعْمَ المُجِيبُونَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ حُصُولَ هَذِهِ الإجابَةِ مُرَتَّبٌ عَلى ذَلِكَ النِّداءِ، والحُكْمُ المُرَتَّبُ عَلى الوَصْفِ المُناسِبِ يَقْتَضِي كَوْنَهُ مُعَلَّلًا بِهِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ النِّداءَ بِالإخْلاصِ سَبَبٌ لِحُصُولِ الإجابَةِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّهُ سُبْحانَهُ نِعْمَ المُجِيبُ عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ، بَيَّنَ أنَّ الإنْعامَ حَصَلَ في تِلْكَ الإجابَةِ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ونَجَّيْناهُ وأهْلَهُ مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ وهو عَلى القَوْلِ الأوَّلِ الكَرْبُ الحاصِلُ بِسَبَبِ الخَوْفِ مِنَ الغَرَقِ، وعَلى الثّانِي الكَرْبُ الحاصِلُ مِن أذى قَوْمِهِ. والثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿وجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الباقِينَ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ مَن سِواهُ وسِوى ذُرِّيَّتِهِ فَقَدْ فَنُوا، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ذُرِّيَّتُهُ بَنُوهُ الثَّلاثَةُ: سامٌ وحامٌ ويافِثُ، فَسامٌ أبُو العَرَبِ وفارِسَ والرُّومِ، وحامٌ أبُو السُّودانِ، ويافِثُ أبُو التُّرْكِ. النِّعْمَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى نُوحٍ في العالَمِينَ﴾ يَعْنِي يَذْكُرُونَ هَذِهِ الكَلِمَةَ، فَإنْ قِيلَ: فَما مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿فِي العالَمِينَ﴾ قُلْنا: مَعْناهُ الدُّعاءُ بِثُبُوتِ هَذِهِ التَّحِيَّةِ فِيهِمْ جَمِيعًا أيْ لا يَخْلُو أحَدٌ مِنهم مِنها، كَأنَّهُ قِيلَ: أثْبَتَ اللَّهُ التَّسْلِيمَ عَلى نُوحٍ وأدامَهُ في المَلائِكَةِ والثَّقَلَيْنِ فَيُسَلِّمُونَ عَلَيْهِ بِكُلِّيَّتِهِمْ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا شَرَحَ تَفاصِيلَ إنْعامِهِ عَلَيْهِ قالَ: ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ والمَعْنى أنّا إنَّما خَصَصْنا نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ بِتِلْكَ التَّشْرِيفاتِ الرَّفِيعَةِ مِن جَعْلِ الدُّنْيا مَمْلُوءَةً مِن ذُرِّيَّتِهِ ومِن تَبْقِيَةِ ذِكْرِهِ الحَسَنِ صفحة ١٢٧ فِي ألْسِنَةِ جَمِيعِ العالَمِينَ لِأجْلِ أنَّهُ كانَ مُحْسِنًا، ثُمَّ عَلَّلَ كَوْنَهُ مُحْسِنًا بِأنَّهُ كانَ عَبْدًا لِلَّهِ مُؤْمِنًا، والمَقْصُودُ مِنهُ بَيانُ أنَّ أعْظَمَ الدَّرَجاتِ وأشْرَفَ المَقاماتِ الإيمانُ بِاللَّهِ والِانْقِيادُ لِطاعَتِهِ.

الصافات 37:82

القِصَّةُ الأُولى - قِصَّةُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ نادانا نُوحٌ فَلَنِعْمَ المُجِيبُونَ﴾ ﴿ونَجَّيْناهُ وأهْلَهُ مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ ﴿وجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الباقِينَ﴾ صفحة ١٢٦ ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى نُوحٍ في العالَمِينَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿ثُمَّ أغْرَقْنا الآخَرِينَ﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ مِن قَبْلُ: ﴿ولَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهم أكْثَرُ الأوَّلِينَ﴾ وقالَ: ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُنْذَرِينَ﴾ أتْبَعَهُ بِشَرْحِ وقائِعِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ. فالقِصَّةُ الأُولى: حِكايَةُ حالِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ. وقَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ نادانا نُوحٌ فَلَنِعْمَ المُجِيبُونَ﴾ فِيهِ مَباحِثُ: الأوَّلُ: أنَّ اللّامَ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَنِعْمَ المُجِيبُونَ﴾ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٌ والمَخْصُوصُ بِالمَدْحِ مَحْذُوفٌ، أيْ فَلَنِعْمَ المُجِيبُونَ نَحْنُ. البَحْثُ الثّانِي: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أنَّ نُوحًا نادى، ولَمْ يَذْكُرْ أنَّ ذَلِكَ النِّداءَ في أيِّ الوَقائِعِ كانَ ؟ لا جَرَمَ حَصَلَ فِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: وهو المَشْهُورُ عِنْدَ الجُمْهُورِ أنَّهُ نادى الرَّبَّ تَعالى في أنْ يُنْجِيَهُ مِن مِحْنَةِ الغَرَقِ وكَرْبِ تِلْكَ الواقِعَةِ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا اشْتَغَلَ بِدَعْوَةِ قَوْمِهِ إلى الدِّينِ الحَقِّ بالَغُوا في إيذائِهِ وقَصَدُوا قَتْلَهُ، ثُمَّ إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ نادى رَبَّهُ واسْتَنْصَرَهُ عَلى كُفّارِ قَوْمِهِ، فَأجابَهُ اللَّهُ تَعالى ومَنَعَهم مِن قَتْلِهِ وإيذائِهِ، واحْتَجَّ هَذا القائِلُ عَلى ضَعْفِ القَوْلِ الأوَّلِ بِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما دَعا عَلَيْهِمْ لِأجْلِ أنْ يُنْجِيَهُ اللَّهُ تَعالى وأهْلَهُ، وأجابَ اللَّهُ دُعاءَهُ فِيهِ فَكانَ حُصُولُ تِلْكَ النَّجاةِ كالمَعْلُومِ المُتَيَقَّنِ في دُعائِهِ، وذَلِكَ يَمْنَعُ مِن أنْ يُقالَ: المَطْلُوبُ مِن هَذا النِّداءِ حُصُولُ هَذِهِ النَّجاةِ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْ نُوحٍ أنَّهُ ناداهُ قالَ بَعْدَهُ: ﴿فَلَنِعْمَ المُجِيبُونَ﴾ وهَذِهِ اللَّفْظَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ تِلْكَ الإجابَةَ كانَتْ مِنَ النِّعَمِ العَظِيمَةِ، وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى عَبَّرَ عَنْ ذاتِهِ بِصِيغَةِ الجَمْعِ فَقالَ: ﴿ولَقَدْ نادانا نُوحٌ﴾ والقادِرُ العَظِيمُ لا يَلِيقُ بِهِ إلّا الإحْسانُ العَظِيمُ. والثّانِي: أنَّهُ أعادَ صِيغَةَ الجَمْعِ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَنِعْمَ المُجِيبُونَ﴾ وذَلِكَ أيْضًا يَدُلُّ عَلى تَعْظِيمِ تِلْكَ النِّعْمَةِ، لا سِيَّما وقَدْ وصَفَ تِلْكَ الإجابَةَ بِأنَّها نِعْمَتِ الإجابَةُ. والثّالِثُ: أنَّ الفاءَ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَنِعْمَ المُجِيبُونَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ حُصُولَ هَذِهِ الإجابَةِ مُرَتَّبٌ عَلى ذَلِكَ النِّداءِ، والحُكْمُ المُرَتَّبُ عَلى الوَصْفِ المُناسِبِ يَقْتَضِي كَوْنَهُ مُعَلَّلًا بِهِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ النِّداءَ بِالإخْلاصِ سَبَبٌ لِحُصُولِ الإجابَةِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّهُ سُبْحانَهُ نِعْمَ المُجِيبُ عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ، بَيَّنَ أنَّ الإنْعامَ حَصَلَ في تِلْكَ الإجابَةِ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ونَجَّيْناهُ وأهْلَهُ مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ وهو عَلى القَوْلِ الأوَّلِ الكَرْبُ الحاصِلُ بِسَبَبِ الخَوْفِ مِنَ الغَرَقِ، وعَلى الثّانِي الكَرْبُ الحاصِلُ مِن أذى قَوْمِهِ. والثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿وجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الباقِينَ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ مَن سِواهُ وسِوى ذُرِّيَّتِهِ فَقَدْ فَنُوا، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ذُرِّيَّتُهُ بَنُوهُ الثَّلاثَةُ: سامٌ وحامٌ ويافِثُ، فَسامٌ أبُو العَرَبِ وفارِسَ والرُّومِ، وحامٌ أبُو السُّودانِ، ويافِثُ أبُو التُّرْكِ. النِّعْمَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى نُوحٍ في العالَمِينَ﴾ يَعْنِي يَذْكُرُونَ هَذِهِ الكَلِمَةَ، فَإنْ قِيلَ: فَما مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿فِي العالَمِينَ﴾ قُلْنا: مَعْناهُ الدُّعاءُ بِثُبُوتِ هَذِهِ التَّحِيَّةِ فِيهِمْ جَمِيعًا أيْ لا يَخْلُو أحَدٌ مِنهم مِنها، كَأنَّهُ قِيلَ: أثْبَتَ اللَّهُ التَّسْلِيمَ عَلى نُوحٍ وأدامَهُ في المَلائِكَةِ والثَّقَلَيْنِ فَيُسَلِّمُونَ عَلَيْهِ بِكُلِّيَّتِهِمْ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا شَرَحَ تَفاصِيلَ إنْعامِهِ عَلَيْهِ قالَ: ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ والمَعْنى أنّا إنَّما خَصَصْنا نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ بِتِلْكَ التَّشْرِيفاتِ الرَّفِيعَةِ مِن جَعْلِ الدُّنْيا مَمْلُوءَةً مِن ذُرِّيَّتِهِ ومِن تَبْقِيَةِ ذِكْرِهِ الحَسَنِ صفحة ١٢٧ فِي ألْسِنَةِ جَمِيعِ العالَمِينَ لِأجْلِ أنَّهُ كانَ مُحْسِنًا، ثُمَّ عَلَّلَ كَوْنَهُ مُحْسِنًا بِأنَّهُ كانَ عَبْدًا لِلَّهِ مُؤْمِنًا، والمَقْصُودُ مِنهُ بَيانُ أنَّ أعْظَمَ الدَّرَجاتِ وأشْرَفَ المَقاماتِ الإيمانُ بِاللَّهِ والِانْقِيادُ لِطاعَتِهِ.

الصافات 37:83

القِصَّةُ الأُولى - قِصَّةُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ نادانا نُوحٌ فَلَنِعْمَ المُجِيبُونَ﴾ ﴿ونَجَّيْناهُ وأهْلَهُ مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ ﴿وجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الباقِينَ﴾ صفحة ١٢٦ ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى نُوحٍ في العالَمِينَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿ثُمَّ أغْرَقْنا الآخَرِينَ﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ مِن قَبْلُ: ﴿ولَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهم أكْثَرُ الأوَّلِينَ﴾ وقالَ: ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُنْذَرِينَ﴾ أتْبَعَهُ بِشَرْحِ وقائِعِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ. فالقِصَّةُ الأُولى: حِكايَةُ حالِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ. وقَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ نادانا نُوحٌ فَلَنِعْمَ المُجِيبُونَ﴾ فِيهِ مَباحِثُ: الأوَّلُ: أنَّ اللّامَ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَنِعْمَ المُجِيبُونَ﴾ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٌ والمَخْصُوصُ بِالمَدْحِ مَحْذُوفٌ، أيْ فَلَنِعْمَ المُجِيبُونَ نَحْنُ. البَحْثُ الثّانِي: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أنَّ نُوحًا نادى، ولَمْ يَذْكُرْ أنَّ ذَلِكَ النِّداءَ في أيِّ الوَقائِعِ كانَ ؟ لا جَرَمَ حَصَلَ فِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: وهو المَشْهُورُ عِنْدَ الجُمْهُورِ أنَّهُ نادى الرَّبَّ تَعالى في أنْ يُنْجِيَهُ مِن مِحْنَةِ الغَرَقِ وكَرْبِ تِلْكَ الواقِعَةِ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا اشْتَغَلَ بِدَعْوَةِ قَوْمِهِ إلى الدِّينِ الحَقِّ بالَغُوا في إيذائِهِ وقَصَدُوا قَتْلَهُ، ثُمَّ إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ نادى رَبَّهُ واسْتَنْصَرَهُ عَلى كُفّارِ قَوْمِهِ، فَأجابَهُ اللَّهُ تَعالى ومَنَعَهم مِن قَتْلِهِ وإيذائِهِ، واحْتَجَّ هَذا القائِلُ عَلى ضَعْفِ القَوْلِ الأوَّلِ بِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما دَعا عَلَيْهِمْ لِأجْلِ أنْ يُنْجِيَهُ اللَّهُ تَعالى وأهْلَهُ، وأجابَ اللَّهُ دُعاءَهُ فِيهِ فَكانَ حُصُولُ تِلْكَ النَّجاةِ كالمَعْلُومِ المُتَيَقَّنِ في دُعائِهِ، وذَلِكَ يَمْنَعُ مِن أنْ يُقالَ: المَطْلُوبُ مِن هَذا النِّداءِ حُصُولُ هَذِهِ النَّجاةِ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْ نُوحٍ أنَّهُ ناداهُ قالَ بَعْدَهُ: ﴿فَلَنِعْمَ المُجِيبُونَ﴾ وهَذِهِ اللَّفْظَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ تِلْكَ الإجابَةَ كانَتْ مِنَ النِّعَمِ العَظِيمَةِ، وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى عَبَّرَ عَنْ ذاتِهِ بِصِيغَةِ الجَمْعِ فَقالَ: ﴿ولَقَدْ نادانا نُوحٌ﴾ والقادِرُ العَظِيمُ لا يَلِيقُ بِهِ إلّا الإحْسانُ العَظِيمُ. والثّانِي: أنَّهُ أعادَ صِيغَةَ الجَمْعِ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَنِعْمَ المُجِيبُونَ﴾ وذَلِكَ أيْضًا يَدُلُّ عَلى تَعْظِيمِ تِلْكَ النِّعْمَةِ، لا سِيَّما وقَدْ وصَفَ تِلْكَ الإجابَةَ بِأنَّها نِعْمَتِ الإجابَةُ. والثّالِثُ: أنَّ الفاءَ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَنِعْمَ المُجِيبُونَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ حُصُولَ هَذِهِ الإجابَةِ مُرَتَّبٌ عَلى ذَلِكَ النِّداءِ، والحُكْمُ المُرَتَّبُ عَلى الوَصْفِ المُناسِبِ يَقْتَضِي كَوْنَهُ مُعَلَّلًا بِهِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ النِّداءَ بِالإخْلاصِ سَبَبٌ لِحُصُولِ الإجابَةِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّهُ سُبْحانَهُ نِعْمَ المُجِيبُ عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ، بَيَّنَ أنَّ الإنْعامَ حَصَلَ في تِلْكَ الإجابَةِ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ونَجَّيْناهُ وأهْلَهُ مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ وهو عَلى القَوْلِ الأوَّلِ الكَرْبُ الحاصِلُ بِسَبَبِ الخَوْفِ مِنَ الغَرَقِ، وعَلى الثّانِي الكَرْبُ الحاصِلُ مِن أذى قَوْمِهِ. والثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿وجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الباقِينَ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ مَن سِواهُ وسِوى ذُرِّيَّتِهِ فَقَدْ فَنُوا، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ذُرِّيَّتُهُ بَنُوهُ الثَّلاثَةُ: سامٌ وحامٌ ويافِثُ، فَسامٌ أبُو العَرَبِ وفارِسَ والرُّومِ، وحامٌ أبُو السُّودانِ، ويافِثُ أبُو التُّرْكِ. النِّعْمَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى نُوحٍ في العالَمِينَ﴾ يَعْنِي يَذْكُرُونَ هَذِهِ الكَلِمَةَ، فَإنْ قِيلَ: فَما مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿فِي العالَمِينَ﴾ قُلْنا: مَعْناهُ الدُّعاءُ بِثُبُوتِ هَذِهِ التَّحِيَّةِ فِيهِمْ جَمِيعًا أيْ لا يَخْلُو أحَدٌ مِنهم مِنها، كَأنَّهُ قِيلَ: أثْبَتَ اللَّهُ التَّسْلِيمَ عَلى نُوحٍ وأدامَهُ في المَلائِكَةِ والثَّقَلَيْنِ فَيُسَلِّمُونَ عَلَيْهِ بِكُلِّيَّتِهِمْ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا شَرَحَ تَفاصِيلَ إنْعامِهِ عَلَيْهِ قالَ: ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ والمَعْنى أنّا إنَّما خَصَصْنا نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ بِتِلْكَ التَّشْرِيفاتِ الرَّفِيعَةِ مِن جَعْلِ الدُّنْيا مَمْلُوءَةً مِن ذُرِّيَّتِهِ ومِن تَبْقِيَةِ ذِكْرِهِ الحَسَنِ صفحة ١٢٧ فِي ألْسِنَةِ جَمِيعِ العالَمِينَ لِأجْلِ أنَّهُ كانَ مُحْسِنًا، ثُمَّ عَلَّلَ كَوْنَهُ مُحْسِنًا بِأنَّهُ كانَ عَبْدًا لِلَّهِ مُؤْمِنًا، والمَقْصُودُ مِنهُ بَيانُ أنَّ أعْظَمَ الدَّرَجاتِ وأشْرَفَ المَقاماتِ الإيمانُ بِاللَّهِ والِانْقِيادُ لِطاعَتِهِ.

الصافات 37:84

القِصَّةُ الأُولى - قِصَّةُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ نادانا نُوحٌ فَلَنِعْمَ المُجِيبُونَ﴾ ﴿ونَجَّيْناهُ وأهْلَهُ مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ ﴿وجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الباقِينَ﴾ صفحة ١٢٦ ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى نُوحٍ في العالَمِينَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿ثُمَّ أغْرَقْنا الآخَرِينَ﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ مِن قَبْلُ: ﴿ولَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهم أكْثَرُ الأوَّلِينَ﴾ وقالَ: ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُنْذَرِينَ﴾ أتْبَعَهُ بِشَرْحِ وقائِعِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ. فالقِصَّةُ الأُولى: حِكايَةُ حالِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ. وقَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ نادانا نُوحٌ فَلَنِعْمَ المُجِيبُونَ﴾ فِيهِ مَباحِثُ: الأوَّلُ: أنَّ اللّامَ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَنِعْمَ المُجِيبُونَ﴾ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٌ والمَخْصُوصُ بِالمَدْحِ مَحْذُوفٌ، أيْ فَلَنِعْمَ المُجِيبُونَ نَحْنُ. البَحْثُ الثّانِي: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أنَّ نُوحًا نادى، ولَمْ يَذْكُرْ أنَّ ذَلِكَ النِّداءَ في أيِّ الوَقائِعِ كانَ ؟ لا جَرَمَ حَصَلَ فِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: وهو المَشْهُورُ عِنْدَ الجُمْهُورِ أنَّهُ نادى الرَّبَّ تَعالى في أنْ يُنْجِيَهُ مِن مِحْنَةِ الغَرَقِ وكَرْبِ تِلْكَ الواقِعَةِ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا اشْتَغَلَ بِدَعْوَةِ قَوْمِهِ إلى الدِّينِ الحَقِّ بالَغُوا في إيذائِهِ وقَصَدُوا قَتْلَهُ، ثُمَّ إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ نادى رَبَّهُ واسْتَنْصَرَهُ عَلى كُفّارِ قَوْمِهِ، فَأجابَهُ اللَّهُ تَعالى ومَنَعَهم مِن قَتْلِهِ وإيذائِهِ، واحْتَجَّ هَذا القائِلُ عَلى ضَعْفِ القَوْلِ الأوَّلِ بِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما دَعا عَلَيْهِمْ لِأجْلِ أنْ يُنْجِيَهُ اللَّهُ تَعالى وأهْلَهُ، وأجابَ اللَّهُ دُعاءَهُ فِيهِ فَكانَ حُصُولُ تِلْكَ النَّجاةِ كالمَعْلُومِ المُتَيَقَّنِ في دُعائِهِ، وذَلِكَ يَمْنَعُ مِن أنْ يُقالَ: المَطْلُوبُ مِن هَذا النِّداءِ حُصُولُ هَذِهِ النَّجاةِ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْ نُوحٍ أنَّهُ ناداهُ قالَ بَعْدَهُ: ﴿فَلَنِعْمَ المُجِيبُونَ﴾ وهَذِهِ اللَّفْظَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ تِلْكَ الإجابَةَ كانَتْ مِنَ النِّعَمِ العَظِيمَةِ، وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى عَبَّرَ عَنْ ذاتِهِ بِصِيغَةِ الجَمْعِ فَقالَ: ﴿ولَقَدْ نادانا نُوحٌ﴾ والقادِرُ العَظِيمُ لا يَلِيقُ بِهِ إلّا الإحْسانُ العَظِيمُ. والثّانِي: أنَّهُ أعادَ صِيغَةَ الجَمْعِ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَنِعْمَ المُجِيبُونَ﴾ وذَلِكَ أيْضًا يَدُلُّ عَلى تَعْظِيمِ تِلْكَ النِّعْمَةِ، لا سِيَّما وقَدْ وصَفَ تِلْكَ الإجابَةَ بِأنَّها نِعْمَتِ الإجابَةُ. والثّالِثُ: أنَّ الفاءَ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَنِعْمَ المُجِيبُونَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ حُصُولَ هَذِهِ الإجابَةِ مُرَتَّبٌ عَلى ذَلِكَ النِّداءِ، والحُكْمُ المُرَتَّبُ عَلى الوَصْفِ المُناسِبِ يَقْتَضِي كَوْنَهُ مُعَلَّلًا بِهِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ النِّداءَ بِالإخْلاصِ سَبَبٌ لِحُصُولِ الإجابَةِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّهُ سُبْحانَهُ نِعْمَ المُجِيبُ عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ، بَيَّنَ أنَّ الإنْعامَ حَصَلَ في تِلْكَ الإجابَةِ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ونَجَّيْناهُ وأهْلَهُ مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ وهو عَلى القَوْلِ الأوَّلِ الكَرْبُ الحاصِلُ بِسَبَبِ الخَوْفِ مِنَ الغَرَقِ، وعَلى الثّانِي الكَرْبُ الحاصِلُ مِن أذى قَوْمِهِ. والثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿وجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الباقِينَ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ مَن سِواهُ وسِوى ذُرِّيَّتِهِ فَقَدْ فَنُوا، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ذُرِّيَّتُهُ بَنُوهُ الثَّلاثَةُ: سامٌ وحامٌ ويافِثُ، فَسامٌ أبُو العَرَبِ وفارِسَ والرُّومِ، وحامٌ أبُو السُّودانِ، ويافِثُ أبُو التُّرْكِ. النِّعْمَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى نُوحٍ في العالَمِينَ﴾ يَعْنِي يَذْكُرُونَ هَذِهِ الكَلِمَةَ، فَإنْ قِيلَ: فَما مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿فِي العالَمِينَ﴾ قُلْنا: مَعْناهُ الدُّعاءُ بِثُبُوتِ هَذِهِ التَّحِيَّةِ فِيهِمْ جَمِيعًا أيْ لا يَخْلُو أحَدٌ مِنهم مِنها، كَأنَّهُ قِيلَ: أثْبَتَ اللَّهُ التَّسْلِيمَ عَلى نُوحٍ وأدامَهُ في المَلائِكَةِ والثَّقَلَيْنِ فَيُسَلِّمُونَ عَلَيْهِ بِكُلِّيَّتِهِمْ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا شَرَحَ تَفاصِيلَ إنْعامِهِ عَلَيْهِ قالَ: ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ والمَعْنى أنّا إنَّما خَصَصْنا نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ بِتِلْكَ التَّشْرِيفاتِ الرَّفِيعَةِ مِن جَعْلِ الدُّنْيا مَمْلُوءَةً مِن ذُرِّيَّتِهِ ومِن تَبْقِيَةِ ذِكْرِهِ الحَسَنِ صفحة ١٢٧ فِي ألْسِنَةِ جَمِيعِ العالَمِينَ لِأجْلِ أنَّهُ كانَ مُحْسِنًا، ثُمَّ عَلَّلَ كَوْنَهُ مُحْسِنًا بِأنَّهُ كانَ عَبْدًا لِلَّهِ مُؤْمِنًا، والمَقْصُودُ مِنهُ بَيانُ أنَّ أعْظَمَ الدَّرَجاتِ وأشْرَفَ المَقاماتِ الإيمانُ بِاللَّهِ والِانْقِيادُ لِطاعَتِهِ.

الصافات 37:85

القِصَّةُ الثّانِيَةُ قِصَّةُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿وإنَّ مِن شِيعَتِهِ لَإبْراهِيمَ﴾ ﴿إذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ ﴿إذْ قالَ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ ماذا تَعْبُدُونَ﴾ ﴿أئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾ ﴿فَما ظَنُّكم بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً في النُّجُومِ﴾ ﴿فَقالَ إنِّي سَقِيمٌ﴾ ﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ﴾ ﴿فَراغَ إلى آلِهَتِهِمْ فَقالَ ألا تَأْكُلُونَ﴾ ﴿ما لَكم لا تَنْطِقُونَ﴾ ﴿فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِاليَمِينِ﴾ ﴿فَأقْبَلُوا إلَيْهِ يَزِفُّونَ﴾ في الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ مِن شِيعَتِهِ إلى ماذا يَعُودُ ؟ فِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: وهو الأظْهَرُ أنَّهُ عائِدٌ إلى نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، أيْ: مِن شِيعَةِ نُوحٍ، أيْ مِن أهْلِ بَيْتِهِ وعَلى دِينِهِ ومِنهاجِهِ لَإبْراهِيمَ، قالُوا: وما كانَ بَيْنَ نُوحٍ وإبْراهِيمَ إلّا نَبِيّانِ هُودٌ وصالِحٌ، ورَوى صاحِبُ الكَشّافِ: إنَّهُ كانَ بَيْنَ نُوحٍ وإبْراهِيمَ ألْفانِ وسِتُّمِائَةٍ وأرْبَعُونَ سَنَةً. الثّانِي: قالَ الكَلْبِيُّ: المُرادُ مِن شِيعَةِ مُحَمَّدٍ لَإبْراهِيمَ بِمَعْنى أنَّهُ كانَ عَلى دِينِهِ ومِنهاجِهِ فَهو مِن شِيعَتِهِ وإنْ كانَ سابِقًا لَهُ، والأوَّلُ أظْهَرُ؛ لِأنَّهُ تَقَدَّمَ ذِكْرُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، ولَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرُ النَّبِيِّ ﷺ فَعَوْدُ الضَّمِيرِ إلى نُوحٍ أوْلى. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: العامِلُ في ”إذْ“ ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿وإنَّ مِن شِيعَتِهِ﴾ مِن مَعْنى المُشايَعَةِ يَعْنِي وإنَّ مِمَّنْ شايَعَهُ عَلى دِينِهِ وتَقْواهُ حِينَ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ لَإبْراهِيمَ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿إذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: في قَوْلِهِ: ﴿بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ قَوْلانِ: الأوَّلُ: قالَ مُقاتِلٌ والكَلْبِيُّ: يَعْنِي: خالِصٌ مِنَ الشَّرَكِ، والمَعْنى أنَّهُ سَلِمَ مِنَ الشِّرْكِ فَلَمْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ. والثّانِي: قالَ الأُصُولِيُّونَ: المُرادُ أنَّهُ عاشَ وماتَ عَلى طَهارَةِ القَلْبِ مِن كُلِّ دَنَسٍ مِنَ المَعاصِي، فَيَدْخُلُ فِيهِ كَوْنُهُ سَلِيمًا عَنِ الشِّرْكِ وعَنِ الشَّكِّ وعَنِ الغِلِّ والغِشِّ والحِقْدِ والحَسَدِ. عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّهُ كانَ يُحِبُّ لِلنّاسِ ما يُحِبُّ لِنَفْسِهِ، وسَلِمَ جَمِيعُ النّاسِ مِن غِشِّهِ وظُلْمِهِ وأسْلَمَهُ اللَّهُ تَعالى فَلَمْ يَعْدِلْ بِهِ أحَدًا، واحْتَجَّ الذّاهِبُونَ إلى القَوْلِ الأوَّلِ بِأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ بَعْدَ هَذِهِ الكَلِمَةِ إنْكارَهُ عَلى قَوْمِهِ الشِّرْكَ بِاللَّهِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿إذْ قالَ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ ماذا تَعْبُدُونَ﴾ واحْتَجَّ الذّاهِبُونَ إلى القَوْلِ الثّانِي بِأنَّ اللَّفْظَ مُطْلَقٌ فَلا يُقَيَّدُ بِصِفَةٍ دُونَ صِفَةٍ، ويَتَأكَّدُ هَذا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا إبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وكُنّا بِهِ عالِمِينَ﴾ . صفحة ١٢٨ [الأنبياء: ٥١] مَعَ أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤] وقالَ: ﴿وكَذَلِكَ نُرِي إبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ ولِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ﴾ [الأنعام: ٧٥] فَإنْ قِيلَ: ما مَعْنى المَجِيءِ بِقَلْبِهِ رَبَّهُ ؟ قُلْنا: مَعْناهُ أنَّهُ أخْلَصَ لِلَّهِ قَلْبَهُ، فَكَأنَّهُ أتْحَفَ حَضْرَةَ اللَّهِ بِذَلِكَ القَلْبِ، ورَأيْتُ في التَّوْراةِ أنَّ اللَّهَ قالَ لِمُوسى: أجِبْ إلَهَكَ بِكُلِّ قَلْبِكَ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أنَّ إبْراهِيمَ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ذَكَرَ أنَّ مِن جُمْلَةِ آثارِ تِلْكَ السَّلامَةِ أنْ دَعا أباهُ وقَوْمَهُ إلى التَّوْحِيدِ فَقالَ: ﴿إذْ قالَ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ ماذا تَعْبُدُونَ﴾ والمَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ تَهْجِينُ تِلْكَ الطَّرِيقَةِ وتَقْبِيحُها. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿أئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾ قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: أئِفْكًا مَفْعُولٌ لَهُ تَقْدِيرُهُ أتُرِيدُونَ آلِهَةً مِن دُونِهِ إفْكًا، وإنَّما قَدَّمَ المَفْعُولَ عَلى الفِعْلِ لِلْعِنايَةِ وقَدَّمَ المَفْعُولَ لَهُ عَلى المَفْعُولِ بِهِ؛ لِأنَّهُ كانَ الأهَمُّ عِنْدَهُ أنْ يُقَرِّرَ عِنْدَهم بِأنَّهم عَلى إفْكٍ وباطِلٍ في شِرْكِهِمْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ إفْكًا مَفْعُولًا بِهِ يَعْنِي أتُرِيدُونَ إفْكًا، ثُمَّ فَسَّرَ الإفْكَ بِقَوْلِهِ: ﴿آلِهَةً دُونَ اللَّهِ﴾ عَلى أنَّها إفْكٌ في أنْفُسِها، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا بِمَعْنى تُرِيدُونَ آلِهَةً مِن دُونِ اللَّهِ آفِكِينَ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿فَما ظَنُّكم بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أتَظُنُّونَ بِرَبِّ العالَمِينَ أنَّهُ يَجُوزُ جَعْلُ هَذِهِ الجَماداتِ مُشارِكَةً لَهُ في المَعْبُودِيَّةِ. وثانِيها: أتَظُنُّونَ بِرَبِّ العالَمِينَ أنَّهُ مِن جِنْسِ هَذِهِ الأجْسامِ حَتّى جَعَلْتُمُوها مُساوِيَةً لَهُ في المَعْبُودِيَّةِ فَنَبَّهَهم بِذَلِكَ عَلى أنَّهُ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً في النُّجُومِ﴾ ﴿فَقالَ إنِّي سَقِيمٌ﴾ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهم كانُوا يَتَعاطَوْنَ عِلْمَ النُّجُومِ فَعامَلَهم عَلى مُقْتَضى عادَتِهِمْ، وذَلِكَ أنَّهُ أرادَ أنْ يُكايِدَهم في أصْنامِهِمْ لِيُلْزِمَهُمُ الحُجَّةَ في أنَّها غَيْرُ مَعْبُودَةٍ، وكانَ لَهم مِنَ الغَدِ يَوْمُ عِيدٍ يَخْرُجُونَ إلَيْهِ فَأرادَ أنْ يَتَخَلَّفَ عَنْهم لِيَبْقى خالِيًا في بَيْتِ الأصْنامِ، فَيَقْدِرُ عَلى كَسْرِها. وهَهُنا سُؤالانِ: الأوَّلُ: أنَّ النَّظَرَ في عِلْمِ النُّجُومِ غَيْرُ جائِزٍ فَكَيْفَ أقْدَمَ عَلَيْهِ إبْراهِيمُ ؟ والثّانِي: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ما كانَ سَقِيمًا فَلَمّا قالَ إنِّي سَقِيمٌ كانَ ذَلِكَ كَذِبًا ؟ واعْلَمْ أنَّ العُلَماءَ ذَكَرُوا في الجَوابِ عَنْهُما وُجُوهًا كَثِيرَةً: الأوَّلُ: أنَّهُ نَظَرَ نَظْرَةً في النُّجُومِ في أوْقاتِ اللَّيْلِ والنَّهارِ وكانَتْ تَأْتِيهِ سَقامَةٌ كالحُمّى في بَعْضِ ساعاتِ اللَّيْلِ والنَّهارِ، فَنَظَرَ لِيَعْرِفَ هَلْ هي في تِلْكَ السّاعَةِ وقالَ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ فَجَعَلَهُ عُذْرًا في تَخَلُّفِهِ عَنِ العِيدِ الَّذِي لَهم وكانَ صادِقًا فِيما قالَ؛ لِأنَّ السُّقْمَ كانَ يَأْتِيهِ في ذَلِكَ الوَقْتِ، وإنَّما تَخَلَّفَ لِأجْلِ تَكْسِيرِ أصْنامِهِمْ. الوَجْهُ الثّانِي في الجَوابِ: أنَّ قَوْمَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانُوا أصْحابَ النُّجُومِ يُعَظِّمُونَها ويَقْضُونَ بِها عَلى غائِبِ الأُمُورِ، فَلِذَلِكَ نَظَرَ إبْراهِيمُ في النُّجُومِ أيْ: في عُلُومِ النُّجُومِ وفي مَعانِيهِ لا أنَّهُ نَظَرَ بِعَيْنِهِ إلَيْها، وهو كَما يُقالُ: فُلانٌ نَظَرَ في الفِقْهِ وفي النَّحْوِ وإنَّما أرادَ أنْ يُوهِمَهم أنَّهُ يَعْلَمُ ما يَعْلَمُونَ ويَتَعَرَّفُ مِن حَيْثُ يَتَعَرَّفُونَ حَتّى إذا قالَ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ سَكَنُوا إلى قَوْلِهِ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ فَمَعْناهُ سَأُسْقَمُ كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّكَ مَيِّتٌ﴾ [الزمر: ٣٠] أيْ: سَتَمُوتُ. الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً في النُّجُومِ﴾ هو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَبًا﴾ [الأنعام: ٧٦] إلى آخِرِ الآياتِ وكانَ ذَلِكَ النَّظَرُ لِأجْلِ أنْ يَتَعَرَّفَ أحْوالَ هَذِهِ الكَواكِبِ هَلْ هي قَدِيمَةٌ أوْ مُحْدَثَةٌ، وقَوْلُهُ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ يَعْنِي صفحة ١٢٩ سَقِيمَ القَلْبِ غَيْرَ عارِفٍ بِرَبِّي، وكانَ ذَلِكَ قَبْلَ البُلُوغِ. الوَجْهُ الرّابِعُ: قالَ ابْنُ زَيْدٍ كانَ لَهُ نَجْمٌ مَخْصُوصٌ، وكُلَّما طَلَعَ عَلى صِفَةٍ مَخْصُوصَةٍ مَرِضَ إبْراهِيمُ، ولِأجْلِ هَذا الِاسْتِقْراءِ لَمّا رَآهُ في ذَلِكَ الوَقْتِ طالِعًا عَلى تِلْكَ الصِّفَةِ المَخْصُوصَةِ قالَ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ أيْ هَذا السَّقَمُ واقِعٌ لا مَحالَةَ. الوَجْهُ الخامِسُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ أيْ: مَرِيضُ القَلْبِ بِسَبَبِ إطْباقِ ذَلِكَ الجَمْعِ العَظِيمِ عَلى الكُفْرِ والشِّرْكِ، قالَ تَعالى لِمُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ﴾ [الشعراء: ٣] . الوَجْهُ السّادِسُ: في الجَوابِ أنا لا نُسَلِّمُ أنَّ النَّظَرَ في عِلْمِ النُّجُومِ والِاسْتِدْلالِ بِمُقايَسَتِها حَرامٌ؛ لِأنَّ مَنِ اعْتَقَدَ أنَّ اللَّهَ تَعالى خَصَّ كُلَّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الكَواكِبِ بِقُوَّةٍ وبِخاصِّيَّةٍ لِأجْلِها يَظْهَرُ مِنهُ أثَرٌ مَخْصُوصٌ، فَهَذا العِلْمُ عَلى هَذا الوَجْهِ لَيْسَ بِباطِلٍ. وأمّا الكَذِبُ فَغَيْرُ لازِمٍ؛ لِأنَّهُ ذَكَرَ قَوْلَهُ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ عَلى سَبِيلِ التَّعْرِيضِ، بِمَعْنى أنَّ الإنْسانَ لا يَنْفَكُّ في أكْثَرِ أحْوالِهِ عَنْ حُصُولِ حالَةٍ مَكْرُوهَةٍ، إمّا في بَدَنِهِ وإمّا في قَلْبِهِ وكُلُّ ذَلِكَ سَقَمٌ. الوَجْهُ السّابِعُ: قالَ بَعْضُهم: ذَلِكَ القَوْلُ عَنْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كِذْبَةٌ ورَوَوْا فِيهِ حَدِيثًا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «ما كَذَبَ إبْراهِيمُ إلّا ثَلاثَ كَذَباتٍ» قُلْتُ لِبَعْضِهِمْ: هَذا الحَدِيثُ لا يَنْبَغِي أنْ يُقْبَلَ؛ لِأنَّ نِسْبَةَ الكَذِبِ إلى إبْراهِيمَ لا تَجُوزُ، فَقالَ ذَلِكَ الرَّجُلُ: فَكَيْفَ يُحْكَمُ بِكَذِبِ الرُّواةِ العُدُولِ ؟ فَقُلْتُ: لَمّا وقَعَ التَّعارُضُ بَيْنَ نِسْبَةِ الكَذِبِ إلى الرّاوِي وبَيْنَ نِسْبَتِهِ إلى الخَلِيلِ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مِنَ المَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ أنَّ نِسْبَتَهُ إلى الرّاوِي أوْلى، ثُمَّ نَقُولُ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِكَوْنِهِ كَذِبًا خَبَرًا شَبِيهًا بِالكَذِبِ ؟ . والوَجْهُ الثّامِنُ: أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً في النُّجُومِ﴾ أيْ نَظَرَ في نُجُومِ كَلامِهِمْ ومُتَفَرِّقاتِ أقْوالِهِمْ، فَإنَّ الأشْياءَ الَّتِي تَحْدُثُ قِطْعَةً قِطْعَةً، يُقالُ: إنَّها مُنَجَّمَةٌ أيْ مُتَفَرِّقَةٌ ومِنهُ نُجُومُ الكِتابَةِ، والمَعْنى أنَّهُ لَمّا سَمِعَ كَلِماتِهِمُ المُتَفَرِّقَةَ نَظَرَ فِيها كَيْ يَسْتَخْرِجَ مِنها حِيلَةً يَقْدِرُ بِها عَلى إقامَةِ عُذْرٍ لِنَفْسِهِ في التَّخَلُّفِ عَنْهم فَلَمْ يَجِدْ عُذْرًا أحْسَنَ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ والمُرادُ أنَّهُ لا بُدَّ مِن أنْ أصِيرَ سَقِيمًا كَما تَقُولُ لِمَن رَأيْتَهُ عَلى أوْقاتِ السَّفَرِ: إنَّكَ مُسافِرٌ. واعْلَمْ أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا قالَ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ تَوَلَّوْا عَنْهُ مُعْرِضِينَ فَتَرَكُوهُ وعَذَرُوهُ في أنْ لا يَخْرُجَ اليَوْمَ فَكانَ ذَلِكَ مُرادَهُ. ﴿فَراغَ إلى آلِهَتِهِمْ﴾ يُقالُ: راغَ إلَيْهِ إذا مالَ إلَيْهِ في السِّرِّ عَلى سَبِيلِ الخُفْيَةِ، ومِنهُ رَوَغانُ الثَّعْلَبِ. وقَوْلُهُ: ﴿ألا تَأْكُلُونَ﴾ يَعْنِي الطَّعامَ الَّذِي كانَ بَيْنَ أيْدِيهِمْ، وإنَّما قالَ ذَلِكَ اسْتِهْزاءً بِها، وكَذا قَوْلُهُ: ﴿ما لَكم لا تَنْطِقُونَ﴾ ﴿فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا﴾ فَأقْبَلَ عَلَيْهِمْ مُسْتَخْفِيًا كَأنَّهُ قالَ: فَضَرَبَهم ضَرْبًا؛ لِأنَّ: راغَ عَلَيْهِمْ في مَعْنى ضَرَبَهم أوْ فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِمَعْنى ضارِبًا. وفي قَوْلِهِ: ﴿بِاليَمِينِ﴾ قَوْلانِ: الأوَّلُ: مَعْناهُ بِالقُوَّةِ والشِّدَّةِ؛ لِأنَّ اليَمِينَ أقْوى الجارِحَتَيْنِ. والثّانِي: أنَّهُ أتى بِذَلِكَ الفِعْلِ بِسَبَبِ الحَلِفِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى عَنْهُ: ﴿تاللَّهِ لَأكِيدَنَّ أصْنامَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٥٧] ثُمَّ قالَ: ﴿فَأقْبَلُوا إلَيْهِ يَزِفُّونَ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ: ”يُزِفُّونَ“ بِضَمِّ الياءِ والباقُونَ بِفَتْحِها وهُما لُغَتانِ، قالَ ابْنُ عَرَفَةَ: مَن قَرَأ بِالنَّصْبِ فَهو مِن زَفَّ يَزِفُّ، ومَن قَرَأ بِالضَّمِّ فَهو مِن أزَفَّ يُزِفُّ، قالَ الزَّجّاجُ: يَزِفُّونَ يُسْرِعُونَ وأصْلُهُ مِن زَفِيفِ النَّعامَةِ وهو ابْتِداءُ عَدْوِها، وقَرَأ حَمْزَةُ: ”يُزِفُّونَ“ أيْ يَحْمِلُونَ غَيْرَهم عَلى الزَّفِيفِ، قالَ الأصْمَعِيُّ: يُقالُ: أزْفَفْتُ الإبِلَ إذا حَمَلْتَها عَلى أنْ تَزِفَّ، قالَ: وهو سُرْعَةُ الخُطْوَةِ ومُقارَبَةُ المَشْيِ، والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ عَلى قِراءَتِهِ كَأنَّهم حَمَلُوا دَوابَّهم عَلى الإسْراعِ في المَشْيِ، فَإنْ قِيلَ: مُقْتَضى هَذِهِ الآيَةِ أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا كَسَرَها عَدَوْا إلَيْهِ وأخَذُوهُ، وقالَ في سُورَةٍ أُخْرى في عَيْنِ هَذِهِ القِصَّةِ: ﴿قالُوا مَن فَعَلَ هَذا بِآلِهَتِنا إنَّهُ لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ ﴿قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهم يُقالُ لَهُ إبْراهِيمُ﴾ [الأنبياء: ٦٠] وهَذا يَقْتَضِي أنَّهم في أوَّلِ الأمْرِ ما عَرَفُوهُ فَبَيْنَ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ تَناقُضٌ ؟ قُلْنا: لا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: إنَّ جَماعَةً عَرَفُوهُ فَعَمَدُوا إلَيْهِ مُسْرِعِينَ والأكْثَرُونَ ما عَرَفُوهُ، فَتَعَرَّفُوا أنَّ ذَلِكَ الكاسِرَ مَن هو، واللَّهُ أعْلَمُ.

الصافات 37:86

القِصَّةُ الثّانِيَةُ قِصَّةُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿وإنَّ مِن شِيعَتِهِ لَإبْراهِيمَ﴾ ﴿إذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ ﴿إذْ قالَ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ ماذا تَعْبُدُونَ﴾ ﴿أئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾ ﴿فَما ظَنُّكم بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً في النُّجُومِ﴾ ﴿فَقالَ إنِّي سَقِيمٌ﴾ ﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ﴾ ﴿فَراغَ إلى آلِهَتِهِمْ فَقالَ ألا تَأْكُلُونَ﴾ ﴿ما لَكم لا تَنْطِقُونَ﴾ ﴿فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِاليَمِينِ﴾ ﴿فَأقْبَلُوا إلَيْهِ يَزِفُّونَ﴾ في الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ مِن شِيعَتِهِ إلى ماذا يَعُودُ ؟ فِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: وهو الأظْهَرُ أنَّهُ عائِدٌ إلى نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، أيْ: مِن شِيعَةِ نُوحٍ، أيْ مِن أهْلِ بَيْتِهِ وعَلى دِينِهِ ومِنهاجِهِ لَإبْراهِيمَ، قالُوا: وما كانَ بَيْنَ نُوحٍ وإبْراهِيمَ إلّا نَبِيّانِ هُودٌ وصالِحٌ، ورَوى صاحِبُ الكَشّافِ: إنَّهُ كانَ بَيْنَ نُوحٍ وإبْراهِيمَ ألْفانِ وسِتُّمِائَةٍ وأرْبَعُونَ سَنَةً. الثّانِي: قالَ الكَلْبِيُّ: المُرادُ مِن شِيعَةِ مُحَمَّدٍ لَإبْراهِيمَ بِمَعْنى أنَّهُ كانَ عَلى دِينِهِ ومِنهاجِهِ فَهو مِن شِيعَتِهِ وإنْ كانَ سابِقًا لَهُ، والأوَّلُ أظْهَرُ؛ لِأنَّهُ تَقَدَّمَ ذِكْرُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، ولَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرُ النَّبِيِّ ﷺ فَعَوْدُ الضَّمِيرِ إلى نُوحٍ أوْلى. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: العامِلُ في ”إذْ“ ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿وإنَّ مِن شِيعَتِهِ﴾ مِن مَعْنى المُشايَعَةِ يَعْنِي وإنَّ مِمَّنْ شايَعَهُ عَلى دِينِهِ وتَقْواهُ حِينَ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ لَإبْراهِيمَ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿إذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: في قَوْلِهِ: ﴿بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ قَوْلانِ: الأوَّلُ: قالَ مُقاتِلٌ والكَلْبِيُّ: يَعْنِي: خالِصٌ مِنَ الشَّرَكِ، والمَعْنى أنَّهُ سَلِمَ مِنَ الشِّرْكِ فَلَمْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ. والثّانِي: قالَ الأُصُولِيُّونَ: المُرادُ أنَّهُ عاشَ وماتَ عَلى طَهارَةِ القَلْبِ مِن كُلِّ دَنَسٍ مِنَ المَعاصِي، فَيَدْخُلُ فِيهِ كَوْنُهُ سَلِيمًا عَنِ الشِّرْكِ وعَنِ الشَّكِّ وعَنِ الغِلِّ والغِشِّ والحِقْدِ والحَسَدِ. عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّهُ كانَ يُحِبُّ لِلنّاسِ ما يُحِبُّ لِنَفْسِهِ، وسَلِمَ جَمِيعُ النّاسِ مِن غِشِّهِ وظُلْمِهِ وأسْلَمَهُ اللَّهُ تَعالى فَلَمْ يَعْدِلْ بِهِ أحَدًا، واحْتَجَّ الذّاهِبُونَ إلى القَوْلِ الأوَّلِ بِأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ بَعْدَ هَذِهِ الكَلِمَةِ إنْكارَهُ عَلى قَوْمِهِ الشِّرْكَ بِاللَّهِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿إذْ قالَ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ ماذا تَعْبُدُونَ﴾ واحْتَجَّ الذّاهِبُونَ إلى القَوْلِ الثّانِي بِأنَّ اللَّفْظَ مُطْلَقٌ فَلا يُقَيَّدُ بِصِفَةٍ دُونَ صِفَةٍ، ويَتَأكَّدُ هَذا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا إبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وكُنّا بِهِ عالِمِينَ﴾ . صفحة ١٢٨ [الأنبياء: ٥١] مَعَ أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤] وقالَ: ﴿وكَذَلِكَ نُرِي إبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ ولِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ﴾ [الأنعام: ٧٥] فَإنْ قِيلَ: ما مَعْنى المَجِيءِ بِقَلْبِهِ رَبَّهُ ؟ قُلْنا: مَعْناهُ أنَّهُ أخْلَصَ لِلَّهِ قَلْبَهُ، فَكَأنَّهُ أتْحَفَ حَضْرَةَ اللَّهِ بِذَلِكَ القَلْبِ، ورَأيْتُ في التَّوْراةِ أنَّ اللَّهَ قالَ لِمُوسى: أجِبْ إلَهَكَ بِكُلِّ قَلْبِكَ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أنَّ إبْراهِيمَ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ذَكَرَ أنَّ مِن جُمْلَةِ آثارِ تِلْكَ السَّلامَةِ أنْ دَعا أباهُ وقَوْمَهُ إلى التَّوْحِيدِ فَقالَ: ﴿إذْ قالَ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ ماذا تَعْبُدُونَ﴾ والمَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ تَهْجِينُ تِلْكَ الطَّرِيقَةِ وتَقْبِيحُها. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿أئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾ قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: أئِفْكًا مَفْعُولٌ لَهُ تَقْدِيرُهُ أتُرِيدُونَ آلِهَةً مِن دُونِهِ إفْكًا، وإنَّما قَدَّمَ المَفْعُولَ عَلى الفِعْلِ لِلْعِنايَةِ وقَدَّمَ المَفْعُولَ لَهُ عَلى المَفْعُولِ بِهِ؛ لِأنَّهُ كانَ الأهَمُّ عِنْدَهُ أنْ يُقَرِّرَ عِنْدَهم بِأنَّهم عَلى إفْكٍ وباطِلٍ في شِرْكِهِمْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ إفْكًا مَفْعُولًا بِهِ يَعْنِي أتُرِيدُونَ إفْكًا، ثُمَّ فَسَّرَ الإفْكَ بِقَوْلِهِ: ﴿آلِهَةً دُونَ اللَّهِ﴾ عَلى أنَّها إفْكٌ في أنْفُسِها، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا بِمَعْنى تُرِيدُونَ آلِهَةً مِن دُونِ اللَّهِ آفِكِينَ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿فَما ظَنُّكم بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أتَظُنُّونَ بِرَبِّ العالَمِينَ أنَّهُ يَجُوزُ جَعْلُ هَذِهِ الجَماداتِ مُشارِكَةً لَهُ في المَعْبُودِيَّةِ. وثانِيها: أتَظُنُّونَ بِرَبِّ العالَمِينَ أنَّهُ مِن جِنْسِ هَذِهِ الأجْسامِ حَتّى جَعَلْتُمُوها مُساوِيَةً لَهُ في المَعْبُودِيَّةِ فَنَبَّهَهم بِذَلِكَ عَلى أنَّهُ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً في النُّجُومِ﴾ ﴿فَقالَ إنِّي سَقِيمٌ﴾ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهم كانُوا يَتَعاطَوْنَ عِلْمَ النُّجُومِ فَعامَلَهم عَلى مُقْتَضى عادَتِهِمْ، وذَلِكَ أنَّهُ أرادَ أنْ يُكايِدَهم في أصْنامِهِمْ لِيُلْزِمَهُمُ الحُجَّةَ في أنَّها غَيْرُ مَعْبُودَةٍ، وكانَ لَهم مِنَ الغَدِ يَوْمُ عِيدٍ يَخْرُجُونَ إلَيْهِ فَأرادَ أنْ يَتَخَلَّفَ عَنْهم لِيَبْقى خالِيًا في بَيْتِ الأصْنامِ، فَيَقْدِرُ عَلى كَسْرِها. وهَهُنا سُؤالانِ: الأوَّلُ: أنَّ النَّظَرَ في عِلْمِ النُّجُومِ غَيْرُ جائِزٍ فَكَيْفَ أقْدَمَ عَلَيْهِ إبْراهِيمُ ؟ والثّانِي: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ما كانَ سَقِيمًا فَلَمّا قالَ إنِّي سَقِيمٌ كانَ ذَلِكَ كَذِبًا ؟ واعْلَمْ أنَّ العُلَماءَ ذَكَرُوا في الجَوابِ عَنْهُما وُجُوهًا كَثِيرَةً: الأوَّلُ: أنَّهُ نَظَرَ نَظْرَةً في النُّجُومِ في أوْقاتِ اللَّيْلِ والنَّهارِ وكانَتْ تَأْتِيهِ سَقامَةٌ كالحُمّى في بَعْضِ ساعاتِ اللَّيْلِ والنَّهارِ، فَنَظَرَ لِيَعْرِفَ هَلْ هي في تِلْكَ السّاعَةِ وقالَ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ فَجَعَلَهُ عُذْرًا في تَخَلُّفِهِ عَنِ العِيدِ الَّذِي لَهم وكانَ صادِقًا فِيما قالَ؛ لِأنَّ السُّقْمَ كانَ يَأْتِيهِ في ذَلِكَ الوَقْتِ، وإنَّما تَخَلَّفَ لِأجْلِ تَكْسِيرِ أصْنامِهِمْ. الوَجْهُ الثّانِي في الجَوابِ: أنَّ قَوْمَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانُوا أصْحابَ النُّجُومِ يُعَظِّمُونَها ويَقْضُونَ بِها عَلى غائِبِ الأُمُورِ، فَلِذَلِكَ نَظَرَ إبْراهِيمُ في النُّجُومِ أيْ: في عُلُومِ النُّجُومِ وفي مَعانِيهِ لا أنَّهُ نَظَرَ بِعَيْنِهِ إلَيْها، وهو كَما يُقالُ: فُلانٌ نَظَرَ في الفِقْهِ وفي النَّحْوِ وإنَّما أرادَ أنْ يُوهِمَهم أنَّهُ يَعْلَمُ ما يَعْلَمُونَ ويَتَعَرَّفُ مِن حَيْثُ يَتَعَرَّفُونَ حَتّى إذا قالَ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ سَكَنُوا إلى قَوْلِهِ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ فَمَعْناهُ سَأُسْقَمُ كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّكَ مَيِّتٌ﴾ [الزمر: ٣٠] أيْ: سَتَمُوتُ. الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً في النُّجُومِ﴾ هو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَبًا﴾ [الأنعام: ٧٦] إلى آخِرِ الآياتِ وكانَ ذَلِكَ النَّظَرُ لِأجْلِ أنْ يَتَعَرَّفَ أحْوالَ هَذِهِ الكَواكِبِ هَلْ هي قَدِيمَةٌ أوْ مُحْدَثَةٌ، وقَوْلُهُ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ يَعْنِي صفحة ١٢٩ سَقِيمَ القَلْبِ غَيْرَ عارِفٍ بِرَبِّي، وكانَ ذَلِكَ قَبْلَ البُلُوغِ. الوَجْهُ الرّابِعُ: قالَ ابْنُ زَيْدٍ كانَ لَهُ نَجْمٌ مَخْصُوصٌ، وكُلَّما طَلَعَ عَلى صِفَةٍ مَخْصُوصَةٍ مَرِضَ إبْراهِيمُ، ولِأجْلِ هَذا الِاسْتِقْراءِ لَمّا رَآهُ في ذَلِكَ الوَقْتِ طالِعًا عَلى تِلْكَ الصِّفَةِ المَخْصُوصَةِ قالَ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ أيْ هَذا السَّقَمُ واقِعٌ لا مَحالَةَ. الوَجْهُ الخامِسُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ أيْ: مَرِيضُ القَلْبِ بِسَبَبِ إطْباقِ ذَلِكَ الجَمْعِ العَظِيمِ عَلى الكُفْرِ والشِّرْكِ، قالَ تَعالى لِمُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ﴾ [الشعراء: ٣] . الوَجْهُ السّادِسُ: في الجَوابِ أنا لا نُسَلِّمُ أنَّ النَّظَرَ في عِلْمِ النُّجُومِ والِاسْتِدْلالِ بِمُقايَسَتِها حَرامٌ؛ لِأنَّ مَنِ اعْتَقَدَ أنَّ اللَّهَ تَعالى خَصَّ كُلَّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الكَواكِبِ بِقُوَّةٍ وبِخاصِّيَّةٍ لِأجْلِها يَظْهَرُ مِنهُ أثَرٌ مَخْصُوصٌ، فَهَذا العِلْمُ عَلى هَذا الوَجْهِ لَيْسَ بِباطِلٍ. وأمّا الكَذِبُ فَغَيْرُ لازِمٍ؛ لِأنَّهُ ذَكَرَ قَوْلَهُ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ عَلى سَبِيلِ التَّعْرِيضِ، بِمَعْنى أنَّ الإنْسانَ لا يَنْفَكُّ في أكْثَرِ أحْوالِهِ عَنْ حُصُولِ حالَةٍ مَكْرُوهَةٍ، إمّا في بَدَنِهِ وإمّا في قَلْبِهِ وكُلُّ ذَلِكَ سَقَمٌ. الوَجْهُ السّابِعُ: قالَ بَعْضُهم: ذَلِكَ القَوْلُ عَنْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كِذْبَةٌ ورَوَوْا فِيهِ حَدِيثًا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «ما كَذَبَ إبْراهِيمُ إلّا ثَلاثَ كَذَباتٍ» قُلْتُ لِبَعْضِهِمْ: هَذا الحَدِيثُ لا يَنْبَغِي أنْ يُقْبَلَ؛ لِأنَّ نِسْبَةَ الكَذِبِ إلى إبْراهِيمَ لا تَجُوزُ، فَقالَ ذَلِكَ الرَّجُلُ: فَكَيْفَ يُحْكَمُ بِكَذِبِ الرُّواةِ العُدُولِ ؟ فَقُلْتُ: لَمّا وقَعَ التَّعارُضُ بَيْنَ نِسْبَةِ الكَذِبِ إلى الرّاوِي وبَيْنَ نِسْبَتِهِ إلى الخَلِيلِ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مِنَ المَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ أنَّ نِسْبَتَهُ إلى الرّاوِي أوْلى، ثُمَّ نَقُولُ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِكَوْنِهِ كَذِبًا خَبَرًا شَبِيهًا بِالكَذِبِ ؟ . والوَجْهُ الثّامِنُ: أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً في النُّجُومِ﴾ أيْ نَظَرَ في نُجُومِ كَلامِهِمْ ومُتَفَرِّقاتِ أقْوالِهِمْ، فَإنَّ الأشْياءَ الَّتِي تَحْدُثُ قِطْعَةً قِطْعَةً، يُقالُ: إنَّها مُنَجَّمَةٌ أيْ مُتَفَرِّقَةٌ ومِنهُ نُجُومُ الكِتابَةِ، والمَعْنى أنَّهُ لَمّا سَمِعَ كَلِماتِهِمُ المُتَفَرِّقَةَ نَظَرَ فِيها كَيْ يَسْتَخْرِجَ مِنها حِيلَةً يَقْدِرُ بِها عَلى إقامَةِ عُذْرٍ لِنَفْسِهِ في التَّخَلُّفِ عَنْهم فَلَمْ يَجِدْ عُذْرًا أحْسَنَ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ والمُرادُ أنَّهُ لا بُدَّ مِن أنْ أصِيرَ سَقِيمًا كَما تَقُولُ لِمَن رَأيْتَهُ عَلى أوْقاتِ السَّفَرِ: إنَّكَ مُسافِرٌ. واعْلَمْ أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا قالَ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ تَوَلَّوْا عَنْهُ مُعْرِضِينَ فَتَرَكُوهُ وعَذَرُوهُ في أنْ لا يَخْرُجَ اليَوْمَ فَكانَ ذَلِكَ مُرادَهُ. ﴿فَراغَ إلى آلِهَتِهِمْ﴾ يُقالُ: راغَ إلَيْهِ إذا مالَ إلَيْهِ في السِّرِّ عَلى سَبِيلِ الخُفْيَةِ، ومِنهُ رَوَغانُ الثَّعْلَبِ. وقَوْلُهُ: ﴿ألا تَأْكُلُونَ﴾ يَعْنِي الطَّعامَ الَّذِي كانَ بَيْنَ أيْدِيهِمْ، وإنَّما قالَ ذَلِكَ اسْتِهْزاءً بِها، وكَذا قَوْلُهُ: ﴿ما لَكم لا تَنْطِقُونَ﴾ ﴿فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا﴾ فَأقْبَلَ عَلَيْهِمْ مُسْتَخْفِيًا كَأنَّهُ قالَ: فَضَرَبَهم ضَرْبًا؛ لِأنَّ: راغَ عَلَيْهِمْ في مَعْنى ضَرَبَهم أوْ فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِمَعْنى ضارِبًا. وفي قَوْلِهِ: ﴿بِاليَمِينِ﴾ قَوْلانِ: الأوَّلُ: مَعْناهُ بِالقُوَّةِ والشِّدَّةِ؛ لِأنَّ اليَمِينَ أقْوى الجارِحَتَيْنِ. والثّانِي: أنَّهُ أتى بِذَلِكَ الفِعْلِ بِسَبَبِ الحَلِفِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى عَنْهُ: ﴿تاللَّهِ لَأكِيدَنَّ أصْنامَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٥٧] ثُمَّ قالَ: ﴿فَأقْبَلُوا إلَيْهِ يَزِفُّونَ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ: ”يُزِفُّونَ“ بِضَمِّ الياءِ والباقُونَ بِفَتْحِها وهُما لُغَتانِ، قالَ ابْنُ عَرَفَةَ: مَن قَرَأ بِالنَّصْبِ فَهو مِن زَفَّ يَزِفُّ، ومَن قَرَأ بِالضَّمِّ فَهو مِن أزَفَّ يُزِفُّ، قالَ الزَّجّاجُ: يَزِفُّونَ يُسْرِعُونَ وأصْلُهُ مِن زَفِيفِ النَّعامَةِ وهو ابْتِداءُ عَدْوِها، وقَرَأ حَمْزَةُ: ”يُزِفُّونَ“ أيْ يَحْمِلُونَ غَيْرَهم عَلى الزَّفِيفِ، قالَ الأصْمَعِيُّ: يُقالُ: أزْفَفْتُ الإبِلَ إذا حَمَلْتَها عَلى أنْ تَزِفَّ، قالَ: وهو سُرْعَةُ الخُطْوَةِ ومُقارَبَةُ المَشْيِ، والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ عَلى قِراءَتِهِ كَأنَّهم حَمَلُوا دَوابَّهم عَلى الإسْراعِ في المَشْيِ، فَإنْ قِيلَ: مُقْتَضى هَذِهِ الآيَةِ أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا كَسَرَها عَدَوْا إلَيْهِ وأخَذُوهُ، وقالَ في سُورَةٍ أُخْرى في عَيْنِ هَذِهِ القِصَّةِ: ﴿قالُوا مَن فَعَلَ هَذا بِآلِهَتِنا إنَّهُ لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ ﴿قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهم يُقالُ لَهُ إبْراهِيمُ﴾ [الأنبياء: ٦٠] وهَذا يَقْتَضِي أنَّهم في أوَّلِ الأمْرِ ما عَرَفُوهُ فَبَيْنَ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ تَناقُضٌ ؟ قُلْنا: لا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: إنَّ جَماعَةً عَرَفُوهُ فَعَمَدُوا إلَيْهِ مُسْرِعِينَ والأكْثَرُونَ ما عَرَفُوهُ، فَتَعَرَّفُوا أنَّ ذَلِكَ الكاسِرَ مَن هو، واللَّهُ أعْلَمُ.

الصافات 37:87

القِصَّةُ الثّانِيَةُ قِصَّةُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿وإنَّ مِن شِيعَتِهِ لَإبْراهِيمَ﴾ ﴿إذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ ﴿إذْ قالَ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ ماذا تَعْبُدُونَ﴾ ﴿أئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾ ﴿فَما ظَنُّكم بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً في النُّجُومِ﴾ ﴿فَقالَ إنِّي سَقِيمٌ﴾ ﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ﴾ ﴿فَراغَ إلى آلِهَتِهِمْ فَقالَ ألا تَأْكُلُونَ﴾ ﴿ما لَكم لا تَنْطِقُونَ﴾ ﴿فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِاليَمِينِ﴾ ﴿فَأقْبَلُوا إلَيْهِ يَزِفُّونَ﴾ في الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ مِن شِيعَتِهِ إلى ماذا يَعُودُ ؟ فِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: وهو الأظْهَرُ أنَّهُ عائِدٌ إلى نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، أيْ: مِن شِيعَةِ نُوحٍ، أيْ مِن أهْلِ بَيْتِهِ وعَلى دِينِهِ ومِنهاجِهِ لَإبْراهِيمَ، قالُوا: وما كانَ بَيْنَ نُوحٍ وإبْراهِيمَ إلّا نَبِيّانِ هُودٌ وصالِحٌ، ورَوى صاحِبُ الكَشّافِ: إنَّهُ كانَ بَيْنَ نُوحٍ وإبْراهِيمَ ألْفانِ وسِتُّمِائَةٍ وأرْبَعُونَ سَنَةً. الثّانِي: قالَ الكَلْبِيُّ: المُرادُ مِن شِيعَةِ مُحَمَّدٍ لَإبْراهِيمَ بِمَعْنى أنَّهُ كانَ عَلى دِينِهِ ومِنهاجِهِ فَهو مِن شِيعَتِهِ وإنْ كانَ سابِقًا لَهُ، والأوَّلُ أظْهَرُ؛ لِأنَّهُ تَقَدَّمَ ذِكْرُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، ولَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرُ النَّبِيِّ ﷺ فَعَوْدُ الضَّمِيرِ إلى نُوحٍ أوْلى. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: العامِلُ في ”إذْ“ ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿وإنَّ مِن شِيعَتِهِ﴾ مِن مَعْنى المُشايَعَةِ يَعْنِي وإنَّ مِمَّنْ شايَعَهُ عَلى دِينِهِ وتَقْواهُ حِينَ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ لَإبْراهِيمَ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿إذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: في قَوْلِهِ: ﴿بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ قَوْلانِ: الأوَّلُ: قالَ مُقاتِلٌ والكَلْبِيُّ: يَعْنِي: خالِصٌ مِنَ الشَّرَكِ، والمَعْنى أنَّهُ سَلِمَ مِنَ الشِّرْكِ فَلَمْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ. والثّانِي: قالَ الأُصُولِيُّونَ: المُرادُ أنَّهُ عاشَ وماتَ عَلى طَهارَةِ القَلْبِ مِن كُلِّ دَنَسٍ مِنَ المَعاصِي، فَيَدْخُلُ فِيهِ كَوْنُهُ سَلِيمًا عَنِ الشِّرْكِ وعَنِ الشَّكِّ وعَنِ الغِلِّ والغِشِّ والحِقْدِ والحَسَدِ. عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّهُ كانَ يُحِبُّ لِلنّاسِ ما يُحِبُّ لِنَفْسِهِ، وسَلِمَ جَمِيعُ النّاسِ مِن غِشِّهِ وظُلْمِهِ وأسْلَمَهُ اللَّهُ تَعالى فَلَمْ يَعْدِلْ بِهِ أحَدًا، واحْتَجَّ الذّاهِبُونَ إلى القَوْلِ الأوَّلِ بِأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ بَعْدَ هَذِهِ الكَلِمَةِ إنْكارَهُ عَلى قَوْمِهِ الشِّرْكَ بِاللَّهِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿إذْ قالَ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ ماذا تَعْبُدُونَ﴾ واحْتَجَّ الذّاهِبُونَ إلى القَوْلِ الثّانِي بِأنَّ اللَّفْظَ مُطْلَقٌ فَلا يُقَيَّدُ بِصِفَةٍ دُونَ صِفَةٍ، ويَتَأكَّدُ هَذا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا إبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وكُنّا بِهِ عالِمِينَ﴾ . صفحة ١٢٨ [الأنبياء: ٥١] مَعَ أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤] وقالَ: ﴿وكَذَلِكَ نُرِي إبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ ولِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ﴾ [الأنعام: ٧٥] فَإنْ قِيلَ: ما مَعْنى المَجِيءِ بِقَلْبِهِ رَبَّهُ ؟ قُلْنا: مَعْناهُ أنَّهُ أخْلَصَ لِلَّهِ قَلْبَهُ، فَكَأنَّهُ أتْحَفَ حَضْرَةَ اللَّهِ بِذَلِكَ القَلْبِ، ورَأيْتُ في التَّوْراةِ أنَّ اللَّهَ قالَ لِمُوسى: أجِبْ إلَهَكَ بِكُلِّ قَلْبِكَ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أنَّ إبْراهِيمَ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ذَكَرَ أنَّ مِن جُمْلَةِ آثارِ تِلْكَ السَّلامَةِ أنْ دَعا أباهُ وقَوْمَهُ إلى التَّوْحِيدِ فَقالَ: ﴿إذْ قالَ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ ماذا تَعْبُدُونَ﴾ والمَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ تَهْجِينُ تِلْكَ الطَّرِيقَةِ وتَقْبِيحُها. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿أئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾ قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: أئِفْكًا مَفْعُولٌ لَهُ تَقْدِيرُهُ أتُرِيدُونَ آلِهَةً مِن دُونِهِ إفْكًا، وإنَّما قَدَّمَ المَفْعُولَ عَلى الفِعْلِ لِلْعِنايَةِ وقَدَّمَ المَفْعُولَ لَهُ عَلى المَفْعُولِ بِهِ؛ لِأنَّهُ كانَ الأهَمُّ عِنْدَهُ أنْ يُقَرِّرَ عِنْدَهم بِأنَّهم عَلى إفْكٍ وباطِلٍ في شِرْكِهِمْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ إفْكًا مَفْعُولًا بِهِ يَعْنِي أتُرِيدُونَ إفْكًا، ثُمَّ فَسَّرَ الإفْكَ بِقَوْلِهِ: ﴿آلِهَةً دُونَ اللَّهِ﴾ عَلى أنَّها إفْكٌ في أنْفُسِها، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا بِمَعْنى تُرِيدُونَ آلِهَةً مِن دُونِ اللَّهِ آفِكِينَ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿فَما ظَنُّكم بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أتَظُنُّونَ بِرَبِّ العالَمِينَ أنَّهُ يَجُوزُ جَعْلُ هَذِهِ الجَماداتِ مُشارِكَةً لَهُ في المَعْبُودِيَّةِ. وثانِيها: أتَظُنُّونَ بِرَبِّ العالَمِينَ أنَّهُ مِن جِنْسِ هَذِهِ الأجْسامِ حَتّى جَعَلْتُمُوها مُساوِيَةً لَهُ في المَعْبُودِيَّةِ فَنَبَّهَهم بِذَلِكَ عَلى أنَّهُ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً في النُّجُومِ﴾ ﴿فَقالَ إنِّي سَقِيمٌ﴾ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهم كانُوا يَتَعاطَوْنَ عِلْمَ النُّجُومِ فَعامَلَهم عَلى مُقْتَضى عادَتِهِمْ، وذَلِكَ أنَّهُ أرادَ أنْ يُكايِدَهم في أصْنامِهِمْ لِيُلْزِمَهُمُ الحُجَّةَ في أنَّها غَيْرُ مَعْبُودَةٍ، وكانَ لَهم مِنَ الغَدِ يَوْمُ عِيدٍ يَخْرُجُونَ إلَيْهِ فَأرادَ أنْ يَتَخَلَّفَ عَنْهم لِيَبْقى خالِيًا في بَيْتِ الأصْنامِ، فَيَقْدِرُ عَلى كَسْرِها. وهَهُنا سُؤالانِ: الأوَّلُ: أنَّ النَّظَرَ في عِلْمِ النُّجُومِ غَيْرُ جائِزٍ فَكَيْفَ أقْدَمَ عَلَيْهِ إبْراهِيمُ ؟ والثّانِي: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ما كانَ سَقِيمًا فَلَمّا قالَ إنِّي سَقِيمٌ كانَ ذَلِكَ كَذِبًا ؟ واعْلَمْ أنَّ العُلَماءَ ذَكَرُوا في الجَوابِ عَنْهُما وُجُوهًا كَثِيرَةً: الأوَّلُ: أنَّهُ نَظَرَ نَظْرَةً في النُّجُومِ في أوْقاتِ اللَّيْلِ والنَّهارِ وكانَتْ تَأْتِيهِ سَقامَةٌ كالحُمّى في بَعْضِ ساعاتِ اللَّيْلِ والنَّهارِ، فَنَظَرَ لِيَعْرِفَ هَلْ هي في تِلْكَ السّاعَةِ وقالَ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ فَجَعَلَهُ عُذْرًا في تَخَلُّفِهِ عَنِ العِيدِ الَّذِي لَهم وكانَ صادِقًا فِيما قالَ؛ لِأنَّ السُّقْمَ كانَ يَأْتِيهِ في ذَلِكَ الوَقْتِ، وإنَّما تَخَلَّفَ لِأجْلِ تَكْسِيرِ أصْنامِهِمْ. الوَجْهُ الثّانِي في الجَوابِ: أنَّ قَوْمَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانُوا أصْحابَ النُّجُومِ يُعَظِّمُونَها ويَقْضُونَ بِها عَلى غائِبِ الأُمُورِ، فَلِذَلِكَ نَظَرَ إبْراهِيمُ في النُّجُومِ أيْ: في عُلُومِ النُّجُومِ وفي مَعانِيهِ لا أنَّهُ نَظَرَ بِعَيْنِهِ إلَيْها، وهو كَما يُقالُ: فُلانٌ نَظَرَ في الفِقْهِ وفي النَّحْوِ وإنَّما أرادَ أنْ يُوهِمَهم أنَّهُ يَعْلَمُ ما يَعْلَمُونَ ويَتَعَرَّفُ مِن حَيْثُ يَتَعَرَّفُونَ حَتّى إذا قالَ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ سَكَنُوا إلى قَوْلِهِ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ فَمَعْناهُ سَأُسْقَمُ كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّكَ مَيِّتٌ﴾ [الزمر: ٣٠] أيْ: سَتَمُوتُ. الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً في النُّجُومِ﴾ هو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَبًا﴾ [الأنعام: ٧٦] إلى آخِرِ الآياتِ وكانَ ذَلِكَ النَّظَرُ لِأجْلِ أنْ يَتَعَرَّفَ أحْوالَ هَذِهِ الكَواكِبِ هَلْ هي قَدِيمَةٌ أوْ مُحْدَثَةٌ، وقَوْلُهُ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ يَعْنِي صفحة ١٢٩ سَقِيمَ القَلْبِ غَيْرَ عارِفٍ بِرَبِّي، وكانَ ذَلِكَ قَبْلَ البُلُوغِ. الوَجْهُ الرّابِعُ: قالَ ابْنُ زَيْدٍ كانَ لَهُ نَجْمٌ مَخْصُوصٌ، وكُلَّما طَلَعَ عَلى صِفَةٍ مَخْصُوصَةٍ مَرِضَ إبْراهِيمُ، ولِأجْلِ هَذا الِاسْتِقْراءِ لَمّا رَآهُ في ذَلِكَ الوَقْتِ طالِعًا عَلى تِلْكَ الصِّفَةِ المَخْصُوصَةِ قالَ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ أيْ هَذا السَّقَمُ واقِعٌ لا مَحالَةَ. الوَجْهُ الخامِسُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ أيْ: مَرِيضُ القَلْبِ بِسَبَبِ إطْباقِ ذَلِكَ الجَمْعِ العَظِيمِ عَلى الكُفْرِ والشِّرْكِ، قالَ تَعالى لِمُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ﴾ [الشعراء: ٣] . الوَجْهُ السّادِسُ: في الجَوابِ أنا لا نُسَلِّمُ أنَّ النَّظَرَ في عِلْمِ النُّجُومِ والِاسْتِدْلالِ بِمُقايَسَتِها حَرامٌ؛ لِأنَّ مَنِ اعْتَقَدَ أنَّ اللَّهَ تَعالى خَصَّ كُلَّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الكَواكِبِ بِقُوَّةٍ وبِخاصِّيَّةٍ لِأجْلِها يَظْهَرُ مِنهُ أثَرٌ مَخْصُوصٌ، فَهَذا العِلْمُ عَلى هَذا الوَجْهِ لَيْسَ بِباطِلٍ. وأمّا الكَذِبُ فَغَيْرُ لازِمٍ؛ لِأنَّهُ ذَكَرَ قَوْلَهُ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ عَلى سَبِيلِ التَّعْرِيضِ، بِمَعْنى أنَّ الإنْسانَ لا يَنْفَكُّ في أكْثَرِ أحْوالِهِ عَنْ حُصُولِ حالَةٍ مَكْرُوهَةٍ، إمّا في بَدَنِهِ وإمّا في قَلْبِهِ وكُلُّ ذَلِكَ سَقَمٌ. الوَجْهُ السّابِعُ: قالَ بَعْضُهم: ذَلِكَ القَوْلُ عَنْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كِذْبَةٌ ورَوَوْا فِيهِ حَدِيثًا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «ما كَذَبَ إبْراهِيمُ إلّا ثَلاثَ كَذَباتٍ» قُلْتُ لِبَعْضِهِمْ: هَذا الحَدِيثُ لا يَنْبَغِي أنْ يُقْبَلَ؛ لِأنَّ نِسْبَةَ الكَذِبِ إلى إبْراهِيمَ لا تَجُوزُ، فَقالَ ذَلِكَ الرَّجُلُ: فَكَيْفَ يُحْكَمُ بِكَذِبِ الرُّواةِ العُدُولِ ؟ فَقُلْتُ: لَمّا وقَعَ التَّعارُضُ بَيْنَ نِسْبَةِ الكَذِبِ إلى الرّاوِي وبَيْنَ نِسْبَتِهِ إلى الخَلِيلِ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مِنَ المَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ أنَّ نِسْبَتَهُ إلى الرّاوِي أوْلى، ثُمَّ نَقُولُ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِكَوْنِهِ كَذِبًا خَبَرًا شَبِيهًا بِالكَذِبِ ؟ . والوَجْهُ الثّامِنُ: أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً في النُّجُومِ﴾ أيْ نَظَرَ في نُجُومِ كَلامِهِمْ ومُتَفَرِّقاتِ أقْوالِهِمْ، فَإنَّ الأشْياءَ الَّتِي تَحْدُثُ قِطْعَةً قِطْعَةً، يُقالُ: إنَّها مُنَجَّمَةٌ أيْ مُتَفَرِّقَةٌ ومِنهُ نُجُومُ الكِتابَةِ، والمَعْنى أنَّهُ لَمّا سَمِعَ كَلِماتِهِمُ المُتَفَرِّقَةَ نَظَرَ فِيها كَيْ يَسْتَخْرِجَ مِنها حِيلَةً يَقْدِرُ بِها عَلى إقامَةِ عُذْرٍ لِنَفْسِهِ في التَّخَلُّفِ عَنْهم فَلَمْ يَجِدْ عُذْرًا أحْسَنَ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ والمُرادُ أنَّهُ لا بُدَّ مِن أنْ أصِيرَ سَقِيمًا كَما تَقُولُ لِمَن رَأيْتَهُ عَلى أوْقاتِ السَّفَرِ: إنَّكَ مُسافِرٌ. واعْلَمْ أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا قالَ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ تَوَلَّوْا عَنْهُ مُعْرِضِينَ فَتَرَكُوهُ وعَذَرُوهُ في أنْ لا يَخْرُجَ اليَوْمَ فَكانَ ذَلِكَ مُرادَهُ. ﴿فَراغَ إلى آلِهَتِهِمْ﴾ يُقالُ: راغَ إلَيْهِ إذا مالَ إلَيْهِ في السِّرِّ عَلى سَبِيلِ الخُفْيَةِ، ومِنهُ رَوَغانُ الثَّعْلَبِ. وقَوْلُهُ: ﴿ألا تَأْكُلُونَ﴾ يَعْنِي الطَّعامَ الَّذِي كانَ بَيْنَ أيْدِيهِمْ، وإنَّما قالَ ذَلِكَ اسْتِهْزاءً بِها، وكَذا قَوْلُهُ: ﴿ما لَكم لا تَنْطِقُونَ﴾ ﴿فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا﴾ فَأقْبَلَ عَلَيْهِمْ مُسْتَخْفِيًا كَأنَّهُ قالَ: فَضَرَبَهم ضَرْبًا؛ لِأنَّ: راغَ عَلَيْهِمْ في مَعْنى ضَرَبَهم أوْ فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِمَعْنى ضارِبًا. وفي قَوْلِهِ: ﴿بِاليَمِينِ﴾ قَوْلانِ: الأوَّلُ: مَعْناهُ بِالقُوَّةِ والشِّدَّةِ؛ لِأنَّ اليَمِينَ أقْوى الجارِحَتَيْنِ. والثّانِي: أنَّهُ أتى بِذَلِكَ الفِعْلِ بِسَبَبِ الحَلِفِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى عَنْهُ: ﴿تاللَّهِ لَأكِيدَنَّ أصْنامَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٥٧] ثُمَّ قالَ: ﴿فَأقْبَلُوا إلَيْهِ يَزِفُّونَ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ: ”يُزِفُّونَ“ بِضَمِّ الياءِ والباقُونَ بِفَتْحِها وهُما لُغَتانِ، قالَ ابْنُ عَرَفَةَ: مَن قَرَأ بِالنَّصْبِ فَهو مِن زَفَّ يَزِفُّ، ومَن قَرَأ بِالضَّمِّ فَهو مِن أزَفَّ يُزِفُّ، قالَ الزَّجّاجُ: يَزِفُّونَ يُسْرِعُونَ وأصْلُهُ مِن زَفِيفِ النَّعامَةِ وهو ابْتِداءُ عَدْوِها، وقَرَأ حَمْزَةُ: ”يُزِفُّونَ“ أيْ يَحْمِلُونَ غَيْرَهم عَلى الزَّفِيفِ، قالَ الأصْمَعِيُّ: يُقالُ: أزْفَفْتُ الإبِلَ إذا حَمَلْتَها عَلى أنْ تَزِفَّ، قالَ: وهو سُرْعَةُ الخُطْوَةِ ومُقارَبَةُ المَشْيِ، والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ عَلى قِراءَتِهِ كَأنَّهم حَمَلُوا دَوابَّهم عَلى الإسْراعِ في المَشْيِ، فَإنْ قِيلَ: مُقْتَضى هَذِهِ الآيَةِ أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا كَسَرَها عَدَوْا إلَيْهِ وأخَذُوهُ، وقالَ في سُورَةٍ أُخْرى في عَيْنِ هَذِهِ القِصَّةِ: ﴿قالُوا مَن فَعَلَ هَذا بِآلِهَتِنا إنَّهُ لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ ﴿قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهم يُقالُ لَهُ إبْراهِيمُ﴾ [الأنبياء: ٦٠] وهَذا يَقْتَضِي أنَّهم في أوَّلِ الأمْرِ ما عَرَفُوهُ فَبَيْنَ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ تَناقُضٌ ؟ قُلْنا: لا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: إنَّ جَماعَةً عَرَفُوهُ فَعَمَدُوا إلَيْهِ مُسْرِعِينَ والأكْثَرُونَ ما عَرَفُوهُ، فَتَعَرَّفُوا أنَّ ذَلِكَ الكاسِرَ مَن هو، واللَّهُ أعْلَمُ.

الصافات 37:88

القِصَّةُ الثّانِيَةُ قِصَّةُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿وإنَّ مِن شِيعَتِهِ لَإبْراهِيمَ﴾ ﴿إذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ ﴿إذْ قالَ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ ماذا تَعْبُدُونَ﴾ ﴿أئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾ ﴿فَما ظَنُّكم بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً في النُّجُومِ﴾ ﴿فَقالَ إنِّي سَقِيمٌ﴾ ﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ﴾ ﴿فَراغَ إلى آلِهَتِهِمْ فَقالَ ألا تَأْكُلُونَ﴾ ﴿ما لَكم لا تَنْطِقُونَ﴾ ﴿فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِاليَمِينِ﴾ ﴿فَأقْبَلُوا إلَيْهِ يَزِفُّونَ﴾ في الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ مِن شِيعَتِهِ إلى ماذا يَعُودُ ؟ فِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: وهو الأظْهَرُ أنَّهُ عائِدٌ إلى نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، أيْ: مِن شِيعَةِ نُوحٍ، أيْ مِن أهْلِ بَيْتِهِ وعَلى دِينِهِ ومِنهاجِهِ لَإبْراهِيمَ، قالُوا: وما كانَ بَيْنَ نُوحٍ وإبْراهِيمَ إلّا نَبِيّانِ هُودٌ وصالِحٌ، ورَوى صاحِبُ الكَشّافِ: إنَّهُ كانَ بَيْنَ نُوحٍ وإبْراهِيمَ ألْفانِ وسِتُّمِائَةٍ وأرْبَعُونَ سَنَةً. الثّانِي: قالَ الكَلْبِيُّ: المُرادُ مِن شِيعَةِ مُحَمَّدٍ لَإبْراهِيمَ بِمَعْنى أنَّهُ كانَ عَلى دِينِهِ ومِنهاجِهِ فَهو مِن شِيعَتِهِ وإنْ كانَ سابِقًا لَهُ، والأوَّلُ أظْهَرُ؛ لِأنَّهُ تَقَدَّمَ ذِكْرُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، ولَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرُ النَّبِيِّ ﷺ فَعَوْدُ الضَّمِيرِ إلى نُوحٍ أوْلى. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: العامِلُ في ”إذْ“ ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿وإنَّ مِن شِيعَتِهِ﴾ مِن مَعْنى المُشايَعَةِ يَعْنِي وإنَّ مِمَّنْ شايَعَهُ عَلى دِينِهِ وتَقْواهُ حِينَ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ لَإبْراهِيمَ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿إذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: في قَوْلِهِ: ﴿بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ قَوْلانِ: الأوَّلُ: قالَ مُقاتِلٌ والكَلْبِيُّ: يَعْنِي: خالِصٌ مِنَ الشَّرَكِ، والمَعْنى أنَّهُ سَلِمَ مِنَ الشِّرْكِ فَلَمْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ. والثّانِي: قالَ الأُصُولِيُّونَ: المُرادُ أنَّهُ عاشَ وماتَ عَلى طَهارَةِ القَلْبِ مِن كُلِّ دَنَسٍ مِنَ المَعاصِي، فَيَدْخُلُ فِيهِ كَوْنُهُ سَلِيمًا عَنِ الشِّرْكِ وعَنِ الشَّكِّ وعَنِ الغِلِّ والغِشِّ والحِقْدِ والحَسَدِ. عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّهُ كانَ يُحِبُّ لِلنّاسِ ما يُحِبُّ لِنَفْسِهِ، وسَلِمَ جَمِيعُ النّاسِ مِن غِشِّهِ وظُلْمِهِ وأسْلَمَهُ اللَّهُ تَعالى فَلَمْ يَعْدِلْ بِهِ أحَدًا، واحْتَجَّ الذّاهِبُونَ إلى القَوْلِ الأوَّلِ بِأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ بَعْدَ هَذِهِ الكَلِمَةِ إنْكارَهُ عَلى قَوْمِهِ الشِّرْكَ بِاللَّهِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿إذْ قالَ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ ماذا تَعْبُدُونَ﴾ واحْتَجَّ الذّاهِبُونَ إلى القَوْلِ الثّانِي بِأنَّ اللَّفْظَ مُطْلَقٌ فَلا يُقَيَّدُ بِصِفَةٍ دُونَ صِفَةٍ، ويَتَأكَّدُ هَذا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا إبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وكُنّا بِهِ عالِمِينَ﴾ . صفحة ١٢٨ [الأنبياء: ٥١] مَعَ أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤] وقالَ: ﴿وكَذَلِكَ نُرِي إبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ ولِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ﴾ [الأنعام: ٧٥] فَإنْ قِيلَ: ما مَعْنى المَجِيءِ بِقَلْبِهِ رَبَّهُ ؟ قُلْنا: مَعْناهُ أنَّهُ أخْلَصَ لِلَّهِ قَلْبَهُ، فَكَأنَّهُ أتْحَفَ حَضْرَةَ اللَّهِ بِذَلِكَ القَلْبِ، ورَأيْتُ في التَّوْراةِ أنَّ اللَّهَ قالَ لِمُوسى: أجِبْ إلَهَكَ بِكُلِّ قَلْبِكَ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أنَّ إبْراهِيمَ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ذَكَرَ أنَّ مِن جُمْلَةِ آثارِ تِلْكَ السَّلامَةِ أنْ دَعا أباهُ وقَوْمَهُ إلى التَّوْحِيدِ فَقالَ: ﴿إذْ قالَ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ ماذا تَعْبُدُونَ﴾ والمَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ تَهْجِينُ تِلْكَ الطَّرِيقَةِ وتَقْبِيحُها. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿أئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾ قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: أئِفْكًا مَفْعُولٌ لَهُ تَقْدِيرُهُ أتُرِيدُونَ آلِهَةً مِن دُونِهِ إفْكًا، وإنَّما قَدَّمَ المَفْعُولَ عَلى الفِعْلِ لِلْعِنايَةِ وقَدَّمَ المَفْعُولَ لَهُ عَلى المَفْعُولِ بِهِ؛ لِأنَّهُ كانَ الأهَمُّ عِنْدَهُ أنْ يُقَرِّرَ عِنْدَهم بِأنَّهم عَلى إفْكٍ وباطِلٍ في شِرْكِهِمْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ إفْكًا مَفْعُولًا بِهِ يَعْنِي أتُرِيدُونَ إفْكًا، ثُمَّ فَسَّرَ الإفْكَ بِقَوْلِهِ: ﴿آلِهَةً دُونَ اللَّهِ﴾ عَلى أنَّها إفْكٌ في أنْفُسِها، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا بِمَعْنى تُرِيدُونَ آلِهَةً مِن دُونِ اللَّهِ آفِكِينَ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿فَما ظَنُّكم بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أتَظُنُّونَ بِرَبِّ العالَمِينَ أنَّهُ يَجُوزُ جَعْلُ هَذِهِ الجَماداتِ مُشارِكَةً لَهُ في المَعْبُودِيَّةِ. وثانِيها: أتَظُنُّونَ بِرَبِّ العالَمِينَ أنَّهُ مِن جِنْسِ هَذِهِ الأجْسامِ حَتّى جَعَلْتُمُوها مُساوِيَةً لَهُ في المَعْبُودِيَّةِ فَنَبَّهَهم بِذَلِكَ عَلى أنَّهُ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً في النُّجُومِ﴾ ﴿فَقالَ إنِّي سَقِيمٌ﴾ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهم كانُوا يَتَعاطَوْنَ عِلْمَ النُّجُومِ فَعامَلَهم عَلى مُقْتَضى عادَتِهِمْ، وذَلِكَ أنَّهُ أرادَ أنْ يُكايِدَهم في أصْنامِهِمْ لِيُلْزِمَهُمُ الحُجَّةَ في أنَّها غَيْرُ مَعْبُودَةٍ، وكانَ لَهم مِنَ الغَدِ يَوْمُ عِيدٍ يَخْرُجُونَ إلَيْهِ فَأرادَ أنْ يَتَخَلَّفَ عَنْهم لِيَبْقى خالِيًا في بَيْتِ الأصْنامِ، فَيَقْدِرُ عَلى كَسْرِها. وهَهُنا سُؤالانِ: الأوَّلُ: أنَّ النَّظَرَ في عِلْمِ النُّجُومِ غَيْرُ جائِزٍ فَكَيْفَ أقْدَمَ عَلَيْهِ إبْراهِيمُ ؟ والثّانِي: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ما كانَ سَقِيمًا فَلَمّا قالَ إنِّي سَقِيمٌ كانَ ذَلِكَ كَذِبًا ؟ واعْلَمْ أنَّ العُلَماءَ ذَكَرُوا في الجَوابِ عَنْهُما وُجُوهًا كَثِيرَةً: الأوَّلُ: أنَّهُ نَظَرَ نَظْرَةً في النُّجُومِ في أوْقاتِ اللَّيْلِ والنَّهارِ وكانَتْ تَأْتِيهِ سَقامَةٌ كالحُمّى في بَعْضِ ساعاتِ اللَّيْلِ والنَّهارِ، فَنَظَرَ لِيَعْرِفَ هَلْ هي في تِلْكَ السّاعَةِ وقالَ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ فَجَعَلَهُ عُذْرًا في تَخَلُّفِهِ عَنِ العِيدِ الَّذِي لَهم وكانَ صادِقًا فِيما قالَ؛ لِأنَّ السُّقْمَ كانَ يَأْتِيهِ في ذَلِكَ الوَقْتِ، وإنَّما تَخَلَّفَ لِأجْلِ تَكْسِيرِ أصْنامِهِمْ. الوَجْهُ الثّانِي في الجَوابِ: أنَّ قَوْمَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانُوا أصْحابَ النُّجُومِ يُعَظِّمُونَها ويَقْضُونَ بِها عَلى غائِبِ الأُمُورِ، فَلِذَلِكَ نَظَرَ إبْراهِيمُ في النُّجُومِ أيْ: في عُلُومِ النُّجُومِ وفي مَعانِيهِ لا أنَّهُ نَظَرَ بِعَيْنِهِ إلَيْها، وهو كَما يُقالُ: فُلانٌ نَظَرَ في الفِقْهِ وفي النَّحْوِ وإنَّما أرادَ أنْ يُوهِمَهم أنَّهُ يَعْلَمُ ما يَعْلَمُونَ ويَتَعَرَّفُ مِن حَيْثُ يَتَعَرَّفُونَ حَتّى إذا قالَ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ سَكَنُوا إلى قَوْلِهِ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ فَمَعْناهُ سَأُسْقَمُ كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّكَ مَيِّتٌ﴾ [الزمر: ٣٠] أيْ: سَتَمُوتُ. الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً في النُّجُومِ﴾ هو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَبًا﴾ [الأنعام: ٧٦] إلى آخِرِ الآياتِ وكانَ ذَلِكَ النَّظَرُ لِأجْلِ أنْ يَتَعَرَّفَ أحْوالَ هَذِهِ الكَواكِبِ هَلْ هي قَدِيمَةٌ أوْ مُحْدَثَةٌ، وقَوْلُهُ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ يَعْنِي صفحة ١٢٩ سَقِيمَ القَلْبِ غَيْرَ عارِفٍ بِرَبِّي، وكانَ ذَلِكَ قَبْلَ البُلُوغِ. الوَجْهُ الرّابِعُ: قالَ ابْنُ زَيْدٍ كانَ لَهُ نَجْمٌ مَخْصُوصٌ، وكُلَّما طَلَعَ عَلى صِفَةٍ مَخْصُوصَةٍ مَرِضَ إبْراهِيمُ، ولِأجْلِ هَذا الِاسْتِقْراءِ لَمّا رَآهُ في ذَلِكَ الوَقْتِ طالِعًا عَلى تِلْكَ الصِّفَةِ المَخْصُوصَةِ قالَ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ أيْ هَذا السَّقَمُ واقِعٌ لا مَحالَةَ. الوَجْهُ الخامِسُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ أيْ: مَرِيضُ القَلْبِ بِسَبَبِ إطْباقِ ذَلِكَ الجَمْعِ العَظِيمِ عَلى الكُفْرِ والشِّرْكِ، قالَ تَعالى لِمُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ﴾ [الشعراء: ٣] . الوَجْهُ السّادِسُ: في الجَوابِ أنا لا نُسَلِّمُ أنَّ النَّظَرَ في عِلْمِ النُّجُومِ والِاسْتِدْلالِ بِمُقايَسَتِها حَرامٌ؛ لِأنَّ مَنِ اعْتَقَدَ أنَّ اللَّهَ تَعالى خَصَّ كُلَّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الكَواكِبِ بِقُوَّةٍ وبِخاصِّيَّةٍ لِأجْلِها يَظْهَرُ مِنهُ أثَرٌ مَخْصُوصٌ، فَهَذا العِلْمُ عَلى هَذا الوَجْهِ لَيْسَ بِباطِلٍ. وأمّا الكَذِبُ فَغَيْرُ لازِمٍ؛ لِأنَّهُ ذَكَرَ قَوْلَهُ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ عَلى سَبِيلِ التَّعْرِيضِ، بِمَعْنى أنَّ الإنْسانَ لا يَنْفَكُّ في أكْثَرِ أحْوالِهِ عَنْ حُصُولِ حالَةٍ مَكْرُوهَةٍ، إمّا في بَدَنِهِ وإمّا في قَلْبِهِ وكُلُّ ذَلِكَ سَقَمٌ. الوَجْهُ السّابِعُ: قالَ بَعْضُهم: ذَلِكَ القَوْلُ عَنْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كِذْبَةٌ ورَوَوْا فِيهِ حَدِيثًا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «ما كَذَبَ إبْراهِيمُ إلّا ثَلاثَ كَذَباتٍ» قُلْتُ لِبَعْضِهِمْ: هَذا الحَدِيثُ لا يَنْبَغِي أنْ يُقْبَلَ؛ لِأنَّ نِسْبَةَ الكَذِبِ إلى إبْراهِيمَ لا تَجُوزُ، فَقالَ ذَلِكَ الرَّجُلُ: فَكَيْفَ يُحْكَمُ بِكَذِبِ الرُّواةِ العُدُولِ ؟ فَقُلْتُ: لَمّا وقَعَ التَّعارُضُ بَيْنَ نِسْبَةِ الكَذِبِ إلى الرّاوِي وبَيْنَ نِسْبَتِهِ إلى الخَلِيلِ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مِنَ المَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ أنَّ نِسْبَتَهُ إلى الرّاوِي أوْلى، ثُمَّ نَقُولُ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِكَوْنِهِ كَذِبًا خَبَرًا شَبِيهًا بِالكَذِبِ ؟ . والوَجْهُ الثّامِنُ: أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً في النُّجُومِ﴾ أيْ نَظَرَ في نُجُومِ كَلامِهِمْ ومُتَفَرِّقاتِ أقْوالِهِمْ، فَإنَّ الأشْياءَ الَّتِي تَحْدُثُ قِطْعَةً قِطْعَةً، يُقالُ: إنَّها مُنَجَّمَةٌ أيْ مُتَفَرِّقَةٌ ومِنهُ نُجُومُ الكِتابَةِ، والمَعْنى أنَّهُ لَمّا سَمِعَ كَلِماتِهِمُ المُتَفَرِّقَةَ نَظَرَ فِيها كَيْ يَسْتَخْرِجَ مِنها حِيلَةً يَقْدِرُ بِها عَلى إقامَةِ عُذْرٍ لِنَفْسِهِ في التَّخَلُّفِ عَنْهم فَلَمْ يَجِدْ عُذْرًا أحْسَنَ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ والمُرادُ أنَّهُ لا بُدَّ مِن أنْ أصِيرَ سَقِيمًا كَما تَقُولُ لِمَن رَأيْتَهُ عَلى أوْقاتِ السَّفَرِ: إنَّكَ مُسافِرٌ. واعْلَمْ أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا قالَ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ تَوَلَّوْا عَنْهُ مُعْرِضِينَ فَتَرَكُوهُ وعَذَرُوهُ في أنْ لا يَخْرُجَ اليَوْمَ فَكانَ ذَلِكَ مُرادَهُ. ﴿فَراغَ إلى آلِهَتِهِمْ﴾ يُقالُ: راغَ إلَيْهِ إذا مالَ إلَيْهِ في السِّرِّ عَلى سَبِيلِ الخُفْيَةِ، ومِنهُ رَوَغانُ الثَّعْلَبِ. وقَوْلُهُ: ﴿ألا تَأْكُلُونَ﴾ يَعْنِي الطَّعامَ الَّذِي كانَ بَيْنَ أيْدِيهِمْ، وإنَّما قالَ ذَلِكَ اسْتِهْزاءً بِها، وكَذا قَوْلُهُ: ﴿ما لَكم لا تَنْطِقُونَ﴾ ﴿فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا﴾ فَأقْبَلَ عَلَيْهِمْ مُسْتَخْفِيًا كَأنَّهُ قالَ: فَضَرَبَهم ضَرْبًا؛ لِأنَّ: راغَ عَلَيْهِمْ في مَعْنى ضَرَبَهم أوْ فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِمَعْنى ضارِبًا. وفي قَوْلِهِ: ﴿بِاليَمِينِ﴾ قَوْلانِ: الأوَّلُ: مَعْناهُ بِالقُوَّةِ والشِّدَّةِ؛ لِأنَّ اليَمِينَ أقْوى الجارِحَتَيْنِ. والثّانِي: أنَّهُ أتى بِذَلِكَ الفِعْلِ بِسَبَبِ الحَلِفِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى عَنْهُ: ﴿تاللَّهِ لَأكِيدَنَّ أصْنامَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٥٧] ثُمَّ قالَ: ﴿فَأقْبَلُوا إلَيْهِ يَزِفُّونَ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ: ”يُزِفُّونَ“ بِضَمِّ الياءِ والباقُونَ بِفَتْحِها وهُما لُغَتانِ، قالَ ابْنُ عَرَفَةَ: مَن قَرَأ بِالنَّصْبِ فَهو مِن زَفَّ يَزِفُّ، ومَن قَرَأ بِالضَّمِّ فَهو مِن أزَفَّ يُزِفُّ، قالَ الزَّجّاجُ: يَزِفُّونَ يُسْرِعُونَ وأصْلُهُ مِن زَفِيفِ النَّعامَةِ وهو ابْتِداءُ عَدْوِها، وقَرَأ حَمْزَةُ: ”يُزِفُّونَ“ أيْ يَحْمِلُونَ غَيْرَهم عَلى الزَّفِيفِ، قالَ الأصْمَعِيُّ: يُقالُ: أزْفَفْتُ الإبِلَ إذا حَمَلْتَها عَلى أنْ تَزِفَّ، قالَ: وهو سُرْعَةُ الخُطْوَةِ ومُقارَبَةُ المَشْيِ، والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ عَلى قِراءَتِهِ كَأنَّهم حَمَلُوا دَوابَّهم عَلى الإسْراعِ في المَشْيِ، فَإنْ قِيلَ: مُقْتَضى هَذِهِ الآيَةِ أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا كَسَرَها عَدَوْا إلَيْهِ وأخَذُوهُ، وقالَ في سُورَةٍ أُخْرى في عَيْنِ هَذِهِ القِصَّةِ: ﴿قالُوا مَن فَعَلَ هَذا بِآلِهَتِنا إنَّهُ لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ ﴿قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهم يُقالُ لَهُ إبْراهِيمُ﴾ [الأنبياء: ٦٠] وهَذا يَقْتَضِي أنَّهم في أوَّلِ الأمْرِ ما عَرَفُوهُ فَبَيْنَ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ تَناقُضٌ ؟ قُلْنا: لا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: إنَّ جَماعَةً عَرَفُوهُ فَعَمَدُوا إلَيْهِ مُسْرِعِينَ والأكْثَرُونَ ما عَرَفُوهُ، فَتَعَرَّفُوا أنَّ ذَلِكَ الكاسِرَ مَن هو، واللَّهُ أعْلَمُ.

الصافات 37:89

القِصَّةُ الثّانِيَةُ قِصَّةُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿وإنَّ مِن شِيعَتِهِ لَإبْراهِيمَ﴾ ﴿إذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ ﴿إذْ قالَ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ ماذا تَعْبُدُونَ﴾ ﴿أئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾ ﴿فَما ظَنُّكم بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً في النُّجُومِ﴾ ﴿فَقالَ إنِّي سَقِيمٌ﴾ ﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ﴾ ﴿فَراغَ إلى آلِهَتِهِمْ فَقالَ ألا تَأْكُلُونَ﴾ ﴿ما لَكم لا تَنْطِقُونَ﴾ ﴿فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِاليَمِينِ﴾ ﴿فَأقْبَلُوا إلَيْهِ يَزِفُّونَ﴾ في الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ مِن شِيعَتِهِ إلى ماذا يَعُودُ ؟ فِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: وهو الأظْهَرُ أنَّهُ عائِدٌ إلى نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، أيْ: مِن شِيعَةِ نُوحٍ، أيْ مِن أهْلِ بَيْتِهِ وعَلى دِينِهِ ومِنهاجِهِ لَإبْراهِيمَ، قالُوا: وما كانَ بَيْنَ نُوحٍ وإبْراهِيمَ إلّا نَبِيّانِ هُودٌ وصالِحٌ، ورَوى صاحِبُ الكَشّافِ: إنَّهُ كانَ بَيْنَ نُوحٍ وإبْراهِيمَ ألْفانِ وسِتُّمِائَةٍ وأرْبَعُونَ سَنَةً. الثّانِي: قالَ الكَلْبِيُّ: المُرادُ مِن شِيعَةِ مُحَمَّدٍ لَإبْراهِيمَ بِمَعْنى أنَّهُ كانَ عَلى دِينِهِ ومِنهاجِهِ فَهو مِن شِيعَتِهِ وإنْ كانَ سابِقًا لَهُ، والأوَّلُ أظْهَرُ؛ لِأنَّهُ تَقَدَّمَ ذِكْرُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، ولَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرُ النَّبِيِّ ﷺ فَعَوْدُ الضَّمِيرِ إلى نُوحٍ أوْلى. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: العامِلُ في ”إذْ“ ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿وإنَّ مِن شِيعَتِهِ﴾ مِن مَعْنى المُشايَعَةِ يَعْنِي وإنَّ مِمَّنْ شايَعَهُ عَلى دِينِهِ وتَقْواهُ حِينَ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ لَإبْراهِيمَ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿إذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: في قَوْلِهِ: ﴿بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ قَوْلانِ: الأوَّلُ: قالَ مُقاتِلٌ والكَلْبِيُّ: يَعْنِي: خالِصٌ مِنَ الشَّرَكِ، والمَعْنى أنَّهُ سَلِمَ مِنَ الشِّرْكِ فَلَمْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ. والثّانِي: قالَ الأُصُولِيُّونَ: المُرادُ أنَّهُ عاشَ وماتَ عَلى طَهارَةِ القَلْبِ مِن كُلِّ دَنَسٍ مِنَ المَعاصِي، فَيَدْخُلُ فِيهِ كَوْنُهُ سَلِيمًا عَنِ الشِّرْكِ وعَنِ الشَّكِّ وعَنِ الغِلِّ والغِشِّ والحِقْدِ والحَسَدِ. عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّهُ كانَ يُحِبُّ لِلنّاسِ ما يُحِبُّ لِنَفْسِهِ، وسَلِمَ جَمِيعُ النّاسِ مِن غِشِّهِ وظُلْمِهِ وأسْلَمَهُ اللَّهُ تَعالى فَلَمْ يَعْدِلْ بِهِ أحَدًا، واحْتَجَّ الذّاهِبُونَ إلى القَوْلِ الأوَّلِ بِأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ بَعْدَ هَذِهِ الكَلِمَةِ إنْكارَهُ عَلى قَوْمِهِ الشِّرْكَ بِاللَّهِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿إذْ قالَ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ ماذا تَعْبُدُونَ﴾ واحْتَجَّ الذّاهِبُونَ إلى القَوْلِ الثّانِي بِأنَّ اللَّفْظَ مُطْلَقٌ فَلا يُقَيَّدُ بِصِفَةٍ دُونَ صِفَةٍ، ويَتَأكَّدُ هَذا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا إبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وكُنّا بِهِ عالِمِينَ﴾ . صفحة ١٢٨ [الأنبياء: ٥١] مَعَ أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤] وقالَ: ﴿وكَذَلِكَ نُرِي إبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ ولِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ﴾ [الأنعام: ٧٥] فَإنْ قِيلَ: ما مَعْنى المَجِيءِ بِقَلْبِهِ رَبَّهُ ؟ قُلْنا: مَعْناهُ أنَّهُ أخْلَصَ لِلَّهِ قَلْبَهُ، فَكَأنَّهُ أتْحَفَ حَضْرَةَ اللَّهِ بِذَلِكَ القَلْبِ، ورَأيْتُ في التَّوْراةِ أنَّ اللَّهَ قالَ لِمُوسى: أجِبْ إلَهَكَ بِكُلِّ قَلْبِكَ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أنَّ إبْراهِيمَ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ذَكَرَ أنَّ مِن جُمْلَةِ آثارِ تِلْكَ السَّلامَةِ أنْ دَعا أباهُ وقَوْمَهُ إلى التَّوْحِيدِ فَقالَ: ﴿إذْ قالَ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ ماذا تَعْبُدُونَ﴾ والمَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ تَهْجِينُ تِلْكَ الطَّرِيقَةِ وتَقْبِيحُها. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿أئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾ قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: أئِفْكًا مَفْعُولٌ لَهُ تَقْدِيرُهُ أتُرِيدُونَ آلِهَةً مِن دُونِهِ إفْكًا، وإنَّما قَدَّمَ المَفْعُولَ عَلى الفِعْلِ لِلْعِنايَةِ وقَدَّمَ المَفْعُولَ لَهُ عَلى المَفْعُولِ بِهِ؛ لِأنَّهُ كانَ الأهَمُّ عِنْدَهُ أنْ يُقَرِّرَ عِنْدَهم بِأنَّهم عَلى إفْكٍ وباطِلٍ في شِرْكِهِمْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ إفْكًا مَفْعُولًا بِهِ يَعْنِي أتُرِيدُونَ إفْكًا، ثُمَّ فَسَّرَ الإفْكَ بِقَوْلِهِ: ﴿آلِهَةً دُونَ اللَّهِ﴾ عَلى أنَّها إفْكٌ في أنْفُسِها، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا بِمَعْنى تُرِيدُونَ آلِهَةً مِن دُونِ اللَّهِ آفِكِينَ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿فَما ظَنُّكم بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أتَظُنُّونَ بِرَبِّ العالَمِينَ أنَّهُ يَجُوزُ جَعْلُ هَذِهِ الجَماداتِ مُشارِكَةً لَهُ في المَعْبُودِيَّةِ. وثانِيها: أتَظُنُّونَ بِرَبِّ العالَمِينَ أنَّهُ مِن جِنْسِ هَذِهِ الأجْسامِ حَتّى جَعَلْتُمُوها مُساوِيَةً لَهُ في المَعْبُودِيَّةِ فَنَبَّهَهم بِذَلِكَ عَلى أنَّهُ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً في النُّجُومِ﴾ ﴿فَقالَ إنِّي سَقِيمٌ﴾ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهم كانُوا يَتَعاطَوْنَ عِلْمَ النُّجُومِ فَعامَلَهم عَلى مُقْتَضى عادَتِهِمْ، وذَلِكَ أنَّهُ أرادَ أنْ يُكايِدَهم في أصْنامِهِمْ لِيُلْزِمَهُمُ الحُجَّةَ في أنَّها غَيْرُ مَعْبُودَةٍ، وكانَ لَهم مِنَ الغَدِ يَوْمُ عِيدٍ يَخْرُجُونَ إلَيْهِ فَأرادَ أنْ يَتَخَلَّفَ عَنْهم لِيَبْقى خالِيًا في بَيْتِ الأصْنامِ، فَيَقْدِرُ عَلى كَسْرِها. وهَهُنا سُؤالانِ: الأوَّلُ: أنَّ النَّظَرَ في عِلْمِ النُّجُومِ غَيْرُ جائِزٍ فَكَيْفَ أقْدَمَ عَلَيْهِ إبْراهِيمُ ؟ والثّانِي: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ما كانَ سَقِيمًا فَلَمّا قالَ إنِّي سَقِيمٌ كانَ ذَلِكَ كَذِبًا ؟ واعْلَمْ أنَّ العُلَماءَ ذَكَرُوا في الجَوابِ عَنْهُما وُجُوهًا كَثِيرَةً: الأوَّلُ: أنَّهُ نَظَرَ نَظْرَةً في النُّجُومِ في أوْقاتِ اللَّيْلِ والنَّهارِ وكانَتْ تَأْتِيهِ سَقامَةٌ كالحُمّى في بَعْضِ ساعاتِ اللَّيْلِ والنَّهارِ، فَنَظَرَ لِيَعْرِفَ هَلْ هي في تِلْكَ السّاعَةِ وقالَ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ فَجَعَلَهُ عُذْرًا في تَخَلُّفِهِ عَنِ العِيدِ الَّذِي لَهم وكانَ صادِقًا فِيما قالَ؛ لِأنَّ السُّقْمَ كانَ يَأْتِيهِ في ذَلِكَ الوَقْتِ، وإنَّما تَخَلَّفَ لِأجْلِ تَكْسِيرِ أصْنامِهِمْ. الوَجْهُ الثّانِي في الجَوابِ: أنَّ قَوْمَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانُوا أصْحابَ النُّجُومِ يُعَظِّمُونَها ويَقْضُونَ بِها عَلى غائِبِ الأُمُورِ، فَلِذَلِكَ نَظَرَ إبْراهِيمُ في النُّجُومِ أيْ: في عُلُومِ النُّجُومِ وفي مَعانِيهِ لا أنَّهُ نَظَرَ بِعَيْنِهِ إلَيْها، وهو كَما يُقالُ: فُلانٌ نَظَرَ في الفِقْهِ وفي النَّحْوِ وإنَّما أرادَ أنْ يُوهِمَهم أنَّهُ يَعْلَمُ ما يَعْلَمُونَ ويَتَعَرَّفُ مِن حَيْثُ يَتَعَرَّفُونَ حَتّى إذا قالَ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ سَكَنُوا إلى قَوْلِهِ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ فَمَعْناهُ سَأُسْقَمُ كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّكَ مَيِّتٌ﴾ [الزمر: ٣٠] أيْ: سَتَمُوتُ. الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً في النُّجُومِ﴾ هو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَبًا﴾ [الأنعام: ٧٦] إلى آخِرِ الآياتِ وكانَ ذَلِكَ النَّظَرُ لِأجْلِ أنْ يَتَعَرَّفَ أحْوالَ هَذِهِ الكَواكِبِ هَلْ هي قَدِيمَةٌ أوْ مُحْدَثَةٌ، وقَوْلُهُ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ يَعْنِي صفحة ١٢٩ سَقِيمَ القَلْبِ غَيْرَ عارِفٍ بِرَبِّي، وكانَ ذَلِكَ قَبْلَ البُلُوغِ. الوَجْهُ الرّابِعُ: قالَ ابْنُ زَيْدٍ كانَ لَهُ نَجْمٌ مَخْصُوصٌ، وكُلَّما طَلَعَ عَلى صِفَةٍ مَخْصُوصَةٍ مَرِضَ إبْراهِيمُ، ولِأجْلِ هَذا الِاسْتِقْراءِ لَمّا رَآهُ في ذَلِكَ الوَقْتِ طالِعًا عَلى تِلْكَ الصِّفَةِ المَخْصُوصَةِ قالَ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ أيْ هَذا السَّقَمُ واقِعٌ لا مَحالَةَ. الوَجْهُ الخامِسُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ أيْ: مَرِيضُ القَلْبِ بِسَبَبِ إطْباقِ ذَلِكَ الجَمْعِ العَظِيمِ عَلى الكُفْرِ والشِّرْكِ، قالَ تَعالى لِمُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ﴾ [الشعراء: ٣] . الوَجْهُ السّادِسُ: في الجَوابِ أنا لا نُسَلِّمُ أنَّ النَّظَرَ في عِلْمِ النُّجُومِ والِاسْتِدْلالِ بِمُقايَسَتِها حَرامٌ؛ لِأنَّ مَنِ اعْتَقَدَ أنَّ اللَّهَ تَعالى خَصَّ كُلَّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الكَواكِبِ بِقُوَّةٍ وبِخاصِّيَّةٍ لِأجْلِها يَظْهَرُ مِنهُ أثَرٌ مَخْصُوصٌ، فَهَذا العِلْمُ عَلى هَذا الوَجْهِ لَيْسَ بِباطِلٍ. وأمّا الكَذِبُ فَغَيْرُ لازِمٍ؛ لِأنَّهُ ذَكَرَ قَوْلَهُ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ عَلى سَبِيلِ التَّعْرِيضِ، بِمَعْنى أنَّ الإنْسانَ لا يَنْفَكُّ في أكْثَرِ أحْوالِهِ عَنْ حُصُولِ حالَةٍ مَكْرُوهَةٍ، إمّا في بَدَنِهِ وإمّا في قَلْبِهِ وكُلُّ ذَلِكَ سَقَمٌ. الوَجْهُ السّابِعُ: قالَ بَعْضُهم: ذَلِكَ القَوْلُ عَنْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كِذْبَةٌ ورَوَوْا فِيهِ حَدِيثًا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «ما كَذَبَ إبْراهِيمُ إلّا ثَلاثَ كَذَباتٍ» قُلْتُ لِبَعْضِهِمْ: هَذا الحَدِيثُ لا يَنْبَغِي أنْ يُقْبَلَ؛ لِأنَّ نِسْبَةَ الكَذِبِ إلى إبْراهِيمَ لا تَجُوزُ، فَقالَ ذَلِكَ الرَّجُلُ: فَكَيْفَ يُحْكَمُ بِكَذِبِ الرُّواةِ العُدُولِ ؟ فَقُلْتُ: لَمّا وقَعَ التَّعارُضُ بَيْنَ نِسْبَةِ الكَذِبِ إلى الرّاوِي وبَيْنَ نِسْبَتِهِ إلى الخَلِيلِ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مِنَ المَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ أنَّ نِسْبَتَهُ إلى الرّاوِي أوْلى، ثُمَّ نَقُولُ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِكَوْنِهِ كَذِبًا خَبَرًا شَبِيهًا بِالكَذِبِ ؟ . والوَجْهُ الثّامِنُ: أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً في النُّجُومِ﴾ أيْ نَظَرَ في نُجُومِ كَلامِهِمْ ومُتَفَرِّقاتِ أقْوالِهِمْ، فَإنَّ الأشْياءَ الَّتِي تَحْدُثُ قِطْعَةً قِطْعَةً، يُقالُ: إنَّها مُنَجَّمَةٌ أيْ مُتَفَرِّقَةٌ ومِنهُ نُجُومُ الكِتابَةِ، والمَعْنى أنَّهُ لَمّا سَمِعَ كَلِماتِهِمُ المُتَفَرِّقَةَ نَظَرَ فِيها كَيْ يَسْتَخْرِجَ مِنها حِيلَةً يَقْدِرُ بِها عَلى إقامَةِ عُذْرٍ لِنَفْسِهِ في التَّخَلُّفِ عَنْهم فَلَمْ يَجِدْ عُذْرًا أحْسَنَ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ والمُرادُ أنَّهُ لا بُدَّ مِن أنْ أصِيرَ سَقِيمًا كَما تَقُولُ لِمَن رَأيْتَهُ عَلى أوْقاتِ السَّفَرِ: إنَّكَ مُسافِرٌ. واعْلَمْ أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا قالَ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ تَوَلَّوْا عَنْهُ مُعْرِضِينَ فَتَرَكُوهُ وعَذَرُوهُ في أنْ لا يَخْرُجَ اليَوْمَ فَكانَ ذَلِكَ مُرادَهُ. ﴿فَراغَ إلى آلِهَتِهِمْ﴾ يُقالُ: راغَ إلَيْهِ إذا مالَ إلَيْهِ في السِّرِّ عَلى سَبِيلِ الخُفْيَةِ، ومِنهُ رَوَغانُ الثَّعْلَبِ. وقَوْلُهُ: ﴿ألا تَأْكُلُونَ﴾ يَعْنِي الطَّعامَ الَّذِي كانَ بَيْنَ أيْدِيهِمْ، وإنَّما قالَ ذَلِكَ اسْتِهْزاءً بِها، وكَذا قَوْلُهُ: ﴿ما لَكم لا تَنْطِقُونَ﴾ ﴿فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا﴾ فَأقْبَلَ عَلَيْهِمْ مُسْتَخْفِيًا كَأنَّهُ قالَ: فَضَرَبَهم ضَرْبًا؛ لِأنَّ: راغَ عَلَيْهِمْ في مَعْنى ضَرَبَهم أوْ فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِمَعْنى ضارِبًا. وفي قَوْلِهِ: ﴿بِاليَمِينِ﴾ قَوْلانِ: الأوَّلُ: مَعْناهُ بِالقُوَّةِ والشِّدَّةِ؛ لِأنَّ اليَمِينَ أقْوى الجارِحَتَيْنِ. والثّانِي: أنَّهُ أتى بِذَلِكَ الفِعْلِ بِسَبَبِ الحَلِفِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى عَنْهُ: ﴿تاللَّهِ لَأكِيدَنَّ أصْنامَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٥٧] ثُمَّ قالَ: ﴿فَأقْبَلُوا إلَيْهِ يَزِفُّونَ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ: ”يُزِفُّونَ“ بِضَمِّ الياءِ والباقُونَ بِفَتْحِها وهُما لُغَتانِ، قالَ ابْنُ عَرَفَةَ: مَن قَرَأ بِالنَّصْبِ فَهو مِن زَفَّ يَزِفُّ، ومَن قَرَأ بِالضَّمِّ فَهو مِن أزَفَّ يُزِفُّ، قالَ الزَّجّاجُ: يَزِفُّونَ يُسْرِعُونَ وأصْلُهُ مِن زَفِيفِ النَّعامَةِ وهو ابْتِداءُ عَدْوِها، وقَرَأ حَمْزَةُ: ”يُزِفُّونَ“ أيْ يَحْمِلُونَ غَيْرَهم عَلى الزَّفِيفِ، قالَ الأصْمَعِيُّ: يُقالُ: أزْفَفْتُ الإبِلَ إذا حَمَلْتَها عَلى أنْ تَزِفَّ، قالَ: وهو سُرْعَةُ الخُطْوَةِ ومُقارَبَةُ المَشْيِ، والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ عَلى قِراءَتِهِ كَأنَّهم حَمَلُوا دَوابَّهم عَلى الإسْراعِ في المَشْيِ، فَإنْ قِيلَ: مُقْتَضى هَذِهِ الآيَةِ أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا كَسَرَها عَدَوْا إلَيْهِ وأخَذُوهُ، وقالَ في سُورَةٍ أُخْرى في عَيْنِ هَذِهِ القِصَّةِ: ﴿قالُوا مَن فَعَلَ هَذا بِآلِهَتِنا إنَّهُ لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ ﴿قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهم يُقالُ لَهُ إبْراهِيمُ﴾ [الأنبياء: ٦٠] وهَذا يَقْتَضِي أنَّهم في أوَّلِ الأمْرِ ما عَرَفُوهُ فَبَيْنَ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ تَناقُضٌ ؟ قُلْنا: لا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: إنَّ جَماعَةً عَرَفُوهُ فَعَمَدُوا إلَيْهِ مُسْرِعِينَ والأكْثَرُونَ ما عَرَفُوهُ، فَتَعَرَّفُوا أنَّ ذَلِكَ الكاسِرَ مَن هو، واللَّهُ أعْلَمُ.

الصافات 37:90

القِصَّةُ الثّانِيَةُ قِصَّةُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿وإنَّ مِن شِيعَتِهِ لَإبْراهِيمَ﴾ ﴿إذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ ﴿إذْ قالَ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ ماذا تَعْبُدُونَ﴾ ﴿أئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾ ﴿فَما ظَنُّكم بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً في النُّجُومِ﴾ ﴿فَقالَ إنِّي سَقِيمٌ﴾ ﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ﴾ ﴿فَراغَ إلى آلِهَتِهِمْ فَقالَ ألا تَأْكُلُونَ﴾ ﴿ما لَكم لا تَنْطِقُونَ﴾ ﴿فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِاليَمِينِ﴾ ﴿فَأقْبَلُوا إلَيْهِ يَزِفُّونَ﴾ في الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ مِن شِيعَتِهِ إلى ماذا يَعُودُ ؟ فِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: وهو الأظْهَرُ أنَّهُ عائِدٌ إلى نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، أيْ: مِن شِيعَةِ نُوحٍ، أيْ مِن أهْلِ بَيْتِهِ وعَلى دِينِهِ ومِنهاجِهِ لَإبْراهِيمَ، قالُوا: وما كانَ بَيْنَ نُوحٍ وإبْراهِيمَ إلّا نَبِيّانِ هُودٌ وصالِحٌ، ورَوى صاحِبُ الكَشّافِ: إنَّهُ كانَ بَيْنَ نُوحٍ وإبْراهِيمَ ألْفانِ وسِتُّمِائَةٍ وأرْبَعُونَ سَنَةً. الثّانِي: قالَ الكَلْبِيُّ: المُرادُ مِن شِيعَةِ مُحَمَّدٍ لَإبْراهِيمَ بِمَعْنى أنَّهُ كانَ عَلى دِينِهِ ومِنهاجِهِ فَهو مِن شِيعَتِهِ وإنْ كانَ سابِقًا لَهُ، والأوَّلُ أظْهَرُ؛ لِأنَّهُ تَقَدَّمَ ذِكْرُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، ولَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرُ النَّبِيِّ ﷺ فَعَوْدُ الضَّمِيرِ إلى نُوحٍ أوْلى. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: العامِلُ في ”إذْ“ ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿وإنَّ مِن شِيعَتِهِ﴾ مِن مَعْنى المُشايَعَةِ يَعْنِي وإنَّ مِمَّنْ شايَعَهُ عَلى دِينِهِ وتَقْواهُ حِينَ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ لَإبْراهِيمَ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿إذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: في قَوْلِهِ: ﴿بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ قَوْلانِ: الأوَّلُ: قالَ مُقاتِلٌ والكَلْبِيُّ: يَعْنِي: خالِصٌ مِنَ الشَّرَكِ، والمَعْنى أنَّهُ سَلِمَ مِنَ الشِّرْكِ فَلَمْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ. والثّانِي: قالَ الأُصُولِيُّونَ: المُرادُ أنَّهُ عاشَ وماتَ عَلى طَهارَةِ القَلْبِ مِن كُلِّ دَنَسٍ مِنَ المَعاصِي، فَيَدْخُلُ فِيهِ كَوْنُهُ سَلِيمًا عَنِ الشِّرْكِ وعَنِ الشَّكِّ وعَنِ الغِلِّ والغِشِّ والحِقْدِ والحَسَدِ. عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّهُ كانَ يُحِبُّ لِلنّاسِ ما يُحِبُّ لِنَفْسِهِ، وسَلِمَ جَمِيعُ النّاسِ مِن غِشِّهِ وظُلْمِهِ وأسْلَمَهُ اللَّهُ تَعالى فَلَمْ يَعْدِلْ بِهِ أحَدًا، واحْتَجَّ الذّاهِبُونَ إلى القَوْلِ الأوَّلِ بِأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ بَعْدَ هَذِهِ الكَلِمَةِ إنْكارَهُ عَلى قَوْمِهِ الشِّرْكَ بِاللَّهِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿إذْ قالَ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ ماذا تَعْبُدُونَ﴾ واحْتَجَّ الذّاهِبُونَ إلى القَوْلِ الثّانِي بِأنَّ اللَّفْظَ مُطْلَقٌ فَلا يُقَيَّدُ بِصِفَةٍ دُونَ صِفَةٍ، ويَتَأكَّدُ هَذا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا إبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وكُنّا بِهِ عالِمِينَ﴾ . صفحة ١٢٨ [الأنبياء: ٥١] مَعَ أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤] وقالَ: ﴿وكَذَلِكَ نُرِي إبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ ولِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ﴾ [الأنعام: ٧٥] فَإنْ قِيلَ: ما مَعْنى المَجِيءِ بِقَلْبِهِ رَبَّهُ ؟ قُلْنا: مَعْناهُ أنَّهُ أخْلَصَ لِلَّهِ قَلْبَهُ، فَكَأنَّهُ أتْحَفَ حَضْرَةَ اللَّهِ بِذَلِكَ القَلْبِ، ورَأيْتُ في التَّوْراةِ أنَّ اللَّهَ قالَ لِمُوسى: أجِبْ إلَهَكَ بِكُلِّ قَلْبِكَ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أنَّ إبْراهِيمَ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ذَكَرَ أنَّ مِن جُمْلَةِ آثارِ تِلْكَ السَّلامَةِ أنْ دَعا أباهُ وقَوْمَهُ إلى التَّوْحِيدِ فَقالَ: ﴿إذْ قالَ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ ماذا تَعْبُدُونَ﴾ والمَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ تَهْجِينُ تِلْكَ الطَّرِيقَةِ وتَقْبِيحُها. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿أئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾ قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: أئِفْكًا مَفْعُولٌ لَهُ تَقْدِيرُهُ أتُرِيدُونَ آلِهَةً مِن دُونِهِ إفْكًا، وإنَّما قَدَّمَ المَفْعُولَ عَلى الفِعْلِ لِلْعِنايَةِ وقَدَّمَ المَفْعُولَ لَهُ عَلى المَفْعُولِ بِهِ؛ لِأنَّهُ كانَ الأهَمُّ عِنْدَهُ أنْ يُقَرِّرَ عِنْدَهم بِأنَّهم عَلى إفْكٍ وباطِلٍ في شِرْكِهِمْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ إفْكًا مَفْعُولًا بِهِ يَعْنِي أتُرِيدُونَ إفْكًا، ثُمَّ فَسَّرَ الإفْكَ بِقَوْلِهِ: ﴿آلِهَةً دُونَ اللَّهِ﴾ عَلى أنَّها إفْكٌ في أنْفُسِها، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا بِمَعْنى تُرِيدُونَ آلِهَةً مِن دُونِ اللَّهِ آفِكِينَ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿فَما ظَنُّكم بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أتَظُنُّونَ بِرَبِّ العالَمِينَ أنَّهُ يَجُوزُ جَعْلُ هَذِهِ الجَماداتِ مُشارِكَةً لَهُ في المَعْبُودِيَّةِ. وثانِيها: أتَظُنُّونَ بِرَبِّ العالَمِينَ أنَّهُ مِن جِنْسِ هَذِهِ الأجْسامِ حَتّى جَعَلْتُمُوها مُساوِيَةً لَهُ في المَعْبُودِيَّةِ فَنَبَّهَهم بِذَلِكَ عَلى أنَّهُ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً في النُّجُومِ﴾ ﴿فَقالَ إنِّي سَقِيمٌ﴾ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهم كانُوا يَتَعاطَوْنَ عِلْمَ النُّجُومِ فَعامَلَهم عَلى مُقْتَضى عادَتِهِمْ، وذَلِكَ أنَّهُ أرادَ أنْ يُكايِدَهم في أصْنامِهِمْ لِيُلْزِمَهُمُ الحُجَّةَ في أنَّها غَيْرُ مَعْبُودَةٍ، وكانَ لَهم مِنَ الغَدِ يَوْمُ عِيدٍ يَخْرُجُونَ إلَيْهِ فَأرادَ أنْ يَتَخَلَّفَ عَنْهم لِيَبْقى خالِيًا في بَيْتِ الأصْنامِ، فَيَقْدِرُ عَلى كَسْرِها. وهَهُنا سُؤالانِ: الأوَّلُ: أنَّ النَّظَرَ في عِلْمِ النُّجُومِ غَيْرُ جائِزٍ فَكَيْفَ أقْدَمَ عَلَيْهِ إبْراهِيمُ ؟ والثّانِي: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ما كانَ سَقِيمًا فَلَمّا قالَ إنِّي سَقِيمٌ كانَ ذَلِكَ كَذِبًا ؟ واعْلَمْ أنَّ العُلَماءَ ذَكَرُوا في الجَوابِ عَنْهُما وُجُوهًا كَثِيرَةً: الأوَّلُ: أنَّهُ نَظَرَ نَظْرَةً في النُّجُومِ في أوْقاتِ اللَّيْلِ والنَّهارِ وكانَتْ تَأْتِيهِ سَقامَةٌ كالحُمّى في بَعْضِ ساعاتِ اللَّيْلِ والنَّهارِ، فَنَظَرَ لِيَعْرِفَ هَلْ هي في تِلْكَ السّاعَةِ وقالَ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ فَجَعَلَهُ عُذْرًا في تَخَلُّفِهِ عَنِ العِيدِ الَّذِي لَهم وكانَ صادِقًا فِيما قالَ؛ لِأنَّ السُّقْمَ كانَ يَأْتِيهِ في ذَلِكَ الوَقْتِ، وإنَّما تَخَلَّفَ لِأجْلِ تَكْسِيرِ أصْنامِهِمْ. الوَجْهُ الثّانِي في الجَوابِ: أنَّ قَوْمَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانُوا أصْحابَ النُّجُومِ يُعَظِّمُونَها ويَقْضُونَ بِها عَلى غائِبِ الأُمُورِ، فَلِذَلِكَ نَظَرَ إبْراهِيمُ في النُّجُومِ أيْ: في عُلُومِ النُّجُومِ وفي مَعانِيهِ لا أنَّهُ نَظَرَ بِعَيْنِهِ إلَيْها، وهو كَما يُقالُ: فُلانٌ نَظَرَ في الفِقْهِ وفي النَّحْوِ وإنَّما أرادَ أنْ يُوهِمَهم أنَّهُ يَعْلَمُ ما يَعْلَمُونَ ويَتَعَرَّفُ مِن حَيْثُ يَتَعَرَّفُونَ حَتّى إذا قالَ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ سَكَنُوا إلى قَوْلِهِ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ فَمَعْناهُ سَأُسْقَمُ كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّكَ مَيِّتٌ﴾ [الزمر: ٣٠] أيْ: سَتَمُوتُ. الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً في النُّجُومِ﴾ هو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَبًا﴾ [الأنعام: ٧٦] إلى آخِرِ الآياتِ وكانَ ذَلِكَ النَّظَرُ لِأجْلِ أنْ يَتَعَرَّفَ أحْوالَ هَذِهِ الكَواكِبِ هَلْ هي قَدِيمَةٌ أوْ مُحْدَثَةٌ، وقَوْلُهُ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ يَعْنِي صفحة ١٢٩ سَقِيمَ القَلْبِ غَيْرَ عارِفٍ بِرَبِّي، وكانَ ذَلِكَ قَبْلَ البُلُوغِ. الوَجْهُ الرّابِعُ: قالَ ابْنُ زَيْدٍ كانَ لَهُ نَجْمٌ مَخْصُوصٌ، وكُلَّما طَلَعَ عَلى صِفَةٍ مَخْصُوصَةٍ مَرِضَ إبْراهِيمُ، ولِأجْلِ هَذا الِاسْتِقْراءِ لَمّا رَآهُ في ذَلِكَ الوَقْتِ طالِعًا عَلى تِلْكَ الصِّفَةِ المَخْصُوصَةِ قالَ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ أيْ هَذا السَّقَمُ واقِعٌ لا مَحالَةَ. الوَجْهُ الخامِسُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ أيْ: مَرِيضُ القَلْبِ بِسَبَبِ إطْباقِ ذَلِكَ الجَمْعِ العَظِيمِ عَلى الكُفْرِ والشِّرْكِ، قالَ تَعالى لِمُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ﴾ [الشعراء: ٣] . الوَجْهُ السّادِسُ: في الجَوابِ أنا لا نُسَلِّمُ أنَّ النَّظَرَ في عِلْمِ النُّجُومِ والِاسْتِدْلالِ بِمُقايَسَتِها حَرامٌ؛ لِأنَّ مَنِ اعْتَقَدَ أنَّ اللَّهَ تَعالى خَصَّ كُلَّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الكَواكِبِ بِقُوَّةٍ وبِخاصِّيَّةٍ لِأجْلِها يَظْهَرُ مِنهُ أثَرٌ مَخْصُوصٌ، فَهَذا العِلْمُ عَلى هَذا الوَجْهِ لَيْسَ بِباطِلٍ. وأمّا الكَذِبُ فَغَيْرُ لازِمٍ؛ لِأنَّهُ ذَكَرَ قَوْلَهُ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ عَلى سَبِيلِ التَّعْرِيضِ، بِمَعْنى أنَّ الإنْسانَ لا يَنْفَكُّ في أكْثَرِ أحْوالِهِ عَنْ حُصُولِ حالَةٍ مَكْرُوهَةٍ، إمّا في بَدَنِهِ وإمّا في قَلْبِهِ وكُلُّ ذَلِكَ سَقَمٌ. الوَجْهُ السّابِعُ: قالَ بَعْضُهم: ذَلِكَ القَوْلُ عَنْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كِذْبَةٌ ورَوَوْا فِيهِ حَدِيثًا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «ما كَذَبَ إبْراهِيمُ إلّا ثَلاثَ كَذَباتٍ» قُلْتُ لِبَعْضِهِمْ: هَذا الحَدِيثُ لا يَنْبَغِي أنْ يُقْبَلَ؛ لِأنَّ نِسْبَةَ الكَذِبِ إلى إبْراهِيمَ لا تَجُوزُ، فَقالَ ذَلِكَ الرَّجُلُ: فَكَيْفَ يُحْكَمُ بِكَذِبِ الرُّواةِ العُدُولِ ؟ فَقُلْتُ: لَمّا وقَعَ التَّعارُضُ بَيْنَ نِسْبَةِ الكَذِبِ إلى الرّاوِي وبَيْنَ نِسْبَتِهِ إلى الخَلِيلِ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مِنَ المَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ أنَّ نِسْبَتَهُ إلى الرّاوِي أوْلى، ثُمَّ نَقُولُ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِكَوْنِهِ كَذِبًا خَبَرًا شَبِيهًا بِالكَذِبِ ؟ . والوَجْهُ الثّامِنُ: أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً في النُّجُومِ﴾ أيْ نَظَرَ في نُجُومِ كَلامِهِمْ ومُتَفَرِّقاتِ أقْوالِهِمْ، فَإنَّ الأشْياءَ الَّتِي تَحْدُثُ قِطْعَةً قِطْعَةً، يُقالُ: إنَّها مُنَجَّمَةٌ أيْ مُتَفَرِّقَةٌ ومِنهُ نُجُومُ الكِتابَةِ، والمَعْنى أنَّهُ لَمّا سَمِعَ كَلِماتِهِمُ المُتَفَرِّقَةَ نَظَرَ فِيها كَيْ يَسْتَخْرِجَ مِنها حِيلَةً يَقْدِرُ بِها عَلى إقامَةِ عُذْرٍ لِنَفْسِهِ في التَّخَلُّفِ عَنْهم فَلَمْ يَجِدْ عُذْرًا أحْسَنَ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ والمُرادُ أنَّهُ لا بُدَّ مِن أنْ أصِيرَ سَقِيمًا كَما تَقُولُ لِمَن رَأيْتَهُ عَلى أوْقاتِ السَّفَرِ: إنَّكَ مُسافِرٌ. واعْلَمْ أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا قالَ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ تَوَلَّوْا عَنْهُ مُعْرِضِينَ فَتَرَكُوهُ وعَذَرُوهُ في أنْ لا يَخْرُجَ اليَوْمَ فَكانَ ذَلِكَ مُرادَهُ. ﴿فَراغَ إلى آلِهَتِهِمْ﴾ يُقالُ: راغَ إلَيْهِ إذا مالَ إلَيْهِ في السِّرِّ عَلى سَبِيلِ الخُفْيَةِ، ومِنهُ رَوَغانُ الثَّعْلَبِ. وقَوْلُهُ: ﴿ألا تَأْكُلُونَ﴾ يَعْنِي الطَّعامَ الَّذِي كانَ بَيْنَ أيْدِيهِمْ، وإنَّما قالَ ذَلِكَ اسْتِهْزاءً بِها، وكَذا قَوْلُهُ: ﴿ما لَكم لا تَنْطِقُونَ﴾ ﴿فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا﴾ فَأقْبَلَ عَلَيْهِمْ مُسْتَخْفِيًا كَأنَّهُ قالَ: فَضَرَبَهم ضَرْبًا؛ لِأنَّ: راغَ عَلَيْهِمْ في مَعْنى ضَرَبَهم أوْ فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِمَعْنى ضارِبًا. وفي قَوْلِهِ: ﴿بِاليَمِينِ﴾ قَوْلانِ: الأوَّلُ: مَعْناهُ بِالقُوَّةِ والشِّدَّةِ؛ لِأنَّ اليَمِينَ أقْوى الجارِحَتَيْنِ. والثّانِي: أنَّهُ أتى بِذَلِكَ الفِعْلِ بِسَبَبِ الحَلِفِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى عَنْهُ: ﴿تاللَّهِ لَأكِيدَنَّ أصْنامَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٥٧] ثُمَّ قالَ: ﴿فَأقْبَلُوا إلَيْهِ يَزِفُّونَ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ: ”يُزِفُّونَ“ بِضَمِّ الياءِ والباقُونَ بِفَتْحِها وهُما لُغَتانِ، قالَ ابْنُ عَرَفَةَ: مَن قَرَأ بِالنَّصْبِ فَهو مِن زَفَّ يَزِفُّ، ومَن قَرَأ بِالضَّمِّ فَهو مِن أزَفَّ يُزِفُّ، قالَ الزَّجّاجُ: يَزِفُّونَ يُسْرِعُونَ وأصْلُهُ مِن زَفِيفِ النَّعامَةِ وهو ابْتِداءُ عَدْوِها، وقَرَأ حَمْزَةُ: ”يُزِفُّونَ“ أيْ يَحْمِلُونَ غَيْرَهم عَلى الزَّفِيفِ، قالَ الأصْمَعِيُّ: يُقالُ: أزْفَفْتُ الإبِلَ إذا حَمَلْتَها عَلى أنْ تَزِفَّ، قالَ: وهو سُرْعَةُ الخُطْوَةِ ومُقارَبَةُ المَشْيِ، والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ عَلى قِراءَتِهِ كَأنَّهم حَمَلُوا دَوابَّهم عَلى الإسْراعِ في المَشْيِ، فَإنْ قِيلَ: مُقْتَضى هَذِهِ الآيَةِ أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا كَسَرَها عَدَوْا إلَيْهِ وأخَذُوهُ، وقالَ في سُورَةٍ أُخْرى في عَيْنِ هَذِهِ القِصَّةِ: ﴿قالُوا مَن فَعَلَ هَذا بِآلِهَتِنا إنَّهُ لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ ﴿قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهم يُقالُ لَهُ إبْراهِيمُ﴾ [الأنبياء: ٦٠] وهَذا يَقْتَضِي أنَّهم في أوَّلِ الأمْرِ ما عَرَفُوهُ فَبَيْنَ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ تَناقُضٌ ؟ قُلْنا: لا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: إنَّ جَماعَةً عَرَفُوهُ فَعَمَدُوا إلَيْهِ مُسْرِعِينَ والأكْثَرُونَ ما عَرَفُوهُ، فَتَعَرَّفُوا أنَّ ذَلِكَ الكاسِرَ مَن هو، واللَّهُ أعْلَمُ.

الصافات 37:91

القِصَّةُ الثّانِيَةُ قِصَّةُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿وإنَّ مِن شِيعَتِهِ لَإبْراهِيمَ﴾ ﴿إذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ ﴿إذْ قالَ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ ماذا تَعْبُدُونَ﴾ ﴿أئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾ ﴿فَما ظَنُّكم بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً في النُّجُومِ﴾ ﴿فَقالَ إنِّي سَقِيمٌ﴾ ﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ﴾ ﴿فَراغَ إلى آلِهَتِهِمْ فَقالَ ألا تَأْكُلُونَ﴾ ﴿ما لَكم لا تَنْطِقُونَ﴾ ﴿فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِاليَمِينِ﴾ ﴿فَأقْبَلُوا إلَيْهِ يَزِفُّونَ﴾ في الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ مِن شِيعَتِهِ إلى ماذا يَعُودُ ؟ فِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: وهو الأظْهَرُ أنَّهُ عائِدٌ إلى نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، أيْ: مِن شِيعَةِ نُوحٍ، أيْ مِن أهْلِ بَيْتِهِ وعَلى دِينِهِ ومِنهاجِهِ لَإبْراهِيمَ، قالُوا: وما كانَ بَيْنَ نُوحٍ وإبْراهِيمَ إلّا نَبِيّانِ هُودٌ وصالِحٌ، ورَوى صاحِبُ الكَشّافِ: إنَّهُ كانَ بَيْنَ نُوحٍ وإبْراهِيمَ ألْفانِ وسِتُّمِائَةٍ وأرْبَعُونَ سَنَةً. الثّانِي: قالَ الكَلْبِيُّ: المُرادُ مِن شِيعَةِ مُحَمَّدٍ لَإبْراهِيمَ بِمَعْنى أنَّهُ كانَ عَلى دِينِهِ ومِنهاجِهِ فَهو مِن شِيعَتِهِ وإنْ كانَ سابِقًا لَهُ، والأوَّلُ أظْهَرُ؛ لِأنَّهُ تَقَدَّمَ ذِكْرُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، ولَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرُ النَّبِيِّ ﷺ فَعَوْدُ الضَّمِيرِ إلى نُوحٍ أوْلى. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: العامِلُ في ”إذْ“ ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿وإنَّ مِن شِيعَتِهِ﴾ مِن مَعْنى المُشايَعَةِ يَعْنِي وإنَّ مِمَّنْ شايَعَهُ عَلى دِينِهِ وتَقْواهُ حِينَ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ لَإبْراهِيمَ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿إذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: في قَوْلِهِ: ﴿بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ قَوْلانِ: الأوَّلُ: قالَ مُقاتِلٌ والكَلْبِيُّ: يَعْنِي: خالِصٌ مِنَ الشَّرَكِ، والمَعْنى أنَّهُ سَلِمَ مِنَ الشِّرْكِ فَلَمْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ. والثّانِي: قالَ الأُصُولِيُّونَ: المُرادُ أنَّهُ عاشَ وماتَ عَلى طَهارَةِ القَلْبِ مِن كُلِّ دَنَسٍ مِنَ المَعاصِي، فَيَدْخُلُ فِيهِ كَوْنُهُ سَلِيمًا عَنِ الشِّرْكِ وعَنِ الشَّكِّ وعَنِ الغِلِّ والغِشِّ والحِقْدِ والحَسَدِ. عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّهُ كانَ يُحِبُّ لِلنّاسِ ما يُحِبُّ لِنَفْسِهِ، وسَلِمَ جَمِيعُ النّاسِ مِن غِشِّهِ وظُلْمِهِ وأسْلَمَهُ اللَّهُ تَعالى فَلَمْ يَعْدِلْ بِهِ أحَدًا، واحْتَجَّ الذّاهِبُونَ إلى القَوْلِ الأوَّلِ بِأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ بَعْدَ هَذِهِ الكَلِمَةِ إنْكارَهُ عَلى قَوْمِهِ الشِّرْكَ بِاللَّهِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿إذْ قالَ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ ماذا تَعْبُدُونَ﴾ واحْتَجَّ الذّاهِبُونَ إلى القَوْلِ الثّانِي بِأنَّ اللَّفْظَ مُطْلَقٌ فَلا يُقَيَّدُ بِصِفَةٍ دُونَ صِفَةٍ، ويَتَأكَّدُ هَذا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا إبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وكُنّا بِهِ عالِمِينَ﴾ . صفحة ١٢٨ [الأنبياء: ٥١] مَعَ أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤] وقالَ: ﴿وكَذَلِكَ نُرِي إبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ ولِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ﴾ [الأنعام: ٧٥] فَإنْ قِيلَ: ما مَعْنى المَجِيءِ بِقَلْبِهِ رَبَّهُ ؟ قُلْنا: مَعْناهُ أنَّهُ أخْلَصَ لِلَّهِ قَلْبَهُ، فَكَأنَّهُ أتْحَفَ حَضْرَةَ اللَّهِ بِذَلِكَ القَلْبِ، ورَأيْتُ في التَّوْراةِ أنَّ اللَّهَ قالَ لِمُوسى: أجِبْ إلَهَكَ بِكُلِّ قَلْبِكَ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أنَّ إبْراهِيمَ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ذَكَرَ أنَّ مِن جُمْلَةِ آثارِ تِلْكَ السَّلامَةِ أنْ دَعا أباهُ وقَوْمَهُ إلى التَّوْحِيدِ فَقالَ: ﴿إذْ قالَ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ ماذا تَعْبُدُونَ﴾ والمَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ تَهْجِينُ تِلْكَ الطَّرِيقَةِ وتَقْبِيحُها. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿أئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾ قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: أئِفْكًا مَفْعُولٌ لَهُ تَقْدِيرُهُ أتُرِيدُونَ آلِهَةً مِن دُونِهِ إفْكًا، وإنَّما قَدَّمَ المَفْعُولَ عَلى الفِعْلِ لِلْعِنايَةِ وقَدَّمَ المَفْعُولَ لَهُ عَلى المَفْعُولِ بِهِ؛ لِأنَّهُ كانَ الأهَمُّ عِنْدَهُ أنْ يُقَرِّرَ عِنْدَهم بِأنَّهم عَلى إفْكٍ وباطِلٍ في شِرْكِهِمْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ إفْكًا مَفْعُولًا بِهِ يَعْنِي أتُرِيدُونَ إفْكًا، ثُمَّ فَسَّرَ الإفْكَ بِقَوْلِهِ: ﴿آلِهَةً دُونَ اللَّهِ﴾ عَلى أنَّها إفْكٌ في أنْفُسِها، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا بِمَعْنى تُرِيدُونَ آلِهَةً مِن دُونِ اللَّهِ آفِكِينَ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿فَما ظَنُّكم بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أتَظُنُّونَ بِرَبِّ العالَمِينَ أنَّهُ يَجُوزُ جَعْلُ هَذِهِ الجَماداتِ مُشارِكَةً لَهُ في المَعْبُودِيَّةِ. وثانِيها: أتَظُنُّونَ بِرَبِّ العالَمِينَ أنَّهُ مِن جِنْسِ هَذِهِ الأجْسامِ حَتّى جَعَلْتُمُوها مُساوِيَةً لَهُ في المَعْبُودِيَّةِ فَنَبَّهَهم بِذَلِكَ عَلى أنَّهُ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً في النُّجُومِ﴾ ﴿فَقالَ إنِّي سَقِيمٌ﴾ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهم كانُوا يَتَعاطَوْنَ عِلْمَ النُّجُومِ فَعامَلَهم عَلى مُقْتَضى عادَتِهِمْ، وذَلِكَ أنَّهُ أرادَ أنْ يُكايِدَهم في أصْنامِهِمْ لِيُلْزِمَهُمُ الحُجَّةَ في أنَّها غَيْرُ مَعْبُودَةٍ، وكانَ لَهم مِنَ الغَدِ يَوْمُ عِيدٍ يَخْرُجُونَ إلَيْهِ فَأرادَ أنْ يَتَخَلَّفَ عَنْهم لِيَبْقى خالِيًا في بَيْتِ الأصْنامِ، فَيَقْدِرُ عَلى كَسْرِها. وهَهُنا سُؤالانِ: الأوَّلُ: أنَّ النَّظَرَ في عِلْمِ النُّجُومِ غَيْرُ جائِزٍ فَكَيْفَ أقْدَمَ عَلَيْهِ إبْراهِيمُ ؟ والثّانِي: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ما كانَ سَقِيمًا فَلَمّا قالَ إنِّي سَقِيمٌ كانَ ذَلِكَ كَذِبًا ؟ واعْلَمْ أنَّ العُلَماءَ ذَكَرُوا في الجَوابِ عَنْهُما وُجُوهًا كَثِيرَةً: الأوَّلُ: أنَّهُ نَظَرَ نَظْرَةً في النُّجُومِ في أوْقاتِ اللَّيْلِ والنَّهارِ وكانَتْ تَأْتِيهِ سَقامَةٌ كالحُمّى في بَعْضِ ساعاتِ اللَّيْلِ والنَّهارِ، فَنَظَرَ لِيَعْرِفَ هَلْ هي في تِلْكَ السّاعَةِ وقالَ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ فَجَعَلَهُ عُذْرًا في تَخَلُّفِهِ عَنِ العِيدِ الَّذِي لَهم وكانَ صادِقًا فِيما قالَ؛ لِأنَّ السُّقْمَ كانَ يَأْتِيهِ في ذَلِكَ الوَقْتِ، وإنَّما تَخَلَّفَ لِأجْلِ تَكْسِيرِ أصْنامِهِمْ. الوَجْهُ الثّانِي في الجَوابِ: أنَّ قَوْمَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانُوا أصْحابَ النُّجُومِ يُعَظِّمُونَها ويَقْضُونَ بِها عَلى غائِبِ الأُمُورِ، فَلِذَلِكَ نَظَرَ إبْراهِيمُ في النُّجُومِ أيْ: في عُلُومِ النُّجُومِ وفي مَعانِيهِ لا أنَّهُ نَظَرَ بِعَيْنِهِ إلَيْها، وهو كَما يُقالُ: فُلانٌ نَظَرَ في الفِقْهِ وفي النَّحْوِ وإنَّما أرادَ أنْ يُوهِمَهم أنَّهُ يَعْلَمُ ما يَعْلَمُونَ ويَتَعَرَّفُ مِن حَيْثُ يَتَعَرَّفُونَ حَتّى إذا قالَ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ سَكَنُوا إلى قَوْلِهِ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ فَمَعْناهُ سَأُسْقَمُ كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّكَ مَيِّتٌ﴾ [الزمر: ٣٠] أيْ: سَتَمُوتُ. الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً في النُّجُومِ﴾ هو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَبًا﴾ [الأنعام: ٧٦] إلى آخِرِ الآياتِ وكانَ ذَلِكَ النَّظَرُ لِأجْلِ أنْ يَتَعَرَّفَ أحْوالَ هَذِهِ الكَواكِبِ هَلْ هي قَدِيمَةٌ أوْ مُحْدَثَةٌ، وقَوْلُهُ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ يَعْنِي صفحة ١٢٩ سَقِيمَ القَلْبِ غَيْرَ عارِفٍ بِرَبِّي، وكانَ ذَلِكَ قَبْلَ البُلُوغِ. الوَجْهُ الرّابِعُ: قالَ ابْنُ زَيْدٍ كانَ لَهُ نَجْمٌ مَخْصُوصٌ، وكُلَّما طَلَعَ عَلى صِفَةٍ مَخْصُوصَةٍ مَرِضَ إبْراهِيمُ، ولِأجْلِ هَذا الِاسْتِقْراءِ لَمّا رَآهُ في ذَلِكَ الوَقْتِ طالِعًا عَلى تِلْكَ الصِّفَةِ المَخْصُوصَةِ قالَ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ أيْ هَذا السَّقَمُ واقِعٌ لا مَحالَةَ. الوَجْهُ الخامِسُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ أيْ: مَرِيضُ القَلْبِ بِسَبَبِ إطْباقِ ذَلِكَ الجَمْعِ العَظِيمِ عَلى الكُفْرِ والشِّرْكِ، قالَ تَعالى لِمُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ﴾ [الشعراء: ٣] . الوَجْهُ السّادِسُ: في الجَوابِ أنا لا نُسَلِّمُ أنَّ النَّظَرَ في عِلْمِ النُّجُومِ والِاسْتِدْلالِ بِمُقايَسَتِها حَرامٌ؛ لِأنَّ مَنِ اعْتَقَدَ أنَّ اللَّهَ تَعالى خَصَّ كُلَّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الكَواكِبِ بِقُوَّةٍ وبِخاصِّيَّةٍ لِأجْلِها يَظْهَرُ مِنهُ أثَرٌ مَخْصُوصٌ، فَهَذا العِلْمُ عَلى هَذا الوَجْهِ لَيْسَ بِباطِلٍ. وأمّا الكَذِبُ فَغَيْرُ لازِمٍ؛ لِأنَّهُ ذَكَرَ قَوْلَهُ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ عَلى سَبِيلِ التَّعْرِيضِ، بِمَعْنى أنَّ الإنْسانَ لا يَنْفَكُّ في أكْثَرِ أحْوالِهِ عَنْ حُصُولِ حالَةٍ مَكْرُوهَةٍ، إمّا في بَدَنِهِ وإمّا في قَلْبِهِ وكُلُّ ذَلِكَ سَقَمٌ. الوَجْهُ السّابِعُ: قالَ بَعْضُهم: ذَلِكَ القَوْلُ عَنْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كِذْبَةٌ ورَوَوْا فِيهِ حَدِيثًا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «ما كَذَبَ إبْراهِيمُ إلّا ثَلاثَ كَذَباتٍ» قُلْتُ لِبَعْضِهِمْ: هَذا الحَدِيثُ لا يَنْبَغِي أنْ يُقْبَلَ؛ لِأنَّ نِسْبَةَ الكَذِبِ إلى إبْراهِيمَ لا تَجُوزُ، فَقالَ ذَلِكَ الرَّجُلُ: فَكَيْفَ يُحْكَمُ بِكَذِبِ الرُّواةِ العُدُولِ ؟ فَقُلْتُ: لَمّا وقَعَ التَّعارُضُ بَيْنَ نِسْبَةِ الكَذِبِ إلى الرّاوِي وبَيْنَ نِسْبَتِهِ إلى الخَلِيلِ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مِنَ المَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ أنَّ نِسْبَتَهُ إلى الرّاوِي أوْلى، ثُمَّ نَقُولُ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِكَوْنِهِ كَذِبًا خَبَرًا شَبِيهًا بِالكَذِبِ ؟ . والوَجْهُ الثّامِنُ: أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً في النُّجُومِ﴾ أيْ نَظَرَ في نُجُومِ كَلامِهِمْ ومُتَفَرِّقاتِ أقْوالِهِمْ، فَإنَّ الأشْياءَ الَّتِي تَحْدُثُ قِطْعَةً قِطْعَةً، يُقالُ: إنَّها مُنَجَّمَةٌ أيْ مُتَفَرِّقَةٌ ومِنهُ نُجُومُ الكِتابَةِ، والمَعْنى أنَّهُ لَمّا سَمِعَ كَلِماتِهِمُ المُتَفَرِّقَةَ نَظَرَ فِيها كَيْ يَسْتَخْرِجَ مِنها حِيلَةً يَقْدِرُ بِها عَلى إقامَةِ عُذْرٍ لِنَفْسِهِ في التَّخَلُّفِ عَنْهم فَلَمْ يَجِدْ عُذْرًا أحْسَنَ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ والمُرادُ أنَّهُ لا بُدَّ مِن أنْ أصِيرَ سَقِيمًا كَما تَقُولُ لِمَن رَأيْتَهُ عَلى أوْقاتِ السَّفَرِ: إنَّكَ مُسافِرٌ. واعْلَمْ أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا قالَ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ تَوَلَّوْا عَنْهُ مُعْرِضِينَ فَتَرَكُوهُ وعَذَرُوهُ في أنْ لا يَخْرُجَ اليَوْمَ فَكانَ ذَلِكَ مُرادَهُ. ﴿فَراغَ إلى آلِهَتِهِمْ﴾ يُقالُ: راغَ إلَيْهِ إذا مالَ إلَيْهِ في السِّرِّ عَلى سَبِيلِ الخُفْيَةِ، ومِنهُ رَوَغانُ الثَّعْلَبِ. وقَوْلُهُ: ﴿ألا تَأْكُلُونَ﴾ يَعْنِي الطَّعامَ الَّذِي كانَ بَيْنَ أيْدِيهِمْ، وإنَّما قالَ ذَلِكَ اسْتِهْزاءً بِها، وكَذا قَوْلُهُ: ﴿ما لَكم لا تَنْطِقُونَ﴾ ﴿فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا﴾ فَأقْبَلَ عَلَيْهِمْ مُسْتَخْفِيًا كَأنَّهُ قالَ: فَضَرَبَهم ضَرْبًا؛ لِأنَّ: راغَ عَلَيْهِمْ في مَعْنى ضَرَبَهم أوْ فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِمَعْنى ضارِبًا. وفي قَوْلِهِ: ﴿بِاليَمِينِ﴾ قَوْلانِ: الأوَّلُ: مَعْناهُ بِالقُوَّةِ والشِّدَّةِ؛ لِأنَّ اليَمِينَ أقْوى الجارِحَتَيْنِ. والثّانِي: أنَّهُ أتى بِذَلِكَ الفِعْلِ بِسَبَبِ الحَلِفِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى عَنْهُ: ﴿تاللَّهِ لَأكِيدَنَّ أصْنامَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٥٧] ثُمَّ قالَ: ﴿فَأقْبَلُوا إلَيْهِ يَزِفُّونَ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ: ”يُزِفُّونَ“ بِضَمِّ الياءِ والباقُونَ بِفَتْحِها وهُما لُغَتانِ، قالَ ابْنُ عَرَفَةَ: مَن قَرَأ بِالنَّصْبِ فَهو مِن زَفَّ يَزِفُّ، ومَن قَرَأ بِالضَّمِّ فَهو مِن أزَفَّ يُزِفُّ، قالَ الزَّجّاجُ: يَزِفُّونَ يُسْرِعُونَ وأصْلُهُ مِن زَفِيفِ النَّعامَةِ وهو ابْتِداءُ عَدْوِها، وقَرَأ حَمْزَةُ: ”يُزِفُّونَ“ أيْ يَحْمِلُونَ غَيْرَهم عَلى الزَّفِيفِ، قالَ الأصْمَعِيُّ: يُقالُ: أزْفَفْتُ الإبِلَ إذا حَمَلْتَها عَلى أنْ تَزِفَّ، قالَ: وهو سُرْعَةُ الخُطْوَةِ ومُقارَبَةُ المَشْيِ، والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ عَلى قِراءَتِهِ كَأنَّهم حَمَلُوا دَوابَّهم عَلى الإسْراعِ في المَشْيِ، فَإنْ قِيلَ: مُقْتَضى هَذِهِ الآيَةِ أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا كَسَرَها عَدَوْا إلَيْهِ وأخَذُوهُ، وقالَ في سُورَةٍ أُخْرى في عَيْنِ هَذِهِ القِصَّةِ: ﴿قالُوا مَن فَعَلَ هَذا بِآلِهَتِنا إنَّهُ لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ ﴿قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهم يُقالُ لَهُ إبْراهِيمُ﴾ [الأنبياء: ٦٠] وهَذا يَقْتَضِي أنَّهم في أوَّلِ الأمْرِ ما عَرَفُوهُ فَبَيْنَ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ تَناقُضٌ ؟ قُلْنا: لا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: إنَّ جَماعَةً عَرَفُوهُ فَعَمَدُوا إلَيْهِ مُسْرِعِينَ والأكْثَرُونَ ما عَرَفُوهُ، فَتَعَرَّفُوا أنَّ ذَلِكَ الكاسِرَ مَن هو، واللَّهُ أعْلَمُ.

الصافات 37:92

القِصَّةُ الثّانِيَةُ قِصَّةُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿وإنَّ مِن شِيعَتِهِ لَإبْراهِيمَ﴾ ﴿إذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ ﴿إذْ قالَ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ ماذا تَعْبُدُونَ﴾ ﴿أئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾ ﴿فَما ظَنُّكم بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً في النُّجُومِ﴾ ﴿فَقالَ إنِّي سَقِيمٌ﴾ ﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ﴾ ﴿فَراغَ إلى آلِهَتِهِمْ فَقالَ ألا تَأْكُلُونَ﴾ ﴿ما لَكم لا تَنْطِقُونَ﴾ ﴿فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِاليَمِينِ﴾ ﴿فَأقْبَلُوا إلَيْهِ يَزِفُّونَ﴾ في الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ مِن شِيعَتِهِ إلى ماذا يَعُودُ ؟ فِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: وهو الأظْهَرُ أنَّهُ عائِدٌ إلى نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، أيْ: مِن شِيعَةِ نُوحٍ، أيْ مِن أهْلِ بَيْتِهِ وعَلى دِينِهِ ومِنهاجِهِ لَإبْراهِيمَ، قالُوا: وما كانَ بَيْنَ نُوحٍ وإبْراهِيمَ إلّا نَبِيّانِ هُودٌ وصالِحٌ، ورَوى صاحِبُ الكَشّافِ: إنَّهُ كانَ بَيْنَ نُوحٍ وإبْراهِيمَ ألْفانِ وسِتُّمِائَةٍ وأرْبَعُونَ سَنَةً. الثّانِي: قالَ الكَلْبِيُّ: المُرادُ مِن شِيعَةِ مُحَمَّدٍ لَإبْراهِيمَ بِمَعْنى أنَّهُ كانَ عَلى دِينِهِ ومِنهاجِهِ فَهو مِن شِيعَتِهِ وإنْ كانَ سابِقًا لَهُ، والأوَّلُ أظْهَرُ؛ لِأنَّهُ تَقَدَّمَ ذِكْرُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، ولَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرُ النَّبِيِّ ﷺ فَعَوْدُ الضَّمِيرِ إلى نُوحٍ أوْلى. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: العامِلُ في ”إذْ“ ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿وإنَّ مِن شِيعَتِهِ﴾ مِن مَعْنى المُشايَعَةِ يَعْنِي وإنَّ مِمَّنْ شايَعَهُ عَلى دِينِهِ وتَقْواهُ حِينَ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ لَإبْراهِيمَ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿إذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: في قَوْلِهِ: ﴿بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ قَوْلانِ: الأوَّلُ: قالَ مُقاتِلٌ والكَلْبِيُّ: يَعْنِي: خالِصٌ مِنَ الشَّرَكِ، والمَعْنى أنَّهُ سَلِمَ مِنَ الشِّرْكِ فَلَمْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ. والثّانِي: قالَ الأُصُولِيُّونَ: المُرادُ أنَّهُ عاشَ وماتَ عَلى طَهارَةِ القَلْبِ مِن كُلِّ دَنَسٍ مِنَ المَعاصِي، فَيَدْخُلُ فِيهِ كَوْنُهُ سَلِيمًا عَنِ الشِّرْكِ وعَنِ الشَّكِّ وعَنِ الغِلِّ والغِشِّ والحِقْدِ والحَسَدِ. عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّهُ كانَ يُحِبُّ لِلنّاسِ ما يُحِبُّ لِنَفْسِهِ، وسَلِمَ جَمِيعُ النّاسِ مِن غِشِّهِ وظُلْمِهِ وأسْلَمَهُ اللَّهُ تَعالى فَلَمْ يَعْدِلْ بِهِ أحَدًا، واحْتَجَّ الذّاهِبُونَ إلى القَوْلِ الأوَّلِ بِأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ بَعْدَ هَذِهِ الكَلِمَةِ إنْكارَهُ عَلى قَوْمِهِ الشِّرْكَ بِاللَّهِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿إذْ قالَ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ ماذا تَعْبُدُونَ﴾ واحْتَجَّ الذّاهِبُونَ إلى القَوْلِ الثّانِي بِأنَّ اللَّفْظَ مُطْلَقٌ فَلا يُقَيَّدُ بِصِفَةٍ دُونَ صِفَةٍ، ويَتَأكَّدُ هَذا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا إبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وكُنّا بِهِ عالِمِينَ﴾ . صفحة ١٢٨ [الأنبياء: ٥١] مَعَ أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤] وقالَ: ﴿وكَذَلِكَ نُرِي إبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ ولِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ﴾ [الأنعام: ٧٥] فَإنْ قِيلَ: ما مَعْنى المَجِيءِ بِقَلْبِهِ رَبَّهُ ؟ قُلْنا: مَعْناهُ أنَّهُ أخْلَصَ لِلَّهِ قَلْبَهُ، فَكَأنَّهُ أتْحَفَ حَضْرَةَ اللَّهِ بِذَلِكَ القَلْبِ، ورَأيْتُ في التَّوْراةِ أنَّ اللَّهَ قالَ لِمُوسى: أجِبْ إلَهَكَ بِكُلِّ قَلْبِكَ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أنَّ إبْراهِيمَ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ذَكَرَ أنَّ مِن جُمْلَةِ آثارِ تِلْكَ السَّلامَةِ أنْ دَعا أباهُ وقَوْمَهُ إلى التَّوْحِيدِ فَقالَ: ﴿إذْ قالَ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ ماذا تَعْبُدُونَ﴾ والمَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ تَهْجِينُ تِلْكَ الطَّرِيقَةِ وتَقْبِيحُها. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿أئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾ قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: أئِفْكًا مَفْعُولٌ لَهُ تَقْدِيرُهُ أتُرِيدُونَ آلِهَةً مِن دُونِهِ إفْكًا، وإنَّما قَدَّمَ المَفْعُولَ عَلى الفِعْلِ لِلْعِنايَةِ وقَدَّمَ المَفْعُولَ لَهُ عَلى المَفْعُولِ بِهِ؛ لِأنَّهُ كانَ الأهَمُّ عِنْدَهُ أنْ يُقَرِّرَ عِنْدَهم بِأنَّهم عَلى إفْكٍ وباطِلٍ في شِرْكِهِمْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ إفْكًا مَفْعُولًا بِهِ يَعْنِي أتُرِيدُونَ إفْكًا، ثُمَّ فَسَّرَ الإفْكَ بِقَوْلِهِ: ﴿آلِهَةً دُونَ اللَّهِ﴾ عَلى أنَّها إفْكٌ في أنْفُسِها، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا بِمَعْنى تُرِيدُونَ آلِهَةً مِن دُونِ اللَّهِ آفِكِينَ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿فَما ظَنُّكم بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أتَظُنُّونَ بِرَبِّ العالَمِينَ أنَّهُ يَجُوزُ جَعْلُ هَذِهِ الجَماداتِ مُشارِكَةً لَهُ في المَعْبُودِيَّةِ. وثانِيها: أتَظُنُّونَ بِرَبِّ العالَمِينَ أنَّهُ مِن جِنْسِ هَذِهِ الأجْسامِ حَتّى جَعَلْتُمُوها مُساوِيَةً لَهُ في المَعْبُودِيَّةِ فَنَبَّهَهم بِذَلِكَ عَلى أنَّهُ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً في النُّجُومِ﴾ ﴿فَقالَ إنِّي سَقِيمٌ﴾ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهم كانُوا يَتَعاطَوْنَ عِلْمَ النُّجُومِ فَعامَلَهم عَلى مُقْتَضى عادَتِهِمْ، وذَلِكَ أنَّهُ أرادَ أنْ يُكايِدَهم في أصْنامِهِمْ لِيُلْزِمَهُمُ الحُجَّةَ في أنَّها غَيْرُ مَعْبُودَةٍ، وكانَ لَهم مِنَ الغَدِ يَوْمُ عِيدٍ يَخْرُجُونَ إلَيْهِ فَأرادَ أنْ يَتَخَلَّفَ عَنْهم لِيَبْقى خالِيًا في بَيْتِ الأصْنامِ، فَيَقْدِرُ عَلى كَسْرِها. وهَهُنا سُؤالانِ: الأوَّلُ: أنَّ النَّظَرَ في عِلْمِ النُّجُومِ غَيْرُ جائِزٍ فَكَيْفَ أقْدَمَ عَلَيْهِ إبْراهِيمُ ؟ والثّانِي: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ما كانَ سَقِيمًا فَلَمّا قالَ إنِّي سَقِيمٌ كانَ ذَلِكَ كَذِبًا ؟ واعْلَمْ أنَّ العُلَماءَ ذَكَرُوا في الجَوابِ عَنْهُما وُجُوهًا كَثِيرَةً: الأوَّلُ: أنَّهُ نَظَرَ نَظْرَةً في النُّجُومِ في أوْقاتِ اللَّيْلِ والنَّهارِ وكانَتْ تَأْتِيهِ سَقامَةٌ كالحُمّى في بَعْضِ ساعاتِ اللَّيْلِ والنَّهارِ، فَنَظَرَ لِيَعْرِفَ هَلْ هي في تِلْكَ السّاعَةِ وقالَ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ فَجَعَلَهُ عُذْرًا في تَخَلُّفِهِ عَنِ العِيدِ الَّذِي لَهم وكانَ صادِقًا فِيما قالَ؛ لِأنَّ السُّقْمَ كانَ يَأْتِيهِ في ذَلِكَ الوَقْتِ، وإنَّما تَخَلَّفَ لِأجْلِ تَكْسِيرِ أصْنامِهِمْ. الوَجْهُ الثّانِي في الجَوابِ: أنَّ قَوْمَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانُوا أصْحابَ النُّجُومِ يُعَظِّمُونَها ويَقْضُونَ بِها عَلى غائِبِ الأُمُورِ، فَلِذَلِكَ نَظَرَ إبْراهِيمُ في النُّجُومِ أيْ: في عُلُومِ النُّجُومِ وفي مَعانِيهِ لا أنَّهُ نَظَرَ بِعَيْنِهِ إلَيْها، وهو كَما يُقالُ: فُلانٌ نَظَرَ في الفِقْهِ وفي النَّحْوِ وإنَّما أرادَ أنْ يُوهِمَهم أنَّهُ يَعْلَمُ ما يَعْلَمُونَ ويَتَعَرَّفُ مِن حَيْثُ يَتَعَرَّفُونَ حَتّى إذا قالَ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ سَكَنُوا إلى قَوْلِهِ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ فَمَعْناهُ سَأُسْقَمُ كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّكَ مَيِّتٌ﴾ [الزمر: ٣٠] أيْ: سَتَمُوتُ. الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً في النُّجُومِ﴾ هو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَبًا﴾ [الأنعام: ٧٦] إلى آخِرِ الآياتِ وكانَ ذَلِكَ النَّظَرُ لِأجْلِ أنْ يَتَعَرَّفَ أحْوالَ هَذِهِ الكَواكِبِ هَلْ هي قَدِيمَةٌ أوْ مُحْدَثَةٌ، وقَوْلُهُ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ يَعْنِي صفحة ١٢٩ سَقِيمَ القَلْبِ غَيْرَ عارِفٍ بِرَبِّي، وكانَ ذَلِكَ قَبْلَ البُلُوغِ. الوَجْهُ الرّابِعُ: قالَ ابْنُ زَيْدٍ كانَ لَهُ نَجْمٌ مَخْصُوصٌ، وكُلَّما طَلَعَ عَلى صِفَةٍ مَخْصُوصَةٍ مَرِضَ إبْراهِيمُ، ولِأجْلِ هَذا الِاسْتِقْراءِ لَمّا رَآهُ في ذَلِكَ الوَقْتِ طالِعًا عَلى تِلْكَ الصِّفَةِ المَخْصُوصَةِ قالَ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ أيْ هَذا السَّقَمُ واقِعٌ لا مَحالَةَ. الوَجْهُ الخامِسُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ أيْ: مَرِيضُ القَلْبِ بِسَبَبِ إطْباقِ ذَلِكَ الجَمْعِ العَظِيمِ عَلى الكُفْرِ والشِّرْكِ، قالَ تَعالى لِمُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ﴾ [الشعراء: ٣] . الوَجْهُ السّادِسُ: في الجَوابِ أنا لا نُسَلِّمُ أنَّ النَّظَرَ في عِلْمِ النُّجُومِ والِاسْتِدْلالِ بِمُقايَسَتِها حَرامٌ؛ لِأنَّ مَنِ اعْتَقَدَ أنَّ اللَّهَ تَعالى خَصَّ كُلَّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الكَواكِبِ بِقُوَّةٍ وبِخاصِّيَّةٍ لِأجْلِها يَظْهَرُ مِنهُ أثَرٌ مَخْصُوصٌ، فَهَذا العِلْمُ عَلى هَذا الوَجْهِ لَيْسَ بِباطِلٍ. وأمّا الكَذِبُ فَغَيْرُ لازِمٍ؛ لِأنَّهُ ذَكَرَ قَوْلَهُ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ عَلى سَبِيلِ التَّعْرِيضِ، بِمَعْنى أنَّ الإنْسانَ لا يَنْفَكُّ في أكْثَرِ أحْوالِهِ عَنْ حُصُولِ حالَةٍ مَكْرُوهَةٍ، إمّا في بَدَنِهِ وإمّا في قَلْبِهِ وكُلُّ ذَلِكَ سَقَمٌ. الوَجْهُ السّابِعُ: قالَ بَعْضُهم: ذَلِكَ القَوْلُ عَنْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كِذْبَةٌ ورَوَوْا فِيهِ حَدِيثًا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «ما كَذَبَ إبْراهِيمُ إلّا ثَلاثَ كَذَباتٍ» قُلْتُ لِبَعْضِهِمْ: هَذا الحَدِيثُ لا يَنْبَغِي أنْ يُقْبَلَ؛ لِأنَّ نِسْبَةَ الكَذِبِ إلى إبْراهِيمَ لا تَجُوزُ، فَقالَ ذَلِكَ الرَّجُلُ: فَكَيْفَ يُحْكَمُ بِكَذِبِ الرُّواةِ العُدُولِ ؟ فَقُلْتُ: لَمّا وقَعَ التَّعارُضُ بَيْنَ نِسْبَةِ الكَذِبِ إلى الرّاوِي وبَيْنَ نِسْبَتِهِ إلى الخَلِيلِ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مِنَ المَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ أنَّ نِسْبَتَهُ إلى الرّاوِي أوْلى، ثُمَّ نَقُولُ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِكَوْنِهِ كَذِبًا خَبَرًا شَبِيهًا بِالكَذِبِ ؟ . والوَجْهُ الثّامِنُ: أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً في النُّجُومِ﴾ أيْ نَظَرَ في نُجُومِ كَلامِهِمْ ومُتَفَرِّقاتِ أقْوالِهِمْ، فَإنَّ الأشْياءَ الَّتِي تَحْدُثُ قِطْعَةً قِطْعَةً، يُقالُ: إنَّها مُنَجَّمَةٌ أيْ مُتَفَرِّقَةٌ ومِنهُ نُجُومُ الكِتابَةِ، والمَعْنى أنَّهُ لَمّا سَمِعَ كَلِماتِهِمُ المُتَفَرِّقَةَ نَظَرَ فِيها كَيْ يَسْتَخْرِجَ مِنها حِيلَةً يَقْدِرُ بِها عَلى إقامَةِ عُذْرٍ لِنَفْسِهِ في التَّخَلُّفِ عَنْهم فَلَمْ يَجِدْ عُذْرًا أحْسَنَ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ والمُرادُ أنَّهُ لا بُدَّ مِن أنْ أصِيرَ سَقِيمًا كَما تَقُولُ لِمَن رَأيْتَهُ عَلى أوْقاتِ السَّفَرِ: إنَّكَ مُسافِرٌ. واعْلَمْ أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا قالَ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ تَوَلَّوْا عَنْهُ مُعْرِضِينَ فَتَرَكُوهُ وعَذَرُوهُ في أنْ لا يَخْرُجَ اليَوْمَ فَكانَ ذَلِكَ مُرادَهُ. ﴿فَراغَ إلى آلِهَتِهِمْ﴾ يُقالُ: راغَ إلَيْهِ إذا مالَ إلَيْهِ في السِّرِّ عَلى سَبِيلِ الخُفْيَةِ، ومِنهُ رَوَغانُ الثَّعْلَبِ. وقَوْلُهُ: ﴿ألا تَأْكُلُونَ﴾ يَعْنِي الطَّعامَ الَّذِي كانَ بَيْنَ أيْدِيهِمْ، وإنَّما قالَ ذَلِكَ اسْتِهْزاءً بِها، وكَذا قَوْلُهُ: ﴿ما لَكم لا تَنْطِقُونَ﴾ ﴿فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا﴾ فَأقْبَلَ عَلَيْهِمْ مُسْتَخْفِيًا كَأنَّهُ قالَ: فَضَرَبَهم ضَرْبًا؛ لِأنَّ: راغَ عَلَيْهِمْ في مَعْنى ضَرَبَهم أوْ فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِمَعْنى ضارِبًا. وفي قَوْلِهِ: ﴿بِاليَمِينِ﴾ قَوْلانِ: الأوَّلُ: مَعْناهُ بِالقُوَّةِ والشِّدَّةِ؛ لِأنَّ اليَمِينَ أقْوى الجارِحَتَيْنِ. والثّانِي: أنَّهُ أتى بِذَلِكَ الفِعْلِ بِسَبَبِ الحَلِفِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى عَنْهُ: ﴿تاللَّهِ لَأكِيدَنَّ أصْنامَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٥٧] ثُمَّ قالَ: ﴿فَأقْبَلُوا إلَيْهِ يَزِفُّونَ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ: ”يُزِفُّونَ“ بِضَمِّ الياءِ والباقُونَ بِفَتْحِها وهُما لُغَتانِ، قالَ ابْنُ عَرَفَةَ: مَن قَرَأ بِالنَّصْبِ فَهو مِن زَفَّ يَزِفُّ، ومَن قَرَأ بِالضَّمِّ فَهو مِن أزَفَّ يُزِفُّ، قالَ الزَّجّاجُ: يَزِفُّونَ يُسْرِعُونَ وأصْلُهُ مِن زَفِيفِ النَّعامَةِ وهو ابْتِداءُ عَدْوِها، وقَرَأ حَمْزَةُ: ”يُزِفُّونَ“ أيْ يَحْمِلُونَ غَيْرَهم عَلى الزَّفِيفِ، قالَ الأصْمَعِيُّ: يُقالُ: أزْفَفْتُ الإبِلَ إذا حَمَلْتَها عَلى أنْ تَزِفَّ، قالَ: وهو سُرْعَةُ الخُطْوَةِ ومُقارَبَةُ المَشْيِ، والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ عَلى قِراءَتِهِ كَأنَّهم حَمَلُوا دَوابَّهم عَلى الإسْراعِ في المَشْيِ، فَإنْ قِيلَ: مُقْتَضى هَذِهِ الآيَةِ أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا كَسَرَها عَدَوْا إلَيْهِ وأخَذُوهُ، وقالَ في سُورَةٍ أُخْرى في عَيْنِ هَذِهِ القِصَّةِ: ﴿قالُوا مَن فَعَلَ هَذا بِآلِهَتِنا إنَّهُ لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ ﴿قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهم يُقالُ لَهُ إبْراهِيمُ﴾ [الأنبياء: ٦٠] وهَذا يَقْتَضِي أنَّهم في أوَّلِ الأمْرِ ما عَرَفُوهُ فَبَيْنَ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ تَناقُضٌ ؟ قُلْنا: لا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: إنَّ جَماعَةً عَرَفُوهُ فَعَمَدُوا إلَيْهِ مُسْرِعِينَ والأكْثَرُونَ ما عَرَفُوهُ، فَتَعَرَّفُوا أنَّ ذَلِكَ الكاسِرَ مَن هو، واللَّهُ أعْلَمُ.

الصافات 37:93

القِصَّةُ الثّانِيَةُ قِصَّةُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿وإنَّ مِن شِيعَتِهِ لَإبْراهِيمَ﴾ ﴿إذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ ﴿إذْ قالَ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ ماذا تَعْبُدُونَ﴾ ﴿أئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾ ﴿فَما ظَنُّكم بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً في النُّجُومِ﴾ ﴿فَقالَ إنِّي سَقِيمٌ﴾ ﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ﴾ ﴿فَراغَ إلى آلِهَتِهِمْ فَقالَ ألا تَأْكُلُونَ﴾ ﴿ما لَكم لا تَنْطِقُونَ﴾ ﴿فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِاليَمِينِ﴾ ﴿فَأقْبَلُوا إلَيْهِ يَزِفُّونَ﴾ في الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ مِن شِيعَتِهِ إلى ماذا يَعُودُ ؟ فِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: وهو الأظْهَرُ أنَّهُ عائِدٌ إلى نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، أيْ: مِن شِيعَةِ نُوحٍ، أيْ مِن أهْلِ بَيْتِهِ وعَلى دِينِهِ ومِنهاجِهِ لَإبْراهِيمَ، قالُوا: وما كانَ بَيْنَ نُوحٍ وإبْراهِيمَ إلّا نَبِيّانِ هُودٌ وصالِحٌ، ورَوى صاحِبُ الكَشّافِ: إنَّهُ كانَ بَيْنَ نُوحٍ وإبْراهِيمَ ألْفانِ وسِتُّمِائَةٍ وأرْبَعُونَ سَنَةً. الثّانِي: قالَ الكَلْبِيُّ: المُرادُ مِن شِيعَةِ مُحَمَّدٍ لَإبْراهِيمَ بِمَعْنى أنَّهُ كانَ عَلى دِينِهِ ومِنهاجِهِ فَهو مِن شِيعَتِهِ وإنْ كانَ سابِقًا لَهُ، والأوَّلُ أظْهَرُ؛ لِأنَّهُ تَقَدَّمَ ذِكْرُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، ولَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرُ النَّبِيِّ ﷺ فَعَوْدُ الضَّمِيرِ إلى نُوحٍ أوْلى. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: العامِلُ في ”إذْ“ ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿وإنَّ مِن شِيعَتِهِ﴾ مِن مَعْنى المُشايَعَةِ يَعْنِي وإنَّ مِمَّنْ شايَعَهُ عَلى دِينِهِ وتَقْواهُ حِينَ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ لَإبْراهِيمَ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿إذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: في قَوْلِهِ: ﴿بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ قَوْلانِ: الأوَّلُ: قالَ مُقاتِلٌ والكَلْبِيُّ: يَعْنِي: خالِصٌ مِنَ الشَّرَكِ، والمَعْنى أنَّهُ سَلِمَ مِنَ الشِّرْكِ فَلَمْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ. والثّانِي: قالَ الأُصُولِيُّونَ: المُرادُ أنَّهُ عاشَ وماتَ عَلى طَهارَةِ القَلْبِ مِن كُلِّ دَنَسٍ مِنَ المَعاصِي، فَيَدْخُلُ فِيهِ كَوْنُهُ سَلِيمًا عَنِ الشِّرْكِ وعَنِ الشَّكِّ وعَنِ الغِلِّ والغِشِّ والحِقْدِ والحَسَدِ. عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّهُ كانَ يُحِبُّ لِلنّاسِ ما يُحِبُّ لِنَفْسِهِ، وسَلِمَ جَمِيعُ النّاسِ مِن غِشِّهِ وظُلْمِهِ وأسْلَمَهُ اللَّهُ تَعالى فَلَمْ يَعْدِلْ بِهِ أحَدًا، واحْتَجَّ الذّاهِبُونَ إلى القَوْلِ الأوَّلِ بِأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ بَعْدَ هَذِهِ الكَلِمَةِ إنْكارَهُ عَلى قَوْمِهِ الشِّرْكَ بِاللَّهِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿إذْ قالَ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ ماذا تَعْبُدُونَ﴾ واحْتَجَّ الذّاهِبُونَ إلى القَوْلِ الثّانِي بِأنَّ اللَّفْظَ مُطْلَقٌ فَلا يُقَيَّدُ بِصِفَةٍ دُونَ صِفَةٍ، ويَتَأكَّدُ هَذا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا إبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وكُنّا بِهِ عالِمِينَ﴾ . صفحة ١٢٨ [الأنبياء: ٥١] مَعَ أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤] وقالَ: ﴿وكَذَلِكَ نُرِي إبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ ولِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ﴾ [الأنعام: ٧٥] فَإنْ قِيلَ: ما مَعْنى المَجِيءِ بِقَلْبِهِ رَبَّهُ ؟ قُلْنا: مَعْناهُ أنَّهُ أخْلَصَ لِلَّهِ قَلْبَهُ، فَكَأنَّهُ أتْحَفَ حَضْرَةَ اللَّهِ بِذَلِكَ القَلْبِ، ورَأيْتُ في التَّوْراةِ أنَّ اللَّهَ قالَ لِمُوسى: أجِبْ إلَهَكَ بِكُلِّ قَلْبِكَ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أنَّ إبْراهِيمَ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ذَكَرَ أنَّ مِن جُمْلَةِ آثارِ تِلْكَ السَّلامَةِ أنْ دَعا أباهُ وقَوْمَهُ إلى التَّوْحِيدِ فَقالَ: ﴿إذْ قالَ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ ماذا تَعْبُدُونَ﴾ والمَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ تَهْجِينُ تِلْكَ الطَّرِيقَةِ وتَقْبِيحُها. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿أئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾ قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: أئِفْكًا مَفْعُولٌ لَهُ تَقْدِيرُهُ أتُرِيدُونَ آلِهَةً مِن دُونِهِ إفْكًا، وإنَّما قَدَّمَ المَفْعُولَ عَلى الفِعْلِ لِلْعِنايَةِ وقَدَّمَ المَفْعُولَ لَهُ عَلى المَفْعُولِ بِهِ؛ لِأنَّهُ كانَ الأهَمُّ عِنْدَهُ أنْ يُقَرِّرَ عِنْدَهم بِأنَّهم عَلى إفْكٍ وباطِلٍ في شِرْكِهِمْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ إفْكًا مَفْعُولًا بِهِ يَعْنِي أتُرِيدُونَ إفْكًا، ثُمَّ فَسَّرَ الإفْكَ بِقَوْلِهِ: ﴿آلِهَةً دُونَ اللَّهِ﴾ عَلى أنَّها إفْكٌ في أنْفُسِها، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا بِمَعْنى تُرِيدُونَ آلِهَةً مِن دُونِ اللَّهِ آفِكِينَ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿فَما ظَنُّكم بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أتَظُنُّونَ بِرَبِّ العالَمِينَ أنَّهُ يَجُوزُ جَعْلُ هَذِهِ الجَماداتِ مُشارِكَةً لَهُ في المَعْبُودِيَّةِ. وثانِيها: أتَظُنُّونَ بِرَبِّ العالَمِينَ أنَّهُ مِن جِنْسِ هَذِهِ الأجْسامِ حَتّى جَعَلْتُمُوها مُساوِيَةً لَهُ في المَعْبُودِيَّةِ فَنَبَّهَهم بِذَلِكَ عَلى أنَّهُ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً في النُّجُومِ﴾ ﴿فَقالَ إنِّي سَقِيمٌ﴾ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهم كانُوا يَتَعاطَوْنَ عِلْمَ النُّجُومِ فَعامَلَهم عَلى مُقْتَضى عادَتِهِمْ، وذَلِكَ أنَّهُ أرادَ أنْ يُكايِدَهم في أصْنامِهِمْ لِيُلْزِمَهُمُ الحُجَّةَ في أنَّها غَيْرُ مَعْبُودَةٍ، وكانَ لَهم مِنَ الغَدِ يَوْمُ عِيدٍ يَخْرُجُونَ إلَيْهِ فَأرادَ أنْ يَتَخَلَّفَ عَنْهم لِيَبْقى خالِيًا في بَيْتِ الأصْنامِ، فَيَقْدِرُ عَلى كَسْرِها. وهَهُنا سُؤالانِ: الأوَّلُ: أنَّ النَّظَرَ في عِلْمِ النُّجُومِ غَيْرُ جائِزٍ فَكَيْفَ أقْدَمَ عَلَيْهِ إبْراهِيمُ ؟ والثّانِي: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ما كانَ سَقِيمًا فَلَمّا قالَ إنِّي سَقِيمٌ كانَ ذَلِكَ كَذِبًا ؟ واعْلَمْ أنَّ العُلَماءَ ذَكَرُوا في الجَوابِ عَنْهُما وُجُوهًا كَثِيرَةً: الأوَّلُ: أنَّهُ نَظَرَ نَظْرَةً في النُّجُومِ في أوْقاتِ اللَّيْلِ والنَّهارِ وكانَتْ تَأْتِيهِ سَقامَةٌ كالحُمّى في بَعْضِ ساعاتِ اللَّيْلِ والنَّهارِ، فَنَظَرَ لِيَعْرِفَ هَلْ هي في تِلْكَ السّاعَةِ وقالَ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ فَجَعَلَهُ عُذْرًا في تَخَلُّفِهِ عَنِ العِيدِ الَّذِي لَهم وكانَ صادِقًا فِيما قالَ؛ لِأنَّ السُّقْمَ كانَ يَأْتِيهِ في ذَلِكَ الوَقْتِ، وإنَّما تَخَلَّفَ لِأجْلِ تَكْسِيرِ أصْنامِهِمْ. الوَجْهُ الثّانِي في الجَوابِ: أنَّ قَوْمَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانُوا أصْحابَ النُّجُومِ يُعَظِّمُونَها ويَقْضُونَ بِها عَلى غائِبِ الأُمُورِ، فَلِذَلِكَ نَظَرَ إبْراهِيمُ في النُّجُومِ أيْ: في عُلُومِ النُّجُومِ وفي مَعانِيهِ لا أنَّهُ نَظَرَ بِعَيْنِهِ إلَيْها، وهو كَما يُقالُ: فُلانٌ نَظَرَ في الفِقْهِ وفي النَّحْوِ وإنَّما أرادَ أنْ يُوهِمَهم أنَّهُ يَعْلَمُ ما يَعْلَمُونَ ويَتَعَرَّفُ مِن حَيْثُ يَتَعَرَّفُونَ حَتّى إذا قالَ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ سَكَنُوا إلى قَوْلِهِ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ فَمَعْناهُ سَأُسْقَمُ كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّكَ مَيِّتٌ﴾ [الزمر: ٣٠] أيْ: سَتَمُوتُ. الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً في النُّجُومِ﴾ هو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَبًا﴾ [الأنعام: ٧٦] إلى آخِرِ الآياتِ وكانَ ذَلِكَ النَّظَرُ لِأجْلِ أنْ يَتَعَرَّفَ أحْوالَ هَذِهِ الكَواكِبِ هَلْ هي قَدِيمَةٌ أوْ مُحْدَثَةٌ، وقَوْلُهُ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ يَعْنِي صفحة ١٢٩ سَقِيمَ القَلْبِ غَيْرَ عارِفٍ بِرَبِّي، وكانَ ذَلِكَ قَبْلَ البُلُوغِ. الوَجْهُ الرّابِعُ: قالَ ابْنُ زَيْدٍ كانَ لَهُ نَجْمٌ مَخْصُوصٌ، وكُلَّما طَلَعَ عَلى صِفَةٍ مَخْصُوصَةٍ مَرِضَ إبْراهِيمُ، ولِأجْلِ هَذا الِاسْتِقْراءِ لَمّا رَآهُ في ذَلِكَ الوَقْتِ طالِعًا عَلى تِلْكَ الصِّفَةِ المَخْصُوصَةِ قالَ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ أيْ هَذا السَّقَمُ واقِعٌ لا مَحالَةَ. الوَجْهُ الخامِسُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ أيْ: مَرِيضُ القَلْبِ بِسَبَبِ إطْباقِ ذَلِكَ الجَمْعِ العَظِيمِ عَلى الكُفْرِ والشِّرْكِ، قالَ تَعالى لِمُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ﴾ [الشعراء: ٣] . الوَجْهُ السّادِسُ: في الجَوابِ أنا لا نُسَلِّمُ أنَّ النَّظَرَ في عِلْمِ النُّجُومِ والِاسْتِدْلالِ بِمُقايَسَتِها حَرامٌ؛ لِأنَّ مَنِ اعْتَقَدَ أنَّ اللَّهَ تَعالى خَصَّ كُلَّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الكَواكِبِ بِقُوَّةٍ وبِخاصِّيَّةٍ لِأجْلِها يَظْهَرُ مِنهُ أثَرٌ مَخْصُوصٌ، فَهَذا العِلْمُ عَلى هَذا الوَجْهِ لَيْسَ بِباطِلٍ. وأمّا الكَذِبُ فَغَيْرُ لازِمٍ؛ لِأنَّهُ ذَكَرَ قَوْلَهُ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ عَلى سَبِيلِ التَّعْرِيضِ، بِمَعْنى أنَّ الإنْسانَ لا يَنْفَكُّ في أكْثَرِ أحْوالِهِ عَنْ حُصُولِ حالَةٍ مَكْرُوهَةٍ، إمّا في بَدَنِهِ وإمّا في قَلْبِهِ وكُلُّ ذَلِكَ سَقَمٌ. الوَجْهُ السّابِعُ: قالَ بَعْضُهم: ذَلِكَ القَوْلُ عَنْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كِذْبَةٌ ورَوَوْا فِيهِ حَدِيثًا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «ما كَذَبَ إبْراهِيمُ إلّا ثَلاثَ كَذَباتٍ» قُلْتُ لِبَعْضِهِمْ: هَذا الحَدِيثُ لا يَنْبَغِي أنْ يُقْبَلَ؛ لِأنَّ نِسْبَةَ الكَذِبِ إلى إبْراهِيمَ لا تَجُوزُ، فَقالَ ذَلِكَ الرَّجُلُ: فَكَيْفَ يُحْكَمُ بِكَذِبِ الرُّواةِ العُدُولِ ؟ فَقُلْتُ: لَمّا وقَعَ التَّعارُضُ بَيْنَ نِسْبَةِ الكَذِبِ إلى الرّاوِي وبَيْنَ نِسْبَتِهِ إلى الخَلِيلِ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مِنَ المَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ أنَّ نِسْبَتَهُ إلى الرّاوِي أوْلى، ثُمَّ نَقُولُ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِكَوْنِهِ كَذِبًا خَبَرًا شَبِيهًا بِالكَذِبِ ؟ . والوَجْهُ الثّامِنُ: أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً في النُّجُومِ﴾ أيْ نَظَرَ في نُجُومِ كَلامِهِمْ ومُتَفَرِّقاتِ أقْوالِهِمْ، فَإنَّ الأشْياءَ الَّتِي تَحْدُثُ قِطْعَةً قِطْعَةً، يُقالُ: إنَّها مُنَجَّمَةٌ أيْ مُتَفَرِّقَةٌ ومِنهُ نُجُومُ الكِتابَةِ، والمَعْنى أنَّهُ لَمّا سَمِعَ كَلِماتِهِمُ المُتَفَرِّقَةَ نَظَرَ فِيها كَيْ يَسْتَخْرِجَ مِنها حِيلَةً يَقْدِرُ بِها عَلى إقامَةِ عُذْرٍ لِنَفْسِهِ في التَّخَلُّفِ عَنْهم فَلَمْ يَجِدْ عُذْرًا أحْسَنَ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ والمُرادُ أنَّهُ لا بُدَّ مِن أنْ أصِيرَ سَقِيمًا كَما تَقُولُ لِمَن رَأيْتَهُ عَلى أوْقاتِ السَّفَرِ: إنَّكَ مُسافِرٌ. واعْلَمْ أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا قالَ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ تَوَلَّوْا عَنْهُ مُعْرِضِينَ فَتَرَكُوهُ وعَذَرُوهُ في أنْ لا يَخْرُجَ اليَوْمَ فَكانَ ذَلِكَ مُرادَهُ. ﴿فَراغَ إلى آلِهَتِهِمْ﴾ يُقالُ: راغَ إلَيْهِ إذا مالَ إلَيْهِ في السِّرِّ عَلى سَبِيلِ الخُفْيَةِ، ومِنهُ رَوَغانُ الثَّعْلَبِ. وقَوْلُهُ: ﴿ألا تَأْكُلُونَ﴾ يَعْنِي الطَّعامَ الَّذِي كانَ بَيْنَ أيْدِيهِمْ، وإنَّما قالَ ذَلِكَ اسْتِهْزاءً بِها، وكَذا قَوْلُهُ: ﴿ما لَكم لا تَنْطِقُونَ﴾ ﴿فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا﴾ فَأقْبَلَ عَلَيْهِمْ مُسْتَخْفِيًا كَأنَّهُ قالَ: فَضَرَبَهم ضَرْبًا؛ لِأنَّ: راغَ عَلَيْهِمْ في مَعْنى ضَرَبَهم أوْ فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِمَعْنى ضارِبًا. وفي قَوْلِهِ: ﴿بِاليَمِينِ﴾ قَوْلانِ: الأوَّلُ: مَعْناهُ بِالقُوَّةِ والشِّدَّةِ؛ لِأنَّ اليَمِينَ أقْوى الجارِحَتَيْنِ. والثّانِي: أنَّهُ أتى بِذَلِكَ الفِعْلِ بِسَبَبِ الحَلِفِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى عَنْهُ: ﴿تاللَّهِ لَأكِيدَنَّ أصْنامَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٥٧] ثُمَّ قالَ: ﴿فَأقْبَلُوا إلَيْهِ يَزِفُّونَ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ: ”يُزِفُّونَ“ بِضَمِّ الياءِ والباقُونَ بِفَتْحِها وهُما لُغَتانِ، قالَ ابْنُ عَرَفَةَ: مَن قَرَأ بِالنَّصْبِ فَهو مِن زَفَّ يَزِفُّ، ومَن قَرَأ بِالضَّمِّ فَهو مِن أزَفَّ يُزِفُّ، قالَ الزَّجّاجُ: يَزِفُّونَ يُسْرِعُونَ وأصْلُهُ مِن زَفِيفِ النَّعامَةِ وهو ابْتِداءُ عَدْوِها، وقَرَأ حَمْزَةُ: ”يُزِفُّونَ“ أيْ يَحْمِلُونَ غَيْرَهم عَلى الزَّفِيفِ، قالَ الأصْمَعِيُّ: يُقالُ: أزْفَفْتُ الإبِلَ إذا حَمَلْتَها عَلى أنْ تَزِفَّ، قالَ: وهو سُرْعَةُ الخُطْوَةِ ومُقارَبَةُ المَشْيِ، والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ عَلى قِراءَتِهِ كَأنَّهم حَمَلُوا دَوابَّهم عَلى الإسْراعِ في المَشْيِ، فَإنْ قِيلَ: مُقْتَضى هَذِهِ الآيَةِ أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا كَسَرَها عَدَوْا إلَيْهِ وأخَذُوهُ، وقالَ في سُورَةٍ أُخْرى في عَيْنِ هَذِهِ القِصَّةِ: ﴿قالُوا مَن فَعَلَ هَذا بِآلِهَتِنا إنَّهُ لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ ﴿قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهم يُقالُ لَهُ إبْراهِيمُ﴾ [الأنبياء: ٦٠] وهَذا يَقْتَضِي أنَّهم في أوَّلِ الأمْرِ ما عَرَفُوهُ فَبَيْنَ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ تَناقُضٌ ؟ قُلْنا: لا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: إنَّ جَماعَةً عَرَفُوهُ فَعَمَدُوا إلَيْهِ مُسْرِعِينَ والأكْثَرُونَ ما عَرَفُوهُ، فَتَعَرَّفُوا أنَّ ذَلِكَ الكاسِرَ مَن هو، واللَّهُ أعْلَمُ.

الصافات 37:94

القِصَّةُ الثّانِيَةُ قِصَّةُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿وإنَّ مِن شِيعَتِهِ لَإبْراهِيمَ﴾ ﴿إذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ ﴿إذْ قالَ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ ماذا تَعْبُدُونَ﴾ ﴿أئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾ ﴿فَما ظَنُّكم بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً في النُّجُومِ﴾ ﴿فَقالَ إنِّي سَقِيمٌ﴾ ﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ﴾ ﴿فَراغَ إلى آلِهَتِهِمْ فَقالَ ألا تَأْكُلُونَ﴾ ﴿ما لَكم لا تَنْطِقُونَ﴾ ﴿فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِاليَمِينِ﴾ ﴿فَأقْبَلُوا إلَيْهِ يَزِفُّونَ﴾ في الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ مِن شِيعَتِهِ إلى ماذا يَعُودُ ؟ فِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: وهو الأظْهَرُ أنَّهُ عائِدٌ إلى نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، أيْ: مِن شِيعَةِ نُوحٍ، أيْ مِن أهْلِ بَيْتِهِ وعَلى دِينِهِ ومِنهاجِهِ لَإبْراهِيمَ، قالُوا: وما كانَ بَيْنَ نُوحٍ وإبْراهِيمَ إلّا نَبِيّانِ هُودٌ وصالِحٌ، ورَوى صاحِبُ الكَشّافِ: إنَّهُ كانَ بَيْنَ نُوحٍ وإبْراهِيمَ ألْفانِ وسِتُّمِائَةٍ وأرْبَعُونَ سَنَةً. الثّانِي: قالَ الكَلْبِيُّ: المُرادُ مِن شِيعَةِ مُحَمَّدٍ لَإبْراهِيمَ بِمَعْنى أنَّهُ كانَ عَلى دِينِهِ ومِنهاجِهِ فَهو مِن شِيعَتِهِ وإنْ كانَ سابِقًا لَهُ، والأوَّلُ أظْهَرُ؛ لِأنَّهُ تَقَدَّمَ ذِكْرُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، ولَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرُ النَّبِيِّ ﷺ فَعَوْدُ الضَّمِيرِ إلى نُوحٍ أوْلى. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: العامِلُ في ”إذْ“ ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿وإنَّ مِن شِيعَتِهِ﴾ مِن مَعْنى المُشايَعَةِ يَعْنِي وإنَّ مِمَّنْ شايَعَهُ عَلى دِينِهِ وتَقْواهُ حِينَ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ لَإبْراهِيمَ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿إذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: في قَوْلِهِ: ﴿بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ قَوْلانِ: الأوَّلُ: قالَ مُقاتِلٌ والكَلْبِيُّ: يَعْنِي: خالِصٌ مِنَ الشَّرَكِ، والمَعْنى أنَّهُ سَلِمَ مِنَ الشِّرْكِ فَلَمْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ. والثّانِي: قالَ الأُصُولِيُّونَ: المُرادُ أنَّهُ عاشَ وماتَ عَلى طَهارَةِ القَلْبِ مِن كُلِّ دَنَسٍ مِنَ المَعاصِي، فَيَدْخُلُ فِيهِ كَوْنُهُ سَلِيمًا عَنِ الشِّرْكِ وعَنِ الشَّكِّ وعَنِ الغِلِّ والغِشِّ والحِقْدِ والحَسَدِ. عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّهُ كانَ يُحِبُّ لِلنّاسِ ما يُحِبُّ لِنَفْسِهِ، وسَلِمَ جَمِيعُ النّاسِ مِن غِشِّهِ وظُلْمِهِ وأسْلَمَهُ اللَّهُ تَعالى فَلَمْ يَعْدِلْ بِهِ أحَدًا، واحْتَجَّ الذّاهِبُونَ إلى القَوْلِ الأوَّلِ بِأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ بَعْدَ هَذِهِ الكَلِمَةِ إنْكارَهُ عَلى قَوْمِهِ الشِّرْكَ بِاللَّهِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿إذْ قالَ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ ماذا تَعْبُدُونَ﴾ واحْتَجَّ الذّاهِبُونَ إلى القَوْلِ الثّانِي بِأنَّ اللَّفْظَ مُطْلَقٌ فَلا يُقَيَّدُ بِصِفَةٍ دُونَ صِفَةٍ، ويَتَأكَّدُ هَذا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا إبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وكُنّا بِهِ عالِمِينَ﴾ . صفحة ١٢٨ [الأنبياء: ٥١] مَعَ أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤] وقالَ: ﴿وكَذَلِكَ نُرِي إبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ ولِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ﴾ [الأنعام: ٧٥] فَإنْ قِيلَ: ما مَعْنى المَجِيءِ بِقَلْبِهِ رَبَّهُ ؟ قُلْنا: مَعْناهُ أنَّهُ أخْلَصَ لِلَّهِ قَلْبَهُ، فَكَأنَّهُ أتْحَفَ حَضْرَةَ اللَّهِ بِذَلِكَ القَلْبِ، ورَأيْتُ في التَّوْراةِ أنَّ اللَّهَ قالَ لِمُوسى: أجِبْ إلَهَكَ بِكُلِّ قَلْبِكَ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أنَّ إبْراهِيمَ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ذَكَرَ أنَّ مِن جُمْلَةِ آثارِ تِلْكَ السَّلامَةِ أنْ دَعا أباهُ وقَوْمَهُ إلى التَّوْحِيدِ فَقالَ: ﴿إذْ قالَ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ ماذا تَعْبُدُونَ﴾ والمَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ تَهْجِينُ تِلْكَ الطَّرِيقَةِ وتَقْبِيحُها. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿أئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾ قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: أئِفْكًا مَفْعُولٌ لَهُ تَقْدِيرُهُ أتُرِيدُونَ آلِهَةً مِن دُونِهِ إفْكًا، وإنَّما قَدَّمَ المَفْعُولَ عَلى الفِعْلِ لِلْعِنايَةِ وقَدَّمَ المَفْعُولَ لَهُ عَلى المَفْعُولِ بِهِ؛ لِأنَّهُ كانَ الأهَمُّ عِنْدَهُ أنْ يُقَرِّرَ عِنْدَهم بِأنَّهم عَلى إفْكٍ وباطِلٍ في شِرْكِهِمْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ إفْكًا مَفْعُولًا بِهِ يَعْنِي أتُرِيدُونَ إفْكًا، ثُمَّ فَسَّرَ الإفْكَ بِقَوْلِهِ: ﴿آلِهَةً دُونَ اللَّهِ﴾ عَلى أنَّها إفْكٌ في أنْفُسِها، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا بِمَعْنى تُرِيدُونَ آلِهَةً مِن دُونِ اللَّهِ آفِكِينَ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿فَما ظَنُّكم بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أتَظُنُّونَ بِرَبِّ العالَمِينَ أنَّهُ يَجُوزُ جَعْلُ هَذِهِ الجَماداتِ مُشارِكَةً لَهُ في المَعْبُودِيَّةِ. وثانِيها: أتَظُنُّونَ بِرَبِّ العالَمِينَ أنَّهُ مِن جِنْسِ هَذِهِ الأجْسامِ حَتّى جَعَلْتُمُوها مُساوِيَةً لَهُ في المَعْبُودِيَّةِ فَنَبَّهَهم بِذَلِكَ عَلى أنَّهُ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً في النُّجُومِ﴾ ﴿فَقالَ إنِّي سَقِيمٌ﴾ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهم كانُوا يَتَعاطَوْنَ عِلْمَ النُّجُومِ فَعامَلَهم عَلى مُقْتَضى عادَتِهِمْ، وذَلِكَ أنَّهُ أرادَ أنْ يُكايِدَهم في أصْنامِهِمْ لِيُلْزِمَهُمُ الحُجَّةَ في أنَّها غَيْرُ مَعْبُودَةٍ، وكانَ لَهم مِنَ الغَدِ يَوْمُ عِيدٍ يَخْرُجُونَ إلَيْهِ فَأرادَ أنْ يَتَخَلَّفَ عَنْهم لِيَبْقى خالِيًا في بَيْتِ الأصْنامِ، فَيَقْدِرُ عَلى كَسْرِها. وهَهُنا سُؤالانِ: الأوَّلُ: أنَّ النَّظَرَ في عِلْمِ النُّجُومِ غَيْرُ جائِزٍ فَكَيْفَ أقْدَمَ عَلَيْهِ إبْراهِيمُ ؟ والثّانِي: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ما كانَ سَقِيمًا فَلَمّا قالَ إنِّي سَقِيمٌ كانَ ذَلِكَ كَذِبًا ؟ واعْلَمْ أنَّ العُلَماءَ ذَكَرُوا في الجَوابِ عَنْهُما وُجُوهًا كَثِيرَةً: الأوَّلُ: أنَّهُ نَظَرَ نَظْرَةً في النُّجُومِ في أوْقاتِ اللَّيْلِ والنَّهارِ وكانَتْ تَأْتِيهِ سَقامَةٌ كالحُمّى في بَعْضِ ساعاتِ اللَّيْلِ والنَّهارِ، فَنَظَرَ لِيَعْرِفَ هَلْ هي في تِلْكَ السّاعَةِ وقالَ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ فَجَعَلَهُ عُذْرًا في تَخَلُّفِهِ عَنِ العِيدِ الَّذِي لَهم وكانَ صادِقًا فِيما قالَ؛ لِأنَّ السُّقْمَ كانَ يَأْتِيهِ في ذَلِكَ الوَقْتِ، وإنَّما تَخَلَّفَ لِأجْلِ تَكْسِيرِ أصْنامِهِمْ. الوَجْهُ الثّانِي في الجَوابِ: أنَّ قَوْمَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانُوا أصْحابَ النُّجُومِ يُعَظِّمُونَها ويَقْضُونَ بِها عَلى غائِبِ الأُمُورِ، فَلِذَلِكَ نَظَرَ إبْراهِيمُ في النُّجُومِ أيْ: في عُلُومِ النُّجُومِ وفي مَعانِيهِ لا أنَّهُ نَظَرَ بِعَيْنِهِ إلَيْها، وهو كَما يُقالُ: فُلانٌ نَظَرَ في الفِقْهِ وفي النَّحْوِ وإنَّما أرادَ أنْ يُوهِمَهم أنَّهُ يَعْلَمُ ما يَعْلَمُونَ ويَتَعَرَّفُ مِن حَيْثُ يَتَعَرَّفُونَ حَتّى إذا قالَ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ سَكَنُوا إلى قَوْلِهِ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ فَمَعْناهُ سَأُسْقَمُ كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّكَ مَيِّتٌ﴾ [الزمر: ٣٠] أيْ: سَتَمُوتُ. الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً في النُّجُومِ﴾ هو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَبًا﴾ [الأنعام: ٧٦] إلى آخِرِ الآياتِ وكانَ ذَلِكَ النَّظَرُ لِأجْلِ أنْ يَتَعَرَّفَ أحْوالَ هَذِهِ الكَواكِبِ هَلْ هي قَدِيمَةٌ أوْ مُحْدَثَةٌ، وقَوْلُهُ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ يَعْنِي صفحة ١٢٩ سَقِيمَ القَلْبِ غَيْرَ عارِفٍ بِرَبِّي، وكانَ ذَلِكَ قَبْلَ البُلُوغِ. الوَجْهُ الرّابِعُ: قالَ ابْنُ زَيْدٍ كانَ لَهُ نَجْمٌ مَخْصُوصٌ، وكُلَّما طَلَعَ عَلى صِفَةٍ مَخْصُوصَةٍ مَرِضَ إبْراهِيمُ، ولِأجْلِ هَذا الِاسْتِقْراءِ لَمّا رَآهُ في ذَلِكَ الوَقْتِ طالِعًا عَلى تِلْكَ الصِّفَةِ المَخْصُوصَةِ قالَ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ أيْ هَذا السَّقَمُ واقِعٌ لا مَحالَةَ. الوَجْهُ الخامِسُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ أيْ: مَرِيضُ القَلْبِ بِسَبَبِ إطْباقِ ذَلِكَ الجَمْعِ العَظِيمِ عَلى الكُفْرِ والشِّرْكِ، قالَ تَعالى لِمُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ﴾ [الشعراء: ٣] . الوَجْهُ السّادِسُ: في الجَوابِ أنا لا نُسَلِّمُ أنَّ النَّظَرَ في عِلْمِ النُّجُومِ والِاسْتِدْلالِ بِمُقايَسَتِها حَرامٌ؛ لِأنَّ مَنِ اعْتَقَدَ أنَّ اللَّهَ تَعالى خَصَّ كُلَّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الكَواكِبِ بِقُوَّةٍ وبِخاصِّيَّةٍ لِأجْلِها يَظْهَرُ مِنهُ أثَرٌ مَخْصُوصٌ، فَهَذا العِلْمُ عَلى هَذا الوَجْهِ لَيْسَ بِباطِلٍ. وأمّا الكَذِبُ فَغَيْرُ لازِمٍ؛ لِأنَّهُ ذَكَرَ قَوْلَهُ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ عَلى سَبِيلِ التَّعْرِيضِ، بِمَعْنى أنَّ الإنْسانَ لا يَنْفَكُّ في أكْثَرِ أحْوالِهِ عَنْ حُصُولِ حالَةٍ مَكْرُوهَةٍ، إمّا في بَدَنِهِ وإمّا في قَلْبِهِ وكُلُّ ذَلِكَ سَقَمٌ. الوَجْهُ السّابِعُ: قالَ بَعْضُهم: ذَلِكَ القَوْلُ عَنْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كِذْبَةٌ ورَوَوْا فِيهِ حَدِيثًا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «ما كَذَبَ إبْراهِيمُ إلّا ثَلاثَ كَذَباتٍ» قُلْتُ لِبَعْضِهِمْ: هَذا الحَدِيثُ لا يَنْبَغِي أنْ يُقْبَلَ؛ لِأنَّ نِسْبَةَ الكَذِبِ إلى إبْراهِيمَ لا تَجُوزُ، فَقالَ ذَلِكَ الرَّجُلُ: فَكَيْفَ يُحْكَمُ بِكَذِبِ الرُّواةِ العُدُولِ ؟ فَقُلْتُ: لَمّا وقَعَ التَّعارُضُ بَيْنَ نِسْبَةِ الكَذِبِ إلى الرّاوِي وبَيْنَ نِسْبَتِهِ إلى الخَلِيلِ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مِنَ المَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ أنَّ نِسْبَتَهُ إلى الرّاوِي أوْلى، ثُمَّ نَقُولُ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِكَوْنِهِ كَذِبًا خَبَرًا شَبِيهًا بِالكَذِبِ ؟ . والوَجْهُ الثّامِنُ: أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً في النُّجُومِ﴾ أيْ نَظَرَ في نُجُومِ كَلامِهِمْ ومُتَفَرِّقاتِ أقْوالِهِمْ، فَإنَّ الأشْياءَ الَّتِي تَحْدُثُ قِطْعَةً قِطْعَةً، يُقالُ: إنَّها مُنَجَّمَةٌ أيْ مُتَفَرِّقَةٌ ومِنهُ نُجُومُ الكِتابَةِ، والمَعْنى أنَّهُ لَمّا سَمِعَ كَلِماتِهِمُ المُتَفَرِّقَةَ نَظَرَ فِيها كَيْ يَسْتَخْرِجَ مِنها حِيلَةً يَقْدِرُ بِها عَلى إقامَةِ عُذْرٍ لِنَفْسِهِ في التَّخَلُّفِ عَنْهم فَلَمْ يَجِدْ عُذْرًا أحْسَنَ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ والمُرادُ أنَّهُ لا بُدَّ مِن أنْ أصِيرَ سَقِيمًا كَما تَقُولُ لِمَن رَأيْتَهُ عَلى أوْقاتِ السَّفَرِ: إنَّكَ مُسافِرٌ. واعْلَمْ أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا قالَ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ تَوَلَّوْا عَنْهُ مُعْرِضِينَ فَتَرَكُوهُ وعَذَرُوهُ في أنْ لا يَخْرُجَ اليَوْمَ فَكانَ ذَلِكَ مُرادَهُ. ﴿فَراغَ إلى آلِهَتِهِمْ﴾ يُقالُ: راغَ إلَيْهِ إذا مالَ إلَيْهِ في السِّرِّ عَلى سَبِيلِ الخُفْيَةِ، ومِنهُ رَوَغانُ الثَّعْلَبِ. وقَوْلُهُ: ﴿ألا تَأْكُلُونَ﴾ يَعْنِي الطَّعامَ الَّذِي كانَ بَيْنَ أيْدِيهِمْ، وإنَّما قالَ ذَلِكَ اسْتِهْزاءً بِها، وكَذا قَوْلُهُ: ﴿ما لَكم لا تَنْطِقُونَ﴾ ﴿فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا﴾ فَأقْبَلَ عَلَيْهِمْ مُسْتَخْفِيًا كَأنَّهُ قالَ: فَضَرَبَهم ضَرْبًا؛ لِأنَّ: راغَ عَلَيْهِمْ في مَعْنى ضَرَبَهم أوْ فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِمَعْنى ضارِبًا. وفي قَوْلِهِ: ﴿بِاليَمِينِ﴾ قَوْلانِ: الأوَّلُ: مَعْناهُ بِالقُوَّةِ والشِّدَّةِ؛ لِأنَّ اليَمِينَ أقْوى الجارِحَتَيْنِ. والثّانِي: أنَّهُ أتى بِذَلِكَ الفِعْلِ بِسَبَبِ الحَلِفِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى عَنْهُ: ﴿تاللَّهِ لَأكِيدَنَّ أصْنامَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٥٧] ثُمَّ قالَ: ﴿فَأقْبَلُوا إلَيْهِ يَزِفُّونَ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ: ”يُزِفُّونَ“ بِضَمِّ الياءِ والباقُونَ بِفَتْحِها وهُما لُغَتانِ، قالَ ابْنُ عَرَفَةَ: مَن قَرَأ بِالنَّصْبِ فَهو مِن زَفَّ يَزِفُّ، ومَن قَرَأ بِالضَّمِّ فَهو مِن أزَفَّ يُزِفُّ، قالَ الزَّجّاجُ: يَزِفُّونَ يُسْرِعُونَ وأصْلُهُ مِن زَفِيفِ النَّعامَةِ وهو ابْتِداءُ عَدْوِها، وقَرَأ حَمْزَةُ: ”يُزِفُّونَ“ أيْ يَحْمِلُونَ غَيْرَهم عَلى الزَّفِيفِ، قالَ الأصْمَعِيُّ: يُقالُ: أزْفَفْتُ الإبِلَ إذا حَمَلْتَها عَلى أنْ تَزِفَّ، قالَ: وهو سُرْعَةُ الخُطْوَةِ ومُقارَبَةُ المَشْيِ، والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ عَلى قِراءَتِهِ كَأنَّهم حَمَلُوا دَوابَّهم عَلى الإسْراعِ في المَشْيِ، فَإنْ قِيلَ: مُقْتَضى هَذِهِ الآيَةِ أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا كَسَرَها عَدَوْا إلَيْهِ وأخَذُوهُ، وقالَ في سُورَةٍ أُخْرى في عَيْنِ هَذِهِ القِصَّةِ: ﴿قالُوا مَن فَعَلَ هَذا بِآلِهَتِنا إنَّهُ لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ ﴿قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهم يُقالُ لَهُ إبْراهِيمُ﴾ [الأنبياء: ٦٠] وهَذا يَقْتَضِي أنَّهم في أوَّلِ الأمْرِ ما عَرَفُوهُ فَبَيْنَ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ تَناقُضٌ ؟ قُلْنا: لا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: إنَّ جَماعَةً عَرَفُوهُ فَعَمَدُوا إلَيْهِ مُسْرِعِينَ والأكْثَرُونَ ما عَرَفُوهُ، فَتَعَرَّفُوا أنَّ ذَلِكَ الكاسِرَ مَن هو، واللَّهُ أعْلَمُ.

الصافات 37:95

القِصَّةُ الثّانِيَةُ قِصَّةُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿وإنَّ مِن شِيعَتِهِ لَإبْراهِيمَ﴾ ﴿إذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ ﴿إذْ قالَ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ ماذا تَعْبُدُونَ﴾ ﴿أئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾ ﴿فَما ظَنُّكم بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً في النُّجُومِ﴾ ﴿فَقالَ إنِّي سَقِيمٌ﴾ ﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ﴾ ﴿فَراغَ إلى آلِهَتِهِمْ فَقالَ ألا تَأْكُلُونَ﴾ ﴿ما لَكم لا تَنْطِقُونَ﴾ ﴿فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِاليَمِينِ﴾ ﴿فَأقْبَلُوا إلَيْهِ يَزِفُّونَ﴾ في الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ مِن شِيعَتِهِ إلى ماذا يَعُودُ ؟ فِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: وهو الأظْهَرُ أنَّهُ عائِدٌ إلى نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، أيْ: مِن شِيعَةِ نُوحٍ، أيْ مِن أهْلِ بَيْتِهِ وعَلى دِينِهِ ومِنهاجِهِ لَإبْراهِيمَ، قالُوا: وما كانَ بَيْنَ نُوحٍ وإبْراهِيمَ إلّا نَبِيّانِ هُودٌ وصالِحٌ، ورَوى صاحِبُ الكَشّافِ: إنَّهُ كانَ بَيْنَ نُوحٍ وإبْراهِيمَ ألْفانِ وسِتُّمِائَةٍ وأرْبَعُونَ سَنَةً. الثّانِي: قالَ الكَلْبِيُّ: المُرادُ مِن شِيعَةِ مُحَمَّدٍ لَإبْراهِيمَ بِمَعْنى أنَّهُ كانَ عَلى دِينِهِ ومِنهاجِهِ فَهو مِن شِيعَتِهِ وإنْ كانَ سابِقًا لَهُ، والأوَّلُ أظْهَرُ؛ لِأنَّهُ تَقَدَّمَ ذِكْرُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، ولَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرُ النَّبِيِّ ﷺ فَعَوْدُ الضَّمِيرِ إلى نُوحٍ أوْلى. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: العامِلُ في ”إذْ“ ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿وإنَّ مِن شِيعَتِهِ﴾ مِن مَعْنى المُشايَعَةِ يَعْنِي وإنَّ مِمَّنْ شايَعَهُ عَلى دِينِهِ وتَقْواهُ حِينَ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ لَإبْراهِيمَ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿إذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: في قَوْلِهِ: ﴿بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ قَوْلانِ: الأوَّلُ: قالَ مُقاتِلٌ والكَلْبِيُّ: يَعْنِي: خالِصٌ مِنَ الشَّرَكِ، والمَعْنى أنَّهُ سَلِمَ مِنَ الشِّرْكِ فَلَمْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ. والثّانِي: قالَ الأُصُولِيُّونَ: المُرادُ أنَّهُ عاشَ وماتَ عَلى طَهارَةِ القَلْبِ مِن كُلِّ دَنَسٍ مِنَ المَعاصِي، فَيَدْخُلُ فِيهِ كَوْنُهُ سَلِيمًا عَنِ الشِّرْكِ وعَنِ الشَّكِّ وعَنِ الغِلِّ والغِشِّ والحِقْدِ والحَسَدِ. عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّهُ كانَ يُحِبُّ لِلنّاسِ ما يُحِبُّ لِنَفْسِهِ، وسَلِمَ جَمِيعُ النّاسِ مِن غِشِّهِ وظُلْمِهِ وأسْلَمَهُ اللَّهُ تَعالى فَلَمْ يَعْدِلْ بِهِ أحَدًا، واحْتَجَّ الذّاهِبُونَ إلى القَوْلِ الأوَّلِ بِأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ بَعْدَ هَذِهِ الكَلِمَةِ إنْكارَهُ عَلى قَوْمِهِ الشِّرْكَ بِاللَّهِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿إذْ قالَ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ ماذا تَعْبُدُونَ﴾ واحْتَجَّ الذّاهِبُونَ إلى القَوْلِ الثّانِي بِأنَّ اللَّفْظَ مُطْلَقٌ فَلا يُقَيَّدُ بِصِفَةٍ دُونَ صِفَةٍ، ويَتَأكَّدُ هَذا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا إبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وكُنّا بِهِ عالِمِينَ﴾ . صفحة ١٢٨ [الأنبياء: ٥١] مَعَ أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤] وقالَ: ﴿وكَذَلِكَ نُرِي إبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ ولِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ﴾ [الأنعام: ٧٥] فَإنْ قِيلَ: ما مَعْنى المَجِيءِ بِقَلْبِهِ رَبَّهُ ؟ قُلْنا: مَعْناهُ أنَّهُ أخْلَصَ لِلَّهِ قَلْبَهُ، فَكَأنَّهُ أتْحَفَ حَضْرَةَ اللَّهِ بِذَلِكَ القَلْبِ، ورَأيْتُ في التَّوْراةِ أنَّ اللَّهَ قالَ لِمُوسى: أجِبْ إلَهَكَ بِكُلِّ قَلْبِكَ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أنَّ إبْراهِيمَ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ذَكَرَ أنَّ مِن جُمْلَةِ آثارِ تِلْكَ السَّلامَةِ أنْ دَعا أباهُ وقَوْمَهُ إلى التَّوْحِيدِ فَقالَ: ﴿إذْ قالَ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ ماذا تَعْبُدُونَ﴾ والمَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ تَهْجِينُ تِلْكَ الطَّرِيقَةِ وتَقْبِيحُها. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿أئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾ قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: أئِفْكًا مَفْعُولٌ لَهُ تَقْدِيرُهُ أتُرِيدُونَ آلِهَةً مِن دُونِهِ إفْكًا، وإنَّما قَدَّمَ المَفْعُولَ عَلى الفِعْلِ لِلْعِنايَةِ وقَدَّمَ المَفْعُولَ لَهُ عَلى المَفْعُولِ بِهِ؛ لِأنَّهُ كانَ الأهَمُّ عِنْدَهُ أنْ يُقَرِّرَ عِنْدَهم بِأنَّهم عَلى إفْكٍ وباطِلٍ في شِرْكِهِمْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ إفْكًا مَفْعُولًا بِهِ يَعْنِي أتُرِيدُونَ إفْكًا، ثُمَّ فَسَّرَ الإفْكَ بِقَوْلِهِ: ﴿آلِهَةً دُونَ اللَّهِ﴾ عَلى أنَّها إفْكٌ في أنْفُسِها، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا بِمَعْنى تُرِيدُونَ آلِهَةً مِن دُونِ اللَّهِ آفِكِينَ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿فَما ظَنُّكم بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أتَظُنُّونَ بِرَبِّ العالَمِينَ أنَّهُ يَجُوزُ جَعْلُ هَذِهِ الجَماداتِ مُشارِكَةً لَهُ في المَعْبُودِيَّةِ. وثانِيها: أتَظُنُّونَ بِرَبِّ العالَمِينَ أنَّهُ مِن جِنْسِ هَذِهِ الأجْسامِ حَتّى جَعَلْتُمُوها مُساوِيَةً لَهُ في المَعْبُودِيَّةِ فَنَبَّهَهم بِذَلِكَ عَلى أنَّهُ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً في النُّجُومِ﴾ ﴿فَقالَ إنِّي سَقِيمٌ﴾ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهم كانُوا يَتَعاطَوْنَ عِلْمَ النُّجُومِ فَعامَلَهم عَلى مُقْتَضى عادَتِهِمْ، وذَلِكَ أنَّهُ أرادَ أنْ يُكايِدَهم في أصْنامِهِمْ لِيُلْزِمَهُمُ الحُجَّةَ في أنَّها غَيْرُ مَعْبُودَةٍ، وكانَ لَهم مِنَ الغَدِ يَوْمُ عِيدٍ يَخْرُجُونَ إلَيْهِ فَأرادَ أنْ يَتَخَلَّفَ عَنْهم لِيَبْقى خالِيًا في بَيْتِ الأصْنامِ، فَيَقْدِرُ عَلى كَسْرِها. وهَهُنا سُؤالانِ: الأوَّلُ: أنَّ النَّظَرَ في عِلْمِ النُّجُومِ غَيْرُ جائِزٍ فَكَيْفَ أقْدَمَ عَلَيْهِ إبْراهِيمُ ؟ والثّانِي: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ما كانَ سَقِيمًا فَلَمّا قالَ إنِّي سَقِيمٌ كانَ ذَلِكَ كَذِبًا ؟ واعْلَمْ أنَّ العُلَماءَ ذَكَرُوا في الجَوابِ عَنْهُما وُجُوهًا كَثِيرَةً: الأوَّلُ: أنَّهُ نَظَرَ نَظْرَةً في النُّجُومِ في أوْقاتِ اللَّيْلِ والنَّهارِ وكانَتْ تَأْتِيهِ سَقامَةٌ كالحُمّى في بَعْضِ ساعاتِ اللَّيْلِ والنَّهارِ، فَنَظَرَ لِيَعْرِفَ هَلْ هي في تِلْكَ السّاعَةِ وقالَ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ فَجَعَلَهُ عُذْرًا في تَخَلُّفِهِ عَنِ العِيدِ الَّذِي لَهم وكانَ صادِقًا فِيما قالَ؛ لِأنَّ السُّقْمَ كانَ يَأْتِيهِ في ذَلِكَ الوَقْتِ، وإنَّما تَخَلَّفَ لِأجْلِ تَكْسِيرِ أصْنامِهِمْ. الوَجْهُ الثّانِي في الجَوابِ: أنَّ قَوْمَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانُوا أصْحابَ النُّجُومِ يُعَظِّمُونَها ويَقْضُونَ بِها عَلى غائِبِ الأُمُورِ، فَلِذَلِكَ نَظَرَ إبْراهِيمُ في النُّجُومِ أيْ: في عُلُومِ النُّجُومِ وفي مَعانِيهِ لا أنَّهُ نَظَرَ بِعَيْنِهِ إلَيْها، وهو كَما يُقالُ: فُلانٌ نَظَرَ في الفِقْهِ وفي النَّحْوِ وإنَّما أرادَ أنْ يُوهِمَهم أنَّهُ يَعْلَمُ ما يَعْلَمُونَ ويَتَعَرَّفُ مِن حَيْثُ يَتَعَرَّفُونَ حَتّى إذا قالَ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ سَكَنُوا إلى قَوْلِهِ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ فَمَعْناهُ سَأُسْقَمُ كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّكَ مَيِّتٌ﴾ [الزمر: ٣٠] أيْ: سَتَمُوتُ. الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً في النُّجُومِ﴾ هو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَبًا﴾ [الأنعام: ٧٦] إلى آخِرِ الآياتِ وكانَ ذَلِكَ النَّظَرُ لِأجْلِ أنْ يَتَعَرَّفَ أحْوالَ هَذِهِ الكَواكِبِ هَلْ هي قَدِيمَةٌ أوْ مُحْدَثَةٌ، وقَوْلُهُ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ يَعْنِي صفحة ١٢٩ سَقِيمَ القَلْبِ غَيْرَ عارِفٍ بِرَبِّي، وكانَ ذَلِكَ قَبْلَ البُلُوغِ. الوَجْهُ الرّابِعُ: قالَ ابْنُ زَيْدٍ كانَ لَهُ نَجْمٌ مَخْصُوصٌ، وكُلَّما طَلَعَ عَلى صِفَةٍ مَخْصُوصَةٍ مَرِضَ إبْراهِيمُ، ولِأجْلِ هَذا الِاسْتِقْراءِ لَمّا رَآهُ في ذَلِكَ الوَقْتِ طالِعًا عَلى تِلْكَ الصِّفَةِ المَخْصُوصَةِ قالَ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ أيْ هَذا السَّقَمُ واقِعٌ لا مَحالَةَ. الوَجْهُ الخامِسُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ أيْ: مَرِيضُ القَلْبِ بِسَبَبِ إطْباقِ ذَلِكَ الجَمْعِ العَظِيمِ عَلى الكُفْرِ والشِّرْكِ، قالَ تَعالى لِمُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ﴾ [الشعراء: ٣] . الوَجْهُ السّادِسُ: في الجَوابِ أنا لا نُسَلِّمُ أنَّ النَّظَرَ في عِلْمِ النُّجُومِ والِاسْتِدْلالِ بِمُقايَسَتِها حَرامٌ؛ لِأنَّ مَنِ اعْتَقَدَ أنَّ اللَّهَ تَعالى خَصَّ كُلَّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الكَواكِبِ بِقُوَّةٍ وبِخاصِّيَّةٍ لِأجْلِها يَظْهَرُ مِنهُ أثَرٌ مَخْصُوصٌ، فَهَذا العِلْمُ عَلى هَذا الوَجْهِ لَيْسَ بِباطِلٍ. وأمّا الكَذِبُ فَغَيْرُ لازِمٍ؛ لِأنَّهُ ذَكَرَ قَوْلَهُ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ عَلى سَبِيلِ التَّعْرِيضِ، بِمَعْنى أنَّ الإنْسانَ لا يَنْفَكُّ في أكْثَرِ أحْوالِهِ عَنْ حُصُولِ حالَةٍ مَكْرُوهَةٍ، إمّا في بَدَنِهِ وإمّا في قَلْبِهِ وكُلُّ ذَلِكَ سَقَمٌ. الوَجْهُ السّابِعُ: قالَ بَعْضُهم: ذَلِكَ القَوْلُ عَنْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كِذْبَةٌ ورَوَوْا فِيهِ حَدِيثًا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «ما كَذَبَ إبْراهِيمُ إلّا ثَلاثَ كَذَباتٍ» قُلْتُ لِبَعْضِهِمْ: هَذا الحَدِيثُ لا يَنْبَغِي أنْ يُقْبَلَ؛ لِأنَّ نِسْبَةَ الكَذِبِ إلى إبْراهِيمَ لا تَجُوزُ، فَقالَ ذَلِكَ الرَّجُلُ: فَكَيْفَ يُحْكَمُ بِكَذِبِ الرُّواةِ العُدُولِ ؟ فَقُلْتُ: لَمّا وقَعَ التَّعارُضُ بَيْنَ نِسْبَةِ الكَذِبِ إلى الرّاوِي وبَيْنَ نِسْبَتِهِ إلى الخَلِيلِ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مِنَ المَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ أنَّ نِسْبَتَهُ إلى الرّاوِي أوْلى، ثُمَّ نَقُولُ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِكَوْنِهِ كَذِبًا خَبَرًا شَبِيهًا بِالكَذِبِ ؟ . والوَجْهُ الثّامِنُ: أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً في النُّجُومِ﴾ أيْ نَظَرَ في نُجُومِ كَلامِهِمْ ومُتَفَرِّقاتِ أقْوالِهِمْ، فَإنَّ الأشْياءَ الَّتِي تَحْدُثُ قِطْعَةً قِطْعَةً، يُقالُ: إنَّها مُنَجَّمَةٌ أيْ مُتَفَرِّقَةٌ ومِنهُ نُجُومُ الكِتابَةِ، والمَعْنى أنَّهُ لَمّا سَمِعَ كَلِماتِهِمُ المُتَفَرِّقَةَ نَظَرَ فِيها كَيْ يَسْتَخْرِجَ مِنها حِيلَةً يَقْدِرُ بِها عَلى إقامَةِ عُذْرٍ لِنَفْسِهِ في التَّخَلُّفِ عَنْهم فَلَمْ يَجِدْ عُذْرًا أحْسَنَ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ والمُرادُ أنَّهُ لا بُدَّ مِن أنْ أصِيرَ سَقِيمًا كَما تَقُولُ لِمَن رَأيْتَهُ عَلى أوْقاتِ السَّفَرِ: إنَّكَ مُسافِرٌ. واعْلَمْ أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا قالَ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ تَوَلَّوْا عَنْهُ مُعْرِضِينَ فَتَرَكُوهُ وعَذَرُوهُ في أنْ لا يَخْرُجَ اليَوْمَ فَكانَ ذَلِكَ مُرادَهُ. ﴿فَراغَ إلى آلِهَتِهِمْ﴾ يُقالُ: راغَ إلَيْهِ إذا مالَ إلَيْهِ في السِّرِّ عَلى سَبِيلِ الخُفْيَةِ، ومِنهُ رَوَغانُ الثَّعْلَبِ. وقَوْلُهُ: ﴿ألا تَأْكُلُونَ﴾ يَعْنِي الطَّعامَ الَّذِي كانَ بَيْنَ أيْدِيهِمْ، وإنَّما قالَ ذَلِكَ اسْتِهْزاءً بِها، وكَذا قَوْلُهُ: ﴿ما لَكم لا تَنْطِقُونَ﴾ ﴿فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا﴾ فَأقْبَلَ عَلَيْهِمْ مُسْتَخْفِيًا كَأنَّهُ قالَ: فَضَرَبَهم ضَرْبًا؛ لِأنَّ: راغَ عَلَيْهِمْ في مَعْنى ضَرَبَهم أوْ فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِمَعْنى ضارِبًا. وفي قَوْلِهِ: ﴿بِاليَمِينِ﴾ قَوْلانِ: الأوَّلُ: مَعْناهُ بِالقُوَّةِ والشِّدَّةِ؛ لِأنَّ اليَمِينَ أقْوى الجارِحَتَيْنِ. والثّانِي: أنَّهُ أتى بِذَلِكَ الفِعْلِ بِسَبَبِ الحَلِفِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى عَنْهُ: ﴿تاللَّهِ لَأكِيدَنَّ أصْنامَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٥٧] ثُمَّ قالَ: ﴿فَأقْبَلُوا إلَيْهِ يَزِفُّونَ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ: ”يُزِفُّونَ“ بِضَمِّ الياءِ والباقُونَ بِفَتْحِها وهُما لُغَتانِ، قالَ ابْنُ عَرَفَةَ: مَن قَرَأ بِالنَّصْبِ فَهو مِن زَفَّ يَزِفُّ، ومَن قَرَأ بِالضَّمِّ فَهو مِن أزَفَّ يُزِفُّ، قالَ الزَّجّاجُ: يَزِفُّونَ يُسْرِعُونَ وأصْلُهُ مِن زَفِيفِ النَّعامَةِ وهو ابْتِداءُ عَدْوِها، وقَرَأ حَمْزَةُ: ”يُزِفُّونَ“ أيْ يَحْمِلُونَ غَيْرَهم عَلى الزَّفِيفِ، قالَ الأصْمَعِيُّ: يُقالُ: أزْفَفْتُ الإبِلَ إذا حَمَلْتَها عَلى أنْ تَزِفَّ، قالَ: وهو سُرْعَةُ الخُطْوَةِ ومُقارَبَةُ المَشْيِ، والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ عَلى قِراءَتِهِ كَأنَّهم حَمَلُوا دَوابَّهم عَلى الإسْراعِ في المَشْيِ، فَإنْ قِيلَ: مُقْتَضى هَذِهِ الآيَةِ أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا كَسَرَها عَدَوْا إلَيْهِ وأخَذُوهُ، وقالَ في سُورَةٍ أُخْرى في عَيْنِ هَذِهِ القِصَّةِ: ﴿قالُوا مَن فَعَلَ هَذا بِآلِهَتِنا إنَّهُ لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ ﴿قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهم يُقالُ لَهُ إبْراهِيمُ﴾ [الأنبياء: ٦٠] وهَذا يَقْتَضِي أنَّهم في أوَّلِ الأمْرِ ما عَرَفُوهُ فَبَيْنَ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ تَناقُضٌ ؟ قُلْنا: لا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: إنَّ جَماعَةً عَرَفُوهُ فَعَمَدُوا إلَيْهِ مُسْرِعِينَ والأكْثَرُونَ ما عَرَفُوهُ، فَتَعَرَّفُوا أنَّ ذَلِكَ الكاسِرَ مَن هو، واللَّهُ أعْلَمُ.

الصافات 37:96

القِصَّةُ الثّانِيَةُ قِصَّةُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿وإنَّ مِن شِيعَتِهِ لَإبْراهِيمَ﴾ ﴿إذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ ﴿إذْ قالَ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ ماذا تَعْبُدُونَ﴾ ﴿أئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾ ﴿فَما ظَنُّكم بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً في النُّجُومِ﴾ ﴿فَقالَ إنِّي سَقِيمٌ﴾ ﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ﴾ ﴿فَراغَ إلى آلِهَتِهِمْ فَقالَ ألا تَأْكُلُونَ﴾ ﴿ما لَكم لا تَنْطِقُونَ﴾ ﴿فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِاليَمِينِ﴾ ﴿فَأقْبَلُوا إلَيْهِ يَزِفُّونَ﴾ في الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ مِن شِيعَتِهِ إلى ماذا يَعُودُ ؟ فِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: وهو الأظْهَرُ أنَّهُ عائِدٌ إلى نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، أيْ: مِن شِيعَةِ نُوحٍ، أيْ مِن أهْلِ بَيْتِهِ وعَلى دِينِهِ ومِنهاجِهِ لَإبْراهِيمَ، قالُوا: وما كانَ بَيْنَ نُوحٍ وإبْراهِيمَ إلّا نَبِيّانِ هُودٌ وصالِحٌ، ورَوى صاحِبُ الكَشّافِ: إنَّهُ كانَ بَيْنَ نُوحٍ وإبْراهِيمَ ألْفانِ وسِتُّمِائَةٍ وأرْبَعُونَ سَنَةً. الثّانِي: قالَ الكَلْبِيُّ: المُرادُ مِن شِيعَةِ مُحَمَّدٍ لَإبْراهِيمَ بِمَعْنى أنَّهُ كانَ عَلى دِينِهِ ومِنهاجِهِ فَهو مِن شِيعَتِهِ وإنْ كانَ سابِقًا لَهُ، والأوَّلُ أظْهَرُ؛ لِأنَّهُ تَقَدَّمَ ذِكْرُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، ولَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرُ النَّبِيِّ ﷺ فَعَوْدُ الضَّمِيرِ إلى نُوحٍ أوْلى. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: العامِلُ في ”إذْ“ ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿وإنَّ مِن شِيعَتِهِ﴾ مِن مَعْنى المُشايَعَةِ يَعْنِي وإنَّ مِمَّنْ شايَعَهُ عَلى دِينِهِ وتَقْواهُ حِينَ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ لَإبْراهِيمَ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿إذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: في قَوْلِهِ: ﴿بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ قَوْلانِ: الأوَّلُ: قالَ مُقاتِلٌ والكَلْبِيُّ: يَعْنِي: خالِصٌ مِنَ الشَّرَكِ، والمَعْنى أنَّهُ سَلِمَ مِنَ الشِّرْكِ فَلَمْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ. والثّانِي: قالَ الأُصُولِيُّونَ: المُرادُ أنَّهُ عاشَ وماتَ عَلى طَهارَةِ القَلْبِ مِن كُلِّ دَنَسٍ مِنَ المَعاصِي، فَيَدْخُلُ فِيهِ كَوْنُهُ سَلِيمًا عَنِ الشِّرْكِ وعَنِ الشَّكِّ وعَنِ الغِلِّ والغِشِّ والحِقْدِ والحَسَدِ. عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّهُ كانَ يُحِبُّ لِلنّاسِ ما يُحِبُّ لِنَفْسِهِ، وسَلِمَ جَمِيعُ النّاسِ مِن غِشِّهِ وظُلْمِهِ وأسْلَمَهُ اللَّهُ تَعالى فَلَمْ يَعْدِلْ بِهِ أحَدًا، واحْتَجَّ الذّاهِبُونَ إلى القَوْلِ الأوَّلِ بِأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ بَعْدَ هَذِهِ الكَلِمَةِ إنْكارَهُ عَلى قَوْمِهِ الشِّرْكَ بِاللَّهِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿إذْ قالَ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ ماذا تَعْبُدُونَ﴾ واحْتَجَّ الذّاهِبُونَ إلى القَوْلِ الثّانِي بِأنَّ اللَّفْظَ مُطْلَقٌ فَلا يُقَيَّدُ بِصِفَةٍ دُونَ صِفَةٍ، ويَتَأكَّدُ هَذا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا إبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وكُنّا بِهِ عالِمِينَ﴾ . صفحة ١٢٨ [الأنبياء: ٥١] مَعَ أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤] وقالَ: ﴿وكَذَلِكَ نُرِي إبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ ولِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ﴾ [الأنعام: ٧٥] فَإنْ قِيلَ: ما مَعْنى المَجِيءِ بِقَلْبِهِ رَبَّهُ ؟ قُلْنا: مَعْناهُ أنَّهُ أخْلَصَ لِلَّهِ قَلْبَهُ، فَكَأنَّهُ أتْحَفَ حَضْرَةَ اللَّهِ بِذَلِكَ القَلْبِ، ورَأيْتُ في التَّوْراةِ أنَّ اللَّهَ قالَ لِمُوسى: أجِبْ إلَهَكَ بِكُلِّ قَلْبِكَ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أنَّ إبْراهِيمَ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ذَكَرَ أنَّ مِن جُمْلَةِ آثارِ تِلْكَ السَّلامَةِ أنْ دَعا أباهُ وقَوْمَهُ إلى التَّوْحِيدِ فَقالَ: ﴿إذْ قالَ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ ماذا تَعْبُدُونَ﴾ والمَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ تَهْجِينُ تِلْكَ الطَّرِيقَةِ وتَقْبِيحُها. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿أئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾ قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: أئِفْكًا مَفْعُولٌ لَهُ تَقْدِيرُهُ أتُرِيدُونَ آلِهَةً مِن دُونِهِ إفْكًا، وإنَّما قَدَّمَ المَفْعُولَ عَلى الفِعْلِ لِلْعِنايَةِ وقَدَّمَ المَفْعُولَ لَهُ عَلى المَفْعُولِ بِهِ؛ لِأنَّهُ كانَ الأهَمُّ عِنْدَهُ أنْ يُقَرِّرَ عِنْدَهم بِأنَّهم عَلى إفْكٍ وباطِلٍ في شِرْكِهِمْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ إفْكًا مَفْعُولًا بِهِ يَعْنِي أتُرِيدُونَ إفْكًا، ثُمَّ فَسَّرَ الإفْكَ بِقَوْلِهِ: ﴿آلِهَةً دُونَ اللَّهِ﴾ عَلى أنَّها إفْكٌ في أنْفُسِها، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا بِمَعْنى تُرِيدُونَ آلِهَةً مِن دُونِ اللَّهِ آفِكِينَ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿فَما ظَنُّكم بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أتَظُنُّونَ بِرَبِّ العالَمِينَ أنَّهُ يَجُوزُ جَعْلُ هَذِهِ الجَماداتِ مُشارِكَةً لَهُ في المَعْبُودِيَّةِ. وثانِيها: أتَظُنُّونَ بِرَبِّ العالَمِينَ أنَّهُ مِن جِنْسِ هَذِهِ الأجْسامِ حَتّى جَعَلْتُمُوها مُساوِيَةً لَهُ في المَعْبُودِيَّةِ فَنَبَّهَهم بِذَلِكَ عَلى أنَّهُ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً في النُّجُومِ﴾ ﴿فَقالَ إنِّي سَقِيمٌ﴾ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهم كانُوا يَتَعاطَوْنَ عِلْمَ النُّجُومِ فَعامَلَهم عَلى مُقْتَضى عادَتِهِمْ، وذَلِكَ أنَّهُ أرادَ أنْ يُكايِدَهم في أصْنامِهِمْ لِيُلْزِمَهُمُ الحُجَّةَ في أنَّها غَيْرُ مَعْبُودَةٍ، وكانَ لَهم مِنَ الغَدِ يَوْمُ عِيدٍ يَخْرُجُونَ إلَيْهِ فَأرادَ أنْ يَتَخَلَّفَ عَنْهم لِيَبْقى خالِيًا في بَيْتِ الأصْنامِ، فَيَقْدِرُ عَلى كَسْرِها. وهَهُنا سُؤالانِ: الأوَّلُ: أنَّ النَّظَرَ في عِلْمِ النُّجُومِ غَيْرُ جائِزٍ فَكَيْفَ أقْدَمَ عَلَيْهِ إبْراهِيمُ ؟ والثّانِي: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ما كانَ سَقِيمًا فَلَمّا قالَ إنِّي سَقِيمٌ كانَ ذَلِكَ كَذِبًا ؟ واعْلَمْ أنَّ العُلَماءَ ذَكَرُوا في الجَوابِ عَنْهُما وُجُوهًا كَثِيرَةً: الأوَّلُ: أنَّهُ نَظَرَ نَظْرَةً في النُّجُومِ في أوْقاتِ اللَّيْلِ والنَّهارِ وكانَتْ تَأْتِيهِ سَقامَةٌ كالحُمّى في بَعْضِ ساعاتِ اللَّيْلِ والنَّهارِ، فَنَظَرَ لِيَعْرِفَ هَلْ هي في تِلْكَ السّاعَةِ وقالَ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ فَجَعَلَهُ عُذْرًا في تَخَلُّفِهِ عَنِ العِيدِ الَّذِي لَهم وكانَ صادِقًا فِيما قالَ؛ لِأنَّ السُّقْمَ كانَ يَأْتِيهِ في ذَلِكَ الوَقْتِ، وإنَّما تَخَلَّفَ لِأجْلِ تَكْسِيرِ أصْنامِهِمْ. الوَجْهُ الثّانِي في الجَوابِ: أنَّ قَوْمَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانُوا أصْحابَ النُّجُومِ يُعَظِّمُونَها ويَقْضُونَ بِها عَلى غائِبِ الأُمُورِ، فَلِذَلِكَ نَظَرَ إبْراهِيمُ في النُّجُومِ أيْ: في عُلُومِ النُّجُومِ وفي مَعانِيهِ لا أنَّهُ نَظَرَ بِعَيْنِهِ إلَيْها، وهو كَما يُقالُ: فُلانٌ نَظَرَ في الفِقْهِ وفي النَّحْوِ وإنَّما أرادَ أنْ يُوهِمَهم أنَّهُ يَعْلَمُ ما يَعْلَمُونَ ويَتَعَرَّفُ مِن حَيْثُ يَتَعَرَّفُونَ حَتّى إذا قالَ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ سَكَنُوا إلى قَوْلِهِ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ فَمَعْناهُ سَأُسْقَمُ كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّكَ مَيِّتٌ﴾ [الزمر: ٣٠] أيْ: سَتَمُوتُ. الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً في النُّجُومِ﴾ هو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَبًا﴾ [الأنعام: ٧٦] إلى آخِرِ الآياتِ وكانَ ذَلِكَ النَّظَرُ لِأجْلِ أنْ يَتَعَرَّفَ أحْوالَ هَذِهِ الكَواكِبِ هَلْ هي قَدِيمَةٌ أوْ مُحْدَثَةٌ، وقَوْلُهُ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ يَعْنِي صفحة ١٢٩ سَقِيمَ القَلْبِ غَيْرَ عارِفٍ بِرَبِّي، وكانَ ذَلِكَ قَبْلَ البُلُوغِ. الوَجْهُ الرّابِعُ: قالَ ابْنُ زَيْدٍ كانَ لَهُ نَجْمٌ مَخْصُوصٌ، وكُلَّما طَلَعَ عَلى صِفَةٍ مَخْصُوصَةٍ مَرِضَ إبْراهِيمُ، ولِأجْلِ هَذا الِاسْتِقْراءِ لَمّا رَآهُ في ذَلِكَ الوَقْتِ طالِعًا عَلى تِلْكَ الصِّفَةِ المَخْصُوصَةِ قالَ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ أيْ هَذا السَّقَمُ واقِعٌ لا مَحالَةَ. الوَجْهُ الخامِسُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ أيْ: مَرِيضُ القَلْبِ بِسَبَبِ إطْباقِ ذَلِكَ الجَمْعِ العَظِيمِ عَلى الكُفْرِ والشِّرْكِ، قالَ تَعالى لِمُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ﴾ [الشعراء: ٣] . الوَجْهُ السّادِسُ: في الجَوابِ أنا لا نُسَلِّمُ أنَّ النَّظَرَ في عِلْمِ النُّجُومِ والِاسْتِدْلالِ بِمُقايَسَتِها حَرامٌ؛ لِأنَّ مَنِ اعْتَقَدَ أنَّ اللَّهَ تَعالى خَصَّ كُلَّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الكَواكِبِ بِقُوَّةٍ وبِخاصِّيَّةٍ لِأجْلِها يَظْهَرُ مِنهُ أثَرٌ مَخْصُوصٌ، فَهَذا العِلْمُ عَلى هَذا الوَجْهِ لَيْسَ بِباطِلٍ. وأمّا الكَذِبُ فَغَيْرُ لازِمٍ؛ لِأنَّهُ ذَكَرَ قَوْلَهُ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ عَلى سَبِيلِ التَّعْرِيضِ، بِمَعْنى أنَّ الإنْسانَ لا يَنْفَكُّ في أكْثَرِ أحْوالِهِ عَنْ حُصُولِ حالَةٍ مَكْرُوهَةٍ، إمّا في بَدَنِهِ وإمّا في قَلْبِهِ وكُلُّ ذَلِكَ سَقَمٌ. الوَجْهُ السّابِعُ: قالَ بَعْضُهم: ذَلِكَ القَوْلُ عَنْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كِذْبَةٌ ورَوَوْا فِيهِ حَدِيثًا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «ما كَذَبَ إبْراهِيمُ إلّا ثَلاثَ كَذَباتٍ» قُلْتُ لِبَعْضِهِمْ: هَذا الحَدِيثُ لا يَنْبَغِي أنْ يُقْبَلَ؛ لِأنَّ نِسْبَةَ الكَذِبِ إلى إبْراهِيمَ لا تَجُوزُ، فَقالَ ذَلِكَ الرَّجُلُ: فَكَيْفَ يُحْكَمُ بِكَذِبِ الرُّواةِ العُدُولِ ؟ فَقُلْتُ: لَمّا وقَعَ التَّعارُضُ بَيْنَ نِسْبَةِ الكَذِبِ إلى الرّاوِي وبَيْنَ نِسْبَتِهِ إلى الخَلِيلِ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مِنَ المَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ أنَّ نِسْبَتَهُ إلى الرّاوِي أوْلى، ثُمَّ نَقُولُ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِكَوْنِهِ كَذِبًا خَبَرًا شَبِيهًا بِالكَذِبِ ؟ . والوَجْهُ الثّامِنُ: أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً في النُّجُومِ﴾ أيْ نَظَرَ في نُجُومِ كَلامِهِمْ ومُتَفَرِّقاتِ أقْوالِهِمْ، فَإنَّ الأشْياءَ الَّتِي تَحْدُثُ قِطْعَةً قِطْعَةً، يُقالُ: إنَّها مُنَجَّمَةٌ أيْ مُتَفَرِّقَةٌ ومِنهُ نُجُومُ الكِتابَةِ، والمَعْنى أنَّهُ لَمّا سَمِعَ كَلِماتِهِمُ المُتَفَرِّقَةَ نَظَرَ فِيها كَيْ يَسْتَخْرِجَ مِنها حِيلَةً يَقْدِرُ بِها عَلى إقامَةِ عُذْرٍ لِنَفْسِهِ في التَّخَلُّفِ عَنْهم فَلَمْ يَجِدْ عُذْرًا أحْسَنَ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ والمُرادُ أنَّهُ لا بُدَّ مِن أنْ أصِيرَ سَقِيمًا كَما تَقُولُ لِمَن رَأيْتَهُ عَلى أوْقاتِ السَّفَرِ: إنَّكَ مُسافِرٌ. واعْلَمْ أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا قالَ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ تَوَلَّوْا عَنْهُ مُعْرِضِينَ فَتَرَكُوهُ وعَذَرُوهُ في أنْ لا يَخْرُجَ اليَوْمَ فَكانَ ذَلِكَ مُرادَهُ. ﴿فَراغَ إلى آلِهَتِهِمْ﴾ يُقالُ: راغَ إلَيْهِ إذا مالَ إلَيْهِ في السِّرِّ عَلى سَبِيلِ الخُفْيَةِ، ومِنهُ رَوَغانُ الثَّعْلَبِ. وقَوْلُهُ: ﴿ألا تَأْكُلُونَ﴾ يَعْنِي الطَّعامَ الَّذِي كانَ بَيْنَ أيْدِيهِمْ، وإنَّما قالَ ذَلِكَ اسْتِهْزاءً بِها، وكَذا قَوْلُهُ: ﴿ما لَكم لا تَنْطِقُونَ﴾ ﴿فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا﴾ فَأقْبَلَ عَلَيْهِمْ مُسْتَخْفِيًا كَأنَّهُ قالَ: فَضَرَبَهم ضَرْبًا؛ لِأنَّ: راغَ عَلَيْهِمْ في مَعْنى ضَرَبَهم أوْ فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِمَعْنى ضارِبًا. وفي قَوْلِهِ: ﴿بِاليَمِينِ﴾ قَوْلانِ: الأوَّلُ: مَعْناهُ بِالقُوَّةِ والشِّدَّةِ؛ لِأنَّ اليَمِينَ أقْوى الجارِحَتَيْنِ. والثّانِي: أنَّهُ أتى بِذَلِكَ الفِعْلِ بِسَبَبِ الحَلِفِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى عَنْهُ: ﴿تاللَّهِ لَأكِيدَنَّ أصْنامَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٥٧] ثُمَّ قالَ: ﴿فَأقْبَلُوا إلَيْهِ يَزِفُّونَ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ: ”يُزِفُّونَ“ بِضَمِّ الياءِ والباقُونَ بِفَتْحِها وهُما لُغَتانِ، قالَ ابْنُ عَرَفَةَ: مَن قَرَأ بِالنَّصْبِ فَهو مِن زَفَّ يَزِفُّ، ومَن قَرَأ بِالضَّمِّ فَهو مِن أزَفَّ يُزِفُّ، قالَ الزَّجّاجُ: يَزِفُّونَ يُسْرِعُونَ وأصْلُهُ مِن زَفِيفِ النَّعامَةِ وهو ابْتِداءُ عَدْوِها، وقَرَأ حَمْزَةُ: ”يُزِفُّونَ“ أيْ يَحْمِلُونَ غَيْرَهم عَلى الزَّفِيفِ، قالَ الأصْمَعِيُّ: يُقالُ: أزْفَفْتُ الإبِلَ إذا حَمَلْتَها عَلى أنْ تَزِفَّ، قالَ: وهو سُرْعَةُ الخُطْوَةِ ومُقارَبَةُ المَشْيِ، والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ عَلى قِراءَتِهِ كَأنَّهم حَمَلُوا دَوابَّهم عَلى الإسْراعِ في المَشْيِ، فَإنْ قِيلَ: مُقْتَضى هَذِهِ الآيَةِ أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا كَسَرَها عَدَوْا إلَيْهِ وأخَذُوهُ، وقالَ في سُورَةٍ أُخْرى في عَيْنِ هَذِهِ القِصَّةِ: ﴿قالُوا مَن فَعَلَ هَذا بِآلِهَتِنا إنَّهُ لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ ﴿قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهم يُقالُ لَهُ إبْراهِيمُ﴾ [الأنبياء: ٦٠] وهَذا يَقْتَضِي أنَّهم في أوَّلِ الأمْرِ ما عَرَفُوهُ فَبَيْنَ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ تَناقُضٌ ؟ قُلْنا: لا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: إنَّ جَماعَةً عَرَفُوهُ فَعَمَدُوا إلَيْهِ مُسْرِعِينَ والأكْثَرُونَ ما عَرَفُوهُ، فَتَعَرَّفُوا أنَّ ذَلِكَ الكاسِرَ مَن هو، واللَّهُ أعْلَمُ.

الصافات 37:97

القِصَّةُ الثّانِيَةُ قِصَّةُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿وإنَّ مِن شِيعَتِهِ لَإبْراهِيمَ﴾ ﴿إذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ ﴿إذْ قالَ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ ماذا تَعْبُدُونَ﴾ ﴿أئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾ ﴿فَما ظَنُّكم بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً في النُّجُومِ﴾ ﴿فَقالَ إنِّي سَقِيمٌ﴾ ﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ﴾ ﴿فَراغَ إلى آلِهَتِهِمْ فَقالَ ألا تَأْكُلُونَ﴾ ﴿ما لَكم لا تَنْطِقُونَ﴾ ﴿فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِاليَمِينِ﴾ ﴿فَأقْبَلُوا إلَيْهِ يَزِفُّونَ﴾ في الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ مِن شِيعَتِهِ إلى ماذا يَعُودُ ؟ فِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: وهو الأظْهَرُ أنَّهُ عائِدٌ إلى نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، أيْ: مِن شِيعَةِ نُوحٍ، أيْ مِن أهْلِ بَيْتِهِ وعَلى دِينِهِ ومِنهاجِهِ لَإبْراهِيمَ، قالُوا: وما كانَ بَيْنَ نُوحٍ وإبْراهِيمَ إلّا نَبِيّانِ هُودٌ وصالِحٌ، ورَوى صاحِبُ الكَشّافِ: إنَّهُ كانَ بَيْنَ نُوحٍ وإبْراهِيمَ ألْفانِ وسِتُّمِائَةٍ وأرْبَعُونَ سَنَةً. الثّانِي: قالَ الكَلْبِيُّ: المُرادُ مِن شِيعَةِ مُحَمَّدٍ لَإبْراهِيمَ بِمَعْنى أنَّهُ كانَ عَلى دِينِهِ ومِنهاجِهِ فَهو مِن شِيعَتِهِ وإنْ كانَ سابِقًا لَهُ، والأوَّلُ أظْهَرُ؛ لِأنَّهُ تَقَدَّمَ ذِكْرُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، ولَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرُ النَّبِيِّ ﷺ فَعَوْدُ الضَّمِيرِ إلى نُوحٍ أوْلى. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: العامِلُ في ”إذْ“ ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿وإنَّ مِن شِيعَتِهِ﴾ مِن مَعْنى المُشايَعَةِ يَعْنِي وإنَّ مِمَّنْ شايَعَهُ عَلى دِينِهِ وتَقْواهُ حِينَ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ لَإبْراهِيمَ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿إذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: في قَوْلِهِ: ﴿بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ قَوْلانِ: الأوَّلُ: قالَ مُقاتِلٌ والكَلْبِيُّ: يَعْنِي: خالِصٌ مِنَ الشَّرَكِ، والمَعْنى أنَّهُ سَلِمَ مِنَ الشِّرْكِ فَلَمْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ. والثّانِي: قالَ الأُصُولِيُّونَ: المُرادُ أنَّهُ عاشَ وماتَ عَلى طَهارَةِ القَلْبِ مِن كُلِّ دَنَسٍ مِنَ المَعاصِي، فَيَدْخُلُ فِيهِ كَوْنُهُ سَلِيمًا عَنِ الشِّرْكِ وعَنِ الشَّكِّ وعَنِ الغِلِّ والغِشِّ والحِقْدِ والحَسَدِ. عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّهُ كانَ يُحِبُّ لِلنّاسِ ما يُحِبُّ لِنَفْسِهِ، وسَلِمَ جَمِيعُ النّاسِ مِن غِشِّهِ وظُلْمِهِ وأسْلَمَهُ اللَّهُ تَعالى فَلَمْ يَعْدِلْ بِهِ أحَدًا، واحْتَجَّ الذّاهِبُونَ إلى القَوْلِ الأوَّلِ بِأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ بَعْدَ هَذِهِ الكَلِمَةِ إنْكارَهُ عَلى قَوْمِهِ الشِّرْكَ بِاللَّهِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿إذْ قالَ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ ماذا تَعْبُدُونَ﴾ واحْتَجَّ الذّاهِبُونَ إلى القَوْلِ الثّانِي بِأنَّ اللَّفْظَ مُطْلَقٌ فَلا يُقَيَّدُ بِصِفَةٍ دُونَ صِفَةٍ، ويَتَأكَّدُ هَذا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا إبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وكُنّا بِهِ عالِمِينَ﴾ . صفحة ١٢٨ [الأنبياء: ٥١] مَعَ أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤] وقالَ: ﴿وكَذَلِكَ نُرِي إبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ ولِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ﴾ [الأنعام: ٧٥] فَإنْ قِيلَ: ما مَعْنى المَجِيءِ بِقَلْبِهِ رَبَّهُ ؟ قُلْنا: مَعْناهُ أنَّهُ أخْلَصَ لِلَّهِ قَلْبَهُ، فَكَأنَّهُ أتْحَفَ حَضْرَةَ اللَّهِ بِذَلِكَ القَلْبِ، ورَأيْتُ في التَّوْراةِ أنَّ اللَّهَ قالَ لِمُوسى: أجِبْ إلَهَكَ بِكُلِّ قَلْبِكَ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أنَّ إبْراهِيمَ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ذَكَرَ أنَّ مِن جُمْلَةِ آثارِ تِلْكَ السَّلامَةِ أنْ دَعا أباهُ وقَوْمَهُ إلى التَّوْحِيدِ فَقالَ: ﴿إذْ قالَ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ ماذا تَعْبُدُونَ﴾ والمَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ تَهْجِينُ تِلْكَ الطَّرِيقَةِ وتَقْبِيحُها. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿أئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾ قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: أئِفْكًا مَفْعُولٌ لَهُ تَقْدِيرُهُ أتُرِيدُونَ آلِهَةً مِن دُونِهِ إفْكًا، وإنَّما قَدَّمَ المَفْعُولَ عَلى الفِعْلِ لِلْعِنايَةِ وقَدَّمَ المَفْعُولَ لَهُ عَلى المَفْعُولِ بِهِ؛ لِأنَّهُ كانَ الأهَمُّ عِنْدَهُ أنْ يُقَرِّرَ عِنْدَهم بِأنَّهم عَلى إفْكٍ وباطِلٍ في شِرْكِهِمْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ إفْكًا مَفْعُولًا بِهِ يَعْنِي أتُرِيدُونَ إفْكًا، ثُمَّ فَسَّرَ الإفْكَ بِقَوْلِهِ: ﴿آلِهَةً دُونَ اللَّهِ﴾ عَلى أنَّها إفْكٌ في أنْفُسِها، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا بِمَعْنى تُرِيدُونَ آلِهَةً مِن دُونِ اللَّهِ آفِكِينَ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿فَما ظَنُّكم بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أتَظُنُّونَ بِرَبِّ العالَمِينَ أنَّهُ يَجُوزُ جَعْلُ هَذِهِ الجَماداتِ مُشارِكَةً لَهُ في المَعْبُودِيَّةِ. وثانِيها: أتَظُنُّونَ بِرَبِّ العالَمِينَ أنَّهُ مِن جِنْسِ هَذِهِ الأجْسامِ حَتّى جَعَلْتُمُوها مُساوِيَةً لَهُ في المَعْبُودِيَّةِ فَنَبَّهَهم بِذَلِكَ عَلى أنَّهُ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً في النُّجُومِ﴾ ﴿فَقالَ إنِّي سَقِيمٌ﴾ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهم كانُوا يَتَعاطَوْنَ عِلْمَ النُّجُومِ فَعامَلَهم عَلى مُقْتَضى عادَتِهِمْ، وذَلِكَ أنَّهُ أرادَ أنْ يُكايِدَهم في أصْنامِهِمْ لِيُلْزِمَهُمُ الحُجَّةَ في أنَّها غَيْرُ مَعْبُودَةٍ، وكانَ لَهم مِنَ الغَدِ يَوْمُ عِيدٍ يَخْرُجُونَ إلَيْهِ فَأرادَ أنْ يَتَخَلَّفَ عَنْهم لِيَبْقى خالِيًا في بَيْتِ الأصْنامِ، فَيَقْدِرُ عَلى كَسْرِها. وهَهُنا سُؤالانِ: الأوَّلُ: أنَّ النَّظَرَ في عِلْمِ النُّجُومِ غَيْرُ جائِزٍ فَكَيْفَ أقْدَمَ عَلَيْهِ إبْراهِيمُ ؟ والثّانِي: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ما كانَ سَقِيمًا فَلَمّا قالَ إنِّي سَقِيمٌ كانَ ذَلِكَ كَذِبًا ؟ واعْلَمْ أنَّ العُلَماءَ ذَكَرُوا في الجَوابِ عَنْهُما وُجُوهًا كَثِيرَةً: الأوَّلُ: أنَّهُ نَظَرَ نَظْرَةً في النُّجُومِ في أوْقاتِ اللَّيْلِ والنَّهارِ وكانَتْ تَأْتِيهِ سَقامَةٌ كالحُمّى في بَعْضِ ساعاتِ اللَّيْلِ والنَّهارِ، فَنَظَرَ لِيَعْرِفَ هَلْ هي في تِلْكَ السّاعَةِ وقالَ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ فَجَعَلَهُ عُذْرًا في تَخَلُّفِهِ عَنِ العِيدِ الَّذِي لَهم وكانَ صادِقًا فِيما قالَ؛ لِأنَّ السُّقْمَ كانَ يَأْتِيهِ في ذَلِكَ الوَقْتِ، وإنَّما تَخَلَّفَ لِأجْلِ تَكْسِيرِ أصْنامِهِمْ. الوَجْهُ الثّانِي في الجَوابِ: أنَّ قَوْمَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانُوا أصْحابَ النُّجُومِ يُعَظِّمُونَها ويَقْضُونَ بِها عَلى غائِبِ الأُمُورِ، فَلِذَلِكَ نَظَرَ إبْراهِيمُ في النُّجُومِ أيْ: في عُلُومِ النُّجُومِ وفي مَعانِيهِ لا أنَّهُ نَظَرَ بِعَيْنِهِ إلَيْها، وهو كَما يُقالُ: فُلانٌ نَظَرَ في الفِقْهِ وفي النَّحْوِ وإنَّما أرادَ أنْ يُوهِمَهم أنَّهُ يَعْلَمُ ما يَعْلَمُونَ ويَتَعَرَّفُ مِن حَيْثُ يَتَعَرَّفُونَ حَتّى إذا قالَ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ سَكَنُوا إلى قَوْلِهِ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ فَمَعْناهُ سَأُسْقَمُ كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّكَ مَيِّتٌ﴾ [الزمر: ٣٠] أيْ: سَتَمُوتُ. الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً في النُّجُومِ﴾ هو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَبًا﴾ [الأنعام: ٧٦] إلى آخِرِ الآياتِ وكانَ ذَلِكَ النَّظَرُ لِأجْلِ أنْ يَتَعَرَّفَ أحْوالَ هَذِهِ الكَواكِبِ هَلْ هي قَدِيمَةٌ أوْ مُحْدَثَةٌ، وقَوْلُهُ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ يَعْنِي صفحة ١٢٩ سَقِيمَ القَلْبِ غَيْرَ عارِفٍ بِرَبِّي، وكانَ ذَلِكَ قَبْلَ البُلُوغِ. الوَجْهُ الرّابِعُ: قالَ ابْنُ زَيْدٍ كانَ لَهُ نَجْمٌ مَخْصُوصٌ، وكُلَّما طَلَعَ عَلى صِفَةٍ مَخْصُوصَةٍ مَرِضَ إبْراهِيمُ، ولِأجْلِ هَذا الِاسْتِقْراءِ لَمّا رَآهُ في ذَلِكَ الوَقْتِ طالِعًا عَلى تِلْكَ الصِّفَةِ المَخْصُوصَةِ قالَ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ أيْ هَذا السَّقَمُ واقِعٌ لا مَحالَةَ. الوَجْهُ الخامِسُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ أيْ: مَرِيضُ القَلْبِ بِسَبَبِ إطْباقِ ذَلِكَ الجَمْعِ العَظِيمِ عَلى الكُفْرِ والشِّرْكِ، قالَ تَعالى لِمُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ﴾ [الشعراء: ٣] . الوَجْهُ السّادِسُ: في الجَوابِ أنا لا نُسَلِّمُ أنَّ النَّظَرَ في عِلْمِ النُّجُومِ والِاسْتِدْلالِ بِمُقايَسَتِها حَرامٌ؛ لِأنَّ مَنِ اعْتَقَدَ أنَّ اللَّهَ تَعالى خَصَّ كُلَّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الكَواكِبِ بِقُوَّةٍ وبِخاصِّيَّةٍ لِأجْلِها يَظْهَرُ مِنهُ أثَرٌ مَخْصُوصٌ، فَهَذا العِلْمُ عَلى هَذا الوَجْهِ لَيْسَ بِباطِلٍ. وأمّا الكَذِبُ فَغَيْرُ لازِمٍ؛ لِأنَّهُ ذَكَرَ قَوْلَهُ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ عَلى سَبِيلِ التَّعْرِيضِ، بِمَعْنى أنَّ الإنْسانَ لا يَنْفَكُّ في أكْثَرِ أحْوالِهِ عَنْ حُصُولِ حالَةٍ مَكْرُوهَةٍ، إمّا في بَدَنِهِ وإمّا في قَلْبِهِ وكُلُّ ذَلِكَ سَقَمٌ. الوَجْهُ السّابِعُ: قالَ بَعْضُهم: ذَلِكَ القَوْلُ عَنْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كِذْبَةٌ ورَوَوْا فِيهِ حَدِيثًا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «ما كَذَبَ إبْراهِيمُ إلّا ثَلاثَ كَذَباتٍ» قُلْتُ لِبَعْضِهِمْ: هَذا الحَدِيثُ لا يَنْبَغِي أنْ يُقْبَلَ؛ لِأنَّ نِسْبَةَ الكَذِبِ إلى إبْراهِيمَ لا تَجُوزُ، فَقالَ ذَلِكَ الرَّجُلُ: فَكَيْفَ يُحْكَمُ بِكَذِبِ الرُّواةِ العُدُولِ ؟ فَقُلْتُ: لَمّا وقَعَ التَّعارُضُ بَيْنَ نِسْبَةِ الكَذِبِ إلى الرّاوِي وبَيْنَ نِسْبَتِهِ إلى الخَلِيلِ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مِنَ المَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ أنَّ نِسْبَتَهُ إلى الرّاوِي أوْلى، ثُمَّ نَقُولُ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِكَوْنِهِ كَذِبًا خَبَرًا شَبِيهًا بِالكَذِبِ ؟ . والوَجْهُ الثّامِنُ: أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً في النُّجُومِ﴾ أيْ نَظَرَ في نُجُومِ كَلامِهِمْ ومُتَفَرِّقاتِ أقْوالِهِمْ، فَإنَّ الأشْياءَ الَّتِي تَحْدُثُ قِطْعَةً قِطْعَةً، يُقالُ: إنَّها مُنَجَّمَةٌ أيْ مُتَفَرِّقَةٌ ومِنهُ نُجُومُ الكِتابَةِ، والمَعْنى أنَّهُ لَمّا سَمِعَ كَلِماتِهِمُ المُتَفَرِّقَةَ نَظَرَ فِيها كَيْ يَسْتَخْرِجَ مِنها حِيلَةً يَقْدِرُ بِها عَلى إقامَةِ عُذْرٍ لِنَفْسِهِ في التَّخَلُّفِ عَنْهم فَلَمْ يَجِدْ عُذْرًا أحْسَنَ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ والمُرادُ أنَّهُ لا بُدَّ مِن أنْ أصِيرَ سَقِيمًا كَما تَقُولُ لِمَن رَأيْتَهُ عَلى أوْقاتِ السَّفَرِ: إنَّكَ مُسافِرٌ. واعْلَمْ أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا قالَ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ تَوَلَّوْا عَنْهُ مُعْرِضِينَ فَتَرَكُوهُ وعَذَرُوهُ في أنْ لا يَخْرُجَ اليَوْمَ فَكانَ ذَلِكَ مُرادَهُ. ﴿فَراغَ إلى آلِهَتِهِمْ﴾ يُقالُ: راغَ إلَيْهِ إذا مالَ إلَيْهِ في السِّرِّ عَلى سَبِيلِ الخُفْيَةِ، ومِنهُ رَوَغانُ الثَّعْلَبِ. وقَوْلُهُ: ﴿ألا تَأْكُلُونَ﴾ يَعْنِي الطَّعامَ الَّذِي كانَ بَيْنَ أيْدِيهِمْ، وإنَّما قالَ ذَلِكَ اسْتِهْزاءً بِها، وكَذا قَوْلُهُ: ﴿ما لَكم لا تَنْطِقُونَ﴾ ﴿فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا﴾ فَأقْبَلَ عَلَيْهِمْ مُسْتَخْفِيًا كَأنَّهُ قالَ: فَضَرَبَهم ضَرْبًا؛ لِأنَّ: راغَ عَلَيْهِمْ في مَعْنى ضَرَبَهم أوْ فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِمَعْنى ضارِبًا. وفي قَوْلِهِ: ﴿بِاليَمِينِ﴾ قَوْلانِ: الأوَّلُ: مَعْناهُ بِالقُوَّةِ والشِّدَّةِ؛ لِأنَّ اليَمِينَ أقْوى الجارِحَتَيْنِ. والثّانِي: أنَّهُ أتى بِذَلِكَ الفِعْلِ بِسَبَبِ الحَلِفِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى عَنْهُ: ﴿تاللَّهِ لَأكِيدَنَّ أصْنامَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٥٧] ثُمَّ قالَ: ﴿فَأقْبَلُوا إلَيْهِ يَزِفُّونَ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ: ”يُزِفُّونَ“ بِضَمِّ الياءِ والباقُونَ بِفَتْحِها وهُما لُغَتانِ، قالَ ابْنُ عَرَفَةَ: مَن قَرَأ بِالنَّصْبِ فَهو مِن زَفَّ يَزِفُّ، ومَن قَرَأ بِالضَّمِّ فَهو مِن أزَفَّ يُزِفُّ، قالَ الزَّجّاجُ: يَزِفُّونَ يُسْرِعُونَ وأصْلُهُ مِن زَفِيفِ النَّعامَةِ وهو ابْتِداءُ عَدْوِها، وقَرَأ حَمْزَةُ: ”يُزِفُّونَ“ أيْ يَحْمِلُونَ غَيْرَهم عَلى الزَّفِيفِ، قالَ الأصْمَعِيُّ: يُقالُ: أزْفَفْتُ الإبِلَ إذا حَمَلْتَها عَلى أنْ تَزِفَّ، قالَ: وهو سُرْعَةُ الخُطْوَةِ ومُقارَبَةُ المَشْيِ، والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ عَلى قِراءَتِهِ كَأنَّهم حَمَلُوا دَوابَّهم عَلى الإسْراعِ في المَشْيِ، فَإنْ قِيلَ: مُقْتَضى هَذِهِ الآيَةِ أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا كَسَرَها عَدَوْا إلَيْهِ وأخَذُوهُ، وقالَ في سُورَةٍ أُخْرى في عَيْنِ هَذِهِ القِصَّةِ: ﴿قالُوا مَن فَعَلَ هَذا بِآلِهَتِنا إنَّهُ لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ ﴿قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهم يُقالُ لَهُ إبْراهِيمُ﴾ [الأنبياء: ٦٠] وهَذا يَقْتَضِي أنَّهم في أوَّلِ الأمْرِ ما عَرَفُوهُ فَبَيْنَ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ تَناقُضٌ ؟ قُلْنا: لا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: إنَّ جَماعَةً عَرَفُوهُ فَعَمَدُوا إلَيْهِ مُسْرِعِينَ والأكْثَرُونَ ما عَرَفُوهُ، فَتَعَرَّفُوا أنَّ ذَلِكَ الكاسِرَ مَن هو، واللَّهُ أعْلَمُ.

الصافات 37:98

القِصَّةُ الثّانِيَةُ قِصَّةُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿وإنَّ مِن شِيعَتِهِ لَإبْراهِيمَ﴾ ﴿إذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ ﴿إذْ قالَ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ ماذا تَعْبُدُونَ﴾ ﴿أئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾ ﴿فَما ظَنُّكم بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً في النُّجُومِ﴾ ﴿فَقالَ إنِّي سَقِيمٌ﴾ ﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ﴾ ﴿فَراغَ إلى آلِهَتِهِمْ فَقالَ ألا تَأْكُلُونَ﴾ ﴿ما لَكم لا تَنْطِقُونَ﴾ ﴿فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِاليَمِينِ﴾ ﴿فَأقْبَلُوا إلَيْهِ يَزِفُّونَ﴾ في الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ مِن شِيعَتِهِ إلى ماذا يَعُودُ ؟ فِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: وهو الأظْهَرُ أنَّهُ عائِدٌ إلى نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، أيْ: مِن شِيعَةِ نُوحٍ، أيْ مِن أهْلِ بَيْتِهِ وعَلى دِينِهِ ومِنهاجِهِ لَإبْراهِيمَ، قالُوا: وما كانَ بَيْنَ نُوحٍ وإبْراهِيمَ إلّا نَبِيّانِ هُودٌ وصالِحٌ، ورَوى صاحِبُ الكَشّافِ: إنَّهُ كانَ بَيْنَ نُوحٍ وإبْراهِيمَ ألْفانِ وسِتُّمِائَةٍ وأرْبَعُونَ سَنَةً. الثّانِي: قالَ الكَلْبِيُّ: المُرادُ مِن شِيعَةِ مُحَمَّدٍ لَإبْراهِيمَ بِمَعْنى أنَّهُ كانَ عَلى دِينِهِ ومِنهاجِهِ فَهو مِن شِيعَتِهِ وإنْ كانَ سابِقًا لَهُ، والأوَّلُ أظْهَرُ؛ لِأنَّهُ تَقَدَّمَ ذِكْرُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، ولَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرُ النَّبِيِّ ﷺ فَعَوْدُ الضَّمِيرِ إلى نُوحٍ أوْلى. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: العامِلُ في ”إذْ“ ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿وإنَّ مِن شِيعَتِهِ﴾ مِن مَعْنى المُشايَعَةِ يَعْنِي وإنَّ مِمَّنْ شايَعَهُ عَلى دِينِهِ وتَقْواهُ حِينَ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ لَإبْراهِيمَ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿إذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: في قَوْلِهِ: ﴿بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ قَوْلانِ: الأوَّلُ: قالَ مُقاتِلٌ والكَلْبِيُّ: يَعْنِي: خالِصٌ مِنَ الشَّرَكِ، والمَعْنى أنَّهُ سَلِمَ مِنَ الشِّرْكِ فَلَمْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ. والثّانِي: قالَ الأُصُولِيُّونَ: المُرادُ أنَّهُ عاشَ وماتَ عَلى طَهارَةِ القَلْبِ مِن كُلِّ دَنَسٍ مِنَ المَعاصِي، فَيَدْخُلُ فِيهِ كَوْنُهُ سَلِيمًا عَنِ الشِّرْكِ وعَنِ الشَّكِّ وعَنِ الغِلِّ والغِشِّ والحِقْدِ والحَسَدِ. عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّهُ كانَ يُحِبُّ لِلنّاسِ ما يُحِبُّ لِنَفْسِهِ، وسَلِمَ جَمِيعُ النّاسِ مِن غِشِّهِ وظُلْمِهِ وأسْلَمَهُ اللَّهُ تَعالى فَلَمْ يَعْدِلْ بِهِ أحَدًا، واحْتَجَّ الذّاهِبُونَ إلى القَوْلِ الأوَّلِ بِأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ بَعْدَ هَذِهِ الكَلِمَةِ إنْكارَهُ عَلى قَوْمِهِ الشِّرْكَ بِاللَّهِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿إذْ قالَ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ ماذا تَعْبُدُونَ﴾ واحْتَجَّ الذّاهِبُونَ إلى القَوْلِ الثّانِي بِأنَّ اللَّفْظَ مُطْلَقٌ فَلا يُقَيَّدُ بِصِفَةٍ دُونَ صِفَةٍ، ويَتَأكَّدُ هَذا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا إبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وكُنّا بِهِ عالِمِينَ﴾ . صفحة ١٢٨ [الأنبياء: ٥١] مَعَ أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤] وقالَ: ﴿وكَذَلِكَ نُرِي إبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ ولِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ﴾ [الأنعام: ٧٥] فَإنْ قِيلَ: ما مَعْنى المَجِيءِ بِقَلْبِهِ رَبَّهُ ؟ قُلْنا: مَعْناهُ أنَّهُ أخْلَصَ لِلَّهِ قَلْبَهُ، فَكَأنَّهُ أتْحَفَ حَضْرَةَ اللَّهِ بِذَلِكَ القَلْبِ، ورَأيْتُ في التَّوْراةِ أنَّ اللَّهَ قالَ لِمُوسى: أجِبْ إلَهَكَ بِكُلِّ قَلْبِكَ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أنَّ إبْراهِيمَ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ذَكَرَ أنَّ مِن جُمْلَةِ آثارِ تِلْكَ السَّلامَةِ أنْ دَعا أباهُ وقَوْمَهُ إلى التَّوْحِيدِ فَقالَ: ﴿إذْ قالَ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ ماذا تَعْبُدُونَ﴾ والمَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ تَهْجِينُ تِلْكَ الطَّرِيقَةِ وتَقْبِيحُها. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿أئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾ قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: أئِفْكًا مَفْعُولٌ لَهُ تَقْدِيرُهُ أتُرِيدُونَ آلِهَةً مِن دُونِهِ إفْكًا، وإنَّما قَدَّمَ المَفْعُولَ عَلى الفِعْلِ لِلْعِنايَةِ وقَدَّمَ المَفْعُولَ لَهُ عَلى المَفْعُولِ بِهِ؛ لِأنَّهُ كانَ الأهَمُّ عِنْدَهُ أنْ يُقَرِّرَ عِنْدَهم بِأنَّهم عَلى إفْكٍ وباطِلٍ في شِرْكِهِمْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ إفْكًا مَفْعُولًا بِهِ يَعْنِي أتُرِيدُونَ إفْكًا، ثُمَّ فَسَّرَ الإفْكَ بِقَوْلِهِ: ﴿آلِهَةً دُونَ اللَّهِ﴾ عَلى أنَّها إفْكٌ في أنْفُسِها، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا بِمَعْنى تُرِيدُونَ آلِهَةً مِن دُونِ اللَّهِ آفِكِينَ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿فَما ظَنُّكم بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أتَظُنُّونَ بِرَبِّ العالَمِينَ أنَّهُ يَجُوزُ جَعْلُ هَذِهِ الجَماداتِ مُشارِكَةً لَهُ في المَعْبُودِيَّةِ. وثانِيها: أتَظُنُّونَ بِرَبِّ العالَمِينَ أنَّهُ مِن جِنْسِ هَذِهِ الأجْسامِ حَتّى جَعَلْتُمُوها مُساوِيَةً لَهُ في المَعْبُودِيَّةِ فَنَبَّهَهم بِذَلِكَ عَلى أنَّهُ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً في النُّجُومِ﴾ ﴿فَقالَ إنِّي سَقِيمٌ﴾ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهم كانُوا يَتَعاطَوْنَ عِلْمَ النُّجُومِ فَعامَلَهم عَلى مُقْتَضى عادَتِهِمْ، وذَلِكَ أنَّهُ أرادَ أنْ يُكايِدَهم في أصْنامِهِمْ لِيُلْزِمَهُمُ الحُجَّةَ في أنَّها غَيْرُ مَعْبُودَةٍ، وكانَ لَهم مِنَ الغَدِ يَوْمُ عِيدٍ يَخْرُجُونَ إلَيْهِ فَأرادَ أنْ يَتَخَلَّفَ عَنْهم لِيَبْقى خالِيًا في بَيْتِ الأصْنامِ، فَيَقْدِرُ عَلى كَسْرِها. وهَهُنا سُؤالانِ: الأوَّلُ: أنَّ النَّظَرَ في عِلْمِ النُّجُومِ غَيْرُ جائِزٍ فَكَيْفَ أقْدَمَ عَلَيْهِ إبْراهِيمُ ؟ والثّانِي: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ما كانَ سَقِيمًا فَلَمّا قالَ إنِّي سَقِيمٌ كانَ ذَلِكَ كَذِبًا ؟ واعْلَمْ أنَّ العُلَماءَ ذَكَرُوا في الجَوابِ عَنْهُما وُجُوهًا كَثِيرَةً: الأوَّلُ: أنَّهُ نَظَرَ نَظْرَةً في النُّجُومِ في أوْقاتِ اللَّيْلِ والنَّهارِ وكانَتْ تَأْتِيهِ سَقامَةٌ كالحُمّى في بَعْضِ ساعاتِ اللَّيْلِ والنَّهارِ، فَنَظَرَ لِيَعْرِفَ هَلْ هي في تِلْكَ السّاعَةِ وقالَ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ فَجَعَلَهُ عُذْرًا في تَخَلُّفِهِ عَنِ العِيدِ الَّذِي لَهم وكانَ صادِقًا فِيما قالَ؛ لِأنَّ السُّقْمَ كانَ يَأْتِيهِ في ذَلِكَ الوَقْتِ، وإنَّما تَخَلَّفَ لِأجْلِ تَكْسِيرِ أصْنامِهِمْ. الوَجْهُ الثّانِي في الجَوابِ: أنَّ قَوْمَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانُوا أصْحابَ النُّجُومِ يُعَظِّمُونَها ويَقْضُونَ بِها عَلى غائِبِ الأُمُورِ، فَلِذَلِكَ نَظَرَ إبْراهِيمُ في النُّجُومِ أيْ: في عُلُومِ النُّجُومِ وفي مَعانِيهِ لا أنَّهُ نَظَرَ بِعَيْنِهِ إلَيْها، وهو كَما يُقالُ: فُلانٌ نَظَرَ في الفِقْهِ وفي النَّحْوِ وإنَّما أرادَ أنْ يُوهِمَهم أنَّهُ يَعْلَمُ ما يَعْلَمُونَ ويَتَعَرَّفُ مِن حَيْثُ يَتَعَرَّفُونَ حَتّى إذا قالَ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ سَكَنُوا إلى قَوْلِهِ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ فَمَعْناهُ سَأُسْقَمُ كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّكَ مَيِّتٌ﴾ [الزمر: ٣٠] أيْ: سَتَمُوتُ. الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً في النُّجُومِ﴾ هو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَبًا﴾ [الأنعام: ٧٦] إلى آخِرِ الآياتِ وكانَ ذَلِكَ النَّظَرُ لِأجْلِ أنْ يَتَعَرَّفَ أحْوالَ هَذِهِ الكَواكِبِ هَلْ هي قَدِيمَةٌ أوْ مُحْدَثَةٌ، وقَوْلُهُ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ يَعْنِي صفحة ١٢٩ سَقِيمَ القَلْبِ غَيْرَ عارِفٍ بِرَبِّي، وكانَ ذَلِكَ قَبْلَ البُلُوغِ. الوَجْهُ الرّابِعُ: قالَ ابْنُ زَيْدٍ كانَ لَهُ نَجْمٌ مَخْصُوصٌ، وكُلَّما طَلَعَ عَلى صِفَةٍ مَخْصُوصَةٍ مَرِضَ إبْراهِيمُ، ولِأجْلِ هَذا الِاسْتِقْراءِ لَمّا رَآهُ في ذَلِكَ الوَقْتِ طالِعًا عَلى تِلْكَ الصِّفَةِ المَخْصُوصَةِ قالَ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ أيْ هَذا السَّقَمُ واقِعٌ لا مَحالَةَ. الوَجْهُ الخامِسُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ أيْ: مَرِيضُ القَلْبِ بِسَبَبِ إطْباقِ ذَلِكَ الجَمْعِ العَظِيمِ عَلى الكُفْرِ والشِّرْكِ، قالَ تَعالى لِمُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ﴾ [الشعراء: ٣] . الوَجْهُ السّادِسُ: في الجَوابِ أنا لا نُسَلِّمُ أنَّ النَّظَرَ في عِلْمِ النُّجُومِ والِاسْتِدْلالِ بِمُقايَسَتِها حَرامٌ؛ لِأنَّ مَنِ اعْتَقَدَ أنَّ اللَّهَ تَعالى خَصَّ كُلَّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الكَواكِبِ بِقُوَّةٍ وبِخاصِّيَّةٍ لِأجْلِها يَظْهَرُ مِنهُ أثَرٌ مَخْصُوصٌ، فَهَذا العِلْمُ عَلى هَذا الوَجْهِ لَيْسَ بِباطِلٍ. وأمّا الكَذِبُ فَغَيْرُ لازِمٍ؛ لِأنَّهُ ذَكَرَ قَوْلَهُ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ عَلى سَبِيلِ التَّعْرِيضِ، بِمَعْنى أنَّ الإنْسانَ لا يَنْفَكُّ في أكْثَرِ أحْوالِهِ عَنْ حُصُولِ حالَةٍ مَكْرُوهَةٍ، إمّا في بَدَنِهِ وإمّا في قَلْبِهِ وكُلُّ ذَلِكَ سَقَمٌ. الوَجْهُ السّابِعُ: قالَ بَعْضُهم: ذَلِكَ القَوْلُ عَنْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كِذْبَةٌ ورَوَوْا فِيهِ حَدِيثًا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «ما كَذَبَ إبْراهِيمُ إلّا ثَلاثَ كَذَباتٍ» قُلْتُ لِبَعْضِهِمْ: هَذا الحَدِيثُ لا يَنْبَغِي أنْ يُقْبَلَ؛ لِأنَّ نِسْبَةَ الكَذِبِ إلى إبْراهِيمَ لا تَجُوزُ، فَقالَ ذَلِكَ الرَّجُلُ: فَكَيْفَ يُحْكَمُ بِكَذِبِ الرُّواةِ العُدُولِ ؟ فَقُلْتُ: لَمّا وقَعَ التَّعارُضُ بَيْنَ نِسْبَةِ الكَذِبِ إلى الرّاوِي وبَيْنَ نِسْبَتِهِ إلى الخَلِيلِ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مِنَ المَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ أنَّ نِسْبَتَهُ إلى الرّاوِي أوْلى، ثُمَّ نَقُولُ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِكَوْنِهِ كَذِبًا خَبَرًا شَبِيهًا بِالكَذِبِ ؟ . والوَجْهُ الثّامِنُ: أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً في النُّجُومِ﴾ أيْ نَظَرَ في نُجُومِ كَلامِهِمْ ومُتَفَرِّقاتِ أقْوالِهِمْ، فَإنَّ الأشْياءَ الَّتِي تَحْدُثُ قِطْعَةً قِطْعَةً، يُقالُ: إنَّها مُنَجَّمَةٌ أيْ مُتَفَرِّقَةٌ ومِنهُ نُجُومُ الكِتابَةِ، والمَعْنى أنَّهُ لَمّا سَمِعَ كَلِماتِهِمُ المُتَفَرِّقَةَ نَظَرَ فِيها كَيْ يَسْتَخْرِجَ مِنها حِيلَةً يَقْدِرُ بِها عَلى إقامَةِ عُذْرٍ لِنَفْسِهِ في التَّخَلُّفِ عَنْهم فَلَمْ يَجِدْ عُذْرًا أحْسَنَ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ والمُرادُ أنَّهُ لا بُدَّ مِن أنْ أصِيرَ سَقِيمًا كَما تَقُولُ لِمَن رَأيْتَهُ عَلى أوْقاتِ السَّفَرِ: إنَّكَ مُسافِرٌ. واعْلَمْ أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا قالَ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ تَوَلَّوْا عَنْهُ مُعْرِضِينَ فَتَرَكُوهُ وعَذَرُوهُ في أنْ لا يَخْرُجَ اليَوْمَ فَكانَ ذَلِكَ مُرادَهُ. ﴿فَراغَ إلى آلِهَتِهِمْ﴾ يُقالُ: راغَ إلَيْهِ إذا مالَ إلَيْهِ في السِّرِّ عَلى سَبِيلِ الخُفْيَةِ، ومِنهُ رَوَغانُ الثَّعْلَبِ. وقَوْلُهُ: ﴿ألا تَأْكُلُونَ﴾ يَعْنِي الطَّعامَ الَّذِي كانَ بَيْنَ أيْدِيهِمْ، وإنَّما قالَ ذَلِكَ اسْتِهْزاءً بِها، وكَذا قَوْلُهُ: ﴿ما لَكم لا تَنْطِقُونَ﴾ ﴿فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا﴾ فَأقْبَلَ عَلَيْهِمْ مُسْتَخْفِيًا كَأنَّهُ قالَ: فَضَرَبَهم ضَرْبًا؛ لِأنَّ: راغَ عَلَيْهِمْ في مَعْنى ضَرَبَهم أوْ فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِمَعْنى ضارِبًا. وفي قَوْلِهِ: ﴿بِاليَمِينِ﴾ قَوْلانِ: الأوَّلُ: مَعْناهُ بِالقُوَّةِ والشِّدَّةِ؛ لِأنَّ اليَمِينَ أقْوى الجارِحَتَيْنِ. والثّانِي: أنَّهُ أتى بِذَلِكَ الفِعْلِ بِسَبَبِ الحَلِفِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى عَنْهُ: ﴿تاللَّهِ لَأكِيدَنَّ أصْنامَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٥٧] ثُمَّ قالَ: ﴿فَأقْبَلُوا إلَيْهِ يَزِفُّونَ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ: ”يُزِفُّونَ“ بِضَمِّ الياءِ والباقُونَ بِفَتْحِها وهُما لُغَتانِ، قالَ ابْنُ عَرَفَةَ: مَن قَرَأ بِالنَّصْبِ فَهو مِن زَفَّ يَزِفُّ، ومَن قَرَأ بِالضَّمِّ فَهو مِن أزَفَّ يُزِفُّ، قالَ الزَّجّاجُ: يَزِفُّونَ يُسْرِعُونَ وأصْلُهُ مِن زَفِيفِ النَّعامَةِ وهو ابْتِداءُ عَدْوِها، وقَرَأ حَمْزَةُ: ”يُزِفُّونَ“ أيْ يَحْمِلُونَ غَيْرَهم عَلى الزَّفِيفِ، قالَ الأصْمَعِيُّ: يُقالُ: أزْفَفْتُ الإبِلَ إذا حَمَلْتَها عَلى أنْ تَزِفَّ، قالَ: وهو سُرْعَةُ الخُطْوَةِ ومُقارَبَةُ المَشْيِ، والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ عَلى قِراءَتِهِ كَأنَّهم حَمَلُوا دَوابَّهم عَلى الإسْراعِ في المَشْيِ، فَإنْ قِيلَ: مُقْتَضى هَذِهِ الآيَةِ أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا كَسَرَها عَدَوْا إلَيْهِ وأخَذُوهُ، وقالَ في سُورَةٍ أُخْرى في عَيْنِ هَذِهِ القِصَّةِ: ﴿قالُوا مَن فَعَلَ هَذا بِآلِهَتِنا إنَّهُ لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ ﴿قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهم يُقالُ لَهُ إبْراهِيمُ﴾ [الأنبياء: ٦٠] وهَذا يَقْتَضِي أنَّهم في أوَّلِ الأمْرِ ما عَرَفُوهُ فَبَيْنَ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ تَناقُضٌ ؟ قُلْنا: لا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: إنَّ جَماعَةً عَرَفُوهُ فَعَمَدُوا إلَيْهِ مُسْرِعِينَ والأكْثَرُونَ ما عَرَفُوهُ، فَتَعَرَّفُوا أنَّ ذَلِكَ الكاسِرَ مَن هو، واللَّهُ أعْلَمُ.

الصافات 37:99

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ أتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ﴾ ﴿واللَّهُ خَلَقَكم وما تَعْمَلُونَ﴾ ﴿قالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيانًا فَألْقُوهُ في الجَحِيمِ﴾ ﴿فَأرادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْناهُمُ الأسْفَلِينَ﴾ ﴿وقالَ إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ القَوْمَ لَمّا عاتَبُوا إبْراهِيمَ عَلى كَسْرِ الأصْنامِ فَهو أيْضًا ذَكَرَ لَهُمُ الدَّلِيلَ الدّالَّ عَلى فَسادِ المَصِيرِ إلى عِبادَتِها فَقالَ: ﴿أتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ﴾ ﴿واللَّهُ خَلَقَكم وما تَعْمَلُونَ﴾ ووَجْهُ الِاسْتِدْلالِ ظاهِرٌ وهو أنَّ الخَشَبَ والحَجَرَ قَبْلَ النَّحْتِ والإصْلاحِ ما كانَ مَعْبُودًا لِلْإنْسانِ البَتَّةَ، فَإذا نَحَتَهُ وشَكَّلَهُ عَلى الوَجْهِ المَخْصُوصِ لَمْ يَحْدُثْ فِيهِ إلّا آثارُ تَصَرُّفِهِ، فَلَوْ صارَ مَعْبُودًا عِنْدَ ذَلِكَ لَكانَ مَعْناهُ أنَّ الشَّيْءَ الَّذِي ما كانَ مَعْبُودًا لَمّا حَصَلَتْ آثارُ تَصَرُّفاتِهِ فِيهِ صارَ مَعْبُودًا عِنْدَ ذَلِكَ، وفَسادُ ذَلِكَ مَعْلُومٌ بِبَدِيهَةِ العَقْلِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ جُمْهُورُ الأصْحابِ بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ خَلَقَكم وما تَعْمَلُونَ﴾ عَلى أنَّ فِعْلَ العَبْدِ مَخْلُوقٌ لِلَّهِ تَعالى، فَقالَ النَّحْوِيُّونَ: اتَّفَقُوا عَلى أنَّ لَفْظَ ما مَعَ ما بَعْدَهُ في تَقْدِيرِ المَصْدَرِ فَقَوْلُهُ: ﴿وما تَعْمَلُونَ﴾ مَعْناهُ وعَمَلَكم، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ صارَ مَعْنى الآيَةِ: واللَّهُ خَلَقَكم وخَلَقَ عَمَلَكم، فَإنْ قِيلَ: هَذِهِ الآيَةُ حُجَّةٌ عَلَيْكم مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿أتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ﴾ أضافَ العِبادَةَ والنَّحْتَ إلَيْهِمْ إضافَةَ الفِعْلِ إلى الفاعِلِ، ولَوْ كانَ ذَلِكَ واقِعًا بِتَخْلِيقِ اللَّهِ لاسْتَحالَ كَوْنُهُ فِعْلًا لِلْعَبْدِ. الثّانِي: أنَّهُ تَعالى إنَّما ذَكَرَ هَذِهِ الآيَةَ تَوْبِيخًا لَهم عَلى عِبادَةِ الأصْنامِ؛ لِأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُ خالِقُهم وخالِقٌ لِتِلْكَ الأصْنامِ، والخالِقُ هو المُسْتَحِقُّ لِلْعِبادَةِ دُونَ المَخْلُوقِ، فَلَمّا تَرَكُوا عِبادَتَهُ سُبْحانَهُ وهو خالِقُهم وعَبَدُوا الأصْنامَ لا جَرَمَ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى وبَّخَهم عَلى هَذا الخَطَأِ العَظِيمِ فَقالَ: ﴿أتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ﴾ ﴿واللَّهُ خَلَقَكم وما تَعْمَلُونَ﴾ ولَوْ لَمْ يَكُونُوا فاعِلِينَ لِأفْعالِهِمْ لَما جازَ تَوْبِيخُهم عَلَيْها، سَلَّمْنا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ لَيْسَتْ حُجَّةً عَلَيْكم، لَكِنْ لا نُسَلِّمُ أنَّها حُجَّةٌ لَكم، قَوْلُهُ: لَفْظَةُ ”ما“ مَعَ ما بَعْدَها في تَقْدِيرِ المَصْدَرِ، قُلْنا: هَذا مَمْنُوعٌ وبَيانُهُ أنَّ سِيبَوَيْهِ والأخْفَشَ اخْتَلَفا في أنَّهُ هَلْ يَجُوزُ أنْ يُقالَ: أعْجَبَنِي ما قُمْتَ. أيْ: قِيامُكَ فَجَوَّزَهُ سِيبَوَيْهِ ومَنَعَهُ الأخْفَشُ، وزَعَمَ أنَّ هَذا لا يَجُوزُ إلّا في الفِعْلِ المُتَعَدِّي، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ ما مَعَ ما بَعْدَها في تَقْدِيرِ المَفْعُولِ عِنْدَ الأخْفَشِ، سَلَّمْنا أنَّ ذَلِكَ قَدْ يَكُونُ بِمَعْنى المَصْدَرِ، لَكِنَّهُ أيْضًا قَدْ يَكُونُ بِمَعْنى المَفْعُولِ ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿أتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ﴾ والمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ما تَنْحِتُونَ﴾ المَنحُوتُ لا النَّحْتُ؛ لِأنَّهم ما عَبَدُوا النَّحْتَ وإنَّما عَبَدُوا المَنحُوتَ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ما تَعْمَلُونَ﴾ المَعْمُولَ لا العَمَلَ حَتّى يَكُونَ كُلُّ واحِدٍ مِن هَذَيْنِ اللَّفْظَيْنِ عَلى وفْقِ الآخَرِ. والثّانِي: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿فَإذا هي تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ [الأعراف: ١١٧] ولَيْسَ المُرادُ أنَّها تَلْقَفُ نَفْسَ الإفْكِ، بَلْ أرادَ العِصِيَّ والحِبالَ الَّتِي هي مُتَعَلِّقاتُ ذَلِكَ الإفْكِ، فَكَذا هَهُنا. الثّالِثُ: أنَّ العَرَبَ تُسَمِّي مَحَلَّ العَمَلِ عَمَلًا يُقالُ في البابِ: والخاتَمُ هَذا عَمَلُ فُلانٍ، والمُرادُ مَحَلُّ عَمَلِهِ، فَثَبَتَ بِهَذِهِ الوُجُوهِ الثَّلاثَةِ أنَّ لَفْظَةَ ما مَعَ بَعْدِها كَما تَجِيءُ بِمَعْنى صفحة ١٣١ المَصْدَرِ فَقَدْ تَجِيءُ أيْضًا بِمَعْنى المَفْعُولِ، فَكانَ حَمْلُهُ هَهُنا عَلى المَفْعُولِ أوْلى؛ لِأنَّ المَقْصُودَ في هَذِهِ الآيَةِ تَزْيِيفُ مَذْهَبِهِمْ في عِبادَةِ الأصْنامِ لا بَيانُ أنَّهم لا يُوجِدُونَ أفْعالَ أنْفُسِهِمْ؛ لِأنَّ الَّذِي جَرى ذِكْرُهُ في أوَّلِ الآيَةِ إلى هَذا المَوْضِعِ هو مَسْألَةُ عِبادَةِ الأصْنامِ لا خَلْقُ الأعْمالِ، واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ السُّؤالاتِ قَوِيَّةٌ وفي دَلائِلِنا كَثْرَةٌ، فالأوْلى تَرْكُ الِاسْتِدْلالِ بِهَذِهِ الآيَةِ واللَّهُ أعْلَمُ. واعْلَمْ أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا أوْرَدَ عَلَيْهِمْ هَذِهِ الحُجَّةَ القَوِيَّةَ ولَمْ يَقْدِرُوا عَلى الجَوابِ عَدَلُوا إلى طَرِيقِ الإيذاءِ، فَقالُوا: ﴿ابْنُوا لَهُ بُنْيانًا﴾ واعْلَمْ أنَّ كَيْفِيَّةَ ذَلِكَ البِناءِ لا يَدُلُّ عَلَيْها لَفْظُ القُرْآنِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بَنَوْا حائِطًا مِن حَجَرٍ طُولُهُ في السَّماءِ ثَلاثُونَ ذِراعًا وعَرْضُهُ عِشْرُونَ ذِراعًا، ومَلَئُوهُ نارًا فَطَرَحُوهُ فِيها، وذَلِكَ هو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَألْقُوهُ في الجَحِيمِ﴾ وهي النّارُ العَظِيمَةُ، قالَ الزَّجّاجُ: كُلُّ نارٍ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ فَهي جَحِيمُ، والألِفُ واللّامُ في الجَحِيمِ يَدُلُّ عَلى النِّهايَةِ، والمَعْنى في جَحِيمِهِ، أيْ: في جَحِيمِ ذَلِكَ البُنْيانِ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَأرادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْناهُمُ الأسْفَلِينَ﴾ والمَعْنى أنَّ في وقْتِ المُحاجَّةِ حَصَلَتِ الغَلَبَةُ لَهُ، وعِنْدَما ألْقَوْهُ في النّارِ صَرَفَ اللَّهُ عَنْهُ ضَرَرَ النّارِ، فَصارَ هو الغالِبُ عَلَيْهِمْ. واعْلَمْ أنَّهُ لَمّا انْقَضَتْ هَذِهِ الواقِعَةُ قالَ إبْراهِيمُ: ﴿إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي﴾ ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَ إنِّي مُهاجِرٌ إلى رَبِّي﴾ [العنكبوت: ٢٦] وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ المَوْضِعَ الَّذِي تَكْثُرُ فِيهِ الأعْداءُ تَجِبُ مُهاجِرَتُهُ، وذَلِكَ لِأنَّ إبْراهِيمَ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وسَلامُهُ، مَعَ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ خَصَّهُ بِأعْظَمِ أنْواعِ النُّصْرَةِ، لَمّا أحَسَّ مِنهم بِالعَداوَةِ الشَّدِيدَةِ هاجَرَ مِن تِلْكَ الدِّيارِ، فَلَأنْ يَجِبَ ذَلِكَ عَلى الغَيْرِ كانَ أوْلى. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في قَوْلِهِ ﴿وقالَ إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي﴾ قَوْلانِ: الأوَّلُ: المُرادُ مِنهُ مُفارَقَةُ تِلْكَ الدِّيارِ، والمَعْنى إنِّي ذاهِبٌ إلى مَواضِعِ دِينِ رَبِّي. والقَوْلُ الثّانِي: قالَ الكَلْبِيُّ: ذاهِبٌ بِعِبادَتِي إلى رَبِّي، فَعَلى القَوْلِ الأوَّلِ المُرادُ بِالذَّهابِ إلى الرَّبِّ هو الهِجْرَةُ مِنَ الدِّيارِ، وبِهِ اقْتَدى مُوسى حَيْثُ قالَ: ﴿كَلّا إنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٦٢] . وعَلى القَوْلِ الثّانِي: المُرادُ رِعايَةُ أحْوالِ القُلُوبِ، وهو أنْ لا يَأْتِيَ بِشَيْءٍ مِنَ الأعْمالِ إلّا لِلَّهِ تَعالى، كَما قالَ: ﴿وجَّهْتُ وجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ [الأنعام: ٧٩] قِيلَ: إنَّ القَوْلَ الأوَّلَ أوْلى؛ لِأنَّ المَقْصُودَ مِن هَذِهِ الآيَةِ بَيانُ مُهاجِرَتِهِ إلى أرْضِ الشَّأْمِ، وأيْضًا يَبْعُدُ حَمْلُهُ عَلى الهِدايَةِ في الدِّينِ؛ لِأنَّهُ كانَ عَلى الدِّينِ في ذَلِكَ الوَقْتِ إلّا أنْ يُحْمَلَ ذَلِكَ عَلى الثَّباتِ عَلَيْهِ، أوْ يُحْمَلَ ذَلِكَ عَلى الِاهْتِداءِ إلى الدَّرَجاتِ العالِيَةِ والمَراتِبِ الرَّفِيعَةِ في أمْرِ الدِّينِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿سَيَهْدِينِ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ الهِدايَةَ لا تَحْصُلُ إلّا مِنَ اللَّهِ تَعالى، كَما يَقُولُ أصْحابُنا، ولا يُمْكِنُ حَمْلُ هَذِهِ الهِدايَةِ عَلى وضْعِ الأدِلَّةِ وإزاحَةِ الأعْذارِ؛ لِأنَّ كُلَّ ذَلِكَ قَدْ حَصَلَ في الزَّمانِ الماضِي، وقَوْلُهُ: ﴿سَيَهْدِينِ﴾ يَدُلُّ عَلى اخْتِصاصِ تِلْكَ الهِدايَةِ بِالمُسْتَقْبَلِ، فَوَجَبَ حَمْلُ الهِدايَةِ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى تَحْصِيلِ العِلْمِ والمَعْرِفَةِ في قَلْبِهِ، فَإنْ قِيلَ: إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ جَزَمَ في هَذِهِ الآيَةِ بِأنَّهُ تَعالى سَيَهْدِيهِ، وأنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَجْزِمْ بِهِ، بَلْ قالَ: ﴿عَسى رَبِّي أنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ﴾ [القصص: ٢٢] فَما الفَرْقُ ؟ قُلْنا: العَبْدُ إذا تَجَلّى لَهُ مَقاماتُ رَحْمَةِ اللَّهِ فَقَدْ يَجْزِمُ بِحُصُولِ المَقْصُودِ، وإذا تَجَلّى لَهُ مَقاماتُ كَوْنِهِ غَنِيًّا عَنِ العالَمِينَ، فَحِينَئِذٍ يَسْتَحْقِرُ نَفْسَهُ فَلا يَجْزِمُ، بَلْ لا يُظْهِرُ إلّا الرَّجاءَ والطَّمَعَ. صفحة ١٣٢ المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي﴾ يَدُلُّ عَلى فَسادِ تَمَسُّكِ المُشَبِّهَةِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠] لِأنَّ كَلِمَةَ إلى مَوْجُودَةٌ في قَوْلِهِ: ﴿إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي﴾ مَعَ أنَّهُ لَمْ يَلْزَمْ أنْ يَكُونَ الإلَهُ مَوْجُودًا في ذَلِكَ المَكانِ، فَكَذَلِكَ هَهُنا. واعْلَمْ أنَّهُ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ لَمّا هاجَرَ إلى الأرْضِ المُقَدَّسَةِ أرادَ الوَلَدَ فَقالَ: ﴿هَبْ لِي مِنَ الصّالِحِينَ﴾ أيْ: هَبْ لِي بَعْضَ الصّالِحِينَ، يُرِيدُ الوَلَدَ؛ لِأنَّ لَفْظَ الهِبَةِ غَلَبَ في الوَلَدِ، وإنْ كانَ قَدْ جاءَ في الأخِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ووَهَبْنا لَهُ مِن رَحْمَتِنا أخاهُ هارُونَ نَبِيًّا﴾ [مريم: ٥٣] وقالَ تَعالى: ﴿ووَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ﴾ [الأنعام: ٨٤] ﴿ووَهَبْنا لَهُ يَحْيى﴾ [الأنبياء: ٩٠] وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ لِابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم حِينَ هَنَّأهُ بِوَلَدِهِ: عَلى أبِي الأمْلاكِ شَكَرْتَ الواهِبَ، وبُورِكَ لَكَ في المَوْهُوبِ، ولِذَلِكَ وقَعَتِ التَّسْمِيَةُ بِهِبَةِ اللَّهِ تَعالى وبِهِبَةِ الوَهّابِ وبِمَوْهُوبٍ ووَهْبٍ. واعْلَمْ أنَّ هَذا الدُّعاءَ اشْتَمَلَ عَلى ثَلاثَةِ أشْياءَ: عَلى أنَّ الوَلَدَ غُلامٌ ذَكَرٌ، وأنَّهُ يَبْلُغُ الحُلُمَ، وأنَّهُ يَكُونُ حَلِيمًا، وأيُّ حِلْمٍ يَكُونُ أعْظَمَ مِن ولَدٍ حِينَ عَرَضَ عَلَيْهِ أبُوهُ الذَّبْحَ قالَ: ﴿سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ [الصافات: ١٠٢] ثُمَّ اسْتَسْلَمَ لِذَلِكَ، وأيْضًا فَإنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مَوْصُوفًا بِالحِلْمِ، قالَ تَعالى: ﴿إنَّ إبْراهِيمَ لَأوّاهٌ حَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٤]، ﴿إنَّ إبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أوّاهٌ مُنِيبٌ﴾ [هود: ٧٥] فَبَيِّنَ أنَّ ولَدَهُ مَوْصُوفٌ بِالحِلْمِ، وأنَّهُ قائِمٌ مَقامَهُ في صِفاتِ الشَّرَفِ والفَضِيلَةِ، واعْلَمْ أنَّ الصَّلاحَ أفْضَلُ الصِّفاتِ بِدَلِيلِ أنَّ الخَلِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ طَلَبَ الصَّلاحَ لِنَفْسِهِ، فَقالَ: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ [الشعراء: ٨٣] وطَلَبَهُ لِلْوَلَدِ فَقالَ: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصّالِحِينَ﴾ وطَلَبَهُ سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ كَمالِ دَرَجَتِهِ في الدِّينِ والدُّنْيا، فَقالَ: ﴿وأدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ في عِبادِكَ الصّالِحِينَ﴾ [النمل: ١٩] وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الصَّلاحَ أشْرَفُ مَقاماتِ العِبادِ.

الصافات 37:100

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ أتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ﴾ ﴿واللَّهُ خَلَقَكم وما تَعْمَلُونَ﴾ ﴿قالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيانًا فَألْقُوهُ في الجَحِيمِ﴾ ﴿فَأرادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْناهُمُ الأسْفَلِينَ﴾ ﴿وقالَ إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ القَوْمَ لَمّا عاتَبُوا إبْراهِيمَ عَلى كَسْرِ الأصْنامِ فَهو أيْضًا ذَكَرَ لَهُمُ الدَّلِيلَ الدّالَّ عَلى فَسادِ المَصِيرِ إلى عِبادَتِها فَقالَ: ﴿أتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ﴾ ﴿واللَّهُ خَلَقَكم وما تَعْمَلُونَ﴾ ووَجْهُ الِاسْتِدْلالِ ظاهِرٌ وهو أنَّ الخَشَبَ والحَجَرَ قَبْلَ النَّحْتِ والإصْلاحِ ما كانَ مَعْبُودًا لِلْإنْسانِ البَتَّةَ، فَإذا نَحَتَهُ وشَكَّلَهُ عَلى الوَجْهِ المَخْصُوصِ لَمْ يَحْدُثْ فِيهِ إلّا آثارُ تَصَرُّفِهِ، فَلَوْ صارَ مَعْبُودًا عِنْدَ ذَلِكَ لَكانَ مَعْناهُ أنَّ الشَّيْءَ الَّذِي ما كانَ مَعْبُودًا لَمّا حَصَلَتْ آثارُ تَصَرُّفاتِهِ فِيهِ صارَ مَعْبُودًا عِنْدَ ذَلِكَ، وفَسادُ ذَلِكَ مَعْلُومٌ بِبَدِيهَةِ العَقْلِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ جُمْهُورُ الأصْحابِ بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ خَلَقَكم وما تَعْمَلُونَ﴾ عَلى أنَّ فِعْلَ العَبْدِ مَخْلُوقٌ لِلَّهِ تَعالى، فَقالَ النَّحْوِيُّونَ: اتَّفَقُوا عَلى أنَّ لَفْظَ ما مَعَ ما بَعْدَهُ في تَقْدِيرِ المَصْدَرِ فَقَوْلُهُ: ﴿وما تَعْمَلُونَ﴾ مَعْناهُ وعَمَلَكم، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ صارَ مَعْنى الآيَةِ: واللَّهُ خَلَقَكم وخَلَقَ عَمَلَكم، فَإنْ قِيلَ: هَذِهِ الآيَةُ حُجَّةٌ عَلَيْكم مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿أتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ﴾ أضافَ العِبادَةَ والنَّحْتَ إلَيْهِمْ إضافَةَ الفِعْلِ إلى الفاعِلِ، ولَوْ كانَ ذَلِكَ واقِعًا بِتَخْلِيقِ اللَّهِ لاسْتَحالَ كَوْنُهُ فِعْلًا لِلْعَبْدِ. الثّانِي: أنَّهُ تَعالى إنَّما ذَكَرَ هَذِهِ الآيَةَ تَوْبِيخًا لَهم عَلى عِبادَةِ الأصْنامِ؛ لِأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُ خالِقُهم وخالِقٌ لِتِلْكَ الأصْنامِ، والخالِقُ هو المُسْتَحِقُّ لِلْعِبادَةِ دُونَ المَخْلُوقِ، فَلَمّا تَرَكُوا عِبادَتَهُ سُبْحانَهُ وهو خالِقُهم وعَبَدُوا الأصْنامَ لا جَرَمَ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى وبَّخَهم عَلى هَذا الخَطَأِ العَظِيمِ فَقالَ: ﴿أتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ﴾ ﴿واللَّهُ خَلَقَكم وما تَعْمَلُونَ﴾ ولَوْ لَمْ يَكُونُوا فاعِلِينَ لِأفْعالِهِمْ لَما جازَ تَوْبِيخُهم عَلَيْها، سَلَّمْنا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ لَيْسَتْ حُجَّةً عَلَيْكم، لَكِنْ لا نُسَلِّمُ أنَّها حُجَّةٌ لَكم، قَوْلُهُ: لَفْظَةُ ”ما“ مَعَ ما بَعْدَها في تَقْدِيرِ المَصْدَرِ، قُلْنا: هَذا مَمْنُوعٌ وبَيانُهُ أنَّ سِيبَوَيْهِ والأخْفَشَ اخْتَلَفا في أنَّهُ هَلْ يَجُوزُ أنْ يُقالَ: أعْجَبَنِي ما قُمْتَ. أيْ: قِيامُكَ فَجَوَّزَهُ سِيبَوَيْهِ ومَنَعَهُ الأخْفَشُ، وزَعَمَ أنَّ هَذا لا يَجُوزُ إلّا في الفِعْلِ المُتَعَدِّي، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ ما مَعَ ما بَعْدَها في تَقْدِيرِ المَفْعُولِ عِنْدَ الأخْفَشِ، سَلَّمْنا أنَّ ذَلِكَ قَدْ يَكُونُ بِمَعْنى المَصْدَرِ، لَكِنَّهُ أيْضًا قَدْ يَكُونُ بِمَعْنى المَفْعُولِ ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿أتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ﴾ والمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ما تَنْحِتُونَ﴾ المَنحُوتُ لا النَّحْتُ؛ لِأنَّهم ما عَبَدُوا النَّحْتَ وإنَّما عَبَدُوا المَنحُوتَ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ما تَعْمَلُونَ﴾ المَعْمُولَ لا العَمَلَ حَتّى يَكُونَ كُلُّ واحِدٍ مِن هَذَيْنِ اللَّفْظَيْنِ عَلى وفْقِ الآخَرِ. والثّانِي: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿فَإذا هي تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ [الأعراف: ١١٧] ولَيْسَ المُرادُ أنَّها تَلْقَفُ نَفْسَ الإفْكِ، بَلْ أرادَ العِصِيَّ والحِبالَ الَّتِي هي مُتَعَلِّقاتُ ذَلِكَ الإفْكِ، فَكَذا هَهُنا. الثّالِثُ: أنَّ العَرَبَ تُسَمِّي مَحَلَّ العَمَلِ عَمَلًا يُقالُ في البابِ: والخاتَمُ هَذا عَمَلُ فُلانٍ، والمُرادُ مَحَلُّ عَمَلِهِ، فَثَبَتَ بِهَذِهِ الوُجُوهِ الثَّلاثَةِ أنَّ لَفْظَةَ ما مَعَ بَعْدِها كَما تَجِيءُ بِمَعْنى صفحة ١٣١ المَصْدَرِ فَقَدْ تَجِيءُ أيْضًا بِمَعْنى المَفْعُولِ، فَكانَ حَمْلُهُ هَهُنا عَلى المَفْعُولِ أوْلى؛ لِأنَّ المَقْصُودَ في هَذِهِ الآيَةِ تَزْيِيفُ مَذْهَبِهِمْ في عِبادَةِ الأصْنامِ لا بَيانُ أنَّهم لا يُوجِدُونَ أفْعالَ أنْفُسِهِمْ؛ لِأنَّ الَّذِي جَرى ذِكْرُهُ في أوَّلِ الآيَةِ إلى هَذا المَوْضِعِ هو مَسْألَةُ عِبادَةِ الأصْنامِ لا خَلْقُ الأعْمالِ، واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ السُّؤالاتِ قَوِيَّةٌ وفي دَلائِلِنا كَثْرَةٌ، فالأوْلى تَرْكُ الِاسْتِدْلالِ بِهَذِهِ الآيَةِ واللَّهُ أعْلَمُ. واعْلَمْ أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا أوْرَدَ عَلَيْهِمْ هَذِهِ الحُجَّةَ القَوِيَّةَ ولَمْ يَقْدِرُوا عَلى الجَوابِ عَدَلُوا إلى طَرِيقِ الإيذاءِ، فَقالُوا: ﴿ابْنُوا لَهُ بُنْيانًا﴾ واعْلَمْ أنَّ كَيْفِيَّةَ ذَلِكَ البِناءِ لا يَدُلُّ عَلَيْها لَفْظُ القُرْآنِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بَنَوْا حائِطًا مِن حَجَرٍ طُولُهُ في السَّماءِ ثَلاثُونَ ذِراعًا وعَرْضُهُ عِشْرُونَ ذِراعًا، ومَلَئُوهُ نارًا فَطَرَحُوهُ فِيها، وذَلِكَ هو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَألْقُوهُ في الجَحِيمِ﴾ وهي النّارُ العَظِيمَةُ، قالَ الزَّجّاجُ: كُلُّ نارٍ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ فَهي جَحِيمُ، والألِفُ واللّامُ في الجَحِيمِ يَدُلُّ عَلى النِّهايَةِ، والمَعْنى في جَحِيمِهِ، أيْ: في جَحِيمِ ذَلِكَ البُنْيانِ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَأرادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْناهُمُ الأسْفَلِينَ﴾ والمَعْنى أنَّ في وقْتِ المُحاجَّةِ حَصَلَتِ الغَلَبَةُ لَهُ، وعِنْدَما ألْقَوْهُ في النّارِ صَرَفَ اللَّهُ عَنْهُ ضَرَرَ النّارِ، فَصارَ هو الغالِبُ عَلَيْهِمْ. واعْلَمْ أنَّهُ لَمّا انْقَضَتْ هَذِهِ الواقِعَةُ قالَ إبْراهِيمُ: ﴿إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي﴾ ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَ إنِّي مُهاجِرٌ إلى رَبِّي﴾ [العنكبوت: ٢٦] وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ المَوْضِعَ الَّذِي تَكْثُرُ فِيهِ الأعْداءُ تَجِبُ مُهاجِرَتُهُ، وذَلِكَ لِأنَّ إبْراهِيمَ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وسَلامُهُ، مَعَ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ خَصَّهُ بِأعْظَمِ أنْواعِ النُّصْرَةِ، لَمّا أحَسَّ مِنهم بِالعَداوَةِ الشَّدِيدَةِ هاجَرَ مِن تِلْكَ الدِّيارِ، فَلَأنْ يَجِبَ ذَلِكَ عَلى الغَيْرِ كانَ أوْلى. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في قَوْلِهِ ﴿وقالَ إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي﴾ قَوْلانِ: الأوَّلُ: المُرادُ مِنهُ مُفارَقَةُ تِلْكَ الدِّيارِ، والمَعْنى إنِّي ذاهِبٌ إلى مَواضِعِ دِينِ رَبِّي. والقَوْلُ الثّانِي: قالَ الكَلْبِيُّ: ذاهِبٌ بِعِبادَتِي إلى رَبِّي، فَعَلى القَوْلِ الأوَّلِ المُرادُ بِالذَّهابِ إلى الرَّبِّ هو الهِجْرَةُ مِنَ الدِّيارِ، وبِهِ اقْتَدى مُوسى حَيْثُ قالَ: ﴿كَلّا إنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٦٢] . وعَلى القَوْلِ الثّانِي: المُرادُ رِعايَةُ أحْوالِ القُلُوبِ، وهو أنْ لا يَأْتِيَ بِشَيْءٍ مِنَ الأعْمالِ إلّا لِلَّهِ تَعالى، كَما قالَ: ﴿وجَّهْتُ وجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ [الأنعام: ٧٩] قِيلَ: إنَّ القَوْلَ الأوَّلَ أوْلى؛ لِأنَّ المَقْصُودَ مِن هَذِهِ الآيَةِ بَيانُ مُهاجِرَتِهِ إلى أرْضِ الشَّأْمِ، وأيْضًا يَبْعُدُ حَمْلُهُ عَلى الهِدايَةِ في الدِّينِ؛ لِأنَّهُ كانَ عَلى الدِّينِ في ذَلِكَ الوَقْتِ إلّا أنْ يُحْمَلَ ذَلِكَ عَلى الثَّباتِ عَلَيْهِ، أوْ يُحْمَلَ ذَلِكَ عَلى الِاهْتِداءِ إلى الدَّرَجاتِ العالِيَةِ والمَراتِبِ الرَّفِيعَةِ في أمْرِ الدِّينِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿سَيَهْدِينِ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ الهِدايَةَ لا تَحْصُلُ إلّا مِنَ اللَّهِ تَعالى، كَما يَقُولُ أصْحابُنا، ولا يُمْكِنُ حَمْلُ هَذِهِ الهِدايَةِ عَلى وضْعِ الأدِلَّةِ وإزاحَةِ الأعْذارِ؛ لِأنَّ كُلَّ ذَلِكَ قَدْ حَصَلَ في الزَّمانِ الماضِي، وقَوْلُهُ: ﴿سَيَهْدِينِ﴾ يَدُلُّ عَلى اخْتِصاصِ تِلْكَ الهِدايَةِ بِالمُسْتَقْبَلِ، فَوَجَبَ حَمْلُ الهِدايَةِ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى تَحْصِيلِ العِلْمِ والمَعْرِفَةِ في قَلْبِهِ، فَإنْ قِيلَ: إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ جَزَمَ في هَذِهِ الآيَةِ بِأنَّهُ تَعالى سَيَهْدِيهِ، وأنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَجْزِمْ بِهِ، بَلْ قالَ: ﴿عَسى رَبِّي أنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ﴾ [القصص: ٢٢] فَما الفَرْقُ ؟ قُلْنا: العَبْدُ إذا تَجَلّى لَهُ مَقاماتُ رَحْمَةِ اللَّهِ فَقَدْ يَجْزِمُ بِحُصُولِ المَقْصُودِ، وإذا تَجَلّى لَهُ مَقاماتُ كَوْنِهِ غَنِيًّا عَنِ العالَمِينَ، فَحِينَئِذٍ يَسْتَحْقِرُ نَفْسَهُ فَلا يَجْزِمُ، بَلْ لا يُظْهِرُ إلّا الرَّجاءَ والطَّمَعَ. صفحة ١٣٢ المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي﴾ يَدُلُّ عَلى فَسادِ تَمَسُّكِ المُشَبِّهَةِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠] لِأنَّ كَلِمَةَ إلى مَوْجُودَةٌ في قَوْلِهِ: ﴿إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي﴾ مَعَ أنَّهُ لَمْ يَلْزَمْ أنْ يَكُونَ الإلَهُ مَوْجُودًا في ذَلِكَ المَكانِ، فَكَذَلِكَ هَهُنا. واعْلَمْ أنَّهُ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ لَمّا هاجَرَ إلى الأرْضِ المُقَدَّسَةِ أرادَ الوَلَدَ فَقالَ: ﴿هَبْ لِي مِنَ الصّالِحِينَ﴾ أيْ: هَبْ لِي بَعْضَ الصّالِحِينَ، يُرِيدُ الوَلَدَ؛ لِأنَّ لَفْظَ الهِبَةِ غَلَبَ في الوَلَدِ، وإنْ كانَ قَدْ جاءَ في الأخِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ووَهَبْنا لَهُ مِن رَحْمَتِنا أخاهُ هارُونَ نَبِيًّا﴾ [مريم: ٥٣] وقالَ تَعالى: ﴿ووَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ﴾ [الأنعام: ٨٤] ﴿ووَهَبْنا لَهُ يَحْيى﴾ [الأنبياء: ٩٠] وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ لِابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم حِينَ هَنَّأهُ بِوَلَدِهِ: عَلى أبِي الأمْلاكِ شَكَرْتَ الواهِبَ، وبُورِكَ لَكَ في المَوْهُوبِ، ولِذَلِكَ وقَعَتِ التَّسْمِيَةُ بِهِبَةِ اللَّهِ تَعالى وبِهِبَةِ الوَهّابِ وبِمَوْهُوبٍ ووَهْبٍ. واعْلَمْ أنَّ هَذا الدُّعاءَ اشْتَمَلَ عَلى ثَلاثَةِ أشْياءَ: عَلى أنَّ الوَلَدَ غُلامٌ ذَكَرٌ، وأنَّهُ يَبْلُغُ الحُلُمَ، وأنَّهُ يَكُونُ حَلِيمًا، وأيُّ حِلْمٍ يَكُونُ أعْظَمَ مِن ولَدٍ حِينَ عَرَضَ عَلَيْهِ أبُوهُ الذَّبْحَ قالَ: ﴿سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ [الصافات: ١٠٢] ثُمَّ اسْتَسْلَمَ لِذَلِكَ، وأيْضًا فَإنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مَوْصُوفًا بِالحِلْمِ، قالَ تَعالى: ﴿إنَّ إبْراهِيمَ لَأوّاهٌ حَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٤]، ﴿إنَّ إبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أوّاهٌ مُنِيبٌ﴾ [هود: ٧٥] فَبَيِّنَ أنَّ ولَدَهُ مَوْصُوفٌ بِالحِلْمِ، وأنَّهُ قائِمٌ مَقامَهُ في صِفاتِ الشَّرَفِ والفَضِيلَةِ، واعْلَمْ أنَّ الصَّلاحَ أفْضَلُ الصِّفاتِ بِدَلِيلِ أنَّ الخَلِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ طَلَبَ الصَّلاحَ لِنَفْسِهِ، فَقالَ: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ [الشعراء: ٨٣] وطَلَبَهُ لِلْوَلَدِ فَقالَ: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصّالِحِينَ﴾ وطَلَبَهُ سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ كَمالِ دَرَجَتِهِ في الدِّينِ والدُّنْيا، فَقالَ: ﴿وأدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ في عِبادِكَ الصّالِحِينَ﴾ [النمل: ١٩] وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الصَّلاحَ أشْرَفُ مَقاماتِ العِبادِ.

الصافات 37:101

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ أتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ﴾ ﴿واللَّهُ خَلَقَكم وما تَعْمَلُونَ﴾ ﴿قالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيانًا فَألْقُوهُ في الجَحِيمِ﴾ ﴿فَأرادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْناهُمُ الأسْفَلِينَ﴾ ﴿وقالَ إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ القَوْمَ لَمّا عاتَبُوا إبْراهِيمَ عَلى كَسْرِ الأصْنامِ فَهو أيْضًا ذَكَرَ لَهُمُ الدَّلِيلَ الدّالَّ عَلى فَسادِ المَصِيرِ إلى عِبادَتِها فَقالَ: ﴿أتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ﴾ ﴿واللَّهُ خَلَقَكم وما تَعْمَلُونَ﴾ ووَجْهُ الِاسْتِدْلالِ ظاهِرٌ وهو أنَّ الخَشَبَ والحَجَرَ قَبْلَ النَّحْتِ والإصْلاحِ ما كانَ مَعْبُودًا لِلْإنْسانِ البَتَّةَ، فَإذا نَحَتَهُ وشَكَّلَهُ عَلى الوَجْهِ المَخْصُوصِ لَمْ يَحْدُثْ فِيهِ إلّا آثارُ تَصَرُّفِهِ، فَلَوْ صارَ مَعْبُودًا عِنْدَ ذَلِكَ لَكانَ مَعْناهُ أنَّ الشَّيْءَ الَّذِي ما كانَ مَعْبُودًا لَمّا حَصَلَتْ آثارُ تَصَرُّفاتِهِ فِيهِ صارَ مَعْبُودًا عِنْدَ ذَلِكَ، وفَسادُ ذَلِكَ مَعْلُومٌ بِبَدِيهَةِ العَقْلِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ جُمْهُورُ الأصْحابِ بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ خَلَقَكم وما تَعْمَلُونَ﴾ عَلى أنَّ فِعْلَ العَبْدِ مَخْلُوقٌ لِلَّهِ تَعالى، فَقالَ النَّحْوِيُّونَ: اتَّفَقُوا عَلى أنَّ لَفْظَ ما مَعَ ما بَعْدَهُ في تَقْدِيرِ المَصْدَرِ فَقَوْلُهُ: ﴿وما تَعْمَلُونَ﴾ مَعْناهُ وعَمَلَكم، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ صارَ مَعْنى الآيَةِ: واللَّهُ خَلَقَكم وخَلَقَ عَمَلَكم، فَإنْ قِيلَ: هَذِهِ الآيَةُ حُجَّةٌ عَلَيْكم مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿أتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ﴾ أضافَ العِبادَةَ والنَّحْتَ إلَيْهِمْ إضافَةَ الفِعْلِ إلى الفاعِلِ، ولَوْ كانَ ذَلِكَ واقِعًا بِتَخْلِيقِ اللَّهِ لاسْتَحالَ كَوْنُهُ فِعْلًا لِلْعَبْدِ. الثّانِي: أنَّهُ تَعالى إنَّما ذَكَرَ هَذِهِ الآيَةَ تَوْبِيخًا لَهم عَلى عِبادَةِ الأصْنامِ؛ لِأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُ خالِقُهم وخالِقٌ لِتِلْكَ الأصْنامِ، والخالِقُ هو المُسْتَحِقُّ لِلْعِبادَةِ دُونَ المَخْلُوقِ، فَلَمّا تَرَكُوا عِبادَتَهُ سُبْحانَهُ وهو خالِقُهم وعَبَدُوا الأصْنامَ لا جَرَمَ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى وبَّخَهم عَلى هَذا الخَطَأِ العَظِيمِ فَقالَ: ﴿أتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ﴾ ﴿واللَّهُ خَلَقَكم وما تَعْمَلُونَ﴾ ولَوْ لَمْ يَكُونُوا فاعِلِينَ لِأفْعالِهِمْ لَما جازَ تَوْبِيخُهم عَلَيْها، سَلَّمْنا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ لَيْسَتْ حُجَّةً عَلَيْكم، لَكِنْ لا نُسَلِّمُ أنَّها حُجَّةٌ لَكم، قَوْلُهُ: لَفْظَةُ ”ما“ مَعَ ما بَعْدَها في تَقْدِيرِ المَصْدَرِ، قُلْنا: هَذا مَمْنُوعٌ وبَيانُهُ أنَّ سِيبَوَيْهِ والأخْفَشَ اخْتَلَفا في أنَّهُ هَلْ يَجُوزُ أنْ يُقالَ: أعْجَبَنِي ما قُمْتَ. أيْ: قِيامُكَ فَجَوَّزَهُ سِيبَوَيْهِ ومَنَعَهُ الأخْفَشُ، وزَعَمَ أنَّ هَذا لا يَجُوزُ إلّا في الفِعْلِ المُتَعَدِّي، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ ما مَعَ ما بَعْدَها في تَقْدِيرِ المَفْعُولِ عِنْدَ الأخْفَشِ، سَلَّمْنا أنَّ ذَلِكَ قَدْ يَكُونُ بِمَعْنى المَصْدَرِ، لَكِنَّهُ أيْضًا قَدْ يَكُونُ بِمَعْنى المَفْعُولِ ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿أتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ﴾ والمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ما تَنْحِتُونَ﴾ المَنحُوتُ لا النَّحْتُ؛ لِأنَّهم ما عَبَدُوا النَّحْتَ وإنَّما عَبَدُوا المَنحُوتَ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ما تَعْمَلُونَ﴾ المَعْمُولَ لا العَمَلَ حَتّى يَكُونَ كُلُّ واحِدٍ مِن هَذَيْنِ اللَّفْظَيْنِ عَلى وفْقِ الآخَرِ. والثّانِي: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿فَإذا هي تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ [الأعراف: ١١٧] ولَيْسَ المُرادُ أنَّها تَلْقَفُ نَفْسَ الإفْكِ، بَلْ أرادَ العِصِيَّ والحِبالَ الَّتِي هي مُتَعَلِّقاتُ ذَلِكَ الإفْكِ، فَكَذا هَهُنا. الثّالِثُ: أنَّ العَرَبَ تُسَمِّي مَحَلَّ العَمَلِ عَمَلًا يُقالُ في البابِ: والخاتَمُ هَذا عَمَلُ فُلانٍ، والمُرادُ مَحَلُّ عَمَلِهِ، فَثَبَتَ بِهَذِهِ الوُجُوهِ الثَّلاثَةِ أنَّ لَفْظَةَ ما مَعَ بَعْدِها كَما تَجِيءُ بِمَعْنى صفحة ١٣١ المَصْدَرِ فَقَدْ تَجِيءُ أيْضًا بِمَعْنى المَفْعُولِ، فَكانَ حَمْلُهُ هَهُنا عَلى المَفْعُولِ أوْلى؛ لِأنَّ المَقْصُودَ في هَذِهِ الآيَةِ تَزْيِيفُ مَذْهَبِهِمْ في عِبادَةِ الأصْنامِ لا بَيانُ أنَّهم لا يُوجِدُونَ أفْعالَ أنْفُسِهِمْ؛ لِأنَّ الَّذِي جَرى ذِكْرُهُ في أوَّلِ الآيَةِ إلى هَذا المَوْضِعِ هو مَسْألَةُ عِبادَةِ الأصْنامِ لا خَلْقُ الأعْمالِ، واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ السُّؤالاتِ قَوِيَّةٌ وفي دَلائِلِنا كَثْرَةٌ، فالأوْلى تَرْكُ الِاسْتِدْلالِ بِهَذِهِ الآيَةِ واللَّهُ أعْلَمُ. واعْلَمْ أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا أوْرَدَ عَلَيْهِمْ هَذِهِ الحُجَّةَ القَوِيَّةَ ولَمْ يَقْدِرُوا عَلى الجَوابِ عَدَلُوا إلى طَرِيقِ الإيذاءِ، فَقالُوا: ﴿ابْنُوا لَهُ بُنْيانًا﴾ واعْلَمْ أنَّ كَيْفِيَّةَ ذَلِكَ البِناءِ لا يَدُلُّ عَلَيْها لَفْظُ القُرْآنِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بَنَوْا حائِطًا مِن حَجَرٍ طُولُهُ في السَّماءِ ثَلاثُونَ ذِراعًا وعَرْضُهُ عِشْرُونَ ذِراعًا، ومَلَئُوهُ نارًا فَطَرَحُوهُ فِيها، وذَلِكَ هو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَألْقُوهُ في الجَحِيمِ﴾ وهي النّارُ العَظِيمَةُ، قالَ الزَّجّاجُ: كُلُّ نارٍ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ فَهي جَحِيمُ، والألِفُ واللّامُ في الجَحِيمِ يَدُلُّ عَلى النِّهايَةِ، والمَعْنى في جَحِيمِهِ، أيْ: في جَحِيمِ ذَلِكَ البُنْيانِ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَأرادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْناهُمُ الأسْفَلِينَ﴾ والمَعْنى أنَّ في وقْتِ المُحاجَّةِ حَصَلَتِ الغَلَبَةُ لَهُ، وعِنْدَما ألْقَوْهُ في النّارِ صَرَفَ اللَّهُ عَنْهُ ضَرَرَ النّارِ، فَصارَ هو الغالِبُ عَلَيْهِمْ. واعْلَمْ أنَّهُ لَمّا انْقَضَتْ هَذِهِ الواقِعَةُ قالَ إبْراهِيمُ: ﴿إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي﴾ ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَ إنِّي مُهاجِرٌ إلى رَبِّي﴾ [العنكبوت: ٢٦] وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ المَوْضِعَ الَّذِي تَكْثُرُ فِيهِ الأعْداءُ تَجِبُ مُهاجِرَتُهُ، وذَلِكَ لِأنَّ إبْراهِيمَ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وسَلامُهُ، مَعَ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ خَصَّهُ بِأعْظَمِ أنْواعِ النُّصْرَةِ، لَمّا أحَسَّ مِنهم بِالعَداوَةِ الشَّدِيدَةِ هاجَرَ مِن تِلْكَ الدِّيارِ، فَلَأنْ يَجِبَ ذَلِكَ عَلى الغَيْرِ كانَ أوْلى. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في قَوْلِهِ ﴿وقالَ إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي﴾ قَوْلانِ: الأوَّلُ: المُرادُ مِنهُ مُفارَقَةُ تِلْكَ الدِّيارِ، والمَعْنى إنِّي ذاهِبٌ إلى مَواضِعِ دِينِ رَبِّي. والقَوْلُ الثّانِي: قالَ الكَلْبِيُّ: ذاهِبٌ بِعِبادَتِي إلى رَبِّي، فَعَلى القَوْلِ الأوَّلِ المُرادُ بِالذَّهابِ إلى الرَّبِّ هو الهِجْرَةُ مِنَ الدِّيارِ، وبِهِ اقْتَدى مُوسى حَيْثُ قالَ: ﴿كَلّا إنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٦٢] . وعَلى القَوْلِ الثّانِي: المُرادُ رِعايَةُ أحْوالِ القُلُوبِ، وهو أنْ لا يَأْتِيَ بِشَيْءٍ مِنَ الأعْمالِ إلّا لِلَّهِ تَعالى، كَما قالَ: ﴿وجَّهْتُ وجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ [الأنعام: ٧٩] قِيلَ: إنَّ القَوْلَ الأوَّلَ أوْلى؛ لِأنَّ المَقْصُودَ مِن هَذِهِ الآيَةِ بَيانُ مُهاجِرَتِهِ إلى أرْضِ الشَّأْمِ، وأيْضًا يَبْعُدُ حَمْلُهُ عَلى الهِدايَةِ في الدِّينِ؛ لِأنَّهُ كانَ عَلى الدِّينِ في ذَلِكَ الوَقْتِ إلّا أنْ يُحْمَلَ ذَلِكَ عَلى الثَّباتِ عَلَيْهِ، أوْ يُحْمَلَ ذَلِكَ عَلى الِاهْتِداءِ إلى الدَّرَجاتِ العالِيَةِ والمَراتِبِ الرَّفِيعَةِ في أمْرِ الدِّينِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿سَيَهْدِينِ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ الهِدايَةَ لا تَحْصُلُ إلّا مِنَ اللَّهِ تَعالى، كَما يَقُولُ أصْحابُنا، ولا يُمْكِنُ حَمْلُ هَذِهِ الهِدايَةِ عَلى وضْعِ الأدِلَّةِ وإزاحَةِ الأعْذارِ؛ لِأنَّ كُلَّ ذَلِكَ قَدْ حَصَلَ في الزَّمانِ الماضِي، وقَوْلُهُ: ﴿سَيَهْدِينِ﴾ يَدُلُّ عَلى اخْتِصاصِ تِلْكَ الهِدايَةِ بِالمُسْتَقْبَلِ، فَوَجَبَ حَمْلُ الهِدايَةِ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى تَحْصِيلِ العِلْمِ والمَعْرِفَةِ في قَلْبِهِ، فَإنْ قِيلَ: إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ جَزَمَ في هَذِهِ الآيَةِ بِأنَّهُ تَعالى سَيَهْدِيهِ، وأنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَجْزِمْ بِهِ، بَلْ قالَ: ﴿عَسى رَبِّي أنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ﴾ [القصص: ٢٢] فَما الفَرْقُ ؟ قُلْنا: العَبْدُ إذا تَجَلّى لَهُ مَقاماتُ رَحْمَةِ اللَّهِ فَقَدْ يَجْزِمُ بِحُصُولِ المَقْصُودِ، وإذا تَجَلّى لَهُ مَقاماتُ كَوْنِهِ غَنِيًّا عَنِ العالَمِينَ، فَحِينَئِذٍ يَسْتَحْقِرُ نَفْسَهُ فَلا يَجْزِمُ، بَلْ لا يُظْهِرُ إلّا الرَّجاءَ والطَّمَعَ. صفحة ١٣٢ المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي﴾ يَدُلُّ عَلى فَسادِ تَمَسُّكِ المُشَبِّهَةِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠] لِأنَّ كَلِمَةَ إلى مَوْجُودَةٌ في قَوْلِهِ: ﴿إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي﴾ مَعَ أنَّهُ لَمْ يَلْزَمْ أنْ يَكُونَ الإلَهُ مَوْجُودًا في ذَلِكَ المَكانِ، فَكَذَلِكَ هَهُنا. واعْلَمْ أنَّهُ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ لَمّا هاجَرَ إلى الأرْضِ المُقَدَّسَةِ أرادَ الوَلَدَ فَقالَ: ﴿هَبْ لِي مِنَ الصّالِحِينَ﴾ أيْ: هَبْ لِي بَعْضَ الصّالِحِينَ، يُرِيدُ الوَلَدَ؛ لِأنَّ لَفْظَ الهِبَةِ غَلَبَ في الوَلَدِ، وإنْ كانَ قَدْ جاءَ في الأخِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ووَهَبْنا لَهُ مِن رَحْمَتِنا أخاهُ هارُونَ نَبِيًّا﴾ [مريم: ٥٣] وقالَ تَعالى: ﴿ووَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ﴾ [الأنعام: ٨٤] ﴿ووَهَبْنا لَهُ يَحْيى﴾ [الأنبياء: ٩٠] وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ لِابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم حِينَ هَنَّأهُ بِوَلَدِهِ: عَلى أبِي الأمْلاكِ شَكَرْتَ الواهِبَ، وبُورِكَ لَكَ في المَوْهُوبِ، ولِذَلِكَ وقَعَتِ التَّسْمِيَةُ بِهِبَةِ اللَّهِ تَعالى وبِهِبَةِ الوَهّابِ وبِمَوْهُوبٍ ووَهْبٍ. واعْلَمْ أنَّ هَذا الدُّعاءَ اشْتَمَلَ عَلى ثَلاثَةِ أشْياءَ: عَلى أنَّ الوَلَدَ غُلامٌ ذَكَرٌ، وأنَّهُ يَبْلُغُ الحُلُمَ، وأنَّهُ يَكُونُ حَلِيمًا، وأيُّ حِلْمٍ يَكُونُ أعْظَمَ مِن ولَدٍ حِينَ عَرَضَ عَلَيْهِ أبُوهُ الذَّبْحَ قالَ: ﴿سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ [الصافات: ١٠٢] ثُمَّ اسْتَسْلَمَ لِذَلِكَ، وأيْضًا فَإنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مَوْصُوفًا بِالحِلْمِ، قالَ تَعالى: ﴿إنَّ إبْراهِيمَ لَأوّاهٌ حَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٤]، ﴿إنَّ إبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أوّاهٌ مُنِيبٌ﴾ [هود: ٧٥] فَبَيِّنَ أنَّ ولَدَهُ مَوْصُوفٌ بِالحِلْمِ، وأنَّهُ قائِمٌ مَقامَهُ في صِفاتِ الشَّرَفِ والفَضِيلَةِ، واعْلَمْ أنَّ الصَّلاحَ أفْضَلُ الصِّفاتِ بِدَلِيلِ أنَّ الخَلِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ طَلَبَ الصَّلاحَ لِنَفْسِهِ، فَقالَ: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ [الشعراء: ٨٣] وطَلَبَهُ لِلْوَلَدِ فَقالَ: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصّالِحِينَ﴾ وطَلَبَهُ سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ كَمالِ دَرَجَتِهِ في الدِّينِ والدُّنْيا، فَقالَ: ﴿وأدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ في عِبادِكَ الصّالِحِينَ﴾ [النمل: ١٩] وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الصَّلاحَ أشْرَفُ مَقاماتِ العِبادِ.