Tafsir Al-Razi — غافر 40:1 – غافر 40:23
المحتويات
غافر 40:1
صفحة ٢٣
(سُورَةُ غافِرٍ)
ثَمانُونَ وخَمْسُ آياتٍ مَكِّيَّةٍ
﷽
﴿حم﴾ ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ العَلِيمِ﴾ ﴿غافِرِ الذَّنْبِ وقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ العِقابِ ذِي الطَّوْلِ لا إلَهَ إلّا هو إلَيْهِ المَصِيرُ﴾ ﴿ما يُجادِلُ في آياتِ اللَّهِ إلّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهم في البِلادِ﴾ ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ والأحْزابُ مِن بَعْدِهِمْ وهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وجادَلُوا بِالباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الحَقَّ فَأخَذْتُهم فَكَيْفَ كانَ عِقابِ﴾ ﴿وكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّهم أصْحابُ النّارِ﴾
﷽
﴿حم﴾ ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ العَلِيمِ﴾ ﴿غافِرِ الذَّنْبِ وقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ العِقابِ ذِي الطَّوْلِ لا إلَهَ إلّا هو إلَيْهِ المَصِيرُ﴾ ﴿ما يُجادِلُ في آياتِ اللَّهِ إلّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهم في البِلادِ﴾ ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ والأحْزابُ مِن بَعْدِهِمْ وهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وجادَلُوا بِالباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الحَقَّ فَأخَذْتُهم فَكَيْفَ كانَ عِقابِ﴾ ﴿وكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّهم أصْحابُ النّارِ﴾
اعْلَمْ أنَّ في الآيَةِ مَسائِلَ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ وحَمْزَةَ والكِسائِيِّ ”حم“ بِكَسْرِ الحاءِ، والباقُونَ بِفَتْحِ الحاءِ، ونافِعٌ في بَعْضِ الرِّواياتِ وابْنُ عامِرٍ، بَيْنَ الفَتْحِ والكَسْرِ وهو أنْ لا يَفْتَحَها فَتْحًا شَدِيدًا، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قُرِئَ بِفَتْحِ المِيمِ وتَسْكِينِها، ووَجْهُ الفَتْحِ التَّحْرِيكُ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ وإيثارِ أخَفِّ الحَرَكاتِ نَحْوَ: أيْنَ وكَيْفَ، أوِ النَّصْبِ بِإضْمارِ اقْرَأْ، ومَنعُ الصَّرْفِ إمّا لِلتَّأْنِيثِ والتَّعْرِيفِ، مِن حَيْثُ أنَّها اسْمٌ لِلسُّورَةِ ولِلتَّعْرِيفِ، وأنَّها عَلى زِنَةِ أعْجَمِيٍّ نَحْوَ قابِيلَ وهابِيلَ، وأمّا السُّكُونُ فَلِأنّا بَيَّنّا أنَّ الأسْماءَ تُذْكَرُ مَوْقُوفَةَ الأواخِرِ.
صفحة ٢٤
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الكَلامُ المُسْتَقْصى في هَذِهِ الفَواتِحِ مَذْكُورٌ في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ، والأقْرَبُ هاهُنا أنْ يُقالَ: ”﴿حم﴾“ اسْمٌ لِلسُّورَةِ، فَقَوْلُهُ: ﴿حم﴾ مُبْتَدَأٌ، وقَوْلُهُ: ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ﴾ خَبَرٌ، والتَّقْدِيرُ أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ المُسَمّاةَ بِحم تَنْزِيلُ الكِتابِ، فَقَوْلُهُ: ﴿تَنْزِيلُ﴾ مَصْدَرٌ، لَكِنَّ المُرادَ مِنهُ المُنَزَّلُ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ أنَّ ﴿حم﴾ ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ﴾ وجَبَ بَيانُ أنَّ المُنَزِّلَ مَن هُوَ؟ فَقالَ: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ اللَّهَ تَعالى مَوْصُوفٌ بِصِفاتِ الجَلالِ وسِماتِ العَظَمَةِ لِيَصِيرَ ذَلِكَ حامِلًا عَلى التَّشْمِيرِ عَنْ ساقِ الجَدِّ عِنْدَ الِاسْتِماعِ، وزَجْرِهِ عَنِ التَّهاوُنِ والتَّوانِي فِيهِ، فَبَيَّنَ أنَّ المُنَزِّلَ هو ﴿اللَّهِ العَزِيزِ العَلِيمِ﴾ .
واعْلَمْ أنَّ النّاسَ اخْتَلَفُوا في أنَّ العِلْمَ بِاللَّهِ ما هُوَ؟ فَقالَ جَمْعٌ عَظِيمٌ: إنَّهُ العِلْمُ بِكَوْنِهِ قادِرًا وبَعْدَهُ العِلْمُ بِكَوْنِهِ عالِمًا، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: ﴿العَزِيزِ﴾ لَهُ تَفْسِيرانِ؛ أحَدُهُما: الغالِبُ فَيَكُونُ مَعْناهُ القادِرُ الَّذِي لا يُساوِيهِ أحَدٌ في القُدْرَةِ. والثّانِي: الَّذِي لا مِثْلَ لَهُ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالعَزِيزِ هُنا القادِرَ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿اللَّهِ﴾ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ قادِرًا، فَوَجَبَ حَمْلُ ﴿العَزِيزِ﴾ عَلى المَعْنى الثّانِي وهو الَّذِي لا يُوجَدُ لَهُ مِثْلٌ، وما كانَ كَذَلِكَ وجَبَ أنْ لا يَكُونَ جِسْمًا، والَّذِي لا يَكُونُ جِسْمًا يَكُونُ مُنَزَّهًا عَنِ الشَّهْوَةِ والنَّفْرَةِ، والَّذِي يَكُونُ كَذَلِكَ يَكُونُ مُنَزَّهًا عَنِ الحاجَةِ. وأمّا ﴿العَلِيمِ﴾ فَهو مُبالَغَةٌ في العِلْمِ، والمُبالَغَةُ التّامَّةُ إنَّما تَتَحَقَّقُ عِنْدَ كَوْنِهِ تَعالى عالِمًا بِكُلِّ المَعْلُوماتِ، فَقَوْلُهُ: ﴿مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ العَلِيمِ﴾ يَرْجِعُ مَعْناهُ إلى أنَّ هَذا الكِتابَ تَنْزِيلٌ مِنَ القادِرِ المُطْلَقِ، الغَنِيِّ المُطْلَقِ، العالِمِ المُطْلَقِ، ومَن كانَ كَذَلِكَ كانَ عالِمًا بِوُجُوهِ المَصالِحِ والمَفاسِدِ، وكانَ عالِمًا بِكَوْنِهِ غَنِيًّا عَنْ جَرِّ المَصالِحِ ودَفْعِ المَفاسِدِ، ومَن كانَ كَذَلِكَ كانَ رَحِيمًا جَوادًا، وكانَتْ أفْعالُهُ حِكْمَةً وصَوابًا مُنَزَّهَةً عَنِ القَبِيحِ والباطِلِ، فَكَأنَّهُ سُبْحانَهُ إنَّما ذَكَرَ عَقِيبَ قَوْلِهِ: ﴿تَنْزِيلُ﴾ هَذِهِ الأسْماءَ الثَّلاثَةَ لِكَوْنِها دالَّةً عَلى أنَّ أفْعالَهُ سُبْحانَهُ حِكْمَةٌ وصَوابٌ، ومَتى كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ لَزِمَ أنْ يَكُونَ هَذا التَّنْزِيلُ حَقًّا وصَوابًا، وقِيلَ: الفائِدَةُ في ذِكْرِ ﴿العَزِيزِ العَلِيمِ﴾ أمْرانِ؛ أحَدُهُما: أنَّهُ بِقُدْرَتِهِ وعِلْمِهِ أنْزَلَ القُرْآنَ عَلى هَذا الحَدِّ الَّذِي يَتَضَمَّنُ المَصالِحَ والإعْجازَ، ولَوْلا كَوْنُهُ عَزِيزًا عَلِيمًا لَما صَحَّ ذَلِكَ. والثّانِي: أنَّهُ تَكَفَّلَ بِحِفْظِهِ وبِعُمُومِ التَّكْلِيفِ فِيهِ وظُهُورِهِ إلى حِينِ انْقِطاعِ التَّكْلِيفِ، وذَلِكَ لا يَتِمُّ إلّا بِكَوْنِهِ عَزِيزًا لا يُغْلَبُ وبِكَوْنِهِ عَلِيمًا لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ، ثُمَّ وصَفَ نَفْسَهُ بِما يَجْمَعُ الوَعْدَ والوَعِيدَ والتَّرْهِيبَ والتَّرْغِيبَ، فَقالَ: ﴿غافِرِ الذَّنْبِ وقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ العِقابِ ذِي الطَّوْلِ لا إلَهَ إلّا هو إلَيْهِ المَصِيرُ﴾ فَهَذِهِ سِتَّةُ أنْواعٍ مِنَ الصِّفاتِ:
الصِّفَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿غافِرِ الذَّنْبِ﴾ قالَ الجُبّائِيُّ: مَعْناهُ أنَّهُ غافِرُ الذَّنْبِ إذا اسْتَحَقَّ غُفْرانَهُ إمّا بِتَوْبَةٍ أوْ طاعَةٍ أعْظَمَ مِنهُ، ومُرادُهُ مِنهُ أنَّ فاعِلَ المَعْصِيَةِ إمّا أنْ يُقالَ: إنَّهُ كانَ قَدْ أتى قَبْلَ ذَلِكَ بِطاعَةٍ كانَ ثَوابُها أعْظَمَ مِن عِقابِ هَذِهِ المَعْصِيَةِ، أوْ ما كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ، فَإنْ كانَ الأوَّلُ كانَتْ هَذِهِ المَعْصِيَةُ صَغِيرَةً فَيُحْبَطُ عِقابُها، وإنْ كانَ الثّانِي كانَتْ هَذِهِ المَعْصِيَةُ كَبِيرَةً فَلا يَزُولُ عِقابُها إلّا بِالتَّوْبَةِ. ومَذْهَبُ أصْحابِنا أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ يَعْفُو عَنِ الكَبِيرَةِ بَعْدَ التَّوْبَةِ، وهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى ذَلِكَ، وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ غُفْرانَ الكَبِيرَةِ بَعْدَ التَّوْبَةِ وغُفْرانَ الصَّغِيرَةِ مِنَ الأُمُورِ الواجِبَةِ عَلى العَبْدِ، وجَمِيعُ الأنْبِياءِ والأوْلِياءِ والصّالِحِينَ مِن أوْساطِ النّاسِ مُشْتَرِكُونَ في فِعْلِ الواجِباتِ، فَلَوْ حَمَلْنا كَوْنَهُ تَعالى غافِرَ الذَّنْبِ عَلى هَذا المَعْنى لَمْ يَبْقَ بَيْنَهُ وبَيْنَ أقَلِّ النّاسِ مِن زُمْرَةِ المُطِيعِينَ فَرْقٌ في المَعْنى المُوجِبِ لِهَذا المَدْحِ، وذَلِكَ باطِلٌ، فَثَبَتَ أنَّهُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ كَوْنَهُ غافِرَ الكَبائِرِ قَبْلَ التَّوْبَةِ، وهو المَطْلُوبُ.
الثّانِي: أنَّ الغُفْرانَ عِبارَةٌ عَنِ السِّتْرِ ومَعْنى السِّتْرِ إنَّما يُعْقَلُ في الشَّيْءِ الَّذِي
صفحة ٢٥
يَكُونُ باقِيًا مَوْجُودًا فَيُسْتَرُ، والصَّغِيرَةُ تُحْبَطُ بِسَبَبِ كَثْرَةِ ثَوابِ فاعِلِها، فَمَعْنى الغَفْرِ فِيها غَيْرُ مَعْقُولٍ، ولا يُمْكِنُ حَمْلُ قَوْلِهِ: ﴿غافِرِ الذَّنْبِ﴾ عَلى الكَبِيرَةِ بَعْدَ التَّوْبَةِ؛ لِأنَّ مَعْنى كَوْنِهِ قابِلًا لِلتَّوْبِ لَيْسَ إلّا ذَلِكَ، فَلَوْ كانَ المُرادُ بِكَوْنِهِ غافِرَ الذَّنْبِ هَذا المَعْنى لَزِمَ التَّكْرارُ وإنَّهُ باطِلٌ، فَثَبَتَ أنَّ كَوْنَهُ غافِرَ الذَّنْبِ يُفِيدُ كَوْنَهُ غافِرًا لِلذُّنُوبِ الكَبائِرِ قَبْلَ التَّوْبَةِ. الثّالِثُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿غافِرِ الذَّنْبِ﴾ مَذْكُورٌ في مَعْرِضِ المَدْحِ العَظِيمِ، فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلى ما يُفِيدُ أعْظَمَ أنْواعِ المَدْحِ، وذَلِكَ هو كَوْنُهُ غافِرًا لِلْكَبائِرِ قَبْلَ التَّوْبَةِ، وهو المَطْلُوبُ.
الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قابِلِ التَّوْبِ﴾ وفِيهِ بَحْثانِ:
الأوَّلُ: في لَفْظِ التَّوْبِ قَوْلانِ؛ الأوَّلُ: أنَّهُ مَصْدَرٌ وهو قَوْلُ أبِي عُبَيْدَةَ. والثّانِي: أنَّهُ جَماعَةُ التَّوْبَةِ وهو قَوْلُ الأخْفَشِ. قالَ المُبَرِّدُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا، يُقالُ: تابَ يَتُوبُ تَوْبًا وتَوْبَةً، مِثْلُ قالَ يَقُولُ قَوْلًا وقَوْلَةً، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَمْعًا لِتَوْبَةٍ، فَيَكُونُ: تَوْبَةٌ وتَوْبٌ، مِثْلُ تَمْرَةٍ وتَمْرٍ، إلّا أنَّ المَصْدَرَ أقْرَبُ لِأنَّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ تَأْوِيلُهُ أنَّهُ يَقْبَلُ هَذا الفِعْلَ.
الثّانِي: مَذْهَبُ أصْحابِنا أنَّ قَبُولَ التَّوْبَةِ مِنَ المُذْنِبِ يَقَعُ عَلى سَبِيلِ التَّفَضُّلِ، ولَيْسَ بِواجِبٍ عَلى اللَّهِ، وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: إنَّهُ واجِبٌ عَلى اللَّهِ، واحْتَجَّ أصْحابُنا بِأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ كَوْنَهُ قابِلًا لِلتَّوْبِ عَلى سَبِيلِ المَدْحِ والثَّناءِ، ولَوْ كانَ ذَلِكَ مِنَ الواجِباتِ لَمْ يَبْقَ فِيهِ مِن مَعْنى المَدْحِ إلّا القَلِيلُ، وهو القَدْرُ الَّذِي يَحْصُلُ لِجَمِيعِ الصّالِحِينَ عِنْدَ أداءِ الواجِباتِ والِاحْتِرازِ عَنِ المَحْظُوراتِ.
* * *
الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ ﴿شَدِيدِ العِقابِ﴾ وفِيهِ مَباحِثُ:
البَحْثُ الأوَّلُ: في هَذِهِ الآيَةِ سُؤالٌ وهو أنَّ قَوْلَهُ: ﴿شَدِيدِ العِقابِ﴾ يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ نَعْتًا لِلنَّكِرَةِ ولا يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ نَعْتًا لِلْمَعْرِفَةِ، تَقُولُ: مَرَرْتُ بِرَجُلٍ شَدِيدِ البَطْشِ، ولا تَقُولُ مَرَرْتُ بِعَبْدِ اللَّهِ شَدِيدِ البَطْشِ، وقَوْلُهُ: (اللَّهُ) اسْمُ عَلَمٍ، فَيَكُونُ مَعْرِفَةً، فَكَيْفَ يَجُوزُ وصْفُهُ بِكَوْنِهِ شَدِيدَ العِقابِ مَعَ أنَّهُ لا يَصْلُحُ إلّا أنْ يُجْعَلَ وصْفًا لِلنَّكِرَةِ؟ قالُوا: وهَذا بِخِلافِ قَوْلِنا: غافِرِ الذَّنْبِ وقابِلِ التَّوْبِ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ المُرادُ مِنهُما حُدُوثُ هَذَيْنِ الفِعْلَيْنِ، وأنَّهُ يَغْفِرُ الذَّنْبَ ويَقْبَلُ التَّوْبَةَ الآنَ أوْ غَدًا، وإنَّما أُرِيدَ ثُبُوتُ ذَلِكَ ودَوامُهُ، فَكانَ حُكْمُهُما حُكْمَ إلَهِ الخَلْقِ ورَبِّ العَرْشِ، وأمّا ﴿شَدِيدِ العِقابِ﴾ فَمُشْكِلٌ؛ لِأنَّهُ في تَقْدِيرِ: شَدِيدٌ عِقابُهُ، فَيَكُونُ نَكِرَةً، فَلا يَصِحُّ جَعْلُهُ صِفَةً لِلْمَعْرِفَةِ، وهَذا تَقْرِيرُ السُّؤالِ وأُجِيبَ عَنْهُ بِوُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ هَذِهِ الصِّفَةَ وإنْ كانَتْ نَكِرَةً إلّا أنَّها لَمّا ذُكِرَتْ مَعَ سائِرِ الصِّفاتِ الَّتِي هي مَعارِفُ حَسُنَ ذِكْرُها كَما في قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ الغَفُورُ الوَدُودُ ذُو العَرْشِ المَجِيدُ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ [البُرُوجِ: ١٤- ١٦] .
والثّانِي: قالَ الزَّجّاجُ: إنَّ خَفْضَ ﴿شَدِيدِ العِقابِ﴾ عَلى البَدَلِ؛ لِأنَّ جَعْلَ النَّكِرَةِ بَدَلًا مِنَ المَعْرِفَةِ وبِالعَكْسِ أمْرٌ جائِزٌ، واعْتَرَضُوا عَلَيْهِ بِأنَّ جَعْلَهُ وحْدَهُ بَدَلًا مِنَ الصِّفاتِ فِيهِ نَبْوَةٌ ظاهِرَةٌ.
الثّالِثُ: أنَّهُ لا نِزاعَ في أنَّ قَوْلَهُ: ﴿غافِرِ الذَّنْبِ وقابِلِ التَّوْبِ﴾ يَحْسُنُ جَعْلُهُما صِفَةً، وإنَّما كانَ كَذَلِكَ لِأنَّهُما مُفِيدانِ مَعْنى الدَّوامِ والِاسْتِمْرارِ، فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿شَدِيدِ العِقابِ﴾ يُفِيدُ مَعْنى الدَّوامِ والِاسْتِمْرارِ؛ لِأنَّ صِفاتِ اللَّهِ تَعالى مُنَزَّهَةٌ عَنِ الحُدُوثِ والتَّجَدُّدِ، فَكَوْنُهُ شَدِيدَ العِقابِ مَعْناهُ كَوْنُهُ بِحَيْثُ يَشْتَدُّ عِقابُهُ، وهَذا المَعْنى حاصِلٌ أبَدًا، وغَيْرُ مَوْصُوفٍ بِأنَّهُ حَصَلَ بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، فَهَذا ما قِيلَ في هَذا البابِ.
البَحْثُ الثّانِي: هَذِهِ الآيَةُ مُشْعِرَةٌ بِتَرْجِيحِ جانِبِ الرَّحْمَةِ والفَضْلِ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا أرادَ أنْ يَصِفَ نَفْسَهُ
صفحة ٢٦
بِأنَّهُ شَدِيدُ العِقابِ ذَكَرَ قَبْلَهُ أمْرَيْنِ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما يَقْتَضِي زَوالَ العِقابِ، وهو كَوْنُهُ غافِرَ الذَّنْبِ وقابِلَ التَّوْبِ، وذَكَرَ بَعْدَهُ ما يَدُلُّ عَلى حُصُولِ الرَّحْمَةِ العَظِيمَةِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿ذِي الطَّوْلِ﴾، فَكَوْنُهُ شَدِيدَ العِقابِ لَمّا كانَ مَسْبُوقًا بِتَيْنَكَ الصِّفَتَيْنِ ومَلْحُوقًا بِهَذِهِ الصِّفَةِ، دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ جانِبَ الرَّحْمَةِ والكَرَمِ أرْجَحُ.
البَحْثُ الثّالِثُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: ذَكَرَ الواوَ في قَوْلِهِ: ﴿غافِرِ الذَّنْبِ وقابِلِ التَّوْبِ﴾ ولَمْ يَذْكُرْها في قَوْلِهِ: ﴿شَدِيدِ العِقابِ﴾ فَما الفَرْقُ؟ قُلْنا: إنَّهُ لَوْ لَمْ يَذْكُرِ الواوَ في قَوْلِهِ: ﴿غافِرِ الذَّنْبِ وقابِلِ التَّوْبِ﴾ لاحْتَمَلَ أنْ يَقَعَ في خاطِرِ إنْسانٍ أنَّهُ لا مَعْنى لِكَوْنِهِ غافِرَ الذَّنْبِ إلّا كَوْنُهُ قابِلَ التَّوْبِ، أمّا لَمّا ذَكَرَ الواوَ زالَ هَذا الِاحْتِمالُ؛ لِأنَّ عَطْفَ الشَّيْءِ عَلى نَفْسِهِ مُحالٌ، أمّا كَوْنُهُ شَدِيدَ العِقابِ فَمَعْلُومٌ أنَّهُ مُغايِرٌ لِكَوْنِهِ ﴿غافِرِ الذَّنْبِ وقابِلِ التَّوْبِ﴾ فاسْتَغْنى بِهِ عَنْ ذِكْرِ الواوِ.
الصِّفَةُ الرّابِعَةُ: ﴿ذِي الطَّوْلِ﴾ أيِ ذِي التَّفَضُّلِ، يُقالُ: طالَ عَلَيْنا طَوْلًا؛ أيْ تَفَضَّلَ عَلَيْنا تَفَضُّلًا، ومِن كَلامِهِمْ: طُلْ عَلَيَّ بِفَضْلِكَ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولُو الطَّوْلِ مِنهُمْ﴾ [التَّوْبَةِ: ٨٦] ومَضى تَفْسِيرُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ومَن لَمْ يَسْتَطِعْ مِنكم طَوْلًا﴾ [النِّساءِ: ٢٥] واعْلَمْ أنَّهُ لَمّا وصَفَ نَفْسَهُ بِكَوْنِهِ ﴿شَدِيدِ العِقابِ﴾ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ المُرادُ بِكَوْنِهِ تَعالى آتِيًا بِالعِقابِ الشَّدِيدِ الَّذِي لا يَقْبُحُ مِنهُ إتْيانُهُ بِهِ، بَلْ لا يَجُوزُ وصْفُهُ تَعالى بِكَوْنِهِ آتِيًا لِفِعْلِ القَبِيحِ، وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: ذَكَرَ بَعْدَهُ كَوْنَهُ ذا الطَّوْلِ وهو كَوْنُهُ ذا الفَضْلِ، فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ كَوْنَهُ ذا الفَضْلِ بِسَبَبِ أنْ يَتْرُكَ العِقابَ الَّذِي لَهُ أنْ يَفْعَلَهُ؛ لِأنَّهُ ذَكَرَ كَوْنَهُ ذا الطَّوْلِ ولَمْ يُبَيِّنْ أنَّهُ ذُو الطَّوْلِ في ماذا، فَوَجَبَ صَرْفُهُ إلى كَوْنِهِ ذا الطَّوْلِ في الأمْرِ الَّذِي سَبَقَ ذِكْرُهُ، وهو فِعْلُ العِقابِ الحَسَنِ دَفْعًا لِلْإجْمالِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى قَدْ يَتْرُكُ العِقابَ الَّذِي حَسُنَ مِنهُ تَعالى فِعْلُهُ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ العَفْوَ عَنْ أصْحابِ الكَبائِرِ جائِزٌ، وهو المَطْلُوبُ.
الصِّفَةُ الخامِسَةُ: التَّوْحِيدُ المُطْلَقُ وهو قَوْلُهُ: ﴿لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ والمَعْنى أنَّهُ وصَفَ نَفْسَهُ بِصِفاتِ الرَّحْمَةِ والفَضْلِ، فَلَوْ كانَ مَعَهُ إلَهٌ آخَرُ يُشارِكُهُ ويُساوِيهِ في صِفَةِ الرَّحْمَةِ والفَضْلِ لَما كانَتِ الحاجَةُ إلى عُبُودِيَّتِهِ شَدِيدَةً، أمّا إذا كانَ واحِدًا ولَيْسَ لَهُ شَرِيكٌ ولا شَبِيهٌ كانَتِ الحاجَةُ إلى الإقْرارِ بِعُبُودِيَّتِهِ شَدِيدَةً، فَكانَ التَّرْغِيبُ والتَّرْهِيبُ الكامِلانِ يَحْصُلانِ بِسَبَبِ هَذا التَّوْحِيدِ.
الصِّفَةُ السّادِسَةُ: قَوْلُهُ: ﴿إلَيْهِ المَصِيرُ﴾ وهَذِهِ الصِّفَةُ أيْضًا مِمّا يُقَوِّي الرَّغْبَةَ في الإقْرارِ بِعُبُودِيَّتِهِ؛ لِأنَّهُ بِتَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ مَوْصُوفًا بِصِفاتِ الفَضْلِ والكَرَمِ وكانَ واحِدًا لا شَرِيكَ لَهُ، إلّا أنَّ القَوْلَ بِالحَشْرِ والنَّشْرِ إنْ كانَ باطِلًا لَمْ يَكُنِ الخَوْفُ الشَّدِيدُ حاصِلًا مِن عِصْيانِهِ، أمّا لَمّا كانَ القَوْلُ بِالحَشْرِ والقِيامَةِ حاصِلًا كانَ الخَوْفُ أشَدَّ والحَذَرُ أكْمَلَ، فَلِهَذا السَّبَبِ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الصِّفاتِ، واحْتَجَّ أهْلُ التَّشْبِيهِ بِلَفْظَةِ (إلى) وقالُوا: إنَّها تُفِيدُ انْتِهاءَ الغايَةِ، والجَوابُ عَنْهُ مَذْكُورٌ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ مِن هَذا الكِتابِ.
* * *
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قَرَّرَ أنَّ القُرْآنَ كِتابٌ أنْزَلَهُ لِيُهْتَدى بِهِ في الدِّينِ، ذَكَرَ أحْوالَ مَن يُجادِلُ لِغَرَضِ إبْطالِهِ وإخْفاءِ أمْرِهِ فَقالَ: ﴿ما يُجادِلُ في آياتِ اللَّهِ إلّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: أنَّ الجِدالَ نَوْعانِ، جِدالٌ في تَقْرِيرِ الحَقِّ وجِدالٌ في تَقْرِيرِ الباطِلِ، أمّا الجِدالُ في تَقْرِيرِ الحَقِّ فَهو حِرْفَةُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، قالَ تَعالى لِمُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿وجادِلْهم بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [النَّحْلِ: ١٢٥] وقالَ حِكايَةً عَنِ الكُفّارِ أنَّهم قالُوا لِنُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿يانُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأكْثَرْتَ جِدالَنا﴾ [هُودٍ: ٣٢]
صفحة ٢٧
وأمّا الجِدالُ في تَقْرِيرِ الباطِلِ فَهو مَذْمُومٌ وهو المُرادُ بِهَذِهِ الآيَةِ حَيْثُ قالَ: ﴿ما يُجادِلُ في آياتِ اللَّهِ إلّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وقالَ: ﴿ما ضَرَبُوهُ لَكَ إلّا جَدَلًا بَلْ هم قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٥٨] وقالَ: ﴿وجادَلُوا بِالباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الحَقَّ﴾ وقالَ ﷺ: ”«إنَّ جِدالًا في القُرْآنِ كُفْرٌ» “ فَقَوْلُهُ: إنَّ جِدالًا، عَلى لَفْظِ التَّنْكِيرِ يَدُلُّ عَلى التَّمْيِيزِ بَيْنَ جِدالٍ وجِدالٍ، واعْلَمْ أنَّ لَفْظَ الجِدالِ في الشَّيْءِ مُشْعِرٌ بِالجِدالِ الباطِلِ، ولَفَظَ الجِدالِ عَنِ الشَّيْءِ مُشْعِرٌ بِالجِدالِ لِأجْلِ تَقْرِيرِهِ والذَّبِّ عَنْهُ، قالَ ﷺ: ”«إنَّ جِدالًا في القُرْآنِ كُفْرٌ» “ وقالَ: ”«لا تُمارُوا في القُرْآنِ فَإنَّ المِراءَ فِيهِ كُفْرٌ» “ .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الجِدالُ في آياتِ اللَّهِ هو أنْ يُقالَ مَرَّةً: إنَّهُ سِحْرٌ ومَرَّةً إنَّهُ شِعْرٌ ومَرَّةً إنَّهُ قَوْلُ الكَهَنَةِ ومَرَّةً أساطِيرُ الأوَّلِينَ ومُرَّةً إنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ، وأشْباهُ هَذا مِمّا كانُوا يَقُولُونَ مِنَ الشُّبُهاتِ الباطِلَةِ، فَذَكَرَ تَعالى أنَّهُ لا يَفْعَلُ هَذا إلّا الَّذِينَ كَفَرُوا وأعْرَضُوا عَنِ الحَقِّ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهم في البِلادِ﴾ أيْ لا يَنْبَغِي أنْ تَغْتَرَّ بِأنِّي أُمْهِلُهم وأتْرُكُهم سالِمِينَ في أبْدانِهِمْ وأمْوالِهِمْ يَتَقَلَّبُونَ في البِلادِ، أيْ يَتَصَرَّفُونَ لِلتِّجاراتِ وطَلَبِ المَعاشِ، فَإنِّي وإنْ أمْهَلْتُهم فَإنِّي سَآخُذُهم وأنْتَقِمُ مِنهم كَما فَعَلْتُ بِأشْكالِهِمْ مِنَ الأُمَمِ الماضِيَةِ، وكانَتْ قُرَيْشٌ كَذَلِكَ يَتَقَلَّبُونَ في بِلادِ الشّامِ واليَمَنِ ولَهُمُ الأمْوالُ الكَثِيرَةُ يَتَّجِرُونَ فِيها ويَرْبَحُونَ، ثُمَّ كَشَفَ عَنْ هَذا المَعْنى فَقالَ: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ والأحْزابُ مِن بَعْدِهِمْ﴾ فَذَكَرَ مِن أُولَئِكَ المُكَذِّبِينَ قَوْمَ نُوحٍ ﴿والأحْزابُ مِن بَعْدِهِمْ﴾ أيِ الأُمَمَ المُسْتَمِرَّةِ عَلى الكُفْرِ كَقَوْمِ عادٍ وثَمُودَ وغَيْرِهِمْ، كَما قالَ في سُورَةِ ص: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ وعادٌ وفِرْعَوْنُ ذُو الأوْتادِ﴾ ﴿وثَمُودُ وقَوْمُ لُوطٍ وأصْحابُ الأيْكَةِ أُولَئِكَ الأحْزابُ﴾ [ص: ١٣] وقَوْلُهُ: ﴿وهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ﴾ أيْ وعَزَمَتْ كُلُّ أُمَّةٍ مِن هَؤُلاءِ الأحْزابِ أنْ يَأْخُذُوا رَسُولَهم لِيَقْتُلُوهُ ويُعَذِّبُوهُ ويَحْبِسُوهُ ﴿وجادَلُوا بِالباطِلِ﴾ أيْ هَؤُلاءِ جادَلُوا رُسُلَهم بِالباطِلِ؛ أيْ بِإيرادِ الشُّبُهاتِ ﴿لِيُدْحِضُوا بِهِ الحَقَّ﴾ أيْ أنْ يُزِيلُوا بِسَبَبِ إيرادِ تِلْكَ الشُّبُهاتِ الحَقَّ والصِّدْقَ ﴿فَأخَذْتُهم فَكَيْفَ كانَ عِقابِ﴾ أيْ فَأنْزَلْتُ بِهِمْ مِنَ الهَلاكِ ما هَمُّوا بِإنْزالِهِ بِالرُّسُلِ، وأرادُوا أنْ يَأْخُذُوهم فَأخَذْتُهم أنا، فَكَيْفَ كانَ عِقابِي إيّاهم، ألَيْسَ كانَ مُهْلِكًا مُسْتَأْصِلًا مَهِيبًا في الذِّكْرِ والسَّماعِ، فَأنا أفْعَلُ بِقَوْمِكَ كَما فَعَلْتُ بِهَؤُلاءِ إنْ أصَرُّوا عَلى الكُفْرِ والجِدالِ في آياتِ اللَّهِ، ثُمَّ كَشَفَ عَنْ هَذا المَعْنى فَقالَ: ﴿وكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّهم أصْحابُ النّارِ﴾ أيْ ومِثْلُ الَّذِي حَقَّ عَلى أُولَئِكَ الأُمَمِ السّالِفَةِ مِنَ العِقابِ حَقَّتْ كَلِمَتِي أيْضًا عَلى هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِكَ، فَهم عَلى شَرَفِ نُزُولِ العِقابِ بِهِمْ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ﴿أنَّهم أصْحابُ النّارِ﴾ في مَحَلِّ الرَّفْعِ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾ أيْ مِثْلُ ذَلِكَ الوُجُوبِ وجَبَ عَلى الكَفَرَةِ كَوْنُهم مِن أصْحابِ النّارِ، ومَعْناهُ: كَما وجَبَ إهْلاكُهم في الدُّنْيا بِالعَذابِ المُسْتَأْصِلِ، كَذَلِكَ وجَبَ إهْلاكُهم بِعَذابِ النّارِ في الآخِرَةِ، أوْ في مَحَلِّ النَّصْبِ بِحَذْفِ لامِ التَّعْلِيلِ وإيصالِ الفِعْلِ.
واحْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ قَضاءَ اللَّهِ بِالسَّعادَةِ والشَّقاوَةِ لازِمٌ لا يُمْكِنُ تَغْيِيرُهُ، فَقالُوا: إنَّهُ تَعالى أخْبَرَ أنَّهُ حَقَّتْ كَلِمَةُ العَذابِ عَلَيْهِمْ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهم لا قُدْرَةَ لَهم عَلى الإيمانِ؛ لِأنَّهم لَوْ تَمَكَّنُوا مِنهُ لَتَمَكَّنُوا مِن إبْطالِ هَذِهِ الكَلِمَةِ الحَقَّةِ، ولَتَمَكَّنُوا مِن إبْطالِ عِلْمِ اللَّهِ وحِكْمَتِهِ، ضَرُورَةَ أنَّ المُتَمَكِّنَ مِنَ الشَّيْءِ يَجِبُ كَوْنُهُ مُتَمَكِّنًا مِن كُلِّ ما هو مِن لَوازِمِهِ، ولِأنَّهم لَوْ آمَنُوا لَوَجَبَ عَلَيْهِمْ أنْ يُؤْمِنُوا بِهَذِهِ الآيَةِ، فَحِينَئِذٍ كانُوا قَدْ آمَنُوا بِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ أبَدًا، وذَلِكَ تَكْلِيفُ ما لا يُطاقُ. وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ ”حَقَّتْ كَلِماتُ رَبِّكَ“ عَلى الجَمْعِ، والباقُونَ عَلى الواحِدِ.
غافر 40:2
صفحة ٢٣
(سُورَةُ غافِرٍ)
ثَمانُونَ وخَمْسُ آياتٍ مَكِّيَّةٍ
﷽
﴿حم﴾ ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ العَلِيمِ﴾ ﴿غافِرِ الذَّنْبِ وقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ العِقابِ ذِي الطَّوْلِ لا إلَهَ إلّا هو إلَيْهِ المَصِيرُ﴾ ﴿ما يُجادِلُ في آياتِ اللَّهِ إلّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهم في البِلادِ﴾ ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ والأحْزابُ مِن بَعْدِهِمْ وهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وجادَلُوا بِالباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الحَقَّ فَأخَذْتُهم فَكَيْفَ كانَ عِقابِ﴾ ﴿وكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّهم أصْحابُ النّارِ﴾
﷽
﴿حم﴾ ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ العَلِيمِ﴾ ﴿غافِرِ الذَّنْبِ وقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ العِقابِ ذِي الطَّوْلِ لا إلَهَ إلّا هو إلَيْهِ المَصِيرُ﴾ ﴿ما يُجادِلُ في آياتِ اللَّهِ إلّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهم في البِلادِ﴾ ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ والأحْزابُ مِن بَعْدِهِمْ وهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وجادَلُوا بِالباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الحَقَّ فَأخَذْتُهم فَكَيْفَ كانَ عِقابِ﴾ ﴿وكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّهم أصْحابُ النّارِ﴾
اعْلَمْ أنَّ في الآيَةِ مَسائِلَ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ وحَمْزَةَ والكِسائِيِّ ”حم“ بِكَسْرِ الحاءِ، والباقُونَ بِفَتْحِ الحاءِ، ونافِعٌ في بَعْضِ الرِّواياتِ وابْنُ عامِرٍ، بَيْنَ الفَتْحِ والكَسْرِ وهو أنْ لا يَفْتَحَها فَتْحًا شَدِيدًا، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قُرِئَ بِفَتْحِ المِيمِ وتَسْكِينِها، ووَجْهُ الفَتْحِ التَّحْرِيكُ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ وإيثارِ أخَفِّ الحَرَكاتِ نَحْوَ: أيْنَ وكَيْفَ، أوِ النَّصْبِ بِإضْمارِ اقْرَأْ، ومَنعُ الصَّرْفِ إمّا لِلتَّأْنِيثِ والتَّعْرِيفِ، مِن حَيْثُ أنَّها اسْمٌ لِلسُّورَةِ ولِلتَّعْرِيفِ، وأنَّها عَلى زِنَةِ أعْجَمِيٍّ نَحْوَ قابِيلَ وهابِيلَ، وأمّا السُّكُونُ فَلِأنّا بَيَّنّا أنَّ الأسْماءَ تُذْكَرُ مَوْقُوفَةَ الأواخِرِ.
صفحة ٢٤
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الكَلامُ المُسْتَقْصى في هَذِهِ الفَواتِحِ مَذْكُورٌ في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ، والأقْرَبُ هاهُنا أنْ يُقالَ: ”﴿حم﴾“ اسْمٌ لِلسُّورَةِ، فَقَوْلُهُ: ﴿حم﴾ مُبْتَدَأٌ، وقَوْلُهُ: ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ﴾ خَبَرٌ، والتَّقْدِيرُ أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ المُسَمّاةَ بِحم تَنْزِيلُ الكِتابِ، فَقَوْلُهُ: ﴿تَنْزِيلُ﴾ مَصْدَرٌ، لَكِنَّ المُرادَ مِنهُ المُنَزَّلُ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ أنَّ ﴿حم﴾ ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ﴾ وجَبَ بَيانُ أنَّ المُنَزِّلَ مَن هُوَ؟ فَقالَ: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ اللَّهَ تَعالى مَوْصُوفٌ بِصِفاتِ الجَلالِ وسِماتِ العَظَمَةِ لِيَصِيرَ ذَلِكَ حامِلًا عَلى التَّشْمِيرِ عَنْ ساقِ الجَدِّ عِنْدَ الِاسْتِماعِ، وزَجْرِهِ عَنِ التَّهاوُنِ والتَّوانِي فِيهِ، فَبَيَّنَ أنَّ المُنَزِّلَ هو ﴿اللَّهِ العَزِيزِ العَلِيمِ﴾ .
واعْلَمْ أنَّ النّاسَ اخْتَلَفُوا في أنَّ العِلْمَ بِاللَّهِ ما هُوَ؟ فَقالَ جَمْعٌ عَظِيمٌ: إنَّهُ العِلْمُ بِكَوْنِهِ قادِرًا وبَعْدَهُ العِلْمُ بِكَوْنِهِ عالِمًا، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: ﴿العَزِيزِ﴾ لَهُ تَفْسِيرانِ؛ أحَدُهُما: الغالِبُ فَيَكُونُ مَعْناهُ القادِرُ الَّذِي لا يُساوِيهِ أحَدٌ في القُدْرَةِ. والثّانِي: الَّذِي لا مِثْلَ لَهُ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالعَزِيزِ هُنا القادِرَ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿اللَّهِ﴾ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ قادِرًا، فَوَجَبَ حَمْلُ ﴿العَزِيزِ﴾ عَلى المَعْنى الثّانِي وهو الَّذِي لا يُوجَدُ لَهُ مِثْلٌ، وما كانَ كَذَلِكَ وجَبَ أنْ لا يَكُونَ جِسْمًا، والَّذِي لا يَكُونُ جِسْمًا يَكُونُ مُنَزَّهًا عَنِ الشَّهْوَةِ والنَّفْرَةِ، والَّذِي يَكُونُ كَذَلِكَ يَكُونُ مُنَزَّهًا عَنِ الحاجَةِ. وأمّا ﴿العَلِيمِ﴾ فَهو مُبالَغَةٌ في العِلْمِ، والمُبالَغَةُ التّامَّةُ إنَّما تَتَحَقَّقُ عِنْدَ كَوْنِهِ تَعالى عالِمًا بِكُلِّ المَعْلُوماتِ، فَقَوْلُهُ: ﴿مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ العَلِيمِ﴾ يَرْجِعُ مَعْناهُ إلى أنَّ هَذا الكِتابَ تَنْزِيلٌ مِنَ القادِرِ المُطْلَقِ، الغَنِيِّ المُطْلَقِ، العالِمِ المُطْلَقِ، ومَن كانَ كَذَلِكَ كانَ عالِمًا بِوُجُوهِ المَصالِحِ والمَفاسِدِ، وكانَ عالِمًا بِكَوْنِهِ غَنِيًّا عَنْ جَرِّ المَصالِحِ ودَفْعِ المَفاسِدِ، ومَن كانَ كَذَلِكَ كانَ رَحِيمًا جَوادًا، وكانَتْ أفْعالُهُ حِكْمَةً وصَوابًا مُنَزَّهَةً عَنِ القَبِيحِ والباطِلِ، فَكَأنَّهُ سُبْحانَهُ إنَّما ذَكَرَ عَقِيبَ قَوْلِهِ: ﴿تَنْزِيلُ﴾ هَذِهِ الأسْماءَ الثَّلاثَةَ لِكَوْنِها دالَّةً عَلى أنَّ أفْعالَهُ سُبْحانَهُ حِكْمَةٌ وصَوابٌ، ومَتى كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ لَزِمَ أنْ يَكُونَ هَذا التَّنْزِيلُ حَقًّا وصَوابًا، وقِيلَ: الفائِدَةُ في ذِكْرِ ﴿العَزِيزِ العَلِيمِ﴾ أمْرانِ؛ أحَدُهُما: أنَّهُ بِقُدْرَتِهِ وعِلْمِهِ أنْزَلَ القُرْآنَ عَلى هَذا الحَدِّ الَّذِي يَتَضَمَّنُ المَصالِحَ والإعْجازَ، ولَوْلا كَوْنُهُ عَزِيزًا عَلِيمًا لَما صَحَّ ذَلِكَ. والثّانِي: أنَّهُ تَكَفَّلَ بِحِفْظِهِ وبِعُمُومِ التَّكْلِيفِ فِيهِ وظُهُورِهِ إلى حِينِ انْقِطاعِ التَّكْلِيفِ، وذَلِكَ لا يَتِمُّ إلّا بِكَوْنِهِ عَزِيزًا لا يُغْلَبُ وبِكَوْنِهِ عَلِيمًا لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ، ثُمَّ وصَفَ نَفْسَهُ بِما يَجْمَعُ الوَعْدَ والوَعِيدَ والتَّرْهِيبَ والتَّرْغِيبَ، فَقالَ: ﴿غافِرِ الذَّنْبِ وقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ العِقابِ ذِي الطَّوْلِ لا إلَهَ إلّا هو إلَيْهِ المَصِيرُ﴾ فَهَذِهِ سِتَّةُ أنْواعٍ مِنَ الصِّفاتِ:
الصِّفَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿غافِرِ الذَّنْبِ﴾ قالَ الجُبّائِيُّ: مَعْناهُ أنَّهُ غافِرُ الذَّنْبِ إذا اسْتَحَقَّ غُفْرانَهُ إمّا بِتَوْبَةٍ أوْ طاعَةٍ أعْظَمَ مِنهُ، ومُرادُهُ مِنهُ أنَّ فاعِلَ المَعْصِيَةِ إمّا أنْ يُقالَ: إنَّهُ كانَ قَدْ أتى قَبْلَ ذَلِكَ بِطاعَةٍ كانَ ثَوابُها أعْظَمَ مِن عِقابِ هَذِهِ المَعْصِيَةِ، أوْ ما كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ، فَإنْ كانَ الأوَّلُ كانَتْ هَذِهِ المَعْصِيَةُ صَغِيرَةً فَيُحْبَطُ عِقابُها، وإنْ كانَ الثّانِي كانَتْ هَذِهِ المَعْصِيَةُ كَبِيرَةً فَلا يَزُولُ عِقابُها إلّا بِالتَّوْبَةِ. ومَذْهَبُ أصْحابِنا أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ يَعْفُو عَنِ الكَبِيرَةِ بَعْدَ التَّوْبَةِ، وهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى ذَلِكَ، وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ غُفْرانَ الكَبِيرَةِ بَعْدَ التَّوْبَةِ وغُفْرانَ الصَّغِيرَةِ مِنَ الأُمُورِ الواجِبَةِ عَلى العَبْدِ، وجَمِيعُ الأنْبِياءِ والأوْلِياءِ والصّالِحِينَ مِن أوْساطِ النّاسِ مُشْتَرِكُونَ في فِعْلِ الواجِباتِ، فَلَوْ حَمَلْنا كَوْنَهُ تَعالى غافِرَ الذَّنْبِ عَلى هَذا المَعْنى لَمْ يَبْقَ بَيْنَهُ وبَيْنَ أقَلِّ النّاسِ مِن زُمْرَةِ المُطِيعِينَ فَرْقٌ في المَعْنى المُوجِبِ لِهَذا المَدْحِ، وذَلِكَ باطِلٌ، فَثَبَتَ أنَّهُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ كَوْنَهُ غافِرَ الكَبائِرِ قَبْلَ التَّوْبَةِ، وهو المَطْلُوبُ.
الثّانِي: أنَّ الغُفْرانَ عِبارَةٌ عَنِ السِّتْرِ ومَعْنى السِّتْرِ إنَّما يُعْقَلُ في الشَّيْءِ الَّذِي
صفحة ٢٥
يَكُونُ باقِيًا مَوْجُودًا فَيُسْتَرُ، والصَّغِيرَةُ تُحْبَطُ بِسَبَبِ كَثْرَةِ ثَوابِ فاعِلِها، فَمَعْنى الغَفْرِ فِيها غَيْرُ مَعْقُولٍ، ولا يُمْكِنُ حَمْلُ قَوْلِهِ: ﴿غافِرِ الذَّنْبِ﴾ عَلى الكَبِيرَةِ بَعْدَ التَّوْبَةِ؛ لِأنَّ مَعْنى كَوْنِهِ قابِلًا لِلتَّوْبِ لَيْسَ إلّا ذَلِكَ، فَلَوْ كانَ المُرادُ بِكَوْنِهِ غافِرَ الذَّنْبِ هَذا المَعْنى لَزِمَ التَّكْرارُ وإنَّهُ باطِلٌ، فَثَبَتَ أنَّ كَوْنَهُ غافِرَ الذَّنْبِ يُفِيدُ كَوْنَهُ غافِرًا لِلذُّنُوبِ الكَبائِرِ قَبْلَ التَّوْبَةِ. الثّالِثُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿غافِرِ الذَّنْبِ﴾ مَذْكُورٌ في مَعْرِضِ المَدْحِ العَظِيمِ، فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلى ما يُفِيدُ أعْظَمَ أنْواعِ المَدْحِ، وذَلِكَ هو كَوْنُهُ غافِرًا لِلْكَبائِرِ قَبْلَ التَّوْبَةِ، وهو المَطْلُوبُ.
الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قابِلِ التَّوْبِ﴾ وفِيهِ بَحْثانِ:
الأوَّلُ: في لَفْظِ التَّوْبِ قَوْلانِ؛ الأوَّلُ: أنَّهُ مَصْدَرٌ وهو قَوْلُ أبِي عُبَيْدَةَ. والثّانِي: أنَّهُ جَماعَةُ التَّوْبَةِ وهو قَوْلُ الأخْفَشِ. قالَ المُبَرِّدُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا، يُقالُ: تابَ يَتُوبُ تَوْبًا وتَوْبَةً، مِثْلُ قالَ يَقُولُ قَوْلًا وقَوْلَةً، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَمْعًا لِتَوْبَةٍ، فَيَكُونُ: تَوْبَةٌ وتَوْبٌ، مِثْلُ تَمْرَةٍ وتَمْرٍ، إلّا أنَّ المَصْدَرَ أقْرَبُ لِأنَّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ تَأْوِيلُهُ أنَّهُ يَقْبَلُ هَذا الفِعْلَ.
الثّانِي: مَذْهَبُ أصْحابِنا أنَّ قَبُولَ التَّوْبَةِ مِنَ المُذْنِبِ يَقَعُ عَلى سَبِيلِ التَّفَضُّلِ، ولَيْسَ بِواجِبٍ عَلى اللَّهِ، وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: إنَّهُ واجِبٌ عَلى اللَّهِ، واحْتَجَّ أصْحابُنا بِأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ كَوْنَهُ قابِلًا لِلتَّوْبِ عَلى سَبِيلِ المَدْحِ والثَّناءِ، ولَوْ كانَ ذَلِكَ مِنَ الواجِباتِ لَمْ يَبْقَ فِيهِ مِن مَعْنى المَدْحِ إلّا القَلِيلُ، وهو القَدْرُ الَّذِي يَحْصُلُ لِجَمِيعِ الصّالِحِينَ عِنْدَ أداءِ الواجِباتِ والِاحْتِرازِ عَنِ المَحْظُوراتِ.
* * *
الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ ﴿شَدِيدِ العِقابِ﴾ وفِيهِ مَباحِثُ:
البَحْثُ الأوَّلُ: في هَذِهِ الآيَةِ سُؤالٌ وهو أنَّ قَوْلَهُ: ﴿شَدِيدِ العِقابِ﴾ يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ نَعْتًا لِلنَّكِرَةِ ولا يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ نَعْتًا لِلْمَعْرِفَةِ، تَقُولُ: مَرَرْتُ بِرَجُلٍ شَدِيدِ البَطْشِ، ولا تَقُولُ مَرَرْتُ بِعَبْدِ اللَّهِ شَدِيدِ البَطْشِ، وقَوْلُهُ: (اللَّهُ) اسْمُ عَلَمٍ، فَيَكُونُ مَعْرِفَةً، فَكَيْفَ يَجُوزُ وصْفُهُ بِكَوْنِهِ شَدِيدَ العِقابِ مَعَ أنَّهُ لا يَصْلُحُ إلّا أنْ يُجْعَلَ وصْفًا لِلنَّكِرَةِ؟ قالُوا: وهَذا بِخِلافِ قَوْلِنا: غافِرِ الذَّنْبِ وقابِلِ التَّوْبِ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ المُرادُ مِنهُما حُدُوثُ هَذَيْنِ الفِعْلَيْنِ، وأنَّهُ يَغْفِرُ الذَّنْبَ ويَقْبَلُ التَّوْبَةَ الآنَ أوْ غَدًا، وإنَّما أُرِيدَ ثُبُوتُ ذَلِكَ ودَوامُهُ، فَكانَ حُكْمُهُما حُكْمَ إلَهِ الخَلْقِ ورَبِّ العَرْشِ، وأمّا ﴿شَدِيدِ العِقابِ﴾ فَمُشْكِلٌ؛ لِأنَّهُ في تَقْدِيرِ: شَدِيدٌ عِقابُهُ، فَيَكُونُ نَكِرَةً، فَلا يَصِحُّ جَعْلُهُ صِفَةً لِلْمَعْرِفَةِ، وهَذا تَقْرِيرُ السُّؤالِ وأُجِيبَ عَنْهُ بِوُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ هَذِهِ الصِّفَةَ وإنْ كانَتْ نَكِرَةً إلّا أنَّها لَمّا ذُكِرَتْ مَعَ سائِرِ الصِّفاتِ الَّتِي هي مَعارِفُ حَسُنَ ذِكْرُها كَما في قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ الغَفُورُ الوَدُودُ ذُو العَرْشِ المَجِيدُ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ [البُرُوجِ: ١٤- ١٦] .
والثّانِي: قالَ الزَّجّاجُ: إنَّ خَفْضَ ﴿شَدِيدِ العِقابِ﴾ عَلى البَدَلِ؛ لِأنَّ جَعْلَ النَّكِرَةِ بَدَلًا مِنَ المَعْرِفَةِ وبِالعَكْسِ أمْرٌ جائِزٌ، واعْتَرَضُوا عَلَيْهِ بِأنَّ جَعْلَهُ وحْدَهُ بَدَلًا مِنَ الصِّفاتِ فِيهِ نَبْوَةٌ ظاهِرَةٌ.
الثّالِثُ: أنَّهُ لا نِزاعَ في أنَّ قَوْلَهُ: ﴿غافِرِ الذَّنْبِ وقابِلِ التَّوْبِ﴾ يَحْسُنُ جَعْلُهُما صِفَةً، وإنَّما كانَ كَذَلِكَ لِأنَّهُما مُفِيدانِ مَعْنى الدَّوامِ والِاسْتِمْرارِ، فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿شَدِيدِ العِقابِ﴾ يُفِيدُ مَعْنى الدَّوامِ والِاسْتِمْرارِ؛ لِأنَّ صِفاتِ اللَّهِ تَعالى مُنَزَّهَةٌ عَنِ الحُدُوثِ والتَّجَدُّدِ، فَكَوْنُهُ شَدِيدَ العِقابِ مَعْناهُ كَوْنُهُ بِحَيْثُ يَشْتَدُّ عِقابُهُ، وهَذا المَعْنى حاصِلٌ أبَدًا، وغَيْرُ مَوْصُوفٍ بِأنَّهُ حَصَلَ بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، فَهَذا ما قِيلَ في هَذا البابِ.
البَحْثُ الثّانِي: هَذِهِ الآيَةُ مُشْعِرَةٌ بِتَرْجِيحِ جانِبِ الرَّحْمَةِ والفَضْلِ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا أرادَ أنْ يَصِفَ نَفْسَهُ
صفحة ٢٦
بِأنَّهُ شَدِيدُ العِقابِ ذَكَرَ قَبْلَهُ أمْرَيْنِ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما يَقْتَضِي زَوالَ العِقابِ، وهو كَوْنُهُ غافِرَ الذَّنْبِ وقابِلَ التَّوْبِ، وذَكَرَ بَعْدَهُ ما يَدُلُّ عَلى حُصُولِ الرَّحْمَةِ العَظِيمَةِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿ذِي الطَّوْلِ﴾، فَكَوْنُهُ شَدِيدَ العِقابِ لَمّا كانَ مَسْبُوقًا بِتَيْنَكَ الصِّفَتَيْنِ ومَلْحُوقًا بِهَذِهِ الصِّفَةِ، دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ جانِبَ الرَّحْمَةِ والكَرَمِ أرْجَحُ.
البَحْثُ الثّالِثُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: ذَكَرَ الواوَ في قَوْلِهِ: ﴿غافِرِ الذَّنْبِ وقابِلِ التَّوْبِ﴾ ولَمْ يَذْكُرْها في قَوْلِهِ: ﴿شَدِيدِ العِقابِ﴾ فَما الفَرْقُ؟ قُلْنا: إنَّهُ لَوْ لَمْ يَذْكُرِ الواوَ في قَوْلِهِ: ﴿غافِرِ الذَّنْبِ وقابِلِ التَّوْبِ﴾ لاحْتَمَلَ أنْ يَقَعَ في خاطِرِ إنْسانٍ أنَّهُ لا مَعْنى لِكَوْنِهِ غافِرَ الذَّنْبِ إلّا كَوْنُهُ قابِلَ التَّوْبِ، أمّا لَمّا ذَكَرَ الواوَ زالَ هَذا الِاحْتِمالُ؛ لِأنَّ عَطْفَ الشَّيْءِ عَلى نَفْسِهِ مُحالٌ، أمّا كَوْنُهُ شَدِيدَ العِقابِ فَمَعْلُومٌ أنَّهُ مُغايِرٌ لِكَوْنِهِ ﴿غافِرِ الذَّنْبِ وقابِلِ التَّوْبِ﴾ فاسْتَغْنى بِهِ عَنْ ذِكْرِ الواوِ.
الصِّفَةُ الرّابِعَةُ: ﴿ذِي الطَّوْلِ﴾ أيِ ذِي التَّفَضُّلِ، يُقالُ: طالَ عَلَيْنا طَوْلًا؛ أيْ تَفَضَّلَ عَلَيْنا تَفَضُّلًا، ومِن كَلامِهِمْ: طُلْ عَلَيَّ بِفَضْلِكَ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولُو الطَّوْلِ مِنهُمْ﴾ [التَّوْبَةِ: ٨٦] ومَضى تَفْسِيرُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ومَن لَمْ يَسْتَطِعْ مِنكم طَوْلًا﴾ [النِّساءِ: ٢٥] واعْلَمْ أنَّهُ لَمّا وصَفَ نَفْسَهُ بِكَوْنِهِ ﴿شَدِيدِ العِقابِ﴾ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ المُرادُ بِكَوْنِهِ تَعالى آتِيًا بِالعِقابِ الشَّدِيدِ الَّذِي لا يَقْبُحُ مِنهُ إتْيانُهُ بِهِ، بَلْ لا يَجُوزُ وصْفُهُ تَعالى بِكَوْنِهِ آتِيًا لِفِعْلِ القَبِيحِ، وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: ذَكَرَ بَعْدَهُ كَوْنَهُ ذا الطَّوْلِ وهو كَوْنُهُ ذا الفَضْلِ، فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ كَوْنَهُ ذا الفَضْلِ بِسَبَبِ أنْ يَتْرُكَ العِقابَ الَّذِي لَهُ أنْ يَفْعَلَهُ؛ لِأنَّهُ ذَكَرَ كَوْنَهُ ذا الطَّوْلِ ولَمْ يُبَيِّنْ أنَّهُ ذُو الطَّوْلِ في ماذا، فَوَجَبَ صَرْفُهُ إلى كَوْنِهِ ذا الطَّوْلِ في الأمْرِ الَّذِي سَبَقَ ذِكْرُهُ، وهو فِعْلُ العِقابِ الحَسَنِ دَفْعًا لِلْإجْمالِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى قَدْ يَتْرُكُ العِقابَ الَّذِي حَسُنَ مِنهُ تَعالى فِعْلُهُ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ العَفْوَ عَنْ أصْحابِ الكَبائِرِ جائِزٌ، وهو المَطْلُوبُ.
الصِّفَةُ الخامِسَةُ: التَّوْحِيدُ المُطْلَقُ وهو قَوْلُهُ: ﴿لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ والمَعْنى أنَّهُ وصَفَ نَفْسَهُ بِصِفاتِ الرَّحْمَةِ والفَضْلِ، فَلَوْ كانَ مَعَهُ إلَهٌ آخَرُ يُشارِكُهُ ويُساوِيهِ في صِفَةِ الرَّحْمَةِ والفَضْلِ لَما كانَتِ الحاجَةُ إلى عُبُودِيَّتِهِ شَدِيدَةً، أمّا إذا كانَ واحِدًا ولَيْسَ لَهُ شَرِيكٌ ولا شَبِيهٌ كانَتِ الحاجَةُ إلى الإقْرارِ بِعُبُودِيَّتِهِ شَدِيدَةً، فَكانَ التَّرْغِيبُ والتَّرْهِيبُ الكامِلانِ يَحْصُلانِ بِسَبَبِ هَذا التَّوْحِيدِ.
الصِّفَةُ السّادِسَةُ: قَوْلُهُ: ﴿إلَيْهِ المَصِيرُ﴾ وهَذِهِ الصِّفَةُ أيْضًا مِمّا يُقَوِّي الرَّغْبَةَ في الإقْرارِ بِعُبُودِيَّتِهِ؛ لِأنَّهُ بِتَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ مَوْصُوفًا بِصِفاتِ الفَضْلِ والكَرَمِ وكانَ واحِدًا لا شَرِيكَ لَهُ، إلّا أنَّ القَوْلَ بِالحَشْرِ والنَّشْرِ إنْ كانَ باطِلًا لَمْ يَكُنِ الخَوْفُ الشَّدِيدُ حاصِلًا مِن عِصْيانِهِ، أمّا لَمّا كانَ القَوْلُ بِالحَشْرِ والقِيامَةِ حاصِلًا كانَ الخَوْفُ أشَدَّ والحَذَرُ أكْمَلَ، فَلِهَذا السَّبَبِ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الصِّفاتِ، واحْتَجَّ أهْلُ التَّشْبِيهِ بِلَفْظَةِ (إلى) وقالُوا: إنَّها تُفِيدُ انْتِهاءَ الغايَةِ، والجَوابُ عَنْهُ مَذْكُورٌ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ مِن هَذا الكِتابِ.
* * *
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قَرَّرَ أنَّ القُرْآنَ كِتابٌ أنْزَلَهُ لِيُهْتَدى بِهِ في الدِّينِ، ذَكَرَ أحْوالَ مَن يُجادِلُ لِغَرَضِ إبْطالِهِ وإخْفاءِ أمْرِهِ فَقالَ: ﴿ما يُجادِلُ في آياتِ اللَّهِ إلّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: أنَّ الجِدالَ نَوْعانِ، جِدالٌ في تَقْرِيرِ الحَقِّ وجِدالٌ في تَقْرِيرِ الباطِلِ، أمّا الجِدالُ في تَقْرِيرِ الحَقِّ فَهو حِرْفَةُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، قالَ تَعالى لِمُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿وجادِلْهم بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [النَّحْلِ: ١٢٥] وقالَ حِكايَةً عَنِ الكُفّارِ أنَّهم قالُوا لِنُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿يانُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأكْثَرْتَ جِدالَنا﴾ [هُودٍ: ٣٢]
صفحة ٢٧
وأمّا الجِدالُ في تَقْرِيرِ الباطِلِ فَهو مَذْمُومٌ وهو المُرادُ بِهَذِهِ الآيَةِ حَيْثُ قالَ: ﴿ما يُجادِلُ في آياتِ اللَّهِ إلّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وقالَ: ﴿ما ضَرَبُوهُ لَكَ إلّا جَدَلًا بَلْ هم قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٥٨] وقالَ: ﴿وجادَلُوا بِالباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الحَقَّ﴾ وقالَ ﷺ: ”«إنَّ جِدالًا في القُرْآنِ كُفْرٌ» “ فَقَوْلُهُ: إنَّ جِدالًا، عَلى لَفْظِ التَّنْكِيرِ يَدُلُّ عَلى التَّمْيِيزِ بَيْنَ جِدالٍ وجِدالٍ، واعْلَمْ أنَّ لَفْظَ الجِدالِ في الشَّيْءِ مُشْعِرٌ بِالجِدالِ الباطِلِ، ولَفَظَ الجِدالِ عَنِ الشَّيْءِ مُشْعِرٌ بِالجِدالِ لِأجْلِ تَقْرِيرِهِ والذَّبِّ عَنْهُ، قالَ ﷺ: ”«إنَّ جِدالًا في القُرْآنِ كُفْرٌ» “ وقالَ: ”«لا تُمارُوا في القُرْآنِ فَإنَّ المِراءَ فِيهِ كُفْرٌ» “ .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الجِدالُ في آياتِ اللَّهِ هو أنْ يُقالَ مَرَّةً: إنَّهُ سِحْرٌ ومَرَّةً إنَّهُ شِعْرٌ ومَرَّةً إنَّهُ قَوْلُ الكَهَنَةِ ومَرَّةً أساطِيرُ الأوَّلِينَ ومُرَّةً إنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ، وأشْباهُ هَذا مِمّا كانُوا يَقُولُونَ مِنَ الشُّبُهاتِ الباطِلَةِ، فَذَكَرَ تَعالى أنَّهُ لا يَفْعَلُ هَذا إلّا الَّذِينَ كَفَرُوا وأعْرَضُوا عَنِ الحَقِّ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهم في البِلادِ﴾ أيْ لا يَنْبَغِي أنْ تَغْتَرَّ بِأنِّي أُمْهِلُهم وأتْرُكُهم سالِمِينَ في أبْدانِهِمْ وأمْوالِهِمْ يَتَقَلَّبُونَ في البِلادِ، أيْ يَتَصَرَّفُونَ لِلتِّجاراتِ وطَلَبِ المَعاشِ، فَإنِّي وإنْ أمْهَلْتُهم فَإنِّي سَآخُذُهم وأنْتَقِمُ مِنهم كَما فَعَلْتُ بِأشْكالِهِمْ مِنَ الأُمَمِ الماضِيَةِ، وكانَتْ قُرَيْشٌ كَذَلِكَ يَتَقَلَّبُونَ في بِلادِ الشّامِ واليَمَنِ ولَهُمُ الأمْوالُ الكَثِيرَةُ يَتَّجِرُونَ فِيها ويَرْبَحُونَ، ثُمَّ كَشَفَ عَنْ هَذا المَعْنى فَقالَ: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ والأحْزابُ مِن بَعْدِهِمْ﴾ فَذَكَرَ مِن أُولَئِكَ المُكَذِّبِينَ قَوْمَ نُوحٍ ﴿والأحْزابُ مِن بَعْدِهِمْ﴾ أيِ الأُمَمَ المُسْتَمِرَّةِ عَلى الكُفْرِ كَقَوْمِ عادٍ وثَمُودَ وغَيْرِهِمْ، كَما قالَ في سُورَةِ ص: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ وعادٌ وفِرْعَوْنُ ذُو الأوْتادِ﴾ ﴿وثَمُودُ وقَوْمُ لُوطٍ وأصْحابُ الأيْكَةِ أُولَئِكَ الأحْزابُ﴾ [ص: ١٣] وقَوْلُهُ: ﴿وهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ﴾ أيْ وعَزَمَتْ كُلُّ أُمَّةٍ مِن هَؤُلاءِ الأحْزابِ أنْ يَأْخُذُوا رَسُولَهم لِيَقْتُلُوهُ ويُعَذِّبُوهُ ويَحْبِسُوهُ ﴿وجادَلُوا بِالباطِلِ﴾ أيْ هَؤُلاءِ جادَلُوا رُسُلَهم بِالباطِلِ؛ أيْ بِإيرادِ الشُّبُهاتِ ﴿لِيُدْحِضُوا بِهِ الحَقَّ﴾ أيْ أنْ يُزِيلُوا بِسَبَبِ إيرادِ تِلْكَ الشُّبُهاتِ الحَقَّ والصِّدْقَ ﴿فَأخَذْتُهم فَكَيْفَ كانَ عِقابِ﴾ أيْ فَأنْزَلْتُ بِهِمْ مِنَ الهَلاكِ ما هَمُّوا بِإنْزالِهِ بِالرُّسُلِ، وأرادُوا أنْ يَأْخُذُوهم فَأخَذْتُهم أنا، فَكَيْفَ كانَ عِقابِي إيّاهم، ألَيْسَ كانَ مُهْلِكًا مُسْتَأْصِلًا مَهِيبًا في الذِّكْرِ والسَّماعِ، فَأنا أفْعَلُ بِقَوْمِكَ كَما فَعَلْتُ بِهَؤُلاءِ إنْ أصَرُّوا عَلى الكُفْرِ والجِدالِ في آياتِ اللَّهِ، ثُمَّ كَشَفَ عَنْ هَذا المَعْنى فَقالَ: ﴿وكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّهم أصْحابُ النّارِ﴾ أيْ ومِثْلُ الَّذِي حَقَّ عَلى أُولَئِكَ الأُمَمِ السّالِفَةِ مِنَ العِقابِ حَقَّتْ كَلِمَتِي أيْضًا عَلى هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِكَ، فَهم عَلى شَرَفِ نُزُولِ العِقابِ بِهِمْ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ﴿أنَّهم أصْحابُ النّارِ﴾ في مَحَلِّ الرَّفْعِ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾ أيْ مِثْلُ ذَلِكَ الوُجُوبِ وجَبَ عَلى الكَفَرَةِ كَوْنُهم مِن أصْحابِ النّارِ، ومَعْناهُ: كَما وجَبَ إهْلاكُهم في الدُّنْيا بِالعَذابِ المُسْتَأْصِلِ، كَذَلِكَ وجَبَ إهْلاكُهم بِعَذابِ النّارِ في الآخِرَةِ، أوْ في مَحَلِّ النَّصْبِ بِحَذْفِ لامِ التَّعْلِيلِ وإيصالِ الفِعْلِ.
واحْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ قَضاءَ اللَّهِ بِالسَّعادَةِ والشَّقاوَةِ لازِمٌ لا يُمْكِنُ تَغْيِيرُهُ، فَقالُوا: إنَّهُ تَعالى أخْبَرَ أنَّهُ حَقَّتْ كَلِمَةُ العَذابِ عَلَيْهِمْ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهم لا قُدْرَةَ لَهم عَلى الإيمانِ؛ لِأنَّهم لَوْ تَمَكَّنُوا مِنهُ لَتَمَكَّنُوا مِن إبْطالِ هَذِهِ الكَلِمَةِ الحَقَّةِ، ولَتَمَكَّنُوا مِن إبْطالِ عِلْمِ اللَّهِ وحِكْمَتِهِ، ضَرُورَةَ أنَّ المُتَمَكِّنَ مِنَ الشَّيْءِ يَجِبُ كَوْنُهُ مُتَمَكِّنًا مِن كُلِّ ما هو مِن لَوازِمِهِ، ولِأنَّهم لَوْ آمَنُوا لَوَجَبَ عَلَيْهِمْ أنْ يُؤْمِنُوا بِهَذِهِ الآيَةِ، فَحِينَئِذٍ كانُوا قَدْ آمَنُوا بِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ أبَدًا، وذَلِكَ تَكْلِيفُ ما لا يُطاقُ. وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ ”حَقَّتْ كَلِماتُ رَبِّكَ“ عَلى الجَمْعِ، والباقُونَ عَلى الواحِدِ.
غافر 40:3
صفحة ٢٣
(سُورَةُ غافِرٍ)
ثَمانُونَ وخَمْسُ آياتٍ مَكِّيَّةٍ
﷽
﴿حم﴾ ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ العَلِيمِ﴾ ﴿غافِرِ الذَّنْبِ وقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ العِقابِ ذِي الطَّوْلِ لا إلَهَ إلّا هو إلَيْهِ المَصِيرُ﴾ ﴿ما يُجادِلُ في آياتِ اللَّهِ إلّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهم في البِلادِ﴾ ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ والأحْزابُ مِن بَعْدِهِمْ وهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وجادَلُوا بِالباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الحَقَّ فَأخَذْتُهم فَكَيْفَ كانَ عِقابِ﴾ ﴿وكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّهم أصْحابُ النّارِ﴾
﷽
﴿حم﴾ ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ العَلِيمِ﴾ ﴿غافِرِ الذَّنْبِ وقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ العِقابِ ذِي الطَّوْلِ لا إلَهَ إلّا هو إلَيْهِ المَصِيرُ﴾ ﴿ما يُجادِلُ في آياتِ اللَّهِ إلّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهم في البِلادِ﴾ ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ والأحْزابُ مِن بَعْدِهِمْ وهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وجادَلُوا بِالباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الحَقَّ فَأخَذْتُهم فَكَيْفَ كانَ عِقابِ﴾ ﴿وكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّهم أصْحابُ النّارِ﴾
اعْلَمْ أنَّ في الآيَةِ مَسائِلَ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ وحَمْزَةَ والكِسائِيِّ ”حم“ بِكَسْرِ الحاءِ، والباقُونَ بِفَتْحِ الحاءِ، ونافِعٌ في بَعْضِ الرِّواياتِ وابْنُ عامِرٍ، بَيْنَ الفَتْحِ والكَسْرِ وهو أنْ لا يَفْتَحَها فَتْحًا شَدِيدًا، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قُرِئَ بِفَتْحِ المِيمِ وتَسْكِينِها، ووَجْهُ الفَتْحِ التَّحْرِيكُ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ وإيثارِ أخَفِّ الحَرَكاتِ نَحْوَ: أيْنَ وكَيْفَ، أوِ النَّصْبِ بِإضْمارِ اقْرَأْ، ومَنعُ الصَّرْفِ إمّا لِلتَّأْنِيثِ والتَّعْرِيفِ، مِن حَيْثُ أنَّها اسْمٌ لِلسُّورَةِ ولِلتَّعْرِيفِ، وأنَّها عَلى زِنَةِ أعْجَمِيٍّ نَحْوَ قابِيلَ وهابِيلَ، وأمّا السُّكُونُ فَلِأنّا بَيَّنّا أنَّ الأسْماءَ تُذْكَرُ مَوْقُوفَةَ الأواخِرِ.
صفحة ٢٤
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الكَلامُ المُسْتَقْصى في هَذِهِ الفَواتِحِ مَذْكُورٌ في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ، والأقْرَبُ هاهُنا أنْ يُقالَ: ”﴿حم﴾“ اسْمٌ لِلسُّورَةِ، فَقَوْلُهُ: ﴿حم﴾ مُبْتَدَأٌ، وقَوْلُهُ: ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ﴾ خَبَرٌ، والتَّقْدِيرُ أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ المُسَمّاةَ بِحم تَنْزِيلُ الكِتابِ، فَقَوْلُهُ: ﴿تَنْزِيلُ﴾ مَصْدَرٌ، لَكِنَّ المُرادَ مِنهُ المُنَزَّلُ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ أنَّ ﴿حم﴾ ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ﴾ وجَبَ بَيانُ أنَّ المُنَزِّلَ مَن هُوَ؟ فَقالَ: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ اللَّهَ تَعالى مَوْصُوفٌ بِصِفاتِ الجَلالِ وسِماتِ العَظَمَةِ لِيَصِيرَ ذَلِكَ حامِلًا عَلى التَّشْمِيرِ عَنْ ساقِ الجَدِّ عِنْدَ الِاسْتِماعِ، وزَجْرِهِ عَنِ التَّهاوُنِ والتَّوانِي فِيهِ، فَبَيَّنَ أنَّ المُنَزِّلَ هو ﴿اللَّهِ العَزِيزِ العَلِيمِ﴾ .
واعْلَمْ أنَّ النّاسَ اخْتَلَفُوا في أنَّ العِلْمَ بِاللَّهِ ما هُوَ؟ فَقالَ جَمْعٌ عَظِيمٌ: إنَّهُ العِلْمُ بِكَوْنِهِ قادِرًا وبَعْدَهُ العِلْمُ بِكَوْنِهِ عالِمًا، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: ﴿العَزِيزِ﴾ لَهُ تَفْسِيرانِ؛ أحَدُهُما: الغالِبُ فَيَكُونُ مَعْناهُ القادِرُ الَّذِي لا يُساوِيهِ أحَدٌ في القُدْرَةِ. والثّانِي: الَّذِي لا مِثْلَ لَهُ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالعَزِيزِ هُنا القادِرَ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿اللَّهِ﴾ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ قادِرًا، فَوَجَبَ حَمْلُ ﴿العَزِيزِ﴾ عَلى المَعْنى الثّانِي وهو الَّذِي لا يُوجَدُ لَهُ مِثْلٌ، وما كانَ كَذَلِكَ وجَبَ أنْ لا يَكُونَ جِسْمًا، والَّذِي لا يَكُونُ جِسْمًا يَكُونُ مُنَزَّهًا عَنِ الشَّهْوَةِ والنَّفْرَةِ، والَّذِي يَكُونُ كَذَلِكَ يَكُونُ مُنَزَّهًا عَنِ الحاجَةِ. وأمّا ﴿العَلِيمِ﴾ فَهو مُبالَغَةٌ في العِلْمِ، والمُبالَغَةُ التّامَّةُ إنَّما تَتَحَقَّقُ عِنْدَ كَوْنِهِ تَعالى عالِمًا بِكُلِّ المَعْلُوماتِ، فَقَوْلُهُ: ﴿مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ العَلِيمِ﴾ يَرْجِعُ مَعْناهُ إلى أنَّ هَذا الكِتابَ تَنْزِيلٌ مِنَ القادِرِ المُطْلَقِ، الغَنِيِّ المُطْلَقِ، العالِمِ المُطْلَقِ، ومَن كانَ كَذَلِكَ كانَ عالِمًا بِوُجُوهِ المَصالِحِ والمَفاسِدِ، وكانَ عالِمًا بِكَوْنِهِ غَنِيًّا عَنْ جَرِّ المَصالِحِ ودَفْعِ المَفاسِدِ، ومَن كانَ كَذَلِكَ كانَ رَحِيمًا جَوادًا، وكانَتْ أفْعالُهُ حِكْمَةً وصَوابًا مُنَزَّهَةً عَنِ القَبِيحِ والباطِلِ، فَكَأنَّهُ سُبْحانَهُ إنَّما ذَكَرَ عَقِيبَ قَوْلِهِ: ﴿تَنْزِيلُ﴾ هَذِهِ الأسْماءَ الثَّلاثَةَ لِكَوْنِها دالَّةً عَلى أنَّ أفْعالَهُ سُبْحانَهُ حِكْمَةٌ وصَوابٌ، ومَتى كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ لَزِمَ أنْ يَكُونَ هَذا التَّنْزِيلُ حَقًّا وصَوابًا، وقِيلَ: الفائِدَةُ في ذِكْرِ ﴿العَزِيزِ العَلِيمِ﴾ أمْرانِ؛ أحَدُهُما: أنَّهُ بِقُدْرَتِهِ وعِلْمِهِ أنْزَلَ القُرْآنَ عَلى هَذا الحَدِّ الَّذِي يَتَضَمَّنُ المَصالِحَ والإعْجازَ، ولَوْلا كَوْنُهُ عَزِيزًا عَلِيمًا لَما صَحَّ ذَلِكَ. والثّانِي: أنَّهُ تَكَفَّلَ بِحِفْظِهِ وبِعُمُومِ التَّكْلِيفِ فِيهِ وظُهُورِهِ إلى حِينِ انْقِطاعِ التَّكْلِيفِ، وذَلِكَ لا يَتِمُّ إلّا بِكَوْنِهِ عَزِيزًا لا يُغْلَبُ وبِكَوْنِهِ عَلِيمًا لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ، ثُمَّ وصَفَ نَفْسَهُ بِما يَجْمَعُ الوَعْدَ والوَعِيدَ والتَّرْهِيبَ والتَّرْغِيبَ، فَقالَ: ﴿غافِرِ الذَّنْبِ وقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ العِقابِ ذِي الطَّوْلِ لا إلَهَ إلّا هو إلَيْهِ المَصِيرُ﴾ فَهَذِهِ سِتَّةُ أنْواعٍ مِنَ الصِّفاتِ:
الصِّفَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿غافِرِ الذَّنْبِ﴾ قالَ الجُبّائِيُّ: مَعْناهُ أنَّهُ غافِرُ الذَّنْبِ إذا اسْتَحَقَّ غُفْرانَهُ إمّا بِتَوْبَةٍ أوْ طاعَةٍ أعْظَمَ مِنهُ، ومُرادُهُ مِنهُ أنَّ فاعِلَ المَعْصِيَةِ إمّا أنْ يُقالَ: إنَّهُ كانَ قَدْ أتى قَبْلَ ذَلِكَ بِطاعَةٍ كانَ ثَوابُها أعْظَمَ مِن عِقابِ هَذِهِ المَعْصِيَةِ، أوْ ما كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ، فَإنْ كانَ الأوَّلُ كانَتْ هَذِهِ المَعْصِيَةُ صَغِيرَةً فَيُحْبَطُ عِقابُها، وإنْ كانَ الثّانِي كانَتْ هَذِهِ المَعْصِيَةُ كَبِيرَةً فَلا يَزُولُ عِقابُها إلّا بِالتَّوْبَةِ. ومَذْهَبُ أصْحابِنا أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ يَعْفُو عَنِ الكَبِيرَةِ بَعْدَ التَّوْبَةِ، وهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى ذَلِكَ، وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ غُفْرانَ الكَبِيرَةِ بَعْدَ التَّوْبَةِ وغُفْرانَ الصَّغِيرَةِ مِنَ الأُمُورِ الواجِبَةِ عَلى العَبْدِ، وجَمِيعُ الأنْبِياءِ والأوْلِياءِ والصّالِحِينَ مِن أوْساطِ النّاسِ مُشْتَرِكُونَ في فِعْلِ الواجِباتِ، فَلَوْ حَمَلْنا كَوْنَهُ تَعالى غافِرَ الذَّنْبِ عَلى هَذا المَعْنى لَمْ يَبْقَ بَيْنَهُ وبَيْنَ أقَلِّ النّاسِ مِن زُمْرَةِ المُطِيعِينَ فَرْقٌ في المَعْنى المُوجِبِ لِهَذا المَدْحِ، وذَلِكَ باطِلٌ، فَثَبَتَ أنَّهُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ كَوْنَهُ غافِرَ الكَبائِرِ قَبْلَ التَّوْبَةِ، وهو المَطْلُوبُ.
الثّانِي: أنَّ الغُفْرانَ عِبارَةٌ عَنِ السِّتْرِ ومَعْنى السِّتْرِ إنَّما يُعْقَلُ في الشَّيْءِ الَّذِي
صفحة ٢٥
يَكُونُ باقِيًا مَوْجُودًا فَيُسْتَرُ، والصَّغِيرَةُ تُحْبَطُ بِسَبَبِ كَثْرَةِ ثَوابِ فاعِلِها، فَمَعْنى الغَفْرِ فِيها غَيْرُ مَعْقُولٍ، ولا يُمْكِنُ حَمْلُ قَوْلِهِ: ﴿غافِرِ الذَّنْبِ﴾ عَلى الكَبِيرَةِ بَعْدَ التَّوْبَةِ؛ لِأنَّ مَعْنى كَوْنِهِ قابِلًا لِلتَّوْبِ لَيْسَ إلّا ذَلِكَ، فَلَوْ كانَ المُرادُ بِكَوْنِهِ غافِرَ الذَّنْبِ هَذا المَعْنى لَزِمَ التَّكْرارُ وإنَّهُ باطِلٌ، فَثَبَتَ أنَّ كَوْنَهُ غافِرَ الذَّنْبِ يُفِيدُ كَوْنَهُ غافِرًا لِلذُّنُوبِ الكَبائِرِ قَبْلَ التَّوْبَةِ. الثّالِثُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿غافِرِ الذَّنْبِ﴾ مَذْكُورٌ في مَعْرِضِ المَدْحِ العَظِيمِ، فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلى ما يُفِيدُ أعْظَمَ أنْواعِ المَدْحِ، وذَلِكَ هو كَوْنُهُ غافِرًا لِلْكَبائِرِ قَبْلَ التَّوْبَةِ، وهو المَطْلُوبُ.
الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قابِلِ التَّوْبِ﴾ وفِيهِ بَحْثانِ:
الأوَّلُ: في لَفْظِ التَّوْبِ قَوْلانِ؛ الأوَّلُ: أنَّهُ مَصْدَرٌ وهو قَوْلُ أبِي عُبَيْدَةَ. والثّانِي: أنَّهُ جَماعَةُ التَّوْبَةِ وهو قَوْلُ الأخْفَشِ. قالَ المُبَرِّدُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا، يُقالُ: تابَ يَتُوبُ تَوْبًا وتَوْبَةً، مِثْلُ قالَ يَقُولُ قَوْلًا وقَوْلَةً، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَمْعًا لِتَوْبَةٍ، فَيَكُونُ: تَوْبَةٌ وتَوْبٌ، مِثْلُ تَمْرَةٍ وتَمْرٍ، إلّا أنَّ المَصْدَرَ أقْرَبُ لِأنَّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ تَأْوِيلُهُ أنَّهُ يَقْبَلُ هَذا الفِعْلَ.
الثّانِي: مَذْهَبُ أصْحابِنا أنَّ قَبُولَ التَّوْبَةِ مِنَ المُذْنِبِ يَقَعُ عَلى سَبِيلِ التَّفَضُّلِ، ولَيْسَ بِواجِبٍ عَلى اللَّهِ، وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: إنَّهُ واجِبٌ عَلى اللَّهِ، واحْتَجَّ أصْحابُنا بِأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ كَوْنَهُ قابِلًا لِلتَّوْبِ عَلى سَبِيلِ المَدْحِ والثَّناءِ، ولَوْ كانَ ذَلِكَ مِنَ الواجِباتِ لَمْ يَبْقَ فِيهِ مِن مَعْنى المَدْحِ إلّا القَلِيلُ، وهو القَدْرُ الَّذِي يَحْصُلُ لِجَمِيعِ الصّالِحِينَ عِنْدَ أداءِ الواجِباتِ والِاحْتِرازِ عَنِ المَحْظُوراتِ.
* * *
الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ ﴿شَدِيدِ العِقابِ﴾ وفِيهِ مَباحِثُ:
البَحْثُ الأوَّلُ: في هَذِهِ الآيَةِ سُؤالٌ وهو أنَّ قَوْلَهُ: ﴿شَدِيدِ العِقابِ﴾ يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ نَعْتًا لِلنَّكِرَةِ ولا يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ نَعْتًا لِلْمَعْرِفَةِ، تَقُولُ: مَرَرْتُ بِرَجُلٍ شَدِيدِ البَطْشِ، ولا تَقُولُ مَرَرْتُ بِعَبْدِ اللَّهِ شَدِيدِ البَطْشِ، وقَوْلُهُ: (اللَّهُ) اسْمُ عَلَمٍ، فَيَكُونُ مَعْرِفَةً، فَكَيْفَ يَجُوزُ وصْفُهُ بِكَوْنِهِ شَدِيدَ العِقابِ مَعَ أنَّهُ لا يَصْلُحُ إلّا أنْ يُجْعَلَ وصْفًا لِلنَّكِرَةِ؟ قالُوا: وهَذا بِخِلافِ قَوْلِنا: غافِرِ الذَّنْبِ وقابِلِ التَّوْبِ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ المُرادُ مِنهُما حُدُوثُ هَذَيْنِ الفِعْلَيْنِ، وأنَّهُ يَغْفِرُ الذَّنْبَ ويَقْبَلُ التَّوْبَةَ الآنَ أوْ غَدًا، وإنَّما أُرِيدَ ثُبُوتُ ذَلِكَ ودَوامُهُ، فَكانَ حُكْمُهُما حُكْمَ إلَهِ الخَلْقِ ورَبِّ العَرْشِ، وأمّا ﴿شَدِيدِ العِقابِ﴾ فَمُشْكِلٌ؛ لِأنَّهُ في تَقْدِيرِ: شَدِيدٌ عِقابُهُ، فَيَكُونُ نَكِرَةً، فَلا يَصِحُّ جَعْلُهُ صِفَةً لِلْمَعْرِفَةِ، وهَذا تَقْرِيرُ السُّؤالِ وأُجِيبَ عَنْهُ بِوُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ هَذِهِ الصِّفَةَ وإنْ كانَتْ نَكِرَةً إلّا أنَّها لَمّا ذُكِرَتْ مَعَ سائِرِ الصِّفاتِ الَّتِي هي مَعارِفُ حَسُنَ ذِكْرُها كَما في قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ الغَفُورُ الوَدُودُ ذُو العَرْشِ المَجِيدُ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ [البُرُوجِ: ١٤- ١٦] .
والثّانِي: قالَ الزَّجّاجُ: إنَّ خَفْضَ ﴿شَدِيدِ العِقابِ﴾ عَلى البَدَلِ؛ لِأنَّ جَعْلَ النَّكِرَةِ بَدَلًا مِنَ المَعْرِفَةِ وبِالعَكْسِ أمْرٌ جائِزٌ، واعْتَرَضُوا عَلَيْهِ بِأنَّ جَعْلَهُ وحْدَهُ بَدَلًا مِنَ الصِّفاتِ فِيهِ نَبْوَةٌ ظاهِرَةٌ.
الثّالِثُ: أنَّهُ لا نِزاعَ في أنَّ قَوْلَهُ: ﴿غافِرِ الذَّنْبِ وقابِلِ التَّوْبِ﴾ يَحْسُنُ جَعْلُهُما صِفَةً، وإنَّما كانَ كَذَلِكَ لِأنَّهُما مُفِيدانِ مَعْنى الدَّوامِ والِاسْتِمْرارِ، فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿شَدِيدِ العِقابِ﴾ يُفِيدُ مَعْنى الدَّوامِ والِاسْتِمْرارِ؛ لِأنَّ صِفاتِ اللَّهِ تَعالى مُنَزَّهَةٌ عَنِ الحُدُوثِ والتَّجَدُّدِ، فَكَوْنُهُ شَدِيدَ العِقابِ مَعْناهُ كَوْنُهُ بِحَيْثُ يَشْتَدُّ عِقابُهُ، وهَذا المَعْنى حاصِلٌ أبَدًا، وغَيْرُ مَوْصُوفٍ بِأنَّهُ حَصَلَ بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، فَهَذا ما قِيلَ في هَذا البابِ.
البَحْثُ الثّانِي: هَذِهِ الآيَةُ مُشْعِرَةٌ بِتَرْجِيحِ جانِبِ الرَّحْمَةِ والفَضْلِ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا أرادَ أنْ يَصِفَ نَفْسَهُ
صفحة ٢٦
بِأنَّهُ شَدِيدُ العِقابِ ذَكَرَ قَبْلَهُ أمْرَيْنِ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما يَقْتَضِي زَوالَ العِقابِ، وهو كَوْنُهُ غافِرَ الذَّنْبِ وقابِلَ التَّوْبِ، وذَكَرَ بَعْدَهُ ما يَدُلُّ عَلى حُصُولِ الرَّحْمَةِ العَظِيمَةِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿ذِي الطَّوْلِ﴾، فَكَوْنُهُ شَدِيدَ العِقابِ لَمّا كانَ مَسْبُوقًا بِتَيْنَكَ الصِّفَتَيْنِ ومَلْحُوقًا بِهَذِهِ الصِّفَةِ، دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ جانِبَ الرَّحْمَةِ والكَرَمِ أرْجَحُ.
البَحْثُ الثّالِثُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: ذَكَرَ الواوَ في قَوْلِهِ: ﴿غافِرِ الذَّنْبِ وقابِلِ التَّوْبِ﴾ ولَمْ يَذْكُرْها في قَوْلِهِ: ﴿شَدِيدِ العِقابِ﴾ فَما الفَرْقُ؟ قُلْنا: إنَّهُ لَوْ لَمْ يَذْكُرِ الواوَ في قَوْلِهِ: ﴿غافِرِ الذَّنْبِ وقابِلِ التَّوْبِ﴾ لاحْتَمَلَ أنْ يَقَعَ في خاطِرِ إنْسانٍ أنَّهُ لا مَعْنى لِكَوْنِهِ غافِرَ الذَّنْبِ إلّا كَوْنُهُ قابِلَ التَّوْبِ، أمّا لَمّا ذَكَرَ الواوَ زالَ هَذا الِاحْتِمالُ؛ لِأنَّ عَطْفَ الشَّيْءِ عَلى نَفْسِهِ مُحالٌ، أمّا كَوْنُهُ شَدِيدَ العِقابِ فَمَعْلُومٌ أنَّهُ مُغايِرٌ لِكَوْنِهِ ﴿غافِرِ الذَّنْبِ وقابِلِ التَّوْبِ﴾ فاسْتَغْنى بِهِ عَنْ ذِكْرِ الواوِ.
الصِّفَةُ الرّابِعَةُ: ﴿ذِي الطَّوْلِ﴾ أيِ ذِي التَّفَضُّلِ، يُقالُ: طالَ عَلَيْنا طَوْلًا؛ أيْ تَفَضَّلَ عَلَيْنا تَفَضُّلًا، ومِن كَلامِهِمْ: طُلْ عَلَيَّ بِفَضْلِكَ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولُو الطَّوْلِ مِنهُمْ﴾ [التَّوْبَةِ: ٨٦] ومَضى تَفْسِيرُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ومَن لَمْ يَسْتَطِعْ مِنكم طَوْلًا﴾ [النِّساءِ: ٢٥] واعْلَمْ أنَّهُ لَمّا وصَفَ نَفْسَهُ بِكَوْنِهِ ﴿شَدِيدِ العِقابِ﴾ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ المُرادُ بِكَوْنِهِ تَعالى آتِيًا بِالعِقابِ الشَّدِيدِ الَّذِي لا يَقْبُحُ مِنهُ إتْيانُهُ بِهِ، بَلْ لا يَجُوزُ وصْفُهُ تَعالى بِكَوْنِهِ آتِيًا لِفِعْلِ القَبِيحِ، وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: ذَكَرَ بَعْدَهُ كَوْنَهُ ذا الطَّوْلِ وهو كَوْنُهُ ذا الفَضْلِ، فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ كَوْنَهُ ذا الفَضْلِ بِسَبَبِ أنْ يَتْرُكَ العِقابَ الَّذِي لَهُ أنْ يَفْعَلَهُ؛ لِأنَّهُ ذَكَرَ كَوْنَهُ ذا الطَّوْلِ ولَمْ يُبَيِّنْ أنَّهُ ذُو الطَّوْلِ في ماذا، فَوَجَبَ صَرْفُهُ إلى كَوْنِهِ ذا الطَّوْلِ في الأمْرِ الَّذِي سَبَقَ ذِكْرُهُ، وهو فِعْلُ العِقابِ الحَسَنِ دَفْعًا لِلْإجْمالِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى قَدْ يَتْرُكُ العِقابَ الَّذِي حَسُنَ مِنهُ تَعالى فِعْلُهُ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ العَفْوَ عَنْ أصْحابِ الكَبائِرِ جائِزٌ، وهو المَطْلُوبُ.
الصِّفَةُ الخامِسَةُ: التَّوْحِيدُ المُطْلَقُ وهو قَوْلُهُ: ﴿لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ والمَعْنى أنَّهُ وصَفَ نَفْسَهُ بِصِفاتِ الرَّحْمَةِ والفَضْلِ، فَلَوْ كانَ مَعَهُ إلَهٌ آخَرُ يُشارِكُهُ ويُساوِيهِ في صِفَةِ الرَّحْمَةِ والفَضْلِ لَما كانَتِ الحاجَةُ إلى عُبُودِيَّتِهِ شَدِيدَةً، أمّا إذا كانَ واحِدًا ولَيْسَ لَهُ شَرِيكٌ ولا شَبِيهٌ كانَتِ الحاجَةُ إلى الإقْرارِ بِعُبُودِيَّتِهِ شَدِيدَةً، فَكانَ التَّرْغِيبُ والتَّرْهِيبُ الكامِلانِ يَحْصُلانِ بِسَبَبِ هَذا التَّوْحِيدِ.
الصِّفَةُ السّادِسَةُ: قَوْلُهُ: ﴿إلَيْهِ المَصِيرُ﴾ وهَذِهِ الصِّفَةُ أيْضًا مِمّا يُقَوِّي الرَّغْبَةَ في الإقْرارِ بِعُبُودِيَّتِهِ؛ لِأنَّهُ بِتَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ مَوْصُوفًا بِصِفاتِ الفَضْلِ والكَرَمِ وكانَ واحِدًا لا شَرِيكَ لَهُ، إلّا أنَّ القَوْلَ بِالحَشْرِ والنَّشْرِ إنْ كانَ باطِلًا لَمْ يَكُنِ الخَوْفُ الشَّدِيدُ حاصِلًا مِن عِصْيانِهِ، أمّا لَمّا كانَ القَوْلُ بِالحَشْرِ والقِيامَةِ حاصِلًا كانَ الخَوْفُ أشَدَّ والحَذَرُ أكْمَلَ، فَلِهَذا السَّبَبِ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الصِّفاتِ، واحْتَجَّ أهْلُ التَّشْبِيهِ بِلَفْظَةِ (إلى) وقالُوا: إنَّها تُفِيدُ انْتِهاءَ الغايَةِ، والجَوابُ عَنْهُ مَذْكُورٌ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ مِن هَذا الكِتابِ.
* * *
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قَرَّرَ أنَّ القُرْآنَ كِتابٌ أنْزَلَهُ لِيُهْتَدى بِهِ في الدِّينِ، ذَكَرَ أحْوالَ مَن يُجادِلُ لِغَرَضِ إبْطالِهِ وإخْفاءِ أمْرِهِ فَقالَ: ﴿ما يُجادِلُ في آياتِ اللَّهِ إلّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: أنَّ الجِدالَ نَوْعانِ، جِدالٌ في تَقْرِيرِ الحَقِّ وجِدالٌ في تَقْرِيرِ الباطِلِ، أمّا الجِدالُ في تَقْرِيرِ الحَقِّ فَهو حِرْفَةُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، قالَ تَعالى لِمُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿وجادِلْهم بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [النَّحْلِ: ١٢٥] وقالَ حِكايَةً عَنِ الكُفّارِ أنَّهم قالُوا لِنُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿يانُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأكْثَرْتَ جِدالَنا﴾ [هُودٍ: ٣٢]
صفحة ٢٧
وأمّا الجِدالُ في تَقْرِيرِ الباطِلِ فَهو مَذْمُومٌ وهو المُرادُ بِهَذِهِ الآيَةِ حَيْثُ قالَ: ﴿ما يُجادِلُ في آياتِ اللَّهِ إلّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وقالَ: ﴿ما ضَرَبُوهُ لَكَ إلّا جَدَلًا بَلْ هم قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٥٨] وقالَ: ﴿وجادَلُوا بِالباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الحَقَّ﴾ وقالَ ﷺ: ”«إنَّ جِدالًا في القُرْآنِ كُفْرٌ» “ فَقَوْلُهُ: إنَّ جِدالًا، عَلى لَفْظِ التَّنْكِيرِ يَدُلُّ عَلى التَّمْيِيزِ بَيْنَ جِدالٍ وجِدالٍ، واعْلَمْ أنَّ لَفْظَ الجِدالِ في الشَّيْءِ مُشْعِرٌ بِالجِدالِ الباطِلِ، ولَفَظَ الجِدالِ عَنِ الشَّيْءِ مُشْعِرٌ بِالجِدالِ لِأجْلِ تَقْرِيرِهِ والذَّبِّ عَنْهُ، قالَ ﷺ: ”«إنَّ جِدالًا في القُرْآنِ كُفْرٌ» “ وقالَ: ”«لا تُمارُوا في القُرْآنِ فَإنَّ المِراءَ فِيهِ كُفْرٌ» “ .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الجِدالُ في آياتِ اللَّهِ هو أنْ يُقالَ مَرَّةً: إنَّهُ سِحْرٌ ومَرَّةً إنَّهُ شِعْرٌ ومَرَّةً إنَّهُ قَوْلُ الكَهَنَةِ ومَرَّةً أساطِيرُ الأوَّلِينَ ومُرَّةً إنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ، وأشْباهُ هَذا مِمّا كانُوا يَقُولُونَ مِنَ الشُّبُهاتِ الباطِلَةِ، فَذَكَرَ تَعالى أنَّهُ لا يَفْعَلُ هَذا إلّا الَّذِينَ كَفَرُوا وأعْرَضُوا عَنِ الحَقِّ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهم في البِلادِ﴾ أيْ لا يَنْبَغِي أنْ تَغْتَرَّ بِأنِّي أُمْهِلُهم وأتْرُكُهم سالِمِينَ في أبْدانِهِمْ وأمْوالِهِمْ يَتَقَلَّبُونَ في البِلادِ، أيْ يَتَصَرَّفُونَ لِلتِّجاراتِ وطَلَبِ المَعاشِ، فَإنِّي وإنْ أمْهَلْتُهم فَإنِّي سَآخُذُهم وأنْتَقِمُ مِنهم كَما فَعَلْتُ بِأشْكالِهِمْ مِنَ الأُمَمِ الماضِيَةِ، وكانَتْ قُرَيْشٌ كَذَلِكَ يَتَقَلَّبُونَ في بِلادِ الشّامِ واليَمَنِ ولَهُمُ الأمْوالُ الكَثِيرَةُ يَتَّجِرُونَ فِيها ويَرْبَحُونَ، ثُمَّ كَشَفَ عَنْ هَذا المَعْنى فَقالَ: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ والأحْزابُ مِن بَعْدِهِمْ﴾ فَذَكَرَ مِن أُولَئِكَ المُكَذِّبِينَ قَوْمَ نُوحٍ ﴿والأحْزابُ مِن بَعْدِهِمْ﴾ أيِ الأُمَمَ المُسْتَمِرَّةِ عَلى الكُفْرِ كَقَوْمِ عادٍ وثَمُودَ وغَيْرِهِمْ، كَما قالَ في سُورَةِ ص: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ وعادٌ وفِرْعَوْنُ ذُو الأوْتادِ﴾ ﴿وثَمُودُ وقَوْمُ لُوطٍ وأصْحابُ الأيْكَةِ أُولَئِكَ الأحْزابُ﴾ [ص: ١٣] وقَوْلُهُ: ﴿وهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ﴾ أيْ وعَزَمَتْ كُلُّ أُمَّةٍ مِن هَؤُلاءِ الأحْزابِ أنْ يَأْخُذُوا رَسُولَهم لِيَقْتُلُوهُ ويُعَذِّبُوهُ ويَحْبِسُوهُ ﴿وجادَلُوا بِالباطِلِ﴾ أيْ هَؤُلاءِ جادَلُوا رُسُلَهم بِالباطِلِ؛ أيْ بِإيرادِ الشُّبُهاتِ ﴿لِيُدْحِضُوا بِهِ الحَقَّ﴾ أيْ أنْ يُزِيلُوا بِسَبَبِ إيرادِ تِلْكَ الشُّبُهاتِ الحَقَّ والصِّدْقَ ﴿فَأخَذْتُهم فَكَيْفَ كانَ عِقابِ﴾ أيْ فَأنْزَلْتُ بِهِمْ مِنَ الهَلاكِ ما هَمُّوا بِإنْزالِهِ بِالرُّسُلِ، وأرادُوا أنْ يَأْخُذُوهم فَأخَذْتُهم أنا، فَكَيْفَ كانَ عِقابِي إيّاهم، ألَيْسَ كانَ مُهْلِكًا مُسْتَأْصِلًا مَهِيبًا في الذِّكْرِ والسَّماعِ، فَأنا أفْعَلُ بِقَوْمِكَ كَما فَعَلْتُ بِهَؤُلاءِ إنْ أصَرُّوا عَلى الكُفْرِ والجِدالِ في آياتِ اللَّهِ، ثُمَّ كَشَفَ عَنْ هَذا المَعْنى فَقالَ: ﴿وكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّهم أصْحابُ النّارِ﴾ أيْ ومِثْلُ الَّذِي حَقَّ عَلى أُولَئِكَ الأُمَمِ السّالِفَةِ مِنَ العِقابِ حَقَّتْ كَلِمَتِي أيْضًا عَلى هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِكَ، فَهم عَلى شَرَفِ نُزُولِ العِقابِ بِهِمْ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ﴿أنَّهم أصْحابُ النّارِ﴾ في مَحَلِّ الرَّفْعِ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾ أيْ مِثْلُ ذَلِكَ الوُجُوبِ وجَبَ عَلى الكَفَرَةِ كَوْنُهم مِن أصْحابِ النّارِ، ومَعْناهُ: كَما وجَبَ إهْلاكُهم في الدُّنْيا بِالعَذابِ المُسْتَأْصِلِ، كَذَلِكَ وجَبَ إهْلاكُهم بِعَذابِ النّارِ في الآخِرَةِ، أوْ في مَحَلِّ النَّصْبِ بِحَذْفِ لامِ التَّعْلِيلِ وإيصالِ الفِعْلِ.
واحْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ قَضاءَ اللَّهِ بِالسَّعادَةِ والشَّقاوَةِ لازِمٌ لا يُمْكِنُ تَغْيِيرُهُ، فَقالُوا: إنَّهُ تَعالى أخْبَرَ أنَّهُ حَقَّتْ كَلِمَةُ العَذابِ عَلَيْهِمْ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهم لا قُدْرَةَ لَهم عَلى الإيمانِ؛ لِأنَّهم لَوْ تَمَكَّنُوا مِنهُ لَتَمَكَّنُوا مِن إبْطالِ هَذِهِ الكَلِمَةِ الحَقَّةِ، ولَتَمَكَّنُوا مِن إبْطالِ عِلْمِ اللَّهِ وحِكْمَتِهِ، ضَرُورَةَ أنَّ المُتَمَكِّنَ مِنَ الشَّيْءِ يَجِبُ كَوْنُهُ مُتَمَكِّنًا مِن كُلِّ ما هو مِن لَوازِمِهِ، ولِأنَّهم لَوْ آمَنُوا لَوَجَبَ عَلَيْهِمْ أنْ يُؤْمِنُوا بِهَذِهِ الآيَةِ، فَحِينَئِذٍ كانُوا قَدْ آمَنُوا بِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ أبَدًا، وذَلِكَ تَكْلِيفُ ما لا يُطاقُ. وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ ”حَقَّتْ كَلِماتُ رَبِّكَ“ عَلى الجَمْعِ، والباقُونَ عَلى الواحِدِ.
غافر 40:4
صفحة ٢٣
(سُورَةُ غافِرٍ)
ثَمانُونَ وخَمْسُ آياتٍ مَكِّيَّةٍ
﷽
﴿حم﴾ ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ العَلِيمِ﴾ ﴿غافِرِ الذَّنْبِ وقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ العِقابِ ذِي الطَّوْلِ لا إلَهَ إلّا هو إلَيْهِ المَصِيرُ﴾ ﴿ما يُجادِلُ في آياتِ اللَّهِ إلّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهم في البِلادِ﴾ ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ والأحْزابُ مِن بَعْدِهِمْ وهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وجادَلُوا بِالباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الحَقَّ فَأخَذْتُهم فَكَيْفَ كانَ عِقابِ﴾ ﴿وكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّهم أصْحابُ النّارِ﴾
﷽
﴿حم﴾ ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ العَلِيمِ﴾ ﴿غافِرِ الذَّنْبِ وقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ العِقابِ ذِي الطَّوْلِ لا إلَهَ إلّا هو إلَيْهِ المَصِيرُ﴾ ﴿ما يُجادِلُ في آياتِ اللَّهِ إلّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهم في البِلادِ﴾ ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ والأحْزابُ مِن بَعْدِهِمْ وهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وجادَلُوا بِالباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الحَقَّ فَأخَذْتُهم فَكَيْفَ كانَ عِقابِ﴾ ﴿وكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّهم أصْحابُ النّارِ﴾
اعْلَمْ أنَّ في الآيَةِ مَسائِلَ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ وحَمْزَةَ والكِسائِيِّ ”حم“ بِكَسْرِ الحاءِ، والباقُونَ بِفَتْحِ الحاءِ، ونافِعٌ في بَعْضِ الرِّواياتِ وابْنُ عامِرٍ، بَيْنَ الفَتْحِ والكَسْرِ وهو أنْ لا يَفْتَحَها فَتْحًا شَدِيدًا، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قُرِئَ بِفَتْحِ المِيمِ وتَسْكِينِها، ووَجْهُ الفَتْحِ التَّحْرِيكُ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ وإيثارِ أخَفِّ الحَرَكاتِ نَحْوَ: أيْنَ وكَيْفَ، أوِ النَّصْبِ بِإضْمارِ اقْرَأْ، ومَنعُ الصَّرْفِ إمّا لِلتَّأْنِيثِ والتَّعْرِيفِ، مِن حَيْثُ أنَّها اسْمٌ لِلسُّورَةِ ولِلتَّعْرِيفِ، وأنَّها عَلى زِنَةِ أعْجَمِيٍّ نَحْوَ قابِيلَ وهابِيلَ، وأمّا السُّكُونُ فَلِأنّا بَيَّنّا أنَّ الأسْماءَ تُذْكَرُ مَوْقُوفَةَ الأواخِرِ.
صفحة ٢٤
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الكَلامُ المُسْتَقْصى في هَذِهِ الفَواتِحِ مَذْكُورٌ في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ، والأقْرَبُ هاهُنا أنْ يُقالَ: ”﴿حم﴾“ اسْمٌ لِلسُّورَةِ، فَقَوْلُهُ: ﴿حم﴾ مُبْتَدَأٌ، وقَوْلُهُ: ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ﴾ خَبَرٌ، والتَّقْدِيرُ أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ المُسَمّاةَ بِحم تَنْزِيلُ الكِتابِ، فَقَوْلُهُ: ﴿تَنْزِيلُ﴾ مَصْدَرٌ، لَكِنَّ المُرادَ مِنهُ المُنَزَّلُ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ أنَّ ﴿حم﴾ ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ﴾ وجَبَ بَيانُ أنَّ المُنَزِّلَ مَن هُوَ؟ فَقالَ: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ اللَّهَ تَعالى مَوْصُوفٌ بِصِفاتِ الجَلالِ وسِماتِ العَظَمَةِ لِيَصِيرَ ذَلِكَ حامِلًا عَلى التَّشْمِيرِ عَنْ ساقِ الجَدِّ عِنْدَ الِاسْتِماعِ، وزَجْرِهِ عَنِ التَّهاوُنِ والتَّوانِي فِيهِ، فَبَيَّنَ أنَّ المُنَزِّلَ هو ﴿اللَّهِ العَزِيزِ العَلِيمِ﴾ .
واعْلَمْ أنَّ النّاسَ اخْتَلَفُوا في أنَّ العِلْمَ بِاللَّهِ ما هُوَ؟ فَقالَ جَمْعٌ عَظِيمٌ: إنَّهُ العِلْمُ بِكَوْنِهِ قادِرًا وبَعْدَهُ العِلْمُ بِكَوْنِهِ عالِمًا، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: ﴿العَزِيزِ﴾ لَهُ تَفْسِيرانِ؛ أحَدُهُما: الغالِبُ فَيَكُونُ مَعْناهُ القادِرُ الَّذِي لا يُساوِيهِ أحَدٌ في القُدْرَةِ. والثّانِي: الَّذِي لا مِثْلَ لَهُ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالعَزِيزِ هُنا القادِرَ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿اللَّهِ﴾ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ قادِرًا، فَوَجَبَ حَمْلُ ﴿العَزِيزِ﴾ عَلى المَعْنى الثّانِي وهو الَّذِي لا يُوجَدُ لَهُ مِثْلٌ، وما كانَ كَذَلِكَ وجَبَ أنْ لا يَكُونَ جِسْمًا، والَّذِي لا يَكُونُ جِسْمًا يَكُونُ مُنَزَّهًا عَنِ الشَّهْوَةِ والنَّفْرَةِ، والَّذِي يَكُونُ كَذَلِكَ يَكُونُ مُنَزَّهًا عَنِ الحاجَةِ. وأمّا ﴿العَلِيمِ﴾ فَهو مُبالَغَةٌ في العِلْمِ، والمُبالَغَةُ التّامَّةُ إنَّما تَتَحَقَّقُ عِنْدَ كَوْنِهِ تَعالى عالِمًا بِكُلِّ المَعْلُوماتِ، فَقَوْلُهُ: ﴿مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ العَلِيمِ﴾ يَرْجِعُ مَعْناهُ إلى أنَّ هَذا الكِتابَ تَنْزِيلٌ مِنَ القادِرِ المُطْلَقِ، الغَنِيِّ المُطْلَقِ، العالِمِ المُطْلَقِ، ومَن كانَ كَذَلِكَ كانَ عالِمًا بِوُجُوهِ المَصالِحِ والمَفاسِدِ، وكانَ عالِمًا بِكَوْنِهِ غَنِيًّا عَنْ جَرِّ المَصالِحِ ودَفْعِ المَفاسِدِ، ومَن كانَ كَذَلِكَ كانَ رَحِيمًا جَوادًا، وكانَتْ أفْعالُهُ حِكْمَةً وصَوابًا مُنَزَّهَةً عَنِ القَبِيحِ والباطِلِ، فَكَأنَّهُ سُبْحانَهُ إنَّما ذَكَرَ عَقِيبَ قَوْلِهِ: ﴿تَنْزِيلُ﴾ هَذِهِ الأسْماءَ الثَّلاثَةَ لِكَوْنِها دالَّةً عَلى أنَّ أفْعالَهُ سُبْحانَهُ حِكْمَةٌ وصَوابٌ، ومَتى كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ لَزِمَ أنْ يَكُونَ هَذا التَّنْزِيلُ حَقًّا وصَوابًا، وقِيلَ: الفائِدَةُ في ذِكْرِ ﴿العَزِيزِ العَلِيمِ﴾ أمْرانِ؛ أحَدُهُما: أنَّهُ بِقُدْرَتِهِ وعِلْمِهِ أنْزَلَ القُرْآنَ عَلى هَذا الحَدِّ الَّذِي يَتَضَمَّنُ المَصالِحَ والإعْجازَ، ولَوْلا كَوْنُهُ عَزِيزًا عَلِيمًا لَما صَحَّ ذَلِكَ. والثّانِي: أنَّهُ تَكَفَّلَ بِحِفْظِهِ وبِعُمُومِ التَّكْلِيفِ فِيهِ وظُهُورِهِ إلى حِينِ انْقِطاعِ التَّكْلِيفِ، وذَلِكَ لا يَتِمُّ إلّا بِكَوْنِهِ عَزِيزًا لا يُغْلَبُ وبِكَوْنِهِ عَلِيمًا لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ، ثُمَّ وصَفَ نَفْسَهُ بِما يَجْمَعُ الوَعْدَ والوَعِيدَ والتَّرْهِيبَ والتَّرْغِيبَ، فَقالَ: ﴿غافِرِ الذَّنْبِ وقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ العِقابِ ذِي الطَّوْلِ لا إلَهَ إلّا هو إلَيْهِ المَصِيرُ﴾ فَهَذِهِ سِتَّةُ أنْواعٍ مِنَ الصِّفاتِ:
الصِّفَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿غافِرِ الذَّنْبِ﴾ قالَ الجُبّائِيُّ: مَعْناهُ أنَّهُ غافِرُ الذَّنْبِ إذا اسْتَحَقَّ غُفْرانَهُ إمّا بِتَوْبَةٍ أوْ طاعَةٍ أعْظَمَ مِنهُ، ومُرادُهُ مِنهُ أنَّ فاعِلَ المَعْصِيَةِ إمّا أنْ يُقالَ: إنَّهُ كانَ قَدْ أتى قَبْلَ ذَلِكَ بِطاعَةٍ كانَ ثَوابُها أعْظَمَ مِن عِقابِ هَذِهِ المَعْصِيَةِ، أوْ ما كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ، فَإنْ كانَ الأوَّلُ كانَتْ هَذِهِ المَعْصِيَةُ صَغِيرَةً فَيُحْبَطُ عِقابُها، وإنْ كانَ الثّانِي كانَتْ هَذِهِ المَعْصِيَةُ كَبِيرَةً فَلا يَزُولُ عِقابُها إلّا بِالتَّوْبَةِ. ومَذْهَبُ أصْحابِنا أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ يَعْفُو عَنِ الكَبِيرَةِ بَعْدَ التَّوْبَةِ، وهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى ذَلِكَ، وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ غُفْرانَ الكَبِيرَةِ بَعْدَ التَّوْبَةِ وغُفْرانَ الصَّغِيرَةِ مِنَ الأُمُورِ الواجِبَةِ عَلى العَبْدِ، وجَمِيعُ الأنْبِياءِ والأوْلِياءِ والصّالِحِينَ مِن أوْساطِ النّاسِ مُشْتَرِكُونَ في فِعْلِ الواجِباتِ، فَلَوْ حَمَلْنا كَوْنَهُ تَعالى غافِرَ الذَّنْبِ عَلى هَذا المَعْنى لَمْ يَبْقَ بَيْنَهُ وبَيْنَ أقَلِّ النّاسِ مِن زُمْرَةِ المُطِيعِينَ فَرْقٌ في المَعْنى المُوجِبِ لِهَذا المَدْحِ، وذَلِكَ باطِلٌ، فَثَبَتَ أنَّهُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ كَوْنَهُ غافِرَ الكَبائِرِ قَبْلَ التَّوْبَةِ، وهو المَطْلُوبُ.
الثّانِي: أنَّ الغُفْرانَ عِبارَةٌ عَنِ السِّتْرِ ومَعْنى السِّتْرِ إنَّما يُعْقَلُ في الشَّيْءِ الَّذِي
صفحة ٢٥
يَكُونُ باقِيًا مَوْجُودًا فَيُسْتَرُ، والصَّغِيرَةُ تُحْبَطُ بِسَبَبِ كَثْرَةِ ثَوابِ فاعِلِها، فَمَعْنى الغَفْرِ فِيها غَيْرُ مَعْقُولٍ، ولا يُمْكِنُ حَمْلُ قَوْلِهِ: ﴿غافِرِ الذَّنْبِ﴾ عَلى الكَبِيرَةِ بَعْدَ التَّوْبَةِ؛ لِأنَّ مَعْنى كَوْنِهِ قابِلًا لِلتَّوْبِ لَيْسَ إلّا ذَلِكَ، فَلَوْ كانَ المُرادُ بِكَوْنِهِ غافِرَ الذَّنْبِ هَذا المَعْنى لَزِمَ التَّكْرارُ وإنَّهُ باطِلٌ، فَثَبَتَ أنَّ كَوْنَهُ غافِرَ الذَّنْبِ يُفِيدُ كَوْنَهُ غافِرًا لِلذُّنُوبِ الكَبائِرِ قَبْلَ التَّوْبَةِ. الثّالِثُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿غافِرِ الذَّنْبِ﴾ مَذْكُورٌ في مَعْرِضِ المَدْحِ العَظِيمِ، فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلى ما يُفِيدُ أعْظَمَ أنْواعِ المَدْحِ، وذَلِكَ هو كَوْنُهُ غافِرًا لِلْكَبائِرِ قَبْلَ التَّوْبَةِ، وهو المَطْلُوبُ.
الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قابِلِ التَّوْبِ﴾ وفِيهِ بَحْثانِ:
الأوَّلُ: في لَفْظِ التَّوْبِ قَوْلانِ؛ الأوَّلُ: أنَّهُ مَصْدَرٌ وهو قَوْلُ أبِي عُبَيْدَةَ. والثّانِي: أنَّهُ جَماعَةُ التَّوْبَةِ وهو قَوْلُ الأخْفَشِ. قالَ المُبَرِّدُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا، يُقالُ: تابَ يَتُوبُ تَوْبًا وتَوْبَةً، مِثْلُ قالَ يَقُولُ قَوْلًا وقَوْلَةً، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَمْعًا لِتَوْبَةٍ، فَيَكُونُ: تَوْبَةٌ وتَوْبٌ، مِثْلُ تَمْرَةٍ وتَمْرٍ، إلّا أنَّ المَصْدَرَ أقْرَبُ لِأنَّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ تَأْوِيلُهُ أنَّهُ يَقْبَلُ هَذا الفِعْلَ.
الثّانِي: مَذْهَبُ أصْحابِنا أنَّ قَبُولَ التَّوْبَةِ مِنَ المُذْنِبِ يَقَعُ عَلى سَبِيلِ التَّفَضُّلِ، ولَيْسَ بِواجِبٍ عَلى اللَّهِ، وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: إنَّهُ واجِبٌ عَلى اللَّهِ، واحْتَجَّ أصْحابُنا بِأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ كَوْنَهُ قابِلًا لِلتَّوْبِ عَلى سَبِيلِ المَدْحِ والثَّناءِ، ولَوْ كانَ ذَلِكَ مِنَ الواجِباتِ لَمْ يَبْقَ فِيهِ مِن مَعْنى المَدْحِ إلّا القَلِيلُ، وهو القَدْرُ الَّذِي يَحْصُلُ لِجَمِيعِ الصّالِحِينَ عِنْدَ أداءِ الواجِباتِ والِاحْتِرازِ عَنِ المَحْظُوراتِ.
* * *
الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ ﴿شَدِيدِ العِقابِ﴾ وفِيهِ مَباحِثُ:
البَحْثُ الأوَّلُ: في هَذِهِ الآيَةِ سُؤالٌ وهو أنَّ قَوْلَهُ: ﴿شَدِيدِ العِقابِ﴾ يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ نَعْتًا لِلنَّكِرَةِ ولا يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ نَعْتًا لِلْمَعْرِفَةِ، تَقُولُ: مَرَرْتُ بِرَجُلٍ شَدِيدِ البَطْشِ، ولا تَقُولُ مَرَرْتُ بِعَبْدِ اللَّهِ شَدِيدِ البَطْشِ، وقَوْلُهُ: (اللَّهُ) اسْمُ عَلَمٍ، فَيَكُونُ مَعْرِفَةً، فَكَيْفَ يَجُوزُ وصْفُهُ بِكَوْنِهِ شَدِيدَ العِقابِ مَعَ أنَّهُ لا يَصْلُحُ إلّا أنْ يُجْعَلَ وصْفًا لِلنَّكِرَةِ؟ قالُوا: وهَذا بِخِلافِ قَوْلِنا: غافِرِ الذَّنْبِ وقابِلِ التَّوْبِ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ المُرادُ مِنهُما حُدُوثُ هَذَيْنِ الفِعْلَيْنِ، وأنَّهُ يَغْفِرُ الذَّنْبَ ويَقْبَلُ التَّوْبَةَ الآنَ أوْ غَدًا، وإنَّما أُرِيدَ ثُبُوتُ ذَلِكَ ودَوامُهُ، فَكانَ حُكْمُهُما حُكْمَ إلَهِ الخَلْقِ ورَبِّ العَرْشِ، وأمّا ﴿شَدِيدِ العِقابِ﴾ فَمُشْكِلٌ؛ لِأنَّهُ في تَقْدِيرِ: شَدِيدٌ عِقابُهُ، فَيَكُونُ نَكِرَةً، فَلا يَصِحُّ جَعْلُهُ صِفَةً لِلْمَعْرِفَةِ، وهَذا تَقْرِيرُ السُّؤالِ وأُجِيبَ عَنْهُ بِوُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ هَذِهِ الصِّفَةَ وإنْ كانَتْ نَكِرَةً إلّا أنَّها لَمّا ذُكِرَتْ مَعَ سائِرِ الصِّفاتِ الَّتِي هي مَعارِفُ حَسُنَ ذِكْرُها كَما في قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ الغَفُورُ الوَدُودُ ذُو العَرْشِ المَجِيدُ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ [البُرُوجِ: ١٤- ١٦] .
والثّانِي: قالَ الزَّجّاجُ: إنَّ خَفْضَ ﴿شَدِيدِ العِقابِ﴾ عَلى البَدَلِ؛ لِأنَّ جَعْلَ النَّكِرَةِ بَدَلًا مِنَ المَعْرِفَةِ وبِالعَكْسِ أمْرٌ جائِزٌ، واعْتَرَضُوا عَلَيْهِ بِأنَّ جَعْلَهُ وحْدَهُ بَدَلًا مِنَ الصِّفاتِ فِيهِ نَبْوَةٌ ظاهِرَةٌ.
الثّالِثُ: أنَّهُ لا نِزاعَ في أنَّ قَوْلَهُ: ﴿غافِرِ الذَّنْبِ وقابِلِ التَّوْبِ﴾ يَحْسُنُ جَعْلُهُما صِفَةً، وإنَّما كانَ كَذَلِكَ لِأنَّهُما مُفِيدانِ مَعْنى الدَّوامِ والِاسْتِمْرارِ، فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿شَدِيدِ العِقابِ﴾ يُفِيدُ مَعْنى الدَّوامِ والِاسْتِمْرارِ؛ لِأنَّ صِفاتِ اللَّهِ تَعالى مُنَزَّهَةٌ عَنِ الحُدُوثِ والتَّجَدُّدِ، فَكَوْنُهُ شَدِيدَ العِقابِ مَعْناهُ كَوْنُهُ بِحَيْثُ يَشْتَدُّ عِقابُهُ، وهَذا المَعْنى حاصِلٌ أبَدًا، وغَيْرُ مَوْصُوفٍ بِأنَّهُ حَصَلَ بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، فَهَذا ما قِيلَ في هَذا البابِ.
البَحْثُ الثّانِي: هَذِهِ الآيَةُ مُشْعِرَةٌ بِتَرْجِيحِ جانِبِ الرَّحْمَةِ والفَضْلِ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا أرادَ أنْ يَصِفَ نَفْسَهُ
صفحة ٢٦
بِأنَّهُ شَدِيدُ العِقابِ ذَكَرَ قَبْلَهُ أمْرَيْنِ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما يَقْتَضِي زَوالَ العِقابِ، وهو كَوْنُهُ غافِرَ الذَّنْبِ وقابِلَ التَّوْبِ، وذَكَرَ بَعْدَهُ ما يَدُلُّ عَلى حُصُولِ الرَّحْمَةِ العَظِيمَةِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿ذِي الطَّوْلِ﴾، فَكَوْنُهُ شَدِيدَ العِقابِ لَمّا كانَ مَسْبُوقًا بِتَيْنَكَ الصِّفَتَيْنِ ومَلْحُوقًا بِهَذِهِ الصِّفَةِ، دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ جانِبَ الرَّحْمَةِ والكَرَمِ أرْجَحُ.
البَحْثُ الثّالِثُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: ذَكَرَ الواوَ في قَوْلِهِ: ﴿غافِرِ الذَّنْبِ وقابِلِ التَّوْبِ﴾ ولَمْ يَذْكُرْها في قَوْلِهِ: ﴿شَدِيدِ العِقابِ﴾ فَما الفَرْقُ؟ قُلْنا: إنَّهُ لَوْ لَمْ يَذْكُرِ الواوَ في قَوْلِهِ: ﴿غافِرِ الذَّنْبِ وقابِلِ التَّوْبِ﴾ لاحْتَمَلَ أنْ يَقَعَ في خاطِرِ إنْسانٍ أنَّهُ لا مَعْنى لِكَوْنِهِ غافِرَ الذَّنْبِ إلّا كَوْنُهُ قابِلَ التَّوْبِ، أمّا لَمّا ذَكَرَ الواوَ زالَ هَذا الِاحْتِمالُ؛ لِأنَّ عَطْفَ الشَّيْءِ عَلى نَفْسِهِ مُحالٌ، أمّا كَوْنُهُ شَدِيدَ العِقابِ فَمَعْلُومٌ أنَّهُ مُغايِرٌ لِكَوْنِهِ ﴿غافِرِ الذَّنْبِ وقابِلِ التَّوْبِ﴾ فاسْتَغْنى بِهِ عَنْ ذِكْرِ الواوِ.
الصِّفَةُ الرّابِعَةُ: ﴿ذِي الطَّوْلِ﴾ أيِ ذِي التَّفَضُّلِ، يُقالُ: طالَ عَلَيْنا طَوْلًا؛ أيْ تَفَضَّلَ عَلَيْنا تَفَضُّلًا، ومِن كَلامِهِمْ: طُلْ عَلَيَّ بِفَضْلِكَ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولُو الطَّوْلِ مِنهُمْ﴾ [التَّوْبَةِ: ٨٦] ومَضى تَفْسِيرُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ومَن لَمْ يَسْتَطِعْ مِنكم طَوْلًا﴾ [النِّساءِ: ٢٥] واعْلَمْ أنَّهُ لَمّا وصَفَ نَفْسَهُ بِكَوْنِهِ ﴿شَدِيدِ العِقابِ﴾ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ المُرادُ بِكَوْنِهِ تَعالى آتِيًا بِالعِقابِ الشَّدِيدِ الَّذِي لا يَقْبُحُ مِنهُ إتْيانُهُ بِهِ، بَلْ لا يَجُوزُ وصْفُهُ تَعالى بِكَوْنِهِ آتِيًا لِفِعْلِ القَبِيحِ، وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: ذَكَرَ بَعْدَهُ كَوْنَهُ ذا الطَّوْلِ وهو كَوْنُهُ ذا الفَضْلِ، فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ كَوْنَهُ ذا الفَضْلِ بِسَبَبِ أنْ يَتْرُكَ العِقابَ الَّذِي لَهُ أنْ يَفْعَلَهُ؛ لِأنَّهُ ذَكَرَ كَوْنَهُ ذا الطَّوْلِ ولَمْ يُبَيِّنْ أنَّهُ ذُو الطَّوْلِ في ماذا، فَوَجَبَ صَرْفُهُ إلى كَوْنِهِ ذا الطَّوْلِ في الأمْرِ الَّذِي سَبَقَ ذِكْرُهُ، وهو فِعْلُ العِقابِ الحَسَنِ دَفْعًا لِلْإجْمالِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى قَدْ يَتْرُكُ العِقابَ الَّذِي حَسُنَ مِنهُ تَعالى فِعْلُهُ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ العَفْوَ عَنْ أصْحابِ الكَبائِرِ جائِزٌ، وهو المَطْلُوبُ.
الصِّفَةُ الخامِسَةُ: التَّوْحِيدُ المُطْلَقُ وهو قَوْلُهُ: ﴿لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ والمَعْنى أنَّهُ وصَفَ نَفْسَهُ بِصِفاتِ الرَّحْمَةِ والفَضْلِ، فَلَوْ كانَ مَعَهُ إلَهٌ آخَرُ يُشارِكُهُ ويُساوِيهِ في صِفَةِ الرَّحْمَةِ والفَضْلِ لَما كانَتِ الحاجَةُ إلى عُبُودِيَّتِهِ شَدِيدَةً، أمّا إذا كانَ واحِدًا ولَيْسَ لَهُ شَرِيكٌ ولا شَبِيهٌ كانَتِ الحاجَةُ إلى الإقْرارِ بِعُبُودِيَّتِهِ شَدِيدَةً، فَكانَ التَّرْغِيبُ والتَّرْهِيبُ الكامِلانِ يَحْصُلانِ بِسَبَبِ هَذا التَّوْحِيدِ.
الصِّفَةُ السّادِسَةُ: قَوْلُهُ: ﴿إلَيْهِ المَصِيرُ﴾ وهَذِهِ الصِّفَةُ أيْضًا مِمّا يُقَوِّي الرَّغْبَةَ في الإقْرارِ بِعُبُودِيَّتِهِ؛ لِأنَّهُ بِتَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ مَوْصُوفًا بِصِفاتِ الفَضْلِ والكَرَمِ وكانَ واحِدًا لا شَرِيكَ لَهُ، إلّا أنَّ القَوْلَ بِالحَشْرِ والنَّشْرِ إنْ كانَ باطِلًا لَمْ يَكُنِ الخَوْفُ الشَّدِيدُ حاصِلًا مِن عِصْيانِهِ، أمّا لَمّا كانَ القَوْلُ بِالحَشْرِ والقِيامَةِ حاصِلًا كانَ الخَوْفُ أشَدَّ والحَذَرُ أكْمَلَ، فَلِهَذا السَّبَبِ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الصِّفاتِ، واحْتَجَّ أهْلُ التَّشْبِيهِ بِلَفْظَةِ (إلى) وقالُوا: إنَّها تُفِيدُ انْتِهاءَ الغايَةِ، والجَوابُ عَنْهُ مَذْكُورٌ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ مِن هَذا الكِتابِ.
* * *
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قَرَّرَ أنَّ القُرْآنَ كِتابٌ أنْزَلَهُ لِيُهْتَدى بِهِ في الدِّينِ، ذَكَرَ أحْوالَ مَن يُجادِلُ لِغَرَضِ إبْطالِهِ وإخْفاءِ أمْرِهِ فَقالَ: ﴿ما يُجادِلُ في آياتِ اللَّهِ إلّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: أنَّ الجِدالَ نَوْعانِ، جِدالٌ في تَقْرِيرِ الحَقِّ وجِدالٌ في تَقْرِيرِ الباطِلِ، أمّا الجِدالُ في تَقْرِيرِ الحَقِّ فَهو حِرْفَةُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، قالَ تَعالى لِمُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿وجادِلْهم بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [النَّحْلِ: ١٢٥] وقالَ حِكايَةً عَنِ الكُفّارِ أنَّهم قالُوا لِنُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿يانُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأكْثَرْتَ جِدالَنا﴾ [هُودٍ: ٣٢]
صفحة ٢٧
وأمّا الجِدالُ في تَقْرِيرِ الباطِلِ فَهو مَذْمُومٌ وهو المُرادُ بِهَذِهِ الآيَةِ حَيْثُ قالَ: ﴿ما يُجادِلُ في آياتِ اللَّهِ إلّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وقالَ: ﴿ما ضَرَبُوهُ لَكَ إلّا جَدَلًا بَلْ هم قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٥٨] وقالَ: ﴿وجادَلُوا بِالباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الحَقَّ﴾ وقالَ ﷺ: ”«إنَّ جِدالًا في القُرْآنِ كُفْرٌ» “ فَقَوْلُهُ: إنَّ جِدالًا، عَلى لَفْظِ التَّنْكِيرِ يَدُلُّ عَلى التَّمْيِيزِ بَيْنَ جِدالٍ وجِدالٍ، واعْلَمْ أنَّ لَفْظَ الجِدالِ في الشَّيْءِ مُشْعِرٌ بِالجِدالِ الباطِلِ، ولَفَظَ الجِدالِ عَنِ الشَّيْءِ مُشْعِرٌ بِالجِدالِ لِأجْلِ تَقْرِيرِهِ والذَّبِّ عَنْهُ، قالَ ﷺ: ”«إنَّ جِدالًا في القُرْآنِ كُفْرٌ» “ وقالَ: ”«لا تُمارُوا في القُرْآنِ فَإنَّ المِراءَ فِيهِ كُفْرٌ» “ .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الجِدالُ في آياتِ اللَّهِ هو أنْ يُقالَ مَرَّةً: إنَّهُ سِحْرٌ ومَرَّةً إنَّهُ شِعْرٌ ومَرَّةً إنَّهُ قَوْلُ الكَهَنَةِ ومَرَّةً أساطِيرُ الأوَّلِينَ ومُرَّةً إنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ، وأشْباهُ هَذا مِمّا كانُوا يَقُولُونَ مِنَ الشُّبُهاتِ الباطِلَةِ، فَذَكَرَ تَعالى أنَّهُ لا يَفْعَلُ هَذا إلّا الَّذِينَ كَفَرُوا وأعْرَضُوا عَنِ الحَقِّ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهم في البِلادِ﴾ أيْ لا يَنْبَغِي أنْ تَغْتَرَّ بِأنِّي أُمْهِلُهم وأتْرُكُهم سالِمِينَ في أبْدانِهِمْ وأمْوالِهِمْ يَتَقَلَّبُونَ في البِلادِ، أيْ يَتَصَرَّفُونَ لِلتِّجاراتِ وطَلَبِ المَعاشِ، فَإنِّي وإنْ أمْهَلْتُهم فَإنِّي سَآخُذُهم وأنْتَقِمُ مِنهم كَما فَعَلْتُ بِأشْكالِهِمْ مِنَ الأُمَمِ الماضِيَةِ، وكانَتْ قُرَيْشٌ كَذَلِكَ يَتَقَلَّبُونَ في بِلادِ الشّامِ واليَمَنِ ولَهُمُ الأمْوالُ الكَثِيرَةُ يَتَّجِرُونَ فِيها ويَرْبَحُونَ، ثُمَّ كَشَفَ عَنْ هَذا المَعْنى فَقالَ: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ والأحْزابُ مِن بَعْدِهِمْ﴾ فَذَكَرَ مِن أُولَئِكَ المُكَذِّبِينَ قَوْمَ نُوحٍ ﴿والأحْزابُ مِن بَعْدِهِمْ﴾ أيِ الأُمَمَ المُسْتَمِرَّةِ عَلى الكُفْرِ كَقَوْمِ عادٍ وثَمُودَ وغَيْرِهِمْ، كَما قالَ في سُورَةِ ص: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ وعادٌ وفِرْعَوْنُ ذُو الأوْتادِ﴾ ﴿وثَمُودُ وقَوْمُ لُوطٍ وأصْحابُ الأيْكَةِ أُولَئِكَ الأحْزابُ﴾ [ص: ١٣] وقَوْلُهُ: ﴿وهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ﴾ أيْ وعَزَمَتْ كُلُّ أُمَّةٍ مِن هَؤُلاءِ الأحْزابِ أنْ يَأْخُذُوا رَسُولَهم لِيَقْتُلُوهُ ويُعَذِّبُوهُ ويَحْبِسُوهُ ﴿وجادَلُوا بِالباطِلِ﴾ أيْ هَؤُلاءِ جادَلُوا رُسُلَهم بِالباطِلِ؛ أيْ بِإيرادِ الشُّبُهاتِ ﴿لِيُدْحِضُوا بِهِ الحَقَّ﴾ أيْ أنْ يُزِيلُوا بِسَبَبِ إيرادِ تِلْكَ الشُّبُهاتِ الحَقَّ والصِّدْقَ ﴿فَأخَذْتُهم فَكَيْفَ كانَ عِقابِ﴾ أيْ فَأنْزَلْتُ بِهِمْ مِنَ الهَلاكِ ما هَمُّوا بِإنْزالِهِ بِالرُّسُلِ، وأرادُوا أنْ يَأْخُذُوهم فَأخَذْتُهم أنا، فَكَيْفَ كانَ عِقابِي إيّاهم، ألَيْسَ كانَ مُهْلِكًا مُسْتَأْصِلًا مَهِيبًا في الذِّكْرِ والسَّماعِ، فَأنا أفْعَلُ بِقَوْمِكَ كَما فَعَلْتُ بِهَؤُلاءِ إنْ أصَرُّوا عَلى الكُفْرِ والجِدالِ في آياتِ اللَّهِ، ثُمَّ كَشَفَ عَنْ هَذا المَعْنى فَقالَ: ﴿وكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّهم أصْحابُ النّارِ﴾ أيْ ومِثْلُ الَّذِي حَقَّ عَلى أُولَئِكَ الأُمَمِ السّالِفَةِ مِنَ العِقابِ حَقَّتْ كَلِمَتِي أيْضًا عَلى هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِكَ، فَهم عَلى شَرَفِ نُزُولِ العِقابِ بِهِمْ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ﴿أنَّهم أصْحابُ النّارِ﴾ في مَحَلِّ الرَّفْعِ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾ أيْ مِثْلُ ذَلِكَ الوُجُوبِ وجَبَ عَلى الكَفَرَةِ كَوْنُهم مِن أصْحابِ النّارِ، ومَعْناهُ: كَما وجَبَ إهْلاكُهم في الدُّنْيا بِالعَذابِ المُسْتَأْصِلِ، كَذَلِكَ وجَبَ إهْلاكُهم بِعَذابِ النّارِ في الآخِرَةِ، أوْ في مَحَلِّ النَّصْبِ بِحَذْفِ لامِ التَّعْلِيلِ وإيصالِ الفِعْلِ.
واحْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ قَضاءَ اللَّهِ بِالسَّعادَةِ والشَّقاوَةِ لازِمٌ لا يُمْكِنُ تَغْيِيرُهُ، فَقالُوا: إنَّهُ تَعالى أخْبَرَ أنَّهُ حَقَّتْ كَلِمَةُ العَذابِ عَلَيْهِمْ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهم لا قُدْرَةَ لَهم عَلى الإيمانِ؛ لِأنَّهم لَوْ تَمَكَّنُوا مِنهُ لَتَمَكَّنُوا مِن إبْطالِ هَذِهِ الكَلِمَةِ الحَقَّةِ، ولَتَمَكَّنُوا مِن إبْطالِ عِلْمِ اللَّهِ وحِكْمَتِهِ، ضَرُورَةَ أنَّ المُتَمَكِّنَ مِنَ الشَّيْءِ يَجِبُ كَوْنُهُ مُتَمَكِّنًا مِن كُلِّ ما هو مِن لَوازِمِهِ، ولِأنَّهم لَوْ آمَنُوا لَوَجَبَ عَلَيْهِمْ أنْ يُؤْمِنُوا بِهَذِهِ الآيَةِ، فَحِينَئِذٍ كانُوا قَدْ آمَنُوا بِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ أبَدًا، وذَلِكَ تَكْلِيفُ ما لا يُطاقُ. وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ ”حَقَّتْ كَلِماتُ رَبِّكَ“ عَلى الجَمْعِ، والباقُونَ عَلى الواحِدِ.
غافر 40:5
صفحة ٢٣
(سُورَةُ غافِرٍ)
ثَمانُونَ وخَمْسُ آياتٍ مَكِّيَّةٍ
﷽
﴿حم﴾ ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ العَلِيمِ﴾ ﴿غافِرِ الذَّنْبِ وقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ العِقابِ ذِي الطَّوْلِ لا إلَهَ إلّا هو إلَيْهِ المَصِيرُ﴾ ﴿ما يُجادِلُ في آياتِ اللَّهِ إلّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهم في البِلادِ﴾ ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ والأحْزابُ مِن بَعْدِهِمْ وهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وجادَلُوا بِالباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الحَقَّ فَأخَذْتُهم فَكَيْفَ كانَ عِقابِ﴾ ﴿وكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّهم أصْحابُ النّارِ﴾
﷽
﴿حم﴾ ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ العَلِيمِ﴾ ﴿غافِرِ الذَّنْبِ وقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ العِقابِ ذِي الطَّوْلِ لا إلَهَ إلّا هو إلَيْهِ المَصِيرُ﴾ ﴿ما يُجادِلُ في آياتِ اللَّهِ إلّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهم في البِلادِ﴾ ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ والأحْزابُ مِن بَعْدِهِمْ وهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وجادَلُوا بِالباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الحَقَّ فَأخَذْتُهم فَكَيْفَ كانَ عِقابِ﴾ ﴿وكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّهم أصْحابُ النّارِ﴾
اعْلَمْ أنَّ في الآيَةِ مَسائِلَ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ وحَمْزَةَ والكِسائِيِّ ”حم“ بِكَسْرِ الحاءِ، والباقُونَ بِفَتْحِ الحاءِ، ونافِعٌ في بَعْضِ الرِّواياتِ وابْنُ عامِرٍ، بَيْنَ الفَتْحِ والكَسْرِ وهو أنْ لا يَفْتَحَها فَتْحًا شَدِيدًا، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قُرِئَ بِفَتْحِ المِيمِ وتَسْكِينِها، ووَجْهُ الفَتْحِ التَّحْرِيكُ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ وإيثارِ أخَفِّ الحَرَكاتِ نَحْوَ: أيْنَ وكَيْفَ، أوِ النَّصْبِ بِإضْمارِ اقْرَأْ، ومَنعُ الصَّرْفِ إمّا لِلتَّأْنِيثِ والتَّعْرِيفِ، مِن حَيْثُ أنَّها اسْمٌ لِلسُّورَةِ ولِلتَّعْرِيفِ، وأنَّها عَلى زِنَةِ أعْجَمِيٍّ نَحْوَ قابِيلَ وهابِيلَ، وأمّا السُّكُونُ فَلِأنّا بَيَّنّا أنَّ الأسْماءَ تُذْكَرُ مَوْقُوفَةَ الأواخِرِ.
صفحة ٢٤
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الكَلامُ المُسْتَقْصى في هَذِهِ الفَواتِحِ مَذْكُورٌ في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ، والأقْرَبُ هاهُنا أنْ يُقالَ: ”﴿حم﴾“ اسْمٌ لِلسُّورَةِ، فَقَوْلُهُ: ﴿حم﴾ مُبْتَدَأٌ، وقَوْلُهُ: ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ﴾ خَبَرٌ، والتَّقْدِيرُ أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ المُسَمّاةَ بِحم تَنْزِيلُ الكِتابِ، فَقَوْلُهُ: ﴿تَنْزِيلُ﴾ مَصْدَرٌ، لَكِنَّ المُرادَ مِنهُ المُنَزَّلُ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ أنَّ ﴿حم﴾ ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ﴾ وجَبَ بَيانُ أنَّ المُنَزِّلَ مَن هُوَ؟ فَقالَ: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ اللَّهَ تَعالى مَوْصُوفٌ بِصِفاتِ الجَلالِ وسِماتِ العَظَمَةِ لِيَصِيرَ ذَلِكَ حامِلًا عَلى التَّشْمِيرِ عَنْ ساقِ الجَدِّ عِنْدَ الِاسْتِماعِ، وزَجْرِهِ عَنِ التَّهاوُنِ والتَّوانِي فِيهِ، فَبَيَّنَ أنَّ المُنَزِّلَ هو ﴿اللَّهِ العَزِيزِ العَلِيمِ﴾ .
واعْلَمْ أنَّ النّاسَ اخْتَلَفُوا في أنَّ العِلْمَ بِاللَّهِ ما هُوَ؟ فَقالَ جَمْعٌ عَظِيمٌ: إنَّهُ العِلْمُ بِكَوْنِهِ قادِرًا وبَعْدَهُ العِلْمُ بِكَوْنِهِ عالِمًا، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: ﴿العَزِيزِ﴾ لَهُ تَفْسِيرانِ؛ أحَدُهُما: الغالِبُ فَيَكُونُ مَعْناهُ القادِرُ الَّذِي لا يُساوِيهِ أحَدٌ في القُدْرَةِ. والثّانِي: الَّذِي لا مِثْلَ لَهُ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالعَزِيزِ هُنا القادِرَ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿اللَّهِ﴾ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ قادِرًا، فَوَجَبَ حَمْلُ ﴿العَزِيزِ﴾ عَلى المَعْنى الثّانِي وهو الَّذِي لا يُوجَدُ لَهُ مِثْلٌ، وما كانَ كَذَلِكَ وجَبَ أنْ لا يَكُونَ جِسْمًا، والَّذِي لا يَكُونُ جِسْمًا يَكُونُ مُنَزَّهًا عَنِ الشَّهْوَةِ والنَّفْرَةِ، والَّذِي يَكُونُ كَذَلِكَ يَكُونُ مُنَزَّهًا عَنِ الحاجَةِ. وأمّا ﴿العَلِيمِ﴾ فَهو مُبالَغَةٌ في العِلْمِ، والمُبالَغَةُ التّامَّةُ إنَّما تَتَحَقَّقُ عِنْدَ كَوْنِهِ تَعالى عالِمًا بِكُلِّ المَعْلُوماتِ، فَقَوْلُهُ: ﴿مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ العَلِيمِ﴾ يَرْجِعُ مَعْناهُ إلى أنَّ هَذا الكِتابَ تَنْزِيلٌ مِنَ القادِرِ المُطْلَقِ، الغَنِيِّ المُطْلَقِ، العالِمِ المُطْلَقِ، ومَن كانَ كَذَلِكَ كانَ عالِمًا بِوُجُوهِ المَصالِحِ والمَفاسِدِ، وكانَ عالِمًا بِكَوْنِهِ غَنِيًّا عَنْ جَرِّ المَصالِحِ ودَفْعِ المَفاسِدِ، ومَن كانَ كَذَلِكَ كانَ رَحِيمًا جَوادًا، وكانَتْ أفْعالُهُ حِكْمَةً وصَوابًا مُنَزَّهَةً عَنِ القَبِيحِ والباطِلِ، فَكَأنَّهُ سُبْحانَهُ إنَّما ذَكَرَ عَقِيبَ قَوْلِهِ: ﴿تَنْزِيلُ﴾ هَذِهِ الأسْماءَ الثَّلاثَةَ لِكَوْنِها دالَّةً عَلى أنَّ أفْعالَهُ سُبْحانَهُ حِكْمَةٌ وصَوابٌ، ومَتى كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ لَزِمَ أنْ يَكُونَ هَذا التَّنْزِيلُ حَقًّا وصَوابًا، وقِيلَ: الفائِدَةُ في ذِكْرِ ﴿العَزِيزِ العَلِيمِ﴾ أمْرانِ؛ أحَدُهُما: أنَّهُ بِقُدْرَتِهِ وعِلْمِهِ أنْزَلَ القُرْآنَ عَلى هَذا الحَدِّ الَّذِي يَتَضَمَّنُ المَصالِحَ والإعْجازَ، ولَوْلا كَوْنُهُ عَزِيزًا عَلِيمًا لَما صَحَّ ذَلِكَ. والثّانِي: أنَّهُ تَكَفَّلَ بِحِفْظِهِ وبِعُمُومِ التَّكْلِيفِ فِيهِ وظُهُورِهِ إلى حِينِ انْقِطاعِ التَّكْلِيفِ، وذَلِكَ لا يَتِمُّ إلّا بِكَوْنِهِ عَزِيزًا لا يُغْلَبُ وبِكَوْنِهِ عَلِيمًا لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ، ثُمَّ وصَفَ نَفْسَهُ بِما يَجْمَعُ الوَعْدَ والوَعِيدَ والتَّرْهِيبَ والتَّرْغِيبَ، فَقالَ: ﴿غافِرِ الذَّنْبِ وقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ العِقابِ ذِي الطَّوْلِ لا إلَهَ إلّا هو إلَيْهِ المَصِيرُ﴾ فَهَذِهِ سِتَّةُ أنْواعٍ مِنَ الصِّفاتِ:
الصِّفَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿غافِرِ الذَّنْبِ﴾ قالَ الجُبّائِيُّ: مَعْناهُ أنَّهُ غافِرُ الذَّنْبِ إذا اسْتَحَقَّ غُفْرانَهُ إمّا بِتَوْبَةٍ أوْ طاعَةٍ أعْظَمَ مِنهُ، ومُرادُهُ مِنهُ أنَّ فاعِلَ المَعْصِيَةِ إمّا أنْ يُقالَ: إنَّهُ كانَ قَدْ أتى قَبْلَ ذَلِكَ بِطاعَةٍ كانَ ثَوابُها أعْظَمَ مِن عِقابِ هَذِهِ المَعْصِيَةِ، أوْ ما كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ، فَإنْ كانَ الأوَّلُ كانَتْ هَذِهِ المَعْصِيَةُ صَغِيرَةً فَيُحْبَطُ عِقابُها، وإنْ كانَ الثّانِي كانَتْ هَذِهِ المَعْصِيَةُ كَبِيرَةً فَلا يَزُولُ عِقابُها إلّا بِالتَّوْبَةِ. ومَذْهَبُ أصْحابِنا أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ يَعْفُو عَنِ الكَبِيرَةِ بَعْدَ التَّوْبَةِ، وهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى ذَلِكَ، وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ غُفْرانَ الكَبِيرَةِ بَعْدَ التَّوْبَةِ وغُفْرانَ الصَّغِيرَةِ مِنَ الأُمُورِ الواجِبَةِ عَلى العَبْدِ، وجَمِيعُ الأنْبِياءِ والأوْلِياءِ والصّالِحِينَ مِن أوْساطِ النّاسِ مُشْتَرِكُونَ في فِعْلِ الواجِباتِ، فَلَوْ حَمَلْنا كَوْنَهُ تَعالى غافِرَ الذَّنْبِ عَلى هَذا المَعْنى لَمْ يَبْقَ بَيْنَهُ وبَيْنَ أقَلِّ النّاسِ مِن زُمْرَةِ المُطِيعِينَ فَرْقٌ في المَعْنى المُوجِبِ لِهَذا المَدْحِ، وذَلِكَ باطِلٌ، فَثَبَتَ أنَّهُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ كَوْنَهُ غافِرَ الكَبائِرِ قَبْلَ التَّوْبَةِ، وهو المَطْلُوبُ.
الثّانِي: أنَّ الغُفْرانَ عِبارَةٌ عَنِ السِّتْرِ ومَعْنى السِّتْرِ إنَّما يُعْقَلُ في الشَّيْءِ الَّذِي
صفحة ٢٥
يَكُونُ باقِيًا مَوْجُودًا فَيُسْتَرُ، والصَّغِيرَةُ تُحْبَطُ بِسَبَبِ كَثْرَةِ ثَوابِ فاعِلِها، فَمَعْنى الغَفْرِ فِيها غَيْرُ مَعْقُولٍ، ولا يُمْكِنُ حَمْلُ قَوْلِهِ: ﴿غافِرِ الذَّنْبِ﴾ عَلى الكَبِيرَةِ بَعْدَ التَّوْبَةِ؛ لِأنَّ مَعْنى كَوْنِهِ قابِلًا لِلتَّوْبِ لَيْسَ إلّا ذَلِكَ، فَلَوْ كانَ المُرادُ بِكَوْنِهِ غافِرَ الذَّنْبِ هَذا المَعْنى لَزِمَ التَّكْرارُ وإنَّهُ باطِلٌ، فَثَبَتَ أنَّ كَوْنَهُ غافِرَ الذَّنْبِ يُفِيدُ كَوْنَهُ غافِرًا لِلذُّنُوبِ الكَبائِرِ قَبْلَ التَّوْبَةِ. الثّالِثُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿غافِرِ الذَّنْبِ﴾ مَذْكُورٌ في مَعْرِضِ المَدْحِ العَظِيمِ، فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلى ما يُفِيدُ أعْظَمَ أنْواعِ المَدْحِ، وذَلِكَ هو كَوْنُهُ غافِرًا لِلْكَبائِرِ قَبْلَ التَّوْبَةِ، وهو المَطْلُوبُ.
الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قابِلِ التَّوْبِ﴾ وفِيهِ بَحْثانِ:
الأوَّلُ: في لَفْظِ التَّوْبِ قَوْلانِ؛ الأوَّلُ: أنَّهُ مَصْدَرٌ وهو قَوْلُ أبِي عُبَيْدَةَ. والثّانِي: أنَّهُ جَماعَةُ التَّوْبَةِ وهو قَوْلُ الأخْفَشِ. قالَ المُبَرِّدُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا، يُقالُ: تابَ يَتُوبُ تَوْبًا وتَوْبَةً، مِثْلُ قالَ يَقُولُ قَوْلًا وقَوْلَةً، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَمْعًا لِتَوْبَةٍ، فَيَكُونُ: تَوْبَةٌ وتَوْبٌ، مِثْلُ تَمْرَةٍ وتَمْرٍ، إلّا أنَّ المَصْدَرَ أقْرَبُ لِأنَّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ تَأْوِيلُهُ أنَّهُ يَقْبَلُ هَذا الفِعْلَ.
الثّانِي: مَذْهَبُ أصْحابِنا أنَّ قَبُولَ التَّوْبَةِ مِنَ المُذْنِبِ يَقَعُ عَلى سَبِيلِ التَّفَضُّلِ، ولَيْسَ بِواجِبٍ عَلى اللَّهِ، وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: إنَّهُ واجِبٌ عَلى اللَّهِ، واحْتَجَّ أصْحابُنا بِأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ كَوْنَهُ قابِلًا لِلتَّوْبِ عَلى سَبِيلِ المَدْحِ والثَّناءِ، ولَوْ كانَ ذَلِكَ مِنَ الواجِباتِ لَمْ يَبْقَ فِيهِ مِن مَعْنى المَدْحِ إلّا القَلِيلُ، وهو القَدْرُ الَّذِي يَحْصُلُ لِجَمِيعِ الصّالِحِينَ عِنْدَ أداءِ الواجِباتِ والِاحْتِرازِ عَنِ المَحْظُوراتِ.
* * *
الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ ﴿شَدِيدِ العِقابِ﴾ وفِيهِ مَباحِثُ:
البَحْثُ الأوَّلُ: في هَذِهِ الآيَةِ سُؤالٌ وهو أنَّ قَوْلَهُ: ﴿شَدِيدِ العِقابِ﴾ يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ نَعْتًا لِلنَّكِرَةِ ولا يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ نَعْتًا لِلْمَعْرِفَةِ، تَقُولُ: مَرَرْتُ بِرَجُلٍ شَدِيدِ البَطْشِ، ولا تَقُولُ مَرَرْتُ بِعَبْدِ اللَّهِ شَدِيدِ البَطْشِ، وقَوْلُهُ: (اللَّهُ) اسْمُ عَلَمٍ، فَيَكُونُ مَعْرِفَةً، فَكَيْفَ يَجُوزُ وصْفُهُ بِكَوْنِهِ شَدِيدَ العِقابِ مَعَ أنَّهُ لا يَصْلُحُ إلّا أنْ يُجْعَلَ وصْفًا لِلنَّكِرَةِ؟ قالُوا: وهَذا بِخِلافِ قَوْلِنا: غافِرِ الذَّنْبِ وقابِلِ التَّوْبِ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ المُرادُ مِنهُما حُدُوثُ هَذَيْنِ الفِعْلَيْنِ، وأنَّهُ يَغْفِرُ الذَّنْبَ ويَقْبَلُ التَّوْبَةَ الآنَ أوْ غَدًا، وإنَّما أُرِيدَ ثُبُوتُ ذَلِكَ ودَوامُهُ، فَكانَ حُكْمُهُما حُكْمَ إلَهِ الخَلْقِ ورَبِّ العَرْشِ، وأمّا ﴿شَدِيدِ العِقابِ﴾ فَمُشْكِلٌ؛ لِأنَّهُ في تَقْدِيرِ: شَدِيدٌ عِقابُهُ، فَيَكُونُ نَكِرَةً، فَلا يَصِحُّ جَعْلُهُ صِفَةً لِلْمَعْرِفَةِ، وهَذا تَقْرِيرُ السُّؤالِ وأُجِيبَ عَنْهُ بِوُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ هَذِهِ الصِّفَةَ وإنْ كانَتْ نَكِرَةً إلّا أنَّها لَمّا ذُكِرَتْ مَعَ سائِرِ الصِّفاتِ الَّتِي هي مَعارِفُ حَسُنَ ذِكْرُها كَما في قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ الغَفُورُ الوَدُودُ ذُو العَرْشِ المَجِيدُ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ [البُرُوجِ: ١٤- ١٦] .
والثّانِي: قالَ الزَّجّاجُ: إنَّ خَفْضَ ﴿شَدِيدِ العِقابِ﴾ عَلى البَدَلِ؛ لِأنَّ جَعْلَ النَّكِرَةِ بَدَلًا مِنَ المَعْرِفَةِ وبِالعَكْسِ أمْرٌ جائِزٌ، واعْتَرَضُوا عَلَيْهِ بِأنَّ جَعْلَهُ وحْدَهُ بَدَلًا مِنَ الصِّفاتِ فِيهِ نَبْوَةٌ ظاهِرَةٌ.
الثّالِثُ: أنَّهُ لا نِزاعَ في أنَّ قَوْلَهُ: ﴿غافِرِ الذَّنْبِ وقابِلِ التَّوْبِ﴾ يَحْسُنُ جَعْلُهُما صِفَةً، وإنَّما كانَ كَذَلِكَ لِأنَّهُما مُفِيدانِ مَعْنى الدَّوامِ والِاسْتِمْرارِ، فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿شَدِيدِ العِقابِ﴾ يُفِيدُ مَعْنى الدَّوامِ والِاسْتِمْرارِ؛ لِأنَّ صِفاتِ اللَّهِ تَعالى مُنَزَّهَةٌ عَنِ الحُدُوثِ والتَّجَدُّدِ، فَكَوْنُهُ شَدِيدَ العِقابِ مَعْناهُ كَوْنُهُ بِحَيْثُ يَشْتَدُّ عِقابُهُ، وهَذا المَعْنى حاصِلٌ أبَدًا، وغَيْرُ مَوْصُوفٍ بِأنَّهُ حَصَلَ بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، فَهَذا ما قِيلَ في هَذا البابِ.
البَحْثُ الثّانِي: هَذِهِ الآيَةُ مُشْعِرَةٌ بِتَرْجِيحِ جانِبِ الرَّحْمَةِ والفَضْلِ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا أرادَ أنْ يَصِفَ نَفْسَهُ
صفحة ٢٦
بِأنَّهُ شَدِيدُ العِقابِ ذَكَرَ قَبْلَهُ أمْرَيْنِ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما يَقْتَضِي زَوالَ العِقابِ، وهو كَوْنُهُ غافِرَ الذَّنْبِ وقابِلَ التَّوْبِ، وذَكَرَ بَعْدَهُ ما يَدُلُّ عَلى حُصُولِ الرَّحْمَةِ العَظِيمَةِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿ذِي الطَّوْلِ﴾، فَكَوْنُهُ شَدِيدَ العِقابِ لَمّا كانَ مَسْبُوقًا بِتَيْنَكَ الصِّفَتَيْنِ ومَلْحُوقًا بِهَذِهِ الصِّفَةِ، دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ جانِبَ الرَّحْمَةِ والكَرَمِ أرْجَحُ.
البَحْثُ الثّالِثُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: ذَكَرَ الواوَ في قَوْلِهِ: ﴿غافِرِ الذَّنْبِ وقابِلِ التَّوْبِ﴾ ولَمْ يَذْكُرْها في قَوْلِهِ: ﴿شَدِيدِ العِقابِ﴾ فَما الفَرْقُ؟ قُلْنا: إنَّهُ لَوْ لَمْ يَذْكُرِ الواوَ في قَوْلِهِ: ﴿غافِرِ الذَّنْبِ وقابِلِ التَّوْبِ﴾ لاحْتَمَلَ أنْ يَقَعَ في خاطِرِ إنْسانٍ أنَّهُ لا مَعْنى لِكَوْنِهِ غافِرَ الذَّنْبِ إلّا كَوْنُهُ قابِلَ التَّوْبِ، أمّا لَمّا ذَكَرَ الواوَ زالَ هَذا الِاحْتِمالُ؛ لِأنَّ عَطْفَ الشَّيْءِ عَلى نَفْسِهِ مُحالٌ، أمّا كَوْنُهُ شَدِيدَ العِقابِ فَمَعْلُومٌ أنَّهُ مُغايِرٌ لِكَوْنِهِ ﴿غافِرِ الذَّنْبِ وقابِلِ التَّوْبِ﴾ فاسْتَغْنى بِهِ عَنْ ذِكْرِ الواوِ.
الصِّفَةُ الرّابِعَةُ: ﴿ذِي الطَّوْلِ﴾ أيِ ذِي التَّفَضُّلِ، يُقالُ: طالَ عَلَيْنا طَوْلًا؛ أيْ تَفَضَّلَ عَلَيْنا تَفَضُّلًا، ومِن كَلامِهِمْ: طُلْ عَلَيَّ بِفَضْلِكَ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولُو الطَّوْلِ مِنهُمْ﴾ [التَّوْبَةِ: ٨٦] ومَضى تَفْسِيرُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ومَن لَمْ يَسْتَطِعْ مِنكم طَوْلًا﴾ [النِّساءِ: ٢٥] واعْلَمْ أنَّهُ لَمّا وصَفَ نَفْسَهُ بِكَوْنِهِ ﴿شَدِيدِ العِقابِ﴾ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ المُرادُ بِكَوْنِهِ تَعالى آتِيًا بِالعِقابِ الشَّدِيدِ الَّذِي لا يَقْبُحُ مِنهُ إتْيانُهُ بِهِ، بَلْ لا يَجُوزُ وصْفُهُ تَعالى بِكَوْنِهِ آتِيًا لِفِعْلِ القَبِيحِ، وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: ذَكَرَ بَعْدَهُ كَوْنَهُ ذا الطَّوْلِ وهو كَوْنُهُ ذا الفَضْلِ، فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ كَوْنَهُ ذا الفَضْلِ بِسَبَبِ أنْ يَتْرُكَ العِقابَ الَّذِي لَهُ أنْ يَفْعَلَهُ؛ لِأنَّهُ ذَكَرَ كَوْنَهُ ذا الطَّوْلِ ولَمْ يُبَيِّنْ أنَّهُ ذُو الطَّوْلِ في ماذا، فَوَجَبَ صَرْفُهُ إلى كَوْنِهِ ذا الطَّوْلِ في الأمْرِ الَّذِي سَبَقَ ذِكْرُهُ، وهو فِعْلُ العِقابِ الحَسَنِ دَفْعًا لِلْإجْمالِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى قَدْ يَتْرُكُ العِقابَ الَّذِي حَسُنَ مِنهُ تَعالى فِعْلُهُ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ العَفْوَ عَنْ أصْحابِ الكَبائِرِ جائِزٌ، وهو المَطْلُوبُ.
الصِّفَةُ الخامِسَةُ: التَّوْحِيدُ المُطْلَقُ وهو قَوْلُهُ: ﴿لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ والمَعْنى أنَّهُ وصَفَ نَفْسَهُ بِصِفاتِ الرَّحْمَةِ والفَضْلِ، فَلَوْ كانَ مَعَهُ إلَهٌ آخَرُ يُشارِكُهُ ويُساوِيهِ في صِفَةِ الرَّحْمَةِ والفَضْلِ لَما كانَتِ الحاجَةُ إلى عُبُودِيَّتِهِ شَدِيدَةً، أمّا إذا كانَ واحِدًا ولَيْسَ لَهُ شَرِيكٌ ولا شَبِيهٌ كانَتِ الحاجَةُ إلى الإقْرارِ بِعُبُودِيَّتِهِ شَدِيدَةً، فَكانَ التَّرْغِيبُ والتَّرْهِيبُ الكامِلانِ يَحْصُلانِ بِسَبَبِ هَذا التَّوْحِيدِ.
الصِّفَةُ السّادِسَةُ: قَوْلُهُ: ﴿إلَيْهِ المَصِيرُ﴾ وهَذِهِ الصِّفَةُ أيْضًا مِمّا يُقَوِّي الرَّغْبَةَ في الإقْرارِ بِعُبُودِيَّتِهِ؛ لِأنَّهُ بِتَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ مَوْصُوفًا بِصِفاتِ الفَضْلِ والكَرَمِ وكانَ واحِدًا لا شَرِيكَ لَهُ، إلّا أنَّ القَوْلَ بِالحَشْرِ والنَّشْرِ إنْ كانَ باطِلًا لَمْ يَكُنِ الخَوْفُ الشَّدِيدُ حاصِلًا مِن عِصْيانِهِ، أمّا لَمّا كانَ القَوْلُ بِالحَشْرِ والقِيامَةِ حاصِلًا كانَ الخَوْفُ أشَدَّ والحَذَرُ أكْمَلَ، فَلِهَذا السَّبَبِ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الصِّفاتِ، واحْتَجَّ أهْلُ التَّشْبِيهِ بِلَفْظَةِ (إلى) وقالُوا: إنَّها تُفِيدُ انْتِهاءَ الغايَةِ، والجَوابُ عَنْهُ مَذْكُورٌ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ مِن هَذا الكِتابِ.
* * *
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قَرَّرَ أنَّ القُرْآنَ كِتابٌ أنْزَلَهُ لِيُهْتَدى بِهِ في الدِّينِ، ذَكَرَ أحْوالَ مَن يُجادِلُ لِغَرَضِ إبْطالِهِ وإخْفاءِ أمْرِهِ فَقالَ: ﴿ما يُجادِلُ في آياتِ اللَّهِ إلّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: أنَّ الجِدالَ نَوْعانِ، جِدالٌ في تَقْرِيرِ الحَقِّ وجِدالٌ في تَقْرِيرِ الباطِلِ، أمّا الجِدالُ في تَقْرِيرِ الحَقِّ فَهو حِرْفَةُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، قالَ تَعالى لِمُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿وجادِلْهم بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [النَّحْلِ: ١٢٥] وقالَ حِكايَةً عَنِ الكُفّارِ أنَّهم قالُوا لِنُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿يانُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأكْثَرْتَ جِدالَنا﴾ [هُودٍ: ٣٢]
صفحة ٢٧
وأمّا الجِدالُ في تَقْرِيرِ الباطِلِ فَهو مَذْمُومٌ وهو المُرادُ بِهَذِهِ الآيَةِ حَيْثُ قالَ: ﴿ما يُجادِلُ في آياتِ اللَّهِ إلّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وقالَ: ﴿ما ضَرَبُوهُ لَكَ إلّا جَدَلًا بَلْ هم قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٥٨] وقالَ: ﴿وجادَلُوا بِالباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الحَقَّ﴾ وقالَ ﷺ: ”«إنَّ جِدالًا في القُرْآنِ كُفْرٌ» “ فَقَوْلُهُ: إنَّ جِدالًا، عَلى لَفْظِ التَّنْكِيرِ يَدُلُّ عَلى التَّمْيِيزِ بَيْنَ جِدالٍ وجِدالٍ، واعْلَمْ أنَّ لَفْظَ الجِدالِ في الشَّيْءِ مُشْعِرٌ بِالجِدالِ الباطِلِ، ولَفَظَ الجِدالِ عَنِ الشَّيْءِ مُشْعِرٌ بِالجِدالِ لِأجْلِ تَقْرِيرِهِ والذَّبِّ عَنْهُ، قالَ ﷺ: ”«إنَّ جِدالًا في القُرْآنِ كُفْرٌ» “ وقالَ: ”«لا تُمارُوا في القُرْآنِ فَإنَّ المِراءَ فِيهِ كُفْرٌ» “ .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الجِدالُ في آياتِ اللَّهِ هو أنْ يُقالَ مَرَّةً: إنَّهُ سِحْرٌ ومَرَّةً إنَّهُ شِعْرٌ ومَرَّةً إنَّهُ قَوْلُ الكَهَنَةِ ومَرَّةً أساطِيرُ الأوَّلِينَ ومُرَّةً إنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ، وأشْباهُ هَذا مِمّا كانُوا يَقُولُونَ مِنَ الشُّبُهاتِ الباطِلَةِ، فَذَكَرَ تَعالى أنَّهُ لا يَفْعَلُ هَذا إلّا الَّذِينَ كَفَرُوا وأعْرَضُوا عَنِ الحَقِّ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهم في البِلادِ﴾ أيْ لا يَنْبَغِي أنْ تَغْتَرَّ بِأنِّي أُمْهِلُهم وأتْرُكُهم سالِمِينَ في أبْدانِهِمْ وأمْوالِهِمْ يَتَقَلَّبُونَ في البِلادِ، أيْ يَتَصَرَّفُونَ لِلتِّجاراتِ وطَلَبِ المَعاشِ، فَإنِّي وإنْ أمْهَلْتُهم فَإنِّي سَآخُذُهم وأنْتَقِمُ مِنهم كَما فَعَلْتُ بِأشْكالِهِمْ مِنَ الأُمَمِ الماضِيَةِ، وكانَتْ قُرَيْشٌ كَذَلِكَ يَتَقَلَّبُونَ في بِلادِ الشّامِ واليَمَنِ ولَهُمُ الأمْوالُ الكَثِيرَةُ يَتَّجِرُونَ فِيها ويَرْبَحُونَ، ثُمَّ كَشَفَ عَنْ هَذا المَعْنى فَقالَ: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ والأحْزابُ مِن بَعْدِهِمْ﴾ فَذَكَرَ مِن أُولَئِكَ المُكَذِّبِينَ قَوْمَ نُوحٍ ﴿والأحْزابُ مِن بَعْدِهِمْ﴾ أيِ الأُمَمَ المُسْتَمِرَّةِ عَلى الكُفْرِ كَقَوْمِ عادٍ وثَمُودَ وغَيْرِهِمْ، كَما قالَ في سُورَةِ ص: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ وعادٌ وفِرْعَوْنُ ذُو الأوْتادِ﴾ ﴿وثَمُودُ وقَوْمُ لُوطٍ وأصْحابُ الأيْكَةِ أُولَئِكَ الأحْزابُ﴾ [ص: ١٣] وقَوْلُهُ: ﴿وهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ﴾ أيْ وعَزَمَتْ كُلُّ أُمَّةٍ مِن هَؤُلاءِ الأحْزابِ أنْ يَأْخُذُوا رَسُولَهم لِيَقْتُلُوهُ ويُعَذِّبُوهُ ويَحْبِسُوهُ ﴿وجادَلُوا بِالباطِلِ﴾ أيْ هَؤُلاءِ جادَلُوا رُسُلَهم بِالباطِلِ؛ أيْ بِإيرادِ الشُّبُهاتِ ﴿لِيُدْحِضُوا بِهِ الحَقَّ﴾ أيْ أنْ يُزِيلُوا بِسَبَبِ إيرادِ تِلْكَ الشُّبُهاتِ الحَقَّ والصِّدْقَ ﴿فَأخَذْتُهم فَكَيْفَ كانَ عِقابِ﴾ أيْ فَأنْزَلْتُ بِهِمْ مِنَ الهَلاكِ ما هَمُّوا بِإنْزالِهِ بِالرُّسُلِ، وأرادُوا أنْ يَأْخُذُوهم فَأخَذْتُهم أنا، فَكَيْفَ كانَ عِقابِي إيّاهم، ألَيْسَ كانَ مُهْلِكًا مُسْتَأْصِلًا مَهِيبًا في الذِّكْرِ والسَّماعِ، فَأنا أفْعَلُ بِقَوْمِكَ كَما فَعَلْتُ بِهَؤُلاءِ إنْ أصَرُّوا عَلى الكُفْرِ والجِدالِ في آياتِ اللَّهِ، ثُمَّ كَشَفَ عَنْ هَذا المَعْنى فَقالَ: ﴿وكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّهم أصْحابُ النّارِ﴾ أيْ ومِثْلُ الَّذِي حَقَّ عَلى أُولَئِكَ الأُمَمِ السّالِفَةِ مِنَ العِقابِ حَقَّتْ كَلِمَتِي أيْضًا عَلى هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِكَ، فَهم عَلى شَرَفِ نُزُولِ العِقابِ بِهِمْ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ﴿أنَّهم أصْحابُ النّارِ﴾ في مَحَلِّ الرَّفْعِ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾ أيْ مِثْلُ ذَلِكَ الوُجُوبِ وجَبَ عَلى الكَفَرَةِ كَوْنُهم مِن أصْحابِ النّارِ، ومَعْناهُ: كَما وجَبَ إهْلاكُهم في الدُّنْيا بِالعَذابِ المُسْتَأْصِلِ، كَذَلِكَ وجَبَ إهْلاكُهم بِعَذابِ النّارِ في الآخِرَةِ، أوْ في مَحَلِّ النَّصْبِ بِحَذْفِ لامِ التَّعْلِيلِ وإيصالِ الفِعْلِ.
واحْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ قَضاءَ اللَّهِ بِالسَّعادَةِ والشَّقاوَةِ لازِمٌ لا يُمْكِنُ تَغْيِيرُهُ، فَقالُوا: إنَّهُ تَعالى أخْبَرَ أنَّهُ حَقَّتْ كَلِمَةُ العَذابِ عَلَيْهِمْ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهم لا قُدْرَةَ لَهم عَلى الإيمانِ؛ لِأنَّهم لَوْ تَمَكَّنُوا مِنهُ لَتَمَكَّنُوا مِن إبْطالِ هَذِهِ الكَلِمَةِ الحَقَّةِ، ولَتَمَكَّنُوا مِن إبْطالِ عِلْمِ اللَّهِ وحِكْمَتِهِ، ضَرُورَةَ أنَّ المُتَمَكِّنَ مِنَ الشَّيْءِ يَجِبُ كَوْنُهُ مُتَمَكِّنًا مِن كُلِّ ما هو مِن لَوازِمِهِ، ولِأنَّهم لَوْ آمَنُوا لَوَجَبَ عَلَيْهِمْ أنْ يُؤْمِنُوا بِهَذِهِ الآيَةِ، فَحِينَئِذٍ كانُوا قَدْ آمَنُوا بِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ أبَدًا، وذَلِكَ تَكْلِيفُ ما لا يُطاقُ. وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ ”حَقَّتْ كَلِماتُ رَبِّكَ“ عَلى الجَمْعِ، والباقُونَ عَلى الواحِدِ.
غافر 40:6
صفحة ٢٣
(سُورَةُ غافِرٍ)
ثَمانُونَ وخَمْسُ آياتٍ مَكِّيَّةٍ
﷽
﴿حم﴾ ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ العَلِيمِ﴾ ﴿غافِرِ الذَّنْبِ وقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ العِقابِ ذِي الطَّوْلِ لا إلَهَ إلّا هو إلَيْهِ المَصِيرُ﴾ ﴿ما يُجادِلُ في آياتِ اللَّهِ إلّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهم في البِلادِ﴾ ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ والأحْزابُ مِن بَعْدِهِمْ وهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وجادَلُوا بِالباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الحَقَّ فَأخَذْتُهم فَكَيْفَ كانَ عِقابِ﴾ ﴿وكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّهم أصْحابُ النّارِ﴾
﷽
﴿حم﴾ ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ العَلِيمِ﴾ ﴿غافِرِ الذَّنْبِ وقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ العِقابِ ذِي الطَّوْلِ لا إلَهَ إلّا هو إلَيْهِ المَصِيرُ﴾ ﴿ما يُجادِلُ في آياتِ اللَّهِ إلّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهم في البِلادِ﴾ ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ والأحْزابُ مِن بَعْدِهِمْ وهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وجادَلُوا بِالباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الحَقَّ فَأخَذْتُهم فَكَيْفَ كانَ عِقابِ﴾ ﴿وكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّهم أصْحابُ النّارِ﴾
اعْلَمْ أنَّ في الآيَةِ مَسائِلَ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ وحَمْزَةَ والكِسائِيِّ ”حم“ بِكَسْرِ الحاءِ، والباقُونَ بِفَتْحِ الحاءِ، ونافِعٌ في بَعْضِ الرِّواياتِ وابْنُ عامِرٍ، بَيْنَ الفَتْحِ والكَسْرِ وهو أنْ لا يَفْتَحَها فَتْحًا شَدِيدًا، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قُرِئَ بِفَتْحِ المِيمِ وتَسْكِينِها، ووَجْهُ الفَتْحِ التَّحْرِيكُ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ وإيثارِ أخَفِّ الحَرَكاتِ نَحْوَ: أيْنَ وكَيْفَ، أوِ النَّصْبِ بِإضْمارِ اقْرَأْ، ومَنعُ الصَّرْفِ إمّا لِلتَّأْنِيثِ والتَّعْرِيفِ، مِن حَيْثُ أنَّها اسْمٌ لِلسُّورَةِ ولِلتَّعْرِيفِ، وأنَّها عَلى زِنَةِ أعْجَمِيٍّ نَحْوَ قابِيلَ وهابِيلَ، وأمّا السُّكُونُ فَلِأنّا بَيَّنّا أنَّ الأسْماءَ تُذْكَرُ مَوْقُوفَةَ الأواخِرِ.
صفحة ٢٤
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الكَلامُ المُسْتَقْصى في هَذِهِ الفَواتِحِ مَذْكُورٌ في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ، والأقْرَبُ هاهُنا أنْ يُقالَ: ”﴿حم﴾“ اسْمٌ لِلسُّورَةِ، فَقَوْلُهُ: ﴿حم﴾ مُبْتَدَأٌ، وقَوْلُهُ: ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ﴾ خَبَرٌ، والتَّقْدِيرُ أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ المُسَمّاةَ بِحم تَنْزِيلُ الكِتابِ، فَقَوْلُهُ: ﴿تَنْزِيلُ﴾ مَصْدَرٌ، لَكِنَّ المُرادَ مِنهُ المُنَزَّلُ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ أنَّ ﴿حم﴾ ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ﴾ وجَبَ بَيانُ أنَّ المُنَزِّلَ مَن هُوَ؟ فَقالَ: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ اللَّهَ تَعالى مَوْصُوفٌ بِصِفاتِ الجَلالِ وسِماتِ العَظَمَةِ لِيَصِيرَ ذَلِكَ حامِلًا عَلى التَّشْمِيرِ عَنْ ساقِ الجَدِّ عِنْدَ الِاسْتِماعِ، وزَجْرِهِ عَنِ التَّهاوُنِ والتَّوانِي فِيهِ، فَبَيَّنَ أنَّ المُنَزِّلَ هو ﴿اللَّهِ العَزِيزِ العَلِيمِ﴾ .
واعْلَمْ أنَّ النّاسَ اخْتَلَفُوا في أنَّ العِلْمَ بِاللَّهِ ما هُوَ؟ فَقالَ جَمْعٌ عَظِيمٌ: إنَّهُ العِلْمُ بِكَوْنِهِ قادِرًا وبَعْدَهُ العِلْمُ بِكَوْنِهِ عالِمًا، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: ﴿العَزِيزِ﴾ لَهُ تَفْسِيرانِ؛ أحَدُهُما: الغالِبُ فَيَكُونُ مَعْناهُ القادِرُ الَّذِي لا يُساوِيهِ أحَدٌ في القُدْرَةِ. والثّانِي: الَّذِي لا مِثْلَ لَهُ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالعَزِيزِ هُنا القادِرَ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿اللَّهِ﴾ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ قادِرًا، فَوَجَبَ حَمْلُ ﴿العَزِيزِ﴾ عَلى المَعْنى الثّانِي وهو الَّذِي لا يُوجَدُ لَهُ مِثْلٌ، وما كانَ كَذَلِكَ وجَبَ أنْ لا يَكُونَ جِسْمًا، والَّذِي لا يَكُونُ جِسْمًا يَكُونُ مُنَزَّهًا عَنِ الشَّهْوَةِ والنَّفْرَةِ، والَّذِي يَكُونُ كَذَلِكَ يَكُونُ مُنَزَّهًا عَنِ الحاجَةِ. وأمّا ﴿العَلِيمِ﴾ فَهو مُبالَغَةٌ في العِلْمِ، والمُبالَغَةُ التّامَّةُ إنَّما تَتَحَقَّقُ عِنْدَ كَوْنِهِ تَعالى عالِمًا بِكُلِّ المَعْلُوماتِ، فَقَوْلُهُ: ﴿مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ العَلِيمِ﴾ يَرْجِعُ مَعْناهُ إلى أنَّ هَذا الكِتابَ تَنْزِيلٌ مِنَ القادِرِ المُطْلَقِ، الغَنِيِّ المُطْلَقِ، العالِمِ المُطْلَقِ، ومَن كانَ كَذَلِكَ كانَ عالِمًا بِوُجُوهِ المَصالِحِ والمَفاسِدِ، وكانَ عالِمًا بِكَوْنِهِ غَنِيًّا عَنْ جَرِّ المَصالِحِ ودَفْعِ المَفاسِدِ، ومَن كانَ كَذَلِكَ كانَ رَحِيمًا جَوادًا، وكانَتْ أفْعالُهُ حِكْمَةً وصَوابًا مُنَزَّهَةً عَنِ القَبِيحِ والباطِلِ، فَكَأنَّهُ سُبْحانَهُ إنَّما ذَكَرَ عَقِيبَ قَوْلِهِ: ﴿تَنْزِيلُ﴾ هَذِهِ الأسْماءَ الثَّلاثَةَ لِكَوْنِها دالَّةً عَلى أنَّ أفْعالَهُ سُبْحانَهُ حِكْمَةٌ وصَوابٌ، ومَتى كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ لَزِمَ أنْ يَكُونَ هَذا التَّنْزِيلُ حَقًّا وصَوابًا، وقِيلَ: الفائِدَةُ في ذِكْرِ ﴿العَزِيزِ العَلِيمِ﴾ أمْرانِ؛ أحَدُهُما: أنَّهُ بِقُدْرَتِهِ وعِلْمِهِ أنْزَلَ القُرْآنَ عَلى هَذا الحَدِّ الَّذِي يَتَضَمَّنُ المَصالِحَ والإعْجازَ، ولَوْلا كَوْنُهُ عَزِيزًا عَلِيمًا لَما صَحَّ ذَلِكَ. والثّانِي: أنَّهُ تَكَفَّلَ بِحِفْظِهِ وبِعُمُومِ التَّكْلِيفِ فِيهِ وظُهُورِهِ إلى حِينِ انْقِطاعِ التَّكْلِيفِ، وذَلِكَ لا يَتِمُّ إلّا بِكَوْنِهِ عَزِيزًا لا يُغْلَبُ وبِكَوْنِهِ عَلِيمًا لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ، ثُمَّ وصَفَ نَفْسَهُ بِما يَجْمَعُ الوَعْدَ والوَعِيدَ والتَّرْهِيبَ والتَّرْغِيبَ، فَقالَ: ﴿غافِرِ الذَّنْبِ وقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ العِقابِ ذِي الطَّوْلِ لا إلَهَ إلّا هو إلَيْهِ المَصِيرُ﴾ فَهَذِهِ سِتَّةُ أنْواعٍ مِنَ الصِّفاتِ:
الصِّفَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿غافِرِ الذَّنْبِ﴾ قالَ الجُبّائِيُّ: مَعْناهُ أنَّهُ غافِرُ الذَّنْبِ إذا اسْتَحَقَّ غُفْرانَهُ إمّا بِتَوْبَةٍ أوْ طاعَةٍ أعْظَمَ مِنهُ، ومُرادُهُ مِنهُ أنَّ فاعِلَ المَعْصِيَةِ إمّا أنْ يُقالَ: إنَّهُ كانَ قَدْ أتى قَبْلَ ذَلِكَ بِطاعَةٍ كانَ ثَوابُها أعْظَمَ مِن عِقابِ هَذِهِ المَعْصِيَةِ، أوْ ما كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ، فَإنْ كانَ الأوَّلُ كانَتْ هَذِهِ المَعْصِيَةُ صَغِيرَةً فَيُحْبَطُ عِقابُها، وإنْ كانَ الثّانِي كانَتْ هَذِهِ المَعْصِيَةُ كَبِيرَةً فَلا يَزُولُ عِقابُها إلّا بِالتَّوْبَةِ. ومَذْهَبُ أصْحابِنا أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ يَعْفُو عَنِ الكَبِيرَةِ بَعْدَ التَّوْبَةِ، وهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى ذَلِكَ، وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ غُفْرانَ الكَبِيرَةِ بَعْدَ التَّوْبَةِ وغُفْرانَ الصَّغِيرَةِ مِنَ الأُمُورِ الواجِبَةِ عَلى العَبْدِ، وجَمِيعُ الأنْبِياءِ والأوْلِياءِ والصّالِحِينَ مِن أوْساطِ النّاسِ مُشْتَرِكُونَ في فِعْلِ الواجِباتِ، فَلَوْ حَمَلْنا كَوْنَهُ تَعالى غافِرَ الذَّنْبِ عَلى هَذا المَعْنى لَمْ يَبْقَ بَيْنَهُ وبَيْنَ أقَلِّ النّاسِ مِن زُمْرَةِ المُطِيعِينَ فَرْقٌ في المَعْنى المُوجِبِ لِهَذا المَدْحِ، وذَلِكَ باطِلٌ، فَثَبَتَ أنَّهُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ كَوْنَهُ غافِرَ الكَبائِرِ قَبْلَ التَّوْبَةِ، وهو المَطْلُوبُ.
الثّانِي: أنَّ الغُفْرانَ عِبارَةٌ عَنِ السِّتْرِ ومَعْنى السِّتْرِ إنَّما يُعْقَلُ في الشَّيْءِ الَّذِي
صفحة ٢٥
يَكُونُ باقِيًا مَوْجُودًا فَيُسْتَرُ، والصَّغِيرَةُ تُحْبَطُ بِسَبَبِ كَثْرَةِ ثَوابِ فاعِلِها، فَمَعْنى الغَفْرِ فِيها غَيْرُ مَعْقُولٍ، ولا يُمْكِنُ حَمْلُ قَوْلِهِ: ﴿غافِرِ الذَّنْبِ﴾ عَلى الكَبِيرَةِ بَعْدَ التَّوْبَةِ؛ لِأنَّ مَعْنى كَوْنِهِ قابِلًا لِلتَّوْبِ لَيْسَ إلّا ذَلِكَ، فَلَوْ كانَ المُرادُ بِكَوْنِهِ غافِرَ الذَّنْبِ هَذا المَعْنى لَزِمَ التَّكْرارُ وإنَّهُ باطِلٌ، فَثَبَتَ أنَّ كَوْنَهُ غافِرَ الذَّنْبِ يُفِيدُ كَوْنَهُ غافِرًا لِلذُّنُوبِ الكَبائِرِ قَبْلَ التَّوْبَةِ. الثّالِثُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿غافِرِ الذَّنْبِ﴾ مَذْكُورٌ في مَعْرِضِ المَدْحِ العَظِيمِ، فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلى ما يُفِيدُ أعْظَمَ أنْواعِ المَدْحِ، وذَلِكَ هو كَوْنُهُ غافِرًا لِلْكَبائِرِ قَبْلَ التَّوْبَةِ، وهو المَطْلُوبُ.
الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قابِلِ التَّوْبِ﴾ وفِيهِ بَحْثانِ:
الأوَّلُ: في لَفْظِ التَّوْبِ قَوْلانِ؛ الأوَّلُ: أنَّهُ مَصْدَرٌ وهو قَوْلُ أبِي عُبَيْدَةَ. والثّانِي: أنَّهُ جَماعَةُ التَّوْبَةِ وهو قَوْلُ الأخْفَشِ. قالَ المُبَرِّدُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا، يُقالُ: تابَ يَتُوبُ تَوْبًا وتَوْبَةً، مِثْلُ قالَ يَقُولُ قَوْلًا وقَوْلَةً، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَمْعًا لِتَوْبَةٍ، فَيَكُونُ: تَوْبَةٌ وتَوْبٌ، مِثْلُ تَمْرَةٍ وتَمْرٍ، إلّا أنَّ المَصْدَرَ أقْرَبُ لِأنَّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ تَأْوِيلُهُ أنَّهُ يَقْبَلُ هَذا الفِعْلَ.
الثّانِي: مَذْهَبُ أصْحابِنا أنَّ قَبُولَ التَّوْبَةِ مِنَ المُذْنِبِ يَقَعُ عَلى سَبِيلِ التَّفَضُّلِ، ولَيْسَ بِواجِبٍ عَلى اللَّهِ، وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: إنَّهُ واجِبٌ عَلى اللَّهِ، واحْتَجَّ أصْحابُنا بِأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ كَوْنَهُ قابِلًا لِلتَّوْبِ عَلى سَبِيلِ المَدْحِ والثَّناءِ، ولَوْ كانَ ذَلِكَ مِنَ الواجِباتِ لَمْ يَبْقَ فِيهِ مِن مَعْنى المَدْحِ إلّا القَلِيلُ، وهو القَدْرُ الَّذِي يَحْصُلُ لِجَمِيعِ الصّالِحِينَ عِنْدَ أداءِ الواجِباتِ والِاحْتِرازِ عَنِ المَحْظُوراتِ.
* * *
الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ ﴿شَدِيدِ العِقابِ﴾ وفِيهِ مَباحِثُ:
البَحْثُ الأوَّلُ: في هَذِهِ الآيَةِ سُؤالٌ وهو أنَّ قَوْلَهُ: ﴿شَدِيدِ العِقابِ﴾ يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ نَعْتًا لِلنَّكِرَةِ ولا يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ نَعْتًا لِلْمَعْرِفَةِ، تَقُولُ: مَرَرْتُ بِرَجُلٍ شَدِيدِ البَطْشِ، ولا تَقُولُ مَرَرْتُ بِعَبْدِ اللَّهِ شَدِيدِ البَطْشِ، وقَوْلُهُ: (اللَّهُ) اسْمُ عَلَمٍ، فَيَكُونُ مَعْرِفَةً، فَكَيْفَ يَجُوزُ وصْفُهُ بِكَوْنِهِ شَدِيدَ العِقابِ مَعَ أنَّهُ لا يَصْلُحُ إلّا أنْ يُجْعَلَ وصْفًا لِلنَّكِرَةِ؟ قالُوا: وهَذا بِخِلافِ قَوْلِنا: غافِرِ الذَّنْبِ وقابِلِ التَّوْبِ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ المُرادُ مِنهُما حُدُوثُ هَذَيْنِ الفِعْلَيْنِ، وأنَّهُ يَغْفِرُ الذَّنْبَ ويَقْبَلُ التَّوْبَةَ الآنَ أوْ غَدًا، وإنَّما أُرِيدَ ثُبُوتُ ذَلِكَ ودَوامُهُ، فَكانَ حُكْمُهُما حُكْمَ إلَهِ الخَلْقِ ورَبِّ العَرْشِ، وأمّا ﴿شَدِيدِ العِقابِ﴾ فَمُشْكِلٌ؛ لِأنَّهُ في تَقْدِيرِ: شَدِيدٌ عِقابُهُ، فَيَكُونُ نَكِرَةً، فَلا يَصِحُّ جَعْلُهُ صِفَةً لِلْمَعْرِفَةِ، وهَذا تَقْرِيرُ السُّؤالِ وأُجِيبَ عَنْهُ بِوُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ هَذِهِ الصِّفَةَ وإنْ كانَتْ نَكِرَةً إلّا أنَّها لَمّا ذُكِرَتْ مَعَ سائِرِ الصِّفاتِ الَّتِي هي مَعارِفُ حَسُنَ ذِكْرُها كَما في قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ الغَفُورُ الوَدُودُ ذُو العَرْشِ المَجِيدُ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ [البُرُوجِ: ١٤- ١٦] .
والثّانِي: قالَ الزَّجّاجُ: إنَّ خَفْضَ ﴿شَدِيدِ العِقابِ﴾ عَلى البَدَلِ؛ لِأنَّ جَعْلَ النَّكِرَةِ بَدَلًا مِنَ المَعْرِفَةِ وبِالعَكْسِ أمْرٌ جائِزٌ، واعْتَرَضُوا عَلَيْهِ بِأنَّ جَعْلَهُ وحْدَهُ بَدَلًا مِنَ الصِّفاتِ فِيهِ نَبْوَةٌ ظاهِرَةٌ.
الثّالِثُ: أنَّهُ لا نِزاعَ في أنَّ قَوْلَهُ: ﴿غافِرِ الذَّنْبِ وقابِلِ التَّوْبِ﴾ يَحْسُنُ جَعْلُهُما صِفَةً، وإنَّما كانَ كَذَلِكَ لِأنَّهُما مُفِيدانِ مَعْنى الدَّوامِ والِاسْتِمْرارِ، فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿شَدِيدِ العِقابِ﴾ يُفِيدُ مَعْنى الدَّوامِ والِاسْتِمْرارِ؛ لِأنَّ صِفاتِ اللَّهِ تَعالى مُنَزَّهَةٌ عَنِ الحُدُوثِ والتَّجَدُّدِ، فَكَوْنُهُ شَدِيدَ العِقابِ مَعْناهُ كَوْنُهُ بِحَيْثُ يَشْتَدُّ عِقابُهُ، وهَذا المَعْنى حاصِلٌ أبَدًا، وغَيْرُ مَوْصُوفٍ بِأنَّهُ حَصَلَ بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، فَهَذا ما قِيلَ في هَذا البابِ.
البَحْثُ الثّانِي: هَذِهِ الآيَةُ مُشْعِرَةٌ بِتَرْجِيحِ جانِبِ الرَّحْمَةِ والفَضْلِ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا أرادَ أنْ يَصِفَ نَفْسَهُ
صفحة ٢٦
بِأنَّهُ شَدِيدُ العِقابِ ذَكَرَ قَبْلَهُ أمْرَيْنِ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما يَقْتَضِي زَوالَ العِقابِ، وهو كَوْنُهُ غافِرَ الذَّنْبِ وقابِلَ التَّوْبِ، وذَكَرَ بَعْدَهُ ما يَدُلُّ عَلى حُصُولِ الرَّحْمَةِ العَظِيمَةِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿ذِي الطَّوْلِ﴾، فَكَوْنُهُ شَدِيدَ العِقابِ لَمّا كانَ مَسْبُوقًا بِتَيْنَكَ الصِّفَتَيْنِ ومَلْحُوقًا بِهَذِهِ الصِّفَةِ، دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ جانِبَ الرَّحْمَةِ والكَرَمِ أرْجَحُ.
البَحْثُ الثّالِثُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: ذَكَرَ الواوَ في قَوْلِهِ: ﴿غافِرِ الذَّنْبِ وقابِلِ التَّوْبِ﴾ ولَمْ يَذْكُرْها في قَوْلِهِ: ﴿شَدِيدِ العِقابِ﴾ فَما الفَرْقُ؟ قُلْنا: إنَّهُ لَوْ لَمْ يَذْكُرِ الواوَ في قَوْلِهِ: ﴿غافِرِ الذَّنْبِ وقابِلِ التَّوْبِ﴾ لاحْتَمَلَ أنْ يَقَعَ في خاطِرِ إنْسانٍ أنَّهُ لا مَعْنى لِكَوْنِهِ غافِرَ الذَّنْبِ إلّا كَوْنُهُ قابِلَ التَّوْبِ، أمّا لَمّا ذَكَرَ الواوَ زالَ هَذا الِاحْتِمالُ؛ لِأنَّ عَطْفَ الشَّيْءِ عَلى نَفْسِهِ مُحالٌ، أمّا كَوْنُهُ شَدِيدَ العِقابِ فَمَعْلُومٌ أنَّهُ مُغايِرٌ لِكَوْنِهِ ﴿غافِرِ الذَّنْبِ وقابِلِ التَّوْبِ﴾ فاسْتَغْنى بِهِ عَنْ ذِكْرِ الواوِ.
الصِّفَةُ الرّابِعَةُ: ﴿ذِي الطَّوْلِ﴾ أيِ ذِي التَّفَضُّلِ، يُقالُ: طالَ عَلَيْنا طَوْلًا؛ أيْ تَفَضَّلَ عَلَيْنا تَفَضُّلًا، ومِن كَلامِهِمْ: طُلْ عَلَيَّ بِفَضْلِكَ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولُو الطَّوْلِ مِنهُمْ﴾ [التَّوْبَةِ: ٨٦] ومَضى تَفْسِيرُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ومَن لَمْ يَسْتَطِعْ مِنكم طَوْلًا﴾ [النِّساءِ: ٢٥] واعْلَمْ أنَّهُ لَمّا وصَفَ نَفْسَهُ بِكَوْنِهِ ﴿شَدِيدِ العِقابِ﴾ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ المُرادُ بِكَوْنِهِ تَعالى آتِيًا بِالعِقابِ الشَّدِيدِ الَّذِي لا يَقْبُحُ مِنهُ إتْيانُهُ بِهِ، بَلْ لا يَجُوزُ وصْفُهُ تَعالى بِكَوْنِهِ آتِيًا لِفِعْلِ القَبِيحِ، وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: ذَكَرَ بَعْدَهُ كَوْنَهُ ذا الطَّوْلِ وهو كَوْنُهُ ذا الفَضْلِ، فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ كَوْنَهُ ذا الفَضْلِ بِسَبَبِ أنْ يَتْرُكَ العِقابَ الَّذِي لَهُ أنْ يَفْعَلَهُ؛ لِأنَّهُ ذَكَرَ كَوْنَهُ ذا الطَّوْلِ ولَمْ يُبَيِّنْ أنَّهُ ذُو الطَّوْلِ في ماذا، فَوَجَبَ صَرْفُهُ إلى كَوْنِهِ ذا الطَّوْلِ في الأمْرِ الَّذِي سَبَقَ ذِكْرُهُ، وهو فِعْلُ العِقابِ الحَسَنِ دَفْعًا لِلْإجْمالِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى قَدْ يَتْرُكُ العِقابَ الَّذِي حَسُنَ مِنهُ تَعالى فِعْلُهُ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ العَفْوَ عَنْ أصْحابِ الكَبائِرِ جائِزٌ، وهو المَطْلُوبُ.
الصِّفَةُ الخامِسَةُ: التَّوْحِيدُ المُطْلَقُ وهو قَوْلُهُ: ﴿لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ والمَعْنى أنَّهُ وصَفَ نَفْسَهُ بِصِفاتِ الرَّحْمَةِ والفَضْلِ، فَلَوْ كانَ مَعَهُ إلَهٌ آخَرُ يُشارِكُهُ ويُساوِيهِ في صِفَةِ الرَّحْمَةِ والفَضْلِ لَما كانَتِ الحاجَةُ إلى عُبُودِيَّتِهِ شَدِيدَةً، أمّا إذا كانَ واحِدًا ولَيْسَ لَهُ شَرِيكٌ ولا شَبِيهٌ كانَتِ الحاجَةُ إلى الإقْرارِ بِعُبُودِيَّتِهِ شَدِيدَةً، فَكانَ التَّرْغِيبُ والتَّرْهِيبُ الكامِلانِ يَحْصُلانِ بِسَبَبِ هَذا التَّوْحِيدِ.
الصِّفَةُ السّادِسَةُ: قَوْلُهُ: ﴿إلَيْهِ المَصِيرُ﴾ وهَذِهِ الصِّفَةُ أيْضًا مِمّا يُقَوِّي الرَّغْبَةَ في الإقْرارِ بِعُبُودِيَّتِهِ؛ لِأنَّهُ بِتَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ مَوْصُوفًا بِصِفاتِ الفَضْلِ والكَرَمِ وكانَ واحِدًا لا شَرِيكَ لَهُ، إلّا أنَّ القَوْلَ بِالحَشْرِ والنَّشْرِ إنْ كانَ باطِلًا لَمْ يَكُنِ الخَوْفُ الشَّدِيدُ حاصِلًا مِن عِصْيانِهِ، أمّا لَمّا كانَ القَوْلُ بِالحَشْرِ والقِيامَةِ حاصِلًا كانَ الخَوْفُ أشَدَّ والحَذَرُ أكْمَلَ، فَلِهَذا السَّبَبِ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الصِّفاتِ، واحْتَجَّ أهْلُ التَّشْبِيهِ بِلَفْظَةِ (إلى) وقالُوا: إنَّها تُفِيدُ انْتِهاءَ الغايَةِ، والجَوابُ عَنْهُ مَذْكُورٌ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ مِن هَذا الكِتابِ.
* * *
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قَرَّرَ أنَّ القُرْآنَ كِتابٌ أنْزَلَهُ لِيُهْتَدى بِهِ في الدِّينِ، ذَكَرَ أحْوالَ مَن يُجادِلُ لِغَرَضِ إبْطالِهِ وإخْفاءِ أمْرِهِ فَقالَ: ﴿ما يُجادِلُ في آياتِ اللَّهِ إلّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: أنَّ الجِدالَ نَوْعانِ، جِدالٌ في تَقْرِيرِ الحَقِّ وجِدالٌ في تَقْرِيرِ الباطِلِ، أمّا الجِدالُ في تَقْرِيرِ الحَقِّ فَهو حِرْفَةُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، قالَ تَعالى لِمُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿وجادِلْهم بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [النَّحْلِ: ١٢٥] وقالَ حِكايَةً عَنِ الكُفّارِ أنَّهم قالُوا لِنُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿يانُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأكْثَرْتَ جِدالَنا﴾ [هُودٍ: ٣٢]
صفحة ٢٧
وأمّا الجِدالُ في تَقْرِيرِ الباطِلِ فَهو مَذْمُومٌ وهو المُرادُ بِهَذِهِ الآيَةِ حَيْثُ قالَ: ﴿ما يُجادِلُ في آياتِ اللَّهِ إلّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وقالَ: ﴿ما ضَرَبُوهُ لَكَ إلّا جَدَلًا بَلْ هم قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٥٨] وقالَ: ﴿وجادَلُوا بِالباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الحَقَّ﴾ وقالَ ﷺ: ”«إنَّ جِدالًا في القُرْآنِ كُفْرٌ» “ فَقَوْلُهُ: إنَّ جِدالًا، عَلى لَفْظِ التَّنْكِيرِ يَدُلُّ عَلى التَّمْيِيزِ بَيْنَ جِدالٍ وجِدالٍ، واعْلَمْ أنَّ لَفْظَ الجِدالِ في الشَّيْءِ مُشْعِرٌ بِالجِدالِ الباطِلِ، ولَفَظَ الجِدالِ عَنِ الشَّيْءِ مُشْعِرٌ بِالجِدالِ لِأجْلِ تَقْرِيرِهِ والذَّبِّ عَنْهُ، قالَ ﷺ: ”«إنَّ جِدالًا في القُرْآنِ كُفْرٌ» “ وقالَ: ”«لا تُمارُوا في القُرْآنِ فَإنَّ المِراءَ فِيهِ كُفْرٌ» “ .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الجِدالُ في آياتِ اللَّهِ هو أنْ يُقالَ مَرَّةً: إنَّهُ سِحْرٌ ومَرَّةً إنَّهُ شِعْرٌ ومَرَّةً إنَّهُ قَوْلُ الكَهَنَةِ ومَرَّةً أساطِيرُ الأوَّلِينَ ومُرَّةً إنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ، وأشْباهُ هَذا مِمّا كانُوا يَقُولُونَ مِنَ الشُّبُهاتِ الباطِلَةِ، فَذَكَرَ تَعالى أنَّهُ لا يَفْعَلُ هَذا إلّا الَّذِينَ كَفَرُوا وأعْرَضُوا عَنِ الحَقِّ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهم في البِلادِ﴾ أيْ لا يَنْبَغِي أنْ تَغْتَرَّ بِأنِّي أُمْهِلُهم وأتْرُكُهم سالِمِينَ في أبْدانِهِمْ وأمْوالِهِمْ يَتَقَلَّبُونَ في البِلادِ، أيْ يَتَصَرَّفُونَ لِلتِّجاراتِ وطَلَبِ المَعاشِ، فَإنِّي وإنْ أمْهَلْتُهم فَإنِّي سَآخُذُهم وأنْتَقِمُ مِنهم كَما فَعَلْتُ بِأشْكالِهِمْ مِنَ الأُمَمِ الماضِيَةِ، وكانَتْ قُرَيْشٌ كَذَلِكَ يَتَقَلَّبُونَ في بِلادِ الشّامِ واليَمَنِ ولَهُمُ الأمْوالُ الكَثِيرَةُ يَتَّجِرُونَ فِيها ويَرْبَحُونَ، ثُمَّ كَشَفَ عَنْ هَذا المَعْنى فَقالَ: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ والأحْزابُ مِن بَعْدِهِمْ﴾ فَذَكَرَ مِن أُولَئِكَ المُكَذِّبِينَ قَوْمَ نُوحٍ ﴿والأحْزابُ مِن بَعْدِهِمْ﴾ أيِ الأُمَمَ المُسْتَمِرَّةِ عَلى الكُفْرِ كَقَوْمِ عادٍ وثَمُودَ وغَيْرِهِمْ، كَما قالَ في سُورَةِ ص: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ وعادٌ وفِرْعَوْنُ ذُو الأوْتادِ﴾ ﴿وثَمُودُ وقَوْمُ لُوطٍ وأصْحابُ الأيْكَةِ أُولَئِكَ الأحْزابُ﴾ [ص: ١٣] وقَوْلُهُ: ﴿وهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ﴾ أيْ وعَزَمَتْ كُلُّ أُمَّةٍ مِن هَؤُلاءِ الأحْزابِ أنْ يَأْخُذُوا رَسُولَهم لِيَقْتُلُوهُ ويُعَذِّبُوهُ ويَحْبِسُوهُ ﴿وجادَلُوا بِالباطِلِ﴾ أيْ هَؤُلاءِ جادَلُوا رُسُلَهم بِالباطِلِ؛ أيْ بِإيرادِ الشُّبُهاتِ ﴿لِيُدْحِضُوا بِهِ الحَقَّ﴾ أيْ أنْ يُزِيلُوا بِسَبَبِ إيرادِ تِلْكَ الشُّبُهاتِ الحَقَّ والصِّدْقَ ﴿فَأخَذْتُهم فَكَيْفَ كانَ عِقابِ﴾ أيْ فَأنْزَلْتُ بِهِمْ مِنَ الهَلاكِ ما هَمُّوا بِإنْزالِهِ بِالرُّسُلِ، وأرادُوا أنْ يَأْخُذُوهم فَأخَذْتُهم أنا، فَكَيْفَ كانَ عِقابِي إيّاهم، ألَيْسَ كانَ مُهْلِكًا مُسْتَأْصِلًا مَهِيبًا في الذِّكْرِ والسَّماعِ، فَأنا أفْعَلُ بِقَوْمِكَ كَما فَعَلْتُ بِهَؤُلاءِ إنْ أصَرُّوا عَلى الكُفْرِ والجِدالِ في آياتِ اللَّهِ، ثُمَّ كَشَفَ عَنْ هَذا المَعْنى فَقالَ: ﴿وكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّهم أصْحابُ النّارِ﴾ أيْ ومِثْلُ الَّذِي حَقَّ عَلى أُولَئِكَ الأُمَمِ السّالِفَةِ مِنَ العِقابِ حَقَّتْ كَلِمَتِي أيْضًا عَلى هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِكَ، فَهم عَلى شَرَفِ نُزُولِ العِقابِ بِهِمْ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ﴿أنَّهم أصْحابُ النّارِ﴾ في مَحَلِّ الرَّفْعِ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾ أيْ مِثْلُ ذَلِكَ الوُجُوبِ وجَبَ عَلى الكَفَرَةِ كَوْنُهم مِن أصْحابِ النّارِ، ومَعْناهُ: كَما وجَبَ إهْلاكُهم في الدُّنْيا بِالعَذابِ المُسْتَأْصِلِ، كَذَلِكَ وجَبَ إهْلاكُهم بِعَذابِ النّارِ في الآخِرَةِ، أوْ في مَحَلِّ النَّصْبِ بِحَذْفِ لامِ التَّعْلِيلِ وإيصالِ الفِعْلِ.
واحْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ قَضاءَ اللَّهِ بِالسَّعادَةِ والشَّقاوَةِ لازِمٌ لا يُمْكِنُ تَغْيِيرُهُ، فَقالُوا: إنَّهُ تَعالى أخْبَرَ أنَّهُ حَقَّتْ كَلِمَةُ العَذابِ عَلَيْهِمْ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهم لا قُدْرَةَ لَهم عَلى الإيمانِ؛ لِأنَّهم لَوْ تَمَكَّنُوا مِنهُ لَتَمَكَّنُوا مِن إبْطالِ هَذِهِ الكَلِمَةِ الحَقَّةِ، ولَتَمَكَّنُوا مِن إبْطالِ عِلْمِ اللَّهِ وحِكْمَتِهِ، ضَرُورَةَ أنَّ المُتَمَكِّنَ مِنَ الشَّيْءِ يَجِبُ كَوْنُهُ مُتَمَكِّنًا مِن كُلِّ ما هو مِن لَوازِمِهِ، ولِأنَّهم لَوْ آمَنُوا لَوَجَبَ عَلَيْهِمْ أنْ يُؤْمِنُوا بِهَذِهِ الآيَةِ، فَحِينَئِذٍ كانُوا قَدْ آمَنُوا بِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ أبَدًا، وذَلِكَ تَكْلِيفُ ما لا يُطاقُ. وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ ”حَقَّتْ كَلِماتُ رَبِّكَ“ عَلى الجَمْعِ، والباقُونَ عَلى الواحِدِ.
غافر 40:7
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ ومَن حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ويُؤْمِنُونَ بِهِ ويَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا وسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وعِلْمًا فاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا واتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وقِهِمْ عَذابَ الجَحِيمِ﴾ ﴿رَبَّنا وأدْخِلْهم جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وعَدْتَهم ومَن صَلَحَ مِن آبائِهِمْ وأزْواجِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ﴿وقِهِمُ السَّيِّئاتِ ومَن تَقِ السَّيِّئاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ الكُفّارَ يُبالِغُونَ في إظْهارِ العَداوَةِ مَعَ المُؤْمِنِينَ، بَيَّنَ أنَّ أشْرَفَ طَبَقاتِ المَخْلُوقاتِ هُمُ المَلائِكَةُ الَّذِينَ هم حَمَلَةُ العَرْشِ، والحافُّونَ حَوْلَ العَرْشِ يُبالِغُونَ في إظْهارِ المَحَبَّةِ والنُّصْرَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ، كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: إنْ كانَ هَؤُلاءِ الأراذِلُ يُبالِغُونَ في العَداوَةِ فَلا تُبالِ بِهِمْ ولا تَلْتَفِتْ إلَيْهِمْ ولا تُقِمْ لَهم وزْنًا، فَإنَّ حَمَلَةَ العَرْشِ مَعَكَ، والحافُّونَ مِن حَوْلِ العَرْشِ مَعَكَ يَنْصُرُونَكَ. وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْ نَوْعَيْنِ مِن فِرَقِ المَلائِكَةِ هَذِهِ الحِكايَةَ:
القِسْمُ الأوَّلُ: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ﴾ وقَدْ حَكى تَعالى أنَّ الَّذِينَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ يَوْمَ القِيامَةِ ثَمانِيَةٌ، فَيُمْكِنُ أنْ يُقالَ: الَّذِينَ يَحْمِلُونَ في هَذا الوَقْتِ هم أُولَئِكَ الثَّمانِيَةُ الَّذِينَ يَحْمِلُونَهُ يَوْمَ القِيامَةِ، ولا شَكَّ أنَّ حَمَلَةَ العَرْشِ أشْرافُ المَلائِكَةِ وأكابِرُهم، رَوى صاحِبُ ”الكَشّافِ“ أنَّ حَمَلَةَ العَرْشِ أرْجُلُهم في الأرْضِ السُّفْلى ورُءُوسُهم قَدْ خَرَقَتِ العَرْشَ وهم خُشُوعٌ لا يَرْفَعُونَ طَرْفَهم، وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ”«لا تَتَفَكَّرُوا في عِظَمِ رَبِّكم ولَكِنْ تَفَكَّرُوا فِيما خَلَقَ اللَّهُ تَعالى مِنَ المَلائِكَةِ، فَإنَّ خَلْقًا مِنَ المَلائِكَةِ يُقالُ لَهُ: إسْرافِيلُ، زاوِيَةُ العَرْشِ عَلى كاهِلِهِ، وقَدَماهُ في الأرْضِ السُّفْلى، وقَدْ مَرَقَ رَأْسُهُ مِن سَبْعِ سَماواتٍ، وإنَّهُ لَيَتَضاءَلُ مِن عَظَمَةِ اللَّهِ حَتّى يَصِيرَ كَأنَّهُ الوَضْعُ» “ قِيلَ: إنَّهُ طائِرٌ صَغِيرٌ، ورُوِيَ أنَّ اللَّهَ أمَرَ جَمِيعَ المَلائِكَةِ أنْ يَغْدُوا ويَرُوحُوا بِالسَّلامِ عَلى حَمَلَةِ العَرْشِ؛ تَفْضِيلًا لَهم عَلى سائِرِ المَلائِكَةِ، وقِيلَ: خَلَقَ اللَّهُ العَرْشَ مِن جَوْهَرَةٍ خَضْراءَ، وبَيْنَ القائِمَتَيْنِ مِن قَوائِمِهِ خَفَقانُ الطَّيْرِ المُسْرِعِ ثَمانِينَ ألْفَ عامٍ، وقِيلَ: حَوْلَ العَرْشِ سَبْعُونَ ألْفَ صَفٍّ مِنَ المَلائِكَةِ يَطُوفُونَ بِهِ مُهَلِّلِينَ مُكَبِّرِينَ، ومِن ورائِهِمْ سَبْعُونَ ألْفَ صَفٍّ قِيامٍ قَدْ وضَعُوا أيْدِيَهم عَلى عَواتِقِهِمْ رافِعِينَ أصْواتَهم بِالتَّهْلِيلِ والتَّكْبِيرِ، ومِن ورائِهِمْ مِائَةُ ألْفِ صَفٍّ وقَدْ وضَعُوا الأيْمانَ عَلى الشَّمائِلِ، ما مِنهم أحَدٌ إلّا ويُسَبِّحُ بِما لا يُسَبِّحُ بِهِ الآخَرُ، هَذِهِ الآثارُ نَقَلْتُها مِنَ ”الكَشّافِ“ .
وأمّا القِسْمُ الثّانِي مِنَ المَلائِكَةِ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن حَوْلَهُ﴾ والأظْهَرُ أنَّ المُرادَ مِنهم ما ذَكَرَهُ في قَوْلِهِ: ﴿وتَرى المَلائِكَةَ حافِّينَ مِن حَوْلِ العَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾
صفحة ٢٩
وأقُولُ: العَقْلُ يَدُلُّ عَلى أنَّ حَمَلَةَ العَرْشِ والحافِّينَ حَوْلَ العَرْشِ يَجِبُ أنْ يَكُونُوا أفْضَلَ المَلائِكَةِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ نِسْبَةَ الأرْواحِ إلى الأرْواحِ كَنِسْبَةِ الأجْسادِ إلى الأجْسادِ، فَلَمّا كانَ العَرْشُ أشْرَفَ المَوْجُوداتِ الجُسْمانِيَّةِ كانَتِ الأرْواحُ المُتَعَلِّقَةُ بِتَدْبِيرِ العَرْشِ يَجِبُ أنْ تَكُونَ أفْضَلَ مِنَ الأرْواحِ المُدَبِّرَةِ لِلْأجْسادِ، وأيْضًا يُشْبِهُ أنْ يَكُونَ هُناكَ أرْواحٌ حامِلَةٌ لِجِسْمِ العَرْشِ ثُمَّ يَتَوَلَّدُ عَنْ تِلْكَ الأرْواحِ القاهِرَةِ المُسْتَعْلِيَةِ لِجِسْمِ العَرْشِ أرْواحٌ أُخَرُ مِن جِنْسِها، وهي مُتَعَلِّقَةٌ بِأطْرافِ العَرْشِ، وإلَيْهِمُ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿وتَرى المَلائِكَةَ حافِّينَ مِن حَوْلِ العَرْشِ﴾ وبِالجُمْلَةِ فَقَدْ ظَهَرَ بِالبَراهِينِ اليَقِينِيَّةِ، وبِالمُكاشَفاتِ الصّادِقَةِ أنَّهُ لا نِسْبَةَ لِعالَمِ الأجْسادِ إلى عالَمِ الأرْواحِ، فَكُلُّ ما شاهَدْتَهُ بِعَيْنِ البَصَرِ في اخْتِلافِ مَراتِبِ عالَمِ الأجْسادِ، فَيَجِبُ أنْ تُشاهِدَهُ بِعَيْنِ بَصِيرَتِكَ في اخْتِلافِ مَراتِبِ عالَمِ الأرْواحِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ مُنَزَّهٌ عَنْ أنْ يَكُونَ في العَرْشِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى قالَ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ﴾ وقالَ في آيَةٍ أُخْرى: ﴿ويَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهم يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ﴾ [الحاقَّةِ: ١٧] ولا شَكَّ أنَّ حامِلَ العَرْشِ يَكُونُ حامِلًا لِكُلِّ مَن في العَرْشِ، فَلَوْ كانَ إلَهُ العالَمِ في العَرْشِ لَكانَ هَؤُلاءِ المَلائِكَةُ حامِلِينَ لِإلَهِ العالَمِ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُونَ حافِظِينَ لِإلَهِ العالَمِ، والحافِظُ القادِرُ أوْلى بِالإلَهِيَّةِ، والمَحْمُولُ المَحْفُوظُ أوْلى بِالعُبُودِيَّةِ، فَحِينَئِذٍ يَنْقَلِبُ الإلَهُ عَبْدًا والعَبْدُ إلَهًا، وذَلِكَ فاسِدٌ، فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّ إلَهَ العَرْشِ والأجْسامِ مُتَعالٍ عَنِ العَرْشِ والأجْسامِ.
* * *
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْ حَمَلَةِ العَرْشِ، وعَنِ الحافِّينَ بِالعَرْشِ ثَلاثَةَ أشْياءَ:
النَّوْعُ الأوَّلُ قَوْلُهُ: ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ حِكايَةً عَنِ المَلائِكَةِ: ﴿ونَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾ [البَقَرَةِ: ٣٠] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَرى المَلائِكَةَ حافِّينَ مِن حَوْلِ العَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ فالتَّسْبِيحُ عِبارَةٌ عَنْ تَنْزِيهِ اللَّهِ تَعالى عَمّا لا يَنْبَغِي، والتَّحْمِيدُ الِاعْتِرافُ بِأنَّهُ هو المُنْعِمُ عَلى الإطْلاقِ، فالتَّسْبِيحُ إشارَةٌ إلى الجَلالِ والتَّحْمِيدُ إشارَةٌ إلى الإكْرامِ، فَقَوْلُهُ: ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ قَرِيبٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الجَلالِ والإكْرامِ﴾ [الرَّحْمَنِ: ٧٨] .
النَّوْعُ الثّانِي مِمّا حَكى اللَّهُ عَنْ هَؤُلاءِ المَلائِكَةِ هو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ فَإنْ قِيلَ: فَأيُّ فائِدَةٍ في قَوْلِهِ: ﴿ويُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ فَإنَّ الِاشْتِغالَ بِالتَّسْبِيحِ والتَّحْمِيدِ لا يُمْكِنُ إلّا وقَدْ سَبَقَ الإيمانُ بِاللَّهِ؟ قُلْنا: الفائِدَةُ فِيهِ ما ذَكَرَهُ صاحِبُ ”الكَشّافِ“، وقَدْ أحْسَنَ فِيهِ جِدًّا فَقالَ: إنَّ المَقْصُودَ مِنهُ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى لَوْ كانَ حاضِرًا بِالعَرْشِ لَكانَ حَمَلَةُ العَرْشِ والحافُّونَ حَوْلَ العَرْشِ يُشاهِدُونَهُ ويُعايِنُونَهُ، ولَمّا كانَ إيمانُهم بِوُجُودِ اللَّهِ مُوجِبًا لِلْمَدْحِ والثَّناءِ؛ لِأنَّ الإقْرارَ بِوُجُودِ شَيْءٍ حاضِرٍ مُشاهَدٍ مُعايَنٍ لا يُوجِبُ المَدْحَ والثَّناءَ، ألا تَرى أنَّ الإقْرارَ بِوُجُودِ الشَّمْسِ وكَوْنِها مُضِيئَةً لا يُوجِبُ المَدْحَ والثَّناءَ، فَلَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى إيمانَهم بِاللَّهِ عَلى سَبِيلِ الثَّناءِ والمَدْحِ والتَّعْظِيمِ، عُلِمَ أنَّهم آمَنُوا بِهِ بِدَلِيلِ أنَّهم ما شاهَدُوهُ حاضِرًا جالِسًا هُناكَ، ورَحِمَ اللَّهُ صاحِبَ ”الكَشّافِ“ فَلَوْ لَمْ يُحَصِّلْ في كِتابِهِ إلّا هَذِهِ النُّكْتَةَ لَكَفاهُ فَخْرًا وشَرَفًا.
النَّوْعُ الثّالِثُ مِمّا حَكى اللَّهُ عَنْ هَؤُلاءِ المَلائِكَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ اعْلَمْ أنَّهُ ثَبَتَ أنَّ كَمالَ السَّعادَةِ مَرْبُوطٌ بِأمْرَيْنِ: التَّعْظِيمُ لِأمْرِ اللَّهِ، والشَّفَقَةُ عَلى خَلْقِ اللَّهِ، ويَجِبُ أنْ يَكُونَ التَّعْظِيمُ لِأمْرِ اللَّهِ مُقَدَّمًا عَلى الشَّفَقَةِ عَلى خَلْقِ اللَّهِ فَقَوْلُهُ: ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ويُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ مُشْعِرٌ بِالتَّعْظِيمِ لِأمْرِ اللَّهِ وقَوْلُهُ:
صفحة ٣٠
﴿ويَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ مُشْعِرٌ بِالشَّفَقَةِ عَلى خَلْقِ اللَّهِ.
ثُمَّ في الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: احْتَجَّ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ بِهَذِهِ الآيَةِ في إثْباتِ أنَّ المَلَكَ أفْضَلُ مِنَ البَشَرِ، قالُوا: لِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ المَلائِكَةَ لَمّا فَرَغُوا مِن ذِكْرِ اللَّهِ بِالثَّناءِ والتَّقْدِيسِ اشْتَغَلُوا بِالِاسْتِغْفارِ لِغَيْرِهِمْ وهُمُ المُؤْمِنُونَ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهم مُسْتَغْنُونَ عَنِ الِاسْتِغْفارِ لِأنْفُسِهِمْ؛ إذْ لَوْ كانُوا مُحْتاجِينَ إلَيْهِ لَقَدَّمُوا الِاسْتِغْفارَ لِأنْفُسِهِمْ عَلى الِاسْتِغْفارِ لِغَيْرِهِمْ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ ﷺ: ”«ابْدَأْ بِنَفْسِكَ» “ وأيْضًا قالَ تَعالى لِمُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿فاعْلَمْ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ولِلْمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾ [مُحَمَّدٍ: ١٩] فَأمَرَ مُحَمَّدًا أنْ يَذْكُرَ أوَّلًا الِاسْتِغْفارَ لِنَفْسِهِ، ثُمَّ بَعْدَهُ يَذْكُرُ الِاسْتِغْفارَ لِغَيْرِهِ، وحَكى عَنْ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ قالَ: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي ولِوالِدَيَّ ولِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا ولِلْمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾ [نُوحٍ: ٢٨] وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ مَن كانَ مُحْتاجًا إلى الِاسْتِغْفارِ فَإنَّهُ يُقَدِّمُ الِاسْتِغْفارَ لِنَفْسِهِ عَلى الِاسْتِغْفارِ لِغَيْرِهِ، فالمَلائِكَةُ لَوْ كانُوا مُحْتاجِينَ إلى الِاسْتِغْفارِ لَكانَ اشْتِغالُهم بِالِاسْتِغْفارِ لِأنْفُسِهِمْ مُقَدَّمًا عَلى اشْتِغالِهِمْ بِالِاسْتِغْفارِ لِغَيْرِهِمْ، ولَمّا لَمْ يَذْكُرِ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمُ اسْتِغْفارَهم لِأنْفُسِهِمْ عَلِمْنا أنَّ ذَلِكَ إنَّما كانَ لِأنَّهم ما كانُوا مُحْتاجِينَ إلى الِاسْتِغْفارِ، وأمّا الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فَقَدْ كانُوا مُحْتاجِينَ إلى الِاسْتِغْفارِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى لِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ وإذا ثَبَتَ هَذا فَقَدْ ظَهَرَ أنَّ المَلَكَ أفْضَلُ مِنَ البَشَرِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ الكَعْبِيُّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ تَأْثِيرَ الشَّفاعَةِ في حُصُولِ زِيادَةِ الثَّوابِ لِلْمُؤْمِنِينَ، لا في إسْقاطِ العِقابِ عَنِ المُذْنِبِينَ، قالَ: وذَلِكَ لِأنَّ المَلائِكَةَ قالُوا: ﴿فاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا واتَّبَعُوا سَبِيلَكَ﴾ قالَ: ولَيْسَ المُرادُ فاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا مِنَ الكُفْرِ، سَواءٌ كانَ مُصِرًّا عَلى الفِسْقِ أوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ مَن هَذا حالُهُ لا يُوصَفُ بِكَوْنِهِ مُتَّبِعًا سَبِيلَ رَبِّهِ، ولا يُطْلَقُ ذَلِكَ فِيهِ، وأيْضًا إنَّ المَلائِكَةَ يَقُولُونَ: ﴿وأدْخِلْهم جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وعَدْتَهُمْ﴾ وهَذا لا يَلِيقُ بِالفاسِقِينَ؛ لِأنَّ خُصُومَنا لا يَقْطَعُونَ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى وعَدَهُمُ الجَنَّةَ وإنَّما يُجَوِّزُونَ ذَلِكَ، فَثَبَتَ أنَّ شَفاعَةَ المَلائِكَةِ لا تَتَناوَلُ إلّا أهْلَ الطّاعَةِ، فَوَجَبَ أنْ تَكُونَ شَفاعَةُ الأنْبِياءِ كَذَلِكَ، ضَرُورَةَ أنَّهُ لا قائِلَ بِالفَرْقِ، والجَوابُ أنْ نَقُولَ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى حُصُولِ الشَّفاعَةِ مِنَ المَلائِكَةِ لِلْمُذْنِبِينَ، فَنُبَيِّنُ هَذا ثُمَّ نُجِيبُ عَمّا ذَكَرَهُ الكَعْبِيُّ، أمّا بَيانُ دَلالَةِ هَذِهِ الآيَةِ عَلى ما قُلْناهُ فَمِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿ويَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ والِاسْتِغْفارُ طَلَبُ المَغْفِرَةِ، والمَغْفِرَةُ لا تُذْكَرُ إلّا في إسْقاطِ العِقابِ. أمّا طَلَبُ النَّفْعِ الزّائِدِ فَإنَّهُ لا يُسَمّى اسْتِغْفارًا.
الثّانِي: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهم يَسْتَغْفِرُونَ لِكُلِّ أهْلِ الإيمانِ، فَإذا دَلَّلْنا عَلى أنَّ صاحِبَ الكَبِيرَةِ مُؤْمِنٌ وجَبَ دُخُولُهُ تَحْتَ هَذِهِ الشَّفاعَةِ.
الثّالِثُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا﴾ طَلَبُ المَغْفِرَةِ لِلَّذِينِ تابُوا، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ إسْقاطَ عُقُوبَةِ الكَبِيرَةِ بَعْدَ التَّوْبَةِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ واجِبٌ عَلى اللَّهِ عِنْدَ الخَصْمِ، وما كانَ فِعْلُهُ واجِبًا كانَ طَلَبُهُ بِالدُّعاءِ قَبِيحًا، ولا يَجُوزُ أيْضًا أنْ يَكُونَ المُرادُ إسْقاطَ عُقُوبَةِ الصَّغائِرِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ أيْضًا واجِبٌ فَلا يَحْسُنُ طَلَبُهُ بِالدُّعاءِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ طَلَبَ زِيادَةِ مَنفَعَةٍ عَلى الثَّوابِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ لا يُسَمّى مَغْفِرَةً، فَثَبَتَ أنَّهُ لا يُمْكِنُ حَمْلُ قَوْلِهِ: ﴿فاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا﴾ إلّا عَلى إسْقاطِ عِقابِ الكَبِيرَةِ قَبْلَ التَّوْبَةِ، وإذا ثَبَتَ هَذا في حَقِّ المَلائِكَةِ فَكَذَلِكَ في حَقِّ الأنْبِياءِ لِانْعِقادِ الإجْماعِ عَلى أنَّهُ لا فَرْقَ، أمّا الَّذِي يَتَمَسَّكُ بِهِ الكَعْبِيُّ وهو أنَّهم طَلَبُوا المَغْفِرَةَ لِلَّذِينِ تابُوا، فَنَقُولُ: يَجِبُ أنْ
صفحة ٣١
يَكُونَ المُرادُ مِنهُ الَّذِينَ تابُوا عَنِ الكُفْرِ واتَّبَعُوا سَبِيلَ الإيمانِ، وقَوْلُهُ: إنَّ التّائِبَ عَنِ الكُفْرِ المُصِرِّ عَلى الفِسْقِ لا يُسَمّى تائِبًا ولا مُتَّبِعًا سَبِيلَ اللَّهِ، قُلْنا: لا نُسَلِّمُ قَوْلَهُ، بَلْ يُقالُ: إنَّهُ تائِبٌ عَنِ الكُفْرِ وتابِعٌ سَبِيلَ اللَّهِ في الدِّينِ والشَّرِيعَةِ، وإذا ثَبَتَ أنَّهُ تائِبٌ عَنِ الكُفْرِ ثَبَتَ أنَّهُ تائِبٌ، ألا تَرى أنَّهُ يَكْفِي في صِدْقِ وصْفِهِ بِكَوْنِهِ ضارِبًا وضاحِكًا صُدُورُ الضَّرْبِ والضَّحِكِ عَنْهُ مَرَّةً واحِدَةً، ولا يَتَوَقَّفُ ذَلِكَ عَلى صُدُورِ كُلِّ أنْواعِ الضَّرْبِ والضَّحِكِ عَنْهُ، فَكَذا هاهُنا.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ أهْلُ التَّحْقِيقِ: إنَّ هَذِهِ الشَّفاعَةَ الصّادِرَةَ عَنِ المَلائِكَةِ في حَقِّ البَشَرِ تَجْرِي مَجْرى اعْتِذارٍ عَنْ زَلَّةٍ سَبَقَتْ، وذَلِكَ لِأنَّهم قالُوا في أوَّلِ تَخْلِيقِ البَشَرِ: ﴿أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها ويَسْفِكُ الدِّماءَ﴾ [البَقَرَةِ: ٣٠] فَلَمّا سَبَقَ مِنهم هَذا الكَلامُ تَدارَكُوا في آخِرِ الأمْرِ بِأنْ قالُوا: ﴿فاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا واتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وقِهِمْ عَذابَ الجَحِيمِ﴾ وهَذا كالتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ مَن آذى غَيْرَهُ، فالأوْلى أنْ يَجْبُرَ ذَلِكَ الإيذاءَ بِإيصالِ نَفْعٍ عَلَيْهِ.
* * *
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنِ المَلائِكَةِ أنَّهم يَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينِ تابُوا، بَيَّنَ كَيْفِيَّةَ ذَلِكَ الِاسْتِغْفارِ، فَحَكى عَنْهم أنَّهم قالُوا: ﴿رَبَّنا وسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وعِلْمًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: أنَّ الدُّعاءَ في أكْثَرِ الأُمُورِ مَذْكُورٌ بِلَفْظِ ”رَبَّنا“ ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّ المَلائِكَةَ عِنْدَ الدُّعاءِ قالُوا: ﴿رَبَّنا﴾ بِدَلِيلِ هَذِهِ الآيَةِ، وقالَ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿رَبَّنا ظَلَمْنا أنْفُسَنا﴾ وقالَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿رَبِّ إنِّي أعُوذُ بِكَ أنْ أسْألَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾ [هُودٍ: ٤٧] وقالَ أيْضًا: ﴿رَبِّ إنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا ونَهارًا﴾ [نُوحٍ: ٥] وقالَ أيْضًا: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي ولِوالِدَيَّ﴾ [نُوحٍ: ٢٨] وقالَ عَنْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿رَبِّ أرِنِي كَيْفَ تُحْيِ المَوْتى﴾ [البَقَرَةِ: ٢٦٠] وقالَ: ﴿رَبَّنا اغْفِرْ لِي ولِوالِدَيَّ ولِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الحِسابُ﴾ [إبْراهِيمَ: ٤١] وقالَ: ﴿رَبَّنا واجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ ومِن ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ [البَقَرَةِ: ١٢٨] وقالَ عَنْ يُوسُفَ: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ المُلْكِ﴾ [يُوسُفَ: ١٠١] وقالَ عَنْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿رَبِّ أرِنِي أنْظُرْ إلَيْكَ﴾ [الأعْرافِ: ١٤٣] وقالَ في قِصَّةِ الوَكْزِ: ﴿رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ قالَ رَبِّ بِما أنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ [القَصَصِ: ١٧] وحَكى تَعالى عَنْ داوُدَ ﴿فاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وخَرَّ راكِعًا وأنابَ﴾ [ص: ٢٤] وعَنْ سُلَيْمانَ أنَّهُ قالَ: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وهَبْ لِي مُلْكًا﴾ [ص: ٣٥] وعَنْ زَكَرِيّا أنَّهُ ﴿نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا﴾ [مَرْيَمَ: ٣] وعَنْ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ قالَ: ﴿رَبَّنا أنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ﴾ [المائِدَةِ: ١١٤] وعَنْ مُحَمَّدٍ ﷺ أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ لَهُ: ﴿وقُلْ رَبِّ أعُوذُ بِكَ مِن هَمَزاتِ الشَّياطِينِ﴾ [المُؤْمِنُونَ: ٩٧] وحَكى عَنِ المُؤْمِنِينَ أنَّهم قالُوا: ﴿رَبَّنا ما خَلَقْتَ هَذا باطِلًا﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٩١] وأعادُوا هَذِهِ اللَّفْظَةَ خَمْسَ مَرّاتٍ، وحَكى أيْضًا عَنْهم أنَّهم قالُوا: ﴿غُفْرانَكَ رَبَّنا وإلَيْكَ المَصِيرُ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٨٥] إلى آخِرِ السُّورَةِ.
فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا أنَّ مِن أرْضى الدُّعاءِ أنْ يُنادِي العَبْدُ رَبَّهُ بِقَوْلِهِ: يا رَبِّ، وتَمامُ الإشْكالِ فِيهِ أنْ يُقالَ: لَفْظُ (اللَّهُ) أعْظَمُ مِن لَفْظِ (الرَّبُّ)، فَلِمَ صارَ لَفْظُ الرَّبِّ مُخْتَصًّا بِوَقْتِ الدُّعاءِ؟، والجَوابُ: كَأنَّ العَبْدَ يَقُولُ: كُنْتُ في كَتْمِ العَدَمِ والمَحْضِ والنَّفْيِ الصِّرْفِ، فَأخْرَجْتَنِي إلى الوُجُودِ، ورَبَّيْتَنِي فاجْعَلْ تَرْبِيَتِكَ لِي شَفِيعًا إلَيْكَ في أنْ لا تُخَلِّيَنِي طَرْفَةَ عَيْنٍ عَنْ تَرْبِيَتِكَ وإحْسانِكَ وفَضْلِكَ.
صفحة ٣٢
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: السُّنَّةُ في الدُّعاءِ، يَبْدَأُ فِيهِ بِالثَّناءِ عَلى اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ يَذْكُرُ الدُّعاءَ عَقِيبَهُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ، فَإنَّ المَلائِكَةَ لَمّا عَزَمُوا عَلى الدُّعاءِ والِاسْتِغْفارِ لِلْمُؤْمِنِينَ بَدَءُوا بِالثَّناءِ فَقالُوا: ﴿رَبَّنا وسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وعِلْمًا﴾ وأيْضًا أنَّ الخَلِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا أرادَ أنْ يَذْكُرَ الدُّعاءَ ذَكَرَ الثَّناءَ أوَّلًا فَقالَ: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهو يَهْدِينِ والَّذِي هو يُطْعِمُنِي ويَسْقِينِ وإذا مَرِضْتُ فَهو يَشْفِينِ والَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ والَّذِي أطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الشُّعَراءِ: ٧٨ ٨٢] فَكُلُّ هَذا ثَناءٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ بَعْدَهُ ذَكَرَ الدُّعاءَ فَقالَ: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ [الشُّعَراءِ: ٨٣] .
* * *
واعْلَمْ أنَّ العَقْلَ يَدُلُّ أيْضًا عَلى رِعايَةِ هَذا التَّرْتِيبِ، وذَلِكَ أنَّ ذِكْرَ اللَّهِ بِالثَّناءِ والتَّعْظِيمِ بِالنِّسْبَةِ إلى جَوْهَرِ الرُّوحِ كالإكْسِيرِ الأعْظَمِ بِالنِّسْبَةِ إلى النُّحاسِ، فَكَما أنَّ ذَرَّةً مِنَ الإكْسِيرِ إذا وقَعَتْ عَلى عالَمٍ مِنَ النُّحاسِ انْقَلَبَ الكُلُّ ذَهَبًا إبْرِيزًا، فَكَذَلِكَ إذا وقَعَتْ ذَرَّةٌ مِن إكْسِيرِ مَعْرِفَةِ جَلالِ اللَّهِ تَعالى عَلى جَوْهَرِ الرُّوحِ النُّطْقِيَّةِ، انْقَلَبَ مِن نُحُوسَةِ النُّحاسَةِ إلى صَفاءِ القُدْسِ وبَقاءِ عالَمِ الطَّهارَةِ، فَثَبَتَ أنَّ عِنْدَ إشْراقِ نُورِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى في جَواهِرِ الرُّوحِ، يَصِيرُ الرُّوحُ أقْوى صَفاءً وأكْمَلَ إشْراقًا، ومَتى صارَ كَذَلِكَ كانَتْ قُوَّتُهُ أقْوى وتَأْثِيرُهُ أكْمَلَ، فَكانَ حُصُولُ الشَّيْءِ المَطْلُوبِ بِالدُّعاءِ أقْرَبَ وأكْمَلَ، وهَذا هو السَّبَبُ في تَقْدِيمِ الثَّناءِ عَلى اللَّهِ عَلى الدُّعاءِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اعْلَمْ أنَّ المَلائِكَةَ وصَفُوا اللَّهَ تَعالى بِثَلاثَةِ أنْواعٍ مِنَ الصِّفاتِ: الرُّبُوبِيَّةُ والرَّحْمَةُ والعِلْمُ، أمّا الرُّبُوبِيَّةُ فَهي إشارَةٌ إلى الإيجادِ والإبْداعِ، وفِيهِ لَطِيفَةٌ أُخْرى وهي أنَّ قَوْلَهم: ﴿رَبَّنا﴾ إشارَةٌ إلى التَّرْبِيَةِ، والتَّرْبِيَةُ عِبارَةٌ عَنْ إبْقاءِ الشَّيْءِ عَلى أكْمَلِ أحْوالِهِ وأحْسَنِ صِفاتِهِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذِهِ المُمْكِناتِ، كَما أنَّها مُحْتاجَةٌ حالَ حُدُوثِها إلى إحْداثِ الحَقِّ سُبْحانَهُ وتَعالى وإيجادِهِ، فَكَذَلِكَ إنَّها مُحْتاجَةٌ حالَ بَقائِها إلى إبْقاءِ اللَّهِ، وأمّا الرَّحْمَةُ فَهي إشارَةٌ إلى أنَّ جانِبَ الخَيْرِ والرَّحْمَةِ والإحْسانِ راجِحٌ عَلى جانِبِ الضُّرِّ، وأنَّهُ تَعالى إنَّما خَلَقَ الخَلْقَ لِلرَّحْمَةِ والخَيْرِ، لا لِلْإضْرارِ والشَّرِّ، فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ: ﴿رَبَّنا وسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وعِلْمًا﴾ فِيهِ سُؤالٌ؛ لِأنَّ العِلْمَ وسِعَ كُلَّ شَيْءٍ، أمّا الرَّحْمَةُ فَما وصَلَتْ إلى كُلِّ شَيْءٍ؛ لِأنَّ المَضْرُورَ حالَ وُقُوعِهِ في الضُّرِّ، لا يَكُونُ ذَلِكَ الضَّرَرُ رَحْمَةً، وهَذا السُّؤالُ أيْضًا مَذْكُورٌ في قَوْلِهِ: ﴿ورَحْمَتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ قُلْنا: كُلُّ وُجُودٍ فَقَدْ نالَ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى نَصِيبًا؛ وذَلِكَ لِأنَّ المَوْجُودَ إمّا واجِبٌ وإمّا مُمْكِنٌ، أمّا الواجِبُ فَلَيْسَ إلّا اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى، وأمّا المُمْكِنُ فَوُجُودُهُ مِنَ اللَّهِ تَعالى وبِإيجادِهِ، وذَلِكَ رَحْمَةٌ، فَثَبَتَ أنَّهُ لا مَوْجُودَ غَيْرُ اللَّهِ إلّا وقَدْ وصَلَ إلَيْهِ نَصِيبٌ ونِصابٌ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ، فَلِهَذا قالَ: ﴿رَبَّنا وسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وعِلْمًا﴾ وفي الآيَةِ دَقِيقَةٌ أُخْرى، وهي أنَّ المَلائِكَةَ قَدَّمُوا ذِكْرَ الرَّحْمَةِ عَلى ذِكْرِ العِلْمِ فَقالُوا: ﴿رَبَّنا وسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وعِلْمًا﴾ وذَلِكَ لِأنَّ مَطْلُوبَهم إيصالُ الرَّحْمَةِ وأنْ يَتَجاوَزَ عَمّا عَلِمَهُ مِنهم مِن أنْواعِ الذُّنُوبِ، فالمَطْلُوبُ بِالذّاتِ هو الرَّحْمَةُ، والمَطْلُوبُ بِالعَرَضِ أنْ يَتَجاوَزَ عَمّا عَلِمَهُ مِنهم، والمَطْلُوبُ بِالذّاتِ مُقَدَّمٌ عَلى
صفحة ٣٣
المَطْلُوبِ بِالعَرْضِ، ألا تَرى أنَّهُ لَمّا كانَ إبْقاءُ الصِّحَّةِ مَطْلُوبًا بِالذّاتِ وإزالَةُ المَرَضِ مَطْلُوبًا بِالعَرَضِ، لا جَرَمَ لَمّا ذَكَرُوا حَدَّ الطِّبِّ قَدَّمُوا فِيهِ حِفْظَ الصِّحَّةِ عَلى إزالَةِ المَرَضِ، فَقالُوا: الطِّبُّ عِلْمٌ يُتَعَرَّفُ مِنهُ أحْوالُ بَدَنِ الإنْسانِ مِن جِهَةِ ما يَصْلُحُ ويَزُولُ عَنِ الصِّحَّةِ لِتُحْفَظَ الصِّحَّةُ حاصِلَةً وتُسْتَرَدَّ زائِلَةً، فَكَذا هاهُنا المَطْلُوبُ بِالذّاتِ هو الرَّحْمَةُ، وأمّا التَّجاوُزُ عَمّا عَلِمَهُ مِنهم مِن أنْواعِ الذُّنُوبِ فَهو مَطْلُوبٌ بِالعَرَضِ؛ لِأجْلِ أنَّ حُصُولَ الرَّحْمَةِ عَلى سَبِيلِ الكَمالِ لا يَحْصُلُ إلّا بِالتَّجاوُزِ عَنِ الذُّنُوبِ، فَلِهَذا السَّبَبِ وقَعَ ذِكْرُ الرَّحْمَةِ سابِقًا عَلى ذِكْرِ العِلْمِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ المَقْصُودَ بِالقِصَّةِ الأُولى في الخَلْقِ والتَّكْوِينِ إنَّما هو الرَّحْمَةُ والفَضْلُ والجُودُ والكَرَمُ، ودَلَّتِ الدَّلائِلُ اليَقِينِيَّةُ عَلى أنَّ كُلَّ ما دَخَلَ في الوُجُودِ مِن أنْواعِ الخَيْرِ والشَّرِّ والسَّعادَةِ والشَّقاوَةِ فَبِقَضاءِ اللَّهِ وقَدَرِهِ، والجَمْعُ بَيْنَ هَذَيْنِ الأصْلَيْنِ في غايَةِ الصُّعُوبَةِ، فَعِنْدَ هَذا قالَتِ الحُكَماءُ: الخَيْرُ مُرادٌ مَرْضِيُّ، والشَّرُّ مُرادٌ مَكْرُوهٌ، والخَيْرُ مَقْضِيٌّ بِهِ بِالذّاتِ، والشَّرُّ مَقْضِيٌّ بِهِ بِالعَرَضِ، وفِيهِ غَوْرٌ عَظِيمٌ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وعِلْمًا﴾ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ سُبْحانَهُ عالِمًا بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ الَّتِي لا نِهايَةَ لَها مِنَ الكُلِّيّاتِ والجُزْئِيّاتِ، وأيْضًا فَلَوْلا ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ في الدُّعاءِ والتَّضَرُّعِ فائِدَةٌ؛ لِأنَّهُ إذا جازَ أنْ يَخْرُجَ عَنْ عِلْمِهِ بَعْضُ الأشْياءِ، فَعَلى هَذا التَّقْدِيرِ لا يَعْرِفُ هَذا الدّاعِي أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ يَعْلَمُهُ ويَعْلَمُ دُعاءَهُ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ لا يَبْقى في الدُّعاءِ فائِدَةٌ البَتَّةَ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْهم كَيْفِيَّةَ ثَنائِهِمْ عَلى اللَّهِ تَعالى حَكى عَنْهم كَيْفِيَّةَ دُعائِهِمْ، وهو أنَّهم قالُوا: ﴿فاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا واتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وقِهِمْ عَذابَ الجَحِيمِ﴾ واعْلَمْ أنَّ المَلائِكَةَ طَلَبُوا بِالدُّعاءِ مِنَ اللَّهِ تَعالى أشْياءَ كَثِيرَةً لِلْمُؤْمِنِينَ، فالمَطْلُوبُ الأوَّلُ الغُفْرانُ، وقَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ في قَوْلِهِ: ﴿فاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا واتَّبَعُوا سَبِيلَكَ﴾ فَإنْ قِيلَ: لا مَعْنى لِلْغُفْرانِ إلّا إسْقاطُ العَذابِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَلا فَرْقَ بَيْنَ قَوْلِهِ: فاغْفِرْ لَهم، وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿وقِهِمْ عَذابَ الجَحِيمِ﴾ قُلْنا: دَلالَةُ لَفْظِ المَغْفِرَةِ عَلى إسْقاطِ عَذابِ الجَحِيمِ دَلالَةٌ حاصِلَةٌ عَلى الرَّمْزِ والإشارَةِ، فَلَمّا ذَكَرُوا هَذا الدُّعاءَ عَلى سَبِيلِ الرَّمْزِ والإشارَةِ أرْدَفُوهُ بِذِكْرِهِ عَلى سَبِيلِ التَّصْرِيحِ لِأجْلِ التَّأْكِيدِ والمُبالَغَةِ، واعْلَمْ أنَّهم لَمّا طَلَبُوا مِنَ اللَّهِ إزالَةَ العَذابِ عَنْهم أرْدَفُوهُ بِأنْ طَلَبُوا مِنَ اللَّهِ إيصالَ الثَّوابِ إلَيْهِمْ فَقالُوا: ﴿رَبَّنا وأدْخِلْهم جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وعَدْتَهُمْ﴾ فَإنْ قِيلَ: أنْتُمْ زَعَمْتُمْ أنَّ هَذِهِ الشَّفاعَةَ إنَّما حَصَلَتْ لِلْمُذْنِبِينَ وهَذِهِ الآيَةُ تُبْطِلُ ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ تَعالى ما وعَدَ المُذْنِبِينَ بِأنْ يُدْخِلَهم في جَنّاتِ عَدْنٍ، قُلْنا: لا نُسَلِّمُ أنَّهُ ما وعَدَهم بِذَلِكَ؛ لِأنّا بَيَّنّا أنَّ الدَّلائِلَ الكَثِيرَةَ في القُرْآنِ دَلَّتْ عَلى أنَّهُ تَعالى لا يُخَلِّدُ أهْلَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ في النّارِ، وإذا أخْرَجَهم مِنَ النّارِ وجَبَ أنَّ يُدْخِلَهُمُ الجَنَّةَ، فَكانَ هَذا وعْدًا مِنَ اللَّهِ تَعالى لَهم بِأنْ يُدْخِلَهم في جَنّاتِ عَدْنٍ، إمّا مِن غَيْرِ دُخُولِ النّارِ وإمّا بَعْدَ أنْ يُدْخِلَهُمُ النّارَ. قالَ تَعالى: ﴿ومَن صَلَحَ مِن آبائِهِمْ وأزْواجِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ﴾ يَعْنِي وأدْخِلْ مَعَهم في الجَنَّةِ هَؤُلاءِ الطَّوائِفَ الثَّلاثَ، وهُمُ الصّالِحُونَ مِنَ الآباءِ والأزْواجِ والذُّرِّيّاتِ، وذَلِكَ لِأنَّ الرَّجُلَ إذا حَضَرَ مَعَهُ في وضْعِ عَيْشِهِ وسُرُورِهِ أهْلُهُ وعَشِيرَتُهُ كانَ ابْتِهاجُهُ أكْمَلَ، قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: ”مَن صَلَحَ“ نُصِبَ مِن مَكانَيْنِ فَإنْ شِئْتَ رَدَدْتَهُ عَلى الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ: ﴿وأدْخِلْهُمْ﴾ وإنْ شِئْتَ في ﴿وعَدْتَهُمْ﴾ والمُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ومَن صَلَحَ﴾ أهْلُ الإيمانِ.
ثُمَّ قالُوا: ﴿إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ وإنَّما ذَكَرُوا في دُعائِهِمْ هَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ؛ لِأنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ عَزِيزًا بَلْ كانَ بِحَيْثُ يُغْلَبُ ويُمْنَعُ لَما
صفحة ٣٤
صَحَّ وُقُوعُ المَطْلُوبِ مِنهُ، ولَوْ لَمْ يَكُنْ حَكِيمًا لَما حَصَلَ هَذا المَطْلُوبُ عَلى وفْقِ الحِكْمَةِ والمَصْلَحَةِ، ثُمَّ قالُوا بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿وقِهِمُ السَّيِّئاتِ﴾ قالَ بَعْضُهم: المُرادُ وقِهِمْ عَذابَ السَّيِّئاتِ، فَإنْ قِيلَ: فَعَلى هَذا التَّقْدِيرِ لا فَرْقَ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿وقِهِمُ السَّيِّئاتِ﴾ وبَيْنَ ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿وقِهِمْ عَذابَ الجَحِيمِ﴾ وحِينَئِذٍ يَلْزَمُ التَّكْرارُ الخالِي عَنِ الفائِدَةِ، وإنَّهُ لا يَجُوزُ، قُلْنا: بَلِ التَّفاوُتُ حاصِلٌ مِن وجْهَيْنِ؛ الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿وقِهِمْ عَذابَ الجَحِيمِ﴾ دُعاءً مَذْكُورًا لِلْأُصُولِ وقَوْلُهُ: ﴿وقِهِمُ السَّيِّئاتِ﴾ دُعاءً مَذْكُورًا لِلْفُرُوعِ. الثّانِي: أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿وقِهِمْ عَذابَ الجَحِيمِ﴾ مَقْصُورًا عَلى إزالَةِ الجَحِيمِ وقَوْلُهُ: ﴿وقِهِمُ السَّيِّئاتِ﴾ يَتَناوَلُ عَذابَ الجَحِيمِ وعَذابَ مَوْقِفِ القِيامَةِ وعَذابَ الحِسابِ والسُّؤالِ.
والقَوْلُ الثّانِي في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿وقِهِمُ السَّيِّئاتِ﴾ هو أنَّ المَلائِكَةَ طَلَبُوا إزالَةَ عَذابِ النّارِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿وقِهِمْ عَذابَ الجَحِيمِ﴾ وطَلَبُوا إيصالَ ثَوابِ الجَنَّةِ إلَيْهِمْ بِقَوْلِهِمْ: ﴿وأدْخِلْهم جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ ثُمَّ طَلَبُوا بَعْدَ ذَلِكَ أنْ يَصُونَهُمُ اللَّهُ تَعالى في الدُّنْيا عَنِ العَقائِدِ الفاسِدَةِ والأعْمالِ الفاسِدَةِ، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿وقِهِمُ السَّيِّئاتِ﴾ ثُمَّ قالُوا: ﴿ومَن تَقِ السَّيِّئاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ﴾ يَعْنِي ومَن تَقِ السَّيِّئاتِ في الدُّنْيا فَقَدْ رَحِمْتَهُ في يَوْمِ القِيامَةِ، ثُمَّ قالُوا: ﴿وذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ حَيْثُ وجَدُوا بِأعْمالٍ مُنْقَطِعَةٍ نَعِيمًا لا يَنْقَطِعُ، وبِأعْمالٍ حَقِيرَةٍ مُلْكًا لا تَصِلُ العُقُولَ إلى كُنْهِ جَلالَتِهِ.
غافر 40:8
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ ومَن حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ويُؤْمِنُونَ بِهِ ويَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا وسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وعِلْمًا فاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا واتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وقِهِمْ عَذابَ الجَحِيمِ﴾ ﴿رَبَّنا وأدْخِلْهم جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وعَدْتَهم ومَن صَلَحَ مِن آبائِهِمْ وأزْواجِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ﴿وقِهِمُ السَّيِّئاتِ ومَن تَقِ السَّيِّئاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ الكُفّارَ يُبالِغُونَ في إظْهارِ العَداوَةِ مَعَ المُؤْمِنِينَ، بَيَّنَ أنَّ أشْرَفَ طَبَقاتِ المَخْلُوقاتِ هُمُ المَلائِكَةُ الَّذِينَ هم حَمَلَةُ العَرْشِ، والحافُّونَ حَوْلَ العَرْشِ يُبالِغُونَ في إظْهارِ المَحَبَّةِ والنُّصْرَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ، كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: إنْ كانَ هَؤُلاءِ الأراذِلُ يُبالِغُونَ في العَداوَةِ فَلا تُبالِ بِهِمْ ولا تَلْتَفِتْ إلَيْهِمْ ولا تُقِمْ لَهم وزْنًا، فَإنَّ حَمَلَةَ العَرْشِ مَعَكَ، والحافُّونَ مِن حَوْلِ العَرْشِ مَعَكَ يَنْصُرُونَكَ. وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْ نَوْعَيْنِ مِن فِرَقِ المَلائِكَةِ هَذِهِ الحِكايَةَ:
القِسْمُ الأوَّلُ: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ﴾ وقَدْ حَكى تَعالى أنَّ الَّذِينَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ يَوْمَ القِيامَةِ ثَمانِيَةٌ، فَيُمْكِنُ أنْ يُقالَ: الَّذِينَ يَحْمِلُونَ في هَذا الوَقْتِ هم أُولَئِكَ الثَّمانِيَةُ الَّذِينَ يَحْمِلُونَهُ يَوْمَ القِيامَةِ، ولا شَكَّ أنَّ حَمَلَةَ العَرْشِ أشْرافُ المَلائِكَةِ وأكابِرُهم، رَوى صاحِبُ ”الكَشّافِ“ أنَّ حَمَلَةَ العَرْشِ أرْجُلُهم في الأرْضِ السُّفْلى ورُءُوسُهم قَدْ خَرَقَتِ العَرْشَ وهم خُشُوعٌ لا يَرْفَعُونَ طَرْفَهم، وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ”«لا تَتَفَكَّرُوا في عِظَمِ رَبِّكم ولَكِنْ تَفَكَّرُوا فِيما خَلَقَ اللَّهُ تَعالى مِنَ المَلائِكَةِ، فَإنَّ خَلْقًا مِنَ المَلائِكَةِ يُقالُ لَهُ: إسْرافِيلُ، زاوِيَةُ العَرْشِ عَلى كاهِلِهِ، وقَدَماهُ في الأرْضِ السُّفْلى، وقَدْ مَرَقَ رَأْسُهُ مِن سَبْعِ سَماواتٍ، وإنَّهُ لَيَتَضاءَلُ مِن عَظَمَةِ اللَّهِ حَتّى يَصِيرَ كَأنَّهُ الوَضْعُ» “ قِيلَ: إنَّهُ طائِرٌ صَغِيرٌ، ورُوِيَ أنَّ اللَّهَ أمَرَ جَمِيعَ المَلائِكَةِ أنْ يَغْدُوا ويَرُوحُوا بِالسَّلامِ عَلى حَمَلَةِ العَرْشِ؛ تَفْضِيلًا لَهم عَلى سائِرِ المَلائِكَةِ، وقِيلَ: خَلَقَ اللَّهُ العَرْشَ مِن جَوْهَرَةٍ خَضْراءَ، وبَيْنَ القائِمَتَيْنِ مِن قَوائِمِهِ خَفَقانُ الطَّيْرِ المُسْرِعِ ثَمانِينَ ألْفَ عامٍ، وقِيلَ: حَوْلَ العَرْشِ سَبْعُونَ ألْفَ صَفٍّ مِنَ المَلائِكَةِ يَطُوفُونَ بِهِ مُهَلِّلِينَ مُكَبِّرِينَ، ومِن ورائِهِمْ سَبْعُونَ ألْفَ صَفٍّ قِيامٍ قَدْ وضَعُوا أيْدِيَهم عَلى عَواتِقِهِمْ رافِعِينَ أصْواتَهم بِالتَّهْلِيلِ والتَّكْبِيرِ، ومِن ورائِهِمْ مِائَةُ ألْفِ صَفٍّ وقَدْ وضَعُوا الأيْمانَ عَلى الشَّمائِلِ، ما مِنهم أحَدٌ إلّا ويُسَبِّحُ بِما لا يُسَبِّحُ بِهِ الآخَرُ، هَذِهِ الآثارُ نَقَلْتُها مِنَ ”الكَشّافِ“ .
وأمّا القِسْمُ الثّانِي مِنَ المَلائِكَةِ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن حَوْلَهُ﴾ والأظْهَرُ أنَّ المُرادَ مِنهم ما ذَكَرَهُ في قَوْلِهِ: ﴿وتَرى المَلائِكَةَ حافِّينَ مِن حَوْلِ العَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾
صفحة ٢٩
وأقُولُ: العَقْلُ يَدُلُّ عَلى أنَّ حَمَلَةَ العَرْشِ والحافِّينَ حَوْلَ العَرْشِ يَجِبُ أنْ يَكُونُوا أفْضَلَ المَلائِكَةِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ نِسْبَةَ الأرْواحِ إلى الأرْواحِ كَنِسْبَةِ الأجْسادِ إلى الأجْسادِ، فَلَمّا كانَ العَرْشُ أشْرَفَ المَوْجُوداتِ الجُسْمانِيَّةِ كانَتِ الأرْواحُ المُتَعَلِّقَةُ بِتَدْبِيرِ العَرْشِ يَجِبُ أنْ تَكُونَ أفْضَلَ مِنَ الأرْواحِ المُدَبِّرَةِ لِلْأجْسادِ، وأيْضًا يُشْبِهُ أنْ يَكُونَ هُناكَ أرْواحٌ حامِلَةٌ لِجِسْمِ العَرْشِ ثُمَّ يَتَوَلَّدُ عَنْ تِلْكَ الأرْواحِ القاهِرَةِ المُسْتَعْلِيَةِ لِجِسْمِ العَرْشِ أرْواحٌ أُخَرُ مِن جِنْسِها، وهي مُتَعَلِّقَةٌ بِأطْرافِ العَرْشِ، وإلَيْهِمُ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿وتَرى المَلائِكَةَ حافِّينَ مِن حَوْلِ العَرْشِ﴾ وبِالجُمْلَةِ فَقَدْ ظَهَرَ بِالبَراهِينِ اليَقِينِيَّةِ، وبِالمُكاشَفاتِ الصّادِقَةِ أنَّهُ لا نِسْبَةَ لِعالَمِ الأجْسادِ إلى عالَمِ الأرْواحِ، فَكُلُّ ما شاهَدْتَهُ بِعَيْنِ البَصَرِ في اخْتِلافِ مَراتِبِ عالَمِ الأجْسادِ، فَيَجِبُ أنْ تُشاهِدَهُ بِعَيْنِ بَصِيرَتِكَ في اخْتِلافِ مَراتِبِ عالَمِ الأرْواحِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ مُنَزَّهٌ عَنْ أنْ يَكُونَ في العَرْشِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى قالَ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ﴾ وقالَ في آيَةٍ أُخْرى: ﴿ويَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهم يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ﴾ [الحاقَّةِ: ١٧] ولا شَكَّ أنَّ حامِلَ العَرْشِ يَكُونُ حامِلًا لِكُلِّ مَن في العَرْشِ، فَلَوْ كانَ إلَهُ العالَمِ في العَرْشِ لَكانَ هَؤُلاءِ المَلائِكَةُ حامِلِينَ لِإلَهِ العالَمِ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُونَ حافِظِينَ لِإلَهِ العالَمِ، والحافِظُ القادِرُ أوْلى بِالإلَهِيَّةِ، والمَحْمُولُ المَحْفُوظُ أوْلى بِالعُبُودِيَّةِ، فَحِينَئِذٍ يَنْقَلِبُ الإلَهُ عَبْدًا والعَبْدُ إلَهًا، وذَلِكَ فاسِدٌ، فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّ إلَهَ العَرْشِ والأجْسامِ مُتَعالٍ عَنِ العَرْشِ والأجْسامِ.
* * *
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْ حَمَلَةِ العَرْشِ، وعَنِ الحافِّينَ بِالعَرْشِ ثَلاثَةَ أشْياءَ:
النَّوْعُ الأوَّلُ قَوْلُهُ: ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ حِكايَةً عَنِ المَلائِكَةِ: ﴿ونَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾ [البَقَرَةِ: ٣٠] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَرى المَلائِكَةَ حافِّينَ مِن حَوْلِ العَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ فالتَّسْبِيحُ عِبارَةٌ عَنْ تَنْزِيهِ اللَّهِ تَعالى عَمّا لا يَنْبَغِي، والتَّحْمِيدُ الِاعْتِرافُ بِأنَّهُ هو المُنْعِمُ عَلى الإطْلاقِ، فالتَّسْبِيحُ إشارَةٌ إلى الجَلالِ والتَّحْمِيدُ إشارَةٌ إلى الإكْرامِ، فَقَوْلُهُ: ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ قَرِيبٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الجَلالِ والإكْرامِ﴾ [الرَّحْمَنِ: ٧٨] .
النَّوْعُ الثّانِي مِمّا حَكى اللَّهُ عَنْ هَؤُلاءِ المَلائِكَةِ هو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ فَإنْ قِيلَ: فَأيُّ فائِدَةٍ في قَوْلِهِ: ﴿ويُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ فَإنَّ الِاشْتِغالَ بِالتَّسْبِيحِ والتَّحْمِيدِ لا يُمْكِنُ إلّا وقَدْ سَبَقَ الإيمانُ بِاللَّهِ؟ قُلْنا: الفائِدَةُ فِيهِ ما ذَكَرَهُ صاحِبُ ”الكَشّافِ“، وقَدْ أحْسَنَ فِيهِ جِدًّا فَقالَ: إنَّ المَقْصُودَ مِنهُ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى لَوْ كانَ حاضِرًا بِالعَرْشِ لَكانَ حَمَلَةُ العَرْشِ والحافُّونَ حَوْلَ العَرْشِ يُشاهِدُونَهُ ويُعايِنُونَهُ، ولَمّا كانَ إيمانُهم بِوُجُودِ اللَّهِ مُوجِبًا لِلْمَدْحِ والثَّناءِ؛ لِأنَّ الإقْرارَ بِوُجُودِ شَيْءٍ حاضِرٍ مُشاهَدٍ مُعايَنٍ لا يُوجِبُ المَدْحَ والثَّناءَ، ألا تَرى أنَّ الإقْرارَ بِوُجُودِ الشَّمْسِ وكَوْنِها مُضِيئَةً لا يُوجِبُ المَدْحَ والثَّناءَ، فَلَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى إيمانَهم بِاللَّهِ عَلى سَبِيلِ الثَّناءِ والمَدْحِ والتَّعْظِيمِ، عُلِمَ أنَّهم آمَنُوا بِهِ بِدَلِيلِ أنَّهم ما شاهَدُوهُ حاضِرًا جالِسًا هُناكَ، ورَحِمَ اللَّهُ صاحِبَ ”الكَشّافِ“ فَلَوْ لَمْ يُحَصِّلْ في كِتابِهِ إلّا هَذِهِ النُّكْتَةَ لَكَفاهُ فَخْرًا وشَرَفًا.
النَّوْعُ الثّالِثُ مِمّا حَكى اللَّهُ عَنْ هَؤُلاءِ المَلائِكَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ اعْلَمْ أنَّهُ ثَبَتَ أنَّ كَمالَ السَّعادَةِ مَرْبُوطٌ بِأمْرَيْنِ: التَّعْظِيمُ لِأمْرِ اللَّهِ، والشَّفَقَةُ عَلى خَلْقِ اللَّهِ، ويَجِبُ أنْ يَكُونَ التَّعْظِيمُ لِأمْرِ اللَّهِ مُقَدَّمًا عَلى الشَّفَقَةِ عَلى خَلْقِ اللَّهِ فَقَوْلُهُ: ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ويُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ مُشْعِرٌ بِالتَّعْظِيمِ لِأمْرِ اللَّهِ وقَوْلُهُ:
صفحة ٣٠
﴿ويَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ مُشْعِرٌ بِالشَّفَقَةِ عَلى خَلْقِ اللَّهِ.
ثُمَّ في الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: احْتَجَّ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ بِهَذِهِ الآيَةِ في إثْباتِ أنَّ المَلَكَ أفْضَلُ مِنَ البَشَرِ، قالُوا: لِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ المَلائِكَةَ لَمّا فَرَغُوا مِن ذِكْرِ اللَّهِ بِالثَّناءِ والتَّقْدِيسِ اشْتَغَلُوا بِالِاسْتِغْفارِ لِغَيْرِهِمْ وهُمُ المُؤْمِنُونَ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهم مُسْتَغْنُونَ عَنِ الِاسْتِغْفارِ لِأنْفُسِهِمْ؛ إذْ لَوْ كانُوا مُحْتاجِينَ إلَيْهِ لَقَدَّمُوا الِاسْتِغْفارَ لِأنْفُسِهِمْ عَلى الِاسْتِغْفارِ لِغَيْرِهِمْ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ ﷺ: ”«ابْدَأْ بِنَفْسِكَ» “ وأيْضًا قالَ تَعالى لِمُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿فاعْلَمْ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ولِلْمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾ [مُحَمَّدٍ: ١٩] فَأمَرَ مُحَمَّدًا أنْ يَذْكُرَ أوَّلًا الِاسْتِغْفارَ لِنَفْسِهِ، ثُمَّ بَعْدَهُ يَذْكُرُ الِاسْتِغْفارَ لِغَيْرِهِ، وحَكى عَنْ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ قالَ: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي ولِوالِدَيَّ ولِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا ولِلْمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾ [نُوحٍ: ٢٨] وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ مَن كانَ مُحْتاجًا إلى الِاسْتِغْفارِ فَإنَّهُ يُقَدِّمُ الِاسْتِغْفارَ لِنَفْسِهِ عَلى الِاسْتِغْفارِ لِغَيْرِهِ، فالمَلائِكَةُ لَوْ كانُوا مُحْتاجِينَ إلى الِاسْتِغْفارِ لَكانَ اشْتِغالُهم بِالِاسْتِغْفارِ لِأنْفُسِهِمْ مُقَدَّمًا عَلى اشْتِغالِهِمْ بِالِاسْتِغْفارِ لِغَيْرِهِمْ، ولَمّا لَمْ يَذْكُرِ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمُ اسْتِغْفارَهم لِأنْفُسِهِمْ عَلِمْنا أنَّ ذَلِكَ إنَّما كانَ لِأنَّهم ما كانُوا مُحْتاجِينَ إلى الِاسْتِغْفارِ، وأمّا الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فَقَدْ كانُوا مُحْتاجِينَ إلى الِاسْتِغْفارِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى لِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ وإذا ثَبَتَ هَذا فَقَدْ ظَهَرَ أنَّ المَلَكَ أفْضَلُ مِنَ البَشَرِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ الكَعْبِيُّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ تَأْثِيرَ الشَّفاعَةِ في حُصُولِ زِيادَةِ الثَّوابِ لِلْمُؤْمِنِينَ، لا في إسْقاطِ العِقابِ عَنِ المُذْنِبِينَ، قالَ: وذَلِكَ لِأنَّ المَلائِكَةَ قالُوا: ﴿فاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا واتَّبَعُوا سَبِيلَكَ﴾ قالَ: ولَيْسَ المُرادُ فاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا مِنَ الكُفْرِ، سَواءٌ كانَ مُصِرًّا عَلى الفِسْقِ أوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ مَن هَذا حالُهُ لا يُوصَفُ بِكَوْنِهِ مُتَّبِعًا سَبِيلَ رَبِّهِ، ولا يُطْلَقُ ذَلِكَ فِيهِ، وأيْضًا إنَّ المَلائِكَةَ يَقُولُونَ: ﴿وأدْخِلْهم جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وعَدْتَهُمْ﴾ وهَذا لا يَلِيقُ بِالفاسِقِينَ؛ لِأنَّ خُصُومَنا لا يَقْطَعُونَ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى وعَدَهُمُ الجَنَّةَ وإنَّما يُجَوِّزُونَ ذَلِكَ، فَثَبَتَ أنَّ شَفاعَةَ المَلائِكَةِ لا تَتَناوَلُ إلّا أهْلَ الطّاعَةِ، فَوَجَبَ أنْ تَكُونَ شَفاعَةُ الأنْبِياءِ كَذَلِكَ، ضَرُورَةَ أنَّهُ لا قائِلَ بِالفَرْقِ، والجَوابُ أنْ نَقُولَ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى حُصُولِ الشَّفاعَةِ مِنَ المَلائِكَةِ لِلْمُذْنِبِينَ، فَنُبَيِّنُ هَذا ثُمَّ نُجِيبُ عَمّا ذَكَرَهُ الكَعْبِيُّ، أمّا بَيانُ دَلالَةِ هَذِهِ الآيَةِ عَلى ما قُلْناهُ فَمِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿ويَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ والِاسْتِغْفارُ طَلَبُ المَغْفِرَةِ، والمَغْفِرَةُ لا تُذْكَرُ إلّا في إسْقاطِ العِقابِ. أمّا طَلَبُ النَّفْعِ الزّائِدِ فَإنَّهُ لا يُسَمّى اسْتِغْفارًا.
الثّانِي: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهم يَسْتَغْفِرُونَ لِكُلِّ أهْلِ الإيمانِ، فَإذا دَلَّلْنا عَلى أنَّ صاحِبَ الكَبِيرَةِ مُؤْمِنٌ وجَبَ دُخُولُهُ تَحْتَ هَذِهِ الشَّفاعَةِ.
الثّالِثُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا﴾ طَلَبُ المَغْفِرَةِ لِلَّذِينِ تابُوا، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ إسْقاطَ عُقُوبَةِ الكَبِيرَةِ بَعْدَ التَّوْبَةِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ واجِبٌ عَلى اللَّهِ عِنْدَ الخَصْمِ، وما كانَ فِعْلُهُ واجِبًا كانَ طَلَبُهُ بِالدُّعاءِ قَبِيحًا، ولا يَجُوزُ أيْضًا أنْ يَكُونَ المُرادُ إسْقاطَ عُقُوبَةِ الصَّغائِرِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ أيْضًا واجِبٌ فَلا يَحْسُنُ طَلَبُهُ بِالدُّعاءِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ طَلَبَ زِيادَةِ مَنفَعَةٍ عَلى الثَّوابِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ لا يُسَمّى مَغْفِرَةً، فَثَبَتَ أنَّهُ لا يُمْكِنُ حَمْلُ قَوْلِهِ: ﴿فاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا﴾ إلّا عَلى إسْقاطِ عِقابِ الكَبِيرَةِ قَبْلَ التَّوْبَةِ، وإذا ثَبَتَ هَذا في حَقِّ المَلائِكَةِ فَكَذَلِكَ في حَقِّ الأنْبِياءِ لِانْعِقادِ الإجْماعِ عَلى أنَّهُ لا فَرْقَ، أمّا الَّذِي يَتَمَسَّكُ بِهِ الكَعْبِيُّ وهو أنَّهم طَلَبُوا المَغْفِرَةَ لِلَّذِينِ تابُوا، فَنَقُولُ: يَجِبُ أنْ
صفحة ٣١
يَكُونَ المُرادُ مِنهُ الَّذِينَ تابُوا عَنِ الكُفْرِ واتَّبَعُوا سَبِيلَ الإيمانِ، وقَوْلُهُ: إنَّ التّائِبَ عَنِ الكُفْرِ المُصِرِّ عَلى الفِسْقِ لا يُسَمّى تائِبًا ولا مُتَّبِعًا سَبِيلَ اللَّهِ، قُلْنا: لا نُسَلِّمُ قَوْلَهُ، بَلْ يُقالُ: إنَّهُ تائِبٌ عَنِ الكُفْرِ وتابِعٌ سَبِيلَ اللَّهِ في الدِّينِ والشَّرِيعَةِ، وإذا ثَبَتَ أنَّهُ تائِبٌ عَنِ الكُفْرِ ثَبَتَ أنَّهُ تائِبٌ، ألا تَرى أنَّهُ يَكْفِي في صِدْقِ وصْفِهِ بِكَوْنِهِ ضارِبًا وضاحِكًا صُدُورُ الضَّرْبِ والضَّحِكِ عَنْهُ مَرَّةً واحِدَةً، ولا يَتَوَقَّفُ ذَلِكَ عَلى صُدُورِ كُلِّ أنْواعِ الضَّرْبِ والضَّحِكِ عَنْهُ، فَكَذا هاهُنا.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ أهْلُ التَّحْقِيقِ: إنَّ هَذِهِ الشَّفاعَةَ الصّادِرَةَ عَنِ المَلائِكَةِ في حَقِّ البَشَرِ تَجْرِي مَجْرى اعْتِذارٍ عَنْ زَلَّةٍ سَبَقَتْ، وذَلِكَ لِأنَّهم قالُوا في أوَّلِ تَخْلِيقِ البَشَرِ: ﴿أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها ويَسْفِكُ الدِّماءَ﴾ [البَقَرَةِ: ٣٠] فَلَمّا سَبَقَ مِنهم هَذا الكَلامُ تَدارَكُوا في آخِرِ الأمْرِ بِأنْ قالُوا: ﴿فاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا واتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وقِهِمْ عَذابَ الجَحِيمِ﴾ وهَذا كالتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ مَن آذى غَيْرَهُ، فالأوْلى أنْ يَجْبُرَ ذَلِكَ الإيذاءَ بِإيصالِ نَفْعٍ عَلَيْهِ.
* * *
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنِ المَلائِكَةِ أنَّهم يَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينِ تابُوا، بَيَّنَ كَيْفِيَّةَ ذَلِكَ الِاسْتِغْفارِ، فَحَكى عَنْهم أنَّهم قالُوا: ﴿رَبَّنا وسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وعِلْمًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: أنَّ الدُّعاءَ في أكْثَرِ الأُمُورِ مَذْكُورٌ بِلَفْظِ ”رَبَّنا“ ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّ المَلائِكَةَ عِنْدَ الدُّعاءِ قالُوا: ﴿رَبَّنا﴾ بِدَلِيلِ هَذِهِ الآيَةِ، وقالَ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿رَبَّنا ظَلَمْنا أنْفُسَنا﴾ وقالَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿رَبِّ إنِّي أعُوذُ بِكَ أنْ أسْألَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾ [هُودٍ: ٤٧] وقالَ أيْضًا: ﴿رَبِّ إنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا ونَهارًا﴾ [نُوحٍ: ٥] وقالَ أيْضًا: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي ولِوالِدَيَّ﴾ [نُوحٍ: ٢٨] وقالَ عَنْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿رَبِّ أرِنِي كَيْفَ تُحْيِ المَوْتى﴾ [البَقَرَةِ: ٢٦٠] وقالَ: ﴿رَبَّنا اغْفِرْ لِي ولِوالِدَيَّ ولِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الحِسابُ﴾ [إبْراهِيمَ: ٤١] وقالَ: ﴿رَبَّنا واجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ ومِن ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ [البَقَرَةِ: ١٢٨] وقالَ عَنْ يُوسُفَ: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ المُلْكِ﴾ [يُوسُفَ: ١٠١] وقالَ عَنْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿رَبِّ أرِنِي أنْظُرْ إلَيْكَ﴾ [الأعْرافِ: ١٤٣] وقالَ في قِصَّةِ الوَكْزِ: ﴿رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ قالَ رَبِّ بِما أنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ [القَصَصِ: ١٧] وحَكى تَعالى عَنْ داوُدَ ﴿فاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وخَرَّ راكِعًا وأنابَ﴾ [ص: ٢٤] وعَنْ سُلَيْمانَ أنَّهُ قالَ: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وهَبْ لِي مُلْكًا﴾ [ص: ٣٥] وعَنْ زَكَرِيّا أنَّهُ ﴿نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا﴾ [مَرْيَمَ: ٣] وعَنْ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ قالَ: ﴿رَبَّنا أنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ﴾ [المائِدَةِ: ١١٤] وعَنْ مُحَمَّدٍ ﷺ أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ لَهُ: ﴿وقُلْ رَبِّ أعُوذُ بِكَ مِن هَمَزاتِ الشَّياطِينِ﴾ [المُؤْمِنُونَ: ٩٧] وحَكى عَنِ المُؤْمِنِينَ أنَّهم قالُوا: ﴿رَبَّنا ما خَلَقْتَ هَذا باطِلًا﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٩١] وأعادُوا هَذِهِ اللَّفْظَةَ خَمْسَ مَرّاتٍ، وحَكى أيْضًا عَنْهم أنَّهم قالُوا: ﴿غُفْرانَكَ رَبَّنا وإلَيْكَ المَصِيرُ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٨٥] إلى آخِرِ السُّورَةِ.
فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا أنَّ مِن أرْضى الدُّعاءِ أنْ يُنادِي العَبْدُ رَبَّهُ بِقَوْلِهِ: يا رَبِّ، وتَمامُ الإشْكالِ فِيهِ أنْ يُقالَ: لَفْظُ (اللَّهُ) أعْظَمُ مِن لَفْظِ (الرَّبُّ)، فَلِمَ صارَ لَفْظُ الرَّبِّ مُخْتَصًّا بِوَقْتِ الدُّعاءِ؟، والجَوابُ: كَأنَّ العَبْدَ يَقُولُ: كُنْتُ في كَتْمِ العَدَمِ والمَحْضِ والنَّفْيِ الصِّرْفِ، فَأخْرَجْتَنِي إلى الوُجُودِ، ورَبَّيْتَنِي فاجْعَلْ تَرْبِيَتِكَ لِي شَفِيعًا إلَيْكَ في أنْ لا تُخَلِّيَنِي طَرْفَةَ عَيْنٍ عَنْ تَرْبِيَتِكَ وإحْسانِكَ وفَضْلِكَ.
صفحة ٣٢
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: السُّنَّةُ في الدُّعاءِ، يَبْدَأُ فِيهِ بِالثَّناءِ عَلى اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ يَذْكُرُ الدُّعاءَ عَقِيبَهُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ، فَإنَّ المَلائِكَةَ لَمّا عَزَمُوا عَلى الدُّعاءِ والِاسْتِغْفارِ لِلْمُؤْمِنِينَ بَدَءُوا بِالثَّناءِ فَقالُوا: ﴿رَبَّنا وسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وعِلْمًا﴾ وأيْضًا أنَّ الخَلِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا أرادَ أنْ يَذْكُرَ الدُّعاءَ ذَكَرَ الثَّناءَ أوَّلًا فَقالَ: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهو يَهْدِينِ والَّذِي هو يُطْعِمُنِي ويَسْقِينِ وإذا مَرِضْتُ فَهو يَشْفِينِ والَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ والَّذِي أطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الشُّعَراءِ: ٧٨ ٨٢] فَكُلُّ هَذا ثَناءٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ بَعْدَهُ ذَكَرَ الدُّعاءَ فَقالَ: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ [الشُّعَراءِ: ٨٣] .
* * *
واعْلَمْ أنَّ العَقْلَ يَدُلُّ أيْضًا عَلى رِعايَةِ هَذا التَّرْتِيبِ، وذَلِكَ أنَّ ذِكْرَ اللَّهِ بِالثَّناءِ والتَّعْظِيمِ بِالنِّسْبَةِ إلى جَوْهَرِ الرُّوحِ كالإكْسِيرِ الأعْظَمِ بِالنِّسْبَةِ إلى النُّحاسِ، فَكَما أنَّ ذَرَّةً مِنَ الإكْسِيرِ إذا وقَعَتْ عَلى عالَمٍ مِنَ النُّحاسِ انْقَلَبَ الكُلُّ ذَهَبًا إبْرِيزًا، فَكَذَلِكَ إذا وقَعَتْ ذَرَّةٌ مِن إكْسِيرِ مَعْرِفَةِ جَلالِ اللَّهِ تَعالى عَلى جَوْهَرِ الرُّوحِ النُّطْقِيَّةِ، انْقَلَبَ مِن نُحُوسَةِ النُّحاسَةِ إلى صَفاءِ القُدْسِ وبَقاءِ عالَمِ الطَّهارَةِ، فَثَبَتَ أنَّ عِنْدَ إشْراقِ نُورِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى في جَواهِرِ الرُّوحِ، يَصِيرُ الرُّوحُ أقْوى صَفاءً وأكْمَلَ إشْراقًا، ومَتى صارَ كَذَلِكَ كانَتْ قُوَّتُهُ أقْوى وتَأْثِيرُهُ أكْمَلَ، فَكانَ حُصُولُ الشَّيْءِ المَطْلُوبِ بِالدُّعاءِ أقْرَبَ وأكْمَلَ، وهَذا هو السَّبَبُ في تَقْدِيمِ الثَّناءِ عَلى اللَّهِ عَلى الدُّعاءِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اعْلَمْ أنَّ المَلائِكَةَ وصَفُوا اللَّهَ تَعالى بِثَلاثَةِ أنْواعٍ مِنَ الصِّفاتِ: الرُّبُوبِيَّةُ والرَّحْمَةُ والعِلْمُ، أمّا الرُّبُوبِيَّةُ فَهي إشارَةٌ إلى الإيجادِ والإبْداعِ، وفِيهِ لَطِيفَةٌ أُخْرى وهي أنَّ قَوْلَهم: ﴿رَبَّنا﴾ إشارَةٌ إلى التَّرْبِيَةِ، والتَّرْبِيَةُ عِبارَةٌ عَنْ إبْقاءِ الشَّيْءِ عَلى أكْمَلِ أحْوالِهِ وأحْسَنِ صِفاتِهِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذِهِ المُمْكِناتِ، كَما أنَّها مُحْتاجَةٌ حالَ حُدُوثِها إلى إحْداثِ الحَقِّ سُبْحانَهُ وتَعالى وإيجادِهِ، فَكَذَلِكَ إنَّها مُحْتاجَةٌ حالَ بَقائِها إلى إبْقاءِ اللَّهِ، وأمّا الرَّحْمَةُ فَهي إشارَةٌ إلى أنَّ جانِبَ الخَيْرِ والرَّحْمَةِ والإحْسانِ راجِحٌ عَلى جانِبِ الضُّرِّ، وأنَّهُ تَعالى إنَّما خَلَقَ الخَلْقَ لِلرَّحْمَةِ والخَيْرِ، لا لِلْإضْرارِ والشَّرِّ، فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ: ﴿رَبَّنا وسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وعِلْمًا﴾ فِيهِ سُؤالٌ؛ لِأنَّ العِلْمَ وسِعَ كُلَّ شَيْءٍ، أمّا الرَّحْمَةُ فَما وصَلَتْ إلى كُلِّ شَيْءٍ؛ لِأنَّ المَضْرُورَ حالَ وُقُوعِهِ في الضُّرِّ، لا يَكُونُ ذَلِكَ الضَّرَرُ رَحْمَةً، وهَذا السُّؤالُ أيْضًا مَذْكُورٌ في قَوْلِهِ: ﴿ورَحْمَتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ قُلْنا: كُلُّ وُجُودٍ فَقَدْ نالَ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى نَصِيبًا؛ وذَلِكَ لِأنَّ المَوْجُودَ إمّا واجِبٌ وإمّا مُمْكِنٌ، أمّا الواجِبُ فَلَيْسَ إلّا اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى، وأمّا المُمْكِنُ فَوُجُودُهُ مِنَ اللَّهِ تَعالى وبِإيجادِهِ، وذَلِكَ رَحْمَةٌ، فَثَبَتَ أنَّهُ لا مَوْجُودَ غَيْرُ اللَّهِ إلّا وقَدْ وصَلَ إلَيْهِ نَصِيبٌ ونِصابٌ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ، فَلِهَذا قالَ: ﴿رَبَّنا وسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وعِلْمًا﴾ وفي الآيَةِ دَقِيقَةٌ أُخْرى، وهي أنَّ المَلائِكَةَ قَدَّمُوا ذِكْرَ الرَّحْمَةِ عَلى ذِكْرِ العِلْمِ فَقالُوا: ﴿رَبَّنا وسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وعِلْمًا﴾ وذَلِكَ لِأنَّ مَطْلُوبَهم إيصالُ الرَّحْمَةِ وأنْ يَتَجاوَزَ عَمّا عَلِمَهُ مِنهم مِن أنْواعِ الذُّنُوبِ، فالمَطْلُوبُ بِالذّاتِ هو الرَّحْمَةُ، والمَطْلُوبُ بِالعَرَضِ أنْ يَتَجاوَزَ عَمّا عَلِمَهُ مِنهم، والمَطْلُوبُ بِالذّاتِ مُقَدَّمٌ عَلى
صفحة ٣٣
المَطْلُوبِ بِالعَرْضِ، ألا تَرى أنَّهُ لَمّا كانَ إبْقاءُ الصِّحَّةِ مَطْلُوبًا بِالذّاتِ وإزالَةُ المَرَضِ مَطْلُوبًا بِالعَرَضِ، لا جَرَمَ لَمّا ذَكَرُوا حَدَّ الطِّبِّ قَدَّمُوا فِيهِ حِفْظَ الصِّحَّةِ عَلى إزالَةِ المَرَضِ، فَقالُوا: الطِّبُّ عِلْمٌ يُتَعَرَّفُ مِنهُ أحْوالُ بَدَنِ الإنْسانِ مِن جِهَةِ ما يَصْلُحُ ويَزُولُ عَنِ الصِّحَّةِ لِتُحْفَظَ الصِّحَّةُ حاصِلَةً وتُسْتَرَدَّ زائِلَةً، فَكَذا هاهُنا المَطْلُوبُ بِالذّاتِ هو الرَّحْمَةُ، وأمّا التَّجاوُزُ عَمّا عَلِمَهُ مِنهم مِن أنْواعِ الذُّنُوبِ فَهو مَطْلُوبٌ بِالعَرَضِ؛ لِأجْلِ أنَّ حُصُولَ الرَّحْمَةِ عَلى سَبِيلِ الكَمالِ لا يَحْصُلُ إلّا بِالتَّجاوُزِ عَنِ الذُّنُوبِ، فَلِهَذا السَّبَبِ وقَعَ ذِكْرُ الرَّحْمَةِ سابِقًا عَلى ذِكْرِ العِلْمِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ المَقْصُودَ بِالقِصَّةِ الأُولى في الخَلْقِ والتَّكْوِينِ إنَّما هو الرَّحْمَةُ والفَضْلُ والجُودُ والكَرَمُ، ودَلَّتِ الدَّلائِلُ اليَقِينِيَّةُ عَلى أنَّ كُلَّ ما دَخَلَ في الوُجُودِ مِن أنْواعِ الخَيْرِ والشَّرِّ والسَّعادَةِ والشَّقاوَةِ فَبِقَضاءِ اللَّهِ وقَدَرِهِ، والجَمْعُ بَيْنَ هَذَيْنِ الأصْلَيْنِ في غايَةِ الصُّعُوبَةِ، فَعِنْدَ هَذا قالَتِ الحُكَماءُ: الخَيْرُ مُرادٌ مَرْضِيُّ، والشَّرُّ مُرادٌ مَكْرُوهٌ، والخَيْرُ مَقْضِيٌّ بِهِ بِالذّاتِ، والشَّرُّ مَقْضِيٌّ بِهِ بِالعَرَضِ، وفِيهِ غَوْرٌ عَظِيمٌ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وعِلْمًا﴾ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ سُبْحانَهُ عالِمًا بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ الَّتِي لا نِهايَةَ لَها مِنَ الكُلِّيّاتِ والجُزْئِيّاتِ، وأيْضًا فَلَوْلا ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ في الدُّعاءِ والتَّضَرُّعِ فائِدَةٌ؛ لِأنَّهُ إذا جازَ أنْ يَخْرُجَ عَنْ عِلْمِهِ بَعْضُ الأشْياءِ، فَعَلى هَذا التَّقْدِيرِ لا يَعْرِفُ هَذا الدّاعِي أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ يَعْلَمُهُ ويَعْلَمُ دُعاءَهُ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ لا يَبْقى في الدُّعاءِ فائِدَةٌ البَتَّةَ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْهم كَيْفِيَّةَ ثَنائِهِمْ عَلى اللَّهِ تَعالى حَكى عَنْهم كَيْفِيَّةَ دُعائِهِمْ، وهو أنَّهم قالُوا: ﴿فاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا واتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وقِهِمْ عَذابَ الجَحِيمِ﴾ واعْلَمْ أنَّ المَلائِكَةَ طَلَبُوا بِالدُّعاءِ مِنَ اللَّهِ تَعالى أشْياءَ كَثِيرَةً لِلْمُؤْمِنِينَ، فالمَطْلُوبُ الأوَّلُ الغُفْرانُ، وقَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ في قَوْلِهِ: ﴿فاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا واتَّبَعُوا سَبِيلَكَ﴾ فَإنْ قِيلَ: لا مَعْنى لِلْغُفْرانِ إلّا إسْقاطُ العَذابِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَلا فَرْقَ بَيْنَ قَوْلِهِ: فاغْفِرْ لَهم، وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿وقِهِمْ عَذابَ الجَحِيمِ﴾ قُلْنا: دَلالَةُ لَفْظِ المَغْفِرَةِ عَلى إسْقاطِ عَذابِ الجَحِيمِ دَلالَةٌ حاصِلَةٌ عَلى الرَّمْزِ والإشارَةِ، فَلَمّا ذَكَرُوا هَذا الدُّعاءَ عَلى سَبِيلِ الرَّمْزِ والإشارَةِ أرْدَفُوهُ بِذِكْرِهِ عَلى سَبِيلِ التَّصْرِيحِ لِأجْلِ التَّأْكِيدِ والمُبالَغَةِ، واعْلَمْ أنَّهم لَمّا طَلَبُوا مِنَ اللَّهِ إزالَةَ العَذابِ عَنْهم أرْدَفُوهُ بِأنْ طَلَبُوا مِنَ اللَّهِ إيصالَ الثَّوابِ إلَيْهِمْ فَقالُوا: ﴿رَبَّنا وأدْخِلْهم جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وعَدْتَهُمْ﴾ فَإنْ قِيلَ: أنْتُمْ زَعَمْتُمْ أنَّ هَذِهِ الشَّفاعَةَ إنَّما حَصَلَتْ لِلْمُذْنِبِينَ وهَذِهِ الآيَةُ تُبْطِلُ ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ تَعالى ما وعَدَ المُذْنِبِينَ بِأنْ يُدْخِلَهم في جَنّاتِ عَدْنٍ، قُلْنا: لا نُسَلِّمُ أنَّهُ ما وعَدَهم بِذَلِكَ؛ لِأنّا بَيَّنّا أنَّ الدَّلائِلَ الكَثِيرَةَ في القُرْآنِ دَلَّتْ عَلى أنَّهُ تَعالى لا يُخَلِّدُ أهْلَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ في النّارِ، وإذا أخْرَجَهم مِنَ النّارِ وجَبَ أنَّ يُدْخِلَهُمُ الجَنَّةَ، فَكانَ هَذا وعْدًا مِنَ اللَّهِ تَعالى لَهم بِأنْ يُدْخِلَهم في جَنّاتِ عَدْنٍ، إمّا مِن غَيْرِ دُخُولِ النّارِ وإمّا بَعْدَ أنْ يُدْخِلَهُمُ النّارَ. قالَ تَعالى: ﴿ومَن صَلَحَ مِن آبائِهِمْ وأزْواجِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ﴾ يَعْنِي وأدْخِلْ مَعَهم في الجَنَّةِ هَؤُلاءِ الطَّوائِفَ الثَّلاثَ، وهُمُ الصّالِحُونَ مِنَ الآباءِ والأزْواجِ والذُّرِّيّاتِ، وذَلِكَ لِأنَّ الرَّجُلَ إذا حَضَرَ مَعَهُ في وضْعِ عَيْشِهِ وسُرُورِهِ أهْلُهُ وعَشِيرَتُهُ كانَ ابْتِهاجُهُ أكْمَلَ، قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: ”مَن صَلَحَ“ نُصِبَ مِن مَكانَيْنِ فَإنْ شِئْتَ رَدَدْتَهُ عَلى الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ: ﴿وأدْخِلْهُمْ﴾ وإنْ شِئْتَ في ﴿وعَدْتَهُمْ﴾ والمُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ومَن صَلَحَ﴾ أهْلُ الإيمانِ.
ثُمَّ قالُوا: ﴿إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ وإنَّما ذَكَرُوا في دُعائِهِمْ هَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ؛ لِأنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ عَزِيزًا بَلْ كانَ بِحَيْثُ يُغْلَبُ ويُمْنَعُ لَما
صفحة ٣٤
صَحَّ وُقُوعُ المَطْلُوبِ مِنهُ، ولَوْ لَمْ يَكُنْ حَكِيمًا لَما حَصَلَ هَذا المَطْلُوبُ عَلى وفْقِ الحِكْمَةِ والمَصْلَحَةِ، ثُمَّ قالُوا بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿وقِهِمُ السَّيِّئاتِ﴾ قالَ بَعْضُهم: المُرادُ وقِهِمْ عَذابَ السَّيِّئاتِ، فَإنْ قِيلَ: فَعَلى هَذا التَّقْدِيرِ لا فَرْقَ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿وقِهِمُ السَّيِّئاتِ﴾ وبَيْنَ ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿وقِهِمْ عَذابَ الجَحِيمِ﴾ وحِينَئِذٍ يَلْزَمُ التَّكْرارُ الخالِي عَنِ الفائِدَةِ، وإنَّهُ لا يَجُوزُ، قُلْنا: بَلِ التَّفاوُتُ حاصِلٌ مِن وجْهَيْنِ؛ الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿وقِهِمْ عَذابَ الجَحِيمِ﴾ دُعاءً مَذْكُورًا لِلْأُصُولِ وقَوْلُهُ: ﴿وقِهِمُ السَّيِّئاتِ﴾ دُعاءً مَذْكُورًا لِلْفُرُوعِ. الثّانِي: أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿وقِهِمْ عَذابَ الجَحِيمِ﴾ مَقْصُورًا عَلى إزالَةِ الجَحِيمِ وقَوْلُهُ: ﴿وقِهِمُ السَّيِّئاتِ﴾ يَتَناوَلُ عَذابَ الجَحِيمِ وعَذابَ مَوْقِفِ القِيامَةِ وعَذابَ الحِسابِ والسُّؤالِ.
والقَوْلُ الثّانِي في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿وقِهِمُ السَّيِّئاتِ﴾ هو أنَّ المَلائِكَةَ طَلَبُوا إزالَةَ عَذابِ النّارِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿وقِهِمْ عَذابَ الجَحِيمِ﴾ وطَلَبُوا إيصالَ ثَوابِ الجَنَّةِ إلَيْهِمْ بِقَوْلِهِمْ: ﴿وأدْخِلْهم جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ ثُمَّ طَلَبُوا بَعْدَ ذَلِكَ أنْ يَصُونَهُمُ اللَّهُ تَعالى في الدُّنْيا عَنِ العَقائِدِ الفاسِدَةِ والأعْمالِ الفاسِدَةِ، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿وقِهِمُ السَّيِّئاتِ﴾ ثُمَّ قالُوا: ﴿ومَن تَقِ السَّيِّئاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ﴾ يَعْنِي ومَن تَقِ السَّيِّئاتِ في الدُّنْيا فَقَدْ رَحِمْتَهُ في يَوْمِ القِيامَةِ، ثُمَّ قالُوا: ﴿وذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ حَيْثُ وجَدُوا بِأعْمالٍ مُنْقَطِعَةٍ نَعِيمًا لا يَنْقَطِعُ، وبِأعْمالٍ حَقِيرَةٍ مُلْكًا لا تَصِلُ العُقُولَ إلى كُنْهِ جَلالَتِهِ.
غافر 40:9
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ ومَن حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ويُؤْمِنُونَ بِهِ ويَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا وسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وعِلْمًا فاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا واتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وقِهِمْ عَذابَ الجَحِيمِ﴾ ﴿رَبَّنا وأدْخِلْهم جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وعَدْتَهم ومَن صَلَحَ مِن آبائِهِمْ وأزْواجِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ﴿وقِهِمُ السَّيِّئاتِ ومَن تَقِ السَّيِّئاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ الكُفّارَ يُبالِغُونَ في إظْهارِ العَداوَةِ مَعَ المُؤْمِنِينَ، بَيَّنَ أنَّ أشْرَفَ طَبَقاتِ المَخْلُوقاتِ هُمُ المَلائِكَةُ الَّذِينَ هم حَمَلَةُ العَرْشِ، والحافُّونَ حَوْلَ العَرْشِ يُبالِغُونَ في إظْهارِ المَحَبَّةِ والنُّصْرَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ، كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: إنْ كانَ هَؤُلاءِ الأراذِلُ يُبالِغُونَ في العَداوَةِ فَلا تُبالِ بِهِمْ ولا تَلْتَفِتْ إلَيْهِمْ ولا تُقِمْ لَهم وزْنًا، فَإنَّ حَمَلَةَ العَرْشِ مَعَكَ، والحافُّونَ مِن حَوْلِ العَرْشِ مَعَكَ يَنْصُرُونَكَ. وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْ نَوْعَيْنِ مِن فِرَقِ المَلائِكَةِ هَذِهِ الحِكايَةَ:
القِسْمُ الأوَّلُ: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ﴾ وقَدْ حَكى تَعالى أنَّ الَّذِينَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ يَوْمَ القِيامَةِ ثَمانِيَةٌ، فَيُمْكِنُ أنْ يُقالَ: الَّذِينَ يَحْمِلُونَ في هَذا الوَقْتِ هم أُولَئِكَ الثَّمانِيَةُ الَّذِينَ يَحْمِلُونَهُ يَوْمَ القِيامَةِ، ولا شَكَّ أنَّ حَمَلَةَ العَرْشِ أشْرافُ المَلائِكَةِ وأكابِرُهم، رَوى صاحِبُ ”الكَشّافِ“ أنَّ حَمَلَةَ العَرْشِ أرْجُلُهم في الأرْضِ السُّفْلى ورُءُوسُهم قَدْ خَرَقَتِ العَرْشَ وهم خُشُوعٌ لا يَرْفَعُونَ طَرْفَهم، وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ”«لا تَتَفَكَّرُوا في عِظَمِ رَبِّكم ولَكِنْ تَفَكَّرُوا فِيما خَلَقَ اللَّهُ تَعالى مِنَ المَلائِكَةِ، فَإنَّ خَلْقًا مِنَ المَلائِكَةِ يُقالُ لَهُ: إسْرافِيلُ، زاوِيَةُ العَرْشِ عَلى كاهِلِهِ، وقَدَماهُ في الأرْضِ السُّفْلى، وقَدْ مَرَقَ رَأْسُهُ مِن سَبْعِ سَماواتٍ، وإنَّهُ لَيَتَضاءَلُ مِن عَظَمَةِ اللَّهِ حَتّى يَصِيرَ كَأنَّهُ الوَضْعُ» “ قِيلَ: إنَّهُ طائِرٌ صَغِيرٌ، ورُوِيَ أنَّ اللَّهَ أمَرَ جَمِيعَ المَلائِكَةِ أنْ يَغْدُوا ويَرُوحُوا بِالسَّلامِ عَلى حَمَلَةِ العَرْشِ؛ تَفْضِيلًا لَهم عَلى سائِرِ المَلائِكَةِ، وقِيلَ: خَلَقَ اللَّهُ العَرْشَ مِن جَوْهَرَةٍ خَضْراءَ، وبَيْنَ القائِمَتَيْنِ مِن قَوائِمِهِ خَفَقانُ الطَّيْرِ المُسْرِعِ ثَمانِينَ ألْفَ عامٍ، وقِيلَ: حَوْلَ العَرْشِ سَبْعُونَ ألْفَ صَفٍّ مِنَ المَلائِكَةِ يَطُوفُونَ بِهِ مُهَلِّلِينَ مُكَبِّرِينَ، ومِن ورائِهِمْ سَبْعُونَ ألْفَ صَفٍّ قِيامٍ قَدْ وضَعُوا أيْدِيَهم عَلى عَواتِقِهِمْ رافِعِينَ أصْواتَهم بِالتَّهْلِيلِ والتَّكْبِيرِ، ومِن ورائِهِمْ مِائَةُ ألْفِ صَفٍّ وقَدْ وضَعُوا الأيْمانَ عَلى الشَّمائِلِ، ما مِنهم أحَدٌ إلّا ويُسَبِّحُ بِما لا يُسَبِّحُ بِهِ الآخَرُ، هَذِهِ الآثارُ نَقَلْتُها مِنَ ”الكَشّافِ“ .
وأمّا القِسْمُ الثّانِي مِنَ المَلائِكَةِ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن حَوْلَهُ﴾ والأظْهَرُ أنَّ المُرادَ مِنهم ما ذَكَرَهُ في قَوْلِهِ: ﴿وتَرى المَلائِكَةَ حافِّينَ مِن حَوْلِ العَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾
صفحة ٢٩
وأقُولُ: العَقْلُ يَدُلُّ عَلى أنَّ حَمَلَةَ العَرْشِ والحافِّينَ حَوْلَ العَرْشِ يَجِبُ أنْ يَكُونُوا أفْضَلَ المَلائِكَةِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ نِسْبَةَ الأرْواحِ إلى الأرْواحِ كَنِسْبَةِ الأجْسادِ إلى الأجْسادِ، فَلَمّا كانَ العَرْشُ أشْرَفَ المَوْجُوداتِ الجُسْمانِيَّةِ كانَتِ الأرْواحُ المُتَعَلِّقَةُ بِتَدْبِيرِ العَرْشِ يَجِبُ أنْ تَكُونَ أفْضَلَ مِنَ الأرْواحِ المُدَبِّرَةِ لِلْأجْسادِ، وأيْضًا يُشْبِهُ أنْ يَكُونَ هُناكَ أرْواحٌ حامِلَةٌ لِجِسْمِ العَرْشِ ثُمَّ يَتَوَلَّدُ عَنْ تِلْكَ الأرْواحِ القاهِرَةِ المُسْتَعْلِيَةِ لِجِسْمِ العَرْشِ أرْواحٌ أُخَرُ مِن جِنْسِها، وهي مُتَعَلِّقَةٌ بِأطْرافِ العَرْشِ، وإلَيْهِمُ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿وتَرى المَلائِكَةَ حافِّينَ مِن حَوْلِ العَرْشِ﴾ وبِالجُمْلَةِ فَقَدْ ظَهَرَ بِالبَراهِينِ اليَقِينِيَّةِ، وبِالمُكاشَفاتِ الصّادِقَةِ أنَّهُ لا نِسْبَةَ لِعالَمِ الأجْسادِ إلى عالَمِ الأرْواحِ، فَكُلُّ ما شاهَدْتَهُ بِعَيْنِ البَصَرِ في اخْتِلافِ مَراتِبِ عالَمِ الأجْسادِ، فَيَجِبُ أنْ تُشاهِدَهُ بِعَيْنِ بَصِيرَتِكَ في اخْتِلافِ مَراتِبِ عالَمِ الأرْواحِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ مُنَزَّهٌ عَنْ أنْ يَكُونَ في العَرْشِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى قالَ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ﴾ وقالَ في آيَةٍ أُخْرى: ﴿ويَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهم يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ﴾ [الحاقَّةِ: ١٧] ولا شَكَّ أنَّ حامِلَ العَرْشِ يَكُونُ حامِلًا لِكُلِّ مَن في العَرْشِ، فَلَوْ كانَ إلَهُ العالَمِ في العَرْشِ لَكانَ هَؤُلاءِ المَلائِكَةُ حامِلِينَ لِإلَهِ العالَمِ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُونَ حافِظِينَ لِإلَهِ العالَمِ، والحافِظُ القادِرُ أوْلى بِالإلَهِيَّةِ، والمَحْمُولُ المَحْفُوظُ أوْلى بِالعُبُودِيَّةِ، فَحِينَئِذٍ يَنْقَلِبُ الإلَهُ عَبْدًا والعَبْدُ إلَهًا، وذَلِكَ فاسِدٌ، فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّ إلَهَ العَرْشِ والأجْسامِ مُتَعالٍ عَنِ العَرْشِ والأجْسامِ.
* * *
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْ حَمَلَةِ العَرْشِ، وعَنِ الحافِّينَ بِالعَرْشِ ثَلاثَةَ أشْياءَ:
النَّوْعُ الأوَّلُ قَوْلُهُ: ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ حِكايَةً عَنِ المَلائِكَةِ: ﴿ونَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾ [البَقَرَةِ: ٣٠] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَرى المَلائِكَةَ حافِّينَ مِن حَوْلِ العَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ فالتَّسْبِيحُ عِبارَةٌ عَنْ تَنْزِيهِ اللَّهِ تَعالى عَمّا لا يَنْبَغِي، والتَّحْمِيدُ الِاعْتِرافُ بِأنَّهُ هو المُنْعِمُ عَلى الإطْلاقِ، فالتَّسْبِيحُ إشارَةٌ إلى الجَلالِ والتَّحْمِيدُ إشارَةٌ إلى الإكْرامِ، فَقَوْلُهُ: ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ قَرِيبٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الجَلالِ والإكْرامِ﴾ [الرَّحْمَنِ: ٧٨] .
النَّوْعُ الثّانِي مِمّا حَكى اللَّهُ عَنْ هَؤُلاءِ المَلائِكَةِ هو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ فَإنْ قِيلَ: فَأيُّ فائِدَةٍ في قَوْلِهِ: ﴿ويُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ فَإنَّ الِاشْتِغالَ بِالتَّسْبِيحِ والتَّحْمِيدِ لا يُمْكِنُ إلّا وقَدْ سَبَقَ الإيمانُ بِاللَّهِ؟ قُلْنا: الفائِدَةُ فِيهِ ما ذَكَرَهُ صاحِبُ ”الكَشّافِ“، وقَدْ أحْسَنَ فِيهِ جِدًّا فَقالَ: إنَّ المَقْصُودَ مِنهُ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى لَوْ كانَ حاضِرًا بِالعَرْشِ لَكانَ حَمَلَةُ العَرْشِ والحافُّونَ حَوْلَ العَرْشِ يُشاهِدُونَهُ ويُعايِنُونَهُ، ولَمّا كانَ إيمانُهم بِوُجُودِ اللَّهِ مُوجِبًا لِلْمَدْحِ والثَّناءِ؛ لِأنَّ الإقْرارَ بِوُجُودِ شَيْءٍ حاضِرٍ مُشاهَدٍ مُعايَنٍ لا يُوجِبُ المَدْحَ والثَّناءَ، ألا تَرى أنَّ الإقْرارَ بِوُجُودِ الشَّمْسِ وكَوْنِها مُضِيئَةً لا يُوجِبُ المَدْحَ والثَّناءَ، فَلَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى إيمانَهم بِاللَّهِ عَلى سَبِيلِ الثَّناءِ والمَدْحِ والتَّعْظِيمِ، عُلِمَ أنَّهم آمَنُوا بِهِ بِدَلِيلِ أنَّهم ما شاهَدُوهُ حاضِرًا جالِسًا هُناكَ، ورَحِمَ اللَّهُ صاحِبَ ”الكَشّافِ“ فَلَوْ لَمْ يُحَصِّلْ في كِتابِهِ إلّا هَذِهِ النُّكْتَةَ لَكَفاهُ فَخْرًا وشَرَفًا.
النَّوْعُ الثّالِثُ مِمّا حَكى اللَّهُ عَنْ هَؤُلاءِ المَلائِكَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ اعْلَمْ أنَّهُ ثَبَتَ أنَّ كَمالَ السَّعادَةِ مَرْبُوطٌ بِأمْرَيْنِ: التَّعْظِيمُ لِأمْرِ اللَّهِ، والشَّفَقَةُ عَلى خَلْقِ اللَّهِ، ويَجِبُ أنْ يَكُونَ التَّعْظِيمُ لِأمْرِ اللَّهِ مُقَدَّمًا عَلى الشَّفَقَةِ عَلى خَلْقِ اللَّهِ فَقَوْلُهُ: ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ويُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ مُشْعِرٌ بِالتَّعْظِيمِ لِأمْرِ اللَّهِ وقَوْلُهُ:
صفحة ٣٠
﴿ويَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ مُشْعِرٌ بِالشَّفَقَةِ عَلى خَلْقِ اللَّهِ.
ثُمَّ في الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: احْتَجَّ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ بِهَذِهِ الآيَةِ في إثْباتِ أنَّ المَلَكَ أفْضَلُ مِنَ البَشَرِ، قالُوا: لِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ المَلائِكَةَ لَمّا فَرَغُوا مِن ذِكْرِ اللَّهِ بِالثَّناءِ والتَّقْدِيسِ اشْتَغَلُوا بِالِاسْتِغْفارِ لِغَيْرِهِمْ وهُمُ المُؤْمِنُونَ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهم مُسْتَغْنُونَ عَنِ الِاسْتِغْفارِ لِأنْفُسِهِمْ؛ إذْ لَوْ كانُوا مُحْتاجِينَ إلَيْهِ لَقَدَّمُوا الِاسْتِغْفارَ لِأنْفُسِهِمْ عَلى الِاسْتِغْفارِ لِغَيْرِهِمْ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ ﷺ: ”«ابْدَأْ بِنَفْسِكَ» “ وأيْضًا قالَ تَعالى لِمُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿فاعْلَمْ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ولِلْمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾ [مُحَمَّدٍ: ١٩] فَأمَرَ مُحَمَّدًا أنْ يَذْكُرَ أوَّلًا الِاسْتِغْفارَ لِنَفْسِهِ، ثُمَّ بَعْدَهُ يَذْكُرُ الِاسْتِغْفارَ لِغَيْرِهِ، وحَكى عَنْ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ قالَ: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي ولِوالِدَيَّ ولِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا ولِلْمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾ [نُوحٍ: ٢٨] وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ مَن كانَ مُحْتاجًا إلى الِاسْتِغْفارِ فَإنَّهُ يُقَدِّمُ الِاسْتِغْفارَ لِنَفْسِهِ عَلى الِاسْتِغْفارِ لِغَيْرِهِ، فالمَلائِكَةُ لَوْ كانُوا مُحْتاجِينَ إلى الِاسْتِغْفارِ لَكانَ اشْتِغالُهم بِالِاسْتِغْفارِ لِأنْفُسِهِمْ مُقَدَّمًا عَلى اشْتِغالِهِمْ بِالِاسْتِغْفارِ لِغَيْرِهِمْ، ولَمّا لَمْ يَذْكُرِ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمُ اسْتِغْفارَهم لِأنْفُسِهِمْ عَلِمْنا أنَّ ذَلِكَ إنَّما كانَ لِأنَّهم ما كانُوا مُحْتاجِينَ إلى الِاسْتِغْفارِ، وأمّا الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فَقَدْ كانُوا مُحْتاجِينَ إلى الِاسْتِغْفارِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى لِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ وإذا ثَبَتَ هَذا فَقَدْ ظَهَرَ أنَّ المَلَكَ أفْضَلُ مِنَ البَشَرِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ الكَعْبِيُّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ تَأْثِيرَ الشَّفاعَةِ في حُصُولِ زِيادَةِ الثَّوابِ لِلْمُؤْمِنِينَ، لا في إسْقاطِ العِقابِ عَنِ المُذْنِبِينَ، قالَ: وذَلِكَ لِأنَّ المَلائِكَةَ قالُوا: ﴿فاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا واتَّبَعُوا سَبِيلَكَ﴾ قالَ: ولَيْسَ المُرادُ فاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا مِنَ الكُفْرِ، سَواءٌ كانَ مُصِرًّا عَلى الفِسْقِ أوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ مَن هَذا حالُهُ لا يُوصَفُ بِكَوْنِهِ مُتَّبِعًا سَبِيلَ رَبِّهِ، ولا يُطْلَقُ ذَلِكَ فِيهِ، وأيْضًا إنَّ المَلائِكَةَ يَقُولُونَ: ﴿وأدْخِلْهم جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وعَدْتَهُمْ﴾ وهَذا لا يَلِيقُ بِالفاسِقِينَ؛ لِأنَّ خُصُومَنا لا يَقْطَعُونَ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى وعَدَهُمُ الجَنَّةَ وإنَّما يُجَوِّزُونَ ذَلِكَ، فَثَبَتَ أنَّ شَفاعَةَ المَلائِكَةِ لا تَتَناوَلُ إلّا أهْلَ الطّاعَةِ، فَوَجَبَ أنْ تَكُونَ شَفاعَةُ الأنْبِياءِ كَذَلِكَ، ضَرُورَةَ أنَّهُ لا قائِلَ بِالفَرْقِ، والجَوابُ أنْ نَقُولَ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى حُصُولِ الشَّفاعَةِ مِنَ المَلائِكَةِ لِلْمُذْنِبِينَ، فَنُبَيِّنُ هَذا ثُمَّ نُجِيبُ عَمّا ذَكَرَهُ الكَعْبِيُّ، أمّا بَيانُ دَلالَةِ هَذِهِ الآيَةِ عَلى ما قُلْناهُ فَمِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿ويَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ والِاسْتِغْفارُ طَلَبُ المَغْفِرَةِ، والمَغْفِرَةُ لا تُذْكَرُ إلّا في إسْقاطِ العِقابِ. أمّا طَلَبُ النَّفْعِ الزّائِدِ فَإنَّهُ لا يُسَمّى اسْتِغْفارًا.
الثّانِي: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهم يَسْتَغْفِرُونَ لِكُلِّ أهْلِ الإيمانِ، فَإذا دَلَّلْنا عَلى أنَّ صاحِبَ الكَبِيرَةِ مُؤْمِنٌ وجَبَ دُخُولُهُ تَحْتَ هَذِهِ الشَّفاعَةِ.
الثّالِثُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا﴾ طَلَبُ المَغْفِرَةِ لِلَّذِينِ تابُوا، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ إسْقاطَ عُقُوبَةِ الكَبِيرَةِ بَعْدَ التَّوْبَةِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ واجِبٌ عَلى اللَّهِ عِنْدَ الخَصْمِ، وما كانَ فِعْلُهُ واجِبًا كانَ طَلَبُهُ بِالدُّعاءِ قَبِيحًا، ولا يَجُوزُ أيْضًا أنْ يَكُونَ المُرادُ إسْقاطَ عُقُوبَةِ الصَّغائِرِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ أيْضًا واجِبٌ فَلا يَحْسُنُ طَلَبُهُ بِالدُّعاءِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ طَلَبَ زِيادَةِ مَنفَعَةٍ عَلى الثَّوابِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ لا يُسَمّى مَغْفِرَةً، فَثَبَتَ أنَّهُ لا يُمْكِنُ حَمْلُ قَوْلِهِ: ﴿فاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا﴾ إلّا عَلى إسْقاطِ عِقابِ الكَبِيرَةِ قَبْلَ التَّوْبَةِ، وإذا ثَبَتَ هَذا في حَقِّ المَلائِكَةِ فَكَذَلِكَ في حَقِّ الأنْبِياءِ لِانْعِقادِ الإجْماعِ عَلى أنَّهُ لا فَرْقَ، أمّا الَّذِي يَتَمَسَّكُ بِهِ الكَعْبِيُّ وهو أنَّهم طَلَبُوا المَغْفِرَةَ لِلَّذِينِ تابُوا، فَنَقُولُ: يَجِبُ أنْ
صفحة ٣١
يَكُونَ المُرادُ مِنهُ الَّذِينَ تابُوا عَنِ الكُفْرِ واتَّبَعُوا سَبِيلَ الإيمانِ، وقَوْلُهُ: إنَّ التّائِبَ عَنِ الكُفْرِ المُصِرِّ عَلى الفِسْقِ لا يُسَمّى تائِبًا ولا مُتَّبِعًا سَبِيلَ اللَّهِ، قُلْنا: لا نُسَلِّمُ قَوْلَهُ، بَلْ يُقالُ: إنَّهُ تائِبٌ عَنِ الكُفْرِ وتابِعٌ سَبِيلَ اللَّهِ في الدِّينِ والشَّرِيعَةِ، وإذا ثَبَتَ أنَّهُ تائِبٌ عَنِ الكُفْرِ ثَبَتَ أنَّهُ تائِبٌ، ألا تَرى أنَّهُ يَكْفِي في صِدْقِ وصْفِهِ بِكَوْنِهِ ضارِبًا وضاحِكًا صُدُورُ الضَّرْبِ والضَّحِكِ عَنْهُ مَرَّةً واحِدَةً، ولا يَتَوَقَّفُ ذَلِكَ عَلى صُدُورِ كُلِّ أنْواعِ الضَّرْبِ والضَّحِكِ عَنْهُ، فَكَذا هاهُنا.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ أهْلُ التَّحْقِيقِ: إنَّ هَذِهِ الشَّفاعَةَ الصّادِرَةَ عَنِ المَلائِكَةِ في حَقِّ البَشَرِ تَجْرِي مَجْرى اعْتِذارٍ عَنْ زَلَّةٍ سَبَقَتْ، وذَلِكَ لِأنَّهم قالُوا في أوَّلِ تَخْلِيقِ البَشَرِ: ﴿أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها ويَسْفِكُ الدِّماءَ﴾ [البَقَرَةِ: ٣٠] فَلَمّا سَبَقَ مِنهم هَذا الكَلامُ تَدارَكُوا في آخِرِ الأمْرِ بِأنْ قالُوا: ﴿فاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا واتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وقِهِمْ عَذابَ الجَحِيمِ﴾ وهَذا كالتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ مَن آذى غَيْرَهُ، فالأوْلى أنْ يَجْبُرَ ذَلِكَ الإيذاءَ بِإيصالِ نَفْعٍ عَلَيْهِ.
* * *
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنِ المَلائِكَةِ أنَّهم يَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينِ تابُوا، بَيَّنَ كَيْفِيَّةَ ذَلِكَ الِاسْتِغْفارِ، فَحَكى عَنْهم أنَّهم قالُوا: ﴿رَبَّنا وسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وعِلْمًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: أنَّ الدُّعاءَ في أكْثَرِ الأُمُورِ مَذْكُورٌ بِلَفْظِ ”رَبَّنا“ ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّ المَلائِكَةَ عِنْدَ الدُّعاءِ قالُوا: ﴿رَبَّنا﴾ بِدَلِيلِ هَذِهِ الآيَةِ، وقالَ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿رَبَّنا ظَلَمْنا أنْفُسَنا﴾ وقالَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿رَبِّ إنِّي أعُوذُ بِكَ أنْ أسْألَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾ [هُودٍ: ٤٧] وقالَ أيْضًا: ﴿رَبِّ إنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا ونَهارًا﴾ [نُوحٍ: ٥] وقالَ أيْضًا: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي ولِوالِدَيَّ﴾ [نُوحٍ: ٢٨] وقالَ عَنْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿رَبِّ أرِنِي كَيْفَ تُحْيِ المَوْتى﴾ [البَقَرَةِ: ٢٦٠] وقالَ: ﴿رَبَّنا اغْفِرْ لِي ولِوالِدَيَّ ولِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الحِسابُ﴾ [إبْراهِيمَ: ٤١] وقالَ: ﴿رَبَّنا واجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ ومِن ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ [البَقَرَةِ: ١٢٨] وقالَ عَنْ يُوسُفَ: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ المُلْكِ﴾ [يُوسُفَ: ١٠١] وقالَ عَنْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿رَبِّ أرِنِي أنْظُرْ إلَيْكَ﴾ [الأعْرافِ: ١٤٣] وقالَ في قِصَّةِ الوَكْزِ: ﴿رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ قالَ رَبِّ بِما أنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ [القَصَصِ: ١٧] وحَكى تَعالى عَنْ داوُدَ ﴿فاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وخَرَّ راكِعًا وأنابَ﴾ [ص: ٢٤] وعَنْ سُلَيْمانَ أنَّهُ قالَ: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وهَبْ لِي مُلْكًا﴾ [ص: ٣٥] وعَنْ زَكَرِيّا أنَّهُ ﴿نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا﴾ [مَرْيَمَ: ٣] وعَنْ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ قالَ: ﴿رَبَّنا أنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ﴾ [المائِدَةِ: ١١٤] وعَنْ مُحَمَّدٍ ﷺ أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ لَهُ: ﴿وقُلْ رَبِّ أعُوذُ بِكَ مِن هَمَزاتِ الشَّياطِينِ﴾ [المُؤْمِنُونَ: ٩٧] وحَكى عَنِ المُؤْمِنِينَ أنَّهم قالُوا: ﴿رَبَّنا ما خَلَقْتَ هَذا باطِلًا﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٩١] وأعادُوا هَذِهِ اللَّفْظَةَ خَمْسَ مَرّاتٍ، وحَكى أيْضًا عَنْهم أنَّهم قالُوا: ﴿غُفْرانَكَ رَبَّنا وإلَيْكَ المَصِيرُ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٨٥] إلى آخِرِ السُّورَةِ.
فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا أنَّ مِن أرْضى الدُّعاءِ أنْ يُنادِي العَبْدُ رَبَّهُ بِقَوْلِهِ: يا رَبِّ، وتَمامُ الإشْكالِ فِيهِ أنْ يُقالَ: لَفْظُ (اللَّهُ) أعْظَمُ مِن لَفْظِ (الرَّبُّ)، فَلِمَ صارَ لَفْظُ الرَّبِّ مُخْتَصًّا بِوَقْتِ الدُّعاءِ؟، والجَوابُ: كَأنَّ العَبْدَ يَقُولُ: كُنْتُ في كَتْمِ العَدَمِ والمَحْضِ والنَّفْيِ الصِّرْفِ، فَأخْرَجْتَنِي إلى الوُجُودِ، ورَبَّيْتَنِي فاجْعَلْ تَرْبِيَتِكَ لِي شَفِيعًا إلَيْكَ في أنْ لا تُخَلِّيَنِي طَرْفَةَ عَيْنٍ عَنْ تَرْبِيَتِكَ وإحْسانِكَ وفَضْلِكَ.
صفحة ٣٢
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: السُّنَّةُ في الدُّعاءِ، يَبْدَأُ فِيهِ بِالثَّناءِ عَلى اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ يَذْكُرُ الدُّعاءَ عَقِيبَهُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ، فَإنَّ المَلائِكَةَ لَمّا عَزَمُوا عَلى الدُّعاءِ والِاسْتِغْفارِ لِلْمُؤْمِنِينَ بَدَءُوا بِالثَّناءِ فَقالُوا: ﴿رَبَّنا وسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وعِلْمًا﴾ وأيْضًا أنَّ الخَلِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا أرادَ أنْ يَذْكُرَ الدُّعاءَ ذَكَرَ الثَّناءَ أوَّلًا فَقالَ: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهو يَهْدِينِ والَّذِي هو يُطْعِمُنِي ويَسْقِينِ وإذا مَرِضْتُ فَهو يَشْفِينِ والَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ والَّذِي أطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الشُّعَراءِ: ٧٨ ٨٢] فَكُلُّ هَذا ثَناءٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ بَعْدَهُ ذَكَرَ الدُّعاءَ فَقالَ: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ [الشُّعَراءِ: ٨٣] .
* * *
واعْلَمْ أنَّ العَقْلَ يَدُلُّ أيْضًا عَلى رِعايَةِ هَذا التَّرْتِيبِ، وذَلِكَ أنَّ ذِكْرَ اللَّهِ بِالثَّناءِ والتَّعْظِيمِ بِالنِّسْبَةِ إلى جَوْهَرِ الرُّوحِ كالإكْسِيرِ الأعْظَمِ بِالنِّسْبَةِ إلى النُّحاسِ، فَكَما أنَّ ذَرَّةً مِنَ الإكْسِيرِ إذا وقَعَتْ عَلى عالَمٍ مِنَ النُّحاسِ انْقَلَبَ الكُلُّ ذَهَبًا إبْرِيزًا، فَكَذَلِكَ إذا وقَعَتْ ذَرَّةٌ مِن إكْسِيرِ مَعْرِفَةِ جَلالِ اللَّهِ تَعالى عَلى جَوْهَرِ الرُّوحِ النُّطْقِيَّةِ، انْقَلَبَ مِن نُحُوسَةِ النُّحاسَةِ إلى صَفاءِ القُدْسِ وبَقاءِ عالَمِ الطَّهارَةِ، فَثَبَتَ أنَّ عِنْدَ إشْراقِ نُورِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى في جَواهِرِ الرُّوحِ، يَصِيرُ الرُّوحُ أقْوى صَفاءً وأكْمَلَ إشْراقًا، ومَتى صارَ كَذَلِكَ كانَتْ قُوَّتُهُ أقْوى وتَأْثِيرُهُ أكْمَلَ، فَكانَ حُصُولُ الشَّيْءِ المَطْلُوبِ بِالدُّعاءِ أقْرَبَ وأكْمَلَ، وهَذا هو السَّبَبُ في تَقْدِيمِ الثَّناءِ عَلى اللَّهِ عَلى الدُّعاءِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اعْلَمْ أنَّ المَلائِكَةَ وصَفُوا اللَّهَ تَعالى بِثَلاثَةِ أنْواعٍ مِنَ الصِّفاتِ: الرُّبُوبِيَّةُ والرَّحْمَةُ والعِلْمُ، أمّا الرُّبُوبِيَّةُ فَهي إشارَةٌ إلى الإيجادِ والإبْداعِ، وفِيهِ لَطِيفَةٌ أُخْرى وهي أنَّ قَوْلَهم: ﴿رَبَّنا﴾ إشارَةٌ إلى التَّرْبِيَةِ، والتَّرْبِيَةُ عِبارَةٌ عَنْ إبْقاءِ الشَّيْءِ عَلى أكْمَلِ أحْوالِهِ وأحْسَنِ صِفاتِهِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذِهِ المُمْكِناتِ، كَما أنَّها مُحْتاجَةٌ حالَ حُدُوثِها إلى إحْداثِ الحَقِّ سُبْحانَهُ وتَعالى وإيجادِهِ، فَكَذَلِكَ إنَّها مُحْتاجَةٌ حالَ بَقائِها إلى إبْقاءِ اللَّهِ، وأمّا الرَّحْمَةُ فَهي إشارَةٌ إلى أنَّ جانِبَ الخَيْرِ والرَّحْمَةِ والإحْسانِ راجِحٌ عَلى جانِبِ الضُّرِّ، وأنَّهُ تَعالى إنَّما خَلَقَ الخَلْقَ لِلرَّحْمَةِ والخَيْرِ، لا لِلْإضْرارِ والشَّرِّ، فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ: ﴿رَبَّنا وسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وعِلْمًا﴾ فِيهِ سُؤالٌ؛ لِأنَّ العِلْمَ وسِعَ كُلَّ شَيْءٍ، أمّا الرَّحْمَةُ فَما وصَلَتْ إلى كُلِّ شَيْءٍ؛ لِأنَّ المَضْرُورَ حالَ وُقُوعِهِ في الضُّرِّ، لا يَكُونُ ذَلِكَ الضَّرَرُ رَحْمَةً، وهَذا السُّؤالُ أيْضًا مَذْكُورٌ في قَوْلِهِ: ﴿ورَحْمَتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ قُلْنا: كُلُّ وُجُودٍ فَقَدْ نالَ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى نَصِيبًا؛ وذَلِكَ لِأنَّ المَوْجُودَ إمّا واجِبٌ وإمّا مُمْكِنٌ، أمّا الواجِبُ فَلَيْسَ إلّا اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى، وأمّا المُمْكِنُ فَوُجُودُهُ مِنَ اللَّهِ تَعالى وبِإيجادِهِ، وذَلِكَ رَحْمَةٌ، فَثَبَتَ أنَّهُ لا مَوْجُودَ غَيْرُ اللَّهِ إلّا وقَدْ وصَلَ إلَيْهِ نَصِيبٌ ونِصابٌ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ، فَلِهَذا قالَ: ﴿رَبَّنا وسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وعِلْمًا﴾ وفي الآيَةِ دَقِيقَةٌ أُخْرى، وهي أنَّ المَلائِكَةَ قَدَّمُوا ذِكْرَ الرَّحْمَةِ عَلى ذِكْرِ العِلْمِ فَقالُوا: ﴿رَبَّنا وسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وعِلْمًا﴾ وذَلِكَ لِأنَّ مَطْلُوبَهم إيصالُ الرَّحْمَةِ وأنْ يَتَجاوَزَ عَمّا عَلِمَهُ مِنهم مِن أنْواعِ الذُّنُوبِ، فالمَطْلُوبُ بِالذّاتِ هو الرَّحْمَةُ، والمَطْلُوبُ بِالعَرَضِ أنْ يَتَجاوَزَ عَمّا عَلِمَهُ مِنهم، والمَطْلُوبُ بِالذّاتِ مُقَدَّمٌ عَلى
صفحة ٣٣
المَطْلُوبِ بِالعَرْضِ، ألا تَرى أنَّهُ لَمّا كانَ إبْقاءُ الصِّحَّةِ مَطْلُوبًا بِالذّاتِ وإزالَةُ المَرَضِ مَطْلُوبًا بِالعَرَضِ، لا جَرَمَ لَمّا ذَكَرُوا حَدَّ الطِّبِّ قَدَّمُوا فِيهِ حِفْظَ الصِّحَّةِ عَلى إزالَةِ المَرَضِ، فَقالُوا: الطِّبُّ عِلْمٌ يُتَعَرَّفُ مِنهُ أحْوالُ بَدَنِ الإنْسانِ مِن جِهَةِ ما يَصْلُحُ ويَزُولُ عَنِ الصِّحَّةِ لِتُحْفَظَ الصِّحَّةُ حاصِلَةً وتُسْتَرَدَّ زائِلَةً، فَكَذا هاهُنا المَطْلُوبُ بِالذّاتِ هو الرَّحْمَةُ، وأمّا التَّجاوُزُ عَمّا عَلِمَهُ مِنهم مِن أنْواعِ الذُّنُوبِ فَهو مَطْلُوبٌ بِالعَرَضِ؛ لِأجْلِ أنَّ حُصُولَ الرَّحْمَةِ عَلى سَبِيلِ الكَمالِ لا يَحْصُلُ إلّا بِالتَّجاوُزِ عَنِ الذُّنُوبِ، فَلِهَذا السَّبَبِ وقَعَ ذِكْرُ الرَّحْمَةِ سابِقًا عَلى ذِكْرِ العِلْمِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ المَقْصُودَ بِالقِصَّةِ الأُولى في الخَلْقِ والتَّكْوِينِ إنَّما هو الرَّحْمَةُ والفَضْلُ والجُودُ والكَرَمُ، ودَلَّتِ الدَّلائِلُ اليَقِينِيَّةُ عَلى أنَّ كُلَّ ما دَخَلَ في الوُجُودِ مِن أنْواعِ الخَيْرِ والشَّرِّ والسَّعادَةِ والشَّقاوَةِ فَبِقَضاءِ اللَّهِ وقَدَرِهِ، والجَمْعُ بَيْنَ هَذَيْنِ الأصْلَيْنِ في غايَةِ الصُّعُوبَةِ، فَعِنْدَ هَذا قالَتِ الحُكَماءُ: الخَيْرُ مُرادٌ مَرْضِيُّ، والشَّرُّ مُرادٌ مَكْرُوهٌ، والخَيْرُ مَقْضِيٌّ بِهِ بِالذّاتِ، والشَّرُّ مَقْضِيٌّ بِهِ بِالعَرَضِ، وفِيهِ غَوْرٌ عَظِيمٌ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وعِلْمًا﴾ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ سُبْحانَهُ عالِمًا بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ الَّتِي لا نِهايَةَ لَها مِنَ الكُلِّيّاتِ والجُزْئِيّاتِ، وأيْضًا فَلَوْلا ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ في الدُّعاءِ والتَّضَرُّعِ فائِدَةٌ؛ لِأنَّهُ إذا جازَ أنْ يَخْرُجَ عَنْ عِلْمِهِ بَعْضُ الأشْياءِ، فَعَلى هَذا التَّقْدِيرِ لا يَعْرِفُ هَذا الدّاعِي أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ يَعْلَمُهُ ويَعْلَمُ دُعاءَهُ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ لا يَبْقى في الدُّعاءِ فائِدَةٌ البَتَّةَ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْهم كَيْفِيَّةَ ثَنائِهِمْ عَلى اللَّهِ تَعالى حَكى عَنْهم كَيْفِيَّةَ دُعائِهِمْ، وهو أنَّهم قالُوا: ﴿فاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا واتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وقِهِمْ عَذابَ الجَحِيمِ﴾ واعْلَمْ أنَّ المَلائِكَةَ طَلَبُوا بِالدُّعاءِ مِنَ اللَّهِ تَعالى أشْياءَ كَثِيرَةً لِلْمُؤْمِنِينَ، فالمَطْلُوبُ الأوَّلُ الغُفْرانُ، وقَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ في قَوْلِهِ: ﴿فاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا واتَّبَعُوا سَبِيلَكَ﴾ فَإنْ قِيلَ: لا مَعْنى لِلْغُفْرانِ إلّا إسْقاطُ العَذابِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَلا فَرْقَ بَيْنَ قَوْلِهِ: فاغْفِرْ لَهم، وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿وقِهِمْ عَذابَ الجَحِيمِ﴾ قُلْنا: دَلالَةُ لَفْظِ المَغْفِرَةِ عَلى إسْقاطِ عَذابِ الجَحِيمِ دَلالَةٌ حاصِلَةٌ عَلى الرَّمْزِ والإشارَةِ، فَلَمّا ذَكَرُوا هَذا الدُّعاءَ عَلى سَبِيلِ الرَّمْزِ والإشارَةِ أرْدَفُوهُ بِذِكْرِهِ عَلى سَبِيلِ التَّصْرِيحِ لِأجْلِ التَّأْكِيدِ والمُبالَغَةِ، واعْلَمْ أنَّهم لَمّا طَلَبُوا مِنَ اللَّهِ إزالَةَ العَذابِ عَنْهم أرْدَفُوهُ بِأنْ طَلَبُوا مِنَ اللَّهِ إيصالَ الثَّوابِ إلَيْهِمْ فَقالُوا: ﴿رَبَّنا وأدْخِلْهم جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وعَدْتَهُمْ﴾ فَإنْ قِيلَ: أنْتُمْ زَعَمْتُمْ أنَّ هَذِهِ الشَّفاعَةَ إنَّما حَصَلَتْ لِلْمُذْنِبِينَ وهَذِهِ الآيَةُ تُبْطِلُ ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ تَعالى ما وعَدَ المُذْنِبِينَ بِأنْ يُدْخِلَهم في جَنّاتِ عَدْنٍ، قُلْنا: لا نُسَلِّمُ أنَّهُ ما وعَدَهم بِذَلِكَ؛ لِأنّا بَيَّنّا أنَّ الدَّلائِلَ الكَثِيرَةَ في القُرْآنِ دَلَّتْ عَلى أنَّهُ تَعالى لا يُخَلِّدُ أهْلَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ في النّارِ، وإذا أخْرَجَهم مِنَ النّارِ وجَبَ أنَّ يُدْخِلَهُمُ الجَنَّةَ، فَكانَ هَذا وعْدًا مِنَ اللَّهِ تَعالى لَهم بِأنْ يُدْخِلَهم في جَنّاتِ عَدْنٍ، إمّا مِن غَيْرِ دُخُولِ النّارِ وإمّا بَعْدَ أنْ يُدْخِلَهُمُ النّارَ. قالَ تَعالى: ﴿ومَن صَلَحَ مِن آبائِهِمْ وأزْواجِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ﴾ يَعْنِي وأدْخِلْ مَعَهم في الجَنَّةِ هَؤُلاءِ الطَّوائِفَ الثَّلاثَ، وهُمُ الصّالِحُونَ مِنَ الآباءِ والأزْواجِ والذُّرِّيّاتِ، وذَلِكَ لِأنَّ الرَّجُلَ إذا حَضَرَ مَعَهُ في وضْعِ عَيْشِهِ وسُرُورِهِ أهْلُهُ وعَشِيرَتُهُ كانَ ابْتِهاجُهُ أكْمَلَ، قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: ”مَن صَلَحَ“ نُصِبَ مِن مَكانَيْنِ فَإنْ شِئْتَ رَدَدْتَهُ عَلى الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ: ﴿وأدْخِلْهُمْ﴾ وإنْ شِئْتَ في ﴿وعَدْتَهُمْ﴾ والمُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ومَن صَلَحَ﴾ أهْلُ الإيمانِ.
ثُمَّ قالُوا: ﴿إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ وإنَّما ذَكَرُوا في دُعائِهِمْ هَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ؛ لِأنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ عَزِيزًا بَلْ كانَ بِحَيْثُ يُغْلَبُ ويُمْنَعُ لَما
صفحة ٣٤
صَحَّ وُقُوعُ المَطْلُوبِ مِنهُ، ولَوْ لَمْ يَكُنْ حَكِيمًا لَما حَصَلَ هَذا المَطْلُوبُ عَلى وفْقِ الحِكْمَةِ والمَصْلَحَةِ، ثُمَّ قالُوا بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿وقِهِمُ السَّيِّئاتِ﴾ قالَ بَعْضُهم: المُرادُ وقِهِمْ عَذابَ السَّيِّئاتِ، فَإنْ قِيلَ: فَعَلى هَذا التَّقْدِيرِ لا فَرْقَ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿وقِهِمُ السَّيِّئاتِ﴾ وبَيْنَ ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿وقِهِمْ عَذابَ الجَحِيمِ﴾ وحِينَئِذٍ يَلْزَمُ التَّكْرارُ الخالِي عَنِ الفائِدَةِ، وإنَّهُ لا يَجُوزُ، قُلْنا: بَلِ التَّفاوُتُ حاصِلٌ مِن وجْهَيْنِ؛ الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿وقِهِمْ عَذابَ الجَحِيمِ﴾ دُعاءً مَذْكُورًا لِلْأُصُولِ وقَوْلُهُ: ﴿وقِهِمُ السَّيِّئاتِ﴾ دُعاءً مَذْكُورًا لِلْفُرُوعِ. الثّانِي: أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿وقِهِمْ عَذابَ الجَحِيمِ﴾ مَقْصُورًا عَلى إزالَةِ الجَحِيمِ وقَوْلُهُ: ﴿وقِهِمُ السَّيِّئاتِ﴾ يَتَناوَلُ عَذابَ الجَحِيمِ وعَذابَ مَوْقِفِ القِيامَةِ وعَذابَ الحِسابِ والسُّؤالِ.
والقَوْلُ الثّانِي في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿وقِهِمُ السَّيِّئاتِ﴾ هو أنَّ المَلائِكَةَ طَلَبُوا إزالَةَ عَذابِ النّارِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿وقِهِمْ عَذابَ الجَحِيمِ﴾ وطَلَبُوا إيصالَ ثَوابِ الجَنَّةِ إلَيْهِمْ بِقَوْلِهِمْ: ﴿وأدْخِلْهم جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ ثُمَّ طَلَبُوا بَعْدَ ذَلِكَ أنْ يَصُونَهُمُ اللَّهُ تَعالى في الدُّنْيا عَنِ العَقائِدِ الفاسِدَةِ والأعْمالِ الفاسِدَةِ، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿وقِهِمُ السَّيِّئاتِ﴾ ثُمَّ قالُوا: ﴿ومَن تَقِ السَّيِّئاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ﴾ يَعْنِي ومَن تَقِ السَّيِّئاتِ في الدُّنْيا فَقَدْ رَحِمْتَهُ في يَوْمِ القِيامَةِ، ثُمَّ قالُوا: ﴿وذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ حَيْثُ وجَدُوا بِأعْمالٍ مُنْقَطِعَةٍ نَعِيمًا لا يَنْقَطِعُ، وبِأعْمالٍ حَقِيرَةٍ مُلْكًا لا تَصِلُ العُقُولَ إلى كُنْهِ جَلالَتِهِ.
غافر 40:10
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أكْبَرُ مِن مَقْتِكم أنْفُسَكم إذْ تُدْعَوْنَ إلى الإيمانِ فَتَكْفُرُونَ﴾ ﴿قالُوا رَبَّنا أمَتَّنا اثْنَتَيْنِ وأحْيَيْتَنا اثْنَتَيْنِ فاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا فَهَلْ إلى خُرُوجٍ مِن سَبِيلٍ﴾ ﴿ذَلِكم بِأنَّهُ إذا دُعِيَ اللَّهُ وحْدَهُ كَفَرْتُمْ وإنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فالحُكْمُ لِلَّهِ العَلِيِّ الكَبِيرِ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا عادَ إلى شَرْحِ أحْوالِ الكافِرِينَ المُجادِلِينَ في آياتِ اللَّهِ وهُمُ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ في قَوْلِهِ: ﴿ما يُجادِلُ في آياتِ اللَّهِ إلّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [غافِرٍ: ٤] بَيَّنَ أنَّهم في القِيامَةِ يَعْتَرِفُونَ بِذُنُوبِهِمْ واسْتِحْقاقِهِمُ العَذابَ الَّذِي يَنْزِلُ بِهِمْ ويَسْألُونَ الرُّجُوعَ إلى الدُّنْيا لِيَتَلافَوْا ما فَرَطَ مِنهم فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أكْبَرُ مِن مَقْتِكُمْ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في الآيَةِ حَذْفٌ وفِيها أيْضًا تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، أمّا الحَذْفُ فَتَقْدِيرُهُ لَمَقْتُ اللَّهِ إيّاكم، وأمّا التَّقْدِيمُ والتَّأْخِيرُ فَهو أنَّ التَّقْدِيرَ أنْ يُقالَ: لَمَقْتُ اللَّهِ لَكم حالَ ما تُدْعَوْنَ إلى الإيمانِ فَتَكْفُرُونَ، أكْبَرُ مِن مَقْتِكم أنْفُسَكم، وفي تَفْسِيرِ مَقْتِهِمْ أنْفُسَهم وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّهم إذا شاهَدُوا القِيامَةَ والجَنَّةَ والنّارَ مَقَتُوا أنْفُسَهم عَلى إصْرارِهِمْ عَلى التَّكْذِيبِ بِهَذِهِ الأشْياءِ في الدُّنْيا.
الثّانِي: أنَّ الأتْباعَ يَشْتَدُّ مَقْتُهم لِلرُّؤَساءِ الَّذِينَ دَعَوْهم إلى
صفحة ٣٥
الكُفْرِ في الدُّنْيا، والرُّؤَساءَ أيْضًا يَشْتَدُّ مَقْتُهم لِلْأتْباعِ فَعَبَّرَ عَنْ مَقْتِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا بِأنَّهم مَقَتُوا أنْفُسَهم، كَما أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿فاقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ [البَقَرَةِ: ٥٤] والمُرادُ قَتْلُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا.
الثّالِثُ: قالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: إذا خَطَبَهم إبْلِيسُ وهم في النّارِ بِقَوْلِهِ: ﴿وما كانَ لِي عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ولُومُوا أنْفُسَكُمْ﴾ [إبْراهِيمَ: ٢٢] فَفي هَذِهِ الحالَةِ مَقَتُوا أنْفُسَهم.
واعْلَمْ أنَّهُ لا نِزاعَ أنَّ مَقْتَهم أنْفُسَهم إنَّما يَحْصُلُ في يَوْمِ القِيامَةِ، أمّا مَقْتُ اللَّهِ لَهم فَفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ حاصِلٌ في الآخِرَةِ، والمَعْنى لَمَقْتُ اللَّهِ لَكم في هَذا الوَقْتِ أشَدُّ مِن مَقْتِكم أنْفُسَكم في هَذا الوَقْتِ.
والثّانِي وعَلَيْهِ الأكْثَرُونَ، أنَّ التَّقْدِيرَ: لَمَقْتُ اللَّهِ لَكم في الدُّنْيا إذْ تُدْعَوْنَ إلى الإيمانِ فَتَكْفُرُونَ أكْبَرُ مِن مَقْتِكم أنْفُسَكُمُ الآنَ.
فَفِي تَفْسِيرِ الألْفاظِ المَذْكُورَةِ في الآيَةِ أوْجُهٌ؛ الأوَّلُ: أنَّ الَّذِينَ يُنادُونَهم ويَذْكُرُونَ لَهم هَذا الكَلامَ هم خَزَنَةُ جَهَنَّمَ. الثّانِي: المَقْتُ أشَدُّ البُغْضِ وذَلِكَ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى مُحالٌ، فالمُرادُ مِنهُ أبْلَغُ الإنْكارِ والزَّجْرِ. الثّالِثُ: قالَ الفَرّاءُ: ﴿يُنادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ﴾ مَعْناهُ أنَّهم يُنادَوْنَ إنَّ مَقْتَ اللَّهِ لَكم إذْ تُدْعَوْنَ إلى الإيمانِ فَتَأْتُونَ بِالكُفْرِ أكْبَرُ مِن مَقْتِكُمُ الآنَ أنْفُسَكم.
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ الكُفّارَ إذا خُوطِبُوا بِهَذا الخِطابِ ﴿قالُوا رَبَّنا أمَتَّنا اثْنَتَيْنِ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، والمَعْنى أنَّهم لَمّا عَرَفُوا أنَّ الَّذِي كانُوا عَلَيْهِ في الدُّنْيا كانَ فاسِدًا باطِلًا، تَمَنَّوُا الرُّجُوعَ إلى الدُّنْيا لِكَيْ يَشْتَغِلُوا عِنْدَ الرُّجُوعِ إلَيْها بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: احْتَجَّ أكْثَرُ العُلَماءِ بِهَذِهِ الآيَةِ في إثْباتِ عَذابِ القَبْرِ، وتَقْرِيرُ الدَّلِيلِ أنَّهم أثْبَتُوا لِأنْفُسِهِمْ مَوْتَتَيْنِ حَيْثُ قالُوا: ﴿رَبَّنا أمَتَّنا اثْنَتَيْنِ﴾ فَأحَدُ المَوْتَتَيْنِ مُشاهَدٌ في الدُّنْيا فَلا بُدَّ مِن إثْباتِ حَياةٍ أُخْرى في القَبْرِ حَتّى يَصِيرَ المَوْتُ الَّذِي يَحْصُلُ عَقِيبَها مَوْتًا ثانِيًا، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى حُصُولِ حَياةٍ في القَبْرِ، فَإنْ قِيلَ: قالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: المَوْتَةُ الأُولى إشارَةٌ إلى الحالَةِ الحاصِلَةِ عِنْدَ كَوْنِ الإنْسانِ نُطْفَةً وعَلَقَةً، والمَوْتَةُ الثّانِيَةُ إشارَةٌ إلى ما حَصَلَ في الدُّنْيا، فَلِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الأمْرُ كَذَلِكَ ؟ والَّذِي يَدُلُّ عَلى أنَّ الأمْرَ ما ذَكَرْناهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وكُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكم ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٨] والمُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وكُنْتُمْ أمْواتًا﴾ الحالَةُ الحاصِلَةُ عِنْدَ كَوْنِهِ نُطْفَةً وعَلَقَةً، وتَحْقِيقُ الكَلامِ أنَّ الإماتَةَ تُسْتَعْمَلُ بِمَعْنَيَيْنِ؛ أحَدُهُما: إيجادُ الشَّيْءِ مَيِّتًا. والثّانِي: تَصْيِيرُ الشَّيْءِ مَيِّتًا بَعْدَ أنْ كانَ حَيًّا، كَقَوْلِكَ: وسَّعَ الخَيّاطُ ثَوْبِي، يُحْتَمَلُ أنَّهُ خاطَهُ واسِعًا، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ صَيَّرَهُ واسِعًا بَعْدَ أنْ كانَ ضَيِّقًا، فَلِمَ لا يَجُوزُ في هَذِهِ الآيَةِ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالإماتَةِ خَلَقَها مَيِّتَةً، ولا يَكُونُ المُرادُ تَصْيِيرَها مَيِّتَةً بَعْدَ أنْ كانَتْ حَيَّةً.
السُّؤالُ الثّانِي: أنَّ هَذا كَلامُ الكُفّارِ فَلا يَكُونُ حُجَّةً.
السُّؤالُ الثّالِثُ: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى المَنعِ مِن حُصُولِ الحَياةِ في القَبْرِ، وبَيانُهُ أنَّهُ لَوْ كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ لَكانَ قَدْ حَصَلَتِ الحَياةُ ثَلاثَ مَرّاتٍ، أوَّلُها في الدُّنْيا. وثانِيها في القَبْرِ. وثالِثُها في القِيامَةِ. والمَذْكُورُ في الآيَةِ لَيْسَ إلّا حَياتَيْنِ فَقَطْ، فَتَكُونُ إحْداهُما الحَياةَ في الدُّنْيا والحَياةُ الثّانِيَةِ في القِيامَةِ، والمَوْتُ الحاصِلُ بَيْنَهُما هو المَوْتُ المُشاهَدُ في الدُّنْيا.
صفحة ٣٦
السُّؤالُ الرّابِعُ: أنَّهُ إنْ دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى حُصُولِ الحَياةِ في القَبْرِ فَهاهُنا ما يَدُلُّ عَلى عَدَمِهِ وذَلِكَ بِالمَنقُولِ والمَعْقُولِ، أمّا المَنقُولُ فَمِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ مَن هو قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِدًا وقائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ ويَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزُّمَرِ: ٩] فَلَمْ يُذْكَرْ في هَذِهِ الآيَةِ إلّا الحَذَرُ عَنِ الآخِرَةِ، ولَوْ حَصَلَتِ الحَياةُ في القَبْرِ لَكانَ الحَذَرُ عَنْها حاصِلًا، ولَوْ كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ لَذَكَرَهُ، ولَمّا لَمْ يَذْكُرْهُ عَلِمْنا أنَّهُ غَيْرُ حاصِلٍ.
الثّانِي: أنَّهُ تَعالى حَكى في سُورَةِ الصّافّاتِ عَنِ المُؤْمِنِينَ المُحِقِّينَ أنَّهم يَقُولُونَ بَعْدَ دُخُولِهِمْ في الجَنَّةِ: ﴿أفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ إلّا مَوْتَتَنا الأُولى﴾ [الصّافّاتِ: ٥٨] ولا شَكَّ أنَّ كَلامَ أهْلِ الجَنَّةِ حَقٌّ وصِدْقٌ، ولَوْ حَصَلَتْ لَهم حَياةٌ في القَبْرِ لَكانُوا قَدْ ماتُوا مَوْتَتَيْنِ، وذَلِكَ عَلى خِلافِ قَوْلِهِ: ﴿أفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ إلّا مَوْتَتَنا الأُولى﴾ قالُوا: والِاسْتِدْلالُ بِهَذِهِ الآيَةِ أقْوى مِنَ الِاسْتِدْلالِ بِالآيَةِ الَّتِي ذَكَرْتُمُوها؛ لِأنَّ الآيَةَ الَّتِي تَمَسَّكْنا بِها حِكايَةُ قَوْلِ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ دَخَلُوا الجَنَّةَ، والآيَةَ الَّتِي تَمَسَّكْتُمْ بِها حِكايَةُ قَوْلِ الكافِرِينَ الَّذِينَ دَخَلُوا النّارَ.
وأمّا المَعْقُولُ فَمِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: وهو أنَّ الَّذِي افْتَرَسَهُ السِّباعُ وأكَلَتْهُ لَوْ أُعِيدُ حَيًّا لَكانَ إمّا أنْ يُعادَ حَيًّا بِمَجْمُوعِهِ أوْ بِآحادِ أجْزائِهِ، والأوَّلُ باطِلٌ؛ لِأنَّ الحِسَّ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ مَجْمُوعٌ. والثّانِي باطِلٌ لِأنَّهُ لَمّا أكَلَتْهُ السِّباعُ، فَلَوْ جُعِلَتْ تِلْكَ الأجْزاءُ أحْياءً لَحَصَلَتْ أحْياءً في مَعِدَةِ السِّباعِ وفي أمْعائِها، وذَلِكَ في غايَةِ الِاسْتِبْعادِ.
الثّانِي: أنَّ الَّذِي ماتَ لَوْ تَرَكْناهُ ظاهِرًا بِحَيْثُ يَراهُ كُلُّ واحِدٍ فَإنَّهم يَرَوْنَهُ باقِيًا عَلى مَوْتِهِ، فَلَوْ جَوَّزْنا مَعَ هَذِهِ الحالَةِ أنَّهُ يُقالُ: إنَّهُ صارَ حَيًّا لَكانَ هَذا تَشْكِيكًا في المَحْسُوساتِ، وإنَّهُ دُخُولٌ في السَّفْسَطَةِ. والجَوابُ: قَوْلُهُ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ المَوْتَةُ الأُولى هي المَوْتَةَ الَّتِي كانَتْ حاصِلَةً حالَ ما كانَ نُطْفَةً وعَلَقَةً؟ فَنَقُولُ: هَذا لا يَجُوزُ، وبَيانُهُ أنَّ المَذْكُورَ في الآيَةِ أنَّ اللَّهَ أماتَهم، ولَفْظُ الإماتَةِ مَشْرُوطٌ بِسَبْقِ حُصُولِ الحَياةِ؛ إذْ لَوْ كانَ المَوْتُ حاصِلًا قَبْلَ هَذِهِ الحالَةِ امْتَنَعَ كَوْنُ هَذا إماتَةً، وإلّا لَزِمَ تَحْصِيلُ الحاصِلِ وهو مُحالٌ، وهَذا بِخِلافِ قَوْلِهِ: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وكُنْتُمْ أمْواتًا﴾ [البَقَرَةِ: ٢٨] لِأنَّ المَذْكُورَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهم كانُوا أمْواتًا ولَيْسَ فِيها أنِ اللَّهُ أماتَهم بِخِلافِ الآيَةِ الَّتِي نَحْنُ في تَفْسِيرِها؛ لِأنَّها تَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى أماتَهم مَرَّتَيْنِ، وقَدْ بَيَّنّا أنَّ لَفْظَ الإماتَةِ لا يَصْدُقُ إلّا عِنْدَ سَبْقِ الحَياةِ، فَظَهَرَ الفَرْقُ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ: إنَّ هَذا كَلامُ الكُفّارِ فَلا يَكُونُ حُجَّةً، قُلْنا: لَمّا ذَكَرُوا ذَلِكَ لَمْ يُكَذِّبْهُمُ اللَّهُ تَعالى؛ إذْ لَوْ كانُوا كاذِبِينَ لَأظْهَرَ اللَّهُ تَكْذِيبَهم، ألا تَرى أنَّهم لَمّا كَذَبُوا في قَوْلِهِمْ: ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنْعامِ: ٢٣] كَذَّبَهُمُ اللَّهُ في ذَلِكَ فَقالَ: ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا﴾ [الأنْعامِ: ٢٤] . وأمّا قَوْلُهُ: ظاهِرُ الآيَةِ يَمْنَعُ مِن إثْباتِ حَياةٍ في القَبْرِ؛ إذْ لَوْ حَصَلَتْ هَذِهِ الحَياةُ لَكانَ عَدَدُ الحَياةِ ثَلاثَ مَرّاتٍ لا مَرَّتَيْنِ، فَنَقُولُ: الجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: هو أنَّ مَقْصُودَهم تَعْدِيدُ أوْقاتِ البَلاءِ والمِحْنَةَ وهي أرْبَعَةٌ: المَوْتَةُ الأُولى، والحَياةُ في القَبْرِ، والمَوْتَةُ الثّانِيَةُ، والحَياةُ في القِيامَةِ، فَهَذِهِ الأرْبَعَةُ أوْقاتُ البَلاءِ والمِحْنَةِ، فَأمّا الحَياةُ في الدُّنْيا فَلَيْسَتْ مِن أقْسامِ أوْقاتِ البَلاءِ والمِحْنَةِ؛ فَلِهَذا السَّبَبِ لَمْ يَذْكُرُوها.
الثّانِي: لَعَلَّهم ذَكَرُوا الحَياتَيْنِ؛ وهي الحَياةُ في الدُّنْيا، والحَياةُ في القِيامَةِ، أمّا الحَياةُ في القَبْرِ فَأهْمَلُوا ذِكْرَها لِقِلَّةِ وجُودِها وقِصَرِ مُدَّتِها.
الثّالِثُ: لَعَلَّهم لَمّا صارُوا أحْياءً في القُبُورِ لَمْ يَمُوتُوا بَلْ بَقَوْا أحْياءً، إمّا في السَّعادَةِ، وإمّا في الشَّقاوَةِ، واتَّصَلَ بِها حَياةُ القِيامَةِ فَكانُوا مِن جُمْلَةِ مَن أرادَهُمُ اللَّهُ بِالِاسْتِثْناءِ في قَوْلِهِ: ﴿فَصَعِقَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ إلّا مَن شاءَ اللَّهُ﴾ [الزُّمَرِ: ٦٨] .
الرّابِعُ: لَوْ لَمْ نُثْبِتِ الحَياةَ في القَبْرِ لَزِمَ أنْ لا يَحْصُلَ المَوْتُ إلّا مَرَّةً واحِدَةً فَكانَ إثْباتُ المَوْتِ مَرَّتَيْنِ كَذِبًا وهو عَلى خِلافِ لَفْظِ القُرْآنِ، أمّا لَوْ أثْبَتْنا الحَياةَ في القَبْرِ لَزِمَنا إثْباتُ الحَياةِ ثَلاثَ مَرّاتٍ، والمَذْكُورُ في القُرْآنِ
صفحة ٣٧
مَرَّتَيْنِ، أمّا المَرَّةُ الثّالِثَةُ فَلَيْسَ في اللَّفْظِ ما يَدُلُّ عَلى ثُبُوتِها أوْ عَدَمِها، فَثَبَتَ أنَّ نَفْيَ حَياةِ القَبْرِ يَقْتَضِي تَرْكَ ما دَلَّ اللَّفْظُ عَلَيْهِ، فَأمّا إثْباتُ حَياةِ القَبْرِ فَإنَّهُ يَقْتَضِي إثْباتَ شَيْءٍ زائِدٍ عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ مَعَ أنَّ اللَّفْظَ لا إشْعارَ فِيهِ بِثُبُوتِهِ ولا بِعَدَمِهِ، فَكانَ هَذا أوْلى، وأمّا ما ذَكَرُوهُ في المُعارَضَةِ الأُولى فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿يَحْذَرُ الآخِرَةَ﴾ تَدْخُلُ فِيهِ الحَياةُ الآخِرَةُ سَواءٌ كانَتْ في القَبْرِ أوْ في القِيامَةِ، وأمّا المُعارَضَةُ الثّانِيَةُ فَجَوابُها أنّا نُرَجِّحُ قَوْلَنا بِالأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ الوارِدَةِ في عَذابِ القَبْرِ.
وأمّا الوَجْهانِ العَقْلِيّانِ فَمَدْفُوعانِ؛ لِأنّا إذا قُلْنا: إنَّ الإنْسانَ لَيْسَ عِبارَةً عَنْ هَذا الهَيْكَلِ بَلْ هو عِبارَةٌ عَنْ جِسْمٍ نُورانِيٍّ سارٍ في هَذا البَدَنِ، كانَتِ الإشْكالاتُ الَّتِي ذَكَرْتُمُوها غَيْرَ وارِدَةٍ في هَذا البابِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنّا لَمّا أثْبَتْنا حَياةَ القَبْرِ فَيَكُونُ الحاصِلُ في حَقِّ بَعْضِهِمْ أرْبَعَةُ أنْواعٍ مِنَ الحَياةِ وثَلاثَةُ أنْواعٍ مِنَ المَوْتِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ وهم أُلُوفٌ حَذَرَ المَوْتِ فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أحْياهُمْ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٤٣] فَهَؤُلاءِ أرْبَعُ مَراتِبٍ في الحَياةِ، حَياتانِ في الدُّنْيا، وحَياةٌ في القَبْرِ، وحَياةٌ رابِعَةٌ في القِيامَةِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿اثْنَتَيْنِ﴾ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ والتَّقْدِيرُ إماتَتَيْنِ اثْنَتَيْنِ.
ثُمَّ حَكى اللَّهُ عَنْهم أنَّهم قالُوا: ﴿فاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا﴾ فَإنْ قِيلَ: الفاءُ في قَوْلِهِ ﴿فاعْتَرَفْنا﴾ تَقْتَضِي أنْ تَكُونَ الإماتَةُ مَرَّتَيْنِ والإحْياءُ مَرَّتَيْنِ سَبَبًا لِهَذا الِاعْتِرافِ فَبَيَّنُوا هَذِهِ السَّبَبِيَّةَ، قُلْنا: لِأنَّهم كانُوا مُنْكِرِينَ لِلْبَعْثِ فَلَمّا شاهَدُوا الإحْياءَ بَعْدَ الإماتَةِ مَرَّتَيْنِ لَمْ يَبْقَ لَهم عُذْرٌ في الإقْرارِ بِالبَعْثِ، فَلا جَرَمَ وقَعَ هَذا الإقْرارُ كالمُسَبَّبِ عَنْ ذَلِكَ الإحْياءِ وتِلْكَ الإماتَةِ، ثُمَّ قالَ: ﴿فَهَلْ إلى خُرُوجٍ مِن سَبِيلٍ﴾ أيْ هَلْ إلى نَوْعٍ مِنَ الخُرُوجِ سَرِيعٍ أوْ بَطِيءٍ مِن سَبِيلٍ، أمِ اليَأْسُ وقَعَ فَلا خُرُوجَ، ولا سَبِيلَ إلَيْهِ؟ وهَذا كَلامُ مَن غَلَبَ عَلَيْهِ اليَأْسُ والقُنُوطُ، واعْلَمْ أنَّ الجَوابَ الصَّرِيحَ عَنْهُ أنْ يُقالَ: لا أوْ نَعَمْ، وهو تَعالى لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ بَلْ ذَكَرَ كَلامًا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا سَبِيلَ لَهم إلى الخُرُوجِ فَقالَ: ﴿ذَلِكم بِأنَّهُ إذا دُعِيَ اللَّهُ وحْدَهُ كَفَرْتُمْ وإنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا﴾ أيْ ذَلِكُمُ الَّذِي أنْتُمْ فِيهِ، وهو أنْ لا سَبِيلَ لَكم إلى الخُرُوجِ قَطُّ، إنَّما وقَعَ بِسَبَبِ كُفْرِكم بِتَوْحِيدِ اللَّهِ تَعالى، وإيمانِكم بِالإشْراكِ بِهِ ﴿فالحُكْمُ لِلَّهِ﴾ حَيْثُ حَكَمَ عَلَيْكم بِالعَذابِ السَّرْمَدِيِّ، وقَوْلُهُ: ﴿العَلِيِّ الكَبِيرِ﴾ دَلالَةٌ عَلى الكِبْرِياءِ والعَظَمَةِ، وعَلى أنَّ عِقابَهُ لا يَكُونُ إلّا كَذَلِكَ، والمُشَبِّهَةُ اسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿العَلِيِّ﴾ عَلى العُلُوِّ الأعْلى في الجِهَةِ، وبِقَوْلِهِ: ﴿الكَبِيرِ﴾ عَلى كِبَرِ الجُثَّةِ والذّاتِ، وكُلُّ ذَلِكَ باطِلٌ؛ لِأنّا دَلَلْنا عَلى أنَّ الجِسْمِيَّةَ والمَكانَ مُحالانِ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن ﴿العَلِيِّ الكَبِيرِ﴾ العُلُوَّ والكِبْرِياءَ بِحَسْبَ القُدْرَةِ والإلَهِيَّةِ.
غافر 40:11
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أكْبَرُ مِن مَقْتِكم أنْفُسَكم إذْ تُدْعَوْنَ إلى الإيمانِ فَتَكْفُرُونَ﴾ ﴿قالُوا رَبَّنا أمَتَّنا اثْنَتَيْنِ وأحْيَيْتَنا اثْنَتَيْنِ فاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا فَهَلْ إلى خُرُوجٍ مِن سَبِيلٍ﴾ ﴿ذَلِكم بِأنَّهُ إذا دُعِيَ اللَّهُ وحْدَهُ كَفَرْتُمْ وإنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فالحُكْمُ لِلَّهِ العَلِيِّ الكَبِيرِ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا عادَ إلى شَرْحِ أحْوالِ الكافِرِينَ المُجادِلِينَ في آياتِ اللَّهِ وهُمُ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ في قَوْلِهِ: ﴿ما يُجادِلُ في آياتِ اللَّهِ إلّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [غافِرٍ: ٤] بَيَّنَ أنَّهم في القِيامَةِ يَعْتَرِفُونَ بِذُنُوبِهِمْ واسْتِحْقاقِهِمُ العَذابَ الَّذِي يَنْزِلُ بِهِمْ ويَسْألُونَ الرُّجُوعَ إلى الدُّنْيا لِيَتَلافَوْا ما فَرَطَ مِنهم فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أكْبَرُ مِن مَقْتِكُمْ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في الآيَةِ حَذْفٌ وفِيها أيْضًا تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، أمّا الحَذْفُ فَتَقْدِيرُهُ لَمَقْتُ اللَّهِ إيّاكم، وأمّا التَّقْدِيمُ والتَّأْخِيرُ فَهو أنَّ التَّقْدِيرَ أنْ يُقالَ: لَمَقْتُ اللَّهِ لَكم حالَ ما تُدْعَوْنَ إلى الإيمانِ فَتَكْفُرُونَ، أكْبَرُ مِن مَقْتِكم أنْفُسَكم، وفي تَفْسِيرِ مَقْتِهِمْ أنْفُسَهم وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّهم إذا شاهَدُوا القِيامَةَ والجَنَّةَ والنّارَ مَقَتُوا أنْفُسَهم عَلى إصْرارِهِمْ عَلى التَّكْذِيبِ بِهَذِهِ الأشْياءِ في الدُّنْيا.
الثّانِي: أنَّ الأتْباعَ يَشْتَدُّ مَقْتُهم لِلرُّؤَساءِ الَّذِينَ دَعَوْهم إلى
صفحة ٣٥
الكُفْرِ في الدُّنْيا، والرُّؤَساءَ أيْضًا يَشْتَدُّ مَقْتُهم لِلْأتْباعِ فَعَبَّرَ عَنْ مَقْتِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا بِأنَّهم مَقَتُوا أنْفُسَهم، كَما أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿فاقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ [البَقَرَةِ: ٥٤] والمُرادُ قَتْلُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا.
الثّالِثُ: قالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: إذا خَطَبَهم إبْلِيسُ وهم في النّارِ بِقَوْلِهِ: ﴿وما كانَ لِي عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ولُومُوا أنْفُسَكُمْ﴾ [إبْراهِيمَ: ٢٢] فَفي هَذِهِ الحالَةِ مَقَتُوا أنْفُسَهم.
واعْلَمْ أنَّهُ لا نِزاعَ أنَّ مَقْتَهم أنْفُسَهم إنَّما يَحْصُلُ في يَوْمِ القِيامَةِ، أمّا مَقْتُ اللَّهِ لَهم فَفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ حاصِلٌ في الآخِرَةِ، والمَعْنى لَمَقْتُ اللَّهِ لَكم في هَذا الوَقْتِ أشَدُّ مِن مَقْتِكم أنْفُسَكم في هَذا الوَقْتِ.
والثّانِي وعَلَيْهِ الأكْثَرُونَ، أنَّ التَّقْدِيرَ: لَمَقْتُ اللَّهِ لَكم في الدُّنْيا إذْ تُدْعَوْنَ إلى الإيمانِ فَتَكْفُرُونَ أكْبَرُ مِن مَقْتِكم أنْفُسَكُمُ الآنَ.
فَفِي تَفْسِيرِ الألْفاظِ المَذْكُورَةِ في الآيَةِ أوْجُهٌ؛ الأوَّلُ: أنَّ الَّذِينَ يُنادُونَهم ويَذْكُرُونَ لَهم هَذا الكَلامَ هم خَزَنَةُ جَهَنَّمَ. الثّانِي: المَقْتُ أشَدُّ البُغْضِ وذَلِكَ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى مُحالٌ، فالمُرادُ مِنهُ أبْلَغُ الإنْكارِ والزَّجْرِ. الثّالِثُ: قالَ الفَرّاءُ: ﴿يُنادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ﴾ مَعْناهُ أنَّهم يُنادَوْنَ إنَّ مَقْتَ اللَّهِ لَكم إذْ تُدْعَوْنَ إلى الإيمانِ فَتَأْتُونَ بِالكُفْرِ أكْبَرُ مِن مَقْتِكُمُ الآنَ أنْفُسَكم.
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ الكُفّارَ إذا خُوطِبُوا بِهَذا الخِطابِ ﴿قالُوا رَبَّنا أمَتَّنا اثْنَتَيْنِ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، والمَعْنى أنَّهم لَمّا عَرَفُوا أنَّ الَّذِي كانُوا عَلَيْهِ في الدُّنْيا كانَ فاسِدًا باطِلًا، تَمَنَّوُا الرُّجُوعَ إلى الدُّنْيا لِكَيْ يَشْتَغِلُوا عِنْدَ الرُّجُوعِ إلَيْها بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: احْتَجَّ أكْثَرُ العُلَماءِ بِهَذِهِ الآيَةِ في إثْباتِ عَذابِ القَبْرِ، وتَقْرِيرُ الدَّلِيلِ أنَّهم أثْبَتُوا لِأنْفُسِهِمْ مَوْتَتَيْنِ حَيْثُ قالُوا: ﴿رَبَّنا أمَتَّنا اثْنَتَيْنِ﴾ فَأحَدُ المَوْتَتَيْنِ مُشاهَدٌ في الدُّنْيا فَلا بُدَّ مِن إثْباتِ حَياةٍ أُخْرى في القَبْرِ حَتّى يَصِيرَ المَوْتُ الَّذِي يَحْصُلُ عَقِيبَها مَوْتًا ثانِيًا، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى حُصُولِ حَياةٍ في القَبْرِ، فَإنْ قِيلَ: قالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: المَوْتَةُ الأُولى إشارَةٌ إلى الحالَةِ الحاصِلَةِ عِنْدَ كَوْنِ الإنْسانِ نُطْفَةً وعَلَقَةً، والمَوْتَةُ الثّانِيَةُ إشارَةٌ إلى ما حَصَلَ في الدُّنْيا، فَلِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الأمْرُ كَذَلِكَ ؟ والَّذِي يَدُلُّ عَلى أنَّ الأمْرَ ما ذَكَرْناهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وكُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكم ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٨] والمُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وكُنْتُمْ أمْواتًا﴾ الحالَةُ الحاصِلَةُ عِنْدَ كَوْنِهِ نُطْفَةً وعَلَقَةً، وتَحْقِيقُ الكَلامِ أنَّ الإماتَةَ تُسْتَعْمَلُ بِمَعْنَيَيْنِ؛ أحَدُهُما: إيجادُ الشَّيْءِ مَيِّتًا. والثّانِي: تَصْيِيرُ الشَّيْءِ مَيِّتًا بَعْدَ أنْ كانَ حَيًّا، كَقَوْلِكَ: وسَّعَ الخَيّاطُ ثَوْبِي، يُحْتَمَلُ أنَّهُ خاطَهُ واسِعًا، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ صَيَّرَهُ واسِعًا بَعْدَ أنْ كانَ ضَيِّقًا، فَلِمَ لا يَجُوزُ في هَذِهِ الآيَةِ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالإماتَةِ خَلَقَها مَيِّتَةً، ولا يَكُونُ المُرادُ تَصْيِيرَها مَيِّتَةً بَعْدَ أنْ كانَتْ حَيَّةً.
السُّؤالُ الثّانِي: أنَّ هَذا كَلامُ الكُفّارِ فَلا يَكُونُ حُجَّةً.
السُّؤالُ الثّالِثُ: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى المَنعِ مِن حُصُولِ الحَياةِ في القَبْرِ، وبَيانُهُ أنَّهُ لَوْ كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ لَكانَ قَدْ حَصَلَتِ الحَياةُ ثَلاثَ مَرّاتٍ، أوَّلُها في الدُّنْيا. وثانِيها في القَبْرِ. وثالِثُها في القِيامَةِ. والمَذْكُورُ في الآيَةِ لَيْسَ إلّا حَياتَيْنِ فَقَطْ، فَتَكُونُ إحْداهُما الحَياةَ في الدُّنْيا والحَياةُ الثّانِيَةِ في القِيامَةِ، والمَوْتُ الحاصِلُ بَيْنَهُما هو المَوْتُ المُشاهَدُ في الدُّنْيا.
صفحة ٣٦
السُّؤالُ الرّابِعُ: أنَّهُ إنْ دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى حُصُولِ الحَياةِ في القَبْرِ فَهاهُنا ما يَدُلُّ عَلى عَدَمِهِ وذَلِكَ بِالمَنقُولِ والمَعْقُولِ، أمّا المَنقُولُ فَمِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ مَن هو قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِدًا وقائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ ويَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزُّمَرِ: ٩] فَلَمْ يُذْكَرْ في هَذِهِ الآيَةِ إلّا الحَذَرُ عَنِ الآخِرَةِ، ولَوْ حَصَلَتِ الحَياةُ في القَبْرِ لَكانَ الحَذَرُ عَنْها حاصِلًا، ولَوْ كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ لَذَكَرَهُ، ولَمّا لَمْ يَذْكُرْهُ عَلِمْنا أنَّهُ غَيْرُ حاصِلٍ.
الثّانِي: أنَّهُ تَعالى حَكى في سُورَةِ الصّافّاتِ عَنِ المُؤْمِنِينَ المُحِقِّينَ أنَّهم يَقُولُونَ بَعْدَ دُخُولِهِمْ في الجَنَّةِ: ﴿أفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ إلّا مَوْتَتَنا الأُولى﴾ [الصّافّاتِ: ٥٨] ولا شَكَّ أنَّ كَلامَ أهْلِ الجَنَّةِ حَقٌّ وصِدْقٌ، ولَوْ حَصَلَتْ لَهم حَياةٌ في القَبْرِ لَكانُوا قَدْ ماتُوا مَوْتَتَيْنِ، وذَلِكَ عَلى خِلافِ قَوْلِهِ: ﴿أفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ إلّا مَوْتَتَنا الأُولى﴾ قالُوا: والِاسْتِدْلالُ بِهَذِهِ الآيَةِ أقْوى مِنَ الِاسْتِدْلالِ بِالآيَةِ الَّتِي ذَكَرْتُمُوها؛ لِأنَّ الآيَةَ الَّتِي تَمَسَّكْنا بِها حِكايَةُ قَوْلِ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ دَخَلُوا الجَنَّةَ، والآيَةَ الَّتِي تَمَسَّكْتُمْ بِها حِكايَةُ قَوْلِ الكافِرِينَ الَّذِينَ دَخَلُوا النّارَ.
وأمّا المَعْقُولُ فَمِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: وهو أنَّ الَّذِي افْتَرَسَهُ السِّباعُ وأكَلَتْهُ لَوْ أُعِيدُ حَيًّا لَكانَ إمّا أنْ يُعادَ حَيًّا بِمَجْمُوعِهِ أوْ بِآحادِ أجْزائِهِ، والأوَّلُ باطِلٌ؛ لِأنَّ الحِسَّ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ مَجْمُوعٌ. والثّانِي باطِلٌ لِأنَّهُ لَمّا أكَلَتْهُ السِّباعُ، فَلَوْ جُعِلَتْ تِلْكَ الأجْزاءُ أحْياءً لَحَصَلَتْ أحْياءً في مَعِدَةِ السِّباعِ وفي أمْعائِها، وذَلِكَ في غايَةِ الِاسْتِبْعادِ.
الثّانِي: أنَّ الَّذِي ماتَ لَوْ تَرَكْناهُ ظاهِرًا بِحَيْثُ يَراهُ كُلُّ واحِدٍ فَإنَّهم يَرَوْنَهُ باقِيًا عَلى مَوْتِهِ، فَلَوْ جَوَّزْنا مَعَ هَذِهِ الحالَةِ أنَّهُ يُقالُ: إنَّهُ صارَ حَيًّا لَكانَ هَذا تَشْكِيكًا في المَحْسُوساتِ، وإنَّهُ دُخُولٌ في السَّفْسَطَةِ. والجَوابُ: قَوْلُهُ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ المَوْتَةُ الأُولى هي المَوْتَةَ الَّتِي كانَتْ حاصِلَةً حالَ ما كانَ نُطْفَةً وعَلَقَةً؟ فَنَقُولُ: هَذا لا يَجُوزُ، وبَيانُهُ أنَّ المَذْكُورَ في الآيَةِ أنَّ اللَّهَ أماتَهم، ولَفْظُ الإماتَةِ مَشْرُوطٌ بِسَبْقِ حُصُولِ الحَياةِ؛ إذْ لَوْ كانَ المَوْتُ حاصِلًا قَبْلَ هَذِهِ الحالَةِ امْتَنَعَ كَوْنُ هَذا إماتَةً، وإلّا لَزِمَ تَحْصِيلُ الحاصِلِ وهو مُحالٌ، وهَذا بِخِلافِ قَوْلِهِ: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وكُنْتُمْ أمْواتًا﴾ [البَقَرَةِ: ٢٨] لِأنَّ المَذْكُورَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهم كانُوا أمْواتًا ولَيْسَ فِيها أنِ اللَّهُ أماتَهم بِخِلافِ الآيَةِ الَّتِي نَحْنُ في تَفْسِيرِها؛ لِأنَّها تَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى أماتَهم مَرَّتَيْنِ، وقَدْ بَيَّنّا أنَّ لَفْظَ الإماتَةِ لا يَصْدُقُ إلّا عِنْدَ سَبْقِ الحَياةِ، فَظَهَرَ الفَرْقُ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ: إنَّ هَذا كَلامُ الكُفّارِ فَلا يَكُونُ حُجَّةً، قُلْنا: لَمّا ذَكَرُوا ذَلِكَ لَمْ يُكَذِّبْهُمُ اللَّهُ تَعالى؛ إذْ لَوْ كانُوا كاذِبِينَ لَأظْهَرَ اللَّهُ تَكْذِيبَهم، ألا تَرى أنَّهم لَمّا كَذَبُوا في قَوْلِهِمْ: ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنْعامِ: ٢٣] كَذَّبَهُمُ اللَّهُ في ذَلِكَ فَقالَ: ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا﴾ [الأنْعامِ: ٢٤] . وأمّا قَوْلُهُ: ظاهِرُ الآيَةِ يَمْنَعُ مِن إثْباتِ حَياةٍ في القَبْرِ؛ إذْ لَوْ حَصَلَتْ هَذِهِ الحَياةُ لَكانَ عَدَدُ الحَياةِ ثَلاثَ مَرّاتٍ لا مَرَّتَيْنِ، فَنَقُولُ: الجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: هو أنَّ مَقْصُودَهم تَعْدِيدُ أوْقاتِ البَلاءِ والمِحْنَةَ وهي أرْبَعَةٌ: المَوْتَةُ الأُولى، والحَياةُ في القَبْرِ، والمَوْتَةُ الثّانِيَةُ، والحَياةُ في القِيامَةِ، فَهَذِهِ الأرْبَعَةُ أوْقاتُ البَلاءِ والمِحْنَةِ، فَأمّا الحَياةُ في الدُّنْيا فَلَيْسَتْ مِن أقْسامِ أوْقاتِ البَلاءِ والمِحْنَةِ؛ فَلِهَذا السَّبَبِ لَمْ يَذْكُرُوها.
الثّانِي: لَعَلَّهم ذَكَرُوا الحَياتَيْنِ؛ وهي الحَياةُ في الدُّنْيا، والحَياةُ في القِيامَةِ، أمّا الحَياةُ في القَبْرِ فَأهْمَلُوا ذِكْرَها لِقِلَّةِ وجُودِها وقِصَرِ مُدَّتِها.
الثّالِثُ: لَعَلَّهم لَمّا صارُوا أحْياءً في القُبُورِ لَمْ يَمُوتُوا بَلْ بَقَوْا أحْياءً، إمّا في السَّعادَةِ، وإمّا في الشَّقاوَةِ، واتَّصَلَ بِها حَياةُ القِيامَةِ فَكانُوا مِن جُمْلَةِ مَن أرادَهُمُ اللَّهُ بِالِاسْتِثْناءِ في قَوْلِهِ: ﴿فَصَعِقَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ إلّا مَن شاءَ اللَّهُ﴾ [الزُّمَرِ: ٦٨] .
الرّابِعُ: لَوْ لَمْ نُثْبِتِ الحَياةَ في القَبْرِ لَزِمَ أنْ لا يَحْصُلَ المَوْتُ إلّا مَرَّةً واحِدَةً فَكانَ إثْباتُ المَوْتِ مَرَّتَيْنِ كَذِبًا وهو عَلى خِلافِ لَفْظِ القُرْآنِ، أمّا لَوْ أثْبَتْنا الحَياةَ في القَبْرِ لَزِمَنا إثْباتُ الحَياةِ ثَلاثَ مَرّاتٍ، والمَذْكُورُ في القُرْآنِ
صفحة ٣٧
مَرَّتَيْنِ، أمّا المَرَّةُ الثّالِثَةُ فَلَيْسَ في اللَّفْظِ ما يَدُلُّ عَلى ثُبُوتِها أوْ عَدَمِها، فَثَبَتَ أنَّ نَفْيَ حَياةِ القَبْرِ يَقْتَضِي تَرْكَ ما دَلَّ اللَّفْظُ عَلَيْهِ، فَأمّا إثْباتُ حَياةِ القَبْرِ فَإنَّهُ يَقْتَضِي إثْباتَ شَيْءٍ زائِدٍ عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ مَعَ أنَّ اللَّفْظَ لا إشْعارَ فِيهِ بِثُبُوتِهِ ولا بِعَدَمِهِ، فَكانَ هَذا أوْلى، وأمّا ما ذَكَرُوهُ في المُعارَضَةِ الأُولى فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿يَحْذَرُ الآخِرَةَ﴾ تَدْخُلُ فِيهِ الحَياةُ الآخِرَةُ سَواءٌ كانَتْ في القَبْرِ أوْ في القِيامَةِ، وأمّا المُعارَضَةُ الثّانِيَةُ فَجَوابُها أنّا نُرَجِّحُ قَوْلَنا بِالأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ الوارِدَةِ في عَذابِ القَبْرِ.
وأمّا الوَجْهانِ العَقْلِيّانِ فَمَدْفُوعانِ؛ لِأنّا إذا قُلْنا: إنَّ الإنْسانَ لَيْسَ عِبارَةً عَنْ هَذا الهَيْكَلِ بَلْ هو عِبارَةٌ عَنْ جِسْمٍ نُورانِيٍّ سارٍ في هَذا البَدَنِ، كانَتِ الإشْكالاتُ الَّتِي ذَكَرْتُمُوها غَيْرَ وارِدَةٍ في هَذا البابِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنّا لَمّا أثْبَتْنا حَياةَ القَبْرِ فَيَكُونُ الحاصِلُ في حَقِّ بَعْضِهِمْ أرْبَعَةُ أنْواعٍ مِنَ الحَياةِ وثَلاثَةُ أنْواعٍ مِنَ المَوْتِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ وهم أُلُوفٌ حَذَرَ المَوْتِ فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أحْياهُمْ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٤٣] فَهَؤُلاءِ أرْبَعُ مَراتِبٍ في الحَياةِ، حَياتانِ في الدُّنْيا، وحَياةٌ في القَبْرِ، وحَياةٌ رابِعَةٌ في القِيامَةِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿اثْنَتَيْنِ﴾ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ والتَّقْدِيرُ إماتَتَيْنِ اثْنَتَيْنِ.
ثُمَّ حَكى اللَّهُ عَنْهم أنَّهم قالُوا: ﴿فاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا﴾ فَإنْ قِيلَ: الفاءُ في قَوْلِهِ ﴿فاعْتَرَفْنا﴾ تَقْتَضِي أنْ تَكُونَ الإماتَةُ مَرَّتَيْنِ والإحْياءُ مَرَّتَيْنِ سَبَبًا لِهَذا الِاعْتِرافِ فَبَيَّنُوا هَذِهِ السَّبَبِيَّةَ، قُلْنا: لِأنَّهم كانُوا مُنْكِرِينَ لِلْبَعْثِ فَلَمّا شاهَدُوا الإحْياءَ بَعْدَ الإماتَةِ مَرَّتَيْنِ لَمْ يَبْقَ لَهم عُذْرٌ في الإقْرارِ بِالبَعْثِ، فَلا جَرَمَ وقَعَ هَذا الإقْرارُ كالمُسَبَّبِ عَنْ ذَلِكَ الإحْياءِ وتِلْكَ الإماتَةِ، ثُمَّ قالَ: ﴿فَهَلْ إلى خُرُوجٍ مِن سَبِيلٍ﴾ أيْ هَلْ إلى نَوْعٍ مِنَ الخُرُوجِ سَرِيعٍ أوْ بَطِيءٍ مِن سَبِيلٍ، أمِ اليَأْسُ وقَعَ فَلا خُرُوجَ، ولا سَبِيلَ إلَيْهِ؟ وهَذا كَلامُ مَن غَلَبَ عَلَيْهِ اليَأْسُ والقُنُوطُ، واعْلَمْ أنَّ الجَوابَ الصَّرِيحَ عَنْهُ أنْ يُقالَ: لا أوْ نَعَمْ، وهو تَعالى لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ بَلْ ذَكَرَ كَلامًا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا سَبِيلَ لَهم إلى الخُرُوجِ فَقالَ: ﴿ذَلِكم بِأنَّهُ إذا دُعِيَ اللَّهُ وحْدَهُ كَفَرْتُمْ وإنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا﴾ أيْ ذَلِكُمُ الَّذِي أنْتُمْ فِيهِ، وهو أنْ لا سَبِيلَ لَكم إلى الخُرُوجِ قَطُّ، إنَّما وقَعَ بِسَبَبِ كُفْرِكم بِتَوْحِيدِ اللَّهِ تَعالى، وإيمانِكم بِالإشْراكِ بِهِ ﴿فالحُكْمُ لِلَّهِ﴾ حَيْثُ حَكَمَ عَلَيْكم بِالعَذابِ السَّرْمَدِيِّ، وقَوْلُهُ: ﴿العَلِيِّ الكَبِيرِ﴾ دَلالَةٌ عَلى الكِبْرِياءِ والعَظَمَةِ، وعَلى أنَّ عِقابَهُ لا يَكُونُ إلّا كَذَلِكَ، والمُشَبِّهَةُ اسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿العَلِيِّ﴾ عَلى العُلُوِّ الأعْلى في الجِهَةِ، وبِقَوْلِهِ: ﴿الكَبِيرِ﴾ عَلى كِبَرِ الجُثَّةِ والذّاتِ، وكُلُّ ذَلِكَ باطِلٌ؛ لِأنّا دَلَلْنا عَلى أنَّ الجِسْمِيَّةَ والمَكانَ مُحالانِ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن ﴿العَلِيِّ الكَبِيرِ﴾ العُلُوَّ والكِبْرِياءَ بِحَسْبَ القُدْرَةِ والإلَهِيَّةِ.
غافر 40:12
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أكْبَرُ مِن مَقْتِكم أنْفُسَكم إذْ تُدْعَوْنَ إلى الإيمانِ فَتَكْفُرُونَ﴾ ﴿قالُوا رَبَّنا أمَتَّنا اثْنَتَيْنِ وأحْيَيْتَنا اثْنَتَيْنِ فاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا فَهَلْ إلى خُرُوجٍ مِن سَبِيلٍ﴾ ﴿ذَلِكم بِأنَّهُ إذا دُعِيَ اللَّهُ وحْدَهُ كَفَرْتُمْ وإنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فالحُكْمُ لِلَّهِ العَلِيِّ الكَبِيرِ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا عادَ إلى شَرْحِ أحْوالِ الكافِرِينَ المُجادِلِينَ في آياتِ اللَّهِ وهُمُ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ في قَوْلِهِ: ﴿ما يُجادِلُ في آياتِ اللَّهِ إلّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [غافِرٍ: ٤] بَيَّنَ أنَّهم في القِيامَةِ يَعْتَرِفُونَ بِذُنُوبِهِمْ واسْتِحْقاقِهِمُ العَذابَ الَّذِي يَنْزِلُ بِهِمْ ويَسْألُونَ الرُّجُوعَ إلى الدُّنْيا لِيَتَلافَوْا ما فَرَطَ مِنهم فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أكْبَرُ مِن مَقْتِكُمْ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في الآيَةِ حَذْفٌ وفِيها أيْضًا تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، أمّا الحَذْفُ فَتَقْدِيرُهُ لَمَقْتُ اللَّهِ إيّاكم، وأمّا التَّقْدِيمُ والتَّأْخِيرُ فَهو أنَّ التَّقْدِيرَ أنْ يُقالَ: لَمَقْتُ اللَّهِ لَكم حالَ ما تُدْعَوْنَ إلى الإيمانِ فَتَكْفُرُونَ، أكْبَرُ مِن مَقْتِكم أنْفُسَكم، وفي تَفْسِيرِ مَقْتِهِمْ أنْفُسَهم وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّهم إذا شاهَدُوا القِيامَةَ والجَنَّةَ والنّارَ مَقَتُوا أنْفُسَهم عَلى إصْرارِهِمْ عَلى التَّكْذِيبِ بِهَذِهِ الأشْياءِ في الدُّنْيا.
الثّانِي: أنَّ الأتْباعَ يَشْتَدُّ مَقْتُهم لِلرُّؤَساءِ الَّذِينَ دَعَوْهم إلى
صفحة ٣٥
الكُفْرِ في الدُّنْيا، والرُّؤَساءَ أيْضًا يَشْتَدُّ مَقْتُهم لِلْأتْباعِ فَعَبَّرَ عَنْ مَقْتِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا بِأنَّهم مَقَتُوا أنْفُسَهم، كَما أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿فاقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ [البَقَرَةِ: ٥٤] والمُرادُ قَتْلُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا.
الثّالِثُ: قالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: إذا خَطَبَهم إبْلِيسُ وهم في النّارِ بِقَوْلِهِ: ﴿وما كانَ لِي عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ولُومُوا أنْفُسَكُمْ﴾ [إبْراهِيمَ: ٢٢] فَفي هَذِهِ الحالَةِ مَقَتُوا أنْفُسَهم.
واعْلَمْ أنَّهُ لا نِزاعَ أنَّ مَقْتَهم أنْفُسَهم إنَّما يَحْصُلُ في يَوْمِ القِيامَةِ، أمّا مَقْتُ اللَّهِ لَهم فَفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ حاصِلٌ في الآخِرَةِ، والمَعْنى لَمَقْتُ اللَّهِ لَكم في هَذا الوَقْتِ أشَدُّ مِن مَقْتِكم أنْفُسَكم في هَذا الوَقْتِ.
والثّانِي وعَلَيْهِ الأكْثَرُونَ، أنَّ التَّقْدِيرَ: لَمَقْتُ اللَّهِ لَكم في الدُّنْيا إذْ تُدْعَوْنَ إلى الإيمانِ فَتَكْفُرُونَ أكْبَرُ مِن مَقْتِكم أنْفُسَكُمُ الآنَ.
فَفِي تَفْسِيرِ الألْفاظِ المَذْكُورَةِ في الآيَةِ أوْجُهٌ؛ الأوَّلُ: أنَّ الَّذِينَ يُنادُونَهم ويَذْكُرُونَ لَهم هَذا الكَلامَ هم خَزَنَةُ جَهَنَّمَ. الثّانِي: المَقْتُ أشَدُّ البُغْضِ وذَلِكَ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى مُحالٌ، فالمُرادُ مِنهُ أبْلَغُ الإنْكارِ والزَّجْرِ. الثّالِثُ: قالَ الفَرّاءُ: ﴿يُنادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ﴾ مَعْناهُ أنَّهم يُنادَوْنَ إنَّ مَقْتَ اللَّهِ لَكم إذْ تُدْعَوْنَ إلى الإيمانِ فَتَأْتُونَ بِالكُفْرِ أكْبَرُ مِن مَقْتِكُمُ الآنَ أنْفُسَكم.
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ الكُفّارَ إذا خُوطِبُوا بِهَذا الخِطابِ ﴿قالُوا رَبَّنا أمَتَّنا اثْنَتَيْنِ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، والمَعْنى أنَّهم لَمّا عَرَفُوا أنَّ الَّذِي كانُوا عَلَيْهِ في الدُّنْيا كانَ فاسِدًا باطِلًا، تَمَنَّوُا الرُّجُوعَ إلى الدُّنْيا لِكَيْ يَشْتَغِلُوا عِنْدَ الرُّجُوعِ إلَيْها بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: احْتَجَّ أكْثَرُ العُلَماءِ بِهَذِهِ الآيَةِ في إثْباتِ عَذابِ القَبْرِ، وتَقْرِيرُ الدَّلِيلِ أنَّهم أثْبَتُوا لِأنْفُسِهِمْ مَوْتَتَيْنِ حَيْثُ قالُوا: ﴿رَبَّنا أمَتَّنا اثْنَتَيْنِ﴾ فَأحَدُ المَوْتَتَيْنِ مُشاهَدٌ في الدُّنْيا فَلا بُدَّ مِن إثْباتِ حَياةٍ أُخْرى في القَبْرِ حَتّى يَصِيرَ المَوْتُ الَّذِي يَحْصُلُ عَقِيبَها مَوْتًا ثانِيًا، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى حُصُولِ حَياةٍ في القَبْرِ، فَإنْ قِيلَ: قالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: المَوْتَةُ الأُولى إشارَةٌ إلى الحالَةِ الحاصِلَةِ عِنْدَ كَوْنِ الإنْسانِ نُطْفَةً وعَلَقَةً، والمَوْتَةُ الثّانِيَةُ إشارَةٌ إلى ما حَصَلَ في الدُّنْيا، فَلِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الأمْرُ كَذَلِكَ ؟ والَّذِي يَدُلُّ عَلى أنَّ الأمْرَ ما ذَكَرْناهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وكُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكم ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٨] والمُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وكُنْتُمْ أمْواتًا﴾ الحالَةُ الحاصِلَةُ عِنْدَ كَوْنِهِ نُطْفَةً وعَلَقَةً، وتَحْقِيقُ الكَلامِ أنَّ الإماتَةَ تُسْتَعْمَلُ بِمَعْنَيَيْنِ؛ أحَدُهُما: إيجادُ الشَّيْءِ مَيِّتًا. والثّانِي: تَصْيِيرُ الشَّيْءِ مَيِّتًا بَعْدَ أنْ كانَ حَيًّا، كَقَوْلِكَ: وسَّعَ الخَيّاطُ ثَوْبِي، يُحْتَمَلُ أنَّهُ خاطَهُ واسِعًا، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ صَيَّرَهُ واسِعًا بَعْدَ أنْ كانَ ضَيِّقًا، فَلِمَ لا يَجُوزُ في هَذِهِ الآيَةِ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالإماتَةِ خَلَقَها مَيِّتَةً، ولا يَكُونُ المُرادُ تَصْيِيرَها مَيِّتَةً بَعْدَ أنْ كانَتْ حَيَّةً.
السُّؤالُ الثّانِي: أنَّ هَذا كَلامُ الكُفّارِ فَلا يَكُونُ حُجَّةً.
السُّؤالُ الثّالِثُ: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى المَنعِ مِن حُصُولِ الحَياةِ في القَبْرِ، وبَيانُهُ أنَّهُ لَوْ كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ لَكانَ قَدْ حَصَلَتِ الحَياةُ ثَلاثَ مَرّاتٍ، أوَّلُها في الدُّنْيا. وثانِيها في القَبْرِ. وثالِثُها في القِيامَةِ. والمَذْكُورُ في الآيَةِ لَيْسَ إلّا حَياتَيْنِ فَقَطْ، فَتَكُونُ إحْداهُما الحَياةَ في الدُّنْيا والحَياةُ الثّانِيَةِ في القِيامَةِ، والمَوْتُ الحاصِلُ بَيْنَهُما هو المَوْتُ المُشاهَدُ في الدُّنْيا.
صفحة ٣٦
السُّؤالُ الرّابِعُ: أنَّهُ إنْ دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى حُصُولِ الحَياةِ في القَبْرِ فَهاهُنا ما يَدُلُّ عَلى عَدَمِهِ وذَلِكَ بِالمَنقُولِ والمَعْقُولِ، أمّا المَنقُولُ فَمِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ مَن هو قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِدًا وقائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ ويَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزُّمَرِ: ٩] فَلَمْ يُذْكَرْ في هَذِهِ الآيَةِ إلّا الحَذَرُ عَنِ الآخِرَةِ، ولَوْ حَصَلَتِ الحَياةُ في القَبْرِ لَكانَ الحَذَرُ عَنْها حاصِلًا، ولَوْ كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ لَذَكَرَهُ، ولَمّا لَمْ يَذْكُرْهُ عَلِمْنا أنَّهُ غَيْرُ حاصِلٍ.
الثّانِي: أنَّهُ تَعالى حَكى في سُورَةِ الصّافّاتِ عَنِ المُؤْمِنِينَ المُحِقِّينَ أنَّهم يَقُولُونَ بَعْدَ دُخُولِهِمْ في الجَنَّةِ: ﴿أفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ إلّا مَوْتَتَنا الأُولى﴾ [الصّافّاتِ: ٥٨] ولا شَكَّ أنَّ كَلامَ أهْلِ الجَنَّةِ حَقٌّ وصِدْقٌ، ولَوْ حَصَلَتْ لَهم حَياةٌ في القَبْرِ لَكانُوا قَدْ ماتُوا مَوْتَتَيْنِ، وذَلِكَ عَلى خِلافِ قَوْلِهِ: ﴿أفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ إلّا مَوْتَتَنا الأُولى﴾ قالُوا: والِاسْتِدْلالُ بِهَذِهِ الآيَةِ أقْوى مِنَ الِاسْتِدْلالِ بِالآيَةِ الَّتِي ذَكَرْتُمُوها؛ لِأنَّ الآيَةَ الَّتِي تَمَسَّكْنا بِها حِكايَةُ قَوْلِ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ دَخَلُوا الجَنَّةَ، والآيَةَ الَّتِي تَمَسَّكْتُمْ بِها حِكايَةُ قَوْلِ الكافِرِينَ الَّذِينَ دَخَلُوا النّارَ.
وأمّا المَعْقُولُ فَمِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: وهو أنَّ الَّذِي افْتَرَسَهُ السِّباعُ وأكَلَتْهُ لَوْ أُعِيدُ حَيًّا لَكانَ إمّا أنْ يُعادَ حَيًّا بِمَجْمُوعِهِ أوْ بِآحادِ أجْزائِهِ، والأوَّلُ باطِلٌ؛ لِأنَّ الحِسَّ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ مَجْمُوعٌ. والثّانِي باطِلٌ لِأنَّهُ لَمّا أكَلَتْهُ السِّباعُ، فَلَوْ جُعِلَتْ تِلْكَ الأجْزاءُ أحْياءً لَحَصَلَتْ أحْياءً في مَعِدَةِ السِّباعِ وفي أمْعائِها، وذَلِكَ في غايَةِ الِاسْتِبْعادِ.
الثّانِي: أنَّ الَّذِي ماتَ لَوْ تَرَكْناهُ ظاهِرًا بِحَيْثُ يَراهُ كُلُّ واحِدٍ فَإنَّهم يَرَوْنَهُ باقِيًا عَلى مَوْتِهِ، فَلَوْ جَوَّزْنا مَعَ هَذِهِ الحالَةِ أنَّهُ يُقالُ: إنَّهُ صارَ حَيًّا لَكانَ هَذا تَشْكِيكًا في المَحْسُوساتِ، وإنَّهُ دُخُولٌ في السَّفْسَطَةِ. والجَوابُ: قَوْلُهُ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ المَوْتَةُ الأُولى هي المَوْتَةَ الَّتِي كانَتْ حاصِلَةً حالَ ما كانَ نُطْفَةً وعَلَقَةً؟ فَنَقُولُ: هَذا لا يَجُوزُ، وبَيانُهُ أنَّ المَذْكُورَ في الآيَةِ أنَّ اللَّهَ أماتَهم، ولَفْظُ الإماتَةِ مَشْرُوطٌ بِسَبْقِ حُصُولِ الحَياةِ؛ إذْ لَوْ كانَ المَوْتُ حاصِلًا قَبْلَ هَذِهِ الحالَةِ امْتَنَعَ كَوْنُ هَذا إماتَةً، وإلّا لَزِمَ تَحْصِيلُ الحاصِلِ وهو مُحالٌ، وهَذا بِخِلافِ قَوْلِهِ: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وكُنْتُمْ أمْواتًا﴾ [البَقَرَةِ: ٢٨] لِأنَّ المَذْكُورَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهم كانُوا أمْواتًا ولَيْسَ فِيها أنِ اللَّهُ أماتَهم بِخِلافِ الآيَةِ الَّتِي نَحْنُ في تَفْسِيرِها؛ لِأنَّها تَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى أماتَهم مَرَّتَيْنِ، وقَدْ بَيَّنّا أنَّ لَفْظَ الإماتَةِ لا يَصْدُقُ إلّا عِنْدَ سَبْقِ الحَياةِ، فَظَهَرَ الفَرْقُ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ: إنَّ هَذا كَلامُ الكُفّارِ فَلا يَكُونُ حُجَّةً، قُلْنا: لَمّا ذَكَرُوا ذَلِكَ لَمْ يُكَذِّبْهُمُ اللَّهُ تَعالى؛ إذْ لَوْ كانُوا كاذِبِينَ لَأظْهَرَ اللَّهُ تَكْذِيبَهم، ألا تَرى أنَّهم لَمّا كَذَبُوا في قَوْلِهِمْ: ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنْعامِ: ٢٣] كَذَّبَهُمُ اللَّهُ في ذَلِكَ فَقالَ: ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا﴾ [الأنْعامِ: ٢٤] . وأمّا قَوْلُهُ: ظاهِرُ الآيَةِ يَمْنَعُ مِن إثْباتِ حَياةٍ في القَبْرِ؛ إذْ لَوْ حَصَلَتْ هَذِهِ الحَياةُ لَكانَ عَدَدُ الحَياةِ ثَلاثَ مَرّاتٍ لا مَرَّتَيْنِ، فَنَقُولُ: الجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: هو أنَّ مَقْصُودَهم تَعْدِيدُ أوْقاتِ البَلاءِ والمِحْنَةَ وهي أرْبَعَةٌ: المَوْتَةُ الأُولى، والحَياةُ في القَبْرِ، والمَوْتَةُ الثّانِيَةُ، والحَياةُ في القِيامَةِ، فَهَذِهِ الأرْبَعَةُ أوْقاتُ البَلاءِ والمِحْنَةِ، فَأمّا الحَياةُ في الدُّنْيا فَلَيْسَتْ مِن أقْسامِ أوْقاتِ البَلاءِ والمِحْنَةِ؛ فَلِهَذا السَّبَبِ لَمْ يَذْكُرُوها.
الثّانِي: لَعَلَّهم ذَكَرُوا الحَياتَيْنِ؛ وهي الحَياةُ في الدُّنْيا، والحَياةُ في القِيامَةِ، أمّا الحَياةُ في القَبْرِ فَأهْمَلُوا ذِكْرَها لِقِلَّةِ وجُودِها وقِصَرِ مُدَّتِها.
الثّالِثُ: لَعَلَّهم لَمّا صارُوا أحْياءً في القُبُورِ لَمْ يَمُوتُوا بَلْ بَقَوْا أحْياءً، إمّا في السَّعادَةِ، وإمّا في الشَّقاوَةِ، واتَّصَلَ بِها حَياةُ القِيامَةِ فَكانُوا مِن جُمْلَةِ مَن أرادَهُمُ اللَّهُ بِالِاسْتِثْناءِ في قَوْلِهِ: ﴿فَصَعِقَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ إلّا مَن شاءَ اللَّهُ﴾ [الزُّمَرِ: ٦٨] .
الرّابِعُ: لَوْ لَمْ نُثْبِتِ الحَياةَ في القَبْرِ لَزِمَ أنْ لا يَحْصُلَ المَوْتُ إلّا مَرَّةً واحِدَةً فَكانَ إثْباتُ المَوْتِ مَرَّتَيْنِ كَذِبًا وهو عَلى خِلافِ لَفْظِ القُرْآنِ، أمّا لَوْ أثْبَتْنا الحَياةَ في القَبْرِ لَزِمَنا إثْباتُ الحَياةِ ثَلاثَ مَرّاتٍ، والمَذْكُورُ في القُرْآنِ
صفحة ٣٧
مَرَّتَيْنِ، أمّا المَرَّةُ الثّالِثَةُ فَلَيْسَ في اللَّفْظِ ما يَدُلُّ عَلى ثُبُوتِها أوْ عَدَمِها، فَثَبَتَ أنَّ نَفْيَ حَياةِ القَبْرِ يَقْتَضِي تَرْكَ ما دَلَّ اللَّفْظُ عَلَيْهِ، فَأمّا إثْباتُ حَياةِ القَبْرِ فَإنَّهُ يَقْتَضِي إثْباتَ شَيْءٍ زائِدٍ عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ مَعَ أنَّ اللَّفْظَ لا إشْعارَ فِيهِ بِثُبُوتِهِ ولا بِعَدَمِهِ، فَكانَ هَذا أوْلى، وأمّا ما ذَكَرُوهُ في المُعارَضَةِ الأُولى فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿يَحْذَرُ الآخِرَةَ﴾ تَدْخُلُ فِيهِ الحَياةُ الآخِرَةُ سَواءٌ كانَتْ في القَبْرِ أوْ في القِيامَةِ، وأمّا المُعارَضَةُ الثّانِيَةُ فَجَوابُها أنّا نُرَجِّحُ قَوْلَنا بِالأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ الوارِدَةِ في عَذابِ القَبْرِ.
وأمّا الوَجْهانِ العَقْلِيّانِ فَمَدْفُوعانِ؛ لِأنّا إذا قُلْنا: إنَّ الإنْسانَ لَيْسَ عِبارَةً عَنْ هَذا الهَيْكَلِ بَلْ هو عِبارَةٌ عَنْ جِسْمٍ نُورانِيٍّ سارٍ في هَذا البَدَنِ، كانَتِ الإشْكالاتُ الَّتِي ذَكَرْتُمُوها غَيْرَ وارِدَةٍ في هَذا البابِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنّا لَمّا أثْبَتْنا حَياةَ القَبْرِ فَيَكُونُ الحاصِلُ في حَقِّ بَعْضِهِمْ أرْبَعَةُ أنْواعٍ مِنَ الحَياةِ وثَلاثَةُ أنْواعٍ مِنَ المَوْتِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ وهم أُلُوفٌ حَذَرَ المَوْتِ فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أحْياهُمْ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٤٣] فَهَؤُلاءِ أرْبَعُ مَراتِبٍ في الحَياةِ، حَياتانِ في الدُّنْيا، وحَياةٌ في القَبْرِ، وحَياةٌ رابِعَةٌ في القِيامَةِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿اثْنَتَيْنِ﴾ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ والتَّقْدِيرُ إماتَتَيْنِ اثْنَتَيْنِ.
ثُمَّ حَكى اللَّهُ عَنْهم أنَّهم قالُوا: ﴿فاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا﴾ فَإنْ قِيلَ: الفاءُ في قَوْلِهِ ﴿فاعْتَرَفْنا﴾ تَقْتَضِي أنْ تَكُونَ الإماتَةُ مَرَّتَيْنِ والإحْياءُ مَرَّتَيْنِ سَبَبًا لِهَذا الِاعْتِرافِ فَبَيَّنُوا هَذِهِ السَّبَبِيَّةَ، قُلْنا: لِأنَّهم كانُوا مُنْكِرِينَ لِلْبَعْثِ فَلَمّا شاهَدُوا الإحْياءَ بَعْدَ الإماتَةِ مَرَّتَيْنِ لَمْ يَبْقَ لَهم عُذْرٌ في الإقْرارِ بِالبَعْثِ، فَلا جَرَمَ وقَعَ هَذا الإقْرارُ كالمُسَبَّبِ عَنْ ذَلِكَ الإحْياءِ وتِلْكَ الإماتَةِ، ثُمَّ قالَ: ﴿فَهَلْ إلى خُرُوجٍ مِن سَبِيلٍ﴾ أيْ هَلْ إلى نَوْعٍ مِنَ الخُرُوجِ سَرِيعٍ أوْ بَطِيءٍ مِن سَبِيلٍ، أمِ اليَأْسُ وقَعَ فَلا خُرُوجَ، ولا سَبِيلَ إلَيْهِ؟ وهَذا كَلامُ مَن غَلَبَ عَلَيْهِ اليَأْسُ والقُنُوطُ، واعْلَمْ أنَّ الجَوابَ الصَّرِيحَ عَنْهُ أنْ يُقالَ: لا أوْ نَعَمْ، وهو تَعالى لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ بَلْ ذَكَرَ كَلامًا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا سَبِيلَ لَهم إلى الخُرُوجِ فَقالَ: ﴿ذَلِكم بِأنَّهُ إذا دُعِيَ اللَّهُ وحْدَهُ كَفَرْتُمْ وإنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا﴾ أيْ ذَلِكُمُ الَّذِي أنْتُمْ فِيهِ، وهو أنْ لا سَبِيلَ لَكم إلى الخُرُوجِ قَطُّ، إنَّما وقَعَ بِسَبَبِ كُفْرِكم بِتَوْحِيدِ اللَّهِ تَعالى، وإيمانِكم بِالإشْراكِ بِهِ ﴿فالحُكْمُ لِلَّهِ﴾ حَيْثُ حَكَمَ عَلَيْكم بِالعَذابِ السَّرْمَدِيِّ، وقَوْلُهُ: ﴿العَلِيِّ الكَبِيرِ﴾ دَلالَةٌ عَلى الكِبْرِياءِ والعَظَمَةِ، وعَلى أنَّ عِقابَهُ لا يَكُونُ إلّا كَذَلِكَ، والمُشَبِّهَةُ اسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿العَلِيِّ﴾ عَلى العُلُوِّ الأعْلى في الجِهَةِ، وبِقَوْلِهِ: ﴿الكَبِيرِ﴾ عَلى كِبَرِ الجُثَّةِ والذّاتِ، وكُلُّ ذَلِكَ باطِلٌ؛ لِأنّا دَلَلْنا عَلى أنَّ الجِسْمِيَّةَ والمَكانَ مُحالانِ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن ﴿العَلِيِّ الكَبِيرِ﴾ العُلُوَّ والكِبْرِياءَ بِحَسْبَ القُدْرَةِ والإلَهِيَّةِ.
غافر 40:13
صفحة ٣٨
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هو الَّذِي يُرِيكم آياتِهِ ويُنَزِّلُ لَكم مِنَ السَّماءِ رِزْقًا وما يَتَذَكَّرُ إلّا مَن يُنِيبُ﴾ ﴿فادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ولَوْ كَرِهَ الكافِرُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ ما يُوجِبُ التَّهْدِيدَ الشَّدِيدَ في حَقِّ المُشْرِكِينَ أرْدَفَهُ بِذِكْرِ ما يَدُلُّ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ وحِكْمَتِهِ؛ لِيَصِيرَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ جَعْلُ هَذِهِ الأحْجارِ المَنحُوتَةِ والخَشَبِ المُصَوَّرَةِ شُرَكاءَ لِلَّهِ تَعالى في المَعْبُودِيَّةِ، فَقالَ: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكم آياتِهِ﴾ واعْلَمْ أنَّ أهَمَّ المُهِمّاتِ رِعايَةُ مَصالِحِ الأدْيانِ ومَصالِحِ الأبْدانِ، فَهو سُبْحانُهُ وتَعالى راعى مَصالِحَ أدْيانِ العِبادِ بِإظْهارِ البَيِّناتِ والآياتِ، وراعى مَصالِحَ أبْدانِهِمْ بِإنْزالِ الرِّزْقِ مِنَ السَّماءِ، فَمَوْقِعُ الآياتِ مِنَ الأدْيانِ كَمَوْقِعِ الأرْزاقِ مِنَ الأبْدانِ، فالآياتُ لِحَياةِ الأدْيانِ، والأرْزاقُ لِحَياةِ الأبْدانِ، وعِنْدَ حُصُولِهِما يَحْصُلُ الإنْعامُ عَلى أقْوى الِاعْتِباراتِ وأكْمَلِ الجِهاتِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿وما يَتَذَكَّرُ إلّا مَن يُنِيبُ﴾ والمَعْنى أنَّ الوُقُوفَ عَلى دَلائِلِ تَوْحِيدِ اللَّهِ تَعالى كالأمْرِ المَرْكُوزِ في العَقْلِ، إلّا أنَّ القَوْلَ بِالشِّرْكِ والِاشْتِغالَ بِعِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ يَصِيرُ كالمانِعِ مِن تَجَلِّي تِلْكَ الأنْوارِ، فَإذا أعْرَضَ العَبْدُ عَنْها وأنابَ إلى اللَّهِ تَعالى زالَ الغِطاءُ والوِطاءُ فَظَهَرَ الفَوْزُ التّامُّ، ولَمّا قَرَّرَ هَذا المَعْنى صَرَّحَ بِالمَطْلُوبِ وهو الإعْراضُ عَنْ غَيْرِ اللَّهِ والإقْبالُ بِالكُلِّيَّةِ عَلى اللَّهِ تَعالى فَقالَ: ﴿فادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ مِنَ الشِّرْكِ، ومِنَ الِالتِفاتِ إلى غَيْرِ اللَّهِ ﴿ولَوْ كَرِهَ الكافِرُونَ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ”يُنْزِلُ“ خَفِيفَةً والباقُونَ بِالتَّشْدِيدِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجاتِ ذُو العَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِن أمْرِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ﴾ ﴿يَوْمَ هم بارِزُونَ لا يَخْفى عَلى اللَّهِ مِنهم شَيْءٌ لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ ﴿اليَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ لا ظُلْمَ اليَوْمَ إنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ مِن صِفاتِ كِبْرِيائِهِ وإكْرامِهِ كَوْنَهُ مُظْهِرًا لِلْآياتِ مُنْزِلًا لِلْأرْزاقِ، ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ ثَلاثَةً أُخْرى مِن صِفاتِ الجَلالِ والعَظَمَةِ وهو قَوْلُهُ: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجاتِ ذُو العَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ثَلاثَةُ أخْبارٍ لِقَوْلِهِ: (هُوَ) مُرَتَّبَةٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿الَّذِي يُرِيكُمْ﴾ أوْ أخْبارُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وهي مُخْتَلِفَةٌ تَعْرِيفًا وتَنْكِيرًا، قُرِئَ ”رَفِيعَ الدَّرَجاتِ“ بِالنَّصْبِ عَلى المَدْحِ، وأقُولُ: لا بُدَّ مِن تَفْسِيرِ هَذِهِ الصِّفاتِ الثَّلاثَةِ:
فالصِّفَةُ الأُولى: قَوْلُهُ ﴿رَفِيعُ الدَّرَجاتِ﴾ واعْلَمْ أنَّ الرَّفِيعَ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ الرّافِعَ وأنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ المُرْتَفِعَ، أمّا إذا حَمَلْناهُ عَلى الأوَّلِ فَفِيهِ وُجُوهٌ:
الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى يَرْفَعُ دَرَجاتِ الأنْبِياءِ والأوْلِياءِ في الجَنَّةِ.
والثّانِي: رافِعُ دَرَجاتِ الخَلْقِ في العُلُومِ والأخْلاقِ الفاضِلَةِ، فَهو سُبْحانَهُ عَيَّنَ لِكُلِّ أحَدٍ مِنَ المَلائِكَةِ دَرَجَةً مُعَيَّنَةً، كَما قالَ: ﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصّافّاتِ: ١٦٤] وعَيَّنَ لِكُلِّ واحِدٍ مِنَ العُلَماءِ دَرَجَةً مُعَيَّنَةً، فَقالَ: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكم والَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ دَرَجاتٍ﴾ [المُجادَلَةِ: ١١] وعَيَّنَ لِكُلِّ جِسْمٍ دَرَجَةً مُعَيَّنَةً، فَجَعَلَ بَعْضَها سُفْلِيَّةً عُنْصُرِيَّةً، وبَعْضَها فَلَكِيَّةً كَوْكَبِيَّةً، وبَعْضَها مِن جَواهِرِ العَرْشِ والكُرْسِيِّ، فَجَعَلَ لِبَعْضِها دَرَجَةً أعْلى مِن دَرَجَةِ الثّانِي، وأيْضًا جَعَلَ لِكُلِّ واحِدٍ مَرْتَبَةً مُعَيَّنَةً في الخَلْقِ والرِّزْقِ والأجَلِ، فَقالَ: ﴿وهُوَ الَّذِي جَعَلَكم خَلائِفَ الأرْضِ ورَفَعَ بَعْضَكم فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ﴾ [الأنْعامِ: ١٦٥] وجَعَلَ لِكُلِّ أحَدٍ مِنَ السُّعَداءِ والأشْقِياءِ في الدُّنْيا دَرَجَةً مُعَيَّنَةً مِن مُوجِباتِ السَّعادَةِ ومُوجِباتِ الشَّقاوَةِ، وفي الآخِرَةِ آثارٌ لِظُهُورِ تِلْكَ السَّعادَةِ والشَّقاءِ، فَإذا حَمَلْنا الرَّفِيعَ عَلى الرّافِعِ كانَ مَعْناهُ ما ذَكَرْناهُ، وأمّا إذا حَمَلْناهُ عَلى المُرْتَفِعِ فَهو سُبْحانُهُ أرْفَعُ المَوْجُوداتِ في جَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ والجَلالِ، أمّا في أصْلِ الوُجُودِ فَهو أرْفَعُ المَوْجُوداتِ،
صفحة ٣٩
لِأنَّهُ واجِبُ الوُجُودِ لِذاتِهِ وما سِواهُ مُمْكِنٌ ومُحْتاجٌ إلَيْهِ، وأمّا في دَوامِ الوُجُودِ فَهو أرْفَعُ المَوْجُوداتِ؛ لِأنَّهُ واجِبُ الوُجُودِ لِذاتِهِ وهو الأزَلِيُّ والأبَدِيُّ والسَّرْمَدِيُّ، الَّذِي هو أوَّلٌ لِكُلِّ ما سِواهُ، ولَيْسَ لَهُ أوَّلٌ، وآخِرٌ لِكُلِّ ما سِواهُ، ولَيْسَ لَهُ آخِرٌ، أمّا في العِلْمِ: فَلِأنَّهُ هو العالِمُ بِجَمِيعِ الذَّواتِ والصِّفاتِ والكُلِّيّاتِ والجُزْئِيّاتِ، كَما قالَ: ﴿وعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ لا يَعْلَمُها إلّا هُوَ﴾ [الأنْعامِ: ٥٩] وأمّا في القُدْرَةِ: فَهو أعْلى القادِرِينَ وأرْفَعُهم؛ لِأنَّهُ في وُجُودِهِ وجَمِيعِ كَمالاتِ وجُودِهِ غَنِيٌّ عَنْ كُلِّ ما سِواهُ، وكُلُّ ما سِواهُ فَإنَّهُ مُحْتاجٌ في وُجُودِهِ وفي جَمِيعِ كَمالاتِ وجُودِهِ إلَيْهِ. وأمّا في الوَحْدانِيَّةِ: فَهو الواحِدُ الَّذِي يَمْتَنِعُ أنْ يَحْصُلَ لَهُ ضِدٌّ ونِدٌّ وشَرِيكٌ ونَظِيرٌ، وأقُولُ: الحَقُّ سُبْحانَهُ لَهُ صِفَتانِ؛ أحَدُهُما: اسْتِغْناؤُهُ في وُجُودِهِ وفي جَمِيعِ صِفاتِ وجُودِهِ عَنْ كُلِّ ما سِواهُ. الثّانِي: افْتِقارُ كُلِّ ما سِواهُ إلَيْهِ في وُجُودِهِ وفي صِفاتِ وجُودِهِ، فالرَّفِيعُ إنْ فَسَّرْناهُ بِالمُرْتَفِعِ، كانَ مَعْناهُ أنَّهُ أرْفَعُ المَوْجُوداتِ وأعْلاها في جَمِيعِ صِفاتِ الجَلالِ والإكْرامِ، وإنْ فَسَّرْناهُ بِالرّافِعِ، كانَ مَعْناهُ أنَّ كُلَّ دَرَجَةٍ وفَضِيلَةٍ ورَحْمَةٍ ومَنقَبَةٍ حَصَلَتْ لِشَيْءٍ سِواهُ فَإنَّما حَصَلَتْ بِإيجادِهِ وتَكْوِينِهِ وفَضْلِهِ ورَحْمَتِهِ.
الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ذُو العَرْشِ﴾ ومَعْناهُ أنَّهُ مالِكُ العَرْشِ ومُدَبِّرُهُ وخالِقُهُ، واحْتَجَّ بَعْضُ الأغْمارِ مِنَ المُشَبِّهَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجاتِ ذُو العَرْشِ﴾ وحَمَلُوهُ عَلى أنَّ المُرادَ بِالدَّرَجاتِ السَّماواتُ، وبِقَوْلِهِ: ﴿ذُو العَرْشِ﴾ أنَّهُ مَوْجُودٌ في العَرْشِ فَوْقَ سَبْعِ سَماواتٍ، وقَدْ أعْظَمُوا الفِرْيَةَ عَلى اللَّهِ تَعالى، فَإنّا بَيَّنّا بِالدَّلائِلِ القاهِرَةِ العَقْلِيَّةِ أنَّ كَوْنَهُ تَعالى جِسْمًا وفي جِهَةِ مُحالٌ، وأيْضًا فَظاهِرُ اللَّفْظِ لا يَدُلُّ عَلى ما قالُوهُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ذُو العَرْشِ﴾ لا يُفِيدُ إلّا إضافَتَهُ إلى العَرْشِ ويَكْفِي في إضافَتِهِ إلَيْهِ كَوْنُهُ مالِكًا لَهُ ومُخْرِجًا لَهُ مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ، فَأيُّ ضَرُورَةٍ تَدْعُونا إلى الذَّهابِ إلى القَوْلِ الباطِلِ والمَذْهَبِ الفاسِدِ، والفائِدَةُ في تَخْصِيصِ العَرْشِ بِالذِّكْرِ هو أنَّهُ أعْظَمُ الأجْسامِ، والمَقْصُودُ بَيانُ كَمالِ إلَهِيَّتِهِ ونَفاذُ قُدْرَتِهِ، فَكُلَّما كانَ مَحَلُّ التَّصَرُّفِ والتَّدْبِيرِ أعْظَمَ، كانَتْ دَلالَتُهُ عَلى كَمالِ القُدْرَةِ أقْوى.
* * *
الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِن أمْرِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ وفِيهِ مَباحِثُ:
البَحْثُ الأوَّلُ: اخْتَلَفُوا في المُرادِ بِهَذا الرُّوحِ، والصَّحِيحُ أنَّ المُرادَ هو الوَحْيُ، وقَدْ أطْنَبْنا في بَيانِ أنَّهُ لِمَ سُمِّيَ الوَحْيُ بِالرُّوحِ في أوَّلِ سُورَةِ النَّحْلِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿يُنَزِّلُ المَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِن أمْرِهِ﴾ [النَّحْلِ: ٢] وقالَ أيْضًا: ﴿أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ﴾ [الأنْعامِ: ١٢٢] وحاصِلُ الكَلامِ فِيهِ: أنَّ حَياةَ الأرْواحِ بِالمَعارِفِ الإلَهِيَّةِ والجَلايا القُدُسِيَّةِ، فَإذا كانَ الوَحْيُ سَبَبًا لِحُصُولِ هَذِهِ الأرْواحِ سُمِّيَ بِالرُّوحِ، فَإنَّ الرُّوحَ سَبَبٌ لِحُصُولِ الحَياةِ والوَحْيَ سَبَبٌ لِحُصُولِ هَذِهِ الحَياةِ الرُّوحانِيَّةِ.
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُشْتَمِلَةٌ عَلى أسْرارٍ عَجِيبَةٍ مِن عُلُومِ المُكاشَفاتِ، وذَلِكَ لِأنَّ كَمالَ كِبْرِياءِ اللَّهِ تَعالى لا تَصِلُ إلَيْهِ العُقُولُ والأفْهامُ، فالطَّرِيقُ الكامِلُ في تَعْرِيفِهِ بِقَدْرِ الطّاقَةِ البَشَرِيَّةِ أنْ يُذْكَرَ ذَلِكَ الكَلامُ عَلى الوَجْهِ الكُلِّيِّ العَقْلِيِّ، ثُمَّ يُذْكَرَ عَقِيبَهُ شَيْءٌ مِنَ المَحْسُوساتِ المُؤَكِّدَةِ لِذَلِكَ المَعْنى العَقْلِيِّ؛ لِيَصِيرَ الحَصْرُ بِهَذا الطَّرِيقِ مُعاضِدًا لِلْعَقْلِ، فَهاهُنا أيْضًا كَذَلِكَ، فَقَوْلُهُ: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجاتِ﴾ إمّا أنْ يَكُونَ بِمَعْنى كَوْنِهِ رافِعًا لِلدَّرَجاتِ، وهو إشارَةٌ إلى تَأْثِيرِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى في إيجادِ المُمْكِناتِ عَلى اخْتِلافِ دَرَجاتِها وتَبايُنِ مَنازِلِها وصِفاتِها، أوْ إلى كَوْنِهِ تَعالى مُرْتَفِعًا في صِفاتِ الجَلالِ ونُعُوتِ العِزَّةِ عَنْ كُلِّ المَوْجُوداتِ، فَهَذا الكَلامُ عَقْلِيٌّ بُرْهانِيٌّ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ بَيَّنَ هَذا الكَلامَ الكُلِّيِّ بِمَزِيدِ تَقْرِيرٍ؛ وذَلِكَ لِأنَّ ما سِوى اللَّهِ تَعالى إمّا جُسْمانِيّاتٌ وإمّا
صفحة ٤٠
رُوحانِيّاتٌ، فَبَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ كِلّا القِسْمَيْنِ مُسَخَّرٌ تَحْتَ تَسْخِيرِ الحَقِّ سُبْحانَهُ وتَعالى، أمّا الجُسْمانِيّاتُ فَأعْظَمُها العَرْشُ، فَقَوْلُهُ: ﴿ذُو العَرْشِ﴾ يَدُلُّ عَلى اسْتِيلائِهِ عَلى كُلِّيَّةِ عالَمِ الأجْسامِ، ولَمّا كانَ العَرْشُ مِن جِنْسِ المَحْسُوساتِ كانَ هَذا المَحْسُوسُ مُؤَكِّدًا لِذَلِكَ المَعْقُولِ، أعْنِي قَوْلَهُ: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجاتِ﴾ وأمّا الرُّوحانِيّاتُ فَكُلُّها مُسَخَّرَةٌ لِلْحَقِّ سُبْحانَهُ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِن أمْرِهِ﴾ .
واعْلَمْ أنَّ أشْرَفَ الأحْوالِ الظّاهِرَةِ في رُوحانِيّاتِ هَذا العالَمِ ظُهُورُ آثارِ الوَحْيِ، والوَحْيُ إنَّما يَتِمُّ بِأرْكانٍ أرْبَعَةٍ؛ فَأوَّلُها: المُرْسِلُ وهو اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى، فَلِهَذا أضافَ إلْقاءَ الوَحْيِ إلى نَفْسِهِ فَقالَ: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ﴾ والرُّكْنُ الثّانِي: الإرْسالُ والوَحْيُ، وهو الَّذِي سَمّاهُ بِالرُّوحِ. والرُّكْنُ الثّالِثُ أنَّ وُصُولَ الوَحْيِ مِنَ اللَّهِ تَعالى إلى الأنْبِياءِ لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ إلّا بِواسِطَةِ المَلائِكَةِ، وهو المُشارُ إلَيْهِ في هَذِهِ الآيَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن أمْرِهِ﴾ فالرُّكْنُ الرُّوحانِيُّ يُسَمّى أمْرًا، قالَ تَعالى: ﴿وأوْحى في كُلِّ سَماءٍ أمْرَها﴾ [فُصِّلَتْ: ١٢] وقالَ: ﴿ألا لَهُ الخَلْقُ والأمْرُ﴾ [الأعْرافُ: ٥٤] . والرُّكْنُ الرّابِعُ: الأنْبِياءُ الَّذِينَ يُلْقِي اللَّهُ الوَحْيَ إلَيْهِمْ وهو المُشارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ . والرُّكْنُ الخامِسُ: تَعْيِينُ الغَرَضِ والمَقْصُودِ الأصْلِيِّ مِن إلْقاءِ هَذا الوَحْيِ إلَيْهِمْ، وذَلِكَ هو أنَّ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ يَصْرِفُونَ الخَلْقَ مِن عالَمِ الدُّنْيا إلى عالَمِ الآخِرَةِ، ويَحْمِلُونَهم عَلى الإعْراضِ عَنْ هَذِهِ الجُسْمانِيّاتِ والإقْبالِ عَلى الرُّوحانِيّاتِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ يَوْمَ هم بارِزُونَ﴾ فَهَذا تَرْتِيبٌ عَجِيبٌ يَدُلُّ عَلى هَذِهِ الإشاراتِ العالِيَةِ مِن عُلُومِ المُكاشَفاتِ الإلَهِيَّةِ.
وبَقِيَ هاهُنا أنْ نُبَيِّنَ أنَّهُ ما السَّبَبُ في تَسْمِيَةِ يَوْمِ القِيامَةِ بِيَوْمِ التَّلاقِ؟ وكَمِ الصِّفاتُ الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ السُّورَةِ لِيَوْمِ التَّلاقِ؟
أمّا السَّبَبُ في تَسْمِيَةِ يَوْمِ القِيامَةِ بِيَوْمِ التَّلاقِ فَفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ الأرْواحَ كانَتْ مُتَبايِنَةً عَنِ الأجْسادِ فَإذا جاءَ يَوْمُ القِيامَةِ صارَتِ الأرْواحُ مُلاقِيَةً لِلْأجْسادِ فَكانَ ذَلِكَ اليَوْمُ يَوْمَ التَّلاقِ.
الثّانِي: أنَّ الخَلائِقَ يَتَلاقَوْنَ فِيهِ فَيَقِفُ بَعْضُهم عَلى حالِ البَعْضِ.
الثّالِثُ: أنَّ أهْلَ السَّماءِ يَنْزِلُونَ عَلى أهْلِ الأرْضِ فَيَلْتَقِي فِيهِ أهْلُ السَّماءِ وأهْلُ الأرْضِ، قالَ تَعالى: ﴿ويَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالغَمامِ ونُزِّلَ المَلائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾ [الفُرْقانِ: ٢٥]
الرّابِعُ: أنَّ كُلَّ أحَدٍ يَصِلُ إلى جَزاءِ عَمَلِهِ في ذَلِكَ اليَوْمِ فَكانَ ذَلِكَ مِن بابِ التَّلاقِ، هو مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ: فُلانٌ لَقِيَ عَمَلَهُ.
الخامِسُ: يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَأْخُوذًا مِن قَوْلِهِ: ﴿فَمَن كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ﴾ [الكَهْفِ: ١١٠] ومِن قَوْلِهِ: ﴿تَحِيَّتُهم يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ﴾ [الأحْزابِ: ٤٤] .
السّادِسُ: يَوْمٌ يَلْتَقِي فِيهِ العابِدُونَ والمَعْبُودُونَ.
السّابِعُ: يَوْمٌ يَلْتَقِي فِيهِ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ وآخِرُ ولَدِهِ.
الثّامِنُ: قالَ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرانَ يَوْمٌ يَلْتَقِي فِيهِ الظّالِمُ والمَظْلُومُ، فَرُبَّما ظَلَمَ الرَّجُلُ رَجُلًا وانْفَصَلَ عَنْهُ، ولَوْ أرادَ أنْ يَجِدَهُ لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ ولَمْ يَعْرِفْهُ، فَفي يَوْمِ القِيامَةِ يَحْضُرانِ ويَلْقى بَعْضُهم بَعْضًا.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ (التَّلاقِي والتَّنادِي) بِإثْباتِ الياءِ في الوَصْلِ والوَقْفِ، و(هادِي وواقِي)، بِالياءِ في الوَقْفِ، وبِالتَّنْوِينِ في الوَصْلِ.
وأمّا بَيانُ أنَّ اللَّهَ تَعالى كَمْ عَدَّدَ مِنَ الصِّفاتِ ووَصَفَ بِها يَوْمَ القِيامَةِ في هَذِهِ الآيَةِ، فَنَقُولُ:
الصِّفَةُ الأُولى: كَوْنُهُ يَوْمَ التَّلاقِ، وقَدْ ذَكَرْنا تَفْسِيرَهُ.
الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ هم بارِزُونَ﴾ وفي تَفْسِيرِ هَذا البُرُوزِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّهم بَرَزُوا عَنْ بَواطِنِ القُبُورِ. الثّانِي: بارِزُونَ؛ أيْ ظاهِرُونَ لا يَسْتُرُهم شَيْءٌ مِن جَبَلٍ أوْ أكَمَةٍ أوْ بِناءٍ؛ لِأنَّ الأرْضَ بارِزَةٌ قاعٌ
صفحة ٤١
صَفْصَفٌ، ولَيْسَ عَلَيْهِمْ أيْضًا ثِيابٌ إنَّما هم عُراةٌ مَكْشُوفُونَ، كَما جاءَ في الحَدِيثِ: ”«يُحْشَرُونَ عُراةً حُفاةً غُرْلًا» “ . الثّالِثُ: أنْ يُجْعَلَ كَوْنُهم بارِزِينَ كِنايَةً عَنْ ظُهُورِ أعْمالِهِمْ وانْكِشافِ أسْرارِهِمْ، كَما قالَ تَعالى: ﴿يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ﴾ [الطّارِقِ: ٩] . الرّابِعُ: أنَّ هَذِهِ النُّفُوسَ النّاطِقَةَ البَشَرِيَّةَ كَأنَّها في الدُّنْيا انْغَمَسَتْ في ظُلُماتِ أعْمالِ الأبْدانِ، فَإذا جاءَ يَوْمُ القِيامَةِ أعْرَضَتْ عَنِ الِاشْتِغالِ بِتَدْبِيرِ الجُسْمانِيّاتِ وتَوَجَّهَتْ بِالكُلِّيَّةِ إلى عالَمِ القِيامَةِ ومَجْمَعِ الرُّوحانِيّاتِ، فَكَأنَّها بَرَزَتْ بَعْدَ أنْ كانَتْ كامِنَةً في الجُسْمانِيّاتِ مُسْتَتِرَةً بِها.
الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿لا يَخْفى عَلى اللَّهِ مِنهم شَيْءٌ﴾ والمُرادُ يَوْمٌ لا يَخْفى عَلى اللَّهِ مِنهم شَيْءٌ، والمَقْصُودُ مِنهُ الوَعِيدُ فَإنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهم إذا بَرَزُوا مِن قُبُورِهِمْ واجْتَمَعُوا وتَلاقَوْا فَإنَّ اللَّهَ تَعالى يَعْلَمُ ما فَعَلَهُ كُلُّ واحِدٍ مِنهم فَيُجازِي كُلًّا بِحَسْبِهِ إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ وإنْ شَرًّا فَشَرٌّ، فَهم وإنْ لَمْ يَعْلَمُوا تَفْصِيلَ ما فَعَلُوهُ، فاللَّهُ تَعالى عالِمٌ بِذَلِكَ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفى مِنكم خافِيَةٌ﴾ [الحاقَّةِ: ١٨] وقالَ: ﴿يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ﴾ [الطّارِقِ: ٩] وقالَ: ﴿إذا بُعْثِرَ ما في القُبُورِ﴾ ﴿وحُصِّلَ ما في الصُّدُورِ﴾ [العادِياتِ: ٩، ١٠] وقالَ: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أخْبارَها﴾ [الزَّلْزَلَةِ: ٤] فَإنْ قِيلَ: اللَّهُ تَعالى لا يَخْفى عَلَيْهِ مِنهم شَيْءٌ في جَمِيعِ الأيّامِ، فَما مَعْنى تَقْيِيدُ هَذا المَعْنى بِذَلِكَ اليَوْمِ؟ قُلْنا: إنَّهم كانُوا يَتَوَهَّمُونَ في الدُّنْيا إذا اسْتَتَرُوا بِالحِيطانِ والحُجُبِ أنَّ اللَّهَ لا يَراهم، وتَخْفى عَلَيْهِ أعْمالُهم، فَهم في ذَلِكَ اليَوْمِ صائِرُونَ مِنَ البُرُوزِ والِانْكِشافِ إلى حالٍ لا يَتَوَهَّمُونَ فِيها مِثْلَ ما يَتَوَهَّمُونَهُ في الدُّنْيا، قالَ تَعالى: ﴿ولَكِنْ ظَنَنْتُمْ أنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ [فُصِّلَتْ: ٢٢] وقالَ: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النّاسِ ولا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ﴾ [النِّساءِ: ١٠٨] وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وبَرَزُوا لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ .
* * *
الصِّفَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ والتَّقْدِيرُ يَوْمٌ يُنادى فِيهِ: لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ؟ وهَذا النِّداءُ في أيِّ الأوْقاتِ يَحْصُلُ فِيهِ، قَوْلانِ:
الأوَّلُ: قالَ المُفَسِّرُونَ إذا هَلَكَ كُلُّ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ فَيَقُولُ الرَّبُّ تَعالى: ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ﴾ ؟ يَعْنِي يَوْمَ القِيامَةِ، فَلا يُجِيبُهُ أحَدٌ، فَهو تَعالى يُجِيبُ نَفْسَهُ فَيَقُولُ: ﴿لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ قالَ أهْلُ الأُصُولِ: هَذا القَوْلُ ضَعِيفٌ وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ هَذا النِّداءَ إنَّما يَحْصُلُ يَوْمَ التَّلاقِ، ويَوْمَ البُرُوزِ، ويَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ، والنّاسُ في ذَلِكَ الوَقْتِ أحْياءٌ، فَبَطَلَ قَوْلُهم: إنَّ اللَّهَ تَعالى إنَّما يُنادِي بِهَذا النِّداءِ حِينَ هَلَكَ كُلُّ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ.
والثّانِي: أنَّ الكَلامَ لا بُدَّ فِيهِ مِن فائِدَةٍ؛ لِأنَّ الكَلامَ إمّا أنْ يُذْكَرَ حالَ حُضُورِ الغَيْرِ، أوْ حالَ ما لا يَحْضُرُ الغَيْرُ، والأوَّلُ: باطِلٌ هاهُنا؛ لِأنَّ القَوْمَ قالُوا: إنَّهُ تَعالى إنَّما يَذْكُرُ هَذا الكَلامَ عِنْدَ فَناءِ الكُلِّ، والثّانِي أيْضًا باطِلٌ لِأنَّ الرَّجُلَ إنَّما يَحْسُنُ تَكَلُّمُهُ حالَ كَوْنِهِ وحْدَهُ؛ إمّا لِأنَّهُ يَحْفَظُ بِهِ شَيْئًا كالَّذِي يُكَرَّرُ عَلى الدَّرْسِ، وذَلِكَ عَلى اللَّهِ مُحالٌ، أوْ لِأجْلِ أنَّهُ يَحْصُلُ سُرُورٌ بِما يَقُولُهُ، وذَلِكَ أيْضًا عَلى اللَّهِ مُحالٌ، أوْ لِأجْلِ أنْ يَعْبُدَ اللَّهَ بِذَلِكَ الذِّكْرِ، وذَلِكَ أيْضًا عَلى اللَّهِ مُحالٌ، فَثَبَتَ أنَّ قَوْلَ مَن يَقُولُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى يَذْكُرُ هَذا النِّداءَ حالَ هَلاكِ جَمِيعِ المَخْلُوقاتِ، باطِلٌ لا أصْلَ لَهُ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ في يَوْمِ التَّلاقِ إذا حَضَرَ الأوَّلُونَ والآخِرُونَ وبَرَزُوا لِلَّهِ نادى مُنادٍ ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ﴾ فَيَقُولُ كُلُّ الحاضِرِينَ في مَحْفَلِ القِيامَةِ: ﴿لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ فالمُؤْمِنُونَ يَقُولُونَ تَلَذُّذًا بِهَذا الكَلامِ، حَيْثُ نالُوا بِهَذا الذِّكْرِ المَنزِلَةَ الرَّفِيعَةَ، والكُفّارُ يَقُولُونَهُ عَلى الصَّغارِ والذِّلَّةِ عَلى وجْهِ التَّحَسُّرِ والنَّدامَةِ عَلى أنْ فاتَهم هَذا الذِّكْرُ في الدُّنْيا، وقالَ القائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ: إنْ صَحَّ القَوْلُ الأوَّلُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ، لَمْ يَمْتَنِعْ أنْ يَكُونَ
صفحة ٤٢
المُرادُ أنَّ هَذا النِّداءَ يُذْكَرُ بَعْدَ فَناءِ البَشَرِ إلّا أنَّهُ حَضَرَ هُناكَ مَلائِكَةٌ يَسْمَعُونَ ذَلِكَ النِّداءَ، وأقُولُ أيْضًا عَلى هَذا القَوْلِ: لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ السّائِلُ والمُجِيبُ هو اللَّهُ تَعالى، ولا يَبْعُدُ أيْضًا أنْ يَكُونَ السّائِلُ جَمْعًا مِنَ المَلائِكَةِ والمُجِيبُ جَمْعًا آخَرِينَ، الكُلُّ مُمْكِنٌ ولَيْسَ عَلى التَّعْيِينِ دَلِيلٌ، فَإنْ قِيلَ: وما الفائِدَةُ في تَخْصِيصِ هَذا اليَوْمِ بِهَذا النِّداءِ؟
فَنَقُولُ: النّاسُ كانُوا مَغْرُورِينَ في الدُّنْيا بِالأسْبابِ الظّاهِرَةِ، وكانَ الشَّيْخُ الإمامُ الوالِدُ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: لَوْلا الأسْبابُ لَما ارْتابَ مُرْتابٌ، وفي يَوْمِ القِيامَةِ زالَتِ الأسْبابُ، وانْعَزَلَتِ الأرْبابُ، ولَمْ يَبْقَ البَتَّةَ غَيْرُ حُكْمِ مُسَبِّبِ الأسْبابِ؛ فَلِهَذا اخْتُصَّ النِّداءُ بِيَوْمِ القِيامَةِ، واعْلَمْ أنَّهُ وإنْ كانَ ظاهِرُ اللَّفْظِ يَدُلُّ عَلى اخْتِصاصِ ذَلِكَ النِّداءِ بِذَلِكَ اليَوْمِ إلّا أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ يُفِيدُ أنَّ هَذا النِّداءَ حاصِلٌ مِن جِهَةِ المَعْنى أبَدًا، وذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَنا: (اللَّهُ) اسْمٌ لِواجِبِ الوُجُودِ لِذاتِهِ، وواجِبُ الوُجُودِ لِذاتِهِ واحِدٌ وكُلُّ ما سِواهُ مُمْكِنٌ لِذاتِهِ، والمُمْكِنُ لِذاتِهِ لا يُوجَدُ إلّا بِإيجادِ الواجِبِ لِذاتِهِ، ومَعْنى الإيجادِ هو تَرْجِيحُ جانِبِ الوُجُودِ عَلى جانِبِ العَدَمِ، وذَلِكَ التَّرْجِيحُ هو قَهْرٌ لِلْجانِبِ المَرْجُوحِ، فَثَبَتَ أنَّ الإلَهَ القَهّارَ واحِدٌ أبَدًا، ونِداءُ ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ﴾ إنَّما ظَهَرَ مِن كَوْنِهِ واحِدًا قَهّارًا، فَإذا كانَ كَوْنُهُ قَهّارًا باقِيًا مِنَ الأزَلِ إلى الأبَدِ لا جَرَمَ كانَ نِداءُ ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ﴾ باقِيًا في جانِبِ المَعْنى مِنَ الأزَلِ إلى الأبَدِ.
الصِّفَةُ الخامِسَةُ مِن صِفاتِ ذَلِكَ اليَوْمِ قَوْلُهُ: ﴿اليَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ .
* * *
واعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا شَرَحَ صِفاتِ القَهْرِ في ذَلِكَ اليَوْمِ أرْدَفَهُ بِبَيانِ صِفاتِ العَدْلِ والفَضْلِ في ذَلِكَ اليَوْمِ فَقالَ: ﴿اليَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: هَذا الكَلامُ اشْتَمَلَ عَلى أُمُورٍ ثَلاثَةٍ؛ أوَّلُها: إثْباتُ الكَسْبِ لِلْإنْسانِ. والثّانِي: أنَّ كَسْبَهُ يُوجِبُ الجَزاءَ. والثّالِثُ: أنَّ ذَلِكَ الجَزاءَ إنَّما يُسْتَوْفى في ذَلِكَ اليَوْمِ، فَهَذِهِ الكَلِمَةُ عَلى اخْتِصارِها مُشْتَمِلَةٌ عَلى هَذِهِ الأُصُولِ الثَّلاثَةِ في هَذا الكِتابِ، وهي أُصُولٌ عَظِيمَةُ المُوقِعِ في الدِّينِ، وقَدْ سَبَقَ تَقْرِيرُ هَذِهِ الأُصُولِ مِرارًا، ولا بَأْسَ بِذِكْرِ بَعْضِ النُّكَتِ في تَقْرِيرِ هَذِهِ الأُصُولِ. أمّا الأوَّلُ: فَهو إثْباتُ الكَسْبِ لِلْإنْسانِ وهو عِبارَةٌ عَنْ كَوْنِ أعْضائِهِ سَلِيمَةً صالِحَةً لِلْفِعْلِ والتَّرْكِ، فَما دامَ يَبْقى عَلى هَذا الِاسْتِواءِ امْتَنَعَ صُدُورُ الفِعْلِ والتَّرْكِ عَنْهُ، فَإذا انْضافَ إلَيْهِ الدّاعِي إلى الفِعْلِ أوِ الدّاعِي إلى التَّرْكِ وجَبَ صُدُورُ ذَلِكَ الفِعْلُ أوِ التَّرْكُ عَنْهُ.
وأمّا الثّانِي: وهو بَيانُ تَرَتُّبِ الجَزاءِ عَلَيْهِ، فاعْلَمْ أنَّ الأفْعالَ عَلى قِسْمَيْنِ، مِنها ما يَكُونُ الدّاعِي إلَيْهِ طَلَبُ الخَيْراتِ الجُسْمانِيَّةِ الحاصِلَةِ في عالَمِ الدُّنْيا، ومِنها ما يَكُونُ الدّاعِي إلَيْهِ طَلَبُ الخَيْراتِ الرُّوحانِيَّةِ الَّتِي لا يَظْهَرُ كَمالُها إلّا في عالَمِ الآخِرَةِ، وقَدْ ثَبَتَ بِالتَّجْرِبَةِ أنَّ كَثْرَةَ الأفْعالِ سَبَبٌ لِحُصُولِ المَلَكاتِ الرّاسِخَةِ، فَمَن غَلَبَ عَلَيْهِ القِسْمُ الأوَّلُ اسْتَحْكَمَتْ رَغْبَتُهُ في الدُّنْيا وفي الجُسْمانِيّاتِ، فَعِنْدَ المَوْتِ يَحْصُلُ الفِراقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ مَطْلُوبِهِ عَلى أعْظَمِ الوُجُوهِ، ويَعْظُمُ عَلَيْهِ البَلاءُ، ومَن غَلَبَ عَلَيْهِ القِسْمُ الثّانِي فَعِنْدَ المَوْتِ يُفارِقُ المَبْغُوضَ ويَتَّصِلُ بِالمَحْبُوبِ فَتَعْظُمُ الآلاءُ والنَّعْماءُ، فَهَذا هو مَعْنى الكَسْبِ ومَعْنى كَوْنِ ذَلِكَ الكَسْبِ مُوجِبًا لِلْجَزاءِ، فَظَهَرَ بِهَذا أنَّ كَمالَ الجَزاءِ لا يَحْصُلُ إلّا في يَوْمِ القِيامَةِ، فَهَذا قانُونٌ كُلِّيٌّ عَقْلِيٌّ، والشَّرِيعَةُ الحَقَّةُ أتَتْ بِما يُقَوِّي هَذا القانُونَ الكُلِّيَّ في تَفاصِيلِ الأعْمالِ والأقْوالِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: هَذِهِ الآيَةُ أصْلٌ عَظِيمٌ في أُصُولِ الفِقْهِ، وذَلِكَ لِأنّا نَقُولُ: لَوْ كانَ شَيْءٌ مِن أنْواعِ الضَّرَرِ
صفحة ٤٣
مَشْرُوعًا لَكانَ إمّا أنْ يَكُونَ مَشْرُوعًا لِكَوْنِهِ جَزاءً عَلى شَيْءٍ مِنَ الجِناياتِ أوْ لا لِكَوْنِهِ جَزاءً، والقِسْمانِ باطِلانِ، فَبَطَلَ القَوْلُ بِكَوْنِهِ مَشْرُوعًا، أمّا بَيانُ أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَشْرُوعًا لِيَكُونَ جَزاءً عَلى شَيْءٍ مِنَ الأعْمالِ، فَلِأنَّ هَذا النَّصَّ يَقْتَضِي تَأْخِيرَ الأجْزِيَةِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، فَإثْباتُهُ في الدُّنْيا يَكُونُ عَلى خِلافِ هَذا النَّصِّ، وأمّا بَيانُ أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَشْرُوعًا لِلْجَزاءِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ ولا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ﴾ [البَقَرَةِ: ١٨٥] ولِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما جَعَلَ عَلَيْكم في الدِّينِ مِن حَرَجٍ﴾ [الحَجِّ: ٧٨] ولِقَوْلِهِ ﷺ: ”«لا ضَرَرَ ولا ضِرارَ في الإسْلامِ» “ عَدَلْنا عَنْ هَذِهِ العُمُوماتِ فِيما إذا كانَتِ المَضارُّ أجْزِيَةً، وفِيما ورَدَ نَصٌّ في الإذْنِ فِيهِ كَذَبْحِ الحَيَواناتِ، فَوَجَبَ أنْ يَبْقى عَلى أصْلِ الحُرْمَةِ فِيما عَداهُ، فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا أنَّ الأصْلَ في المَضارِّ والآلامِ التَّحْرِيمُ، فَإنْ وجَدْنا نَصًّا خاصًّا يَدُلُّ عَلى الشَّرْعِيَّةِ قَضَيْنا بِهِ تَقْدِيمًا لِلْخاصِّ عَلى العامِّ، وإلّا فَهو باقٍ عَلى أصْلِ التَّحْرِيمِ، وهَذا أصْلٌ كُلِّيٌّ مُنْتَفَعٌ بِهِ في الشَّرِيعَةِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
الصِّفَةُ السّادِسَةُ مِن صِفاتِ ذَلِكَ اليَوْمِ قَوْلُهُ: ﴿لا ظُلْمَ اليَوْمَ﴾ والمَقْصُودُ أنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿اليَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ أرْدَفَهُ بِما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَقَعُ في ذَلِكَ نَوْعٌ مِن أنْواعِ الظُّلْمِ، قالَ المُحَقِّقُونَ: وُقُوعُ الظُّلْمِ في الجَزاءِ يَقَعُ عَلى أرْبَعَةِ أقْسامٍ، أحَدُها: أنْ يَسْتَحِقَّ الرَّجُلُ ثَوابًا فَيُمْنَعُ مِنهُ. وثانِيها: أنْ يُعْطِيَ بَعْضٌ بَعْضَ حَقِّهِ ولَكِنَّهُ لا يُوَصِّلُ إلَيْهِ حَقَّهُ بِالتَّمامِ. وثالِثُها: أنْ يُعَذِّبَ مَن لا يَسْتَحِقُّ العَذابَ. ورابِعُها: أنْ يَكُونَ الرَّجُلُ مُسْتَحِقًّا لِلْعَذابِ فَيُعَذَّبَ ويُزادَ عَلى قَدْرِ حَقِّهِ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا ظُلْمَ اليَوْمَ﴾ يُفِيدُ نَفْيَ هَذِهِ الأقْسامِ الأرْبَعَةِ، قالَ القاضِي: هَذِهِ الآيَةُ قَوِيَّةٌ في إبْطالِ قَوْلِ المُجْبِرَةِ؛ لِأنَّ عَلى قَوْلِهِمْ لا ظُلْمَ غالِبًا وشاهِدًا إلّا مِنَ اللَّهِ، ولِأنَّهُ تَعالى إذا خَلَقَ فِيهِ الكُفْرَ ثُمَّ عَذَّبَهُ عَلَيْهِ فَهَذا هو عَيْنُ الظُّلْمِ، والجَوابُ عَنْهُ مَعْلُومٌ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ وذِكْرُ هَذا الكَلامِ في هَذا المَوْضِعِ لائِقٌ جِدًّا؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّهُ لا ظُلْمَ بَيَّنَ أنَّهُ سَرِيعُ الحِسابِ. وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ يَصِلُ إلَيْهِمْ ما يَسْتَحِقُّونَهُ في الحالِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
غافر 40:14
صفحة ٣٨
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هو الَّذِي يُرِيكم آياتِهِ ويُنَزِّلُ لَكم مِنَ السَّماءِ رِزْقًا وما يَتَذَكَّرُ إلّا مَن يُنِيبُ﴾ ﴿فادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ولَوْ كَرِهَ الكافِرُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ ما يُوجِبُ التَّهْدِيدَ الشَّدِيدَ في حَقِّ المُشْرِكِينَ أرْدَفَهُ بِذِكْرِ ما يَدُلُّ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ وحِكْمَتِهِ؛ لِيَصِيرَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ جَعْلُ هَذِهِ الأحْجارِ المَنحُوتَةِ والخَشَبِ المُصَوَّرَةِ شُرَكاءَ لِلَّهِ تَعالى في المَعْبُودِيَّةِ، فَقالَ: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكم آياتِهِ﴾ واعْلَمْ أنَّ أهَمَّ المُهِمّاتِ رِعايَةُ مَصالِحِ الأدْيانِ ومَصالِحِ الأبْدانِ، فَهو سُبْحانُهُ وتَعالى راعى مَصالِحَ أدْيانِ العِبادِ بِإظْهارِ البَيِّناتِ والآياتِ، وراعى مَصالِحَ أبْدانِهِمْ بِإنْزالِ الرِّزْقِ مِنَ السَّماءِ، فَمَوْقِعُ الآياتِ مِنَ الأدْيانِ كَمَوْقِعِ الأرْزاقِ مِنَ الأبْدانِ، فالآياتُ لِحَياةِ الأدْيانِ، والأرْزاقُ لِحَياةِ الأبْدانِ، وعِنْدَ حُصُولِهِما يَحْصُلُ الإنْعامُ عَلى أقْوى الِاعْتِباراتِ وأكْمَلِ الجِهاتِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿وما يَتَذَكَّرُ إلّا مَن يُنِيبُ﴾ والمَعْنى أنَّ الوُقُوفَ عَلى دَلائِلِ تَوْحِيدِ اللَّهِ تَعالى كالأمْرِ المَرْكُوزِ في العَقْلِ، إلّا أنَّ القَوْلَ بِالشِّرْكِ والِاشْتِغالَ بِعِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ يَصِيرُ كالمانِعِ مِن تَجَلِّي تِلْكَ الأنْوارِ، فَإذا أعْرَضَ العَبْدُ عَنْها وأنابَ إلى اللَّهِ تَعالى زالَ الغِطاءُ والوِطاءُ فَظَهَرَ الفَوْزُ التّامُّ، ولَمّا قَرَّرَ هَذا المَعْنى صَرَّحَ بِالمَطْلُوبِ وهو الإعْراضُ عَنْ غَيْرِ اللَّهِ والإقْبالُ بِالكُلِّيَّةِ عَلى اللَّهِ تَعالى فَقالَ: ﴿فادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ مِنَ الشِّرْكِ، ومِنَ الِالتِفاتِ إلى غَيْرِ اللَّهِ ﴿ولَوْ كَرِهَ الكافِرُونَ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ”يُنْزِلُ“ خَفِيفَةً والباقُونَ بِالتَّشْدِيدِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجاتِ ذُو العَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِن أمْرِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ﴾ ﴿يَوْمَ هم بارِزُونَ لا يَخْفى عَلى اللَّهِ مِنهم شَيْءٌ لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ ﴿اليَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ لا ظُلْمَ اليَوْمَ إنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ مِن صِفاتِ كِبْرِيائِهِ وإكْرامِهِ كَوْنَهُ مُظْهِرًا لِلْآياتِ مُنْزِلًا لِلْأرْزاقِ، ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ ثَلاثَةً أُخْرى مِن صِفاتِ الجَلالِ والعَظَمَةِ وهو قَوْلُهُ: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجاتِ ذُو العَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ثَلاثَةُ أخْبارٍ لِقَوْلِهِ: (هُوَ) مُرَتَّبَةٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿الَّذِي يُرِيكُمْ﴾ أوْ أخْبارُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وهي مُخْتَلِفَةٌ تَعْرِيفًا وتَنْكِيرًا، قُرِئَ ”رَفِيعَ الدَّرَجاتِ“ بِالنَّصْبِ عَلى المَدْحِ، وأقُولُ: لا بُدَّ مِن تَفْسِيرِ هَذِهِ الصِّفاتِ الثَّلاثَةِ:
فالصِّفَةُ الأُولى: قَوْلُهُ ﴿رَفِيعُ الدَّرَجاتِ﴾ واعْلَمْ أنَّ الرَّفِيعَ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ الرّافِعَ وأنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ المُرْتَفِعَ، أمّا إذا حَمَلْناهُ عَلى الأوَّلِ فَفِيهِ وُجُوهٌ:
الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى يَرْفَعُ دَرَجاتِ الأنْبِياءِ والأوْلِياءِ في الجَنَّةِ.
والثّانِي: رافِعُ دَرَجاتِ الخَلْقِ في العُلُومِ والأخْلاقِ الفاضِلَةِ، فَهو سُبْحانَهُ عَيَّنَ لِكُلِّ أحَدٍ مِنَ المَلائِكَةِ دَرَجَةً مُعَيَّنَةً، كَما قالَ: ﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصّافّاتِ: ١٦٤] وعَيَّنَ لِكُلِّ واحِدٍ مِنَ العُلَماءِ دَرَجَةً مُعَيَّنَةً، فَقالَ: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكم والَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ دَرَجاتٍ﴾ [المُجادَلَةِ: ١١] وعَيَّنَ لِكُلِّ جِسْمٍ دَرَجَةً مُعَيَّنَةً، فَجَعَلَ بَعْضَها سُفْلِيَّةً عُنْصُرِيَّةً، وبَعْضَها فَلَكِيَّةً كَوْكَبِيَّةً، وبَعْضَها مِن جَواهِرِ العَرْشِ والكُرْسِيِّ، فَجَعَلَ لِبَعْضِها دَرَجَةً أعْلى مِن دَرَجَةِ الثّانِي، وأيْضًا جَعَلَ لِكُلِّ واحِدٍ مَرْتَبَةً مُعَيَّنَةً في الخَلْقِ والرِّزْقِ والأجَلِ، فَقالَ: ﴿وهُوَ الَّذِي جَعَلَكم خَلائِفَ الأرْضِ ورَفَعَ بَعْضَكم فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ﴾ [الأنْعامِ: ١٦٥] وجَعَلَ لِكُلِّ أحَدٍ مِنَ السُّعَداءِ والأشْقِياءِ في الدُّنْيا دَرَجَةً مُعَيَّنَةً مِن مُوجِباتِ السَّعادَةِ ومُوجِباتِ الشَّقاوَةِ، وفي الآخِرَةِ آثارٌ لِظُهُورِ تِلْكَ السَّعادَةِ والشَّقاءِ، فَإذا حَمَلْنا الرَّفِيعَ عَلى الرّافِعِ كانَ مَعْناهُ ما ذَكَرْناهُ، وأمّا إذا حَمَلْناهُ عَلى المُرْتَفِعِ فَهو سُبْحانُهُ أرْفَعُ المَوْجُوداتِ في جَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ والجَلالِ، أمّا في أصْلِ الوُجُودِ فَهو أرْفَعُ المَوْجُوداتِ،
صفحة ٣٩
لِأنَّهُ واجِبُ الوُجُودِ لِذاتِهِ وما سِواهُ مُمْكِنٌ ومُحْتاجٌ إلَيْهِ، وأمّا في دَوامِ الوُجُودِ فَهو أرْفَعُ المَوْجُوداتِ؛ لِأنَّهُ واجِبُ الوُجُودِ لِذاتِهِ وهو الأزَلِيُّ والأبَدِيُّ والسَّرْمَدِيُّ، الَّذِي هو أوَّلٌ لِكُلِّ ما سِواهُ، ولَيْسَ لَهُ أوَّلٌ، وآخِرٌ لِكُلِّ ما سِواهُ، ولَيْسَ لَهُ آخِرٌ، أمّا في العِلْمِ: فَلِأنَّهُ هو العالِمُ بِجَمِيعِ الذَّواتِ والصِّفاتِ والكُلِّيّاتِ والجُزْئِيّاتِ، كَما قالَ: ﴿وعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ لا يَعْلَمُها إلّا هُوَ﴾ [الأنْعامِ: ٥٩] وأمّا في القُدْرَةِ: فَهو أعْلى القادِرِينَ وأرْفَعُهم؛ لِأنَّهُ في وُجُودِهِ وجَمِيعِ كَمالاتِ وجُودِهِ غَنِيٌّ عَنْ كُلِّ ما سِواهُ، وكُلُّ ما سِواهُ فَإنَّهُ مُحْتاجٌ في وُجُودِهِ وفي جَمِيعِ كَمالاتِ وجُودِهِ إلَيْهِ. وأمّا في الوَحْدانِيَّةِ: فَهو الواحِدُ الَّذِي يَمْتَنِعُ أنْ يَحْصُلَ لَهُ ضِدٌّ ونِدٌّ وشَرِيكٌ ونَظِيرٌ، وأقُولُ: الحَقُّ سُبْحانَهُ لَهُ صِفَتانِ؛ أحَدُهُما: اسْتِغْناؤُهُ في وُجُودِهِ وفي جَمِيعِ صِفاتِ وجُودِهِ عَنْ كُلِّ ما سِواهُ. الثّانِي: افْتِقارُ كُلِّ ما سِواهُ إلَيْهِ في وُجُودِهِ وفي صِفاتِ وجُودِهِ، فالرَّفِيعُ إنْ فَسَّرْناهُ بِالمُرْتَفِعِ، كانَ مَعْناهُ أنَّهُ أرْفَعُ المَوْجُوداتِ وأعْلاها في جَمِيعِ صِفاتِ الجَلالِ والإكْرامِ، وإنْ فَسَّرْناهُ بِالرّافِعِ، كانَ مَعْناهُ أنَّ كُلَّ دَرَجَةٍ وفَضِيلَةٍ ورَحْمَةٍ ومَنقَبَةٍ حَصَلَتْ لِشَيْءٍ سِواهُ فَإنَّما حَصَلَتْ بِإيجادِهِ وتَكْوِينِهِ وفَضْلِهِ ورَحْمَتِهِ.
الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ذُو العَرْشِ﴾ ومَعْناهُ أنَّهُ مالِكُ العَرْشِ ومُدَبِّرُهُ وخالِقُهُ، واحْتَجَّ بَعْضُ الأغْمارِ مِنَ المُشَبِّهَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجاتِ ذُو العَرْشِ﴾ وحَمَلُوهُ عَلى أنَّ المُرادَ بِالدَّرَجاتِ السَّماواتُ، وبِقَوْلِهِ: ﴿ذُو العَرْشِ﴾ أنَّهُ مَوْجُودٌ في العَرْشِ فَوْقَ سَبْعِ سَماواتٍ، وقَدْ أعْظَمُوا الفِرْيَةَ عَلى اللَّهِ تَعالى، فَإنّا بَيَّنّا بِالدَّلائِلِ القاهِرَةِ العَقْلِيَّةِ أنَّ كَوْنَهُ تَعالى جِسْمًا وفي جِهَةِ مُحالٌ، وأيْضًا فَظاهِرُ اللَّفْظِ لا يَدُلُّ عَلى ما قالُوهُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ذُو العَرْشِ﴾ لا يُفِيدُ إلّا إضافَتَهُ إلى العَرْشِ ويَكْفِي في إضافَتِهِ إلَيْهِ كَوْنُهُ مالِكًا لَهُ ومُخْرِجًا لَهُ مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ، فَأيُّ ضَرُورَةٍ تَدْعُونا إلى الذَّهابِ إلى القَوْلِ الباطِلِ والمَذْهَبِ الفاسِدِ، والفائِدَةُ في تَخْصِيصِ العَرْشِ بِالذِّكْرِ هو أنَّهُ أعْظَمُ الأجْسامِ، والمَقْصُودُ بَيانُ كَمالِ إلَهِيَّتِهِ ونَفاذُ قُدْرَتِهِ، فَكُلَّما كانَ مَحَلُّ التَّصَرُّفِ والتَّدْبِيرِ أعْظَمَ، كانَتْ دَلالَتُهُ عَلى كَمالِ القُدْرَةِ أقْوى.
* * *
الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِن أمْرِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ وفِيهِ مَباحِثُ:
البَحْثُ الأوَّلُ: اخْتَلَفُوا في المُرادِ بِهَذا الرُّوحِ، والصَّحِيحُ أنَّ المُرادَ هو الوَحْيُ، وقَدْ أطْنَبْنا في بَيانِ أنَّهُ لِمَ سُمِّيَ الوَحْيُ بِالرُّوحِ في أوَّلِ سُورَةِ النَّحْلِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿يُنَزِّلُ المَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِن أمْرِهِ﴾ [النَّحْلِ: ٢] وقالَ أيْضًا: ﴿أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ﴾ [الأنْعامِ: ١٢٢] وحاصِلُ الكَلامِ فِيهِ: أنَّ حَياةَ الأرْواحِ بِالمَعارِفِ الإلَهِيَّةِ والجَلايا القُدُسِيَّةِ، فَإذا كانَ الوَحْيُ سَبَبًا لِحُصُولِ هَذِهِ الأرْواحِ سُمِّيَ بِالرُّوحِ، فَإنَّ الرُّوحَ سَبَبٌ لِحُصُولِ الحَياةِ والوَحْيَ سَبَبٌ لِحُصُولِ هَذِهِ الحَياةِ الرُّوحانِيَّةِ.
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُشْتَمِلَةٌ عَلى أسْرارٍ عَجِيبَةٍ مِن عُلُومِ المُكاشَفاتِ، وذَلِكَ لِأنَّ كَمالَ كِبْرِياءِ اللَّهِ تَعالى لا تَصِلُ إلَيْهِ العُقُولُ والأفْهامُ، فالطَّرِيقُ الكامِلُ في تَعْرِيفِهِ بِقَدْرِ الطّاقَةِ البَشَرِيَّةِ أنْ يُذْكَرَ ذَلِكَ الكَلامُ عَلى الوَجْهِ الكُلِّيِّ العَقْلِيِّ، ثُمَّ يُذْكَرَ عَقِيبَهُ شَيْءٌ مِنَ المَحْسُوساتِ المُؤَكِّدَةِ لِذَلِكَ المَعْنى العَقْلِيِّ؛ لِيَصِيرَ الحَصْرُ بِهَذا الطَّرِيقِ مُعاضِدًا لِلْعَقْلِ، فَهاهُنا أيْضًا كَذَلِكَ، فَقَوْلُهُ: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجاتِ﴾ إمّا أنْ يَكُونَ بِمَعْنى كَوْنِهِ رافِعًا لِلدَّرَجاتِ، وهو إشارَةٌ إلى تَأْثِيرِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى في إيجادِ المُمْكِناتِ عَلى اخْتِلافِ دَرَجاتِها وتَبايُنِ مَنازِلِها وصِفاتِها، أوْ إلى كَوْنِهِ تَعالى مُرْتَفِعًا في صِفاتِ الجَلالِ ونُعُوتِ العِزَّةِ عَنْ كُلِّ المَوْجُوداتِ، فَهَذا الكَلامُ عَقْلِيٌّ بُرْهانِيٌّ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ بَيَّنَ هَذا الكَلامَ الكُلِّيِّ بِمَزِيدِ تَقْرِيرٍ؛ وذَلِكَ لِأنَّ ما سِوى اللَّهِ تَعالى إمّا جُسْمانِيّاتٌ وإمّا
صفحة ٤٠
رُوحانِيّاتٌ، فَبَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ كِلّا القِسْمَيْنِ مُسَخَّرٌ تَحْتَ تَسْخِيرِ الحَقِّ سُبْحانَهُ وتَعالى، أمّا الجُسْمانِيّاتُ فَأعْظَمُها العَرْشُ، فَقَوْلُهُ: ﴿ذُو العَرْشِ﴾ يَدُلُّ عَلى اسْتِيلائِهِ عَلى كُلِّيَّةِ عالَمِ الأجْسامِ، ولَمّا كانَ العَرْشُ مِن جِنْسِ المَحْسُوساتِ كانَ هَذا المَحْسُوسُ مُؤَكِّدًا لِذَلِكَ المَعْقُولِ، أعْنِي قَوْلَهُ: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجاتِ﴾ وأمّا الرُّوحانِيّاتُ فَكُلُّها مُسَخَّرَةٌ لِلْحَقِّ سُبْحانَهُ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِن أمْرِهِ﴾ .
واعْلَمْ أنَّ أشْرَفَ الأحْوالِ الظّاهِرَةِ في رُوحانِيّاتِ هَذا العالَمِ ظُهُورُ آثارِ الوَحْيِ، والوَحْيُ إنَّما يَتِمُّ بِأرْكانٍ أرْبَعَةٍ؛ فَأوَّلُها: المُرْسِلُ وهو اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى، فَلِهَذا أضافَ إلْقاءَ الوَحْيِ إلى نَفْسِهِ فَقالَ: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ﴾ والرُّكْنُ الثّانِي: الإرْسالُ والوَحْيُ، وهو الَّذِي سَمّاهُ بِالرُّوحِ. والرُّكْنُ الثّالِثُ أنَّ وُصُولَ الوَحْيِ مِنَ اللَّهِ تَعالى إلى الأنْبِياءِ لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ إلّا بِواسِطَةِ المَلائِكَةِ، وهو المُشارُ إلَيْهِ في هَذِهِ الآيَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن أمْرِهِ﴾ فالرُّكْنُ الرُّوحانِيُّ يُسَمّى أمْرًا، قالَ تَعالى: ﴿وأوْحى في كُلِّ سَماءٍ أمْرَها﴾ [فُصِّلَتْ: ١٢] وقالَ: ﴿ألا لَهُ الخَلْقُ والأمْرُ﴾ [الأعْرافُ: ٥٤] . والرُّكْنُ الرّابِعُ: الأنْبِياءُ الَّذِينَ يُلْقِي اللَّهُ الوَحْيَ إلَيْهِمْ وهو المُشارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ . والرُّكْنُ الخامِسُ: تَعْيِينُ الغَرَضِ والمَقْصُودِ الأصْلِيِّ مِن إلْقاءِ هَذا الوَحْيِ إلَيْهِمْ، وذَلِكَ هو أنَّ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ يَصْرِفُونَ الخَلْقَ مِن عالَمِ الدُّنْيا إلى عالَمِ الآخِرَةِ، ويَحْمِلُونَهم عَلى الإعْراضِ عَنْ هَذِهِ الجُسْمانِيّاتِ والإقْبالِ عَلى الرُّوحانِيّاتِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ يَوْمَ هم بارِزُونَ﴾ فَهَذا تَرْتِيبٌ عَجِيبٌ يَدُلُّ عَلى هَذِهِ الإشاراتِ العالِيَةِ مِن عُلُومِ المُكاشَفاتِ الإلَهِيَّةِ.
وبَقِيَ هاهُنا أنْ نُبَيِّنَ أنَّهُ ما السَّبَبُ في تَسْمِيَةِ يَوْمِ القِيامَةِ بِيَوْمِ التَّلاقِ؟ وكَمِ الصِّفاتُ الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ السُّورَةِ لِيَوْمِ التَّلاقِ؟
أمّا السَّبَبُ في تَسْمِيَةِ يَوْمِ القِيامَةِ بِيَوْمِ التَّلاقِ فَفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ الأرْواحَ كانَتْ مُتَبايِنَةً عَنِ الأجْسادِ فَإذا جاءَ يَوْمُ القِيامَةِ صارَتِ الأرْواحُ مُلاقِيَةً لِلْأجْسادِ فَكانَ ذَلِكَ اليَوْمُ يَوْمَ التَّلاقِ.
الثّانِي: أنَّ الخَلائِقَ يَتَلاقَوْنَ فِيهِ فَيَقِفُ بَعْضُهم عَلى حالِ البَعْضِ.
الثّالِثُ: أنَّ أهْلَ السَّماءِ يَنْزِلُونَ عَلى أهْلِ الأرْضِ فَيَلْتَقِي فِيهِ أهْلُ السَّماءِ وأهْلُ الأرْضِ، قالَ تَعالى: ﴿ويَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالغَمامِ ونُزِّلَ المَلائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾ [الفُرْقانِ: ٢٥]
الرّابِعُ: أنَّ كُلَّ أحَدٍ يَصِلُ إلى جَزاءِ عَمَلِهِ في ذَلِكَ اليَوْمِ فَكانَ ذَلِكَ مِن بابِ التَّلاقِ، هو مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ: فُلانٌ لَقِيَ عَمَلَهُ.
الخامِسُ: يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَأْخُوذًا مِن قَوْلِهِ: ﴿فَمَن كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ﴾ [الكَهْفِ: ١١٠] ومِن قَوْلِهِ: ﴿تَحِيَّتُهم يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ﴾ [الأحْزابِ: ٤٤] .
السّادِسُ: يَوْمٌ يَلْتَقِي فِيهِ العابِدُونَ والمَعْبُودُونَ.
السّابِعُ: يَوْمٌ يَلْتَقِي فِيهِ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ وآخِرُ ولَدِهِ.
الثّامِنُ: قالَ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرانَ يَوْمٌ يَلْتَقِي فِيهِ الظّالِمُ والمَظْلُومُ، فَرُبَّما ظَلَمَ الرَّجُلُ رَجُلًا وانْفَصَلَ عَنْهُ، ولَوْ أرادَ أنْ يَجِدَهُ لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ ولَمْ يَعْرِفْهُ، فَفي يَوْمِ القِيامَةِ يَحْضُرانِ ويَلْقى بَعْضُهم بَعْضًا.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ (التَّلاقِي والتَّنادِي) بِإثْباتِ الياءِ في الوَصْلِ والوَقْفِ، و(هادِي وواقِي)، بِالياءِ في الوَقْفِ، وبِالتَّنْوِينِ في الوَصْلِ.
وأمّا بَيانُ أنَّ اللَّهَ تَعالى كَمْ عَدَّدَ مِنَ الصِّفاتِ ووَصَفَ بِها يَوْمَ القِيامَةِ في هَذِهِ الآيَةِ، فَنَقُولُ:
الصِّفَةُ الأُولى: كَوْنُهُ يَوْمَ التَّلاقِ، وقَدْ ذَكَرْنا تَفْسِيرَهُ.
الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ هم بارِزُونَ﴾ وفي تَفْسِيرِ هَذا البُرُوزِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّهم بَرَزُوا عَنْ بَواطِنِ القُبُورِ. الثّانِي: بارِزُونَ؛ أيْ ظاهِرُونَ لا يَسْتُرُهم شَيْءٌ مِن جَبَلٍ أوْ أكَمَةٍ أوْ بِناءٍ؛ لِأنَّ الأرْضَ بارِزَةٌ قاعٌ
صفحة ٤١
صَفْصَفٌ، ولَيْسَ عَلَيْهِمْ أيْضًا ثِيابٌ إنَّما هم عُراةٌ مَكْشُوفُونَ، كَما جاءَ في الحَدِيثِ: ”«يُحْشَرُونَ عُراةً حُفاةً غُرْلًا» “ . الثّالِثُ: أنْ يُجْعَلَ كَوْنُهم بارِزِينَ كِنايَةً عَنْ ظُهُورِ أعْمالِهِمْ وانْكِشافِ أسْرارِهِمْ، كَما قالَ تَعالى: ﴿يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ﴾ [الطّارِقِ: ٩] . الرّابِعُ: أنَّ هَذِهِ النُّفُوسَ النّاطِقَةَ البَشَرِيَّةَ كَأنَّها في الدُّنْيا انْغَمَسَتْ في ظُلُماتِ أعْمالِ الأبْدانِ، فَإذا جاءَ يَوْمُ القِيامَةِ أعْرَضَتْ عَنِ الِاشْتِغالِ بِتَدْبِيرِ الجُسْمانِيّاتِ وتَوَجَّهَتْ بِالكُلِّيَّةِ إلى عالَمِ القِيامَةِ ومَجْمَعِ الرُّوحانِيّاتِ، فَكَأنَّها بَرَزَتْ بَعْدَ أنْ كانَتْ كامِنَةً في الجُسْمانِيّاتِ مُسْتَتِرَةً بِها.
الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿لا يَخْفى عَلى اللَّهِ مِنهم شَيْءٌ﴾ والمُرادُ يَوْمٌ لا يَخْفى عَلى اللَّهِ مِنهم شَيْءٌ، والمَقْصُودُ مِنهُ الوَعِيدُ فَإنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهم إذا بَرَزُوا مِن قُبُورِهِمْ واجْتَمَعُوا وتَلاقَوْا فَإنَّ اللَّهَ تَعالى يَعْلَمُ ما فَعَلَهُ كُلُّ واحِدٍ مِنهم فَيُجازِي كُلًّا بِحَسْبِهِ إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ وإنْ شَرًّا فَشَرٌّ، فَهم وإنْ لَمْ يَعْلَمُوا تَفْصِيلَ ما فَعَلُوهُ، فاللَّهُ تَعالى عالِمٌ بِذَلِكَ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفى مِنكم خافِيَةٌ﴾ [الحاقَّةِ: ١٨] وقالَ: ﴿يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ﴾ [الطّارِقِ: ٩] وقالَ: ﴿إذا بُعْثِرَ ما في القُبُورِ﴾ ﴿وحُصِّلَ ما في الصُّدُورِ﴾ [العادِياتِ: ٩، ١٠] وقالَ: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أخْبارَها﴾ [الزَّلْزَلَةِ: ٤] فَإنْ قِيلَ: اللَّهُ تَعالى لا يَخْفى عَلَيْهِ مِنهم شَيْءٌ في جَمِيعِ الأيّامِ، فَما مَعْنى تَقْيِيدُ هَذا المَعْنى بِذَلِكَ اليَوْمِ؟ قُلْنا: إنَّهم كانُوا يَتَوَهَّمُونَ في الدُّنْيا إذا اسْتَتَرُوا بِالحِيطانِ والحُجُبِ أنَّ اللَّهَ لا يَراهم، وتَخْفى عَلَيْهِ أعْمالُهم، فَهم في ذَلِكَ اليَوْمِ صائِرُونَ مِنَ البُرُوزِ والِانْكِشافِ إلى حالٍ لا يَتَوَهَّمُونَ فِيها مِثْلَ ما يَتَوَهَّمُونَهُ في الدُّنْيا، قالَ تَعالى: ﴿ولَكِنْ ظَنَنْتُمْ أنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ [فُصِّلَتْ: ٢٢] وقالَ: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النّاسِ ولا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ﴾ [النِّساءِ: ١٠٨] وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وبَرَزُوا لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ .
* * *
الصِّفَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ والتَّقْدِيرُ يَوْمٌ يُنادى فِيهِ: لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ؟ وهَذا النِّداءُ في أيِّ الأوْقاتِ يَحْصُلُ فِيهِ، قَوْلانِ:
الأوَّلُ: قالَ المُفَسِّرُونَ إذا هَلَكَ كُلُّ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ فَيَقُولُ الرَّبُّ تَعالى: ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ﴾ ؟ يَعْنِي يَوْمَ القِيامَةِ، فَلا يُجِيبُهُ أحَدٌ، فَهو تَعالى يُجِيبُ نَفْسَهُ فَيَقُولُ: ﴿لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ قالَ أهْلُ الأُصُولِ: هَذا القَوْلُ ضَعِيفٌ وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ هَذا النِّداءَ إنَّما يَحْصُلُ يَوْمَ التَّلاقِ، ويَوْمَ البُرُوزِ، ويَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ، والنّاسُ في ذَلِكَ الوَقْتِ أحْياءٌ، فَبَطَلَ قَوْلُهم: إنَّ اللَّهَ تَعالى إنَّما يُنادِي بِهَذا النِّداءِ حِينَ هَلَكَ كُلُّ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ.
والثّانِي: أنَّ الكَلامَ لا بُدَّ فِيهِ مِن فائِدَةٍ؛ لِأنَّ الكَلامَ إمّا أنْ يُذْكَرَ حالَ حُضُورِ الغَيْرِ، أوْ حالَ ما لا يَحْضُرُ الغَيْرُ، والأوَّلُ: باطِلٌ هاهُنا؛ لِأنَّ القَوْمَ قالُوا: إنَّهُ تَعالى إنَّما يَذْكُرُ هَذا الكَلامَ عِنْدَ فَناءِ الكُلِّ، والثّانِي أيْضًا باطِلٌ لِأنَّ الرَّجُلَ إنَّما يَحْسُنُ تَكَلُّمُهُ حالَ كَوْنِهِ وحْدَهُ؛ إمّا لِأنَّهُ يَحْفَظُ بِهِ شَيْئًا كالَّذِي يُكَرَّرُ عَلى الدَّرْسِ، وذَلِكَ عَلى اللَّهِ مُحالٌ، أوْ لِأجْلِ أنَّهُ يَحْصُلُ سُرُورٌ بِما يَقُولُهُ، وذَلِكَ أيْضًا عَلى اللَّهِ مُحالٌ، أوْ لِأجْلِ أنْ يَعْبُدَ اللَّهَ بِذَلِكَ الذِّكْرِ، وذَلِكَ أيْضًا عَلى اللَّهِ مُحالٌ، فَثَبَتَ أنَّ قَوْلَ مَن يَقُولُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى يَذْكُرُ هَذا النِّداءَ حالَ هَلاكِ جَمِيعِ المَخْلُوقاتِ، باطِلٌ لا أصْلَ لَهُ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ في يَوْمِ التَّلاقِ إذا حَضَرَ الأوَّلُونَ والآخِرُونَ وبَرَزُوا لِلَّهِ نادى مُنادٍ ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ﴾ فَيَقُولُ كُلُّ الحاضِرِينَ في مَحْفَلِ القِيامَةِ: ﴿لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ فالمُؤْمِنُونَ يَقُولُونَ تَلَذُّذًا بِهَذا الكَلامِ، حَيْثُ نالُوا بِهَذا الذِّكْرِ المَنزِلَةَ الرَّفِيعَةَ، والكُفّارُ يَقُولُونَهُ عَلى الصَّغارِ والذِّلَّةِ عَلى وجْهِ التَّحَسُّرِ والنَّدامَةِ عَلى أنْ فاتَهم هَذا الذِّكْرُ في الدُّنْيا، وقالَ القائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ: إنْ صَحَّ القَوْلُ الأوَّلُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ، لَمْ يَمْتَنِعْ أنْ يَكُونَ
صفحة ٤٢
المُرادُ أنَّ هَذا النِّداءَ يُذْكَرُ بَعْدَ فَناءِ البَشَرِ إلّا أنَّهُ حَضَرَ هُناكَ مَلائِكَةٌ يَسْمَعُونَ ذَلِكَ النِّداءَ، وأقُولُ أيْضًا عَلى هَذا القَوْلِ: لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ السّائِلُ والمُجِيبُ هو اللَّهُ تَعالى، ولا يَبْعُدُ أيْضًا أنْ يَكُونَ السّائِلُ جَمْعًا مِنَ المَلائِكَةِ والمُجِيبُ جَمْعًا آخَرِينَ، الكُلُّ مُمْكِنٌ ولَيْسَ عَلى التَّعْيِينِ دَلِيلٌ، فَإنْ قِيلَ: وما الفائِدَةُ في تَخْصِيصِ هَذا اليَوْمِ بِهَذا النِّداءِ؟
فَنَقُولُ: النّاسُ كانُوا مَغْرُورِينَ في الدُّنْيا بِالأسْبابِ الظّاهِرَةِ، وكانَ الشَّيْخُ الإمامُ الوالِدُ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: لَوْلا الأسْبابُ لَما ارْتابَ مُرْتابٌ، وفي يَوْمِ القِيامَةِ زالَتِ الأسْبابُ، وانْعَزَلَتِ الأرْبابُ، ولَمْ يَبْقَ البَتَّةَ غَيْرُ حُكْمِ مُسَبِّبِ الأسْبابِ؛ فَلِهَذا اخْتُصَّ النِّداءُ بِيَوْمِ القِيامَةِ، واعْلَمْ أنَّهُ وإنْ كانَ ظاهِرُ اللَّفْظِ يَدُلُّ عَلى اخْتِصاصِ ذَلِكَ النِّداءِ بِذَلِكَ اليَوْمِ إلّا أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ يُفِيدُ أنَّ هَذا النِّداءَ حاصِلٌ مِن جِهَةِ المَعْنى أبَدًا، وذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَنا: (اللَّهُ) اسْمٌ لِواجِبِ الوُجُودِ لِذاتِهِ، وواجِبُ الوُجُودِ لِذاتِهِ واحِدٌ وكُلُّ ما سِواهُ مُمْكِنٌ لِذاتِهِ، والمُمْكِنُ لِذاتِهِ لا يُوجَدُ إلّا بِإيجادِ الواجِبِ لِذاتِهِ، ومَعْنى الإيجادِ هو تَرْجِيحُ جانِبِ الوُجُودِ عَلى جانِبِ العَدَمِ، وذَلِكَ التَّرْجِيحُ هو قَهْرٌ لِلْجانِبِ المَرْجُوحِ، فَثَبَتَ أنَّ الإلَهَ القَهّارَ واحِدٌ أبَدًا، ونِداءُ ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ﴾ إنَّما ظَهَرَ مِن كَوْنِهِ واحِدًا قَهّارًا، فَإذا كانَ كَوْنُهُ قَهّارًا باقِيًا مِنَ الأزَلِ إلى الأبَدِ لا جَرَمَ كانَ نِداءُ ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ﴾ باقِيًا في جانِبِ المَعْنى مِنَ الأزَلِ إلى الأبَدِ.
الصِّفَةُ الخامِسَةُ مِن صِفاتِ ذَلِكَ اليَوْمِ قَوْلُهُ: ﴿اليَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ .
* * *
واعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا شَرَحَ صِفاتِ القَهْرِ في ذَلِكَ اليَوْمِ أرْدَفَهُ بِبَيانِ صِفاتِ العَدْلِ والفَضْلِ في ذَلِكَ اليَوْمِ فَقالَ: ﴿اليَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: هَذا الكَلامُ اشْتَمَلَ عَلى أُمُورٍ ثَلاثَةٍ؛ أوَّلُها: إثْباتُ الكَسْبِ لِلْإنْسانِ. والثّانِي: أنَّ كَسْبَهُ يُوجِبُ الجَزاءَ. والثّالِثُ: أنَّ ذَلِكَ الجَزاءَ إنَّما يُسْتَوْفى في ذَلِكَ اليَوْمِ، فَهَذِهِ الكَلِمَةُ عَلى اخْتِصارِها مُشْتَمِلَةٌ عَلى هَذِهِ الأُصُولِ الثَّلاثَةِ في هَذا الكِتابِ، وهي أُصُولٌ عَظِيمَةُ المُوقِعِ في الدِّينِ، وقَدْ سَبَقَ تَقْرِيرُ هَذِهِ الأُصُولِ مِرارًا، ولا بَأْسَ بِذِكْرِ بَعْضِ النُّكَتِ في تَقْرِيرِ هَذِهِ الأُصُولِ. أمّا الأوَّلُ: فَهو إثْباتُ الكَسْبِ لِلْإنْسانِ وهو عِبارَةٌ عَنْ كَوْنِ أعْضائِهِ سَلِيمَةً صالِحَةً لِلْفِعْلِ والتَّرْكِ، فَما دامَ يَبْقى عَلى هَذا الِاسْتِواءِ امْتَنَعَ صُدُورُ الفِعْلِ والتَّرْكِ عَنْهُ، فَإذا انْضافَ إلَيْهِ الدّاعِي إلى الفِعْلِ أوِ الدّاعِي إلى التَّرْكِ وجَبَ صُدُورُ ذَلِكَ الفِعْلُ أوِ التَّرْكُ عَنْهُ.
وأمّا الثّانِي: وهو بَيانُ تَرَتُّبِ الجَزاءِ عَلَيْهِ، فاعْلَمْ أنَّ الأفْعالَ عَلى قِسْمَيْنِ، مِنها ما يَكُونُ الدّاعِي إلَيْهِ طَلَبُ الخَيْراتِ الجُسْمانِيَّةِ الحاصِلَةِ في عالَمِ الدُّنْيا، ومِنها ما يَكُونُ الدّاعِي إلَيْهِ طَلَبُ الخَيْراتِ الرُّوحانِيَّةِ الَّتِي لا يَظْهَرُ كَمالُها إلّا في عالَمِ الآخِرَةِ، وقَدْ ثَبَتَ بِالتَّجْرِبَةِ أنَّ كَثْرَةَ الأفْعالِ سَبَبٌ لِحُصُولِ المَلَكاتِ الرّاسِخَةِ، فَمَن غَلَبَ عَلَيْهِ القِسْمُ الأوَّلُ اسْتَحْكَمَتْ رَغْبَتُهُ في الدُّنْيا وفي الجُسْمانِيّاتِ، فَعِنْدَ المَوْتِ يَحْصُلُ الفِراقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ مَطْلُوبِهِ عَلى أعْظَمِ الوُجُوهِ، ويَعْظُمُ عَلَيْهِ البَلاءُ، ومَن غَلَبَ عَلَيْهِ القِسْمُ الثّانِي فَعِنْدَ المَوْتِ يُفارِقُ المَبْغُوضَ ويَتَّصِلُ بِالمَحْبُوبِ فَتَعْظُمُ الآلاءُ والنَّعْماءُ، فَهَذا هو مَعْنى الكَسْبِ ومَعْنى كَوْنِ ذَلِكَ الكَسْبِ مُوجِبًا لِلْجَزاءِ، فَظَهَرَ بِهَذا أنَّ كَمالَ الجَزاءِ لا يَحْصُلُ إلّا في يَوْمِ القِيامَةِ، فَهَذا قانُونٌ كُلِّيٌّ عَقْلِيٌّ، والشَّرِيعَةُ الحَقَّةُ أتَتْ بِما يُقَوِّي هَذا القانُونَ الكُلِّيَّ في تَفاصِيلِ الأعْمالِ والأقْوالِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: هَذِهِ الآيَةُ أصْلٌ عَظِيمٌ في أُصُولِ الفِقْهِ، وذَلِكَ لِأنّا نَقُولُ: لَوْ كانَ شَيْءٌ مِن أنْواعِ الضَّرَرِ
صفحة ٤٣
مَشْرُوعًا لَكانَ إمّا أنْ يَكُونَ مَشْرُوعًا لِكَوْنِهِ جَزاءً عَلى شَيْءٍ مِنَ الجِناياتِ أوْ لا لِكَوْنِهِ جَزاءً، والقِسْمانِ باطِلانِ، فَبَطَلَ القَوْلُ بِكَوْنِهِ مَشْرُوعًا، أمّا بَيانُ أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَشْرُوعًا لِيَكُونَ جَزاءً عَلى شَيْءٍ مِنَ الأعْمالِ، فَلِأنَّ هَذا النَّصَّ يَقْتَضِي تَأْخِيرَ الأجْزِيَةِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، فَإثْباتُهُ في الدُّنْيا يَكُونُ عَلى خِلافِ هَذا النَّصِّ، وأمّا بَيانُ أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَشْرُوعًا لِلْجَزاءِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ ولا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ﴾ [البَقَرَةِ: ١٨٥] ولِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما جَعَلَ عَلَيْكم في الدِّينِ مِن حَرَجٍ﴾ [الحَجِّ: ٧٨] ولِقَوْلِهِ ﷺ: ”«لا ضَرَرَ ولا ضِرارَ في الإسْلامِ» “ عَدَلْنا عَنْ هَذِهِ العُمُوماتِ فِيما إذا كانَتِ المَضارُّ أجْزِيَةً، وفِيما ورَدَ نَصٌّ في الإذْنِ فِيهِ كَذَبْحِ الحَيَواناتِ، فَوَجَبَ أنْ يَبْقى عَلى أصْلِ الحُرْمَةِ فِيما عَداهُ، فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا أنَّ الأصْلَ في المَضارِّ والآلامِ التَّحْرِيمُ، فَإنْ وجَدْنا نَصًّا خاصًّا يَدُلُّ عَلى الشَّرْعِيَّةِ قَضَيْنا بِهِ تَقْدِيمًا لِلْخاصِّ عَلى العامِّ، وإلّا فَهو باقٍ عَلى أصْلِ التَّحْرِيمِ، وهَذا أصْلٌ كُلِّيٌّ مُنْتَفَعٌ بِهِ في الشَّرِيعَةِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
الصِّفَةُ السّادِسَةُ مِن صِفاتِ ذَلِكَ اليَوْمِ قَوْلُهُ: ﴿لا ظُلْمَ اليَوْمَ﴾ والمَقْصُودُ أنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿اليَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ أرْدَفَهُ بِما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَقَعُ في ذَلِكَ نَوْعٌ مِن أنْواعِ الظُّلْمِ، قالَ المُحَقِّقُونَ: وُقُوعُ الظُّلْمِ في الجَزاءِ يَقَعُ عَلى أرْبَعَةِ أقْسامٍ، أحَدُها: أنْ يَسْتَحِقَّ الرَّجُلُ ثَوابًا فَيُمْنَعُ مِنهُ. وثانِيها: أنْ يُعْطِيَ بَعْضٌ بَعْضَ حَقِّهِ ولَكِنَّهُ لا يُوَصِّلُ إلَيْهِ حَقَّهُ بِالتَّمامِ. وثالِثُها: أنْ يُعَذِّبَ مَن لا يَسْتَحِقُّ العَذابَ. ورابِعُها: أنْ يَكُونَ الرَّجُلُ مُسْتَحِقًّا لِلْعَذابِ فَيُعَذَّبَ ويُزادَ عَلى قَدْرِ حَقِّهِ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا ظُلْمَ اليَوْمَ﴾ يُفِيدُ نَفْيَ هَذِهِ الأقْسامِ الأرْبَعَةِ، قالَ القاضِي: هَذِهِ الآيَةُ قَوِيَّةٌ في إبْطالِ قَوْلِ المُجْبِرَةِ؛ لِأنَّ عَلى قَوْلِهِمْ لا ظُلْمَ غالِبًا وشاهِدًا إلّا مِنَ اللَّهِ، ولِأنَّهُ تَعالى إذا خَلَقَ فِيهِ الكُفْرَ ثُمَّ عَذَّبَهُ عَلَيْهِ فَهَذا هو عَيْنُ الظُّلْمِ، والجَوابُ عَنْهُ مَعْلُومٌ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ وذِكْرُ هَذا الكَلامِ في هَذا المَوْضِعِ لائِقٌ جِدًّا؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّهُ لا ظُلْمَ بَيَّنَ أنَّهُ سَرِيعُ الحِسابِ. وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ يَصِلُ إلَيْهِمْ ما يَسْتَحِقُّونَهُ في الحالِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
غافر 40:15
صفحة ٣٨
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هو الَّذِي يُرِيكم آياتِهِ ويُنَزِّلُ لَكم مِنَ السَّماءِ رِزْقًا وما يَتَذَكَّرُ إلّا مَن يُنِيبُ﴾ ﴿فادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ولَوْ كَرِهَ الكافِرُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ ما يُوجِبُ التَّهْدِيدَ الشَّدِيدَ في حَقِّ المُشْرِكِينَ أرْدَفَهُ بِذِكْرِ ما يَدُلُّ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ وحِكْمَتِهِ؛ لِيَصِيرَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ جَعْلُ هَذِهِ الأحْجارِ المَنحُوتَةِ والخَشَبِ المُصَوَّرَةِ شُرَكاءَ لِلَّهِ تَعالى في المَعْبُودِيَّةِ، فَقالَ: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكم آياتِهِ﴾ واعْلَمْ أنَّ أهَمَّ المُهِمّاتِ رِعايَةُ مَصالِحِ الأدْيانِ ومَصالِحِ الأبْدانِ، فَهو سُبْحانُهُ وتَعالى راعى مَصالِحَ أدْيانِ العِبادِ بِإظْهارِ البَيِّناتِ والآياتِ، وراعى مَصالِحَ أبْدانِهِمْ بِإنْزالِ الرِّزْقِ مِنَ السَّماءِ، فَمَوْقِعُ الآياتِ مِنَ الأدْيانِ كَمَوْقِعِ الأرْزاقِ مِنَ الأبْدانِ، فالآياتُ لِحَياةِ الأدْيانِ، والأرْزاقُ لِحَياةِ الأبْدانِ، وعِنْدَ حُصُولِهِما يَحْصُلُ الإنْعامُ عَلى أقْوى الِاعْتِباراتِ وأكْمَلِ الجِهاتِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿وما يَتَذَكَّرُ إلّا مَن يُنِيبُ﴾ والمَعْنى أنَّ الوُقُوفَ عَلى دَلائِلِ تَوْحِيدِ اللَّهِ تَعالى كالأمْرِ المَرْكُوزِ في العَقْلِ، إلّا أنَّ القَوْلَ بِالشِّرْكِ والِاشْتِغالَ بِعِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ يَصِيرُ كالمانِعِ مِن تَجَلِّي تِلْكَ الأنْوارِ، فَإذا أعْرَضَ العَبْدُ عَنْها وأنابَ إلى اللَّهِ تَعالى زالَ الغِطاءُ والوِطاءُ فَظَهَرَ الفَوْزُ التّامُّ، ولَمّا قَرَّرَ هَذا المَعْنى صَرَّحَ بِالمَطْلُوبِ وهو الإعْراضُ عَنْ غَيْرِ اللَّهِ والإقْبالُ بِالكُلِّيَّةِ عَلى اللَّهِ تَعالى فَقالَ: ﴿فادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ مِنَ الشِّرْكِ، ومِنَ الِالتِفاتِ إلى غَيْرِ اللَّهِ ﴿ولَوْ كَرِهَ الكافِرُونَ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ”يُنْزِلُ“ خَفِيفَةً والباقُونَ بِالتَّشْدِيدِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجاتِ ذُو العَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِن أمْرِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ﴾ ﴿يَوْمَ هم بارِزُونَ لا يَخْفى عَلى اللَّهِ مِنهم شَيْءٌ لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ ﴿اليَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ لا ظُلْمَ اليَوْمَ إنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ مِن صِفاتِ كِبْرِيائِهِ وإكْرامِهِ كَوْنَهُ مُظْهِرًا لِلْآياتِ مُنْزِلًا لِلْأرْزاقِ، ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ ثَلاثَةً أُخْرى مِن صِفاتِ الجَلالِ والعَظَمَةِ وهو قَوْلُهُ: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجاتِ ذُو العَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ثَلاثَةُ أخْبارٍ لِقَوْلِهِ: (هُوَ) مُرَتَّبَةٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿الَّذِي يُرِيكُمْ﴾ أوْ أخْبارُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وهي مُخْتَلِفَةٌ تَعْرِيفًا وتَنْكِيرًا، قُرِئَ ”رَفِيعَ الدَّرَجاتِ“ بِالنَّصْبِ عَلى المَدْحِ، وأقُولُ: لا بُدَّ مِن تَفْسِيرِ هَذِهِ الصِّفاتِ الثَّلاثَةِ:
فالصِّفَةُ الأُولى: قَوْلُهُ ﴿رَفِيعُ الدَّرَجاتِ﴾ واعْلَمْ أنَّ الرَّفِيعَ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ الرّافِعَ وأنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ المُرْتَفِعَ، أمّا إذا حَمَلْناهُ عَلى الأوَّلِ فَفِيهِ وُجُوهٌ:
الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى يَرْفَعُ دَرَجاتِ الأنْبِياءِ والأوْلِياءِ في الجَنَّةِ.
والثّانِي: رافِعُ دَرَجاتِ الخَلْقِ في العُلُومِ والأخْلاقِ الفاضِلَةِ، فَهو سُبْحانَهُ عَيَّنَ لِكُلِّ أحَدٍ مِنَ المَلائِكَةِ دَرَجَةً مُعَيَّنَةً، كَما قالَ: ﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصّافّاتِ: ١٦٤] وعَيَّنَ لِكُلِّ واحِدٍ مِنَ العُلَماءِ دَرَجَةً مُعَيَّنَةً، فَقالَ: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكم والَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ دَرَجاتٍ﴾ [المُجادَلَةِ: ١١] وعَيَّنَ لِكُلِّ جِسْمٍ دَرَجَةً مُعَيَّنَةً، فَجَعَلَ بَعْضَها سُفْلِيَّةً عُنْصُرِيَّةً، وبَعْضَها فَلَكِيَّةً كَوْكَبِيَّةً، وبَعْضَها مِن جَواهِرِ العَرْشِ والكُرْسِيِّ، فَجَعَلَ لِبَعْضِها دَرَجَةً أعْلى مِن دَرَجَةِ الثّانِي، وأيْضًا جَعَلَ لِكُلِّ واحِدٍ مَرْتَبَةً مُعَيَّنَةً في الخَلْقِ والرِّزْقِ والأجَلِ، فَقالَ: ﴿وهُوَ الَّذِي جَعَلَكم خَلائِفَ الأرْضِ ورَفَعَ بَعْضَكم فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ﴾ [الأنْعامِ: ١٦٥] وجَعَلَ لِكُلِّ أحَدٍ مِنَ السُّعَداءِ والأشْقِياءِ في الدُّنْيا دَرَجَةً مُعَيَّنَةً مِن مُوجِباتِ السَّعادَةِ ومُوجِباتِ الشَّقاوَةِ، وفي الآخِرَةِ آثارٌ لِظُهُورِ تِلْكَ السَّعادَةِ والشَّقاءِ، فَإذا حَمَلْنا الرَّفِيعَ عَلى الرّافِعِ كانَ مَعْناهُ ما ذَكَرْناهُ، وأمّا إذا حَمَلْناهُ عَلى المُرْتَفِعِ فَهو سُبْحانُهُ أرْفَعُ المَوْجُوداتِ في جَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ والجَلالِ، أمّا في أصْلِ الوُجُودِ فَهو أرْفَعُ المَوْجُوداتِ،
صفحة ٣٩
لِأنَّهُ واجِبُ الوُجُودِ لِذاتِهِ وما سِواهُ مُمْكِنٌ ومُحْتاجٌ إلَيْهِ، وأمّا في دَوامِ الوُجُودِ فَهو أرْفَعُ المَوْجُوداتِ؛ لِأنَّهُ واجِبُ الوُجُودِ لِذاتِهِ وهو الأزَلِيُّ والأبَدِيُّ والسَّرْمَدِيُّ، الَّذِي هو أوَّلٌ لِكُلِّ ما سِواهُ، ولَيْسَ لَهُ أوَّلٌ، وآخِرٌ لِكُلِّ ما سِواهُ، ولَيْسَ لَهُ آخِرٌ، أمّا في العِلْمِ: فَلِأنَّهُ هو العالِمُ بِجَمِيعِ الذَّواتِ والصِّفاتِ والكُلِّيّاتِ والجُزْئِيّاتِ، كَما قالَ: ﴿وعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ لا يَعْلَمُها إلّا هُوَ﴾ [الأنْعامِ: ٥٩] وأمّا في القُدْرَةِ: فَهو أعْلى القادِرِينَ وأرْفَعُهم؛ لِأنَّهُ في وُجُودِهِ وجَمِيعِ كَمالاتِ وجُودِهِ غَنِيٌّ عَنْ كُلِّ ما سِواهُ، وكُلُّ ما سِواهُ فَإنَّهُ مُحْتاجٌ في وُجُودِهِ وفي جَمِيعِ كَمالاتِ وجُودِهِ إلَيْهِ. وأمّا في الوَحْدانِيَّةِ: فَهو الواحِدُ الَّذِي يَمْتَنِعُ أنْ يَحْصُلَ لَهُ ضِدٌّ ونِدٌّ وشَرِيكٌ ونَظِيرٌ، وأقُولُ: الحَقُّ سُبْحانَهُ لَهُ صِفَتانِ؛ أحَدُهُما: اسْتِغْناؤُهُ في وُجُودِهِ وفي جَمِيعِ صِفاتِ وجُودِهِ عَنْ كُلِّ ما سِواهُ. الثّانِي: افْتِقارُ كُلِّ ما سِواهُ إلَيْهِ في وُجُودِهِ وفي صِفاتِ وجُودِهِ، فالرَّفِيعُ إنْ فَسَّرْناهُ بِالمُرْتَفِعِ، كانَ مَعْناهُ أنَّهُ أرْفَعُ المَوْجُوداتِ وأعْلاها في جَمِيعِ صِفاتِ الجَلالِ والإكْرامِ، وإنْ فَسَّرْناهُ بِالرّافِعِ، كانَ مَعْناهُ أنَّ كُلَّ دَرَجَةٍ وفَضِيلَةٍ ورَحْمَةٍ ومَنقَبَةٍ حَصَلَتْ لِشَيْءٍ سِواهُ فَإنَّما حَصَلَتْ بِإيجادِهِ وتَكْوِينِهِ وفَضْلِهِ ورَحْمَتِهِ.
الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ذُو العَرْشِ﴾ ومَعْناهُ أنَّهُ مالِكُ العَرْشِ ومُدَبِّرُهُ وخالِقُهُ، واحْتَجَّ بَعْضُ الأغْمارِ مِنَ المُشَبِّهَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجاتِ ذُو العَرْشِ﴾ وحَمَلُوهُ عَلى أنَّ المُرادَ بِالدَّرَجاتِ السَّماواتُ، وبِقَوْلِهِ: ﴿ذُو العَرْشِ﴾ أنَّهُ مَوْجُودٌ في العَرْشِ فَوْقَ سَبْعِ سَماواتٍ، وقَدْ أعْظَمُوا الفِرْيَةَ عَلى اللَّهِ تَعالى، فَإنّا بَيَّنّا بِالدَّلائِلِ القاهِرَةِ العَقْلِيَّةِ أنَّ كَوْنَهُ تَعالى جِسْمًا وفي جِهَةِ مُحالٌ، وأيْضًا فَظاهِرُ اللَّفْظِ لا يَدُلُّ عَلى ما قالُوهُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ذُو العَرْشِ﴾ لا يُفِيدُ إلّا إضافَتَهُ إلى العَرْشِ ويَكْفِي في إضافَتِهِ إلَيْهِ كَوْنُهُ مالِكًا لَهُ ومُخْرِجًا لَهُ مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ، فَأيُّ ضَرُورَةٍ تَدْعُونا إلى الذَّهابِ إلى القَوْلِ الباطِلِ والمَذْهَبِ الفاسِدِ، والفائِدَةُ في تَخْصِيصِ العَرْشِ بِالذِّكْرِ هو أنَّهُ أعْظَمُ الأجْسامِ، والمَقْصُودُ بَيانُ كَمالِ إلَهِيَّتِهِ ونَفاذُ قُدْرَتِهِ، فَكُلَّما كانَ مَحَلُّ التَّصَرُّفِ والتَّدْبِيرِ أعْظَمَ، كانَتْ دَلالَتُهُ عَلى كَمالِ القُدْرَةِ أقْوى.
* * *
الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِن أمْرِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ وفِيهِ مَباحِثُ:
البَحْثُ الأوَّلُ: اخْتَلَفُوا في المُرادِ بِهَذا الرُّوحِ، والصَّحِيحُ أنَّ المُرادَ هو الوَحْيُ، وقَدْ أطْنَبْنا في بَيانِ أنَّهُ لِمَ سُمِّيَ الوَحْيُ بِالرُّوحِ في أوَّلِ سُورَةِ النَّحْلِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿يُنَزِّلُ المَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِن أمْرِهِ﴾ [النَّحْلِ: ٢] وقالَ أيْضًا: ﴿أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ﴾ [الأنْعامِ: ١٢٢] وحاصِلُ الكَلامِ فِيهِ: أنَّ حَياةَ الأرْواحِ بِالمَعارِفِ الإلَهِيَّةِ والجَلايا القُدُسِيَّةِ، فَإذا كانَ الوَحْيُ سَبَبًا لِحُصُولِ هَذِهِ الأرْواحِ سُمِّيَ بِالرُّوحِ، فَإنَّ الرُّوحَ سَبَبٌ لِحُصُولِ الحَياةِ والوَحْيَ سَبَبٌ لِحُصُولِ هَذِهِ الحَياةِ الرُّوحانِيَّةِ.
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُشْتَمِلَةٌ عَلى أسْرارٍ عَجِيبَةٍ مِن عُلُومِ المُكاشَفاتِ، وذَلِكَ لِأنَّ كَمالَ كِبْرِياءِ اللَّهِ تَعالى لا تَصِلُ إلَيْهِ العُقُولُ والأفْهامُ، فالطَّرِيقُ الكامِلُ في تَعْرِيفِهِ بِقَدْرِ الطّاقَةِ البَشَرِيَّةِ أنْ يُذْكَرَ ذَلِكَ الكَلامُ عَلى الوَجْهِ الكُلِّيِّ العَقْلِيِّ، ثُمَّ يُذْكَرَ عَقِيبَهُ شَيْءٌ مِنَ المَحْسُوساتِ المُؤَكِّدَةِ لِذَلِكَ المَعْنى العَقْلِيِّ؛ لِيَصِيرَ الحَصْرُ بِهَذا الطَّرِيقِ مُعاضِدًا لِلْعَقْلِ، فَهاهُنا أيْضًا كَذَلِكَ، فَقَوْلُهُ: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجاتِ﴾ إمّا أنْ يَكُونَ بِمَعْنى كَوْنِهِ رافِعًا لِلدَّرَجاتِ، وهو إشارَةٌ إلى تَأْثِيرِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى في إيجادِ المُمْكِناتِ عَلى اخْتِلافِ دَرَجاتِها وتَبايُنِ مَنازِلِها وصِفاتِها، أوْ إلى كَوْنِهِ تَعالى مُرْتَفِعًا في صِفاتِ الجَلالِ ونُعُوتِ العِزَّةِ عَنْ كُلِّ المَوْجُوداتِ، فَهَذا الكَلامُ عَقْلِيٌّ بُرْهانِيٌّ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ بَيَّنَ هَذا الكَلامَ الكُلِّيِّ بِمَزِيدِ تَقْرِيرٍ؛ وذَلِكَ لِأنَّ ما سِوى اللَّهِ تَعالى إمّا جُسْمانِيّاتٌ وإمّا
صفحة ٤٠
رُوحانِيّاتٌ، فَبَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ كِلّا القِسْمَيْنِ مُسَخَّرٌ تَحْتَ تَسْخِيرِ الحَقِّ سُبْحانَهُ وتَعالى، أمّا الجُسْمانِيّاتُ فَأعْظَمُها العَرْشُ، فَقَوْلُهُ: ﴿ذُو العَرْشِ﴾ يَدُلُّ عَلى اسْتِيلائِهِ عَلى كُلِّيَّةِ عالَمِ الأجْسامِ، ولَمّا كانَ العَرْشُ مِن جِنْسِ المَحْسُوساتِ كانَ هَذا المَحْسُوسُ مُؤَكِّدًا لِذَلِكَ المَعْقُولِ، أعْنِي قَوْلَهُ: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجاتِ﴾ وأمّا الرُّوحانِيّاتُ فَكُلُّها مُسَخَّرَةٌ لِلْحَقِّ سُبْحانَهُ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِن أمْرِهِ﴾ .
واعْلَمْ أنَّ أشْرَفَ الأحْوالِ الظّاهِرَةِ في رُوحانِيّاتِ هَذا العالَمِ ظُهُورُ آثارِ الوَحْيِ، والوَحْيُ إنَّما يَتِمُّ بِأرْكانٍ أرْبَعَةٍ؛ فَأوَّلُها: المُرْسِلُ وهو اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى، فَلِهَذا أضافَ إلْقاءَ الوَحْيِ إلى نَفْسِهِ فَقالَ: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ﴾ والرُّكْنُ الثّانِي: الإرْسالُ والوَحْيُ، وهو الَّذِي سَمّاهُ بِالرُّوحِ. والرُّكْنُ الثّالِثُ أنَّ وُصُولَ الوَحْيِ مِنَ اللَّهِ تَعالى إلى الأنْبِياءِ لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ إلّا بِواسِطَةِ المَلائِكَةِ، وهو المُشارُ إلَيْهِ في هَذِهِ الآيَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن أمْرِهِ﴾ فالرُّكْنُ الرُّوحانِيُّ يُسَمّى أمْرًا، قالَ تَعالى: ﴿وأوْحى في كُلِّ سَماءٍ أمْرَها﴾ [فُصِّلَتْ: ١٢] وقالَ: ﴿ألا لَهُ الخَلْقُ والأمْرُ﴾ [الأعْرافُ: ٥٤] . والرُّكْنُ الرّابِعُ: الأنْبِياءُ الَّذِينَ يُلْقِي اللَّهُ الوَحْيَ إلَيْهِمْ وهو المُشارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ . والرُّكْنُ الخامِسُ: تَعْيِينُ الغَرَضِ والمَقْصُودِ الأصْلِيِّ مِن إلْقاءِ هَذا الوَحْيِ إلَيْهِمْ، وذَلِكَ هو أنَّ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ يَصْرِفُونَ الخَلْقَ مِن عالَمِ الدُّنْيا إلى عالَمِ الآخِرَةِ، ويَحْمِلُونَهم عَلى الإعْراضِ عَنْ هَذِهِ الجُسْمانِيّاتِ والإقْبالِ عَلى الرُّوحانِيّاتِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ يَوْمَ هم بارِزُونَ﴾ فَهَذا تَرْتِيبٌ عَجِيبٌ يَدُلُّ عَلى هَذِهِ الإشاراتِ العالِيَةِ مِن عُلُومِ المُكاشَفاتِ الإلَهِيَّةِ.
وبَقِيَ هاهُنا أنْ نُبَيِّنَ أنَّهُ ما السَّبَبُ في تَسْمِيَةِ يَوْمِ القِيامَةِ بِيَوْمِ التَّلاقِ؟ وكَمِ الصِّفاتُ الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ السُّورَةِ لِيَوْمِ التَّلاقِ؟
أمّا السَّبَبُ في تَسْمِيَةِ يَوْمِ القِيامَةِ بِيَوْمِ التَّلاقِ فَفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ الأرْواحَ كانَتْ مُتَبايِنَةً عَنِ الأجْسادِ فَإذا جاءَ يَوْمُ القِيامَةِ صارَتِ الأرْواحُ مُلاقِيَةً لِلْأجْسادِ فَكانَ ذَلِكَ اليَوْمُ يَوْمَ التَّلاقِ.
الثّانِي: أنَّ الخَلائِقَ يَتَلاقَوْنَ فِيهِ فَيَقِفُ بَعْضُهم عَلى حالِ البَعْضِ.
الثّالِثُ: أنَّ أهْلَ السَّماءِ يَنْزِلُونَ عَلى أهْلِ الأرْضِ فَيَلْتَقِي فِيهِ أهْلُ السَّماءِ وأهْلُ الأرْضِ، قالَ تَعالى: ﴿ويَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالغَمامِ ونُزِّلَ المَلائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾ [الفُرْقانِ: ٢٥]
الرّابِعُ: أنَّ كُلَّ أحَدٍ يَصِلُ إلى جَزاءِ عَمَلِهِ في ذَلِكَ اليَوْمِ فَكانَ ذَلِكَ مِن بابِ التَّلاقِ، هو مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ: فُلانٌ لَقِيَ عَمَلَهُ.
الخامِسُ: يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَأْخُوذًا مِن قَوْلِهِ: ﴿فَمَن كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ﴾ [الكَهْفِ: ١١٠] ومِن قَوْلِهِ: ﴿تَحِيَّتُهم يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ﴾ [الأحْزابِ: ٤٤] .
السّادِسُ: يَوْمٌ يَلْتَقِي فِيهِ العابِدُونَ والمَعْبُودُونَ.
السّابِعُ: يَوْمٌ يَلْتَقِي فِيهِ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ وآخِرُ ولَدِهِ.
الثّامِنُ: قالَ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرانَ يَوْمٌ يَلْتَقِي فِيهِ الظّالِمُ والمَظْلُومُ، فَرُبَّما ظَلَمَ الرَّجُلُ رَجُلًا وانْفَصَلَ عَنْهُ، ولَوْ أرادَ أنْ يَجِدَهُ لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ ولَمْ يَعْرِفْهُ، فَفي يَوْمِ القِيامَةِ يَحْضُرانِ ويَلْقى بَعْضُهم بَعْضًا.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ (التَّلاقِي والتَّنادِي) بِإثْباتِ الياءِ في الوَصْلِ والوَقْفِ، و(هادِي وواقِي)، بِالياءِ في الوَقْفِ، وبِالتَّنْوِينِ في الوَصْلِ.
وأمّا بَيانُ أنَّ اللَّهَ تَعالى كَمْ عَدَّدَ مِنَ الصِّفاتِ ووَصَفَ بِها يَوْمَ القِيامَةِ في هَذِهِ الآيَةِ، فَنَقُولُ:
الصِّفَةُ الأُولى: كَوْنُهُ يَوْمَ التَّلاقِ، وقَدْ ذَكَرْنا تَفْسِيرَهُ.
الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ هم بارِزُونَ﴾ وفي تَفْسِيرِ هَذا البُرُوزِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّهم بَرَزُوا عَنْ بَواطِنِ القُبُورِ. الثّانِي: بارِزُونَ؛ أيْ ظاهِرُونَ لا يَسْتُرُهم شَيْءٌ مِن جَبَلٍ أوْ أكَمَةٍ أوْ بِناءٍ؛ لِأنَّ الأرْضَ بارِزَةٌ قاعٌ
صفحة ٤١
صَفْصَفٌ، ولَيْسَ عَلَيْهِمْ أيْضًا ثِيابٌ إنَّما هم عُراةٌ مَكْشُوفُونَ، كَما جاءَ في الحَدِيثِ: ”«يُحْشَرُونَ عُراةً حُفاةً غُرْلًا» “ . الثّالِثُ: أنْ يُجْعَلَ كَوْنُهم بارِزِينَ كِنايَةً عَنْ ظُهُورِ أعْمالِهِمْ وانْكِشافِ أسْرارِهِمْ، كَما قالَ تَعالى: ﴿يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ﴾ [الطّارِقِ: ٩] . الرّابِعُ: أنَّ هَذِهِ النُّفُوسَ النّاطِقَةَ البَشَرِيَّةَ كَأنَّها في الدُّنْيا انْغَمَسَتْ في ظُلُماتِ أعْمالِ الأبْدانِ، فَإذا جاءَ يَوْمُ القِيامَةِ أعْرَضَتْ عَنِ الِاشْتِغالِ بِتَدْبِيرِ الجُسْمانِيّاتِ وتَوَجَّهَتْ بِالكُلِّيَّةِ إلى عالَمِ القِيامَةِ ومَجْمَعِ الرُّوحانِيّاتِ، فَكَأنَّها بَرَزَتْ بَعْدَ أنْ كانَتْ كامِنَةً في الجُسْمانِيّاتِ مُسْتَتِرَةً بِها.
الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿لا يَخْفى عَلى اللَّهِ مِنهم شَيْءٌ﴾ والمُرادُ يَوْمٌ لا يَخْفى عَلى اللَّهِ مِنهم شَيْءٌ، والمَقْصُودُ مِنهُ الوَعِيدُ فَإنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهم إذا بَرَزُوا مِن قُبُورِهِمْ واجْتَمَعُوا وتَلاقَوْا فَإنَّ اللَّهَ تَعالى يَعْلَمُ ما فَعَلَهُ كُلُّ واحِدٍ مِنهم فَيُجازِي كُلًّا بِحَسْبِهِ إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ وإنْ شَرًّا فَشَرٌّ، فَهم وإنْ لَمْ يَعْلَمُوا تَفْصِيلَ ما فَعَلُوهُ، فاللَّهُ تَعالى عالِمٌ بِذَلِكَ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفى مِنكم خافِيَةٌ﴾ [الحاقَّةِ: ١٨] وقالَ: ﴿يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ﴾ [الطّارِقِ: ٩] وقالَ: ﴿إذا بُعْثِرَ ما في القُبُورِ﴾ ﴿وحُصِّلَ ما في الصُّدُورِ﴾ [العادِياتِ: ٩، ١٠] وقالَ: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أخْبارَها﴾ [الزَّلْزَلَةِ: ٤] فَإنْ قِيلَ: اللَّهُ تَعالى لا يَخْفى عَلَيْهِ مِنهم شَيْءٌ في جَمِيعِ الأيّامِ، فَما مَعْنى تَقْيِيدُ هَذا المَعْنى بِذَلِكَ اليَوْمِ؟ قُلْنا: إنَّهم كانُوا يَتَوَهَّمُونَ في الدُّنْيا إذا اسْتَتَرُوا بِالحِيطانِ والحُجُبِ أنَّ اللَّهَ لا يَراهم، وتَخْفى عَلَيْهِ أعْمالُهم، فَهم في ذَلِكَ اليَوْمِ صائِرُونَ مِنَ البُرُوزِ والِانْكِشافِ إلى حالٍ لا يَتَوَهَّمُونَ فِيها مِثْلَ ما يَتَوَهَّمُونَهُ في الدُّنْيا، قالَ تَعالى: ﴿ولَكِنْ ظَنَنْتُمْ أنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ [فُصِّلَتْ: ٢٢] وقالَ: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النّاسِ ولا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ﴾ [النِّساءِ: ١٠٨] وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وبَرَزُوا لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ .
* * *
الصِّفَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ والتَّقْدِيرُ يَوْمٌ يُنادى فِيهِ: لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ؟ وهَذا النِّداءُ في أيِّ الأوْقاتِ يَحْصُلُ فِيهِ، قَوْلانِ:
الأوَّلُ: قالَ المُفَسِّرُونَ إذا هَلَكَ كُلُّ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ فَيَقُولُ الرَّبُّ تَعالى: ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ﴾ ؟ يَعْنِي يَوْمَ القِيامَةِ، فَلا يُجِيبُهُ أحَدٌ، فَهو تَعالى يُجِيبُ نَفْسَهُ فَيَقُولُ: ﴿لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ قالَ أهْلُ الأُصُولِ: هَذا القَوْلُ ضَعِيفٌ وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ هَذا النِّداءَ إنَّما يَحْصُلُ يَوْمَ التَّلاقِ، ويَوْمَ البُرُوزِ، ويَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ، والنّاسُ في ذَلِكَ الوَقْتِ أحْياءٌ، فَبَطَلَ قَوْلُهم: إنَّ اللَّهَ تَعالى إنَّما يُنادِي بِهَذا النِّداءِ حِينَ هَلَكَ كُلُّ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ.
والثّانِي: أنَّ الكَلامَ لا بُدَّ فِيهِ مِن فائِدَةٍ؛ لِأنَّ الكَلامَ إمّا أنْ يُذْكَرَ حالَ حُضُورِ الغَيْرِ، أوْ حالَ ما لا يَحْضُرُ الغَيْرُ، والأوَّلُ: باطِلٌ هاهُنا؛ لِأنَّ القَوْمَ قالُوا: إنَّهُ تَعالى إنَّما يَذْكُرُ هَذا الكَلامَ عِنْدَ فَناءِ الكُلِّ، والثّانِي أيْضًا باطِلٌ لِأنَّ الرَّجُلَ إنَّما يَحْسُنُ تَكَلُّمُهُ حالَ كَوْنِهِ وحْدَهُ؛ إمّا لِأنَّهُ يَحْفَظُ بِهِ شَيْئًا كالَّذِي يُكَرَّرُ عَلى الدَّرْسِ، وذَلِكَ عَلى اللَّهِ مُحالٌ، أوْ لِأجْلِ أنَّهُ يَحْصُلُ سُرُورٌ بِما يَقُولُهُ، وذَلِكَ أيْضًا عَلى اللَّهِ مُحالٌ، أوْ لِأجْلِ أنْ يَعْبُدَ اللَّهَ بِذَلِكَ الذِّكْرِ، وذَلِكَ أيْضًا عَلى اللَّهِ مُحالٌ، فَثَبَتَ أنَّ قَوْلَ مَن يَقُولُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى يَذْكُرُ هَذا النِّداءَ حالَ هَلاكِ جَمِيعِ المَخْلُوقاتِ، باطِلٌ لا أصْلَ لَهُ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ في يَوْمِ التَّلاقِ إذا حَضَرَ الأوَّلُونَ والآخِرُونَ وبَرَزُوا لِلَّهِ نادى مُنادٍ ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ﴾ فَيَقُولُ كُلُّ الحاضِرِينَ في مَحْفَلِ القِيامَةِ: ﴿لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ فالمُؤْمِنُونَ يَقُولُونَ تَلَذُّذًا بِهَذا الكَلامِ، حَيْثُ نالُوا بِهَذا الذِّكْرِ المَنزِلَةَ الرَّفِيعَةَ، والكُفّارُ يَقُولُونَهُ عَلى الصَّغارِ والذِّلَّةِ عَلى وجْهِ التَّحَسُّرِ والنَّدامَةِ عَلى أنْ فاتَهم هَذا الذِّكْرُ في الدُّنْيا، وقالَ القائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ: إنْ صَحَّ القَوْلُ الأوَّلُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ، لَمْ يَمْتَنِعْ أنْ يَكُونَ
صفحة ٤٢
المُرادُ أنَّ هَذا النِّداءَ يُذْكَرُ بَعْدَ فَناءِ البَشَرِ إلّا أنَّهُ حَضَرَ هُناكَ مَلائِكَةٌ يَسْمَعُونَ ذَلِكَ النِّداءَ، وأقُولُ أيْضًا عَلى هَذا القَوْلِ: لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ السّائِلُ والمُجِيبُ هو اللَّهُ تَعالى، ولا يَبْعُدُ أيْضًا أنْ يَكُونَ السّائِلُ جَمْعًا مِنَ المَلائِكَةِ والمُجِيبُ جَمْعًا آخَرِينَ، الكُلُّ مُمْكِنٌ ولَيْسَ عَلى التَّعْيِينِ دَلِيلٌ، فَإنْ قِيلَ: وما الفائِدَةُ في تَخْصِيصِ هَذا اليَوْمِ بِهَذا النِّداءِ؟
فَنَقُولُ: النّاسُ كانُوا مَغْرُورِينَ في الدُّنْيا بِالأسْبابِ الظّاهِرَةِ، وكانَ الشَّيْخُ الإمامُ الوالِدُ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: لَوْلا الأسْبابُ لَما ارْتابَ مُرْتابٌ، وفي يَوْمِ القِيامَةِ زالَتِ الأسْبابُ، وانْعَزَلَتِ الأرْبابُ، ولَمْ يَبْقَ البَتَّةَ غَيْرُ حُكْمِ مُسَبِّبِ الأسْبابِ؛ فَلِهَذا اخْتُصَّ النِّداءُ بِيَوْمِ القِيامَةِ، واعْلَمْ أنَّهُ وإنْ كانَ ظاهِرُ اللَّفْظِ يَدُلُّ عَلى اخْتِصاصِ ذَلِكَ النِّداءِ بِذَلِكَ اليَوْمِ إلّا أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ يُفِيدُ أنَّ هَذا النِّداءَ حاصِلٌ مِن جِهَةِ المَعْنى أبَدًا، وذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَنا: (اللَّهُ) اسْمٌ لِواجِبِ الوُجُودِ لِذاتِهِ، وواجِبُ الوُجُودِ لِذاتِهِ واحِدٌ وكُلُّ ما سِواهُ مُمْكِنٌ لِذاتِهِ، والمُمْكِنُ لِذاتِهِ لا يُوجَدُ إلّا بِإيجادِ الواجِبِ لِذاتِهِ، ومَعْنى الإيجادِ هو تَرْجِيحُ جانِبِ الوُجُودِ عَلى جانِبِ العَدَمِ، وذَلِكَ التَّرْجِيحُ هو قَهْرٌ لِلْجانِبِ المَرْجُوحِ، فَثَبَتَ أنَّ الإلَهَ القَهّارَ واحِدٌ أبَدًا، ونِداءُ ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ﴾ إنَّما ظَهَرَ مِن كَوْنِهِ واحِدًا قَهّارًا، فَإذا كانَ كَوْنُهُ قَهّارًا باقِيًا مِنَ الأزَلِ إلى الأبَدِ لا جَرَمَ كانَ نِداءُ ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ﴾ باقِيًا في جانِبِ المَعْنى مِنَ الأزَلِ إلى الأبَدِ.
الصِّفَةُ الخامِسَةُ مِن صِفاتِ ذَلِكَ اليَوْمِ قَوْلُهُ: ﴿اليَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ .
* * *
واعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا شَرَحَ صِفاتِ القَهْرِ في ذَلِكَ اليَوْمِ أرْدَفَهُ بِبَيانِ صِفاتِ العَدْلِ والفَضْلِ في ذَلِكَ اليَوْمِ فَقالَ: ﴿اليَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: هَذا الكَلامُ اشْتَمَلَ عَلى أُمُورٍ ثَلاثَةٍ؛ أوَّلُها: إثْباتُ الكَسْبِ لِلْإنْسانِ. والثّانِي: أنَّ كَسْبَهُ يُوجِبُ الجَزاءَ. والثّالِثُ: أنَّ ذَلِكَ الجَزاءَ إنَّما يُسْتَوْفى في ذَلِكَ اليَوْمِ، فَهَذِهِ الكَلِمَةُ عَلى اخْتِصارِها مُشْتَمِلَةٌ عَلى هَذِهِ الأُصُولِ الثَّلاثَةِ في هَذا الكِتابِ، وهي أُصُولٌ عَظِيمَةُ المُوقِعِ في الدِّينِ، وقَدْ سَبَقَ تَقْرِيرُ هَذِهِ الأُصُولِ مِرارًا، ولا بَأْسَ بِذِكْرِ بَعْضِ النُّكَتِ في تَقْرِيرِ هَذِهِ الأُصُولِ. أمّا الأوَّلُ: فَهو إثْباتُ الكَسْبِ لِلْإنْسانِ وهو عِبارَةٌ عَنْ كَوْنِ أعْضائِهِ سَلِيمَةً صالِحَةً لِلْفِعْلِ والتَّرْكِ، فَما دامَ يَبْقى عَلى هَذا الِاسْتِواءِ امْتَنَعَ صُدُورُ الفِعْلِ والتَّرْكِ عَنْهُ، فَإذا انْضافَ إلَيْهِ الدّاعِي إلى الفِعْلِ أوِ الدّاعِي إلى التَّرْكِ وجَبَ صُدُورُ ذَلِكَ الفِعْلُ أوِ التَّرْكُ عَنْهُ.
وأمّا الثّانِي: وهو بَيانُ تَرَتُّبِ الجَزاءِ عَلَيْهِ، فاعْلَمْ أنَّ الأفْعالَ عَلى قِسْمَيْنِ، مِنها ما يَكُونُ الدّاعِي إلَيْهِ طَلَبُ الخَيْراتِ الجُسْمانِيَّةِ الحاصِلَةِ في عالَمِ الدُّنْيا، ومِنها ما يَكُونُ الدّاعِي إلَيْهِ طَلَبُ الخَيْراتِ الرُّوحانِيَّةِ الَّتِي لا يَظْهَرُ كَمالُها إلّا في عالَمِ الآخِرَةِ، وقَدْ ثَبَتَ بِالتَّجْرِبَةِ أنَّ كَثْرَةَ الأفْعالِ سَبَبٌ لِحُصُولِ المَلَكاتِ الرّاسِخَةِ، فَمَن غَلَبَ عَلَيْهِ القِسْمُ الأوَّلُ اسْتَحْكَمَتْ رَغْبَتُهُ في الدُّنْيا وفي الجُسْمانِيّاتِ، فَعِنْدَ المَوْتِ يَحْصُلُ الفِراقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ مَطْلُوبِهِ عَلى أعْظَمِ الوُجُوهِ، ويَعْظُمُ عَلَيْهِ البَلاءُ، ومَن غَلَبَ عَلَيْهِ القِسْمُ الثّانِي فَعِنْدَ المَوْتِ يُفارِقُ المَبْغُوضَ ويَتَّصِلُ بِالمَحْبُوبِ فَتَعْظُمُ الآلاءُ والنَّعْماءُ، فَهَذا هو مَعْنى الكَسْبِ ومَعْنى كَوْنِ ذَلِكَ الكَسْبِ مُوجِبًا لِلْجَزاءِ، فَظَهَرَ بِهَذا أنَّ كَمالَ الجَزاءِ لا يَحْصُلُ إلّا في يَوْمِ القِيامَةِ، فَهَذا قانُونٌ كُلِّيٌّ عَقْلِيٌّ، والشَّرِيعَةُ الحَقَّةُ أتَتْ بِما يُقَوِّي هَذا القانُونَ الكُلِّيَّ في تَفاصِيلِ الأعْمالِ والأقْوالِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: هَذِهِ الآيَةُ أصْلٌ عَظِيمٌ في أُصُولِ الفِقْهِ، وذَلِكَ لِأنّا نَقُولُ: لَوْ كانَ شَيْءٌ مِن أنْواعِ الضَّرَرِ
صفحة ٤٣
مَشْرُوعًا لَكانَ إمّا أنْ يَكُونَ مَشْرُوعًا لِكَوْنِهِ جَزاءً عَلى شَيْءٍ مِنَ الجِناياتِ أوْ لا لِكَوْنِهِ جَزاءً، والقِسْمانِ باطِلانِ، فَبَطَلَ القَوْلُ بِكَوْنِهِ مَشْرُوعًا، أمّا بَيانُ أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَشْرُوعًا لِيَكُونَ جَزاءً عَلى شَيْءٍ مِنَ الأعْمالِ، فَلِأنَّ هَذا النَّصَّ يَقْتَضِي تَأْخِيرَ الأجْزِيَةِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، فَإثْباتُهُ في الدُّنْيا يَكُونُ عَلى خِلافِ هَذا النَّصِّ، وأمّا بَيانُ أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَشْرُوعًا لِلْجَزاءِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ ولا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ﴾ [البَقَرَةِ: ١٨٥] ولِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما جَعَلَ عَلَيْكم في الدِّينِ مِن حَرَجٍ﴾ [الحَجِّ: ٧٨] ولِقَوْلِهِ ﷺ: ”«لا ضَرَرَ ولا ضِرارَ في الإسْلامِ» “ عَدَلْنا عَنْ هَذِهِ العُمُوماتِ فِيما إذا كانَتِ المَضارُّ أجْزِيَةً، وفِيما ورَدَ نَصٌّ في الإذْنِ فِيهِ كَذَبْحِ الحَيَواناتِ، فَوَجَبَ أنْ يَبْقى عَلى أصْلِ الحُرْمَةِ فِيما عَداهُ، فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا أنَّ الأصْلَ في المَضارِّ والآلامِ التَّحْرِيمُ، فَإنْ وجَدْنا نَصًّا خاصًّا يَدُلُّ عَلى الشَّرْعِيَّةِ قَضَيْنا بِهِ تَقْدِيمًا لِلْخاصِّ عَلى العامِّ، وإلّا فَهو باقٍ عَلى أصْلِ التَّحْرِيمِ، وهَذا أصْلٌ كُلِّيٌّ مُنْتَفَعٌ بِهِ في الشَّرِيعَةِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
الصِّفَةُ السّادِسَةُ مِن صِفاتِ ذَلِكَ اليَوْمِ قَوْلُهُ: ﴿لا ظُلْمَ اليَوْمَ﴾ والمَقْصُودُ أنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿اليَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ أرْدَفَهُ بِما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَقَعُ في ذَلِكَ نَوْعٌ مِن أنْواعِ الظُّلْمِ، قالَ المُحَقِّقُونَ: وُقُوعُ الظُّلْمِ في الجَزاءِ يَقَعُ عَلى أرْبَعَةِ أقْسامٍ، أحَدُها: أنْ يَسْتَحِقَّ الرَّجُلُ ثَوابًا فَيُمْنَعُ مِنهُ. وثانِيها: أنْ يُعْطِيَ بَعْضٌ بَعْضَ حَقِّهِ ولَكِنَّهُ لا يُوَصِّلُ إلَيْهِ حَقَّهُ بِالتَّمامِ. وثالِثُها: أنْ يُعَذِّبَ مَن لا يَسْتَحِقُّ العَذابَ. ورابِعُها: أنْ يَكُونَ الرَّجُلُ مُسْتَحِقًّا لِلْعَذابِ فَيُعَذَّبَ ويُزادَ عَلى قَدْرِ حَقِّهِ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا ظُلْمَ اليَوْمَ﴾ يُفِيدُ نَفْيَ هَذِهِ الأقْسامِ الأرْبَعَةِ، قالَ القاضِي: هَذِهِ الآيَةُ قَوِيَّةٌ في إبْطالِ قَوْلِ المُجْبِرَةِ؛ لِأنَّ عَلى قَوْلِهِمْ لا ظُلْمَ غالِبًا وشاهِدًا إلّا مِنَ اللَّهِ، ولِأنَّهُ تَعالى إذا خَلَقَ فِيهِ الكُفْرَ ثُمَّ عَذَّبَهُ عَلَيْهِ فَهَذا هو عَيْنُ الظُّلْمِ، والجَوابُ عَنْهُ مَعْلُومٌ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ وذِكْرُ هَذا الكَلامِ في هَذا المَوْضِعِ لائِقٌ جِدًّا؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّهُ لا ظُلْمَ بَيَّنَ أنَّهُ سَرِيعُ الحِسابِ. وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ يَصِلُ إلَيْهِمْ ما يَسْتَحِقُّونَهُ في الحالِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
غافر 40:16
صفحة ٣٨
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هو الَّذِي يُرِيكم آياتِهِ ويُنَزِّلُ لَكم مِنَ السَّماءِ رِزْقًا وما يَتَذَكَّرُ إلّا مَن يُنِيبُ﴾ ﴿فادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ولَوْ كَرِهَ الكافِرُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ ما يُوجِبُ التَّهْدِيدَ الشَّدِيدَ في حَقِّ المُشْرِكِينَ أرْدَفَهُ بِذِكْرِ ما يَدُلُّ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ وحِكْمَتِهِ؛ لِيَصِيرَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ جَعْلُ هَذِهِ الأحْجارِ المَنحُوتَةِ والخَشَبِ المُصَوَّرَةِ شُرَكاءَ لِلَّهِ تَعالى في المَعْبُودِيَّةِ، فَقالَ: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكم آياتِهِ﴾ واعْلَمْ أنَّ أهَمَّ المُهِمّاتِ رِعايَةُ مَصالِحِ الأدْيانِ ومَصالِحِ الأبْدانِ، فَهو سُبْحانُهُ وتَعالى راعى مَصالِحَ أدْيانِ العِبادِ بِإظْهارِ البَيِّناتِ والآياتِ، وراعى مَصالِحَ أبْدانِهِمْ بِإنْزالِ الرِّزْقِ مِنَ السَّماءِ، فَمَوْقِعُ الآياتِ مِنَ الأدْيانِ كَمَوْقِعِ الأرْزاقِ مِنَ الأبْدانِ، فالآياتُ لِحَياةِ الأدْيانِ، والأرْزاقُ لِحَياةِ الأبْدانِ، وعِنْدَ حُصُولِهِما يَحْصُلُ الإنْعامُ عَلى أقْوى الِاعْتِباراتِ وأكْمَلِ الجِهاتِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿وما يَتَذَكَّرُ إلّا مَن يُنِيبُ﴾ والمَعْنى أنَّ الوُقُوفَ عَلى دَلائِلِ تَوْحِيدِ اللَّهِ تَعالى كالأمْرِ المَرْكُوزِ في العَقْلِ، إلّا أنَّ القَوْلَ بِالشِّرْكِ والِاشْتِغالَ بِعِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ يَصِيرُ كالمانِعِ مِن تَجَلِّي تِلْكَ الأنْوارِ، فَإذا أعْرَضَ العَبْدُ عَنْها وأنابَ إلى اللَّهِ تَعالى زالَ الغِطاءُ والوِطاءُ فَظَهَرَ الفَوْزُ التّامُّ، ولَمّا قَرَّرَ هَذا المَعْنى صَرَّحَ بِالمَطْلُوبِ وهو الإعْراضُ عَنْ غَيْرِ اللَّهِ والإقْبالُ بِالكُلِّيَّةِ عَلى اللَّهِ تَعالى فَقالَ: ﴿فادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ مِنَ الشِّرْكِ، ومِنَ الِالتِفاتِ إلى غَيْرِ اللَّهِ ﴿ولَوْ كَرِهَ الكافِرُونَ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ”يُنْزِلُ“ خَفِيفَةً والباقُونَ بِالتَّشْدِيدِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجاتِ ذُو العَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِن أمْرِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ﴾ ﴿يَوْمَ هم بارِزُونَ لا يَخْفى عَلى اللَّهِ مِنهم شَيْءٌ لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ ﴿اليَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ لا ظُلْمَ اليَوْمَ إنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ مِن صِفاتِ كِبْرِيائِهِ وإكْرامِهِ كَوْنَهُ مُظْهِرًا لِلْآياتِ مُنْزِلًا لِلْأرْزاقِ، ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ ثَلاثَةً أُخْرى مِن صِفاتِ الجَلالِ والعَظَمَةِ وهو قَوْلُهُ: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجاتِ ذُو العَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ثَلاثَةُ أخْبارٍ لِقَوْلِهِ: (هُوَ) مُرَتَّبَةٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿الَّذِي يُرِيكُمْ﴾ أوْ أخْبارُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وهي مُخْتَلِفَةٌ تَعْرِيفًا وتَنْكِيرًا، قُرِئَ ”رَفِيعَ الدَّرَجاتِ“ بِالنَّصْبِ عَلى المَدْحِ، وأقُولُ: لا بُدَّ مِن تَفْسِيرِ هَذِهِ الصِّفاتِ الثَّلاثَةِ:
فالصِّفَةُ الأُولى: قَوْلُهُ ﴿رَفِيعُ الدَّرَجاتِ﴾ واعْلَمْ أنَّ الرَّفِيعَ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ الرّافِعَ وأنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ المُرْتَفِعَ، أمّا إذا حَمَلْناهُ عَلى الأوَّلِ فَفِيهِ وُجُوهٌ:
الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى يَرْفَعُ دَرَجاتِ الأنْبِياءِ والأوْلِياءِ في الجَنَّةِ.
والثّانِي: رافِعُ دَرَجاتِ الخَلْقِ في العُلُومِ والأخْلاقِ الفاضِلَةِ، فَهو سُبْحانَهُ عَيَّنَ لِكُلِّ أحَدٍ مِنَ المَلائِكَةِ دَرَجَةً مُعَيَّنَةً، كَما قالَ: ﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصّافّاتِ: ١٦٤] وعَيَّنَ لِكُلِّ واحِدٍ مِنَ العُلَماءِ دَرَجَةً مُعَيَّنَةً، فَقالَ: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكم والَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ دَرَجاتٍ﴾ [المُجادَلَةِ: ١١] وعَيَّنَ لِكُلِّ جِسْمٍ دَرَجَةً مُعَيَّنَةً، فَجَعَلَ بَعْضَها سُفْلِيَّةً عُنْصُرِيَّةً، وبَعْضَها فَلَكِيَّةً كَوْكَبِيَّةً، وبَعْضَها مِن جَواهِرِ العَرْشِ والكُرْسِيِّ، فَجَعَلَ لِبَعْضِها دَرَجَةً أعْلى مِن دَرَجَةِ الثّانِي، وأيْضًا جَعَلَ لِكُلِّ واحِدٍ مَرْتَبَةً مُعَيَّنَةً في الخَلْقِ والرِّزْقِ والأجَلِ، فَقالَ: ﴿وهُوَ الَّذِي جَعَلَكم خَلائِفَ الأرْضِ ورَفَعَ بَعْضَكم فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ﴾ [الأنْعامِ: ١٦٥] وجَعَلَ لِكُلِّ أحَدٍ مِنَ السُّعَداءِ والأشْقِياءِ في الدُّنْيا دَرَجَةً مُعَيَّنَةً مِن مُوجِباتِ السَّعادَةِ ومُوجِباتِ الشَّقاوَةِ، وفي الآخِرَةِ آثارٌ لِظُهُورِ تِلْكَ السَّعادَةِ والشَّقاءِ، فَإذا حَمَلْنا الرَّفِيعَ عَلى الرّافِعِ كانَ مَعْناهُ ما ذَكَرْناهُ، وأمّا إذا حَمَلْناهُ عَلى المُرْتَفِعِ فَهو سُبْحانُهُ أرْفَعُ المَوْجُوداتِ في جَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ والجَلالِ، أمّا في أصْلِ الوُجُودِ فَهو أرْفَعُ المَوْجُوداتِ،
صفحة ٣٩
لِأنَّهُ واجِبُ الوُجُودِ لِذاتِهِ وما سِواهُ مُمْكِنٌ ومُحْتاجٌ إلَيْهِ، وأمّا في دَوامِ الوُجُودِ فَهو أرْفَعُ المَوْجُوداتِ؛ لِأنَّهُ واجِبُ الوُجُودِ لِذاتِهِ وهو الأزَلِيُّ والأبَدِيُّ والسَّرْمَدِيُّ، الَّذِي هو أوَّلٌ لِكُلِّ ما سِواهُ، ولَيْسَ لَهُ أوَّلٌ، وآخِرٌ لِكُلِّ ما سِواهُ، ولَيْسَ لَهُ آخِرٌ، أمّا في العِلْمِ: فَلِأنَّهُ هو العالِمُ بِجَمِيعِ الذَّواتِ والصِّفاتِ والكُلِّيّاتِ والجُزْئِيّاتِ، كَما قالَ: ﴿وعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ لا يَعْلَمُها إلّا هُوَ﴾ [الأنْعامِ: ٥٩] وأمّا في القُدْرَةِ: فَهو أعْلى القادِرِينَ وأرْفَعُهم؛ لِأنَّهُ في وُجُودِهِ وجَمِيعِ كَمالاتِ وجُودِهِ غَنِيٌّ عَنْ كُلِّ ما سِواهُ، وكُلُّ ما سِواهُ فَإنَّهُ مُحْتاجٌ في وُجُودِهِ وفي جَمِيعِ كَمالاتِ وجُودِهِ إلَيْهِ. وأمّا في الوَحْدانِيَّةِ: فَهو الواحِدُ الَّذِي يَمْتَنِعُ أنْ يَحْصُلَ لَهُ ضِدٌّ ونِدٌّ وشَرِيكٌ ونَظِيرٌ، وأقُولُ: الحَقُّ سُبْحانَهُ لَهُ صِفَتانِ؛ أحَدُهُما: اسْتِغْناؤُهُ في وُجُودِهِ وفي جَمِيعِ صِفاتِ وجُودِهِ عَنْ كُلِّ ما سِواهُ. الثّانِي: افْتِقارُ كُلِّ ما سِواهُ إلَيْهِ في وُجُودِهِ وفي صِفاتِ وجُودِهِ، فالرَّفِيعُ إنْ فَسَّرْناهُ بِالمُرْتَفِعِ، كانَ مَعْناهُ أنَّهُ أرْفَعُ المَوْجُوداتِ وأعْلاها في جَمِيعِ صِفاتِ الجَلالِ والإكْرامِ، وإنْ فَسَّرْناهُ بِالرّافِعِ، كانَ مَعْناهُ أنَّ كُلَّ دَرَجَةٍ وفَضِيلَةٍ ورَحْمَةٍ ومَنقَبَةٍ حَصَلَتْ لِشَيْءٍ سِواهُ فَإنَّما حَصَلَتْ بِإيجادِهِ وتَكْوِينِهِ وفَضْلِهِ ورَحْمَتِهِ.
الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ذُو العَرْشِ﴾ ومَعْناهُ أنَّهُ مالِكُ العَرْشِ ومُدَبِّرُهُ وخالِقُهُ، واحْتَجَّ بَعْضُ الأغْمارِ مِنَ المُشَبِّهَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجاتِ ذُو العَرْشِ﴾ وحَمَلُوهُ عَلى أنَّ المُرادَ بِالدَّرَجاتِ السَّماواتُ، وبِقَوْلِهِ: ﴿ذُو العَرْشِ﴾ أنَّهُ مَوْجُودٌ في العَرْشِ فَوْقَ سَبْعِ سَماواتٍ، وقَدْ أعْظَمُوا الفِرْيَةَ عَلى اللَّهِ تَعالى، فَإنّا بَيَّنّا بِالدَّلائِلِ القاهِرَةِ العَقْلِيَّةِ أنَّ كَوْنَهُ تَعالى جِسْمًا وفي جِهَةِ مُحالٌ، وأيْضًا فَظاهِرُ اللَّفْظِ لا يَدُلُّ عَلى ما قالُوهُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ذُو العَرْشِ﴾ لا يُفِيدُ إلّا إضافَتَهُ إلى العَرْشِ ويَكْفِي في إضافَتِهِ إلَيْهِ كَوْنُهُ مالِكًا لَهُ ومُخْرِجًا لَهُ مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ، فَأيُّ ضَرُورَةٍ تَدْعُونا إلى الذَّهابِ إلى القَوْلِ الباطِلِ والمَذْهَبِ الفاسِدِ، والفائِدَةُ في تَخْصِيصِ العَرْشِ بِالذِّكْرِ هو أنَّهُ أعْظَمُ الأجْسامِ، والمَقْصُودُ بَيانُ كَمالِ إلَهِيَّتِهِ ونَفاذُ قُدْرَتِهِ، فَكُلَّما كانَ مَحَلُّ التَّصَرُّفِ والتَّدْبِيرِ أعْظَمَ، كانَتْ دَلالَتُهُ عَلى كَمالِ القُدْرَةِ أقْوى.
* * *
الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِن أمْرِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ وفِيهِ مَباحِثُ:
البَحْثُ الأوَّلُ: اخْتَلَفُوا في المُرادِ بِهَذا الرُّوحِ، والصَّحِيحُ أنَّ المُرادَ هو الوَحْيُ، وقَدْ أطْنَبْنا في بَيانِ أنَّهُ لِمَ سُمِّيَ الوَحْيُ بِالرُّوحِ في أوَّلِ سُورَةِ النَّحْلِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿يُنَزِّلُ المَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِن أمْرِهِ﴾ [النَّحْلِ: ٢] وقالَ أيْضًا: ﴿أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ﴾ [الأنْعامِ: ١٢٢] وحاصِلُ الكَلامِ فِيهِ: أنَّ حَياةَ الأرْواحِ بِالمَعارِفِ الإلَهِيَّةِ والجَلايا القُدُسِيَّةِ، فَإذا كانَ الوَحْيُ سَبَبًا لِحُصُولِ هَذِهِ الأرْواحِ سُمِّيَ بِالرُّوحِ، فَإنَّ الرُّوحَ سَبَبٌ لِحُصُولِ الحَياةِ والوَحْيَ سَبَبٌ لِحُصُولِ هَذِهِ الحَياةِ الرُّوحانِيَّةِ.
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُشْتَمِلَةٌ عَلى أسْرارٍ عَجِيبَةٍ مِن عُلُومِ المُكاشَفاتِ، وذَلِكَ لِأنَّ كَمالَ كِبْرِياءِ اللَّهِ تَعالى لا تَصِلُ إلَيْهِ العُقُولُ والأفْهامُ، فالطَّرِيقُ الكامِلُ في تَعْرِيفِهِ بِقَدْرِ الطّاقَةِ البَشَرِيَّةِ أنْ يُذْكَرَ ذَلِكَ الكَلامُ عَلى الوَجْهِ الكُلِّيِّ العَقْلِيِّ، ثُمَّ يُذْكَرَ عَقِيبَهُ شَيْءٌ مِنَ المَحْسُوساتِ المُؤَكِّدَةِ لِذَلِكَ المَعْنى العَقْلِيِّ؛ لِيَصِيرَ الحَصْرُ بِهَذا الطَّرِيقِ مُعاضِدًا لِلْعَقْلِ، فَهاهُنا أيْضًا كَذَلِكَ، فَقَوْلُهُ: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجاتِ﴾ إمّا أنْ يَكُونَ بِمَعْنى كَوْنِهِ رافِعًا لِلدَّرَجاتِ، وهو إشارَةٌ إلى تَأْثِيرِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى في إيجادِ المُمْكِناتِ عَلى اخْتِلافِ دَرَجاتِها وتَبايُنِ مَنازِلِها وصِفاتِها، أوْ إلى كَوْنِهِ تَعالى مُرْتَفِعًا في صِفاتِ الجَلالِ ونُعُوتِ العِزَّةِ عَنْ كُلِّ المَوْجُوداتِ، فَهَذا الكَلامُ عَقْلِيٌّ بُرْهانِيٌّ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ بَيَّنَ هَذا الكَلامَ الكُلِّيِّ بِمَزِيدِ تَقْرِيرٍ؛ وذَلِكَ لِأنَّ ما سِوى اللَّهِ تَعالى إمّا جُسْمانِيّاتٌ وإمّا
صفحة ٤٠
رُوحانِيّاتٌ، فَبَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ كِلّا القِسْمَيْنِ مُسَخَّرٌ تَحْتَ تَسْخِيرِ الحَقِّ سُبْحانَهُ وتَعالى، أمّا الجُسْمانِيّاتُ فَأعْظَمُها العَرْشُ، فَقَوْلُهُ: ﴿ذُو العَرْشِ﴾ يَدُلُّ عَلى اسْتِيلائِهِ عَلى كُلِّيَّةِ عالَمِ الأجْسامِ، ولَمّا كانَ العَرْشُ مِن جِنْسِ المَحْسُوساتِ كانَ هَذا المَحْسُوسُ مُؤَكِّدًا لِذَلِكَ المَعْقُولِ، أعْنِي قَوْلَهُ: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجاتِ﴾ وأمّا الرُّوحانِيّاتُ فَكُلُّها مُسَخَّرَةٌ لِلْحَقِّ سُبْحانَهُ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِن أمْرِهِ﴾ .
واعْلَمْ أنَّ أشْرَفَ الأحْوالِ الظّاهِرَةِ في رُوحانِيّاتِ هَذا العالَمِ ظُهُورُ آثارِ الوَحْيِ، والوَحْيُ إنَّما يَتِمُّ بِأرْكانٍ أرْبَعَةٍ؛ فَأوَّلُها: المُرْسِلُ وهو اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى، فَلِهَذا أضافَ إلْقاءَ الوَحْيِ إلى نَفْسِهِ فَقالَ: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ﴾ والرُّكْنُ الثّانِي: الإرْسالُ والوَحْيُ، وهو الَّذِي سَمّاهُ بِالرُّوحِ. والرُّكْنُ الثّالِثُ أنَّ وُصُولَ الوَحْيِ مِنَ اللَّهِ تَعالى إلى الأنْبِياءِ لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ إلّا بِواسِطَةِ المَلائِكَةِ، وهو المُشارُ إلَيْهِ في هَذِهِ الآيَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن أمْرِهِ﴾ فالرُّكْنُ الرُّوحانِيُّ يُسَمّى أمْرًا، قالَ تَعالى: ﴿وأوْحى في كُلِّ سَماءٍ أمْرَها﴾ [فُصِّلَتْ: ١٢] وقالَ: ﴿ألا لَهُ الخَلْقُ والأمْرُ﴾ [الأعْرافُ: ٥٤] . والرُّكْنُ الرّابِعُ: الأنْبِياءُ الَّذِينَ يُلْقِي اللَّهُ الوَحْيَ إلَيْهِمْ وهو المُشارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ . والرُّكْنُ الخامِسُ: تَعْيِينُ الغَرَضِ والمَقْصُودِ الأصْلِيِّ مِن إلْقاءِ هَذا الوَحْيِ إلَيْهِمْ، وذَلِكَ هو أنَّ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ يَصْرِفُونَ الخَلْقَ مِن عالَمِ الدُّنْيا إلى عالَمِ الآخِرَةِ، ويَحْمِلُونَهم عَلى الإعْراضِ عَنْ هَذِهِ الجُسْمانِيّاتِ والإقْبالِ عَلى الرُّوحانِيّاتِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ يَوْمَ هم بارِزُونَ﴾ فَهَذا تَرْتِيبٌ عَجِيبٌ يَدُلُّ عَلى هَذِهِ الإشاراتِ العالِيَةِ مِن عُلُومِ المُكاشَفاتِ الإلَهِيَّةِ.
وبَقِيَ هاهُنا أنْ نُبَيِّنَ أنَّهُ ما السَّبَبُ في تَسْمِيَةِ يَوْمِ القِيامَةِ بِيَوْمِ التَّلاقِ؟ وكَمِ الصِّفاتُ الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ السُّورَةِ لِيَوْمِ التَّلاقِ؟
أمّا السَّبَبُ في تَسْمِيَةِ يَوْمِ القِيامَةِ بِيَوْمِ التَّلاقِ فَفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ الأرْواحَ كانَتْ مُتَبايِنَةً عَنِ الأجْسادِ فَإذا جاءَ يَوْمُ القِيامَةِ صارَتِ الأرْواحُ مُلاقِيَةً لِلْأجْسادِ فَكانَ ذَلِكَ اليَوْمُ يَوْمَ التَّلاقِ.
الثّانِي: أنَّ الخَلائِقَ يَتَلاقَوْنَ فِيهِ فَيَقِفُ بَعْضُهم عَلى حالِ البَعْضِ.
الثّالِثُ: أنَّ أهْلَ السَّماءِ يَنْزِلُونَ عَلى أهْلِ الأرْضِ فَيَلْتَقِي فِيهِ أهْلُ السَّماءِ وأهْلُ الأرْضِ، قالَ تَعالى: ﴿ويَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالغَمامِ ونُزِّلَ المَلائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾ [الفُرْقانِ: ٢٥]
الرّابِعُ: أنَّ كُلَّ أحَدٍ يَصِلُ إلى جَزاءِ عَمَلِهِ في ذَلِكَ اليَوْمِ فَكانَ ذَلِكَ مِن بابِ التَّلاقِ، هو مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ: فُلانٌ لَقِيَ عَمَلَهُ.
الخامِسُ: يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَأْخُوذًا مِن قَوْلِهِ: ﴿فَمَن كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ﴾ [الكَهْفِ: ١١٠] ومِن قَوْلِهِ: ﴿تَحِيَّتُهم يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ﴾ [الأحْزابِ: ٤٤] .
السّادِسُ: يَوْمٌ يَلْتَقِي فِيهِ العابِدُونَ والمَعْبُودُونَ.
السّابِعُ: يَوْمٌ يَلْتَقِي فِيهِ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ وآخِرُ ولَدِهِ.
الثّامِنُ: قالَ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرانَ يَوْمٌ يَلْتَقِي فِيهِ الظّالِمُ والمَظْلُومُ، فَرُبَّما ظَلَمَ الرَّجُلُ رَجُلًا وانْفَصَلَ عَنْهُ، ولَوْ أرادَ أنْ يَجِدَهُ لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ ولَمْ يَعْرِفْهُ، فَفي يَوْمِ القِيامَةِ يَحْضُرانِ ويَلْقى بَعْضُهم بَعْضًا.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ (التَّلاقِي والتَّنادِي) بِإثْباتِ الياءِ في الوَصْلِ والوَقْفِ، و(هادِي وواقِي)، بِالياءِ في الوَقْفِ، وبِالتَّنْوِينِ في الوَصْلِ.
وأمّا بَيانُ أنَّ اللَّهَ تَعالى كَمْ عَدَّدَ مِنَ الصِّفاتِ ووَصَفَ بِها يَوْمَ القِيامَةِ في هَذِهِ الآيَةِ، فَنَقُولُ:
الصِّفَةُ الأُولى: كَوْنُهُ يَوْمَ التَّلاقِ، وقَدْ ذَكَرْنا تَفْسِيرَهُ.
الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ هم بارِزُونَ﴾ وفي تَفْسِيرِ هَذا البُرُوزِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّهم بَرَزُوا عَنْ بَواطِنِ القُبُورِ. الثّانِي: بارِزُونَ؛ أيْ ظاهِرُونَ لا يَسْتُرُهم شَيْءٌ مِن جَبَلٍ أوْ أكَمَةٍ أوْ بِناءٍ؛ لِأنَّ الأرْضَ بارِزَةٌ قاعٌ
صفحة ٤١
صَفْصَفٌ، ولَيْسَ عَلَيْهِمْ أيْضًا ثِيابٌ إنَّما هم عُراةٌ مَكْشُوفُونَ، كَما جاءَ في الحَدِيثِ: ”«يُحْشَرُونَ عُراةً حُفاةً غُرْلًا» “ . الثّالِثُ: أنْ يُجْعَلَ كَوْنُهم بارِزِينَ كِنايَةً عَنْ ظُهُورِ أعْمالِهِمْ وانْكِشافِ أسْرارِهِمْ، كَما قالَ تَعالى: ﴿يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ﴾ [الطّارِقِ: ٩] . الرّابِعُ: أنَّ هَذِهِ النُّفُوسَ النّاطِقَةَ البَشَرِيَّةَ كَأنَّها في الدُّنْيا انْغَمَسَتْ في ظُلُماتِ أعْمالِ الأبْدانِ، فَإذا جاءَ يَوْمُ القِيامَةِ أعْرَضَتْ عَنِ الِاشْتِغالِ بِتَدْبِيرِ الجُسْمانِيّاتِ وتَوَجَّهَتْ بِالكُلِّيَّةِ إلى عالَمِ القِيامَةِ ومَجْمَعِ الرُّوحانِيّاتِ، فَكَأنَّها بَرَزَتْ بَعْدَ أنْ كانَتْ كامِنَةً في الجُسْمانِيّاتِ مُسْتَتِرَةً بِها.
الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿لا يَخْفى عَلى اللَّهِ مِنهم شَيْءٌ﴾ والمُرادُ يَوْمٌ لا يَخْفى عَلى اللَّهِ مِنهم شَيْءٌ، والمَقْصُودُ مِنهُ الوَعِيدُ فَإنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهم إذا بَرَزُوا مِن قُبُورِهِمْ واجْتَمَعُوا وتَلاقَوْا فَإنَّ اللَّهَ تَعالى يَعْلَمُ ما فَعَلَهُ كُلُّ واحِدٍ مِنهم فَيُجازِي كُلًّا بِحَسْبِهِ إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ وإنْ شَرًّا فَشَرٌّ، فَهم وإنْ لَمْ يَعْلَمُوا تَفْصِيلَ ما فَعَلُوهُ، فاللَّهُ تَعالى عالِمٌ بِذَلِكَ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفى مِنكم خافِيَةٌ﴾ [الحاقَّةِ: ١٨] وقالَ: ﴿يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ﴾ [الطّارِقِ: ٩] وقالَ: ﴿إذا بُعْثِرَ ما في القُبُورِ﴾ ﴿وحُصِّلَ ما في الصُّدُورِ﴾ [العادِياتِ: ٩، ١٠] وقالَ: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أخْبارَها﴾ [الزَّلْزَلَةِ: ٤] فَإنْ قِيلَ: اللَّهُ تَعالى لا يَخْفى عَلَيْهِ مِنهم شَيْءٌ في جَمِيعِ الأيّامِ، فَما مَعْنى تَقْيِيدُ هَذا المَعْنى بِذَلِكَ اليَوْمِ؟ قُلْنا: إنَّهم كانُوا يَتَوَهَّمُونَ في الدُّنْيا إذا اسْتَتَرُوا بِالحِيطانِ والحُجُبِ أنَّ اللَّهَ لا يَراهم، وتَخْفى عَلَيْهِ أعْمالُهم، فَهم في ذَلِكَ اليَوْمِ صائِرُونَ مِنَ البُرُوزِ والِانْكِشافِ إلى حالٍ لا يَتَوَهَّمُونَ فِيها مِثْلَ ما يَتَوَهَّمُونَهُ في الدُّنْيا، قالَ تَعالى: ﴿ولَكِنْ ظَنَنْتُمْ أنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ [فُصِّلَتْ: ٢٢] وقالَ: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النّاسِ ولا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ﴾ [النِّساءِ: ١٠٨] وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وبَرَزُوا لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ .
* * *
الصِّفَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ والتَّقْدِيرُ يَوْمٌ يُنادى فِيهِ: لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ؟ وهَذا النِّداءُ في أيِّ الأوْقاتِ يَحْصُلُ فِيهِ، قَوْلانِ:
الأوَّلُ: قالَ المُفَسِّرُونَ إذا هَلَكَ كُلُّ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ فَيَقُولُ الرَّبُّ تَعالى: ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ﴾ ؟ يَعْنِي يَوْمَ القِيامَةِ، فَلا يُجِيبُهُ أحَدٌ، فَهو تَعالى يُجِيبُ نَفْسَهُ فَيَقُولُ: ﴿لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ قالَ أهْلُ الأُصُولِ: هَذا القَوْلُ ضَعِيفٌ وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ هَذا النِّداءَ إنَّما يَحْصُلُ يَوْمَ التَّلاقِ، ويَوْمَ البُرُوزِ، ويَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ، والنّاسُ في ذَلِكَ الوَقْتِ أحْياءٌ، فَبَطَلَ قَوْلُهم: إنَّ اللَّهَ تَعالى إنَّما يُنادِي بِهَذا النِّداءِ حِينَ هَلَكَ كُلُّ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ.
والثّانِي: أنَّ الكَلامَ لا بُدَّ فِيهِ مِن فائِدَةٍ؛ لِأنَّ الكَلامَ إمّا أنْ يُذْكَرَ حالَ حُضُورِ الغَيْرِ، أوْ حالَ ما لا يَحْضُرُ الغَيْرُ، والأوَّلُ: باطِلٌ هاهُنا؛ لِأنَّ القَوْمَ قالُوا: إنَّهُ تَعالى إنَّما يَذْكُرُ هَذا الكَلامَ عِنْدَ فَناءِ الكُلِّ، والثّانِي أيْضًا باطِلٌ لِأنَّ الرَّجُلَ إنَّما يَحْسُنُ تَكَلُّمُهُ حالَ كَوْنِهِ وحْدَهُ؛ إمّا لِأنَّهُ يَحْفَظُ بِهِ شَيْئًا كالَّذِي يُكَرَّرُ عَلى الدَّرْسِ، وذَلِكَ عَلى اللَّهِ مُحالٌ، أوْ لِأجْلِ أنَّهُ يَحْصُلُ سُرُورٌ بِما يَقُولُهُ، وذَلِكَ أيْضًا عَلى اللَّهِ مُحالٌ، أوْ لِأجْلِ أنْ يَعْبُدَ اللَّهَ بِذَلِكَ الذِّكْرِ، وذَلِكَ أيْضًا عَلى اللَّهِ مُحالٌ، فَثَبَتَ أنَّ قَوْلَ مَن يَقُولُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى يَذْكُرُ هَذا النِّداءَ حالَ هَلاكِ جَمِيعِ المَخْلُوقاتِ، باطِلٌ لا أصْلَ لَهُ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ في يَوْمِ التَّلاقِ إذا حَضَرَ الأوَّلُونَ والآخِرُونَ وبَرَزُوا لِلَّهِ نادى مُنادٍ ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ﴾ فَيَقُولُ كُلُّ الحاضِرِينَ في مَحْفَلِ القِيامَةِ: ﴿لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ فالمُؤْمِنُونَ يَقُولُونَ تَلَذُّذًا بِهَذا الكَلامِ، حَيْثُ نالُوا بِهَذا الذِّكْرِ المَنزِلَةَ الرَّفِيعَةَ، والكُفّارُ يَقُولُونَهُ عَلى الصَّغارِ والذِّلَّةِ عَلى وجْهِ التَّحَسُّرِ والنَّدامَةِ عَلى أنْ فاتَهم هَذا الذِّكْرُ في الدُّنْيا، وقالَ القائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ: إنْ صَحَّ القَوْلُ الأوَّلُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ، لَمْ يَمْتَنِعْ أنْ يَكُونَ
صفحة ٤٢
المُرادُ أنَّ هَذا النِّداءَ يُذْكَرُ بَعْدَ فَناءِ البَشَرِ إلّا أنَّهُ حَضَرَ هُناكَ مَلائِكَةٌ يَسْمَعُونَ ذَلِكَ النِّداءَ، وأقُولُ أيْضًا عَلى هَذا القَوْلِ: لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ السّائِلُ والمُجِيبُ هو اللَّهُ تَعالى، ولا يَبْعُدُ أيْضًا أنْ يَكُونَ السّائِلُ جَمْعًا مِنَ المَلائِكَةِ والمُجِيبُ جَمْعًا آخَرِينَ، الكُلُّ مُمْكِنٌ ولَيْسَ عَلى التَّعْيِينِ دَلِيلٌ، فَإنْ قِيلَ: وما الفائِدَةُ في تَخْصِيصِ هَذا اليَوْمِ بِهَذا النِّداءِ؟
فَنَقُولُ: النّاسُ كانُوا مَغْرُورِينَ في الدُّنْيا بِالأسْبابِ الظّاهِرَةِ، وكانَ الشَّيْخُ الإمامُ الوالِدُ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: لَوْلا الأسْبابُ لَما ارْتابَ مُرْتابٌ، وفي يَوْمِ القِيامَةِ زالَتِ الأسْبابُ، وانْعَزَلَتِ الأرْبابُ، ولَمْ يَبْقَ البَتَّةَ غَيْرُ حُكْمِ مُسَبِّبِ الأسْبابِ؛ فَلِهَذا اخْتُصَّ النِّداءُ بِيَوْمِ القِيامَةِ، واعْلَمْ أنَّهُ وإنْ كانَ ظاهِرُ اللَّفْظِ يَدُلُّ عَلى اخْتِصاصِ ذَلِكَ النِّداءِ بِذَلِكَ اليَوْمِ إلّا أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ يُفِيدُ أنَّ هَذا النِّداءَ حاصِلٌ مِن جِهَةِ المَعْنى أبَدًا، وذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَنا: (اللَّهُ) اسْمٌ لِواجِبِ الوُجُودِ لِذاتِهِ، وواجِبُ الوُجُودِ لِذاتِهِ واحِدٌ وكُلُّ ما سِواهُ مُمْكِنٌ لِذاتِهِ، والمُمْكِنُ لِذاتِهِ لا يُوجَدُ إلّا بِإيجادِ الواجِبِ لِذاتِهِ، ومَعْنى الإيجادِ هو تَرْجِيحُ جانِبِ الوُجُودِ عَلى جانِبِ العَدَمِ، وذَلِكَ التَّرْجِيحُ هو قَهْرٌ لِلْجانِبِ المَرْجُوحِ، فَثَبَتَ أنَّ الإلَهَ القَهّارَ واحِدٌ أبَدًا، ونِداءُ ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ﴾ إنَّما ظَهَرَ مِن كَوْنِهِ واحِدًا قَهّارًا، فَإذا كانَ كَوْنُهُ قَهّارًا باقِيًا مِنَ الأزَلِ إلى الأبَدِ لا جَرَمَ كانَ نِداءُ ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ﴾ باقِيًا في جانِبِ المَعْنى مِنَ الأزَلِ إلى الأبَدِ.
الصِّفَةُ الخامِسَةُ مِن صِفاتِ ذَلِكَ اليَوْمِ قَوْلُهُ: ﴿اليَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ .
* * *
واعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا شَرَحَ صِفاتِ القَهْرِ في ذَلِكَ اليَوْمِ أرْدَفَهُ بِبَيانِ صِفاتِ العَدْلِ والفَضْلِ في ذَلِكَ اليَوْمِ فَقالَ: ﴿اليَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: هَذا الكَلامُ اشْتَمَلَ عَلى أُمُورٍ ثَلاثَةٍ؛ أوَّلُها: إثْباتُ الكَسْبِ لِلْإنْسانِ. والثّانِي: أنَّ كَسْبَهُ يُوجِبُ الجَزاءَ. والثّالِثُ: أنَّ ذَلِكَ الجَزاءَ إنَّما يُسْتَوْفى في ذَلِكَ اليَوْمِ، فَهَذِهِ الكَلِمَةُ عَلى اخْتِصارِها مُشْتَمِلَةٌ عَلى هَذِهِ الأُصُولِ الثَّلاثَةِ في هَذا الكِتابِ، وهي أُصُولٌ عَظِيمَةُ المُوقِعِ في الدِّينِ، وقَدْ سَبَقَ تَقْرِيرُ هَذِهِ الأُصُولِ مِرارًا، ولا بَأْسَ بِذِكْرِ بَعْضِ النُّكَتِ في تَقْرِيرِ هَذِهِ الأُصُولِ. أمّا الأوَّلُ: فَهو إثْباتُ الكَسْبِ لِلْإنْسانِ وهو عِبارَةٌ عَنْ كَوْنِ أعْضائِهِ سَلِيمَةً صالِحَةً لِلْفِعْلِ والتَّرْكِ، فَما دامَ يَبْقى عَلى هَذا الِاسْتِواءِ امْتَنَعَ صُدُورُ الفِعْلِ والتَّرْكِ عَنْهُ، فَإذا انْضافَ إلَيْهِ الدّاعِي إلى الفِعْلِ أوِ الدّاعِي إلى التَّرْكِ وجَبَ صُدُورُ ذَلِكَ الفِعْلُ أوِ التَّرْكُ عَنْهُ.
وأمّا الثّانِي: وهو بَيانُ تَرَتُّبِ الجَزاءِ عَلَيْهِ، فاعْلَمْ أنَّ الأفْعالَ عَلى قِسْمَيْنِ، مِنها ما يَكُونُ الدّاعِي إلَيْهِ طَلَبُ الخَيْراتِ الجُسْمانِيَّةِ الحاصِلَةِ في عالَمِ الدُّنْيا، ومِنها ما يَكُونُ الدّاعِي إلَيْهِ طَلَبُ الخَيْراتِ الرُّوحانِيَّةِ الَّتِي لا يَظْهَرُ كَمالُها إلّا في عالَمِ الآخِرَةِ، وقَدْ ثَبَتَ بِالتَّجْرِبَةِ أنَّ كَثْرَةَ الأفْعالِ سَبَبٌ لِحُصُولِ المَلَكاتِ الرّاسِخَةِ، فَمَن غَلَبَ عَلَيْهِ القِسْمُ الأوَّلُ اسْتَحْكَمَتْ رَغْبَتُهُ في الدُّنْيا وفي الجُسْمانِيّاتِ، فَعِنْدَ المَوْتِ يَحْصُلُ الفِراقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ مَطْلُوبِهِ عَلى أعْظَمِ الوُجُوهِ، ويَعْظُمُ عَلَيْهِ البَلاءُ، ومَن غَلَبَ عَلَيْهِ القِسْمُ الثّانِي فَعِنْدَ المَوْتِ يُفارِقُ المَبْغُوضَ ويَتَّصِلُ بِالمَحْبُوبِ فَتَعْظُمُ الآلاءُ والنَّعْماءُ، فَهَذا هو مَعْنى الكَسْبِ ومَعْنى كَوْنِ ذَلِكَ الكَسْبِ مُوجِبًا لِلْجَزاءِ، فَظَهَرَ بِهَذا أنَّ كَمالَ الجَزاءِ لا يَحْصُلُ إلّا في يَوْمِ القِيامَةِ، فَهَذا قانُونٌ كُلِّيٌّ عَقْلِيٌّ، والشَّرِيعَةُ الحَقَّةُ أتَتْ بِما يُقَوِّي هَذا القانُونَ الكُلِّيَّ في تَفاصِيلِ الأعْمالِ والأقْوالِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: هَذِهِ الآيَةُ أصْلٌ عَظِيمٌ في أُصُولِ الفِقْهِ، وذَلِكَ لِأنّا نَقُولُ: لَوْ كانَ شَيْءٌ مِن أنْواعِ الضَّرَرِ
صفحة ٤٣
مَشْرُوعًا لَكانَ إمّا أنْ يَكُونَ مَشْرُوعًا لِكَوْنِهِ جَزاءً عَلى شَيْءٍ مِنَ الجِناياتِ أوْ لا لِكَوْنِهِ جَزاءً، والقِسْمانِ باطِلانِ، فَبَطَلَ القَوْلُ بِكَوْنِهِ مَشْرُوعًا، أمّا بَيانُ أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَشْرُوعًا لِيَكُونَ جَزاءً عَلى شَيْءٍ مِنَ الأعْمالِ، فَلِأنَّ هَذا النَّصَّ يَقْتَضِي تَأْخِيرَ الأجْزِيَةِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، فَإثْباتُهُ في الدُّنْيا يَكُونُ عَلى خِلافِ هَذا النَّصِّ، وأمّا بَيانُ أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَشْرُوعًا لِلْجَزاءِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ ولا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ﴾ [البَقَرَةِ: ١٨٥] ولِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما جَعَلَ عَلَيْكم في الدِّينِ مِن حَرَجٍ﴾ [الحَجِّ: ٧٨] ولِقَوْلِهِ ﷺ: ”«لا ضَرَرَ ولا ضِرارَ في الإسْلامِ» “ عَدَلْنا عَنْ هَذِهِ العُمُوماتِ فِيما إذا كانَتِ المَضارُّ أجْزِيَةً، وفِيما ورَدَ نَصٌّ في الإذْنِ فِيهِ كَذَبْحِ الحَيَواناتِ، فَوَجَبَ أنْ يَبْقى عَلى أصْلِ الحُرْمَةِ فِيما عَداهُ، فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا أنَّ الأصْلَ في المَضارِّ والآلامِ التَّحْرِيمُ، فَإنْ وجَدْنا نَصًّا خاصًّا يَدُلُّ عَلى الشَّرْعِيَّةِ قَضَيْنا بِهِ تَقْدِيمًا لِلْخاصِّ عَلى العامِّ، وإلّا فَهو باقٍ عَلى أصْلِ التَّحْرِيمِ، وهَذا أصْلٌ كُلِّيٌّ مُنْتَفَعٌ بِهِ في الشَّرِيعَةِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
الصِّفَةُ السّادِسَةُ مِن صِفاتِ ذَلِكَ اليَوْمِ قَوْلُهُ: ﴿لا ظُلْمَ اليَوْمَ﴾ والمَقْصُودُ أنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿اليَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ أرْدَفَهُ بِما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَقَعُ في ذَلِكَ نَوْعٌ مِن أنْواعِ الظُّلْمِ، قالَ المُحَقِّقُونَ: وُقُوعُ الظُّلْمِ في الجَزاءِ يَقَعُ عَلى أرْبَعَةِ أقْسامٍ، أحَدُها: أنْ يَسْتَحِقَّ الرَّجُلُ ثَوابًا فَيُمْنَعُ مِنهُ. وثانِيها: أنْ يُعْطِيَ بَعْضٌ بَعْضَ حَقِّهِ ولَكِنَّهُ لا يُوَصِّلُ إلَيْهِ حَقَّهُ بِالتَّمامِ. وثالِثُها: أنْ يُعَذِّبَ مَن لا يَسْتَحِقُّ العَذابَ. ورابِعُها: أنْ يَكُونَ الرَّجُلُ مُسْتَحِقًّا لِلْعَذابِ فَيُعَذَّبَ ويُزادَ عَلى قَدْرِ حَقِّهِ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا ظُلْمَ اليَوْمَ﴾ يُفِيدُ نَفْيَ هَذِهِ الأقْسامِ الأرْبَعَةِ، قالَ القاضِي: هَذِهِ الآيَةُ قَوِيَّةٌ في إبْطالِ قَوْلِ المُجْبِرَةِ؛ لِأنَّ عَلى قَوْلِهِمْ لا ظُلْمَ غالِبًا وشاهِدًا إلّا مِنَ اللَّهِ، ولِأنَّهُ تَعالى إذا خَلَقَ فِيهِ الكُفْرَ ثُمَّ عَذَّبَهُ عَلَيْهِ فَهَذا هو عَيْنُ الظُّلْمِ، والجَوابُ عَنْهُ مَعْلُومٌ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ وذِكْرُ هَذا الكَلامِ في هَذا المَوْضِعِ لائِقٌ جِدًّا؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّهُ لا ظُلْمَ بَيَّنَ أنَّهُ سَرِيعُ الحِسابِ. وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ يَصِلُ إلَيْهِمْ ما يَسْتَحِقُّونَهُ في الحالِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
غافر 40:17
صفحة ٣٨
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هو الَّذِي يُرِيكم آياتِهِ ويُنَزِّلُ لَكم مِنَ السَّماءِ رِزْقًا وما يَتَذَكَّرُ إلّا مَن يُنِيبُ﴾ ﴿فادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ولَوْ كَرِهَ الكافِرُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ ما يُوجِبُ التَّهْدِيدَ الشَّدِيدَ في حَقِّ المُشْرِكِينَ أرْدَفَهُ بِذِكْرِ ما يَدُلُّ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ وحِكْمَتِهِ؛ لِيَصِيرَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ جَعْلُ هَذِهِ الأحْجارِ المَنحُوتَةِ والخَشَبِ المُصَوَّرَةِ شُرَكاءَ لِلَّهِ تَعالى في المَعْبُودِيَّةِ، فَقالَ: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكم آياتِهِ﴾ واعْلَمْ أنَّ أهَمَّ المُهِمّاتِ رِعايَةُ مَصالِحِ الأدْيانِ ومَصالِحِ الأبْدانِ، فَهو سُبْحانُهُ وتَعالى راعى مَصالِحَ أدْيانِ العِبادِ بِإظْهارِ البَيِّناتِ والآياتِ، وراعى مَصالِحَ أبْدانِهِمْ بِإنْزالِ الرِّزْقِ مِنَ السَّماءِ، فَمَوْقِعُ الآياتِ مِنَ الأدْيانِ كَمَوْقِعِ الأرْزاقِ مِنَ الأبْدانِ، فالآياتُ لِحَياةِ الأدْيانِ، والأرْزاقُ لِحَياةِ الأبْدانِ، وعِنْدَ حُصُولِهِما يَحْصُلُ الإنْعامُ عَلى أقْوى الِاعْتِباراتِ وأكْمَلِ الجِهاتِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿وما يَتَذَكَّرُ إلّا مَن يُنِيبُ﴾ والمَعْنى أنَّ الوُقُوفَ عَلى دَلائِلِ تَوْحِيدِ اللَّهِ تَعالى كالأمْرِ المَرْكُوزِ في العَقْلِ، إلّا أنَّ القَوْلَ بِالشِّرْكِ والِاشْتِغالَ بِعِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ يَصِيرُ كالمانِعِ مِن تَجَلِّي تِلْكَ الأنْوارِ، فَإذا أعْرَضَ العَبْدُ عَنْها وأنابَ إلى اللَّهِ تَعالى زالَ الغِطاءُ والوِطاءُ فَظَهَرَ الفَوْزُ التّامُّ، ولَمّا قَرَّرَ هَذا المَعْنى صَرَّحَ بِالمَطْلُوبِ وهو الإعْراضُ عَنْ غَيْرِ اللَّهِ والإقْبالُ بِالكُلِّيَّةِ عَلى اللَّهِ تَعالى فَقالَ: ﴿فادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ مِنَ الشِّرْكِ، ومِنَ الِالتِفاتِ إلى غَيْرِ اللَّهِ ﴿ولَوْ كَرِهَ الكافِرُونَ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ”يُنْزِلُ“ خَفِيفَةً والباقُونَ بِالتَّشْدِيدِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجاتِ ذُو العَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِن أمْرِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ﴾ ﴿يَوْمَ هم بارِزُونَ لا يَخْفى عَلى اللَّهِ مِنهم شَيْءٌ لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ ﴿اليَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ لا ظُلْمَ اليَوْمَ إنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ مِن صِفاتِ كِبْرِيائِهِ وإكْرامِهِ كَوْنَهُ مُظْهِرًا لِلْآياتِ مُنْزِلًا لِلْأرْزاقِ، ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ ثَلاثَةً أُخْرى مِن صِفاتِ الجَلالِ والعَظَمَةِ وهو قَوْلُهُ: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجاتِ ذُو العَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ثَلاثَةُ أخْبارٍ لِقَوْلِهِ: (هُوَ) مُرَتَّبَةٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿الَّذِي يُرِيكُمْ﴾ أوْ أخْبارُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وهي مُخْتَلِفَةٌ تَعْرِيفًا وتَنْكِيرًا، قُرِئَ ”رَفِيعَ الدَّرَجاتِ“ بِالنَّصْبِ عَلى المَدْحِ، وأقُولُ: لا بُدَّ مِن تَفْسِيرِ هَذِهِ الصِّفاتِ الثَّلاثَةِ:
فالصِّفَةُ الأُولى: قَوْلُهُ ﴿رَفِيعُ الدَّرَجاتِ﴾ واعْلَمْ أنَّ الرَّفِيعَ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ الرّافِعَ وأنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ المُرْتَفِعَ، أمّا إذا حَمَلْناهُ عَلى الأوَّلِ فَفِيهِ وُجُوهٌ:
الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى يَرْفَعُ دَرَجاتِ الأنْبِياءِ والأوْلِياءِ في الجَنَّةِ.
والثّانِي: رافِعُ دَرَجاتِ الخَلْقِ في العُلُومِ والأخْلاقِ الفاضِلَةِ، فَهو سُبْحانَهُ عَيَّنَ لِكُلِّ أحَدٍ مِنَ المَلائِكَةِ دَرَجَةً مُعَيَّنَةً، كَما قالَ: ﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصّافّاتِ: ١٦٤] وعَيَّنَ لِكُلِّ واحِدٍ مِنَ العُلَماءِ دَرَجَةً مُعَيَّنَةً، فَقالَ: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكم والَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ دَرَجاتٍ﴾ [المُجادَلَةِ: ١١] وعَيَّنَ لِكُلِّ جِسْمٍ دَرَجَةً مُعَيَّنَةً، فَجَعَلَ بَعْضَها سُفْلِيَّةً عُنْصُرِيَّةً، وبَعْضَها فَلَكِيَّةً كَوْكَبِيَّةً، وبَعْضَها مِن جَواهِرِ العَرْشِ والكُرْسِيِّ، فَجَعَلَ لِبَعْضِها دَرَجَةً أعْلى مِن دَرَجَةِ الثّانِي، وأيْضًا جَعَلَ لِكُلِّ واحِدٍ مَرْتَبَةً مُعَيَّنَةً في الخَلْقِ والرِّزْقِ والأجَلِ، فَقالَ: ﴿وهُوَ الَّذِي جَعَلَكم خَلائِفَ الأرْضِ ورَفَعَ بَعْضَكم فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ﴾ [الأنْعامِ: ١٦٥] وجَعَلَ لِكُلِّ أحَدٍ مِنَ السُّعَداءِ والأشْقِياءِ في الدُّنْيا دَرَجَةً مُعَيَّنَةً مِن مُوجِباتِ السَّعادَةِ ومُوجِباتِ الشَّقاوَةِ، وفي الآخِرَةِ آثارٌ لِظُهُورِ تِلْكَ السَّعادَةِ والشَّقاءِ، فَإذا حَمَلْنا الرَّفِيعَ عَلى الرّافِعِ كانَ مَعْناهُ ما ذَكَرْناهُ، وأمّا إذا حَمَلْناهُ عَلى المُرْتَفِعِ فَهو سُبْحانُهُ أرْفَعُ المَوْجُوداتِ في جَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ والجَلالِ، أمّا في أصْلِ الوُجُودِ فَهو أرْفَعُ المَوْجُوداتِ،
صفحة ٣٩
لِأنَّهُ واجِبُ الوُجُودِ لِذاتِهِ وما سِواهُ مُمْكِنٌ ومُحْتاجٌ إلَيْهِ، وأمّا في دَوامِ الوُجُودِ فَهو أرْفَعُ المَوْجُوداتِ؛ لِأنَّهُ واجِبُ الوُجُودِ لِذاتِهِ وهو الأزَلِيُّ والأبَدِيُّ والسَّرْمَدِيُّ، الَّذِي هو أوَّلٌ لِكُلِّ ما سِواهُ، ولَيْسَ لَهُ أوَّلٌ، وآخِرٌ لِكُلِّ ما سِواهُ، ولَيْسَ لَهُ آخِرٌ، أمّا في العِلْمِ: فَلِأنَّهُ هو العالِمُ بِجَمِيعِ الذَّواتِ والصِّفاتِ والكُلِّيّاتِ والجُزْئِيّاتِ، كَما قالَ: ﴿وعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ لا يَعْلَمُها إلّا هُوَ﴾ [الأنْعامِ: ٥٩] وأمّا في القُدْرَةِ: فَهو أعْلى القادِرِينَ وأرْفَعُهم؛ لِأنَّهُ في وُجُودِهِ وجَمِيعِ كَمالاتِ وجُودِهِ غَنِيٌّ عَنْ كُلِّ ما سِواهُ، وكُلُّ ما سِواهُ فَإنَّهُ مُحْتاجٌ في وُجُودِهِ وفي جَمِيعِ كَمالاتِ وجُودِهِ إلَيْهِ. وأمّا في الوَحْدانِيَّةِ: فَهو الواحِدُ الَّذِي يَمْتَنِعُ أنْ يَحْصُلَ لَهُ ضِدٌّ ونِدٌّ وشَرِيكٌ ونَظِيرٌ، وأقُولُ: الحَقُّ سُبْحانَهُ لَهُ صِفَتانِ؛ أحَدُهُما: اسْتِغْناؤُهُ في وُجُودِهِ وفي جَمِيعِ صِفاتِ وجُودِهِ عَنْ كُلِّ ما سِواهُ. الثّانِي: افْتِقارُ كُلِّ ما سِواهُ إلَيْهِ في وُجُودِهِ وفي صِفاتِ وجُودِهِ، فالرَّفِيعُ إنْ فَسَّرْناهُ بِالمُرْتَفِعِ، كانَ مَعْناهُ أنَّهُ أرْفَعُ المَوْجُوداتِ وأعْلاها في جَمِيعِ صِفاتِ الجَلالِ والإكْرامِ، وإنْ فَسَّرْناهُ بِالرّافِعِ، كانَ مَعْناهُ أنَّ كُلَّ دَرَجَةٍ وفَضِيلَةٍ ورَحْمَةٍ ومَنقَبَةٍ حَصَلَتْ لِشَيْءٍ سِواهُ فَإنَّما حَصَلَتْ بِإيجادِهِ وتَكْوِينِهِ وفَضْلِهِ ورَحْمَتِهِ.
الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ذُو العَرْشِ﴾ ومَعْناهُ أنَّهُ مالِكُ العَرْشِ ومُدَبِّرُهُ وخالِقُهُ، واحْتَجَّ بَعْضُ الأغْمارِ مِنَ المُشَبِّهَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجاتِ ذُو العَرْشِ﴾ وحَمَلُوهُ عَلى أنَّ المُرادَ بِالدَّرَجاتِ السَّماواتُ، وبِقَوْلِهِ: ﴿ذُو العَرْشِ﴾ أنَّهُ مَوْجُودٌ في العَرْشِ فَوْقَ سَبْعِ سَماواتٍ، وقَدْ أعْظَمُوا الفِرْيَةَ عَلى اللَّهِ تَعالى، فَإنّا بَيَّنّا بِالدَّلائِلِ القاهِرَةِ العَقْلِيَّةِ أنَّ كَوْنَهُ تَعالى جِسْمًا وفي جِهَةِ مُحالٌ، وأيْضًا فَظاهِرُ اللَّفْظِ لا يَدُلُّ عَلى ما قالُوهُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ذُو العَرْشِ﴾ لا يُفِيدُ إلّا إضافَتَهُ إلى العَرْشِ ويَكْفِي في إضافَتِهِ إلَيْهِ كَوْنُهُ مالِكًا لَهُ ومُخْرِجًا لَهُ مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ، فَأيُّ ضَرُورَةٍ تَدْعُونا إلى الذَّهابِ إلى القَوْلِ الباطِلِ والمَذْهَبِ الفاسِدِ، والفائِدَةُ في تَخْصِيصِ العَرْشِ بِالذِّكْرِ هو أنَّهُ أعْظَمُ الأجْسامِ، والمَقْصُودُ بَيانُ كَمالِ إلَهِيَّتِهِ ونَفاذُ قُدْرَتِهِ، فَكُلَّما كانَ مَحَلُّ التَّصَرُّفِ والتَّدْبِيرِ أعْظَمَ، كانَتْ دَلالَتُهُ عَلى كَمالِ القُدْرَةِ أقْوى.
* * *
الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِن أمْرِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ وفِيهِ مَباحِثُ:
البَحْثُ الأوَّلُ: اخْتَلَفُوا في المُرادِ بِهَذا الرُّوحِ، والصَّحِيحُ أنَّ المُرادَ هو الوَحْيُ، وقَدْ أطْنَبْنا في بَيانِ أنَّهُ لِمَ سُمِّيَ الوَحْيُ بِالرُّوحِ في أوَّلِ سُورَةِ النَّحْلِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿يُنَزِّلُ المَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِن أمْرِهِ﴾ [النَّحْلِ: ٢] وقالَ أيْضًا: ﴿أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ﴾ [الأنْعامِ: ١٢٢] وحاصِلُ الكَلامِ فِيهِ: أنَّ حَياةَ الأرْواحِ بِالمَعارِفِ الإلَهِيَّةِ والجَلايا القُدُسِيَّةِ، فَإذا كانَ الوَحْيُ سَبَبًا لِحُصُولِ هَذِهِ الأرْواحِ سُمِّيَ بِالرُّوحِ، فَإنَّ الرُّوحَ سَبَبٌ لِحُصُولِ الحَياةِ والوَحْيَ سَبَبٌ لِحُصُولِ هَذِهِ الحَياةِ الرُّوحانِيَّةِ.
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُشْتَمِلَةٌ عَلى أسْرارٍ عَجِيبَةٍ مِن عُلُومِ المُكاشَفاتِ، وذَلِكَ لِأنَّ كَمالَ كِبْرِياءِ اللَّهِ تَعالى لا تَصِلُ إلَيْهِ العُقُولُ والأفْهامُ، فالطَّرِيقُ الكامِلُ في تَعْرِيفِهِ بِقَدْرِ الطّاقَةِ البَشَرِيَّةِ أنْ يُذْكَرَ ذَلِكَ الكَلامُ عَلى الوَجْهِ الكُلِّيِّ العَقْلِيِّ، ثُمَّ يُذْكَرَ عَقِيبَهُ شَيْءٌ مِنَ المَحْسُوساتِ المُؤَكِّدَةِ لِذَلِكَ المَعْنى العَقْلِيِّ؛ لِيَصِيرَ الحَصْرُ بِهَذا الطَّرِيقِ مُعاضِدًا لِلْعَقْلِ، فَهاهُنا أيْضًا كَذَلِكَ، فَقَوْلُهُ: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجاتِ﴾ إمّا أنْ يَكُونَ بِمَعْنى كَوْنِهِ رافِعًا لِلدَّرَجاتِ، وهو إشارَةٌ إلى تَأْثِيرِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى في إيجادِ المُمْكِناتِ عَلى اخْتِلافِ دَرَجاتِها وتَبايُنِ مَنازِلِها وصِفاتِها، أوْ إلى كَوْنِهِ تَعالى مُرْتَفِعًا في صِفاتِ الجَلالِ ونُعُوتِ العِزَّةِ عَنْ كُلِّ المَوْجُوداتِ، فَهَذا الكَلامُ عَقْلِيٌّ بُرْهانِيٌّ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ بَيَّنَ هَذا الكَلامَ الكُلِّيِّ بِمَزِيدِ تَقْرِيرٍ؛ وذَلِكَ لِأنَّ ما سِوى اللَّهِ تَعالى إمّا جُسْمانِيّاتٌ وإمّا
صفحة ٤٠
رُوحانِيّاتٌ، فَبَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ كِلّا القِسْمَيْنِ مُسَخَّرٌ تَحْتَ تَسْخِيرِ الحَقِّ سُبْحانَهُ وتَعالى، أمّا الجُسْمانِيّاتُ فَأعْظَمُها العَرْشُ، فَقَوْلُهُ: ﴿ذُو العَرْشِ﴾ يَدُلُّ عَلى اسْتِيلائِهِ عَلى كُلِّيَّةِ عالَمِ الأجْسامِ، ولَمّا كانَ العَرْشُ مِن جِنْسِ المَحْسُوساتِ كانَ هَذا المَحْسُوسُ مُؤَكِّدًا لِذَلِكَ المَعْقُولِ، أعْنِي قَوْلَهُ: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجاتِ﴾ وأمّا الرُّوحانِيّاتُ فَكُلُّها مُسَخَّرَةٌ لِلْحَقِّ سُبْحانَهُ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِن أمْرِهِ﴾ .
واعْلَمْ أنَّ أشْرَفَ الأحْوالِ الظّاهِرَةِ في رُوحانِيّاتِ هَذا العالَمِ ظُهُورُ آثارِ الوَحْيِ، والوَحْيُ إنَّما يَتِمُّ بِأرْكانٍ أرْبَعَةٍ؛ فَأوَّلُها: المُرْسِلُ وهو اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى، فَلِهَذا أضافَ إلْقاءَ الوَحْيِ إلى نَفْسِهِ فَقالَ: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ﴾ والرُّكْنُ الثّانِي: الإرْسالُ والوَحْيُ، وهو الَّذِي سَمّاهُ بِالرُّوحِ. والرُّكْنُ الثّالِثُ أنَّ وُصُولَ الوَحْيِ مِنَ اللَّهِ تَعالى إلى الأنْبِياءِ لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ إلّا بِواسِطَةِ المَلائِكَةِ، وهو المُشارُ إلَيْهِ في هَذِهِ الآيَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن أمْرِهِ﴾ فالرُّكْنُ الرُّوحانِيُّ يُسَمّى أمْرًا، قالَ تَعالى: ﴿وأوْحى في كُلِّ سَماءٍ أمْرَها﴾ [فُصِّلَتْ: ١٢] وقالَ: ﴿ألا لَهُ الخَلْقُ والأمْرُ﴾ [الأعْرافُ: ٥٤] . والرُّكْنُ الرّابِعُ: الأنْبِياءُ الَّذِينَ يُلْقِي اللَّهُ الوَحْيَ إلَيْهِمْ وهو المُشارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ . والرُّكْنُ الخامِسُ: تَعْيِينُ الغَرَضِ والمَقْصُودِ الأصْلِيِّ مِن إلْقاءِ هَذا الوَحْيِ إلَيْهِمْ، وذَلِكَ هو أنَّ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ يَصْرِفُونَ الخَلْقَ مِن عالَمِ الدُّنْيا إلى عالَمِ الآخِرَةِ، ويَحْمِلُونَهم عَلى الإعْراضِ عَنْ هَذِهِ الجُسْمانِيّاتِ والإقْبالِ عَلى الرُّوحانِيّاتِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ يَوْمَ هم بارِزُونَ﴾ فَهَذا تَرْتِيبٌ عَجِيبٌ يَدُلُّ عَلى هَذِهِ الإشاراتِ العالِيَةِ مِن عُلُومِ المُكاشَفاتِ الإلَهِيَّةِ.
وبَقِيَ هاهُنا أنْ نُبَيِّنَ أنَّهُ ما السَّبَبُ في تَسْمِيَةِ يَوْمِ القِيامَةِ بِيَوْمِ التَّلاقِ؟ وكَمِ الصِّفاتُ الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ السُّورَةِ لِيَوْمِ التَّلاقِ؟
أمّا السَّبَبُ في تَسْمِيَةِ يَوْمِ القِيامَةِ بِيَوْمِ التَّلاقِ فَفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ الأرْواحَ كانَتْ مُتَبايِنَةً عَنِ الأجْسادِ فَإذا جاءَ يَوْمُ القِيامَةِ صارَتِ الأرْواحُ مُلاقِيَةً لِلْأجْسادِ فَكانَ ذَلِكَ اليَوْمُ يَوْمَ التَّلاقِ.
الثّانِي: أنَّ الخَلائِقَ يَتَلاقَوْنَ فِيهِ فَيَقِفُ بَعْضُهم عَلى حالِ البَعْضِ.
الثّالِثُ: أنَّ أهْلَ السَّماءِ يَنْزِلُونَ عَلى أهْلِ الأرْضِ فَيَلْتَقِي فِيهِ أهْلُ السَّماءِ وأهْلُ الأرْضِ، قالَ تَعالى: ﴿ويَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالغَمامِ ونُزِّلَ المَلائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾ [الفُرْقانِ: ٢٥]
الرّابِعُ: أنَّ كُلَّ أحَدٍ يَصِلُ إلى جَزاءِ عَمَلِهِ في ذَلِكَ اليَوْمِ فَكانَ ذَلِكَ مِن بابِ التَّلاقِ، هو مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ: فُلانٌ لَقِيَ عَمَلَهُ.
الخامِسُ: يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَأْخُوذًا مِن قَوْلِهِ: ﴿فَمَن كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ﴾ [الكَهْفِ: ١١٠] ومِن قَوْلِهِ: ﴿تَحِيَّتُهم يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ﴾ [الأحْزابِ: ٤٤] .
السّادِسُ: يَوْمٌ يَلْتَقِي فِيهِ العابِدُونَ والمَعْبُودُونَ.
السّابِعُ: يَوْمٌ يَلْتَقِي فِيهِ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ وآخِرُ ولَدِهِ.
الثّامِنُ: قالَ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرانَ يَوْمٌ يَلْتَقِي فِيهِ الظّالِمُ والمَظْلُومُ، فَرُبَّما ظَلَمَ الرَّجُلُ رَجُلًا وانْفَصَلَ عَنْهُ، ولَوْ أرادَ أنْ يَجِدَهُ لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ ولَمْ يَعْرِفْهُ، فَفي يَوْمِ القِيامَةِ يَحْضُرانِ ويَلْقى بَعْضُهم بَعْضًا.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ (التَّلاقِي والتَّنادِي) بِإثْباتِ الياءِ في الوَصْلِ والوَقْفِ، و(هادِي وواقِي)، بِالياءِ في الوَقْفِ، وبِالتَّنْوِينِ في الوَصْلِ.
وأمّا بَيانُ أنَّ اللَّهَ تَعالى كَمْ عَدَّدَ مِنَ الصِّفاتِ ووَصَفَ بِها يَوْمَ القِيامَةِ في هَذِهِ الآيَةِ، فَنَقُولُ:
الصِّفَةُ الأُولى: كَوْنُهُ يَوْمَ التَّلاقِ، وقَدْ ذَكَرْنا تَفْسِيرَهُ.
الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ هم بارِزُونَ﴾ وفي تَفْسِيرِ هَذا البُرُوزِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّهم بَرَزُوا عَنْ بَواطِنِ القُبُورِ. الثّانِي: بارِزُونَ؛ أيْ ظاهِرُونَ لا يَسْتُرُهم شَيْءٌ مِن جَبَلٍ أوْ أكَمَةٍ أوْ بِناءٍ؛ لِأنَّ الأرْضَ بارِزَةٌ قاعٌ
صفحة ٤١
صَفْصَفٌ، ولَيْسَ عَلَيْهِمْ أيْضًا ثِيابٌ إنَّما هم عُراةٌ مَكْشُوفُونَ، كَما جاءَ في الحَدِيثِ: ”«يُحْشَرُونَ عُراةً حُفاةً غُرْلًا» “ . الثّالِثُ: أنْ يُجْعَلَ كَوْنُهم بارِزِينَ كِنايَةً عَنْ ظُهُورِ أعْمالِهِمْ وانْكِشافِ أسْرارِهِمْ، كَما قالَ تَعالى: ﴿يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ﴾ [الطّارِقِ: ٩] . الرّابِعُ: أنَّ هَذِهِ النُّفُوسَ النّاطِقَةَ البَشَرِيَّةَ كَأنَّها في الدُّنْيا انْغَمَسَتْ في ظُلُماتِ أعْمالِ الأبْدانِ، فَإذا جاءَ يَوْمُ القِيامَةِ أعْرَضَتْ عَنِ الِاشْتِغالِ بِتَدْبِيرِ الجُسْمانِيّاتِ وتَوَجَّهَتْ بِالكُلِّيَّةِ إلى عالَمِ القِيامَةِ ومَجْمَعِ الرُّوحانِيّاتِ، فَكَأنَّها بَرَزَتْ بَعْدَ أنْ كانَتْ كامِنَةً في الجُسْمانِيّاتِ مُسْتَتِرَةً بِها.
الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿لا يَخْفى عَلى اللَّهِ مِنهم شَيْءٌ﴾ والمُرادُ يَوْمٌ لا يَخْفى عَلى اللَّهِ مِنهم شَيْءٌ، والمَقْصُودُ مِنهُ الوَعِيدُ فَإنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهم إذا بَرَزُوا مِن قُبُورِهِمْ واجْتَمَعُوا وتَلاقَوْا فَإنَّ اللَّهَ تَعالى يَعْلَمُ ما فَعَلَهُ كُلُّ واحِدٍ مِنهم فَيُجازِي كُلًّا بِحَسْبِهِ إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ وإنْ شَرًّا فَشَرٌّ، فَهم وإنْ لَمْ يَعْلَمُوا تَفْصِيلَ ما فَعَلُوهُ، فاللَّهُ تَعالى عالِمٌ بِذَلِكَ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفى مِنكم خافِيَةٌ﴾ [الحاقَّةِ: ١٨] وقالَ: ﴿يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ﴾ [الطّارِقِ: ٩] وقالَ: ﴿إذا بُعْثِرَ ما في القُبُورِ﴾ ﴿وحُصِّلَ ما في الصُّدُورِ﴾ [العادِياتِ: ٩، ١٠] وقالَ: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أخْبارَها﴾ [الزَّلْزَلَةِ: ٤] فَإنْ قِيلَ: اللَّهُ تَعالى لا يَخْفى عَلَيْهِ مِنهم شَيْءٌ في جَمِيعِ الأيّامِ، فَما مَعْنى تَقْيِيدُ هَذا المَعْنى بِذَلِكَ اليَوْمِ؟ قُلْنا: إنَّهم كانُوا يَتَوَهَّمُونَ في الدُّنْيا إذا اسْتَتَرُوا بِالحِيطانِ والحُجُبِ أنَّ اللَّهَ لا يَراهم، وتَخْفى عَلَيْهِ أعْمالُهم، فَهم في ذَلِكَ اليَوْمِ صائِرُونَ مِنَ البُرُوزِ والِانْكِشافِ إلى حالٍ لا يَتَوَهَّمُونَ فِيها مِثْلَ ما يَتَوَهَّمُونَهُ في الدُّنْيا، قالَ تَعالى: ﴿ولَكِنْ ظَنَنْتُمْ أنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ [فُصِّلَتْ: ٢٢] وقالَ: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النّاسِ ولا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ﴾ [النِّساءِ: ١٠٨] وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وبَرَزُوا لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ .
* * *
الصِّفَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ والتَّقْدِيرُ يَوْمٌ يُنادى فِيهِ: لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ؟ وهَذا النِّداءُ في أيِّ الأوْقاتِ يَحْصُلُ فِيهِ، قَوْلانِ:
الأوَّلُ: قالَ المُفَسِّرُونَ إذا هَلَكَ كُلُّ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ فَيَقُولُ الرَّبُّ تَعالى: ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ﴾ ؟ يَعْنِي يَوْمَ القِيامَةِ، فَلا يُجِيبُهُ أحَدٌ، فَهو تَعالى يُجِيبُ نَفْسَهُ فَيَقُولُ: ﴿لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ قالَ أهْلُ الأُصُولِ: هَذا القَوْلُ ضَعِيفٌ وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ هَذا النِّداءَ إنَّما يَحْصُلُ يَوْمَ التَّلاقِ، ويَوْمَ البُرُوزِ، ويَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ، والنّاسُ في ذَلِكَ الوَقْتِ أحْياءٌ، فَبَطَلَ قَوْلُهم: إنَّ اللَّهَ تَعالى إنَّما يُنادِي بِهَذا النِّداءِ حِينَ هَلَكَ كُلُّ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ.
والثّانِي: أنَّ الكَلامَ لا بُدَّ فِيهِ مِن فائِدَةٍ؛ لِأنَّ الكَلامَ إمّا أنْ يُذْكَرَ حالَ حُضُورِ الغَيْرِ، أوْ حالَ ما لا يَحْضُرُ الغَيْرُ، والأوَّلُ: باطِلٌ هاهُنا؛ لِأنَّ القَوْمَ قالُوا: إنَّهُ تَعالى إنَّما يَذْكُرُ هَذا الكَلامَ عِنْدَ فَناءِ الكُلِّ، والثّانِي أيْضًا باطِلٌ لِأنَّ الرَّجُلَ إنَّما يَحْسُنُ تَكَلُّمُهُ حالَ كَوْنِهِ وحْدَهُ؛ إمّا لِأنَّهُ يَحْفَظُ بِهِ شَيْئًا كالَّذِي يُكَرَّرُ عَلى الدَّرْسِ، وذَلِكَ عَلى اللَّهِ مُحالٌ، أوْ لِأجْلِ أنَّهُ يَحْصُلُ سُرُورٌ بِما يَقُولُهُ، وذَلِكَ أيْضًا عَلى اللَّهِ مُحالٌ، أوْ لِأجْلِ أنْ يَعْبُدَ اللَّهَ بِذَلِكَ الذِّكْرِ، وذَلِكَ أيْضًا عَلى اللَّهِ مُحالٌ، فَثَبَتَ أنَّ قَوْلَ مَن يَقُولُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى يَذْكُرُ هَذا النِّداءَ حالَ هَلاكِ جَمِيعِ المَخْلُوقاتِ، باطِلٌ لا أصْلَ لَهُ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ في يَوْمِ التَّلاقِ إذا حَضَرَ الأوَّلُونَ والآخِرُونَ وبَرَزُوا لِلَّهِ نادى مُنادٍ ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ﴾ فَيَقُولُ كُلُّ الحاضِرِينَ في مَحْفَلِ القِيامَةِ: ﴿لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ فالمُؤْمِنُونَ يَقُولُونَ تَلَذُّذًا بِهَذا الكَلامِ، حَيْثُ نالُوا بِهَذا الذِّكْرِ المَنزِلَةَ الرَّفِيعَةَ، والكُفّارُ يَقُولُونَهُ عَلى الصَّغارِ والذِّلَّةِ عَلى وجْهِ التَّحَسُّرِ والنَّدامَةِ عَلى أنْ فاتَهم هَذا الذِّكْرُ في الدُّنْيا، وقالَ القائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ: إنْ صَحَّ القَوْلُ الأوَّلُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ، لَمْ يَمْتَنِعْ أنْ يَكُونَ
صفحة ٤٢
المُرادُ أنَّ هَذا النِّداءَ يُذْكَرُ بَعْدَ فَناءِ البَشَرِ إلّا أنَّهُ حَضَرَ هُناكَ مَلائِكَةٌ يَسْمَعُونَ ذَلِكَ النِّداءَ، وأقُولُ أيْضًا عَلى هَذا القَوْلِ: لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ السّائِلُ والمُجِيبُ هو اللَّهُ تَعالى، ولا يَبْعُدُ أيْضًا أنْ يَكُونَ السّائِلُ جَمْعًا مِنَ المَلائِكَةِ والمُجِيبُ جَمْعًا آخَرِينَ، الكُلُّ مُمْكِنٌ ولَيْسَ عَلى التَّعْيِينِ دَلِيلٌ، فَإنْ قِيلَ: وما الفائِدَةُ في تَخْصِيصِ هَذا اليَوْمِ بِهَذا النِّداءِ؟
فَنَقُولُ: النّاسُ كانُوا مَغْرُورِينَ في الدُّنْيا بِالأسْبابِ الظّاهِرَةِ، وكانَ الشَّيْخُ الإمامُ الوالِدُ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: لَوْلا الأسْبابُ لَما ارْتابَ مُرْتابٌ، وفي يَوْمِ القِيامَةِ زالَتِ الأسْبابُ، وانْعَزَلَتِ الأرْبابُ، ولَمْ يَبْقَ البَتَّةَ غَيْرُ حُكْمِ مُسَبِّبِ الأسْبابِ؛ فَلِهَذا اخْتُصَّ النِّداءُ بِيَوْمِ القِيامَةِ، واعْلَمْ أنَّهُ وإنْ كانَ ظاهِرُ اللَّفْظِ يَدُلُّ عَلى اخْتِصاصِ ذَلِكَ النِّداءِ بِذَلِكَ اليَوْمِ إلّا أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ يُفِيدُ أنَّ هَذا النِّداءَ حاصِلٌ مِن جِهَةِ المَعْنى أبَدًا، وذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَنا: (اللَّهُ) اسْمٌ لِواجِبِ الوُجُودِ لِذاتِهِ، وواجِبُ الوُجُودِ لِذاتِهِ واحِدٌ وكُلُّ ما سِواهُ مُمْكِنٌ لِذاتِهِ، والمُمْكِنُ لِذاتِهِ لا يُوجَدُ إلّا بِإيجادِ الواجِبِ لِذاتِهِ، ومَعْنى الإيجادِ هو تَرْجِيحُ جانِبِ الوُجُودِ عَلى جانِبِ العَدَمِ، وذَلِكَ التَّرْجِيحُ هو قَهْرٌ لِلْجانِبِ المَرْجُوحِ، فَثَبَتَ أنَّ الإلَهَ القَهّارَ واحِدٌ أبَدًا، ونِداءُ ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ﴾ إنَّما ظَهَرَ مِن كَوْنِهِ واحِدًا قَهّارًا، فَإذا كانَ كَوْنُهُ قَهّارًا باقِيًا مِنَ الأزَلِ إلى الأبَدِ لا جَرَمَ كانَ نِداءُ ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ﴾ باقِيًا في جانِبِ المَعْنى مِنَ الأزَلِ إلى الأبَدِ.
الصِّفَةُ الخامِسَةُ مِن صِفاتِ ذَلِكَ اليَوْمِ قَوْلُهُ: ﴿اليَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ .
* * *
واعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا شَرَحَ صِفاتِ القَهْرِ في ذَلِكَ اليَوْمِ أرْدَفَهُ بِبَيانِ صِفاتِ العَدْلِ والفَضْلِ في ذَلِكَ اليَوْمِ فَقالَ: ﴿اليَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: هَذا الكَلامُ اشْتَمَلَ عَلى أُمُورٍ ثَلاثَةٍ؛ أوَّلُها: إثْباتُ الكَسْبِ لِلْإنْسانِ. والثّانِي: أنَّ كَسْبَهُ يُوجِبُ الجَزاءَ. والثّالِثُ: أنَّ ذَلِكَ الجَزاءَ إنَّما يُسْتَوْفى في ذَلِكَ اليَوْمِ، فَهَذِهِ الكَلِمَةُ عَلى اخْتِصارِها مُشْتَمِلَةٌ عَلى هَذِهِ الأُصُولِ الثَّلاثَةِ في هَذا الكِتابِ، وهي أُصُولٌ عَظِيمَةُ المُوقِعِ في الدِّينِ، وقَدْ سَبَقَ تَقْرِيرُ هَذِهِ الأُصُولِ مِرارًا، ولا بَأْسَ بِذِكْرِ بَعْضِ النُّكَتِ في تَقْرِيرِ هَذِهِ الأُصُولِ. أمّا الأوَّلُ: فَهو إثْباتُ الكَسْبِ لِلْإنْسانِ وهو عِبارَةٌ عَنْ كَوْنِ أعْضائِهِ سَلِيمَةً صالِحَةً لِلْفِعْلِ والتَّرْكِ، فَما دامَ يَبْقى عَلى هَذا الِاسْتِواءِ امْتَنَعَ صُدُورُ الفِعْلِ والتَّرْكِ عَنْهُ، فَإذا انْضافَ إلَيْهِ الدّاعِي إلى الفِعْلِ أوِ الدّاعِي إلى التَّرْكِ وجَبَ صُدُورُ ذَلِكَ الفِعْلُ أوِ التَّرْكُ عَنْهُ.
وأمّا الثّانِي: وهو بَيانُ تَرَتُّبِ الجَزاءِ عَلَيْهِ، فاعْلَمْ أنَّ الأفْعالَ عَلى قِسْمَيْنِ، مِنها ما يَكُونُ الدّاعِي إلَيْهِ طَلَبُ الخَيْراتِ الجُسْمانِيَّةِ الحاصِلَةِ في عالَمِ الدُّنْيا، ومِنها ما يَكُونُ الدّاعِي إلَيْهِ طَلَبُ الخَيْراتِ الرُّوحانِيَّةِ الَّتِي لا يَظْهَرُ كَمالُها إلّا في عالَمِ الآخِرَةِ، وقَدْ ثَبَتَ بِالتَّجْرِبَةِ أنَّ كَثْرَةَ الأفْعالِ سَبَبٌ لِحُصُولِ المَلَكاتِ الرّاسِخَةِ، فَمَن غَلَبَ عَلَيْهِ القِسْمُ الأوَّلُ اسْتَحْكَمَتْ رَغْبَتُهُ في الدُّنْيا وفي الجُسْمانِيّاتِ، فَعِنْدَ المَوْتِ يَحْصُلُ الفِراقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ مَطْلُوبِهِ عَلى أعْظَمِ الوُجُوهِ، ويَعْظُمُ عَلَيْهِ البَلاءُ، ومَن غَلَبَ عَلَيْهِ القِسْمُ الثّانِي فَعِنْدَ المَوْتِ يُفارِقُ المَبْغُوضَ ويَتَّصِلُ بِالمَحْبُوبِ فَتَعْظُمُ الآلاءُ والنَّعْماءُ، فَهَذا هو مَعْنى الكَسْبِ ومَعْنى كَوْنِ ذَلِكَ الكَسْبِ مُوجِبًا لِلْجَزاءِ، فَظَهَرَ بِهَذا أنَّ كَمالَ الجَزاءِ لا يَحْصُلُ إلّا في يَوْمِ القِيامَةِ، فَهَذا قانُونٌ كُلِّيٌّ عَقْلِيٌّ، والشَّرِيعَةُ الحَقَّةُ أتَتْ بِما يُقَوِّي هَذا القانُونَ الكُلِّيَّ في تَفاصِيلِ الأعْمالِ والأقْوالِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: هَذِهِ الآيَةُ أصْلٌ عَظِيمٌ في أُصُولِ الفِقْهِ، وذَلِكَ لِأنّا نَقُولُ: لَوْ كانَ شَيْءٌ مِن أنْواعِ الضَّرَرِ
صفحة ٤٣
مَشْرُوعًا لَكانَ إمّا أنْ يَكُونَ مَشْرُوعًا لِكَوْنِهِ جَزاءً عَلى شَيْءٍ مِنَ الجِناياتِ أوْ لا لِكَوْنِهِ جَزاءً، والقِسْمانِ باطِلانِ، فَبَطَلَ القَوْلُ بِكَوْنِهِ مَشْرُوعًا، أمّا بَيانُ أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَشْرُوعًا لِيَكُونَ جَزاءً عَلى شَيْءٍ مِنَ الأعْمالِ، فَلِأنَّ هَذا النَّصَّ يَقْتَضِي تَأْخِيرَ الأجْزِيَةِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، فَإثْباتُهُ في الدُّنْيا يَكُونُ عَلى خِلافِ هَذا النَّصِّ، وأمّا بَيانُ أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَشْرُوعًا لِلْجَزاءِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ ولا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ﴾ [البَقَرَةِ: ١٨٥] ولِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما جَعَلَ عَلَيْكم في الدِّينِ مِن حَرَجٍ﴾ [الحَجِّ: ٧٨] ولِقَوْلِهِ ﷺ: ”«لا ضَرَرَ ولا ضِرارَ في الإسْلامِ» “ عَدَلْنا عَنْ هَذِهِ العُمُوماتِ فِيما إذا كانَتِ المَضارُّ أجْزِيَةً، وفِيما ورَدَ نَصٌّ في الإذْنِ فِيهِ كَذَبْحِ الحَيَواناتِ، فَوَجَبَ أنْ يَبْقى عَلى أصْلِ الحُرْمَةِ فِيما عَداهُ، فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا أنَّ الأصْلَ في المَضارِّ والآلامِ التَّحْرِيمُ، فَإنْ وجَدْنا نَصًّا خاصًّا يَدُلُّ عَلى الشَّرْعِيَّةِ قَضَيْنا بِهِ تَقْدِيمًا لِلْخاصِّ عَلى العامِّ، وإلّا فَهو باقٍ عَلى أصْلِ التَّحْرِيمِ، وهَذا أصْلٌ كُلِّيٌّ مُنْتَفَعٌ بِهِ في الشَّرِيعَةِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
الصِّفَةُ السّادِسَةُ مِن صِفاتِ ذَلِكَ اليَوْمِ قَوْلُهُ: ﴿لا ظُلْمَ اليَوْمَ﴾ والمَقْصُودُ أنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿اليَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ أرْدَفَهُ بِما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَقَعُ في ذَلِكَ نَوْعٌ مِن أنْواعِ الظُّلْمِ، قالَ المُحَقِّقُونَ: وُقُوعُ الظُّلْمِ في الجَزاءِ يَقَعُ عَلى أرْبَعَةِ أقْسامٍ، أحَدُها: أنْ يَسْتَحِقَّ الرَّجُلُ ثَوابًا فَيُمْنَعُ مِنهُ. وثانِيها: أنْ يُعْطِيَ بَعْضٌ بَعْضَ حَقِّهِ ولَكِنَّهُ لا يُوَصِّلُ إلَيْهِ حَقَّهُ بِالتَّمامِ. وثالِثُها: أنْ يُعَذِّبَ مَن لا يَسْتَحِقُّ العَذابَ. ورابِعُها: أنْ يَكُونَ الرَّجُلُ مُسْتَحِقًّا لِلْعَذابِ فَيُعَذَّبَ ويُزادَ عَلى قَدْرِ حَقِّهِ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا ظُلْمَ اليَوْمَ﴾ يُفِيدُ نَفْيَ هَذِهِ الأقْسامِ الأرْبَعَةِ، قالَ القاضِي: هَذِهِ الآيَةُ قَوِيَّةٌ في إبْطالِ قَوْلِ المُجْبِرَةِ؛ لِأنَّ عَلى قَوْلِهِمْ لا ظُلْمَ غالِبًا وشاهِدًا إلّا مِنَ اللَّهِ، ولِأنَّهُ تَعالى إذا خَلَقَ فِيهِ الكُفْرَ ثُمَّ عَذَّبَهُ عَلَيْهِ فَهَذا هو عَيْنُ الظُّلْمِ، والجَوابُ عَنْهُ مَعْلُومٌ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ وذِكْرُ هَذا الكَلامِ في هَذا المَوْضِعِ لائِقٌ جِدًّا؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّهُ لا ظُلْمَ بَيَّنَ أنَّهُ سَرِيعُ الحِسابِ. وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ يَصِلُ إلَيْهِمْ ما يَسْتَحِقُّونَهُ في الحالِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
غافر 40:18
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنْذِرْهم يَوْمَ الآزِفَةِ إذِ القُلُوبُ لَدى الحَناجِرِ كاظِمِينَ ما لِلظّالِمِينَ مِن حَمِيمٍ ولا شَفِيعٍ يُطاعُ﴾ ﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ وما تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ ﴿واللَّهُ يَقْضِي بِالحَقِّ والَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إنَّ اللَّهَ هو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾
صفحة ٤٤
﴿أوَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِن قَبْلِهِمْ كانُوا هم أشَدَّ مِنهم قُوَّةً وآثارًا في الأرْضِ فَأخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وما كانَ لَهم مِنَ اللَّهِ مِن واقٍ﴾ ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَكَفَرُوا فَأخَذَهُمُ اللَّهُ إنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ العِقابِ﴾
اعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذِهِ الآيَةِ وصْفُ يَوْمِ القِيامَةِ بِأنْواعٍ أُخْرى مِنَ الصِّفاتِ الهائِلَةِ المَهِيبَةِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: ذَكَرُوا في تَفْسِيرِ يَوْمِ الآزِفَةِ وُجُوهًا:
الأوَّلُ: أنَّ يَوْمَ الآزِفَةِ هو يَوْمُ القِيامَةِ، والآزِفَةُ فاعِلَةٌ مَن أزِفَ الأمْرُ: إذا دَنا وحَضَرَ؛ لِقَوْلِهِ في صِفَةِ يَوْمِ القِيامَةِ ﴿أزِفَتِ الآزِفَةُ لَيْسَ لَها مِن دُونِ اللَّهِ كاشِفَةٌ﴾ [النَّجْمِ: ٥٧ ] . وقالَ شاعِرٌ:
أزِفَ التَّرَحُّلُ غَيْرَ أنَّ رِكابَنا لَمّا تَزَلْ بِرِحالِنا وكَأنْ قَدِ
والمَقْصُودُ مِنهُ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ يَوْمَ القِيامَةِ قَرِيبٌ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ﴾ [القَمَرِ: ١] قالَ الزَّجّاجُ: إنَّما قِيلَ لَها آزِفَةٌ لِأنَّها قَرِيبَةٌ وإنِ اسْتَبْعَدَ النّاسُ مَداها، وما هو كائِنٌ فَهو قَرِيبٌ.
واعْلَمْ أنَّ الآزِفَةَ نَعْتٌ لِمَحْذُوفٍ مُؤَنَّثٍ عَلى تَقْدِيرِ: يَوْمَ القِيامَةِ الآزِفَةَ، أوْ يَوْمَ المُجازاةَ الآزِفَةَ، قالَ القَفّالُ: وأسْماءُ القِيامَةِ تَجْرِي عَلى التَّأْنِيثِ كالطّامَّةِ والحاقَّةِ ونَحْوِها، كَأنَّها يَرْجِعُ مَعْناها إلى الدّاهِيَةِ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِيَوْمِ الآزِفَةِ وقْتُ الآزِفَةِ وهي مُسارَعَتُهم إلى دُخُولِ النّارِ، فَإنَّ عِنْدَ ذَلِكَ تَرْتَفِعُ قُلُوبُهم عَنْ مَقارِّها مِن شِدَّةِ الخَوْفِ.
والقَوْلُ الثّالِثُ: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: يَوْمُ الآزِفَةِ يَوْمُ المَنِيَّةِ وحُضُورِ الأجَلِ، والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّهُ تَعالى وصَفَ يَوْمَ القِيامَةِ بِأنَّهُ يَوْمُ التَّلاقِ، و﴿يَوْمَ هم بارِزُونَ﴾ ثُمَّ قالَ بَعْدَهُ: ﴿وأنْذِرْهم يَوْمَ الآزِفَةِ﴾ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ هَذا اليَوْمُ غَيْرَ ذَلِكَ اليَوْمِ، وأيْضًا هَذِهِ الصِّفَةُ مَخْصُوصَةٌ في سائِرِ الآياتِ بِيَوْمِ المَوْتِ، قالَ تَعالى: ﴿فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ وأنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ﴾ [الواقِعَةِ: ٨٣] وقالَ: ﴿كَلّا إذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ﴾ [القِيامَةِ: ٢٦] وأيْضًا فَوَصْفُ يَوْمِ المَوْتِ بِالقُرْبِ أوْلى مِن وصْفِ يَوْمِ القِيامَةِ بِالقُرْبِ، وأيْضًا الصِّفاتُ المَذْكُورَةُ بَعْدَ قَوْلِهِ: الآزِفَةِ، لائِقَةٌ بِيَوْمِ حُضُورِ المَوْتِ؛ لِأنَّ الرَّجُلَ عِنْدَ مُعايَنَةِ مَلائِكَةِ العَذابِ يَعْظُمُ خَوْفُهُ، فَكَأنَّ قُلُوبَهم تَبْلُغُ حَناجِرَهم مِن شِدَّةِ الخَوْفِ، ويَبْقَوْا كاظِمِينَ ساكِتِينَ عَنْ ذِكْرِ ما في قُلُوبِهِمْ مِن شِدَّةِ الخَوْفِ، ولا يَكُونُ لَهم حَمِيمٌ ولا شَفِيعٌ يَدْفَعُ ما بِهِمْ مِن أنْواعِ الخَوْفِ والقَلَقِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿إذِ القُلُوبُ لَدى الحَناجِرِ كاظِمِينَ﴾ كِنايَةٌ عَنْ شِدَّةِ الخَوْفِ أوْ هو مَحْمُولٌ عَلى ظاهِرِهِ، قِيلَ: المُرادُ وصْفُ ذَلِكَ اليَوْمِ بِشِدَّةِ الخَوْفَ والفَزَعِ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ وتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَ﴾ [الأحْزابِ: ١٠] وقالَ: ﴿فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ وأنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ﴾ وقِيلَ: بَلْ هو مَحْمُولٌ عَلى ظاهِرِهِ، قالَ الحَسَنُ: القُلُوبُ انْتُزِعَتْ مِنَ الصُّدُورِ بِسَبَبِ شِدَّةِ الخَوْفِ ﴿وبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ﴾ فَلا تَخْرُجُ فَيَمُوتُوا، ولا تَرْجِعُ إلى مَواضِعِها فَيَتَنَفَّسُوا ويَتَرَوَّحُوا، ولَكِنَّها مَقْبُوضَةٌ كالسِّجالِ، كَما قالَ: ﴿فَلَمّا رَأوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [المُلْكِ: ٢٧] .
وقَوْلُهُ: ﴿كاظِمِينَ﴾ أيْ مَكْرُوبِينَ والكاظِمُ: السّاكِتُ حالَ امْتِلائِهِ غَمًّا وغَيْظًا، فَإنْ قِيلَ: بِمَ انْتَصَبَ ”كاظِمِينَ“؟ قُلْنا: هو حالُ أصْحابِ القُلُوبِ عَلى المَعْنى؛ لِأنَّ المُرادَ إذْ قُلُوبُهم لَدى الحَناجِرِ حالَ ”كاظِمِينَ“ كَوْنِهِمْ، ويَجُوزُ أيْضًا أنْ يَكُونَ حالًا عَنِ القُلُوبِ، وأنَّ القُلُوبَ كاظِمَةٌ عَلى غَمٍّ وكَرْبٍ فِيها مَعَ بُلُوغِها الحَناجِرَ، وإنَّما جَمَعَ الكاظِمَةِ جَمْعَ السَّلامَةِ لِأنَّهُ وصَفَها بِالكَظْمِ الَّذِي هو مِن أفْعالِ العُقَلاءِ كَما قالَ: ﴿رَأيْتُهم لِي ساجِدِينَ﴾ [يُوسُفَ: ٤] وقالَ: ﴿فَظَلَّتْ أعْناقُهم لَها خاضِعِينَ﴾
صفحة ٤٥
[الشُّعَراءِ: ٤] ويُعَضِّدُهُ قِراءَةُ مَن قَرَأ ”كاظِمُونَ“ وبِالجُمْلَةِ فالمَقْصُودُ مِنَ الآيَةِ تَقْرِيرُ أمْرَيْنِ؛ أحَدُهُما: الخَوْفُ الشَّدِيدُ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿إذِ القُلُوبُ لَدى الحَناجِرِ﴾، والثّانِي: العَجْزُ عَنِ الكَلامِ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿كاظِمِينَ﴾ فَإنَّ المَلْهُوفَ إذا قَدَرَ عَلى الكَلامِ حَصَلَتْ لَهُ خَفْقَةٌ وسُكُونٌ، أمّا إذا لَمْ يَقْدِرْ عَلى الكَلامِ وبَثِّ الشَّكْوى عَظُمَ قَلَقُهُ وقَوِيَ خَوْفُهُ.
* * *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: احْتَجَّ أكْثَرُ المُعْتَزِلَةِ في نَفْيِ الشَّفاعَةِ عَنِ المُذْنِبِينَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما لِلظّالِمِينَ مِن حَمِيمٍ ولا شَفِيعٍ يُطاعُ﴾ قالُوا: نَفى حُصُولَ شَفِيعٍ لَهم يُطاعُ فَوَجَبَ أنْ لا يَحْصُلَ لَهم هَذا الشَّفِيعُ، أجابَ أصْحابُنا عَنْهُ مِن وُجُوهٍ؛ الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى نَفى أنْ يَحْصُلَ لَهم شَفِيعٌ يُطاعُ، وهَذا لا يَدُلُّ عَلى نَفْيِ الشَّفِيعِ، ألا تَرى أنَّكَ إذا قُلْتَ: ما عِنْدِي كِتابٌ يُباعُ، فَهَذا يَقْتَضِي نَفْيَ كِتابٍ يُباعُ ولا يَقْتَضِي نَفْيَ الكِتابِ، وقالَتِ العَرَبُ:
ولا تَرى الضَّبَّ بِها يَنْجَحِرُ
ولَفْظُ الطّاعَةِ يَقْتَضِي حُصُولَ المَرْتَبَةِ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَيْسَ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ شَفِيعٌ يُطِيعُهُ اللَّهُ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ في الوُجُودِ أحَدٌ أعْلى حالًا مِنَ اللَّهِ تَعالى حَتّى يُقالَ: إنَّ اللَّهَ يُطِيعُهُ. الوَجْهُ الثّانِي في الجَوابِ أنَّ المُرادَ مِنَ الظّالِمِينَ هاهُنا الكُفّارُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ ورَدَتْ في زَجْرِ الكُفّارِ ﴿الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ﴾ [غافِرٍ: ٣٥] فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ مُخْتَصًّا بِهِمْ، وعِنْدَنا أنَّهُ لا شَفاعَةَ في حَقِّ الكُفّارِ. والثّالِثُ: أنَّ لَفْظَ الظّالِمِينَ، إمّا أنْ يُفِيدَ الِاسْتِغْراقَ، وإمّا أنْ لا يُفِيدَ، فَإنْ أفادَ الِاسْتِغْراقَ كانَ المُرادُ مِنَ الظّالِمِينَ مَجْمُوعَهم وجُمْلَتَهم، ويَدْخُلُ في مَجْمُوعِ هَذا الكَلامِ الكُفّارُ، وعِنْدَنا أنَّهُ لَيْسَ لِهَذا المَجْمُوعِ شَفِيعٌ؛ لِأنَّ بَعْضَ هَذا المَجْمُوعِ هُمُ الكُفّارُ ولَيْسَ لَهم شَفِيعٌ، فَحِينَئِذٍ لا يَكُونُ لِهَذا المَجْمُوعِ شَفِيعٌ، وإنْ لَمْ يُفِدِ الِاسْتِغْراقَ كانَ المُرادُ مِنَ الظّالِمِينَ بَعْضَ مَن كانَ مَوْصُوفًا بِهَذِهِ الصِّفَةِ، وعِنْدَنا أنَّ بَعْضَ المَوْصُوفِينَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ لَيْسَ لَهم شَفِيعٌ وهُمُ الكُفّارُ، أجابَ المُسْتَدِلُّونَ عَنِ السُّؤالِ الأوَّلِ، فَقالُوا: يَجِبُ حَمْلُ كَلامِ اللَّهِ تَعالى عَلى مَحْمَلٍ مُفِيدٍ، وكُلُّ أحَدٍ يَعْلَمُ أنَّهُ لَيْسَ في الوُجُودِ شَيْءٌ يُطِيعُهُ اللَّهُ؛ لِأنَّ المُطِيعَ أدْوَنُ حالًا مِنَ المُطاعِ، ولَيْسَ في الوُجُودِ شَيْءٌ أعْلى مَرْتَبَةً مِنَ اللَّهِ تَعالى حَتّى يُقالَ: إنَّ اللَّهَ يُطِيعُهُ، وإذا كانَ هَذا المَعْنى مَعْلُومًا بِالضَّرُورَةِ كانَ حَمْلُ الآيَةِ عَلَيْهِ إخْراجًا لَها عَنِ الفائِدَةِ، فَوَجَبَ حَمْلُ الطّاعَةِ عَلى الإجابَةِ، والَّذِي يَدُلُّ عَلى وُرُودِ لَفْظِ الطّاعَةِ بِمَعْنى الإجابَةِ قَوْلُ الشّاعِرِ:
رُبَّ مَن أنْضَجْتُ غَيْظًا صَدْرَهُ ∗∗∗ قَدْ تَمَنّى لِي مَوْتًا لَمْ يُطَعْ
أمّا السُّؤالُ الثّانِي: فَقَدْ أجابُوا عَنْهُ بِأنَّ لَفْظَ الظّالِمِينَ صِيغَةُ جَمْعٍ دَخَلَ عَلَيْها حَرْفُ التَّعْرِيفِ فَيُفِيدُ العُمُومَ، أقْصى ما في البابِ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ ورَدَتْ لِذَمِّ الكُفّارِ؛ لِأنَّ العِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ.
أمّا السُّؤالُ الثّالِثُ: فَجَوابُهُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ما لِلظّالِمِينَ مِن حَمِيمٍ﴾ يُفِيدُ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الظّالِمِينَ مَحْكُومٌ عَلَيْهِ بِأنَّهُ لَيْسَ لَهُ حَمِيمٌ ولا شَفِيعٌ يُطاعُ، فَهَذا تَمامُ كَلامِ القَوْمِ في تَقْرِيرِ ذَلِكَ الِاسْتِدْلالِ.
أجابَ أصْحابُنا عَنِ السُّؤالِ الأوَّلِ فَقالُوا: إنَّ القَوْمَ كانُوا يَقُولُونَ في الأصْنامِ: إنَّها شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ، وكانُوا يَقُولُونَ: إنَّها تَشْفَعُ لَنا عِنْدَ اللَّهِ مِن غَيْرِ حاجَةٍ فِيهِ إلى إذْنِ اللَّهِ، ولِهَذا السَّبَبِ رَدَّ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿مَن ذا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلّا بِإذْنِهِ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٥٥] فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ القَوْمَ اعْتَقَدُوا أنَّهُ يَجِبُ عَلى اللَّهِ إجابَةَ الأصْنامِ في تِلْكَ الشَّفاعَةِ، وهَذا نَوْعُ طاعَةٍ، فاللَّهُ تَعالى نَفى تِلْكَ الطّاعَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿ما لِلظّالِمِينَ مِن حَمِيمٍ ولا شَفِيعٍ يُطاعُ﴾
صفحة ٤٦
وأجابُوا عَنِ الكَلامِ الثّانِي بِأنْ قالُوا: الأصْلُ في حَرْفِ التَّعْرِيفِ أنْ يَنْصَرِفَ إلى المَعْهُودِ السّابِقِ، فَإذا دَخَلَ حَرْفُ التَّعْرِيفِ عَلى صِيغَةِ الجَمْعِ، وكانَ هُناكَ مَعْهُودٌ سابِقٌ انْصَرَفَ إلَيْهِ، وقَدْ حَصَلَ في هَذِهِ الآيَةِ مَعْهُودٌ سابِقٌ وهُمُ الكُفّارُ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ، فَوَجَبَ أنْ يَنْصَرِفَ إلَيْهِ، وأجابُوا عَنِ الكَلامِ الثّالِثِ بِأنْ قالُوا: قَوْلُهُ: ﴿ما لِلظّالِمِينَ مِن حَمِيمٍ ولا شَفِيعٍ يُطاعُ﴾ يَحْتَمِلُ عُمُومَ السَّلْبِ، ويَحْتَمِلُ سَلْبَ العُمُومِ، أمّا الأوَّلُ فَعَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الظّالِمِينَ مَحْكُومٌ عَلَيْهِ بِأنَّهُ لَيْسَ لَهُ حَمِيمٌ ولا شَفِيعٌ، وأمّا الثّانِي فَعَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّ مَجْمُوعَ الظّالِمِينَ لَيْسَ لَهم حَمِيمٌ ولا شَفِيعٌ، ولا يَلْزَمُ مِن نَفْيِ الحُكْمِ عَنِ المَجْمُوعِ نَفْيُهُ عَنْ كُلِّ واحِدٍ مِن آحادِ ذَلِكَ المَجْمُوعِ، والَّذِي يُؤَكِّدُ ما ذَكَرْناهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أأنْذَرْتَهم أمْ لَمْ تُنْذِرْهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ [البَقَرَةِ: ٦] فَقَوْلُهُ: إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لا يُؤْمِنُونَ، إنْ حَمَلْناهُ عَلى أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهم مَحْكُومٌ عَلَيْهِ بِأنَّهُ لا يُؤْمِنُ لَزِمَ وُقُوعُ الخُلْفِ في كَلامِ اللَّهِ؛ لِأنَّ كَثِيرًا مِمَّنْ كَفَرَ فَقَدْ آمَنَ بَعْدَ ذَلِكَ، أمّا لَوْ حَمَلْناهُ عَلى أنَّ مَجْمُوعَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا يُؤْمِنُونَ سَواءٌ آمَنَ بَعْضُهم أوْ لَمْ يُؤْمِن، صَدَقَ وتُخُلِّصَ عَنِ الخُلْفِ، فَلا جَرَمَ حَمَلْنا هَذِهِ الآيَةَ عَلى سَلْبِ العُمُومِ، ولَمْ نَحْمِلْها عَلى عُمُومِ السَّلْبِ، فَكَذا قَوْلُهُ: ﴿ما لِلظّالِمِينَ مِن حَمِيمٍ ولا شَفِيعٍ﴾ يَجِبُ حَمْلُهُ عَلى سَلْبِ العُمُومِ لا عَلى عُمُومِ السَّلْبِ، وحِينَئِذٍ بَطَلَ اسْتِدْلالُ المُعْتَزِلَةِ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَهَذا غايَةُ الكَلامِ في هَذا البابِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: في بَيانِ نَظْمِ الآيَةِ، فَنَقُولُ: إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ جَمِيعَ الأسْبابِ المُوجِبَةِ لِلْخَوْفِ. فَأوَّلُها: أنَّهُ سَمّى ذَلِكَ اليَوْمَ يَوْمَ الآزِفَةِ، أيْ يَوْمَ القُرْبِ مِن عَذابِهِ لِمَنِ ابْتُلِيَ بِالذَّنْبِ العَظِيمِ؛ لِأنَّهُ إذا قَرُبَ زَمانُ عُقُوبَتِهِ كانَ في أقْصى غاياتِ الخَوْفِ، حَتّى قِيلَ: إنَّ تِلْكَ الغُمُومَ والهُمُومَ أعْظَمُ في الإيحاشِ مِن عَيْنِ تِلْكَ العُقُوبَةِ.
والثّانِي قَوْلُهُ: ﴿إذِ القُلُوبُ لَدى الحَناجِرِ﴾ والمَعْنى أنَّهُ بَلَغَ ذَلِكَ الخَوْفُ إلى أنِ انْقَلَعَ القَلْبُ مِنَ الصَّدْرِ وارْتَفَعَ إلى الحَنْجَرَةِ والتَصَقَ بِها وصارَ مانِعًا مِن دُخُولِ النَّفَسِ. والثّالِثُ قَوْلُهُ: ﴿كاظِمِينَ﴾ والمَعْنى أنَّهُ لا يُمَكِنُهم أنْ يَنْطِقُوا وأنْ يَشْرَحُوا ما عِنْدَهم مِنَ الحُزْنِ والخَوْفِ، وذَلِكَ يُوجِبُ مَزِيدَ القَلَقِ والِاضْطِرابِ. والرّابِعُ قَوْلُهُ: ﴿ما لِلظّالِمِينَ مِن حَمِيمٍ ولا شَفِيعٍ يُطاعُ﴾ فَبَيَّنَ أنَّهُ لَيْسَ لَهم قَرِيبٌ يَنْفَعُهم، ولا شَفِيعٌ يُطاعُ فِيهِمْ فَتُقْبَلُ شَفاعَتَهُ. والخامِسُ قَوْلُهُ: ﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ وما تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ والمَعْنى أنَّهُ سُبْحانَهُ عالِمٌ لا يَعْزُبُ عَنْ عِلْمِهِ مِثْقالُ ذَرَّةٍ في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ، والحاكِمُ إذا بَلَغَ في العِلْمِ إلى هَذا الحَدِّ كانَ خَوْفُ المُذْنِبِ مِنهُ شَدِيدًا جِدًّا، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: الخائِنَةُ صِفَةُ النَّظْرَةِ أوْ مَصْدَرٌ بِمَعْنى الخائِنَةِ، كالعافِيَةِ المُعافاةِ، والمُرادُ اسْتِراقُ النَّظَرِ إلى ما لا يَحِلُّ كَما يَفْعَلُ أهْلُ الرِّيَبِ، والمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وما تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ مُضْمَراتُ القُلُوبِ، والحاصِلُ أنَّ الأفْعالَ قِسْمانِ: أفْعالُ الجَوارِحِ وأفْعالُ القُلُوبِ، أمّا أفْعالُ الجَوارِحِ، فَأخْفاها خائِنَةُ الأعْيُنِ، واللَّهُ أعْلَمُ بِها، فَكَيْفَ الحالُ في سائِرِ الأعْمالِ.
وأمّا أفْعالُ القُلُوبِ، فَهي مَعْلُومَةٌ لِلَّهِ تَعالى لِقَوْلِهِ: ﴿وما تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ فَدَلَّ هَذا عَلى كَوْنِهِ تَعالى عالِمًا بِجَمِيعِ أفْعالِهِمْ. السّادِسُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ يَقْضِي بِالحَقِّ﴾ وهَذا أيْضًا يُوجِبُ عِظَمَ الخَوْفِ؛ لِأنَّ الحاكِمَ إذا كانَ عالِمًا بِجَمِيعِ الأحْوالِ، وثَبَتَ مِنهُ أنَّهُ لا يَقْضِي إلّا بِالحَقِّ في كُلِّ ما دَقَّ وجَلَّ، كانَ خَوْفُ المُذْنِبِ مِنهُ في الغايَةِ القُصْوى. السّابِعُ: أنَّ الكُفّارَ إنَّما عَوَّلُوا في دَفْعِ العِقابِ عَنْ أنْفُسِهِمْ عَلى شَفاعَةِ هَذِهِ الأصْنامِ، وقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ لا فائِدَةَ فِيها البَتَّةَ، فَقالَ: ﴿والَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ﴾ الثّامِنُ: قَوْلُهُ ﴿إنَّ اللَّهَ هو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ أيْ يَسْمَعُ مِنَ الكُفّارِ ثَناءَهم عَلى الأصْنامِ، ولا يَسْمَعُ مِنهم ثَناءَهم عَلى اللَّهِ، ويُبْصِرُ خُضُوعَهم وسُجُودَهم لَهم، ولا يُبْصِرُ خُضُوعَهم
صفحة ٤٧
وتَواضُعَهم لِلَّهِ، فَهَذِهِ الأحْوالُ الثَّمانِيَةُ إذا اجْتَمَعَتْ في حَقِّ المُذْنِبِ الَّذِي عَظُمَ ذَنْبُهُ كانَ بالِغًا في التَّخْوِيفِ إلى الحَدِّ الَّذِي لا تُعْقَلُ الزِّيادَةُ عَلَيْهِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا بالَغَ في تَخْوِيفِ الكُفّارِ بِعَذابِ الآخِرَةِ أرْدَفَهُ بِبَيانِ تَخْوِيفِهِمْ بِأحْوالِ الدُّنْيا فَقالَ: ﴿أوَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِن قَبْلِهِمْ﴾ والمَعْنى أنَّ العاقِلَ مَنِ اعْتَبَرَ بِغَيْرِهِ، فَإنَّ الَّذِينَ مَضَوْا مِنَ الكُفّارِ كانُوا أشَدَّ قُوَّةً مِن هَؤُلاءِ الحاضِرِينَ مِنَ الكُفّارِ، وأقْوى آثارًا في الأرْضِ مِنهم، والمُرادُ حُصُونُهم وقُصُورُهم وعَساكِرُهم، فَلَمّا كَذَّبُوا رُسُلَهم أهْلَكَهُمُ اللَّهُ بِضُرُوبِ الهَلاكِ مُعَجِّلًا حَتّى إنَّ هَؤُلاءِ الحاضِرِينَ مِنَ الكُفّارِ يُشاهِدُونَ تِلْكَ الآثارَ، فَحَذَّرَهُمُ اللَّهُ تَعالى مِن مِثْلِ ذَلِكَ بِهَذا القَوْلِ، وبَيَّنَ بِقَوْلِهِ: ﴿وما كانَ لَهم مِنَ اللَّهِ مِن واقٍ﴾ أنَّهُ لَمّا نَزَلَ العَذابُ بِهِمْ عِنْدَ أخْذِهِ تَعالى لَهم لَمْ يَجِدُوا مَن يُعِينُهم ويُخَلِّصُهم، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ نَزَلَ بِهِمْ لِأجْلِ أنَّهم كَفَرُوا وكَذَّبُوا الرُّسُلَ، فَحَذَّرَ قَوْمَ الرَّسُولَ مِن مِثْلِهِ، وخَتَمَ الكَلامَ بِأنَّهُ ﴿قَوِيٌّ شَدِيدُ العِقابِ﴾ مُبالَغَةً في التَّحْذِيرِ والتَّخْوِيفِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ ”كانُوا هم أشَدَّ مِنكُمْ“ بِالكافِ، والباقُونَ بِالهاءِ. أمّا وجْهُ قِراءَةِ ابْنِ عامِرٍ فَهو انْصِرافٌ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ، كَقَوْلِهِ: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتِحَةِ: ٥] بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [الفاتِحَةِ: ١] والوَجْهُ في حُسْنِ هَذا الخِطابِ أنَّهُ في شَأْنِ أهْلِ مَكَّةَ، فَجَعَلَ الخِطابَ عَلى لَفْظِ المُخاطَبِ الحاضِرِ لِحُضُورِهِمْ، وهَذِهِ الآيَةُ في المَعْنى كَقَوْلِهِ: ﴿مَكَّنّاهم في الأرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ﴾ [الأنْعامِ: ٦] وأمّا قِراءَةُ الباقِينَ عَلى لَفْظِ الغَيْبَةِ فَلِأجْلِ مُوافَقَةِ ما قَبْلَهُ مِن ألْفاظِ الغَيْبَةِ.
غافر 40:19
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنْذِرْهم يَوْمَ الآزِفَةِ إذِ القُلُوبُ لَدى الحَناجِرِ كاظِمِينَ ما لِلظّالِمِينَ مِن حَمِيمٍ ولا شَفِيعٍ يُطاعُ﴾ ﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ وما تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ ﴿واللَّهُ يَقْضِي بِالحَقِّ والَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إنَّ اللَّهَ هو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾
صفحة ٤٤
﴿أوَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِن قَبْلِهِمْ كانُوا هم أشَدَّ مِنهم قُوَّةً وآثارًا في الأرْضِ فَأخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وما كانَ لَهم مِنَ اللَّهِ مِن واقٍ﴾ ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَكَفَرُوا فَأخَذَهُمُ اللَّهُ إنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ العِقابِ﴾
اعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذِهِ الآيَةِ وصْفُ يَوْمِ القِيامَةِ بِأنْواعٍ أُخْرى مِنَ الصِّفاتِ الهائِلَةِ المَهِيبَةِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: ذَكَرُوا في تَفْسِيرِ يَوْمِ الآزِفَةِ وُجُوهًا:
الأوَّلُ: أنَّ يَوْمَ الآزِفَةِ هو يَوْمُ القِيامَةِ، والآزِفَةُ فاعِلَةٌ مَن أزِفَ الأمْرُ: إذا دَنا وحَضَرَ؛ لِقَوْلِهِ في صِفَةِ يَوْمِ القِيامَةِ ﴿أزِفَتِ الآزِفَةُ لَيْسَ لَها مِن دُونِ اللَّهِ كاشِفَةٌ﴾ [النَّجْمِ: ٥٧ ] . وقالَ شاعِرٌ:
أزِفَ التَّرَحُّلُ غَيْرَ أنَّ رِكابَنا لَمّا تَزَلْ بِرِحالِنا وكَأنْ قَدِ
والمَقْصُودُ مِنهُ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ يَوْمَ القِيامَةِ قَرِيبٌ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ﴾ [القَمَرِ: ١] قالَ الزَّجّاجُ: إنَّما قِيلَ لَها آزِفَةٌ لِأنَّها قَرِيبَةٌ وإنِ اسْتَبْعَدَ النّاسُ مَداها، وما هو كائِنٌ فَهو قَرِيبٌ.
واعْلَمْ أنَّ الآزِفَةَ نَعْتٌ لِمَحْذُوفٍ مُؤَنَّثٍ عَلى تَقْدِيرِ: يَوْمَ القِيامَةِ الآزِفَةَ، أوْ يَوْمَ المُجازاةَ الآزِفَةَ، قالَ القَفّالُ: وأسْماءُ القِيامَةِ تَجْرِي عَلى التَّأْنِيثِ كالطّامَّةِ والحاقَّةِ ونَحْوِها، كَأنَّها يَرْجِعُ مَعْناها إلى الدّاهِيَةِ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِيَوْمِ الآزِفَةِ وقْتُ الآزِفَةِ وهي مُسارَعَتُهم إلى دُخُولِ النّارِ، فَإنَّ عِنْدَ ذَلِكَ تَرْتَفِعُ قُلُوبُهم عَنْ مَقارِّها مِن شِدَّةِ الخَوْفِ.
والقَوْلُ الثّالِثُ: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: يَوْمُ الآزِفَةِ يَوْمُ المَنِيَّةِ وحُضُورِ الأجَلِ، والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّهُ تَعالى وصَفَ يَوْمَ القِيامَةِ بِأنَّهُ يَوْمُ التَّلاقِ، و﴿يَوْمَ هم بارِزُونَ﴾ ثُمَّ قالَ بَعْدَهُ: ﴿وأنْذِرْهم يَوْمَ الآزِفَةِ﴾ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ هَذا اليَوْمُ غَيْرَ ذَلِكَ اليَوْمِ، وأيْضًا هَذِهِ الصِّفَةُ مَخْصُوصَةٌ في سائِرِ الآياتِ بِيَوْمِ المَوْتِ، قالَ تَعالى: ﴿فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ وأنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ﴾ [الواقِعَةِ: ٨٣] وقالَ: ﴿كَلّا إذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ﴾ [القِيامَةِ: ٢٦] وأيْضًا فَوَصْفُ يَوْمِ المَوْتِ بِالقُرْبِ أوْلى مِن وصْفِ يَوْمِ القِيامَةِ بِالقُرْبِ، وأيْضًا الصِّفاتُ المَذْكُورَةُ بَعْدَ قَوْلِهِ: الآزِفَةِ، لائِقَةٌ بِيَوْمِ حُضُورِ المَوْتِ؛ لِأنَّ الرَّجُلَ عِنْدَ مُعايَنَةِ مَلائِكَةِ العَذابِ يَعْظُمُ خَوْفُهُ، فَكَأنَّ قُلُوبَهم تَبْلُغُ حَناجِرَهم مِن شِدَّةِ الخَوْفِ، ويَبْقَوْا كاظِمِينَ ساكِتِينَ عَنْ ذِكْرِ ما في قُلُوبِهِمْ مِن شِدَّةِ الخَوْفِ، ولا يَكُونُ لَهم حَمِيمٌ ولا شَفِيعٌ يَدْفَعُ ما بِهِمْ مِن أنْواعِ الخَوْفِ والقَلَقِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿إذِ القُلُوبُ لَدى الحَناجِرِ كاظِمِينَ﴾ كِنايَةٌ عَنْ شِدَّةِ الخَوْفِ أوْ هو مَحْمُولٌ عَلى ظاهِرِهِ، قِيلَ: المُرادُ وصْفُ ذَلِكَ اليَوْمِ بِشِدَّةِ الخَوْفَ والفَزَعِ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ وتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَ﴾ [الأحْزابِ: ١٠] وقالَ: ﴿فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ وأنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ﴾ وقِيلَ: بَلْ هو مَحْمُولٌ عَلى ظاهِرِهِ، قالَ الحَسَنُ: القُلُوبُ انْتُزِعَتْ مِنَ الصُّدُورِ بِسَبَبِ شِدَّةِ الخَوْفِ ﴿وبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ﴾ فَلا تَخْرُجُ فَيَمُوتُوا، ولا تَرْجِعُ إلى مَواضِعِها فَيَتَنَفَّسُوا ويَتَرَوَّحُوا، ولَكِنَّها مَقْبُوضَةٌ كالسِّجالِ، كَما قالَ: ﴿فَلَمّا رَأوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [المُلْكِ: ٢٧] .
وقَوْلُهُ: ﴿كاظِمِينَ﴾ أيْ مَكْرُوبِينَ والكاظِمُ: السّاكِتُ حالَ امْتِلائِهِ غَمًّا وغَيْظًا، فَإنْ قِيلَ: بِمَ انْتَصَبَ ”كاظِمِينَ“؟ قُلْنا: هو حالُ أصْحابِ القُلُوبِ عَلى المَعْنى؛ لِأنَّ المُرادَ إذْ قُلُوبُهم لَدى الحَناجِرِ حالَ ”كاظِمِينَ“ كَوْنِهِمْ، ويَجُوزُ أيْضًا أنْ يَكُونَ حالًا عَنِ القُلُوبِ، وأنَّ القُلُوبَ كاظِمَةٌ عَلى غَمٍّ وكَرْبٍ فِيها مَعَ بُلُوغِها الحَناجِرَ، وإنَّما جَمَعَ الكاظِمَةِ جَمْعَ السَّلامَةِ لِأنَّهُ وصَفَها بِالكَظْمِ الَّذِي هو مِن أفْعالِ العُقَلاءِ كَما قالَ: ﴿رَأيْتُهم لِي ساجِدِينَ﴾ [يُوسُفَ: ٤] وقالَ: ﴿فَظَلَّتْ أعْناقُهم لَها خاضِعِينَ﴾
صفحة ٤٥
[الشُّعَراءِ: ٤] ويُعَضِّدُهُ قِراءَةُ مَن قَرَأ ”كاظِمُونَ“ وبِالجُمْلَةِ فالمَقْصُودُ مِنَ الآيَةِ تَقْرِيرُ أمْرَيْنِ؛ أحَدُهُما: الخَوْفُ الشَّدِيدُ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿إذِ القُلُوبُ لَدى الحَناجِرِ﴾، والثّانِي: العَجْزُ عَنِ الكَلامِ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿كاظِمِينَ﴾ فَإنَّ المَلْهُوفَ إذا قَدَرَ عَلى الكَلامِ حَصَلَتْ لَهُ خَفْقَةٌ وسُكُونٌ، أمّا إذا لَمْ يَقْدِرْ عَلى الكَلامِ وبَثِّ الشَّكْوى عَظُمَ قَلَقُهُ وقَوِيَ خَوْفُهُ.
* * *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: احْتَجَّ أكْثَرُ المُعْتَزِلَةِ في نَفْيِ الشَّفاعَةِ عَنِ المُذْنِبِينَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما لِلظّالِمِينَ مِن حَمِيمٍ ولا شَفِيعٍ يُطاعُ﴾ قالُوا: نَفى حُصُولَ شَفِيعٍ لَهم يُطاعُ فَوَجَبَ أنْ لا يَحْصُلَ لَهم هَذا الشَّفِيعُ، أجابَ أصْحابُنا عَنْهُ مِن وُجُوهٍ؛ الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى نَفى أنْ يَحْصُلَ لَهم شَفِيعٌ يُطاعُ، وهَذا لا يَدُلُّ عَلى نَفْيِ الشَّفِيعِ، ألا تَرى أنَّكَ إذا قُلْتَ: ما عِنْدِي كِتابٌ يُباعُ، فَهَذا يَقْتَضِي نَفْيَ كِتابٍ يُباعُ ولا يَقْتَضِي نَفْيَ الكِتابِ، وقالَتِ العَرَبُ:
ولا تَرى الضَّبَّ بِها يَنْجَحِرُ
ولَفْظُ الطّاعَةِ يَقْتَضِي حُصُولَ المَرْتَبَةِ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَيْسَ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ شَفِيعٌ يُطِيعُهُ اللَّهُ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ في الوُجُودِ أحَدٌ أعْلى حالًا مِنَ اللَّهِ تَعالى حَتّى يُقالَ: إنَّ اللَّهَ يُطِيعُهُ. الوَجْهُ الثّانِي في الجَوابِ أنَّ المُرادَ مِنَ الظّالِمِينَ هاهُنا الكُفّارُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ ورَدَتْ في زَجْرِ الكُفّارِ ﴿الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ﴾ [غافِرٍ: ٣٥] فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ مُخْتَصًّا بِهِمْ، وعِنْدَنا أنَّهُ لا شَفاعَةَ في حَقِّ الكُفّارِ. والثّالِثُ: أنَّ لَفْظَ الظّالِمِينَ، إمّا أنْ يُفِيدَ الِاسْتِغْراقَ، وإمّا أنْ لا يُفِيدَ، فَإنْ أفادَ الِاسْتِغْراقَ كانَ المُرادُ مِنَ الظّالِمِينَ مَجْمُوعَهم وجُمْلَتَهم، ويَدْخُلُ في مَجْمُوعِ هَذا الكَلامِ الكُفّارُ، وعِنْدَنا أنَّهُ لَيْسَ لِهَذا المَجْمُوعِ شَفِيعٌ؛ لِأنَّ بَعْضَ هَذا المَجْمُوعِ هُمُ الكُفّارُ ولَيْسَ لَهم شَفِيعٌ، فَحِينَئِذٍ لا يَكُونُ لِهَذا المَجْمُوعِ شَفِيعٌ، وإنْ لَمْ يُفِدِ الِاسْتِغْراقَ كانَ المُرادُ مِنَ الظّالِمِينَ بَعْضَ مَن كانَ مَوْصُوفًا بِهَذِهِ الصِّفَةِ، وعِنْدَنا أنَّ بَعْضَ المَوْصُوفِينَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ لَيْسَ لَهم شَفِيعٌ وهُمُ الكُفّارُ، أجابَ المُسْتَدِلُّونَ عَنِ السُّؤالِ الأوَّلِ، فَقالُوا: يَجِبُ حَمْلُ كَلامِ اللَّهِ تَعالى عَلى مَحْمَلٍ مُفِيدٍ، وكُلُّ أحَدٍ يَعْلَمُ أنَّهُ لَيْسَ في الوُجُودِ شَيْءٌ يُطِيعُهُ اللَّهُ؛ لِأنَّ المُطِيعَ أدْوَنُ حالًا مِنَ المُطاعِ، ولَيْسَ في الوُجُودِ شَيْءٌ أعْلى مَرْتَبَةً مِنَ اللَّهِ تَعالى حَتّى يُقالَ: إنَّ اللَّهَ يُطِيعُهُ، وإذا كانَ هَذا المَعْنى مَعْلُومًا بِالضَّرُورَةِ كانَ حَمْلُ الآيَةِ عَلَيْهِ إخْراجًا لَها عَنِ الفائِدَةِ، فَوَجَبَ حَمْلُ الطّاعَةِ عَلى الإجابَةِ، والَّذِي يَدُلُّ عَلى وُرُودِ لَفْظِ الطّاعَةِ بِمَعْنى الإجابَةِ قَوْلُ الشّاعِرِ:
رُبَّ مَن أنْضَجْتُ غَيْظًا صَدْرَهُ ∗∗∗ قَدْ تَمَنّى لِي مَوْتًا لَمْ يُطَعْ
أمّا السُّؤالُ الثّانِي: فَقَدْ أجابُوا عَنْهُ بِأنَّ لَفْظَ الظّالِمِينَ صِيغَةُ جَمْعٍ دَخَلَ عَلَيْها حَرْفُ التَّعْرِيفِ فَيُفِيدُ العُمُومَ، أقْصى ما في البابِ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ ورَدَتْ لِذَمِّ الكُفّارِ؛ لِأنَّ العِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ.
أمّا السُّؤالُ الثّالِثُ: فَجَوابُهُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ما لِلظّالِمِينَ مِن حَمِيمٍ﴾ يُفِيدُ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الظّالِمِينَ مَحْكُومٌ عَلَيْهِ بِأنَّهُ لَيْسَ لَهُ حَمِيمٌ ولا شَفِيعٌ يُطاعُ، فَهَذا تَمامُ كَلامِ القَوْمِ في تَقْرِيرِ ذَلِكَ الِاسْتِدْلالِ.
أجابَ أصْحابُنا عَنِ السُّؤالِ الأوَّلِ فَقالُوا: إنَّ القَوْمَ كانُوا يَقُولُونَ في الأصْنامِ: إنَّها شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ، وكانُوا يَقُولُونَ: إنَّها تَشْفَعُ لَنا عِنْدَ اللَّهِ مِن غَيْرِ حاجَةٍ فِيهِ إلى إذْنِ اللَّهِ، ولِهَذا السَّبَبِ رَدَّ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿مَن ذا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلّا بِإذْنِهِ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٥٥] فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ القَوْمَ اعْتَقَدُوا أنَّهُ يَجِبُ عَلى اللَّهِ إجابَةَ الأصْنامِ في تِلْكَ الشَّفاعَةِ، وهَذا نَوْعُ طاعَةٍ، فاللَّهُ تَعالى نَفى تِلْكَ الطّاعَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿ما لِلظّالِمِينَ مِن حَمِيمٍ ولا شَفِيعٍ يُطاعُ﴾
صفحة ٤٦
وأجابُوا عَنِ الكَلامِ الثّانِي بِأنْ قالُوا: الأصْلُ في حَرْفِ التَّعْرِيفِ أنْ يَنْصَرِفَ إلى المَعْهُودِ السّابِقِ، فَإذا دَخَلَ حَرْفُ التَّعْرِيفِ عَلى صِيغَةِ الجَمْعِ، وكانَ هُناكَ مَعْهُودٌ سابِقٌ انْصَرَفَ إلَيْهِ، وقَدْ حَصَلَ في هَذِهِ الآيَةِ مَعْهُودٌ سابِقٌ وهُمُ الكُفّارُ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ، فَوَجَبَ أنْ يَنْصَرِفَ إلَيْهِ، وأجابُوا عَنِ الكَلامِ الثّالِثِ بِأنْ قالُوا: قَوْلُهُ: ﴿ما لِلظّالِمِينَ مِن حَمِيمٍ ولا شَفِيعٍ يُطاعُ﴾ يَحْتَمِلُ عُمُومَ السَّلْبِ، ويَحْتَمِلُ سَلْبَ العُمُومِ، أمّا الأوَّلُ فَعَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الظّالِمِينَ مَحْكُومٌ عَلَيْهِ بِأنَّهُ لَيْسَ لَهُ حَمِيمٌ ولا شَفِيعٌ، وأمّا الثّانِي فَعَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّ مَجْمُوعَ الظّالِمِينَ لَيْسَ لَهم حَمِيمٌ ولا شَفِيعٌ، ولا يَلْزَمُ مِن نَفْيِ الحُكْمِ عَنِ المَجْمُوعِ نَفْيُهُ عَنْ كُلِّ واحِدٍ مِن آحادِ ذَلِكَ المَجْمُوعِ، والَّذِي يُؤَكِّدُ ما ذَكَرْناهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أأنْذَرْتَهم أمْ لَمْ تُنْذِرْهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ [البَقَرَةِ: ٦] فَقَوْلُهُ: إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لا يُؤْمِنُونَ، إنْ حَمَلْناهُ عَلى أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهم مَحْكُومٌ عَلَيْهِ بِأنَّهُ لا يُؤْمِنُ لَزِمَ وُقُوعُ الخُلْفِ في كَلامِ اللَّهِ؛ لِأنَّ كَثِيرًا مِمَّنْ كَفَرَ فَقَدْ آمَنَ بَعْدَ ذَلِكَ، أمّا لَوْ حَمَلْناهُ عَلى أنَّ مَجْمُوعَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا يُؤْمِنُونَ سَواءٌ آمَنَ بَعْضُهم أوْ لَمْ يُؤْمِن، صَدَقَ وتُخُلِّصَ عَنِ الخُلْفِ، فَلا جَرَمَ حَمَلْنا هَذِهِ الآيَةَ عَلى سَلْبِ العُمُومِ، ولَمْ نَحْمِلْها عَلى عُمُومِ السَّلْبِ، فَكَذا قَوْلُهُ: ﴿ما لِلظّالِمِينَ مِن حَمِيمٍ ولا شَفِيعٍ﴾ يَجِبُ حَمْلُهُ عَلى سَلْبِ العُمُومِ لا عَلى عُمُومِ السَّلْبِ، وحِينَئِذٍ بَطَلَ اسْتِدْلالُ المُعْتَزِلَةِ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَهَذا غايَةُ الكَلامِ في هَذا البابِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: في بَيانِ نَظْمِ الآيَةِ، فَنَقُولُ: إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ جَمِيعَ الأسْبابِ المُوجِبَةِ لِلْخَوْفِ. فَأوَّلُها: أنَّهُ سَمّى ذَلِكَ اليَوْمَ يَوْمَ الآزِفَةِ، أيْ يَوْمَ القُرْبِ مِن عَذابِهِ لِمَنِ ابْتُلِيَ بِالذَّنْبِ العَظِيمِ؛ لِأنَّهُ إذا قَرُبَ زَمانُ عُقُوبَتِهِ كانَ في أقْصى غاياتِ الخَوْفِ، حَتّى قِيلَ: إنَّ تِلْكَ الغُمُومَ والهُمُومَ أعْظَمُ في الإيحاشِ مِن عَيْنِ تِلْكَ العُقُوبَةِ.
والثّانِي قَوْلُهُ: ﴿إذِ القُلُوبُ لَدى الحَناجِرِ﴾ والمَعْنى أنَّهُ بَلَغَ ذَلِكَ الخَوْفُ إلى أنِ انْقَلَعَ القَلْبُ مِنَ الصَّدْرِ وارْتَفَعَ إلى الحَنْجَرَةِ والتَصَقَ بِها وصارَ مانِعًا مِن دُخُولِ النَّفَسِ. والثّالِثُ قَوْلُهُ: ﴿كاظِمِينَ﴾ والمَعْنى أنَّهُ لا يُمَكِنُهم أنْ يَنْطِقُوا وأنْ يَشْرَحُوا ما عِنْدَهم مِنَ الحُزْنِ والخَوْفِ، وذَلِكَ يُوجِبُ مَزِيدَ القَلَقِ والِاضْطِرابِ. والرّابِعُ قَوْلُهُ: ﴿ما لِلظّالِمِينَ مِن حَمِيمٍ ولا شَفِيعٍ يُطاعُ﴾ فَبَيَّنَ أنَّهُ لَيْسَ لَهم قَرِيبٌ يَنْفَعُهم، ولا شَفِيعٌ يُطاعُ فِيهِمْ فَتُقْبَلُ شَفاعَتَهُ. والخامِسُ قَوْلُهُ: ﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ وما تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ والمَعْنى أنَّهُ سُبْحانَهُ عالِمٌ لا يَعْزُبُ عَنْ عِلْمِهِ مِثْقالُ ذَرَّةٍ في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ، والحاكِمُ إذا بَلَغَ في العِلْمِ إلى هَذا الحَدِّ كانَ خَوْفُ المُذْنِبِ مِنهُ شَدِيدًا جِدًّا، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: الخائِنَةُ صِفَةُ النَّظْرَةِ أوْ مَصْدَرٌ بِمَعْنى الخائِنَةِ، كالعافِيَةِ المُعافاةِ، والمُرادُ اسْتِراقُ النَّظَرِ إلى ما لا يَحِلُّ كَما يَفْعَلُ أهْلُ الرِّيَبِ، والمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وما تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ مُضْمَراتُ القُلُوبِ، والحاصِلُ أنَّ الأفْعالَ قِسْمانِ: أفْعالُ الجَوارِحِ وأفْعالُ القُلُوبِ، أمّا أفْعالُ الجَوارِحِ، فَأخْفاها خائِنَةُ الأعْيُنِ، واللَّهُ أعْلَمُ بِها، فَكَيْفَ الحالُ في سائِرِ الأعْمالِ.
وأمّا أفْعالُ القُلُوبِ، فَهي مَعْلُومَةٌ لِلَّهِ تَعالى لِقَوْلِهِ: ﴿وما تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ فَدَلَّ هَذا عَلى كَوْنِهِ تَعالى عالِمًا بِجَمِيعِ أفْعالِهِمْ. السّادِسُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ يَقْضِي بِالحَقِّ﴾ وهَذا أيْضًا يُوجِبُ عِظَمَ الخَوْفِ؛ لِأنَّ الحاكِمَ إذا كانَ عالِمًا بِجَمِيعِ الأحْوالِ، وثَبَتَ مِنهُ أنَّهُ لا يَقْضِي إلّا بِالحَقِّ في كُلِّ ما دَقَّ وجَلَّ، كانَ خَوْفُ المُذْنِبِ مِنهُ في الغايَةِ القُصْوى. السّابِعُ: أنَّ الكُفّارَ إنَّما عَوَّلُوا في دَفْعِ العِقابِ عَنْ أنْفُسِهِمْ عَلى شَفاعَةِ هَذِهِ الأصْنامِ، وقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ لا فائِدَةَ فِيها البَتَّةَ، فَقالَ: ﴿والَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ﴾ الثّامِنُ: قَوْلُهُ ﴿إنَّ اللَّهَ هو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ أيْ يَسْمَعُ مِنَ الكُفّارِ ثَناءَهم عَلى الأصْنامِ، ولا يَسْمَعُ مِنهم ثَناءَهم عَلى اللَّهِ، ويُبْصِرُ خُضُوعَهم وسُجُودَهم لَهم، ولا يُبْصِرُ خُضُوعَهم
صفحة ٤٧
وتَواضُعَهم لِلَّهِ، فَهَذِهِ الأحْوالُ الثَّمانِيَةُ إذا اجْتَمَعَتْ في حَقِّ المُذْنِبِ الَّذِي عَظُمَ ذَنْبُهُ كانَ بالِغًا في التَّخْوِيفِ إلى الحَدِّ الَّذِي لا تُعْقَلُ الزِّيادَةُ عَلَيْهِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا بالَغَ في تَخْوِيفِ الكُفّارِ بِعَذابِ الآخِرَةِ أرْدَفَهُ بِبَيانِ تَخْوِيفِهِمْ بِأحْوالِ الدُّنْيا فَقالَ: ﴿أوَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِن قَبْلِهِمْ﴾ والمَعْنى أنَّ العاقِلَ مَنِ اعْتَبَرَ بِغَيْرِهِ، فَإنَّ الَّذِينَ مَضَوْا مِنَ الكُفّارِ كانُوا أشَدَّ قُوَّةً مِن هَؤُلاءِ الحاضِرِينَ مِنَ الكُفّارِ، وأقْوى آثارًا في الأرْضِ مِنهم، والمُرادُ حُصُونُهم وقُصُورُهم وعَساكِرُهم، فَلَمّا كَذَّبُوا رُسُلَهم أهْلَكَهُمُ اللَّهُ بِضُرُوبِ الهَلاكِ مُعَجِّلًا حَتّى إنَّ هَؤُلاءِ الحاضِرِينَ مِنَ الكُفّارِ يُشاهِدُونَ تِلْكَ الآثارَ، فَحَذَّرَهُمُ اللَّهُ تَعالى مِن مِثْلِ ذَلِكَ بِهَذا القَوْلِ، وبَيَّنَ بِقَوْلِهِ: ﴿وما كانَ لَهم مِنَ اللَّهِ مِن واقٍ﴾ أنَّهُ لَمّا نَزَلَ العَذابُ بِهِمْ عِنْدَ أخْذِهِ تَعالى لَهم لَمْ يَجِدُوا مَن يُعِينُهم ويُخَلِّصُهم، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ نَزَلَ بِهِمْ لِأجْلِ أنَّهم كَفَرُوا وكَذَّبُوا الرُّسُلَ، فَحَذَّرَ قَوْمَ الرَّسُولَ مِن مِثْلِهِ، وخَتَمَ الكَلامَ بِأنَّهُ ﴿قَوِيٌّ شَدِيدُ العِقابِ﴾ مُبالَغَةً في التَّحْذِيرِ والتَّخْوِيفِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ ”كانُوا هم أشَدَّ مِنكُمْ“ بِالكافِ، والباقُونَ بِالهاءِ. أمّا وجْهُ قِراءَةِ ابْنِ عامِرٍ فَهو انْصِرافٌ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ، كَقَوْلِهِ: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتِحَةِ: ٥] بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [الفاتِحَةِ: ١] والوَجْهُ في حُسْنِ هَذا الخِطابِ أنَّهُ في شَأْنِ أهْلِ مَكَّةَ، فَجَعَلَ الخِطابَ عَلى لَفْظِ المُخاطَبِ الحاضِرِ لِحُضُورِهِمْ، وهَذِهِ الآيَةُ في المَعْنى كَقَوْلِهِ: ﴿مَكَّنّاهم في الأرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ﴾ [الأنْعامِ: ٦] وأمّا قِراءَةُ الباقِينَ عَلى لَفْظِ الغَيْبَةِ فَلِأجْلِ مُوافَقَةِ ما قَبْلَهُ مِن ألْفاظِ الغَيْبَةِ.
غافر 40:20
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنْذِرْهم يَوْمَ الآزِفَةِ إذِ القُلُوبُ لَدى الحَناجِرِ كاظِمِينَ ما لِلظّالِمِينَ مِن حَمِيمٍ ولا شَفِيعٍ يُطاعُ﴾ ﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ وما تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ ﴿واللَّهُ يَقْضِي بِالحَقِّ والَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إنَّ اللَّهَ هو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾
صفحة ٤٤
﴿أوَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِن قَبْلِهِمْ كانُوا هم أشَدَّ مِنهم قُوَّةً وآثارًا في الأرْضِ فَأخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وما كانَ لَهم مِنَ اللَّهِ مِن واقٍ﴾ ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَكَفَرُوا فَأخَذَهُمُ اللَّهُ إنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ العِقابِ﴾
اعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذِهِ الآيَةِ وصْفُ يَوْمِ القِيامَةِ بِأنْواعٍ أُخْرى مِنَ الصِّفاتِ الهائِلَةِ المَهِيبَةِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: ذَكَرُوا في تَفْسِيرِ يَوْمِ الآزِفَةِ وُجُوهًا:
الأوَّلُ: أنَّ يَوْمَ الآزِفَةِ هو يَوْمُ القِيامَةِ، والآزِفَةُ فاعِلَةٌ مَن أزِفَ الأمْرُ: إذا دَنا وحَضَرَ؛ لِقَوْلِهِ في صِفَةِ يَوْمِ القِيامَةِ ﴿أزِفَتِ الآزِفَةُ لَيْسَ لَها مِن دُونِ اللَّهِ كاشِفَةٌ﴾ [النَّجْمِ: ٥٧ ] . وقالَ شاعِرٌ:
أزِفَ التَّرَحُّلُ غَيْرَ أنَّ رِكابَنا لَمّا تَزَلْ بِرِحالِنا وكَأنْ قَدِ
والمَقْصُودُ مِنهُ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ يَوْمَ القِيامَةِ قَرِيبٌ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ﴾ [القَمَرِ: ١] قالَ الزَّجّاجُ: إنَّما قِيلَ لَها آزِفَةٌ لِأنَّها قَرِيبَةٌ وإنِ اسْتَبْعَدَ النّاسُ مَداها، وما هو كائِنٌ فَهو قَرِيبٌ.
واعْلَمْ أنَّ الآزِفَةَ نَعْتٌ لِمَحْذُوفٍ مُؤَنَّثٍ عَلى تَقْدِيرِ: يَوْمَ القِيامَةِ الآزِفَةَ، أوْ يَوْمَ المُجازاةَ الآزِفَةَ، قالَ القَفّالُ: وأسْماءُ القِيامَةِ تَجْرِي عَلى التَّأْنِيثِ كالطّامَّةِ والحاقَّةِ ونَحْوِها، كَأنَّها يَرْجِعُ مَعْناها إلى الدّاهِيَةِ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِيَوْمِ الآزِفَةِ وقْتُ الآزِفَةِ وهي مُسارَعَتُهم إلى دُخُولِ النّارِ، فَإنَّ عِنْدَ ذَلِكَ تَرْتَفِعُ قُلُوبُهم عَنْ مَقارِّها مِن شِدَّةِ الخَوْفِ.
والقَوْلُ الثّالِثُ: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: يَوْمُ الآزِفَةِ يَوْمُ المَنِيَّةِ وحُضُورِ الأجَلِ، والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّهُ تَعالى وصَفَ يَوْمَ القِيامَةِ بِأنَّهُ يَوْمُ التَّلاقِ، و﴿يَوْمَ هم بارِزُونَ﴾ ثُمَّ قالَ بَعْدَهُ: ﴿وأنْذِرْهم يَوْمَ الآزِفَةِ﴾ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ هَذا اليَوْمُ غَيْرَ ذَلِكَ اليَوْمِ، وأيْضًا هَذِهِ الصِّفَةُ مَخْصُوصَةٌ في سائِرِ الآياتِ بِيَوْمِ المَوْتِ، قالَ تَعالى: ﴿فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ وأنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ﴾ [الواقِعَةِ: ٨٣] وقالَ: ﴿كَلّا إذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ﴾ [القِيامَةِ: ٢٦] وأيْضًا فَوَصْفُ يَوْمِ المَوْتِ بِالقُرْبِ أوْلى مِن وصْفِ يَوْمِ القِيامَةِ بِالقُرْبِ، وأيْضًا الصِّفاتُ المَذْكُورَةُ بَعْدَ قَوْلِهِ: الآزِفَةِ، لائِقَةٌ بِيَوْمِ حُضُورِ المَوْتِ؛ لِأنَّ الرَّجُلَ عِنْدَ مُعايَنَةِ مَلائِكَةِ العَذابِ يَعْظُمُ خَوْفُهُ، فَكَأنَّ قُلُوبَهم تَبْلُغُ حَناجِرَهم مِن شِدَّةِ الخَوْفِ، ويَبْقَوْا كاظِمِينَ ساكِتِينَ عَنْ ذِكْرِ ما في قُلُوبِهِمْ مِن شِدَّةِ الخَوْفِ، ولا يَكُونُ لَهم حَمِيمٌ ولا شَفِيعٌ يَدْفَعُ ما بِهِمْ مِن أنْواعِ الخَوْفِ والقَلَقِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿إذِ القُلُوبُ لَدى الحَناجِرِ كاظِمِينَ﴾ كِنايَةٌ عَنْ شِدَّةِ الخَوْفِ أوْ هو مَحْمُولٌ عَلى ظاهِرِهِ، قِيلَ: المُرادُ وصْفُ ذَلِكَ اليَوْمِ بِشِدَّةِ الخَوْفَ والفَزَعِ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ وتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَ﴾ [الأحْزابِ: ١٠] وقالَ: ﴿فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ وأنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ﴾ وقِيلَ: بَلْ هو مَحْمُولٌ عَلى ظاهِرِهِ، قالَ الحَسَنُ: القُلُوبُ انْتُزِعَتْ مِنَ الصُّدُورِ بِسَبَبِ شِدَّةِ الخَوْفِ ﴿وبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ﴾ فَلا تَخْرُجُ فَيَمُوتُوا، ولا تَرْجِعُ إلى مَواضِعِها فَيَتَنَفَّسُوا ويَتَرَوَّحُوا، ولَكِنَّها مَقْبُوضَةٌ كالسِّجالِ، كَما قالَ: ﴿فَلَمّا رَأوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [المُلْكِ: ٢٧] .
وقَوْلُهُ: ﴿كاظِمِينَ﴾ أيْ مَكْرُوبِينَ والكاظِمُ: السّاكِتُ حالَ امْتِلائِهِ غَمًّا وغَيْظًا، فَإنْ قِيلَ: بِمَ انْتَصَبَ ”كاظِمِينَ“؟ قُلْنا: هو حالُ أصْحابِ القُلُوبِ عَلى المَعْنى؛ لِأنَّ المُرادَ إذْ قُلُوبُهم لَدى الحَناجِرِ حالَ ”كاظِمِينَ“ كَوْنِهِمْ، ويَجُوزُ أيْضًا أنْ يَكُونَ حالًا عَنِ القُلُوبِ، وأنَّ القُلُوبَ كاظِمَةٌ عَلى غَمٍّ وكَرْبٍ فِيها مَعَ بُلُوغِها الحَناجِرَ، وإنَّما جَمَعَ الكاظِمَةِ جَمْعَ السَّلامَةِ لِأنَّهُ وصَفَها بِالكَظْمِ الَّذِي هو مِن أفْعالِ العُقَلاءِ كَما قالَ: ﴿رَأيْتُهم لِي ساجِدِينَ﴾ [يُوسُفَ: ٤] وقالَ: ﴿فَظَلَّتْ أعْناقُهم لَها خاضِعِينَ﴾
صفحة ٤٥
[الشُّعَراءِ: ٤] ويُعَضِّدُهُ قِراءَةُ مَن قَرَأ ”كاظِمُونَ“ وبِالجُمْلَةِ فالمَقْصُودُ مِنَ الآيَةِ تَقْرِيرُ أمْرَيْنِ؛ أحَدُهُما: الخَوْفُ الشَّدِيدُ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿إذِ القُلُوبُ لَدى الحَناجِرِ﴾، والثّانِي: العَجْزُ عَنِ الكَلامِ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿كاظِمِينَ﴾ فَإنَّ المَلْهُوفَ إذا قَدَرَ عَلى الكَلامِ حَصَلَتْ لَهُ خَفْقَةٌ وسُكُونٌ، أمّا إذا لَمْ يَقْدِرْ عَلى الكَلامِ وبَثِّ الشَّكْوى عَظُمَ قَلَقُهُ وقَوِيَ خَوْفُهُ.
* * *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: احْتَجَّ أكْثَرُ المُعْتَزِلَةِ في نَفْيِ الشَّفاعَةِ عَنِ المُذْنِبِينَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما لِلظّالِمِينَ مِن حَمِيمٍ ولا شَفِيعٍ يُطاعُ﴾ قالُوا: نَفى حُصُولَ شَفِيعٍ لَهم يُطاعُ فَوَجَبَ أنْ لا يَحْصُلَ لَهم هَذا الشَّفِيعُ، أجابَ أصْحابُنا عَنْهُ مِن وُجُوهٍ؛ الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى نَفى أنْ يَحْصُلَ لَهم شَفِيعٌ يُطاعُ، وهَذا لا يَدُلُّ عَلى نَفْيِ الشَّفِيعِ، ألا تَرى أنَّكَ إذا قُلْتَ: ما عِنْدِي كِتابٌ يُباعُ، فَهَذا يَقْتَضِي نَفْيَ كِتابٍ يُباعُ ولا يَقْتَضِي نَفْيَ الكِتابِ، وقالَتِ العَرَبُ:
ولا تَرى الضَّبَّ بِها يَنْجَحِرُ
ولَفْظُ الطّاعَةِ يَقْتَضِي حُصُولَ المَرْتَبَةِ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَيْسَ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ شَفِيعٌ يُطِيعُهُ اللَّهُ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ في الوُجُودِ أحَدٌ أعْلى حالًا مِنَ اللَّهِ تَعالى حَتّى يُقالَ: إنَّ اللَّهَ يُطِيعُهُ. الوَجْهُ الثّانِي في الجَوابِ أنَّ المُرادَ مِنَ الظّالِمِينَ هاهُنا الكُفّارُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ ورَدَتْ في زَجْرِ الكُفّارِ ﴿الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ﴾ [غافِرٍ: ٣٥] فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ مُخْتَصًّا بِهِمْ، وعِنْدَنا أنَّهُ لا شَفاعَةَ في حَقِّ الكُفّارِ. والثّالِثُ: أنَّ لَفْظَ الظّالِمِينَ، إمّا أنْ يُفِيدَ الِاسْتِغْراقَ، وإمّا أنْ لا يُفِيدَ، فَإنْ أفادَ الِاسْتِغْراقَ كانَ المُرادُ مِنَ الظّالِمِينَ مَجْمُوعَهم وجُمْلَتَهم، ويَدْخُلُ في مَجْمُوعِ هَذا الكَلامِ الكُفّارُ، وعِنْدَنا أنَّهُ لَيْسَ لِهَذا المَجْمُوعِ شَفِيعٌ؛ لِأنَّ بَعْضَ هَذا المَجْمُوعِ هُمُ الكُفّارُ ولَيْسَ لَهم شَفِيعٌ، فَحِينَئِذٍ لا يَكُونُ لِهَذا المَجْمُوعِ شَفِيعٌ، وإنْ لَمْ يُفِدِ الِاسْتِغْراقَ كانَ المُرادُ مِنَ الظّالِمِينَ بَعْضَ مَن كانَ مَوْصُوفًا بِهَذِهِ الصِّفَةِ، وعِنْدَنا أنَّ بَعْضَ المَوْصُوفِينَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ لَيْسَ لَهم شَفِيعٌ وهُمُ الكُفّارُ، أجابَ المُسْتَدِلُّونَ عَنِ السُّؤالِ الأوَّلِ، فَقالُوا: يَجِبُ حَمْلُ كَلامِ اللَّهِ تَعالى عَلى مَحْمَلٍ مُفِيدٍ، وكُلُّ أحَدٍ يَعْلَمُ أنَّهُ لَيْسَ في الوُجُودِ شَيْءٌ يُطِيعُهُ اللَّهُ؛ لِأنَّ المُطِيعَ أدْوَنُ حالًا مِنَ المُطاعِ، ولَيْسَ في الوُجُودِ شَيْءٌ أعْلى مَرْتَبَةً مِنَ اللَّهِ تَعالى حَتّى يُقالَ: إنَّ اللَّهَ يُطِيعُهُ، وإذا كانَ هَذا المَعْنى مَعْلُومًا بِالضَّرُورَةِ كانَ حَمْلُ الآيَةِ عَلَيْهِ إخْراجًا لَها عَنِ الفائِدَةِ، فَوَجَبَ حَمْلُ الطّاعَةِ عَلى الإجابَةِ، والَّذِي يَدُلُّ عَلى وُرُودِ لَفْظِ الطّاعَةِ بِمَعْنى الإجابَةِ قَوْلُ الشّاعِرِ:
رُبَّ مَن أنْضَجْتُ غَيْظًا صَدْرَهُ ∗∗∗ قَدْ تَمَنّى لِي مَوْتًا لَمْ يُطَعْ
أمّا السُّؤالُ الثّانِي: فَقَدْ أجابُوا عَنْهُ بِأنَّ لَفْظَ الظّالِمِينَ صِيغَةُ جَمْعٍ دَخَلَ عَلَيْها حَرْفُ التَّعْرِيفِ فَيُفِيدُ العُمُومَ، أقْصى ما في البابِ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ ورَدَتْ لِذَمِّ الكُفّارِ؛ لِأنَّ العِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ.
أمّا السُّؤالُ الثّالِثُ: فَجَوابُهُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ما لِلظّالِمِينَ مِن حَمِيمٍ﴾ يُفِيدُ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الظّالِمِينَ مَحْكُومٌ عَلَيْهِ بِأنَّهُ لَيْسَ لَهُ حَمِيمٌ ولا شَفِيعٌ يُطاعُ، فَهَذا تَمامُ كَلامِ القَوْمِ في تَقْرِيرِ ذَلِكَ الِاسْتِدْلالِ.
أجابَ أصْحابُنا عَنِ السُّؤالِ الأوَّلِ فَقالُوا: إنَّ القَوْمَ كانُوا يَقُولُونَ في الأصْنامِ: إنَّها شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ، وكانُوا يَقُولُونَ: إنَّها تَشْفَعُ لَنا عِنْدَ اللَّهِ مِن غَيْرِ حاجَةٍ فِيهِ إلى إذْنِ اللَّهِ، ولِهَذا السَّبَبِ رَدَّ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿مَن ذا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلّا بِإذْنِهِ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٥٥] فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ القَوْمَ اعْتَقَدُوا أنَّهُ يَجِبُ عَلى اللَّهِ إجابَةَ الأصْنامِ في تِلْكَ الشَّفاعَةِ، وهَذا نَوْعُ طاعَةٍ، فاللَّهُ تَعالى نَفى تِلْكَ الطّاعَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿ما لِلظّالِمِينَ مِن حَمِيمٍ ولا شَفِيعٍ يُطاعُ﴾
صفحة ٤٦
وأجابُوا عَنِ الكَلامِ الثّانِي بِأنْ قالُوا: الأصْلُ في حَرْفِ التَّعْرِيفِ أنْ يَنْصَرِفَ إلى المَعْهُودِ السّابِقِ، فَإذا دَخَلَ حَرْفُ التَّعْرِيفِ عَلى صِيغَةِ الجَمْعِ، وكانَ هُناكَ مَعْهُودٌ سابِقٌ انْصَرَفَ إلَيْهِ، وقَدْ حَصَلَ في هَذِهِ الآيَةِ مَعْهُودٌ سابِقٌ وهُمُ الكُفّارُ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ، فَوَجَبَ أنْ يَنْصَرِفَ إلَيْهِ، وأجابُوا عَنِ الكَلامِ الثّالِثِ بِأنْ قالُوا: قَوْلُهُ: ﴿ما لِلظّالِمِينَ مِن حَمِيمٍ ولا شَفِيعٍ يُطاعُ﴾ يَحْتَمِلُ عُمُومَ السَّلْبِ، ويَحْتَمِلُ سَلْبَ العُمُومِ، أمّا الأوَّلُ فَعَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الظّالِمِينَ مَحْكُومٌ عَلَيْهِ بِأنَّهُ لَيْسَ لَهُ حَمِيمٌ ولا شَفِيعٌ، وأمّا الثّانِي فَعَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّ مَجْمُوعَ الظّالِمِينَ لَيْسَ لَهم حَمِيمٌ ولا شَفِيعٌ، ولا يَلْزَمُ مِن نَفْيِ الحُكْمِ عَنِ المَجْمُوعِ نَفْيُهُ عَنْ كُلِّ واحِدٍ مِن آحادِ ذَلِكَ المَجْمُوعِ، والَّذِي يُؤَكِّدُ ما ذَكَرْناهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أأنْذَرْتَهم أمْ لَمْ تُنْذِرْهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ [البَقَرَةِ: ٦] فَقَوْلُهُ: إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لا يُؤْمِنُونَ، إنْ حَمَلْناهُ عَلى أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهم مَحْكُومٌ عَلَيْهِ بِأنَّهُ لا يُؤْمِنُ لَزِمَ وُقُوعُ الخُلْفِ في كَلامِ اللَّهِ؛ لِأنَّ كَثِيرًا مِمَّنْ كَفَرَ فَقَدْ آمَنَ بَعْدَ ذَلِكَ، أمّا لَوْ حَمَلْناهُ عَلى أنَّ مَجْمُوعَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا يُؤْمِنُونَ سَواءٌ آمَنَ بَعْضُهم أوْ لَمْ يُؤْمِن، صَدَقَ وتُخُلِّصَ عَنِ الخُلْفِ، فَلا جَرَمَ حَمَلْنا هَذِهِ الآيَةَ عَلى سَلْبِ العُمُومِ، ولَمْ نَحْمِلْها عَلى عُمُومِ السَّلْبِ، فَكَذا قَوْلُهُ: ﴿ما لِلظّالِمِينَ مِن حَمِيمٍ ولا شَفِيعٍ﴾ يَجِبُ حَمْلُهُ عَلى سَلْبِ العُمُومِ لا عَلى عُمُومِ السَّلْبِ، وحِينَئِذٍ بَطَلَ اسْتِدْلالُ المُعْتَزِلَةِ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَهَذا غايَةُ الكَلامِ في هَذا البابِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: في بَيانِ نَظْمِ الآيَةِ، فَنَقُولُ: إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ جَمِيعَ الأسْبابِ المُوجِبَةِ لِلْخَوْفِ. فَأوَّلُها: أنَّهُ سَمّى ذَلِكَ اليَوْمَ يَوْمَ الآزِفَةِ، أيْ يَوْمَ القُرْبِ مِن عَذابِهِ لِمَنِ ابْتُلِيَ بِالذَّنْبِ العَظِيمِ؛ لِأنَّهُ إذا قَرُبَ زَمانُ عُقُوبَتِهِ كانَ في أقْصى غاياتِ الخَوْفِ، حَتّى قِيلَ: إنَّ تِلْكَ الغُمُومَ والهُمُومَ أعْظَمُ في الإيحاشِ مِن عَيْنِ تِلْكَ العُقُوبَةِ.
والثّانِي قَوْلُهُ: ﴿إذِ القُلُوبُ لَدى الحَناجِرِ﴾ والمَعْنى أنَّهُ بَلَغَ ذَلِكَ الخَوْفُ إلى أنِ انْقَلَعَ القَلْبُ مِنَ الصَّدْرِ وارْتَفَعَ إلى الحَنْجَرَةِ والتَصَقَ بِها وصارَ مانِعًا مِن دُخُولِ النَّفَسِ. والثّالِثُ قَوْلُهُ: ﴿كاظِمِينَ﴾ والمَعْنى أنَّهُ لا يُمَكِنُهم أنْ يَنْطِقُوا وأنْ يَشْرَحُوا ما عِنْدَهم مِنَ الحُزْنِ والخَوْفِ، وذَلِكَ يُوجِبُ مَزِيدَ القَلَقِ والِاضْطِرابِ. والرّابِعُ قَوْلُهُ: ﴿ما لِلظّالِمِينَ مِن حَمِيمٍ ولا شَفِيعٍ يُطاعُ﴾ فَبَيَّنَ أنَّهُ لَيْسَ لَهم قَرِيبٌ يَنْفَعُهم، ولا شَفِيعٌ يُطاعُ فِيهِمْ فَتُقْبَلُ شَفاعَتَهُ. والخامِسُ قَوْلُهُ: ﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ وما تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ والمَعْنى أنَّهُ سُبْحانَهُ عالِمٌ لا يَعْزُبُ عَنْ عِلْمِهِ مِثْقالُ ذَرَّةٍ في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ، والحاكِمُ إذا بَلَغَ في العِلْمِ إلى هَذا الحَدِّ كانَ خَوْفُ المُذْنِبِ مِنهُ شَدِيدًا جِدًّا، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: الخائِنَةُ صِفَةُ النَّظْرَةِ أوْ مَصْدَرٌ بِمَعْنى الخائِنَةِ، كالعافِيَةِ المُعافاةِ، والمُرادُ اسْتِراقُ النَّظَرِ إلى ما لا يَحِلُّ كَما يَفْعَلُ أهْلُ الرِّيَبِ، والمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وما تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ مُضْمَراتُ القُلُوبِ، والحاصِلُ أنَّ الأفْعالَ قِسْمانِ: أفْعالُ الجَوارِحِ وأفْعالُ القُلُوبِ، أمّا أفْعالُ الجَوارِحِ، فَأخْفاها خائِنَةُ الأعْيُنِ، واللَّهُ أعْلَمُ بِها، فَكَيْفَ الحالُ في سائِرِ الأعْمالِ.
وأمّا أفْعالُ القُلُوبِ، فَهي مَعْلُومَةٌ لِلَّهِ تَعالى لِقَوْلِهِ: ﴿وما تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ فَدَلَّ هَذا عَلى كَوْنِهِ تَعالى عالِمًا بِجَمِيعِ أفْعالِهِمْ. السّادِسُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ يَقْضِي بِالحَقِّ﴾ وهَذا أيْضًا يُوجِبُ عِظَمَ الخَوْفِ؛ لِأنَّ الحاكِمَ إذا كانَ عالِمًا بِجَمِيعِ الأحْوالِ، وثَبَتَ مِنهُ أنَّهُ لا يَقْضِي إلّا بِالحَقِّ في كُلِّ ما دَقَّ وجَلَّ، كانَ خَوْفُ المُذْنِبِ مِنهُ في الغايَةِ القُصْوى. السّابِعُ: أنَّ الكُفّارَ إنَّما عَوَّلُوا في دَفْعِ العِقابِ عَنْ أنْفُسِهِمْ عَلى شَفاعَةِ هَذِهِ الأصْنامِ، وقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ لا فائِدَةَ فِيها البَتَّةَ، فَقالَ: ﴿والَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ﴾ الثّامِنُ: قَوْلُهُ ﴿إنَّ اللَّهَ هو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ أيْ يَسْمَعُ مِنَ الكُفّارِ ثَناءَهم عَلى الأصْنامِ، ولا يَسْمَعُ مِنهم ثَناءَهم عَلى اللَّهِ، ويُبْصِرُ خُضُوعَهم وسُجُودَهم لَهم، ولا يُبْصِرُ خُضُوعَهم
صفحة ٤٧
وتَواضُعَهم لِلَّهِ، فَهَذِهِ الأحْوالُ الثَّمانِيَةُ إذا اجْتَمَعَتْ في حَقِّ المُذْنِبِ الَّذِي عَظُمَ ذَنْبُهُ كانَ بالِغًا في التَّخْوِيفِ إلى الحَدِّ الَّذِي لا تُعْقَلُ الزِّيادَةُ عَلَيْهِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا بالَغَ في تَخْوِيفِ الكُفّارِ بِعَذابِ الآخِرَةِ أرْدَفَهُ بِبَيانِ تَخْوِيفِهِمْ بِأحْوالِ الدُّنْيا فَقالَ: ﴿أوَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِن قَبْلِهِمْ﴾ والمَعْنى أنَّ العاقِلَ مَنِ اعْتَبَرَ بِغَيْرِهِ، فَإنَّ الَّذِينَ مَضَوْا مِنَ الكُفّارِ كانُوا أشَدَّ قُوَّةً مِن هَؤُلاءِ الحاضِرِينَ مِنَ الكُفّارِ، وأقْوى آثارًا في الأرْضِ مِنهم، والمُرادُ حُصُونُهم وقُصُورُهم وعَساكِرُهم، فَلَمّا كَذَّبُوا رُسُلَهم أهْلَكَهُمُ اللَّهُ بِضُرُوبِ الهَلاكِ مُعَجِّلًا حَتّى إنَّ هَؤُلاءِ الحاضِرِينَ مِنَ الكُفّارِ يُشاهِدُونَ تِلْكَ الآثارَ، فَحَذَّرَهُمُ اللَّهُ تَعالى مِن مِثْلِ ذَلِكَ بِهَذا القَوْلِ، وبَيَّنَ بِقَوْلِهِ: ﴿وما كانَ لَهم مِنَ اللَّهِ مِن واقٍ﴾ أنَّهُ لَمّا نَزَلَ العَذابُ بِهِمْ عِنْدَ أخْذِهِ تَعالى لَهم لَمْ يَجِدُوا مَن يُعِينُهم ويُخَلِّصُهم، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ نَزَلَ بِهِمْ لِأجْلِ أنَّهم كَفَرُوا وكَذَّبُوا الرُّسُلَ، فَحَذَّرَ قَوْمَ الرَّسُولَ مِن مِثْلِهِ، وخَتَمَ الكَلامَ بِأنَّهُ ﴿قَوِيٌّ شَدِيدُ العِقابِ﴾ مُبالَغَةً في التَّحْذِيرِ والتَّخْوِيفِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ ”كانُوا هم أشَدَّ مِنكُمْ“ بِالكافِ، والباقُونَ بِالهاءِ. أمّا وجْهُ قِراءَةِ ابْنِ عامِرٍ فَهو انْصِرافٌ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ، كَقَوْلِهِ: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتِحَةِ: ٥] بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [الفاتِحَةِ: ١] والوَجْهُ في حُسْنِ هَذا الخِطابِ أنَّهُ في شَأْنِ أهْلِ مَكَّةَ، فَجَعَلَ الخِطابَ عَلى لَفْظِ المُخاطَبِ الحاضِرِ لِحُضُورِهِمْ، وهَذِهِ الآيَةُ في المَعْنى كَقَوْلِهِ: ﴿مَكَّنّاهم في الأرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ﴾ [الأنْعامِ: ٦] وأمّا قِراءَةُ الباقِينَ عَلى لَفْظِ الغَيْبَةِ فَلِأجْلِ مُوافَقَةِ ما قَبْلَهُ مِن ألْفاظِ الغَيْبَةِ.
غافر 40:21
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنْذِرْهم يَوْمَ الآزِفَةِ إذِ القُلُوبُ لَدى الحَناجِرِ كاظِمِينَ ما لِلظّالِمِينَ مِن حَمِيمٍ ولا شَفِيعٍ يُطاعُ﴾ ﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ وما تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ ﴿واللَّهُ يَقْضِي بِالحَقِّ والَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إنَّ اللَّهَ هو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾
صفحة ٤٤
﴿أوَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِن قَبْلِهِمْ كانُوا هم أشَدَّ مِنهم قُوَّةً وآثارًا في الأرْضِ فَأخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وما كانَ لَهم مِنَ اللَّهِ مِن واقٍ﴾ ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَكَفَرُوا فَأخَذَهُمُ اللَّهُ إنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ العِقابِ﴾
اعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذِهِ الآيَةِ وصْفُ يَوْمِ القِيامَةِ بِأنْواعٍ أُخْرى مِنَ الصِّفاتِ الهائِلَةِ المَهِيبَةِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: ذَكَرُوا في تَفْسِيرِ يَوْمِ الآزِفَةِ وُجُوهًا:
الأوَّلُ: أنَّ يَوْمَ الآزِفَةِ هو يَوْمُ القِيامَةِ، والآزِفَةُ فاعِلَةٌ مَن أزِفَ الأمْرُ: إذا دَنا وحَضَرَ؛ لِقَوْلِهِ في صِفَةِ يَوْمِ القِيامَةِ ﴿أزِفَتِ الآزِفَةُ لَيْسَ لَها مِن دُونِ اللَّهِ كاشِفَةٌ﴾ [النَّجْمِ: ٥٧ ] . وقالَ شاعِرٌ:
أزِفَ التَّرَحُّلُ غَيْرَ أنَّ رِكابَنا لَمّا تَزَلْ بِرِحالِنا وكَأنْ قَدِ
والمَقْصُودُ مِنهُ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ يَوْمَ القِيامَةِ قَرِيبٌ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ﴾ [القَمَرِ: ١] قالَ الزَّجّاجُ: إنَّما قِيلَ لَها آزِفَةٌ لِأنَّها قَرِيبَةٌ وإنِ اسْتَبْعَدَ النّاسُ مَداها، وما هو كائِنٌ فَهو قَرِيبٌ.
واعْلَمْ أنَّ الآزِفَةَ نَعْتٌ لِمَحْذُوفٍ مُؤَنَّثٍ عَلى تَقْدِيرِ: يَوْمَ القِيامَةِ الآزِفَةَ، أوْ يَوْمَ المُجازاةَ الآزِفَةَ، قالَ القَفّالُ: وأسْماءُ القِيامَةِ تَجْرِي عَلى التَّأْنِيثِ كالطّامَّةِ والحاقَّةِ ونَحْوِها، كَأنَّها يَرْجِعُ مَعْناها إلى الدّاهِيَةِ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِيَوْمِ الآزِفَةِ وقْتُ الآزِفَةِ وهي مُسارَعَتُهم إلى دُخُولِ النّارِ، فَإنَّ عِنْدَ ذَلِكَ تَرْتَفِعُ قُلُوبُهم عَنْ مَقارِّها مِن شِدَّةِ الخَوْفِ.
والقَوْلُ الثّالِثُ: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: يَوْمُ الآزِفَةِ يَوْمُ المَنِيَّةِ وحُضُورِ الأجَلِ، والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّهُ تَعالى وصَفَ يَوْمَ القِيامَةِ بِأنَّهُ يَوْمُ التَّلاقِ، و﴿يَوْمَ هم بارِزُونَ﴾ ثُمَّ قالَ بَعْدَهُ: ﴿وأنْذِرْهم يَوْمَ الآزِفَةِ﴾ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ هَذا اليَوْمُ غَيْرَ ذَلِكَ اليَوْمِ، وأيْضًا هَذِهِ الصِّفَةُ مَخْصُوصَةٌ في سائِرِ الآياتِ بِيَوْمِ المَوْتِ، قالَ تَعالى: ﴿فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ وأنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ﴾ [الواقِعَةِ: ٨٣] وقالَ: ﴿كَلّا إذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ﴾ [القِيامَةِ: ٢٦] وأيْضًا فَوَصْفُ يَوْمِ المَوْتِ بِالقُرْبِ أوْلى مِن وصْفِ يَوْمِ القِيامَةِ بِالقُرْبِ، وأيْضًا الصِّفاتُ المَذْكُورَةُ بَعْدَ قَوْلِهِ: الآزِفَةِ، لائِقَةٌ بِيَوْمِ حُضُورِ المَوْتِ؛ لِأنَّ الرَّجُلَ عِنْدَ مُعايَنَةِ مَلائِكَةِ العَذابِ يَعْظُمُ خَوْفُهُ، فَكَأنَّ قُلُوبَهم تَبْلُغُ حَناجِرَهم مِن شِدَّةِ الخَوْفِ، ويَبْقَوْا كاظِمِينَ ساكِتِينَ عَنْ ذِكْرِ ما في قُلُوبِهِمْ مِن شِدَّةِ الخَوْفِ، ولا يَكُونُ لَهم حَمِيمٌ ولا شَفِيعٌ يَدْفَعُ ما بِهِمْ مِن أنْواعِ الخَوْفِ والقَلَقِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿إذِ القُلُوبُ لَدى الحَناجِرِ كاظِمِينَ﴾ كِنايَةٌ عَنْ شِدَّةِ الخَوْفِ أوْ هو مَحْمُولٌ عَلى ظاهِرِهِ، قِيلَ: المُرادُ وصْفُ ذَلِكَ اليَوْمِ بِشِدَّةِ الخَوْفَ والفَزَعِ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ وتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَ﴾ [الأحْزابِ: ١٠] وقالَ: ﴿فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ وأنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ﴾ وقِيلَ: بَلْ هو مَحْمُولٌ عَلى ظاهِرِهِ، قالَ الحَسَنُ: القُلُوبُ انْتُزِعَتْ مِنَ الصُّدُورِ بِسَبَبِ شِدَّةِ الخَوْفِ ﴿وبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ﴾ فَلا تَخْرُجُ فَيَمُوتُوا، ولا تَرْجِعُ إلى مَواضِعِها فَيَتَنَفَّسُوا ويَتَرَوَّحُوا، ولَكِنَّها مَقْبُوضَةٌ كالسِّجالِ، كَما قالَ: ﴿فَلَمّا رَأوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [المُلْكِ: ٢٧] .
وقَوْلُهُ: ﴿كاظِمِينَ﴾ أيْ مَكْرُوبِينَ والكاظِمُ: السّاكِتُ حالَ امْتِلائِهِ غَمًّا وغَيْظًا، فَإنْ قِيلَ: بِمَ انْتَصَبَ ”كاظِمِينَ“؟ قُلْنا: هو حالُ أصْحابِ القُلُوبِ عَلى المَعْنى؛ لِأنَّ المُرادَ إذْ قُلُوبُهم لَدى الحَناجِرِ حالَ ”كاظِمِينَ“ كَوْنِهِمْ، ويَجُوزُ أيْضًا أنْ يَكُونَ حالًا عَنِ القُلُوبِ، وأنَّ القُلُوبَ كاظِمَةٌ عَلى غَمٍّ وكَرْبٍ فِيها مَعَ بُلُوغِها الحَناجِرَ، وإنَّما جَمَعَ الكاظِمَةِ جَمْعَ السَّلامَةِ لِأنَّهُ وصَفَها بِالكَظْمِ الَّذِي هو مِن أفْعالِ العُقَلاءِ كَما قالَ: ﴿رَأيْتُهم لِي ساجِدِينَ﴾ [يُوسُفَ: ٤] وقالَ: ﴿فَظَلَّتْ أعْناقُهم لَها خاضِعِينَ﴾
صفحة ٤٥
[الشُّعَراءِ: ٤] ويُعَضِّدُهُ قِراءَةُ مَن قَرَأ ”كاظِمُونَ“ وبِالجُمْلَةِ فالمَقْصُودُ مِنَ الآيَةِ تَقْرِيرُ أمْرَيْنِ؛ أحَدُهُما: الخَوْفُ الشَّدِيدُ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿إذِ القُلُوبُ لَدى الحَناجِرِ﴾، والثّانِي: العَجْزُ عَنِ الكَلامِ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿كاظِمِينَ﴾ فَإنَّ المَلْهُوفَ إذا قَدَرَ عَلى الكَلامِ حَصَلَتْ لَهُ خَفْقَةٌ وسُكُونٌ، أمّا إذا لَمْ يَقْدِرْ عَلى الكَلامِ وبَثِّ الشَّكْوى عَظُمَ قَلَقُهُ وقَوِيَ خَوْفُهُ.
* * *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: احْتَجَّ أكْثَرُ المُعْتَزِلَةِ في نَفْيِ الشَّفاعَةِ عَنِ المُذْنِبِينَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما لِلظّالِمِينَ مِن حَمِيمٍ ولا شَفِيعٍ يُطاعُ﴾ قالُوا: نَفى حُصُولَ شَفِيعٍ لَهم يُطاعُ فَوَجَبَ أنْ لا يَحْصُلَ لَهم هَذا الشَّفِيعُ، أجابَ أصْحابُنا عَنْهُ مِن وُجُوهٍ؛ الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى نَفى أنْ يَحْصُلَ لَهم شَفِيعٌ يُطاعُ، وهَذا لا يَدُلُّ عَلى نَفْيِ الشَّفِيعِ، ألا تَرى أنَّكَ إذا قُلْتَ: ما عِنْدِي كِتابٌ يُباعُ، فَهَذا يَقْتَضِي نَفْيَ كِتابٍ يُباعُ ولا يَقْتَضِي نَفْيَ الكِتابِ، وقالَتِ العَرَبُ:
ولا تَرى الضَّبَّ بِها يَنْجَحِرُ
ولَفْظُ الطّاعَةِ يَقْتَضِي حُصُولَ المَرْتَبَةِ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَيْسَ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ شَفِيعٌ يُطِيعُهُ اللَّهُ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ في الوُجُودِ أحَدٌ أعْلى حالًا مِنَ اللَّهِ تَعالى حَتّى يُقالَ: إنَّ اللَّهَ يُطِيعُهُ. الوَجْهُ الثّانِي في الجَوابِ أنَّ المُرادَ مِنَ الظّالِمِينَ هاهُنا الكُفّارُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ ورَدَتْ في زَجْرِ الكُفّارِ ﴿الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ﴾ [غافِرٍ: ٣٥] فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ مُخْتَصًّا بِهِمْ، وعِنْدَنا أنَّهُ لا شَفاعَةَ في حَقِّ الكُفّارِ. والثّالِثُ: أنَّ لَفْظَ الظّالِمِينَ، إمّا أنْ يُفِيدَ الِاسْتِغْراقَ، وإمّا أنْ لا يُفِيدَ، فَإنْ أفادَ الِاسْتِغْراقَ كانَ المُرادُ مِنَ الظّالِمِينَ مَجْمُوعَهم وجُمْلَتَهم، ويَدْخُلُ في مَجْمُوعِ هَذا الكَلامِ الكُفّارُ، وعِنْدَنا أنَّهُ لَيْسَ لِهَذا المَجْمُوعِ شَفِيعٌ؛ لِأنَّ بَعْضَ هَذا المَجْمُوعِ هُمُ الكُفّارُ ولَيْسَ لَهم شَفِيعٌ، فَحِينَئِذٍ لا يَكُونُ لِهَذا المَجْمُوعِ شَفِيعٌ، وإنْ لَمْ يُفِدِ الِاسْتِغْراقَ كانَ المُرادُ مِنَ الظّالِمِينَ بَعْضَ مَن كانَ مَوْصُوفًا بِهَذِهِ الصِّفَةِ، وعِنْدَنا أنَّ بَعْضَ المَوْصُوفِينَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ لَيْسَ لَهم شَفِيعٌ وهُمُ الكُفّارُ، أجابَ المُسْتَدِلُّونَ عَنِ السُّؤالِ الأوَّلِ، فَقالُوا: يَجِبُ حَمْلُ كَلامِ اللَّهِ تَعالى عَلى مَحْمَلٍ مُفِيدٍ، وكُلُّ أحَدٍ يَعْلَمُ أنَّهُ لَيْسَ في الوُجُودِ شَيْءٌ يُطِيعُهُ اللَّهُ؛ لِأنَّ المُطِيعَ أدْوَنُ حالًا مِنَ المُطاعِ، ولَيْسَ في الوُجُودِ شَيْءٌ أعْلى مَرْتَبَةً مِنَ اللَّهِ تَعالى حَتّى يُقالَ: إنَّ اللَّهَ يُطِيعُهُ، وإذا كانَ هَذا المَعْنى مَعْلُومًا بِالضَّرُورَةِ كانَ حَمْلُ الآيَةِ عَلَيْهِ إخْراجًا لَها عَنِ الفائِدَةِ، فَوَجَبَ حَمْلُ الطّاعَةِ عَلى الإجابَةِ، والَّذِي يَدُلُّ عَلى وُرُودِ لَفْظِ الطّاعَةِ بِمَعْنى الإجابَةِ قَوْلُ الشّاعِرِ:
رُبَّ مَن أنْضَجْتُ غَيْظًا صَدْرَهُ ∗∗∗ قَدْ تَمَنّى لِي مَوْتًا لَمْ يُطَعْ
أمّا السُّؤالُ الثّانِي: فَقَدْ أجابُوا عَنْهُ بِأنَّ لَفْظَ الظّالِمِينَ صِيغَةُ جَمْعٍ دَخَلَ عَلَيْها حَرْفُ التَّعْرِيفِ فَيُفِيدُ العُمُومَ، أقْصى ما في البابِ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ ورَدَتْ لِذَمِّ الكُفّارِ؛ لِأنَّ العِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ.
أمّا السُّؤالُ الثّالِثُ: فَجَوابُهُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ما لِلظّالِمِينَ مِن حَمِيمٍ﴾ يُفِيدُ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الظّالِمِينَ مَحْكُومٌ عَلَيْهِ بِأنَّهُ لَيْسَ لَهُ حَمِيمٌ ولا شَفِيعٌ يُطاعُ، فَهَذا تَمامُ كَلامِ القَوْمِ في تَقْرِيرِ ذَلِكَ الِاسْتِدْلالِ.
أجابَ أصْحابُنا عَنِ السُّؤالِ الأوَّلِ فَقالُوا: إنَّ القَوْمَ كانُوا يَقُولُونَ في الأصْنامِ: إنَّها شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ، وكانُوا يَقُولُونَ: إنَّها تَشْفَعُ لَنا عِنْدَ اللَّهِ مِن غَيْرِ حاجَةٍ فِيهِ إلى إذْنِ اللَّهِ، ولِهَذا السَّبَبِ رَدَّ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿مَن ذا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلّا بِإذْنِهِ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٥٥] فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ القَوْمَ اعْتَقَدُوا أنَّهُ يَجِبُ عَلى اللَّهِ إجابَةَ الأصْنامِ في تِلْكَ الشَّفاعَةِ، وهَذا نَوْعُ طاعَةٍ، فاللَّهُ تَعالى نَفى تِلْكَ الطّاعَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿ما لِلظّالِمِينَ مِن حَمِيمٍ ولا شَفِيعٍ يُطاعُ﴾
صفحة ٤٦
وأجابُوا عَنِ الكَلامِ الثّانِي بِأنْ قالُوا: الأصْلُ في حَرْفِ التَّعْرِيفِ أنْ يَنْصَرِفَ إلى المَعْهُودِ السّابِقِ، فَإذا دَخَلَ حَرْفُ التَّعْرِيفِ عَلى صِيغَةِ الجَمْعِ، وكانَ هُناكَ مَعْهُودٌ سابِقٌ انْصَرَفَ إلَيْهِ، وقَدْ حَصَلَ في هَذِهِ الآيَةِ مَعْهُودٌ سابِقٌ وهُمُ الكُفّارُ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ، فَوَجَبَ أنْ يَنْصَرِفَ إلَيْهِ، وأجابُوا عَنِ الكَلامِ الثّالِثِ بِأنْ قالُوا: قَوْلُهُ: ﴿ما لِلظّالِمِينَ مِن حَمِيمٍ ولا شَفِيعٍ يُطاعُ﴾ يَحْتَمِلُ عُمُومَ السَّلْبِ، ويَحْتَمِلُ سَلْبَ العُمُومِ، أمّا الأوَّلُ فَعَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الظّالِمِينَ مَحْكُومٌ عَلَيْهِ بِأنَّهُ لَيْسَ لَهُ حَمِيمٌ ولا شَفِيعٌ، وأمّا الثّانِي فَعَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّ مَجْمُوعَ الظّالِمِينَ لَيْسَ لَهم حَمِيمٌ ولا شَفِيعٌ، ولا يَلْزَمُ مِن نَفْيِ الحُكْمِ عَنِ المَجْمُوعِ نَفْيُهُ عَنْ كُلِّ واحِدٍ مِن آحادِ ذَلِكَ المَجْمُوعِ، والَّذِي يُؤَكِّدُ ما ذَكَرْناهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أأنْذَرْتَهم أمْ لَمْ تُنْذِرْهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ [البَقَرَةِ: ٦] فَقَوْلُهُ: إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لا يُؤْمِنُونَ، إنْ حَمَلْناهُ عَلى أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهم مَحْكُومٌ عَلَيْهِ بِأنَّهُ لا يُؤْمِنُ لَزِمَ وُقُوعُ الخُلْفِ في كَلامِ اللَّهِ؛ لِأنَّ كَثِيرًا مِمَّنْ كَفَرَ فَقَدْ آمَنَ بَعْدَ ذَلِكَ، أمّا لَوْ حَمَلْناهُ عَلى أنَّ مَجْمُوعَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا يُؤْمِنُونَ سَواءٌ آمَنَ بَعْضُهم أوْ لَمْ يُؤْمِن، صَدَقَ وتُخُلِّصَ عَنِ الخُلْفِ، فَلا جَرَمَ حَمَلْنا هَذِهِ الآيَةَ عَلى سَلْبِ العُمُومِ، ولَمْ نَحْمِلْها عَلى عُمُومِ السَّلْبِ، فَكَذا قَوْلُهُ: ﴿ما لِلظّالِمِينَ مِن حَمِيمٍ ولا شَفِيعٍ﴾ يَجِبُ حَمْلُهُ عَلى سَلْبِ العُمُومِ لا عَلى عُمُومِ السَّلْبِ، وحِينَئِذٍ بَطَلَ اسْتِدْلالُ المُعْتَزِلَةِ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَهَذا غايَةُ الكَلامِ في هَذا البابِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: في بَيانِ نَظْمِ الآيَةِ، فَنَقُولُ: إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ جَمِيعَ الأسْبابِ المُوجِبَةِ لِلْخَوْفِ. فَأوَّلُها: أنَّهُ سَمّى ذَلِكَ اليَوْمَ يَوْمَ الآزِفَةِ، أيْ يَوْمَ القُرْبِ مِن عَذابِهِ لِمَنِ ابْتُلِيَ بِالذَّنْبِ العَظِيمِ؛ لِأنَّهُ إذا قَرُبَ زَمانُ عُقُوبَتِهِ كانَ في أقْصى غاياتِ الخَوْفِ، حَتّى قِيلَ: إنَّ تِلْكَ الغُمُومَ والهُمُومَ أعْظَمُ في الإيحاشِ مِن عَيْنِ تِلْكَ العُقُوبَةِ.
والثّانِي قَوْلُهُ: ﴿إذِ القُلُوبُ لَدى الحَناجِرِ﴾ والمَعْنى أنَّهُ بَلَغَ ذَلِكَ الخَوْفُ إلى أنِ انْقَلَعَ القَلْبُ مِنَ الصَّدْرِ وارْتَفَعَ إلى الحَنْجَرَةِ والتَصَقَ بِها وصارَ مانِعًا مِن دُخُولِ النَّفَسِ. والثّالِثُ قَوْلُهُ: ﴿كاظِمِينَ﴾ والمَعْنى أنَّهُ لا يُمَكِنُهم أنْ يَنْطِقُوا وأنْ يَشْرَحُوا ما عِنْدَهم مِنَ الحُزْنِ والخَوْفِ، وذَلِكَ يُوجِبُ مَزِيدَ القَلَقِ والِاضْطِرابِ. والرّابِعُ قَوْلُهُ: ﴿ما لِلظّالِمِينَ مِن حَمِيمٍ ولا شَفِيعٍ يُطاعُ﴾ فَبَيَّنَ أنَّهُ لَيْسَ لَهم قَرِيبٌ يَنْفَعُهم، ولا شَفِيعٌ يُطاعُ فِيهِمْ فَتُقْبَلُ شَفاعَتَهُ. والخامِسُ قَوْلُهُ: ﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ وما تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ والمَعْنى أنَّهُ سُبْحانَهُ عالِمٌ لا يَعْزُبُ عَنْ عِلْمِهِ مِثْقالُ ذَرَّةٍ في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ، والحاكِمُ إذا بَلَغَ في العِلْمِ إلى هَذا الحَدِّ كانَ خَوْفُ المُذْنِبِ مِنهُ شَدِيدًا جِدًّا، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: الخائِنَةُ صِفَةُ النَّظْرَةِ أوْ مَصْدَرٌ بِمَعْنى الخائِنَةِ، كالعافِيَةِ المُعافاةِ، والمُرادُ اسْتِراقُ النَّظَرِ إلى ما لا يَحِلُّ كَما يَفْعَلُ أهْلُ الرِّيَبِ، والمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وما تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ مُضْمَراتُ القُلُوبِ، والحاصِلُ أنَّ الأفْعالَ قِسْمانِ: أفْعالُ الجَوارِحِ وأفْعالُ القُلُوبِ، أمّا أفْعالُ الجَوارِحِ، فَأخْفاها خائِنَةُ الأعْيُنِ، واللَّهُ أعْلَمُ بِها، فَكَيْفَ الحالُ في سائِرِ الأعْمالِ.
وأمّا أفْعالُ القُلُوبِ، فَهي مَعْلُومَةٌ لِلَّهِ تَعالى لِقَوْلِهِ: ﴿وما تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ فَدَلَّ هَذا عَلى كَوْنِهِ تَعالى عالِمًا بِجَمِيعِ أفْعالِهِمْ. السّادِسُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ يَقْضِي بِالحَقِّ﴾ وهَذا أيْضًا يُوجِبُ عِظَمَ الخَوْفِ؛ لِأنَّ الحاكِمَ إذا كانَ عالِمًا بِجَمِيعِ الأحْوالِ، وثَبَتَ مِنهُ أنَّهُ لا يَقْضِي إلّا بِالحَقِّ في كُلِّ ما دَقَّ وجَلَّ، كانَ خَوْفُ المُذْنِبِ مِنهُ في الغايَةِ القُصْوى. السّابِعُ: أنَّ الكُفّارَ إنَّما عَوَّلُوا في دَفْعِ العِقابِ عَنْ أنْفُسِهِمْ عَلى شَفاعَةِ هَذِهِ الأصْنامِ، وقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ لا فائِدَةَ فِيها البَتَّةَ، فَقالَ: ﴿والَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ﴾ الثّامِنُ: قَوْلُهُ ﴿إنَّ اللَّهَ هو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ أيْ يَسْمَعُ مِنَ الكُفّارِ ثَناءَهم عَلى الأصْنامِ، ولا يَسْمَعُ مِنهم ثَناءَهم عَلى اللَّهِ، ويُبْصِرُ خُضُوعَهم وسُجُودَهم لَهم، ولا يُبْصِرُ خُضُوعَهم
صفحة ٤٧
وتَواضُعَهم لِلَّهِ، فَهَذِهِ الأحْوالُ الثَّمانِيَةُ إذا اجْتَمَعَتْ في حَقِّ المُذْنِبِ الَّذِي عَظُمَ ذَنْبُهُ كانَ بالِغًا في التَّخْوِيفِ إلى الحَدِّ الَّذِي لا تُعْقَلُ الزِّيادَةُ عَلَيْهِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا بالَغَ في تَخْوِيفِ الكُفّارِ بِعَذابِ الآخِرَةِ أرْدَفَهُ بِبَيانِ تَخْوِيفِهِمْ بِأحْوالِ الدُّنْيا فَقالَ: ﴿أوَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِن قَبْلِهِمْ﴾ والمَعْنى أنَّ العاقِلَ مَنِ اعْتَبَرَ بِغَيْرِهِ، فَإنَّ الَّذِينَ مَضَوْا مِنَ الكُفّارِ كانُوا أشَدَّ قُوَّةً مِن هَؤُلاءِ الحاضِرِينَ مِنَ الكُفّارِ، وأقْوى آثارًا في الأرْضِ مِنهم، والمُرادُ حُصُونُهم وقُصُورُهم وعَساكِرُهم، فَلَمّا كَذَّبُوا رُسُلَهم أهْلَكَهُمُ اللَّهُ بِضُرُوبِ الهَلاكِ مُعَجِّلًا حَتّى إنَّ هَؤُلاءِ الحاضِرِينَ مِنَ الكُفّارِ يُشاهِدُونَ تِلْكَ الآثارَ، فَحَذَّرَهُمُ اللَّهُ تَعالى مِن مِثْلِ ذَلِكَ بِهَذا القَوْلِ، وبَيَّنَ بِقَوْلِهِ: ﴿وما كانَ لَهم مِنَ اللَّهِ مِن واقٍ﴾ أنَّهُ لَمّا نَزَلَ العَذابُ بِهِمْ عِنْدَ أخْذِهِ تَعالى لَهم لَمْ يَجِدُوا مَن يُعِينُهم ويُخَلِّصُهم، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ نَزَلَ بِهِمْ لِأجْلِ أنَّهم كَفَرُوا وكَذَّبُوا الرُّسُلَ، فَحَذَّرَ قَوْمَ الرَّسُولَ مِن مِثْلِهِ، وخَتَمَ الكَلامَ بِأنَّهُ ﴿قَوِيٌّ شَدِيدُ العِقابِ﴾ مُبالَغَةً في التَّحْذِيرِ والتَّخْوِيفِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ ”كانُوا هم أشَدَّ مِنكُمْ“ بِالكافِ، والباقُونَ بِالهاءِ. أمّا وجْهُ قِراءَةِ ابْنِ عامِرٍ فَهو انْصِرافٌ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ، كَقَوْلِهِ: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتِحَةِ: ٥] بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [الفاتِحَةِ: ١] والوَجْهُ في حُسْنِ هَذا الخِطابِ أنَّهُ في شَأْنِ أهْلِ مَكَّةَ، فَجَعَلَ الخِطابَ عَلى لَفْظِ المُخاطَبِ الحاضِرِ لِحُضُورِهِمْ، وهَذِهِ الآيَةُ في المَعْنى كَقَوْلِهِ: ﴿مَكَّنّاهم في الأرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ﴾ [الأنْعامِ: ٦] وأمّا قِراءَةُ الباقِينَ عَلى لَفْظِ الغَيْبَةِ فَلِأجْلِ مُوافَقَةِ ما قَبْلَهُ مِن ألْفاظِ الغَيْبَةِ.
غافر 40:22
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنْذِرْهم يَوْمَ الآزِفَةِ إذِ القُلُوبُ لَدى الحَناجِرِ كاظِمِينَ ما لِلظّالِمِينَ مِن حَمِيمٍ ولا شَفِيعٍ يُطاعُ﴾ ﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ وما تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ ﴿واللَّهُ يَقْضِي بِالحَقِّ والَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إنَّ اللَّهَ هو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾
صفحة ٤٤
﴿أوَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِن قَبْلِهِمْ كانُوا هم أشَدَّ مِنهم قُوَّةً وآثارًا في الأرْضِ فَأخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وما كانَ لَهم مِنَ اللَّهِ مِن واقٍ﴾ ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَكَفَرُوا فَأخَذَهُمُ اللَّهُ إنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ العِقابِ﴾
اعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذِهِ الآيَةِ وصْفُ يَوْمِ القِيامَةِ بِأنْواعٍ أُخْرى مِنَ الصِّفاتِ الهائِلَةِ المَهِيبَةِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: ذَكَرُوا في تَفْسِيرِ يَوْمِ الآزِفَةِ وُجُوهًا:
الأوَّلُ: أنَّ يَوْمَ الآزِفَةِ هو يَوْمُ القِيامَةِ، والآزِفَةُ فاعِلَةٌ مَن أزِفَ الأمْرُ: إذا دَنا وحَضَرَ؛ لِقَوْلِهِ في صِفَةِ يَوْمِ القِيامَةِ ﴿أزِفَتِ الآزِفَةُ لَيْسَ لَها مِن دُونِ اللَّهِ كاشِفَةٌ﴾ [النَّجْمِ: ٥٧ ] . وقالَ شاعِرٌ:
أزِفَ التَّرَحُّلُ غَيْرَ أنَّ رِكابَنا لَمّا تَزَلْ بِرِحالِنا وكَأنْ قَدِ
والمَقْصُودُ مِنهُ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ يَوْمَ القِيامَةِ قَرِيبٌ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ﴾ [القَمَرِ: ١] قالَ الزَّجّاجُ: إنَّما قِيلَ لَها آزِفَةٌ لِأنَّها قَرِيبَةٌ وإنِ اسْتَبْعَدَ النّاسُ مَداها، وما هو كائِنٌ فَهو قَرِيبٌ.
واعْلَمْ أنَّ الآزِفَةَ نَعْتٌ لِمَحْذُوفٍ مُؤَنَّثٍ عَلى تَقْدِيرِ: يَوْمَ القِيامَةِ الآزِفَةَ، أوْ يَوْمَ المُجازاةَ الآزِفَةَ، قالَ القَفّالُ: وأسْماءُ القِيامَةِ تَجْرِي عَلى التَّأْنِيثِ كالطّامَّةِ والحاقَّةِ ونَحْوِها، كَأنَّها يَرْجِعُ مَعْناها إلى الدّاهِيَةِ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِيَوْمِ الآزِفَةِ وقْتُ الآزِفَةِ وهي مُسارَعَتُهم إلى دُخُولِ النّارِ، فَإنَّ عِنْدَ ذَلِكَ تَرْتَفِعُ قُلُوبُهم عَنْ مَقارِّها مِن شِدَّةِ الخَوْفِ.
والقَوْلُ الثّالِثُ: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: يَوْمُ الآزِفَةِ يَوْمُ المَنِيَّةِ وحُضُورِ الأجَلِ، والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّهُ تَعالى وصَفَ يَوْمَ القِيامَةِ بِأنَّهُ يَوْمُ التَّلاقِ، و﴿يَوْمَ هم بارِزُونَ﴾ ثُمَّ قالَ بَعْدَهُ: ﴿وأنْذِرْهم يَوْمَ الآزِفَةِ﴾ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ هَذا اليَوْمُ غَيْرَ ذَلِكَ اليَوْمِ، وأيْضًا هَذِهِ الصِّفَةُ مَخْصُوصَةٌ في سائِرِ الآياتِ بِيَوْمِ المَوْتِ، قالَ تَعالى: ﴿فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ وأنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ﴾ [الواقِعَةِ: ٨٣] وقالَ: ﴿كَلّا إذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ﴾ [القِيامَةِ: ٢٦] وأيْضًا فَوَصْفُ يَوْمِ المَوْتِ بِالقُرْبِ أوْلى مِن وصْفِ يَوْمِ القِيامَةِ بِالقُرْبِ، وأيْضًا الصِّفاتُ المَذْكُورَةُ بَعْدَ قَوْلِهِ: الآزِفَةِ، لائِقَةٌ بِيَوْمِ حُضُورِ المَوْتِ؛ لِأنَّ الرَّجُلَ عِنْدَ مُعايَنَةِ مَلائِكَةِ العَذابِ يَعْظُمُ خَوْفُهُ، فَكَأنَّ قُلُوبَهم تَبْلُغُ حَناجِرَهم مِن شِدَّةِ الخَوْفِ، ويَبْقَوْا كاظِمِينَ ساكِتِينَ عَنْ ذِكْرِ ما في قُلُوبِهِمْ مِن شِدَّةِ الخَوْفِ، ولا يَكُونُ لَهم حَمِيمٌ ولا شَفِيعٌ يَدْفَعُ ما بِهِمْ مِن أنْواعِ الخَوْفِ والقَلَقِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿إذِ القُلُوبُ لَدى الحَناجِرِ كاظِمِينَ﴾ كِنايَةٌ عَنْ شِدَّةِ الخَوْفِ أوْ هو مَحْمُولٌ عَلى ظاهِرِهِ، قِيلَ: المُرادُ وصْفُ ذَلِكَ اليَوْمِ بِشِدَّةِ الخَوْفَ والفَزَعِ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ وتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَ﴾ [الأحْزابِ: ١٠] وقالَ: ﴿فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ وأنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ﴾ وقِيلَ: بَلْ هو مَحْمُولٌ عَلى ظاهِرِهِ، قالَ الحَسَنُ: القُلُوبُ انْتُزِعَتْ مِنَ الصُّدُورِ بِسَبَبِ شِدَّةِ الخَوْفِ ﴿وبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ﴾ فَلا تَخْرُجُ فَيَمُوتُوا، ولا تَرْجِعُ إلى مَواضِعِها فَيَتَنَفَّسُوا ويَتَرَوَّحُوا، ولَكِنَّها مَقْبُوضَةٌ كالسِّجالِ، كَما قالَ: ﴿فَلَمّا رَأوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [المُلْكِ: ٢٧] .
وقَوْلُهُ: ﴿كاظِمِينَ﴾ أيْ مَكْرُوبِينَ والكاظِمُ: السّاكِتُ حالَ امْتِلائِهِ غَمًّا وغَيْظًا، فَإنْ قِيلَ: بِمَ انْتَصَبَ ”كاظِمِينَ“؟ قُلْنا: هو حالُ أصْحابِ القُلُوبِ عَلى المَعْنى؛ لِأنَّ المُرادَ إذْ قُلُوبُهم لَدى الحَناجِرِ حالَ ”كاظِمِينَ“ كَوْنِهِمْ، ويَجُوزُ أيْضًا أنْ يَكُونَ حالًا عَنِ القُلُوبِ، وأنَّ القُلُوبَ كاظِمَةٌ عَلى غَمٍّ وكَرْبٍ فِيها مَعَ بُلُوغِها الحَناجِرَ، وإنَّما جَمَعَ الكاظِمَةِ جَمْعَ السَّلامَةِ لِأنَّهُ وصَفَها بِالكَظْمِ الَّذِي هو مِن أفْعالِ العُقَلاءِ كَما قالَ: ﴿رَأيْتُهم لِي ساجِدِينَ﴾ [يُوسُفَ: ٤] وقالَ: ﴿فَظَلَّتْ أعْناقُهم لَها خاضِعِينَ﴾
صفحة ٤٥
[الشُّعَراءِ: ٤] ويُعَضِّدُهُ قِراءَةُ مَن قَرَأ ”كاظِمُونَ“ وبِالجُمْلَةِ فالمَقْصُودُ مِنَ الآيَةِ تَقْرِيرُ أمْرَيْنِ؛ أحَدُهُما: الخَوْفُ الشَّدِيدُ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿إذِ القُلُوبُ لَدى الحَناجِرِ﴾، والثّانِي: العَجْزُ عَنِ الكَلامِ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿كاظِمِينَ﴾ فَإنَّ المَلْهُوفَ إذا قَدَرَ عَلى الكَلامِ حَصَلَتْ لَهُ خَفْقَةٌ وسُكُونٌ، أمّا إذا لَمْ يَقْدِرْ عَلى الكَلامِ وبَثِّ الشَّكْوى عَظُمَ قَلَقُهُ وقَوِيَ خَوْفُهُ.
* * *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: احْتَجَّ أكْثَرُ المُعْتَزِلَةِ في نَفْيِ الشَّفاعَةِ عَنِ المُذْنِبِينَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما لِلظّالِمِينَ مِن حَمِيمٍ ولا شَفِيعٍ يُطاعُ﴾ قالُوا: نَفى حُصُولَ شَفِيعٍ لَهم يُطاعُ فَوَجَبَ أنْ لا يَحْصُلَ لَهم هَذا الشَّفِيعُ، أجابَ أصْحابُنا عَنْهُ مِن وُجُوهٍ؛ الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى نَفى أنْ يَحْصُلَ لَهم شَفِيعٌ يُطاعُ، وهَذا لا يَدُلُّ عَلى نَفْيِ الشَّفِيعِ، ألا تَرى أنَّكَ إذا قُلْتَ: ما عِنْدِي كِتابٌ يُباعُ، فَهَذا يَقْتَضِي نَفْيَ كِتابٍ يُباعُ ولا يَقْتَضِي نَفْيَ الكِتابِ، وقالَتِ العَرَبُ:
ولا تَرى الضَّبَّ بِها يَنْجَحِرُ
ولَفْظُ الطّاعَةِ يَقْتَضِي حُصُولَ المَرْتَبَةِ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَيْسَ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ شَفِيعٌ يُطِيعُهُ اللَّهُ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ في الوُجُودِ أحَدٌ أعْلى حالًا مِنَ اللَّهِ تَعالى حَتّى يُقالَ: إنَّ اللَّهَ يُطِيعُهُ. الوَجْهُ الثّانِي في الجَوابِ أنَّ المُرادَ مِنَ الظّالِمِينَ هاهُنا الكُفّارُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ ورَدَتْ في زَجْرِ الكُفّارِ ﴿الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ﴾ [غافِرٍ: ٣٥] فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ مُخْتَصًّا بِهِمْ، وعِنْدَنا أنَّهُ لا شَفاعَةَ في حَقِّ الكُفّارِ. والثّالِثُ: أنَّ لَفْظَ الظّالِمِينَ، إمّا أنْ يُفِيدَ الِاسْتِغْراقَ، وإمّا أنْ لا يُفِيدَ، فَإنْ أفادَ الِاسْتِغْراقَ كانَ المُرادُ مِنَ الظّالِمِينَ مَجْمُوعَهم وجُمْلَتَهم، ويَدْخُلُ في مَجْمُوعِ هَذا الكَلامِ الكُفّارُ، وعِنْدَنا أنَّهُ لَيْسَ لِهَذا المَجْمُوعِ شَفِيعٌ؛ لِأنَّ بَعْضَ هَذا المَجْمُوعِ هُمُ الكُفّارُ ولَيْسَ لَهم شَفِيعٌ، فَحِينَئِذٍ لا يَكُونُ لِهَذا المَجْمُوعِ شَفِيعٌ، وإنْ لَمْ يُفِدِ الِاسْتِغْراقَ كانَ المُرادُ مِنَ الظّالِمِينَ بَعْضَ مَن كانَ مَوْصُوفًا بِهَذِهِ الصِّفَةِ، وعِنْدَنا أنَّ بَعْضَ المَوْصُوفِينَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ لَيْسَ لَهم شَفِيعٌ وهُمُ الكُفّارُ، أجابَ المُسْتَدِلُّونَ عَنِ السُّؤالِ الأوَّلِ، فَقالُوا: يَجِبُ حَمْلُ كَلامِ اللَّهِ تَعالى عَلى مَحْمَلٍ مُفِيدٍ، وكُلُّ أحَدٍ يَعْلَمُ أنَّهُ لَيْسَ في الوُجُودِ شَيْءٌ يُطِيعُهُ اللَّهُ؛ لِأنَّ المُطِيعَ أدْوَنُ حالًا مِنَ المُطاعِ، ولَيْسَ في الوُجُودِ شَيْءٌ أعْلى مَرْتَبَةً مِنَ اللَّهِ تَعالى حَتّى يُقالَ: إنَّ اللَّهَ يُطِيعُهُ، وإذا كانَ هَذا المَعْنى مَعْلُومًا بِالضَّرُورَةِ كانَ حَمْلُ الآيَةِ عَلَيْهِ إخْراجًا لَها عَنِ الفائِدَةِ، فَوَجَبَ حَمْلُ الطّاعَةِ عَلى الإجابَةِ، والَّذِي يَدُلُّ عَلى وُرُودِ لَفْظِ الطّاعَةِ بِمَعْنى الإجابَةِ قَوْلُ الشّاعِرِ:
رُبَّ مَن أنْضَجْتُ غَيْظًا صَدْرَهُ ∗∗∗ قَدْ تَمَنّى لِي مَوْتًا لَمْ يُطَعْ
أمّا السُّؤالُ الثّانِي: فَقَدْ أجابُوا عَنْهُ بِأنَّ لَفْظَ الظّالِمِينَ صِيغَةُ جَمْعٍ دَخَلَ عَلَيْها حَرْفُ التَّعْرِيفِ فَيُفِيدُ العُمُومَ، أقْصى ما في البابِ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ ورَدَتْ لِذَمِّ الكُفّارِ؛ لِأنَّ العِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ.
أمّا السُّؤالُ الثّالِثُ: فَجَوابُهُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ما لِلظّالِمِينَ مِن حَمِيمٍ﴾ يُفِيدُ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الظّالِمِينَ مَحْكُومٌ عَلَيْهِ بِأنَّهُ لَيْسَ لَهُ حَمِيمٌ ولا شَفِيعٌ يُطاعُ، فَهَذا تَمامُ كَلامِ القَوْمِ في تَقْرِيرِ ذَلِكَ الِاسْتِدْلالِ.
أجابَ أصْحابُنا عَنِ السُّؤالِ الأوَّلِ فَقالُوا: إنَّ القَوْمَ كانُوا يَقُولُونَ في الأصْنامِ: إنَّها شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ، وكانُوا يَقُولُونَ: إنَّها تَشْفَعُ لَنا عِنْدَ اللَّهِ مِن غَيْرِ حاجَةٍ فِيهِ إلى إذْنِ اللَّهِ، ولِهَذا السَّبَبِ رَدَّ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿مَن ذا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلّا بِإذْنِهِ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٥٥] فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ القَوْمَ اعْتَقَدُوا أنَّهُ يَجِبُ عَلى اللَّهِ إجابَةَ الأصْنامِ في تِلْكَ الشَّفاعَةِ، وهَذا نَوْعُ طاعَةٍ، فاللَّهُ تَعالى نَفى تِلْكَ الطّاعَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿ما لِلظّالِمِينَ مِن حَمِيمٍ ولا شَفِيعٍ يُطاعُ﴾
صفحة ٤٦
وأجابُوا عَنِ الكَلامِ الثّانِي بِأنْ قالُوا: الأصْلُ في حَرْفِ التَّعْرِيفِ أنْ يَنْصَرِفَ إلى المَعْهُودِ السّابِقِ، فَإذا دَخَلَ حَرْفُ التَّعْرِيفِ عَلى صِيغَةِ الجَمْعِ، وكانَ هُناكَ مَعْهُودٌ سابِقٌ انْصَرَفَ إلَيْهِ، وقَدْ حَصَلَ في هَذِهِ الآيَةِ مَعْهُودٌ سابِقٌ وهُمُ الكُفّارُ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ، فَوَجَبَ أنْ يَنْصَرِفَ إلَيْهِ، وأجابُوا عَنِ الكَلامِ الثّالِثِ بِأنْ قالُوا: قَوْلُهُ: ﴿ما لِلظّالِمِينَ مِن حَمِيمٍ ولا شَفِيعٍ يُطاعُ﴾ يَحْتَمِلُ عُمُومَ السَّلْبِ، ويَحْتَمِلُ سَلْبَ العُمُومِ، أمّا الأوَّلُ فَعَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الظّالِمِينَ مَحْكُومٌ عَلَيْهِ بِأنَّهُ لَيْسَ لَهُ حَمِيمٌ ولا شَفِيعٌ، وأمّا الثّانِي فَعَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّ مَجْمُوعَ الظّالِمِينَ لَيْسَ لَهم حَمِيمٌ ولا شَفِيعٌ، ولا يَلْزَمُ مِن نَفْيِ الحُكْمِ عَنِ المَجْمُوعِ نَفْيُهُ عَنْ كُلِّ واحِدٍ مِن آحادِ ذَلِكَ المَجْمُوعِ، والَّذِي يُؤَكِّدُ ما ذَكَرْناهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أأنْذَرْتَهم أمْ لَمْ تُنْذِرْهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ [البَقَرَةِ: ٦] فَقَوْلُهُ: إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لا يُؤْمِنُونَ، إنْ حَمَلْناهُ عَلى أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهم مَحْكُومٌ عَلَيْهِ بِأنَّهُ لا يُؤْمِنُ لَزِمَ وُقُوعُ الخُلْفِ في كَلامِ اللَّهِ؛ لِأنَّ كَثِيرًا مِمَّنْ كَفَرَ فَقَدْ آمَنَ بَعْدَ ذَلِكَ، أمّا لَوْ حَمَلْناهُ عَلى أنَّ مَجْمُوعَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا يُؤْمِنُونَ سَواءٌ آمَنَ بَعْضُهم أوْ لَمْ يُؤْمِن، صَدَقَ وتُخُلِّصَ عَنِ الخُلْفِ، فَلا جَرَمَ حَمَلْنا هَذِهِ الآيَةَ عَلى سَلْبِ العُمُومِ، ولَمْ نَحْمِلْها عَلى عُمُومِ السَّلْبِ، فَكَذا قَوْلُهُ: ﴿ما لِلظّالِمِينَ مِن حَمِيمٍ ولا شَفِيعٍ﴾ يَجِبُ حَمْلُهُ عَلى سَلْبِ العُمُومِ لا عَلى عُمُومِ السَّلْبِ، وحِينَئِذٍ بَطَلَ اسْتِدْلالُ المُعْتَزِلَةِ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَهَذا غايَةُ الكَلامِ في هَذا البابِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: في بَيانِ نَظْمِ الآيَةِ، فَنَقُولُ: إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ جَمِيعَ الأسْبابِ المُوجِبَةِ لِلْخَوْفِ. فَأوَّلُها: أنَّهُ سَمّى ذَلِكَ اليَوْمَ يَوْمَ الآزِفَةِ، أيْ يَوْمَ القُرْبِ مِن عَذابِهِ لِمَنِ ابْتُلِيَ بِالذَّنْبِ العَظِيمِ؛ لِأنَّهُ إذا قَرُبَ زَمانُ عُقُوبَتِهِ كانَ في أقْصى غاياتِ الخَوْفِ، حَتّى قِيلَ: إنَّ تِلْكَ الغُمُومَ والهُمُومَ أعْظَمُ في الإيحاشِ مِن عَيْنِ تِلْكَ العُقُوبَةِ.
والثّانِي قَوْلُهُ: ﴿إذِ القُلُوبُ لَدى الحَناجِرِ﴾ والمَعْنى أنَّهُ بَلَغَ ذَلِكَ الخَوْفُ إلى أنِ انْقَلَعَ القَلْبُ مِنَ الصَّدْرِ وارْتَفَعَ إلى الحَنْجَرَةِ والتَصَقَ بِها وصارَ مانِعًا مِن دُخُولِ النَّفَسِ. والثّالِثُ قَوْلُهُ: ﴿كاظِمِينَ﴾ والمَعْنى أنَّهُ لا يُمَكِنُهم أنْ يَنْطِقُوا وأنْ يَشْرَحُوا ما عِنْدَهم مِنَ الحُزْنِ والخَوْفِ، وذَلِكَ يُوجِبُ مَزِيدَ القَلَقِ والِاضْطِرابِ. والرّابِعُ قَوْلُهُ: ﴿ما لِلظّالِمِينَ مِن حَمِيمٍ ولا شَفِيعٍ يُطاعُ﴾ فَبَيَّنَ أنَّهُ لَيْسَ لَهم قَرِيبٌ يَنْفَعُهم، ولا شَفِيعٌ يُطاعُ فِيهِمْ فَتُقْبَلُ شَفاعَتَهُ. والخامِسُ قَوْلُهُ: ﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ وما تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ والمَعْنى أنَّهُ سُبْحانَهُ عالِمٌ لا يَعْزُبُ عَنْ عِلْمِهِ مِثْقالُ ذَرَّةٍ في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ، والحاكِمُ إذا بَلَغَ في العِلْمِ إلى هَذا الحَدِّ كانَ خَوْفُ المُذْنِبِ مِنهُ شَدِيدًا جِدًّا، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: الخائِنَةُ صِفَةُ النَّظْرَةِ أوْ مَصْدَرٌ بِمَعْنى الخائِنَةِ، كالعافِيَةِ المُعافاةِ، والمُرادُ اسْتِراقُ النَّظَرِ إلى ما لا يَحِلُّ كَما يَفْعَلُ أهْلُ الرِّيَبِ، والمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وما تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ مُضْمَراتُ القُلُوبِ، والحاصِلُ أنَّ الأفْعالَ قِسْمانِ: أفْعالُ الجَوارِحِ وأفْعالُ القُلُوبِ، أمّا أفْعالُ الجَوارِحِ، فَأخْفاها خائِنَةُ الأعْيُنِ، واللَّهُ أعْلَمُ بِها، فَكَيْفَ الحالُ في سائِرِ الأعْمالِ.
وأمّا أفْعالُ القُلُوبِ، فَهي مَعْلُومَةٌ لِلَّهِ تَعالى لِقَوْلِهِ: ﴿وما تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ فَدَلَّ هَذا عَلى كَوْنِهِ تَعالى عالِمًا بِجَمِيعِ أفْعالِهِمْ. السّادِسُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ يَقْضِي بِالحَقِّ﴾ وهَذا أيْضًا يُوجِبُ عِظَمَ الخَوْفِ؛ لِأنَّ الحاكِمَ إذا كانَ عالِمًا بِجَمِيعِ الأحْوالِ، وثَبَتَ مِنهُ أنَّهُ لا يَقْضِي إلّا بِالحَقِّ في كُلِّ ما دَقَّ وجَلَّ، كانَ خَوْفُ المُذْنِبِ مِنهُ في الغايَةِ القُصْوى. السّابِعُ: أنَّ الكُفّارَ إنَّما عَوَّلُوا في دَفْعِ العِقابِ عَنْ أنْفُسِهِمْ عَلى شَفاعَةِ هَذِهِ الأصْنامِ، وقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ لا فائِدَةَ فِيها البَتَّةَ، فَقالَ: ﴿والَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ﴾ الثّامِنُ: قَوْلُهُ ﴿إنَّ اللَّهَ هو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ أيْ يَسْمَعُ مِنَ الكُفّارِ ثَناءَهم عَلى الأصْنامِ، ولا يَسْمَعُ مِنهم ثَناءَهم عَلى اللَّهِ، ويُبْصِرُ خُضُوعَهم وسُجُودَهم لَهم، ولا يُبْصِرُ خُضُوعَهم
صفحة ٤٧
وتَواضُعَهم لِلَّهِ، فَهَذِهِ الأحْوالُ الثَّمانِيَةُ إذا اجْتَمَعَتْ في حَقِّ المُذْنِبِ الَّذِي عَظُمَ ذَنْبُهُ كانَ بالِغًا في التَّخْوِيفِ إلى الحَدِّ الَّذِي لا تُعْقَلُ الزِّيادَةُ عَلَيْهِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا بالَغَ في تَخْوِيفِ الكُفّارِ بِعَذابِ الآخِرَةِ أرْدَفَهُ بِبَيانِ تَخْوِيفِهِمْ بِأحْوالِ الدُّنْيا فَقالَ: ﴿أوَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِن قَبْلِهِمْ﴾ والمَعْنى أنَّ العاقِلَ مَنِ اعْتَبَرَ بِغَيْرِهِ، فَإنَّ الَّذِينَ مَضَوْا مِنَ الكُفّارِ كانُوا أشَدَّ قُوَّةً مِن هَؤُلاءِ الحاضِرِينَ مِنَ الكُفّارِ، وأقْوى آثارًا في الأرْضِ مِنهم، والمُرادُ حُصُونُهم وقُصُورُهم وعَساكِرُهم، فَلَمّا كَذَّبُوا رُسُلَهم أهْلَكَهُمُ اللَّهُ بِضُرُوبِ الهَلاكِ مُعَجِّلًا حَتّى إنَّ هَؤُلاءِ الحاضِرِينَ مِنَ الكُفّارِ يُشاهِدُونَ تِلْكَ الآثارَ، فَحَذَّرَهُمُ اللَّهُ تَعالى مِن مِثْلِ ذَلِكَ بِهَذا القَوْلِ، وبَيَّنَ بِقَوْلِهِ: ﴿وما كانَ لَهم مِنَ اللَّهِ مِن واقٍ﴾ أنَّهُ لَمّا نَزَلَ العَذابُ بِهِمْ عِنْدَ أخْذِهِ تَعالى لَهم لَمْ يَجِدُوا مَن يُعِينُهم ويُخَلِّصُهم، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ نَزَلَ بِهِمْ لِأجْلِ أنَّهم كَفَرُوا وكَذَّبُوا الرُّسُلَ، فَحَذَّرَ قَوْمَ الرَّسُولَ مِن مِثْلِهِ، وخَتَمَ الكَلامَ بِأنَّهُ ﴿قَوِيٌّ شَدِيدُ العِقابِ﴾ مُبالَغَةً في التَّحْذِيرِ والتَّخْوِيفِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ ”كانُوا هم أشَدَّ مِنكُمْ“ بِالكافِ، والباقُونَ بِالهاءِ. أمّا وجْهُ قِراءَةِ ابْنِ عامِرٍ فَهو انْصِرافٌ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ، كَقَوْلِهِ: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتِحَةِ: ٥] بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [الفاتِحَةِ: ١] والوَجْهُ في حُسْنِ هَذا الخِطابِ أنَّهُ في شَأْنِ أهْلِ مَكَّةَ، فَجَعَلَ الخِطابَ عَلى لَفْظِ المُخاطَبِ الحاضِرِ لِحُضُورِهِمْ، وهَذِهِ الآيَةُ في المَعْنى كَقَوْلِهِ: ﴿مَكَّنّاهم في الأرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ﴾ [الأنْعامِ: ٦] وأمّا قِراءَةُ الباقِينَ عَلى لَفْظِ الغَيْبَةِ فَلِأجْلِ مُوافَقَةِ ما قَبْلَهُ مِن ألْفاظِ الغَيْبَةِ.
غافر 40:23
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ ﴿إلى فِرْعَوْنَ وهامانَ وقارُونَ فَقالُوا ساحِرٌ كَذّابٌ﴾ ﴿فَلَمّا جاءَهم بِالحَقِّ مِن عِنْدِنا قالُوا اقْتُلُوا أبْناءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ واسْتَحْيُوا نِساءَهم وما كَيْدُ الكافِرِينَ إلّا في ضَلالٍ﴾ ﴿وقالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أقْتُلْ مُوسى ولْيَدْعُ رَبَّهُ إنِّي أخافُ أنْ يُبَدِّلَ دِينَكم أوْ أنْ يُظْهِرَ في الأرْضِ الفَسادَ﴾ ﴿وقالَ مُوسى إنِّي عُذْتُ بِرَبِّي ورَبِّكم مِن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الحِسابِ﴾
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا سَلّى رَسُولَهُ بِذِكْرِ الكُفّارِ الَّذِينَ كَذَّبُوا الأنْبِياءَ قَبْلَهُ وبِمُشاهَدَةِ آثارِهِمْ، سَلّاهُ أيْضًا بِذِكْرِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وأنَّهُ مَعَ قُوَّةِ مُعْجِزاتِهِ بَعَثَهُ إلى فِرْعَوْنَ وهامانَ وقارُونَ فَكَذَّبُوهُ وكابَرُوهُ، وقالُوا: هو ساحِرٌ كَذّابٌ.
واعْلَمْ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، لَمّا جاءَهم بِتِلْكَ المُعْجِزاتِ الباهِرَةِ وبِالنُّبُوَّةِ، وهي المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا جاءَهم بِالحَقِّ مِن عِنْدِنا﴾ حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهم ما صَدَرَ عَنْهم مِنَ الجَهالاتِ. فالأوَّلُ: أنَّهم وصَفُوهُ بِكَوْنِهِ
صفحة ٤٨
ساحِرًا كَذّابًا، وهَذا في غايَةِ البُعْدِ؛ لِأنَّ تِلْكَ المُعْجِزاتِ كانَتْ قَدْ بَلَغَتْ في القُوَّةِ والظُّهُورِ إلى حَيْثُ يَشْهَدُ كُلُّ ذِي عَقْلٍ سَلِيمٍ بِأنَّهُ لَيْسَ مِنَ السِّحْرِ البَتَّةَ. الثّانِي: أنَّهم قالُوا: ﴿اقْتُلُوا أبْناءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ واسْتَحْيُوا نِساءَهُمْ﴾ والصَّحِيحُ أنَّ هَذا القَتْلَ غَيْرُ القَتْلِ الَّذِي وقَعَ في وقْتِ وِلادَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ؛ لِأنَّ في ذَلِكَ الوَقْتِ أخْبَرَهُ المُنَجِّمُونَ بِوِلادَةِ عَدُوٍّ لَهُ يَظْهَرُ عَلَيْهِ، فَأمَرَ بِقَتْلِ الأوْلادِ في ذَلِكَ الوَقْتِ، وأمّا في هَذا الوَقْتِ فَمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ جاءَهُ وأظْهَرَ المُعْجِزاتِ الظّاهِرَةَ، فَعِنْدَ هَذا أمَرَ بِقَتْلِ أبْناءِ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ؛ لِئَلّا يَنْشَئُوا عَلى دِينِ مُوسى فَيَقْوى بِهِمْ، وهَذِهِ العِلَّةُ مُخْتَصَّةٌ بِالبَنِينَ دُونَ البَناتِ، فَلِهَذا السَّبَبِ أمَرَ بِقَتْلِ الأبْناءِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما كَيْدُ الكافِرِينَ إلّا في ضَلالٍ﴾ ومَعْناهُ أنَّ جَمِيعَ ما يَسْعَوْنَ فِيهِ مِن مُكايَدَةِ مُوسى ومُكايَدَةِ مَن آمَنِ مَعَهُ يَبْطُلُ؛ لِأنَّ ﴿ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنّاسِ مِن رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها﴾ [فاطِرٍ: ٢] . النَّوْعُ الثّالِثُ مِن قَبائِحَ أفْعالِ أُولَئِكَ الكُفّارِ مَعَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ما حَكاهُ اللَّهُ تَعالى: ﴿وقالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أقْتُلْ مُوسى﴾ وهَذا الكَلامُ كالدَّلالَةِ عَلى أنَّهم كانُوا يَمْنَعُونَهُ مِن قَتْلِهِ، وفِيهِ احْتِمالانِ:
والِاحْتِمالُ الأوَّلُ: أنَّهم مَنَعُوهُ مِن قَتْلِهِ لِوُجُوهٍ؛ الأوَّلُ: لَعَلَّهُ كانَ فِيهِمْ مَن يَعْتَقِدُ بِقَلْبِهِ كَوْنَ مُوسى صادِقًا، فَيَأْتِي بِوُجُوهِ الحِيَلِ في مَنعِ فِرْعَوْنَ مِن قَتْلِهِ. الثّانِي: قالَ الحَسَنُ: إنَّ أصْحابَهُ قالُوا لَهُ: لا تَقْتُلْهُ فَإنَّما هو ساحِرٌ ضَعِيفٌ ولا يُمْكِنُهُ أنْ يَغْلِبَ سَحَرَتَكَ، وإنْ قَتَلْتَهُ أدْخَلْتَ الشُّبْهَةَ عَلى النّاسِ وقالُوا: إنَّهُ كانَ مُحِقًّا وعَجَزُوا عَنْ جَوابِهِ فَقَتَلُوهُ. الثّالِثُ: لَعَلَّهم كانُوا يَحْتالُونَ في مَنعِهِ مِن قَتْلِهِ؛ لِأجْلِ أنْ يَبْقى فِرْعَوْنُ مَشْغُولَ القَلْبِ بِمُوسى فَلا يَتَفَرَّغُ لِتَأْدِيبِ أُولَئِكَ الأقْوامِ، فَإنَّ مِن شَأْنِ الأُمَراءِ أنْ يَشْغَلُوا قَلْبَ مَلِكِهِمْ بِخَصْمٍ خارِجِيٍّ حَتّى يَصِيرُوا آمَنِينَ مِن شَرِّ ذَلِكَ المَلِكِ.
والِاحْتِمالُ الثّانِي: أنَّ أحَدًا ما مَنَعَ فِرْعَوْنَ مِن قَتْلِ مُوسى، وأنَّهُ كانَ يُرِيدُ أنْ يَقْتُلَهُ إلّا أنَّهُ كانَ خائِفًا مِن أنَّهُ لَوْ حاوَلَ قَتْلَهُ لَظَهَرَتْ مُعْجِزاتٌ قاهِرَةٌ تَمْنَعُهُ مِن قَتْلِهِ فَيَفْتَضِحُ، إلّا أنَّهُ لِوَقاحَتِهِ قالَ: ﴿ذَرُونِي أقْتُلْ مُوسى﴾ وغَرَضُهُ مِنهُ أنَّهُ إنَّما امْتَنَعَ عَنْ قَتْلِهِ رِعايَةً لِقُلُوبِ أصْحابِهِ، وغَرَضُهُ مِنهُ إخْفاءُ خَوْفِهِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿ولْيَدْعُ رَبَّهُ﴾ فَإنَّما ذَكَرَهُ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ يَعْنِي أنِّي أقْتُلُهُ فَلْيَقُلْ لِرَبِّهِ حَتّى يُخَلِّصَهُ مِنِّي.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿إنِّي أخافُ أنْ يُبَدِّلَ دِينَكم أوْ أنْ يُظْهِرَ في الأرْضِ الفَسادَ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: فَتَحَ ابْنُ كَثِيرٍ الياءَ مِن قَوْلِهِ: ﴿ذَرُونِي﴾ وفَتَحَ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو الياءَ مِن ﴿إنِّي أخافُ﴾ وأيْضًا قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عُمَرَ ”وأنْ يُظْهِرُوا“ بِالواوِ وبِحَذْفِ (أوْ) يَعْنِي أنَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَ تَبْدِيلِ الدِّينِ وبَيْنَ إظْهارِ المَفاسِدِ، والَّذِينَ قَرَءُوا بِصِيغَةِ (أوْ) فَمَعْناهُ أنَّهُ لا بُدَّ مِن وُقُوعِ أحَدِ الأمْرَيْنِ وقُرِئَ ”يُظْهِرَ“ بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الهاءِ و(الفَسادَ) بِالنَّصْبِ عَلى التَّعْدِيَةِ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِلَفْظِ (أوْ يَظْهَرَ) بِفَتْحِ الياءِ والهاءِ، و(الفَسادُ) بِالرَّفْعِ، أمّا وجْهُ القِراءَةِ الأُولى فَهو أنَّهُ أسْنَدَ الفِعْلَ إلىمُوسى في قَوْلِهِ: ﴿يُبَدِّلَ﴾ فَكَذَلِكَ في (يُظْهِرَ) لِيَكُونَ الكَلامُ عَلى نَسَقٍ واحِدٍ، وأمّا وجْهُ القِراءَةِ الثّانِيَةِ فَهو أنَّهُ إذا بَدَّلَ الدِّينَ فَقَدْ ظَهَرَ الفَسادُ الحاصِلُ بِسَبَبِ ذَلِكَ التَّبْدِيلِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ بَيانُ السَّبَبِ المُوجِبِ لِقَتْلِهِ وهو أنَّ وجُودَهُ يُوجِبُ إمّا فَسادَ الدِّينِ أوْ فَسادَ الدُّنْيا، أمّا فَسادُ الدِّينِ فَلِأنَّ القَوْمَ اعْتَقَدُوا أنَّ الدِّينَ الصَّحِيحَ هو الَّذِي كانُوا عَلَيْهِ، فَلَمّا كانَ
صفحة ٤٩
مُوسى ساعِيًا في إفْسادِهِ كانَ في اعْتِقادِهِمْ أنَّهُ ساعٍ في إفْسادِ الدِّينِ الحَقِّ، وأمّا فَسادُ الدُّنْيا فَهو أنَّهُ لا بُدَّ وأنْ يَجْتَمِعَ عَلَيْهِ قَوْمٌ ويَصِيرَ ذَلِكَ سَبَبًا لِوُقُوعِ الخُصُوماتِ وإثارَةِ الفِتَنِ، ولَمّا كانَ حُبُّ النّاسِ لِأدْيانِهِمْ فَوْقَ حُبِّهِمْ لِأمْوالِهِمْ لا جَرَمَ بَدَأ فِرْعَوْنُ بِذِكْرِ الدِّينِ فَقالَ: ﴿إنِّي أخافُ أنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ﴾ ثُمَّ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ فَسادِ الدُّنْيا فَقالَ: ﴿أوْ أنْ يُظْهِرَ في الأرْضِ الفَسادَ﴾ .
* * *
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْ فِرْعَوْنَ هَذا الكَلامَ حَكى بَعْدَهُ ما ذَكَرَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَحَكى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: ﴿إنِّي عُذْتُ بِرَبِّي ورَبِّكم مِن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الحِسابِ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ نافِعٌ وأبُو بَكْرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ”عُذْتُ“ بِإدْغامِ الذّالِ في التّاءِ والباقُونَ بِالإظْهارِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المَعْنى أنَّهُ لَمْ يَأْتِ في دَفْعِ شَرِّهِ إلّا بِأنِ اسْتَعاذَ بِاللَّهِ واعْتَمَدَ عَلى فَضْلِ اللَّهِ، لا جَرَمَ صانَهُ اللَّهُ عَنْ كُلِّ بَلِيَّةٍ وأوْصَلَهُ إلى كُلِّ أُمْنِيَةٍ، واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الكَلِماتِ الَّتِي ذَكَرَها مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ تَشْتَمِلُ عَلى فَوائِدَ:
الفائِدَةُ الأُولى: أنَّ لَفْظَةَ ”إنِّي“ تَدُلُّ عَلى التَّأْكِيدِ، فَهَذا يُدَلِّلُ عَلى أنَّ الطَّرِيقَ المُؤَكَّدَ المُعْتَبَرَ في دَفْعِ الشُّرُورِ والآفاتِ عَنِ النَّفْسِ الِاعْتِمادُ عَلى اللَّهِ والتَّوَكُّلُ عَلى عِصْمَةِ اللَّهِ تَعالى.
الفائِدَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ قالَ: ﴿إنِّي عُذْتُ بِرَبِّي ورَبِّكُمْ﴾ فَكَما أنَّ عِنْدَ القِراءَةِ يَقُولُ المُسْلِمُ: أعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ، فاللَّهُ تَعالى يَصُونُ دِينَهُ وإخْلاصَهُ عَنْ وساوِسِ شَياطِينِ الجِنِّ، فَكَذَلِكَ عِنْدَ تَوَجُّهِ الآفاتِ والمَخافاتِ مِن شَياطِينِ الإنْسِ إذا قالَ المُسْلِمُ: أعُوذُ بِاللَّهِ، فاللَّهُ يَصُونُهُ عَنْ كُلِّ الآفاتِ والمَخافاتِ.
الفائِدَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿إنِّي عُذْتُ بِرَبِّي ورَبِّكُمْ﴾ والمَعْنى كَأنَّ العَبْدَ يَقُولُ: إنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ هو الَّذِي رَبّانِي وإلى دَرَجاتِ الخَيْرِ رَقّانِي، ومِنَ الآفاتِ وقانِي، وأعْطانِي نِعَمًا لا حَدَّ لَها ولا حَصْرَ، فَلَمّا كانَ المَوْلى لَيْسَ إلّا اللَّهُ وجَبَ أنْ لا يَرْجِعَ العاقِلُ في دَفْعِ كُلِّ الآفاتِ إلّا إلى حِفْظِ اللَّهِ تَعالى.
الفائِدَةُ الرّابِعَةُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ورَبِّكُمْ﴾ فِيهِ بَعْثٌ لِقَوْمِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى أنْ يَقْتَدُوا بِهِ في الِاسْتِعاذَةِ بِاللَّهِ، والمَعْنى فِيهِ أنَّ الأرْواحَ الطّاهِرَةَ القَوِيَّةَ إذا تَطابَقَتْ عَلى هِمَّةٍ واحِدَةٍ قَوِيَ ذَلِكَ التَّأْثِيرُ جِدًّا، وذَلِكَ هو السَّبَبُ الأصْلِيُّ في أداءِ الصَّلَواتِ في الجَماعاتِ.
الفائِدَةُ الخامِسَةُ: أنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ فِرْعَوْنَ في هَذا الدُّعاءِ؛ لِأنَّهُ كانَ قَدْ سَبَقَ لَهُ حَقُّ تَرْبِيَةٍ عَلى مُوسى مِن بَعْضِ الوُجُوهِ، فَتَرَكَ التَّعْيِينَ رِعايَةً لِذَلِكَ الحَقِّ.
الفائِدَةُ السّادِسَةُ: أنَّ فِرْعَوْنَ وإنْ كانَ أظْهَرَ ذَلِكَ الفِعْلَ إلّا أنَّهُ لا فائِدَةَ في الدُّعاءِ عَلى فِرْعَوْنَ بِعَيْنِهِ، بَلِ الأوْلى الِاسْتِعاذَةُ بِاللَّهِ في دَفْعِ كُلِّ مَن كانَ مَوْصُوفًا بِتِلْكَ الصِّفَةِ، حَتّى يَدْخُلَ فِيهِ كُلُّ مَن كانَ عَدُوًّا سَواءٌ كانَ مُظْهِرًا لِتِلْكَ العَداوَةِ أوْ كانَ مُخْفِيًا لَها.
الفائِدَةُ السّابِعَةُ: أنَّ المُوجِبَ لِلْإقْدامِ عَلى إيذاءِ النّاسِ أمْرانِ؛ أحَدُهُما: كَوْنُ الإنْسانِ مُتَكَبِّرًا قاسِيَ القَلْبِ. والثّانِي: كَوْنُهُ مُنْكِرًا لِلْبَعْثِ والقِيامَةِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ المُتَكَبِّرَ القاسِيَ قَدْ يَحْمِلُهُ طَبْعُهُ عَلى إيذاءِ النّاسِ إلّا أنَّهُ إذا كانَ مُقِرًّا بِالبَعْثِ والحِسابِ صارَ خَوْفُهُ مِنَ الحِسابِ مانِعًا لَهُ مِنَ الجَرْيِ عَلى مُوجِبِ تَكَبُّرِهِ، فَإذا لَمْ يَحْصُلْ عِنْدَهُ الإيمانُ بِالبَعْثِ والقِيامَةِ كانَتِ الطَّبِيعَةُ داعِيَةً لَهُ إلى الإيذاءِ، والمانِعُ وهو الخَوْفُ مِنَ السُّؤالِ
صفحة ٥٠
والحِسابِ زائِلًا، وإذا كانَ الخَوْفُ مِنَ السُّؤالِ والحِسابِ زائِلًا فَلا جَرَمَ تَحْصُلُ القَسْوَةُ والإيذاءُ.
الفائِدَةُ الثّامِنَةُ: أنَّ فِرْعَوْنَ لَمّا قالَ: ﴿ذَرُونِي أقْتُلْ مُوسى﴾ قالَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ ﴿ولْيَدْعُ رَبَّهُ﴾ فَقالَ مُوسى: إنَّ الَّذِي ذَكَرْتَهُ يا فِرْعَوْنَ بِطَرِيقِ الِاسْتِهْزاءِ هو الدِّينُ المُبِينُ والحَقُّ المُنِيرُ، وأنا أدْعُو رَبِّي وأطْلُبُ مِنهُ أنْ يَدْفَعَ شَرَّكَ عَنِّي، وسَتَرى أنَّ رَبِّي كَيْفَ يَقْهَرُكَ، وكَيْفَ يُسَلِّطُنِي عَلَيْكَ.
واعْلَمْ أنَّ مَن أحاطَ عَقْلَهُ بِهَذِهِ الفَوائِدِ عَلِمَ أنَّهُ لا طَرِيقَ أصْلَحَ ولا أصْوَبَ في دَفْعِ كَيْدِ الأعْداءِ وإبْطالِ مَكْرِهِمْ إلّا الِاسْتِعاذَةَ بِاللَّهِ والرُّجُوعَ إلى حِفْظِ اللَّهِ. واللَّهُ أعْلَمُ.