Tafsir Al-Razi — الزمر 39:13 – الزمر 39:27
المحتويات
الزمر 39:13
صفحة ٢٢٠
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ ياعِبادِي الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكم لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ وأرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ إنَّما يُوَفّى الصّابِرُونَ أجْرَهم بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ ﴿قُلْ إنِّي أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ ﴿وأُمِرْتُ لِأنْ أكُونَ أوَّلَ المُسْلِمِينَ﴾ ﴿قُلْ إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿قُلِ اللَّهَ أعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي فاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِن دُونِهِ قُلْ إنَّ الخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وأهْلِيهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ ألا ذَلِكَ هو الخُسْرانُ المُبِينُ﴾ ﴿لَهم مِن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النّارِ ومِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ ياعِبادِ فاتَّقُونِ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ نَفْيَ المُساواةِ بَيْنَ مَن يَعْلَمُ وبَيْنَ مَن لا يَعْلَمُ، أتْبَعَهُ بِأنْ أمَرَ رَسُولَهُ بِأنْ يُخاطِبَ المُؤْمِنِينَ بِأنْواعٍ مِنَ الكَلامِ:
النَّوْعُ الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿قُلْ يا عِبادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾ والمُرادُ أنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِأنْ يَضُمُّوا إلى الإيمانِ التَّقْوى، وهَذا مِن أوَّلِ الدَّلائِلِ عَلى أنَّ الإيمانَ يَبْقى مَعَ المَعْصِيَةِ، قالَ القاضِي: أمَرَهم بِالتَّقْوى لِكَيْلا يُحْبِطُوا إيمانَهم، لِأنَّ عِنْدَ الِاتِّقاءِ مِنَ الكَبائِرِ يَسْلَمُ لَهُمُ الثَّوابُ، وبِالإقْدامِ عَلَيْها يُحْبَطُ، فَيُقالُ لَهُ: هَذا بِأنْ يَدُلَّ عَلى ضِدِّ قَوْلِكَ أوْلى، لِأنَّهُ لَمّا أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِالتَّقْوى دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ يَبْقى مُؤْمِنًا مَعَ عَدَمِ التَّقْوى، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الفِسْقَ لا يُزِيلُ الإيمانَ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِالِاتِّقاءِ بَيَّنَ لَهم ما في هَذا الِاتِّقاءِ مِنَ الفَوائِدِ، فَقالَ تَعالى: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ﴾، فَقَوْلُهُ: ﴿فِي هَذِهِ الدُّنْيا﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ صِلَةً لِقَوْلِهِ: ﴿أحْسَنُوا﴾ أوْ لِـ”حَسَنَةٌ“، فَعَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ - مَعْناهُ: لِلَّذِينِ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا كُلُّهم حَسَنَةٌ في الآخِرَةِ، وهي دُخُولُ الجَنَّةِ، والتَّنْكِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿حَسَنَةٌ﴾ لِلتَّعْظِيمِ، يَعْنِي: حَسَنَةٌ لا يَصِلُ العَقْلُ إلى كُنْهِ كَمالِها.
وأمّا عَلى التَّقْدِيرِ الثّانِي - فَمَعْناهُ: الَّذِينَ أحْسَنُوا فَلَهم في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ، والقائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ قالُوا: هَذِهِ الحَسَنَةُ هي الصِّحَّةُ والعافِيَةُ، وأقُولُ: الأوْلى أنْ تُحْمَلَ عَلى الثَّلاثَةِ المَذْكُورَةِ في قَوْلِهِ ﷺ: «ثَلاثَةٌ لَيْسَ لَها نِهايَةٌ: الأمْنُ والصِّحَّةُ والكِفايَةُ»، ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: القَوْلُ الأوَّلُ أوْلى، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ التَّنْكِيرَ في قَوْلِهِ: ﴿حَسَنَةٌ﴾ يَدُلُّ عَلى النِّهايَةِ والجَلالَةِ والرِّفْعَةِ، وذَلِكَ لا يَلِيقُ بِأحْوالِ الدُّنْيا، فَإنَّها خَسِيسَةٌ ومُنْقَطِعَةٌ، وإنَّما يَلِيقُ بِأحْوالِ الآخِرَةِ، فَإنَّها شَرِيفَةٌ وآمِنَةٌ مِنَ الِانْقِضاءِ والِانْقِراضِ.
والثّانِي: أنَّ ثَوابَ المُحْسِنِ بِالتَّوْحِيدِ والأعْمالِ الصّالِحَةِ إنَّما يَحْصُلُ في الآخِرَةِ، قالَ تَعالى: ﴿اليَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ [غافر: ١٧] وأيْضًا فَنِعْمَةُ الدُّنْيا مِنَ الصِّحَّةِ والأمْنِ والكِفايَةِ حاصِلَةٌ لِلْكُفّارِ، وأيْضًا فَحُصُولُها لِلْكافِرِ أكْثَرُ وأتَمُّ مِن حُصُولِها لِلْمُؤْمِنِ، كَما قالَ ﷺ: «الدُّنْيا سِجْنُ المُؤْمِنِ وجَنَّةُ الكافِرِ»، وقالَ تَعالى: ﴿لَجَعَلْنا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِن فَضَّةٍ ومَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ﴾ [الزخرف: ٣٣] .
الثّالِثُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ، بِمَعْنى أنَّهُ يُفِيدُ أنَّ حَسَنَةَ هَذِهِ الدُّنْيا لا تَحْصُلُ إلّا لِلَّذِينِ أحْسَنُوا، وهَذا باطِلٌ، أمّا لَوْ حَمَلْنا هَذِهِ الحَسَنَةَ عَلى حَسَنَةِ الآخِرَةِ صَحَّ هَذا الحَصْرُ، فَكَأنَّ حَمْلَهُ عَلى حَسَنَةِ الآخِرَةِ أوْلى، ثُمَّ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وأرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ﴾، وفِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: المُرادُ أنَّهُ لا عُذْرَ ألْبَتَّةَ لِلْمُقَصِّرِينَ في الإحْسانِ، حَتّى إنَّهم إنِ اعْتَلُّوا بِأوْطانِهِمْ وبِلادِهِمْ، وأنَّهم لا يَتَمَكَّنُونَ فِيها مِنَ التَّوْفِرَةِ عَلى الإحْسانِ وصَرْفِ الهِمَمِ إلَيْهِ، قُلْ لَهم: فَإنَّ أرْضَ اللَّهِ واسِعَةٌ وبِلادَهُ كَثِيرَةٌ، فَتَحَوَّلُوا مِن هَذِهِ البِلادِ إلى بِلادٍ تَقْدِرُونَ فِيها عَلى الِاشْتِغالِ بِالطّاعاتِ والعِباداتِ، واقْتَدُوا بِالأنْبِياءِ والصّالِحِينَ
صفحة ٢٢١
فِي مُهاجَرَتِهِمْ إلى غَيْرِ بِلادِهِمْ، لِيَزْدادُوا إحْسانًا إلى إحْسانِهِمْ، وطاعَةً إلى طاعَتِهِمْ، والمَقْصُودُ مِنهُ التَّرْغِيبُ في الهِجْرَةِ مِن مَكَّةَ إلى المَدِينَةِ، والصَّبْرِ عَلى مُفارَقَةِ الوَطَنِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنّا مُسْتَضْعَفِينَ في الأرْضِ قالُوا ألَمْ تَكُنْ أرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها﴾ [النساء: ٩٧] .
والقَوْلُ الثّانِي: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: لا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الأرْضِ أرْضَ الجَنَّةِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِالتَّقْوى، وهي خَشْيَةُ اللَّهِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ مَنِ اتَّقى فَلَهُ في الآخِرَةِ الحَسَنَةُ، وهي الخُلُودُ في الجَنَّةِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ أرْضَ اللَّهِ - أيْ جَنَّتَهُ - واسِعَةٌ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿نَتَبَوَّأُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ﴾ [الزمر: ٧٤]، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَنَّةٍ عَرْضُها السَّماواتُ والأرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣]، والقَوْلُ الأوَّلُ عِنْدِي أوْلى، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنَّما يُوَفّى الصّابِرُونَ أجْرَهم بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ لا يَلِيقُ إلّا بِالأوَّلِ، وفي هَذِهِ الآيَةِ مَسائِلُ:
* * *
المَسْألَةُ الأُولى: أمّا تَحْقِيقُ الكَلامِ في ماهِيَّةِ الصَّبْرِ فَقَدْ ذَكَرْناهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ، والمُرادُ هَهُنا بِالصّابِرِينَ الَّذِينَ صَبَرُوا عَلى مُفارَقَةِ أوْطانِهِمْ وعَشائِرِهِمْ، وعَلى تَجَرُّعِ الغُصَصِ، واحْتِمالِ البَلايا في طاعَةِ اللَّهِ تَعالى.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: تَسْمِيَةُ المَنافِعِ الَّتِي وعَدَ اللَّهُ بِها عَلى الصَّبْرِ بِالأجْرِ تُوهِمُ أنَّ العَمَلَ عَلى الثَّوابِ، لِأنَّ الأجْرَ هو المُسْتَحَقُّ، إلّا أنَّهُ قامَتِ الدَّلائِلُ القاهِرَةُ عَلى أنَّ العَمَلَ لَيْسَ عَلَيْهِ الثَّوابُ، فَوَجَبَ حَمْلُ لَفْظِ الأجْرِ عَلى كَوْنِهِ أجْرًا بِحَسَبِ الوَعْدِ، لا بِحَسَبِ الِاسْتِحْقاقِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أنَّهُ تَعالى وصَفَ ذَلِكَ الأجْرَ بِأنَّهُ بِغَيْرِ حِسابٍ، وفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: قالَ الجُبّائِيُّ: المَعْنى أنَّهم يُعْطَوْنَ ما يَسْتَحِقُّونَ ويَزْدادُونَ تَفَضُّلًا، فَهو بِغَيْرِ حِسابٍ، ولَوْ لَمْ يُعْطَوْا إلّا المُسْتَحَقَّ لَكانَ ذَلِكَ حِسابًا، قالَ القاضِي: هَذا لَيْسَ بِصَحِيحٍ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى وصَفَ الأجْرَ بِأنَّهُ بِغَيْرِ حِسابٍ، ولَوْ لَمْ يُعْطَوْا إلّا الأجْرَ المُسْتَحَقَّ، والأجْرُ غَيْرُ التَّفَضُّلِ.
الثّانِي: أنَّ الثَّوابَ لَهُ صِفاتٌ ثَلاثَةٌ:
إحْداها: أنَّها تَكُونُ دائِمَةَ الأجْرِ لَهم، وقَوْلُهُ: ﴿بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ مَعْناهُ بِغَيْرِ نِهايَةٍ، لِأنَّ كُلَّ شَيْءٍ دَخَلَ تَحْتَ الحِسابِ فَهو مُتَناهٍ، فَما لا نِهايَةَ لَهُ كانَ خارِجًا عَنِ الحِسابِ.
وثانِيها: أنَّها تَكُونُ مَنافِعَ كامِلَةً في أنْفُسِها، وعَقْلُ المُطِيعِ ما كانَ يَصِلُ إلى كُنْهِ ذَلِكَ الثَّوابِ، قالَ ﷺ: «إنَّ في الجَنَّةِ ما لا عَيْنٌ رَأتْ، ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ، ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ» وكُلُّ ما يُشاهِدُونَهُ مِن أنْواعِ الثَّوابِ وجَدُوهُ أزْيَدَ مِمّا تَصَوَّرُوهُ وتَوَقَّعُوهُ، وما لا يَتَوَقَّعُهُ الإنْسانُ، فَقَدْ يُقالُ: إنَّهُ لَيْسَ في حِسابِهِ، فَقَوْلُهُ: ﴿بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ مَحْمُولٌ عَلى هَذا المَعْنى، والوَجْهُ الثّالِثُ في التَّأْوِيلِ أنَّ ثَوابَ أهْلِ البَلاءِ لا يُقَدَّرُ بِالمِيزانِ والمِكْيالِ، رَوى صاحِبُ ”الكَشّافِ“ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «يَنْصِبُ اللَّهُ المَوازِينَ يَوْمَ القِيامَةِ، فَيُؤْتى أهْلُ الصَّلاةِ فَيُوَفَّوْنَ أُجُورَهم بِالمَوازِينِ، ويُؤْتى بِأهْلِ الصَّدَقَةِ فَيُوَفَّوْنَ أُجُورَهم بِالمَوازِينِ، ويُؤْتى بِأهْلِ البَلاءِ فَلا يُنْصَبُ لَهم مِيزانٌ، ولا يُنْشَرُ لَهم دِيوانٌ، ويُصَبُّ عَلَيْهِمُ الأجْرُ صَبًّا»، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّما يُوَفّى الصّابِرُونَ أجْرَهم بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ حَتّى يَتَمَنّى أهْلُ العافِيَةِ في الدُّنْيا أنَّ أجْسادَهم تُقْرَضُ بِالمَقارِيضِ لِما بِهِ أهْلُ البَلاءِ مِنَ الفَضْلِ.
النَّوْعُ الثّانِي: مِنَ البَياناتِ الَّتِي أمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ أنْ يَذْكُرَها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنِّي أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾، قالَ مُقاتِلٌ: إنَّ كُفّارَ قُرَيْشٍ قالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ: ما يَحْمِلُكَ عَلى هَذا الدِّينِ الَّذِي أتَيْتَنا بِهِ ؟ ألا تَنْظُرُ إلى مِلَّةِ أبِيكَ وجَدِّكَ وساداتِ قَوْمِكَ، يَعْبُدُونَ اللّاتَ والعُزّى، فَأنْزَلَ اللَّهُ ”قُلْ يا مُحَمَّدُ إنِّي أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ
صفحة ٢٢٢
الدِّينَ“، وأقُولُ: إنَّ التَّكْلِيفَ نَوْعانِ:
أحَدُهُما: الأمْرُ بِالِاحْتِرازِ عَمّا لا يَنْبَغِي.
والثّانِي: الأمْرُ بِتَحْصِيلِ ما يَنْبَغِي، والمَرْتَبَةُ الأُولى مُقَدَّمَةٌ عَلى المَرْتَبَةِ الثّانِيَةِ بِحَسَبِ الرُّتْبَةِ الواجِبَةِ اللّازِمَةِ، إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّهُ تَعالى قَدَّمَ الأمْرَ بِإزالَةِ ما يَنْبَغِي، فَقالَ: ﴿اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾ لِأنَّ التَّقْوى هي الِاحْتِرازُ عَمّا لا يَنْبَغِي، ثُمَّ ذَكَرَ عَقِيبَهُ الأمْرَ بِتَحْصِيلِ ما يَنْبَغِي فَقالَ: ﴿إنِّي أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ وهَذا يَشْتَمِلُ عَلى قَيْدَيْنِ:
أحَدُهُما: الأمْرُ بِعِبادَةِ اللَّهِ.
الثّانِي: كَوْنُ تِلْكَ العِبادَةِ خالِصَةً عَنْ شَوائِبِ الشِّرْكِ الجَلِيِّ، وشَوائِبِ الشِّرْكِ الخَفِيِّ، وإنَّما خَصَّ اللَّهُ تَعالى الرَّسُولَ بِهَذا الأمْرِ لِيُنَبِّهَ عَلى أنَّ غَيْرَهُ بِذَلِكَ أحَقُّ فَهو كالتَّرْغِيبِ لِلْغَيْرِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأُمِرْتُ لِأنْ أكُونَ أوَّلَ المُسْلِمِينَ﴾ لا شُبْهَةَ في أنَّ المُرادَ أنِّي أوَّلُ مَن تَمَسَّكَ بِالعِباداتِ الَّتِي أُرْسِلْتُ بِها، وفي هَذِهِ الآيَةِ فائِدَتانِ:
الفائِدَةُ الأُولى: كَأنَّهُ يَقُولُ: إنِّي لَسْتُ مِنَ المُلُوكِ الجَبابِرَةِ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ النّاسَ بِأشْياءَ وهم لا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ، بَلْ كُلُّ ما أمَرْتُكم بِهِ فَأنا أوَّلُ النّاسِ شُرُوعًا فِيهِ، وأكْثَرُهم مُداوَمَةً عَلَيْهِ.
الفائِدَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ قالَ: ﴿إنِّي أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ﴾ والعِبادَةُ لَها رُكْنانِ: عَمَلُ القَلْبِ، وعَمَلُ الجَوارِحِ، وعَمَلُ القَلْبِ أشْرَفُ مِن عَمَلِ الجَوارِحِ، فَقَدَّمَ ذِكْرَ الجُزْءَ الأشْرَفَ، وهو قَوْلُهُ: ﴿مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ ثُمَّ ذَكَرَ عَقِيبَهُ الأدْوَنَ، وهو عَمَلُ الجَوارِحِ، وهو الإسْلامُ، فَإنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَسَّرَ الإسْلامَ في خَبَرِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالأعْمالِ الظّاهِرَةِ، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿وأُمِرْتُ لِأنْ أكُونَ أوَّلَ المُسْلِمِينَ﴾ ولَيْسَ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: ما الفائِدَةُ في تَكْرِيرِ لِفْظِ ”أُمِرْتُ“ لِأنّا نَقُولُ: ذَكَرَ لَفْظَ ”أُمِرْتُ“ أوَّلًا في عَمَلِ القَلْبِ، وثانِيًا في عَمَلِ الجَوارِحِ، ولا يَكُونُ هَذا تَكْرِيرًا.
الفائِدَةُ الثّالِثَةُ في قَوْلِهِ: ﴿وأُمِرْتُ لِأنْ أكُونَ أوَّلَ المُسْلِمِينَ﴾ التَّنْبِيهُ عَلى كَوْنِهِ رَسُولًا مِن عِنْدِ اللَّهِ واجِبَ الطّاعَةِ، لِأنَّ أوَّلَ المُسْلِمِينَ في شَرائِعِ اللَّهِ لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ إلّا رَسُولَ اللَّهِ، لِأنَّ أوَّلَ مَن يَعْرِفُ تِلْكَ الشَّرائِعَ والتَّكالِيفَ هو الرَّسُولُ المُبَلِّغُ، ولَمّا بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أمْرَهُ بِالإخْلاصِ بِالقَلْبِ وبِالأعْمالِ المَخْصُوصَةِ، وكانَ الأمْرُ يَحْتَمِلُ الوُجُوبَ ويَحْتَمِلُ النَّدْبَ بَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ الأمْرَ لِلْوُجُوبِ فَقالَ: ﴿قُلْ إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾، وفِيهِ فَوائِدُ:
الفائِدَةُ الأُولى: أنَّ اللَّهَ أمَرَ مُحَمَّدًا ﷺ أنْ يُجْرِيَ هَذا الكَلامَ عَلى نَفْسِهِ، والمَقْصُودُ مِنهُ المُبالَغَةُ في زَجْرِ الغَيْرِ عَنِ المَعاصِي، لِأنَّهُ مَعَ جَلالَةِ قَدْرِهِ وشَرَفِ نُبُوَّتِهِ إذا وجَبَ أنْ يَكُونَ خائِفًا حَذِرًا عَنِ المَعاصِي، فَغَيْرُهُ بِذَلِكَ أوْلى.
الفائِدَةُ الثّانِيَةُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ المُرَتَّبَ عَلى المَعْصِيَةِ لَيْسَ حُصُولَ العِقابِ، بَلِ الخَوْفَ مِنَ العِقابِ، وهَذا يُطابِقُ قَوْلَنا: إنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ يَعْفُو عَنِ المُذْنِبِ والكَبِيرَةِ، فَيَكُونُ اللّازِمُ عِنْدَ حُصُولِ المَعْصِيَةِ هو الخَوْفُ مِنَ العِقابِ لا نَفْسَ حُصُولِ العِقابِ.
الفائِدَةُ الثّالِثَةُ: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ ظاهِرَ الأمْرِ لِلْوُجُوبِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ قالَ في أوَّلِ الآيَةِ: ﴿إنِّي أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ﴾ ثُمَّ قالَ بَعْدَهُ: ﴿قُلْ إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ فَيَكُونُ مَعْنى هَذا العِصْيانِ تَرْكَ الأمْرِ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وذَلِكَ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ تارِكُ الأمْرِ عاصِيًا، والعاصِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الخَوْفُ مِنَ العِقابِ، ولا مَعْنى لِلْوُجُوبِ إلّا ذَلِكَ.
صفحة ٢٢٣
النَّوْعُ الثّالِثُ: مِنَ الأشْياءِ الَّتِي أمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ أنْ يَذْكُرَها قَوْلُهُ: ﴿قُلِ اللَّهَ أعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ فَإنْ قِيلَ: ما مَعْنى التَّكْرِيرِ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنِّي أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿قُلِ اللَّهَ أعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ ؟، قُلْنا: هَذا لَيْسَ بِتَكْرِيرٍ، لِأنَّ الأوَّلَ إخْبارٌ بِأنَّهُ مَأْمُورٌ مِن جِهَةِ اللَّهِ بِالإتْيانِ بِالعِبادَةِ، والثّانِي إخْبارٌ بِأنَّهُ أُمِرَ بِأنْ لا يَعْبُدَ أحَدًا غَيْرَهُ، وذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ﴾ لا يُفِيدُ الحَصْرَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلِ اللَّهَ أعْبُدُ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ، يَعْنِي: اللَّهَ أعْبُدُ ولا أعْبُدُ أحَدًا سِواهُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ لَمّا قالَ بَعْدُ: ﴿قُلِ اللَّهَ أعْبُدُ﴾ قالَ بَعْدَهُ: ﴿فاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِن دُونِهِ﴾ ولا شُبْهَةَ في أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِن دُونِهِ﴾ لَيْسَ أمْرًا، بَلِ المُرادُ مِنهُ الزَّجْرُ، كَأنَّهُ يَقُولُ: لَمّا بَلَغَ البَيانُ في وُجُوبِ رِعايَةِ التَّوْحِيدِ إلى الغايَةِ القُصْوى، فَبَعْدَ ذَلِكَ أنْتُمْ أعْرَفُ بِأنْفُسِكم، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى كَمالَ الزَّجْرِ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنَّ الخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ﴾ لِوُقُوعِها في هَلاكٍ لا يُعْقَلُ هَلاكٌ أعْظَمُ مِنهُ، وخَسِرُوا أهْلِيهِمْ أيْضًا، لِأنَّهم إنْ كانُوا مِن أهْلِ النّارِ فَقَدْ خَسِرُوهم كَما خَسِرُوا أنْفُسَهم، وإنْ كانُوا مِن أهْلِ الجَنَّةِ فَقَدْ ذَهَبُوا عَنْهم ذَهابًا لا رُجُوعَ بَعْدَهُ ألْبَتَّةَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّ لِكُلِّ رَجُلٍ مَنزِلًا وأهْلًا وخَدَمًا في الجَنَّةِ، فَإنْ أطاعَ أُعْطِيَ ذَلِكَ، وإنْ كانَ مِن أهْلِ النّارِ حُرِمَ ذَلِكَ، فَخَسِرَ نَفْسَهُ وأهْلَهُ ومَنزِلَهُ، ووَرِثَهُ غَيْرُهُ مِنَ المُسْلِمِينَ، والخاسِرُ المَغْبُونُ، ولَمّا شَرَحَ اللَّهُ خُسْرانَهم وصَفَ ذَلِكَ الخُسْرانَ بِغايَةِ الفَظاعَةِ فَقالَ: ﴿ألا ذَلِكَ هو الخُسْرانُ المُبِينُ﴾ كانَ التَّكْرِيرُ لِأجْلِ التَّأْكِيدِ.
الثّانِي: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في أوَّلِ هَذِهِ الكَلِمَةِ حَرْفَ ”ألا“ وهو لِلتَّنْبِيهِ، وذِكْرُ التَّنْبِيهِ في هَذا المَوْضِعِ يَدُلُّ عَلى التَّعْظِيمِ، كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّهُ بَلَغَ في العَظَمَةِ إلى حَيْثُ لا تَصِلُ عُقُولُكم إلَيْها فَتَنَبَّهُوا لَها.
الثّالِثُ: أنَّ كَلِمَةَ ”هو“ في قَوْلِهِ: ﴿هُوَ الخُسْرانُ المُبِينُ﴾ تُفِيدُ الحَصْرَ، كَأنَّهُ قِيلَ: كُلُّ خُسْرانٍ فَإنَّهُ يَصِيرُ في مُقابَلَتِهِ كَلا خُسْرانٍ.
الرّابِعُ: وصْفُهُ بِكَوْنِهِ مُبِينًا يَدُلُّ عَلى التَّهْوِيلِ، وأقُولُ: قَدْ بَيَّنّا أنَّ لَفْظَ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ خُسْرانًا مُبِينًا، فَلْنُبَيِّنْ بِحَسَبِ المَباحِثِ العَقْلِيَّةِ كَوْنَهُ خُسْرانًا مُبِينًا، وأقُولُ: نَفْتَقِرُ إلى بَيانِ أمْرَيْنِ: إلى أنْ يَكُونَ خُسْرانًا، ثُمَّ كَوْنِهِ مُبِينًا. أمّا الأوَّلُ فَتَقْرِيرُهُ أنَّهُ تَعالى أعْطى هَذِهِ الحَياةَ وأعْطى العَقْلَ، وأعْطى المُكْنَةَ، وكُلُّ ذَلِكَ رَأْسُ المالِ، أمّا هَذِهِ الحَياةُ فالمَقْصُودُ مِنها أنْ يَكْتَسِبَ فِيها الحَياةَ الطَّيِّبَةَ في الآخِرَةِ.
* * *
وأمّا العَقْلُ فَإنَّهُ عِبارَةٌ عَنِ العُلُومِ البَدِيهِيَّةِ، وهَذِهِ العُلُومُ هي رَأْسُ المالِ، والنَّظَرُ والفِكْرُ لا مَعْنى لَهُ إلّا تَرْتِيبُ عُلُومٍ لِيُتَوَصَّلَ بِذَلِكَ التَّرْتِيبِ إلى تَحْصِيلِ عُلُومٍ كَسْبِيَّةٍ، فَتِلْكَ العُلُومُ البَدِيهِيَّةُ المُسَمّاةُ بِالعَقْلِ رَأْسُ المالِ وتَرْكِيبُها عَلى الوُجُوهِ المَخْصُوصَةِ يُشْبِهُ تَصَرُّفَ التّاجِرِ في رَأْسِ المالِ، وتَرْكِيبُها عَلى الوُجُوهِ بِالبَيْعِ والشِّراءِ، وحُصُولُ العِلْمِ بِالنَّتِيجَةِ يُشْبِهُ حُصُولَ الرِّبْحِ، وأيْضًا حُصُولُ القُدْرَةِ عَلى الأعْمالِ يُشْبِهُ رَأْسَ المالِ، واسْتِعْمالُ تِلْكَ القُوَّةِ في تَحْصِيلِ أعْمالِ البِرِّ والخَيْرِ يُشْبِهُ تَصَرُّفَ التّاجِرِ في رَأْسِ المالِ، وحُصُولُ أعْمالِ الخَيْرِ والبِرِّ يُشْبِهُ الرِّبْحَ، إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّ مَن أعْطاهُ اللَّهُ الحَياةَ والعَقْلَ والتَّمَكُّنَ، ثُمَّ إنَّهُ لَمْ يَسْتَفِدْ مِنها لا مَعْرِفَةَ الحَقِّ ولا عَمَلَ الخَيْرِ ألْبَتَّةَ كانَ مَحْرُومًا عَنِ الرِّبْحِ بِالكُلِّيَّةِ، وإذا ماتَ فَقَدْ ضاعَ رَأْسُ المالِ بِالكُلِّيَّةِ، فَكانَ ذَلِكَ خُسْرانًا، فَهَذا بَيانُ كَوْنِهِ خُسْرانًا.
وأمّا الثّانِي: وهو بَيانُ كَوْنِ ذَلِكَ الخُسْرانِ مُبِينًا، فَهو أنَّ مَن لَمْ يَرْبَحِ الزِّيادَةَ، ولَكِنَّهُ مَعَ ذَلِكَ سَلِمَ مِنَ الآفاتِ والمَضارِّ، فَهَذا كَما لَمْ يَحْصُلْ لَهُ مَزِيدُ نَفْعٍ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ أيْضًا مَزِيدُ ضَرَرٍ، أمّا هَؤُلاءِ الكُفّارُ فَقَدِ اسْتَعْمَلُوا عُقُولَهُمُ الَّتِي هي رَأْسُ مالِهِمْ في اسْتِخْراجِ وُجُوهِ الشُّبُهاتِ، وتَقْوِيَةِ الجَهالاتِ والضَّلالاتِ، واسْتَعْمَلُوا قُواهم وقُدُرَهم في أفْعالِ الشَّرِّ والباطِلِ والفَسادِ، فَهم قَدْ جَمَعُوا بَيْنَ أُمُورٍ في غايَةِ الرَّداءَةِ:
أوَّلُها: أنَّهم أتْعَبُوا أبْدانَهم وعُقُولَهم طَلَبًا في تِلْكَ العَقائِدِ الباطِلَةِ، والأعْمالِ الفاسِدَةِ.
صفحة ٢٢٤
وثانِيها: أنَّهم عِنْدَ المَوْتِ يَضِيعُ عَنْهم رَأْسُ المالِ مِن غَيْرِ فائِدَةٍ.
وثالِثُها: أنَّ تِلْكَ المَتاعِبَ الشَّدِيدَةَ الَّتِي كانَتْ مَوْجُودَةً في الدُّنْيا في نُصْرَةِ تِلْكَ الضَّلالاتِ تَصِيرُ أسْبابًا لِلْعُقُوبَةِ الشَّدِيدَةِ، والبَلاءِ العَظِيمِ بَعْدَ المَوْتِ. وعِنْدَ الوُقُوفِ عَلى هَذِهِ المَعانِي يَظْهَرُ أنَّهُ لا يُعْقَلُ خُسْرانٌ أقْوى مِن خُسْرانِهِمْ، ولا حِرْمانٌ أعْظَمُ مِن حِرْمانِهِمْ، ونَعُوذُ بِاللَّهِ مِنهُ.
ولَمّا شَرَحَ اللَّهُ تَعالى أحْوالَ حِرْمانِهِمْ عَنِ الرِّبْحِ وبَيَّنَ كَيْفِيَّةَ خُسْرانِهِمْ، بَيَّنَ أنَّهم لَمْ يَقْتَصِرُوا عَلى الحِرْمانِ والخُسْرانِ، بَلْ ضَمُّوا إلَيْهِ اسْتِحْقاقَ العَذابِ العَظِيمِ والعِقابِ الشَّدِيدِ، فَقالَ: ﴿لَهم مِن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النّارِ ومِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ والمُرادُ إحاطَةُ النّارِ بِهِمْ مِن جَمِيعِ الجَوانِبِ، ونَظِيرُهُ في الأحْوالِ النَّفْسانِيَّةِ إحاطَةُ الجَهْلِ والحِرْمانِ والحِرْصِ وسائِرِ الأخْلاقِ الذَّمِيمَةِ بِالإنْسانِ، فَإنْ قِيلَ: الظُّلَلُ ما عَلى الإنْسانِ، فَكَيْفَ سُمِّيَ ما تَحْتَهُ بِالظُّلَلِ ؟ والجَوابُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ مِن بابِ إطْلاقِ اسْمِ أحَدِ الضِّدَّيْنِ عَلى الآخَرِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشورى: ٤٠] .
الثّانِي: أنَّ الَّذِي يَكُونُ تَحْتَهُ يَكُونُ ظُلَّةً لِإنْسانٍ آخَرَ تَحْتَهُ، لِأنَّ النّارَ دَرَكاتٌ كَما أنَّ الجَنَّةَ دَرَجاتٌ.
والثّالِثُ: أنَّ الظُّلَّةَ التَّحْتانِيَّةَ إذا كانَتْ مُشابِهَةً لِلظُّلَّةِ الفَوْقانِيَّةِ في الحَرارَةِ والإحْراقِ والإيذاءِ أُطْلِقَ اسْمُ أحَدِهِما عَلى الآخَرِ لِأجْلِ المُماثَلَةِ والمُشابَهَةِ.
قالَ الحَسَنُ: هم بَيْنَ طَبَقَتَيْنِ مِنَ النّارِ، لا يَدْرُونَ ما فَوْقَهم أكْثَرَ مِمّا تَحْتَهم، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَغْشاهُمُ العَذابُ مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٥٥]، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهم مِن جَهَنَّمَ مِهادٌ ومِن فَوْقِهِمْ غَواشٍ﴾ [الأعراف: ٤١] .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ﴾ أيْ ذَلِكَ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِن وصْفِ العَذابِ، فَقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ﴾ مُبْتَدَأٌ، وقَوْلُهُ: ﴿يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ﴾ خَبَرٌ، وفي قَوْلِهِ: ﴿يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ﴾ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: التَّقْدِيرُ: ذَلِكَ العَذابُ المُعَدُّ لِلْكَفّارِ هو الَّذِي يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ أيِ المُؤْمِنِينَ، لِأنّا بَيَّنّا أنَّ لَفْظَ العِبادِ في القُرْآنِ مُخْتَصٌّ بِأهْلِ الإيمانِ، وإنَّما كانَ تَخْوِيفًا لِلْمُؤْمِنِينَ لِأجْلِ أنَّهم إذا سَمِعُوا أنَّ حالَ الكُفّارِ ما تَقَدَّمَ خافُوا فَأخْلَصُوا في التَّوْحِيدِ والطّاعَةِ.
الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ هَذا الكَلامَ في تَقْدِيرِ جَوابٍ عَنْ سُؤالٍ، لِأنَّهُ يُقالُ: إنَّهُ تَعالى غَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ مُنَزَّهٌ عَنِ الشَّهْوَةِ والِانْتِقامِ وداعِيَةِ الإيذاءِ، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِهِ أنْ يُعَذِّبَ هَؤُلاءِ المَساكِينَ إلى هَذا الحَدِّ العَظِيمِ، وأُجِيبَ عَنْهُ بِأنَّ المَقْصُودَ مِنهُ تَخْوِيفُ الكُفّارِ والضُّلّالِ عَنِ الكُفْرِ والضَّلالِ، فَإذا كانَ التَّكْلِيفُ لا يَتِمُّ إلّا بِالتَّخْوِيفِ، والتَّخْوِيفُ لا يَكْمُلُ الِانْتِفاعُ بِهِ إلّا بِإدْخالِ ذَلِكَ الشَّيْءِ في الوُجُودِ وجَبَ إدْخالُ ذَلِكَ النَّوْعِ مِنَ العَذابِ في الوُجُودِ؛ تَحْصِيلًا لِذَلِكَ المَطْلُوبِ الَّذِي هو التَّكْلِيفُ، والوَجْهُ الأوَّلُ عِنْدِي أقْرَبُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ قالَ بَعْدَهُ: ﴿ياعِبادِ فاتَّقُونِ﴾، وقَوْلُهُ: ﴿ياعِبادِ﴾ الأظْهَرُ مِنهُ أنَّ المُرادَ مِنهُ المُؤْمِنُونَ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: المَقْصُودُ مِن شَرْحِ عَذابِ الكُفّارِ لِلْمُؤْمِنِينَ تَخْوِيفُ المُؤْمِنِينَ، فَيا أيُّها المُؤْمِنُونَ بالِغُوا في الخَوْفِ والحَذَرِ والتَّقْوى.
الزمر 39:14
صفحة ٢٢٠
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ ياعِبادِي الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكم لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ وأرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ إنَّما يُوَفّى الصّابِرُونَ أجْرَهم بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ ﴿قُلْ إنِّي أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ ﴿وأُمِرْتُ لِأنْ أكُونَ أوَّلَ المُسْلِمِينَ﴾ ﴿قُلْ إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿قُلِ اللَّهَ أعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي فاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِن دُونِهِ قُلْ إنَّ الخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وأهْلِيهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ ألا ذَلِكَ هو الخُسْرانُ المُبِينُ﴾ ﴿لَهم مِن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النّارِ ومِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ ياعِبادِ فاتَّقُونِ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ نَفْيَ المُساواةِ بَيْنَ مَن يَعْلَمُ وبَيْنَ مَن لا يَعْلَمُ، أتْبَعَهُ بِأنْ أمَرَ رَسُولَهُ بِأنْ يُخاطِبَ المُؤْمِنِينَ بِأنْواعٍ مِنَ الكَلامِ:
النَّوْعُ الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿قُلْ يا عِبادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾ والمُرادُ أنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِأنْ يَضُمُّوا إلى الإيمانِ التَّقْوى، وهَذا مِن أوَّلِ الدَّلائِلِ عَلى أنَّ الإيمانَ يَبْقى مَعَ المَعْصِيَةِ، قالَ القاضِي: أمَرَهم بِالتَّقْوى لِكَيْلا يُحْبِطُوا إيمانَهم، لِأنَّ عِنْدَ الِاتِّقاءِ مِنَ الكَبائِرِ يَسْلَمُ لَهُمُ الثَّوابُ، وبِالإقْدامِ عَلَيْها يُحْبَطُ، فَيُقالُ لَهُ: هَذا بِأنْ يَدُلَّ عَلى ضِدِّ قَوْلِكَ أوْلى، لِأنَّهُ لَمّا أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِالتَّقْوى دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ يَبْقى مُؤْمِنًا مَعَ عَدَمِ التَّقْوى، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الفِسْقَ لا يُزِيلُ الإيمانَ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِالِاتِّقاءِ بَيَّنَ لَهم ما في هَذا الِاتِّقاءِ مِنَ الفَوائِدِ، فَقالَ تَعالى: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ﴾، فَقَوْلُهُ: ﴿فِي هَذِهِ الدُّنْيا﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ صِلَةً لِقَوْلِهِ: ﴿أحْسَنُوا﴾ أوْ لِـ”حَسَنَةٌ“، فَعَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ - مَعْناهُ: لِلَّذِينِ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا كُلُّهم حَسَنَةٌ في الآخِرَةِ، وهي دُخُولُ الجَنَّةِ، والتَّنْكِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿حَسَنَةٌ﴾ لِلتَّعْظِيمِ، يَعْنِي: حَسَنَةٌ لا يَصِلُ العَقْلُ إلى كُنْهِ كَمالِها.
وأمّا عَلى التَّقْدِيرِ الثّانِي - فَمَعْناهُ: الَّذِينَ أحْسَنُوا فَلَهم في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ، والقائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ قالُوا: هَذِهِ الحَسَنَةُ هي الصِّحَّةُ والعافِيَةُ، وأقُولُ: الأوْلى أنْ تُحْمَلَ عَلى الثَّلاثَةِ المَذْكُورَةِ في قَوْلِهِ ﷺ: «ثَلاثَةٌ لَيْسَ لَها نِهايَةٌ: الأمْنُ والصِّحَّةُ والكِفايَةُ»، ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: القَوْلُ الأوَّلُ أوْلى، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ التَّنْكِيرَ في قَوْلِهِ: ﴿حَسَنَةٌ﴾ يَدُلُّ عَلى النِّهايَةِ والجَلالَةِ والرِّفْعَةِ، وذَلِكَ لا يَلِيقُ بِأحْوالِ الدُّنْيا، فَإنَّها خَسِيسَةٌ ومُنْقَطِعَةٌ، وإنَّما يَلِيقُ بِأحْوالِ الآخِرَةِ، فَإنَّها شَرِيفَةٌ وآمِنَةٌ مِنَ الِانْقِضاءِ والِانْقِراضِ.
والثّانِي: أنَّ ثَوابَ المُحْسِنِ بِالتَّوْحِيدِ والأعْمالِ الصّالِحَةِ إنَّما يَحْصُلُ في الآخِرَةِ، قالَ تَعالى: ﴿اليَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ [غافر: ١٧] وأيْضًا فَنِعْمَةُ الدُّنْيا مِنَ الصِّحَّةِ والأمْنِ والكِفايَةِ حاصِلَةٌ لِلْكُفّارِ، وأيْضًا فَحُصُولُها لِلْكافِرِ أكْثَرُ وأتَمُّ مِن حُصُولِها لِلْمُؤْمِنِ، كَما قالَ ﷺ: «الدُّنْيا سِجْنُ المُؤْمِنِ وجَنَّةُ الكافِرِ»، وقالَ تَعالى: ﴿لَجَعَلْنا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِن فَضَّةٍ ومَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ﴾ [الزخرف: ٣٣] .
الثّالِثُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ، بِمَعْنى أنَّهُ يُفِيدُ أنَّ حَسَنَةَ هَذِهِ الدُّنْيا لا تَحْصُلُ إلّا لِلَّذِينِ أحْسَنُوا، وهَذا باطِلٌ، أمّا لَوْ حَمَلْنا هَذِهِ الحَسَنَةَ عَلى حَسَنَةِ الآخِرَةِ صَحَّ هَذا الحَصْرُ، فَكَأنَّ حَمْلَهُ عَلى حَسَنَةِ الآخِرَةِ أوْلى، ثُمَّ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وأرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ﴾، وفِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: المُرادُ أنَّهُ لا عُذْرَ ألْبَتَّةَ لِلْمُقَصِّرِينَ في الإحْسانِ، حَتّى إنَّهم إنِ اعْتَلُّوا بِأوْطانِهِمْ وبِلادِهِمْ، وأنَّهم لا يَتَمَكَّنُونَ فِيها مِنَ التَّوْفِرَةِ عَلى الإحْسانِ وصَرْفِ الهِمَمِ إلَيْهِ، قُلْ لَهم: فَإنَّ أرْضَ اللَّهِ واسِعَةٌ وبِلادَهُ كَثِيرَةٌ، فَتَحَوَّلُوا مِن هَذِهِ البِلادِ إلى بِلادٍ تَقْدِرُونَ فِيها عَلى الِاشْتِغالِ بِالطّاعاتِ والعِباداتِ، واقْتَدُوا بِالأنْبِياءِ والصّالِحِينَ
صفحة ٢٢١
فِي مُهاجَرَتِهِمْ إلى غَيْرِ بِلادِهِمْ، لِيَزْدادُوا إحْسانًا إلى إحْسانِهِمْ، وطاعَةً إلى طاعَتِهِمْ، والمَقْصُودُ مِنهُ التَّرْغِيبُ في الهِجْرَةِ مِن مَكَّةَ إلى المَدِينَةِ، والصَّبْرِ عَلى مُفارَقَةِ الوَطَنِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنّا مُسْتَضْعَفِينَ في الأرْضِ قالُوا ألَمْ تَكُنْ أرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها﴾ [النساء: ٩٧] .
والقَوْلُ الثّانِي: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: لا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الأرْضِ أرْضَ الجَنَّةِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِالتَّقْوى، وهي خَشْيَةُ اللَّهِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ مَنِ اتَّقى فَلَهُ في الآخِرَةِ الحَسَنَةُ، وهي الخُلُودُ في الجَنَّةِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ أرْضَ اللَّهِ - أيْ جَنَّتَهُ - واسِعَةٌ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿نَتَبَوَّأُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ﴾ [الزمر: ٧٤]، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَنَّةٍ عَرْضُها السَّماواتُ والأرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣]، والقَوْلُ الأوَّلُ عِنْدِي أوْلى، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنَّما يُوَفّى الصّابِرُونَ أجْرَهم بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ لا يَلِيقُ إلّا بِالأوَّلِ، وفي هَذِهِ الآيَةِ مَسائِلُ:
* * *
المَسْألَةُ الأُولى: أمّا تَحْقِيقُ الكَلامِ في ماهِيَّةِ الصَّبْرِ فَقَدْ ذَكَرْناهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ، والمُرادُ هَهُنا بِالصّابِرِينَ الَّذِينَ صَبَرُوا عَلى مُفارَقَةِ أوْطانِهِمْ وعَشائِرِهِمْ، وعَلى تَجَرُّعِ الغُصَصِ، واحْتِمالِ البَلايا في طاعَةِ اللَّهِ تَعالى.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: تَسْمِيَةُ المَنافِعِ الَّتِي وعَدَ اللَّهُ بِها عَلى الصَّبْرِ بِالأجْرِ تُوهِمُ أنَّ العَمَلَ عَلى الثَّوابِ، لِأنَّ الأجْرَ هو المُسْتَحَقُّ، إلّا أنَّهُ قامَتِ الدَّلائِلُ القاهِرَةُ عَلى أنَّ العَمَلَ لَيْسَ عَلَيْهِ الثَّوابُ، فَوَجَبَ حَمْلُ لَفْظِ الأجْرِ عَلى كَوْنِهِ أجْرًا بِحَسَبِ الوَعْدِ، لا بِحَسَبِ الِاسْتِحْقاقِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أنَّهُ تَعالى وصَفَ ذَلِكَ الأجْرَ بِأنَّهُ بِغَيْرِ حِسابٍ، وفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: قالَ الجُبّائِيُّ: المَعْنى أنَّهم يُعْطَوْنَ ما يَسْتَحِقُّونَ ويَزْدادُونَ تَفَضُّلًا، فَهو بِغَيْرِ حِسابٍ، ولَوْ لَمْ يُعْطَوْا إلّا المُسْتَحَقَّ لَكانَ ذَلِكَ حِسابًا، قالَ القاضِي: هَذا لَيْسَ بِصَحِيحٍ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى وصَفَ الأجْرَ بِأنَّهُ بِغَيْرِ حِسابٍ، ولَوْ لَمْ يُعْطَوْا إلّا الأجْرَ المُسْتَحَقَّ، والأجْرُ غَيْرُ التَّفَضُّلِ.
الثّانِي: أنَّ الثَّوابَ لَهُ صِفاتٌ ثَلاثَةٌ:
إحْداها: أنَّها تَكُونُ دائِمَةَ الأجْرِ لَهم، وقَوْلُهُ: ﴿بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ مَعْناهُ بِغَيْرِ نِهايَةٍ، لِأنَّ كُلَّ شَيْءٍ دَخَلَ تَحْتَ الحِسابِ فَهو مُتَناهٍ، فَما لا نِهايَةَ لَهُ كانَ خارِجًا عَنِ الحِسابِ.
وثانِيها: أنَّها تَكُونُ مَنافِعَ كامِلَةً في أنْفُسِها، وعَقْلُ المُطِيعِ ما كانَ يَصِلُ إلى كُنْهِ ذَلِكَ الثَّوابِ، قالَ ﷺ: «إنَّ في الجَنَّةِ ما لا عَيْنٌ رَأتْ، ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ، ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ» وكُلُّ ما يُشاهِدُونَهُ مِن أنْواعِ الثَّوابِ وجَدُوهُ أزْيَدَ مِمّا تَصَوَّرُوهُ وتَوَقَّعُوهُ، وما لا يَتَوَقَّعُهُ الإنْسانُ، فَقَدْ يُقالُ: إنَّهُ لَيْسَ في حِسابِهِ، فَقَوْلُهُ: ﴿بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ مَحْمُولٌ عَلى هَذا المَعْنى، والوَجْهُ الثّالِثُ في التَّأْوِيلِ أنَّ ثَوابَ أهْلِ البَلاءِ لا يُقَدَّرُ بِالمِيزانِ والمِكْيالِ، رَوى صاحِبُ ”الكَشّافِ“ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «يَنْصِبُ اللَّهُ المَوازِينَ يَوْمَ القِيامَةِ، فَيُؤْتى أهْلُ الصَّلاةِ فَيُوَفَّوْنَ أُجُورَهم بِالمَوازِينِ، ويُؤْتى بِأهْلِ الصَّدَقَةِ فَيُوَفَّوْنَ أُجُورَهم بِالمَوازِينِ، ويُؤْتى بِأهْلِ البَلاءِ فَلا يُنْصَبُ لَهم مِيزانٌ، ولا يُنْشَرُ لَهم دِيوانٌ، ويُصَبُّ عَلَيْهِمُ الأجْرُ صَبًّا»، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّما يُوَفّى الصّابِرُونَ أجْرَهم بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ حَتّى يَتَمَنّى أهْلُ العافِيَةِ في الدُّنْيا أنَّ أجْسادَهم تُقْرَضُ بِالمَقارِيضِ لِما بِهِ أهْلُ البَلاءِ مِنَ الفَضْلِ.
النَّوْعُ الثّانِي: مِنَ البَياناتِ الَّتِي أمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ أنْ يَذْكُرَها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنِّي أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾، قالَ مُقاتِلٌ: إنَّ كُفّارَ قُرَيْشٍ قالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ: ما يَحْمِلُكَ عَلى هَذا الدِّينِ الَّذِي أتَيْتَنا بِهِ ؟ ألا تَنْظُرُ إلى مِلَّةِ أبِيكَ وجَدِّكَ وساداتِ قَوْمِكَ، يَعْبُدُونَ اللّاتَ والعُزّى، فَأنْزَلَ اللَّهُ ”قُلْ يا مُحَمَّدُ إنِّي أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ
صفحة ٢٢٢
الدِّينَ“، وأقُولُ: إنَّ التَّكْلِيفَ نَوْعانِ:
أحَدُهُما: الأمْرُ بِالِاحْتِرازِ عَمّا لا يَنْبَغِي.
والثّانِي: الأمْرُ بِتَحْصِيلِ ما يَنْبَغِي، والمَرْتَبَةُ الأُولى مُقَدَّمَةٌ عَلى المَرْتَبَةِ الثّانِيَةِ بِحَسَبِ الرُّتْبَةِ الواجِبَةِ اللّازِمَةِ، إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّهُ تَعالى قَدَّمَ الأمْرَ بِإزالَةِ ما يَنْبَغِي، فَقالَ: ﴿اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾ لِأنَّ التَّقْوى هي الِاحْتِرازُ عَمّا لا يَنْبَغِي، ثُمَّ ذَكَرَ عَقِيبَهُ الأمْرَ بِتَحْصِيلِ ما يَنْبَغِي فَقالَ: ﴿إنِّي أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ وهَذا يَشْتَمِلُ عَلى قَيْدَيْنِ:
أحَدُهُما: الأمْرُ بِعِبادَةِ اللَّهِ.
الثّانِي: كَوْنُ تِلْكَ العِبادَةِ خالِصَةً عَنْ شَوائِبِ الشِّرْكِ الجَلِيِّ، وشَوائِبِ الشِّرْكِ الخَفِيِّ، وإنَّما خَصَّ اللَّهُ تَعالى الرَّسُولَ بِهَذا الأمْرِ لِيُنَبِّهَ عَلى أنَّ غَيْرَهُ بِذَلِكَ أحَقُّ فَهو كالتَّرْغِيبِ لِلْغَيْرِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأُمِرْتُ لِأنْ أكُونَ أوَّلَ المُسْلِمِينَ﴾ لا شُبْهَةَ في أنَّ المُرادَ أنِّي أوَّلُ مَن تَمَسَّكَ بِالعِباداتِ الَّتِي أُرْسِلْتُ بِها، وفي هَذِهِ الآيَةِ فائِدَتانِ:
الفائِدَةُ الأُولى: كَأنَّهُ يَقُولُ: إنِّي لَسْتُ مِنَ المُلُوكِ الجَبابِرَةِ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ النّاسَ بِأشْياءَ وهم لا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ، بَلْ كُلُّ ما أمَرْتُكم بِهِ فَأنا أوَّلُ النّاسِ شُرُوعًا فِيهِ، وأكْثَرُهم مُداوَمَةً عَلَيْهِ.
الفائِدَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ قالَ: ﴿إنِّي أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ﴾ والعِبادَةُ لَها رُكْنانِ: عَمَلُ القَلْبِ، وعَمَلُ الجَوارِحِ، وعَمَلُ القَلْبِ أشْرَفُ مِن عَمَلِ الجَوارِحِ، فَقَدَّمَ ذِكْرَ الجُزْءَ الأشْرَفَ، وهو قَوْلُهُ: ﴿مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ ثُمَّ ذَكَرَ عَقِيبَهُ الأدْوَنَ، وهو عَمَلُ الجَوارِحِ، وهو الإسْلامُ، فَإنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَسَّرَ الإسْلامَ في خَبَرِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالأعْمالِ الظّاهِرَةِ، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿وأُمِرْتُ لِأنْ أكُونَ أوَّلَ المُسْلِمِينَ﴾ ولَيْسَ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: ما الفائِدَةُ في تَكْرِيرِ لِفْظِ ”أُمِرْتُ“ لِأنّا نَقُولُ: ذَكَرَ لَفْظَ ”أُمِرْتُ“ أوَّلًا في عَمَلِ القَلْبِ، وثانِيًا في عَمَلِ الجَوارِحِ، ولا يَكُونُ هَذا تَكْرِيرًا.
الفائِدَةُ الثّالِثَةُ في قَوْلِهِ: ﴿وأُمِرْتُ لِأنْ أكُونَ أوَّلَ المُسْلِمِينَ﴾ التَّنْبِيهُ عَلى كَوْنِهِ رَسُولًا مِن عِنْدِ اللَّهِ واجِبَ الطّاعَةِ، لِأنَّ أوَّلَ المُسْلِمِينَ في شَرائِعِ اللَّهِ لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ إلّا رَسُولَ اللَّهِ، لِأنَّ أوَّلَ مَن يَعْرِفُ تِلْكَ الشَّرائِعَ والتَّكالِيفَ هو الرَّسُولُ المُبَلِّغُ، ولَمّا بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أمْرَهُ بِالإخْلاصِ بِالقَلْبِ وبِالأعْمالِ المَخْصُوصَةِ، وكانَ الأمْرُ يَحْتَمِلُ الوُجُوبَ ويَحْتَمِلُ النَّدْبَ بَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ الأمْرَ لِلْوُجُوبِ فَقالَ: ﴿قُلْ إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾، وفِيهِ فَوائِدُ:
الفائِدَةُ الأُولى: أنَّ اللَّهَ أمَرَ مُحَمَّدًا ﷺ أنْ يُجْرِيَ هَذا الكَلامَ عَلى نَفْسِهِ، والمَقْصُودُ مِنهُ المُبالَغَةُ في زَجْرِ الغَيْرِ عَنِ المَعاصِي، لِأنَّهُ مَعَ جَلالَةِ قَدْرِهِ وشَرَفِ نُبُوَّتِهِ إذا وجَبَ أنْ يَكُونَ خائِفًا حَذِرًا عَنِ المَعاصِي، فَغَيْرُهُ بِذَلِكَ أوْلى.
الفائِدَةُ الثّانِيَةُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ المُرَتَّبَ عَلى المَعْصِيَةِ لَيْسَ حُصُولَ العِقابِ، بَلِ الخَوْفَ مِنَ العِقابِ، وهَذا يُطابِقُ قَوْلَنا: إنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ يَعْفُو عَنِ المُذْنِبِ والكَبِيرَةِ، فَيَكُونُ اللّازِمُ عِنْدَ حُصُولِ المَعْصِيَةِ هو الخَوْفُ مِنَ العِقابِ لا نَفْسَ حُصُولِ العِقابِ.
الفائِدَةُ الثّالِثَةُ: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ ظاهِرَ الأمْرِ لِلْوُجُوبِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ قالَ في أوَّلِ الآيَةِ: ﴿إنِّي أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ﴾ ثُمَّ قالَ بَعْدَهُ: ﴿قُلْ إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ فَيَكُونُ مَعْنى هَذا العِصْيانِ تَرْكَ الأمْرِ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وذَلِكَ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ تارِكُ الأمْرِ عاصِيًا، والعاصِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الخَوْفُ مِنَ العِقابِ، ولا مَعْنى لِلْوُجُوبِ إلّا ذَلِكَ.
صفحة ٢٢٣
النَّوْعُ الثّالِثُ: مِنَ الأشْياءِ الَّتِي أمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ أنْ يَذْكُرَها قَوْلُهُ: ﴿قُلِ اللَّهَ أعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ فَإنْ قِيلَ: ما مَعْنى التَّكْرِيرِ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنِّي أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿قُلِ اللَّهَ أعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ ؟، قُلْنا: هَذا لَيْسَ بِتَكْرِيرٍ، لِأنَّ الأوَّلَ إخْبارٌ بِأنَّهُ مَأْمُورٌ مِن جِهَةِ اللَّهِ بِالإتْيانِ بِالعِبادَةِ، والثّانِي إخْبارٌ بِأنَّهُ أُمِرَ بِأنْ لا يَعْبُدَ أحَدًا غَيْرَهُ، وذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ﴾ لا يُفِيدُ الحَصْرَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلِ اللَّهَ أعْبُدُ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ، يَعْنِي: اللَّهَ أعْبُدُ ولا أعْبُدُ أحَدًا سِواهُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ لَمّا قالَ بَعْدُ: ﴿قُلِ اللَّهَ أعْبُدُ﴾ قالَ بَعْدَهُ: ﴿فاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِن دُونِهِ﴾ ولا شُبْهَةَ في أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِن دُونِهِ﴾ لَيْسَ أمْرًا، بَلِ المُرادُ مِنهُ الزَّجْرُ، كَأنَّهُ يَقُولُ: لَمّا بَلَغَ البَيانُ في وُجُوبِ رِعايَةِ التَّوْحِيدِ إلى الغايَةِ القُصْوى، فَبَعْدَ ذَلِكَ أنْتُمْ أعْرَفُ بِأنْفُسِكم، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى كَمالَ الزَّجْرِ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنَّ الخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ﴾ لِوُقُوعِها في هَلاكٍ لا يُعْقَلُ هَلاكٌ أعْظَمُ مِنهُ، وخَسِرُوا أهْلِيهِمْ أيْضًا، لِأنَّهم إنْ كانُوا مِن أهْلِ النّارِ فَقَدْ خَسِرُوهم كَما خَسِرُوا أنْفُسَهم، وإنْ كانُوا مِن أهْلِ الجَنَّةِ فَقَدْ ذَهَبُوا عَنْهم ذَهابًا لا رُجُوعَ بَعْدَهُ ألْبَتَّةَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّ لِكُلِّ رَجُلٍ مَنزِلًا وأهْلًا وخَدَمًا في الجَنَّةِ، فَإنْ أطاعَ أُعْطِيَ ذَلِكَ، وإنْ كانَ مِن أهْلِ النّارِ حُرِمَ ذَلِكَ، فَخَسِرَ نَفْسَهُ وأهْلَهُ ومَنزِلَهُ، ووَرِثَهُ غَيْرُهُ مِنَ المُسْلِمِينَ، والخاسِرُ المَغْبُونُ، ولَمّا شَرَحَ اللَّهُ خُسْرانَهم وصَفَ ذَلِكَ الخُسْرانَ بِغايَةِ الفَظاعَةِ فَقالَ: ﴿ألا ذَلِكَ هو الخُسْرانُ المُبِينُ﴾ كانَ التَّكْرِيرُ لِأجْلِ التَّأْكِيدِ.
الثّانِي: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في أوَّلِ هَذِهِ الكَلِمَةِ حَرْفَ ”ألا“ وهو لِلتَّنْبِيهِ، وذِكْرُ التَّنْبِيهِ في هَذا المَوْضِعِ يَدُلُّ عَلى التَّعْظِيمِ، كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّهُ بَلَغَ في العَظَمَةِ إلى حَيْثُ لا تَصِلُ عُقُولُكم إلَيْها فَتَنَبَّهُوا لَها.
الثّالِثُ: أنَّ كَلِمَةَ ”هو“ في قَوْلِهِ: ﴿هُوَ الخُسْرانُ المُبِينُ﴾ تُفِيدُ الحَصْرَ، كَأنَّهُ قِيلَ: كُلُّ خُسْرانٍ فَإنَّهُ يَصِيرُ في مُقابَلَتِهِ كَلا خُسْرانٍ.
الرّابِعُ: وصْفُهُ بِكَوْنِهِ مُبِينًا يَدُلُّ عَلى التَّهْوِيلِ، وأقُولُ: قَدْ بَيَّنّا أنَّ لَفْظَ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ خُسْرانًا مُبِينًا، فَلْنُبَيِّنْ بِحَسَبِ المَباحِثِ العَقْلِيَّةِ كَوْنَهُ خُسْرانًا مُبِينًا، وأقُولُ: نَفْتَقِرُ إلى بَيانِ أمْرَيْنِ: إلى أنْ يَكُونَ خُسْرانًا، ثُمَّ كَوْنِهِ مُبِينًا. أمّا الأوَّلُ فَتَقْرِيرُهُ أنَّهُ تَعالى أعْطى هَذِهِ الحَياةَ وأعْطى العَقْلَ، وأعْطى المُكْنَةَ، وكُلُّ ذَلِكَ رَأْسُ المالِ، أمّا هَذِهِ الحَياةُ فالمَقْصُودُ مِنها أنْ يَكْتَسِبَ فِيها الحَياةَ الطَّيِّبَةَ في الآخِرَةِ.
* * *
وأمّا العَقْلُ فَإنَّهُ عِبارَةٌ عَنِ العُلُومِ البَدِيهِيَّةِ، وهَذِهِ العُلُومُ هي رَأْسُ المالِ، والنَّظَرُ والفِكْرُ لا مَعْنى لَهُ إلّا تَرْتِيبُ عُلُومٍ لِيُتَوَصَّلَ بِذَلِكَ التَّرْتِيبِ إلى تَحْصِيلِ عُلُومٍ كَسْبِيَّةٍ، فَتِلْكَ العُلُومُ البَدِيهِيَّةُ المُسَمّاةُ بِالعَقْلِ رَأْسُ المالِ وتَرْكِيبُها عَلى الوُجُوهِ المَخْصُوصَةِ يُشْبِهُ تَصَرُّفَ التّاجِرِ في رَأْسِ المالِ، وتَرْكِيبُها عَلى الوُجُوهِ بِالبَيْعِ والشِّراءِ، وحُصُولُ العِلْمِ بِالنَّتِيجَةِ يُشْبِهُ حُصُولَ الرِّبْحِ، وأيْضًا حُصُولُ القُدْرَةِ عَلى الأعْمالِ يُشْبِهُ رَأْسَ المالِ، واسْتِعْمالُ تِلْكَ القُوَّةِ في تَحْصِيلِ أعْمالِ البِرِّ والخَيْرِ يُشْبِهُ تَصَرُّفَ التّاجِرِ في رَأْسِ المالِ، وحُصُولُ أعْمالِ الخَيْرِ والبِرِّ يُشْبِهُ الرِّبْحَ، إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّ مَن أعْطاهُ اللَّهُ الحَياةَ والعَقْلَ والتَّمَكُّنَ، ثُمَّ إنَّهُ لَمْ يَسْتَفِدْ مِنها لا مَعْرِفَةَ الحَقِّ ولا عَمَلَ الخَيْرِ ألْبَتَّةَ كانَ مَحْرُومًا عَنِ الرِّبْحِ بِالكُلِّيَّةِ، وإذا ماتَ فَقَدْ ضاعَ رَأْسُ المالِ بِالكُلِّيَّةِ، فَكانَ ذَلِكَ خُسْرانًا، فَهَذا بَيانُ كَوْنِهِ خُسْرانًا.
وأمّا الثّانِي: وهو بَيانُ كَوْنِ ذَلِكَ الخُسْرانِ مُبِينًا، فَهو أنَّ مَن لَمْ يَرْبَحِ الزِّيادَةَ، ولَكِنَّهُ مَعَ ذَلِكَ سَلِمَ مِنَ الآفاتِ والمَضارِّ، فَهَذا كَما لَمْ يَحْصُلْ لَهُ مَزِيدُ نَفْعٍ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ أيْضًا مَزِيدُ ضَرَرٍ، أمّا هَؤُلاءِ الكُفّارُ فَقَدِ اسْتَعْمَلُوا عُقُولَهُمُ الَّتِي هي رَأْسُ مالِهِمْ في اسْتِخْراجِ وُجُوهِ الشُّبُهاتِ، وتَقْوِيَةِ الجَهالاتِ والضَّلالاتِ، واسْتَعْمَلُوا قُواهم وقُدُرَهم في أفْعالِ الشَّرِّ والباطِلِ والفَسادِ، فَهم قَدْ جَمَعُوا بَيْنَ أُمُورٍ في غايَةِ الرَّداءَةِ:
أوَّلُها: أنَّهم أتْعَبُوا أبْدانَهم وعُقُولَهم طَلَبًا في تِلْكَ العَقائِدِ الباطِلَةِ، والأعْمالِ الفاسِدَةِ.
صفحة ٢٢٤
وثانِيها: أنَّهم عِنْدَ المَوْتِ يَضِيعُ عَنْهم رَأْسُ المالِ مِن غَيْرِ فائِدَةٍ.
وثالِثُها: أنَّ تِلْكَ المَتاعِبَ الشَّدِيدَةَ الَّتِي كانَتْ مَوْجُودَةً في الدُّنْيا في نُصْرَةِ تِلْكَ الضَّلالاتِ تَصِيرُ أسْبابًا لِلْعُقُوبَةِ الشَّدِيدَةِ، والبَلاءِ العَظِيمِ بَعْدَ المَوْتِ. وعِنْدَ الوُقُوفِ عَلى هَذِهِ المَعانِي يَظْهَرُ أنَّهُ لا يُعْقَلُ خُسْرانٌ أقْوى مِن خُسْرانِهِمْ، ولا حِرْمانٌ أعْظَمُ مِن حِرْمانِهِمْ، ونَعُوذُ بِاللَّهِ مِنهُ.
ولَمّا شَرَحَ اللَّهُ تَعالى أحْوالَ حِرْمانِهِمْ عَنِ الرِّبْحِ وبَيَّنَ كَيْفِيَّةَ خُسْرانِهِمْ، بَيَّنَ أنَّهم لَمْ يَقْتَصِرُوا عَلى الحِرْمانِ والخُسْرانِ، بَلْ ضَمُّوا إلَيْهِ اسْتِحْقاقَ العَذابِ العَظِيمِ والعِقابِ الشَّدِيدِ، فَقالَ: ﴿لَهم مِن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النّارِ ومِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ والمُرادُ إحاطَةُ النّارِ بِهِمْ مِن جَمِيعِ الجَوانِبِ، ونَظِيرُهُ في الأحْوالِ النَّفْسانِيَّةِ إحاطَةُ الجَهْلِ والحِرْمانِ والحِرْصِ وسائِرِ الأخْلاقِ الذَّمِيمَةِ بِالإنْسانِ، فَإنْ قِيلَ: الظُّلَلُ ما عَلى الإنْسانِ، فَكَيْفَ سُمِّيَ ما تَحْتَهُ بِالظُّلَلِ ؟ والجَوابُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ مِن بابِ إطْلاقِ اسْمِ أحَدِ الضِّدَّيْنِ عَلى الآخَرِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشورى: ٤٠] .
الثّانِي: أنَّ الَّذِي يَكُونُ تَحْتَهُ يَكُونُ ظُلَّةً لِإنْسانٍ آخَرَ تَحْتَهُ، لِأنَّ النّارَ دَرَكاتٌ كَما أنَّ الجَنَّةَ دَرَجاتٌ.
والثّالِثُ: أنَّ الظُّلَّةَ التَّحْتانِيَّةَ إذا كانَتْ مُشابِهَةً لِلظُّلَّةِ الفَوْقانِيَّةِ في الحَرارَةِ والإحْراقِ والإيذاءِ أُطْلِقَ اسْمُ أحَدِهِما عَلى الآخَرِ لِأجْلِ المُماثَلَةِ والمُشابَهَةِ.
قالَ الحَسَنُ: هم بَيْنَ طَبَقَتَيْنِ مِنَ النّارِ، لا يَدْرُونَ ما فَوْقَهم أكْثَرَ مِمّا تَحْتَهم، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَغْشاهُمُ العَذابُ مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٥٥]، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهم مِن جَهَنَّمَ مِهادٌ ومِن فَوْقِهِمْ غَواشٍ﴾ [الأعراف: ٤١] .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ﴾ أيْ ذَلِكَ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِن وصْفِ العَذابِ، فَقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ﴾ مُبْتَدَأٌ، وقَوْلُهُ: ﴿يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ﴾ خَبَرٌ، وفي قَوْلِهِ: ﴿يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ﴾ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: التَّقْدِيرُ: ذَلِكَ العَذابُ المُعَدُّ لِلْكَفّارِ هو الَّذِي يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ أيِ المُؤْمِنِينَ، لِأنّا بَيَّنّا أنَّ لَفْظَ العِبادِ في القُرْآنِ مُخْتَصٌّ بِأهْلِ الإيمانِ، وإنَّما كانَ تَخْوِيفًا لِلْمُؤْمِنِينَ لِأجْلِ أنَّهم إذا سَمِعُوا أنَّ حالَ الكُفّارِ ما تَقَدَّمَ خافُوا فَأخْلَصُوا في التَّوْحِيدِ والطّاعَةِ.
الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ هَذا الكَلامَ في تَقْدِيرِ جَوابٍ عَنْ سُؤالٍ، لِأنَّهُ يُقالُ: إنَّهُ تَعالى غَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ مُنَزَّهٌ عَنِ الشَّهْوَةِ والِانْتِقامِ وداعِيَةِ الإيذاءِ، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِهِ أنْ يُعَذِّبَ هَؤُلاءِ المَساكِينَ إلى هَذا الحَدِّ العَظِيمِ، وأُجِيبَ عَنْهُ بِأنَّ المَقْصُودَ مِنهُ تَخْوِيفُ الكُفّارِ والضُّلّالِ عَنِ الكُفْرِ والضَّلالِ، فَإذا كانَ التَّكْلِيفُ لا يَتِمُّ إلّا بِالتَّخْوِيفِ، والتَّخْوِيفُ لا يَكْمُلُ الِانْتِفاعُ بِهِ إلّا بِإدْخالِ ذَلِكَ الشَّيْءِ في الوُجُودِ وجَبَ إدْخالُ ذَلِكَ النَّوْعِ مِنَ العَذابِ في الوُجُودِ؛ تَحْصِيلًا لِذَلِكَ المَطْلُوبِ الَّذِي هو التَّكْلِيفُ، والوَجْهُ الأوَّلُ عِنْدِي أقْرَبُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ قالَ بَعْدَهُ: ﴿ياعِبادِ فاتَّقُونِ﴾، وقَوْلُهُ: ﴿ياعِبادِ﴾ الأظْهَرُ مِنهُ أنَّ المُرادَ مِنهُ المُؤْمِنُونَ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: المَقْصُودُ مِن شَرْحِ عَذابِ الكُفّارِ لِلْمُؤْمِنِينَ تَخْوِيفُ المُؤْمِنِينَ، فَيا أيُّها المُؤْمِنُونَ بالِغُوا في الخَوْفِ والحَذَرِ والتَّقْوى.
الزمر 39:15
صفحة ٢٢٠
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ ياعِبادِي الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكم لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ وأرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ إنَّما يُوَفّى الصّابِرُونَ أجْرَهم بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ ﴿قُلْ إنِّي أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ ﴿وأُمِرْتُ لِأنْ أكُونَ أوَّلَ المُسْلِمِينَ﴾ ﴿قُلْ إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿قُلِ اللَّهَ أعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي فاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِن دُونِهِ قُلْ إنَّ الخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وأهْلِيهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ ألا ذَلِكَ هو الخُسْرانُ المُبِينُ﴾ ﴿لَهم مِن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النّارِ ومِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ ياعِبادِ فاتَّقُونِ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ نَفْيَ المُساواةِ بَيْنَ مَن يَعْلَمُ وبَيْنَ مَن لا يَعْلَمُ، أتْبَعَهُ بِأنْ أمَرَ رَسُولَهُ بِأنْ يُخاطِبَ المُؤْمِنِينَ بِأنْواعٍ مِنَ الكَلامِ:
النَّوْعُ الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿قُلْ يا عِبادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾ والمُرادُ أنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِأنْ يَضُمُّوا إلى الإيمانِ التَّقْوى، وهَذا مِن أوَّلِ الدَّلائِلِ عَلى أنَّ الإيمانَ يَبْقى مَعَ المَعْصِيَةِ، قالَ القاضِي: أمَرَهم بِالتَّقْوى لِكَيْلا يُحْبِطُوا إيمانَهم، لِأنَّ عِنْدَ الِاتِّقاءِ مِنَ الكَبائِرِ يَسْلَمُ لَهُمُ الثَّوابُ، وبِالإقْدامِ عَلَيْها يُحْبَطُ، فَيُقالُ لَهُ: هَذا بِأنْ يَدُلَّ عَلى ضِدِّ قَوْلِكَ أوْلى، لِأنَّهُ لَمّا أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِالتَّقْوى دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ يَبْقى مُؤْمِنًا مَعَ عَدَمِ التَّقْوى، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الفِسْقَ لا يُزِيلُ الإيمانَ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِالِاتِّقاءِ بَيَّنَ لَهم ما في هَذا الِاتِّقاءِ مِنَ الفَوائِدِ، فَقالَ تَعالى: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ﴾، فَقَوْلُهُ: ﴿فِي هَذِهِ الدُّنْيا﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ صِلَةً لِقَوْلِهِ: ﴿أحْسَنُوا﴾ أوْ لِـ”حَسَنَةٌ“، فَعَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ - مَعْناهُ: لِلَّذِينِ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا كُلُّهم حَسَنَةٌ في الآخِرَةِ، وهي دُخُولُ الجَنَّةِ، والتَّنْكِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿حَسَنَةٌ﴾ لِلتَّعْظِيمِ، يَعْنِي: حَسَنَةٌ لا يَصِلُ العَقْلُ إلى كُنْهِ كَمالِها.
وأمّا عَلى التَّقْدِيرِ الثّانِي - فَمَعْناهُ: الَّذِينَ أحْسَنُوا فَلَهم في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ، والقائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ قالُوا: هَذِهِ الحَسَنَةُ هي الصِّحَّةُ والعافِيَةُ، وأقُولُ: الأوْلى أنْ تُحْمَلَ عَلى الثَّلاثَةِ المَذْكُورَةِ في قَوْلِهِ ﷺ: «ثَلاثَةٌ لَيْسَ لَها نِهايَةٌ: الأمْنُ والصِّحَّةُ والكِفايَةُ»، ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: القَوْلُ الأوَّلُ أوْلى، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ التَّنْكِيرَ في قَوْلِهِ: ﴿حَسَنَةٌ﴾ يَدُلُّ عَلى النِّهايَةِ والجَلالَةِ والرِّفْعَةِ، وذَلِكَ لا يَلِيقُ بِأحْوالِ الدُّنْيا، فَإنَّها خَسِيسَةٌ ومُنْقَطِعَةٌ، وإنَّما يَلِيقُ بِأحْوالِ الآخِرَةِ، فَإنَّها شَرِيفَةٌ وآمِنَةٌ مِنَ الِانْقِضاءِ والِانْقِراضِ.
والثّانِي: أنَّ ثَوابَ المُحْسِنِ بِالتَّوْحِيدِ والأعْمالِ الصّالِحَةِ إنَّما يَحْصُلُ في الآخِرَةِ، قالَ تَعالى: ﴿اليَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ [غافر: ١٧] وأيْضًا فَنِعْمَةُ الدُّنْيا مِنَ الصِّحَّةِ والأمْنِ والكِفايَةِ حاصِلَةٌ لِلْكُفّارِ، وأيْضًا فَحُصُولُها لِلْكافِرِ أكْثَرُ وأتَمُّ مِن حُصُولِها لِلْمُؤْمِنِ، كَما قالَ ﷺ: «الدُّنْيا سِجْنُ المُؤْمِنِ وجَنَّةُ الكافِرِ»، وقالَ تَعالى: ﴿لَجَعَلْنا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِن فَضَّةٍ ومَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ﴾ [الزخرف: ٣٣] .
الثّالِثُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ، بِمَعْنى أنَّهُ يُفِيدُ أنَّ حَسَنَةَ هَذِهِ الدُّنْيا لا تَحْصُلُ إلّا لِلَّذِينِ أحْسَنُوا، وهَذا باطِلٌ، أمّا لَوْ حَمَلْنا هَذِهِ الحَسَنَةَ عَلى حَسَنَةِ الآخِرَةِ صَحَّ هَذا الحَصْرُ، فَكَأنَّ حَمْلَهُ عَلى حَسَنَةِ الآخِرَةِ أوْلى، ثُمَّ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وأرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ﴾، وفِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: المُرادُ أنَّهُ لا عُذْرَ ألْبَتَّةَ لِلْمُقَصِّرِينَ في الإحْسانِ، حَتّى إنَّهم إنِ اعْتَلُّوا بِأوْطانِهِمْ وبِلادِهِمْ، وأنَّهم لا يَتَمَكَّنُونَ فِيها مِنَ التَّوْفِرَةِ عَلى الإحْسانِ وصَرْفِ الهِمَمِ إلَيْهِ، قُلْ لَهم: فَإنَّ أرْضَ اللَّهِ واسِعَةٌ وبِلادَهُ كَثِيرَةٌ، فَتَحَوَّلُوا مِن هَذِهِ البِلادِ إلى بِلادٍ تَقْدِرُونَ فِيها عَلى الِاشْتِغالِ بِالطّاعاتِ والعِباداتِ، واقْتَدُوا بِالأنْبِياءِ والصّالِحِينَ
صفحة ٢٢١
فِي مُهاجَرَتِهِمْ إلى غَيْرِ بِلادِهِمْ، لِيَزْدادُوا إحْسانًا إلى إحْسانِهِمْ، وطاعَةً إلى طاعَتِهِمْ، والمَقْصُودُ مِنهُ التَّرْغِيبُ في الهِجْرَةِ مِن مَكَّةَ إلى المَدِينَةِ، والصَّبْرِ عَلى مُفارَقَةِ الوَطَنِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنّا مُسْتَضْعَفِينَ في الأرْضِ قالُوا ألَمْ تَكُنْ أرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها﴾ [النساء: ٩٧] .
والقَوْلُ الثّانِي: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: لا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الأرْضِ أرْضَ الجَنَّةِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِالتَّقْوى، وهي خَشْيَةُ اللَّهِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ مَنِ اتَّقى فَلَهُ في الآخِرَةِ الحَسَنَةُ، وهي الخُلُودُ في الجَنَّةِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ أرْضَ اللَّهِ - أيْ جَنَّتَهُ - واسِعَةٌ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿نَتَبَوَّأُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ﴾ [الزمر: ٧٤]، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَنَّةٍ عَرْضُها السَّماواتُ والأرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣]، والقَوْلُ الأوَّلُ عِنْدِي أوْلى، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنَّما يُوَفّى الصّابِرُونَ أجْرَهم بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ لا يَلِيقُ إلّا بِالأوَّلِ، وفي هَذِهِ الآيَةِ مَسائِلُ:
* * *
المَسْألَةُ الأُولى: أمّا تَحْقِيقُ الكَلامِ في ماهِيَّةِ الصَّبْرِ فَقَدْ ذَكَرْناهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ، والمُرادُ هَهُنا بِالصّابِرِينَ الَّذِينَ صَبَرُوا عَلى مُفارَقَةِ أوْطانِهِمْ وعَشائِرِهِمْ، وعَلى تَجَرُّعِ الغُصَصِ، واحْتِمالِ البَلايا في طاعَةِ اللَّهِ تَعالى.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: تَسْمِيَةُ المَنافِعِ الَّتِي وعَدَ اللَّهُ بِها عَلى الصَّبْرِ بِالأجْرِ تُوهِمُ أنَّ العَمَلَ عَلى الثَّوابِ، لِأنَّ الأجْرَ هو المُسْتَحَقُّ، إلّا أنَّهُ قامَتِ الدَّلائِلُ القاهِرَةُ عَلى أنَّ العَمَلَ لَيْسَ عَلَيْهِ الثَّوابُ، فَوَجَبَ حَمْلُ لَفْظِ الأجْرِ عَلى كَوْنِهِ أجْرًا بِحَسَبِ الوَعْدِ، لا بِحَسَبِ الِاسْتِحْقاقِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أنَّهُ تَعالى وصَفَ ذَلِكَ الأجْرَ بِأنَّهُ بِغَيْرِ حِسابٍ، وفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: قالَ الجُبّائِيُّ: المَعْنى أنَّهم يُعْطَوْنَ ما يَسْتَحِقُّونَ ويَزْدادُونَ تَفَضُّلًا، فَهو بِغَيْرِ حِسابٍ، ولَوْ لَمْ يُعْطَوْا إلّا المُسْتَحَقَّ لَكانَ ذَلِكَ حِسابًا، قالَ القاضِي: هَذا لَيْسَ بِصَحِيحٍ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى وصَفَ الأجْرَ بِأنَّهُ بِغَيْرِ حِسابٍ، ولَوْ لَمْ يُعْطَوْا إلّا الأجْرَ المُسْتَحَقَّ، والأجْرُ غَيْرُ التَّفَضُّلِ.
الثّانِي: أنَّ الثَّوابَ لَهُ صِفاتٌ ثَلاثَةٌ:
إحْداها: أنَّها تَكُونُ دائِمَةَ الأجْرِ لَهم، وقَوْلُهُ: ﴿بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ مَعْناهُ بِغَيْرِ نِهايَةٍ، لِأنَّ كُلَّ شَيْءٍ دَخَلَ تَحْتَ الحِسابِ فَهو مُتَناهٍ، فَما لا نِهايَةَ لَهُ كانَ خارِجًا عَنِ الحِسابِ.
وثانِيها: أنَّها تَكُونُ مَنافِعَ كامِلَةً في أنْفُسِها، وعَقْلُ المُطِيعِ ما كانَ يَصِلُ إلى كُنْهِ ذَلِكَ الثَّوابِ، قالَ ﷺ: «إنَّ في الجَنَّةِ ما لا عَيْنٌ رَأتْ، ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ، ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ» وكُلُّ ما يُشاهِدُونَهُ مِن أنْواعِ الثَّوابِ وجَدُوهُ أزْيَدَ مِمّا تَصَوَّرُوهُ وتَوَقَّعُوهُ، وما لا يَتَوَقَّعُهُ الإنْسانُ، فَقَدْ يُقالُ: إنَّهُ لَيْسَ في حِسابِهِ، فَقَوْلُهُ: ﴿بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ مَحْمُولٌ عَلى هَذا المَعْنى، والوَجْهُ الثّالِثُ في التَّأْوِيلِ أنَّ ثَوابَ أهْلِ البَلاءِ لا يُقَدَّرُ بِالمِيزانِ والمِكْيالِ، رَوى صاحِبُ ”الكَشّافِ“ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «يَنْصِبُ اللَّهُ المَوازِينَ يَوْمَ القِيامَةِ، فَيُؤْتى أهْلُ الصَّلاةِ فَيُوَفَّوْنَ أُجُورَهم بِالمَوازِينِ، ويُؤْتى بِأهْلِ الصَّدَقَةِ فَيُوَفَّوْنَ أُجُورَهم بِالمَوازِينِ، ويُؤْتى بِأهْلِ البَلاءِ فَلا يُنْصَبُ لَهم مِيزانٌ، ولا يُنْشَرُ لَهم دِيوانٌ، ويُصَبُّ عَلَيْهِمُ الأجْرُ صَبًّا»، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّما يُوَفّى الصّابِرُونَ أجْرَهم بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ حَتّى يَتَمَنّى أهْلُ العافِيَةِ في الدُّنْيا أنَّ أجْسادَهم تُقْرَضُ بِالمَقارِيضِ لِما بِهِ أهْلُ البَلاءِ مِنَ الفَضْلِ.
النَّوْعُ الثّانِي: مِنَ البَياناتِ الَّتِي أمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ أنْ يَذْكُرَها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنِّي أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾، قالَ مُقاتِلٌ: إنَّ كُفّارَ قُرَيْشٍ قالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ: ما يَحْمِلُكَ عَلى هَذا الدِّينِ الَّذِي أتَيْتَنا بِهِ ؟ ألا تَنْظُرُ إلى مِلَّةِ أبِيكَ وجَدِّكَ وساداتِ قَوْمِكَ، يَعْبُدُونَ اللّاتَ والعُزّى، فَأنْزَلَ اللَّهُ ”قُلْ يا مُحَمَّدُ إنِّي أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ
صفحة ٢٢٢
الدِّينَ“، وأقُولُ: إنَّ التَّكْلِيفَ نَوْعانِ:
أحَدُهُما: الأمْرُ بِالِاحْتِرازِ عَمّا لا يَنْبَغِي.
والثّانِي: الأمْرُ بِتَحْصِيلِ ما يَنْبَغِي، والمَرْتَبَةُ الأُولى مُقَدَّمَةٌ عَلى المَرْتَبَةِ الثّانِيَةِ بِحَسَبِ الرُّتْبَةِ الواجِبَةِ اللّازِمَةِ، إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّهُ تَعالى قَدَّمَ الأمْرَ بِإزالَةِ ما يَنْبَغِي، فَقالَ: ﴿اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾ لِأنَّ التَّقْوى هي الِاحْتِرازُ عَمّا لا يَنْبَغِي، ثُمَّ ذَكَرَ عَقِيبَهُ الأمْرَ بِتَحْصِيلِ ما يَنْبَغِي فَقالَ: ﴿إنِّي أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ وهَذا يَشْتَمِلُ عَلى قَيْدَيْنِ:
أحَدُهُما: الأمْرُ بِعِبادَةِ اللَّهِ.
الثّانِي: كَوْنُ تِلْكَ العِبادَةِ خالِصَةً عَنْ شَوائِبِ الشِّرْكِ الجَلِيِّ، وشَوائِبِ الشِّرْكِ الخَفِيِّ، وإنَّما خَصَّ اللَّهُ تَعالى الرَّسُولَ بِهَذا الأمْرِ لِيُنَبِّهَ عَلى أنَّ غَيْرَهُ بِذَلِكَ أحَقُّ فَهو كالتَّرْغِيبِ لِلْغَيْرِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأُمِرْتُ لِأنْ أكُونَ أوَّلَ المُسْلِمِينَ﴾ لا شُبْهَةَ في أنَّ المُرادَ أنِّي أوَّلُ مَن تَمَسَّكَ بِالعِباداتِ الَّتِي أُرْسِلْتُ بِها، وفي هَذِهِ الآيَةِ فائِدَتانِ:
الفائِدَةُ الأُولى: كَأنَّهُ يَقُولُ: إنِّي لَسْتُ مِنَ المُلُوكِ الجَبابِرَةِ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ النّاسَ بِأشْياءَ وهم لا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ، بَلْ كُلُّ ما أمَرْتُكم بِهِ فَأنا أوَّلُ النّاسِ شُرُوعًا فِيهِ، وأكْثَرُهم مُداوَمَةً عَلَيْهِ.
الفائِدَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ قالَ: ﴿إنِّي أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ﴾ والعِبادَةُ لَها رُكْنانِ: عَمَلُ القَلْبِ، وعَمَلُ الجَوارِحِ، وعَمَلُ القَلْبِ أشْرَفُ مِن عَمَلِ الجَوارِحِ، فَقَدَّمَ ذِكْرَ الجُزْءَ الأشْرَفَ، وهو قَوْلُهُ: ﴿مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ ثُمَّ ذَكَرَ عَقِيبَهُ الأدْوَنَ، وهو عَمَلُ الجَوارِحِ، وهو الإسْلامُ، فَإنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَسَّرَ الإسْلامَ في خَبَرِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالأعْمالِ الظّاهِرَةِ، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿وأُمِرْتُ لِأنْ أكُونَ أوَّلَ المُسْلِمِينَ﴾ ولَيْسَ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: ما الفائِدَةُ في تَكْرِيرِ لِفْظِ ”أُمِرْتُ“ لِأنّا نَقُولُ: ذَكَرَ لَفْظَ ”أُمِرْتُ“ أوَّلًا في عَمَلِ القَلْبِ، وثانِيًا في عَمَلِ الجَوارِحِ، ولا يَكُونُ هَذا تَكْرِيرًا.
الفائِدَةُ الثّالِثَةُ في قَوْلِهِ: ﴿وأُمِرْتُ لِأنْ أكُونَ أوَّلَ المُسْلِمِينَ﴾ التَّنْبِيهُ عَلى كَوْنِهِ رَسُولًا مِن عِنْدِ اللَّهِ واجِبَ الطّاعَةِ، لِأنَّ أوَّلَ المُسْلِمِينَ في شَرائِعِ اللَّهِ لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ إلّا رَسُولَ اللَّهِ، لِأنَّ أوَّلَ مَن يَعْرِفُ تِلْكَ الشَّرائِعَ والتَّكالِيفَ هو الرَّسُولُ المُبَلِّغُ، ولَمّا بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أمْرَهُ بِالإخْلاصِ بِالقَلْبِ وبِالأعْمالِ المَخْصُوصَةِ، وكانَ الأمْرُ يَحْتَمِلُ الوُجُوبَ ويَحْتَمِلُ النَّدْبَ بَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ الأمْرَ لِلْوُجُوبِ فَقالَ: ﴿قُلْ إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾، وفِيهِ فَوائِدُ:
الفائِدَةُ الأُولى: أنَّ اللَّهَ أمَرَ مُحَمَّدًا ﷺ أنْ يُجْرِيَ هَذا الكَلامَ عَلى نَفْسِهِ، والمَقْصُودُ مِنهُ المُبالَغَةُ في زَجْرِ الغَيْرِ عَنِ المَعاصِي، لِأنَّهُ مَعَ جَلالَةِ قَدْرِهِ وشَرَفِ نُبُوَّتِهِ إذا وجَبَ أنْ يَكُونَ خائِفًا حَذِرًا عَنِ المَعاصِي، فَغَيْرُهُ بِذَلِكَ أوْلى.
الفائِدَةُ الثّانِيَةُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ المُرَتَّبَ عَلى المَعْصِيَةِ لَيْسَ حُصُولَ العِقابِ، بَلِ الخَوْفَ مِنَ العِقابِ، وهَذا يُطابِقُ قَوْلَنا: إنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ يَعْفُو عَنِ المُذْنِبِ والكَبِيرَةِ، فَيَكُونُ اللّازِمُ عِنْدَ حُصُولِ المَعْصِيَةِ هو الخَوْفُ مِنَ العِقابِ لا نَفْسَ حُصُولِ العِقابِ.
الفائِدَةُ الثّالِثَةُ: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ ظاهِرَ الأمْرِ لِلْوُجُوبِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ قالَ في أوَّلِ الآيَةِ: ﴿إنِّي أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ﴾ ثُمَّ قالَ بَعْدَهُ: ﴿قُلْ إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ فَيَكُونُ مَعْنى هَذا العِصْيانِ تَرْكَ الأمْرِ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وذَلِكَ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ تارِكُ الأمْرِ عاصِيًا، والعاصِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الخَوْفُ مِنَ العِقابِ، ولا مَعْنى لِلْوُجُوبِ إلّا ذَلِكَ.
صفحة ٢٢٣
النَّوْعُ الثّالِثُ: مِنَ الأشْياءِ الَّتِي أمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ أنْ يَذْكُرَها قَوْلُهُ: ﴿قُلِ اللَّهَ أعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ فَإنْ قِيلَ: ما مَعْنى التَّكْرِيرِ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنِّي أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿قُلِ اللَّهَ أعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ ؟، قُلْنا: هَذا لَيْسَ بِتَكْرِيرٍ، لِأنَّ الأوَّلَ إخْبارٌ بِأنَّهُ مَأْمُورٌ مِن جِهَةِ اللَّهِ بِالإتْيانِ بِالعِبادَةِ، والثّانِي إخْبارٌ بِأنَّهُ أُمِرَ بِأنْ لا يَعْبُدَ أحَدًا غَيْرَهُ، وذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ﴾ لا يُفِيدُ الحَصْرَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلِ اللَّهَ أعْبُدُ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ، يَعْنِي: اللَّهَ أعْبُدُ ولا أعْبُدُ أحَدًا سِواهُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ لَمّا قالَ بَعْدُ: ﴿قُلِ اللَّهَ أعْبُدُ﴾ قالَ بَعْدَهُ: ﴿فاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِن دُونِهِ﴾ ولا شُبْهَةَ في أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِن دُونِهِ﴾ لَيْسَ أمْرًا، بَلِ المُرادُ مِنهُ الزَّجْرُ، كَأنَّهُ يَقُولُ: لَمّا بَلَغَ البَيانُ في وُجُوبِ رِعايَةِ التَّوْحِيدِ إلى الغايَةِ القُصْوى، فَبَعْدَ ذَلِكَ أنْتُمْ أعْرَفُ بِأنْفُسِكم، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى كَمالَ الزَّجْرِ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنَّ الخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ﴾ لِوُقُوعِها في هَلاكٍ لا يُعْقَلُ هَلاكٌ أعْظَمُ مِنهُ، وخَسِرُوا أهْلِيهِمْ أيْضًا، لِأنَّهم إنْ كانُوا مِن أهْلِ النّارِ فَقَدْ خَسِرُوهم كَما خَسِرُوا أنْفُسَهم، وإنْ كانُوا مِن أهْلِ الجَنَّةِ فَقَدْ ذَهَبُوا عَنْهم ذَهابًا لا رُجُوعَ بَعْدَهُ ألْبَتَّةَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّ لِكُلِّ رَجُلٍ مَنزِلًا وأهْلًا وخَدَمًا في الجَنَّةِ، فَإنْ أطاعَ أُعْطِيَ ذَلِكَ، وإنْ كانَ مِن أهْلِ النّارِ حُرِمَ ذَلِكَ، فَخَسِرَ نَفْسَهُ وأهْلَهُ ومَنزِلَهُ، ووَرِثَهُ غَيْرُهُ مِنَ المُسْلِمِينَ، والخاسِرُ المَغْبُونُ، ولَمّا شَرَحَ اللَّهُ خُسْرانَهم وصَفَ ذَلِكَ الخُسْرانَ بِغايَةِ الفَظاعَةِ فَقالَ: ﴿ألا ذَلِكَ هو الخُسْرانُ المُبِينُ﴾ كانَ التَّكْرِيرُ لِأجْلِ التَّأْكِيدِ.
الثّانِي: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في أوَّلِ هَذِهِ الكَلِمَةِ حَرْفَ ”ألا“ وهو لِلتَّنْبِيهِ، وذِكْرُ التَّنْبِيهِ في هَذا المَوْضِعِ يَدُلُّ عَلى التَّعْظِيمِ، كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّهُ بَلَغَ في العَظَمَةِ إلى حَيْثُ لا تَصِلُ عُقُولُكم إلَيْها فَتَنَبَّهُوا لَها.
الثّالِثُ: أنَّ كَلِمَةَ ”هو“ في قَوْلِهِ: ﴿هُوَ الخُسْرانُ المُبِينُ﴾ تُفِيدُ الحَصْرَ، كَأنَّهُ قِيلَ: كُلُّ خُسْرانٍ فَإنَّهُ يَصِيرُ في مُقابَلَتِهِ كَلا خُسْرانٍ.
الرّابِعُ: وصْفُهُ بِكَوْنِهِ مُبِينًا يَدُلُّ عَلى التَّهْوِيلِ، وأقُولُ: قَدْ بَيَّنّا أنَّ لَفْظَ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ خُسْرانًا مُبِينًا، فَلْنُبَيِّنْ بِحَسَبِ المَباحِثِ العَقْلِيَّةِ كَوْنَهُ خُسْرانًا مُبِينًا، وأقُولُ: نَفْتَقِرُ إلى بَيانِ أمْرَيْنِ: إلى أنْ يَكُونَ خُسْرانًا، ثُمَّ كَوْنِهِ مُبِينًا. أمّا الأوَّلُ فَتَقْرِيرُهُ أنَّهُ تَعالى أعْطى هَذِهِ الحَياةَ وأعْطى العَقْلَ، وأعْطى المُكْنَةَ، وكُلُّ ذَلِكَ رَأْسُ المالِ، أمّا هَذِهِ الحَياةُ فالمَقْصُودُ مِنها أنْ يَكْتَسِبَ فِيها الحَياةَ الطَّيِّبَةَ في الآخِرَةِ.
* * *
وأمّا العَقْلُ فَإنَّهُ عِبارَةٌ عَنِ العُلُومِ البَدِيهِيَّةِ، وهَذِهِ العُلُومُ هي رَأْسُ المالِ، والنَّظَرُ والفِكْرُ لا مَعْنى لَهُ إلّا تَرْتِيبُ عُلُومٍ لِيُتَوَصَّلَ بِذَلِكَ التَّرْتِيبِ إلى تَحْصِيلِ عُلُومٍ كَسْبِيَّةٍ، فَتِلْكَ العُلُومُ البَدِيهِيَّةُ المُسَمّاةُ بِالعَقْلِ رَأْسُ المالِ وتَرْكِيبُها عَلى الوُجُوهِ المَخْصُوصَةِ يُشْبِهُ تَصَرُّفَ التّاجِرِ في رَأْسِ المالِ، وتَرْكِيبُها عَلى الوُجُوهِ بِالبَيْعِ والشِّراءِ، وحُصُولُ العِلْمِ بِالنَّتِيجَةِ يُشْبِهُ حُصُولَ الرِّبْحِ، وأيْضًا حُصُولُ القُدْرَةِ عَلى الأعْمالِ يُشْبِهُ رَأْسَ المالِ، واسْتِعْمالُ تِلْكَ القُوَّةِ في تَحْصِيلِ أعْمالِ البِرِّ والخَيْرِ يُشْبِهُ تَصَرُّفَ التّاجِرِ في رَأْسِ المالِ، وحُصُولُ أعْمالِ الخَيْرِ والبِرِّ يُشْبِهُ الرِّبْحَ، إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّ مَن أعْطاهُ اللَّهُ الحَياةَ والعَقْلَ والتَّمَكُّنَ، ثُمَّ إنَّهُ لَمْ يَسْتَفِدْ مِنها لا مَعْرِفَةَ الحَقِّ ولا عَمَلَ الخَيْرِ ألْبَتَّةَ كانَ مَحْرُومًا عَنِ الرِّبْحِ بِالكُلِّيَّةِ، وإذا ماتَ فَقَدْ ضاعَ رَأْسُ المالِ بِالكُلِّيَّةِ، فَكانَ ذَلِكَ خُسْرانًا، فَهَذا بَيانُ كَوْنِهِ خُسْرانًا.
وأمّا الثّانِي: وهو بَيانُ كَوْنِ ذَلِكَ الخُسْرانِ مُبِينًا، فَهو أنَّ مَن لَمْ يَرْبَحِ الزِّيادَةَ، ولَكِنَّهُ مَعَ ذَلِكَ سَلِمَ مِنَ الآفاتِ والمَضارِّ، فَهَذا كَما لَمْ يَحْصُلْ لَهُ مَزِيدُ نَفْعٍ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ أيْضًا مَزِيدُ ضَرَرٍ، أمّا هَؤُلاءِ الكُفّارُ فَقَدِ اسْتَعْمَلُوا عُقُولَهُمُ الَّتِي هي رَأْسُ مالِهِمْ في اسْتِخْراجِ وُجُوهِ الشُّبُهاتِ، وتَقْوِيَةِ الجَهالاتِ والضَّلالاتِ، واسْتَعْمَلُوا قُواهم وقُدُرَهم في أفْعالِ الشَّرِّ والباطِلِ والفَسادِ، فَهم قَدْ جَمَعُوا بَيْنَ أُمُورٍ في غايَةِ الرَّداءَةِ:
أوَّلُها: أنَّهم أتْعَبُوا أبْدانَهم وعُقُولَهم طَلَبًا في تِلْكَ العَقائِدِ الباطِلَةِ، والأعْمالِ الفاسِدَةِ.
صفحة ٢٢٤
وثانِيها: أنَّهم عِنْدَ المَوْتِ يَضِيعُ عَنْهم رَأْسُ المالِ مِن غَيْرِ فائِدَةٍ.
وثالِثُها: أنَّ تِلْكَ المَتاعِبَ الشَّدِيدَةَ الَّتِي كانَتْ مَوْجُودَةً في الدُّنْيا في نُصْرَةِ تِلْكَ الضَّلالاتِ تَصِيرُ أسْبابًا لِلْعُقُوبَةِ الشَّدِيدَةِ، والبَلاءِ العَظِيمِ بَعْدَ المَوْتِ. وعِنْدَ الوُقُوفِ عَلى هَذِهِ المَعانِي يَظْهَرُ أنَّهُ لا يُعْقَلُ خُسْرانٌ أقْوى مِن خُسْرانِهِمْ، ولا حِرْمانٌ أعْظَمُ مِن حِرْمانِهِمْ، ونَعُوذُ بِاللَّهِ مِنهُ.
ولَمّا شَرَحَ اللَّهُ تَعالى أحْوالَ حِرْمانِهِمْ عَنِ الرِّبْحِ وبَيَّنَ كَيْفِيَّةَ خُسْرانِهِمْ، بَيَّنَ أنَّهم لَمْ يَقْتَصِرُوا عَلى الحِرْمانِ والخُسْرانِ، بَلْ ضَمُّوا إلَيْهِ اسْتِحْقاقَ العَذابِ العَظِيمِ والعِقابِ الشَّدِيدِ، فَقالَ: ﴿لَهم مِن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النّارِ ومِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ والمُرادُ إحاطَةُ النّارِ بِهِمْ مِن جَمِيعِ الجَوانِبِ، ونَظِيرُهُ في الأحْوالِ النَّفْسانِيَّةِ إحاطَةُ الجَهْلِ والحِرْمانِ والحِرْصِ وسائِرِ الأخْلاقِ الذَّمِيمَةِ بِالإنْسانِ، فَإنْ قِيلَ: الظُّلَلُ ما عَلى الإنْسانِ، فَكَيْفَ سُمِّيَ ما تَحْتَهُ بِالظُّلَلِ ؟ والجَوابُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ مِن بابِ إطْلاقِ اسْمِ أحَدِ الضِّدَّيْنِ عَلى الآخَرِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشورى: ٤٠] .
الثّانِي: أنَّ الَّذِي يَكُونُ تَحْتَهُ يَكُونُ ظُلَّةً لِإنْسانٍ آخَرَ تَحْتَهُ، لِأنَّ النّارَ دَرَكاتٌ كَما أنَّ الجَنَّةَ دَرَجاتٌ.
والثّالِثُ: أنَّ الظُّلَّةَ التَّحْتانِيَّةَ إذا كانَتْ مُشابِهَةً لِلظُّلَّةِ الفَوْقانِيَّةِ في الحَرارَةِ والإحْراقِ والإيذاءِ أُطْلِقَ اسْمُ أحَدِهِما عَلى الآخَرِ لِأجْلِ المُماثَلَةِ والمُشابَهَةِ.
قالَ الحَسَنُ: هم بَيْنَ طَبَقَتَيْنِ مِنَ النّارِ، لا يَدْرُونَ ما فَوْقَهم أكْثَرَ مِمّا تَحْتَهم، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَغْشاهُمُ العَذابُ مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٥٥]، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهم مِن جَهَنَّمَ مِهادٌ ومِن فَوْقِهِمْ غَواشٍ﴾ [الأعراف: ٤١] .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ﴾ أيْ ذَلِكَ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِن وصْفِ العَذابِ، فَقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ﴾ مُبْتَدَأٌ، وقَوْلُهُ: ﴿يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ﴾ خَبَرٌ، وفي قَوْلِهِ: ﴿يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ﴾ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: التَّقْدِيرُ: ذَلِكَ العَذابُ المُعَدُّ لِلْكَفّارِ هو الَّذِي يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ أيِ المُؤْمِنِينَ، لِأنّا بَيَّنّا أنَّ لَفْظَ العِبادِ في القُرْآنِ مُخْتَصٌّ بِأهْلِ الإيمانِ، وإنَّما كانَ تَخْوِيفًا لِلْمُؤْمِنِينَ لِأجْلِ أنَّهم إذا سَمِعُوا أنَّ حالَ الكُفّارِ ما تَقَدَّمَ خافُوا فَأخْلَصُوا في التَّوْحِيدِ والطّاعَةِ.
الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ هَذا الكَلامَ في تَقْدِيرِ جَوابٍ عَنْ سُؤالٍ، لِأنَّهُ يُقالُ: إنَّهُ تَعالى غَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ مُنَزَّهٌ عَنِ الشَّهْوَةِ والِانْتِقامِ وداعِيَةِ الإيذاءِ، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِهِ أنْ يُعَذِّبَ هَؤُلاءِ المَساكِينَ إلى هَذا الحَدِّ العَظِيمِ، وأُجِيبَ عَنْهُ بِأنَّ المَقْصُودَ مِنهُ تَخْوِيفُ الكُفّارِ والضُّلّالِ عَنِ الكُفْرِ والضَّلالِ، فَإذا كانَ التَّكْلِيفُ لا يَتِمُّ إلّا بِالتَّخْوِيفِ، والتَّخْوِيفُ لا يَكْمُلُ الِانْتِفاعُ بِهِ إلّا بِإدْخالِ ذَلِكَ الشَّيْءِ في الوُجُودِ وجَبَ إدْخالُ ذَلِكَ النَّوْعِ مِنَ العَذابِ في الوُجُودِ؛ تَحْصِيلًا لِذَلِكَ المَطْلُوبِ الَّذِي هو التَّكْلِيفُ، والوَجْهُ الأوَّلُ عِنْدِي أقْرَبُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ قالَ بَعْدَهُ: ﴿ياعِبادِ فاتَّقُونِ﴾، وقَوْلُهُ: ﴿ياعِبادِ﴾ الأظْهَرُ مِنهُ أنَّ المُرادَ مِنهُ المُؤْمِنُونَ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: المَقْصُودُ مِن شَرْحِ عَذابِ الكُفّارِ لِلْمُؤْمِنِينَ تَخْوِيفُ المُؤْمِنِينَ، فَيا أيُّها المُؤْمِنُونَ بالِغُوا في الخَوْفِ والحَذَرِ والتَّقْوى.
الزمر 39:16
صفحة ٢٢٠
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ ياعِبادِي الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكم لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ وأرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ إنَّما يُوَفّى الصّابِرُونَ أجْرَهم بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ ﴿قُلْ إنِّي أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ ﴿وأُمِرْتُ لِأنْ أكُونَ أوَّلَ المُسْلِمِينَ﴾ ﴿قُلْ إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿قُلِ اللَّهَ أعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي فاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِن دُونِهِ قُلْ إنَّ الخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وأهْلِيهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ ألا ذَلِكَ هو الخُسْرانُ المُبِينُ﴾ ﴿لَهم مِن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النّارِ ومِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ ياعِبادِ فاتَّقُونِ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ نَفْيَ المُساواةِ بَيْنَ مَن يَعْلَمُ وبَيْنَ مَن لا يَعْلَمُ، أتْبَعَهُ بِأنْ أمَرَ رَسُولَهُ بِأنْ يُخاطِبَ المُؤْمِنِينَ بِأنْواعٍ مِنَ الكَلامِ:
النَّوْعُ الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿قُلْ يا عِبادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾ والمُرادُ أنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِأنْ يَضُمُّوا إلى الإيمانِ التَّقْوى، وهَذا مِن أوَّلِ الدَّلائِلِ عَلى أنَّ الإيمانَ يَبْقى مَعَ المَعْصِيَةِ، قالَ القاضِي: أمَرَهم بِالتَّقْوى لِكَيْلا يُحْبِطُوا إيمانَهم، لِأنَّ عِنْدَ الِاتِّقاءِ مِنَ الكَبائِرِ يَسْلَمُ لَهُمُ الثَّوابُ، وبِالإقْدامِ عَلَيْها يُحْبَطُ، فَيُقالُ لَهُ: هَذا بِأنْ يَدُلَّ عَلى ضِدِّ قَوْلِكَ أوْلى، لِأنَّهُ لَمّا أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِالتَّقْوى دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ يَبْقى مُؤْمِنًا مَعَ عَدَمِ التَّقْوى، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الفِسْقَ لا يُزِيلُ الإيمانَ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِالِاتِّقاءِ بَيَّنَ لَهم ما في هَذا الِاتِّقاءِ مِنَ الفَوائِدِ، فَقالَ تَعالى: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ﴾، فَقَوْلُهُ: ﴿فِي هَذِهِ الدُّنْيا﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ صِلَةً لِقَوْلِهِ: ﴿أحْسَنُوا﴾ أوْ لِـ”حَسَنَةٌ“، فَعَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ - مَعْناهُ: لِلَّذِينِ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا كُلُّهم حَسَنَةٌ في الآخِرَةِ، وهي دُخُولُ الجَنَّةِ، والتَّنْكِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿حَسَنَةٌ﴾ لِلتَّعْظِيمِ، يَعْنِي: حَسَنَةٌ لا يَصِلُ العَقْلُ إلى كُنْهِ كَمالِها.
وأمّا عَلى التَّقْدِيرِ الثّانِي - فَمَعْناهُ: الَّذِينَ أحْسَنُوا فَلَهم في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ، والقائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ قالُوا: هَذِهِ الحَسَنَةُ هي الصِّحَّةُ والعافِيَةُ، وأقُولُ: الأوْلى أنْ تُحْمَلَ عَلى الثَّلاثَةِ المَذْكُورَةِ في قَوْلِهِ ﷺ: «ثَلاثَةٌ لَيْسَ لَها نِهايَةٌ: الأمْنُ والصِّحَّةُ والكِفايَةُ»، ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: القَوْلُ الأوَّلُ أوْلى، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ التَّنْكِيرَ في قَوْلِهِ: ﴿حَسَنَةٌ﴾ يَدُلُّ عَلى النِّهايَةِ والجَلالَةِ والرِّفْعَةِ، وذَلِكَ لا يَلِيقُ بِأحْوالِ الدُّنْيا، فَإنَّها خَسِيسَةٌ ومُنْقَطِعَةٌ، وإنَّما يَلِيقُ بِأحْوالِ الآخِرَةِ، فَإنَّها شَرِيفَةٌ وآمِنَةٌ مِنَ الِانْقِضاءِ والِانْقِراضِ.
والثّانِي: أنَّ ثَوابَ المُحْسِنِ بِالتَّوْحِيدِ والأعْمالِ الصّالِحَةِ إنَّما يَحْصُلُ في الآخِرَةِ، قالَ تَعالى: ﴿اليَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ [غافر: ١٧] وأيْضًا فَنِعْمَةُ الدُّنْيا مِنَ الصِّحَّةِ والأمْنِ والكِفايَةِ حاصِلَةٌ لِلْكُفّارِ، وأيْضًا فَحُصُولُها لِلْكافِرِ أكْثَرُ وأتَمُّ مِن حُصُولِها لِلْمُؤْمِنِ، كَما قالَ ﷺ: «الدُّنْيا سِجْنُ المُؤْمِنِ وجَنَّةُ الكافِرِ»، وقالَ تَعالى: ﴿لَجَعَلْنا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِن فَضَّةٍ ومَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ﴾ [الزخرف: ٣٣] .
الثّالِثُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ، بِمَعْنى أنَّهُ يُفِيدُ أنَّ حَسَنَةَ هَذِهِ الدُّنْيا لا تَحْصُلُ إلّا لِلَّذِينِ أحْسَنُوا، وهَذا باطِلٌ، أمّا لَوْ حَمَلْنا هَذِهِ الحَسَنَةَ عَلى حَسَنَةِ الآخِرَةِ صَحَّ هَذا الحَصْرُ، فَكَأنَّ حَمْلَهُ عَلى حَسَنَةِ الآخِرَةِ أوْلى، ثُمَّ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وأرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ﴾، وفِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: المُرادُ أنَّهُ لا عُذْرَ ألْبَتَّةَ لِلْمُقَصِّرِينَ في الإحْسانِ، حَتّى إنَّهم إنِ اعْتَلُّوا بِأوْطانِهِمْ وبِلادِهِمْ، وأنَّهم لا يَتَمَكَّنُونَ فِيها مِنَ التَّوْفِرَةِ عَلى الإحْسانِ وصَرْفِ الهِمَمِ إلَيْهِ، قُلْ لَهم: فَإنَّ أرْضَ اللَّهِ واسِعَةٌ وبِلادَهُ كَثِيرَةٌ، فَتَحَوَّلُوا مِن هَذِهِ البِلادِ إلى بِلادٍ تَقْدِرُونَ فِيها عَلى الِاشْتِغالِ بِالطّاعاتِ والعِباداتِ، واقْتَدُوا بِالأنْبِياءِ والصّالِحِينَ
صفحة ٢٢١
فِي مُهاجَرَتِهِمْ إلى غَيْرِ بِلادِهِمْ، لِيَزْدادُوا إحْسانًا إلى إحْسانِهِمْ، وطاعَةً إلى طاعَتِهِمْ، والمَقْصُودُ مِنهُ التَّرْغِيبُ في الهِجْرَةِ مِن مَكَّةَ إلى المَدِينَةِ، والصَّبْرِ عَلى مُفارَقَةِ الوَطَنِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنّا مُسْتَضْعَفِينَ في الأرْضِ قالُوا ألَمْ تَكُنْ أرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها﴾ [النساء: ٩٧] .
والقَوْلُ الثّانِي: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: لا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الأرْضِ أرْضَ الجَنَّةِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِالتَّقْوى، وهي خَشْيَةُ اللَّهِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ مَنِ اتَّقى فَلَهُ في الآخِرَةِ الحَسَنَةُ، وهي الخُلُودُ في الجَنَّةِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ أرْضَ اللَّهِ - أيْ جَنَّتَهُ - واسِعَةٌ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿نَتَبَوَّأُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ﴾ [الزمر: ٧٤]، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَنَّةٍ عَرْضُها السَّماواتُ والأرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣]، والقَوْلُ الأوَّلُ عِنْدِي أوْلى، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنَّما يُوَفّى الصّابِرُونَ أجْرَهم بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ لا يَلِيقُ إلّا بِالأوَّلِ، وفي هَذِهِ الآيَةِ مَسائِلُ:
* * *
المَسْألَةُ الأُولى: أمّا تَحْقِيقُ الكَلامِ في ماهِيَّةِ الصَّبْرِ فَقَدْ ذَكَرْناهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ، والمُرادُ هَهُنا بِالصّابِرِينَ الَّذِينَ صَبَرُوا عَلى مُفارَقَةِ أوْطانِهِمْ وعَشائِرِهِمْ، وعَلى تَجَرُّعِ الغُصَصِ، واحْتِمالِ البَلايا في طاعَةِ اللَّهِ تَعالى.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: تَسْمِيَةُ المَنافِعِ الَّتِي وعَدَ اللَّهُ بِها عَلى الصَّبْرِ بِالأجْرِ تُوهِمُ أنَّ العَمَلَ عَلى الثَّوابِ، لِأنَّ الأجْرَ هو المُسْتَحَقُّ، إلّا أنَّهُ قامَتِ الدَّلائِلُ القاهِرَةُ عَلى أنَّ العَمَلَ لَيْسَ عَلَيْهِ الثَّوابُ، فَوَجَبَ حَمْلُ لَفْظِ الأجْرِ عَلى كَوْنِهِ أجْرًا بِحَسَبِ الوَعْدِ، لا بِحَسَبِ الِاسْتِحْقاقِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أنَّهُ تَعالى وصَفَ ذَلِكَ الأجْرَ بِأنَّهُ بِغَيْرِ حِسابٍ، وفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: قالَ الجُبّائِيُّ: المَعْنى أنَّهم يُعْطَوْنَ ما يَسْتَحِقُّونَ ويَزْدادُونَ تَفَضُّلًا، فَهو بِغَيْرِ حِسابٍ، ولَوْ لَمْ يُعْطَوْا إلّا المُسْتَحَقَّ لَكانَ ذَلِكَ حِسابًا، قالَ القاضِي: هَذا لَيْسَ بِصَحِيحٍ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى وصَفَ الأجْرَ بِأنَّهُ بِغَيْرِ حِسابٍ، ولَوْ لَمْ يُعْطَوْا إلّا الأجْرَ المُسْتَحَقَّ، والأجْرُ غَيْرُ التَّفَضُّلِ.
الثّانِي: أنَّ الثَّوابَ لَهُ صِفاتٌ ثَلاثَةٌ:
إحْداها: أنَّها تَكُونُ دائِمَةَ الأجْرِ لَهم، وقَوْلُهُ: ﴿بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ مَعْناهُ بِغَيْرِ نِهايَةٍ، لِأنَّ كُلَّ شَيْءٍ دَخَلَ تَحْتَ الحِسابِ فَهو مُتَناهٍ، فَما لا نِهايَةَ لَهُ كانَ خارِجًا عَنِ الحِسابِ.
وثانِيها: أنَّها تَكُونُ مَنافِعَ كامِلَةً في أنْفُسِها، وعَقْلُ المُطِيعِ ما كانَ يَصِلُ إلى كُنْهِ ذَلِكَ الثَّوابِ، قالَ ﷺ: «إنَّ في الجَنَّةِ ما لا عَيْنٌ رَأتْ، ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ، ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ» وكُلُّ ما يُشاهِدُونَهُ مِن أنْواعِ الثَّوابِ وجَدُوهُ أزْيَدَ مِمّا تَصَوَّرُوهُ وتَوَقَّعُوهُ، وما لا يَتَوَقَّعُهُ الإنْسانُ، فَقَدْ يُقالُ: إنَّهُ لَيْسَ في حِسابِهِ، فَقَوْلُهُ: ﴿بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ مَحْمُولٌ عَلى هَذا المَعْنى، والوَجْهُ الثّالِثُ في التَّأْوِيلِ أنَّ ثَوابَ أهْلِ البَلاءِ لا يُقَدَّرُ بِالمِيزانِ والمِكْيالِ، رَوى صاحِبُ ”الكَشّافِ“ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «يَنْصِبُ اللَّهُ المَوازِينَ يَوْمَ القِيامَةِ، فَيُؤْتى أهْلُ الصَّلاةِ فَيُوَفَّوْنَ أُجُورَهم بِالمَوازِينِ، ويُؤْتى بِأهْلِ الصَّدَقَةِ فَيُوَفَّوْنَ أُجُورَهم بِالمَوازِينِ، ويُؤْتى بِأهْلِ البَلاءِ فَلا يُنْصَبُ لَهم مِيزانٌ، ولا يُنْشَرُ لَهم دِيوانٌ، ويُصَبُّ عَلَيْهِمُ الأجْرُ صَبًّا»، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّما يُوَفّى الصّابِرُونَ أجْرَهم بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ حَتّى يَتَمَنّى أهْلُ العافِيَةِ في الدُّنْيا أنَّ أجْسادَهم تُقْرَضُ بِالمَقارِيضِ لِما بِهِ أهْلُ البَلاءِ مِنَ الفَضْلِ.
النَّوْعُ الثّانِي: مِنَ البَياناتِ الَّتِي أمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ أنْ يَذْكُرَها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنِّي أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾، قالَ مُقاتِلٌ: إنَّ كُفّارَ قُرَيْشٍ قالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ: ما يَحْمِلُكَ عَلى هَذا الدِّينِ الَّذِي أتَيْتَنا بِهِ ؟ ألا تَنْظُرُ إلى مِلَّةِ أبِيكَ وجَدِّكَ وساداتِ قَوْمِكَ، يَعْبُدُونَ اللّاتَ والعُزّى، فَأنْزَلَ اللَّهُ ”قُلْ يا مُحَمَّدُ إنِّي أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ
صفحة ٢٢٢
الدِّينَ“، وأقُولُ: إنَّ التَّكْلِيفَ نَوْعانِ:
أحَدُهُما: الأمْرُ بِالِاحْتِرازِ عَمّا لا يَنْبَغِي.
والثّانِي: الأمْرُ بِتَحْصِيلِ ما يَنْبَغِي، والمَرْتَبَةُ الأُولى مُقَدَّمَةٌ عَلى المَرْتَبَةِ الثّانِيَةِ بِحَسَبِ الرُّتْبَةِ الواجِبَةِ اللّازِمَةِ، إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّهُ تَعالى قَدَّمَ الأمْرَ بِإزالَةِ ما يَنْبَغِي، فَقالَ: ﴿اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾ لِأنَّ التَّقْوى هي الِاحْتِرازُ عَمّا لا يَنْبَغِي، ثُمَّ ذَكَرَ عَقِيبَهُ الأمْرَ بِتَحْصِيلِ ما يَنْبَغِي فَقالَ: ﴿إنِّي أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ وهَذا يَشْتَمِلُ عَلى قَيْدَيْنِ:
أحَدُهُما: الأمْرُ بِعِبادَةِ اللَّهِ.
الثّانِي: كَوْنُ تِلْكَ العِبادَةِ خالِصَةً عَنْ شَوائِبِ الشِّرْكِ الجَلِيِّ، وشَوائِبِ الشِّرْكِ الخَفِيِّ، وإنَّما خَصَّ اللَّهُ تَعالى الرَّسُولَ بِهَذا الأمْرِ لِيُنَبِّهَ عَلى أنَّ غَيْرَهُ بِذَلِكَ أحَقُّ فَهو كالتَّرْغِيبِ لِلْغَيْرِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأُمِرْتُ لِأنْ أكُونَ أوَّلَ المُسْلِمِينَ﴾ لا شُبْهَةَ في أنَّ المُرادَ أنِّي أوَّلُ مَن تَمَسَّكَ بِالعِباداتِ الَّتِي أُرْسِلْتُ بِها، وفي هَذِهِ الآيَةِ فائِدَتانِ:
الفائِدَةُ الأُولى: كَأنَّهُ يَقُولُ: إنِّي لَسْتُ مِنَ المُلُوكِ الجَبابِرَةِ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ النّاسَ بِأشْياءَ وهم لا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ، بَلْ كُلُّ ما أمَرْتُكم بِهِ فَأنا أوَّلُ النّاسِ شُرُوعًا فِيهِ، وأكْثَرُهم مُداوَمَةً عَلَيْهِ.
الفائِدَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ قالَ: ﴿إنِّي أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ﴾ والعِبادَةُ لَها رُكْنانِ: عَمَلُ القَلْبِ، وعَمَلُ الجَوارِحِ، وعَمَلُ القَلْبِ أشْرَفُ مِن عَمَلِ الجَوارِحِ، فَقَدَّمَ ذِكْرَ الجُزْءَ الأشْرَفَ، وهو قَوْلُهُ: ﴿مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ ثُمَّ ذَكَرَ عَقِيبَهُ الأدْوَنَ، وهو عَمَلُ الجَوارِحِ، وهو الإسْلامُ، فَإنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَسَّرَ الإسْلامَ في خَبَرِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالأعْمالِ الظّاهِرَةِ، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿وأُمِرْتُ لِأنْ أكُونَ أوَّلَ المُسْلِمِينَ﴾ ولَيْسَ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: ما الفائِدَةُ في تَكْرِيرِ لِفْظِ ”أُمِرْتُ“ لِأنّا نَقُولُ: ذَكَرَ لَفْظَ ”أُمِرْتُ“ أوَّلًا في عَمَلِ القَلْبِ، وثانِيًا في عَمَلِ الجَوارِحِ، ولا يَكُونُ هَذا تَكْرِيرًا.
الفائِدَةُ الثّالِثَةُ في قَوْلِهِ: ﴿وأُمِرْتُ لِأنْ أكُونَ أوَّلَ المُسْلِمِينَ﴾ التَّنْبِيهُ عَلى كَوْنِهِ رَسُولًا مِن عِنْدِ اللَّهِ واجِبَ الطّاعَةِ، لِأنَّ أوَّلَ المُسْلِمِينَ في شَرائِعِ اللَّهِ لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ إلّا رَسُولَ اللَّهِ، لِأنَّ أوَّلَ مَن يَعْرِفُ تِلْكَ الشَّرائِعَ والتَّكالِيفَ هو الرَّسُولُ المُبَلِّغُ، ولَمّا بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أمْرَهُ بِالإخْلاصِ بِالقَلْبِ وبِالأعْمالِ المَخْصُوصَةِ، وكانَ الأمْرُ يَحْتَمِلُ الوُجُوبَ ويَحْتَمِلُ النَّدْبَ بَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ الأمْرَ لِلْوُجُوبِ فَقالَ: ﴿قُلْ إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾، وفِيهِ فَوائِدُ:
الفائِدَةُ الأُولى: أنَّ اللَّهَ أمَرَ مُحَمَّدًا ﷺ أنْ يُجْرِيَ هَذا الكَلامَ عَلى نَفْسِهِ، والمَقْصُودُ مِنهُ المُبالَغَةُ في زَجْرِ الغَيْرِ عَنِ المَعاصِي، لِأنَّهُ مَعَ جَلالَةِ قَدْرِهِ وشَرَفِ نُبُوَّتِهِ إذا وجَبَ أنْ يَكُونَ خائِفًا حَذِرًا عَنِ المَعاصِي، فَغَيْرُهُ بِذَلِكَ أوْلى.
الفائِدَةُ الثّانِيَةُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ المُرَتَّبَ عَلى المَعْصِيَةِ لَيْسَ حُصُولَ العِقابِ، بَلِ الخَوْفَ مِنَ العِقابِ، وهَذا يُطابِقُ قَوْلَنا: إنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ يَعْفُو عَنِ المُذْنِبِ والكَبِيرَةِ، فَيَكُونُ اللّازِمُ عِنْدَ حُصُولِ المَعْصِيَةِ هو الخَوْفُ مِنَ العِقابِ لا نَفْسَ حُصُولِ العِقابِ.
الفائِدَةُ الثّالِثَةُ: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ ظاهِرَ الأمْرِ لِلْوُجُوبِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ قالَ في أوَّلِ الآيَةِ: ﴿إنِّي أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ﴾ ثُمَّ قالَ بَعْدَهُ: ﴿قُلْ إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ فَيَكُونُ مَعْنى هَذا العِصْيانِ تَرْكَ الأمْرِ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وذَلِكَ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ تارِكُ الأمْرِ عاصِيًا، والعاصِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الخَوْفُ مِنَ العِقابِ، ولا مَعْنى لِلْوُجُوبِ إلّا ذَلِكَ.
صفحة ٢٢٣
النَّوْعُ الثّالِثُ: مِنَ الأشْياءِ الَّتِي أمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ أنْ يَذْكُرَها قَوْلُهُ: ﴿قُلِ اللَّهَ أعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ فَإنْ قِيلَ: ما مَعْنى التَّكْرِيرِ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنِّي أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿قُلِ اللَّهَ أعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ ؟، قُلْنا: هَذا لَيْسَ بِتَكْرِيرٍ، لِأنَّ الأوَّلَ إخْبارٌ بِأنَّهُ مَأْمُورٌ مِن جِهَةِ اللَّهِ بِالإتْيانِ بِالعِبادَةِ، والثّانِي إخْبارٌ بِأنَّهُ أُمِرَ بِأنْ لا يَعْبُدَ أحَدًا غَيْرَهُ، وذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ﴾ لا يُفِيدُ الحَصْرَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلِ اللَّهَ أعْبُدُ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ، يَعْنِي: اللَّهَ أعْبُدُ ولا أعْبُدُ أحَدًا سِواهُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ لَمّا قالَ بَعْدُ: ﴿قُلِ اللَّهَ أعْبُدُ﴾ قالَ بَعْدَهُ: ﴿فاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِن دُونِهِ﴾ ولا شُبْهَةَ في أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِن دُونِهِ﴾ لَيْسَ أمْرًا، بَلِ المُرادُ مِنهُ الزَّجْرُ، كَأنَّهُ يَقُولُ: لَمّا بَلَغَ البَيانُ في وُجُوبِ رِعايَةِ التَّوْحِيدِ إلى الغايَةِ القُصْوى، فَبَعْدَ ذَلِكَ أنْتُمْ أعْرَفُ بِأنْفُسِكم، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى كَمالَ الزَّجْرِ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنَّ الخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ﴾ لِوُقُوعِها في هَلاكٍ لا يُعْقَلُ هَلاكٌ أعْظَمُ مِنهُ، وخَسِرُوا أهْلِيهِمْ أيْضًا، لِأنَّهم إنْ كانُوا مِن أهْلِ النّارِ فَقَدْ خَسِرُوهم كَما خَسِرُوا أنْفُسَهم، وإنْ كانُوا مِن أهْلِ الجَنَّةِ فَقَدْ ذَهَبُوا عَنْهم ذَهابًا لا رُجُوعَ بَعْدَهُ ألْبَتَّةَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّ لِكُلِّ رَجُلٍ مَنزِلًا وأهْلًا وخَدَمًا في الجَنَّةِ، فَإنْ أطاعَ أُعْطِيَ ذَلِكَ، وإنْ كانَ مِن أهْلِ النّارِ حُرِمَ ذَلِكَ، فَخَسِرَ نَفْسَهُ وأهْلَهُ ومَنزِلَهُ، ووَرِثَهُ غَيْرُهُ مِنَ المُسْلِمِينَ، والخاسِرُ المَغْبُونُ، ولَمّا شَرَحَ اللَّهُ خُسْرانَهم وصَفَ ذَلِكَ الخُسْرانَ بِغايَةِ الفَظاعَةِ فَقالَ: ﴿ألا ذَلِكَ هو الخُسْرانُ المُبِينُ﴾ كانَ التَّكْرِيرُ لِأجْلِ التَّأْكِيدِ.
الثّانِي: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في أوَّلِ هَذِهِ الكَلِمَةِ حَرْفَ ”ألا“ وهو لِلتَّنْبِيهِ، وذِكْرُ التَّنْبِيهِ في هَذا المَوْضِعِ يَدُلُّ عَلى التَّعْظِيمِ، كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّهُ بَلَغَ في العَظَمَةِ إلى حَيْثُ لا تَصِلُ عُقُولُكم إلَيْها فَتَنَبَّهُوا لَها.
الثّالِثُ: أنَّ كَلِمَةَ ”هو“ في قَوْلِهِ: ﴿هُوَ الخُسْرانُ المُبِينُ﴾ تُفِيدُ الحَصْرَ، كَأنَّهُ قِيلَ: كُلُّ خُسْرانٍ فَإنَّهُ يَصِيرُ في مُقابَلَتِهِ كَلا خُسْرانٍ.
الرّابِعُ: وصْفُهُ بِكَوْنِهِ مُبِينًا يَدُلُّ عَلى التَّهْوِيلِ، وأقُولُ: قَدْ بَيَّنّا أنَّ لَفْظَ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ خُسْرانًا مُبِينًا، فَلْنُبَيِّنْ بِحَسَبِ المَباحِثِ العَقْلِيَّةِ كَوْنَهُ خُسْرانًا مُبِينًا، وأقُولُ: نَفْتَقِرُ إلى بَيانِ أمْرَيْنِ: إلى أنْ يَكُونَ خُسْرانًا، ثُمَّ كَوْنِهِ مُبِينًا. أمّا الأوَّلُ فَتَقْرِيرُهُ أنَّهُ تَعالى أعْطى هَذِهِ الحَياةَ وأعْطى العَقْلَ، وأعْطى المُكْنَةَ، وكُلُّ ذَلِكَ رَأْسُ المالِ، أمّا هَذِهِ الحَياةُ فالمَقْصُودُ مِنها أنْ يَكْتَسِبَ فِيها الحَياةَ الطَّيِّبَةَ في الآخِرَةِ.
* * *
وأمّا العَقْلُ فَإنَّهُ عِبارَةٌ عَنِ العُلُومِ البَدِيهِيَّةِ، وهَذِهِ العُلُومُ هي رَأْسُ المالِ، والنَّظَرُ والفِكْرُ لا مَعْنى لَهُ إلّا تَرْتِيبُ عُلُومٍ لِيُتَوَصَّلَ بِذَلِكَ التَّرْتِيبِ إلى تَحْصِيلِ عُلُومٍ كَسْبِيَّةٍ، فَتِلْكَ العُلُومُ البَدِيهِيَّةُ المُسَمّاةُ بِالعَقْلِ رَأْسُ المالِ وتَرْكِيبُها عَلى الوُجُوهِ المَخْصُوصَةِ يُشْبِهُ تَصَرُّفَ التّاجِرِ في رَأْسِ المالِ، وتَرْكِيبُها عَلى الوُجُوهِ بِالبَيْعِ والشِّراءِ، وحُصُولُ العِلْمِ بِالنَّتِيجَةِ يُشْبِهُ حُصُولَ الرِّبْحِ، وأيْضًا حُصُولُ القُدْرَةِ عَلى الأعْمالِ يُشْبِهُ رَأْسَ المالِ، واسْتِعْمالُ تِلْكَ القُوَّةِ في تَحْصِيلِ أعْمالِ البِرِّ والخَيْرِ يُشْبِهُ تَصَرُّفَ التّاجِرِ في رَأْسِ المالِ، وحُصُولُ أعْمالِ الخَيْرِ والبِرِّ يُشْبِهُ الرِّبْحَ، إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّ مَن أعْطاهُ اللَّهُ الحَياةَ والعَقْلَ والتَّمَكُّنَ، ثُمَّ إنَّهُ لَمْ يَسْتَفِدْ مِنها لا مَعْرِفَةَ الحَقِّ ولا عَمَلَ الخَيْرِ ألْبَتَّةَ كانَ مَحْرُومًا عَنِ الرِّبْحِ بِالكُلِّيَّةِ، وإذا ماتَ فَقَدْ ضاعَ رَأْسُ المالِ بِالكُلِّيَّةِ، فَكانَ ذَلِكَ خُسْرانًا، فَهَذا بَيانُ كَوْنِهِ خُسْرانًا.
وأمّا الثّانِي: وهو بَيانُ كَوْنِ ذَلِكَ الخُسْرانِ مُبِينًا، فَهو أنَّ مَن لَمْ يَرْبَحِ الزِّيادَةَ، ولَكِنَّهُ مَعَ ذَلِكَ سَلِمَ مِنَ الآفاتِ والمَضارِّ، فَهَذا كَما لَمْ يَحْصُلْ لَهُ مَزِيدُ نَفْعٍ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ أيْضًا مَزِيدُ ضَرَرٍ، أمّا هَؤُلاءِ الكُفّارُ فَقَدِ اسْتَعْمَلُوا عُقُولَهُمُ الَّتِي هي رَأْسُ مالِهِمْ في اسْتِخْراجِ وُجُوهِ الشُّبُهاتِ، وتَقْوِيَةِ الجَهالاتِ والضَّلالاتِ، واسْتَعْمَلُوا قُواهم وقُدُرَهم في أفْعالِ الشَّرِّ والباطِلِ والفَسادِ، فَهم قَدْ جَمَعُوا بَيْنَ أُمُورٍ في غايَةِ الرَّداءَةِ:
أوَّلُها: أنَّهم أتْعَبُوا أبْدانَهم وعُقُولَهم طَلَبًا في تِلْكَ العَقائِدِ الباطِلَةِ، والأعْمالِ الفاسِدَةِ.
صفحة ٢٢٤
وثانِيها: أنَّهم عِنْدَ المَوْتِ يَضِيعُ عَنْهم رَأْسُ المالِ مِن غَيْرِ فائِدَةٍ.
وثالِثُها: أنَّ تِلْكَ المَتاعِبَ الشَّدِيدَةَ الَّتِي كانَتْ مَوْجُودَةً في الدُّنْيا في نُصْرَةِ تِلْكَ الضَّلالاتِ تَصِيرُ أسْبابًا لِلْعُقُوبَةِ الشَّدِيدَةِ، والبَلاءِ العَظِيمِ بَعْدَ المَوْتِ. وعِنْدَ الوُقُوفِ عَلى هَذِهِ المَعانِي يَظْهَرُ أنَّهُ لا يُعْقَلُ خُسْرانٌ أقْوى مِن خُسْرانِهِمْ، ولا حِرْمانٌ أعْظَمُ مِن حِرْمانِهِمْ، ونَعُوذُ بِاللَّهِ مِنهُ.
ولَمّا شَرَحَ اللَّهُ تَعالى أحْوالَ حِرْمانِهِمْ عَنِ الرِّبْحِ وبَيَّنَ كَيْفِيَّةَ خُسْرانِهِمْ، بَيَّنَ أنَّهم لَمْ يَقْتَصِرُوا عَلى الحِرْمانِ والخُسْرانِ، بَلْ ضَمُّوا إلَيْهِ اسْتِحْقاقَ العَذابِ العَظِيمِ والعِقابِ الشَّدِيدِ، فَقالَ: ﴿لَهم مِن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النّارِ ومِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ والمُرادُ إحاطَةُ النّارِ بِهِمْ مِن جَمِيعِ الجَوانِبِ، ونَظِيرُهُ في الأحْوالِ النَّفْسانِيَّةِ إحاطَةُ الجَهْلِ والحِرْمانِ والحِرْصِ وسائِرِ الأخْلاقِ الذَّمِيمَةِ بِالإنْسانِ، فَإنْ قِيلَ: الظُّلَلُ ما عَلى الإنْسانِ، فَكَيْفَ سُمِّيَ ما تَحْتَهُ بِالظُّلَلِ ؟ والجَوابُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ مِن بابِ إطْلاقِ اسْمِ أحَدِ الضِّدَّيْنِ عَلى الآخَرِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشورى: ٤٠] .
الثّانِي: أنَّ الَّذِي يَكُونُ تَحْتَهُ يَكُونُ ظُلَّةً لِإنْسانٍ آخَرَ تَحْتَهُ، لِأنَّ النّارَ دَرَكاتٌ كَما أنَّ الجَنَّةَ دَرَجاتٌ.
والثّالِثُ: أنَّ الظُّلَّةَ التَّحْتانِيَّةَ إذا كانَتْ مُشابِهَةً لِلظُّلَّةِ الفَوْقانِيَّةِ في الحَرارَةِ والإحْراقِ والإيذاءِ أُطْلِقَ اسْمُ أحَدِهِما عَلى الآخَرِ لِأجْلِ المُماثَلَةِ والمُشابَهَةِ.
قالَ الحَسَنُ: هم بَيْنَ طَبَقَتَيْنِ مِنَ النّارِ، لا يَدْرُونَ ما فَوْقَهم أكْثَرَ مِمّا تَحْتَهم، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَغْشاهُمُ العَذابُ مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٥٥]، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهم مِن جَهَنَّمَ مِهادٌ ومِن فَوْقِهِمْ غَواشٍ﴾ [الأعراف: ٤١] .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ﴾ أيْ ذَلِكَ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِن وصْفِ العَذابِ، فَقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ﴾ مُبْتَدَأٌ، وقَوْلُهُ: ﴿يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ﴾ خَبَرٌ، وفي قَوْلِهِ: ﴿يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ﴾ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: التَّقْدِيرُ: ذَلِكَ العَذابُ المُعَدُّ لِلْكَفّارِ هو الَّذِي يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ أيِ المُؤْمِنِينَ، لِأنّا بَيَّنّا أنَّ لَفْظَ العِبادِ في القُرْآنِ مُخْتَصٌّ بِأهْلِ الإيمانِ، وإنَّما كانَ تَخْوِيفًا لِلْمُؤْمِنِينَ لِأجْلِ أنَّهم إذا سَمِعُوا أنَّ حالَ الكُفّارِ ما تَقَدَّمَ خافُوا فَأخْلَصُوا في التَّوْحِيدِ والطّاعَةِ.
الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ هَذا الكَلامَ في تَقْدِيرِ جَوابٍ عَنْ سُؤالٍ، لِأنَّهُ يُقالُ: إنَّهُ تَعالى غَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ مُنَزَّهٌ عَنِ الشَّهْوَةِ والِانْتِقامِ وداعِيَةِ الإيذاءِ، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِهِ أنْ يُعَذِّبَ هَؤُلاءِ المَساكِينَ إلى هَذا الحَدِّ العَظِيمِ، وأُجِيبَ عَنْهُ بِأنَّ المَقْصُودَ مِنهُ تَخْوِيفُ الكُفّارِ والضُّلّالِ عَنِ الكُفْرِ والضَّلالِ، فَإذا كانَ التَّكْلِيفُ لا يَتِمُّ إلّا بِالتَّخْوِيفِ، والتَّخْوِيفُ لا يَكْمُلُ الِانْتِفاعُ بِهِ إلّا بِإدْخالِ ذَلِكَ الشَّيْءِ في الوُجُودِ وجَبَ إدْخالُ ذَلِكَ النَّوْعِ مِنَ العَذابِ في الوُجُودِ؛ تَحْصِيلًا لِذَلِكَ المَطْلُوبِ الَّذِي هو التَّكْلِيفُ، والوَجْهُ الأوَّلُ عِنْدِي أقْرَبُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ قالَ بَعْدَهُ: ﴿ياعِبادِ فاتَّقُونِ﴾، وقَوْلُهُ: ﴿ياعِبادِ﴾ الأظْهَرُ مِنهُ أنَّ المُرادَ مِنهُ المُؤْمِنُونَ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: المَقْصُودُ مِن شَرْحِ عَذابِ الكُفّارِ لِلْمُؤْمِنِينَ تَخْوِيفُ المُؤْمِنِينَ، فَيا أيُّها المُؤْمِنُونَ بالِغُوا في الخَوْفِ والحَذَرِ والتَّقْوى.
الزمر 39:17
صفحة ٢٢٥
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ أنْ يَعْبُدُوها وأنابُوا إلى اللَّهِ لَهُمُ البُشْرى فَبَشِّرْ عِبادِي﴾ ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وأُولَئِكَ هم أُولُو الألْبابِ﴾ ﴿أفَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ أفَأنْتَ تُنْقِذُ مَن في النّارِ﴾ ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهم لَهم غُرَفٌ مِن فَوْقِها غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ وعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ المِيعادَ﴾
اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا ذَكَرَ وعِيدَ عَبَدَةِ الأصْنامِ والأوْثانِ ذَكَرَ وعْدَ مَنِ اجْتَنَبَ عِبادَتَها واحْتَرَزَ عَنِ الشِّرْكِ، لِيَكُونَ الوَعْدُ مَقْرُونًا بِالوَعِيدِ أبَدًا، فَيَحْصُلَ كَمالُ التَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ، وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: الطّاغُوتُ فَعْلُوتٌ مِنَ الطُّغْيانِ كالمَلَكُوتِ والرَّحَمُوتِ إلّا أنَّ فِيها قَلْبًا بِتَقْدِيمِ اللّامِ عَلى العَيْنِ، وفي هَذا اللَّفْظِ أنْواعٌ مِنَ المُبالَغَةِ:
أحَدُها: التَّسْمِيَةُ بِالمَصْدَرِ كَأنَّ عَيْنَ ذَلِكَ الشَّيْءِ الطُّغْيانُ.
وثانِيها: أنَّ البِناءَ بِناءُ المُبالَغَةِ، فَإنَّ الرَّحَمُوتَ الرَّحْمَةُ الواسِعَةُ، والمَلَكُوتَ المُلْكُ المَبْسُوطُ.
وثالِثُها: ما ذَكَرْنا مِن تَقْدِيمِ اللّامِ عَلى العَيْنِ، ومِثْلُ هَذا إنَّما يُصارُ إلَيْهِ عِنْدَ المُبالَغَةِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ المُرادَ مِنَ الطّاغُوتِ هَهُنا الشَّيْطانُ أمِ الأوْثانُ، فَقِيلَ: إنَّهُ الشَّيْطانُ، فَإنْ قِيلَ: إنَّهم ما عَبَدُوا الشَّيْطانَ وإنَّما عَبَدُوا الصَّنَمَ، قُلْنا: الدّاعِي إلى عِبادَةِ الصَّنَمِ لَمّا كانَ هو الشَّيْطانَ كانَ الإقْدامُ عَلى عِبادَةِ الصَّنَمِ عِبادَةً لِلشَّيْطانِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالطّاغُوتِ الصَّنَمُ، وسُمِّيَتْ طَواغِيتَ عَلى سَبِيلِ المَجازِ، لِأنَّهُ لا فِعْلَ لَها، والطُّغاةُ هُمُ الَّذِينَ يَعْبُدُونَها إلّا أنَّهُ لَمّا حَصَلَ الطُّغْيانُ عِنْدَ مُشاهَدَتِها والقُرْبِ مِنها وُصِفَتْ بِهَذِهِ الصِّفَةِ إطْلاقًا لِاسْمِ المُسَبَّبِ عَلى السَّبَبِ بِحَسَبِ الظّاهِرِ، وقِيلَ: كُلُّ ما يُعْبَدُ ويُطاعُ مِن دُونِ اللَّهِ فَهو طاغُوتٌ، ويُقالُ في التَّوارِيخِ: إنَّ الأصْلَ في عِبادَةِ الأصْنامِ أنَّ القَوْمَ كانُوا مُشَبِّهَةً اعْتَقَدُوا في الإلَهِ أنَّهُ نُورٌ عَظِيمٌ، وفي المَلائِكَةِ أنَّها أنْوارٌ مُخْتَلِفَةٌ في الصِّغَرِ والكِبَرِ، فَوَضَعُوا تَماثِيلَ وصُوَرًا عَلى وفْقِ تِلْكَ الخَيالاتِ، فَكانُوا يَعْبُدُونَ تِلْكَ التَّماثِيلَ عَلى اعْتِقادِ أنَّهم يَعْبُدُونَ اللَّهَ والمَلائِكَةَ، وأقُولُ: حاصِلُ الكَلامِ في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ﴾ أيْ: أعْرَضُوا عَنْ عُبُودِيَّةِ كُلِّ ما سِوى اللَّهِ، قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنابُوا إلى اللَّهِ﴾ أيْ رَجَعُوا بِالكُلِّيَّةِ إلى اللَّهِ، ورَأيْتُ في السِّفْرِ الخامِسِ مِنَ التَّوْراةِ: أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ لِمُوسى: يا مُوسى أجِبْ إلَهَكَ بِكُلِّ قَلْبِكِ.
وأقُولُ: ما دامَ يَبْقى في القَلْبِ التِفاتٌ إلى غَيْرِ اللَّهِ فَهو ما أجابَ إلَهَهُ بِكُلِّ قَلْبِهِ، وإنَّما تَحْصُلُ الإجابَةُ بِكُلِّ القَلْبِ إذا أعْرَضَ القَلْبُ عَنْ كُلِّ ما سِوى اللَّهِ مِن بابِ الطّاعاتِ، فَكَيْفَ يُعْرِضُ عَنْها مَعَ أنَّهُ بِالحِسِّ يُشاهِدُ الأسْبابَ المُفْضِيَةَ إلى المُسَبَّباتِ في هَذا العالَمِ، قُلْنا: لَيْسَ المُرادُ مِن إعْراضِ القَلْبِ عَنْها أنْ يَقْضِيَ عَلَيْها بِالعَدَمِ، فَإنَّ ذَلِكَ دُخُولٌ في السَّفْسَطَةِ، وهو باطِلٌ، بَلِ المُرادُ أنْ يَعْرِفَ أنَّ واجِبَ الوُجُودِ لِذاتِهِ واحِدٌ، وأنَّ كُلَّ ما سِواهُ فَإنَّهُ مُمْكِنُ الوُجُودِ لِذاتِهِ، وكُلُّ ما كانَ مُمْكِنًا لِذاتِهِ فَإنَّهُ لا يُوجَدُ إلّا بِتَكْوِينِ الواجِبِ وإيجادِهِ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى جَعَلَ تَكْوِينَهُ لِلْأشْياءِ عَلى قِسْمَيْنِ: مِنها ما يَكُونُ بِغَيْرِ واسِطَةٍ، وهي عالَمُ السَّماواتِ والرُّوحانِيّاتِ، ومِنها ما يَكُونُ بِواسِطَةٍ، وهو عالَمُ العَناصِرِ والعالَمُ الأسْفَلُ، فَإذا عَرَفْتَ الأشْياءَ عَلى هَذا الوَجْهِ عَرَفْتَ أنَّ الكُلَّ لِلَّهِ، ومِنَ اللَّهِ، وبِاللَّهِ، وأنَّهُ لا مُدَبِّرَ إلّا هو ولا مُؤَثِّرَ غَيْرُهُ، وحِينَئِذٍ يَنْقَطِعُ نَظَرُهُ عَنْ هَذِهِ المُمْكِناتِ، ويَبْقى مَشْغُولَ القَلْبِ بِالمُؤَثِّرِ الأوَّلِ والمُوجِدِ الأوَّلِ، فَإنَّهُ إنْ كانَ قَدْ وضَعَ الأسْبابَ الرُّوحانِيَّةَ والجُسْمانِيَّةَ، بِحَيْثُ يَتَأدّى إلى هَذا المَطْلُوبِ، فَهَذا الشَّيْءُ يَحْصُلُ، وإنْ كانَ قَدْ وُضِعَ بِحَيْثُ لا يُفْضِي إلى حُصُولِ هَذا الشَّيْءِ لَمْ يَحْصُلْ، وبِهَذا الطَّرِيقِ يَنْقَطِعُ نَظَرُهُ عَنِ الكُلِّ ولا يَبْقى في قَلْبِهِ التِفاتٌ إلى شَيْءٍ إلّا إلى المَوْجُودِ
صفحة ٢٢٦
الأوَّلِ، وقَدِ اتَّفَقَ أنِّي كُنْتُ أنْصَحُ بَعْضَ الصِّبْيانِ في حِفْظِ العِرْضِ والمالِ، فَعارَضَنِي، وقالَ: لا يَجُوزُ الِاعْتِمادُ عَلى الجِدِّ والجُهْدِ، بَلْ يَجِبُ الِاعْتِمادُ عَلى قَضاءِ اللَّهِ وقَدَرِهِ، فَقُلْتُ: هَذِهِ كَلِمَةُ حَقٍّ سَمِعْتَها، ولَكِنَّكَ ما عَرَفْتَ مَعْناها، وذَلِكَ لِأنَّهُ لا شُبْهَةَ أنَّ الكُلَّ مِنَ اللَّهِ تَعالى إلّا أنَّهُ سُبْحانَهُ دَبَّرَ الأشْياءَ عَلى قِسْمَيْنِ: مِنها ما جَعَلَ حُدُوثَهُ وحُصُولَهُ مُعَلَّقًا بِأسْبابٍ مَعْلُومَةٍ، ومِنها ما يُحْدِثُهُ مِن غَيْرِ واسِطَةِ هَذِهِ الأسْبابِ.
أمّا القِسْمُ الأوَّلُ: فَهو حَوادِثُ هَذا العالَمِ الأسْفَلِ.
وأمّا القِسْمُ الثّانِي: فَهو حَوادِثُ هَذا العالَمِ الأعْلى، وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: مَن طَلَبَ حَوادِثَ هَذا العالَمِ الأسْفَلِ لا مِنَ الأسْبابِ الَّتِي عَيَّنَها اللَّهُ تَعالى، كانَ هَذا الشَّخْصُ مُنازِعًا لِلَّهِ في حِكْمَتِهِ، مُخالِفًا في تَدْبِيرِهِ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى حَكَمَ بِحُدُوثِ هَذِهِ الأشْياءِ بِناءً عَلى تِلْكَ الأسْبابِ المُعَيَّنَةِ المَعْلُومَةِ، وأنْتَ تُرِيدُ تَحْصِيلَها لا مِن تِلْكَ الأسْبابِ، فَهَذا هو الكَلامُ في تَحْقِيقِ الإعْراضِ عَنْ غَيْرِ اللَّهِ، والإقْبالِ بِالكُلِّيَّةِ عَلى اللَّهِ تَعالى، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ﴾ إشارَةٌ إلى الإعْراضِ عَنْ غَيْرِ اللَّهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنابُوا إلى اللَّهِ﴾ إشارَةٌ إلى الإقْبالِ بِالكُلِّيَّةِ عَلى عِبادَةِ اللَّهِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى وعَدَ هَؤُلاءِ بِأشْياءَ:
أحَدُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهُمُ البُشْرى﴾ .
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الكَلِمَةَ تَتَعَلَّقُ بِجِهاتٍ:
أحَدُها: أنَّ هَذِهِ البِشارَةَ مَتى تَحْصُلُ ؟ فَنَقُولُ: إنَّها تَحْصُلُ عِنْدَ القُرْبِ مِنَ المَوْتِ، وعِنْدَ الوَضْعِ في القَبْرِ، وعِنْدَ الوُقُوفِ في عَرْصَةِ القِيامَةِ، وعِنْدَما يَصِيرُ فَرِيقٌ في الجَنَّةِ، وفَرِيقٌ في السَّعِيرِ، وعِنْدَما يَدْخُلُ المُؤْمِنُونَ الجَنَّةَ، فَفي كُلِّ مَوْقِفٍ مِن هَذِهِ المَواقِفِ تَحْصُلُ البِشارَةُ بِنَوْعٍ مِنَ الخَيْرِ والرُّوحِ والرّاحَةِ والرَّيْحانِ.
وثانِيها: أنَّ هَذِهِ البِشارَةُ فَبِماذا تَحْصُلُ ؟ فَنَقُولُ: إنَّ هَذِهِ البِشارَةَ تَحْصُلُ بِزَوالِ المَكْرُوهاتِ وبِحُصُولِ المُراداتِ، أمّا زَوالُ المَكْرُوهاتِ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألّا تَخافُوا ولا تَحْزَنُوا﴾ [فصلت: ٣٠]، والخَوْفُ إنَّما يَكُونُ مِنَ المُسْتَقْبَلِ، والحُزْنُ إنَّما يَكُونُ بِسَبَبِ الأحْوالِ الماضِيَةِ، فَقَوْلُهُ: ﴿ألّا تَخافُوا﴾ يَعْنِي: لا تَخافُوا فِيما تَسْتَقْبِلُونَهُ مِن أحْوالِ القِيامَةِ، ولا تَحْزَنُوا بِسَبَبِ ما فاتَكم مِن خَيْراتِ الدُّنْيا، ولَمّا أزالَ اللَّهُ عَنْهم هَذِهِ المَكْرُوهاتِ بَشَّرَهم بِحُصُولِ الخَيْراتِ والسَّعاداتِ، فَقالَ: ﴿وأبْشِرُوا بِالجَنَّةِ﴾ [فصلت: ٣٠]، وقالَ أيْضًا في آيَةٍ أُخْرى: ﴿يَوْمَ تَرى المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ يَسْعى نُورُهم بَيْنَ أيْدِيهِمْ وبِأيْمانِهِمْ بُشْراكُمُ اليَوْمَ جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ [الحديد: ١٢] وقالَ أيْضًا: ﴿وفِيها ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وتَلَذُّ الأعْيُنُ وأنْتُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ [الزخرف: ٧١] .
والثّالِثُ: أنَّ المُبَشِّرَ مَن هو ؟ فَنَقُولُ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هُمُ المَلائِكَةَ، إمّا عِنْدَ المَوْتِ فَقَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ﴾ [النحل: ٣٢]، وإمّا بَعْدَ دُخُولِ الجَنَّةِ فَقَوْلُهُ: ﴿المَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ سَلامٌ عَلَيْكم بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبى الدّارِ﴾ [الرعد: ٢٤] ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هو اللَّهَ سُبْحانَهُ كَما قالَ: ﴿تَحِيَّتُهم يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ﴾ [الأحزاب: ٤٤] .
واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لَهُمُ البُشْرى﴾ فِيهِ أنْواعٌ مِنَ التَّأْكِيداتِ:
أحَدُها: أنَّهُ يُفِيدُ الحَصْرَ، فَقَوْلُهُ: ﴿لَهُمُ البُشْرى﴾ أيْ: لَهم لا لِغَيْرِهِمْ، وهَذا يُفِيدُ أنَّهُ لا بِشارَةَ لِأحَدٍ إلّا إذا اجْتَنَبَ عِبادَةَ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى، وأقْبَلَ بِالكُلِّيَّةِ عَلى اللَّهِ تَعالى.
وثانِيها: أنَّ الألِفَ واللّامَ في لَفْظِ ”البُشْرى“ مُفِيدٌ لِلْماهِيَّةِ، فَيُفِيدُ أنَّ هَذِهِ الماهِيَّةَ بِتَمامِها لِهَؤُلاءِ، ولَمْ يَبْقَ مِنها نَصِيبٌ لِغَيْرِهِمْ.
وثالِثُها: أنْ لا فَرْقَ بَيْنَ الإخْبارِ وبَيْنَ البِشارَةِ، فالبِشارَةُ هو الخَبَرُ الأوَّلُ بِحُصُولِ الخَيْراتِ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: كُلُّ ما سَمِعُوهُ في الدُّنْيا مِن أنْواعِ الثَّوابِ والخَيْرِ إذا سَمِعُوهُ عِنْدَ المَوْتِ أوْ في القَبْرِ، فَذاكَ لا يَكُونُ إلّا إخْبارًا، فَثَبَتَ أنَّ هَذِهِ البِشارَةَ لا تَتَحَقَّقُ إلّا إذا حَصَلَ الإخْبارُ بِحُصُولِ
صفحة ٢٢٧
أنْواعٍ أُخَرَ مِنَ السَّعاداتِ فَوْقَ ما عَرَفُوها وسَمِعُوها في الدُّنْيا، نَسْألُ اللَّهَ تَعالى الفَوْزَ بِها، قالَ تَعالى: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهم مِن قُرَّةِ أعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧] .
ورابِعُها: أنَّ المُخْبِرَ بِقَوْلِهِ: ﴿لَهُمُ البُشْرى﴾ هو اللَّهُ تَعالى، وهو أعْظَمُ العُظَماءِ، وأكْمَلُ المَوْجُوداتِ، والشَّرْطُ المُعْتَبَرُ في حُصُولِ هَذِهِ البِشارَةِ شَرْطٌ عَظِيمٌ، وهو الِاجْتِنابُ عَمّا سِوى اللَّهِ تَعالى، والإقْبالُ بِالكُلِّيَّةِ عَلى اللَّهِ، والسُّلْطانُ العَظِيمُ إذا ذَكَرَ شَرْطًا عَظِيمًا، ثُمَّ قالَ لِمَن أتى بِذَلِكَ الشَّرْطِ العَظِيمِ: أبْشِرْ، فَهَذِهِ البِشارَةُ الصّادِرَةُ مِنَ السُّلْطانِ العَظِيمِ المُرَتَّبَةُ عَلى حُصُولِ ذَلِكَ الشَّرْطِ العَظِيمِ تَدُلُّ عَلى أنَّ الَّذِي وقَعَتِ البِشارَةُ بِهِ قَدْ بَلَغَ في الكَمالِ والرِّفْعَةِ إلى حَيْثُ لا يَصِلُ إلى شَرْحِها العُقُولُ والأفْكارُ، فَثَبَتَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لَهُمُ البُشْرى﴾ يَدُلُّ عَلى نِهايَةِ الكَمالِ والسَّعادَةِ مِن هَذِهِ الوُجُوهِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿لَهُمُ البُشْرى﴾ وكانَ هَذا المُجْمَلَ - أرْدَفَهُ بِكَلامٍ يَجْرِي مَجْرى التَّفْسِيرِ والشَّرْحِ لَهُ، فَقالَ تَعالى: ﴿فَبِشِّرْ عِبادِ﴾ ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ﴾ وأرادَ بِعِبادِهِ ”الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ“ الَّذِينَ اجْتَنَبُوا وأنابُوا لا غَيْرَهم، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ رَأْسَ السَّعاداتِ، ومَرْكَزَ الخَيْراتِ، ومَعْدِنَ الكَراماتِ - هو الإعْراضُ عَنْ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى، والإقْبالُ بِالكُلِّيَّةِ عَلى طاعَةِ اللَّهِ، والمَقْصُودُ مِن هَذا اللَّفْظِ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ الَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ وأنابُوا هُمُ المَوْصُوفُونَ بِأنَّهم هُمُ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ، فَوُضِعَ الظّاهِرُ مَوْضِعَ المُضْمَرِ تَنْبِيهًا عَلى هَذا الحَرْفِ، ومِنهم مَن قالَ: إنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ الَّذِينَ اجْتَنَبُوا وأنابُوا لَهُمُ البُشْرى، وكانَ ذَلِكَ دَرَجَةً عالِيَةً لا يَصِلُ إلَيْها إلّا الأوَّلُونَ، وقَصْرُ السَّعادَةِ عَلَيْهِمْ يَقْتَضِي الحِرْمانَ لِلْأكْثَرِينَ، وذَلِكَ لا يَلِيقُ بِالرَّحْمَةِ التّامَّةِ، لا جَرَمَ جَعَلَ الحُكْمَ أعَمَّ فَقالَ: كُلُّ مَنِ اخْتارَ الأحْسَنَ في كُلِّ بابٍ كانَ في زُمْرَةِ السُّعَداءِ، واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى فَوائِدَ:
* * *
الفائِدَةُ الأُولى: وُجُوبُ النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ الهِدايَةَ والفَلاحَ مُرْتَبِطانِ بِما إذا سَمِعَ الإنْسانُ أشْياءَ كَثِيرَةً، فَإنَّهُ يَخْتارُ مِنها ما هو الأحْسَنُ الأصْوَبُ، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ تَمْيِيزَ الأحْسَنِ الأصْوَبِ عَمّا سِواهُ لا يَحْصُلُ بِالسَّماعِ، لِأنَّ السَّماعَ صارَ قَدْرًا مُشْتَرَكًا بَيْنَ الكُلِّ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ السَّماعَ قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ فِيهِ، فَثَبَتَ أنَّ تَمْيِيزَ الأحْسَنِ عَمّا سِواهُ لا يَتَأتّى بِالسَّماعِ، وإنَّما يَتَأتّى بِحُجَّةِ العَقْلِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ المُوجِبَ لِاسْتِحْقاقِ المَدْحِ والثَّناءِ مُتابَعَةُ حُجَّةِ العَقْلِ، وبِناءُ الأمْرِ عَلى النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ.
الفائِدَةُ الثّانِيَةُ: أنَّ الطَّرِيقَ إلى تَصْحِيحِ المَذاهِبِ والأدْيانِ قِسْمانِ:
أحَدُهُما: إقامَةُ الحُجَّةِ والبَيِّنَةِ عَلى صِحَّتِهِ عَلى سَبِيلِ التَّحْصِيلِ، وذَلِكَ أمْرٌ لا يُمْكِنُ تَحْصِيلُهُ إلّا بِالخَوْضِ في كُلِّ واحِدٍ مِنَ المَسائِلِ عَلى التَّفْصِيلِ.
والثّانِي: أنّا قَبْلَ البَحْثِ عَنِ الدَّلائِلِ وتَقْرِيرِها والشُّبُهاتِ وتَزْيِيفِها نَعْرِضُ تِلْكَ المَذاهِبَ وأضْدادَها عَلى عُقُولِنا، فَكُلُّ ما حَكَمَ أوَّلُ العَقْلِ بِأنَّهُ أفْضَلُ وأكْمَلُ، كانَ أوْلى بِالقَبُولِ. مِثالُهُ: أنَّ صَرِيحَ العَقْلِ شاهِدٌ بِأنَّ الإقْرارَ بِأنَّ إلَهَ العالَمِ حَيٌّ عالِمٌ قادِرٌ حَلِيمٌ، حَكِيمٌ رَحِيمٌ أوْلى مِن إنْكارِ ذَلِكَ، فَكانَ ذَلِكَ المَذْهَبُ أوْلى، والإقْرارُ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى لا يُجْرِي في مُلْكِهِ وسُلْطانِهِ إلّا ما كانَ عَلى وفْقِ مَشِيئَتِهِ أوْلى مِنَ القَوْلِ بِأنَّ أكْثَرَ ما يَجْرِي في سُلْطانِ اللَّهِ عَلى خِلافِ إرادَتِهِ، وأيْضًا الإقْرارُ بِأنَّ اللَّهَ فَرْدٌ أحَدٌ صَمَدٌ مُنَزَّهٌ عَنِ التَّرْكِيبِ والأعْضاءِ أوْلى مِنَ القَوْلِ بِكَوْنِهِ مُتَبَعِّضًا مُؤَلَّفًا، وأيْضًا القَوْلُ بِاسْتِغْنائِهِ عَنِ الزَّمانِ والمَكانِ أوْلى مِنَ القَوْلِ بِاحْتِياجِهِ إلَيْهِما، وأيْضًا القَوْلُ بِأنَّ اللَّهَ رَحِيمٌ كَرِيمٌ قَدْ يَعْفُو عَنِ العِقابِ أوْلى مِنَ القَوْلِ بِأنَّهُ لا يَعْفُو عَنْهُ ألْبَتَّةَ، وكُلُّ هَذِهِ
صفحة ٢٢٨
الأبْوابِ تَدْخُلُ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ﴾ فَهَذا ما يَتَعَلَّقُ بِاخْتِيارِ الأحْسَنِ في أبْوابِ الِاعْتِقاداتِ.
وأمّا ما يَتَعَلَّقُ بِأبْوابِ التَّكالِيفِ فَهو عَلى قِسْمَيْنِ: مِنها ما يَكُونُ مِن أبْوابِ العِباداتِ، ومِنها ما يَكُونُ مِن أبْوابِ المُعامَلاتِ، فَأمّا العِباداتُ فَمِثْلُ قَوْلِنا: الصَّلاةُ الَّتِي يُذْكَرُ في تَحْرِيمِها اللَّهُ أكْبَرُ، وتَكُونُ النِّيَّةُ فِيها مُقارِنَةً لِلتَّكْبِيرِ، ويُقْرَأُ فِيها سُورَةُ الفاتِحَةِ، ويُؤْتى فِيها بِالطُّمَأْنِينَةِ في المَواقِفِ الخَمْسَةِ، ويُقْرَأُ فِيها التَّشَهُّدُ، ويُخْرَجُ مِنها بِقَوْلِهِ السَّلامُ عَلَيْكم، فَلا شَكَّ أنَّها أحْسَنُ مِنَ الصَّلاةِ الَّتِي لا يُراعى فِيها شَيْءٌ مِن هَذِهِ الأحْوالِ، وتُوجِبُ عَلى العاقِلِ أنْ يَخْتارَ هَذِهِ الصَّلاةَ، وأنْ يَتْرُكَ ما سِواها، وكَذَلِكَ القَوْلُ في جَمِيعِ أبْوابِ العِباداتِ.
وأمّا المُعامَلاتُ فَكَذَلِكَ، مِثْلَ أنَّهُ تَعالى شَرَعَ القِصاصَ والدِّيَةَ والعَفْوَ، ولَكِنَّهُ نَدَبَ إلى العَفْوِ، فَقالَ: ﴿وأنْ تَعْفُوا أقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾ [البقرة: ٢٣٧] وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ المُرادَ مِنهُ الرَّجُلُ يَجْلِسُ مَعَ القَوْمِ، ويَسْمَعُ الحَدِيثَ، فِيهِ مَحاسِنُ ومَساوِئُ، فَيُحَدِّثُ بِأحْسَنِ ما سَمِعَ ويَتْرُكُ ما سِواهُ.
* * *
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى حَكَمَ عَلى الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ بِأنْ قالَ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وأُولَئِكَ هم أُولُو الألْبابِ﴾ وفي ذَلِكَ دَقِيقَةٌ عَجِيبَةٌ، وهي أنَّ حُصُولَ الهِدايَةِ في العَقْلِ والرُّوحِ أمْرٌ حادِثٌ، ولا بُدَّ لَهُ مِن فاعِلٍ وقابَلٍ، أمّا الفاعِلُ فَهو اللَّهُ سُبْحانَهُ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ﴾ وأمّا القابِلُ فَإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿وأُولَئِكَ هم أُولُو الألْبابِ﴾ فَإنَّ الإنْسانَ ما لَمْ يَكُنْ عاقِلًا كامِلَ الفَهْمِ امْتَنَعَ حُصُولُ هَذِهِ المَعارِفِ الحَقِّيَّةِ في قَلْبِهِ، وإنَّما قُلْنا: إنَّ الفاعِلَ لِهَذِهِ الهِدايَةِ هو اللَّهُ، وذَلِكَ لِأنَّ جَوْهَرَ النَّفْسِ مَعَ ما فِيها مِن نُورِ العَقْلِ قابِلٌ لِلِاعْتِقادِ الحَقِّ، والِاعْتِقادِ الباطِلِ، وإذا كانَ الشَّيْءُ قابِلًا لِلضِّدَّيْنِ كانَتْ نِسْبَةُ ذَلِكَ القابِلِ إلَيْهِما عَلى السَّوِيَّةِ، ومَتى كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ امْتَنَعَ كَوْنُ ذَلِكَ القابِلِ سَبَبًا لِرُجْحانِ أحَدِ الطَّرَفَيْنِ، ألا تَرى أنَّ الجِسْمَ لَمّا كانَ قابِلًا لِلْحَرَكَةِ والسُّكُونِ عَلى السَّوِيَّةِ، امْتَنَعَ أنْ تَصِيرَ ذاتُ الجِسْمِ سَبَبًا لِرُجْحانِ أحَدِ الطَّرَفَيْنِ عَلى الآخَرِ، فَإنْ قالُوا: لا نَقُولُ: إنَّ ذاتَ النَّفْسِ والعَقْلِ تُوجِبُ هَذا الرُّجْحانَ، بَلْ نَقُولُ: إنَّهُ يُرِيدُ تَحْصِيلَ أحَدِ الطَّرَفَيْنِ، فَتَصِيرُ تِلْكَ الإرادَةُ سَبَبًا لِذَلِكَ الرُّجْحانِ، فَنَقُولُ: هَذا باطِلٌ، لِأنَّ ذاتَ النَّفْسِ كَما أنَّها قابِلَةٌ لِهَذِهِ الإرادَةِ، فَكَذَلِكَ ذاتُ العَقْلِ قابِلَةٌ لِإرادَةٍ مُضادَّةٍ لِتِلْكَ الإرادَةِ، فَيَمْتَنِعُ كَوْنُ جَوْهَرِ النَّفْسِ سَبَبًا لِتِلْكَ الإرادَةِ، فَثَبَتَ أنَّ حُصُولَ الهِدايَةِ لا بُدَّ لَها مِن فاعِلٍ ومِن قابِلٍ.
أمّا الفاعِلُ: فَيَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ هو النَّفْسَ، بَلِ الفاعِلُ هو اللَّهُ تَعالى، وأمّا القابِلُ: فَهو جَوْهَرُ النَّفْسِ، فَلِهَذا السَّبَبِ قالَ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وأُولَئِكَ هم أُولُو الألْبابِ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿أفَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ أفَأنْتَ تُنْقِذُ مَن في النّارِ﴾، وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في لَفْظِ الآيَةِ سُؤالٌ، وهو أنَّهُ يُقالُ: إنَّهُ قالَ: ﴿أفَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ﴾ ولا يَصِحُّ في الكَلامِ العَرَبِيِّ أنْ يَدْخُلَ حَرْفُ الِاسْتِفْهامِ عَلى الِاسْمِ وعَلى الخَبَرِ مَعًا، فَلا يُقالُ: أزَيْدٌ أتَقْتُلُهُ، بَلْ هَهُنا شَيْءٌ آخَرُ، وهو أنَّهُ كَما دَخَلَ حَرْفُ الِاسْتِفْهامِ عَلى الشَّرْطِ وعَلى الجَزاءِ، فَكَذَلِكَ دَخَلَ حَرْفُ الفاءِ عَلَيْهِما مَعًا، وهو قَوْلُهُ: ﴿أفَمَن حَقَّ﴾، ﴿أفَأنْتَ تُنْقِذُ﴾ ولِأجْلِ هَذا السُّؤالِ اخْتَلَفَ النَّحْوِيُّونَ وذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا:
الأوَّلُ: قالَ الكِسائِيُّ: الآيَةُ جُمْلَتانِ، والتَّقْدِيرُ: أفَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ، أفَأنْتَ تَحْمِيهِ، أفَأنْتَ تُنْقِذُ مَن في النّارِ.
الثّانِي: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: أصْلُ الكَلامِ: أفَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ أفَأنْتَ تُنْقِذُهُ، وهي جُمْلَةٌ شَرْطِيَّةٌ دَخَلَ عَلَيْها هَمْزَةُ الإنْكارِ، والفاءُ فاءُ الجَزاءِ، ثُمَّ دَخَلَتِ الفاءُ الَّتِي في أوَّلِها لِلْعَطْفِ عَلى مَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ
صفحة ٢٢٩
الخِطابُ، والتَّقْدِيرُ: أأنْتَ مالِكُ أمْرِهِمْ، فَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ أفَأنْتَ تُنْقِذُهُ، والهَمْزَةُ الثّانِيَةُ هي الأُولى كُرِّرَتْ لِتَوْكِيدِ مَعْنى الإنْكارِ والِاسْتِبْعادِ، ووُضِعَ ”مَن في النّارِ“ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ، والآيَةُ عَلى هَذا جُمْلَةٌ واحِدَةٌ.
الثّالِثُ: لا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: إنَّ حَرْفَ الِاسْتِفْهامِ إنَّما ورَدَ هَهُنا لِإفادَةِ مَعْنى الإنْكارِ، ولَمّا كانَ اسْتِنْكارُهُ هَذا المَعْنى كامِلًا تامًّا، لا جَرَمَ ذَكَرَ هَذا الحَرْفَ في الشَّرْطِ وأعادَهُ في الجَزاءِ، تَنْبِيهًا عَلى المُبالَغَةِ التّامَّةِ في ذَلِكَ الإنْكارِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ الأصْحابُ بِهَذِهِ الآيَةِ في مَسْألَةِ الهُدى والضَّلالِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿أفَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ﴾ فَإذا حَقَّتْ كَلِمَةُ العَذابِ عَلَيْهِ امْتَنَعَ مِنهُ فِعْلُ الإيمانِ والطّاعَةِ، وإلّا لَزِمَ انْقِلابُ خَبَرِ اللَّهِ الصِّدْقِ كَذِبًا، وانْقِلابُ عِلْمِهِ جَهْلًا، وهو مُحالٌ.
والوَجْهُ الثّانِي في الِاسْتِدْلالِ بِالآيَةِ: أنَّهُ تَعالى حَكَمَ بِأنَّ حَقِّيَّةَ كَلِمَةِ العَذابِ تُوجِبُ الِاسْتِنْكارَ التّامَّ مِن صُدُورِ الإيمانِ والطّاعَةِ عَنْهُ، ولَوْ كانَ ذَلِكَ مُمْكِنًا، ولَمْ تَكُنْ حَقِيقَةُ كَلِمَةِ العَذابِ مانِعَةً مِنهُ، لَمْ يَبْقَ لِهَذا الِاسْتِنْكارِ والِاسْتِبْعادِ مَعْنًى.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: احْتَجَّ القاضِي بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لا يَشْفَعُ لِأهْلِ الكَبائِرِ، قالَ: لِأنَّهُ حَقَّ عَلَيْهِمُ العَذابُ، فَتِلْكَ الشَّفاعَةُ تَكُونُ جارِيَةً مَجْرى إنْقاذِهِمْ مِنَ النّارِ، وأنَّ اللَّهَ تَعالى حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِالإنْكارِ والِاسْتِبْعادِ، فَيُقالُ لَهُ: لا نُسَلِّمُ أنَّ أهْلَ الكَبائِرِ قَدْ حَقَّ عَلَيْهِمُ العَذابُ، وكَيْفَ يَحِقُّ العَذابُ عَلَيْهِمْ مَعَ أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النساء: ٤٨] ومَعَ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣]، واللَّهُ أعْلَمُ.
النَّوْعُ الثّانِي: مِنَ الأشْياءِ الَّتِي وعَدَها اللَّهُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ اجْتَنَبُوا وأنابُوا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهم لَهم غُرَفٌ مِن فَوْقِها غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ﴾ وهَذا كالمُقابِلِ لِما ذُكِرَ في وصْفِ الكُفّارِ ﴿لَهم مِن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النّارِ ومِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾، فَإنْ قِيلَ: ما مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿مَبْنِيَّةٌ﴾ ؟ قُلْنا: لِأنَّ المَنزِلَ إذا بُنِيَ عَلى مَنزِلٍ آخَرَ تَحْتَهُ كانَ الفَوْقانِيُّ أضْعَفَ بِناءً مِنَ التَّحْتانِيِّ، فَقَوْلُهُ: ﴿مَبْنِيَّةٌ﴾ مَعْناهُ: أنَّهُ وإنْ كانَ فَوْقَ غَيْرِهِ لَكِنَّهُ في القُوَّةِ والشِّدَّةِ مُساوٍ لِلْمَنزِلِ الأسْفَلِ، والحاصِلُ أنَّ المَنزِلَ الفَوْقانِيَّ والتَّحْتانِيَّ حَصَلَ في كُلّ واحِدٍ مِنهُما فَضِيلَةٌ ومَنقَصَةٌ، أمّا الفَوْقانِيُّ فَفَضِيلَتُهُ العُلُوُّ والِارْتِفاعُ، ونُقْصانُهُ الرَّخاوَةُ والسَّخافَةُ، وأمّا التَّحْتانِيُّ فَبِالضِّدِّ مِنهُ، أمّا مَنازِلُ الجَنَّةِ فَإنَّها تَكُونُ مُسْتَجْمِعَةً لِكُلِّ الفَضائِلِ، وهي عالِيَةٌ مُرْتَفِعَةٌ، وتَكُونُ في غايَةِ القُوَّةِ والشِّدَّةِ، وقالَ حُكَماءُ الإسْلامِ: هَذِهِ الغُرَفُ المَبْنِيَّةُ بَعْضُها فَوْقَ البَعْضِ، مِثالُهُ مِنَ الأحْوالِ النَّفْسانِيَّةِ العُلُومُ الكَسْبِيَّةُ، فَإنَّ بَعْضَها يَكُونُ مَبْنِيًّا عَلى البَعْضِ، والنَّتائِجُ الآخِرَةُ الَّتِي هي عِبارَةٌ عَنْ مَعْرِفَةِ ذاتِ اللَّهِ وصِفاتِهِ تَكُونُ في غايَةِ القُوَّةِ، بَلْ تَكُونُ في القُوَّةِ والشِّدَّةِ كالعُلُومِ الأصْلِيَّةِ البَدِيهِيَّةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ وذَلِكَ مَعْلُومٌ، ثُمَّ خَتَمَ الكَلامَ فَقالَ: ﴿وعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ المِيعادَ﴾، فَقَوْلُهُ: ﴿وعْدَ اللَّهِ﴾ مَصْدَرٌ مُؤَكَّدٌ، لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿لَهم غُرَفٌ﴾ في مَعْنى: وعَدَهُمُ اللَّهُ ذَلِكَ، وفي الآيَةِ دَقِيقَةٌ شَرِيفَةٌ، وهي أنَّهُ تَعالى في كَثِيرٍ مِن آياتِ الوَعْدِ صَرَّحَ بِأنَّ هَذا وعْدُ اللَّهِ، وأنَّهُ لا يُخْلِفُ وعْدَهُ، ولَمْ يَذْكُرْ في آياتِ الوَعِيدِ ألْبَتَّةَ مِثْلَ هَذا التَّأْكِيدِ والتَّقْوِيَةِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ جانِبَ الوَعْدِ أرْجَحُ مِن جانِبِ الوَعِيدِ بِخِلافِ ما يَقُولُهُ المُعْتَزِلَةُ، فَإنْ قالُوا: ألَيْسَ أنَّهُ قالَ في جانِبِ الوَعِيدِ: ﴿ما يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ وما أنا بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [ق: ٢٩] قُلْنا: قَوْلُهُ: ﴿ما يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ﴾ لَيْسَ تَصْرِيحًا بِجانِبِ الوَعِيدِ، بَلْ هو كَلامٌ عامٌّ يَتَناوَلُ القِسْمَيْنِ، أعْنِي الوَعْدَ والوَعِيدَ، فَثَبَتَ أنَّ التَّرْجِيحَ الَّذِي ذَكَرْناهُ حَقٌّ، واللَّهُ أعْلَمُ.
صفحة ٢٣٠
الزمر 39:18
صفحة ٢٢٥
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ أنْ يَعْبُدُوها وأنابُوا إلى اللَّهِ لَهُمُ البُشْرى فَبَشِّرْ عِبادِي﴾ ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وأُولَئِكَ هم أُولُو الألْبابِ﴾ ﴿أفَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ أفَأنْتَ تُنْقِذُ مَن في النّارِ﴾ ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهم لَهم غُرَفٌ مِن فَوْقِها غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ وعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ المِيعادَ﴾
اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا ذَكَرَ وعِيدَ عَبَدَةِ الأصْنامِ والأوْثانِ ذَكَرَ وعْدَ مَنِ اجْتَنَبَ عِبادَتَها واحْتَرَزَ عَنِ الشِّرْكِ، لِيَكُونَ الوَعْدُ مَقْرُونًا بِالوَعِيدِ أبَدًا، فَيَحْصُلَ كَمالُ التَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ، وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: الطّاغُوتُ فَعْلُوتٌ مِنَ الطُّغْيانِ كالمَلَكُوتِ والرَّحَمُوتِ إلّا أنَّ فِيها قَلْبًا بِتَقْدِيمِ اللّامِ عَلى العَيْنِ، وفي هَذا اللَّفْظِ أنْواعٌ مِنَ المُبالَغَةِ:
أحَدُها: التَّسْمِيَةُ بِالمَصْدَرِ كَأنَّ عَيْنَ ذَلِكَ الشَّيْءِ الطُّغْيانُ.
وثانِيها: أنَّ البِناءَ بِناءُ المُبالَغَةِ، فَإنَّ الرَّحَمُوتَ الرَّحْمَةُ الواسِعَةُ، والمَلَكُوتَ المُلْكُ المَبْسُوطُ.
وثالِثُها: ما ذَكَرْنا مِن تَقْدِيمِ اللّامِ عَلى العَيْنِ، ومِثْلُ هَذا إنَّما يُصارُ إلَيْهِ عِنْدَ المُبالَغَةِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ المُرادَ مِنَ الطّاغُوتِ هَهُنا الشَّيْطانُ أمِ الأوْثانُ، فَقِيلَ: إنَّهُ الشَّيْطانُ، فَإنْ قِيلَ: إنَّهم ما عَبَدُوا الشَّيْطانَ وإنَّما عَبَدُوا الصَّنَمَ، قُلْنا: الدّاعِي إلى عِبادَةِ الصَّنَمِ لَمّا كانَ هو الشَّيْطانَ كانَ الإقْدامُ عَلى عِبادَةِ الصَّنَمِ عِبادَةً لِلشَّيْطانِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالطّاغُوتِ الصَّنَمُ، وسُمِّيَتْ طَواغِيتَ عَلى سَبِيلِ المَجازِ، لِأنَّهُ لا فِعْلَ لَها، والطُّغاةُ هُمُ الَّذِينَ يَعْبُدُونَها إلّا أنَّهُ لَمّا حَصَلَ الطُّغْيانُ عِنْدَ مُشاهَدَتِها والقُرْبِ مِنها وُصِفَتْ بِهَذِهِ الصِّفَةِ إطْلاقًا لِاسْمِ المُسَبَّبِ عَلى السَّبَبِ بِحَسَبِ الظّاهِرِ، وقِيلَ: كُلُّ ما يُعْبَدُ ويُطاعُ مِن دُونِ اللَّهِ فَهو طاغُوتٌ، ويُقالُ في التَّوارِيخِ: إنَّ الأصْلَ في عِبادَةِ الأصْنامِ أنَّ القَوْمَ كانُوا مُشَبِّهَةً اعْتَقَدُوا في الإلَهِ أنَّهُ نُورٌ عَظِيمٌ، وفي المَلائِكَةِ أنَّها أنْوارٌ مُخْتَلِفَةٌ في الصِّغَرِ والكِبَرِ، فَوَضَعُوا تَماثِيلَ وصُوَرًا عَلى وفْقِ تِلْكَ الخَيالاتِ، فَكانُوا يَعْبُدُونَ تِلْكَ التَّماثِيلَ عَلى اعْتِقادِ أنَّهم يَعْبُدُونَ اللَّهَ والمَلائِكَةَ، وأقُولُ: حاصِلُ الكَلامِ في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ﴾ أيْ: أعْرَضُوا عَنْ عُبُودِيَّةِ كُلِّ ما سِوى اللَّهِ، قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنابُوا إلى اللَّهِ﴾ أيْ رَجَعُوا بِالكُلِّيَّةِ إلى اللَّهِ، ورَأيْتُ في السِّفْرِ الخامِسِ مِنَ التَّوْراةِ: أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ لِمُوسى: يا مُوسى أجِبْ إلَهَكَ بِكُلِّ قَلْبِكِ.
وأقُولُ: ما دامَ يَبْقى في القَلْبِ التِفاتٌ إلى غَيْرِ اللَّهِ فَهو ما أجابَ إلَهَهُ بِكُلِّ قَلْبِهِ، وإنَّما تَحْصُلُ الإجابَةُ بِكُلِّ القَلْبِ إذا أعْرَضَ القَلْبُ عَنْ كُلِّ ما سِوى اللَّهِ مِن بابِ الطّاعاتِ، فَكَيْفَ يُعْرِضُ عَنْها مَعَ أنَّهُ بِالحِسِّ يُشاهِدُ الأسْبابَ المُفْضِيَةَ إلى المُسَبَّباتِ في هَذا العالَمِ، قُلْنا: لَيْسَ المُرادُ مِن إعْراضِ القَلْبِ عَنْها أنْ يَقْضِيَ عَلَيْها بِالعَدَمِ، فَإنَّ ذَلِكَ دُخُولٌ في السَّفْسَطَةِ، وهو باطِلٌ، بَلِ المُرادُ أنْ يَعْرِفَ أنَّ واجِبَ الوُجُودِ لِذاتِهِ واحِدٌ، وأنَّ كُلَّ ما سِواهُ فَإنَّهُ مُمْكِنُ الوُجُودِ لِذاتِهِ، وكُلُّ ما كانَ مُمْكِنًا لِذاتِهِ فَإنَّهُ لا يُوجَدُ إلّا بِتَكْوِينِ الواجِبِ وإيجادِهِ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى جَعَلَ تَكْوِينَهُ لِلْأشْياءِ عَلى قِسْمَيْنِ: مِنها ما يَكُونُ بِغَيْرِ واسِطَةٍ، وهي عالَمُ السَّماواتِ والرُّوحانِيّاتِ، ومِنها ما يَكُونُ بِواسِطَةٍ، وهو عالَمُ العَناصِرِ والعالَمُ الأسْفَلُ، فَإذا عَرَفْتَ الأشْياءَ عَلى هَذا الوَجْهِ عَرَفْتَ أنَّ الكُلَّ لِلَّهِ، ومِنَ اللَّهِ، وبِاللَّهِ، وأنَّهُ لا مُدَبِّرَ إلّا هو ولا مُؤَثِّرَ غَيْرُهُ، وحِينَئِذٍ يَنْقَطِعُ نَظَرُهُ عَنْ هَذِهِ المُمْكِناتِ، ويَبْقى مَشْغُولَ القَلْبِ بِالمُؤَثِّرِ الأوَّلِ والمُوجِدِ الأوَّلِ، فَإنَّهُ إنْ كانَ قَدْ وضَعَ الأسْبابَ الرُّوحانِيَّةَ والجُسْمانِيَّةَ، بِحَيْثُ يَتَأدّى إلى هَذا المَطْلُوبِ، فَهَذا الشَّيْءُ يَحْصُلُ، وإنْ كانَ قَدْ وُضِعَ بِحَيْثُ لا يُفْضِي إلى حُصُولِ هَذا الشَّيْءِ لَمْ يَحْصُلْ، وبِهَذا الطَّرِيقِ يَنْقَطِعُ نَظَرُهُ عَنِ الكُلِّ ولا يَبْقى في قَلْبِهِ التِفاتٌ إلى شَيْءٍ إلّا إلى المَوْجُودِ
صفحة ٢٢٦
الأوَّلِ، وقَدِ اتَّفَقَ أنِّي كُنْتُ أنْصَحُ بَعْضَ الصِّبْيانِ في حِفْظِ العِرْضِ والمالِ، فَعارَضَنِي، وقالَ: لا يَجُوزُ الِاعْتِمادُ عَلى الجِدِّ والجُهْدِ، بَلْ يَجِبُ الِاعْتِمادُ عَلى قَضاءِ اللَّهِ وقَدَرِهِ، فَقُلْتُ: هَذِهِ كَلِمَةُ حَقٍّ سَمِعْتَها، ولَكِنَّكَ ما عَرَفْتَ مَعْناها، وذَلِكَ لِأنَّهُ لا شُبْهَةَ أنَّ الكُلَّ مِنَ اللَّهِ تَعالى إلّا أنَّهُ سُبْحانَهُ دَبَّرَ الأشْياءَ عَلى قِسْمَيْنِ: مِنها ما جَعَلَ حُدُوثَهُ وحُصُولَهُ مُعَلَّقًا بِأسْبابٍ مَعْلُومَةٍ، ومِنها ما يُحْدِثُهُ مِن غَيْرِ واسِطَةِ هَذِهِ الأسْبابِ.
أمّا القِسْمُ الأوَّلُ: فَهو حَوادِثُ هَذا العالَمِ الأسْفَلِ.
وأمّا القِسْمُ الثّانِي: فَهو حَوادِثُ هَذا العالَمِ الأعْلى، وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: مَن طَلَبَ حَوادِثَ هَذا العالَمِ الأسْفَلِ لا مِنَ الأسْبابِ الَّتِي عَيَّنَها اللَّهُ تَعالى، كانَ هَذا الشَّخْصُ مُنازِعًا لِلَّهِ في حِكْمَتِهِ، مُخالِفًا في تَدْبِيرِهِ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى حَكَمَ بِحُدُوثِ هَذِهِ الأشْياءِ بِناءً عَلى تِلْكَ الأسْبابِ المُعَيَّنَةِ المَعْلُومَةِ، وأنْتَ تُرِيدُ تَحْصِيلَها لا مِن تِلْكَ الأسْبابِ، فَهَذا هو الكَلامُ في تَحْقِيقِ الإعْراضِ عَنْ غَيْرِ اللَّهِ، والإقْبالِ بِالكُلِّيَّةِ عَلى اللَّهِ تَعالى، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ﴾ إشارَةٌ إلى الإعْراضِ عَنْ غَيْرِ اللَّهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنابُوا إلى اللَّهِ﴾ إشارَةٌ إلى الإقْبالِ بِالكُلِّيَّةِ عَلى عِبادَةِ اللَّهِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى وعَدَ هَؤُلاءِ بِأشْياءَ:
أحَدُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهُمُ البُشْرى﴾ .
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الكَلِمَةَ تَتَعَلَّقُ بِجِهاتٍ:
أحَدُها: أنَّ هَذِهِ البِشارَةَ مَتى تَحْصُلُ ؟ فَنَقُولُ: إنَّها تَحْصُلُ عِنْدَ القُرْبِ مِنَ المَوْتِ، وعِنْدَ الوَضْعِ في القَبْرِ، وعِنْدَ الوُقُوفِ في عَرْصَةِ القِيامَةِ، وعِنْدَما يَصِيرُ فَرِيقٌ في الجَنَّةِ، وفَرِيقٌ في السَّعِيرِ، وعِنْدَما يَدْخُلُ المُؤْمِنُونَ الجَنَّةَ، فَفي كُلِّ مَوْقِفٍ مِن هَذِهِ المَواقِفِ تَحْصُلُ البِشارَةُ بِنَوْعٍ مِنَ الخَيْرِ والرُّوحِ والرّاحَةِ والرَّيْحانِ.
وثانِيها: أنَّ هَذِهِ البِشارَةُ فَبِماذا تَحْصُلُ ؟ فَنَقُولُ: إنَّ هَذِهِ البِشارَةَ تَحْصُلُ بِزَوالِ المَكْرُوهاتِ وبِحُصُولِ المُراداتِ، أمّا زَوالُ المَكْرُوهاتِ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألّا تَخافُوا ولا تَحْزَنُوا﴾ [فصلت: ٣٠]، والخَوْفُ إنَّما يَكُونُ مِنَ المُسْتَقْبَلِ، والحُزْنُ إنَّما يَكُونُ بِسَبَبِ الأحْوالِ الماضِيَةِ، فَقَوْلُهُ: ﴿ألّا تَخافُوا﴾ يَعْنِي: لا تَخافُوا فِيما تَسْتَقْبِلُونَهُ مِن أحْوالِ القِيامَةِ، ولا تَحْزَنُوا بِسَبَبِ ما فاتَكم مِن خَيْراتِ الدُّنْيا، ولَمّا أزالَ اللَّهُ عَنْهم هَذِهِ المَكْرُوهاتِ بَشَّرَهم بِحُصُولِ الخَيْراتِ والسَّعاداتِ، فَقالَ: ﴿وأبْشِرُوا بِالجَنَّةِ﴾ [فصلت: ٣٠]، وقالَ أيْضًا في آيَةٍ أُخْرى: ﴿يَوْمَ تَرى المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ يَسْعى نُورُهم بَيْنَ أيْدِيهِمْ وبِأيْمانِهِمْ بُشْراكُمُ اليَوْمَ جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ [الحديد: ١٢] وقالَ أيْضًا: ﴿وفِيها ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وتَلَذُّ الأعْيُنُ وأنْتُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ [الزخرف: ٧١] .
والثّالِثُ: أنَّ المُبَشِّرَ مَن هو ؟ فَنَقُولُ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هُمُ المَلائِكَةَ، إمّا عِنْدَ المَوْتِ فَقَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ﴾ [النحل: ٣٢]، وإمّا بَعْدَ دُخُولِ الجَنَّةِ فَقَوْلُهُ: ﴿المَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ سَلامٌ عَلَيْكم بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبى الدّارِ﴾ [الرعد: ٢٤] ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هو اللَّهَ سُبْحانَهُ كَما قالَ: ﴿تَحِيَّتُهم يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ﴾ [الأحزاب: ٤٤] .
واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لَهُمُ البُشْرى﴾ فِيهِ أنْواعٌ مِنَ التَّأْكِيداتِ:
أحَدُها: أنَّهُ يُفِيدُ الحَصْرَ، فَقَوْلُهُ: ﴿لَهُمُ البُشْرى﴾ أيْ: لَهم لا لِغَيْرِهِمْ، وهَذا يُفِيدُ أنَّهُ لا بِشارَةَ لِأحَدٍ إلّا إذا اجْتَنَبَ عِبادَةَ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى، وأقْبَلَ بِالكُلِّيَّةِ عَلى اللَّهِ تَعالى.
وثانِيها: أنَّ الألِفَ واللّامَ في لَفْظِ ”البُشْرى“ مُفِيدٌ لِلْماهِيَّةِ، فَيُفِيدُ أنَّ هَذِهِ الماهِيَّةَ بِتَمامِها لِهَؤُلاءِ، ولَمْ يَبْقَ مِنها نَصِيبٌ لِغَيْرِهِمْ.
وثالِثُها: أنْ لا فَرْقَ بَيْنَ الإخْبارِ وبَيْنَ البِشارَةِ، فالبِشارَةُ هو الخَبَرُ الأوَّلُ بِحُصُولِ الخَيْراتِ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: كُلُّ ما سَمِعُوهُ في الدُّنْيا مِن أنْواعِ الثَّوابِ والخَيْرِ إذا سَمِعُوهُ عِنْدَ المَوْتِ أوْ في القَبْرِ، فَذاكَ لا يَكُونُ إلّا إخْبارًا، فَثَبَتَ أنَّ هَذِهِ البِشارَةَ لا تَتَحَقَّقُ إلّا إذا حَصَلَ الإخْبارُ بِحُصُولِ
صفحة ٢٢٧
أنْواعٍ أُخَرَ مِنَ السَّعاداتِ فَوْقَ ما عَرَفُوها وسَمِعُوها في الدُّنْيا، نَسْألُ اللَّهَ تَعالى الفَوْزَ بِها، قالَ تَعالى: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهم مِن قُرَّةِ أعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧] .
ورابِعُها: أنَّ المُخْبِرَ بِقَوْلِهِ: ﴿لَهُمُ البُشْرى﴾ هو اللَّهُ تَعالى، وهو أعْظَمُ العُظَماءِ، وأكْمَلُ المَوْجُوداتِ، والشَّرْطُ المُعْتَبَرُ في حُصُولِ هَذِهِ البِشارَةِ شَرْطٌ عَظِيمٌ، وهو الِاجْتِنابُ عَمّا سِوى اللَّهِ تَعالى، والإقْبالُ بِالكُلِّيَّةِ عَلى اللَّهِ، والسُّلْطانُ العَظِيمُ إذا ذَكَرَ شَرْطًا عَظِيمًا، ثُمَّ قالَ لِمَن أتى بِذَلِكَ الشَّرْطِ العَظِيمِ: أبْشِرْ، فَهَذِهِ البِشارَةُ الصّادِرَةُ مِنَ السُّلْطانِ العَظِيمِ المُرَتَّبَةُ عَلى حُصُولِ ذَلِكَ الشَّرْطِ العَظِيمِ تَدُلُّ عَلى أنَّ الَّذِي وقَعَتِ البِشارَةُ بِهِ قَدْ بَلَغَ في الكَمالِ والرِّفْعَةِ إلى حَيْثُ لا يَصِلُ إلى شَرْحِها العُقُولُ والأفْكارُ، فَثَبَتَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لَهُمُ البُشْرى﴾ يَدُلُّ عَلى نِهايَةِ الكَمالِ والسَّعادَةِ مِن هَذِهِ الوُجُوهِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿لَهُمُ البُشْرى﴾ وكانَ هَذا المُجْمَلَ - أرْدَفَهُ بِكَلامٍ يَجْرِي مَجْرى التَّفْسِيرِ والشَّرْحِ لَهُ، فَقالَ تَعالى: ﴿فَبِشِّرْ عِبادِ﴾ ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ﴾ وأرادَ بِعِبادِهِ ”الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ“ الَّذِينَ اجْتَنَبُوا وأنابُوا لا غَيْرَهم، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ رَأْسَ السَّعاداتِ، ومَرْكَزَ الخَيْراتِ، ومَعْدِنَ الكَراماتِ - هو الإعْراضُ عَنْ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى، والإقْبالُ بِالكُلِّيَّةِ عَلى طاعَةِ اللَّهِ، والمَقْصُودُ مِن هَذا اللَّفْظِ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ الَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ وأنابُوا هُمُ المَوْصُوفُونَ بِأنَّهم هُمُ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ، فَوُضِعَ الظّاهِرُ مَوْضِعَ المُضْمَرِ تَنْبِيهًا عَلى هَذا الحَرْفِ، ومِنهم مَن قالَ: إنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ الَّذِينَ اجْتَنَبُوا وأنابُوا لَهُمُ البُشْرى، وكانَ ذَلِكَ دَرَجَةً عالِيَةً لا يَصِلُ إلَيْها إلّا الأوَّلُونَ، وقَصْرُ السَّعادَةِ عَلَيْهِمْ يَقْتَضِي الحِرْمانَ لِلْأكْثَرِينَ، وذَلِكَ لا يَلِيقُ بِالرَّحْمَةِ التّامَّةِ، لا جَرَمَ جَعَلَ الحُكْمَ أعَمَّ فَقالَ: كُلُّ مَنِ اخْتارَ الأحْسَنَ في كُلِّ بابٍ كانَ في زُمْرَةِ السُّعَداءِ، واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى فَوائِدَ:
* * *
الفائِدَةُ الأُولى: وُجُوبُ النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ الهِدايَةَ والفَلاحَ مُرْتَبِطانِ بِما إذا سَمِعَ الإنْسانُ أشْياءَ كَثِيرَةً، فَإنَّهُ يَخْتارُ مِنها ما هو الأحْسَنُ الأصْوَبُ، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ تَمْيِيزَ الأحْسَنِ الأصْوَبِ عَمّا سِواهُ لا يَحْصُلُ بِالسَّماعِ، لِأنَّ السَّماعَ صارَ قَدْرًا مُشْتَرَكًا بَيْنَ الكُلِّ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ السَّماعَ قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ فِيهِ، فَثَبَتَ أنَّ تَمْيِيزَ الأحْسَنِ عَمّا سِواهُ لا يَتَأتّى بِالسَّماعِ، وإنَّما يَتَأتّى بِحُجَّةِ العَقْلِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ المُوجِبَ لِاسْتِحْقاقِ المَدْحِ والثَّناءِ مُتابَعَةُ حُجَّةِ العَقْلِ، وبِناءُ الأمْرِ عَلى النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ.
الفائِدَةُ الثّانِيَةُ: أنَّ الطَّرِيقَ إلى تَصْحِيحِ المَذاهِبِ والأدْيانِ قِسْمانِ:
أحَدُهُما: إقامَةُ الحُجَّةِ والبَيِّنَةِ عَلى صِحَّتِهِ عَلى سَبِيلِ التَّحْصِيلِ، وذَلِكَ أمْرٌ لا يُمْكِنُ تَحْصِيلُهُ إلّا بِالخَوْضِ في كُلِّ واحِدٍ مِنَ المَسائِلِ عَلى التَّفْصِيلِ.
والثّانِي: أنّا قَبْلَ البَحْثِ عَنِ الدَّلائِلِ وتَقْرِيرِها والشُّبُهاتِ وتَزْيِيفِها نَعْرِضُ تِلْكَ المَذاهِبَ وأضْدادَها عَلى عُقُولِنا، فَكُلُّ ما حَكَمَ أوَّلُ العَقْلِ بِأنَّهُ أفْضَلُ وأكْمَلُ، كانَ أوْلى بِالقَبُولِ. مِثالُهُ: أنَّ صَرِيحَ العَقْلِ شاهِدٌ بِأنَّ الإقْرارَ بِأنَّ إلَهَ العالَمِ حَيٌّ عالِمٌ قادِرٌ حَلِيمٌ، حَكِيمٌ رَحِيمٌ أوْلى مِن إنْكارِ ذَلِكَ، فَكانَ ذَلِكَ المَذْهَبُ أوْلى، والإقْرارُ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى لا يُجْرِي في مُلْكِهِ وسُلْطانِهِ إلّا ما كانَ عَلى وفْقِ مَشِيئَتِهِ أوْلى مِنَ القَوْلِ بِأنَّ أكْثَرَ ما يَجْرِي في سُلْطانِ اللَّهِ عَلى خِلافِ إرادَتِهِ، وأيْضًا الإقْرارُ بِأنَّ اللَّهَ فَرْدٌ أحَدٌ صَمَدٌ مُنَزَّهٌ عَنِ التَّرْكِيبِ والأعْضاءِ أوْلى مِنَ القَوْلِ بِكَوْنِهِ مُتَبَعِّضًا مُؤَلَّفًا، وأيْضًا القَوْلُ بِاسْتِغْنائِهِ عَنِ الزَّمانِ والمَكانِ أوْلى مِنَ القَوْلِ بِاحْتِياجِهِ إلَيْهِما، وأيْضًا القَوْلُ بِأنَّ اللَّهَ رَحِيمٌ كَرِيمٌ قَدْ يَعْفُو عَنِ العِقابِ أوْلى مِنَ القَوْلِ بِأنَّهُ لا يَعْفُو عَنْهُ ألْبَتَّةَ، وكُلُّ هَذِهِ
صفحة ٢٢٨
الأبْوابِ تَدْخُلُ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ﴾ فَهَذا ما يَتَعَلَّقُ بِاخْتِيارِ الأحْسَنِ في أبْوابِ الِاعْتِقاداتِ.
وأمّا ما يَتَعَلَّقُ بِأبْوابِ التَّكالِيفِ فَهو عَلى قِسْمَيْنِ: مِنها ما يَكُونُ مِن أبْوابِ العِباداتِ، ومِنها ما يَكُونُ مِن أبْوابِ المُعامَلاتِ، فَأمّا العِباداتُ فَمِثْلُ قَوْلِنا: الصَّلاةُ الَّتِي يُذْكَرُ في تَحْرِيمِها اللَّهُ أكْبَرُ، وتَكُونُ النِّيَّةُ فِيها مُقارِنَةً لِلتَّكْبِيرِ، ويُقْرَأُ فِيها سُورَةُ الفاتِحَةِ، ويُؤْتى فِيها بِالطُّمَأْنِينَةِ في المَواقِفِ الخَمْسَةِ، ويُقْرَأُ فِيها التَّشَهُّدُ، ويُخْرَجُ مِنها بِقَوْلِهِ السَّلامُ عَلَيْكم، فَلا شَكَّ أنَّها أحْسَنُ مِنَ الصَّلاةِ الَّتِي لا يُراعى فِيها شَيْءٌ مِن هَذِهِ الأحْوالِ، وتُوجِبُ عَلى العاقِلِ أنْ يَخْتارَ هَذِهِ الصَّلاةَ، وأنْ يَتْرُكَ ما سِواها، وكَذَلِكَ القَوْلُ في جَمِيعِ أبْوابِ العِباداتِ.
وأمّا المُعامَلاتُ فَكَذَلِكَ، مِثْلَ أنَّهُ تَعالى شَرَعَ القِصاصَ والدِّيَةَ والعَفْوَ، ولَكِنَّهُ نَدَبَ إلى العَفْوِ، فَقالَ: ﴿وأنْ تَعْفُوا أقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾ [البقرة: ٢٣٧] وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ المُرادَ مِنهُ الرَّجُلُ يَجْلِسُ مَعَ القَوْمِ، ويَسْمَعُ الحَدِيثَ، فِيهِ مَحاسِنُ ومَساوِئُ، فَيُحَدِّثُ بِأحْسَنِ ما سَمِعَ ويَتْرُكُ ما سِواهُ.
* * *
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى حَكَمَ عَلى الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ بِأنْ قالَ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وأُولَئِكَ هم أُولُو الألْبابِ﴾ وفي ذَلِكَ دَقِيقَةٌ عَجِيبَةٌ، وهي أنَّ حُصُولَ الهِدايَةِ في العَقْلِ والرُّوحِ أمْرٌ حادِثٌ، ولا بُدَّ لَهُ مِن فاعِلٍ وقابَلٍ، أمّا الفاعِلُ فَهو اللَّهُ سُبْحانَهُ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ﴾ وأمّا القابِلُ فَإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿وأُولَئِكَ هم أُولُو الألْبابِ﴾ فَإنَّ الإنْسانَ ما لَمْ يَكُنْ عاقِلًا كامِلَ الفَهْمِ امْتَنَعَ حُصُولُ هَذِهِ المَعارِفِ الحَقِّيَّةِ في قَلْبِهِ، وإنَّما قُلْنا: إنَّ الفاعِلَ لِهَذِهِ الهِدايَةِ هو اللَّهُ، وذَلِكَ لِأنَّ جَوْهَرَ النَّفْسِ مَعَ ما فِيها مِن نُورِ العَقْلِ قابِلٌ لِلِاعْتِقادِ الحَقِّ، والِاعْتِقادِ الباطِلِ، وإذا كانَ الشَّيْءُ قابِلًا لِلضِّدَّيْنِ كانَتْ نِسْبَةُ ذَلِكَ القابِلِ إلَيْهِما عَلى السَّوِيَّةِ، ومَتى كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ امْتَنَعَ كَوْنُ ذَلِكَ القابِلِ سَبَبًا لِرُجْحانِ أحَدِ الطَّرَفَيْنِ، ألا تَرى أنَّ الجِسْمَ لَمّا كانَ قابِلًا لِلْحَرَكَةِ والسُّكُونِ عَلى السَّوِيَّةِ، امْتَنَعَ أنْ تَصِيرَ ذاتُ الجِسْمِ سَبَبًا لِرُجْحانِ أحَدِ الطَّرَفَيْنِ عَلى الآخَرِ، فَإنْ قالُوا: لا نَقُولُ: إنَّ ذاتَ النَّفْسِ والعَقْلِ تُوجِبُ هَذا الرُّجْحانَ، بَلْ نَقُولُ: إنَّهُ يُرِيدُ تَحْصِيلَ أحَدِ الطَّرَفَيْنِ، فَتَصِيرُ تِلْكَ الإرادَةُ سَبَبًا لِذَلِكَ الرُّجْحانِ، فَنَقُولُ: هَذا باطِلٌ، لِأنَّ ذاتَ النَّفْسِ كَما أنَّها قابِلَةٌ لِهَذِهِ الإرادَةِ، فَكَذَلِكَ ذاتُ العَقْلِ قابِلَةٌ لِإرادَةٍ مُضادَّةٍ لِتِلْكَ الإرادَةِ، فَيَمْتَنِعُ كَوْنُ جَوْهَرِ النَّفْسِ سَبَبًا لِتِلْكَ الإرادَةِ، فَثَبَتَ أنَّ حُصُولَ الهِدايَةِ لا بُدَّ لَها مِن فاعِلٍ ومِن قابِلٍ.
أمّا الفاعِلُ: فَيَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ هو النَّفْسَ، بَلِ الفاعِلُ هو اللَّهُ تَعالى، وأمّا القابِلُ: فَهو جَوْهَرُ النَّفْسِ، فَلِهَذا السَّبَبِ قالَ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وأُولَئِكَ هم أُولُو الألْبابِ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿أفَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ أفَأنْتَ تُنْقِذُ مَن في النّارِ﴾، وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في لَفْظِ الآيَةِ سُؤالٌ، وهو أنَّهُ يُقالُ: إنَّهُ قالَ: ﴿أفَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ﴾ ولا يَصِحُّ في الكَلامِ العَرَبِيِّ أنْ يَدْخُلَ حَرْفُ الِاسْتِفْهامِ عَلى الِاسْمِ وعَلى الخَبَرِ مَعًا، فَلا يُقالُ: أزَيْدٌ أتَقْتُلُهُ، بَلْ هَهُنا شَيْءٌ آخَرُ، وهو أنَّهُ كَما دَخَلَ حَرْفُ الِاسْتِفْهامِ عَلى الشَّرْطِ وعَلى الجَزاءِ، فَكَذَلِكَ دَخَلَ حَرْفُ الفاءِ عَلَيْهِما مَعًا، وهو قَوْلُهُ: ﴿أفَمَن حَقَّ﴾، ﴿أفَأنْتَ تُنْقِذُ﴾ ولِأجْلِ هَذا السُّؤالِ اخْتَلَفَ النَّحْوِيُّونَ وذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا:
الأوَّلُ: قالَ الكِسائِيُّ: الآيَةُ جُمْلَتانِ، والتَّقْدِيرُ: أفَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ، أفَأنْتَ تَحْمِيهِ، أفَأنْتَ تُنْقِذُ مَن في النّارِ.
الثّانِي: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: أصْلُ الكَلامِ: أفَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ أفَأنْتَ تُنْقِذُهُ، وهي جُمْلَةٌ شَرْطِيَّةٌ دَخَلَ عَلَيْها هَمْزَةُ الإنْكارِ، والفاءُ فاءُ الجَزاءِ، ثُمَّ دَخَلَتِ الفاءُ الَّتِي في أوَّلِها لِلْعَطْفِ عَلى مَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ
صفحة ٢٢٩
الخِطابُ، والتَّقْدِيرُ: أأنْتَ مالِكُ أمْرِهِمْ، فَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ أفَأنْتَ تُنْقِذُهُ، والهَمْزَةُ الثّانِيَةُ هي الأُولى كُرِّرَتْ لِتَوْكِيدِ مَعْنى الإنْكارِ والِاسْتِبْعادِ، ووُضِعَ ”مَن في النّارِ“ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ، والآيَةُ عَلى هَذا جُمْلَةٌ واحِدَةٌ.
الثّالِثُ: لا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: إنَّ حَرْفَ الِاسْتِفْهامِ إنَّما ورَدَ هَهُنا لِإفادَةِ مَعْنى الإنْكارِ، ولَمّا كانَ اسْتِنْكارُهُ هَذا المَعْنى كامِلًا تامًّا، لا جَرَمَ ذَكَرَ هَذا الحَرْفَ في الشَّرْطِ وأعادَهُ في الجَزاءِ، تَنْبِيهًا عَلى المُبالَغَةِ التّامَّةِ في ذَلِكَ الإنْكارِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ الأصْحابُ بِهَذِهِ الآيَةِ في مَسْألَةِ الهُدى والضَّلالِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿أفَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ﴾ فَإذا حَقَّتْ كَلِمَةُ العَذابِ عَلَيْهِ امْتَنَعَ مِنهُ فِعْلُ الإيمانِ والطّاعَةِ، وإلّا لَزِمَ انْقِلابُ خَبَرِ اللَّهِ الصِّدْقِ كَذِبًا، وانْقِلابُ عِلْمِهِ جَهْلًا، وهو مُحالٌ.
والوَجْهُ الثّانِي في الِاسْتِدْلالِ بِالآيَةِ: أنَّهُ تَعالى حَكَمَ بِأنَّ حَقِّيَّةَ كَلِمَةِ العَذابِ تُوجِبُ الِاسْتِنْكارَ التّامَّ مِن صُدُورِ الإيمانِ والطّاعَةِ عَنْهُ، ولَوْ كانَ ذَلِكَ مُمْكِنًا، ولَمْ تَكُنْ حَقِيقَةُ كَلِمَةِ العَذابِ مانِعَةً مِنهُ، لَمْ يَبْقَ لِهَذا الِاسْتِنْكارِ والِاسْتِبْعادِ مَعْنًى.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: احْتَجَّ القاضِي بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لا يَشْفَعُ لِأهْلِ الكَبائِرِ، قالَ: لِأنَّهُ حَقَّ عَلَيْهِمُ العَذابُ، فَتِلْكَ الشَّفاعَةُ تَكُونُ جارِيَةً مَجْرى إنْقاذِهِمْ مِنَ النّارِ، وأنَّ اللَّهَ تَعالى حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِالإنْكارِ والِاسْتِبْعادِ، فَيُقالُ لَهُ: لا نُسَلِّمُ أنَّ أهْلَ الكَبائِرِ قَدْ حَقَّ عَلَيْهِمُ العَذابُ، وكَيْفَ يَحِقُّ العَذابُ عَلَيْهِمْ مَعَ أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النساء: ٤٨] ومَعَ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣]، واللَّهُ أعْلَمُ.
النَّوْعُ الثّانِي: مِنَ الأشْياءِ الَّتِي وعَدَها اللَّهُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ اجْتَنَبُوا وأنابُوا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهم لَهم غُرَفٌ مِن فَوْقِها غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ﴾ وهَذا كالمُقابِلِ لِما ذُكِرَ في وصْفِ الكُفّارِ ﴿لَهم مِن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النّارِ ومِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾، فَإنْ قِيلَ: ما مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿مَبْنِيَّةٌ﴾ ؟ قُلْنا: لِأنَّ المَنزِلَ إذا بُنِيَ عَلى مَنزِلٍ آخَرَ تَحْتَهُ كانَ الفَوْقانِيُّ أضْعَفَ بِناءً مِنَ التَّحْتانِيِّ، فَقَوْلُهُ: ﴿مَبْنِيَّةٌ﴾ مَعْناهُ: أنَّهُ وإنْ كانَ فَوْقَ غَيْرِهِ لَكِنَّهُ في القُوَّةِ والشِّدَّةِ مُساوٍ لِلْمَنزِلِ الأسْفَلِ، والحاصِلُ أنَّ المَنزِلَ الفَوْقانِيَّ والتَّحْتانِيَّ حَصَلَ في كُلّ واحِدٍ مِنهُما فَضِيلَةٌ ومَنقَصَةٌ، أمّا الفَوْقانِيُّ فَفَضِيلَتُهُ العُلُوُّ والِارْتِفاعُ، ونُقْصانُهُ الرَّخاوَةُ والسَّخافَةُ، وأمّا التَّحْتانِيُّ فَبِالضِّدِّ مِنهُ، أمّا مَنازِلُ الجَنَّةِ فَإنَّها تَكُونُ مُسْتَجْمِعَةً لِكُلِّ الفَضائِلِ، وهي عالِيَةٌ مُرْتَفِعَةٌ، وتَكُونُ في غايَةِ القُوَّةِ والشِّدَّةِ، وقالَ حُكَماءُ الإسْلامِ: هَذِهِ الغُرَفُ المَبْنِيَّةُ بَعْضُها فَوْقَ البَعْضِ، مِثالُهُ مِنَ الأحْوالِ النَّفْسانِيَّةِ العُلُومُ الكَسْبِيَّةُ، فَإنَّ بَعْضَها يَكُونُ مَبْنِيًّا عَلى البَعْضِ، والنَّتائِجُ الآخِرَةُ الَّتِي هي عِبارَةٌ عَنْ مَعْرِفَةِ ذاتِ اللَّهِ وصِفاتِهِ تَكُونُ في غايَةِ القُوَّةِ، بَلْ تَكُونُ في القُوَّةِ والشِّدَّةِ كالعُلُومِ الأصْلِيَّةِ البَدِيهِيَّةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ وذَلِكَ مَعْلُومٌ، ثُمَّ خَتَمَ الكَلامَ فَقالَ: ﴿وعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ المِيعادَ﴾، فَقَوْلُهُ: ﴿وعْدَ اللَّهِ﴾ مَصْدَرٌ مُؤَكَّدٌ، لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿لَهم غُرَفٌ﴾ في مَعْنى: وعَدَهُمُ اللَّهُ ذَلِكَ، وفي الآيَةِ دَقِيقَةٌ شَرِيفَةٌ، وهي أنَّهُ تَعالى في كَثِيرٍ مِن آياتِ الوَعْدِ صَرَّحَ بِأنَّ هَذا وعْدُ اللَّهِ، وأنَّهُ لا يُخْلِفُ وعْدَهُ، ولَمْ يَذْكُرْ في آياتِ الوَعِيدِ ألْبَتَّةَ مِثْلَ هَذا التَّأْكِيدِ والتَّقْوِيَةِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ جانِبَ الوَعْدِ أرْجَحُ مِن جانِبِ الوَعِيدِ بِخِلافِ ما يَقُولُهُ المُعْتَزِلَةُ، فَإنْ قالُوا: ألَيْسَ أنَّهُ قالَ في جانِبِ الوَعِيدِ: ﴿ما يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ وما أنا بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [ق: ٢٩] قُلْنا: قَوْلُهُ: ﴿ما يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ﴾ لَيْسَ تَصْرِيحًا بِجانِبِ الوَعِيدِ، بَلْ هو كَلامٌ عامٌّ يَتَناوَلُ القِسْمَيْنِ، أعْنِي الوَعْدَ والوَعِيدَ، فَثَبَتَ أنَّ التَّرْجِيحَ الَّذِي ذَكَرْناهُ حَقٌّ، واللَّهُ أعْلَمُ.
صفحة ٢٣٠
الزمر 39:19
صفحة ٢٢٥
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ أنْ يَعْبُدُوها وأنابُوا إلى اللَّهِ لَهُمُ البُشْرى فَبَشِّرْ عِبادِي﴾ ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وأُولَئِكَ هم أُولُو الألْبابِ﴾ ﴿أفَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ أفَأنْتَ تُنْقِذُ مَن في النّارِ﴾ ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهم لَهم غُرَفٌ مِن فَوْقِها غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ وعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ المِيعادَ﴾
اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا ذَكَرَ وعِيدَ عَبَدَةِ الأصْنامِ والأوْثانِ ذَكَرَ وعْدَ مَنِ اجْتَنَبَ عِبادَتَها واحْتَرَزَ عَنِ الشِّرْكِ، لِيَكُونَ الوَعْدُ مَقْرُونًا بِالوَعِيدِ أبَدًا، فَيَحْصُلَ كَمالُ التَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ، وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: الطّاغُوتُ فَعْلُوتٌ مِنَ الطُّغْيانِ كالمَلَكُوتِ والرَّحَمُوتِ إلّا أنَّ فِيها قَلْبًا بِتَقْدِيمِ اللّامِ عَلى العَيْنِ، وفي هَذا اللَّفْظِ أنْواعٌ مِنَ المُبالَغَةِ:
أحَدُها: التَّسْمِيَةُ بِالمَصْدَرِ كَأنَّ عَيْنَ ذَلِكَ الشَّيْءِ الطُّغْيانُ.
وثانِيها: أنَّ البِناءَ بِناءُ المُبالَغَةِ، فَإنَّ الرَّحَمُوتَ الرَّحْمَةُ الواسِعَةُ، والمَلَكُوتَ المُلْكُ المَبْسُوطُ.
وثالِثُها: ما ذَكَرْنا مِن تَقْدِيمِ اللّامِ عَلى العَيْنِ، ومِثْلُ هَذا إنَّما يُصارُ إلَيْهِ عِنْدَ المُبالَغَةِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ المُرادَ مِنَ الطّاغُوتِ هَهُنا الشَّيْطانُ أمِ الأوْثانُ، فَقِيلَ: إنَّهُ الشَّيْطانُ، فَإنْ قِيلَ: إنَّهم ما عَبَدُوا الشَّيْطانَ وإنَّما عَبَدُوا الصَّنَمَ، قُلْنا: الدّاعِي إلى عِبادَةِ الصَّنَمِ لَمّا كانَ هو الشَّيْطانَ كانَ الإقْدامُ عَلى عِبادَةِ الصَّنَمِ عِبادَةً لِلشَّيْطانِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالطّاغُوتِ الصَّنَمُ، وسُمِّيَتْ طَواغِيتَ عَلى سَبِيلِ المَجازِ، لِأنَّهُ لا فِعْلَ لَها، والطُّغاةُ هُمُ الَّذِينَ يَعْبُدُونَها إلّا أنَّهُ لَمّا حَصَلَ الطُّغْيانُ عِنْدَ مُشاهَدَتِها والقُرْبِ مِنها وُصِفَتْ بِهَذِهِ الصِّفَةِ إطْلاقًا لِاسْمِ المُسَبَّبِ عَلى السَّبَبِ بِحَسَبِ الظّاهِرِ، وقِيلَ: كُلُّ ما يُعْبَدُ ويُطاعُ مِن دُونِ اللَّهِ فَهو طاغُوتٌ، ويُقالُ في التَّوارِيخِ: إنَّ الأصْلَ في عِبادَةِ الأصْنامِ أنَّ القَوْمَ كانُوا مُشَبِّهَةً اعْتَقَدُوا في الإلَهِ أنَّهُ نُورٌ عَظِيمٌ، وفي المَلائِكَةِ أنَّها أنْوارٌ مُخْتَلِفَةٌ في الصِّغَرِ والكِبَرِ، فَوَضَعُوا تَماثِيلَ وصُوَرًا عَلى وفْقِ تِلْكَ الخَيالاتِ، فَكانُوا يَعْبُدُونَ تِلْكَ التَّماثِيلَ عَلى اعْتِقادِ أنَّهم يَعْبُدُونَ اللَّهَ والمَلائِكَةَ، وأقُولُ: حاصِلُ الكَلامِ في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ﴾ أيْ: أعْرَضُوا عَنْ عُبُودِيَّةِ كُلِّ ما سِوى اللَّهِ، قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنابُوا إلى اللَّهِ﴾ أيْ رَجَعُوا بِالكُلِّيَّةِ إلى اللَّهِ، ورَأيْتُ في السِّفْرِ الخامِسِ مِنَ التَّوْراةِ: أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ لِمُوسى: يا مُوسى أجِبْ إلَهَكَ بِكُلِّ قَلْبِكِ.
وأقُولُ: ما دامَ يَبْقى في القَلْبِ التِفاتٌ إلى غَيْرِ اللَّهِ فَهو ما أجابَ إلَهَهُ بِكُلِّ قَلْبِهِ، وإنَّما تَحْصُلُ الإجابَةُ بِكُلِّ القَلْبِ إذا أعْرَضَ القَلْبُ عَنْ كُلِّ ما سِوى اللَّهِ مِن بابِ الطّاعاتِ، فَكَيْفَ يُعْرِضُ عَنْها مَعَ أنَّهُ بِالحِسِّ يُشاهِدُ الأسْبابَ المُفْضِيَةَ إلى المُسَبَّباتِ في هَذا العالَمِ، قُلْنا: لَيْسَ المُرادُ مِن إعْراضِ القَلْبِ عَنْها أنْ يَقْضِيَ عَلَيْها بِالعَدَمِ، فَإنَّ ذَلِكَ دُخُولٌ في السَّفْسَطَةِ، وهو باطِلٌ، بَلِ المُرادُ أنْ يَعْرِفَ أنَّ واجِبَ الوُجُودِ لِذاتِهِ واحِدٌ، وأنَّ كُلَّ ما سِواهُ فَإنَّهُ مُمْكِنُ الوُجُودِ لِذاتِهِ، وكُلُّ ما كانَ مُمْكِنًا لِذاتِهِ فَإنَّهُ لا يُوجَدُ إلّا بِتَكْوِينِ الواجِبِ وإيجادِهِ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى جَعَلَ تَكْوِينَهُ لِلْأشْياءِ عَلى قِسْمَيْنِ: مِنها ما يَكُونُ بِغَيْرِ واسِطَةٍ، وهي عالَمُ السَّماواتِ والرُّوحانِيّاتِ، ومِنها ما يَكُونُ بِواسِطَةٍ، وهو عالَمُ العَناصِرِ والعالَمُ الأسْفَلُ، فَإذا عَرَفْتَ الأشْياءَ عَلى هَذا الوَجْهِ عَرَفْتَ أنَّ الكُلَّ لِلَّهِ، ومِنَ اللَّهِ، وبِاللَّهِ، وأنَّهُ لا مُدَبِّرَ إلّا هو ولا مُؤَثِّرَ غَيْرُهُ، وحِينَئِذٍ يَنْقَطِعُ نَظَرُهُ عَنْ هَذِهِ المُمْكِناتِ، ويَبْقى مَشْغُولَ القَلْبِ بِالمُؤَثِّرِ الأوَّلِ والمُوجِدِ الأوَّلِ، فَإنَّهُ إنْ كانَ قَدْ وضَعَ الأسْبابَ الرُّوحانِيَّةَ والجُسْمانِيَّةَ، بِحَيْثُ يَتَأدّى إلى هَذا المَطْلُوبِ، فَهَذا الشَّيْءُ يَحْصُلُ، وإنْ كانَ قَدْ وُضِعَ بِحَيْثُ لا يُفْضِي إلى حُصُولِ هَذا الشَّيْءِ لَمْ يَحْصُلْ، وبِهَذا الطَّرِيقِ يَنْقَطِعُ نَظَرُهُ عَنِ الكُلِّ ولا يَبْقى في قَلْبِهِ التِفاتٌ إلى شَيْءٍ إلّا إلى المَوْجُودِ
صفحة ٢٢٦
الأوَّلِ، وقَدِ اتَّفَقَ أنِّي كُنْتُ أنْصَحُ بَعْضَ الصِّبْيانِ في حِفْظِ العِرْضِ والمالِ، فَعارَضَنِي، وقالَ: لا يَجُوزُ الِاعْتِمادُ عَلى الجِدِّ والجُهْدِ، بَلْ يَجِبُ الِاعْتِمادُ عَلى قَضاءِ اللَّهِ وقَدَرِهِ، فَقُلْتُ: هَذِهِ كَلِمَةُ حَقٍّ سَمِعْتَها، ولَكِنَّكَ ما عَرَفْتَ مَعْناها، وذَلِكَ لِأنَّهُ لا شُبْهَةَ أنَّ الكُلَّ مِنَ اللَّهِ تَعالى إلّا أنَّهُ سُبْحانَهُ دَبَّرَ الأشْياءَ عَلى قِسْمَيْنِ: مِنها ما جَعَلَ حُدُوثَهُ وحُصُولَهُ مُعَلَّقًا بِأسْبابٍ مَعْلُومَةٍ، ومِنها ما يُحْدِثُهُ مِن غَيْرِ واسِطَةِ هَذِهِ الأسْبابِ.
أمّا القِسْمُ الأوَّلُ: فَهو حَوادِثُ هَذا العالَمِ الأسْفَلِ.
وأمّا القِسْمُ الثّانِي: فَهو حَوادِثُ هَذا العالَمِ الأعْلى، وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: مَن طَلَبَ حَوادِثَ هَذا العالَمِ الأسْفَلِ لا مِنَ الأسْبابِ الَّتِي عَيَّنَها اللَّهُ تَعالى، كانَ هَذا الشَّخْصُ مُنازِعًا لِلَّهِ في حِكْمَتِهِ، مُخالِفًا في تَدْبِيرِهِ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى حَكَمَ بِحُدُوثِ هَذِهِ الأشْياءِ بِناءً عَلى تِلْكَ الأسْبابِ المُعَيَّنَةِ المَعْلُومَةِ، وأنْتَ تُرِيدُ تَحْصِيلَها لا مِن تِلْكَ الأسْبابِ، فَهَذا هو الكَلامُ في تَحْقِيقِ الإعْراضِ عَنْ غَيْرِ اللَّهِ، والإقْبالِ بِالكُلِّيَّةِ عَلى اللَّهِ تَعالى، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ﴾ إشارَةٌ إلى الإعْراضِ عَنْ غَيْرِ اللَّهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنابُوا إلى اللَّهِ﴾ إشارَةٌ إلى الإقْبالِ بِالكُلِّيَّةِ عَلى عِبادَةِ اللَّهِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى وعَدَ هَؤُلاءِ بِأشْياءَ:
أحَدُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهُمُ البُشْرى﴾ .
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الكَلِمَةَ تَتَعَلَّقُ بِجِهاتٍ:
أحَدُها: أنَّ هَذِهِ البِشارَةَ مَتى تَحْصُلُ ؟ فَنَقُولُ: إنَّها تَحْصُلُ عِنْدَ القُرْبِ مِنَ المَوْتِ، وعِنْدَ الوَضْعِ في القَبْرِ، وعِنْدَ الوُقُوفِ في عَرْصَةِ القِيامَةِ، وعِنْدَما يَصِيرُ فَرِيقٌ في الجَنَّةِ، وفَرِيقٌ في السَّعِيرِ، وعِنْدَما يَدْخُلُ المُؤْمِنُونَ الجَنَّةَ، فَفي كُلِّ مَوْقِفٍ مِن هَذِهِ المَواقِفِ تَحْصُلُ البِشارَةُ بِنَوْعٍ مِنَ الخَيْرِ والرُّوحِ والرّاحَةِ والرَّيْحانِ.
وثانِيها: أنَّ هَذِهِ البِشارَةُ فَبِماذا تَحْصُلُ ؟ فَنَقُولُ: إنَّ هَذِهِ البِشارَةَ تَحْصُلُ بِزَوالِ المَكْرُوهاتِ وبِحُصُولِ المُراداتِ، أمّا زَوالُ المَكْرُوهاتِ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألّا تَخافُوا ولا تَحْزَنُوا﴾ [فصلت: ٣٠]، والخَوْفُ إنَّما يَكُونُ مِنَ المُسْتَقْبَلِ، والحُزْنُ إنَّما يَكُونُ بِسَبَبِ الأحْوالِ الماضِيَةِ، فَقَوْلُهُ: ﴿ألّا تَخافُوا﴾ يَعْنِي: لا تَخافُوا فِيما تَسْتَقْبِلُونَهُ مِن أحْوالِ القِيامَةِ، ولا تَحْزَنُوا بِسَبَبِ ما فاتَكم مِن خَيْراتِ الدُّنْيا، ولَمّا أزالَ اللَّهُ عَنْهم هَذِهِ المَكْرُوهاتِ بَشَّرَهم بِحُصُولِ الخَيْراتِ والسَّعاداتِ، فَقالَ: ﴿وأبْشِرُوا بِالجَنَّةِ﴾ [فصلت: ٣٠]، وقالَ أيْضًا في آيَةٍ أُخْرى: ﴿يَوْمَ تَرى المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ يَسْعى نُورُهم بَيْنَ أيْدِيهِمْ وبِأيْمانِهِمْ بُشْراكُمُ اليَوْمَ جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ [الحديد: ١٢] وقالَ أيْضًا: ﴿وفِيها ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وتَلَذُّ الأعْيُنُ وأنْتُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ [الزخرف: ٧١] .
والثّالِثُ: أنَّ المُبَشِّرَ مَن هو ؟ فَنَقُولُ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هُمُ المَلائِكَةَ، إمّا عِنْدَ المَوْتِ فَقَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ﴾ [النحل: ٣٢]، وإمّا بَعْدَ دُخُولِ الجَنَّةِ فَقَوْلُهُ: ﴿المَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ سَلامٌ عَلَيْكم بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبى الدّارِ﴾ [الرعد: ٢٤] ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هو اللَّهَ سُبْحانَهُ كَما قالَ: ﴿تَحِيَّتُهم يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ﴾ [الأحزاب: ٤٤] .
واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لَهُمُ البُشْرى﴾ فِيهِ أنْواعٌ مِنَ التَّأْكِيداتِ:
أحَدُها: أنَّهُ يُفِيدُ الحَصْرَ، فَقَوْلُهُ: ﴿لَهُمُ البُشْرى﴾ أيْ: لَهم لا لِغَيْرِهِمْ، وهَذا يُفِيدُ أنَّهُ لا بِشارَةَ لِأحَدٍ إلّا إذا اجْتَنَبَ عِبادَةَ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى، وأقْبَلَ بِالكُلِّيَّةِ عَلى اللَّهِ تَعالى.
وثانِيها: أنَّ الألِفَ واللّامَ في لَفْظِ ”البُشْرى“ مُفِيدٌ لِلْماهِيَّةِ، فَيُفِيدُ أنَّ هَذِهِ الماهِيَّةَ بِتَمامِها لِهَؤُلاءِ، ولَمْ يَبْقَ مِنها نَصِيبٌ لِغَيْرِهِمْ.
وثالِثُها: أنْ لا فَرْقَ بَيْنَ الإخْبارِ وبَيْنَ البِشارَةِ، فالبِشارَةُ هو الخَبَرُ الأوَّلُ بِحُصُولِ الخَيْراتِ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: كُلُّ ما سَمِعُوهُ في الدُّنْيا مِن أنْواعِ الثَّوابِ والخَيْرِ إذا سَمِعُوهُ عِنْدَ المَوْتِ أوْ في القَبْرِ، فَذاكَ لا يَكُونُ إلّا إخْبارًا، فَثَبَتَ أنَّ هَذِهِ البِشارَةَ لا تَتَحَقَّقُ إلّا إذا حَصَلَ الإخْبارُ بِحُصُولِ
صفحة ٢٢٧
أنْواعٍ أُخَرَ مِنَ السَّعاداتِ فَوْقَ ما عَرَفُوها وسَمِعُوها في الدُّنْيا، نَسْألُ اللَّهَ تَعالى الفَوْزَ بِها، قالَ تَعالى: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهم مِن قُرَّةِ أعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧] .
ورابِعُها: أنَّ المُخْبِرَ بِقَوْلِهِ: ﴿لَهُمُ البُشْرى﴾ هو اللَّهُ تَعالى، وهو أعْظَمُ العُظَماءِ، وأكْمَلُ المَوْجُوداتِ، والشَّرْطُ المُعْتَبَرُ في حُصُولِ هَذِهِ البِشارَةِ شَرْطٌ عَظِيمٌ، وهو الِاجْتِنابُ عَمّا سِوى اللَّهِ تَعالى، والإقْبالُ بِالكُلِّيَّةِ عَلى اللَّهِ، والسُّلْطانُ العَظِيمُ إذا ذَكَرَ شَرْطًا عَظِيمًا، ثُمَّ قالَ لِمَن أتى بِذَلِكَ الشَّرْطِ العَظِيمِ: أبْشِرْ، فَهَذِهِ البِشارَةُ الصّادِرَةُ مِنَ السُّلْطانِ العَظِيمِ المُرَتَّبَةُ عَلى حُصُولِ ذَلِكَ الشَّرْطِ العَظِيمِ تَدُلُّ عَلى أنَّ الَّذِي وقَعَتِ البِشارَةُ بِهِ قَدْ بَلَغَ في الكَمالِ والرِّفْعَةِ إلى حَيْثُ لا يَصِلُ إلى شَرْحِها العُقُولُ والأفْكارُ، فَثَبَتَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لَهُمُ البُشْرى﴾ يَدُلُّ عَلى نِهايَةِ الكَمالِ والسَّعادَةِ مِن هَذِهِ الوُجُوهِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿لَهُمُ البُشْرى﴾ وكانَ هَذا المُجْمَلَ - أرْدَفَهُ بِكَلامٍ يَجْرِي مَجْرى التَّفْسِيرِ والشَّرْحِ لَهُ، فَقالَ تَعالى: ﴿فَبِشِّرْ عِبادِ﴾ ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ﴾ وأرادَ بِعِبادِهِ ”الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ“ الَّذِينَ اجْتَنَبُوا وأنابُوا لا غَيْرَهم، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ رَأْسَ السَّعاداتِ، ومَرْكَزَ الخَيْراتِ، ومَعْدِنَ الكَراماتِ - هو الإعْراضُ عَنْ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى، والإقْبالُ بِالكُلِّيَّةِ عَلى طاعَةِ اللَّهِ، والمَقْصُودُ مِن هَذا اللَّفْظِ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ الَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ وأنابُوا هُمُ المَوْصُوفُونَ بِأنَّهم هُمُ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ، فَوُضِعَ الظّاهِرُ مَوْضِعَ المُضْمَرِ تَنْبِيهًا عَلى هَذا الحَرْفِ، ومِنهم مَن قالَ: إنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ الَّذِينَ اجْتَنَبُوا وأنابُوا لَهُمُ البُشْرى، وكانَ ذَلِكَ دَرَجَةً عالِيَةً لا يَصِلُ إلَيْها إلّا الأوَّلُونَ، وقَصْرُ السَّعادَةِ عَلَيْهِمْ يَقْتَضِي الحِرْمانَ لِلْأكْثَرِينَ، وذَلِكَ لا يَلِيقُ بِالرَّحْمَةِ التّامَّةِ، لا جَرَمَ جَعَلَ الحُكْمَ أعَمَّ فَقالَ: كُلُّ مَنِ اخْتارَ الأحْسَنَ في كُلِّ بابٍ كانَ في زُمْرَةِ السُّعَداءِ، واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى فَوائِدَ:
* * *
الفائِدَةُ الأُولى: وُجُوبُ النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ الهِدايَةَ والفَلاحَ مُرْتَبِطانِ بِما إذا سَمِعَ الإنْسانُ أشْياءَ كَثِيرَةً، فَإنَّهُ يَخْتارُ مِنها ما هو الأحْسَنُ الأصْوَبُ، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ تَمْيِيزَ الأحْسَنِ الأصْوَبِ عَمّا سِواهُ لا يَحْصُلُ بِالسَّماعِ، لِأنَّ السَّماعَ صارَ قَدْرًا مُشْتَرَكًا بَيْنَ الكُلِّ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ السَّماعَ قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ فِيهِ، فَثَبَتَ أنَّ تَمْيِيزَ الأحْسَنِ عَمّا سِواهُ لا يَتَأتّى بِالسَّماعِ، وإنَّما يَتَأتّى بِحُجَّةِ العَقْلِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ المُوجِبَ لِاسْتِحْقاقِ المَدْحِ والثَّناءِ مُتابَعَةُ حُجَّةِ العَقْلِ، وبِناءُ الأمْرِ عَلى النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ.
الفائِدَةُ الثّانِيَةُ: أنَّ الطَّرِيقَ إلى تَصْحِيحِ المَذاهِبِ والأدْيانِ قِسْمانِ:
أحَدُهُما: إقامَةُ الحُجَّةِ والبَيِّنَةِ عَلى صِحَّتِهِ عَلى سَبِيلِ التَّحْصِيلِ، وذَلِكَ أمْرٌ لا يُمْكِنُ تَحْصِيلُهُ إلّا بِالخَوْضِ في كُلِّ واحِدٍ مِنَ المَسائِلِ عَلى التَّفْصِيلِ.
والثّانِي: أنّا قَبْلَ البَحْثِ عَنِ الدَّلائِلِ وتَقْرِيرِها والشُّبُهاتِ وتَزْيِيفِها نَعْرِضُ تِلْكَ المَذاهِبَ وأضْدادَها عَلى عُقُولِنا، فَكُلُّ ما حَكَمَ أوَّلُ العَقْلِ بِأنَّهُ أفْضَلُ وأكْمَلُ، كانَ أوْلى بِالقَبُولِ. مِثالُهُ: أنَّ صَرِيحَ العَقْلِ شاهِدٌ بِأنَّ الإقْرارَ بِأنَّ إلَهَ العالَمِ حَيٌّ عالِمٌ قادِرٌ حَلِيمٌ، حَكِيمٌ رَحِيمٌ أوْلى مِن إنْكارِ ذَلِكَ، فَكانَ ذَلِكَ المَذْهَبُ أوْلى، والإقْرارُ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى لا يُجْرِي في مُلْكِهِ وسُلْطانِهِ إلّا ما كانَ عَلى وفْقِ مَشِيئَتِهِ أوْلى مِنَ القَوْلِ بِأنَّ أكْثَرَ ما يَجْرِي في سُلْطانِ اللَّهِ عَلى خِلافِ إرادَتِهِ، وأيْضًا الإقْرارُ بِأنَّ اللَّهَ فَرْدٌ أحَدٌ صَمَدٌ مُنَزَّهٌ عَنِ التَّرْكِيبِ والأعْضاءِ أوْلى مِنَ القَوْلِ بِكَوْنِهِ مُتَبَعِّضًا مُؤَلَّفًا، وأيْضًا القَوْلُ بِاسْتِغْنائِهِ عَنِ الزَّمانِ والمَكانِ أوْلى مِنَ القَوْلِ بِاحْتِياجِهِ إلَيْهِما، وأيْضًا القَوْلُ بِأنَّ اللَّهَ رَحِيمٌ كَرِيمٌ قَدْ يَعْفُو عَنِ العِقابِ أوْلى مِنَ القَوْلِ بِأنَّهُ لا يَعْفُو عَنْهُ ألْبَتَّةَ، وكُلُّ هَذِهِ
صفحة ٢٢٨
الأبْوابِ تَدْخُلُ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ﴾ فَهَذا ما يَتَعَلَّقُ بِاخْتِيارِ الأحْسَنِ في أبْوابِ الِاعْتِقاداتِ.
وأمّا ما يَتَعَلَّقُ بِأبْوابِ التَّكالِيفِ فَهو عَلى قِسْمَيْنِ: مِنها ما يَكُونُ مِن أبْوابِ العِباداتِ، ومِنها ما يَكُونُ مِن أبْوابِ المُعامَلاتِ، فَأمّا العِباداتُ فَمِثْلُ قَوْلِنا: الصَّلاةُ الَّتِي يُذْكَرُ في تَحْرِيمِها اللَّهُ أكْبَرُ، وتَكُونُ النِّيَّةُ فِيها مُقارِنَةً لِلتَّكْبِيرِ، ويُقْرَأُ فِيها سُورَةُ الفاتِحَةِ، ويُؤْتى فِيها بِالطُّمَأْنِينَةِ في المَواقِفِ الخَمْسَةِ، ويُقْرَأُ فِيها التَّشَهُّدُ، ويُخْرَجُ مِنها بِقَوْلِهِ السَّلامُ عَلَيْكم، فَلا شَكَّ أنَّها أحْسَنُ مِنَ الصَّلاةِ الَّتِي لا يُراعى فِيها شَيْءٌ مِن هَذِهِ الأحْوالِ، وتُوجِبُ عَلى العاقِلِ أنْ يَخْتارَ هَذِهِ الصَّلاةَ، وأنْ يَتْرُكَ ما سِواها، وكَذَلِكَ القَوْلُ في جَمِيعِ أبْوابِ العِباداتِ.
وأمّا المُعامَلاتُ فَكَذَلِكَ، مِثْلَ أنَّهُ تَعالى شَرَعَ القِصاصَ والدِّيَةَ والعَفْوَ، ولَكِنَّهُ نَدَبَ إلى العَفْوِ، فَقالَ: ﴿وأنْ تَعْفُوا أقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾ [البقرة: ٢٣٧] وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ المُرادَ مِنهُ الرَّجُلُ يَجْلِسُ مَعَ القَوْمِ، ويَسْمَعُ الحَدِيثَ، فِيهِ مَحاسِنُ ومَساوِئُ، فَيُحَدِّثُ بِأحْسَنِ ما سَمِعَ ويَتْرُكُ ما سِواهُ.
* * *
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى حَكَمَ عَلى الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ بِأنْ قالَ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وأُولَئِكَ هم أُولُو الألْبابِ﴾ وفي ذَلِكَ دَقِيقَةٌ عَجِيبَةٌ، وهي أنَّ حُصُولَ الهِدايَةِ في العَقْلِ والرُّوحِ أمْرٌ حادِثٌ، ولا بُدَّ لَهُ مِن فاعِلٍ وقابَلٍ، أمّا الفاعِلُ فَهو اللَّهُ سُبْحانَهُ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ﴾ وأمّا القابِلُ فَإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿وأُولَئِكَ هم أُولُو الألْبابِ﴾ فَإنَّ الإنْسانَ ما لَمْ يَكُنْ عاقِلًا كامِلَ الفَهْمِ امْتَنَعَ حُصُولُ هَذِهِ المَعارِفِ الحَقِّيَّةِ في قَلْبِهِ، وإنَّما قُلْنا: إنَّ الفاعِلَ لِهَذِهِ الهِدايَةِ هو اللَّهُ، وذَلِكَ لِأنَّ جَوْهَرَ النَّفْسِ مَعَ ما فِيها مِن نُورِ العَقْلِ قابِلٌ لِلِاعْتِقادِ الحَقِّ، والِاعْتِقادِ الباطِلِ، وإذا كانَ الشَّيْءُ قابِلًا لِلضِّدَّيْنِ كانَتْ نِسْبَةُ ذَلِكَ القابِلِ إلَيْهِما عَلى السَّوِيَّةِ، ومَتى كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ امْتَنَعَ كَوْنُ ذَلِكَ القابِلِ سَبَبًا لِرُجْحانِ أحَدِ الطَّرَفَيْنِ، ألا تَرى أنَّ الجِسْمَ لَمّا كانَ قابِلًا لِلْحَرَكَةِ والسُّكُونِ عَلى السَّوِيَّةِ، امْتَنَعَ أنْ تَصِيرَ ذاتُ الجِسْمِ سَبَبًا لِرُجْحانِ أحَدِ الطَّرَفَيْنِ عَلى الآخَرِ، فَإنْ قالُوا: لا نَقُولُ: إنَّ ذاتَ النَّفْسِ والعَقْلِ تُوجِبُ هَذا الرُّجْحانَ، بَلْ نَقُولُ: إنَّهُ يُرِيدُ تَحْصِيلَ أحَدِ الطَّرَفَيْنِ، فَتَصِيرُ تِلْكَ الإرادَةُ سَبَبًا لِذَلِكَ الرُّجْحانِ، فَنَقُولُ: هَذا باطِلٌ، لِأنَّ ذاتَ النَّفْسِ كَما أنَّها قابِلَةٌ لِهَذِهِ الإرادَةِ، فَكَذَلِكَ ذاتُ العَقْلِ قابِلَةٌ لِإرادَةٍ مُضادَّةٍ لِتِلْكَ الإرادَةِ، فَيَمْتَنِعُ كَوْنُ جَوْهَرِ النَّفْسِ سَبَبًا لِتِلْكَ الإرادَةِ، فَثَبَتَ أنَّ حُصُولَ الهِدايَةِ لا بُدَّ لَها مِن فاعِلٍ ومِن قابِلٍ.
أمّا الفاعِلُ: فَيَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ هو النَّفْسَ، بَلِ الفاعِلُ هو اللَّهُ تَعالى، وأمّا القابِلُ: فَهو جَوْهَرُ النَّفْسِ، فَلِهَذا السَّبَبِ قالَ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وأُولَئِكَ هم أُولُو الألْبابِ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿أفَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ أفَأنْتَ تُنْقِذُ مَن في النّارِ﴾، وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في لَفْظِ الآيَةِ سُؤالٌ، وهو أنَّهُ يُقالُ: إنَّهُ قالَ: ﴿أفَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ﴾ ولا يَصِحُّ في الكَلامِ العَرَبِيِّ أنْ يَدْخُلَ حَرْفُ الِاسْتِفْهامِ عَلى الِاسْمِ وعَلى الخَبَرِ مَعًا، فَلا يُقالُ: أزَيْدٌ أتَقْتُلُهُ، بَلْ هَهُنا شَيْءٌ آخَرُ، وهو أنَّهُ كَما دَخَلَ حَرْفُ الِاسْتِفْهامِ عَلى الشَّرْطِ وعَلى الجَزاءِ، فَكَذَلِكَ دَخَلَ حَرْفُ الفاءِ عَلَيْهِما مَعًا، وهو قَوْلُهُ: ﴿أفَمَن حَقَّ﴾، ﴿أفَأنْتَ تُنْقِذُ﴾ ولِأجْلِ هَذا السُّؤالِ اخْتَلَفَ النَّحْوِيُّونَ وذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا:
الأوَّلُ: قالَ الكِسائِيُّ: الآيَةُ جُمْلَتانِ، والتَّقْدِيرُ: أفَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ، أفَأنْتَ تَحْمِيهِ، أفَأنْتَ تُنْقِذُ مَن في النّارِ.
الثّانِي: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: أصْلُ الكَلامِ: أفَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ أفَأنْتَ تُنْقِذُهُ، وهي جُمْلَةٌ شَرْطِيَّةٌ دَخَلَ عَلَيْها هَمْزَةُ الإنْكارِ، والفاءُ فاءُ الجَزاءِ، ثُمَّ دَخَلَتِ الفاءُ الَّتِي في أوَّلِها لِلْعَطْفِ عَلى مَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ
صفحة ٢٢٩
الخِطابُ، والتَّقْدِيرُ: أأنْتَ مالِكُ أمْرِهِمْ، فَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ أفَأنْتَ تُنْقِذُهُ، والهَمْزَةُ الثّانِيَةُ هي الأُولى كُرِّرَتْ لِتَوْكِيدِ مَعْنى الإنْكارِ والِاسْتِبْعادِ، ووُضِعَ ”مَن في النّارِ“ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ، والآيَةُ عَلى هَذا جُمْلَةٌ واحِدَةٌ.
الثّالِثُ: لا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: إنَّ حَرْفَ الِاسْتِفْهامِ إنَّما ورَدَ هَهُنا لِإفادَةِ مَعْنى الإنْكارِ، ولَمّا كانَ اسْتِنْكارُهُ هَذا المَعْنى كامِلًا تامًّا، لا جَرَمَ ذَكَرَ هَذا الحَرْفَ في الشَّرْطِ وأعادَهُ في الجَزاءِ، تَنْبِيهًا عَلى المُبالَغَةِ التّامَّةِ في ذَلِكَ الإنْكارِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ الأصْحابُ بِهَذِهِ الآيَةِ في مَسْألَةِ الهُدى والضَّلالِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿أفَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ﴾ فَإذا حَقَّتْ كَلِمَةُ العَذابِ عَلَيْهِ امْتَنَعَ مِنهُ فِعْلُ الإيمانِ والطّاعَةِ، وإلّا لَزِمَ انْقِلابُ خَبَرِ اللَّهِ الصِّدْقِ كَذِبًا، وانْقِلابُ عِلْمِهِ جَهْلًا، وهو مُحالٌ.
والوَجْهُ الثّانِي في الِاسْتِدْلالِ بِالآيَةِ: أنَّهُ تَعالى حَكَمَ بِأنَّ حَقِّيَّةَ كَلِمَةِ العَذابِ تُوجِبُ الِاسْتِنْكارَ التّامَّ مِن صُدُورِ الإيمانِ والطّاعَةِ عَنْهُ، ولَوْ كانَ ذَلِكَ مُمْكِنًا، ولَمْ تَكُنْ حَقِيقَةُ كَلِمَةِ العَذابِ مانِعَةً مِنهُ، لَمْ يَبْقَ لِهَذا الِاسْتِنْكارِ والِاسْتِبْعادِ مَعْنًى.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: احْتَجَّ القاضِي بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لا يَشْفَعُ لِأهْلِ الكَبائِرِ، قالَ: لِأنَّهُ حَقَّ عَلَيْهِمُ العَذابُ، فَتِلْكَ الشَّفاعَةُ تَكُونُ جارِيَةً مَجْرى إنْقاذِهِمْ مِنَ النّارِ، وأنَّ اللَّهَ تَعالى حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِالإنْكارِ والِاسْتِبْعادِ، فَيُقالُ لَهُ: لا نُسَلِّمُ أنَّ أهْلَ الكَبائِرِ قَدْ حَقَّ عَلَيْهِمُ العَذابُ، وكَيْفَ يَحِقُّ العَذابُ عَلَيْهِمْ مَعَ أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النساء: ٤٨] ومَعَ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣]، واللَّهُ أعْلَمُ.
النَّوْعُ الثّانِي: مِنَ الأشْياءِ الَّتِي وعَدَها اللَّهُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ اجْتَنَبُوا وأنابُوا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهم لَهم غُرَفٌ مِن فَوْقِها غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ﴾ وهَذا كالمُقابِلِ لِما ذُكِرَ في وصْفِ الكُفّارِ ﴿لَهم مِن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النّارِ ومِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾، فَإنْ قِيلَ: ما مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿مَبْنِيَّةٌ﴾ ؟ قُلْنا: لِأنَّ المَنزِلَ إذا بُنِيَ عَلى مَنزِلٍ آخَرَ تَحْتَهُ كانَ الفَوْقانِيُّ أضْعَفَ بِناءً مِنَ التَّحْتانِيِّ، فَقَوْلُهُ: ﴿مَبْنِيَّةٌ﴾ مَعْناهُ: أنَّهُ وإنْ كانَ فَوْقَ غَيْرِهِ لَكِنَّهُ في القُوَّةِ والشِّدَّةِ مُساوٍ لِلْمَنزِلِ الأسْفَلِ، والحاصِلُ أنَّ المَنزِلَ الفَوْقانِيَّ والتَّحْتانِيَّ حَصَلَ في كُلّ واحِدٍ مِنهُما فَضِيلَةٌ ومَنقَصَةٌ، أمّا الفَوْقانِيُّ فَفَضِيلَتُهُ العُلُوُّ والِارْتِفاعُ، ونُقْصانُهُ الرَّخاوَةُ والسَّخافَةُ، وأمّا التَّحْتانِيُّ فَبِالضِّدِّ مِنهُ، أمّا مَنازِلُ الجَنَّةِ فَإنَّها تَكُونُ مُسْتَجْمِعَةً لِكُلِّ الفَضائِلِ، وهي عالِيَةٌ مُرْتَفِعَةٌ، وتَكُونُ في غايَةِ القُوَّةِ والشِّدَّةِ، وقالَ حُكَماءُ الإسْلامِ: هَذِهِ الغُرَفُ المَبْنِيَّةُ بَعْضُها فَوْقَ البَعْضِ، مِثالُهُ مِنَ الأحْوالِ النَّفْسانِيَّةِ العُلُومُ الكَسْبِيَّةُ، فَإنَّ بَعْضَها يَكُونُ مَبْنِيًّا عَلى البَعْضِ، والنَّتائِجُ الآخِرَةُ الَّتِي هي عِبارَةٌ عَنْ مَعْرِفَةِ ذاتِ اللَّهِ وصِفاتِهِ تَكُونُ في غايَةِ القُوَّةِ، بَلْ تَكُونُ في القُوَّةِ والشِّدَّةِ كالعُلُومِ الأصْلِيَّةِ البَدِيهِيَّةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ وذَلِكَ مَعْلُومٌ، ثُمَّ خَتَمَ الكَلامَ فَقالَ: ﴿وعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ المِيعادَ﴾، فَقَوْلُهُ: ﴿وعْدَ اللَّهِ﴾ مَصْدَرٌ مُؤَكَّدٌ، لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿لَهم غُرَفٌ﴾ في مَعْنى: وعَدَهُمُ اللَّهُ ذَلِكَ، وفي الآيَةِ دَقِيقَةٌ شَرِيفَةٌ، وهي أنَّهُ تَعالى في كَثِيرٍ مِن آياتِ الوَعْدِ صَرَّحَ بِأنَّ هَذا وعْدُ اللَّهِ، وأنَّهُ لا يُخْلِفُ وعْدَهُ، ولَمْ يَذْكُرْ في آياتِ الوَعِيدِ ألْبَتَّةَ مِثْلَ هَذا التَّأْكِيدِ والتَّقْوِيَةِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ جانِبَ الوَعْدِ أرْجَحُ مِن جانِبِ الوَعِيدِ بِخِلافِ ما يَقُولُهُ المُعْتَزِلَةُ، فَإنْ قالُوا: ألَيْسَ أنَّهُ قالَ في جانِبِ الوَعِيدِ: ﴿ما يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ وما أنا بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [ق: ٢٩] قُلْنا: قَوْلُهُ: ﴿ما يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ﴾ لَيْسَ تَصْرِيحًا بِجانِبِ الوَعِيدِ، بَلْ هو كَلامٌ عامٌّ يَتَناوَلُ القِسْمَيْنِ، أعْنِي الوَعْدَ والوَعِيدَ، فَثَبَتَ أنَّ التَّرْجِيحَ الَّذِي ذَكَرْناهُ حَقٌّ، واللَّهُ أعْلَمُ.
صفحة ٢٣٠
الزمر 39:20
صفحة ٢٢٥
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ أنْ يَعْبُدُوها وأنابُوا إلى اللَّهِ لَهُمُ البُشْرى فَبَشِّرْ عِبادِي﴾ ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وأُولَئِكَ هم أُولُو الألْبابِ﴾ ﴿أفَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ أفَأنْتَ تُنْقِذُ مَن في النّارِ﴾ ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهم لَهم غُرَفٌ مِن فَوْقِها غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ وعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ المِيعادَ﴾
اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا ذَكَرَ وعِيدَ عَبَدَةِ الأصْنامِ والأوْثانِ ذَكَرَ وعْدَ مَنِ اجْتَنَبَ عِبادَتَها واحْتَرَزَ عَنِ الشِّرْكِ، لِيَكُونَ الوَعْدُ مَقْرُونًا بِالوَعِيدِ أبَدًا، فَيَحْصُلَ كَمالُ التَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ، وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: الطّاغُوتُ فَعْلُوتٌ مِنَ الطُّغْيانِ كالمَلَكُوتِ والرَّحَمُوتِ إلّا أنَّ فِيها قَلْبًا بِتَقْدِيمِ اللّامِ عَلى العَيْنِ، وفي هَذا اللَّفْظِ أنْواعٌ مِنَ المُبالَغَةِ:
أحَدُها: التَّسْمِيَةُ بِالمَصْدَرِ كَأنَّ عَيْنَ ذَلِكَ الشَّيْءِ الطُّغْيانُ.
وثانِيها: أنَّ البِناءَ بِناءُ المُبالَغَةِ، فَإنَّ الرَّحَمُوتَ الرَّحْمَةُ الواسِعَةُ، والمَلَكُوتَ المُلْكُ المَبْسُوطُ.
وثالِثُها: ما ذَكَرْنا مِن تَقْدِيمِ اللّامِ عَلى العَيْنِ، ومِثْلُ هَذا إنَّما يُصارُ إلَيْهِ عِنْدَ المُبالَغَةِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ المُرادَ مِنَ الطّاغُوتِ هَهُنا الشَّيْطانُ أمِ الأوْثانُ، فَقِيلَ: إنَّهُ الشَّيْطانُ، فَإنْ قِيلَ: إنَّهم ما عَبَدُوا الشَّيْطانَ وإنَّما عَبَدُوا الصَّنَمَ، قُلْنا: الدّاعِي إلى عِبادَةِ الصَّنَمِ لَمّا كانَ هو الشَّيْطانَ كانَ الإقْدامُ عَلى عِبادَةِ الصَّنَمِ عِبادَةً لِلشَّيْطانِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالطّاغُوتِ الصَّنَمُ، وسُمِّيَتْ طَواغِيتَ عَلى سَبِيلِ المَجازِ، لِأنَّهُ لا فِعْلَ لَها، والطُّغاةُ هُمُ الَّذِينَ يَعْبُدُونَها إلّا أنَّهُ لَمّا حَصَلَ الطُّغْيانُ عِنْدَ مُشاهَدَتِها والقُرْبِ مِنها وُصِفَتْ بِهَذِهِ الصِّفَةِ إطْلاقًا لِاسْمِ المُسَبَّبِ عَلى السَّبَبِ بِحَسَبِ الظّاهِرِ، وقِيلَ: كُلُّ ما يُعْبَدُ ويُطاعُ مِن دُونِ اللَّهِ فَهو طاغُوتٌ، ويُقالُ في التَّوارِيخِ: إنَّ الأصْلَ في عِبادَةِ الأصْنامِ أنَّ القَوْمَ كانُوا مُشَبِّهَةً اعْتَقَدُوا في الإلَهِ أنَّهُ نُورٌ عَظِيمٌ، وفي المَلائِكَةِ أنَّها أنْوارٌ مُخْتَلِفَةٌ في الصِّغَرِ والكِبَرِ، فَوَضَعُوا تَماثِيلَ وصُوَرًا عَلى وفْقِ تِلْكَ الخَيالاتِ، فَكانُوا يَعْبُدُونَ تِلْكَ التَّماثِيلَ عَلى اعْتِقادِ أنَّهم يَعْبُدُونَ اللَّهَ والمَلائِكَةَ، وأقُولُ: حاصِلُ الكَلامِ في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ﴾ أيْ: أعْرَضُوا عَنْ عُبُودِيَّةِ كُلِّ ما سِوى اللَّهِ، قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنابُوا إلى اللَّهِ﴾ أيْ رَجَعُوا بِالكُلِّيَّةِ إلى اللَّهِ، ورَأيْتُ في السِّفْرِ الخامِسِ مِنَ التَّوْراةِ: أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ لِمُوسى: يا مُوسى أجِبْ إلَهَكَ بِكُلِّ قَلْبِكِ.
وأقُولُ: ما دامَ يَبْقى في القَلْبِ التِفاتٌ إلى غَيْرِ اللَّهِ فَهو ما أجابَ إلَهَهُ بِكُلِّ قَلْبِهِ، وإنَّما تَحْصُلُ الإجابَةُ بِكُلِّ القَلْبِ إذا أعْرَضَ القَلْبُ عَنْ كُلِّ ما سِوى اللَّهِ مِن بابِ الطّاعاتِ، فَكَيْفَ يُعْرِضُ عَنْها مَعَ أنَّهُ بِالحِسِّ يُشاهِدُ الأسْبابَ المُفْضِيَةَ إلى المُسَبَّباتِ في هَذا العالَمِ، قُلْنا: لَيْسَ المُرادُ مِن إعْراضِ القَلْبِ عَنْها أنْ يَقْضِيَ عَلَيْها بِالعَدَمِ، فَإنَّ ذَلِكَ دُخُولٌ في السَّفْسَطَةِ، وهو باطِلٌ، بَلِ المُرادُ أنْ يَعْرِفَ أنَّ واجِبَ الوُجُودِ لِذاتِهِ واحِدٌ، وأنَّ كُلَّ ما سِواهُ فَإنَّهُ مُمْكِنُ الوُجُودِ لِذاتِهِ، وكُلُّ ما كانَ مُمْكِنًا لِذاتِهِ فَإنَّهُ لا يُوجَدُ إلّا بِتَكْوِينِ الواجِبِ وإيجادِهِ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى جَعَلَ تَكْوِينَهُ لِلْأشْياءِ عَلى قِسْمَيْنِ: مِنها ما يَكُونُ بِغَيْرِ واسِطَةٍ، وهي عالَمُ السَّماواتِ والرُّوحانِيّاتِ، ومِنها ما يَكُونُ بِواسِطَةٍ، وهو عالَمُ العَناصِرِ والعالَمُ الأسْفَلُ، فَإذا عَرَفْتَ الأشْياءَ عَلى هَذا الوَجْهِ عَرَفْتَ أنَّ الكُلَّ لِلَّهِ، ومِنَ اللَّهِ، وبِاللَّهِ، وأنَّهُ لا مُدَبِّرَ إلّا هو ولا مُؤَثِّرَ غَيْرُهُ، وحِينَئِذٍ يَنْقَطِعُ نَظَرُهُ عَنْ هَذِهِ المُمْكِناتِ، ويَبْقى مَشْغُولَ القَلْبِ بِالمُؤَثِّرِ الأوَّلِ والمُوجِدِ الأوَّلِ، فَإنَّهُ إنْ كانَ قَدْ وضَعَ الأسْبابَ الرُّوحانِيَّةَ والجُسْمانِيَّةَ، بِحَيْثُ يَتَأدّى إلى هَذا المَطْلُوبِ، فَهَذا الشَّيْءُ يَحْصُلُ، وإنْ كانَ قَدْ وُضِعَ بِحَيْثُ لا يُفْضِي إلى حُصُولِ هَذا الشَّيْءِ لَمْ يَحْصُلْ، وبِهَذا الطَّرِيقِ يَنْقَطِعُ نَظَرُهُ عَنِ الكُلِّ ولا يَبْقى في قَلْبِهِ التِفاتٌ إلى شَيْءٍ إلّا إلى المَوْجُودِ
صفحة ٢٢٦
الأوَّلِ، وقَدِ اتَّفَقَ أنِّي كُنْتُ أنْصَحُ بَعْضَ الصِّبْيانِ في حِفْظِ العِرْضِ والمالِ، فَعارَضَنِي، وقالَ: لا يَجُوزُ الِاعْتِمادُ عَلى الجِدِّ والجُهْدِ، بَلْ يَجِبُ الِاعْتِمادُ عَلى قَضاءِ اللَّهِ وقَدَرِهِ، فَقُلْتُ: هَذِهِ كَلِمَةُ حَقٍّ سَمِعْتَها، ولَكِنَّكَ ما عَرَفْتَ مَعْناها، وذَلِكَ لِأنَّهُ لا شُبْهَةَ أنَّ الكُلَّ مِنَ اللَّهِ تَعالى إلّا أنَّهُ سُبْحانَهُ دَبَّرَ الأشْياءَ عَلى قِسْمَيْنِ: مِنها ما جَعَلَ حُدُوثَهُ وحُصُولَهُ مُعَلَّقًا بِأسْبابٍ مَعْلُومَةٍ، ومِنها ما يُحْدِثُهُ مِن غَيْرِ واسِطَةِ هَذِهِ الأسْبابِ.
أمّا القِسْمُ الأوَّلُ: فَهو حَوادِثُ هَذا العالَمِ الأسْفَلِ.
وأمّا القِسْمُ الثّانِي: فَهو حَوادِثُ هَذا العالَمِ الأعْلى، وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: مَن طَلَبَ حَوادِثَ هَذا العالَمِ الأسْفَلِ لا مِنَ الأسْبابِ الَّتِي عَيَّنَها اللَّهُ تَعالى، كانَ هَذا الشَّخْصُ مُنازِعًا لِلَّهِ في حِكْمَتِهِ، مُخالِفًا في تَدْبِيرِهِ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى حَكَمَ بِحُدُوثِ هَذِهِ الأشْياءِ بِناءً عَلى تِلْكَ الأسْبابِ المُعَيَّنَةِ المَعْلُومَةِ، وأنْتَ تُرِيدُ تَحْصِيلَها لا مِن تِلْكَ الأسْبابِ، فَهَذا هو الكَلامُ في تَحْقِيقِ الإعْراضِ عَنْ غَيْرِ اللَّهِ، والإقْبالِ بِالكُلِّيَّةِ عَلى اللَّهِ تَعالى، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ﴾ إشارَةٌ إلى الإعْراضِ عَنْ غَيْرِ اللَّهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنابُوا إلى اللَّهِ﴾ إشارَةٌ إلى الإقْبالِ بِالكُلِّيَّةِ عَلى عِبادَةِ اللَّهِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى وعَدَ هَؤُلاءِ بِأشْياءَ:
أحَدُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهُمُ البُشْرى﴾ .
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الكَلِمَةَ تَتَعَلَّقُ بِجِهاتٍ:
أحَدُها: أنَّ هَذِهِ البِشارَةَ مَتى تَحْصُلُ ؟ فَنَقُولُ: إنَّها تَحْصُلُ عِنْدَ القُرْبِ مِنَ المَوْتِ، وعِنْدَ الوَضْعِ في القَبْرِ، وعِنْدَ الوُقُوفِ في عَرْصَةِ القِيامَةِ، وعِنْدَما يَصِيرُ فَرِيقٌ في الجَنَّةِ، وفَرِيقٌ في السَّعِيرِ، وعِنْدَما يَدْخُلُ المُؤْمِنُونَ الجَنَّةَ، فَفي كُلِّ مَوْقِفٍ مِن هَذِهِ المَواقِفِ تَحْصُلُ البِشارَةُ بِنَوْعٍ مِنَ الخَيْرِ والرُّوحِ والرّاحَةِ والرَّيْحانِ.
وثانِيها: أنَّ هَذِهِ البِشارَةُ فَبِماذا تَحْصُلُ ؟ فَنَقُولُ: إنَّ هَذِهِ البِشارَةَ تَحْصُلُ بِزَوالِ المَكْرُوهاتِ وبِحُصُولِ المُراداتِ، أمّا زَوالُ المَكْرُوهاتِ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألّا تَخافُوا ولا تَحْزَنُوا﴾ [فصلت: ٣٠]، والخَوْفُ إنَّما يَكُونُ مِنَ المُسْتَقْبَلِ، والحُزْنُ إنَّما يَكُونُ بِسَبَبِ الأحْوالِ الماضِيَةِ، فَقَوْلُهُ: ﴿ألّا تَخافُوا﴾ يَعْنِي: لا تَخافُوا فِيما تَسْتَقْبِلُونَهُ مِن أحْوالِ القِيامَةِ، ولا تَحْزَنُوا بِسَبَبِ ما فاتَكم مِن خَيْراتِ الدُّنْيا، ولَمّا أزالَ اللَّهُ عَنْهم هَذِهِ المَكْرُوهاتِ بَشَّرَهم بِحُصُولِ الخَيْراتِ والسَّعاداتِ، فَقالَ: ﴿وأبْشِرُوا بِالجَنَّةِ﴾ [فصلت: ٣٠]، وقالَ أيْضًا في آيَةٍ أُخْرى: ﴿يَوْمَ تَرى المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ يَسْعى نُورُهم بَيْنَ أيْدِيهِمْ وبِأيْمانِهِمْ بُشْراكُمُ اليَوْمَ جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ [الحديد: ١٢] وقالَ أيْضًا: ﴿وفِيها ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وتَلَذُّ الأعْيُنُ وأنْتُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ [الزخرف: ٧١] .
والثّالِثُ: أنَّ المُبَشِّرَ مَن هو ؟ فَنَقُولُ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هُمُ المَلائِكَةَ، إمّا عِنْدَ المَوْتِ فَقَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ﴾ [النحل: ٣٢]، وإمّا بَعْدَ دُخُولِ الجَنَّةِ فَقَوْلُهُ: ﴿المَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ سَلامٌ عَلَيْكم بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبى الدّارِ﴾ [الرعد: ٢٤] ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هو اللَّهَ سُبْحانَهُ كَما قالَ: ﴿تَحِيَّتُهم يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ﴾ [الأحزاب: ٤٤] .
واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لَهُمُ البُشْرى﴾ فِيهِ أنْواعٌ مِنَ التَّأْكِيداتِ:
أحَدُها: أنَّهُ يُفِيدُ الحَصْرَ، فَقَوْلُهُ: ﴿لَهُمُ البُشْرى﴾ أيْ: لَهم لا لِغَيْرِهِمْ، وهَذا يُفِيدُ أنَّهُ لا بِشارَةَ لِأحَدٍ إلّا إذا اجْتَنَبَ عِبادَةَ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى، وأقْبَلَ بِالكُلِّيَّةِ عَلى اللَّهِ تَعالى.
وثانِيها: أنَّ الألِفَ واللّامَ في لَفْظِ ”البُشْرى“ مُفِيدٌ لِلْماهِيَّةِ، فَيُفِيدُ أنَّ هَذِهِ الماهِيَّةَ بِتَمامِها لِهَؤُلاءِ، ولَمْ يَبْقَ مِنها نَصِيبٌ لِغَيْرِهِمْ.
وثالِثُها: أنْ لا فَرْقَ بَيْنَ الإخْبارِ وبَيْنَ البِشارَةِ، فالبِشارَةُ هو الخَبَرُ الأوَّلُ بِحُصُولِ الخَيْراتِ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: كُلُّ ما سَمِعُوهُ في الدُّنْيا مِن أنْواعِ الثَّوابِ والخَيْرِ إذا سَمِعُوهُ عِنْدَ المَوْتِ أوْ في القَبْرِ، فَذاكَ لا يَكُونُ إلّا إخْبارًا، فَثَبَتَ أنَّ هَذِهِ البِشارَةَ لا تَتَحَقَّقُ إلّا إذا حَصَلَ الإخْبارُ بِحُصُولِ
صفحة ٢٢٧
أنْواعٍ أُخَرَ مِنَ السَّعاداتِ فَوْقَ ما عَرَفُوها وسَمِعُوها في الدُّنْيا، نَسْألُ اللَّهَ تَعالى الفَوْزَ بِها، قالَ تَعالى: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهم مِن قُرَّةِ أعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧] .
ورابِعُها: أنَّ المُخْبِرَ بِقَوْلِهِ: ﴿لَهُمُ البُشْرى﴾ هو اللَّهُ تَعالى، وهو أعْظَمُ العُظَماءِ، وأكْمَلُ المَوْجُوداتِ، والشَّرْطُ المُعْتَبَرُ في حُصُولِ هَذِهِ البِشارَةِ شَرْطٌ عَظِيمٌ، وهو الِاجْتِنابُ عَمّا سِوى اللَّهِ تَعالى، والإقْبالُ بِالكُلِّيَّةِ عَلى اللَّهِ، والسُّلْطانُ العَظِيمُ إذا ذَكَرَ شَرْطًا عَظِيمًا، ثُمَّ قالَ لِمَن أتى بِذَلِكَ الشَّرْطِ العَظِيمِ: أبْشِرْ، فَهَذِهِ البِشارَةُ الصّادِرَةُ مِنَ السُّلْطانِ العَظِيمِ المُرَتَّبَةُ عَلى حُصُولِ ذَلِكَ الشَّرْطِ العَظِيمِ تَدُلُّ عَلى أنَّ الَّذِي وقَعَتِ البِشارَةُ بِهِ قَدْ بَلَغَ في الكَمالِ والرِّفْعَةِ إلى حَيْثُ لا يَصِلُ إلى شَرْحِها العُقُولُ والأفْكارُ، فَثَبَتَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لَهُمُ البُشْرى﴾ يَدُلُّ عَلى نِهايَةِ الكَمالِ والسَّعادَةِ مِن هَذِهِ الوُجُوهِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿لَهُمُ البُشْرى﴾ وكانَ هَذا المُجْمَلَ - أرْدَفَهُ بِكَلامٍ يَجْرِي مَجْرى التَّفْسِيرِ والشَّرْحِ لَهُ، فَقالَ تَعالى: ﴿فَبِشِّرْ عِبادِ﴾ ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ﴾ وأرادَ بِعِبادِهِ ”الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ“ الَّذِينَ اجْتَنَبُوا وأنابُوا لا غَيْرَهم، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ رَأْسَ السَّعاداتِ، ومَرْكَزَ الخَيْراتِ، ومَعْدِنَ الكَراماتِ - هو الإعْراضُ عَنْ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى، والإقْبالُ بِالكُلِّيَّةِ عَلى طاعَةِ اللَّهِ، والمَقْصُودُ مِن هَذا اللَّفْظِ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ الَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ وأنابُوا هُمُ المَوْصُوفُونَ بِأنَّهم هُمُ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ، فَوُضِعَ الظّاهِرُ مَوْضِعَ المُضْمَرِ تَنْبِيهًا عَلى هَذا الحَرْفِ، ومِنهم مَن قالَ: إنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ الَّذِينَ اجْتَنَبُوا وأنابُوا لَهُمُ البُشْرى، وكانَ ذَلِكَ دَرَجَةً عالِيَةً لا يَصِلُ إلَيْها إلّا الأوَّلُونَ، وقَصْرُ السَّعادَةِ عَلَيْهِمْ يَقْتَضِي الحِرْمانَ لِلْأكْثَرِينَ، وذَلِكَ لا يَلِيقُ بِالرَّحْمَةِ التّامَّةِ، لا جَرَمَ جَعَلَ الحُكْمَ أعَمَّ فَقالَ: كُلُّ مَنِ اخْتارَ الأحْسَنَ في كُلِّ بابٍ كانَ في زُمْرَةِ السُّعَداءِ، واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى فَوائِدَ:
* * *
الفائِدَةُ الأُولى: وُجُوبُ النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ الهِدايَةَ والفَلاحَ مُرْتَبِطانِ بِما إذا سَمِعَ الإنْسانُ أشْياءَ كَثِيرَةً، فَإنَّهُ يَخْتارُ مِنها ما هو الأحْسَنُ الأصْوَبُ، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ تَمْيِيزَ الأحْسَنِ الأصْوَبِ عَمّا سِواهُ لا يَحْصُلُ بِالسَّماعِ، لِأنَّ السَّماعَ صارَ قَدْرًا مُشْتَرَكًا بَيْنَ الكُلِّ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ السَّماعَ قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ فِيهِ، فَثَبَتَ أنَّ تَمْيِيزَ الأحْسَنِ عَمّا سِواهُ لا يَتَأتّى بِالسَّماعِ، وإنَّما يَتَأتّى بِحُجَّةِ العَقْلِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ المُوجِبَ لِاسْتِحْقاقِ المَدْحِ والثَّناءِ مُتابَعَةُ حُجَّةِ العَقْلِ، وبِناءُ الأمْرِ عَلى النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ.
الفائِدَةُ الثّانِيَةُ: أنَّ الطَّرِيقَ إلى تَصْحِيحِ المَذاهِبِ والأدْيانِ قِسْمانِ:
أحَدُهُما: إقامَةُ الحُجَّةِ والبَيِّنَةِ عَلى صِحَّتِهِ عَلى سَبِيلِ التَّحْصِيلِ، وذَلِكَ أمْرٌ لا يُمْكِنُ تَحْصِيلُهُ إلّا بِالخَوْضِ في كُلِّ واحِدٍ مِنَ المَسائِلِ عَلى التَّفْصِيلِ.
والثّانِي: أنّا قَبْلَ البَحْثِ عَنِ الدَّلائِلِ وتَقْرِيرِها والشُّبُهاتِ وتَزْيِيفِها نَعْرِضُ تِلْكَ المَذاهِبَ وأضْدادَها عَلى عُقُولِنا، فَكُلُّ ما حَكَمَ أوَّلُ العَقْلِ بِأنَّهُ أفْضَلُ وأكْمَلُ، كانَ أوْلى بِالقَبُولِ. مِثالُهُ: أنَّ صَرِيحَ العَقْلِ شاهِدٌ بِأنَّ الإقْرارَ بِأنَّ إلَهَ العالَمِ حَيٌّ عالِمٌ قادِرٌ حَلِيمٌ، حَكِيمٌ رَحِيمٌ أوْلى مِن إنْكارِ ذَلِكَ، فَكانَ ذَلِكَ المَذْهَبُ أوْلى، والإقْرارُ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى لا يُجْرِي في مُلْكِهِ وسُلْطانِهِ إلّا ما كانَ عَلى وفْقِ مَشِيئَتِهِ أوْلى مِنَ القَوْلِ بِأنَّ أكْثَرَ ما يَجْرِي في سُلْطانِ اللَّهِ عَلى خِلافِ إرادَتِهِ، وأيْضًا الإقْرارُ بِأنَّ اللَّهَ فَرْدٌ أحَدٌ صَمَدٌ مُنَزَّهٌ عَنِ التَّرْكِيبِ والأعْضاءِ أوْلى مِنَ القَوْلِ بِكَوْنِهِ مُتَبَعِّضًا مُؤَلَّفًا، وأيْضًا القَوْلُ بِاسْتِغْنائِهِ عَنِ الزَّمانِ والمَكانِ أوْلى مِنَ القَوْلِ بِاحْتِياجِهِ إلَيْهِما، وأيْضًا القَوْلُ بِأنَّ اللَّهَ رَحِيمٌ كَرِيمٌ قَدْ يَعْفُو عَنِ العِقابِ أوْلى مِنَ القَوْلِ بِأنَّهُ لا يَعْفُو عَنْهُ ألْبَتَّةَ، وكُلُّ هَذِهِ
صفحة ٢٢٨
الأبْوابِ تَدْخُلُ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ﴾ فَهَذا ما يَتَعَلَّقُ بِاخْتِيارِ الأحْسَنِ في أبْوابِ الِاعْتِقاداتِ.
وأمّا ما يَتَعَلَّقُ بِأبْوابِ التَّكالِيفِ فَهو عَلى قِسْمَيْنِ: مِنها ما يَكُونُ مِن أبْوابِ العِباداتِ، ومِنها ما يَكُونُ مِن أبْوابِ المُعامَلاتِ، فَأمّا العِباداتُ فَمِثْلُ قَوْلِنا: الصَّلاةُ الَّتِي يُذْكَرُ في تَحْرِيمِها اللَّهُ أكْبَرُ، وتَكُونُ النِّيَّةُ فِيها مُقارِنَةً لِلتَّكْبِيرِ، ويُقْرَأُ فِيها سُورَةُ الفاتِحَةِ، ويُؤْتى فِيها بِالطُّمَأْنِينَةِ في المَواقِفِ الخَمْسَةِ، ويُقْرَأُ فِيها التَّشَهُّدُ، ويُخْرَجُ مِنها بِقَوْلِهِ السَّلامُ عَلَيْكم، فَلا شَكَّ أنَّها أحْسَنُ مِنَ الصَّلاةِ الَّتِي لا يُراعى فِيها شَيْءٌ مِن هَذِهِ الأحْوالِ، وتُوجِبُ عَلى العاقِلِ أنْ يَخْتارَ هَذِهِ الصَّلاةَ، وأنْ يَتْرُكَ ما سِواها، وكَذَلِكَ القَوْلُ في جَمِيعِ أبْوابِ العِباداتِ.
وأمّا المُعامَلاتُ فَكَذَلِكَ، مِثْلَ أنَّهُ تَعالى شَرَعَ القِصاصَ والدِّيَةَ والعَفْوَ، ولَكِنَّهُ نَدَبَ إلى العَفْوِ، فَقالَ: ﴿وأنْ تَعْفُوا أقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾ [البقرة: ٢٣٧] وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ المُرادَ مِنهُ الرَّجُلُ يَجْلِسُ مَعَ القَوْمِ، ويَسْمَعُ الحَدِيثَ، فِيهِ مَحاسِنُ ومَساوِئُ، فَيُحَدِّثُ بِأحْسَنِ ما سَمِعَ ويَتْرُكُ ما سِواهُ.
* * *
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى حَكَمَ عَلى الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ بِأنْ قالَ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وأُولَئِكَ هم أُولُو الألْبابِ﴾ وفي ذَلِكَ دَقِيقَةٌ عَجِيبَةٌ، وهي أنَّ حُصُولَ الهِدايَةِ في العَقْلِ والرُّوحِ أمْرٌ حادِثٌ، ولا بُدَّ لَهُ مِن فاعِلٍ وقابَلٍ، أمّا الفاعِلُ فَهو اللَّهُ سُبْحانَهُ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ﴾ وأمّا القابِلُ فَإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿وأُولَئِكَ هم أُولُو الألْبابِ﴾ فَإنَّ الإنْسانَ ما لَمْ يَكُنْ عاقِلًا كامِلَ الفَهْمِ امْتَنَعَ حُصُولُ هَذِهِ المَعارِفِ الحَقِّيَّةِ في قَلْبِهِ، وإنَّما قُلْنا: إنَّ الفاعِلَ لِهَذِهِ الهِدايَةِ هو اللَّهُ، وذَلِكَ لِأنَّ جَوْهَرَ النَّفْسِ مَعَ ما فِيها مِن نُورِ العَقْلِ قابِلٌ لِلِاعْتِقادِ الحَقِّ، والِاعْتِقادِ الباطِلِ، وإذا كانَ الشَّيْءُ قابِلًا لِلضِّدَّيْنِ كانَتْ نِسْبَةُ ذَلِكَ القابِلِ إلَيْهِما عَلى السَّوِيَّةِ، ومَتى كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ امْتَنَعَ كَوْنُ ذَلِكَ القابِلِ سَبَبًا لِرُجْحانِ أحَدِ الطَّرَفَيْنِ، ألا تَرى أنَّ الجِسْمَ لَمّا كانَ قابِلًا لِلْحَرَكَةِ والسُّكُونِ عَلى السَّوِيَّةِ، امْتَنَعَ أنْ تَصِيرَ ذاتُ الجِسْمِ سَبَبًا لِرُجْحانِ أحَدِ الطَّرَفَيْنِ عَلى الآخَرِ، فَإنْ قالُوا: لا نَقُولُ: إنَّ ذاتَ النَّفْسِ والعَقْلِ تُوجِبُ هَذا الرُّجْحانَ، بَلْ نَقُولُ: إنَّهُ يُرِيدُ تَحْصِيلَ أحَدِ الطَّرَفَيْنِ، فَتَصِيرُ تِلْكَ الإرادَةُ سَبَبًا لِذَلِكَ الرُّجْحانِ، فَنَقُولُ: هَذا باطِلٌ، لِأنَّ ذاتَ النَّفْسِ كَما أنَّها قابِلَةٌ لِهَذِهِ الإرادَةِ، فَكَذَلِكَ ذاتُ العَقْلِ قابِلَةٌ لِإرادَةٍ مُضادَّةٍ لِتِلْكَ الإرادَةِ، فَيَمْتَنِعُ كَوْنُ جَوْهَرِ النَّفْسِ سَبَبًا لِتِلْكَ الإرادَةِ، فَثَبَتَ أنَّ حُصُولَ الهِدايَةِ لا بُدَّ لَها مِن فاعِلٍ ومِن قابِلٍ.
أمّا الفاعِلُ: فَيَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ هو النَّفْسَ، بَلِ الفاعِلُ هو اللَّهُ تَعالى، وأمّا القابِلُ: فَهو جَوْهَرُ النَّفْسِ، فَلِهَذا السَّبَبِ قالَ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وأُولَئِكَ هم أُولُو الألْبابِ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿أفَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ أفَأنْتَ تُنْقِذُ مَن في النّارِ﴾، وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في لَفْظِ الآيَةِ سُؤالٌ، وهو أنَّهُ يُقالُ: إنَّهُ قالَ: ﴿أفَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ﴾ ولا يَصِحُّ في الكَلامِ العَرَبِيِّ أنْ يَدْخُلَ حَرْفُ الِاسْتِفْهامِ عَلى الِاسْمِ وعَلى الخَبَرِ مَعًا، فَلا يُقالُ: أزَيْدٌ أتَقْتُلُهُ، بَلْ هَهُنا شَيْءٌ آخَرُ، وهو أنَّهُ كَما دَخَلَ حَرْفُ الِاسْتِفْهامِ عَلى الشَّرْطِ وعَلى الجَزاءِ، فَكَذَلِكَ دَخَلَ حَرْفُ الفاءِ عَلَيْهِما مَعًا، وهو قَوْلُهُ: ﴿أفَمَن حَقَّ﴾، ﴿أفَأنْتَ تُنْقِذُ﴾ ولِأجْلِ هَذا السُّؤالِ اخْتَلَفَ النَّحْوِيُّونَ وذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا:
الأوَّلُ: قالَ الكِسائِيُّ: الآيَةُ جُمْلَتانِ، والتَّقْدِيرُ: أفَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ، أفَأنْتَ تَحْمِيهِ، أفَأنْتَ تُنْقِذُ مَن في النّارِ.
الثّانِي: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: أصْلُ الكَلامِ: أفَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ أفَأنْتَ تُنْقِذُهُ، وهي جُمْلَةٌ شَرْطِيَّةٌ دَخَلَ عَلَيْها هَمْزَةُ الإنْكارِ، والفاءُ فاءُ الجَزاءِ، ثُمَّ دَخَلَتِ الفاءُ الَّتِي في أوَّلِها لِلْعَطْفِ عَلى مَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ
صفحة ٢٢٩
الخِطابُ، والتَّقْدِيرُ: أأنْتَ مالِكُ أمْرِهِمْ، فَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ أفَأنْتَ تُنْقِذُهُ، والهَمْزَةُ الثّانِيَةُ هي الأُولى كُرِّرَتْ لِتَوْكِيدِ مَعْنى الإنْكارِ والِاسْتِبْعادِ، ووُضِعَ ”مَن في النّارِ“ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ، والآيَةُ عَلى هَذا جُمْلَةٌ واحِدَةٌ.
الثّالِثُ: لا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: إنَّ حَرْفَ الِاسْتِفْهامِ إنَّما ورَدَ هَهُنا لِإفادَةِ مَعْنى الإنْكارِ، ولَمّا كانَ اسْتِنْكارُهُ هَذا المَعْنى كامِلًا تامًّا، لا جَرَمَ ذَكَرَ هَذا الحَرْفَ في الشَّرْطِ وأعادَهُ في الجَزاءِ، تَنْبِيهًا عَلى المُبالَغَةِ التّامَّةِ في ذَلِكَ الإنْكارِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ الأصْحابُ بِهَذِهِ الآيَةِ في مَسْألَةِ الهُدى والضَّلالِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿أفَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ﴾ فَإذا حَقَّتْ كَلِمَةُ العَذابِ عَلَيْهِ امْتَنَعَ مِنهُ فِعْلُ الإيمانِ والطّاعَةِ، وإلّا لَزِمَ انْقِلابُ خَبَرِ اللَّهِ الصِّدْقِ كَذِبًا، وانْقِلابُ عِلْمِهِ جَهْلًا، وهو مُحالٌ.
والوَجْهُ الثّانِي في الِاسْتِدْلالِ بِالآيَةِ: أنَّهُ تَعالى حَكَمَ بِأنَّ حَقِّيَّةَ كَلِمَةِ العَذابِ تُوجِبُ الِاسْتِنْكارَ التّامَّ مِن صُدُورِ الإيمانِ والطّاعَةِ عَنْهُ، ولَوْ كانَ ذَلِكَ مُمْكِنًا، ولَمْ تَكُنْ حَقِيقَةُ كَلِمَةِ العَذابِ مانِعَةً مِنهُ، لَمْ يَبْقَ لِهَذا الِاسْتِنْكارِ والِاسْتِبْعادِ مَعْنًى.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: احْتَجَّ القاضِي بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لا يَشْفَعُ لِأهْلِ الكَبائِرِ، قالَ: لِأنَّهُ حَقَّ عَلَيْهِمُ العَذابُ، فَتِلْكَ الشَّفاعَةُ تَكُونُ جارِيَةً مَجْرى إنْقاذِهِمْ مِنَ النّارِ، وأنَّ اللَّهَ تَعالى حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِالإنْكارِ والِاسْتِبْعادِ، فَيُقالُ لَهُ: لا نُسَلِّمُ أنَّ أهْلَ الكَبائِرِ قَدْ حَقَّ عَلَيْهِمُ العَذابُ، وكَيْفَ يَحِقُّ العَذابُ عَلَيْهِمْ مَعَ أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النساء: ٤٨] ومَعَ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣]، واللَّهُ أعْلَمُ.
النَّوْعُ الثّانِي: مِنَ الأشْياءِ الَّتِي وعَدَها اللَّهُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ اجْتَنَبُوا وأنابُوا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهم لَهم غُرَفٌ مِن فَوْقِها غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ﴾ وهَذا كالمُقابِلِ لِما ذُكِرَ في وصْفِ الكُفّارِ ﴿لَهم مِن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النّارِ ومِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾، فَإنْ قِيلَ: ما مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿مَبْنِيَّةٌ﴾ ؟ قُلْنا: لِأنَّ المَنزِلَ إذا بُنِيَ عَلى مَنزِلٍ آخَرَ تَحْتَهُ كانَ الفَوْقانِيُّ أضْعَفَ بِناءً مِنَ التَّحْتانِيِّ، فَقَوْلُهُ: ﴿مَبْنِيَّةٌ﴾ مَعْناهُ: أنَّهُ وإنْ كانَ فَوْقَ غَيْرِهِ لَكِنَّهُ في القُوَّةِ والشِّدَّةِ مُساوٍ لِلْمَنزِلِ الأسْفَلِ، والحاصِلُ أنَّ المَنزِلَ الفَوْقانِيَّ والتَّحْتانِيَّ حَصَلَ في كُلّ واحِدٍ مِنهُما فَضِيلَةٌ ومَنقَصَةٌ، أمّا الفَوْقانِيُّ فَفَضِيلَتُهُ العُلُوُّ والِارْتِفاعُ، ونُقْصانُهُ الرَّخاوَةُ والسَّخافَةُ، وأمّا التَّحْتانِيُّ فَبِالضِّدِّ مِنهُ، أمّا مَنازِلُ الجَنَّةِ فَإنَّها تَكُونُ مُسْتَجْمِعَةً لِكُلِّ الفَضائِلِ، وهي عالِيَةٌ مُرْتَفِعَةٌ، وتَكُونُ في غايَةِ القُوَّةِ والشِّدَّةِ، وقالَ حُكَماءُ الإسْلامِ: هَذِهِ الغُرَفُ المَبْنِيَّةُ بَعْضُها فَوْقَ البَعْضِ، مِثالُهُ مِنَ الأحْوالِ النَّفْسانِيَّةِ العُلُومُ الكَسْبِيَّةُ، فَإنَّ بَعْضَها يَكُونُ مَبْنِيًّا عَلى البَعْضِ، والنَّتائِجُ الآخِرَةُ الَّتِي هي عِبارَةٌ عَنْ مَعْرِفَةِ ذاتِ اللَّهِ وصِفاتِهِ تَكُونُ في غايَةِ القُوَّةِ، بَلْ تَكُونُ في القُوَّةِ والشِّدَّةِ كالعُلُومِ الأصْلِيَّةِ البَدِيهِيَّةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ وذَلِكَ مَعْلُومٌ، ثُمَّ خَتَمَ الكَلامَ فَقالَ: ﴿وعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ المِيعادَ﴾، فَقَوْلُهُ: ﴿وعْدَ اللَّهِ﴾ مَصْدَرٌ مُؤَكَّدٌ، لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿لَهم غُرَفٌ﴾ في مَعْنى: وعَدَهُمُ اللَّهُ ذَلِكَ، وفي الآيَةِ دَقِيقَةٌ شَرِيفَةٌ، وهي أنَّهُ تَعالى في كَثِيرٍ مِن آياتِ الوَعْدِ صَرَّحَ بِأنَّ هَذا وعْدُ اللَّهِ، وأنَّهُ لا يُخْلِفُ وعْدَهُ، ولَمْ يَذْكُرْ في آياتِ الوَعِيدِ ألْبَتَّةَ مِثْلَ هَذا التَّأْكِيدِ والتَّقْوِيَةِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ جانِبَ الوَعْدِ أرْجَحُ مِن جانِبِ الوَعِيدِ بِخِلافِ ما يَقُولُهُ المُعْتَزِلَةُ، فَإنْ قالُوا: ألَيْسَ أنَّهُ قالَ في جانِبِ الوَعِيدِ: ﴿ما يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ وما أنا بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [ق: ٢٩] قُلْنا: قَوْلُهُ: ﴿ما يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ﴾ لَيْسَ تَصْرِيحًا بِجانِبِ الوَعِيدِ، بَلْ هو كَلامٌ عامٌّ يَتَناوَلُ القِسْمَيْنِ، أعْنِي الوَعْدَ والوَعِيدَ، فَثَبَتَ أنَّ التَّرْجِيحَ الَّذِي ذَكَرْناهُ حَقٌّ، واللَّهُ أعْلَمُ.
صفحة ٢٣٠
الزمر 39:21
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ في الأرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا ألْوانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطامًا إنَّ في ذَلِكَ لَذِكْرى لِأُولِي الألْبابِ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ الآخِرَةَ بِصِفاتٍ تُوجِبُ الرَّغْبَةَ العَظِيمَةَ لِأُولِي الألْبابِ فِيها - وصَفَ الدُّنْيا بِصِفَةٍ تُوجِبُ اشْتِدادَ النَّفْرَةِ عَنْها، وذَلِكَ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً، وهو المَطَرُ، وقِيلَ: كُلُّ ما كانَ في الأرْضِ فَهو مِنَ السَّماءِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى يُنْزِلُهُ إلى بَعْضِ المَواضِعِ، ثُمَّ يُقَسِّمُهُ فَيَسْلُكُهُ يَنابِيعَ في الأرْضِ، أيْ: فَيُدْخِلُهُ ويُنَظِّمُهُ يَنابِيعَ في الأرْضِ عُيُونًا، ومَسالِكَ ومَجارِيَ كالعُرُوقِ في الأجْسامِ، يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا ألْوانُهُ مِن خُضْرَةٍ وحُمْرَةٍ وصُفْرَةٍ وبَياضٍ وغَيْرِ ذَلِكَ، أوْ مُخْتَلِفًا أصْنافُهُ مِن بُرٍّ وشَعِيرٍ وسِمْسِمٍ، ثُمَّ يَهِيجُ، وذَلِكَ لِأنَّهُ إذا تَمَّ جَفافُهُ جازَ لَهُ أنْ يَنْفَصِلَ عَنْ مَنابِتِهِ، وإنْ لَمْ تَتَفَرَّقْ أجْزاؤُهُ، فَتِلْكَ الأجْزاءُ كَأنَّها هاجَتْ لِأنْ تَتَفَرَّقَ، ثُمَّ يَصِيرُ حُطامًا يابِسًا، ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَذِكْرى﴾ يَعْنِي أنَّ مَن شاهَدَ هَذِهِ الأحْوالَ في النَّباتِ عَلِمَ أنَّ أحْوالَ الحَيَوانِ والإنْسانِ كَذَلِكَ، وأنَّهُ وإنْ طالَ عُمُرُهُ فَلا بُدَّ لَهُ مِنَ الِانْتِهاءِ إلى أنْ يَصِيرَ مُصْفَرَّ اللَّوْنِ، مُنْحَطِمَ الأعْضاءِ والأجْزاءِ، ثُمَّ تَكُونُ عاقِبَتُهُ المَوْتَ.
فَإذا كانَتْ مُشاهَدَةُ هَذِهِ الأحْوالِ في النَّباتِ تُذَكِّرُهُ حُصُولَ مِثْلِ هَذِهِ الأحْوالِ في نَفْسِهِ وفي حَياتِهِ، فَحِينَئِذٍ تَعْظُمُ نَفْرَتُهُ في الدُّنْيا وطَيِّباتِها. والحاصِلُ أنَّهُ تَعالى في الآياتِ المُتَقَدِّمَةِ ذَكَرَ ما يُقَوِّي الرَّغْبَةَ في الآخِرَةِ، وذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ ما يُقَوِّي النَّفْرَةَ عَنِ الدُّنْيا، فَشَرْحُ صِفاتِ القِيامَةِ يُقَوِّي الرَّغْبَةَ في طاعَةِ اللَّهِ، وشَرْحُ صِفاتِ الدُّنْيا يُقَوِّي النَّفْرَةَ عَنِ الدُّنْيا، وإنَّما قَدَّمَ التَّرْغِيبَ في الآخِرَةِ عَلى التَّنْفِيرِ عَنِ الدُّنْيا؛ لِأنَّ التَّرْغِيبَ في الآخِرَةِ مَقْصُودٌ بِالذّاتِ، والتَّنْفِيرَ عَنِ الدُّنْيا مَقْصُودٌ بِالعَرَضِ، والمَقْصُودُ بِالذّاتِ مُقَدَّمٌ عَلى المَقْصُودِ بِالعَرَضِ، فَهَذا تَمامُ الكَلامِ في تَفْسِيرِ الآيَةِ، بَقِيَ هَهُنا ما يَتَعَلَّقُ بِالبَحْثِ عَنِ الألْفاظِ، قالَ الواحِدِيُّ: واليَنابِيعُ جَمْعُ يَنْبُوعٍ، وهو يَفْعُولٌ مِن نَبَعَ يَنْبُعُ، يُقالُ: نَبَعَ الماءُ يَنْبَعُ ويَنْبِعُ ويَنْبُعُ، ثَلاثُ لُغاتٍ ذَكَرَها الكِسائِيُّ والفَرّاءُ، وقَوْلُهُ: ﴿يَنابِيعَ﴾ نُصِبَ بِحَذْفِ الخافِضِ، لِأنَّ التَّقْدِيرَ: فَسَلَكَهُ في يَنابِيعَ ”ثُمَّ يَهِيجُ“ أيْ: يَخْضَرُّ، والحُطامُ: ما يَجِفُّ ويَتَفَتَّتُ ويُكْسَرُ مِنَ النَّبْتِ.
الزمر 39:22
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ فَهو عَلى نُورٍ مِن رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهم مِن ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ كِتابًا مُتَشابِهًا مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهم وقُلُوبُهم إلى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشاءُ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ ﴿أفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ وقِيلَ لِلظّالِمِينَ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأتاهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ ﴿فَأذاقَهُمُ اللَّهُ الخِزْيَ في الحَياةِ الدُّنْيا ولَعَذابُ الآخِرَةِ أكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ ﴿قُرْءانًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾، وفِيهِ مَسائِلُ:
* * *
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بالَغَ في تَقْرِيرِ البَياناتِ الدّالَّةِ عَلى وُجُوبِ الإقْبالِ عَلى طاعَةِ اللَّهِ تَعالى ووُجُوبِ الإعْراضِ عَنِ الدُّنْيا، بَيَّنَ بَعْدَ ذَلِكَ أنَّ الِانْتِفاعَ بِهَذِهِ البَياناتِ لا يَكْمُلُ إلّا إذا شَرَحَ اللَّهُ الصُّدُورَ، ونَوَّرَ القُلُوبَ، فَقالَ: ﴿أفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ فَهو عَلى نُورٍ مِن رَبِّهِ﴾ .
واعْلَمْ أنّا بالَغْنا في سُورَةِ الأنْعامِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ﴾ [الأنعام: ١٢٥] في تَفْسِيرِ شَرْحِ الصَّدْرِ، وفي تَفْسِيرِ الهِدايَةِ، ولا بَأْسَ بِإعادَةِ كَلامٍ قَلِيلٍ هَهُنا، فَنَقُولُ: إنَّهُ تَعالى خَلَقَ جَواهِرَ النُّفُوسِ مُخْتَلِفَةً بِالماهِيَّةِ، فَبَعْضُها خَيِّرَةٌ نُورانِيَّةٌ شَرِيفَةٌ مائِلَةٌ إلى الإلَهِيّاتِ عَظِيمَةُ الرَّغْبَةِ في الِاتِّصالِ بِالرُّوحانِيّاتِ، وبَعْضُها نَذْلَةٌ كَدِرَةٌ خَسِيسَةٌ مائِلَةٌ إلى الجُسْمانِيّاتِ، وفي هَذا التَّفاوُتِ أمْرٌ حاصِلٌ في جَواهِرِ النُّفُوسِ البَشَرِيَّةِ، والِاسْتِقْراءُ يَدُلُّ عَلى أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: المُرادُ بِشَرْحِ الصَّدْرِ هو ذَلِكَ الِاسْتِعْدادُ الشَّدِيدُ المَوْجُودُ في فِطْرَةِ النَّفْسِ، وإذا كانَ ذَلِكَ الِاسْتِعْدادُ الشَّدِيدُ حاصِلًا كَفى خُرُوجُ تِلْكَ الحالَةِ مِنَ القُوَّةِ إلى الفِعْلِ بِأدْنى سَبَبٍ، مِثْلَ الكِبْرِيتِ الَّذِي يَشْتَعِلُ بِأدْنى نارٍ، أمّا إذا كانَتِ النَّفْسُ بَعِيدَةً عَنْ قَبُولِ هَذِهِ الجَلايا القُدْسِيَّةِ والأحْوالِ الرُّوحانِيَّةِ، بَلْ كانَتْ مُسْتَغْرِقَةً في طَلَبِ الجُسْمانِيّاتِ قَلِيلَةَ التَّأثُّرِ عَنِ الأحْوالِ المُناسِبَةِ لِلْإلَهِيّاتِ، فَكانَتْ قاسِيَةً كَدِرَةً ظَلْمانِيَّةً، وكُلَّما كانَ إيرادُ الدَّلائِلِ اليَقِينِيَّةِ والبَراهِينِ الباهِرَةِ عَلَيْها أكْثَرَ، كانَتْ قَسْوَتُها وظُلْمَتُها أقَلَّ.
إذا عَرَفْتَ هَذِهِ القاعِدَةَ فَنَقُولُ: أمّا شَرْحُ الصَّدْرِ فَهو ما ذَكَرْناهُ، وأمّا النُّورُ فَهو عِبارَةٌ عَنِ الهِدايَةِ والمَعْرِفَةِ، وما لَمْ يَحْصُلْ شَرْحُ الصَّدْرِ أوَّلًا لَمْ يَحْصُلِ النُّورُ ثانِيًا، وإذا كانَ الحاصِلُ هو القُوَّةَ النَّفْسانِيَّةَ لَمْ يَحْصُلِ الِانْتِفاعُ البَتَّةَ بِسَماعِ الدَّلائِلِ، ورُبَّما صارَ سَماعُ الدَّلائِلِ سَبَبًا لِزِيادَةِ القَسْوَةِ ولِشِدَّةِ النَّفْرَةِ، فَهَذِهِ أُصُولٌ يَقِينِيَّةٌ يَجِبُ أنْ تَكُونَ مَعْلُومَةً عِنْدَ الإنْسانِ حَتّى يُمْكِنَهُ الوُقُوفُ عَلى مَعانِي هَذِهِ الآياتِ، أمّا اسْتِدْلالُ أصْحابِنا في مَسْألَةِ الجَبْرِ والقَدَرِ، وكَلامُ الخُصُومِ عَلَيْهِ فَقَدْ تَقَدَّمَ هُناكَ، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: مِن مَحْذُوفِ الخَبَرِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿أمْ مَن هو قانِتٌ﴾، والتَّقْدِيرُ: أفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ فاهْتَدى كَمَن طُبِعَ عَلى قَلْبِهِ فَلَمْ يَهْتَدِ لِقَسْوَتِهِ، والجَوابُ مَتْرُوكٌ، لِأنَّ الكَلامَ المَذْكُورَ دَلَّ عَلَيْهِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهم مِن ذِكْرِ اللَّهِ﴾ .
صفحة ٢٣٢
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ ﴿فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهم مِن ذِكْرِ اللَّهِ﴾ فِيهِ سُؤالٌ، وهو أنَّ ذِكْرَ اللَّهِ سَبَبٌ لِحُصُولِ النُّورِ والهِدايَةِ وزِيادَةِ الِاطْمِئْنانِ، كَما قالَ: ﴿ألا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨] فَكَيْفَ جَعَلَهُ في هَذِهِ الآيَةِ سَبَبًا لِحُصُولِ قَسْوَةِ القَلْبِ، والجَوابُ أنْ نَقُولَ: إنَّ النَّفْسَ إذا كانَتْ خَبِيثَةَ الجَوْهَرِ، كَدِرَةَ العُنْصُرِ، بَعِيدَةً عَنْ مُناسَبَةِ الرُّوحانِيّاتِ، شَدِيدَةَ المَيْلِ إلى الطَّبائِعِ البَهِيمِيَّةِ، والأخْلاقِ الذَّمِيمَةِ، فَإنَّ سَماعَها لِذِكْرِ اللَّهِ يَزِيدُها قَسْوَةً وكُدُورَةً، وتَقْرِيرُ هَذا الكَلامِ بِالأمْثِلَةِ، فَإنَّ الفاعِلَ الواحِدَ تَخْتَلِفُ أفْعالُهُ بِحَسَبِ اخْتِلافِ القَوابِلِ؛ كَنُورِ الشَّمْسِ يُسَوِّدُ وجْهَ القَصّارِ ويُبَيِّضُ ثَوْبَهُ، وحَرارَةِ الشَّمْسِ تُلِينُ الشَّمْعَ وتُعَقِّدُ المِلْحَ، وقَدْ نَرى إنْسانًا واحِدًا يَذْكُرُ كَلامًا واحِدًا في مَجْلِسٍ واحِدٍ، فَيَسْتَطِيبُهُ واحِدٌ ويَسْتَكْرِهُهُ غَيْرُهُ، وما ذاكَ إلّا ما ذَكَرْناهُ مِنِ اخْتِلافِ جَواهِرِ النُّفُوسِ، ومِنِ اخْتِلافِ أحْوالِ تِلْكَ النُّفُوسِ، «ولَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٢] وكانَ قَدْ حَضَرَ هُناكَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ وإنْسانٌ آخَرُ، فَلَمّا انْتَهى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ أنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ [المؤمنون: ١٤] قالَ كُلٌّ واحِدٌ مِنهم: ﴿فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤] فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: اكْتُبْ، فَهَكَذا أُنْزِلَتْ فازْدادَ عُمَرُ إيمانًا عَلى إيمانٍ، وازْدادَ ذَلِكَ الإنْسانُ كُفْرًا عَلى كُفْرٍ»، إذا عَرَفْتَ هَذا لَمْ يَبْعُدْ أيْضًا أنْ يَكُونَ ذِكْرُ اللَّهِ يُوجِبُ النُّورَ والهِدايَةَ والِاطْمِئْنانَ في النُّفُوسِ الطّاهِرَةِ الرُّوحانِيَّةِ، ويُوجِبُ القَسْوَةَ والبُعْدَ عَنِ الحَقِّ في النُّفُوسِ الخَبِيثَةِ الشَّيْطانِيَّةِ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّ رَأسَ الأدْوِيَةِ الَّتِي تُفِيدُ الصِّحَّةَ الرُّوحانِيَّةَ، ورَئِيسُها هو ذِكْرُ اللَّهِ تَعالى، فَإذا اتَّفَقَ لِبَعْضِ النُّفُوسِ أنْ صارَ ذِكْرُ اللَّهِ تَعالى سَبَبًا لِازْدِيادِ مَرَضِها، كانَ مَرَضُ تِلْكَ النَّفْسِ مَرَضًا لا يُرْجى زَوالُهُ، ولا يُتَوَقَّعُ عِلاجُهُ، وكانَتْ في نِهايَةِ الشَّرِّ والرَّداءَةِ، فَلِهَذا المَعْنى قالَ تَعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهم مِن ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ وهَذا كَلامٌ كامِلٌ مُحَقَّقٌ.
ولَمّا بَيَّنَ تَعالى ذَلِكَ أرْدَفَهُ بِما يَدُلُّ عَلى أنَّ القُرْآنَ سَبَبٌ لِحُصُولِ النُّورِ والشِّفاءِ والهِدايَةِ وزِيادَةِ الِاطْمِئْنانِ، والمَقْصُودُ مِنهُ بَيانُ أنَّ القُرْآنَ لَمّا كانَ مَوْصُوفًا بِهَذِهِ الصِّفاتِ، ثُمَّ إنَّهُ في حَقِّ ذَلِكَ الإنْسانِ صارَ سَبَبًا لِمَزِيدِ القَسْوَةِ، دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ جَوْهَرَ تِلْكَ النَّفْسِ قَدْ بَلَغَ في الرَّداءَةِ والخَساسَةِ إلى أقْصى الغاياتِ، فَنَقُولُ: إنَّهُ تَعالى وصَفَ القُرْآنَ بِأنْواعٍ مِن صِفاتِ الكَمالِ.
الصِّفَةُ الأُولى: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ﴾، وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: القائِلُونَ بِحُدُوثِ القُرْآنِ احْتَجُّوا بِهَذِهِ الآيَةِ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى وصَفَهُ بِكَوْنِهِ حَدِيثًا في هَذِهِ الآياتِ، وفي آياتٍ أُخْرى، مِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ﴾ [الطور: ٣٤]، ومِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَبِهَذا الحَدِيثِ أنْتُمْ مُدْهِنُونَ﴾ [الواقعة: ٨١] والحَدِيثُ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ حادِثًا، قالُوا: بَلِ الحَدِيثُ أقْوى في الدَّلالَةِ عَلى الحُدُوثِ مِنَ الحادِثِ، لِأنَّهُ يَصِحُّ أنْ يُقالَ: هَذا حَدِيثٌ، ولَيْسَ بِعَتِيقٍ، وهَذا عَتِيقٌ ولَيْسَ بِحادِثٍ، فَثَبَتَ أنَّ الحَدِيثَ هو الَّذِي يَكُونُ قَرِيبَ العَهْدِ بِالحَدِيثِ، وسُمِّيَ الحَدِيثُ حَدِيثًا؛ لِأنَّهُ مُؤَلَّفٌ مِنَ الحُرُوفِ والكَلِماتِ، وتِلْكَ الحُرُوفُ والكَلِماتُ تَحْدُثُ حالًا فَحالًا وساعَةً فَساعَةً، فَهَذا تَمامُ تَقْرِيرِ هَذا الوَجْهِ.
أمّا الوَجْهُ الثّانِي: في بَيانِ اسْتِدْلالِ القَوْمِ أنْ قالُوا: إنَّهُ تَعالى وصَفَهُ بِأنَّهُ نَزَّلَهُ، والمُنَزَّلُ يَكُونُ في مَحَلِّ تَصَرُّفِ الغَيْرِ، وما يَكُونُ كَذَلِكَ فَهو مُحْدَثٌ وحادِثٌ.
وأمّا الوَجْهُ الثّالِثُ: في بَيانِ اسْتِدْلالِ القَوْمِ أنْ قالُوا: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿أحْسَنَ الحَدِيثِ﴾ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ هو مِن جِنْسِ سائِرِ الأحادِيثِ كَما أنَّ قَوْلَهُ: زَيْدٌ أفْضَلُ الإخْوَةِ - يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ زَيْدٌ مُشارِكًا لِأُولَئِكَ الأقْوامِ في صِفَةِ
صفحة ٢٣٣
الأُخُوَّةِ، ويَكُونَ مِن جِنْسِهِمْ، فَثَبَتَ أنَّ القُرْآنَ مِن جِنْسِ سائِرِ الأحادِيثِ، ولَمّا كانَ سائِرُ الأحادِيثِ حادِثَةً وجَبَ أيْضًا أنْ يَكُونَ القُرْآنُ حادِثًا.
أمّا الوَجْهُ الرّابِعُ: في الِاسْتِدْلالِ أنْ قالُوا: إنَّهُ تَعالى وصَفَهُ بِكَوْنِهِ كِتابًا، والكِتابُ مُشْتَقٌّ مِنَ الكُتْبَةِ، وهي الِاجْتِماعُ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ مَجْمُوعٌ جامِعٌ، ومَحَلُ تَصَرُّفِ مُتَصَرِّفٍ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ مُحْدَثًا، والجَوابُ: أنْ نَقُولَ: نَحْمِلُ هَذا الدَّلِيلَ عَلى الكَلامِ المُؤَلَّفِ مِنَ الحُرُوفِ والأصْواتِ والألْفاظِ والعِباراتِ، وذَلِكَ الكَلامُ عِنْدَنا مُحْدَثٌ مَخْلُوقٌ، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: كَوْنُ القُرْآنِ أحْسَنَ الحَدِيثِ، إمّا أنْ يَكُونَ أحْسَنَ الحَدِيثِ بِحَسَبِ لَفْظِهِ أوْ بِحَسَبِ مَعْناهُ.
القِسْمُ الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ أحْسَنَ الحَدِيثِ بِحَسَبِ لَفْظِهِ، وذَلِكَ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الحُسْنُ لِأجْلِ الفَصاحَةِ والجَزالَةِ.
الثّانِي: أنْ يَكُونَ بِحَسَبِ النَّظْمِ في الأُسْلُوبِ، وذَلِكَ لِأنَّ القُرْآنَ لَيْسَ مِن جِنْسِ الشِّعْرِ، ولا مِن جِنْسِ الخُطَبِ، ولا مِن جِنْسِ الرَّسائِلِ، بَلْ هو نَوْعٌ يُخالِفُ الكُلَّ، مَعَ أنَّ كُلَّ ذِي طَبْعٍ سَلِيمٍ يَسْتَطِيبُهُ ويَسْتَلِذُّهُ.
القِسْمُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ كَوْنُهُ أحْسَنَ الحَدِيثِ لِأجْلِ المَعْنى، وفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّهُ كِتابٌ مُنَزَّهٌ عَنِ التَّناقُضِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ كانَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢] ومِثْلُ هَذا الكِتابِ إذا خَلا عَنِ التَّناقُضِ كانَ ذَلِكَ مِنَ المُعْجِزاتِ.
الوَجْهُ الثّانِي: اشْتِمالُهُ عَلى الغُيُوبِ الكَثِيرَةِ في الماضِي والمُسْتَقْبَلِ.
الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّ العُلُومَ المَوْجُودَةَ فِيهِ كَثِيرَةٌ جِدًّا.
وضَبْطُ هَذِهِ العُلُومِ أنْ نَقُولَ: العُلُومُ النّافِعَةُ هي ما ذَكَرَهُ اللَّهُ في كِتابِهِ في قَوْلِهِ: ﴿والمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥]، ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِن رُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥]، ﴿وقالُوا سَمِعْنا وأطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وإلَيْكَ المَصِيرُ﴾ [البقرة: ٢٨٥]، فَهَذا أحْسَنُ ضَبْطٍ يُمْكِنُ ذِكْرُهُ لِلْعُلُومِ النّافِعَةِ.
أمّا القِسْمُ الأوَّلُ: وهو الإيمانُ بِاللَّهِ، فاعْلَمْ أنَّهُ يَشْتَمِلُ عَلى خَمْسَةِ أقْسامٍ: مَعْرِفَةُ الذّاتِ والصِّفاتِ والأفْعالِ والأحْكامِ والأسْماءِ، أمّا مَعْرِفَةُ الذّاتِ فَهي أنْ يَعْلَمَ وُجُودَ اللَّهِ وقِدَمَهُ وبَقاءَهُ، وأمّا مَعْرِفَةُ الصِّفاتِ فَهي نَوْعانِ:
أحَدُهُما: ما يَجِبُ تَنْزِيهُهُ عَنْهُ، وهو كَوْنُهُ جَوْهَرًا ومُرَكَّبًا مِنَ الأعْضاءِ والأجْزاءِ، وكَوْنُهُ مُخْتَصًّا بِحَيِّزٍ وجِهَةٍ، ويَجِبُ أنْ يُعْلَمَ أنَّ الألْفاظَ الدّالَّةَ عَلى التَّنْزِيهِ أرْبَعَةٌ: لَيْسَ ولَمْ وما ولا، وهَذِهِ الأرْبَعَةُ المَذْكُورَةُ مَذْكُورَةٌ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى لِبَيانِ التَّنْزِيهِ.
أمّا كَلِمَةُ ”لَيْسَ“، فَقَوْلُهُ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] وأمّا كَلِمَةُ ”لَمْ“، فَقَوْلُهُ: ﴿لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ﴾ ﴿ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٣ - ٤]، وأمّا كَلِمَةُ ”ما“، فَقَوْلُهُ: ﴿وما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤]، ﴿ما كانَ لِلَّهِ أنْ يَتَّخِذَ مِن ولَدٍ﴾ [مريم: ٣٥]، وأمّا كَلِمَةُ ”لا“، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ ولا نَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، ﴿وهُوَ يُطْعِمُ ولا يُطْعَمُ﴾ [الأنعام: ١٤]، ﴿وهُوَ يُجِيرُ ولا يُجارُ عَلَيْهِ﴾ [المؤمنون: ٨٨]، وقَوْلُهُ في سَبْعَةٍ وثَلاثِينَ مَوْضِعًا مِنَ القُرْآنِ: ﴿لا إلَهَ إلّا اللَّهُ﴾ [الصافات: ٣٥] .
صفحة ٢٣٤
وأمّا النَّوْعُ الثّانِي: وهي الصِّفاتُ الَّتِي يَجِبُ كَوْنُهُ مَوْصُوفًا بِها مِنَ القُرْآنِ، فَأُولاها العِلْمُ بِاللَّهِ، والعِلْمُ بِكَوْنِهِ مُحْدِثًا خالِقًا، قالَ تَعالى: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ [الأنعام: ١] .
وثانِيَتُها: العِلْمُ بِكَوْنِهِ قادِرًا، قالَ تَعالى في أوَّلِ سُورَةِ القِيامَةِ: ﴿بَلى قادِرِينَ عَلى أنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ﴾ [القيامة: ٤]، وقالَ في آخِرِ هَذِهِ السُّورَةِ: ﴿ألَيْسَ ذَلِكَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾ [القيامة: ٤٠] .
وثالِثَتُها: العِلْمُ بِكَوْنِهِ تَعالى عالِمًا، قالَ تَعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾ [الحشر: ٢٢] .
ورابِعَتُها: العِلْمُ بِكَوْنِهِ عالِمًا بِكُلِّ المَعْلُوماتِ، قالَ تَعالى: ﴿وعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ لا يَعْلَمُها إلّا هُوَ﴾ [الأنعام: ٥٩] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى﴾ [الرعد: ٨] .
والخامِسَةُ: العِلْمُ بِكَوْنِهِ حَيًّا، قالَ تَعالى: ﴿هُوَ الحَيُّ لا إلَهَ إلّا هو فادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [غافر: ٦٥] .
والسّادِسَةُ: العِلْمُ بِكَوْنِهِ مُرِيدًا، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ﴾ [الأنعام: ١٢٥] .
والسّابِعَةُ: كَوْنُهُ سَمِيعًا بَصِيرًا، قالَ تَعالى: ﴿وهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] وقالَ تَعالى: ﴿إنَّنِي مَعَكُما أسْمَعُ وأرى﴾ [طه: ٤٦] .
والثّامِنَةُ: كَوْنُهُ مُتَكَلِّمًا، قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ أنَّ ما في الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ أقْلامٌ والبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ﴾ [لقمان: ٢٧] .
والتّاسِعَةُ: كَوْنُهُ آمِرًا، قالَ تَعالى: ﴿لِلَّهِ الأمْرُ مِن قَبْلُ ومِن بَعْدُ﴾ [الروم: ٤] .
والعاشِرَةُ: كَوْنُهُ رَحْمانًا رَحِيمًا مالِكًا، قالَ تَعالى: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [ الفاتِحَةِ: ٣ – ٤ ] فَهَذا ما يَتَعَلَّقُ بِمَعْرِفَةِ الصِّفاتِ الَّتِي يَجِبُ اتِّصافُهُ بِها.
وأمّا القِسْمُ الثّالِثُ: وهو الأفْعالُ، فاعْلَمْ أنَّ الأفْعالَ إمّا أرْواحٌ وإمّا أجْسامٌ، أمّا الأرْواحُ فَلا سَبِيلَ لِلْوُقُوفِ عَلَيْها إلّا لِلْقَلِيلِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إلّا هُوَ﴾ [المدثر: ٣١] وأمّا الأجْسامُ، فَهي إمّا العالَمُ الأعْلى وإمّا العالَمُ الأسْفَلُ، أمّا العالَمُ الأعْلى فالبَحْثُ فِيهِ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: البَحْثُ عَنْ أحْوالِ السَّماواتِ.
وثانِيها: البَحْثُ عَنْ أحْوالِ الشَّمْسِ والقَمَرِ كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا والشَّمْسَ والقَمَرَ والنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأمْرِهِ﴾ [الأعراف: ٥٤] .
وثالِثُها: البَحْثُ عَنْ أحْوالِ الأضْواءِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [النور: ٣٥]، وقالَ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً والقَمَرَ نُورًا﴾ [يونس: ٥] .
ورابِعُها: البَحْثُ عَنْ أحْوالِ الظِّلالِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ ولَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِنًا﴾ [الفرقان: ٤٥] .
وخامِسُها: اخْتِلافُ اللَّيْلِ والنَّهارِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلى النَّهارِ ويُكَوِّرُ النَّهارَ عَلى اللَّيْلِ﴾ .
وسادِسُها: مَنافِعُ الكَواكِبِ، قالَ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها في ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ﴾ [الأنعام: ٩٧] .
وسابِعُها: صِفاتُ الجَنَّةِ، قالَ تَعالى: ﴿وجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ والأرْضِ﴾ [الحديد: ٢١] .
وثامِنُها: صِفاتُ النّارِ، قالَ تَعالى: ﴿لَها سَبْعَةُ أبْوابٍ لِكُلِّ بابٍ مِنهم جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ [الحجر: ٤٤] .
وتاسِعُها: صِفَةُ العَرْشِ، قالَ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ ومَن حَوْلَهُ﴾ [غافر: ٧] .
وعاشِرُها: صِفَةُ الكُرْسِيِّ، قالَ تَعالى: ﴿وسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ [البقرة: ٢٥٥] .
وحادِيَ عَشَرَها: صِفَةُ اللَّوْحِ والقَلَمِ، أمّا اللَّوْحُ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ هو قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ ﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج: ٢٢]، وأمّا القَلَمُ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ن والقَلَمِ وما يَسْطُرُونَ﴾ [القلم: ٢] .
* * *
وأمّا شَرْحُ أحْوالِ العالَمِ الأسْفَلِ فَأوَّلُها: الأرْضُ، وقَدْ وصَفَها بِصِفاتٍ كَثِيرَةٍ:
إحْداها: كَوْنُهُ مَهْدًا، قالَ تَعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا﴾ [طه: ٥٣] .
وثانِيَتُها: كَوْنُهُ مِهادًا، قالَ تَعالى: ﴿ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ مِهادًا﴾
صفحة ٢٣٥
[النبأ: ٦] .
وثالِثَتُها: كَوْنُهُ كِفاتًا، قالَ تَعالى: ﴿كِفاتًا﴾ ﴿أحْياءً وأمْواتًا﴾ [المرسلات: ٢٥] .
ورابِعَتُها: الذَّلُولُ، قالَ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ ذَلُولًا﴾ [الملك: ١٥] .
والخامِسَةُ: كَوْنُهُ بِساطًا، قالَ تَعالى: ﴿واللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ بِساطًا﴾ ﴿لِتَسْلُكُوا مِنها سُبُلًا فِجاجًا﴾ [نوح: ٢٠]، والكَلامُ فِيهِ طَوِيلٌ.
وثانِيها: البَحْرُ، قالَ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي سَخَّرَ البَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنهُ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ [النحل: ١٤] .
وثالِثُها: الهَواءُ والرِّياحُ، قالَ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ [الأعراف: ٥٧]، وقالَ تَعالى: ﴿وأرْسَلْنا الرِّياحَ لَواقِحَ﴾ [الحجر: ٢٢] .
ورابِعُها: الآثارُ العُلْوِيَّةُ كالرَّعْدِ والبَرْقِ، قالَ تَعالى: ﴿ويُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ والمَلائِكَةُ مِن خِيفَتِهِ﴾ [الرعد: ١٣]، وقالَ تَعالى: ﴿فَتَرى الوَدْقَ يَخْرُجُ مِن خِلالِهِ﴾ [الرعد: ٤٣]، ومِن هَذا البابِ ذِكْرُ الصَّواعِقِ والأمْطارِ وتَراكُمِ السَّحابِ.
وخامِسُها: أحْوالُ الأشْجارِ والثِّمارِ وأنْواعِها وأصْنافِها.
وسادِسُها: أحْوالُ الحَيَواناتِ، قالَ تَعالى: ﴿وبَثَّ فِيها مِن كُلِّ دابَّةٍ﴾ [البقرة: ١٦٤]، وقالَ: ﴿والأنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ﴾ [النحل: ٥] .
وسابِعُها: عَجائِبُ تَكْوِينِ الإنْسانِ في أوَّلِ الخِلْقَةِ، قالَ: ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٢] .
وثامِنُها: العَجائِبُ في سَمْعِهِ وبَصَرِهِ ولِسانِهِ وعَقْلِهِ وفَهْمِهِ.
وتاسِعُها: تَوارِيخُ الأنْبِياءِ والمُلُوكِ وأحْوالُ النّاسِ مِن أوَّلِ خَلْقِ العالَمِ إلى آخِرِ قِيامِ القِيامَةِ.
وعاشِرُها: ذِكْرُ أحْوالِ النّاسِ عِنْدَ المَوْتِ وبَعْدَ المَوْتِ، وكَيْفِيَّةُ البَعْثِ والقِيامَةِ، وشَرْحُ أحْوالِ السُّعَداءِ والأشْقِياءِ، فَقَدْ أشَرْنا إلى عَشَرَةِ أنْواعٍ مِنَ العُلُومِ في عالَمِ السَّماواتِ، وإلى عَشَرَةٍ أُخْرى في عالَمِ العَناصِرِ، والقُرْآنُ مُشْتَمِلٌ عَلى شَرْحِ هَذِهِ الأنْواعِ مِنَ العُلُومِ العالِيَةِ الرَّفِيعَةِ.
وأمّا القِسْمُ الرّابِعُ: وهو شَرْحُ أحْكامِ اللَّهِ تَعالى وتَكالِيفِهِ، فَنَقُولُ: هَذِهِ التَّكالِيفُ إمّا أنْ تَحْصُلَ في أعْمالِ القُلُوبِ أوْ في أعْمالِ الجَوارِحِ.
أمّا القِسْمُ الأوَّلُ: فَهو المُسَمّى بِعِلْمِ الأخْلاقِ، وبَيانِ تَمْيِيزِ الأخْلاقِ الفاضِلَةِ والأخْلاقِ الفاسِدَةِ، والقُرْآنُ يَشْتَمِلُ عَلى كُلِّ ما لا بُدَّ مِنهُ في هَذا البابِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ والإحْسانِ وإيتاءِ ذِي القُرْبى ويَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ والبَغْيِ﴾ [النحل: ٩٠]، وقالَ: ﴿خُذِ العَفْوَ وأْمُرْ بِالعُرْفِ وأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩] .
وأمّا الثّانِي: فَهو التَّكالِيفُ الحاصِلَةُ في أعْمالِ الجَوارِحِ، وهو المُسَمّى بِعِلْمِ الفِقْهِ، والقُرْآنُ مُشْتَمِلٌ عَلى جُمْلَةِ أُصُولِ هَذا العِلْمِ عَلى أكْمَلِ الوُجُوهِ.
وأمّا القِسْمُ الخامِسُ: وهو مَعْرِفَةُ أسْماءِ اللَّهِ تَعالى فَهو مَذْكُورٌ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولِلَّهِ الأسْماءُ الحُسْنى فادْعُوهُ بِها﴾ [الأعراف: ١٨٠] فَهَذا كُلُّهُ يَتَعَلَّقُ بِمَعْرِفَةِ اللَّهِ.
وأمّا القِسْمُ الثّانِي: مِنَ الأُصُولِ المُعْتَبَرَةِ في الإيمانِ: الإقْرارُ بِالمَلائِكَةِ كَما قالَ تَعالى: ﴿والمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥]، والقُرْآنُ يَشْتَمِلُ عَلى شَرْحِ صِفاتِهِمْ؛ تارَةً عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ، وأُخْرى عَلى طَرِيقِ التَّفْصِيلِ، أمّا بِالإجْمالِ فَقَوْلُهُ: ﴿ومَلائِكَتِهِ﴾ وأمّا بِالتَّفْصِيلِ فَمِنها ما يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِمْ رُسُلَ اللَّهِ، قالَ تَعالى: ﴿جاعِلِ المَلائِكَةِ رُسُلًا﴾ [فاطر: ١]، ومِنها أنَّها مُدَبِّراتٌ لِهَذا العالَمِ، قالَ تَعالى: ﴿فالمُقَسِّماتِ أمْرًا﴾، ﴿فالمُدَبِّراتِ أمْرًا﴾ [النازعات: ٥]، وقالَ تَعالى: ﴿والصّافّاتِ صَفًّا﴾ [الصافات: ١] ومِنها حَمَلَةُ العَرْشِ، قالَ: ﴿ويَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهم يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٧]، ومِنها الحافُّونَ حَوْلَ العَرْشِ قالَ: ﴿وتَرى المَلائِكَةَ حافِّينَ مِن حَوْلِ العَرْشِ﴾
صفحة ٢٣٦
[الزمر: ٧٥]، ومِنها خَزَنَةُ النّارِ، قالَ تَعالى: ﴿عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ﴾ [التحريم: ٦]، ومِنها الكِرامُ الكاتِبُونَ قالَ: ﴿وإنَّ عَلَيْكم لَحافِظِينَ﴾ ﴿كِرامًا كاتِبِينَ﴾ [الانفطار: ١٠] ومِنها المُعَقِّباتُ، قالَ تَعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّباتٌ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ﴾ [الرعد: ١١] وقَدْ يَتَّصِلُ بِأحْوالِ المَلائِكَةِ أحْوالُ الجِنِّ والشَّياطِينِ.
وأمّا القِسْمُ الثّالِثُ: مِنَ الأُصُولِ المُعْتَبَرَةِ في الإيمانِ مَعْرِفَةُ الكُتُبِ، والقُرْآنُ يَشْتَمِلُ عَلى شَرْحِ أحْوالِ كِتابِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، قالَ تَعالى: ﴿فَتَلَقّى آدَمُ مِن رَبِّهِ كَلِماتٍ﴾ [البقرة: ٣٧] ومِنها أحْوالُ صُحُفِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، قالَ تَعالى: ﴿وإذِ ابْتَلى إبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة: ١٢٤]، ومِنها أحْوالُ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ والزَّبُورِ.
وأمّا القِسْمُ الرّابِعُ: مِنَ الأُصُولِ المُعْتَبَرَةِ في الإيمانِ مَعْرِفَةُ الرُّسُلِ، واللَّهُ تَعالى قَدْ شَرَحَ أحْوالَ البَعْضِ، وأبْهَمَ أحْوالَ الباقِينَ، قالَ: ﴿مِنهم مَن قَصَصْنا عَلَيْكَ ومِنهم مَن لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ [غافر: ٧٨] .
القِسْمُ الخامِسُ: ما يَتَعَلَّقُ بِأحْوالِ المُكَلَّفِينَ، وهي عَلى نَوْعَيْنِ:
الأوَّلُ: أنْ يُقِرُّوا بِوُجُوبِ هَذِهِ التَّكالِيفِ عَلَيْهِمْ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وقالُوا سَمِعْنا وأطَعْنا﴾ [البقرة: ٢٨٥] .
الثّانِي: أنْ يَعْتَرِفُوا بِصُدُورِ التَّقْصِيرِ عَنْهم في تِلْكَ الأعْمالِ، ثُمَّ طَلَبُوا المَغْفِرَةَ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿غُفْرانَكَ رَبَّنا﴾ [البقرة: ٢٨٥]، ثُمَّ لَمّا كانَتْ مَقادِيرُ رُؤْيَةِ التَّقْصِيرِ في مَواقِفِ العُبُودِيَّةِ بِحَسَبِ المُكاشَفاتِ في مُطالَعَةِ عِزَّةِ الرُّبُوبِيَّةِ أكْثَرَ، كانَتِ المُكاشَفاتُ في تَقْصِيرِ العُبُودِيَّةِ أكْثَرَ، وكانَ قَوْلُهُ: ﴿غُفْرانَكَ رَبَّنا﴾ أكْثَرَ.
القِسْمُ السّادِسُ: مَعْرِفَةُ المَعادِ والبَعْثِ والقِيامَةِ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وإلَيْكَ المَصِيرُ﴾ [البقرة: ٢٨٥]، وهَذا هو الإشارَةُ إلى مَعْرِفَةِ المَطالِبِ المُهِمَّةِ في طَلَبِ الدِّينِ، والقُرْآنُ بَحْرٌ لا نِهايَةَ لَهُ في تَقْرِيرِ هَذِهِ المَطالِبِ، وتَعْرِيفِها وشَرْحِها، ولا تَرى في مَشارِقِ الأرْضِ ومَغارِبِها كِتابًا يَشْتَمِلُ عَلى جُمْلَةِ هَذِهِ العُلُومِ كَما يَشْتَمِلُ القُرْآنُ عَلَيْها، ومَن تَأمَّلَ في هَذا التَّفْسِيرِ عَلِمَ أنّا لَمْ نَذْكُرْ مِن بِحارِ فَضائِلِ القُرْآنِ إلّا قَطْرَةً، ولَمّا كانَ الأمْرُ عَلى هَذِهِ الجُمْلَةِ، لا جَرَمَ مَدَحَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ القُرْآنَ، فَقالَ تَعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ﴾، واللَّهُ أعْلَمُ.
الصِّفَةُ الثّانِيَةُ مِن صِفاتِ القُرْآنِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كِتابًا مُتَشابِهًا﴾، أمّا الكِتابُ فَقَدْ فَسَّرْناهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَلِكَ الكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢]، وأمّا كَوْنُهُ مُتَشابِهًا فاعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ القُرْآنَ كُلَّهُ مُتَشابِهٌ، وقَوْلُهُ: ﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتابَ مِنهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتابِ وأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ﴾ [آل عمران: ٧] يَدُلُّ عَلى كَوْنِ البَعْضِ مُتَشابِهًا دُونَ البَعْضِ.
وأمّا كَوْنُهُ كُلِّهِ مُتَشابِهًا كَما في هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَعْناهُ أنَّهُ يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا، وأقُولُ: هَذا التَّشابُهُ يَحْصُلُ في أُمُورٍ:
أحَدُها: أنَّ الكاتِبَ البَلِيغَ إذا كَتَبَ كِتابًا طَوِيلًا، فَإنَّهُ يَكُونُ بَعْضُ كَلِماتِهِ فَصِيحًا، ويَكُونُ البَعْضُ غَيْرَ فَصِيحٍ، والقُرْآنُ يُخالِفُ ذَلِكَ، فَإنَّهُ فَصِيحٌ كامِلُ الفَصاحَةِ بِجَمِيعِ أجْزائِهِ.
وثانِيها: أنَّ الفَصِيحَ إذا كَتَبَ كِتابًا في واقِعَةٍ بِألْفاظٍ فَصَيْحَةٍ، فَلَوْ كَتَبَ كِتابًا آخَرَ في غَيْرِ تِلْكَ الواقِعَةِ كانَ الغالِبُ أنَّ كَلامَهُ في الكِتابِ الثّانِي غَيْرُ كَلامِهِ في الكِتابِ الأوَّلِ، واللَّهُ تَعالى حَكى قِصَّةَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ مِنَ القُرْآنِ، وكُلُّها مُتَساوِيَةٌ مُتَشابِهَةٌ في الفَصاحَةِ.
وثالِثُها: أنَّ كُلَّ ما فِيهِ مِنَ الآياتِ والبَياناتِ فَإنَّهُ يُقَوِّي بَعْضُها بَعْضًا، ويُؤَكِّدُ بَعْضُها بَعْضًا.
ورابِعُها: أنَّ هَذِهِ الأنْواعَ الكَثِيرَةَ مِنَ العُلُومِ الَّتِي عَدَدْناها مُتَشابِهَةً مُتَشارِكَةٌ في أنَّ المَقْصُودَ مِنها بِأسْرِها الدَّعْوَةُ إلى الدِّينِ وتَقْرِيرُ عَظَمَةِ اللَّهِ، ولِذَلِكَ فَإنَّكَ لا تَرى قِصَّةً مِنَ القِصَصِ إلّا ويَكُونُ مُحَصِّلُها المَقْصُودَ الَّذِي ذَكَرْناهُ، فَهَذا هو المُرادُ مِن كَوْنِهِ مُتَشابِهًا، واللَّهُ الهادِي.
صفحة ٢٣٧
الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: مِن صِفاتِ القُرْآنِ كَوْنُهُ ”مَثانِيَ“، وقَدْ بالَغْنا في تَفْسِيرِ هَذِهِ اللَّفْظَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ المَثانِي﴾ [الحجر: ٨٧]، وبِالجُمْلَةِ فَأكْثَرُ الأشْياءِ المَذْكُورَةِ وقَعَتْ زَوْجَيْنِ زَوْجَيْنِ، مِثْلَ: الأمْرِ والنَّهْيِ، والعامِّ والخاصِّ، والمُجْمَلِ والمُفَصَّلِ، وأحْوالِ السَّماواتِ والأرْضِ، والجَنَّةِ والنّارِ، والظُّلْمَةِ والضَّوْءِ، واللَّوْحِ والقَلَمِ، والمَلائِكَةِ والشَّياطِينِ، والعَرْشِ والكُرْسِيِّ، والوَعْدِ والوَعِيدِ، والرَّجاءِ والخَوْفِ، والمَقْصُودُ مِنهُ بَيانُ أنَّ كُلَّ ما سِوى الحَقِّ زَوْجٌ، ويَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ شَيْءٍ مُبْتَلًى بِضِدِّهِ ونَقِيضِهِ، وأنَّ الفَرْدَ الأحَدَ الحَقَّ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ.
الصِّفَةُ الرّابِعَةُ: مِن صِفاتِ القُرْآنِ قَوْلُهُ: ﴿تَقْشَعِرُّ مِنهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهم وقُلُوبُهم إلى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٢٣]، وفِيهِ مَسائِلُ:
* * *
المَسْألَةُ الأُولى: مَعْنى ﴿تَقْشَعِرُّ مِنهُ جُلُودُ﴾ تَأْخُذُهم قُشَعْرِيرَةٌ، وهي تَغَيُّرٌ يَحْدُثُ في جِلْدِ الإنْسانِ عِنْدَ الوَجَلِ والخَوْفِ، قالَ المُفَسِّرُونَ: والمَعْنى أنَّهم عِنْدَ سَماعِ آياتِ الرَّحْمَةِ والإحْسانِ يَحْصُلُ لَهُمُ الفَرَحُ فَتَلِينُ قُلُوبُهم إلى ذِكْرِ اللَّهِ، وأقُولُ: إنَّ المُحَقِّقِينَ مِنَ العارِفِينَ قالُوا: السّائِرُونَ في مَبْدَأِ جَلالِ اللَّهِ إنْ نَظَرُوا إلى عالَمِ الجَلالِ طاشُوا، وإنْ لاحَ لَهم أثَرٌ مِن عالَمِ الجَمالِ عاشُوا، ويَجِبُ عَلَيْنا أنْ نَذْكُرَ في هَذا البابِ مَزِيدَ شَرْحٍ وتَقْرِيرٍ، فَنَقُولَ: الإنْسانُ إذا تَأمَّلَ في الدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى أنَّهُ يَجِبُ تَنْزِيهُ اللَّهِ عَنِ التَّحَيُّزِ والجِهَةِ، فَهُنا يَقْشَعِرُّ جِلْدُهُ، لِأنَّ إثْباتَ مَوْجُودٍ لا داخِلَ العالَمِ ولا خارِجَهُ، ولا مُتَّصِلٌ بِالعالَمِ ولا مُنْفَصِلٌ عَنِ العالَمِ، مِمّا يَصْعُبُ تَصَوُّرُهُ، فَهَهُنا تَقْشَعِرُّ الجُلُودُ، أمّا إذا تَأمَّلَ في الدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى أنَّهُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ فَرْدًا أحَدًا، وثَبَتَ أنَّ كُلَّ مُتَحَيِّزٍ فَهو مُنْقَسِمٌ، فَهَهُنا يَلِينُ جِلْدُهُ وقَلْبُهُ إلى ذِكْرِ اللَّهِ.
وأيْضًا إذا أرادَ أنْ يُحِيطَ عَقْلُهُ بِمَعْنى الأزَلِ فَيَتَقَدَّمَ في ذِهْنِهِ بِمِقْدارِ ألْفِ ألْفِ سَنَةٍ ثُمَّ يَتَقَدَّمَ أيْضًا بِحَسَبِ كُلِّ لَحْظَةٍ مِن لَحَظاتِ تِلْكَ المُدَّةِ ألْفِ ألْفِ سَنَةٍ، ولا يَزالُ يَحْتالُ ويَتَقَدَّمُ ويَتَخَيَّلُ في الذِّهْنِ، فَإذا بالَغَ وتَوَغَّلَ وظَنَّ أنَّهُ اسْتَحْضَرَ مَعْنى الأزَلِ، قالَ العَقْلُ: هَذا لَيْسَ بِشَيْءٍ، لِأنَّ كُلَّ ما اسْتَحْضَرْتُهُ فِيَّ فَهو مُتَناهٍ، والأزَلُ هو الوُجُودُ المُتَقَدِّمُ عَلى هَذِهِ المُدَّةِ المُتَناهِيَةِ، فَهَهُنا يَتَحَيَّرُ العَقْلُ ويَقْشَعِرُّ الجِلْدُ، وأمّا إذا تَرَكَ هَذا الِاعْتِبارَ، وقالَ هَهُنا مَوْجُودٌ، والمَوْجُودُ إمّا واجِبٌ وإمّا مُمْكِنٌ، فَإنْ كانَ واجِبًا فَهو دائِمًا مُنَزَّهٌ عَنِ الأوَّلِ والآخِرِ، وإنْ كانَ مُمْكِنًا فَهو مُحْتاجٌ إلى الواجِبِ فَيَكُونُ أزَلِيًّا أبَدِيًّا، فَإذا اعْتَبَرَ العَقْلُ فَهِمَ مَعْنى الأزَلِيَّةِ، فَهَهُنا يَلِينُ جِلْدُهُ وقَلْبُهُ إلى ذِكْرِ اللَّهِ، فَثَبَتَ أنَّ المَقامَيْنِ المَذْكُورَيْنِ في الآيَةِ لا يَجِبُ قَصْرُهُما عَلى سَماعِ آيَةِ العَذابِ وآيَةِ الرَّحْمَةِ، بَلْ ذاكَ أُولى تِلْكَ المَراتِبِ، وبَعْدَهُ مَراتِبُ لا حَدَّ لَها ولا حَصْرَ في حُصُولِ تِلْكَ الحالَتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: رَوى الواحِدِيُّ في ”البَسِيطِ“ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قالَ: القُرْآنُ دَلَّ عَلى أنَّ أوْلِياءَ اللَّهِ مَوْصُوفُونَ بِأنَّهم عِنْدَ المُكاشَفاتِ والمُشاهَداتِ، تارَةً تَقْشَعِرُّ جُلُودُهم وأُخْرى تَلِينُ جُلُودُهم وقُلُوبُهم إلى ذِكْرِ اللَّهِ، ولَيْسَ فِيهِ أنَّ عُقُولَهم تَزُولُ وأنَّ أعْضاءَهم تَضْطَرِبُ، فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّ تِلْكَ الأحْوالَ لَوْ حَصَلَتْ لَكانَتْ مِنَ الشَّيْطانِ، وأقُولُ: هَهُنا بَحْثٌ آخَرُ، وهو أنَّ الشَّيْخَ أبا حامِدٍ الغَزالِيَّ أوْرَدَ مَسْألَةً في كِتابِ إحْياءِ عُلُومِ الدِّينِ، وهي أنّا نَرى كَثِيرًا مِنَ النّاسِ يَظْهَرُ عَلَيْهِ الوَجْدُ الشَّدِيدُ التّامُّ عِنْدَ سَماعِ الأبْياتِ المُشْتَمِلَةِ عَلى شَرْحِ الوَصْلِ والهَجْرِ، وعِنْدَ سَماعِ الآياتِ لا يَظْهَرُ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن هَذِهِ الأحْوالِ، ثُمَّ إنَّهُ سَلَّمَ هَذا المَعْنى وذَكَرَ العُذْرَ فِيهِ مِن وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ، وأنا أقُولُ: إنِّي خُلِقْتُ مَحْرُومًا عَنْ هَذا المَعْنى، فَإنِّي كُلَّما تَأمَّلْتُ في أسْرارِ القُرْآنِ اقْشَعَرَّ
صفحة ٢٣٨
جِلْدِي ووَقَفَ شَعْرِي وحَصَلَتْ في قَلْبِي دَهْشَةٌ ورَوْعَةٌ، وكُلَّما سَمِعْتُ تِلْكَ الأشْعارِ غَلَبَ الهَزْلُ عَلَيَّ وما وجَدْتُ ألْبَتَّةَ في نَفْسِي مِنها أثَرًا، وأظُنُّ أنَّ المَنهَجَ القَوِيمَ والصِّراطَ المُسْتَقِيمَ هو هَذا، وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ تِلْكَ الأشْعارَ كَلِماتٌ مُشْتَمِلَةٌ عَلى وصْلٍ وهَجْرٍ وبُغْضٍ وحُبٍّ تَلِيقُ بِالخَلْقِ، وإثْباتُهُ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى كُفْرٌ، وأمّا الِانْتِقالُ مِن تِلْكَ الأحْوالِ إلى مَعانٍ لائِقَةٍ بِجَلالِ اللَّهِ فَلا يَصِلُ إلَيْها إلّا العُلَماءُ الرّاسِخُونَ في العِلْمِ، وأمّا المَعانِي الَّتِي يَشْتَمِلُ عَلَيْها القُرْآنُ فَهي أحْوالٌ لائِقَةٌ بِجَلالِ اللَّهِ، فَمَن وقَفَ عَلَيْها عَظُمَ الوَلَهُ في قَلْبِهِ، فَإنَّ مَن كانَ عِنْدَهُ نُورُ الإيمانِ وجَبَ أنْ يَعْظُمَ اضْطِرابُهُ عِنْدَ سَماعِ قَوْلِهِ: ﴿وعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ لا يَعْلَمُها إلّا هُوَ﴾ [الأنعام: ٥٩] إلى آخِرِ الآيَةِ.
والثّانِي: وهو أنِّي سَمِعْتُ بَعْضَ المَشايِخِ قالَ: كَما أنَّ الكَلامَ لَهُ أثَرٌ، فَكَذَلِكَ صُدُورُ ذَلِكَ الكَلامِ مِنَ القائِلِ المُعَيَّنِ لَهُ أثَرٌ، لِأنَّ قُوَّةَ نَفْسِ القائِلِ تُعِينُ عَلى نَفاذِ الكَلامِ في الرُّوحِ، والقائِلُ في القُرْآنِ هُنا هو اللَّهُ بِواسِطَةِجِبْرِيلَ بِتَبْلِيغِ الرَّسُولِ المَعْصُومِ، والقائِلُ هُناكَ شاعِرٌ كَذّابٌ مَمْلُوءٌ مِنَ الشَّهْوَةِ وداعِيَةِ الفُجُورِ.
والثّالِثُ: أنَّ مَدارَ القُرْآنِ عَلى الدَّعْوَةِ إلى الحَقِّ، قالَ تَعالى: ﴿وإنَّكَ لَتَهْدِي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ صِراطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ [الشورى: ٥٣]، وأمّا الشِّعْرُ فَمَدارُهُ عَلى الباطِلِ، قالَ تَعالى: ﴿والشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الغاوُونَ﴾ ﴿ألَمْ تَرَ أنَّهم في كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ﴾ ﴿وأنَّهم يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٤] فَهَذِهِ الوُجُوهُ الثَّلاثَةُ فُرُوقٌ ظاهِرَةٌ، وأمّا ما يَتَعَلَّقُ بِالوُجْدانِ مِنَ النَّفْسِ فَإنَّ كُلَّ أحَدٍ إنَّما يُخْبِرُ عَمّا يَجِدُهُ مِن نَفْسِهِ، والَّذِي وجَدْتُهُ مِنَ النَّفْسِ والعَقْلِ ما ذَكَرْتُهُ، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في بَيانِ ما بَقِيَ مِنَ المُشْكِلاتِ في هَذِهِ الآيَةِ، ونَذْكُرُها في مَعْرِضِ السُّؤالِ والجَوابِ.
السُّؤالُ الأوَّلُ: كَيْفَ تَرْكِيبُ لَفْظِ القُشَعْرِيرَةِ، الجَوابُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: تَرْكِيبُهُ مِن حُرُوفِ التَّقَشُّعِ، وهو الأدِيمُ اليابِسُ، مَضْمُومًا إلَيْها حَرْفٌ رابِعٌ، وهو الرّاءُ؛ لِيَكُونَ رُباعِيًّا ودالًّا عَلى مَعْنًى زائِدٍ، يُقالُ: اقْشَعَرَّ جِلْدُهُ مِنَ الخَوْفِ ووَقَفَ شَعْرُهُ، وذَلِكَ مَثَلٌ في شِدَّةِ الخَوْفِ.
السُّؤالُ الثّانِي: كَيْفَ قالَ: ﴿تَلِينُ جُلُودُهم وقُلُوبُهم إلى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ وما الوَجْهُ في تَعَدِّيهِ بِحَرْفِ ”إلى“ ؟ والجَوابُ: التَّقْدِيرُ تَلِينُ جُلُودُهم وقُلُوبُهم حالَ وُصُولِها إلى حَضْرَةِ اللَّهِ، وهو لا يُحَسُّ بِالإدْراكِ.
السُّؤالُ الثّالِثُ: لِمَ قالَ ”إلى ذِكْرِ اللَّهِ“، ولَمْ يَقُلْ: إلى ذِكْرِ رَحْمَةِ اللَّهِ ؟ والجَوابُ: أنَّ مَن أحَبَّ اللَّهَ لِأجْلِ رَحْمَتِهِ فَهو ما أحَبَّ اللَّهَ، وإنَّما أحَبَّ شَيْئًا غَيْرَهُ، وأمّا مَن أحَبَّ اللَّهَ لا لِشَيْءٍ سِواهُ، فَهَذا هو المُحِبُّ المُحِقُّ، وهو الدَّرَجَةُ العالِيَةُ، فَلِهَذا السَّبَبِ لَمْ يَقُلْ: ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهم وقُلُوبُهم إلى ذِكْرِ رَحْمَةِ اللَّهِ، بَلْ قالَ: إلى ذِكْرِ اللَّهِ، وقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى هَذا المَعْنى في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ﴾ [الأنعام: ١٢٥]، وفي قَوْلِهِ: ﴿ألا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨]، وأيْضًا قالَ لِأُمَّةِ مُوسى: ﴿يابَنِي إسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠]، وقالَ أيْضًا لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿فاذْكُرُونِي أذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢] .
السُّؤالُ الرّابِعُ: لِمَ قالَ في جانِبِ الخَوْفِ قُشَعْرِيرَةُ الجُلُودِ فَقَطْ، وفي جانِبِ الرَّجاءِ لِينُ الجُلُودِ والقُلُوبِ مَعًا ؟ والجَوابُ: لِأنَّ المُكاشَفَةَ في مَقامِ الرَّجاءِ أكْمَلُ مِنها في مَقامِ الخَوْفِ، لِأنَّ الخَيْرَ مَطْلُوبٌ بِالذّاتِ، والشَّرَّ مَطْلُوبٌ بِالعَرَضِ، ومَحَلُّ المُكاشَفاتِ هو القُلُوبُ والأرْواحُ، واللَّهُ أعْلَمُ.
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ القُرْآنَ بِهَذِهِ الصِّفاتِ قالَ: ﴿ذَلِكَ هُدى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشاءُ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾
صفحة ٢٣٩
، فَقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى الكِتابِ، وهو هُدى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ، وهو الَّذِي شَرَحَ صَدْرَهُ أوَّلًا لِقَبُولِ هَذِهِ الهِدايَةِ ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ﴾ أيْ مَن جَعَلَ قَلْبَهُ قاسِيًا مُظْلِمًا بَلِيدَ الفَهْمِ مُنافِيًا لِقَبُولِ هَذِهِ الهِدايَةِ ﴿فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ واسْتِدْلالُ أصْحابِنا بِهَذِهِ الآيَةِ وسُؤالاتُ المُعْتَزِلَةِ وجَوّاباتُ أصْحابِنا عَيْنُ ما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ﴾ [الأنعام: ١٢٥] .
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ تَعالى حَكَمَ عَلى القاسِيَةِ قُلُوبُهم بِحُكْمٍ في الدُّنْيا وبِحُكْمٍ في الآخِرَةِ، أمّا حُكْمُهم في الدُّنْيا فَهو الضَّلالُ التّامُّ؛ كَما قالَ: ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾، وأمّا حُكْمُهم في الآخِرَةِ فَهو العَذابُ الشَّدِيدُ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ﴾، وتَقْرِيرُهُ: أنَّ أشْرَفَ الأعْضاءِ هو الوَجْهُ، لِأنَّهُ مَحَلُّ الحُسْنِ والصَّباحَةِ، وهو أيْضًا صَوْمَعَةُ الحَواسِّ، وإنَّما يَتَمَيَّزُ بَعْضُ النّاسِ عَنْ بَعْضٍ بِسَبَبِ الوَجْهِ، وأثَرُ السَّعادَةِ والشَّقاوَةِ لا يَظْهَرُ إلّا في الوَجْهِ، قالَ تَعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ﴾ ﴿ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ ﴿ووُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ﴾ ﴿تَرْهَقُها قَتَرَةٌ﴾ ﴿أُولَئِكَ هُمُ الكَفَرَةُ الفَجَرَةُ﴾ [ عَبَسَ: ٣٨ – ٤٢ ] ويُقالُ لِمُقَدَّمِ القَوْمِ: يا وجْهَ العَرَبِ، ويُقالُ لِلطَّرِيقِ الدّالِّ عَلى كُنْهِ حالِ الشَّيْءِ: وجْهُ كَذا هو كَذا، فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا أنَّ أشْرَفَ الأعْضاءِ هو الوَجْهُ، فَإذا وقَعَ الإنْسانُ في نَوْعٍ مِن أنْواعِ العَذابِ فَإنَّهُ يَجْعَلُ يَدَهُ وِقايَةً لِوَجْهِهِ وفِداءً لَهُ، وإذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إذا كانَ القادِرُ عَلى الِاتِّقاءِ يَجْعَلُ كُلَّ ما سِوى الوَجْهِ فِداءً لِلْوَجْهِ - لا جَرَمَ حَسُنَ جَعْلُ الِاتِّقاءِ بِالوَجْهِ كِنايَةً عَنِ العَجْزِ عَنِ الِاتِّقاءِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُ النّابِغَةِ:
ولا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أنَّ سُيُوفَهم بِهِنَّ فُلُولٌ مِن قِراعِ الكَتائِبِ
أيْ: لا عَيْبَ فِيهِمْ إلّا هَذا، وهو لَيْسَ بِعَيْبٍ، فَلا عَيْبَ فِيهِمْ إذَنْ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، فَكَذا هَهُنا لا يَقْدِرُونَ عَلى الِاتِّقاءِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ إلّا بِالوَجْهِ، وهَذا لَيْسَ بِاتِّقاءٍ، فَلا قُدْرَةَ لَهم عَلى الِاتِّقاءِ ألْبَتَّةَ، ويُقالُ أيْضًا: إنَّ الَّذِي يُلْقى في النّارِ يُلْقى مَغْلُولَةٌ يَداهُ إلى عُنُقِهِ، ولا يَتَهَيَّأُ لَهُ أنْ يَتَّقِيَ النّارَ إلّا بِوَجْهِهِ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: جَوابُهُ مَحْذُوفٌ، وتَقْدِيرُهُ: أفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ كَمَن هو آمِنٌ مِنَ العَذابِ، فَحُذِفَ الخَبَرُ كَما حُذِفَ في نَظائِرِهِ، وسُوءُ العَذابِ شِدَّتُهُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وقِيلَ لِلظّالِمِينَ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ ولَمّا بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى كَيْفِيَّةَ عَذابِ القاسِيَةِ قُلُوبُهم في الآخِرَةِ بَيَّنَ أيْضًا كَيْفِيَّةَ وُقُوعِهِمْ في العَذابِ في الدُّنْيا، فَقالَ: ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأتاهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾، وهَذا تَنْبِيهٌ عَلى حالِ هَؤُلاءِ؛ لِأنَّ الفاءَ في قَوْلِهِ: ﴿فَأتاهُمُ العَذابُ﴾ تَدُلُّ عَلى أنَّهم إنَّما أتاهُمُ العَذابُ بِسَبَبِ التَّكْذِيبِ، فَإذا كانَ التَّكْذِيبُ حاصِلًا هَهُنا لَزِمَ حُصُولُ العَذابِ؛ اسْتِدْلالًا بِالعِلَّةِ عَلى المَعْلُولِ، وقَوْلُهُ: ﴿مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ أيْ: مِنَ الجِهَةِ الَّتِي لا يَحْسَبُونَ ولا يَخْطُرُ بِبالِهِمْ أنَّ الشَّرَّ يَأْتِيهِمْ مِنها، بَيْنَما هم آمِنُونَ إذْ أتاهُمُ العَذابُ مِنَ الجِهَةِ الَّتِي تَوَقَّعُوا الأمْنَ مِنها، ولَمّا بَيَّنَ أنَّهُ أتاهُمُ العَذابُ في الدُّنْيا بَيَّنَ أيْضًا أنَّهُ أتاهُمُ الخِزْيُ، وهو الذُّلُّ والصَّغارُ والهَوانُ، والفائِدَةُ في ذِكْرِ هَذا القَيْدِ أنَّ العَذابَ التّامَّ هو أنْ يَحْصُلَ فِيهِ الألَمُ مَقْرُونًا بِالهَوانِ والذُّلِّ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿ولَعَذابُ الآخِرَةِ أكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ يَعْنِي أنَّ أُولَئِكَ وإنْ نَزَلَ عَلَيْهِمُ العَذابُ والخِزْيُ كَما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، فالعَذابُ المُدَّخَرُ لَهم في يَوْمِ القِيامَةِ أكْبَرُ وأعْظَمُ مِن ذَلِكَ الَّذِي وقَعَ، والمَقْصُودُ مِن كُلِّ ذَلِكَ التَّخْوِيفُ والتَّرْهِيبُ، فَلَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الفَوائِدَ المُتَكاثِرَةَ والنَّفائِسَ المُتَوافِرَةَ في هَذِهِ المَطالِبِ بَيَّنَ
صفحة ٢٤٠
تَعالى أنَّهُ بَلَغَتْ هَذِهِ البَياناتُ إلى حَدِّ الكَمالِ والتَّمامِ، فَقالَ: ﴿ولَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ والمَقْصُودُ ظاهِرٌ، وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ أفْعالَ اللَّهِ وأحْكامَهُ مُعَلَّلَةٌ، ودَلَّتْ أيْضًا عَلى أنَّهُ يُرِيدُ الإيمانَ والمَعْرِفَةَ مِنَ الكُلِّ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ﴾ مُشْعِرٌ بِالتَّعْلِيلِ، وقَوْلُهُ في آخِرِ الآيَةِ: ﴿لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ مُشْعِرٌ بِالتَّعْلِيلِ أيْضًا، ومُشْعِرٌ بِأنَّ المَقْصُودَ مِن ضَرْبِ هَذِهِ الأمْثالِ إرادَةُ حُصُولِ التَّذَكُّرِ والعِلْمِ، ولَمّا كانَتْ هَذِهِ البَياناتُ النّافِعَةُ والبَيِّناتُ الباهِرَةُ مَوْجُودَةً في القُرْآنِ، لا جَرَمَ وُصِفَ القُرْآنُ بِالمَدْحِ والثَّناءِ، فَقالَ: ﴿قُرْءانًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: احْتَجَّ القائِلُونَ بِحُدُوثِ القُرْآنِ بِهَذِهِ الآيَةِ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى إنَّما ذَكَرَ هَذِهِ الأمْثالَ لِيَحْصُلَ لَهُمُ التَّذَكُّرُ، والشَّيْءُ الَّذِي يُؤْتى بِهِ لِغَرَضٍ آخَرَ يَكُونُ مُحْدَثًا، فَإنَّ القَدِيمَ هو الَّذِي يَكُونُ مَوْجُودًا في الأزَلِ، وهَذا يُمْتَنَعُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ إنَّما أتى بِهِ لِغَرَضِ كَذا وكَذا.
والثّانِي: أنَّهُ وصَفَهُ بِكَوْنِهِ عَرَبِيًّا، وإنَّما كانَ عَرَبِيًّا لِأنَّ هَذِهِ الألْفاظَ إنَّما صارَتْ دالَّةً عَلى هَذِهِ المَعانِي بِوَضْعِ العَرَبِ وبِاصْطِلاحِهِمْ، وما كانَ حُصُولُهُ بِسَبَبِ أوْضاعِ العَرَبِ واصْطِلاحاتِهِمْ كانَ مَخْلُوقًا مُحْدَثًا.
الثّالِثُ: أنَّهُ وصَفَهُ بِكَوْنِهِ قُرْآنًا، والقُرْآنُ عِبارَةٌ عَنِ القِراءَةِ، والقِراءَةُ مَصْدَرٌ، والمَصْدَرُ هو المَفْعُولُ المُطْلَقُ، فَكانَ فِعْلًا ومَفْعُولًا، والجَوابُ: أنّا نَحْمِلُ كُلَّ هَذِهِ الوُجُوهِ عَلى الحُرُوفِ والأصْواتِ، وهي حادِثَةٌ ومُحْدَثَةٌ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الزَّجّاجُ: قَوْلُهُ ﴿عَرَبِيًّا﴾ مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، والمَعْنى ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ في حالِ عَرَبِيَّتِهِ وبَيانِهِ، ويَجُوزُ أنْ يُنْتَصَبَ عَلى المَدْحِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أنَّهُ تَعالى وصَفَهُ بِثَلاثَةٍ:
أوَّلُها: كَوْنُهُ قُرْآنًا، والمُرادُ كَوْنُهُ مَتْلُوًّا في المَحارِيبِ إلى قِيامِ القِيامَةِ، كَما قالَ: ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذِّكْرَ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] .
وثانِيها: كَوْنُهُ عَرَبِيًّا، والمُرادُ أنَّهُ أعْجَزَ الفُصَحاءَ والبُلَغاءَ عَنْ مُعارَضَتِهِ كَما قالَ: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ والجِنُّ عَلى أنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذا القُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ ولَوْ كانَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨] .
وثالِثُها: كَوْنُهُ ﴿غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ والمُرادُ بَراءَتُهُ عَنِ التَّناقُضِ، كَما قالَ: ﴿ولَوْ كانَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾، فالمُعْتَزِلَةُ يَتَمَسَّكُونَ بِهِ في تَعْلِيلِ أحْكامِ اللَّهِ تَعالى.
وفِيهِ بَحْثٌ آخَرُ: وهو أنَّهُ تَعالى قالَ في الآيَةِ الأُولى: ﴿لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾، وقالَ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾، والسَّبَبُ فِيهِ أنَّ التَّذَكُّرَ مُتَقَدِّمٌ عَلى الِاتِّقاءِ، لِأنَّهُ إذا تَذَكَّرَهُ وعَرَفَهُ ووَقَفَ عَلى فَحْواهُ وأحاطَ بِمَعْناهُ، حَصَلَ الِاتِّقاءُ والِاحْتِرازُ، واللَّهُ أعْلَمُ.
الزمر 39:23
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ فَهو عَلى نُورٍ مِن رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهم مِن ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ كِتابًا مُتَشابِهًا مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهم وقُلُوبُهم إلى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشاءُ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ ﴿أفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ وقِيلَ لِلظّالِمِينَ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأتاهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ ﴿فَأذاقَهُمُ اللَّهُ الخِزْيَ في الحَياةِ الدُّنْيا ولَعَذابُ الآخِرَةِ أكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ ﴿قُرْءانًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾، وفِيهِ مَسائِلُ:
* * *
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بالَغَ في تَقْرِيرِ البَياناتِ الدّالَّةِ عَلى وُجُوبِ الإقْبالِ عَلى طاعَةِ اللَّهِ تَعالى ووُجُوبِ الإعْراضِ عَنِ الدُّنْيا، بَيَّنَ بَعْدَ ذَلِكَ أنَّ الِانْتِفاعَ بِهَذِهِ البَياناتِ لا يَكْمُلُ إلّا إذا شَرَحَ اللَّهُ الصُّدُورَ، ونَوَّرَ القُلُوبَ، فَقالَ: ﴿أفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ فَهو عَلى نُورٍ مِن رَبِّهِ﴾ .
واعْلَمْ أنّا بالَغْنا في سُورَةِ الأنْعامِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ﴾ [الأنعام: ١٢٥] في تَفْسِيرِ شَرْحِ الصَّدْرِ، وفي تَفْسِيرِ الهِدايَةِ، ولا بَأْسَ بِإعادَةِ كَلامٍ قَلِيلٍ هَهُنا، فَنَقُولُ: إنَّهُ تَعالى خَلَقَ جَواهِرَ النُّفُوسِ مُخْتَلِفَةً بِالماهِيَّةِ، فَبَعْضُها خَيِّرَةٌ نُورانِيَّةٌ شَرِيفَةٌ مائِلَةٌ إلى الإلَهِيّاتِ عَظِيمَةُ الرَّغْبَةِ في الِاتِّصالِ بِالرُّوحانِيّاتِ، وبَعْضُها نَذْلَةٌ كَدِرَةٌ خَسِيسَةٌ مائِلَةٌ إلى الجُسْمانِيّاتِ، وفي هَذا التَّفاوُتِ أمْرٌ حاصِلٌ في جَواهِرِ النُّفُوسِ البَشَرِيَّةِ، والِاسْتِقْراءُ يَدُلُّ عَلى أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: المُرادُ بِشَرْحِ الصَّدْرِ هو ذَلِكَ الِاسْتِعْدادُ الشَّدِيدُ المَوْجُودُ في فِطْرَةِ النَّفْسِ، وإذا كانَ ذَلِكَ الِاسْتِعْدادُ الشَّدِيدُ حاصِلًا كَفى خُرُوجُ تِلْكَ الحالَةِ مِنَ القُوَّةِ إلى الفِعْلِ بِأدْنى سَبَبٍ، مِثْلَ الكِبْرِيتِ الَّذِي يَشْتَعِلُ بِأدْنى نارٍ، أمّا إذا كانَتِ النَّفْسُ بَعِيدَةً عَنْ قَبُولِ هَذِهِ الجَلايا القُدْسِيَّةِ والأحْوالِ الرُّوحانِيَّةِ، بَلْ كانَتْ مُسْتَغْرِقَةً في طَلَبِ الجُسْمانِيّاتِ قَلِيلَةَ التَّأثُّرِ عَنِ الأحْوالِ المُناسِبَةِ لِلْإلَهِيّاتِ، فَكانَتْ قاسِيَةً كَدِرَةً ظَلْمانِيَّةً، وكُلَّما كانَ إيرادُ الدَّلائِلِ اليَقِينِيَّةِ والبَراهِينِ الباهِرَةِ عَلَيْها أكْثَرَ، كانَتْ قَسْوَتُها وظُلْمَتُها أقَلَّ.
إذا عَرَفْتَ هَذِهِ القاعِدَةَ فَنَقُولُ: أمّا شَرْحُ الصَّدْرِ فَهو ما ذَكَرْناهُ، وأمّا النُّورُ فَهو عِبارَةٌ عَنِ الهِدايَةِ والمَعْرِفَةِ، وما لَمْ يَحْصُلْ شَرْحُ الصَّدْرِ أوَّلًا لَمْ يَحْصُلِ النُّورُ ثانِيًا، وإذا كانَ الحاصِلُ هو القُوَّةَ النَّفْسانِيَّةَ لَمْ يَحْصُلِ الِانْتِفاعُ البَتَّةَ بِسَماعِ الدَّلائِلِ، ورُبَّما صارَ سَماعُ الدَّلائِلِ سَبَبًا لِزِيادَةِ القَسْوَةِ ولِشِدَّةِ النَّفْرَةِ، فَهَذِهِ أُصُولٌ يَقِينِيَّةٌ يَجِبُ أنْ تَكُونَ مَعْلُومَةً عِنْدَ الإنْسانِ حَتّى يُمْكِنَهُ الوُقُوفُ عَلى مَعانِي هَذِهِ الآياتِ، أمّا اسْتِدْلالُ أصْحابِنا في مَسْألَةِ الجَبْرِ والقَدَرِ، وكَلامُ الخُصُومِ عَلَيْهِ فَقَدْ تَقَدَّمَ هُناكَ، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: مِن مَحْذُوفِ الخَبَرِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿أمْ مَن هو قانِتٌ﴾، والتَّقْدِيرُ: أفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ فاهْتَدى كَمَن طُبِعَ عَلى قَلْبِهِ فَلَمْ يَهْتَدِ لِقَسْوَتِهِ، والجَوابُ مَتْرُوكٌ، لِأنَّ الكَلامَ المَذْكُورَ دَلَّ عَلَيْهِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهم مِن ذِكْرِ اللَّهِ﴾ .
صفحة ٢٣٢
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ ﴿فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهم مِن ذِكْرِ اللَّهِ﴾ فِيهِ سُؤالٌ، وهو أنَّ ذِكْرَ اللَّهِ سَبَبٌ لِحُصُولِ النُّورِ والهِدايَةِ وزِيادَةِ الِاطْمِئْنانِ، كَما قالَ: ﴿ألا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨] فَكَيْفَ جَعَلَهُ في هَذِهِ الآيَةِ سَبَبًا لِحُصُولِ قَسْوَةِ القَلْبِ، والجَوابُ أنْ نَقُولَ: إنَّ النَّفْسَ إذا كانَتْ خَبِيثَةَ الجَوْهَرِ، كَدِرَةَ العُنْصُرِ، بَعِيدَةً عَنْ مُناسَبَةِ الرُّوحانِيّاتِ، شَدِيدَةَ المَيْلِ إلى الطَّبائِعِ البَهِيمِيَّةِ، والأخْلاقِ الذَّمِيمَةِ، فَإنَّ سَماعَها لِذِكْرِ اللَّهِ يَزِيدُها قَسْوَةً وكُدُورَةً، وتَقْرِيرُ هَذا الكَلامِ بِالأمْثِلَةِ، فَإنَّ الفاعِلَ الواحِدَ تَخْتَلِفُ أفْعالُهُ بِحَسَبِ اخْتِلافِ القَوابِلِ؛ كَنُورِ الشَّمْسِ يُسَوِّدُ وجْهَ القَصّارِ ويُبَيِّضُ ثَوْبَهُ، وحَرارَةِ الشَّمْسِ تُلِينُ الشَّمْعَ وتُعَقِّدُ المِلْحَ، وقَدْ نَرى إنْسانًا واحِدًا يَذْكُرُ كَلامًا واحِدًا في مَجْلِسٍ واحِدٍ، فَيَسْتَطِيبُهُ واحِدٌ ويَسْتَكْرِهُهُ غَيْرُهُ، وما ذاكَ إلّا ما ذَكَرْناهُ مِنِ اخْتِلافِ جَواهِرِ النُّفُوسِ، ومِنِ اخْتِلافِ أحْوالِ تِلْكَ النُّفُوسِ، «ولَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٢] وكانَ قَدْ حَضَرَ هُناكَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ وإنْسانٌ آخَرُ، فَلَمّا انْتَهى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ أنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ [المؤمنون: ١٤] قالَ كُلٌّ واحِدٌ مِنهم: ﴿فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤] فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: اكْتُبْ، فَهَكَذا أُنْزِلَتْ فازْدادَ عُمَرُ إيمانًا عَلى إيمانٍ، وازْدادَ ذَلِكَ الإنْسانُ كُفْرًا عَلى كُفْرٍ»، إذا عَرَفْتَ هَذا لَمْ يَبْعُدْ أيْضًا أنْ يَكُونَ ذِكْرُ اللَّهِ يُوجِبُ النُّورَ والهِدايَةَ والِاطْمِئْنانَ في النُّفُوسِ الطّاهِرَةِ الرُّوحانِيَّةِ، ويُوجِبُ القَسْوَةَ والبُعْدَ عَنِ الحَقِّ في النُّفُوسِ الخَبِيثَةِ الشَّيْطانِيَّةِ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّ رَأسَ الأدْوِيَةِ الَّتِي تُفِيدُ الصِّحَّةَ الرُّوحانِيَّةَ، ورَئِيسُها هو ذِكْرُ اللَّهِ تَعالى، فَإذا اتَّفَقَ لِبَعْضِ النُّفُوسِ أنْ صارَ ذِكْرُ اللَّهِ تَعالى سَبَبًا لِازْدِيادِ مَرَضِها، كانَ مَرَضُ تِلْكَ النَّفْسِ مَرَضًا لا يُرْجى زَوالُهُ، ولا يُتَوَقَّعُ عِلاجُهُ، وكانَتْ في نِهايَةِ الشَّرِّ والرَّداءَةِ، فَلِهَذا المَعْنى قالَ تَعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهم مِن ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ وهَذا كَلامٌ كامِلٌ مُحَقَّقٌ.
ولَمّا بَيَّنَ تَعالى ذَلِكَ أرْدَفَهُ بِما يَدُلُّ عَلى أنَّ القُرْآنَ سَبَبٌ لِحُصُولِ النُّورِ والشِّفاءِ والهِدايَةِ وزِيادَةِ الِاطْمِئْنانِ، والمَقْصُودُ مِنهُ بَيانُ أنَّ القُرْآنَ لَمّا كانَ مَوْصُوفًا بِهَذِهِ الصِّفاتِ، ثُمَّ إنَّهُ في حَقِّ ذَلِكَ الإنْسانِ صارَ سَبَبًا لِمَزِيدِ القَسْوَةِ، دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ جَوْهَرَ تِلْكَ النَّفْسِ قَدْ بَلَغَ في الرَّداءَةِ والخَساسَةِ إلى أقْصى الغاياتِ، فَنَقُولُ: إنَّهُ تَعالى وصَفَ القُرْآنَ بِأنْواعٍ مِن صِفاتِ الكَمالِ.
الصِّفَةُ الأُولى: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ﴾، وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: القائِلُونَ بِحُدُوثِ القُرْآنِ احْتَجُّوا بِهَذِهِ الآيَةِ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى وصَفَهُ بِكَوْنِهِ حَدِيثًا في هَذِهِ الآياتِ، وفي آياتٍ أُخْرى، مِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ﴾ [الطور: ٣٤]، ومِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَبِهَذا الحَدِيثِ أنْتُمْ مُدْهِنُونَ﴾ [الواقعة: ٨١] والحَدِيثُ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ حادِثًا، قالُوا: بَلِ الحَدِيثُ أقْوى في الدَّلالَةِ عَلى الحُدُوثِ مِنَ الحادِثِ، لِأنَّهُ يَصِحُّ أنْ يُقالَ: هَذا حَدِيثٌ، ولَيْسَ بِعَتِيقٍ، وهَذا عَتِيقٌ ولَيْسَ بِحادِثٍ، فَثَبَتَ أنَّ الحَدِيثَ هو الَّذِي يَكُونُ قَرِيبَ العَهْدِ بِالحَدِيثِ، وسُمِّيَ الحَدِيثُ حَدِيثًا؛ لِأنَّهُ مُؤَلَّفٌ مِنَ الحُرُوفِ والكَلِماتِ، وتِلْكَ الحُرُوفُ والكَلِماتُ تَحْدُثُ حالًا فَحالًا وساعَةً فَساعَةً، فَهَذا تَمامُ تَقْرِيرِ هَذا الوَجْهِ.
أمّا الوَجْهُ الثّانِي: في بَيانِ اسْتِدْلالِ القَوْمِ أنْ قالُوا: إنَّهُ تَعالى وصَفَهُ بِأنَّهُ نَزَّلَهُ، والمُنَزَّلُ يَكُونُ في مَحَلِّ تَصَرُّفِ الغَيْرِ، وما يَكُونُ كَذَلِكَ فَهو مُحْدَثٌ وحادِثٌ.
وأمّا الوَجْهُ الثّالِثُ: في بَيانِ اسْتِدْلالِ القَوْمِ أنْ قالُوا: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿أحْسَنَ الحَدِيثِ﴾ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ هو مِن جِنْسِ سائِرِ الأحادِيثِ كَما أنَّ قَوْلَهُ: زَيْدٌ أفْضَلُ الإخْوَةِ - يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ زَيْدٌ مُشارِكًا لِأُولَئِكَ الأقْوامِ في صِفَةِ
صفحة ٢٣٣
الأُخُوَّةِ، ويَكُونَ مِن جِنْسِهِمْ، فَثَبَتَ أنَّ القُرْآنَ مِن جِنْسِ سائِرِ الأحادِيثِ، ولَمّا كانَ سائِرُ الأحادِيثِ حادِثَةً وجَبَ أيْضًا أنْ يَكُونَ القُرْآنُ حادِثًا.
أمّا الوَجْهُ الرّابِعُ: في الِاسْتِدْلالِ أنْ قالُوا: إنَّهُ تَعالى وصَفَهُ بِكَوْنِهِ كِتابًا، والكِتابُ مُشْتَقٌّ مِنَ الكُتْبَةِ، وهي الِاجْتِماعُ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ مَجْمُوعٌ جامِعٌ، ومَحَلُ تَصَرُّفِ مُتَصَرِّفٍ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ مُحْدَثًا، والجَوابُ: أنْ نَقُولَ: نَحْمِلُ هَذا الدَّلِيلَ عَلى الكَلامِ المُؤَلَّفِ مِنَ الحُرُوفِ والأصْواتِ والألْفاظِ والعِباراتِ، وذَلِكَ الكَلامُ عِنْدَنا مُحْدَثٌ مَخْلُوقٌ، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: كَوْنُ القُرْآنِ أحْسَنَ الحَدِيثِ، إمّا أنْ يَكُونَ أحْسَنَ الحَدِيثِ بِحَسَبِ لَفْظِهِ أوْ بِحَسَبِ مَعْناهُ.
القِسْمُ الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ أحْسَنَ الحَدِيثِ بِحَسَبِ لَفْظِهِ، وذَلِكَ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الحُسْنُ لِأجْلِ الفَصاحَةِ والجَزالَةِ.
الثّانِي: أنْ يَكُونَ بِحَسَبِ النَّظْمِ في الأُسْلُوبِ، وذَلِكَ لِأنَّ القُرْآنَ لَيْسَ مِن جِنْسِ الشِّعْرِ، ولا مِن جِنْسِ الخُطَبِ، ولا مِن جِنْسِ الرَّسائِلِ، بَلْ هو نَوْعٌ يُخالِفُ الكُلَّ، مَعَ أنَّ كُلَّ ذِي طَبْعٍ سَلِيمٍ يَسْتَطِيبُهُ ويَسْتَلِذُّهُ.
القِسْمُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ كَوْنُهُ أحْسَنَ الحَدِيثِ لِأجْلِ المَعْنى، وفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّهُ كِتابٌ مُنَزَّهٌ عَنِ التَّناقُضِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ كانَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢] ومِثْلُ هَذا الكِتابِ إذا خَلا عَنِ التَّناقُضِ كانَ ذَلِكَ مِنَ المُعْجِزاتِ.
الوَجْهُ الثّانِي: اشْتِمالُهُ عَلى الغُيُوبِ الكَثِيرَةِ في الماضِي والمُسْتَقْبَلِ.
الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّ العُلُومَ المَوْجُودَةَ فِيهِ كَثِيرَةٌ جِدًّا.
وضَبْطُ هَذِهِ العُلُومِ أنْ نَقُولَ: العُلُومُ النّافِعَةُ هي ما ذَكَرَهُ اللَّهُ في كِتابِهِ في قَوْلِهِ: ﴿والمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥]، ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِن رُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥]، ﴿وقالُوا سَمِعْنا وأطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وإلَيْكَ المَصِيرُ﴾ [البقرة: ٢٨٥]، فَهَذا أحْسَنُ ضَبْطٍ يُمْكِنُ ذِكْرُهُ لِلْعُلُومِ النّافِعَةِ.
أمّا القِسْمُ الأوَّلُ: وهو الإيمانُ بِاللَّهِ، فاعْلَمْ أنَّهُ يَشْتَمِلُ عَلى خَمْسَةِ أقْسامٍ: مَعْرِفَةُ الذّاتِ والصِّفاتِ والأفْعالِ والأحْكامِ والأسْماءِ، أمّا مَعْرِفَةُ الذّاتِ فَهي أنْ يَعْلَمَ وُجُودَ اللَّهِ وقِدَمَهُ وبَقاءَهُ، وأمّا مَعْرِفَةُ الصِّفاتِ فَهي نَوْعانِ:
أحَدُهُما: ما يَجِبُ تَنْزِيهُهُ عَنْهُ، وهو كَوْنُهُ جَوْهَرًا ومُرَكَّبًا مِنَ الأعْضاءِ والأجْزاءِ، وكَوْنُهُ مُخْتَصًّا بِحَيِّزٍ وجِهَةٍ، ويَجِبُ أنْ يُعْلَمَ أنَّ الألْفاظَ الدّالَّةَ عَلى التَّنْزِيهِ أرْبَعَةٌ: لَيْسَ ولَمْ وما ولا، وهَذِهِ الأرْبَعَةُ المَذْكُورَةُ مَذْكُورَةٌ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى لِبَيانِ التَّنْزِيهِ.
أمّا كَلِمَةُ ”لَيْسَ“، فَقَوْلُهُ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] وأمّا كَلِمَةُ ”لَمْ“، فَقَوْلُهُ: ﴿لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ﴾ ﴿ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٣ - ٤]، وأمّا كَلِمَةُ ”ما“، فَقَوْلُهُ: ﴿وما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤]، ﴿ما كانَ لِلَّهِ أنْ يَتَّخِذَ مِن ولَدٍ﴾ [مريم: ٣٥]، وأمّا كَلِمَةُ ”لا“، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ ولا نَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، ﴿وهُوَ يُطْعِمُ ولا يُطْعَمُ﴾ [الأنعام: ١٤]، ﴿وهُوَ يُجِيرُ ولا يُجارُ عَلَيْهِ﴾ [المؤمنون: ٨٨]، وقَوْلُهُ في سَبْعَةٍ وثَلاثِينَ مَوْضِعًا مِنَ القُرْآنِ: ﴿لا إلَهَ إلّا اللَّهُ﴾ [الصافات: ٣٥] .
صفحة ٢٣٤
وأمّا النَّوْعُ الثّانِي: وهي الصِّفاتُ الَّتِي يَجِبُ كَوْنُهُ مَوْصُوفًا بِها مِنَ القُرْآنِ، فَأُولاها العِلْمُ بِاللَّهِ، والعِلْمُ بِكَوْنِهِ مُحْدِثًا خالِقًا، قالَ تَعالى: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ [الأنعام: ١] .
وثانِيَتُها: العِلْمُ بِكَوْنِهِ قادِرًا، قالَ تَعالى في أوَّلِ سُورَةِ القِيامَةِ: ﴿بَلى قادِرِينَ عَلى أنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ﴾ [القيامة: ٤]، وقالَ في آخِرِ هَذِهِ السُّورَةِ: ﴿ألَيْسَ ذَلِكَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾ [القيامة: ٤٠] .
وثالِثَتُها: العِلْمُ بِكَوْنِهِ تَعالى عالِمًا، قالَ تَعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾ [الحشر: ٢٢] .
ورابِعَتُها: العِلْمُ بِكَوْنِهِ عالِمًا بِكُلِّ المَعْلُوماتِ، قالَ تَعالى: ﴿وعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ لا يَعْلَمُها إلّا هُوَ﴾ [الأنعام: ٥٩] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى﴾ [الرعد: ٨] .
والخامِسَةُ: العِلْمُ بِكَوْنِهِ حَيًّا، قالَ تَعالى: ﴿هُوَ الحَيُّ لا إلَهَ إلّا هو فادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [غافر: ٦٥] .
والسّادِسَةُ: العِلْمُ بِكَوْنِهِ مُرِيدًا، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ﴾ [الأنعام: ١٢٥] .
والسّابِعَةُ: كَوْنُهُ سَمِيعًا بَصِيرًا، قالَ تَعالى: ﴿وهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] وقالَ تَعالى: ﴿إنَّنِي مَعَكُما أسْمَعُ وأرى﴾ [طه: ٤٦] .
والثّامِنَةُ: كَوْنُهُ مُتَكَلِّمًا، قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ أنَّ ما في الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ أقْلامٌ والبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ﴾ [لقمان: ٢٧] .
والتّاسِعَةُ: كَوْنُهُ آمِرًا، قالَ تَعالى: ﴿لِلَّهِ الأمْرُ مِن قَبْلُ ومِن بَعْدُ﴾ [الروم: ٤] .
والعاشِرَةُ: كَوْنُهُ رَحْمانًا رَحِيمًا مالِكًا، قالَ تَعالى: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [ الفاتِحَةِ: ٣ – ٤ ] فَهَذا ما يَتَعَلَّقُ بِمَعْرِفَةِ الصِّفاتِ الَّتِي يَجِبُ اتِّصافُهُ بِها.
وأمّا القِسْمُ الثّالِثُ: وهو الأفْعالُ، فاعْلَمْ أنَّ الأفْعالَ إمّا أرْواحٌ وإمّا أجْسامٌ، أمّا الأرْواحُ فَلا سَبِيلَ لِلْوُقُوفِ عَلَيْها إلّا لِلْقَلِيلِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إلّا هُوَ﴾ [المدثر: ٣١] وأمّا الأجْسامُ، فَهي إمّا العالَمُ الأعْلى وإمّا العالَمُ الأسْفَلُ، أمّا العالَمُ الأعْلى فالبَحْثُ فِيهِ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: البَحْثُ عَنْ أحْوالِ السَّماواتِ.
وثانِيها: البَحْثُ عَنْ أحْوالِ الشَّمْسِ والقَمَرِ كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا والشَّمْسَ والقَمَرَ والنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأمْرِهِ﴾ [الأعراف: ٥٤] .
وثالِثُها: البَحْثُ عَنْ أحْوالِ الأضْواءِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [النور: ٣٥]، وقالَ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً والقَمَرَ نُورًا﴾ [يونس: ٥] .
ورابِعُها: البَحْثُ عَنْ أحْوالِ الظِّلالِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ ولَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِنًا﴾ [الفرقان: ٤٥] .
وخامِسُها: اخْتِلافُ اللَّيْلِ والنَّهارِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلى النَّهارِ ويُكَوِّرُ النَّهارَ عَلى اللَّيْلِ﴾ .
وسادِسُها: مَنافِعُ الكَواكِبِ، قالَ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها في ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ﴾ [الأنعام: ٩٧] .
وسابِعُها: صِفاتُ الجَنَّةِ، قالَ تَعالى: ﴿وجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ والأرْضِ﴾ [الحديد: ٢١] .
وثامِنُها: صِفاتُ النّارِ، قالَ تَعالى: ﴿لَها سَبْعَةُ أبْوابٍ لِكُلِّ بابٍ مِنهم جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ [الحجر: ٤٤] .
وتاسِعُها: صِفَةُ العَرْشِ، قالَ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ ومَن حَوْلَهُ﴾ [غافر: ٧] .
وعاشِرُها: صِفَةُ الكُرْسِيِّ، قالَ تَعالى: ﴿وسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ [البقرة: ٢٥٥] .
وحادِيَ عَشَرَها: صِفَةُ اللَّوْحِ والقَلَمِ، أمّا اللَّوْحُ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ هو قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ ﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج: ٢٢]، وأمّا القَلَمُ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ن والقَلَمِ وما يَسْطُرُونَ﴾ [القلم: ٢] .
* * *
وأمّا شَرْحُ أحْوالِ العالَمِ الأسْفَلِ فَأوَّلُها: الأرْضُ، وقَدْ وصَفَها بِصِفاتٍ كَثِيرَةٍ:
إحْداها: كَوْنُهُ مَهْدًا، قالَ تَعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا﴾ [طه: ٥٣] .
وثانِيَتُها: كَوْنُهُ مِهادًا، قالَ تَعالى: ﴿ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ مِهادًا﴾
صفحة ٢٣٥
[النبأ: ٦] .
وثالِثَتُها: كَوْنُهُ كِفاتًا، قالَ تَعالى: ﴿كِفاتًا﴾ ﴿أحْياءً وأمْواتًا﴾ [المرسلات: ٢٥] .
ورابِعَتُها: الذَّلُولُ، قالَ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ ذَلُولًا﴾ [الملك: ١٥] .
والخامِسَةُ: كَوْنُهُ بِساطًا، قالَ تَعالى: ﴿واللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ بِساطًا﴾ ﴿لِتَسْلُكُوا مِنها سُبُلًا فِجاجًا﴾ [نوح: ٢٠]، والكَلامُ فِيهِ طَوِيلٌ.
وثانِيها: البَحْرُ، قالَ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي سَخَّرَ البَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنهُ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ [النحل: ١٤] .
وثالِثُها: الهَواءُ والرِّياحُ، قالَ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ [الأعراف: ٥٧]، وقالَ تَعالى: ﴿وأرْسَلْنا الرِّياحَ لَواقِحَ﴾ [الحجر: ٢٢] .
ورابِعُها: الآثارُ العُلْوِيَّةُ كالرَّعْدِ والبَرْقِ، قالَ تَعالى: ﴿ويُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ والمَلائِكَةُ مِن خِيفَتِهِ﴾ [الرعد: ١٣]، وقالَ تَعالى: ﴿فَتَرى الوَدْقَ يَخْرُجُ مِن خِلالِهِ﴾ [الرعد: ٤٣]، ومِن هَذا البابِ ذِكْرُ الصَّواعِقِ والأمْطارِ وتَراكُمِ السَّحابِ.
وخامِسُها: أحْوالُ الأشْجارِ والثِّمارِ وأنْواعِها وأصْنافِها.
وسادِسُها: أحْوالُ الحَيَواناتِ، قالَ تَعالى: ﴿وبَثَّ فِيها مِن كُلِّ دابَّةٍ﴾ [البقرة: ١٦٤]، وقالَ: ﴿والأنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ﴾ [النحل: ٥] .
وسابِعُها: عَجائِبُ تَكْوِينِ الإنْسانِ في أوَّلِ الخِلْقَةِ، قالَ: ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٢] .
وثامِنُها: العَجائِبُ في سَمْعِهِ وبَصَرِهِ ولِسانِهِ وعَقْلِهِ وفَهْمِهِ.
وتاسِعُها: تَوارِيخُ الأنْبِياءِ والمُلُوكِ وأحْوالُ النّاسِ مِن أوَّلِ خَلْقِ العالَمِ إلى آخِرِ قِيامِ القِيامَةِ.
وعاشِرُها: ذِكْرُ أحْوالِ النّاسِ عِنْدَ المَوْتِ وبَعْدَ المَوْتِ، وكَيْفِيَّةُ البَعْثِ والقِيامَةِ، وشَرْحُ أحْوالِ السُّعَداءِ والأشْقِياءِ، فَقَدْ أشَرْنا إلى عَشَرَةِ أنْواعٍ مِنَ العُلُومِ في عالَمِ السَّماواتِ، وإلى عَشَرَةٍ أُخْرى في عالَمِ العَناصِرِ، والقُرْآنُ مُشْتَمِلٌ عَلى شَرْحِ هَذِهِ الأنْواعِ مِنَ العُلُومِ العالِيَةِ الرَّفِيعَةِ.
وأمّا القِسْمُ الرّابِعُ: وهو شَرْحُ أحْكامِ اللَّهِ تَعالى وتَكالِيفِهِ، فَنَقُولُ: هَذِهِ التَّكالِيفُ إمّا أنْ تَحْصُلَ في أعْمالِ القُلُوبِ أوْ في أعْمالِ الجَوارِحِ.
أمّا القِسْمُ الأوَّلُ: فَهو المُسَمّى بِعِلْمِ الأخْلاقِ، وبَيانِ تَمْيِيزِ الأخْلاقِ الفاضِلَةِ والأخْلاقِ الفاسِدَةِ، والقُرْآنُ يَشْتَمِلُ عَلى كُلِّ ما لا بُدَّ مِنهُ في هَذا البابِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ والإحْسانِ وإيتاءِ ذِي القُرْبى ويَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ والبَغْيِ﴾ [النحل: ٩٠]، وقالَ: ﴿خُذِ العَفْوَ وأْمُرْ بِالعُرْفِ وأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩] .
وأمّا الثّانِي: فَهو التَّكالِيفُ الحاصِلَةُ في أعْمالِ الجَوارِحِ، وهو المُسَمّى بِعِلْمِ الفِقْهِ، والقُرْآنُ مُشْتَمِلٌ عَلى جُمْلَةِ أُصُولِ هَذا العِلْمِ عَلى أكْمَلِ الوُجُوهِ.
وأمّا القِسْمُ الخامِسُ: وهو مَعْرِفَةُ أسْماءِ اللَّهِ تَعالى فَهو مَذْكُورٌ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولِلَّهِ الأسْماءُ الحُسْنى فادْعُوهُ بِها﴾ [الأعراف: ١٨٠] فَهَذا كُلُّهُ يَتَعَلَّقُ بِمَعْرِفَةِ اللَّهِ.
وأمّا القِسْمُ الثّانِي: مِنَ الأُصُولِ المُعْتَبَرَةِ في الإيمانِ: الإقْرارُ بِالمَلائِكَةِ كَما قالَ تَعالى: ﴿والمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥]، والقُرْآنُ يَشْتَمِلُ عَلى شَرْحِ صِفاتِهِمْ؛ تارَةً عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ، وأُخْرى عَلى طَرِيقِ التَّفْصِيلِ، أمّا بِالإجْمالِ فَقَوْلُهُ: ﴿ومَلائِكَتِهِ﴾ وأمّا بِالتَّفْصِيلِ فَمِنها ما يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِمْ رُسُلَ اللَّهِ، قالَ تَعالى: ﴿جاعِلِ المَلائِكَةِ رُسُلًا﴾ [فاطر: ١]، ومِنها أنَّها مُدَبِّراتٌ لِهَذا العالَمِ، قالَ تَعالى: ﴿فالمُقَسِّماتِ أمْرًا﴾، ﴿فالمُدَبِّراتِ أمْرًا﴾ [النازعات: ٥]، وقالَ تَعالى: ﴿والصّافّاتِ صَفًّا﴾ [الصافات: ١] ومِنها حَمَلَةُ العَرْشِ، قالَ: ﴿ويَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهم يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٧]، ومِنها الحافُّونَ حَوْلَ العَرْشِ قالَ: ﴿وتَرى المَلائِكَةَ حافِّينَ مِن حَوْلِ العَرْشِ﴾
صفحة ٢٣٦
[الزمر: ٧٥]، ومِنها خَزَنَةُ النّارِ، قالَ تَعالى: ﴿عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ﴾ [التحريم: ٦]، ومِنها الكِرامُ الكاتِبُونَ قالَ: ﴿وإنَّ عَلَيْكم لَحافِظِينَ﴾ ﴿كِرامًا كاتِبِينَ﴾ [الانفطار: ١٠] ومِنها المُعَقِّباتُ، قالَ تَعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّباتٌ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ﴾ [الرعد: ١١] وقَدْ يَتَّصِلُ بِأحْوالِ المَلائِكَةِ أحْوالُ الجِنِّ والشَّياطِينِ.
وأمّا القِسْمُ الثّالِثُ: مِنَ الأُصُولِ المُعْتَبَرَةِ في الإيمانِ مَعْرِفَةُ الكُتُبِ، والقُرْآنُ يَشْتَمِلُ عَلى شَرْحِ أحْوالِ كِتابِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، قالَ تَعالى: ﴿فَتَلَقّى آدَمُ مِن رَبِّهِ كَلِماتٍ﴾ [البقرة: ٣٧] ومِنها أحْوالُ صُحُفِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، قالَ تَعالى: ﴿وإذِ ابْتَلى إبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة: ١٢٤]، ومِنها أحْوالُ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ والزَّبُورِ.
وأمّا القِسْمُ الرّابِعُ: مِنَ الأُصُولِ المُعْتَبَرَةِ في الإيمانِ مَعْرِفَةُ الرُّسُلِ، واللَّهُ تَعالى قَدْ شَرَحَ أحْوالَ البَعْضِ، وأبْهَمَ أحْوالَ الباقِينَ، قالَ: ﴿مِنهم مَن قَصَصْنا عَلَيْكَ ومِنهم مَن لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ [غافر: ٧٨] .
القِسْمُ الخامِسُ: ما يَتَعَلَّقُ بِأحْوالِ المُكَلَّفِينَ، وهي عَلى نَوْعَيْنِ:
الأوَّلُ: أنْ يُقِرُّوا بِوُجُوبِ هَذِهِ التَّكالِيفِ عَلَيْهِمْ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وقالُوا سَمِعْنا وأطَعْنا﴾ [البقرة: ٢٨٥] .
الثّانِي: أنْ يَعْتَرِفُوا بِصُدُورِ التَّقْصِيرِ عَنْهم في تِلْكَ الأعْمالِ، ثُمَّ طَلَبُوا المَغْفِرَةَ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿غُفْرانَكَ رَبَّنا﴾ [البقرة: ٢٨٥]، ثُمَّ لَمّا كانَتْ مَقادِيرُ رُؤْيَةِ التَّقْصِيرِ في مَواقِفِ العُبُودِيَّةِ بِحَسَبِ المُكاشَفاتِ في مُطالَعَةِ عِزَّةِ الرُّبُوبِيَّةِ أكْثَرَ، كانَتِ المُكاشَفاتُ في تَقْصِيرِ العُبُودِيَّةِ أكْثَرَ، وكانَ قَوْلُهُ: ﴿غُفْرانَكَ رَبَّنا﴾ أكْثَرَ.
القِسْمُ السّادِسُ: مَعْرِفَةُ المَعادِ والبَعْثِ والقِيامَةِ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وإلَيْكَ المَصِيرُ﴾ [البقرة: ٢٨٥]، وهَذا هو الإشارَةُ إلى مَعْرِفَةِ المَطالِبِ المُهِمَّةِ في طَلَبِ الدِّينِ، والقُرْآنُ بَحْرٌ لا نِهايَةَ لَهُ في تَقْرِيرِ هَذِهِ المَطالِبِ، وتَعْرِيفِها وشَرْحِها، ولا تَرى في مَشارِقِ الأرْضِ ومَغارِبِها كِتابًا يَشْتَمِلُ عَلى جُمْلَةِ هَذِهِ العُلُومِ كَما يَشْتَمِلُ القُرْآنُ عَلَيْها، ومَن تَأمَّلَ في هَذا التَّفْسِيرِ عَلِمَ أنّا لَمْ نَذْكُرْ مِن بِحارِ فَضائِلِ القُرْآنِ إلّا قَطْرَةً، ولَمّا كانَ الأمْرُ عَلى هَذِهِ الجُمْلَةِ، لا جَرَمَ مَدَحَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ القُرْآنَ، فَقالَ تَعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ﴾، واللَّهُ أعْلَمُ.
الصِّفَةُ الثّانِيَةُ مِن صِفاتِ القُرْآنِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كِتابًا مُتَشابِهًا﴾، أمّا الكِتابُ فَقَدْ فَسَّرْناهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَلِكَ الكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢]، وأمّا كَوْنُهُ مُتَشابِهًا فاعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ القُرْآنَ كُلَّهُ مُتَشابِهٌ، وقَوْلُهُ: ﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتابَ مِنهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتابِ وأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ﴾ [آل عمران: ٧] يَدُلُّ عَلى كَوْنِ البَعْضِ مُتَشابِهًا دُونَ البَعْضِ.
وأمّا كَوْنُهُ كُلِّهِ مُتَشابِهًا كَما في هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَعْناهُ أنَّهُ يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا، وأقُولُ: هَذا التَّشابُهُ يَحْصُلُ في أُمُورٍ:
أحَدُها: أنَّ الكاتِبَ البَلِيغَ إذا كَتَبَ كِتابًا طَوِيلًا، فَإنَّهُ يَكُونُ بَعْضُ كَلِماتِهِ فَصِيحًا، ويَكُونُ البَعْضُ غَيْرَ فَصِيحٍ، والقُرْآنُ يُخالِفُ ذَلِكَ، فَإنَّهُ فَصِيحٌ كامِلُ الفَصاحَةِ بِجَمِيعِ أجْزائِهِ.
وثانِيها: أنَّ الفَصِيحَ إذا كَتَبَ كِتابًا في واقِعَةٍ بِألْفاظٍ فَصَيْحَةٍ، فَلَوْ كَتَبَ كِتابًا آخَرَ في غَيْرِ تِلْكَ الواقِعَةِ كانَ الغالِبُ أنَّ كَلامَهُ في الكِتابِ الثّانِي غَيْرُ كَلامِهِ في الكِتابِ الأوَّلِ، واللَّهُ تَعالى حَكى قِصَّةَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ مِنَ القُرْآنِ، وكُلُّها مُتَساوِيَةٌ مُتَشابِهَةٌ في الفَصاحَةِ.
وثالِثُها: أنَّ كُلَّ ما فِيهِ مِنَ الآياتِ والبَياناتِ فَإنَّهُ يُقَوِّي بَعْضُها بَعْضًا، ويُؤَكِّدُ بَعْضُها بَعْضًا.
ورابِعُها: أنَّ هَذِهِ الأنْواعَ الكَثِيرَةَ مِنَ العُلُومِ الَّتِي عَدَدْناها مُتَشابِهَةً مُتَشارِكَةٌ في أنَّ المَقْصُودَ مِنها بِأسْرِها الدَّعْوَةُ إلى الدِّينِ وتَقْرِيرُ عَظَمَةِ اللَّهِ، ولِذَلِكَ فَإنَّكَ لا تَرى قِصَّةً مِنَ القِصَصِ إلّا ويَكُونُ مُحَصِّلُها المَقْصُودَ الَّذِي ذَكَرْناهُ، فَهَذا هو المُرادُ مِن كَوْنِهِ مُتَشابِهًا، واللَّهُ الهادِي.
صفحة ٢٣٧
الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: مِن صِفاتِ القُرْآنِ كَوْنُهُ ”مَثانِيَ“، وقَدْ بالَغْنا في تَفْسِيرِ هَذِهِ اللَّفْظَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ المَثانِي﴾ [الحجر: ٨٧]، وبِالجُمْلَةِ فَأكْثَرُ الأشْياءِ المَذْكُورَةِ وقَعَتْ زَوْجَيْنِ زَوْجَيْنِ، مِثْلَ: الأمْرِ والنَّهْيِ، والعامِّ والخاصِّ، والمُجْمَلِ والمُفَصَّلِ، وأحْوالِ السَّماواتِ والأرْضِ، والجَنَّةِ والنّارِ، والظُّلْمَةِ والضَّوْءِ، واللَّوْحِ والقَلَمِ، والمَلائِكَةِ والشَّياطِينِ، والعَرْشِ والكُرْسِيِّ، والوَعْدِ والوَعِيدِ، والرَّجاءِ والخَوْفِ، والمَقْصُودُ مِنهُ بَيانُ أنَّ كُلَّ ما سِوى الحَقِّ زَوْجٌ، ويَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ شَيْءٍ مُبْتَلًى بِضِدِّهِ ونَقِيضِهِ، وأنَّ الفَرْدَ الأحَدَ الحَقَّ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ.
الصِّفَةُ الرّابِعَةُ: مِن صِفاتِ القُرْآنِ قَوْلُهُ: ﴿تَقْشَعِرُّ مِنهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهم وقُلُوبُهم إلى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٢٣]، وفِيهِ مَسائِلُ:
* * *
المَسْألَةُ الأُولى: مَعْنى ﴿تَقْشَعِرُّ مِنهُ جُلُودُ﴾ تَأْخُذُهم قُشَعْرِيرَةٌ، وهي تَغَيُّرٌ يَحْدُثُ في جِلْدِ الإنْسانِ عِنْدَ الوَجَلِ والخَوْفِ، قالَ المُفَسِّرُونَ: والمَعْنى أنَّهم عِنْدَ سَماعِ آياتِ الرَّحْمَةِ والإحْسانِ يَحْصُلُ لَهُمُ الفَرَحُ فَتَلِينُ قُلُوبُهم إلى ذِكْرِ اللَّهِ، وأقُولُ: إنَّ المُحَقِّقِينَ مِنَ العارِفِينَ قالُوا: السّائِرُونَ في مَبْدَأِ جَلالِ اللَّهِ إنْ نَظَرُوا إلى عالَمِ الجَلالِ طاشُوا، وإنْ لاحَ لَهم أثَرٌ مِن عالَمِ الجَمالِ عاشُوا، ويَجِبُ عَلَيْنا أنْ نَذْكُرَ في هَذا البابِ مَزِيدَ شَرْحٍ وتَقْرِيرٍ، فَنَقُولَ: الإنْسانُ إذا تَأمَّلَ في الدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى أنَّهُ يَجِبُ تَنْزِيهُ اللَّهِ عَنِ التَّحَيُّزِ والجِهَةِ، فَهُنا يَقْشَعِرُّ جِلْدُهُ، لِأنَّ إثْباتَ مَوْجُودٍ لا داخِلَ العالَمِ ولا خارِجَهُ، ولا مُتَّصِلٌ بِالعالَمِ ولا مُنْفَصِلٌ عَنِ العالَمِ، مِمّا يَصْعُبُ تَصَوُّرُهُ، فَهَهُنا تَقْشَعِرُّ الجُلُودُ، أمّا إذا تَأمَّلَ في الدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى أنَّهُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ فَرْدًا أحَدًا، وثَبَتَ أنَّ كُلَّ مُتَحَيِّزٍ فَهو مُنْقَسِمٌ، فَهَهُنا يَلِينُ جِلْدُهُ وقَلْبُهُ إلى ذِكْرِ اللَّهِ.
وأيْضًا إذا أرادَ أنْ يُحِيطَ عَقْلُهُ بِمَعْنى الأزَلِ فَيَتَقَدَّمَ في ذِهْنِهِ بِمِقْدارِ ألْفِ ألْفِ سَنَةٍ ثُمَّ يَتَقَدَّمَ أيْضًا بِحَسَبِ كُلِّ لَحْظَةٍ مِن لَحَظاتِ تِلْكَ المُدَّةِ ألْفِ ألْفِ سَنَةٍ، ولا يَزالُ يَحْتالُ ويَتَقَدَّمُ ويَتَخَيَّلُ في الذِّهْنِ، فَإذا بالَغَ وتَوَغَّلَ وظَنَّ أنَّهُ اسْتَحْضَرَ مَعْنى الأزَلِ، قالَ العَقْلُ: هَذا لَيْسَ بِشَيْءٍ، لِأنَّ كُلَّ ما اسْتَحْضَرْتُهُ فِيَّ فَهو مُتَناهٍ، والأزَلُ هو الوُجُودُ المُتَقَدِّمُ عَلى هَذِهِ المُدَّةِ المُتَناهِيَةِ، فَهَهُنا يَتَحَيَّرُ العَقْلُ ويَقْشَعِرُّ الجِلْدُ، وأمّا إذا تَرَكَ هَذا الِاعْتِبارَ، وقالَ هَهُنا مَوْجُودٌ، والمَوْجُودُ إمّا واجِبٌ وإمّا مُمْكِنٌ، فَإنْ كانَ واجِبًا فَهو دائِمًا مُنَزَّهٌ عَنِ الأوَّلِ والآخِرِ، وإنْ كانَ مُمْكِنًا فَهو مُحْتاجٌ إلى الواجِبِ فَيَكُونُ أزَلِيًّا أبَدِيًّا، فَإذا اعْتَبَرَ العَقْلُ فَهِمَ مَعْنى الأزَلِيَّةِ، فَهَهُنا يَلِينُ جِلْدُهُ وقَلْبُهُ إلى ذِكْرِ اللَّهِ، فَثَبَتَ أنَّ المَقامَيْنِ المَذْكُورَيْنِ في الآيَةِ لا يَجِبُ قَصْرُهُما عَلى سَماعِ آيَةِ العَذابِ وآيَةِ الرَّحْمَةِ، بَلْ ذاكَ أُولى تِلْكَ المَراتِبِ، وبَعْدَهُ مَراتِبُ لا حَدَّ لَها ولا حَصْرَ في حُصُولِ تِلْكَ الحالَتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: رَوى الواحِدِيُّ في ”البَسِيطِ“ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قالَ: القُرْآنُ دَلَّ عَلى أنَّ أوْلِياءَ اللَّهِ مَوْصُوفُونَ بِأنَّهم عِنْدَ المُكاشَفاتِ والمُشاهَداتِ، تارَةً تَقْشَعِرُّ جُلُودُهم وأُخْرى تَلِينُ جُلُودُهم وقُلُوبُهم إلى ذِكْرِ اللَّهِ، ولَيْسَ فِيهِ أنَّ عُقُولَهم تَزُولُ وأنَّ أعْضاءَهم تَضْطَرِبُ، فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّ تِلْكَ الأحْوالَ لَوْ حَصَلَتْ لَكانَتْ مِنَ الشَّيْطانِ، وأقُولُ: هَهُنا بَحْثٌ آخَرُ، وهو أنَّ الشَّيْخَ أبا حامِدٍ الغَزالِيَّ أوْرَدَ مَسْألَةً في كِتابِ إحْياءِ عُلُومِ الدِّينِ، وهي أنّا نَرى كَثِيرًا مِنَ النّاسِ يَظْهَرُ عَلَيْهِ الوَجْدُ الشَّدِيدُ التّامُّ عِنْدَ سَماعِ الأبْياتِ المُشْتَمِلَةِ عَلى شَرْحِ الوَصْلِ والهَجْرِ، وعِنْدَ سَماعِ الآياتِ لا يَظْهَرُ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن هَذِهِ الأحْوالِ، ثُمَّ إنَّهُ سَلَّمَ هَذا المَعْنى وذَكَرَ العُذْرَ فِيهِ مِن وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ، وأنا أقُولُ: إنِّي خُلِقْتُ مَحْرُومًا عَنْ هَذا المَعْنى، فَإنِّي كُلَّما تَأمَّلْتُ في أسْرارِ القُرْآنِ اقْشَعَرَّ
صفحة ٢٣٨
جِلْدِي ووَقَفَ شَعْرِي وحَصَلَتْ في قَلْبِي دَهْشَةٌ ورَوْعَةٌ، وكُلَّما سَمِعْتُ تِلْكَ الأشْعارِ غَلَبَ الهَزْلُ عَلَيَّ وما وجَدْتُ ألْبَتَّةَ في نَفْسِي مِنها أثَرًا، وأظُنُّ أنَّ المَنهَجَ القَوِيمَ والصِّراطَ المُسْتَقِيمَ هو هَذا، وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ تِلْكَ الأشْعارَ كَلِماتٌ مُشْتَمِلَةٌ عَلى وصْلٍ وهَجْرٍ وبُغْضٍ وحُبٍّ تَلِيقُ بِالخَلْقِ، وإثْباتُهُ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى كُفْرٌ، وأمّا الِانْتِقالُ مِن تِلْكَ الأحْوالِ إلى مَعانٍ لائِقَةٍ بِجَلالِ اللَّهِ فَلا يَصِلُ إلَيْها إلّا العُلَماءُ الرّاسِخُونَ في العِلْمِ، وأمّا المَعانِي الَّتِي يَشْتَمِلُ عَلَيْها القُرْآنُ فَهي أحْوالٌ لائِقَةٌ بِجَلالِ اللَّهِ، فَمَن وقَفَ عَلَيْها عَظُمَ الوَلَهُ في قَلْبِهِ، فَإنَّ مَن كانَ عِنْدَهُ نُورُ الإيمانِ وجَبَ أنْ يَعْظُمَ اضْطِرابُهُ عِنْدَ سَماعِ قَوْلِهِ: ﴿وعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ لا يَعْلَمُها إلّا هُوَ﴾ [الأنعام: ٥٩] إلى آخِرِ الآيَةِ.
والثّانِي: وهو أنِّي سَمِعْتُ بَعْضَ المَشايِخِ قالَ: كَما أنَّ الكَلامَ لَهُ أثَرٌ، فَكَذَلِكَ صُدُورُ ذَلِكَ الكَلامِ مِنَ القائِلِ المُعَيَّنِ لَهُ أثَرٌ، لِأنَّ قُوَّةَ نَفْسِ القائِلِ تُعِينُ عَلى نَفاذِ الكَلامِ في الرُّوحِ، والقائِلُ في القُرْآنِ هُنا هو اللَّهُ بِواسِطَةِجِبْرِيلَ بِتَبْلِيغِ الرَّسُولِ المَعْصُومِ، والقائِلُ هُناكَ شاعِرٌ كَذّابٌ مَمْلُوءٌ مِنَ الشَّهْوَةِ وداعِيَةِ الفُجُورِ.
والثّالِثُ: أنَّ مَدارَ القُرْآنِ عَلى الدَّعْوَةِ إلى الحَقِّ، قالَ تَعالى: ﴿وإنَّكَ لَتَهْدِي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ صِراطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ [الشورى: ٥٣]، وأمّا الشِّعْرُ فَمَدارُهُ عَلى الباطِلِ، قالَ تَعالى: ﴿والشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الغاوُونَ﴾ ﴿ألَمْ تَرَ أنَّهم في كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ﴾ ﴿وأنَّهم يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٤] فَهَذِهِ الوُجُوهُ الثَّلاثَةُ فُرُوقٌ ظاهِرَةٌ، وأمّا ما يَتَعَلَّقُ بِالوُجْدانِ مِنَ النَّفْسِ فَإنَّ كُلَّ أحَدٍ إنَّما يُخْبِرُ عَمّا يَجِدُهُ مِن نَفْسِهِ، والَّذِي وجَدْتُهُ مِنَ النَّفْسِ والعَقْلِ ما ذَكَرْتُهُ، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في بَيانِ ما بَقِيَ مِنَ المُشْكِلاتِ في هَذِهِ الآيَةِ، ونَذْكُرُها في مَعْرِضِ السُّؤالِ والجَوابِ.
السُّؤالُ الأوَّلُ: كَيْفَ تَرْكِيبُ لَفْظِ القُشَعْرِيرَةِ، الجَوابُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: تَرْكِيبُهُ مِن حُرُوفِ التَّقَشُّعِ، وهو الأدِيمُ اليابِسُ، مَضْمُومًا إلَيْها حَرْفٌ رابِعٌ، وهو الرّاءُ؛ لِيَكُونَ رُباعِيًّا ودالًّا عَلى مَعْنًى زائِدٍ، يُقالُ: اقْشَعَرَّ جِلْدُهُ مِنَ الخَوْفِ ووَقَفَ شَعْرُهُ، وذَلِكَ مَثَلٌ في شِدَّةِ الخَوْفِ.
السُّؤالُ الثّانِي: كَيْفَ قالَ: ﴿تَلِينُ جُلُودُهم وقُلُوبُهم إلى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ وما الوَجْهُ في تَعَدِّيهِ بِحَرْفِ ”إلى“ ؟ والجَوابُ: التَّقْدِيرُ تَلِينُ جُلُودُهم وقُلُوبُهم حالَ وُصُولِها إلى حَضْرَةِ اللَّهِ، وهو لا يُحَسُّ بِالإدْراكِ.
السُّؤالُ الثّالِثُ: لِمَ قالَ ”إلى ذِكْرِ اللَّهِ“، ولَمْ يَقُلْ: إلى ذِكْرِ رَحْمَةِ اللَّهِ ؟ والجَوابُ: أنَّ مَن أحَبَّ اللَّهَ لِأجْلِ رَحْمَتِهِ فَهو ما أحَبَّ اللَّهَ، وإنَّما أحَبَّ شَيْئًا غَيْرَهُ، وأمّا مَن أحَبَّ اللَّهَ لا لِشَيْءٍ سِواهُ، فَهَذا هو المُحِبُّ المُحِقُّ، وهو الدَّرَجَةُ العالِيَةُ، فَلِهَذا السَّبَبِ لَمْ يَقُلْ: ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهم وقُلُوبُهم إلى ذِكْرِ رَحْمَةِ اللَّهِ، بَلْ قالَ: إلى ذِكْرِ اللَّهِ، وقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى هَذا المَعْنى في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ﴾ [الأنعام: ١٢٥]، وفي قَوْلِهِ: ﴿ألا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨]، وأيْضًا قالَ لِأُمَّةِ مُوسى: ﴿يابَنِي إسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠]، وقالَ أيْضًا لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿فاذْكُرُونِي أذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢] .
السُّؤالُ الرّابِعُ: لِمَ قالَ في جانِبِ الخَوْفِ قُشَعْرِيرَةُ الجُلُودِ فَقَطْ، وفي جانِبِ الرَّجاءِ لِينُ الجُلُودِ والقُلُوبِ مَعًا ؟ والجَوابُ: لِأنَّ المُكاشَفَةَ في مَقامِ الرَّجاءِ أكْمَلُ مِنها في مَقامِ الخَوْفِ، لِأنَّ الخَيْرَ مَطْلُوبٌ بِالذّاتِ، والشَّرَّ مَطْلُوبٌ بِالعَرَضِ، ومَحَلُّ المُكاشَفاتِ هو القُلُوبُ والأرْواحُ، واللَّهُ أعْلَمُ.
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ القُرْآنَ بِهَذِهِ الصِّفاتِ قالَ: ﴿ذَلِكَ هُدى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشاءُ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾
صفحة ٢٣٩
، فَقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى الكِتابِ، وهو هُدى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ، وهو الَّذِي شَرَحَ صَدْرَهُ أوَّلًا لِقَبُولِ هَذِهِ الهِدايَةِ ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ﴾ أيْ مَن جَعَلَ قَلْبَهُ قاسِيًا مُظْلِمًا بَلِيدَ الفَهْمِ مُنافِيًا لِقَبُولِ هَذِهِ الهِدايَةِ ﴿فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ واسْتِدْلالُ أصْحابِنا بِهَذِهِ الآيَةِ وسُؤالاتُ المُعْتَزِلَةِ وجَوّاباتُ أصْحابِنا عَيْنُ ما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ﴾ [الأنعام: ١٢٥] .
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ تَعالى حَكَمَ عَلى القاسِيَةِ قُلُوبُهم بِحُكْمٍ في الدُّنْيا وبِحُكْمٍ في الآخِرَةِ، أمّا حُكْمُهم في الدُّنْيا فَهو الضَّلالُ التّامُّ؛ كَما قالَ: ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾، وأمّا حُكْمُهم في الآخِرَةِ فَهو العَذابُ الشَّدِيدُ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ﴾، وتَقْرِيرُهُ: أنَّ أشْرَفَ الأعْضاءِ هو الوَجْهُ، لِأنَّهُ مَحَلُّ الحُسْنِ والصَّباحَةِ، وهو أيْضًا صَوْمَعَةُ الحَواسِّ، وإنَّما يَتَمَيَّزُ بَعْضُ النّاسِ عَنْ بَعْضٍ بِسَبَبِ الوَجْهِ، وأثَرُ السَّعادَةِ والشَّقاوَةِ لا يَظْهَرُ إلّا في الوَجْهِ، قالَ تَعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ﴾ ﴿ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ ﴿ووُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ﴾ ﴿تَرْهَقُها قَتَرَةٌ﴾ ﴿أُولَئِكَ هُمُ الكَفَرَةُ الفَجَرَةُ﴾ [ عَبَسَ: ٣٨ – ٤٢ ] ويُقالُ لِمُقَدَّمِ القَوْمِ: يا وجْهَ العَرَبِ، ويُقالُ لِلطَّرِيقِ الدّالِّ عَلى كُنْهِ حالِ الشَّيْءِ: وجْهُ كَذا هو كَذا، فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا أنَّ أشْرَفَ الأعْضاءِ هو الوَجْهُ، فَإذا وقَعَ الإنْسانُ في نَوْعٍ مِن أنْواعِ العَذابِ فَإنَّهُ يَجْعَلُ يَدَهُ وِقايَةً لِوَجْهِهِ وفِداءً لَهُ، وإذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إذا كانَ القادِرُ عَلى الِاتِّقاءِ يَجْعَلُ كُلَّ ما سِوى الوَجْهِ فِداءً لِلْوَجْهِ - لا جَرَمَ حَسُنَ جَعْلُ الِاتِّقاءِ بِالوَجْهِ كِنايَةً عَنِ العَجْزِ عَنِ الِاتِّقاءِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُ النّابِغَةِ:
ولا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أنَّ سُيُوفَهم بِهِنَّ فُلُولٌ مِن قِراعِ الكَتائِبِ
أيْ: لا عَيْبَ فِيهِمْ إلّا هَذا، وهو لَيْسَ بِعَيْبٍ، فَلا عَيْبَ فِيهِمْ إذَنْ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، فَكَذا هَهُنا لا يَقْدِرُونَ عَلى الِاتِّقاءِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ إلّا بِالوَجْهِ، وهَذا لَيْسَ بِاتِّقاءٍ، فَلا قُدْرَةَ لَهم عَلى الِاتِّقاءِ ألْبَتَّةَ، ويُقالُ أيْضًا: إنَّ الَّذِي يُلْقى في النّارِ يُلْقى مَغْلُولَةٌ يَداهُ إلى عُنُقِهِ، ولا يَتَهَيَّأُ لَهُ أنْ يَتَّقِيَ النّارَ إلّا بِوَجْهِهِ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: جَوابُهُ مَحْذُوفٌ، وتَقْدِيرُهُ: أفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ كَمَن هو آمِنٌ مِنَ العَذابِ، فَحُذِفَ الخَبَرُ كَما حُذِفَ في نَظائِرِهِ، وسُوءُ العَذابِ شِدَّتُهُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وقِيلَ لِلظّالِمِينَ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ ولَمّا بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى كَيْفِيَّةَ عَذابِ القاسِيَةِ قُلُوبُهم في الآخِرَةِ بَيَّنَ أيْضًا كَيْفِيَّةَ وُقُوعِهِمْ في العَذابِ في الدُّنْيا، فَقالَ: ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأتاهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾، وهَذا تَنْبِيهٌ عَلى حالِ هَؤُلاءِ؛ لِأنَّ الفاءَ في قَوْلِهِ: ﴿فَأتاهُمُ العَذابُ﴾ تَدُلُّ عَلى أنَّهم إنَّما أتاهُمُ العَذابُ بِسَبَبِ التَّكْذِيبِ، فَإذا كانَ التَّكْذِيبُ حاصِلًا هَهُنا لَزِمَ حُصُولُ العَذابِ؛ اسْتِدْلالًا بِالعِلَّةِ عَلى المَعْلُولِ، وقَوْلُهُ: ﴿مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ أيْ: مِنَ الجِهَةِ الَّتِي لا يَحْسَبُونَ ولا يَخْطُرُ بِبالِهِمْ أنَّ الشَّرَّ يَأْتِيهِمْ مِنها، بَيْنَما هم آمِنُونَ إذْ أتاهُمُ العَذابُ مِنَ الجِهَةِ الَّتِي تَوَقَّعُوا الأمْنَ مِنها، ولَمّا بَيَّنَ أنَّهُ أتاهُمُ العَذابُ في الدُّنْيا بَيَّنَ أيْضًا أنَّهُ أتاهُمُ الخِزْيُ، وهو الذُّلُّ والصَّغارُ والهَوانُ، والفائِدَةُ في ذِكْرِ هَذا القَيْدِ أنَّ العَذابَ التّامَّ هو أنْ يَحْصُلَ فِيهِ الألَمُ مَقْرُونًا بِالهَوانِ والذُّلِّ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿ولَعَذابُ الآخِرَةِ أكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ يَعْنِي أنَّ أُولَئِكَ وإنْ نَزَلَ عَلَيْهِمُ العَذابُ والخِزْيُ كَما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، فالعَذابُ المُدَّخَرُ لَهم في يَوْمِ القِيامَةِ أكْبَرُ وأعْظَمُ مِن ذَلِكَ الَّذِي وقَعَ، والمَقْصُودُ مِن كُلِّ ذَلِكَ التَّخْوِيفُ والتَّرْهِيبُ، فَلَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الفَوائِدَ المُتَكاثِرَةَ والنَّفائِسَ المُتَوافِرَةَ في هَذِهِ المَطالِبِ بَيَّنَ
صفحة ٢٤٠
تَعالى أنَّهُ بَلَغَتْ هَذِهِ البَياناتُ إلى حَدِّ الكَمالِ والتَّمامِ، فَقالَ: ﴿ولَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ والمَقْصُودُ ظاهِرٌ، وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ أفْعالَ اللَّهِ وأحْكامَهُ مُعَلَّلَةٌ، ودَلَّتْ أيْضًا عَلى أنَّهُ يُرِيدُ الإيمانَ والمَعْرِفَةَ مِنَ الكُلِّ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ﴾ مُشْعِرٌ بِالتَّعْلِيلِ، وقَوْلُهُ في آخِرِ الآيَةِ: ﴿لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ مُشْعِرٌ بِالتَّعْلِيلِ أيْضًا، ومُشْعِرٌ بِأنَّ المَقْصُودَ مِن ضَرْبِ هَذِهِ الأمْثالِ إرادَةُ حُصُولِ التَّذَكُّرِ والعِلْمِ، ولَمّا كانَتْ هَذِهِ البَياناتُ النّافِعَةُ والبَيِّناتُ الباهِرَةُ مَوْجُودَةً في القُرْآنِ، لا جَرَمَ وُصِفَ القُرْآنُ بِالمَدْحِ والثَّناءِ، فَقالَ: ﴿قُرْءانًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: احْتَجَّ القائِلُونَ بِحُدُوثِ القُرْآنِ بِهَذِهِ الآيَةِ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى إنَّما ذَكَرَ هَذِهِ الأمْثالَ لِيَحْصُلَ لَهُمُ التَّذَكُّرُ، والشَّيْءُ الَّذِي يُؤْتى بِهِ لِغَرَضٍ آخَرَ يَكُونُ مُحْدَثًا، فَإنَّ القَدِيمَ هو الَّذِي يَكُونُ مَوْجُودًا في الأزَلِ، وهَذا يُمْتَنَعُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ إنَّما أتى بِهِ لِغَرَضِ كَذا وكَذا.
والثّانِي: أنَّهُ وصَفَهُ بِكَوْنِهِ عَرَبِيًّا، وإنَّما كانَ عَرَبِيًّا لِأنَّ هَذِهِ الألْفاظَ إنَّما صارَتْ دالَّةً عَلى هَذِهِ المَعانِي بِوَضْعِ العَرَبِ وبِاصْطِلاحِهِمْ، وما كانَ حُصُولُهُ بِسَبَبِ أوْضاعِ العَرَبِ واصْطِلاحاتِهِمْ كانَ مَخْلُوقًا مُحْدَثًا.
الثّالِثُ: أنَّهُ وصَفَهُ بِكَوْنِهِ قُرْآنًا، والقُرْآنُ عِبارَةٌ عَنِ القِراءَةِ، والقِراءَةُ مَصْدَرٌ، والمَصْدَرُ هو المَفْعُولُ المُطْلَقُ، فَكانَ فِعْلًا ومَفْعُولًا، والجَوابُ: أنّا نَحْمِلُ كُلَّ هَذِهِ الوُجُوهِ عَلى الحُرُوفِ والأصْواتِ، وهي حادِثَةٌ ومُحْدَثَةٌ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الزَّجّاجُ: قَوْلُهُ ﴿عَرَبِيًّا﴾ مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، والمَعْنى ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ في حالِ عَرَبِيَّتِهِ وبَيانِهِ، ويَجُوزُ أنْ يُنْتَصَبَ عَلى المَدْحِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أنَّهُ تَعالى وصَفَهُ بِثَلاثَةٍ:
أوَّلُها: كَوْنُهُ قُرْآنًا، والمُرادُ كَوْنُهُ مَتْلُوًّا في المَحارِيبِ إلى قِيامِ القِيامَةِ، كَما قالَ: ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذِّكْرَ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] .
وثانِيها: كَوْنُهُ عَرَبِيًّا، والمُرادُ أنَّهُ أعْجَزَ الفُصَحاءَ والبُلَغاءَ عَنْ مُعارَضَتِهِ كَما قالَ: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ والجِنُّ عَلى أنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذا القُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ ولَوْ كانَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨] .
وثالِثُها: كَوْنُهُ ﴿غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ والمُرادُ بَراءَتُهُ عَنِ التَّناقُضِ، كَما قالَ: ﴿ولَوْ كانَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾، فالمُعْتَزِلَةُ يَتَمَسَّكُونَ بِهِ في تَعْلِيلِ أحْكامِ اللَّهِ تَعالى.
وفِيهِ بَحْثٌ آخَرُ: وهو أنَّهُ تَعالى قالَ في الآيَةِ الأُولى: ﴿لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾، وقالَ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾، والسَّبَبُ فِيهِ أنَّ التَّذَكُّرَ مُتَقَدِّمٌ عَلى الِاتِّقاءِ، لِأنَّهُ إذا تَذَكَّرَهُ وعَرَفَهُ ووَقَفَ عَلى فَحْواهُ وأحاطَ بِمَعْناهُ، حَصَلَ الِاتِّقاءُ والِاحْتِرازُ، واللَّهُ أعْلَمُ.
الزمر 39:24
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ فَهو عَلى نُورٍ مِن رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهم مِن ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ كِتابًا مُتَشابِهًا مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهم وقُلُوبُهم إلى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشاءُ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ ﴿أفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ وقِيلَ لِلظّالِمِينَ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأتاهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ ﴿فَأذاقَهُمُ اللَّهُ الخِزْيَ في الحَياةِ الدُّنْيا ولَعَذابُ الآخِرَةِ أكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ ﴿قُرْءانًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾، وفِيهِ مَسائِلُ:
* * *
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بالَغَ في تَقْرِيرِ البَياناتِ الدّالَّةِ عَلى وُجُوبِ الإقْبالِ عَلى طاعَةِ اللَّهِ تَعالى ووُجُوبِ الإعْراضِ عَنِ الدُّنْيا، بَيَّنَ بَعْدَ ذَلِكَ أنَّ الِانْتِفاعَ بِهَذِهِ البَياناتِ لا يَكْمُلُ إلّا إذا شَرَحَ اللَّهُ الصُّدُورَ، ونَوَّرَ القُلُوبَ، فَقالَ: ﴿أفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ فَهو عَلى نُورٍ مِن رَبِّهِ﴾ .
واعْلَمْ أنّا بالَغْنا في سُورَةِ الأنْعامِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ﴾ [الأنعام: ١٢٥] في تَفْسِيرِ شَرْحِ الصَّدْرِ، وفي تَفْسِيرِ الهِدايَةِ، ولا بَأْسَ بِإعادَةِ كَلامٍ قَلِيلٍ هَهُنا، فَنَقُولُ: إنَّهُ تَعالى خَلَقَ جَواهِرَ النُّفُوسِ مُخْتَلِفَةً بِالماهِيَّةِ، فَبَعْضُها خَيِّرَةٌ نُورانِيَّةٌ شَرِيفَةٌ مائِلَةٌ إلى الإلَهِيّاتِ عَظِيمَةُ الرَّغْبَةِ في الِاتِّصالِ بِالرُّوحانِيّاتِ، وبَعْضُها نَذْلَةٌ كَدِرَةٌ خَسِيسَةٌ مائِلَةٌ إلى الجُسْمانِيّاتِ، وفي هَذا التَّفاوُتِ أمْرٌ حاصِلٌ في جَواهِرِ النُّفُوسِ البَشَرِيَّةِ، والِاسْتِقْراءُ يَدُلُّ عَلى أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: المُرادُ بِشَرْحِ الصَّدْرِ هو ذَلِكَ الِاسْتِعْدادُ الشَّدِيدُ المَوْجُودُ في فِطْرَةِ النَّفْسِ، وإذا كانَ ذَلِكَ الِاسْتِعْدادُ الشَّدِيدُ حاصِلًا كَفى خُرُوجُ تِلْكَ الحالَةِ مِنَ القُوَّةِ إلى الفِعْلِ بِأدْنى سَبَبٍ، مِثْلَ الكِبْرِيتِ الَّذِي يَشْتَعِلُ بِأدْنى نارٍ، أمّا إذا كانَتِ النَّفْسُ بَعِيدَةً عَنْ قَبُولِ هَذِهِ الجَلايا القُدْسِيَّةِ والأحْوالِ الرُّوحانِيَّةِ، بَلْ كانَتْ مُسْتَغْرِقَةً في طَلَبِ الجُسْمانِيّاتِ قَلِيلَةَ التَّأثُّرِ عَنِ الأحْوالِ المُناسِبَةِ لِلْإلَهِيّاتِ، فَكانَتْ قاسِيَةً كَدِرَةً ظَلْمانِيَّةً، وكُلَّما كانَ إيرادُ الدَّلائِلِ اليَقِينِيَّةِ والبَراهِينِ الباهِرَةِ عَلَيْها أكْثَرَ، كانَتْ قَسْوَتُها وظُلْمَتُها أقَلَّ.
إذا عَرَفْتَ هَذِهِ القاعِدَةَ فَنَقُولُ: أمّا شَرْحُ الصَّدْرِ فَهو ما ذَكَرْناهُ، وأمّا النُّورُ فَهو عِبارَةٌ عَنِ الهِدايَةِ والمَعْرِفَةِ، وما لَمْ يَحْصُلْ شَرْحُ الصَّدْرِ أوَّلًا لَمْ يَحْصُلِ النُّورُ ثانِيًا، وإذا كانَ الحاصِلُ هو القُوَّةَ النَّفْسانِيَّةَ لَمْ يَحْصُلِ الِانْتِفاعُ البَتَّةَ بِسَماعِ الدَّلائِلِ، ورُبَّما صارَ سَماعُ الدَّلائِلِ سَبَبًا لِزِيادَةِ القَسْوَةِ ولِشِدَّةِ النَّفْرَةِ، فَهَذِهِ أُصُولٌ يَقِينِيَّةٌ يَجِبُ أنْ تَكُونَ مَعْلُومَةً عِنْدَ الإنْسانِ حَتّى يُمْكِنَهُ الوُقُوفُ عَلى مَعانِي هَذِهِ الآياتِ، أمّا اسْتِدْلالُ أصْحابِنا في مَسْألَةِ الجَبْرِ والقَدَرِ، وكَلامُ الخُصُومِ عَلَيْهِ فَقَدْ تَقَدَّمَ هُناكَ، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: مِن مَحْذُوفِ الخَبَرِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿أمْ مَن هو قانِتٌ﴾، والتَّقْدِيرُ: أفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ فاهْتَدى كَمَن طُبِعَ عَلى قَلْبِهِ فَلَمْ يَهْتَدِ لِقَسْوَتِهِ، والجَوابُ مَتْرُوكٌ، لِأنَّ الكَلامَ المَذْكُورَ دَلَّ عَلَيْهِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهم مِن ذِكْرِ اللَّهِ﴾ .
صفحة ٢٣٢
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ ﴿فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهم مِن ذِكْرِ اللَّهِ﴾ فِيهِ سُؤالٌ، وهو أنَّ ذِكْرَ اللَّهِ سَبَبٌ لِحُصُولِ النُّورِ والهِدايَةِ وزِيادَةِ الِاطْمِئْنانِ، كَما قالَ: ﴿ألا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨] فَكَيْفَ جَعَلَهُ في هَذِهِ الآيَةِ سَبَبًا لِحُصُولِ قَسْوَةِ القَلْبِ، والجَوابُ أنْ نَقُولَ: إنَّ النَّفْسَ إذا كانَتْ خَبِيثَةَ الجَوْهَرِ، كَدِرَةَ العُنْصُرِ، بَعِيدَةً عَنْ مُناسَبَةِ الرُّوحانِيّاتِ، شَدِيدَةَ المَيْلِ إلى الطَّبائِعِ البَهِيمِيَّةِ، والأخْلاقِ الذَّمِيمَةِ، فَإنَّ سَماعَها لِذِكْرِ اللَّهِ يَزِيدُها قَسْوَةً وكُدُورَةً، وتَقْرِيرُ هَذا الكَلامِ بِالأمْثِلَةِ، فَإنَّ الفاعِلَ الواحِدَ تَخْتَلِفُ أفْعالُهُ بِحَسَبِ اخْتِلافِ القَوابِلِ؛ كَنُورِ الشَّمْسِ يُسَوِّدُ وجْهَ القَصّارِ ويُبَيِّضُ ثَوْبَهُ، وحَرارَةِ الشَّمْسِ تُلِينُ الشَّمْعَ وتُعَقِّدُ المِلْحَ، وقَدْ نَرى إنْسانًا واحِدًا يَذْكُرُ كَلامًا واحِدًا في مَجْلِسٍ واحِدٍ، فَيَسْتَطِيبُهُ واحِدٌ ويَسْتَكْرِهُهُ غَيْرُهُ، وما ذاكَ إلّا ما ذَكَرْناهُ مِنِ اخْتِلافِ جَواهِرِ النُّفُوسِ، ومِنِ اخْتِلافِ أحْوالِ تِلْكَ النُّفُوسِ، «ولَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٢] وكانَ قَدْ حَضَرَ هُناكَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ وإنْسانٌ آخَرُ، فَلَمّا انْتَهى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ أنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ [المؤمنون: ١٤] قالَ كُلٌّ واحِدٌ مِنهم: ﴿فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤] فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: اكْتُبْ، فَهَكَذا أُنْزِلَتْ فازْدادَ عُمَرُ إيمانًا عَلى إيمانٍ، وازْدادَ ذَلِكَ الإنْسانُ كُفْرًا عَلى كُفْرٍ»، إذا عَرَفْتَ هَذا لَمْ يَبْعُدْ أيْضًا أنْ يَكُونَ ذِكْرُ اللَّهِ يُوجِبُ النُّورَ والهِدايَةَ والِاطْمِئْنانَ في النُّفُوسِ الطّاهِرَةِ الرُّوحانِيَّةِ، ويُوجِبُ القَسْوَةَ والبُعْدَ عَنِ الحَقِّ في النُّفُوسِ الخَبِيثَةِ الشَّيْطانِيَّةِ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّ رَأسَ الأدْوِيَةِ الَّتِي تُفِيدُ الصِّحَّةَ الرُّوحانِيَّةَ، ورَئِيسُها هو ذِكْرُ اللَّهِ تَعالى، فَإذا اتَّفَقَ لِبَعْضِ النُّفُوسِ أنْ صارَ ذِكْرُ اللَّهِ تَعالى سَبَبًا لِازْدِيادِ مَرَضِها، كانَ مَرَضُ تِلْكَ النَّفْسِ مَرَضًا لا يُرْجى زَوالُهُ، ولا يُتَوَقَّعُ عِلاجُهُ، وكانَتْ في نِهايَةِ الشَّرِّ والرَّداءَةِ، فَلِهَذا المَعْنى قالَ تَعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهم مِن ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ وهَذا كَلامٌ كامِلٌ مُحَقَّقٌ.
ولَمّا بَيَّنَ تَعالى ذَلِكَ أرْدَفَهُ بِما يَدُلُّ عَلى أنَّ القُرْآنَ سَبَبٌ لِحُصُولِ النُّورِ والشِّفاءِ والهِدايَةِ وزِيادَةِ الِاطْمِئْنانِ، والمَقْصُودُ مِنهُ بَيانُ أنَّ القُرْآنَ لَمّا كانَ مَوْصُوفًا بِهَذِهِ الصِّفاتِ، ثُمَّ إنَّهُ في حَقِّ ذَلِكَ الإنْسانِ صارَ سَبَبًا لِمَزِيدِ القَسْوَةِ، دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ جَوْهَرَ تِلْكَ النَّفْسِ قَدْ بَلَغَ في الرَّداءَةِ والخَساسَةِ إلى أقْصى الغاياتِ، فَنَقُولُ: إنَّهُ تَعالى وصَفَ القُرْآنَ بِأنْواعٍ مِن صِفاتِ الكَمالِ.
الصِّفَةُ الأُولى: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ﴾، وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: القائِلُونَ بِحُدُوثِ القُرْآنِ احْتَجُّوا بِهَذِهِ الآيَةِ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى وصَفَهُ بِكَوْنِهِ حَدِيثًا في هَذِهِ الآياتِ، وفي آياتٍ أُخْرى، مِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ﴾ [الطور: ٣٤]، ومِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَبِهَذا الحَدِيثِ أنْتُمْ مُدْهِنُونَ﴾ [الواقعة: ٨١] والحَدِيثُ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ حادِثًا، قالُوا: بَلِ الحَدِيثُ أقْوى في الدَّلالَةِ عَلى الحُدُوثِ مِنَ الحادِثِ، لِأنَّهُ يَصِحُّ أنْ يُقالَ: هَذا حَدِيثٌ، ولَيْسَ بِعَتِيقٍ، وهَذا عَتِيقٌ ولَيْسَ بِحادِثٍ، فَثَبَتَ أنَّ الحَدِيثَ هو الَّذِي يَكُونُ قَرِيبَ العَهْدِ بِالحَدِيثِ، وسُمِّيَ الحَدِيثُ حَدِيثًا؛ لِأنَّهُ مُؤَلَّفٌ مِنَ الحُرُوفِ والكَلِماتِ، وتِلْكَ الحُرُوفُ والكَلِماتُ تَحْدُثُ حالًا فَحالًا وساعَةً فَساعَةً، فَهَذا تَمامُ تَقْرِيرِ هَذا الوَجْهِ.
أمّا الوَجْهُ الثّانِي: في بَيانِ اسْتِدْلالِ القَوْمِ أنْ قالُوا: إنَّهُ تَعالى وصَفَهُ بِأنَّهُ نَزَّلَهُ، والمُنَزَّلُ يَكُونُ في مَحَلِّ تَصَرُّفِ الغَيْرِ، وما يَكُونُ كَذَلِكَ فَهو مُحْدَثٌ وحادِثٌ.
وأمّا الوَجْهُ الثّالِثُ: في بَيانِ اسْتِدْلالِ القَوْمِ أنْ قالُوا: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿أحْسَنَ الحَدِيثِ﴾ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ هو مِن جِنْسِ سائِرِ الأحادِيثِ كَما أنَّ قَوْلَهُ: زَيْدٌ أفْضَلُ الإخْوَةِ - يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ زَيْدٌ مُشارِكًا لِأُولَئِكَ الأقْوامِ في صِفَةِ
صفحة ٢٣٣
الأُخُوَّةِ، ويَكُونَ مِن جِنْسِهِمْ، فَثَبَتَ أنَّ القُرْآنَ مِن جِنْسِ سائِرِ الأحادِيثِ، ولَمّا كانَ سائِرُ الأحادِيثِ حادِثَةً وجَبَ أيْضًا أنْ يَكُونَ القُرْآنُ حادِثًا.
أمّا الوَجْهُ الرّابِعُ: في الِاسْتِدْلالِ أنْ قالُوا: إنَّهُ تَعالى وصَفَهُ بِكَوْنِهِ كِتابًا، والكِتابُ مُشْتَقٌّ مِنَ الكُتْبَةِ، وهي الِاجْتِماعُ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ مَجْمُوعٌ جامِعٌ، ومَحَلُ تَصَرُّفِ مُتَصَرِّفٍ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ مُحْدَثًا، والجَوابُ: أنْ نَقُولَ: نَحْمِلُ هَذا الدَّلِيلَ عَلى الكَلامِ المُؤَلَّفِ مِنَ الحُرُوفِ والأصْواتِ والألْفاظِ والعِباراتِ، وذَلِكَ الكَلامُ عِنْدَنا مُحْدَثٌ مَخْلُوقٌ، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: كَوْنُ القُرْآنِ أحْسَنَ الحَدِيثِ، إمّا أنْ يَكُونَ أحْسَنَ الحَدِيثِ بِحَسَبِ لَفْظِهِ أوْ بِحَسَبِ مَعْناهُ.
القِسْمُ الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ أحْسَنَ الحَدِيثِ بِحَسَبِ لَفْظِهِ، وذَلِكَ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الحُسْنُ لِأجْلِ الفَصاحَةِ والجَزالَةِ.
الثّانِي: أنْ يَكُونَ بِحَسَبِ النَّظْمِ في الأُسْلُوبِ، وذَلِكَ لِأنَّ القُرْآنَ لَيْسَ مِن جِنْسِ الشِّعْرِ، ولا مِن جِنْسِ الخُطَبِ، ولا مِن جِنْسِ الرَّسائِلِ، بَلْ هو نَوْعٌ يُخالِفُ الكُلَّ، مَعَ أنَّ كُلَّ ذِي طَبْعٍ سَلِيمٍ يَسْتَطِيبُهُ ويَسْتَلِذُّهُ.
القِسْمُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ كَوْنُهُ أحْسَنَ الحَدِيثِ لِأجْلِ المَعْنى، وفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّهُ كِتابٌ مُنَزَّهٌ عَنِ التَّناقُضِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ كانَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢] ومِثْلُ هَذا الكِتابِ إذا خَلا عَنِ التَّناقُضِ كانَ ذَلِكَ مِنَ المُعْجِزاتِ.
الوَجْهُ الثّانِي: اشْتِمالُهُ عَلى الغُيُوبِ الكَثِيرَةِ في الماضِي والمُسْتَقْبَلِ.
الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّ العُلُومَ المَوْجُودَةَ فِيهِ كَثِيرَةٌ جِدًّا.
وضَبْطُ هَذِهِ العُلُومِ أنْ نَقُولَ: العُلُومُ النّافِعَةُ هي ما ذَكَرَهُ اللَّهُ في كِتابِهِ في قَوْلِهِ: ﴿والمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥]، ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِن رُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥]، ﴿وقالُوا سَمِعْنا وأطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وإلَيْكَ المَصِيرُ﴾ [البقرة: ٢٨٥]، فَهَذا أحْسَنُ ضَبْطٍ يُمْكِنُ ذِكْرُهُ لِلْعُلُومِ النّافِعَةِ.
أمّا القِسْمُ الأوَّلُ: وهو الإيمانُ بِاللَّهِ، فاعْلَمْ أنَّهُ يَشْتَمِلُ عَلى خَمْسَةِ أقْسامٍ: مَعْرِفَةُ الذّاتِ والصِّفاتِ والأفْعالِ والأحْكامِ والأسْماءِ، أمّا مَعْرِفَةُ الذّاتِ فَهي أنْ يَعْلَمَ وُجُودَ اللَّهِ وقِدَمَهُ وبَقاءَهُ، وأمّا مَعْرِفَةُ الصِّفاتِ فَهي نَوْعانِ:
أحَدُهُما: ما يَجِبُ تَنْزِيهُهُ عَنْهُ، وهو كَوْنُهُ جَوْهَرًا ومُرَكَّبًا مِنَ الأعْضاءِ والأجْزاءِ، وكَوْنُهُ مُخْتَصًّا بِحَيِّزٍ وجِهَةٍ، ويَجِبُ أنْ يُعْلَمَ أنَّ الألْفاظَ الدّالَّةَ عَلى التَّنْزِيهِ أرْبَعَةٌ: لَيْسَ ولَمْ وما ولا، وهَذِهِ الأرْبَعَةُ المَذْكُورَةُ مَذْكُورَةٌ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى لِبَيانِ التَّنْزِيهِ.
أمّا كَلِمَةُ ”لَيْسَ“، فَقَوْلُهُ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] وأمّا كَلِمَةُ ”لَمْ“، فَقَوْلُهُ: ﴿لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ﴾ ﴿ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٣ - ٤]، وأمّا كَلِمَةُ ”ما“، فَقَوْلُهُ: ﴿وما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤]، ﴿ما كانَ لِلَّهِ أنْ يَتَّخِذَ مِن ولَدٍ﴾ [مريم: ٣٥]، وأمّا كَلِمَةُ ”لا“، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ ولا نَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، ﴿وهُوَ يُطْعِمُ ولا يُطْعَمُ﴾ [الأنعام: ١٤]، ﴿وهُوَ يُجِيرُ ولا يُجارُ عَلَيْهِ﴾ [المؤمنون: ٨٨]، وقَوْلُهُ في سَبْعَةٍ وثَلاثِينَ مَوْضِعًا مِنَ القُرْآنِ: ﴿لا إلَهَ إلّا اللَّهُ﴾ [الصافات: ٣٥] .
صفحة ٢٣٤
وأمّا النَّوْعُ الثّانِي: وهي الصِّفاتُ الَّتِي يَجِبُ كَوْنُهُ مَوْصُوفًا بِها مِنَ القُرْآنِ، فَأُولاها العِلْمُ بِاللَّهِ، والعِلْمُ بِكَوْنِهِ مُحْدِثًا خالِقًا، قالَ تَعالى: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ [الأنعام: ١] .
وثانِيَتُها: العِلْمُ بِكَوْنِهِ قادِرًا، قالَ تَعالى في أوَّلِ سُورَةِ القِيامَةِ: ﴿بَلى قادِرِينَ عَلى أنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ﴾ [القيامة: ٤]، وقالَ في آخِرِ هَذِهِ السُّورَةِ: ﴿ألَيْسَ ذَلِكَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾ [القيامة: ٤٠] .
وثالِثَتُها: العِلْمُ بِكَوْنِهِ تَعالى عالِمًا، قالَ تَعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾ [الحشر: ٢٢] .
ورابِعَتُها: العِلْمُ بِكَوْنِهِ عالِمًا بِكُلِّ المَعْلُوماتِ، قالَ تَعالى: ﴿وعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ لا يَعْلَمُها إلّا هُوَ﴾ [الأنعام: ٥٩] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى﴾ [الرعد: ٨] .
والخامِسَةُ: العِلْمُ بِكَوْنِهِ حَيًّا، قالَ تَعالى: ﴿هُوَ الحَيُّ لا إلَهَ إلّا هو فادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [غافر: ٦٥] .
والسّادِسَةُ: العِلْمُ بِكَوْنِهِ مُرِيدًا، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ﴾ [الأنعام: ١٢٥] .
والسّابِعَةُ: كَوْنُهُ سَمِيعًا بَصِيرًا، قالَ تَعالى: ﴿وهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] وقالَ تَعالى: ﴿إنَّنِي مَعَكُما أسْمَعُ وأرى﴾ [طه: ٤٦] .
والثّامِنَةُ: كَوْنُهُ مُتَكَلِّمًا، قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ أنَّ ما في الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ أقْلامٌ والبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ﴾ [لقمان: ٢٧] .
والتّاسِعَةُ: كَوْنُهُ آمِرًا، قالَ تَعالى: ﴿لِلَّهِ الأمْرُ مِن قَبْلُ ومِن بَعْدُ﴾ [الروم: ٤] .
والعاشِرَةُ: كَوْنُهُ رَحْمانًا رَحِيمًا مالِكًا، قالَ تَعالى: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [ الفاتِحَةِ: ٣ – ٤ ] فَهَذا ما يَتَعَلَّقُ بِمَعْرِفَةِ الصِّفاتِ الَّتِي يَجِبُ اتِّصافُهُ بِها.
وأمّا القِسْمُ الثّالِثُ: وهو الأفْعالُ، فاعْلَمْ أنَّ الأفْعالَ إمّا أرْواحٌ وإمّا أجْسامٌ، أمّا الأرْواحُ فَلا سَبِيلَ لِلْوُقُوفِ عَلَيْها إلّا لِلْقَلِيلِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إلّا هُوَ﴾ [المدثر: ٣١] وأمّا الأجْسامُ، فَهي إمّا العالَمُ الأعْلى وإمّا العالَمُ الأسْفَلُ، أمّا العالَمُ الأعْلى فالبَحْثُ فِيهِ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: البَحْثُ عَنْ أحْوالِ السَّماواتِ.
وثانِيها: البَحْثُ عَنْ أحْوالِ الشَّمْسِ والقَمَرِ كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا والشَّمْسَ والقَمَرَ والنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأمْرِهِ﴾ [الأعراف: ٥٤] .
وثالِثُها: البَحْثُ عَنْ أحْوالِ الأضْواءِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [النور: ٣٥]، وقالَ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً والقَمَرَ نُورًا﴾ [يونس: ٥] .
ورابِعُها: البَحْثُ عَنْ أحْوالِ الظِّلالِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ ولَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِنًا﴾ [الفرقان: ٤٥] .
وخامِسُها: اخْتِلافُ اللَّيْلِ والنَّهارِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلى النَّهارِ ويُكَوِّرُ النَّهارَ عَلى اللَّيْلِ﴾ .
وسادِسُها: مَنافِعُ الكَواكِبِ، قالَ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها في ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ﴾ [الأنعام: ٩٧] .
وسابِعُها: صِفاتُ الجَنَّةِ، قالَ تَعالى: ﴿وجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ والأرْضِ﴾ [الحديد: ٢١] .
وثامِنُها: صِفاتُ النّارِ، قالَ تَعالى: ﴿لَها سَبْعَةُ أبْوابٍ لِكُلِّ بابٍ مِنهم جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ [الحجر: ٤٤] .
وتاسِعُها: صِفَةُ العَرْشِ، قالَ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ ومَن حَوْلَهُ﴾ [غافر: ٧] .
وعاشِرُها: صِفَةُ الكُرْسِيِّ، قالَ تَعالى: ﴿وسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ [البقرة: ٢٥٥] .
وحادِيَ عَشَرَها: صِفَةُ اللَّوْحِ والقَلَمِ، أمّا اللَّوْحُ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ هو قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ ﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج: ٢٢]، وأمّا القَلَمُ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ن والقَلَمِ وما يَسْطُرُونَ﴾ [القلم: ٢] .
* * *
وأمّا شَرْحُ أحْوالِ العالَمِ الأسْفَلِ فَأوَّلُها: الأرْضُ، وقَدْ وصَفَها بِصِفاتٍ كَثِيرَةٍ:
إحْداها: كَوْنُهُ مَهْدًا، قالَ تَعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا﴾ [طه: ٥٣] .
وثانِيَتُها: كَوْنُهُ مِهادًا، قالَ تَعالى: ﴿ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ مِهادًا﴾
صفحة ٢٣٥
[النبأ: ٦] .
وثالِثَتُها: كَوْنُهُ كِفاتًا، قالَ تَعالى: ﴿كِفاتًا﴾ ﴿أحْياءً وأمْواتًا﴾ [المرسلات: ٢٥] .
ورابِعَتُها: الذَّلُولُ، قالَ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ ذَلُولًا﴾ [الملك: ١٥] .
والخامِسَةُ: كَوْنُهُ بِساطًا، قالَ تَعالى: ﴿واللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ بِساطًا﴾ ﴿لِتَسْلُكُوا مِنها سُبُلًا فِجاجًا﴾ [نوح: ٢٠]، والكَلامُ فِيهِ طَوِيلٌ.
وثانِيها: البَحْرُ، قالَ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي سَخَّرَ البَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنهُ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ [النحل: ١٤] .
وثالِثُها: الهَواءُ والرِّياحُ، قالَ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ [الأعراف: ٥٧]، وقالَ تَعالى: ﴿وأرْسَلْنا الرِّياحَ لَواقِحَ﴾ [الحجر: ٢٢] .
ورابِعُها: الآثارُ العُلْوِيَّةُ كالرَّعْدِ والبَرْقِ، قالَ تَعالى: ﴿ويُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ والمَلائِكَةُ مِن خِيفَتِهِ﴾ [الرعد: ١٣]، وقالَ تَعالى: ﴿فَتَرى الوَدْقَ يَخْرُجُ مِن خِلالِهِ﴾ [الرعد: ٤٣]، ومِن هَذا البابِ ذِكْرُ الصَّواعِقِ والأمْطارِ وتَراكُمِ السَّحابِ.
وخامِسُها: أحْوالُ الأشْجارِ والثِّمارِ وأنْواعِها وأصْنافِها.
وسادِسُها: أحْوالُ الحَيَواناتِ، قالَ تَعالى: ﴿وبَثَّ فِيها مِن كُلِّ دابَّةٍ﴾ [البقرة: ١٦٤]، وقالَ: ﴿والأنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ﴾ [النحل: ٥] .
وسابِعُها: عَجائِبُ تَكْوِينِ الإنْسانِ في أوَّلِ الخِلْقَةِ، قالَ: ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٢] .
وثامِنُها: العَجائِبُ في سَمْعِهِ وبَصَرِهِ ولِسانِهِ وعَقْلِهِ وفَهْمِهِ.
وتاسِعُها: تَوارِيخُ الأنْبِياءِ والمُلُوكِ وأحْوالُ النّاسِ مِن أوَّلِ خَلْقِ العالَمِ إلى آخِرِ قِيامِ القِيامَةِ.
وعاشِرُها: ذِكْرُ أحْوالِ النّاسِ عِنْدَ المَوْتِ وبَعْدَ المَوْتِ، وكَيْفِيَّةُ البَعْثِ والقِيامَةِ، وشَرْحُ أحْوالِ السُّعَداءِ والأشْقِياءِ، فَقَدْ أشَرْنا إلى عَشَرَةِ أنْواعٍ مِنَ العُلُومِ في عالَمِ السَّماواتِ، وإلى عَشَرَةٍ أُخْرى في عالَمِ العَناصِرِ، والقُرْآنُ مُشْتَمِلٌ عَلى شَرْحِ هَذِهِ الأنْواعِ مِنَ العُلُومِ العالِيَةِ الرَّفِيعَةِ.
وأمّا القِسْمُ الرّابِعُ: وهو شَرْحُ أحْكامِ اللَّهِ تَعالى وتَكالِيفِهِ، فَنَقُولُ: هَذِهِ التَّكالِيفُ إمّا أنْ تَحْصُلَ في أعْمالِ القُلُوبِ أوْ في أعْمالِ الجَوارِحِ.
أمّا القِسْمُ الأوَّلُ: فَهو المُسَمّى بِعِلْمِ الأخْلاقِ، وبَيانِ تَمْيِيزِ الأخْلاقِ الفاضِلَةِ والأخْلاقِ الفاسِدَةِ، والقُرْآنُ يَشْتَمِلُ عَلى كُلِّ ما لا بُدَّ مِنهُ في هَذا البابِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ والإحْسانِ وإيتاءِ ذِي القُرْبى ويَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ والبَغْيِ﴾ [النحل: ٩٠]، وقالَ: ﴿خُذِ العَفْوَ وأْمُرْ بِالعُرْفِ وأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩] .
وأمّا الثّانِي: فَهو التَّكالِيفُ الحاصِلَةُ في أعْمالِ الجَوارِحِ، وهو المُسَمّى بِعِلْمِ الفِقْهِ، والقُرْآنُ مُشْتَمِلٌ عَلى جُمْلَةِ أُصُولِ هَذا العِلْمِ عَلى أكْمَلِ الوُجُوهِ.
وأمّا القِسْمُ الخامِسُ: وهو مَعْرِفَةُ أسْماءِ اللَّهِ تَعالى فَهو مَذْكُورٌ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولِلَّهِ الأسْماءُ الحُسْنى فادْعُوهُ بِها﴾ [الأعراف: ١٨٠] فَهَذا كُلُّهُ يَتَعَلَّقُ بِمَعْرِفَةِ اللَّهِ.
وأمّا القِسْمُ الثّانِي: مِنَ الأُصُولِ المُعْتَبَرَةِ في الإيمانِ: الإقْرارُ بِالمَلائِكَةِ كَما قالَ تَعالى: ﴿والمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥]، والقُرْآنُ يَشْتَمِلُ عَلى شَرْحِ صِفاتِهِمْ؛ تارَةً عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ، وأُخْرى عَلى طَرِيقِ التَّفْصِيلِ، أمّا بِالإجْمالِ فَقَوْلُهُ: ﴿ومَلائِكَتِهِ﴾ وأمّا بِالتَّفْصِيلِ فَمِنها ما يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِمْ رُسُلَ اللَّهِ، قالَ تَعالى: ﴿جاعِلِ المَلائِكَةِ رُسُلًا﴾ [فاطر: ١]، ومِنها أنَّها مُدَبِّراتٌ لِهَذا العالَمِ، قالَ تَعالى: ﴿فالمُقَسِّماتِ أمْرًا﴾، ﴿فالمُدَبِّراتِ أمْرًا﴾ [النازعات: ٥]، وقالَ تَعالى: ﴿والصّافّاتِ صَفًّا﴾ [الصافات: ١] ومِنها حَمَلَةُ العَرْشِ، قالَ: ﴿ويَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهم يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٧]، ومِنها الحافُّونَ حَوْلَ العَرْشِ قالَ: ﴿وتَرى المَلائِكَةَ حافِّينَ مِن حَوْلِ العَرْشِ﴾
صفحة ٢٣٦
[الزمر: ٧٥]، ومِنها خَزَنَةُ النّارِ، قالَ تَعالى: ﴿عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ﴾ [التحريم: ٦]، ومِنها الكِرامُ الكاتِبُونَ قالَ: ﴿وإنَّ عَلَيْكم لَحافِظِينَ﴾ ﴿كِرامًا كاتِبِينَ﴾ [الانفطار: ١٠] ومِنها المُعَقِّباتُ، قالَ تَعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّباتٌ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ﴾ [الرعد: ١١] وقَدْ يَتَّصِلُ بِأحْوالِ المَلائِكَةِ أحْوالُ الجِنِّ والشَّياطِينِ.
وأمّا القِسْمُ الثّالِثُ: مِنَ الأُصُولِ المُعْتَبَرَةِ في الإيمانِ مَعْرِفَةُ الكُتُبِ، والقُرْآنُ يَشْتَمِلُ عَلى شَرْحِ أحْوالِ كِتابِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، قالَ تَعالى: ﴿فَتَلَقّى آدَمُ مِن رَبِّهِ كَلِماتٍ﴾ [البقرة: ٣٧] ومِنها أحْوالُ صُحُفِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، قالَ تَعالى: ﴿وإذِ ابْتَلى إبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة: ١٢٤]، ومِنها أحْوالُ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ والزَّبُورِ.
وأمّا القِسْمُ الرّابِعُ: مِنَ الأُصُولِ المُعْتَبَرَةِ في الإيمانِ مَعْرِفَةُ الرُّسُلِ، واللَّهُ تَعالى قَدْ شَرَحَ أحْوالَ البَعْضِ، وأبْهَمَ أحْوالَ الباقِينَ، قالَ: ﴿مِنهم مَن قَصَصْنا عَلَيْكَ ومِنهم مَن لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ [غافر: ٧٨] .
القِسْمُ الخامِسُ: ما يَتَعَلَّقُ بِأحْوالِ المُكَلَّفِينَ، وهي عَلى نَوْعَيْنِ:
الأوَّلُ: أنْ يُقِرُّوا بِوُجُوبِ هَذِهِ التَّكالِيفِ عَلَيْهِمْ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وقالُوا سَمِعْنا وأطَعْنا﴾ [البقرة: ٢٨٥] .
الثّانِي: أنْ يَعْتَرِفُوا بِصُدُورِ التَّقْصِيرِ عَنْهم في تِلْكَ الأعْمالِ، ثُمَّ طَلَبُوا المَغْفِرَةَ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿غُفْرانَكَ رَبَّنا﴾ [البقرة: ٢٨٥]، ثُمَّ لَمّا كانَتْ مَقادِيرُ رُؤْيَةِ التَّقْصِيرِ في مَواقِفِ العُبُودِيَّةِ بِحَسَبِ المُكاشَفاتِ في مُطالَعَةِ عِزَّةِ الرُّبُوبِيَّةِ أكْثَرَ، كانَتِ المُكاشَفاتُ في تَقْصِيرِ العُبُودِيَّةِ أكْثَرَ، وكانَ قَوْلُهُ: ﴿غُفْرانَكَ رَبَّنا﴾ أكْثَرَ.
القِسْمُ السّادِسُ: مَعْرِفَةُ المَعادِ والبَعْثِ والقِيامَةِ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وإلَيْكَ المَصِيرُ﴾ [البقرة: ٢٨٥]، وهَذا هو الإشارَةُ إلى مَعْرِفَةِ المَطالِبِ المُهِمَّةِ في طَلَبِ الدِّينِ، والقُرْآنُ بَحْرٌ لا نِهايَةَ لَهُ في تَقْرِيرِ هَذِهِ المَطالِبِ، وتَعْرِيفِها وشَرْحِها، ولا تَرى في مَشارِقِ الأرْضِ ومَغارِبِها كِتابًا يَشْتَمِلُ عَلى جُمْلَةِ هَذِهِ العُلُومِ كَما يَشْتَمِلُ القُرْآنُ عَلَيْها، ومَن تَأمَّلَ في هَذا التَّفْسِيرِ عَلِمَ أنّا لَمْ نَذْكُرْ مِن بِحارِ فَضائِلِ القُرْآنِ إلّا قَطْرَةً، ولَمّا كانَ الأمْرُ عَلى هَذِهِ الجُمْلَةِ، لا جَرَمَ مَدَحَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ القُرْآنَ، فَقالَ تَعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ﴾، واللَّهُ أعْلَمُ.
الصِّفَةُ الثّانِيَةُ مِن صِفاتِ القُرْآنِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كِتابًا مُتَشابِهًا﴾، أمّا الكِتابُ فَقَدْ فَسَّرْناهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَلِكَ الكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢]، وأمّا كَوْنُهُ مُتَشابِهًا فاعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ القُرْآنَ كُلَّهُ مُتَشابِهٌ، وقَوْلُهُ: ﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتابَ مِنهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتابِ وأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ﴾ [آل عمران: ٧] يَدُلُّ عَلى كَوْنِ البَعْضِ مُتَشابِهًا دُونَ البَعْضِ.
وأمّا كَوْنُهُ كُلِّهِ مُتَشابِهًا كَما في هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَعْناهُ أنَّهُ يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا، وأقُولُ: هَذا التَّشابُهُ يَحْصُلُ في أُمُورٍ:
أحَدُها: أنَّ الكاتِبَ البَلِيغَ إذا كَتَبَ كِتابًا طَوِيلًا، فَإنَّهُ يَكُونُ بَعْضُ كَلِماتِهِ فَصِيحًا، ويَكُونُ البَعْضُ غَيْرَ فَصِيحٍ، والقُرْآنُ يُخالِفُ ذَلِكَ، فَإنَّهُ فَصِيحٌ كامِلُ الفَصاحَةِ بِجَمِيعِ أجْزائِهِ.
وثانِيها: أنَّ الفَصِيحَ إذا كَتَبَ كِتابًا في واقِعَةٍ بِألْفاظٍ فَصَيْحَةٍ، فَلَوْ كَتَبَ كِتابًا آخَرَ في غَيْرِ تِلْكَ الواقِعَةِ كانَ الغالِبُ أنَّ كَلامَهُ في الكِتابِ الثّانِي غَيْرُ كَلامِهِ في الكِتابِ الأوَّلِ، واللَّهُ تَعالى حَكى قِصَّةَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ مِنَ القُرْآنِ، وكُلُّها مُتَساوِيَةٌ مُتَشابِهَةٌ في الفَصاحَةِ.
وثالِثُها: أنَّ كُلَّ ما فِيهِ مِنَ الآياتِ والبَياناتِ فَإنَّهُ يُقَوِّي بَعْضُها بَعْضًا، ويُؤَكِّدُ بَعْضُها بَعْضًا.
ورابِعُها: أنَّ هَذِهِ الأنْواعَ الكَثِيرَةَ مِنَ العُلُومِ الَّتِي عَدَدْناها مُتَشابِهَةً مُتَشارِكَةٌ في أنَّ المَقْصُودَ مِنها بِأسْرِها الدَّعْوَةُ إلى الدِّينِ وتَقْرِيرُ عَظَمَةِ اللَّهِ، ولِذَلِكَ فَإنَّكَ لا تَرى قِصَّةً مِنَ القِصَصِ إلّا ويَكُونُ مُحَصِّلُها المَقْصُودَ الَّذِي ذَكَرْناهُ، فَهَذا هو المُرادُ مِن كَوْنِهِ مُتَشابِهًا، واللَّهُ الهادِي.
صفحة ٢٣٧
الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: مِن صِفاتِ القُرْآنِ كَوْنُهُ ”مَثانِيَ“، وقَدْ بالَغْنا في تَفْسِيرِ هَذِهِ اللَّفْظَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ المَثانِي﴾ [الحجر: ٨٧]، وبِالجُمْلَةِ فَأكْثَرُ الأشْياءِ المَذْكُورَةِ وقَعَتْ زَوْجَيْنِ زَوْجَيْنِ، مِثْلَ: الأمْرِ والنَّهْيِ، والعامِّ والخاصِّ، والمُجْمَلِ والمُفَصَّلِ، وأحْوالِ السَّماواتِ والأرْضِ، والجَنَّةِ والنّارِ، والظُّلْمَةِ والضَّوْءِ، واللَّوْحِ والقَلَمِ، والمَلائِكَةِ والشَّياطِينِ، والعَرْشِ والكُرْسِيِّ، والوَعْدِ والوَعِيدِ، والرَّجاءِ والخَوْفِ، والمَقْصُودُ مِنهُ بَيانُ أنَّ كُلَّ ما سِوى الحَقِّ زَوْجٌ، ويَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ شَيْءٍ مُبْتَلًى بِضِدِّهِ ونَقِيضِهِ، وأنَّ الفَرْدَ الأحَدَ الحَقَّ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ.
الصِّفَةُ الرّابِعَةُ: مِن صِفاتِ القُرْآنِ قَوْلُهُ: ﴿تَقْشَعِرُّ مِنهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهم وقُلُوبُهم إلى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٢٣]، وفِيهِ مَسائِلُ:
* * *
المَسْألَةُ الأُولى: مَعْنى ﴿تَقْشَعِرُّ مِنهُ جُلُودُ﴾ تَأْخُذُهم قُشَعْرِيرَةٌ، وهي تَغَيُّرٌ يَحْدُثُ في جِلْدِ الإنْسانِ عِنْدَ الوَجَلِ والخَوْفِ، قالَ المُفَسِّرُونَ: والمَعْنى أنَّهم عِنْدَ سَماعِ آياتِ الرَّحْمَةِ والإحْسانِ يَحْصُلُ لَهُمُ الفَرَحُ فَتَلِينُ قُلُوبُهم إلى ذِكْرِ اللَّهِ، وأقُولُ: إنَّ المُحَقِّقِينَ مِنَ العارِفِينَ قالُوا: السّائِرُونَ في مَبْدَأِ جَلالِ اللَّهِ إنْ نَظَرُوا إلى عالَمِ الجَلالِ طاشُوا، وإنْ لاحَ لَهم أثَرٌ مِن عالَمِ الجَمالِ عاشُوا، ويَجِبُ عَلَيْنا أنْ نَذْكُرَ في هَذا البابِ مَزِيدَ شَرْحٍ وتَقْرِيرٍ، فَنَقُولَ: الإنْسانُ إذا تَأمَّلَ في الدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى أنَّهُ يَجِبُ تَنْزِيهُ اللَّهِ عَنِ التَّحَيُّزِ والجِهَةِ، فَهُنا يَقْشَعِرُّ جِلْدُهُ، لِأنَّ إثْباتَ مَوْجُودٍ لا داخِلَ العالَمِ ولا خارِجَهُ، ولا مُتَّصِلٌ بِالعالَمِ ولا مُنْفَصِلٌ عَنِ العالَمِ، مِمّا يَصْعُبُ تَصَوُّرُهُ، فَهَهُنا تَقْشَعِرُّ الجُلُودُ، أمّا إذا تَأمَّلَ في الدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى أنَّهُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ فَرْدًا أحَدًا، وثَبَتَ أنَّ كُلَّ مُتَحَيِّزٍ فَهو مُنْقَسِمٌ، فَهَهُنا يَلِينُ جِلْدُهُ وقَلْبُهُ إلى ذِكْرِ اللَّهِ.
وأيْضًا إذا أرادَ أنْ يُحِيطَ عَقْلُهُ بِمَعْنى الأزَلِ فَيَتَقَدَّمَ في ذِهْنِهِ بِمِقْدارِ ألْفِ ألْفِ سَنَةٍ ثُمَّ يَتَقَدَّمَ أيْضًا بِحَسَبِ كُلِّ لَحْظَةٍ مِن لَحَظاتِ تِلْكَ المُدَّةِ ألْفِ ألْفِ سَنَةٍ، ولا يَزالُ يَحْتالُ ويَتَقَدَّمُ ويَتَخَيَّلُ في الذِّهْنِ، فَإذا بالَغَ وتَوَغَّلَ وظَنَّ أنَّهُ اسْتَحْضَرَ مَعْنى الأزَلِ، قالَ العَقْلُ: هَذا لَيْسَ بِشَيْءٍ، لِأنَّ كُلَّ ما اسْتَحْضَرْتُهُ فِيَّ فَهو مُتَناهٍ، والأزَلُ هو الوُجُودُ المُتَقَدِّمُ عَلى هَذِهِ المُدَّةِ المُتَناهِيَةِ، فَهَهُنا يَتَحَيَّرُ العَقْلُ ويَقْشَعِرُّ الجِلْدُ، وأمّا إذا تَرَكَ هَذا الِاعْتِبارَ، وقالَ هَهُنا مَوْجُودٌ، والمَوْجُودُ إمّا واجِبٌ وإمّا مُمْكِنٌ، فَإنْ كانَ واجِبًا فَهو دائِمًا مُنَزَّهٌ عَنِ الأوَّلِ والآخِرِ، وإنْ كانَ مُمْكِنًا فَهو مُحْتاجٌ إلى الواجِبِ فَيَكُونُ أزَلِيًّا أبَدِيًّا، فَإذا اعْتَبَرَ العَقْلُ فَهِمَ مَعْنى الأزَلِيَّةِ، فَهَهُنا يَلِينُ جِلْدُهُ وقَلْبُهُ إلى ذِكْرِ اللَّهِ، فَثَبَتَ أنَّ المَقامَيْنِ المَذْكُورَيْنِ في الآيَةِ لا يَجِبُ قَصْرُهُما عَلى سَماعِ آيَةِ العَذابِ وآيَةِ الرَّحْمَةِ، بَلْ ذاكَ أُولى تِلْكَ المَراتِبِ، وبَعْدَهُ مَراتِبُ لا حَدَّ لَها ولا حَصْرَ في حُصُولِ تِلْكَ الحالَتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: رَوى الواحِدِيُّ في ”البَسِيطِ“ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قالَ: القُرْآنُ دَلَّ عَلى أنَّ أوْلِياءَ اللَّهِ مَوْصُوفُونَ بِأنَّهم عِنْدَ المُكاشَفاتِ والمُشاهَداتِ، تارَةً تَقْشَعِرُّ جُلُودُهم وأُخْرى تَلِينُ جُلُودُهم وقُلُوبُهم إلى ذِكْرِ اللَّهِ، ولَيْسَ فِيهِ أنَّ عُقُولَهم تَزُولُ وأنَّ أعْضاءَهم تَضْطَرِبُ، فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّ تِلْكَ الأحْوالَ لَوْ حَصَلَتْ لَكانَتْ مِنَ الشَّيْطانِ، وأقُولُ: هَهُنا بَحْثٌ آخَرُ، وهو أنَّ الشَّيْخَ أبا حامِدٍ الغَزالِيَّ أوْرَدَ مَسْألَةً في كِتابِ إحْياءِ عُلُومِ الدِّينِ، وهي أنّا نَرى كَثِيرًا مِنَ النّاسِ يَظْهَرُ عَلَيْهِ الوَجْدُ الشَّدِيدُ التّامُّ عِنْدَ سَماعِ الأبْياتِ المُشْتَمِلَةِ عَلى شَرْحِ الوَصْلِ والهَجْرِ، وعِنْدَ سَماعِ الآياتِ لا يَظْهَرُ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن هَذِهِ الأحْوالِ، ثُمَّ إنَّهُ سَلَّمَ هَذا المَعْنى وذَكَرَ العُذْرَ فِيهِ مِن وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ، وأنا أقُولُ: إنِّي خُلِقْتُ مَحْرُومًا عَنْ هَذا المَعْنى، فَإنِّي كُلَّما تَأمَّلْتُ في أسْرارِ القُرْآنِ اقْشَعَرَّ
صفحة ٢٣٨
جِلْدِي ووَقَفَ شَعْرِي وحَصَلَتْ في قَلْبِي دَهْشَةٌ ورَوْعَةٌ، وكُلَّما سَمِعْتُ تِلْكَ الأشْعارِ غَلَبَ الهَزْلُ عَلَيَّ وما وجَدْتُ ألْبَتَّةَ في نَفْسِي مِنها أثَرًا، وأظُنُّ أنَّ المَنهَجَ القَوِيمَ والصِّراطَ المُسْتَقِيمَ هو هَذا، وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ تِلْكَ الأشْعارَ كَلِماتٌ مُشْتَمِلَةٌ عَلى وصْلٍ وهَجْرٍ وبُغْضٍ وحُبٍّ تَلِيقُ بِالخَلْقِ، وإثْباتُهُ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى كُفْرٌ، وأمّا الِانْتِقالُ مِن تِلْكَ الأحْوالِ إلى مَعانٍ لائِقَةٍ بِجَلالِ اللَّهِ فَلا يَصِلُ إلَيْها إلّا العُلَماءُ الرّاسِخُونَ في العِلْمِ، وأمّا المَعانِي الَّتِي يَشْتَمِلُ عَلَيْها القُرْآنُ فَهي أحْوالٌ لائِقَةٌ بِجَلالِ اللَّهِ، فَمَن وقَفَ عَلَيْها عَظُمَ الوَلَهُ في قَلْبِهِ، فَإنَّ مَن كانَ عِنْدَهُ نُورُ الإيمانِ وجَبَ أنْ يَعْظُمَ اضْطِرابُهُ عِنْدَ سَماعِ قَوْلِهِ: ﴿وعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ لا يَعْلَمُها إلّا هُوَ﴾ [الأنعام: ٥٩] إلى آخِرِ الآيَةِ.
والثّانِي: وهو أنِّي سَمِعْتُ بَعْضَ المَشايِخِ قالَ: كَما أنَّ الكَلامَ لَهُ أثَرٌ، فَكَذَلِكَ صُدُورُ ذَلِكَ الكَلامِ مِنَ القائِلِ المُعَيَّنِ لَهُ أثَرٌ، لِأنَّ قُوَّةَ نَفْسِ القائِلِ تُعِينُ عَلى نَفاذِ الكَلامِ في الرُّوحِ، والقائِلُ في القُرْآنِ هُنا هو اللَّهُ بِواسِطَةِجِبْرِيلَ بِتَبْلِيغِ الرَّسُولِ المَعْصُومِ، والقائِلُ هُناكَ شاعِرٌ كَذّابٌ مَمْلُوءٌ مِنَ الشَّهْوَةِ وداعِيَةِ الفُجُورِ.
والثّالِثُ: أنَّ مَدارَ القُرْآنِ عَلى الدَّعْوَةِ إلى الحَقِّ، قالَ تَعالى: ﴿وإنَّكَ لَتَهْدِي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ صِراطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ [الشورى: ٥٣]، وأمّا الشِّعْرُ فَمَدارُهُ عَلى الباطِلِ، قالَ تَعالى: ﴿والشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الغاوُونَ﴾ ﴿ألَمْ تَرَ أنَّهم في كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ﴾ ﴿وأنَّهم يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٤] فَهَذِهِ الوُجُوهُ الثَّلاثَةُ فُرُوقٌ ظاهِرَةٌ، وأمّا ما يَتَعَلَّقُ بِالوُجْدانِ مِنَ النَّفْسِ فَإنَّ كُلَّ أحَدٍ إنَّما يُخْبِرُ عَمّا يَجِدُهُ مِن نَفْسِهِ، والَّذِي وجَدْتُهُ مِنَ النَّفْسِ والعَقْلِ ما ذَكَرْتُهُ، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في بَيانِ ما بَقِيَ مِنَ المُشْكِلاتِ في هَذِهِ الآيَةِ، ونَذْكُرُها في مَعْرِضِ السُّؤالِ والجَوابِ.
السُّؤالُ الأوَّلُ: كَيْفَ تَرْكِيبُ لَفْظِ القُشَعْرِيرَةِ، الجَوابُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: تَرْكِيبُهُ مِن حُرُوفِ التَّقَشُّعِ، وهو الأدِيمُ اليابِسُ، مَضْمُومًا إلَيْها حَرْفٌ رابِعٌ، وهو الرّاءُ؛ لِيَكُونَ رُباعِيًّا ودالًّا عَلى مَعْنًى زائِدٍ، يُقالُ: اقْشَعَرَّ جِلْدُهُ مِنَ الخَوْفِ ووَقَفَ شَعْرُهُ، وذَلِكَ مَثَلٌ في شِدَّةِ الخَوْفِ.
السُّؤالُ الثّانِي: كَيْفَ قالَ: ﴿تَلِينُ جُلُودُهم وقُلُوبُهم إلى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ وما الوَجْهُ في تَعَدِّيهِ بِحَرْفِ ”إلى“ ؟ والجَوابُ: التَّقْدِيرُ تَلِينُ جُلُودُهم وقُلُوبُهم حالَ وُصُولِها إلى حَضْرَةِ اللَّهِ، وهو لا يُحَسُّ بِالإدْراكِ.
السُّؤالُ الثّالِثُ: لِمَ قالَ ”إلى ذِكْرِ اللَّهِ“، ولَمْ يَقُلْ: إلى ذِكْرِ رَحْمَةِ اللَّهِ ؟ والجَوابُ: أنَّ مَن أحَبَّ اللَّهَ لِأجْلِ رَحْمَتِهِ فَهو ما أحَبَّ اللَّهَ، وإنَّما أحَبَّ شَيْئًا غَيْرَهُ، وأمّا مَن أحَبَّ اللَّهَ لا لِشَيْءٍ سِواهُ، فَهَذا هو المُحِبُّ المُحِقُّ، وهو الدَّرَجَةُ العالِيَةُ، فَلِهَذا السَّبَبِ لَمْ يَقُلْ: ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهم وقُلُوبُهم إلى ذِكْرِ رَحْمَةِ اللَّهِ، بَلْ قالَ: إلى ذِكْرِ اللَّهِ، وقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى هَذا المَعْنى في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ﴾ [الأنعام: ١٢٥]، وفي قَوْلِهِ: ﴿ألا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨]، وأيْضًا قالَ لِأُمَّةِ مُوسى: ﴿يابَنِي إسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠]، وقالَ أيْضًا لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿فاذْكُرُونِي أذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢] .
السُّؤالُ الرّابِعُ: لِمَ قالَ في جانِبِ الخَوْفِ قُشَعْرِيرَةُ الجُلُودِ فَقَطْ، وفي جانِبِ الرَّجاءِ لِينُ الجُلُودِ والقُلُوبِ مَعًا ؟ والجَوابُ: لِأنَّ المُكاشَفَةَ في مَقامِ الرَّجاءِ أكْمَلُ مِنها في مَقامِ الخَوْفِ، لِأنَّ الخَيْرَ مَطْلُوبٌ بِالذّاتِ، والشَّرَّ مَطْلُوبٌ بِالعَرَضِ، ومَحَلُّ المُكاشَفاتِ هو القُلُوبُ والأرْواحُ، واللَّهُ أعْلَمُ.
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ القُرْآنَ بِهَذِهِ الصِّفاتِ قالَ: ﴿ذَلِكَ هُدى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشاءُ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾
صفحة ٢٣٩
، فَقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى الكِتابِ، وهو هُدى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ، وهو الَّذِي شَرَحَ صَدْرَهُ أوَّلًا لِقَبُولِ هَذِهِ الهِدايَةِ ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ﴾ أيْ مَن جَعَلَ قَلْبَهُ قاسِيًا مُظْلِمًا بَلِيدَ الفَهْمِ مُنافِيًا لِقَبُولِ هَذِهِ الهِدايَةِ ﴿فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ واسْتِدْلالُ أصْحابِنا بِهَذِهِ الآيَةِ وسُؤالاتُ المُعْتَزِلَةِ وجَوّاباتُ أصْحابِنا عَيْنُ ما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ﴾ [الأنعام: ١٢٥] .
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ تَعالى حَكَمَ عَلى القاسِيَةِ قُلُوبُهم بِحُكْمٍ في الدُّنْيا وبِحُكْمٍ في الآخِرَةِ، أمّا حُكْمُهم في الدُّنْيا فَهو الضَّلالُ التّامُّ؛ كَما قالَ: ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾، وأمّا حُكْمُهم في الآخِرَةِ فَهو العَذابُ الشَّدِيدُ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ﴾، وتَقْرِيرُهُ: أنَّ أشْرَفَ الأعْضاءِ هو الوَجْهُ، لِأنَّهُ مَحَلُّ الحُسْنِ والصَّباحَةِ، وهو أيْضًا صَوْمَعَةُ الحَواسِّ، وإنَّما يَتَمَيَّزُ بَعْضُ النّاسِ عَنْ بَعْضٍ بِسَبَبِ الوَجْهِ، وأثَرُ السَّعادَةِ والشَّقاوَةِ لا يَظْهَرُ إلّا في الوَجْهِ، قالَ تَعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ﴾ ﴿ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ ﴿ووُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ﴾ ﴿تَرْهَقُها قَتَرَةٌ﴾ ﴿أُولَئِكَ هُمُ الكَفَرَةُ الفَجَرَةُ﴾ [ عَبَسَ: ٣٨ – ٤٢ ] ويُقالُ لِمُقَدَّمِ القَوْمِ: يا وجْهَ العَرَبِ، ويُقالُ لِلطَّرِيقِ الدّالِّ عَلى كُنْهِ حالِ الشَّيْءِ: وجْهُ كَذا هو كَذا، فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا أنَّ أشْرَفَ الأعْضاءِ هو الوَجْهُ، فَإذا وقَعَ الإنْسانُ في نَوْعٍ مِن أنْواعِ العَذابِ فَإنَّهُ يَجْعَلُ يَدَهُ وِقايَةً لِوَجْهِهِ وفِداءً لَهُ، وإذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إذا كانَ القادِرُ عَلى الِاتِّقاءِ يَجْعَلُ كُلَّ ما سِوى الوَجْهِ فِداءً لِلْوَجْهِ - لا جَرَمَ حَسُنَ جَعْلُ الِاتِّقاءِ بِالوَجْهِ كِنايَةً عَنِ العَجْزِ عَنِ الِاتِّقاءِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُ النّابِغَةِ:
ولا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أنَّ سُيُوفَهم بِهِنَّ فُلُولٌ مِن قِراعِ الكَتائِبِ
أيْ: لا عَيْبَ فِيهِمْ إلّا هَذا، وهو لَيْسَ بِعَيْبٍ، فَلا عَيْبَ فِيهِمْ إذَنْ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، فَكَذا هَهُنا لا يَقْدِرُونَ عَلى الِاتِّقاءِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ إلّا بِالوَجْهِ، وهَذا لَيْسَ بِاتِّقاءٍ، فَلا قُدْرَةَ لَهم عَلى الِاتِّقاءِ ألْبَتَّةَ، ويُقالُ أيْضًا: إنَّ الَّذِي يُلْقى في النّارِ يُلْقى مَغْلُولَةٌ يَداهُ إلى عُنُقِهِ، ولا يَتَهَيَّأُ لَهُ أنْ يَتَّقِيَ النّارَ إلّا بِوَجْهِهِ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: جَوابُهُ مَحْذُوفٌ، وتَقْدِيرُهُ: أفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ كَمَن هو آمِنٌ مِنَ العَذابِ، فَحُذِفَ الخَبَرُ كَما حُذِفَ في نَظائِرِهِ، وسُوءُ العَذابِ شِدَّتُهُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وقِيلَ لِلظّالِمِينَ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ ولَمّا بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى كَيْفِيَّةَ عَذابِ القاسِيَةِ قُلُوبُهم في الآخِرَةِ بَيَّنَ أيْضًا كَيْفِيَّةَ وُقُوعِهِمْ في العَذابِ في الدُّنْيا، فَقالَ: ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأتاهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾، وهَذا تَنْبِيهٌ عَلى حالِ هَؤُلاءِ؛ لِأنَّ الفاءَ في قَوْلِهِ: ﴿فَأتاهُمُ العَذابُ﴾ تَدُلُّ عَلى أنَّهم إنَّما أتاهُمُ العَذابُ بِسَبَبِ التَّكْذِيبِ، فَإذا كانَ التَّكْذِيبُ حاصِلًا هَهُنا لَزِمَ حُصُولُ العَذابِ؛ اسْتِدْلالًا بِالعِلَّةِ عَلى المَعْلُولِ، وقَوْلُهُ: ﴿مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ أيْ: مِنَ الجِهَةِ الَّتِي لا يَحْسَبُونَ ولا يَخْطُرُ بِبالِهِمْ أنَّ الشَّرَّ يَأْتِيهِمْ مِنها، بَيْنَما هم آمِنُونَ إذْ أتاهُمُ العَذابُ مِنَ الجِهَةِ الَّتِي تَوَقَّعُوا الأمْنَ مِنها، ولَمّا بَيَّنَ أنَّهُ أتاهُمُ العَذابُ في الدُّنْيا بَيَّنَ أيْضًا أنَّهُ أتاهُمُ الخِزْيُ، وهو الذُّلُّ والصَّغارُ والهَوانُ، والفائِدَةُ في ذِكْرِ هَذا القَيْدِ أنَّ العَذابَ التّامَّ هو أنْ يَحْصُلَ فِيهِ الألَمُ مَقْرُونًا بِالهَوانِ والذُّلِّ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿ولَعَذابُ الآخِرَةِ أكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ يَعْنِي أنَّ أُولَئِكَ وإنْ نَزَلَ عَلَيْهِمُ العَذابُ والخِزْيُ كَما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، فالعَذابُ المُدَّخَرُ لَهم في يَوْمِ القِيامَةِ أكْبَرُ وأعْظَمُ مِن ذَلِكَ الَّذِي وقَعَ، والمَقْصُودُ مِن كُلِّ ذَلِكَ التَّخْوِيفُ والتَّرْهِيبُ، فَلَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الفَوائِدَ المُتَكاثِرَةَ والنَّفائِسَ المُتَوافِرَةَ في هَذِهِ المَطالِبِ بَيَّنَ
صفحة ٢٤٠
تَعالى أنَّهُ بَلَغَتْ هَذِهِ البَياناتُ إلى حَدِّ الكَمالِ والتَّمامِ، فَقالَ: ﴿ولَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ والمَقْصُودُ ظاهِرٌ، وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ أفْعالَ اللَّهِ وأحْكامَهُ مُعَلَّلَةٌ، ودَلَّتْ أيْضًا عَلى أنَّهُ يُرِيدُ الإيمانَ والمَعْرِفَةَ مِنَ الكُلِّ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ﴾ مُشْعِرٌ بِالتَّعْلِيلِ، وقَوْلُهُ في آخِرِ الآيَةِ: ﴿لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ مُشْعِرٌ بِالتَّعْلِيلِ أيْضًا، ومُشْعِرٌ بِأنَّ المَقْصُودَ مِن ضَرْبِ هَذِهِ الأمْثالِ إرادَةُ حُصُولِ التَّذَكُّرِ والعِلْمِ، ولَمّا كانَتْ هَذِهِ البَياناتُ النّافِعَةُ والبَيِّناتُ الباهِرَةُ مَوْجُودَةً في القُرْآنِ، لا جَرَمَ وُصِفَ القُرْآنُ بِالمَدْحِ والثَّناءِ، فَقالَ: ﴿قُرْءانًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: احْتَجَّ القائِلُونَ بِحُدُوثِ القُرْآنِ بِهَذِهِ الآيَةِ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى إنَّما ذَكَرَ هَذِهِ الأمْثالَ لِيَحْصُلَ لَهُمُ التَّذَكُّرُ، والشَّيْءُ الَّذِي يُؤْتى بِهِ لِغَرَضٍ آخَرَ يَكُونُ مُحْدَثًا، فَإنَّ القَدِيمَ هو الَّذِي يَكُونُ مَوْجُودًا في الأزَلِ، وهَذا يُمْتَنَعُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ إنَّما أتى بِهِ لِغَرَضِ كَذا وكَذا.
والثّانِي: أنَّهُ وصَفَهُ بِكَوْنِهِ عَرَبِيًّا، وإنَّما كانَ عَرَبِيًّا لِأنَّ هَذِهِ الألْفاظَ إنَّما صارَتْ دالَّةً عَلى هَذِهِ المَعانِي بِوَضْعِ العَرَبِ وبِاصْطِلاحِهِمْ، وما كانَ حُصُولُهُ بِسَبَبِ أوْضاعِ العَرَبِ واصْطِلاحاتِهِمْ كانَ مَخْلُوقًا مُحْدَثًا.
الثّالِثُ: أنَّهُ وصَفَهُ بِكَوْنِهِ قُرْآنًا، والقُرْآنُ عِبارَةٌ عَنِ القِراءَةِ، والقِراءَةُ مَصْدَرٌ، والمَصْدَرُ هو المَفْعُولُ المُطْلَقُ، فَكانَ فِعْلًا ومَفْعُولًا، والجَوابُ: أنّا نَحْمِلُ كُلَّ هَذِهِ الوُجُوهِ عَلى الحُرُوفِ والأصْواتِ، وهي حادِثَةٌ ومُحْدَثَةٌ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الزَّجّاجُ: قَوْلُهُ ﴿عَرَبِيًّا﴾ مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، والمَعْنى ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ في حالِ عَرَبِيَّتِهِ وبَيانِهِ، ويَجُوزُ أنْ يُنْتَصَبَ عَلى المَدْحِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أنَّهُ تَعالى وصَفَهُ بِثَلاثَةٍ:
أوَّلُها: كَوْنُهُ قُرْآنًا، والمُرادُ كَوْنُهُ مَتْلُوًّا في المَحارِيبِ إلى قِيامِ القِيامَةِ، كَما قالَ: ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذِّكْرَ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] .
وثانِيها: كَوْنُهُ عَرَبِيًّا، والمُرادُ أنَّهُ أعْجَزَ الفُصَحاءَ والبُلَغاءَ عَنْ مُعارَضَتِهِ كَما قالَ: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ والجِنُّ عَلى أنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذا القُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ ولَوْ كانَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨] .
وثالِثُها: كَوْنُهُ ﴿غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ والمُرادُ بَراءَتُهُ عَنِ التَّناقُضِ، كَما قالَ: ﴿ولَوْ كانَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾، فالمُعْتَزِلَةُ يَتَمَسَّكُونَ بِهِ في تَعْلِيلِ أحْكامِ اللَّهِ تَعالى.
وفِيهِ بَحْثٌ آخَرُ: وهو أنَّهُ تَعالى قالَ في الآيَةِ الأُولى: ﴿لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾، وقالَ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾، والسَّبَبُ فِيهِ أنَّ التَّذَكُّرَ مُتَقَدِّمٌ عَلى الِاتِّقاءِ، لِأنَّهُ إذا تَذَكَّرَهُ وعَرَفَهُ ووَقَفَ عَلى فَحْواهُ وأحاطَ بِمَعْناهُ، حَصَلَ الِاتِّقاءُ والِاحْتِرازُ، واللَّهُ أعْلَمُ.
الزمر 39:25
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ فَهو عَلى نُورٍ مِن رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهم مِن ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ كِتابًا مُتَشابِهًا مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهم وقُلُوبُهم إلى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشاءُ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ ﴿أفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ وقِيلَ لِلظّالِمِينَ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأتاهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ ﴿فَأذاقَهُمُ اللَّهُ الخِزْيَ في الحَياةِ الدُّنْيا ولَعَذابُ الآخِرَةِ أكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ ﴿قُرْءانًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾، وفِيهِ مَسائِلُ:
* * *
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بالَغَ في تَقْرِيرِ البَياناتِ الدّالَّةِ عَلى وُجُوبِ الإقْبالِ عَلى طاعَةِ اللَّهِ تَعالى ووُجُوبِ الإعْراضِ عَنِ الدُّنْيا، بَيَّنَ بَعْدَ ذَلِكَ أنَّ الِانْتِفاعَ بِهَذِهِ البَياناتِ لا يَكْمُلُ إلّا إذا شَرَحَ اللَّهُ الصُّدُورَ، ونَوَّرَ القُلُوبَ، فَقالَ: ﴿أفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ فَهو عَلى نُورٍ مِن رَبِّهِ﴾ .
واعْلَمْ أنّا بالَغْنا في سُورَةِ الأنْعامِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ﴾ [الأنعام: ١٢٥] في تَفْسِيرِ شَرْحِ الصَّدْرِ، وفي تَفْسِيرِ الهِدايَةِ، ولا بَأْسَ بِإعادَةِ كَلامٍ قَلِيلٍ هَهُنا، فَنَقُولُ: إنَّهُ تَعالى خَلَقَ جَواهِرَ النُّفُوسِ مُخْتَلِفَةً بِالماهِيَّةِ، فَبَعْضُها خَيِّرَةٌ نُورانِيَّةٌ شَرِيفَةٌ مائِلَةٌ إلى الإلَهِيّاتِ عَظِيمَةُ الرَّغْبَةِ في الِاتِّصالِ بِالرُّوحانِيّاتِ، وبَعْضُها نَذْلَةٌ كَدِرَةٌ خَسِيسَةٌ مائِلَةٌ إلى الجُسْمانِيّاتِ، وفي هَذا التَّفاوُتِ أمْرٌ حاصِلٌ في جَواهِرِ النُّفُوسِ البَشَرِيَّةِ، والِاسْتِقْراءُ يَدُلُّ عَلى أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: المُرادُ بِشَرْحِ الصَّدْرِ هو ذَلِكَ الِاسْتِعْدادُ الشَّدِيدُ المَوْجُودُ في فِطْرَةِ النَّفْسِ، وإذا كانَ ذَلِكَ الِاسْتِعْدادُ الشَّدِيدُ حاصِلًا كَفى خُرُوجُ تِلْكَ الحالَةِ مِنَ القُوَّةِ إلى الفِعْلِ بِأدْنى سَبَبٍ، مِثْلَ الكِبْرِيتِ الَّذِي يَشْتَعِلُ بِأدْنى نارٍ، أمّا إذا كانَتِ النَّفْسُ بَعِيدَةً عَنْ قَبُولِ هَذِهِ الجَلايا القُدْسِيَّةِ والأحْوالِ الرُّوحانِيَّةِ، بَلْ كانَتْ مُسْتَغْرِقَةً في طَلَبِ الجُسْمانِيّاتِ قَلِيلَةَ التَّأثُّرِ عَنِ الأحْوالِ المُناسِبَةِ لِلْإلَهِيّاتِ، فَكانَتْ قاسِيَةً كَدِرَةً ظَلْمانِيَّةً، وكُلَّما كانَ إيرادُ الدَّلائِلِ اليَقِينِيَّةِ والبَراهِينِ الباهِرَةِ عَلَيْها أكْثَرَ، كانَتْ قَسْوَتُها وظُلْمَتُها أقَلَّ.
إذا عَرَفْتَ هَذِهِ القاعِدَةَ فَنَقُولُ: أمّا شَرْحُ الصَّدْرِ فَهو ما ذَكَرْناهُ، وأمّا النُّورُ فَهو عِبارَةٌ عَنِ الهِدايَةِ والمَعْرِفَةِ، وما لَمْ يَحْصُلْ شَرْحُ الصَّدْرِ أوَّلًا لَمْ يَحْصُلِ النُّورُ ثانِيًا، وإذا كانَ الحاصِلُ هو القُوَّةَ النَّفْسانِيَّةَ لَمْ يَحْصُلِ الِانْتِفاعُ البَتَّةَ بِسَماعِ الدَّلائِلِ، ورُبَّما صارَ سَماعُ الدَّلائِلِ سَبَبًا لِزِيادَةِ القَسْوَةِ ولِشِدَّةِ النَّفْرَةِ، فَهَذِهِ أُصُولٌ يَقِينِيَّةٌ يَجِبُ أنْ تَكُونَ مَعْلُومَةً عِنْدَ الإنْسانِ حَتّى يُمْكِنَهُ الوُقُوفُ عَلى مَعانِي هَذِهِ الآياتِ، أمّا اسْتِدْلالُ أصْحابِنا في مَسْألَةِ الجَبْرِ والقَدَرِ، وكَلامُ الخُصُومِ عَلَيْهِ فَقَدْ تَقَدَّمَ هُناكَ، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: مِن مَحْذُوفِ الخَبَرِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿أمْ مَن هو قانِتٌ﴾، والتَّقْدِيرُ: أفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ فاهْتَدى كَمَن طُبِعَ عَلى قَلْبِهِ فَلَمْ يَهْتَدِ لِقَسْوَتِهِ، والجَوابُ مَتْرُوكٌ، لِأنَّ الكَلامَ المَذْكُورَ دَلَّ عَلَيْهِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهم مِن ذِكْرِ اللَّهِ﴾ .
صفحة ٢٣٢
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ ﴿فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهم مِن ذِكْرِ اللَّهِ﴾ فِيهِ سُؤالٌ، وهو أنَّ ذِكْرَ اللَّهِ سَبَبٌ لِحُصُولِ النُّورِ والهِدايَةِ وزِيادَةِ الِاطْمِئْنانِ، كَما قالَ: ﴿ألا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨] فَكَيْفَ جَعَلَهُ في هَذِهِ الآيَةِ سَبَبًا لِحُصُولِ قَسْوَةِ القَلْبِ، والجَوابُ أنْ نَقُولَ: إنَّ النَّفْسَ إذا كانَتْ خَبِيثَةَ الجَوْهَرِ، كَدِرَةَ العُنْصُرِ، بَعِيدَةً عَنْ مُناسَبَةِ الرُّوحانِيّاتِ، شَدِيدَةَ المَيْلِ إلى الطَّبائِعِ البَهِيمِيَّةِ، والأخْلاقِ الذَّمِيمَةِ، فَإنَّ سَماعَها لِذِكْرِ اللَّهِ يَزِيدُها قَسْوَةً وكُدُورَةً، وتَقْرِيرُ هَذا الكَلامِ بِالأمْثِلَةِ، فَإنَّ الفاعِلَ الواحِدَ تَخْتَلِفُ أفْعالُهُ بِحَسَبِ اخْتِلافِ القَوابِلِ؛ كَنُورِ الشَّمْسِ يُسَوِّدُ وجْهَ القَصّارِ ويُبَيِّضُ ثَوْبَهُ، وحَرارَةِ الشَّمْسِ تُلِينُ الشَّمْعَ وتُعَقِّدُ المِلْحَ، وقَدْ نَرى إنْسانًا واحِدًا يَذْكُرُ كَلامًا واحِدًا في مَجْلِسٍ واحِدٍ، فَيَسْتَطِيبُهُ واحِدٌ ويَسْتَكْرِهُهُ غَيْرُهُ، وما ذاكَ إلّا ما ذَكَرْناهُ مِنِ اخْتِلافِ جَواهِرِ النُّفُوسِ، ومِنِ اخْتِلافِ أحْوالِ تِلْكَ النُّفُوسِ، «ولَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٢] وكانَ قَدْ حَضَرَ هُناكَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ وإنْسانٌ آخَرُ، فَلَمّا انْتَهى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ أنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ [المؤمنون: ١٤] قالَ كُلٌّ واحِدٌ مِنهم: ﴿فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤] فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: اكْتُبْ، فَهَكَذا أُنْزِلَتْ فازْدادَ عُمَرُ إيمانًا عَلى إيمانٍ، وازْدادَ ذَلِكَ الإنْسانُ كُفْرًا عَلى كُفْرٍ»، إذا عَرَفْتَ هَذا لَمْ يَبْعُدْ أيْضًا أنْ يَكُونَ ذِكْرُ اللَّهِ يُوجِبُ النُّورَ والهِدايَةَ والِاطْمِئْنانَ في النُّفُوسِ الطّاهِرَةِ الرُّوحانِيَّةِ، ويُوجِبُ القَسْوَةَ والبُعْدَ عَنِ الحَقِّ في النُّفُوسِ الخَبِيثَةِ الشَّيْطانِيَّةِ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّ رَأسَ الأدْوِيَةِ الَّتِي تُفِيدُ الصِّحَّةَ الرُّوحانِيَّةَ، ورَئِيسُها هو ذِكْرُ اللَّهِ تَعالى، فَإذا اتَّفَقَ لِبَعْضِ النُّفُوسِ أنْ صارَ ذِكْرُ اللَّهِ تَعالى سَبَبًا لِازْدِيادِ مَرَضِها، كانَ مَرَضُ تِلْكَ النَّفْسِ مَرَضًا لا يُرْجى زَوالُهُ، ولا يُتَوَقَّعُ عِلاجُهُ، وكانَتْ في نِهايَةِ الشَّرِّ والرَّداءَةِ، فَلِهَذا المَعْنى قالَ تَعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهم مِن ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ وهَذا كَلامٌ كامِلٌ مُحَقَّقٌ.
ولَمّا بَيَّنَ تَعالى ذَلِكَ أرْدَفَهُ بِما يَدُلُّ عَلى أنَّ القُرْآنَ سَبَبٌ لِحُصُولِ النُّورِ والشِّفاءِ والهِدايَةِ وزِيادَةِ الِاطْمِئْنانِ، والمَقْصُودُ مِنهُ بَيانُ أنَّ القُرْآنَ لَمّا كانَ مَوْصُوفًا بِهَذِهِ الصِّفاتِ، ثُمَّ إنَّهُ في حَقِّ ذَلِكَ الإنْسانِ صارَ سَبَبًا لِمَزِيدِ القَسْوَةِ، دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ جَوْهَرَ تِلْكَ النَّفْسِ قَدْ بَلَغَ في الرَّداءَةِ والخَساسَةِ إلى أقْصى الغاياتِ، فَنَقُولُ: إنَّهُ تَعالى وصَفَ القُرْآنَ بِأنْواعٍ مِن صِفاتِ الكَمالِ.
الصِّفَةُ الأُولى: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ﴾، وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: القائِلُونَ بِحُدُوثِ القُرْآنِ احْتَجُّوا بِهَذِهِ الآيَةِ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى وصَفَهُ بِكَوْنِهِ حَدِيثًا في هَذِهِ الآياتِ، وفي آياتٍ أُخْرى، مِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ﴾ [الطور: ٣٤]، ومِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَبِهَذا الحَدِيثِ أنْتُمْ مُدْهِنُونَ﴾ [الواقعة: ٨١] والحَدِيثُ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ حادِثًا، قالُوا: بَلِ الحَدِيثُ أقْوى في الدَّلالَةِ عَلى الحُدُوثِ مِنَ الحادِثِ، لِأنَّهُ يَصِحُّ أنْ يُقالَ: هَذا حَدِيثٌ، ولَيْسَ بِعَتِيقٍ، وهَذا عَتِيقٌ ولَيْسَ بِحادِثٍ، فَثَبَتَ أنَّ الحَدِيثَ هو الَّذِي يَكُونُ قَرِيبَ العَهْدِ بِالحَدِيثِ، وسُمِّيَ الحَدِيثُ حَدِيثًا؛ لِأنَّهُ مُؤَلَّفٌ مِنَ الحُرُوفِ والكَلِماتِ، وتِلْكَ الحُرُوفُ والكَلِماتُ تَحْدُثُ حالًا فَحالًا وساعَةً فَساعَةً، فَهَذا تَمامُ تَقْرِيرِ هَذا الوَجْهِ.
أمّا الوَجْهُ الثّانِي: في بَيانِ اسْتِدْلالِ القَوْمِ أنْ قالُوا: إنَّهُ تَعالى وصَفَهُ بِأنَّهُ نَزَّلَهُ، والمُنَزَّلُ يَكُونُ في مَحَلِّ تَصَرُّفِ الغَيْرِ، وما يَكُونُ كَذَلِكَ فَهو مُحْدَثٌ وحادِثٌ.
وأمّا الوَجْهُ الثّالِثُ: في بَيانِ اسْتِدْلالِ القَوْمِ أنْ قالُوا: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿أحْسَنَ الحَدِيثِ﴾ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ هو مِن جِنْسِ سائِرِ الأحادِيثِ كَما أنَّ قَوْلَهُ: زَيْدٌ أفْضَلُ الإخْوَةِ - يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ زَيْدٌ مُشارِكًا لِأُولَئِكَ الأقْوامِ في صِفَةِ
صفحة ٢٣٣
الأُخُوَّةِ، ويَكُونَ مِن جِنْسِهِمْ، فَثَبَتَ أنَّ القُرْآنَ مِن جِنْسِ سائِرِ الأحادِيثِ، ولَمّا كانَ سائِرُ الأحادِيثِ حادِثَةً وجَبَ أيْضًا أنْ يَكُونَ القُرْآنُ حادِثًا.
أمّا الوَجْهُ الرّابِعُ: في الِاسْتِدْلالِ أنْ قالُوا: إنَّهُ تَعالى وصَفَهُ بِكَوْنِهِ كِتابًا، والكِتابُ مُشْتَقٌّ مِنَ الكُتْبَةِ، وهي الِاجْتِماعُ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ مَجْمُوعٌ جامِعٌ، ومَحَلُ تَصَرُّفِ مُتَصَرِّفٍ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ مُحْدَثًا، والجَوابُ: أنْ نَقُولَ: نَحْمِلُ هَذا الدَّلِيلَ عَلى الكَلامِ المُؤَلَّفِ مِنَ الحُرُوفِ والأصْواتِ والألْفاظِ والعِباراتِ، وذَلِكَ الكَلامُ عِنْدَنا مُحْدَثٌ مَخْلُوقٌ، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: كَوْنُ القُرْآنِ أحْسَنَ الحَدِيثِ، إمّا أنْ يَكُونَ أحْسَنَ الحَدِيثِ بِحَسَبِ لَفْظِهِ أوْ بِحَسَبِ مَعْناهُ.
القِسْمُ الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ أحْسَنَ الحَدِيثِ بِحَسَبِ لَفْظِهِ، وذَلِكَ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الحُسْنُ لِأجْلِ الفَصاحَةِ والجَزالَةِ.
الثّانِي: أنْ يَكُونَ بِحَسَبِ النَّظْمِ في الأُسْلُوبِ، وذَلِكَ لِأنَّ القُرْآنَ لَيْسَ مِن جِنْسِ الشِّعْرِ، ولا مِن جِنْسِ الخُطَبِ، ولا مِن جِنْسِ الرَّسائِلِ، بَلْ هو نَوْعٌ يُخالِفُ الكُلَّ، مَعَ أنَّ كُلَّ ذِي طَبْعٍ سَلِيمٍ يَسْتَطِيبُهُ ويَسْتَلِذُّهُ.
القِسْمُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ كَوْنُهُ أحْسَنَ الحَدِيثِ لِأجْلِ المَعْنى، وفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّهُ كِتابٌ مُنَزَّهٌ عَنِ التَّناقُضِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ كانَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢] ومِثْلُ هَذا الكِتابِ إذا خَلا عَنِ التَّناقُضِ كانَ ذَلِكَ مِنَ المُعْجِزاتِ.
الوَجْهُ الثّانِي: اشْتِمالُهُ عَلى الغُيُوبِ الكَثِيرَةِ في الماضِي والمُسْتَقْبَلِ.
الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّ العُلُومَ المَوْجُودَةَ فِيهِ كَثِيرَةٌ جِدًّا.
وضَبْطُ هَذِهِ العُلُومِ أنْ نَقُولَ: العُلُومُ النّافِعَةُ هي ما ذَكَرَهُ اللَّهُ في كِتابِهِ في قَوْلِهِ: ﴿والمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥]، ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِن رُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥]، ﴿وقالُوا سَمِعْنا وأطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وإلَيْكَ المَصِيرُ﴾ [البقرة: ٢٨٥]، فَهَذا أحْسَنُ ضَبْطٍ يُمْكِنُ ذِكْرُهُ لِلْعُلُومِ النّافِعَةِ.
أمّا القِسْمُ الأوَّلُ: وهو الإيمانُ بِاللَّهِ، فاعْلَمْ أنَّهُ يَشْتَمِلُ عَلى خَمْسَةِ أقْسامٍ: مَعْرِفَةُ الذّاتِ والصِّفاتِ والأفْعالِ والأحْكامِ والأسْماءِ، أمّا مَعْرِفَةُ الذّاتِ فَهي أنْ يَعْلَمَ وُجُودَ اللَّهِ وقِدَمَهُ وبَقاءَهُ، وأمّا مَعْرِفَةُ الصِّفاتِ فَهي نَوْعانِ:
أحَدُهُما: ما يَجِبُ تَنْزِيهُهُ عَنْهُ، وهو كَوْنُهُ جَوْهَرًا ومُرَكَّبًا مِنَ الأعْضاءِ والأجْزاءِ، وكَوْنُهُ مُخْتَصًّا بِحَيِّزٍ وجِهَةٍ، ويَجِبُ أنْ يُعْلَمَ أنَّ الألْفاظَ الدّالَّةَ عَلى التَّنْزِيهِ أرْبَعَةٌ: لَيْسَ ولَمْ وما ولا، وهَذِهِ الأرْبَعَةُ المَذْكُورَةُ مَذْكُورَةٌ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى لِبَيانِ التَّنْزِيهِ.
أمّا كَلِمَةُ ”لَيْسَ“، فَقَوْلُهُ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] وأمّا كَلِمَةُ ”لَمْ“، فَقَوْلُهُ: ﴿لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ﴾ ﴿ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٣ - ٤]، وأمّا كَلِمَةُ ”ما“، فَقَوْلُهُ: ﴿وما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤]، ﴿ما كانَ لِلَّهِ أنْ يَتَّخِذَ مِن ولَدٍ﴾ [مريم: ٣٥]، وأمّا كَلِمَةُ ”لا“، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ ولا نَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، ﴿وهُوَ يُطْعِمُ ولا يُطْعَمُ﴾ [الأنعام: ١٤]، ﴿وهُوَ يُجِيرُ ولا يُجارُ عَلَيْهِ﴾ [المؤمنون: ٨٨]، وقَوْلُهُ في سَبْعَةٍ وثَلاثِينَ مَوْضِعًا مِنَ القُرْآنِ: ﴿لا إلَهَ إلّا اللَّهُ﴾ [الصافات: ٣٥] .
صفحة ٢٣٤
وأمّا النَّوْعُ الثّانِي: وهي الصِّفاتُ الَّتِي يَجِبُ كَوْنُهُ مَوْصُوفًا بِها مِنَ القُرْآنِ، فَأُولاها العِلْمُ بِاللَّهِ، والعِلْمُ بِكَوْنِهِ مُحْدِثًا خالِقًا، قالَ تَعالى: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ [الأنعام: ١] .
وثانِيَتُها: العِلْمُ بِكَوْنِهِ قادِرًا، قالَ تَعالى في أوَّلِ سُورَةِ القِيامَةِ: ﴿بَلى قادِرِينَ عَلى أنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ﴾ [القيامة: ٤]، وقالَ في آخِرِ هَذِهِ السُّورَةِ: ﴿ألَيْسَ ذَلِكَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾ [القيامة: ٤٠] .
وثالِثَتُها: العِلْمُ بِكَوْنِهِ تَعالى عالِمًا، قالَ تَعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾ [الحشر: ٢٢] .
ورابِعَتُها: العِلْمُ بِكَوْنِهِ عالِمًا بِكُلِّ المَعْلُوماتِ، قالَ تَعالى: ﴿وعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ لا يَعْلَمُها إلّا هُوَ﴾ [الأنعام: ٥٩] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى﴾ [الرعد: ٨] .
والخامِسَةُ: العِلْمُ بِكَوْنِهِ حَيًّا، قالَ تَعالى: ﴿هُوَ الحَيُّ لا إلَهَ إلّا هو فادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [غافر: ٦٥] .
والسّادِسَةُ: العِلْمُ بِكَوْنِهِ مُرِيدًا، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ﴾ [الأنعام: ١٢٥] .
والسّابِعَةُ: كَوْنُهُ سَمِيعًا بَصِيرًا، قالَ تَعالى: ﴿وهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] وقالَ تَعالى: ﴿إنَّنِي مَعَكُما أسْمَعُ وأرى﴾ [طه: ٤٦] .
والثّامِنَةُ: كَوْنُهُ مُتَكَلِّمًا، قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ أنَّ ما في الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ أقْلامٌ والبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ﴾ [لقمان: ٢٧] .
والتّاسِعَةُ: كَوْنُهُ آمِرًا، قالَ تَعالى: ﴿لِلَّهِ الأمْرُ مِن قَبْلُ ومِن بَعْدُ﴾ [الروم: ٤] .
والعاشِرَةُ: كَوْنُهُ رَحْمانًا رَحِيمًا مالِكًا، قالَ تَعالى: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [ الفاتِحَةِ: ٣ – ٤ ] فَهَذا ما يَتَعَلَّقُ بِمَعْرِفَةِ الصِّفاتِ الَّتِي يَجِبُ اتِّصافُهُ بِها.
وأمّا القِسْمُ الثّالِثُ: وهو الأفْعالُ، فاعْلَمْ أنَّ الأفْعالَ إمّا أرْواحٌ وإمّا أجْسامٌ، أمّا الأرْواحُ فَلا سَبِيلَ لِلْوُقُوفِ عَلَيْها إلّا لِلْقَلِيلِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إلّا هُوَ﴾ [المدثر: ٣١] وأمّا الأجْسامُ، فَهي إمّا العالَمُ الأعْلى وإمّا العالَمُ الأسْفَلُ، أمّا العالَمُ الأعْلى فالبَحْثُ فِيهِ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: البَحْثُ عَنْ أحْوالِ السَّماواتِ.
وثانِيها: البَحْثُ عَنْ أحْوالِ الشَّمْسِ والقَمَرِ كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا والشَّمْسَ والقَمَرَ والنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأمْرِهِ﴾ [الأعراف: ٥٤] .
وثالِثُها: البَحْثُ عَنْ أحْوالِ الأضْواءِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [النور: ٣٥]، وقالَ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً والقَمَرَ نُورًا﴾ [يونس: ٥] .
ورابِعُها: البَحْثُ عَنْ أحْوالِ الظِّلالِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ ولَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِنًا﴾ [الفرقان: ٤٥] .
وخامِسُها: اخْتِلافُ اللَّيْلِ والنَّهارِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلى النَّهارِ ويُكَوِّرُ النَّهارَ عَلى اللَّيْلِ﴾ .
وسادِسُها: مَنافِعُ الكَواكِبِ، قالَ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها في ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ﴾ [الأنعام: ٩٧] .
وسابِعُها: صِفاتُ الجَنَّةِ، قالَ تَعالى: ﴿وجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ والأرْضِ﴾ [الحديد: ٢١] .
وثامِنُها: صِفاتُ النّارِ، قالَ تَعالى: ﴿لَها سَبْعَةُ أبْوابٍ لِكُلِّ بابٍ مِنهم جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ [الحجر: ٤٤] .
وتاسِعُها: صِفَةُ العَرْشِ، قالَ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ ومَن حَوْلَهُ﴾ [غافر: ٧] .
وعاشِرُها: صِفَةُ الكُرْسِيِّ، قالَ تَعالى: ﴿وسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ [البقرة: ٢٥٥] .
وحادِيَ عَشَرَها: صِفَةُ اللَّوْحِ والقَلَمِ، أمّا اللَّوْحُ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ هو قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ ﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج: ٢٢]، وأمّا القَلَمُ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ن والقَلَمِ وما يَسْطُرُونَ﴾ [القلم: ٢] .
* * *
وأمّا شَرْحُ أحْوالِ العالَمِ الأسْفَلِ فَأوَّلُها: الأرْضُ، وقَدْ وصَفَها بِصِفاتٍ كَثِيرَةٍ:
إحْداها: كَوْنُهُ مَهْدًا، قالَ تَعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا﴾ [طه: ٥٣] .
وثانِيَتُها: كَوْنُهُ مِهادًا، قالَ تَعالى: ﴿ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ مِهادًا﴾
صفحة ٢٣٥
[النبأ: ٦] .
وثالِثَتُها: كَوْنُهُ كِفاتًا، قالَ تَعالى: ﴿كِفاتًا﴾ ﴿أحْياءً وأمْواتًا﴾ [المرسلات: ٢٥] .
ورابِعَتُها: الذَّلُولُ، قالَ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ ذَلُولًا﴾ [الملك: ١٥] .
والخامِسَةُ: كَوْنُهُ بِساطًا، قالَ تَعالى: ﴿واللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ بِساطًا﴾ ﴿لِتَسْلُكُوا مِنها سُبُلًا فِجاجًا﴾ [نوح: ٢٠]، والكَلامُ فِيهِ طَوِيلٌ.
وثانِيها: البَحْرُ، قالَ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي سَخَّرَ البَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنهُ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ [النحل: ١٤] .
وثالِثُها: الهَواءُ والرِّياحُ، قالَ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ [الأعراف: ٥٧]، وقالَ تَعالى: ﴿وأرْسَلْنا الرِّياحَ لَواقِحَ﴾ [الحجر: ٢٢] .
ورابِعُها: الآثارُ العُلْوِيَّةُ كالرَّعْدِ والبَرْقِ، قالَ تَعالى: ﴿ويُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ والمَلائِكَةُ مِن خِيفَتِهِ﴾ [الرعد: ١٣]، وقالَ تَعالى: ﴿فَتَرى الوَدْقَ يَخْرُجُ مِن خِلالِهِ﴾ [الرعد: ٤٣]، ومِن هَذا البابِ ذِكْرُ الصَّواعِقِ والأمْطارِ وتَراكُمِ السَّحابِ.
وخامِسُها: أحْوالُ الأشْجارِ والثِّمارِ وأنْواعِها وأصْنافِها.
وسادِسُها: أحْوالُ الحَيَواناتِ، قالَ تَعالى: ﴿وبَثَّ فِيها مِن كُلِّ دابَّةٍ﴾ [البقرة: ١٦٤]، وقالَ: ﴿والأنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ﴾ [النحل: ٥] .
وسابِعُها: عَجائِبُ تَكْوِينِ الإنْسانِ في أوَّلِ الخِلْقَةِ، قالَ: ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٢] .
وثامِنُها: العَجائِبُ في سَمْعِهِ وبَصَرِهِ ولِسانِهِ وعَقْلِهِ وفَهْمِهِ.
وتاسِعُها: تَوارِيخُ الأنْبِياءِ والمُلُوكِ وأحْوالُ النّاسِ مِن أوَّلِ خَلْقِ العالَمِ إلى آخِرِ قِيامِ القِيامَةِ.
وعاشِرُها: ذِكْرُ أحْوالِ النّاسِ عِنْدَ المَوْتِ وبَعْدَ المَوْتِ، وكَيْفِيَّةُ البَعْثِ والقِيامَةِ، وشَرْحُ أحْوالِ السُّعَداءِ والأشْقِياءِ، فَقَدْ أشَرْنا إلى عَشَرَةِ أنْواعٍ مِنَ العُلُومِ في عالَمِ السَّماواتِ، وإلى عَشَرَةٍ أُخْرى في عالَمِ العَناصِرِ، والقُرْآنُ مُشْتَمِلٌ عَلى شَرْحِ هَذِهِ الأنْواعِ مِنَ العُلُومِ العالِيَةِ الرَّفِيعَةِ.
وأمّا القِسْمُ الرّابِعُ: وهو شَرْحُ أحْكامِ اللَّهِ تَعالى وتَكالِيفِهِ، فَنَقُولُ: هَذِهِ التَّكالِيفُ إمّا أنْ تَحْصُلَ في أعْمالِ القُلُوبِ أوْ في أعْمالِ الجَوارِحِ.
أمّا القِسْمُ الأوَّلُ: فَهو المُسَمّى بِعِلْمِ الأخْلاقِ، وبَيانِ تَمْيِيزِ الأخْلاقِ الفاضِلَةِ والأخْلاقِ الفاسِدَةِ، والقُرْآنُ يَشْتَمِلُ عَلى كُلِّ ما لا بُدَّ مِنهُ في هَذا البابِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ والإحْسانِ وإيتاءِ ذِي القُرْبى ويَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ والبَغْيِ﴾ [النحل: ٩٠]، وقالَ: ﴿خُذِ العَفْوَ وأْمُرْ بِالعُرْفِ وأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩] .
وأمّا الثّانِي: فَهو التَّكالِيفُ الحاصِلَةُ في أعْمالِ الجَوارِحِ، وهو المُسَمّى بِعِلْمِ الفِقْهِ، والقُرْآنُ مُشْتَمِلٌ عَلى جُمْلَةِ أُصُولِ هَذا العِلْمِ عَلى أكْمَلِ الوُجُوهِ.
وأمّا القِسْمُ الخامِسُ: وهو مَعْرِفَةُ أسْماءِ اللَّهِ تَعالى فَهو مَذْكُورٌ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولِلَّهِ الأسْماءُ الحُسْنى فادْعُوهُ بِها﴾ [الأعراف: ١٨٠] فَهَذا كُلُّهُ يَتَعَلَّقُ بِمَعْرِفَةِ اللَّهِ.
وأمّا القِسْمُ الثّانِي: مِنَ الأُصُولِ المُعْتَبَرَةِ في الإيمانِ: الإقْرارُ بِالمَلائِكَةِ كَما قالَ تَعالى: ﴿والمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥]، والقُرْآنُ يَشْتَمِلُ عَلى شَرْحِ صِفاتِهِمْ؛ تارَةً عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ، وأُخْرى عَلى طَرِيقِ التَّفْصِيلِ، أمّا بِالإجْمالِ فَقَوْلُهُ: ﴿ومَلائِكَتِهِ﴾ وأمّا بِالتَّفْصِيلِ فَمِنها ما يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِمْ رُسُلَ اللَّهِ، قالَ تَعالى: ﴿جاعِلِ المَلائِكَةِ رُسُلًا﴾ [فاطر: ١]، ومِنها أنَّها مُدَبِّراتٌ لِهَذا العالَمِ، قالَ تَعالى: ﴿فالمُقَسِّماتِ أمْرًا﴾، ﴿فالمُدَبِّراتِ أمْرًا﴾ [النازعات: ٥]، وقالَ تَعالى: ﴿والصّافّاتِ صَفًّا﴾ [الصافات: ١] ومِنها حَمَلَةُ العَرْشِ، قالَ: ﴿ويَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهم يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٧]، ومِنها الحافُّونَ حَوْلَ العَرْشِ قالَ: ﴿وتَرى المَلائِكَةَ حافِّينَ مِن حَوْلِ العَرْشِ﴾
صفحة ٢٣٦
[الزمر: ٧٥]، ومِنها خَزَنَةُ النّارِ، قالَ تَعالى: ﴿عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ﴾ [التحريم: ٦]، ومِنها الكِرامُ الكاتِبُونَ قالَ: ﴿وإنَّ عَلَيْكم لَحافِظِينَ﴾ ﴿كِرامًا كاتِبِينَ﴾ [الانفطار: ١٠] ومِنها المُعَقِّباتُ، قالَ تَعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّباتٌ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ﴾ [الرعد: ١١] وقَدْ يَتَّصِلُ بِأحْوالِ المَلائِكَةِ أحْوالُ الجِنِّ والشَّياطِينِ.
وأمّا القِسْمُ الثّالِثُ: مِنَ الأُصُولِ المُعْتَبَرَةِ في الإيمانِ مَعْرِفَةُ الكُتُبِ، والقُرْآنُ يَشْتَمِلُ عَلى شَرْحِ أحْوالِ كِتابِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، قالَ تَعالى: ﴿فَتَلَقّى آدَمُ مِن رَبِّهِ كَلِماتٍ﴾ [البقرة: ٣٧] ومِنها أحْوالُ صُحُفِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، قالَ تَعالى: ﴿وإذِ ابْتَلى إبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة: ١٢٤]، ومِنها أحْوالُ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ والزَّبُورِ.
وأمّا القِسْمُ الرّابِعُ: مِنَ الأُصُولِ المُعْتَبَرَةِ في الإيمانِ مَعْرِفَةُ الرُّسُلِ، واللَّهُ تَعالى قَدْ شَرَحَ أحْوالَ البَعْضِ، وأبْهَمَ أحْوالَ الباقِينَ، قالَ: ﴿مِنهم مَن قَصَصْنا عَلَيْكَ ومِنهم مَن لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ [غافر: ٧٨] .
القِسْمُ الخامِسُ: ما يَتَعَلَّقُ بِأحْوالِ المُكَلَّفِينَ، وهي عَلى نَوْعَيْنِ:
الأوَّلُ: أنْ يُقِرُّوا بِوُجُوبِ هَذِهِ التَّكالِيفِ عَلَيْهِمْ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وقالُوا سَمِعْنا وأطَعْنا﴾ [البقرة: ٢٨٥] .
الثّانِي: أنْ يَعْتَرِفُوا بِصُدُورِ التَّقْصِيرِ عَنْهم في تِلْكَ الأعْمالِ، ثُمَّ طَلَبُوا المَغْفِرَةَ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿غُفْرانَكَ رَبَّنا﴾ [البقرة: ٢٨٥]، ثُمَّ لَمّا كانَتْ مَقادِيرُ رُؤْيَةِ التَّقْصِيرِ في مَواقِفِ العُبُودِيَّةِ بِحَسَبِ المُكاشَفاتِ في مُطالَعَةِ عِزَّةِ الرُّبُوبِيَّةِ أكْثَرَ، كانَتِ المُكاشَفاتُ في تَقْصِيرِ العُبُودِيَّةِ أكْثَرَ، وكانَ قَوْلُهُ: ﴿غُفْرانَكَ رَبَّنا﴾ أكْثَرَ.
القِسْمُ السّادِسُ: مَعْرِفَةُ المَعادِ والبَعْثِ والقِيامَةِ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وإلَيْكَ المَصِيرُ﴾ [البقرة: ٢٨٥]، وهَذا هو الإشارَةُ إلى مَعْرِفَةِ المَطالِبِ المُهِمَّةِ في طَلَبِ الدِّينِ، والقُرْآنُ بَحْرٌ لا نِهايَةَ لَهُ في تَقْرِيرِ هَذِهِ المَطالِبِ، وتَعْرِيفِها وشَرْحِها، ولا تَرى في مَشارِقِ الأرْضِ ومَغارِبِها كِتابًا يَشْتَمِلُ عَلى جُمْلَةِ هَذِهِ العُلُومِ كَما يَشْتَمِلُ القُرْآنُ عَلَيْها، ومَن تَأمَّلَ في هَذا التَّفْسِيرِ عَلِمَ أنّا لَمْ نَذْكُرْ مِن بِحارِ فَضائِلِ القُرْآنِ إلّا قَطْرَةً، ولَمّا كانَ الأمْرُ عَلى هَذِهِ الجُمْلَةِ، لا جَرَمَ مَدَحَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ القُرْآنَ، فَقالَ تَعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ﴾، واللَّهُ أعْلَمُ.
الصِّفَةُ الثّانِيَةُ مِن صِفاتِ القُرْآنِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كِتابًا مُتَشابِهًا﴾، أمّا الكِتابُ فَقَدْ فَسَّرْناهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَلِكَ الكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢]، وأمّا كَوْنُهُ مُتَشابِهًا فاعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ القُرْآنَ كُلَّهُ مُتَشابِهٌ، وقَوْلُهُ: ﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتابَ مِنهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتابِ وأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ﴾ [آل عمران: ٧] يَدُلُّ عَلى كَوْنِ البَعْضِ مُتَشابِهًا دُونَ البَعْضِ.
وأمّا كَوْنُهُ كُلِّهِ مُتَشابِهًا كَما في هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَعْناهُ أنَّهُ يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا، وأقُولُ: هَذا التَّشابُهُ يَحْصُلُ في أُمُورٍ:
أحَدُها: أنَّ الكاتِبَ البَلِيغَ إذا كَتَبَ كِتابًا طَوِيلًا، فَإنَّهُ يَكُونُ بَعْضُ كَلِماتِهِ فَصِيحًا، ويَكُونُ البَعْضُ غَيْرَ فَصِيحٍ، والقُرْآنُ يُخالِفُ ذَلِكَ، فَإنَّهُ فَصِيحٌ كامِلُ الفَصاحَةِ بِجَمِيعِ أجْزائِهِ.
وثانِيها: أنَّ الفَصِيحَ إذا كَتَبَ كِتابًا في واقِعَةٍ بِألْفاظٍ فَصَيْحَةٍ، فَلَوْ كَتَبَ كِتابًا آخَرَ في غَيْرِ تِلْكَ الواقِعَةِ كانَ الغالِبُ أنَّ كَلامَهُ في الكِتابِ الثّانِي غَيْرُ كَلامِهِ في الكِتابِ الأوَّلِ، واللَّهُ تَعالى حَكى قِصَّةَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ مِنَ القُرْآنِ، وكُلُّها مُتَساوِيَةٌ مُتَشابِهَةٌ في الفَصاحَةِ.
وثالِثُها: أنَّ كُلَّ ما فِيهِ مِنَ الآياتِ والبَياناتِ فَإنَّهُ يُقَوِّي بَعْضُها بَعْضًا، ويُؤَكِّدُ بَعْضُها بَعْضًا.
ورابِعُها: أنَّ هَذِهِ الأنْواعَ الكَثِيرَةَ مِنَ العُلُومِ الَّتِي عَدَدْناها مُتَشابِهَةً مُتَشارِكَةٌ في أنَّ المَقْصُودَ مِنها بِأسْرِها الدَّعْوَةُ إلى الدِّينِ وتَقْرِيرُ عَظَمَةِ اللَّهِ، ولِذَلِكَ فَإنَّكَ لا تَرى قِصَّةً مِنَ القِصَصِ إلّا ويَكُونُ مُحَصِّلُها المَقْصُودَ الَّذِي ذَكَرْناهُ، فَهَذا هو المُرادُ مِن كَوْنِهِ مُتَشابِهًا، واللَّهُ الهادِي.
صفحة ٢٣٧
الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: مِن صِفاتِ القُرْآنِ كَوْنُهُ ”مَثانِيَ“، وقَدْ بالَغْنا في تَفْسِيرِ هَذِهِ اللَّفْظَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ المَثانِي﴾ [الحجر: ٨٧]، وبِالجُمْلَةِ فَأكْثَرُ الأشْياءِ المَذْكُورَةِ وقَعَتْ زَوْجَيْنِ زَوْجَيْنِ، مِثْلَ: الأمْرِ والنَّهْيِ، والعامِّ والخاصِّ، والمُجْمَلِ والمُفَصَّلِ، وأحْوالِ السَّماواتِ والأرْضِ، والجَنَّةِ والنّارِ، والظُّلْمَةِ والضَّوْءِ، واللَّوْحِ والقَلَمِ، والمَلائِكَةِ والشَّياطِينِ، والعَرْشِ والكُرْسِيِّ، والوَعْدِ والوَعِيدِ، والرَّجاءِ والخَوْفِ، والمَقْصُودُ مِنهُ بَيانُ أنَّ كُلَّ ما سِوى الحَقِّ زَوْجٌ، ويَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ شَيْءٍ مُبْتَلًى بِضِدِّهِ ونَقِيضِهِ، وأنَّ الفَرْدَ الأحَدَ الحَقَّ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ.
الصِّفَةُ الرّابِعَةُ: مِن صِفاتِ القُرْآنِ قَوْلُهُ: ﴿تَقْشَعِرُّ مِنهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهم وقُلُوبُهم إلى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٢٣]، وفِيهِ مَسائِلُ:
* * *
المَسْألَةُ الأُولى: مَعْنى ﴿تَقْشَعِرُّ مِنهُ جُلُودُ﴾ تَأْخُذُهم قُشَعْرِيرَةٌ، وهي تَغَيُّرٌ يَحْدُثُ في جِلْدِ الإنْسانِ عِنْدَ الوَجَلِ والخَوْفِ، قالَ المُفَسِّرُونَ: والمَعْنى أنَّهم عِنْدَ سَماعِ آياتِ الرَّحْمَةِ والإحْسانِ يَحْصُلُ لَهُمُ الفَرَحُ فَتَلِينُ قُلُوبُهم إلى ذِكْرِ اللَّهِ، وأقُولُ: إنَّ المُحَقِّقِينَ مِنَ العارِفِينَ قالُوا: السّائِرُونَ في مَبْدَأِ جَلالِ اللَّهِ إنْ نَظَرُوا إلى عالَمِ الجَلالِ طاشُوا، وإنْ لاحَ لَهم أثَرٌ مِن عالَمِ الجَمالِ عاشُوا، ويَجِبُ عَلَيْنا أنْ نَذْكُرَ في هَذا البابِ مَزِيدَ شَرْحٍ وتَقْرِيرٍ، فَنَقُولَ: الإنْسانُ إذا تَأمَّلَ في الدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى أنَّهُ يَجِبُ تَنْزِيهُ اللَّهِ عَنِ التَّحَيُّزِ والجِهَةِ، فَهُنا يَقْشَعِرُّ جِلْدُهُ، لِأنَّ إثْباتَ مَوْجُودٍ لا داخِلَ العالَمِ ولا خارِجَهُ، ولا مُتَّصِلٌ بِالعالَمِ ولا مُنْفَصِلٌ عَنِ العالَمِ، مِمّا يَصْعُبُ تَصَوُّرُهُ، فَهَهُنا تَقْشَعِرُّ الجُلُودُ، أمّا إذا تَأمَّلَ في الدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى أنَّهُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ فَرْدًا أحَدًا، وثَبَتَ أنَّ كُلَّ مُتَحَيِّزٍ فَهو مُنْقَسِمٌ، فَهَهُنا يَلِينُ جِلْدُهُ وقَلْبُهُ إلى ذِكْرِ اللَّهِ.
وأيْضًا إذا أرادَ أنْ يُحِيطَ عَقْلُهُ بِمَعْنى الأزَلِ فَيَتَقَدَّمَ في ذِهْنِهِ بِمِقْدارِ ألْفِ ألْفِ سَنَةٍ ثُمَّ يَتَقَدَّمَ أيْضًا بِحَسَبِ كُلِّ لَحْظَةٍ مِن لَحَظاتِ تِلْكَ المُدَّةِ ألْفِ ألْفِ سَنَةٍ، ولا يَزالُ يَحْتالُ ويَتَقَدَّمُ ويَتَخَيَّلُ في الذِّهْنِ، فَإذا بالَغَ وتَوَغَّلَ وظَنَّ أنَّهُ اسْتَحْضَرَ مَعْنى الأزَلِ، قالَ العَقْلُ: هَذا لَيْسَ بِشَيْءٍ، لِأنَّ كُلَّ ما اسْتَحْضَرْتُهُ فِيَّ فَهو مُتَناهٍ، والأزَلُ هو الوُجُودُ المُتَقَدِّمُ عَلى هَذِهِ المُدَّةِ المُتَناهِيَةِ، فَهَهُنا يَتَحَيَّرُ العَقْلُ ويَقْشَعِرُّ الجِلْدُ، وأمّا إذا تَرَكَ هَذا الِاعْتِبارَ، وقالَ هَهُنا مَوْجُودٌ، والمَوْجُودُ إمّا واجِبٌ وإمّا مُمْكِنٌ، فَإنْ كانَ واجِبًا فَهو دائِمًا مُنَزَّهٌ عَنِ الأوَّلِ والآخِرِ، وإنْ كانَ مُمْكِنًا فَهو مُحْتاجٌ إلى الواجِبِ فَيَكُونُ أزَلِيًّا أبَدِيًّا، فَإذا اعْتَبَرَ العَقْلُ فَهِمَ مَعْنى الأزَلِيَّةِ، فَهَهُنا يَلِينُ جِلْدُهُ وقَلْبُهُ إلى ذِكْرِ اللَّهِ، فَثَبَتَ أنَّ المَقامَيْنِ المَذْكُورَيْنِ في الآيَةِ لا يَجِبُ قَصْرُهُما عَلى سَماعِ آيَةِ العَذابِ وآيَةِ الرَّحْمَةِ، بَلْ ذاكَ أُولى تِلْكَ المَراتِبِ، وبَعْدَهُ مَراتِبُ لا حَدَّ لَها ولا حَصْرَ في حُصُولِ تِلْكَ الحالَتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: رَوى الواحِدِيُّ في ”البَسِيطِ“ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قالَ: القُرْآنُ دَلَّ عَلى أنَّ أوْلِياءَ اللَّهِ مَوْصُوفُونَ بِأنَّهم عِنْدَ المُكاشَفاتِ والمُشاهَداتِ، تارَةً تَقْشَعِرُّ جُلُودُهم وأُخْرى تَلِينُ جُلُودُهم وقُلُوبُهم إلى ذِكْرِ اللَّهِ، ولَيْسَ فِيهِ أنَّ عُقُولَهم تَزُولُ وأنَّ أعْضاءَهم تَضْطَرِبُ، فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّ تِلْكَ الأحْوالَ لَوْ حَصَلَتْ لَكانَتْ مِنَ الشَّيْطانِ، وأقُولُ: هَهُنا بَحْثٌ آخَرُ، وهو أنَّ الشَّيْخَ أبا حامِدٍ الغَزالِيَّ أوْرَدَ مَسْألَةً في كِتابِ إحْياءِ عُلُومِ الدِّينِ، وهي أنّا نَرى كَثِيرًا مِنَ النّاسِ يَظْهَرُ عَلَيْهِ الوَجْدُ الشَّدِيدُ التّامُّ عِنْدَ سَماعِ الأبْياتِ المُشْتَمِلَةِ عَلى شَرْحِ الوَصْلِ والهَجْرِ، وعِنْدَ سَماعِ الآياتِ لا يَظْهَرُ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن هَذِهِ الأحْوالِ، ثُمَّ إنَّهُ سَلَّمَ هَذا المَعْنى وذَكَرَ العُذْرَ فِيهِ مِن وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ، وأنا أقُولُ: إنِّي خُلِقْتُ مَحْرُومًا عَنْ هَذا المَعْنى، فَإنِّي كُلَّما تَأمَّلْتُ في أسْرارِ القُرْآنِ اقْشَعَرَّ
صفحة ٢٣٨
جِلْدِي ووَقَفَ شَعْرِي وحَصَلَتْ في قَلْبِي دَهْشَةٌ ورَوْعَةٌ، وكُلَّما سَمِعْتُ تِلْكَ الأشْعارِ غَلَبَ الهَزْلُ عَلَيَّ وما وجَدْتُ ألْبَتَّةَ في نَفْسِي مِنها أثَرًا، وأظُنُّ أنَّ المَنهَجَ القَوِيمَ والصِّراطَ المُسْتَقِيمَ هو هَذا، وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ تِلْكَ الأشْعارَ كَلِماتٌ مُشْتَمِلَةٌ عَلى وصْلٍ وهَجْرٍ وبُغْضٍ وحُبٍّ تَلِيقُ بِالخَلْقِ، وإثْباتُهُ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى كُفْرٌ، وأمّا الِانْتِقالُ مِن تِلْكَ الأحْوالِ إلى مَعانٍ لائِقَةٍ بِجَلالِ اللَّهِ فَلا يَصِلُ إلَيْها إلّا العُلَماءُ الرّاسِخُونَ في العِلْمِ، وأمّا المَعانِي الَّتِي يَشْتَمِلُ عَلَيْها القُرْآنُ فَهي أحْوالٌ لائِقَةٌ بِجَلالِ اللَّهِ، فَمَن وقَفَ عَلَيْها عَظُمَ الوَلَهُ في قَلْبِهِ، فَإنَّ مَن كانَ عِنْدَهُ نُورُ الإيمانِ وجَبَ أنْ يَعْظُمَ اضْطِرابُهُ عِنْدَ سَماعِ قَوْلِهِ: ﴿وعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ لا يَعْلَمُها إلّا هُوَ﴾ [الأنعام: ٥٩] إلى آخِرِ الآيَةِ.
والثّانِي: وهو أنِّي سَمِعْتُ بَعْضَ المَشايِخِ قالَ: كَما أنَّ الكَلامَ لَهُ أثَرٌ، فَكَذَلِكَ صُدُورُ ذَلِكَ الكَلامِ مِنَ القائِلِ المُعَيَّنِ لَهُ أثَرٌ، لِأنَّ قُوَّةَ نَفْسِ القائِلِ تُعِينُ عَلى نَفاذِ الكَلامِ في الرُّوحِ، والقائِلُ في القُرْآنِ هُنا هو اللَّهُ بِواسِطَةِجِبْرِيلَ بِتَبْلِيغِ الرَّسُولِ المَعْصُومِ، والقائِلُ هُناكَ شاعِرٌ كَذّابٌ مَمْلُوءٌ مِنَ الشَّهْوَةِ وداعِيَةِ الفُجُورِ.
والثّالِثُ: أنَّ مَدارَ القُرْآنِ عَلى الدَّعْوَةِ إلى الحَقِّ، قالَ تَعالى: ﴿وإنَّكَ لَتَهْدِي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ صِراطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ [الشورى: ٥٣]، وأمّا الشِّعْرُ فَمَدارُهُ عَلى الباطِلِ، قالَ تَعالى: ﴿والشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الغاوُونَ﴾ ﴿ألَمْ تَرَ أنَّهم في كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ﴾ ﴿وأنَّهم يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٤] فَهَذِهِ الوُجُوهُ الثَّلاثَةُ فُرُوقٌ ظاهِرَةٌ، وأمّا ما يَتَعَلَّقُ بِالوُجْدانِ مِنَ النَّفْسِ فَإنَّ كُلَّ أحَدٍ إنَّما يُخْبِرُ عَمّا يَجِدُهُ مِن نَفْسِهِ، والَّذِي وجَدْتُهُ مِنَ النَّفْسِ والعَقْلِ ما ذَكَرْتُهُ، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في بَيانِ ما بَقِيَ مِنَ المُشْكِلاتِ في هَذِهِ الآيَةِ، ونَذْكُرُها في مَعْرِضِ السُّؤالِ والجَوابِ.
السُّؤالُ الأوَّلُ: كَيْفَ تَرْكِيبُ لَفْظِ القُشَعْرِيرَةِ، الجَوابُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: تَرْكِيبُهُ مِن حُرُوفِ التَّقَشُّعِ، وهو الأدِيمُ اليابِسُ، مَضْمُومًا إلَيْها حَرْفٌ رابِعٌ، وهو الرّاءُ؛ لِيَكُونَ رُباعِيًّا ودالًّا عَلى مَعْنًى زائِدٍ، يُقالُ: اقْشَعَرَّ جِلْدُهُ مِنَ الخَوْفِ ووَقَفَ شَعْرُهُ، وذَلِكَ مَثَلٌ في شِدَّةِ الخَوْفِ.
السُّؤالُ الثّانِي: كَيْفَ قالَ: ﴿تَلِينُ جُلُودُهم وقُلُوبُهم إلى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ وما الوَجْهُ في تَعَدِّيهِ بِحَرْفِ ”إلى“ ؟ والجَوابُ: التَّقْدِيرُ تَلِينُ جُلُودُهم وقُلُوبُهم حالَ وُصُولِها إلى حَضْرَةِ اللَّهِ، وهو لا يُحَسُّ بِالإدْراكِ.
السُّؤالُ الثّالِثُ: لِمَ قالَ ”إلى ذِكْرِ اللَّهِ“، ولَمْ يَقُلْ: إلى ذِكْرِ رَحْمَةِ اللَّهِ ؟ والجَوابُ: أنَّ مَن أحَبَّ اللَّهَ لِأجْلِ رَحْمَتِهِ فَهو ما أحَبَّ اللَّهَ، وإنَّما أحَبَّ شَيْئًا غَيْرَهُ، وأمّا مَن أحَبَّ اللَّهَ لا لِشَيْءٍ سِواهُ، فَهَذا هو المُحِبُّ المُحِقُّ، وهو الدَّرَجَةُ العالِيَةُ، فَلِهَذا السَّبَبِ لَمْ يَقُلْ: ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهم وقُلُوبُهم إلى ذِكْرِ رَحْمَةِ اللَّهِ، بَلْ قالَ: إلى ذِكْرِ اللَّهِ، وقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى هَذا المَعْنى في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ﴾ [الأنعام: ١٢٥]، وفي قَوْلِهِ: ﴿ألا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨]، وأيْضًا قالَ لِأُمَّةِ مُوسى: ﴿يابَنِي إسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠]، وقالَ أيْضًا لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿فاذْكُرُونِي أذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢] .
السُّؤالُ الرّابِعُ: لِمَ قالَ في جانِبِ الخَوْفِ قُشَعْرِيرَةُ الجُلُودِ فَقَطْ، وفي جانِبِ الرَّجاءِ لِينُ الجُلُودِ والقُلُوبِ مَعًا ؟ والجَوابُ: لِأنَّ المُكاشَفَةَ في مَقامِ الرَّجاءِ أكْمَلُ مِنها في مَقامِ الخَوْفِ، لِأنَّ الخَيْرَ مَطْلُوبٌ بِالذّاتِ، والشَّرَّ مَطْلُوبٌ بِالعَرَضِ، ومَحَلُّ المُكاشَفاتِ هو القُلُوبُ والأرْواحُ، واللَّهُ أعْلَمُ.
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ القُرْآنَ بِهَذِهِ الصِّفاتِ قالَ: ﴿ذَلِكَ هُدى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشاءُ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾
صفحة ٢٣٩
، فَقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى الكِتابِ، وهو هُدى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ، وهو الَّذِي شَرَحَ صَدْرَهُ أوَّلًا لِقَبُولِ هَذِهِ الهِدايَةِ ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ﴾ أيْ مَن جَعَلَ قَلْبَهُ قاسِيًا مُظْلِمًا بَلِيدَ الفَهْمِ مُنافِيًا لِقَبُولِ هَذِهِ الهِدايَةِ ﴿فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ واسْتِدْلالُ أصْحابِنا بِهَذِهِ الآيَةِ وسُؤالاتُ المُعْتَزِلَةِ وجَوّاباتُ أصْحابِنا عَيْنُ ما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ﴾ [الأنعام: ١٢٥] .
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ تَعالى حَكَمَ عَلى القاسِيَةِ قُلُوبُهم بِحُكْمٍ في الدُّنْيا وبِحُكْمٍ في الآخِرَةِ، أمّا حُكْمُهم في الدُّنْيا فَهو الضَّلالُ التّامُّ؛ كَما قالَ: ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾، وأمّا حُكْمُهم في الآخِرَةِ فَهو العَذابُ الشَّدِيدُ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ﴾، وتَقْرِيرُهُ: أنَّ أشْرَفَ الأعْضاءِ هو الوَجْهُ، لِأنَّهُ مَحَلُّ الحُسْنِ والصَّباحَةِ، وهو أيْضًا صَوْمَعَةُ الحَواسِّ، وإنَّما يَتَمَيَّزُ بَعْضُ النّاسِ عَنْ بَعْضٍ بِسَبَبِ الوَجْهِ، وأثَرُ السَّعادَةِ والشَّقاوَةِ لا يَظْهَرُ إلّا في الوَجْهِ، قالَ تَعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ﴾ ﴿ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ ﴿ووُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ﴾ ﴿تَرْهَقُها قَتَرَةٌ﴾ ﴿أُولَئِكَ هُمُ الكَفَرَةُ الفَجَرَةُ﴾ [ عَبَسَ: ٣٨ – ٤٢ ] ويُقالُ لِمُقَدَّمِ القَوْمِ: يا وجْهَ العَرَبِ، ويُقالُ لِلطَّرِيقِ الدّالِّ عَلى كُنْهِ حالِ الشَّيْءِ: وجْهُ كَذا هو كَذا، فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا أنَّ أشْرَفَ الأعْضاءِ هو الوَجْهُ، فَإذا وقَعَ الإنْسانُ في نَوْعٍ مِن أنْواعِ العَذابِ فَإنَّهُ يَجْعَلُ يَدَهُ وِقايَةً لِوَجْهِهِ وفِداءً لَهُ، وإذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إذا كانَ القادِرُ عَلى الِاتِّقاءِ يَجْعَلُ كُلَّ ما سِوى الوَجْهِ فِداءً لِلْوَجْهِ - لا جَرَمَ حَسُنَ جَعْلُ الِاتِّقاءِ بِالوَجْهِ كِنايَةً عَنِ العَجْزِ عَنِ الِاتِّقاءِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُ النّابِغَةِ:
ولا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أنَّ سُيُوفَهم بِهِنَّ فُلُولٌ مِن قِراعِ الكَتائِبِ
أيْ: لا عَيْبَ فِيهِمْ إلّا هَذا، وهو لَيْسَ بِعَيْبٍ، فَلا عَيْبَ فِيهِمْ إذَنْ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، فَكَذا هَهُنا لا يَقْدِرُونَ عَلى الِاتِّقاءِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ إلّا بِالوَجْهِ، وهَذا لَيْسَ بِاتِّقاءٍ، فَلا قُدْرَةَ لَهم عَلى الِاتِّقاءِ ألْبَتَّةَ، ويُقالُ أيْضًا: إنَّ الَّذِي يُلْقى في النّارِ يُلْقى مَغْلُولَةٌ يَداهُ إلى عُنُقِهِ، ولا يَتَهَيَّأُ لَهُ أنْ يَتَّقِيَ النّارَ إلّا بِوَجْهِهِ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: جَوابُهُ مَحْذُوفٌ، وتَقْدِيرُهُ: أفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ كَمَن هو آمِنٌ مِنَ العَذابِ، فَحُذِفَ الخَبَرُ كَما حُذِفَ في نَظائِرِهِ، وسُوءُ العَذابِ شِدَّتُهُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وقِيلَ لِلظّالِمِينَ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ ولَمّا بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى كَيْفِيَّةَ عَذابِ القاسِيَةِ قُلُوبُهم في الآخِرَةِ بَيَّنَ أيْضًا كَيْفِيَّةَ وُقُوعِهِمْ في العَذابِ في الدُّنْيا، فَقالَ: ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأتاهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾، وهَذا تَنْبِيهٌ عَلى حالِ هَؤُلاءِ؛ لِأنَّ الفاءَ في قَوْلِهِ: ﴿فَأتاهُمُ العَذابُ﴾ تَدُلُّ عَلى أنَّهم إنَّما أتاهُمُ العَذابُ بِسَبَبِ التَّكْذِيبِ، فَإذا كانَ التَّكْذِيبُ حاصِلًا هَهُنا لَزِمَ حُصُولُ العَذابِ؛ اسْتِدْلالًا بِالعِلَّةِ عَلى المَعْلُولِ، وقَوْلُهُ: ﴿مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ أيْ: مِنَ الجِهَةِ الَّتِي لا يَحْسَبُونَ ولا يَخْطُرُ بِبالِهِمْ أنَّ الشَّرَّ يَأْتِيهِمْ مِنها، بَيْنَما هم آمِنُونَ إذْ أتاهُمُ العَذابُ مِنَ الجِهَةِ الَّتِي تَوَقَّعُوا الأمْنَ مِنها، ولَمّا بَيَّنَ أنَّهُ أتاهُمُ العَذابُ في الدُّنْيا بَيَّنَ أيْضًا أنَّهُ أتاهُمُ الخِزْيُ، وهو الذُّلُّ والصَّغارُ والهَوانُ، والفائِدَةُ في ذِكْرِ هَذا القَيْدِ أنَّ العَذابَ التّامَّ هو أنْ يَحْصُلَ فِيهِ الألَمُ مَقْرُونًا بِالهَوانِ والذُّلِّ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿ولَعَذابُ الآخِرَةِ أكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ يَعْنِي أنَّ أُولَئِكَ وإنْ نَزَلَ عَلَيْهِمُ العَذابُ والخِزْيُ كَما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، فالعَذابُ المُدَّخَرُ لَهم في يَوْمِ القِيامَةِ أكْبَرُ وأعْظَمُ مِن ذَلِكَ الَّذِي وقَعَ، والمَقْصُودُ مِن كُلِّ ذَلِكَ التَّخْوِيفُ والتَّرْهِيبُ، فَلَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الفَوائِدَ المُتَكاثِرَةَ والنَّفائِسَ المُتَوافِرَةَ في هَذِهِ المَطالِبِ بَيَّنَ
صفحة ٢٤٠
تَعالى أنَّهُ بَلَغَتْ هَذِهِ البَياناتُ إلى حَدِّ الكَمالِ والتَّمامِ، فَقالَ: ﴿ولَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ والمَقْصُودُ ظاهِرٌ، وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ أفْعالَ اللَّهِ وأحْكامَهُ مُعَلَّلَةٌ، ودَلَّتْ أيْضًا عَلى أنَّهُ يُرِيدُ الإيمانَ والمَعْرِفَةَ مِنَ الكُلِّ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ﴾ مُشْعِرٌ بِالتَّعْلِيلِ، وقَوْلُهُ في آخِرِ الآيَةِ: ﴿لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ مُشْعِرٌ بِالتَّعْلِيلِ أيْضًا، ومُشْعِرٌ بِأنَّ المَقْصُودَ مِن ضَرْبِ هَذِهِ الأمْثالِ إرادَةُ حُصُولِ التَّذَكُّرِ والعِلْمِ، ولَمّا كانَتْ هَذِهِ البَياناتُ النّافِعَةُ والبَيِّناتُ الباهِرَةُ مَوْجُودَةً في القُرْآنِ، لا جَرَمَ وُصِفَ القُرْآنُ بِالمَدْحِ والثَّناءِ، فَقالَ: ﴿قُرْءانًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: احْتَجَّ القائِلُونَ بِحُدُوثِ القُرْآنِ بِهَذِهِ الآيَةِ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى إنَّما ذَكَرَ هَذِهِ الأمْثالَ لِيَحْصُلَ لَهُمُ التَّذَكُّرُ، والشَّيْءُ الَّذِي يُؤْتى بِهِ لِغَرَضٍ آخَرَ يَكُونُ مُحْدَثًا، فَإنَّ القَدِيمَ هو الَّذِي يَكُونُ مَوْجُودًا في الأزَلِ، وهَذا يُمْتَنَعُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ إنَّما أتى بِهِ لِغَرَضِ كَذا وكَذا.
والثّانِي: أنَّهُ وصَفَهُ بِكَوْنِهِ عَرَبِيًّا، وإنَّما كانَ عَرَبِيًّا لِأنَّ هَذِهِ الألْفاظَ إنَّما صارَتْ دالَّةً عَلى هَذِهِ المَعانِي بِوَضْعِ العَرَبِ وبِاصْطِلاحِهِمْ، وما كانَ حُصُولُهُ بِسَبَبِ أوْضاعِ العَرَبِ واصْطِلاحاتِهِمْ كانَ مَخْلُوقًا مُحْدَثًا.
الثّالِثُ: أنَّهُ وصَفَهُ بِكَوْنِهِ قُرْآنًا، والقُرْآنُ عِبارَةٌ عَنِ القِراءَةِ، والقِراءَةُ مَصْدَرٌ، والمَصْدَرُ هو المَفْعُولُ المُطْلَقُ، فَكانَ فِعْلًا ومَفْعُولًا، والجَوابُ: أنّا نَحْمِلُ كُلَّ هَذِهِ الوُجُوهِ عَلى الحُرُوفِ والأصْواتِ، وهي حادِثَةٌ ومُحْدَثَةٌ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الزَّجّاجُ: قَوْلُهُ ﴿عَرَبِيًّا﴾ مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، والمَعْنى ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ في حالِ عَرَبِيَّتِهِ وبَيانِهِ، ويَجُوزُ أنْ يُنْتَصَبَ عَلى المَدْحِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أنَّهُ تَعالى وصَفَهُ بِثَلاثَةٍ:
أوَّلُها: كَوْنُهُ قُرْآنًا، والمُرادُ كَوْنُهُ مَتْلُوًّا في المَحارِيبِ إلى قِيامِ القِيامَةِ، كَما قالَ: ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذِّكْرَ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] .
وثانِيها: كَوْنُهُ عَرَبِيًّا، والمُرادُ أنَّهُ أعْجَزَ الفُصَحاءَ والبُلَغاءَ عَنْ مُعارَضَتِهِ كَما قالَ: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ والجِنُّ عَلى أنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذا القُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ ولَوْ كانَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨] .
وثالِثُها: كَوْنُهُ ﴿غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ والمُرادُ بَراءَتُهُ عَنِ التَّناقُضِ، كَما قالَ: ﴿ولَوْ كانَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾، فالمُعْتَزِلَةُ يَتَمَسَّكُونَ بِهِ في تَعْلِيلِ أحْكامِ اللَّهِ تَعالى.
وفِيهِ بَحْثٌ آخَرُ: وهو أنَّهُ تَعالى قالَ في الآيَةِ الأُولى: ﴿لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾، وقالَ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾، والسَّبَبُ فِيهِ أنَّ التَّذَكُّرَ مُتَقَدِّمٌ عَلى الِاتِّقاءِ، لِأنَّهُ إذا تَذَكَّرَهُ وعَرَفَهُ ووَقَفَ عَلى فَحْواهُ وأحاطَ بِمَعْناهُ، حَصَلَ الِاتِّقاءُ والِاحْتِرازُ، واللَّهُ أعْلَمُ.
الزمر 39:26
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ فَهو عَلى نُورٍ مِن رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهم مِن ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ كِتابًا مُتَشابِهًا مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهم وقُلُوبُهم إلى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشاءُ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ ﴿أفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ وقِيلَ لِلظّالِمِينَ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأتاهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ ﴿فَأذاقَهُمُ اللَّهُ الخِزْيَ في الحَياةِ الدُّنْيا ولَعَذابُ الآخِرَةِ أكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ ﴿قُرْءانًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾، وفِيهِ مَسائِلُ:
* * *
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بالَغَ في تَقْرِيرِ البَياناتِ الدّالَّةِ عَلى وُجُوبِ الإقْبالِ عَلى طاعَةِ اللَّهِ تَعالى ووُجُوبِ الإعْراضِ عَنِ الدُّنْيا، بَيَّنَ بَعْدَ ذَلِكَ أنَّ الِانْتِفاعَ بِهَذِهِ البَياناتِ لا يَكْمُلُ إلّا إذا شَرَحَ اللَّهُ الصُّدُورَ، ونَوَّرَ القُلُوبَ، فَقالَ: ﴿أفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ فَهو عَلى نُورٍ مِن رَبِّهِ﴾ .
واعْلَمْ أنّا بالَغْنا في سُورَةِ الأنْعامِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ﴾ [الأنعام: ١٢٥] في تَفْسِيرِ شَرْحِ الصَّدْرِ، وفي تَفْسِيرِ الهِدايَةِ، ولا بَأْسَ بِإعادَةِ كَلامٍ قَلِيلٍ هَهُنا، فَنَقُولُ: إنَّهُ تَعالى خَلَقَ جَواهِرَ النُّفُوسِ مُخْتَلِفَةً بِالماهِيَّةِ، فَبَعْضُها خَيِّرَةٌ نُورانِيَّةٌ شَرِيفَةٌ مائِلَةٌ إلى الإلَهِيّاتِ عَظِيمَةُ الرَّغْبَةِ في الِاتِّصالِ بِالرُّوحانِيّاتِ، وبَعْضُها نَذْلَةٌ كَدِرَةٌ خَسِيسَةٌ مائِلَةٌ إلى الجُسْمانِيّاتِ، وفي هَذا التَّفاوُتِ أمْرٌ حاصِلٌ في جَواهِرِ النُّفُوسِ البَشَرِيَّةِ، والِاسْتِقْراءُ يَدُلُّ عَلى أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: المُرادُ بِشَرْحِ الصَّدْرِ هو ذَلِكَ الِاسْتِعْدادُ الشَّدِيدُ المَوْجُودُ في فِطْرَةِ النَّفْسِ، وإذا كانَ ذَلِكَ الِاسْتِعْدادُ الشَّدِيدُ حاصِلًا كَفى خُرُوجُ تِلْكَ الحالَةِ مِنَ القُوَّةِ إلى الفِعْلِ بِأدْنى سَبَبٍ، مِثْلَ الكِبْرِيتِ الَّذِي يَشْتَعِلُ بِأدْنى نارٍ، أمّا إذا كانَتِ النَّفْسُ بَعِيدَةً عَنْ قَبُولِ هَذِهِ الجَلايا القُدْسِيَّةِ والأحْوالِ الرُّوحانِيَّةِ، بَلْ كانَتْ مُسْتَغْرِقَةً في طَلَبِ الجُسْمانِيّاتِ قَلِيلَةَ التَّأثُّرِ عَنِ الأحْوالِ المُناسِبَةِ لِلْإلَهِيّاتِ، فَكانَتْ قاسِيَةً كَدِرَةً ظَلْمانِيَّةً، وكُلَّما كانَ إيرادُ الدَّلائِلِ اليَقِينِيَّةِ والبَراهِينِ الباهِرَةِ عَلَيْها أكْثَرَ، كانَتْ قَسْوَتُها وظُلْمَتُها أقَلَّ.
إذا عَرَفْتَ هَذِهِ القاعِدَةَ فَنَقُولُ: أمّا شَرْحُ الصَّدْرِ فَهو ما ذَكَرْناهُ، وأمّا النُّورُ فَهو عِبارَةٌ عَنِ الهِدايَةِ والمَعْرِفَةِ، وما لَمْ يَحْصُلْ شَرْحُ الصَّدْرِ أوَّلًا لَمْ يَحْصُلِ النُّورُ ثانِيًا، وإذا كانَ الحاصِلُ هو القُوَّةَ النَّفْسانِيَّةَ لَمْ يَحْصُلِ الِانْتِفاعُ البَتَّةَ بِسَماعِ الدَّلائِلِ، ورُبَّما صارَ سَماعُ الدَّلائِلِ سَبَبًا لِزِيادَةِ القَسْوَةِ ولِشِدَّةِ النَّفْرَةِ، فَهَذِهِ أُصُولٌ يَقِينِيَّةٌ يَجِبُ أنْ تَكُونَ مَعْلُومَةً عِنْدَ الإنْسانِ حَتّى يُمْكِنَهُ الوُقُوفُ عَلى مَعانِي هَذِهِ الآياتِ، أمّا اسْتِدْلالُ أصْحابِنا في مَسْألَةِ الجَبْرِ والقَدَرِ، وكَلامُ الخُصُومِ عَلَيْهِ فَقَدْ تَقَدَّمَ هُناكَ، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: مِن مَحْذُوفِ الخَبَرِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿أمْ مَن هو قانِتٌ﴾، والتَّقْدِيرُ: أفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ فاهْتَدى كَمَن طُبِعَ عَلى قَلْبِهِ فَلَمْ يَهْتَدِ لِقَسْوَتِهِ، والجَوابُ مَتْرُوكٌ، لِأنَّ الكَلامَ المَذْكُورَ دَلَّ عَلَيْهِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهم مِن ذِكْرِ اللَّهِ﴾ .
صفحة ٢٣٢
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ ﴿فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهم مِن ذِكْرِ اللَّهِ﴾ فِيهِ سُؤالٌ، وهو أنَّ ذِكْرَ اللَّهِ سَبَبٌ لِحُصُولِ النُّورِ والهِدايَةِ وزِيادَةِ الِاطْمِئْنانِ، كَما قالَ: ﴿ألا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨] فَكَيْفَ جَعَلَهُ في هَذِهِ الآيَةِ سَبَبًا لِحُصُولِ قَسْوَةِ القَلْبِ، والجَوابُ أنْ نَقُولَ: إنَّ النَّفْسَ إذا كانَتْ خَبِيثَةَ الجَوْهَرِ، كَدِرَةَ العُنْصُرِ، بَعِيدَةً عَنْ مُناسَبَةِ الرُّوحانِيّاتِ، شَدِيدَةَ المَيْلِ إلى الطَّبائِعِ البَهِيمِيَّةِ، والأخْلاقِ الذَّمِيمَةِ، فَإنَّ سَماعَها لِذِكْرِ اللَّهِ يَزِيدُها قَسْوَةً وكُدُورَةً، وتَقْرِيرُ هَذا الكَلامِ بِالأمْثِلَةِ، فَإنَّ الفاعِلَ الواحِدَ تَخْتَلِفُ أفْعالُهُ بِحَسَبِ اخْتِلافِ القَوابِلِ؛ كَنُورِ الشَّمْسِ يُسَوِّدُ وجْهَ القَصّارِ ويُبَيِّضُ ثَوْبَهُ، وحَرارَةِ الشَّمْسِ تُلِينُ الشَّمْعَ وتُعَقِّدُ المِلْحَ، وقَدْ نَرى إنْسانًا واحِدًا يَذْكُرُ كَلامًا واحِدًا في مَجْلِسٍ واحِدٍ، فَيَسْتَطِيبُهُ واحِدٌ ويَسْتَكْرِهُهُ غَيْرُهُ، وما ذاكَ إلّا ما ذَكَرْناهُ مِنِ اخْتِلافِ جَواهِرِ النُّفُوسِ، ومِنِ اخْتِلافِ أحْوالِ تِلْكَ النُّفُوسِ، «ولَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٢] وكانَ قَدْ حَضَرَ هُناكَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ وإنْسانٌ آخَرُ، فَلَمّا انْتَهى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ أنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ [المؤمنون: ١٤] قالَ كُلٌّ واحِدٌ مِنهم: ﴿فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤] فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: اكْتُبْ، فَهَكَذا أُنْزِلَتْ فازْدادَ عُمَرُ إيمانًا عَلى إيمانٍ، وازْدادَ ذَلِكَ الإنْسانُ كُفْرًا عَلى كُفْرٍ»، إذا عَرَفْتَ هَذا لَمْ يَبْعُدْ أيْضًا أنْ يَكُونَ ذِكْرُ اللَّهِ يُوجِبُ النُّورَ والهِدايَةَ والِاطْمِئْنانَ في النُّفُوسِ الطّاهِرَةِ الرُّوحانِيَّةِ، ويُوجِبُ القَسْوَةَ والبُعْدَ عَنِ الحَقِّ في النُّفُوسِ الخَبِيثَةِ الشَّيْطانِيَّةِ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّ رَأسَ الأدْوِيَةِ الَّتِي تُفِيدُ الصِّحَّةَ الرُّوحانِيَّةَ، ورَئِيسُها هو ذِكْرُ اللَّهِ تَعالى، فَإذا اتَّفَقَ لِبَعْضِ النُّفُوسِ أنْ صارَ ذِكْرُ اللَّهِ تَعالى سَبَبًا لِازْدِيادِ مَرَضِها، كانَ مَرَضُ تِلْكَ النَّفْسِ مَرَضًا لا يُرْجى زَوالُهُ، ولا يُتَوَقَّعُ عِلاجُهُ، وكانَتْ في نِهايَةِ الشَّرِّ والرَّداءَةِ، فَلِهَذا المَعْنى قالَ تَعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهم مِن ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ وهَذا كَلامٌ كامِلٌ مُحَقَّقٌ.
ولَمّا بَيَّنَ تَعالى ذَلِكَ أرْدَفَهُ بِما يَدُلُّ عَلى أنَّ القُرْآنَ سَبَبٌ لِحُصُولِ النُّورِ والشِّفاءِ والهِدايَةِ وزِيادَةِ الِاطْمِئْنانِ، والمَقْصُودُ مِنهُ بَيانُ أنَّ القُرْآنَ لَمّا كانَ مَوْصُوفًا بِهَذِهِ الصِّفاتِ، ثُمَّ إنَّهُ في حَقِّ ذَلِكَ الإنْسانِ صارَ سَبَبًا لِمَزِيدِ القَسْوَةِ، دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ جَوْهَرَ تِلْكَ النَّفْسِ قَدْ بَلَغَ في الرَّداءَةِ والخَساسَةِ إلى أقْصى الغاياتِ، فَنَقُولُ: إنَّهُ تَعالى وصَفَ القُرْآنَ بِأنْواعٍ مِن صِفاتِ الكَمالِ.
الصِّفَةُ الأُولى: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ﴾، وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: القائِلُونَ بِحُدُوثِ القُرْآنِ احْتَجُّوا بِهَذِهِ الآيَةِ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى وصَفَهُ بِكَوْنِهِ حَدِيثًا في هَذِهِ الآياتِ، وفي آياتٍ أُخْرى، مِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ﴾ [الطور: ٣٤]، ومِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَبِهَذا الحَدِيثِ أنْتُمْ مُدْهِنُونَ﴾ [الواقعة: ٨١] والحَدِيثُ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ حادِثًا، قالُوا: بَلِ الحَدِيثُ أقْوى في الدَّلالَةِ عَلى الحُدُوثِ مِنَ الحادِثِ، لِأنَّهُ يَصِحُّ أنْ يُقالَ: هَذا حَدِيثٌ، ولَيْسَ بِعَتِيقٍ، وهَذا عَتِيقٌ ولَيْسَ بِحادِثٍ، فَثَبَتَ أنَّ الحَدِيثَ هو الَّذِي يَكُونُ قَرِيبَ العَهْدِ بِالحَدِيثِ، وسُمِّيَ الحَدِيثُ حَدِيثًا؛ لِأنَّهُ مُؤَلَّفٌ مِنَ الحُرُوفِ والكَلِماتِ، وتِلْكَ الحُرُوفُ والكَلِماتُ تَحْدُثُ حالًا فَحالًا وساعَةً فَساعَةً، فَهَذا تَمامُ تَقْرِيرِ هَذا الوَجْهِ.
أمّا الوَجْهُ الثّانِي: في بَيانِ اسْتِدْلالِ القَوْمِ أنْ قالُوا: إنَّهُ تَعالى وصَفَهُ بِأنَّهُ نَزَّلَهُ، والمُنَزَّلُ يَكُونُ في مَحَلِّ تَصَرُّفِ الغَيْرِ، وما يَكُونُ كَذَلِكَ فَهو مُحْدَثٌ وحادِثٌ.
وأمّا الوَجْهُ الثّالِثُ: في بَيانِ اسْتِدْلالِ القَوْمِ أنْ قالُوا: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿أحْسَنَ الحَدِيثِ﴾ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ هو مِن جِنْسِ سائِرِ الأحادِيثِ كَما أنَّ قَوْلَهُ: زَيْدٌ أفْضَلُ الإخْوَةِ - يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ زَيْدٌ مُشارِكًا لِأُولَئِكَ الأقْوامِ في صِفَةِ
صفحة ٢٣٣
الأُخُوَّةِ، ويَكُونَ مِن جِنْسِهِمْ، فَثَبَتَ أنَّ القُرْآنَ مِن جِنْسِ سائِرِ الأحادِيثِ، ولَمّا كانَ سائِرُ الأحادِيثِ حادِثَةً وجَبَ أيْضًا أنْ يَكُونَ القُرْآنُ حادِثًا.
أمّا الوَجْهُ الرّابِعُ: في الِاسْتِدْلالِ أنْ قالُوا: إنَّهُ تَعالى وصَفَهُ بِكَوْنِهِ كِتابًا، والكِتابُ مُشْتَقٌّ مِنَ الكُتْبَةِ، وهي الِاجْتِماعُ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ مَجْمُوعٌ جامِعٌ، ومَحَلُ تَصَرُّفِ مُتَصَرِّفٍ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ مُحْدَثًا، والجَوابُ: أنْ نَقُولَ: نَحْمِلُ هَذا الدَّلِيلَ عَلى الكَلامِ المُؤَلَّفِ مِنَ الحُرُوفِ والأصْواتِ والألْفاظِ والعِباراتِ، وذَلِكَ الكَلامُ عِنْدَنا مُحْدَثٌ مَخْلُوقٌ، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: كَوْنُ القُرْآنِ أحْسَنَ الحَدِيثِ، إمّا أنْ يَكُونَ أحْسَنَ الحَدِيثِ بِحَسَبِ لَفْظِهِ أوْ بِحَسَبِ مَعْناهُ.
القِسْمُ الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ أحْسَنَ الحَدِيثِ بِحَسَبِ لَفْظِهِ، وذَلِكَ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الحُسْنُ لِأجْلِ الفَصاحَةِ والجَزالَةِ.
الثّانِي: أنْ يَكُونَ بِحَسَبِ النَّظْمِ في الأُسْلُوبِ، وذَلِكَ لِأنَّ القُرْآنَ لَيْسَ مِن جِنْسِ الشِّعْرِ، ولا مِن جِنْسِ الخُطَبِ، ولا مِن جِنْسِ الرَّسائِلِ، بَلْ هو نَوْعٌ يُخالِفُ الكُلَّ، مَعَ أنَّ كُلَّ ذِي طَبْعٍ سَلِيمٍ يَسْتَطِيبُهُ ويَسْتَلِذُّهُ.
القِسْمُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ كَوْنُهُ أحْسَنَ الحَدِيثِ لِأجْلِ المَعْنى، وفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّهُ كِتابٌ مُنَزَّهٌ عَنِ التَّناقُضِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ كانَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢] ومِثْلُ هَذا الكِتابِ إذا خَلا عَنِ التَّناقُضِ كانَ ذَلِكَ مِنَ المُعْجِزاتِ.
الوَجْهُ الثّانِي: اشْتِمالُهُ عَلى الغُيُوبِ الكَثِيرَةِ في الماضِي والمُسْتَقْبَلِ.
الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّ العُلُومَ المَوْجُودَةَ فِيهِ كَثِيرَةٌ جِدًّا.
وضَبْطُ هَذِهِ العُلُومِ أنْ نَقُولَ: العُلُومُ النّافِعَةُ هي ما ذَكَرَهُ اللَّهُ في كِتابِهِ في قَوْلِهِ: ﴿والمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥]، ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِن رُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥]، ﴿وقالُوا سَمِعْنا وأطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وإلَيْكَ المَصِيرُ﴾ [البقرة: ٢٨٥]، فَهَذا أحْسَنُ ضَبْطٍ يُمْكِنُ ذِكْرُهُ لِلْعُلُومِ النّافِعَةِ.
أمّا القِسْمُ الأوَّلُ: وهو الإيمانُ بِاللَّهِ، فاعْلَمْ أنَّهُ يَشْتَمِلُ عَلى خَمْسَةِ أقْسامٍ: مَعْرِفَةُ الذّاتِ والصِّفاتِ والأفْعالِ والأحْكامِ والأسْماءِ، أمّا مَعْرِفَةُ الذّاتِ فَهي أنْ يَعْلَمَ وُجُودَ اللَّهِ وقِدَمَهُ وبَقاءَهُ، وأمّا مَعْرِفَةُ الصِّفاتِ فَهي نَوْعانِ:
أحَدُهُما: ما يَجِبُ تَنْزِيهُهُ عَنْهُ، وهو كَوْنُهُ جَوْهَرًا ومُرَكَّبًا مِنَ الأعْضاءِ والأجْزاءِ، وكَوْنُهُ مُخْتَصًّا بِحَيِّزٍ وجِهَةٍ، ويَجِبُ أنْ يُعْلَمَ أنَّ الألْفاظَ الدّالَّةَ عَلى التَّنْزِيهِ أرْبَعَةٌ: لَيْسَ ولَمْ وما ولا، وهَذِهِ الأرْبَعَةُ المَذْكُورَةُ مَذْكُورَةٌ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى لِبَيانِ التَّنْزِيهِ.
أمّا كَلِمَةُ ”لَيْسَ“، فَقَوْلُهُ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] وأمّا كَلِمَةُ ”لَمْ“، فَقَوْلُهُ: ﴿لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ﴾ ﴿ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٣ - ٤]، وأمّا كَلِمَةُ ”ما“، فَقَوْلُهُ: ﴿وما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤]، ﴿ما كانَ لِلَّهِ أنْ يَتَّخِذَ مِن ولَدٍ﴾ [مريم: ٣٥]، وأمّا كَلِمَةُ ”لا“، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ ولا نَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، ﴿وهُوَ يُطْعِمُ ولا يُطْعَمُ﴾ [الأنعام: ١٤]، ﴿وهُوَ يُجِيرُ ولا يُجارُ عَلَيْهِ﴾ [المؤمنون: ٨٨]، وقَوْلُهُ في سَبْعَةٍ وثَلاثِينَ مَوْضِعًا مِنَ القُرْآنِ: ﴿لا إلَهَ إلّا اللَّهُ﴾ [الصافات: ٣٥] .
صفحة ٢٣٤
وأمّا النَّوْعُ الثّانِي: وهي الصِّفاتُ الَّتِي يَجِبُ كَوْنُهُ مَوْصُوفًا بِها مِنَ القُرْآنِ، فَأُولاها العِلْمُ بِاللَّهِ، والعِلْمُ بِكَوْنِهِ مُحْدِثًا خالِقًا، قالَ تَعالى: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ [الأنعام: ١] .
وثانِيَتُها: العِلْمُ بِكَوْنِهِ قادِرًا، قالَ تَعالى في أوَّلِ سُورَةِ القِيامَةِ: ﴿بَلى قادِرِينَ عَلى أنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ﴾ [القيامة: ٤]، وقالَ في آخِرِ هَذِهِ السُّورَةِ: ﴿ألَيْسَ ذَلِكَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾ [القيامة: ٤٠] .
وثالِثَتُها: العِلْمُ بِكَوْنِهِ تَعالى عالِمًا، قالَ تَعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾ [الحشر: ٢٢] .
ورابِعَتُها: العِلْمُ بِكَوْنِهِ عالِمًا بِكُلِّ المَعْلُوماتِ، قالَ تَعالى: ﴿وعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ لا يَعْلَمُها إلّا هُوَ﴾ [الأنعام: ٥٩] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى﴾ [الرعد: ٨] .
والخامِسَةُ: العِلْمُ بِكَوْنِهِ حَيًّا، قالَ تَعالى: ﴿هُوَ الحَيُّ لا إلَهَ إلّا هو فادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [غافر: ٦٥] .
والسّادِسَةُ: العِلْمُ بِكَوْنِهِ مُرِيدًا، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ﴾ [الأنعام: ١٢٥] .
والسّابِعَةُ: كَوْنُهُ سَمِيعًا بَصِيرًا، قالَ تَعالى: ﴿وهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] وقالَ تَعالى: ﴿إنَّنِي مَعَكُما أسْمَعُ وأرى﴾ [طه: ٤٦] .
والثّامِنَةُ: كَوْنُهُ مُتَكَلِّمًا، قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ أنَّ ما في الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ أقْلامٌ والبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ﴾ [لقمان: ٢٧] .
والتّاسِعَةُ: كَوْنُهُ آمِرًا، قالَ تَعالى: ﴿لِلَّهِ الأمْرُ مِن قَبْلُ ومِن بَعْدُ﴾ [الروم: ٤] .
والعاشِرَةُ: كَوْنُهُ رَحْمانًا رَحِيمًا مالِكًا، قالَ تَعالى: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [ الفاتِحَةِ: ٣ – ٤ ] فَهَذا ما يَتَعَلَّقُ بِمَعْرِفَةِ الصِّفاتِ الَّتِي يَجِبُ اتِّصافُهُ بِها.
وأمّا القِسْمُ الثّالِثُ: وهو الأفْعالُ، فاعْلَمْ أنَّ الأفْعالَ إمّا أرْواحٌ وإمّا أجْسامٌ، أمّا الأرْواحُ فَلا سَبِيلَ لِلْوُقُوفِ عَلَيْها إلّا لِلْقَلِيلِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إلّا هُوَ﴾ [المدثر: ٣١] وأمّا الأجْسامُ، فَهي إمّا العالَمُ الأعْلى وإمّا العالَمُ الأسْفَلُ، أمّا العالَمُ الأعْلى فالبَحْثُ فِيهِ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: البَحْثُ عَنْ أحْوالِ السَّماواتِ.
وثانِيها: البَحْثُ عَنْ أحْوالِ الشَّمْسِ والقَمَرِ كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا والشَّمْسَ والقَمَرَ والنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأمْرِهِ﴾ [الأعراف: ٥٤] .
وثالِثُها: البَحْثُ عَنْ أحْوالِ الأضْواءِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [النور: ٣٥]، وقالَ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً والقَمَرَ نُورًا﴾ [يونس: ٥] .
ورابِعُها: البَحْثُ عَنْ أحْوالِ الظِّلالِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ ولَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِنًا﴾ [الفرقان: ٤٥] .
وخامِسُها: اخْتِلافُ اللَّيْلِ والنَّهارِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلى النَّهارِ ويُكَوِّرُ النَّهارَ عَلى اللَّيْلِ﴾ .
وسادِسُها: مَنافِعُ الكَواكِبِ، قالَ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها في ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ﴾ [الأنعام: ٩٧] .
وسابِعُها: صِفاتُ الجَنَّةِ، قالَ تَعالى: ﴿وجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ والأرْضِ﴾ [الحديد: ٢١] .
وثامِنُها: صِفاتُ النّارِ، قالَ تَعالى: ﴿لَها سَبْعَةُ أبْوابٍ لِكُلِّ بابٍ مِنهم جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ [الحجر: ٤٤] .
وتاسِعُها: صِفَةُ العَرْشِ، قالَ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ ومَن حَوْلَهُ﴾ [غافر: ٧] .
وعاشِرُها: صِفَةُ الكُرْسِيِّ، قالَ تَعالى: ﴿وسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ [البقرة: ٢٥٥] .
وحادِيَ عَشَرَها: صِفَةُ اللَّوْحِ والقَلَمِ، أمّا اللَّوْحُ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ هو قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ ﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج: ٢٢]، وأمّا القَلَمُ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ن والقَلَمِ وما يَسْطُرُونَ﴾ [القلم: ٢] .
* * *
وأمّا شَرْحُ أحْوالِ العالَمِ الأسْفَلِ فَأوَّلُها: الأرْضُ، وقَدْ وصَفَها بِصِفاتٍ كَثِيرَةٍ:
إحْداها: كَوْنُهُ مَهْدًا، قالَ تَعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا﴾ [طه: ٥٣] .
وثانِيَتُها: كَوْنُهُ مِهادًا، قالَ تَعالى: ﴿ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ مِهادًا﴾
صفحة ٢٣٥
[النبأ: ٦] .
وثالِثَتُها: كَوْنُهُ كِفاتًا، قالَ تَعالى: ﴿كِفاتًا﴾ ﴿أحْياءً وأمْواتًا﴾ [المرسلات: ٢٥] .
ورابِعَتُها: الذَّلُولُ، قالَ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ ذَلُولًا﴾ [الملك: ١٥] .
والخامِسَةُ: كَوْنُهُ بِساطًا، قالَ تَعالى: ﴿واللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ بِساطًا﴾ ﴿لِتَسْلُكُوا مِنها سُبُلًا فِجاجًا﴾ [نوح: ٢٠]، والكَلامُ فِيهِ طَوِيلٌ.
وثانِيها: البَحْرُ، قالَ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي سَخَّرَ البَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنهُ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ [النحل: ١٤] .
وثالِثُها: الهَواءُ والرِّياحُ، قالَ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ [الأعراف: ٥٧]، وقالَ تَعالى: ﴿وأرْسَلْنا الرِّياحَ لَواقِحَ﴾ [الحجر: ٢٢] .
ورابِعُها: الآثارُ العُلْوِيَّةُ كالرَّعْدِ والبَرْقِ، قالَ تَعالى: ﴿ويُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ والمَلائِكَةُ مِن خِيفَتِهِ﴾ [الرعد: ١٣]، وقالَ تَعالى: ﴿فَتَرى الوَدْقَ يَخْرُجُ مِن خِلالِهِ﴾ [الرعد: ٤٣]، ومِن هَذا البابِ ذِكْرُ الصَّواعِقِ والأمْطارِ وتَراكُمِ السَّحابِ.
وخامِسُها: أحْوالُ الأشْجارِ والثِّمارِ وأنْواعِها وأصْنافِها.
وسادِسُها: أحْوالُ الحَيَواناتِ، قالَ تَعالى: ﴿وبَثَّ فِيها مِن كُلِّ دابَّةٍ﴾ [البقرة: ١٦٤]، وقالَ: ﴿والأنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ﴾ [النحل: ٥] .
وسابِعُها: عَجائِبُ تَكْوِينِ الإنْسانِ في أوَّلِ الخِلْقَةِ، قالَ: ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٢] .
وثامِنُها: العَجائِبُ في سَمْعِهِ وبَصَرِهِ ولِسانِهِ وعَقْلِهِ وفَهْمِهِ.
وتاسِعُها: تَوارِيخُ الأنْبِياءِ والمُلُوكِ وأحْوالُ النّاسِ مِن أوَّلِ خَلْقِ العالَمِ إلى آخِرِ قِيامِ القِيامَةِ.
وعاشِرُها: ذِكْرُ أحْوالِ النّاسِ عِنْدَ المَوْتِ وبَعْدَ المَوْتِ، وكَيْفِيَّةُ البَعْثِ والقِيامَةِ، وشَرْحُ أحْوالِ السُّعَداءِ والأشْقِياءِ، فَقَدْ أشَرْنا إلى عَشَرَةِ أنْواعٍ مِنَ العُلُومِ في عالَمِ السَّماواتِ، وإلى عَشَرَةٍ أُخْرى في عالَمِ العَناصِرِ، والقُرْآنُ مُشْتَمِلٌ عَلى شَرْحِ هَذِهِ الأنْواعِ مِنَ العُلُومِ العالِيَةِ الرَّفِيعَةِ.
وأمّا القِسْمُ الرّابِعُ: وهو شَرْحُ أحْكامِ اللَّهِ تَعالى وتَكالِيفِهِ، فَنَقُولُ: هَذِهِ التَّكالِيفُ إمّا أنْ تَحْصُلَ في أعْمالِ القُلُوبِ أوْ في أعْمالِ الجَوارِحِ.
أمّا القِسْمُ الأوَّلُ: فَهو المُسَمّى بِعِلْمِ الأخْلاقِ، وبَيانِ تَمْيِيزِ الأخْلاقِ الفاضِلَةِ والأخْلاقِ الفاسِدَةِ، والقُرْآنُ يَشْتَمِلُ عَلى كُلِّ ما لا بُدَّ مِنهُ في هَذا البابِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ والإحْسانِ وإيتاءِ ذِي القُرْبى ويَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ والبَغْيِ﴾ [النحل: ٩٠]، وقالَ: ﴿خُذِ العَفْوَ وأْمُرْ بِالعُرْفِ وأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩] .
وأمّا الثّانِي: فَهو التَّكالِيفُ الحاصِلَةُ في أعْمالِ الجَوارِحِ، وهو المُسَمّى بِعِلْمِ الفِقْهِ، والقُرْآنُ مُشْتَمِلٌ عَلى جُمْلَةِ أُصُولِ هَذا العِلْمِ عَلى أكْمَلِ الوُجُوهِ.
وأمّا القِسْمُ الخامِسُ: وهو مَعْرِفَةُ أسْماءِ اللَّهِ تَعالى فَهو مَذْكُورٌ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولِلَّهِ الأسْماءُ الحُسْنى فادْعُوهُ بِها﴾ [الأعراف: ١٨٠] فَهَذا كُلُّهُ يَتَعَلَّقُ بِمَعْرِفَةِ اللَّهِ.
وأمّا القِسْمُ الثّانِي: مِنَ الأُصُولِ المُعْتَبَرَةِ في الإيمانِ: الإقْرارُ بِالمَلائِكَةِ كَما قالَ تَعالى: ﴿والمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥]، والقُرْآنُ يَشْتَمِلُ عَلى شَرْحِ صِفاتِهِمْ؛ تارَةً عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ، وأُخْرى عَلى طَرِيقِ التَّفْصِيلِ، أمّا بِالإجْمالِ فَقَوْلُهُ: ﴿ومَلائِكَتِهِ﴾ وأمّا بِالتَّفْصِيلِ فَمِنها ما يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِمْ رُسُلَ اللَّهِ، قالَ تَعالى: ﴿جاعِلِ المَلائِكَةِ رُسُلًا﴾ [فاطر: ١]، ومِنها أنَّها مُدَبِّراتٌ لِهَذا العالَمِ، قالَ تَعالى: ﴿فالمُقَسِّماتِ أمْرًا﴾، ﴿فالمُدَبِّراتِ أمْرًا﴾ [النازعات: ٥]، وقالَ تَعالى: ﴿والصّافّاتِ صَفًّا﴾ [الصافات: ١] ومِنها حَمَلَةُ العَرْشِ، قالَ: ﴿ويَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهم يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٧]، ومِنها الحافُّونَ حَوْلَ العَرْشِ قالَ: ﴿وتَرى المَلائِكَةَ حافِّينَ مِن حَوْلِ العَرْشِ﴾
صفحة ٢٣٦
[الزمر: ٧٥]، ومِنها خَزَنَةُ النّارِ، قالَ تَعالى: ﴿عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ﴾ [التحريم: ٦]، ومِنها الكِرامُ الكاتِبُونَ قالَ: ﴿وإنَّ عَلَيْكم لَحافِظِينَ﴾ ﴿كِرامًا كاتِبِينَ﴾ [الانفطار: ١٠] ومِنها المُعَقِّباتُ، قالَ تَعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّباتٌ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ﴾ [الرعد: ١١] وقَدْ يَتَّصِلُ بِأحْوالِ المَلائِكَةِ أحْوالُ الجِنِّ والشَّياطِينِ.
وأمّا القِسْمُ الثّالِثُ: مِنَ الأُصُولِ المُعْتَبَرَةِ في الإيمانِ مَعْرِفَةُ الكُتُبِ، والقُرْآنُ يَشْتَمِلُ عَلى شَرْحِ أحْوالِ كِتابِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، قالَ تَعالى: ﴿فَتَلَقّى آدَمُ مِن رَبِّهِ كَلِماتٍ﴾ [البقرة: ٣٧] ومِنها أحْوالُ صُحُفِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، قالَ تَعالى: ﴿وإذِ ابْتَلى إبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة: ١٢٤]، ومِنها أحْوالُ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ والزَّبُورِ.
وأمّا القِسْمُ الرّابِعُ: مِنَ الأُصُولِ المُعْتَبَرَةِ في الإيمانِ مَعْرِفَةُ الرُّسُلِ، واللَّهُ تَعالى قَدْ شَرَحَ أحْوالَ البَعْضِ، وأبْهَمَ أحْوالَ الباقِينَ، قالَ: ﴿مِنهم مَن قَصَصْنا عَلَيْكَ ومِنهم مَن لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ [غافر: ٧٨] .
القِسْمُ الخامِسُ: ما يَتَعَلَّقُ بِأحْوالِ المُكَلَّفِينَ، وهي عَلى نَوْعَيْنِ:
الأوَّلُ: أنْ يُقِرُّوا بِوُجُوبِ هَذِهِ التَّكالِيفِ عَلَيْهِمْ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وقالُوا سَمِعْنا وأطَعْنا﴾ [البقرة: ٢٨٥] .
الثّانِي: أنْ يَعْتَرِفُوا بِصُدُورِ التَّقْصِيرِ عَنْهم في تِلْكَ الأعْمالِ، ثُمَّ طَلَبُوا المَغْفِرَةَ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿غُفْرانَكَ رَبَّنا﴾ [البقرة: ٢٨٥]، ثُمَّ لَمّا كانَتْ مَقادِيرُ رُؤْيَةِ التَّقْصِيرِ في مَواقِفِ العُبُودِيَّةِ بِحَسَبِ المُكاشَفاتِ في مُطالَعَةِ عِزَّةِ الرُّبُوبِيَّةِ أكْثَرَ، كانَتِ المُكاشَفاتُ في تَقْصِيرِ العُبُودِيَّةِ أكْثَرَ، وكانَ قَوْلُهُ: ﴿غُفْرانَكَ رَبَّنا﴾ أكْثَرَ.
القِسْمُ السّادِسُ: مَعْرِفَةُ المَعادِ والبَعْثِ والقِيامَةِ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وإلَيْكَ المَصِيرُ﴾ [البقرة: ٢٨٥]، وهَذا هو الإشارَةُ إلى مَعْرِفَةِ المَطالِبِ المُهِمَّةِ في طَلَبِ الدِّينِ، والقُرْآنُ بَحْرٌ لا نِهايَةَ لَهُ في تَقْرِيرِ هَذِهِ المَطالِبِ، وتَعْرِيفِها وشَرْحِها، ولا تَرى في مَشارِقِ الأرْضِ ومَغارِبِها كِتابًا يَشْتَمِلُ عَلى جُمْلَةِ هَذِهِ العُلُومِ كَما يَشْتَمِلُ القُرْآنُ عَلَيْها، ومَن تَأمَّلَ في هَذا التَّفْسِيرِ عَلِمَ أنّا لَمْ نَذْكُرْ مِن بِحارِ فَضائِلِ القُرْآنِ إلّا قَطْرَةً، ولَمّا كانَ الأمْرُ عَلى هَذِهِ الجُمْلَةِ، لا جَرَمَ مَدَحَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ القُرْآنَ، فَقالَ تَعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ﴾، واللَّهُ أعْلَمُ.
الصِّفَةُ الثّانِيَةُ مِن صِفاتِ القُرْآنِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كِتابًا مُتَشابِهًا﴾، أمّا الكِتابُ فَقَدْ فَسَّرْناهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَلِكَ الكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢]، وأمّا كَوْنُهُ مُتَشابِهًا فاعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ القُرْآنَ كُلَّهُ مُتَشابِهٌ، وقَوْلُهُ: ﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتابَ مِنهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتابِ وأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ﴾ [آل عمران: ٧] يَدُلُّ عَلى كَوْنِ البَعْضِ مُتَشابِهًا دُونَ البَعْضِ.
وأمّا كَوْنُهُ كُلِّهِ مُتَشابِهًا كَما في هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَعْناهُ أنَّهُ يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا، وأقُولُ: هَذا التَّشابُهُ يَحْصُلُ في أُمُورٍ:
أحَدُها: أنَّ الكاتِبَ البَلِيغَ إذا كَتَبَ كِتابًا طَوِيلًا، فَإنَّهُ يَكُونُ بَعْضُ كَلِماتِهِ فَصِيحًا، ويَكُونُ البَعْضُ غَيْرَ فَصِيحٍ، والقُرْآنُ يُخالِفُ ذَلِكَ، فَإنَّهُ فَصِيحٌ كامِلُ الفَصاحَةِ بِجَمِيعِ أجْزائِهِ.
وثانِيها: أنَّ الفَصِيحَ إذا كَتَبَ كِتابًا في واقِعَةٍ بِألْفاظٍ فَصَيْحَةٍ، فَلَوْ كَتَبَ كِتابًا آخَرَ في غَيْرِ تِلْكَ الواقِعَةِ كانَ الغالِبُ أنَّ كَلامَهُ في الكِتابِ الثّانِي غَيْرُ كَلامِهِ في الكِتابِ الأوَّلِ، واللَّهُ تَعالى حَكى قِصَّةَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ مِنَ القُرْآنِ، وكُلُّها مُتَساوِيَةٌ مُتَشابِهَةٌ في الفَصاحَةِ.
وثالِثُها: أنَّ كُلَّ ما فِيهِ مِنَ الآياتِ والبَياناتِ فَإنَّهُ يُقَوِّي بَعْضُها بَعْضًا، ويُؤَكِّدُ بَعْضُها بَعْضًا.
ورابِعُها: أنَّ هَذِهِ الأنْواعَ الكَثِيرَةَ مِنَ العُلُومِ الَّتِي عَدَدْناها مُتَشابِهَةً مُتَشارِكَةٌ في أنَّ المَقْصُودَ مِنها بِأسْرِها الدَّعْوَةُ إلى الدِّينِ وتَقْرِيرُ عَظَمَةِ اللَّهِ، ولِذَلِكَ فَإنَّكَ لا تَرى قِصَّةً مِنَ القِصَصِ إلّا ويَكُونُ مُحَصِّلُها المَقْصُودَ الَّذِي ذَكَرْناهُ، فَهَذا هو المُرادُ مِن كَوْنِهِ مُتَشابِهًا، واللَّهُ الهادِي.
صفحة ٢٣٧
الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: مِن صِفاتِ القُرْآنِ كَوْنُهُ ”مَثانِيَ“، وقَدْ بالَغْنا في تَفْسِيرِ هَذِهِ اللَّفْظَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ المَثانِي﴾ [الحجر: ٨٧]، وبِالجُمْلَةِ فَأكْثَرُ الأشْياءِ المَذْكُورَةِ وقَعَتْ زَوْجَيْنِ زَوْجَيْنِ، مِثْلَ: الأمْرِ والنَّهْيِ، والعامِّ والخاصِّ، والمُجْمَلِ والمُفَصَّلِ، وأحْوالِ السَّماواتِ والأرْضِ، والجَنَّةِ والنّارِ، والظُّلْمَةِ والضَّوْءِ، واللَّوْحِ والقَلَمِ، والمَلائِكَةِ والشَّياطِينِ، والعَرْشِ والكُرْسِيِّ، والوَعْدِ والوَعِيدِ، والرَّجاءِ والخَوْفِ، والمَقْصُودُ مِنهُ بَيانُ أنَّ كُلَّ ما سِوى الحَقِّ زَوْجٌ، ويَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ شَيْءٍ مُبْتَلًى بِضِدِّهِ ونَقِيضِهِ، وأنَّ الفَرْدَ الأحَدَ الحَقَّ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ.
الصِّفَةُ الرّابِعَةُ: مِن صِفاتِ القُرْآنِ قَوْلُهُ: ﴿تَقْشَعِرُّ مِنهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهم وقُلُوبُهم إلى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٢٣]، وفِيهِ مَسائِلُ:
* * *
المَسْألَةُ الأُولى: مَعْنى ﴿تَقْشَعِرُّ مِنهُ جُلُودُ﴾ تَأْخُذُهم قُشَعْرِيرَةٌ، وهي تَغَيُّرٌ يَحْدُثُ في جِلْدِ الإنْسانِ عِنْدَ الوَجَلِ والخَوْفِ، قالَ المُفَسِّرُونَ: والمَعْنى أنَّهم عِنْدَ سَماعِ آياتِ الرَّحْمَةِ والإحْسانِ يَحْصُلُ لَهُمُ الفَرَحُ فَتَلِينُ قُلُوبُهم إلى ذِكْرِ اللَّهِ، وأقُولُ: إنَّ المُحَقِّقِينَ مِنَ العارِفِينَ قالُوا: السّائِرُونَ في مَبْدَأِ جَلالِ اللَّهِ إنْ نَظَرُوا إلى عالَمِ الجَلالِ طاشُوا، وإنْ لاحَ لَهم أثَرٌ مِن عالَمِ الجَمالِ عاشُوا، ويَجِبُ عَلَيْنا أنْ نَذْكُرَ في هَذا البابِ مَزِيدَ شَرْحٍ وتَقْرِيرٍ، فَنَقُولَ: الإنْسانُ إذا تَأمَّلَ في الدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى أنَّهُ يَجِبُ تَنْزِيهُ اللَّهِ عَنِ التَّحَيُّزِ والجِهَةِ، فَهُنا يَقْشَعِرُّ جِلْدُهُ، لِأنَّ إثْباتَ مَوْجُودٍ لا داخِلَ العالَمِ ولا خارِجَهُ، ولا مُتَّصِلٌ بِالعالَمِ ولا مُنْفَصِلٌ عَنِ العالَمِ، مِمّا يَصْعُبُ تَصَوُّرُهُ، فَهَهُنا تَقْشَعِرُّ الجُلُودُ، أمّا إذا تَأمَّلَ في الدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى أنَّهُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ فَرْدًا أحَدًا، وثَبَتَ أنَّ كُلَّ مُتَحَيِّزٍ فَهو مُنْقَسِمٌ، فَهَهُنا يَلِينُ جِلْدُهُ وقَلْبُهُ إلى ذِكْرِ اللَّهِ.
وأيْضًا إذا أرادَ أنْ يُحِيطَ عَقْلُهُ بِمَعْنى الأزَلِ فَيَتَقَدَّمَ في ذِهْنِهِ بِمِقْدارِ ألْفِ ألْفِ سَنَةٍ ثُمَّ يَتَقَدَّمَ أيْضًا بِحَسَبِ كُلِّ لَحْظَةٍ مِن لَحَظاتِ تِلْكَ المُدَّةِ ألْفِ ألْفِ سَنَةٍ، ولا يَزالُ يَحْتالُ ويَتَقَدَّمُ ويَتَخَيَّلُ في الذِّهْنِ، فَإذا بالَغَ وتَوَغَّلَ وظَنَّ أنَّهُ اسْتَحْضَرَ مَعْنى الأزَلِ، قالَ العَقْلُ: هَذا لَيْسَ بِشَيْءٍ، لِأنَّ كُلَّ ما اسْتَحْضَرْتُهُ فِيَّ فَهو مُتَناهٍ، والأزَلُ هو الوُجُودُ المُتَقَدِّمُ عَلى هَذِهِ المُدَّةِ المُتَناهِيَةِ، فَهَهُنا يَتَحَيَّرُ العَقْلُ ويَقْشَعِرُّ الجِلْدُ، وأمّا إذا تَرَكَ هَذا الِاعْتِبارَ، وقالَ هَهُنا مَوْجُودٌ، والمَوْجُودُ إمّا واجِبٌ وإمّا مُمْكِنٌ، فَإنْ كانَ واجِبًا فَهو دائِمًا مُنَزَّهٌ عَنِ الأوَّلِ والآخِرِ، وإنْ كانَ مُمْكِنًا فَهو مُحْتاجٌ إلى الواجِبِ فَيَكُونُ أزَلِيًّا أبَدِيًّا، فَإذا اعْتَبَرَ العَقْلُ فَهِمَ مَعْنى الأزَلِيَّةِ، فَهَهُنا يَلِينُ جِلْدُهُ وقَلْبُهُ إلى ذِكْرِ اللَّهِ، فَثَبَتَ أنَّ المَقامَيْنِ المَذْكُورَيْنِ في الآيَةِ لا يَجِبُ قَصْرُهُما عَلى سَماعِ آيَةِ العَذابِ وآيَةِ الرَّحْمَةِ، بَلْ ذاكَ أُولى تِلْكَ المَراتِبِ، وبَعْدَهُ مَراتِبُ لا حَدَّ لَها ولا حَصْرَ في حُصُولِ تِلْكَ الحالَتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: رَوى الواحِدِيُّ في ”البَسِيطِ“ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قالَ: القُرْآنُ دَلَّ عَلى أنَّ أوْلِياءَ اللَّهِ مَوْصُوفُونَ بِأنَّهم عِنْدَ المُكاشَفاتِ والمُشاهَداتِ، تارَةً تَقْشَعِرُّ جُلُودُهم وأُخْرى تَلِينُ جُلُودُهم وقُلُوبُهم إلى ذِكْرِ اللَّهِ، ولَيْسَ فِيهِ أنَّ عُقُولَهم تَزُولُ وأنَّ أعْضاءَهم تَضْطَرِبُ، فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّ تِلْكَ الأحْوالَ لَوْ حَصَلَتْ لَكانَتْ مِنَ الشَّيْطانِ، وأقُولُ: هَهُنا بَحْثٌ آخَرُ، وهو أنَّ الشَّيْخَ أبا حامِدٍ الغَزالِيَّ أوْرَدَ مَسْألَةً في كِتابِ إحْياءِ عُلُومِ الدِّينِ، وهي أنّا نَرى كَثِيرًا مِنَ النّاسِ يَظْهَرُ عَلَيْهِ الوَجْدُ الشَّدِيدُ التّامُّ عِنْدَ سَماعِ الأبْياتِ المُشْتَمِلَةِ عَلى شَرْحِ الوَصْلِ والهَجْرِ، وعِنْدَ سَماعِ الآياتِ لا يَظْهَرُ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن هَذِهِ الأحْوالِ، ثُمَّ إنَّهُ سَلَّمَ هَذا المَعْنى وذَكَرَ العُذْرَ فِيهِ مِن وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ، وأنا أقُولُ: إنِّي خُلِقْتُ مَحْرُومًا عَنْ هَذا المَعْنى، فَإنِّي كُلَّما تَأمَّلْتُ في أسْرارِ القُرْآنِ اقْشَعَرَّ
صفحة ٢٣٨
جِلْدِي ووَقَفَ شَعْرِي وحَصَلَتْ في قَلْبِي دَهْشَةٌ ورَوْعَةٌ، وكُلَّما سَمِعْتُ تِلْكَ الأشْعارِ غَلَبَ الهَزْلُ عَلَيَّ وما وجَدْتُ ألْبَتَّةَ في نَفْسِي مِنها أثَرًا، وأظُنُّ أنَّ المَنهَجَ القَوِيمَ والصِّراطَ المُسْتَقِيمَ هو هَذا، وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ تِلْكَ الأشْعارَ كَلِماتٌ مُشْتَمِلَةٌ عَلى وصْلٍ وهَجْرٍ وبُغْضٍ وحُبٍّ تَلِيقُ بِالخَلْقِ، وإثْباتُهُ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى كُفْرٌ، وأمّا الِانْتِقالُ مِن تِلْكَ الأحْوالِ إلى مَعانٍ لائِقَةٍ بِجَلالِ اللَّهِ فَلا يَصِلُ إلَيْها إلّا العُلَماءُ الرّاسِخُونَ في العِلْمِ، وأمّا المَعانِي الَّتِي يَشْتَمِلُ عَلَيْها القُرْآنُ فَهي أحْوالٌ لائِقَةٌ بِجَلالِ اللَّهِ، فَمَن وقَفَ عَلَيْها عَظُمَ الوَلَهُ في قَلْبِهِ، فَإنَّ مَن كانَ عِنْدَهُ نُورُ الإيمانِ وجَبَ أنْ يَعْظُمَ اضْطِرابُهُ عِنْدَ سَماعِ قَوْلِهِ: ﴿وعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ لا يَعْلَمُها إلّا هُوَ﴾ [الأنعام: ٥٩] إلى آخِرِ الآيَةِ.
والثّانِي: وهو أنِّي سَمِعْتُ بَعْضَ المَشايِخِ قالَ: كَما أنَّ الكَلامَ لَهُ أثَرٌ، فَكَذَلِكَ صُدُورُ ذَلِكَ الكَلامِ مِنَ القائِلِ المُعَيَّنِ لَهُ أثَرٌ، لِأنَّ قُوَّةَ نَفْسِ القائِلِ تُعِينُ عَلى نَفاذِ الكَلامِ في الرُّوحِ، والقائِلُ في القُرْآنِ هُنا هو اللَّهُ بِواسِطَةِجِبْرِيلَ بِتَبْلِيغِ الرَّسُولِ المَعْصُومِ، والقائِلُ هُناكَ شاعِرٌ كَذّابٌ مَمْلُوءٌ مِنَ الشَّهْوَةِ وداعِيَةِ الفُجُورِ.
والثّالِثُ: أنَّ مَدارَ القُرْآنِ عَلى الدَّعْوَةِ إلى الحَقِّ، قالَ تَعالى: ﴿وإنَّكَ لَتَهْدِي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ صِراطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ [الشورى: ٥٣]، وأمّا الشِّعْرُ فَمَدارُهُ عَلى الباطِلِ، قالَ تَعالى: ﴿والشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الغاوُونَ﴾ ﴿ألَمْ تَرَ أنَّهم في كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ﴾ ﴿وأنَّهم يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٤] فَهَذِهِ الوُجُوهُ الثَّلاثَةُ فُرُوقٌ ظاهِرَةٌ، وأمّا ما يَتَعَلَّقُ بِالوُجْدانِ مِنَ النَّفْسِ فَإنَّ كُلَّ أحَدٍ إنَّما يُخْبِرُ عَمّا يَجِدُهُ مِن نَفْسِهِ، والَّذِي وجَدْتُهُ مِنَ النَّفْسِ والعَقْلِ ما ذَكَرْتُهُ، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في بَيانِ ما بَقِيَ مِنَ المُشْكِلاتِ في هَذِهِ الآيَةِ، ونَذْكُرُها في مَعْرِضِ السُّؤالِ والجَوابِ.
السُّؤالُ الأوَّلُ: كَيْفَ تَرْكِيبُ لَفْظِ القُشَعْرِيرَةِ، الجَوابُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: تَرْكِيبُهُ مِن حُرُوفِ التَّقَشُّعِ، وهو الأدِيمُ اليابِسُ، مَضْمُومًا إلَيْها حَرْفٌ رابِعٌ، وهو الرّاءُ؛ لِيَكُونَ رُباعِيًّا ودالًّا عَلى مَعْنًى زائِدٍ، يُقالُ: اقْشَعَرَّ جِلْدُهُ مِنَ الخَوْفِ ووَقَفَ شَعْرُهُ، وذَلِكَ مَثَلٌ في شِدَّةِ الخَوْفِ.
السُّؤالُ الثّانِي: كَيْفَ قالَ: ﴿تَلِينُ جُلُودُهم وقُلُوبُهم إلى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ وما الوَجْهُ في تَعَدِّيهِ بِحَرْفِ ”إلى“ ؟ والجَوابُ: التَّقْدِيرُ تَلِينُ جُلُودُهم وقُلُوبُهم حالَ وُصُولِها إلى حَضْرَةِ اللَّهِ، وهو لا يُحَسُّ بِالإدْراكِ.
السُّؤالُ الثّالِثُ: لِمَ قالَ ”إلى ذِكْرِ اللَّهِ“، ولَمْ يَقُلْ: إلى ذِكْرِ رَحْمَةِ اللَّهِ ؟ والجَوابُ: أنَّ مَن أحَبَّ اللَّهَ لِأجْلِ رَحْمَتِهِ فَهو ما أحَبَّ اللَّهَ، وإنَّما أحَبَّ شَيْئًا غَيْرَهُ، وأمّا مَن أحَبَّ اللَّهَ لا لِشَيْءٍ سِواهُ، فَهَذا هو المُحِبُّ المُحِقُّ، وهو الدَّرَجَةُ العالِيَةُ، فَلِهَذا السَّبَبِ لَمْ يَقُلْ: ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهم وقُلُوبُهم إلى ذِكْرِ رَحْمَةِ اللَّهِ، بَلْ قالَ: إلى ذِكْرِ اللَّهِ، وقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى هَذا المَعْنى في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ﴾ [الأنعام: ١٢٥]، وفي قَوْلِهِ: ﴿ألا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨]، وأيْضًا قالَ لِأُمَّةِ مُوسى: ﴿يابَنِي إسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠]، وقالَ أيْضًا لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿فاذْكُرُونِي أذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢] .
السُّؤالُ الرّابِعُ: لِمَ قالَ في جانِبِ الخَوْفِ قُشَعْرِيرَةُ الجُلُودِ فَقَطْ، وفي جانِبِ الرَّجاءِ لِينُ الجُلُودِ والقُلُوبِ مَعًا ؟ والجَوابُ: لِأنَّ المُكاشَفَةَ في مَقامِ الرَّجاءِ أكْمَلُ مِنها في مَقامِ الخَوْفِ، لِأنَّ الخَيْرَ مَطْلُوبٌ بِالذّاتِ، والشَّرَّ مَطْلُوبٌ بِالعَرَضِ، ومَحَلُّ المُكاشَفاتِ هو القُلُوبُ والأرْواحُ، واللَّهُ أعْلَمُ.
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ القُرْآنَ بِهَذِهِ الصِّفاتِ قالَ: ﴿ذَلِكَ هُدى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشاءُ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾
صفحة ٢٣٩
، فَقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى الكِتابِ، وهو هُدى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ، وهو الَّذِي شَرَحَ صَدْرَهُ أوَّلًا لِقَبُولِ هَذِهِ الهِدايَةِ ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ﴾ أيْ مَن جَعَلَ قَلْبَهُ قاسِيًا مُظْلِمًا بَلِيدَ الفَهْمِ مُنافِيًا لِقَبُولِ هَذِهِ الهِدايَةِ ﴿فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ واسْتِدْلالُ أصْحابِنا بِهَذِهِ الآيَةِ وسُؤالاتُ المُعْتَزِلَةِ وجَوّاباتُ أصْحابِنا عَيْنُ ما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ﴾ [الأنعام: ١٢٥] .
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ تَعالى حَكَمَ عَلى القاسِيَةِ قُلُوبُهم بِحُكْمٍ في الدُّنْيا وبِحُكْمٍ في الآخِرَةِ، أمّا حُكْمُهم في الدُّنْيا فَهو الضَّلالُ التّامُّ؛ كَما قالَ: ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾، وأمّا حُكْمُهم في الآخِرَةِ فَهو العَذابُ الشَّدِيدُ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ﴾، وتَقْرِيرُهُ: أنَّ أشْرَفَ الأعْضاءِ هو الوَجْهُ، لِأنَّهُ مَحَلُّ الحُسْنِ والصَّباحَةِ، وهو أيْضًا صَوْمَعَةُ الحَواسِّ، وإنَّما يَتَمَيَّزُ بَعْضُ النّاسِ عَنْ بَعْضٍ بِسَبَبِ الوَجْهِ، وأثَرُ السَّعادَةِ والشَّقاوَةِ لا يَظْهَرُ إلّا في الوَجْهِ، قالَ تَعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ﴾ ﴿ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ ﴿ووُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ﴾ ﴿تَرْهَقُها قَتَرَةٌ﴾ ﴿أُولَئِكَ هُمُ الكَفَرَةُ الفَجَرَةُ﴾ [ عَبَسَ: ٣٨ – ٤٢ ] ويُقالُ لِمُقَدَّمِ القَوْمِ: يا وجْهَ العَرَبِ، ويُقالُ لِلطَّرِيقِ الدّالِّ عَلى كُنْهِ حالِ الشَّيْءِ: وجْهُ كَذا هو كَذا، فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا أنَّ أشْرَفَ الأعْضاءِ هو الوَجْهُ، فَإذا وقَعَ الإنْسانُ في نَوْعٍ مِن أنْواعِ العَذابِ فَإنَّهُ يَجْعَلُ يَدَهُ وِقايَةً لِوَجْهِهِ وفِداءً لَهُ، وإذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إذا كانَ القادِرُ عَلى الِاتِّقاءِ يَجْعَلُ كُلَّ ما سِوى الوَجْهِ فِداءً لِلْوَجْهِ - لا جَرَمَ حَسُنَ جَعْلُ الِاتِّقاءِ بِالوَجْهِ كِنايَةً عَنِ العَجْزِ عَنِ الِاتِّقاءِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُ النّابِغَةِ:
ولا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أنَّ سُيُوفَهم بِهِنَّ فُلُولٌ مِن قِراعِ الكَتائِبِ
أيْ: لا عَيْبَ فِيهِمْ إلّا هَذا، وهو لَيْسَ بِعَيْبٍ، فَلا عَيْبَ فِيهِمْ إذَنْ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، فَكَذا هَهُنا لا يَقْدِرُونَ عَلى الِاتِّقاءِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ إلّا بِالوَجْهِ، وهَذا لَيْسَ بِاتِّقاءٍ، فَلا قُدْرَةَ لَهم عَلى الِاتِّقاءِ ألْبَتَّةَ، ويُقالُ أيْضًا: إنَّ الَّذِي يُلْقى في النّارِ يُلْقى مَغْلُولَةٌ يَداهُ إلى عُنُقِهِ، ولا يَتَهَيَّأُ لَهُ أنْ يَتَّقِيَ النّارَ إلّا بِوَجْهِهِ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: جَوابُهُ مَحْذُوفٌ، وتَقْدِيرُهُ: أفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ كَمَن هو آمِنٌ مِنَ العَذابِ، فَحُذِفَ الخَبَرُ كَما حُذِفَ في نَظائِرِهِ، وسُوءُ العَذابِ شِدَّتُهُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وقِيلَ لِلظّالِمِينَ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ ولَمّا بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى كَيْفِيَّةَ عَذابِ القاسِيَةِ قُلُوبُهم في الآخِرَةِ بَيَّنَ أيْضًا كَيْفِيَّةَ وُقُوعِهِمْ في العَذابِ في الدُّنْيا، فَقالَ: ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأتاهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾، وهَذا تَنْبِيهٌ عَلى حالِ هَؤُلاءِ؛ لِأنَّ الفاءَ في قَوْلِهِ: ﴿فَأتاهُمُ العَذابُ﴾ تَدُلُّ عَلى أنَّهم إنَّما أتاهُمُ العَذابُ بِسَبَبِ التَّكْذِيبِ، فَإذا كانَ التَّكْذِيبُ حاصِلًا هَهُنا لَزِمَ حُصُولُ العَذابِ؛ اسْتِدْلالًا بِالعِلَّةِ عَلى المَعْلُولِ، وقَوْلُهُ: ﴿مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ أيْ: مِنَ الجِهَةِ الَّتِي لا يَحْسَبُونَ ولا يَخْطُرُ بِبالِهِمْ أنَّ الشَّرَّ يَأْتِيهِمْ مِنها، بَيْنَما هم آمِنُونَ إذْ أتاهُمُ العَذابُ مِنَ الجِهَةِ الَّتِي تَوَقَّعُوا الأمْنَ مِنها، ولَمّا بَيَّنَ أنَّهُ أتاهُمُ العَذابُ في الدُّنْيا بَيَّنَ أيْضًا أنَّهُ أتاهُمُ الخِزْيُ، وهو الذُّلُّ والصَّغارُ والهَوانُ، والفائِدَةُ في ذِكْرِ هَذا القَيْدِ أنَّ العَذابَ التّامَّ هو أنْ يَحْصُلَ فِيهِ الألَمُ مَقْرُونًا بِالهَوانِ والذُّلِّ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿ولَعَذابُ الآخِرَةِ أكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ يَعْنِي أنَّ أُولَئِكَ وإنْ نَزَلَ عَلَيْهِمُ العَذابُ والخِزْيُ كَما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، فالعَذابُ المُدَّخَرُ لَهم في يَوْمِ القِيامَةِ أكْبَرُ وأعْظَمُ مِن ذَلِكَ الَّذِي وقَعَ، والمَقْصُودُ مِن كُلِّ ذَلِكَ التَّخْوِيفُ والتَّرْهِيبُ، فَلَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الفَوائِدَ المُتَكاثِرَةَ والنَّفائِسَ المُتَوافِرَةَ في هَذِهِ المَطالِبِ بَيَّنَ
صفحة ٢٤٠
تَعالى أنَّهُ بَلَغَتْ هَذِهِ البَياناتُ إلى حَدِّ الكَمالِ والتَّمامِ، فَقالَ: ﴿ولَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ والمَقْصُودُ ظاهِرٌ، وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ أفْعالَ اللَّهِ وأحْكامَهُ مُعَلَّلَةٌ، ودَلَّتْ أيْضًا عَلى أنَّهُ يُرِيدُ الإيمانَ والمَعْرِفَةَ مِنَ الكُلِّ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ﴾ مُشْعِرٌ بِالتَّعْلِيلِ، وقَوْلُهُ في آخِرِ الآيَةِ: ﴿لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ مُشْعِرٌ بِالتَّعْلِيلِ أيْضًا، ومُشْعِرٌ بِأنَّ المَقْصُودَ مِن ضَرْبِ هَذِهِ الأمْثالِ إرادَةُ حُصُولِ التَّذَكُّرِ والعِلْمِ، ولَمّا كانَتْ هَذِهِ البَياناتُ النّافِعَةُ والبَيِّناتُ الباهِرَةُ مَوْجُودَةً في القُرْآنِ، لا جَرَمَ وُصِفَ القُرْآنُ بِالمَدْحِ والثَّناءِ، فَقالَ: ﴿قُرْءانًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: احْتَجَّ القائِلُونَ بِحُدُوثِ القُرْآنِ بِهَذِهِ الآيَةِ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى إنَّما ذَكَرَ هَذِهِ الأمْثالَ لِيَحْصُلَ لَهُمُ التَّذَكُّرُ، والشَّيْءُ الَّذِي يُؤْتى بِهِ لِغَرَضٍ آخَرَ يَكُونُ مُحْدَثًا، فَإنَّ القَدِيمَ هو الَّذِي يَكُونُ مَوْجُودًا في الأزَلِ، وهَذا يُمْتَنَعُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ إنَّما أتى بِهِ لِغَرَضِ كَذا وكَذا.
والثّانِي: أنَّهُ وصَفَهُ بِكَوْنِهِ عَرَبِيًّا، وإنَّما كانَ عَرَبِيًّا لِأنَّ هَذِهِ الألْفاظَ إنَّما صارَتْ دالَّةً عَلى هَذِهِ المَعانِي بِوَضْعِ العَرَبِ وبِاصْطِلاحِهِمْ، وما كانَ حُصُولُهُ بِسَبَبِ أوْضاعِ العَرَبِ واصْطِلاحاتِهِمْ كانَ مَخْلُوقًا مُحْدَثًا.
الثّالِثُ: أنَّهُ وصَفَهُ بِكَوْنِهِ قُرْآنًا، والقُرْآنُ عِبارَةٌ عَنِ القِراءَةِ، والقِراءَةُ مَصْدَرٌ، والمَصْدَرُ هو المَفْعُولُ المُطْلَقُ، فَكانَ فِعْلًا ومَفْعُولًا، والجَوابُ: أنّا نَحْمِلُ كُلَّ هَذِهِ الوُجُوهِ عَلى الحُرُوفِ والأصْواتِ، وهي حادِثَةٌ ومُحْدَثَةٌ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الزَّجّاجُ: قَوْلُهُ ﴿عَرَبِيًّا﴾ مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، والمَعْنى ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ في حالِ عَرَبِيَّتِهِ وبَيانِهِ، ويَجُوزُ أنْ يُنْتَصَبَ عَلى المَدْحِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أنَّهُ تَعالى وصَفَهُ بِثَلاثَةٍ:
أوَّلُها: كَوْنُهُ قُرْآنًا، والمُرادُ كَوْنُهُ مَتْلُوًّا في المَحارِيبِ إلى قِيامِ القِيامَةِ، كَما قالَ: ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذِّكْرَ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] .
وثانِيها: كَوْنُهُ عَرَبِيًّا، والمُرادُ أنَّهُ أعْجَزَ الفُصَحاءَ والبُلَغاءَ عَنْ مُعارَضَتِهِ كَما قالَ: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ والجِنُّ عَلى أنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذا القُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ ولَوْ كانَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨] .
وثالِثُها: كَوْنُهُ ﴿غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ والمُرادُ بَراءَتُهُ عَنِ التَّناقُضِ، كَما قالَ: ﴿ولَوْ كانَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾، فالمُعْتَزِلَةُ يَتَمَسَّكُونَ بِهِ في تَعْلِيلِ أحْكامِ اللَّهِ تَعالى.
وفِيهِ بَحْثٌ آخَرُ: وهو أنَّهُ تَعالى قالَ في الآيَةِ الأُولى: ﴿لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾، وقالَ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾، والسَّبَبُ فِيهِ أنَّ التَّذَكُّرَ مُتَقَدِّمٌ عَلى الِاتِّقاءِ، لِأنَّهُ إذا تَذَكَّرَهُ وعَرَفَهُ ووَقَفَ عَلى فَحْواهُ وأحاطَ بِمَعْناهُ، حَصَلَ الِاتِّقاءُ والِاحْتِرازُ، واللَّهُ أعْلَمُ.
الزمر 39:27
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ فَهو عَلى نُورٍ مِن رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهم مِن ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ كِتابًا مُتَشابِهًا مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهم وقُلُوبُهم إلى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشاءُ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ ﴿أفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ وقِيلَ لِلظّالِمِينَ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأتاهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ ﴿فَأذاقَهُمُ اللَّهُ الخِزْيَ في الحَياةِ الدُّنْيا ولَعَذابُ الآخِرَةِ أكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ ﴿قُرْءانًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾، وفِيهِ مَسائِلُ:
* * *
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بالَغَ في تَقْرِيرِ البَياناتِ الدّالَّةِ عَلى وُجُوبِ الإقْبالِ عَلى طاعَةِ اللَّهِ تَعالى ووُجُوبِ الإعْراضِ عَنِ الدُّنْيا، بَيَّنَ بَعْدَ ذَلِكَ أنَّ الِانْتِفاعَ بِهَذِهِ البَياناتِ لا يَكْمُلُ إلّا إذا شَرَحَ اللَّهُ الصُّدُورَ، ونَوَّرَ القُلُوبَ، فَقالَ: ﴿أفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ فَهو عَلى نُورٍ مِن رَبِّهِ﴾ .
واعْلَمْ أنّا بالَغْنا في سُورَةِ الأنْعامِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ﴾ [الأنعام: ١٢٥] في تَفْسِيرِ شَرْحِ الصَّدْرِ، وفي تَفْسِيرِ الهِدايَةِ، ولا بَأْسَ بِإعادَةِ كَلامٍ قَلِيلٍ هَهُنا، فَنَقُولُ: إنَّهُ تَعالى خَلَقَ جَواهِرَ النُّفُوسِ مُخْتَلِفَةً بِالماهِيَّةِ، فَبَعْضُها خَيِّرَةٌ نُورانِيَّةٌ شَرِيفَةٌ مائِلَةٌ إلى الإلَهِيّاتِ عَظِيمَةُ الرَّغْبَةِ في الِاتِّصالِ بِالرُّوحانِيّاتِ، وبَعْضُها نَذْلَةٌ كَدِرَةٌ خَسِيسَةٌ مائِلَةٌ إلى الجُسْمانِيّاتِ، وفي هَذا التَّفاوُتِ أمْرٌ حاصِلٌ في جَواهِرِ النُّفُوسِ البَشَرِيَّةِ، والِاسْتِقْراءُ يَدُلُّ عَلى أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: المُرادُ بِشَرْحِ الصَّدْرِ هو ذَلِكَ الِاسْتِعْدادُ الشَّدِيدُ المَوْجُودُ في فِطْرَةِ النَّفْسِ، وإذا كانَ ذَلِكَ الِاسْتِعْدادُ الشَّدِيدُ حاصِلًا كَفى خُرُوجُ تِلْكَ الحالَةِ مِنَ القُوَّةِ إلى الفِعْلِ بِأدْنى سَبَبٍ، مِثْلَ الكِبْرِيتِ الَّذِي يَشْتَعِلُ بِأدْنى نارٍ، أمّا إذا كانَتِ النَّفْسُ بَعِيدَةً عَنْ قَبُولِ هَذِهِ الجَلايا القُدْسِيَّةِ والأحْوالِ الرُّوحانِيَّةِ، بَلْ كانَتْ مُسْتَغْرِقَةً في طَلَبِ الجُسْمانِيّاتِ قَلِيلَةَ التَّأثُّرِ عَنِ الأحْوالِ المُناسِبَةِ لِلْإلَهِيّاتِ، فَكانَتْ قاسِيَةً كَدِرَةً ظَلْمانِيَّةً، وكُلَّما كانَ إيرادُ الدَّلائِلِ اليَقِينِيَّةِ والبَراهِينِ الباهِرَةِ عَلَيْها أكْثَرَ، كانَتْ قَسْوَتُها وظُلْمَتُها أقَلَّ.
إذا عَرَفْتَ هَذِهِ القاعِدَةَ فَنَقُولُ: أمّا شَرْحُ الصَّدْرِ فَهو ما ذَكَرْناهُ، وأمّا النُّورُ فَهو عِبارَةٌ عَنِ الهِدايَةِ والمَعْرِفَةِ، وما لَمْ يَحْصُلْ شَرْحُ الصَّدْرِ أوَّلًا لَمْ يَحْصُلِ النُّورُ ثانِيًا، وإذا كانَ الحاصِلُ هو القُوَّةَ النَّفْسانِيَّةَ لَمْ يَحْصُلِ الِانْتِفاعُ البَتَّةَ بِسَماعِ الدَّلائِلِ، ورُبَّما صارَ سَماعُ الدَّلائِلِ سَبَبًا لِزِيادَةِ القَسْوَةِ ولِشِدَّةِ النَّفْرَةِ، فَهَذِهِ أُصُولٌ يَقِينِيَّةٌ يَجِبُ أنْ تَكُونَ مَعْلُومَةً عِنْدَ الإنْسانِ حَتّى يُمْكِنَهُ الوُقُوفُ عَلى مَعانِي هَذِهِ الآياتِ، أمّا اسْتِدْلالُ أصْحابِنا في مَسْألَةِ الجَبْرِ والقَدَرِ، وكَلامُ الخُصُومِ عَلَيْهِ فَقَدْ تَقَدَّمَ هُناكَ، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: مِن مَحْذُوفِ الخَبَرِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿أمْ مَن هو قانِتٌ﴾، والتَّقْدِيرُ: أفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ فاهْتَدى كَمَن طُبِعَ عَلى قَلْبِهِ فَلَمْ يَهْتَدِ لِقَسْوَتِهِ، والجَوابُ مَتْرُوكٌ، لِأنَّ الكَلامَ المَذْكُورَ دَلَّ عَلَيْهِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهم مِن ذِكْرِ اللَّهِ﴾ .
صفحة ٢٣٢
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ ﴿فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهم مِن ذِكْرِ اللَّهِ﴾ فِيهِ سُؤالٌ، وهو أنَّ ذِكْرَ اللَّهِ سَبَبٌ لِحُصُولِ النُّورِ والهِدايَةِ وزِيادَةِ الِاطْمِئْنانِ، كَما قالَ: ﴿ألا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨] فَكَيْفَ جَعَلَهُ في هَذِهِ الآيَةِ سَبَبًا لِحُصُولِ قَسْوَةِ القَلْبِ، والجَوابُ أنْ نَقُولَ: إنَّ النَّفْسَ إذا كانَتْ خَبِيثَةَ الجَوْهَرِ، كَدِرَةَ العُنْصُرِ، بَعِيدَةً عَنْ مُناسَبَةِ الرُّوحانِيّاتِ، شَدِيدَةَ المَيْلِ إلى الطَّبائِعِ البَهِيمِيَّةِ، والأخْلاقِ الذَّمِيمَةِ، فَإنَّ سَماعَها لِذِكْرِ اللَّهِ يَزِيدُها قَسْوَةً وكُدُورَةً، وتَقْرِيرُ هَذا الكَلامِ بِالأمْثِلَةِ، فَإنَّ الفاعِلَ الواحِدَ تَخْتَلِفُ أفْعالُهُ بِحَسَبِ اخْتِلافِ القَوابِلِ؛ كَنُورِ الشَّمْسِ يُسَوِّدُ وجْهَ القَصّارِ ويُبَيِّضُ ثَوْبَهُ، وحَرارَةِ الشَّمْسِ تُلِينُ الشَّمْعَ وتُعَقِّدُ المِلْحَ، وقَدْ نَرى إنْسانًا واحِدًا يَذْكُرُ كَلامًا واحِدًا في مَجْلِسٍ واحِدٍ، فَيَسْتَطِيبُهُ واحِدٌ ويَسْتَكْرِهُهُ غَيْرُهُ، وما ذاكَ إلّا ما ذَكَرْناهُ مِنِ اخْتِلافِ جَواهِرِ النُّفُوسِ، ومِنِ اخْتِلافِ أحْوالِ تِلْكَ النُّفُوسِ، «ولَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٢] وكانَ قَدْ حَضَرَ هُناكَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ وإنْسانٌ آخَرُ، فَلَمّا انْتَهى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ أنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ [المؤمنون: ١٤] قالَ كُلٌّ واحِدٌ مِنهم: ﴿فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤] فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: اكْتُبْ، فَهَكَذا أُنْزِلَتْ فازْدادَ عُمَرُ إيمانًا عَلى إيمانٍ، وازْدادَ ذَلِكَ الإنْسانُ كُفْرًا عَلى كُفْرٍ»، إذا عَرَفْتَ هَذا لَمْ يَبْعُدْ أيْضًا أنْ يَكُونَ ذِكْرُ اللَّهِ يُوجِبُ النُّورَ والهِدايَةَ والِاطْمِئْنانَ في النُّفُوسِ الطّاهِرَةِ الرُّوحانِيَّةِ، ويُوجِبُ القَسْوَةَ والبُعْدَ عَنِ الحَقِّ في النُّفُوسِ الخَبِيثَةِ الشَّيْطانِيَّةِ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّ رَأسَ الأدْوِيَةِ الَّتِي تُفِيدُ الصِّحَّةَ الرُّوحانِيَّةَ، ورَئِيسُها هو ذِكْرُ اللَّهِ تَعالى، فَإذا اتَّفَقَ لِبَعْضِ النُّفُوسِ أنْ صارَ ذِكْرُ اللَّهِ تَعالى سَبَبًا لِازْدِيادِ مَرَضِها، كانَ مَرَضُ تِلْكَ النَّفْسِ مَرَضًا لا يُرْجى زَوالُهُ، ولا يُتَوَقَّعُ عِلاجُهُ، وكانَتْ في نِهايَةِ الشَّرِّ والرَّداءَةِ، فَلِهَذا المَعْنى قالَ تَعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهم مِن ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ وهَذا كَلامٌ كامِلٌ مُحَقَّقٌ.
ولَمّا بَيَّنَ تَعالى ذَلِكَ أرْدَفَهُ بِما يَدُلُّ عَلى أنَّ القُرْآنَ سَبَبٌ لِحُصُولِ النُّورِ والشِّفاءِ والهِدايَةِ وزِيادَةِ الِاطْمِئْنانِ، والمَقْصُودُ مِنهُ بَيانُ أنَّ القُرْآنَ لَمّا كانَ مَوْصُوفًا بِهَذِهِ الصِّفاتِ، ثُمَّ إنَّهُ في حَقِّ ذَلِكَ الإنْسانِ صارَ سَبَبًا لِمَزِيدِ القَسْوَةِ، دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ جَوْهَرَ تِلْكَ النَّفْسِ قَدْ بَلَغَ في الرَّداءَةِ والخَساسَةِ إلى أقْصى الغاياتِ، فَنَقُولُ: إنَّهُ تَعالى وصَفَ القُرْآنَ بِأنْواعٍ مِن صِفاتِ الكَمالِ.
الصِّفَةُ الأُولى: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ﴾، وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: القائِلُونَ بِحُدُوثِ القُرْآنِ احْتَجُّوا بِهَذِهِ الآيَةِ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى وصَفَهُ بِكَوْنِهِ حَدِيثًا في هَذِهِ الآياتِ، وفي آياتٍ أُخْرى، مِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ﴾ [الطور: ٣٤]، ومِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَبِهَذا الحَدِيثِ أنْتُمْ مُدْهِنُونَ﴾ [الواقعة: ٨١] والحَدِيثُ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ حادِثًا، قالُوا: بَلِ الحَدِيثُ أقْوى في الدَّلالَةِ عَلى الحُدُوثِ مِنَ الحادِثِ، لِأنَّهُ يَصِحُّ أنْ يُقالَ: هَذا حَدِيثٌ، ولَيْسَ بِعَتِيقٍ، وهَذا عَتِيقٌ ولَيْسَ بِحادِثٍ، فَثَبَتَ أنَّ الحَدِيثَ هو الَّذِي يَكُونُ قَرِيبَ العَهْدِ بِالحَدِيثِ، وسُمِّيَ الحَدِيثُ حَدِيثًا؛ لِأنَّهُ مُؤَلَّفٌ مِنَ الحُرُوفِ والكَلِماتِ، وتِلْكَ الحُرُوفُ والكَلِماتُ تَحْدُثُ حالًا فَحالًا وساعَةً فَساعَةً، فَهَذا تَمامُ تَقْرِيرِ هَذا الوَجْهِ.
أمّا الوَجْهُ الثّانِي: في بَيانِ اسْتِدْلالِ القَوْمِ أنْ قالُوا: إنَّهُ تَعالى وصَفَهُ بِأنَّهُ نَزَّلَهُ، والمُنَزَّلُ يَكُونُ في مَحَلِّ تَصَرُّفِ الغَيْرِ، وما يَكُونُ كَذَلِكَ فَهو مُحْدَثٌ وحادِثٌ.
وأمّا الوَجْهُ الثّالِثُ: في بَيانِ اسْتِدْلالِ القَوْمِ أنْ قالُوا: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿أحْسَنَ الحَدِيثِ﴾ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ هو مِن جِنْسِ سائِرِ الأحادِيثِ كَما أنَّ قَوْلَهُ: زَيْدٌ أفْضَلُ الإخْوَةِ - يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ زَيْدٌ مُشارِكًا لِأُولَئِكَ الأقْوامِ في صِفَةِ
صفحة ٢٣٣
الأُخُوَّةِ، ويَكُونَ مِن جِنْسِهِمْ، فَثَبَتَ أنَّ القُرْآنَ مِن جِنْسِ سائِرِ الأحادِيثِ، ولَمّا كانَ سائِرُ الأحادِيثِ حادِثَةً وجَبَ أيْضًا أنْ يَكُونَ القُرْآنُ حادِثًا.
أمّا الوَجْهُ الرّابِعُ: في الِاسْتِدْلالِ أنْ قالُوا: إنَّهُ تَعالى وصَفَهُ بِكَوْنِهِ كِتابًا، والكِتابُ مُشْتَقٌّ مِنَ الكُتْبَةِ، وهي الِاجْتِماعُ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ مَجْمُوعٌ جامِعٌ، ومَحَلُ تَصَرُّفِ مُتَصَرِّفٍ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ مُحْدَثًا، والجَوابُ: أنْ نَقُولَ: نَحْمِلُ هَذا الدَّلِيلَ عَلى الكَلامِ المُؤَلَّفِ مِنَ الحُرُوفِ والأصْواتِ والألْفاظِ والعِباراتِ، وذَلِكَ الكَلامُ عِنْدَنا مُحْدَثٌ مَخْلُوقٌ، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: كَوْنُ القُرْآنِ أحْسَنَ الحَدِيثِ، إمّا أنْ يَكُونَ أحْسَنَ الحَدِيثِ بِحَسَبِ لَفْظِهِ أوْ بِحَسَبِ مَعْناهُ.
القِسْمُ الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ أحْسَنَ الحَدِيثِ بِحَسَبِ لَفْظِهِ، وذَلِكَ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الحُسْنُ لِأجْلِ الفَصاحَةِ والجَزالَةِ.
الثّانِي: أنْ يَكُونَ بِحَسَبِ النَّظْمِ في الأُسْلُوبِ، وذَلِكَ لِأنَّ القُرْآنَ لَيْسَ مِن جِنْسِ الشِّعْرِ، ولا مِن جِنْسِ الخُطَبِ، ولا مِن جِنْسِ الرَّسائِلِ، بَلْ هو نَوْعٌ يُخالِفُ الكُلَّ، مَعَ أنَّ كُلَّ ذِي طَبْعٍ سَلِيمٍ يَسْتَطِيبُهُ ويَسْتَلِذُّهُ.
القِسْمُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ كَوْنُهُ أحْسَنَ الحَدِيثِ لِأجْلِ المَعْنى، وفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّهُ كِتابٌ مُنَزَّهٌ عَنِ التَّناقُضِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ كانَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢] ومِثْلُ هَذا الكِتابِ إذا خَلا عَنِ التَّناقُضِ كانَ ذَلِكَ مِنَ المُعْجِزاتِ.
الوَجْهُ الثّانِي: اشْتِمالُهُ عَلى الغُيُوبِ الكَثِيرَةِ في الماضِي والمُسْتَقْبَلِ.
الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّ العُلُومَ المَوْجُودَةَ فِيهِ كَثِيرَةٌ جِدًّا.
وضَبْطُ هَذِهِ العُلُومِ أنْ نَقُولَ: العُلُومُ النّافِعَةُ هي ما ذَكَرَهُ اللَّهُ في كِتابِهِ في قَوْلِهِ: ﴿والمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥]، ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِن رُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥]، ﴿وقالُوا سَمِعْنا وأطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وإلَيْكَ المَصِيرُ﴾ [البقرة: ٢٨٥]، فَهَذا أحْسَنُ ضَبْطٍ يُمْكِنُ ذِكْرُهُ لِلْعُلُومِ النّافِعَةِ.
أمّا القِسْمُ الأوَّلُ: وهو الإيمانُ بِاللَّهِ، فاعْلَمْ أنَّهُ يَشْتَمِلُ عَلى خَمْسَةِ أقْسامٍ: مَعْرِفَةُ الذّاتِ والصِّفاتِ والأفْعالِ والأحْكامِ والأسْماءِ، أمّا مَعْرِفَةُ الذّاتِ فَهي أنْ يَعْلَمَ وُجُودَ اللَّهِ وقِدَمَهُ وبَقاءَهُ، وأمّا مَعْرِفَةُ الصِّفاتِ فَهي نَوْعانِ:
أحَدُهُما: ما يَجِبُ تَنْزِيهُهُ عَنْهُ، وهو كَوْنُهُ جَوْهَرًا ومُرَكَّبًا مِنَ الأعْضاءِ والأجْزاءِ، وكَوْنُهُ مُخْتَصًّا بِحَيِّزٍ وجِهَةٍ، ويَجِبُ أنْ يُعْلَمَ أنَّ الألْفاظَ الدّالَّةَ عَلى التَّنْزِيهِ أرْبَعَةٌ: لَيْسَ ولَمْ وما ولا، وهَذِهِ الأرْبَعَةُ المَذْكُورَةُ مَذْكُورَةٌ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى لِبَيانِ التَّنْزِيهِ.
أمّا كَلِمَةُ ”لَيْسَ“، فَقَوْلُهُ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] وأمّا كَلِمَةُ ”لَمْ“، فَقَوْلُهُ: ﴿لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ﴾ ﴿ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٣ - ٤]، وأمّا كَلِمَةُ ”ما“، فَقَوْلُهُ: ﴿وما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤]، ﴿ما كانَ لِلَّهِ أنْ يَتَّخِذَ مِن ولَدٍ﴾ [مريم: ٣٥]، وأمّا كَلِمَةُ ”لا“، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ ولا نَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، ﴿وهُوَ يُطْعِمُ ولا يُطْعَمُ﴾ [الأنعام: ١٤]، ﴿وهُوَ يُجِيرُ ولا يُجارُ عَلَيْهِ﴾ [المؤمنون: ٨٨]، وقَوْلُهُ في سَبْعَةٍ وثَلاثِينَ مَوْضِعًا مِنَ القُرْآنِ: ﴿لا إلَهَ إلّا اللَّهُ﴾ [الصافات: ٣٥] .
صفحة ٢٣٤
وأمّا النَّوْعُ الثّانِي: وهي الصِّفاتُ الَّتِي يَجِبُ كَوْنُهُ مَوْصُوفًا بِها مِنَ القُرْآنِ، فَأُولاها العِلْمُ بِاللَّهِ، والعِلْمُ بِكَوْنِهِ مُحْدِثًا خالِقًا، قالَ تَعالى: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ [الأنعام: ١] .
وثانِيَتُها: العِلْمُ بِكَوْنِهِ قادِرًا، قالَ تَعالى في أوَّلِ سُورَةِ القِيامَةِ: ﴿بَلى قادِرِينَ عَلى أنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ﴾ [القيامة: ٤]، وقالَ في آخِرِ هَذِهِ السُّورَةِ: ﴿ألَيْسَ ذَلِكَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾ [القيامة: ٤٠] .
وثالِثَتُها: العِلْمُ بِكَوْنِهِ تَعالى عالِمًا، قالَ تَعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾ [الحشر: ٢٢] .
ورابِعَتُها: العِلْمُ بِكَوْنِهِ عالِمًا بِكُلِّ المَعْلُوماتِ، قالَ تَعالى: ﴿وعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ لا يَعْلَمُها إلّا هُوَ﴾ [الأنعام: ٥٩] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى﴾ [الرعد: ٨] .
والخامِسَةُ: العِلْمُ بِكَوْنِهِ حَيًّا، قالَ تَعالى: ﴿هُوَ الحَيُّ لا إلَهَ إلّا هو فادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [غافر: ٦٥] .
والسّادِسَةُ: العِلْمُ بِكَوْنِهِ مُرِيدًا، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ﴾ [الأنعام: ١٢٥] .
والسّابِعَةُ: كَوْنُهُ سَمِيعًا بَصِيرًا، قالَ تَعالى: ﴿وهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] وقالَ تَعالى: ﴿إنَّنِي مَعَكُما أسْمَعُ وأرى﴾ [طه: ٤٦] .
والثّامِنَةُ: كَوْنُهُ مُتَكَلِّمًا، قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ أنَّ ما في الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ أقْلامٌ والبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ﴾ [لقمان: ٢٧] .
والتّاسِعَةُ: كَوْنُهُ آمِرًا، قالَ تَعالى: ﴿لِلَّهِ الأمْرُ مِن قَبْلُ ومِن بَعْدُ﴾ [الروم: ٤] .
والعاشِرَةُ: كَوْنُهُ رَحْمانًا رَحِيمًا مالِكًا، قالَ تَعالى: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [ الفاتِحَةِ: ٣ – ٤ ] فَهَذا ما يَتَعَلَّقُ بِمَعْرِفَةِ الصِّفاتِ الَّتِي يَجِبُ اتِّصافُهُ بِها.
وأمّا القِسْمُ الثّالِثُ: وهو الأفْعالُ، فاعْلَمْ أنَّ الأفْعالَ إمّا أرْواحٌ وإمّا أجْسامٌ، أمّا الأرْواحُ فَلا سَبِيلَ لِلْوُقُوفِ عَلَيْها إلّا لِلْقَلِيلِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إلّا هُوَ﴾ [المدثر: ٣١] وأمّا الأجْسامُ، فَهي إمّا العالَمُ الأعْلى وإمّا العالَمُ الأسْفَلُ، أمّا العالَمُ الأعْلى فالبَحْثُ فِيهِ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: البَحْثُ عَنْ أحْوالِ السَّماواتِ.
وثانِيها: البَحْثُ عَنْ أحْوالِ الشَّمْسِ والقَمَرِ كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا والشَّمْسَ والقَمَرَ والنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأمْرِهِ﴾ [الأعراف: ٥٤] .
وثالِثُها: البَحْثُ عَنْ أحْوالِ الأضْواءِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [النور: ٣٥]، وقالَ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً والقَمَرَ نُورًا﴾ [يونس: ٥] .
ورابِعُها: البَحْثُ عَنْ أحْوالِ الظِّلالِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ ولَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِنًا﴾ [الفرقان: ٤٥] .
وخامِسُها: اخْتِلافُ اللَّيْلِ والنَّهارِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلى النَّهارِ ويُكَوِّرُ النَّهارَ عَلى اللَّيْلِ﴾ .
وسادِسُها: مَنافِعُ الكَواكِبِ، قالَ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها في ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ﴾ [الأنعام: ٩٧] .
وسابِعُها: صِفاتُ الجَنَّةِ، قالَ تَعالى: ﴿وجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ والأرْضِ﴾ [الحديد: ٢١] .
وثامِنُها: صِفاتُ النّارِ، قالَ تَعالى: ﴿لَها سَبْعَةُ أبْوابٍ لِكُلِّ بابٍ مِنهم جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ [الحجر: ٤٤] .
وتاسِعُها: صِفَةُ العَرْشِ، قالَ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ ومَن حَوْلَهُ﴾ [غافر: ٧] .
وعاشِرُها: صِفَةُ الكُرْسِيِّ، قالَ تَعالى: ﴿وسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ [البقرة: ٢٥٥] .
وحادِيَ عَشَرَها: صِفَةُ اللَّوْحِ والقَلَمِ، أمّا اللَّوْحُ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ هو قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ ﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج: ٢٢]، وأمّا القَلَمُ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ن والقَلَمِ وما يَسْطُرُونَ﴾ [القلم: ٢] .
* * *
وأمّا شَرْحُ أحْوالِ العالَمِ الأسْفَلِ فَأوَّلُها: الأرْضُ، وقَدْ وصَفَها بِصِفاتٍ كَثِيرَةٍ:
إحْداها: كَوْنُهُ مَهْدًا، قالَ تَعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا﴾ [طه: ٥٣] .
وثانِيَتُها: كَوْنُهُ مِهادًا، قالَ تَعالى: ﴿ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ مِهادًا﴾
صفحة ٢٣٥
[النبأ: ٦] .
وثالِثَتُها: كَوْنُهُ كِفاتًا، قالَ تَعالى: ﴿كِفاتًا﴾ ﴿أحْياءً وأمْواتًا﴾ [المرسلات: ٢٥] .
ورابِعَتُها: الذَّلُولُ، قالَ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ ذَلُولًا﴾ [الملك: ١٥] .
والخامِسَةُ: كَوْنُهُ بِساطًا، قالَ تَعالى: ﴿واللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ بِساطًا﴾ ﴿لِتَسْلُكُوا مِنها سُبُلًا فِجاجًا﴾ [نوح: ٢٠]، والكَلامُ فِيهِ طَوِيلٌ.
وثانِيها: البَحْرُ، قالَ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي سَخَّرَ البَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنهُ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ [النحل: ١٤] .
وثالِثُها: الهَواءُ والرِّياحُ، قالَ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ [الأعراف: ٥٧]، وقالَ تَعالى: ﴿وأرْسَلْنا الرِّياحَ لَواقِحَ﴾ [الحجر: ٢٢] .
ورابِعُها: الآثارُ العُلْوِيَّةُ كالرَّعْدِ والبَرْقِ، قالَ تَعالى: ﴿ويُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ والمَلائِكَةُ مِن خِيفَتِهِ﴾ [الرعد: ١٣]، وقالَ تَعالى: ﴿فَتَرى الوَدْقَ يَخْرُجُ مِن خِلالِهِ﴾ [الرعد: ٤٣]، ومِن هَذا البابِ ذِكْرُ الصَّواعِقِ والأمْطارِ وتَراكُمِ السَّحابِ.
وخامِسُها: أحْوالُ الأشْجارِ والثِّمارِ وأنْواعِها وأصْنافِها.
وسادِسُها: أحْوالُ الحَيَواناتِ، قالَ تَعالى: ﴿وبَثَّ فِيها مِن كُلِّ دابَّةٍ﴾ [البقرة: ١٦٤]، وقالَ: ﴿والأنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ﴾ [النحل: ٥] .
وسابِعُها: عَجائِبُ تَكْوِينِ الإنْسانِ في أوَّلِ الخِلْقَةِ، قالَ: ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٢] .
وثامِنُها: العَجائِبُ في سَمْعِهِ وبَصَرِهِ ولِسانِهِ وعَقْلِهِ وفَهْمِهِ.
وتاسِعُها: تَوارِيخُ الأنْبِياءِ والمُلُوكِ وأحْوالُ النّاسِ مِن أوَّلِ خَلْقِ العالَمِ إلى آخِرِ قِيامِ القِيامَةِ.
وعاشِرُها: ذِكْرُ أحْوالِ النّاسِ عِنْدَ المَوْتِ وبَعْدَ المَوْتِ، وكَيْفِيَّةُ البَعْثِ والقِيامَةِ، وشَرْحُ أحْوالِ السُّعَداءِ والأشْقِياءِ، فَقَدْ أشَرْنا إلى عَشَرَةِ أنْواعٍ مِنَ العُلُومِ في عالَمِ السَّماواتِ، وإلى عَشَرَةٍ أُخْرى في عالَمِ العَناصِرِ، والقُرْآنُ مُشْتَمِلٌ عَلى شَرْحِ هَذِهِ الأنْواعِ مِنَ العُلُومِ العالِيَةِ الرَّفِيعَةِ.
وأمّا القِسْمُ الرّابِعُ: وهو شَرْحُ أحْكامِ اللَّهِ تَعالى وتَكالِيفِهِ، فَنَقُولُ: هَذِهِ التَّكالِيفُ إمّا أنْ تَحْصُلَ في أعْمالِ القُلُوبِ أوْ في أعْمالِ الجَوارِحِ.
أمّا القِسْمُ الأوَّلُ: فَهو المُسَمّى بِعِلْمِ الأخْلاقِ، وبَيانِ تَمْيِيزِ الأخْلاقِ الفاضِلَةِ والأخْلاقِ الفاسِدَةِ، والقُرْآنُ يَشْتَمِلُ عَلى كُلِّ ما لا بُدَّ مِنهُ في هَذا البابِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ والإحْسانِ وإيتاءِ ذِي القُرْبى ويَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ والبَغْيِ﴾ [النحل: ٩٠]، وقالَ: ﴿خُذِ العَفْوَ وأْمُرْ بِالعُرْفِ وأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩] .
وأمّا الثّانِي: فَهو التَّكالِيفُ الحاصِلَةُ في أعْمالِ الجَوارِحِ، وهو المُسَمّى بِعِلْمِ الفِقْهِ، والقُرْآنُ مُشْتَمِلٌ عَلى جُمْلَةِ أُصُولِ هَذا العِلْمِ عَلى أكْمَلِ الوُجُوهِ.
وأمّا القِسْمُ الخامِسُ: وهو مَعْرِفَةُ أسْماءِ اللَّهِ تَعالى فَهو مَذْكُورٌ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولِلَّهِ الأسْماءُ الحُسْنى فادْعُوهُ بِها﴾ [الأعراف: ١٨٠] فَهَذا كُلُّهُ يَتَعَلَّقُ بِمَعْرِفَةِ اللَّهِ.
وأمّا القِسْمُ الثّانِي: مِنَ الأُصُولِ المُعْتَبَرَةِ في الإيمانِ: الإقْرارُ بِالمَلائِكَةِ كَما قالَ تَعالى: ﴿والمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥]، والقُرْآنُ يَشْتَمِلُ عَلى شَرْحِ صِفاتِهِمْ؛ تارَةً عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ، وأُخْرى عَلى طَرِيقِ التَّفْصِيلِ، أمّا بِالإجْمالِ فَقَوْلُهُ: ﴿ومَلائِكَتِهِ﴾ وأمّا بِالتَّفْصِيلِ فَمِنها ما يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِمْ رُسُلَ اللَّهِ، قالَ تَعالى: ﴿جاعِلِ المَلائِكَةِ رُسُلًا﴾ [فاطر: ١]، ومِنها أنَّها مُدَبِّراتٌ لِهَذا العالَمِ، قالَ تَعالى: ﴿فالمُقَسِّماتِ أمْرًا﴾، ﴿فالمُدَبِّراتِ أمْرًا﴾ [النازعات: ٥]، وقالَ تَعالى: ﴿والصّافّاتِ صَفًّا﴾ [الصافات: ١] ومِنها حَمَلَةُ العَرْشِ، قالَ: ﴿ويَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهم يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٧]، ومِنها الحافُّونَ حَوْلَ العَرْشِ قالَ: ﴿وتَرى المَلائِكَةَ حافِّينَ مِن حَوْلِ العَرْشِ﴾
صفحة ٢٣٦
[الزمر: ٧٥]، ومِنها خَزَنَةُ النّارِ، قالَ تَعالى: ﴿عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ﴾ [التحريم: ٦]، ومِنها الكِرامُ الكاتِبُونَ قالَ: ﴿وإنَّ عَلَيْكم لَحافِظِينَ﴾ ﴿كِرامًا كاتِبِينَ﴾ [الانفطار: ١٠] ومِنها المُعَقِّباتُ، قالَ تَعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّباتٌ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ﴾ [الرعد: ١١] وقَدْ يَتَّصِلُ بِأحْوالِ المَلائِكَةِ أحْوالُ الجِنِّ والشَّياطِينِ.
وأمّا القِسْمُ الثّالِثُ: مِنَ الأُصُولِ المُعْتَبَرَةِ في الإيمانِ مَعْرِفَةُ الكُتُبِ، والقُرْآنُ يَشْتَمِلُ عَلى شَرْحِ أحْوالِ كِتابِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، قالَ تَعالى: ﴿فَتَلَقّى آدَمُ مِن رَبِّهِ كَلِماتٍ﴾ [البقرة: ٣٧] ومِنها أحْوالُ صُحُفِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، قالَ تَعالى: ﴿وإذِ ابْتَلى إبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة: ١٢٤]، ومِنها أحْوالُ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ والزَّبُورِ.
وأمّا القِسْمُ الرّابِعُ: مِنَ الأُصُولِ المُعْتَبَرَةِ في الإيمانِ مَعْرِفَةُ الرُّسُلِ، واللَّهُ تَعالى قَدْ شَرَحَ أحْوالَ البَعْضِ، وأبْهَمَ أحْوالَ الباقِينَ، قالَ: ﴿مِنهم مَن قَصَصْنا عَلَيْكَ ومِنهم مَن لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ [غافر: ٧٨] .
القِسْمُ الخامِسُ: ما يَتَعَلَّقُ بِأحْوالِ المُكَلَّفِينَ، وهي عَلى نَوْعَيْنِ:
الأوَّلُ: أنْ يُقِرُّوا بِوُجُوبِ هَذِهِ التَّكالِيفِ عَلَيْهِمْ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وقالُوا سَمِعْنا وأطَعْنا﴾ [البقرة: ٢٨٥] .
الثّانِي: أنْ يَعْتَرِفُوا بِصُدُورِ التَّقْصِيرِ عَنْهم في تِلْكَ الأعْمالِ، ثُمَّ طَلَبُوا المَغْفِرَةَ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿غُفْرانَكَ رَبَّنا﴾ [البقرة: ٢٨٥]، ثُمَّ لَمّا كانَتْ مَقادِيرُ رُؤْيَةِ التَّقْصِيرِ في مَواقِفِ العُبُودِيَّةِ بِحَسَبِ المُكاشَفاتِ في مُطالَعَةِ عِزَّةِ الرُّبُوبِيَّةِ أكْثَرَ، كانَتِ المُكاشَفاتُ في تَقْصِيرِ العُبُودِيَّةِ أكْثَرَ، وكانَ قَوْلُهُ: ﴿غُفْرانَكَ رَبَّنا﴾ أكْثَرَ.
القِسْمُ السّادِسُ: مَعْرِفَةُ المَعادِ والبَعْثِ والقِيامَةِ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وإلَيْكَ المَصِيرُ﴾ [البقرة: ٢٨٥]، وهَذا هو الإشارَةُ إلى مَعْرِفَةِ المَطالِبِ المُهِمَّةِ في طَلَبِ الدِّينِ، والقُرْآنُ بَحْرٌ لا نِهايَةَ لَهُ في تَقْرِيرِ هَذِهِ المَطالِبِ، وتَعْرِيفِها وشَرْحِها، ولا تَرى في مَشارِقِ الأرْضِ ومَغارِبِها كِتابًا يَشْتَمِلُ عَلى جُمْلَةِ هَذِهِ العُلُومِ كَما يَشْتَمِلُ القُرْآنُ عَلَيْها، ومَن تَأمَّلَ في هَذا التَّفْسِيرِ عَلِمَ أنّا لَمْ نَذْكُرْ مِن بِحارِ فَضائِلِ القُرْآنِ إلّا قَطْرَةً، ولَمّا كانَ الأمْرُ عَلى هَذِهِ الجُمْلَةِ، لا جَرَمَ مَدَحَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ القُرْآنَ، فَقالَ تَعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ﴾، واللَّهُ أعْلَمُ.
الصِّفَةُ الثّانِيَةُ مِن صِفاتِ القُرْآنِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كِتابًا مُتَشابِهًا﴾، أمّا الكِتابُ فَقَدْ فَسَّرْناهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَلِكَ الكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢]، وأمّا كَوْنُهُ مُتَشابِهًا فاعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ القُرْآنَ كُلَّهُ مُتَشابِهٌ، وقَوْلُهُ: ﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتابَ مِنهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتابِ وأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ﴾ [آل عمران: ٧] يَدُلُّ عَلى كَوْنِ البَعْضِ مُتَشابِهًا دُونَ البَعْضِ.
وأمّا كَوْنُهُ كُلِّهِ مُتَشابِهًا كَما في هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَعْناهُ أنَّهُ يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا، وأقُولُ: هَذا التَّشابُهُ يَحْصُلُ في أُمُورٍ:
أحَدُها: أنَّ الكاتِبَ البَلِيغَ إذا كَتَبَ كِتابًا طَوِيلًا، فَإنَّهُ يَكُونُ بَعْضُ كَلِماتِهِ فَصِيحًا، ويَكُونُ البَعْضُ غَيْرَ فَصِيحٍ، والقُرْآنُ يُخالِفُ ذَلِكَ، فَإنَّهُ فَصِيحٌ كامِلُ الفَصاحَةِ بِجَمِيعِ أجْزائِهِ.
وثانِيها: أنَّ الفَصِيحَ إذا كَتَبَ كِتابًا في واقِعَةٍ بِألْفاظٍ فَصَيْحَةٍ، فَلَوْ كَتَبَ كِتابًا آخَرَ في غَيْرِ تِلْكَ الواقِعَةِ كانَ الغالِبُ أنَّ كَلامَهُ في الكِتابِ الثّانِي غَيْرُ كَلامِهِ في الكِتابِ الأوَّلِ، واللَّهُ تَعالى حَكى قِصَّةَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ مِنَ القُرْآنِ، وكُلُّها مُتَساوِيَةٌ مُتَشابِهَةٌ في الفَصاحَةِ.
وثالِثُها: أنَّ كُلَّ ما فِيهِ مِنَ الآياتِ والبَياناتِ فَإنَّهُ يُقَوِّي بَعْضُها بَعْضًا، ويُؤَكِّدُ بَعْضُها بَعْضًا.
ورابِعُها: أنَّ هَذِهِ الأنْواعَ الكَثِيرَةَ مِنَ العُلُومِ الَّتِي عَدَدْناها مُتَشابِهَةً مُتَشارِكَةٌ في أنَّ المَقْصُودَ مِنها بِأسْرِها الدَّعْوَةُ إلى الدِّينِ وتَقْرِيرُ عَظَمَةِ اللَّهِ، ولِذَلِكَ فَإنَّكَ لا تَرى قِصَّةً مِنَ القِصَصِ إلّا ويَكُونُ مُحَصِّلُها المَقْصُودَ الَّذِي ذَكَرْناهُ، فَهَذا هو المُرادُ مِن كَوْنِهِ مُتَشابِهًا، واللَّهُ الهادِي.
صفحة ٢٣٧
الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: مِن صِفاتِ القُرْآنِ كَوْنُهُ ”مَثانِيَ“، وقَدْ بالَغْنا في تَفْسِيرِ هَذِهِ اللَّفْظَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ المَثانِي﴾ [الحجر: ٨٧]، وبِالجُمْلَةِ فَأكْثَرُ الأشْياءِ المَذْكُورَةِ وقَعَتْ زَوْجَيْنِ زَوْجَيْنِ، مِثْلَ: الأمْرِ والنَّهْيِ، والعامِّ والخاصِّ، والمُجْمَلِ والمُفَصَّلِ، وأحْوالِ السَّماواتِ والأرْضِ، والجَنَّةِ والنّارِ، والظُّلْمَةِ والضَّوْءِ، واللَّوْحِ والقَلَمِ، والمَلائِكَةِ والشَّياطِينِ، والعَرْشِ والكُرْسِيِّ، والوَعْدِ والوَعِيدِ، والرَّجاءِ والخَوْفِ، والمَقْصُودُ مِنهُ بَيانُ أنَّ كُلَّ ما سِوى الحَقِّ زَوْجٌ، ويَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ شَيْءٍ مُبْتَلًى بِضِدِّهِ ونَقِيضِهِ، وأنَّ الفَرْدَ الأحَدَ الحَقَّ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ.
الصِّفَةُ الرّابِعَةُ: مِن صِفاتِ القُرْآنِ قَوْلُهُ: ﴿تَقْشَعِرُّ مِنهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهم وقُلُوبُهم إلى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٢٣]، وفِيهِ مَسائِلُ:
* * *
المَسْألَةُ الأُولى: مَعْنى ﴿تَقْشَعِرُّ مِنهُ جُلُودُ﴾ تَأْخُذُهم قُشَعْرِيرَةٌ، وهي تَغَيُّرٌ يَحْدُثُ في جِلْدِ الإنْسانِ عِنْدَ الوَجَلِ والخَوْفِ، قالَ المُفَسِّرُونَ: والمَعْنى أنَّهم عِنْدَ سَماعِ آياتِ الرَّحْمَةِ والإحْسانِ يَحْصُلُ لَهُمُ الفَرَحُ فَتَلِينُ قُلُوبُهم إلى ذِكْرِ اللَّهِ، وأقُولُ: إنَّ المُحَقِّقِينَ مِنَ العارِفِينَ قالُوا: السّائِرُونَ في مَبْدَأِ جَلالِ اللَّهِ إنْ نَظَرُوا إلى عالَمِ الجَلالِ طاشُوا، وإنْ لاحَ لَهم أثَرٌ مِن عالَمِ الجَمالِ عاشُوا، ويَجِبُ عَلَيْنا أنْ نَذْكُرَ في هَذا البابِ مَزِيدَ شَرْحٍ وتَقْرِيرٍ، فَنَقُولَ: الإنْسانُ إذا تَأمَّلَ في الدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى أنَّهُ يَجِبُ تَنْزِيهُ اللَّهِ عَنِ التَّحَيُّزِ والجِهَةِ، فَهُنا يَقْشَعِرُّ جِلْدُهُ، لِأنَّ إثْباتَ مَوْجُودٍ لا داخِلَ العالَمِ ولا خارِجَهُ، ولا مُتَّصِلٌ بِالعالَمِ ولا مُنْفَصِلٌ عَنِ العالَمِ، مِمّا يَصْعُبُ تَصَوُّرُهُ، فَهَهُنا تَقْشَعِرُّ الجُلُودُ، أمّا إذا تَأمَّلَ في الدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى أنَّهُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ فَرْدًا أحَدًا، وثَبَتَ أنَّ كُلَّ مُتَحَيِّزٍ فَهو مُنْقَسِمٌ، فَهَهُنا يَلِينُ جِلْدُهُ وقَلْبُهُ إلى ذِكْرِ اللَّهِ.
وأيْضًا إذا أرادَ أنْ يُحِيطَ عَقْلُهُ بِمَعْنى الأزَلِ فَيَتَقَدَّمَ في ذِهْنِهِ بِمِقْدارِ ألْفِ ألْفِ سَنَةٍ ثُمَّ يَتَقَدَّمَ أيْضًا بِحَسَبِ كُلِّ لَحْظَةٍ مِن لَحَظاتِ تِلْكَ المُدَّةِ ألْفِ ألْفِ سَنَةٍ، ولا يَزالُ يَحْتالُ ويَتَقَدَّمُ ويَتَخَيَّلُ في الذِّهْنِ، فَإذا بالَغَ وتَوَغَّلَ وظَنَّ أنَّهُ اسْتَحْضَرَ مَعْنى الأزَلِ، قالَ العَقْلُ: هَذا لَيْسَ بِشَيْءٍ، لِأنَّ كُلَّ ما اسْتَحْضَرْتُهُ فِيَّ فَهو مُتَناهٍ، والأزَلُ هو الوُجُودُ المُتَقَدِّمُ عَلى هَذِهِ المُدَّةِ المُتَناهِيَةِ، فَهَهُنا يَتَحَيَّرُ العَقْلُ ويَقْشَعِرُّ الجِلْدُ، وأمّا إذا تَرَكَ هَذا الِاعْتِبارَ، وقالَ هَهُنا مَوْجُودٌ، والمَوْجُودُ إمّا واجِبٌ وإمّا مُمْكِنٌ، فَإنْ كانَ واجِبًا فَهو دائِمًا مُنَزَّهٌ عَنِ الأوَّلِ والآخِرِ، وإنْ كانَ مُمْكِنًا فَهو مُحْتاجٌ إلى الواجِبِ فَيَكُونُ أزَلِيًّا أبَدِيًّا، فَإذا اعْتَبَرَ العَقْلُ فَهِمَ مَعْنى الأزَلِيَّةِ، فَهَهُنا يَلِينُ جِلْدُهُ وقَلْبُهُ إلى ذِكْرِ اللَّهِ، فَثَبَتَ أنَّ المَقامَيْنِ المَذْكُورَيْنِ في الآيَةِ لا يَجِبُ قَصْرُهُما عَلى سَماعِ آيَةِ العَذابِ وآيَةِ الرَّحْمَةِ، بَلْ ذاكَ أُولى تِلْكَ المَراتِبِ، وبَعْدَهُ مَراتِبُ لا حَدَّ لَها ولا حَصْرَ في حُصُولِ تِلْكَ الحالَتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: رَوى الواحِدِيُّ في ”البَسِيطِ“ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قالَ: القُرْآنُ دَلَّ عَلى أنَّ أوْلِياءَ اللَّهِ مَوْصُوفُونَ بِأنَّهم عِنْدَ المُكاشَفاتِ والمُشاهَداتِ، تارَةً تَقْشَعِرُّ جُلُودُهم وأُخْرى تَلِينُ جُلُودُهم وقُلُوبُهم إلى ذِكْرِ اللَّهِ، ولَيْسَ فِيهِ أنَّ عُقُولَهم تَزُولُ وأنَّ أعْضاءَهم تَضْطَرِبُ، فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّ تِلْكَ الأحْوالَ لَوْ حَصَلَتْ لَكانَتْ مِنَ الشَّيْطانِ، وأقُولُ: هَهُنا بَحْثٌ آخَرُ، وهو أنَّ الشَّيْخَ أبا حامِدٍ الغَزالِيَّ أوْرَدَ مَسْألَةً في كِتابِ إحْياءِ عُلُومِ الدِّينِ، وهي أنّا نَرى كَثِيرًا مِنَ النّاسِ يَظْهَرُ عَلَيْهِ الوَجْدُ الشَّدِيدُ التّامُّ عِنْدَ سَماعِ الأبْياتِ المُشْتَمِلَةِ عَلى شَرْحِ الوَصْلِ والهَجْرِ، وعِنْدَ سَماعِ الآياتِ لا يَظْهَرُ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن هَذِهِ الأحْوالِ، ثُمَّ إنَّهُ سَلَّمَ هَذا المَعْنى وذَكَرَ العُذْرَ فِيهِ مِن وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ، وأنا أقُولُ: إنِّي خُلِقْتُ مَحْرُومًا عَنْ هَذا المَعْنى، فَإنِّي كُلَّما تَأمَّلْتُ في أسْرارِ القُرْآنِ اقْشَعَرَّ
صفحة ٢٣٨
جِلْدِي ووَقَفَ شَعْرِي وحَصَلَتْ في قَلْبِي دَهْشَةٌ ورَوْعَةٌ، وكُلَّما سَمِعْتُ تِلْكَ الأشْعارِ غَلَبَ الهَزْلُ عَلَيَّ وما وجَدْتُ ألْبَتَّةَ في نَفْسِي مِنها أثَرًا، وأظُنُّ أنَّ المَنهَجَ القَوِيمَ والصِّراطَ المُسْتَقِيمَ هو هَذا، وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ تِلْكَ الأشْعارَ كَلِماتٌ مُشْتَمِلَةٌ عَلى وصْلٍ وهَجْرٍ وبُغْضٍ وحُبٍّ تَلِيقُ بِالخَلْقِ، وإثْباتُهُ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى كُفْرٌ، وأمّا الِانْتِقالُ مِن تِلْكَ الأحْوالِ إلى مَعانٍ لائِقَةٍ بِجَلالِ اللَّهِ فَلا يَصِلُ إلَيْها إلّا العُلَماءُ الرّاسِخُونَ في العِلْمِ، وأمّا المَعانِي الَّتِي يَشْتَمِلُ عَلَيْها القُرْآنُ فَهي أحْوالٌ لائِقَةٌ بِجَلالِ اللَّهِ، فَمَن وقَفَ عَلَيْها عَظُمَ الوَلَهُ في قَلْبِهِ، فَإنَّ مَن كانَ عِنْدَهُ نُورُ الإيمانِ وجَبَ أنْ يَعْظُمَ اضْطِرابُهُ عِنْدَ سَماعِ قَوْلِهِ: ﴿وعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ لا يَعْلَمُها إلّا هُوَ﴾ [الأنعام: ٥٩] إلى آخِرِ الآيَةِ.
والثّانِي: وهو أنِّي سَمِعْتُ بَعْضَ المَشايِخِ قالَ: كَما أنَّ الكَلامَ لَهُ أثَرٌ، فَكَذَلِكَ صُدُورُ ذَلِكَ الكَلامِ مِنَ القائِلِ المُعَيَّنِ لَهُ أثَرٌ، لِأنَّ قُوَّةَ نَفْسِ القائِلِ تُعِينُ عَلى نَفاذِ الكَلامِ في الرُّوحِ، والقائِلُ في القُرْآنِ هُنا هو اللَّهُ بِواسِطَةِجِبْرِيلَ بِتَبْلِيغِ الرَّسُولِ المَعْصُومِ، والقائِلُ هُناكَ شاعِرٌ كَذّابٌ مَمْلُوءٌ مِنَ الشَّهْوَةِ وداعِيَةِ الفُجُورِ.
والثّالِثُ: أنَّ مَدارَ القُرْآنِ عَلى الدَّعْوَةِ إلى الحَقِّ، قالَ تَعالى: ﴿وإنَّكَ لَتَهْدِي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ صِراطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ [الشورى: ٥٣]، وأمّا الشِّعْرُ فَمَدارُهُ عَلى الباطِلِ، قالَ تَعالى: ﴿والشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الغاوُونَ﴾ ﴿ألَمْ تَرَ أنَّهم في كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ﴾ ﴿وأنَّهم يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٤] فَهَذِهِ الوُجُوهُ الثَّلاثَةُ فُرُوقٌ ظاهِرَةٌ، وأمّا ما يَتَعَلَّقُ بِالوُجْدانِ مِنَ النَّفْسِ فَإنَّ كُلَّ أحَدٍ إنَّما يُخْبِرُ عَمّا يَجِدُهُ مِن نَفْسِهِ، والَّذِي وجَدْتُهُ مِنَ النَّفْسِ والعَقْلِ ما ذَكَرْتُهُ، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في بَيانِ ما بَقِيَ مِنَ المُشْكِلاتِ في هَذِهِ الآيَةِ، ونَذْكُرُها في مَعْرِضِ السُّؤالِ والجَوابِ.
السُّؤالُ الأوَّلُ: كَيْفَ تَرْكِيبُ لَفْظِ القُشَعْرِيرَةِ، الجَوابُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: تَرْكِيبُهُ مِن حُرُوفِ التَّقَشُّعِ، وهو الأدِيمُ اليابِسُ، مَضْمُومًا إلَيْها حَرْفٌ رابِعٌ، وهو الرّاءُ؛ لِيَكُونَ رُباعِيًّا ودالًّا عَلى مَعْنًى زائِدٍ، يُقالُ: اقْشَعَرَّ جِلْدُهُ مِنَ الخَوْفِ ووَقَفَ شَعْرُهُ، وذَلِكَ مَثَلٌ في شِدَّةِ الخَوْفِ.
السُّؤالُ الثّانِي: كَيْفَ قالَ: ﴿تَلِينُ جُلُودُهم وقُلُوبُهم إلى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ وما الوَجْهُ في تَعَدِّيهِ بِحَرْفِ ”إلى“ ؟ والجَوابُ: التَّقْدِيرُ تَلِينُ جُلُودُهم وقُلُوبُهم حالَ وُصُولِها إلى حَضْرَةِ اللَّهِ، وهو لا يُحَسُّ بِالإدْراكِ.
السُّؤالُ الثّالِثُ: لِمَ قالَ ”إلى ذِكْرِ اللَّهِ“، ولَمْ يَقُلْ: إلى ذِكْرِ رَحْمَةِ اللَّهِ ؟ والجَوابُ: أنَّ مَن أحَبَّ اللَّهَ لِأجْلِ رَحْمَتِهِ فَهو ما أحَبَّ اللَّهَ، وإنَّما أحَبَّ شَيْئًا غَيْرَهُ، وأمّا مَن أحَبَّ اللَّهَ لا لِشَيْءٍ سِواهُ، فَهَذا هو المُحِبُّ المُحِقُّ، وهو الدَّرَجَةُ العالِيَةُ، فَلِهَذا السَّبَبِ لَمْ يَقُلْ: ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهم وقُلُوبُهم إلى ذِكْرِ رَحْمَةِ اللَّهِ، بَلْ قالَ: إلى ذِكْرِ اللَّهِ، وقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى هَذا المَعْنى في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ﴾ [الأنعام: ١٢٥]، وفي قَوْلِهِ: ﴿ألا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨]، وأيْضًا قالَ لِأُمَّةِ مُوسى: ﴿يابَنِي إسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠]، وقالَ أيْضًا لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿فاذْكُرُونِي أذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢] .
السُّؤالُ الرّابِعُ: لِمَ قالَ في جانِبِ الخَوْفِ قُشَعْرِيرَةُ الجُلُودِ فَقَطْ، وفي جانِبِ الرَّجاءِ لِينُ الجُلُودِ والقُلُوبِ مَعًا ؟ والجَوابُ: لِأنَّ المُكاشَفَةَ في مَقامِ الرَّجاءِ أكْمَلُ مِنها في مَقامِ الخَوْفِ، لِأنَّ الخَيْرَ مَطْلُوبٌ بِالذّاتِ، والشَّرَّ مَطْلُوبٌ بِالعَرَضِ، ومَحَلُّ المُكاشَفاتِ هو القُلُوبُ والأرْواحُ، واللَّهُ أعْلَمُ.
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ القُرْآنَ بِهَذِهِ الصِّفاتِ قالَ: ﴿ذَلِكَ هُدى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشاءُ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾
صفحة ٢٣٩
، فَقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى الكِتابِ، وهو هُدى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ، وهو الَّذِي شَرَحَ صَدْرَهُ أوَّلًا لِقَبُولِ هَذِهِ الهِدايَةِ ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ﴾ أيْ مَن جَعَلَ قَلْبَهُ قاسِيًا مُظْلِمًا بَلِيدَ الفَهْمِ مُنافِيًا لِقَبُولِ هَذِهِ الهِدايَةِ ﴿فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ واسْتِدْلالُ أصْحابِنا بِهَذِهِ الآيَةِ وسُؤالاتُ المُعْتَزِلَةِ وجَوّاباتُ أصْحابِنا عَيْنُ ما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ﴾ [الأنعام: ١٢٥] .
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ تَعالى حَكَمَ عَلى القاسِيَةِ قُلُوبُهم بِحُكْمٍ في الدُّنْيا وبِحُكْمٍ في الآخِرَةِ، أمّا حُكْمُهم في الدُّنْيا فَهو الضَّلالُ التّامُّ؛ كَما قالَ: ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾، وأمّا حُكْمُهم في الآخِرَةِ فَهو العَذابُ الشَّدِيدُ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ﴾، وتَقْرِيرُهُ: أنَّ أشْرَفَ الأعْضاءِ هو الوَجْهُ، لِأنَّهُ مَحَلُّ الحُسْنِ والصَّباحَةِ، وهو أيْضًا صَوْمَعَةُ الحَواسِّ، وإنَّما يَتَمَيَّزُ بَعْضُ النّاسِ عَنْ بَعْضٍ بِسَبَبِ الوَجْهِ، وأثَرُ السَّعادَةِ والشَّقاوَةِ لا يَظْهَرُ إلّا في الوَجْهِ، قالَ تَعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ﴾ ﴿ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ ﴿ووُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ﴾ ﴿تَرْهَقُها قَتَرَةٌ﴾ ﴿أُولَئِكَ هُمُ الكَفَرَةُ الفَجَرَةُ﴾ [ عَبَسَ: ٣٨ – ٤٢ ] ويُقالُ لِمُقَدَّمِ القَوْمِ: يا وجْهَ العَرَبِ، ويُقالُ لِلطَّرِيقِ الدّالِّ عَلى كُنْهِ حالِ الشَّيْءِ: وجْهُ كَذا هو كَذا، فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا أنَّ أشْرَفَ الأعْضاءِ هو الوَجْهُ، فَإذا وقَعَ الإنْسانُ في نَوْعٍ مِن أنْواعِ العَذابِ فَإنَّهُ يَجْعَلُ يَدَهُ وِقايَةً لِوَجْهِهِ وفِداءً لَهُ، وإذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إذا كانَ القادِرُ عَلى الِاتِّقاءِ يَجْعَلُ كُلَّ ما سِوى الوَجْهِ فِداءً لِلْوَجْهِ - لا جَرَمَ حَسُنَ جَعْلُ الِاتِّقاءِ بِالوَجْهِ كِنايَةً عَنِ العَجْزِ عَنِ الِاتِّقاءِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُ النّابِغَةِ:
ولا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أنَّ سُيُوفَهم بِهِنَّ فُلُولٌ مِن قِراعِ الكَتائِبِ
أيْ: لا عَيْبَ فِيهِمْ إلّا هَذا، وهو لَيْسَ بِعَيْبٍ، فَلا عَيْبَ فِيهِمْ إذَنْ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، فَكَذا هَهُنا لا يَقْدِرُونَ عَلى الِاتِّقاءِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ إلّا بِالوَجْهِ، وهَذا لَيْسَ بِاتِّقاءٍ، فَلا قُدْرَةَ لَهم عَلى الِاتِّقاءِ ألْبَتَّةَ، ويُقالُ أيْضًا: إنَّ الَّذِي يُلْقى في النّارِ يُلْقى مَغْلُولَةٌ يَداهُ إلى عُنُقِهِ، ولا يَتَهَيَّأُ لَهُ أنْ يَتَّقِيَ النّارَ إلّا بِوَجْهِهِ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: جَوابُهُ مَحْذُوفٌ، وتَقْدِيرُهُ: أفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ كَمَن هو آمِنٌ مِنَ العَذابِ، فَحُذِفَ الخَبَرُ كَما حُذِفَ في نَظائِرِهِ، وسُوءُ العَذابِ شِدَّتُهُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وقِيلَ لِلظّالِمِينَ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ ولَمّا بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى كَيْفِيَّةَ عَذابِ القاسِيَةِ قُلُوبُهم في الآخِرَةِ بَيَّنَ أيْضًا كَيْفِيَّةَ وُقُوعِهِمْ في العَذابِ في الدُّنْيا، فَقالَ: ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأتاهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾، وهَذا تَنْبِيهٌ عَلى حالِ هَؤُلاءِ؛ لِأنَّ الفاءَ في قَوْلِهِ: ﴿فَأتاهُمُ العَذابُ﴾ تَدُلُّ عَلى أنَّهم إنَّما أتاهُمُ العَذابُ بِسَبَبِ التَّكْذِيبِ، فَإذا كانَ التَّكْذِيبُ حاصِلًا هَهُنا لَزِمَ حُصُولُ العَذابِ؛ اسْتِدْلالًا بِالعِلَّةِ عَلى المَعْلُولِ، وقَوْلُهُ: ﴿مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ أيْ: مِنَ الجِهَةِ الَّتِي لا يَحْسَبُونَ ولا يَخْطُرُ بِبالِهِمْ أنَّ الشَّرَّ يَأْتِيهِمْ مِنها، بَيْنَما هم آمِنُونَ إذْ أتاهُمُ العَذابُ مِنَ الجِهَةِ الَّتِي تَوَقَّعُوا الأمْنَ مِنها، ولَمّا بَيَّنَ أنَّهُ أتاهُمُ العَذابُ في الدُّنْيا بَيَّنَ أيْضًا أنَّهُ أتاهُمُ الخِزْيُ، وهو الذُّلُّ والصَّغارُ والهَوانُ، والفائِدَةُ في ذِكْرِ هَذا القَيْدِ أنَّ العَذابَ التّامَّ هو أنْ يَحْصُلَ فِيهِ الألَمُ مَقْرُونًا بِالهَوانِ والذُّلِّ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿ولَعَذابُ الآخِرَةِ أكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ يَعْنِي أنَّ أُولَئِكَ وإنْ نَزَلَ عَلَيْهِمُ العَذابُ والخِزْيُ كَما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، فالعَذابُ المُدَّخَرُ لَهم في يَوْمِ القِيامَةِ أكْبَرُ وأعْظَمُ مِن ذَلِكَ الَّذِي وقَعَ، والمَقْصُودُ مِن كُلِّ ذَلِكَ التَّخْوِيفُ والتَّرْهِيبُ، فَلَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الفَوائِدَ المُتَكاثِرَةَ والنَّفائِسَ المُتَوافِرَةَ في هَذِهِ المَطالِبِ بَيَّنَ
صفحة ٢٤٠
تَعالى أنَّهُ بَلَغَتْ هَذِهِ البَياناتُ إلى حَدِّ الكَمالِ والتَّمامِ، فَقالَ: ﴿ولَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ والمَقْصُودُ ظاهِرٌ، وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ أفْعالَ اللَّهِ وأحْكامَهُ مُعَلَّلَةٌ، ودَلَّتْ أيْضًا عَلى أنَّهُ يُرِيدُ الإيمانَ والمَعْرِفَةَ مِنَ الكُلِّ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ﴾ مُشْعِرٌ بِالتَّعْلِيلِ، وقَوْلُهُ في آخِرِ الآيَةِ: ﴿لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ مُشْعِرٌ بِالتَّعْلِيلِ أيْضًا، ومُشْعِرٌ بِأنَّ المَقْصُودَ مِن ضَرْبِ هَذِهِ الأمْثالِ إرادَةُ حُصُولِ التَّذَكُّرِ والعِلْمِ، ولَمّا كانَتْ هَذِهِ البَياناتُ النّافِعَةُ والبَيِّناتُ الباهِرَةُ مَوْجُودَةً في القُرْآنِ، لا جَرَمَ وُصِفَ القُرْآنُ بِالمَدْحِ والثَّناءِ، فَقالَ: ﴿قُرْءانًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: احْتَجَّ القائِلُونَ بِحُدُوثِ القُرْآنِ بِهَذِهِ الآيَةِ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى إنَّما ذَكَرَ هَذِهِ الأمْثالَ لِيَحْصُلَ لَهُمُ التَّذَكُّرُ، والشَّيْءُ الَّذِي يُؤْتى بِهِ لِغَرَضٍ آخَرَ يَكُونُ مُحْدَثًا، فَإنَّ القَدِيمَ هو الَّذِي يَكُونُ مَوْجُودًا في الأزَلِ، وهَذا يُمْتَنَعُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ إنَّما أتى بِهِ لِغَرَضِ كَذا وكَذا.
والثّانِي: أنَّهُ وصَفَهُ بِكَوْنِهِ عَرَبِيًّا، وإنَّما كانَ عَرَبِيًّا لِأنَّ هَذِهِ الألْفاظَ إنَّما صارَتْ دالَّةً عَلى هَذِهِ المَعانِي بِوَضْعِ العَرَبِ وبِاصْطِلاحِهِمْ، وما كانَ حُصُولُهُ بِسَبَبِ أوْضاعِ العَرَبِ واصْطِلاحاتِهِمْ كانَ مَخْلُوقًا مُحْدَثًا.
الثّالِثُ: أنَّهُ وصَفَهُ بِكَوْنِهِ قُرْآنًا، والقُرْآنُ عِبارَةٌ عَنِ القِراءَةِ، والقِراءَةُ مَصْدَرٌ، والمَصْدَرُ هو المَفْعُولُ المُطْلَقُ، فَكانَ فِعْلًا ومَفْعُولًا، والجَوابُ: أنّا نَحْمِلُ كُلَّ هَذِهِ الوُجُوهِ عَلى الحُرُوفِ والأصْواتِ، وهي حادِثَةٌ ومُحْدَثَةٌ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الزَّجّاجُ: قَوْلُهُ ﴿عَرَبِيًّا﴾ مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، والمَعْنى ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ في حالِ عَرَبِيَّتِهِ وبَيانِهِ، ويَجُوزُ أنْ يُنْتَصَبَ عَلى المَدْحِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أنَّهُ تَعالى وصَفَهُ بِثَلاثَةٍ:
أوَّلُها: كَوْنُهُ قُرْآنًا، والمُرادُ كَوْنُهُ مَتْلُوًّا في المَحارِيبِ إلى قِيامِ القِيامَةِ، كَما قالَ: ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذِّكْرَ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] .
وثانِيها: كَوْنُهُ عَرَبِيًّا، والمُرادُ أنَّهُ أعْجَزَ الفُصَحاءَ والبُلَغاءَ عَنْ مُعارَضَتِهِ كَما قالَ: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ والجِنُّ عَلى أنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذا القُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ ولَوْ كانَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨] .
وثالِثُها: كَوْنُهُ ﴿غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ والمُرادُ بَراءَتُهُ عَنِ التَّناقُضِ، كَما قالَ: ﴿ولَوْ كانَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾، فالمُعْتَزِلَةُ يَتَمَسَّكُونَ بِهِ في تَعْلِيلِ أحْكامِ اللَّهِ تَعالى.
وفِيهِ بَحْثٌ آخَرُ: وهو أنَّهُ تَعالى قالَ في الآيَةِ الأُولى: ﴿لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾، وقالَ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾، والسَّبَبُ فِيهِ أنَّ التَّذَكُّرَ مُتَقَدِّمٌ عَلى الِاتِّقاءِ، لِأنَّهُ إذا تَذَكَّرَهُ وعَرَفَهُ ووَقَفَ عَلى فَحْواهُ وأحاطَ بِمَعْناهُ، حَصَلَ الِاتِّقاءُ والِاحْتِرازُ، واللَّهُ أعْلَمُ.