Lafzullah

Tafsir Al-Razi — ص 38:65 – الزمر 39:12

المؤلف / المصدر: Tafsir Al-Razi

المحتويات
  1. ص 38:65
  2. ص 38:66
  3. ص 38:67
  4. ص 38:68
  5. ص 38:69
  6. ص 38:70
  7. ص 38:71
  8. ص 38:72
  9. ص 38:73
  10. ص 38:74
  11. ص 38:75
  12. ص 38:76
  13. ص 38:77
  14. ص 38:78
  15. ص 38:79
  16. ص 38:80
  17. ص 38:81
  18. ص 38:82
  19. ص 38:83
  20. ص 38:84
  21. ص 38:85
  22. ص 38:86
  23. ص 38:87
  24. ص 38:88
  25. الزمر 39:1
  26. الزمر 39:2
  27. الزمر 39:3
  28. الزمر 39:4
  29. الزمر 39:5
  30. الزمر 39:6
  31. الزمر 39:7
  32. الزمر 39:8
  33. الزمر 39:9
  34. الزمر 39:10
  35. الزمر 39:11
  36. الزمر 39:12

ص 38:65

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّما أنا مُنْذِرٌ وما مِن إلَهٍ إلّا اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾ ﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما العَزِيزُ الغَفّارُ﴾ ﴿قُلْ هو نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿أنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ ﴿ما كانَ لِيَ مِن عِلْمٍ بِالمَلَإ الأعْلى إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ ﴿إنْ يُوحى إلَيَّ إلّا أنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى في أوَّلِ السُّورَةِ أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ لَمّا دَعا النّاسَ إلى أنَّهُ لا إلَهَ إلّا إلَهٌ واحِدٌ، وإلى أنَّهُ رَسُولٌ مُبِينٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وإلى أنَّ القَوْلَ بِالقِيامَةِ حَقٌّ، فَأُولَئِكَ الكُفّارُ أظْهَرُوا السَّفاهَةَ وقالُوا إنَّهُ ساحِرٌ كَذّابٌ، واسْتَهْزَءُوا بِقَوْلِهِ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ قِصَصَ الأنْبِياءِ لِوَجْهَيْنِ: الأوَّلُ: لِيَصِيرَ ذَلِكَ حامِلًا لِمُحَمَّدٍ ﷺ عَلى التَّأسِّي بِالأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ في الصَّبْرِ عَلى سَفاهَةِ القَوْمِ. والثّانِي: لِيَصِيرَ ذَلِكَ رادِعًا لِلْكُفّارِ عَلى الإصْرارِ عَلى الكُفْرِ والسَّفاهَةِ وداعِيًا إلى قَبُولِ الإيمانِ، ولَمّا تَمَّمَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ الطَّرِيقَ أرْدَفَهُ بِطَرِيقٍ آخَرَ وهو شَرْحُ نَعِيمِ أهْلِ الثَّوابِ وشَرْحُ عِقابِ أهْلِ العِقابِ. فَلَمّا تَمَّمَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ البَياناتِ عادَ إلى تَقْرِيرِ المَطالِبِ المَذْكُورَةِ في أوَّلِ السُّورَةِ وهي تَقْدِيرُ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ والبَعْثِ، فَقالَ: قُلْ يا مُحَمَّدُ إنَّما أنا مُنْذِرٌ ولا بُدَّ مِنَ الإقْرارِ بِأنَّهُ ما مِن إلَهٍ إلّا اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ، فَإنَّ التَّرْتِيبَ الصَّحِيحَ أنْ نَذْكُرَ شُبَهاتِ الخُصُومِ أوَّلًا ويُجابُ عَنْها، ثُمَّ نَذْكُرُ عَقِيبَها الدَّلائِلَ الدّالَّةَ عَلى صِحَّةِ المَطْلُوبِ، فَكَذا هَهُنا أجابَ اللَّهُ تَعالى عَنْ شُبْهَتِهِمْ ونَبَّهَ عَلى فَسادِ كَلِماتِهِمْ، ثُمَّ ذَكَرَ عَقِيبَهُ ما يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ هَذِهِ المَطالِبِ، لِأنَّ إزالَةَ ما لا يَنْبَغِي مُقَدَّمَةٌ عَلى إثْباتِ ما يَنْبَغِي، وغَسْلُ اللَّوْحِ مِنَ النُّقُوشِ الفاسِدَةِ مُقَدَّمٌ عَلى كَتْبِ النُّقُوشِ الصَّحِيحَةِ فِيهِ، ومَن نَظَرَ في هَذا التَّرْتِيبِ اعْتَرَفَ بِأنَّ الكَلامَ مِن أوَّلِ السُّورَةِ إلى آخِرِها قَدْ جاءَ عَلى أحْسَنِ وُجُوهِ التَّرْتِيبِ والنَّظْمِ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿قُلْ إنَّما أنا مُنْذِرٌ﴾ يَعْنِي أُبَّلِغُ أحْوالَ عِقابِ مَن أنْكَرَ التَّوْحِيدَ والنُّبُوَّةَ والمَعادَ، وأحْوالَ ثَوابِ مَن أقَرَّ بِها، وكَما بَدَأ في أوَّلِ السُّورَةِ بِأدِلَّةِ التَّوْحِيدِ حَيْثُ حَكى عَنْهم أنَّهم قالُوا ﴿أجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا﴾ فَكَذَلِكَ بَدَأ هَهُنا بِتَقْرِيرِ التَّوْحِيدِ فَقالَ: ﴿وما مِن إلَهٍ إلّا اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾ وفي هَذِهِ الكَلِمَةِ إشارَةٌ إلى الدَّلِيلِ الدّالِّ عَلى كَوْنِهِ مُنَزَّهًا عَنِ الشَّرِيكِ والنَّظِيرِ، وبَيانُهُ أنِ الَّذِي يُجْعَلُ شَرِيكًا لَهُ في الإلَهِيَّةِ، إمّا أنْ يَكُونَ مَوْجُودًا قادِرًا عَلى الإطْلاقِ عَلى التَّصَرُّفِ في العالَمِ أوْ لا يَكُونُ كَذَلِكَ، بَلْ يَكُونُ جَمادًا عاجِزًا. والأوَّلُ: باطِلٌ لِأنَّهُ لَوْ كانَ شَرِيكُهُ قادِرًا عَلى الإطْلاقِ لَمْ يَكُنْ هو قادِرًا قاهِرًا، لَأنَّ بِتَقْدِيرِ أنْ يُرِيدَ هو شَيْئًا ويُرِيدَ شَرِيكُهُ ضِدَّ ذَلِكَ الشَّيْءِ لَمْ يَكُنْ حُصُولُ أحَدِ الأمْرَيْنِ أوْلى مِنَ الآخَرِ، فَيُفْضِي إلى انْدِفاعِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما بِالآخَرِ، وحِينَئِذٍ لا يَكُونُ قادِرًا قاهِرًا بَلْ كانَ عاجِزًا ضَعِيفًا، والعاجِزُ لا يَصْلُحُ لِلْإلَهِيَّةِ، فَقَوْلُهُ: ﴿إلّا اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ كَوْنَهُ قَهّارًا يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ واحِدًا. وأمّا الثّانِي: وهو أنْ يُقالَ إنَّ الَّذِي جُعِلَ صفحة ١٩٦ شَرِيكًا لَهُ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ البَتَّةَ مِثْلَ هَذِهِ الأوْثانِ، فَهَذا أيْضًا فاسِدٌ لِأنَّ صَرِيحَ العَقْلِ يَحْكُمُ بِأنَّ عِبادَةَ الإلَهِ القادِرِ القاهِرِ أوْلى مِن عِبادَةِ الجَمادِ الَّذِي لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ ولا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا فَقَوْلُهُ: ﴿وما مِن إلَهٍ إلّا اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾ يَدُلُّ عَلى هَذِهِ الدَّلائِلِ، واعْلَمْ أنَّ كَوْنَهُ سُبْحانَهُ قَهّارًا مُشْعِرٌ بِالتَّرْهِيبِ والتَّخْوِيفِ، فَلَمّا ذَكَرَ ذَلِكَ أرْدَفَهُ بِما يَدُلُّ عَلى الرَّجاءِ والتَّرْغِيبِ فَقالَ: ﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما العَزِيزُ الغَفّارُ﴾ فَكَوْنُهُ رَبًّا مُشْعِرٌ بِالتَّرْبِيَةِ والإحْسانِ والكَرَمِ والجُودِ، وكَوْنُهُ غَفّارًا مُشْعِرٌ بِالتَّرْغِيبِ، وهَذا المَوْجُودُ هو الَّذِي تَجِبُ عِبادَتُهُ، لِأنَّهُ هو الَّذِي يُخْشى عِقابُهُ ويُرْجى فَضْلُهُ وثَوابُهُ. ونَذْكُرُ طَرِيقَةً أُخْرى في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآياتِ، فَنَقُولُ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ مِن صِفاتِهِ في هَذا المَوْضِعِ خَمْسًا الواحِدَ والقَهّارَ والرَّبَّ والعَزِيزَ والغَفّارَ، أمّا كَوْنُهُ واحِدًا فَهو الَّذِي وقَعَ الخِلافُ فِيهِ بَيْنَ أهْلِ الحَقِّ وبَيْنَ المُشْرِكِينَ، واسْتَدَلَّ تَعالى عَلى كَوْنِهِ واحِدًا بِكَوْنِهِ قَهّارًا، وقَدْ بَيَّنّا وجْهَ هَذِهِ الدَّلالَةِ إلّا أنَّ كَوْنَهُ قَهّارًا وإنْ دَلَّ عَلى إثْباتِ الوَحْدانِيَّةِ إلّا أنَّهُ يُوجِبُ الخَوْفَ الشَّدِيدَ فَأرْدَفَهُ تَعالى بِذِكْرِ صِفاتٍ ثَلاثٍ دالَّةٍ عَلى الرَّحْمَةِ والفَضْلِ والكَرَمِ. أوَّلُها: كَوْنُهُ رَبًّا لِلسَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما وهَذا إنَّما تَتِمُّ مَعْرِفَتُهُ بِالنَّظَرِ في آثارِ حِكْمَةِ اللَّهِ تَعالى في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ، والعَناصِرِ الأرْبَعَةِ والمَوالِيدِ الثَّلاثَةِ، وذَلِكَ بَحْرٌ لا ساحِلَ لَهُ، فَإذا تَأمَّلْتَ في آثارِ حِكْمَتِهِ ورَحْمَتِهِ في خَلْقِ هَذِهِ الأشْياءِ عَرَفْتَ حِينَئِذٍ تَرْبِيَتَهُ لِلْكُلِّ، وذَلِكَ يُفِيدُ الرَّجاءَ العَظِيمَ. وثانِيها: كَوْنُهُ عَزِيزًا، والفائِدَةُ في ذِكْرِهِ أنَّ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: هَبْ أنَّهُ رَبٌّ ومُرَبٍّ وكَرِيمٌ إلّا أنَّهُ غَيْرُ قادِرٍ عَلى كُلِّ المَقْدُوراتِ، فَأجابَ عَنْهُ بِأنَّهُ عَزِيزٌ أيْ قادِرٌ عَلى كُلِّ المُمْكِناتِ، فَهو يَغْلِبُ الكُلَّ ولا يَغْلِبُهُ شَيْءٌ. وثالِثُها: كَوْنُهُ غَفّارًا والفائِدَةُ في ذِكْرِهِ أنَّ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: هَبْ أنَّهُ رَبٌّ ومُحْسِنٌ ولَكِنَّهُ يَكُونُ كَذَلِكَ في حَقِّ المُطِيعِينَ المُخْلِصِينَ في العِبادَةِ، فَأجابَ عَنْهُ بِأنَّ مَن بَقِيَ عَلى الكُفْرِ سَبْعِينَ سَنَةً ثُمَّ تابَ فَإنِّي أُزِيلُ اسْمَهُ عَنْ دِيوانِ المُذْنِبِينَ وأسْتُرُ عَلَيْهِ بِفَضْلِي ورَحْمَتِي جَمِيعَ ذُنُوبِهِ وأُوصِلُهُ إلى دَرَجاتِ الأبْرارِ، واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ ذَلِكَ قالَ: ﴿قُلْ هو نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿أنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ وهَذا النَّبَأُ العَظِيمُ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا فَيُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّ القَوْلَ بِأنَّ الإلَهَ واحِدٌ نَبَأٌ عَظِيمٌ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ المُرادُ أنَّ القَوْلَ بِالنُّبُوَّةِ نَبَأٌ عَظِيمٌ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ المُرادُ أنَّ القَوْلَ بِإثْباتِ الحَشْرِ والنَّشْرِ والقِيامَةِ نَبَأٌ عَظِيمٌ، وذَلِكَ لِأنَّ هَذِهِ المَطالِبَ الثَّلاثَةَ كانَتْ مَذْكُورَةً في أوَّلِ السُّورَةِ، ولِأجْلِها انْجَرَّ الكَلامُ إلى كُلِّ ما سَبَقَ ذِكْرُهُ، ويُمْكِنُ أيْضًا أنْ يَكُونَ المُرادُ كَوْنَ القُرْآنِ مُعْجِزًا لِأنَّ هَذا أيْضًا قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ في قَوْلِهِ: ﴿كِتابٌ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ﴾ [ص: ٢٩] وهَؤُلاءِ الأقْوامُ أعْرَضُوا عَنْهُ عَلى ما قالَ ﴿قُلْ هو نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿أنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿أنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ تَرْغِيبٌ في النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ ومَنعٌ مِنَ التَّقْلِيدِ، لِأنَّ هَذِهِ المَطالِبَ مَطالِبٌ شَرِيفَةٌ عالِيَةٌ، فَإنَّ بِتَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ الإنْسانُ فِيها عَلى الحَقِّ يَفُوزُ بِأعْظَمِ أبْوابِ السَّعادَةِ، وبِتَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ الإنْسانُ فِيها عَلى الباطِلِ وقَعَ في أعْظَمِ أبْوابِ الشَّقاوَةِ، فَكانَتْ هَذِهِ المَباحِثُ أنْباءً عَظِيمَةً ومَطالِبَ عالِيَةً بَهِيَّةً، وصَرِيحُ العَقْلِ يُوجِبُ عَلى الإنْسانِ أنْ يَأْتِيَ فِيها بِالِاحْتِياطِ التّامِّ، وأنْ لا يَكْتَفِيَ بِالمُساهَلَةِ والمُسامَحَةِ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما كانَ لِيَ مِن عِلْمٍ بِالمَلَإ الأعْلى إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ تَعالى رَغَّبَ المُكَلَّفِينَ في الِاحْتِياطِ في هَذِهِ المَسائِلِ الأرْبَعِ، وبالَغَ في ذَلِكَ التَّرْغِيبِ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنها نَبَأٌ عَظِيمٌ، والنَّبَأُ العَظِيمُ يَجِبُ الِاحْتِياطُ فِيهِ. الثّانِي: أنَّ المَلَأ الأعْلى اخْتَصَمُوا. وأحْسَنُ ما قِيلَ فِيهِ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: صفحة ١٩٧ ﴿إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها ويَسْفِكُ الدِّماءَ ونَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ ونُقَدِّسُ لَكَ قالَ إنِّي أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠] والمَعْنى أنَّهم قالُوا أيُّ فائِدَةٍ في خَلْقِ البَشَرِ مَعَ أنَّهم يَشْتَغِلُونَ بِقَضاءِ الشَّهْوَةِ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿مَن يُفْسِدُ فِيها﴾ وبِإمْضاءِ الغَضَبِ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ويَسْفِكُ الدِّماءَ ونَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾ فَقالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿إنِّي أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ وتَقْرِيرُ هَذا الجَوابِ واللَّهُ أعْلَمُ، أنْ يُقالَ إنَّ المَخْلُوقاتِ بِحَسَبِ القِسْمَةِ العَقْلِيَّةِ عَلى أقْسامٍ أرْبَعَةٍ: أحَدُها: الَّذِينَ حَصَلَ لَهُمُ العَقْلُ والحِكْمَةُ، ولَمْ تَحْصُلْ لَهُمُ النَّفْسُ والشَّهْوَةُ وهُمُ المَلائِكَةُ فَقَطْ. ثانِيها: الَّذِينَ حَصَلَ لَهُمُ النَّفْسُ والشَّهْوَةُ، ولَمْ يَحْصُلْ لَهُمُ العِلْمُ والحِكْمَةُ وهي البَهائِمُ. وثالِثُها: الأشْياءُ الخالِيَةُ عَنِ القِسْمَيْنِ، وهي الجَماداتُ وبَقِيَ في التَّقْسِيمِ (قِسْمٌ رابِعٌ) وهو الَّذِي حَصَلَ فِيهِ الأمْرانِ وهو الإنْسانُ، والمَقْصُودُ مِن تَخْلِيقِ الإنْسانِ لَيْسَ هو الجَهْلَ والتَّقْلِيدَ والتَّكَبُّرَ والتَّمَرُّدَ، فَإنَّ كُلَّ ذَلِكَ صِفاتُ البَهائِمِ والسِّباعِ، بَلِ المَقْصُودُ مِن تَخْلِيقِهِ ظُهُورُ العِلْمِ والحِكْمَةِ والطّاعَةِ، فَقَوْلُهُ ﴿إنِّي أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ يَعْنِي أنَّ هَذا النَّوْعَ مِنَ المَخْلُوقاتِ، وإنْ حَصَلَتْ فِيهِ الشَّهْوَةُ الدّاعِيَةُ إلى الفَسادِ والغَضَبِ الحامِلِ لَهُ عَلى سَفْكِ الدِّماءِ، لَكِنْ حَصَلَ فِيهِ العَقْلُ الَّذِي يَدْعُوهُ إلى المَعْرِفَةِ والمَحَبَّةِ والطّاعَةِ والخِدْمَةِ، وإذا ثَبَتَ أنَّهُ تَعالى إنَّما أجابَ المَلائِكَةَ بِهَذا الجَوابِ وجَبَ عَلى الإنْسانِ أنْ يَسْعى في تَحْصِيلِ هَذِهِ الصِّفاتِ، وأنْ يَجْتَهِدَ في اكْتِسابِها، وأنْ يَحْتَرِزَ عَنْ طَرِيقَةِ الجَهْلِ والتَّقْلِيدِ والإصْرارِ والتَّكَبُّرِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَكُلُّ مَن وقَفَ عَلى كَيْفِيَّةِ هَذِهِ الواقِعَةِ صارَ وُقُوفُهُ عَلَيْها داعِيًا لَهُ إلى الجِدِّ والِاجْتِهادِ في اكْتِسابِ المَعارِفِ الحَقَّةِ والأخْلاقِ الفاضِلَةِ زاجِرًا لَهُ عَنْ أضْدادِها ومُقابَلاتِها، فَلِهَذا السَّبَبِ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَذا الكَلامَ في هَذا المَقامِ. فَإنْ قِيلَ: المَلائِكَةُ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ إنَّهُمُ اخْتَصَمُوا بِسَبَبِ قَوْلِهِمْ: ﴿أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها ويَسْفِكُ الدِّماءَ﴾ [البَقَرَةِ: ٣٠] فَإنَّ المُخاصَمَةَ مَعَ اللَّهِ كُفْرٌ، قُلْنا لا شَكَّ أنَّهُ جَرى هُناكَ سُؤالٌ وجَوابٌ، وذَلِكَ يُشابِهُ المُخاصَمَةَ والمُناظَرَةَ والمُشابَهَةُ عِلَّةٌ لِجَوازِ المَجازِ، فَلِهَذا السَّبَبِ حَسُنَ إطْلاقُ لَفْظُ المُخاصَمَةِ عَلَيْهِ، ولَمّا أمَرَ اللَّهُ تَعالى مُحَمَّدًا ﷺ أنْ يَذْكُرَ هَذا الكَلامَ عَلى سَبِيلِ الرَّمْزِ أمَرَهُ أنْ يَقُولَ: ﴿إنْ يُوحى إلَيَّ إلّا أنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ يَعْنِي أنا ما عَرَفْتُ هَذِهِ المُخاصَمَةَ إلّا بِالوَحْيِ، وإنَّما أوْحى اللَّهُ إلَيَّ هَذِهِ القِصَّةَ لِأُنْذِرَكم بِها ولِتَصِيرَ هَذِهِ القِصَّةُ حامِلَةً لَكم عَلى الإخْلاصِ في الطّاعَةِ والِاحْتِرازِ عَنِ الجَهْلِ والتَّقْلِيدِ.

ص 38:66

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّما أنا مُنْذِرٌ وما مِن إلَهٍ إلّا اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾ ﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما العَزِيزُ الغَفّارُ﴾ ﴿قُلْ هو نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿أنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ ﴿ما كانَ لِيَ مِن عِلْمٍ بِالمَلَإ الأعْلى إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ ﴿إنْ يُوحى إلَيَّ إلّا أنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى في أوَّلِ السُّورَةِ أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ لَمّا دَعا النّاسَ إلى أنَّهُ لا إلَهَ إلّا إلَهٌ واحِدٌ، وإلى أنَّهُ رَسُولٌ مُبِينٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وإلى أنَّ القَوْلَ بِالقِيامَةِ حَقٌّ، فَأُولَئِكَ الكُفّارُ أظْهَرُوا السَّفاهَةَ وقالُوا إنَّهُ ساحِرٌ كَذّابٌ، واسْتَهْزَءُوا بِقَوْلِهِ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ قِصَصَ الأنْبِياءِ لِوَجْهَيْنِ: الأوَّلُ: لِيَصِيرَ ذَلِكَ حامِلًا لِمُحَمَّدٍ ﷺ عَلى التَّأسِّي بِالأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ في الصَّبْرِ عَلى سَفاهَةِ القَوْمِ. والثّانِي: لِيَصِيرَ ذَلِكَ رادِعًا لِلْكُفّارِ عَلى الإصْرارِ عَلى الكُفْرِ والسَّفاهَةِ وداعِيًا إلى قَبُولِ الإيمانِ، ولَمّا تَمَّمَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ الطَّرِيقَ أرْدَفَهُ بِطَرِيقٍ آخَرَ وهو شَرْحُ نَعِيمِ أهْلِ الثَّوابِ وشَرْحُ عِقابِ أهْلِ العِقابِ. فَلَمّا تَمَّمَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ البَياناتِ عادَ إلى تَقْرِيرِ المَطالِبِ المَذْكُورَةِ في أوَّلِ السُّورَةِ وهي تَقْدِيرُ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ والبَعْثِ، فَقالَ: قُلْ يا مُحَمَّدُ إنَّما أنا مُنْذِرٌ ولا بُدَّ مِنَ الإقْرارِ بِأنَّهُ ما مِن إلَهٍ إلّا اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ، فَإنَّ التَّرْتِيبَ الصَّحِيحَ أنْ نَذْكُرَ شُبَهاتِ الخُصُومِ أوَّلًا ويُجابُ عَنْها، ثُمَّ نَذْكُرُ عَقِيبَها الدَّلائِلَ الدّالَّةَ عَلى صِحَّةِ المَطْلُوبِ، فَكَذا هَهُنا أجابَ اللَّهُ تَعالى عَنْ شُبْهَتِهِمْ ونَبَّهَ عَلى فَسادِ كَلِماتِهِمْ، ثُمَّ ذَكَرَ عَقِيبَهُ ما يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ هَذِهِ المَطالِبِ، لِأنَّ إزالَةَ ما لا يَنْبَغِي مُقَدَّمَةٌ عَلى إثْباتِ ما يَنْبَغِي، وغَسْلُ اللَّوْحِ مِنَ النُّقُوشِ الفاسِدَةِ مُقَدَّمٌ عَلى كَتْبِ النُّقُوشِ الصَّحِيحَةِ فِيهِ، ومَن نَظَرَ في هَذا التَّرْتِيبِ اعْتَرَفَ بِأنَّ الكَلامَ مِن أوَّلِ السُّورَةِ إلى آخِرِها قَدْ جاءَ عَلى أحْسَنِ وُجُوهِ التَّرْتِيبِ والنَّظْمِ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿قُلْ إنَّما أنا مُنْذِرٌ﴾ يَعْنِي أُبَّلِغُ أحْوالَ عِقابِ مَن أنْكَرَ التَّوْحِيدَ والنُّبُوَّةَ والمَعادَ، وأحْوالَ ثَوابِ مَن أقَرَّ بِها، وكَما بَدَأ في أوَّلِ السُّورَةِ بِأدِلَّةِ التَّوْحِيدِ حَيْثُ حَكى عَنْهم أنَّهم قالُوا ﴿أجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا﴾ فَكَذَلِكَ بَدَأ هَهُنا بِتَقْرِيرِ التَّوْحِيدِ فَقالَ: ﴿وما مِن إلَهٍ إلّا اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾ وفي هَذِهِ الكَلِمَةِ إشارَةٌ إلى الدَّلِيلِ الدّالِّ عَلى كَوْنِهِ مُنَزَّهًا عَنِ الشَّرِيكِ والنَّظِيرِ، وبَيانُهُ أنِ الَّذِي يُجْعَلُ شَرِيكًا لَهُ في الإلَهِيَّةِ، إمّا أنْ يَكُونَ مَوْجُودًا قادِرًا عَلى الإطْلاقِ عَلى التَّصَرُّفِ في العالَمِ أوْ لا يَكُونُ كَذَلِكَ، بَلْ يَكُونُ جَمادًا عاجِزًا. والأوَّلُ: باطِلٌ لِأنَّهُ لَوْ كانَ شَرِيكُهُ قادِرًا عَلى الإطْلاقِ لَمْ يَكُنْ هو قادِرًا قاهِرًا، لَأنَّ بِتَقْدِيرِ أنْ يُرِيدَ هو شَيْئًا ويُرِيدَ شَرِيكُهُ ضِدَّ ذَلِكَ الشَّيْءِ لَمْ يَكُنْ حُصُولُ أحَدِ الأمْرَيْنِ أوْلى مِنَ الآخَرِ، فَيُفْضِي إلى انْدِفاعِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما بِالآخَرِ، وحِينَئِذٍ لا يَكُونُ قادِرًا قاهِرًا بَلْ كانَ عاجِزًا ضَعِيفًا، والعاجِزُ لا يَصْلُحُ لِلْإلَهِيَّةِ، فَقَوْلُهُ: ﴿إلّا اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ كَوْنَهُ قَهّارًا يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ واحِدًا. وأمّا الثّانِي: وهو أنْ يُقالَ إنَّ الَّذِي جُعِلَ صفحة ١٩٦ شَرِيكًا لَهُ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ البَتَّةَ مِثْلَ هَذِهِ الأوْثانِ، فَهَذا أيْضًا فاسِدٌ لِأنَّ صَرِيحَ العَقْلِ يَحْكُمُ بِأنَّ عِبادَةَ الإلَهِ القادِرِ القاهِرِ أوْلى مِن عِبادَةِ الجَمادِ الَّذِي لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ ولا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا فَقَوْلُهُ: ﴿وما مِن إلَهٍ إلّا اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾ يَدُلُّ عَلى هَذِهِ الدَّلائِلِ، واعْلَمْ أنَّ كَوْنَهُ سُبْحانَهُ قَهّارًا مُشْعِرٌ بِالتَّرْهِيبِ والتَّخْوِيفِ، فَلَمّا ذَكَرَ ذَلِكَ أرْدَفَهُ بِما يَدُلُّ عَلى الرَّجاءِ والتَّرْغِيبِ فَقالَ: ﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما العَزِيزُ الغَفّارُ﴾ فَكَوْنُهُ رَبًّا مُشْعِرٌ بِالتَّرْبِيَةِ والإحْسانِ والكَرَمِ والجُودِ، وكَوْنُهُ غَفّارًا مُشْعِرٌ بِالتَّرْغِيبِ، وهَذا المَوْجُودُ هو الَّذِي تَجِبُ عِبادَتُهُ، لِأنَّهُ هو الَّذِي يُخْشى عِقابُهُ ويُرْجى فَضْلُهُ وثَوابُهُ. ونَذْكُرُ طَرِيقَةً أُخْرى في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآياتِ، فَنَقُولُ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ مِن صِفاتِهِ في هَذا المَوْضِعِ خَمْسًا الواحِدَ والقَهّارَ والرَّبَّ والعَزِيزَ والغَفّارَ، أمّا كَوْنُهُ واحِدًا فَهو الَّذِي وقَعَ الخِلافُ فِيهِ بَيْنَ أهْلِ الحَقِّ وبَيْنَ المُشْرِكِينَ، واسْتَدَلَّ تَعالى عَلى كَوْنِهِ واحِدًا بِكَوْنِهِ قَهّارًا، وقَدْ بَيَّنّا وجْهَ هَذِهِ الدَّلالَةِ إلّا أنَّ كَوْنَهُ قَهّارًا وإنْ دَلَّ عَلى إثْباتِ الوَحْدانِيَّةِ إلّا أنَّهُ يُوجِبُ الخَوْفَ الشَّدِيدَ فَأرْدَفَهُ تَعالى بِذِكْرِ صِفاتٍ ثَلاثٍ دالَّةٍ عَلى الرَّحْمَةِ والفَضْلِ والكَرَمِ. أوَّلُها: كَوْنُهُ رَبًّا لِلسَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما وهَذا إنَّما تَتِمُّ مَعْرِفَتُهُ بِالنَّظَرِ في آثارِ حِكْمَةِ اللَّهِ تَعالى في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ، والعَناصِرِ الأرْبَعَةِ والمَوالِيدِ الثَّلاثَةِ، وذَلِكَ بَحْرٌ لا ساحِلَ لَهُ، فَإذا تَأمَّلْتَ في آثارِ حِكْمَتِهِ ورَحْمَتِهِ في خَلْقِ هَذِهِ الأشْياءِ عَرَفْتَ حِينَئِذٍ تَرْبِيَتَهُ لِلْكُلِّ، وذَلِكَ يُفِيدُ الرَّجاءَ العَظِيمَ. وثانِيها: كَوْنُهُ عَزِيزًا، والفائِدَةُ في ذِكْرِهِ أنَّ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: هَبْ أنَّهُ رَبٌّ ومُرَبٍّ وكَرِيمٌ إلّا أنَّهُ غَيْرُ قادِرٍ عَلى كُلِّ المَقْدُوراتِ، فَأجابَ عَنْهُ بِأنَّهُ عَزِيزٌ أيْ قادِرٌ عَلى كُلِّ المُمْكِناتِ، فَهو يَغْلِبُ الكُلَّ ولا يَغْلِبُهُ شَيْءٌ. وثالِثُها: كَوْنُهُ غَفّارًا والفائِدَةُ في ذِكْرِهِ أنَّ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: هَبْ أنَّهُ رَبٌّ ومُحْسِنٌ ولَكِنَّهُ يَكُونُ كَذَلِكَ في حَقِّ المُطِيعِينَ المُخْلِصِينَ في العِبادَةِ، فَأجابَ عَنْهُ بِأنَّ مَن بَقِيَ عَلى الكُفْرِ سَبْعِينَ سَنَةً ثُمَّ تابَ فَإنِّي أُزِيلُ اسْمَهُ عَنْ دِيوانِ المُذْنِبِينَ وأسْتُرُ عَلَيْهِ بِفَضْلِي ورَحْمَتِي جَمِيعَ ذُنُوبِهِ وأُوصِلُهُ إلى دَرَجاتِ الأبْرارِ، واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ ذَلِكَ قالَ: ﴿قُلْ هو نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿أنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ وهَذا النَّبَأُ العَظِيمُ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا فَيُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّ القَوْلَ بِأنَّ الإلَهَ واحِدٌ نَبَأٌ عَظِيمٌ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ المُرادُ أنَّ القَوْلَ بِالنُّبُوَّةِ نَبَأٌ عَظِيمٌ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ المُرادُ أنَّ القَوْلَ بِإثْباتِ الحَشْرِ والنَّشْرِ والقِيامَةِ نَبَأٌ عَظِيمٌ، وذَلِكَ لِأنَّ هَذِهِ المَطالِبَ الثَّلاثَةَ كانَتْ مَذْكُورَةً في أوَّلِ السُّورَةِ، ولِأجْلِها انْجَرَّ الكَلامُ إلى كُلِّ ما سَبَقَ ذِكْرُهُ، ويُمْكِنُ أيْضًا أنْ يَكُونَ المُرادُ كَوْنَ القُرْآنِ مُعْجِزًا لِأنَّ هَذا أيْضًا قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ في قَوْلِهِ: ﴿كِتابٌ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ﴾ [ص: ٢٩] وهَؤُلاءِ الأقْوامُ أعْرَضُوا عَنْهُ عَلى ما قالَ ﴿قُلْ هو نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿أنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿أنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ تَرْغِيبٌ في النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ ومَنعٌ مِنَ التَّقْلِيدِ، لِأنَّ هَذِهِ المَطالِبَ مَطالِبٌ شَرِيفَةٌ عالِيَةٌ، فَإنَّ بِتَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ الإنْسانُ فِيها عَلى الحَقِّ يَفُوزُ بِأعْظَمِ أبْوابِ السَّعادَةِ، وبِتَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ الإنْسانُ فِيها عَلى الباطِلِ وقَعَ في أعْظَمِ أبْوابِ الشَّقاوَةِ، فَكانَتْ هَذِهِ المَباحِثُ أنْباءً عَظِيمَةً ومَطالِبَ عالِيَةً بَهِيَّةً، وصَرِيحُ العَقْلِ يُوجِبُ عَلى الإنْسانِ أنْ يَأْتِيَ فِيها بِالِاحْتِياطِ التّامِّ، وأنْ لا يَكْتَفِيَ بِالمُساهَلَةِ والمُسامَحَةِ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما كانَ لِيَ مِن عِلْمٍ بِالمَلَإ الأعْلى إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ تَعالى رَغَّبَ المُكَلَّفِينَ في الِاحْتِياطِ في هَذِهِ المَسائِلِ الأرْبَعِ، وبالَغَ في ذَلِكَ التَّرْغِيبِ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنها نَبَأٌ عَظِيمٌ، والنَّبَأُ العَظِيمُ يَجِبُ الِاحْتِياطُ فِيهِ. الثّانِي: أنَّ المَلَأ الأعْلى اخْتَصَمُوا. وأحْسَنُ ما قِيلَ فِيهِ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: صفحة ١٩٧ ﴿إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها ويَسْفِكُ الدِّماءَ ونَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ ونُقَدِّسُ لَكَ قالَ إنِّي أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠] والمَعْنى أنَّهم قالُوا أيُّ فائِدَةٍ في خَلْقِ البَشَرِ مَعَ أنَّهم يَشْتَغِلُونَ بِقَضاءِ الشَّهْوَةِ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿مَن يُفْسِدُ فِيها﴾ وبِإمْضاءِ الغَضَبِ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ويَسْفِكُ الدِّماءَ ونَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾ فَقالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿إنِّي أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ وتَقْرِيرُ هَذا الجَوابِ واللَّهُ أعْلَمُ، أنْ يُقالَ إنَّ المَخْلُوقاتِ بِحَسَبِ القِسْمَةِ العَقْلِيَّةِ عَلى أقْسامٍ أرْبَعَةٍ: أحَدُها: الَّذِينَ حَصَلَ لَهُمُ العَقْلُ والحِكْمَةُ، ولَمْ تَحْصُلْ لَهُمُ النَّفْسُ والشَّهْوَةُ وهُمُ المَلائِكَةُ فَقَطْ. ثانِيها: الَّذِينَ حَصَلَ لَهُمُ النَّفْسُ والشَّهْوَةُ، ولَمْ يَحْصُلْ لَهُمُ العِلْمُ والحِكْمَةُ وهي البَهائِمُ. وثالِثُها: الأشْياءُ الخالِيَةُ عَنِ القِسْمَيْنِ، وهي الجَماداتُ وبَقِيَ في التَّقْسِيمِ (قِسْمٌ رابِعٌ) وهو الَّذِي حَصَلَ فِيهِ الأمْرانِ وهو الإنْسانُ، والمَقْصُودُ مِن تَخْلِيقِ الإنْسانِ لَيْسَ هو الجَهْلَ والتَّقْلِيدَ والتَّكَبُّرَ والتَّمَرُّدَ، فَإنَّ كُلَّ ذَلِكَ صِفاتُ البَهائِمِ والسِّباعِ، بَلِ المَقْصُودُ مِن تَخْلِيقِهِ ظُهُورُ العِلْمِ والحِكْمَةِ والطّاعَةِ، فَقَوْلُهُ ﴿إنِّي أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ يَعْنِي أنَّ هَذا النَّوْعَ مِنَ المَخْلُوقاتِ، وإنْ حَصَلَتْ فِيهِ الشَّهْوَةُ الدّاعِيَةُ إلى الفَسادِ والغَضَبِ الحامِلِ لَهُ عَلى سَفْكِ الدِّماءِ، لَكِنْ حَصَلَ فِيهِ العَقْلُ الَّذِي يَدْعُوهُ إلى المَعْرِفَةِ والمَحَبَّةِ والطّاعَةِ والخِدْمَةِ، وإذا ثَبَتَ أنَّهُ تَعالى إنَّما أجابَ المَلائِكَةَ بِهَذا الجَوابِ وجَبَ عَلى الإنْسانِ أنْ يَسْعى في تَحْصِيلِ هَذِهِ الصِّفاتِ، وأنْ يَجْتَهِدَ في اكْتِسابِها، وأنْ يَحْتَرِزَ عَنْ طَرِيقَةِ الجَهْلِ والتَّقْلِيدِ والإصْرارِ والتَّكَبُّرِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَكُلُّ مَن وقَفَ عَلى كَيْفِيَّةِ هَذِهِ الواقِعَةِ صارَ وُقُوفُهُ عَلَيْها داعِيًا لَهُ إلى الجِدِّ والِاجْتِهادِ في اكْتِسابِ المَعارِفِ الحَقَّةِ والأخْلاقِ الفاضِلَةِ زاجِرًا لَهُ عَنْ أضْدادِها ومُقابَلاتِها، فَلِهَذا السَّبَبِ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَذا الكَلامَ في هَذا المَقامِ. فَإنْ قِيلَ: المَلائِكَةُ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ إنَّهُمُ اخْتَصَمُوا بِسَبَبِ قَوْلِهِمْ: ﴿أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها ويَسْفِكُ الدِّماءَ﴾ [البَقَرَةِ: ٣٠] فَإنَّ المُخاصَمَةَ مَعَ اللَّهِ كُفْرٌ، قُلْنا لا شَكَّ أنَّهُ جَرى هُناكَ سُؤالٌ وجَوابٌ، وذَلِكَ يُشابِهُ المُخاصَمَةَ والمُناظَرَةَ والمُشابَهَةُ عِلَّةٌ لِجَوازِ المَجازِ، فَلِهَذا السَّبَبِ حَسُنَ إطْلاقُ لَفْظُ المُخاصَمَةِ عَلَيْهِ، ولَمّا أمَرَ اللَّهُ تَعالى مُحَمَّدًا ﷺ أنْ يَذْكُرَ هَذا الكَلامَ عَلى سَبِيلِ الرَّمْزِ أمَرَهُ أنْ يَقُولَ: ﴿إنْ يُوحى إلَيَّ إلّا أنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ يَعْنِي أنا ما عَرَفْتُ هَذِهِ المُخاصَمَةَ إلّا بِالوَحْيِ، وإنَّما أوْحى اللَّهُ إلَيَّ هَذِهِ القِصَّةَ لِأُنْذِرَكم بِها ولِتَصِيرَ هَذِهِ القِصَّةُ حامِلَةً لَكم عَلى الإخْلاصِ في الطّاعَةِ والِاحْتِرازِ عَنِ الجَهْلِ والتَّقْلِيدِ.

ص 38:67

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّما أنا مُنْذِرٌ وما مِن إلَهٍ إلّا اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾ ﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما العَزِيزُ الغَفّارُ﴾ ﴿قُلْ هو نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿أنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ ﴿ما كانَ لِيَ مِن عِلْمٍ بِالمَلَإ الأعْلى إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ ﴿إنْ يُوحى إلَيَّ إلّا أنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى في أوَّلِ السُّورَةِ أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ لَمّا دَعا النّاسَ إلى أنَّهُ لا إلَهَ إلّا إلَهٌ واحِدٌ، وإلى أنَّهُ رَسُولٌ مُبِينٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وإلى أنَّ القَوْلَ بِالقِيامَةِ حَقٌّ، فَأُولَئِكَ الكُفّارُ أظْهَرُوا السَّفاهَةَ وقالُوا إنَّهُ ساحِرٌ كَذّابٌ، واسْتَهْزَءُوا بِقَوْلِهِ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ قِصَصَ الأنْبِياءِ لِوَجْهَيْنِ: الأوَّلُ: لِيَصِيرَ ذَلِكَ حامِلًا لِمُحَمَّدٍ ﷺ عَلى التَّأسِّي بِالأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ في الصَّبْرِ عَلى سَفاهَةِ القَوْمِ. والثّانِي: لِيَصِيرَ ذَلِكَ رادِعًا لِلْكُفّارِ عَلى الإصْرارِ عَلى الكُفْرِ والسَّفاهَةِ وداعِيًا إلى قَبُولِ الإيمانِ، ولَمّا تَمَّمَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ الطَّرِيقَ أرْدَفَهُ بِطَرِيقٍ آخَرَ وهو شَرْحُ نَعِيمِ أهْلِ الثَّوابِ وشَرْحُ عِقابِ أهْلِ العِقابِ. فَلَمّا تَمَّمَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ البَياناتِ عادَ إلى تَقْرِيرِ المَطالِبِ المَذْكُورَةِ في أوَّلِ السُّورَةِ وهي تَقْدِيرُ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ والبَعْثِ، فَقالَ: قُلْ يا مُحَمَّدُ إنَّما أنا مُنْذِرٌ ولا بُدَّ مِنَ الإقْرارِ بِأنَّهُ ما مِن إلَهٍ إلّا اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ، فَإنَّ التَّرْتِيبَ الصَّحِيحَ أنْ نَذْكُرَ شُبَهاتِ الخُصُومِ أوَّلًا ويُجابُ عَنْها، ثُمَّ نَذْكُرُ عَقِيبَها الدَّلائِلَ الدّالَّةَ عَلى صِحَّةِ المَطْلُوبِ، فَكَذا هَهُنا أجابَ اللَّهُ تَعالى عَنْ شُبْهَتِهِمْ ونَبَّهَ عَلى فَسادِ كَلِماتِهِمْ، ثُمَّ ذَكَرَ عَقِيبَهُ ما يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ هَذِهِ المَطالِبِ، لِأنَّ إزالَةَ ما لا يَنْبَغِي مُقَدَّمَةٌ عَلى إثْباتِ ما يَنْبَغِي، وغَسْلُ اللَّوْحِ مِنَ النُّقُوشِ الفاسِدَةِ مُقَدَّمٌ عَلى كَتْبِ النُّقُوشِ الصَّحِيحَةِ فِيهِ، ومَن نَظَرَ في هَذا التَّرْتِيبِ اعْتَرَفَ بِأنَّ الكَلامَ مِن أوَّلِ السُّورَةِ إلى آخِرِها قَدْ جاءَ عَلى أحْسَنِ وُجُوهِ التَّرْتِيبِ والنَّظْمِ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿قُلْ إنَّما أنا مُنْذِرٌ﴾ يَعْنِي أُبَّلِغُ أحْوالَ عِقابِ مَن أنْكَرَ التَّوْحِيدَ والنُّبُوَّةَ والمَعادَ، وأحْوالَ ثَوابِ مَن أقَرَّ بِها، وكَما بَدَأ في أوَّلِ السُّورَةِ بِأدِلَّةِ التَّوْحِيدِ حَيْثُ حَكى عَنْهم أنَّهم قالُوا ﴿أجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا﴾ فَكَذَلِكَ بَدَأ هَهُنا بِتَقْرِيرِ التَّوْحِيدِ فَقالَ: ﴿وما مِن إلَهٍ إلّا اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾ وفي هَذِهِ الكَلِمَةِ إشارَةٌ إلى الدَّلِيلِ الدّالِّ عَلى كَوْنِهِ مُنَزَّهًا عَنِ الشَّرِيكِ والنَّظِيرِ، وبَيانُهُ أنِ الَّذِي يُجْعَلُ شَرِيكًا لَهُ في الإلَهِيَّةِ، إمّا أنْ يَكُونَ مَوْجُودًا قادِرًا عَلى الإطْلاقِ عَلى التَّصَرُّفِ في العالَمِ أوْ لا يَكُونُ كَذَلِكَ، بَلْ يَكُونُ جَمادًا عاجِزًا. والأوَّلُ: باطِلٌ لِأنَّهُ لَوْ كانَ شَرِيكُهُ قادِرًا عَلى الإطْلاقِ لَمْ يَكُنْ هو قادِرًا قاهِرًا، لَأنَّ بِتَقْدِيرِ أنْ يُرِيدَ هو شَيْئًا ويُرِيدَ شَرِيكُهُ ضِدَّ ذَلِكَ الشَّيْءِ لَمْ يَكُنْ حُصُولُ أحَدِ الأمْرَيْنِ أوْلى مِنَ الآخَرِ، فَيُفْضِي إلى انْدِفاعِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما بِالآخَرِ، وحِينَئِذٍ لا يَكُونُ قادِرًا قاهِرًا بَلْ كانَ عاجِزًا ضَعِيفًا، والعاجِزُ لا يَصْلُحُ لِلْإلَهِيَّةِ، فَقَوْلُهُ: ﴿إلّا اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ كَوْنَهُ قَهّارًا يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ واحِدًا. وأمّا الثّانِي: وهو أنْ يُقالَ إنَّ الَّذِي جُعِلَ صفحة ١٩٦ شَرِيكًا لَهُ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ البَتَّةَ مِثْلَ هَذِهِ الأوْثانِ، فَهَذا أيْضًا فاسِدٌ لِأنَّ صَرِيحَ العَقْلِ يَحْكُمُ بِأنَّ عِبادَةَ الإلَهِ القادِرِ القاهِرِ أوْلى مِن عِبادَةِ الجَمادِ الَّذِي لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ ولا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا فَقَوْلُهُ: ﴿وما مِن إلَهٍ إلّا اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾ يَدُلُّ عَلى هَذِهِ الدَّلائِلِ، واعْلَمْ أنَّ كَوْنَهُ سُبْحانَهُ قَهّارًا مُشْعِرٌ بِالتَّرْهِيبِ والتَّخْوِيفِ، فَلَمّا ذَكَرَ ذَلِكَ أرْدَفَهُ بِما يَدُلُّ عَلى الرَّجاءِ والتَّرْغِيبِ فَقالَ: ﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما العَزِيزُ الغَفّارُ﴾ فَكَوْنُهُ رَبًّا مُشْعِرٌ بِالتَّرْبِيَةِ والإحْسانِ والكَرَمِ والجُودِ، وكَوْنُهُ غَفّارًا مُشْعِرٌ بِالتَّرْغِيبِ، وهَذا المَوْجُودُ هو الَّذِي تَجِبُ عِبادَتُهُ، لِأنَّهُ هو الَّذِي يُخْشى عِقابُهُ ويُرْجى فَضْلُهُ وثَوابُهُ. ونَذْكُرُ طَرِيقَةً أُخْرى في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآياتِ، فَنَقُولُ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ مِن صِفاتِهِ في هَذا المَوْضِعِ خَمْسًا الواحِدَ والقَهّارَ والرَّبَّ والعَزِيزَ والغَفّارَ، أمّا كَوْنُهُ واحِدًا فَهو الَّذِي وقَعَ الخِلافُ فِيهِ بَيْنَ أهْلِ الحَقِّ وبَيْنَ المُشْرِكِينَ، واسْتَدَلَّ تَعالى عَلى كَوْنِهِ واحِدًا بِكَوْنِهِ قَهّارًا، وقَدْ بَيَّنّا وجْهَ هَذِهِ الدَّلالَةِ إلّا أنَّ كَوْنَهُ قَهّارًا وإنْ دَلَّ عَلى إثْباتِ الوَحْدانِيَّةِ إلّا أنَّهُ يُوجِبُ الخَوْفَ الشَّدِيدَ فَأرْدَفَهُ تَعالى بِذِكْرِ صِفاتٍ ثَلاثٍ دالَّةٍ عَلى الرَّحْمَةِ والفَضْلِ والكَرَمِ. أوَّلُها: كَوْنُهُ رَبًّا لِلسَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما وهَذا إنَّما تَتِمُّ مَعْرِفَتُهُ بِالنَّظَرِ في آثارِ حِكْمَةِ اللَّهِ تَعالى في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ، والعَناصِرِ الأرْبَعَةِ والمَوالِيدِ الثَّلاثَةِ، وذَلِكَ بَحْرٌ لا ساحِلَ لَهُ، فَإذا تَأمَّلْتَ في آثارِ حِكْمَتِهِ ورَحْمَتِهِ في خَلْقِ هَذِهِ الأشْياءِ عَرَفْتَ حِينَئِذٍ تَرْبِيَتَهُ لِلْكُلِّ، وذَلِكَ يُفِيدُ الرَّجاءَ العَظِيمَ. وثانِيها: كَوْنُهُ عَزِيزًا، والفائِدَةُ في ذِكْرِهِ أنَّ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: هَبْ أنَّهُ رَبٌّ ومُرَبٍّ وكَرِيمٌ إلّا أنَّهُ غَيْرُ قادِرٍ عَلى كُلِّ المَقْدُوراتِ، فَأجابَ عَنْهُ بِأنَّهُ عَزِيزٌ أيْ قادِرٌ عَلى كُلِّ المُمْكِناتِ، فَهو يَغْلِبُ الكُلَّ ولا يَغْلِبُهُ شَيْءٌ. وثالِثُها: كَوْنُهُ غَفّارًا والفائِدَةُ في ذِكْرِهِ أنَّ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: هَبْ أنَّهُ رَبٌّ ومُحْسِنٌ ولَكِنَّهُ يَكُونُ كَذَلِكَ في حَقِّ المُطِيعِينَ المُخْلِصِينَ في العِبادَةِ، فَأجابَ عَنْهُ بِأنَّ مَن بَقِيَ عَلى الكُفْرِ سَبْعِينَ سَنَةً ثُمَّ تابَ فَإنِّي أُزِيلُ اسْمَهُ عَنْ دِيوانِ المُذْنِبِينَ وأسْتُرُ عَلَيْهِ بِفَضْلِي ورَحْمَتِي جَمِيعَ ذُنُوبِهِ وأُوصِلُهُ إلى دَرَجاتِ الأبْرارِ، واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ ذَلِكَ قالَ: ﴿قُلْ هو نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿أنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ وهَذا النَّبَأُ العَظِيمُ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا فَيُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّ القَوْلَ بِأنَّ الإلَهَ واحِدٌ نَبَأٌ عَظِيمٌ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ المُرادُ أنَّ القَوْلَ بِالنُّبُوَّةِ نَبَأٌ عَظِيمٌ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ المُرادُ أنَّ القَوْلَ بِإثْباتِ الحَشْرِ والنَّشْرِ والقِيامَةِ نَبَأٌ عَظِيمٌ، وذَلِكَ لِأنَّ هَذِهِ المَطالِبَ الثَّلاثَةَ كانَتْ مَذْكُورَةً في أوَّلِ السُّورَةِ، ولِأجْلِها انْجَرَّ الكَلامُ إلى كُلِّ ما سَبَقَ ذِكْرُهُ، ويُمْكِنُ أيْضًا أنْ يَكُونَ المُرادُ كَوْنَ القُرْآنِ مُعْجِزًا لِأنَّ هَذا أيْضًا قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ في قَوْلِهِ: ﴿كِتابٌ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ﴾ [ص: ٢٩] وهَؤُلاءِ الأقْوامُ أعْرَضُوا عَنْهُ عَلى ما قالَ ﴿قُلْ هو نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿أنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿أنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ تَرْغِيبٌ في النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ ومَنعٌ مِنَ التَّقْلِيدِ، لِأنَّ هَذِهِ المَطالِبَ مَطالِبٌ شَرِيفَةٌ عالِيَةٌ، فَإنَّ بِتَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ الإنْسانُ فِيها عَلى الحَقِّ يَفُوزُ بِأعْظَمِ أبْوابِ السَّعادَةِ، وبِتَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ الإنْسانُ فِيها عَلى الباطِلِ وقَعَ في أعْظَمِ أبْوابِ الشَّقاوَةِ، فَكانَتْ هَذِهِ المَباحِثُ أنْباءً عَظِيمَةً ومَطالِبَ عالِيَةً بَهِيَّةً، وصَرِيحُ العَقْلِ يُوجِبُ عَلى الإنْسانِ أنْ يَأْتِيَ فِيها بِالِاحْتِياطِ التّامِّ، وأنْ لا يَكْتَفِيَ بِالمُساهَلَةِ والمُسامَحَةِ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما كانَ لِيَ مِن عِلْمٍ بِالمَلَإ الأعْلى إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ تَعالى رَغَّبَ المُكَلَّفِينَ في الِاحْتِياطِ في هَذِهِ المَسائِلِ الأرْبَعِ، وبالَغَ في ذَلِكَ التَّرْغِيبِ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنها نَبَأٌ عَظِيمٌ، والنَّبَأُ العَظِيمُ يَجِبُ الِاحْتِياطُ فِيهِ. الثّانِي: أنَّ المَلَأ الأعْلى اخْتَصَمُوا. وأحْسَنُ ما قِيلَ فِيهِ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: صفحة ١٩٧ ﴿إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها ويَسْفِكُ الدِّماءَ ونَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ ونُقَدِّسُ لَكَ قالَ إنِّي أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠] والمَعْنى أنَّهم قالُوا أيُّ فائِدَةٍ في خَلْقِ البَشَرِ مَعَ أنَّهم يَشْتَغِلُونَ بِقَضاءِ الشَّهْوَةِ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿مَن يُفْسِدُ فِيها﴾ وبِإمْضاءِ الغَضَبِ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ويَسْفِكُ الدِّماءَ ونَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾ فَقالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿إنِّي أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ وتَقْرِيرُ هَذا الجَوابِ واللَّهُ أعْلَمُ، أنْ يُقالَ إنَّ المَخْلُوقاتِ بِحَسَبِ القِسْمَةِ العَقْلِيَّةِ عَلى أقْسامٍ أرْبَعَةٍ: أحَدُها: الَّذِينَ حَصَلَ لَهُمُ العَقْلُ والحِكْمَةُ، ولَمْ تَحْصُلْ لَهُمُ النَّفْسُ والشَّهْوَةُ وهُمُ المَلائِكَةُ فَقَطْ. ثانِيها: الَّذِينَ حَصَلَ لَهُمُ النَّفْسُ والشَّهْوَةُ، ولَمْ يَحْصُلْ لَهُمُ العِلْمُ والحِكْمَةُ وهي البَهائِمُ. وثالِثُها: الأشْياءُ الخالِيَةُ عَنِ القِسْمَيْنِ، وهي الجَماداتُ وبَقِيَ في التَّقْسِيمِ (قِسْمٌ رابِعٌ) وهو الَّذِي حَصَلَ فِيهِ الأمْرانِ وهو الإنْسانُ، والمَقْصُودُ مِن تَخْلِيقِ الإنْسانِ لَيْسَ هو الجَهْلَ والتَّقْلِيدَ والتَّكَبُّرَ والتَّمَرُّدَ، فَإنَّ كُلَّ ذَلِكَ صِفاتُ البَهائِمِ والسِّباعِ، بَلِ المَقْصُودُ مِن تَخْلِيقِهِ ظُهُورُ العِلْمِ والحِكْمَةِ والطّاعَةِ، فَقَوْلُهُ ﴿إنِّي أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ يَعْنِي أنَّ هَذا النَّوْعَ مِنَ المَخْلُوقاتِ، وإنْ حَصَلَتْ فِيهِ الشَّهْوَةُ الدّاعِيَةُ إلى الفَسادِ والغَضَبِ الحامِلِ لَهُ عَلى سَفْكِ الدِّماءِ، لَكِنْ حَصَلَ فِيهِ العَقْلُ الَّذِي يَدْعُوهُ إلى المَعْرِفَةِ والمَحَبَّةِ والطّاعَةِ والخِدْمَةِ، وإذا ثَبَتَ أنَّهُ تَعالى إنَّما أجابَ المَلائِكَةَ بِهَذا الجَوابِ وجَبَ عَلى الإنْسانِ أنْ يَسْعى في تَحْصِيلِ هَذِهِ الصِّفاتِ، وأنْ يَجْتَهِدَ في اكْتِسابِها، وأنْ يَحْتَرِزَ عَنْ طَرِيقَةِ الجَهْلِ والتَّقْلِيدِ والإصْرارِ والتَّكَبُّرِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَكُلُّ مَن وقَفَ عَلى كَيْفِيَّةِ هَذِهِ الواقِعَةِ صارَ وُقُوفُهُ عَلَيْها داعِيًا لَهُ إلى الجِدِّ والِاجْتِهادِ في اكْتِسابِ المَعارِفِ الحَقَّةِ والأخْلاقِ الفاضِلَةِ زاجِرًا لَهُ عَنْ أضْدادِها ومُقابَلاتِها، فَلِهَذا السَّبَبِ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَذا الكَلامَ في هَذا المَقامِ. فَإنْ قِيلَ: المَلائِكَةُ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ إنَّهُمُ اخْتَصَمُوا بِسَبَبِ قَوْلِهِمْ: ﴿أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها ويَسْفِكُ الدِّماءَ﴾ [البَقَرَةِ: ٣٠] فَإنَّ المُخاصَمَةَ مَعَ اللَّهِ كُفْرٌ، قُلْنا لا شَكَّ أنَّهُ جَرى هُناكَ سُؤالٌ وجَوابٌ، وذَلِكَ يُشابِهُ المُخاصَمَةَ والمُناظَرَةَ والمُشابَهَةُ عِلَّةٌ لِجَوازِ المَجازِ، فَلِهَذا السَّبَبِ حَسُنَ إطْلاقُ لَفْظُ المُخاصَمَةِ عَلَيْهِ، ولَمّا أمَرَ اللَّهُ تَعالى مُحَمَّدًا ﷺ أنْ يَذْكُرَ هَذا الكَلامَ عَلى سَبِيلِ الرَّمْزِ أمَرَهُ أنْ يَقُولَ: ﴿إنْ يُوحى إلَيَّ إلّا أنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ يَعْنِي أنا ما عَرَفْتُ هَذِهِ المُخاصَمَةَ إلّا بِالوَحْيِ، وإنَّما أوْحى اللَّهُ إلَيَّ هَذِهِ القِصَّةَ لِأُنْذِرَكم بِها ولِتَصِيرَ هَذِهِ القِصَّةُ حامِلَةً لَكم عَلى الإخْلاصِ في الطّاعَةِ والِاحْتِرازِ عَنِ الجَهْلِ والتَّقْلِيدِ.

ص 38:68

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّما أنا مُنْذِرٌ وما مِن إلَهٍ إلّا اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾ ﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما العَزِيزُ الغَفّارُ﴾ ﴿قُلْ هو نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿أنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ ﴿ما كانَ لِيَ مِن عِلْمٍ بِالمَلَإ الأعْلى إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ ﴿إنْ يُوحى إلَيَّ إلّا أنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى في أوَّلِ السُّورَةِ أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ لَمّا دَعا النّاسَ إلى أنَّهُ لا إلَهَ إلّا إلَهٌ واحِدٌ، وإلى أنَّهُ رَسُولٌ مُبِينٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وإلى أنَّ القَوْلَ بِالقِيامَةِ حَقٌّ، فَأُولَئِكَ الكُفّارُ أظْهَرُوا السَّفاهَةَ وقالُوا إنَّهُ ساحِرٌ كَذّابٌ، واسْتَهْزَءُوا بِقَوْلِهِ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ قِصَصَ الأنْبِياءِ لِوَجْهَيْنِ: الأوَّلُ: لِيَصِيرَ ذَلِكَ حامِلًا لِمُحَمَّدٍ ﷺ عَلى التَّأسِّي بِالأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ في الصَّبْرِ عَلى سَفاهَةِ القَوْمِ. والثّانِي: لِيَصِيرَ ذَلِكَ رادِعًا لِلْكُفّارِ عَلى الإصْرارِ عَلى الكُفْرِ والسَّفاهَةِ وداعِيًا إلى قَبُولِ الإيمانِ، ولَمّا تَمَّمَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ الطَّرِيقَ أرْدَفَهُ بِطَرِيقٍ آخَرَ وهو شَرْحُ نَعِيمِ أهْلِ الثَّوابِ وشَرْحُ عِقابِ أهْلِ العِقابِ. فَلَمّا تَمَّمَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ البَياناتِ عادَ إلى تَقْرِيرِ المَطالِبِ المَذْكُورَةِ في أوَّلِ السُّورَةِ وهي تَقْدِيرُ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ والبَعْثِ، فَقالَ: قُلْ يا مُحَمَّدُ إنَّما أنا مُنْذِرٌ ولا بُدَّ مِنَ الإقْرارِ بِأنَّهُ ما مِن إلَهٍ إلّا اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ، فَإنَّ التَّرْتِيبَ الصَّحِيحَ أنْ نَذْكُرَ شُبَهاتِ الخُصُومِ أوَّلًا ويُجابُ عَنْها، ثُمَّ نَذْكُرُ عَقِيبَها الدَّلائِلَ الدّالَّةَ عَلى صِحَّةِ المَطْلُوبِ، فَكَذا هَهُنا أجابَ اللَّهُ تَعالى عَنْ شُبْهَتِهِمْ ونَبَّهَ عَلى فَسادِ كَلِماتِهِمْ، ثُمَّ ذَكَرَ عَقِيبَهُ ما يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ هَذِهِ المَطالِبِ، لِأنَّ إزالَةَ ما لا يَنْبَغِي مُقَدَّمَةٌ عَلى إثْباتِ ما يَنْبَغِي، وغَسْلُ اللَّوْحِ مِنَ النُّقُوشِ الفاسِدَةِ مُقَدَّمٌ عَلى كَتْبِ النُّقُوشِ الصَّحِيحَةِ فِيهِ، ومَن نَظَرَ في هَذا التَّرْتِيبِ اعْتَرَفَ بِأنَّ الكَلامَ مِن أوَّلِ السُّورَةِ إلى آخِرِها قَدْ جاءَ عَلى أحْسَنِ وُجُوهِ التَّرْتِيبِ والنَّظْمِ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿قُلْ إنَّما أنا مُنْذِرٌ﴾ يَعْنِي أُبَّلِغُ أحْوالَ عِقابِ مَن أنْكَرَ التَّوْحِيدَ والنُّبُوَّةَ والمَعادَ، وأحْوالَ ثَوابِ مَن أقَرَّ بِها، وكَما بَدَأ في أوَّلِ السُّورَةِ بِأدِلَّةِ التَّوْحِيدِ حَيْثُ حَكى عَنْهم أنَّهم قالُوا ﴿أجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا﴾ فَكَذَلِكَ بَدَأ هَهُنا بِتَقْرِيرِ التَّوْحِيدِ فَقالَ: ﴿وما مِن إلَهٍ إلّا اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾ وفي هَذِهِ الكَلِمَةِ إشارَةٌ إلى الدَّلِيلِ الدّالِّ عَلى كَوْنِهِ مُنَزَّهًا عَنِ الشَّرِيكِ والنَّظِيرِ، وبَيانُهُ أنِ الَّذِي يُجْعَلُ شَرِيكًا لَهُ في الإلَهِيَّةِ، إمّا أنْ يَكُونَ مَوْجُودًا قادِرًا عَلى الإطْلاقِ عَلى التَّصَرُّفِ في العالَمِ أوْ لا يَكُونُ كَذَلِكَ، بَلْ يَكُونُ جَمادًا عاجِزًا. والأوَّلُ: باطِلٌ لِأنَّهُ لَوْ كانَ شَرِيكُهُ قادِرًا عَلى الإطْلاقِ لَمْ يَكُنْ هو قادِرًا قاهِرًا، لَأنَّ بِتَقْدِيرِ أنْ يُرِيدَ هو شَيْئًا ويُرِيدَ شَرِيكُهُ ضِدَّ ذَلِكَ الشَّيْءِ لَمْ يَكُنْ حُصُولُ أحَدِ الأمْرَيْنِ أوْلى مِنَ الآخَرِ، فَيُفْضِي إلى انْدِفاعِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما بِالآخَرِ، وحِينَئِذٍ لا يَكُونُ قادِرًا قاهِرًا بَلْ كانَ عاجِزًا ضَعِيفًا، والعاجِزُ لا يَصْلُحُ لِلْإلَهِيَّةِ، فَقَوْلُهُ: ﴿إلّا اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ كَوْنَهُ قَهّارًا يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ واحِدًا. وأمّا الثّانِي: وهو أنْ يُقالَ إنَّ الَّذِي جُعِلَ صفحة ١٩٦ شَرِيكًا لَهُ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ البَتَّةَ مِثْلَ هَذِهِ الأوْثانِ، فَهَذا أيْضًا فاسِدٌ لِأنَّ صَرِيحَ العَقْلِ يَحْكُمُ بِأنَّ عِبادَةَ الإلَهِ القادِرِ القاهِرِ أوْلى مِن عِبادَةِ الجَمادِ الَّذِي لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ ولا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا فَقَوْلُهُ: ﴿وما مِن إلَهٍ إلّا اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾ يَدُلُّ عَلى هَذِهِ الدَّلائِلِ، واعْلَمْ أنَّ كَوْنَهُ سُبْحانَهُ قَهّارًا مُشْعِرٌ بِالتَّرْهِيبِ والتَّخْوِيفِ، فَلَمّا ذَكَرَ ذَلِكَ أرْدَفَهُ بِما يَدُلُّ عَلى الرَّجاءِ والتَّرْغِيبِ فَقالَ: ﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما العَزِيزُ الغَفّارُ﴾ فَكَوْنُهُ رَبًّا مُشْعِرٌ بِالتَّرْبِيَةِ والإحْسانِ والكَرَمِ والجُودِ، وكَوْنُهُ غَفّارًا مُشْعِرٌ بِالتَّرْغِيبِ، وهَذا المَوْجُودُ هو الَّذِي تَجِبُ عِبادَتُهُ، لِأنَّهُ هو الَّذِي يُخْشى عِقابُهُ ويُرْجى فَضْلُهُ وثَوابُهُ. ونَذْكُرُ طَرِيقَةً أُخْرى في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآياتِ، فَنَقُولُ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ مِن صِفاتِهِ في هَذا المَوْضِعِ خَمْسًا الواحِدَ والقَهّارَ والرَّبَّ والعَزِيزَ والغَفّارَ، أمّا كَوْنُهُ واحِدًا فَهو الَّذِي وقَعَ الخِلافُ فِيهِ بَيْنَ أهْلِ الحَقِّ وبَيْنَ المُشْرِكِينَ، واسْتَدَلَّ تَعالى عَلى كَوْنِهِ واحِدًا بِكَوْنِهِ قَهّارًا، وقَدْ بَيَّنّا وجْهَ هَذِهِ الدَّلالَةِ إلّا أنَّ كَوْنَهُ قَهّارًا وإنْ دَلَّ عَلى إثْباتِ الوَحْدانِيَّةِ إلّا أنَّهُ يُوجِبُ الخَوْفَ الشَّدِيدَ فَأرْدَفَهُ تَعالى بِذِكْرِ صِفاتٍ ثَلاثٍ دالَّةٍ عَلى الرَّحْمَةِ والفَضْلِ والكَرَمِ. أوَّلُها: كَوْنُهُ رَبًّا لِلسَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما وهَذا إنَّما تَتِمُّ مَعْرِفَتُهُ بِالنَّظَرِ في آثارِ حِكْمَةِ اللَّهِ تَعالى في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ، والعَناصِرِ الأرْبَعَةِ والمَوالِيدِ الثَّلاثَةِ، وذَلِكَ بَحْرٌ لا ساحِلَ لَهُ، فَإذا تَأمَّلْتَ في آثارِ حِكْمَتِهِ ورَحْمَتِهِ في خَلْقِ هَذِهِ الأشْياءِ عَرَفْتَ حِينَئِذٍ تَرْبِيَتَهُ لِلْكُلِّ، وذَلِكَ يُفِيدُ الرَّجاءَ العَظِيمَ. وثانِيها: كَوْنُهُ عَزِيزًا، والفائِدَةُ في ذِكْرِهِ أنَّ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: هَبْ أنَّهُ رَبٌّ ومُرَبٍّ وكَرِيمٌ إلّا أنَّهُ غَيْرُ قادِرٍ عَلى كُلِّ المَقْدُوراتِ، فَأجابَ عَنْهُ بِأنَّهُ عَزِيزٌ أيْ قادِرٌ عَلى كُلِّ المُمْكِناتِ، فَهو يَغْلِبُ الكُلَّ ولا يَغْلِبُهُ شَيْءٌ. وثالِثُها: كَوْنُهُ غَفّارًا والفائِدَةُ في ذِكْرِهِ أنَّ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: هَبْ أنَّهُ رَبٌّ ومُحْسِنٌ ولَكِنَّهُ يَكُونُ كَذَلِكَ في حَقِّ المُطِيعِينَ المُخْلِصِينَ في العِبادَةِ، فَأجابَ عَنْهُ بِأنَّ مَن بَقِيَ عَلى الكُفْرِ سَبْعِينَ سَنَةً ثُمَّ تابَ فَإنِّي أُزِيلُ اسْمَهُ عَنْ دِيوانِ المُذْنِبِينَ وأسْتُرُ عَلَيْهِ بِفَضْلِي ورَحْمَتِي جَمِيعَ ذُنُوبِهِ وأُوصِلُهُ إلى دَرَجاتِ الأبْرارِ، واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ ذَلِكَ قالَ: ﴿قُلْ هو نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿أنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ وهَذا النَّبَأُ العَظِيمُ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا فَيُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّ القَوْلَ بِأنَّ الإلَهَ واحِدٌ نَبَأٌ عَظِيمٌ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ المُرادُ أنَّ القَوْلَ بِالنُّبُوَّةِ نَبَأٌ عَظِيمٌ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ المُرادُ أنَّ القَوْلَ بِإثْباتِ الحَشْرِ والنَّشْرِ والقِيامَةِ نَبَأٌ عَظِيمٌ، وذَلِكَ لِأنَّ هَذِهِ المَطالِبَ الثَّلاثَةَ كانَتْ مَذْكُورَةً في أوَّلِ السُّورَةِ، ولِأجْلِها انْجَرَّ الكَلامُ إلى كُلِّ ما سَبَقَ ذِكْرُهُ، ويُمْكِنُ أيْضًا أنْ يَكُونَ المُرادُ كَوْنَ القُرْآنِ مُعْجِزًا لِأنَّ هَذا أيْضًا قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ في قَوْلِهِ: ﴿كِتابٌ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ﴾ [ص: ٢٩] وهَؤُلاءِ الأقْوامُ أعْرَضُوا عَنْهُ عَلى ما قالَ ﴿قُلْ هو نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿أنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿أنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ تَرْغِيبٌ في النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ ومَنعٌ مِنَ التَّقْلِيدِ، لِأنَّ هَذِهِ المَطالِبَ مَطالِبٌ شَرِيفَةٌ عالِيَةٌ، فَإنَّ بِتَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ الإنْسانُ فِيها عَلى الحَقِّ يَفُوزُ بِأعْظَمِ أبْوابِ السَّعادَةِ، وبِتَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ الإنْسانُ فِيها عَلى الباطِلِ وقَعَ في أعْظَمِ أبْوابِ الشَّقاوَةِ، فَكانَتْ هَذِهِ المَباحِثُ أنْباءً عَظِيمَةً ومَطالِبَ عالِيَةً بَهِيَّةً، وصَرِيحُ العَقْلِ يُوجِبُ عَلى الإنْسانِ أنْ يَأْتِيَ فِيها بِالِاحْتِياطِ التّامِّ، وأنْ لا يَكْتَفِيَ بِالمُساهَلَةِ والمُسامَحَةِ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما كانَ لِيَ مِن عِلْمٍ بِالمَلَإ الأعْلى إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ تَعالى رَغَّبَ المُكَلَّفِينَ في الِاحْتِياطِ في هَذِهِ المَسائِلِ الأرْبَعِ، وبالَغَ في ذَلِكَ التَّرْغِيبِ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنها نَبَأٌ عَظِيمٌ، والنَّبَأُ العَظِيمُ يَجِبُ الِاحْتِياطُ فِيهِ. الثّانِي: أنَّ المَلَأ الأعْلى اخْتَصَمُوا. وأحْسَنُ ما قِيلَ فِيهِ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: صفحة ١٩٧ ﴿إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها ويَسْفِكُ الدِّماءَ ونَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ ونُقَدِّسُ لَكَ قالَ إنِّي أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠] والمَعْنى أنَّهم قالُوا أيُّ فائِدَةٍ في خَلْقِ البَشَرِ مَعَ أنَّهم يَشْتَغِلُونَ بِقَضاءِ الشَّهْوَةِ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿مَن يُفْسِدُ فِيها﴾ وبِإمْضاءِ الغَضَبِ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ويَسْفِكُ الدِّماءَ ونَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾ فَقالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿إنِّي أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ وتَقْرِيرُ هَذا الجَوابِ واللَّهُ أعْلَمُ، أنْ يُقالَ إنَّ المَخْلُوقاتِ بِحَسَبِ القِسْمَةِ العَقْلِيَّةِ عَلى أقْسامٍ أرْبَعَةٍ: أحَدُها: الَّذِينَ حَصَلَ لَهُمُ العَقْلُ والحِكْمَةُ، ولَمْ تَحْصُلْ لَهُمُ النَّفْسُ والشَّهْوَةُ وهُمُ المَلائِكَةُ فَقَطْ. ثانِيها: الَّذِينَ حَصَلَ لَهُمُ النَّفْسُ والشَّهْوَةُ، ولَمْ يَحْصُلْ لَهُمُ العِلْمُ والحِكْمَةُ وهي البَهائِمُ. وثالِثُها: الأشْياءُ الخالِيَةُ عَنِ القِسْمَيْنِ، وهي الجَماداتُ وبَقِيَ في التَّقْسِيمِ (قِسْمٌ رابِعٌ) وهو الَّذِي حَصَلَ فِيهِ الأمْرانِ وهو الإنْسانُ، والمَقْصُودُ مِن تَخْلِيقِ الإنْسانِ لَيْسَ هو الجَهْلَ والتَّقْلِيدَ والتَّكَبُّرَ والتَّمَرُّدَ، فَإنَّ كُلَّ ذَلِكَ صِفاتُ البَهائِمِ والسِّباعِ، بَلِ المَقْصُودُ مِن تَخْلِيقِهِ ظُهُورُ العِلْمِ والحِكْمَةِ والطّاعَةِ، فَقَوْلُهُ ﴿إنِّي أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ يَعْنِي أنَّ هَذا النَّوْعَ مِنَ المَخْلُوقاتِ، وإنْ حَصَلَتْ فِيهِ الشَّهْوَةُ الدّاعِيَةُ إلى الفَسادِ والغَضَبِ الحامِلِ لَهُ عَلى سَفْكِ الدِّماءِ، لَكِنْ حَصَلَ فِيهِ العَقْلُ الَّذِي يَدْعُوهُ إلى المَعْرِفَةِ والمَحَبَّةِ والطّاعَةِ والخِدْمَةِ، وإذا ثَبَتَ أنَّهُ تَعالى إنَّما أجابَ المَلائِكَةَ بِهَذا الجَوابِ وجَبَ عَلى الإنْسانِ أنْ يَسْعى في تَحْصِيلِ هَذِهِ الصِّفاتِ، وأنْ يَجْتَهِدَ في اكْتِسابِها، وأنْ يَحْتَرِزَ عَنْ طَرِيقَةِ الجَهْلِ والتَّقْلِيدِ والإصْرارِ والتَّكَبُّرِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَكُلُّ مَن وقَفَ عَلى كَيْفِيَّةِ هَذِهِ الواقِعَةِ صارَ وُقُوفُهُ عَلَيْها داعِيًا لَهُ إلى الجِدِّ والِاجْتِهادِ في اكْتِسابِ المَعارِفِ الحَقَّةِ والأخْلاقِ الفاضِلَةِ زاجِرًا لَهُ عَنْ أضْدادِها ومُقابَلاتِها، فَلِهَذا السَّبَبِ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَذا الكَلامَ في هَذا المَقامِ. فَإنْ قِيلَ: المَلائِكَةُ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ إنَّهُمُ اخْتَصَمُوا بِسَبَبِ قَوْلِهِمْ: ﴿أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها ويَسْفِكُ الدِّماءَ﴾ [البَقَرَةِ: ٣٠] فَإنَّ المُخاصَمَةَ مَعَ اللَّهِ كُفْرٌ، قُلْنا لا شَكَّ أنَّهُ جَرى هُناكَ سُؤالٌ وجَوابٌ، وذَلِكَ يُشابِهُ المُخاصَمَةَ والمُناظَرَةَ والمُشابَهَةُ عِلَّةٌ لِجَوازِ المَجازِ، فَلِهَذا السَّبَبِ حَسُنَ إطْلاقُ لَفْظُ المُخاصَمَةِ عَلَيْهِ، ولَمّا أمَرَ اللَّهُ تَعالى مُحَمَّدًا ﷺ أنْ يَذْكُرَ هَذا الكَلامَ عَلى سَبِيلِ الرَّمْزِ أمَرَهُ أنْ يَقُولَ: ﴿إنْ يُوحى إلَيَّ إلّا أنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ يَعْنِي أنا ما عَرَفْتُ هَذِهِ المُخاصَمَةَ إلّا بِالوَحْيِ، وإنَّما أوْحى اللَّهُ إلَيَّ هَذِهِ القِصَّةَ لِأُنْذِرَكم بِها ولِتَصِيرَ هَذِهِ القِصَّةُ حامِلَةً لَكم عَلى الإخْلاصِ في الطّاعَةِ والِاحْتِرازِ عَنِ الجَهْلِ والتَّقْلِيدِ.

ص 38:69

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّما أنا مُنْذِرٌ وما مِن إلَهٍ إلّا اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾ ﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما العَزِيزُ الغَفّارُ﴾ ﴿قُلْ هو نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿أنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ ﴿ما كانَ لِيَ مِن عِلْمٍ بِالمَلَإ الأعْلى إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ ﴿إنْ يُوحى إلَيَّ إلّا أنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى في أوَّلِ السُّورَةِ أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ لَمّا دَعا النّاسَ إلى أنَّهُ لا إلَهَ إلّا إلَهٌ واحِدٌ، وإلى أنَّهُ رَسُولٌ مُبِينٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وإلى أنَّ القَوْلَ بِالقِيامَةِ حَقٌّ، فَأُولَئِكَ الكُفّارُ أظْهَرُوا السَّفاهَةَ وقالُوا إنَّهُ ساحِرٌ كَذّابٌ، واسْتَهْزَءُوا بِقَوْلِهِ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ قِصَصَ الأنْبِياءِ لِوَجْهَيْنِ: الأوَّلُ: لِيَصِيرَ ذَلِكَ حامِلًا لِمُحَمَّدٍ ﷺ عَلى التَّأسِّي بِالأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ في الصَّبْرِ عَلى سَفاهَةِ القَوْمِ. والثّانِي: لِيَصِيرَ ذَلِكَ رادِعًا لِلْكُفّارِ عَلى الإصْرارِ عَلى الكُفْرِ والسَّفاهَةِ وداعِيًا إلى قَبُولِ الإيمانِ، ولَمّا تَمَّمَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ الطَّرِيقَ أرْدَفَهُ بِطَرِيقٍ آخَرَ وهو شَرْحُ نَعِيمِ أهْلِ الثَّوابِ وشَرْحُ عِقابِ أهْلِ العِقابِ. فَلَمّا تَمَّمَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ البَياناتِ عادَ إلى تَقْرِيرِ المَطالِبِ المَذْكُورَةِ في أوَّلِ السُّورَةِ وهي تَقْدِيرُ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ والبَعْثِ، فَقالَ: قُلْ يا مُحَمَّدُ إنَّما أنا مُنْذِرٌ ولا بُدَّ مِنَ الإقْرارِ بِأنَّهُ ما مِن إلَهٍ إلّا اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ، فَإنَّ التَّرْتِيبَ الصَّحِيحَ أنْ نَذْكُرَ شُبَهاتِ الخُصُومِ أوَّلًا ويُجابُ عَنْها، ثُمَّ نَذْكُرُ عَقِيبَها الدَّلائِلَ الدّالَّةَ عَلى صِحَّةِ المَطْلُوبِ، فَكَذا هَهُنا أجابَ اللَّهُ تَعالى عَنْ شُبْهَتِهِمْ ونَبَّهَ عَلى فَسادِ كَلِماتِهِمْ، ثُمَّ ذَكَرَ عَقِيبَهُ ما يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ هَذِهِ المَطالِبِ، لِأنَّ إزالَةَ ما لا يَنْبَغِي مُقَدَّمَةٌ عَلى إثْباتِ ما يَنْبَغِي، وغَسْلُ اللَّوْحِ مِنَ النُّقُوشِ الفاسِدَةِ مُقَدَّمٌ عَلى كَتْبِ النُّقُوشِ الصَّحِيحَةِ فِيهِ، ومَن نَظَرَ في هَذا التَّرْتِيبِ اعْتَرَفَ بِأنَّ الكَلامَ مِن أوَّلِ السُّورَةِ إلى آخِرِها قَدْ جاءَ عَلى أحْسَنِ وُجُوهِ التَّرْتِيبِ والنَّظْمِ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿قُلْ إنَّما أنا مُنْذِرٌ﴾ يَعْنِي أُبَّلِغُ أحْوالَ عِقابِ مَن أنْكَرَ التَّوْحِيدَ والنُّبُوَّةَ والمَعادَ، وأحْوالَ ثَوابِ مَن أقَرَّ بِها، وكَما بَدَأ في أوَّلِ السُّورَةِ بِأدِلَّةِ التَّوْحِيدِ حَيْثُ حَكى عَنْهم أنَّهم قالُوا ﴿أجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا﴾ فَكَذَلِكَ بَدَأ هَهُنا بِتَقْرِيرِ التَّوْحِيدِ فَقالَ: ﴿وما مِن إلَهٍ إلّا اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾ وفي هَذِهِ الكَلِمَةِ إشارَةٌ إلى الدَّلِيلِ الدّالِّ عَلى كَوْنِهِ مُنَزَّهًا عَنِ الشَّرِيكِ والنَّظِيرِ، وبَيانُهُ أنِ الَّذِي يُجْعَلُ شَرِيكًا لَهُ في الإلَهِيَّةِ، إمّا أنْ يَكُونَ مَوْجُودًا قادِرًا عَلى الإطْلاقِ عَلى التَّصَرُّفِ في العالَمِ أوْ لا يَكُونُ كَذَلِكَ، بَلْ يَكُونُ جَمادًا عاجِزًا. والأوَّلُ: باطِلٌ لِأنَّهُ لَوْ كانَ شَرِيكُهُ قادِرًا عَلى الإطْلاقِ لَمْ يَكُنْ هو قادِرًا قاهِرًا، لَأنَّ بِتَقْدِيرِ أنْ يُرِيدَ هو شَيْئًا ويُرِيدَ شَرِيكُهُ ضِدَّ ذَلِكَ الشَّيْءِ لَمْ يَكُنْ حُصُولُ أحَدِ الأمْرَيْنِ أوْلى مِنَ الآخَرِ، فَيُفْضِي إلى انْدِفاعِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما بِالآخَرِ، وحِينَئِذٍ لا يَكُونُ قادِرًا قاهِرًا بَلْ كانَ عاجِزًا ضَعِيفًا، والعاجِزُ لا يَصْلُحُ لِلْإلَهِيَّةِ، فَقَوْلُهُ: ﴿إلّا اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ كَوْنَهُ قَهّارًا يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ واحِدًا. وأمّا الثّانِي: وهو أنْ يُقالَ إنَّ الَّذِي جُعِلَ صفحة ١٩٦ شَرِيكًا لَهُ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ البَتَّةَ مِثْلَ هَذِهِ الأوْثانِ، فَهَذا أيْضًا فاسِدٌ لِأنَّ صَرِيحَ العَقْلِ يَحْكُمُ بِأنَّ عِبادَةَ الإلَهِ القادِرِ القاهِرِ أوْلى مِن عِبادَةِ الجَمادِ الَّذِي لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ ولا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا فَقَوْلُهُ: ﴿وما مِن إلَهٍ إلّا اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾ يَدُلُّ عَلى هَذِهِ الدَّلائِلِ، واعْلَمْ أنَّ كَوْنَهُ سُبْحانَهُ قَهّارًا مُشْعِرٌ بِالتَّرْهِيبِ والتَّخْوِيفِ، فَلَمّا ذَكَرَ ذَلِكَ أرْدَفَهُ بِما يَدُلُّ عَلى الرَّجاءِ والتَّرْغِيبِ فَقالَ: ﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما العَزِيزُ الغَفّارُ﴾ فَكَوْنُهُ رَبًّا مُشْعِرٌ بِالتَّرْبِيَةِ والإحْسانِ والكَرَمِ والجُودِ، وكَوْنُهُ غَفّارًا مُشْعِرٌ بِالتَّرْغِيبِ، وهَذا المَوْجُودُ هو الَّذِي تَجِبُ عِبادَتُهُ، لِأنَّهُ هو الَّذِي يُخْشى عِقابُهُ ويُرْجى فَضْلُهُ وثَوابُهُ. ونَذْكُرُ طَرِيقَةً أُخْرى في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآياتِ، فَنَقُولُ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ مِن صِفاتِهِ في هَذا المَوْضِعِ خَمْسًا الواحِدَ والقَهّارَ والرَّبَّ والعَزِيزَ والغَفّارَ، أمّا كَوْنُهُ واحِدًا فَهو الَّذِي وقَعَ الخِلافُ فِيهِ بَيْنَ أهْلِ الحَقِّ وبَيْنَ المُشْرِكِينَ، واسْتَدَلَّ تَعالى عَلى كَوْنِهِ واحِدًا بِكَوْنِهِ قَهّارًا، وقَدْ بَيَّنّا وجْهَ هَذِهِ الدَّلالَةِ إلّا أنَّ كَوْنَهُ قَهّارًا وإنْ دَلَّ عَلى إثْباتِ الوَحْدانِيَّةِ إلّا أنَّهُ يُوجِبُ الخَوْفَ الشَّدِيدَ فَأرْدَفَهُ تَعالى بِذِكْرِ صِفاتٍ ثَلاثٍ دالَّةٍ عَلى الرَّحْمَةِ والفَضْلِ والكَرَمِ. أوَّلُها: كَوْنُهُ رَبًّا لِلسَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما وهَذا إنَّما تَتِمُّ مَعْرِفَتُهُ بِالنَّظَرِ في آثارِ حِكْمَةِ اللَّهِ تَعالى في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ، والعَناصِرِ الأرْبَعَةِ والمَوالِيدِ الثَّلاثَةِ، وذَلِكَ بَحْرٌ لا ساحِلَ لَهُ، فَإذا تَأمَّلْتَ في آثارِ حِكْمَتِهِ ورَحْمَتِهِ في خَلْقِ هَذِهِ الأشْياءِ عَرَفْتَ حِينَئِذٍ تَرْبِيَتَهُ لِلْكُلِّ، وذَلِكَ يُفِيدُ الرَّجاءَ العَظِيمَ. وثانِيها: كَوْنُهُ عَزِيزًا، والفائِدَةُ في ذِكْرِهِ أنَّ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: هَبْ أنَّهُ رَبٌّ ومُرَبٍّ وكَرِيمٌ إلّا أنَّهُ غَيْرُ قادِرٍ عَلى كُلِّ المَقْدُوراتِ، فَأجابَ عَنْهُ بِأنَّهُ عَزِيزٌ أيْ قادِرٌ عَلى كُلِّ المُمْكِناتِ، فَهو يَغْلِبُ الكُلَّ ولا يَغْلِبُهُ شَيْءٌ. وثالِثُها: كَوْنُهُ غَفّارًا والفائِدَةُ في ذِكْرِهِ أنَّ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: هَبْ أنَّهُ رَبٌّ ومُحْسِنٌ ولَكِنَّهُ يَكُونُ كَذَلِكَ في حَقِّ المُطِيعِينَ المُخْلِصِينَ في العِبادَةِ، فَأجابَ عَنْهُ بِأنَّ مَن بَقِيَ عَلى الكُفْرِ سَبْعِينَ سَنَةً ثُمَّ تابَ فَإنِّي أُزِيلُ اسْمَهُ عَنْ دِيوانِ المُذْنِبِينَ وأسْتُرُ عَلَيْهِ بِفَضْلِي ورَحْمَتِي جَمِيعَ ذُنُوبِهِ وأُوصِلُهُ إلى دَرَجاتِ الأبْرارِ، واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ ذَلِكَ قالَ: ﴿قُلْ هو نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿أنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ وهَذا النَّبَأُ العَظِيمُ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا فَيُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّ القَوْلَ بِأنَّ الإلَهَ واحِدٌ نَبَأٌ عَظِيمٌ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ المُرادُ أنَّ القَوْلَ بِالنُّبُوَّةِ نَبَأٌ عَظِيمٌ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ المُرادُ أنَّ القَوْلَ بِإثْباتِ الحَشْرِ والنَّشْرِ والقِيامَةِ نَبَأٌ عَظِيمٌ، وذَلِكَ لِأنَّ هَذِهِ المَطالِبَ الثَّلاثَةَ كانَتْ مَذْكُورَةً في أوَّلِ السُّورَةِ، ولِأجْلِها انْجَرَّ الكَلامُ إلى كُلِّ ما سَبَقَ ذِكْرُهُ، ويُمْكِنُ أيْضًا أنْ يَكُونَ المُرادُ كَوْنَ القُرْآنِ مُعْجِزًا لِأنَّ هَذا أيْضًا قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ في قَوْلِهِ: ﴿كِتابٌ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ﴾ [ص: ٢٩] وهَؤُلاءِ الأقْوامُ أعْرَضُوا عَنْهُ عَلى ما قالَ ﴿قُلْ هو نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿أنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿أنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ تَرْغِيبٌ في النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ ومَنعٌ مِنَ التَّقْلِيدِ، لِأنَّ هَذِهِ المَطالِبَ مَطالِبٌ شَرِيفَةٌ عالِيَةٌ، فَإنَّ بِتَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ الإنْسانُ فِيها عَلى الحَقِّ يَفُوزُ بِأعْظَمِ أبْوابِ السَّعادَةِ، وبِتَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ الإنْسانُ فِيها عَلى الباطِلِ وقَعَ في أعْظَمِ أبْوابِ الشَّقاوَةِ، فَكانَتْ هَذِهِ المَباحِثُ أنْباءً عَظِيمَةً ومَطالِبَ عالِيَةً بَهِيَّةً، وصَرِيحُ العَقْلِ يُوجِبُ عَلى الإنْسانِ أنْ يَأْتِيَ فِيها بِالِاحْتِياطِ التّامِّ، وأنْ لا يَكْتَفِيَ بِالمُساهَلَةِ والمُسامَحَةِ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما كانَ لِيَ مِن عِلْمٍ بِالمَلَإ الأعْلى إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ تَعالى رَغَّبَ المُكَلَّفِينَ في الِاحْتِياطِ في هَذِهِ المَسائِلِ الأرْبَعِ، وبالَغَ في ذَلِكَ التَّرْغِيبِ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنها نَبَأٌ عَظِيمٌ، والنَّبَأُ العَظِيمُ يَجِبُ الِاحْتِياطُ فِيهِ. الثّانِي: أنَّ المَلَأ الأعْلى اخْتَصَمُوا. وأحْسَنُ ما قِيلَ فِيهِ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: صفحة ١٩٧ ﴿إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها ويَسْفِكُ الدِّماءَ ونَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ ونُقَدِّسُ لَكَ قالَ إنِّي أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠] والمَعْنى أنَّهم قالُوا أيُّ فائِدَةٍ في خَلْقِ البَشَرِ مَعَ أنَّهم يَشْتَغِلُونَ بِقَضاءِ الشَّهْوَةِ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿مَن يُفْسِدُ فِيها﴾ وبِإمْضاءِ الغَضَبِ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ويَسْفِكُ الدِّماءَ ونَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾ فَقالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿إنِّي أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ وتَقْرِيرُ هَذا الجَوابِ واللَّهُ أعْلَمُ، أنْ يُقالَ إنَّ المَخْلُوقاتِ بِحَسَبِ القِسْمَةِ العَقْلِيَّةِ عَلى أقْسامٍ أرْبَعَةٍ: أحَدُها: الَّذِينَ حَصَلَ لَهُمُ العَقْلُ والحِكْمَةُ، ولَمْ تَحْصُلْ لَهُمُ النَّفْسُ والشَّهْوَةُ وهُمُ المَلائِكَةُ فَقَطْ. ثانِيها: الَّذِينَ حَصَلَ لَهُمُ النَّفْسُ والشَّهْوَةُ، ولَمْ يَحْصُلْ لَهُمُ العِلْمُ والحِكْمَةُ وهي البَهائِمُ. وثالِثُها: الأشْياءُ الخالِيَةُ عَنِ القِسْمَيْنِ، وهي الجَماداتُ وبَقِيَ في التَّقْسِيمِ (قِسْمٌ رابِعٌ) وهو الَّذِي حَصَلَ فِيهِ الأمْرانِ وهو الإنْسانُ، والمَقْصُودُ مِن تَخْلِيقِ الإنْسانِ لَيْسَ هو الجَهْلَ والتَّقْلِيدَ والتَّكَبُّرَ والتَّمَرُّدَ، فَإنَّ كُلَّ ذَلِكَ صِفاتُ البَهائِمِ والسِّباعِ، بَلِ المَقْصُودُ مِن تَخْلِيقِهِ ظُهُورُ العِلْمِ والحِكْمَةِ والطّاعَةِ، فَقَوْلُهُ ﴿إنِّي أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ يَعْنِي أنَّ هَذا النَّوْعَ مِنَ المَخْلُوقاتِ، وإنْ حَصَلَتْ فِيهِ الشَّهْوَةُ الدّاعِيَةُ إلى الفَسادِ والغَضَبِ الحامِلِ لَهُ عَلى سَفْكِ الدِّماءِ، لَكِنْ حَصَلَ فِيهِ العَقْلُ الَّذِي يَدْعُوهُ إلى المَعْرِفَةِ والمَحَبَّةِ والطّاعَةِ والخِدْمَةِ، وإذا ثَبَتَ أنَّهُ تَعالى إنَّما أجابَ المَلائِكَةَ بِهَذا الجَوابِ وجَبَ عَلى الإنْسانِ أنْ يَسْعى في تَحْصِيلِ هَذِهِ الصِّفاتِ، وأنْ يَجْتَهِدَ في اكْتِسابِها، وأنْ يَحْتَرِزَ عَنْ طَرِيقَةِ الجَهْلِ والتَّقْلِيدِ والإصْرارِ والتَّكَبُّرِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَكُلُّ مَن وقَفَ عَلى كَيْفِيَّةِ هَذِهِ الواقِعَةِ صارَ وُقُوفُهُ عَلَيْها داعِيًا لَهُ إلى الجِدِّ والِاجْتِهادِ في اكْتِسابِ المَعارِفِ الحَقَّةِ والأخْلاقِ الفاضِلَةِ زاجِرًا لَهُ عَنْ أضْدادِها ومُقابَلاتِها، فَلِهَذا السَّبَبِ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَذا الكَلامَ في هَذا المَقامِ. فَإنْ قِيلَ: المَلائِكَةُ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ إنَّهُمُ اخْتَصَمُوا بِسَبَبِ قَوْلِهِمْ: ﴿أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها ويَسْفِكُ الدِّماءَ﴾ [البَقَرَةِ: ٣٠] فَإنَّ المُخاصَمَةَ مَعَ اللَّهِ كُفْرٌ، قُلْنا لا شَكَّ أنَّهُ جَرى هُناكَ سُؤالٌ وجَوابٌ، وذَلِكَ يُشابِهُ المُخاصَمَةَ والمُناظَرَةَ والمُشابَهَةُ عِلَّةٌ لِجَوازِ المَجازِ، فَلِهَذا السَّبَبِ حَسُنَ إطْلاقُ لَفْظُ المُخاصَمَةِ عَلَيْهِ، ولَمّا أمَرَ اللَّهُ تَعالى مُحَمَّدًا ﷺ أنْ يَذْكُرَ هَذا الكَلامَ عَلى سَبِيلِ الرَّمْزِ أمَرَهُ أنْ يَقُولَ: ﴿إنْ يُوحى إلَيَّ إلّا أنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ يَعْنِي أنا ما عَرَفْتُ هَذِهِ المُخاصَمَةَ إلّا بِالوَحْيِ، وإنَّما أوْحى اللَّهُ إلَيَّ هَذِهِ القِصَّةَ لِأُنْذِرَكم بِها ولِتَصِيرَ هَذِهِ القِصَّةُ حامِلَةً لَكم عَلى الإخْلاصِ في الطّاعَةِ والِاحْتِرازِ عَنِ الجَهْلِ والتَّقْلِيدِ.

ص 38:70

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّما أنا مُنْذِرٌ وما مِن إلَهٍ إلّا اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾ ﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما العَزِيزُ الغَفّارُ﴾ ﴿قُلْ هو نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿أنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ ﴿ما كانَ لِيَ مِن عِلْمٍ بِالمَلَإ الأعْلى إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ ﴿إنْ يُوحى إلَيَّ إلّا أنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى في أوَّلِ السُّورَةِ أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ لَمّا دَعا النّاسَ إلى أنَّهُ لا إلَهَ إلّا إلَهٌ واحِدٌ، وإلى أنَّهُ رَسُولٌ مُبِينٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وإلى أنَّ القَوْلَ بِالقِيامَةِ حَقٌّ، فَأُولَئِكَ الكُفّارُ أظْهَرُوا السَّفاهَةَ وقالُوا إنَّهُ ساحِرٌ كَذّابٌ، واسْتَهْزَءُوا بِقَوْلِهِ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ قِصَصَ الأنْبِياءِ لِوَجْهَيْنِ: الأوَّلُ: لِيَصِيرَ ذَلِكَ حامِلًا لِمُحَمَّدٍ ﷺ عَلى التَّأسِّي بِالأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ في الصَّبْرِ عَلى سَفاهَةِ القَوْمِ. والثّانِي: لِيَصِيرَ ذَلِكَ رادِعًا لِلْكُفّارِ عَلى الإصْرارِ عَلى الكُفْرِ والسَّفاهَةِ وداعِيًا إلى قَبُولِ الإيمانِ، ولَمّا تَمَّمَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ الطَّرِيقَ أرْدَفَهُ بِطَرِيقٍ آخَرَ وهو شَرْحُ نَعِيمِ أهْلِ الثَّوابِ وشَرْحُ عِقابِ أهْلِ العِقابِ. فَلَمّا تَمَّمَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ البَياناتِ عادَ إلى تَقْرِيرِ المَطالِبِ المَذْكُورَةِ في أوَّلِ السُّورَةِ وهي تَقْدِيرُ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ والبَعْثِ، فَقالَ: قُلْ يا مُحَمَّدُ إنَّما أنا مُنْذِرٌ ولا بُدَّ مِنَ الإقْرارِ بِأنَّهُ ما مِن إلَهٍ إلّا اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ، فَإنَّ التَّرْتِيبَ الصَّحِيحَ أنْ نَذْكُرَ شُبَهاتِ الخُصُومِ أوَّلًا ويُجابُ عَنْها، ثُمَّ نَذْكُرُ عَقِيبَها الدَّلائِلَ الدّالَّةَ عَلى صِحَّةِ المَطْلُوبِ، فَكَذا هَهُنا أجابَ اللَّهُ تَعالى عَنْ شُبْهَتِهِمْ ونَبَّهَ عَلى فَسادِ كَلِماتِهِمْ، ثُمَّ ذَكَرَ عَقِيبَهُ ما يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ هَذِهِ المَطالِبِ، لِأنَّ إزالَةَ ما لا يَنْبَغِي مُقَدَّمَةٌ عَلى إثْباتِ ما يَنْبَغِي، وغَسْلُ اللَّوْحِ مِنَ النُّقُوشِ الفاسِدَةِ مُقَدَّمٌ عَلى كَتْبِ النُّقُوشِ الصَّحِيحَةِ فِيهِ، ومَن نَظَرَ في هَذا التَّرْتِيبِ اعْتَرَفَ بِأنَّ الكَلامَ مِن أوَّلِ السُّورَةِ إلى آخِرِها قَدْ جاءَ عَلى أحْسَنِ وُجُوهِ التَّرْتِيبِ والنَّظْمِ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿قُلْ إنَّما أنا مُنْذِرٌ﴾ يَعْنِي أُبَّلِغُ أحْوالَ عِقابِ مَن أنْكَرَ التَّوْحِيدَ والنُّبُوَّةَ والمَعادَ، وأحْوالَ ثَوابِ مَن أقَرَّ بِها، وكَما بَدَأ في أوَّلِ السُّورَةِ بِأدِلَّةِ التَّوْحِيدِ حَيْثُ حَكى عَنْهم أنَّهم قالُوا ﴿أجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا﴾ فَكَذَلِكَ بَدَأ هَهُنا بِتَقْرِيرِ التَّوْحِيدِ فَقالَ: ﴿وما مِن إلَهٍ إلّا اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾ وفي هَذِهِ الكَلِمَةِ إشارَةٌ إلى الدَّلِيلِ الدّالِّ عَلى كَوْنِهِ مُنَزَّهًا عَنِ الشَّرِيكِ والنَّظِيرِ، وبَيانُهُ أنِ الَّذِي يُجْعَلُ شَرِيكًا لَهُ في الإلَهِيَّةِ، إمّا أنْ يَكُونَ مَوْجُودًا قادِرًا عَلى الإطْلاقِ عَلى التَّصَرُّفِ في العالَمِ أوْ لا يَكُونُ كَذَلِكَ، بَلْ يَكُونُ جَمادًا عاجِزًا. والأوَّلُ: باطِلٌ لِأنَّهُ لَوْ كانَ شَرِيكُهُ قادِرًا عَلى الإطْلاقِ لَمْ يَكُنْ هو قادِرًا قاهِرًا، لَأنَّ بِتَقْدِيرِ أنْ يُرِيدَ هو شَيْئًا ويُرِيدَ شَرِيكُهُ ضِدَّ ذَلِكَ الشَّيْءِ لَمْ يَكُنْ حُصُولُ أحَدِ الأمْرَيْنِ أوْلى مِنَ الآخَرِ، فَيُفْضِي إلى انْدِفاعِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما بِالآخَرِ، وحِينَئِذٍ لا يَكُونُ قادِرًا قاهِرًا بَلْ كانَ عاجِزًا ضَعِيفًا، والعاجِزُ لا يَصْلُحُ لِلْإلَهِيَّةِ، فَقَوْلُهُ: ﴿إلّا اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ كَوْنَهُ قَهّارًا يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ واحِدًا. وأمّا الثّانِي: وهو أنْ يُقالَ إنَّ الَّذِي جُعِلَ صفحة ١٩٦ شَرِيكًا لَهُ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ البَتَّةَ مِثْلَ هَذِهِ الأوْثانِ، فَهَذا أيْضًا فاسِدٌ لِأنَّ صَرِيحَ العَقْلِ يَحْكُمُ بِأنَّ عِبادَةَ الإلَهِ القادِرِ القاهِرِ أوْلى مِن عِبادَةِ الجَمادِ الَّذِي لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ ولا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا فَقَوْلُهُ: ﴿وما مِن إلَهٍ إلّا اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾ يَدُلُّ عَلى هَذِهِ الدَّلائِلِ، واعْلَمْ أنَّ كَوْنَهُ سُبْحانَهُ قَهّارًا مُشْعِرٌ بِالتَّرْهِيبِ والتَّخْوِيفِ، فَلَمّا ذَكَرَ ذَلِكَ أرْدَفَهُ بِما يَدُلُّ عَلى الرَّجاءِ والتَّرْغِيبِ فَقالَ: ﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما العَزِيزُ الغَفّارُ﴾ فَكَوْنُهُ رَبًّا مُشْعِرٌ بِالتَّرْبِيَةِ والإحْسانِ والكَرَمِ والجُودِ، وكَوْنُهُ غَفّارًا مُشْعِرٌ بِالتَّرْغِيبِ، وهَذا المَوْجُودُ هو الَّذِي تَجِبُ عِبادَتُهُ، لِأنَّهُ هو الَّذِي يُخْشى عِقابُهُ ويُرْجى فَضْلُهُ وثَوابُهُ. ونَذْكُرُ طَرِيقَةً أُخْرى في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآياتِ، فَنَقُولُ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ مِن صِفاتِهِ في هَذا المَوْضِعِ خَمْسًا الواحِدَ والقَهّارَ والرَّبَّ والعَزِيزَ والغَفّارَ، أمّا كَوْنُهُ واحِدًا فَهو الَّذِي وقَعَ الخِلافُ فِيهِ بَيْنَ أهْلِ الحَقِّ وبَيْنَ المُشْرِكِينَ، واسْتَدَلَّ تَعالى عَلى كَوْنِهِ واحِدًا بِكَوْنِهِ قَهّارًا، وقَدْ بَيَّنّا وجْهَ هَذِهِ الدَّلالَةِ إلّا أنَّ كَوْنَهُ قَهّارًا وإنْ دَلَّ عَلى إثْباتِ الوَحْدانِيَّةِ إلّا أنَّهُ يُوجِبُ الخَوْفَ الشَّدِيدَ فَأرْدَفَهُ تَعالى بِذِكْرِ صِفاتٍ ثَلاثٍ دالَّةٍ عَلى الرَّحْمَةِ والفَضْلِ والكَرَمِ. أوَّلُها: كَوْنُهُ رَبًّا لِلسَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما وهَذا إنَّما تَتِمُّ مَعْرِفَتُهُ بِالنَّظَرِ في آثارِ حِكْمَةِ اللَّهِ تَعالى في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ، والعَناصِرِ الأرْبَعَةِ والمَوالِيدِ الثَّلاثَةِ، وذَلِكَ بَحْرٌ لا ساحِلَ لَهُ، فَإذا تَأمَّلْتَ في آثارِ حِكْمَتِهِ ورَحْمَتِهِ في خَلْقِ هَذِهِ الأشْياءِ عَرَفْتَ حِينَئِذٍ تَرْبِيَتَهُ لِلْكُلِّ، وذَلِكَ يُفِيدُ الرَّجاءَ العَظِيمَ. وثانِيها: كَوْنُهُ عَزِيزًا، والفائِدَةُ في ذِكْرِهِ أنَّ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: هَبْ أنَّهُ رَبٌّ ومُرَبٍّ وكَرِيمٌ إلّا أنَّهُ غَيْرُ قادِرٍ عَلى كُلِّ المَقْدُوراتِ، فَأجابَ عَنْهُ بِأنَّهُ عَزِيزٌ أيْ قادِرٌ عَلى كُلِّ المُمْكِناتِ، فَهو يَغْلِبُ الكُلَّ ولا يَغْلِبُهُ شَيْءٌ. وثالِثُها: كَوْنُهُ غَفّارًا والفائِدَةُ في ذِكْرِهِ أنَّ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: هَبْ أنَّهُ رَبٌّ ومُحْسِنٌ ولَكِنَّهُ يَكُونُ كَذَلِكَ في حَقِّ المُطِيعِينَ المُخْلِصِينَ في العِبادَةِ، فَأجابَ عَنْهُ بِأنَّ مَن بَقِيَ عَلى الكُفْرِ سَبْعِينَ سَنَةً ثُمَّ تابَ فَإنِّي أُزِيلُ اسْمَهُ عَنْ دِيوانِ المُذْنِبِينَ وأسْتُرُ عَلَيْهِ بِفَضْلِي ورَحْمَتِي جَمِيعَ ذُنُوبِهِ وأُوصِلُهُ إلى دَرَجاتِ الأبْرارِ، واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ ذَلِكَ قالَ: ﴿قُلْ هو نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿أنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ وهَذا النَّبَأُ العَظِيمُ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا فَيُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّ القَوْلَ بِأنَّ الإلَهَ واحِدٌ نَبَأٌ عَظِيمٌ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ المُرادُ أنَّ القَوْلَ بِالنُّبُوَّةِ نَبَأٌ عَظِيمٌ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ المُرادُ أنَّ القَوْلَ بِإثْباتِ الحَشْرِ والنَّشْرِ والقِيامَةِ نَبَأٌ عَظِيمٌ، وذَلِكَ لِأنَّ هَذِهِ المَطالِبَ الثَّلاثَةَ كانَتْ مَذْكُورَةً في أوَّلِ السُّورَةِ، ولِأجْلِها انْجَرَّ الكَلامُ إلى كُلِّ ما سَبَقَ ذِكْرُهُ، ويُمْكِنُ أيْضًا أنْ يَكُونَ المُرادُ كَوْنَ القُرْآنِ مُعْجِزًا لِأنَّ هَذا أيْضًا قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ في قَوْلِهِ: ﴿كِتابٌ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ﴾ [ص: ٢٩] وهَؤُلاءِ الأقْوامُ أعْرَضُوا عَنْهُ عَلى ما قالَ ﴿قُلْ هو نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿أنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿أنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ تَرْغِيبٌ في النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ ومَنعٌ مِنَ التَّقْلِيدِ، لِأنَّ هَذِهِ المَطالِبَ مَطالِبٌ شَرِيفَةٌ عالِيَةٌ، فَإنَّ بِتَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ الإنْسانُ فِيها عَلى الحَقِّ يَفُوزُ بِأعْظَمِ أبْوابِ السَّعادَةِ، وبِتَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ الإنْسانُ فِيها عَلى الباطِلِ وقَعَ في أعْظَمِ أبْوابِ الشَّقاوَةِ، فَكانَتْ هَذِهِ المَباحِثُ أنْباءً عَظِيمَةً ومَطالِبَ عالِيَةً بَهِيَّةً، وصَرِيحُ العَقْلِ يُوجِبُ عَلى الإنْسانِ أنْ يَأْتِيَ فِيها بِالِاحْتِياطِ التّامِّ، وأنْ لا يَكْتَفِيَ بِالمُساهَلَةِ والمُسامَحَةِ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما كانَ لِيَ مِن عِلْمٍ بِالمَلَإ الأعْلى إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ تَعالى رَغَّبَ المُكَلَّفِينَ في الِاحْتِياطِ في هَذِهِ المَسائِلِ الأرْبَعِ، وبالَغَ في ذَلِكَ التَّرْغِيبِ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنها نَبَأٌ عَظِيمٌ، والنَّبَأُ العَظِيمُ يَجِبُ الِاحْتِياطُ فِيهِ. الثّانِي: أنَّ المَلَأ الأعْلى اخْتَصَمُوا. وأحْسَنُ ما قِيلَ فِيهِ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: صفحة ١٩٧ ﴿إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها ويَسْفِكُ الدِّماءَ ونَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ ونُقَدِّسُ لَكَ قالَ إنِّي أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠] والمَعْنى أنَّهم قالُوا أيُّ فائِدَةٍ في خَلْقِ البَشَرِ مَعَ أنَّهم يَشْتَغِلُونَ بِقَضاءِ الشَّهْوَةِ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿مَن يُفْسِدُ فِيها﴾ وبِإمْضاءِ الغَضَبِ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ويَسْفِكُ الدِّماءَ ونَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾ فَقالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿إنِّي أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ وتَقْرِيرُ هَذا الجَوابِ واللَّهُ أعْلَمُ، أنْ يُقالَ إنَّ المَخْلُوقاتِ بِحَسَبِ القِسْمَةِ العَقْلِيَّةِ عَلى أقْسامٍ أرْبَعَةٍ: أحَدُها: الَّذِينَ حَصَلَ لَهُمُ العَقْلُ والحِكْمَةُ، ولَمْ تَحْصُلْ لَهُمُ النَّفْسُ والشَّهْوَةُ وهُمُ المَلائِكَةُ فَقَطْ. ثانِيها: الَّذِينَ حَصَلَ لَهُمُ النَّفْسُ والشَّهْوَةُ، ولَمْ يَحْصُلْ لَهُمُ العِلْمُ والحِكْمَةُ وهي البَهائِمُ. وثالِثُها: الأشْياءُ الخالِيَةُ عَنِ القِسْمَيْنِ، وهي الجَماداتُ وبَقِيَ في التَّقْسِيمِ (قِسْمٌ رابِعٌ) وهو الَّذِي حَصَلَ فِيهِ الأمْرانِ وهو الإنْسانُ، والمَقْصُودُ مِن تَخْلِيقِ الإنْسانِ لَيْسَ هو الجَهْلَ والتَّقْلِيدَ والتَّكَبُّرَ والتَّمَرُّدَ، فَإنَّ كُلَّ ذَلِكَ صِفاتُ البَهائِمِ والسِّباعِ، بَلِ المَقْصُودُ مِن تَخْلِيقِهِ ظُهُورُ العِلْمِ والحِكْمَةِ والطّاعَةِ، فَقَوْلُهُ ﴿إنِّي أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ يَعْنِي أنَّ هَذا النَّوْعَ مِنَ المَخْلُوقاتِ، وإنْ حَصَلَتْ فِيهِ الشَّهْوَةُ الدّاعِيَةُ إلى الفَسادِ والغَضَبِ الحامِلِ لَهُ عَلى سَفْكِ الدِّماءِ، لَكِنْ حَصَلَ فِيهِ العَقْلُ الَّذِي يَدْعُوهُ إلى المَعْرِفَةِ والمَحَبَّةِ والطّاعَةِ والخِدْمَةِ، وإذا ثَبَتَ أنَّهُ تَعالى إنَّما أجابَ المَلائِكَةَ بِهَذا الجَوابِ وجَبَ عَلى الإنْسانِ أنْ يَسْعى في تَحْصِيلِ هَذِهِ الصِّفاتِ، وأنْ يَجْتَهِدَ في اكْتِسابِها، وأنْ يَحْتَرِزَ عَنْ طَرِيقَةِ الجَهْلِ والتَّقْلِيدِ والإصْرارِ والتَّكَبُّرِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَكُلُّ مَن وقَفَ عَلى كَيْفِيَّةِ هَذِهِ الواقِعَةِ صارَ وُقُوفُهُ عَلَيْها داعِيًا لَهُ إلى الجِدِّ والِاجْتِهادِ في اكْتِسابِ المَعارِفِ الحَقَّةِ والأخْلاقِ الفاضِلَةِ زاجِرًا لَهُ عَنْ أضْدادِها ومُقابَلاتِها، فَلِهَذا السَّبَبِ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَذا الكَلامَ في هَذا المَقامِ. فَإنْ قِيلَ: المَلائِكَةُ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ إنَّهُمُ اخْتَصَمُوا بِسَبَبِ قَوْلِهِمْ: ﴿أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها ويَسْفِكُ الدِّماءَ﴾ [البَقَرَةِ: ٣٠] فَإنَّ المُخاصَمَةَ مَعَ اللَّهِ كُفْرٌ، قُلْنا لا شَكَّ أنَّهُ جَرى هُناكَ سُؤالٌ وجَوابٌ، وذَلِكَ يُشابِهُ المُخاصَمَةَ والمُناظَرَةَ والمُشابَهَةُ عِلَّةٌ لِجَوازِ المَجازِ، فَلِهَذا السَّبَبِ حَسُنَ إطْلاقُ لَفْظُ المُخاصَمَةِ عَلَيْهِ، ولَمّا أمَرَ اللَّهُ تَعالى مُحَمَّدًا ﷺ أنْ يَذْكُرَ هَذا الكَلامَ عَلى سَبِيلِ الرَّمْزِ أمَرَهُ أنْ يَقُولَ: ﴿إنْ يُوحى إلَيَّ إلّا أنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ يَعْنِي أنا ما عَرَفْتُ هَذِهِ المُخاصَمَةَ إلّا بِالوَحْيِ، وإنَّما أوْحى اللَّهُ إلَيَّ هَذِهِ القِصَّةَ لِأُنْذِرَكم بِها ولِتَصِيرَ هَذِهِ القِصَّةُ حامِلَةً لَكم عَلى الإخْلاصِ في الطّاعَةِ والِاحْتِرازِ عَنِ الجَهْلِ والتَّقْلِيدِ.

ص 38:71

صفحة ١٩٨ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ﴾ ﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ ﴿فَسَجَدَ المَلائِكَةُ كُلُّهم أجْمَعُونَ﴾ ﴿إلّا إبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وكانَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ ﴿قالَ ياإبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أأسْتَكْبَرْتَ أمْ كُنْتَ مِنَ العالِينَ﴾ ﴿قالَ أنا خَيْرٌ مِنهُ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ ﴿قالَ فاخْرُجْ مِنها فَإنَّكَ رَجِيمٌ﴾ ﴿وإنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إلى يَوْمِ الدِّينِ﴾ ﴿قالَ رَبِّ فَأنْظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ ﴿قالَ فَإنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ﴾ ﴿إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ﴾ ﴿قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلّا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ﴾ ﴿قالَ فالحَقُّ والحَقَّ أقُولُ﴾ ﴿لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ ومِمَّنْ تَبِعَكَ مِنهم أجْمَعِينَ﴾ . اعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن ذِكْرِ هَذِهِ القِصَّةِ المَنعُ مِنَ الحَسَدِ والكِبْرِ، وذَلِكَ لِأنَّ إبْلِيسَ، إنَّما وقَعَ فِيما وقَعَ فِيهِ بِسَبَبِ الحَسَدِ والكِبْرِ، والكَفّارُ إنَّما نازَعُوا مُحَمَّدًا عَلَيْهِ السَّلامُ بِسَبَبِ الحَسَدِ والكِبْرِ، فاللَّهُ تَعالى ذَكَرَ هَذِهِ القِصَّةَ هَهُنا لِيَصِيرَ سَماعُها زاجِرًا لَهم عَنْ هاتَيْنِ الخَصْلَتَيْنِ المَذْمُومَتَيْنِ، والحاصِلُ أنَّهُ تَعالى رَغَّبَ المُكَلَّفِينَ في النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ، ومَنَعَهم عَنِ الإصْرارِ والتَّقْلِيدِ وذَكَرَ في تَقْرِيرِهِ أُمُورًا أرْبَعَةً: أوَّلُها: أنَّهُ نَبَأٌ عَظِيمٌ فَيَجِبُ الِاحْتِياطُ فِيهِ. والثّانِي: أنَّ قِصَّةَ سُؤالِ المَلائِكَةِ عَنِ الحِكْمَةِ في تَخْلِيقِ البَشَرِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الحِكْمَةَ الأصْلِيَّةَ في تَخْلِيقِ آدَمَ هو المَعْرِفَةُ والطّاعَةُ لا الجَهْلُ والتَّكَبُّرُ. الثّالِثُ: أنَّ إبْلِيسَ إنَّما خاصَمَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِأجْلِ الحَسَدِ والكِبْرِ فَيَجِبُ عَلى العاقِلِ أنْ يَحْتَرِزَ عَنْهُما، فَهَذا هو وجْهُ النَّظْمِ في هَذِهِ الآياتِ، واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ القِصَّةَ قَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُها في سُوَرٍ كَثِيرَةٍ، فَلا فائِدَةَ في الإعادَةِ إلّا ما لا بُدَّ مِنهُ وفِيها مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: في قَوْلِهِ: ﴿إنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ﴾ سُؤالاتٌ: الأوَّلُ: أنَّ هَذا النَّظْمَ إنَّما يَصِحُّ لَوْ أمْكَنَ خَلْقُ البَشَرِ لا مِنَ الطِّينِ، كَما إذا قِيلَ أنا مُتَّخِذٌ سُوارًا مِن ذَهَبٍ، فَهَذا إنَّما يَسْتَقِيمُ لَوْ أمْكَنَ اتِّخاذُهُ مِنَ الفِضَّةِ. الثّانِي: ذَكَرَ هَهُنا أنَّهُ خَلَقَ البَشَرَ مِن طِينٍ، وفي سائِرِ الآياتِ ذَكَرَ أنَّهُ خَلَقَهُ مِن سائِرِ الأشْياءِ كَقَوْلِهِ تَعالى في آدَمَ إنَّهُ خَلَقَهُ مِن تُرابٍ، وكَقَوْلِهِ: ﴿مِن صَلْصالٍ مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ [الحِجْرِ: ٢٨] وكَقَوْلِهِ: ﴿خُلِقَ الإنْسانُ مِن عَجَلٍ﴾ [الأنْبِياءِ: ٣٧] . الثّالِثُ: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى لَمّا أخْبَرَ المَلائِكَةَ بِأنَّهُ خَلَقَ بَشَرًا مِن طِينٍ. لَمْ يَقُولُوا شَيْئًا، وفي الآيَةِ الأُخْرى وهي الَّتِي قالَ: ﴿إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ بَيَّنَ أنَّهم أوْرَدُوا السُّؤالَ والجَوابَ فَبَيْنَهُما تَناقُضٌ، والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ أنَّ التَّقْدِيرَ كَأنَّهُ سُبْحانَهُ وصَفَ لَهم أوَّلًا أنَّ البَشَرَ شَخْصٌ جامِعٌ لِلْقُوَّةِ البَهِيمِيَّةِ والسَّبْعِيَّةِ والشَّيْطانِيَّةِ والمَلَكِيَّةِ، فَلَمّا قالَ: ﴿إنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ﴾ فَكَأنَّهُ قالَ ذَلِكَ الشَّخْصُ المُسْتَجْمِعُ لِتِلْكَ الصِّفاتِ، إنَّما أخْلُقُهُ مِنَ الطِّينِ. والجَوابُ عَنِ الثّانِي أنَّ المادَّةَ البَعِيدَةَ هو التُّرابُ، وأقْرَبُ مِنهُ الطِّينُ، وأقْرَبُ مِنهُ الحَمَأُ المَسْنُونُ، وأقْرَبُ مِنهُ الصَّلْصالُ فَثَبَتَ أنَّهُ لا مُنافاةَ بَيْنَ الكُلِّ. والجَوابُ عَنِ الثّالِثِ أنَّهُ في الآيَةِ المَذْكُورَةِ في سُورَةِ البَقَرَةِ بَيَّنَ لَهم أنَّهُ يَخْلُقُ في الأرْضِ خَلِيفَةً، وبِالآيَةِ المَذْكُورَةِ هَهُنا بَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ الخَلِيفَةَ بَشَرٌ مَخْلُوقٌ مِنَ الطِّينِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ: ﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ تَخْلِيقَ البَشَرِ لا يَتِمُّ إلّا بِأمْرَيْنِ التَّسْوِيَةُ أوَّلًا، ثُمَّ نَفْخُ الرُّوحِ ثانِيًا، وهَذا حَقٌّ لِأنَّ الإنْسانَ مُرَكَّبٌ مِن جَسَدٍ ونَفْسٍ. صفحة ١٩٩ أمّا الجَسَدُ فَإنَّهُ إنَّما يَتَوَلَّدُ مِنَ المَنِيِّ، والمَنِيُّ إنَّما يَتَوَلَّدُ مِن دَمِ الطَّمْثِ وهو إنَّما يَتَوَلَّدُ مِنَ الأخْلاطِ الأرْبَعَةِ، وهي إنَّما تَتَوَلَّدُ مِنَ الأرْكانِ الأرْبَعَةِ، ولا بُدَّ في حُصُولِ هَذِهِ التَّسْوِيَةِ مِن رِعايَةِ مِقْدارٍ مَخْصُوصٍ لِكُلِّ واحِدٍ مِنها، ومِن رِعايَةِ كَيْفِيَّةِ امْتِزاجاتِها وتَرْكِيباتِها، ومِن رِعايَةِ المُدَّةِ الَّتِي في مِثْلِها حَصَلَ ذَلِكَ المِزاجُ الَّذِي لِأجْلِهِ يَحْصُلُ الِاسْتِعْدادُ لِقَبُولِ النَّفْسِ النّاطِقَةِ. وأمّا النَّفْسُ فَإلَيْها الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي﴾ ولَمّا أضافَ الرُّوحَ إلى نَفْسِهِ دَلَّ عَلى أنَّهُ جَوْهَرٌ شَرِيفٌ عُلْوِيٌّ قُدْسِيٌّ، وذَهَبَتِ الحُلُولِيَّةُ إلى أنَّ كَلِمَةَ ”مِن“ تَدُلُّ عَلى التَّبْعِيضِ، وهَذا يُوهِمُ أنَّ الرُّوحَ جُزْءٌ مِن أجْزاءِ اللَّهِ تَعالى، وهَذا غايَةُ الفَسادِ، لِأنَّ كُلَّ ما لَهُ جُزْءٌ وكُلٌّ، فَهو مُرَكَّبٌ ومُمْكِنُ الوُجُودِ لِذاتِهِ ومُحْدَثٌ. وأمّا كَيْفِيَّةُ نَفْخِ الرُّوحِ، فاعْلَمْ أنَّ الأقْرَبَ أنَّ جَوْهَرَ النَّفْسِ عِبارَةٌ عَنْ أجْسامٍ شَفّافَةٍ نُورانِيَّةٍ، عُلْوِيَّةِ العُنْصُرِ، قُدْسِيَّةِ الجَوْهَرِ، وهي تَسْرِي في البَدَنِ سَرَيانَ الضَّوْءِ في الهَواءِ، وسَرَيانَ النّارِ في الفَحْمِ، فَهَذا القَدْرُ مَعْلُومٌ. أمّا كَيْفِيَّةُ ذَلِكَ النَّفْخِ فَمِمّا لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ تَعالى. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ كَما تَمَّ نَفْخُ الرَّوْحِ في الجَسَدِ تَوَّجَهُ أمْرُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ بِالسُّجُودِ، وأمّا أنَّ المَأْمُورَ بِذَلِكَ السُّجُودِ مَلائِكَةُ الأرْضِ، أوْ دَخَلَ فِيهِ مَلائِكَةُ السَّماواتِ مِثْلُ جِبْرِيلَ ومِيكائِيلَ، والرُّوحِ الأعْظَمِ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ والمَلائِكَةُ صَفًّا﴾ [النَّبَأِ: ٣٨] فَفِيهِ مَباحِثٌ عَمِيقَةٌ. وقالَ بَعْضُ الصُّوفِيَّةِ: المَلائِكَةُ الَّذِينَ أُمِرُوا بِالسُّجُودِ لِآدَمَ، هُمُ القُوى النَّباتِيَّةُ والحَيَوانِيَّةُ الحِسِّيَّةُ والحَرَكِيَّةُ، فَإنَّها في بَدَنِ الإنْسانِ خَوادِمُ النَّفْسِ النّاطِقَةِ، وإبْلِيسُ الَّذِي لَمْ يَسْجُدْ هو القُوَّةُ الوَهْمِيَّةُ الَّتِي هي المُنازِعَةُ لِجَوْهَرِ العَقْلِ، والكَلامُ فِيهِ طَوِيلٌ. وأمّا بَقِيَّةُ المَسائِلِ وهي: كَيْفِيَّةُ سُجُودِ المَلائِكَةِ لِآدَمَ، وأنَّ ذَلِكَ هَلْ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ أفْضَلَ مِنَ المَلائِكَةِ أمْ لا، وأنَّ إبْلِيسَ هَلْ كانَ مِنَ المَلائِكَةِ أمْ لا، وأنَّهُ هَلْ كانَ كافِرًا أصْلِيًّا أمْ لا، فَكُلُّ ذَلِكَ تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ وغَيْرِها.

ص 38:72

صفحة ١٩٨ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ﴾ ﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ ﴿فَسَجَدَ المَلائِكَةُ كُلُّهم أجْمَعُونَ﴾ ﴿إلّا إبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وكانَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ ﴿قالَ ياإبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أأسْتَكْبَرْتَ أمْ كُنْتَ مِنَ العالِينَ﴾ ﴿قالَ أنا خَيْرٌ مِنهُ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ ﴿قالَ فاخْرُجْ مِنها فَإنَّكَ رَجِيمٌ﴾ ﴿وإنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إلى يَوْمِ الدِّينِ﴾ ﴿قالَ رَبِّ فَأنْظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ ﴿قالَ فَإنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ﴾ ﴿إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ﴾ ﴿قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلّا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ﴾ ﴿قالَ فالحَقُّ والحَقَّ أقُولُ﴾ ﴿لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ ومِمَّنْ تَبِعَكَ مِنهم أجْمَعِينَ﴾ . اعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن ذِكْرِ هَذِهِ القِصَّةِ المَنعُ مِنَ الحَسَدِ والكِبْرِ، وذَلِكَ لِأنَّ إبْلِيسَ، إنَّما وقَعَ فِيما وقَعَ فِيهِ بِسَبَبِ الحَسَدِ والكِبْرِ، والكَفّارُ إنَّما نازَعُوا مُحَمَّدًا عَلَيْهِ السَّلامُ بِسَبَبِ الحَسَدِ والكِبْرِ، فاللَّهُ تَعالى ذَكَرَ هَذِهِ القِصَّةَ هَهُنا لِيَصِيرَ سَماعُها زاجِرًا لَهم عَنْ هاتَيْنِ الخَصْلَتَيْنِ المَذْمُومَتَيْنِ، والحاصِلُ أنَّهُ تَعالى رَغَّبَ المُكَلَّفِينَ في النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ، ومَنَعَهم عَنِ الإصْرارِ والتَّقْلِيدِ وذَكَرَ في تَقْرِيرِهِ أُمُورًا أرْبَعَةً: أوَّلُها: أنَّهُ نَبَأٌ عَظِيمٌ فَيَجِبُ الِاحْتِياطُ فِيهِ. والثّانِي: أنَّ قِصَّةَ سُؤالِ المَلائِكَةِ عَنِ الحِكْمَةِ في تَخْلِيقِ البَشَرِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الحِكْمَةَ الأصْلِيَّةَ في تَخْلِيقِ آدَمَ هو المَعْرِفَةُ والطّاعَةُ لا الجَهْلُ والتَّكَبُّرُ. الثّالِثُ: أنَّ إبْلِيسَ إنَّما خاصَمَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِأجْلِ الحَسَدِ والكِبْرِ فَيَجِبُ عَلى العاقِلِ أنْ يَحْتَرِزَ عَنْهُما، فَهَذا هو وجْهُ النَّظْمِ في هَذِهِ الآياتِ، واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ القِصَّةَ قَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُها في سُوَرٍ كَثِيرَةٍ، فَلا فائِدَةَ في الإعادَةِ إلّا ما لا بُدَّ مِنهُ وفِيها مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: في قَوْلِهِ: ﴿إنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ﴾ سُؤالاتٌ: الأوَّلُ: أنَّ هَذا النَّظْمَ إنَّما يَصِحُّ لَوْ أمْكَنَ خَلْقُ البَشَرِ لا مِنَ الطِّينِ، كَما إذا قِيلَ أنا مُتَّخِذٌ سُوارًا مِن ذَهَبٍ، فَهَذا إنَّما يَسْتَقِيمُ لَوْ أمْكَنَ اتِّخاذُهُ مِنَ الفِضَّةِ. الثّانِي: ذَكَرَ هَهُنا أنَّهُ خَلَقَ البَشَرَ مِن طِينٍ، وفي سائِرِ الآياتِ ذَكَرَ أنَّهُ خَلَقَهُ مِن سائِرِ الأشْياءِ كَقَوْلِهِ تَعالى في آدَمَ إنَّهُ خَلَقَهُ مِن تُرابٍ، وكَقَوْلِهِ: ﴿مِن صَلْصالٍ مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ [الحِجْرِ: ٢٨] وكَقَوْلِهِ: ﴿خُلِقَ الإنْسانُ مِن عَجَلٍ﴾ [الأنْبِياءِ: ٣٧] . الثّالِثُ: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى لَمّا أخْبَرَ المَلائِكَةَ بِأنَّهُ خَلَقَ بَشَرًا مِن طِينٍ. لَمْ يَقُولُوا شَيْئًا، وفي الآيَةِ الأُخْرى وهي الَّتِي قالَ: ﴿إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ بَيَّنَ أنَّهم أوْرَدُوا السُّؤالَ والجَوابَ فَبَيْنَهُما تَناقُضٌ، والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ أنَّ التَّقْدِيرَ كَأنَّهُ سُبْحانَهُ وصَفَ لَهم أوَّلًا أنَّ البَشَرَ شَخْصٌ جامِعٌ لِلْقُوَّةِ البَهِيمِيَّةِ والسَّبْعِيَّةِ والشَّيْطانِيَّةِ والمَلَكِيَّةِ، فَلَمّا قالَ: ﴿إنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ﴾ فَكَأنَّهُ قالَ ذَلِكَ الشَّخْصُ المُسْتَجْمِعُ لِتِلْكَ الصِّفاتِ، إنَّما أخْلُقُهُ مِنَ الطِّينِ. والجَوابُ عَنِ الثّانِي أنَّ المادَّةَ البَعِيدَةَ هو التُّرابُ، وأقْرَبُ مِنهُ الطِّينُ، وأقْرَبُ مِنهُ الحَمَأُ المَسْنُونُ، وأقْرَبُ مِنهُ الصَّلْصالُ فَثَبَتَ أنَّهُ لا مُنافاةَ بَيْنَ الكُلِّ. والجَوابُ عَنِ الثّالِثِ أنَّهُ في الآيَةِ المَذْكُورَةِ في سُورَةِ البَقَرَةِ بَيَّنَ لَهم أنَّهُ يَخْلُقُ في الأرْضِ خَلِيفَةً، وبِالآيَةِ المَذْكُورَةِ هَهُنا بَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ الخَلِيفَةَ بَشَرٌ مَخْلُوقٌ مِنَ الطِّينِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ: ﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ تَخْلِيقَ البَشَرِ لا يَتِمُّ إلّا بِأمْرَيْنِ التَّسْوِيَةُ أوَّلًا، ثُمَّ نَفْخُ الرُّوحِ ثانِيًا، وهَذا حَقٌّ لِأنَّ الإنْسانَ مُرَكَّبٌ مِن جَسَدٍ ونَفْسٍ. صفحة ١٩٩ أمّا الجَسَدُ فَإنَّهُ إنَّما يَتَوَلَّدُ مِنَ المَنِيِّ، والمَنِيُّ إنَّما يَتَوَلَّدُ مِن دَمِ الطَّمْثِ وهو إنَّما يَتَوَلَّدُ مِنَ الأخْلاطِ الأرْبَعَةِ، وهي إنَّما تَتَوَلَّدُ مِنَ الأرْكانِ الأرْبَعَةِ، ولا بُدَّ في حُصُولِ هَذِهِ التَّسْوِيَةِ مِن رِعايَةِ مِقْدارٍ مَخْصُوصٍ لِكُلِّ واحِدٍ مِنها، ومِن رِعايَةِ كَيْفِيَّةِ امْتِزاجاتِها وتَرْكِيباتِها، ومِن رِعايَةِ المُدَّةِ الَّتِي في مِثْلِها حَصَلَ ذَلِكَ المِزاجُ الَّذِي لِأجْلِهِ يَحْصُلُ الِاسْتِعْدادُ لِقَبُولِ النَّفْسِ النّاطِقَةِ. وأمّا النَّفْسُ فَإلَيْها الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي﴾ ولَمّا أضافَ الرُّوحَ إلى نَفْسِهِ دَلَّ عَلى أنَّهُ جَوْهَرٌ شَرِيفٌ عُلْوِيٌّ قُدْسِيٌّ، وذَهَبَتِ الحُلُولِيَّةُ إلى أنَّ كَلِمَةَ ”مِن“ تَدُلُّ عَلى التَّبْعِيضِ، وهَذا يُوهِمُ أنَّ الرُّوحَ جُزْءٌ مِن أجْزاءِ اللَّهِ تَعالى، وهَذا غايَةُ الفَسادِ، لِأنَّ كُلَّ ما لَهُ جُزْءٌ وكُلٌّ، فَهو مُرَكَّبٌ ومُمْكِنُ الوُجُودِ لِذاتِهِ ومُحْدَثٌ. وأمّا كَيْفِيَّةُ نَفْخِ الرُّوحِ، فاعْلَمْ أنَّ الأقْرَبَ أنَّ جَوْهَرَ النَّفْسِ عِبارَةٌ عَنْ أجْسامٍ شَفّافَةٍ نُورانِيَّةٍ، عُلْوِيَّةِ العُنْصُرِ، قُدْسِيَّةِ الجَوْهَرِ، وهي تَسْرِي في البَدَنِ سَرَيانَ الضَّوْءِ في الهَواءِ، وسَرَيانَ النّارِ في الفَحْمِ، فَهَذا القَدْرُ مَعْلُومٌ. أمّا كَيْفِيَّةُ ذَلِكَ النَّفْخِ فَمِمّا لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ تَعالى. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ كَما تَمَّ نَفْخُ الرَّوْحِ في الجَسَدِ تَوَّجَهُ أمْرُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ بِالسُّجُودِ، وأمّا أنَّ المَأْمُورَ بِذَلِكَ السُّجُودِ مَلائِكَةُ الأرْضِ، أوْ دَخَلَ فِيهِ مَلائِكَةُ السَّماواتِ مِثْلُ جِبْرِيلَ ومِيكائِيلَ، والرُّوحِ الأعْظَمِ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ والمَلائِكَةُ صَفًّا﴾ [النَّبَأِ: ٣٨] فَفِيهِ مَباحِثٌ عَمِيقَةٌ. وقالَ بَعْضُ الصُّوفِيَّةِ: المَلائِكَةُ الَّذِينَ أُمِرُوا بِالسُّجُودِ لِآدَمَ، هُمُ القُوى النَّباتِيَّةُ والحَيَوانِيَّةُ الحِسِّيَّةُ والحَرَكِيَّةُ، فَإنَّها في بَدَنِ الإنْسانِ خَوادِمُ النَّفْسِ النّاطِقَةِ، وإبْلِيسُ الَّذِي لَمْ يَسْجُدْ هو القُوَّةُ الوَهْمِيَّةُ الَّتِي هي المُنازِعَةُ لِجَوْهَرِ العَقْلِ، والكَلامُ فِيهِ طَوِيلٌ. وأمّا بَقِيَّةُ المَسائِلِ وهي: كَيْفِيَّةُ سُجُودِ المَلائِكَةِ لِآدَمَ، وأنَّ ذَلِكَ هَلْ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ أفْضَلَ مِنَ المَلائِكَةِ أمْ لا، وأنَّ إبْلِيسَ هَلْ كانَ مِنَ المَلائِكَةِ أمْ لا، وأنَّهُ هَلْ كانَ كافِرًا أصْلِيًّا أمْ لا، فَكُلُّ ذَلِكَ تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ وغَيْرِها.

ص 38:73

صفحة ١٩٨ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ﴾ ﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ ﴿فَسَجَدَ المَلائِكَةُ كُلُّهم أجْمَعُونَ﴾ ﴿إلّا إبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وكانَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ ﴿قالَ ياإبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أأسْتَكْبَرْتَ أمْ كُنْتَ مِنَ العالِينَ﴾ ﴿قالَ أنا خَيْرٌ مِنهُ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ ﴿قالَ فاخْرُجْ مِنها فَإنَّكَ رَجِيمٌ﴾ ﴿وإنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إلى يَوْمِ الدِّينِ﴾ ﴿قالَ رَبِّ فَأنْظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ ﴿قالَ فَإنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ﴾ ﴿إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ﴾ ﴿قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلّا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ﴾ ﴿قالَ فالحَقُّ والحَقَّ أقُولُ﴾ ﴿لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ ومِمَّنْ تَبِعَكَ مِنهم أجْمَعِينَ﴾ . اعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن ذِكْرِ هَذِهِ القِصَّةِ المَنعُ مِنَ الحَسَدِ والكِبْرِ، وذَلِكَ لِأنَّ إبْلِيسَ، إنَّما وقَعَ فِيما وقَعَ فِيهِ بِسَبَبِ الحَسَدِ والكِبْرِ، والكَفّارُ إنَّما نازَعُوا مُحَمَّدًا عَلَيْهِ السَّلامُ بِسَبَبِ الحَسَدِ والكِبْرِ، فاللَّهُ تَعالى ذَكَرَ هَذِهِ القِصَّةَ هَهُنا لِيَصِيرَ سَماعُها زاجِرًا لَهم عَنْ هاتَيْنِ الخَصْلَتَيْنِ المَذْمُومَتَيْنِ، والحاصِلُ أنَّهُ تَعالى رَغَّبَ المُكَلَّفِينَ في النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ، ومَنَعَهم عَنِ الإصْرارِ والتَّقْلِيدِ وذَكَرَ في تَقْرِيرِهِ أُمُورًا أرْبَعَةً: أوَّلُها: أنَّهُ نَبَأٌ عَظِيمٌ فَيَجِبُ الِاحْتِياطُ فِيهِ. والثّانِي: أنَّ قِصَّةَ سُؤالِ المَلائِكَةِ عَنِ الحِكْمَةِ في تَخْلِيقِ البَشَرِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الحِكْمَةَ الأصْلِيَّةَ في تَخْلِيقِ آدَمَ هو المَعْرِفَةُ والطّاعَةُ لا الجَهْلُ والتَّكَبُّرُ. الثّالِثُ: أنَّ إبْلِيسَ إنَّما خاصَمَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِأجْلِ الحَسَدِ والكِبْرِ فَيَجِبُ عَلى العاقِلِ أنْ يَحْتَرِزَ عَنْهُما، فَهَذا هو وجْهُ النَّظْمِ في هَذِهِ الآياتِ، واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ القِصَّةَ قَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُها في سُوَرٍ كَثِيرَةٍ، فَلا فائِدَةَ في الإعادَةِ إلّا ما لا بُدَّ مِنهُ وفِيها مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: في قَوْلِهِ: ﴿إنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ﴾ سُؤالاتٌ: الأوَّلُ: أنَّ هَذا النَّظْمَ إنَّما يَصِحُّ لَوْ أمْكَنَ خَلْقُ البَشَرِ لا مِنَ الطِّينِ، كَما إذا قِيلَ أنا مُتَّخِذٌ سُوارًا مِن ذَهَبٍ، فَهَذا إنَّما يَسْتَقِيمُ لَوْ أمْكَنَ اتِّخاذُهُ مِنَ الفِضَّةِ. الثّانِي: ذَكَرَ هَهُنا أنَّهُ خَلَقَ البَشَرَ مِن طِينٍ، وفي سائِرِ الآياتِ ذَكَرَ أنَّهُ خَلَقَهُ مِن سائِرِ الأشْياءِ كَقَوْلِهِ تَعالى في آدَمَ إنَّهُ خَلَقَهُ مِن تُرابٍ، وكَقَوْلِهِ: ﴿مِن صَلْصالٍ مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ [الحِجْرِ: ٢٨] وكَقَوْلِهِ: ﴿خُلِقَ الإنْسانُ مِن عَجَلٍ﴾ [الأنْبِياءِ: ٣٧] . الثّالِثُ: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى لَمّا أخْبَرَ المَلائِكَةَ بِأنَّهُ خَلَقَ بَشَرًا مِن طِينٍ. لَمْ يَقُولُوا شَيْئًا، وفي الآيَةِ الأُخْرى وهي الَّتِي قالَ: ﴿إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ بَيَّنَ أنَّهم أوْرَدُوا السُّؤالَ والجَوابَ فَبَيْنَهُما تَناقُضٌ، والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ أنَّ التَّقْدِيرَ كَأنَّهُ سُبْحانَهُ وصَفَ لَهم أوَّلًا أنَّ البَشَرَ شَخْصٌ جامِعٌ لِلْقُوَّةِ البَهِيمِيَّةِ والسَّبْعِيَّةِ والشَّيْطانِيَّةِ والمَلَكِيَّةِ، فَلَمّا قالَ: ﴿إنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ﴾ فَكَأنَّهُ قالَ ذَلِكَ الشَّخْصُ المُسْتَجْمِعُ لِتِلْكَ الصِّفاتِ، إنَّما أخْلُقُهُ مِنَ الطِّينِ. والجَوابُ عَنِ الثّانِي أنَّ المادَّةَ البَعِيدَةَ هو التُّرابُ، وأقْرَبُ مِنهُ الطِّينُ، وأقْرَبُ مِنهُ الحَمَأُ المَسْنُونُ، وأقْرَبُ مِنهُ الصَّلْصالُ فَثَبَتَ أنَّهُ لا مُنافاةَ بَيْنَ الكُلِّ. والجَوابُ عَنِ الثّالِثِ أنَّهُ في الآيَةِ المَذْكُورَةِ في سُورَةِ البَقَرَةِ بَيَّنَ لَهم أنَّهُ يَخْلُقُ في الأرْضِ خَلِيفَةً، وبِالآيَةِ المَذْكُورَةِ هَهُنا بَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ الخَلِيفَةَ بَشَرٌ مَخْلُوقٌ مِنَ الطِّينِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ: ﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ تَخْلِيقَ البَشَرِ لا يَتِمُّ إلّا بِأمْرَيْنِ التَّسْوِيَةُ أوَّلًا، ثُمَّ نَفْخُ الرُّوحِ ثانِيًا، وهَذا حَقٌّ لِأنَّ الإنْسانَ مُرَكَّبٌ مِن جَسَدٍ ونَفْسٍ. صفحة ١٩٩ أمّا الجَسَدُ فَإنَّهُ إنَّما يَتَوَلَّدُ مِنَ المَنِيِّ، والمَنِيُّ إنَّما يَتَوَلَّدُ مِن دَمِ الطَّمْثِ وهو إنَّما يَتَوَلَّدُ مِنَ الأخْلاطِ الأرْبَعَةِ، وهي إنَّما تَتَوَلَّدُ مِنَ الأرْكانِ الأرْبَعَةِ، ولا بُدَّ في حُصُولِ هَذِهِ التَّسْوِيَةِ مِن رِعايَةِ مِقْدارٍ مَخْصُوصٍ لِكُلِّ واحِدٍ مِنها، ومِن رِعايَةِ كَيْفِيَّةِ امْتِزاجاتِها وتَرْكِيباتِها، ومِن رِعايَةِ المُدَّةِ الَّتِي في مِثْلِها حَصَلَ ذَلِكَ المِزاجُ الَّذِي لِأجْلِهِ يَحْصُلُ الِاسْتِعْدادُ لِقَبُولِ النَّفْسِ النّاطِقَةِ. وأمّا النَّفْسُ فَإلَيْها الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي﴾ ولَمّا أضافَ الرُّوحَ إلى نَفْسِهِ دَلَّ عَلى أنَّهُ جَوْهَرٌ شَرِيفٌ عُلْوِيٌّ قُدْسِيٌّ، وذَهَبَتِ الحُلُولِيَّةُ إلى أنَّ كَلِمَةَ ”مِن“ تَدُلُّ عَلى التَّبْعِيضِ، وهَذا يُوهِمُ أنَّ الرُّوحَ جُزْءٌ مِن أجْزاءِ اللَّهِ تَعالى، وهَذا غايَةُ الفَسادِ، لِأنَّ كُلَّ ما لَهُ جُزْءٌ وكُلٌّ، فَهو مُرَكَّبٌ ومُمْكِنُ الوُجُودِ لِذاتِهِ ومُحْدَثٌ. وأمّا كَيْفِيَّةُ نَفْخِ الرُّوحِ، فاعْلَمْ أنَّ الأقْرَبَ أنَّ جَوْهَرَ النَّفْسِ عِبارَةٌ عَنْ أجْسامٍ شَفّافَةٍ نُورانِيَّةٍ، عُلْوِيَّةِ العُنْصُرِ، قُدْسِيَّةِ الجَوْهَرِ، وهي تَسْرِي في البَدَنِ سَرَيانَ الضَّوْءِ في الهَواءِ، وسَرَيانَ النّارِ في الفَحْمِ، فَهَذا القَدْرُ مَعْلُومٌ. أمّا كَيْفِيَّةُ ذَلِكَ النَّفْخِ فَمِمّا لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ تَعالى. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ كَما تَمَّ نَفْخُ الرَّوْحِ في الجَسَدِ تَوَّجَهُ أمْرُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ بِالسُّجُودِ، وأمّا أنَّ المَأْمُورَ بِذَلِكَ السُّجُودِ مَلائِكَةُ الأرْضِ، أوْ دَخَلَ فِيهِ مَلائِكَةُ السَّماواتِ مِثْلُ جِبْرِيلَ ومِيكائِيلَ، والرُّوحِ الأعْظَمِ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ والمَلائِكَةُ صَفًّا﴾ [النَّبَأِ: ٣٨] فَفِيهِ مَباحِثٌ عَمِيقَةٌ. وقالَ بَعْضُ الصُّوفِيَّةِ: المَلائِكَةُ الَّذِينَ أُمِرُوا بِالسُّجُودِ لِآدَمَ، هُمُ القُوى النَّباتِيَّةُ والحَيَوانِيَّةُ الحِسِّيَّةُ والحَرَكِيَّةُ، فَإنَّها في بَدَنِ الإنْسانِ خَوادِمُ النَّفْسِ النّاطِقَةِ، وإبْلِيسُ الَّذِي لَمْ يَسْجُدْ هو القُوَّةُ الوَهْمِيَّةُ الَّتِي هي المُنازِعَةُ لِجَوْهَرِ العَقْلِ، والكَلامُ فِيهِ طَوِيلٌ. وأمّا بَقِيَّةُ المَسائِلِ وهي: كَيْفِيَّةُ سُجُودِ المَلائِكَةِ لِآدَمَ، وأنَّ ذَلِكَ هَلْ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ أفْضَلَ مِنَ المَلائِكَةِ أمْ لا، وأنَّ إبْلِيسَ هَلْ كانَ مِنَ المَلائِكَةِ أمْ لا، وأنَّهُ هَلْ كانَ كافِرًا أصْلِيًّا أمْ لا، فَكُلُّ ذَلِكَ تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ وغَيْرِها.

ص 38:74

صفحة ١٩٨ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ﴾ ﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ ﴿فَسَجَدَ المَلائِكَةُ كُلُّهم أجْمَعُونَ﴾ ﴿إلّا إبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وكانَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ ﴿قالَ ياإبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أأسْتَكْبَرْتَ أمْ كُنْتَ مِنَ العالِينَ﴾ ﴿قالَ أنا خَيْرٌ مِنهُ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ ﴿قالَ فاخْرُجْ مِنها فَإنَّكَ رَجِيمٌ﴾ ﴿وإنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إلى يَوْمِ الدِّينِ﴾ ﴿قالَ رَبِّ فَأنْظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ ﴿قالَ فَإنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ﴾ ﴿إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ﴾ ﴿قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلّا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ﴾ ﴿قالَ فالحَقُّ والحَقَّ أقُولُ﴾ ﴿لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ ومِمَّنْ تَبِعَكَ مِنهم أجْمَعِينَ﴾ . اعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن ذِكْرِ هَذِهِ القِصَّةِ المَنعُ مِنَ الحَسَدِ والكِبْرِ، وذَلِكَ لِأنَّ إبْلِيسَ، إنَّما وقَعَ فِيما وقَعَ فِيهِ بِسَبَبِ الحَسَدِ والكِبْرِ، والكَفّارُ إنَّما نازَعُوا مُحَمَّدًا عَلَيْهِ السَّلامُ بِسَبَبِ الحَسَدِ والكِبْرِ، فاللَّهُ تَعالى ذَكَرَ هَذِهِ القِصَّةَ هَهُنا لِيَصِيرَ سَماعُها زاجِرًا لَهم عَنْ هاتَيْنِ الخَصْلَتَيْنِ المَذْمُومَتَيْنِ، والحاصِلُ أنَّهُ تَعالى رَغَّبَ المُكَلَّفِينَ في النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ، ومَنَعَهم عَنِ الإصْرارِ والتَّقْلِيدِ وذَكَرَ في تَقْرِيرِهِ أُمُورًا أرْبَعَةً: أوَّلُها: أنَّهُ نَبَأٌ عَظِيمٌ فَيَجِبُ الِاحْتِياطُ فِيهِ. والثّانِي: أنَّ قِصَّةَ سُؤالِ المَلائِكَةِ عَنِ الحِكْمَةِ في تَخْلِيقِ البَشَرِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الحِكْمَةَ الأصْلِيَّةَ في تَخْلِيقِ آدَمَ هو المَعْرِفَةُ والطّاعَةُ لا الجَهْلُ والتَّكَبُّرُ. الثّالِثُ: أنَّ إبْلِيسَ إنَّما خاصَمَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِأجْلِ الحَسَدِ والكِبْرِ فَيَجِبُ عَلى العاقِلِ أنْ يَحْتَرِزَ عَنْهُما، فَهَذا هو وجْهُ النَّظْمِ في هَذِهِ الآياتِ، واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ القِصَّةَ قَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُها في سُوَرٍ كَثِيرَةٍ، فَلا فائِدَةَ في الإعادَةِ إلّا ما لا بُدَّ مِنهُ وفِيها مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: في قَوْلِهِ: ﴿إنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ﴾ سُؤالاتٌ: الأوَّلُ: أنَّ هَذا النَّظْمَ إنَّما يَصِحُّ لَوْ أمْكَنَ خَلْقُ البَشَرِ لا مِنَ الطِّينِ، كَما إذا قِيلَ أنا مُتَّخِذٌ سُوارًا مِن ذَهَبٍ، فَهَذا إنَّما يَسْتَقِيمُ لَوْ أمْكَنَ اتِّخاذُهُ مِنَ الفِضَّةِ. الثّانِي: ذَكَرَ هَهُنا أنَّهُ خَلَقَ البَشَرَ مِن طِينٍ، وفي سائِرِ الآياتِ ذَكَرَ أنَّهُ خَلَقَهُ مِن سائِرِ الأشْياءِ كَقَوْلِهِ تَعالى في آدَمَ إنَّهُ خَلَقَهُ مِن تُرابٍ، وكَقَوْلِهِ: ﴿مِن صَلْصالٍ مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ [الحِجْرِ: ٢٨] وكَقَوْلِهِ: ﴿خُلِقَ الإنْسانُ مِن عَجَلٍ﴾ [الأنْبِياءِ: ٣٧] . الثّالِثُ: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى لَمّا أخْبَرَ المَلائِكَةَ بِأنَّهُ خَلَقَ بَشَرًا مِن طِينٍ. لَمْ يَقُولُوا شَيْئًا، وفي الآيَةِ الأُخْرى وهي الَّتِي قالَ: ﴿إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ بَيَّنَ أنَّهم أوْرَدُوا السُّؤالَ والجَوابَ فَبَيْنَهُما تَناقُضٌ، والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ أنَّ التَّقْدِيرَ كَأنَّهُ سُبْحانَهُ وصَفَ لَهم أوَّلًا أنَّ البَشَرَ شَخْصٌ جامِعٌ لِلْقُوَّةِ البَهِيمِيَّةِ والسَّبْعِيَّةِ والشَّيْطانِيَّةِ والمَلَكِيَّةِ، فَلَمّا قالَ: ﴿إنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ﴾ فَكَأنَّهُ قالَ ذَلِكَ الشَّخْصُ المُسْتَجْمِعُ لِتِلْكَ الصِّفاتِ، إنَّما أخْلُقُهُ مِنَ الطِّينِ. والجَوابُ عَنِ الثّانِي أنَّ المادَّةَ البَعِيدَةَ هو التُّرابُ، وأقْرَبُ مِنهُ الطِّينُ، وأقْرَبُ مِنهُ الحَمَأُ المَسْنُونُ، وأقْرَبُ مِنهُ الصَّلْصالُ فَثَبَتَ أنَّهُ لا مُنافاةَ بَيْنَ الكُلِّ. والجَوابُ عَنِ الثّالِثِ أنَّهُ في الآيَةِ المَذْكُورَةِ في سُورَةِ البَقَرَةِ بَيَّنَ لَهم أنَّهُ يَخْلُقُ في الأرْضِ خَلِيفَةً، وبِالآيَةِ المَذْكُورَةِ هَهُنا بَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ الخَلِيفَةَ بَشَرٌ مَخْلُوقٌ مِنَ الطِّينِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ: ﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ تَخْلِيقَ البَشَرِ لا يَتِمُّ إلّا بِأمْرَيْنِ التَّسْوِيَةُ أوَّلًا، ثُمَّ نَفْخُ الرُّوحِ ثانِيًا، وهَذا حَقٌّ لِأنَّ الإنْسانَ مُرَكَّبٌ مِن جَسَدٍ ونَفْسٍ. صفحة ١٩٩ أمّا الجَسَدُ فَإنَّهُ إنَّما يَتَوَلَّدُ مِنَ المَنِيِّ، والمَنِيُّ إنَّما يَتَوَلَّدُ مِن دَمِ الطَّمْثِ وهو إنَّما يَتَوَلَّدُ مِنَ الأخْلاطِ الأرْبَعَةِ، وهي إنَّما تَتَوَلَّدُ مِنَ الأرْكانِ الأرْبَعَةِ، ولا بُدَّ في حُصُولِ هَذِهِ التَّسْوِيَةِ مِن رِعايَةِ مِقْدارٍ مَخْصُوصٍ لِكُلِّ واحِدٍ مِنها، ومِن رِعايَةِ كَيْفِيَّةِ امْتِزاجاتِها وتَرْكِيباتِها، ومِن رِعايَةِ المُدَّةِ الَّتِي في مِثْلِها حَصَلَ ذَلِكَ المِزاجُ الَّذِي لِأجْلِهِ يَحْصُلُ الِاسْتِعْدادُ لِقَبُولِ النَّفْسِ النّاطِقَةِ. وأمّا النَّفْسُ فَإلَيْها الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي﴾ ولَمّا أضافَ الرُّوحَ إلى نَفْسِهِ دَلَّ عَلى أنَّهُ جَوْهَرٌ شَرِيفٌ عُلْوِيٌّ قُدْسِيٌّ، وذَهَبَتِ الحُلُولِيَّةُ إلى أنَّ كَلِمَةَ ”مِن“ تَدُلُّ عَلى التَّبْعِيضِ، وهَذا يُوهِمُ أنَّ الرُّوحَ جُزْءٌ مِن أجْزاءِ اللَّهِ تَعالى، وهَذا غايَةُ الفَسادِ، لِأنَّ كُلَّ ما لَهُ جُزْءٌ وكُلٌّ، فَهو مُرَكَّبٌ ومُمْكِنُ الوُجُودِ لِذاتِهِ ومُحْدَثٌ. وأمّا كَيْفِيَّةُ نَفْخِ الرُّوحِ، فاعْلَمْ أنَّ الأقْرَبَ أنَّ جَوْهَرَ النَّفْسِ عِبارَةٌ عَنْ أجْسامٍ شَفّافَةٍ نُورانِيَّةٍ، عُلْوِيَّةِ العُنْصُرِ، قُدْسِيَّةِ الجَوْهَرِ، وهي تَسْرِي في البَدَنِ سَرَيانَ الضَّوْءِ في الهَواءِ، وسَرَيانَ النّارِ في الفَحْمِ، فَهَذا القَدْرُ مَعْلُومٌ. أمّا كَيْفِيَّةُ ذَلِكَ النَّفْخِ فَمِمّا لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ تَعالى. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ كَما تَمَّ نَفْخُ الرَّوْحِ في الجَسَدِ تَوَّجَهُ أمْرُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ بِالسُّجُودِ، وأمّا أنَّ المَأْمُورَ بِذَلِكَ السُّجُودِ مَلائِكَةُ الأرْضِ، أوْ دَخَلَ فِيهِ مَلائِكَةُ السَّماواتِ مِثْلُ جِبْرِيلَ ومِيكائِيلَ، والرُّوحِ الأعْظَمِ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ والمَلائِكَةُ صَفًّا﴾ [النَّبَأِ: ٣٨] فَفِيهِ مَباحِثٌ عَمِيقَةٌ. وقالَ بَعْضُ الصُّوفِيَّةِ: المَلائِكَةُ الَّذِينَ أُمِرُوا بِالسُّجُودِ لِآدَمَ، هُمُ القُوى النَّباتِيَّةُ والحَيَوانِيَّةُ الحِسِّيَّةُ والحَرَكِيَّةُ، فَإنَّها في بَدَنِ الإنْسانِ خَوادِمُ النَّفْسِ النّاطِقَةِ، وإبْلِيسُ الَّذِي لَمْ يَسْجُدْ هو القُوَّةُ الوَهْمِيَّةُ الَّتِي هي المُنازِعَةُ لِجَوْهَرِ العَقْلِ، والكَلامُ فِيهِ طَوِيلٌ. وأمّا بَقِيَّةُ المَسائِلِ وهي: كَيْفِيَّةُ سُجُودِ المَلائِكَةِ لِآدَمَ، وأنَّ ذَلِكَ هَلْ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ أفْضَلَ مِنَ المَلائِكَةِ أمْ لا، وأنَّ إبْلِيسَ هَلْ كانَ مِنَ المَلائِكَةِ أمْ لا، وأنَّهُ هَلْ كانَ كافِرًا أصْلِيًّا أمْ لا، فَكُلُّ ذَلِكَ تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ وغَيْرِها.

ص 38:75

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: احْتَجَّ مَن أثْبَتَ الأعْضاءَ والجَوارِحَ لِلَّهِ تَعالى بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ في إثْباتِ يَدَيْنِ لِلَّهِ تَعالى، بِأنْ قالُوا ظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلَيْهِ، فَوَجَبَ المَصِيرُ إلَيْهِ، والآياتُ الكَثِيرَةُ وارِدَةٌ عَلى وفْقِ هَذِهِ الآيَةِ، فَوَجَبَ القَطْعُ بِهِ. واعْلَمْ أنَّ الدَّلائِلَ الدّالَّةَ عَلى نَفْيِ كَوْنِهِ تَعالى جِسْمًا مُرَكَّبًا مِنَ الأجْزاءِ والأعْضاءِ، قَدْ سَبَقَتْ، إلّا أنّا نَذْكُرُ هَهُنا نُكَتًا جارِيَةً مَجْرى الإلْزاماتِ الظّاهِرَةِ. فالأوَّلُ: أنَّ مَن قالَ إنَّهُ مُرَكَّبٌ مِنَ الأعْضاءِ والأجْزاءِ، فَإمّا أنْ يُثْبِتَ الأعْضاءَ الَّتِي ورَدَ ذِكْرُها في القُرْآنِ ولا يَزِيدَ عَلَيْها، وإمّا أنْ يَزِيدَ عَلَيْها، فَإنْ كانَ الأوَّلُ لَزِمَهُ إثْباتُ صُورَةٍ لا يُمْكِنُ أنْ يُزادَ عَلَيْها في القُبْحِ، لِأنَّهُ يَلْزَمُهُ إثْباتُ وجْهٍ بِحَيْثُ لا يُوجَدُ مِنهُ إلّا مُجَرَّدُ رُقْعَةِ الوَجْهِ لِقَوْلِهِ: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلّا وجْهَهُ﴾ [القَصَصِ: ٨٨] ويَلْزَمُهُ أنْ يُثْبِتَ في تِلْكَ الرُّقْعَةِ عُيُونًا كَثِيرَةً لِقَوْلِهِ: ﴿تَجْرِي بِأعْيُنِنا﴾ [القَمَرِ: ١٤] وأنْ يُثْبِتَ جَنْبًا واحِدًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿نَفْسٌ ياحَسْرَتا عَلى ما فَرَّطْتُ في جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزُّمَرِ: ٥٦] وأنْ يُثْبِتَ عَلى ذَلِكَ الجَنْبِ أيْدِيَ كَثِيرَةً لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِمّا عَمِلَتْ أيْدِينا﴾ [يس: ٧١] وبِتَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ لَهُ يَدانِ فَإنَّهُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ كِلاهُما عَلى جانِبٍ واحِدٍ لِقَوْلِهِ ﷺ: «الحَجَرُ الأسْوَدُ يَمِينُ اللَّهِ في الأرْضِ» وأنْ يُثْبِتَ لَهُ ساقًا واحِدًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ﴾ [القَلَمِ: ٤٢] فَيَكُونُ الحاصِلُ مِن هَذِهِ الصُّورَةِ، مُجَرَّدَ رُقْعَةِ الوَجْهِ صفحة ٢٠٠ ويَكُونُ عَلَيْها عُيُونٌ كَثِيرَةٌ، وجَنْبٌ واحِدٌ ويَكُونُ عَلَيْهِ أيْدٍ كَثِيرَةٌ وساقٌ واحِدٌ، ومَعْلُومٌ أنَّ هَذِهِ الصُّورَةَ أقْبَحُ الصُّوَرِ، ولَوْ كانَ هَذا عَبْدًا لَمْ يَرْغَبْ أحَدٌ في شِرائِهِ، فَكَيْفَ يَقُولُ العاقِلُ إنَّ رَبَّ العالَمِينَ مَوْصُوفٌ بِهَذِهِ الصُّورَةِ. وأمّا القِسْمُ الثّانِي: وهو أنْ لا يَقْتَصِرَ عَلى الأعْضاءِ المَذْكُورَةِ في القُرْآنِ، بَلْ يَزِيدُ ويَنْقُصُ عَلى وفْقِ التَّأْوِيلاتِ، فَحِينَئِذٍ يَبْطُلُ مَذْهَبُهُ في الحَمْلِ عَلى مُجَرَّدِ الظَّواهِرِ، ولا بُدَّ لَهُ مِن قَبُولِ دَلائِلِ العَقْلِ. الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: في إبْطالِ قَوْلِهِمْ إنَّهم إذا أثْبَتُوا الأعْضاءَ لِلَّهِ تَعالى، فَإنْ أثْبَتُوا لَهُ عُضْوَ الرَّجُلِ فَهو رَجُلٌ، وإنْ أثْبَتُوا لَهُ عُضْوَ النِّساءِ فَهو أُنْثى، وإنْ نَفَوْهُما فَهو خَصِيٌّ أوْ عِنِّينٌ، وتَعالى اللَّهُ عَمّا يَقُولُ الظّالِمُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا. الحُجَّةُ الثّالِثَةُ: أنَّهُ في ذاتِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، إمّا أنْ يَكُونَ جِسْمًا صُلْبًا لا يَنْغَمِزُ البَتَّةَ، فَيَكُونُ حَجَرًا صُلْبًا، وإمّا أنْ يَكُونَ قابِلًا لِلِانْغِمازِ، فَيَكُونُ لَيِّنًا قابِلًا لِلتَّفَرُّقِ والتَّمَزُّقِ. وتَعالى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ. الحُجَّةُ الرّابِعَةُ: أنَّهُ إنْ كانَ بِحَيْثُ لا يُمْكِنُهُ أنْ يَتَحَرَّكَ عَنْ مَكانِهِ، كانَ كالزَّمِنِ المُقْعَدِ العاجِزِ، وإنْ كانَ بِحَيْثُ يُمْكِنُهُ أنْ يَتَحَرَّكَ عَنْ مَكانِهِ، كانَ مَحَلًّا لِلتَّغَيُّراتِ، فَدَخَلَ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ [الأنْعامِ: ٧٦] . الحُجَّةُ الخامِسَةُ: إنْ كانَ لا يَأْكُلُ ولا يَشْرَبُ ولا يَنامُ ولا يَتَحَرَّكُ كانَ كالمَيِّتِ، وإنْ كانَ يَفْعَلُ هَذِهِ الأشْياءَ، كانَ إنْسانًا كَثِيرَ التُّهْمَةِ مُحْتاجًا إلى الأكْلِ والشُّرْبِ والوِقاعِ وذَلِكَ باطِلٌ. الحُجَّةُ السّادِسَةُ: أنَّهم يَقُولُونَ إنَّهُ يَنْزِلُ كُلَّ لَيْلَةٍ مِنَ العَرْشِ إلى السَّماءِ الدُّنْيا، فَنَقُولُ لَهم حِينَ نُزُولِهِ: هَلْ يَبْقى مُدَبِّرًا لِلْعَرْشِ ويَبْقى مُدَبِّرًا لِلسَّماءِ الدُّنْيا حِينَ كانَ عَلى العَرْشِ، وحِينَئِذٍ لا يَبْقى في النُّزُولِ فائِدَةٌ، وإنْ لَمْ يَبْقَ مُدَبِّرًا لِلْعَرْشِ فَعِنْدَ نُزُولِهِ يَصِيرُ مَعْزُولًا عَنْ إلَهِيَّةِ العَرْشِ والسَّماواتِ. الحُجَّةُ السّابِعَةُ: أنَّهم يَقُولُونَ إنَّهُ تَعالى أعْظَمُ مِنَ العَرْشِ، وإنَّ العَرْشَ لا نِسْبَةَ لِعَظَمَتِهِ إلى عَظَمَةِ الكُرْسِيِّ، وعَلى هَذا التَّرْتِيبِ حَتّى يَنْتَهِيَ إلى السَّماءِ الدُّنْيا، فَإذا كانَ كَذَلِكَ كانَتِ السَّماءُ الدُّنْيا بِالنِّسْبَةِ إلى عَظَمَةِ اللَّهِ كالذَّرَّةِ بِالنِّسْبَةِ إلى البَحْرِ، فَإذا نَزَلَ فَإمّا أنْ يُقالَ إنَّ الإلَهَ يَصِيرُ صَغِيرًا بِحَيْثُ تَسَعُهُ السَّماءُ الدُّنْيا، وإمّا أنْ يُقالَ إنَّ السَّماءَ الدُّنْيا تَصِيرُ أعْظَمَ مِنَ العَرْشِ، وكُلُّ ذَلِكَ باطِلٌ. الحُجَّةُ الثّامِنَةُ: ثَبَتَ أنَّ العالَمَ كُرَةٌ، فَإنْ كانَ فَوْقَ بِالنِّسْبَةِ إلى قَوْمٍ كانَ تَحْتَ بِالنِّسْبَةِ إلى قَوْمٍ آخَرِينَ وذَلِكَ باطِلٌ، وإنْ كانَ فَوْقَ بِالنِّسْبَةِ إلى الكُلِّ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ جِسْمًا مُحِيطًا بِهَذا العالَمِ مِن كُلِّ الجَوانِبِ، فَيَكُونُ إلَهُ العالَمِ عَلى هَذا القَوْلِ فَلَكًا مِنَ الأفْلاكِ. الحُجَّةُ التّاسِعَةُ: لَمّا كانَتِ الأرْضُ كُرَةً، وكانَتِ السَّماواتُ كُراتٍ، فَكُلُّ ساعَةٍ تُفْرَضُ السّاعاتُ فَإنَّها تَكُونُ ثُلْثَ اللَّيْلِ في حَقِّ أقْوامٍ مُعَيَّنِينَ مِن سُكّانِ كُرَةِ العَوارِضِ، فَلَوْ نَزَلَ مِنَ العَرْشِ في ثُلْثِ اللَّيْلِ وجَبَ أنْ يَبْقى أبَدًا نازِلًا عَنِ العَرْشِ، وأنْ لا يَرْجِعَ إلى العَرْشِ البَتَّةَ. الحُجَّةُ العاشِرَةُ: أنّا إنَّما زَيَّفْنا إلَهِيَّةَ الشَّمْسِ والقَمَرِ لِثَلاثَةِ أنْواعٍ مِنَ العُيُوبِ: أوَّلُها: كَوْنُهُ مُؤَلَّفًا مِنَ الأجْزاءِ والأبْعاضِ. وثانِيها: كَوْنُهُ مَحْدُودًا مُتَناهِيًا. وثالِثُها: كَوْنُهُ مَوْصُوفًا بِالحَرَكَةِ والسُّكُونِ والطُّلُوعِ صفحة ٢٠١ والغُرُوبِ، فَإذا كانَ إلَهُ المُشَبِّهَةِ مُؤَلَّفًا مِنَ الأعْضاءِ والأجْزاءِ كانَ مُرَكَّبًا، فَإذا كانَ عَلى العَرْشِ كانَ مَحْدُودًا مُتَناهِيًا، وإنْ كانَ يَنْزِلُ مِنَ العَرْشِ ويَرْجِعُ إلَيْهِ كانَ مَوْصُوفًا بِالحَرَكَةِ والسُّكُونِ، فَهَذِهِ الصِّفاتُ الثَّلاثَةُ إنْ كانَتْ مُنافِيَةً لِلْإلَهِيَّةِ وجَبَ تَنْزِيهُ الإلَهِ عَنْها بِأسْرِها، وذَلِكَ يُبْطِلُ قَوْلَ المُشَبِّهَةِ، وإنْ لَمْ تَكُنْ مُنافِيَةً لِلْإلَهِيَّةِ فَحِينَئِذٍ لا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى الطَّعْنِ في إلَهِيَّةِ الشَّمْسِ والقَمَرِ. الحُجَّةُ الحادِيَةَ عَشْرَةَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] ولَفْظُ الأحَدِ مُبالَغَةٌ في الوَحْدَةِ، وذَلِكَ يُنافِي كَوْنَهُ مُرَكَّبًا مِنَ الأجْزاءِ والأبْعاضِ. الحُجَّةُ الثّانِيَةَ عَشْرَةَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ الغَنِيُّ وأنْتُمُ الفُقَراءُ﴾ [محمد: ٣٨] ولَوْ كانَ مُرَكَّبًا مِنَ الأجْزاءِ والأبْعاضِ لَكانَ مُحْتاجًا إلَيْها، وذَلِكَ يَمْنَعُ مِن كَوْنِهِ غَنِيًّا عَلى الإطْلاقِ، فَثَبَتَ بِهَذِهِ الوُجُوهِ أنَّ القَوْلَ بِإثْباتِ الأعْضاءِ والأجْزاءِ لِلَّهِ مُحالٌ، ولَمّا ثَبَتَ بِالدَّلائِلِ اليَقِينِيَّةِ وُجُوبُ تَنْزِيهِ اللَّهِ تَعالى عَنْ هَذِهِ الأعْضاءِ - فَنَقُولُ: ذَكَرَ العُلَماءُ في لَفْظِ اليَدِ وُجُوهًا: الأوَّلُ: أنَّ اليَدَ عِبارَةٌ عَنِ القُدْرَةِ، تَقُولُ العَرَبُ: ما لِي بِهَذا الأمْرِ مِن يَدٍ، أيْ: مِن قُوَّةٍ وطاقَةٍ، قالَ تَعالى: ﴿أوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧] . الثّانِي: اليَدُ عِبارَةٌ عَنِ النِّعْمَةِ؛ يُقالُ: أيادِي فُلانٍ في حَقِّ فُلانٍ ظاهِرَةٌ، والمُرادُ النِّعَمُ، والمُرادُ بِاليَدَيْنِ النِّعَمُ الظّاهِرَةُ والباطِنَةُ أوْ نِعَمُ الدِّينِ والدُّنْيا. الثّالِثُ: أنَّ لَفْظَ اليَدِ قَدْ يُزادُ لِلتَّأْكِيدِ، كَقَوْلِ القائِلِ لِمَن جَنى بِاللِّسانِ: هَذا ما كَسَبَتْ يَداكَ، وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ [الأعراف: ٥٧] . ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: حَمْلُ اليَدِ عَلى القُدْرَةِ هَهُنا غَيْرُ جائِزٍ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ ظاهِرَ الآيَةِ يَقْتَضِي إثْباتَ اليَدَيْنِ، فَلَوْ كانَتِ اليَدُ عِبارَةً عَنِ القُدْرَةِ لَزِمَ إثْباتُ قُدْرَتَيْنِ لِلَّهِ، وهو باطِلٌ. والثّانِي: أنَّ الآيَةَ تَقْتَضِي أنَّ كَوْنَ آدَمَ مَخْلُوقًا بِاليَدَيْنِ يُوجِبُ فَضِيلَتَهُ وكَوْنَهُ مَسْجُودًا لِلْمَلائِكَةِ، فَلَوْ كانَتِ اليَدُ عِبارَةً عَنِ القُدْرَةِ لَكانَ آدَمُ مَخْلُوقًا بِالقُدْرَةِ، لَكِنَّ جَمِيعَ الأشْياءِ مَخْلُوقَةٌ بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى، فَكَما أنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَخْلُوقٌ بِيَدِ اللَّهِ تَعالى، فَكَذَلِكَ إبْلِيسُ مَخْلُوقٌ بِيَدِ اللَّهِ تَعالى، وعَلى تَقْدِيرِ أنْ تَكُونَ عِبارَةً عَنِ القُدْرَةِ، لَمْ تَكُنْ هَذِهِ العِلَّةُ عِلَّةً، لِكَوْنِ آدَمَ مَسْجُودًا لِإبْلِيسَ أوْلى مِن أنْ يَكُونَ إبْلِيسُ مَسْجُودًا لِآدَمَ، وحِينَئِذٍ يَخْتَلُّ نَظْمُ الآيَةِ ويَبْطُلُ. الثّالِثُ: أنَّهُ جاءَ في الحَدِيثِ أنَّهُ ﷺ قالَ: «كِلْتا يَدَيْهِ يُمْنى» ومَعْلُومٌ أنَّ هَذا الوَصْفَ لا يَلِيقُ بِالقُدْرَةِ. وأمّا التَّأْوِيلُ الثّانِي: وهو حَمْلُ اليَدَيْنِ عَلى النِّعْمَتَيْنِ، فَهو أيْضًا باطِلٌ لِوُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ نِعَمَ اللَّهِ تَعالى كَثِيرَةٌ كَما قالَ: ﴿وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها﴾ [إبراهيم: ٣٤] وظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ اليَدَ لا تَزِيدُ عَلى الِاثْنَتَيْنِ. الثّانِي: لَوْ كانَتِ اليَدُ عِبارَةً عَنِ النِّعْمَةِ، فَنَقُولُ: النِّعْمَةُ مَخْلُوقَةٌ لِلَّهِ، فَحِينَئِذٍ لا يَكُونُ آدَمُ مَخْلُوقًا لِلَّهِ تَعالى، بَلْ يَكُونُ مَخْلُوقًا لِبَعْضِ المَخْلُوقاتِ، وذَلِكَ بِأنْ يَكُونَ سَبَبًا لِمَزِيدِ النُّقْصانِ أوْلى مِن أنْ يَكُونَ سَبَبًا لِمَزِيدِ الكَمالِ. الثّالِثُ: لَوْ كانَتِ اليَدُ عِبارَةً عَنِ النِّعْمَةِ لَكانَ قَوْلُهُ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ﴾ [الملك: ١] مَعْناهُ: تَبارَكَ الَّذِي بِنِعْمَتِهِ المُلْكُ، ولَكانَ قَوْلُهُ: ﴿بِيَدِكَ الخَيْرُ﴾ مَعْناهُ: بِنِعْمَتِكَ الخَيْرُ، ولَكانَ قَوْلُهُ: ﴿يَداهُ مَبْسُوطَتانِ﴾ [المائدة: ٦٤] مَعْناهُ: نِعْمَتاهُ مَبْسُوطَتانِ، ومَعْلُومٌ أنَّ كُلَّ ذَلِكَ فاسِدٌ. وأمّا التَّأْوِيلُ الثّالِثُ: وهو قَوْلُهُ: إنَّ لَفْظَ اليَدِ قَدْ يُذْكَرُ زِيادَةً لِأجْلِ التَّأْكِيدِ، فَنَقُولُ: لَفْظُ اليَدِ قَدْ يُسْتَعْمَلُ في صفحة ٢٠٢ حَقِّ مَن يَكُونُ هَذا العُضْوُ حاصِلًا لَهُ، وفي حَقِّ مَن لا يَكُونُ هَذا العُضْوُ حاصِلًا في حَقِّهِ. أمّا الأوَّلُ: فَكَقَوْلِهِمْ في حَقِّ مَن جَنى بِلِسانِهِ: هَذا ما كَسَبَتْ يَداكَ، والسَّبَبُ في هَذا أنَّ مَحَلَّ القُدْرَةِ هو اليَدُ، فَأطْلَقَ اسْمَ اليَدِ عَلى القُدْرَةِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَيَصِيرُ المُرادُ مِن لَفْظِ اليَدِ القُدْرَةَ، وقَدْ تَقَدَّمَ إبْطالُ هَذا الوَجْهِ. وأمّا الثّانِي: فَكَقَوْلِهِ ﴿بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ﴾ [سبأ: ٤٦] وقَوْلِهِ: (بَيْنَ يَدَيِ السّاعَةِ) إلّا أنّا نَقُولُ: هَذا المَجازُ بِهَذا اللَّفْظِ مَذْكُورٌ، والمَجازُ لا يُقاسُ عَلَيْهِ، ولا يَكُونُ مُطَّرِدًا، فَلا جَرَمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ هَذا المَعْنى إنَّما حَصَلَ بِيَدِ العَذابِ وبِيَدِ السّاعَةِ، ونَحْنُ نُسَلِّمُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ [الحجرات: ١] قَدْ يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ التَّأْكِيدُ والصِّلَةُ، أمّا المَذْكُورُ في هَذِهِ الآيَةِ لَيْسَ هَذا اللَّفْظُ، بَلْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ وإنْ كانَ القِياسُ في المَجازاتِ باطِلًا فَقَدْ سَقَطَ كَلامُكم بِالكُلِّيَّةِ، فَهَذا مُنْتَهى البَحْثِ في هَذا البابِ. والَّذِي تَلَخَّصَ عِنْدِي في هَذا البابِ أنَّ السُّلْطانَ العَظِيمَ لا يَقْدِرُ عَلى عَمَلِ شَيْءٍ بِيَدِهِ إلّا إذا كانَتْ غايَةُ عِنايَتِهِ مَصْرُوفَةً إلى ذَلِكَ العَمَلِ، فَإذا كانَتِ العِنايَةُ الشَّدِيدَةُ مِن لَوازِمِ العَمَلِ بِاليَدِ أمْكَنَ جَعْلُهُ مَجازًا عَنْهُ عِنْدَ قِيامِ الدَّلائِلِ القاهِرَةِ، فَهَذا ما لَخَّصْناهُ في هَذا البابِ، واللَّهُ أعْلَمُ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أسْتَكْبَرْتَ أمْ كُنْتَ مِنَ العالِينَ﴾ فالمَعْنى: أسْتَكْبَرْتَ الآنَ أمْ كُنْتَ أبَدًا مِنَ المُتَكَبِّرِينَ العالِينَ، فَأجابَ إبْلِيسُ بِقَوْلِهِ: ﴿أنا خَيْرٌ مِنهُ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ فالمَعْنى: أنِّي لَوْ كُنْتُ مُساوِيًا لَهُ في الشَّرَفِ لَكانَ يَقْبُحُ أمْرِي بِسُجُودِي لَهُ، فَكَيْفَ وأنا خَيْرٌ مِنهُ، ثُمَّ بَيَّنَ كَوْنَهُ خَيْرًا مِنهُ بِأنَّ أصْلَهُ مِنَ النّارِ، والنّارُ أشْرَفُ مِنَ الطِّينِ، فَصَحَّ أنَّ أصْلَهُ خَيْرٌ مِن أصْلِ آدَمَ، ومَن كانَ أصْلُهُ خَيْرًا مِن أصْلِهِ فَهو خَيْرٌ مِنهُ، فَهَذِهِ مُقَدِّماتٌ ثَلاثٌ:

ص 38:76

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: احْتَجَّ مَن أثْبَتَ الأعْضاءَ والجَوارِحَ لِلَّهِ تَعالى بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ في إثْباتِ يَدَيْنِ لِلَّهِ تَعالى، بِأنْ قالُوا ظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلَيْهِ، فَوَجَبَ المَصِيرُ إلَيْهِ، والآياتُ الكَثِيرَةُ وارِدَةٌ عَلى وفْقِ هَذِهِ الآيَةِ، فَوَجَبَ القَطْعُ بِهِ. واعْلَمْ أنَّ الدَّلائِلَ الدّالَّةَ عَلى نَفْيِ كَوْنِهِ تَعالى جِسْمًا مُرَكَّبًا مِنَ الأجْزاءِ والأعْضاءِ، قَدْ سَبَقَتْ، إلّا أنّا نَذْكُرُ هَهُنا نُكَتًا جارِيَةً مَجْرى الإلْزاماتِ الظّاهِرَةِ. فالأوَّلُ: أنَّ مَن قالَ إنَّهُ مُرَكَّبٌ مِنَ الأعْضاءِ والأجْزاءِ، فَإمّا أنْ يُثْبِتَ الأعْضاءَ الَّتِي ورَدَ ذِكْرُها في القُرْآنِ ولا يَزِيدَ عَلَيْها، وإمّا أنْ يَزِيدَ عَلَيْها، فَإنْ كانَ الأوَّلُ لَزِمَهُ إثْباتُ صُورَةٍ لا يُمْكِنُ أنْ يُزادَ عَلَيْها في القُبْحِ، لِأنَّهُ يَلْزَمُهُ إثْباتُ وجْهٍ بِحَيْثُ لا يُوجَدُ مِنهُ إلّا مُجَرَّدُ رُقْعَةِ الوَجْهِ لِقَوْلِهِ: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلّا وجْهَهُ﴾ [القَصَصِ: ٨٨] ويَلْزَمُهُ أنْ يُثْبِتَ في تِلْكَ الرُّقْعَةِ عُيُونًا كَثِيرَةً لِقَوْلِهِ: ﴿تَجْرِي بِأعْيُنِنا﴾ [القَمَرِ: ١٤] وأنْ يُثْبِتَ جَنْبًا واحِدًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿نَفْسٌ ياحَسْرَتا عَلى ما فَرَّطْتُ في جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزُّمَرِ: ٥٦] وأنْ يُثْبِتَ عَلى ذَلِكَ الجَنْبِ أيْدِيَ كَثِيرَةً لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِمّا عَمِلَتْ أيْدِينا﴾ [يس: ٧١] وبِتَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ لَهُ يَدانِ فَإنَّهُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ كِلاهُما عَلى جانِبٍ واحِدٍ لِقَوْلِهِ ﷺ: «الحَجَرُ الأسْوَدُ يَمِينُ اللَّهِ في الأرْضِ» وأنْ يُثْبِتَ لَهُ ساقًا واحِدًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ﴾ [القَلَمِ: ٤٢] فَيَكُونُ الحاصِلُ مِن هَذِهِ الصُّورَةِ، مُجَرَّدَ رُقْعَةِ الوَجْهِ صفحة ٢٠٠ ويَكُونُ عَلَيْها عُيُونٌ كَثِيرَةٌ، وجَنْبٌ واحِدٌ ويَكُونُ عَلَيْهِ أيْدٍ كَثِيرَةٌ وساقٌ واحِدٌ، ومَعْلُومٌ أنَّ هَذِهِ الصُّورَةَ أقْبَحُ الصُّوَرِ، ولَوْ كانَ هَذا عَبْدًا لَمْ يَرْغَبْ أحَدٌ في شِرائِهِ، فَكَيْفَ يَقُولُ العاقِلُ إنَّ رَبَّ العالَمِينَ مَوْصُوفٌ بِهَذِهِ الصُّورَةِ. وأمّا القِسْمُ الثّانِي: وهو أنْ لا يَقْتَصِرَ عَلى الأعْضاءِ المَذْكُورَةِ في القُرْآنِ، بَلْ يَزِيدُ ويَنْقُصُ عَلى وفْقِ التَّأْوِيلاتِ، فَحِينَئِذٍ يَبْطُلُ مَذْهَبُهُ في الحَمْلِ عَلى مُجَرَّدِ الظَّواهِرِ، ولا بُدَّ لَهُ مِن قَبُولِ دَلائِلِ العَقْلِ. الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: في إبْطالِ قَوْلِهِمْ إنَّهم إذا أثْبَتُوا الأعْضاءَ لِلَّهِ تَعالى، فَإنْ أثْبَتُوا لَهُ عُضْوَ الرَّجُلِ فَهو رَجُلٌ، وإنْ أثْبَتُوا لَهُ عُضْوَ النِّساءِ فَهو أُنْثى، وإنْ نَفَوْهُما فَهو خَصِيٌّ أوْ عِنِّينٌ، وتَعالى اللَّهُ عَمّا يَقُولُ الظّالِمُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا. الحُجَّةُ الثّالِثَةُ: أنَّهُ في ذاتِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، إمّا أنْ يَكُونَ جِسْمًا صُلْبًا لا يَنْغَمِزُ البَتَّةَ، فَيَكُونُ حَجَرًا صُلْبًا، وإمّا أنْ يَكُونَ قابِلًا لِلِانْغِمازِ، فَيَكُونُ لَيِّنًا قابِلًا لِلتَّفَرُّقِ والتَّمَزُّقِ. وتَعالى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ. الحُجَّةُ الرّابِعَةُ: أنَّهُ إنْ كانَ بِحَيْثُ لا يُمْكِنُهُ أنْ يَتَحَرَّكَ عَنْ مَكانِهِ، كانَ كالزَّمِنِ المُقْعَدِ العاجِزِ، وإنْ كانَ بِحَيْثُ يُمْكِنُهُ أنْ يَتَحَرَّكَ عَنْ مَكانِهِ، كانَ مَحَلًّا لِلتَّغَيُّراتِ، فَدَخَلَ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ [الأنْعامِ: ٧٦] . الحُجَّةُ الخامِسَةُ: إنْ كانَ لا يَأْكُلُ ولا يَشْرَبُ ولا يَنامُ ولا يَتَحَرَّكُ كانَ كالمَيِّتِ، وإنْ كانَ يَفْعَلُ هَذِهِ الأشْياءَ، كانَ إنْسانًا كَثِيرَ التُّهْمَةِ مُحْتاجًا إلى الأكْلِ والشُّرْبِ والوِقاعِ وذَلِكَ باطِلٌ. الحُجَّةُ السّادِسَةُ: أنَّهم يَقُولُونَ إنَّهُ يَنْزِلُ كُلَّ لَيْلَةٍ مِنَ العَرْشِ إلى السَّماءِ الدُّنْيا، فَنَقُولُ لَهم حِينَ نُزُولِهِ: هَلْ يَبْقى مُدَبِّرًا لِلْعَرْشِ ويَبْقى مُدَبِّرًا لِلسَّماءِ الدُّنْيا حِينَ كانَ عَلى العَرْشِ، وحِينَئِذٍ لا يَبْقى في النُّزُولِ فائِدَةٌ، وإنْ لَمْ يَبْقَ مُدَبِّرًا لِلْعَرْشِ فَعِنْدَ نُزُولِهِ يَصِيرُ مَعْزُولًا عَنْ إلَهِيَّةِ العَرْشِ والسَّماواتِ. الحُجَّةُ السّابِعَةُ: أنَّهم يَقُولُونَ إنَّهُ تَعالى أعْظَمُ مِنَ العَرْشِ، وإنَّ العَرْشَ لا نِسْبَةَ لِعَظَمَتِهِ إلى عَظَمَةِ الكُرْسِيِّ، وعَلى هَذا التَّرْتِيبِ حَتّى يَنْتَهِيَ إلى السَّماءِ الدُّنْيا، فَإذا كانَ كَذَلِكَ كانَتِ السَّماءُ الدُّنْيا بِالنِّسْبَةِ إلى عَظَمَةِ اللَّهِ كالذَّرَّةِ بِالنِّسْبَةِ إلى البَحْرِ، فَإذا نَزَلَ فَإمّا أنْ يُقالَ إنَّ الإلَهَ يَصِيرُ صَغِيرًا بِحَيْثُ تَسَعُهُ السَّماءُ الدُّنْيا، وإمّا أنْ يُقالَ إنَّ السَّماءَ الدُّنْيا تَصِيرُ أعْظَمَ مِنَ العَرْشِ، وكُلُّ ذَلِكَ باطِلٌ. الحُجَّةُ الثّامِنَةُ: ثَبَتَ أنَّ العالَمَ كُرَةٌ، فَإنْ كانَ فَوْقَ بِالنِّسْبَةِ إلى قَوْمٍ كانَ تَحْتَ بِالنِّسْبَةِ إلى قَوْمٍ آخَرِينَ وذَلِكَ باطِلٌ، وإنْ كانَ فَوْقَ بِالنِّسْبَةِ إلى الكُلِّ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ جِسْمًا مُحِيطًا بِهَذا العالَمِ مِن كُلِّ الجَوانِبِ، فَيَكُونُ إلَهُ العالَمِ عَلى هَذا القَوْلِ فَلَكًا مِنَ الأفْلاكِ. الحُجَّةُ التّاسِعَةُ: لَمّا كانَتِ الأرْضُ كُرَةً، وكانَتِ السَّماواتُ كُراتٍ، فَكُلُّ ساعَةٍ تُفْرَضُ السّاعاتُ فَإنَّها تَكُونُ ثُلْثَ اللَّيْلِ في حَقِّ أقْوامٍ مُعَيَّنِينَ مِن سُكّانِ كُرَةِ العَوارِضِ، فَلَوْ نَزَلَ مِنَ العَرْشِ في ثُلْثِ اللَّيْلِ وجَبَ أنْ يَبْقى أبَدًا نازِلًا عَنِ العَرْشِ، وأنْ لا يَرْجِعَ إلى العَرْشِ البَتَّةَ. الحُجَّةُ العاشِرَةُ: أنّا إنَّما زَيَّفْنا إلَهِيَّةَ الشَّمْسِ والقَمَرِ لِثَلاثَةِ أنْواعٍ مِنَ العُيُوبِ: أوَّلُها: كَوْنُهُ مُؤَلَّفًا مِنَ الأجْزاءِ والأبْعاضِ. وثانِيها: كَوْنُهُ مَحْدُودًا مُتَناهِيًا. وثالِثُها: كَوْنُهُ مَوْصُوفًا بِالحَرَكَةِ والسُّكُونِ والطُّلُوعِ صفحة ٢٠١ والغُرُوبِ، فَإذا كانَ إلَهُ المُشَبِّهَةِ مُؤَلَّفًا مِنَ الأعْضاءِ والأجْزاءِ كانَ مُرَكَّبًا، فَإذا كانَ عَلى العَرْشِ كانَ مَحْدُودًا مُتَناهِيًا، وإنْ كانَ يَنْزِلُ مِنَ العَرْشِ ويَرْجِعُ إلَيْهِ كانَ مَوْصُوفًا بِالحَرَكَةِ والسُّكُونِ، فَهَذِهِ الصِّفاتُ الثَّلاثَةُ إنْ كانَتْ مُنافِيَةً لِلْإلَهِيَّةِ وجَبَ تَنْزِيهُ الإلَهِ عَنْها بِأسْرِها، وذَلِكَ يُبْطِلُ قَوْلَ المُشَبِّهَةِ، وإنْ لَمْ تَكُنْ مُنافِيَةً لِلْإلَهِيَّةِ فَحِينَئِذٍ لا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى الطَّعْنِ في إلَهِيَّةِ الشَّمْسِ والقَمَرِ. الحُجَّةُ الحادِيَةَ عَشْرَةَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] ولَفْظُ الأحَدِ مُبالَغَةٌ في الوَحْدَةِ، وذَلِكَ يُنافِي كَوْنَهُ مُرَكَّبًا مِنَ الأجْزاءِ والأبْعاضِ. الحُجَّةُ الثّانِيَةَ عَشْرَةَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ الغَنِيُّ وأنْتُمُ الفُقَراءُ﴾ [محمد: ٣٨] ولَوْ كانَ مُرَكَّبًا مِنَ الأجْزاءِ والأبْعاضِ لَكانَ مُحْتاجًا إلَيْها، وذَلِكَ يَمْنَعُ مِن كَوْنِهِ غَنِيًّا عَلى الإطْلاقِ، فَثَبَتَ بِهَذِهِ الوُجُوهِ أنَّ القَوْلَ بِإثْباتِ الأعْضاءِ والأجْزاءِ لِلَّهِ مُحالٌ، ولَمّا ثَبَتَ بِالدَّلائِلِ اليَقِينِيَّةِ وُجُوبُ تَنْزِيهِ اللَّهِ تَعالى عَنْ هَذِهِ الأعْضاءِ - فَنَقُولُ: ذَكَرَ العُلَماءُ في لَفْظِ اليَدِ وُجُوهًا: الأوَّلُ: أنَّ اليَدَ عِبارَةٌ عَنِ القُدْرَةِ، تَقُولُ العَرَبُ: ما لِي بِهَذا الأمْرِ مِن يَدٍ، أيْ: مِن قُوَّةٍ وطاقَةٍ، قالَ تَعالى: ﴿أوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧] . الثّانِي: اليَدُ عِبارَةٌ عَنِ النِّعْمَةِ؛ يُقالُ: أيادِي فُلانٍ في حَقِّ فُلانٍ ظاهِرَةٌ، والمُرادُ النِّعَمُ، والمُرادُ بِاليَدَيْنِ النِّعَمُ الظّاهِرَةُ والباطِنَةُ أوْ نِعَمُ الدِّينِ والدُّنْيا. الثّالِثُ: أنَّ لَفْظَ اليَدِ قَدْ يُزادُ لِلتَّأْكِيدِ، كَقَوْلِ القائِلِ لِمَن جَنى بِاللِّسانِ: هَذا ما كَسَبَتْ يَداكَ، وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ [الأعراف: ٥٧] . ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: حَمْلُ اليَدِ عَلى القُدْرَةِ هَهُنا غَيْرُ جائِزٍ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ ظاهِرَ الآيَةِ يَقْتَضِي إثْباتَ اليَدَيْنِ، فَلَوْ كانَتِ اليَدُ عِبارَةً عَنِ القُدْرَةِ لَزِمَ إثْباتُ قُدْرَتَيْنِ لِلَّهِ، وهو باطِلٌ. والثّانِي: أنَّ الآيَةَ تَقْتَضِي أنَّ كَوْنَ آدَمَ مَخْلُوقًا بِاليَدَيْنِ يُوجِبُ فَضِيلَتَهُ وكَوْنَهُ مَسْجُودًا لِلْمَلائِكَةِ، فَلَوْ كانَتِ اليَدُ عِبارَةً عَنِ القُدْرَةِ لَكانَ آدَمُ مَخْلُوقًا بِالقُدْرَةِ، لَكِنَّ جَمِيعَ الأشْياءِ مَخْلُوقَةٌ بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى، فَكَما أنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَخْلُوقٌ بِيَدِ اللَّهِ تَعالى، فَكَذَلِكَ إبْلِيسُ مَخْلُوقٌ بِيَدِ اللَّهِ تَعالى، وعَلى تَقْدِيرِ أنْ تَكُونَ عِبارَةً عَنِ القُدْرَةِ، لَمْ تَكُنْ هَذِهِ العِلَّةُ عِلَّةً، لِكَوْنِ آدَمَ مَسْجُودًا لِإبْلِيسَ أوْلى مِن أنْ يَكُونَ إبْلِيسُ مَسْجُودًا لِآدَمَ، وحِينَئِذٍ يَخْتَلُّ نَظْمُ الآيَةِ ويَبْطُلُ. الثّالِثُ: أنَّهُ جاءَ في الحَدِيثِ أنَّهُ ﷺ قالَ: «كِلْتا يَدَيْهِ يُمْنى» ومَعْلُومٌ أنَّ هَذا الوَصْفَ لا يَلِيقُ بِالقُدْرَةِ. وأمّا التَّأْوِيلُ الثّانِي: وهو حَمْلُ اليَدَيْنِ عَلى النِّعْمَتَيْنِ، فَهو أيْضًا باطِلٌ لِوُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ نِعَمَ اللَّهِ تَعالى كَثِيرَةٌ كَما قالَ: ﴿وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها﴾ [إبراهيم: ٣٤] وظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ اليَدَ لا تَزِيدُ عَلى الِاثْنَتَيْنِ. الثّانِي: لَوْ كانَتِ اليَدُ عِبارَةً عَنِ النِّعْمَةِ، فَنَقُولُ: النِّعْمَةُ مَخْلُوقَةٌ لِلَّهِ، فَحِينَئِذٍ لا يَكُونُ آدَمُ مَخْلُوقًا لِلَّهِ تَعالى، بَلْ يَكُونُ مَخْلُوقًا لِبَعْضِ المَخْلُوقاتِ، وذَلِكَ بِأنْ يَكُونَ سَبَبًا لِمَزِيدِ النُّقْصانِ أوْلى مِن أنْ يَكُونَ سَبَبًا لِمَزِيدِ الكَمالِ. الثّالِثُ: لَوْ كانَتِ اليَدُ عِبارَةً عَنِ النِّعْمَةِ لَكانَ قَوْلُهُ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ﴾ [الملك: ١] مَعْناهُ: تَبارَكَ الَّذِي بِنِعْمَتِهِ المُلْكُ، ولَكانَ قَوْلُهُ: ﴿بِيَدِكَ الخَيْرُ﴾ مَعْناهُ: بِنِعْمَتِكَ الخَيْرُ، ولَكانَ قَوْلُهُ: ﴿يَداهُ مَبْسُوطَتانِ﴾ [المائدة: ٦٤] مَعْناهُ: نِعْمَتاهُ مَبْسُوطَتانِ، ومَعْلُومٌ أنَّ كُلَّ ذَلِكَ فاسِدٌ. وأمّا التَّأْوِيلُ الثّالِثُ: وهو قَوْلُهُ: إنَّ لَفْظَ اليَدِ قَدْ يُذْكَرُ زِيادَةً لِأجْلِ التَّأْكِيدِ، فَنَقُولُ: لَفْظُ اليَدِ قَدْ يُسْتَعْمَلُ في صفحة ٢٠٢ حَقِّ مَن يَكُونُ هَذا العُضْوُ حاصِلًا لَهُ، وفي حَقِّ مَن لا يَكُونُ هَذا العُضْوُ حاصِلًا في حَقِّهِ. أمّا الأوَّلُ: فَكَقَوْلِهِمْ في حَقِّ مَن جَنى بِلِسانِهِ: هَذا ما كَسَبَتْ يَداكَ، والسَّبَبُ في هَذا أنَّ مَحَلَّ القُدْرَةِ هو اليَدُ، فَأطْلَقَ اسْمَ اليَدِ عَلى القُدْرَةِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَيَصِيرُ المُرادُ مِن لَفْظِ اليَدِ القُدْرَةَ، وقَدْ تَقَدَّمَ إبْطالُ هَذا الوَجْهِ. وأمّا الثّانِي: فَكَقَوْلِهِ ﴿بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ﴾ [سبأ: ٤٦] وقَوْلِهِ: (بَيْنَ يَدَيِ السّاعَةِ) إلّا أنّا نَقُولُ: هَذا المَجازُ بِهَذا اللَّفْظِ مَذْكُورٌ، والمَجازُ لا يُقاسُ عَلَيْهِ، ولا يَكُونُ مُطَّرِدًا، فَلا جَرَمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ هَذا المَعْنى إنَّما حَصَلَ بِيَدِ العَذابِ وبِيَدِ السّاعَةِ، ونَحْنُ نُسَلِّمُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ [الحجرات: ١] قَدْ يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ التَّأْكِيدُ والصِّلَةُ، أمّا المَذْكُورُ في هَذِهِ الآيَةِ لَيْسَ هَذا اللَّفْظُ، بَلْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ وإنْ كانَ القِياسُ في المَجازاتِ باطِلًا فَقَدْ سَقَطَ كَلامُكم بِالكُلِّيَّةِ، فَهَذا مُنْتَهى البَحْثِ في هَذا البابِ. والَّذِي تَلَخَّصَ عِنْدِي في هَذا البابِ أنَّ السُّلْطانَ العَظِيمَ لا يَقْدِرُ عَلى عَمَلِ شَيْءٍ بِيَدِهِ إلّا إذا كانَتْ غايَةُ عِنايَتِهِ مَصْرُوفَةً إلى ذَلِكَ العَمَلِ، فَإذا كانَتِ العِنايَةُ الشَّدِيدَةُ مِن لَوازِمِ العَمَلِ بِاليَدِ أمْكَنَ جَعْلُهُ مَجازًا عَنْهُ عِنْدَ قِيامِ الدَّلائِلِ القاهِرَةِ، فَهَذا ما لَخَّصْناهُ في هَذا البابِ، واللَّهُ أعْلَمُ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أسْتَكْبَرْتَ أمْ كُنْتَ مِنَ العالِينَ﴾ فالمَعْنى: أسْتَكْبَرْتَ الآنَ أمْ كُنْتَ أبَدًا مِنَ المُتَكَبِّرِينَ العالِينَ، فَأجابَ إبْلِيسُ بِقَوْلِهِ: ﴿أنا خَيْرٌ مِنهُ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ فالمَعْنى: أنِّي لَوْ كُنْتُ مُساوِيًا لَهُ في الشَّرَفِ لَكانَ يَقْبُحُ أمْرِي بِسُجُودِي لَهُ، فَكَيْفَ وأنا خَيْرٌ مِنهُ، ثُمَّ بَيَّنَ كَوْنَهُ خَيْرًا مِنهُ بِأنَّ أصْلَهُ مِنَ النّارِ، والنّارُ أشْرَفُ مِنَ الطِّينِ، فَصَحَّ أنَّ أصْلَهُ خَيْرٌ مِن أصْلِ آدَمَ، ومَن كانَ أصْلُهُ خَيْرًا مِن أصْلِهِ فَهو خَيْرٌ مِنهُ، فَهَذِهِ مُقَدِّماتٌ ثَلاثٌ:

ص 38:77

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: احْتَجَّ مَن أثْبَتَ الأعْضاءَ والجَوارِحَ لِلَّهِ تَعالى بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ في إثْباتِ يَدَيْنِ لِلَّهِ تَعالى، بِأنْ قالُوا ظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلَيْهِ، فَوَجَبَ المَصِيرُ إلَيْهِ، والآياتُ الكَثِيرَةُ وارِدَةٌ عَلى وفْقِ هَذِهِ الآيَةِ، فَوَجَبَ القَطْعُ بِهِ. واعْلَمْ أنَّ الدَّلائِلَ الدّالَّةَ عَلى نَفْيِ كَوْنِهِ تَعالى جِسْمًا مُرَكَّبًا مِنَ الأجْزاءِ والأعْضاءِ، قَدْ سَبَقَتْ، إلّا أنّا نَذْكُرُ هَهُنا نُكَتًا جارِيَةً مَجْرى الإلْزاماتِ الظّاهِرَةِ. فالأوَّلُ: أنَّ مَن قالَ إنَّهُ مُرَكَّبٌ مِنَ الأعْضاءِ والأجْزاءِ، فَإمّا أنْ يُثْبِتَ الأعْضاءَ الَّتِي ورَدَ ذِكْرُها في القُرْآنِ ولا يَزِيدَ عَلَيْها، وإمّا أنْ يَزِيدَ عَلَيْها، فَإنْ كانَ الأوَّلُ لَزِمَهُ إثْباتُ صُورَةٍ لا يُمْكِنُ أنْ يُزادَ عَلَيْها في القُبْحِ، لِأنَّهُ يَلْزَمُهُ إثْباتُ وجْهٍ بِحَيْثُ لا يُوجَدُ مِنهُ إلّا مُجَرَّدُ رُقْعَةِ الوَجْهِ لِقَوْلِهِ: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلّا وجْهَهُ﴾ [القَصَصِ: ٨٨] ويَلْزَمُهُ أنْ يُثْبِتَ في تِلْكَ الرُّقْعَةِ عُيُونًا كَثِيرَةً لِقَوْلِهِ: ﴿تَجْرِي بِأعْيُنِنا﴾ [القَمَرِ: ١٤] وأنْ يُثْبِتَ جَنْبًا واحِدًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿نَفْسٌ ياحَسْرَتا عَلى ما فَرَّطْتُ في جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزُّمَرِ: ٥٦] وأنْ يُثْبِتَ عَلى ذَلِكَ الجَنْبِ أيْدِيَ كَثِيرَةً لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِمّا عَمِلَتْ أيْدِينا﴾ [يس: ٧١] وبِتَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ لَهُ يَدانِ فَإنَّهُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ كِلاهُما عَلى جانِبٍ واحِدٍ لِقَوْلِهِ ﷺ: «الحَجَرُ الأسْوَدُ يَمِينُ اللَّهِ في الأرْضِ» وأنْ يُثْبِتَ لَهُ ساقًا واحِدًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ﴾ [القَلَمِ: ٤٢] فَيَكُونُ الحاصِلُ مِن هَذِهِ الصُّورَةِ، مُجَرَّدَ رُقْعَةِ الوَجْهِ صفحة ٢٠٠ ويَكُونُ عَلَيْها عُيُونٌ كَثِيرَةٌ، وجَنْبٌ واحِدٌ ويَكُونُ عَلَيْهِ أيْدٍ كَثِيرَةٌ وساقٌ واحِدٌ، ومَعْلُومٌ أنَّ هَذِهِ الصُّورَةَ أقْبَحُ الصُّوَرِ، ولَوْ كانَ هَذا عَبْدًا لَمْ يَرْغَبْ أحَدٌ في شِرائِهِ، فَكَيْفَ يَقُولُ العاقِلُ إنَّ رَبَّ العالَمِينَ مَوْصُوفٌ بِهَذِهِ الصُّورَةِ. وأمّا القِسْمُ الثّانِي: وهو أنْ لا يَقْتَصِرَ عَلى الأعْضاءِ المَذْكُورَةِ في القُرْآنِ، بَلْ يَزِيدُ ويَنْقُصُ عَلى وفْقِ التَّأْوِيلاتِ، فَحِينَئِذٍ يَبْطُلُ مَذْهَبُهُ في الحَمْلِ عَلى مُجَرَّدِ الظَّواهِرِ، ولا بُدَّ لَهُ مِن قَبُولِ دَلائِلِ العَقْلِ. الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: في إبْطالِ قَوْلِهِمْ إنَّهم إذا أثْبَتُوا الأعْضاءَ لِلَّهِ تَعالى، فَإنْ أثْبَتُوا لَهُ عُضْوَ الرَّجُلِ فَهو رَجُلٌ، وإنْ أثْبَتُوا لَهُ عُضْوَ النِّساءِ فَهو أُنْثى، وإنْ نَفَوْهُما فَهو خَصِيٌّ أوْ عِنِّينٌ، وتَعالى اللَّهُ عَمّا يَقُولُ الظّالِمُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا. الحُجَّةُ الثّالِثَةُ: أنَّهُ في ذاتِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، إمّا أنْ يَكُونَ جِسْمًا صُلْبًا لا يَنْغَمِزُ البَتَّةَ، فَيَكُونُ حَجَرًا صُلْبًا، وإمّا أنْ يَكُونَ قابِلًا لِلِانْغِمازِ، فَيَكُونُ لَيِّنًا قابِلًا لِلتَّفَرُّقِ والتَّمَزُّقِ. وتَعالى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ. الحُجَّةُ الرّابِعَةُ: أنَّهُ إنْ كانَ بِحَيْثُ لا يُمْكِنُهُ أنْ يَتَحَرَّكَ عَنْ مَكانِهِ، كانَ كالزَّمِنِ المُقْعَدِ العاجِزِ، وإنْ كانَ بِحَيْثُ يُمْكِنُهُ أنْ يَتَحَرَّكَ عَنْ مَكانِهِ، كانَ مَحَلًّا لِلتَّغَيُّراتِ، فَدَخَلَ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ [الأنْعامِ: ٧٦] . الحُجَّةُ الخامِسَةُ: إنْ كانَ لا يَأْكُلُ ولا يَشْرَبُ ولا يَنامُ ولا يَتَحَرَّكُ كانَ كالمَيِّتِ، وإنْ كانَ يَفْعَلُ هَذِهِ الأشْياءَ، كانَ إنْسانًا كَثِيرَ التُّهْمَةِ مُحْتاجًا إلى الأكْلِ والشُّرْبِ والوِقاعِ وذَلِكَ باطِلٌ. الحُجَّةُ السّادِسَةُ: أنَّهم يَقُولُونَ إنَّهُ يَنْزِلُ كُلَّ لَيْلَةٍ مِنَ العَرْشِ إلى السَّماءِ الدُّنْيا، فَنَقُولُ لَهم حِينَ نُزُولِهِ: هَلْ يَبْقى مُدَبِّرًا لِلْعَرْشِ ويَبْقى مُدَبِّرًا لِلسَّماءِ الدُّنْيا حِينَ كانَ عَلى العَرْشِ، وحِينَئِذٍ لا يَبْقى في النُّزُولِ فائِدَةٌ، وإنْ لَمْ يَبْقَ مُدَبِّرًا لِلْعَرْشِ فَعِنْدَ نُزُولِهِ يَصِيرُ مَعْزُولًا عَنْ إلَهِيَّةِ العَرْشِ والسَّماواتِ. الحُجَّةُ السّابِعَةُ: أنَّهم يَقُولُونَ إنَّهُ تَعالى أعْظَمُ مِنَ العَرْشِ، وإنَّ العَرْشَ لا نِسْبَةَ لِعَظَمَتِهِ إلى عَظَمَةِ الكُرْسِيِّ، وعَلى هَذا التَّرْتِيبِ حَتّى يَنْتَهِيَ إلى السَّماءِ الدُّنْيا، فَإذا كانَ كَذَلِكَ كانَتِ السَّماءُ الدُّنْيا بِالنِّسْبَةِ إلى عَظَمَةِ اللَّهِ كالذَّرَّةِ بِالنِّسْبَةِ إلى البَحْرِ، فَإذا نَزَلَ فَإمّا أنْ يُقالَ إنَّ الإلَهَ يَصِيرُ صَغِيرًا بِحَيْثُ تَسَعُهُ السَّماءُ الدُّنْيا، وإمّا أنْ يُقالَ إنَّ السَّماءَ الدُّنْيا تَصِيرُ أعْظَمَ مِنَ العَرْشِ، وكُلُّ ذَلِكَ باطِلٌ. الحُجَّةُ الثّامِنَةُ: ثَبَتَ أنَّ العالَمَ كُرَةٌ، فَإنْ كانَ فَوْقَ بِالنِّسْبَةِ إلى قَوْمٍ كانَ تَحْتَ بِالنِّسْبَةِ إلى قَوْمٍ آخَرِينَ وذَلِكَ باطِلٌ، وإنْ كانَ فَوْقَ بِالنِّسْبَةِ إلى الكُلِّ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ جِسْمًا مُحِيطًا بِهَذا العالَمِ مِن كُلِّ الجَوانِبِ، فَيَكُونُ إلَهُ العالَمِ عَلى هَذا القَوْلِ فَلَكًا مِنَ الأفْلاكِ. الحُجَّةُ التّاسِعَةُ: لَمّا كانَتِ الأرْضُ كُرَةً، وكانَتِ السَّماواتُ كُراتٍ، فَكُلُّ ساعَةٍ تُفْرَضُ السّاعاتُ فَإنَّها تَكُونُ ثُلْثَ اللَّيْلِ في حَقِّ أقْوامٍ مُعَيَّنِينَ مِن سُكّانِ كُرَةِ العَوارِضِ، فَلَوْ نَزَلَ مِنَ العَرْشِ في ثُلْثِ اللَّيْلِ وجَبَ أنْ يَبْقى أبَدًا نازِلًا عَنِ العَرْشِ، وأنْ لا يَرْجِعَ إلى العَرْشِ البَتَّةَ. الحُجَّةُ العاشِرَةُ: أنّا إنَّما زَيَّفْنا إلَهِيَّةَ الشَّمْسِ والقَمَرِ لِثَلاثَةِ أنْواعٍ مِنَ العُيُوبِ: أوَّلُها: كَوْنُهُ مُؤَلَّفًا مِنَ الأجْزاءِ والأبْعاضِ. وثانِيها: كَوْنُهُ مَحْدُودًا مُتَناهِيًا. وثالِثُها: كَوْنُهُ مَوْصُوفًا بِالحَرَكَةِ والسُّكُونِ والطُّلُوعِ صفحة ٢٠١ والغُرُوبِ، فَإذا كانَ إلَهُ المُشَبِّهَةِ مُؤَلَّفًا مِنَ الأعْضاءِ والأجْزاءِ كانَ مُرَكَّبًا، فَإذا كانَ عَلى العَرْشِ كانَ مَحْدُودًا مُتَناهِيًا، وإنْ كانَ يَنْزِلُ مِنَ العَرْشِ ويَرْجِعُ إلَيْهِ كانَ مَوْصُوفًا بِالحَرَكَةِ والسُّكُونِ، فَهَذِهِ الصِّفاتُ الثَّلاثَةُ إنْ كانَتْ مُنافِيَةً لِلْإلَهِيَّةِ وجَبَ تَنْزِيهُ الإلَهِ عَنْها بِأسْرِها، وذَلِكَ يُبْطِلُ قَوْلَ المُشَبِّهَةِ، وإنْ لَمْ تَكُنْ مُنافِيَةً لِلْإلَهِيَّةِ فَحِينَئِذٍ لا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى الطَّعْنِ في إلَهِيَّةِ الشَّمْسِ والقَمَرِ. الحُجَّةُ الحادِيَةَ عَشْرَةَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] ولَفْظُ الأحَدِ مُبالَغَةٌ في الوَحْدَةِ، وذَلِكَ يُنافِي كَوْنَهُ مُرَكَّبًا مِنَ الأجْزاءِ والأبْعاضِ. الحُجَّةُ الثّانِيَةَ عَشْرَةَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ الغَنِيُّ وأنْتُمُ الفُقَراءُ﴾ [محمد: ٣٨] ولَوْ كانَ مُرَكَّبًا مِنَ الأجْزاءِ والأبْعاضِ لَكانَ مُحْتاجًا إلَيْها، وذَلِكَ يَمْنَعُ مِن كَوْنِهِ غَنِيًّا عَلى الإطْلاقِ، فَثَبَتَ بِهَذِهِ الوُجُوهِ أنَّ القَوْلَ بِإثْباتِ الأعْضاءِ والأجْزاءِ لِلَّهِ مُحالٌ، ولَمّا ثَبَتَ بِالدَّلائِلِ اليَقِينِيَّةِ وُجُوبُ تَنْزِيهِ اللَّهِ تَعالى عَنْ هَذِهِ الأعْضاءِ - فَنَقُولُ: ذَكَرَ العُلَماءُ في لَفْظِ اليَدِ وُجُوهًا: الأوَّلُ: أنَّ اليَدَ عِبارَةٌ عَنِ القُدْرَةِ، تَقُولُ العَرَبُ: ما لِي بِهَذا الأمْرِ مِن يَدٍ، أيْ: مِن قُوَّةٍ وطاقَةٍ، قالَ تَعالى: ﴿أوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧] . الثّانِي: اليَدُ عِبارَةٌ عَنِ النِّعْمَةِ؛ يُقالُ: أيادِي فُلانٍ في حَقِّ فُلانٍ ظاهِرَةٌ، والمُرادُ النِّعَمُ، والمُرادُ بِاليَدَيْنِ النِّعَمُ الظّاهِرَةُ والباطِنَةُ أوْ نِعَمُ الدِّينِ والدُّنْيا. الثّالِثُ: أنَّ لَفْظَ اليَدِ قَدْ يُزادُ لِلتَّأْكِيدِ، كَقَوْلِ القائِلِ لِمَن جَنى بِاللِّسانِ: هَذا ما كَسَبَتْ يَداكَ، وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ [الأعراف: ٥٧] . ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: حَمْلُ اليَدِ عَلى القُدْرَةِ هَهُنا غَيْرُ جائِزٍ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ ظاهِرَ الآيَةِ يَقْتَضِي إثْباتَ اليَدَيْنِ، فَلَوْ كانَتِ اليَدُ عِبارَةً عَنِ القُدْرَةِ لَزِمَ إثْباتُ قُدْرَتَيْنِ لِلَّهِ، وهو باطِلٌ. والثّانِي: أنَّ الآيَةَ تَقْتَضِي أنَّ كَوْنَ آدَمَ مَخْلُوقًا بِاليَدَيْنِ يُوجِبُ فَضِيلَتَهُ وكَوْنَهُ مَسْجُودًا لِلْمَلائِكَةِ، فَلَوْ كانَتِ اليَدُ عِبارَةً عَنِ القُدْرَةِ لَكانَ آدَمُ مَخْلُوقًا بِالقُدْرَةِ، لَكِنَّ جَمِيعَ الأشْياءِ مَخْلُوقَةٌ بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى، فَكَما أنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَخْلُوقٌ بِيَدِ اللَّهِ تَعالى، فَكَذَلِكَ إبْلِيسُ مَخْلُوقٌ بِيَدِ اللَّهِ تَعالى، وعَلى تَقْدِيرِ أنْ تَكُونَ عِبارَةً عَنِ القُدْرَةِ، لَمْ تَكُنْ هَذِهِ العِلَّةُ عِلَّةً، لِكَوْنِ آدَمَ مَسْجُودًا لِإبْلِيسَ أوْلى مِن أنْ يَكُونَ إبْلِيسُ مَسْجُودًا لِآدَمَ، وحِينَئِذٍ يَخْتَلُّ نَظْمُ الآيَةِ ويَبْطُلُ. الثّالِثُ: أنَّهُ جاءَ في الحَدِيثِ أنَّهُ ﷺ قالَ: «كِلْتا يَدَيْهِ يُمْنى» ومَعْلُومٌ أنَّ هَذا الوَصْفَ لا يَلِيقُ بِالقُدْرَةِ. وأمّا التَّأْوِيلُ الثّانِي: وهو حَمْلُ اليَدَيْنِ عَلى النِّعْمَتَيْنِ، فَهو أيْضًا باطِلٌ لِوُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ نِعَمَ اللَّهِ تَعالى كَثِيرَةٌ كَما قالَ: ﴿وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها﴾ [إبراهيم: ٣٤] وظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ اليَدَ لا تَزِيدُ عَلى الِاثْنَتَيْنِ. الثّانِي: لَوْ كانَتِ اليَدُ عِبارَةً عَنِ النِّعْمَةِ، فَنَقُولُ: النِّعْمَةُ مَخْلُوقَةٌ لِلَّهِ، فَحِينَئِذٍ لا يَكُونُ آدَمُ مَخْلُوقًا لِلَّهِ تَعالى، بَلْ يَكُونُ مَخْلُوقًا لِبَعْضِ المَخْلُوقاتِ، وذَلِكَ بِأنْ يَكُونَ سَبَبًا لِمَزِيدِ النُّقْصانِ أوْلى مِن أنْ يَكُونَ سَبَبًا لِمَزِيدِ الكَمالِ. الثّالِثُ: لَوْ كانَتِ اليَدُ عِبارَةً عَنِ النِّعْمَةِ لَكانَ قَوْلُهُ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ﴾ [الملك: ١] مَعْناهُ: تَبارَكَ الَّذِي بِنِعْمَتِهِ المُلْكُ، ولَكانَ قَوْلُهُ: ﴿بِيَدِكَ الخَيْرُ﴾ مَعْناهُ: بِنِعْمَتِكَ الخَيْرُ، ولَكانَ قَوْلُهُ: ﴿يَداهُ مَبْسُوطَتانِ﴾ [المائدة: ٦٤] مَعْناهُ: نِعْمَتاهُ مَبْسُوطَتانِ، ومَعْلُومٌ أنَّ كُلَّ ذَلِكَ فاسِدٌ. وأمّا التَّأْوِيلُ الثّالِثُ: وهو قَوْلُهُ: إنَّ لَفْظَ اليَدِ قَدْ يُذْكَرُ زِيادَةً لِأجْلِ التَّأْكِيدِ، فَنَقُولُ: لَفْظُ اليَدِ قَدْ يُسْتَعْمَلُ في صفحة ٢٠٢ حَقِّ مَن يَكُونُ هَذا العُضْوُ حاصِلًا لَهُ، وفي حَقِّ مَن لا يَكُونُ هَذا العُضْوُ حاصِلًا في حَقِّهِ. أمّا الأوَّلُ: فَكَقَوْلِهِمْ في حَقِّ مَن جَنى بِلِسانِهِ: هَذا ما كَسَبَتْ يَداكَ، والسَّبَبُ في هَذا أنَّ مَحَلَّ القُدْرَةِ هو اليَدُ، فَأطْلَقَ اسْمَ اليَدِ عَلى القُدْرَةِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَيَصِيرُ المُرادُ مِن لَفْظِ اليَدِ القُدْرَةَ، وقَدْ تَقَدَّمَ إبْطالُ هَذا الوَجْهِ. وأمّا الثّانِي: فَكَقَوْلِهِ ﴿بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ﴾ [سبأ: ٤٦] وقَوْلِهِ: (بَيْنَ يَدَيِ السّاعَةِ) إلّا أنّا نَقُولُ: هَذا المَجازُ بِهَذا اللَّفْظِ مَذْكُورٌ، والمَجازُ لا يُقاسُ عَلَيْهِ، ولا يَكُونُ مُطَّرِدًا، فَلا جَرَمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ هَذا المَعْنى إنَّما حَصَلَ بِيَدِ العَذابِ وبِيَدِ السّاعَةِ، ونَحْنُ نُسَلِّمُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ [الحجرات: ١] قَدْ يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ التَّأْكِيدُ والصِّلَةُ، أمّا المَذْكُورُ في هَذِهِ الآيَةِ لَيْسَ هَذا اللَّفْظُ، بَلْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ وإنْ كانَ القِياسُ في المَجازاتِ باطِلًا فَقَدْ سَقَطَ كَلامُكم بِالكُلِّيَّةِ، فَهَذا مُنْتَهى البَحْثِ في هَذا البابِ. والَّذِي تَلَخَّصَ عِنْدِي في هَذا البابِ أنَّ السُّلْطانَ العَظِيمَ لا يَقْدِرُ عَلى عَمَلِ شَيْءٍ بِيَدِهِ إلّا إذا كانَتْ غايَةُ عِنايَتِهِ مَصْرُوفَةً إلى ذَلِكَ العَمَلِ، فَإذا كانَتِ العِنايَةُ الشَّدِيدَةُ مِن لَوازِمِ العَمَلِ بِاليَدِ أمْكَنَ جَعْلُهُ مَجازًا عَنْهُ عِنْدَ قِيامِ الدَّلائِلِ القاهِرَةِ، فَهَذا ما لَخَّصْناهُ في هَذا البابِ، واللَّهُ أعْلَمُ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أسْتَكْبَرْتَ أمْ كُنْتَ مِنَ العالِينَ﴾ فالمَعْنى: أسْتَكْبَرْتَ الآنَ أمْ كُنْتَ أبَدًا مِنَ المُتَكَبِّرِينَ العالِينَ، فَأجابَ إبْلِيسُ بِقَوْلِهِ: ﴿أنا خَيْرٌ مِنهُ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ فالمَعْنى: أنِّي لَوْ كُنْتُ مُساوِيًا لَهُ في الشَّرَفِ لَكانَ يَقْبُحُ أمْرِي بِسُجُودِي لَهُ، فَكَيْفَ وأنا خَيْرٌ مِنهُ، ثُمَّ بَيَّنَ كَوْنَهُ خَيْرًا مِنهُ بِأنَّ أصْلَهُ مِنَ النّارِ، والنّارُ أشْرَفُ مِنَ الطِّينِ، فَصَحَّ أنَّ أصْلَهُ خَيْرٌ مِن أصْلِ آدَمَ، ومَن كانَ أصْلُهُ خَيْرًا مِن أصْلِهِ فَهو خَيْرٌ مِنهُ، فَهَذِهِ مُقَدِّماتٌ ثَلاثٌ:

ص 38:78

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: احْتَجَّ مَن أثْبَتَ الأعْضاءَ والجَوارِحَ لِلَّهِ تَعالى بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ في إثْباتِ يَدَيْنِ لِلَّهِ تَعالى، بِأنْ قالُوا ظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلَيْهِ، فَوَجَبَ المَصِيرُ إلَيْهِ، والآياتُ الكَثِيرَةُ وارِدَةٌ عَلى وفْقِ هَذِهِ الآيَةِ، فَوَجَبَ القَطْعُ بِهِ. واعْلَمْ أنَّ الدَّلائِلَ الدّالَّةَ عَلى نَفْيِ كَوْنِهِ تَعالى جِسْمًا مُرَكَّبًا مِنَ الأجْزاءِ والأعْضاءِ، قَدْ سَبَقَتْ، إلّا أنّا نَذْكُرُ هَهُنا نُكَتًا جارِيَةً مَجْرى الإلْزاماتِ الظّاهِرَةِ. فالأوَّلُ: أنَّ مَن قالَ إنَّهُ مُرَكَّبٌ مِنَ الأعْضاءِ والأجْزاءِ، فَإمّا أنْ يُثْبِتَ الأعْضاءَ الَّتِي ورَدَ ذِكْرُها في القُرْآنِ ولا يَزِيدَ عَلَيْها، وإمّا أنْ يَزِيدَ عَلَيْها، فَإنْ كانَ الأوَّلُ لَزِمَهُ إثْباتُ صُورَةٍ لا يُمْكِنُ أنْ يُزادَ عَلَيْها في القُبْحِ، لِأنَّهُ يَلْزَمُهُ إثْباتُ وجْهٍ بِحَيْثُ لا يُوجَدُ مِنهُ إلّا مُجَرَّدُ رُقْعَةِ الوَجْهِ لِقَوْلِهِ: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلّا وجْهَهُ﴾ [القَصَصِ: ٨٨] ويَلْزَمُهُ أنْ يُثْبِتَ في تِلْكَ الرُّقْعَةِ عُيُونًا كَثِيرَةً لِقَوْلِهِ: ﴿تَجْرِي بِأعْيُنِنا﴾ [القَمَرِ: ١٤] وأنْ يُثْبِتَ جَنْبًا واحِدًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿نَفْسٌ ياحَسْرَتا عَلى ما فَرَّطْتُ في جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزُّمَرِ: ٥٦] وأنْ يُثْبِتَ عَلى ذَلِكَ الجَنْبِ أيْدِيَ كَثِيرَةً لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِمّا عَمِلَتْ أيْدِينا﴾ [يس: ٧١] وبِتَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ لَهُ يَدانِ فَإنَّهُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ كِلاهُما عَلى جانِبٍ واحِدٍ لِقَوْلِهِ ﷺ: «الحَجَرُ الأسْوَدُ يَمِينُ اللَّهِ في الأرْضِ» وأنْ يُثْبِتَ لَهُ ساقًا واحِدًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ﴾ [القَلَمِ: ٤٢] فَيَكُونُ الحاصِلُ مِن هَذِهِ الصُّورَةِ، مُجَرَّدَ رُقْعَةِ الوَجْهِ صفحة ٢٠٠ ويَكُونُ عَلَيْها عُيُونٌ كَثِيرَةٌ، وجَنْبٌ واحِدٌ ويَكُونُ عَلَيْهِ أيْدٍ كَثِيرَةٌ وساقٌ واحِدٌ، ومَعْلُومٌ أنَّ هَذِهِ الصُّورَةَ أقْبَحُ الصُّوَرِ، ولَوْ كانَ هَذا عَبْدًا لَمْ يَرْغَبْ أحَدٌ في شِرائِهِ، فَكَيْفَ يَقُولُ العاقِلُ إنَّ رَبَّ العالَمِينَ مَوْصُوفٌ بِهَذِهِ الصُّورَةِ. وأمّا القِسْمُ الثّانِي: وهو أنْ لا يَقْتَصِرَ عَلى الأعْضاءِ المَذْكُورَةِ في القُرْآنِ، بَلْ يَزِيدُ ويَنْقُصُ عَلى وفْقِ التَّأْوِيلاتِ، فَحِينَئِذٍ يَبْطُلُ مَذْهَبُهُ في الحَمْلِ عَلى مُجَرَّدِ الظَّواهِرِ، ولا بُدَّ لَهُ مِن قَبُولِ دَلائِلِ العَقْلِ. الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: في إبْطالِ قَوْلِهِمْ إنَّهم إذا أثْبَتُوا الأعْضاءَ لِلَّهِ تَعالى، فَإنْ أثْبَتُوا لَهُ عُضْوَ الرَّجُلِ فَهو رَجُلٌ، وإنْ أثْبَتُوا لَهُ عُضْوَ النِّساءِ فَهو أُنْثى، وإنْ نَفَوْهُما فَهو خَصِيٌّ أوْ عِنِّينٌ، وتَعالى اللَّهُ عَمّا يَقُولُ الظّالِمُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا. الحُجَّةُ الثّالِثَةُ: أنَّهُ في ذاتِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، إمّا أنْ يَكُونَ جِسْمًا صُلْبًا لا يَنْغَمِزُ البَتَّةَ، فَيَكُونُ حَجَرًا صُلْبًا، وإمّا أنْ يَكُونَ قابِلًا لِلِانْغِمازِ، فَيَكُونُ لَيِّنًا قابِلًا لِلتَّفَرُّقِ والتَّمَزُّقِ. وتَعالى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ. الحُجَّةُ الرّابِعَةُ: أنَّهُ إنْ كانَ بِحَيْثُ لا يُمْكِنُهُ أنْ يَتَحَرَّكَ عَنْ مَكانِهِ، كانَ كالزَّمِنِ المُقْعَدِ العاجِزِ، وإنْ كانَ بِحَيْثُ يُمْكِنُهُ أنْ يَتَحَرَّكَ عَنْ مَكانِهِ، كانَ مَحَلًّا لِلتَّغَيُّراتِ، فَدَخَلَ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ [الأنْعامِ: ٧٦] . الحُجَّةُ الخامِسَةُ: إنْ كانَ لا يَأْكُلُ ولا يَشْرَبُ ولا يَنامُ ولا يَتَحَرَّكُ كانَ كالمَيِّتِ، وإنْ كانَ يَفْعَلُ هَذِهِ الأشْياءَ، كانَ إنْسانًا كَثِيرَ التُّهْمَةِ مُحْتاجًا إلى الأكْلِ والشُّرْبِ والوِقاعِ وذَلِكَ باطِلٌ. الحُجَّةُ السّادِسَةُ: أنَّهم يَقُولُونَ إنَّهُ يَنْزِلُ كُلَّ لَيْلَةٍ مِنَ العَرْشِ إلى السَّماءِ الدُّنْيا، فَنَقُولُ لَهم حِينَ نُزُولِهِ: هَلْ يَبْقى مُدَبِّرًا لِلْعَرْشِ ويَبْقى مُدَبِّرًا لِلسَّماءِ الدُّنْيا حِينَ كانَ عَلى العَرْشِ، وحِينَئِذٍ لا يَبْقى في النُّزُولِ فائِدَةٌ، وإنْ لَمْ يَبْقَ مُدَبِّرًا لِلْعَرْشِ فَعِنْدَ نُزُولِهِ يَصِيرُ مَعْزُولًا عَنْ إلَهِيَّةِ العَرْشِ والسَّماواتِ. الحُجَّةُ السّابِعَةُ: أنَّهم يَقُولُونَ إنَّهُ تَعالى أعْظَمُ مِنَ العَرْشِ، وإنَّ العَرْشَ لا نِسْبَةَ لِعَظَمَتِهِ إلى عَظَمَةِ الكُرْسِيِّ، وعَلى هَذا التَّرْتِيبِ حَتّى يَنْتَهِيَ إلى السَّماءِ الدُّنْيا، فَإذا كانَ كَذَلِكَ كانَتِ السَّماءُ الدُّنْيا بِالنِّسْبَةِ إلى عَظَمَةِ اللَّهِ كالذَّرَّةِ بِالنِّسْبَةِ إلى البَحْرِ، فَإذا نَزَلَ فَإمّا أنْ يُقالَ إنَّ الإلَهَ يَصِيرُ صَغِيرًا بِحَيْثُ تَسَعُهُ السَّماءُ الدُّنْيا، وإمّا أنْ يُقالَ إنَّ السَّماءَ الدُّنْيا تَصِيرُ أعْظَمَ مِنَ العَرْشِ، وكُلُّ ذَلِكَ باطِلٌ. الحُجَّةُ الثّامِنَةُ: ثَبَتَ أنَّ العالَمَ كُرَةٌ، فَإنْ كانَ فَوْقَ بِالنِّسْبَةِ إلى قَوْمٍ كانَ تَحْتَ بِالنِّسْبَةِ إلى قَوْمٍ آخَرِينَ وذَلِكَ باطِلٌ، وإنْ كانَ فَوْقَ بِالنِّسْبَةِ إلى الكُلِّ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ جِسْمًا مُحِيطًا بِهَذا العالَمِ مِن كُلِّ الجَوانِبِ، فَيَكُونُ إلَهُ العالَمِ عَلى هَذا القَوْلِ فَلَكًا مِنَ الأفْلاكِ. الحُجَّةُ التّاسِعَةُ: لَمّا كانَتِ الأرْضُ كُرَةً، وكانَتِ السَّماواتُ كُراتٍ، فَكُلُّ ساعَةٍ تُفْرَضُ السّاعاتُ فَإنَّها تَكُونُ ثُلْثَ اللَّيْلِ في حَقِّ أقْوامٍ مُعَيَّنِينَ مِن سُكّانِ كُرَةِ العَوارِضِ، فَلَوْ نَزَلَ مِنَ العَرْشِ في ثُلْثِ اللَّيْلِ وجَبَ أنْ يَبْقى أبَدًا نازِلًا عَنِ العَرْشِ، وأنْ لا يَرْجِعَ إلى العَرْشِ البَتَّةَ. الحُجَّةُ العاشِرَةُ: أنّا إنَّما زَيَّفْنا إلَهِيَّةَ الشَّمْسِ والقَمَرِ لِثَلاثَةِ أنْواعٍ مِنَ العُيُوبِ: أوَّلُها: كَوْنُهُ مُؤَلَّفًا مِنَ الأجْزاءِ والأبْعاضِ. وثانِيها: كَوْنُهُ مَحْدُودًا مُتَناهِيًا. وثالِثُها: كَوْنُهُ مَوْصُوفًا بِالحَرَكَةِ والسُّكُونِ والطُّلُوعِ صفحة ٢٠١ والغُرُوبِ، فَإذا كانَ إلَهُ المُشَبِّهَةِ مُؤَلَّفًا مِنَ الأعْضاءِ والأجْزاءِ كانَ مُرَكَّبًا، فَإذا كانَ عَلى العَرْشِ كانَ مَحْدُودًا مُتَناهِيًا، وإنْ كانَ يَنْزِلُ مِنَ العَرْشِ ويَرْجِعُ إلَيْهِ كانَ مَوْصُوفًا بِالحَرَكَةِ والسُّكُونِ، فَهَذِهِ الصِّفاتُ الثَّلاثَةُ إنْ كانَتْ مُنافِيَةً لِلْإلَهِيَّةِ وجَبَ تَنْزِيهُ الإلَهِ عَنْها بِأسْرِها، وذَلِكَ يُبْطِلُ قَوْلَ المُشَبِّهَةِ، وإنْ لَمْ تَكُنْ مُنافِيَةً لِلْإلَهِيَّةِ فَحِينَئِذٍ لا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى الطَّعْنِ في إلَهِيَّةِ الشَّمْسِ والقَمَرِ. الحُجَّةُ الحادِيَةَ عَشْرَةَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] ولَفْظُ الأحَدِ مُبالَغَةٌ في الوَحْدَةِ، وذَلِكَ يُنافِي كَوْنَهُ مُرَكَّبًا مِنَ الأجْزاءِ والأبْعاضِ. الحُجَّةُ الثّانِيَةَ عَشْرَةَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ الغَنِيُّ وأنْتُمُ الفُقَراءُ﴾ [محمد: ٣٨] ولَوْ كانَ مُرَكَّبًا مِنَ الأجْزاءِ والأبْعاضِ لَكانَ مُحْتاجًا إلَيْها، وذَلِكَ يَمْنَعُ مِن كَوْنِهِ غَنِيًّا عَلى الإطْلاقِ، فَثَبَتَ بِهَذِهِ الوُجُوهِ أنَّ القَوْلَ بِإثْباتِ الأعْضاءِ والأجْزاءِ لِلَّهِ مُحالٌ، ولَمّا ثَبَتَ بِالدَّلائِلِ اليَقِينِيَّةِ وُجُوبُ تَنْزِيهِ اللَّهِ تَعالى عَنْ هَذِهِ الأعْضاءِ - فَنَقُولُ: ذَكَرَ العُلَماءُ في لَفْظِ اليَدِ وُجُوهًا: الأوَّلُ: أنَّ اليَدَ عِبارَةٌ عَنِ القُدْرَةِ، تَقُولُ العَرَبُ: ما لِي بِهَذا الأمْرِ مِن يَدٍ، أيْ: مِن قُوَّةٍ وطاقَةٍ، قالَ تَعالى: ﴿أوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧] . الثّانِي: اليَدُ عِبارَةٌ عَنِ النِّعْمَةِ؛ يُقالُ: أيادِي فُلانٍ في حَقِّ فُلانٍ ظاهِرَةٌ، والمُرادُ النِّعَمُ، والمُرادُ بِاليَدَيْنِ النِّعَمُ الظّاهِرَةُ والباطِنَةُ أوْ نِعَمُ الدِّينِ والدُّنْيا. الثّالِثُ: أنَّ لَفْظَ اليَدِ قَدْ يُزادُ لِلتَّأْكِيدِ، كَقَوْلِ القائِلِ لِمَن جَنى بِاللِّسانِ: هَذا ما كَسَبَتْ يَداكَ، وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ [الأعراف: ٥٧] . ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: حَمْلُ اليَدِ عَلى القُدْرَةِ هَهُنا غَيْرُ جائِزٍ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ ظاهِرَ الآيَةِ يَقْتَضِي إثْباتَ اليَدَيْنِ، فَلَوْ كانَتِ اليَدُ عِبارَةً عَنِ القُدْرَةِ لَزِمَ إثْباتُ قُدْرَتَيْنِ لِلَّهِ، وهو باطِلٌ. والثّانِي: أنَّ الآيَةَ تَقْتَضِي أنَّ كَوْنَ آدَمَ مَخْلُوقًا بِاليَدَيْنِ يُوجِبُ فَضِيلَتَهُ وكَوْنَهُ مَسْجُودًا لِلْمَلائِكَةِ، فَلَوْ كانَتِ اليَدُ عِبارَةً عَنِ القُدْرَةِ لَكانَ آدَمُ مَخْلُوقًا بِالقُدْرَةِ، لَكِنَّ جَمِيعَ الأشْياءِ مَخْلُوقَةٌ بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى، فَكَما أنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَخْلُوقٌ بِيَدِ اللَّهِ تَعالى، فَكَذَلِكَ إبْلِيسُ مَخْلُوقٌ بِيَدِ اللَّهِ تَعالى، وعَلى تَقْدِيرِ أنْ تَكُونَ عِبارَةً عَنِ القُدْرَةِ، لَمْ تَكُنْ هَذِهِ العِلَّةُ عِلَّةً، لِكَوْنِ آدَمَ مَسْجُودًا لِإبْلِيسَ أوْلى مِن أنْ يَكُونَ إبْلِيسُ مَسْجُودًا لِآدَمَ، وحِينَئِذٍ يَخْتَلُّ نَظْمُ الآيَةِ ويَبْطُلُ. الثّالِثُ: أنَّهُ جاءَ في الحَدِيثِ أنَّهُ ﷺ قالَ: «كِلْتا يَدَيْهِ يُمْنى» ومَعْلُومٌ أنَّ هَذا الوَصْفَ لا يَلِيقُ بِالقُدْرَةِ. وأمّا التَّأْوِيلُ الثّانِي: وهو حَمْلُ اليَدَيْنِ عَلى النِّعْمَتَيْنِ، فَهو أيْضًا باطِلٌ لِوُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ نِعَمَ اللَّهِ تَعالى كَثِيرَةٌ كَما قالَ: ﴿وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها﴾ [إبراهيم: ٣٤] وظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ اليَدَ لا تَزِيدُ عَلى الِاثْنَتَيْنِ. الثّانِي: لَوْ كانَتِ اليَدُ عِبارَةً عَنِ النِّعْمَةِ، فَنَقُولُ: النِّعْمَةُ مَخْلُوقَةٌ لِلَّهِ، فَحِينَئِذٍ لا يَكُونُ آدَمُ مَخْلُوقًا لِلَّهِ تَعالى، بَلْ يَكُونُ مَخْلُوقًا لِبَعْضِ المَخْلُوقاتِ، وذَلِكَ بِأنْ يَكُونَ سَبَبًا لِمَزِيدِ النُّقْصانِ أوْلى مِن أنْ يَكُونَ سَبَبًا لِمَزِيدِ الكَمالِ. الثّالِثُ: لَوْ كانَتِ اليَدُ عِبارَةً عَنِ النِّعْمَةِ لَكانَ قَوْلُهُ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ﴾ [الملك: ١] مَعْناهُ: تَبارَكَ الَّذِي بِنِعْمَتِهِ المُلْكُ، ولَكانَ قَوْلُهُ: ﴿بِيَدِكَ الخَيْرُ﴾ مَعْناهُ: بِنِعْمَتِكَ الخَيْرُ، ولَكانَ قَوْلُهُ: ﴿يَداهُ مَبْسُوطَتانِ﴾ [المائدة: ٦٤] مَعْناهُ: نِعْمَتاهُ مَبْسُوطَتانِ، ومَعْلُومٌ أنَّ كُلَّ ذَلِكَ فاسِدٌ. وأمّا التَّأْوِيلُ الثّالِثُ: وهو قَوْلُهُ: إنَّ لَفْظَ اليَدِ قَدْ يُذْكَرُ زِيادَةً لِأجْلِ التَّأْكِيدِ، فَنَقُولُ: لَفْظُ اليَدِ قَدْ يُسْتَعْمَلُ في صفحة ٢٠٢ حَقِّ مَن يَكُونُ هَذا العُضْوُ حاصِلًا لَهُ، وفي حَقِّ مَن لا يَكُونُ هَذا العُضْوُ حاصِلًا في حَقِّهِ. أمّا الأوَّلُ: فَكَقَوْلِهِمْ في حَقِّ مَن جَنى بِلِسانِهِ: هَذا ما كَسَبَتْ يَداكَ، والسَّبَبُ في هَذا أنَّ مَحَلَّ القُدْرَةِ هو اليَدُ، فَأطْلَقَ اسْمَ اليَدِ عَلى القُدْرَةِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَيَصِيرُ المُرادُ مِن لَفْظِ اليَدِ القُدْرَةَ، وقَدْ تَقَدَّمَ إبْطالُ هَذا الوَجْهِ. وأمّا الثّانِي: فَكَقَوْلِهِ ﴿بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ﴾ [سبأ: ٤٦] وقَوْلِهِ: (بَيْنَ يَدَيِ السّاعَةِ) إلّا أنّا نَقُولُ: هَذا المَجازُ بِهَذا اللَّفْظِ مَذْكُورٌ، والمَجازُ لا يُقاسُ عَلَيْهِ، ولا يَكُونُ مُطَّرِدًا، فَلا جَرَمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ هَذا المَعْنى إنَّما حَصَلَ بِيَدِ العَذابِ وبِيَدِ السّاعَةِ، ونَحْنُ نُسَلِّمُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ [الحجرات: ١] قَدْ يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ التَّأْكِيدُ والصِّلَةُ، أمّا المَذْكُورُ في هَذِهِ الآيَةِ لَيْسَ هَذا اللَّفْظُ، بَلْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ وإنْ كانَ القِياسُ في المَجازاتِ باطِلًا فَقَدْ سَقَطَ كَلامُكم بِالكُلِّيَّةِ، فَهَذا مُنْتَهى البَحْثِ في هَذا البابِ. والَّذِي تَلَخَّصَ عِنْدِي في هَذا البابِ أنَّ السُّلْطانَ العَظِيمَ لا يَقْدِرُ عَلى عَمَلِ شَيْءٍ بِيَدِهِ إلّا إذا كانَتْ غايَةُ عِنايَتِهِ مَصْرُوفَةً إلى ذَلِكَ العَمَلِ، فَإذا كانَتِ العِنايَةُ الشَّدِيدَةُ مِن لَوازِمِ العَمَلِ بِاليَدِ أمْكَنَ جَعْلُهُ مَجازًا عَنْهُ عِنْدَ قِيامِ الدَّلائِلِ القاهِرَةِ، فَهَذا ما لَخَّصْناهُ في هَذا البابِ، واللَّهُ أعْلَمُ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أسْتَكْبَرْتَ أمْ كُنْتَ مِنَ العالِينَ﴾ فالمَعْنى: أسْتَكْبَرْتَ الآنَ أمْ كُنْتَ أبَدًا مِنَ المُتَكَبِّرِينَ العالِينَ، فَأجابَ إبْلِيسُ بِقَوْلِهِ: ﴿أنا خَيْرٌ مِنهُ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ فالمَعْنى: أنِّي لَوْ كُنْتُ مُساوِيًا لَهُ في الشَّرَفِ لَكانَ يَقْبُحُ أمْرِي بِسُجُودِي لَهُ، فَكَيْفَ وأنا خَيْرٌ مِنهُ، ثُمَّ بَيَّنَ كَوْنَهُ خَيْرًا مِنهُ بِأنَّ أصْلَهُ مِنَ النّارِ، والنّارُ أشْرَفُ مِنَ الطِّينِ، فَصَحَّ أنَّ أصْلَهُ خَيْرٌ مِن أصْلِ آدَمَ، ومَن كانَ أصْلُهُ خَيْرًا مِن أصْلِهِ فَهو خَيْرٌ مِنهُ، فَهَذِهِ مُقَدِّماتٌ ثَلاثٌ:

ص 38:79

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: احْتَجَّ مَن أثْبَتَ الأعْضاءَ والجَوارِحَ لِلَّهِ تَعالى بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ في إثْباتِ يَدَيْنِ لِلَّهِ تَعالى، بِأنْ قالُوا ظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلَيْهِ، فَوَجَبَ المَصِيرُ إلَيْهِ، والآياتُ الكَثِيرَةُ وارِدَةٌ عَلى وفْقِ هَذِهِ الآيَةِ، فَوَجَبَ القَطْعُ بِهِ. واعْلَمْ أنَّ الدَّلائِلَ الدّالَّةَ عَلى نَفْيِ كَوْنِهِ تَعالى جِسْمًا مُرَكَّبًا مِنَ الأجْزاءِ والأعْضاءِ، قَدْ سَبَقَتْ، إلّا أنّا نَذْكُرُ هَهُنا نُكَتًا جارِيَةً مَجْرى الإلْزاماتِ الظّاهِرَةِ. فالأوَّلُ: أنَّ مَن قالَ إنَّهُ مُرَكَّبٌ مِنَ الأعْضاءِ والأجْزاءِ، فَإمّا أنْ يُثْبِتَ الأعْضاءَ الَّتِي ورَدَ ذِكْرُها في القُرْآنِ ولا يَزِيدَ عَلَيْها، وإمّا أنْ يَزِيدَ عَلَيْها، فَإنْ كانَ الأوَّلُ لَزِمَهُ إثْباتُ صُورَةٍ لا يُمْكِنُ أنْ يُزادَ عَلَيْها في القُبْحِ، لِأنَّهُ يَلْزَمُهُ إثْباتُ وجْهٍ بِحَيْثُ لا يُوجَدُ مِنهُ إلّا مُجَرَّدُ رُقْعَةِ الوَجْهِ لِقَوْلِهِ: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلّا وجْهَهُ﴾ [القَصَصِ: ٨٨] ويَلْزَمُهُ أنْ يُثْبِتَ في تِلْكَ الرُّقْعَةِ عُيُونًا كَثِيرَةً لِقَوْلِهِ: ﴿تَجْرِي بِأعْيُنِنا﴾ [القَمَرِ: ١٤] وأنْ يُثْبِتَ جَنْبًا واحِدًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿نَفْسٌ ياحَسْرَتا عَلى ما فَرَّطْتُ في جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزُّمَرِ: ٥٦] وأنْ يُثْبِتَ عَلى ذَلِكَ الجَنْبِ أيْدِيَ كَثِيرَةً لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِمّا عَمِلَتْ أيْدِينا﴾ [يس: ٧١] وبِتَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ لَهُ يَدانِ فَإنَّهُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ كِلاهُما عَلى جانِبٍ واحِدٍ لِقَوْلِهِ ﷺ: «الحَجَرُ الأسْوَدُ يَمِينُ اللَّهِ في الأرْضِ» وأنْ يُثْبِتَ لَهُ ساقًا واحِدًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ﴾ [القَلَمِ: ٤٢] فَيَكُونُ الحاصِلُ مِن هَذِهِ الصُّورَةِ، مُجَرَّدَ رُقْعَةِ الوَجْهِ صفحة ٢٠٠ ويَكُونُ عَلَيْها عُيُونٌ كَثِيرَةٌ، وجَنْبٌ واحِدٌ ويَكُونُ عَلَيْهِ أيْدٍ كَثِيرَةٌ وساقٌ واحِدٌ، ومَعْلُومٌ أنَّ هَذِهِ الصُّورَةَ أقْبَحُ الصُّوَرِ، ولَوْ كانَ هَذا عَبْدًا لَمْ يَرْغَبْ أحَدٌ في شِرائِهِ، فَكَيْفَ يَقُولُ العاقِلُ إنَّ رَبَّ العالَمِينَ مَوْصُوفٌ بِهَذِهِ الصُّورَةِ. وأمّا القِسْمُ الثّانِي: وهو أنْ لا يَقْتَصِرَ عَلى الأعْضاءِ المَذْكُورَةِ في القُرْآنِ، بَلْ يَزِيدُ ويَنْقُصُ عَلى وفْقِ التَّأْوِيلاتِ، فَحِينَئِذٍ يَبْطُلُ مَذْهَبُهُ في الحَمْلِ عَلى مُجَرَّدِ الظَّواهِرِ، ولا بُدَّ لَهُ مِن قَبُولِ دَلائِلِ العَقْلِ. الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: في إبْطالِ قَوْلِهِمْ إنَّهم إذا أثْبَتُوا الأعْضاءَ لِلَّهِ تَعالى، فَإنْ أثْبَتُوا لَهُ عُضْوَ الرَّجُلِ فَهو رَجُلٌ، وإنْ أثْبَتُوا لَهُ عُضْوَ النِّساءِ فَهو أُنْثى، وإنْ نَفَوْهُما فَهو خَصِيٌّ أوْ عِنِّينٌ، وتَعالى اللَّهُ عَمّا يَقُولُ الظّالِمُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا. الحُجَّةُ الثّالِثَةُ: أنَّهُ في ذاتِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، إمّا أنْ يَكُونَ جِسْمًا صُلْبًا لا يَنْغَمِزُ البَتَّةَ، فَيَكُونُ حَجَرًا صُلْبًا، وإمّا أنْ يَكُونَ قابِلًا لِلِانْغِمازِ، فَيَكُونُ لَيِّنًا قابِلًا لِلتَّفَرُّقِ والتَّمَزُّقِ. وتَعالى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ. الحُجَّةُ الرّابِعَةُ: أنَّهُ إنْ كانَ بِحَيْثُ لا يُمْكِنُهُ أنْ يَتَحَرَّكَ عَنْ مَكانِهِ، كانَ كالزَّمِنِ المُقْعَدِ العاجِزِ، وإنْ كانَ بِحَيْثُ يُمْكِنُهُ أنْ يَتَحَرَّكَ عَنْ مَكانِهِ، كانَ مَحَلًّا لِلتَّغَيُّراتِ، فَدَخَلَ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ [الأنْعامِ: ٧٦] . الحُجَّةُ الخامِسَةُ: إنْ كانَ لا يَأْكُلُ ولا يَشْرَبُ ولا يَنامُ ولا يَتَحَرَّكُ كانَ كالمَيِّتِ، وإنْ كانَ يَفْعَلُ هَذِهِ الأشْياءَ، كانَ إنْسانًا كَثِيرَ التُّهْمَةِ مُحْتاجًا إلى الأكْلِ والشُّرْبِ والوِقاعِ وذَلِكَ باطِلٌ. الحُجَّةُ السّادِسَةُ: أنَّهم يَقُولُونَ إنَّهُ يَنْزِلُ كُلَّ لَيْلَةٍ مِنَ العَرْشِ إلى السَّماءِ الدُّنْيا، فَنَقُولُ لَهم حِينَ نُزُولِهِ: هَلْ يَبْقى مُدَبِّرًا لِلْعَرْشِ ويَبْقى مُدَبِّرًا لِلسَّماءِ الدُّنْيا حِينَ كانَ عَلى العَرْشِ، وحِينَئِذٍ لا يَبْقى في النُّزُولِ فائِدَةٌ، وإنْ لَمْ يَبْقَ مُدَبِّرًا لِلْعَرْشِ فَعِنْدَ نُزُولِهِ يَصِيرُ مَعْزُولًا عَنْ إلَهِيَّةِ العَرْشِ والسَّماواتِ. الحُجَّةُ السّابِعَةُ: أنَّهم يَقُولُونَ إنَّهُ تَعالى أعْظَمُ مِنَ العَرْشِ، وإنَّ العَرْشَ لا نِسْبَةَ لِعَظَمَتِهِ إلى عَظَمَةِ الكُرْسِيِّ، وعَلى هَذا التَّرْتِيبِ حَتّى يَنْتَهِيَ إلى السَّماءِ الدُّنْيا، فَإذا كانَ كَذَلِكَ كانَتِ السَّماءُ الدُّنْيا بِالنِّسْبَةِ إلى عَظَمَةِ اللَّهِ كالذَّرَّةِ بِالنِّسْبَةِ إلى البَحْرِ، فَإذا نَزَلَ فَإمّا أنْ يُقالَ إنَّ الإلَهَ يَصِيرُ صَغِيرًا بِحَيْثُ تَسَعُهُ السَّماءُ الدُّنْيا، وإمّا أنْ يُقالَ إنَّ السَّماءَ الدُّنْيا تَصِيرُ أعْظَمَ مِنَ العَرْشِ، وكُلُّ ذَلِكَ باطِلٌ. الحُجَّةُ الثّامِنَةُ: ثَبَتَ أنَّ العالَمَ كُرَةٌ، فَإنْ كانَ فَوْقَ بِالنِّسْبَةِ إلى قَوْمٍ كانَ تَحْتَ بِالنِّسْبَةِ إلى قَوْمٍ آخَرِينَ وذَلِكَ باطِلٌ، وإنْ كانَ فَوْقَ بِالنِّسْبَةِ إلى الكُلِّ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ جِسْمًا مُحِيطًا بِهَذا العالَمِ مِن كُلِّ الجَوانِبِ، فَيَكُونُ إلَهُ العالَمِ عَلى هَذا القَوْلِ فَلَكًا مِنَ الأفْلاكِ. الحُجَّةُ التّاسِعَةُ: لَمّا كانَتِ الأرْضُ كُرَةً، وكانَتِ السَّماواتُ كُراتٍ، فَكُلُّ ساعَةٍ تُفْرَضُ السّاعاتُ فَإنَّها تَكُونُ ثُلْثَ اللَّيْلِ في حَقِّ أقْوامٍ مُعَيَّنِينَ مِن سُكّانِ كُرَةِ العَوارِضِ، فَلَوْ نَزَلَ مِنَ العَرْشِ في ثُلْثِ اللَّيْلِ وجَبَ أنْ يَبْقى أبَدًا نازِلًا عَنِ العَرْشِ، وأنْ لا يَرْجِعَ إلى العَرْشِ البَتَّةَ. الحُجَّةُ العاشِرَةُ: أنّا إنَّما زَيَّفْنا إلَهِيَّةَ الشَّمْسِ والقَمَرِ لِثَلاثَةِ أنْواعٍ مِنَ العُيُوبِ: أوَّلُها: كَوْنُهُ مُؤَلَّفًا مِنَ الأجْزاءِ والأبْعاضِ. وثانِيها: كَوْنُهُ مَحْدُودًا مُتَناهِيًا. وثالِثُها: كَوْنُهُ مَوْصُوفًا بِالحَرَكَةِ والسُّكُونِ والطُّلُوعِ صفحة ٢٠١ والغُرُوبِ، فَإذا كانَ إلَهُ المُشَبِّهَةِ مُؤَلَّفًا مِنَ الأعْضاءِ والأجْزاءِ كانَ مُرَكَّبًا، فَإذا كانَ عَلى العَرْشِ كانَ مَحْدُودًا مُتَناهِيًا، وإنْ كانَ يَنْزِلُ مِنَ العَرْشِ ويَرْجِعُ إلَيْهِ كانَ مَوْصُوفًا بِالحَرَكَةِ والسُّكُونِ، فَهَذِهِ الصِّفاتُ الثَّلاثَةُ إنْ كانَتْ مُنافِيَةً لِلْإلَهِيَّةِ وجَبَ تَنْزِيهُ الإلَهِ عَنْها بِأسْرِها، وذَلِكَ يُبْطِلُ قَوْلَ المُشَبِّهَةِ، وإنْ لَمْ تَكُنْ مُنافِيَةً لِلْإلَهِيَّةِ فَحِينَئِذٍ لا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى الطَّعْنِ في إلَهِيَّةِ الشَّمْسِ والقَمَرِ. الحُجَّةُ الحادِيَةَ عَشْرَةَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] ولَفْظُ الأحَدِ مُبالَغَةٌ في الوَحْدَةِ، وذَلِكَ يُنافِي كَوْنَهُ مُرَكَّبًا مِنَ الأجْزاءِ والأبْعاضِ. الحُجَّةُ الثّانِيَةَ عَشْرَةَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ الغَنِيُّ وأنْتُمُ الفُقَراءُ﴾ [محمد: ٣٨] ولَوْ كانَ مُرَكَّبًا مِنَ الأجْزاءِ والأبْعاضِ لَكانَ مُحْتاجًا إلَيْها، وذَلِكَ يَمْنَعُ مِن كَوْنِهِ غَنِيًّا عَلى الإطْلاقِ، فَثَبَتَ بِهَذِهِ الوُجُوهِ أنَّ القَوْلَ بِإثْباتِ الأعْضاءِ والأجْزاءِ لِلَّهِ مُحالٌ، ولَمّا ثَبَتَ بِالدَّلائِلِ اليَقِينِيَّةِ وُجُوبُ تَنْزِيهِ اللَّهِ تَعالى عَنْ هَذِهِ الأعْضاءِ - فَنَقُولُ: ذَكَرَ العُلَماءُ في لَفْظِ اليَدِ وُجُوهًا: الأوَّلُ: أنَّ اليَدَ عِبارَةٌ عَنِ القُدْرَةِ، تَقُولُ العَرَبُ: ما لِي بِهَذا الأمْرِ مِن يَدٍ، أيْ: مِن قُوَّةٍ وطاقَةٍ، قالَ تَعالى: ﴿أوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧] . الثّانِي: اليَدُ عِبارَةٌ عَنِ النِّعْمَةِ؛ يُقالُ: أيادِي فُلانٍ في حَقِّ فُلانٍ ظاهِرَةٌ، والمُرادُ النِّعَمُ، والمُرادُ بِاليَدَيْنِ النِّعَمُ الظّاهِرَةُ والباطِنَةُ أوْ نِعَمُ الدِّينِ والدُّنْيا. الثّالِثُ: أنَّ لَفْظَ اليَدِ قَدْ يُزادُ لِلتَّأْكِيدِ، كَقَوْلِ القائِلِ لِمَن جَنى بِاللِّسانِ: هَذا ما كَسَبَتْ يَداكَ، وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ [الأعراف: ٥٧] . ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: حَمْلُ اليَدِ عَلى القُدْرَةِ هَهُنا غَيْرُ جائِزٍ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ ظاهِرَ الآيَةِ يَقْتَضِي إثْباتَ اليَدَيْنِ، فَلَوْ كانَتِ اليَدُ عِبارَةً عَنِ القُدْرَةِ لَزِمَ إثْباتُ قُدْرَتَيْنِ لِلَّهِ، وهو باطِلٌ. والثّانِي: أنَّ الآيَةَ تَقْتَضِي أنَّ كَوْنَ آدَمَ مَخْلُوقًا بِاليَدَيْنِ يُوجِبُ فَضِيلَتَهُ وكَوْنَهُ مَسْجُودًا لِلْمَلائِكَةِ، فَلَوْ كانَتِ اليَدُ عِبارَةً عَنِ القُدْرَةِ لَكانَ آدَمُ مَخْلُوقًا بِالقُدْرَةِ، لَكِنَّ جَمِيعَ الأشْياءِ مَخْلُوقَةٌ بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى، فَكَما أنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَخْلُوقٌ بِيَدِ اللَّهِ تَعالى، فَكَذَلِكَ إبْلِيسُ مَخْلُوقٌ بِيَدِ اللَّهِ تَعالى، وعَلى تَقْدِيرِ أنْ تَكُونَ عِبارَةً عَنِ القُدْرَةِ، لَمْ تَكُنْ هَذِهِ العِلَّةُ عِلَّةً، لِكَوْنِ آدَمَ مَسْجُودًا لِإبْلِيسَ أوْلى مِن أنْ يَكُونَ إبْلِيسُ مَسْجُودًا لِآدَمَ، وحِينَئِذٍ يَخْتَلُّ نَظْمُ الآيَةِ ويَبْطُلُ. الثّالِثُ: أنَّهُ جاءَ في الحَدِيثِ أنَّهُ ﷺ قالَ: «كِلْتا يَدَيْهِ يُمْنى» ومَعْلُومٌ أنَّ هَذا الوَصْفَ لا يَلِيقُ بِالقُدْرَةِ. وأمّا التَّأْوِيلُ الثّانِي: وهو حَمْلُ اليَدَيْنِ عَلى النِّعْمَتَيْنِ، فَهو أيْضًا باطِلٌ لِوُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ نِعَمَ اللَّهِ تَعالى كَثِيرَةٌ كَما قالَ: ﴿وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها﴾ [إبراهيم: ٣٤] وظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ اليَدَ لا تَزِيدُ عَلى الِاثْنَتَيْنِ. الثّانِي: لَوْ كانَتِ اليَدُ عِبارَةً عَنِ النِّعْمَةِ، فَنَقُولُ: النِّعْمَةُ مَخْلُوقَةٌ لِلَّهِ، فَحِينَئِذٍ لا يَكُونُ آدَمُ مَخْلُوقًا لِلَّهِ تَعالى، بَلْ يَكُونُ مَخْلُوقًا لِبَعْضِ المَخْلُوقاتِ، وذَلِكَ بِأنْ يَكُونَ سَبَبًا لِمَزِيدِ النُّقْصانِ أوْلى مِن أنْ يَكُونَ سَبَبًا لِمَزِيدِ الكَمالِ. الثّالِثُ: لَوْ كانَتِ اليَدُ عِبارَةً عَنِ النِّعْمَةِ لَكانَ قَوْلُهُ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ﴾ [الملك: ١] مَعْناهُ: تَبارَكَ الَّذِي بِنِعْمَتِهِ المُلْكُ، ولَكانَ قَوْلُهُ: ﴿بِيَدِكَ الخَيْرُ﴾ مَعْناهُ: بِنِعْمَتِكَ الخَيْرُ، ولَكانَ قَوْلُهُ: ﴿يَداهُ مَبْسُوطَتانِ﴾ [المائدة: ٦٤] مَعْناهُ: نِعْمَتاهُ مَبْسُوطَتانِ، ومَعْلُومٌ أنَّ كُلَّ ذَلِكَ فاسِدٌ. وأمّا التَّأْوِيلُ الثّالِثُ: وهو قَوْلُهُ: إنَّ لَفْظَ اليَدِ قَدْ يُذْكَرُ زِيادَةً لِأجْلِ التَّأْكِيدِ، فَنَقُولُ: لَفْظُ اليَدِ قَدْ يُسْتَعْمَلُ في صفحة ٢٠٢ حَقِّ مَن يَكُونُ هَذا العُضْوُ حاصِلًا لَهُ، وفي حَقِّ مَن لا يَكُونُ هَذا العُضْوُ حاصِلًا في حَقِّهِ. أمّا الأوَّلُ: فَكَقَوْلِهِمْ في حَقِّ مَن جَنى بِلِسانِهِ: هَذا ما كَسَبَتْ يَداكَ، والسَّبَبُ في هَذا أنَّ مَحَلَّ القُدْرَةِ هو اليَدُ، فَأطْلَقَ اسْمَ اليَدِ عَلى القُدْرَةِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَيَصِيرُ المُرادُ مِن لَفْظِ اليَدِ القُدْرَةَ، وقَدْ تَقَدَّمَ إبْطالُ هَذا الوَجْهِ. وأمّا الثّانِي: فَكَقَوْلِهِ ﴿بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ﴾ [سبأ: ٤٦] وقَوْلِهِ: (بَيْنَ يَدَيِ السّاعَةِ) إلّا أنّا نَقُولُ: هَذا المَجازُ بِهَذا اللَّفْظِ مَذْكُورٌ، والمَجازُ لا يُقاسُ عَلَيْهِ، ولا يَكُونُ مُطَّرِدًا، فَلا جَرَمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ هَذا المَعْنى إنَّما حَصَلَ بِيَدِ العَذابِ وبِيَدِ السّاعَةِ، ونَحْنُ نُسَلِّمُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ [الحجرات: ١] قَدْ يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ التَّأْكِيدُ والصِّلَةُ، أمّا المَذْكُورُ في هَذِهِ الآيَةِ لَيْسَ هَذا اللَّفْظُ، بَلْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ وإنْ كانَ القِياسُ في المَجازاتِ باطِلًا فَقَدْ سَقَطَ كَلامُكم بِالكُلِّيَّةِ، فَهَذا مُنْتَهى البَحْثِ في هَذا البابِ. والَّذِي تَلَخَّصَ عِنْدِي في هَذا البابِ أنَّ السُّلْطانَ العَظِيمَ لا يَقْدِرُ عَلى عَمَلِ شَيْءٍ بِيَدِهِ إلّا إذا كانَتْ غايَةُ عِنايَتِهِ مَصْرُوفَةً إلى ذَلِكَ العَمَلِ، فَإذا كانَتِ العِنايَةُ الشَّدِيدَةُ مِن لَوازِمِ العَمَلِ بِاليَدِ أمْكَنَ جَعْلُهُ مَجازًا عَنْهُ عِنْدَ قِيامِ الدَّلائِلِ القاهِرَةِ، فَهَذا ما لَخَّصْناهُ في هَذا البابِ، واللَّهُ أعْلَمُ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أسْتَكْبَرْتَ أمْ كُنْتَ مِنَ العالِينَ﴾ فالمَعْنى: أسْتَكْبَرْتَ الآنَ أمْ كُنْتَ أبَدًا مِنَ المُتَكَبِّرِينَ العالِينَ، فَأجابَ إبْلِيسُ بِقَوْلِهِ: ﴿أنا خَيْرٌ مِنهُ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ فالمَعْنى: أنِّي لَوْ كُنْتُ مُساوِيًا لَهُ في الشَّرَفِ لَكانَ يَقْبُحُ أمْرِي بِسُجُودِي لَهُ، فَكَيْفَ وأنا خَيْرٌ مِنهُ، ثُمَّ بَيَّنَ كَوْنَهُ خَيْرًا مِنهُ بِأنَّ أصْلَهُ مِنَ النّارِ، والنّارُ أشْرَفُ مِنَ الطِّينِ، فَصَحَّ أنَّ أصْلَهُ خَيْرٌ مِن أصْلِ آدَمَ، ومَن كانَ أصْلُهُ خَيْرًا مِن أصْلِهِ فَهو خَيْرٌ مِنهُ، فَهَذِهِ مُقَدِّماتٌ ثَلاثٌ:

ص 38:80

المُقَدِّمَةُ الأُولى: أنَّ إبْلِيسَ مَخْلُوقٌ مِنَ النّارِ، يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى حِكايَةً عَنْهُ: ﴿خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والجانَّ خَلَقْناهُ مِن قَبْلُ مِن نارِ السَّمُومِ﴾ [الحجر: ٢٧] . المُقَدِّمَةُ الثّانِيَةُ: أنَّ النّارَ أفْضَلُ مِنَ الطِّينِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ الأجْرامَ الفَلَكِيَّةَ أشْرَفُ مِنَ الأجْرامِ العُنْصُرِيَّةِ، والنّارُ أقْرَبُ العَناصِرِ مِنَ الفَلَكِ، والأرْضُ أبْعَدُها عَنْهُ، فَوَجَبَ كَوْنُ النّارِ أفْضَلَ مِنَ الأرْضِ. الثّانِي: أنَّ النّارَ خَلِيفَةُ الشَّمْسِ والقَمَرِ في إضاءَةِ هَذا العالَمِ عِنْدَ غَيْبَتِهِما، والشَّمْسُ والقَمَرُ أشْرَفُ مِنَ الأرْضِ، فَخَلِيفَتُهُما في الإضاءَةِ أفْضَلُ مِنَ الأرْضِ. الثّالِثُ: أنَّ الكَيْفِيَّةَ الفاعِلَةَ الأصْلِيَّةَ، إمّا الحَرارَةُ أوِ البُرُودَةُ، والحَرارَةُ أفْضَلُ مِنَ البُرُودَةِ؛ لِأنَّ الحَرارَةَ تُناسِبُ الحَياةَ، والبُرُودَةُ تُناسِبُ المَوْتَ. الرّابِعُ: الأرْضُ كَثِيفَةٌ والنّارُ لَطِيفَةٌ، واللَّطافَةُ أشْرَفُ مِنَ الكَثافَةِ. الخامِسُ: النّارُ مُشْرِقَةٌ والأرْضُ مُظْلِمَةٌ، والنُّورُ خَيْرٌ مِنَ الظُّلْمَةِ. السّادِسُ: النّارُ خَفِيفَةٌ تُشْبِهُ الرُّوحَ، والأرْضُ ثَقِيلَةٌ تُشْبِهُ الجَسَدَ، والرُّوحُ أفْضَلُ مِنَ الجَسَدِ، فالنّارُ أفْضَلُ مِنَ الأرْضِ، ولِذَلِكَ فَإنَّ الأطِبّاءَ أطْبَقُوا عَلى أنَّ العُنْصُرَيْنِ الثَّقِيلَيْنِ أعْوَنُ عَلى تَرْكِيبِ الأجْسادِ، وأنَّ العُنْصُرَيْنِ الخَفِيفَيْنِ أعَوْنُ عَلى تَوَلُّدِ الأرْواحِ. السّابِعُ: النّارُ صاعِدَةٌ والأرْضُ هابِطَةٌ، والصّاعِدُ أفْضَلُ مِنَ الهابِطِ. الثّامِنُ: أنَّ أوَّلَ بُرُوجِ الفَلَكِ هو الحَمَلُ، لِأنَّهُ هو الَّذِي يَبْدَأُ مِن نُقْطَةِ الِاسْتِواءِ الشَّمالِيِّ، ثُمَّ إنَّ الحَمَلَ عَلى طَبِيعَةِ النّارِ، وأشْرَفُ أعْضاءِ الحَيَوانِ القَلْبُ والرُّوحُ، وهُما عَلى طَبِيعَةِ النّارِ، وأخَسُّ أعْضاءِ الحَيَوانِ هو العَظْمُ، وهو بارِدٌ يابِسٌ أرْضِيٌّ. التّاسِعُ: أنَّ الأجْسامَ الأرْضِيَّةَ كُلَّما كانَتْ أشَدَّ نُورانِيَّةً ومُشابَهَةً بِالنّارِ كانَتْ أشْرَفَ، وكُلَّما كانَتْ أكْثَرَ غُبْرَةً وكَثافَةً وكُدُورَةً ومُشابَهَةً بِالأرْضِ كانَتْ أخَسَّ، مِثالُهُ: الأجْسامُ الشَّبِيهَةُ بِالنّارِ الذَّهَبُ والياقُوتُ صفحة ٢٠٣ والأحْجارُ الصّافِيَةُ النُّورانِيَّةُ، ومِثالُهُ أيْضًا مِنَ الثِّيابِ الإبْرَيْسَمُ وما يُتَّخَذُ مِنهُ، وأمّا أنَّ كَلَّ ما كانَ أكْثَرَ أرْضِيَّةً وغُبْرَةً فَهو أخَسُّ، فالأمْرُ ظاهِرٌ. العاشِرُ: أنَّ القُوَّةَ الباصِرَةَ قُوَّةٌ في غايَةِ الشَّرَفِ والجَلالَةِ، ولا يَتِمُّ عَمَلُها إلّا بِالشُّعاعِ وهو جِسْمٌ شَبِيهٌ بِالنّارِ. الحادِيَ عَشَرَ: أنَّ أشْرَفَ أجْسامِ العالَمِ الجُسْمانِيِّ هو الشَّمْسُ، ولا شَكَّ أنَّهُ شَبِيهٌ بِالنّارِ في صُورَتِهِ وطَبِيعَتِهِ وأثَرِهِ. الثّانِيَ عَشَرَ: أنَّ النُّضْجَ والهَضْمَ والحَياةَ لا تَتِمُّ إلّا بِالحَرارَةِ، ولَوْلا قُوَّةُ الحَرارَةِ لَما تَمَّ المِزاجُ وتَوَلَّدَتِ المُرَكَّباتُ. الثّالِثَ عَشَرَ: أنَّ أقْوى العَناصِرِ الأرْبَعَةِ في قُوَّةِ الفِعْلِ هو النّارُ، وأكْمَلُها في قُوَّةِ الِانْفِعالِ هو الأرْضُ، والفِعْلُ أفْضَلُ مِنَ الِانْفِعالِ، فالنّارُ أفْضَلُ مِنَ الأرْضِ. أمّا القائِلُونَ بِتَفْضِيلِ الأرْضِ عَلى النّارِ فَذَكَرُوا أيْضًا وُجُوهًا: الأوَّلُ: أنَّ الأرْضَ أمِينٌ مُصْلِحٌ، فَإذا أوْدَعْتَها حَبَّةً رَدَّتْها إلَيْكَ شَجَرَةً مُثْمِرَةً، والنّارُ خائِنَةٌ تُفْسِدُ كُلَّ ما أسْلَمْتَهُ إلَيْها. الثّانِي: أنَّ الحِسَّ البَصَرِيَّ أثْنى عَلى النّارِ، فَلْيَسْتَمِعْ ما يَقُولُهُ الحِسُّ اللَّمْسِيُّ. الثّالِثُ: أنَّ الأرْضَ مُسْتَوْلِيَةٌ عَلى النّارِ، فَإنَّها تُطْفِئُ النّارَ، وأمّا النّارُ فَإنَّها لا تُؤَثِّرُ في الأرْضِ الخالِصَةِ. وأمّا المُقَدِّمَةُ الثّالِثَةُ: فَهي أنَّ مَن كانَ أصْلُهُ خَيْرًا مِن أصْلِهِ فَهو خَيْرٌ مِنهُ، فاعْلَمْ أنَّ هَذِهِ المُقَدِّمَةَ كاذِبَةٌ جِدًّا، وذَلِكَ لِأنَّ أصْلَ الرَّمادِ النّارُ، وأصْلَ البَساتِينِ النَّزِهَةِ والأشْجارِ المُثْمِرَةِ هو الطِّينُ، ومَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ أنَّ الأشْجارَ المُثْمِرَةَ خَيْرٌ مِنَ الرَّمادِ، وأيْضًا فَهَبْ أنَّ اعْتِبارَ هَذِهِ الجِهَةِ يُوجِبُ الفَضِيلَةَ، إلّا أنَّ هَذا يُمْكِنُ أنْ يَصِيرَ مُعارَضًا بِجِهَةٍ أُخْرى تُوجِبُ الرُّجْحانَ، مِثْلَ إنْسانٍ نَسِيبٍ عارٍ عَنْ كُلِّ الفَضائِلِ، فَإنَّ نَسَبَهُ يُوجِبُ رُجْحانَهُ، إلّا أنَّ الَّذِي لا يَكُونُ نَسِيبًا قَدْ يَكُونُ كَثِيرَ العِلْمِ والزُّهْدِ، فَيَكُونُ هو أفْضَلَ مِن ذَلِكَ النَّسِيبِ بِدَرَجاتٍ لا حَدَّ لَها، فالمُقَدِّمَةُ الكاذِبَةُ في القِياسِ الَّذِي ذَكَرَهُ إبْلِيسُ هو هَذِهِ المُقَدِّمَةُ، فَإنْ قالَ قائِلٌ: هَبْ أنَّ إبْلِيسَ أخْطَأ في هَذا القِياسِ، لَكِنْ كَيْفَ لَزِمَهُ الكُفْرُ مِن تِلْكَ المُخالَفَةِ ؟ وبَيانُ هَذا السُّؤالِ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: (اسْجُدُوا) أمْرٌ، والأمْرُ لا يَقْتَضِي الوُجُوبَ بَلِ النَّدْبَ، ومُخالَفَةُ النَّدْبِ لا تُوجِبُ العِصْيانَ فَضْلًا عَنِ الكُفْرِ، وأيْضًا فالَّذِينَ يَقُولُونَ: إنَّ الأمْرَ لِلْوُجُوبِ فَهم لا يُنْكِرُونَ كَوْنَهُ مُحْتَمِلًا لِلنَّدْبِ احْتِمالًا ظاهِرًا، ومَعَ قِيامِ هَذا الِاحْتِمالِ الظّاهِرِ كَيْفَ يَلْزَمُ العِصْيانُ فَضْلًا عَنِ الكُفْرِ. الثّانِي: هَبْ أنَّهُ لِلْوُجُوبِ، إلّا أنَّ إبْلِيسَ ما كانَ مِنَ المَلائِكَةِ، فَأمْرُ المَلائِكَةِ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ لا يَدْخُلُ فِيهِ إبْلِيسُ. الثّالِثُ: هَبْ أنَّهُ يَتَناوَلُهُ إلّا أنَّ تَخْصِيصَ العامِّ بِالقِياسِ جائِزٌ، فَخَصَّصَ نَفْسَهُ عَنْ عُمُومِ ذَلِكَ الأمْرِ بِالقِياسِ. الرّابِعُ: هَبْ أنَّهُ لَمْ يَسْجُدْ مَعَ عِلْمِهِ بِأنَّهُ كانَ مَأْمُورًا بِهِ إلّا أنَّ هَذا القَدْرَ يُوجِبُ العِصْيانَ ولا يُوجِبُ الكُفْرَ، فَكَيْفَ لَزِمَهُ الكُفْرُ، الجَوابُ: هَبْ أنَّ صِيغَةَ الأمْرِ لا تَدُلُّ عَلى الوُجُوبِ، ولَكِنْ يَجُوزُ أنْ يَنْضَمَّ إلَيْها مِنَ القَرائِنِ ما يَدُلُّ عَلى الوُجُوبِ، وهَهُنا حَصَلَتْ تِلْكَ القَرائِنُ، وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أأسْتَكْبَرْتَ أمْ كُنْتَ مِنَ العالِينَ﴾ فَلَمّا أتى إبْلِيسُ بِقِياسِهِ الفاسِدِ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ إنَّما ذَكَرَ ذَلِكَ القِياسَ لِيَتَوَسَّلَ بِهِ إلى القَدْحِ في أمْرِ اللَّهِ وتَكْلِيفِهِ، وذَلِكَ يُوجِبُ الكُفْرَ. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّ إبْلِيسَ لَمّا ذَكَرَ هَذا القِياسَ الفاسِدَ، قالَ تَعالى: ﴿فاخْرُجْ مِنها فَإنَّكَ رَجِيمٌ﴾ . واعْلَمْ أنَّهُ ثَبَتَ في أُصُولِ الفِقْهِ أنَّ ذِكْرَ الحُكْمِ عَقِيبَ الوَصْفِ المُناسِبِ يَدُلُّ عَلى كَوْنِ ذَلِكَ الحُكْمِ صفحة ٢٠٤ مُعَلَّلًا بِذَلِكَ الوَصْفِ، وهَهُنا الحُكْمُ بِكَوْنِهِ رَجِيمًا ورَدَ عَقِيبَ ما حُكِيَ عَنْهُ أنَّهُ خَصَّصَ النَّصَّ بِالقِياسِ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ تَخْصِيصَ النَّصِّ بِالقِياسِ يُوجِبُ هَذا الحُكْمَ، وقَوْلُهُ: (مِنها) أيْ: مِنَ الجَنَّةِ أوْ مِنَ السَّماواتِ، والرَّجِيمُ المَرْجُومُ، وفِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ مَجازٌ عَنِ الطَّرْدِ، لِأنَّ الظّاهِرَ أنَّ مَن طُرِدَ فَقَدْ يُرْمى بِالحِجارَةِ وهو الرَّجْمُ، فَلَمّا كانَ الرَّجْمُ مِن لَوازِمِ الطَّرْدِ جُعِلَ الرَّجْمُ كِنايَةً عَنِ الطَّرْدِ، فَإنْ قالُوا: الطَّرْدُ هو اللَّعْنُ فَلَوْ حَمَلْنا قَوْلَهُ: (رَجِيمٌ) عَلى الطَّرْدِ لَكانَ قَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿وإنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي﴾ تَكْرارًا، والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنّا نَحْمِلُ الرَّجْمَ عَلى الطَّرْدِ مِنَ الجَنَّةِ أوْ مِنَ السَّماواتِ، ونَحْمِلُ اللَّعْنَ عَلى الطَّرْدِ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ. والثّانِي: أنّا نَحْمِلُ الرَّجْمَ عَلى الطَّرْدِ، ونَحْمِلُ قَوْلَهُ: ﴿وإنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إلى يَوْمِ الدِّينِ﴾ عَلى أنَّ ذَلِكَ الطَّرْدَ يَمْتَدُّ إلى آخِرِ القِيامَةِ فَيَكُونُ هَذا فائِدَةً زائِدَةً، ولا يَكُونُ تَكْرِيرًا. والقَوْلُ الثّانِي: في تَفْسِيرِ الرَّجِيمِ أنْ نَحْمِلَهُ عَلى الحَقِيقَةِ، وهو كَوْنُ الشَّياطِينِ مَرْجُومِينَ بِالشُّهُبِ، واللَّهُ أعْلَمُ. فَإنْ قِيلَ: كَلِمَةُ ”إلى“ لِانْتِهاءِ الغايَةِ، فَقَوْلُهُ: ﴿إلى يَوْمِ الدِّينِ﴾ يَقْتَضِي انْقِطاعَ تِلْكَ اللَّعْنَةِ عِنْدَ مَجِيءِ يَوْمِ الدِّينِ، أجابَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ بِأنَّ اللَّعْنَةَ باقِيَةٌ عَلَيْهِ في الدُّنْيا، فَإذا جاءَ يَوْمُ القِيامَةِ جُعِلَ مَعَ اللَّعْنَةِ أنْواعٌ مِنَ العَذابِ تَصِيرُ اللَّعْنَةُ مَعَ حُضُورِها مَنسِيَّةً. واعْلَمْ أنَّ إبْلِيسَ لَمّا صارَ مَلْعُونًا قالَ: ﴿فَأنْظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ قِيلَ: إنَّما طَلَبَ الإنْظارَ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ، لِأجْلِ أنْ يَتَخَلَّصَ مِنَ المَوْتِ، لِأنَّهُ إذا نُظِرَ إلى يَوْمِ البَعْثِ لَمْ يَمُتْ قَبْلَ يَوْمِ البَعْثِ وعِنْدَ مَجِيءِ يَوْمِ البَعْثِ لا يَمُوتُ أيْضًا، فَحِينَئِذٍ يَتَخَلَّصُ مِنَ المَوْتِ، فَقالَ تَعالى: ﴿فَإنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ﴾ ﴿إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ﴾ ومَعْناهُ: إنَّكَ مِنَ المَنظَرِينَ إلى يَوْمٍ يَعْلَمُهُ اللَّهُ ولا يَعْلَمُهُ أحَدٌ سِواهُ، فَقالَ إبْلِيسُ: ﴿فَبِعِزَّتِكَ﴾ وهو قَسَمٌ بِعَزَّةِ اللَّهِ وسُلْطانِهِ ﴿لَأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ فَهَهُنا أضافَ الإغْواءَ إلى نَفْسِهِ، وهو عَلى مَذْهَبِ القَدَرِ، وقالَ مَرَّةً أُخْرى: ﴿رَبِّ بِما أغْوَيْتَنِي﴾ فَأضافَ الإغْواءَ إلى اللَّهِ عَلى ما هو مَذْهَبُ الجَبْرِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ مُتَحَيِّرٌ في هَذِهِ المَسْألَةِ. * * * وأمّا قَوْلُهُ: ﴿إلّا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ﴾ فَفِيهِ فَوائِدُ: الفائِدَةُ الأُولى: قِيلَ: غَرَضُ إبْلِيسَ مِن ذِكْرِهِ هَذا الِاسْتِثْناءَ أنْ لا يَقَعَ في كَلامِهِ الكَذِبُ، لِأنَّهُ لَوْ لَمْ يَذْكُرْ هَذا الِاسْتِثْناءَ، وادَّعى أنَّهُ يُغْوِي الكُلَّ، لَكانَ يَظْهَرُ كَذِبُهُ حِينَ يَعْجَزُ عَنْ إغْواءِ عِبادِ اللَّهِ الصّالِحِينَ، فَكَأنَّ إبْلِيسَ قالَ: إنَّما ذَكَرْتُ هَذا الِاسْتِثْناءَ لِئَلّا يَقَعَ الكَذِبُ في هَذا الكَلامِ، وعَنْ هَذا يُقالُ: إنَّ الكَذِبَ شَيْءٌ يَسْتَنْكِفُ مِنهُ إبْلِيسُ، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِالمُسْلِمِ الإقْدامُ عَلَيْهِ ؟ فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ الجَمْعُ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ ولا نَبِيٍّ إلّا إذا تَمَنّى ألْقى الشَّيْطانُ في أُمْنِيَّتِهِ﴾ [الحج: ٥٢] ؟ قُلْنا: إنَّ إبْلِيسَ لَمْ يَقُلْ: إنِّي لَمْ أقْصِدْ إغْواءَ عِبادِ اللَّهِ الصّالِحِينَ، بَلْ قالَ: لَأُغْوِيَنَّهم، وهو وإنْ كانَ يَقْصِدُ الإغْواءَ إلّا أنَّهُ لا يُغْوِيهِمْ. الفائِدَةُ الثّانِيَةُ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ إبْلِيسَ لا يُغْوِي عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ، وقالَ تَعالى في صِفَةِ يُوسُفَ: ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُخْلَصِينَ﴾ [يوسف: ٢٤] فَنَصِلُ مِن مَجْمُوعِ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ أنَّ إبْلِيسَ ما أغْوى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى كَذِبِ الحَشْوِيَّةِ فِيما يَنْسُبُونَ إلى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ القَبائِحِ. صفحة ٢٠٥ واعْلَمْ أنَّ إبْلِيسَ لَمّا ذَكَرَ هَذا الكَلامَ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فالحَقُّ والحَقَّ أقُولُ﴾ ﴿لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ ومِمَّنْ تَبِعَكَ مِنهم أجْمَعِينَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ ﴿فالحَقُّ﴾ بِالرَّفْعِ ﴿والحَقَّ﴾ بِالنَّصْبِ، والباقُونَ بِالنَّصْبِ فِيهِما. أمّا الرَّفْعُ فَتَقْدِيرُهُ: فالحَقُّ قَسَمِي، وأمّا النَّصْبُ فَعَلى القَسَمِ، أيْ: فَبِالحَقِّ، كَقَوْلِكَ: واللَّهِ لَأفْعَلَنَّ. وأمّا قَوْلُهُ: ﴿والحَقَّ أقُولُ﴾ انْتُصِبَ قَوْلُهُ: ”والحَقَّ“ بِقَوْلِهِ: ﴿أقُولُ﴾ . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿مِنكَ﴾ أيْ: مِن جِنْسِكَ، وهُمُ الشَّياطِينُ ﴿ومِمَّنْ تَبِعَكَ مِنهُمْ﴾ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ، فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ ﴿أجْمَعِينَ﴾ تَأْكِيدٌ لِماذا ؟ قُلْنا: يُحْتَمَلُ أنْ يُؤَكَّدَ بِهِ الضَّمِيرُ في ”مِنهم“، أوِ الكافُ في ”مِنكَ“ مَعَ ”مَن تَبِعَكَ“، ومَعْناهُ: لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ المَتْبُوعِينَ والتّابِعِينَ، لا أتْرُكُ مِنهم أحَدًا. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ في مَسْألَةِ أنَّ الكُلَّ بِقَضاءِ اللَّهِ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى قالَ في حَقِّ إبْلِيسَ: ﴿فاخْرُجْ مِنها فَإنَّكَ رَجِيمٌ﴾ ﴿وإنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إلى يَوْمِ الدِّينِ﴾ فَهَذا إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِأنَّهُ لا يُؤْمِنُ، فَلَوْ آمَنَ لانْقَلَبَ خَبَرُ اللَّهِ الصِّدْقُ كَذِبًا، وهو مُحالٌ، فَكانَ صُدُورُ الإيمانِ مِنهُ مُحالًا مَعَ أنَّهُ أمَرَ بِهِ. والثّانِي: أنَّهُ قالَ: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ فاللَّهُ تَعالى عَلِمَ مِنهُ أنَّهُ يُغْوِيهِمْ، وسَمِعَ مِنهُ هَذِهِ الدَّعْوى، وكانَ قادِرًا عَلى مَنعِهِ عَنْ ذَلِكَ، والقادِرُ عَلى المَنعِ إذا لَمْ يَمْنَعْ كانَ راضِيًا بِهِ، فَإنْ قالُوا: لَعَلَّ ذَلِكَ المَنعَ مُفْسِدٌ، قُلْنا: هَذا قَوْلٌ فاسِدٌ، لِأنَّ ذَلِكَ المَنعَ يُخَلِّصُ إبْلِيسَ عَنِ الإضْلالِ، ويُخَلِّصُ بَنِي آدَمَ عَنِ الضَّلالِ، وهَذا عَيْنُ المَصْلَحَةِ. الثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى أخْبَرَ أنَّهُ يَمْلَأُ جَهَنَّمَ مِنَ الكَفَرَةِ، فَلَوْ لَمْ يَكْفُرُوا لَزِمَ الكَذِبُ والجَهْلُ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى. الرّابِعُ: أنَّهُ لَوْ أرادَ أنْ لا يَكْفُرَ الكافِرُ لَوَجَبَ أنْ يُبْقِيَ الأنْبِياءَ والصّالِحِينَ، وأنْ يُمِيتَ إبْلِيسَ والشَّياطِينَ، وحَيْثُ قَلَبَ الأمْرَ عَلِمْنا أنَّهُ فاسِدٌ. الخامِسُ: أنَّ تَكْلِيفَ أُولَئِكَ الكُفّارِ بِالإيمانِ يَقْتَضِي تَكْلِيفَهم بِالإيمانِ بِهَذِهِ الآياتِ الَّتِي هي دالَّةٌ عَلى أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ ألْبَتَّةَ، وحِينَئِذٍ يَلْزَمُ أنْ يَصِيرُوا مُكَلَّفِينَ بِأنْ يُؤْمِنُوا بِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ ألْبَتَّةَ، وذَلِكَ تَكْلِيفٌ بِما لا يُطاقُ، واللَّهُ أعْلَمُ.

ص 38:81

المُقَدِّمَةُ الأُولى: أنَّ إبْلِيسَ مَخْلُوقٌ مِنَ النّارِ، يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى حِكايَةً عَنْهُ: ﴿خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والجانَّ خَلَقْناهُ مِن قَبْلُ مِن نارِ السَّمُومِ﴾ [الحجر: ٢٧] . المُقَدِّمَةُ الثّانِيَةُ: أنَّ النّارَ أفْضَلُ مِنَ الطِّينِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ الأجْرامَ الفَلَكِيَّةَ أشْرَفُ مِنَ الأجْرامِ العُنْصُرِيَّةِ، والنّارُ أقْرَبُ العَناصِرِ مِنَ الفَلَكِ، والأرْضُ أبْعَدُها عَنْهُ، فَوَجَبَ كَوْنُ النّارِ أفْضَلَ مِنَ الأرْضِ. الثّانِي: أنَّ النّارَ خَلِيفَةُ الشَّمْسِ والقَمَرِ في إضاءَةِ هَذا العالَمِ عِنْدَ غَيْبَتِهِما، والشَّمْسُ والقَمَرُ أشْرَفُ مِنَ الأرْضِ، فَخَلِيفَتُهُما في الإضاءَةِ أفْضَلُ مِنَ الأرْضِ. الثّالِثُ: أنَّ الكَيْفِيَّةَ الفاعِلَةَ الأصْلِيَّةَ، إمّا الحَرارَةُ أوِ البُرُودَةُ، والحَرارَةُ أفْضَلُ مِنَ البُرُودَةِ؛ لِأنَّ الحَرارَةَ تُناسِبُ الحَياةَ، والبُرُودَةُ تُناسِبُ المَوْتَ. الرّابِعُ: الأرْضُ كَثِيفَةٌ والنّارُ لَطِيفَةٌ، واللَّطافَةُ أشْرَفُ مِنَ الكَثافَةِ. الخامِسُ: النّارُ مُشْرِقَةٌ والأرْضُ مُظْلِمَةٌ، والنُّورُ خَيْرٌ مِنَ الظُّلْمَةِ. السّادِسُ: النّارُ خَفِيفَةٌ تُشْبِهُ الرُّوحَ، والأرْضُ ثَقِيلَةٌ تُشْبِهُ الجَسَدَ، والرُّوحُ أفْضَلُ مِنَ الجَسَدِ، فالنّارُ أفْضَلُ مِنَ الأرْضِ، ولِذَلِكَ فَإنَّ الأطِبّاءَ أطْبَقُوا عَلى أنَّ العُنْصُرَيْنِ الثَّقِيلَيْنِ أعْوَنُ عَلى تَرْكِيبِ الأجْسادِ، وأنَّ العُنْصُرَيْنِ الخَفِيفَيْنِ أعَوْنُ عَلى تَوَلُّدِ الأرْواحِ. السّابِعُ: النّارُ صاعِدَةٌ والأرْضُ هابِطَةٌ، والصّاعِدُ أفْضَلُ مِنَ الهابِطِ. الثّامِنُ: أنَّ أوَّلَ بُرُوجِ الفَلَكِ هو الحَمَلُ، لِأنَّهُ هو الَّذِي يَبْدَأُ مِن نُقْطَةِ الِاسْتِواءِ الشَّمالِيِّ، ثُمَّ إنَّ الحَمَلَ عَلى طَبِيعَةِ النّارِ، وأشْرَفُ أعْضاءِ الحَيَوانِ القَلْبُ والرُّوحُ، وهُما عَلى طَبِيعَةِ النّارِ، وأخَسُّ أعْضاءِ الحَيَوانِ هو العَظْمُ، وهو بارِدٌ يابِسٌ أرْضِيٌّ. التّاسِعُ: أنَّ الأجْسامَ الأرْضِيَّةَ كُلَّما كانَتْ أشَدَّ نُورانِيَّةً ومُشابَهَةً بِالنّارِ كانَتْ أشْرَفَ، وكُلَّما كانَتْ أكْثَرَ غُبْرَةً وكَثافَةً وكُدُورَةً ومُشابَهَةً بِالأرْضِ كانَتْ أخَسَّ، مِثالُهُ: الأجْسامُ الشَّبِيهَةُ بِالنّارِ الذَّهَبُ والياقُوتُ صفحة ٢٠٣ والأحْجارُ الصّافِيَةُ النُّورانِيَّةُ، ومِثالُهُ أيْضًا مِنَ الثِّيابِ الإبْرَيْسَمُ وما يُتَّخَذُ مِنهُ، وأمّا أنَّ كَلَّ ما كانَ أكْثَرَ أرْضِيَّةً وغُبْرَةً فَهو أخَسُّ، فالأمْرُ ظاهِرٌ. العاشِرُ: أنَّ القُوَّةَ الباصِرَةَ قُوَّةٌ في غايَةِ الشَّرَفِ والجَلالَةِ، ولا يَتِمُّ عَمَلُها إلّا بِالشُّعاعِ وهو جِسْمٌ شَبِيهٌ بِالنّارِ. الحادِيَ عَشَرَ: أنَّ أشْرَفَ أجْسامِ العالَمِ الجُسْمانِيِّ هو الشَّمْسُ، ولا شَكَّ أنَّهُ شَبِيهٌ بِالنّارِ في صُورَتِهِ وطَبِيعَتِهِ وأثَرِهِ. الثّانِيَ عَشَرَ: أنَّ النُّضْجَ والهَضْمَ والحَياةَ لا تَتِمُّ إلّا بِالحَرارَةِ، ولَوْلا قُوَّةُ الحَرارَةِ لَما تَمَّ المِزاجُ وتَوَلَّدَتِ المُرَكَّباتُ. الثّالِثَ عَشَرَ: أنَّ أقْوى العَناصِرِ الأرْبَعَةِ في قُوَّةِ الفِعْلِ هو النّارُ، وأكْمَلُها في قُوَّةِ الِانْفِعالِ هو الأرْضُ، والفِعْلُ أفْضَلُ مِنَ الِانْفِعالِ، فالنّارُ أفْضَلُ مِنَ الأرْضِ. أمّا القائِلُونَ بِتَفْضِيلِ الأرْضِ عَلى النّارِ فَذَكَرُوا أيْضًا وُجُوهًا: الأوَّلُ: أنَّ الأرْضَ أمِينٌ مُصْلِحٌ، فَإذا أوْدَعْتَها حَبَّةً رَدَّتْها إلَيْكَ شَجَرَةً مُثْمِرَةً، والنّارُ خائِنَةٌ تُفْسِدُ كُلَّ ما أسْلَمْتَهُ إلَيْها. الثّانِي: أنَّ الحِسَّ البَصَرِيَّ أثْنى عَلى النّارِ، فَلْيَسْتَمِعْ ما يَقُولُهُ الحِسُّ اللَّمْسِيُّ. الثّالِثُ: أنَّ الأرْضَ مُسْتَوْلِيَةٌ عَلى النّارِ، فَإنَّها تُطْفِئُ النّارَ، وأمّا النّارُ فَإنَّها لا تُؤَثِّرُ في الأرْضِ الخالِصَةِ. وأمّا المُقَدِّمَةُ الثّالِثَةُ: فَهي أنَّ مَن كانَ أصْلُهُ خَيْرًا مِن أصْلِهِ فَهو خَيْرٌ مِنهُ، فاعْلَمْ أنَّ هَذِهِ المُقَدِّمَةَ كاذِبَةٌ جِدًّا، وذَلِكَ لِأنَّ أصْلَ الرَّمادِ النّارُ، وأصْلَ البَساتِينِ النَّزِهَةِ والأشْجارِ المُثْمِرَةِ هو الطِّينُ، ومَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ أنَّ الأشْجارَ المُثْمِرَةَ خَيْرٌ مِنَ الرَّمادِ، وأيْضًا فَهَبْ أنَّ اعْتِبارَ هَذِهِ الجِهَةِ يُوجِبُ الفَضِيلَةَ، إلّا أنَّ هَذا يُمْكِنُ أنْ يَصِيرَ مُعارَضًا بِجِهَةٍ أُخْرى تُوجِبُ الرُّجْحانَ، مِثْلَ إنْسانٍ نَسِيبٍ عارٍ عَنْ كُلِّ الفَضائِلِ، فَإنَّ نَسَبَهُ يُوجِبُ رُجْحانَهُ، إلّا أنَّ الَّذِي لا يَكُونُ نَسِيبًا قَدْ يَكُونُ كَثِيرَ العِلْمِ والزُّهْدِ، فَيَكُونُ هو أفْضَلَ مِن ذَلِكَ النَّسِيبِ بِدَرَجاتٍ لا حَدَّ لَها، فالمُقَدِّمَةُ الكاذِبَةُ في القِياسِ الَّذِي ذَكَرَهُ إبْلِيسُ هو هَذِهِ المُقَدِّمَةُ، فَإنْ قالَ قائِلٌ: هَبْ أنَّ إبْلِيسَ أخْطَأ في هَذا القِياسِ، لَكِنْ كَيْفَ لَزِمَهُ الكُفْرُ مِن تِلْكَ المُخالَفَةِ ؟ وبَيانُ هَذا السُّؤالِ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: (اسْجُدُوا) أمْرٌ، والأمْرُ لا يَقْتَضِي الوُجُوبَ بَلِ النَّدْبَ، ومُخالَفَةُ النَّدْبِ لا تُوجِبُ العِصْيانَ فَضْلًا عَنِ الكُفْرِ، وأيْضًا فالَّذِينَ يَقُولُونَ: إنَّ الأمْرَ لِلْوُجُوبِ فَهم لا يُنْكِرُونَ كَوْنَهُ مُحْتَمِلًا لِلنَّدْبِ احْتِمالًا ظاهِرًا، ومَعَ قِيامِ هَذا الِاحْتِمالِ الظّاهِرِ كَيْفَ يَلْزَمُ العِصْيانُ فَضْلًا عَنِ الكُفْرِ. الثّانِي: هَبْ أنَّهُ لِلْوُجُوبِ، إلّا أنَّ إبْلِيسَ ما كانَ مِنَ المَلائِكَةِ، فَأمْرُ المَلائِكَةِ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ لا يَدْخُلُ فِيهِ إبْلِيسُ. الثّالِثُ: هَبْ أنَّهُ يَتَناوَلُهُ إلّا أنَّ تَخْصِيصَ العامِّ بِالقِياسِ جائِزٌ، فَخَصَّصَ نَفْسَهُ عَنْ عُمُومِ ذَلِكَ الأمْرِ بِالقِياسِ. الرّابِعُ: هَبْ أنَّهُ لَمْ يَسْجُدْ مَعَ عِلْمِهِ بِأنَّهُ كانَ مَأْمُورًا بِهِ إلّا أنَّ هَذا القَدْرَ يُوجِبُ العِصْيانَ ولا يُوجِبُ الكُفْرَ، فَكَيْفَ لَزِمَهُ الكُفْرُ، الجَوابُ: هَبْ أنَّ صِيغَةَ الأمْرِ لا تَدُلُّ عَلى الوُجُوبِ، ولَكِنْ يَجُوزُ أنْ يَنْضَمَّ إلَيْها مِنَ القَرائِنِ ما يَدُلُّ عَلى الوُجُوبِ، وهَهُنا حَصَلَتْ تِلْكَ القَرائِنُ، وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أأسْتَكْبَرْتَ أمْ كُنْتَ مِنَ العالِينَ﴾ فَلَمّا أتى إبْلِيسُ بِقِياسِهِ الفاسِدِ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ إنَّما ذَكَرَ ذَلِكَ القِياسَ لِيَتَوَسَّلَ بِهِ إلى القَدْحِ في أمْرِ اللَّهِ وتَكْلِيفِهِ، وذَلِكَ يُوجِبُ الكُفْرَ. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّ إبْلِيسَ لَمّا ذَكَرَ هَذا القِياسَ الفاسِدَ، قالَ تَعالى: ﴿فاخْرُجْ مِنها فَإنَّكَ رَجِيمٌ﴾ . واعْلَمْ أنَّهُ ثَبَتَ في أُصُولِ الفِقْهِ أنَّ ذِكْرَ الحُكْمِ عَقِيبَ الوَصْفِ المُناسِبِ يَدُلُّ عَلى كَوْنِ ذَلِكَ الحُكْمِ صفحة ٢٠٤ مُعَلَّلًا بِذَلِكَ الوَصْفِ، وهَهُنا الحُكْمُ بِكَوْنِهِ رَجِيمًا ورَدَ عَقِيبَ ما حُكِيَ عَنْهُ أنَّهُ خَصَّصَ النَّصَّ بِالقِياسِ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ تَخْصِيصَ النَّصِّ بِالقِياسِ يُوجِبُ هَذا الحُكْمَ، وقَوْلُهُ: (مِنها) أيْ: مِنَ الجَنَّةِ أوْ مِنَ السَّماواتِ، والرَّجِيمُ المَرْجُومُ، وفِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ مَجازٌ عَنِ الطَّرْدِ، لِأنَّ الظّاهِرَ أنَّ مَن طُرِدَ فَقَدْ يُرْمى بِالحِجارَةِ وهو الرَّجْمُ، فَلَمّا كانَ الرَّجْمُ مِن لَوازِمِ الطَّرْدِ جُعِلَ الرَّجْمُ كِنايَةً عَنِ الطَّرْدِ، فَإنْ قالُوا: الطَّرْدُ هو اللَّعْنُ فَلَوْ حَمَلْنا قَوْلَهُ: (رَجِيمٌ) عَلى الطَّرْدِ لَكانَ قَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿وإنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي﴾ تَكْرارًا، والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنّا نَحْمِلُ الرَّجْمَ عَلى الطَّرْدِ مِنَ الجَنَّةِ أوْ مِنَ السَّماواتِ، ونَحْمِلُ اللَّعْنَ عَلى الطَّرْدِ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ. والثّانِي: أنّا نَحْمِلُ الرَّجْمَ عَلى الطَّرْدِ، ونَحْمِلُ قَوْلَهُ: ﴿وإنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إلى يَوْمِ الدِّينِ﴾ عَلى أنَّ ذَلِكَ الطَّرْدَ يَمْتَدُّ إلى آخِرِ القِيامَةِ فَيَكُونُ هَذا فائِدَةً زائِدَةً، ولا يَكُونُ تَكْرِيرًا. والقَوْلُ الثّانِي: في تَفْسِيرِ الرَّجِيمِ أنْ نَحْمِلَهُ عَلى الحَقِيقَةِ، وهو كَوْنُ الشَّياطِينِ مَرْجُومِينَ بِالشُّهُبِ، واللَّهُ أعْلَمُ. فَإنْ قِيلَ: كَلِمَةُ ”إلى“ لِانْتِهاءِ الغايَةِ، فَقَوْلُهُ: ﴿إلى يَوْمِ الدِّينِ﴾ يَقْتَضِي انْقِطاعَ تِلْكَ اللَّعْنَةِ عِنْدَ مَجِيءِ يَوْمِ الدِّينِ، أجابَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ بِأنَّ اللَّعْنَةَ باقِيَةٌ عَلَيْهِ في الدُّنْيا، فَإذا جاءَ يَوْمُ القِيامَةِ جُعِلَ مَعَ اللَّعْنَةِ أنْواعٌ مِنَ العَذابِ تَصِيرُ اللَّعْنَةُ مَعَ حُضُورِها مَنسِيَّةً. واعْلَمْ أنَّ إبْلِيسَ لَمّا صارَ مَلْعُونًا قالَ: ﴿فَأنْظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ قِيلَ: إنَّما طَلَبَ الإنْظارَ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ، لِأجْلِ أنْ يَتَخَلَّصَ مِنَ المَوْتِ، لِأنَّهُ إذا نُظِرَ إلى يَوْمِ البَعْثِ لَمْ يَمُتْ قَبْلَ يَوْمِ البَعْثِ وعِنْدَ مَجِيءِ يَوْمِ البَعْثِ لا يَمُوتُ أيْضًا، فَحِينَئِذٍ يَتَخَلَّصُ مِنَ المَوْتِ، فَقالَ تَعالى: ﴿فَإنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ﴾ ﴿إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ﴾ ومَعْناهُ: إنَّكَ مِنَ المَنظَرِينَ إلى يَوْمٍ يَعْلَمُهُ اللَّهُ ولا يَعْلَمُهُ أحَدٌ سِواهُ، فَقالَ إبْلِيسُ: ﴿فَبِعِزَّتِكَ﴾ وهو قَسَمٌ بِعَزَّةِ اللَّهِ وسُلْطانِهِ ﴿لَأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ فَهَهُنا أضافَ الإغْواءَ إلى نَفْسِهِ، وهو عَلى مَذْهَبِ القَدَرِ، وقالَ مَرَّةً أُخْرى: ﴿رَبِّ بِما أغْوَيْتَنِي﴾ فَأضافَ الإغْواءَ إلى اللَّهِ عَلى ما هو مَذْهَبُ الجَبْرِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ مُتَحَيِّرٌ في هَذِهِ المَسْألَةِ. * * * وأمّا قَوْلُهُ: ﴿إلّا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ﴾ فَفِيهِ فَوائِدُ: الفائِدَةُ الأُولى: قِيلَ: غَرَضُ إبْلِيسَ مِن ذِكْرِهِ هَذا الِاسْتِثْناءَ أنْ لا يَقَعَ في كَلامِهِ الكَذِبُ، لِأنَّهُ لَوْ لَمْ يَذْكُرْ هَذا الِاسْتِثْناءَ، وادَّعى أنَّهُ يُغْوِي الكُلَّ، لَكانَ يَظْهَرُ كَذِبُهُ حِينَ يَعْجَزُ عَنْ إغْواءِ عِبادِ اللَّهِ الصّالِحِينَ، فَكَأنَّ إبْلِيسَ قالَ: إنَّما ذَكَرْتُ هَذا الِاسْتِثْناءَ لِئَلّا يَقَعَ الكَذِبُ في هَذا الكَلامِ، وعَنْ هَذا يُقالُ: إنَّ الكَذِبَ شَيْءٌ يَسْتَنْكِفُ مِنهُ إبْلِيسُ، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِالمُسْلِمِ الإقْدامُ عَلَيْهِ ؟ فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ الجَمْعُ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ ولا نَبِيٍّ إلّا إذا تَمَنّى ألْقى الشَّيْطانُ في أُمْنِيَّتِهِ﴾ [الحج: ٥٢] ؟ قُلْنا: إنَّ إبْلِيسَ لَمْ يَقُلْ: إنِّي لَمْ أقْصِدْ إغْواءَ عِبادِ اللَّهِ الصّالِحِينَ، بَلْ قالَ: لَأُغْوِيَنَّهم، وهو وإنْ كانَ يَقْصِدُ الإغْواءَ إلّا أنَّهُ لا يُغْوِيهِمْ. الفائِدَةُ الثّانِيَةُ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ إبْلِيسَ لا يُغْوِي عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ، وقالَ تَعالى في صِفَةِ يُوسُفَ: ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُخْلَصِينَ﴾ [يوسف: ٢٤] فَنَصِلُ مِن مَجْمُوعِ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ أنَّ إبْلِيسَ ما أغْوى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى كَذِبِ الحَشْوِيَّةِ فِيما يَنْسُبُونَ إلى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ القَبائِحِ. صفحة ٢٠٥ واعْلَمْ أنَّ إبْلِيسَ لَمّا ذَكَرَ هَذا الكَلامَ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فالحَقُّ والحَقَّ أقُولُ﴾ ﴿لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ ومِمَّنْ تَبِعَكَ مِنهم أجْمَعِينَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ ﴿فالحَقُّ﴾ بِالرَّفْعِ ﴿والحَقَّ﴾ بِالنَّصْبِ، والباقُونَ بِالنَّصْبِ فِيهِما. أمّا الرَّفْعُ فَتَقْدِيرُهُ: فالحَقُّ قَسَمِي، وأمّا النَّصْبُ فَعَلى القَسَمِ، أيْ: فَبِالحَقِّ، كَقَوْلِكَ: واللَّهِ لَأفْعَلَنَّ. وأمّا قَوْلُهُ: ﴿والحَقَّ أقُولُ﴾ انْتُصِبَ قَوْلُهُ: ”والحَقَّ“ بِقَوْلِهِ: ﴿أقُولُ﴾ . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿مِنكَ﴾ أيْ: مِن جِنْسِكَ، وهُمُ الشَّياطِينُ ﴿ومِمَّنْ تَبِعَكَ مِنهُمْ﴾ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ، فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ ﴿أجْمَعِينَ﴾ تَأْكِيدٌ لِماذا ؟ قُلْنا: يُحْتَمَلُ أنْ يُؤَكَّدَ بِهِ الضَّمِيرُ في ”مِنهم“، أوِ الكافُ في ”مِنكَ“ مَعَ ”مَن تَبِعَكَ“، ومَعْناهُ: لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ المَتْبُوعِينَ والتّابِعِينَ، لا أتْرُكُ مِنهم أحَدًا. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ في مَسْألَةِ أنَّ الكُلَّ بِقَضاءِ اللَّهِ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى قالَ في حَقِّ إبْلِيسَ: ﴿فاخْرُجْ مِنها فَإنَّكَ رَجِيمٌ﴾ ﴿وإنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إلى يَوْمِ الدِّينِ﴾ فَهَذا إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِأنَّهُ لا يُؤْمِنُ، فَلَوْ آمَنَ لانْقَلَبَ خَبَرُ اللَّهِ الصِّدْقُ كَذِبًا، وهو مُحالٌ، فَكانَ صُدُورُ الإيمانِ مِنهُ مُحالًا مَعَ أنَّهُ أمَرَ بِهِ. والثّانِي: أنَّهُ قالَ: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ فاللَّهُ تَعالى عَلِمَ مِنهُ أنَّهُ يُغْوِيهِمْ، وسَمِعَ مِنهُ هَذِهِ الدَّعْوى، وكانَ قادِرًا عَلى مَنعِهِ عَنْ ذَلِكَ، والقادِرُ عَلى المَنعِ إذا لَمْ يَمْنَعْ كانَ راضِيًا بِهِ، فَإنْ قالُوا: لَعَلَّ ذَلِكَ المَنعَ مُفْسِدٌ، قُلْنا: هَذا قَوْلٌ فاسِدٌ، لِأنَّ ذَلِكَ المَنعَ يُخَلِّصُ إبْلِيسَ عَنِ الإضْلالِ، ويُخَلِّصُ بَنِي آدَمَ عَنِ الضَّلالِ، وهَذا عَيْنُ المَصْلَحَةِ. الثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى أخْبَرَ أنَّهُ يَمْلَأُ جَهَنَّمَ مِنَ الكَفَرَةِ، فَلَوْ لَمْ يَكْفُرُوا لَزِمَ الكَذِبُ والجَهْلُ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى. الرّابِعُ: أنَّهُ لَوْ أرادَ أنْ لا يَكْفُرَ الكافِرُ لَوَجَبَ أنْ يُبْقِيَ الأنْبِياءَ والصّالِحِينَ، وأنْ يُمِيتَ إبْلِيسَ والشَّياطِينَ، وحَيْثُ قَلَبَ الأمْرَ عَلِمْنا أنَّهُ فاسِدٌ. الخامِسُ: أنَّ تَكْلِيفَ أُولَئِكَ الكُفّارِ بِالإيمانِ يَقْتَضِي تَكْلِيفَهم بِالإيمانِ بِهَذِهِ الآياتِ الَّتِي هي دالَّةٌ عَلى أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ ألْبَتَّةَ، وحِينَئِذٍ يَلْزَمُ أنْ يَصِيرُوا مُكَلَّفِينَ بِأنْ يُؤْمِنُوا بِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ ألْبَتَّةَ، وذَلِكَ تَكْلِيفٌ بِما لا يُطاقُ، واللَّهُ أعْلَمُ.

ص 38:82

المُقَدِّمَةُ الأُولى: أنَّ إبْلِيسَ مَخْلُوقٌ مِنَ النّارِ، يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى حِكايَةً عَنْهُ: ﴿خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والجانَّ خَلَقْناهُ مِن قَبْلُ مِن نارِ السَّمُومِ﴾ [الحجر: ٢٧] . المُقَدِّمَةُ الثّانِيَةُ: أنَّ النّارَ أفْضَلُ مِنَ الطِّينِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ الأجْرامَ الفَلَكِيَّةَ أشْرَفُ مِنَ الأجْرامِ العُنْصُرِيَّةِ، والنّارُ أقْرَبُ العَناصِرِ مِنَ الفَلَكِ، والأرْضُ أبْعَدُها عَنْهُ، فَوَجَبَ كَوْنُ النّارِ أفْضَلَ مِنَ الأرْضِ. الثّانِي: أنَّ النّارَ خَلِيفَةُ الشَّمْسِ والقَمَرِ في إضاءَةِ هَذا العالَمِ عِنْدَ غَيْبَتِهِما، والشَّمْسُ والقَمَرُ أشْرَفُ مِنَ الأرْضِ، فَخَلِيفَتُهُما في الإضاءَةِ أفْضَلُ مِنَ الأرْضِ. الثّالِثُ: أنَّ الكَيْفِيَّةَ الفاعِلَةَ الأصْلِيَّةَ، إمّا الحَرارَةُ أوِ البُرُودَةُ، والحَرارَةُ أفْضَلُ مِنَ البُرُودَةِ؛ لِأنَّ الحَرارَةَ تُناسِبُ الحَياةَ، والبُرُودَةُ تُناسِبُ المَوْتَ. الرّابِعُ: الأرْضُ كَثِيفَةٌ والنّارُ لَطِيفَةٌ، واللَّطافَةُ أشْرَفُ مِنَ الكَثافَةِ. الخامِسُ: النّارُ مُشْرِقَةٌ والأرْضُ مُظْلِمَةٌ، والنُّورُ خَيْرٌ مِنَ الظُّلْمَةِ. السّادِسُ: النّارُ خَفِيفَةٌ تُشْبِهُ الرُّوحَ، والأرْضُ ثَقِيلَةٌ تُشْبِهُ الجَسَدَ، والرُّوحُ أفْضَلُ مِنَ الجَسَدِ، فالنّارُ أفْضَلُ مِنَ الأرْضِ، ولِذَلِكَ فَإنَّ الأطِبّاءَ أطْبَقُوا عَلى أنَّ العُنْصُرَيْنِ الثَّقِيلَيْنِ أعْوَنُ عَلى تَرْكِيبِ الأجْسادِ، وأنَّ العُنْصُرَيْنِ الخَفِيفَيْنِ أعَوْنُ عَلى تَوَلُّدِ الأرْواحِ. السّابِعُ: النّارُ صاعِدَةٌ والأرْضُ هابِطَةٌ، والصّاعِدُ أفْضَلُ مِنَ الهابِطِ. الثّامِنُ: أنَّ أوَّلَ بُرُوجِ الفَلَكِ هو الحَمَلُ، لِأنَّهُ هو الَّذِي يَبْدَأُ مِن نُقْطَةِ الِاسْتِواءِ الشَّمالِيِّ، ثُمَّ إنَّ الحَمَلَ عَلى طَبِيعَةِ النّارِ، وأشْرَفُ أعْضاءِ الحَيَوانِ القَلْبُ والرُّوحُ، وهُما عَلى طَبِيعَةِ النّارِ، وأخَسُّ أعْضاءِ الحَيَوانِ هو العَظْمُ، وهو بارِدٌ يابِسٌ أرْضِيٌّ. التّاسِعُ: أنَّ الأجْسامَ الأرْضِيَّةَ كُلَّما كانَتْ أشَدَّ نُورانِيَّةً ومُشابَهَةً بِالنّارِ كانَتْ أشْرَفَ، وكُلَّما كانَتْ أكْثَرَ غُبْرَةً وكَثافَةً وكُدُورَةً ومُشابَهَةً بِالأرْضِ كانَتْ أخَسَّ، مِثالُهُ: الأجْسامُ الشَّبِيهَةُ بِالنّارِ الذَّهَبُ والياقُوتُ صفحة ٢٠٣ والأحْجارُ الصّافِيَةُ النُّورانِيَّةُ، ومِثالُهُ أيْضًا مِنَ الثِّيابِ الإبْرَيْسَمُ وما يُتَّخَذُ مِنهُ، وأمّا أنَّ كَلَّ ما كانَ أكْثَرَ أرْضِيَّةً وغُبْرَةً فَهو أخَسُّ، فالأمْرُ ظاهِرٌ. العاشِرُ: أنَّ القُوَّةَ الباصِرَةَ قُوَّةٌ في غايَةِ الشَّرَفِ والجَلالَةِ، ولا يَتِمُّ عَمَلُها إلّا بِالشُّعاعِ وهو جِسْمٌ شَبِيهٌ بِالنّارِ. الحادِيَ عَشَرَ: أنَّ أشْرَفَ أجْسامِ العالَمِ الجُسْمانِيِّ هو الشَّمْسُ، ولا شَكَّ أنَّهُ شَبِيهٌ بِالنّارِ في صُورَتِهِ وطَبِيعَتِهِ وأثَرِهِ. الثّانِيَ عَشَرَ: أنَّ النُّضْجَ والهَضْمَ والحَياةَ لا تَتِمُّ إلّا بِالحَرارَةِ، ولَوْلا قُوَّةُ الحَرارَةِ لَما تَمَّ المِزاجُ وتَوَلَّدَتِ المُرَكَّباتُ. الثّالِثَ عَشَرَ: أنَّ أقْوى العَناصِرِ الأرْبَعَةِ في قُوَّةِ الفِعْلِ هو النّارُ، وأكْمَلُها في قُوَّةِ الِانْفِعالِ هو الأرْضُ، والفِعْلُ أفْضَلُ مِنَ الِانْفِعالِ، فالنّارُ أفْضَلُ مِنَ الأرْضِ. أمّا القائِلُونَ بِتَفْضِيلِ الأرْضِ عَلى النّارِ فَذَكَرُوا أيْضًا وُجُوهًا: الأوَّلُ: أنَّ الأرْضَ أمِينٌ مُصْلِحٌ، فَإذا أوْدَعْتَها حَبَّةً رَدَّتْها إلَيْكَ شَجَرَةً مُثْمِرَةً، والنّارُ خائِنَةٌ تُفْسِدُ كُلَّ ما أسْلَمْتَهُ إلَيْها. الثّانِي: أنَّ الحِسَّ البَصَرِيَّ أثْنى عَلى النّارِ، فَلْيَسْتَمِعْ ما يَقُولُهُ الحِسُّ اللَّمْسِيُّ. الثّالِثُ: أنَّ الأرْضَ مُسْتَوْلِيَةٌ عَلى النّارِ، فَإنَّها تُطْفِئُ النّارَ، وأمّا النّارُ فَإنَّها لا تُؤَثِّرُ في الأرْضِ الخالِصَةِ. وأمّا المُقَدِّمَةُ الثّالِثَةُ: فَهي أنَّ مَن كانَ أصْلُهُ خَيْرًا مِن أصْلِهِ فَهو خَيْرٌ مِنهُ، فاعْلَمْ أنَّ هَذِهِ المُقَدِّمَةَ كاذِبَةٌ جِدًّا، وذَلِكَ لِأنَّ أصْلَ الرَّمادِ النّارُ، وأصْلَ البَساتِينِ النَّزِهَةِ والأشْجارِ المُثْمِرَةِ هو الطِّينُ، ومَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ أنَّ الأشْجارَ المُثْمِرَةَ خَيْرٌ مِنَ الرَّمادِ، وأيْضًا فَهَبْ أنَّ اعْتِبارَ هَذِهِ الجِهَةِ يُوجِبُ الفَضِيلَةَ، إلّا أنَّ هَذا يُمْكِنُ أنْ يَصِيرَ مُعارَضًا بِجِهَةٍ أُخْرى تُوجِبُ الرُّجْحانَ، مِثْلَ إنْسانٍ نَسِيبٍ عارٍ عَنْ كُلِّ الفَضائِلِ، فَإنَّ نَسَبَهُ يُوجِبُ رُجْحانَهُ، إلّا أنَّ الَّذِي لا يَكُونُ نَسِيبًا قَدْ يَكُونُ كَثِيرَ العِلْمِ والزُّهْدِ، فَيَكُونُ هو أفْضَلَ مِن ذَلِكَ النَّسِيبِ بِدَرَجاتٍ لا حَدَّ لَها، فالمُقَدِّمَةُ الكاذِبَةُ في القِياسِ الَّذِي ذَكَرَهُ إبْلِيسُ هو هَذِهِ المُقَدِّمَةُ، فَإنْ قالَ قائِلٌ: هَبْ أنَّ إبْلِيسَ أخْطَأ في هَذا القِياسِ، لَكِنْ كَيْفَ لَزِمَهُ الكُفْرُ مِن تِلْكَ المُخالَفَةِ ؟ وبَيانُ هَذا السُّؤالِ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: (اسْجُدُوا) أمْرٌ، والأمْرُ لا يَقْتَضِي الوُجُوبَ بَلِ النَّدْبَ، ومُخالَفَةُ النَّدْبِ لا تُوجِبُ العِصْيانَ فَضْلًا عَنِ الكُفْرِ، وأيْضًا فالَّذِينَ يَقُولُونَ: إنَّ الأمْرَ لِلْوُجُوبِ فَهم لا يُنْكِرُونَ كَوْنَهُ مُحْتَمِلًا لِلنَّدْبِ احْتِمالًا ظاهِرًا، ومَعَ قِيامِ هَذا الِاحْتِمالِ الظّاهِرِ كَيْفَ يَلْزَمُ العِصْيانُ فَضْلًا عَنِ الكُفْرِ. الثّانِي: هَبْ أنَّهُ لِلْوُجُوبِ، إلّا أنَّ إبْلِيسَ ما كانَ مِنَ المَلائِكَةِ، فَأمْرُ المَلائِكَةِ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ لا يَدْخُلُ فِيهِ إبْلِيسُ. الثّالِثُ: هَبْ أنَّهُ يَتَناوَلُهُ إلّا أنَّ تَخْصِيصَ العامِّ بِالقِياسِ جائِزٌ، فَخَصَّصَ نَفْسَهُ عَنْ عُمُومِ ذَلِكَ الأمْرِ بِالقِياسِ. الرّابِعُ: هَبْ أنَّهُ لَمْ يَسْجُدْ مَعَ عِلْمِهِ بِأنَّهُ كانَ مَأْمُورًا بِهِ إلّا أنَّ هَذا القَدْرَ يُوجِبُ العِصْيانَ ولا يُوجِبُ الكُفْرَ، فَكَيْفَ لَزِمَهُ الكُفْرُ، الجَوابُ: هَبْ أنَّ صِيغَةَ الأمْرِ لا تَدُلُّ عَلى الوُجُوبِ، ولَكِنْ يَجُوزُ أنْ يَنْضَمَّ إلَيْها مِنَ القَرائِنِ ما يَدُلُّ عَلى الوُجُوبِ، وهَهُنا حَصَلَتْ تِلْكَ القَرائِنُ، وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أأسْتَكْبَرْتَ أمْ كُنْتَ مِنَ العالِينَ﴾ فَلَمّا أتى إبْلِيسُ بِقِياسِهِ الفاسِدِ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ إنَّما ذَكَرَ ذَلِكَ القِياسَ لِيَتَوَسَّلَ بِهِ إلى القَدْحِ في أمْرِ اللَّهِ وتَكْلِيفِهِ، وذَلِكَ يُوجِبُ الكُفْرَ. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّ إبْلِيسَ لَمّا ذَكَرَ هَذا القِياسَ الفاسِدَ، قالَ تَعالى: ﴿فاخْرُجْ مِنها فَإنَّكَ رَجِيمٌ﴾ . واعْلَمْ أنَّهُ ثَبَتَ في أُصُولِ الفِقْهِ أنَّ ذِكْرَ الحُكْمِ عَقِيبَ الوَصْفِ المُناسِبِ يَدُلُّ عَلى كَوْنِ ذَلِكَ الحُكْمِ صفحة ٢٠٤ مُعَلَّلًا بِذَلِكَ الوَصْفِ، وهَهُنا الحُكْمُ بِكَوْنِهِ رَجِيمًا ورَدَ عَقِيبَ ما حُكِيَ عَنْهُ أنَّهُ خَصَّصَ النَّصَّ بِالقِياسِ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ تَخْصِيصَ النَّصِّ بِالقِياسِ يُوجِبُ هَذا الحُكْمَ، وقَوْلُهُ: (مِنها) أيْ: مِنَ الجَنَّةِ أوْ مِنَ السَّماواتِ، والرَّجِيمُ المَرْجُومُ، وفِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ مَجازٌ عَنِ الطَّرْدِ، لِأنَّ الظّاهِرَ أنَّ مَن طُرِدَ فَقَدْ يُرْمى بِالحِجارَةِ وهو الرَّجْمُ، فَلَمّا كانَ الرَّجْمُ مِن لَوازِمِ الطَّرْدِ جُعِلَ الرَّجْمُ كِنايَةً عَنِ الطَّرْدِ، فَإنْ قالُوا: الطَّرْدُ هو اللَّعْنُ فَلَوْ حَمَلْنا قَوْلَهُ: (رَجِيمٌ) عَلى الطَّرْدِ لَكانَ قَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿وإنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي﴾ تَكْرارًا، والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنّا نَحْمِلُ الرَّجْمَ عَلى الطَّرْدِ مِنَ الجَنَّةِ أوْ مِنَ السَّماواتِ، ونَحْمِلُ اللَّعْنَ عَلى الطَّرْدِ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ. والثّانِي: أنّا نَحْمِلُ الرَّجْمَ عَلى الطَّرْدِ، ونَحْمِلُ قَوْلَهُ: ﴿وإنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إلى يَوْمِ الدِّينِ﴾ عَلى أنَّ ذَلِكَ الطَّرْدَ يَمْتَدُّ إلى آخِرِ القِيامَةِ فَيَكُونُ هَذا فائِدَةً زائِدَةً، ولا يَكُونُ تَكْرِيرًا. والقَوْلُ الثّانِي: في تَفْسِيرِ الرَّجِيمِ أنْ نَحْمِلَهُ عَلى الحَقِيقَةِ، وهو كَوْنُ الشَّياطِينِ مَرْجُومِينَ بِالشُّهُبِ، واللَّهُ أعْلَمُ. فَإنْ قِيلَ: كَلِمَةُ ”إلى“ لِانْتِهاءِ الغايَةِ، فَقَوْلُهُ: ﴿إلى يَوْمِ الدِّينِ﴾ يَقْتَضِي انْقِطاعَ تِلْكَ اللَّعْنَةِ عِنْدَ مَجِيءِ يَوْمِ الدِّينِ، أجابَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ بِأنَّ اللَّعْنَةَ باقِيَةٌ عَلَيْهِ في الدُّنْيا، فَإذا جاءَ يَوْمُ القِيامَةِ جُعِلَ مَعَ اللَّعْنَةِ أنْواعٌ مِنَ العَذابِ تَصِيرُ اللَّعْنَةُ مَعَ حُضُورِها مَنسِيَّةً. واعْلَمْ أنَّ إبْلِيسَ لَمّا صارَ مَلْعُونًا قالَ: ﴿فَأنْظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ قِيلَ: إنَّما طَلَبَ الإنْظارَ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ، لِأجْلِ أنْ يَتَخَلَّصَ مِنَ المَوْتِ، لِأنَّهُ إذا نُظِرَ إلى يَوْمِ البَعْثِ لَمْ يَمُتْ قَبْلَ يَوْمِ البَعْثِ وعِنْدَ مَجِيءِ يَوْمِ البَعْثِ لا يَمُوتُ أيْضًا، فَحِينَئِذٍ يَتَخَلَّصُ مِنَ المَوْتِ، فَقالَ تَعالى: ﴿فَإنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ﴾ ﴿إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ﴾ ومَعْناهُ: إنَّكَ مِنَ المَنظَرِينَ إلى يَوْمٍ يَعْلَمُهُ اللَّهُ ولا يَعْلَمُهُ أحَدٌ سِواهُ، فَقالَ إبْلِيسُ: ﴿فَبِعِزَّتِكَ﴾ وهو قَسَمٌ بِعَزَّةِ اللَّهِ وسُلْطانِهِ ﴿لَأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ فَهَهُنا أضافَ الإغْواءَ إلى نَفْسِهِ، وهو عَلى مَذْهَبِ القَدَرِ، وقالَ مَرَّةً أُخْرى: ﴿رَبِّ بِما أغْوَيْتَنِي﴾ فَأضافَ الإغْواءَ إلى اللَّهِ عَلى ما هو مَذْهَبُ الجَبْرِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ مُتَحَيِّرٌ في هَذِهِ المَسْألَةِ. * * * وأمّا قَوْلُهُ: ﴿إلّا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ﴾ فَفِيهِ فَوائِدُ: الفائِدَةُ الأُولى: قِيلَ: غَرَضُ إبْلِيسَ مِن ذِكْرِهِ هَذا الِاسْتِثْناءَ أنْ لا يَقَعَ في كَلامِهِ الكَذِبُ، لِأنَّهُ لَوْ لَمْ يَذْكُرْ هَذا الِاسْتِثْناءَ، وادَّعى أنَّهُ يُغْوِي الكُلَّ، لَكانَ يَظْهَرُ كَذِبُهُ حِينَ يَعْجَزُ عَنْ إغْواءِ عِبادِ اللَّهِ الصّالِحِينَ، فَكَأنَّ إبْلِيسَ قالَ: إنَّما ذَكَرْتُ هَذا الِاسْتِثْناءَ لِئَلّا يَقَعَ الكَذِبُ في هَذا الكَلامِ، وعَنْ هَذا يُقالُ: إنَّ الكَذِبَ شَيْءٌ يَسْتَنْكِفُ مِنهُ إبْلِيسُ، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِالمُسْلِمِ الإقْدامُ عَلَيْهِ ؟ فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ الجَمْعُ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ ولا نَبِيٍّ إلّا إذا تَمَنّى ألْقى الشَّيْطانُ في أُمْنِيَّتِهِ﴾ [الحج: ٥٢] ؟ قُلْنا: إنَّ إبْلِيسَ لَمْ يَقُلْ: إنِّي لَمْ أقْصِدْ إغْواءَ عِبادِ اللَّهِ الصّالِحِينَ، بَلْ قالَ: لَأُغْوِيَنَّهم، وهو وإنْ كانَ يَقْصِدُ الإغْواءَ إلّا أنَّهُ لا يُغْوِيهِمْ. الفائِدَةُ الثّانِيَةُ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ إبْلِيسَ لا يُغْوِي عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ، وقالَ تَعالى في صِفَةِ يُوسُفَ: ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُخْلَصِينَ﴾ [يوسف: ٢٤] فَنَصِلُ مِن مَجْمُوعِ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ أنَّ إبْلِيسَ ما أغْوى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى كَذِبِ الحَشْوِيَّةِ فِيما يَنْسُبُونَ إلى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ القَبائِحِ. صفحة ٢٠٥ واعْلَمْ أنَّ إبْلِيسَ لَمّا ذَكَرَ هَذا الكَلامَ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فالحَقُّ والحَقَّ أقُولُ﴾ ﴿لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ ومِمَّنْ تَبِعَكَ مِنهم أجْمَعِينَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ ﴿فالحَقُّ﴾ بِالرَّفْعِ ﴿والحَقَّ﴾ بِالنَّصْبِ، والباقُونَ بِالنَّصْبِ فِيهِما. أمّا الرَّفْعُ فَتَقْدِيرُهُ: فالحَقُّ قَسَمِي، وأمّا النَّصْبُ فَعَلى القَسَمِ، أيْ: فَبِالحَقِّ، كَقَوْلِكَ: واللَّهِ لَأفْعَلَنَّ. وأمّا قَوْلُهُ: ﴿والحَقَّ أقُولُ﴾ انْتُصِبَ قَوْلُهُ: ”والحَقَّ“ بِقَوْلِهِ: ﴿أقُولُ﴾ . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿مِنكَ﴾ أيْ: مِن جِنْسِكَ، وهُمُ الشَّياطِينُ ﴿ومِمَّنْ تَبِعَكَ مِنهُمْ﴾ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ، فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ ﴿أجْمَعِينَ﴾ تَأْكِيدٌ لِماذا ؟ قُلْنا: يُحْتَمَلُ أنْ يُؤَكَّدَ بِهِ الضَّمِيرُ في ”مِنهم“، أوِ الكافُ في ”مِنكَ“ مَعَ ”مَن تَبِعَكَ“، ومَعْناهُ: لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ المَتْبُوعِينَ والتّابِعِينَ، لا أتْرُكُ مِنهم أحَدًا. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ في مَسْألَةِ أنَّ الكُلَّ بِقَضاءِ اللَّهِ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى قالَ في حَقِّ إبْلِيسَ: ﴿فاخْرُجْ مِنها فَإنَّكَ رَجِيمٌ﴾ ﴿وإنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إلى يَوْمِ الدِّينِ﴾ فَهَذا إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِأنَّهُ لا يُؤْمِنُ، فَلَوْ آمَنَ لانْقَلَبَ خَبَرُ اللَّهِ الصِّدْقُ كَذِبًا، وهو مُحالٌ، فَكانَ صُدُورُ الإيمانِ مِنهُ مُحالًا مَعَ أنَّهُ أمَرَ بِهِ. والثّانِي: أنَّهُ قالَ: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ فاللَّهُ تَعالى عَلِمَ مِنهُ أنَّهُ يُغْوِيهِمْ، وسَمِعَ مِنهُ هَذِهِ الدَّعْوى، وكانَ قادِرًا عَلى مَنعِهِ عَنْ ذَلِكَ، والقادِرُ عَلى المَنعِ إذا لَمْ يَمْنَعْ كانَ راضِيًا بِهِ، فَإنْ قالُوا: لَعَلَّ ذَلِكَ المَنعَ مُفْسِدٌ، قُلْنا: هَذا قَوْلٌ فاسِدٌ، لِأنَّ ذَلِكَ المَنعَ يُخَلِّصُ إبْلِيسَ عَنِ الإضْلالِ، ويُخَلِّصُ بَنِي آدَمَ عَنِ الضَّلالِ، وهَذا عَيْنُ المَصْلَحَةِ. الثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى أخْبَرَ أنَّهُ يَمْلَأُ جَهَنَّمَ مِنَ الكَفَرَةِ، فَلَوْ لَمْ يَكْفُرُوا لَزِمَ الكَذِبُ والجَهْلُ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى. الرّابِعُ: أنَّهُ لَوْ أرادَ أنْ لا يَكْفُرَ الكافِرُ لَوَجَبَ أنْ يُبْقِيَ الأنْبِياءَ والصّالِحِينَ، وأنْ يُمِيتَ إبْلِيسَ والشَّياطِينَ، وحَيْثُ قَلَبَ الأمْرَ عَلِمْنا أنَّهُ فاسِدٌ. الخامِسُ: أنَّ تَكْلِيفَ أُولَئِكَ الكُفّارِ بِالإيمانِ يَقْتَضِي تَكْلِيفَهم بِالإيمانِ بِهَذِهِ الآياتِ الَّتِي هي دالَّةٌ عَلى أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ ألْبَتَّةَ، وحِينَئِذٍ يَلْزَمُ أنْ يَصِيرُوا مُكَلَّفِينَ بِأنْ يُؤْمِنُوا بِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ ألْبَتَّةَ، وذَلِكَ تَكْلِيفٌ بِما لا يُطاقُ، واللَّهُ أعْلَمُ.

ص 38:83

المُقَدِّمَةُ الأُولى: أنَّ إبْلِيسَ مَخْلُوقٌ مِنَ النّارِ، يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى حِكايَةً عَنْهُ: ﴿خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والجانَّ خَلَقْناهُ مِن قَبْلُ مِن نارِ السَّمُومِ﴾ [الحجر: ٢٧] . المُقَدِّمَةُ الثّانِيَةُ: أنَّ النّارَ أفْضَلُ مِنَ الطِّينِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ الأجْرامَ الفَلَكِيَّةَ أشْرَفُ مِنَ الأجْرامِ العُنْصُرِيَّةِ، والنّارُ أقْرَبُ العَناصِرِ مِنَ الفَلَكِ، والأرْضُ أبْعَدُها عَنْهُ، فَوَجَبَ كَوْنُ النّارِ أفْضَلَ مِنَ الأرْضِ. الثّانِي: أنَّ النّارَ خَلِيفَةُ الشَّمْسِ والقَمَرِ في إضاءَةِ هَذا العالَمِ عِنْدَ غَيْبَتِهِما، والشَّمْسُ والقَمَرُ أشْرَفُ مِنَ الأرْضِ، فَخَلِيفَتُهُما في الإضاءَةِ أفْضَلُ مِنَ الأرْضِ. الثّالِثُ: أنَّ الكَيْفِيَّةَ الفاعِلَةَ الأصْلِيَّةَ، إمّا الحَرارَةُ أوِ البُرُودَةُ، والحَرارَةُ أفْضَلُ مِنَ البُرُودَةِ؛ لِأنَّ الحَرارَةَ تُناسِبُ الحَياةَ، والبُرُودَةُ تُناسِبُ المَوْتَ. الرّابِعُ: الأرْضُ كَثِيفَةٌ والنّارُ لَطِيفَةٌ، واللَّطافَةُ أشْرَفُ مِنَ الكَثافَةِ. الخامِسُ: النّارُ مُشْرِقَةٌ والأرْضُ مُظْلِمَةٌ، والنُّورُ خَيْرٌ مِنَ الظُّلْمَةِ. السّادِسُ: النّارُ خَفِيفَةٌ تُشْبِهُ الرُّوحَ، والأرْضُ ثَقِيلَةٌ تُشْبِهُ الجَسَدَ، والرُّوحُ أفْضَلُ مِنَ الجَسَدِ، فالنّارُ أفْضَلُ مِنَ الأرْضِ، ولِذَلِكَ فَإنَّ الأطِبّاءَ أطْبَقُوا عَلى أنَّ العُنْصُرَيْنِ الثَّقِيلَيْنِ أعْوَنُ عَلى تَرْكِيبِ الأجْسادِ، وأنَّ العُنْصُرَيْنِ الخَفِيفَيْنِ أعَوْنُ عَلى تَوَلُّدِ الأرْواحِ. السّابِعُ: النّارُ صاعِدَةٌ والأرْضُ هابِطَةٌ، والصّاعِدُ أفْضَلُ مِنَ الهابِطِ. الثّامِنُ: أنَّ أوَّلَ بُرُوجِ الفَلَكِ هو الحَمَلُ، لِأنَّهُ هو الَّذِي يَبْدَأُ مِن نُقْطَةِ الِاسْتِواءِ الشَّمالِيِّ، ثُمَّ إنَّ الحَمَلَ عَلى طَبِيعَةِ النّارِ، وأشْرَفُ أعْضاءِ الحَيَوانِ القَلْبُ والرُّوحُ، وهُما عَلى طَبِيعَةِ النّارِ، وأخَسُّ أعْضاءِ الحَيَوانِ هو العَظْمُ، وهو بارِدٌ يابِسٌ أرْضِيٌّ. التّاسِعُ: أنَّ الأجْسامَ الأرْضِيَّةَ كُلَّما كانَتْ أشَدَّ نُورانِيَّةً ومُشابَهَةً بِالنّارِ كانَتْ أشْرَفَ، وكُلَّما كانَتْ أكْثَرَ غُبْرَةً وكَثافَةً وكُدُورَةً ومُشابَهَةً بِالأرْضِ كانَتْ أخَسَّ، مِثالُهُ: الأجْسامُ الشَّبِيهَةُ بِالنّارِ الذَّهَبُ والياقُوتُ صفحة ٢٠٣ والأحْجارُ الصّافِيَةُ النُّورانِيَّةُ، ومِثالُهُ أيْضًا مِنَ الثِّيابِ الإبْرَيْسَمُ وما يُتَّخَذُ مِنهُ، وأمّا أنَّ كَلَّ ما كانَ أكْثَرَ أرْضِيَّةً وغُبْرَةً فَهو أخَسُّ، فالأمْرُ ظاهِرٌ. العاشِرُ: أنَّ القُوَّةَ الباصِرَةَ قُوَّةٌ في غايَةِ الشَّرَفِ والجَلالَةِ، ولا يَتِمُّ عَمَلُها إلّا بِالشُّعاعِ وهو جِسْمٌ شَبِيهٌ بِالنّارِ. الحادِيَ عَشَرَ: أنَّ أشْرَفَ أجْسامِ العالَمِ الجُسْمانِيِّ هو الشَّمْسُ، ولا شَكَّ أنَّهُ شَبِيهٌ بِالنّارِ في صُورَتِهِ وطَبِيعَتِهِ وأثَرِهِ. الثّانِيَ عَشَرَ: أنَّ النُّضْجَ والهَضْمَ والحَياةَ لا تَتِمُّ إلّا بِالحَرارَةِ، ولَوْلا قُوَّةُ الحَرارَةِ لَما تَمَّ المِزاجُ وتَوَلَّدَتِ المُرَكَّباتُ. الثّالِثَ عَشَرَ: أنَّ أقْوى العَناصِرِ الأرْبَعَةِ في قُوَّةِ الفِعْلِ هو النّارُ، وأكْمَلُها في قُوَّةِ الِانْفِعالِ هو الأرْضُ، والفِعْلُ أفْضَلُ مِنَ الِانْفِعالِ، فالنّارُ أفْضَلُ مِنَ الأرْضِ. أمّا القائِلُونَ بِتَفْضِيلِ الأرْضِ عَلى النّارِ فَذَكَرُوا أيْضًا وُجُوهًا: الأوَّلُ: أنَّ الأرْضَ أمِينٌ مُصْلِحٌ، فَإذا أوْدَعْتَها حَبَّةً رَدَّتْها إلَيْكَ شَجَرَةً مُثْمِرَةً، والنّارُ خائِنَةٌ تُفْسِدُ كُلَّ ما أسْلَمْتَهُ إلَيْها. الثّانِي: أنَّ الحِسَّ البَصَرِيَّ أثْنى عَلى النّارِ، فَلْيَسْتَمِعْ ما يَقُولُهُ الحِسُّ اللَّمْسِيُّ. الثّالِثُ: أنَّ الأرْضَ مُسْتَوْلِيَةٌ عَلى النّارِ، فَإنَّها تُطْفِئُ النّارَ، وأمّا النّارُ فَإنَّها لا تُؤَثِّرُ في الأرْضِ الخالِصَةِ. وأمّا المُقَدِّمَةُ الثّالِثَةُ: فَهي أنَّ مَن كانَ أصْلُهُ خَيْرًا مِن أصْلِهِ فَهو خَيْرٌ مِنهُ، فاعْلَمْ أنَّ هَذِهِ المُقَدِّمَةَ كاذِبَةٌ جِدًّا، وذَلِكَ لِأنَّ أصْلَ الرَّمادِ النّارُ، وأصْلَ البَساتِينِ النَّزِهَةِ والأشْجارِ المُثْمِرَةِ هو الطِّينُ، ومَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ أنَّ الأشْجارَ المُثْمِرَةَ خَيْرٌ مِنَ الرَّمادِ، وأيْضًا فَهَبْ أنَّ اعْتِبارَ هَذِهِ الجِهَةِ يُوجِبُ الفَضِيلَةَ، إلّا أنَّ هَذا يُمْكِنُ أنْ يَصِيرَ مُعارَضًا بِجِهَةٍ أُخْرى تُوجِبُ الرُّجْحانَ، مِثْلَ إنْسانٍ نَسِيبٍ عارٍ عَنْ كُلِّ الفَضائِلِ، فَإنَّ نَسَبَهُ يُوجِبُ رُجْحانَهُ، إلّا أنَّ الَّذِي لا يَكُونُ نَسِيبًا قَدْ يَكُونُ كَثِيرَ العِلْمِ والزُّهْدِ، فَيَكُونُ هو أفْضَلَ مِن ذَلِكَ النَّسِيبِ بِدَرَجاتٍ لا حَدَّ لَها، فالمُقَدِّمَةُ الكاذِبَةُ في القِياسِ الَّذِي ذَكَرَهُ إبْلِيسُ هو هَذِهِ المُقَدِّمَةُ، فَإنْ قالَ قائِلٌ: هَبْ أنَّ إبْلِيسَ أخْطَأ في هَذا القِياسِ، لَكِنْ كَيْفَ لَزِمَهُ الكُفْرُ مِن تِلْكَ المُخالَفَةِ ؟ وبَيانُ هَذا السُّؤالِ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: (اسْجُدُوا) أمْرٌ، والأمْرُ لا يَقْتَضِي الوُجُوبَ بَلِ النَّدْبَ، ومُخالَفَةُ النَّدْبِ لا تُوجِبُ العِصْيانَ فَضْلًا عَنِ الكُفْرِ، وأيْضًا فالَّذِينَ يَقُولُونَ: إنَّ الأمْرَ لِلْوُجُوبِ فَهم لا يُنْكِرُونَ كَوْنَهُ مُحْتَمِلًا لِلنَّدْبِ احْتِمالًا ظاهِرًا، ومَعَ قِيامِ هَذا الِاحْتِمالِ الظّاهِرِ كَيْفَ يَلْزَمُ العِصْيانُ فَضْلًا عَنِ الكُفْرِ. الثّانِي: هَبْ أنَّهُ لِلْوُجُوبِ، إلّا أنَّ إبْلِيسَ ما كانَ مِنَ المَلائِكَةِ، فَأمْرُ المَلائِكَةِ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ لا يَدْخُلُ فِيهِ إبْلِيسُ. الثّالِثُ: هَبْ أنَّهُ يَتَناوَلُهُ إلّا أنَّ تَخْصِيصَ العامِّ بِالقِياسِ جائِزٌ، فَخَصَّصَ نَفْسَهُ عَنْ عُمُومِ ذَلِكَ الأمْرِ بِالقِياسِ. الرّابِعُ: هَبْ أنَّهُ لَمْ يَسْجُدْ مَعَ عِلْمِهِ بِأنَّهُ كانَ مَأْمُورًا بِهِ إلّا أنَّ هَذا القَدْرَ يُوجِبُ العِصْيانَ ولا يُوجِبُ الكُفْرَ، فَكَيْفَ لَزِمَهُ الكُفْرُ، الجَوابُ: هَبْ أنَّ صِيغَةَ الأمْرِ لا تَدُلُّ عَلى الوُجُوبِ، ولَكِنْ يَجُوزُ أنْ يَنْضَمَّ إلَيْها مِنَ القَرائِنِ ما يَدُلُّ عَلى الوُجُوبِ، وهَهُنا حَصَلَتْ تِلْكَ القَرائِنُ، وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أأسْتَكْبَرْتَ أمْ كُنْتَ مِنَ العالِينَ﴾ فَلَمّا أتى إبْلِيسُ بِقِياسِهِ الفاسِدِ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ إنَّما ذَكَرَ ذَلِكَ القِياسَ لِيَتَوَسَّلَ بِهِ إلى القَدْحِ في أمْرِ اللَّهِ وتَكْلِيفِهِ، وذَلِكَ يُوجِبُ الكُفْرَ. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّ إبْلِيسَ لَمّا ذَكَرَ هَذا القِياسَ الفاسِدَ، قالَ تَعالى: ﴿فاخْرُجْ مِنها فَإنَّكَ رَجِيمٌ﴾ . واعْلَمْ أنَّهُ ثَبَتَ في أُصُولِ الفِقْهِ أنَّ ذِكْرَ الحُكْمِ عَقِيبَ الوَصْفِ المُناسِبِ يَدُلُّ عَلى كَوْنِ ذَلِكَ الحُكْمِ صفحة ٢٠٤ مُعَلَّلًا بِذَلِكَ الوَصْفِ، وهَهُنا الحُكْمُ بِكَوْنِهِ رَجِيمًا ورَدَ عَقِيبَ ما حُكِيَ عَنْهُ أنَّهُ خَصَّصَ النَّصَّ بِالقِياسِ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ تَخْصِيصَ النَّصِّ بِالقِياسِ يُوجِبُ هَذا الحُكْمَ، وقَوْلُهُ: (مِنها) أيْ: مِنَ الجَنَّةِ أوْ مِنَ السَّماواتِ، والرَّجِيمُ المَرْجُومُ، وفِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ مَجازٌ عَنِ الطَّرْدِ، لِأنَّ الظّاهِرَ أنَّ مَن طُرِدَ فَقَدْ يُرْمى بِالحِجارَةِ وهو الرَّجْمُ، فَلَمّا كانَ الرَّجْمُ مِن لَوازِمِ الطَّرْدِ جُعِلَ الرَّجْمُ كِنايَةً عَنِ الطَّرْدِ، فَإنْ قالُوا: الطَّرْدُ هو اللَّعْنُ فَلَوْ حَمَلْنا قَوْلَهُ: (رَجِيمٌ) عَلى الطَّرْدِ لَكانَ قَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿وإنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي﴾ تَكْرارًا، والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنّا نَحْمِلُ الرَّجْمَ عَلى الطَّرْدِ مِنَ الجَنَّةِ أوْ مِنَ السَّماواتِ، ونَحْمِلُ اللَّعْنَ عَلى الطَّرْدِ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ. والثّانِي: أنّا نَحْمِلُ الرَّجْمَ عَلى الطَّرْدِ، ونَحْمِلُ قَوْلَهُ: ﴿وإنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إلى يَوْمِ الدِّينِ﴾ عَلى أنَّ ذَلِكَ الطَّرْدَ يَمْتَدُّ إلى آخِرِ القِيامَةِ فَيَكُونُ هَذا فائِدَةً زائِدَةً، ولا يَكُونُ تَكْرِيرًا. والقَوْلُ الثّانِي: في تَفْسِيرِ الرَّجِيمِ أنْ نَحْمِلَهُ عَلى الحَقِيقَةِ، وهو كَوْنُ الشَّياطِينِ مَرْجُومِينَ بِالشُّهُبِ، واللَّهُ أعْلَمُ. فَإنْ قِيلَ: كَلِمَةُ ”إلى“ لِانْتِهاءِ الغايَةِ، فَقَوْلُهُ: ﴿إلى يَوْمِ الدِّينِ﴾ يَقْتَضِي انْقِطاعَ تِلْكَ اللَّعْنَةِ عِنْدَ مَجِيءِ يَوْمِ الدِّينِ، أجابَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ بِأنَّ اللَّعْنَةَ باقِيَةٌ عَلَيْهِ في الدُّنْيا، فَإذا جاءَ يَوْمُ القِيامَةِ جُعِلَ مَعَ اللَّعْنَةِ أنْواعٌ مِنَ العَذابِ تَصِيرُ اللَّعْنَةُ مَعَ حُضُورِها مَنسِيَّةً. واعْلَمْ أنَّ إبْلِيسَ لَمّا صارَ مَلْعُونًا قالَ: ﴿فَأنْظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ قِيلَ: إنَّما طَلَبَ الإنْظارَ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ، لِأجْلِ أنْ يَتَخَلَّصَ مِنَ المَوْتِ، لِأنَّهُ إذا نُظِرَ إلى يَوْمِ البَعْثِ لَمْ يَمُتْ قَبْلَ يَوْمِ البَعْثِ وعِنْدَ مَجِيءِ يَوْمِ البَعْثِ لا يَمُوتُ أيْضًا، فَحِينَئِذٍ يَتَخَلَّصُ مِنَ المَوْتِ، فَقالَ تَعالى: ﴿فَإنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ﴾ ﴿إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ﴾ ومَعْناهُ: إنَّكَ مِنَ المَنظَرِينَ إلى يَوْمٍ يَعْلَمُهُ اللَّهُ ولا يَعْلَمُهُ أحَدٌ سِواهُ، فَقالَ إبْلِيسُ: ﴿فَبِعِزَّتِكَ﴾ وهو قَسَمٌ بِعَزَّةِ اللَّهِ وسُلْطانِهِ ﴿لَأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ فَهَهُنا أضافَ الإغْواءَ إلى نَفْسِهِ، وهو عَلى مَذْهَبِ القَدَرِ، وقالَ مَرَّةً أُخْرى: ﴿رَبِّ بِما أغْوَيْتَنِي﴾ فَأضافَ الإغْواءَ إلى اللَّهِ عَلى ما هو مَذْهَبُ الجَبْرِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ مُتَحَيِّرٌ في هَذِهِ المَسْألَةِ. * * * وأمّا قَوْلُهُ: ﴿إلّا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ﴾ فَفِيهِ فَوائِدُ: الفائِدَةُ الأُولى: قِيلَ: غَرَضُ إبْلِيسَ مِن ذِكْرِهِ هَذا الِاسْتِثْناءَ أنْ لا يَقَعَ في كَلامِهِ الكَذِبُ، لِأنَّهُ لَوْ لَمْ يَذْكُرْ هَذا الِاسْتِثْناءَ، وادَّعى أنَّهُ يُغْوِي الكُلَّ، لَكانَ يَظْهَرُ كَذِبُهُ حِينَ يَعْجَزُ عَنْ إغْواءِ عِبادِ اللَّهِ الصّالِحِينَ، فَكَأنَّ إبْلِيسَ قالَ: إنَّما ذَكَرْتُ هَذا الِاسْتِثْناءَ لِئَلّا يَقَعَ الكَذِبُ في هَذا الكَلامِ، وعَنْ هَذا يُقالُ: إنَّ الكَذِبَ شَيْءٌ يَسْتَنْكِفُ مِنهُ إبْلِيسُ، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِالمُسْلِمِ الإقْدامُ عَلَيْهِ ؟ فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ الجَمْعُ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ ولا نَبِيٍّ إلّا إذا تَمَنّى ألْقى الشَّيْطانُ في أُمْنِيَّتِهِ﴾ [الحج: ٥٢] ؟ قُلْنا: إنَّ إبْلِيسَ لَمْ يَقُلْ: إنِّي لَمْ أقْصِدْ إغْواءَ عِبادِ اللَّهِ الصّالِحِينَ، بَلْ قالَ: لَأُغْوِيَنَّهم، وهو وإنْ كانَ يَقْصِدُ الإغْواءَ إلّا أنَّهُ لا يُغْوِيهِمْ. الفائِدَةُ الثّانِيَةُ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ إبْلِيسَ لا يُغْوِي عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ، وقالَ تَعالى في صِفَةِ يُوسُفَ: ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُخْلَصِينَ﴾ [يوسف: ٢٤] فَنَصِلُ مِن مَجْمُوعِ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ أنَّ إبْلِيسَ ما أغْوى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى كَذِبِ الحَشْوِيَّةِ فِيما يَنْسُبُونَ إلى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ القَبائِحِ. صفحة ٢٠٥ واعْلَمْ أنَّ إبْلِيسَ لَمّا ذَكَرَ هَذا الكَلامَ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فالحَقُّ والحَقَّ أقُولُ﴾ ﴿لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ ومِمَّنْ تَبِعَكَ مِنهم أجْمَعِينَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ ﴿فالحَقُّ﴾ بِالرَّفْعِ ﴿والحَقَّ﴾ بِالنَّصْبِ، والباقُونَ بِالنَّصْبِ فِيهِما. أمّا الرَّفْعُ فَتَقْدِيرُهُ: فالحَقُّ قَسَمِي، وأمّا النَّصْبُ فَعَلى القَسَمِ، أيْ: فَبِالحَقِّ، كَقَوْلِكَ: واللَّهِ لَأفْعَلَنَّ. وأمّا قَوْلُهُ: ﴿والحَقَّ أقُولُ﴾ انْتُصِبَ قَوْلُهُ: ”والحَقَّ“ بِقَوْلِهِ: ﴿أقُولُ﴾ . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿مِنكَ﴾ أيْ: مِن جِنْسِكَ، وهُمُ الشَّياطِينُ ﴿ومِمَّنْ تَبِعَكَ مِنهُمْ﴾ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ، فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ ﴿أجْمَعِينَ﴾ تَأْكِيدٌ لِماذا ؟ قُلْنا: يُحْتَمَلُ أنْ يُؤَكَّدَ بِهِ الضَّمِيرُ في ”مِنهم“، أوِ الكافُ في ”مِنكَ“ مَعَ ”مَن تَبِعَكَ“، ومَعْناهُ: لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ المَتْبُوعِينَ والتّابِعِينَ، لا أتْرُكُ مِنهم أحَدًا. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ في مَسْألَةِ أنَّ الكُلَّ بِقَضاءِ اللَّهِ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى قالَ في حَقِّ إبْلِيسَ: ﴿فاخْرُجْ مِنها فَإنَّكَ رَجِيمٌ﴾ ﴿وإنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إلى يَوْمِ الدِّينِ﴾ فَهَذا إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِأنَّهُ لا يُؤْمِنُ، فَلَوْ آمَنَ لانْقَلَبَ خَبَرُ اللَّهِ الصِّدْقُ كَذِبًا، وهو مُحالٌ، فَكانَ صُدُورُ الإيمانِ مِنهُ مُحالًا مَعَ أنَّهُ أمَرَ بِهِ. والثّانِي: أنَّهُ قالَ: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ فاللَّهُ تَعالى عَلِمَ مِنهُ أنَّهُ يُغْوِيهِمْ، وسَمِعَ مِنهُ هَذِهِ الدَّعْوى، وكانَ قادِرًا عَلى مَنعِهِ عَنْ ذَلِكَ، والقادِرُ عَلى المَنعِ إذا لَمْ يَمْنَعْ كانَ راضِيًا بِهِ، فَإنْ قالُوا: لَعَلَّ ذَلِكَ المَنعَ مُفْسِدٌ، قُلْنا: هَذا قَوْلٌ فاسِدٌ، لِأنَّ ذَلِكَ المَنعَ يُخَلِّصُ إبْلِيسَ عَنِ الإضْلالِ، ويُخَلِّصُ بَنِي آدَمَ عَنِ الضَّلالِ، وهَذا عَيْنُ المَصْلَحَةِ. الثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى أخْبَرَ أنَّهُ يَمْلَأُ جَهَنَّمَ مِنَ الكَفَرَةِ، فَلَوْ لَمْ يَكْفُرُوا لَزِمَ الكَذِبُ والجَهْلُ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى. الرّابِعُ: أنَّهُ لَوْ أرادَ أنْ لا يَكْفُرَ الكافِرُ لَوَجَبَ أنْ يُبْقِيَ الأنْبِياءَ والصّالِحِينَ، وأنْ يُمِيتَ إبْلِيسَ والشَّياطِينَ، وحَيْثُ قَلَبَ الأمْرَ عَلِمْنا أنَّهُ فاسِدٌ. الخامِسُ: أنَّ تَكْلِيفَ أُولَئِكَ الكُفّارِ بِالإيمانِ يَقْتَضِي تَكْلِيفَهم بِالإيمانِ بِهَذِهِ الآياتِ الَّتِي هي دالَّةٌ عَلى أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ ألْبَتَّةَ، وحِينَئِذٍ يَلْزَمُ أنْ يَصِيرُوا مُكَلَّفِينَ بِأنْ يُؤْمِنُوا بِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ ألْبَتَّةَ، وذَلِكَ تَكْلِيفٌ بِما لا يُطاقُ، واللَّهُ أعْلَمُ.

ص 38:84

المُقَدِّمَةُ الأُولى: أنَّ إبْلِيسَ مَخْلُوقٌ مِنَ النّارِ، يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى حِكايَةً عَنْهُ: ﴿خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والجانَّ خَلَقْناهُ مِن قَبْلُ مِن نارِ السَّمُومِ﴾ [الحجر: ٢٧] . المُقَدِّمَةُ الثّانِيَةُ: أنَّ النّارَ أفْضَلُ مِنَ الطِّينِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ الأجْرامَ الفَلَكِيَّةَ أشْرَفُ مِنَ الأجْرامِ العُنْصُرِيَّةِ، والنّارُ أقْرَبُ العَناصِرِ مِنَ الفَلَكِ، والأرْضُ أبْعَدُها عَنْهُ، فَوَجَبَ كَوْنُ النّارِ أفْضَلَ مِنَ الأرْضِ. الثّانِي: أنَّ النّارَ خَلِيفَةُ الشَّمْسِ والقَمَرِ في إضاءَةِ هَذا العالَمِ عِنْدَ غَيْبَتِهِما، والشَّمْسُ والقَمَرُ أشْرَفُ مِنَ الأرْضِ، فَخَلِيفَتُهُما في الإضاءَةِ أفْضَلُ مِنَ الأرْضِ. الثّالِثُ: أنَّ الكَيْفِيَّةَ الفاعِلَةَ الأصْلِيَّةَ، إمّا الحَرارَةُ أوِ البُرُودَةُ، والحَرارَةُ أفْضَلُ مِنَ البُرُودَةِ؛ لِأنَّ الحَرارَةَ تُناسِبُ الحَياةَ، والبُرُودَةُ تُناسِبُ المَوْتَ. الرّابِعُ: الأرْضُ كَثِيفَةٌ والنّارُ لَطِيفَةٌ، واللَّطافَةُ أشْرَفُ مِنَ الكَثافَةِ. الخامِسُ: النّارُ مُشْرِقَةٌ والأرْضُ مُظْلِمَةٌ، والنُّورُ خَيْرٌ مِنَ الظُّلْمَةِ. السّادِسُ: النّارُ خَفِيفَةٌ تُشْبِهُ الرُّوحَ، والأرْضُ ثَقِيلَةٌ تُشْبِهُ الجَسَدَ، والرُّوحُ أفْضَلُ مِنَ الجَسَدِ، فالنّارُ أفْضَلُ مِنَ الأرْضِ، ولِذَلِكَ فَإنَّ الأطِبّاءَ أطْبَقُوا عَلى أنَّ العُنْصُرَيْنِ الثَّقِيلَيْنِ أعْوَنُ عَلى تَرْكِيبِ الأجْسادِ، وأنَّ العُنْصُرَيْنِ الخَفِيفَيْنِ أعَوْنُ عَلى تَوَلُّدِ الأرْواحِ. السّابِعُ: النّارُ صاعِدَةٌ والأرْضُ هابِطَةٌ، والصّاعِدُ أفْضَلُ مِنَ الهابِطِ. الثّامِنُ: أنَّ أوَّلَ بُرُوجِ الفَلَكِ هو الحَمَلُ، لِأنَّهُ هو الَّذِي يَبْدَأُ مِن نُقْطَةِ الِاسْتِواءِ الشَّمالِيِّ، ثُمَّ إنَّ الحَمَلَ عَلى طَبِيعَةِ النّارِ، وأشْرَفُ أعْضاءِ الحَيَوانِ القَلْبُ والرُّوحُ، وهُما عَلى طَبِيعَةِ النّارِ، وأخَسُّ أعْضاءِ الحَيَوانِ هو العَظْمُ، وهو بارِدٌ يابِسٌ أرْضِيٌّ. التّاسِعُ: أنَّ الأجْسامَ الأرْضِيَّةَ كُلَّما كانَتْ أشَدَّ نُورانِيَّةً ومُشابَهَةً بِالنّارِ كانَتْ أشْرَفَ، وكُلَّما كانَتْ أكْثَرَ غُبْرَةً وكَثافَةً وكُدُورَةً ومُشابَهَةً بِالأرْضِ كانَتْ أخَسَّ، مِثالُهُ: الأجْسامُ الشَّبِيهَةُ بِالنّارِ الذَّهَبُ والياقُوتُ صفحة ٢٠٣ والأحْجارُ الصّافِيَةُ النُّورانِيَّةُ، ومِثالُهُ أيْضًا مِنَ الثِّيابِ الإبْرَيْسَمُ وما يُتَّخَذُ مِنهُ، وأمّا أنَّ كَلَّ ما كانَ أكْثَرَ أرْضِيَّةً وغُبْرَةً فَهو أخَسُّ، فالأمْرُ ظاهِرٌ. العاشِرُ: أنَّ القُوَّةَ الباصِرَةَ قُوَّةٌ في غايَةِ الشَّرَفِ والجَلالَةِ، ولا يَتِمُّ عَمَلُها إلّا بِالشُّعاعِ وهو جِسْمٌ شَبِيهٌ بِالنّارِ. الحادِيَ عَشَرَ: أنَّ أشْرَفَ أجْسامِ العالَمِ الجُسْمانِيِّ هو الشَّمْسُ، ولا شَكَّ أنَّهُ شَبِيهٌ بِالنّارِ في صُورَتِهِ وطَبِيعَتِهِ وأثَرِهِ. الثّانِيَ عَشَرَ: أنَّ النُّضْجَ والهَضْمَ والحَياةَ لا تَتِمُّ إلّا بِالحَرارَةِ، ولَوْلا قُوَّةُ الحَرارَةِ لَما تَمَّ المِزاجُ وتَوَلَّدَتِ المُرَكَّباتُ. الثّالِثَ عَشَرَ: أنَّ أقْوى العَناصِرِ الأرْبَعَةِ في قُوَّةِ الفِعْلِ هو النّارُ، وأكْمَلُها في قُوَّةِ الِانْفِعالِ هو الأرْضُ، والفِعْلُ أفْضَلُ مِنَ الِانْفِعالِ، فالنّارُ أفْضَلُ مِنَ الأرْضِ. أمّا القائِلُونَ بِتَفْضِيلِ الأرْضِ عَلى النّارِ فَذَكَرُوا أيْضًا وُجُوهًا: الأوَّلُ: أنَّ الأرْضَ أمِينٌ مُصْلِحٌ، فَإذا أوْدَعْتَها حَبَّةً رَدَّتْها إلَيْكَ شَجَرَةً مُثْمِرَةً، والنّارُ خائِنَةٌ تُفْسِدُ كُلَّ ما أسْلَمْتَهُ إلَيْها. الثّانِي: أنَّ الحِسَّ البَصَرِيَّ أثْنى عَلى النّارِ، فَلْيَسْتَمِعْ ما يَقُولُهُ الحِسُّ اللَّمْسِيُّ. الثّالِثُ: أنَّ الأرْضَ مُسْتَوْلِيَةٌ عَلى النّارِ، فَإنَّها تُطْفِئُ النّارَ، وأمّا النّارُ فَإنَّها لا تُؤَثِّرُ في الأرْضِ الخالِصَةِ. وأمّا المُقَدِّمَةُ الثّالِثَةُ: فَهي أنَّ مَن كانَ أصْلُهُ خَيْرًا مِن أصْلِهِ فَهو خَيْرٌ مِنهُ، فاعْلَمْ أنَّ هَذِهِ المُقَدِّمَةَ كاذِبَةٌ جِدًّا، وذَلِكَ لِأنَّ أصْلَ الرَّمادِ النّارُ، وأصْلَ البَساتِينِ النَّزِهَةِ والأشْجارِ المُثْمِرَةِ هو الطِّينُ، ومَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ أنَّ الأشْجارَ المُثْمِرَةَ خَيْرٌ مِنَ الرَّمادِ، وأيْضًا فَهَبْ أنَّ اعْتِبارَ هَذِهِ الجِهَةِ يُوجِبُ الفَضِيلَةَ، إلّا أنَّ هَذا يُمْكِنُ أنْ يَصِيرَ مُعارَضًا بِجِهَةٍ أُخْرى تُوجِبُ الرُّجْحانَ، مِثْلَ إنْسانٍ نَسِيبٍ عارٍ عَنْ كُلِّ الفَضائِلِ، فَإنَّ نَسَبَهُ يُوجِبُ رُجْحانَهُ، إلّا أنَّ الَّذِي لا يَكُونُ نَسِيبًا قَدْ يَكُونُ كَثِيرَ العِلْمِ والزُّهْدِ، فَيَكُونُ هو أفْضَلَ مِن ذَلِكَ النَّسِيبِ بِدَرَجاتٍ لا حَدَّ لَها، فالمُقَدِّمَةُ الكاذِبَةُ في القِياسِ الَّذِي ذَكَرَهُ إبْلِيسُ هو هَذِهِ المُقَدِّمَةُ، فَإنْ قالَ قائِلٌ: هَبْ أنَّ إبْلِيسَ أخْطَأ في هَذا القِياسِ، لَكِنْ كَيْفَ لَزِمَهُ الكُفْرُ مِن تِلْكَ المُخالَفَةِ ؟ وبَيانُ هَذا السُّؤالِ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: (اسْجُدُوا) أمْرٌ، والأمْرُ لا يَقْتَضِي الوُجُوبَ بَلِ النَّدْبَ، ومُخالَفَةُ النَّدْبِ لا تُوجِبُ العِصْيانَ فَضْلًا عَنِ الكُفْرِ، وأيْضًا فالَّذِينَ يَقُولُونَ: إنَّ الأمْرَ لِلْوُجُوبِ فَهم لا يُنْكِرُونَ كَوْنَهُ مُحْتَمِلًا لِلنَّدْبِ احْتِمالًا ظاهِرًا، ومَعَ قِيامِ هَذا الِاحْتِمالِ الظّاهِرِ كَيْفَ يَلْزَمُ العِصْيانُ فَضْلًا عَنِ الكُفْرِ. الثّانِي: هَبْ أنَّهُ لِلْوُجُوبِ، إلّا أنَّ إبْلِيسَ ما كانَ مِنَ المَلائِكَةِ، فَأمْرُ المَلائِكَةِ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ لا يَدْخُلُ فِيهِ إبْلِيسُ. الثّالِثُ: هَبْ أنَّهُ يَتَناوَلُهُ إلّا أنَّ تَخْصِيصَ العامِّ بِالقِياسِ جائِزٌ، فَخَصَّصَ نَفْسَهُ عَنْ عُمُومِ ذَلِكَ الأمْرِ بِالقِياسِ. الرّابِعُ: هَبْ أنَّهُ لَمْ يَسْجُدْ مَعَ عِلْمِهِ بِأنَّهُ كانَ مَأْمُورًا بِهِ إلّا أنَّ هَذا القَدْرَ يُوجِبُ العِصْيانَ ولا يُوجِبُ الكُفْرَ، فَكَيْفَ لَزِمَهُ الكُفْرُ، الجَوابُ: هَبْ أنَّ صِيغَةَ الأمْرِ لا تَدُلُّ عَلى الوُجُوبِ، ولَكِنْ يَجُوزُ أنْ يَنْضَمَّ إلَيْها مِنَ القَرائِنِ ما يَدُلُّ عَلى الوُجُوبِ، وهَهُنا حَصَلَتْ تِلْكَ القَرائِنُ، وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أأسْتَكْبَرْتَ أمْ كُنْتَ مِنَ العالِينَ﴾ فَلَمّا أتى إبْلِيسُ بِقِياسِهِ الفاسِدِ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ إنَّما ذَكَرَ ذَلِكَ القِياسَ لِيَتَوَسَّلَ بِهِ إلى القَدْحِ في أمْرِ اللَّهِ وتَكْلِيفِهِ، وذَلِكَ يُوجِبُ الكُفْرَ. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّ إبْلِيسَ لَمّا ذَكَرَ هَذا القِياسَ الفاسِدَ، قالَ تَعالى: ﴿فاخْرُجْ مِنها فَإنَّكَ رَجِيمٌ﴾ . واعْلَمْ أنَّهُ ثَبَتَ في أُصُولِ الفِقْهِ أنَّ ذِكْرَ الحُكْمِ عَقِيبَ الوَصْفِ المُناسِبِ يَدُلُّ عَلى كَوْنِ ذَلِكَ الحُكْمِ صفحة ٢٠٤ مُعَلَّلًا بِذَلِكَ الوَصْفِ، وهَهُنا الحُكْمُ بِكَوْنِهِ رَجِيمًا ورَدَ عَقِيبَ ما حُكِيَ عَنْهُ أنَّهُ خَصَّصَ النَّصَّ بِالقِياسِ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ تَخْصِيصَ النَّصِّ بِالقِياسِ يُوجِبُ هَذا الحُكْمَ، وقَوْلُهُ: (مِنها) أيْ: مِنَ الجَنَّةِ أوْ مِنَ السَّماواتِ، والرَّجِيمُ المَرْجُومُ، وفِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ مَجازٌ عَنِ الطَّرْدِ، لِأنَّ الظّاهِرَ أنَّ مَن طُرِدَ فَقَدْ يُرْمى بِالحِجارَةِ وهو الرَّجْمُ، فَلَمّا كانَ الرَّجْمُ مِن لَوازِمِ الطَّرْدِ جُعِلَ الرَّجْمُ كِنايَةً عَنِ الطَّرْدِ، فَإنْ قالُوا: الطَّرْدُ هو اللَّعْنُ فَلَوْ حَمَلْنا قَوْلَهُ: (رَجِيمٌ) عَلى الطَّرْدِ لَكانَ قَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿وإنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي﴾ تَكْرارًا، والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنّا نَحْمِلُ الرَّجْمَ عَلى الطَّرْدِ مِنَ الجَنَّةِ أوْ مِنَ السَّماواتِ، ونَحْمِلُ اللَّعْنَ عَلى الطَّرْدِ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ. والثّانِي: أنّا نَحْمِلُ الرَّجْمَ عَلى الطَّرْدِ، ونَحْمِلُ قَوْلَهُ: ﴿وإنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إلى يَوْمِ الدِّينِ﴾ عَلى أنَّ ذَلِكَ الطَّرْدَ يَمْتَدُّ إلى آخِرِ القِيامَةِ فَيَكُونُ هَذا فائِدَةً زائِدَةً، ولا يَكُونُ تَكْرِيرًا. والقَوْلُ الثّانِي: في تَفْسِيرِ الرَّجِيمِ أنْ نَحْمِلَهُ عَلى الحَقِيقَةِ، وهو كَوْنُ الشَّياطِينِ مَرْجُومِينَ بِالشُّهُبِ، واللَّهُ أعْلَمُ. فَإنْ قِيلَ: كَلِمَةُ ”إلى“ لِانْتِهاءِ الغايَةِ، فَقَوْلُهُ: ﴿إلى يَوْمِ الدِّينِ﴾ يَقْتَضِي انْقِطاعَ تِلْكَ اللَّعْنَةِ عِنْدَ مَجِيءِ يَوْمِ الدِّينِ، أجابَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ بِأنَّ اللَّعْنَةَ باقِيَةٌ عَلَيْهِ في الدُّنْيا، فَإذا جاءَ يَوْمُ القِيامَةِ جُعِلَ مَعَ اللَّعْنَةِ أنْواعٌ مِنَ العَذابِ تَصِيرُ اللَّعْنَةُ مَعَ حُضُورِها مَنسِيَّةً. واعْلَمْ أنَّ إبْلِيسَ لَمّا صارَ مَلْعُونًا قالَ: ﴿فَأنْظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ قِيلَ: إنَّما طَلَبَ الإنْظارَ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ، لِأجْلِ أنْ يَتَخَلَّصَ مِنَ المَوْتِ، لِأنَّهُ إذا نُظِرَ إلى يَوْمِ البَعْثِ لَمْ يَمُتْ قَبْلَ يَوْمِ البَعْثِ وعِنْدَ مَجِيءِ يَوْمِ البَعْثِ لا يَمُوتُ أيْضًا، فَحِينَئِذٍ يَتَخَلَّصُ مِنَ المَوْتِ، فَقالَ تَعالى: ﴿فَإنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ﴾ ﴿إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ﴾ ومَعْناهُ: إنَّكَ مِنَ المَنظَرِينَ إلى يَوْمٍ يَعْلَمُهُ اللَّهُ ولا يَعْلَمُهُ أحَدٌ سِواهُ، فَقالَ إبْلِيسُ: ﴿فَبِعِزَّتِكَ﴾ وهو قَسَمٌ بِعَزَّةِ اللَّهِ وسُلْطانِهِ ﴿لَأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ فَهَهُنا أضافَ الإغْواءَ إلى نَفْسِهِ، وهو عَلى مَذْهَبِ القَدَرِ، وقالَ مَرَّةً أُخْرى: ﴿رَبِّ بِما أغْوَيْتَنِي﴾ فَأضافَ الإغْواءَ إلى اللَّهِ عَلى ما هو مَذْهَبُ الجَبْرِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ مُتَحَيِّرٌ في هَذِهِ المَسْألَةِ. * * * وأمّا قَوْلُهُ: ﴿إلّا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ﴾ فَفِيهِ فَوائِدُ: الفائِدَةُ الأُولى: قِيلَ: غَرَضُ إبْلِيسَ مِن ذِكْرِهِ هَذا الِاسْتِثْناءَ أنْ لا يَقَعَ في كَلامِهِ الكَذِبُ، لِأنَّهُ لَوْ لَمْ يَذْكُرْ هَذا الِاسْتِثْناءَ، وادَّعى أنَّهُ يُغْوِي الكُلَّ، لَكانَ يَظْهَرُ كَذِبُهُ حِينَ يَعْجَزُ عَنْ إغْواءِ عِبادِ اللَّهِ الصّالِحِينَ، فَكَأنَّ إبْلِيسَ قالَ: إنَّما ذَكَرْتُ هَذا الِاسْتِثْناءَ لِئَلّا يَقَعَ الكَذِبُ في هَذا الكَلامِ، وعَنْ هَذا يُقالُ: إنَّ الكَذِبَ شَيْءٌ يَسْتَنْكِفُ مِنهُ إبْلِيسُ، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِالمُسْلِمِ الإقْدامُ عَلَيْهِ ؟ فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ الجَمْعُ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ ولا نَبِيٍّ إلّا إذا تَمَنّى ألْقى الشَّيْطانُ في أُمْنِيَّتِهِ﴾ [الحج: ٥٢] ؟ قُلْنا: إنَّ إبْلِيسَ لَمْ يَقُلْ: إنِّي لَمْ أقْصِدْ إغْواءَ عِبادِ اللَّهِ الصّالِحِينَ، بَلْ قالَ: لَأُغْوِيَنَّهم، وهو وإنْ كانَ يَقْصِدُ الإغْواءَ إلّا أنَّهُ لا يُغْوِيهِمْ. الفائِدَةُ الثّانِيَةُ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ إبْلِيسَ لا يُغْوِي عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ، وقالَ تَعالى في صِفَةِ يُوسُفَ: ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُخْلَصِينَ﴾ [يوسف: ٢٤] فَنَصِلُ مِن مَجْمُوعِ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ أنَّ إبْلِيسَ ما أغْوى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى كَذِبِ الحَشْوِيَّةِ فِيما يَنْسُبُونَ إلى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ القَبائِحِ. صفحة ٢٠٥ واعْلَمْ أنَّ إبْلِيسَ لَمّا ذَكَرَ هَذا الكَلامَ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فالحَقُّ والحَقَّ أقُولُ﴾ ﴿لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ ومِمَّنْ تَبِعَكَ مِنهم أجْمَعِينَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ ﴿فالحَقُّ﴾ بِالرَّفْعِ ﴿والحَقَّ﴾ بِالنَّصْبِ، والباقُونَ بِالنَّصْبِ فِيهِما. أمّا الرَّفْعُ فَتَقْدِيرُهُ: فالحَقُّ قَسَمِي، وأمّا النَّصْبُ فَعَلى القَسَمِ، أيْ: فَبِالحَقِّ، كَقَوْلِكَ: واللَّهِ لَأفْعَلَنَّ. وأمّا قَوْلُهُ: ﴿والحَقَّ أقُولُ﴾ انْتُصِبَ قَوْلُهُ: ”والحَقَّ“ بِقَوْلِهِ: ﴿أقُولُ﴾ . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿مِنكَ﴾ أيْ: مِن جِنْسِكَ، وهُمُ الشَّياطِينُ ﴿ومِمَّنْ تَبِعَكَ مِنهُمْ﴾ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ، فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ ﴿أجْمَعِينَ﴾ تَأْكِيدٌ لِماذا ؟ قُلْنا: يُحْتَمَلُ أنْ يُؤَكَّدَ بِهِ الضَّمِيرُ في ”مِنهم“، أوِ الكافُ في ”مِنكَ“ مَعَ ”مَن تَبِعَكَ“، ومَعْناهُ: لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ المَتْبُوعِينَ والتّابِعِينَ، لا أتْرُكُ مِنهم أحَدًا. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ في مَسْألَةِ أنَّ الكُلَّ بِقَضاءِ اللَّهِ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى قالَ في حَقِّ إبْلِيسَ: ﴿فاخْرُجْ مِنها فَإنَّكَ رَجِيمٌ﴾ ﴿وإنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إلى يَوْمِ الدِّينِ﴾ فَهَذا إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِأنَّهُ لا يُؤْمِنُ، فَلَوْ آمَنَ لانْقَلَبَ خَبَرُ اللَّهِ الصِّدْقُ كَذِبًا، وهو مُحالٌ، فَكانَ صُدُورُ الإيمانِ مِنهُ مُحالًا مَعَ أنَّهُ أمَرَ بِهِ. والثّانِي: أنَّهُ قالَ: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ فاللَّهُ تَعالى عَلِمَ مِنهُ أنَّهُ يُغْوِيهِمْ، وسَمِعَ مِنهُ هَذِهِ الدَّعْوى، وكانَ قادِرًا عَلى مَنعِهِ عَنْ ذَلِكَ، والقادِرُ عَلى المَنعِ إذا لَمْ يَمْنَعْ كانَ راضِيًا بِهِ، فَإنْ قالُوا: لَعَلَّ ذَلِكَ المَنعَ مُفْسِدٌ، قُلْنا: هَذا قَوْلٌ فاسِدٌ، لِأنَّ ذَلِكَ المَنعَ يُخَلِّصُ إبْلِيسَ عَنِ الإضْلالِ، ويُخَلِّصُ بَنِي آدَمَ عَنِ الضَّلالِ، وهَذا عَيْنُ المَصْلَحَةِ. الثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى أخْبَرَ أنَّهُ يَمْلَأُ جَهَنَّمَ مِنَ الكَفَرَةِ، فَلَوْ لَمْ يَكْفُرُوا لَزِمَ الكَذِبُ والجَهْلُ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى. الرّابِعُ: أنَّهُ لَوْ أرادَ أنْ لا يَكْفُرَ الكافِرُ لَوَجَبَ أنْ يُبْقِيَ الأنْبِياءَ والصّالِحِينَ، وأنْ يُمِيتَ إبْلِيسَ والشَّياطِينَ، وحَيْثُ قَلَبَ الأمْرَ عَلِمْنا أنَّهُ فاسِدٌ. الخامِسُ: أنَّ تَكْلِيفَ أُولَئِكَ الكُفّارِ بِالإيمانِ يَقْتَضِي تَكْلِيفَهم بِالإيمانِ بِهَذِهِ الآياتِ الَّتِي هي دالَّةٌ عَلى أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ ألْبَتَّةَ، وحِينَئِذٍ يَلْزَمُ أنْ يَصِيرُوا مُكَلَّفِينَ بِأنْ يُؤْمِنُوا بِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ ألْبَتَّةَ، وذَلِكَ تَكْلِيفٌ بِما لا يُطاقُ، واللَّهُ أعْلَمُ.

ص 38:85

المُقَدِّمَةُ الأُولى: أنَّ إبْلِيسَ مَخْلُوقٌ مِنَ النّارِ، يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى حِكايَةً عَنْهُ: ﴿خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والجانَّ خَلَقْناهُ مِن قَبْلُ مِن نارِ السَّمُومِ﴾ [الحجر: ٢٧] . المُقَدِّمَةُ الثّانِيَةُ: أنَّ النّارَ أفْضَلُ مِنَ الطِّينِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ الأجْرامَ الفَلَكِيَّةَ أشْرَفُ مِنَ الأجْرامِ العُنْصُرِيَّةِ، والنّارُ أقْرَبُ العَناصِرِ مِنَ الفَلَكِ، والأرْضُ أبْعَدُها عَنْهُ، فَوَجَبَ كَوْنُ النّارِ أفْضَلَ مِنَ الأرْضِ. الثّانِي: أنَّ النّارَ خَلِيفَةُ الشَّمْسِ والقَمَرِ في إضاءَةِ هَذا العالَمِ عِنْدَ غَيْبَتِهِما، والشَّمْسُ والقَمَرُ أشْرَفُ مِنَ الأرْضِ، فَخَلِيفَتُهُما في الإضاءَةِ أفْضَلُ مِنَ الأرْضِ. الثّالِثُ: أنَّ الكَيْفِيَّةَ الفاعِلَةَ الأصْلِيَّةَ، إمّا الحَرارَةُ أوِ البُرُودَةُ، والحَرارَةُ أفْضَلُ مِنَ البُرُودَةِ؛ لِأنَّ الحَرارَةَ تُناسِبُ الحَياةَ، والبُرُودَةُ تُناسِبُ المَوْتَ. الرّابِعُ: الأرْضُ كَثِيفَةٌ والنّارُ لَطِيفَةٌ، واللَّطافَةُ أشْرَفُ مِنَ الكَثافَةِ. الخامِسُ: النّارُ مُشْرِقَةٌ والأرْضُ مُظْلِمَةٌ، والنُّورُ خَيْرٌ مِنَ الظُّلْمَةِ. السّادِسُ: النّارُ خَفِيفَةٌ تُشْبِهُ الرُّوحَ، والأرْضُ ثَقِيلَةٌ تُشْبِهُ الجَسَدَ، والرُّوحُ أفْضَلُ مِنَ الجَسَدِ، فالنّارُ أفْضَلُ مِنَ الأرْضِ، ولِذَلِكَ فَإنَّ الأطِبّاءَ أطْبَقُوا عَلى أنَّ العُنْصُرَيْنِ الثَّقِيلَيْنِ أعْوَنُ عَلى تَرْكِيبِ الأجْسادِ، وأنَّ العُنْصُرَيْنِ الخَفِيفَيْنِ أعَوْنُ عَلى تَوَلُّدِ الأرْواحِ. السّابِعُ: النّارُ صاعِدَةٌ والأرْضُ هابِطَةٌ، والصّاعِدُ أفْضَلُ مِنَ الهابِطِ. الثّامِنُ: أنَّ أوَّلَ بُرُوجِ الفَلَكِ هو الحَمَلُ، لِأنَّهُ هو الَّذِي يَبْدَأُ مِن نُقْطَةِ الِاسْتِواءِ الشَّمالِيِّ، ثُمَّ إنَّ الحَمَلَ عَلى طَبِيعَةِ النّارِ، وأشْرَفُ أعْضاءِ الحَيَوانِ القَلْبُ والرُّوحُ، وهُما عَلى طَبِيعَةِ النّارِ، وأخَسُّ أعْضاءِ الحَيَوانِ هو العَظْمُ، وهو بارِدٌ يابِسٌ أرْضِيٌّ. التّاسِعُ: أنَّ الأجْسامَ الأرْضِيَّةَ كُلَّما كانَتْ أشَدَّ نُورانِيَّةً ومُشابَهَةً بِالنّارِ كانَتْ أشْرَفَ، وكُلَّما كانَتْ أكْثَرَ غُبْرَةً وكَثافَةً وكُدُورَةً ومُشابَهَةً بِالأرْضِ كانَتْ أخَسَّ، مِثالُهُ: الأجْسامُ الشَّبِيهَةُ بِالنّارِ الذَّهَبُ والياقُوتُ صفحة ٢٠٣ والأحْجارُ الصّافِيَةُ النُّورانِيَّةُ، ومِثالُهُ أيْضًا مِنَ الثِّيابِ الإبْرَيْسَمُ وما يُتَّخَذُ مِنهُ، وأمّا أنَّ كَلَّ ما كانَ أكْثَرَ أرْضِيَّةً وغُبْرَةً فَهو أخَسُّ، فالأمْرُ ظاهِرٌ. العاشِرُ: أنَّ القُوَّةَ الباصِرَةَ قُوَّةٌ في غايَةِ الشَّرَفِ والجَلالَةِ، ولا يَتِمُّ عَمَلُها إلّا بِالشُّعاعِ وهو جِسْمٌ شَبِيهٌ بِالنّارِ. الحادِيَ عَشَرَ: أنَّ أشْرَفَ أجْسامِ العالَمِ الجُسْمانِيِّ هو الشَّمْسُ، ولا شَكَّ أنَّهُ شَبِيهٌ بِالنّارِ في صُورَتِهِ وطَبِيعَتِهِ وأثَرِهِ. الثّانِيَ عَشَرَ: أنَّ النُّضْجَ والهَضْمَ والحَياةَ لا تَتِمُّ إلّا بِالحَرارَةِ، ولَوْلا قُوَّةُ الحَرارَةِ لَما تَمَّ المِزاجُ وتَوَلَّدَتِ المُرَكَّباتُ. الثّالِثَ عَشَرَ: أنَّ أقْوى العَناصِرِ الأرْبَعَةِ في قُوَّةِ الفِعْلِ هو النّارُ، وأكْمَلُها في قُوَّةِ الِانْفِعالِ هو الأرْضُ، والفِعْلُ أفْضَلُ مِنَ الِانْفِعالِ، فالنّارُ أفْضَلُ مِنَ الأرْضِ. أمّا القائِلُونَ بِتَفْضِيلِ الأرْضِ عَلى النّارِ فَذَكَرُوا أيْضًا وُجُوهًا: الأوَّلُ: أنَّ الأرْضَ أمِينٌ مُصْلِحٌ، فَإذا أوْدَعْتَها حَبَّةً رَدَّتْها إلَيْكَ شَجَرَةً مُثْمِرَةً، والنّارُ خائِنَةٌ تُفْسِدُ كُلَّ ما أسْلَمْتَهُ إلَيْها. الثّانِي: أنَّ الحِسَّ البَصَرِيَّ أثْنى عَلى النّارِ، فَلْيَسْتَمِعْ ما يَقُولُهُ الحِسُّ اللَّمْسِيُّ. الثّالِثُ: أنَّ الأرْضَ مُسْتَوْلِيَةٌ عَلى النّارِ، فَإنَّها تُطْفِئُ النّارَ، وأمّا النّارُ فَإنَّها لا تُؤَثِّرُ في الأرْضِ الخالِصَةِ. وأمّا المُقَدِّمَةُ الثّالِثَةُ: فَهي أنَّ مَن كانَ أصْلُهُ خَيْرًا مِن أصْلِهِ فَهو خَيْرٌ مِنهُ، فاعْلَمْ أنَّ هَذِهِ المُقَدِّمَةَ كاذِبَةٌ جِدًّا، وذَلِكَ لِأنَّ أصْلَ الرَّمادِ النّارُ، وأصْلَ البَساتِينِ النَّزِهَةِ والأشْجارِ المُثْمِرَةِ هو الطِّينُ، ومَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ أنَّ الأشْجارَ المُثْمِرَةَ خَيْرٌ مِنَ الرَّمادِ، وأيْضًا فَهَبْ أنَّ اعْتِبارَ هَذِهِ الجِهَةِ يُوجِبُ الفَضِيلَةَ، إلّا أنَّ هَذا يُمْكِنُ أنْ يَصِيرَ مُعارَضًا بِجِهَةٍ أُخْرى تُوجِبُ الرُّجْحانَ، مِثْلَ إنْسانٍ نَسِيبٍ عارٍ عَنْ كُلِّ الفَضائِلِ، فَإنَّ نَسَبَهُ يُوجِبُ رُجْحانَهُ، إلّا أنَّ الَّذِي لا يَكُونُ نَسِيبًا قَدْ يَكُونُ كَثِيرَ العِلْمِ والزُّهْدِ، فَيَكُونُ هو أفْضَلَ مِن ذَلِكَ النَّسِيبِ بِدَرَجاتٍ لا حَدَّ لَها، فالمُقَدِّمَةُ الكاذِبَةُ في القِياسِ الَّذِي ذَكَرَهُ إبْلِيسُ هو هَذِهِ المُقَدِّمَةُ، فَإنْ قالَ قائِلٌ: هَبْ أنَّ إبْلِيسَ أخْطَأ في هَذا القِياسِ، لَكِنْ كَيْفَ لَزِمَهُ الكُفْرُ مِن تِلْكَ المُخالَفَةِ ؟ وبَيانُ هَذا السُّؤالِ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: (اسْجُدُوا) أمْرٌ، والأمْرُ لا يَقْتَضِي الوُجُوبَ بَلِ النَّدْبَ، ومُخالَفَةُ النَّدْبِ لا تُوجِبُ العِصْيانَ فَضْلًا عَنِ الكُفْرِ، وأيْضًا فالَّذِينَ يَقُولُونَ: إنَّ الأمْرَ لِلْوُجُوبِ فَهم لا يُنْكِرُونَ كَوْنَهُ مُحْتَمِلًا لِلنَّدْبِ احْتِمالًا ظاهِرًا، ومَعَ قِيامِ هَذا الِاحْتِمالِ الظّاهِرِ كَيْفَ يَلْزَمُ العِصْيانُ فَضْلًا عَنِ الكُفْرِ. الثّانِي: هَبْ أنَّهُ لِلْوُجُوبِ، إلّا أنَّ إبْلِيسَ ما كانَ مِنَ المَلائِكَةِ، فَأمْرُ المَلائِكَةِ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ لا يَدْخُلُ فِيهِ إبْلِيسُ. الثّالِثُ: هَبْ أنَّهُ يَتَناوَلُهُ إلّا أنَّ تَخْصِيصَ العامِّ بِالقِياسِ جائِزٌ، فَخَصَّصَ نَفْسَهُ عَنْ عُمُومِ ذَلِكَ الأمْرِ بِالقِياسِ. الرّابِعُ: هَبْ أنَّهُ لَمْ يَسْجُدْ مَعَ عِلْمِهِ بِأنَّهُ كانَ مَأْمُورًا بِهِ إلّا أنَّ هَذا القَدْرَ يُوجِبُ العِصْيانَ ولا يُوجِبُ الكُفْرَ، فَكَيْفَ لَزِمَهُ الكُفْرُ، الجَوابُ: هَبْ أنَّ صِيغَةَ الأمْرِ لا تَدُلُّ عَلى الوُجُوبِ، ولَكِنْ يَجُوزُ أنْ يَنْضَمَّ إلَيْها مِنَ القَرائِنِ ما يَدُلُّ عَلى الوُجُوبِ، وهَهُنا حَصَلَتْ تِلْكَ القَرائِنُ، وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أأسْتَكْبَرْتَ أمْ كُنْتَ مِنَ العالِينَ﴾ فَلَمّا أتى إبْلِيسُ بِقِياسِهِ الفاسِدِ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ إنَّما ذَكَرَ ذَلِكَ القِياسَ لِيَتَوَسَّلَ بِهِ إلى القَدْحِ في أمْرِ اللَّهِ وتَكْلِيفِهِ، وذَلِكَ يُوجِبُ الكُفْرَ. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّ إبْلِيسَ لَمّا ذَكَرَ هَذا القِياسَ الفاسِدَ، قالَ تَعالى: ﴿فاخْرُجْ مِنها فَإنَّكَ رَجِيمٌ﴾ . واعْلَمْ أنَّهُ ثَبَتَ في أُصُولِ الفِقْهِ أنَّ ذِكْرَ الحُكْمِ عَقِيبَ الوَصْفِ المُناسِبِ يَدُلُّ عَلى كَوْنِ ذَلِكَ الحُكْمِ صفحة ٢٠٤ مُعَلَّلًا بِذَلِكَ الوَصْفِ، وهَهُنا الحُكْمُ بِكَوْنِهِ رَجِيمًا ورَدَ عَقِيبَ ما حُكِيَ عَنْهُ أنَّهُ خَصَّصَ النَّصَّ بِالقِياسِ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ تَخْصِيصَ النَّصِّ بِالقِياسِ يُوجِبُ هَذا الحُكْمَ، وقَوْلُهُ: (مِنها) أيْ: مِنَ الجَنَّةِ أوْ مِنَ السَّماواتِ، والرَّجِيمُ المَرْجُومُ، وفِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ مَجازٌ عَنِ الطَّرْدِ، لِأنَّ الظّاهِرَ أنَّ مَن طُرِدَ فَقَدْ يُرْمى بِالحِجارَةِ وهو الرَّجْمُ، فَلَمّا كانَ الرَّجْمُ مِن لَوازِمِ الطَّرْدِ جُعِلَ الرَّجْمُ كِنايَةً عَنِ الطَّرْدِ، فَإنْ قالُوا: الطَّرْدُ هو اللَّعْنُ فَلَوْ حَمَلْنا قَوْلَهُ: (رَجِيمٌ) عَلى الطَّرْدِ لَكانَ قَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿وإنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي﴾ تَكْرارًا، والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنّا نَحْمِلُ الرَّجْمَ عَلى الطَّرْدِ مِنَ الجَنَّةِ أوْ مِنَ السَّماواتِ، ونَحْمِلُ اللَّعْنَ عَلى الطَّرْدِ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ. والثّانِي: أنّا نَحْمِلُ الرَّجْمَ عَلى الطَّرْدِ، ونَحْمِلُ قَوْلَهُ: ﴿وإنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إلى يَوْمِ الدِّينِ﴾ عَلى أنَّ ذَلِكَ الطَّرْدَ يَمْتَدُّ إلى آخِرِ القِيامَةِ فَيَكُونُ هَذا فائِدَةً زائِدَةً، ولا يَكُونُ تَكْرِيرًا. والقَوْلُ الثّانِي: في تَفْسِيرِ الرَّجِيمِ أنْ نَحْمِلَهُ عَلى الحَقِيقَةِ، وهو كَوْنُ الشَّياطِينِ مَرْجُومِينَ بِالشُّهُبِ، واللَّهُ أعْلَمُ. فَإنْ قِيلَ: كَلِمَةُ ”إلى“ لِانْتِهاءِ الغايَةِ، فَقَوْلُهُ: ﴿إلى يَوْمِ الدِّينِ﴾ يَقْتَضِي انْقِطاعَ تِلْكَ اللَّعْنَةِ عِنْدَ مَجِيءِ يَوْمِ الدِّينِ، أجابَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ بِأنَّ اللَّعْنَةَ باقِيَةٌ عَلَيْهِ في الدُّنْيا، فَإذا جاءَ يَوْمُ القِيامَةِ جُعِلَ مَعَ اللَّعْنَةِ أنْواعٌ مِنَ العَذابِ تَصِيرُ اللَّعْنَةُ مَعَ حُضُورِها مَنسِيَّةً. واعْلَمْ أنَّ إبْلِيسَ لَمّا صارَ مَلْعُونًا قالَ: ﴿فَأنْظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ قِيلَ: إنَّما طَلَبَ الإنْظارَ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ، لِأجْلِ أنْ يَتَخَلَّصَ مِنَ المَوْتِ، لِأنَّهُ إذا نُظِرَ إلى يَوْمِ البَعْثِ لَمْ يَمُتْ قَبْلَ يَوْمِ البَعْثِ وعِنْدَ مَجِيءِ يَوْمِ البَعْثِ لا يَمُوتُ أيْضًا، فَحِينَئِذٍ يَتَخَلَّصُ مِنَ المَوْتِ، فَقالَ تَعالى: ﴿فَإنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ﴾ ﴿إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ﴾ ومَعْناهُ: إنَّكَ مِنَ المَنظَرِينَ إلى يَوْمٍ يَعْلَمُهُ اللَّهُ ولا يَعْلَمُهُ أحَدٌ سِواهُ، فَقالَ إبْلِيسُ: ﴿فَبِعِزَّتِكَ﴾ وهو قَسَمٌ بِعَزَّةِ اللَّهِ وسُلْطانِهِ ﴿لَأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ فَهَهُنا أضافَ الإغْواءَ إلى نَفْسِهِ، وهو عَلى مَذْهَبِ القَدَرِ، وقالَ مَرَّةً أُخْرى: ﴿رَبِّ بِما أغْوَيْتَنِي﴾ فَأضافَ الإغْواءَ إلى اللَّهِ عَلى ما هو مَذْهَبُ الجَبْرِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ مُتَحَيِّرٌ في هَذِهِ المَسْألَةِ. * * * وأمّا قَوْلُهُ: ﴿إلّا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ﴾ فَفِيهِ فَوائِدُ: الفائِدَةُ الأُولى: قِيلَ: غَرَضُ إبْلِيسَ مِن ذِكْرِهِ هَذا الِاسْتِثْناءَ أنْ لا يَقَعَ في كَلامِهِ الكَذِبُ، لِأنَّهُ لَوْ لَمْ يَذْكُرْ هَذا الِاسْتِثْناءَ، وادَّعى أنَّهُ يُغْوِي الكُلَّ، لَكانَ يَظْهَرُ كَذِبُهُ حِينَ يَعْجَزُ عَنْ إغْواءِ عِبادِ اللَّهِ الصّالِحِينَ، فَكَأنَّ إبْلِيسَ قالَ: إنَّما ذَكَرْتُ هَذا الِاسْتِثْناءَ لِئَلّا يَقَعَ الكَذِبُ في هَذا الكَلامِ، وعَنْ هَذا يُقالُ: إنَّ الكَذِبَ شَيْءٌ يَسْتَنْكِفُ مِنهُ إبْلِيسُ، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِالمُسْلِمِ الإقْدامُ عَلَيْهِ ؟ فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ الجَمْعُ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ ولا نَبِيٍّ إلّا إذا تَمَنّى ألْقى الشَّيْطانُ في أُمْنِيَّتِهِ﴾ [الحج: ٥٢] ؟ قُلْنا: إنَّ إبْلِيسَ لَمْ يَقُلْ: إنِّي لَمْ أقْصِدْ إغْواءَ عِبادِ اللَّهِ الصّالِحِينَ، بَلْ قالَ: لَأُغْوِيَنَّهم، وهو وإنْ كانَ يَقْصِدُ الإغْواءَ إلّا أنَّهُ لا يُغْوِيهِمْ. الفائِدَةُ الثّانِيَةُ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ إبْلِيسَ لا يُغْوِي عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ، وقالَ تَعالى في صِفَةِ يُوسُفَ: ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُخْلَصِينَ﴾ [يوسف: ٢٤] فَنَصِلُ مِن مَجْمُوعِ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ أنَّ إبْلِيسَ ما أغْوى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى كَذِبِ الحَشْوِيَّةِ فِيما يَنْسُبُونَ إلى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ القَبائِحِ. صفحة ٢٠٥ واعْلَمْ أنَّ إبْلِيسَ لَمّا ذَكَرَ هَذا الكَلامَ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فالحَقُّ والحَقَّ أقُولُ﴾ ﴿لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ ومِمَّنْ تَبِعَكَ مِنهم أجْمَعِينَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ ﴿فالحَقُّ﴾ بِالرَّفْعِ ﴿والحَقَّ﴾ بِالنَّصْبِ، والباقُونَ بِالنَّصْبِ فِيهِما. أمّا الرَّفْعُ فَتَقْدِيرُهُ: فالحَقُّ قَسَمِي، وأمّا النَّصْبُ فَعَلى القَسَمِ، أيْ: فَبِالحَقِّ، كَقَوْلِكَ: واللَّهِ لَأفْعَلَنَّ. وأمّا قَوْلُهُ: ﴿والحَقَّ أقُولُ﴾ انْتُصِبَ قَوْلُهُ: ”والحَقَّ“ بِقَوْلِهِ: ﴿أقُولُ﴾ . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿مِنكَ﴾ أيْ: مِن جِنْسِكَ، وهُمُ الشَّياطِينُ ﴿ومِمَّنْ تَبِعَكَ مِنهُمْ﴾ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ، فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ ﴿أجْمَعِينَ﴾ تَأْكِيدٌ لِماذا ؟ قُلْنا: يُحْتَمَلُ أنْ يُؤَكَّدَ بِهِ الضَّمِيرُ في ”مِنهم“، أوِ الكافُ في ”مِنكَ“ مَعَ ”مَن تَبِعَكَ“، ومَعْناهُ: لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ المَتْبُوعِينَ والتّابِعِينَ، لا أتْرُكُ مِنهم أحَدًا. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ في مَسْألَةِ أنَّ الكُلَّ بِقَضاءِ اللَّهِ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى قالَ في حَقِّ إبْلِيسَ: ﴿فاخْرُجْ مِنها فَإنَّكَ رَجِيمٌ﴾ ﴿وإنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إلى يَوْمِ الدِّينِ﴾ فَهَذا إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِأنَّهُ لا يُؤْمِنُ، فَلَوْ آمَنَ لانْقَلَبَ خَبَرُ اللَّهِ الصِّدْقُ كَذِبًا، وهو مُحالٌ، فَكانَ صُدُورُ الإيمانِ مِنهُ مُحالًا مَعَ أنَّهُ أمَرَ بِهِ. والثّانِي: أنَّهُ قالَ: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ فاللَّهُ تَعالى عَلِمَ مِنهُ أنَّهُ يُغْوِيهِمْ، وسَمِعَ مِنهُ هَذِهِ الدَّعْوى، وكانَ قادِرًا عَلى مَنعِهِ عَنْ ذَلِكَ، والقادِرُ عَلى المَنعِ إذا لَمْ يَمْنَعْ كانَ راضِيًا بِهِ، فَإنْ قالُوا: لَعَلَّ ذَلِكَ المَنعَ مُفْسِدٌ، قُلْنا: هَذا قَوْلٌ فاسِدٌ، لِأنَّ ذَلِكَ المَنعَ يُخَلِّصُ إبْلِيسَ عَنِ الإضْلالِ، ويُخَلِّصُ بَنِي آدَمَ عَنِ الضَّلالِ، وهَذا عَيْنُ المَصْلَحَةِ. الثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى أخْبَرَ أنَّهُ يَمْلَأُ جَهَنَّمَ مِنَ الكَفَرَةِ، فَلَوْ لَمْ يَكْفُرُوا لَزِمَ الكَذِبُ والجَهْلُ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى. الرّابِعُ: أنَّهُ لَوْ أرادَ أنْ لا يَكْفُرَ الكافِرُ لَوَجَبَ أنْ يُبْقِيَ الأنْبِياءَ والصّالِحِينَ، وأنْ يُمِيتَ إبْلِيسَ والشَّياطِينَ، وحَيْثُ قَلَبَ الأمْرَ عَلِمْنا أنَّهُ فاسِدٌ. الخامِسُ: أنَّ تَكْلِيفَ أُولَئِكَ الكُفّارِ بِالإيمانِ يَقْتَضِي تَكْلِيفَهم بِالإيمانِ بِهَذِهِ الآياتِ الَّتِي هي دالَّةٌ عَلى أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ ألْبَتَّةَ، وحِينَئِذٍ يَلْزَمُ أنْ يَصِيرُوا مُكَلَّفِينَ بِأنْ يُؤْمِنُوا بِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ ألْبَتَّةَ، وذَلِكَ تَكْلِيفٌ بِما لا يُطاقُ، واللَّهُ أعْلَمُ.

ص 38:86

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ ما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ وما أنا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ﴾ ﴿إنْ هو إلّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ ﴿ولَتَعْلَمُنَّ نَبَأهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى خَتَمَ هَذِهِ السُّورَةَ بِهَذِهِ الخاتِمَةِ الشَّرِيفَةِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ طُرُقًا كَثِيرَةً دالَّةً عَلى وُجُوبِ الِاحْتِياطِ في طَلَبِ الدِّينِ، ثُمَّ قالَ عِنْدَ الخَتْمِ: هَذا الَّذِي أدْعُو النّاسَ إلَيْهِ، يَجِبُ أنْ يُنْظَرَ في حالِ الدّاعِي، وفي حالِ الدَّعْوَةِ لِيَظْهَرَ أنَّهُ حَقٌّ أوْ باطِلٌ. أمّا الدّاعِي وهو أنا، فَأنا لا أسْألُكم عَلى هَذِهِ الدَّعْوَةِ أجْرًا ومالًا، ومِنَ الظّاهِرِ أنَّ الكَذّابَ لا يَنْقَطِعُ طَمَعُهُ عَنْ طَلَبِ المالِ ألْبَتَّةَ، وكانَ مِنَ الظّاهِرِ أنَّهُ ﷺ كانَ بَعِيدًا عَنِ الدُّنْيا عَدِيمَ الرَّغْبَةِ فِيها، وأمّا كَيْفِيَّةُ الدَّعْوَةِ، فَقالَ: وما أنا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ، والمُفَسِّرُونَ ذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا، والَّذِي يَغْلِبُ عَلى الظَّنِّ أنَّ المُرادَ أنَّ هَذا الَّذِي أدْعُوكم إلَيْهِ دِينٌ لَيْسَ يَحْتاجُ في مَعْرِفَةِ صِحَّتِهِ إلى التَّكَلُّفاتِ صفحة ٢٠٦ الكَثِيرَةِ، بَلْ هو دِينٌ يَشْهَدُ صَرِيحُ العَقْلِ بِصِحَّتِهِ، فَإنِّي أدْعُوكم إلى الإقْرارِ بِوُجُودِ اللَّهِ أوَّلًا، ثُمَّ أدْعُوكم ثانِيًا إلى تَنْزِيهِهِ وتَقْدِيسِهِ عَنْ كُلِّ ما لا يَلِيقُ بِهِ، يُقَوِّي ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] وأمْثالُهُ، ثُمَّ أدْعُوكم ثالِثًا إلى الإقْرارِ بِكَوْنِهِ مَوْصُوفًا بِكَمالِ العِلْمِ والقُدْرَةِ والحِكْمَةِ والرَّحْمَةِ، ثُمَّ أدْعُوكم رابِعًا إلى الإقْرارِ بِكَوْنِهِ مُنَزَّهًا عَنِ الشُّرَكاءِ والأضْدادِ، ثُمَّ أدْعُوكم خامِسًا إلى الِامْتِناعِ عَنْ عِبادَةِ هَذِهِ الأوْثانِ الَّتِي هي جَماداتٌ خَسِيسَةٌ ولا مَنفَعَةَ في عِبادَتِها ولا مَضَرَّةَ في الإعْراضِ عَنْها، ثُمَّ أدْعُوكم سادِسًا إلى تَعْظِيمِ الأرْواحِ الطّاهِرَةِ المُقَدَّسَةِ، وهُمُ المَلائِكَةُ والأنْبِياءُ. ثُمَّ أدْعُوكم سابِعًا إلى الإقْرارِ بِالبَعْثِ والقِيامَةِ: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أساءُوا بِما عَمِلُوا ويَجْزِيَ الَّذِينَ أحْسَنُوا بِالحُسْنى﴾ [النجم: ٣١] ثُمَّ أدْعُوكم ثامِنًا إلى الإعْراضِ عَنِ الدُّنْيا والإقْبالِ عَلى الآخِرَةِ، فَهَذِهِ الأُصُولُ الثَّمانِيَةُ هي الأُصُولُ القَوِيَّةُ المُعْتَبَرَةُ في دِينِ اللَّهِ تَعالى ودِينِ مُحَمَّدٍ ﷺ وبِداءَةِ العُقُولِ، وأوائِلُ الأفْكارِ شاهِدَةٌ بِصِحَّةِ هَذِهِ الأُصُولِ الثَّمانِيَةِ، فَثَبَتَ أنِّي لَسْتُ مِنَ المُتَكَلِّفِينَ في الشَّرِيعَةِ الَّتِي أدْعُو الخَلْقَ إلَيْها، بَلْ كُلُّ عَقْلٍ سَلِيمٍ وطَبْعٍ مُسْتَقِيمٍ فَإنَّهُ يَشْهَدُ بِصِحَّتِها وجَلالَتِها وبُعْدِها عَنِ الباطِلِ والفَسادِ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنْ هو إلّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ ولَمّا بَيَّنَ هَذِهِ المُقَدِّماتِ قالَ: ﴿ولَتَعْلَمُنَّ نَبَأهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ والمَعْنى: أنَّكم إنْ أصْرَرْتُمْ عَلى الجَهْلِ والتَّقْلِيدِ وأبَيْتُمْ قَبُولَ هَذِهِ البَياناتِ الَّتِي ذَكَرْناها، فَسَتَعْلَمُونَ بَعْدَ حِينٍ أنَّكم كُنْتُمْ مُصِيبِينَ في هَذا الإعْراضِ أوْ مُخْطِئِينَ، وذِكْرُ مِثْلِ هَذِهِ الكَلِمَةِ بَعْدَ تِلْكَ البَياناتِ المُتَقَدِّمَةِ مِمّا لا مَزِيدَ عَلَيْهِ في التَّخْوِيفِ والتَّرْهِيبِ، واللَّهُ أعْلَمُ. قالَ المُصَنِّفُ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ: تَمَّ تَفْسِيرُ هَذِهِ السُّورَةِ يَوْمَ الخَمِيسِ في آخِرِ الثُّلاثاءِ، الثّانِي مِن شَهْرِ ذِي القِعْدَةِ، سَنَةَ ثَلاثٍ وسِتِّمِائَةٍ، والحَمْدُ لِلَّهِ عَلى نَعْمائِهِ، والصَّلاةُ عَلى المُطَهَّرِينَ مِن عِبادِهِ في أرْضِهِ وسَمائِهِ، والمَدْحُ والثَّناءُ كَما يَلِيقُ بِصِفاتِهِ وأسْمائِهِ، والتَّعْظِيمُ التّامُّ لِأنْبِيائِهِ وأوْلِيائِهِ، وسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا إلى يَوْمِ الدِّينِ.

ص 38:87

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ ما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ وما أنا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ﴾ ﴿إنْ هو إلّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ ﴿ولَتَعْلَمُنَّ نَبَأهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى خَتَمَ هَذِهِ السُّورَةَ بِهَذِهِ الخاتِمَةِ الشَّرِيفَةِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ طُرُقًا كَثِيرَةً دالَّةً عَلى وُجُوبِ الِاحْتِياطِ في طَلَبِ الدِّينِ، ثُمَّ قالَ عِنْدَ الخَتْمِ: هَذا الَّذِي أدْعُو النّاسَ إلَيْهِ، يَجِبُ أنْ يُنْظَرَ في حالِ الدّاعِي، وفي حالِ الدَّعْوَةِ لِيَظْهَرَ أنَّهُ حَقٌّ أوْ باطِلٌ. أمّا الدّاعِي وهو أنا، فَأنا لا أسْألُكم عَلى هَذِهِ الدَّعْوَةِ أجْرًا ومالًا، ومِنَ الظّاهِرِ أنَّ الكَذّابَ لا يَنْقَطِعُ طَمَعُهُ عَنْ طَلَبِ المالِ ألْبَتَّةَ، وكانَ مِنَ الظّاهِرِ أنَّهُ ﷺ كانَ بَعِيدًا عَنِ الدُّنْيا عَدِيمَ الرَّغْبَةِ فِيها، وأمّا كَيْفِيَّةُ الدَّعْوَةِ، فَقالَ: وما أنا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ، والمُفَسِّرُونَ ذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا، والَّذِي يَغْلِبُ عَلى الظَّنِّ أنَّ المُرادَ أنَّ هَذا الَّذِي أدْعُوكم إلَيْهِ دِينٌ لَيْسَ يَحْتاجُ في مَعْرِفَةِ صِحَّتِهِ إلى التَّكَلُّفاتِ صفحة ٢٠٦ الكَثِيرَةِ، بَلْ هو دِينٌ يَشْهَدُ صَرِيحُ العَقْلِ بِصِحَّتِهِ، فَإنِّي أدْعُوكم إلى الإقْرارِ بِوُجُودِ اللَّهِ أوَّلًا، ثُمَّ أدْعُوكم ثانِيًا إلى تَنْزِيهِهِ وتَقْدِيسِهِ عَنْ كُلِّ ما لا يَلِيقُ بِهِ، يُقَوِّي ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] وأمْثالُهُ، ثُمَّ أدْعُوكم ثالِثًا إلى الإقْرارِ بِكَوْنِهِ مَوْصُوفًا بِكَمالِ العِلْمِ والقُدْرَةِ والحِكْمَةِ والرَّحْمَةِ، ثُمَّ أدْعُوكم رابِعًا إلى الإقْرارِ بِكَوْنِهِ مُنَزَّهًا عَنِ الشُّرَكاءِ والأضْدادِ، ثُمَّ أدْعُوكم خامِسًا إلى الِامْتِناعِ عَنْ عِبادَةِ هَذِهِ الأوْثانِ الَّتِي هي جَماداتٌ خَسِيسَةٌ ولا مَنفَعَةَ في عِبادَتِها ولا مَضَرَّةَ في الإعْراضِ عَنْها، ثُمَّ أدْعُوكم سادِسًا إلى تَعْظِيمِ الأرْواحِ الطّاهِرَةِ المُقَدَّسَةِ، وهُمُ المَلائِكَةُ والأنْبِياءُ. ثُمَّ أدْعُوكم سابِعًا إلى الإقْرارِ بِالبَعْثِ والقِيامَةِ: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أساءُوا بِما عَمِلُوا ويَجْزِيَ الَّذِينَ أحْسَنُوا بِالحُسْنى﴾ [النجم: ٣١] ثُمَّ أدْعُوكم ثامِنًا إلى الإعْراضِ عَنِ الدُّنْيا والإقْبالِ عَلى الآخِرَةِ، فَهَذِهِ الأُصُولُ الثَّمانِيَةُ هي الأُصُولُ القَوِيَّةُ المُعْتَبَرَةُ في دِينِ اللَّهِ تَعالى ودِينِ مُحَمَّدٍ ﷺ وبِداءَةِ العُقُولِ، وأوائِلُ الأفْكارِ شاهِدَةٌ بِصِحَّةِ هَذِهِ الأُصُولِ الثَّمانِيَةِ، فَثَبَتَ أنِّي لَسْتُ مِنَ المُتَكَلِّفِينَ في الشَّرِيعَةِ الَّتِي أدْعُو الخَلْقَ إلَيْها، بَلْ كُلُّ عَقْلٍ سَلِيمٍ وطَبْعٍ مُسْتَقِيمٍ فَإنَّهُ يَشْهَدُ بِصِحَّتِها وجَلالَتِها وبُعْدِها عَنِ الباطِلِ والفَسادِ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنْ هو إلّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ ولَمّا بَيَّنَ هَذِهِ المُقَدِّماتِ قالَ: ﴿ولَتَعْلَمُنَّ نَبَأهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ والمَعْنى: أنَّكم إنْ أصْرَرْتُمْ عَلى الجَهْلِ والتَّقْلِيدِ وأبَيْتُمْ قَبُولَ هَذِهِ البَياناتِ الَّتِي ذَكَرْناها، فَسَتَعْلَمُونَ بَعْدَ حِينٍ أنَّكم كُنْتُمْ مُصِيبِينَ في هَذا الإعْراضِ أوْ مُخْطِئِينَ، وذِكْرُ مِثْلِ هَذِهِ الكَلِمَةِ بَعْدَ تِلْكَ البَياناتِ المُتَقَدِّمَةِ مِمّا لا مَزِيدَ عَلَيْهِ في التَّخْوِيفِ والتَّرْهِيبِ، واللَّهُ أعْلَمُ. قالَ المُصَنِّفُ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ: تَمَّ تَفْسِيرُ هَذِهِ السُّورَةِ يَوْمَ الخَمِيسِ في آخِرِ الثُّلاثاءِ، الثّانِي مِن شَهْرِ ذِي القِعْدَةِ، سَنَةَ ثَلاثٍ وسِتِّمِائَةٍ، والحَمْدُ لِلَّهِ عَلى نَعْمائِهِ، والصَّلاةُ عَلى المُطَهَّرِينَ مِن عِبادِهِ في أرْضِهِ وسَمائِهِ، والمَدْحُ والثَّناءُ كَما يَلِيقُ بِصِفاتِهِ وأسْمائِهِ، والتَّعْظِيمُ التّامُّ لِأنْبِيائِهِ وأوْلِيائِهِ، وسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا إلى يَوْمِ الدِّينِ.

ص 38:88

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ ما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ وما أنا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ﴾ ﴿إنْ هو إلّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ ﴿ولَتَعْلَمُنَّ نَبَأهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى خَتَمَ هَذِهِ السُّورَةَ بِهَذِهِ الخاتِمَةِ الشَّرِيفَةِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ طُرُقًا كَثِيرَةً دالَّةً عَلى وُجُوبِ الِاحْتِياطِ في طَلَبِ الدِّينِ، ثُمَّ قالَ عِنْدَ الخَتْمِ: هَذا الَّذِي أدْعُو النّاسَ إلَيْهِ، يَجِبُ أنْ يُنْظَرَ في حالِ الدّاعِي، وفي حالِ الدَّعْوَةِ لِيَظْهَرَ أنَّهُ حَقٌّ أوْ باطِلٌ. أمّا الدّاعِي وهو أنا، فَأنا لا أسْألُكم عَلى هَذِهِ الدَّعْوَةِ أجْرًا ومالًا، ومِنَ الظّاهِرِ أنَّ الكَذّابَ لا يَنْقَطِعُ طَمَعُهُ عَنْ طَلَبِ المالِ ألْبَتَّةَ، وكانَ مِنَ الظّاهِرِ أنَّهُ ﷺ كانَ بَعِيدًا عَنِ الدُّنْيا عَدِيمَ الرَّغْبَةِ فِيها، وأمّا كَيْفِيَّةُ الدَّعْوَةِ، فَقالَ: وما أنا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ، والمُفَسِّرُونَ ذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا، والَّذِي يَغْلِبُ عَلى الظَّنِّ أنَّ المُرادَ أنَّ هَذا الَّذِي أدْعُوكم إلَيْهِ دِينٌ لَيْسَ يَحْتاجُ في مَعْرِفَةِ صِحَّتِهِ إلى التَّكَلُّفاتِ صفحة ٢٠٦ الكَثِيرَةِ، بَلْ هو دِينٌ يَشْهَدُ صَرِيحُ العَقْلِ بِصِحَّتِهِ، فَإنِّي أدْعُوكم إلى الإقْرارِ بِوُجُودِ اللَّهِ أوَّلًا، ثُمَّ أدْعُوكم ثانِيًا إلى تَنْزِيهِهِ وتَقْدِيسِهِ عَنْ كُلِّ ما لا يَلِيقُ بِهِ، يُقَوِّي ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] وأمْثالُهُ، ثُمَّ أدْعُوكم ثالِثًا إلى الإقْرارِ بِكَوْنِهِ مَوْصُوفًا بِكَمالِ العِلْمِ والقُدْرَةِ والحِكْمَةِ والرَّحْمَةِ، ثُمَّ أدْعُوكم رابِعًا إلى الإقْرارِ بِكَوْنِهِ مُنَزَّهًا عَنِ الشُّرَكاءِ والأضْدادِ، ثُمَّ أدْعُوكم خامِسًا إلى الِامْتِناعِ عَنْ عِبادَةِ هَذِهِ الأوْثانِ الَّتِي هي جَماداتٌ خَسِيسَةٌ ولا مَنفَعَةَ في عِبادَتِها ولا مَضَرَّةَ في الإعْراضِ عَنْها، ثُمَّ أدْعُوكم سادِسًا إلى تَعْظِيمِ الأرْواحِ الطّاهِرَةِ المُقَدَّسَةِ، وهُمُ المَلائِكَةُ والأنْبِياءُ. ثُمَّ أدْعُوكم سابِعًا إلى الإقْرارِ بِالبَعْثِ والقِيامَةِ: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أساءُوا بِما عَمِلُوا ويَجْزِيَ الَّذِينَ أحْسَنُوا بِالحُسْنى﴾ [النجم: ٣١] ثُمَّ أدْعُوكم ثامِنًا إلى الإعْراضِ عَنِ الدُّنْيا والإقْبالِ عَلى الآخِرَةِ، فَهَذِهِ الأُصُولُ الثَّمانِيَةُ هي الأُصُولُ القَوِيَّةُ المُعْتَبَرَةُ في دِينِ اللَّهِ تَعالى ودِينِ مُحَمَّدٍ ﷺ وبِداءَةِ العُقُولِ، وأوائِلُ الأفْكارِ شاهِدَةٌ بِصِحَّةِ هَذِهِ الأُصُولِ الثَّمانِيَةِ، فَثَبَتَ أنِّي لَسْتُ مِنَ المُتَكَلِّفِينَ في الشَّرِيعَةِ الَّتِي أدْعُو الخَلْقَ إلَيْها، بَلْ كُلُّ عَقْلٍ سَلِيمٍ وطَبْعٍ مُسْتَقِيمٍ فَإنَّهُ يَشْهَدُ بِصِحَّتِها وجَلالَتِها وبُعْدِها عَنِ الباطِلِ والفَسادِ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنْ هو إلّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ ولَمّا بَيَّنَ هَذِهِ المُقَدِّماتِ قالَ: ﴿ولَتَعْلَمُنَّ نَبَأهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ والمَعْنى: أنَّكم إنْ أصْرَرْتُمْ عَلى الجَهْلِ والتَّقْلِيدِ وأبَيْتُمْ قَبُولَ هَذِهِ البَياناتِ الَّتِي ذَكَرْناها، فَسَتَعْلَمُونَ بَعْدَ حِينٍ أنَّكم كُنْتُمْ مُصِيبِينَ في هَذا الإعْراضِ أوْ مُخْطِئِينَ، وذِكْرُ مِثْلِ هَذِهِ الكَلِمَةِ بَعْدَ تِلْكَ البَياناتِ المُتَقَدِّمَةِ مِمّا لا مَزِيدَ عَلَيْهِ في التَّخْوِيفِ والتَّرْهِيبِ، واللَّهُ أعْلَمُ. قالَ المُصَنِّفُ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ: تَمَّ تَفْسِيرُ هَذِهِ السُّورَةِ يَوْمَ الخَمِيسِ في آخِرِ الثُّلاثاءِ، الثّانِي مِن شَهْرِ ذِي القِعْدَةِ، سَنَةَ ثَلاثٍ وسِتِّمِائَةٍ، والحَمْدُ لِلَّهِ عَلى نَعْمائِهِ، والصَّلاةُ عَلى المُطَهَّرِينَ مِن عِبادِهِ في أرْضِهِ وسَمائِهِ، والمَدْحُ والثَّناءُ كَما يَلِيقُ بِصِفاتِهِ وأسْمائِهِ، والتَّعْظِيمُ التّامُّ لِأنْبِيائِهِ وأوْلِيائِهِ، وسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا إلى يَوْمِ الدِّينِ.

الزمر 39:1

صفحة ٢٠٧ سُورَةُ الزُّمَرِ سَبْعُونَ وخَمْسُ آياتٍ، مَكِّيَّةٌ ﷽ ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ ﴿إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ فاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ ﴿ألا لِلَّهِ الدِّينُ الخالِصُ والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ ما نَعْبُدُهم إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى إنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهم في ما هم فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن هو كاذِبٌ كَفّارٌ﴾ ﴿لَوْ أرادَ اللَّهُ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا لاصْطَفى مِمّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ سُبْحانَهُ هو اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾ ﷽ ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ ﴿إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ فاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ ﴿ألا لِلَّهِ الدِّينُ الخالِصُ والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ ما نَعْبُدُهم إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى إنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهم في ما هم فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن هو كاذِبٌ كَفّارٌ﴾ ﴿لَوْ أرادَ اللَّهُ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا لاصْطَفى مِمّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ سُبْحانَهُ هو اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾ اعْلَمْ أنَّ في الآيَةِ مَسائِلَ: المَسْألَةُ الأُولى: ذَكَرَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ في رَفْعِ ”تَنْزِيلُ“ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿تَنْزِيلُ﴾ مُبْتَدَأً، وقَوْلُهُ: ﴿مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ خَبَرٌ. والثّانِي: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: هَذا تَنْزِيلُ الكِتابِ، فَيُضْمَرُ المُبْتَدَأُ كَقَوْلِهِ: ﴿سُورَةٌ أنْزَلْناها﴾ [النور: ١] أيْ: هَذِهِ سُورَةٌ، قالَ بَعْضُهم بِالوَجْهِ الأوَّلِ لِوُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ الإضْمارَ خِلافُ الأصْلِ، فَلا يُصارُ إلَيْهِ إلّا لِضَرُورَةٍ، ولا ضَرُورَةَ هَهُنا. الثّانِي: أنّا إذا قُلْنا: ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ﴾ جُمْلَةٌ تامَّةٌ مِنَ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ أفادَ فائِدَةً شَرِيفَةً، وهي أنَّ تَنْزِيلَ الكِتابِ يَكُونُ مِنَ اللَّهِ، لا مِن غَيْرِهِ، وهَذا صفحة ٢٠٨ الحَصْرُ مَعْنًى مُعْتَبَرٌ، أمّا إذا أضْمَرْنا المُبْتَدَأ لَمْ تَحْصُلْ هَذِهِ الفائِدَةُ. الثّالِثُ: أنّا إذا أضْمَرْنا المُبْتَدَأ صارَ التَّقْدِيرُ: هَذا تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ، وحِينَئِذٍ يَلْزَمُنا مَجازٌ آخَرُ، لِأنَّ هَذا إشارَةٌ إلى السُّورَةِ، والسُّورَةُ لَيْسَتْ نَفْسَ التَّنْزِيلِ، بَلِ السُّورَةُ مُنَزَّلَةٌ، فَحِينَئِذٍ يُحْتاجُ إلى أنْ نَقُولَ: المُرادُ مِنَ المَصْدَرِ المَفْعُولُ، وهو مُجازٌ تَحَمَّلْناهُ لا لِضَرُورَةٍ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: القائِلُونَ بِخَلْقِ القُرْآنِ احْتَجُّوا بِأنْ قالُوا: إنَّهُ تَعالى وصَفَ القُرْآنَ بِكَوْنِهِ تَنْزِيلًا ومُنَزَّلًا، وهَذا الوَصْفُ لا يَلِيقُ إلّا بِالمُحْدَثِ المَخْلُوقِ. والجَوابُ: أنّا نَحْمِلُ هَذِهِ اللَّفْظَةَ عَلى الصِّيَغِ والحُرُوفِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الآياتُ الكَثِيرَةُ تَدُلُّ عَلى وصْفِ القُرْآنِ بِكَوْنِهِ تَنْزِيلًا، وآياتٌ أُخَرُ تَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ مُنَزَّلًا. أمّا الأوَّلُ: فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٢]، وقالَ: ﴿تَنْزِيلٌ مِن حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٢]، وقالَ: ﴿حم﴾ ﴿تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [فصلت: ٢] . وأمّا الثّانِي: فَقَوْلُهُ: ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذِّكْرَ﴾ [الحجر: ٩]، وقالَ: ﴿وبِالحَقِّ أنْزَلْناهُ وبِالحَقِّ نَزَلَ﴾ [الإسراء: ١٠٥]، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ كَوْنَهُ مُنَزَّلًا أقْرَبُ إلى الحَقِيقَةِ مِن كَوْنِهِ تَنْزِيلًا، فَكَوْنُهُ مُنَزَّلًا مَجازٌ أيْضًا، لِأنَّهُ إنْ كانَ المُرادُ مِنَ القُرْآنِ الصِّفَةَ القائِمَةَ بِذاتِ اللَّهِ فَهو لا يَقْبَلُ الِانْفِصالَ والنُّزُولَ، وإنْ كانَ المُرادُ مِنهُ الحُرُوفَ والأصْواتَ فَهي أعْراضٌ لا تَقْبَلُ الِانْتِقالَ والنُّزُولَ، بَلِ المُرادُ مِنَ النُّزُولِ نُزُولُ المَلَكِ الَّذِي بَلَّغَها إلى الرَّسُولِ ﷺ . المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: العَزِيزُ هو القادِرُ الَّذِي لا يُغْلَبُ، فَهَذا اللَّفْظُ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ تَعالى قادِرًا عَلى ما لا نِهايَةَ لَهُ، والحَكِيمُ هو الَّذِي يَفْعَلُ لِداعِيَةِ الحِكْمَةِ لا لِداعِيَةِ الشَّهْوَةِ، وهَذا إنَّما يَتِمُّ إذا ثَبَتَ أنَّهُ تَعالى عالِمٌ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ، وأنَّهُ غَنِيٌّ عَنْ جَمِيعِ الحاجاتِ، إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: كَوْنُهُ تَعالى ”عَزِيزًا حَكِيمًا“ يَدُلُّ عَلى هَذِهِ الصِّفاتِ الثَّلاثِ: العِلْمِ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ، والقُدْرَةِ عَلى كُلِّ المُمْكِناتِ، والِاسْتِغْناءِ عَنْ كُلِّ الحاجاتِ، فَمَن كانَ كَذَلِكَ امْتَنَعَ أنْ يَفْعَلَ القَبِيحَ وأنْ يَحْكُمَ بِالقَبِيحِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَكُلُّ ما يَفْعَلُهُ يَكُونُ حِكْمَةً وصَوابًا، إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: الِانْتِفاعُ بِالقُرْآنِ يَتَوَقَّفُ عَلى أصْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يُعْلَمَ أنَّ القُرْآنَ كَلامُ اللَّهِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ ثَبَتَ بِالمُعْجِزِ كَوْنُ الرَّسُولِ صادِقًا، وثَبَتَ بِالتَّواتُرِ أنَّهُ كانَ يَقُولُ: القُرْآنُ كَلامُ اللَّهِ، فَيَحْصُلُ مِن مَجْمُوعِ هاتَيْنِ المُقَدِّمَتَيْنِ أنَّ القُرْآنَ كَلامُ اللَّهِ. والأصْلُ الثّانِي: أنَّ اللَّهَ أرادَ بِهَذِهِ الألْفاظِ المَعانِيَ الَّتِي هي مَوْضُوعَةٌ لَها، إمّا بِحَسَبِ اللُّغَةِ أوْ بِحَسَبِ القَرِينَةِ العُرْفِيَّةِ أوِ الشَّرْعِيَّةِ، لِأنَّهُ لَوْ لَمْ يُرِدْ بِها ذَلِكَ لَكانَ تَلْبِيسًا، وذَلِكَ لا يَلِيقُ بِالحَكِيمِ، فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا أنَّ الِانْتِفاعَ بِالقُرْآنِ لا يَحْصُلُ إلّا بَعْدَ تَسْلِيمِ هَذَيْنِ الأصْلَيْنِ، وثَبَتَ أنَّهُ لا سَبِيلَ إلى إثْباتِ هَذَيْنِ الأصْلَيْنِ إلّا بِإثْباتِ كَوْنِهِ تَعالى حَكِيمًا، وثَبَتَ أنْ لا سَبِيلَ إلى إثْباتِ كَوْنِهِ حَكِيمًا إلّا بِالبِناءِ عَلى كَوْنِهِ تَعالى عَزِيزًا، فَلِهَذا السَّبَبِ قالَ: ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ . أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ﴾ فَفِيهِ سُؤالانِ: السُّؤالُ الأوَّلُ: لَفْظُ التَّنْزِيلِ يُشْعِرُ بِأنَّهُ تَعالى أنْزَلَهُ عَلَيْهِ نَجْمًا نَجْمًا عَلى سَبِيلِ التَّدْرِيجِ، ولَفْظُ الإنْزالِ يُشْعِرُ بِأنَّهُ تَعالى أنْزَلَهُ عَلَيْهِ دُفْعَةً واحِدَةً، فَكَيْفَ الجَمْعُ بَيْنَهُما ؟ والجَوابُ: إنْ صَحَّ الفَرْقُ بَيْنَ التَّنْزِيلِ وبَيْنَ الإنْزالِ مِنَ الوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْتُمْ، فَطَرِيقُ الجَمْعِ أنْ يُقالَ: المَعْنى إنّا حَكَمْنا حُكْمًا كُلِّيًّا جَزْمًا بِأنْ يُوصَلَ إلَيْكَ هَذا الكِتابُ، وهَذا هو الإنْزالُ، ثُمَّ أوْصَلْناهُ نَجْمًا إلَيْكَ عَلى وفْقِ المَصالِحِ، وهَذا هو التَّنْزِيلُ. صفحة ٢٠٩ السُّؤالُ الثّانِي: ما المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ﴾ ؟ والجَوابُ: فِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: المُرادُ أنْزَلْنا الكِتابَ إلَيْكَ مُلْتَبِسًا بِالحَقِّ والصِّدْقِ والصَّوابِ، عَلى مَعْنى: كُلُّ ما أوْدَعْناهُ فِيهِ مِن إثْباتِ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ والمَعادِ وأنْواعِ التَّكالِيفِ فَهو حَقٌّ وصِدْقٌ، يَجِبُ العَمَلُ بِهِ والمَصِيرُ إلَيْهِ. الثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ ”إنّا أنْزَلَنا إلَيْكَ الكِتابَ“ بِناءً عَلى دَلِيلٍ حَقٍّ دَلَّ عَلى أنَّ الكِتابَ نازِلٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وذَلِكَ الدَّلِيلُ هو أنَّ الفُصَحاءَ عَجَزُوا عَنْ مُعارَضَتِهِ، ولَوْ لَمْ يَكُنْ مُعْجِزًا لَما عَجَزُوا عَنْ مُعارَضَتِهِ.

الزمر 39:2

ثُمَّ قالَ: ﴿فاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ في قَوْلِهِ: ﴿إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ﴾ أنَّ هَذا الكِتابَ مُشْتَمِلٌ عَلى الحَقِّ والصِّدْقِ والصَّوابِ - أرْدَفَ هُنا بَعْضَ ما فِيهِ مِنَ الحَقِّ والصِّدْقِ، وهو أنْ يَشْتَغِلَ الإنْسانُ بِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى عَلى سَبِيلِ الإخْلاصِ، ويَتَبَرَّأ عَنْ عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى بِالكُلِّيَّةِ، فَأمّا اشْتِغالُهُ بِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى عَلى سَبِيلِ الإخْلاصِ فَهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا﴾، وأمّا بَراءَتُهُ مِن عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى فَهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ألا لِلَّهِ الدِّينُ الخالِصُ﴾، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ألا لِلَّهِ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ، ومَعْنى الحَصْرِ أنْ يَثْبُتَ الحُكْمُ في المَذْكُورِ ويَنْتَفِيَ عَنْ غَيْرِ المَذْكُورِ، واعْلَمْ أنَّ العِبادَةَ مَعَ الإخْلاصِ لا تُعْرَفُ حَقِيقَةً إلّا إذا عَرَفْنا أنَّ العِبادَةَ ما هي، وأنَّ الإخْلاصَ ما هو، وأنَّ الوُجُوهَ المُنافِيَةَ لِلْإخْلاصِ ما هي، فَهَذِهِ أُمُورٌ ثَلاثَةٌ لا بُدَّ مِنَ البَحْثِ عَنْها: أمّا العِبادَةُ: فَهي فِعْلٌ أوْ قَوْلٌ أوْ تَرْكُ فِعْلٍ أوْ تَرْكُ قَوْلٍ، ويُؤْتى بِهِ لِمُجَرَّدِ اعْتِقادِ أنَّ الأمْرَ بِهِ عَظِيمٌ يَجِبُ قَبُولُهُ. وأمّا الإخْلاصُ: فَهو أنْ يَكُونَ الدّاعِي لَهُ إلى الإتْيانِ بِذَلِكَ الفِعْلِ أوِ التَّرْكِ مُجَرَّدَ هَذا الِانْقِيادِ والِامْتِثالِ، فَإنْ حَصَلَ مِنهُ داعٍ آخَرُ، فَإمّا أنْ يَكُونَ جانِبُ الدّاعِي إلى الطّاعَةِ راجِحًا عَلى الجانِبِ الآخَرِ، أوْ مُعادِلًا لَهُ أوْ مَرْجُوحًا. وأجْمَعُوا عَلى أنَّ المُعادِلَ والمَرْجُوحَ ساقِطٌ، وأمّا إذا كانَ الدّاعِي إلى طاعَةِ اللَّهِ راجِحًا عَلى الجانِبِ الآخَرِ فَقَدِ اخْتَلَفُوا في أنَّهُ هَلْ يُفِيدُ أمْ لا، وقَدْ ذَكَرْنا هَذِهِ المَسْألَةَ مِرارًا، ولَفْظُ القُرْآنِ يَدُلُّ عَلى وُجُوبِ الإتْيانِ بِهِ عَلى سَبِيلِ الخُلُوصِ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا﴾ صَرِيحٌ في أنَّهُ يَجِبُ الإتْيانُ بِالعِبادَةِ عَلى سَبِيلِ الخُلُوصِ، وتَأكَّدَ هَذا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما أُمِرُوا إلّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥] . وأمّا بَيانُ الوُجُوهِ المُنافِيَةِ لِلْإخْلاصِ فَهي الوُجُوهُ الدّاعِيَةُ لِلشَّرِيكِ، وهي أقْسامٌ: أحَدُها: أنْ يَكُونَ لِلرِّياءِ والسُّمْعَةِ فِيهِ مَدْخَلٌ. وثانِيها: أنْ يَكُونَ مَقْصُودُهُ مِنَ الإتْيانِ بِالطّاعَةِ الفَوْزَ بِالجَنَّةِ والخَلاصَ مِنَ النّارِ. وثالِثُها: أنْ يَأْتِيَ بِها ويَعْتَقِدَ أنَّ لَها تَأْثِيرًا في إيجابِ الثَّوابِ أوْ دَفْعِ العِقابِ. ورابِعُها: وهو أنْ يُخْلِصَ الطّاعاتِ عَنِ الكَبائِرِ حَتّى تَصِيرَ مَقْبُولَةً، وهَذا القَوْلُ إنَّما يُعْتَبَرُ عَلى قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: مِنَ النّاسِ مَن قالَ: ﴿فاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ المُرادُ مِنهُ شَهادَةُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، واحْتَجُّوا بِما رُوِيَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: ”«لا إلَهَ إلّا اللَّهُ“ حِصْنِي، ومَن دَخَلَ حِصْنِي أمِنَ مِن عَذابِي» وهَذا قَوْلُ مَن يَقُولُ: لا تَضُرُّ المَعْصِيَةُ مَعَ الإيمانِ كَما لا تَنْفَعُ الطّاعَةُ مَعَ الكُفْرِ، وأمّا الأكْثَرُونَ فَقالُوا: الآيَةُ مُتَناوِلَةٌ لِكُلِّ ما كَلَّفَ اللَّهُ بِهِ مِنَ الأوامِرِ والنَّواهِي، وهَذا الأوْلى؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فاعْبُدِ اللَّهَ﴾ عامٌّ، ورُوِيَ أنَّ امْرَأةَ الفَرَزْدَقِ لَمّا قَرُبَ وفاتُها أوْصَتْ أنْ يُصَلِّيَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ عَلَيْها، فَلَمّا صَلّى عَلَيْها ودُفِنَتْ، قالَ لِلْفَرَزْدَقِ: يا أبا فِراسٍ، ما الَّذِي أعْدَدْتَ لِهَذا الأمْرِ ؟ قالَ: شَهادَةُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، فَقالَ الحَسَنُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: هَذا العَمُودُ فَأيْنَ الطُّنُبُ ؟ صفحة ٢١٠ فَبَيَّنَ بِهَذا أنَّ عَمُودَ الخَيْمَةِ لا يُنْتَفَعُ بِهِ إلّا مَعَ الطُّنُبِ حَتّى يُمْكِنَ الِانْتِفاعُ بِالخَيْمَةِ، قالَ القاضِي: فَأمّا ما يُرْوى أنَّهُ ﷺ قالَ لِمُعاذٍ وأبِي الدَّرْداءِ: «وإنْ زِنى وإنْ سَرَقَ عَلى رَغْمِ أنْفِ أبِي الدَّرْداءِ» فَإنْ صَحَّ فَإنَّهُ يَجِبُ أنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِ بِشَرْطِ التَّوْبَةِ، وإلّا لَمْ يَجُزْ قَبُولُ هَذا الخَبَرِ، لِأنَّهُ مُخالِفٌ لِلْقُرْآنِ، ولِأنَّهُ يُوجِبُ أنْ لا يَكُونَ الإنْسانُ مَزْجُورًا عَنِ الزِّنا والسَّرِقَةِ، وأنْ لا يَكُونَ مُتَعَدِّيًا بِفِعْلِهِما، لِأنَّهُ مَعَ شِدَّةِ شَهْوَتِهِ لِلْقَبِيحِ يَعْلَمُ أنَّهُ لا يَضُرُّهُ مَعَ تَمَسُّكِهِ بِالشَّهادَتَيْنِ، فَكَأنَّ ذَلِكَ إغْراءٌ بِالقَبِيحِ، لِأنّا نَقُولُ: إنَّ مَنِ اعْتَقَدَ أنَّ ضَرَرَهُ يَزُولُ بِالتَّوْبَةِ فَقَدِ اعْتَقَدَ أنَّ فِعْلَ القَبِيحِ مَضَرَّةٌ، إلّا أنَّهُ يُزِيلُ ذَلِكَ الضَّرَرَ بِفِعْلِ التَّوْبَةِ بِخِلافِ قَوْلِ مَن يَقُولُ: إنَّ فِعْلَ القَبِيحِ لا يَضُرُّ مَعَ التَّمَسُّكِ بِالشَّهادَتَيْنِ. هَذا تَمامُ كَلامِ القاضِي، فَيُقالُ لَهُ: أمّا قَوْلُكَ: إنَّ القَوْلَ بِالمَغْفِرَةِ مُخالِفٌ لِلْقُرْآنِ، فَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلِ القُرْآنِ يَدُلُّ عَلَيْهِ، قالَ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، وقالَ: ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ﴾ [الرعد: ٦] أيْ: حالَ ظُلْمِهِمْ، كَما يُقالُ: رَأيْتُ الأمِيرَ عَلى أكْلِهِ وشُرْبِهِ، أيْ: حالَ كَوْنِهِ آكِلًا وشارِبًا، وقالَ: ﴿قُلْ ياعِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣]، وأمّا قَوْلُهُ: إنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ الإغْراءَ بِالقَبِيحِ، فَيُقالُ لَهُ: إنْ كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ وجَبَ أنْ يَقْبُحَ غُفْرانُهُ عَقْلًا، وهَذا مَذْهَبُ البَغْدادِيِّينَ مِنَ المُعْتَزِلَةِ، وأنْتَ لا تَقُولُ بِهِ، لِأنَّ مَذْهَبَ البَصْرِيِّينَ أنَّ عَذابَ المُذْنِبِ جائِزٌ عَقْلًا، وأيْضًا فَيَلْزَمُ عَلَيْهِ أنْ لا يَحْصُلَ الغُفْرانُ بِالتَّوْبَةِ، لِأنَّهُ إذا عَلِمَ أنَّهُ إذا أذْنَبَ ثُمَّ تابَ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ لَمْ يَنْزَجِرْ، وأمّا الفَرْقُ الَّذِي ذَكَرَهُ القاضِي فَبَعِيدٌ، لِأنَّهُ إذا عَزَمَ عَلى أنْ يَتُوبَ عَنْهُ في الحالِ عَلِمَ أنَّهُ لا يَضُرُّهُ ذَلِكَ الذَّنْبُ ألْبَتَّةَ. ثُمَّ نَقُولُ: مَذْهَبُنا أنّا نَقْطَعُ بِحُصُولِ العَفْوِ عَنِ الكَبائِرِ في الجُمْلَةِ، فَأمّا في حَقِّ كُلِّ واحِدٍ مِنَ النّاسِ فَذَلِكَ مَشْكُوكٌ فِيهِ، لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النساء: ٤٨] فَقَطَعَ بِحُصُولِ المَغْفِرَةِ في الجُمْلَةِ، إلّا أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمْ يَقْطَعْ بِحُصُولِ هَذا الغُفْرانِ في حَقِّ كُلِّ أحَدٍ، بَلْ في حَقِّ مَن شاءَ، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ الخَوْفُ حاصِلًا، فَلا يَكُونُ الإغْراءُ حاصِلًا، واللَّهُ أعْلَمُ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قُرِئَ ”الدِّينُ“ بِالرَّفْعِ، ثُمَّ قالَ: وحَقُّ مَن رَفَعَهُ أنْ يَقْرَأ ”مُخْلَصًا“ بِفَتْحِ اللّامِ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأخْلَصُوا دِينَهم لِلَّهِ﴾ [النساء: ١٤٦] حَتّى يُطابِقَ قَوْلَهُ: ﴿ألا لِلَّهِ الدِّينُ الخالِصُ﴾ والخالِصُ والمُخْلَصُ واحِدٌ، إلّا أنَّهُ وصَفَ الدِّينَ بِصِفَةِ صاحِبِهِ عَلى الإسْنادِ المَجازِيِّ، كَقَوْلِهِمْ: شِعْرُ شاعِرٍ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ رَأْسَ العِباداتِ ورَئِيسَها الإخْلاصُ في التَّوْحِيدِ - أرْدَفَهُ بِذَمِّ طَرِيقَةِ المُشْرِكِينَ، فَقالَ: ﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ ما نَعْبُدُهم إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى﴾، وتَقْدِيرُ الكَلامِ: والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ، يَقُولُونَ: ما نَعْبُدُهم إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَخَبَرُ ”الَّذِينَ“ مَحْذُوفٌ، وهو قَوْلُهُ ”يَقُولُونَ“، واعْلَمْ أنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: ﴿ما نَعْبُدُهم إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى﴾ عائِدٌ عَلى الأشْياءِ الَّتِي عُبِدَتْ مِن دُونِ اللَّهِ، وهي قِسْمانِ: العُقَلاءُ وغَيْرُ العُقَلاءِ، أمّا العُقَلاءُ فَهو أنَّ قَوْمًا عَبَدُوا المَسِيحَ وعُزَيْزًا والمَلائِكَةَ، وكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ يَعْبُدُونَ الشَّمْسَ والقَمَرَ والنُّجُومَ، ويَعْتَقِدُونَ فِيها أنَّها أحْياءٌ عاقِلَةٌ ناطِقَةٌ، وأمّا الأشْياءُ الَّتِي عُبِدَتْ مَعَ أنَّها لَيْسَتْ مَوْصُوفَةً بِالحَياةِ والعَقْلِ فَهي الأصْنامُ، إذا عَرَفْتَ هَذا، فَنَقُولُ: الكَلامُ الَّذِي ذَكَرَهُ الكُفّارُ لائِقٌ بِالعُقَلاءِ، أمّا بِغَيْرِ العُقَلاءِ فَلا يَلِيقُ، وبَيانُهُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: ﴿ما نَعْبُدُهُمْ﴾ ضَمِيرٌ لِلْعُقَلاءِ، فَلا يَلِيقُ بِالأصْنامِ. الثّانِي: أنَّهُ لا يَبْعُدُ أنْ يَعْتَقِدَ أُولَئِكَ الكُفّارُ أنَّها تُقَرِّبُهُ إلى اللَّهِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَمُرادُهم أنَّ صفحة ٢١١ عِبادَتَهم لَها تُقَرِّبُهم إلى اللَّهِ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ العاقِلَ لا يَعْبُدُ الصَّنَمَ مِن حَيْثُ إنَّهُ خَشَبٌ أوْ حَجَرٌ، وإنَّما يَعْبُدُونَهُ لِاعْتِقادِهِمْ أنَّها تَماثِيلُ الكَواكِبِ أوْ تَماثِيلُ الأرْواحِ السَّماوِيَّةِ، أوْ تَماثِيلُ الأنْبِياءِ والصّالِحِينَ الَّذِينَ مَضَوْا، ويَكُونُ مَقْصُودُهم مِن عِبادَتِها تَوْجِيهُ تِلْكَ العِباداتِ إلى تِلْكَ الأشْياءِ الَّتِي جَعَلُوا هَذِهِ التَّماثِيلَ صُوَرًا لَها. وحاصِلُ الكَلامِ لِعُبّادِ الأصْنامِ أنْ قالُوا: إنَّ الإلَهَ الأعْظَمَ أجَلُّ مِن أنْ يَعْبُدَهُ البَشَرُ، لَكِنَّ اللّائِقَ بِالبَشَرِ أنْ يَشْتَغِلُوا بِعِبادَةِ الأكابِرِ مِن عِبادِ اللَّهِ، مِثْلَ الكَواكِبِ، ومِثْلَ الأرْواحِ السَّماوِيَّةِ، ثُمَّ إنَّها تَشْتَغِلُ بِعِبادَةِ الإلَهِ الأكْبَرِ، فَهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِمْ: ﴿ما نَعْبُدُهم إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى﴾ . واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا حَكى مَذاهِبَهم أجابَ عَنْها مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّهُ اقْتَصَرَ في الجَوابِ عَلى مُجَرَّدِ التَّهْدِيدِ، فَقالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهم في ما هم فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾، واعْلَمْ أنَّ الرَّجُلَ المُبْطِلَ إذا ذَكَرَ مَذْهَبًا باطِلًا وكانَ مُصِرًّا عَلَيْهِ، فالطَّرِيقُ في عِلاجِهِ أنْ يُحْتالَ بِحِيلَةٍ تُوجِبُ زَوالَ ذَلِكَ الإصْرارِ عَنْ قَلْبِهِ، فَإذا زالَ الإصْرارُ عَنْ قَلْبِهِ، فَبَعْدَ ذَلِكَ يُسْمِعُهُ الدَّلِيلَ الدّالَّ عَلى بُطْلانِهِ، فَيَكُونُ هَذا الطَّرِيقُ أفْضى إلى المَقْصُودِ، والأطِبّاءُ يَقُولُونَ: لا بُدَّ مِن تَقْدِيمِ المُنْضِجِ عَلى سَقْيِ المُسَهِّلِ، فَإنَّ بِتَناوُلِ المُنْضِجِ تَصِيرُ المَوادُّ الفاسِدَةُ رَخْوَةً قابِلَةً لِلزَّوالِ، فَإذا سَقَيْتَهُ المُسَهِّلَ بَعْدَ ذَلِكَ حَصَلَ النَّقاءُ التّامُّ، فَكَذَلِكَ هَهُنا سَماعُ التَّهْدِيدِ والتَّخْوِيفِ أوَّلًا يَجْرِي مَجْرى سَقْيِ المُنْضِجِ أوَّلًا، وإسْماعُ الدَّلِيلِ ثانِيًا يَجْرِي مَجْرى سَقْيِ المُسَهِّلِ ثانِيًا، فَهَذا هو الفائِدَةُ في تَقْدِيمِ هَذا التَّهْدِيدِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن هو كاذِبٌ كَفّارٌ﴾ والمُرادُ أنَّ مَن أصَرَّ عَلى الكَذِبِ والكُفْرِ بَقِيَ مَحْرُومًا عَنِ الهِدايَةِ، والمُرادُ بِهَذا الكَذِبِ - وصْفُهم بِهَذِهِ الأصْنامِ بِأنَّها آلِهَةٌ مُسْتَحِقَّةٌ لِلْعِبادَةِ مَعَ عِلْمِهِمْ بِأنَّها جَماداتٌ خَسِيسَةٌ، وهم نَحَتُوها وتَصَرَّفُوا فِيها، والعِلْمُ الضَّرُورِيُّ حاصِلٌ بِأنَّ وصْفَ هَذِهِ الأشْياءِ بِالإلَهِيَّةِ كَذِبٌ مَحْضٌ، وأمّا الكُفْرُ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ الكُفْرَ الرّاجِعَ إلى الِاعْتِقادِ، والأمْرُ هَهُنا كَذَلِكَ، فَإنَّ وصْفَهم لَها بِالإلَهِيَّةِ كَذِبٌ، واعْتِقادَهم فِيها بِالإلَهِيَّةِ جَهْلٌ وكُفْرٌ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ كُفْرانَ النِّعْمَةِ، والسَّبَبُ فِيهِ أنَّ العِبادَةَ نِهايَةُ التَّعْظِيمِ، ونِهايَةُ التَّعْظِيمِ لا تَلِيقُ إلّا بِمَن يَصْدُرُ عَنْهُ غايَةُ الإنْعامِ، وذَلِكَ المُنْعِمُ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى، وهَذِهِ الأوْثانُ لا مَدْخَلَ لَها في ذَلِكَ الإنْعامِ، فالِاشْتِغالُ بِعِبادَةِ هَذِهِ الأوْثانِ يُوجِبُ كُفْرانَ نِعْمَةِ المُنْعِمِ الحَقِّ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لَوْ أرادَ اللَّهُ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا لاصْطَفى مِمّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ سُبْحانَهُ هو اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾ والمُرادُ مِن هَذا الكَلامِ - إقامَةُ الدَّلائِلِ القاهِرَةِ عَلى كَوْنِهِ مُنَزَّهًا عَنِ الوَلَدِ، وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّهُ لَوِ اتَّخَذَ ولَدًا لَما رَضِيَ إلّا بِأكْمَلِ الأوْلادِ وهو الِابْنُ، فَكَيْفَ نَسَبْتُمْ إلَيْهِ البِنْتَ. الثّانِي: أنَّهُ سُبْحانَهُ واحِدٌ حَقِيقِيٌّ، والواحِدُ الحَقِيقِيُّ يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ، أمّا أنَّهُ واحِدٌ حَقِيقِيٌّ فَلِأنَّهُ لَوْ كانَ مُرَكَّبًا لاحْتاجَ إلى كُلِّ واحِدٍ مِن أجْزائِهِ، وجُزْؤُهُ غَيْرُهُ، فَكانَ يَحْتاجُ إلى غَيْرِهِ، والمُحْتاجُ إلى الغَيْرِ مُمْكِنٌ لِذاتِهِ، والمُمْكِنُ لِذاتِهِ لا يَكُونُ واجِبَ الوُجُودِ لِذاتِهِ، وأمّا أنَّ الواحِدَ لا يَكُونُ لَهُ ولَدٌ فَلِوُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ الوَلَدَ عِبارَةٌ عَنْ جُزْءٍ مِن أجْزاءِ الشَّيْءِ يَنْفَصِلُ عَنْهُ، ثُمَّ يَحْصُلُ لَهُ صُورَةٌ مُساوِيَةٌ لِصُورَةِ الوالِدِ، وهَذا إنَّما يُعْقَلُ في الشَّيْءِ الَّذِي يَنْفَصِلُ مِنهُ جُزْءٌ، والفَرْدُ المُطْلَقُ لا يُقالُ ذَلِكَ فِيهِ. الثّانِي: شَرْطُ الوَلَدِ أنْ يَكُونَ مُماثِلًا في تَمامِ الماهِيَّةِ لِلْوالِدِ، فَتَكُونُ حَقِيقَةُ ذَلِكَ الشَّيْءِ حَقِيقَةً نَوْعِيَّةً مَحْمُولَةً عَلى شَخْصَيْنِ، وذَلِكَ مُحالٌ، لِأنَّ تَعْيِينَ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما إنْ كانَ مِن لَوازِمِ تِلْكَ الماهِيَّةِ لَزِمَ أنْ لا صفحة ٢١٢ يَحْصُلَ مِن تِلْكَ الماهِيَّةِ إلّا الشَّخْصُ الواحِدُ، وإنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ التَّعْيِينُ مِن لَوازِمِ تِلْكَ الماهِيَّةِ كانَ ذَلِكَ التَّعْيِينُ مَعْلُومًا بِسَبَبٍ مُنْفَصِلٍ، فَلا يَكُونُ إلَهًا واجِبَ الوُجُودِ لِذاتِهِ، فَثَبَتَ أنَّ كَوْنَهُ إلَهًا واجِبَ الوُجُودِ لِذاتِهِ يُوجِبُ كَوْنَهُ واحِدًا في حَقِيقَتِهِ، وكَوْنُهُ واحِدًا في حَقِيقَتِهِ يَمْنَعُ مِن ثُبُوتِ الوَلَدِ لَهُ، فَثَبَتَ أنَّ كَوْنَهُ واحِدًا يَمْنَعُ مِن ثُبُوتِ الوَلَدِ. الثّالِثُ: أنَّ الوَلَدَ لا يَحْصُلُ إلّا مِنَ الزَّوْجِ والزَّوْجَةِ، والزَّوْجانِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونا مِن جِنْسٍ واحِدٍ، فَلَوْ كانَ لَهُ ولَدٌ لَما كانَ واحِدًا، بَلْ كانَتْ زَوْجَتُهُ مِن جِنْسِهِ، وأمّا أنَّ كَوْنَهُ قَهّارًا يَمْنَعُ مِن ثُبُوتِ الوَلَدِ لَهُ، فَلِأنَّ المُحْتاجَ إلى الوَلَدِ هو الَّذِي يَمُوتُ فَيَحْتاجُ إلى ولَدٍ يَقُومُ مَقامَهُ، فالمُحْتاجُ إلى الوَلَدِ هو الَّذِي يَكُونُ مَقْهُورًا بِالمَوْتِ، أمّا الَّذِي يَكُونُ قاهِرًا ولا يَقْهَرُهُ غَيْرُهُ كانَ الوَلَدُ في حَقِّهِ مُحالًا، فَثَبَتَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿هُوَ اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾ ألْفاظٌ مُشْتَمِلَةٌ عَلى دَلائِلَ قاطِعَةٍ في نَفْيِ الوَلَدِ عَنِ اللَّهِ تَعالى.

الزمر 39:3

ثُمَّ قالَ: ﴿فاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ في قَوْلِهِ: ﴿إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ﴾ أنَّ هَذا الكِتابَ مُشْتَمِلٌ عَلى الحَقِّ والصِّدْقِ والصَّوابِ - أرْدَفَ هُنا بَعْضَ ما فِيهِ مِنَ الحَقِّ والصِّدْقِ، وهو أنْ يَشْتَغِلَ الإنْسانُ بِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى عَلى سَبِيلِ الإخْلاصِ، ويَتَبَرَّأ عَنْ عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى بِالكُلِّيَّةِ، فَأمّا اشْتِغالُهُ بِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى عَلى سَبِيلِ الإخْلاصِ فَهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا﴾، وأمّا بَراءَتُهُ مِن عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى فَهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ألا لِلَّهِ الدِّينُ الخالِصُ﴾، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ألا لِلَّهِ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ، ومَعْنى الحَصْرِ أنْ يَثْبُتَ الحُكْمُ في المَذْكُورِ ويَنْتَفِيَ عَنْ غَيْرِ المَذْكُورِ، واعْلَمْ أنَّ العِبادَةَ مَعَ الإخْلاصِ لا تُعْرَفُ حَقِيقَةً إلّا إذا عَرَفْنا أنَّ العِبادَةَ ما هي، وأنَّ الإخْلاصَ ما هو، وأنَّ الوُجُوهَ المُنافِيَةَ لِلْإخْلاصِ ما هي، فَهَذِهِ أُمُورٌ ثَلاثَةٌ لا بُدَّ مِنَ البَحْثِ عَنْها: أمّا العِبادَةُ: فَهي فِعْلٌ أوْ قَوْلٌ أوْ تَرْكُ فِعْلٍ أوْ تَرْكُ قَوْلٍ، ويُؤْتى بِهِ لِمُجَرَّدِ اعْتِقادِ أنَّ الأمْرَ بِهِ عَظِيمٌ يَجِبُ قَبُولُهُ. وأمّا الإخْلاصُ: فَهو أنْ يَكُونَ الدّاعِي لَهُ إلى الإتْيانِ بِذَلِكَ الفِعْلِ أوِ التَّرْكِ مُجَرَّدَ هَذا الِانْقِيادِ والِامْتِثالِ، فَإنْ حَصَلَ مِنهُ داعٍ آخَرُ، فَإمّا أنْ يَكُونَ جانِبُ الدّاعِي إلى الطّاعَةِ راجِحًا عَلى الجانِبِ الآخَرِ، أوْ مُعادِلًا لَهُ أوْ مَرْجُوحًا. وأجْمَعُوا عَلى أنَّ المُعادِلَ والمَرْجُوحَ ساقِطٌ، وأمّا إذا كانَ الدّاعِي إلى طاعَةِ اللَّهِ راجِحًا عَلى الجانِبِ الآخَرِ فَقَدِ اخْتَلَفُوا في أنَّهُ هَلْ يُفِيدُ أمْ لا، وقَدْ ذَكَرْنا هَذِهِ المَسْألَةَ مِرارًا، ولَفْظُ القُرْآنِ يَدُلُّ عَلى وُجُوبِ الإتْيانِ بِهِ عَلى سَبِيلِ الخُلُوصِ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا﴾ صَرِيحٌ في أنَّهُ يَجِبُ الإتْيانُ بِالعِبادَةِ عَلى سَبِيلِ الخُلُوصِ، وتَأكَّدَ هَذا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما أُمِرُوا إلّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥] . وأمّا بَيانُ الوُجُوهِ المُنافِيَةِ لِلْإخْلاصِ فَهي الوُجُوهُ الدّاعِيَةُ لِلشَّرِيكِ، وهي أقْسامٌ: أحَدُها: أنْ يَكُونَ لِلرِّياءِ والسُّمْعَةِ فِيهِ مَدْخَلٌ. وثانِيها: أنْ يَكُونَ مَقْصُودُهُ مِنَ الإتْيانِ بِالطّاعَةِ الفَوْزَ بِالجَنَّةِ والخَلاصَ مِنَ النّارِ. وثالِثُها: أنْ يَأْتِيَ بِها ويَعْتَقِدَ أنَّ لَها تَأْثِيرًا في إيجابِ الثَّوابِ أوْ دَفْعِ العِقابِ. ورابِعُها: وهو أنْ يُخْلِصَ الطّاعاتِ عَنِ الكَبائِرِ حَتّى تَصِيرَ مَقْبُولَةً، وهَذا القَوْلُ إنَّما يُعْتَبَرُ عَلى قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: مِنَ النّاسِ مَن قالَ: ﴿فاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ المُرادُ مِنهُ شَهادَةُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، واحْتَجُّوا بِما رُوِيَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: ”«لا إلَهَ إلّا اللَّهُ“ حِصْنِي، ومَن دَخَلَ حِصْنِي أمِنَ مِن عَذابِي» وهَذا قَوْلُ مَن يَقُولُ: لا تَضُرُّ المَعْصِيَةُ مَعَ الإيمانِ كَما لا تَنْفَعُ الطّاعَةُ مَعَ الكُفْرِ، وأمّا الأكْثَرُونَ فَقالُوا: الآيَةُ مُتَناوِلَةٌ لِكُلِّ ما كَلَّفَ اللَّهُ بِهِ مِنَ الأوامِرِ والنَّواهِي، وهَذا الأوْلى؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فاعْبُدِ اللَّهَ﴾ عامٌّ، ورُوِيَ أنَّ امْرَأةَ الفَرَزْدَقِ لَمّا قَرُبَ وفاتُها أوْصَتْ أنْ يُصَلِّيَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ عَلَيْها، فَلَمّا صَلّى عَلَيْها ودُفِنَتْ، قالَ لِلْفَرَزْدَقِ: يا أبا فِراسٍ، ما الَّذِي أعْدَدْتَ لِهَذا الأمْرِ ؟ قالَ: شَهادَةُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، فَقالَ الحَسَنُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: هَذا العَمُودُ فَأيْنَ الطُّنُبُ ؟ صفحة ٢١٠ فَبَيَّنَ بِهَذا أنَّ عَمُودَ الخَيْمَةِ لا يُنْتَفَعُ بِهِ إلّا مَعَ الطُّنُبِ حَتّى يُمْكِنَ الِانْتِفاعُ بِالخَيْمَةِ، قالَ القاضِي: فَأمّا ما يُرْوى أنَّهُ ﷺ قالَ لِمُعاذٍ وأبِي الدَّرْداءِ: «وإنْ زِنى وإنْ سَرَقَ عَلى رَغْمِ أنْفِ أبِي الدَّرْداءِ» فَإنْ صَحَّ فَإنَّهُ يَجِبُ أنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِ بِشَرْطِ التَّوْبَةِ، وإلّا لَمْ يَجُزْ قَبُولُ هَذا الخَبَرِ، لِأنَّهُ مُخالِفٌ لِلْقُرْآنِ، ولِأنَّهُ يُوجِبُ أنْ لا يَكُونَ الإنْسانُ مَزْجُورًا عَنِ الزِّنا والسَّرِقَةِ، وأنْ لا يَكُونَ مُتَعَدِّيًا بِفِعْلِهِما، لِأنَّهُ مَعَ شِدَّةِ شَهْوَتِهِ لِلْقَبِيحِ يَعْلَمُ أنَّهُ لا يَضُرُّهُ مَعَ تَمَسُّكِهِ بِالشَّهادَتَيْنِ، فَكَأنَّ ذَلِكَ إغْراءٌ بِالقَبِيحِ، لِأنّا نَقُولُ: إنَّ مَنِ اعْتَقَدَ أنَّ ضَرَرَهُ يَزُولُ بِالتَّوْبَةِ فَقَدِ اعْتَقَدَ أنَّ فِعْلَ القَبِيحِ مَضَرَّةٌ، إلّا أنَّهُ يُزِيلُ ذَلِكَ الضَّرَرَ بِفِعْلِ التَّوْبَةِ بِخِلافِ قَوْلِ مَن يَقُولُ: إنَّ فِعْلَ القَبِيحِ لا يَضُرُّ مَعَ التَّمَسُّكِ بِالشَّهادَتَيْنِ. هَذا تَمامُ كَلامِ القاضِي، فَيُقالُ لَهُ: أمّا قَوْلُكَ: إنَّ القَوْلَ بِالمَغْفِرَةِ مُخالِفٌ لِلْقُرْآنِ، فَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلِ القُرْآنِ يَدُلُّ عَلَيْهِ، قالَ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، وقالَ: ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ﴾ [الرعد: ٦] أيْ: حالَ ظُلْمِهِمْ، كَما يُقالُ: رَأيْتُ الأمِيرَ عَلى أكْلِهِ وشُرْبِهِ، أيْ: حالَ كَوْنِهِ آكِلًا وشارِبًا، وقالَ: ﴿قُلْ ياعِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣]، وأمّا قَوْلُهُ: إنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ الإغْراءَ بِالقَبِيحِ، فَيُقالُ لَهُ: إنْ كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ وجَبَ أنْ يَقْبُحَ غُفْرانُهُ عَقْلًا، وهَذا مَذْهَبُ البَغْدادِيِّينَ مِنَ المُعْتَزِلَةِ، وأنْتَ لا تَقُولُ بِهِ، لِأنَّ مَذْهَبَ البَصْرِيِّينَ أنَّ عَذابَ المُذْنِبِ جائِزٌ عَقْلًا، وأيْضًا فَيَلْزَمُ عَلَيْهِ أنْ لا يَحْصُلَ الغُفْرانُ بِالتَّوْبَةِ، لِأنَّهُ إذا عَلِمَ أنَّهُ إذا أذْنَبَ ثُمَّ تابَ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ لَمْ يَنْزَجِرْ، وأمّا الفَرْقُ الَّذِي ذَكَرَهُ القاضِي فَبَعِيدٌ، لِأنَّهُ إذا عَزَمَ عَلى أنْ يَتُوبَ عَنْهُ في الحالِ عَلِمَ أنَّهُ لا يَضُرُّهُ ذَلِكَ الذَّنْبُ ألْبَتَّةَ. ثُمَّ نَقُولُ: مَذْهَبُنا أنّا نَقْطَعُ بِحُصُولِ العَفْوِ عَنِ الكَبائِرِ في الجُمْلَةِ، فَأمّا في حَقِّ كُلِّ واحِدٍ مِنَ النّاسِ فَذَلِكَ مَشْكُوكٌ فِيهِ، لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النساء: ٤٨] فَقَطَعَ بِحُصُولِ المَغْفِرَةِ في الجُمْلَةِ، إلّا أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمْ يَقْطَعْ بِحُصُولِ هَذا الغُفْرانِ في حَقِّ كُلِّ أحَدٍ، بَلْ في حَقِّ مَن شاءَ، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ الخَوْفُ حاصِلًا، فَلا يَكُونُ الإغْراءُ حاصِلًا، واللَّهُ أعْلَمُ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قُرِئَ ”الدِّينُ“ بِالرَّفْعِ، ثُمَّ قالَ: وحَقُّ مَن رَفَعَهُ أنْ يَقْرَأ ”مُخْلَصًا“ بِفَتْحِ اللّامِ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأخْلَصُوا دِينَهم لِلَّهِ﴾ [النساء: ١٤٦] حَتّى يُطابِقَ قَوْلَهُ: ﴿ألا لِلَّهِ الدِّينُ الخالِصُ﴾ والخالِصُ والمُخْلَصُ واحِدٌ، إلّا أنَّهُ وصَفَ الدِّينَ بِصِفَةِ صاحِبِهِ عَلى الإسْنادِ المَجازِيِّ، كَقَوْلِهِمْ: شِعْرُ شاعِرٍ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ رَأْسَ العِباداتِ ورَئِيسَها الإخْلاصُ في التَّوْحِيدِ - أرْدَفَهُ بِذَمِّ طَرِيقَةِ المُشْرِكِينَ، فَقالَ: ﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ ما نَعْبُدُهم إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى﴾، وتَقْدِيرُ الكَلامِ: والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ، يَقُولُونَ: ما نَعْبُدُهم إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَخَبَرُ ”الَّذِينَ“ مَحْذُوفٌ، وهو قَوْلُهُ ”يَقُولُونَ“، واعْلَمْ أنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: ﴿ما نَعْبُدُهم إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى﴾ عائِدٌ عَلى الأشْياءِ الَّتِي عُبِدَتْ مِن دُونِ اللَّهِ، وهي قِسْمانِ: العُقَلاءُ وغَيْرُ العُقَلاءِ، أمّا العُقَلاءُ فَهو أنَّ قَوْمًا عَبَدُوا المَسِيحَ وعُزَيْزًا والمَلائِكَةَ، وكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ يَعْبُدُونَ الشَّمْسَ والقَمَرَ والنُّجُومَ، ويَعْتَقِدُونَ فِيها أنَّها أحْياءٌ عاقِلَةٌ ناطِقَةٌ، وأمّا الأشْياءُ الَّتِي عُبِدَتْ مَعَ أنَّها لَيْسَتْ مَوْصُوفَةً بِالحَياةِ والعَقْلِ فَهي الأصْنامُ، إذا عَرَفْتَ هَذا، فَنَقُولُ: الكَلامُ الَّذِي ذَكَرَهُ الكُفّارُ لائِقٌ بِالعُقَلاءِ، أمّا بِغَيْرِ العُقَلاءِ فَلا يَلِيقُ، وبَيانُهُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: ﴿ما نَعْبُدُهُمْ﴾ ضَمِيرٌ لِلْعُقَلاءِ، فَلا يَلِيقُ بِالأصْنامِ. الثّانِي: أنَّهُ لا يَبْعُدُ أنْ يَعْتَقِدَ أُولَئِكَ الكُفّارُ أنَّها تُقَرِّبُهُ إلى اللَّهِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَمُرادُهم أنَّ صفحة ٢١١ عِبادَتَهم لَها تُقَرِّبُهم إلى اللَّهِ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ العاقِلَ لا يَعْبُدُ الصَّنَمَ مِن حَيْثُ إنَّهُ خَشَبٌ أوْ حَجَرٌ، وإنَّما يَعْبُدُونَهُ لِاعْتِقادِهِمْ أنَّها تَماثِيلُ الكَواكِبِ أوْ تَماثِيلُ الأرْواحِ السَّماوِيَّةِ، أوْ تَماثِيلُ الأنْبِياءِ والصّالِحِينَ الَّذِينَ مَضَوْا، ويَكُونُ مَقْصُودُهم مِن عِبادَتِها تَوْجِيهُ تِلْكَ العِباداتِ إلى تِلْكَ الأشْياءِ الَّتِي جَعَلُوا هَذِهِ التَّماثِيلَ صُوَرًا لَها. وحاصِلُ الكَلامِ لِعُبّادِ الأصْنامِ أنْ قالُوا: إنَّ الإلَهَ الأعْظَمَ أجَلُّ مِن أنْ يَعْبُدَهُ البَشَرُ، لَكِنَّ اللّائِقَ بِالبَشَرِ أنْ يَشْتَغِلُوا بِعِبادَةِ الأكابِرِ مِن عِبادِ اللَّهِ، مِثْلَ الكَواكِبِ، ومِثْلَ الأرْواحِ السَّماوِيَّةِ، ثُمَّ إنَّها تَشْتَغِلُ بِعِبادَةِ الإلَهِ الأكْبَرِ، فَهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِمْ: ﴿ما نَعْبُدُهم إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى﴾ . واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا حَكى مَذاهِبَهم أجابَ عَنْها مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّهُ اقْتَصَرَ في الجَوابِ عَلى مُجَرَّدِ التَّهْدِيدِ، فَقالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهم في ما هم فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾، واعْلَمْ أنَّ الرَّجُلَ المُبْطِلَ إذا ذَكَرَ مَذْهَبًا باطِلًا وكانَ مُصِرًّا عَلَيْهِ، فالطَّرِيقُ في عِلاجِهِ أنْ يُحْتالَ بِحِيلَةٍ تُوجِبُ زَوالَ ذَلِكَ الإصْرارِ عَنْ قَلْبِهِ، فَإذا زالَ الإصْرارُ عَنْ قَلْبِهِ، فَبَعْدَ ذَلِكَ يُسْمِعُهُ الدَّلِيلَ الدّالَّ عَلى بُطْلانِهِ، فَيَكُونُ هَذا الطَّرِيقُ أفْضى إلى المَقْصُودِ، والأطِبّاءُ يَقُولُونَ: لا بُدَّ مِن تَقْدِيمِ المُنْضِجِ عَلى سَقْيِ المُسَهِّلِ، فَإنَّ بِتَناوُلِ المُنْضِجِ تَصِيرُ المَوادُّ الفاسِدَةُ رَخْوَةً قابِلَةً لِلزَّوالِ، فَإذا سَقَيْتَهُ المُسَهِّلَ بَعْدَ ذَلِكَ حَصَلَ النَّقاءُ التّامُّ، فَكَذَلِكَ هَهُنا سَماعُ التَّهْدِيدِ والتَّخْوِيفِ أوَّلًا يَجْرِي مَجْرى سَقْيِ المُنْضِجِ أوَّلًا، وإسْماعُ الدَّلِيلِ ثانِيًا يَجْرِي مَجْرى سَقْيِ المُسَهِّلِ ثانِيًا، فَهَذا هو الفائِدَةُ في تَقْدِيمِ هَذا التَّهْدِيدِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن هو كاذِبٌ كَفّارٌ﴾ والمُرادُ أنَّ مَن أصَرَّ عَلى الكَذِبِ والكُفْرِ بَقِيَ مَحْرُومًا عَنِ الهِدايَةِ، والمُرادُ بِهَذا الكَذِبِ - وصْفُهم بِهَذِهِ الأصْنامِ بِأنَّها آلِهَةٌ مُسْتَحِقَّةٌ لِلْعِبادَةِ مَعَ عِلْمِهِمْ بِأنَّها جَماداتٌ خَسِيسَةٌ، وهم نَحَتُوها وتَصَرَّفُوا فِيها، والعِلْمُ الضَّرُورِيُّ حاصِلٌ بِأنَّ وصْفَ هَذِهِ الأشْياءِ بِالإلَهِيَّةِ كَذِبٌ مَحْضٌ، وأمّا الكُفْرُ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ الكُفْرَ الرّاجِعَ إلى الِاعْتِقادِ، والأمْرُ هَهُنا كَذَلِكَ، فَإنَّ وصْفَهم لَها بِالإلَهِيَّةِ كَذِبٌ، واعْتِقادَهم فِيها بِالإلَهِيَّةِ جَهْلٌ وكُفْرٌ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ كُفْرانَ النِّعْمَةِ، والسَّبَبُ فِيهِ أنَّ العِبادَةَ نِهايَةُ التَّعْظِيمِ، ونِهايَةُ التَّعْظِيمِ لا تَلِيقُ إلّا بِمَن يَصْدُرُ عَنْهُ غايَةُ الإنْعامِ، وذَلِكَ المُنْعِمُ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى، وهَذِهِ الأوْثانُ لا مَدْخَلَ لَها في ذَلِكَ الإنْعامِ، فالِاشْتِغالُ بِعِبادَةِ هَذِهِ الأوْثانِ يُوجِبُ كُفْرانَ نِعْمَةِ المُنْعِمِ الحَقِّ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لَوْ أرادَ اللَّهُ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا لاصْطَفى مِمّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ سُبْحانَهُ هو اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾ والمُرادُ مِن هَذا الكَلامِ - إقامَةُ الدَّلائِلِ القاهِرَةِ عَلى كَوْنِهِ مُنَزَّهًا عَنِ الوَلَدِ، وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّهُ لَوِ اتَّخَذَ ولَدًا لَما رَضِيَ إلّا بِأكْمَلِ الأوْلادِ وهو الِابْنُ، فَكَيْفَ نَسَبْتُمْ إلَيْهِ البِنْتَ. الثّانِي: أنَّهُ سُبْحانَهُ واحِدٌ حَقِيقِيٌّ، والواحِدُ الحَقِيقِيُّ يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ، أمّا أنَّهُ واحِدٌ حَقِيقِيٌّ فَلِأنَّهُ لَوْ كانَ مُرَكَّبًا لاحْتاجَ إلى كُلِّ واحِدٍ مِن أجْزائِهِ، وجُزْؤُهُ غَيْرُهُ، فَكانَ يَحْتاجُ إلى غَيْرِهِ، والمُحْتاجُ إلى الغَيْرِ مُمْكِنٌ لِذاتِهِ، والمُمْكِنُ لِذاتِهِ لا يَكُونُ واجِبَ الوُجُودِ لِذاتِهِ، وأمّا أنَّ الواحِدَ لا يَكُونُ لَهُ ولَدٌ فَلِوُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ الوَلَدَ عِبارَةٌ عَنْ جُزْءٍ مِن أجْزاءِ الشَّيْءِ يَنْفَصِلُ عَنْهُ، ثُمَّ يَحْصُلُ لَهُ صُورَةٌ مُساوِيَةٌ لِصُورَةِ الوالِدِ، وهَذا إنَّما يُعْقَلُ في الشَّيْءِ الَّذِي يَنْفَصِلُ مِنهُ جُزْءٌ، والفَرْدُ المُطْلَقُ لا يُقالُ ذَلِكَ فِيهِ. الثّانِي: شَرْطُ الوَلَدِ أنْ يَكُونَ مُماثِلًا في تَمامِ الماهِيَّةِ لِلْوالِدِ، فَتَكُونُ حَقِيقَةُ ذَلِكَ الشَّيْءِ حَقِيقَةً نَوْعِيَّةً مَحْمُولَةً عَلى شَخْصَيْنِ، وذَلِكَ مُحالٌ، لِأنَّ تَعْيِينَ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما إنْ كانَ مِن لَوازِمِ تِلْكَ الماهِيَّةِ لَزِمَ أنْ لا صفحة ٢١٢ يَحْصُلَ مِن تِلْكَ الماهِيَّةِ إلّا الشَّخْصُ الواحِدُ، وإنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ التَّعْيِينُ مِن لَوازِمِ تِلْكَ الماهِيَّةِ كانَ ذَلِكَ التَّعْيِينُ مَعْلُومًا بِسَبَبٍ مُنْفَصِلٍ، فَلا يَكُونُ إلَهًا واجِبَ الوُجُودِ لِذاتِهِ، فَثَبَتَ أنَّ كَوْنَهُ إلَهًا واجِبَ الوُجُودِ لِذاتِهِ يُوجِبُ كَوْنَهُ واحِدًا في حَقِيقَتِهِ، وكَوْنُهُ واحِدًا في حَقِيقَتِهِ يَمْنَعُ مِن ثُبُوتِ الوَلَدِ لَهُ، فَثَبَتَ أنَّ كَوْنَهُ واحِدًا يَمْنَعُ مِن ثُبُوتِ الوَلَدِ. الثّالِثُ: أنَّ الوَلَدَ لا يَحْصُلُ إلّا مِنَ الزَّوْجِ والزَّوْجَةِ، والزَّوْجانِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونا مِن جِنْسٍ واحِدٍ، فَلَوْ كانَ لَهُ ولَدٌ لَما كانَ واحِدًا، بَلْ كانَتْ زَوْجَتُهُ مِن جِنْسِهِ، وأمّا أنَّ كَوْنَهُ قَهّارًا يَمْنَعُ مِن ثُبُوتِ الوَلَدِ لَهُ، فَلِأنَّ المُحْتاجَ إلى الوَلَدِ هو الَّذِي يَمُوتُ فَيَحْتاجُ إلى ولَدٍ يَقُومُ مَقامَهُ، فالمُحْتاجُ إلى الوَلَدِ هو الَّذِي يَكُونُ مَقْهُورًا بِالمَوْتِ، أمّا الَّذِي يَكُونُ قاهِرًا ولا يَقْهَرُهُ غَيْرُهُ كانَ الوَلَدُ في حَقِّهِ مُحالًا، فَثَبَتَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿هُوَ اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾ ألْفاظٌ مُشْتَمِلَةٌ عَلى دَلائِلَ قاطِعَةٍ في نَفْيِ الوَلَدِ عَنِ اللَّهِ تَعالى.

الزمر 39:4

ثُمَّ قالَ: ﴿فاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ في قَوْلِهِ: ﴿إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ﴾ أنَّ هَذا الكِتابَ مُشْتَمِلٌ عَلى الحَقِّ والصِّدْقِ والصَّوابِ - أرْدَفَ هُنا بَعْضَ ما فِيهِ مِنَ الحَقِّ والصِّدْقِ، وهو أنْ يَشْتَغِلَ الإنْسانُ بِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى عَلى سَبِيلِ الإخْلاصِ، ويَتَبَرَّأ عَنْ عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى بِالكُلِّيَّةِ، فَأمّا اشْتِغالُهُ بِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى عَلى سَبِيلِ الإخْلاصِ فَهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا﴾، وأمّا بَراءَتُهُ مِن عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى فَهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ألا لِلَّهِ الدِّينُ الخالِصُ﴾، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ألا لِلَّهِ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ، ومَعْنى الحَصْرِ أنْ يَثْبُتَ الحُكْمُ في المَذْكُورِ ويَنْتَفِيَ عَنْ غَيْرِ المَذْكُورِ، واعْلَمْ أنَّ العِبادَةَ مَعَ الإخْلاصِ لا تُعْرَفُ حَقِيقَةً إلّا إذا عَرَفْنا أنَّ العِبادَةَ ما هي، وأنَّ الإخْلاصَ ما هو، وأنَّ الوُجُوهَ المُنافِيَةَ لِلْإخْلاصِ ما هي، فَهَذِهِ أُمُورٌ ثَلاثَةٌ لا بُدَّ مِنَ البَحْثِ عَنْها: أمّا العِبادَةُ: فَهي فِعْلٌ أوْ قَوْلٌ أوْ تَرْكُ فِعْلٍ أوْ تَرْكُ قَوْلٍ، ويُؤْتى بِهِ لِمُجَرَّدِ اعْتِقادِ أنَّ الأمْرَ بِهِ عَظِيمٌ يَجِبُ قَبُولُهُ. وأمّا الإخْلاصُ: فَهو أنْ يَكُونَ الدّاعِي لَهُ إلى الإتْيانِ بِذَلِكَ الفِعْلِ أوِ التَّرْكِ مُجَرَّدَ هَذا الِانْقِيادِ والِامْتِثالِ، فَإنْ حَصَلَ مِنهُ داعٍ آخَرُ، فَإمّا أنْ يَكُونَ جانِبُ الدّاعِي إلى الطّاعَةِ راجِحًا عَلى الجانِبِ الآخَرِ، أوْ مُعادِلًا لَهُ أوْ مَرْجُوحًا. وأجْمَعُوا عَلى أنَّ المُعادِلَ والمَرْجُوحَ ساقِطٌ، وأمّا إذا كانَ الدّاعِي إلى طاعَةِ اللَّهِ راجِحًا عَلى الجانِبِ الآخَرِ فَقَدِ اخْتَلَفُوا في أنَّهُ هَلْ يُفِيدُ أمْ لا، وقَدْ ذَكَرْنا هَذِهِ المَسْألَةَ مِرارًا، ولَفْظُ القُرْآنِ يَدُلُّ عَلى وُجُوبِ الإتْيانِ بِهِ عَلى سَبِيلِ الخُلُوصِ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا﴾ صَرِيحٌ في أنَّهُ يَجِبُ الإتْيانُ بِالعِبادَةِ عَلى سَبِيلِ الخُلُوصِ، وتَأكَّدَ هَذا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما أُمِرُوا إلّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥] . وأمّا بَيانُ الوُجُوهِ المُنافِيَةِ لِلْإخْلاصِ فَهي الوُجُوهُ الدّاعِيَةُ لِلشَّرِيكِ، وهي أقْسامٌ: أحَدُها: أنْ يَكُونَ لِلرِّياءِ والسُّمْعَةِ فِيهِ مَدْخَلٌ. وثانِيها: أنْ يَكُونَ مَقْصُودُهُ مِنَ الإتْيانِ بِالطّاعَةِ الفَوْزَ بِالجَنَّةِ والخَلاصَ مِنَ النّارِ. وثالِثُها: أنْ يَأْتِيَ بِها ويَعْتَقِدَ أنَّ لَها تَأْثِيرًا في إيجابِ الثَّوابِ أوْ دَفْعِ العِقابِ. ورابِعُها: وهو أنْ يُخْلِصَ الطّاعاتِ عَنِ الكَبائِرِ حَتّى تَصِيرَ مَقْبُولَةً، وهَذا القَوْلُ إنَّما يُعْتَبَرُ عَلى قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: مِنَ النّاسِ مَن قالَ: ﴿فاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ المُرادُ مِنهُ شَهادَةُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، واحْتَجُّوا بِما رُوِيَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: ”«لا إلَهَ إلّا اللَّهُ“ حِصْنِي، ومَن دَخَلَ حِصْنِي أمِنَ مِن عَذابِي» وهَذا قَوْلُ مَن يَقُولُ: لا تَضُرُّ المَعْصِيَةُ مَعَ الإيمانِ كَما لا تَنْفَعُ الطّاعَةُ مَعَ الكُفْرِ، وأمّا الأكْثَرُونَ فَقالُوا: الآيَةُ مُتَناوِلَةٌ لِكُلِّ ما كَلَّفَ اللَّهُ بِهِ مِنَ الأوامِرِ والنَّواهِي، وهَذا الأوْلى؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فاعْبُدِ اللَّهَ﴾ عامٌّ، ورُوِيَ أنَّ امْرَأةَ الفَرَزْدَقِ لَمّا قَرُبَ وفاتُها أوْصَتْ أنْ يُصَلِّيَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ عَلَيْها، فَلَمّا صَلّى عَلَيْها ودُفِنَتْ، قالَ لِلْفَرَزْدَقِ: يا أبا فِراسٍ، ما الَّذِي أعْدَدْتَ لِهَذا الأمْرِ ؟ قالَ: شَهادَةُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، فَقالَ الحَسَنُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: هَذا العَمُودُ فَأيْنَ الطُّنُبُ ؟ صفحة ٢١٠ فَبَيَّنَ بِهَذا أنَّ عَمُودَ الخَيْمَةِ لا يُنْتَفَعُ بِهِ إلّا مَعَ الطُّنُبِ حَتّى يُمْكِنَ الِانْتِفاعُ بِالخَيْمَةِ، قالَ القاضِي: فَأمّا ما يُرْوى أنَّهُ ﷺ قالَ لِمُعاذٍ وأبِي الدَّرْداءِ: «وإنْ زِنى وإنْ سَرَقَ عَلى رَغْمِ أنْفِ أبِي الدَّرْداءِ» فَإنْ صَحَّ فَإنَّهُ يَجِبُ أنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِ بِشَرْطِ التَّوْبَةِ، وإلّا لَمْ يَجُزْ قَبُولُ هَذا الخَبَرِ، لِأنَّهُ مُخالِفٌ لِلْقُرْآنِ، ولِأنَّهُ يُوجِبُ أنْ لا يَكُونَ الإنْسانُ مَزْجُورًا عَنِ الزِّنا والسَّرِقَةِ، وأنْ لا يَكُونَ مُتَعَدِّيًا بِفِعْلِهِما، لِأنَّهُ مَعَ شِدَّةِ شَهْوَتِهِ لِلْقَبِيحِ يَعْلَمُ أنَّهُ لا يَضُرُّهُ مَعَ تَمَسُّكِهِ بِالشَّهادَتَيْنِ، فَكَأنَّ ذَلِكَ إغْراءٌ بِالقَبِيحِ، لِأنّا نَقُولُ: إنَّ مَنِ اعْتَقَدَ أنَّ ضَرَرَهُ يَزُولُ بِالتَّوْبَةِ فَقَدِ اعْتَقَدَ أنَّ فِعْلَ القَبِيحِ مَضَرَّةٌ، إلّا أنَّهُ يُزِيلُ ذَلِكَ الضَّرَرَ بِفِعْلِ التَّوْبَةِ بِخِلافِ قَوْلِ مَن يَقُولُ: إنَّ فِعْلَ القَبِيحِ لا يَضُرُّ مَعَ التَّمَسُّكِ بِالشَّهادَتَيْنِ. هَذا تَمامُ كَلامِ القاضِي، فَيُقالُ لَهُ: أمّا قَوْلُكَ: إنَّ القَوْلَ بِالمَغْفِرَةِ مُخالِفٌ لِلْقُرْآنِ، فَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلِ القُرْآنِ يَدُلُّ عَلَيْهِ، قالَ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، وقالَ: ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ﴾ [الرعد: ٦] أيْ: حالَ ظُلْمِهِمْ، كَما يُقالُ: رَأيْتُ الأمِيرَ عَلى أكْلِهِ وشُرْبِهِ، أيْ: حالَ كَوْنِهِ آكِلًا وشارِبًا، وقالَ: ﴿قُلْ ياعِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣]، وأمّا قَوْلُهُ: إنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ الإغْراءَ بِالقَبِيحِ، فَيُقالُ لَهُ: إنْ كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ وجَبَ أنْ يَقْبُحَ غُفْرانُهُ عَقْلًا، وهَذا مَذْهَبُ البَغْدادِيِّينَ مِنَ المُعْتَزِلَةِ، وأنْتَ لا تَقُولُ بِهِ، لِأنَّ مَذْهَبَ البَصْرِيِّينَ أنَّ عَذابَ المُذْنِبِ جائِزٌ عَقْلًا، وأيْضًا فَيَلْزَمُ عَلَيْهِ أنْ لا يَحْصُلَ الغُفْرانُ بِالتَّوْبَةِ، لِأنَّهُ إذا عَلِمَ أنَّهُ إذا أذْنَبَ ثُمَّ تابَ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ لَمْ يَنْزَجِرْ، وأمّا الفَرْقُ الَّذِي ذَكَرَهُ القاضِي فَبَعِيدٌ، لِأنَّهُ إذا عَزَمَ عَلى أنْ يَتُوبَ عَنْهُ في الحالِ عَلِمَ أنَّهُ لا يَضُرُّهُ ذَلِكَ الذَّنْبُ ألْبَتَّةَ. ثُمَّ نَقُولُ: مَذْهَبُنا أنّا نَقْطَعُ بِحُصُولِ العَفْوِ عَنِ الكَبائِرِ في الجُمْلَةِ، فَأمّا في حَقِّ كُلِّ واحِدٍ مِنَ النّاسِ فَذَلِكَ مَشْكُوكٌ فِيهِ، لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النساء: ٤٨] فَقَطَعَ بِحُصُولِ المَغْفِرَةِ في الجُمْلَةِ، إلّا أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمْ يَقْطَعْ بِحُصُولِ هَذا الغُفْرانِ في حَقِّ كُلِّ أحَدٍ، بَلْ في حَقِّ مَن شاءَ، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ الخَوْفُ حاصِلًا، فَلا يَكُونُ الإغْراءُ حاصِلًا، واللَّهُ أعْلَمُ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قُرِئَ ”الدِّينُ“ بِالرَّفْعِ، ثُمَّ قالَ: وحَقُّ مَن رَفَعَهُ أنْ يَقْرَأ ”مُخْلَصًا“ بِفَتْحِ اللّامِ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأخْلَصُوا دِينَهم لِلَّهِ﴾ [النساء: ١٤٦] حَتّى يُطابِقَ قَوْلَهُ: ﴿ألا لِلَّهِ الدِّينُ الخالِصُ﴾ والخالِصُ والمُخْلَصُ واحِدٌ، إلّا أنَّهُ وصَفَ الدِّينَ بِصِفَةِ صاحِبِهِ عَلى الإسْنادِ المَجازِيِّ، كَقَوْلِهِمْ: شِعْرُ شاعِرٍ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ رَأْسَ العِباداتِ ورَئِيسَها الإخْلاصُ في التَّوْحِيدِ - أرْدَفَهُ بِذَمِّ طَرِيقَةِ المُشْرِكِينَ، فَقالَ: ﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ ما نَعْبُدُهم إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى﴾، وتَقْدِيرُ الكَلامِ: والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ، يَقُولُونَ: ما نَعْبُدُهم إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَخَبَرُ ”الَّذِينَ“ مَحْذُوفٌ، وهو قَوْلُهُ ”يَقُولُونَ“، واعْلَمْ أنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: ﴿ما نَعْبُدُهم إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى﴾ عائِدٌ عَلى الأشْياءِ الَّتِي عُبِدَتْ مِن دُونِ اللَّهِ، وهي قِسْمانِ: العُقَلاءُ وغَيْرُ العُقَلاءِ، أمّا العُقَلاءُ فَهو أنَّ قَوْمًا عَبَدُوا المَسِيحَ وعُزَيْزًا والمَلائِكَةَ، وكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ يَعْبُدُونَ الشَّمْسَ والقَمَرَ والنُّجُومَ، ويَعْتَقِدُونَ فِيها أنَّها أحْياءٌ عاقِلَةٌ ناطِقَةٌ، وأمّا الأشْياءُ الَّتِي عُبِدَتْ مَعَ أنَّها لَيْسَتْ مَوْصُوفَةً بِالحَياةِ والعَقْلِ فَهي الأصْنامُ، إذا عَرَفْتَ هَذا، فَنَقُولُ: الكَلامُ الَّذِي ذَكَرَهُ الكُفّارُ لائِقٌ بِالعُقَلاءِ، أمّا بِغَيْرِ العُقَلاءِ فَلا يَلِيقُ، وبَيانُهُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: ﴿ما نَعْبُدُهُمْ﴾ ضَمِيرٌ لِلْعُقَلاءِ، فَلا يَلِيقُ بِالأصْنامِ. الثّانِي: أنَّهُ لا يَبْعُدُ أنْ يَعْتَقِدَ أُولَئِكَ الكُفّارُ أنَّها تُقَرِّبُهُ إلى اللَّهِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَمُرادُهم أنَّ صفحة ٢١١ عِبادَتَهم لَها تُقَرِّبُهم إلى اللَّهِ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ العاقِلَ لا يَعْبُدُ الصَّنَمَ مِن حَيْثُ إنَّهُ خَشَبٌ أوْ حَجَرٌ، وإنَّما يَعْبُدُونَهُ لِاعْتِقادِهِمْ أنَّها تَماثِيلُ الكَواكِبِ أوْ تَماثِيلُ الأرْواحِ السَّماوِيَّةِ، أوْ تَماثِيلُ الأنْبِياءِ والصّالِحِينَ الَّذِينَ مَضَوْا، ويَكُونُ مَقْصُودُهم مِن عِبادَتِها تَوْجِيهُ تِلْكَ العِباداتِ إلى تِلْكَ الأشْياءِ الَّتِي جَعَلُوا هَذِهِ التَّماثِيلَ صُوَرًا لَها. وحاصِلُ الكَلامِ لِعُبّادِ الأصْنامِ أنْ قالُوا: إنَّ الإلَهَ الأعْظَمَ أجَلُّ مِن أنْ يَعْبُدَهُ البَشَرُ، لَكِنَّ اللّائِقَ بِالبَشَرِ أنْ يَشْتَغِلُوا بِعِبادَةِ الأكابِرِ مِن عِبادِ اللَّهِ، مِثْلَ الكَواكِبِ، ومِثْلَ الأرْواحِ السَّماوِيَّةِ، ثُمَّ إنَّها تَشْتَغِلُ بِعِبادَةِ الإلَهِ الأكْبَرِ، فَهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِمْ: ﴿ما نَعْبُدُهم إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى﴾ . واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا حَكى مَذاهِبَهم أجابَ عَنْها مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّهُ اقْتَصَرَ في الجَوابِ عَلى مُجَرَّدِ التَّهْدِيدِ، فَقالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهم في ما هم فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾، واعْلَمْ أنَّ الرَّجُلَ المُبْطِلَ إذا ذَكَرَ مَذْهَبًا باطِلًا وكانَ مُصِرًّا عَلَيْهِ، فالطَّرِيقُ في عِلاجِهِ أنْ يُحْتالَ بِحِيلَةٍ تُوجِبُ زَوالَ ذَلِكَ الإصْرارِ عَنْ قَلْبِهِ، فَإذا زالَ الإصْرارُ عَنْ قَلْبِهِ، فَبَعْدَ ذَلِكَ يُسْمِعُهُ الدَّلِيلَ الدّالَّ عَلى بُطْلانِهِ، فَيَكُونُ هَذا الطَّرِيقُ أفْضى إلى المَقْصُودِ، والأطِبّاءُ يَقُولُونَ: لا بُدَّ مِن تَقْدِيمِ المُنْضِجِ عَلى سَقْيِ المُسَهِّلِ، فَإنَّ بِتَناوُلِ المُنْضِجِ تَصِيرُ المَوادُّ الفاسِدَةُ رَخْوَةً قابِلَةً لِلزَّوالِ، فَإذا سَقَيْتَهُ المُسَهِّلَ بَعْدَ ذَلِكَ حَصَلَ النَّقاءُ التّامُّ، فَكَذَلِكَ هَهُنا سَماعُ التَّهْدِيدِ والتَّخْوِيفِ أوَّلًا يَجْرِي مَجْرى سَقْيِ المُنْضِجِ أوَّلًا، وإسْماعُ الدَّلِيلِ ثانِيًا يَجْرِي مَجْرى سَقْيِ المُسَهِّلِ ثانِيًا، فَهَذا هو الفائِدَةُ في تَقْدِيمِ هَذا التَّهْدِيدِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن هو كاذِبٌ كَفّارٌ﴾ والمُرادُ أنَّ مَن أصَرَّ عَلى الكَذِبِ والكُفْرِ بَقِيَ مَحْرُومًا عَنِ الهِدايَةِ، والمُرادُ بِهَذا الكَذِبِ - وصْفُهم بِهَذِهِ الأصْنامِ بِأنَّها آلِهَةٌ مُسْتَحِقَّةٌ لِلْعِبادَةِ مَعَ عِلْمِهِمْ بِأنَّها جَماداتٌ خَسِيسَةٌ، وهم نَحَتُوها وتَصَرَّفُوا فِيها، والعِلْمُ الضَّرُورِيُّ حاصِلٌ بِأنَّ وصْفَ هَذِهِ الأشْياءِ بِالإلَهِيَّةِ كَذِبٌ مَحْضٌ، وأمّا الكُفْرُ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ الكُفْرَ الرّاجِعَ إلى الِاعْتِقادِ، والأمْرُ هَهُنا كَذَلِكَ، فَإنَّ وصْفَهم لَها بِالإلَهِيَّةِ كَذِبٌ، واعْتِقادَهم فِيها بِالإلَهِيَّةِ جَهْلٌ وكُفْرٌ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ كُفْرانَ النِّعْمَةِ، والسَّبَبُ فِيهِ أنَّ العِبادَةَ نِهايَةُ التَّعْظِيمِ، ونِهايَةُ التَّعْظِيمِ لا تَلِيقُ إلّا بِمَن يَصْدُرُ عَنْهُ غايَةُ الإنْعامِ، وذَلِكَ المُنْعِمُ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى، وهَذِهِ الأوْثانُ لا مَدْخَلَ لَها في ذَلِكَ الإنْعامِ، فالِاشْتِغالُ بِعِبادَةِ هَذِهِ الأوْثانِ يُوجِبُ كُفْرانَ نِعْمَةِ المُنْعِمِ الحَقِّ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لَوْ أرادَ اللَّهُ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا لاصْطَفى مِمّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ سُبْحانَهُ هو اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾ والمُرادُ مِن هَذا الكَلامِ - إقامَةُ الدَّلائِلِ القاهِرَةِ عَلى كَوْنِهِ مُنَزَّهًا عَنِ الوَلَدِ، وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّهُ لَوِ اتَّخَذَ ولَدًا لَما رَضِيَ إلّا بِأكْمَلِ الأوْلادِ وهو الِابْنُ، فَكَيْفَ نَسَبْتُمْ إلَيْهِ البِنْتَ. الثّانِي: أنَّهُ سُبْحانَهُ واحِدٌ حَقِيقِيٌّ، والواحِدُ الحَقِيقِيُّ يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ، أمّا أنَّهُ واحِدٌ حَقِيقِيٌّ فَلِأنَّهُ لَوْ كانَ مُرَكَّبًا لاحْتاجَ إلى كُلِّ واحِدٍ مِن أجْزائِهِ، وجُزْؤُهُ غَيْرُهُ، فَكانَ يَحْتاجُ إلى غَيْرِهِ، والمُحْتاجُ إلى الغَيْرِ مُمْكِنٌ لِذاتِهِ، والمُمْكِنُ لِذاتِهِ لا يَكُونُ واجِبَ الوُجُودِ لِذاتِهِ، وأمّا أنَّ الواحِدَ لا يَكُونُ لَهُ ولَدٌ فَلِوُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ الوَلَدَ عِبارَةٌ عَنْ جُزْءٍ مِن أجْزاءِ الشَّيْءِ يَنْفَصِلُ عَنْهُ، ثُمَّ يَحْصُلُ لَهُ صُورَةٌ مُساوِيَةٌ لِصُورَةِ الوالِدِ، وهَذا إنَّما يُعْقَلُ في الشَّيْءِ الَّذِي يَنْفَصِلُ مِنهُ جُزْءٌ، والفَرْدُ المُطْلَقُ لا يُقالُ ذَلِكَ فِيهِ. الثّانِي: شَرْطُ الوَلَدِ أنْ يَكُونَ مُماثِلًا في تَمامِ الماهِيَّةِ لِلْوالِدِ، فَتَكُونُ حَقِيقَةُ ذَلِكَ الشَّيْءِ حَقِيقَةً نَوْعِيَّةً مَحْمُولَةً عَلى شَخْصَيْنِ، وذَلِكَ مُحالٌ، لِأنَّ تَعْيِينَ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما إنْ كانَ مِن لَوازِمِ تِلْكَ الماهِيَّةِ لَزِمَ أنْ لا صفحة ٢١٢ يَحْصُلَ مِن تِلْكَ الماهِيَّةِ إلّا الشَّخْصُ الواحِدُ، وإنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ التَّعْيِينُ مِن لَوازِمِ تِلْكَ الماهِيَّةِ كانَ ذَلِكَ التَّعْيِينُ مَعْلُومًا بِسَبَبٍ مُنْفَصِلٍ، فَلا يَكُونُ إلَهًا واجِبَ الوُجُودِ لِذاتِهِ، فَثَبَتَ أنَّ كَوْنَهُ إلَهًا واجِبَ الوُجُودِ لِذاتِهِ يُوجِبُ كَوْنَهُ واحِدًا في حَقِيقَتِهِ، وكَوْنُهُ واحِدًا في حَقِيقَتِهِ يَمْنَعُ مِن ثُبُوتِ الوَلَدِ لَهُ، فَثَبَتَ أنَّ كَوْنَهُ واحِدًا يَمْنَعُ مِن ثُبُوتِ الوَلَدِ. الثّالِثُ: أنَّ الوَلَدَ لا يَحْصُلُ إلّا مِنَ الزَّوْجِ والزَّوْجَةِ، والزَّوْجانِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونا مِن جِنْسٍ واحِدٍ، فَلَوْ كانَ لَهُ ولَدٌ لَما كانَ واحِدًا، بَلْ كانَتْ زَوْجَتُهُ مِن جِنْسِهِ، وأمّا أنَّ كَوْنَهُ قَهّارًا يَمْنَعُ مِن ثُبُوتِ الوَلَدِ لَهُ، فَلِأنَّ المُحْتاجَ إلى الوَلَدِ هو الَّذِي يَمُوتُ فَيَحْتاجُ إلى ولَدٍ يَقُومُ مَقامَهُ، فالمُحْتاجُ إلى الوَلَدِ هو الَّذِي يَكُونُ مَقْهُورًا بِالمَوْتِ، أمّا الَّذِي يَكُونُ قاهِرًا ولا يَقْهَرُهُ غَيْرُهُ كانَ الوَلَدُ في حَقِّهِ مُحالًا، فَثَبَتَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿هُوَ اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾ ألْفاظٌ مُشْتَمِلَةٌ عَلى دَلائِلَ قاطِعَةٍ في نَفْيِ الوَلَدِ عَنِ اللَّهِ تَعالى.

الزمر 39:5

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلى النَّهارِ ويُكَوِّرُ النَّهارَ عَلى اللَّيْلِ وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأجَلٍ مُسَمًّى ألا هو العَزِيزُ الغَفّارُ﴾ ﴿خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنها زَوْجَها وأنْزَلَ لَكم مِنَ الأنْعامِ ثَمانِيَةَ أزْواجٍ يَخْلُقُكم في بُطُونِ أُمَّهاتِكم خَلْقًا مِن بَعْدِ خَلْقٍ في ظُلُماتٍ ثَلاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم لَهُ المُلْكُ لا إلَهَ إلّا هو فَأنّى تُصْرَفُونَ﴾ ﴿إنْ تَكْفُرُوا فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكم ولا يَرْضى لِعِبادِهِ الكُفْرَ وإنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكم ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ثُمَّ إلى رَبِّكم مَرْجِعُكم فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ اعْلَمْ أنَّ الآيَةَ المُتَقَدِّمَةَ دَلَّتْ عَلى أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ كَوْنَهُ مُنَزَّهًا عَنِ الوَلَدِ بِكَوْنِهِ إلَهًا واحِدًا، وقَهّارًا غالِبًا، أيْ: كامِلَ القُدْرَةِ، فَلَمّا بَنى تِلْكَ المَسْألَةَ عَلى هَذِهِ الأُصُولِ ذَكَرَ عَقِيبَها ما يَدُلُّ عَلى كَمالِ القُدْرَةِ وعَلى كَمالِ الِاسْتِغْناءِ، وأيْضًا فَإنَّهُ تَعالى طَعَنَ في إلَهِيَّةِ الأصْنامِ، فَذَكَرَ عَقِيبَها الصِّفاتِ الَّتِي بِاعْتِبارِها تَحْصُلُ الإلَهِيَّةُ، واعْلَمْ أنّا بَيَّنّا في مَواضِعَ مِن هَذا الكِتابِ أنَّ الدَّلائِلَ الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ تَعالى في إثْباتِ إلَهِيَّتِهِ، إمّا أنْ تَكُونَ فَلَكِيَّةً أوْ عُنْصُرِيَّةً، أمّا الفَلَكِيَّةُ فَأقْسامٌ: أحَدُها: خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ، وهَذا المَعْنى يَدُلُّ عَلى وُجُودِ الإلَهِ القادِرِ مِن وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ، شَرَحْناها في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ [الأنعام: ١] . صفحة ٢١٣ والثّانِي: اخْتِلافُ أحْوالِ اللَّيْلِ والنَّهارِ، وهو المُرادُ هَهُنا مِن قَوْلِهِ: ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلى النَّهارِ ويُكَوِّرُ النَّهارَ عَلى اللَّيْلِ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ النُّورَ والظُّلْمَةَ عَسْكَرانِ مَهِيبانِ عَظِيمانِ، وفي كُلِّ يَوْمٍ يَغْلِبُ هَذا ذاكَ تارَةً، وذاكَ هَذا أُخْرى. وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما مَغْلُوبٌ مَقْهُورٌ، ولا بُدَّ مِن غالِبٍ قاهِرٍ لَهُما يَكُونانِ تَحْتَ تَدْبِيرِهِ وقَهْرِهِ، وهو اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى، والمُرادُ مِن هَذا التَّكْوِيرِ أنَّهُ يَزِيدُ في كُلِّ واحِدٍ مِنهُما بِقَدْرِ ما يَنْقُصُ عَنِ الآخَرِ، والمُرادُ مِن تَكْوِيرِ اللَّيْلِ والنَّهارِ ما ورَدَ في الحَدِيثِ: «نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الحَوْرِ بَعْدَ الكَوْرِ» أيْ: مِنَ الإدْبارِ بَعْدَ الإقْبالِ، واعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عَبَّرَ عَنْ هَذا المَعْنى بِقَوْلِهِ: ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلى النَّهارِ﴾ وبِقَوْلِهِ: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ﴾ [الأعراف: ٥٤]، وبِقَوْلِهِ: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ﴾ [الحج: ٦١]، وبِقَوْلِهِ: ﴿وهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ والنَّهارَ خِلْفَةً لِمَن أرادَ أنْ يَذَّكَّرَ﴾ [الفرقان: ٦٢] . والثّالِثُ: اعْتِبارُ أحْوالِ الكَواكِبِ لا سِيَّما الشَّمْسِ والقَمَرِ، فَإنَّ الشَّمْسَ سُلْطانُ النَّهارِ، والقَمَرَ سُلْطانُ اللَّيْلِ، وأكْثَرُ مَصالِحِ هَذا العالَمِ مَرْبُوطَةٌ بِهِما، وقَوْلُهُ: ﴿كُلٌّ يَجْرِي لِأجَلٍ مُسَمًّى﴾ الأجَلُ المُسَمّى يَوْمُ القِيامَةِ، لا يَزالانِ يَجْرِيانِ إلى هَذا اليَوْمِ، فَإذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ ذَهَبا، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجُمِعَ الشَّمْسُ والقَمَرُ﴾ [القيامة: ٩] والمُرادُ مِن هَذا التَّسْخِيرِ أنَّ هَذِهِ الأفْلاكَ تَدُورُ كَدَوَرانِ المَنجَنُونِ عَلى حَدٍّ واحِدٍ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وعِنْدَهُ تُطْوى السَّماءُ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ. ولَمّا ذَكَرَ اللَّهُ هَذِهِ الأنْواعَ الثَّلاثَةَ مِنَ الدَّلائِلِ الفَلَكِيَّةِ قالَ: ﴿ألا هو العَزِيزُ الغَفّارُ﴾ والمَعْنى: أنَّ خَلْقَ هَذِهِ الأجْرامِ العَظِيمَةِ وإنْ دَلَّ عَلى كَوْنِهِ عَزِيزًا، أيْ: كامِلُ القُدْرَةِ، إلّا أنَّهُ غَفّارٌ عَظِيمُ الرَّحْمَةِ والفَضْلِ والإحْسانِ، فَإنَّهُ لَمّا كانَ الإخْبارُ عَنْ كَوْنِهِ عَظِيمَ القُدْرَةِ يُوجِبُ الخَوْفَ والرَّهْبَةَ، فَكَوْنُهُ غَفّارًا يُوجِبُ كَثْرَةَ الرَّحْمَةِ، وكَثْرَةُ الرَّحْمَةِ تُوجِبُ الرَّجاءَ والرَّغْبَةَ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أتْبَعَ ذِكْرَ الدَّلائِلِ الفَلَكِيَّةِ بِذِكْرِ الدَّلائِلِ المَأْخُوذَةِ مِن هَذا العالَمِ الأسْفَلِ، فَبَدَأ بِذِكْرِ الإنْسانِ فَقالَ: ﴿خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنها زَوْجَها﴾ ودَلالَةُ تَكَوُّنِ الإنْسانِ عَلى الإلَهِ المُخْتارِ - قَدْ سَبَقَ بَيانُها مِرارًا كَثِيرَةً، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ جازَ أنْ يَقُولَ: ﴿خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنها زَوْجَها﴾ والزَّوْجُ مَخْلُوقٌ قَبْلَ خَلْقِهِمْ ؟ أجابُوا عَنْهُ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ كَلِمَةَ ”ثُمَّ“ كَما تَجِيءُ لِبَيانِ كَوْنِ إحْدى الواقِعَتَيْنِ مُتَأخِّرَةً عَنِ الثّانِيَةِ - فَكَذَلِكَ تَجِيءُ لِبَيانِ تَأخُّرِ أحَدِ الكَلامَيْنِ عَنِ الآخَرِ، كَقَوْلِ القائِلِ: بَلَغَنِي ما صَنَعْتَ اليَوْمَ، ثُمَّ ما صَنَعْتَ أمْسِ كانَ أعْجَبَ، ويَقُولُ أيْضًا: قَدْ أعْطَيْتُكَ اليَوْمَ شَيْئًا، ثُمَّ الَّذِي أعْطَيْتُكَ أمْسِ أكْثَرُ. الثّانِي: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ خَلَقَكم مِن نَفْسٍ خُلِقَتْ وحْدَها، ثُمَّ جُعِلَ مِنها زَوْجُها. الثّالِثُ: أخْرَجَ اللَّهُ تَعالى ذُرِّيَّةَ آدَمَ مِن ظَهْرِهِ كالذَّرِّ، ثُمَّ خَلَقَ بَعْدَ ذَلِكَ حَوّاءَ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ الِاسْتِدْلالَ بِخَلْقِهِ الإنْسانَ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ ذَكَرَ عَقِيبَهُ الِاسْتِدْلالَ بِوُجُودِ الحَيَوانِ عَلَيْهِ فَقالَ: ﴿وأنْزَلَ لَكم مِنَ الأنْعامِ ثَمانِيَةَ أزْواجٍ﴾ وهي: الإبِلُ والبَقَرُ، والضَّأْنُ والمَعْزُ، وقَدْ بَيَّنّا كَيْفِيَّةَ دَلالَةِ هَذِهِ الحَيَواناتِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ في قَوْلِهِ: ﴿والأنْعامَ خَلَقَها لَكم فِيها دِفْءٌ﴾ [النحل: ٥]، وفي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنْزَلَ لَكُمْ﴾ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ قَضاءَ اللَّهِ وتَقْدِيرَهُ وحُكْمَهُ مَوْصُوفٌ بِالنُّزُولِ مِنَ السَّماءِ لِأجْلِ أنَّهُ كَتَبَ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ كُلَّ كائِنٍ يَكُونُ. الثّانِي: أنَّ شَيْئًا مِنَ الحَيَوانِ لا يَعِيشُ إلّا بِالنَّباتِ، والنَّباتُ لا يَقُومُ إلّا بِالماءِ والتُّرابِ، والماءُ يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ، فَصارَ التَّقْدِيرُ كَأنَّهُ أنْزَلَها. الثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى خَلَقَها في الجَنَّةِ ثُمَّ أنْزَلَها إلى الأرْضِ، وقَوْلُهُ: ﴿ثَمانِيَةَ أزْواجٍ﴾ أيْ: ذَكَرٌ وأُنْثى مِنَ الإبِلِ والبَقَرِ والضَّأْنِ والمَعْزِ، والزَّوْجُ اسْمٌ لِكُلِّ واحِدٍ مَعَهُ آخَرُ، فَإذا انْفَرَدَ فَهو فَرْدٌ مِنهُ، قالَ تَعالى: ﴿فَجَعَلَ مِنهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ [القيامة: ٣٩] . صفحة ٢١٤ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿يَخْلُقُكم في بُطُونِ أُمَّهاتِكم خَلْقًا مِن بَعْدِ خَلْقٍ﴾، وفِيهِ أبْحاثٌ: الأوَّلُ: قَرَأ حَمْزَةُ بِكَسْرِ الألِفِ والمِيمِ، والكِسائِيُّ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وفَتْحِ المِيمِ، والباقُونَ ”أُمَّهاتِكم“ بِضَمِّ الألْفِ وفَتْحِ المِيمِ. الثّانِي: أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ تَخْلِيقَ النّاسِ مِن شَخْصٍ واحِدٍ وهو آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ - أرْدَفَهُ بِتَخْلِيقِ الأنْعامِ، وإنَّما خَصَّها بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّها أشْرَفُ الحَيَواناتِ بَعْدَ الإنْسانِ، ثُمَّ ذَكَرَ عَقِيبَ ذِكْرِهِما حالَةً مُشْتَرَكَةً بَيْنَ الإنْسانِ وبَيْنَ الأنْعامِ، وهي كَوْنُها مَخْلُوقَةً في بُطُونِ أُمَّهاتِهِمْ، وقَوْلُهُ: ﴿خَلْقًا مِن بَعْدِ خَلْقٍ﴾ المُرادُ مِنهُ ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ﴾ ﴿ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً في قَرارٍ مَكِينٍ﴾ ﴿ثُمَّ خَلَقْنا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنا العَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنا المُضْغَةَ عِظامًا فَكَسَوْنا العِظامَ لَحْمًا ثُمَّ أنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤] . وقَوْلُهُ: ﴿فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ﴾ قِيلَ: الظُّلُماتُ الثَّلاثُ: البَطْنُ والرَّحِمُ والمَشِيمَةُ، وقِيلَ: الصُّلْبُ والرَّحِمُ والبَطْنُ، ووَجْهُ الِاسْتِدْلالِ بِهَذِهِ الحالاتِ قَدْ ذَكَرْناهُ في قَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكم في الأرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ﴾ [آل عمران: ٦] . واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا شَرَحَ هَذِهِ الدَّلائِلَ ووَصَفَها قالَ: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ﴾ أيْ: ذَلِكُمُ الشَّيْءُ الَّذِي عَرَفْتُمْ عَجائِبَ أفْعالِهِ هو اللَّهُ رَبُّكم، وفي هَذِهِ الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى كَوْنِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى مُنَزَّهًا عَنِ الأجْزاءِ والأعْضاءِ، وعَلى كَوْنِهِ مُنَزَّهًا عَنِ الجِسْمِيَّةِ والمَكانِيَّةِ، وذَلِكَ أنَّهُ تَعالى عِنْدَما أرادَ أنْ يُعَرِّفَ عِبادَهُ ذاتَهُ المَخْصُوصَةَ لَمْ يَذْكُرْ إلّا كَوْنَهُ فاعِلًا لِهَذِهِ الأشْياءِ، ولَوْ كانَ جِسْمًا مُرَكَّبًا مِنَ الأعْضاءِ لَكانَ تَعْرِيفُهُ بِتِلْكَ الأجْزاءِ والأعْضاءِ تَعْرِيفًا لِلشَّيْءِ بِأجْزاءِ حَقِيقَتِهِ، وأمّا تَعْرِيفُهُ بِأحْوالِهِ وأفْعالِهِ وآثارِهِ فَذَلِكَ تَعْرِيفٌ لَهُ بِأُمُورٍ خارِجَةٍ عَنْ ذاتِهِ، والتَّعْرِيفُ الأوَّلُ أكْمَلُ مِنَ الثّانِي، ولَوْ كانَ ذَلِكَ القِسْمُ مُمْكِنًا لَكانَ الِاكْتِفاءُ بِهَذا القِسْمِ الثّانِي تَقْصِيرًا ونَقْصًا، وذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ، فَعَلِمْنا أنَّ الِاكْتِفاءَ بِهَذا القِسْمِ إنَّما حَسُنَ لِأنَّ القِسْمَ الأوَّلَ مُحالٌ مُمْتَنِعُ الوُجُودِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى مُتَعالِيًا عَنِ الجِسْمِيَّةِ والأعْضاءِ والأجْزاءِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لَهُ المُلْكُ﴾ وهَذا يُفِيدُ الحَصْرَ، أيْ: لَهُ المُلْكُ لا لِغَيْرِهِ، ولَمّا ثَبَتَ أنَّهُ لا مُلْكَ إلّا لَهُ، وجَبَ القَوْلُ بِأنَّهُ لا إلَهَ إلّا هو، لِأنَّهُ لَوْ ثَبَتَ إلَهٌ آخَرُ، فَذَلِكَ الإلَهُ إمّا أنْ يَكُونَ لَهُ المُلْكُ أوْ لا يَكُونُ لَهُ المُلْكُ، فَإنْ كانَ لَهُ المُلْكُ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما مالِكًا قادِرًا، ويَجْرِي بَيْنَهُما التَّمانُعُ كَما ثَبَتَ في قَوْلِهِ: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلّا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾ [الأنبياء: ٢٢] وذَلِكَ مُحالٌ، وإنْ لَمْ يَكُنْ لِلثّانِي شَيْءٌ مِنَ القُدْرَةِ والمُلْكِ فَيَكُونُ ناقِصًا ولا يَصْلُحُ لِلْإلَهِيَّةِ، فَثَبَتَ أنَّهُ لَمّا دَلَّ الدَّلِيلُ عَلى أنَّهُ لا مُلْكَ إلّا لِلَّهِ، وجَبَ أنْ يُقالَ: لا إلَهَ لِلْعالَمِينَ ولا مَعْبُودَ لِلْخَلْقِ أجْمَعِينَ إلّا اللَّهُ الأحَدُ الحَقُّ الصَّمَدُ. ثُمَّ اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا بَيَّنَ بِهَذِهِ الدَّلائِلِ كَمالَ قُدْرَةِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - وحِكْمَتَهُ ورَحْمَتَهُ، رَتَّبَ عَلَيْهِ تَزْيِيفَ طَرِيقَةِ المُشْرِكِينَ والضّالِّينَ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿فَأنّى تُصْرَفُونَ﴾ يَحْتَجُّ بِهِ أصْحابُنا ويَحْتَجُّ بِهِ المُعْتَزِلَةُ، أمّا أصْحابُنا فَوَجْهُ الِاسْتِدْلالِ لَهم بِهَذِهِ الآيَةِ: أنَّها صَرِيحَةٌ في أنَّهم لَمْ يَنْصَرِفُوا بِأنْفُسِهِمْ عَنْ هَذِهِ البَياناتِ، بَلْ صَرَفَها عَنْهم غَيْرُهم، وما ذاكَ الغَيْرُ إلّا اللَّهُ، وأيْضًا فَدَلِيلُ العَقْلِ يُقَوِّي ذَلِكَ، لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ يُرِيدُ لِنَفْسِهِ تَحْصِيلَ الحَقِّ والصَّوابِ، فَلَمّا لَمْ يَحْصُلْ ذَلِكَ، وإنَّما حَصَلَ الجَهْلُ والضَّلالُ عَلِمْنا أنَّهُ مِن غَيْرِهِ لا مِنهُ، وأمّا المُعْتَزِلَةُ فَوَجْهُ الِاسْتِدْلالِ لَهم: أنَّ قَوْلَهُ ﴿فَأنّى تُصْرَفُونَ﴾ تَعَجُّبٌ مِن هَذا الِانْصِرافِ، ولَوْ كانَ الفاعِلُ لِذَلِكَ الصَّرْفِ هو اللَّهُ تَعالى لَمْ يَبْقَ لِهَذا التَّعَجُّبِ مَعْنًى. صفحة ٢١٥ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنْ تَكْفُرُوا فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ﴾ والمَعْنى أنَّ اللَّهَ تَعالى ما كَلَّفَ المُكَلَّفِينَ لِيَجُرَّ إلى نَفْسِهِ مَنفَعَةً، أوْ لِيَدْفَعَ عَنْ نَفْسِهِ مَضَرَّةً، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى غَنِيٌّ عَلى الإطْلاقِ، ويَمْتَنِعُ في حَقِّهِ جَرُّ المَنفَعَةِ ودَفْعُ المَضَرَّةِ، وإنَّما قُلْنا: إنَّهُ غَنِيٌّ لِوُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّهُ واجِبُ الوُجُودِ لِذاتِهِ، وواجِبُ الوُجُودِ في جَمِيعِ صِفاتِهِ، ومَن كانَ كَذَلِكَ كانَ غَنِيًّا عَلى الإطْلاقِ. الثّانِي: أنَّهُ لَوْ كانَ مُحْتاجًا لَكانَتْ تِلْكَ الحاجَةُ إمّا قَدِيمَةً وإمّا حادِثَةً. والأوَّلُ باطِلٌ، وإلّا لَزِمَ أنْ يَخْلُقَ في الأزَلِ ما كانَ مُحْتاجًا إلَيْهِ، وذَلِكَ مُحالٌ، لِأنَّ الخَلْقَ والأزَلَ مُتَناقِضٌ، والثّانِي باطِلٌ، لِأنَّ الحاجَةَ نُقْصانٌ، والحَكِيمُ لا يَدْعُوهُ الدّاعِي إلى تَحْصِيلِ النُّقْصانِ لِنَفْسِهِ. الثّالِثُ: هَبْ أنَّهُ يَبْقى الشَّكُّ في أنَّهُ هَلْ تَصِحُّ الشَّهْوَةُ والنَّفْرَةُ والحاجَةُ عَلَيْهِ أمْ لا ؟ أمّا مِنَ المَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ أنَّ الإلَهَ القادِرَ عَلى خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ والشَّمْسِ والقَمَرِ والنُّجُومِ والعَرْشِ والكُرْسِيِّ، والعَناصِرِ الأرْبَعَةِ، والمَوالِيدِ الثَّلاثَةِ - يُمْتَنَعُ أنْ يَنْتَفِعَ بِصَلاةِ زَيْدٍ وصِيامِ عَمْرٍو، وأنْ يُضَرَّ بِعَدَمِ صَلاةٍ هَذا وعَدَمِ صِيامِ ذاكَ، فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا أنَّ جَمِيعَ العالَمِينَ لَوْ كَفَرُوا وأصَرُّوا عَلى الجَهْلِ، فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْهم. ثُمَّ قالَ تَعالى بَعْدَهُ: ﴿ولا يَرْضى لِعِبادِهِ الكُفْرَ﴾ يَعْنِي أنَّهُ وإنْ كانَ لا يَنْفَعُهُ إيمانٌ ولا يَضُرُّهُ كُفْرانٌ إلّا أنَّهُ لا يَرْضى بِالكُفْرِ، واحْتَجَّ الجُبّائِيُّ بِهَذِهِ الآيَةِ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ المُجْبِرَةَ يَقُولُونَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ كُفْرَ العِبادِ، وإنَّهُ مِن جِهَةِ ما خَلَقَهُ حَقٌّ وصَوابٌ، قالَ: ولَوْ كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ لَكانَ قَدْ رَضِيَ الكُفْرَ مِنَ الوَجْهِ الَّذِي خَلَقَهُ، وذَلِكَ ضِدُّ الآيَةِ. الثّانِي: لَوْ كانَ الكُفْرُ بِقَضاءِ اللَّهِ تَعالى لَوَجَبَ عَلَيْنا أنْ نَرْضى بِهِ، لَأنَّ الرِّضا بِقَضاءِ اللَّهِ تَعالى واجِبٌ، وحَيْثُ اجْتَمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى أنَّ الرِّضا بِالكُفْرِ كُفْرٌ، ثَبَتَ أنَّهُ لَيْسَ بِقَضاءِ اللَّهِ، ولَيْسَ أيْضًا بِرِضاءِ اللَّهِ تَعالى، وأجابَ الأصْحابُ عَنْ هَذا الِاسْتِدْلالِ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ عادَةَ القُرْآنِ جارِيَةٌ بِتَخْصِيصِ لَفْظِ العِبادِ بِالمُؤْمِنِينَ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وعِبادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان: ٦٣] وقالَ: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٦]، وقالَ: ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ﴾ [الحجر: ٤٢]، فَعَلى هَذا التَّقْدِيرِ قَوْلُهُ: ﴿ولا يَرْضى لِعِبادِهِ الكُفْرَ﴾ ولا يَرْضى لِلْمُؤْمِنِينَ الكُفْرَ، وذَلِكَ لا يَضُرُّنا. الثّانِي: أنّا نَقُولُ: الكُفْرُ بِإرادَةِ اللَّهِ تَعالى، ولا نَقُولُ: إنَّهُ بِرِضا اللَّهِ، لِأنَّ الرِّضا عِبارَةٌ عَنِ المَدْحِ عَلَيْهِ والثَّناءِ بِفِعْلِهِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ المُؤْمِنِينَ﴾ [الفتح: ١٨] أيْ يَمْدَحُهم ويُثْنِي عَلَيْهِمْ. الثّالِثُ: كانَ الشَّيْخُ الوالِدُ ضِياءُ الدِّينِ عُمَرُ رَحِمَهُ اللَّهُ يَقُولُ: الرِّضا عِبارَةٌ عَنْ تَرْكِ اللَّوْمِ والِاعْتِراضِ، ولَيْسَ عِبارَةً عَنِ الإرادَةِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُ ابْنِ دُرَيْدٍ: رَضِيتُ قَسْرًا وعَلى القَسْرِ رِضا مَن كانَ ذا سُخْطٍ عَلى صَرْفِ القَضا أثْبَتَ الرِّضا مَعَ القَسْرِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى ما قُلْناهُ. والرّابِعُ: هَبْ أنَّ الرِّضا هو الإرادَةُ، إلّا أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولا يَرْضى لِعِبادِهِ الكُفْرَ﴾ عامٌّ، فَتَخْصِيصُهُ بِالآياتِ الدّالَّةِ عَلى أنَّهُ تَعالى يُرِيدُ الكُفْرَ مِنَ الكافِرِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما تَشاءُونَ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان: ٣٠] واللَّهُ أعْلَمُ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ والمُرادُ أنَّهُ لَمّا بَيَّنَ أنَّهُ لا يَرْضى الكُفْرَ بَيَّنَ أنَّهُ يَرْضى الشُّكْرَ، وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اخْتَلَفَ القُرّاءُ في هاءِ ”يَرْضَهُ“ عَلى ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: أحَدُها: قَرَأ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو وابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ بِضَمِّ الهاءِ مُخْتَلَسَةً غَيْرَ مُتْبَعَةٍ. وثانِيها: قَرَأ أبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ في بَعْضِ الرِّواياتِ ”يَرْضَهْ“ ساكِنَةَ الهاءِ لِلتَّخْفِيفِ. وثالِثُها: قَرَأ نافِعٌ في بَعْضِ الرِّواياتِ وابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ والكِسائِيُّ مَضْمُومَةَ الهاءِ صفحة ٢١٦ مُشْبَعَةً. قالَ الواحِدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: مِنَ القُرّاءِ مَن أشْبَعَ الهاءَ حَتّى ألْحَقَ بِها واوًا، لِأنَّ ما قَبْلَ الهاءِ مُتَحَرِّكٌ، فَصارَ بِمَنزِلَةِ ضَرَبَهُ ولَهُ، فَكَما أنَّ هَذا مُشْبَعٌ عِنْدَ الجَمِيعِ كَذَلِكَ ”يَرْضَهُ“، ومِنهم مَن حَرَّكَ الهاءَ ولَمْ يُلْحِقِ الواوَ، لِأنَّ الأصْلَ ”يَرْضاهُ“، والألِفُ المَحْذُوفَةُ لِلْجَزْمِ لَيْسَ يَلْزَمُ حَذْفُها فَكانَتْ كالباقِيَةِ، ومَعَ بَقاءِ الألْفِ لا يَجُوزُ إثْباتُ الواوِ، فَكَذا هَهُنا. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الشُّكْرُ حالَةٌ مُرَكَّبَةٌ مِن قَوْلٍ واعْتِقادٍ وعَمَلٍ، أمّا القَوْلُ فَهو الإقْرارُ بِحُصُولِ النِّعْمَةِ، وأمّا الِاعْتِقادُ فَهو اعْتِقادُ صُدُورِ النِّعْمَةِ مِن ذَلِكَ المُنْعِمِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ قالَ الجُبّائِيُّ: هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى لا يُعَذِّبُ أحَدًا عَلى فِعْلِ غَيْرِهِ، فَلَوْ فَعَلَ اللَّهُ كُفْرَهم لَما جازَ أنْ يُعَذِّبَهم عَلَيْهِ، وأيْضًا لا يَجُوزُ أنْ يُعَذَّبَ الأوْلادُ بِذُنُوبِ الآباءِ، بِخِلافِ ما يَقُولُ القَوْمُ، واحْتَجَّ أيْضًا مَن أنْكَرَ وُجُوبَ ضَرْبِ الدِّيَةِ عَلى العاقِلَةِ بِهَذِهِ الآيَةِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ثُمَّ إلى رَبِّكم مَرْجِعُكُمْ﴾ واعْلَمْ أنّا ذَكَرْنا كَثِيرًا أنَّ أهَمَّ المُطالِبِ لِلْإنْسانِ أنْ يَعْرِفَ خالِقَهُ بِقَدْرِ الإمْكانِ، وأنْ يَعْرِفَ ما يَضُرُّهُ وما يَنْفَعُهُ في هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيَوِيَّةِ، وأنْ يَعْرِفَ أحْوالَهُ بَعْدَ المَوْتِ، فَفي هَذِهِ الآيَةِ ذَكَرَ الدَّلائِلَ الكَثِيرَةَ مِنَ العالَمِ الأعْلى والعالَمِ الأسْفَلِ عَلى كَمالِ قُدْرَةِ الصّانِعِ وعِلْمِهِ وحِكْمَتِهِ، ثُمَّ أتْبَعَهُ بِأنْ أمَرَهُ بِالشُّكْرِ ونَهاهُ عَنِ الكُفْرِ، ثُمَّ بَيَّنَ أحْوالَهُ بَعْدَ المَوْتِ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ إلى رَبِّكم مَرْجِعُكُمْ﴾، وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: المُشَبِّهَةُ تَمَسَّكُوا بِلَفْظِ ”إلى“ عَلى أنَّ إلَهَ العالَمِ في جِهَةٍ، وقَدْ أجَبْنا عَنْهُ مِرارًا. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: زَعَمَ القَوْمُ أنَّ هَذِهِ الأرْواحَ كانَتْ قَبْلَ الأجْسادِ، وتَمَسَّكُوا بِلَفْظِ الرُّجُوعِ المَوْجُودِ في هَذِهِ الآيَةِ، وفي سائِرِ الآياتِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى إثْباتِ البَعْثِ والقِيامَةِ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ وهَذا تَهْدِيدٌ لِلْعاصِي وبِشارَةٌ لِلْمُطِيعِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ كالعِلَّةِ لِما سَبَقَ، يَعْنِي أنَّهُ يُمْكِنُهُ أنْ يُنَبِّئَكم بِأعْمالِكم، لِأنَّهُ عالِمٌ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ، فَيَعْلَمُ ما في قُلُوبِكم مِنَ الدَّواعِي والصَّوارِفِ، وقالَ ﷺ: «إنَّ اللَّهَ لا يَنْظُرُ إلى صُوَرِكم ولا إلى أقْوالِكم، ولَكِنْ يَنْظُرُ إلى قُلُوبِكم وأعْمالِكم» .

الزمر 39:6

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلى النَّهارِ ويُكَوِّرُ النَّهارَ عَلى اللَّيْلِ وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأجَلٍ مُسَمًّى ألا هو العَزِيزُ الغَفّارُ﴾ ﴿خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنها زَوْجَها وأنْزَلَ لَكم مِنَ الأنْعامِ ثَمانِيَةَ أزْواجٍ يَخْلُقُكم في بُطُونِ أُمَّهاتِكم خَلْقًا مِن بَعْدِ خَلْقٍ في ظُلُماتٍ ثَلاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم لَهُ المُلْكُ لا إلَهَ إلّا هو فَأنّى تُصْرَفُونَ﴾ ﴿إنْ تَكْفُرُوا فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكم ولا يَرْضى لِعِبادِهِ الكُفْرَ وإنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكم ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ثُمَّ إلى رَبِّكم مَرْجِعُكم فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ اعْلَمْ أنَّ الآيَةَ المُتَقَدِّمَةَ دَلَّتْ عَلى أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ كَوْنَهُ مُنَزَّهًا عَنِ الوَلَدِ بِكَوْنِهِ إلَهًا واحِدًا، وقَهّارًا غالِبًا، أيْ: كامِلَ القُدْرَةِ، فَلَمّا بَنى تِلْكَ المَسْألَةَ عَلى هَذِهِ الأُصُولِ ذَكَرَ عَقِيبَها ما يَدُلُّ عَلى كَمالِ القُدْرَةِ وعَلى كَمالِ الِاسْتِغْناءِ، وأيْضًا فَإنَّهُ تَعالى طَعَنَ في إلَهِيَّةِ الأصْنامِ، فَذَكَرَ عَقِيبَها الصِّفاتِ الَّتِي بِاعْتِبارِها تَحْصُلُ الإلَهِيَّةُ، واعْلَمْ أنّا بَيَّنّا في مَواضِعَ مِن هَذا الكِتابِ أنَّ الدَّلائِلَ الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ تَعالى في إثْباتِ إلَهِيَّتِهِ، إمّا أنْ تَكُونَ فَلَكِيَّةً أوْ عُنْصُرِيَّةً، أمّا الفَلَكِيَّةُ فَأقْسامٌ: أحَدُها: خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ، وهَذا المَعْنى يَدُلُّ عَلى وُجُودِ الإلَهِ القادِرِ مِن وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ، شَرَحْناها في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ [الأنعام: ١] . صفحة ٢١٣ والثّانِي: اخْتِلافُ أحْوالِ اللَّيْلِ والنَّهارِ، وهو المُرادُ هَهُنا مِن قَوْلِهِ: ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلى النَّهارِ ويُكَوِّرُ النَّهارَ عَلى اللَّيْلِ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ النُّورَ والظُّلْمَةَ عَسْكَرانِ مَهِيبانِ عَظِيمانِ، وفي كُلِّ يَوْمٍ يَغْلِبُ هَذا ذاكَ تارَةً، وذاكَ هَذا أُخْرى. وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما مَغْلُوبٌ مَقْهُورٌ، ولا بُدَّ مِن غالِبٍ قاهِرٍ لَهُما يَكُونانِ تَحْتَ تَدْبِيرِهِ وقَهْرِهِ، وهو اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى، والمُرادُ مِن هَذا التَّكْوِيرِ أنَّهُ يَزِيدُ في كُلِّ واحِدٍ مِنهُما بِقَدْرِ ما يَنْقُصُ عَنِ الآخَرِ، والمُرادُ مِن تَكْوِيرِ اللَّيْلِ والنَّهارِ ما ورَدَ في الحَدِيثِ: «نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الحَوْرِ بَعْدَ الكَوْرِ» أيْ: مِنَ الإدْبارِ بَعْدَ الإقْبالِ، واعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عَبَّرَ عَنْ هَذا المَعْنى بِقَوْلِهِ: ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلى النَّهارِ﴾ وبِقَوْلِهِ: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ﴾ [الأعراف: ٥٤]، وبِقَوْلِهِ: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ﴾ [الحج: ٦١]، وبِقَوْلِهِ: ﴿وهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ والنَّهارَ خِلْفَةً لِمَن أرادَ أنْ يَذَّكَّرَ﴾ [الفرقان: ٦٢] . والثّالِثُ: اعْتِبارُ أحْوالِ الكَواكِبِ لا سِيَّما الشَّمْسِ والقَمَرِ، فَإنَّ الشَّمْسَ سُلْطانُ النَّهارِ، والقَمَرَ سُلْطانُ اللَّيْلِ، وأكْثَرُ مَصالِحِ هَذا العالَمِ مَرْبُوطَةٌ بِهِما، وقَوْلُهُ: ﴿كُلٌّ يَجْرِي لِأجَلٍ مُسَمًّى﴾ الأجَلُ المُسَمّى يَوْمُ القِيامَةِ، لا يَزالانِ يَجْرِيانِ إلى هَذا اليَوْمِ، فَإذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ ذَهَبا، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجُمِعَ الشَّمْسُ والقَمَرُ﴾ [القيامة: ٩] والمُرادُ مِن هَذا التَّسْخِيرِ أنَّ هَذِهِ الأفْلاكَ تَدُورُ كَدَوَرانِ المَنجَنُونِ عَلى حَدٍّ واحِدٍ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وعِنْدَهُ تُطْوى السَّماءُ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ. ولَمّا ذَكَرَ اللَّهُ هَذِهِ الأنْواعَ الثَّلاثَةَ مِنَ الدَّلائِلِ الفَلَكِيَّةِ قالَ: ﴿ألا هو العَزِيزُ الغَفّارُ﴾ والمَعْنى: أنَّ خَلْقَ هَذِهِ الأجْرامِ العَظِيمَةِ وإنْ دَلَّ عَلى كَوْنِهِ عَزِيزًا، أيْ: كامِلُ القُدْرَةِ، إلّا أنَّهُ غَفّارٌ عَظِيمُ الرَّحْمَةِ والفَضْلِ والإحْسانِ، فَإنَّهُ لَمّا كانَ الإخْبارُ عَنْ كَوْنِهِ عَظِيمَ القُدْرَةِ يُوجِبُ الخَوْفَ والرَّهْبَةَ، فَكَوْنُهُ غَفّارًا يُوجِبُ كَثْرَةَ الرَّحْمَةِ، وكَثْرَةُ الرَّحْمَةِ تُوجِبُ الرَّجاءَ والرَّغْبَةَ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أتْبَعَ ذِكْرَ الدَّلائِلِ الفَلَكِيَّةِ بِذِكْرِ الدَّلائِلِ المَأْخُوذَةِ مِن هَذا العالَمِ الأسْفَلِ، فَبَدَأ بِذِكْرِ الإنْسانِ فَقالَ: ﴿خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنها زَوْجَها﴾ ودَلالَةُ تَكَوُّنِ الإنْسانِ عَلى الإلَهِ المُخْتارِ - قَدْ سَبَقَ بَيانُها مِرارًا كَثِيرَةً، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ جازَ أنْ يَقُولَ: ﴿خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنها زَوْجَها﴾ والزَّوْجُ مَخْلُوقٌ قَبْلَ خَلْقِهِمْ ؟ أجابُوا عَنْهُ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ كَلِمَةَ ”ثُمَّ“ كَما تَجِيءُ لِبَيانِ كَوْنِ إحْدى الواقِعَتَيْنِ مُتَأخِّرَةً عَنِ الثّانِيَةِ - فَكَذَلِكَ تَجِيءُ لِبَيانِ تَأخُّرِ أحَدِ الكَلامَيْنِ عَنِ الآخَرِ، كَقَوْلِ القائِلِ: بَلَغَنِي ما صَنَعْتَ اليَوْمَ، ثُمَّ ما صَنَعْتَ أمْسِ كانَ أعْجَبَ، ويَقُولُ أيْضًا: قَدْ أعْطَيْتُكَ اليَوْمَ شَيْئًا، ثُمَّ الَّذِي أعْطَيْتُكَ أمْسِ أكْثَرُ. الثّانِي: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ خَلَقَكم مِن نَفْسٍ خُلِقَتْ وحْدَها، ثُمَّ جُعِلَ مِنها زَوْجُها. الثّالِثُ: أخْرَجَ اللَّهُ تَعالى ذُرِّيَّةَ آدَمَ مِن ظَهْرِهِ كالذَّرِّ، ثُمَّ خَلَقَ بَعْدَ ذَلِكَ حَوّاءَ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ الِاسْتِدْلالَ بِخَلْقِهِ الإنْسانَ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ ذَكَرَ عَقِيبَهُ الِاسْتِدْلالَ بِوُجُودِ الحَيَوانِ عَلَيْهِ فَقالَ: ﴿وأنْزَلَ لَكم مِنَ الأنْعامِ ثَمانِيَةَ أزْواجٍ﴾ وهي: الإبِلُ والبَقَرُ، والضَّأْنُ والمَعْزُ، وقَدْ بَيَّنّا كَيْفِيَّةَ دَلالَةِ هَذِهِ الحَيَواناتِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ في قَوْلِهِ: ﴿والأنْعامَ خَلَقَها لَكم فِيها دِفْءٌ﴾ [النحل: ٥]، وفي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنْزَلَ لَكُمْ﴾ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ قَضاءَ اللَّهِ وتَقْدِيرَهُ وحُكْمَهُ مَوْصُوفٌ بِالنُّزُولِ مِنَ السَّماءِ لِأجْلِ أنَّهُ كَتَبَ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ كُلَّ كائِنٍ يَكُونُ. الثّانِي: أنَّ شَيْئًا مِنَ الحَيَوانِ لا يَعِيشُ إلّا بِالنَّباتِ، والنَّباتُ لا يَقُومُ إلّا بِالماءِ والتُّرابِ، والماءُ يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ، فَصارَ التَّقْدِيرُ كَأنَّهُ أنْزَلَها. الثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى خَلَقَها في الجَنَّةِ ثُمَّ أنْزَلَها إلى الأرْضِ، وقَوْلُهُ: ﴿ثَمانِيَةَ أزْواجٍ﴾ أيْ: ذَكَرٌ وأُنْثى مِنَ الإبِلِ والبَقَرِ والضَّأْنِ والمَعْزِ، والزَّوْجُ اسْمٌ لِكُلِّ واحِدٍ مَعَهُ آخَرُ، فَإذا انْفَرَدَ فَهو فَرْدٌ مِنهُ، قالَ تَعالى: ﴿فَجَعَلَ مِنهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ [القيامة: ٣٩] . صفحة ٢١٤ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿يَخْلُقُكم في بُطُونِ أُمَّهاتِكم خَلْقًا مِن بَعْدِ خَلْقٍ﴾، وفِيهِ أبْحاثٌ: الأوَّلُ: قَرَأ حَمْزَةُ بِكَسْرِ الألِفِ والمِيمِ، والكِسائِيُّ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وفَتْحِ المِيمِ، والباقُونَ ”أُمَّهاتِكم“ بِضَمِّ الألْفِ وفَتْحِ المِيمِ. الثّانِي: أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ تَخْلِيقَ النّاسِ مِن شَخْصٍ واحِدٍ وهو آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ - أرْدَفَهُ بِتَخْلِيقِ الأنْعامِ، وإنَّما خَصَّها بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّها أشْرَفُ الحَيَواناتِ بَعْدَ الإنْسانِ، ثُمَّ ذَكَرَ عَقِيبَ ذِكْرِهِما حالَةً مُشْتَرَكَةً بَيْنَ الإنْسانِ وبَيْنَ الأنْعامِ، وهي كَوْنُها مَخْلُوقَةً في بُطُونِ أُمَّهاتِهِمْ، وقَوْلُهُ: ﴿خَلْقًا مِن بَعْدِ خَلْقٍ﴾ المُرادُ مِنهُ ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ﴾ ﴿ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً في قَرارٍ مَكِينٍ﴾ ﴿ثُمَّ خَلَقْنا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنا العَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنا المُضْغَةَ عِظامًا فَكَسَوْنا العِظامَ لَحْمًا ثُمَّ أنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤] . وقَوْلُهُ: ﴿فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ﴾ قِيلَ: الظُّلُماتُ الثَّلاثُ: البَطْنُ والرَّحِمُ والمَشِيمَةُ، وقِيلَ: الصُّلْبُ والرَّحِمُ والبَطْنُ، ووَجْهُ الِاسْتِدْلالِ بِهَذِهِ الحالاتِ قَدْ ذَكَرْناهُ في قَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكم في الأرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ﴾ [آل عمران: ٦] . واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا شَرَحَ هَذِهِ الدَّلائِلَ ووَصَفَها قالَ: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ﴾ أيْ: ذَلِكُمُ الشَّيْءُ الَّذِي عَرَفْتُمْ عَجائِبَ أفْعالِهِ هو اللَّهُ رَبُّكم، وفي هَذِهِ الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى كَوْنِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى مُنَزَّهًا عَنِ الأجْزاءِ والأعْضاءِ، وعَلى كَوْنِهِ مُنَزَّهًا عَنِ الجِسْمِيَّةِ والمَكانِيَّةِ، وذَلِكَ أنَّهُ تَعالى عِنْدَما أرادَ أنْ يُعَرِّفَ عِبادَهُ ذاتَهُ المَخْصُوصَةَ لَمْ يَذْكُرْ إلّا كَوْنَهُ فاعِلًا لِهَذِهِ الأشْياءِ، ولَوْ كانَ جِسْمًا مُرَكَّبًا مِنَ الأعْضاءِ لَكانَ تَعْرِيفُهُ بِتِلْكَ الأجْزاءِ والأعْضاءِ تَعْرِيفًا لِلشَّيْءِ بِأجْزاءِ حَقِيقَتِهِ، وأمّا تَعْرِيفُهُ بِأحْوالِهِ وأفْعالِهِ وآثارِهِ فَذَلِكَ تَعْرِيفٌ لَهُ بِأُمُورٍ خارِجَةٍ عَنْ ذاتِهِ، والتَّعْرِيفُ الأوَّلُ أكْمَلُ مِنَ الثّانِي، ولَوْ كانَ ذَلِكَ القِسْمُ مُمْكِنًا لَكانَ الِاكْتِفاءُ بِهَذا القِسْمِ الثّانِي تَقْصِيرًا ونَقْصًا، وذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ، فَعَلِمْنا أنَّ الِاكْتِفاءَ بِهَذا القِسْمِ إنَّما حَسُنَ لِأنَّ القِسْمَ الأوَّلَ مُحالٌ مُمْتَنِعُ الوُجُودِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى مُتَعالِيًا عَنِ الجِسْمِيَّةِ والأعْضاءِ والأجْزاءِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لَهُ المُلْكُ﴾ وهَذا يُفِيدُ الحَصْرَ، أيْ: لَهُ المُلْكُ لا لِغَيْرِهِ، ولَمّا ثَبَتَ أنَّهُ لا مُلْكَ إلّا لَهُ، وجَبَ القَوْلُ بِأنَّهُ لا إلَهَ إلّا هو، لِأنَّهُ لَوْ ثَبَتَ إلَهٌ آخَرُ، فَذَلِكَ الإلَهُ إمّا أنْ يَكُونَ لَهُ المُلْكُ أوْ لا يَكُونُ لَهُ المُلْكُ، فَإنْ كانَ لَهُ المُلْكُ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما مالِكًا قادِرًا، ويَجْرِي بَيْنَهُما التَّمانُعُ كَما ثَبَتَ في قَوْلِهِ: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلّا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾ [الأنبياء: ٢٢] وذَلِكَ مُحالٌ، وإنْ لَمْ يَكُنْ لِلثّانِي شَيْءٌ مِنَ القُدْرَةِ والمُلْكِ فَيَكُونُ ناقِصًا ولا يَصْلُحُ لِلْإلَهِيَّةِ، فَثَبَتَ أنَّهُ لَمّا دَلَّ الدَّلِيلُ عَلى أنَّهُ لا مُلْكَ إلّا لِلَّهِ، وجَبَ أنْ يُقالَ: لا إلَهَ لِلْعالَمِينَ ولا مَعْبُودَ لِلْخَلْقِ أجْمَعِينَ إلّا اللَّهُ الأحَدُ الحَقُّ الصَّمَدُ. ثُمَّ اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا بَيَّنَ بِهَذِهِ الدَّلائِلِ كَمالَ قُدْرَةِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - وحِكْمَتَهُ ورَحْمَتَهُ، رَتَّبَ عَلَيْهِ تَزْيِيفَ طَرِيقَةِ المُشْرِكِينَ والضّالِّينَ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿فَأنّى تُصْرَفُونَ﴾ يَحْتَجُّ بِهِ أصْحابُنا ويَحْتَجُّ بِهِ المُعْتَزِلَةُ، أمّا أصْحابُنا فَوَجْهُ الِاسْتِدْلالِ لَهم بِهَذِهِ الآيَةِ: أنَّها صَرِيحَةٌ في أنَّهم لَمْ يَنْصَرِفُوا بِأنْفُسِهِمْ عَنْ هَذِهِ البَياناتِ، بَلْ صَرَفَها عَنْهم غَيْرُهم، وما ذاكَ الغَيْرُ إلّا اللَّهُ، وأيْضًا فَدَلِيلُ العَقْلِ يُقَوِّي ذَلِكَ، لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ يُرِيدُ لِنَفْسِهِ تَحْصِيلَ الحَقِّ والصَّوابِ، فَلَمّا لَمْ يَحْصُلْ ذَلِكَ، وإنَّما حَصَلَ الجَهْلُ والضَّلالُ عَلِمْنا أنَّهُ مِن غَيْرِهِ لا مِنهُ، وأمّا المُعْتَزِلَةُ فَوَجْهُ الِاسْتِدْلالِ لَهم: أنَّ قَوْلَهُ ﴿فَأنّى تُصْرَفُونَ﴾ تَعَجُّبٌ مِن هَذا الِانْصِرافِ، ولَوْ كانَ الفاعِلُ لِذَلِكَ الصَّرْفِ هو اللَّهُ تَعالى لَمْ يَبْقَ لِهَذا التَّعَجُّبِ مَعْنًى. صفحة ٢١٥ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنْ تَكْفُرُوا فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ﴾ والمَعْنى أنَّ اللَّهَ تَعالى ما كَلَّفَ المُكَلَّفِينَ لِيَجُرَّ إلى نَفْسِهِ مَنفَعَةً، أوْ لِيَدْفَعَ عَنْ نَفْسِهِ مَضَرَّةً، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى غَنِيٌّ عَلى الإطْلاقِ، ويَمْتَنِعُ في حَقِّهِ جَرُّ المَنفَعَةِ ودَفْعُ المَضَرَّةِ، وإنَّما قُلْنا: إنَّهُ غَنِيٌّ لِوُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّهُ واجِبُ الوُجُودِ لِذاتِهِ، وواجِبُ الوُجُودِ في جَمِيعِ صِفاتِهِ، ومَن كانَ كَذَلِكَ كانَ غَنِيًّا عَلى الإطْلاقِ. الثّانِي: أنَّهُ لَوْ كانَ مُحْتاجًا لَكانَتْ تِلْكَ الحاجَةُ إمّا قَدِيمَةً وإمّا حادِثَةً. والأوَّلُ باطِلٌ، وإلّا لَزِمَ أنْ يَخْلُقَ في الأزَلِ ما كانَ مُحْتاجًا إلَيْهِ، وذَلِكَ مُحالٌ، لِأنَّ الخَلْقَ والأزَلَ مُتَناقِضٌ، والثّانِي باطِلٌ، لِأنَّ الحاجَةَ نُقْصانٌ، والحَكِيمُ لا يَدْعُوهُ الدّاعِي إلى تَحْصِيلِ النُّقْصانِ لِنَفْسِهِ. الثّالِثُ: هَبْ أنَّهُ يَبْقى الشَّكُّ في أنَّهُ هَلْ تَصِحُّ الشَّهْوَةُ والنَّفْرَةُ والحاجَةُ عَلَيْهِ أمْ لا ؟ أمّا مِنَ المَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ أنَّ الإلَهَ القادِرَ عَلى خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ والشَّمْسِ والقَمَرِ والنُّجُومِ والعَرْشِ والكُرْسِيِّ، والعَناصِرِ الأرْبَعَةِ، والمَوالِيدِ الثَّلاثَةِ - يُمْتَنَعُ أنْ يَنْتَفِعَ بِصَلاةِ زَيْدٍ وصِيامِ عَمْرٍو، وأنْ يُضَرَّ بِعَدَمِ صَلاةٍ هَذا وعَدَمِ صِيامِ ذاكَ، فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا أنَّ جَمِيعَ العالَمِينَ لَوْ كَفَرُوا وأصَرُّوا عَلى الجَهْلِ، فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْهم. ثُمَّ قالَ تَعالى بَعْدَهُ: ﴿ولا يَرْضى لِعِبادِهِ الكُفْرَ﴾ يَعْنِي أنَّهُ وإنْ كانَ لا يَنْفَعُهُ إيمانٌ ولا يَضُرُّهُ كُفْرانٌ إلّا أنَّهُ لا يَرْضى بِالكُفْرِ، واحْتَجَّ الجُبّائِيُّ بِهَذِهِ الآيَةِ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ المُجْبِرَةَ يَقُولُونَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ كُفْرَ العِبادِ، وإنَّهُ مِن جِهَةِ ما خَلَقَهُ حَقٌّ وصَوابٌ، قالَ: ولَوْ كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ لَكانَ قَدْ رَضِيَ الكُفْرَ مِنَ الوَجْهِ الَّذِي خَلَقَهُ، وذَلِكَ ضِدُّ الآيَةِ. الثّانِي: لَوْ كانَ الكُفْرُ بِقَضاءِ اللَّهِ تَعالى لَوَجَبَ عَلَيْنا أنْ نَرْضى بِهِ، لَأنَّ الرِّضا بِقَضاءِ اللَّهِ تَعالى واجِبٌ، وحَيْثُ اجْتَمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى أنَّ الرِّضا بِالكُفْرِ كُفْرٌ، ثَبَتَ أنَّهُ لَيْسَ بِقَضاءِ اللَّهِ، ولَيْسَ أيْضًا بِرِضاءِ اللَّهِ تَعالى، وأجابَ الأصْحابُ عَنْ هَذا الِاسْتِدْلالِ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ عادَةَ القُرْآنِ جارِيَةٌ بِتَخْصِيصِ لَفْظِ العِبادِ بِالمُؤْمِنِينَ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وعِبادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان: ٦٣] وقالَ: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٦]، وقالَ: ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ﴾ [الحجر: ٤٢]، فَعَلى هَذا التَّقْدِيرِ قَوْلُهُ: ﴿ولا يَرْضى لِعِبادِهِ الكُفْرَ﴾ ولا يَرْضى لِلْمُؤْمِنِينَ الكُفْرَ، وذَلِكَ لا يَضُرُّنا. الثّانِي: أنّا نَقُولُ: الكُفْرُ بِإرادَةِ اللَّهِ تَعالى، ولا نَقُولُ: إنَّهُ بِرِضا اللَّهِ، لِأنَّ الرِّضا عِبارَةٌ عَنِ المَدْحِ عَلَيْهِ والثَّناءِ بِفِعْلِهِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ المُؤْمِنِينَ﴾ [الفتح: ١٨] أيْ يَمْدَحُهم ويُثْنِي عَلَيْهِمْ. الثّالِثُ: كانَ الشَّيْخُ الوالِدُ ضِياءُ الدِّينِ عُمَرُ رَحِمَهُ اللَّهُ يَقُولُ: الرِّضا عِبارَةٌ عَنْ تَرْكِ اللَّوْمِ والِاعْتِراضِ، ولَيْسَ عِبارَةً عَنِ الإرادَةِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُ ابْنِ دُرَيْدٍ: رَضِيتُ قَسْرًا وعَلى القَسْرِ رِضا مَن كانَ ذا سُخْطٍ عَلى صَرْفِ القَضا أثْبَتَ الرِّضا مَعَ القَسْرِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى ما قُلْناهُ. والرّابِعُ: هَبْ أنَّ الرِّضا هو الإرادَةُ، إلّا أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولا يَرْضى لِعِبادِهِ الكُفْرَ﴾ عامٌّ، فَتَخْصِيصُهُ بِالآياتِ الدّالَّةِ عَلى أنَّهُ تَعالى يُرِيدُ الكُفْرَ مِنَ الكافِرِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما تَشاءُونَ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان: ٣٠] واللَّهُ أعْلَمُ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ والمُرادُ أنَّهُ لَمّا بَيَّنَ أنَّهُ لا يَرْضى الكُفْرَ بَيَّنَ أنَّهُ يَرْضى الشُّكْرَ، وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اخْتَلَفَ القُرّاءُ في هاءِ ”يَرْضَهُ“ عَلى ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: أحَدُها: قَرَأ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو وابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ بِضَمِّ الهاءِ مُخْتَلَسَةً غَيْرَ مُتْبَعَةٍ. وثانِيها: قَرَأ أبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ في بَعْضِ الرِّواياتِ ”يَرْضَهْ“ ساكِنَةَ الهاءِ لِلتَّخْفِيفِ. وثالِثُها: قَرَأ نافِعٌ في بَعْضِ الرِّواياتِ وابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ والكِسائِيُّ مَضْمُومَةَ الهاءِ صفحة ٢١٦ مُشْبَعَةً. قالَ الواحِدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: مِنَ القُرّاءِ مَن أشْبَعَ الهاءَ حَتّى ألْحَقَ بِها واوًا، لِأنَّ ما قَبْلَ الهاءِ مُتَحَرِّكٌ، فَصارَ بِمَنزِلَةِ ضَرَبَهُ ولَهُ، فَكَما أنَّ هَذا مُشْبَعٌ عِنْدَ الجَمِيعِ كَذَلِكَ ”يَرْضَهُ“، ومِنهم مَن حَرَّكَ الهاءَ ولَمْ يُلْحِقِ الواوَ، لِأنَّ الأصْلَ ”يَرْضاهُ“، والألِفُ المَحْذُوفَةُ لِلْجَزْمِ لَيْسَ يَلْزَمُ حَذْفُها فَكانَتْ كالباقِيَةِ، ومَعَ بَقاءِ الألْفِ لا يَجُوزُ إثْباتُ الواوِ، فَكَذا هَهُنا. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الشُّكْرُ حالَةٌ مُرَكَّبَةٌ مِن قَوْلٍ واعْتِقادٍ وعَمَلٍ، أمّا القَوْلُ فَهو الإقْرارُ بِحُصُولِ النِّعْمَةِ، وأمّا الِاعْتِقادُ فَهو اعْتِقادُ صُدُورِ النِّعْمَةِ مِن ذَلِكَ المُنْعِمِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ قالَ الجُبّائِيُّ: هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى لا يُعَذِّبُ أحَدًا عَلى فِعْلِ غَيْرِهِ، فَلَوْ فَعَلَ اللَّهُ كُفْرَهم لَما جازَ أنْ يُعَذِّبَهم عَلَيْهِ، وأيْضًا لا يَجُوزُ أنْ يُعَذَّبَ الأوْلادُ بِذُنُوبِ الآباءِ، بِخِلافِ ما يَقُولُ القَوْمُ، واحْتَجَّ أيْضًا مَن أنْكَرَ وُجُوبَ ضَرْبِ الدِّيَةِ عَلى العاقِلَةِ بِهَذِهِ الآيَةِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ثُمَّ إلى رَبِّكم مَرْجِعُكُمْ﴾ واعْلَمْ أنّا ذَكَرْنا كَثِيرًا أنَّ أهَمَّ المُطالِبِ لِلْإنْسانِ أنْ يَعْرِفَ خالِقَهُ بِقَدْرِ الإمْكانِ، وأنْ يَعْرِفَ ما يَضُرُّهُ وما يَنْفَعُهُ في هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيَوِيَّةِ، وأنْ يَعْرِفَ أحْوالَهُ بَعْدَ المَوْتِ، فَفي هَذِهِ الآيَةِ ذَكَرَ الدَّلائِلَ الكَثِيرَةَ مِنَ العالَمِ الأعْلى والعالَمِ الأسْفَلِ عَلى كَمالِ قُدْرَةِ الصّانِعِ وعِلْمِهِ وحِكْمَتِهِ، ثُمَّ أتْبَعَهُ بِأنْ أمَرَهُ بِالشُّكْرِ ونَهاهُ عَنِ الكُفْرِ، ثُمَّ بَيَّنَ أحْوالَهُ بَعْدَ المَوْتِ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ إلى رَبِّكم مَرْجِعُكُمْ﴾، وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: المُشَبِّهَةُ تَمَسَّكُوا بِلَفْظِ ”إلى“ عَلى أنَّ إلَهَ العالَمِ في جِهَةٍ، وقَدْ أجَبْنا عَنْهُ مِرارًا. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: زَعَمَ القَوْمُ أنَّ هَذِهِ الأرْواحَ كانَتْ قَبْلَ الأجْسادِ، وتَمَسَّكُوا بِلَفْظِ الرُّجُوعِ المَوْجُودِ في هَذِهِ الآيَةِ، وفي سائِرِ الآياتِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى إثْباتِ البَعْثِ والقِيامَةِ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ وهَذا تَهْدِيدٌ لِلْعاصِي وبِشارَةٌ لِلْمُطِيعِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ كالعِلَّةِ لِما سَبَقَ، يَعْنِي أنَّهُ يُمْكِنُهُ أنْ يُنَبِّئَكم بِأعْمالِكم، لِأنَّهُ عالِمٌ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ، فَيَعْلَمُ ما في قُلُوبِكم مِنَ الدَّواعِي والصَّوارِفِ، وقالَ ﷺ: «إنَّ اللَّهَ لا يَنْظُرُ إلى صُوَرِكم ولا إلى أقْوالِكم، ولَكِنْ يَنْظُرُ إلى قُلُوبِكم وأعْمالِكم» .

الزمر 39:7

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلى النَّهارِ ويُكَوِّرُ النَّهارَ عَلى اللَّيْلِ وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأجَلٍ مُسَمًّى ألا هو العَزِيزُ الغَفّارُ﴾ ﴿خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنها زَوْجَها وأنْزَلَ لَكم مِنَ الأنْعامِ ثَمانِيَةَ أزْواجٍ يَخْلُقُكم في بُطُونِ أُمَّهاتِكم خَلْقًا مِن بَعْدِ خَلْقٍ في ظُلُماتٍ ثَلاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم لَهُ المُلْكُ لا إلَهَ إلّا هو فَأنّى تُصْرَفُونَ﴾ ﴿إنْ تَكْفُرُوا فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكم ولا يَرْضى لِعِبادِهِ الكُفْرَ وإنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكم ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ثُمَّ إلى رَبِّكم مَرْجِعُكم فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ اعْلَمْ أنَّ الآيَةَ المُتَقَدِّمَةَ دَلَّتْ عَلى أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ كَوْنَهُ مُنَزَّهًا عَنِ الوَلَدِ بِكَوْنِهِ إلَهًا واحِدًا، وقَهّارًا غالِبًا، أيْ: كامِلَ القُدْرَةِ، فَلَمّا بَنى تِلْكَ المَسْألَةَ عَلى هَذِهِ الأُصُولِ ذَكَرَ عَقِيبَها ما يَدُلُّ عَلى كَمالِ القُدْرَةِ وعَلى كَمالِ الِاسْتِغْناءِ، وأيْضًا فَإنَّهُ تَعالى طَعَنَ في إلَهِيَّةِ الأصْنامِ، فَذَكَرَ عَقِيبَها الصِّفاتِ الَّتِي بِاعْتِبارِها تَحْصُلُ الإلَهِيَّةُ، واعْلَمْ أنّا بَيَّنّا في مَواضِعَ مِن هَذا الكِتابِ أنَّ الدَّلائِلَ الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ تَعالى في إثْباتِ إلَهِيَّتِهِ، إمّا أنْ تَكُونَ فَلَكِيَّةً أوْ عُنْصُرِيَّةً، أمّا الفَلَكِيَّةُ فَأقْسامٌ: أحَدُها: خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ، وهَذا المَعْنى يَدُلُّ عَلى وُجُودِ الإلَهِ القادِرِ مِن وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ، شَرَحْناها في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ [الأنعام: ١] . صفحة ٢١٣ والثّانِي: اخْتِلافُ أحْوالِ اللَّيْلِ والنَّهارِ، وهو المُرادُ هَهُنا مِن قَوْلِهِ: ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلى النَّهارِ ويُكَوِّرُ النَّهارَ عَلى اللَّيْلِ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ النُّورَ والظُّلْمَةَ عَسْكَرانِ مَهِيبانِ عَظِيمانِ، وفي كُلِّ يَوْمٍ يَغْلِبُ هَذا ذاكَ تارَةً، وذاكَ هَذا أُخْرى. وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما مَغْلُوبٌ مَقْهُورٌ، ولا بُدَّ مِن غالِبٍ قاهِرٍ لَهُما يَكُونانِ تَحْتَ تَدْبِيرِهِ وقَهْرِهِ، وهو اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى، والمُرادُ مِن هَذا التَّكْوِيرِ أنَّهُ يَزِيدُ في كُلِّ واحِدٍ مِنهُما بِقَدْرِ ما يَنْقُصُ عَنِ الآخَرِ، والمُرادُ مِن تَكْوِيرِ اللَّيْلِ والنَّهارِ ما ورَدَ في الحَدِيثِ: «نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الحَوْرِ بَعْدَ الكَوْرِ» أيْ: مِنَ الإدْبارِ بَعْدَ الإقْبالِ، واعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عَبَّرَ عَنْ هَذا المَعْنى بِقَوْلِهِ: ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلى النَّهارِ﴾ وبِقَوْلِهِ: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ﴾ [الأعراف: ٥٤]، وبِقَوْلِهِ: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ﴾ [الحج: ٦١]، وبِقَوْلِهِ: ﴿وهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ والنَّهارَ خِلْفَةً لِمَن أرادَ أنْ يَذَّكَّرَ﴾ [الفرقان: ٦٢] . والثّالِثُ: اعْتِبارُ أحْوالِ الكَواكِبِ لا سِيَّما الشَّمْسِ والقَمَرِ، فَإنَّ الشَّمْسَ سُلْطانُ النَّهارِ، والقَمَرَ سُلْطانُ اللَّيْلِ، وأكْثَرُ مَصالِحِ هَذا العالَمِ مَرْبُوطَةٌ بِهِما، وقَوْلُهُ: ﴿كُلٌّ يَجْرِي لِأجَلٍ مُسَمًّى﴾ الأجَلُ المُسَمّى يَوْمُ القِيامَةِ، لا يَزالانِ يَجْرِيانِ إلى هَذا اليَوْمِ، فَإذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ ذَهَبا، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجُمِعَ الشَّمْسُ والقَمَرُ﴾ [القيامة: ٩] والمُرادُ مِن هَذا التَّسْخِيرِ أنَّ هَذِهِ الأفْلاكَ تَدُورُ كَدَوَرانِ المَنجَنُونِ عَلى حَدٍّ واحِدٍ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وعِنْدَهُ تُطْوى السَّماءُ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ. ولَمّا ذَكَرَ اللَّهُ هَذِهِ الأنْواعَ الثَّلاثَةَ مِنَ الدَّلائِلِ الفَلَكِيَّةِ قالَ: ﴿ألا هو العَزِيزُ الغَفّارُ﴾ والمَعْنى: أنَّ خَلْقَ هَذِهِ الأجْرامِ العَظِيمَةِ وإنْ دَلَّ عَلى كَوْنِهِ عَزِيزًا، أيْ: كامِلُ القُدْرَةِ، إلّا أنَّهُ غَفّارٌ عَظِيمُ الرَّحْمَةِ والفَضْلِ والإحْسانِ، فَإنَّهُ لَمّا كانَ الإخْبارُ عَنْ كَوْنِهِ عَظِيمَ القُدْرَةِ يُوجِبُ الخَوْفَ والرَّهْبَةَ، فَكَوْنُهُ غَفّارًا يُوجِبُ كَثْرَةَ الرَّحْمَةِ، وكَثْرَةُ الرَّحْمَةِ تُوجِبُ الرَّجاءَ والرَّغْبَةَ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أتْبَعَ ذِكْرَ الدَّلائِلِ الفَلَكِيَّةِ بِذِكْرِ الدَّلائِلِ المَأْخُوذَةِ مِن هَذا العالَمِ الأسْفَلِ، فَبَدَأ بِذِكْرِ الإنْسانِ فَقالَ: ﴿خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنها زَوْجَها﴾ ودَلالَةُ تَكَوُّنِ الإنْسانِ عَلى الإلَهِ المُخْتارِ - قَدْ سَبَقَ بَيانُها مِرارًا كَثِيرَةً، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ جازَ أنْ يَقُولَ: ﴿خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنها زَوْجَها﴾ والزَّوْجُ مَخْلُوقٌ قَبْلَ خَلْقِهِمْ ؟ أجابُوا عَنْهُ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ كَلِمَةَ ”ثُمَّ“ كَما تَجِيءُ لِبَيانِ كَوْنِ إحْدى الواقِعَتَيْنِ مُتَأخِّرَةً عَنِ الثّانِيَةِ - فَكَذَلِكَ تَجِيءُ لِبَيانِ تَأخُّرِ أحَدِ الكَلامَيْنِ عَنِ الآخَرِ، كَقَوْلِ القائِلِ: بَلَغَنِي ما صَنَعْتَ اليَوْمَ، ثُمَّ ما صَنَعْتَ أمْسِ كانَ أعْجَبَ، ويَقُولُ أيْضًا: قَدْ أعْطَيْتُكَ اليَوْمَ شَيْئًا، ثُمَّ الَّذِي أعْطَيْتُكَ أمْسِ أكْثَرُ. الثّانِي: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ خَلَقَكم مِن نَفْسٍ خُلِقَتْ وحْدَها، ثُمَّ جُعِلَ مِنها زَوْجُها. الثّالِثُ: أخْرَجَ اللَّهُ تَعالى ذُرِّيَّةَ آدَمَ مِن ظَهْرِهِ كالذَّرِّ، ثُمَّ خَلَقَ بَعْدَ ذَلِكَ حَوّاءَ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ الِاسْتِدْلالَ بِخَلْقِهِ الإنْسانَ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ ذَكَرَ عَقِيبَهُ الِاسْتِدْلالَ بِوُجُودِ الحَيَوانِ عَلَيْهِ فَقالَ: ﴿وأنْزَلَ لَكم مِنَ الأنْعامِ ثَمانِيَةَ أزْواجٍ﴾ وهي: الإبِلُ والبَقَرُ، والضَّأْنُ والمَعْزُ، وقَدْ بَيَّنّا كَيْفِيَّةَ دَلالَةِ هَذِهِ الحَيَواناتِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ في قَوْلِهِ: ﴿والأنْعامَ خَلَقَها لَكم فِيها دِفْءٌ﴾ [النحل: ٥]، وفي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنْزَلَ لَكُمْ﴾ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ قَضاءَ اللَّهِ وتَقْدِيرَهُ وحُكْمَهُ مَوْصُوفٌ بِالنُّزُولِ مِنَ السَّماءِ لِأجْلِ أنَّهُ كَتَبَ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ كُلَّ كائِنٍ يَكُونُ. الثّانِي: أنَّ شَيْئًا مِنَ الحَيَوانِ لا يَعِيشُ إلّا بِالنَّباتِ، والنَّباتُ لا يَقُومُ إلّا بِالماءِ والتُّرابِ، والماءُ يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ، فَصارَ التَّقْدِيرُ كَأنَّهُ أنْزَلَها. الثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى خَلَقَها في الجَنَّةِ ثُمَّ أنْزَلَها إلى الأرْضِ، وقَوْلُهُ: ﴿ثَمانِيَةَ أزْواجٍ﴾ أيْ: ذَكَرٌ وأُنْثى مِنَ الإبِلِ والبَقَرِ والضَّأْنِ والمَعْزِ، والزَّوْجُ اسْمٌ لِكُلِّ واحِدٍ مَعَهُ آخَرُ، فَإذا انْفَرَدَ فَهو فَرْدٌ مِنهُ، قالَ تَعالى: ﴿فَجَعَلَ مِنهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ [القيامة: ٣٩] . صفحة ٢١٤ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿يَخْلُقُكم في بُطُونِ أُمَّهاتِكم خَلْقًا مِن بَعْدِ خَلْقٍ﴾، وفِيهِ أبْحاثٌ: الأوَّلُ: قَرَأ حَمْزَةُ بِكَسْرِ الألِفِ والمِيمِ، والكِسائِيُّ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وفَتْحِ المِيمِ، والباقُونَ ”أُمَّهاتِكم“ بِضَمِّ الألْفِ وفَتْحِ المِيمِ. الثّانِي: أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ تَخْلِيقَ النّاسِ مِن شَخْصٍ واحِدٍ وهو آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ - أرْدَفَهُ بِتَخْلِيقِ الأنْعامِ، وإنَّما خَصَّها بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّها أشْرَفُ الحَيَواناتِ بَعْدَ الإنْسانِ، ثُمَّ ذَكَرَ عَقِيبَ ذِكْرِهِما حالَةً مُشْتَرَكَةً بَيْنَ الإنْسانِ وبَيْنَ الأنْعامِ، وهي كَوْنُها مَخْلُوقَةً في بُطُونِ أُمَّهاتِهِمْ، وقَوْلُهُ: ﴿خَلْقًا مِن بَعْدِ خَلْقٍ﴾ المُرادُ مِنهُ ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ﴾ ﴿ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً في قَرارٍ مَكِينٍ﴾ ﴿ثُمَّ خَلَقْنا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنا العَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنا المُضْغَةَ عِظامًا فَكَسَوْنا العِظامَ لَحْمًا ثُمَّ أنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤] . وقَوْلُهُ: ﴿فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ﴾ قِيلَ: الظُّلُماتُ الثَّلاثُ: البَطْنُ والرَّحِمُ والمَشِيمَةُ، وقِيلَ: الصُّلْبُ والرَّحِمُ والبَطْنُ، ووَجْهُ الِاسْتِدْلالِ بِهَذِهِ الحالاتِ قَدْ ذَكَرْناهُ في قَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكم في الأرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ﴾ [آل عمران: ٦] . واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا شَرَحَ هَذِهِ الدَّلائِلَ ووَصَفَها قالَ: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ﴾ أيْ: ذَلِكُمُ الشَّيْءُ الَّذِي عَرَفْتُمْ عَجائِبَ أفْعالِهِ هو اللَّهُ رَبُّكم، وفي هَذِهِ الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى كَوْنِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى مُنَزَّهًا عَنِ الأجْزاءِ والأعْضاءِ، وعَلى كَوْنِهِ مُنَزَّهًا عَنِ الجِسْمِيَّةِ والمَكانِيَّةِ، وذَلِكَ أنَّهُ تَعالى عِنْدَما أرادَ أنْ يُعَرِّفَ عِبادَهُ ذاتَهُ المَخْصُوصَةَ لَمْ يَذْكُرْ إلّا كَوْنَهُ فاعِلًا لِهَذِهِ الأشْياءِ، ولَوْ كانَ جِسْمًا مُرَكَّبًا مِنَ الأعْضاءِ لَكانَ تَعْرِيفُهُ بِتِلْكَ الأجْزاءِ والأعْضاءِ تَعْرِيفًا لِلشَّيْءِ بِأجْزاءِ حَقِيقَتِهِ، وأمّا تَعْرِيفُهُ بِأحْوالِهِ وأفْعالِهِ وآثارِهِ فَذَلِكَ تَعْرِيفٌ لَهُ بِأُمُورٍ خارِجَةٍ عَنْ ذاتِهِ، والتَّعْرِيفُ الأوَّلُ أكْمَلُ مِنَ الثّانِي، ولَوْ كانَ ذَلِكَ القِسْمُ مُمْكِنًا لَكانَ الِاكْتِفاءُ بِهَذا القِسْمِ الثّانِي تَقْصِيرًا ونَقْصًا، وذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ، فَعَلِمْنا أنَّ الِاكْتِفاءَ بِهَذا القِسْمِ إنَّما حَسُنَ لِأنَّ القِسْمَ الأوَّلَ مُحالٌ مُمْتَنِعُ الوُجُودِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى مُتَعالِيًا عَنِ الجِسْمِيَّةِ والأعْضاءِ والأجْزاءِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لَهُ المُلْكُ﴾ وهَذا يُفِيدُ الحَصْرَ، أيْ: لَهُ المُلْكُ لا لِغَيْرِهِ، ولَمّا ثَبَتَ أنَّهُ لا مُلْكَ إلّا لَهُ، وجَبَ القَوْلُ بِأنَّهُ لا إلَهَ إلّا هو، لِأنَّهُ لَوْ ثَبَتَ إلَهٌ آخَرُ، فَذَلِكَ الإلَهُ إمّا أنْ يَكُونَ لَهُ المُلْكُ أوْ لا يَكُونُ لَهُ المُلْكُ، فَإنْ كانَ لَهُ المُلْكُ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما مالِكًا قادِرًا، ويَجْرِي بَيْنَهُما التَّمانُعُ كَما ثَبَتَ في قَوْلِهِ: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلّا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾ [الأنبياء: ٢٢] وذَلِكَ مُحالٌ، وإنْ لَمْ يَكُنْ لِلثّانِي شَيْءٌ مِنَ القُدْرَةِ والمُلْكِ فَيَكُونُ ناقِصًا ولا يَصْلُحُ لِلْإلَهِيَّةِ، فَثَبَتَ أنَّهُ لَمّا دَلَّ الدَّلِيلُ عَلى أنَّهُ لا مُلْكَ إلّا لِلَّهِ، وجَبَ أنْ يُقالَ: لا إلَهَ لِلْعالَمِينَ ولا مَعْبُودَ لِلْخَلْقِ أجْمَعِينَ إلّا اللَّهُ الأحَدُ الحَقُّ الصَّمَدُ. ثُمَّ اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا بَيَّنَ بِهَذِهِ الدَّلائِلِ كَمالَ قُدْرَةِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - وحِكْمَتَهُ ورَحْمَتَهُ، رَتَّبَ عَلَيْهِ تَزْيِيفَ طَرِيقَةِ المُشْرِكِينَ والضّالِّينَ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿فَأنّى تُصْرَفُونَ﴾ يَحْتَجُّ بِهِ أصْحابُنا ويَحْتَجُّ بِهِ المُعْتَزِلَةُ، أمّا أصْحابُنا فَوَجْهُ الِاسْتِدْلالِ لَهم بِهَذِهِ الآيَةِ: أنَّها صَرِيحَةٌ في أنَّهم لَمْ يَنْصَرِفُوا بِأنْفُسِهِمْ عَنْ هَذِهِ البَياناتِ، بَلْ صَرَفَها عَنْهم غَيْرُهم، وما ذاكَ الغَيْرُ إلّا اللَّهُ، وأيْضًا فَدَلِيلُ العَقْلِ يُقَوِّي ذَلِكَ، لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ يُرِيدُ لِنَفْسِهِ تَحْصِيلَ الحَقِّ والصَّوابِ، فَلَمّا لَمْ يَحْصُلْ ذَلِكَ، وإنَّما حَصَلَ الجَهْلُ والضَّلالُ عَلِمْنا أنَّهُ مِن غَيْرِهِ لا مِنهُ، وأمّا المُعْتَزِلَةُ فَوَجْهُ الِاسْتِدْلالِ لَهم: أنَّ قَوْلَهُ ﴿فَأنّى تُصْرَفُونَ﴾ تَعَجُّبٌ مِن هَذا الِانْصِرافِ، ولَوْ كانَ الفاعِلُ لِذَلِكَ الصَّرْفِ هو اللَّهُ تَعالى لَمْ يَبْقَ لِهَذا التَّعَجُّبِ مَعْنًى. صفحة ٢١٥ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنْ تَكْفُرُوا فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ﴾ والمَعْنى أنَّ اللَّهَ تَعالى ما كَلَّفَ المُكَلَّفِينَ لِيَجُرَّ إلى نَفْسِهِ مَنفَعَةً، أوْ لِيَدْفَعَ عَنْ نَفْسِهِ مَضَرَّةً، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى غَنِيٌّ عَلى الإطْلاقِ، ويَمْتَنِعُ في حَقِّهِ جَرُّ المَنفَعَةِ ودَفْعُ المَضَرَّةِ، وإنَّما قُلْنا: إنَّهُ غَنِيٌّ لِوُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّهُ واجِبُ الوُجُودِ لِذاتِهِ، وواجِبُ الوُجُودِ في جَمِيعِ صِفاتِهِ، ومَن كانَ كَذَلِكَ كانَ غَنِيًّا عَلى الإطْلاقِ. الثّانِي: أنَّهُ لَوْ كانَ مُحْتاجًا لَكانَتْ تِلْكَ الحاجَةُ إمّا قَدِيمَةً وإمّا حادِثَةً. والأوَّلُ باطِلٌ، وإلّا لَزِمَ أنْ يَخْلُقَ في الأزَلِ ما كانَ مُحْتاجًا إلَيْهِ، وذَلِكَ مُحالٌ، لِأنَّ الخَلْقَ والأزَلَ مُتَناقِضٌ، والثّانِي باطِلٌ، لِأنَّ الحاجَةَ نُقْصانٌ، والحَكِيمُ لا يَدْعُوهُ الدّاعِي إلى تَحْصِيلِ النُّقْصانِ لِنَفْسِهِ. الثّالِثُ: هَبْ أنَّهُ يَبْقى الشَّكُّ في أنَّهُ هَلْ تَصِحُّ الشَّهْوَةُ والنَّفْرَةُ والحاجَةُ عَلَيْهِ أمْ لا ؟ أمّا مِنَ المَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ أنَّ الإلَهَ القادِرَ عَلى خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ والشَّمْسِ والقَمَرِ والنُّجُومِ والعَرْشِ والكُرْسِيِّ، والعَناصِرِ الأرْبَعَةِ، والمَوالِيدِ الثَّلاثَةِ - يُمْتَنَعُ أنْ يَنْتَفِعَ بِصَلاةِ زَيْدٍ وصِيامِ عَمْرٍو، وأنْ يُضَرَّ بِعَدَمِ صَلاةٍ هَذا وعَدَمِ صِيامِ ذاكَ، فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا أنَّ جَمِيعَ العالَمِينَ لَوْ كَفَرُوا وأصَرُّوا عَلى الجَهْلِ، فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْهم. ثُمَّ قالَ تَعالى بَعْدَهُ: ﴿ولا يَرْضى لِعِبادِهِ الكُفْرَ﴾ يَعْنِي أنَّهُ وإنْ كانَ لا يَنْفَعُهُ إيمانٌ ولا يَضُرُّهُ كُفْرانٌ إلّا أنَّهُ لا يَرْضى بِالكُفْرِ، واحْتَجَّ الجُبّائِيُّ بِهَذِهِ الآيَةِ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ المُجْبِرَةَ يَقُولُونَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ كُفْرَ العِبادِ، وإنَّهُ مِن جِهَةِ ما خَلَقَهُ حَقٌّ وصَوابٌ، قالَ: ولَوْ كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ لَكانَ قَدْ رَضِيَ الكُفْرَ مِنَ الوَجْهِ الَّذِي خَلَقَهُ، وذَلِكَ ضِدُّ الآيَةِ. الثّانِي: لَوْ كانَ الكُفْرُ بِقَضاءِ اللَّهِ تَعالى لَوَجَبَ عَلَيْنا أنْ نَرْضى بِهِ، لَأنَّ الرِّضا بِقَضاءِ اللَّهِ تَعالى واجِبٌ، وحَيْثُ اجْتَمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى أنَّ الرِّضا بِالكُفْرِ كُفْرٌ، ثَبَتَ أنَّهُ لَيْسَ بِقَضاءِ اللَّهِ، ولَيْسَ أيْضًا بِرِضاءِ اللَّهِ تَعالى، وأجابَ الأصْحابُ عَنْ هَذا الِاسْتِدْلالِ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ عادَةَ القُرْآنِ جارِيَةٌ بِتَخْصِيصِ لَفْظِ العِبادِ بِالمُؤْمِنِينَ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وعِبادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان: ٦٣] وقالَ: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٦]، وقالَ: ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ﴾ [الحجر: ٤٢]، فَعَلى هَذا التَّقْدِيرِ قَوْلُهُ: ﴿ولا يَرْضى لِعِبادِهِ الكُفْرَ﴾ ولا يَرْضى لِلْمُؤْمِنِينَ الكُفْرَ، وذَلِكَ لا يَضُرُّنا. الثّانِي: أنّا نَقُولُ: الكُفْرُ بِإرادَةِ اللَّهِ تَعالى، ولا نَقُولُ: إنَّهُ بِرِضا اللَّهِ، لِأنَّ الرِّضا عِبارَةٌ عَنِ المَدْحِ عَلَيْهِ والثَّناءِ بِفِعْلِهِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ المُؤْمِنِينَ﴾ [الفتح: ١٨] أيْ يَمْدَحُهم ويُثْنِي عَلَيْهِمْ. الثّالِثُ: كانَ الشَّيْخُ الوالِدُ ضِياءُ الدِّينِ عُمَرُ رَحِمَهُ اللَّهُ يَقُولُ: الرِّضا عِبارَةٌ عَنْ تَرْكِ اللَّوْمِ والِاعْتِراضِ، ولَيْسَ عِبارَةً عَنِ الإرادَةِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُ ابْنِ دُرَيْدٍ: رَضِيتُ قَسْرًا وعَلى القَسْرِ رِضا مَن كانَ ذا سُخْطٍ عَلى صَرْفِ القَضا أثْبَتَ الرِّضا مَعَ القَسْرِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى ما قُلْناهُ. والرّابِعُ: هَبْ أنَّ الرِّضا هو الإرادَةُ، إلّا أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولا يَرْضى لِعِبادِهِ الكُفْرَ﴾ عامٌّ، فَتَخْصِيصُهُ بِالآياتِ الدّالَّةِ عَلى أنَّهُ تَعالى يُرِيدُ الكُفْرَ مِنَ الكافِرِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما تَشاءُونَ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان: ٣٠] واللَّهُ أعْلَمُ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ والمُرادُ أنَّهُ لَمّا بَيَّنَ أنَّهُ لا يَرْضى الكُفْرَ بَيَّنَ أنَّهُ يَرْضى الشُّكْرَ، وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اخْتَلَفَ القُرّاءُ في هاءِ ”يَرْضَهُ“ عَلى ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: أحَدُها: قَرَأ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو وابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ بِضَمِّ الهاءِ مُخْتَلَسَةً غَيْرَ مُتْبَعَةٍ. وثانِيها: قَرَأ أبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ في بَعْضِ الرِّواياتِ ”يَرْضَهْ“ ساكِنَةَ الهاءِ لِلتَّخْفِيفِ. وثالِثُها: قَرَأ نافِعٌ في بَعْضِ الرِّواياتِ وابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ والكِسائِيُّ مَضْمُومَةَ الهاءِ صفحة ٢١٦ مُشْبَعَةً. قالَ الواحِدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: مِنَ القُرّاءِ مَن أشْبَعَ الهاءَ حَتّى ألْحَقَ بِها واوًا، لِأنَّ ما قَبْلَ الهاءِ مُتَحَرِّكٌ، فَصارَ بِمَنزِلَةِ ضَرَبَهُ ولَهُ، فَكَما أنَّ هَذا مُشْبَعٌ عِنْدَ الجَمِيعِ كَذَلِكَ ”يَرْضَهُ“، ومِنهم مَن حَرَّكَ الهاءَ ولَمْ يُلْحِقِ الواوَ، لِأنَّ الأصْلَ ”يَرْضاهُ“، والألِفُ المَحْذُوفَةُ لِلْجَزْمِ لَيْسَ يَلْزَمُ حَذْفُها فَكانَتْ كالباقِيَةِ، ومَعَ بَقاءِ الألْفِ لا يَجُوزُ إثْباتُ الواوِ، فَكَذا هَهُنا. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الشُّكْرُ حالَةٌ مُرَكَّبَةٌ مِن قَوْلٍ واعْتِقادٍ وعَمَلٍ، أمّا القَوْلُ فَهو الإقْرارُ بِحُصُولِ النِّعْمَةِ، وأمّا الِاعْتِقادُ فَهو اعْتِقادُ صُدُورِ النِّعْمَةِ مِن ذَلِكَ المُنْعِمِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ قالَ الجُبّائِيُّ: هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى لا يُعَذِّبُ أحَدًا عَلى فِعْلِ غَيْرِهِ، فَلَوْ فَعَلَ اللَّهُ كُفْرَهم لَما جازَ أنْ يُعَذِّبَهم عَلَيْهِ، وأيْضًا لا يَجُوزُ أنْ يُعَذَّبَ الأوْلادُ بِذُنُوبِ الآباءِ، بِخِلافِ ما يَقُولُ القَوْمُ، واحْتَجَّ أيْضًا مَن أنْكَرَ وُجُوبَ ضَرْبِ الدِّيَةِ عَلى العاقِلَةِ بِهَذِهِ الآيَةِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ثُمَّ إلى رَبِّكم مَرْجِعُكُمْ﴾ واعْلَمْ أنّا ذَكَرْنا كَثِيرًا أنَّ أهَمَّ المُطالِبِ لِلْإنْسانِ أنْ يَعْرِفَ خالِقَهُ بِقَدْرِ الإمْكانِ، وأنْ يَعْرِفَ ما يَضُرُّهُ وما يَنْفَعُهُ في هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيَوِيَّةِ، وأنْ يَعْرِفَ أحْوالَهُ بَعْدَ المَوْتِ، فَفي هَذِهِ الآيَةِ ذَكَرَ الدَّلائِلَ الكَثِيرَةَ مِنَ العالَمِ الأعْلى والعالَمِ الأسْفَلِ عَلى كَمالِ قُدْرَةِ الصّانِعِ وعِلْمِهِ وحِكْمَتِهِ، ثُمَّ أتْبَعَهُ بِأنْ أمَرَهُ بِالشُّكْرِ ونَهاهُ عَنِ الكُفْرِ، ثُمَّ بَيَّنَ أحْوالَهُ بَعْدَ المَوْتِ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ إلى رَبِّكم مَرْجِعُكُمْ﴾، وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: المُشَبِّهَةُ تَمَسَّكُوا بِلَفْظِ ”إلى“ عَلى أنَّ إلَهَ العالَمِ في جِهَةٍ، وقَدْ أجَبْنا عَنْهُ مِرارًا. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: زَعَمَ القَوْمُ أنَّ هَذِهِ الأرْواحَ كانَتْ قَبْلَ الأجْسادِ، وتَمَسَّكُوا بِلَفْظِ الرُّجُوعِ المَوْجُودِ في هَذِهِ الآيَةِ، وفي سائِرِ الآياتِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى إثْباتِ البَعْثِ والقِيامَةِ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ وهَذا تَهْدِيدٌ لِلْعاصِي وبِشارَةٌ لِلْمُطِيعِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ كالعِلَّةِ لِما سَبَقَ، يَعْنِي أنَّهُ يُمْكِنُهُ أنْ يُنَبِّئَكم بِأعْمالِكم، لِأنَّهُ عالِمٌ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ، فَيَعْلَمُ ما في قُلُوبِكم مِنَ الدَّواعِي والصَّوارِفِ، وقالَ ﷺ: «إنَّ اللَّهَ لا يَنْظُرُ إلى صُوَرِكم ولا إلى أقْوالِكم، ولَكِنْ يَنْظُرُ إلى قُلُوبِكم وأعْمالِكم» .

الزمر 39:8

صفحة ٢١٧ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا مَسَّ الإنْسانَ ضُرٌّ دَعا رَبَّهُ مُنِيبًا إلَيْهِ ثُمَّ إذا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنهُ نَسِيَ ما كانَ يَدْعُو إلَيْهِ مِن قَبْلُ وجَعَلَ لِلَّهِ أنْدادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إنَّكَ مِن أصْحابِ النّارِ﴾ ﴿أمْ مَن هو قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِدًا وقائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ ويَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبابِ﴾ اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا بَيَّنَ فَسادَ القَوْلِ بِالشِّرْكِ، وبَيَّنَ أنَّ اللَّهَ تَعالى هو الَّذِي يَجِبُ أنْ يُعْبَدَ، بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ طَرِيقَةَ هَؤُلاءِ الكُفّارِ الَّذِينَ يَعْبُدُونَ الأصْنامَ - مُتَناقِضَةٌ، وذَلِكَ لِأنَّهم إذا مَسَّهم نَوْعٌ مِن أنْواعِ الضُّرِّ لَمْ يَرْجِعُوا في طَلَبِ دَفْعِهِ إلّا إلى اللَّهِ، وإذا زالَ ذَلِكَ الضُّرُّ عَنْهم رَجَعُوا إلى عِبادَةِ الأصْنامِ، ومَعْلُومٌ أنَّهم إنَّما رَجَعُوا إلى اللَّهِ تَعالى عِنْدَ حُصُولِ الضُّرِّ، لِأنَّهُ هو القادِرُ عَلى إيصالِ الخَيْرِ ودَفْعِ الضُّرِّ، وإذا عَرَفُوا أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ في بَعْضِ الأحْوالِ كانَ الواجِبُ عَلَيْهِمْ أنْ يَعْتَرِفُوا بِهِ في كُلِّ الأحْوالِ، فَثَبَتَ أنَّ طَرِيقَتَهم في هَذا البابِ مُتَناقِضَةٌ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا مَسَّ الإنْسانَ﴾ فَقِيلَ: المُرادُ بِالإنْسانِ أقْوامٌ مُعَيَّنُونَ، مِثْلُ: عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ وغَيْرِهِ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ الكافِرُ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، لِأنَّ الكَلامَ يُخَرَّجُ عَلى مَعْهُودٍ تَقَدَّمَ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿ضُرٌّ﴾ فَيَدْخُلُ فِيهِ جَمِيعُ المَكارِهِ، سَواءٌ كانَ في جِسْمِهِ أوْ في مالِهِ أوْ أهْلِهِ ووَلَدِهِ، لِأنَّ اللَّفْظَ مُطْلَقٌ فَلا مَعْنى لِلتَّقْيِيدِ، و﴿دَعا رَبَّهُ﴾ أيِ اسْتَجارَ بِرَبِّهِ وناداهُ ولَمْ يُؤَمِّلْ في كَشْفِ الضُّرِّ سِواهُ، فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿مُنِيبًا إلَيْهِ﴾ أيْ راجِعًا إلَيْهِ وحْدَهُ في إزالَةِ ذَلِكَ الضُّرِّ، لِأنَّ الإنابَةَ هي الرُّجُوعُ ﴿ثُمَّ إذا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنهُ﴾ أيْ أعْطاهُ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: وفي حَقِيقَتِهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: جَعَلَهُ خائِلَ مالٍ، مِن قَوْلِهِمْ: هو خائِلُ مالٍ وخالَ مالٍ، إذا كانَ مُتَعَهِّدًا لَهُ، حَسَنَ القِيامِ بِهِ، ومِنهُ ما رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: «أنَّهُ كانَ يَتَخَوَّلُ أصْحابَهُ بِالمَوْعِظَةِ» . والثّانِي: جَعَلَهُ يَخُولُ مِن خالَ يَخُولُ إذا اخْتالَ وافْتَخَرَ، وفي المَعْنى قالَتِ العَرَبُ: إنَّ الغَنِيَّ طَوِيلُ الذَّيْلِ مَيّاسُ * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿نَسِيَ ما كانَ يَدْعُو إلَيْهِ مِن قَبْلُ﴾ أيْ نَسِيَ رَبَّهُ الَّذِي كانَ يَتَضَرَّعُ إلَيْهِ ويَبْتَهِلُ إلَيْهِ، و”ما“ بِمَعْنى ”مَن“ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما خَلَقَ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ [الليل: ٣]، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ [الكافرون: ٣]، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فانْكِحُوا ما طابَ لَكم مِنَ النِّساءِ﴾ [النساء: ٣]، وقِيلَ: نَسِيَ الضُّرَّ الَّذِي كانَ يَدْعُو اللَّهَ إلى كَشْفِهِ، والمُرادُ مِن قَوْلِهِ ”نَسِيَ“ أيْ: تَرَكَ دُعاءَهُ، كَأنَّهُ لَمْ يَفْزَعْ إلى رَبِّهِ، ولَوْ أرادَ بِهِ النِّسْيانَ الحَقِيقِيَّ لَما ذَمَّهُ عَلَيْهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهُ نَسِيَ أنْ لا يَفْزَعَ، وأنْ لا إلَهَ سِواهُ، فَعادَ إلى اتِّخاذِ الشُّرَكاءِ مَعَ اللَّهِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وجَعَلَ لِلَّهِ أنْدادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو ”لِيَضِلَّ“ بِفَتْحِ الياءِ، والباقُونَ ”لِيُضِلَّ“ بِضَمِّ الياءِ، عَلى مَعْنى لِيُضِلَّ غَيْرَهُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المُرادُ أنَّهُ تَعالى يُعَجِّبُ العُقَلاءَ مِن مُناقَضَتِهِمْ عِنْدَ هاتَيْنِ الحالَتَيْنِ، فَعِنْدَ الضُّرِّ يَعْتَقِدُونَ أنَّهُ لا مَفْزَعَ إلى ما سِواهُ، وعِنْدَ النِّعْمَةِ يَعُودُونَ إلى اتِّخاذِ آلِهَةٍ مَعَهُ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ تَعالى إذا كانَ إنَّما يُفْزَعُ إلَيْهِ في حالِ الضُّرِّ لِأجْلِ أنَّهُ هو القادِرُ عَلى الخَيْرِ والشَّرِّ، وهَذا المَعْنى باقٍ في حالِ الرّاحَةِ والفَراغِ، كانَ في تَقْرِيرِ حالِهِمْ في هَذَيْنِ الوَقْتَيْنِ بِما يُوجِبُ المُناقَضَةَ وقِلَّةَ العَقْلِ. صفحة ٢١٨ المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ أنَّهُ لا يَقْتَصِرُ في ذَلِكَ عَلى أنْ يُضِلَّ نَفْسَهُ، بَلْ يَدْعُو غَيْرَهُ إمّا بِفِعْلِهِ أوْ قَوْلِهِ إلى أنْ يُشارِكَهُ في ذَلِكَ، فَيَزْدادُ إثْمًا عَلى إثْمِهِ، واللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿لِيُضِلَّ﴾ لامُ العاقِبَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فالتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا﴾ [القصص: ٨]، ولَمّا ذَكَرَ اللَّهُ - تَعالى - عَنْهم هَذا الفِعْلَ المُتَناقِضَ هَدَّدَهم فَقالَ: ﴿قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا﴾ ولَيْسَ المُرادُ مِنهُ الأمْرَ، بَلِ الزَّجْرُ، وأنْ يُعَرِّفَهُ قِلَّةَ تَمَتُّعِهِ في الدُّنْيا، ثُمَّ يَكُونُ مَصِيرُهُ إلى النّارِ. ولَمّا شَرَحَ اللَّهُ تَعالى صِفاتِ المُشْرِكِينَ والضّالِّينَ، ثُمَّ تَمَسُّكَهم بِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى أرْدَفَهُ بِشَرْحِ أحْوالِ المُحِقِّينَ الَّذِينَ لا رُجُوعَ لَهم إلّا إلى اللَّهِ، ولا اعْتِمادَ لَهم إلّا عَلى فَضْلِ اللَّهِ، فَقالَ: ﴿أمْ مَن هو قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِدًا وقائِمًا﴾، وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وحَمْزَةُ ”أمَن“ مُخَفَّفَةَ المِيمِ، والباقُونَ بِالتَّشْدِيدِ، أمّا التَّخْفِيفُ فَفِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّ الألِفَ ألِفُ الِاسْتِفْهامِ داخِلَةٌ عَلى ”مَن“، والجَوابُ مَحْذُوفٌ عَلى تَقْدِيرِ: كَمَن لَيْسَ كَذَلِكَ، وقِيلَ: كالَّذِي جَعَلَ لِلَّهِ أنْدادًا، فاكْتَفى بِما سَبَقَ ذِكْرُهُ. والثّانِي: أنْ يَكُونَ ألِفَ نِداءٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: يا مَن هو قانِتٌ مِن أهْلِ الجَنَّةِ، وأمّا التَّشْدِيدُ فَقالَ الفَرّاءُ: الأصْلُ ”أمْ مَن“ فَأُدْغِمَتِ المِيمُ في المِيمِ، وعَلى هَذا القَوْلِ هي أمِ الَّتِي في قَوْلِكَ: أزَيْدٌ أفْضَلُ أمْ عَمْرٌو. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: القانِتُ القائِمُ بِما يَجِبُ عَلَيْهِ مِنَ الطّاعَةِ، ومِنهُ قَوْلُهُ: «أفْضَلُ الصَّلاةِ صَلاةُ القُنُوتِ» وهو القِيامُ فِيها، ومِنهُ القُنُوتُ في الصُّبْحِ، لِأنَّهُ يَدْعُو قائِمًا. عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّهُ قالَ: لا أعْلَمُ القُنُوتَ إلّا قِراءَةَ القُرْآنِ وطُولَ القِيامِ، وتَلا: ﴿أمْ مَن هو قانِتٌ﴾، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: القُنُوتُ طاعَةُ اللَّهِ، لِقَوْلِهِ: ﴿كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ﴾ [البقرة: ١١٦] أيْ مُطِيعُونَ، وعَنْ قَتادَةَ: ”آناءُ اللَّيْلِ“ ساعاتُ اللَّيْلِ، أوَّلُهُ ووَسَطُهُ وآخِرُهُ، وفي هَذِهِ اللَّفْظَةِ تَنْبِيهٌ عَلى فَضْلِ قِيامِ اللَّيْلِ، وأنَّهُ أرْجَحُ مِن قِيامِ النَّهارِ، ويُؤَكِّدُهُ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ عِبادَةَ اللَّيْلِ أسْتَرُ عَنِ العُيُونِ فَتَكُونُ أبْعَدَ عَنِ الرِّياءِ. الثّانِي: أنَّ الظُّلْمَةَ تَمْنَعُ مِنَ الإبْصارِ، ونَوْمُ الخَلْقِ يَمْنَعُ مِنَ السَّماعِ، فَإذا صارَ القَلْبُ فارِغًا عَنِ الِاشْتِغالِ بِالأحْوالِ الخارِجِيَّةِ عادَ إلى المَطْلُوبِ الأصْلِيِّ، وهو مَعْرِفَةُ اللَّهِ وخِدْمَتُهُ. الثّالِثُ: أنَّ اللَّيْلَ وقْتُ النَّوْمِ فَتَرْكُهُ يَكُونُ أشَقَّ فَيَكُونُ الثَّوابُ أكْثَرَ. الرّابِعُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هي أشَدُّ وطْئًا وأقْوَمُ قِيلًا﴾ [المزمل: ٦]، وقَوْلُهُ: ﴿ساجِدًا﴾ حالٌ، وقُرِئَ ”ساجِدٌ وقائِمٌ“ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، والواوُ لِلْجَمْعِ بَيْنَ الصِّفَتَيْنِ. واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ دالَّةٌ عَلى أسْرارٍ عَجِيبَةٍ: فَأوَّلُها أنَّهُ بَدَأ فِيها بِذِكْرِ العِلْمِ، وخَتَمَ فِيها بِذِكْرِ العِلْمِ، أمّا العَمَلُ فَكَوْنُهُ قانِتًا ساجِدًا قائِمًا، وأمّا العِلْمُ فَقَوْلُهُ: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ كَمالِ الإنْسانِ مَحْصُورٌ في هَذَيْنِ المَقْصُودَيْنِ، فالعَمَلُ هو البِدايَةُ، والعِلْمُ والمُكاشَفَةُ هو النِّهايَةُ. الفائِدَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى نَبَّهَ عَلى أنَّ الِانْتِفاعَ بِالعَمَلِ إنَّما يَحْصُلُ إذا كانَ الإنْسانُ مُواظِبًا عَلَيْهِ، فَإنَّ القُنُوتَ عِبارَةٌ عَنْ كَوْنِ الرَّجُلِ قائِمًا بِما يَجِبُ عَلَيْهِ مِنَ الطّاعاتِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ العِلْمَ إنَّما يُفِيدُ إذا واظَبَ عَلَيْهِ الإنْسانُ، وقَوْلُهُ: ﴿ساجِدًا وقائِمًا﴾ إشارَةٌ إلى أصْنافِ الأعْمالِ، وقَوْلُهُ: ﴿يَحْذَرُ الآخِرَةَ ويَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ الإنْسانَ عِنْدَ المُواظَبَةِ يَنْكَشِفُ لَهُ في الأوَّلِ مَقامُ القَهْرِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿يَحْذَرُ الآخِرَةَ﴾ ثُمَّ بَعْدَهُ مَقامُ الرَّحْمَةِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿يَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ ثُمَّ يَحْصُلُ أنْواعُ المُكاشَفاتِ، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ . صفحة ٢١٩ الفائِدَةُ الثّالِثَةُ: أنَّهُ قالَ في مَقامِ الخَوْفِ: ﴿يَحْذَرُ الآخِرَةَ﴾ فَما أضافَ الحَذَرَ إلى نَفْسِهِ، وفي مَقامِ الرَّجاءِ أضافَهُ إلى نَفْسِهِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ جانِبَ الرَّجاءِ أكْمَلُ وألْيَقُ بِحَضْرَةِ اللَّهِ تَعالى. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قِيلَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أمْ مَن هو قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ﴾ عُثْمانُ، لِأنَّهُ كانَ يُحْيِي اللَّيْلَ في رَكْعَةٍ واحِدَةٍ، ويَقْرَأُ القُرْآنَ في رَكْعَةٍ واحِدَةٍ، والصَّحِيحُ أنَّ المُرادَ مِنهُ كُلُّ مَن كانَ مَوْصُوفًا بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَيَدْخُلُ فِيهِ عُثْمانُ وغَيْرُهُ، لِأنَّ الآيَةَ غَيْرُ مُقْتَصِرَةٍ عَلَيْهِ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: لا شُبْهَةَ في أنَّ في الكَلامِ حَذْفًا، والتَّقْدِيرُ: أمَّنْ هو قانِتٌ كَغَيْرِهِ، وإنَّما حَسُنَ هَذا الحَذْفُ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ، لِأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ الكافِرَ وذَكَرَ بَعْدَها: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾، وتَقْدِيرُ الآيَةِ: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ، وهُمُ الَّذِينَ صِفَتُهم أنَّهم يَقْنُتُونَ آناءَ اللَّيْلِ سُجَّدًا وقِيامًا - والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ، وهُمُ الَّذِينَ وصْفُهم عِنْدَ البَلاءِ والخَوْفِ يُوَحِّدُونَ، وعِنْدَ الرّاحَةِ والفَراغَةِ يُشْرِكُونَ، فَإذا قَدَّرْنا هَذا التَّقْدِيرَ ظَهَرَ المُرادُ، وإنَّما وصَفَ اللَّهُ الكُفّارَ بِأنَّهم لا يَعْلَمُونَ لِأنَّهم وإنْ آتاهُمُ اللَّهُ آلَةَ العِلْمِ إلّا أنَّهم أعْرَضُوا عَنْ تَحْصِيلِ العِلْمِ، فَلِهَذا السَّبَبِ جَعَلَهم كَأنَّهم لَيْسُوا أُولِي الألْبابِ، مِن حَيْثُ إنَّهم لَمْ يَنْتَفِعُوا بِعُقُولِهِمْ وقُلُوبِهِمْ. * * * وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ فَهو تَنْبِيهٌ عَظِيمٌ عَلى فَضِيلَةِ العِلْمِ، وقَدْ بالَغْنا في تَقْرِيرِ هَذا المَعْنى في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وعَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ كُلَّها﴾ [البقرة: ٣١]، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: أرادَ بِالَّذِينِ يَعْلَمُونَ الَّذِينَ سَبَقَ ذِكْرُهم وهُمُ القانِتُونَ، وبِالَّذِينِ لا يَعْلَمُونَ الَّذِينَ لا يَأْتُونَ بِهَذا العَمَلِ، كَأنَّهُ جَعَلَ القانِتِينَ هُمُ العُلَماءَ، وهو تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ مَن يَعْمَلُ فَهو غَيْرُ عالِمٍ، ثُمَّ قالَ: وفِيهِ ازْدِراءٌ عَظِيمٌ بِالَّذِينِ يُتْقِنُونَ العُلُومَ ثُمَّ لا يَقْنُتُونَ، ويُفْتُونَ فِيها ثُمَّ يُفْتَنُونَ بِالدُّنْيا، فَهم عِنْدَ اللَّهِ جَهَلَةٌ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبابِ﴾ يَعْنِي هَذا التَّفاوُتُ العَظِيمُ الحاصِلُ بَيْنَ العُلَماءِ والجُهّالِ لا يَعْرِفُهُ أيْضًا إلّا أُولُو الألْبابِ، قِيلَ لِبَعْضِ العُلَماءِ: إنَّكم تَقُولُونَ: العِلْمُ أفْضَلُ مِنَ المالِ، ثُمَّ نَرى العُلَماءَ يَجْتَمِعُونَ عِنْدَ أبْوابِ المُلُوكِ، ولا نَرى المُلُوكَ مُجْتَمِعِينَ عِنْدَ أبْوابِ العُلَماءِ، فَأجابَ العالِمُ بِأنَّ هَذا أيْضًا يَدُلُّ عَلى فَضِيلَةِ العِلْمِ، لِأنَّ العُلَماءَ عَلِمُوا ما في المالِ مِنَ المَنافِعِ فَطَلَبُوهُ، والجُهّالُ لَمْ يَعْرِفُوا ما في العِلْمِ مِنَ المَنافِعِ، فَلا جَرَمَ تَرَكُوهُ.

الزمر 39:9

صفحة ٢١٧ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا مَسَّ الإنْسانَ ضُرٌّ دَعا رَبَّهُ مُنِيبًا إلَيْهِ ثُمَّ إذا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنهُ نَسِيَ ما كانَ يَدْعُو إلَيْهِ مِن قَبْلُ وجَعَلَ لِلَّهِ أنْدادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إنَّكَ مِن أصْحابِ النّارِ﴾ ﴿أمْ مَن هو قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِدًا وقائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ ويَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبابِ﴾ اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا بَيَّنَ فَسادَ القَوْلِ بِالشِّرْكِ، وبَيَّنَ أنَّ اللَّهَ تَعالى هو الَّذِي يَجِبُ أنْ يُعْبَدَ، بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ طَرِيقَةَ هَؤُلاءِ الكُفّارِ الَّذِينَ يَعْبُدُونَ الأصْنامَ - مُتَناقِضَةٌ، وذَلِكَ لِأنَّهم إذا مَسَّهم نَوْعٌ مِن أنْواعِ الضُّرِّ لَمْ يَرْجِعُوا في طَلَبِ دَفْعِهِ إلّا إلى اللَّهِ، وإذا زالَ ذَلِكَ الضُّرُّ عَنْهم رَجَعُوا إلى عِبادَةِ الأصْنامِ، ومَعْلُومٌ أنَّهم إنَّما رَجَعُوا إلى اللَّهِ تَعالى عِنْدَ حُصُولِ الضُّرِّ، لِأنَّهُ هو القادِرُ عَلى إيصالِ الخَيْرِ ودَفْعِ الضُّرِّ، وإذا عَرَفُوا أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ في بَعْضِ الأحْوالِ كانَ الواجِبُ عَلَيْهِمْ أنْ يَعْتَرِفُوا بِهِ في كُلِّ الأحْوالِ، فَثَبَتَ أنَّ طَرِيقَتَهم في هَذا البابِ مُتَناقِضَةٌ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا مَسَّ الإنْسانَ﴾ فَقِيلَ: المُرادُ بِالإنْسانِ أقْوامٌ مُعَيَّنُونَ، مِثْلُ: عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ وغَيْرِهِ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ الكافِرُ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، لِأنَّ الكَلامَ يُخَرَّجُ عَلى مَعْهُودٍ تَقَدَّمَ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿ضُرٌّ﴾ فَيَدْخُلُ فِيهِ جَمِيعُ المَكارِهِ، سَواءٌ كانَ في جِسْمِهِ أوْ في مالِهِ أوْ أهْلِهِ ووَلَدِهِ، لِأنَّ اللَّفْظَ مُطْلَقٌ فَلا مَعْنى لِلتَّقْيِيدِ، و﴿دَعا رَبَّهُ﴾ أيِ اسْتَجارَ بِرَبِّهِ وناداهُ ولَمْ يُؤَمِّلْ في كَشْفِ الضُّرِّ سِواهُ، فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿مُنِيبًا إلَيْهِ﴾ أيْ راجِعًا إلَيْهِ وحْدَهُ في إزالَةِ ذَلِكَ الضُّرِّ، لِأنَّ الإنابَةَ هي الرُّجُوعُ ﴿ثُمَّ إذا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنهُ﴾ أيْ أعْطاهُ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: وفي حَقِيقَتِهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: جَعَلَهُ خائِلَ مالٍ، مِن قَوْلِهِمْ: هو خائِلُ مالٍ وخالَ مالٍ، إذا كانَ مُتَعَهِّدًا لَهُ، حَسَنَ القِيامِ بِهِ، ومِنهُ ما رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: «أنَّهُ كانَ يَتَخَوَّلُ أصْحابَهُ بِالمَوْعِظَةِ» . والثّانِي: جَعَلَهُ يَخُولُ مِن خالَ يَخُولُ إذا اخْتالَ وافْتَخَرَ، وفي المَعْنى قالَتِ العَرَبُ: إنَّ الغَنِيَّ طَوِيلُ الذَّيْلِ مَيّاسُ * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿نَسِيَ ما كانَ يَدْعُو إلَيْهِ مِن قَبْلُ﴾ أيْ نَسِيَ رَبَّهُ الَّذِي كانَ يَتَضَرَّعُ إلَيْهِ ويَبْتَهِلُ إلَيْهِ، و”ما“ بِمَعْنى ”مَن“ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما خَلَقَ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ [الليل: ٣]، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ [الكافرون: ٣]، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فانْكِحُوا ما طابَ لَكم مِنَ النِّساءِ﴾ [النساء: ٣]، وقِيلَ: نَسِيَ الضُّرَّ الَّذِي كانَ يَدْعُو اللَّهَ إلى كَشْفِهِ، والمُرادُ مِن قَوْلِهِ ”نَسِيَ“ أيْ: تَرَكَ دُعاءَهُ، كَأنَّهُ لَمْ يَفْزَعْ إلى رَبِّهِ، ولَوْ أرادَ بِهِ النِّسْيانَ الحَقِيقِيَّ لَما ذَمَّهُ عَلَيْهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهُ نَسِيَ أنْ لا يَفْزَعَ، وأنْ لا إلَهَ سِواهُ، فَعادَ إلى اتِّخاذِ الشُّرَكاءِ مَعَ اللَّهِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وجَعَلَ لِلَّهِ أنْدادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو ”لِيَضِلَّ“ بِفَتْحِ الياءِ، والباقُونَ ”لِيُضِلَّ“ بِضَمِّ الياءِ، عَلى مَعْنى لِيُضِلَّ غَيْرَهُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المُرادُ أنَّهُ تَعالى يُعَجِّبُ العُقَلاءَ مِن مُناقَضَتِهِمْ عِنْدَ هاتَيْنِ الحالَتَيْنِ، فَعِنْدَ الضُّرِّ يَعْتَقِدُونَ أنَّهُ لا مَفْزَعَ إلى ما سِواهُ، وعِنْدَ النِّعْمَةِ يَعُودُونَ إلى اتِّخاذِ آلِهَةٍ مَعَهُ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ تَعالى إذا كانَ إنَّما يُفْزَعُ إلَيْهِ في حالِ الضُّرِّ لِأجْلِ أنَّهُ هو القادِرُ عَلى الخَيْرِ والشَّرِّ، وهَذا المَعْنى باقٍ في حالِ الرّاحَةِ والفَراغِ، كانَ في تَقْرِيرِ حالِهِمْ في هَذَيْنِ الوَقْتَيْنِ بِما يُوجِبُ المُناقَضَةَ وقِلَّةَ العَقْلِ. صفحة ٢١٨ المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ أنَّهُ لا يَقْتَصِرُ في ذَلِكَ عَلى أنْ يُضِلَّ نَفْسَهُ، بَلْ يَدْعُو غَيْرَهُ إمّا بِفِعْلِهِ أوْ قَوْلِهِ إلى أنْ يُشارِكَهُ في ذَلِكَ، فَيَزْدادُ إثْمًا عَلى إثْمِهِ، واللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿لِيُضِلَّ﴾ لامُ العاقِبَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فالتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا﴾ [القصص: ٨]، ولَمّا ذَكَرَ اللَّهُ - تَعالى - عَنْهم هَذا الفِعْلَ المُتَناقِضَ هَدَّدَهم فَقالَ: ﴿قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا﴾ ولَيْسَ المُرادُ مِنهُ الأمْرَ، بَلِ الزَّجْرُ، وأنْ يُعَرِّفَهُ قِلَّةَ تَمَتُّعِهِ في الدُّنْيا، ثُمَّ يَكُونُ مَصِيرُهُ إلى النّارِ. ولَمّا شَرَحَ اللَّهُ تَعالى صِفاتِ المُشْرِكِينَ والضّالِّينَ، ثُمَّ تَمَسُّكَهم بِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى أرْدَفَهُ بِشَرْحِ أحْوالِ المُحِقِّينَ الَّذِينَ لا رُجُوعَ لَهم إلّا إلى اللَّهِ، ولا اعْتِمادَ لَهم إلّا عَلى فَضْلِ اللَّهِ، فَقالَ: ﴿أمْ مَن هو قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِدًا وقائِمًا﴾، وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وحَمْزَةُ ”أمَن“ مُخَفَّفَةَ المِيمِ، والباقُونَ بِالتَّشْدِيدِ، أمّا التَّخْفِيفُ فَفِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّ الألِفَ ألِفُ الِاسْتِفْهامِ داخِلَةٌ عَلى ”مَن“، والجَوابُ مَحْذُوفٌ عَلى تَقْدِيرِ: كَمَن لَيْسَ كَذَلِكَ، وقِيلَ: كالَّذِي جَعَلَ لِلَّهِ أنْدادًا، فاكْتَفى بِما سَبَقَ ذِكْرُهُ. والثّانِي: أنْ يَكُونَ ألِفَ نِداءٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: يا مَن هو قانِتٌ مِن أهْلِ الجَنَّةِ، وأمّا التَّشْدِيدُ فَقالَ الفَرّاءُ: الأصْلُ ”أمْ مَن“ فَأُدْغِمَتِ المِيمُ في المِيمِ، وعَلى هَذا القَوْلِ هي أمِ الَّتِي في قَوْلِكَ: أزَيْدٌ أفْضَلُ أمْ عَمْرٌو. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: القانِتُ القائِمُ بِما يَجِبُ عَلَيْهِ مِنَ الطّاعَةِ، ومِنهُ قَوْلُهُ: «أفْضَلُ الصَّلاةِ صَلاةُ القُنُوتِ» وهو القِيامُ فِيها، ومِنهُ القُنُوتُ في الصُّبْحِ، لِأنَّهُ يَدْعُو قائِمًا. عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّهُ قالَ: لا أعْلَمُ القُنُوتَ إلّا قِراءَةَ القُرْآنِ وطُولَ القِيامِ، وتَلا: ﴿أمْ مَن هو قانِتٌ﴾، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: القُنُوتُ طاعَةُ اللَّهِ، لِقَوْلِهِ: ﴿كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ﴾ [البقرة: ١١٦] أيْ مُطِيعُونَ، وعَنْ قَتادَةَ: ”آناءُ اللَّيْلِ“ ساعاتُ اللَّيْلِ، أوَّلُهُ ووَسَطُهُ وآخِرُهُ، وفي هَذِهِ اللَّفْظَةِ تَنْبِيهٌ عَلى فَضْلِ قِيامِ اللَّيْلِ، وأنَّهُ أرْجَحُ مِن قِيامِ النَّهارِ، ويُؤَكِّدُهُ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ عِبادَةَ اللَّيْلِ أسْتَرُ عَنِ العُيُونِ فَتَكُونُ أبْعَدَ عَنِ الرِّياءِ. الثّانِي: أنَّ الظُّلْمَةَ تَمْنَعُ مِنَ الإبْصارِ، ونَوْمُ الخَلْقِ يَمْنَعُ مِنَ السَّماعِ، فَإذا صارَ القَلْبُ فارِغًا عَنِ الِاشْتِغالِ بِالأحْوالِ الخارِجِيَّةِ عادَ إلى المَطْلُوبِ الأصْلِيِّ، وهو مَعْرِفَةُ اللَّهِ وخِدْمَتُهُ. الثّالِثُ: أنَّ اللَّيْلَ وقْتُ النَّوْمِ فَتَرْكُهُ يَكُونُ أشَقَّ فَيَكُونُ الثَّوابُ أكْثَرَ. الرّابِعُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هي أشَدُّ وطْئًا وأقْوَمُ قِيلًا﴾ [المزمل: ٦]، وقَوْلُهُ: ﴿ساجِدًا﴾ حالٌ، وقُرِئَ ”ساجِدٌ وقائِمٌ“ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، والواوُ لِلْجَمْعِ بَيْنَ الصِّفَتَيْنِ. واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ دالَّةٌ عَلى أسْرارٍ عَجِيبَةٍ: فَأوَّلُها أنَّهُ بَدَأ فِيها بِذِكْرِ العِلْمِ، وخَتَمَ فِيها بِذِكْرِ العِلْمِ، أمّا العَمَلُ فَكَوْنُهُ قانِتًا ساجِدًا قائِمًا، وأمّا العِلْمُ فَقَوْلُهُ: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ كَمالِ الإنْسانِ مَحْصُورٌ في هَذَيْنِ المَقْصُودَيْنِ، فالعَمَلُ هو البِدايَةُ، والعِلْمُ والمُكاشَفَةُ هو النِّهايَةُ. الفائِدَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى نَبَّهَ عَلى أنَّ الِانْتِفاعَ بِالعَمَلِ إنَّما يَحْصُلُ إذا كانَ الإنْسانُ مُواظِبًا عَلَيْهِ، فَإنَّ القُنُوتَ عِبارَةٌ عَنْ كَوْنِ الرَّجُلِ قائِمًا بِما يَجِبُ عَلَيْهِ مِنَ الطّاعاتِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ العِلْمَ إنَّما يُفِيدُ إذا واظَبَ عَلَيْهِ الإنْسانُ، وقَوْلُهُ: ﴿ساجِدًا وقائِمًا﴾ إشارَةٌ إلى أصْنافِ الأعْمالِ، وقَوْلُهُ: ﴿يَحْذَرُ الآخِرَةَ ويَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ الإنْسانَ عِنْدَ المُواظَبَةِ يَنْكَشِفُ لَهُ في الأوَّلِ مَقامُ القَهْرِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿يَحْذَرُ الآخِرَةَ﴾ ثُمَّ بَعْدَهُ مَقامُ الرَّحْمَةِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿يَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ ثُمَّ يَحْصُلُ أنْواعُ المُكاشَفاتِ، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ . صفحة ٢١٩ الفائِدَةُ الثّالِثَةُ: أنَّهُ قالَ في مَقامِ الخَوْفِ: ﴿يَحْذَرُ الآخِرَةَ﴾ فَما أضافَ الحَذَرَ إلى نَفْسِهِ، وفي مَقامِ الرَّجاءِ أضافَهُ إلى نَفْسِهِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ جانِبَ الرَّجاءِ أكْمَلُ وألْيَقُ بِحَضْرَةِ اللَّهِ تَعالى. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قِيلَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أمْ مَن هو قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ﴾ عُثْمانُ، لِأنَّهُ كانَ يُحْيِي اللَّيْلَ في رَكْعَةٍ واحِدَةٍ، ويَقْرَأُ القُرْآنَ في رَكْعَةٍ واحِدَةٍ، والصَّحِيحُ أنَّ المُرادَ مِنهُ كُلُّ مَن كانَ مَوْصُوفًا بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَيَدْخُلُ فِيهِ عُثْمانُ وغَيْرُهُ، لِأنَّ الآيَةَ غَيْرُ مُقْتَصِرَةٍ عَلَيْهِ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: لا شُبْهَةَ في أنَّ في الكَلامِ حَذْفًا، والتَّقْدِيرُ: أمَّنْ هو قانِتٌ كَغَيْرِهِ، وإنَّما حَسُنَ هَذا الحَذْفُ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ، لِأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ الكافِرَ وذَكَرَ بَعْدَها: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾، وتَقْدِيرُ الآيَةِ: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ، وهُمُ الَّذِينَ صِفَتُهم أنَّهم يَقْنُتُونَ آناءَ اللَّيْلِ سُجَّدًا وقِيامًا - والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ، وهُمُ الَّذِينَ وصْفُهم عِنْدَ البَلاءِ والخَوْفِ يُوَحِّدُونَ، وعِنْدَ الرّاحَةِ والفَراغَةِ يُشْرِكُونَ، فَإذا قَدَّرْنا هَذا التَّقْدِيرَ ظَهَرَ المُرادُ، وإنَّما وصَفَ اللَّهُ الكُفّارَ بِأنَّهم لا يَعْلَمُونَ لِأنَّهم وإنْ آتاهُمُ اللَّهُ آلَةَ العِلْمِ إلّا أنَّهم أعْرَضُوا عَنْ تَحْصِيلِ العِلْمِ، فَلِهَذا السَّبَبِ جَعَلَهم كَأنَّهم لَيْسُوا أُولِي الألْبابِ، مِن حَيْثُ إنَّهم لَمْ يَنْتَفِعُوا بِعُقُولِهِمْ وقُلُوبِهِمْ. * * * وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ فَهو تَنْبِيهٌ عَظِيمٌ عَلى فَضِيلَةِ العِلْمِ، وقَدْ بالَغْنا في تَقْرِيرِ هَذا المَعْنى في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وعَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ كُلَّها﴾ [البقرة: ٣١]، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: أرادَ بِالَّذِينِ يَعْلَمُونَ الَّذِينَ سَبَقَ ذِكْرُهم وهُمُ القانِتُونَ، وبِالَّذِينِ لا يَعْلَمُونَ الَّذِينَ لا يَأْتُونَ بِهَذا العَمَلِ، كَأنَّهُ جَعَلَ القانِتِينَ هُمُ العُلَماءَ، وهو تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ مَن يَعْمَلُ فَهو غَيْرُ عالِمٍ، ثُمَّ قالَ: وفِيهِ ازْدِراءٌ عَظِيمٌ بِالَّذِينِ يُتْقِنُونَ العُلُومَ ثُمَّ لا يَقْنُتُونَ، ويُفْتُونَ فِيها ثُمَّ يُفْتَنُونَ بِالدُّنْيا، فَهم عِنْدَ اللَّهِ جَهَلَةٌ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبابِ﴾ يَعْنِي هَذا التَّفاوُتُ العَظِيمُ الحاصِلُ بَيْنَ العُلَماءِ والجُهّالِ لا يَعْرِفُهُ أيْضًا إلّا أُولُو الألْبابِ، قِيلَ لِبَعْضِ العُلَماءِ: إنَّكم تَقُولُونَ: العِلْمُ أفْضَلُ مِنَ المالِ، ثُمَّ نَرى العُلَماءَ يَجْتَمِعُونَ عِنْدَ أبْوابِ المُلُوكِ، ولا نَرى المُلُوكَ مُجْتَمِعِينَ عِنْدَ أبْوابِ العُلَماءِ، فَأجابَ العالِمُ بِأنَّ هَذا أيْضًا يَدُلُّ عَلى فَضِيلَةِ العِلْمِ، لِأنَّ العُلَماءَ عَلِمُوا ما في المالِ مِنَ المَنافِعِ فَطَلَبُوهُ، والجُهّالُ لَمْ يَعْرِفُوا ما في العِلْمِ مِنَ المَنافِعِ، فَلا جَرَمَ تَرَكُوهُ.

الزمر 39:10

صفحة ٢٢٠ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ ياعِبادِي الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكم لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ وأرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ إنَّما يُوَفّى الصّابِرُونَ أجْرَهم بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ ﴿قُلْ إنِّي أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ ﴿وأُمِرْتُ لِأنْ أكُونَ أوَّلَ المُسْلِمِينَ﴾ ﴿قُلْ إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿قُلِ اللَّهَ أعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي فاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِن دُونِهِ قُلْ إنَّ الخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وأهْلِيهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ ألا ذَلِكَ هو الخُسْرانُ المُبِينُ﴾ ﴿لَهم مِن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النّارِ ومِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ ياعِبادِ فاتَّقُونِ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ نَفْيَ المُساواةِ بَيْنَ مَن يَعْلَمُ وبَيْنَ مَن لا يَعْلَمُ، أتْبَعَهُ بِأنْ أمَرَ رَسُولَهُ بِأنْ يُخاطِبَ المُؤْمِنِينَ بِأنْواعٍ مِنَ الكَلامِ: النَّوْعُ الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿قُلْ يا عِبادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾ والمُرادُ أنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِأنْ يَضُمُّوا إلى الإيمانِ التَّقْوى، وهَذا مِن أوَّلِ الدَّلائِلِ عَلى أنَّ الإيمانَ يَبْقى مَعَ المَعْصِيَةِ، قالَ القاضِي: أمَرَهم بِالتَّقْوى لِكَيْلا يُحْبِطُوا إيمانَهم، لِأنَّ عِنْدَ الِاتِّقاءِ مِنَ الكَبائِرِ يَسْلَمُ لَهُمُ الثَّوابُ، وبِالإقْدامِ عَلَيْها يُحْبَطُ، فَيُقالُ لَهُ: هَذا بِأنْ يَدُلَّ عَلى ضِدِّ قَوْلِكَ أوْلى، لِأنَّهُ لَمّا أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِالتَّقْوى دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ يَبْقى مُؤْمِنًا مَعَ عَدَمِ التَّقْوى، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الفِسْقَ لا يُزِيلُ الإيمانَ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِالِاتِّقاءِ بَيَّنَ لَهم ما في هَذا الِاتِّقاءِ مِنَ الفَوائِدِ، فَقالَ تَعالى: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ﴾، فَقَوْلُهُ: ﴿فِي هَذِهِ الدُّنْيا﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ صِلَةً لِقَوْلِهِ: ﴿أحْسَنُوا﴾ أوْ لِـ”حَسَنَةٌ“، فَعَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ - مَعْناهُ: لِلَّذِينِ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا كُلُّهم حَسَنَةٌ في الآخِرَةِ، وهي دُخُولُ الجَنَّةِ، والتَّنْكِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿حَسَنَةٌ﴾ لِلتَّعْظِيمِ، يَعْنِي: حَسَنَةٌ لا يَصِلُ العَقْلُ إلى كُنْهِ كَمالِها. وأمّا عَلى التَّقْدِيرِ الثّانِي - فَمَعْناهُ: الَّذِينَ أحْسَنُوا فَلَهم في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ، والقائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ قالُوا: هَذِهِ الحَسَنَةُ هي الصِّحَّةُ والعافِيَةُ، وأقُولُ: الأوْلى أنْ تُحْمَلَ عَلى الثَّلاثَةِ المَذْكُورَةِ في قَوْلِهِ ﷺ: «ثَلاثَةٌ لَيْسَ لَها نِهايَةٌ: الأمْنُ والصِّحَّةُ والكِفايَةُ»، ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: القَوْلُ الأوَّلُ أوْلى، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ التَّنْكِيرَ في قَوْلِهِ: ﴿حَسَنَةٌ﴾ يَدُلُّ عَلى النِّهايَةِ والجَلالَةِ والرِّفْعَةِ، وذَلِكَ لا يَلِيقُ بِأحْوالِ الدُّنْيا، فَإنَّها خَسِيسَةٌ ومُنْقَطِعَةٌ، وإنَّما يَلِيقُ بِأحْوالِ الآخِرَةِ، فَإنَّها شَرِيفَةٌ وآمِنَةٌ مِنَ الِانْقِضاءِ والِانْقِراضِ. والثّانِي: أنَّ ثَوابَ المُحْسِنِ بِالتَّوْحِيدِ والأعْمالِ الصّالِحَةِ إنَّما يَحْصُلُ في الآخِرَةِ، قالَ تَعالى: ﴿اليَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ [غافر: ١٧] وأيْضًا فَنِعْمَةُ الدُّنْيا مِنَ الصِّحَّةِ والأمْنِ والكِفايَةِ حاصِلَةٌ لِلْكُفّارِ، وأيْضًا فَحُصُولُها لِلْكافِرِ أكْثَرُ وأتَمُّ مِن حُصُولِها لِلْمُؤْمِنِ، كَما قالَ ﷺ: «الدُّنْيا سِجْنُ المُؤْمِنِ وجَنَّةُ الكافِرِ»، وقالَ تَعالى: ﴿لَجَعَلْنا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِن فَضَّةٍ ومَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ﴾ [الزخرف: ٣٣] . الثّالِثُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ، بِمَعْنى أنَّهُ يُفِيدُ أنَّ حَسَنَةَ هَذِهِ الدُّنْيا لا تَحْصُلُ إلّا لِلَّذِينِ أحْسَنُوا، وهَذا باطِلٌ، أمّا لَوْ حَمَلْنا هَذِهِ الحَسَنَةَ عَلى حَسَنَةِ الآخِرَةِ صَحَّ هَذا الحَصْرُ، فَكَأنَّ حَمْلَهُ عَلى حَسَنَةِ الآخِرَةِ أوْلى، ثُمَّ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وأرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ﴾، وفِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: المُرادُ أنَّهُ لا عُذْرَ ألْبَتَّةَ لِلْمُقَصِّرِينَ في الإحْسانِ، حَتّى إنَّهم إنِ اعْتَلُّوا بِأوْطانِهِمْ وبِلادِهِمْ، وأنَّهم لا يَتَمَكَّنُونَ فِيها مِنَ التَّوْفِرَةِ عَلى الإحْسانِ وصَرْفِ الهِمَمِ إلَيْهِ، قُلْ لَهم: فَإنَّ أرْضَ اللَّهِ واسِعَةٌ وبِلادَهُ كَثِيرَةٌ، فَتَحَوَّلُوا مِن هَذِهِ البِلادِ إلى بِلادٍ تَقْدِرُونَ فِيها عَلى الِاشْتِغالِ بِالطّاعاتِ والعِباداتِ، واقْتَدُوا بِالأنْبِياءِ والصّالِحِينَ صفحة ٢٢١ فِي مُهاجَرَتِهِمْ إلى غَيْرِ بِلادِهِمْ، لِيَزْدادُوا إحْسانًا إلى إحْسانِهِمْ، وطاعَةً إلى طاعَتِهِمْ، والمَقْصُودُ مِنهُ التَّرْغِيبُ في الهِجْرَةِ مِن مَكَّةَ إلى المَدِينَةِ، والصَّبْرِ عَلى مُفارَقَةِ الوَطَنِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنّا مُسْتَضْعَفِينَ في الأرْضِ قالُوا ألَمْ تَكُنْ أرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها﴾ [النساء: ٩٧] . والقَوْلُ الثّانِي: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: لا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الأرْضِ أرْضَ الجَنَّةِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِالتَّقْوى، وهي خَشْيَةُ اللَّهِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ مَنِ اتَّقى فَلَهُ في الآخِرَةِ الحَسَنَةُ، وهي الخُلُودُ في الجَنَّةِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ أرْضَ اللَّهِ - أيْ جَنَّتَهُ - واسِعَةٌ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿نَتَبَوَّأُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ﴾ [الزمر: ٧٤]، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَنَّةٍ عَرْضُها السَّماواتُ والأرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣]، والقَوْلُ الأوَّلُ عِنْدِي أوْلى، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنَّما يُوَفّى الصّابِرُونَ أجْرَهم بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ لا يَلِيقُ إلّا بِالأوَّلِ، وفي هَذِهِ الآيَةِ مَسائِلُ: * * * المَسْألَةُ الأُولى: أمّا تَحْقِيقُ الكَلامِ في ماهِيَّةِ الصَّبْرِ فَقَدْ ذَكَرْناهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ، والمُرادُ هَهُنا بِالصّابِرِينَ الَّذِينَ صَبَرُوا عَلى مُفارَقَةِ أوْطانِهِمْ وعَشائِرِهِمْ، وعَلى تَجَرُّعِ الغُصَصِ، واحْتِمالِ البَلايا في طاعَةِ اللَّهِ تَعالى. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: تَسْمِيَةُ المَنافِعِ الَّتِي وعَدَ اللَّهُ بِها عَلى الصَّبْرِ بِالأجْرِ تُوهِمُ أنَّ العَمَلَ عَلى الثَّوابِ، لِأنَّ الأجْرَ هو المُسْتَحَقُّ، إلّا أنَّهُ قامَتِ الدَّلائِلُ القاهِرَةُ عَلى أنَّ العَمَلَ لَيْسَ عَلَيْهِ الثَّوابُ، فَوَجَبَ حَمْلُ لَفْظِ الأجْرِ عَلى كَوْنِهِ أجْرًا بِحَسَبِ الوَعْدِ، لا بِحَسَبِ الِاسْتِحْقاقِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أنَّهُ تَعالى وصَفَ ذَلِكَ الأجْرَ بِأنَّهُ بِغَيْرِ حِسابٍ، وفِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: قالَ الجُبّائِيُّ: المَعْنى أنَّهم يُعْطَوْنَ ما يَسْتَحِقُّونَ ويَزْدادُونَ تَفَضُّلًا، فَهو بِغَيْرِ حِسابٍ، ولَوْ لَمْ يُعْطَوْا إلّا المُسْتَحَقَّ لَكانَ ذَلِكَ حِسابًا، قالَ القاضِي: هَذا لَيْسَ بِصَحِيحٍ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى وصَفَ الأجْرَ بِأنَّهُ بِغَيْرِ حِسابٍ، ولَوْ لَمْ يُعْطَوْا إلّا الأجْرَ المُسْتَحَقَّ، والأجْرُ غَيْرُ التَّفَضُّلِ. الثّانِي: أنَّ الثَّوابَ لَهُ صِفاتٌ ثَلاثَةٌ: إحْداها: أنَّها تَكُونُ دائِمَةَ الأجْرِ لَهم، وقَوْلُهُ: ﴿بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ مَعْناهُ بِغَيْرِ نِهايَةٍ، لِأنَّ كُلَّ شَيْءٍ دَخَلَ تَحْتَ الحِسابِ فَهو مُتَناهٍ، فَما لا نِهايَةَ لَهُ كانَ خارِجًا عَنِ الحِسابِ. وثانِيها: أنَّها تَكُونُ مَنافِعَ كامِلَةً في أنْفُسِها، وعَقْلُ المُطِيعِ ما كانَ يَصِلُ إلى كُنْهِ ذَلِكَ الثَّوابِ، قالَ ﷺ: «إنَّ في الجَنَّةِ ما لا عَيْنٌ رَأتْ، ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ، ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ» وكُلُّ ما يُشاهِدُونَهُ مِن أنْواعِ الثَّوابِ وجَدُوهُ أزْيَدَ مِمّا تَصَوَّرُوهُ وتَوَقَّعُوهُ، وما لا يَتَوَقَّعُهُ الإنْسانُ، فَقَدْ يُقالُ: إنَّهُ لَيْسَ في حِسابِهِ، فَقَوْلُهُ: ﴿بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ مَحْمُولٌ عَلى هَذا المَعْنى، والوَجْهُ الثّالِثُ في التَّأْوِيلِ أنَّ ثَوابَ أهْلِ البَلاءِ لا يُقَدَّرُ بِالمِيزانِ والمِكْيالِ، رَوى صاحِبُ ”الكَشّافِ“ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «يَنْصِبُ اللَّهُ المَوازِينَ يَوْمَ القِيامَةِ، فَيُؤْتى أهْلُ الصَّلاةِ فَيُوَفَّوْنَ أُجُورَهم بِالمَوازِينِ، ويُؤْتى بِأهْلِ الصَّدَقَةِ فَيُوَفَّوْنَ أُجُورَهم بِالمَوازِينِ، ويُؤْتى بِأهْلِ البَلاءِ فَلا يُنْصَبُ لَهم مِيزانٌ، ولا يُنْشَرُ لَهم دِيوانٌ، ويُصَبُّ عَلَيْهِمُ الأجْرُ صَبًّا»، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّما يُوَفّى الصّابِرُونَ أجْرَهم بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ حَتّى يَتَمَنّى أهْلُ العافِيَةِ في الدُّنْيا أنَّ أجْسادَهم تُقْرَضُ بِالمَقارِيضِ لِما بِهِ أهْلُ البَلاءِ مِنَ الفَضْلِ. النَّوْعُ الثّانِي: مِنَ البَياناتِ الَّتِي أمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ أنْ يَذْكُرَها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنِّي أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾، قالَ مُقاتِلٌ: إنَّ كُفّارَ قُرَيْشٍ قالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ: ما يَحْمِلُكَ عَلى هَذا الدِّينِ الَّذِي أتَيْتَنا بِهِ ؟ ألا تَنْظُرُ إلى مِلَّةِ أبِيكَ وجَدِّكَ وساداتِ قَوْمِكَ، يَعْبُدُونَ اللّاتَ والعُزّى، فَأنْزَلَ اللَّهُ ”قُلْ يا مُحَمَّدُ إنِّي أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ صفحة ٢٢٢ الدِّينَ“، وأقُولُ: إنَّ التَّكْلِيفَ نَوْعانِ: أحَدُهُما: الأمْرُ بِالِاحْتِرازِ عَمّا لا يَنْبَغِي. والثّانِي: الأمْرُ بِتَحْصِيلِ ما يَنْبَغِي، والمَرْتَبَةُ الأُولى مُقَدَّمَةٌ عَلى المَرْتَبَةِ الثّانِيَةِ بِحَسَبِ الرُّتْبَةِ الواجِبَةِ اللّازِمَةِ، إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّهُ تَعالى قَدَّمَ الأمْرَ بِإزالَةِ ما يَنْبَغِي، فَقالَ: ﴿اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾ لِأنَّ التَّقْوى هي الِاحْتِرازُ عَمّا لا يَنْبَغِي، ثُمَّ ذَكَرَ عَقِيبَهُ الأمْرَ بِتَحْصِيلِ ما يَنْبَغِي فَقالَ: ﴿إنِّي أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ وهَذا يَشْتَمِلُ عَلى قَيْدَيْنِ: أحَدُهُما: الأمْرُ بِعِبادَةِ اللَّهِ. الثّانِي: كَوْنُ تِلْكَ العِبادَةِ خالِصَةً عَنْ شَوائِبِ الشِّرْكِ الجَلِيِّ، وشَوائِبِ الشِّرْكِ الخَفِيِّ، وإنَّما خَصَّ اللَّهُ تَعالى الرَّسُولَ بِهَذا الأمْرِ لِيُنَبِّهَ عَلى أنَّ غَيْرَهُ بِذَلِكَ أحَقُّ فَهو كالتَّرْغِيبِ لِلْغَيْرِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأُمِرْتُ لِأنْ أكُونَ أوَّلَ المُسْلِمِينَ﴾ لا شُبْهَةَ في أنَّ المُرادَ أنِّي أوَّلُ مَن تَمَسَّكَ بِالعِباداتِ الَّتِي أُرْسِلْتُ بِها، وفي هَذِهِ الآيَةِ فائِدَتانِ: الفائِدَةُ الأُولى: كَأنَّهُ يَقُولُ: إنِّي لَسْتُ مِنَ المُلُوكِ الجَبابِرَةِ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ النّاسَ بِأشْياءَ وهم لا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ، بَلْ كُلُّ ما أمَرْتُكم بِهِ فَأنا أوَّلُ النّاسِ شُرُوعًا فِيهِ، وأكْثَرُهم مُداوَمَةً عَلَيْهِ. الفائِدَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ قالَ: ﴿إنِّي أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ﴾ والعِبادَةُ لَها رُكْنانِ: عَمَلُ القَلْبِ، وعَمَلُ الجَوارِحِ، وعَمَلُ القَلْبِ أشْرَفُ مِن عَمَلِ الجَوارِحِ، فَقَدَّمَ ذِكْرَ الجُزْءَ الأشْرَفَ، وهو قَوْلُهُ: ﴿مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ ثُمَّ ذَكَرَ عَقِيبَهُ الأدْوَنَ، وهو عَمَلُ الجَوارِحِ، وهو الإسْلامُ، فَإنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَسَّرَ الإسْلامَ في خَبَرِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالأعْمالِ الظّاهِرَةِ، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿وأُمِرْتُ لِأنْ أكُونَ أوَّلَ المُسْلِمِينَ﴾ ولَيْسَ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: ما الفائِدَةُ في تَكْرِيرِ لِفْظِ ”أُمِرْتُ“ لِأنّا نَقُولُ: ذَكَرَ لَفْظَ ”أُمِرْتُ“ أوَّلًا في عَمَلِ القَلْبِ، وثانِيًا في عَمَلِ الجَوارِحِ، ولا يَكُونُ هَذا تَكْرِيرًا. الفائِدَةُ الثّالِثَةُ في قَوْلِهِ: ﴿وأُمِرْتُ لِأنْ أكُونَ أوَّلَ المُسْلِمِينَ﴾ التَّنْبِيهُ عَلى كَوْنِهِ رَسُولًا مِن عِنْدِ اللَّهِ واجِبَ الطّاعَةِ، لِأنَّ أوَّلَ المُسْلِمِينَ في شَرائِعِ اللَّهِ لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ إلّا رَسُولَ اللَّهِ، لِأنَّ أوَّلَ مَن يَعْرِفُ تِلْكَ الشَّرائِعَ والتَّكالِيفَ هو الرَّسُولُ المُبَلِّغُ، ولَمّا بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أمْرَهُ بِالإخْلاصِ بِالقَلْبِ وبِالأعْمالِ المَخْصُوصَةِ، وكانَ الأمْرُ يَحْتَمِلُ الوُجُوبَ ويَحْتَمِلُ النَّدْبَ بَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ الأمْرَ لِلْوُجُوبِ فَقالَ: ﴿قُلْ إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾، وفِيهِ فَوائِدُ: الفائِدَةُ الأُولى: أنَّ اللَّهَ أمَرَ مُحَمَّدًا ﷺ أنْ يُجْرِيَ هَذا الكَلامَ عَلى نَفْسِهِ، والمَقْصُودُ مِنهُ المُبالَغَةُ في زَجْرِ الغَيْرِ عَنِ المَعاصِي، لِأنَّهُ مَعَ جَلالَةِ قَدْرِهِ وشَرَفِ نُبُوَّتِهِ إذا وجَبَ أنْ يَكُونَ خائِفًا حَذِرًا عَنِ المَعاصِي، فَغَيْرُهُ بِذَلِكَ أوْلى. الفائِدَةُ الثّانِيَةُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ المُرَتَّبَ عَلى المَعْصِيَةِ لَيْسَ حُصُولَ العِقابِ، بَلِ الخَوْفَ مِنَ العِقابِ، وهَذا يُطابِقُ قَوْلَنا: إنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ يَعْفُو عَنِ المُذْنِبِ والكَبِيرَةِ، فَيَكُونُ اللّازِمُ عِنْدَ حُصُولِ المَعْصِيَةِ هو الخَوْفُ مِنَ العِقابِ لا نَفْسَ حُصُولِ العِقابِ. الفائِدَةُ الثّالِثَةُ: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ ظاهِرَ الأمْرِ لِلْوُجُوبِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ قالَ في أوَّلِ الآيَةِ: ﴿إنِّي أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ﴾ ثُمَّ قالَ بَعْدَهُ: ﴿قُلْ إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ فَيَكُونُ مَعْنى هَذا العِصْيانِ تَرْكَ الأمْرِ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وذَلِكَ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ تارِكُ الأمْرِ عاصِيًا، والعاصِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الخَوْفُ مِنَ العِقابِ، ولا مَعْنى لِلْوُجُوبِ إلّا ذَلِكَ. صفحة ٢٢٣ النَّوْعُ الثّالِثُ: مِنَ الأشْياءِ الَّتِي أمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ أنْ يَذْكُرَها قَوْلُهُ: ﴿قُلِ اللَّهَ أعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ فَإنْ قِيلَ: ما مَعْنى التَّكْرِيرِ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنِّي أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿قُلِ اللَّهَ أعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ ؟، قُلْنا: هَذا لَيْسَ بِتَكْرِيرٍ، لِأنَّ الأوَّلَ إخْبارٌ بِأنَّهُ مَأْمُورٌ مِن جِهَةِ اللَّهِ بِالإتْيانِ بِالعِبادَةِ، والثّانِي إخْبارٌ بِأنَّهُ أُمِرَ بِأنْ لا يَعْبُدَ أحَدًا غَيْرَهُ، وذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ﴾ لا يُفِيدُ الحَصْرَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلِ اللَّهَ أعْبُدُ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ، يَعْنِي: اللَّهَ أعْبُدُ ولا أعْبُدُ أحَدًا سِواهُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ لَمّا قالَ بَعْدُ: ﴿قُلِ اللَّهَ أعْبُدُ﴾ قالَ بَعْدَهُ: ﴿فاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِن دُونِهِ﴾ ولا شُبْهَةَ في أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِن دُونِهِ﴾ لَيْسَ أمْرًا، بَلِ المُرادُ مِنهُ الزَّجْرُ، كَأنَّهُ يَقُولُ: لَمّا بَلَغَ البَيانُ في وُجُوبِ رِعايَةِ التَّوْحِيدِ إلى الغايَةِ القُصْوى، فَبَعْدَ ذَلِكَ أنْتُمْ أعْرَفُ بِأنْفُسِكم، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى كَمالَ الزَّجْرِ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنَّ الخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ﴾ لِوُقُوعِها في هَلاكٍ لا يُعْقَلُ هَلاكٌ أعْظَمُ مِنهُ، وخَسِرُوا أهْلِيهِمْ أيْضًا، لِأنَّهم إنْ كانُوا مِن أهْلِ النّارِ فَقَدْ خَسِرُوهم كَما خَسِرُوا أنْفُسَهم، وإنْ كانُوا مِن أهْلِ الجَنَّةِ فَقَدْ ذَهَبُوا عَنْهم ذَهابًا لا رُجُوعَ بَعْدَهُ ألْبَتَّةَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّ لِكُلِّ رَجُلٍ مَنزِلًا وأهْلًا وخَدَمًا في الجَنَّةِ، فَإنْ أطاعَ أُعْطِيَ ذَلِكَ، وإنْ كانَ مِن أهْلِ النّارِ حُرِمَ ذَلِكَ، فَخَسِرَ نَفْسَهُ وأهْلَهُ ومَنزِلَهُ، ووَرِثَهُ غَيْرُهُ مِنَ المُسْلِمِينَ، والخاسِرُ المَغْبُونُ، ولَمّا شَرَحَ اللَّهُ خُسْرانَهم وصَفَ ذَلِكَ الخُسْرانَ بِغايَةِ الفَظاعَةِ فَقالَ: ﴿ألا ذَلِكَ هو الخُسْرانُ المُبِينُ﴾ كانَ التَّكْرِيرُ لِأجْلِ التَّأْكِيدِ. الثّانِي: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في أوَّلِ هَذِهِ الكَلِمَةِ حَرْفَ ”ألا“ وهو لِلتَّنْبِيهِ، وذِكْرُ التَّنْبِيهِ في هَذا المَوْضِعِ يَدُلُّ عَلى التَّعْظِيمِ، كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّهُ بَلَغَ في العَظَمَةِ إلى حَيْثُ لا تَصِلُ عُقُولُكم إلَيْها فَتَنَبَّهُوا لَها. الثّالِثُ: أنَّ كَلِمَةَ ”هو“ في قَوْلِهِ: ﴿هُوَ الخُسْرانُ المُبِينُ﴾ تُفِيدُ الحَصْرَ، كَأنَّهُ قِيلَ: كُلُّ خُسْرانٍ فَإنَّهُ يَصِيرُ في مُقابَلَتِهِ كَلا خُسْرانٍ. الرّابِعُ: وصْفُهُ بِكَوْنِهِ مُبِينًا يَدُلُّ عَلى التَّهْوِيلِ، وأقُولُ: قَدْ بَيَّنّا أنَّ لَفْظَ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ خُسْرانًا مُبِينًا، فَلْنُبَيِّنْ بِحَسَبِ المَباحِثِ العَقْلِيَّةِ كَوْنَهُ خُسْرانًا مُبِينًا، وأقُولُ: نَفْتَقِرُ إلى بَيانِ أمْرَيْنِ: إلى أنْ يَكُونَ خُسْرانًا، ثُمَّ كَوْنِهِ مُبِينًا. أمّا الأوَّلُ فَتَقْرِيرُهُ أنَّهُ تَعالى أعْطى هَذِهِ الحَياةَ وأعْطى العَقْلَ، وأعْطى المُكْنَةَ، وكُلُّ ذَلِكَ رَأْسُ المالِ، أمّا هَذِهِ الحَياةُ فالمَقْصُودُ مِنها أنْ يَكْتَسِبَ فِيها الحَياةَ الطَّيِّبَةَ في الآخِرَةِ. * * * وأمّا العَقْلُ فَإنَّهُ عِبارَةٌ عَنِ العُلُومِ البَدِيهِيَّةِ، وهَذِهِ العُلُومُ هي رَأْسُ المالِ، والنَّظَرُ والفِكْرُ لا مَعْنى لَهُ إلّا تَرْتِيبُ عُلُومٍ لِيُتَوَصَّلَ بِذَلِكَ التَّرْتِيبِ إلى تَحْصِيلِ عُلُومٍ كَسْبِيَّةٍ، فَتِلْكَ العُلُومُ البَدِيهِيَّةُ المُسَمّاةُ بِالعَقْلِ رَأْسُ المالِ وتَرْكِيبُها عَلى الوُجُوهِ المَخْصُوصَةِ يُشْبِهُ تَصَرُّفَ التّاجِرِ في رَأْسِ المالِ، وتَرْكِيبُها عَلى الوُجُوهِ بِالبَيْعِ والشِّراءِ، وحُصُولُ العِلْمِ بِالنَّتِيجَةِ يُشْبِهُ حُصُولَ الرِّبْحِ، وأيْضًا حُصُولُ القُدْرَةِ عَلى الأعْمالِ يُشْبِهُ رَأْسَ المالِ، واسْتِعْمالُ تِلْكَ القُوَّةِ في تَحْصِيلِ أعْمالِ البِرِّ والخَيْرِ يُشْبِهُ تَصَرُّفَ التّاجِرِ في رَأْسِ المالِ، وحُصُولُ أعْمالِ الخَيْرِ والبِرِّ يُشْبِهُ الرِّبْحَ، إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّ مَن أعْطاهُ اللَّهُ الحَياةَ والعَقْلَ والتَّمَكُّنَ، ثُمَّ إنَّهُ لَمْ يَسْتَفِدْ مِنها لا مَعْرِفَةَ الحَقِّ ولا عَمَلَ الخَيْرِ ألْبَتَّةَ كانَ مَحْرُومًا عَنِ الرِّبْحِ بِالكُلِّيَّةِ، وإذا ماتَ فَقَدْ ضاعَ رَأْسُ المالِ بِالكُلِّيَّةِ، فَكانَ ذَلِكَ خُسْرانًا، فَهَذا بَيانُ كَوْنِهِ خُسْرانًا. وأمّا الثّانِي: وهو بَيانُ كَوْنِ ذَلِكَ الخُسْرانِ مُبِينًا، فَهو أنَّ مَن لَمْ يَرْبَحِ الزِّيادَةَ، ولَكِنَّهُ مَعَ ذَلِكَ سَلِمَ مِنَ الآفاتِ والمَضارِّ، فَهَذا كَما لَمْ يَحْصُلْ لَهُ مَزِيدُ نَفْعٍ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ أيْضًا مَزِيدُ ضَرَرٍ، أمّا هَؤُلاءِ الكُفّارُ فَقَدِ اسْتَعْمَلُوا عُقُولَهُمُ الَّتِي هي رَأْسُ مالِهِمْ في اسْتِخْراجِ وُجُوهِ الشُّبُهاتِ، وتَقْوِيَةِ الجَهالاتِ والضَّلالاتِ، واسْتَعْمَلُوا قُواهم وقُدُرَهم في أفْعالِ الشَّرِّ والباطِلِ والفَسادِ، فَهم قَدْ جَمَعُوا بَيْنَ أُمُورٍ في غايَةِ الرَّداءَةِ: أوَّلُها: أنَّهم أتْعَبُوا أبْدانَهم وعُقُولَهم طَلَبًا في تِلْكَ العَقائِدِ الباطِلَةِ، والأعْمالِ الفاسِدَةِ. صفحة ٢٢٤ وثانِيها: أنَّهم عِنْدَ المَوْتِ يَضِيعُ عَنْهم رَأْسُ المالِ مِن غَيْرِ فائِدَةٍ. وثالِثُها: أنَّ تِلْكَ المَتاعِبَ الشَّدِيدَةَ الَّتِي كانَتْ مَوْجُودَةً في الدُّنْيا في نُصْرَةِ تِلْكَ الضَّلالاتِ تَصِيرُ أسْبابًا لِلْعُقُوبَةِ الشَّدِيدَةِ، والبَلاءِ العَظِيمِ بَعْدَ المَوْتِ. وعِنْدَ الوُقُوفِ عَلى هَذِهِ المَعانِي يَظْهَرُ أنَّهُ لا يُعْقَلُ خُسْرانٌ أقْوى مِن خُسْرانِهِمْ، ولا حِرْمانٌ أعْظَمُ مِن حِرْمانِهِمْ، ونَعُوذُ بِاللَّهِ مِنهُ. ولَمّا شَرَحَ اللَّهُ تَعالى أحْوالَ حِرْمانِهِمْ عَنِ الرِّبْحِ وبَيَّنَ كَيْفِيَّةَ خُسْرانِهِمْ، بَيَّنَ أنَّهم لَمْ يَقْتَصِرُوا عَلى الحِرْمانِ والخُسْرانِ، بَلْ ضَمُّوا إلَيْهِ اسْتِحْقاقَ العَذابِ العَظِيمِ والعِقابِ الشَّدِيدِ، فَقالَ: ﴿لَهم مِن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النّارِ ومِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ والمُرادُ إحاطَةُ النّارِ بِهِمْ مِن جَمِيعِ الجَوانِبِ، ونَظِيرُهُ في الأحْوالِ النَّفْسانِيَّةِ إحاطَةُ الجَهْلِ والحِرْمانِ والحِرْصِ وسائِرِ الأخْلاقِ الذَّمِيمَةِ بِالإنْسانِ، فَإنْ قِيلَ: الظُّلَلُ ما عَلى الإنْسانِ، فَكَيْفَ سُمِّيَ ما تَحْتَهُ بِالظُّلَلِ ؟ والجَوابُ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّهُ مِن بابِ إطْلاقِ اسْمِ أحَدِ الضِّدَّيْنِ عَلى الآخَرِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشورى: ٤٠] . الثّانِي: أنَّ الَّذِي يَكُونُ تَحْتَهُ يَكُونُ ظُلَّةً لِإنْسانٍ آخَرَ تَحْتَهُ، لِأنَّ النّارَ دَرَكاتٌ كَما أنَّ الجَنَّةَ دَرَجاتٌ. والثّالِثُ: أنَّ الظُّلَّةَ التَّحْتانِيَّةَ إذا كانَتْ مُشابِهَةً لِلظُّلَّةِ الفَوْقانِيَّةِ في الحَرارَةِ والإحْراقِ والإيذاءِ أُطْلِقَ اسْمُ أحَدِهِما عَلى الآخَرِ لِأجْلِ المُماثَلَةِ والمُشابَهَةِ. قالَ الحَسَنُ: هم بَيْنَ طَبَقَتَيْنِ مِنَ النّارِ، لا يَدْرُونَ ما فَوْقَهم أكْثَرَ مِمّا تَحْتَهم، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَغْشاهُمُ العَذابُ مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٥٥]، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهم مِن جَهَنَّمَ مِهادٌ ومِن فَوْقِهِمْ غَواشٍ﴾ [الأعراف: ٤١] . * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ﴾ أيْ ذَلِكَ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِن وصْفِ العَذابِ، فَقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ﴾ مُبْتَدَأٌ، وقَوْلُهُ: ﴿يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ﴾ خَبَرٌ، وفي قَوْلِهِ: ﴿يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ﴾ قَوْلانِ: الأوَّلُ: التَّقْدِيرُ: ذَلِكَ العَذابُ المُعَدُّ لِلْكَفّارِ هو الَّذِي يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ أيِ المُؤْمِنِينَ، لِأنّا بَيَّنّا أنَّ لَفْظَ العِبادِ في القُرْآنِ مُخْتَصٌّ بِأهْلِ الإيمانِ، وإنَّما كانَ تَخْوِيفًا لِلْمُؤْمِنِينَ لِأجْلِ أنَّهم إذا سَمِعُوا أنَّ حالَ الكُفّارِ ما تَقَدَّمَ خافُوا فَأخْلَصُوا في التَّوْحِيدِ والطّاعَةِ. الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ هَذا الكَلامَ في تَقْدِيرِ جَوابٍ عَنْ سُؤالٍ، لِأنَّهُ يُقالُ: إنَّهُ تَعالى غَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ مُنَزَّهٌ عَنِ الشَّهْوَةِ والِانْتِقامِ وداعِيَةِ الإيذاءِ، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِهِ أنْ يُعَذِّبَ هَؤُلاءِ المَساكِينَ إلى هَذا الحَدِّ العَظِيمِ، وأُجِيبَ عَنْهُ بِأنَّ المَقْصُودَ مِنهُ تَخْوِيفُ الكُفّارِ والضُّلّالِ عَنِ الكُفْرِ والضَّلالِ، فَإذا كانَ التَّكْلِيفُ لا يَتِمُّ إلّا بِالتَّخْوِيفِ، والتَّخْوِيفُ لا يَكْمُلُ الِانْتِفاعُ بِهِ إلّا بِإدْخالِ ذَلِكَ الشَّيْءِ في الوُجُودِ وجَبَ إدْخالُ ذَلِكَ النَّوْعِ مِنَ العَذابِ في الوُجُودِ؛ تَحْصِيلًا لِذَلِكَ المَطْلُوبِ الَّذِي هو التَّكْلِيفُ، والوَجْهُ الأوَّلُ عِنْدِي أقْرَبُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ قالَ بَعْدَهُ: ﴿ياعِبادِ فاتَّقُونِ﴾، وقَوْلُهُ: ﴿ياعِبادِ﴾ الأظْهَرُ مِنهُ أنَّ المُرادَ مِنهُ المُؤْمِنُونَ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: المَقْصُودُ مِن شَرْحِ عَذابِ الكُفّارِ لِلْمُؤْمِنِينَ تَخْوِيفُ المُؤْمِنِينَ، فَيا أيُّها المُؤْمِنُونَ بالِغُوا في الخَوْفِ والحَذَرِ والتَّقْوى.

الزمر 39:11

صفحة ٢٢٠ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ ياعِبادِي الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكم لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ وأرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ إنَّما يُوَفّى الصّابِرُونَ أجْرَهم بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ ﴿قُلْ إنِّي أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ ﴿وأُمِرْتُ لِأنْ أكُونَ أوَّلَ المُسْلِمِينَ﴾ ﴿قُلْ إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿قُلِ اللَّهَ أعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي فاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِن دُونِهِ قُلْ إنَّ الخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وأهْلِيهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ ألا ذَلِكَ هو الخُسْرانُ المُبِينُ﴾ ﴿لَهم مِن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النّارِ ومِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ ياعِبادِ فاتَّقُونِ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ نَفْيَ المُساواةِ بَيْنَ مَن يَعْلَمُ وبَيْنَ مَن لا يَعْلَمُ، أتْبَعَهُ بِأنْ أمَرَ رَسُولَهُ بِأنْ يُخاطِبَ المُؤْمِنِينَ بِأنْواعٍ مِنَ الكَلامِ: النَّوْعُ الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿قُلْ يا عِبادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾ والمُرادُ أنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِأنْ يَضُمُّوا إلى الإيمانِ التَّقْوى، وهَذا مِن أوَّلِ الدَّلائِلِ عَلى أنَّ الإيمانَ يَبْقى مَعَ المَعْصِيَةِ، قالَ القاضِي: أمَرَهم بِالتَّقْوى لِكَيْلا يُحْبِطُوا إيمانَهم، لِأنَّ عِنْدَ الِاتِّقاءِ مِنَ الكَبائِرِ يَسْلَمُ لَهُمُ الثَّوابُ، وبِالإقْدامِ عَلَيْها يُحْبَطُ، فَيُقالُ لَهُ: هَذا بِأنْ يَدُلَّ عَلى ضِدِّ قَوْلِكَ أوْلى، لِأنَّهُ لَمّا أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِالتَّقْوى دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ يَبْقى مُؤْمِنًا مَعَ عَدَمِ التَّقْوى، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الفِسْقَ لا يُزِيلُ الإيمانَ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِالِاتِّقاءِ بَيَّنَ لَهم ما في هَذا الِاتِّقاءِ مِنَ الفَوائِدِ، فَقالَ تَعالى: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ﴾، فَقَوْلُهُ: ﴿فِي هَذِهِ الدُّنْيا﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ صِلَةً لِقَوْلِهِ: ﴿أحْسَنُوا﴾ أوْ لِـ”حَسَنَةٌ“، فَعَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ - مَعْناهُ: لِلَّذِينِ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا كُلُّهم حَسَنَةٌ في الآخِرَةِ، وهي دُخُولُ الجَنَّةِ، والتَّنْكِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿حَسَنَةٌ﴾ لِلتَّعْظِيمِ، يَعْنِي: حَسَنَةٌ لا يَصِلُ العَقْلُ إلى كُنْهِ كَمالِها. وأمّا عَلى التَّقْدِيرِ الثّانِي - فَمَعْناهُ: الَّذِينَ أحْسَنُوا فَلَهم في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ، والقائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ قالُوا: هَذِهِ الحَسَنَةُ هي الصِّحَّةُ والعافِيَةُ، وأقُولُ: الأوْلى أنْ تُحْمَلَ عَلى الثَّلاثَةِ المَذْكُورَةِ في قَوْلِهِ ﷺ: «ثَلاثَةٌ لَيْسَ لَها نِهايَةٌ: الأمْنُ والصِّحَّةُ والكِفايَةُ»، ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: القَوْلُ الأوَّلُ أوْلى، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ التَّنْكِيرَ في قَوْلِهِ: ﴿حَسَنَةٌ﴾ يَدُلُّ عَلى النِّهايَةِ والجَلالَةِ والرِّفْعَةِ، وذَلِكَ لا يَلِيقُ بِأحْوالِ الدُّنْيا، فَإنَّها خَسِيسَةٌ ومُنْقَطِعَةٌ، وإنَّما يَلِيقُ بِأحْوالِ الآخِرَةِ، فَإنَّها شَرِيفَةٌ وآمِنَةٌ مِنَ الِانْقِضاءِ والِانْقِراضِ. والثّانِي: أنَّ ثَوابَ المُحْسِنِ بِالتَّوْحِيدِ والأعْمالِ الصّالِحَةِ إنَّما يَحْصُلُ في الآخِرَةِ، قالَ تَعالى: ﴿اليَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ [غافر: ١٧] وأيْضًا فَنِعْمَةُ الدُّنْيا مِنَ الصِّحَّةِ والأمْنِ والكِفايَةِ حاصِلَةٌ لِلْكُفّارِ، وأيْضًا فَحُصُولُها لِلْكافِرِ أكْثَرُ وأتَمُّ مِن حُصُولِها لِلْمُؤْمِنِ، كَما قالَ ﷺ: «الدُّنْيا سِجْنُ المُؤْمِنِ وجَنَّةُ الكافِرِ»، وقالَ تَعالى: ﴿لَجَعَلْنا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِن فَضَّةٍ ومَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ﴾ [الزخرف: ٣٣] . الثّالِثُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ، بِمَعْنى أنَّهُ يُفِيدُ أنَّ حَسَنَةَ هَذِهِ الدُّنْيا لا تَحْصُلُ إلّا لِلَّذِينِ أحْسَنُوا، وهَذا باطِلٌ، أمّا لَوْ حَمَلْنا هَذِهِ الحَسَنَةَ عَلى حَسَنَةِ الآخِرَةِ صَحَّ هَذا الحَصْرُ، فَكَأنَّ حَمْلَهُ عَلى حَسَنَةِ الآخِرَةِ أوْلى، ثُمَّ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وأرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ﴾، وفِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: المُرادُ أنَّهُ لا عُذْرَ ألْبَتَّةَ لِلْمُقَصِّرِينَ في الإحْسانِ، حَتّى إنَّهم إنِ اعْتَلُّوا بِأوْطانِهِمْ وبِلادِهِمْ، وأنَّهم لا يَتَمَكَّنُونَ فِيها مِنَ التَّوْفِرَةِ عَلى الإحْسانِ وصَرْفِ الهِمَمِ إلَيْهِ، قُلْ لَهم: فَإنَّ أرْضَ اللَّهِ واسِعَةٌ وبِلادَهُ كَثِيرَةٌ، فَتَحَوَّلُوا مِن هَذِهِ البِلادِ إلى بِلادٍ تَقْدِرُونَ فِيها عَلى الِاشْتِغالِ بِالطّاعاتِ والعِباداتِ، واقْتَدُوا بِالأنْبِياءِ والصّالِحِينَ صفحة ٢٢١ فِي مُهاجَرَتِهِمْ إلى غَيْرِ بِلادِهِمْ، لِيَزْدادُوا إحْسانًا إلى إحْسانِهِمْ، وطاعَةً إلى طاعَتِهِمْ، والمَقْصُودُ مِنهُ التَّرْغِيبُ في الهِجْرَةِ مِن مَكَّةَ إلى المَدِينَةِ، والصَّبْرِ عَلى مُفارَقَةِ الوَطَنِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنّا مُسْتَضْعَفِينَ في الأرْضِ قالُوا ألَمْ تَكُنْ أرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها﴾ [النساء: ٩٧] . والقَوْلُ الثّانِي: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: لا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الأرْضِ أرْضَ الجَنَّةِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِالتَّقْوى، وهي خَشْيَةُ اللَّهِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ مَنِ اتَّقى فَلَهُ في الآخِرَةِ الحَسَنَةُ، وهي الخُلُودُ في الجَنَّةِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ أرْضَ اللَّهِ - أيْ جَنَّتَهُ - واسِعَةٌ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿نَتَبَوَّأُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ﴾ [الزمر: ٧٤]، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَنَّةٍ عَرْضُها السَّماواتُ والأرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣]، والقَوْلُ الأوَّلُ عِنْدِي أوْلى، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنَّما يُوَفّى الصّابِرُونَ أجْرَهم بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ لا يَلِيقُ إلّا بِالأوَّلِ، وفي هَذِهِ الآيَةِ مَسائِلُ: * * * المَسْألَةُ الأُولى: أمّا تَحْقِيقُ الكَلامِ في ماهِيَّةِ الصَّبْرِ فَقَدْ ذَكَرْناهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ، والمُرادُ هَهُنا بِالصّابِرِينَ الَّذِينَ صَبَرُوا عَلى مُفارَقَةِ أوْطانِهِمْ وعَشائِرِهِمْ، وعَلى تَجَرُّعِ الغُصَصِ، واحْتِمالِ البَلايا في طاعَةِ اللَّهِ تَعالى. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: تَسْمِيَةُ المَنافِعِ الَّتِي وعَدَ اللَّهُ بِها عَلى الصَّبْرِ بِالأجْرِ تُوهِمُ أنَّ العَمَلَ عَلى الثَّوابِ، لِأنَّ الأجْرَ هو المُسْتَحَقُّ، إلّا أنَّهُ قامَتِ الدَّلائِلُ القاهِرَةُ عَلى أنَّ العَمَلَ لَيْسَ عَلَيْهِ الثَّوابُ، فَوَجَبَ حَمْلُ لَفْظِ الأجْرِ عَلى كَوْنِهِ أجْرًا بِحَسَبِ الوَعْدِ، لا بِحَسَبِ الِاسْتِحْقاقِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أنَّهُ تَعالى وصَفَ ذَلِكَ الأجْرَ بِأنَّهُ بِغَيْرِ حِسابٍ، وفِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: قالَ الجُبّائِيُّ: المَعْنى أنَّهم يُعْطَوْنَ ما يَسْتَحِقُّونَ ويَزْدادُونَ تَفَضُّلًا، فَهو بِغَيْرِ حِسابٍ، ولَوْ لَمْ يُعْطَوْا إلّا المُسْتَحَقَّ لَكانَ ذَلِكَ حِسابًا، قالَ القاضِي: هَذا لَيْسَ بِصَحِيحٍ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى وصَفَ الأجْرَ بِأنَّهُ بِغَيْرِ حِسابٍ، ولَوْ لَمْ يُعْطَوْا إلّا الأجْرَ المُسْتَحَقَّ، والأجْرُ غَيْرُ التَّفَضُّلِ. الثّانِي: أنَّ الثَّوابَ لَهُ صِفاتٌ ثَلاثَةٌ: إحْداها: أنَّها تَكُونُ دائِمَةَ الأجْرِ لَهم، وقَوْلُهُ: ﴿بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ مَعْناهُ بِغَيْرِ نِهايَةٍ، لِأنَّ كُلَّ شَيْءٍ دَخَلَ تَحْتَ الحِسابِ فَهو مُتَناهٍ، فَما لا نِهايَةَ لَهُ كانَ خارِجًا عَنِ الحِسابِ. وثانِيها: أنَّها تَكُونُ مَنافِعَ كامِلَةً في أنْفُسِها، وعَقْلُ المُطِيعِ ما كانَ يَصِلُ إلى كُنْهِ ذَلِكَ الثَّوابِ، قالَ ﷺ: «إنَّ في الجَنَّةِ ما لا عَيْنٌ رَأتْ، ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ، ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ» وكُلُّ ما يُشاهِدُونَهُ مِن أنْواعِ الثَّوابِ وجَدُوهُ أزْيَدَ مِمّا تَصَوَّرُوهُ وتَوَقَّعُوهُ، وما لا يَتَوَقَّعُهُ الإنْسانُ، فَقَدْ يُقالُ: إنَّهُ لَيْسَ في حِسابِهِ، فَقَوْلُهُ: ﴿بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ مَحْمُولٌ عَلى هَذا المَعْنى، والوَجْهُ الثّالِثُ في التَّأْوِيلِ أنَّ ثَوابَ أهْلِ البَلاءِ لا يُقَدَّرُ بِالمِيزانِ والمِكْيالِ، رَوى صاحِبُ ”الكَشّافِ“ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «يَنْصِبُ اللَّهُ المَوازِينَ يَوْمَ القِيامَةِ، فَيُؤْتى أهْلُ الصَّلاةِ فَيُوَفَّوْنَ أُجُورَهم بِالمَوازِينِ، ويُؤْتى بِأهْلِ الصَّدَقَةِ فَيُوَفَّوْنَ أُجُورَهم بِالمَوازِينِ، ويُؤْتى بِأهْلِ البَلاءِ فَلا يُنْصَبُ لَهم مِيزانٌ، ولا يُنْشَرُ لَهم دِيوانٌ، ويُصَبُّ عَلَيْهِمُ الأجْرُ صَبًّا»، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّما يُوَفّى الصّابِرُونَ أجْرَهم بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ حَتّى يَتَمَنّى أهْلُ العافِيَةِ في الدُّنْيا أنَّ أجْسادَهم تُقْرَضُ بِالمَقارِيضِ لِما بِهِ أهْلُ البَلاءِ مِنَ الفَضْلِ. النَّوْعُ الثّانِي: مِنَ البَياناتِ الَّتِي أمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ أنْ يَذْكُرَها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنِّي أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾، قالَ مُقاتِلٌ: إنَّ كُفّارَ قُرَيْشٍ قالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ: ما يَحْمِلُكَ عَلى هَذا الدِّينِ الَّذِي أتَيْتَنا بِهِ ؟ ألا تَنْظُرُ إلى مِلَّةِ أبِيكَ وجَدِّكَ وساداتِ قَوْمِكَ، يَعْبُدُونَ اللّاتَ والعُزّى، فَأنْزَلَ اللَّهُ ”قُلْ يا مُحَمَّدُ إنِّي أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ صفحة ٢٢٢ الدِّينَ“، وأقُولُ: إنَّ التَّكْلِيفَ نَوْعانِ: أحَدُهُما: الأمْرُ بِالِاحْتِرازِ عَمّا لا يَنْبَغِي. والثّانِي: الأمْرُ بِتَحْصِيلِ ما يَنْبَغِي، والمَرْتَبَةُ الأُولى مُقَدَّمَةٌ عَلى المَرْتَبَةِ الثّانِيَةِ بِحَسَبِ الرُّتْبَةِ الواجِبَةِ اللّازِمَةِ، إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّهُ تَعالى قَدَّمَ الأمْرَ بِإزالَةِ ما يَنْبَغِي، فَقالَ: ﴿اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾ لِأنَّ التَّقْوى هي الِاحْتِرازُ عَمّا لا يَنْبَغِي، ثُمَّ ذَكَرَ عَقِيبَهُ الأمْرَ بِتَحْصِيلِ ما يَنْبَغِي فَقالَ: ﴿إنِّي أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ وهَذا يَشْتَمِلُ عَلى قَيْدَيْنِ: أحَدُهُما: الأمْرُ بِعِبادَةِ اللَّهِ. الثّانِي: كَوْنُ تِلْكَ العِبادَةِ خالِصَةً عَنْ شَوائِبِ الشِّرْكِ الجَلِيِّ، وشَوائِبِ الشِّرْكِ الخَفِيِّ، وإنَّما خَصَّ اللَّهُ تَعالى الرَّسُولَ بِهَذا الأمْرِ لِيُنَبِّهَ عَلى أنَّ غَيْرَهُ بِذَلِكَ أحَقُّ فَهو كالتَّرْغِيبِ لِلْغَيْرِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأُمِرْتُ لِأنْ أكُونَ أوَّلَ المُسْلِمِينَ﴾ لا شُبْهَةَ في أنَّ المُرادَ أنِّي أوَّلُ مَن تَمَسَّكَ بِالعِباداتِ الَّتِي أُرْسِلْتُ بِها، وفي هَذِهِ الآيَةِ فائِدَتانِ: الفائِدَةُ الأُولى: كَأنَّهُ يَقُولُ: إنِّي لَسْتُ مِنَ المُلُوكِ الجَبابِرَةِ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ النّاسَ بِأشْياءَ وهم لا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ، بَلْ كُلُّ ما أمَرْتُكم بِهِ فَأنا أوَّلُ النّاسِ شُرُوعًا فِيهِ، وأكْثَرُهم مُداوَمَةً عَلَيْهِ. الفائِدَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ قالَ: ﴿إنِّي أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ﴾ والعِبادَةُ لَها رُكْنانِ: عَمَلُ القَلْبِ، وعَمَلُ الجَوارِحِ، وعَمَلُ القَلْبِ أشْرَفُ مِن عَمَلِ الجَوارِحِ، فَقَدَّمَ ذِكْرَ الجُزْءَ الأشْرَفَ، وهو قَوْلُهُ: ﴿مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ ثُمَّ ذَكَرَ عَقِيبَهُ الأدْوَنَ، وهو عَمَلُ الجَوارِحِ، وهو الإسْلامُ، فَإنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَسَّرَ الإسْلامَ في خَبَرِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالأعْمالِ الظّاهِرَةِ، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿وأُمِرْتُ لِأنْ أكُونَ أوَّلَ المُسْلِمِينَ﴾ ولَيْسَ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: ما الفائِدَةُ في تَكْرِيرِ لِفْظِ ”أُمِرْتُ“ لِأنّا نَقُولُ: ذَكَرَ لَفْظَ ”أُمِرْتُ“ أوَّلًا في عَمَلِ القَلْبِ، وثانِيًا في عَمَلِ الجَوارِحِ، ولا يَكُونُ هَذا تَكْرِيرًا. الفائِدَةُ الثّالِثَةُ في قَوْلِهِ: ﴿وأُمِرْتُ لِأنْ أكُونَ أوَّلَ المُسْلِمِينَ﴾ التَّنْبِيهُ عَلى كَوْنِهِ رَسُولًا مِن عِنْدِ اللَّهِ واجِبَ الطّاعَةِ، لِأنَّ أوَّلَ المُسْلِمِينَ في شَرائِعِ اللَّهِ لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ إلّا رَسُولَ اللَّهِ، لِأنَّ أوَّلَ مَن يَعْرِفُ تِلْكَ الشَّرائِعَ والتَّكالِيفَ هو الرَّسُولُ المُبَلِّغُ، ولَمّا بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أمْرَهُ بِالإخْلاصِ بِالقَلْبِ وبِالأعْمالِ المَخْصُوصَةِ، وكانَ الأمْرُ يَحْتَمِلُ الوُجُوبَ ويَحْتَمِلُ النَّدْبَ بَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ الأمْرَ لِلْوُجُوبِ فَقالَ: ﴿قُلْ إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾، وفِيهِ فَوائِدُ: الفائِدَةُ الأُولى: أنَّ اللَّهَ أمَرَ مُحَمَّدًا ﷺ أنْ يُجْرِيَ هَذا الكَلامَ عَلى نَفْسِهِ، والمَقْصُودُ مِنهُ المُبالَغَةُ في زَجْرِ الغَيْرِ عَنِ المَعاصِي، لِأنَّهُ مَعَ جَلالَةِ قَدْرِهِ وشَرَفِ نُبُوَّتِهِ إذا وجَبَ أنْ يَكُونَ خائِفًا حَذِرًا عَنِ المَعاصِي، فَغَيْرُهُ بِذَلِكَ أوْلى. الفائِدَةُ الثّانِيَةُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ المُرَتَّبَ عَلى المَعْصِيَةِ لَيْسَ حُصُولَ العِقابِ، بَلِ الخَوْفَ مِنَ العِقابِ، وهَذا يُطابِقُ قَوْلَنا: إنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ يَعْفُو عَنِ المُذْنِبِ والكَبِيرَةِ، فَيَكُونُ اللّازِمُ عِنْدَ حُصُولِ المَعْصِيَةِ هو الخَوْفُ مِنَ العِقابِ لا نَفْسَ حُصُولِ العِقابِ. الفائِدَةُ الثّالِثَةُ: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ ظاهِرَ الأمْرِ لِلْوُجُوبِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ قالَ في أوَّلِ الآيَةِ: ﴿إنِّي أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ﴾ ثُمَّ قالَ بَعْدَهُ: ﴿قُلْ إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ فَيَكُونُ مَعْنى هَذا العِصْيانِ تَرْكَ الأمْرِ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وذَلِكَ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ تارِكُ الأمْرِ عاصِيًا، والعاصِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الخَوْفُ مِنَ العِقابِ، ولا مَعْنى لِلْوُجُوبِ إلّا ذَلِكَ. صفحة ٢٢٣ النَّوْعُ الثّالِثُ: مِنَ الأشْياءِ الَّتِي أمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ أنْ يَذْكُرَها قَوْلُهُ: ﴿قُلِ اللَّهَ أعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ فَإنْ قِيلَ: ما مَعْنى التَّكْرِيرِ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنِّي أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿قُلِ اللَّهَ أعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ ؟، قُلْنا: هَذا لَيْسَ بِتَكْرِيرٍ، لِأنَّ الأوَّلَ إخْبارٌ بِأنَّهُ مَأْمُورٌ مِن جِهَةِ اللَّهِ بِالإتْيانِ بِالعِبادَةِ، والثّانِي إخْبارٌ بِأنَّهُ أُمِرَ بِأنْ لا يَعْبُدَ أحَدًا غَيْرَهُ، وذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ﴾ لا يُفِيدُ الحَصْرَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلِ اللَّهَ أعْبُدُ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ، يَعْنِي: اللَّهَ أعْبُدُ ولا أعْبُدُ أحَدًا سِواهُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ لَمّا قالَ بَعْدُ: ﴿قُلِ اللَّهَ أعْبُدُ﴾ قالَ بَعْدَهُ: ﴿فاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِن دُونِهِ﴾ ولا شُبْهَةَ في أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِن دُونِهِ﴾ لَيْسَ أمْرًا، بَلِ المُرادُ مِنهُ الزَّجْرُ، كَأنَّهُ يَقُولُ: لَمّا بَلَغَ البَيانُ في وُجُوبِ رِعايَةِ التَّوْحِيدِ إلى الغايَةِ القُصْوى، فَبَعْدَ ذَلِكَ أنْتُمْ أعْرَفُ بِأنْفُسِكم، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى كَمالَ الزَّجْرِ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنَّ الخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ﴾ لِوُقُوعِها في هَلاكٍ لا يُعْقَلُ هَلاكٌ أعْظَمُ مِنهُ، وخَسِرُوا أهْلِيهِمْ أيْضًا، لِأنَّهم إنْ كانُوا مِن أهْلِ النّارِ فَقَدْ خَسِرُوهم كَما خَسِرُوا أنْفُسَهم، وإنْ كانُوا مِن أهْلِ الجَنَّةِ فَقَدْ ذَهَبُوا عَنْهم ذَهابًا لا رُجُوعَ بَعْدَهُ ألْبَتَّةَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّ لِكُلِّ رَجُلٍ مَنزِلًا وأهْلًا وخَدَمًا في الجَنَّةِ، فَإنْ أطاعَ أُعْطِيَ ذَلِكَ، وإنْ كانَ مِن أهْلِ النّارِ حُرِمَ ذَلِكَ، فَخَسِرَ نَفْسَهُ وأهْلَهُ ومَنزِلَهُ، ووَرِثَهُ غَيْرُهُ مِنَ المُسْلِمِينَ، والخاسِرُ المَغْبُونُ، ولَمّا شَرَحَ اللَّهُ خُسْرانَهم وصَفَ ذَلِكَ الخُسْرانَ بِغايَةِ الفَظاعَةِ فَقالَ: ﴿ألا ذَلِكَ هو الخُسْرانُ المُبِينُ﴾ كانَ التَّكْرِيرُ لِأجْلِ التَّأْكِيدِ. الثّانِي: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في أوَّلِ هَذِهِ الكَلِمَةِ حَرْفَ ”ألا“ وهو لِلتَّنْبِيهِ، وذِكْرُ التَّنْبِيهِ في هَذا المَوْضِعِ يَدُلُّ عَلى التَّعْظِيمِ، كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّهُ بَلَغَ في العَظَمَةِ إلى حَيْثُ لا تَصِلُ عُقُولُكم إلَيْها فَتَنَبَّهُوا لَها. الثّالِثُ: أنَّ كَلِمَةَ ”هو“ في قَوْلِهِ: ﴿هُوَ الخُسْرانُ المُبِينُ﴾ تُفِيدُ الحَصْرَ، كَأنَّهُ قِيلَ: كُلُّ خُسْرانٍ فَإنَّهُ يَصِيرُ في مُقابَلَتِهِ كَلا خُسْرانٍ. الرّابِعُ: وصْفُهُ بِكَوْنِهِ مُبِينًا يَدُلُّ عَلى التَّهْوِيلِ، وأقُولُ: قَدْ بَيَّنّا أنَّ لَفْظَ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ خُسْرانًا مُبِينًا، فَلْنُبَيِّنْ بِحَسَبِ المَباحِثِ العَقْلِيَّةِ كَوْنَهُ خُسْرانًا مُبِينًا، وأقُولُ: نَفْتَقِرُ إلى بَيانِ أمْرَيْنِ: إلى أنْ يَكُونَ خُسْرانًا، ثُمَّ كَوْنِهِ مُبِينًا. أمّا الأوَّلُ فَتَقْرِيرُهُ أنَّهُ تَعالى أعْطى هَذِهِ الحَياةَ وأعْطى العَقْلَ، وأعْطى المُكْنَةَ، وكُلُّ ذَلِكَ رَأْسُ المالِ، أمّا هَذِهِ الحَياةُ فالمَقْصُودُ مِنها أنْ يَكْتَسِبَ فِيها الحَياةَ الطَّيِّبَةَ في الآخِرَةِ. * * * وأمّا العَقْلُ فَإنَّهُ عِبارَةٌ عَنِ العُلُومِ البَدِيهِيَّةِ، وهَذِهِ العُلُومُ هي رَأْسُ المالِ، والنَّظَرُ والفِكْرُ لا مَعْنى لَهُ إلّا تَرْتِيبُ عُلُومٍ لِيُتَوَصَّلَ بِذَلِكَ التَّرْتِيبِ إلى تَحْصِيلِ عُلُومٍ كَسْبِيَّةٍ، فَتِلْكَ العُلُومُ البَدِيهِيَّةُ المُسَمّاةُ بِالعَقْلِ رَأْسُ المالِ وتَرْكِيبُها عَلى الوُجُوهِ المَخْصُوصَةِ يُشْبِهُ تَصَرُّفَ التّاجِرِ في رَأْسِ المالِ، وتَرْكِيبُها عَلى الوُجُوهِ بِالبَيْعِ والشِّراءِ، وحُصُولُ العِلْمِ بِالنَّتِيجَةِ يُشْبِهُ حُصُولَ الرِّبْحِ، وأيْضًا حُصُولُ القُدْرَةِ عَلى الأعْمالِ يُشْبِهُ رَأْسَ المالِ، واسْتِعْمالُ تِلْكَ القُوَّةِ في تَحْصِيلِ أعْمالِ البِرِّ والخَيْرِ يُشْبِهُ تَصَرُّفَ التّاجِرِ في رَأْسِ المالِ، وحُصُولُ أعْمالِ الخَيْرِ والبِرِّ يُشْبِهُ الرِّبْحَ، إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّ مَن أعْطاهُ اللَّهُ الحَياةَ والعَقْلَ والتَّمَكُّنَ، ثُمَّ إنَّهُ لَمْ يَسْتَفِدْ مِنها لا مَعْرِفَةَ الحَقِّ ولا عَمَلَ الخَيْرِ ألْبَتَّةَ كانَ مَحْرُومًا عَنِ الرِّبْحِ بِالكُلِّيَّةِ، وإذا ماتَ فَقَدْ ضاعَ رَأْسُ المالِ بِالكُلِّيَّةِ، فَكانَ ذَلِكَ خُسْرانًا، فَهَذا بَيانُ كَوْنِهِ خُسْرانًا. وأمّا الثّانِي: وهو بَيانُ كَوْنِ ذَلِكَ الخُسْرانِ مُبِينًا، فَهو أنَّ مَن لَمْ يَرْبَحِ الزِّيادَةَ، ولَكِنَّهُ مَعَ ذَلِكَ سَلِمَ مِنَ الآفاتِ والمَضارِّ، فَهَذا كَما لَمْ يَحْصُلْ لَهُ مَزِيدُ نَفْعٍ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ أيْضًا مَزِيدُ ضَرَرٍ، أمّا هَؤُلاءِ الكُفّارُ فَقَدِ اسْتَعْمَلُوا عُقُولَهُمُ الَّتِي هي رَأْسُ مالِهِمْ في اسْتِخْراجِ وُجُوهِ الشُّبُهاتِ، وتَقْوِيَةِ الجَهالاتِ والضَّلالاتِ، واسْتَعْمَلُوا قُواهم وقُدُرَهم في أفْعالِ الشَّرِّ والباطِلِ والفَسادِ، فَهم قَدْ جَمَعُوا بَيْنَ أُمُورٍ في غايَةِ الرَّداءَةِ: أوَّلُها: أنَّهم أتْعَبُوا أبْدانَهم وعُقُولَهم طَلَبًا في تِلْكَ العَقائِدِ الباطِلَةِ، والأعْمالِ الفاسِدَةِ. صفحة ٢٢٤ وثانِيها: أنَّهم عِنْدَ المَوْتِ يَضِيعُ عَنْهم رَأْسُ المالِ مِن غَيْرِ فائِدَةٍ. وثالِثُها: أنَّ تِلْكَ المَتاعِبَ الشَّدِيدَةَ الَّتِي كانَتْ مَوْجُودَةً في الدُّنْيا في نُصْرَةِ تِلْكَ الضَّلالاتِ تَصِيرُ أسْبابًا لِلْعُقُوبَةِ الشَّدِيدَةِ، والبَلاءِ العَظِيمِ بَعْدَ المَوْتِ. وعِنْدَ الوُقُوفِ عَلى هَذِهِ المَعانِي يَظْهَرُ أنَّهُ لا يُعْقَلُ خُسْرانٌ أقْوى مِن خُسْرانِهِمْ، ولا حِرْمانٌ أعْظَمُ مِن حِرْمانِهِمْ، ونَعُوذُ بِاللَّهِ مِنهُ. ولَمّا شَرَحَ اللَّهُ تَعالى أحْوالَ حِرْمانِهِمْ عَنِ الرِّبْحِ وبَيَّنَ كَيْفِيَّةَ خُسْرانِهِمْ، بَيَّنَ أنَّهم لَمْ يَقْتَصِرُوا عَلى الحِرْمانِ والخُسْرانِ، بَلْ ضَمُّوا إلَيْهِ اسْتِحْقاقَ العَذابِ العَظِيمِ والعِقابِ الشَّدِيدِ، فَقالَ: ﴿لَهم مِن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النّارِ ومِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ والمُرادُ إحاطَةُ النّارِ بِهِمْ مِن جَمِيعِ الجَوانِبِ، ونَظِيرُهُ في الأحْوالِ النَّفْسانِيَّةِ إحاطَةُ الجَهْلِ والحِرْمانِ والحِرْصِ وسائِرِ الأخْلاقِ الذَّمِيمَةِ بِالإنْسانِ، فَإنْ قِيلَ: الظُّلَلُ ما عَلى الإنْسانِ، فَكَيْفَ سُمِّيَ ما تَحْتَهُ بِالظُّلَلِ ؟ والجَوابُ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّهُ مِن بابِ إطْلاقِ اسْمِ أحَدِ الضِّدَّيْنِ عَلى الآخَرِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشورى: ٤٠] . الثّانِي: أنَّ الَّذِي يَكُونُ تَحْتَهُ يَكُونُ ظُلَّةً لِإنْسانٍ آخَرَ تَحْتَهُ، لِأنَّ النّارَ دَرَكاتٌ كَما أنَّ الجَنَّةَ دَرَجاتٌ. والثّالِثُ: أنَّ الظُّلَّةَ التَّحْتانِيَّةَ إذا كانَتْ مُشابِهَةً لِلظُّلَّةِ الفَوْقانِيَّةِ في الحَرارَةِ والإحْراقِ والإيذاءِ أُطْلِقَ اسْمُ أحَدِهِما عَلى الآخَرِ لِأجْلِ المُماثَلَةِ والمُشابَهَةِ. قالَ الحَسَنُ: هم بَيْنَ طَبَقَتَيْنِ مِنَ النّارِ، لا يَدْرُونَ ما فَوْقَهم أكْثَرَ مِمّا تَحْتَهم، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَغْشاهُمُ العَذابُ مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٥٥]، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهم مِن جَهَنَّمَ مِهادٌ ومِن فَوْقِهِمْ غَواشٍ﴾ [الأعراف: ٤١] . * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ﴾ أيْ ذَلِكَ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِن وصْفِ العَذابِ، فَقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ﴾ مُبْتَدَأٌ، وقَوْلُهُ: ﴿يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ﴾ خَبَرٌ، وفي قَوْلِهِ: ﴿يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ﴾ قَوْلانِ: الأوَّلُ: التَّقْدِيرُ: ذَلِكَ العَذابُ المُعَدُّ لِلْكَفّارِ هو الَّذِي يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ أيِ المُؤْمِنِينَ، لِأنّا بَيَّنّا أنَّ لَفْظَ العِبادِ في القُرْآنِ مُخْتَصٌّ بِأهْلِ الإيمانِ، وإنَّما كانَ تَخْوِيفًا لِلْمُؤْمِنِينَ لِأجْلِ أنَّهم إذا سَمِعُوا أنَّ حالَ الكُفّارِ ما تَقَدَّمَ خافُوا فَأخْلَصُوا في التَّوْحِيدِ والطّاعَةِ. الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ هَذا الكَلامَ في تَقْدِيرِ جَوابٍ عَنْ سُؤالٍ، لِأنَّهُ يُقالُ: إنَّهُ تَعالى غَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ مُنَزَّهٌ عَنِ الشَّهْوَةِ والِانْتِقامِ وداعِيَةِ الإيذاءِ، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِهِ أنْ يُعَذِّبَ هَؤُلاءِ المَساكِينَ إلى هَذا الحَدِّ العَظِيمِ، وأُجِيبَ عَنْهُ بِأنَّ المَقْصُودَ مِنهُ تَخْوِيفُ الكُفّارِ والضُّلّالِ عَنِ الكُفْرِ والضَّلالِ، فَإذا كانَ التَّكْلِيفُ لا يَتِمُّ إلّا بِالتَّخْوِيفِ، والتَّخْوِيفُ لا يَكْمُلُ الِانْتِفاعُ بِهِ إلّا بِإدْخالِ ذَلِكَ الشَّيْءِ في الوُجُودِ وجَبَ إدْخالُ ذَلِكَ النَّوْعِ مِنَ العَذابِ في الوُجُودِ؛ تَحْصِيلًا لِذَلِكَ المَطْلُوبِ الَّذِي هو التَّكْلِيفُ، والوَجْهُ الأوَّلُ عِنْدِي أقْرَبُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ قالَ بَعْدَهُ: ﴿ياعِبادِ فاتَّقُونِ﴾، وقَوْلُهُ: ﴿ياعِبادِ﴾ الأظْهَرُ مِنهُ أنَّ المُرادَ مِنهُ المُؤْمِنُونَ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: المَقْصُودُ مِن شَرْحِ عَذابِ الكُفّارِ لِلْمُؤْمِنِينَ تَخْوِيفُ المُؤْمِنِينَ، فَيا أيُّها المُؤْمِنُونَ بالِغُوا في الخَوْفِ والحَذَرِ والتَّقْوى.

الزمر 39:12

صفحة ٢٢٠ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ ياعِبادِي الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكم لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ وأرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ إنَّما يُوَفّى الصّابِرُونَ أجْرَهم بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ ﴿قُلْ إنِّي أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ ﴿وأُمِرْتُ لِأنْ أكُونَ أوَّلَ المُسْلِمِينَ﴾ ﴿قُلْ إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿قُلِ اللَّهَ أعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي فاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِن دُونِهِ قُلْ إنَّ الخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وأهْلِيهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ ألا ذَلِكَ هو الخُسْرانُ المُبِينُ﴾ ﴿لَهم مِن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النّارِ ومِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ ياعِبادِ فاتَّقُونِ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ نَفْيَ المُساواةِ بَيْنَ مَن يَعْلَمُ وبَيْنَ مَن لا يَعْلَمُ، أتْبَعَهُ بِأنْ أمَرَ رَسُولَهُ بِأنْ يُخاطِبَ المُؤْمِنِينَ بِأنْواعٍ مِنَ الكَلامِ: النَّوْعُ الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿قُلْ يا عِبادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾ والمُرادُ أنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِأنْ يَضُمُّوا إلى الإيمانِ التَّقْوى، وهَذا مِن أوَّلِ الدَّلائِلِ عَلى أنَّ الإيمانَ يَبْقى مَعَ المَعْصِيَةِ، قالَ القاضِي: أمَرَهم بِالتَّقْوى لِكَيْلا يُحْبِطُوا إيمانَهم، لِأنَّ عِنْدَ الِاتِّقاءِ مِنَ الكَبائِرِ يَسْلَمُ لَهُمُ الثَّوابُ، وبِالإقْدامِ عَلَيْها يُحْبَطُ، فَيُقالُ لَهُ: هَذا بِأنْ يَدُلَّ عَلى ضِدِّ قَوْلِكَ أوْلى، لِأنَّهُ لَمّا أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِالتَّقْوى دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ يَبْقى مُؤْمِنًا مَعَ عَدَمِ التَّقْوى، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الفِسْقَ لا يُزِيلُ الإيمانَ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِالِاتِّقاءِ بَيَّنَ لَهم ما في هَذا الِاتِّقاءِ مِنَ الفَوائِدِ، فَقالَ تَعالى: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ﴾، فَقَوْلُهُ: ﴿فِي هَذِهِ الدُّنْيا﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ صِلَةً لِقَوْلِهِ: ﴿أحْسَنُوا﴾ أوْ لِـ”حَسَنَةٌ“، فَعَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ - مَعْناهُ: لِلَّذِينِ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا كُلُّهم حَسَنَةٌ في الآخِرَةِ، وهي دُخُولُ الجَنَّةِ، والتَّنْكِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿حَسَنَةٌ﴾ لِلتَّعْظِيمِ، يَعْنِي: حَسَنَةٌ لا يَصِلُ العَقْلُ إلى كُنْهِ كَمالِها. وأمّا عَلى التَّقْدِيرِ الثّانِي - فَمَعْناهُ: الَّذِينَ أحْسَنُوا فَلَهم في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ، والقائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ قالُوا: هَذِهِ الحَسَنَةُ هي الصِّحَّةُ والعافِيَةُ، وأقُولُ: الأوْلى أنْ تُحْمَلَ عَلى الثَّلاثَةِ المَذْكُورَةِ في قَوْلِهِ ﷺ: «ثَلاثَةٌ لَيْسَ لَها نِهايَةٌ: الأمْنُ والصِّحَّةُ والكِفايَةُ»، ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: القَوْلُ الأوَّلُ أوْلى، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ التَّنْكِيرَ في قَوْلِهِ: ﴿حَسَنَةٌ﴾ يَدُلُّ عَلى النِّهايَةِ والجَلالَةِ والرِّفْعَةِ، وذَلِكَ لا يَلِيقُ بِأحْوالِ الدُّنْيا، فَإنَّها خَسِيسَةٌ ومُنْقَطِعَةٌ، وإنَّما يَلِيقُ بِأحْوالِ الآخِرَةِ، فَإنَّها شَرِيفَةٌ وآمِنَةٌ مِنَ الِانْقِضاءِ والِانْقِراضِ. والثّانِي: أنَّ ثَوابَ المُحْسِنِ بِالتَّوْحِيدِ والأعْمالِ الصّالِحَةِ إنَّما يَحْصُلُ في الآخِرَةِ، قالَ تَعالى: ﴿اليَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ [غافر: ١٧] وأيْضًا فَنِعْمَةُ الدُّنْيا مِنَ الصِّحَّةِ والأمْنِ والكِفايَةِ حاصِلَةٌ لِلْكُفّارِ، وأيْضًا فَحُصُولُها لِلْكافِرِ أكْثَرُ وأتَمُّ مِن حُصُولِها لِلْمُؤْمِنِ، كَما قالَ ﷺ: «الدُّنْيا سِجْنُ المُؤْمِنِ وجَنَّةُ الكافِرِ»، وقالَ تَعالى: ﴿لَجَعَلْنا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِن فَضَّةٍ ومَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ﴾ [الزخرف: ٣٣] . الثّالِثُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ، بِمَعْنى أنَّهُ يُفِيدُ أنَّ حَسَنَةَ هَذِهِ الدُّنْيا لا تَحْصُلُ إلّا لِلَّذِينِ أحْسَنُوا، وهَذا باطِلٌ، أمّا لَوْ حَمَلْنا هَذِهِ الحَسَنَةَ عَلى حَسَنَةِ الآخِرَةِ صَحَّ هَذا الحَصْرُ، فَكَأنَّ حَمْلَهُ عَلى حَسَنَةِ الآخِرَةِ أوْلى، ثُمَّ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وأرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ﴾، وفِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: المُرادُ أنَّهُ لا عُذْرَ ألْبَتَّةَ لِلْمُقَصِّرِينَ في الإحْسانِ، حَتّى إنَّهم إنِ اعْتَلُّوا بِأوْطانِهِمْ وبِلادِهِمْ، وأنَّهم لا يَتَمَكَّنُونَ فِيها مِنَ التَّوْفِرَةِ عَلى الإحْسانِ وصَرْفِ الهِمَمِ إلَيْهِ، قُلْ لَهم: فَإنَّ أرْضَ اللَّهِ واسِعَةٌ وبِلادَهُ كَثِيرَةٌ، فَتَحَوَّلُوا مِن هَذِهِ البِلادِ إلى بِلادٍ تَقْدِرُونَ فِيها عَلى الِاشْتِغالِ بِالطّاعاتِ والعِباداتِ، واقْتَدُوا بِالأنْبِياءِ والصّالِحِينَ صفحة ٢٢١ فِي مُهاجَرَتِهِمْ إلى غَيْرِ بِلادِهِمْ، لِيَزْدادُوا إحْسانًا إلى إحْسانِهِمْ، وطاعَةً إلى طاعَتِهِمْ، والمَقْصُودُ مِنهُ التَّرْغِيبُ في الهِجْرَةِ مِن مَكَّةَ إلى المَدِينَةِ، والصَّبْرِ عَلى مُفارَقَةِ الوَطَنِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنّا مُسْتَضْعَفِينَ في الأرْضِ قالُوا ألَمْ تَكُنْ أرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها﴾ [النساء: ٩٧] . والقَوْلُ الثّانِي: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: لا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الأرْضِ أرْضَ الجَنَّةِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِالتَّقْوى، وهي خَشْيَةُ اللَّهِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ مَنِ اتَّقى فَلَهُ في الآخِرَةِ الحَسَنَةُ، وهي الخُلُودُ في الجَنَّةِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ أرْضَ اللَّهِ - أيْ جَنَّتَهُ - واسِعَةٌ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿نَتَبَوَّأُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ﴾ [الزمر: ٧٤]، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَنَّةٍ عَرْضُها السَّماواتُ والأرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣]، والقَوْلُ الأوَّلُ عِنْدِي أوْلى، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنَّما يُوَفّى الصّابِرُونَ أجْرَهم بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ لا يَلِيقُ إلّا بِالأوَّلِ، وفي هَذِهِ الآيَةِ مَسائِلُ: * * * المَسْألَةُ الأُولى: أمّا تَحْقِيقُ الكَلامِ في ماهِيَّةِ الصَّبْرِ فَقَدْ ذَكَرْناهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ، والمُرادُ هَهُنا بِالصّابِرِينَ الَّذِينَ صَبَرُوا عَلى مُفارَقَةِ أوْطانِهِمْ وعَشائِرِهِمْ، وعَلى تَجَرُّعِ الغُصَصِ، واحْتِمالِ البَلايا في طاعَةِ اللَّهِ تَعالى. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: تَسْمِيَةُ المَنافِعِ الَّتِي وعَدَ اللَّهُ بِها عَلى الصَّبْرِ بِالأجْرِ تُوهِمُ أنَّ العَمَلَ عَلى الثَّوابِ، لِأنَّ الأجْرَ هو المُسْتَحَقُّ، إلّا أنَّهُ قامَتِ الدَّلائِلُ القاهِرَةُ عَلى أنَّ العَمَلَ لَيْسَ عَلَيْهِ الثَّوابُ، فَوَجَبَ حَمْلُ لَفْظِ الأجْرِ عَلى كَوْنِهِ أجْرًا بِحَسَبِ الوَعْدِ، لا بِحَسَبِ الِاسْتِحْقاقِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أنَّهُ تَعالى وصَفَ ذَلِكَ الأجْرَ بِأنَّهُ بِغَيْرِ حِسابٍ، وفِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: قالَ الجُبّائِيُّ: المَعْنى أنَّهم يُعْطَوْنَ ما يَسْتَحِقُّونَ ويَزْدادُونَ تَفَضُّلًا، فَهو بِغَيْرِ حِسابٍ، ولَوْ لَمْ يُعْطَوْا إلّا المُسْتَحَقَّ لَكانَ ذَلِكَ حِسابًا، قالَ القاضِي: هَذا لَيْسَ بِصَحِيحٍ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى وصَفَ الأجْرَ بِأنَّهُ بِغَيْرِ حِسابٍ، ولَوْ لَمْ يُعْطَوْا إلّا الأجْرَ المُسْتَحَقَّ، والأجْرُ غَيْرُ التَّفَضُّلِ. الثّانِي: أنَّ الثَّوابَ لَهُ صِفاتٌ ثَلاثَةٌ: إحْداها: أنَّها تَكُونُ دائِمَةَ الأجْرِ لَهم، وقَوْلُهُ: ﴿بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ مَعْناهُ بِغَيْرِ نِهايَةٍ، لِأنَّ كُلَّ شَيْءٍ دَخَلَ تَحْتَ الحِسابِ فَهو مُتَناهٍ، فَما لا نِهايَةَ لَهُ كانَ خارِجًا عَنِ الحِسابِ. وثانِيها: أنَّها تَكُونُ مَنافِعَ كامِلَةً في أنْفُسِها، وعَقْلُ المُطِيعِ ما كانَ يَصِلُ إلى كُنْهِ ذَلِكَ الثَّوابِ، قالَ ﷺ: «إنَّ في الجَنَّةِ ما لا عَيْنٌ رَأتْ، ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ، ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ» وكُلُّ ما يُشاهِدُونَهُ مِن أنْواعِ الثَّوابِ وجَدُوهُ أزْيَدَ مِمّا تَصَوَّرُوهُ وتَوَقَّعُوهُ، وما لا يَتَوَقَّعُهُ الإنْسانُ، فَقَدْ يُقالُ: إنَّهُ لَيْسَ في حِسابِهِ، فَقَوْلُهُ: ﴿بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ مَحْمُولٌ عَلى هَذا المَعْنى، والوَجْهُ الثّالِثُ في التَّأْوِيلِ أنَّ ثَوابَ أهْلِ البَلاءِ لا يُقَدَّرُ بِالمِيزانِ والمِكْيالِ، رَوى صاحِبُ ”الكَشّافِ“ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «يَنْصِبُ اللَّهُ المَوازِينَ يَوْمَ القِيامَةِ، فَيُؤْتى أهْلُ الصَّلاةِ فَيُوَفَّوْنَ أُجُورَهم بِالمَوازِينِ، ويُؤْتى بِأهْلِ الصَّدَقَةِ فَيُوَفَّوْنَ أُجُورَهم بِالمَوازِينِ، ويُؤْتى بِأهْلِ البَلاءِ فَلا يُنْصَبُ لَهم مِيزانٌ، ولا يُنْشَرُ لَهم دِيوانٌ، ويُصَبُّ عَلَيْهِمُ الأجْرُ صَبًّا»، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّما يُوَفّى الصّابِرُونَ أجْرَهم بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ حَتّى يَتَمَنّى أهْلُ العافِيَةِ في الدُّنْيا أنَّ أجْسادَهم تُقْرَضُ بِالمَقارِيضِ لِما بِهِ أهْلُ البَلاءِ مِنَ الفَضْلِ. النَّوْعُ الثّانِي: مِنَ البَياناتِ الَّتِي أمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ أنْ يَذْكُرَها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنِّي أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾، قالَ مُقاتِلٌ: إنَّ كُفّارَ قُرَيْشٍ قالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ: ما يَحْمِلُكَ عَلى هَذا الدِّينِ الَّذِي أتَيْتَنا بِهِ ؟ ألا تَنْظُرُ إلى مِلَّةِ أبِيكَ وجَدِّكَ وساداتِ قَوْمِكَ، يَعْبُدُونَ اللّاتَ والعُزّى، فَأنْزَلَ اللَّهُ ”قُلْ يا مُحَمَّدُ إنِّي أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ صفحة ٢٢٢ الدِّينَ“، وأقُولُ: إنَّ التَّكْلِيفَ نَوْعانِ: أحَدُهُما: الأمْرُ بِالِاحْتِرازِ عَمّا لا يَنْبَغِي. والثّانِي: الأمْرُ بِتَحْصِيلِ ما يَنْبَغِي، والمَرْتَبَةُ الأُولى مُقَدَّمَةٌ عَلى المَرْتَبَةِ الثّانِيَةِ بِحَسَبِ الرُّتْبَةِ الواجِبَةِ اللّازِمَةِ، إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّهُ تَعالى قَدَّمَ الأمْرَ بِإزالَةِ ما يَنْبَغِي، فَقالَ: ﴿اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾ لِأنَّ التَّقْوى هي الِاحْتِرازُ عَمّا لا يَنْبَغِي، ثُمَّ ذَكَرَ عَقِيبَهُ الأمْرَ بِتَحْصِيلِ ما يَنْبَغِي فَقالَ: ﴿إنِّي أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ وهَذا يَشْتَمِلُ عَلى قَيْدَيْنِ: أحَدُهُما: الأمْرُ بِعِبادَةِ اللَّهِ. الثّانِي: كَوْنُ تِلْكَ العِبادَةِ خالِصَةً عَنْ شَوائِبِ الشِّرْكِ الجَلِيِّ، وشَوائِبِ الشِّرْكِ الخَفِيِّ، وإنَّما خَصَّ اللَّهُ تَعالى الرَّسُولَ بِهَذا الأمْرِ لِيُنَبِّهَ عَلى أنَّ غَيْرَهُ بِذَلِكَ أحَقُّ فَهو كالتَّرْغِيبِ لِلْغَيْرِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأُمِرْتُ لِأنْ أكُونَ أوَّلَ المُسْلِمِينَ﴾ لا شُبْهَةَ في أنَّ المُرادَ أنِّي أوَّلُ مَن تَمَسَّكَ بِالعِباداتِ الَّتِي أُرْسِلْتُ بِها، وفي هَذِهِ الآيَةِ فائِدَتانِ: الفائِدَةُ الأُولى: كَأنَّهُ يَقُولُ: إنِّي لَسْتُ مِنَ المُلُوكِ الجَبابِرَةِ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ النّاسَ بِأشْياءَ وهم لا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ، بَلْ كُلُّ ما أمَرْتُكم بِهِ فَأنا أوَّلُ النّاسِ شُرُوعًا فِيهِ، وأكْثَرُهم مُداوَمَةً عَلَيْهِ. الفائِدَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ قالَ: ﴿إنِّي أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ﴾ والعِبادَةُ لَها رُكْنانِ: عَمَلُ القَلْبِ، وعَمَلُ الجَوارِحِ، وعَمَلُ القَلْبِ أشْرَفُ مِن عَمَلِ الجَوارِحِ، فَقَدَّمَ ذِكْرَ الجُزْءَ الأشْرَفَ، وهو قَوْلُهُ: ﴿مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ ثُمَّ ذَكَرَ عَقِيبَهُ الأدْوَنَ، وهو عَمَلُ الجَوارِحِ، وهو الإسْلامُ، فَإنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَسَّرَ الإسْلامَ في خَبَرِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالأعْمالِ الظّاهِرَةِ، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿وأُمِرْتُ لِأنْ أكُونَ أوَّلَ المُسْلِمِينَ﴾ ولَيْسَ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: ما الفائِدَةُ في تَكْرِيرِ لِفْظِ ”أُمِرْتُ“ لِأنّا نَقُولُ: ذَكَرَ لَفْظَ ”أُمِرْتُ“ أوَّلًا في عَمَلِ القَلْبِ، وثانِيًا في عَمَلِ الجَوارِحِ، ولا يَكُونُ هَذا تَكْرِيرًا. الفائِدَةُ الثّالِثَةُ في قَوْلِهِ: ﴿وأُمِرْتُ لِأنْ أكُونَ أوَّلَ المُسْلِمِينَ﴾ التَّنْبِيهُ عَلى كَوْنِهِ رَسُولًا مِن عِنْدِ اللَّهِ واجِبَ الطّاعَةِ، لِأنَّ أوَّلَ المُسْلِمِينَ في شَرائِعِ اللَّهِ لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ إلّا رَسُولَ اللَّهِ، لِأنَّ أوَّلَ مَن يَعْرِفُ تِلْكَ الشَّرائِعَ والتَّكالِيفَ هو الرَّسُولُ المُبَلِّغُ، ولَمّا بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أمْرَهُ بِالإخْلاصِ بِالقَلْبِ وبِالأعْمالِ المَخْصُوصَةِ، وكانَ الأمْرُ يَحْتَمِلُ الوُجُوبَ ويَحْتَمِلُ النَّدْبَ بَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ الأمْرَ لِلْوُجُوبِ فَقالَ: ﴿قُلْ إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾، وفِيهِ فَوائِدُ: الفائِدَةُ الأُولى: أنَّ اللَّهَ أمَرَ مُحَمَّدًا ﷺ أنْ يُجْرِيَ هَذا الكَلامَ عَلى نَفْسِهِ، والمَقْصُودُ مِنهُ المُبالَغَةُ في زَجْرِ الغَيْرِ عَنِ المَعاصِي، لِأنَّهُ مَعَ جَلالَةِ قَدْرِهِ وشَرَفِ نُبُوَّتِهِ إذا وجَبَ أنْ يَكُونَ خائِفًا حَذِرًا عَنِ المَعاصِي، فَغَيْرُهُ بِذَلِكَ أوْلى. الفائِدَةُ الثّانِيَةُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ المُرَتَّبَ عَلى المَعْصِيَةِ لَيْسَ حُصُولَ العِقابِ، بَلِ الخَوْفَ مِنَ العِقابِ، وهَذا يُطابِقُ قَوْلَنا: إنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ يَعْفُو عَنِ المُذْنِبِ والكَبِيرَةِ، فَيَكُونُ اللّازِمُ عِنْدَ حُصُولِ المَعْصِيَةِ هو الخَوْفُ مِنَ العِقابِ لا نَفْسَ حُصُولِ العِقابِ. الفائِدَةُ الثّالِثَةُ: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ ظاهِرَ الأمْرِ لِلْوُجُوبِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ قالَ في أوَّلِ الآيَةِ: ﴿إنِّي أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ﴾ ثُمَّ قالَ بَعْدَهُ: ﴿قُلْ إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ فَيَكُونُ مَعْنى هَذا العِصْيانِ تَرْكَ الأمْرِ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وذَلِكَ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ تارِكُ الأمْرِ عاصِيًا، والعاصِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الخَوْفُ مِنَ العِقابِ، ولا مَعْنى لِلْوُجُوبِ إلّا ذَلِكَ. صفحة ٢٢٣ النَّوْعُ الثّالِثُ: مِنَ الأشْياءِ الَّتِي أمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ أنْ يَذْكُرَها قَوْلُهُ: ﴿قُلِ اللَّهَ أعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ فَإنْ قِيلَ: ما مَعْنى التَّكْرِيرِ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنِّي أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿قُلِ اللَّهَ أعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ ؟، قُلْنا: هَذا لَيْسَ بِتَكْرِيرٍ، لِأنَّ الأوَّلَ إخْبارٌ بِأنَّهُ مَأْمُورٌ مِن جِهَةِ اللَّهِ بِالإتْيانِ بِالعِبادَةِ، والثّانِي إخْبارٌ بِأنَّهُ أُمِرَ بِأنْ لا يَعْبُدَ أحَدًا غَيْرَهُ، وذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ﴾ لا يُفِيدُ الحَصْرَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلِ اللَّهَ أعْبُدُ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ، يَعْنِي: اللَّهَ أعْبُدُ ولا أعْبُدُ أحَدًا سِواهُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ لَمّا قالَ بَعْدُ: ﴿قُلِ اللَّهَ أعْبُدُ﴾ قالَ بَعْدَهُ: ﴿فاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِن دُونِهِ﴾ ولا شُبْهَةَ في أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِن دُونِهِ﴾ لَيْسَ أمْرًا، بَلِ المُرادُ مِنهُ الزَّجْرُ، كَأنَّهُ يَقُولُ: لَمّا بَلَغَ البَيانُ في وُجُوبِ رِعايَةِ التَّوْحِيدِ إلى الغايَةِ القُصْوى، فَبَعْدَ ذَلِكَ أنْتُمْ أعْرَفُ بِأنْفُسِكم، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى كَمالَ الزَّجْرِ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنَّ الخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ﴾ لِوُقُوعِها في هَلاكٍ لا يُعْقَلُ هَلاكٌ أعْظَمُ مِنهُ، وخَسِرُوا أهْلِيهِمْ أيْضًا، لِأنَّهم إنْ كانُوا مِن أهْلِ النّارِ فَقَدْ خَسِرُوهم كَما خَسِرُوا أنْفُسَهم، وإنْ كانُوا مِن أهْلِ الجَنَّةِ فَقَدْ ذَهَبُوا عَنْهم ذَهابًا لا رُجُوعَ بَعْدَهُ ألْبَتَّةَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّ لِكُلِّ رَجُلٍ مَنزِلًا وأهْلًا وخَدَمًا في الجَنَّةِ، فَإنْ أطاعَ أُعْطِيَ ذَلِكَ، وإنْ كانَ مِن أهْلِ النّارِ حُرِمَ ذَلِكَ، فَخَسِرَ نَفْسَهُ وأهْلَهُ ومَنزِلَهُ، ووَرِثَهُ غَيْرُهُ مِنَ المُسْلِمِينَ، والخاسِرُ المَغْبُونُ، ولَمّا شَرَحَ اللَّهُ خُسْرانَهم وصَفَ ذَلِكَ الخُسْرانَ بِغايَةِ الفَظاعَةِ فَقالَ: ﴿ألا ذَلِكَ هو الخُسْرانُ المُبِينُ﴾ كانَ التَّكْرِيرُ لِأجْلِ التَّأْكِيدِ. الثّانِي: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في أوَّلِ هَذِهِ الكَلِمَةِ حَرْفَ ”ألا“ وهو لِلتَّنْبِيهِ، وذِكْرُ التَّنْبِيهِ في هَذا المَوْضِعِ يَدُلُّ عَلى التَّعْظِيمِ، كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّهُ بَلَغَ في العَظَمَةِ إلى حَيْثُ لا تَصِلُ عُقُولُكم إلَيْها فَتَنَبَّهُوا لَها. الثّالِثُ: أنَّ كَلِمَةَ ”هو“ في قَوْلِهِ: ﴿هُوَ الخُسْرانُ المُبِينُ﴾ تُفِيدُ الحَصْرَ، كَأنَّهُ قِيلَ: كُلُّ خُسْرانٍ فَإنَّهُ يَصِيرُ في مُقابَلَتِهِ كَلا خُسْرانٍ. الرّابِعُ: وصْفُهُ بِكَوْنِهِ مُبِينًا يَدُلُّ عَلى التَّهْوِيلِ، وأقُولُ: قَدْ بَيَّنّا أنَّ لَفْظَ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ خُسْرانًا مُبِينًا، فَلْنُبَيِّنْ بِحَسَبِ المَباحِثِ العَقْلِيَّةِ كَوْنَهُ خُسْرانًا مُبِينًا، وأقُولُ: نَفْتَقِرُ إلى بَيانِ أمْرَيْنِ: إلى أنْ يَكُونَ خُسْرانًا، ثُمَّ كَوْنِهِ مُبِينًا. أمّا الأوَّلُ فَتَقْرِيرُهُ أنَّهُ تَعالى أعْطى هَذِهِ الحَياةَ وأعْطى العَقْلَ، وأعْطى المُكْنَةَ، وكُلُّ ذَلِكَ رَأْسُ المالِ، أمّا هَذِهِ الحَياةُ فالمَقْصُودُ مِنها أنْ يَكْتَسِبَ فِيها الحَياةَ الطَّيِّبَةَ في الآخِرَةِ. * * * وأمّا العَقْلُ فَإنَّهُ عِبارَةٌ عَنِ العُلُومِ البَدِيهِيَّةِ، وهَذِهِ العُلُومُ هي رَأْسُ المالِ، والنَّظَرُ والفِكْرُ لا مَعْنى لَهُ إلّا تَرْتِيبُ عُلُومٍ لِيُتَوَصَّلَ بِذَلِكَ التَّرْتِيبِ إلى تَحْصِيلِ عُلُومٍ كَسْبِيَّةٍ، فَتِلْكَ العُلُومُ البَدِيهِيَّةُ المُسَمّاةُ بِالعَقْلِ رَأْسُ المالِ وتَرْكِيبُها عَلى الوُجُوهِ المَخْصُوصَةِ يُشْبِهُ تَصَرُّفَ التّاجِرِ في رَأْسِ المالِ، وتَرْكِيبُها عَلى الوُجُوهِ بِالبَيْعِ والشِّراءِ، وحُصُولُ العِلْمِ بِالنَّتِيجَةِ يُشْبِهُ حُصُولَ الرِّبْحِ، وأيْضًا حُصُولُ القُدْرَةِ عَلى الأعْمالِ يُشْبِهُ رَأْسَ المالِ، واسْتِعْمالُ تِلْكَ القُوَّةِ في تَحْصِيلِ أعْمالِ البِرِّ والخَيْرِ يُشْبِهُ تَصَرُّفَ التّاجِرِ في رَأْسِ المالِ، وحُصُولُ أعْمالِ الخَيْرِ والبِرِّ يُشْبِهُ الرِّبْحَ، إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّ مَن أعْطاهُ اللَّهُ الحَياةَ والعَقْلَ والتَّمَكُّنَ، ثُمَّ إنَّهُ لَمْ يَسْتَفِدْ مِنها لا مَعْرِفَةَ الحَقِّ ولا عَمَلَ الخَيْرِ ألْبَتَّةَ كانَ مَحْرُومًا عَنِ الرِّبْحِ بِالكُلِّيَّةِ، وإذا ماتَ فَقَدْ ضاعَ رَأْسُ المالِ بِالكُلِّيَّةِ، فَكانَ ذَلِكَ خُسْرانًا، فَهَذا بَيانُ كَوْنِهِ خُسْرانًا. وأمّا الثّانِي: وهو بَيانُ كَوْنِ ذَلِكَ الخُسْرانِ مُبِينًا، فَهو أنَّ مَن لَمْ يَرْبَحِ الزِّيادَةَ، ولَكِنَّهُ مَعَ ذَلِكَ سَلِمَ مِنَ الآفاتِ والمَضارِّ، فَهَذا كَما لَمْ يَحْصُلْ لَهُ مَزِيدُ نَفْعٍ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ أيْضًا مَزِيدُ ضَرَرٍ، أمّا هَؤُلاءِ الكُفّارُ فَقَدِ اسْتَعْمَلُوا عُقُولَهُمُ الَّتِي هي رَأْسُ مالِهِمْ في اسْتِخْراجِ وُجُوهِ الشُّبُهاتِ، وتَقْوِيَةِ الجَهالاتِ والضَّلالاتِ، واسْتَعْمَلُوا قُواهم وقُدُرَهم في أفْعالِ الشَّرِّ والباطِلِ والفَسادِ، فَهم قَدْ جَمَعُوا بَيْنَ أُمُورٍ في غايَةِ الرَّداءَةِ: أوَّلُها: أنَّهم أتْعَبُوا أبْدانَهم وعُقُولَهم طَلَبًا في تِلْكَ العَقائِدِ الباطِلَةِ، والأعْمالِ الفاسِدَةِ. صفحة ٢٢٤ وثانِيها: أنَّهم عِنْدَ المَوْتِ يَضِيعُ عَنْهم رَأْسُ المالِ مِن غَيْرِ فائِدَةٍ. وثالِثُها: أنَّ تِلْكَ المَتاعِبَ الشَّدِيدَةَ الَّتِي كانَتْ مَوْجُودَةً في الدُّنْيا في نُصْرَةِ تِلْكَ الضَّلالاتِ تَصِيرُ أسْبابًا لِلْعُقُوبَةِ الشَّدِيدَةِ، والبَلاءِ العَظِيمِ بَعْدَ المَوْتِ. وعِنْدَ الوُقُوفِ عَلى هَذِهِ المَعانِي يَظْهَرُ أنَّهُ لا يُعْقَلُ خُسْرانٌ أقْوى مِن خُسْرانِهِمْ، ولا حِرْمانٌ أعْظَمُ مِن حِرْمانِهِمْ، ونَعُوذُ بِاللَّهِ مِنهُ. ولَمّا شَرَحَ اللَّهُ تَعالى أحْوالَ حِرْمانِهِمْ عَنِ الرِّبْحِ وبَيَّنَ كَيْفِيَّةَ خُسْرانِهِمْ، بَيَّنَ أنَّهم لَمْ يَقْتَصِرُوا عَلى الحِرْمانِ والخُسْرانِ، بَلْ ضَمُّوا إلَيْهِ اسْتِحْقاقَ العَذابِ العَظِيمِ والعِقابِ الشَّدِيدِ، فَقالَ: ﴿لَهم مِن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النّارِ ومِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ والمُرادُ إحاطَةُ النّارِ بِهِمْ مِن جَمِيعِ الجَوانِبِ، ونَظِيرُهُ في الأحْوالِ النَّفْسانِيَّةِ إحاطَةُ الجَهْلِ والحِرْمانِ والحِرْصِ وسائِرِ الأخْلاقِ الذَّمِيمَةِ بِالإنْسانِ، فَإنْ قِيلَ: الظُّلَلُ ما عَلى الإنْسانِ، فَكَيْفَ سُمِّيَ ما تَحْتَهُ بِالظُّلَلِ ؟ والجَوابُ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّهُ مِن بابِ إطْلاقِ اسْمِ أحَدِ الضِّدَّيْنِ عَلى الآخَرِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشورى: ٤٠] . الثّانِي: أنَّ الَّذِي يَكُونُ تَحْتَهُ يَكُونُ ظُلَّةً لِإنْسانٍ آخَرَ تَحْتَهُ، لِأنَّ النّارَ دَرَكاتٌ كَما أنَّ الجَنَّةَ دَرَجاتٌ. والثّالِثُ: أنَّ الظُّلَّةَ التَّحْتانِيَّةَ إذا كانَتْ مُشابِهَةً لِلظُّلَّةِ الفَوْقانِيَّةِ في الحَرارَةِ والإحْراقِ والإيذاءِ أُطْلِقَ اسْمُ أحَدِهِما عَلى الآخَرِ لِأجْلِ المُماثَلَةِ والمُشابَهَةِ. قالَ الحَسَنُ: هم بَيْنَ طَبَقَتَيْنِ مِنَ النّارِ، لا يَدْرُونَ ما فَوْقَهم أكْثَرَ مِمّا تَحْتَهم، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَغْشاهُمُ العَذابُ مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٥٥]، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهم مِن جَهَنَّمَ مِهادٌ ومِن فَوْقِهِمْ غَواشٍ﴾ [الأعراف: ٤١] . * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ﴾ أيْ ذَلِكَ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِن وصْفِ العَذابِ، فَقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ﴾ مُبْتَدَأٌ، وقَوْلُهُ: ﴿يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ﴾ خَبَرٌ، وفي قَوْلِهِ: ﴿يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ﴾ قَوْلانِ: الأوَّلُ: التَّقْدِيرُ: ذَلِكَ العَذابُ المُعَدُّ لِلْكَفّارِ هو الَّذِي يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ أيِ المُؤْمِنِينَ، لِأنّا بَيَّنّا أنَّ لَفْظَ العِبادِ في القُرْآنِ مُخْتَصٌّ بِأهْلِ الإيمانِ، وإنَّما كانَ تَخْوِيفًا لِلْمُؤْمِنِينَ لِأجْلِ أنَّهم إذا سَمِعُوا أنَّ حالَ الكُفّارِ ما تَقَدَّمَ خافُوا فَأخْلَصُوا في التَّوْحِيدِ والطّاعَةِ. الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ هَذا الكَلامَ في تَقْدِيرِ جَوابٍ عَنْ سُؤالٍ، لِأنَّهُ يُقالُ: إنَّهُ تَعالى غَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ مُنَزَّهٌ عَنِ الشَّهْوَةِ والِانْتِقامِ وداعِيَةِ الإيذاءِ، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِهِ أنْ يُعَذِّبَ هَؤُلاءِ المَساكِينَ إلى هَذا الحَدِّ العَظِيمِ، وأُجِيبَ عَنْهُ بِأنَّ المَقْصُودَ مِنهُ تَخْوِيفُ الكُفّارِ والضُّلّالِ عَنِ الكُفْرِ والضَّلالِ، فَإذا كانَ التَّكْلِيفُ لا يَتِمُّ إلّا بِالتَّخْوِيفِ، والتَّخْوِيفُ لا يَكْمُلُ الِانْتِفاعُ بِهِ إلّا بِإدْخالِ ذَلِكَ الشَّيْءِ في الوُجُودِ وجَبَ إدْخالُ ذَلِكَ النَّوْعِ مِنَ العَذابِ في الوُجُودِ؛ تَحْصِيلًا لِذَلِكَ المَطْلُوبِ الَّذِي هو التَّكْلِيفُ، والوَجْهُ الأوَّلُ عِنْدِي أقْرَبُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ قالَ بَعْدَهُ: ﴿ياعِبادِ فاتَّقُونِ﴾، وقَوْلُهُ: ﴿ياعِبادِ﴾ الأظْهَرُ مِنهُ أنَّ المُرادَ مِنهُ المُؤْمِنُونَ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: المَقْصُودُ مِن شَرْحِ عَذابِ الكُفّارِ لِلْمُؤْمِنِينَ تَخْوِيفُ المُؤْمِنِينَ، فَيا أيُّها المُؤْمِنُونَ بالِغُوا في الخَوْفِ والحَذَرِ والتَّقْوى.