Lafzullah

Tafsir Al-Razi — غافر 40:24 – غافر 40:67

المؤلف / المصدر: Tafsir Al-Razi

المحتويات
  1. غافر 40:24
  2. غافر 40:25
  3. غافر 40:26
  4. غافر 40:27
  5. غافر 40:28
  6. غافر 40:29
  7. غافر 40:30
  8. غافر 40:31
  9. غافر 40:32
  10. غافر 40:33
  11. غافر 40:34
  12. غافر 40:35
  13. غافر 40:36
  14. غافر 40:37
  15. غافر 40:38
  16. غافر 40:39
  17. غافر 40:40
  18. غافر 40:41
  19. غافر 40:42
  20. غافر 40:43
  21. غافر 40:44
  22. غافر 40:45
  23. غافر 40:46
  24. غافر 40:47
  25. غافر 40:48
  26. غافر 40:49
  27. غافر 40:50
  28. غافر 40:51
  29. غافر 40:52
  30. غافر 40:53
  31. غافر 40:54
  32. غافر 40:55
  33. غافر 40:56
  34. غافر 40:57
  35. غافر 40:58
  36. غافر 40:59
  37. غافر 40:60
  38. غافر 40:61
  39. غافر 40:62
  40. غافر 40:63
  41. غافر 40:64
  42. غافر 40:65
  43. غافر 40:66
  44. غافر 40:67

غافر 40:24

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ ﴿إلى فِرْعَوْنَ وهامانَ وقارُونَ فَقالُوا ساحِرٌ كَذّابٌ﴾ ﴿فَلَمّا جاءَهم بِالحَقِّ مِن عِنْدِنا قالُوا اقْتُلُوا أبْناءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ واسْتَحْيُوا نِساءَهم وما كَيْدُ الكافِرِينَ إلّا في ضَلالٍ﴾ ﴿وقالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أقْتُلْ مُوسى ولْيَدْعُ رَبَّهُ إنِّي أخافُ أنْ يُبَدِّلَ دِينَكم أوْ أنْ يُظْهِرَ في الأرْضِ الفَسادَ﴾ ﴿وقالَ مُوسى إنِّي عُذْتُ بِرَبِّي ورَبِّكم مِن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الحِسابِ﴾ واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا سَلّى رَسُولَهُ بِذِكْرِ الكُفّارِ الَّذِينَ كَذَّبُوا الأنْبِياءَ قَبْلَهُ وبِمُشاهَدَةِ آثارِهِمْ، سَلّاهُ أيْضًا بِذِكْرِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وأنَّهُ مَعَ قُوَّةِ مُعْجِزاتِهِ بَعَثَهُ إلى فِرْعَوْنَ وهامانَ وقارُونَ فَكَذَّبُوهُ وكابَرُوهُ، وقالُوا: هو ساحِرٌ كَذّابٌ. واعْلَمْ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، لَمّا جاءَهم بِتِلْكَ المُعْجِزاتِ الباهِرَةِ وبِالنُّبُوَّةِ، وهي المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا جاءَهم بِالحَقِّ مِن عِنْدِنا﴾ حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهم ما صَدَرَ عَنْهم مِنَ الجَهالاتِ. فالأوَّلُ: أنَّهم وصَفُوهُ بِكَوْنِهِ صفحة ٤٨ ساحِرًا كَذّابًا، وهَذا في غايَةِ البُعْدِ؛ لِأنَّ تِلْكَ المُعْجِزاتِ كانَتْ قَدْ بَلَغَتْ في القُوَّةِ والظُّهُورِ إلى حَيْثُ يَشْهَدُ كُلُّ ذِي عَقْلٍ سَلِيمٍ بِأنَّهُ لَيْسَ مِنَ السِّحْرِ البَتَّةَ. الثّانِي: أنَّهم قالُوا: ﴿اقْتُلُوا أبْناءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ واسْتَحْيُوا نِساءَهُمْ﴾ والصَّحِيحُ أنَّ هَذا القَتْلَ غَيْرُ القَتْلِ الَّذِي وقَعَ في وقْتِ وِلادَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ؛ لِأنَّ في ذَلِكَ الوَقْتِ أخْبَرَهُ المُنَجِّمُونَ بِوِلادَةِ عَدُوٍّ لَهُ يَظْهَرُ عَلَيْهِ، فَأمَرَ بِقَتْلِ الأوْلادِ في ذَلِكَ الوَقْتِ، وأمّا في هَذا الوَقْتِ فَمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ جاءَهُ وأظْهَرَ المُعْجِزاتِ الظّاهِرَةَ، فَعِنْدَ هَذا أمَرَ بِقَتْلِ أبْناءِ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ؛ لِئَلّا يَنْشَئُوا عَلى دِينِ مُوسى فَيَقْوى بِهِمْ، وهَذِهِ العِلَّةُ مُخْتَصَّةٌ بِالبَنِينَ دُونَ البَناتِ، فَلِهَذا السَّبَبِ أمَرَ بِقَتْلِ الأبْناءِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما كَيْدُ الكافِرِينَ إلّا في ضَلالٍ﴾ ومَعْناهُ أنَّ جَمِيعَ ما يَسْعَوْنَ فِيهِ مِن مُكايَدَةِ مُوسى ومُكايَدَةِ مَن آمَنِ مَعَهُ يَبْطُلُ؛ لِأنَّ ﴿ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنّاسِ مِن رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها﴾ [فاطِرٍ: ٢] . النَّوْعُ الثّالِثُ مِن قَبائِحَ أفْعالِ أُولَئِكَ الكُفّارِ مَعَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ما حَكاهُ اللَّهُ تَعالى: ﴿وقالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أقْتُلْ مُوسى﴾ وهَذا الكَلامُ كالدَّلالَةِ عَلى أنَّهم كانُوا يَمْنَعُونَهُ مِن قَتْلِهِ، وفِيهِ احْتِمالانِ: والِاحْتِمالُ الأوَّلُ: أنَّهم مَنَعُوهُ مِن قَتْلِهِ لِوُجُوهٍ؛ الأوَّلُ: لَعَلَّهُ كانَ فِيهِمْ مَن يَعْتَقِدُ بِقَلْبِهِ كَوْنَ مُوسى صادِقًا، فَيَأْتِي بِوُجُوهِ الحِيَلِ في مَنعِ فِرْعَوْنَ مِن قَتْلِهِ. الثّانِي: قالَ الحَسَنُ: إنَّ أصْحابَهُ قالُوا لَهُ: لا تَقْتُلْهُ فَإنَّما هو ساحِرٌ ضَعِيفٌ ولا يُمْكِنُهُ أنْ يَغْلِبَ سَحَرَتَكَ، وإنْ قَتَلْتَهُ أدْخَلْتَ الشُّبْهَةَ عَلى النّاسِ وقالُوا: إنَّهُ كانَ مُحِقًّا وعَجَزُوا عَنْ جَوابِهِ فَقَتَلُوهُ. الثّالِثُ: لَعَلَّهم كانُوا يَحْتالُونَ في مَنعِهِ مِن قَتْلِهِ؛ لِأجْلِ أنْ يَبْقى فِرْعَوْنُ مَشْغُولَ القَلْبِ بِمُوسى فَلا يَتَفَرَّغُ لِتَأْدِيبِ أُولَئِكَ الأقْوامِ، فَإنَّ مِن شَأْنِ الأُمَراءِ أنْ يَشْغَلُوا قَلْبَ مَلِكِهِمْ بِخَصْمٍ خارِجِيٍّ حَتّى يَصِيرُوا آمَنِينَ مِن شَرِّ ذَلِكَ المَلِكِ. والِاحْتِمالُ الثّانِي: أنَّ أحَدًا ما مَنَعَ فِرْعَوْنَ مِن قَتْلِ مُوسى، وأنَّهُ كانَ يُرِيدُ أنْ يَقْتُلَهُ إلّا أنَّهُ كانَ خائِفًا مِن أنَّهُ لَوْ حاوَلَ قَتْلَهُ لَظَهَرَتْ مُعْجِزاتٌ قاهِرَةٌ تَمْنَعُهُ مِن قَتْلِهِ فَيَفْتَضِحُ، إلّا أنَّهُ لِوَقاحَتِهِ قالَ: ﴿ذَرُونِي أقْتُلْ مُوسى﴾ وغَرَضُهُ مِنهُ أنَّهُ إنَّما امْتَنَعَ عَنْ قَتْلِهِ رِعايَةً لِقُلُوبِ أصْحابِهِ، وغَرَضُهُ مِنهُ إخْفاءُ خَوْفِهِ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿ولْيَدْعُ رَبَّهُ﴾ فَإنَّما ذَكَرَهُ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ يَعْنِي أنِّي أقْتُلُهُ فَلْيَقُلْ لِرَبِّهِ حَتّى يُخَلِّصَهُ مِنِّي. * * * وأمّا قَوْلُهُ: ﴿إنِّي أخافُ أنْ يُبَدِّلَ دِينَكم أوْ أنْ يُظْهِرَ في الأرْضِ الفَسادَ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: فَتَحَ ابْنُ كَثِيرٍ الياءَ مِن قَوْلِهِ: ﴿ذَرُونِي﴾ وفَتَحَ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو الياءَ مِن ﴿إنِّي أخافُ﴾ وأيْضًا قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عُمَرَ ”وأنْ يُظْهِرُوا“ بِالواوِ وبِحَذْفِ (أوْ) يَعْنِي أنَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَ تَبْدِيلِ الدِّينِ وبَيْنَ إظْهارِ المَفاسِدِ، والَّذِينَ قَرَءُوا بِصِيغَةِ (أوْ) فَمَعْناهُ أنَّهُ لا بُدَّ مِن وُقُوعِ أحَدِ الأمْرَيْنِ وقُرِئَ ”يُظْهِرَ“ بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الهاءِ و(الفَسادَ) بِالنَّصْبِ عَلى التَّعْدِيَةِ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِلَفْظِ (أوْ يَظْهَرَ) بِفَتْحِ الياءِ والهاءِ، و(الفَسادُ) بِالرَّفْعِ، أمّا وجْهُ القِراءَةِ الأُولى فَهو أنَّهُ أسْنَدَ الفِعْلَ إلىمُوسى في قَوْلِهِ: ﴿يُبَدِّلَ﴾ فَكَذَلِكَ في (يُظْهِرَ) لِيَكُونَ الكَلامُ عَلى نَسَقٍ واحِدٍ، وأمّا وجْهُ القِراءَةِ الثّانِيَةِ فَهو أنَّهُ إذا بَدَّلَ الدِّينَ فَقَدْ ظَهَرَ الفَسادُ الحاصِلُ بِسَبَبِ ذَلِكَ التَّبْدِيلِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ بَيانُ السَّبَبِ المُوجِبِ لِقَتْلِهِ وهو أنَّ وجُودَهُ يُوجِبُ إمّا فَسادَ الدِّينِ أوْ فَسادَ الدُّنْيا، أمّا فَسادُ الدِّينِ فَلِأنَّ القَوْمَ اعْتَقَدُوا أنَّ الدِّينَ الصَّحِيحَ هو الَّذِي كانُوا عَلَيْهِ، فَلَمّا كانَ صفحة ٤٩ مُوسى ساعِيًا في إفْسادِهِ كانَ في اعْتِقادِهِمْ أنَّهُ ساعٍ في إفْسادِ الدِّينِ الحَقِّ، وأمّا فَسادُ الدُّنْيا فَهو أنَّهُ لا بُدَّ وأنْ يَجْتَمِعَ عَلَيْهِ قَوْمٌ ويَصِيرَ ذَلِكَ سَبَبًا لِوُقُوعِ الخُصُوماتِ وإثارَةِ الفِتَنِ، ولَمّا كانَ حُبُّ النّاسِ لِأدْيانِهِمْ فَوْقَ حُبِّهِمْ لِأمْوالِهِمْ لا جَرَمَ بَدَأ فِرْعَوْنُ بِذِكْرِ الدِّينِ فَقالَ: ﴿إنِّي أخافُ أنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ﴾ ثُمَّ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ فَسادِ الدُّنْيا فَقالَ: ﴿أوْ أنْ يُظْهِرَ في الأرْضِ الفَسادَ﴾ . * * * واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْ فِرْعَوْنَ هَذا الكَلامَ حَكى بَعْدَهُ ما ذَكَرَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَحَكى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: ﴿إنِّي عُذْتُ بِرَبِّي ورَبِّكم مِن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الحِسابِ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ نافِعٌ وأبُو بَكْرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ”عُذْتُ“ بِإدْغامِ الذّالِ في التّاءِ والباقُونَ بِالإظْهارِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المَعْنى أنَّهُ لَمْ يَأْتِ في دَفْعِ شَرِّهِ إلّا بِأنِ اسْتَعاذَ بِاللَّهِ واعْتَمَدَ عَلى فَضْلِ اللَّهِ، لا جَرَمَ صانَهُ اللَّهُ عَنْ كُلِّ بَلِيَّةٍ وأوْصَلَهُ إلى كُلِّ أُمْنِيَةٍ، واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الكَلِماتِ الَّتِي ذَكَرَها مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ تَشْتَمِلُ عَلى فَوائِدَ: الفائِدَةُ الأُولى: أنَّ لَفْظَةَ ”إنِّي“ تَدُلُّ عَلى التَّأْكِيدِ، فَهَذا يُدَلِّلُ عَلى أنَّ الطَّرِيقَ المُؤَكَّدَ المُعْتَبَرَ في دَفْعِ الشُّرُورِ والآفاتِ عَنِ النَّفْسِ الِاعْتِمادُ عَلى اللَّهِ والتَّوَكُّلُ عَلى عِصْمَةِ اللَّهِ تَعالى. الفائِدَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ قالَ: ﴿إنِّي عُذْتُ بِرَبِّي ورَبِّكُمْ﴾ فَكَما أنَّ عِنْدَ القِراءَةِ يَقُولُ المُسْلِمُ: أعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ، فاللَّهُ تَعالى يَصُونُ دِينَهُ وإخْلاصَهُ عَنْ وساوِسِ شَياطِينِ الجِنِّ، فَكَذَلِكَ عِنْدَ تَوَجُّهِ الآفاتِ والمَخافاتِ مِن شَياطِينِ الإنْسِ إذا قالَ المُسْلِمُ: أعُوذُ بِاللَّهِ، فاللَّهُ يَصُونُهُ عَنْ كُلِّ الآفاتِ والمَخافاتِ. الفائِدَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿إنِّي عُذْتُ بِرَبِّي ورَبِّكُمْ﴾ والمَعْنى كَأنَّ العَبْدَ يَقُولُ: إنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ هو الَّذِي رَبّانِي وإلى دَرَجاتِ الخَيْرِ رَقّانِي، ومِنَ الآفاتِ وقانِي، وأعْطانِي نِعَمًا لا حَدَّ لَها ولا حَصْرَ، فَلَمّا كانَ المَوْلى لَيْسَ إلّا اللَّهُ وجَبَ أنْ لا يَرْجِعَ العاقِلُ في دَفْعِ كُلِّ الآفاتِ إلّا إلى حِفْظِ اللَّهِ تَعالى. الفائِدَةُ الرّابِعَةُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ورَبِّكُمْ﴾ فِيهِ بَعْثٌ لِقَوْمِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى أنْ يَقْتَدُوا بِهِ في الِاسْتِعاذَةِ بِاللَّهِ، والمَعْنى فِيهِ أنَّ الأرْواحَ الطّاهِرَةَ القَوِيَّةَ إذا تَطابَقَتْ عَلى هِمَّةٍ واحِدَةٍ قَوِيَ ذَلِكَ التَّأْثِيرُ جِدًّا، وذَلِكَ هو السَّبَبُ الأصْلِيُّ في أداءِ الصَّلَواتِ في الجَماعاتِ. الفائِدَةُ الخامِسَةُ: أنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ فِرْعَوْنَ في هَذا الدُّعاءِ؛ لِأنَّهُ كانَ قَدْ سَبَقَ لَهُ حَقُّ تَرْبِيَةٍ عَلى مُوسى مِن بَعْضِ الوُجُوهِ، فَتَرَكَ التَّعْيِينَ رِعايَةً لِذَلِكَ الحَقِّ. الفائِدَةُ السّادِسَةُ: أنَّ فِرْعَوْنَ وإنْ كانَ أظْهَرَ ذَلِكَ الفِعْلَ إلّا أنَّهُ لا فائِدَةَ في الدُّعاءِ عَلى فِرْعَوْنَ بِعَيْنِهِ، بَلِ الأوْلى الِاسْتِعاذَةُ بِاللَّهِ في دَفْعِ كُلِّ مَن كانَ مَوْصُوفًا بِتِلْكَ الصِّفَةِ، حَتّى يَدْخُلَ فِيهِ كُلُّ مَن كانَ عَدُوًّا سَواءٌ كانَ مُظْهِرًا لِتِلْكَ العَداوَةِ أوْ كانَ مُخْفِيًا لَها. الفائِدَةُ السّابِعَةُ: أنَّ المُوجِبَ لِلْإقْدامِ عَلى إيذاءِ النّاسِ أمْرانِ؛ أحَدُهُما: كَوْنُ الإنْسانِ مُتَكَبِّرًا قاسِيَ القَلْبِ. والثّانِي: كَوْنُهُ مُنْكِرًا لِلْبَعْثِ والقِيامَةِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ المُتَكَبِّرَ القاسِيَ قَدْ يَحْمِلُهُ طَبْعُهُ عَلى إيذاءِ النّاسِ إلّا أنَّهُ إذا كانَ مُقِرًّا بِالبَعْثِ والحِسابِ صارَ خَوْفُهُ مِنَ الحِسابِ مانِعًا لَهُ مِنَ الجَرْيِ عَلى مُوجِبِ تَكَبُّرِهِ، فَإذا لَمْ يَحْصُلْ عِنْدَهُ الإيمانُ بِالبَعْثِ والقِيامَةِ كانَتِ الطَّبِيعَةُ داعِيَةً لَهُ إلى الإيذاءِ، والمانِعُ وهو الخَوْفُ مِنَ السُّؤالِ صفحة ٥٠ والحِسابِ زائِلًا، وإذا كانَ الخَوْفُ مِنَ السُّؤالِ والحِسابِ زائِلًا فَلا جَرَمَ تَحْصُلُ القَسْوَةُ والإيذاءُ. الفائِدَةُ الثّامِنَةُ: أنَّ فِرْعَوْنَ لَمّا قالَ: ﴿ذَرُونِي أقْتُلْ مُوسى﴾ قالَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ ﴿ولْيَدْعُ رَبَّهُ﴾ فَقالَ مُوسى: إنَّ الَّذِي ذَكَرْتَهُ يا فِرْعَوْنَ بِطَرِيقِ الِاسْتِهْزاءِ هو الدِّينُ المُبِينُ والحَقُّ المُنِيرُ، وأنا أدْعُو رَبِّي وأطْلُبُ مِنهُ أنْ يَدْفَعَ شَرَّكَ عَنِّي، وسَتَرى أنَّ رَبِّي كَيْفَ يَقْهَرُكَ، وكَيْفَ يُسَلِّطُنِي عَلَيْكَ. واعْلَمْ أنَّ مَن أحاطَ عَقْلَهُ بِهَذِهِ الفَوائِدِ عَلِمَ أنَّهُ لا طَرِيقَ أصْلَحَ ولا أصْوَبَ في دَفْعِ كَيْدِ الأعْداءِ وإبْطالِ مَكْرِهِمْ إلّا الِاسْتِعاذَةَ بِاللَّهِ والرُّجُوعَ إلى حِفْظِ اللَّهِ. واللَّهُ أعْلَمُ.

غافر 40:25

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ ﴿إلى فِرْعَوْنَ وهامانَ وقارُونَ فَقالُوا ساحِرٌ كَذّابٌ﴾ ﴿فَلَمّا جاءَهم بِالحَقِّ مِن عِنْدِنا قالُوا اقْتُلُوا أبْناءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ واسْتَحْيُوا نِساءَهم وما كَيْدُ الكافِرِينَ إلّا في ضَلالٍ﴾ ﴿وقالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أقْتُلْ مُوسى ولْيَدْعُ رَبَّهُ إنِّي أخافُ أنْ يُبَدِّلَ دِينَكم أوْ أنْ يُظْهِرَ في الأرْضِ الفَسادَ﴾ ﴿وقالَ مُوسى إنِّي عُذْتُ بِرَبِّي ورَبِّكم مِن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الحِسابِ﴾ واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا سَلّى رَسُولَهُ بِذِكْرِ الكُفّارِ الَّذِينَ كَذَّبُوا الأنْبِياءَ قَبْلَهُ وبِمُشاهَدَةِ آثارِهِمْ، سَلّاهُ أيْضًا بِذِكْرِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وأنَّهُ مَعَ قُوَّةِ مُعْجِزاتِهِ بَعَثَهُ إلى فِرْعَوْنَ وهامانَ وقارُونَ فَكَذَّبُوهُ وكابَرُوهُ، وقالُوا: هو ساحِرٌ كَذّابٌ. واعْلَمْ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، لَمّا جاءَهم بِتِلْكَ المُعْجِزاتِ الباهِرَةِ وبِالنُّبُوَّةِ، وهي المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا جاءَهم بِالحَقِّ مِن عِنْدِنا﴾ حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهم ما صَدَرَ عَنْهم مِنَ الجَهالاتِ. فالأوَّلُ: أنَّهم وصَفُوهُ بِكَوْنِهِ صفحة ٤٨ ساحِرًا كَذّابًا، وهَذا في غايَةِ البُعْدِ؛ لِأنَّ تِلْكَ المُعْجِزاتِ كانَتْ قَدْ بَلَغَتْ في القُوَّةِ والظُّهُورِ إلى حَيْثُ يَشْهَدُ كُلُّ ذِي عَقْلٍ سَلِيمٍ بِأنَّهُ لَيْسَ مِنَ السِّحْرِ البَتَّةَ. الثّانِي: أنَّهم قالُوا: ﴿اقْتُلُوا أبْناءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ واسْتَحْيُوا نِساءَهُمْ﴾ والصَّحِيحُ أنَّ هَذا القَتْلَ غَيْرُ القَتْلِ الَّذِي وقَعَ في وقْتِ وِلادَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ؛ لِأنَّ في ذَلِكَ الوَقْتِ أخْبَرَهُ المُنَجِّمُونَ بِوِلادَةِ عَدُوٍّ لَهُ يَظْهَرُ عَلَيْهِ، فَأمَرَ بِقَتْلِ الأوْلادِ في ذَلِكَ الوَقْتِ، وأمّا في هَذا الوَقْتِ فَمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ جاءَهُ وأظْهَرَ المُعْجِزاتِ الظّاهِرَةَ، فَعِنْدَ هَذا أمَرَ بِقَتْلِ أبْناءِ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ؛ لِئَلّا يَنْشَئُوا عَلى دِينِ مُوسى فَيَقْوى بِهِمْ، وهَذِهِ العِلَّةُ مُخْتَصَّةٌ بِالبَنِينَ دُونَ البَناتِ، فَلِهَذا السَّبَبِ أمَرَ بِقَتْلِ الأبْناءِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما كَيْدُ الكافِرِينَ إلّا في ضَلالٍ﴾ ومَعْناهُ أنَّ جَمِيعَ ما يَسْعَوْنَ فِيهِ مِن مُكايَدَةِ مُوسى ومُكايَدَةِ مَن آمَنِ مَعَهُ يَبْطُلُ؛ لِأنَّ ﴿ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنّاسِ مِن رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها﴾ [فاطِرٍ: ٢] . النَّوْعُ الثّالِثُ مِن قَبائِحَ أفْعالِ أُولَئِكَ الكُفّارِ مَعَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ما حَكاهُ اللَّهُ تَعالى: ﴿وقالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أقْتُلْ مُوسى﴾ وهَذا الكَلامُ كالدَّلالَةِ عَلى أنَّهم كانُوا يَمْنَعُونَهُ مِن قَتْلِهِ، وفِيهِ احْتِمالانِ: والِاحْتِمالُ الأوَّلُ: أنَّهم مَنَعُوهُ مِن قَتْلِهِ لِوُجُوهٍ؛ الأوَّلُ: لَعَلَّهُ كانَ فِيهِمْ مَن يَعْتَقِدُ بِقَلْبِهِ كَوْنَ مُوسى صادِقًا، فَيَأْتِي بِوُجُوهِ الحِيَلِ في مَنعِ فِرْعَوْنَ مِن قَتْلِهِ. الثّانِي: قالَ الحَسَنُ: إنَّ أصْحابَهُ قالُوا لَهُ: لا تَقْتُلْهُ فَإنَّما هو ساحِرٌ ضَعِيفٌ ولا يُمْكِنُهُ أنْ يَغْلِبَ سَحَرَتَكَ، وإنْ قَتَلْتَهُ أدْخَلْتَ الشُّبْهَةَ عَلى النّاسِ وقالُوا: إنَّهُ كانَ مُحِقًّا وعَجَزُوا عَنْ جَوابِهِ فَقَتَلُوهُ. الثّالِثُ: لَعَلَّهم كانُوا يَحْتالُونَ في مَنعِهِ مِن قَتْلِهِ؛ لِأجْلِ أنْ يَبْقى فِرْعَوْنُ مَشْغُولَ القَلْبِ بِمُوسى فَلا يَتَفَرَّغُ لِتَأْدِيبِ أُولَئِكَ الأقْوامِ، فَإنَّ مِن شَأْنِ الأُمَراءِ أنْ يَشْغَلُوا قَلْبَ مَلِكِهِمْ بِخَصْمٍ خارِجِيٍّ حَتّى يَصِيرُوا آمَنِينَ مِن شَرِّ ذَلِكَ المَلِكِ. والِاحْتِمالُ الثّانِي: أنَّ أحَدًا ما مَنَعَ فِرْعَوْنَ مِن قَتْلِ مُوسى، وأنَّهُ كانَ يُرِيدُ أنْ يَقْتُلَهُ إلّا أنَّهُ كانَ خائِفًا مِن أنَّهُ لَوْ حاوَلَ قَتْلَهُ لَظَهَرَتْ مُعْجِزاتٌ قاهِرَةٌ تَمْنَعُهُ مِن قَتْلِهِ فَيَفْتَضِحُ، إلّا أنَّهُ لِوَقاحَتِهِ قالَ: ﴿ذَرُونِي أقْتُلْ مُوسى﴾ وغَرَضُهُ مِنهُ أنَّهُ إنَّما امْتَنَعَ عَنْ قَتْلِهِ رِعايَةً لِقُلُوبِ أصْحابِهِ، وغَرَضُهُ مِنهُ إخْفاءُ خَوْفِهِ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿ولْيَدْعُ رَبَّهُ﴾ فَإنَّما ذَكَرَهُ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ يَعْنِي أنِّي أقْتُلُهُ فَلْيَقُلْ لِرَبِّهِ حَتّى يُخَلِّصَهُ مِنِّي. * * * وأمّا قَوْلُهُ: ﴿إنِّي أخافُ أنْ يُبَدِّلَ دِينَكم أوْ أنْ يُظْهِرَ في الأرْضِ الفَسادَ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: فَتَحَ ابْنُ كَثِيرٍ الياءَ مِن قَوْلِهِ: ﴿ذَرُونِي﴾ وفَتَحَ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو الياءَ مِن ﴿إنِّي أخافُ﴾ وأيْضًا قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عُمَرَ ”وأنْ يُظْهِرُوا“ بِالواوِ وبِحَذْفِ (أوْ) يَعْنِي أنَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَ تَبْدِيلِ الدِّينِ وبَيْنَ إظْهارِ المَفاسِدِ، والَّذِينَ قَرَءُوا بِصِيغَةِ (أوْ) فَمَعْناهُ أنَّهُ لا بُدَّ مِن وُقُوعِ أحَدِ الأمْرَيْنِ وقُرِئَ ”يُظْهِرَ“ بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الهاءِ و(الفَسادَ) بِالنَّصْبِ عَلى التَّعْدِيَةِ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِلَفْظِ (أوْ يَظْهَرَ) بِفَتْحِ الياءِ والهاءِ، و(الفَسادُ) بِالرَّفْعِ، أمّا وجْهُ القِراءَةِ الأُولى فَهو أنَّهُ أسْنَدَ الفِعْلَ إلىمُوسى في قَوْلِهِ: ﴿يُبَدِّلَ﴾ فَكَذَلِكَ في (يُظْهِرَ) لِيَكُونَ الكَلامُ عَلى نَسَقٍ واحِدٍ، وأمّا وجْهُ القِراءَةِ الثّانِيَةِ فَهو أنَّهُ إذا بَدَّلَ الدِّينَ فَقَدْ ظَهَرَ الفَسادُ الحاصِلُ بِسَبَبِ ذَلِكَ التَّبْدِيلِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ بَيانُ السَّبَبِ المُوجِبِ لِقَتْلِهِ وهو أنَّ وجُودَهُ يُوجِبُ إمّا فَسادَ الدِّينِ أوْ فَسادَ الدُّنْيا، أمّا فَسادُ الدِّينِ فَلِأنَّ القَوْمَ اعْتَقَدُوا أنَّ الدِّينَ الصَّحِيحَ هو الَّذِي كانُوا عَلَيْهِ، فَلَمّا كانَ صفحة ٤٩ مُوسى ساعِيًا في إفْسادِهِ كانَ في اعْتِقادِهِمْ أنَّهُ ساعٍ في إفْسادِ الدِّينِ الحَقِّ، وأمّا فَسادُ الدُّنْيا فَهو أنَّهُ لا بُدَّ وأنْ يَجْتَمِعَ عَلَيْهِ قَوْمٌ ويَصِيرَ ذَلِكَ سَبَبًا لِوُقُوعِ الخُصُوماتِ وإثارَةِ الفِتَنِ، ولَمّا كانَ حُبُّ النّاسِ لِأدْيانِهِمْ فَوْقَ حُبِّهِمْ لِأمْوالِهِمْ لا جَرَمَ بَدَأ فِرْعَوْنُ بِذِكْرِ الدِّينِ فَقالَ: ﴿إنِّي أخافُ أنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ﴾ ثُمَّ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ فَسادِ الدُّنْيا فَقالَ: ﴿أوْ أنْ يُظْهِرَ في الأرْضِ الفَسادَ﴾ . * * * واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْ فِرْعَوْنَ هَذا الكَلامَ حَكى بَعْدَهُ ما ذَكَرَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَحَكى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: ﴿إنِّي عُذْتُ بِرَبِّي ورَبِّكم مِن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الحِسابِ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ نافِعٌ وأبُو بَكْرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ”عُذْتُ“ بِإدْغامِ الذّالِ في التّاءِ والباقُونَ بِالإظْهارِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المَعْنى أنَّهُ لَمْ يَأْتِ في دَفْعِ شَرِّهِ إلّا بِأنِ اسْتَعاذَ بِاللَّهِ واعْتَمَدَ عَلى فَضْلِ اللَّهِ، لا جَرَمَ صانَهُ اللَّهُ عَنْ كُلِّ بَلِيَّةٍ وأوْصَلَهُ إلى كُلِّ أُمْنِيَةٍ، واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الكَلِماتِ الَّتِي ذَكَرَها مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ تَشْتَمِلُ عَلى فَوائِدَ: الفائِدَةُ الأُولى: أنَّ لَفْظَةَ ”إنِّي“ تَدُلُّ عَلى التَّأْكِيدِ، فَهَذا يُدَلِّلُ عَلى أنَّ الطَّرِيقَ المُؤَكَّدَ المُعْتَبَرَ في دَفْعِ الشُّرُورِ والآفاتِ عَنِ النَّفْسِ الِاعْتِمادُ عَلى اللَّهِ والتَّوَكُّلُ عَلى عِصْمَةِ اللَّهِ تَعالى. الفائِدَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ قالَ: ﴿إنِّي عُذْتُ بِرَبِّي ورَبِّكُمْ﴾ فَكَما أنَّ عِنْدَ القِراءَةِ يَقُولُ المُسْلِمُ: أعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ، فاللَّهُ تَعالى يَصُونُ دِينَهُ وإخْلاصَهُ عَنْ وساوِسِ شَياطِينِ الجِنِّ، فَكَذَلِكَ عِنْدَ تَوَجُّهِ الآفاتِ والمَخافاتِ مِن شَياطِينِ الإنْسِ إذا قالَ المُسْلِمُ: أعُوذُ بِاللَّهِ، فاللَّهُ يَصُونُهُ عَنْ كُلِّ الآفاتِ والمَخافاتِ. الفائِدَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿إنِّي عُذْتُ بِرَبِّي ورَبِّكُمْ﴾ والمَعْنى كَأنَّ العَبْدَ يَقُولُ: إنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ هو الَّذِي رَبّانِي وإلى دَرَجاتِ الخَيْرِ رَقّانِي، ومِنَ الآفاتِ وقانِي، وأعْطانِي نِعَمًا لا حَدَّ لَها ولا حَصْرَ، فَلَمّا كانَ المَوْلى لَيْسَ إلّا اللَّهُ وجَبَ أنْ لا يَرْجِعَ العاقِلُ في دَفْعِ كُلِّ الآفاتِ إلّا إلى حِفْظِ اللَّهِ تَعالى. الفائِدَةُ الرّابِعَةُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ورَبِّكُمْ﴾ فِيهِ بَعْثٌ لِقَوْمِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى أنْ يَقْتَدُوا بِهِ في الِاسْتِعاذَةِ بِاللَّهِ، والمَعْنى فِيهِ أنَّ الأرْواحَ الطّاهِرَةَ القَوِيَّةَ إذا تَطابَقَتْ عَلى هِمَّةٍ واحِدَةٍ قَوِيَ ذَلِكَ التَّأْثِيرُ جِدًّا، وذَلِكَ هو السَّبَبُ الأصْلِيُّ في أداءِ الصَّلَواتِ في الجَماعاتِ. الفائِدَةُ الخامِسَةُ: أنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ فِرْعَوْنَ في هَذا الدُّعاءِ؛ لِأنَّهُ كانَ قَدْ سَبَقَ لَهُ حَقُّ تَرْبِيَةٍ عَلى مُوسى مِن بَعْضِ الوُجُوهِ، فَتَرَكَ التَّعْيِينَ رِعايَةً لِذَلِكَ الحَقِّ. الفائِدَةُ السّادِسَةُ: أنَّ فِرْعَوْنَ وإنْ كانَ أظْهَرَ ذَلِكَ الفِعْلَ إلّا أنَّهُ لا فائِدَةَ في الدُّعاءِ عَلى فِرْعَوْنَ بِعَيْنِهِ، بَلِ الأوْلى الِاسْتِعاذَةُ بِاللَّهِ في دَفْعِ كُلِّ مَن كانَ مَوْصُوفًا بِتِلْكَ الصِّفَةِ، حَتّى يَدْخُلَ فِيهِ كُلُّ مَن كانَ عَدُوًّا سَواءٌ كانَ مُظْهِرًا لِتِلْكَ العَداوَةِ أوْ كانَ مُخْفِيًا لَها. الفائِدَةُ السّابِعَةُ: أنَّ المُوجِبَ لِلْإقْدامِ عَلى إيذاءِ النّاسِ أمْرانِ؛ أحَدُهُما: كَوْنُ الإنْسانِ مُتَكَبِّرًا قاسِيَ القَلْبِ. والثّانِي: كَوْنُهُ مُنْكِرًا لِلْبَعْثِ والقِيامَةِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ المُتَكَبِّرَ القاسِيَ قَدْ يَحْمِلُهُ طَبْعُهُ عَلى إيذاءِ النّاسِ إلّا أنَّهُ إذا كانَ مُقِرًّا بِالبَعْثِ والحِسابِ صارَ خَوْفُهُ مِنَ الحِسابِ مانِعًا لَهُ مِنَ الجَرْيِ عَلى مُوجِبِ تَكَبُّرِهِ، فَإذا لَمْ يَحْصُلْ عِنْدَهُ الإيمانُ بِالبَعْثِ والقِيامَةِ كانَتِ الطَّبِيعَةُ داعِيَةً لَهُ إلى الإيذاءِ، والمانِعُ وهو الخَوْفُ مِنَ السُّؤالِ صفحة ٥٠ والحِسابِ زائِلًا، وإذا كانَ الخَوْفُ مِنَ السُّؤالِ والحِسابِ زائِلًا فَلا جَرَمَ تَحْصُلُ القَسْوَةُ والإيذاءُ. الفائِدَةُ الثّامِنَةُ: أنَّ فِرْعَوْنَ لَمّا قالَ: ﴿ذَرُونِي أقْتُلْ مُوسى﴾ قالَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ ﴿ولْيَدْعُ رَبَّهُ﴾ فَقالَ مُوسى: إنَّ الَّذِي ذَكَرْتَهُ يا فِرْعَوْنَ بِطَرِيقِ الِاسْتِهْزاءِ هو الدِّينُ المُبِينُ والحَقُّ المُنِيرُ، وأنا أدْعُو رَبِّي وأطْلُبُ مِنهُ أنْ يَدْفَعَ شَرَّكَ عَنِّي، وسَتَرى أنَّ رَبِّي كَيْفَ يَقْهَرُكَ، وكَيْفَ يُسَلِّطُنِي عَلَيْكَ. واعْلَمْ أنَّ مَن أحاطَ عَقْلَهُ بِهَذِهِ الفَوائِدِ عَلِمَ أنَّهُ لا طَرِيقَ أصْلَحَ ولا أصْوَبَ في دَفْعِ كَيْدِ الأعْداءِ وإبْطالِ مَكْرِهِمْ إلّا الِاسْتِعاذَةَ بِاللَّهِ والرُّجُوعَ إلى حِفْظِ اللَّهِ. واللَّهُ أعْلَمُ.

غافر 40:26

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ ﴿إلى فِرْعَوْنَ وهامانَ وقارُونَ فَقالُوا ساحِرٌ كَذّابٌ﴾ ﴿فَلَمّا جاءَهم بِالحَقِّ مِن عِنْدِنا قالُوا اقْتُلُوا أبْناءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ واسْتَحْيُوا نِساءَهم وما كَيْدُ الكافِرِينَ إلّا في ضَلالٍ﴾ ﴿وقالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أقْتُلْ مُوسى ولْيَدْعُ رَبَّهُ إنِّي أخافُ أنْ يُبَدِّلَ دِينَكم أوْ أنْ يُظْهِرَ في الأرْضِ الفَسادَ﴾ ﴿وقالَ مُوسى إنِّي عُذْتُ بِرَبِّي ورَبِّكم مِن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الحِسابِ﴾ واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا سَلّى رَسُولَهُ بِذِكْرِ الكُفّارِ الَّذِينَ كَذَّبُوا الأنْبِياءَ قَبْلَهُ وبِمُشاهَدَةِ آثارِهِمْ، سَلّاهُ أيْضًا بِذِكْرِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وأنَّهُ مَعَ قُوَّةِ مُعْجِزاتِهِ بَعَثَهُ إلى فِرْعَوْنَ وهامانَ وقارُونَ فَكَذَّبُوهُ وكابَرُوهُ، وقالُوا: هو ساحِرٌ كَذّابٌ. واعْلَمْ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، لَمّا جاءَهم بِتِلْكَ المُعْجِزاتِ الباهِرَةِ وبِالنُّبُوَّةِ، وهي المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا جاءَهم بِالحَقِّ مِن عِنْدِنا﴾ حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهم ما صَدَرَ عَنْهم مِنَ الجَهالاتِ. فالأوَّلُ: أنَّهم وصَفُوهُ بِكَوْنِهِ صفحة ٤٨ ساحِرًا كَذّابًا، وهَذا في غايَةِ البُعْدِ؛ لِأنَّ تِلْكَ المُعْجِزاتِ كانَتْ قَدْ بَلَغَتْ في القُوَّةِ والظُّهُورِ إلى حَيْثُ يَشْهَدُ كُلُّ ذِي عَقْلٍ سَلِيمٍ بِأنَّهُ لَيْسَ مِنَ السِّحْرِ البَتَّةَ. الثّانِي: أنَّهم قالُوا: ﴿اقْتُلُوا أبْناءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ واسْتَحْيُوا نِساءَهُمْ﴾ والصَّحِيحُ أنَّ هَذا القَتْلَ غَيْرُ القَتْلِ الَّذِي وقَعَ في وقْتِ وِلادَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ؛ لِأنَّ في ذَلِكَ الوَقْتِ أخْبَرَهُ المُنَجِّمُونَ بِوِلادَةِ عَدُوٍّ لَهُ يَظْهَرُ عَلَيْهِ، فَأمَرَ بِقَتْلِ الأوْلادِ في ذَلِكَ الوَقْتِ، وأمّا في هَذا الوَقْتِ فَمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ جاءَهُ وأظْهَرَ المُعْجِزاتِ الظّاهِرَةَ، فَعِنْدَ هَذا أمَرَ بِقَتْلِ أبْناءِ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ؛ لِئَلّا يَنْشَئُوا عَلى دِينِ مُوسى فَيَقْوى بِهِمْ، وهَذِهِ العِلَّةُ مُخْتَصَّةٌ بِالبَنِينَ دُونَ البَناتِ، فَلِهَذا السَّبَبِ أمَرَ بِقَتْلِ الأبْناءِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما كَيْدُ الكافِرِينَ إلّا في ضَلالٍ﴾ ومَعْناهُ أنَّ جَمِيعَ ما يَسْعَوْنَ فِيهِ مِن مُكايَدَةِ مُوسى ومُكايَدَةِ مَن آمَنِ مَعَهُ يَبْطُلُ؛ لِأنَّ ﴿ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنّاسِ مِن رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها﴾ [فاطِرٍ: ٢] . النَّوْعُ الثّالِثُ مِن قَبائِحَ أفْعالِ أُولَئِكَ الكُفّارِ مَعَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ما حَكاهُ اللَّهُ تَعالى: ﴿وقالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أقْتُلْ مُوسى﴾ وهَذا الكَلامُ كالدَّلالَةِ عَلى أنَّهم كانُوا يَمْنَعُونَهُ مِن قَتْلِهِ، وفِيهِ احْتِمالانِ: والِاحْتِمالُ الأوَّلُ: أنَّهم مَنَعُوهُ مِن قَتْلِهِ لِوُجُوهٍ؛ الأوَّلُ: لَعَلَّهُ كانَ فِيهِمْ مَن يَعْتَقِدُ بِقَلْبِهِ كَوْنَ مُوسى صادِقًا، فَيَأْتِي بِوُجُوهِ الحِيَلِ في مَنعِ فِرْعَوْنَ مِن قَتْلِهِ. الثّانِي: قالَ الحَسَنُ: إنَّ أصْحابَهُ قالُوا لَهُ: لا تَقْتُلْهُ فَإنَّما هو ساحِرٌ ضَعِيفٌ ولا يُمْكِنُهُ أنْ يَغْلِبَ سَحَرَتَكَ، وإنْ قَتَلْتَهُ أدْخَلْتَ الشُّبْهَةَ عَلى النّاسِ وقالُوا: إنَّهُ كانَ مُحِقًّا وعَجَزُوا عَنْ جَوابِهِ فَقَتَلُوهُ. الثّالِثُ: لَعَلَّهم كانُوا يَحْتالُونَ في مَنعِهِ مِن قَتْلِهِ؛ لِأجْلِ أنْ يَبْقى فِرْعَوْنُ مَشْغُولَ القَلْبِ بِمُوسى فَلا يَتَفَرَّغُ لِتَأْدِيبِ أُولَئِكَ الأقْوامِ، فَإنَّ مِن شَأْنِ الأُمَراءِ أنْ يَشْغَلُوا قَلْبَ مَلِكِهِمْ بِخَصْمٍ خارِجِيٍّ حَتّى يَصِيرُوا آمَنِينَ مِن شَرِّ ذَلِكَ المَلِكِ. والِاحْتِمالُ الثّانِي: أنَّ أحَدًا ما مَنَعَ فِرْعَوْنَ مِن قَتْلِ مُوسى، وأنَّهُ كانَ يُرِيدُ أنْ يَقْتُلَهُ إلّا أنَّهُ كانَ خائِفًا مِن أنَّهُ لَوْ حاوَلَ قَتْلَهُ لَظَهَرَتْ مُعْجِزاتٌ قاهِرَةٌ تَمْنَعُهُ مِن قَتْلِهِ فَيَفْتَضِحُ، إلّا أنَّهُ لِوَقاحَتِهِ قالَ: ﴿ذَرُونِي أقْتُلْ مُوسى﴾ وغَرَضُهُ مِنهُ أنَّهُ إنَّما امْتَنَعَ عَنْ قَتْلِهِ رِعايَةً لِقُلُوبِ أصْحابِهِ، وغَرَضُهُ مِنهُ إخْفاءُ خَوْفِهِ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿ولْيَدْعُ رَبَّهُ﴾ فَإنَّما ذَكَرَهُ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ يَعْنِي أنِّي أقْتُلُهُ فَلْيَقُلْ لِرَبِّهِ حَتّى يُخَلِّصَهُ مِنِّي. * * * وأمّا قَوْلُهُ: ﴿إنِّي أخافُ أنْ يُبَدِّلَ دِينَكم أوْ أنْ يُظْهِرَ في الأرْضِ الفَسادَ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: فَتَحَ ابْنُ كَثِيرٍ الياءَ مِن قَوْلِهِ: ﴿ذَرُونِي﴾ وفَتَحَ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو الياءَ مِن ﴿إنِّي أخافُ﴾ وأيْضًا قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عُمَرَ ”وأنْ يُظْهِرُوا“ بِالواوِ وبِحَذْفِ (أوْ) يَعْنِي أنَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَ تَبْدِيلِ الدِّينِ وبَيْنَ إظْهارِ المَفاسِدِ، والَّذِينَ قَرَءُوا بِصِيغَةِ (أوْ) فَمَعْناهُ أنَّهُ لا بُدَّ مِن وُقُوعِ أحَدِ الأمْرَيْنِ وقُرِئَ ”يُظْهِرَ“ بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الهاءِ و(الفَسادَ) بِالنَّصْبِ عَلى التَّعْدِيَةِ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِلَفْظِ (أوْ يَظْهَرَ) بِفَتْحِ الياءِ والهاءِ، و(الفَسادُ) بِالرَّفْعِ، أمّا وجْهُ القِراءَةِ الأُولى فَهو أنَّهُ أسْنَدَ الفِعْلَ إلىمُوسى في قَوْلِهِ: ﴿يُبَدِّلَ﴾ فَكَذَلِكَ في (يُظْهِرَ) لِيَكُونَ الكَلامُ عَلى نَسَقٍ واحِدٍ، وأمّا وجْهُ القِراءَةِ الثّانِيَةِ فَهو أنَّهُ إذا بَدَّلَ الدِّينَ فَقَدْ ظَهَرَ الفَسادُ الحاصِلُ بِسَبَبِ ذَلِكَ التَّبْدِيلِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ بَيانُ السَّبَبِ المُوجِبِ لِقَتْلِهِ وهو أنَّ وجُودَهُ يُوجِبُ إمّا فَسادَ الدِّينِ أوْ فَسادَ الدُّنْيا، أمّا فَسادُ الدِّينِ فَلِأنَّ القَوْمَ اعْتَقَدُوا أنَّ الدِّينَ الصَّحِيحَ هو الَّذِي كانُوا عَلَيْهِ، فَلَمّا كانَ صفحة ٤٩ مُوسى ساعِيًا في إفْسادِهِ كانَ في اعْتِقادِهِمْ أنَّهُ ساعٍ في إفْسادِ الدِّينِ الحَقِّ، وأمّا فَسادُ الدُّنْيا فَهو أنَّهُ لا بُدَّ وأنْ يَجْتَمِعَ عَلَيْهِ قَوْمٌ ويَصِيرَ ذَلِكَ سَبَبًا لِوُقُوعِ الخُصُوماتِ وإثارَةِ الفِتَنِ، ولَمّا كانَ حُبُّ النّاسِ لِأدْيانِهِمْ فَوْقَ حُبِّهِمْ لِأمْوالِهِمْ لا جَرَمَ بَدَأ فِرْعَوْنُ بِذِكْرِ الدِّينِ فَقالَ: ﴿إنِّي أخافُ أنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ﴾ ثُمَّ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ فَسادِ الدُّنْيا فَقالَ: ﴿أوْ أنْ يُظْهِرَ في الأرْضِ الفَسادَ﴾ . * * * واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْ فِرْعَوْنَ هَذا الكَلامَ حَكى بَعْدَهُ ما ذَكَرَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَحَكى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: ﴿إنِّي عُذْتُ بِرَبِّي ورَبِّكم مِن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الحِسابِ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ نافِعٌ وأبُو بَكْرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ”عُذْتُ“ بِإدْغامِ الذّالِ في التّاءِ والباقُونَ بِالإظْهارِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المَعْنى أنَّهُ لَمْ يَأْتِ في دَفْعِ شَرِّهِ إلّا بِأنِ اسْتَعاذَ بِاللَّهِ واعْتَمَدَ عَلى فَضْلِ اللَّهِ، لا جَرَمَ صانَهُ اللَّهُ عَنْ كُلِّ بَلِيَّةٍ وأوْصَلَهُ إلى كُلِّ أُمْنِيَةٍ، واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الكَلِماتِ الَّتِي ذَكَرَها مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ تَشْتَمِلُ عَلى فَوائِدَ: الفائِدَةُ الأُولى: أنَّ لَفْظَةَ ”إنِّي“ تَدُلُّ عَلى التَّأْكِيدِ، فَهَذا يُدَلِّلُ عَلى أنَّ الطَّرِيقَ المُؤَكَّدَ المُعْتَبَرَ في دَفْعِ الشُّرُورِ والآفاتِ عَنِ النَّفْسِ الِاعْتِمادُ عَلى اللَّهِ والتَّوَكُّلُ عَلى عِصْمَةِ اللَّهِ تَعالى. الفائِدَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ قالَ: ﴿إنِّي عُذْتُ بِرَبِّي ورَبِّكُمْ﴾ فَكَما أنَّ عِنْدَ القِراءَةِ يَقُولُ المُسْلِمُ: أعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ، فاللَّهُ تَعالى يَصُونُ دِينَهُ وإخْلاصَهُ عَنْ وساوِسِ شَياطِينِ الجِنِّ، فَكَذَلِكَ عِنْدَ تَوَجُّهِ الآفاتِ والمَخافاتِ مِن شَياطِينِ الإنْسِ إذا قالَ المُسْلِمُ: أعُوذُ بِاللَّهِ، فاللَّهُ يَصُونُهُ عَنْ كُلِّ الآفاتِ والمَخافاتِ. الفائِدَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿إنِّي عُذْتُ بِرَبِّي ورَبِّكُمْ﴾ والمَعْنى كَأنَّ العَبْدَ يَقُولُ: إنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ هو الَّذِي رَبّانِي وإلى دَرَجاتِ الخَيْرِ رَقّانِي، ومِنَ الآفاتِ وقانِي، وأعْطانِي نِعَمًا لا حَدَّ لَها ولا حَصْرَ، فَلَمّا كانَ المَوْلى لَيْسَ إلّا اللَّهُ وجَبَ أنْ لا يَرْجِعَ العاقِلُ في دَفْعِ كُلِّ الآفاتِ إلّا إلى حِفْظِ اللَّهِ تَعالى. الفائِدَةُ الرّابِعَةُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ورَبِّكُمْ﴾ فِيهِ بَعْثٌ لِقَوْمِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى أنْ يَقْتَدُوا بِهِ في الِاسْتِعاذَةِ بِاللَّهِ، والمَعْنى فِيهِ أنَّ الأرْواحَ الطّاهِرَةَ القَوِيَّةَ إذا تَطابَقَتْ عَلى هِمَّةٍ واحِدَةٍ قَوِيَ ذَلِكَ التَّأْثِيرُ جِدًّا، وذَلِكَ هو السَّبَبُ الأصْلِيُّ في أداءِ الصَّلَواتِ في الجَماعاتِ. الفائِدَةُ الخامِسَةُ: أنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ فِرْعَوْنَ في هَذا الدُّعاءِ؛ لِأنَّهُ كانَ قَدْ سَبَقَ لَهُ حَقُّ تَرْبِيَةٍ عَلى مُوسى مِن بَعْضِ الوُجُوهِ، فَتَرَكَ التَّعْيِينَ رِعايَةً لِذَلِكَ الحَقِّ. الفائِدَةُ السّادِسَةُ: أنَّ فِرْعَوْنَ وإنْ كانَ أظْهَرَ ذَلِكَ الفِعْلَ إلّا أنَّهُ لا فائِدَةَ في الدُّعاءِ عَلى فِرْعَوْنَ بِعَيْنِهِ، بَلِ الأوْلى الِاسْتِعاذَةُ بِاللَّهِ في دَفْعِ كُلِّ مَن كانَ مَوْصُوفًا بِتِلْكَ الصِّفَةِ، حَتّى يَدْخُلَ فِيهِ كُلُّ مَن كانَ عَدُوًّا سَواءٌ كانَ مُظْهِرًا لِتِلْكَ العَداوَةِ أوْ كانَ مُخْفِيًا لَها. الفائِدَةُ السّابِعَةُ: أنَّ المُوجِبَ لِلْإقْدامِ عَلى إيذاءِ النّاسِ أمْرانِ؛ أحَدُهُما: كَوْنُ الإنْسانِ مُتَكَبِّرًا قاسِيَ القَلْبِ. والثّانِي: كَوْنُهُ مُنْكِرًا لِلْبَعْثِ والقِيامَةِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ المُتَكَبِّرَ القاسِيَ قَدْ يَحْمِلُهُ طَبْعُهُ عَلى إيذاءِ النّاسِ إلّا أنَّهُ إذا كانَ مُقِرًّا بِالبَعْثِ والحِسابِ صارَ خَوْفُهُ مِنَ الحِسابِ مانِعًا لَهُ مِنَ الجَرْيِ عَلى مُوجِبِ تَكَبُّرِهِ، فَإذا لَمْ يَحْصُلْ عِنْدَهُ الإيمانُ بِالبَعْثِ والقِيامَةِ كانَتِ الطَّبِيعَةُ داعِيَةً لَهُ إلى الإيذاءِ، والمانِعُ وهو الخَوْفُ مِنَ السُّؤالِ صفحة ٥٠ والحِسابِ زائِلًا، وإذا كانَ الخَوْفُ مِنَ السُّؤالِ والحِسابِ زائِلًا فَلا جَرَمَ تَحْصُلُ القَسْوَةُ والإيذاءُ. الفائِدَةُ الثّامِنَةُ: أنَّ فِرْعَوْنَ لَمّا قالَ: ﴿ذَرُونِي أقْتُلْ مُوسى﴾ قالَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ ﴿ولْيَدْعُ رَبَّهُ﴾ فَقالَ مُوسى: إنَّ الَّذِي ذَكَرْتَهُ يا فِرْعَوْنَ بِطَرِيقِ الِاسْتِهْزاءِ هو الدِّينُ المُبِينُ والحَقُّ المُنِيرُ، وأنا أدْعُو رَبِّي وأطْلُبُ مِنهُ أنْ يَدْفَعَ شَرَّكَ عَنِّي، وسَتَرى أنَّ رَبِّي كَيْفَ يَقْهَرُكَ، وكَيْفَ يُسَلِّطُنِي عَلَيْكَ. واعْلَمْ أنَّ مَن أحاطَ عَقْلَهُ بِهَذِهِ الفَوائِدِ عَلِمَ أنَّهُ لا طَرِيقَ أصْلَحَ ولا أصْوَبَ في دَفْعِ كَيْدِ الأعْداءِ وإبْطالِ مَكْرِهِمْ إلّا الِاسْتِعاذَةَ بِاللَّهِ والرُّجُوعَ إلى حِفْظِ اللَّهِ. واللَّهُ أعْلَمُ.

غافر 40:27

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ ﴿إلى فِرْعَوْنَ وهامانَ وقارُونَ فَقالُوا ساحِرٌ كَذّابٌ﴾ ﴿فَلَمّا جاءَهم بِالحَقِّ مِن عِنْدِنا قالُوا اقْتُلُوا أبْناءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ واسْتَحْيُوا نِساءَهم وما كَيْدُ الكافِرِينَ إلّا في ضَلالٍ﴾ ﴿وقالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أقْتُلْ مُوسى ولْيَدْعُ رَبَّهُ إنِّي أخافُ أنْ يُبَدِّلَ دِينَكم أوْ أنْ يُظْهِرَ في الأرْضِ الفَسادَ﴾ ﴿وقالَ مُوسى إنِّي عُذْتُ بِرَبِّي ورَبِّكم مِن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الحِسابِ﴾ واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا سَلّى رَسُولَهُ بِذِكْرِ الكُفّارِ الَّذِينَ كَذَّبُوا الأنْبِياءَ قَبْلَهُ وبِمُشاهَدَةِ آثارِهِمْ، سَلّاهُ أيْضًا بِذِكْرِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وأنَّهُ مَعَ قُوَّةِ مُعْجِزاتِهِ بَعَثَهُ إلى فِرْعَوْنَ وهامانَ وقارُونَ فَكَذَّبُوهُ وكابَرُوهُ، وقالُوا: هو ساحِرٌ كَذّابٌ. واعْلَمْ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، لَمّا جاءَهم بِتِلْكَ المُعْجِزاتِ الباهِرَةِ وبِالنُّبُوَّةِ، وهي المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا جاءَهم بِالحَقِّ مِن عِنْدِنا﴾ حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهم ما صَدَرَ عَنْهم مِنَ الجَهالاتِ. فالأوَّلُ: أنَّهم وصَفُوهُ بِكَوْنِهِ صفحة ٤٨ ساحِرًا كَذّابًا، وهَذا في غايَةِ البُعْدِ؛ لِأنَّ تِلْكَ المُعْجِزاتِ كانَتْ قَدْ بَلَغَتْ في القُوَّةِ والظُّهُورِ إلى حَيْثُ يَشْهَدُ كُلُّ ذِي عَقْلٍ سَلِيمٍ بِأنَّهُ لَيْسَ مِنَ السِّحْرِ البَتَّةَ. الثّانِي: أنَّهم قالُوا: ﴿اقْتُلُوا أبْناءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ واسْتَحْيُوا نِساءَهُمْ﴾ والصَّحِيحُ أنَّ هَذا القَتْلَ غَيْرُ القَتْلِ الَّذِي وقَعَ في وقْتِ وِلادَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ؛ لِأنَّ في ذَلِكَ الوَقْتِ أخْبَرَهُ المُنَجِّمُونَ بِوِلادَةِ عَدُوٍّ لَهُ يَظْهَرُ عَلَيْهِ، فَأمَرَ بِقَتْلِ الأوْلادِ في ذَلِكَ الوَقْتِ، وأمّا في هَذا الوَقْتِ فَمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ جاءَهُ وأظْهَرَ المُعْجِزاتِ الظّاهِرَةَ، فَعِنْدَ هَذا أمَرَ بِقَتْلِ أبْناءِ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ؛ لِئَلّا يَنْشَئُوا عَلى دِينِ مُوسى فَيَقْوى بِهِمْ، وهَذِهِ العِلَّةُ مُخْتَصَّةٌ بِالبَنِينَ دُونَ البَناتِ، فَلِهَذا السَّبَبِ أمَرَ بِقَتْلِ الأبْناءِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما كَيْدُ الكافِرِينَ إلّا في ضَلالٍ﴾ ومَعْناهُ أنَّ جَمِيعَ ما يَسْعَوْنَ فِيهِ مِن مُكايَدَةِ مُوسى ومُكايَدَةِ مَن آمَنِ مَعَهُ يَبْطُلُ؛ لِأنَّ ﴿ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنّاسِ مِن رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها﴾ [فاطِرٍ: ٢] . النَّوْعُ الثّالِثُ مِن قَبائِحَ أفْعالِ أُولَئِكَ الكُفّارِ مَعَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ما حَكاهُ اللَّهُ تَعالى: ﴿وقالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أقْتُلْ مُوسى﴾ وهَذا الكَلامُ كالدَّلالَةِ عَلى أنَّهم كانُوا يَمْنَعُونَهُ مِن قَتْلِهِ، وفِيهِ احْتِمالانِ: والِاحْتِمالُ الأوَّلُ: أنَّهم مَنَعُوهُ مِن قَتْلِهِ لِوُجُوهٍ؛ الأوَّلُ: لَعَلَّهُ كانَ فِيهِمْ مَن يَعْتَقِدُ بِقَلْبِهِ كَوْنَ مُوسى صادِقًا، فَيَأْتِي بِوُجُوهِ الحِيَلِ في مَنعِ فِرْعَوْنَ مِن قَتْلِهِ. الثّانِي: قالَ الحَسَنُ: إنَّ أصْحابَهُ قالُوا لَهُ: لا تَقْتُلْهُ فَإنَّما هو ساحِرٌ ضَعِيفٌ ولا يُمْكِنُهُ أنْ يَغْلِبَ سَحَرَتَكَ، وإنْ قَتَلْتَهُ أدْخَلْتَ الشُّبْهَةَ عَلى النّاسِ وقالُوا: إنَّهُ كانَ مُحِقًّا وعَجَزُوا عَنْ جَوابِهِ فَقَتَلُوهُ. الثّالِثُ: لَعَلَّهم كانُوا يَحْتالُونَ في مَنعِهِ مِن قَتْلِهِ؛ لِأجْلِ أنْ يَبْقى فِرْعَوْنُ مَشْغُولَ القَلْبِ بِمُوسى فَلا يَتَفَرَّغُ لِتَأْدِيبِ أُولَئِكَ الأقْوامِ، فَإنَّ مِن شَأْنِ الأُمَراءِ أنْ يَشْغَلُوا قَلْبَ مَلِكِهِمْ بِخَصْمٍ خارِجِيٍّ حَتّى يَصِيرُوا آمَنِينَ مِن شَرِّ ذَلِكَ المَلِكِ. والِاحْتِمالُ الثّانِي: أنَّ أحَدًا ما مَنَعَ فِرْعَوْنَ مِن قَتْلِ مُوسى، وأنَّهُ كانَ يُرِيدُ أنْ يَقْتُلَهُ إلّا أنَّهُ كانَ خائِفًا مِن أنَّهُ لَوْ حاوَلَ قَتْلَهُ لَظَهَرَتْ مُعْجِزاتٌ قاهِرَةٌ تَمْنَعُهُ مِن قَتْلِهِ فَيَفْتَضِحُ، إلّا أنَّهُ لِوَقاحَتِهِ قالَ: ﴿ذَرُونِي أقْتُلْ مُوسى﴾ وغَرَضُهُ مِنهُ أنَّهُ إنَّما امْتَنَعَ عَنْ قَتْلِهِ رِعايَةً لِقُلُوبِ أصْحابِهِ، وغَرَضُهُ مِنهُ إخْفاءُ خَوْفِهِ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿ولْيَدْعُ رَبَّهُ﴾ فَإنَّما ذَكَرَهُ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ يَعْنِي أنِّي أقْتُلُهُ فَلْيَقُلْ لِرَبِّهِ حَتّى يُخَلِّصَهُ مِنِّي. * * * وأمّا قَوْلُهُ: ﴿إنِّي أخافُ أنْ يُبَدِّلَ دِينَكم أوْ أنْ يُظْهِرَ في الأرْضِ الفَسادَ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: فَتَحَ ابْنُ كَثِيرٍ الياءَ مِن قَوْلِهِ: ﴿ذَرُونِي﴾ وفَتَحَ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو الياءَ مِن ﴿إنِّي أخافُ﴾ وأيْضًا قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عُمَرَ ”وأنْ يُظْهِرُوا“ بِالواوِ وبِحَذْفِ (أوْ) يَعْنِي أنَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَ تَبْدِيلِ الدِّينِ وبَيْنَ إظْهارِ المَفاسِدِ، والَّذِينَ قَرَءُوا بِصِيغَةِ (أوْ) فَمَعْناهُ أنَّهُ لا بُدَّ مِن وُقُوعِ أحَدِ الأمْرَيْنِ وقُرِئَ ”يُظْهِرَ“ بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الهاءِ و(الفَسادَ) بِالنَّصْبِ عَلى التَّعْدِيَةِ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِلَفْظِ (أوْ يَظْهَرَ) بِفَتْحِ الياءِ والهاءِ، و(الفَسادُ) بِالرَّفْعِ، أمّا وجْهُ القِراءَةِ الأُولى فَهو أنَّهُ أسْنَدَ الفِعْلَ إلىمُوسى في قَوْلِهِ: ﴿يُبَدِّلَ﴾ فَكَذَلِكَ في (يُظْهِرَ) لِيَكُونَ الكَلامُ عَلى نَسَقٍ واحِدٍ، وأمّا وجْهُ القِراءَةِ الثّانِيَةِ فَهو أنَّهُ إذا بَدَّلَ الدِّينَ فَقَدْ ظَهَرَ الفَسادُ الحاصِلُ بِسَبَبِ ذَلِكَ التَّبْدِيلِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ بَيانُ السَّبَبِ المُوجِبِ لِقَتْلِهِ وهو أنَّ وجُودَهُ يُوجِبُ إمّا فَسادَ الدِّينِ أوْ فَسادَ الدُّنْيا، أمّا فَسادُ الدِّينِ فَلِأنَّ القَوْمَ اعْتَقَدُوا أنَّ الدِّينَ الصَّحِيحَ هو الَّذِي كانُوا عَلَيْهِ، فَلَمّا كانَ صفحة ٤٩ مُوسى ساعِيًا في إفْسادِهِ كانَ في اعْتِقادِهِمْ أنَّهُ ساعٍ في إفْسادِ الدِّينِ الحَقِّ، وأمّا فَسادُ الدُّنْيا فَهو أنَّهُ لا بُدَّ وأنْ يَجْتَمِعَ عَلَيْهِ قَوْمٌ ويَصِيرَ ذَلِكَ سَبَبًا لِوُقُوعِ الخُصُوماتِ وإثارَةِ الفِتَنِ، ولَمّا كانَ حُبُّ النّاسِ لِأدْيانِهِمْ فَوْقَ حُبِّهِمْ لِأمْوالِهِمْ لا جَرَمَ بَدَأ فِرْعَوْنُ بِذِكْرِ الدِّينِ فَقالَ: ﴿إنِّي أخافُ أنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ﴾ ثُمَّ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ فَسادِ الدُّنْيا فَقالَ: ﴿أوْ أنْ يُظْهِرَ في الأرْضِ الفَسادَ﴾ . * * * واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْ فِرْعَوْنَ هَذا الكَلامَ حَكى بَعْدَهُ ما ذَكَرَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَحَكى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: ﴿إنِّي عُذْتُ بِرَبِّي ورَبِّكم مِن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الحِسابِ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ نافِعٌ وأبُو بَكْرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ”عُذْتُ“ بِإدْغامِ الذّالِ في التّاءِ والباقُونَ بِالإظْهارِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المَعْنى أنَّهُ لَمْ يَأْتِ في دَفْعِ شَرِّهِ إلّا بِأنِ اسْتَعاذَ بِاللَّهِ واعْتَمَدَ عَلى فَضْلِ اللَّهِ، لا جَرَمَ صانَهُ اللَّهُ عَنْ كُلِّ بَلِيَّةٍ وأوْصَلَهُ إلى كُلِّ أُمْنِيَةٍ، واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الكَلِماتِ الَّتِي ذَكَرَها مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ تَشْتَمِلُ عَلى فَوائِدَ: الفائِدَةُ الأُولى: أنَّ لَفْظَةَ ”إنِّي“ تَدُلُّ عَلى التَّأْكِيدِ، فَهَذا يُدَلِّلُ عَلى أنَّ الطَّرِيقَ المُؤَكَّدَ المُعْتَبَرَ في دَفْعِ الشُّرُورِ والآفاتِ عَنِ النَّفْسِ الِاعْتِمادُ عَلى اللَّهِ والتَّوَكُّلُ عَلى عِصْمَةِ اللَّهِ تَعالى. الفائِدَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ قالَ: ﴿إنِّي عُذْتُ بِرَبِّي ورَبِّكُمْ﴾ فَكَما أنَّ عِنْدَ القِراءَةِ يَقُولُ المُسْلِمُ: أعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ، فاللَّهُ تَعالى يَصُونُ دِينَهُ وإخْلاصَهُ عَنْ وساوِسِ شَياطِينِ الجِنِّ، فَكَذَلِكَ عِنْدَ تَوَجُّهِ الآفاتِ والمَخافاتِ مِن شَياطِينِ الإنْسِ إذا قالَ المُسْلِمُ: أعُوذُ بِاللَّهِ، فاللَّهُ يَصُونُهُ عَنْ كُلِّ الآفاتِ والمَخافاتِ. الفائِدَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿إنِّي عُذْتُ بِرَبِّي ورَبِّكُمْ﴾ والمَعْنى كَأنَّ العَبْدَ يَقُولُ: إنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ هو الَّذِي رَبّانِي وإلى دَرَجاتِ الخَيْرِ رَقّانِي، ومِنَ الآفاتِ وقانِي، وأعْطانِي نِعَمًا لا حَدَّ لَها ولا حَصْرَ، فَلَمّا كانَ المَوْلى لَيْسَ إلّا اللَّهُ وجَبَ أنْ لا يَرْجِعَ العاقِلُ في دَفْعِ كُلِّ الآفاتِ إلّا إلى حِفْظِ اللَّهِ تَعالى. الفائِدَةُ الرّابِعَةُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ورَبِّكُمْ﴾ فِيهِ بَعْثٌ لِقَوْمِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى أنْ يَقْتَدُوا بِهِ في الِاسْتِعاذَةِ بِاللَّهِ، والمَعْنى فِيهِ أنَّ الأرْواحَ الطّاهِرَةَ القَوِيَّةَ إذا تَطابَقَتْ عَلى هِمَّةٍ واحِدَةٍ قَوِيَ ذَلِكَ التَّأْثِيرُ جِدًّا، وذَلِكَ هو السَّبَبُ الأصْلِيُّ في أداءِ الصَّلَواتِ في الجَماعاتِ. الفائِدَةُ الخامِسَةُ: أنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ فِرْعَوْنَ في هَذا الدُّعاءِ؛ لِأنَّهُ كانَ قَدْ سَبَقَ لَهُ حَقُّ تَرْبِيَةٍ عَلى مُوسى مِن بَعْضِ الوُجُوهِ، فَتَرَكَ التَّعْيِينَ رِعايَةً لِذَلِكَ الحَقِّ. الفائِدَةُ السّادِسَةُ: أنَّ فِرْعَوْنَ وإنْ كانَ أظْهَرَ ذَلِكَ الفِعْلَ إلّا أنَّهُ لا فائِدَةَ في الدُّعاءِ عَلى فِرْعَوْنَ بِعَيْنِهِ، بَلِ الأوْلى الِاسْتِعاذَةُ بِاللَّهِ في دَفْعِ كُلِّ مَن كانَ مَوْصُوفًا بِتِلْكَ الصِّفَةِ، حَتّى يَدْخُلَ فِيهِ كُلُّ مَن كانَ عَدُوًّا سَواءٌ كانَ مُظْهِرًا لِتِلْكَ العَداوَةِ أوْ كانَ مُخْفِيًا لَها. الفائِدَةُ السّابِعَةُ: أنَّ المُوجِبَ لِلْإقْدامِ عَلى إيذاءِ النّاسِ أمْرانِ؛ أحَدُهُما: كَوْنُ الإنْسانِ مُتَكَبِّرًا قاسِيَ القَلْبِ. والثّانِي: كَوْنُهُ مُنْكِرًا لِلْبَعْثِ والقِيامَةِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ المُتَكَبِّرَ القاسِيَ قَدْ يَحْمِلُهُ طَبْعُهُ عَلى إيذاءِ النّاسِ إلّا أنَّهُ إذا كانَ مُقِرًّا بِالبَعْثِ والحِسابِ صارَ خَوْفُهُ مِنَ الحِسابِ مانِعًا لَهُ مِنَ الجَرْيِ عَلى مُوجِبِ تَكَبُّرِهِ، فَإذا لَمْ يَحْصُلْ عِنْدَهُ الإيمانُ بِالبَعْثِ والقِيامَةِ كانَتِ الطَّبِيعَةُ داعِيَةً لَهُ إلى الإيذاءِ، والمانِعُ وهو الخَوْفُ مِنَ السُّؤالِ صفحة ٥٠ والحِسابِ زائِلًا، وإذا كانَ الخَوْفُ مِنَ السُّؤالِ والحِسابِ زائِلًا فَلا جَرَمَ تَحْصُلُ القَسْوَةُ والإيذاءُ. الفائِدَةُ الثّامِنَةُ: أنَّ فِرْعَوْنَ لَمّا قالَ: ﴿ذَرُونِي أقْتُلْ مُوسى﴾ قالَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ ﴿ولْيَدْعُ رَبَّهُ﴾ فَقالَ مُوسى: إنَّ الَّذِي ذَكَرْتَهُ يا فِرْعَوْنَ بِطَرِيقِ الِاسْتِهْزاءِ هو الدِّينُ المُبِينُ والحَقُّ المُنِيرُ، وأنا أدْعُو رَبِّي وأطْلُبُ مِنهُ أنْ يَدْفَعَ شَرَّكَ عَنِّي، وسَتَرى أنَّ رَبِّي كَيْفَ يَقْهَرُكَ، وكَيْفَ يُسَلِّطُنِي عَلَيْكَ. واعْلَمْ أنَّ مَن أحاطَ عَقْلَهُ بِهَذِهِ الفَوائِدِ عَلِمَ أنَّهُ لا طَرِيقَ أصْلَحَ ولا أصْوَبَ في دَفْعِ كَيْدِ الأعْداءِ وإبْطالِ مَكْرِهِمْ إلّا الِاسْتِعاذَةَ بِاللَّهِ والرُّجُوعَ إلى حِفْظِ اللَّهِ. واللَّهُ أعْلَمُ.

غافر 40:28

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِن آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إيمانَهُ أتَقْتُلُونَ رَجُلًا أنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وقَدْ جاءَكم بِالبَيِّناتِ مِن رَبِّكم وإنْ يَكُ كاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وإنْ يَكُ صادِقًا يُصِبْكم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكم إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن هو مُسْرِفٌ كَذّابٌ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ ما زادَ في دَفْعِ مَكْرِ فِرْعَوْنَ وشَرِّهِ عَلى الِاسْتِعاذَةِ بِاللَّهِ، بَيَّنَ أنَّهُ تَعالى قَيَّضَ إنْسانًا أجْنَبِيًّا غَيْرَ مُوسى حَتّى ذَبَّ عَنْهُ عَلى أحْسَنِ الوُجُوهِ، وبالَغَ في تَسْكِينِ تِلْكَ الفِتْنَةِ واجْتَهَدَ في إزالَةِ ذَلِكَ الشَّرِّ. يَقُولُ مُصَنَّفُ هَذا الكِتابِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ولَقَدْ جَرَّبْتُ في أحْوالِ نَفْسِي أنَّهُ كُلَّما قَصَدَنِي شِرِّيرٌ بِشَرٍّ، لَمْ أتَعَرَّضْ لَهُ، وأكْتَفِي بِتَفْوِيضِ ذَلِكَ الأمْرِ إلى اللَّهِ، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ يُقَيِّضُ أقْوامًا لا أعْرِفُهُمُ البَتَّةَ، يُبالِغُونَ في دَفْعِ ذَلِكَ الشَّرِّ، وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اخْتَلَفُوا في ذَلِكَ الرَّجُلِ الَّذِي كانَ مِن آلِ فِرْعَوْنَ، فَقِيلَ: إنَّهُ كانَ ابْنَ عَمٍّ لَهُ، وكانَ جارِيًا مَجْرى ولِيِّ العَهْدِ ومَجْرى صاحِبِ الشُّرَطَةِ، وقِيلَ: كانَ قِبْطِيًّا مِن آلِ فِرْعَوْنَ وما كانَ مِن أقارِبِهِ، وقِيلَ: إنَّهُ كانَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، والقَوْلُ الأوَّلُ أقْرَبُ؛ لِأنَّ لَفْظَ الآلِ يَقَعُ عَلى القَرابَةِ والعَشِيرَةِ قالَ تَعالى: ﴿إلّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْناهم بِسَحَرٍ﴾ وعَنْ رَسُولِ اللَّهِ أنَّهُ قالَ: ”«الصِّدِّيقُونَ ثَلاثَةٌ: حَبِيبٌ النَّجّارُ مُؤْمِنُ آلِ ياسِينَ، ومُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ الَّذِي قالَ: ﴿أتَقْتُلُونَ رَجُلًا أنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾ . والثّالِثُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ وهو أفْضَلُهم» “ وعَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ أنَّهُ قالَ: كانَ أبُو بَكْرٍ خَيْرًا مِن مُؤْمِنِ آلِ فِرْعَوْنَ؛ لِأنَّهُ كانَ يَكْتُمُ إيمانَهُ، وقالَ أبُو بَكْرٍ جِهارًا: ﴿أتَقْتُلُونَ رَجُلًا أنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾ فَكانَ ذَلِكَ سِرًّا وهَذا كانَ جِهارًا. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لَفْظُ ”مِن“ في قَوْلِهِ: ﴿مِن آلِ فِرْعَوْنَ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ: ﴿مُؤْمِنٌ﴾ أيْ كانَ ذَلِكَ المُؤْمِنُ شَخْصًا مِن آلِ فِرْعَوْنَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ: ﴿يَكْتُمُ إيمانَهُ﴾ والتَّقْدِيرُ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ يَكْتُمُ إيمانَهُ مِن آلِ فِرْعَوْنَ، وقِيلَ: إنَّ هَذا الِاحْتِمالَ غَيْرُ جائِزٍ لِأنَّهُ لا يُقالُ: كَتَمْتُ مِن فُلانٍ كَذا، إنَّما يُقالُ: كَتَمْتُهُ كَذا، قالَ تَعالى: ﴿ولا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النِّساءِ: ٤٢] . صفحة ٥١ المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ”رَجُلٌ مُؤْمِنٌ“ الأكْثَرُونَ قَرَأُوا بِضَمِّ الجِيمِ وقُرِئَ ”رَجِلٌ“ بِكَسْرِ الجِيمِ كَما يُقالُ: عَضِدٌ في عَضُدٍ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أتَقْتُلُونَ رَجُلًا أنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾ اسْتِفْهامٌ عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ، وقَدْ ذَكَرَ في هَذا الكَلامِ ما يَدُلُّ عَلى حُسْنِ الِاسْتِنْكارِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ ما زادَ عَلى أنْ قالَ: ﴿رَبِّيَ اللَّهُ﴾ وجاءَ بِالبَيِّناتِ، وذَلِكَ لا يُوجِبُ القَتْلَ البَتَّةَ، وقَوْلُهُ: ﴿وقَدْ جاءَكم بِالبَيِّناتِ مِن رَبِّكُمْ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ؛ الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿رَبِّيَ اللَّهُ﴾ إشارَةٌ إلى التَّوْحِيدِ، وقَوْلَهُ: ﴿وقَدْ جاءَكم بِالبَيِّناتِ﴾ إشارَةٌ إلى الدَّلائِلَ الدّالَّةِ عَلى التَّوْحِيدِ، وهو قَوْلُهُ في سُورَةِ طه: ﴿رَبُّنا الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ [طه: ٥٠] وقَوْلُهُ في سُورَةِ الشُّعَراءِ: ﴿رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ [الدُّخانِ: ٧] إلى آخِرِ الآياتِ، ثُمَّ ذَكَرَ ذَلِكَ المُؤْمِنُ حُجَّةً ثانِيَةً في أنَّ الإقْدامَ عَلى قَتْلِهِ غَيْرُ جائِزٍ، وهي حُجَّةٌ مَذْكُورَةٌ عَلى طَرِيقَةِ التَّقْسِيمِ، فَقالَ: إنْ كانَ هَذا الرَّجُلُ كاذِبًا كانَ وبالُ كَذِبِهِ عائِدًا عَلَيْهِ فاتْرُكُوهُ، وإنْ كانَ صادِقًا يُصِبْكم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكم، فَثَبَتَ أنَّ عَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ كانَ الأوْلى إبْقاؤُهُ حَيًّا. فَإنْ قِيلَ: السُّؤالُ عَلى هَذا الدَّلِيلِ مِن وجْهَيْنِ؛ الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ ﴿وإنْ يَكُ كاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ﴾ مَعْناهُ أنَّ ضَرَرَ كَذِبِهِ مَقْصُورٌ عَلَيْهِ ولا يَتَعَدّاهُ، وهَذا الكَلامُ فاسِدٌ لِوُجُوهٍ؛ أحَدُها: أنّا لا نُسَلِّمُ أنَّ بِتَقْدِيرِ كَوْنِهِ كاذِبًا كانَ ضَرَرُ كَذِبِهِ مَقْصُورًا عَلَيْهِ؛ لِأنَّهُ يَدْعُو النّاسَ إلى ذَلِكَ الدِّينِ الباطِلِ، فَيَغْتَرُّ بِهِ جَماعَةٌ مِنهم، ويَقَعُونَ في المَذْهَبِ الباطِلِ والِاعْتِقادِ الفاسِدِ، ثُمَّ يَقَعُ بَيْنَهم وبَيْنَ غَيْرِهِمُ الخُصُوماتُ الكَثِيرَةُ، فَثَبَتَ أنَّ بِتَقْدِيرِ كَوْنِهِ كاذِبًا لَمْ يَكُنْ ضَرَرُ كَذِبِهِ مَقْصُورًا عَلَيْهِ، بَلْ كانَ مُتَعَدِّيًا إلى الكُلِّ؛ ولِهَذا السَّبَبِ العُلَماءُ أجْمَعُوا عَلى أنَّ الزِّنْدِيقَ الَّذِي يَدْعُو النّاسَ إلى زَنْدَقَتِهِ يَجِبُ قَتْلُهُ. وثانِيها: أنَّهُ إنْ كانَ الكَلامُ حُجَّةً لَهُ، فَلا كَذّابَ إلّا ويُمْكِنُهُ أنْ يَتَمَسَّكَ بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ، فَوَجَبَ تَمَكُّنُ جَمِيعِ الزَّنادِقَةِ والمُبْطِلِينَ مِن تَقْرِيرِ أدْيانِهِمُ الباطِلَةِ. وثالِثُها: أنَّ الكُفّارَ الَّذِينَ أنْكَرُوا نُبُوَّةَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وجَبَ أنْ لا يَجُوزَ الإنْكارُ عَلَيْهِمْ؛ لِأنَّهُ يُقالُ: إنْ كانَ ذَلِكَ المُنْكِرُ كاذِبًا في ذَلِكَ الإنْكارِ فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ، وإنْ يَكُ صادِقًا انْتَفَعْتُمْ بِصِدْقِهِ، فَثَبَتَ أنَّ هَذا الطَّرِيقَ يُوجِبُ تَصْوِيبَ ضِدِّهُ، وما أفْضى ثُبُوتُهُ إلى عَدَمِهِ كانَ باطِلًا. السُّؤالُ الثّانِي: أنَّهُ كانَ مِنَ الواجِبِ أنْ يُقالَ: وإنْ يَكُ صادِقًا يُصِبْكم كُلُّ الَّذِي يَعِدُكم؛ لِأنَّ الَّذِي يُصِيبُ في بَعْضِ ما يَعِدُ دُونَ البَعْضِ هم أصْحابُ الكَهانَةِ والنُّجُومِ، أمّا الرَّسُولُ الصّادِقُ الَّذِي لا يَتَكَلَّمُ إلّا بِالوَحْيِ فَإنَّهُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ صادِقًا في كُلِّ ما يَقُولُ فَكانَ قَوْلُهُ: ﴿يُصِبْكم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ غَيْرَ لائِقٍ بِهَذا المَقامِ. والجَوابُ عَنِ الأسْئِلَةِ الثَّلاثَةِ بِحَرْفٍ واحِدٍ وهو أنَّ تَقْدِيرَ الكَلامِ أنْ يُقالَ: إنَّهُ لا حاجَةَ بِكم في دَفْعِ شَرِّهِ إلى قَتْلِهِ بَلْ يَكْفِيكم أنْ تَمْنَعُوهُ عَنْ إظْهارِ هَذِهِ المَقالَةِ ثُمَّ تَتْرُكُوا قَتْلَهُ فَإنْ كانَ كاذِبًا فَحِينَئِذٍ لا يَعُودُ ضَرَرُهُ إلّا إلَيْهِ، وإنْ يَكُ صادِقًا انْتَفَعْتُمْ بِهِ، والحاصِلُ أنَّ المَقْصُودَ مِن ذِكْرِ ذَلِكَ التَّقْسِيمِ بَيانُ أنَّهُ لا حاجَةَ إلى قَتْلِهِ بَلْ يَكْفِيكم أنْ تُعْرِضُوا عَنْهُ وأنْ تَمْنَعُوهُ عَنْ إظْهارِ دِينِهِ، فَبِهَذا الطَّرِيقِ تَكُونُ الأسْئِلَةُ الثَّلاثَةُ مَدْفُوعَةً. وأمّا السُّؤالُ الثّانِي، وهو قَوْلُهُ: كانَ الأوْلى أنْ يُقالَ: يُصِبْكم كُلُّ الَّذِي يَعِدُكم، فالجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ؛ الأوَّلُ: أنَّ مَدارَ هَذا الِاسْتِدْلالِ عَلى إظْهارِ الإنْصافِ وتَرْكِ اللِّجاجِ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ مِنهُ إنْ كانَ كاذِبًا كانَ ضَرَرُ كَذِبِهِ مَقْصُورًا عَلَيْهِ، وإنْ كانَ صادِقًا فَلا أقَلَّ مِن أنْ يَصِلَ إلَيْكم بَعْضُ ما يَعِدُكم، وإنْ كانَ المَقْصُودُ مِن هَذا صفحة ٥٢ الكَلامِ ما ذُكِرَ صَحَّ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنّا أوْ إيّاكم لَعَلى هُدًى أوْ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [سَبَأٍ: ٢٤]، والوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَتَوَعَّدُهم بِعَذابِ الدُّنْيا وبِعَذابِ الآخِرَةِ، فَإذا وصَلَ إلَيْهِمْ في الدُّنْيا عَذابُ الدُّنْيا فَقَدْ أصابَهم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُهم بِهِ، الوَجْهُ الثّالِثُ: حُكِيَ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ أنَّهُ قالَ: وُرُودُ لَفْظِ البَعْضِ بِمَعْنى الكُلِّ جائِزٌ، واحْتَجَّ بِقَوْلِ لَبِيدٍ: تَراكَ أمْكِنَةٌ إذا لَمْ أرْضَها أوْ يَرْتَبِطْ بَعْضُ النُّفُوسِ حِمامَها والجُمْهُورُ عَلى أنَّ هَذا القَوْلَ خَطَأٌ، قالُوا: وأرادَ لَبِيدٌ بِبَعْضِ النُّفُوسِ نَفْسَهُ. واللَّهُ أعْلَمُ. ثُمَّ حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْ هَذا المُؤْمِنِ حِكايَةً ثالِثَةً في أنَّهُ لا يَجُوزُ إيذاءُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن هو مُسْرِفٌ مُرْتابٌ﴾ [غافِرٍ: ٣٤] وتَقْرِيرُ هَذا الدَّلِيلِ أنْ يُقالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى هَدى مُوسى إلى الإتْيانِ بِهَذِهِ المُعْجِزاتِ الباهِرَةِ، ومَن هَداهُ اللَّهُ إلى الإتْيانِ بِالمُعْجِزاتِ لا يَكُونُ مُسْرِفًا كَذّابًا، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَيْسَ مِنَ الكاذِبِينَ، فَكانَ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن هو مُسْرِفٌ كَذّابٌ﴾ إشارَةً إلى عُلُوِّ شَأْنِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى طَرِيقِ الرَّمْزِ والتَّعْرِيضِ، ويَحْتَمِلُ أيْضًا أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّ فِرْعَوْنَ مُسْرِفٌ في عَزْمِهِ عَلى قَتْلِ مُوسى، كَذّابٌ في إقْدامِهِ عَلى ادِّعاءِ الإلَهِيَّةِ، واللَّهُ لا يَهْدِي مَن هَذا شَأْنُهُ وصِفَتُهُ، بَلْ يُبْطِلُهُ ويَهْدِمُ أمْرَهُ.

غافر 40:29

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِن آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إيمانَهُ أتَقْتُلُونَ رَجُلًا أنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وقَدْ جاءَكم بِالبَيِّناتِ مِن رَبِّكم وإنْ يَكُ كاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وإنْ يَكُ صادِقًا يُصِبْكم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكم إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن هو مُسْرِفٌ كَذّابٌ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ ما زادَ في دَفْعِ مَكْرِ فِرْعَوْنَ وشَرِّهِ عَلى الِاسْتِعاذَةِ بِاللَّهِ، بَيَّنَ أنَّهُ تَعالى قَيَّضَ إنْسانًا أجْنَبِيًّا غَيْرَ مُوسى حَتّى ذَبَّ عَنْهُ عَلى أحْسَنِ الوُجُوهِ، وبالَغَ في تَسْكِينِ تِلْكَ الفِتْنَةِ واجْتَهَدَ في إزالَةِ ذَلِكَ الشَّرِّ. يَقُولُ مُصَنَّفُ هَذا الكِتابِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ولَقَدْ جَرَّبْتُ في أحْوالِ نَفْسِي أنَّهُ كُلَّما قَصَدَنِي شِرِّيرٌ بِشَرٍّ، لَمْ أتَعَرَّضْ لَهُ، وأكْتَفِي بِتَفْوِيضِ ذَلِكَ الأمْرِ إلى اللَّهِ، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ يُقَيِّضُ أقْوامًا لا أعْرِفُهُمُ البَتَّةَ، يُبالِغُونَ في دَفْعِ ذَلِكَ الشَّرِّ، وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اخْتَلَفُوا في ذَلِكَ الرَّجُلِ الَّذِي كانَ مِن آلِ فِرْعَوْنَ، فَقِيلَ: إنَّهُ كانَ ابْنَ عَمٍّ لَهُ، وكانَ جارِيًا مَجْرى ولِيِّ العَهْدِ ومَجْرى صاحِبِ الشُّرَطَةِ، وقِيلَ: كانَ قِبْطِيًّا مِن آلِ فِرْعَوْنَ وما كانَ مِن أقارِبِهِ، وقِيلَ: إنَّهُ كانَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، والقَوْلُ الأوَّلُ أقْرَبُ؛ لِأنَّ لَفْظَ الآلِ يَقَعُ عَلى القَرابَةِ والعَشِيرَةِ قالَ تَعالى: ﴿إلّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْناهم بِسَحَرٍ﴾ وعَنْ رَسُولِ اللَّهِ أنَّهُ قالَ: ”«الصِّدِّيقُونَ ثَلاثَةٌ: حَبِيبٌ النَّجّارُ مُؤْمِنُ آلِ ياسِينَ، ومُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ الَّذِي قالَ: ﴿أتَقْتُلُونَ رَجُلًا أنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾ . والثّالِثُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ وهو أفْضَلُهم» “ وعَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ أنَّهُ قالَ: كانَ أبُو بَكْرٍ خَيْرًا مِن مُؤْمِنِ آلِ فِرْعَوْنَ؛ لِأنَّهُ كانَ يَكْتُمُ إيمانَهُ، وقالَ أبُو بَكْرٍ جِهارًا: ﴿أتَقْتُلُونَ رَجُلًا أنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾ فَكانَ ذَلِكَ سِرًّا وهَذا كانَ جِهارًا. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لَفْظُ ”مِن“ في قَوْلِهِ: ﴿مِن آلِ فِرْعَوْنَ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ: ﴿مُؤْمِنٌ﴾ أيْ كانَ ذَلِكَ المُؤْمِنُ شَخْصًا مِن آلِ فِرْعَوْنَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ: ﴿يَكْتُمُ إيمانَهُ﴾ والتَّقْدِيرُ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ يَكْتُمُ إيمانَهُ مِن آلِ فِرْعَوْنَ، وقِيلَ: إنَّ هَذا الِاحْتِمالَ غَيْرُ جائِزٍ لِأنَّهُ لا يُقالُ: كَتَمْتُ مِن فُلانٍ كَذا، إنَّما يُقالُ: كَتَمْتُهُ كَذا، قالَ تَعالى: ﴿ولا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النِّساءِ: ٤٢] . صفحة ٥١ المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ”رَجُلٌ مُؤْمِنٌ“ الأكْثَرُونَ قَرَأُوا بِضَمِّ الجِيمِ وقُرِئَ ”رَجِلٌ“ بِكَسْرِ الجِيمِ كَما يُقالُ: عَضِدٌ في عَضُدٍ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أتَقْتُلُونَ رَجُلًا أنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾ اسْتِفْهامٌ عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ، وقَدْ ذَكَرَ في هَذا الكَلامِ ما يَدُلُّ عَلى حُسْنِ الِاسْتِنْكارِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ ما زادَ عَلى أنْ قالَ: ﴿رَبِّيَ اللَّهُ﴾ وجاءَ بِالبَيِّناتِ، وذَلِكَ لا يُوجِبُ القَتْلَ البَتَّةَ، وقَوْلُهُ: ﴿وقَدْ جاءَكم بِالبَيِّناتِ مِن رَبِّكُمْ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ؛ الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿رَبِّيَ اللَّهُ﴾ إشارَةٌ إلى التَّوْحِيدِ، وقَوْلَهُ: ﴿وقَدْ جاءَكم بِالبَيِّناتِ﴾ إشارَةٌ إلى الدَّلائِلَ الدّالَّةِ عَلى التَّوْحِيدِ، وهو قَوْلُهُ في سُورَةِ طه: ﴿رَبُّنا الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ [طه: ٥٠] وقَوْلُهُ في سُورَةِ الشُّعَراءِ: ﴿رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ [الدُّخانِ: ٧] إلى آخِرِ الآياتِ، ثُمَّ ذَكَرَ ذَلِكَ المُؤْمِنُ حُجَّةً ثانِيَةً في أنَّ الإقْدامَ عَلى قَتْلِهِ غَيْرُ جائِزٍ، وهي حُجَّةٌ مَذْكُورَةٌ عَلى طَرِيقَةِ التَّقْسِيمِ، فَقالَ: إنْ كانَ هَذا الرَّجُلُ كاذِبًا كانَ وبالُ كَذِبِهِ عائِدًا عَلَيْهِ فاتْرُكُوهُ، وإنْ كانَ صادِقًا يُصِبْكم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكم، فَثَبَتَ أنَّ عَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ كانَ الأوْلى إبْقاؤُهُ حَيًّا. فَإنْ قِيلَ: السُّؤالُ عَلى هَذا الدَّلِيلِ مِن وجْهَيْنِ؛ الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ ﴿وإنْ يَكُ كاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ﴾ مَعْناهُ أنَّ ضَرَرَ كَذِبِهِ مَقْصُورٌ عَلَيْهِ ولا يَتَعَدّاهُ، وهَذا الكَلامُ فاسِدٌ لِوُجُوهٍ؛ أحَدُها: أنّا لا نُسَلِّمُ أنَّ بِتَقْدِيرِ كَوْنِهِ كاذِبًا كانَ ضَرَرُ كَذِبِهِ مَقْصُورًا عَلَيْهِ؛ لِأنَّهُ يَدْعُو النّاسَ إلى ذَلِكَ الدِّينِ الباطِلِ، فَيَغْتَرُّ بِهِ جَماعَةٌ مِنهم، ويَقَعُونَ في المَذْهَبِ الباطِلِ والِاعْتِقادِ الفاسِدِ، ثُمَّ يَقَعُ بَيْنَهم وبَيْنَ غَيْرِهِمُ الخُصُوماتُ الكَثِيرَةُ، فَثَبَتَ أنَّ بِتَقْدِيرِ كَوْنِهِ كاذِبًا لَمْ يَكُنْ ضَرَرُ كَذِبِهِ مَقْصُورًا عَلَيْهِ، بَلْ كانَ مُتَعَدِّيًا إلى الكُلِّ؛ ولِهَذا السَّبَبِ العُلَماءُ أجْمَعُوا عَلى أنَّ الزِّنْدِيقَ الَّذِي يَدْعُو النّاسَ إلى زَنْدَقَتِهِ يَجِبُ قَتْلُهُ. وثانِيها: أنَّهُ إنْ كانَ الكَلامُ حُجَّةً لَهُ، فَلا كَذّابَ إلّا ويُمْكِنُهُ أنْ يَتَمَسَّكَ بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ، فَوَجَبَ تَمَكُّنُ جَمِيعِ الزَّنادِقَةِ والمُبْطِلِينَ مِن تَقْرِيرِ أدْيانِهِمُ الباطِلَةِ. وثالِثُها: أنَّ الكُفّارَ الَّذِينَ أنْكَرُوا نُبُوَّةَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وجَبَ أنْ لا يَجُوزَ الإنْكارُ عَلَيْهِمْ؛ لِأنَّهُ يُقالُ: إنْ كانَ ذَلِكَ المُنْكِرُ كاذِبًا في ذَلِكَ الإنْكارِ فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ، وإنْ يَكُ صادِقًا انْتَفَعْتُمْ بِصِدْقِهِ، فَثَبَتَ أنَّ هَذا الطَّرِيقَ يُوجِبُ تَصْوِيبَ ضِدِّهُ، وما أفْضى ثُبُوتُهُ إلى عَدَمِهِ كانَ باطِلًا. السُّؤالُ الثّانِي: أنَّهُ كانَ مِنَ الواجِبِ أنْ يُقالَ: وإنْ يَكُ صادِقًا يُصِبْكم كُلُّ الَّذِي يَعِدُكم؛ لِأنَّ الَّذِي يُصِيبُ في بَعْضِ ما يَعِدُ دُونَ البَعْضِ هم أصْحابُ الكَهانَةِ والنُّجُومِ، أمّا الرَّسُولُ الصّادِقُ الَّذِي لا يَتَكَلَّمُ إلّا بِالوَحْيِ فَإنَّهُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ صادِقًا في كُلِّ ما يَقُولُ فَكانَ قَوْلُهُ: ﴿يُصِبْكم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ غَيْرَ لائِقٍ بِهَذا المَقامِ. والجَوابُ عَنِ الأسْئِلَةِ الثَّلاثَةِ بِحَرْفٍ واحِدٍ وهو أنَّ تَقْدِيرَ الكَلامِ أنْ يُقالَ: إنَّهُ لا حاجَةَ بِكم في دَفْعِ شَرِّهِ إلى قَتْلِهِ بَلْ يَكْفِيكم أنْ تَمْنَعُوهُ عَنْ إظْهارِ هَذِهِ المَقالَةِ ثُمَّ تَتْرُكُوا قَتْلَهُ فَإنْ كانَ كاذِبًا فَحِينَئِذٍ لا يَعُودُ ضَرَرُهُ إلّا إلَيْهِ، وإنْ يَكُ صادِقًا انْتَفَعْتُمْ بِهِ، والحاصِلُ أنَّ المَقْصُودَ مِن ذِكْرِ ذَلِكَ التَّقْسِيمِ بَيانُ أنَّهُ لا حاجَةَ إلى قَتْلِهِ بَلْ يَكْفِيكم أنْ تُعْرِضُوا عَنْهُ وأنْ تَمْنَعُوهُ عَنْ إظْهارِ دِينِهِ، فَبِهَذا الطَّرِيقِ تَكُونُ الأسْئِلَةُ الثَّلاثَةُ مَدْفُوعَةً. وأمّا السُّؤالُ الثّانِي، وهو قَوْلُهُ: كانَ الأوْلى أنْ يُقالَ: يُصِبْكم كُلُّ الَّذِي يَعِدُكم، فالجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ؛ الأوَّلُ: أنَّ مَدارَ هَذا الِاسْتِدْلالِ عَلى إظْهارِ الإنْصافِ وتَرْكِ اللِّجاجِ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ مِنهُ إنْ كانَ كاذِبًا كانَ ضَرَرُ كَذِبِهِ مَقْصُورًا عَلَيْهِ، وإنْ كانَ صادِقًا فَلا أقَلَّ مِن أنْ يَصِلَ إلَيْكم بَعْضُ ما يَعِدُكم، وإنْ كانَ المَقْصُودُ مِن هَذا صفحة ٥٢ الكَلامِ ما ذُكِرَ صَحَّ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنّا أوْ إيّاكم لَعَلى هُدًى أوْ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [سَبَأٍ: ٢٤]، والوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَتَوَعَّدُهم بِعَذابِ الدُّنْيا وبِعَذابِ الآخِرَةِ، فَإذا وصَلَ إلَيْهِمْ في الدُّنْيا عَذابُ الدُّنْيا فَقَدْ أصابَهم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُهم بِهِ، الوَجْهُ الثّالِثُ: حُكِيَ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ أنَّهُ قالَ: وُرُودُ لَفْظِ البَعْضِ بِمَعْنى الكُلِّ جائِزٌ، واحْتَجَّ بِقَوْلِ لَبِيدٍ: تَراكَ أمْكِنَةٌ إذا لَمْ أرْضَها أوْ يَرْتَبِطْ بَعْضُ النُّفُوسِ حِمامَها والجُمْهُورُ عَلى أنَّ هَذا القَوْلَ خَطَأٌ، قالُوا: وأرادَ لَبِيدٌ بِبَعْضِ النُّفُوسِ نَفْسَهُ. واللَّهُ أعْلَمُ. ثُمَّ حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْ هَذا المُؤْمِنِ حِكايَةً ثالِثَةً في أنَّهُ لا يَجُوزُ إيذاءُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن هو مُسْرِفٌ مُرْتابٌ﴾ [غافِرٍ: ٣٤] وتَقْرِيرُ هَذا الدَّلِيلِ أنْ يُقالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى هَدى مُوسى إلى الإتْيانِ بِهَذِهِ المُعْجِزاتِ الباهِرَةِ، ومَن هَداهُ اللَّهُ إلى الإتْيانِ بِالمُعْجِزاتِ لا يَكُونُ مُسْرِفًا كَذّابًا، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَيْسَ مِنَ الكاذِبِينَ، فَكانَ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن هو مُسْرِفٌ كَذّابٌ﴾ إشارَةً إلى عُلُوِّ شَأْنِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى طَرِيقِ الرَّمْزِ والتَّعْرِيضِ، ويَحْتَمِلُ أيْضًا أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّ فِرْعَوْنَ مُسْرِفٌ في عَزْمِهِ عَلى قَتْلِ مُوسى، كَذّابٌ في إقْدامِهِ عَلى ادِّعاءِ الإلَهِيَّةِ، واللَّهُ لا يَهْدِي مَن هَذا شَأْنُهُ وصِفَتُهُ، بَلْ يُبْطِلُهُ ويَهْدِمُ أمْرَهُ.

غافر 40:30

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِن آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إيمانَهُ أتَقْتُلُونَ رَجُلًا أنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وقَدْ جاءَكم بِالبَيِّناتِ مِن رَبِّكم وإنْ يَكُ كاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وإنْ يَكُ صادِقًا يُصِبْكم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكم إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن هو مُسْرِفٌ كَذّابٌ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ ما زادَ في دَفْعِ مَكْرِ فِرْعَوْنَ وشَرِّهِ عَلى الِاسْتِعاذَةِ بِاللَّهِ، بَيَّنَ أنَّهُ تَعالى قَيَّضَ إنْسانًا أجْنَبِيًّا غَيْرَ مُوسى حَتّى ذَبَّ عَنْهُ عَلى أحْسَنِ الوُجُوهِ، وبالَغَ في تَسْكِينِ تِلْكَ الفِتْنَةِ واجْتَهَدَ في إزالَةِ ذَلِكَ الشَّرِّ. يَقُولُ مُصَنَّفُ هَذا الكِتابِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ولَقَدْ جَرَّبْتُ في أحْوالِ نَفْسِي أنَّهُ كُلَّما قَصَدَنِي شِرِّيرٌ بِشَرٍّ، لَمْ أتَعَرَّضْ لَهُ، وأكْتَفِي بِتَفْوِيضِ ذَلِكَ الأمْرِ إلى اللَّهِ، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ يُقَيِّضُ أقْوامًا لا أعْرِفُهُمُ البَتَّةَ، يُبالِغُونَ في دَفْعِ ذَلِكَ الشَّرِّ، وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اخْتَلَفُوا في ذَلِكَ الرَّجُلِ الَّذِي كانَ مِن آلِ فِرْعَوْنَ، فَقِيلَ: إنَّهُ كانَ ابْنَ عَمٍّ لَهُ، وكانَ جارِيًا مَجْرى ولِيِّ العَهْدِ ومَجْرى صاحِبِ الشُّرَطَةِ، وقِيلَ: كانَ قِبْطِيًّا مِن آلِ فِرْعَوْنَ وما كانَ مِن أقارِبِهِ، وقِيلَ: إنَّهُ كانَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، والقَوْلُ الأوَّلُ أقْرَبُ؛ لِأنَّ لَفْظَ الآلِ يَقَعُ عَلى القَرابَةِ والعَشِيرَةِ قالَ تَعالى: ﴿إلّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْناهم بِسَحَرٍ﴾ وعَنْ رَسُولِ اللَّهِ أنَّهُ قالَ: ”«الصِّدِّيقُونَ ثَلاثَةٌ: حَبِيبٌ النَّجّارُ مُؤْمِنُ آلِ ياسِينَ، ومُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ الَّذِي قالَ: ﴿أتَقْتُلُونَ رَجُلًا أنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾ . والثّالِثُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ وهو أفْضَلُهم» “ وعَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ أنَّهُ قالَ: كانَ أبُو بَكْرٍ خَيْرًا مِن مُؤْمِنِ آلِ فِرْعَوْنَ؛ لِأنَّهُ كانَ يَكْتُمُ إيمانَهُ، وقالَ أبُو بَكْرٍ جِهارًا: ﴿أتَقْتُلُونَ رَجُلًا أنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾ فَكانَ ذَلِكَ سِرًّا وهَذا كانَ جِهارًا. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لَفْظُ ”مِن“ في قَوْلِهِ: ﴿مِن آلِ فِرْعَوْنَ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ: ﴿مُؤْمِنٌ﴾ أيْ كانَ ذَلِكَ المُؤْمِنُ شَخْصًا مِن آلِ فِرْعَوْنَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ: ﴿يَكْتُمُ إيمانَهُ﴾ والتَّقْدِيرُ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ يَكْتُمُ إيمانَهُ مِن آلِ فِرْعَوْنَ، وقِيلَ: إنَّ هَذا الِاحْتِمالَ غَيْرُ جائِزٍ لِأنَّهُ لا يُقالُ: كَتَمْتُ مِن فُلانٍ كَذا، إنَّما يُقالُ: كَتَمْتُهُ كَذا، قالَ تَعالى: ﴿ولا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النِّساءِ: ٤٢] . صفحة ٥١ المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ”رَجُلٌ مُؤْمِنٌ“ الأكْثَرُونَ قَرَأُوا بِضَمِّ الجِيمِ وقُرِئَ ”رَجِلٌ“ بِكَسْرِ الجِيمِ كَما يُقالُ: عَضِدٌ في عَضُدٍ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أتَقْتُلُونَ رَجُلًا أنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾ اسْتِفْهامٌ عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ، وقَدْ ذَكَرَ في هَذا الكَلامِ ما يَدُلُّ عَلى حُسْنِ الِاسْتِنْكارِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ ما زادَ عَلى أنْ قالَ: ﴿رَبِّيَ اللَّهُ﴾ وجاءَ بِالبَيِّناتِ، وذَلِكَ لا يُوجِبُ القَتْلَ البَتَّةَ، وقَوْلُهُ: ﴿وقَدْ جاءَكم بِالبَيِّناتِ مِن رَبِّكُمْ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ؛ الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿رَبِّيَ اللَّهُ﴾ إشارَةٌ إلى التَّوْحِيدِ، وقَوْلَهُ: ﴿وقَدْ جاءَكم بِالبَيِّناتِ﴾ إشارَةٌ إلى الدَّلائِلَ الدّالَّةِ عَلى التَّوْحِيدِ، وهو قَوْلُهُ في سُورَةِ طه: ﴿رَبُّنا الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ [طه: ٥٠] وقَوْلُهُ في سُورَةِ الشُّعَراءِ: ﴿رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ [الدُّخانِ: ٧] إلى آخِرِ الآياتِ، ثُمَّ ذَكَرَ ذَلِكَ المُؤْمِنُ حُجَّةً ثانِيَةً في أنَّ الإقْدامَ عَلى قَتْلِهِ غَيْرُ جائِزٍ، وهي حُجَّةٌ مَذْكُورَةٌ عَلى طَرِيقَةِ التَّقْسِيمِ، فَقالَ: إنْ كانَ هَذا الرَّجُلُ كاذِبًا كانَ وبالُ كَذِبِهِ عائِدًا عَلَيْهِ فاتْرُكُوهُ، وإنْ كانَ صادِقًا يُصِبْكم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكم، فَثَبَتَ أنَّ عَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ كانَ الأوْلى إبْقاؤُهُ حَيًّا. فَإنْ قِيلَ: السُّؤالُ عَلى هَذا الدَّلِيلِ مِن وجْهَيْنِ؛ الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ ﴿وإنْ يَكُ كاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ﴾ مَعْناهُ أنَّ ضَرَرَ كَذِبِهِ مَقْصُورٌ عَلَيْهِ ولا يَتَعَدّاهُ، وهَذا الكَلامُ فاسِدٌ لِوُجُوهٍ؛ أحَدُها: أنّا لا نُسَلِّمُ أنَّ بِتَقْدِيرِ كَوْنِهِ كاذِبًا كانَ ضَرَرُ كَذِبِهِ مَقْصُورًا عَلَيْهِ؛ لِأنَّهُ يَدْعُو النّاسَ إلى ذَلِكَ الدِّينِ الباطِلِ، فَيَغْتَرُّ بِهِ جَماعَةٌ مِنهم، ويَقَعُونَ في المَذْهَبِ الباطِلِ والِاعْتِقادِ الفاسِدِ، ثُمَّ يَقَعُ بَيْنَهم وبَيْنَ غَيْرِهِمُ الخُصُوماتُ الكَثِيرَةُ، فَثَبَتَ أنَّ بِتَقْدِيرِ كَوْنِهِ كاذِبًا لَمْ يَكُنْ ضَرَرُ كَذِبِهِ مَقْصُورًا عَلَيْهِ، بَلْ كانَ مُتَعَدِّيًا إلى الكُلِّ؛ ولِهَذا السَّبَبِ العُلَماءُ أجْمَعُوا عَلى أنَّ الزِّنْدِيقَ الَّذِي يَدْعُو النّاسَ إلى زَنْدَقَتِهِ يَجِبُ قَتْلُهُ. وثانِيها: أنَّهُ إنْ كانَ الكَلامُ حُجَّةً لَهُ، فَلا كَذّابَ إلّا ويُمْكِنُهُ أنْ يَتَمَسَّكَ بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ، فَوَجَبَ تَمَكُّنُ جَمِيعِ الزَّنادِقَةِ والمُبْطِلِينَ مِن تَقْرِيرِ أدْيانِهِمُ الباطِلَةِ. وثالِثُها: أنَّ الكُفّارَ الَّذِينَ أنْكَرُوا نُبُوَّةَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وجَبَ أنْ لا يَجُوزَ الإنْكارُ عَلَيْهِمْ؛ لِأنَّهُ يُقالُ: إنْ كانَ ذَلِكَ المُنْكِرُ كاذِبًا في ذَلِكَ الإنْكارِ فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ، وإنْ يَكُ صادِقًا انْتَفَعْتُمْ بِصِدْقِهِ، فَثَبَتَ أنَّ هَذا الطَّرِيقَ يُوجِبُ تَصْوِيبَ ضِدِّهُ، وما أفْضى ثُبُوتُهُ إلى عَدَمِهِ كانَ باطِلًا. السُّؤالُ الثّانِي: أنَّهُ كانَ مِنَ الواجِبِ أنْ يُقالَ: وإنْ يَكُ صادِقًا يُصِبْكم كُلُّ الَّذِي يَعِدُكم؛ لِأنَّ الَّذِي يُصِيبُ في بَعْضِ ما يَعِدُ دُونَ البَعْضِ هم أصْحابُ الكَهانَةِ والنُّجُومِ، أمّا الرَّسُولُ الصّادِقُ الَّذِي لا يَتَكَلَّمُ إلّا بِالوَحْيِ فَإنَّهُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ صادِقًا في كُلِّ ما يَقُولُ فَكانَ قَوْلُهُ: ﴿يُصِبْكم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ غَيْرَ لائِقٍ بِهَذا المَقامِ. والجَوابُ عَنِ الأسْئِلَةِ الثَّلاثَةِ بِحَرْفٍ واحِدٍ وهو أنَّ تَقْدِيرَ الكَلامِ أنْ يُقالَ: إنَّهُ لا حاجَةَ بِكم في دَفْعِ شَرِّهِ إلى قَتْلِهِ بَلْ يَكْفِيكم أنْ تَمْنَعُوهُ عَنْ إظْهارِ هَذِهِ المَقالَةِ ثُمَّ تَتْرُكُوا قَتْلَهُ فَإنْ كانَ كاذِبًا فَحِينَئِذٍ لا يَعُودُ ضَرَرُهُ إلّا إلَيْهِ، وإنْ يَكُ صادِقًا انْتَفَعْتُمْ بِهِ، والحاصِلُ أنَّ المَقْصُودَ مِن ذِكْرِ ذَلِكَ التَّقْسِيمِ بَيانُ أنَّهُ لا حاجَةَ إلى قَتْلِهِ بَلْ يَكْفِيكم أنْ تُعْرِضُوا عَنْهُ وأنْ تَمْنَعُوهُ عَنْ إظْهارِ دِينِهِ، فَبِهَذا الطَّرِيقِ تَكُونُ الأسْئِلَةُ الثَّلاثَةُ مَدْفُوعَةً. وأمّا السُّؤالُ الثّانِي، وهو قَوْلُهُ: كانَ الأوْلى أنْ يُقالَ: يُصِبْكم كُلُّ الَّذِي يَعِدُكم، فالجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ؛ الأوَّلُ: أنَّ مَدارَ هَذا الِاسْتِدْلالِ عَلى إظْهارِ الإنْصافِ وتَرْكِ اللِّجاجِ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ مِنهُ إنْ كانَ كاذِبًا كانَ ضَرَرُ كَذِبِهِ مَقْصُورًا عَلَيْهِ، وإنْ كانَ صادِقًا فَلا أقَلَّ مِن أنْ يَصِلَ إلَيْكم بَعْضُ ما يَعِدُكم، وإنْ كانَ المَقْصُودُ مِن هَذا صفحة ٥٢ الكَلامِ ما ذُكِرَ صَحَّ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنّا أوْ إيّاكم لَعَلى هُدًى أوْ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [سَبَأٍ: ٢٤]، والوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَتَوَعَّدُهم بِعَذابِ الدُّنْيا وبِعَذابِ الآخِرَةِ، فَإذا وصَلَ إلَيْهِمْ في الدُّنْيا عَذابُ الدُّنْيا فَقَدْ أصابَهم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُهم بِهِ، الوَجْهُ الثّالِثُ: حُكِيَ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ أنَّهُ قالَ: وُرُودُ لَفْظِ البَعْضِ بِمَعْنى الكُلِّ جائِزٌ، واحْتَجَّ بِقَوْلِ لَبِيدٍ: تَراكَ أمْكِنَةٌ إذا لَمْ أرْضَها أوْ يَرْتَبِطْ بَعْضُ النُّفُوسِ حِمامَها والجُمْهُورُ عَلى أنَّ هَذا القَوْلَ خَطَأٌ، قالُوا: وأرادَ لَبِيدٌ بِبَعْضِ النُّفُوسِ نَفْسَهُ. واللَّهُ أعْلَمُ. ثُمَّ حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْ هَذا المُؤْمِنِ حِكايَةً ثالِثَةً في أنَّهُ لا يَجُوزُ إيذاءُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن هو مُسْرِفٌ مُرْتابٌ﴾ [غافِرٍ: ٣٤] وتَقْرِيرُ هَذا الدَّلِيلِ أنْ يُقالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى هَدى مُوسى إلى الإتْيانِ بِهَذِهِ المُعْجِزاتِ الباهِرَةِ، ومَن هَداهُ اللَّهُ إلى الإتْيانِ بِالمُعْجِزاتِ لا يَكُونُ مُسْرِفًا كَذّابًا، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَيْسَ مِنَ الكاذِبِينَ، فَكانَ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن هو مُسْرِفٌ كَذّابٌ﴾ إشارَةً إلى عُلُوِّ شَأْنِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى طَرِيقِ الرَّمْزِ والتَّعْرِيضِ، ويَحْتَمِلُ أيْضًا أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّ فِرْعَوْنَ مُسْرِفٌ في عَزْمِهِ عَلى قَتْلِ مُوسى، كَذّابٌ في إقْدامِهِ عَلى ادِّعاءِ الإلَهِيَّةِ، واللَّهُ لا يَهْدِي مَن هَذا شَأْنُهُ وصِفَتُهُ، بَلْ يُبْطِلُهُ ويَهْدِمُ أمْرَهُ.

غافر 40:31

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِن آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إيمانَهُ أتَقْتُلُونَ رَجُلًا أنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وقَدْ جاءَكم بِالبَيِّناتِ مِن رَبِّكم وإنْ يَكُ كاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وإنْ يَكُ صادِقًا يُصِبْكم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكم إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن هو مُسْرِفٌ كَذّابٌ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ ما زادَ في دَفْعِ مَكْرِ فِرْعَوْنَ وشَرِّهِ عَلى الِاسْتِعاذَةِ بِاللَّهِ، بَيَّنَ أنَّهُ تَعالى قَيَّضَ إنْسانًا أجْنَبِيًّا غَيْرَ مُوسى حَتّى ذَبَّ عَنْهُ عَلى أحْسَنِ الوُجُوهِ، وبالَغَ في تَسْكِينِ تِلْكَ الفِتْنَةِ واجْتَهَدَ في إزالَةِ ذَلِكَ الشَّرِّ. يَقُولُ مُصَنَّفُ هَذا الكِتابِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ولَقَدْ جَرَّبْتُ في أحْوالِ نَفْسِي أنَّهُ كُلَّما قَصَدَنِي شِرِّيرٌ بِشَرٍّ، لَمْ أتَعَرَّضْ لَهُ، وأكْتَفِي بِتَفْوِيضِ ذَلِكَ الأمْرِ إلى اللَّهِ، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ يُقَيِّضُ أقْوامًا لا أعْرِفُهُمُ البَتَّةَ، يُبالِغُونَ في دَفْعِ ذَلِكَ الشَّرِّ، وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اخْتَلَفُوا في ذَلِكَ الرَّجُلِ الَّذِي كانَ مِن آلِ فِرْعَوْنَ، فَقِيلَ: إنَّهُ كانَ ابْنَ عَمٍّ لَهُ، وكانَ جارِيًا مَجْرى ولِيِّ العَهْدِ ومَجْرى صاحِبِ الشُّرَطَةِ، وقِيلَ: كانَ قِبْطِيًّا مِن آلِ فِرْعَوْنَ وما كانَ مِن أقارِبِهِ، وقِيلَ: إنَّهُ كانَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، والقَوْلُ الأوَّلُ أقْرَبُ؛ لِأنَّ لَفْظَ الآلِ يَقَعُ عَلى القَرابَةِ والعَشِيرَةِ قالَ تَعالى: ﴿إلّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْناهم بِسَحَرٍ﴾ وعَنْ رَسُولِ اللَّهِ أنَّهُ قالَ: ”«الصِّدِّيقُونَ ثَلاثَةٌ: حَبِيبٌ النَّجّارُ مُؤْمِنُ آلِ ياسِينَ، ومُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ الَّذِي قالَ: ﴿أتَقْتُلُونَ رَجُلًا أنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾ . والثّالِثُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ وهو أفْضَلُهم» “ وعَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ أنَّهُ قالَ: كانَ أبُو بَكْرٍ خَيْرًا مِن مُؤْمِنِ آلِ فِرْعَوْنَ؛ لِأنَّهُ كانَ يَكْتُمُ إيمانَهُ، وقالَ أبُو بَكْرٍ جِهارًا: ﴿أتَقْتُلُونَ رَجُلًا أنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾ فَكانَ ذَلِكَ سِرًّا وهَذا كانَ جِهارًا. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لَفْظُ ”مِن“ في قَوْلِهِ: ﴿مِن آلِ فِرْعَوْنَ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ: ﴿مُؤْمِنٌ﴾ أيْ كانَ ذَلِكَ المُؤْمِنُ شَخْصًا مِن آلِ فِرْعَوْنَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ: ﴿يَكْتُمُ إيمانَهُ﴾ والتَّقْدِيرُ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ يَكْتُمُ إيمانَهُ مِن آلِ فِرْعَوْنَ، وقِيلَ: إنَّ هَذا الِاحْتِمالَ غَيْرُ جائِزٍ لِأنَّهُ لا يُقالُ: كَتَمْتُ مِن فُلانٍ كَذا، إنَّما يُقالُ: كَتَمْتُهُ كَذا، قالَ تَعالى: ﴿ولا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النِّساءِ: ٤٢] . صفحة ٥١ المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ”رَجُلٌ مُؤْمِنٌ“ الأكْثَرُونَ قَرَأُوا بِضَمِّ الجِيمِ وقُرِئَ ”رَجِلٌ“ بِكَسْرِ الجِيمِ كَما يُقالُ: عَضِدٌ في عَضُدٍ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أتَقْتُلُونَ رَجُلًا أنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾ اسْتِفْهامٌ عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ، وقَدْ ذَكَرَ في هَذا الكَلامِ ما يَدُلُّ عَلى حُسْنِ الِاسْتِنْكارِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ ما زادَ عَلى أنْ قالَ: ﴿رَبِّيَ اللَّهُ﴾ وجاءَ بِالبَيِّناتِ، وذَلِكَ لا يُوجِبُ القَتْلَ البَتَّةَ، وقَوْلُهُ: ﴿وقَدْ جاءَكم بِالبَيِّناتِ مِن رَبِّكُمْ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ؛ الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿رَبِّيَ اللَّهُ﴾ إشارَةٌ إلى التَّوْحِيدِ، وقَوْلَهُ: ﴿وقَدْ جاءَكم بِالبَيِّناتِ﴾ إشارَةٌ إلى الدَّلائِلَ الدّالَّةِ عَلى التَّوْحِيدِ، وهو قَوْلُهُ في سُورَةِ طه: ﴿رَبُّنا الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ [طه: ٥٠] وقَوْلُهُ في سُورَةِ الشُّعَراءِ: ﴿رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ [الدُّخانِ: ٧] إلى آخِرِ الآياتِ، ثُمَّ ذَكَرَ ذَلِكَ المُؤْمِنُ حُجَّةً ثانِيَةً في أنَّ الإقْدامَ عَلى قَتْلِهِ غَيْرُ جائِزٍ، وهي حُجَّةٌ مَذْكُورَةٌ عَلى طَرِيقَةِ التَّقْسِيمِ، فَقالَ: إنْ كانَ هَذا الرَّجُلُ كاذِبًا كانَ وبالُ كَذِبِهِ عائِدًا عَلَيْهِ فاتْرُكُوهُ، وإنْ كانَ صادِقًا يُصِبْكم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكم، فَثَبَتَ أنَّ عَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ كانَ الأوْلى إبْقاؤُهُ حَيًّا. فَإنْ قِيلَ: السُّؤالُ عَلى هَذا الدَّلِيلِ مِن وجْهَيْنِ؛ الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ ﴿وإنْ يَكُ كاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ﴾ مَعْناهُ أنَّ ضَرَرَ كَذِبِهِ مَقْصُورٌ عَلَيْهِ ولا يَتَعَدّاهُ، وهَذا الكَلامُ فاسِدٌ لِوُجُوهٍ؛ أحَدُها: أنّا لا نُسَلِّمُ أنَّ بِتَقْدِيرِ كَوْنِهِ كاذِبًا كانَ ضَرَرُ كَذِبِهِ مَقْصُورًا عَلَيْهِ؛ لِأنَّهُ يَدْعُو النّاسَ إلى ذَلِكَ الدِّينِ الباطِلِ، فَيَغْتَرُّ بِهِ جَماعَةٌ مِنهم، ويَقَعُونَ في المَذْهَبِ الباطِلِ والِاعْتِقادِ الفاسِدِ، ثُمَّ يَقَعُ بَيْنَهم وبَيْنَ غَيْرِهِمُ الخُصُوماتُ الكَثِيرَةُ، فَثَبَتَ أنَّ بِتَقْدِيرِ كَوْنِهِ كاذِبًا لَمْ يَكُنْ ضَرَرُ كَذِبِهِ مَقْصُورًا عَلَيْهِ، بَلْ كانَ مُتَعَدِّيًا إلى الكُلِّ؛ ولِهَذا السَّبَبِ العُلَماءُ أجْمَعُوا عَلى أنَّ الزِّنْدِيقَ الَّذِي يَدْعُو النّاسَ إلى زَنْدَقَتِهِ يَجِبُ قَتْلُهُ. وثانِيها: أنَّهُ إنْ كانَ الكَلامُ حُجَّةً لَهُ، فَلا كَذّابَ إلّا ويُمْكِنُهُ أنْ يَتَمَسَّكَ بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ، فَوَجَبَ تَمَكُّنُ جَمِيعِ الزَّنادِقَةِ والمُبْطِلِينَ مِن تَقْرِيرِ أدْيانِهِمُ الباطِلَةِ. وثالِثُها: أنَّ الكُفّارَ الَّذِينَ أنْكَرُوا نُبُوَّةَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وجَبَ أنْ لا يَجُوزَ الإنْكارُ عَلَيْهِمْ؛ لِأنَّهُ يُقالُ: إنْ كانَ ذَلِكَ المُنْكِرُ كاذِبًا في ذَلِكَ الإنْكارِ فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ، وإنْ يَكُ صادِقًا انْتَفَعْتُمْ بِصِدْقِهِ، فَثَبَتَ أنَّ هَذا الطَّرِيقَ يُوجِبُ تَصْوِيبَ ضِدِّهُ، وما أفْضى ثُبُوتُهُ إلى عَدَمِهِ كانَ باطِلًا. السُّؤالُ الثّانِي: أنَّهُ كانَ مِنَ الواجِبِ أنْ يُقالَ: وإنْ يَكُ صادِقًا يُصِبْكم كُلُّ الَّذِي يَعِدُكم؛ لِأنَّ الَّذِي يُصِيبُ في بَعْضِ ما يَعِدُ دُونَ البَعْضِ هم أصْحابُ الكَهانَةِ والنُّجُومِ، أمّا الرَّسُولُ الصّادِقُ الَّذِي لا يَتَكَلَّمُ إلّا بِالوَحْيِ فَإنَّهُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ صادِقًا في كُلِّ ما يَقُولُ فَكانَ قَوْلُهُ: ﴿يُصِبْكم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ غَيْرَ لائِقٍ بِهَذا المَقامِ. والجَوابُ عَنِ الأسْئِلَةِ الثَّلاثَةِ بِحَرْفٍ واحِدٍ وهو أنَّ تَقْدِيرَ الكَلامِ أنْ يُقالَ: إنَّهُ لا حاجَةَ بِكم في دَفْعِ شَرِّهِ إلى قَتْلِهِ بَلْ يَكْفِيكم أنْ تَمْنَعُوهُ عَنْ إظْهارِ هَذِهِ المَقالَةِ ثُمَّ تَتْرُكُوا قَتْلَهُ فَإنْ كانَ كاذِبًا فَحِينَئِذٍ لا يَعُودُ ضَرَرُهُ إلّا إلَيْهِ، وإنْ يَكُ صادِقًا انْتَفَعْتُمْ بِهِ، والحاصِلُ أنَّ المَقْصُودَ مِن ذِكْرِ ذَلِكَ التَّقْسِيمِ بَيانُ أنَّهُ لا حاجَةَ إلى قَتْلِهِ بَلْ يَكْفِيكم أنْ تُعْرِضُوا عَنْهُ وأنْ تَمْنَعُوهُ عَنْ إظْهارِ دِينِهِ، فَبِهَذا الطَّرِيقِ تَكُونُ الأسْئِلَةُ الثَّلاثَةُ مَدْفُوعَةً. وأمّا السُّؤالُ الثّانِي، وهو قَوْلُهُ: كانَ الأوْلى أنْ يُقالَ: يُصِبْكم كُلُّ الَّذِي يَعِدُكم، فالجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ؛ الأوَّلُ: أنَّ مَدارَ هَذا الِاسْتِدْلالِ عَلى إظْهارِ الإنْصافِ وتَرْكِ اللِّجاجِ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ مِنهُ إنْ كانَ كاذِبًا كانَ ضَرَرُ كَذِبِهِ مَقْصُورًا عَلَيْهِ، وإنْ كانَ صادِقًا فَلا أقَلَّ مِن أنْ يَصِلَ إلَيْكم بَعْضُ ما يَعِدُكم، وإنْ كانَ المَقْصُودُ مِن هَذا صفحة ٥٢ الكَلامِ ما ذُكِرَ صَحَّ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنّا أوْ إيّاكم لَعَلى هُدًى أوْ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [سَبَأٍ: ٢٤]، والوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَتَوَعَّدُهم بِعَذابِ الدُّنْيا وبِعَذابِ الآخِرَةِ، فَإذا وصَلَ إلَيْهِمْ في الدُّنْيا عَذابُ الدُّنْيا فَقَدْ أصابَهم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُهم بِهِ، الوَجْهُ الثّالِثُ: حُكِيَ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ أنَّهُ قالَ: وُرُودُ لَفْظِ البَعْضِ بِمَعْنى الكُلِّ جائِزٌ، واحْتَجَّ بِقَوْلِ لَبِيدٍ: تَراكَ أمْكِنَةٌ إذا لَمْ أرْضَها أوْ يَرْتَبِطْ بَعْضُ النُّفُوسِ حِمامَها والجُمْهُورُ عَلى أنَّ هَذا القَوْلَ خَطَأٌ، قالُوا: وأرادَ لَبِيدٌ بِبَعْضِ النُّفُوسِ نَفْسَهُ. واللَّهُ أعْلَمُ. ثُمَّ حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْ هَذا المُؤْمِنِ حِكايَةً ثالِثَةً في أنَّهُ لا يَجُوزُ إيذاءُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن هو مُسْرِفٌ مُرْتابٌ﴾ [غافِرٍ: ٣٤] وتَقْرِيرُ هَذا الدَّلِيلِ أنْ يُقالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى هَدى مُوسى إلى الإتْيانِ بِهَذِهِ المُعْجِزاتِ الباهِرَةِ، ومَن هَداهُ اللَّهُ إلى الإتْيانِ بِالمُعْجِزاتِ لا يَكُونُ مُسْرِفًا كَذّابًا، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَيْسَ مِنَ الكاذِبِينَ، فَكانَ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن هو مُسْرِفٌ كَذّابٌ﴾ إشارَةً إلى عُلُوِّ شَأْنِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى طَرِيقِ الرَّمْزِ والتَّعْرِيضِ، ويَحْتَمِلُ أيْضًا أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّ فِرْعَوْنَ مُسْرِفٌ في عَزْمِهِ عَلى قَتْلِ مُوسى، كَذّابٌ في إقْدامِهِ عَلى ادِّعاءِ الإلَهِيَّةِ، واللَّهُ لا يَهْدِي مَن هَذا شَأْنُهُ وصِفَتُهُ، بَلْ يُبْطِلُهُ ويَهْدِمُ أمْرَهُ.

غافر 40:32

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياقَوْمِ لَكُمُ المُلْكُ اليَوْمَ ظاهِرِينَ في الأرْضِ فَمَن يَنْصُرُنا مِن بَأْسِ اللَّهِ إنْ جاءَنا قالَ فِرْعَوْنُ ما أُرِيكم إلّا ما أرى وما أهْدِيكم إلّا سَبِيلَ الرَّشادِ﴾ ﴿وقالَ الَّذِي آمَنَ ياقَوْمِ إنِّي أخافُ عَلَيْكم مِثْلَ يَوْمِ الأحْزابِ﴾ ﴿مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ والَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ وما اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبادِ﴾ ﴿ويا قَوْمِ إنِّي أخافُ عَلَيْكم يَوْمَ التَّنادِ﴾ ﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ ما لَكم مِنَ اللَّهِ مِن عاصِمٍ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ اعْلَمْ أنَّ مُؤْمِنَ آلِ فِرْعَوْنَ لَمّا أقامَ أنْواعَ الدَّلائِلِ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ الإقْدامُ عَلى قَتْلِ مُوسى، خَوَّفَهم في ذَلِكَ بِعَذابِ اللَّهِ فَقالَ: ﴿ياقَوْمِ لَكُمُ المُلْكُ اليَوْمَ ظاهِرِينَ في الأرْضِ﴾ يَعْنِي قَدْ عَلَوْتُمُ النّاسَ وقَهَرْتُمُوهم، فَلا تُفْسِدُوا أمْرَكم عَلى أنْفُسِكم ولا تَتَعَرَّضُوا لِبَأْسِ اللَّهِ وعَذابِهِ، فَإنَّهُ لا قِبَلَ لَكم بِهِ، وإنَّما قالَ: ﴿يَنْصُرُنا﴾ و﴿جاءَنا﴾ لِأنَّهُ كانَ يُظْهِرُ مِن نَفْسِهِ أنَّهُ مِنهم وأنَّ الَّذِي يَنْصَحُهم بِهِ هو مُشارِكٌ لَهم فِيهِ، ولَمّا قالَ ذَلِكَ المُؤْمِنُ هَذا الكَلامَ ﴿قالَ فِرْعَوْنُ ما أُرِيكم إلّا ما أرى﴾ أيْ لا أُشِيرُ إلَيْكم بِرَأْيٍ سِوى ما ذَكَرْتُهُ أنَّهُ يَجِبُ قَتْلُهُ حَسْمًا صفحة ٥٣ لِمادَّةِ الفِتْنَةِ ﴿وما أهْدِيكُمْ﴾ بِهَذا الرَّأْيِ ﴿إلّا سَبِيلَ الرَّشادِ﴾ والصَّلاحِ، ثُمَّ حَكى تَعالى أنَّ ذَلِكَ المُؤْمِنَ رَدَّ هَذا الكَلامَ عَلى فِرْعَوْنَ فَقالَ: ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم مِثْلَ يَوْمِ الأحْزابِ﴾ . واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْ ذَلِكَ المُؤْمِنِ أنَّهُ كانَ يَكْتُمُ إيمانَهُ، والَّذِي يَكْتُمُ كَيْفَ يُمْكِنُهُ أنَّ يَذْكُرَ هَذِهِ الكَلِماتِ مَعَ فِرْعَوْنَ، ولِهَذا السَّبَبِ حَصَلَ هاهُنا قَوْلانِ؛ الأوَّلُ: أنَّ فِرْعَوْنَ لَمّا قالَ: ﴿ذَرُونِي أقْتُلْ مُوسى﴾ لَمْ يُصَرِّحْ ذَلِكَ المُؤْمِنُ بِأنَّهُ عَلى دِينِ مُوسى، بَلْ أوْهَمَ أنَّهُ مَعَ فِرْعَوْنَ وعَلى دِينِهِ، إلّا أنَّهُ زَعَمَ أنَّ المَصْلَحَةَ تَقْتَضِي تَرْكَ قَتْلِ مُوسى؛ لِأنَّهُ لَمْ يَصْدُرْ عَنْهُ إلّا الدَّعْوَةُ إلى اللَّهِ والإتْيانُ بِالمُعْجِزاتِ القاهِرَةِ، وهَذا لا يُوجِبُ القَتْلَ، والإقْدامُ عَلى قَتْلِهِ يُوجِبُ الوُقُوعَ في ألْسِنَةِ النّاسِ بِأقْبَحِ الكَلِماتِ، بَلِ الأوْلى أنْ يُؤَخَّرَ قَتْلُهُ وأنْ يُمْنَعَ مِن إظْهارِ دِينِهِ؛ لِأنَّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ إنْ كانَ كاذِبًا كانَ وبالُ كَذِبِهِ عائِدًا إلَيْهِ، وإنْ كانَ صادِقًا حَصَلَ الِانْتِفاعُ بِهِ مِن بَعْضِ الوُجُوهِ، ثُمَّ أكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن هو مُسْرِفٌ كَذّابٌ﴾ يَعْنِي أنَّهُ إنْ صَدَقَ فِيما يَدَّعِيهِ مِن إثْباتِ الإلَهِ القادِرِ الحَكِيمِ فَهو لا يَهْدِي المُسْرِفَ الكَذّابَ، فَأوْهَمَ فِرْعَوْنَ أنَّهُ أرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن هو مُسْرِفٌ كَذّابٌ﴾ أنَّهُ يُرِيدُ مُوسى وهو إنَّما كانَ يَقْصِدُ بِهِ فِرْعَوْنَ؛ لِأنَّ المُسْرِفَ الكَذّابَ هو فِرْعَوْنُ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ مُؤْمِنَ آلِ فِرْعَوْنَ كانَ يَكْتُمُ إيمانَهُ أوَّلًا، فَلَمّا قالَ فِرْعَوْنُ: ﴿ذَرُونِي أقْتُلْ مُوسى﴾ أزالَ الكِتْمانَ وأظْهَرَ كَوْنَهُ عَلى دِينِ مُوسى، وشافَهَ فِرْعَوْنَ بِالحَقِّ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْ هَذا المُؤْمِنِ أنْواعًا مِنَ الكَلِماتِ ذَكَرَها لِفِرْعَوْنَ. فالأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿ياقَوْمِ إنِّي أخافُ عَلَيْكم مِثْلَ يَوْمِ الأحْزابِ﴾ والتَّقْدِيرُ مِثْلُ أيّامِ الأحْزابِ، إلّا أنَّهُ لَمّا أضافَ اليَوْمَ إلى الأحْزابِ، وفَسَّرَهم بِقَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ، فَحِينَئِذٍ ظَهَرَ أنَّ كُلَّ حِزْبٍ كانَ لَهُ يَوْمٌ مُعَيَّنٌ في البَلاءِ، فاقْتَصَرَ مِنَ الجَمْعِ عَلى ذِكْرِ الواحِدِ لِعَدَمِ الِالتِباسِ، ثُمَّ فَسَّرَ قَوْلَهُ: ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم مِثْلَ يَوْمِ الأحْزابِ﴾ بِقَوْلِهِ: ﴿مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ﴾ ودَأْبُ هَؤُلاءِ دُونَهم في عَمَلِهِمْ مِنَ الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ وسائِرِ المَعاصِي، فَيَكُونُ ذَلِكَ دائِبًا ودائِمًا لا يَفْتَرُونَ عَنْهُ، ولا بُدَّ مِن حَذْفِ مُضافٍ، يُرِيدُ: مِثْلَ جَزاءِ دَأْبِهِمْ، والحاصِلُ أنَّهُ خَوَّفَهم بِهَلاكٍ مُعَجَّلٍ في الدُّنْيا، ثُمَّ خَوَّفَهم أيْضًا بِهَلاكِ الآخِرَةِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ والمَقْصُودُ مِنهُ التَّنْبِيهُ عَلى عَذابِ الآخِرَةِ. والنَّوْعُ الثّانِي مِن كَلِماتِ ذَلِكَ المُؤْمِنِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبادِ﴾ يَعْنِي أنَّ تَدْمِيرَ أُولَئِكَ الأحْزابِ كانَ عَدْلًا؛ لِأنَّهُمُ اسْتَوْجَبُوهُ بِسَبَبِ تَكْذِيبِهِمْ لِلْأنْبِياءِ، فَتِلْكَ الجُمْلَةُ قائِمَةٌ هاهُنا، فَوَجَبَ حُصُولُ الحُكْمِ هاهُنا، قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: ﴿وما اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبادِ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يُرِيدُ أنْ يَظْلِمَ بَعْضُ العِبادِ بَعْضًا، ويَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يُرِيدُ ظُلْمَ أحَدٍ مِنَ العِبادِ، فَلَوْ خَلَقَ الكُفْرَ فِيهِمْ ثُمَّ عَذَّبَهم عَلى ذَلِكَ الكُفْرِ لَكانَ ظالِمًا، وإذا ثَبَتَ أنَّهُ لا يُرِيدُ الظُّلْمَ البَتَّةَ ثَبَتَ أنَّهُ غَيْرُ خالِقٍ لِأفْعالِ العِبادِ؛ لِأنَّهُ لَوْ خَلَقَها لَأرادَها، وثَبَتَ أيْضًا أنَّهُ قادِرٌ عَلى الظُّلْمِ، إذْ لَوْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ لَما حَصَلَ المَدْحُ بِتَرْكِ الظُّلْمِ، وهَذا الِاسْتِدْلالُ قَدْ ذَكَرْناهُ مِرارًا في هَذا الكِتابِ مَعَ الجَوابِ، فَلا فائِدَةَ في الإعادَةِ. النَّوْعُ الثّالِثُ مِن كَلِماتِ هَذا المُؤْمِنِ قَوْلُهُ: ﴿ويا قَوْمِ إنِّي أخافُ عَلَيْكم يَوْمَ التَّنادِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: التَّنادِي تَفاعُلٌ مِنَ النِّداءِ، يُقالُ: تَنادى القَوْمُ؛ أيْ نادى بَعْضُهم بَعْضًا، والأصْلُ الياءُ وحَذْفُ الياءِ حَسَنٌ في الفَواصِلِ، وذَكَرْنا ذَلِكَ في ﴿يَوْمَ التَّلاقِ﴾ وأجْمَعَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ ﴿يَوْمَ التَّنادِ﴾ يَوْمُ صفحة ٥٤ القِيامَةِ، وفي سَبَبِ تَسْمِيَةِ ذَلِكَ اليَوْمِ بِذَلِكَ الِاسْمِ وُجُوهٌ؛ الأوَّلُ: أنَّ أهْلَ النّارِ يُنادُونَ أهْلَ الجَنَّةِ، وأهْلَ الجَنَّةِ يُنادُونَ أهْلَ النّارِ، كَما ذَكَرَ اللَّهُ عَنْهم في سُورَةِ الأعْرافِ ﴿ونادى أصْحابُ النّارِ أصْحابَ الجَنَّةِ﴾ [الأعْرافِ: ٥٠]، ﴿ونادى أصْحابُ الجَنَّةِ أصْحابَ النّارِ﴾، الثّانِي: قالَ الزَّجّاجُ: لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ السَّبَبُ فِيهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإمامِهِمْ﴾ [الإسْراءِ: ٧١] . الثّالِثُ: أنَّهُ يُنادِي بَعْضُ الظّالِمِينَ بَعْضًا بِالوَيْلِ والثُّبُورِ فَيَقُولُونَ: ﴿ياوَيْلَنا﴾ [الأنْبِياءِ: ٩٧] . الرّابِعُ: يُنادَوْنَ إلى المَحْشَرِ، أيْ يُدْعَوْنَ. الخامِسُ: يُنادِي المُؤْمِنُ ﴿هاؤُمُ اقْرَءُوا كِتابِيَهْ﴾ [الحاقَّةِ: ١٩] والكافِرُ ﴿يالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ﴾ [الحاقَّةِ: ٢٥] . السّادِسُ: يُنادى بِاللَّعْنَةِ عَلى الظّالِمِينَ. السّابِعُ: يُجاءُ بِالمَوْتِ عَلى صُورَةِ كَبْشٍ أمْلَحَ ثُمَّ يُذْبَحُ ويُنادى: يا أهْلَ القِيامَةِ لا مَوْتَ، فَيَزْدادُ أهْلُ الجَنَّةِ فَرَحًا عَلى فَرَحِهِمْ، وأهْلُ النّارِ حُزْنًا عَلى حُزْنِهِمْ. الثّامِنُ: قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: التَّنادِي مُشْتَقٌّ مِنَ التَّنادِّ، مِن قَوْلِهِمْ: نَدَّ فُلانٌ: إذا هَرَبَ، وهو قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ، وفَسَّرَها فَقالَ: يَنِدُّونَ كَما تَنِدُّ الإبِلُ، ويَدُلُ عَلى صِحَّةِ هَذِهِ القِراءَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ مِن أخِيهِ﴾ [عَبَسَ: ٣٤] الآيَةَ. وقَوْلُهُ تَعالى بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾ لِأنَّهم إذا سَمِعُوا زَفِيرَ النّارِ يَنِدُّونَ هارِبِينَ، فَلا يَأْتُونَ قُطْرًا مِنَ الأقْطارِ إلّا وجَدُوا مَلائِكَةً صُفُوفًا، فَيَرْجِعُونَ إلى المَكانِ الَّذِي كانُوا فِيهِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: انْتَصَبَ قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ التَّنادِ﴾ لِوَجْهَيْنِ؛ أحَدُهُما: الظَّرْفُ لِلْخَوْفِ، كَأنَّهُ خافَ عَلَيْهِمْ في ذَلِكَ اليَوْمِ، لِما يَلْحَقُهم مِنَ العَذابِ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا. والآخَرُ: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ ”إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمِ التَّنادِ“ وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ انْتِصابُ يَوْمٍ انْتِصابَ المَفْعُولِ بِهِ، لا انْتِصابَ الظَّرْفِ؛ لِأنَّ إعْرابَهُ إعْرابُ المُضافِ المَحْذُوفِ، ثُمَّ قالَ: ﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾ وهو بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ التَّنادِ﴾ عَنْ قَتادَةَ: مُنْصَرِفِينَ عَنْ مَوْقِفِ يَوْمِ الحِسابِ إلى النّارِ، وعَنْ مُجاهِدٍ: فارِّينَ عَنِ النّارِ غَيْرَ مُعْجِزِينَ، ثُمَّ أكَّدَ التَّهْدِيدَ فَقالَ: ﴿ما لَكم مِنَ اللَّهِ مِن عاصِمٍ﴾ ثُمَّ نَبَّهَ عَلى قُوَّةِ ضَلالَتِهِمْ وشِدَّةِ جَهالَتِهِمْ فَقالَ: ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ .

غافر 40:33

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياقَوْمِ لَكُمُ المُلْكُ اليَوْمَ ظاهِرِينَ في الأرْضِ فَمَن يَنْصُرُنا مِن بَأْسِ اللَّهِ إنْ جاءَنا قالَ فِرْعَوْنُ ما أُرِيكم إلّا ما أرى وما أهْدِيكم إلّا سَبِيلَ الرَّشادِ﴾ ﴿وقالَ الَّذِي آمَنَ ياقَوْمِ إنِّي أخافُ عَلَيْكم مِثْلَ يَوْمِ الأحْزابِ﴾ ﴿مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ والَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ وما اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبادِ﴾ ﴿ويا قَوْمِ إنِّي أخافُ عَلَيْكم يَوْمَ التَّنادِ﴾ ﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ ما لَكم مِنَ اللَّهِ مِن عاصِمٍ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ اعْلَمْ أنَّ مُؤْمِنَ آلِ فِرْعَوْنَ لَمّا أقامَ أنْواعَ الدَّلائِلِ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ الإقْدامُ عَلى قَتْلِ مُوسى، خَوَّفَهم في ذَلِكَ بِعَذابِ اللَّهِ فَقالَ: ﴿ياقَوْمِ لَكُمُ المُلْكُ اليَوْمَ ظاهِرِينَ في الأرْضِ﴾ يَعْنِي قَدْ عَلَوْتُمُ النّاسَ وقَهَرْتُمُوهم، فَلا تُفْسِدُوا أمْرَكم عَلى أنْفُسِكم ولا تَتَعَرَّضُوا لِبَأْسِ اللَّهِ وعَذابِهِ، فَإنَّهُ لا قِبَلَ لَكم بِهِ، وإنَّما قالَ: ﴿يَنْصُرُنا﴾ و﴿جاءَنا﴾ لِأنَّهُ كانَ يُظْهِرُ مِن نَفْسِهِ أنَّهُ مِنهم وأنَّ الَّذِي يَنْصَحُهم بِهِ هو مُشارِكٌ لَهم فِيهِ، ولَمّا قالَ ذَلِكَ المُؤْمِنُ هَذا الكَلامَ ﴿قالَ فِرْعَوْنُ ما أُرِيكم إلّا ما أرى﴾ أيْ لا أُشِيرُ إلَيْكم بِرَأْيٍ سِوى ما ذَكَرْتُهُ أنَّهُ يَجِبُ قَتْلُهُ حَسْمًا صفحة ٥٣ لِمادَّةِ الفِتْنَةِ ﴿وما أهْدِيكُمْ﴾ بِهَذا الرَّأْيِ ﴿إلّا سَبِيلَ الرَّشادِ﴾ والصَّلاحِ، ثُمَّ حَكى تَعالى أنَّ ذَلِكَ المُؤْمِنَ رَدَّ هَذا الكَلامَ عَلى فِرْعَوْنَ فَقالَ: ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم مِثْلَ يَوْمِ الأحْزابِ﴾ . واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْ ذَلِكَ المُؤْمِنِ أنَّهُ كانَ يَكْتُمُ إيمانَهُ، والَّذِي يَكْتُمُ كَيْفَ يُمْكِنُهُ أنَّ يَذْكُرَ هَذِهِ الكَلِماتِ مَعَ فِرْعَوْنَ، ولِهَذا السَّبَبِ حَصَلَ هاهُنا قَوْلانِ؛ الأوَّلُ: أنَّ فِرْعَوْنَ لَمّا قالَ: ﴿ذَرُونِي أقْتُلْ مُوسى﴾ لَمْ يُصَرِّحْ ذَلِكَ المُؤْمِنُ بِأنَّهُ عَلى دِينِ مُوسى، بَلْ أوْهَمَ أنَّهُ مَعَ فِرْعَوْنَ وعَلى دِينِهِ، إلّا أنَّهُ زَعَمَ أنَّ المَصْلَحَةَ تَقْتَضِي تَرْكَ قَتْلِ مُوسى؛ لِأنَّهُ لَمْ يَصْدُرْ عَنْهُ إلّا الدَّعْوَةُ إلى اللَّهِ والإتْيانُ بِالمُعْجِزاتِ القاهِرَةِ، وهَذا لا يُوجِبُ القَتْلَ، والإقْدامُ عَلى قَتْلِهِ يُوجِبُ الوُقُوعَ في ألْسِنَةِ النّاسِ بِأقْبَحِ الكَلِماتِ، بَلِ الأوْلى أنْ يُؤَخَّرَ قَتْلُهُ وأنْ يُمْنَعَ مِن إظْهارِ دِينِهِ؛ لِأنَّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ إنْ كانَ كاذِبًا كانَ وبالُ كَذِبِهِ عائِدًا إلَيْهِ، وإنْ كانَ صادِقًا حَصَلَ الِانْتِفاعُ بِهِ مِن بَعْضِ الوُجُوهِ، ثُمَّ أكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن هو مُسْرِفٌ كَذّابٌ﴾ يَعْنِي أنَّهُ إنْ صَدَقَ فِيما يَدَّعِيهِ مِن إثْباتِ الإلَهِ القادِرِ الحَكِيمِ فَهو لا يَهْدِي المُسْرِفَ الكَذّابَ، فَأوْهَمَ فِرْعَوْنَ أنَّهُ أرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن هو مُسْرِفٌ كَذّابٌ﴾ أنَّهُ يُرِيدُ مُوسى وهو إنَّما كانَ يَقْصِدُ بِهِ فِرْعَوْنَ؛ لِأنَّ المُسْرِفَ الكَذّابَ هو فِرْعَوْنُ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ مُؤْمِنَ آلِ فِرْعَوْنَ كانَ يَكْتُمُ إيمانَهُ أوَّلًا، فَلَمّا قالَ فِرْعَوْنُ: ﴿ذَرُونِي أقْتُلْ مُوسى﴾ أزالَ الكِتْمانَ وأظْهَرَ كَوْنَهُ عَلى دِينِ مُوسى، وشافَهَ فِرْعَوْنَ بِالحَقِّ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْ هَذا المُؤْمِنِ أنْواعًا مِنَ الكَلِماتِ ذَكَرَها لِفِرْعَوْنَ. فالأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿ياقَوْمِ إنِّي أخافُ عَلَيْكم مِثْلَ يَوْمِ الأحْزابِ﴾ والتَّقْدِيرُ مِثْلُ أيّامِ الأحْزابِ، إلّا أنَّهُ لَمّا أضافَ اليَوْمَ إلى الأحْزابِ، وفَسَّرَهم بِقَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ، فَحِينَئِذٍ ظَهَرَ أنَّ كُلَّ حِزْبٍ كانَ لَهُ يَوْمٌ مُعَيَّنٌ في البَلاءِ، فاقْتَصَرَ مِنَ الجَمْعِ عَلى ذِكْرِ الواحِدِ لِعَدَمِ الِالتِباسِ، ثُمَّ فَسَّرَ قَوْلَهُ: ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم مِثْلَ يَوْمِ الأحْزابِ﴾ بِقَوْلِهِ: ﴿مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ﴾ ودَأْبُ هَؤُلاءِ دُونَهم في عَمَلِهِمْ مِنَ الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ وسائِرِ المَعاصِي، فَيَكُونُ ذَلِكَ دائِبًا ودائِمًا لا يَفْتَرُونَ عَنْهُ، ولا بُدَّ مِن حَذْفِ مُضافٍ، يُرِيدُ: مِثْلَ جَزاءِ دَأْبِهِمْ، والحاصِلُ أنَّهُ خَوَّفَهم بِهَلاكٍ مُعَجَّلٍ في الدُّنْيا، ثُمَّ خَوَّفَهم أيْضًا بِهَلاكِ الآخِرَةِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ والمَقْصُودُ مِنهُ التَّنْبِيهُ عَلى عَذابِ الآخِرَةِ. والنَّوْعُ الثّانِي مِن كَلِماتِ ذَلِكَ المُؤْمِنِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبادِ﴾ يَعْنِي أنَّ تَدْمِيرَ أُولَئِكَ الأحْزابِ كانَ عَدْلًا؛ لِأنَّهُمُ اسْتَوْجَبُوهُ بِسَبَبِ تَكْذِيبِهِمْ لِلْأنْبِياءِ، فَتِلْكَ الجُمْلَةُ قائِمَةٌ هاهُنا، فَوَجَبَ حُصُولُ الحُكْمِ هاهُنا، قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: ﴿وما اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبادِ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يُرِيدُ أنْ يَظْلِمَ بَعْضُ العِبادِ بَعْضًا، ويَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يُرِيدُ ظُلْمَ أحَدٍ مِنَ العِبادِ، فَلَوْ خَلَقَ الكُفْرَ فِيهِمْ ثُمَّ عَذَّبَهم عَلى ذَلِكَ الكُفْرِ لَكانَ ظالِمًا، وإذا ثَبَتَ أنَّهُ لا يُرِيدُ الظُّلْمَ البَتَّةَ ثَبَتَ أنَّهُ غَيْرُ خالِقٍ لِأفْعالِ العِبادِ؛ لِأنَّهُ لَوْ خَلَقَها لَأرادَها، وثَبَتَ أيْضًا أنَّهُ قادِرٌ عَلى الظُّلْمِ، إذْ لَوْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ لَما حَصَلَ المَدْحُ بِتَرْكِ الظُّلْمِ، وهَذا الِاسْتِدْلالُ قَدْ ذَكَرْناهُ مِرارًا في هَذا الكِتابِ مَعَ الجَوابِ، فَلا فائِدَةَ في الإعادَةِ. النَّوْعُ الثّالِثُ مِن كَلِماتِ هَذا المُؤْمِنِ قَوْلُهُ: ﴿ويا قَوْمِ إنِّي أخافُ عَلَيْكم يَوْمَ التَّنادِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: التَّنادِي تَفاعُلٌ مِنَ النِّداءِ، يُقالُ: تَنادى القَوْمُ؛ أيْ نادى بَعْضُهم بَعْضًا، والأصْلُ الياءُ وحَذْفُ الياءِ حَسَنٌ في الفَواصِلِ، وذَكَرْنا ذَلِكَ في ﴿يَوْمَ التَّلاقِ﴾ وأجْمَعَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ ﴿يَوْمَ التَّنادِ﴾ يَوْمُ صفحة ٥٤ القِيامَةِ، وفي سَبَبِ تَسْمِيَةِ ذَلِكَ اليَوْمِ بِذَلِكَ الِاسْمِ وُجُوهٌ؛ الأوَّلُ: أنَّ أهْلَ النّارِ يُنادُونَ أهْلَ الجَنَّةِ، وأهْلَ الجَنَّةِ يُنادُونَ أهْلَ النّارِ، كَما ذَكَرَ اللَّهُ عَنْهم في سُورَةِ الأعْرافِ ﴿ونادى أصْحابُ النّارِ أصْحابَ الجَنَّةِ﴾ [الأعْرافِ: ٥٠]، ﴿ونادى أصْحابُ الجَنَّةِ أصْحابَ النّارِ﴾، الثّانِي: قالَ الزَّجّاجُ: لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ السَّبَبُ فِيهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإمامِهِمْ﴾ [الإسْراءِ: ٧١] . الثّالِثُ: أنَّهُ يُنادِي بَعْضُ الظّالِمِينَ بَعْضًا بِالوَيْلِ والثُّبُورِ فَيَقُولُونَ: ﴿ياوَيْلَنا﴾ [الأنْبِياءِ: ٩٧] . الرّابِعُ: يُنادَوْنَ إلى المَحْشَرِ، أيْ يُدْعَوْنَ. الخامِسُ: يُنادِي المُؤْمِنُ ﴿هاؤُمُ اقْرَءُوا كِتابِيَهْ﴾ [الحاقَّةِ: ١٩] والكافِرُ ﴿يالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ﴾ [الحاقَّةِ: ٢٥] . السّادِسُ: يُنادى بِاللَّعْنَةِ عَلى الظّالِمِينَ. السّابِعُ: يُجاءُ بِالمَوْتِ عَلى صُورَةِ كَبْشٍ أمْلَحَ ثُمَّ يُذْبَحُ ويُنادى: يا أهْلَ القِيامَةِ لا مَوْتَ، فَيَزْدادُ أهْلُ الجَنَّةِ فَرَحًا عَلى فَرَحِهِمْ، وأهْلُ النّارِ حُزْنًا عَلى حُزْنِهِمْ. الثّامِنُ: قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: التَّنادِي مُشْتَقٌّ مِنَ التَّنادِّ، مِن قَوْلِهِمْ: نَدَّ فُلانٌ: إذا هَرَبَ، وهو قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ، وفَسَّرَها فَقالَ: يَنِدُّونَ كَما تَنِدُّ الإبِلُ، ويَدُلُ عَلى صِحَّةِ هَذِهِ القِراءَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ مِن أخِيهِ﴾ [عَبَسَ: ٣٤] الآيَةَ. وقَوْلُهُ تَعالى بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾ لِأنَّهم إذا سَمِعُوا زَفِيرَ النّارِ يَنِدُّونَ هارِبِينَ، فَلا يَأْتُونَ قُطْرًا مِنَ الأقْطارِ إلّا وجَدُوا مَلائِكَةً صُفُوفًا، فَيَرْجِعُونَ إلى المَكانِ الَّذِي كانُوا فِيهِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: انْتَصَبَ قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ التَّنادِ﴾ لِوَجْهَيْنِ؛ أحَدُهُما: الظَّرْفُ لِلْخَوْفِ، كَأنَّهُ خافَ عَلَيْهِمْ في ذَلِكَ اليَوْمِ، لِما يَلْحَقُهم مِنَ العَذابِ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا. والآخَرُ: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ ”إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمِ التَّنادِ“ وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ انْتِصابُ يَوْمٍ انْتِصابَ المَفْعُولِ بِهِ، لا انْتِصابَ الظَّرْفِ؛ لِأنَّ إعْرابَهُ إعْرابُ المُضافِ المَحْذُوفِ، ثُمَّ قالَ: ﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾ وهو بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ التَّنادِ﴾ عَنْ قَتادَةَ: مُنْصَرِفِينَ عَنْ مَوْقِفِ يَوْمِ الحِسابِ إلى النّارِ، وعَنْ مُجاهِدٍ: فارِّينَ عَنِ النّارِ غَيْرَ مُعْجِزِينَ، ثُمَّ أكَّدَ التَّهْدِيدَ فَقالَ: ﴿ما لَكم مِنَ اللَّهِ مِن عاصِمٍ﴾ ثُمَّ نَبَّهَ عَلى قُوَّةِ ضَلالَتِهِمْ وشِدَّةِ جَهالَتِهِمْ فَقالَ: ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ .

غافر 40:34

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياقَوْمِ لَكُمُ المُلْكُ اليَوْمَ ظاهِرِينَ في الأرْضِ فَمَن يَنْصُرُنا مِن بَأْسِ اللَّهِ إنْ جاءَنا قالَ فِرْعَوْنُ ما أُرِيكم إلّا ما أرى وما أهْدِيكم إلّا سَبِيلَ الرَّشادِ﴾ ﴿وقالَ الَّذِي آمَنَ ياقَوْمِ إنِّي أخافُ عَلَيْكم مِثْلَ يَوْمِ الأحْزابِ﴾ ﴿مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ والَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ وما اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبادِ﴾ ﴿ويا قَوْمِ إنِّي أخافُ عَلَيْكم يَوْمَ التَّنادِ﴾ ﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ ما لَكم مِنَ اللَّهِ مِن عاصِمٍ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ اعْلَمْ أنَّ مُؤْمِنَ آلِ فِرْعَوْنَ لَمّا أقامَ أنْواعَ الدَّلائِلِ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ الإقْدامُ عَلى قَتْلِ مُوسى، خَوَّفَهم في ذَلِكَ بِعَذابِ اللَّهِ فَقالَ: ﴿ياقَوْمِ لَكُمُ المُلْكُ اليَوْمَ ظاهِرِينَ في الأرْضِ﴾ يَعْنِي قَدْ عَلَوْتُمُ النّاسَ وقَهَرْتُمُوهم، فَلا تُفْسِدُوا أمْرَكم عَلى أنْفُسِكم ولا تَتَعَرَّضُوا لِبَأْسِ اللَّهِ وعَذابِهِ، فَإنَّهُ لا قِبَلَ لَكم بِهِ، وإنَّما قالَ: ﴿يَنْصُرُنا﴾ و﴿جاءَنا﴾ لِأنَّهُ كانَ يُظْهِرُ مِن نَفْسِهِ أنَّهُ مِنهم وأنَّ الَّذِي يَنْصَحُهم بِهِ هو مُشارِكٌ لَهم فِيهِ، ولَمّا قالَ ذَلِكَ المُؤْمِنُ هَذا الكَلامَ ﴿قالَ فِرْعَوْنُ ما أُرِيكم إلّا ما أرى﴾ أيْ لا أُشِيرُ إلَيْكم بِرَأْيٍ سِوى ما ذَكَرْتُهُ أنَّهُ يَجِبُ قَتْلُهُ حَسْمًا صفحة ٥٣ لِمادَّةِ الفِتْنَةِ ﴿وما أهْدِيكُمْ﴾ بِهَذا الرَّأْيِ ﴿إلّا سَبِيلَ الرَّشادِ﴾ والصَّلاحِ، ثُمَّ حَكى تَعالى أنَّ ذَلِكَ المُؤْمِنَ رَدَّ هَذا الكَلامَ عَلى فِرْعَوْنَ فَقالَ: ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم مِثْلَ يَوْمِ الأحْزابِ﴾ . واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْ ذَلِكَ المُؤْمِنِ أنَّهُ كانَ يَكْتُمُ إيمانَهُ، والَّذِي يَكْتُمُ كَيْفَ يُمْكِنُهُ أنَّ يَذْكُرَ هَذِهِ الكَلِماتِ مَعَ فِرْعَوْنَ، ولِهَذا السَّبَبِ حَصَلَ هاهُنا قَوْلانِ؛ الأوَّلُ: أنَّ فِرْعَوْنَ لَمّا قالَ: ﴿ذَرُونِي أقْتُلْ مُوسى﴾ لَمْ يُصَرِّحْ ذَلِكَ المُؤْمِنُ بِأنَّهُ عَلى دِينِ مُوسى، بَلْ أوْهَمَ أنَّهُ مَعَ فِرْعَوْنَ وعَلى دِينِهِ، إلّا أنَّهُ زَعَمَ أنَّ المَصْلَحَةَ تَقْتَضِي تَرْكَ قَتْلِ مُوسى؛ لِأنَّهُ لَمْ يَصْدُرْ عَنْهُ إلّا الدَّعْوَةُ إلى اللَّهِ والإتْيانُ بِالمُعْجِزاتِ القاهِرَةِ، وهَذا لا يُوجِبُ القَتْلَ، والإقْدامُ عَلى قَتْلِهِ يُوجِبُ الوُقُوعَ في ألْسِنَةِ النّاسِ بِأقْبَحِ الكَلِماتِ، بَلِ الأوْلى أنْ يُؤَخَّرَ قَتْلُهُ وأنْ يُمْنَعَ مِن إظْهارِ دِينِهِ؛ لِأنَّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ إنْ كانَ كاذِبًا كانَ وبالُ كَذِبِهِ عائِدًا إلَيْهِ، وإنْ كانَ صادِقًا حَصَلَ الِانْتِفاعُ بِهِ مِن بَعْضِ الوُجُوهِ، ثُمَّ أكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن هو مُسْرِفٌ كَذّابٌ﴾ يَعْنِي أنَّهُ إنْ صَدَقَ فِيما يَدَّعِيهِ مِن إثْباتِ الإلَهِ القادِرِ الحَكِيمِ فَهو لا يَهْدِي المُسْرِفَ الكَذّابَ، فَأوْهَمَ فِرْعَوْنَ أنَّهُ أرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن هو مُسْرِفٌ كَذّابٌ﴾ أنَّهُ يُرِيدُ مُوسى وهو إنَّما كانَ يَقْصِدُ بِهِ فِرْعَوْنَ؛ لِأنَّ المُسْرِفَ الكَذّابَ هو فِرْعَوْنُ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ مُؤْمِنَ آلِ فِرْعَوْنَ كانَ يَكْتُمُ إيمانَهُ أوَّلًا، فَلَمّا قالَ فِرْعَوْنُ: ﴿ذَرُونِي أقْتُلْ مُوسى﴾ أزالَ الكِتْمانَ وأظْهَرَ كَوْنَهُ عَلى دِينِ مُوسى، وشافَهَ فِرْعَوْنَ بِالحَقِّ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْ هَذا المُؤْمِنِ أنْواعًا مِنَ الكَلِماتِ ذَكَرَها لِفِرْعَوْنَ. فالأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿ياقَوْمِ إنِّي أخافُ عَلَيْكم مِثْلَ يَوْمِ الأحْزابِ﴾ والتَّقْدِيرُ مِثْلُ أيّامِ الأحْزابِ، إلّا أنَّهُ لَمّا أضافَ اليَوْمَ إلى الأحْزابِ، وفَسَّرَهم بِقَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ، فَحِينَئِذٍ ظَهَرَ أنَّ كُلَّ حِزْبٍ كانَ لَهُ يَوْمٌ مُعَيَّنٌ في البَلاءِ، فاقْتَصَرَ مِنَ الجَمْعِ عَلى ذِكْرِ الواحِدِ لِعَدَمِ الِالتِباسِ، ثُمَّ فَسَّرَ قَوْلَهُ: ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم مِثْلَ يَوْمِ الأحْزابِ﴾ بِقَوْلِهِ: ﴿مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ﴾ ودَأْبُ هَؤُلاءِ دُونَهم في عَمَلِهِمْ مِنَ الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ وسائِرِ المَعاصِي، فَيَكُونُ ذَلِكَ دائِبًا ودائِمًا لا يَفْتَرُونَ عَنْهُ، ولا بُدَّ مِن حَذْفِ مُضافٍ، يُرِيدُ: مِثْلَ جَزاءِ دَأْبِهِمْ، والحاصِلُ أنَّهُ خَوَّفَهم بِهَلاكٍ مُعَجَّلٍ في الدُّنْيا، ثُمَّ خَوَّفَهم أيْضًا بِهَلاكِ الآخِرَةِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ والمَقْصُودُ مِنهُ التَّنْبِيهُ عَلى عَذابِ الآخِرَةِ. والنَّوْعُ الثّانِي مِن كَلِماتِ ذَلِكَ المُؤْمِنِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبادِ﴾ يَعْنِي أنَّ تَدْمِيرَ أُولَئِكَ الأحْزابِ كانَ عَدْلًا؛ لِأنَّهُمُ اسْتَوْجَبُوهُ بِسَبَبِ تَكْذِيبِهِمْ لِلْأنْبِياءِ، فَتِلْكَ الجُمْلَةُ قائِمَةٌ هاهُنا، فَوَجَبَ حُصُولُ الحُكْمِ هاهُنا، قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: ﴿وما اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبادِ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يُرِيدُ أنْ يَظْلِمَ بَعْضُ العِبادِ بَعْضًا، ويَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يُرِيدُ ظُلْمَ أحَدٍ مِنَ العِبادِ، فَلَوْ خَلَقَ الكُفْرَ فِيهِمْ ثُمَّ عَذَّبَهم عَلى ذَلِكَ الكُفْرِ لَكانَ ظالِمًا، وإذا ثَبَتَ أنَّهُ لا يُرِيدُ الظُّلْمَ البَتَّةَ ثَبَتَ أنَّهُ غَيْرُ خالِقٍ لِأفْعالِ العِبادِ؛ لِأنَّهُ لَوْ خَلَقَها لَأرادَها، وثَبَتَ أيْضًا أنَّهُ قادِرٌ عَلى الظُّلْمِ، إذْ لَوْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ لَما حَصَلَ المَدْحُ بِتَرْكِ الظُّلْمِ، وهَذا الِاسْتِدْلالُ قَدْ ذَكَرْناهُ مِرارًا في هَذا الكِتابِ مَعَ الجَوابِ، فَلا فائِدَةَ في الإعادَةِ. النَّوْعُ الثّالِثُ مِن كَلِماتِ هَذا المُؤْمِنِ قَوْلُهُ: ﴿ويا قَوْمِ إنِّي أخافُ عَلَيْكم يَوْمَ التَّنادِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: التَّنادِي تَفاعُلٌ مِنَ النِّداءِ، يُقالُ: تَنادى القَوْمُ؛ أيْ نادى بَعْضُهم بَعْضًا، والأصْلُ الياءُ وحَذْفُ الياءِ حَسَنٌ في الفَواصِلِ، وذَكَرْنا ذَلِكَ في ﴿يَوْمَ التَّلاقِ﴾ وأجْمَعَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ ﴿يَوْمَ التَّنادِ﴾ يَوْمُ صفحة ٥٤ القِيامَةِ، وفي سَبَبِ تَسْمِيَةِ ذَلِكَ اليَوْمِ بِذَلِكَ الِاسْمِ وُجُوهٌ؛ الأوَّلُ: أنَّ أهْلَ النّارِ يُنادُونَ أهْلَ الجَنَّةِ، وأهْلَ الجَنَّةِ يُنادُونَ أهْلَ النّارِ، كَما ذَكَرَ اللَّهُ عَنْهم في سُورَةِ الأعْرافِ ﴿ونادى أصْحابُ النّارِ أصْحابَ الجَنَّةِ﴾ [الأعْرافِ: ٥٠]، ﴿ونادى أصْحابُ الجَنَّةِ أصْحابَ النّارِ﴾، الثّانِي: قالَ الزَّجّاجُ: لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ السَّبَبُ فِيهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإمامِهِمْ﴾ [الإسْراءِ: ٧١] . الثّالِثُ: أنَّهُ يُنادِي بَعْضُ الظّالِمِينَ بَعْضًا بِالوَيْلِ والثُّبُورِ فَيَقُولُونَ: ﴿ياوَيْلَنا﴾ [الأنْبِياءِ: ٩٧] . الرّابِعُ: يُنادَوْنَ إلى المَحْشَرِ، أيْ يُدْعَوْنَ. الخامِسُ: يُنادِي المُؤْمِنُ ﴿هاؤُمُ اقْرَءُوا كِتابِيَهْ﴾ [الحاقَّةِ: ١٩] والكافِرُ ﴿يالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ﴾ [الحاقَّةِ: ٢٥] . السّادِسُ: يُنادى بِاللَّعْنَةِ عَلى الظّالِمِينَ. السّابِعُ: يُجاءُ بِالمَوْتِ عَلى صُورَةِ كَبْشٍ أمْلَحَ ثُمَّ يُذْبَحُ ويُنادى: يا أهْلَ القِيامَةِ لا مَوْتَ، فَيَزْدادُ أهْلُ الجَنَّةِ فَرَحًا عَلى فَرَحِهِمْ، وأهْلُ النّارِ حُزْنًا عَلى حُزْنِهِمْ. الثّامِنُ: قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: التَّنادِي مُشْتَقٌّ مِنَ التَّنادِّ، مِن قَوْلِهِمْ: نَدَّ فُلانٌ: إذا هَرَبَ، وهو قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ، وفَسَّرَها فَقالَ: يَنِدُّونَ كَما تَنِدُّ الإبِلُ، ويَدُلُ عَلى صِحَّةِ هَذِهِ القِراءَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ مِن أخِيهِ﴾ [عَبَسَ: ٣٤] الآيَةَ. وقَوْلُهُ تَعالى بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾ لِأنَّهم إذا سَمِعُوا زَفِيرَ النّارِ يَنِدُّونَ هارِبِينَ، فَلا يَأْتُونَ قُطْرًا مِنَ الأقْطارِ إلّا وجَدُوا مَلائِكَةً صُفُوفًا، فَيَرْجِعُونَ إلى المَكانِ الَّذِي كانُوا فِيهِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: انْتَصَبَ قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ التَّنادِ﴾ لِوَجْهَيْنِ؛ أحَدُهُما: الظَّرْفُ لِلْخَوْفِ، كَأنَّهُ خافَ عَلَيْهِمْ في ذَلِكَ اليَوْمِ، لِما يَلْحَقُهم مِنَ العَذابِ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا. والآخَرُ: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ ”إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمِ التَّنادِ“ وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ انْتِصابُ يَوْمٍ انْتِصابَ المَفْعُولِ بِهِ، لا انْتِصابَ الظَّرْفِ؛ لِأنَّ إعْرابَهُ إعْرابُ المُضافِ المَحْذُوفِ، ثُمَّ قالَ: ﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾ وهو بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ التَّنادِ﴾ عَنْ قَتادَةَ: مُنْصَرِفِينَ عَنْ مَوْقِفِ يَوْمِ الحِسابِ إلى النّارِ، وعَنْ مُجاهِدٍ: فارِّينَ عَنِ النّارِ غَيْرَ مُعْجِزِينَ، ثُمَّ أكَّدَ التَّهْدِيدَ فَقالَ: ﴿ما لَكم مِنَ اللَّهِ مِن عاصِمٍ﴾ ثُمَّ نَبَّهَ عَلى قُوَّةِ ضَلالَتِهِمْ وشِدَّةِ جَهالَتِهِمْ فَقالَ: ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ .

غافر 40:35

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ جاءَكم يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالبَيِّناتِ فَما زِلْتُمْ في شَكٍّ مِمّا جاءَكم بِهِ حَتّى إذا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن هو مُسْرِفٌ مُرْتابٌ﴾ ﴿الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أتاهم كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبّارٍ﴾ واعْلَمْ أنَّ مُؤْمِنَ آلِ فِرْعَوْنَ لَمّا قالَ: ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ ذَكَرَ لِهَذا مَثَلًا، وهو أنَّ يُوسُفَ لَمّا جاءَهم بِالبَيِّناتِ الباهِرَةِ فَأصَرُّوا عَلى الشَّكِّ والشُّبْهَةِ، ولَمْ يَنْتَفِعُوا بِتِلْكَ الدَّلائِلَ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ مَن أضَلَّهُ اللَّهُ ﴿فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ: صفحة ٥٥ المَسْألَةُ الأُولى: قِيلَ: إنَّ يُوسُفَ هَذا هو يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ عَلَيْهِما السَّلامُ، ونَقَلَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ أنَّهُ يُوسُفُ بْنُ أفْرايِيمَ بْنِ يُوسُفَ بْنِ يَعْقُوبَ أقامَ فِيهِمْ نَيِّفًا وعِشْرِينَ سَنَةً، وقِيلَ: إنَّ فِرْعَوْنَ مُوسى هو فِرْعَوْنُ يُوسُفَ بَقِيَ حَيًّا إلى زَمانِهِ، وقِيلَ: فِرْعَوْنُ آخَرُ، والمَقْصُودُ مِنَ الكُلِّ شَيْءٌ واحِدٌ وهو أنَّ يُوسُفَ جاءَ قَوْمَهُ بِالبَيِّناتِ، وفي المُرادِ بِها قَوْلانِ؛ الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ بِالبَيِّناتِ قَوْلُهُ: ﴿أأرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أمِ اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾ [يُوسُفَ: ٣٩]، والثّانِي: المُرادُ بِها المُعْجِزاتُ، وهَذا أوْلى، ثُمَّ إنَّهم بَقُوا في نُبُوَّتِهِ شاكِّينَ مُرْتابِينَ، ولَمْ يَنْتَفِعُوا البَتَّةَ بِتِلْكَ البَيِّناتِ، فَلَمّا ماتَ قالُوا: إنَّهُ ﴿لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولًا﴾ وإنَّما حَكَمُوا بِهَذا الحُكْمِ عَلى سَبِيلِ التَّشَهِّي والتَّمَنِّي مِن غَيْرِ حُجَّةٍ ولا بُرْهانٍ، بَلْ إنَّما ذَكَرُوا ذَلِكَ لِيَكُونَ ذَلِكَ أساسًا لَهم في تَكْذِيبِ الأنْبِياءِ الَّذِينَ يَأْتُونَ بَعْدَ ذَلِكَ، ولَيْسَ في قَوْلِهِمْ: ﴿لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولًا﴾ لِأجْلِ تَصْدِيقِ رِسالَةِ يُوسُفَ وكَيْفَ وقَدْ شَكُّوا فِيها وكَفَرُوا بِها، وإنَّما هو تَكْذِيبٌ لِرِسالَةِ مَن هو بَعْدَهُ مَضْمُومًا إلى تَكْذِيبِ رِسالَتِهِ، ثُمَّ قالَ: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن هو مُسْرِفٌ مُرْتابٌ﴾ أيْ مِثْلُ هَذا الضَّلالِ يُضِلُّ اللَّهُ كُلَّ مُسْرِفٍ في عِصْيانِهِ مُرْتابٍ في دِينِهِ، قالَ الكَعْبِيُّ: هَذِهِ الآيَةُ حُجَّةٌ لِأهْلِ القَدَرِ؛ لِأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ كُفْرَهم، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ تَعالى إنَّما أضَلَّهم لِكَوْنِهِمْ مُسْرِفِينَ مُرْتابِينَ، فَثَبَتَ أنَّ العَبْدَ ما لَمْ يَضِلَّ عَنِ الدِّينِ فَإنَّ اللَّهَ تَعالى لا يُضِلُّهُ. ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى ما لِأجْلِهِ بَقُوا في ذَلِكَ الشَّكِّ والإسْرافِ فَقالَ: ﴿الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ﴾ أيْ بِغَيْرِ حُجَّةٍ، بَلْ إمّا بِناءً عَلى التَّقْلِيدِ المُجَرَّدِ، وإمّا بِناءً عَلى شُبُهاتٍ خَسِيسَةٍ ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ﴾ والمَقْتُ هو أنْ يَبْلُغَ المَرْءُ في القَوْمِ مَبْلَغًا عَظِيمًا فَيَمْقُتَهُ اللَّهُ ويَبْغَضَهُ ويُظْهِرَ خِزْيَهُ وتَعْسَهُ. وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: في ذَمِّهِ لَهم بِأنَّهم يُجادِلُونَ بِغَيْرِ سُلْطانٍ، دَلالَةٌ عَلى أنَّ الجِدالَ بِالحُجَّةِ حَسَنٌ وحَقٌّ، وفِيهِ إبْطالٌ لِلتَّقْلِيدِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ القاضِي: مَقْتُ اللَّهِ إيّاهم يَدُلُّ عَلى أنَّ فِعْلَهم لَيْسَ بِخَلْقِ اللَّهِ؛ لِأنَّ كَوْنَهُ فاعِلًا لِلْفِعْلِ وماقِتًا لَهُ مُحالٌ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ يَجُوزُ وصْفُ اللَّهِ تَعالى بِأنَّهُ قَدْ يَمْقُتُ بَعْضَ عِبادِهِ إلّا أنَّ ذَلِكَ صِفَةٌ واجِبَةُ التَّأْوِيلِ في حَقِّ اللَّهِ كالغَضَبِ والحَياءِ والتَّعَجُّبِ، واللَّهُ أعْلَمُ. ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ هَذا المَقْتَ كَما حَصَلَ عِنْدَ اللَّهِ فَكَذَلِكَ قَدْ حَصَلَ عِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبّارٍ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأبُو عَمْرٍو وقُتَيْبَةُ عَنِ الكِسائِيِّ ”قَلْبٍ“ مُنَوَّنًا ”مُتَكَبِّرٍ“ صِفَةً لِلْقَلْبِ والباقُونَ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ عَلى إضافَةِ القَلْبِ إلى المُتَكَبِّرِ، قالَ أبُو عُبَيْدٍ: الِاخْتِيارُ الإضافَةُ؛ لِوُجُوهٍ؛ الأوَّلُ: أنَّ عَبْدَ اللَّهِ قَرَأ ﴿عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ﴾ وهو شاهِدٌ لِهَذِهِ القِراءَةِ. الثّانِي: أنَّ وصْفَ الإنْسانِ بِالتَّكَبُّرِ والجَبَرُوتِ أوْلى مِن وصْفِ القَلْبِ بِهِما، وأمّا الَّذِينَ قَرَءُوا بِالتَّنْوِينِ فَقالُوا: إنَّ الكِبْرَ قَدْ أُضِيفَ إلى القَلْبِ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ في صُدُورِهِمْ إلّا كِبْرٌ﴾ [غافِرٍ: ٥٦] وقالَ تَعالى: ﴿فَإنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البَقَرَةٍ: ٢٨٣] وأيْضًا فَيُمْكِنُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلى حَذْفِ المُضافِ أيْ عَلى كُلِّ ذِي قَلْبٍ مُتَكَبِّرٍ، وأيْضًا قالَ قَوْمٌ: الإنْسانُ الحَقِيقِيُّ هو القَلْبُ. وهَذا البَحْثُ طَوِيلٌ وقَدْ ذَكَرْناهُ في تَفْسِيرِ صفحة ٥٦ قَوْلِهِ: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ عَلى قَلْبِكَ﴾ [الشُّعَراءِ: ١٩٣] قالُوا: ومَن أضافَ فَلا بُدَّ لَهُ مِن تَقْدِيرِ حَذْفٍ، والتَّقْدِيرُ: يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قَلْبِ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الكَلامُ في الطَّبْعِ والرَّيْنِ والقَسْوَةِ والغِشاوَةِ قَدْ سَبَقَ في هَذا الكِتابِ بِالِاسْتِقْصاءِ، وأصْحابُنا يَقُولُونَ: قَوْلُهُ ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ الكُلَّ مِنَ اللَّهِ، والمُعْتَزِلَةُ يَقُولُونَ: إنَّ قَوْلَهُ ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبّارٍ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا الطَّبْعَ إنَّما حَصَلَ مِنَ اللَّهِ؛ لِأنَّهُ كانَ في نَفْسِهِ مُتَكَبِّرًا جَبّارًا، وعِنْدَ هَذا تَصِيرُ الآيَةُ حُجَّةً لِكُلِّ واحِدٍ مِن هَذَيْنِ الفَرِيقَيْنِ مِن وجْهٍ، وعَلَيْهِ مِن وجْهٍ آخَرَ، والقَوْلُ الَّذِي يُخَرَّجُ عَلَيْهِ الوَجْهانِ ما ذَهَبْنا إلَيْهِ وهو أنَّهُ تَعالى يَخْلُقُ دَواعِيَ الكِبْرِ والرِّياسَةِ في القَلْبِ، فَتَصِيرُ تِلْكَ الدَّواعِي مانِعَةً مِن حُصُولِ ما يَدْعُونَ إلى الطّاعَةِ والِانْقِيادِ لِأمْرِ اللَّهِ، فَيَكُونُ القَوْلُ بِالقَضاءِ والقَدَرِ صَحِيحًا، ويَكُونُ تَعْلِيلُ الصَّدِّ عَنِ الدِّينِ بِكَوْنِهِ مُتَجَبِّرًا مُتَكَبِّرًا باقِيًا، فَثَبَتَ أنَّ هَذا المَذْهَبَ الَّذِي اخْتَرْناهُ في القَضاءِ والقَدَرِ هو الَّذِي يَنْطَبِقُ لَفْظُ القُرْآنِ مِن أوَّلِهِ إلى آخِرِهِ عَلَيْهِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: لا بُدَّ مِن بَيانِ الفَرْقِ بَيْنَ المُتَكَبِّرِ والجَبّارِ، قالَ مُقاتِلٌ: ”مُتَكَبِّرٍ“ عَنْ قَبُولِ التَّوْحِيدِ ”جَبّارٍ“ في غَيْرِ حَقٍّ، وأقُولُ: كَمالُ السَّعادَةِ في أمْرَيْنِ: التَّعْظِيمُ لِأمْرِ اللَّهِ، والشَّفَقَةُ عَلى خَلْقِ اللَّهِ، فَعَلى قَوْلِ مُقاتِلٍ التَّكَبُّرُ كالمُضادِّ لِلتَّعْظِيمِ لِأمْرِ اللَّهِ، والجَبَرُوتُ كالمُضادِّ لِلشَّفَقَةِ عَلى خَلْقِ اللَّهِ. واللَّهُ أعْلَمُ.

غافر 40:36

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَ فِرْعَوْنُ ياهامانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أبْلُغُ الأسْبابَ﴾ ﴿أسْبابَ السَّماواتِ فَأطَّلِعَ إلى إلَهِ مُوسى وإنِّي لَأظُنُّهُ كاذِبًا وكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وما كَيْدُ فِرْعَوْنَ إلّا في تَبابٍ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ فِرْعَوْنَ بِكَوْنِهِ مُتَكَبِّرًا جَبّارًا بَيَّنَ أنَّهُ أبْلَغَ في البَلادَةِ والحَماقَةِ إلى أنْ قَصَدَ الصُّعُودَ إلى السَّماواتِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: احْتَجَّ الجَمْعُ الكَثِيرُ مِنَ المُشَبِّهَةِ بِهَذِهِ الآيَةِ في إثْباتِ أنَّ اللَّهَ في السَّماواتِ وقَرَّرُوا ذَلِكَ مِن وُجُوهٍ؛ الأوَّلُ: أنَّ فِرْعَوْنَ كانَ مِنَ المُنْكِرِينَ لِوُجُودِ اللَّهِ، وكُلُّ ما يَذْكُرُهُ في صِفاتِ اللَّهِ تَعالى فَذَلِكَ إنَّما يَذْكُرُهُ لِأجْلِ أنَّهُ سَمِعَ أنَّ مُوسى يَصِفُ اللَّهَ بِذَلِكَ، فَهو أيْضًا يَذْكُرُهُ كَما سَمِعَهُ، فَلَوْلا أنَّهُ سَمِعَ مُوسى يَصِفُ اللَّهَ بِأنَّهُ مَوْجُودٌ في السَّماءِ وإلّا لَما طَلَبَهُ في السَّماءِ. الوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ قالَ: وإنِّي لَأظُنُّهُ كاذِبًا، ولَمْ يُبَيِّنْ أنَّهُ كاذِبٌ في ماذا، والمَذْكُورُ السّابِقُ مُتَعَيِّنٌ لِصَرْفِ الكَلامِ إلَيْهِ، فَكَأنَّ التَّقْدِيرَ: فَأطَّلِعَ إلى الإلَهِ الَّذِي يَزْعُمُ مُوسى أنَّهُ مَوْجُودٌ في السَّماءِ، ثُمَّ قالَ: ﴿وإنِّي لَأظُنُّهُ كاذِبًا﴾ أيْ وإنِّي لَأظُنُّ مُوسى كاذِبًا في ادِّعائِهِ أنَّ الإلَهَ مَوْجُودٌ في السَّماءِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ دِينَ مُوسى هو أنَّ الإلَهَ مَوْجُودٌ في السَّماءِ. الوَجْهُ الثّالِثُ: العِلْمُ بِأنَّهُ لَوْ وُجِدَ إلَهٌ لَكانَ مَوْجُودًا في السَّماءِ، عِلْمٌ بَدِيهِيٌّ مُتَقَرِّرٌ في كُلِّ العُقُولِ، ولِذَلِكَ فَإنَّ الصِّبْيانَ إذا تَضَرَّعُوا إلى اللَّهِ رَفَعُوا صفحة ٥٧ وُجُوهَهم وأيْدِيَهم إلى السَّماءِ، وإنَّ فِرْعَوْنَ مَعَ نِهايَةِ كُفْرِهِ لَمّا طَلَبَ الإلَهَ فَقَدْ طَلَبَهُ في السَّماءِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ العِلْمَ بِأنَّ الإلَهَ مَوْجُودٌ في السَّماءِ عِلْمٌ مُتَقَرِّرٌ في عَقْلِ الصِّدِّيقِ والزِّنْدِيقِ والمُلْحِدِ والعالِمِ والجاهِلِ. فَهَذا جُمْلَةُ اسْتِدْلالاتِ المُشَبِّهَةِ بِهَذِهِ الآيَةِ، والجَوابُ: أنَّ هَؤُلاءِ الجُهّالَ يَكْفِيهِمْ في كَمالِ الخِزْيِ والضَّلالِ أنْ جَعَلُوا قَوْلَ فِرْعَوْنَ اللَّعِينَ حُجَّةً لَهم عَلى صِحَّةِ دِينِهِمْ، وأمّا مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَإنَّهُ لَمْ يَزِدْ في تَعْرِيفِ إلَهِ العالَمِ عَلى ذِكْرِ صِفَةِ الخَلّاقِيَّةِ فَقالَ في سُورَةِ طه: ﴿رَبُّنا الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ [طه: ٥٠] وقالَ في سُورَةِ الشُّعَراءِ: ﴿رَبُّكم ورَبُّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ وما بَيْنَهُما﴾ [الشُّعَراءِ: ٢٨] فَظَهَرَ أنَّ تَعْرِيفَ ذاتِ اللَّهِ بِكَوْنِهِ في السَّماءِ دِينُ فِرْعَوْنَ وتَعْرِيفَهُ بِالخَلّاقِيَّةِ والمَوْجُودِيَّةِ دِينُ مُوسى، فَمَن قالَ بِالأوَّلِ كانَ عَلى دِينِ فِرْعَوْنَ، ومَن قالَ بِالثّانِي كانَ عَلى دِينِ مُوسى، ثُمَّ نَقُولُ: لا نُسَلِّمُ أنَّ كُلَّ ما يَقُولُهُ فِرْعَوْنُ في صِفاتِ اللَّهِ تَعالى فَذَلِكَ قَدْ سَمِعَهُ مِن مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، بَلْ لَعَلَّهُ كانَ عَلى دِينِ المُشَبِّهَةِ فَكانَ يَعْتَقِدُ أنَّ الإلَهَ لَوْ كانَ مَوْجُودًا لَكانَ حاصِلًا في السَّماءِ، فَهو إنَّما ذَكَرَ هَذا الِاعْتِقادَ مِن قِبَلِ نَفْسِهِ لا لِأجْلِ أنَّهُ قَدْ سَمِعَهُ مِن مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ. * * * وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وإنِّي لَأظُنُّهُ كاذِبًا﴾ فَنَقُولُ: لَعَلَّهُ لَمّا سَمِعَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الإسْراءِ: ١٠٢] ظَنَّ أنَّهُ عَنى بِهِ أنَّهُ رَبُّ السَّماواتِ، كَما يُقالُ لِلْواحِدِ مِنّا: إنَّهُ رَبُّ الدّارِ بِمَعْنى كَوْنِهِ ساكِنًا فِيهِ، فَلَمّا غَلَبَ عَلى ظَنِّهِ ذَلِكَ حَكى عَنْهُ، وهَذا لَيْسَ بِمُسْتَبْعَدٍ، فَإنَّ فِرْعَوْنَ كانَ بَلَغَ في الجَهْلِ والحَماقَةِ إلى حَيْثُ لا يَبْعُدُ نِسْبَةُ هَذا الخَيالِ إلَيْهِ، فَإنِ اسْتَبْعَدَ الخَصْمُ نِسْبَةَ هَذا الخَيالِ إلَيْهِ كانَ ذَلِكَ لائِقًا بِهِمْ؛ لِأنَّهم لَمّا كانُوا عَلى دِينِ فِرْعَوْنَ وجَبَ عَلَيْهِمْ تَعْظِيمُهُ. وأمّا قَوْلُهُ: إنَّ فِطْرَةَ فِرْعَوْنَ شَهِدَتْ بِأنَّ الإلَهَ لَوْ كانَ مَوْجُودًا لَكانَ في السَّماءِ، قُلْنا: نَحْنُ لا نُنْكِرُ أنَّ فِطْرَةَ أكْثَرِ النّاسِ تُخَيِّلُ إلَيْهِمْ صِحَّةَ ذَلِكَ لا سِيَّما مَن بَلَغَ في الحَماقَةِ إلى دَرَجَةِ فِرْعَوْنَ فَثَبَتَ أنَّ هَذا الكَلامَ ساقِطٌ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفَ النّاسُ في أنَّ فِرْعَوْنَ هَلْ قَصَدَ بِناءَ الصَّرْحِ لِيَصْعَدَ مِنهُ إلى السَّماءِ أمْ لا؟ أمّا الظّاهِرِيُّونَ مِنَ المُفَسِّرِينَ فَقَدْ قَطَعُوا بِذَلِكَ، وذَكَرُوا حِكايَةً طَوِيلَةً في كَيْفِيَّةِ بِناءِ ذَلِكَ الصَّرْحِ، والَّذِي عِنْدِي أنَّهُ بَعِيدٌ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنْ يُقالَ: فِرْعَوْنُ لا يَخْلُو إمّا أنْ يُقالَ: إنَّهُ كانَ مِنَ المَجانِينِ أوْ كانَ مِنَ العُقَلاءِ، فَإنْ قُلْنا: إنَّهُ كانَ مِنَ المَجانِينِ لَمْ يَجُزْ مِنَ اللَّهِ تَعالى إرْسالُ الرَّسُولِ إلَيْهِ؛ لِأنَّ العَقْلَ شَرْطٌ في التَّكْلِيفِ، ولَمْ يَجُزْ مِنَ اللَّهِ أنْ يَذْكُرَ حِكايَةَ كَلامِ مَجْنُونٍ في القُرْآنِ، وأمّا إنْ قُلْنا: إنَّهُ كانَ مِنَ العُقَلاءِ فَنَقُولُ: إنَّ كُلَّ عاقِلٍ يَعْلَمُ بِبَدِيهَةِ عَقْلِهِ أنَّهُ يَتَعَذَّرُ في قُدْرَةِ البَشَرِ وضْعُ بِناءٍ يَكُونُ أرْفَعَ مِنَ الجَبَلِ العالِي، ويَعْلَمُ أيْضًا بِبَدِيهَةِ عَقْلِهِ أنَّهُ لا يَتَفاوَتُ في البَصَرِ حالُ السَّماءِ بَيْنَ أنْ يَنْظُرَ إلَيْهِ مِن أسْفَلِ الجِبالِ وبَيْنَ أنْ يَنْظُرَ إلَيْهِ مِن أعْلى الجِبالِ، وإذا كانَ هَذانِ العِلْمانِ بَدِيهِيَّيْنِ امْتَنَعَ أنْ يَقْصِدَ العاقِلُ وضْعَ بِناءٍ يَصْعَدُ مِنهُ إلى السَّماءِ، وإذا كانَ فَسادُ هَذا مَعْلُومًا بِالضَّرُورَةِ امْتَنَعَ إسْنادُهُ إلى فِرْعَوْنَ، والَّذِي عِنْدِي في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ فِرْعَوْنَ كانَ مِنَ الدَّهْرِيَّةِ وغَرَضُهُ مِن ذِكْرِ هَذا الكَلامِ إيرادُ شُبْهَةٍ في نَفْيِ الصّانِعِ، وتَقْرِيرُهُ أنَّهُ قالَ: إنّا لا نَرى شَيْئًا نَحْكُمُ عَلَيْهِ بِأنَّهُ إلَهُ العالَمِ فَلَمْ يَجُزْ إثْباتُ هَذا الإلَهِ، أمّا إنَّهُ لا نَراهُ فَلِأنَّهُ لَوْ كانَ مَوْجُودًا لَكانَ في السَّماءِ ونَحْنُ لا سَبِيلَ لَنا إلى صُعُودِ السَّماواتِ فَكَيْفَ يُمْكِنُنا أنْ نَراهُ، ثُمَّ إنَّهُ لِأجْلِ المُبالَغَةِ في بَيانِ أنَّهُ لا يُمْكِنُهُ صُعُودُ السَّماواتِ قالَ: ﴿ياهامانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أبْلُغُ الأسْبابَ أسْبابَ﴾ والمَقْصُودُ أنَّهُ لَمّا عَرَفَ كُلُّ أحَدٍ أنَّ هَذا الطَّرِيقَ مُمْتَنِعٌ كانَ الوُصُولُ إلى مَعْرِفَةِ وُجُودِ اللَّهِ صفحة ٥٨ بِطَرِيقِ الحِسِّ مُمْتَنِعًا، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنِ اسْتَطَعْتَ أنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا في الأرْضِ أوْ سُلَّمًا في السَّماءِ فَتَأْتِيَهم بِآيَةٍ﴾ [الأنْعامِ: ٣٥] ولَيْسَ المُرادُ مِنهُ أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ طَلَبَ نَفَقًا في الأرْضِ أوْ وضَعَ سُلَّمًا إلى السَّماءِ، بَلِ المَعْنى أنَّهُ لَمّا عُرِفَ أنَّ هَذا المَعْنى مُمْتَنِعٌ فَقَدْ عُرِفَ أنَّهُ لا سَبِيلَ لَكَ إلى تَحْصِيلِ ذَلِكَ المَقْصُودِ، فَكَذا هاهُنا غَرَضُ فِرْعَوْنَ مِن قَوْلِهِ: ﴿ياهامانُ ابْنِ لِي صَرْحًا﴾ يَعْنِي أنَّ الِاطِّلاعَ عَلى إلَهِ مُوسى لَمّا كانَ لا سَبِيلَ إلَيْهِ إلّا بِهَذا الطَّرِيقِ وكانَ هَذا الطَّرِيقُ مُمْتَنِعًا، فَحِينَئِذٍ يَظْهَرُ مِنهُ أنَّهُ لا سَبِيلَ إلى مَعْرِفَةِ الإلَهِ الَّذِي يُثْبِتُهُ مُوسى. فَنَقُولُ: هَذا ما حَصَّلْتُهُ في هَذا البابِ. واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الشُّبْهَةَ فاسِدَةٌ؛ لِأنَّ طُرُقَ العِلْمِ ثَلاثَةٌ الحِسُّ والخَبَرُ والنَّظَرُ، ولا يَلْزَمُ مِنَ انْتِفاءِ طَرِيقٍ واحِدٍ وهو الحِسُّ انْتِفاءَ المَطْلُوبِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ قَدْ بَيَّنَ لِفِرْعَوْنَ أنَّ الطَّرِيقَ في مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى إنَّما هو الحُجَّةُ والدَّلِيلُ كَما قالَ: ﴿رَبُّكم ورَبُّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ﴾ (الشُّعَراءِ: ٢٨) إلّا أنَّ فِرْعَوْنَ لِخُبْثِهِ ومَكْرِهِ تَغافَلَ عَنْ ذَلِكَ الدَّلِيلِ، وألْقى إلى الجُهّالِ أنَّهُ لَمّا كانَ لا طَرِيقَ إلّا الإحْساسُ بِهَذا الإلَهِ وجَبَ نَفْيُهُ، فَهَذا ما عِنْدِي في هَذا البابِ، وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ والعِصْمَةُ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّهُ تَعالى خَلَقَ جَواهِرَ الأفْلاكِ وحَرَكاتِها بِحَيْثُ تَكُونُ هي الأسْبابُ لِحُدُوثِ الحَوادِثِ في هَذا العالَمِ الأسْفَلِ، واحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَعَلِّي أبْلُغُ الأسْبابَ أسْبابَ السَّماواتِ﴾ ومَعْلُومٌ أنَّها لَيْسَتْ أسْبابًا إلّا لِحَوادِثِ هَذا العالَمِ قالُوا: ويُؤَكِّدُ هَذا بِقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ ص: ﴿فَلْيَرْتَقُوا في الأسْبابِ﴾ [ص: ١٠] أمّا المُفَسِّرُونَ فَقَدْ ذَكَرُوا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَعَلِّي أبْلُغُ الأسْبابَ أسْبابَ السَّماواتِ﴾ أنَّ المُرادَ بِأسْبابِ السَّماواتِ طُرُقُها وأبْوابُها وما يُؤَدِّي إلَيْها، وكُلُّ ما أدّاكَ إلى شَيْءٍ فَهو سَبَبٌ كالرَّشادِ ونَحْوِهِ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَتِ اليَهُودُ: أطْبَقَ الباحِثُونَ عَنْ تَوارِيخِ بَنِي إسْرائِيلَ وفِرْعَوْنَ أنَّ هامانَ ما كانَ مَوْجُودًا البَتَّةَ في زَمانِ مُوسى وفِرْعَوْنَ وإنَّما جاءَ بَعْدَهُما بِزَمانٍ مَدِيدٍ ودَهْرٍ داهِرٍ، فالقَوْلُ بِأنَّ هامانَ كانَ مَوْجُودًا في زَمانِ فِرْعَوْنَ خَطَأٌ في التّارِيخِ، ولَيْسَ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنَّ وُجُودَ شَخْصٍ يُسَمّى بِهامانَ بَعْدَ زَمانِ فِرْعَوْنَ لا يَمْنَعُ مِن وُجُودِ شَخْصٍ آخَرَ يُسَمّى بِهَذا الِاسْمِ في زَمانِهِ، قالُوا: لِأنَّ هَذا الشَّخْصَ المُسَمّى بِهامانَ الَّذِي كانَ مَوْجُودًا في زَمانِ فِرْعَوْنَ ما كانَ شَخْصًا خَسِيسًا في حَضْرَةِ فِرْعَوْنَ بَلْ كانَ كالوَزِيرِ لَهُ، ومِثْلُ هَذا الشَّخْصِ لا يَكُونُ مَجْهُولَ الوَصْفِ والحِلْيَةِ، فَلَوْ كانَ مَوْجُودًا لَعُرِفَ حالُهُ، وحَيْثُ أطْبَقَ الباحِثُونَ عَنْ أحْوالِ فِرْعَوْنَ ومُوسى أنَّ الشَّخْصَ المُسَمّى بِهامانَ ما كانَ مَوْجُودًا في زَمانِ فِرْعَوْنَ وإنَّما جاءَ بَعْدَهُ بِأدْوارٍ عُلِمَ أنَّهُ غَلَطٌ وقَعَ في التَّوارِيخِ، قالُوا: ونَظِيرُ هَذا أنّا نَعْرِفُ في دِينِ الإسْلامِ أنَّ أبا حَنِيفَةَ إنَّما جاءَ بَعْدَ مُحَمَّدٍ ﷺ فَلَوْ أنَّ قائِلًا ادَّعى أنَّ أبا حَنِيفَةَ كانَ مَوْجُودًا في زَمانِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، وزَعَمَ أنَّهُ شَخْصٌ آخَرُ سِوى الأوَّلِ وهو أيْضًا يُسَمّى بِأبِي حَنِيفَةَ، فَإنَّ أصْحابَ التَّوارِيخِ يَقْطَعُونَ بِخَطَئِهِ فَكَذا هاهُنا. والجَوابُ: أنَّ تَوارِيخَ مُوسى وفِرْعَوْنَ قَدْ طالَ العَهْدُ بِها واضْطَرَبَتِ الأحْوالُ والأدْوارُ فَلَمْ يَبْقَ عَلى كَلامِ أهْلِ التَّوارِيخِ اعْتِمادٌ في هَذا البابِ، فَكانَ الأخْذُ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعالى أوْلى بِخِلافِ حالِ رَسُولِنا مَعَ أبِي حَنِيفَةَ فَإنَّ هَذِهِ التَّوارِيخَ قَرِيبَةٌ غَيْرُ مُضْطَرِبَةٍ، بَلْ هي مَضْبُوطَةٌ فَظَهَرَ الفَرْقُ بَيْنَ البابَيْنِ، فَهَذا جُمْلَةُ ما يَتَعَلَّقُ بِالمَباحِثِ المَعْنَوِيَّةِ في هَذِهِ الآيَةِ، وبَقِيَ ما يَتَعَلَّقُ بِالمَباحِثِ اللَّفْظِيَّةِ. قِيلَ: ”الصَّرْحُ“ البِناءُ الظّاهِرُ لا يَخْفى عَلى النّاظِرِ وإنْ بَعُدَ، اشْتَقُّوهُ مِن صَرْحِ الشَّيْءِ إذا ظَهَرَ و﴿أسْبابَ السَّماواتِ﴾ طُرُقُها، فَإنْ قِيلَ: ما فائِدَةُ هَذا التَّكْرِيرِ، لَوْ قِيلَ: لَعَلِّي أبْلُغُ أسْبابَ السَّماواتِ، كانَ صفحة ٥٩ كافِيًا؟ أجابَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ عَنْهُ فَقالَ: إذا أُبْهِمَ الشَّيْءُ ثُمَّ أُوضِحَ كانَ تَفْخِيمًا لِشَأْنِهِ، فَلَمّا أرادَ تَفْخِيمَ أسْبابِ السَّماواتِ أبْهَمَها ثُمَّ أوْضَحَها، وقَوْلُهُ: ﴿فَأطَّلِعَ إلى إلَهِ مُوسى﴾ قَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ ”فَأطَّلِعَ“ بِفَتْحِ العَيْنِ والباقُونَ بِالرَّفْعِ، قالَ المُبَرِّدُ: مَن رَفَعَ فَقَدْ عَطَفَهُ عَلى قَوْلِهِ: ﴿أبْلُغُ﴾ والتَّقْدِيرُ ﴿لَعَلِّي أبْلُغُ الأسْبابَ﴾ ثُمَّ أطَّلِعُ إلّا أنَّ حَرْفَ ثُمَّ أشَدُّ تَراخِيًا مِنَ الفاءِ، ومَن نَصَبَ جَعَلَهُ جَوابًا، والمَعْنى لَعَلِّي أبْلُغُ الأسْبابَ فَمَتى بَلَغْتُها أطَّلِعُ والمَعْنى مُخْتَلِفٌ؛ لِأنَّ الأوَّلَ: لَعَلِّي أطَّلِعُ، والثّانِي: لَعَلِّي أبْلُغُ وأنا ضامِنٌ أنِّي مَتى بَلَغْتُ فَلا بُدَّ وأنْ أطَّلِعَ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْ فِرْعَوْنَ هَذِهِ القِصَّةَ قالَ بَعْدَها: ﴿وكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ”وصُدَّ“ بِضَمِّ الصّادِ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: وبِهِ يُقْرَأُ؛ لِأنَّ ما قَبْلَهُ فِعْلٌ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ بِهِ فَجَعَلَ ما عُطِفَ عَلَيْهِ مِثْلُهُ، والباقُونَ ”وصَدَّ“ بِفَتْحِ الصّادِ عَلى أنَّهُ مَنَعَ النّاسَ عَنِ الإيمانِ، قالُوا: ومِن صَدِّهِ قَوْلُهُ ﴿لَأُقَطِّعَنَّ أيْدِيَكم وأرْجُلَكُمْ﴾ [الأعْرافِ: ١٢٤] ويُؤَيِّدُ هَذِهِ القِراءَةَ قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوكم عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ [الفَتْحِ: ٢٥] . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿زُيِّنَ﴾ لا بُدَّ لَهُ مِنَ المُزَيِّنِ، فَقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: إنَّهُ الشَّيْطانُ، فَقِيلَ لَهم: إنْ كانَ المُزَيِّنُ لِفِرْعَوْنَ هو الشَّيْطانُ، فالمُزَيِّنُ لِلشَّيْطانِ إنْ كانَ شَيْطانًا آخَرَ لَزِمَ إثْباتُ التَّسَلْسُلِ في الشَّياطِينِ أوِ الدَّوْرِ وهو مُحالٌ، ولَمّا بَطَلَ ذَلِكَ وجَبَ انْتِهاءُ الأسْبابِ والمُسَبِّباتِ في دَرَجاتِ الحاجاتِ إلى واجِبِ الوُجُودِ، وأيْضًا فَقَوْلُهُ ﴿زُيِّنَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ الشَّيْءَ إنْ لَمْ يَكُنْ في اعْتِقادِ الفاعِلِ مَوْصُوفًا بِأنَّهُ خَيْرٌ وزِينَةٌ وحُسْنٌ فَإنَّهُ لا يُقْدِمُ عَلَيْهِ، إلّا أنَّ ذَلِكَ الِاعْتِقادَ إنْ كانَ صَوابًا فَهو العِلْمُ، وإنْ كانَ خَطَأً فَهو الجَهْلُ، فَفاعِلُ ذَلِكَ الجَهْلِ لَيْسَ هو ذَلِكَ الإنْسانُ؛ لِأنَّ العاقِلَ لا يَقْصِدُ تَحْصِيلَ الجَهْلِ لِنَفْسِهِ، ولِأنَّهُ إنَّما يَقْصِدُ تَحْصِيلَ الجَهْلِ لِنَفْسِهِ إذا عَرَفَ كَوْنَهُ جَهْلًا، ومَتى عَرَفَ كَوْنَهُ جَهْلًا امْتَنَعَ بَقاؤُهُ جاهِلًا، فَثَبَتَ أنَّ فاعِلَ ذَلِكَ الجَهْلِ لَيْسَ هو ذَلِكَ الإنْسانُ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ فاعِلُهُ هو الشَّيْطانُ؛ لِأنَّ البَحْثَ الأوَّلَ بِعَيْنِهِ عائِدٌ فِيهِ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنْ يَكُونَ فاعِلُهُ هو اللَّهُ تَعالى. واللَّهُ أعْلَمُ. ويُقَوِّي ما قُلْناهُ أنَّ صاحِبَ ”الكَشّافِ“ نَقَلَ أنَّهُ قُرِئَ ”وزَيَّنَ لَهُ سُوءَ عَمَلِهِ“ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ والفِعْلُ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿إلى إلَهِ مُوسى﴾ . * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما كَيْدُ فِرْعَوْنَ إلّا في تَبابٍ﴾ والتَّبابُ الهَلاكُ والخُسْرانُ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما زادُوهم غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾ [هُودٍ: ١٠١] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ﴾ [المَسَدِ: ١] . واللَّهُ أعْلَمُ.

غافر 40:37

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَ فِرْعَوْنُ ياهامانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أبْلُغُ الأسْبابَ﴾ ﴿أسْبابَ السَّماواتِ فَأطَّلِعَ إلى إلَهِ مُوسى وإنِّي لَأظُنُّهُ كاذِبًا وكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وما كَيْدُ فِرْعَوْنَ إلّا في تَبابٍ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ فِرْعَوْنَ بِكَوْنِهِ مُتَكَبِّرًا جَبّارًا بَيَّنَ أنَّهُ أبْلَغَ في البَلادَةِ والحَماقَةِ إلى أنْ قَصَدَ الصُّعُودَ إلى السَّماواتِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: احْتَجَّ الجَمْعُ الكَثِيرُ مِنَ المُشَبِّهَةِ بِهَذِهِ الآيَةِ في إثْباتِ أنَّ اللَّهَ في السَّماواتِ وقَرَّرُوا ذَلِكَ مِن وُجُوهٍ؛ الأوَّلُ: أنَّ فِرْعَوْنَ كانَ مِنَ المُنْكِرِينَ لِوُجُودِ اللَّهِ، وكُلُّ ما يَذْكُرُهُ في صِفاتِ اللَّهِ تَعالى فَذَلِكَ إنَّما يَذْكُرُهُ لِأجْلِ أنَّهُ سَمِعَ أنَّ مُوسى يَصِفُ اللَّهَ بِذَلِكَ، فَهو أيْضًا يَذْكُرُهُ كَما سَمِعَهُ، فَلَوْلا أنَّهُ سَمِعَ مُوسى يَصِفُ اللَّهَ بِأنَّهُ مَوْجُودٌ في السَّماءِ وإلّا لَما طَلَبَهُ في السَّماءِ. الوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ قالَ: وإنِّي لَأظُنُّهُ كاذِبًا، ولَمْ يُبَيِّنْ أنَّهُ كاذِبٌ في ماذا، والمَذْكُورُ السّابِقُ مُتَعَيِّنٌ لِصَرْفِ الكَلامِ إلَيْهِ، فَكَأنَّ التَّقْدِيرَ: فَأطَّلِعَ إلى الإلَهِ الَّذِي يَزْعُمُ مُوسى أنَّهُ مَوْجُودٌ في السَّماءِ، ثُمَّ قالَ: ﴿وإنِّي لَأظُنُّهُ كاذِبًا﴾ أيْ وإنِّي لَأظُنُّ مُوسى كاذِبًا في ادِّعائِهِ أنَّ الإلَهَ مَوْجُودٌ في السَّماءِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ دِينَ مُوسى هو أنَّ الإلَهَ مَوْجُودٌ في السَّماءِ. الوَجْهُ الثّالِثُ: العِلْمُ بِأنَّهُ لَوْ وُجِدَ إلَهٌ لَكانَ مَوْجُودًا في السَّماءِ، عِلْمٌ بَدِيهِيٌّ مُتَقَرِّرٌ في كُلِّ العُقُولِ، ولِذَلِكَ فَإنَّ الصِّبْيانَ إذا تَضَرَّعُوا إلى اللَّهِ رَفَعُوا صفحة ٥٧ وُجُوهَهم وأيْدِيَهم إلى السَّماءِ، وإنَّ فِرْعَوْنَ مَعَ نِهايَةِ كُفْرِهِ لَمّا طَلَبَ الإلَهَ فَقَدْ طَلَبَهُ في السَّماءِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ العِلْمَ بِأنَّ الإلَهَ مَوْجُودٌ في السَّماءِ عِلْمٌ مُتَقَرِّرٌ في عَقْلِ الصِّدِّيقِ والزِّنْدِيقِ والمُلْحِدِ والعالِمِ والجاهِلِ. فَهَذا جُمْلَةُ اسْتِدْلالاتِ المُشَبِّهَةِ بِهَذِهِ الآيَةِ، والجَوابُ: أنَّ هَؤُلاءِ الجُهّالَ يَكْفِيهِمْ في كَمالِ الخِزْيِ والضَّلالِ أنْ جَعَلُوا قَوْلَ فِرْعَوْنَ اللَّعِينَ حُجَّةً لَهم عَلى صِحَّةِ دِينِهِمْ، وأمّا مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَإنَّهُ لَمْ يَزِدْ في تَعْرِيفِ إلَهِ العالَمِ عَلى ذِكْرِ صِفَةِ الخَلّاقِيَّةِ فَقالَ في سُورَةِ طه: ﴿رَبُّنا الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ [طه: ٥٠] وقالَ في سُورَةِ الشُّعَراءِ: ﴿رَبُّكم ورَبُّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ وما بَيْنَهُما﴾ [الشُّعَراءِ: ٢٨] فَظَهَرَ أنَّ تَعْرِيفَ ذاتِ اللَّهِ بِكَوْنِهِ في السَّماءِ دِينُ فِرْعَوْنَ وتَعْرِيفَهُ بِالخَلّاقِيَّةِ والمَوْجُودِيَّةِ دِينُ مُوسى، فَمَن قالَ بِالأوَّلِ كانَ عَلى دِينِ فِرْعَوْنَ، ومَن قالَ بِالثّانِي كانَ عَلى دِينِ مُوسى، ثُمَّ نَقُولُ: لا نُسَلِّمُ أنَّ كُلَّ ما يَقُولُهُ فِرْعَوْنُ في صِفاتِ اللَّهِ تَعالى فَذَلِكَ قَدْ سَمِعَهُ مِن مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، بَلْ لَعَلَّهُ كانَ عَلى دِينِ المُشَبِّهَةِ فَكانَ يَعْتَقِدُ أنَّ الإلَهَ لَوْ كانَ مَوْجُودًا لَكانَ حاصِلًا في السَّماءِ، فَهو إنَّما ذَكَرَ هَذا الِاعْتِقادَ مِن قِبَلِ نَفْسِهِ لا لِأجْلِ أنَّهُ قَدْ سَمِعَهُ مِن مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ. * * * وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وإنِّي لَأظُنُّهُ كاذِبًا﴾ فَنَقُولُ: لَعَلَّهُ لَمّا سَمِعَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الإسْراءِ: ١٠٢] ظَنَّ أنَّهُ عَنى بِهِ أنَّهُ رَبُّ السَّماواتِ، كَما يُقالُ لِلْواحِدِ مِنّا: إنَّهُ رَبُّ الدّارِ بِمَعْنى كَوْنِهِ ساكِنًا فِيهِ، فَلَمّا غَلَبَ عَلى ظَنِّهِ ذَلِكَ حَكى عَنْهُ، وهَذا لَيْسَ بِمُسْتَبْعَدٍ، فَإنَّ فِرْعَوْنَ كانَ بَلَغَ في الجَهْلِ والحَماقَةِ إلى حَيْثُ لا يَبْعُدُ نِسْبَةُ هَذا الخَيالِ إلَيْهِ، فَإنِ اسْتَبْعَدَ الخَصْمُ نِسْبَةَ هَذا الخَيالِ إلَيْهِ كانَ ذَلِكَ لائِقًا بِهِمْ؛ لِأنَّهم لَمّا كانُوا عَلى دِينِ فِرْعَوْنَ وجَبَ عَلَيْهِمْ تَعْظِيمُهُ. وأمّا قَوْلُهُ: إنَّ فِطْرَةَ فِرْعَوْنَ شَهِدَتْ بِأنَّ الإلَهَ لَوْ كانَ مَوْجُودًا لَكانَ في السَّماءِ، قُلْنا: نَحْنُ لا نُنْكِرُ أنَّ فِطْرَةَ أكْثَرِ النّاسِ تُخَيِّلُ إلَيْهِمْ صِحَّةَ ذَلِكَ لا سِيَّما مَن بَلَغَ في الحَماقَةِ إلى دَرَجَةِ فِرْعَوْنَ فَثَبَتَ أنَّ هَذا الكَلامَ ساقِطٌ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفَ النّاسُ في أنَّ فِرْعَوْنَ هَلْ قَصَدَ بِناءَ الصَّرْحِ لِيَصْعَدَ مِنهُ إلى السَّماءِ أمْ لا؟ أمّا الظّاهِرِيُّونَ مِنَ المُفَسِّرِينَ فَقَدْ قَطَعُوا بِذَلِكَ، وذَكَرُوا حِكايَةً طَوِيلَةً في كَيْفِيَّةِ بِناءِ ذَلِكَ الصَّرْحِ، والَّذِي عِنْدِي أنَّهُ بَعِيدٌ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنْ يُقالَ: فِرْعَوْنُ لا يَخْلُو إمّا أنْ يُقالَ: إنَّهُ كانَ مِنَ المَجانِينِ أوْ كانَ مِنَ العُقَلاءِ، فَإنْ قُلْنا: إنَّهُ كانَ مِنَ المَجانِينِ لَمْ يَجُزْ مِنَ اللَّهِ تَعالى إرْسالُ الرَّسُولِ إلَيْهِ؛ لِأنَّ العَقْلَ شَرْطٌ في التَّكْلِيفِ، ولَمْ يَجُزْ مِنَ اللَّهِ أنْ يَذْكُرَ حِكايَةَ كَلامِ مَجْنُونٍ في القُرْآنِ، وأمّا إنْ قُلْنا: إنَّهُ كانَ مِنَ العُقَلاءِ فَنَقُولُ: إنَّ كُلَّ عاقِلٍ يَعْلَمُ بِبَدِيهَةِ عَقْلِهِ أنَّهُ يَتَعَذَّرُ في قُدْرَةِ البَشَرِ وضْعُ بِناءٍ يَكُونُ أرْفَعَ مِنَ الجَبَلِ العالِي، ويَعْلَمُ أيْضًا بِبَدِيهَةِ عَقْلِهِ أنَّهُ لا يَتَفاوَتُ في البَصَرِ حالُ السَّماءِ بَيْنَ أنْ يَنْظُرَ إلَيْهِ مِن أسْفَلِ الجِبالِ وبَيْنَ أنْ يَنْظُرَ إلَيْهِ مِن أعْلى الجِبالِ، وإذا كانَ هَذانِ العِلْمانِ بَدِيهِيَّيْنِ امْتَنَعَ أنْ يَقْصِدَ العاقِلُ وضْعَ بِناءٍ يَصْعَدُ مِنهُ إلى السَّماءِ، وإذا كانَ فَسادُ هَذا مَعْلُومًا بِالضَّرُورَةِ امْتَنَعَ إسْنادُهُ إلى فِرْعَوْنَ، والَّذِي عِنْدِي في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ فِرْعَوْنَ كانَ مِنَ الدَّهْرِيَّةِ وغَرَضُهُ مِن ذِكْرِ هَذا الكَلامِ إيرادُ شُبْهَةٍ في نَفْيِ الصّانِعِ، وتَقْرِيرُهُ أنَّهُ قالَ: إنّا لا نَرى شَيْئًا نَحْكُمُ عَلَيْهِ بِأنَّهُ إلَهُ العالَمِ فَلَمْ يَجُزْ إثْباتُ هَذا الإلَهِ، أمّا إنَّهُ لا نَراهُ فَلِأنَّهُ لَوْ كانَ مَوْجُودًا لَكانَ في السَّماءِ ونَحْنُ لا سَبِيلَ لَنا إلى صُعُودِ السَّماواتِ فَكَيْفَ يُمْكِنُنا أنْ نَراهُ، ثُمَّ إنَّهُ لِأجْلِ المُبالَغَةِ في بَيانِ أنَّهُ لا يُمْكِنُهُ صُعُودُ السَّماواتِ قالَ: ﴿ياهامانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أبْلُغُ الأسْبابَ أسْبابَ﴾ والمَقْصُودُ أنَّهُ لَمّا عَرَفَ كُلُّ أحَدٍ أنَّ هَذا الطَّرِيقَ مُمْتَنِعٌ كانَ الوُصُولُ إلى مَعْرِفَةِ وُجُودِ اللَّهِ صفحة ٥٨ بِطَرِيقِ الحِسِّ مُمْتَنِعًا، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنِ اسْتَطَعْتَ أنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا في الأرْضِ أوْ سُلَّمًا في السَّماءِ فَتَأْتِيَهم بِآيَةٍ﴾ [الأنْعامِ: ٣٥] ولَيْسَ المُرادُ مِنهُ أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ طَلَبَ نَفَقًا في الأرْضِ أوْ وضَعَ سُلَّمًا إلى السَّماءِ، بَلِ المَعْنى أنَّهُ لَمّا عُرِفَ أنَّ هَذا المَعْنى مُمْتَنِعٌ فَقَدْ عُرِفَ أنَّهُ لا سَبِيلَ لَكَ إلى تَحْصِيلِ ذَلِكَ المَقْصُودِ، فَكَذا هاهُنا غَرَضُ فِرْعَوْنَ مِن قَوْلِهِ: ﴿ياهامانُ ابْنِ لِي صَرْحًا﴾ يَعْنِي أنَّ الِاطِّلاعَ عَلى إلَهِ مُوسى لَمّا كانَ لا سَبِيلَ إلَيْهِ إلّا بِهَذا الطَّرِيقِ وكانَ هَذا الطَّرِيقُ مُمْتَنِعًا، فَحِينَئِذٍ يَظْهَرُ مِنهُ أنَّهُ لا سَبِيلَ إلى مَعْرِفَةِ الإلَهِ الَّذِي يُثْبِتُهُ مُوسى. فَنَقُولُ: هَذا ما حَصَّلْتُهُ في هَذا البابِ. واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الشُّبْهَةَ فاسِدَةٌ؛ لِأنَّ طُرُقَ العِلْمِ ثَلاثَةٌ الحِسُّ والخَبَرُ والنَّظَرُ، ولا يَلْزَمُ مِنَ انْتِفاءِ طَرِيقٍ واحِدٍ وهو الحِسُّ انْتِفاءَ المَطْلُوبِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ قَدْ بَيَّنَ لِفِرْعَوْنَ أنَّ الطَّرِيقَ في مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى إنَّما هو الحُجَّةُ والدَّلِيلُ كَما قالَ: ﴿رَبُّكم ورَبُّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ﴾ (الشُّعَراءِ: ٢٨) إلّا أنَّ فِرْعَوْنَ لِخُبْثِهِ ومَكْرِهِ تَغافَلَ عَنْ ذَلِكَ الدَّلِيلِ، وألْقى إلى الجُهّالِ أنَّهُ لَمّا كانَ لا طَرِيقَ إلّا الإحْساسُ بِهَذا الإلَهِ وجَبَ نَفْيُهُ، فَهَذا ما عِنْدِي في هَذا البابِ، وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ والعِصْمَةُ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّهُ تَعالى خَلَقَ جَواهِرَ الأفْلاكِ وحَرَكاتِها بِحَيْثُ تَكُونُ هي الأسْبابُ لِحُدُوثِ الحَوادِثِ في هَذا العالَمِ الأسْفَلِ، واحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَعَلِّي أبْلُغُ الأسْبابَ أسْبابَ السَّماواتِ﴾ ومَعْلُومٌ أنَّها لَيْسَتْ أسْبابًا إلّا لِحَوادِثِ هَذا العالَمِ قالُوا: ويُؤَكِّدُ هَذا بِقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ ص: ﴿فَلْيَرْتَقُوا في الأسْبابِ﴾ [ص: ١٠] أمّا المُفَسِّرُونَ فَقَدْ ذَكَرُوا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَعَلِّي أبْلُغُ الأسْبابَ أسْبابَ السَّماواتِ﴾ أنَّ المُرادَ بِأسْبابِ السَّماواتِ طُرُقُها وأبْوابُها وما يُؤَدِّي إلَيْها، وكُلُّ ما أدّاكَ إلى شَيْءٍ فَهو سَبَبٌ كالرَّشادِ ونَحْوِهِ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَتِ اليَهُودُ: أطْبَقَ الباحِثُونَ عَنْ تَوارِيخِ بَنِي إسْرائِيلَ وفِرْعَوْنَ أنَّ هامانَ ما كانَ مَوْجُودًا البَتَّةَ في زَمانِ مُوسى وفِرْعَوْنَ وإنَّما جاءَ بَعْدَهُما بِزَمانٍ مَدِيدٍ ودَهْرٍ داهِرٍ، فالقَوْلُ بِأنَّ هامانَ كانَ مَوْجُودًا في زَمانِ فِرْعَوْنَ خَطَأٌ في التّارِيخِ، ولَيْسَ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنَّ وُجُودَ شَخْصٍ يُسَمّى بِهامانَ بَعْدَ زَمانِ فِرْعَوْنَ لا يَمْنَعُ مِن وُجُودِ شَخْصٍ آخَرَ يُسَمّى بِهَذا الِاسْمِ في زَمانِهِ، قالُوا: لِأنَّ هَذا الشَّخْصَ المُسَمّى بِهامانَ الَّذِي كانَ مَوْجُودًا في زَمانِ فِرْعَوْنَ ما كانَ شَخْصًا خَسِيسًا في حَضْرَةِ فِرْعَوْنَ بَلْ كانَ كالوَزِيرِ لَهُ، ومِثْلُ هَذا الشَّخْصِ لا يَكُونُ مَجْهُولَ الوَصْفِ والحِلْيَةِ، فَلَوْ كانَ مَوْجُودًا لَعُرِفَ حالُهُ، وحَيْثُ أطْبَقَ الباحِثُونَ عَنْ أحْوالِ فِرْعَوْنَ ومُوسى أنَّ الشَّخْصَ المُسَمّى بِهامانَ ما كانَ مَوْجُودًا في زَمانِ فِرْعَوْنَ وإنَّما جاءَ بَعْدَهُ بِأدْوارٍ عُلِمَ أنَّهُ غَلَطٌ وقَعَ في التَّوارِيخِ، قالُوا: ونَظِيرُ هَذا أنّا نَعْرِفُ في دِينِ الإسْلامِ أنَّ أبا حَنِيفَةَ إنَّما جاءَ بَعْدَ مُحَمَّدٍ ﷺ فَلَوْ أنَّ قائِلًا ادَّعى أنَّ أبا حَنِيفَةَ كانَ مَوْجُودًا في زَمانِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، وزَعَمَ أنَّهُ شَخْصٌ آخَرُ سِوى الأوَّلِ وهو أيْضًا يُسَمّى بِأبِي حَنِيفَةَ، فَإنَّ أصْحابَ التَّوارِيخِ يَقْطَعُونَ بِخَطَئِهِ فَكَذا هاهُنا. والجَوابُ: أنَّ تَوارِيخَ مُوسى وفِرْعَوْنَ قَدْ طالَ العَهْدُ بِها واضْطَرَبَتِ الأحْوالُ والأدْوارُ فَلَمْ يَبْقَ عَلى كَلامِ أهْلِ التَّوارِيخِ اعْتِمادٌ في هَذا البابِ، فَكانَ الأخْذُ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعالى أوْلى بِخِلافِ حالِ رَسُولِنا مَعَ أبِي حَنِيفَةَ فَإنَّ هَذِهِ التَّوارِيخَ قَرِيبَةٌ غَيْرُ مُضْطَرِبَةٍ، بَلْ هي مَضْبُوطَةٌ فَظَهَرَ الفَرْقُ بَيْنَ البابَيْنِ، فَهَذا جُمْلَةُ ما يَتَعَلَّقُ بِالمَباحِثِ المَعْنَوِيَّةِ في هَذِهِ الآيَةِ، وبَقِيَ ما يَتَعَلَّقُ بِالمَباحِثِ اللَّفْظِيَّةِ. قِيلَ: ”الصَّرْحُ“ البِناءُ الظّاهِرُ لا يَخْفى عَلى النّاظِرِ وإنْ بَعُدَ، اشْتَقُّوهُ مِن صَرْحِ الشَّيْءِ إذا ظَهَرَ و﴿أسْبابَ السَّماواتِ﴾ طُرُقُها، فَإنْ قِيلَ: ما فائِدَةُ هَذا التَّكْرِيرِ، لَوْ قِيلَ: لَعَلِّي أبْلُغُ أسْبابَ السَّماواتِ، كانَ صفحة ٥٩ كافِيًا؟ أجابَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ عَنْهُ فَقالَ: إذا أُبْهِمَ الشَّيْءُ ثُمَّ أُوضِحَ كانَ تَفْخِيمًا لِشَأْنِهِ، فَلَمّا أرادَ تَفْخِيمَ أسْبابِ السَّماواتِ أبْهَمَها ثُمَّ أوْضَحَها، وقَوْلُهُ: ﴿فَأطَّلِعَ إلى إلَهِ مُوسى﴾ قَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ ”فَأطَّلِعَ“ بِفَتْحِ العَيْنِ والباقُونَ بِالرَّفْعِ، قالَ المُبَرِّدُ: مَن رَفَعَ فَقَدْ عَطَفَهُ عَلى قَوْلِهِ: ﴿أبْلُغُ﴾ والتَّقْدِيرُ ﴿لَعَلِّي أبْلُغُ الأسْبابَ﴾ ثُمَّ أطَّلِعُ إلّا أنَّ حَرْفَ ثُمَّ أشَدُّ تَراخِيًا مِنَ الفاءِ، ومَن نَصَبَ جَعَلَهُ جَوابًا، والمَعْنى لَعَلِّي أبْلُغُ الأسْبابَ فَمَتى بَلَغْتُها أطَّلِعُ والمَعْنى مُخْتَلِفٌ؛ لِأنَّ الأوَّلَ: لَعَلِّي أطَّلِعُ، والثّانِي: لَعَلِّي أبْلُغُ وأنا ضامِنٌ أنِّي مَتى بَلَغْتُ فَلا بُدَّ وأنْ أطَّلِعَ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْ فِرْعَوْنَ هَذِهِ القِصَّةَ قالَ بَعْدَها: ﴿وكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ”وصُدَّ“ بِضَمِّ الصّادِ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: وبِهِ يُقْرَأُ؛ لِأنَّ ما قَبْلَهُ فِعْلٌ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ بِهِ فَجَعَلَ ما عُطِفَ عَلَيْهِ مِثْلُهُ، والباقُونَ ”وصَدَّ“ بِفَتْحِ الصّادِ عَلى أنَّهُ مَنَعَ النّاسَ عَنِ الإيمانِ، قالُوا: ومِن صَدِّهِ قَوْلُهُ ﴿لَأُقَطِّعَنَّ أيْدِيَكم وأرْجُلَكُمْ﴾ [الأعْرافِ: ١٢٤] ويُؤَيِّدُ هَذِهِ القِراءَةَ قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوكم عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ [الفَتْحِ: ٢٥] . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿زُيِّنَ﴾ لا بُدَّ لَهُ مِنَ المُزَيِّنِ، فَقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: إنَّهُ الشَّيْطانُ، فَقِيلَ لَهم: إنْ كانَ المُزَيِّنُ لِفِرْعَوْنَ هو الشَّيْطانُ، فالمُزَيِّنُ لِلشَّيْطانِ إنْ كانَ شَيْطانًا آخَرَ لَزِمَ إثْباتُ التَّسَلْسُلِ في الشَّياطِينِ أوِ الدَّوْرِ وهو مُحالٌ، ولَمّا بَطَلَ ذَلِكَ وجَبَ انْتِهاءُ الأسْبابِ والمُسَبِّباتِ في دَرَجاتِ الحاجاتِ إلى واجِبِ الوُجُودِ، وأيْضًا فَقَوْلُهُ ﴿زُيِّنَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ الشَّيْءَ إنْ لَمْ يَكُنْ في اعْتِقادِ الفاعِلِ مَوْصُوفًا بِأنَّهُ خَيْرٌ وزِينَةٌ وحُسْنٌ فَإنَّهُ لا يُقْدِمُ عَلَيْهِ، إلّا أنَّ ذَلِكَ الِاعْتِقادَ إنْ كانَ صَوابًا فَهو العِلْمُ، وإنْ كانَ خَطَأً فَهو الجَهْلُ، فَفاعِلُ ذَلِكَ الجَهْلِ لَيْسَ هو ذَلِكَ الإنْسانُ؛ لِأنَّ العاقِلَ لا يَقْصِدُ تَحْصِيلَ الجَهْلِ لِنَفْسِهِ، ولِأنَّهُ إنَّما يَقْصِدُ تَحْصِيلَ الجَهْلِ لِنَفْسِهِ إذا عَرَفَ كَوْنَهُ جَهْلًا، ومَتى عَرَفَ كَوْنَهُ جَهْلًا امْتَنَعَ بَقاؤُهُ جاهِلًا، فَثَبَتَ أنَّ فاعِلَ ذَلِكَ الجَهْلِ لَيْسَ هو ذَلِكَ الإنْسانُ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ فاعِلُهُ هو الشَّيْطانُ؛ لِأنَّ البَحْثَ الأوَّلَ بِعَيْنِهِ عائِدٌ فِيهِ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنْ يَكُونَ فاعِلُهُ هو اللَّهُ تَعالى. واللَّهُ أعْلَمُ. ويُقَوِّي ما قُلْناهُ أنَّ صاحِبَ ”الكَشّافِ“ نَقَلَ أنَّهُ قُرِئَ ”وزَيَّنَ لَهُ سُوءَ عَمَلِهِ“ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ والفِعْلُ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿إلى إلَهِ مُوسى﴾ . * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما كَيْدُ فِرْعَوْنَ إلّا في تَبابٍ﴾ والتَّبابُ الهَلاكُ والخُسْرانُ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما زادُوهم غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾ [هُودٍ: ١٠١] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ﴾ [المَسَدِ: ١] . واللَّهُ أعْلَمُ.

غافر 40:38

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَ فِرْعَوْنُ ياهامانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أبْلُغُ الأسْبابَ﴾ ﴿أسْبابَ السَّماواتِ فَأطَّلِعَ إلى إلَهِ مُوسى وإنِّي لَأظُنُّهُ كاذِبًا وكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وما كَيْدُ فِرْعَوْنَ إلّا في تَبابٍ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ فِرْعَوْنَ بِكَوْنِهِ مُتَكَبِّرًا جَبّارًا بَيَّنَ أنَّهُ أبْلَغَ في البَلادَةِ والحَماقَةِ إلى أنْ قَصَدَ الصُّعُودَ إلى السَّماواتِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: احْتَجَّ الجَمْعُ الكَثِيرُ مِنَ المُشَبِّهَةِ بِهَذِهِ الآيَةِ في إثْباتِ أنَّ اللَّهَ في السَّماواتِ وقَرَّرُوا ذَلِكَ مِن وُجُوهٍ؛ الأوَّلُ: أنَّ فِرْعَوْنَ كانَ مِنَ المُنْكِرِينَ لِوُجُودِ اللَّهِ، وكُلُّ ما يَذْكُرُهُ في صِفاتِ اللَّهِ تَعالى فَذَلِكَ إنَّما يَذْكُرُهُ لِأجْلِ أنَّهُ سَمِعَ أنَّ مُوسى يَصِفُ اللَّهَ بِذَلِكَ، فَهو أيْضًا يَذْكُرُهُ كَما سَمِعَهُ، فَلَوْلا أنَّهُ سَمِعَ مُوسى يَصِفُ اللَّهَ بِأنَّهُ مَوْجُودٌ في السَّماءِ وإلّا لَما طَلَبَهُ في السَّماءِ. الوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ قالَ: وإنِّي لَأظُنُّهُ كاذِبًا، ولَمْ يُبَيِّنْ أنَّهُ كاذِبٌ في ماذا، والمَذْكُورُ السّابِقُ مُتَعَيِّنٌ لِصَرْفِ الكَلامِ إلَيْهِ، فَكَأنَّ التَّقْدِيرَ: فَأطَّلِعَ إلى الإلَهِ الَّذِي يَزْعُمُ مُوسى أنَّهُ مَوْجُودٌ في السَّماءِ، ثُمَّ قالَ: ﴿وإنِّي لَأظُنُّهُ كاذِبًا﴾ أيْ وإنِّي لَأظُنُّ مُوسى كاذِبًا في ادِّعائِهِ أنَّ الإلَهَ مَوْجُودٌ في السَّماءِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ دِينَ مُوسى هو أنَّ الإلَهَ مَوْجُودٌ في السَّماءِ. الوَجْهُ الثّالِثُ: العِلْمُ بِأنَّهُ لَوْ وُجِدَ إلَهٌ لَكانَ مَوْجُودًا في السَّماءِ، عِلْمٌ بَدِيهِيٌّ مُتَقَرِّرٌ في كُلِّ العُقُولِ، ولِذَلِكَ فَإنَّ الصِّبْيانَ إذا تَضَرَّعُوا إلى اللَّهِ رَفَعُوا صفحة ٥٧ وُجُوهَهم وأيْدِيَهم إلى السَّماءِ، وإنَّ فِرْعَوْنَ مَعَ نِهايَةِ كُفْرِهِ لَمّا طَلَبَ الإلَهَ فَقَدْ طَلَبَهُ في السَّماءِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ العِلْمَ بِأنَّ الإلَهَ مَوْجُودٌ في السَّماءِ عِلْمٌ مُتَقَرِّرٌ في عَقْلِ الصِّدِّيقِ والزِّنْدِيقِ والمُلْحِدِ والعالِمِ والجاهِلِ. فَهَذا جُمْلَةُ اسْتِدْلالاتِ المُشَبِّهَةِ بِهَذِهِ الآيَةِ، والجَوابُ: أنَّ هَؤُلاءِ الجُهّالَ يَكْفِيهِمْ في كَمالِ الخِزْيِ والضَّلالِ أنْ جَعَلُوا قَوْلَ فِرْعَوْنَ اللَّعِينَ حُجَّةً لَهم عَلى صِحَّةِ دِينِهِمْ، وأمّا مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَإنَّهُ لَمْ يَزِدْ في تَعْرِيفِ إلَهِ العالَمِ عَلى ذِكْرِ صِفَةِ الخَلّاقِيَّةِ فَقالَ في سُورَةِ طه: ﴿رَبُّنا الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ [طه: ٥٠] وقالَ في سُورَةِ الشُّعَراءِ: ﴿رَبُّكم ورَبُّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ وما بَيْنَهُما﴾ [الشُّعَراءِ: ٢٨] فَظَهَرَ أنَّ تَعْرِيفَ ذاتِ اللَّهِ بِكَوْنِهِ في السَّماءِ دِينُ فِرْعَوْنَ وتَعْرِيفَهُ بِالخَلّاقِيَّةِ والمَوْجُودِيَّةِ دِينُ مُوسى، فَمَن قالَ بِالأوَّلِ كانَ عَلى دِينِ فِرْعَوْنَ، ومَن قالَ بِالثّانِي كانَ عَلى دِينِ مُوسى، ثُمَّ نَقُولُ: لا نُسَلِّمُ أنَّ كُلَّ ما يَقُولُهُ فِرْعَوْنُ في صِفاتِ اللَّهِ تَعالى فَذَلِكَ قَدْ سَمِعَهُ مِن مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، بَلْ لَعَلَّهُ كانَ عَلى دِينِ المُشَبِّهَةِ فَكانَ يَعْتَقِدُ أنَّ الإلَهَ لَوْ كانَ مَوْجُودًا لَكانَ حاصِلًا في السَّماءِ، فَهو إنَّما ذَكَرَ هَذا الِاعْتِقادَ مِن قِبَلِ نَفْسِهِ لا لِأجْلِ أنَّهُ قَدْ سَمِعَهُ مِن مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ. * * * وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وإنِّي لَأظُنُّهُ كاذِبًا﴾ فَنَقُولُ: لَعَلَّهُ لَمّا سَمِعَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الإسْراءِ: ١٠٢] ظَنَّ أنَّهُ عَنى بِهِ أنَّهُ رَبُّ السَّماواتِ، كَما يُقالُ لِلْواحِدِ مِنّا: إنَّهُ رَبُّ الدّارِ بِمَعْنى كَوْنِهِ ساكِنًا فِيهِ، فَلَمّا غَلَبَ عَلى ظَنِّهِ ذَلِكَ حَكى عَنْهُ، وهَذا لَيْسَ بِمُسْتَبْعَدٍ، فَإنَّ فِرْعَوْنَ كانَ بَلَغَ في الجَهْلِ والحَماقَةِ إلى حَيْثُ لا يَبْعُدُ نِسْبَةُ هَذا الخَيالِ إلَيْهِ، فَإنِ اسْتَبْعَدَ الخَصْمُ نِسْبَةَ هَذا الخَيالِ إلَيْهِ كانَ ذَلِكَ لائِقًا بِهِمْ؛ لِأنَّهم لَمّا كانُوا عَلى دِينِ فِرْعَوْنَ وجَبَ عَلَيْهِمْ تَعْظِيمُهُ. وأمّا قَوْلُهُ: إنَّ فِطْرَةَ فِرْعَوْنَ شَهِدَتْ بِأنَّ الإلَهَ لَوْ كانَ مَوْجُودًا لَكانَ في السَّماءِ، قُلْنا: نَحْنُ لا نُنْكِرُ أنَّ فِطْرَةَ أكْثَرِ النّاسِ تُخَيِّلُ إلَيْهِمْ صِحَّةَ ذَلِكَ لا سِيَّما مَن بَلَغَ في الحَماقَةِ إلى دَرَجَةِ فِرْعَوْنَ فَثَبَتَ أنَّ هَذا الكَلامَ ساقِطٌ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفَ النّاسُ في أنَّ فِرْعَوْنَ هَلْ قَصَدَ بِناءَ الصَّرْحِ لِيَصْعَدَ مِنهُ إلى السَّماءِ أمْ لا؟ أمّا الظّاهِرِيُّونَ مِنَ المُفَسِّرِينَ فَقَدْ قَطَعُوا بِذَلِكَ، وذَكَرُوا حِكايَةً طَوِيلَةً في كَيْفِيَّةِ بِناءِ ذَلِكَ الصَّرْحِ، والَّذِي عِنْدِي أنَّهُ بَعِيدٌ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنْ يُقالَ: فِرْعَوْنُ لا يَخْلُو إمّا أنْ يُقالَ: إنَّهُ كانَ مِنَ المَجانِينِ أوْ كانَ مِنَ العُقَلاءِ، فَإنْ قُلْنا: إنَّهُ كانَ مِنَ المَجانِينِ لَمْ يَجُزْ مِنَ اللَّهِ تَعالى إرْسالُ الرَّسُولِ إلَيْهِ؛ لِأنَّ العَقْلَ شَرْطٌ في التَّكْلِيفِ، ولَمْ يَجُزْ مِنَ اللَّهِ أنْ يَذْكُرَ حِكايَةَ كَلامِ مَجْنُونٍ في القُرْآنِ، وأمّا إنْ قُلْنا: إنَّهُ كانَ مِنَ العُقَلاءِ فَنَقُولُ: إنَّ كُلَّ عاقِلٍ يَعْلَمُ بِبَدِيهَةِ عَقْلِهِ أنَّهُ يَتَعَذَّرُ في قُدْرَةِ البَشَرِ وضْعُ بِناءٍ يَكُونُ أرْفَعَ مِنَ الجَبَلِ العالِي، ويَعْلَمُ أيْضًا بِبَدِيهَةِ عَقْلِهِ أنَّهُ لا يَتَفاوَتُ في البَصَرِ حالُ السَّماءِ بَيْنَ أنْ يَنْظُرَ إلَيْهِ مِن أسْفَلِ الجِبالِ وبَيْنَ أنْ يَنْظُرَ إلَيْهِ مِن أعْلى الجِبالِ، وإذا كانَ هَذانِ العِلْمانِ بَدِيهِيَّيْنِ امْتَنَعَ أنْ يَقْصِدَ العاقِلُ وضْعَ بِناءٍ يَصْعَدُ مِنهُ إلى السَّماءِ، وإذا كانَ فَسادُ هَذا مَعْلُومًا بِالضَّرُورَةِ امْتَنَعَ إسْنادُهُ إلى فِرْعَوْنَ، والَّذِي عِنْدِي في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ فِرْعَوْنَ كانَ مِنَ الدَّهْرِيَّةِ وغَرَضُهُ مِن ذِكْرِ هَذا الكَلامِ إيرادُ شُبْهَةٍ في نَفْيِ الصّانِعِ، وتَقْرِيرُهُ أنَّهُ قالَ: إنّا لا نَرى شَيْئًا نَحْكُمُ عَلَيْهِ بِأنَّهُ إلَهُ العالَمِ فَلَمْ يَجُزْ إثْباتُ هَذا الإلَهِ، أمّا إنَّهُ لا نَراهُ فَلِأنَّهُ لَوْ كانَ مَوْجُودًا لَكانَ في السَّماءِ ونَحْنُ لا سَبِيلَ لَنا إلى صُعُودِ السَّماواتِ فَكَيْفَ يُمْكِنُنا أنْ نَراهُ، ثُمَّ إنَّهُ لِأجْلِ المُبالَغَةِ في بَيانِ أنَّهُ لا يُمْكِنُهُ صُعُودُ السَّماواتِ قالَ: ﴿ياهامانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أبْلُغُ الأسْبابَ أسْبابَ﴾ والمَقْصُودُ أنَّهُ لَمّا عَرَفَ كُلُّ أحَدٍ أنَّ هَذا الطَّرِيقَ مُمْتَنِعٌ كانَ الوُصُولُ إلى مَعْرِفَةِ وُجُودِ اللَّهِ صفحة ٥٨ بِطَرِيقِ الحِسِّ مُمْتَنِعًا، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنِ اسْتَطَعْتَ أنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا في الأرْضِ أوْ سُلَّمًا في السَّماءِ فَتَأْتِيَهم بِآيَةٍ﴾ [الأنْعامِ: ٣٥] ولَيْسَ المُرادُ مِنهُ أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ طَلَبَ نَفَقًا في الأرْضِ أوْ وضَعَ سُلَّمًا إلى السَّماءِ، بَلِ المَعْنى أنَّهُ لَمّا عُرِفَ أنَّ هَذا المَعْنى مُمْتَنِعٌ فَقَدْ عُرِفَ أنَّهُ لا سَبِيلَ لَكَ إلى تَحْصِيلِ ذَلِكَ المَقْصُودِ، فَكَذا هاهُنا غَرَضُ فِرْعَوْنَ مِن قَوْلِهِ: ﴿ياهامانُ ابْنِ لِي صَرْحًا﴾ يَعْنِي أنَّ الِاطِّلاعَ عَلى إلَهِ مُوسى لَمّا كانَ لا سَبِيلَ إلَيْهِ إلّا بِهَذا الطَّرِيقِ وكانَ هَذا الطَّرِيقُ مُمْتَنِعًا، فَحِينَئِذٍ يَظْهَرُ مِنهُ أنَّهُ لا سَبِيلَ إلى مَعْرِفَةِ الإلَهِ الَّذِي يُثْبِتُهُ مُوسى. فَنَقُولُ: هَذا ما حَصَّلْتُهُ في هَذا البابِ. واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الشُّبْهَةَ فاسِدَةٌ؛ لِأنَّ طُرُقَ العِلْمِ ثَلاثَةٌ الحِسُّ والخَبَرُ والنَّظَرُ، ولا يَلْزَمُ مِنَ انْتِفاءِ طَرِيقٍ واحِدٍ وهو الحِسُّ انْتِفاءَ المَطْلُوبِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ قَدْ بَيَّنَ لِفِرْعَوْنَ أنَّ الطَّرِيقَ في مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى إنَّما هو الحُجَّةُ والدَّلِيلُ كَما قالَ: ﴿رَبُّكم ورَبُّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ﴾ (الشُّعَراءِ: ٢٨) إلّا أنَّ فِرْعَوْنَ لِخُبْثِهِ ومَكْرِهِ تَغافَلَ عَنْ ذَلِكَ الدَّلِيلِ، وألْقى إلى الجُهّالِ أنَّهُ لَمّا كانَ لا طَرِيقَ إلّا الإحْساسُ بِهَذا الإلَهِ وجَبَ نَفْيُهُ، فَهَذا ما عِنْدِي في هَذا البابِ، وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ والعِصْمَةُ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّهُ تَعالى خَلَقَ جَواهِرَ الأفْلاكِ وحَرَكاتِها بِحَيْثُ تَكُونُ هي الأسْبابُ لِحُدُوثِ الحَوادِثِ في هَذا العالَمِ الأسْفَلِ، واحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَعَلِّي أبْلُغُ الأسْبابَ أسْبابَ السَّماواتِ﴾ ومَعْلُومٌ أنَّها لَيْسَتْ أسْبابًا إلّا لِحَوادِثِ هَذا العالَمِ قالُوا: ويُؤَكِّدُ هَذا بِقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ ص: ﴿فَلْيَرْتَقُوا في الأسْبابِ﴾ [ص: ١٠] أمّا المُفَسِّرُونَ فَقَدْ ذَكَرُوا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَعَلِّي أبْلُغُ الأسْبابَ أسْبابَ السَّماواتِ﴾ أنَّ المُرادَ بِأسْبابِ السَّماواتِ طُرُقُها وأبْوابُها وما يُؤَدِّي إلَيْها، وكُلُّ ما أدّاكَ إلى شَيْءٍ فَهو سَبَبٌ كالرَّشادِ ونَحْوِهِ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَتِ اليَهُودُ: أطْبَقَ الباحِثُونَ عَنْ تَوارِيخِ بَنِي إسْرائِيلَ وفِرْعَوْنَ أنَّ هامانَ ما كانَ مَوْجُودًا البَتَّةَ في زَمانِ مُوسى وفِرْعَوْنَ وإنَّما جاءَ بَعْدَهُما بِزَمانٍ مَدِيدٍ ودَهْرٍ داهِرٍ، فالقَوْلُ بِأنَّ هامانَ كانَ مَوْجُودًا في زَمانِ فِرْعَوْنَ خَطَأٌ في التّارِيخِ، ولَيْسَ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنَّ وُجُودَ شَخْصٍ يُسَمّى بِهامانَ بَعْدَ زَمانِ فِرْعَوْنَ لا يَمْنَعُ مِن وُجُودِ شَخْصٍ آخَرَ يُسَمّى بِهَذا الِاسْمِ في زَمانِهِ، قالُوا: لِأنَّ هَذا الشَّخْصَ المُسَمّى بِهامانَ الَّذِي كانَ مَوْجُودًا في زَمانِ فِرْعَوْنَ ما كانَ شَخْصًا خَسِيسًا في حَضْرَةِ فِرْعَوْنَ بَلْ كانَ كالوَزِيرِ لَهُ، ومِثْلُ هَذا الشَّخْصِ لا يَكُونُ مَجْهُولَ الوَصْفِ والحِلْيَةِ، فَلَوْ كانَ مَوْجُودًا لَعُرِفَ حالُهُ، وحَيْثُ أطْبَقَ الباحِثُونَ عَنْ أحْوالِ فِرْعَوْنَ ومُوسى أنَّ الشَّخْصَ المُسَمّى بِهامانَ ما كانَ مَوْجُودًا في زَمانِ فِرْعَوْنَ وإنَّما جاءَ بَعْدَهُ بِأدْوارٍ عُلِمَ أنَّهُ غَلَطٌ وقَعَ في التَّوارِيخِ، قالُوا: ونَظِيرُ هَذا أنّا نَعْرِفُ في دِينِ الإسْلامِ أنَّ أبا حَنِيفَةَ إنَّما جاءَ بَعْدَ مُحَمَّدٍ ﷺ فَلَوْ أنَّ قائِلًا ادَّعى أنَّ أبا حَنِيفَةَ كانَ مَوْجُودًا في زَمانِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، وزَعَمَ أنَّهُ شَخْصٌ آخَرُ سِوى الأوَّلِ وهو أيْضًا يُسَمّى بِأبِي حَنِيفَةَ، فَإنَّ أصْحابَ التَّوارِيخِ يَقْطَعُونَ بِخَطَئِهِ فَكَذا هاهُنا. والجَوابُ: أنَّ تَوارِيخَ مُوسى وفِرْعَوْنَ قَدْ طالَ العَهْدُ بِها واضْطَرَبَتِ الأحْوالُ والأدْوارُ فَلَمْ يَبْقَ عَلى كَلامِ أهْلِ التَّوارِيخِ اعْتِمادٌ في هَذا البابِ، فَكانَ الأخْذُ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعالى أوْلى بِخِلافِ حالِ رَسُولِنا مَعَ أبِي حَنِيفَةَ فَإنَّ هَذِهِ التَّوارِيخَ قَرِيبَةٌ غَيْرُ مُضْطَرِبَةٍ، بَلْ هي مَضْبُوطَةٌ فَظَهَرَ الفَرْقُ بَيْنَ البابَيْنِ، فَهَذا جُمْلَةُ ما يَتَعَلَّقُ بِالمَباحِثِ المَعْنَوِيَّةِ في هَذِهِ الآيَةِ، وبَقِيَ ما يَتَعَلَّقُ بِالمَباحِثِ اللَّفْظِيَّةِ. قِيلَ: ”الصَّرْحُ“ البِناءُ الظّاهِرُ لا يَخْفى عَلى النّاظِرِ وإنْ بَعُدَ، اشْتَقُّوهُ مِن صَرْحِ الشَّيْءِ إذا ظَهَرَ و﴿أسْبابَ السَّماواتِ﴾ طُرُقُها، فَإنْ قِيلَ: ما فائِدَةُ هَذا التَّكْرِيرِ، لَوْ قِيلَ: لَعَلِّي أبْلُغُ أسْبابَ السَّماواتِ، كانَ صفحة ٥٩ كافِيًا؟ أجابَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ عَنْهُ فَقالَ: إذا أُبْهِمَ الشَّيْءُ ثُمَّ أُوضِحَ كانَ تَفْخِيمًا لِشَأْنِهِ، فَلَمّا أرادَ تَفْخِيمَ أسْبابِ السَّماواتِ أبْهَمَها ثُمَّ أوْضَحَها، وقَوْلُهُ: ﴿فَأطَّلِعَ إلى إلَهِ مُوسى﴾ قَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ ”فَأطَّلِعَ“ بِفَتْحِ العَيْنِ والباقُونَ بِالرَّفْعِ، قالَ المُبَرِّدُ: مَن رَفَعَ فَقَدْ عَطَفَهُ عَلى قَوْلِهِ: ﴿أبْلُغُ﴾ والتَّقْدِيرُ ﴿لَعَلِّي أبْلُغُ الأسْبابَ﴾ ثُمَّ أطَّلِعُ إلّا أنَّ حَرْفَ ثُمَّ أشَدُّ تَراخِيًا مِنَ الفاءِ، ومَن نَصَبَ جَعَلَهُ جَوابًا، والمَعْنى لَعَلِّي أبْلُغُ الأسْبابَ فَمَتى بَلَغْتُها أطَّلِعُ والمَعْنى مُخْتَلِفٌ؛ لِأنَّ الأوَّلَ: لَعَلِّي أطَّلِعُ، والثّانِي: لَعَلِّي أبْلُغُ وأنا ضامِنٌ أنِّي مَتى بَلَغْتُ فَلا بُدَّ وأنْ أطَّلِعَ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْ فِرْعَوْنَ هَذِهِ القِصَّةَ قالَ بَعْدَها: ﴿وكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ”وصُدَّ“ بِضَمِّ الصّادِ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: وبِهِ يُقْرَأُ؛ لِأنَّ ما قَبْلَهُ فِعْلٌ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ بِهِ فَجَعَلَ ما عُطِفَ عَلَيْهِ مِثْلُهُ، والباقُونَ ”وصَدَّ“ بِفَتْحِ الصّادِ عَلى أنَّهُ مَنَعَ النّاسَ عَنِ الإيمانِ، قالُوا: ومِن صَدِّهِ قَوْلُهُ ﴿لَأُقَطِّعَنَّ أيْدِيَكم وأرْجُلَكُمْ﴾ [الأعْرافِ: ١٢٤] ويُؤَيِّدُ هَذِهِ القِراءَةَ قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوكم عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ [الفَتْحِ: ٢٥] . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿زُيِّنَ﴾ لا بُدَّ لَهُ مِنَ المُزَيِّنِ، فَقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: إنَّهُ الشَّيْطانُ، فَقِيلَ لَهم: إنْ كانَ المُزَيِّنُ لِفِرْعَوْنَ هو الشَّيْطانُ، فالمُزَيِّنُ لِلشَّيْطانِ إنْ كانَ شَيْطانًا آخَرَ لَزِمَ إثْباتُ التَّسَلْسُلِ في الشَّياطِينِ أوِ الدَّوْرِ وهو مُحالٌ، ولَمّا بَطَلَ ذَلِكَ وجَبَ انْتِهاءُ الأسْبابِ والمُسَبِّباتِ في دَرَجاتِ الحاجاتِ إلى واجِبِ الوُجُودِ، وأيْضًا فَقَوْلُهُ ﴿زُيِّنَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ الشَّيْءَ إنْ لَمْ يَكُنْ في اعْتِقادِ الفاعِلِ مَوْصُوفًا بِأنَّهُ خَيْرٌ وزِينَةٌ وحُسْنٌ فَإنَّهُ لا يُقْدِمُ عَلَيْهِ، إلّا أنَّ ذَلِكَ الِاعْتِقادَ إنْ كانَ صَوابًا فَهو العِلْمُ، وإنْ كانَ خَطَأً فَهو الجَهْلُ، فَفاعِلُ ذَلِكَ الجَهْلِ لَيْسَ هو ذَلِكَ الإنْسانُ؛ لِأنَّ العاقِلَ لا يَقْصِدُ تَحْصِيلَ الجَهْلِ لِنَفْسِهِ، ولِأنَّهُ إنَّما يَقْصِدُ تَحْصِيلَ الجَهْلِ لِنَفْسِهِ إذا عَرَفَ كَوْنَهُ جَهْلًا، ومَتى عَرَفَ كَوْنَهُ جَهْلًا امْتَنَعَ بَقاؤُهُ جاهِلًا، فَثَبَتَ أنَّ فاعِلَ ذَلِكَ الجَهْلِ لَيْسَ هو ذَلِكَ الإنْسانُ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ فاعِلُهُ هو الشَّيْطانُ؛ لِأنَّ البَحْثَ الأوَّلَ بِعَيْنِهِ عائِدٌ فِيهِ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنْ يَكُونَ فاعِلُهُ هو اللَّهُ تَعالى. واللَّهُ أعْلَمُ. ويُقَوِّي ما قُلْناهُ أنَّ صاحِبَ ”الكَشّافِ“ نَقَلَ أنَّهُ قُرِئَ ”وزَيَّنَ لَهُ سُوءَ عَمَلِهِ“ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ والفِعْلُ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿إلى إلَهِ مُوسى﴾ . * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما كَيْدُ فِرْعَوْنَ إلّا في تَبابٍ﴾ والتَّبابُ الهَلاكُ والخُسْرانُ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما زادُوهم غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾ [هُودٍ: ١٠١] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ﴾ [المَسَدِ: ١] . واللَّهُ أعْلَمُ.

غافر 40:39

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَ فِرْعَوْنُ ياهامانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أبْلُغُ الأسْبابَ﴾ ﴿أسْبابَ السَّماواتِ فَأطَّلِعَ إلى إلَهِ مُوسى وإنِّي لَأظُنُّهُ كاذِبًا وكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وما كَيْدُ فِرْعَوْنَ إلّا في تَبابٍ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ فِرْعَوْنَ بِكَوْنِهِ مُتَكَبِّرًا جَبّارًا بَيَّنَ أنَّهُ أبْلَغَ في البَلادَةِ والحَماقَةِ إلى أنْ قَصَدَ الصُّعُودَ إلى السَّماواتِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: احْتَجَّ الجَمْعُ الكَثِيرُ مِنَ المُشَبِّهَةِ بِهَذِهِ الآيَةِ في إثْباتِ أنَّ اللَّهَ في السَّماواتِ وقَرَّرُوا ذَلِكَ مِن وُجُوهٍ؛ الأوَّلُ: أنَّ فِرْعَوْنَ كانَ مِنَ المُنْكِرِينَ لِوُجُودِ اللَّهِ، وكُلُّ ما يَذْكُرُهُ في صِفاتِ اللَّهِ تَعالى فَذَلِكَ إنَّما يَذْكُرُهُ لِأجْلِ أنَّهُ سَمِعَ أنَّ مُوسى يَصِفُ اللَّهَ بِذَلِكَ، فَهو أيْضًا يَذْكُرُهُ كَما سَمِعَهُ، فَلَوْلا أنَّهُ سَمِعَ مُوسى يَصِفُ اللَّهَ بِأنَّهُ مَوْجُودٌ في السَّماءِ وإلّا لَما طَلَبَهُ في السَّماءِ. الوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ قالَ: وإنِّي لَأظُنُّهُ كاذِبًا، ولَمْ يُبَيِّنْ أنَّهُ كاذِبٌ في ماذا، والمَذْكُورُ السّابِقُ مُتَعَيِّنٌ لِصَرْفِ الكَلامِ إلَيْهِ، فَكَأنَّ التَّقْدِيرَ: فَأطَّلِعَ إلى الإلَهِ الَّذِي يَزْعُمُ مُوسى أنَّهُ مَوْجُودٌ في السَّماءِ، ثُمَّ قالَ: ﴿وإنِّي لَأظُنُّهُ كاذِبًا﴾ أيْ وإنِّي لَأظُنُّ مُوسى كاذِبًا في ادِّعائِهِ أنَّ الإلَهَ مَوْجُودٌ في السَّماءِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ دِينَ مُوسى هو أنَّ الإلَهَ مَوْجُودٌ في السَّماءِ. الوَجْهُ الثّالِثُ: العِلْمُ بِأنَّهُ لَوْ وُجِدَ إلَهٌ لَكانَ مَوْجُودًا في السَّماءِ، عِلْمٌ بَدِيهِيٌّ مُتَقَرِّرٌ في كُلِّ العُقُولِ، ولِذَلِكَ فَإنَّ الصِّبْيانَ إذا تَضَرَّعُوا إلى اللَّهِ رَفَعُوا صفحة ٥٧ وُجُوهَهم وأيْدِيَهم إلى السَّماءِ، وإنَّ فِرْعَوْنَ مَعَ نِهايَةِ كُفْرِهِ لَمّا طَلَبَ الإلَهَ فَقَدْ طَلَبَهُ في السَّماءِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ العِلْمَ بِأنَّ الإلَهَ مَوْجُودٌ في السَّماءِ عِلْمٌ مُتَقَرِّرٌ في عَقْلِ الصِّدِّيقِ والزِّنْدِيقِ والمُلْحِدِ والعالِمِ والجاهِلِ. فَهَذا جُمْلَةُ اسْتِدْلالاتِ المُشَبِّهَةِ بِهَذِهِ الآيَةِ، والجَوابُ: أنَّ هَؤُلاءِ الجُهّالَ يَكْفِيهِمْ في كَمالِ الخِزْيِ والضَّلالِ أنْ جَعَلُوا قَوْلَ فِرْعَوْنَ اللَّعِينَ حُجَّةً لَهم عَلى صِحَّةِ دِينِهِمْ، وأمّا مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَإنَّهُ لَمْ يَزِدْ في تَعْرِيفِ إلَهِ العالَمِ عَلى ذِكْرِ صِفَةِ الخَلّاقِيَّةِ فَقالَ في سُورَةِ طه: ﴿رَبُّنا الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ [طه: ٥٠] وقالَ في سُورَةِ الشُّعَراءِ: ﴿رَبُّكم ورَبُّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ وما بَيْنَهُما﴾ [الشُّعَراءِ: ٢٨] فَظَهَرَ أنَّ تَعْرِيفَ ذاتِ اللَّهِ بِكَوْنِهِ في السَّماءِ دِينُ فِرْعَوْنَ وتَعْرِيفَهُ بِالخَلّاقِيَّةِ والمَوْجُودِيَّةِ دِينُ مُوسى، فَمَن قالَ بِالأوَّلِ كانَ عَلى دِينِ فِرْعَوْنَ، ومَن قالَ بِالثّانِي كانَ عَلى دِينِ مُوسى، ثُمَّ نَقُولُ: لا نُسَلِّمُ أنَّ كُلَّ ما يَقُولُهُ فِرْعَوْنُ في صِفاتِ اللَّهِ تَعالى فَذَلِكَ قَدْ سَمِعَهُ مِن مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، بَلْ لَعَلَّهُ كانَ عَلى دِينِ المُشَبِّهَةِ فَكانَ يَعْتَقِدُ أنَّ الإلَهَ لَوْ كانَ مَوْجُودًا لَكانَ حاصِلًا في السَّماءِ، فَهو إنَّما ذَكَرَ هَذا الِاعْتِقادَ مِن قِبَلِ نَفْسِهِ لا لِأجْلِ أنَّهُ قَدْ سَمِعَهُ مِن مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ. * * * وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وإنِّي لَأظُنُّهُ كاذِبًا﴾ فَنَقُولُ: لَعَلَّهُ لَمّا سَمِعَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الإسْراءِ: ١٠٢] ظَنَّ أنَّهُ عَنى بِهِ أنَّهُ رَبُّ السَّماواتِ، كَما يُقالُ لِلْواحِدِ مِنّا: إنَّهُ رَبُّ الدّارِ بِمَعْنى كَوْنِهِ ساكِنًا فِيهِ، فَلَمّا غَلَبَ عَلى ظَنِّهِ ذَلِكَ حَكى عَنْهُ، وهَذا لَيْسَ بِمُسْتَبْعَدٍ، فَإنَّ فِرْعَوْنَ كانَ بَلَغَ في الجَهْلِ والحَماقَةِ إلى حَيْثُ لا يَبْعُدُ نِسْبَةُ هَذا الخَيالِ إلَيْهِ، فَإنِ اسْتَبْعَدَ الخَصْمُ نِسْبَةَ هَذا الخَيالِ إلَيْهِ كانَ ذَلِكَ لائِقًا بِهِمْ؛ لِأنَّهم لَمّا كانُوا عَلى دِينِ فِرْعَوْنَ وجَبَ عَلَيْهِمْ تَعْظِيمُهُ. وأمّا قَوْلُهُ: إنَّ فِطْرَةَ فِرْعَوْنَ شَهِدَتْ بِأنَّ الإلَهَ لَوْ كانَ مَوْجُودًا لَكانَ في السَّماءِ، قُلْنا: نَحْنُ لا نُنْكِرُ أنَّ فِطْرَةَ أكْثَرِ النّاسِ تُخَيِّلُ إلَيْهِمْ صِحَّةَ ذَلِكَ لا سِيَّما مَن بَلَغَ في الحَماقَةِ إلى دَرَجَةِ فِرْعَوْنَ فَثَبَتَ أنَّ هَذا الكَلامَ ساقِطٌ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفَ النّاسُ في أنَّ فِرْعَوْنَ هَلْ قَصَدَ بِناءَ الصَّرْحِ لِيَصْعَدَ مِنهُ إلى السَّماءِ أمْ لا؟ أمّا الظّاهِرِيُّونَ مِنَ المُفَسِّرِينَ فَقَدْ قَطَعُوا بِذَلِكَ، وذَكَرُوا حِكايَةً طَوِيلَةً في كَيْفِيَّةِ بِناءِ ذَلِكَ الصَّرْحِ، والَّذِي عِنْدِي أنَّهُ بَعِيدٌ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنْ يُقالَ: فِرْعَوْنُ لا يَخْلُو إمّا أنْ يُقالَ: إنَّهُ كانَ مِنَ المَجانِينِ أوْ كانَ مِنَ العُقَلاءِ، فَإنْ قُلْنا: إنَّهُ كانَ مِنَ المَجانِينِ لَمْ يَجُزْ مِنَ اللَّهِ تَعالى إرْسالُ الرَّسُولِ إلَيْهِ؛ لِأنَّ العَقْلَ شَرْطٌ في التَّكْلِيفِ، ولَمْ يَجُزْ مِنَ اللَّهِ أنْ يَذْكُرَ حِكايَةَ كَلامِ مَجْنُونٍ في القُرْآنِ، وأمّا إنْ قُلْنا: إنَّهُ كانَ مِنَ العُقَلاءِ فَنَقُولُ: إنَّ كُلَّ عاقِلٍ يَعْلَمُ بِبَدِيهَةِ عَقْلِهِ أنَّهُ يَتَعَذَّرُ في قُدْرَةِ البَشَرِ وضْعُ بِناءٍ يَكُونُ أرْفَعَ مِنَ الجَبَلِ العالِي، ويَعْلَمُ أيْضًا بِبَدِيهَةِ عَقْلِهِ أنَّهُ لا يَتَفاوَتُ في البَصَرِ حالُ السَّماءِ بَيْنَ أنْ يَنْظُرَ إلَيْهِ مِن أسْفَلِ الجِبالِ وبَيْنَ أنْ يَنْظُرَ إلَيْهِ مِن أعْلى الجِبالِ، وإذا كانَ هَذانِ العِلْمانِ بَدِيهِيَّيْنِ امْتَنَعَ أنْ يَقْصِدَ العاقِلُ وضْعَ بِناءٍ يَصْعَدُ مِنهُ إلى السَّماءِ، وإذا كانَ فَسادُ هَذا مَعْلُومًا بِالضَّرُورَةِ امْتَنَعَ إسْنادُهُ إلى فِرْعَوْنَ، والَّذِي عِنْدِي في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ فِرْعَوْنَ كانَ مِنَ الدَّهْرِيَّةِ وغَرَضُهُ مِن ذِكْرِ هَذا الكَلامِ إيرادُ شُبْهَةٍ في نَفْيِ الصّانِعِ، وتَقْرِيرُهُ أنَّهُ قالَ: إنّا لا نَرى شَيْئًا نَحْكُمُ عَلَيْهِ بِأنَّهُ إلَهُ العالَمِ فَلَمْ يَجُزْ إثْباتُ هَذا الإلَهِ، أمّا إنَّهُ لا نَراهُ فَلِأنَّهُ لَوْ كانَ مَوْجُودًا لَكانَ في السَّماءِ ونَحْنُ لا سَبِيلَ لَنا إلى صُعُودِ السَّماواتِ فَكَيْفَ يُمْكِنُنا أنْ نَراهُ، ثُمَّ إنَّهُ لِأجْلِ المُبالَغَةِ في بَيانِ أنَّهُ لا يُمْكِنُهُ صُعُودُ السَّماواتِ قالَ: ﴿ياهامانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أبْلُغُ الأسْبابَ أسْبابَ﴾ والمَقْصُودُ أنَّهُ لَمّا عَرَفَ كُلُّ أحَدٍ أنَّ هَذا الطَّرِيقَ مُمْتَنِعٌ كانَ الوُصُولُ إلى مَعْرِفَةِ وُجُودِ اللَّهِ صفحة ٥٨ بِطَرِيقِ الحِسِّ مُمْتَنِعًا، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنِ اسْتَطَعْتَ أنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا في الأرْضِ أوْ سُلَّمًا في السَّماءِ فَتَأْتِيَهم بِآيَةٍ﴾ [الأنْعامِ: ٣٥] ولَيْسَ المُرادُ مِنهُ أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ طَلَبَ نَفَقًا في الأرْضِ أوْ وضَعَ سُلَّمًا إلى السَّماءِ، بَلِ المَعْنى أنَّهُ لَمّا عُرِفَ أنَّ هَذا المَعْنى مُمْتَنِعٌ فَقَدْ عُرِفَ أنَّهُ لا سَبِيلَ لَكَ إلى تَحْصِيلِ ذَلِكَ المَقْصُودِ، فَكَذا هاهُنا غَرَضُ فِرْعَوْنَ مِن قَوْلِهِ: ﴿ياهامانُ ابْنِ لِي صَرْحًا﴾ يَعْنِي أنَّ الِاطِّلاعَ عَلى إلَهِ مُوسى لَمّا كانَ لا سَبِيلَ إلَيْهِ إلّا بِهَذا الطَّرِيقِ وكانَ هَذا الطَّرِيقُ مُمْتَنِعًا، فَحِينَئِذٍ يَظْهَرُ مِنهُ أنَّهُ لا سَبِيلَ إلى مَعْرِفَةِ الإلَهِ الَّذِي يُثْبِتُهُ مُوسى. فَنَقُولُ: هَذا ما حَصَّلْتُهُ في هَذا البابِ. واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الشُّبْهَةَ فاسِدَةٌ؛ لِأنَّ طُرُقَ العِلْمِ ثَلاثَةٌ الحِسُّ والخَبَرُ والنَّظَرُ، ولا يَلْزَمُ مِنَ انْتِفاءِ طَرِيقٍ واحِدٍ وهو الحِسُّ انْتِفاءَ المَطْلُوبِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ قَدْ بَيَّنَ لِفِرْعَوْنَ أنَّ الطَّرِيقَ في مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى إنَّما هو الحُجَّةُ والدَّلِيلُ كَما قالَ: ﴿رَبُّكم ورَبُّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ﴾ (الشُّعَراءِ: ٢٨) إلّا أنَّ فِرْعَوْنَ لِخُبْثِهِ ومَكْرِهِ تَغافَلَ عَنْ ذَلِكَ الدَّلِيلِ، وألْقى إلى الجُهّالِ أنَّهُ لَمّا كانَ لا طَرِيقَ إلّا الإحْساسُ بِهَذا الإلَهِ وجَبَ نَفْيُهُ، فَهَذا ما عِنْدِي في هَذا البابِ، وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ والعِصْمَةُ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّهُ تَعالى خَلَقَ جَواهِرَ الأفْلاكِ وحَرَكاتِها بِحَيْثُ تَكُونُ هي الأسْبابُ لِحُدُوثِ الحَوادِثِ في هَذا العالَمِ الأسْفَلِ، واحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَعَلِّي أبْلُغُ الأسْبابَ أسْبابَ السَّماواتِ﴾ ومَعْلُومٌ أنَّها لَيْسَتْ أسْبابًا إلّا لِحَوادِثِ هَذا العالَمِ قالُوا: ويُؤَكِّدُ هَذا بِقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ ص: ﴿فَلْيَرْتَقُوا في الأسْبابِ﴾ [ص: ١٠] أمّا المُفَسِّرُونَ فَقَدْ ذَكَرُوا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَعَلِّي أبْلُغُ الأسْبابَ أسْبابَ السَّماواتِ﴾ أنَّ المُرادَ بِأسْبابِ السَّماواتِ طُرُقُها وأبْوابُها وما يُؤَدِّي إلَيْها، وكُلُّ ما أدّاكَ إلى شَيْءٍ فَهو سَبَبٌ كالرَّشادِ ونَحْوِهِ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَتِ اليَهُودُ: أطْبَقَ الباحِثُونَ عَنْ تَوارِيخِ بَنِي إسْرائِيلَ وفِرْعَوْنَ أنَّ هامانَ ما كانَ مَوْجُودًا البَتَّةَ في زَمانِ مُوسى وفِرْعَوْنَ وإنَّما جاءَ بَعْدَهُما بِزَمانٍ مَدِيدٍ ودَهْرٍ داهِرٍ، فالقَوْلُ بِأنَّ هامانَ كانَ مَوْجُودًا في زَمانِ فِرْعَوْنَ خَطَأٌ في التّارِيخِ، ولَيْسَ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنَّ وُجُودَ شَخْصٍ يُسَمّى بِهامانَ بَعْدَ زَمانِ فِرْعَوْنَ لا يَمْنَعُ مِن وُجُودِ شَخْصٍ آخَرَ يُسَمّى بِهَذا الِاسْمِ في زَمانِهِ، قالُوا: لِأنَّ هَذا الشَّخْصَ المُسَمّى بِهامانَ الَّذِي كانَ مَوْجُودًا في زَمانِ فِرْعَوْنَ ما كانَ شَخْصًا خَسِيسًا في حَضْرَةِ فِرْعَوْنَ بَلْ كانَ كالوَزِيرِ لَهُ، ومِثْلُ هَذا الشَّخْصِ لا يَكُونُ مَجْهُولَ الوَصْفِ والحِلْيَةِ، فَلَوْ كانَ مَوْجُودًا لَعُرِفَ حالُهُ، وحَيْثُ أطْبَقَ الباحِثُونَ عَنْ أحْوالِ فِرْعَوْنَ ومُوسى أنَّ الشَّخْصَ المُسَمّى بِهامانَ ما كانَ مَوْجُودًا في زَمانِ فِرْعَوْنَ وإنَّما جاءَ بَعْدَهُ بِأدْوارٍ عُلِمَ أنَّهُ غَلَطٌ وقَعَ في التَّوارِيخِ، قالُوا: ونَظِيرُ هَذا أنّا نَعْرِفُ في دِينِ الإسْلامِ أنَّ أبا حَنِيفَةَ إنَّما جاءَ بَعْدَ مُحَمَّدٍ ﷺ فَلَوْ أنَّ قائِلًا ادَّعى أنَّ أبا حَنِيفَةَ كانَ مَوْجُودًا في زَمانِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، وزَعَمَ أنَّهُ شَخْصٌ آخَرُ سِوى الأوَّلِ وهو أيْضًا يُسَمّى بِأبِي حَنِيفَةَ، فَإنَّ أصْحابَ التَّوارِيخِ يَقْطَعُونَ بِخَطَئِهِ فَكَذا هاهُنا. والجَوابُ: أنَّ تَوارِيخَ مُوسى وفِرْعَوْنَ قَدْ طالَ العَهْدُ بِها واضْطَرَبَتِ الأحْوالُ والأدْوارُ فَلَمْ يَبْقَ عَلى كَلامِ أهْلِ التَّوارِيخِ اعْتِمادٌ في هَذا البابِ، فَكانَ الأخْذُ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعالى أوْلى بِخِلافِ حالِ رَسُولِنا مَعَ أبِي حَنِيفَةَ فَإنَّ هَذِهِ التَّوارِيخَ قَرِيبَةٌ غَيْرُ مُضْطَرِبَةٍ، بَلْ هي مَضْبُوطَةٌ فَظَهَرَ الفَرْقُ بَيْنَ البابَيْنِ، فَهَذا جُمْلَةُ ما يَتَعَلَّقُ بِالمَباحِثِ المَعْنَوِيَّةِ في هَذِهِ الآيَةِ، وبَقِيَ ما يَتَعَلَّقُ بِالمَباحِثِ اللَّفْظِيَّةِ. قِيلَ: ”الصَّرْحُ“ البِناءُ الظّاهِرُ لا يَخْفى عَلى النّاظِرِ وإنْ بَعُدَ، اشْتَقُّوهُ مِن صَرْحِ الشَّيْءِ إذا ظَهَرَ و﴿أسْبابَ السَّماواتِ﴾ طُرُقُها، فَإنْ قِيلَ: ما فائِدَةُ هَذا التَّكْرِيرِ، لَوْ قِيلَ: لَعَلِّي أبْلُغُ أسْبابَ السَّماواتِ، كانَ صفحة ٥٩ كافِيًا؟ أجابَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ عَنْهُ فَقالَ: إذا أُبْهِمَ الشَّيْءُ ثُمَّ أُوضِحَ كانَ تَفْخِيمًا لِشَأْنِهِ، فَلَمّا أرادَ تَفْخِيمَ أسْبابِ السَّماواتِ أبْهَمَها ثُمَّ أوْضَحَها، وقَوْلُهُ: ﴿فَأطَّلِعَ إلى إلَهِ مُوسى﴾ قَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ ”فَأطَّلِعَ“ بِفَتْحِ العَيْنِ والباقُونَ بِالرَّفْعِ، قالَ المُبَرِّدُ: مَن رَفَعَ فَقَدْ عَطَفَهُ عَلى قَوْلِهِ: ﴿أبْلُغُ﴾ والتَّقْدِيرُ ﴿لَعَلِّي أبْلُغُ الأسْبابَ﴾ ثُمَّ أطَّلِعُ إلّا أنَّ حَرْفَ ثُمَّ أشَدُّ تَراخِيًا مِنَ الفاءِ، ومَن نَصَبَ جَعَلَهُ جَوابًا، والمَعْنى لَعَلِّي أبْلُغُ الأسْبابَ فَمَتى بَلَغْتُها أطَّلِعُ والمَعْنى مُخْتَلِفٌ؛ لِأنَّ الأوَّلَ: لَعَلِّي أطَّلِعُ، والثّانِي: لَعَلِّي أبْلُغُ وأنا ضامِنٌ أنِّي مَتى بَلَغْتُ فَلا بُدَّ وأنْ أطَّلِعَ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْ فِرْعَوْنَ هَذِهِ القِصَّةَ قالَ بَعْدَها: ﴿وكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ”وصُدَّ“ بِضَمِّ الصّادِ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: وبِهِ يُقْرَأُ؛ لِأنَّ ما قَبْلَهُ فِعْلٌ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ بِهِ فَجَعَلَ ما عُطِفَ عَلَيْهِ مِثْلُهُ، والباقُونَ ”وصَدَّ“ بِفَتْحِ الصّادِ عَلى أنَّهُ مَنَعَ النّاسَ عَنِ الإيمانِ، قالُوا: ومِن صَدِّهِ قَوْلُهُ ﴿لَأُقَطِّعَنَّ أيْدِيَكم وأرْجُلَكُمْ﴾ [الأعْرافِ: ١٢٤] ويُؤَيِّدُ هَذِهِ القِراءَةَ قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوكم عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ [الفَتْحِ: ٢٥] . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿زُيِّنَ﴾ لا بُدَّ لَهُ مِنَ المُزَيِّنِ، فَقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: إنَّهُ الشَّيْطانُ، فَقِيلَ لَهم: إنْ كانَ المُزَيِّنُ لِفِرْعَوْنَ هو الشَّيْطانُ، فالمُزَيِّنُ لِلشَّيْطانِ إنْ كانَ شَيْطانًا آخَرَ لَزِمَ إثْباتُ التَّسَلْسُلِ في الشَّياطِينِ أوِ الدَّوْرِ وهو مُحالٌ، ولَمّا بَطَلَ ذَلِكَ وجَبَ انْتِهاءُ الأسْبابِ والمُسَبِّباتِ في دَرَجاتِ الحاجاتِ إلى واجِبِ الوُجُودِ، وأيْضًا فَقَوْلُهُ ﴿زُيِّنَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ الشَّيْءَ إنْ لَمْ يَكُنْ في اعْتِقادِ الفاعِلِ مَوْصُوفًا بِأنَّهُ خَيْرٌ وزِينَةٌ وحُسْنٌ فَإنَّهُ لا يُقْدِمُ عَلَيْهِ، إلّا أنَّ ذَلِكَ الِاعْتِقادَ إنْ كانَ صَوابًا فَهو العِلْمُ، وإنْ كانَ خَطَأً فَهو الجَهْلُ، فَفاعِلُ ذَلِكَ الجَهْلِ لَيْسَ هو ذَلِكَ الإنْسانُ؛ لِأنَّ العاقِلَ لا يَقْصِدُ تَحْصِيلَ الجَهْلِ لِنَفْسِهِ، ولِأنَّهُ إنَّما يَقْصِدُ تَحْصِيلَ الجَهْلِ لِنَفْسِهِ إذا عَرَفَ كَوْنَهُ جَهْلًا، ومَتى عَرَفَ كَوْنَهُ جَهْلًا امْتَنَعَ بَقاؤُهُ جاهِلًا، فَثَبَتَ أنَّ فاعِلَ ذَلِكَ الجَهْلِ لَيْسَ هو ذَلِكَ الإنْسانُ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ فاعِلُهُ هو الشَّيْطانُ؛ لِأنَّ البَحْثَ الأوَّلَ بِعَيْنِهِ عائِدٌ فِيهِ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنْ يَكُونَ فاعِلُهُ هو اللَّهُ تَعالى. واللَّهُ أعْلَمُ. ويُقَوِّي ما قُلْناهُ أنَّ صاحِبَ ”الكَشّافِ“ نَقَلَ أنَّهُ قُرِئَ ”وزَيَّنَ لَهُ سُوءَ عَمَلِهِ“ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ والفِعْلُ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿إلى إلَهِ مُوسى﴾ . * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما كَيْدُ فِرْعَوْنَ إلّا في تَبابٍ﴾ والتَّبابُ الهَلاكُ والخُسْرانُ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما زادُوهم غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾ [هُودٍ: ١٠١] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ﴾ [المَسَدِ: ١] . واللَّهُ أعْلَمُ.

غافر 40:40

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَ فِرْعَوْنُ ياهامانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أبْلُغُ الأسْبابَ﴾ ﴿أسْبابَ السَّماواتِ فَأطَّلِعَ إلى إلَهِ مُوسى وإنِّي لَأظُنُّهُ كاذِبًا وكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وما كَيْدُ فِرْعَوْنَ إلّا في تَبابٍ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ فِرْعَوْنَ بِكَوْنِهِ مُتَكَبِّرًا جَبّارًا بَيَّنَ أنَّهُ أبْلَغَ في البَلادَةِ والحَماقَةِ إلى أنْ قَصَدَ الصُّعُودَ إلى السَّماواتِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: احْتَجَّ الجَمْعُ الكَثِيرُ مِنَ المُشَبِّهَةِ بِهَذِهِ الآيَةِ في إثْباتِ أنَّ اللَّهَ في السَّماواتِ وقَرَّرُوا ذَلِكَ مِن وُجُوهٍ؛ الأوَّلُ: أنَّ فِرْعَوْنَ كانَ مِنَ المُنْكِرِينَ لِوُجُودِ اللَّهِ، وكُلُّ ما يَذْكُرُهُ في صِفاتِ اللَّهِ تَعالى فَذَلِكَ إنَّما يَذْكُرُهُ لِأجْلِ أنَّهُ سَمِعَ أنَّ مُوسى يَصِفُ اللَّهَ بِذَلِكَ، فَهو أيْضًا يَذْكُرُهُ كَما سَمِعَهُ، فَلَوْلا أنَّهُ سَمِعَ مُوسى يَصِفُ اللَّهَ بِأنَّهُ مَوْجُودٌ في السَّماءِ وإلّا لَما طَلَبَهُ في السَّماءِ. الوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ قالَ: وإنِّي لَأظُنُّهُ كاذِبًا، ولَمْ يُبَيِّنْ أنَّهُ كاذِبٌ في ماذا، والمَذْكُورُ السّابِقُ مُتَعَيِّنٌ لِصَرْفِ الكَلامِ إلَيْهِ، فَكَأنَّ التَّقْدِيرَ: فَأطَّلِعَ إلى الإلَهِ الَّذِي يَزْعُمُ مُوسى أنَّهُ مَوْجُودٌ في السَّماءِ، ثُمَّ قالَ: ﴿وإنِّي لَأظُنُّهُ كاذِبًا﴾ أيْ وإنِّي لَأظُنُّ مُوسى كاذِبًا في ادِّعائِهِ أنَّ الإلَهَ مَوْجُودٌ في السَّماءِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ دِينَ مُوسى هو أنَّ الإلَهَ مَوْجُودٌ في السَّماءِ. الوَجْهُ الثّالِثُ: العِلْمُ بِأنَّهُ لَوْ وُجِدَ إلَهٌ لَكانَ مَوْجُودًا في السَّماءِ، عِلْمٌ بَدِيهِيٌّ مُتَقَرِّرٌ في كُلِّ العُقُولِ، ولِذَلِكَ فَإنَّ الصِّبْيانَ إذا تَضَرَّعُوا إلى اللَّهِ رَفَعُوا صفحة ٥٧ وُجُوهَهم وأيْدِيَهم إلى السَّماءِ، وإنَّ فِرْعَوْنَ مَعَ نِهايَةِ كُفْرِهِ لَمّا طَلَبَ الإلَهَ فَقَدْ طَلَبَهُ في السَّماءِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ العِلْمَ بِأنَّ الإلَهَ مَوْجُودٌ في السَّماءِ عِلْمٌ مُتَقَرِّرٌ في عَقْلِ الصِّدِّيقِ والزِّنْدِيقِ والمُلْحِدِ والعالِمِ والجاهِلِ. فَهَذا جُمْلَةُ اسْتِدْلالاتِ المُشَبِّهَةِ بِهَذِهِ الآيَةِ، والجَوابُ: أنَّ هَؤُلاءِ الجُهّالَ يَكْفِيهِمْ في كَمالِ الخِزْيِ والضَّلالِ أنْ جَعَلُوا قَوْلَ فِرْعَوْنَ اللَّعِينَ حُجَّةً لَهم عَلى صِحَّةِ دِينِهِمْ، وأمّا مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَإنَّهُ لَمْ يَزِدْ في تَعْرِيفِ إلَهِ العالَمِ عَلى ذِكْرِ صِفَةِ الخَلّاقِيَّةِ فَقالَ في سُورَةِ طه: ﴿رَبُّنا الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ [طه: ٥٠] وقالَ في سُورَةِ الشُّعَراءِ: ﴿رَبُّكم ورَبُّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ وما بَيْنَهُما﴾ [الشُّعَراءِ: ٢٨] فَظَهَرَ أنَّ تَعْرِيفَ ذاتِ اللَّهِ بِكَوْنِهِ في السَّماءِ دِينُ فِرْعَوْنَ وتَعْرِيفَهُ بِالخَلّاقِيَّةِ والمَوْجُودِيَّةِ دِينُ مُوسى، فَمَن قالَ بِالأوَّلِ كانَ عَلى دِينِ فِرْعَوْنَ، ومَن قالَ بِالثّانِي كانَ عَلى دِينِ مُوسى، ثُمَّ نَقُولُ: لا نُسَلِّمُ أنَّ كُلَّ ما يَقُولُهُ فِرْعَوْنُ في صِفاتِ اللَّهِ تَعالى فَذَلِكَ قَدْ سَمِعَهُ مِن مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، بَلْ لَعَلَّهُ كانَ عَلى دِينِ المُشَبِّهَةِ فَكانَ يَعْتَقِدُ أنَّ الإلَهَ لَوْ كانَ مَوْجُودًا لَكانَ حاصِلًا في السَّماءِ، فَهو إنَّما ذَكَرَ هَذا الِاعْتِقادَ مِن قِبَلِ نَفْسِهِ لا لِأجْلِ أنَّهُ قَدْ سَمِعَهُ مِن مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ. * * * وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وإنِّي لَأظُنُّهُ كاذِبًا﴾ فَنَقُولُ: لَعَلَّهُ لَمّا سَمِعَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الإسْراءِ: ١٠٢] ظَنَّ أنَّهُ عَنى بِهِ أنَّهُ رَبُّ السَّماواتِ، كَما يُقالُ لِلْواحِدِ مِنّا: إنَّهُ رَبُّ الدّارِ بِمَعْنى كَوْنِهِ ساكِنًا فِيهِ، فَلَمّا غَلَبَ عَلى ظَنِّهِ ذَلِكَ حَكى عَنْهُ، وهَذا لَيْسَ بِمُسْتَبْعَدٍ، فَإنَّ فِرْعَوْنَ كانَ بَلَغَ في الجَهْلِ والحَماقَةِ إلى حَيْثُ لا يَبْعُدُ نِسْبَةُ هَذا الخَيالِ إلَيْهِ، فَإنِ اسْتَبْعَدَ الخَصْمُ نِسْبَةَ هَذا الخَيالِ إلَيْهِ كانَ ذَلِكَ لائِقًا بِهِمْ؛ لِأنَّهم لَمّا كانُوا عَلى دِينِ فِرْعَوْنَ وجَبَ عَلَيْهِمْ تَعْظِيمُهُ. وأمّا قَوْلُهُ: إنَّ فِطْرَةَ فِرْعَوْنَ شَهِدَتْ بِأنَّ الإلَهَ لَوْ كانَ مَوْجُودًا لَكانَ في السَّماءِ، قُلْنا: نَحْنُ لا نُنْكِرُ أنَّ فِطْرَةَ أكْثَرِ النّاسِ تُخَيِّلُ إلَيْهِمْ صِحَّةَ ذَلِكَ لا سِيَّما مَن بَلَغَ في الحَماقَةِ إلى دَرَجَةِ فِرْعَوْنَ فَثَبَتَ أنَّ هَذا الكَلامَ ساقِطٌ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفَ النّاسُ في أنَّ فِرْعَوْنَ هَلْ قَصَدَ بِناءَ الصَّرْحِ لِيَصْعَدَ مِنهُ إلى السَّماءِ أمْ لا؟ أمّا الظّاهِرِيُّونَ مِنَ المُفَسِّرِينَ فَقَدْ قَطَعُوا بِذَلِكَ، وذَكَرُوا حِكايَةً طَوِيلَةً في كَيْفِيَّةِ بِناءِ ذَلِكَ الصَّرْحِ، والَّذِي عِنْدِي أنَّهُ بَعِيدٌ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنْ يُقالَ: فِرْعَوْنُ لا يَخْلُو إمّا أنْ يُقالَ: إنَّهُ كانَ مِنَ المَجانِينِ أوْ كانَ مِنَ العُقَلاءِ، فَإنْ قُلْنا: إنَّهُ كانَ مِنَ المَجانِينِ لَمْ يَجُزْ مِنَ اللَّهِ تَعالى إرْسالُ الرَّسُولِ إلَيْهِ؛ لِأنَّ العَقْلَ شَرْطٌ في التَّكْلِيفِ، ولَمْ يَجُزْ مِنَ اللَّهِ أنْ يَذْكُرَ حِكايَةَ كَلامِ مَجْنُونٍ في القُرْآنِ، وأمّا إنْ قُلْنا: إنَّهُ كانَ مِنَ العُقَلاءِ فَنَقُولُ: إنَّ كُلَّ عاقِلٍ يَعْلَمُ بِبَدِيهَةِ عَقْلِهِ أنَّهُ يَتَعَذَّرُ في قُدْرَةِ البَشَرِ وضْعُ بِناءٍ يَكُونُ أرْفَعَ مِنَ الجَبَلِ العالِي، ويَعْلَمُ أيْضًا بِبَدِيهَةِ عَقْلِهِ أنَّهُ لا يَتَفاوَتُ في البَصَرِ حالُ السَّماءِ بَيْنَ أنْ يَنْظُرَ إلَيْهِ مِن أسْفَلِ الجِبالِ وبَيْنَ أنْ يَنْظُرَ إلَيْهِ مِن أعْلى الجِبالِ، وإذا كانَ هَذانِ العِلْمانِ بَدِيهِيَّيْنِ امْتَنَعَ أنْ يَقْصِدَ العاقِلُ وضْعَ بِناءٍ يَصْعَدُ مِنهُ إلى السَّماءِ، وإذا كانَ فَسادُ هَذا مَعْلُومًا بِالضَّرُورَةِ امْتَنَعَ إسْنادُهُ إلى فِرْعَوْنَ، والَّذِي عِنْدِي في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ فِرْعَوْنَ كانَ مِنَ الدَّهْرِيَّةِ وغَرَضُهُ مِن ذِكْرِ هَذا الكَلامِ إيرادُ شُبْهَةٍ في نَفْيِ الصّانِعِ، وتَقْرِيرُهُ أنَّهُ قالَ: إنّا لا نَرى شَيْئًا نَحْكُمُ عَلَيْهِ بِأنَّهُ إلَهُ العالَمِ فَلَمْ يَجُزْ إثْباتُ هَذا الإلَهِ، أمّا إنَّهُ لا نَراهُ فَلِأنَّهُ لَوْ كانَ مَوْجُودًا لَكانَ في السَّماءِ ونَحْنُ لا سَبِيلَ لَنا إلى صُعُودِ السَّماواتِ فَكَيْفَ يُمْكِنُنا أنْ نَراهُ، ثُمَّ إنَّهُ لِأجْلِ المُبالَغَةِ في بَيانِ أنَّهُ لا يُمْكِنُهُ صُعُودُ السَّماواتِ قالَ: ﴿ياهامانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أبْلُغُ الأسْبابَ أسْبابَ﴾ والمَقْصُودُ أنَّهُ لَمّا عَرَفَ كُلُّ أحَدٍ أنَّ هَذا الطَّرِيقَ مُمْتَنِعٌ كانَ الوُصُولُ إلى مَعْرِفَةِ وُجُودِ اللَّهِ صفحة ٥٨ بِطَرِيقِ الحِسِّ مُمْتَنِعًا، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنِ اسْتَطَعْتَ أنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا في الأرْضِ أوْ سُلَّمًا في السَّماءِ فَتَأْتِيَهم بِآيَةٍ﴾ [الأنْعامِ: ٣٥] ولَيْسَ المُرادُ مِنهُ أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ طَلَبَ نَفَقًا في الأرْضِ أوْ وضَعَ سُلَّمًا إلى السَّماءِ، بَلِ المَعْنى أنَّهُ لَمّا عُرِفَ أنَّ هَذا المَعْنى مُمْتَنِعٌ فَقَدْ عُرِفَ أنَّهُ لا سَبِيلَ لَكَ إلى تَحْصِيلِ ذَلِكَ المَقْصُودِ، فَكَذا هاهُنا غَرَضُ فِرْعَوْنَ مِن قَوْلِهِ: ﴿ياهامانُ ابْنِ لِي صَرْحًا﴾ يَعْنِي أنَّ الِاطِّلاعَ عَلى إلَهِ مُوسى لَمّا كانَ لا سَبِيلَ إلَيْهِ إلّا بِهَذا الطَّرِيقِ وكانَ هَذا الطَّرِيقُ مُمْتَنِعًا، فَحِينَئِذٍ يَظْهَرُ مِنهُ أنَّهُ لا سَبِيلَ إلى مَعْرِفَةِ الإلَهِ الَّذِي يُثْبِتُهُ مُوسى. فَنَقُولُ: هَذا ما حَصَّلْتُهُ في هَذا البابِ. واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الشُّبْهَةَ فاسِدَةٌ؛ لِأنَّ طُرُقَ العِلْمِ ثَلاثَةٌ الحِسُّ والخَبَرُ والنَّظَرُ، ولا يَلْزَمُ مِنَ انْتِفاءِ طَرِيقٍ واحِدٍ وهو الحِسُّ انْتِفاءَ المَطْلُوبِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ قَدْ بَيَّنَ لِفِرْعَوْنَ أنَّ الطَّرِيقَ في مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى إنَّما هو الحُجَّةُ والدَّلِيلُ كَما قالَ: ﴿رَبُّكم ورَبُّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ﴾ (الشُّعَراءِ: ٢٨) إلّا أنَّ فِرْعَوْنَ لِخُبْثِهِ ومَكْرِهِ تَغافَلَ عَنْ ذَلِكَ الدَّلِيلِ، وألْقى إلى الجُهّالِ أنَّهُ لَمّا كانَ لا طَرِيقَ إلّا الإحْساسُ بِهَذا الإلَهِ وجَبَ نَفْيُهُ، فَهَذا ما عِنْدِي في هَذا البابِ، وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ والعِصْمَةُ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّهُ تَعالى خَلَقَ جَواهِرَ الأفْلاكِ وحَرَكاتِها بِحَيْثُ تَكُونُ هي الأسْبابُ لِحُدُوثِ الحَوادِثِ في هَذا العالَمِ الأسْفَلِ، واحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَعَلِّي أبْلُغُ الأسْبابَ أسْبابَ السَّماواتِ﴾ ومَعْلُومٌ أنَّها لَيْسَتْ أسْبابًا إلّا لِحَوادِثِ هَذا العالَمِ قالُوا: ويُؤَكِّدُ هَذا بِقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ ص: ﴿فَلْيَرْتَقُوا في الأسْبابِ﴾ [ص: ١٠] أمّا المُفَسِّرُونَ فَقَدْ ذَكَرُوا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَعَلِّي أبْلُغُ الأسْبابَ أسْبابَ السَّماواتِ﴾ أنَّ المُرادَ بِأسْبابِ السَّماواتِ طُرُقُها وأبْوابُها وما يُؤَدِّي إلَيْها، وكُلُّ ما أدّاكَ إلى شَيْءٍ فَهو سَبَبٌ كالرَّشادِ ونَحْوِهِ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَتِ اليَهُودُ: أطْبَقَ الباحِثُونَ عَنْ تَوارِيخِ بَنِي إسْرائِيلَ وفِرْعَوْنَ أنَّ هامانَ ما كانَ مَوْجُودًا البَتَّةَ في زَمانِ مُوسى وفِرْعَوْنَ وإنَّما جاءَ بَعْدَهُما بِزَمانٍ مَدِيدٍ ودَهْرٍ داهِرٍ، فالقَوْلُ بِأنَّ هامانَ كانَ مَوْجُودًا في زَمانِ فِرْعَوْنَ خَطَأٌ في التّارِيخِ، ولَيْسَ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنَّ وُجُودَ شَخْصٍ يُسَمّى بِهامانَ بَعْدَ زَمانِ فِرْعَوْنَ لا يَمْنَعُ مِن وُجُودِ شَخْصٍ آخَرَ يُسَمّى بِهَذا الِاسْمِ في زَمانِهِ، قالُوا: لِأنَّ هَذا الشَّخْصَ المُسَمّى بِهامانَ الَّذِي كانَ مَوْجُودًا في زَمانِ فِرْعَوْنَ ما كانَ شَخْصًا خَسِيسًا في حَضْرَةِ فِرْعَوْنَ بَلْ كانَ كالوَزِيرِ لَهُ، ومِثْلُ هَذا الشَّخْصِ لا يَكُونُ مَجْهُولَ الوَصْفِ والحِلْيَةِ، فَلَوْ كانَ مَوْجُودًا لَعُرِفَ حالُهُ، وحَيْثُ أطْبَقَ الباحِثُونَ عَنْ أحْوالِ فِرْعَوْنَ ومُوسى أنَّ الشَّخْصَ المُسَمّى بِهامانَ ما كانَ مَوْجُودًا في زَمانِ فِرْعَوْنَ وإنَّما جاءَ بَعْدَهُ بِأدْوارٍ عُلِمَ أنَّهُ غَلَطٌ وقَعَ في التَّوارِيخِ، قالُوا: ونَظِيرُ هَذا أنّا نَعْرِفُ في دِينِ الإسْلامِ أنَّ أبا حَنِيفَةَ إنَّما جاءَ بَعْدَ مُحَمَّدٍ ﷺ فَلَوْ أنَّ قائِلًا ادَّعى أنَّ أبا حَنِيفَةَ كانَ مَوْجُودًا في زَمانِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، وزَعَمَ أنَّهُ شَخْصٌ آخَرُ سِوى الأوَّلِ وهو أيْضًا يُسَمّى بِأبِي حَنِيفَةَ، فَإنَّ أصْحابَ التَّوارِيخِ يَقْطَعُونَ بِخَطَئِهِ فَكَذا هاهُنا. والجَوابُ: أنَّ تَوارِيخَ مُوسى وفِرْعَوْنَ قَدْ طالَ العَهْدُ بِها واضْطَرَبَتِ الأحْوالُ والأدْوارُ فَلَمْ يَبْقَ عَلى كَلامِ أهْلِ التَّوارِيخِ اعْتِمادٌ في هَذا البابِ، فَكانَ الأخْذُ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعالى أوْلى بِخِلافِ حالِ رَسُولِنا مَعَ أبِي حَنِيفَةَ فَإنَّ هَذِهِ التَّوارِيخَ قَرِيبَةٌ غَيْرُ مُضْطَرِبَةٍ، بَلْ هي مَضْبُوطَةٌ فَظَهَرَ الفَرْقُ بَيْنَ البابَيْنِ، فَهَذا جُمْلَةُ ما يَتَعَلَّقُ بِالمَباحِثِ المَعْنَوِيَّةِ في هَذِهِ الآيَةِ، وبَقِيَ ما يَتَعَلَّقُ بِالمَباحِثِ اللَّفْظِيَّةِ. قِيلَ: ”الصَّرْحُ“ البِناءُ الظّاهِرُ لا يَخْفى عَلى النّاظِرِ وإنْ بَعُدَ، اشْتَقُّوهُ مِن صَرْحِ الشَّيْءِ إذا ظَهَرَ و﴿أسْبابَ السَّماواتِ﴾ طُرُقُها، فَإنْ قِيلَ: ما فائِدَةُ هَذا التَّكْرِيرِ، لَوْ قِيلَ: لَعَلِّي أبْلُغُ أسْبابَ السَّماواتِ، كانَ صفحة ٥٩ كافِيًا؟ أجابَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ عَنْهُ فَقالَ: إذا أُبْهِمَ الشَّيْءُ ثُمَّ أُوضِحَ كانَ تَفْخِيمًا لِشَأْنِهِ، فَلَمّا أرادَ تَفْخِيمَ أسْبابِ السَّماواتِ أبْهَمَها ثُمَّ أوْضَحَها، وقَوْلُهُ: ﴿فَأطَّلِعَ إلى إلَهِ مُوسى﴾ قَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ ”فَأطَّلِعَ“ بِفَتْحِ العَيْنِ والباقُونَ بِالرَّفْعِ، قالَ المُبَرِّدُ: مَن رَفَعَ فَقَدْ عَطَفَهُ عَلى قَوْلِهِ: ﴿أبْلُغُ﴾ والتَّقْدِيرُ ﴿لَعَلِّي أبْلُغُ الأسْبابَ﴾ ثُمَّ أطَّلِعُ إلّا أنَّ حَرْفَ ثُمَّ أشَدُّ تَراخِيًا مِنَ الفاءِ، ومَن نَصَبَ جَعَلَهُ جَوابًا، والمَعْنى لَعَلِّي أبْلُغُ الأسْبابَ فَمَتى بَلَغْتُها أطَّلِعُ والمَعْنى مُخْتَلِفٌ؛ لِأنَّ الأوَّلَ: لَعَلِّي أطَّلِعُ، والثّانِي: لَعَلِّي أبْلُغُ وأنا ضامِنٌ أنِّي مَتى بَلَغْتُ فَلا بُدَّ وأنْ أطَّلِعَ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْ فِرْعَوْنَ هَذِهِ القِصَّةَ قالَ بَعْدَها: ﴿وكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ”وصُدَّ“ بِضَمِّ الصّادِ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: وبِهِ يُقْرَأُ؛ لِأنَّ ما قَبْلَهُ فِعْلٌ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ بِهِ فَجَعَلَ ما عُطِفَ عَلَيْهِ مِثْلُهُ، والباقُونَ ”وصَدَّ“ بِفَتْحِ الصّادِ عَلى أنَّهُ مَنَعَ النّاسَ عَنِ الإيمانِ، قالُوا: ومِن صَدِّهِ قَوْلُهُ ﴿لَأُقَطِّعَنَّ أيْدِيَكم وأرْجُلَكُمْ﴾ [الأعْرافِ: ١٢٤] ويُؤَيِّدُ هَذِهِ القِراءَةَ قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوكم عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ [الفَتْحِ: ٢٥] . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿زُيِّنَ﴾ لا بُدَّ لَهُ مِنَ المُزَيِّنِ، فَقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: إنَّهُ الشَّيْطانُ، فَقِيلَ لَهم: إنْ كانَ المُزَيِّنُ لِفِرْعَوْنَ هو الشَّيْطانُ، فالمُزَيِّنُ لِلشَّيْطانِ إنْ كانَ شَيْطانًا آخَرَ لَزِمَ إثْباتُ التَّسَلْسُلِ في الشَّياطِينِ أوِ الدَّوْرِ وهو مُحالٌ، ولَمّا بَطَلَ ذَلِكَ وجَبَ انْتِهاءُ الأسْبابِ والمُسَبِّباتِ في دَرَجاتِ الحاجاتِ إلى واجِبِ الوُجُودِ، وأيْضًا فَقَوْلُهُ ﴿زُيِّنَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ الشَّيْءَ إنْ لَمْ يَكُنْ في اعْتِقادِ الفاعِلِ مَوْصُوفًا بِأنَّهُ خَيْرٌ وزِينَةٌ وحُسْنٌ فَإنَّهُ لا يُقْدِمُ عَلَيْهِ، إلّا أنَّ ذَلِكَ الِاعْتِقادَ إنْ كانَ صَوابًا فَهو العِلْمُ، وإنْ كانَ خَطَأً فَهو الجَهْلُ، فَفاعِلُ ذَلِكَ الجَهْلِ لَيْسَ هو ذَلِكَ الإنْسانُ؛ لِأنَّ العاقِلَ لا يَقْصِدُ تَحْصِيلَ الجَهْلِ لِنَفْسِهِ، ولِأنَّهُ إنَّما يَقْصِدُ تَحْصِيلَ الجَهْلِ لِنَفْسِهِ إذا عَرَفَ كَوْنَهُ جَهْلًا، ومَتى عَرَفَ كَوْنَهُ جَهْلًا امْتَنَعَ بَقاؤُهُ جاهِلًا، فَثَبَتَ أنَّ فاعِلَ ذَلِكَ الجَهْلِ لَيْسَ هو ذَلِكَ الإنْسانُ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ فاعِلُهُ هو الشَّيْطانُ؛ لِأنَّ البَحْثَ الأوَّلَ بِعَيْنِهِ عائِدٌ فِيهِ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنْ يَكُونَ فاعِلُهُ هو اللَّهُ تَعالى. واللَّهُ أعْلَمُ. ويُقَوِّي ما قُلْناهُ أنَّ صاحِبَ ”الكَشّافِ“ نَقَلَ أنَّهُ قُرِئَ ”وزَيَّنَ لَهُ سُوءَ عَمَلِهِ“ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ والفِعْلُ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿إلى إلَهِ مُوسى﴾ . * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما كَيْدُ فِرْعَوْنَ إلّا في تَبابٍ﴾ والتَّبابُ الهَلاكُ والخُسْرانُ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما زادُوهم غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾ [هُودٍ: ١٠١] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ﴾ [المَسَدِ: ١] . واللَّهُ أعْلَمُ.

غافر 40:41

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَ فِرْعَوْنُ ياهامانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أبْلُغُ الأسْبابَ﴾ ﴿أسْبابَ السَّماواتِ فَأطَّلِعَ إلى إلَهِ مُوسى وإنِّي لَأظُنُّهُ كاذِبًا وكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وما كَيْدُ فِرْعَوْنَ إلّا في تَبابٍ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ فِرْعَوْنَ بِكَوْنِهِ مُتَكَبِّرًا جَبّارًا بَيَّنَ أنَّهُ أبْلَغَ في البَلادَةِ والحَماقَةِ إلى أنْ قَصَدَ الصُّعُودَ إلى السَّماواتِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: احْتَجَّ الجَمْعُ الكَثِيرُ مِنَ المُشَبِّهَةِ بِهَذِهِ الآيَةِ في إثْباتِ أنَّ اللَّهَ في السَّماواتِ وقَرَّرُوا ذَلِكَ مِن وُجُوهٍ؛ الأوَّلُ: أنَّ فِرْعَوْنَ كانَ مِنَ المُنْكِرِينَ لِوُجُودِ اللَّهِ، وكُلُّ ما يَذْكُرُهُ في صِفاتِ اللَّهِ تَعالى فَذَلِكَ إنَّما يَذْكُرُهُ لِأجْلِ أنَّهُ سَمِعَ أنَّ مُوسى يَصِفُ اللَّهَ بِذَلِكَ، فَهو أيْضًا يَذْكُرُهُ كَما سَمِعَهُ، فَلَوْلا أنَّهُ سَمِعَ مُوسى يَصِفُ اللَّهَ بِأنَّهُ مَوْجُودٌ في السَّماءِ وإلّا لَما طَلَبَهُ في السَّماءِ. الوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ قالَ: وإنِّي لَأظُنُّهُ كاذِبًا، ولَمْ يُبَيِّنْ أنَّهُ كاذِبٌ في ماذا، والمَذْكُورُ السّابِقُ مُتَعَيِّنٌ لِصَرْفِ الكَلامِ إلَيْهِ، فَكَأنَّ التَّقْدِيرَ: فَأطَّلِعَ إلى الإلَهِ الَّذِي يَزْعُمُ مُوسى أنَّهُ مَوْجُودٌ في السَّماءِ، ثُمَّ قالَ: ﴿وإنِّي لَأظُنُّهُ كاذِبًا﴾ أيْ وإنِّي لَأظُنُّ مُوسى كاذِبًا في ادِّعائِهِ أنَّ الإلَهَ مَوْجُودٌ في السَّماءِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ دِينَ مُوسى هو أنَّ الإلَهَ مَوْجُودٌ في السَّماءِ. الوَجْهُ الثّالِثُ: العِلْمُ بِأنَّهُ لَوْ وُجِدَ إلَهٌ لَكانَ مَوْجُودًا في السَّماءِ، عِلْمٌ بَدِيهِيٌّ مُتَقَرِّرٌ في كُلِّ العُقُولِ، ولِذَلِكَ فَإنَّ الصِّبْيانَ إذا تَضَرَّعُوا إلى اللَّهِ رَفَعُوا صفحة ٥٧ وُجُوهَهم وأيْدِيَهم إلى السَّماءِ، وإنَّ فِرْعَوْنَ مَعَ نِهايَةِ كُفْرِهِ لَمّا طَلَبَ الإلَهَ فَقَدْ طَلَبَهُ في السَّماءِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ العِلْمَ بِأنَّ الإلَهَ مَوْجُودٌ في السَّماءِ عِلْمٌ مُتَقَرِّرٌ في عَقْلِ الصِّدِّيقِ والزِّنْدِيقِ والمُلْحِدِ والعالِمِ والجاهِلِ. فَهَذا جُمْلَةُ اسْتِدْلالاتِ المُشَبِّهَةِ بِهَذِهِ الآيَةِ، والجَوابُ: أنَّ هَؤُلاءِ الجُهّالَ يَكْفِيهِمْ في كَمالِ الخِزْيِ والضَّلالِ أنْ جَعَلُوا قَوْلَ فِرْعَوْنَ اللَّعِينَ حُجَّةً لَهم عَلى صِحَّةِ دِينِهِمْ، وأمّا مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَإنَّهُ لَمْ يَزِدْ في تَعْرِيفِ إلَهِ العالَمِ عَلى ذِكْرِ صِفَةِ الخَلّاقِيَّةِ فَقالَ في سُورَةِ طه: ﴿رَبُّنا الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ [طه: ٥٠] وقالَ في سُورَةِ الشُّعَراءِ: ﴿رَبُّكم ورَبُّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ وما بَيْنَهُما﴾ [الشُّعَراءِ: ٢٨] فَظَهَرَ أنَّ تَعْرِيفَ ذاتِ اللَّهِ بِكَوْنِهِ في السَّماءِ دِينُ فِرْعَوْنَ وتَعْرِيفَهُ بِالخَلّاقِيَّةِ والمَوْجُودِيَّةِ دِينُ مُوسى، فَمَن قالَ بِالأوَّلِ كانَ عَلى دِينِ فِرْعَوْنَ، ومَن قالَ بِالثّانِي كانَ عَلى دِينِ مُوسى، ثُمَّ نَقُولُ: لا نُسَلِّمُ أنَّ كُلَّ ما يَقُولُهُ فِرْعَوْنُ في صِفاتِ اللَّهِ تَعالى فَذَلِكَ قَدْ سَمِعَهُ مِن مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، بَلْ لَعَلَّهُ كانَ عَلى دِينِ المُشَبِّهَةِ فَكانَ يَعْتَقِدُ أنَّ الإلَهَ لَوْ كانَ مَوْجُودًا لَكانَ حاصِلًا في السَّماءِ، فَهو إنَّما ذَكَرَ هَذا الِاعْتِقادَ مِن قِبَلِ نَفْسِهِ لا لِأجْلِ أنَّهُ قَدْ سَمِعَهُ مِن مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ. * * * وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وإنِّي لَأظُنُّهُ كاذِبًا﴾ فَنَقُولُ: لَعَلَّهُ لَمّا سَمِعَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الإسْراءِ: ١٠٢] ظَنَّ أنَّهُ عَنى بِهِ أنَّهُ رَبُّ السَّماواتِ، كَما يُقالُ لِلْواحِدِ مِنّا: إنَّهُ رَبُّ الدّارِ بِمَعْنى كَوْنِهِ ساكِنًا فِيهِ، فَلَمّا غَلَبَ عَلى ظَنِّهِ ذَلِكَ حَكى عَنْهُ، وهَذا لَيْسَ بِمُسْتَبْعَدٍ، فَإنَّ فِرْعَوْنَ كانَ بَلَغَ في الجَهْلِ والحَماقَةِ إلى حَيْثُ لا يَبْعُدُ نِسْبَةُ هَذا الخَيالِ إلَيْهِ، فَإنِ اسْتَبْعَدَ الخَصْمُ نِسْبَةَ هَذا الخَيالِ إلَيْهِ كانَ ذَلِكَ لائِقًا بِهِمْ؛ لِأنَّهم لَمّا كانُوا عَلى دِينِ فِرْعَوْنَ وجَبَ عَلَيْهِمْ تَعْظِيمُهُ. وأمّا قَوْلُهُ: إنَّ فِطْرَةَ فِرْعَوْنَ شَهِدَتْ بِأنَّ الإلَهَ لَوْ كانَ مَوْجُودًا لَكانَ في السَّماءِ، قُلْنا: نَحْنُ لا نُنْكِرُ أنَّ فِطْرَةَ أكْثَرِ النّاسِ تُخَيِّلُ إلَيْهِمْ صِحَّةَ ذَلِكَ لا سِيَّما مَن بَلَغَ في الحَماقَةِ إلى دَرَجَةِ فِرْعَوْنَ فَثَبَتَ أنَّ هَذا الكَلامَ ساقِطٌ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفَ النّاسُ في أنَّ فِرْعَوْنَ هَلْ قَصَدَ بِناءَ الصَّرْحِ لِيَصْعَدَ مِنهُ إلى السَّماءِ أمْ لا؟ أمّا الظّاهِرِيُّونَ مِنَ المُفَسِّرِينَ فَقَدْ قَطَعُوا بِذَلِكَ، وذَكَرُوا حِكايَةً طَوِيلَةً في كَيْفِيَّةِ بِناءِ ذَلِكَ الصَّرْحِ، والَّذِي عِنْدِي أنَّهُ بَعِيدٌ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنْ يُقالَ: فِرْعَوْنُ لا يَخْلُو إمّا أنْ يُقالَ: إنَّهُ كانَ مِنَ المَجانِينِ أوْ كانَ مِنَ العُقَلاءِ، فَإنْ قُلْنا: إنَّهُ كانَ مِنَ المَجانِينِ لَمْ يَجُزْ مِنَ اللَّهِ تَعالى إرْسالُ الرَّسُولِ إلَيْهِ؛ لِأنَّ العَقْلَ شَرْطٌ في التَّكْلِيفِ، ولَمْ يَجُزْ مِنَ اللَّهِ أنْ يَذْكُرَ حِكايَةَ كَلامِ مَجْنُونٍ في القُرْآنِ، وأمّا إنْ قُلْنا: إنَّهُ كانَ مِنَ العُقَلاءِ فَنَقُولُ: إنَّ كُلَّ عاقِلٍ يَعْلَمُ بِبَدِيهَةِ عَقْلِهِ أنَّهُ يَتَعَذَّرُ في قُدْرَةِ البَشَرِ وضْعُ بِناءٍ يَكُونُ أرْفَعَ مِنَ الجَبَلِ العالِي، ويَعْلَمُ أيْضًا بِبَدِيهَةِ عَقْلِهِ أنَّهُ لا يَتَفاوَتُ في البَصَرِ حالُ السَّماءِ بَيْنَ أنْ يَنْظُرَ إلَيْهِ مِن أسْفَلِ الجِبالِ وبَيْنَ أنْ يَنْظُرَ إلَيْهِ مِن أعْلى الجِبالِ، وإذا كانَ هَذانِ العِلْمانِ بَدِيهِيَّيْنِ امْتَنَعَ أنْ يَقْصِدَ العاقِلُ وضْعَ بِناءٍ يَصْعَدُ مِنهُ إلى السَّماءِ، وإذا كانَ فَسادُ هَذا مَعْلُومًا بِالضَّرُورَةِ امْتَنَعَ إسْنادُهُ إلى فِرْعَوْنَ، والَّذِي عِنْدِي في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ فِرْعَوْنَ كانَ مِنَ الدَّهْرِيَّةِ وغَرَضُهُ مِن ذِكْرِ هَذا الكَلامِ إيرادُ شُبْهَةٍ في نَفْيِ الصّانِعِ، وتَقْرِيرُهُ أنَّهُ قالَ: إنّا لا نَرى شَيْئًا نَحْكُمُ عَلَيْهِ بِأنَّهُ إلَهُ العالَمِ فَلَمْ يَجُزْ إثْباتُ هَذا الإلَهِ، أمّا إنَّهُ لا نَراهُ فَلِأنَّهُ لَوْ كانَ مَوْجُودًا لَكانَ في السَّماءِ ونَحْنُ لا سَبِيلَ لَنا إلى صُعُودِ السَّماواتِ فَكَيْفَ يُمْكِنُنا أنْ نَراهُ، ثُمَّ إنَّهُ لِأجْلِ المُبالَغَةِ في بَيانِ أنَّهُ لا يُمْكِنُهُ صُعُودُ السَّماواتِ قالَ: ﴿ياهامانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أبْلُغُ الأسْبابَ أسْبابَ﴾ والمَقْصُودُ أنَّهُ لَمّا عَرَفَ كُلُّ أحَدٍ أنَّ هَذا الطَّرِيقَ مُمْتَنِعٌ كانَ الوُصُولُ إلى مَعْرِفَةِ وُجُودِ اللَّهِ صفحة ٥٨ بِطَرِيقِ الحِسِّ مُمْتَنِعًا، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنِ اسْتَطَعْتَ أنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا في الأرْضِ أوْ سُلَّمًا في السَّماءِ فَتَأْتِيَهم بِآيَةٍ﴾ [الأنْعامِ: ٣٥] ولَيْسَ المُرادُ مِنهُ أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ طَلَبَ نَفَقًا في الأرْضِ أوْ وضَعَ سُلَّمًا إلى السَّماءِ، بَلِ المَعْنى أنَّهُ لَمّا عُرِفَ أنَّ هَذا المَعْنى مُمْتَنِعٌ فَقَدْ عُرِفَ أنَّهُ لا سَبِيلَ لَكَ إلى تَحْصِيلِ ذَلِكَ المَقْصُودِ، فَكَذا هاهُنا غَرَضُ فِرْعَوْنَ مِن قَوْلِهِ: ﴿ياهامانُ ابْنِ لِي صَرْحًا﴾ يَعْنِي أنَّ الِاطِّلاعَ عَلى إلَهِ مُوسى لَمّا كانَ لا سَبِيلَ إلَيْهِ إلّا بِهَذا الطَّرِيقِ وكانَ هَذا الطَّرِيقُ مُمْتَنِعًا، فَحِينَئِذٍ يَظْهَرُ مِنهُ أنَّهُ لا سَبِيلَ إلى مَعْرِفَةِ الإلَهِ الَّذِي يُثْبِتُهُ مُوسى. فَنَقُولُ: هَذا ما حَصَّلْتُهُ في هَذا البابِ. واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الشُّبْهَةَ فاسِدَةٌ؛ لِأنَّ طُرُقَ العِلْمِ ثَلاثَةٌ الحِسُّ والخَبَرُ والنَّظَرُ، ولا يَلْزَمُ مِنَ انْتِفاءِ طَرِيقٍ واحِدٍ وهو الحِسُّ انْتِفاءَ المَطْلُوبِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ قَدْ بَيَّنَ لِفِرْعَوْنَ أنَّ الطَّرِيقَ في مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى إنَّما هو الحُجَّةُ والدَّلِيلُ كَما قالَ: ﴿رَبُّكم ورَبُّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ﴾ (الشُّعَراءِ: ٢٨) إلّا أنَّ فِرْعَوْنَ لِخُبْثِهِ ومَكْرِهِ تَغافَلَ عَنْ ذَلِكَ الدَّلِيلِ، وألْقى إلى الجُهّالِ أنَّهُ لَمّا كانَ لا طَرِيقَ إلّا الإحْساسُ بِهَذا الإلَهِ وجَبَ نَفْيُهُ، فَهَذا ما عِنْدِي في هَذا البابِ، وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ والعِصْمَةُ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّهُ تَعالى خَلَقَ جَواهِرَ الأفْلاكِ وحَرَكاتِها بِحَيْثُ تَكُونُ هي الأسْبابُ لِحُدُوثِ الحَوادِثِ في هَذا العالَمِ الأسْفَلِ، واحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَعَلِّي أبْلُغُ الأسْبابَ أسْبابَ السَّماواتِ﴾ ومَعْلُومٌ أنَّها لَيْسَتْ أسْبابًا إلّا لِحَوادِثِ هَذا العالَمِ قالُوا: ويُؤَكِّدُ هَذا بِقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ ص: ﴿فَلْيَرْتَقُوا في الأسْبابِ﴾ [ص: ١٠] أمّا المُفَسِّرُونَ فَقَدْ ذَكَرُوا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَعَلِّي أبْلُغُ الأسْبابَ أسْبابَ السَّماواتِ﴾ أنَّ المُرادَ بِأسْبابِ السَّماواتِ طُرُقُها وأبْوابُها وما يُؤَدِّي إلَيْها، وكُلُّ ما أدّاكَ إلى شَيْءٍ فَهو سَبَبٌ كالرَّشادِ ونَحْوِهِ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَتِ اليَهُودُ: أطْبَقَ الباحِثُونَ عَنْ تَوارِيخِ بَنِي إسْرائِيلَ وفِرْعَوْنَ أنَّ هامانَ ما كانَ مَوْجُودًا البَتَّةَ في زَمانِ مُوسى وفِرْعَوْنَ وإنَّما جاءَ بَعْدَهُما بِزَمانٍ مَدِيدٍ ودَهْرٍ داهِرٍ، فالقَوْلُ بِأنَّ هامانَ كانَ مَوْجُودًا في زَمانِ فِرْعَوْنَ خَطَأٌ في التّارِيخِ، ولَيْسَ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنَّ وُجُودَ شَخْصٍ يُسَمّى بِهامانَ بَعْدَ زَمانِ فِرْعَوْنَ لا يَمْنَعُ مِن وُجُودِ شَخْصٍ آخَرَ يُسَمّى بِهَذا الِاسْمِ في زَمانِهِ، قالُوا: لِأنَّ هَذا الشَّخْصَ المُسَمّى بِهامانَ الَّذِي كانَ مَوْجُودًا في زَمانِ فِرْعَوْنَ ما كانَ شَخْصًا خَسِيسًا في حَضْرَةِ فِرْعَوْنَ بَلْ كانَ كالوَزِيرِ لَهُ، ومِثْلُ هَذا الشَّخْصِ لا يَكُونُ مَجْهُولَ الوَصْفِ والحِلْيَةِ، فَلَوْ كانَ مَوْجُودًا لَعُرِفَ حالُهُ، وحَيْثُ أطْبَقَ الباحِثُونَ عَنْ أحْوالِ فِرْعَوْنَ ومُوسى أنَّ الشَّخْصَ المُسَمّى بِهامانَ ما كانَ مَوْجُودًا في زَمانِ فِرْعَوْنَ وإنَّما جاءَ بَعْدَهُ بِأدْوارٍ عُلِمَ أنَّهُ غَلَطٌ وقَعَ في التَّوارِيخِ، قالُوا: ونَظِيرُ هَذا أنّا نَعْرِفُ في دِينِ الإسْلامِ أنَّ أبا حَنِيفَةَ إنَّما جاءَ بَعْدَ مُحَمَّدٍ ﷺ فَلَوْ أنَّ قائِلًا ادَّعى أنَّ أبا حَنِيفَةَ كانَ مَوْجُودًا في زَمانِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، وزَعَمَ أنَّهُ شَخْصٌ آخَرُ سِوى الأوَّلِ وهو أيْضًا يُسَمّى بِأبِي حَنِيفَةَ، فَإنَّ أصْحابَ التَّوارِيخِ يَقْطَعُونَ بِخَطَئِهِ فَكَذا هاهُنا. والجَوابُ: أنَّ تَوارِيخَ مُوسى وفِرْعَوْنَ قَدْ طالَ العَهْدُ بِها واضْطَرَبَتِ الأحْوالُ والأدْوارُ فَلَمْ يَبْقَ عَلى كَلامِ أهْلِ التَّوارِيخِ اعْتِمادٌ في هَذا البابِ، فَكانَ الأخْذُ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعالى أوْلى بِخِلافِ حالِ رَسُولِنا مَعَ أبِي حَنِيفَةَ فَإنَّ هَذِهِ التَّوارِيخَ قَرِيبَةٌ غَيْرُ مُضْطَرِبَةٍ، بَلْ هي مَضْبُوطَةٌ فَظَهَرَ الفَرْقُ بَيْنَ البابَيْنِ، فَهَذا جُمْلَةُ ما يَتَعَلَّقُ بِالمَباحِثِ المَعْنَوِيَّةِ في هَذِهِ الآيَةِ، وبَقِيَ ما يَتَعَلَّقُ بِالمَباحِثِ اللَّفْظِيَّةِ. قِيلَ: ”الصَّرْحُ“ البِناءُ الظّاهِرُ لا يَخْفى عَلى النّاظِرِ وإنْ بَعُدَ، اشْتَقُّوهُ مِن صَرْحِ الشَّيْءِ إذا ظَهَرَ و﴿أسْبابَ السَّماواتِ﴾ طُرُقُها، فَإنْ قِيلَ: ما فائِدَةُ هَذا التَّكْرِيرِ، لَوْ قِيلَ: لَعَلِّي أبْلُغُ أسْبابَ السَّماواتِ، كانَ صفحة ٥٩ كافِيًا؟ أجابَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ عَنْهُ فَقالَ: إذا أُبْهِمَ الشَّيْءُ ثُمَّ أُوضِحَ كانَ تَفْخِيمًا لِشَأْنِهِ، فَلَمّا أرادَ تَفْخِيمَ أسْبابِ السَّماواتِ أبْهَمَها ثُمَّ أوْضَحَها، وقَوْلُهُ: ﴿فَأطَّلِعَ إلى إلَهِ مُوسى﴾ قَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ ”فَأطَّلِعَ“ بِفَتْحِ العَيْنِ والباقُونَ بِالرَّفْعِ، قالَ المُبَرِّدُ: مَن رَفَعَ فَقَدْ عَطَفَهُ عَلى قَوْلِهِ: ﴿أبْلُغُ﴾ والتَّقْدِيرُ ﴿لَعَلِّي أبْلُغُ الأسْبابَ﴾ ثُمَّ أطَّلِعُ إلّا أنَّ حَرْفَ ثُمَّ أشَدُّ تَراخِيًا مِنَ الفاءِ، ومَن نَصَبَ جَعَلَهُ جَوابًا، والمَعْنى لَعَلِّي أبْلُغُ الأسْبابَ فَمَتى بَلَغْتُها أطَّلِعُ والمَعْنى مُخْتَلِفٌ؛ لِأنَّ الأوَّلَ: لَعَلِّي أطَّلِعُ، والثّانِي: لَعَلِّي أبْلُغُ وأنا ضامِنٌ أنِّي مَتى بَلَغْتُ فَلا بُدَّ وأنْ أطَّلِعَ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْ فِرْعَوْنَ هَذِهِ القِصَّةَ قالَ بَعْدَها: ﴿وكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ”وصُدَّ“ بِضَمِّ الصّادِ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: وبِهِ يُقْرَأُ؛ لِأنَّ ما قَبْلَهُ فِعْلٌ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ بِهِ فَجَعَلَ ما عُطِفَ عَلَيْهِ مِثْلُهُ، والباقُونَ ”وصَدَّ“ بِفَتْحِ الصّادِ عَلى أنَّهُ مَنَعَ النّاسَ عَنِ الإيمانِ، قالُوا: ومِن صَدِّهِ قَوْلُهُ ﴿لَأُقَطِّعَنَّ أيْدِيَكم وأرْجُلَكُمْ﴾ [الأعْرافِ: ١٢٤] ويُؤَيِّدُ هَذِهِ القِراءَةَ قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوكم عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ [الفَتْحِ: ٢٥] . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿زُيِّنَ﴾ لا بُدَّ لَهُ مِنَ المُزَيِّنِ، فَقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: إنَّهُ الشَّيْطانُ، فَقِيلَ لَهم: إنْ كانَ المُزَيِّنُ لِفِرْعَوْنَ هو الشَّيْطانُ، فالمُزَيِّنُ لِلشَّيْطانِ إنْ كانَ شَيْطانًا آخَرَ لَزِمَ إثْباتُ التَّسَلْسُلِ في الشَّياطِينِ أوِ الدَّوْرِ وهو مُحالٌ، ولَمّا بَطَلَ ذَلِكَ وجَبَ انْتِهاءُ الأسْبابِ والمُسَبِّباتِ في دَرَجاتِ الحاجاتِ إلى واجِبِ الوُجُودِ، وأيْضًا فَقَوْلُهُ ﴿زُيِّنَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ الشَّيْءَ إنْ لَمْ يَكُنْ في اعْتِقادِ الفاعِلِ مَوْصُوفًا بِأنَّهُ خَيْرٌ وزِينَةٌ وحُسْنٌ فَإنَّهُ لا يُقْدِمُ عَلَيْهِ، إلّا أنَّ ذَلِكَ الِاعْتِقادَ إنْ كانَ صَوابًا فَهو العِلْمُ، وإنْ كانَ خَطَأً فَهو الجَهْلُ، فَفاعِلُ ذَلِكَ الجَهْلِ لَيْسَ هو ذَلِكَ الإنْسانُ؛ لِأنَّ العاقِلَ لا يَقْصِدُ تَحْصِيلَ الجَهْلِ لِنَفْسِهِ، ولِأنَّهُ إنَّما يَقْصِدُ تَحْصِيلَ الجَهْلِ لِنَفْسِهِ إذا عَرَفَ كَوْنَهُ جَهْلًا، ومَتى عَرَفَ كَوْنَهُ جَهْلًا امْتَنَعَ بَقاؤُهُ جاهِلًا، فَثَبَتَ أنَّ فاعِلَ ذَلِكَ الجَهْلِ لَيْسَ هو ذَلِكَ الإنْسانُ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ فاعِلُهُ هو الشَّيْطانُ؛ لِأنَّ البَحْثَ الأوَّلَ بِعَيْنِهِ عائِدٌ فِيهِ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنْ يَكُونَ فاعِلُهُ هو اللَّهُ تَعالى. واللَّهُ أعْلَمُ. ويُقَوِّي ما قُلْناهُ أنَّ صاحِبَ ”الكَشّافِ“ نَقَلَ أنَّهُ قُرِئَ ”وزَيَّنَ لَهُ سُوءَ عَمَلِهِ“ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ والفِعْلُ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿إلى إلَهِ مُوسى﴾ . * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما كَيْدُ فِرْعَوْنَ إلّا في تَبابٍ﴾ والتَّبابُ الهَلاكُ والخُسْرانُ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما زادُوهم غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾ [هُودٍ: ١٠١] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ﴾ [المَسَدِ: ١] . واللَّهُ أعْلَمُ.

غافر 40:42

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَ فِرْعَوْنُ ياهامانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أبْلُغُ الأسْبابَ﴾ ﴿أسْبابَ السَّماواتِ فَأطَّلِعَ إلى إلَهِ مُوسى وإنِّي لَأظُنُّهُ كاذِبًا وكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وما كَيْدُ فِرْعَوْنَ إلّا في تَبابٍ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ فِرْعَوْنَ بِكَوْنِهِ مُتَكَبِّرًا جَبّارًا بَيَّنَ أنَّهُ أبْلَغَ في البَلادَةِ والحَماقَةِ إلى أنْ قَصَدَ الصُّعُودَ إلى السَّماواتِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: احْتَجَّ الجَمْعُ الكَثِيرُ مِنَ المُشَبِّهَةِ بِهَذِهِ الآيَةِ في إثْباتِ أنَّ اللَّهَ في السَّماواتِ وقَرَّرُوا ذَلِكَ مِن وُجُوهٍ؛ الأوَّلُ: أنَّ فِرْعَوْنَ كانَ مِنَ المُنْكِرِينَ لِوُجُودِ اللَّهِ، وكُلُّ ما يَذْكُرُهُ في صِفاتِ اللَّهِ تَعالى فَذَلِكَ إنَّما يَذْكُرُهُ لِأجْلِ أنَّهُ سَمِعَ أنَّ مُوسى يَصِفُ اللَّهَ بِذَلِكَ، فَهو أيْضًا يَذْكُرُهُ كَما سَمِعَهُ، فَلَوْلا أنَّهُ سَمِعَ مُوسى يَصِفُ اللَّهَ بِأنَّهُ مَوْجُودٌ في السَّماءِ وإلّا لَما طَلَبَهُ في السَّماءِ. الوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ قالَ: وإنِّي لَأظُنُّهُ كاذِبًا، ولَمْ يُبَيِّنْ أنَّهُ كاذِبٌ في ماذا، والمَذْكُورُ السّابِقُ مُتَعَيِّنٌ لِصَرْفِ الكَلامِ إلَيْهِ، فَكَأنَّ التَّقْدِيرَ: فَأطَّلِعَ إلى الإلَهِ الَّذِي يَزْعُمُ مُوسى أنَّهُ مَوْجُودٌ في السَّماءِ، ثُمَّ قالَ: ﴿وإنِّي لَأظُنُّهُ كاذِبًا﴾ أيْ وإنِّي لَأظُنُّ مُوسى كاذِبًا في ادِّعائِهِ أنَّ الإلَهَ مَوْجُودٌ في السَّماءِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ دِينَ مُوسى هو أنَّ الإلَهَ مَوْجُودٌ في السَّماءِ. الوَجْهُ الثّالِثُ: العِلْمُ بِأنَّهُ لَوْ وُجِدَ إلَهٌ لَكانَ مَوْجُودًا في السَّماءِ، عِلْمٌ بَدِيهِيٌّ مُتَقَرِّرٌ في كُلِّ العُقُولِ، ولِذَلِكَ فَإنَّ الصِّبْيانَ إذا تَضَرَّعُوا إلى اللَّهِ رَفَعُوا صفحة ٥٧ وُجُوهَهم وأيْدِيَهم إلى السَّماءِ، وإنَّ فِرْعَوْنَ مَعَ نِهايَةِ كُفْرِهِ لَمّا طَلَبَ الإلَهَ فَقَدْ طَلَبَهُ في السَّماءِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ العِلْمَ بِأنَّ الإلَهَ مَوْجُودٌ في السَّماءِ عِلْمٌ مُتَقَرِّرٌ في عَقْلِ الصِّدِّيقِ والزِّنْدِيقِ والمُلْحِدِ والعالِمِ والجاهِلِ. فَهَذا جُمْلَةُ اسْتِدْلالاتِ المُشَبِّهَةِ بِهَذِهِ الآيَةِ، والجَوابُ: أنَّ هَؤُلاءِ الجُهّالَ يَكْفِيهِمْ في كَمالِ الخِزْيِ والضَّلالِ أنْ جَعَلُوا قَوْلَ فِرْعَوْنَ اللَّعِينَ حُجَّةً لَهم عَلى صِحَّةِ دِينِهِمْ، وأمّا مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَإنَّهُ لَمْ يَزِدْ في تَعْرِيفِ إلَهِ العالَمِ عَلى ذِكْرِ صِفَةِ الخَلّاقِيَّةِ فَقالَ في سُورَةِ طه: ﴿رَبُّنا الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ [طه: ٥٠] وقالَ في سُورَةِ الشُّعَراءِ: ﴿رَبُّكم ورَبُّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ وما بَيْنَهُما﴾ [الشُّعَراءِ: ٢٨] فَظَهَرَ أنَّ تَعْرِيفَ ذاتِ اللَّهِ بِكَوْنِهِ في السَّماءِ دِينُ فِرْعَوْنَ وتَعْرِيفَهُ بِالخَلّاقِيَّةِ والمَوْجُودِيَّةِ دِينُ مُوسى، فَمَن قالَ بِالأوَّلِ كانَ عَلى دِينِ فِرْعَوْنَ، ومَن قالَ بِالثّانِي كانَ عَلى دِينِ مُوسى، ثُمَّ نَقُولُ: لا نُسَلِّمُ أنَّ كُلَّ ما يَقُولُهُ فِرْعَوْنُ في صِفاتِ اللَّهِ تَعالى فَذَلِكَ قَدْ سَمِعَهُ مِن مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، بَلْ لَعَلَّهُ كانَ عَلى دِينِ المُشَبِّهَةِ فَكانَ يَعْتَقِدُ أنَّ الإلَهَ لَوْ كانَ مَوْجُودًا لَكانَ حاصِلًا في السَّماءِ، فَهو إنَّما ذَكَرَ هَذا الِاعْتِقادَ مِن قِبَلِ نَفْسِهِ لا لِأجْلِ أنَّهُ قَدْ سَمِعَهُ مِن مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ. * * * وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وإنِّي لَأظُنُّهُ كاذِبًا﴾ فَنَقُولُ: لَعَلَّهُ لَمّا سَمِعَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الإسْراءِ: ١٠٢] ظَنَّ أنَّهُ عَنى بِهِ أنَّهُ رَبُّ السَّماواتِ، كَما يُقالُ لِلْواحِدِ مِنّا: إنَّهُ رَبُّ الدّارِ بِمَعْنى كَوْنِهِ ساكِنًا فِيهِ، فَلَمّا غَلَبَ عَلى ظَنِّهِ ذَلِكَ حَكى عَنْهُ، وهَذا لَيْسَ بِمُسْتَبْعَدٍ، فَإنَّ فِرْعَوْنَ كانَ بَلَغَ في الجَهْلِ والحَماقَةِ إلى حَيْثُ لا يَبْعُدُ نِسْبَةُ هَذا الخَيالِ إلَيْهِ، فَإنِ اسْتَبْعَدَ الخَصْمُ نِسْبَةَ هَذا الخَيالِ إلَيْهِ كانَ ذَلِكَ لائِقًا بِهِمْ؛ لِأنَّهم لَمّا كانُوا عَلى دِينِ فِرْعَوْنَ وجَبَ عَلَيْهِمْ تَعْظِيمُهُ. وأمّا قَوْلُهُ: إنَّ فِطْرَةَ فِرْعَوْنَ شَهِدَتْ بِأنَّ الإلَهَ لَوْ كانَ مَوْجُودًا لَكانَ في السَّماءِ، قُلْنا: نَحْنُ لا نُنْكِرُ أنَّ فِطْرَةَ أكْثَرِ النّاسِ تُخَيِّلُ إلَيْهِمْ صِحَّةَ ذَلِكَ لا سِيَّما مَن بَلَغَ في الحَماقَةِ إلى دَرَجَةِ فِرْعَوْنَ فَثَبَتَ أنَّ هَذا الكَلامَ ساقِطٌ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفَ النّاسُ في أنَّ فِرْعَوْنَ هَلْ قَصَدَ بِناءَ الصَّرْحِ لِيَصْعَدَ مِنهُ إلى السَّماءِ أمْ لا؟ أمّا الظّاهِرِيُّونَ مِنَ المُفَسِّرِينَ فَقَدْ قَطَعُوا بِذَلِكَ، وذَكَرُوا حِكايَةً طَوِيلَةً في كَيْفِيَّةِ بِناءِ ذَلِكَ الصَّرْحِ، والَّذِي عِنْدِي أنَّهُ بَعِيدٌ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنْ يُقالَ: فِرْعَوْنُ لا يَخْلُو إمّا أنْ يُقالَ: إنَّهُ كانَ مِنَ المَجانِينِ أوْ كانَ مِنَ العُقَلاءِ، فَإنْ قُلْنا: إنَّهُ كانَ مِنَ المَجانِينِ لَمْ يَجُزْ مِنَ اللَّهِ تَعالى إرْسالُ الرَّسُولِ إلَيْهِ؛ لِأنَّ العَقْلَ شَرْطٌ في التَّكْلِيفِ، ولَمْ يَجُزْ مِنَ اللَّهِ أنْ يَذْكُرَ حِكايَةَ كَلامِ مَجْنُونٍ في القُرْآنِ، وأمّا إنْ قُلْنا: إنَّهُ كانَ مِنَ العُقَلاءِ فَنَقُولُ: إنَّ كُلَّ عاقِلٍ يَعْلَمُ بِبَدِيهَةِ عَقْلِهِ أنَّهُ يَتَعَذَّرُ في قُدْرَةِ البَشَرِ وضْعُ بِناءٍ يَكُونُ أرْفَعَ مِنَ الجَبَلِ العالِي، ويَعْلَمُ أيْضًا بِبَدِيهَةِ عَقْلِهِ أنَّهُ لا يَتَفاوَتُ في البَصَرِ حالُ السَّماءِ بَيْنَ أنْ يَنْظُرَ إلَيْهِ مِن أسْفَلِ الجِبالِ وبَيْنَ أنْ يَنْظُرَ إلَيْهِ مِن أعْلى الجِبالِ، وإذا كانَ هَذانِ العِلْمانِ بَدِيهِيَّيْنِ امْتَنَعَ أنْ يَقْصِدَ العاقِلُ وضْعَ بِناءٍ يَصْعَدُ مِنهُ إلى السَّماءِ، وإذا كانَ فَسادُ هَذا مَعْلُومًا بِالضَّرُورَةِ امْتَنَعَ إسْنادُهُ إلى فِرْعَوْنَ، والَّذِي عِنْدِي في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ فِرْعَوْنَ كانَ مِنَ الدَّهْرِيَّةِ وغَرَضُهُ مِن ذِكْرِ هَذا الكَلامِ إيرادُ شُبْهَةٍ في نَفْيِ الصّانِعِ، وتَقْرِيرُهُ أنَّهُ قالَ: إنّا لا نَرى شَيْئًا نَحْكُمُ عَلَيْهِ بِأنَّهُ إلَهُ العالَمِ فَلَمْ يَجُزْ إثْباتُ هَذا الإلَهِ، أمّا إنَّهُ لا نَراهُ فَلِأنَّهُ لَوْ كانَ مَوْجُودًا لَكانَ في السَّماءِ ونَحْنُ لا سَبِيلَ لَنا إلى صُعُودِ السَّماواتِ فَكَيْفَ يُمْكِنُنا أنْ نَراهُ، ثُمَّ إنَّهُ لِأجْلِ المُبالَغَةِ في بَيانِ أنَّهُ لا يُمْكِنُهُ صُعُودُ السَّماواتِ قالَ: ﴿ياهامانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أبْلُغُ الأسْبابَ أسْبابَ﴾ والمَقْصُودُ أنَّهُ لَمّا عَرَفَ كُلُّ أحَدٍ أنَّ هَذا الطَّرِيقَ مُمْتَنِعٌ كانَ الوُصُولُ إلى مَعْرِفَةِ وُجُودِ اللَّهِ صفحة ٥٨ بِطَرِيقِ الحِسِّ مُمْتَنِعًا، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنِ اسْتَطَعْتَ أنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا في الأرْضِ أوْ سُلَّمًا في السَّماءِ فَتَأْتِيَهم بِآيَةٍ﴾ [الأنْعامِ: ٣٥] ولَيْسَ المُرادُ مِنهُ أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ طَلَبَ نَفَقًا في الأرْضِ أوْ وضَعَ سُلَّمًا إلى السَّماءِ، بَلِ المَعْنى أنَّهُ لَمّا عُرِفَ أنَّ هَذا المَعْنى مُمْتَنِعٌ فَقَدْ عُرِفَ أنَّهُ لا سَبِيلَ لَكَ إلى تَحْصِيلِ ذَلِكَ المَقْصُودِ، فَكَذا هاهُنا غَرَضُ فِرْعَوْنَ مِن قَوْلِهِ: ﴿ياهامانُ ابْنِ لِي صَرْحًا﴾ يَعْنِي أنَّ الِاطِّلاعَ عَلى إلَهِ مُوسى لَمّا كانَ لا سَبِيلَ إلَيْهِ إلّا بِهَذا الطَّرِيقِ وكانَ هَذا الطَّرِيقُ مُمْتَنِعًا، فَحِينَئِذٍ يَظْهَرُ مِنهُ أنَّهُ لا سَبِيلَ إلى مَعْرِفَةِ الإلَهِ الَّذِي يُثْبِتُهُ مُوسى. فَنَقُولُ: هَذا ما حَصَّلْتُهُ في هَذا البابِ. واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الشُّبْهَةَ فاسِدَةٌ؛ لِأنَّ طُرُقَ العِلْمِ ثَلاثَةٌ الحِسُّ والخَبَرُ والنَّظَرُ، ولا يَلْزَمُ مِنَ انْتِفاءِ طَرِيقٍ واحِدٍ وهو الحِسُّ انْتِفاءَ المَطْلُوبِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ قَدْ بَيَّنَ لِفِرْعَوْنَ أنَّ الطَّرِيقَ في مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى إنَّما هو الحُجَّةُ والدَّلِيلُ كَما قالَ: ﴿رَبُّكم ورَبُّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ﴾ (الشُّعَراءِ: ٢٨) إلّا أنَّ فِرْعَوْنَ لِخُبْثِهِ ومَكْرِهِ تَغافَلَ عَنْ ذَلِكَ الدَّلِيلِ، وألْقى إلى الجُهّالِ أنَّهُ لَمّا كانَ لا طَرِيقَ إلّا الإحْساسُ بِهَذا الإلَهِ وجَبَ نَفْيُهُ، فَهَذا ما عِنْدِي في هَذا البابِ، وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ والعِصْمَةُ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّهُ تَعالى خَلَقَ جَواهِرَ الأفْلاكِ وحَرَكاتِها بِحَيْثُ تَكُونُ هي الأسْبابُ لِحُدُوثِ الحَوادِثِ في هَذا العالَمِ الأسْفَلِ، واحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَعَلِّي أبْلُغُ الأسْبابَ أسْبابَ السَّماواتِ﴾ ومَعْلُومٌ أنَّها لَيْسَتْ أسْبابًا إلّا لِحَوادِثِ هَذا العالَمِ قالُوا: ويُؤَكِّدُ هَذا بِقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ ص: ﴿فَلْيَرْتَقُوا في الأسْبابِ﴾ [ص: ١٠] أمّا المُفَسِّرُونَ فَقَدْ ذَكَرُوا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَعَلِّي أبْلُغُ الأسْبابَ أسْبابَ السَّماواتِ﴾ أنَّ المُرادَ بِأسْبابِ السَّماواتِ طُرُقُها وأبْوابُها وما يُؤَدِّي إلَيْها، وكُلُّ ما أدّاكَ إلى شَيْءٍ فَهو سَبَبٌ كالرَّشادِ ونَحْوِهِ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَتِ اليَهُودُ: أطْبَقَ الباحِثُونَ عَنْ تَوارِيخِ بَنِي إسْرائِيلَ وفِرْعَوْنَ أنَّ هامانَ ما كانَ مَوْجُودًا البَتَّةَ في زَمانِ مُوسى وفِرْعَوْنَ وإنَّما جاءَ بَعْدَهُما بِزَمانٍ مَدِيدٍ ودَهْرٍ داهِرٍ، فالقَوْلُ بِأنَّ هامانَ كانَ مَوْجُودًا في زَمانِ فِرْعَوْنَ خَطَأٌ في التّارِيخِ، ولَيْسَ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنَّ وُجُودَ شَخْصٍ يُسَمّى بِهامانَ بَعْدَ زَمانِ فِرْعَوْنَ لا يَمْنَعُ مِن وُجُودِ شَخْصٍ آخَرَ يُسَمّى بِهَذا الِاسْمِ في زَمانِهِ، قالُوا: لِأنَّ هَذا الشَّخْصَ المُسَمّى بِهامانَ الَّذِي كانَ مَوْجُودًا في زَمانِ فِرْعَوْنَ ما كانَ شَخْصًا خَسِيسًا في حَضْرَةِ فِرْعَوْنَ بَلْ كانَ كالوَزِيرِ لَهُ، ومِثْلُ هَذا الشَّخْصِ لا يَكُونُ مَجْهُولَ الوَصْفِ والحِلْيَةِ، فَلَوْ كانَ مَوْجُودًا لَعُرِفَ حالُهُ، وحَيْثُ أطْبَقَ الباحِثُونَ عَنْ أحْوالِ فِرْعَوْنَ ومُوسى أنَّ الشَّخْصَ المُسَمّى بِهامانَ ما كانَ مَوْجُودًا في زَمانِ فِرْعَوْنَ وإنَّما جاءَ بَعْدَهُ بِأدْوارٍ عُلِمَ أنَّهُ غَلَطٌ وقَعَ في التَّوارِيخِ، قالُوا: ونَظِيرُ هَذا أنّا نَعْرِفُ في دِينِ الإسْلامِ أنَّ أبا حَنِيفَةَ إنَّما جاءَ بَعْدَ مُحَمَّدٍ ﷺ فَلَوْ أنَّ قائِلًا ادَّعى أنَّ أبا حَنِيفَةَ كانَ مَوْجُودًا في زَمانِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، وزَعَمَ أنَّهُ شَخْصٌ آخَرُ سِوى الأوَّلِ وهو أيْضًا يُسَمّى بِأبِي حَنِيفَةَ، فَإنَّ أصْحابَ التَّوارِيخِ يَقْطَعُونَ بِخَطَئِهِ فَكَذا هاهُنا. والجَوابُ: أنَّ تَوارِيخَ مُوسى وفِرْعَوْنَ قَدْ طالَ العَهْدُ بِها واضْطَرَبَتِ الأحْوالُ والأدْوارُ فَلَمْ يَبْقَ عَلى كَلامِ أهْلِ التَّوارِيخِ اعْتِمادٌ في هَذا البابِ، فَكانَ الأخْذُ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعالى أوْلى بِخِلافِ حالِ رَسُولِنا مَعَ أبِي حَنِيفَةَ فَإنَّ هَذِهِ التَّوارِيخَ قَرِيبَةٌ غَيْرُ مُضْطَرِبَةٍ، بَلْ هي مَضْبُوطَةٌ فَظَهَرَ الفَرْقُ بَيْنَ البابَيْنِ، فَهَذا جُمْلَةُ ما يَتَعَلَّقُ بِالمَباحِثِ المَعْنَوِيَّةِ في هَذِهِ الآيَةِ، وبَقِيَ ما يَتَعَلَّقُ بِالمَباحِثِ اللَّفْظِيَّةِ. قِيلَ: ”الصَّرْحُ“ البِناءُ الظّاهِرُ لا يَخْفى عَلى النّاظِرِ وإنْ بَعُدَ، اشْتَقُّوهُ مِن صَرْحِ الشَّيْءِ إذا ظَهَرَ و﴿أسْبابَ السَّماواتِ﴾ طُرُقُها، فَإنْ قِيلَ: ما فائِدَةُ هَذا التَّكْرِيرِ، لَوْ قِيلَ: لَعَلِّي أبْلُغُ أسْبابَ السَّماواتِ، كانَ صفحة ٥٩ كافِيًا؟ أجابَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ عَنْهُ فَقالَ: إذا أُبْهِمَ الشَّيْءُ ثُمَّ أُوضِحَ كانَ تَفْخِيمًا لِشَأْنِهِ، فَلَمّا أرادَ تَفْخِيمَ أسْبابِ السَّماواتِ أبْهَمَها ثُمَّ أوْضَحَها، وقَوْلُهُ: ﴿فَأطَّلِعَ إلى إلَهِ مُوسى﴾ قَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ ”فَأطَّلِعَ“ بِفَتْحِ العَيْنِ والباقُونَ بِالرَّفْعِ، قالَ المُبَرِّدُ: مَن رَفَعَ فَقَدْ عَطَفَهُ عَلى قَوْلِهِ: ﴿أبْلُغُ﴾ والتَّقْدِيرُ ﴿لَعَلِّي أبْلُغُ الأسْبابَ﴾ ثُمَّ أطَّلِعُ إلّا أنَّ حَرْفَ ثُمَّ أشَدُّ تَراخِيًا مِنَ الفاءِ، ومَن نَصَبَ جَعَلَهُ جَوابًا، والمَعْنى لَعَلِّي أبْلُغُ الأسْبابَ فَمَتى بَلَغْتُها أطَّلِعُ والمَعْنى مُخْتَلِفٌ؛ لِأنَّ الأوَّلَ: لَعَلِّي أطَّلِعُ، والثّانِي: لَعَلِّي أبْلُغُ وأنا ضامِنٌ أنِّي مَتى بَلَغْتُ فَلا بُدَّ وأنْ أطَّلِعَ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْ فِرْعَوْنَ هَذِهِ القِصَّةَ قالَ بَعْدَها: ﴿وكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ”وصُدَّ“ بِضَمِّ الصّادِ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: وبِهِ يُقْرَأُ؛ لِأنَّ ما قَبْلَهُ فِعْلٌ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ بِهِ فَجَعَلَ ما عُطِفَ عَلَيْهِ مِثْلُهُ، والباقُونَ ”وصَدَّ“ بِفَتْحِ الصّادِ عَلى أنَّهُ مَنَعَ النّاسَ عَنِ الإيمانِ، قالُوا: ومِن صَدِّهِ قَوْلُهُ ﴿لَأُقَطِّعَنَّ أيْدِيَكم وأرْجُلَكُمْ﴾ [الأعْرافِ: ١٢٤] ويُؤَيِّدُ هَذِهِ القِراءَةَ قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوكم عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ [الفَتْحِ: ٢٥] . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿زُيِّنَ﴾ لا بُدَّ لَهُ مِنَ المُزَيِّنِ، فَقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: إنَّهُ الشَّيْطانُ، فَقِيلَ لَهم: إنْ كانَ المُزَيِّنُ لِفِرْعَوْنَ هو الشَّيْطانُ، فالمُزَيِّنُ لِلشَّيْطانِ إنْ كانَ شَيْطانًا آخَرَ لَزِمَ إثْباتُ التَّسَلْسُلِ في الشَّياطِينِ أوِ الدَّوْرِ وهو مُحالٌ، ولَمّا بَطَلَ ذَلِكَ وجَبَ انْتِهاءُ الأسْبابِ والمُسَبِّباتِ في دَرَجاتِ الحاجاتِ إلى واجِبِ الوُجُودِ، وأيْضًا فَقَوْلُهُ ﴿زُيِّنَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ الشَّيْءَ إنْ لَمْ يَكُنْ في اعْتِقادِ الفاعِلِ مَوْصُوفًا بِأنَّهُ خَيْرٌ وزِينَةٌ وحُسْنٌ فَإنَّهُ لا يُقْدِمُ عَلَيْهِ، إلّا أنَّ ذَلِكَ الِاعْتِقادَ إنْ كانَ صَوابًا فَهو العِلْمُ، وإنْ كانَ خَطَأً فَهو الجَهْلُ، فَفاعِلُ ذَلِكَ الجَهْلِ لَيْسَ هو ذَلِكَ الإنْسانُ؛ لِأنَّ العاقِلَ لا يَقْصِدُ تَحْصِيلَ الجَهْلِ لِنَفْسِهِ، ولِأنَّهُ إنَّما يَقْصِدُ تَحْصِيلَ الجَهْلِ لِنَفْسِهِ إذا عَرَفَ كَوْنَهُ جَهْلًا، ومَتى عَرَفَ كَوْنَهُ جَهْلًا امْتَنَعَ بَقاؤُهُ جاهِلًا، فَثَبَتَ أنَّ فاعِلَ ذَلِكَ الجَهْلِ لَيْسَ هو ذَلِكَ الإنْسانُ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ فاعِلُهُ هو الشَّيْطانُ؛ لِأنَّ البَحْثَ الأوَّلَ بِعَيْنِهِ عائِدٌ فِيهِ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنْ يَكُونَ فاعِلُهُ هو اللَّهُ تَعالى. واللَّهُ أعْلَمُ. ويُقَوِّي ما قُلْناهُ أنَّ صاحِبَ ”الكَشّافِ“ نَقَلَ أنَّهُ قُرِئَ ”وزَيَّنَ لَهُ سُوءَ عَمَلِهِ“ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ والفِعْلُ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿إلى إلَهِ مُوسى﴾ . * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما كَيْدُ فِرْعَوْنَ إلّا في تَبابٍ﴾ والتَّبابُ الهَلاكُ والخُسْرانُ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما زادُوهم غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾ [هُودٍ: ١٠١] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ﴾ [المَسَدِ: ١] . واللَّهُ أعْلَمُ.

غافر 40:43

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَ الَّذِي آمَنَ ياقَوْمِ اتَّبِعُونِ أهْدِكم سَبِيلَ الرَّشادِ﴾ ﴿ياقَوْمِ إنَّما هَذِهِ الحَياةُ الدُّنْيا مَتاعٌ وإنَّ الآخِرَةَ هي دارُ القَرارِ﴾ ﴿مَن عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزى إلّا مِثْلَها ومَن عَمِلَ صالِحًا مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيها بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ ﴿ويا قَوْمِ ما لِي أدْعُوكم إلى النَّجاةِ وتَدْعُونَنِي إلى النّارِ﴾ ﴿تَدْعُونَنِي لِأكْفُرَ بِاللَّهِ وأُشْرِكَ بِهِ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وأنا أدْعُوكم إلى العَزِيزِ الغَفّارِ﴾ ﴿لا جَرَمَ أنَّما تَدْعُونَنِي إلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ وأنَّ مَرَدَّنا إلى اللَّهِ وأنَّ المُسْرِفِينَ هم أصْحابُ النّارِ﴾ ﴿فَسَتَذْكُرُونَ ما أقُولُ لَكم وأُفَوِّضُ أمْرِي إلى اللَّهِ إنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالعِبادِ﴾ اعْلَمْ أنَّ هَذا مِن بَقِيَّةِ كَلامِ الَّذِي آمَنَ مِن آلِ فِرْعَوْنَ، وقَدْ كانَ يَدْعُوهم إلى الإيمانِ بِمُوسى والتَّمَسُّكِ بِطَرِيقَتِهِ. واعْلَمْ أنَّهُ نادى في قَوْمِهِ ثَلاثَ مَرّاتٍ: في المَرَّةِ الأُولى دَعاهم إلى قَبُولِ ذَلِكَ الدِّينِ عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ، وفي المَرَّتَيْنِ الباقِيَتَيْنِ عَلى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ. أمّا الإجْمالُ فَهو قَوْلُهُ: ﴿ياقَوْمِ اتَّبِعُونِ أهْدِكم سَبِيلَ الرَّشادِ﴾ ولَيْسَ المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿اتَّبِعُونِ﴾ طَرِيقَةَ التَّقْلِيدِ؛ لِأنَّهُ قالَ بَعْدَهُ: ﴿أهْدِكم سَبِيلَ الرَّشادِ﴾ والهَدْيُ هو الدِّلالَةُ، ومِن بَيَّنَ الأدِلَّةَ لِلْغَيْرِ يُوصَفُ بِأنَّهُ هَداهُ، وسَبِيلُ الرَّشادِ هو سَبِيلُ الثَّوابِ والخَيْرِ وما يُؤَدِّي إلَيْهِ؛ لِأنَّ الرَّشادَ نَقِيضُ الغَيِّ، وفِيهِ تَصْرِيحٌ بِأنَّ ما عَلَيْهِ فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ هو سَبِيلُ الغَيِّ. وأمّا التَّفْصِيلُ فَهو أنَّهُ بَيَّنَ حَقارَةَ حالِ الدُّنْيا وكَمالَ حالِ الآخِرَةِ، أمّا حَقارَةُ الدُّنْيا فَهي قَوْلُهُ: ﴿ياقَوْمِ إنَّما هَذِهِ الحَياةُ الدُّنْيا مَتاعٌ﴾ والمَعْنى أنَّهُ يَسْتَمْتِعُ بِهَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا في أيّامٍ قَلِيلَةٍ، ثُمَّ تَنْقَطِعُ وتَزُولُ، وأمّا الآخِرَةُ فَهي دارُ القَرارِ والبَقاءِ والدَّوامِ، وحاصِلُ الكَلامِ أنَّ الآخِرَةَ باقِيَةٌ دائِمَةٌ، والدُّنْيا مُنْقَضِيَةٌ مُنْقَرِضَةٌ، والدّائِمُ خَيْرٌ مِنَ المُنْقَضِي، وقالَ بَعْضُ العارِفِينَ: لَوْ كانَتِ الدُّنْيا ذَهَبًا فانِيًا، والآخِرَةُ خَزَفًا باقِيًا، لَكانَتِ الآخِرَةُ خَيْرًا مِنَ الدُّنْيا، فَكَيْفَ والدُّنْيا خَزَفٌ فانٍ، والآخِرَةُ ذَهَبٌ باقٍ. واعْلَمْ أنَّ الآخِرَةَ كَما أنَّ النَّعِيمَ فِيها دائِمٌ فَكَذَلِكَ العَذابُ فِيها دائِمٌ، وأنَّ التَّرْغِيبَ في النَّعِيمِ الدّائِمِ والتَّرْهِيبَ عَنِ العَذابِ الدّائِمِ مِن أقْوى وُجُوهِ التَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ، ثُمَّ بَيَّنَ كَيْفَ تَحْصُلُ المُجازاةُ في الآخِرَةِ، وأشارَ فِيهِ إلى أنَّ جانِبَ الرَّحْمَةِ غالِبٌ عَلى جانِبِ العِقابِ فَقالَ: ﴿مَن عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزى إلّا مِثْلَها﴾ والمُرادُ بِالمِثْلِ ما يُقابِلُها في الِاسْتِحْقاقِ، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَصِحُّ هَذا الكَلامُ، مَعَ أنَّ كُفْرَ ساعَةٍ يُوجِبُ عِقابَ الأبَدِ؟ قُلْنا: إنَّ الكافِرَ يَعْتَقِدُ في كُفْرِهِ كَوْنَهُ طاعَةً وإيمانًا؛ فَلِهَذا السَّبَبِ يَكُونُ الكافِرُ عَلى عَزْمٍ أنْ يَبْقى مُصِرًّا عَلى ذَلِكَ الِاعْتِقادِ أبَدًا، فَلا جَرَمَ كانَ عِقابُهُ مُؤَبَّدًا بِخِلافِ الفاسِقِ فَإنَّهُ يَعْتَقِدُ فِيهِ كَوْنَهُ خِيانَةً ومَعْصِيَةً فَيَكُونُ عَلى عَزْمٍ صفحة ٦١ أنْ لا يَبْقى مُصِرًّا عَلَيْهِ، فَلا جَرَمَ قُلْنا أنَّ عِقابَ الفاسِقِ مُنْقَطِعٌ. أمّا الَّذِي يَقُولُهُ المُعْتَزِلَةُ مِن أنَّ عِقابَهُ مُؤَبَّدٌ فَهو باطِلٌ؛ لِأنَّ مُدَّةَ تِلْكَ المَعْصِيَةِ مُنْقَطِعَةٌ والعَزْمُ عَلى الإتْيانِ بِها أيْضًا لَيْسَ دائِمًا بَلْ مُنْقَطِعًا، فَمُقابَلَتُهُ بِعِقابٍ دائِمٍ يَكُونُ عَلى خِلافِ قَوْلِهِ: ﴿مَن عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزى إلّا مِثْلَها﴾، واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ أصْلٌ كَبِيرٌ في عُلُومِ الشَّرِيعَةِ فِيما يَتَعَلَّقُ بِأحْكامِ الجِناياتِ فَإنَّها تَقْتَضِي أنْ يَكُونَ المِثْلُ مَشْرُوعًا، وأنْ يَكُونَ الزّائِدُ عَلى المِثْلِ غَيْرَ مَشْرُوعٍ، ثُمَّ نَقُولُ: لَيْسَ في الآيَةِ بَيانُ أنَّ تِلْكَ المُماثَلَةَ مُعْتَبَرَةٌ في أيِّ الأُمُورِ فَلَوْ حَمَلْناهُ عَلى رِعايَةِ المُماثَلَةِ في شَيْءٍ مُعَيَّنٍ، مَعَ أنَّ ذَلِكَ المَعَيَّنَ غَيْرُ مَذْكُورٍ في الآيَةِ صارَتِ الآيَةُ مُجْمَلَةً، ولَوْ حَمَلْناهُ عَلى رِعايَةِ المُماثَلَةِ في جَمِيعِ الأُمُورِ صارَتِ الآيَةُ عامًّا مَخْصُوصًا، وقَدْ ثَبَتَ في أُصُولِ الفِقْهِ أنَّ التَّعارُضَ إذا وقَعَ بَيْنَ الإجْمالِ وبَيْنَ التَّخْصِيصِ كانَ دَفْعُ الإجْمالِ أوْلى فَوَجَبَ أنْ تُحْمَلَ هَذِهِ الآيَةُ عَلى رِعايَةِ المُماثَلَةِ مِن كُلِّ الوُجُوهِ إلّا في مَواضِعِ التَّخْصِيصِ، وإذا ثَبَتَ هَذا فالأحْكامُ الكَثِيرَةُ في بابِ الجِناياتِ عَلى النُّفُوسِ، وعَلى الأعْضاءِ، وعَلى الأمْوالِ يُمْكِنُ تَفْرِيعُها عَلى هَذِهِ الآيَةِ. ثُمَّ نَقُولُ: إنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ جَزاءَ السَّيِّئَةِ مَقْصُورٌ عَلى المِثْلِ بَيَّنَ أنَّ جَزاءَ الحَسَنَةِ غَيْرُ مَقْصُورٍ عَلى المِثْلِ بَلْ هو خارِجٌ عَنِ الحِسابِ فَقالَ: ﴿ومَن عَمِلَ صالِحًا مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيها بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ واحْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ فَقالُوا: قَوْلُهُ ﴿ومَن عَمِلَ صالِحًا﴾ نَكِرَةٌ في مَعْرِضِ الشَّرْطِ في جانِبِ الإثْباتِ فَجَرى مَجْرى أنْ يُقالَ: مَن ذَكَرَ كَلِمَةً أوْ مَن خَطا خَطْوَةً فَلَهُ كَذا، فَإنَّهُ يَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ مَن أتى بِتِلْكَ الكَلِمَةِ أوْ بِتِلْكَ الخَطْوَةِ مَرَّةً واحِدَةً، فَكَذَلِكَ هاهُنا وجَبَ أنْ يُقالَ: كُلُّ مَن عَمِلَ صالِحًا واحِدًا مِنَ الصّالِحاتِ فَإنَّهُ يَدْخُلُ الجَنَّةَ ويُرْزَقُ فِيها بِغَيْرِ حِسابٍ، والآتِي بِالإيمانِ والمُواظِبُ عَلى التَّوْحِيدِ والتَّقْدِيسِ مُدَّةَ ثَمانِينَ سَنَةً قَدْ أتى بِأعْظَمِ الصّالِحاتِ وبِأحْسَنِ الطّاعاتِ، فَوَجَبَ أنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ، والخَصْمُ يَقُولُ: إنَّهُ يَبْقى مُخَلَّدًا في النّارِ أبَدَ الآبادِ فَكانَ ذَلِكَ عَلى خِلافِ هَذا النَّصِّ الصَّرِيحِ. قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: إنَّهُ تَعالى شَرَطَ فِيهِ كَوْنَهُ مُؤْمِنًا وصاحِبُ الكَبِيرَةِ عِنْدَنا لَيْسَ بِمُؤْمِنٍ فَلا يَدْخُلُ في هَذا الوَعْدِ. والجَوابُ: أنّا بَيَّنّا في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ﴾ [البَقَرَةِ: ٣٠] أنَّ صاحِبَ الكَبِيرَةِ مُؤْمِنٌ فَسَقَطَ هَذا الكَلامُ، واخْتَلَفُوا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿يُرْزَقُونَ فِيها بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ فَمِنهم مَن قالَ: لَمّا كانَ لا نِهايَةَ لِذَلِكَ الثَّوابِ قِيلَ بِغَيْرِ حِسابٍ، وقالَ الآخَرُونَ: لِأنَّهُ تَعالى يُعْطِيهِمْ ثَوابَ أعْمالِهِمْ ويَضُمُّ إلى ذَلِكَ الثَّوابِ مِن أقْسامِ التَّفَضُّلِ ما يَخْرُجُ عَنِ الحِسابِ وقَوْلُهُ: ﴿بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ واقِعٌ في مُقابَلَةِ ﴿إلّا مِثْلَها﴾ يَعْنِي أنَّ جَزاءَ السَّيِّئَةِ لَهُ حِسابٌ وتَقْدِيرٌ؛ لِئَلّا يَزِيدَ عَلى الِاسْتِحْقاقِ، فَأمّا جَزاءُ العَمَلِ الصّالِحِ فَبِغَيْرِ تَقْدِيرٍ وحِسابٍ بَلْ ما شِئْتَ مِنَ الزِّيادَةِ عَلى الحَقِّ والكَثْرَةِ والسِّعَةِ، وأقُولُ هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ جانِبَ الرَّحْمَةِ والفَضْلِ راجِحٌ عَلى جانِبِ القَهْرِ والعِقابِ، فَإذا عارَضْنا عُمُوماتِ الوَعْدِ بِعُمُوماتِ الوَعِيدِ، وجَبَ أنْ يَكُونَ التَّرْجِيحُ بِجانِبِ عُمُوماتِ الوَعْدِ، وذَلِكَ يَهْدِمُ قَواعِدَ المُعْتَزِلَةِ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ ذَلِكَ المُؤْمِنُ ونادى في المَرَّةِ الثّالِثَةِ وقالَ: ﴿يا قَوْمِ ما لِي أدْعُوكم إلى النَّجاةِ وتَدْعُونَنِي إلى النّارِ﴾ يَعْنِي أنا أدْعُوكم إلى الإيمانِ الَّذِي يُوجِبُ النَّجاةَ وتَدْعُونَنِي إلى الكُفْرِ الَّذِي يُوجِبُ النّارَ، فَإنْ قِيلَ: لِمَ كَرَّرَ نِداءَ قَوْمِهِ، ولِمَ جاءَ بِالواوِ في النِّداءِ الثّالِثِ دُونَ الثّانِي؟ قُلْنا: أمّا تَكْرِيرُ النِّداءِ فَفِيهِ زِيادَةُ تَنْبِيهٍ لَهم وإيقاظٌ مِن سِنَةِ الغَفْلَةِ، وإظْهارُ أنَّ لَهُ بِهَذا صفحة ٦٢ المُهِمِّ مَزِيدَ اهْتِمامٍ، وعَلى أُولَئِكَ الأقْوامِ فَرْطَ شَفَقَةٍ، وأمّا المَجِيءُ بِالواوِ العاطِفَةِ فَلِأنَّ الثّانِيَ يَقْرُبُ مِن أنْ يَكُونَ عَيْنَ الأوَّلِ؛ لِأنَّ الثّانِيَ بَيانٌ لِلْأوَّلِ والبَيانُ عَيْنُ المُبَيَّنِ، وأمّا الثّالِثُ فَلِأنَّهُ كَلامٌ مُبايِنٌ لِلْأوَّلِ والثّانِي فَحَسُنَ إيرادُ الواوِ العاطِفَةِ فِيهِ، ولَمّا ذَكَرَ هَذا المُؤْمِنُ أنَّهُ يَدْعُوهم إلى النَّجاةِ وهم يَدْعُونَهُ إلى النّارِ، فَسَّرَ ذَلِكَ بِأنَّهم يَدْعُونَهُ إلى الكُفْرِ بِاللَّهِ وإلى الشِّرْكِ بِهِ، أمّا الكُفْرُ بِاللَّهِ فَلِأنَّ الأكْثَرِينَ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ كانُوا يُنْكِرُونَ وُجُودَ الإلَهِ، ومِنهم مَن كانَ يُقِرُّ بِوُجُودِ اللَّهِ إلّا أنَّهُ كانَ يُثْبِتُ عِبادَةَ الأصْنامِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأُشْرِكَ بِهِ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾ المُرادُ بِنَفْيِ العِلْمِ نَفْيُ المَعْلُومِ، كَأنَّهُ قالَ: وأُشْرِكُ بِهِ ما لَيْسَ بِإلَهٍ وما لَيْسَ بِإلَهٍ كَيْفَ يُعْقَلُ جَعْلُهُ شَرِيكًا لِلْإلَهِ؟ ولَمّا بَيَّنَ أنَّهم يَدْعُونَهُ إلى الكُفْرِ والشِّرْكِ بَيَّنَ أنَّهُ يَدْعُوهم إلى الإيمانِ بِالعَزِيزِ الغَفّارِ فَقَوْلُهُ: ﴿العَزِيزِ﴾ إشارَةٌ إلى كَوْنِهِ كامِلَ القُدْرَةِ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ الإلَهَ هو الَّذِي يَكُونُ كامِلَ القُدْرَةِ، وأمّا فِرْعَوْنُ فَهو في غايَةِ العَجْزِ فَكَيْفَ يَكُونُ إلَهًا، وأمّا الأصْنامُ فَإنَّها أحْجارٌ مَنحُوتَةٌ فَكَيْفَ يُعْقَلُ القَوْلُ بِكَوْنِها آلِهَةً وقَوْلُهُ: ﴿الغَفّارِ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّهُ لا يَجِبُ أنْ يَكُونُوا آيِسِينَ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ بِسَبَبِ إصْرارِهِمْ عَلى الكُفْرِ مُدَّةً مَدِيدَةً، فَإنَّ إلَهَ العالَمِ وإنْ كانَ عَزِيزًا لا يُغْلَبُ قادِرًا لا يُغالَبُ، لَكِنَّهُ غَفّارٌ يَغْفِرُ كُفْرَ سَبْعِينَ سَنَةً بِإيمانِ ساعَةٍ واحِدَةٍ، ثُمَّ قالَ ذَلِكَ المُؤْمِنُ: ﴿لا جَرَمَ﴾ والكَلامُ في تَفْسِيرِ لا جَرَمَ مَرَّ في سُورَةِ هُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا جَرَمَ أنَّهم في الآخِرَةِ هُمُ الأخْسَرُونَ﴾ [هُودٍ: ٢٢] وقَدْ أعادَهُ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ هاهُنا فَقالَ: ﴿لا جَرَمَ﴾ مَساقُهُ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ أنْ يُجْعَلَ ﴿لا﴾ رَدًّا لِما دَعاهُ إلَيْهِ قَوْمُهُ و﴿جَرَمَ﴾ فِعْلٌ بِمَعْنى حَقٌّ و﴿أنَّما﴾ مَعَ ما في حَيِّزِهِ فاعِلُهُ أيْ حَقٌّ، ووَجَبَ بُطْلانُ دَعْوَتِهِ، أوْ بِمَعْنى كَسْبٍ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يَجْرِمَنَّكم شَنَآنُ قَوْمٍ أنْ صَدُّوكم عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ أنْ تَعْتَدُوا﴾ [المائِدَةِ: ٢] أيْ كَسْبُ ذَلِكَ الدُّعاءِ إلَيْهِ بُطْلانُ دَعْوَتِهِ بِمَعْنى أنَّهُ ما حَصَلَ مِن ذَلِكَ إلّا ظُهُورُ بُطْلانِ دَعْوَتِهِ، ويَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ ﴿لا جَرَمَ﴾ نَظِيرُهُ لا بُدَّ فِعْلٌ مِنَ الجَرْمِ وهو القَطْعُ كَما أنَّ بُدَّ فِعْلٌ مِنَ التَّبْدِيدِ وهو التَّفْرِيقُ، وكَما أنَّ مَعْنى لا بُدَّ أنَّكَ تَفْعَلُ كَذا أنَّهُ لا بُدَّ لَكَ مِن فِعْلِهِ، فَكَذَلِكَ ﴿لا جَرَمَ أنَّ لَهُمُ النّارَ﴾ أيْ لا قَطْعَ لِذَلِكَ بِمَعْنى أنَّهم أبَدًا يَسْتَحِقُّونَ النّارَ لا انْقِطاعَ لِاسْتِحْقاقِهِمْ، ولا قَطْعَ لِبُطْلانِ دَعْوَةِ الأصْنامِ، أيْ لا تَزالُ باطِلَةً لا يَنْقَطِعُ ذَلِكَ فَيُنْقَلُ حَقًّا، ورُوِيَ عَنْ بَعْضِ العَرَبِ لا جَرَمَ أنَّهُ يُفْعَلُ بِضَمِّ الجِيمِ وسُكُونِ الرّاءِ بِزِنَةِ بُدٍّ وفِعْلُ إخْوانٍ كَرُشْدٍ ورَشَدٍ وكَعُدْمٍ وعَدَمٍ هَذا كُلُّهُ ألْفاظُ صاحِبِ ”الكَشّافِ“ . * * * ثُمَّ قالَ: ﴿أنَّما تَدْعُونَنِي إلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ﴾ والمُرادُ أنَّ الأوْثانَ الَّتِي تَدْعُونَنِي إلى عِبادَتِها لَيْسَ لَها دَعْوَةٌ في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ، وفي تَفْسِيرِ هَذِهِ الدَّعْوَةِ احْتِمالانِ: الأوَّلُ: أنَّ المَعْنى ما تَدْعُونَنِي إلى عِبادَتِهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ إلى نَفْسِهِ؛ لِأنَّها جَماداتٌ والجَماداتُ لا تَدْعُو أحَدًا إلى عِبادَةِ نَفْسِها وقَوْلُهُ: ﴿فِي الآخِرَةِ﴾ يَعْنِي أنَّهُ تَعالى إذا قَلَبَها حَيَوانًا في الآخِرَةِ فَإنَّها تَتَبَرَّأُ مِن هَؤُلاءِ العابِدِينَ. والِاحْتِمالُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ﴾ مَعْناهُ لَيْسَ لَهُ اسْتِجابَةُ دَعْوَةٍ في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ، فَسُمِّيَتِ اسْتِجابَةُ الدَّعْوَةِ بِالدَّعْوَةِ إطْلاقًا لِاسْمِ أحَدِ المُتَضايِفَيْنِ عَلى الآخَرِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿وأنَّ مَرَدَّنا إلى اللَّهِ﴾ فَبَيَّنَ أنَّ هَذِهِ الأصْنامَ لا فائِدَةَ فِيها البَتَّةَ، ومَعَ ذَلِكَ صفحة ٦٣ فَإنَّ مَرَدَّنا إلى اللَّهِ العالِمِ بِكُلِّ المَعْلُوماتِ القادِرِ عَلى كُلِّ المُمْكِناتِ الغَنِيِّ عَنْ كُلِّ الحاجاتِ الَّذِي لا يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيْهِ وما هو بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ، فَأيُّ عاقِلٍ يُجَوِّزُ لَهُ عَقْلُهُ أنْ يَشْتَغِلَ بِعِبادَةِ تِلْكَ الأشْياءِ الباطِلَةِ، وأنْ يُعْرِضَ عَنْ عِبادَةِ هَذا الإلَهِ الَّذِي لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مَرَدُّهُ إلَيْهِ؟ وقَوْلُهُ: ﴿وأنَّ المُسْرِفِينَ هم أصْحابُ النّارِ﴾ قالَ قَتادَةُ: يَعْنِي المُشْرِكِينَ، وقالَ مُجاهِدٌ: السَّفّاكِينَ لِلدِّماءِ والصَّحِيحُ أنَّهم أسْرَفُوا في مَعْصِيَةِ اللَّهِ بِالكَمِّيَّةِ والكَيْفِيَّةِ، أمّا الكِمِّيَّةُ فَبِالدَّوامِ، وأمّا الكَيْفِيَّةُ فَبِالعَوْدِ والإصْرارِ، ولَمّا بالَغَ مُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ في هَذِهِ البَياناتِ خَتَمَ كَلامَهُ بِخاتِمَةٍ لَطِيفَةٍ فَقالَ: ﴿فَسَتَذْكُرُونَ ما أقُولُ لَكُمْ﴾ وهَذا كَلامٌ مُبْهَمٌ يُوجِبُ التَّخْوِيفَ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّ هَذا الذِّكْرَ يَحْصُلُ في الدُّنْيا وهو وقْتُ المَوْتِ، وأنْ يَكُونَ في القِيامَةِ وقْتَ مُشاهَدَةِ الأهْوالِ، وبِالجُمْلَةِ فَهو تَحْذِيرٌ شَدِيدٌ، ثُمَّ قالَ: ﴿وأُفَوِّضُ أمْرِي إلى اللَّهِ﴾ وهَذا كَلامُ مَن هُدِّدَ بِأمْرٍ يَخافُهُ فَكَأنَّهم خَوَّفُوهُ بِالقَتْلِ وهو أيْضًا خَوَّفَهم بِقَوْلِهِ: ﴿فَسَتَذْكُرُونَ ما أقُولُ لَكُمْ﴾ ثُمَّ عَوَّلَ في دَفْعِ تَخْوِيفِهِمْ وكَيْدِهِمْ ومَكْرِهِمْ عَلى فَضْلِ اللَّهِ تَعالى فَقالَ: ﴿وأُفَوِّضُ أمْرِي إلى اللَّهِ﴾ وهو إنَّما تَعَلَّمَ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ مِن مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإنَّ فِرْعَوْنَ لَمّا خَوَّفَهُ بِالقَتْلِ رَجَعَ مُوسى في دَفْعِ ذَلِكَ الشَّرِّ إلى اللَّهِ حَيْثُ قالَ: ﴿إنِّي عُذْتُ بِرَبِّي ورَبِّكم مِن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الحِسابِ﴾ فَتَحَ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو الياءَ مِن ”أمْرِي“ والباقُونَ بِالإسْكانِ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالعِبادِ﴾ أيْ عالِمٌ بِأحْوالِهِمْ وبِمَقادِيرِ حاجاتِهِمْ، وتَمَسَّكَ أصْحابُنا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأُفَوِّضُ أمْرِي إلى اللَّهِ﴾ عَلى أنَّ الكُلَّ مِنَ اللَّهِ، وقالُوا: إنَّ المُعْتَزِلَةَ الَّذِينَ قالُوا: إنَّ الخَيْرَ والشَّرَّ يَحْصُلُ بِقُدْرَتِهِمْ قَدْ فَوَّضُوا أمْرَ أنْفُسِهِمْ إلَيْهِمْ وما فَوَّضُوها إلى اللَّهِ، والمُعْتَزِلَةُ تَمَسَّكُوا بِهَذِهِ الآيَةِ فَقالُوا: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿أُفَوِّضُ﴾ اعْتِرافٌ بِكَوْنِهِ فاعِلًا مُسْتَقِلًّا بِالفِعْلِ، والمَباحِثُ المَذْكُورَةُ في قَوْلِهِ: ﴿أعُوذُ بِاللَّهِ﴾ عائِدَةٌ بِتَمامِها في هَذا المَوْضِعِ. وهاهُنا آخِرُ كَلامِ مُؤْمِنِ آلِ فِرْعَوْنَ. واللَّهُ الهادِي.

غافر 40:44

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَ الَّذِي آمَنَ ياقَوْمِ اتَّبِعُونِ أهْدِكم سَبِيلَ الرَّشادِ﴾ ﴿ياقَوْمِ إنَّما هَذِهِ الحَياةُ الدُّنْيا مَتاعٌ وإنَّ الآخِرَةَ هي دارُ القَرارِ﴾ ﴿مَن عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزى إلّا مِثْلَها ومَن عَمِلَ صالِحًا مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيها بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ ﴿ويا قَوْمِ ما لِي أدْعُوكم إلى النَّجاةِ وتَدْعُونَنِي إلى النّارِ﴾ ﴿تَدْعُونَنِي لِأكْفُرَ بِاللَّهِ وأُشْرِكَ بِهِ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وأنا أدْعُوكم إلى العَزِيزِ الغَفّارِ﴾ ﴿لا جَرَمَ أنَّما تَدْعُونَنِي إلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ وأنَّ مَرَدَّنا إلى اللَّهِ وأنَّ المُسْرِفِينَ هم أصْحابُ النّارِ﴾ ﴿فَسَتَذْكُرُونَ ما أقُولُ لَكم وأُفَوِّضُ أمْرِي إلى اللَّهِ إنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالعِبادِ﴾ اعْلَمْ أنَّ هَذا مِن بَقِيَّةِ كَلامِ الَّذِي آمَنَ مِن آلِ فِرْعَوْنَ، وقَدْ كانَ يَدْعُوهم إلى الإيمانِ بِمُوسى والتَّمَسُّكِ بِطَرِيقَتِهِ. واعْلَمْ أنَّهُ نادى في قَوْمِهِ ثَلاثَ مَرّاتٍ: في المَرَّةِ الأُولى دَعاهم إلى قَبُولِ ذَلِكَ الدِّينِ عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ، وفي المَرَّتَيْنِ الباقِيَتَيْنِ عَلى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ. أمّا الإجْمالُ فَهو قَوْلُهُ: ﴿ياقَوْمِ اتَّبِعُونِ أهْدِكم سَبِيلَ الرَّشادِ﴾ ولَيْسَ المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿اتَّبِعُونِ﴾ طَرِيقَةَ التَّقْلِيدِ؛ لِأنَّهُ قالَ بَعْدَهُ: ﴿أهْدِكم سَبِيلَ الرَّشادِ﴾ والهَدْيُ هو الدِّلالَةُ، ومِن بَيَّنَ الأدِلَّةَ لِلْغَيْرِ يُوصَفُ بِأنَّهُ هَداهُ، وسَبِيلُ الرَّشادِ هو سَبِيلُ الثَّوابِ والخَيْرِ وما يُؤَدِّي إلَيْهِ؛ لِأنَّ الرَّشادَ نَقِيضُ الغَيِّ، وفِيهِ تَصْرِيحٌ بِأنَّ ما عَلَيْهِ فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ هو سَبِيلُ الغَيِّ. وأمّا التَّفْصِيلُ فَهو أنَّهُ بَيَّنَ حَقارَةَ حالِ الدُّنْيا وكَمالَ حالِ الآخِرَةِ، أمّا حَقارَةُ الدُّنْيا فَهي قَوْلُهُ: ﴿ياقَوْمِ إنَّما هَذِهِ الحَياةُ الدُّنْيا مَتاعٌ﴾ والمَعْنى أنَّهُ يَسْتَمْتِعُ بِهَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا في أيّامٍ قَلِيلَةٍ، ثُمَّ تَنْقَطِعُ وتَزُولُ، وأمّا الآخِرَةُ فَهي دارُ القَرارِ والبَقاءِ والدَّوامِ، وحاصِلُ الكَلامِ أنَّ الآخِرَةَ باقِيَةٌ دائِمَةٌ، والدُّنْيا مُنْقَضِيَةٌ مُنْقَرِضَةٌ، والدّائِمُ خَيْرٌ مِنَ المُنْقَضِي، وقالَ بَعْضُ العارِفِينَ: لَوْ كانَتِ الدُّنْيا ذَهَبًا فانِيًا، والآخِرَةُ خَزَفًا باقِيًا، لَكانَتِ الآخِرَةُ خَيْرًا مِنَ الدُّنْيا، فَكَيْفَ والدُّنْيا خَزَفٌ فانٍ، والآخِرَةُ ذَهَبٌ باقٍ. واعْلَمْ أنَّ الآخِرَةَ كَما أنَّ النَّعِيمَ فِيها دائِمٌ فَكَذَلِكَ العَذابُ فِيها دائِمٌ، وأنَّ التَّرْغِيبَ في النَّعِيمِ الدّائِمِ والتَّرْهِيبَ عَنِ العَذابِ الدّائِمِ مِن أقْوى وُجُوهِ التَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ، ثُمَّ بَيَّنَ كَيْفَ تَحْصُلُ المُجازاةُ في الآخِرَةِ، وأشارَ فِيهِ إلى أنَّ جانِبَ الرَّحْمَةِ غالِبٌ عَلى جانِبِ العِقابِ فَقالَ: ﴿مَن عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزى إلّا مِثْلَها﴾ والمُرادُ بِالمِثْلِ ما يُقابِلُها في الِاسْتِحْقاقِ، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَصِحُّ هَذا الكَلامُ، مَعَ أنَّ كُفْرَ ساعَةٍ يُوجِبُ عِقابَ الأبَدِ؟ قُلْنا: إنَّ الكافِرَ يَعْتَقِدُ في كُفْرِهِ كَوْنَهُ طاعَةً وإيمانًا؛ فَلِهَذا السَّبَبِ يَكُونُ الكافِرُ عَلى عَزْمٍ أنْ يَبْقى مُصِرًّا عَلى ذَلِكَ الِاعْتِقادِ أبَدًا، فَلا جَرَمَ كانَ عِقابُهُ مُؤَبَّدًا بِخِلافِ الفاسِقِ فَإنَّهُ يَعْتَقِدُ فِيهِ كَوْنَهُ خِيانَةً ومَعْصِيَةً فَيَكُونُ عَلى عَزْمٍ صفحة ٦١ أنْ لا يَبْقى مُصِرًّا عَلَيْهِ، فَلا جَرَمَ قُلْنا أنَّ عِقابَ الفاسِقِ مُنْقَطِعٌ. أمّا الَّذِي يَقُولُهُ المُعْتَزِلَةُ مِن أنَّ عِقابَهُ مُؤَبَّدٌ فَهو باطِلٌ؛ لِأنَّ مُدَّةَ تِلْكَ المَعْصِيَةِ مُنْقَطِعَةٌ والعَزْمُ عَلى الإتْيانِ بِها أيْضًا لَيْسَ دائِمًا بَلْ مُنْقَطِعًا، فَمُقابَلَتُهُ بِعِقابٍ دائِمٍ يَكُونُ عَلى خِلافِ قَوْلِهِ: ﴿مَن عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزى إلّا مِثْلَها﴾، واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ أصْلٌ كَبِيرٌ في عُلُومِ الشَّرِيعَةِ فِيما يَتَعَلَّقُ بِأحْكامِ الجِناياتِ فَإنَّها تَقْتَضِي أنْ يَكُونَ المِثْلُ مَشْرُوعًا، وأنْ يَكُونَ الزّائِدُ عَلى المِثْلِ غَيْرَ مَشْرُوعٍ، ثُمَّ نَقُولُ: لَيْسَ في الآيَةِ بَيانُ أنَّ تِلْكَ المُماثَلَةَ مُعْتَبَرَةٌ في أيِّ الأُمُورِ فَلَوْ حَمَلْناهُ عَلى رِعايَةِ المُماثَلَةِ في شَيْءٍ مُعَيَّنٍ، مَعَ أنَّ ذَلِكَ المَعَيَّنَ غَيْرُ مَذْكُورٍ في الآيَةِ صارَتِ الآيَةُ مُجْمَلَةً، ولَوْ حَمَلْناهُ عَلى رِعايَةِ المُماثَلَةِ في جَمِيعِ الأُمُورِ صارَتِ الآيَةُ عامًّا مَخْصُوصًا، وقَدْ ثَبَتَ في أُصُولِ الفِقْهِ أنَّ التَّعارُضَ إذا وقَعَ بَيْنَ الإجْمالِ وبَيْنَ التَّخْصِيصِ كانَ دَفْعُ الإجْمالِ أوْلى فَوَجَبَ أنْ تُحْمَلَ هَذِهِ الآيَةُ عَلى رِعايَةِ المُماثَلَةِ مِن كُلِّ الوُجُوهِ إلّا في مَواضِعِ التَّخْصِيصِ، وإذا ثَبَتَ هَذا فالأحْكامُ الكَثِيرَةُ في بابِ الجِناياتِ عَلى النُّفُوسِ، وعَلى الأعْضاءِ، وعَلى الأمْوالِ يُمْكِنُ تَفْرِيعُها عَلى هَذِهِ الآيَةِ. ثُمَّ نَقُولُ: إنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ جَزاءَ السَّيِّئَةِ مَقْصُورٌ عَلى المِثْلِ بَيَّنَ أنَّ جَزاءَ الحَسَنَةِ غَيْرُ مَقْصُورٍ عَلى المِثْلِ بَلْ هو خارِجٌ عَنِ الحِسابِ فَقالَ: ﴿ومَن عَمِلَ صالِحًا مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيها بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ واحْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ فَقالُوا: قَوْلُهُ ﴿ومَن عَمِلَ صالِحًا﴾ نَكِرَةٌ في مَعْرِضِ الشَّرْطِ في جانِبِ الإثْباتِ فَجَرى مَجْرى أنْ يُقالَ: مَن ذَكَرَ كَلِمَةً أوْ مَن خَطا خَطْوَةً فَلَهُ كَذا، فَإنَّهُ يَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ مَن أتى بِتِلْكَ الكَلِمَةِ أوْ بِتِلْكَ الخَطْوَةِ مَرَّةً واحِدَةً، فَكَذَلِكَ هاهُنا وجَبَ أنْ يُقالَ: كُلُّ مَن عَمِلَ صالِحًا واحِدًا مِنَ الصّالِحاتِ فَإنَّهُ يَدْخُلُ الجَنَّةَ ويُرْزَقُ فِيها بِغَيْرِ حِسابٍ، والآتِي بِالإيمانِ والمُواظِبُ عَلى التَّوْحِيدِ والتَّقْدِيسِ مُدَّةَ ثَمانِينَ سَنَةً قَدْ أتى بِأعْظَمِ الصّالِحاتِ وبِأحْسَنِ الطّاعاتِ، فَوَجَبَ أنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ، والخَصْمُ يَقُولُ: إنَّهُ يَبْقى مُخَلَّدًا في النّارِ أبَدَ الآبادِ فَكانَ ذَلِكَ عَلى خِلافِ هَذا النَّصِّ الصَّرِيحِ. قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: إنَّهُ تَعالى شَرَطَ فِيهِ كَوْنَهُ مُؤْمِنًا وصاحِبُ الكَبِيرَةِ عِنْدَنا لَيْسَ بِمُؤْمِنٍ فَلا يَدْخُلُ في هَذا الوَعْدِ. والجَوابُ: أنّا بَيَّنّا في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ﴾ [البَقَرَةِ: ٣٠] أنَّ صاحِبَ الكَبِيرَةِ مُؤْمِنٌ فَسَقَطَ هَذا الكَلامُ، واخْتَلَفُوا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿يُرْزَقُونَ فِيها بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ فَمِنهم مَن قالَ: لَمّا كانَ لا نِهايَةَ لِذَلِكَ الثَّوابِ قِيلَ بِغَيْرِ حِسابٍ، وقالَ الآخَرُونَ: لِأنَّهُ تَعالى يُعْطِيهِمْ ثَوابَ أعْمالِهِمْ ويَضُمُّ إلى ذَلِكَ الثَّوابِ مِن أقْسامِ التَّفَضُّلِ ما يَخْرُجُ عَنِ الحِسابِ وقَوْلُهُ: ﴿بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ واقِعٌ في مُقابَلَةِ ﴿إلّا مِثْلَها﴾ يَعْنِي أنَّ جَزاءَ السَّيِّئَةِ لَهُ حِسابٌ وتَقْدِيرٌ؛ لِئَلّا يَزِيدَ عَلى الِاسْتِحْقاقِ، فَأمّا جَزاءُ العَمَلِ الصّالِحِ فَبِغَيْرِ تَقْدِيرٍ وحِسابٍ بَلْ ما شِئْتَ مِنَ الزِّيادَةِ عَلى الحَقِّ والكَثْرَةِ والسِّعَةِ، وأقُولُ هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ جانِبَ الرَّحْمَةِ والفَضْلِ راجِحٌ عَلى جانِبِ القَهْرِ والعِقابِ، فَإذا عارَضْنا عُمُوماتِ الوَعْدِ بِعُمُوماتِ الوَعِيدِ، وجَبَ أنْ يَكُونَ التَّرْجِيحُ بِجانِبِ عُمُوماتِ الوَعْدِ، وذَلِكَ يَهْدِمُ قَواعِدَ المُعْتَزِلَةِ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ ذَلِكَ المُؤْمِنُ ونادى في المَرَّةِ الثّالِثَةِ وقالَ: ﴿يا قَوْمِ ما لِي أدْعُوكم إلى النَّجاةِ وتَدْعُونَنِي إلى النّارِ﴾ يَعْنِي أنا أدْعُوكم إلى الإيمانِ الَّذِي يُوجِبُ النَّجاةَ وتَدْعُونَنِي إلى الكُفْرِ الَّذِي يُوجِبُ النّارَ، فَإنْ قِيلَ: لِمَ كَرَّرَ نِداءَ قَوْمِهِ، ولِمَ جاءَ بِالواوِ في النِّداءِ الثّالِثِ دُونَ الثّانِي؟ قُلْنا: أمّا تَكْرِيرُ النِّداءِ فَفِيهِ زِيادَةُ تَنْبِيهٍ لَهم وإيقاظٌ مِن سِنَةِ الغَفْلَةِ، وإظْهارُ أنَّ لَهُ بِهَذا صفحة ٦٢ المُهِمِّ مَزِيدَ اهْتِمامٍ، وعَلى أُولَئِكَ الأقْوامِ فَرْطَ شَفَقَةٍ، وأمّا المَجِيءُ بِالواوِ العاطِفَةِ فَلِأنَّ الثّانِيَ يَقْرُبُ مِن أنْ يَكُونَ عَيْنَ الأوَّلِ؛ لِأنَّ الثّانِيَ بَيانٌ لِلْأوَّلِ والبَيانُ عَيْنُ المُبَيَّنِ، وأمّا الثّالِثُ فَلِأنَّهُ كَلامٌ مُبايِنٌ لِلْأوَّلِ والثّانِي فَحَسُنَ إيرادُ الواوِ العاطِفَةِ فِيهِ، ولَمّا ذَكَرَ هَذا المُؤْمِنُ أنَّهُ يَدْعُوهم إلى النَّجاةِ وهم يَدْعُونَهُ إلى النّارِ، فَسَّرَ ذَلِكَ بِأنَّهم يَدْعُونَهُ إلى الكُفْرِ بِاللَّهِ وإلى الشِّرْكِ بِهِ، أمّا الكُفْرُ بِاللَّهِ فَلِأنَّ الأكْثَرِينَ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ كانُوا يُنْكِرُونَ وُجُودَ الإلَهِ، ومِنهم مَن كانَ يُقِرُّ بِوُجُودِ اللَّهِ إلّا أنَّهُ كانَ يُثْبِتُ عِبادَةَ الأصْنامِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأُشْرِكَ بِهِ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾ المُرادُ بِنَفْيِ العِلْمِ نَفْيُ المَعْلُومِ، كَأنَّهُ قالَ: وأُشْرِكُ بِهِ ما لَيْسَ بِإلَهٍ وما لَيْسَ بِإلَهٍ كَيْفَ يُعْقَلُ جَعْلُهُ شَرِيكًا لِلْإلَهِ؟ ولَمّا بَيَّنَ أنَّهم يَدْعُونَهُ إلى الكُفْرِ والشِّرْكِ بَيَّنَ أنَّهُ يَدْعُوهم إلى الإيمانِ بِالعَزِيزِ الغَفّارِ فَقَوْلُهُ: ﴿العَزِيزِ﴾ إشارَةٌ إلى كَوْنِهِ كامِلَ القُدْرَةِ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ الإلَهَ هو الَّذِي يَكُونُ كامِلَ القُدْرَةِ، وأمّا فِرْعَوْنُ فَهو في غايَةِ العَجْزِ فَكَيْفَ يَكُونُ إلَهًا، وأمّا الأصْنامُ فَإنَّها أحْجارٌ مَنحُوتَةٌ فَكَيْفَ يُعْقَلُ القَوْلُ بِكَوْنِها آلِهَةً وقَوْلُهُ: ﴿الغَفّارِ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّهُ لا يَجِبُ أنْ يَكُونُوا آيِسِينَ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ بِسَبَبِ إصْرارِهِمْ عَلى الكُفْرِ مُدَّةً مَدِيدَةً، فَإنَّ إلَهَ العالَمِ وإنْ كانَ عَزِيزًا لا يُغْلَبُ قادِرًا لا يُغالَبُ، لَكِنَّهُ غَفّارٌ يَغْفِرُ كُفْرَ سَبْعِينَ سَنَةً بِإيمانِ ساعَةٍ واحِدَةٍ، ثُمَّ قالَ ذَلِكَ المُؤْمِنُ: ﴿لا جَرَمَ﴾ والكَلامُ في تَفْسِيرِ لا جَرَمَ مَرَّ في سُورَةِ هُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا جَرَمَ أنَّهم في الآخِرَةِ هُمُ الأخْسَرُونَ﴾ [هُودٍ: ٢٢] وقَدْ أعادَهُ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ هاهُنا فَقالَ: ﴿لا جَرَمَ﴾ مَساقُهُ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ أنْ يُجْعَلَ ﴿لا﴾ رَدًّا لِما دَعاهُ إلَيْهِ قَوْمُهُ و﴿جَرَمَ﴾ فِعْلٌ بِمَعْنى حَقٌّ و﴿أنَّما﴾ مَعَ ما في حَيِّزِهِ فاعِلُهُ أيْ حَقٌّ، ووَجَبَ بُطْلانُ دَعْوَتِهِ، أوْ بِمَعْنى كَسْبٍ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يَجْرِمَنَّكم شَنَآنُ قَوْمٍ أنْ صَدُّوكم عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ أنْ تَعْتَدُوا﴾ [المائِدَةِ: ٢] أيْ كَسْبُ ذَلِكَ الدُّعاءِ إلَيْهِ بُطْلانُ دَعْوَتِهِ بِمَعْنى أنَّهُ ما حَصَلَ مِن ذَلِكَ إلّا ظُهُورُ بُطْلانِ دَعْوَتِهِ، ويَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ ﴿لا جَرَمَ﴾ نَظِيرُهُ لا بُدَّ فِعْلٌ مِنَ الجَرْمِ وهو القَطْعُ كَما أنَّ بُدَّ فِعْلٌ مِنَ التَّبْدِيدِ وهو التَّفْرِيقُ، وكَما أنَّ مَعْنى لا بُدَّ أنَّكَ تَفْعَلُ كَذا أنَّهُ لا بُدَّ لَكَ مِن فِعْلِهِ، فَكَذَلِكَ ﴿لا جَرَمَ أنَّ لَهُمُ النّارَ﴾ أيْ لا قَطْعَ لِذَلِكَ بِمَعْنى أنَّهم أبَدًا يَسْتَحِقُّونَ النّارَ لا انْقِطاعَ لِاسْتِحْقاقِهِمْ، ولا قَطْعَ لِبُطْلانِ دَعْوَةِ الأصْنامِ، أيْ لا تَزالُ باطِلَةً لا يَنْقَطِعُ ذَلِكَ فَيُنْقَلُ حَقًّا، ورُوِيَ عَنْ بَعْضِ العَرَبِ لا جَرَمَ أنَّهُ يُفْعَلُ بِضَمِّ الجِيمِ وسُكُونِ الرّاءِ بِزِنَةِ بُدٍّ وفِعْلُ إخْوانٍ كَرُشْدٍ ورَشَدٍ وكَعُدْمٍ وعَدَمٍ هَذا كُلُّهُ ألْفاظُ صاحِبِ ”الكَشّافِ“ . * * * ثُمَّ قالَ: ﴿أنَّما تَدْعُونَنِي إلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ﴾ والمُرادُ أنَّ الأوْثانَ الَّتِي تَدْعُونَنِي إلى عِبادَتِها لَيْسَ لَها دَعْوَةٌ في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ، وفي تَفْسِيرِ هَذِهِ الدَّعْوَةِ احْتِمالانِ: الأوَّلُ: أنَّ المَعْنى ما تَدْعُونَنِي إلى عِبادَتِهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ إلى نَفْسِهِ؛ لِأنَّها جَماداتٌ والجَماداتُ لا تَدْعُو أحَدًا إلى عِبادَةِ نَفْسِها وقَوْلُهُ: ﴿فِي الآخِرَةِ﴾ يَعْنِي أنَّهُ تَعالى إذا قَلَبَها حَيَوانًا في الآخِرَةِ فَإنَّها تَتَبَرَّأُ مِن هَؤُلاءِ العابِدِينَ. والِاحْتِمالُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ﴾ مَعْناهُ لَيْسَ لَهُ اسْتِجابَةُ دَعْوَةٍ في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ، فَسُمِّيَتِ اسْتِجابَةُ الدَّعْوَةِ بِالدَّعْوَةِ إطْلاقًا لِاسْمِ أحَدِ المُتَضايِفَيْنِ عَلى الآخَرِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿وأنَّ مَرَدَّنا إلى اللَّهِ﴾ فَبَيَّنَ أنَّ هَذِهِ الأصْنامَ لا فائِدَةَ فِيها البَتَّةَ، ومَعَ ذَلِكَ صفحة ٦٣ فَإنَّ مَرَدَّنا إلى اللَّهِ العالِمِ بِكُلِّ المَعْلُوماتِ القادِرِ عَلى كُلِّ المُمْكِناتِ الغَنِيِّ عَنْ كُلِّ الحاجاتِ الَّذِي لا يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيْهِ وما هو بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ، فَأيُّ عاقِلٍ يُجَوِّزُ لَهُ عَقْلُهُ أنْ يَشْتَغِلَ بِعِبادَةِ تِلْكَ الأشْياءِ الباطِلَةِ، وأنْ يُعْرِضَ عَنْ عِبادَةِ هَذا الإلَهِ الَّذِي لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مَرَدُّهُ إلَيْهِ؟ وقَوْلُهُ: ﴿وأنَّ المُسْرِفِينَ هم أصْحابُ النّارِ﴾ قالَ قَتادَةُ: يَعْنِي المُشْرِكِينَ، وقالَ مُجاهِدٌ: السَّفّاكِينَ لِلدِّماءِ والصَّحِيحُ أنَّهم أسْرَفُوا في مَعْصِيَةِ اللَّهِ بِالكَمِّيَّةِ والكَيْفِيَّةِ، أمّا الكِمِّيَّةُ فَبِالدَّوامِ، وأمّا الكَيْفِيَّةُ فَبِالعَوْدِ والإصْرارِ، ولَمّا بالَغَ مُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ في هَذِهِ البَياناتِ خَتَمَ كَلامَهُ بِخاتِمَةٍ لَطِيفَةٍ فَقالَ: ﴿فَسَتَذْكُرُونَ ما أقُولُ لَكُمْ﴾ وهَذا كَلامٌ مُبْهَمٌ يُوجِبُ التَّخْوِيفَ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّ هَذا الذِّكْرَ يَحْصُلُ في الدُّنْيا وهو وقْتُ المَوْتِ، وأنْ يَكُونَ في القِيامَةِ وقْتَ مُشاهَدَةِ الأهْوالِ، وبِالجُمْلَةِ فَهو تَحْذِيرٌ شَدِيدٌ، ثُمَّ قالَ: ﴿وأُفَوِّضُ أمْرِي إلى اللَّهِ﴾ وهَذا كَلامُ مَن هُدِّدَ بِأمْرٍ يَخافُهُ فَكَأنَّهم خَوَّفُوهُ بِالقَتْلِ وهو أيْضًا خَوَّفَهم بِقَوْلِهِ: ﴿فَسَتَذْكُرُونَ ما أقُولُ لَكُمْ﴾ ثُمَّ عَوَّلَ في دَفْعِ تَخْوِيفِهِمْ وكَيْدِهِمْ ومَكْرِهِمْ عَلى فَضْلِ اللَّهِ تَعالى فَقالَ: ﴿وأُفَوِّضُ أمْرِي إلى اللَّهِ﴾ وهو إنَّما تَعَلَّمَ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ مِن مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإنَّ فِرْعَوْنَ لَمّا خَوَّفَهُ بِالقَتْلِ رَجَعَ مُوسى في دَفْعِ ذَلِكَ الشَّرِّ إلى اللَّهِ حَيْثُ قالَ: ﴿إنِّي عُذْتُ بِرَبِّي ورَبِّكم مِن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الحِسابِ﴾ فَتَحَ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو الياءَ مِن ”أمْرِي“ والباقُونَ بِالإسْكانِ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالعِبادِ﴾ أيْ عالِمٌ بِأحْوالِهِمْ وبِمَقادِيرِ حاجاتِهِمْ، وتَمَسَّكَ أصْحابُنا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأُفَوِّضُ أمْرِي إلى اللَّهِ﴾ عَلى أنَّ الكُلَّ مِنَ اللَّهِ، وقالُوا: إنَّ المُعْتَزِلَةَ الَّذِينَ قالُوا: إنَّ الخَيْرَ والشَّرَّ يَحْصُلُ بِقُدْرَتِهِمْ قَدْ فَوَّضُوا أمْرَ أنْفُسِهِمْ إلَيْهِمْ وما فَوَّضُوها إلى اللَّهِ، والمُعْتَزِلَةُ تَمَسَّكُوا بِهَذِهِ الآيَةِ فَقالُوا: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿أُفَوِّضُ﴾ اعْتِرافٌ بِكَوْنِهِ فاعِلًا مُسْتَقِلًّا بِالفِعْلِ، والمَباحِثُ المَذْكُورَةُ في قَوْلِهِ: ﴿أعُوذُ بِاللَّهِ﴾ عائِدَةٌ بِتَمامِها في هَذا المَوْضِعِ. وهاهُنا آخِرُ كَلامِ مُؤْمِنِ آلِ فِرْعَوْنَ. واللَّهُ الهادِي.

غافر 40:45

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا وحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ العَذابِ﴾ ﴿النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وعَشِيًّا ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ أدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أشَدَّ العَذابِ﴾ ﴿وإذْ يَتَحاجُّونَ في النّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إنّا كُنّا لَكم تَبَعًا فَهَلْ أنْتُمْ مُغْنُونَ عَنّا نَصِيبًا مِنَ النّارِ﴾ ﴿قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إنّا كُلٌّ فِيها إنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ العِبادِ﴾ صفحة ٦٤ ﴿وقالَ الَّذِينَ في النّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكم يُخَفِّفْ عَنّا يَوْمًا مِنَ العَذابِ﴾ ﴿قالُوا أوَ لَمْ تَكُ تَأْتِيكم رُسُلُكم بِالبَيِّناتِ قالُوا بَلى قالُوا فادْعُوا وما دُعاءُ الكافِرِينَ إلّا في ضَلالٍ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ الرَّجُلَ لَمْ يُقَصِّرْ في تَقْرِيرِ الدِّينِ الحَقِّ، وفي الذَّبِّ عَنْهُ فاللَّهُ تَعالى رَدَّ عَنْهُ كَيْدَ الكافِرِينَ وقَصْدَ القاصِدِينَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمّا صَرَّحَ بِتَقْرِيرِ الحَقِّ فَقَدْ قَصَدُوهُ بِنَوْعٍ مِن أنْواعِ السُّوءِ، قالَ مُقاتِلٌ: لَمّا ذَكَرَ هَذِهِ الكَلِماتِ قَصَدُوا قَتْلَهُ فَهَرَبَ مِنهم إلى الجَبَلِ فَطَلَبُوهُ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ، وقِيلَ: المُرادُ بِقَوْلِهِ ﴿فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا﴾ أنَّهم قَصَدُوا إدْخالَهُ في الكُفْرِ وصَرْفَهُ عَنِ الإسْلامِ ﴿فَوَقاهُ اللَّهُ﴾ عَنْ ذَلِكَ إلّا أنَّ الأوَّلَ أوْلى؛ لِأنَّ قَوْلَهُ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿وحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ العَذابِ﴾ لا يَلِيقُ إلّا بِالوَجْهِ الأوَّلِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ﴾ أيْ أحاطَ بِهِمْ ﴿سُوءُ العَذابِ﴾ أيْ غَرِقُوا في البَحْرِ، وقِيلَ: بَلِ المُرادُ مِنهُ النّارُ المَذْكُورَةُ في قَوْلِهِ: ﴿النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها﴾ قالَ الزَّجّاجُ: ”النّارُ“ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿سُوءُ العَذابِ﴾ قالَ: وجائِزٌ أيْضًا أنْ تَكُونَ مُرْتَفِعَةً عَلى إضْمارِ تَفْسِيرِ ﴿سُوءُ العَذابِ﴾ كَأنَّ قائِلًا قالَ: ما سُوءُ العَذابِ؟ فَقِيلَ: ﴿النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها﴾ . قَرَأ حَمْزَةُ ”حِيقَ“ بِكَسْرِ الحاءِ وكَذَلِكَ في كُلِّ القُرْآنِ والباقُونَ بِالفَتْحِ أمّا قَوْلُهُ: ﴿النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وعَشِيًّا﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى إثْباتِ عَذابِ القَبْرِ قالُوا: الآيَةُ تَقْتَضِي عَرْضَ النّارِ عَلَيْهِمْ غُدُوًّا وعَشِيًّا، ولَيْسَ المُرادُ مِنهُ يَوْمَ القِيامَةِ؛ لِأنَّهُ قالَ: ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ أدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أشَدَّ العَذابِ﴾، ولَيْسَ المُرادُ مِنهُ أيْضًا الدُّنْيا؛ لِأنَّ عَرْضَ النّارِ عَلَيْهِمْ غُدُوًّا وعَشِيًّا ما كانَ حاصِلًا في الدُّنْيا، فَثَبَتَ أنَّ هَذا العَرْضَ إنَّما حَصَلَ بَعْدَ المَوْتِ وقَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى إثْباتِ عَذابِ القَبْرِ في حَقِّ هَؤُلاءِ، وإذا ثَبَتَ في حَقِّهِمْ ثَبَتَ في حَقِّ غَيْرِهِمْ؛ لِأنَّهُ لا قائِلَ بِالفَرْقِ، فَإنْ قِيلَ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن عَرْضِ النّارِ عَلَيْهِمْ غُدُوًّا وعَشِيًّا عَرْضَ النَّصائِحِ عَلَيْهِمْ في الدُّنْيا؟ لِأنَّ أهْلَ الدِّينِ إذا ذَكَرُوا لَهُمُ التَّرْغِيبَ والتَّرْهِيبَ وخَوَّفُوهم بِعَذابِ اللَّهِ، فَقَدْ عَرَضُوا عَلَيْهِمُ النّارَ، ثُمَّ نَقُولُ: في الآيَةِ ما يَمْنَعُ مِن حَمْلِهِ عَلى عَذابِ القَبْرِ وبَيانُهُ مِن وجْهَيْنِ، الأوَّلُ: أنَّ ذَلِكَ العَذابَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ دائِمًا غَيْرَ مُنْقَطِعٍ، وقَوْلُهُ: ﴿يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وعَشِيًّا﴾ يَقْتَضِي أنْ لا يَحْصُلُ ذَلِكَ العَذابُ إلّا في هَذَيْنِ الوَقْتَيْنِ، فَثَبَتَ أنَّ هَذا لا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى عَذابِ القَبْرِ. الثّانِي: أنَّ الغُدْوَةَ والعَشِيَّةَ إنَّما يَحْصُلانِ في الدُّنْيا، أمّا في القَبْرِ فَلا وُجُودَ لَهُما، فَثَبَتَ بِهَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ أنَّهُ لا يُمْكِنُ حَمْلُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى عَذابِ القَبْرِ. والجَوابُ: عَنِ السُّؤالِ الأوَّلِ أنَّ في الدُّنْيا عَرَضَ عَلَيْهِمْ كَلِماتٍ تُذَكِّرُهم أمْرَ النّارِ، لا أنَّهُ يَعْرِضُ عَلَيْهِمْ نَفْسَ النّارِ، فَعَلى قَوْلِهِمْ يَصِيرُ مَعْنى الآيَةِ الكَلِماتُ المُذَكِّرَةُ لِأمْرِ النّارِ كانَتْ تُعْرَضُ عَلَيْهِمْ، وذَلِكَ يُفْضِي إلى تَرْكِ ظاهِرِ اللَّفْظِ والعُدُولِ إلى المَجازِ، أمّا قَوْلُهُ: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى حُصُولِ هَذا العَذابِ في هَذَيْنِ الوَقْتَيْنِ وذَلِكَ لا يَجُوزُ، قُلْنا: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُكْتَفى في القَبْرِ بِإيصالِ العَذابِ إلَيْهِ في هَذَيْنِ الوَقْتَيْنِ، ثُمَّ عِنْدَ قِيامِ القِيامَةِ يُلْقى في النّارِ فَيَدُومُ عَذابُهُ بَعْدَ ذَلِكَ، وأيْضًا لا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ ذِكْرُ الغُدْوَةِ والعَشِيَّةِ كِنايَةً عَنِ الدَّوامِ كَقَوْلِهِ: ﴿ولَهم رِزْقُهم فِيها بُكْرَةً وعَشِيًّا﴾ أمّا قَوْلُهُ: إنَّهُ لَيْسَ في القَبْرِ والقِيامَةِ غُدْوَةٌ وعَشِيَّةٌ، قُلْنا: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ عِنْدَ حُصُولِ هَذَيْنِ الوَقْتَيْنِ لِأهْلِ الدُّنْيا يُعْرَضُ عَلَيْهِمُ العَذابُ؟ واللَّهُ أعْلَمُ. صفحة ٦٥ المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ نافِعٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ (أدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ) أيْ يُقالُ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ: أدْخِلُوهم في أشَدِّ العَذابِ، والباقُونَ (ادْخُلُوا) عَلى مَعْنى أنَّهُ يُقالُ لِهَؤُلاءِ الكُفّارِ: ادْخُلُوا أشَدَّ العَذابِ، والقِراءَةُ الأُولى اخْتِيارُ أبِي عُبَيْدَةَ، واحْتَجَّ عَلَيْها بِقَوْلِهِ تَعالى: ”يُعْرَضُونَ“ فَهَذا يُفْعَلُ بِهِمْ، فَكَذَلِكَ (أدْخِلُوا)، وأمّا وجْهُ القِراءَةِ الثّانِيَةِ فَقَوْلُهُ ﴿ادْخُلُوا أبْوابَ جَهَنَّمَ﴾، وهَهُنا آخِرُ الكَلامِ في قِصَّةِ مُؤْمِنِ آلِ فِرْعَوْنَ. واعْلَمْ أنَّ الكَلامَ في تِلْكَ القِصَّةِ لَمّا انْجَرَّ إلى شَرْحِ أحْوالِ النّارِ، لا جَرَمَ ذَكَرَ اللَّهُ عَقِيبَها قِصَّةَ المُناظَراتِ الَّتِي تَجْرِي بَيْنَ الرُّؤَساءِ والأتْباعِ مِن أهْلِ النّارِ، فَقالَ: ﴿وإذْ يَتَحاجُّونَ في النّارِ﴾ والمَعْنى اذْكُرْ يا مُحَمَّدُ لِقَوْمِكَ إذْ يَتَحاجُّونَ أيْ يُحاجِجُ بَعْضُهم بَعْضًا، ثُمَّ شَرَحَ خُصُومَتَهم وذَلِكَ أنَّ الضُّعَفاءَ يَقُولُونَ لِلرُّؤَساءِ ﴿إنّا كُنّا لَكم تَبَعًا﴾ في الدُّنْيا، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ”تَبَعًا“ كَخَدَمٍ في جَمْعِ خادِمٍ أوْ ذَوِي تَبَعٍ أيْ أتْباعٍ أوْ وصْفًا بِالمَصْدَرِ ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُغْنُونَ عَنّا نَصِيبًا مِنَ النّارِ﴾ أيْ فَهَلْ تَقْدِرُونَ عَلى أنْ تَدْفَعُوا أيُّها الرُّؤَساءُ عَنّا نَصِيبًا مِنَ العَذابِ، واعْلَمْ أنَّ أُولَئِكَ الأتْباعَ يَعْلَمُونَ أنَّ أُولَئِكَ الرُّؤَساءَ لا قُدْرَةَ لَهم عَلى ذَلِكَ التَّخْفِيفِ، وإنَّما مَقْصُودُهم مِن هَذا الكَلامِ المُبالَغَةُ في تَخْجِيلِ أُولَئِكَ الرُّؤَساءِ وإيلامِ قُلُوبِهِمْ؛ لِأنَّهم هُمُ الَّذِينَ سَعَوْا في إيقاعِ هَؤُلاءِ الأتْباعِ في أنْواعِ الضَّلالاتِ، فَعِنْدَ هَذا يَقُولُ الرُّؤَساءُ ﴿إنّا كُلٌّ فِيها﴾ يَعْنِي أنَّ كُلَّنا واقِعُونَ في هَذا العَذابِ، فَلَوْ قَدَرْتُ عَلى إزالَةِ العَذابِ عَنْكَ لَدَفَعْتُهُ عَنْ نَفْسِي، ثُمَّ يَقُولُونَ: ﴿إنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ العِبادِ﴾ يَعْنِي يُوَصِّلُ إلى كُلِّ أحَدٍ مِقْدارَ حَقِّهِ مِنَ النَّعِيمِ أوْ مِنَ العَذابِ، ثُمَّ عِنْدَ هَذا يَحْصُلُ اليَأْسُ لِلْأتْباعِ مِنَ المَتْبُوعِينَ فَيَرْجِعُونَ إلى خَزَنَةِ جَهَنَّمَ ويَقُولُونَ لَهم: ﴿ادْعُوا رَبَّكم يُخَفِّفْ عَنّا يَوْمًا مِنَ العَذابِ﴾ فَإنْ قِيلَ لِمَ لَمْ يَقُلْ: وقالَ الَّذِينَ في النّارِ لِخَزَنَتِها بَلْ قالَ: ﴿وقالَ الَّذِينَ في النّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ﴾ ؟ قُلْنا فِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ المَقْصُودُ مِن ذِكْرِ جَهَنَّمَ التَّهْوِيلَ والتَّفْظِيعَ، والثّانِي: أنْ يَكُونَ جَهَنَّمُ اسْمًا لِمَوْضِعٍ هو أبْعَدُ النّارِ قَعْرًا، مِن قَوْلِهِمْ: بِئْرٌ جَهَنّامٌ أيْ بَعِيدَةُ القَعْرِ، وفِيها أعْظَمُ أقْسامِ الكُفّارِ عُقُوبَةً، وخَزَنَةُ ذَلِكَ المَوْضِعِ تَكُونُ أعْظَمَ خَزَنَةِ جَهَنَّمَ عِنْدَ اللَّهِ دَرَجَةً، فَإذا عَرَفَ الكُفّارُ أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ اسْتَغاثُوا بِهِمْ، فَأُولَئِكَ المَلائِكَةُ يَقُولُونَ لَهم ﴿أوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكم رُسُلُكم بِالبَيِّناتِ﴾ والمَقْصُودُ أنَّ قَبْلَ إرْسالِ الرُّسُلِ كانَ لِلْقَوْمِ أنْ يَقُولُوا إنَّهُ ﴿ما جاءَنا مِن بَشِيرٍ ولا نَذِيرٍ﴾ [المائدة: ١٩] أمّا بَعْدَ مَجِيءِ الرُّسُلِ فَلَمْ يَبْقَ عُذْرٌ ولا عِلَّةٌ كَما قالَ تَعالى: ﴿وما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] وهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ الواجِبَ لا يَتَحَقَّقُ إلّا بَعْدَ مَجِيءِ الشَّرْعِ. ثُمَّ إنَّ أُولَئِكَ المَلائِكَةَ يَقُولُونَ لِلْكُفّارِ: ادْعُوا أنْتُمْ فَإنّا لا نَجْتَرِئُ عَلى ذَلِكَ ولا نُشَفَّعُ إلّا بِشَرْطَيْنِ أحَدَهُما: كَوْنُ المَشْفُوعِ لَهُ مُؤْمِنًا، والثّانِي: حُصُولُ الإذْنِ في الشَّفاعَةِ ولَمْ يُوجَدْ واحِدٌ مِن هَذَيْنِ الشَّرْطَيْنِ فَإقْدامُنا عَلى هَذِهِ الشَّفاعَةِ مُمْتَنِعٌ لَكِنِ ادْعُوا أنْتُمْ، ولَيْسَ قَوْلُهم فادْعُوا لِرَجاءِ المَنفَعَةِ، ولَكِنْ لِلدَّلالَةِ عَلى الخَيْبَةِ، فَإنَّ المَلَكَ المُقَرَّبَ إذا لَمْ يُسْمَعْ دُعاؤُهُ فَكَيْفَ يُسْمَعُ دُعاءُ الكُفّارِ ؟ ثُمَّ يُصَرِّحُونَ لَهم بِأنَّهُ لا أثَرَ لِدُعائِهِمْ فَيَقُولُونَ ﴿وما دُعاءُ الكافِرِينَ إلّا في ضَلالٍ﴾ فَإنْ قِيلَ: إنَّ الحاجَةَ عَلى اللَّهِ مُحالٌ، وإذا كانَ كَذَلِكَ امْتَنَعَ أنْ يُقالَ: إنَّهُ تَأذّى مِن هَؤُلاءِ المُجْرِمِينَ بِسَبَبِ جُرْمِهِمْ، وإذا كانَ التَّأذِّي مُحالًا عَلَيْهِ كانَتْ شَهْوَةُ الِانْتِقامِ مُمْتَنِعَةً في حَقِّهِ، إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: إيصالُ هَذِهِ المَضارِّ العَظِيمَةِ إلى أُولَئِكَ الكُفّارِ إضْرارٌ لا مَنفَعَةَ فِيهِ إلى اللَّهِ تَعالى ولا لِأحَدٍ مِنَ العَبِيدِ، فَهو إضْرارٌ خالٍ عَنْ جَمِيعِ الجِهاتِ المُنْتَفِعَةِ فَكَيْفَ يَلِيقُ بِالرَّحِيمِ الكَرِيمِ أنْ يُبْقِيَ عَلى ذَلِكَ الإيلامِ أبَدَ الآبادِ ودَهْرَ الدّاهِرِينَ، مِن غَيْرِ أنْ يَرْحَمَ حاجَتَهم، ومِن غَيْرِ أنْ يَسْمَعَ دُعاءَهم، ومِن غَيْرِ أنْ يَلْتَفِتَ إلى تَضَرُّعِهِمْ صفحة ٦٦ وانْكِسارِهِمْ، ولَوْ أنَّ أقْسى النّاسِ قَلْبًا فَعَلَ مِثْلَ هَذا التَّعْذِيبِ بِبَعْضِ عَبِيدِهِ لَدَعاهُ كَرَمُهُ ورَحْمَتُهُ إلى العَفْوِ عَنْهُ مَعَ أنَّ هَذا السَّيِّدَ في مَحَلِّ النَّفْعِ والضَّرَرِ والحاجَةِ، فَأكْرَمُ الأكْرَمِينَ كَيْفَ يَلِيقُ بِهِ هَذا الإضْرارُ ؟ قُلْنا: أفْعالُ اللَّهِ لا تُعَلَّلُ و﴿لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ وهم يُسْألُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣] فَلَمّا جاءَ الحُكْمُ الحَقُّ بِهِ في الكِتابِ الحَقِّ وجَبَ الإقْرارُ بِهِ، واللَّهُ أعْلَمُ بِالصَّوابِ.

غافر 40:46

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا وحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ العَذابِ﴾ ﴿النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وعَشِيًّا ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ أدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أشَدَّ العَذابِ﴾ ﴿وإذْ يَتَحاجُّونَ في النّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إنّا كُنّا لَكم تَبَعًا فَهَلْ أنْتُمْ مُغْنُونَ عَنّا نَصِيبًا مِنَ النّارِ﴾ ﴿قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إنّا كُلٌّ فِيها إنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ العِبادِ﴾ صفحة ٦٤ ﴿وقالَ الَّذِينَ في النّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكم يُخَفِّفْ عَنّا يَوْمًا مِنَ العَذابِ﴾ ﴿قالُوا أوَ لَمْ تَكُ تَأْتِيكم رُسُلُكم بِالبَيِّناتِ قالُوا بَلى قالُوا فادْعُوا وما دُعاءُ الكافِرِينَ إلّا في ضَلالٍ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ الرَّجُلَ لَمْ يُقَصِّرْ في تَقْرِيرِ الدِّينِ الحَقِّ، وفي الذَّبِّ عَنْهُ فاللَّهُ تَعالى رَدَّ عَنْهُ كَيْدَ الكافِرِينَ وقَصْدَ القاصِدِينَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمّا صَرَّحَ بِتَقْرِيرِ الحَقِّ فَقَدْ قَصَدُوهُ بِنَوْعٍ مِن أنْواعِ السُّوءِ، قالَ مُقاتِلٌ: لَمّا ذَكَرَ هَذِهِ الكَلِماتِ قَصَدُوا قَتْلَهُ فَهَرَبَ مِنهم إلى الجَبَلِ فَطَلَبُوهُ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ، وقِيلَ: المُرادُ بِقَوْلِهِ ﴿فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا﴾ أنَّهم قَصَدُوا إدْخالَهُ في الكُفْرِ وصَرْفَهُ عَنِ الإسْلامِ ﴿فَوَقاهُ اللَّهُ﴾ عَنْ ذَلِكَ إلّا أنَّ الأوَّلَ أوْلى؛ لِأنَّ قَوْلَهُ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿وحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ العَذابِ﴾ لا يَلِيقُ إلّا بِالوَجْهِ الأوَّلِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ﴾ أيْ أحاطَ بِهِمْ ﴿سُوءُ العَذابِ﴾ أيْ غَرِقُوا في البَحْرِ، وقِيلَ: بَلِ المُرادُ مِنهُ النّارُ المَذْكُورَةُ في قَوْلِهِ: ﴿النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها﴾ قالَ الزَّجّاجُ: ”النّارُ“ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿سُوءُ العَذابِ﴾ قالَ: وجائِزٌ أيْضًا أنْ تَكُونَ مُرْتَفِعَةً عَلى إضْمارِ تَفْسِيرِ ﴿سُوءُ العَذابِ﴾ كَأنَّ قائِلًا قالَ: ما سُوءُ العَذابِ؟ فَقِيلَ: ﴿النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها﴾ . قَرَأ حَمْزَةُ ”حِيقَ“ بِكَسْرِ الحاءِ وكَذَلِكَ في كُلِّ القُرْآنِ والباقُونَ بِالفَتْحِ أمّا قَوْلُهُ: ﴿النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وعَشِيًّا﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى إثْباتِ عَذابِ القَبْرِ قالُوا: الآيَةُ تَقْتَضِي عَرْضَ النّارِ عَلَيْهِمْ غُدُوًّا وعَشِيًّا، ولَيْسَ المُرادُ مِنهُ يَوْمَ القِيامَةِ؛ لِأنَّهُ قالَ: ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ أدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أشَدَّ العَذابِ﴾، ولَيْسَ المُرادُ مِنهُ أيْضًا الدُّنْيا؛ لِأنَّ عَرْضَ النّارِ عَلَيْهِمْ غُدُوًّا وعَشِيًّا ما كانَ حاصِلًا في الدُّنْيا، فَثَبَتَ أنَّ هَذا العَرْضَ إنَّما حَصَلَ بَعْدَ المَوْتِ وقَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى إثْباتِ عَذابِ القَبْرِ في حَقِّ هَؤُلاءِ، وإذا ثَبَتَ في حَقِّهِمْ ثَبَتَ في حَقِّ غَيْرِهِمْ؛ لِأنَّهُ لا قائِلَ بِالفَرْقِ، فَإنْ قِيلَ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن عَرْضِ النّارِ عَلَيْهِمْ غُدُوًّا وعَشِيًّا عَرْضَ النَّصائِحِ عَلَيْهِمْ في الدُّنْيا؟ لِأنَّ أهْلَ الدِّينِ إذا ذَكَرُوا لَهُمُ التَّرْغِيبَ والتَّرْهِيبَ وخَوَّفُوهم بِعَذابِ اللَّهِ، فَقَدْ عَرَضُوا عَلَيْهِمُ النّارَ، ثُمَّ نَقُولُ: في الآيَةِ ما يَمْنَعُ مِن حَمْلِهِ عَلى عَذابِ القَبْرِ وبَيانُهُ مِن وجْهَيْنِ، الأوَّلُ: أنَّ ذَلِكَ العَذابَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ دائِمًا غَيْرَ مُنْقَطِعٍ، وقَوْلُهُ: ﴿يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وعَشِيًّا﴾ يَقْتَضِي أنْ لا يَحْصُلُ ذَلِكَ العَذابُ إلّا في هَذَيْنِ الوَقْتَيْنِ، فَثَبَتَ أنَّ هَذا لا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى عَذابِ القَبْرِ. الثّانِي: أنَّ الغُدْوَةَ والعَشِيَّةَ إنَّما يَحْصُلانِ في الدُّنْيا، أمّا في القَبْرِ فَلا وُجُودَ لَهُما، فَثَبَتَ بِهَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ أنَّهُ لا يُمْكِنُ حَمْلُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى عَذابِ القَبْرِ. والجَوابُ: عَنِ السُّؤالِ الأوَّلِ أنَّ في الدُّنْيا عَرَضَ عَلَيْهِمْ كَلِماتٍ تُذَكِّرُهم أمْرَ النّارِ، لا أنَّهُ يَعْرِضُ عَلَيْهِمْ نَفْسَ النّارِ، فَعَلى قَوْلِهِمْ يَصِيرُ مَعْنى الآيَةِ الكَلِماتُ المُذَكِّرَةُ لِأمْرِ النّارِ كانَتْ تُعْرَضُ عَلَيْهِمْ، وذَلِكَ يُفْضِي إلى تَرْكِ ظاهِرِ اللَّفْظِ والعُدُولِ إلى المَجازِ، أمّا قَوْلُهُ: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى حُصُولِ هَذا العَذابِ في هَذَيْنِ الوَقْتَيْنِ وذَلِكَ لا يَجُوزُ، قُلْنا: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُكْتَفى في القَبْرِ بِإيصالِ العَذابِ إلَيْهِ في هَذَيْنِ الوَقْتَيْنِ، ثُمَّ عِنْدَ قِيامِ القِيامَةِ يُلْقى في النّارِ فَيَدُومُ عَذابُهُ بَعْدَ ذَلِكَ، وأيْضًا لا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ ذِكْرُ الغُدْوَةِ والعَشِيَّةِ كِنايَةً عَنِ الدَّوامِ كَقَوْلِهِ: ﴿ولَهم رِزْقُهم فِيها بُكْرَةً وعَشِيًّا﴾ أمّا قَوْلُهُ: إنَّهُ لَيْسَ في القَبْرِ والقِيامَةِ غُدْوَةٌ وعَشِيَّةٌ، قُلْنا: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ عِنْدَ حُصُولِ هَذَيْنِ الوَقْتَيْنِ لِأهْلِ الدُّنْيا يُعْرَضُ عَلَيْهِمُ العَذابُ؟ واللَّهُ أعْلَمُ. صفحة ٦٥ المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ نافِعٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ (أدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ) أيْ يُقالُ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ: أدْخِلُوهم في أشَدِّ العَذابِ، والباقُونَ (ادْخُلُوا) عَلى مَعْنى أنَّهُ يُقالُ لِهَؤُلاءِ الكُفّارِ: ادْخُلُوا أشَدَّ العَذابِ، والقِراءَةُ الأُولى اخْتِيارُ أبِي عُبَيْدَةَ، واحْتَجَّ عَلَيْها بِقَوْلِهِ تَعالى: ”يُعْرَضُونَ“ فَهَذا يُفْعَلُ بِهِمْ، فَكَذَلِكَ (أدْخِلُوا)، وأمّا وجْهُ القِراءَةِ الثّانِيَةِ فَقَوْلُهُ ﴿ادْخُلُوا أبْوابَ جَهَنَّمَ﴾، وهَهُنا آخِرُ الكَلامِ في قِصَّةِ مُؤْمِنِ آلِ فِرْعَوْنَ. واعْلَمْ أنَّ الكَلامَ في تِلْكَ القِصَّةِ لَمّا انْجَرَّ إلى شَرْحِ أحْوالِ النّارِ، لا جَرَمَ ذَكَرَ اللَّهُ عَقِيبَها قِصَّةَ المُناظَراتِ الَّتِي تَجْرِي بَيْنَ الرُّؤَساءِ والأتْباعِ مِن أهْلِ النّارِ، فَقالَ: ﴿وإذْ يَتَحاجُّونَ في النّارِ﴾ والمَعْنى اذْكُرْ يا مُحَمَّدُ لِقَوْمِكَ إذْ يَتَحاجُّونَ أيْ يُحاجِجُ بَعْضُهم بَعْضًا، ثُمَّ شَرَحَ خُصُومَتَهم وذَلِكَ أنَّ الضُّعَفاءَ يَقُولُونَ لِلرُّؤَساءِ ﴿إنّا كُنّا لَكم تَبَعًا﴾ في الدُّنْيا، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ”تَبَعًا“ كَخَدَمٍ في جَمْعِ خادِمٍ أوْ ذَوِي تَبَعٍ أيْ أتْباعٍ أوْ وصْفًا بِالمَصْدَرِ ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُغْنُونَ عَنّا نَصِيبًا مِنَ النّارِ﴾ أيْ فَهَلْ تَقْدِرُونَ عَلى أنْ تَدْفَعُوا أيُّها الرُّؤَساءُ عَنّا نَصِيبًا مِنَ العَذابِ، واعْلَمْ أنَّ أُولَئِكَ الأتْباعَ يَعْلَمُونَ أنَّ أُولَئِكَ الرُّؤَساءَ لا قُدْرَةَ لَهم عَلى ذَلِكَ التَّخْفِيفِ، وإنَّما مَقْصُودُهم مِن هَذا الكَلامِ المُبالَغَةُ في تَخْجِيلِ أُولَئِكَ الرُّؤَساءِ وإيلامِ قُلُوبِهِمْ؛ لِأنَّهم هُمُ الَّذِينَ سَعَوْا في إيقاعِ هَؤُلاءِ الأتْباعِ في أنْواعِ الضَّلالاتِ، فَعِنْدَ هَذا يَقُولُ الرُّؤَساءُ ﴿إنّا كُلٌّ فِيها﴾ يَعْنِي أنَّ كُلَّنا واقِعُونَ في هَذا العَذابِ، فَلَوْ قَدَرْتُ عَلى إزالَةِ العَذابِ عَنْكَ لَدَفَعْتُهُ عَنْ نَفْسِي، ثُمَّ يَقُولُونَ: ﴿إنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ العِبادِ﴾ يَعْنِي يُوَصِّلُ إلى كُلِّ أحَدٍ مِقْدارَ حَقِّهِ مِنَ النَّعِيمِ أوْ مِنَ العَذابِ، ثُمَّ عِنْدَ هَذا يَحْصُلُ اليَأْسُ لِلْأتْباعِ مِنَ المَتْبُوعِينَ فَيَرْجِعُونَ إلى خَزَنَةِ جَهَنَّمَ ويَقُولُونَ لَهم: ﴿ادْعُوا رَبَّكم يُخَفِّفْ عَنّا يَوْمًا مِنَ العَذابِ﴾ فَإنْ قِيلَ لِمَ لَمْ يَقُلْ: وقالَ الَّذِينَ في النّارِ لِخَزَنَتِها بَلْ قالَ: ﴿وقالَ الَّذِينَ في النّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ﴾ ؟ قُلْنا فِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ المَقْصُودُ مِن ذِكْرِ جَهَنَّمَ التَّهْوِيلَ والتَّفْظِيعَ، والثّانِي: أنْ يَكُونَ جَهَنَّمُ اسْمًا لِمَوْضِعٍ هو أبْعَدُ النّارِ قَعْرًا، مِن قَوْلِهِمْ: بِئْرٌ جَهَنّامٌ أيْ بَعِيدَةُ القَعْرِ، وفِيها أعْظَمُ أقْسامِ الكُفّارِ عُقُوبَةً، وخَزَنَةُ ذَلِكَ المَوْضِعِ تَكُونُ أعْظَمَ خَزَنَةِ جَهَنَّمَ عِنْدَ اللَّهِ دَرَجَةً، فَإذا عَرَفَ الكُفّارُ أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ اسْتَغاثُوا بِهِمْ، فَأُولَئِكَ المَلائِكَةُ يَقُولُونَ لَهم ﴿أوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكم رُسُلُكم بِالبَيِّناتِ﴾ والمَقْصُودُ أنَّ قَبْلَ إرْسالِ الرُّسُلِ كانَ لِلْقَوْمِ أنْ يَقُولُوا إنَّهُ ﴿ما جاءَنا مِن بَشِيرٍ ولا نَذِيرٍ﴾ [المائدة: ١٩] أمّا بَعْدَ مَجِيءِ الرُّسُلِ فَلَمْ يَبْقَ عُذْرٌ ولا عِلَّةٌ كَما قالَ تَعالى: ﴿وما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] وهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ الواجِبَ لا يَتَحَقَّقُ إلّا بَعْدَ مَجِيءِ الشَّرْعِ. ثُمَّ إنَّ أُولَئِكَ المَلائِكَةَ يَقُولُونَ لِلْكُفّارِ: ادْعُوا أنْتُمْ فَإنّا لا نَجْتَرِئُ عَلى ذَلِكَ ولا نُشَفَّعُ إلّا بِشَرْطَيْنِ أحَدَهُما: كَوْنُ المَشْفُوعِ لَهُ مُؤْمِنًا، والثّانِي: حُصُولُ الإذْنِ في الشَّفاعَةِ ولَمْ يُوجَدْ واحِدٌ مِن هَذَيْنِ الشَّرْطَيْنِ فَإقْدامُنا عَلى هَذِهِ الشَّفاعَةِ مُمْتَنِعٌ لَكِنِ ادْعُوا أنْتُمْ، ولَيْسَ قَوْلُهم فادْعُوا لِرَجاءِ المَنفَعَةِ، ولَكِنْ لِلدَّلالَةِ عَلى الخَيْبَةِ، فَإنَّ المَلَكَ المُقَرَّبَ إذا لَمْ يُسْمَعْ دُعاؤُهُ فَكَيْفَ يُسْمَعُ دُعاءُ الكُفّارِ ؟ ثُمَّ يُصَرِّحُونَ لَهم بِأنَّهُ لا أثَرَ لِدُعائِهِمْ فَيَقُولُونَ ﴿وما دُعاءُ الكافِرِينَ إلّا في ضَلالٍ﴾ فَإنْ قِيلَ: إنَّ الحاجَةَ عَلى اللَّهِ مُحالٌ، وإذا كانَ كَذَلِكَ امْتَنَعَ أنْ يُقالَ: إنَّهُ تَأذّى مِن هَؤُلاءِ المُجْرِمِينَ بِسَبَبِ جُرْمِهِمْ، وإذا كانَ التَّأذِّي مُحالًا عَلَيْهِ كانَتْ شَهْوَةُ الِانْتِقامِ مُمْتَنِعَةً في حَقِّهِ، إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: إيصالُ هَذِهِ المَضارِّ العَظِيمَةِ إلى أُولَئِكَ الكُفّارِ إضْرارٌ لا مَنفَعَةَ فِيهِ إلى اللَّهِ تَعالى ولا لِأحَدٍ مِنَ العَبِيدِ، فَهو إضْرارٌ خالٍ عَنْ جَمِيعِ الجِهاتِ المُنْتَفِعَةِ فَكَيْفَ يَلِيقُ بِالرَّحِيمِ الكَرِيمِ أنْ يُبْقِيَ عَلى ذَلِكَ الإيلامِ أبَدَ الآبادِ ودَهْرَ الدّاهِرِينَ، مِن غَيْرِ أنْ يَرْحَمَ حاجَتَهم، ومِن غَيْرِ أنْ يَسْمَعَ دُعاءَهم، ومِن غَيْرِ أنْ يَلْتَفِتَ إلى تَضَرُّعِهِمْ صفحة ٦٦ وانْكِسارِهِمْ، ولَوْ أنَّ أقْسى النّاسِ قَلْبًا فَعَلَ مِثْلَ هَذا التَّعْذِيبِ بِبَعْضِ عَبِيدِهِ لَدَعاهُ كَرَمُهُ ورَحْمَتُهُ إلى العَفْوِ عَنْهُ مَعَ أنَّ هَذا السَّيِّدَ في مَحَلِّ النَّفْعِ والضَّرَرِ والحاجَةِ، فَأكْرَمُ الأكْرَمِينَ كَيْفَ يَلِيقُ بِهِ هَذا الإضْرارُ ؟ قُلْنا: أفْعالُ اللَّهِ لا تُعَلَّلُ و﴿لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ وهم يُسْألُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣] فَلَمّا جاءَ الحُكْمُ الحَقُّ بِهِ في الكِتابِ الحَقِّ وجَبَ الإقْرارُ بِهِ، واللَّهُ أعْلَمُ بِالصَّوابِ.

غافر 40:47

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا وحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ العَذابِ﴾ ﴿النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وعَشِيًّا ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ أدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أشَدَّ العَذابِ﴾ ﴿وإذْ يَتَحاجُّونَ في النّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إنّا كُنّا لَكم تَبَعًا فَهَلْ أنْتُمْ مُغْنُونَ عَنّا نَصِيبًا مِنَ النّارِ﴾ ﴿قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إنّا كُلٌّ فِيها إنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ العِبادِ﴾ صفحة ٦٤ ﴿وقالَ الَّذِينَ في النّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكم يُخَفِّفْ عَنّا يَوْمًا مِنَ العَذابِ﴾ ﴿قالُوا أوَ لَمْ تَكُ تَأْتِيكم رُسُلُكم بِالبَيِّناتِ قالُوا بَلى قالُوا فادْعُوا وما دُعاءُ الكافِرِينَ إلّا في ضَلالٍ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ الرَّجُلَ لَمْ يُقَصِّرْ في تَقْرِيرِ الدِّينِ الحَقِّ، وفي الذَّبِّ عَنْهُ فاللَّهُ تَعالى رَدَّ عَنْهُ كَيْدَ الكافِرِينَ وقَصْدَ القاصِدِينَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمّا صَرَّحَ بِتَقْرِيرِ الحَقِّ فَقَدْ قَصَدُوهُ بِنَوْعٍ مِن أنْواعِ السُّوءِ، قالَ مُقاتِلٌ: لَمّا ذَكَرَ هَذِهِ الكَلِماتِ قَصَدُوا قَتْلَهُ فَهَرَبَ مِنهم إلى الجَبَلِ فَطَلَبُوهُ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ، وقِيلَ: المُرادُ بِقَوْلِهِ ﴿فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا﴾ أنَّهم قَصَدُوا إدْخالَهُ في الكُفْرِ وصَرْفَهُ عَنِ الإسْلامِ ﴿فَوَقاهُ اللَّهُ﴾ عَنْ ذَلِكَ إلّا أنَّ الأوَّلَ أوْلى؛ لِأنَّ قَوْلَهُ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿وحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ العَذابِ﴾ لا يَلِيقُ إلّا بِالوَجْهِ الأوَّلِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ﴾ أيْ أحاطَ بِهِمْ ﴿سُوءُ العَذابِ﴾ أيْ غَرِقُوا في البَحْرِ، وقِيلَ: بَلِ المُرادُ مِنهُ النّارُ المَذْكُورَةُ في قَوْلِهِ: ﴿النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها﴾ قالَ الزَّجّاجُ: ”النّارُ“ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿سُوءُ العَذابِ﴾ قالَ: وجائِزٌ أيْضًا أنْ تَكُونَ مُرْتَفِعَةً عَلى إضْمارِ تَفْسِيرِ ﴿سُوءُ العَذابِ﴾ كَأنَّ قائِلًا قالَ: ما سُوءُ العَذابِ؟ فَقِيلَ: ﴿النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها﴾ . قَرَأ حَمْزَةُ ”حِيقَ“ بِكَسْرِ الحاءِ وكَذَلِكَ في كُلِّ القُرْآنِ والباقُونَ بِالفَتْحِ أمّا قَوْلُهُ: ﴿النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وعَشِيًّا﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى إثْباتِ عَذابِ القَبْرِ قالُوا: الآيَةُ تَقْتَضِي عَرْضَ النّارِ عَلَيْهِمْ غُدُوًّا وعَشِيًّا، ولَيْسَ المُرادُ مِنهُ يَوْمَ القِيامَةِ؛ لِأنَّهُ قالَ: ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ أدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أشَدَّ العَذابِ﴾، ولَيْسَ المُرادُ مِنهُ أيْضًا الدُّنْيا؛ لِأنَّ عَرْضَ النّارِ عَلَيْهِمْ غُدُوًّا وعَشِيًّا ما كانَ حاصِلًا في الدُّنْيا، فَثَبَتَ أنَّ هَذا العَرْضَ إنَّما حَصَلَ بَعْدَ المَوْتِ وقَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى إثْباتِ عَذابِ القَبْرِ في حَقِّ هَؤُلاءِ، وإذا ثَبَتَ في حَقِّهِمْ ثَبَتَ في حَقِّ غَيْرِهِمْ؛ لِأنَّهُ لا قائِلَ بِالفَرْقِ، فَإنْ قِيلَ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن عَرْضِ النّارِ عَلَيْهِمْ غُدُوًّا وعَشِيًّا عَرْضَ النَّصائِحِ عَلَيْهِمْ في الدُّنْيا؟ لِأنَّ أهْلَ الدِّينِ إذا ذَكَرُوا لَهُمُ التَّرْغِيبَ والتَّرْهِيبَ وخَوَّفُوهم بِعَذابِ اللَّهِ، فَقَدْ عَرَضُوا عَلَيْهِمُ النّارَ، ثُمَّ نَقُولُ: في الآيَةِ ما يَمْنَعُ مِن حَمْلِهِ عَلى عَذابِ القَبْرِ وبَيانُهُ مِن وجْهَيْنِ، الأوَّلُ: أنَّ ذَلِكَ العَذابَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ دائِمًا غَيْرَ مُنْقَطِعٍ، وقَوْلُهُ: ﴿يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وعَشِيًّا﴾ يَقْتَضِي أنْ لا يَحْصُلُ ذَلِكَ العَذابُ إلّا في هَذَيْنِ الوَقْتَيْنِ، فَثَبَتَ أنَّ هَذا لا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى عَذابِ القَبْرِ. الثّانِي: أنَّ الغُدْوَةَ والعَشِيَّةَ إنَّما يَحْصُلانِ في الدُّنْيا، أمّا في القَبْرِ فَلا وُجُودَ لَهُما، فَثَبَتَ بِهَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ أنَّهُ لا يُمْكِنُ حَمْلُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى عَذابِ القَبْرِ. والجَوابُ: عَنِ السُّؤالِ الأوَّلِ أنَّ في الدُّنْيا عَرَضَ عَلَيْهِمْ كَلِماتٍ تُذَكِّرُهم أمْرَ النّارِ، لا أنَّهُ يَعْرِضُ عَلَيْهِمْ نَفْسَ النّارِ، فَعَلى قَوْلِهِمْ يَصِيرُ مَعْنى الآيَةِ الكَلِماتُ المُذَكِّرَةُ لِأمْرِ النّارِ كانَتْ تُعْرَضُ عَلَيْهِمْ، وذَلِكَ يُفْضِي إلى تَرْكِ ظاهِرِ اللَّفْظِ والعُدُولِ إلى المَجازِ، أمّا قَوْلُهُ: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى حُصُولِ هَذا العَذابِ في هَذَيْنِ الوَقْتَيْنِ وذَلِكَ لا يَجُوزُ، قُلْنا: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُكْتَفى في القَبْرِ بِإيصالِ العَذابِ إلَيْهِ في هَذَيْنِ الوَقْتَيْنِ، ثُمَّ عِنْدَ قِيامِ القِيامَةِ يُلْقى في النّارِ فَيَدُومُ عَذابُهُ بَعْدَ ذَلِكَ، وأيْضًا لا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ ذِكْرُ الغُدْوَةِ والعَشِيَّةِ كِنايَةً عَنِ الدَّوامِ كَقَوْلِهِ: ﴿ولَهم رِزْقُهم فِيها بُكْرَةً وعَشِيًّا﴾ أمّا قَوْلُهُ: إنَّهُ لَيْسَ في القَبْرِ والقِيامَةِ غُدْوَةٌ وعَشِيَّةٌ، قُلْنا: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ عِنْدَ حُصُولِ هَذَيْنِ الوَقْتَيْنِ لِأهْلِ الدُّنْيا يُعْرَضُ عَلَيْهِمُ العَذابُ؟ واللَّهُ أعْلَمُ. صفحة ٦٥ المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ نافِعٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ (أدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ) أيْ يُقالُ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ: أدْخِلُوهم في أشَدِّ العَذابِ، والباقُونَ (ادْخُلُوا) عَلى مَعْنى أنَّهُ يُقالُ لِهَؤُلاءِ الكُفّارِ: ادْخُلُوا أشَدَّ العَذابِ، والقِراءَةُ الأُولى اخْتِيارُ أبِي عُبَيْدَةَ، واحْتَجَّ عَلَيْها بِقَوْلِهِ تَعالى: ”يُعْرَضُونَ“ فَهَذا يُفْعَلُ بِهِمْ، فَكَذَلِكَ (أدْخِلُوا)، وأمّا وجْهُ القِراءَةِ الثّانِيَةِ فَقَوْلُهُ ﴿ادْخُلُوا أبْوابَ جَهَنَّمَ﴾، وهَهُنا آخِرُ الكَلامِ في قِصَّةِ مُؤْمِنِ آلِ فِرْعَوْنَ. واعْلَمْ أنَّ الكَلامَ في تِلْكَ القِصَّةِ لَمّا انْجَرَّ إلى شَرْحِ أحْوالِ النّارِ، لا جَرَمَ ذَكَرَ اللَّهُ عَقِيبَها قِصَّةَ المُناظَراتِ الَّتِي تَجْرِي بَيْنَ الرُّؤَساءِ والأتْباعِ مِن أهْلِ النّارِ، فَقالَ: ﴿وإذْ يَتَحاجُّونَ في النّارِ﴾ والمَعْنى اذْكُرْ يا مُحَمَّدُ لِقَوْمِكَ إذْ يَتَحاجُّونَ أيْ يُحاجِجُ بَعْضُهم بَعْضًا، ثُمَّ شَرَحَ خُصُومَتَهم وذَلِكَ أنَّ الضُّعَفاءَ يَقُولُونَ لِلرُّؤَساءِ ﴿إنّا كُنّا لَكم تَبَعًا﴾ في الدُّنْيا، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ”تَبَعًا“ كَخَدَمٍ في جَمْعِ خادِمٍ أوْ ذَوِي تَبَعٍ أيْ أتْباعٍ أوْ وصْفًا بِالمَصْدَرِ ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُغْنُونَ عَنّا نَصِيبًا مِنَ النّارِ﴾ أيْ فَهَلْ تَقْدِرُونَ عَلى أنْ تَدْفَعُوا أيُّها الرُّؤَساءُ عَنّا نَصِيبًا مِنَ العَذابِ، واعْلَمْ أنَّ أُولَئِكَ الأتْباعَ يَعْلَمُونَ أنَّ أُولَئِكَ الرُّؤَساءَ لا قُدْرَةَ لَهم عَلى ذَلِكَ التَّخْفِيفِ، وإنَّما مَقْصُودُهم مِن هَذا الكَلامِ المُبالَغَةُ في تَخْجِيلِ أُولَئِكَ الرُّؤَساءِ وإيلامِ قُلُوبِهِمْ؛ لِأنَّهم هُمُ الَّذِينَ سَعَوْا في إيقاعِ هَؤُلاءِ الأتْباعِ في أنْواعِ الضَّلالاتِ، فَعِنْدَ هَذا يَقُولُ الرُّؤَساءُ ﴿إنّا كُلٌّ فِيها﴾ يَعْنِي أنَّ كُلَّنا واقِعُونَ في هَذا العَذابِ، فَلَوْ قَدَرْتُ عَلى إزالَةِ العَذابِ عَنْكَ لَدَفَعْتُهُ عَنْ نَفْسِي، ثُمَّ يَقُولُونَ: ﴿إنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ العِبادِ﴾ يَعْنِي يُوَصِّلُ إلى كُلِّ أحَدٍ مِقْدارَ حَقِّهِ مِنَ النَّعِيمِ أوْ مِنَ العَذابِ، ثُمَّ عِنْدَ هَذا يَحْصُلُ اليَأْسُ لِلْأتْباعِ مِنَ المَتْبُوعِينَ فَيَرْجِعُونَ إلى خَزَنَةِ جَهَنَّمَ ويَقُولُونَ لَهم: ﴿ادْعُوا رَبَّكم يُخَفِّفْ عَنّا يَوْمًا مِنَ العَذابِ﴾ فَإنْ قِيلَ لِمَ لَمْ يَقُلْ: وقالَ الَّذِينَ في النّارِ لِخَزَنَتِها بَلْ قالَ: ﴿وقالَ الَّذِينَ في النّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ﴾ ؟ قُلْنا فِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ المَقْصُودُ مِن ذِكْرِ جَهَنَّمَ التَّهْوِيلَ والتَّفْظِيعَ، والثّانِي: أنْ يَكُونَ جَهَنَّمُ اسْمًا لِمَوْضِعٍ هو أبْعَدُ النّارِ قَعْرًا، مِن قَوْلِهِمْ: بِئْرٌ جَهَنّامٌ أيْ بَعِيدَةُ القَعْرِ، وفِيها أعْظَمُ أقْسامِ الكُفّارِ عُقُوبَةً، وخَزَنَةُ ذَلِكَ المَوْضِعِ تَكُونُ أعْظَمَ خَزَنَةِ جَهَنَّمَ عِنْدَ اللَّهِ دَرَجَةً، فَإذا عَرَفَ الكُفّارُ أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ اسْتَغاثُوا بِهِمْ، فَأُولَئِكَ المَلائِكَةُ يَقُولُونَ لَهم ﴿أوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكم رُسُلُكم بِالبَيِّناتِ﴾ والمَقْصُودُ أنَّ قَبْلَ إرْسالِ الرُّسُلِ كانَ لِلْقَوْمِ أنْ يَقُولُوا إنَّهُ ﴿ما جاءَنا مِن بَشِيرٍ ولا نَذِيرٍ﴾ [المائدة: ١٩] أمّا بَعْدَ مَجِيءِ الرُّسُلِ فَلَمْ يَبْقَ عُذْرٌ ولا عِلَّةٌ كَما قالَ تَعالى: ﴿وما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] وهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ الواجِبَ لا يَتَحَقَّقُ إلّا بَعْدَ مَجِيءِ الشَّرْعِ. ثُمَّ إنَّ أُولَئِكَ المَلائِكَةَ يَقُولُونَ لِلْكُفّارِ: ادْعُوا أنْتُمْ فَإنّا لا نَجْتَرِئُ عَلى ذَلِكَ ولا نُشَفَّعُ إلّا بِشَرْطَيْنِ أحَدَهُما: كَوْنُ المَشْفُوعِ لَهُ مُؤْمِنًا، والثّانِي: حُصُولُ الإذْنِ في الشَّفاعَةِ ولَمْ يُوجَدْ واحِدٌ مِن هَذَيْنِ الشَّرْطَيْنِ فَإقْدامُنا عَلى هَذِهِ الشَّفاعَةِ مُمْتَنِعٌ لَكِنِ ادْعُوا أنْتُمْ، ولَيْسَ قَوْلُهم فادْعُوا لِرَجاءِ المَنفَعَةِ، ولَكِنْ لِلدَّلالَةِ عَلى الخَيْبَةِ، فَإنَّ المَلَكَ المُقَرَّبَ إذا لَمْ يُسْمَعْ دُعاؤُهُ فَكَيْفَ يُسْمَعُ دُعاءُ الكُفّارِ ؟ ثُمَّ يُصَرِّحُونَ لَهم بِأنَّهُ لا أثَرَ لِدُعائِهِمْ فَيَقُولُونَ ﴿وما دُعاءُ الكافِرِينَ إلّا في ضَلالٍ﴾ فَإنْ قِيلَ: إنَّ الحاجَةَ عَلى اللَّهِ مُحالٌ، وإذا كانَ كَذَلِكَ امْتَنَعَ أنْ يُقالَ: إنَّهُ تَأذّى مِن هَؤُلاءِ المُجْرِمِينَ بِسَبَبِ جُرْمِهِمْ، وإذا كانَ التَّأذِّي مُحالًا عَلَيْهِ كانَتْ شَهْوَةُ الِانْتِقامِ مُمْتَنِعَةً في حَقِّهِ، إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: إيصالُ هَذِهِ المَضارِّ العَظِيمَةِ إلى أُولَئِكَ الكُفّارِ إضْرارٌ لا مَنفَعَةَ فِيهِ إلى اللَّهِ تَعالى ولا لِأحَدٍ مِنَ العَبِيدِ، فَهو إضْرارٌ خالٍ عَنْ جَمِيعِ الجِهاتِ المُنْتَفِعَةِ فَكَيْفَ يَلِيقُ بِالرَّحِيمِ الكَرِيمِ أنْ يُبْقِيَ عَلى ذَلِكَ الإيلامِ أبَدَ الآبادِ ودَهْرَ الدّاهِرِينَ، مِن غَيْرِ أنْ يَرْحَمَ حاجَتَهم، ومِن غَيْرِ أنْ يَسْمَعَ دُعاءَهم، ومِن غَيْرِ أنْ يَلْتَفِتَ إلى تَضَرُّعِهِمْ صفحة ٦٦ وانْكِسارِهِمْ، ولَوْ أنَّ أقْسى النّاسِ قَلْبًا فَعَلَ مِثْلَ هَذا التَّعْذِيبِ بِبَعْضِ عَبِيدِهِ لَدَعاهُ كَرَمُهُ ورَحْمَتُهُ إلى العَفْوِ عَنْهُ مَعَ أنَّ هَذا السَّيِّدَ في مَحَلِّ النَّفْعِ والضَّرَرِ والحاجَةِ، فَأكْرَمُ الأكْرَمِينَ كَيْفَ يَلِيقُ بِهِ هَذا الإضْرارُ ؟ قُلْنا: أفْعالُ اللَّهِ لا تُعَلَّلُ و﴿لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ وهم يُسْألُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣] فَلَمّا جاءَ الحُكْمُ الحَقُّ بِهِ في الكِتابِ الحَقِّ وجَبَ الإقْرارُ بِهِ، واللَّهُ أعْلَمُ بِالصَّوابِ.

غافر 40:48

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا وحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ العَذابِ﴾ ﴿النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وعَشِيًّا ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ أدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أشَدَّ العَذابِ﴾ ﴿وإذْ يَتَحاجُّونَ في النّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إنّا كُنّا لَكم تَبَعًا فَهَلْ أنْتُمْ مُغْنُونَ عَنّا نَصِيبًا مِنَ النّارِ﴾ ﴿قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إنّا كُلٌّ فِيها إنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ العِبادِ﴾ صفحة ٦٤ ﴿وقالَ الَّذِينَ في النّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكم يُخَفِّفْ عَنّا يَوْمًا مِنَ العَذابِ﴾ ﴿قالُوا أوَ لَمْ تَكُ تَأْتِيكم رُسُلُكم بِالبَيِّناتِ قالُوا بَلى قالُوا فادْعُوا وما دُعاءُ الكافِرِينَ إلّا في ضَلالٍ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ الرَّجُلَ لَمْ يُقَصِّرْ في تَقْرِيرِ الدِّينِ الحَقِّ، وفي الذَّبِّ عَنْهُ فاللَّهُ تَعالى رَدَّ عَنْهُ كَيْدَ الكافِرِينَ وقَصْدَ القاصِدِينَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمّا صَرَّحَ بِتَقْرِيرِ الحَقِّ فَقَدْ قَصَدُوهُ بِنَوْعٍ مِن أنْواعِ السُّوءِ، قالَ مُقاتِلٌ: لَمّا ذَكَرَ هَذِهِ الكَلِماتِ قَصَدُوا قَتْلَهُ فَهَرَبَ مِنهم إلى الجَبَلِ فَطَلَبُوهُ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ، وقِيلَ: المُرادُ بِقَوْلِهِ ﴿فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا﴾ أنَّهم قَصَدُوا إدْخالَهُ في الكُفْرِ وصَرْفَهُ عَنِ الإسْلامِ ﴿فَوَقاهُ اللَّهُ﴾ عَنْ ذَلِكَ إلّا أنَّ الأوَّلَ أوْلى؛ لِأنَّ قَوْلَهُ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿وحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ العَذابِ﴾ لا يَلِيقُ إلّا بِالوَجْهِ الأوَّلِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ﴾ أيْ أحاطَ بِهِمْ ﴿سُوءُ العَذابِ﴾ أيْ غَرِقُوا في البَحْرِ، وقِيلَ: بَلِ المُرادُ مِنهُ النّارُ المَذْكُورَةُ في قَوْلِهِ: ﴿النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها﴾ قالَ الزَّجّاجُ: ”النّارُ“ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿سُوءُ العَذابِ﴾ قالَ: وجائِزٌ أيْضًا أنْ تَكُونَ مُرْتَفِعَةً عَلى إضْمارِ تَفْسِيرِ ﴿سُوءُ العَذابِ﴾ كَأنَّ قائِلًا قالَ: ما سُوءُ العَذابِ؟ فَقِيلَ: ﴿النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها﴾ . قَرَأ حَمْزَةُ ”حِيقَ“ بِكَسْرِ الحاءِ وكَذَلِكَ في كُلِّ القُرْآنِ والباقُونَ بِالفَتْحِ أمّا قَوْلُهُ: ﴿النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وعَشِيًّا﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى إثْباتِ عَذابِ القَبْرِ قالُوا: الآيَةُ تَقْتَضِي عَرْضَ النّارِ عَلَيْهِمْ غُدُوًّا وعَشِيًّا، ولَيْسَ المُرادُ مِنهُ يَوْمَ القِيامَةِ؛ لِأنَّهُ قالَ: ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ أدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أشَدَّ العَذابِ﴾، ولَيْسَ المُرادُ مِنهُ أيْضًا الدُّنْيا؛ لِأنَّ عَرْضَ النّارِ عَلَيْهِمْ غُدُوًّا وعَشِيًّا ما كانَ حاصِلًا في الدُّنْيا، فَثَبَتَ أنَّ هَذا العَرْضَ إنَّما حَصَلَ بَعْدَ المَوْتِ وقَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى إثْباتِ عَذابِ القَبْرِ في حَقِّ هَؤُلاءِ، وإذا ثَبَتَ في حَقِّهِمْ ثَبَتَ في حَقِّ غَيْرِهِمْ؛ لِأنَّهُ لا قائِلَ بِالفَرْقِ، فَإنْ قِيلَ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن عَرْضِ النّارِ عَلَيْهِمْ غُدُوًّا وعَشِيًّا عَرْضَ النَّصائِحِ عَلَيْهِمْ في الدُّنْيا؟ لِأنَّ أهْلَ الدِّينِ إذا ذَكَرُوا لَهُمُ التَّرْغِيبَ والتَّرْهِيبَ وخَوَّفُوهم بِعَذابِ اللَّهِ، فَقَدْ عَرَضُوا عَلَيْهِمُ النّارَ، ثُمَّ نَقُولُ: في الآيَةِ ما يَمْنَعُ مِن حَمْلِهِ عَلى عَذابِ القَبْرِ وبَيانُهُ مِن وجْهَيْنِ، الأوَّلُ: أنَّ ذَلِكَ العَذابَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ دائِمًا غَيْرَ مُنْقَطِعٍ، وقَوْلُهُ: ﴿يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وعَشِيًّا﴾ يَقْتَضِي أنْ لا يَحْصُلُ ذَلِكَ العَذابُ إلّا في هَذَيْنِ الوَقْتَيْنِ، فَثَبَتَ أنَّ هَذا لا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى عَذابِ القَبْرِ. الثّانِي: أنَّ الغُدْوَةَ والعَشِيَّةَ إنَّما يَحْصُلانِ في الدُّنْيا، أمّا في القَبْرِ فَلا وُجُودَ لَهُما، فَثَبَتَ بِهَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ أنَّهُ لا يُمْكِنُ حَمْلُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى عَذابِ القَبْرِ. والجَوابُ: عَنِ السُّؤالِ الأوَّلِ أنَّ في الدُّنْيا عَرَضَ عَلَيْهِمْ كَلِماتٍ تُذَكِّرُهم أمْرَ النّارِ، لا أنَّهُ يَعْرِضُ عَلَيْهِمْ نَفْسَ النّارِ، فَعَلى قَوْلِهِمْ يَصِيرُ مَعْنى الآيَةِ الكَلِماتُ المُذَكِّرَةُ لِأمْرِ النّارِ كانَتْ تُعْرَضُ عَلَيْهِمْ، وذَلِكَ يُفْضِي إلى تَرْكِ ظاهِرِ اللَّفْظِ والعُدُولِ إلى المَجازِ، أمّا قَوْلُهُ: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى حُصُولِ هَذا العَذابِ في هَذَيْنِ الوَقْتَيْنِ وذَلِكَ لا يَجُوزُ، قُلْنا: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُكْتَفى في القَبْرِ بِإيصالِ العَذابِ إلَيْهِ في هَذَيْنِ الوَقْتَيْنِ، ثُمَّ عِنْدَ قِيامِ القِيامَةِ يُلْقى في النّارِ فَيَدُومُ عَذابُهُ بَعْدَ ذَلِكَ، وأيْضًا لا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ ذِكْرُ الغُدْوَةِ والعَشِيَّةِ كِنايَةً عَنِ الدَّوامِ كَقَوْلِهِ: ﴿ولَهم رِزْقُهم فِيها بُكْرَةً وعَشِيًّا﴾ أمّا قَوْلُهُ: إنَّهُ لَيْسَ في القَبْرِ والقِيامَةِ غُدْوَةٌ وعَشِيَّةٌ، قُلْنا: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ عِنْدَ حُصُولِ هَذَيْنِ الوَقْتَيْنِ لِأهْلِ الدُّنْيا يُعْرَضُ عَلَيْهِمُ العَذابُ؟ واللَّهُ أعْلَمُ. صفحة ٦٥ المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ نافِعٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ (أدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ) أيْ يُقالُ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ: أدْخِلُوهم في أشَدِّ العَذابِ، والباقُونَ (ادْخُلُوا) عَلى مَعْنى أنَّهُ يُقالُ لِهَؤُلاءِ الكُفّارِ: ادْخُلُوا أشَدَّ العَذابِ، والقِراءَةُ الأُولى اخْتِيارُ أبِي عُبَيْدَةَ، واحْتَجَّ عَلَيْها بِقَوْلِهِ تَعالى: ”يُعْرَضُونَ“ فَهَذا يُفْعَلُ بِهِمْ، فَكَذَلِكَ (أدْخِلُوا)، وأمّا وجْهُ القِراءَةِ الثّانِيَةِ فَقَوْلُهُ ﴿ادْخُلُوا أبْوابَ جَهَنَّمَ﴾، وهَهُنا آخِرُ الكَلامِ في قِصَّةِ مُؤْمِنِ آلِ فِرْعَوْنَ. واعْلَمْ أنَّ الكَلامَ في تِلْكَ القِصَّةِ لَمّا انْجَرَّ إلى شَرْحِ أحْوالِ النّارِ، لا جَرَمَ ذَكَرَ اللَّهُ عَقِيبَها قِصَّةَ المُناظَراتِ الَّتِي تَجْرِي بَيْنَ الرُّؤَساءِ والأتْباعِ مِن أهْلِ النّارِ، فَقالَ: ﴿وإذْ يَتَحاجُّونَ في النّارِ﴾ والمَعْنى اذْكُرْ يا مُحَمَّدُ لِقَوْمِكَ إذْ يَتَحاجُّونَ أيْ يُحاجِجُ بَعْضُهم بَعْضًا، ثُمَّ شَرَحَ خُصُومَتَهم وذَلِكَ أنَّ الضُّعَفاءَ يَقُولُونَ لِلرُّؤَساءِ ﴿إنّا كُنّا لَكم تَبَعًا﴾ في الدُّنْيا، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ”تَبَعًا“ كَخَدَمٍ في جَمْعِ خادِمٍ أوْ ذَوِي تَبَعٍ أيْ أتْباعٍ أوْ وصْفًا بِالمَصْدَرِ ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُغْنُونَ عَنّا نَصِيبًا مِنَ النّارِ﴾ أيْ فَهَلْ تَقْدِرُونَ عَلى أنْ تَدْفَعُوا أيُّها الرُّؤَساءُ عَنّا نَصِيبًا مِنَ العَذابِ، واعْلَمْ أنَّ أُولَئِكَ الأتْباعَ يَعْلَمُونَ أنَّ أُولَئِكَ الرُّؤَساءَ لا قُدْرَةَ لَهم عَلى ذَلِكَ التَّخْفِيفِ، وإنَّما مَقْصُودُهم مِن هَذا الكَلامِ المُبالَغَةُ في تَخْجِيلِ أُولَئِكَ الرُّؤَساءِ وإيلامِ قُلُوبِهِمْ؛ لِأنَّهم هُمُ الَّذِينَ سَعَوْا في إيقاعِ هَؤُلاءِ الأتْباعِ في أنْواعِ الضَّلالاتِ، فَعِنْدَ هَذا يَقُولُ الرُّؤَساءُ ﴿إنّا كُلٌّ فِيها﴾ يَعْنِي أنَّ كُلَّنا واقِعُونَ في هَذا العَذابِ، فَلَوْ قَدَرْتُ عَلى إزالَةِ العَذابِ عَنْكَ لَدَفَعْتُهُ عَنْ نَفْسِي، ثُمَّ يَقُولُونَ: ﴿إنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ العِبادِ﴾ يَعْنِي يُوَصِّلُ إلى كُلِّ أحَدٍ مِقْدارَ حَقِّهِ مِنَ النَّعِيمِ أوْ مِنَ العَذابِ، ثُمَّ عِنْدَ هَذا يَحْصُلُ اليَأْسُ لِلْأتْباعِ مِنَ المَتْبُوعِينَ فَيَرْجِعُونَ إلى خَزَنَةِ جَهَنَّمَ ويَقُولُونَ لَهم: ﴿ادْعُوا رَبَّكم يُخَفِّفْ عَنّا يَوْمًا مِنَ العَذابِ﴾ فَإنْ قِيلَ لِمَ لَمْ يَقُلْ: وقالَ الَّذِينَ في النّارِ لِخَزَنَتِها بَلْ قالَ: ﴿وقالَ الَّذِينَ في النّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ﴾ ؟ قُلْنا فِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ المَقْصُودُ مِن ذِكْرِ جَهَنَّمَ التَّهْوِيلَ والتَّفْظِيعَ، والثّانِي: أنْ يَكُونَ جَهَنَّمُ اسْمًا لِمَوْضِعٍ هو أبْعَدُ النّارِ قَعْرًا، مِن قَوْلِهِمْ: بِئْرٌ جَهَنّامٌ أيْ بَعِيدَةُ القَعْرِ، وفِيها أعْظَمُ أقْسامِ الكُفّارِ عُقُوبَةً، وخَزَنَةُ ذَلِكَ المَوْضِعِ تَكُونُ أعْظَمَ خَزَنَةِ جَهَنَّمَ عِنْدَ اللَّهِ دَرَجَةً، فَإذا عَرَفَ الكُفّارُ أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ اسْتَغاثُوا بِهِمْ، فَأُولَئِكَ المَلائِكَةُ يَقُولُونَ لَهم ﴿أوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكم رُسُلُكم بِالبَيِّناتِ﴾ والمَقْصُودُ أنَّ قَبْلَ إرْسالِ الرُّسُلِ كانَ لِلْقَوْمِ أنْ يَقُولُوا إنَّهُ ﴿ما جاءَنا مِن بَشِيرٍ ولا نَذِيرٍ﴾ [المائدة: ١٩] أمّا بَعْدَ مَجِيءِ الرُّسُلِ فَلَمْ يَبْقَ عُذْرٌ ولا عِلَّةٌ كَما قالَ تَعالى: ﴿وما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] وهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ الواجِبَ لا يَتَحَقَّقُ إلّا بَعْدَ مَجِيءِ الشَّرْعِ. ثُمَّ إنَّ أُولَئِكَ المَلائِكَةَ يَقُولُونَ لِلْكُفّارِ: ادْعُوا أنْتُمْ فَإنّا لا نَجْتَرِئُ عَلى ذَلِكَ ولا نُشَفَّعُ إلّا بِشَرْطَيْنِ أحَدَهُما: كَوْنُ المَشْفُوعِ لَهُ مُؤْمِنًا، والثّانِي: حُصُولُ الإذْنِ في الشَّفاعَةِ ولَمْ يُوجَدْ واحِدٌ مِن هَذَيْنِ الشَّرْطَيْنِ فَإقْدامُنا عَلى هَذِهِ الشَّفاعَةِ مُمْتَنِعٌ لَكِنِ ادْعُوا أنْتُمْ، ولَيْسَ قَوْلُهم فادْعُوا لِرَجاءِ المَنفَعَةِ، ولَكِنْ لِلدَّلالَةِ عَلى الخَيْبَةِ، فَإنَّ المَلَكَ المُقَرَّبَ إذا لَمْ يُسْمَعْ دُعاؤُهُ فَكَيْفَ يُسْمَعُ دُعاءُ الكُفّارِ ؟ ثُمَّ يُصَرِّحُونَ لَهم بِأنَّهُ لا أثَرَ لِدُعائِهِمْ فَيَقُولُونَ ﴿وما دُعاءُ الكافِرِينَ إلّا في ضَلالٍ﴾ فَإنْ قِيلَ: إنَّ الحاجَةَ عَلى اللَّهِ مُحالٌ، وإذا كانَ كَذَلِكَ امْتَنَعَ أنْ يُقالَ: إنَّهُ تَأذّى مِن هَؤُلاءِ المُجْرِمِينَ بِسَبَبِ جُرْمِهِمْ، وإذا كانَ التَّأذِّي مُحالًا عَلَيْهِ كانَتْ شَهْوَةُ الِانْتِقامِ مُمْتَنِعَةً في حَقِّهِ، إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: إيصالُ هَذِهِ المَضارِّ العَظِيمَةِ إلى أُولَئِكَ الكُفّارِ إضْرارٌ لا مَنفَعَةَ فِيهِ إلى اللَّهِ تَعالى ولا لِأحَدٍ مِنَ العَبِيدِ، فَهو إضْرارٌ خالٍ عَنْ جَمِيعِ الجِهاتِ المُنْتَفِعَةِ فَكَيْفَ يَلِيقُ بِالرَّحِيمِ الكَرِيمِ أنْ يُبْقِيَ عَلى ذَلِكَ الإيلامِ أبَدَ الآبادِ ودَهْرَ الدّاهِرِينَ، مِن غَيْرِ أنْ يَرْحَمَ حاجَتَهم، ومِن غَيْرِ أنْ يَسْمَعَ دُعاءَهم، ومِن غَيْرِ أنْ يَلْتَفِتَ إلى تَضَرُّعِهِمْ صفحة ٦٦ وانْكِسارِهِمْ، ولَوْ أنَّ أقْسى النّاسِ قَلْبًا فَعَلَ مِثْلَ هَذا التَّعْذِيبِ بِبَعْضِ عَبِيدِهِ لَدَعاهُ كَرَمُهُ ورَحْمَتُهُ إلى العَفْوِ عَنْهُ مَعَ أنَّ هَذا السَّيِّدَ في مَحَلِّ النَّفْعِ والضَّرَرِ والحاجَةِ، فَأكْرَمُ الأكْرَمِينَ كَيْفَ يَلِيقُ بِهِ هَذا الإضْرارُ ؟ قُلْنا: أفْعالُ اللَّهِ لا تُعَلَّلُ و﴿لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ وهم يُسْألُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣] فَلَمّا جاءَ الحُكْمُ الحَقُّ بِهِ في الكِتابِ الحَقِّ وجَبَ الإقْرارُ بِهِ، واللَّهُ أعْلَمُ بِالصَّوابِ.

غافر 40:49

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا وحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ العَذابِ﴾ ﴿النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وعَشِيًّا ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ أدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أشَدَّ العَذابِ﴾ ﴿وإذْ يَتَحاجُّونَ في النّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إنّا كُنّا لَكم تَبَعًا فَهَلْ أنْتُمْ مُغْنُونَ عَنّا نَصِيبًا مِنَ النّارِ﴾ ﴿قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إنّا كُلٌّ فِيها إنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ العِبادِ﴾ صفحة ٦٤ ﴿وقالَ الَّذِينَ في النّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكم يُخَفِّفْ عَنّا يَوْمًا مِنَ العَذابِ﴾ ﴿قالُوا أوَ لَمْ تَكُ تَأْتِيكم رُسُلُكم بِالبَيِّناتِ قالُوا بَلى قالُوا فادْعُوا وما دُعاءُ الكافِرِينَ إلّا في ضَلالٍ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ الرَّجُلَ لَمْ يُقَصِّرْ في تَقْرِيرِ الدِّينِ الحَقِّ، وفي الذَّبِّ عَنْهُ فاللَّهُ تَعالى رَدَّ عَنْهُ كَيْدَ الكافِرِينَ وقَصْدَ القاصِدِينَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمّا صَرَّحَ بِتَقْرِيرِ الحَقِّ فَقَدْ قَصَدُوهُ بِنَوْعٍ مِن أنْواعِ السُّوءِ، قالَ مُقاتِلٌ: لَمّا ذَكَرَ هَذِهِ الكَلِماتِ قَصَدُوا قَتْلَهُ فَهَرَبَ مِنهم إلى الجَبَلِ فَطَلَبُوهُ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ، وقِيلَ: المُرادُ بِقَوْلِهِ ﴿فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا﴾ أنَّهم قَصَدُوا إدْخالَهُ في الكُفْرِ وصَرْفَهُ عَنِ الإسْلامِ ﴿فَوَقاهُ اللَّهُ﴾ عَنْ ذَلِكَ إلّا أنَّ الأوَّلَ أوْلى؛ لِأنَّ قَوْلَهُ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿وحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ العَذابِ﴾ لا يَلِيقُ إلّا بِالوَجْهِ الأوَّلِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ﴾ أيْ أحاطَ بِهِمْ ﴿سُوءُ العَذابِ﴾ أيْ غَرِقُوا في البَحْرِ، وقِيلَ: بَلِ المُرادُ مِنهُ النّارُ المَذْكُورَةُ في قَوْلِهِ: ﴿النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها﴾ قالَ الزَّجّاجُ: ”النّارُ“ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿سُوءُ العَذابِ﴾ قالَ: وجائِزٌ أيْضًا أنْ تَكُونَ مُرْتَفِعَةً عَلى إضْمارِ تَفْسِيرِ ﴿سُوءُ العَذابِ﴾ كَأنَّ قائِلًا قالَ: ما سُوءُ العَذابِ؟ فَقِيلَ: ﴿النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها﴾ . قَرَأ حَمْزَةُ ”حِيقَ“ بِكَسْرِ الحاءِ وكَذَلِكَ في كُلِّ القُرْآنِ والباقُونَ بِالفَتْحِ أمّا قَوْلُهُ: ﴿النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وعَشِيًّا﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى إثْباتِ عَذابِ القَبْرِ قالُوا: الآيَةُ تَقْتَضِي عَرْضَ النّارِ عَلَيْهِمْ غُدُوًّا وعَشِيًّا، ولَيْسَ المُرادُ مِنهُ يَوْمَ القِيامَةِ؛ لِأنَّهُ قالَ: ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ أدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أشَدَّ العَذابِ﴾، ولَيْسَ المُرادُ مِنهُ أيْضًا الدُّنْيا؛ لِأنَّ عَرْضَ النّارِ عَلَيْهِمْ غُدُوًّا وعَشِيًّا ما كانَ حاصِلًا في الدُّنْيا، فَثَبَتَ أنَّ هَذا العَرْضَ إنَّما حَصَلَ بَعْدَ المَوْتِ وقَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى إثْباتِ عَذابِ القَبْرِ في حَقِّ هَؤُلاءِ، وإذا ثَبَتَ في حَقِّهِمْ ثَبَتَ في حَقِّ غَيْرِهِمْ؛ لِأنَّهُ لا قائِلَ بِالفَرْقِ، فَإنْ قِيلَ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن عَرْضِ النّارِ عَلَيْهِمْ غُدُوًّا وعَشِيًّا عَرْضَ النَّصائِحِ عَلَيْهِمْ في الدُّنْيا؟ لِأنَّ أهْلَ الدِّينِ إذا ذَكَرُوا لَهُمُ التَّرْغِيبَ والتَّرْهِيبَ وخَوَّفُوهم بِعَذابِ اللَّهِ، فَقَدْ عَرَضُوا عَلَيْهِمُ النّارَ، ثُمَّ نَقُولُ: في الآيَةِ ما يَمْنَعُ مِن حَمْلِهِ عَلى عَذابِ القَبْرِ وبَيانُهُ مِن وجْهَيْنِ، الأوَّلُ: أنَّ ذَلِكَ العَذابَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ دائِمًا غَيْرَ مُنْقَطِعٍ، وقَوْلُهُ: ﴿يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وعَشِيًّا﴾ يَقْتَضِي أنْ لا يَحْصُلُ ذَلِكَ العَذابُ إلّا في هَذَيْنِ الوَقْتَيْنِ، فَثَبَتَ أنَّ هَذا لا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى عَذابِ القَبْرِ. الثّانِي: أنَّ الغُدْوَةَ والعَشِيَّةَ إنَّما يَحْصُلانِ في الدُّنْيا، أمّا في القَبْرِ فَلا وُجُودَ لَهُما، فَثَبَتَ بِهَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ أنَّهُ لا يُمْكِنُ حَمْلُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى عَذابِ القَبْرِ. والجَوابُ: عَنِ السُّؤالِ الأوَّلِ أنَّ في الدُّنْيا عَرَضَ عَلَيْهِمْ كَلِماتٍ تُذَكِّرُهم أمْرَ النّارِ، لا أنَّهُ يَعْرِضُ عَلَيْهِمْ نَفْسَ النّارِ، فَعَلى قَوْلِهِمْ يَصِيرُ مَعْنى الآيَةِ الكَلِماتُ المُذَكِّرَةُ لِأمْرِ النّارِ كانَتْ تُعْرَضُ عَلَيْهِمْ، وذَلِكَ يُفْضِي إلى تَرْكِ ظاهِرِ اللَّفْظِ والعُدُولِ إلى المَجازِ، أمّا قَوْلُهُ: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى حُصُولِ هَذا العَذابِ في هَذَيْنِ الوَقْتَيْنِ وذَلِكَ لا يَجُوزُ، قُلْنا: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُكْتَفى في القَبْرِ بِإيصالِ العَذابِ إلَيْهِ في هَذَيْنِ الوَقْتَيْنِ، ثُمَّ عِنْدَ قِيامِ القِيامَةِ يُلْقى في النّارِ فَيَدُومُ عَذابُهُ بَعْدَ ذَلِكَ، وأيْضًا لا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ ذِكْرُ الغُدْوَةِ والعَشِيَّةِ كِنايَةً عَنِ الدَّوامِ كَقَوْلِهِ: ﴿ولَهم رِزْقُهم فِيها بُكْرَةً وعَشِيًّا﴾ أمّا قَوْلُهُ: إنَّهُ لَيْسَ في القَبْرِ والقِيامَةِ غُدْوَةٌ وعَشِيَّةٌ، قُلْنا: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ عِنْدَ حُصُولِ هَذَيْنِ الوَقْتَيْنِ لِأهْلِ الدُّنْيا يُعْرَضُ عَلَيْهِمُ العَذابُ؟ واللَّهُ أعْلَمُ. صفحة ٦٥ المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ نافِعٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ (أدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ) أيْ يُقالُ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ: أدْخِلُوهم في أشَدِّ العَذابِ، والباقُونَ (ادْخُلُوا) عَلى مَعْنى أنَّهُ يُقالُ لِهَؤُلاءِ الكُفّارِ: ادْخُلُوا أشَدَّ العَذابِ، والقِراءَةُ الأُولى اخْتِيارُ أبِي عُبَيْدَةَ، واحْتَجَّ عَلَيْها بِقَوْلِهِ تَعالى: ”يُعْرَضُونَ“ فَهَذا يُفْعَلُ بِهِمْ، فَكَذَلِكَ (أدْخِلُوا)، وأمّا وجْهُ القِراءَةِ الثّانِيَةِ فَقَوْلُهُ ﴿ادْخُلُوا أبْوابَ جَهَنَّمَ﴾، وهَهُنا آخِرُ الكَلامِ في قِصَّةِ مُؤْمِنِ آلِ فِرْعَوْنَ. واعْلَمْ أنَّ الكَلامَ في تِلْكَ القِصَّةِ لَمّا انْجَرَّ إلى شَرْحِ أحْوالِ النّارِ، لا جَرَمَ ذَكَرَ اللَّهُ عَقِيبَها قِصَّةَ المُناظَراتِ الَّتِي تَجْرِي بَيْنَ الرُّؤَساءِ والأتْباعِ مِن أهْلِ النّارِ، فَقالَ: ﴿وإذْ يَتَحاجُّونَ في النّارِ﴾ والمَعْنى اذْكُرْ يا مُحَمَّدُ لِقَوْمِكَ إذْ يَتَحاجُّونَ أيْ يُحاجِجُ بَعْضُهم بَعْضًا، ثُمَّ شَرَحَ خُصُومَتَهم وذَلِكَ أنَّ الضُّعَفاءَ يَقُولُونَ لِلرُّؤَساءِ ﴿إنّا كُنّا لَكم تَبَعًا﴾ في الدُّنْيا، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ”تَبَعًا“ كَخَدَمٍ في جَمْعِ خادِمٍ أوْ ذَوِي تَبَعٍ أيْ أتْباعٍ أوْ وصْفًا بِالمَصْدَرِ ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُغْنُونَ عَنّا نَصِيبًا مِنَ النّارِ﴾ أيْ فَهَلْ تَقْدِرُونَ عَلى أنْ تَدْفَعُوا أيُّها الرُّؤَساءُ عَنّا نَصِيبًا مِنَ العَذابِ، واعْلَمْ أنَّ أُولَئِكَ الأتْباعَ يَعْلَمُونَ أنَّ أُولَئِكَ الرُّؤَساءَ لا قُدْرَةَ لَهم عَلى ذَلِكَ التَّخْفِيفِ، وإنَّما مَقْصُودُهم مِن هَذا الكَلامِ المُبالَغَةُ في تَخْجِيلِ أُولَئِكَ الرُّؤَساءِ وإيلامِ قُلُوبِهِمْ؛ لِأنَّهم هُمُ الَّذِينَ سَعَوْا في إيقاعِ هَؤُلاءِ الأتْباعِ في أنْواعِ الضَّلالاتِ، فَعِنْدَ هَذا يَقُولُ الرُّؤَساءُ ﴿إنّا كُلٌّ فِيها﴾ يَعْنِي أنَّ كُلَّنا واقِعُونَ في هَذا العَذابِ، فَلَوْ قَدَرْتُ عَلى إزالَةِ العَذابِ عَنْكَ لَدَفَعْتُهُ عَنْ نَفْسِي، ثُمَّ يَقُولُونَ: ﴿إنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ العِبادِ﴾ يَعْنِي يُوَصِّلُ إلى كُلِّ أحَدٍ مِقْدارَ حَقِّهِ مِنَ النَّعِيمِ أوْ مِنَ العَذابِ، ثُمَّ عِنْدَ هَذا يَحْصُلُ اليَأْسُ لِلْأتْباعِ مِنَ المَتْبُوعِينَ فَيَرْجِعُونَ إلى خَزَنَةِ جَهَنَّمَ ويَقُولُونَ لَهم: ﴿ادْعُوا رَبَّكم يُخَفِّفْ عَنّا يَوْمًا مِنَ العَذابِ﴾ فَإنْ قِيلَ لِمَ لَمْ يَقُلْ: وقالَ الَّذِينَ في النّارِ لِخَزَنَتِها بَلْ قالَ: ﴿وقالَ الَّذِينَ في النّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ﴾ ؟ قُلْنا فِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ المَقْصُودُ مِن ذِكْرِ جَهَنَّمَ التَّهْوِيلَ والتَّفْظِيعَ، والثّانِي: أنْ يَكُونَ جَهَنَّمُ اسْمًا لِمَوْضِعٍ هو أبْعَدُ النّارِ قَعْرًا، مِن قَوْلِهِمْ: بِئْرٌ جَهَنّامٌ أيْ بَعِيدَةُ القَعْرِ، وفِيها أعْظَمُ أقْسامِ الكُفّارِ عُقُوبَةً، وخَزَنَةُ ذَلِكَ المَوْضِعِ تَكُونُ أعْظَمَ خَزَنَةِ جَهَنَّمَ عِنْدَ اللَّهِ دَرَجَةً، فَإذا عَرَفَ الكُفّارُ أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ اسْتَغاثُوا بِهِمْ، فَأُولَئِكَ المَلائِكَةُ يَقُولُونَ لَهم ﴿أوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكم رُسُلُكم بِالبَيِّناتِ﴾ والمَقْصُودُ أنَّ قَبْلَ إرْسالِ الرُّسُلِ كانَ لِلْقَوْمِ أنْ يَقُولُوا إنَّهُ ﴿ما جاءَنا مِن بَشِيرٍ ولا نَذِيرٍ﴾ [المائدة: ١٩] أمّا بَعْدَ مَجِيءِ الرُّسُلِ فَلَمْ يَبْقَ عُذْرٌ ولا عِلَّةٌ كَما قالَ تَعالى: ﴿وما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] وهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ الواجِبَ لا يَتَحَقَّقُ إلّا بَعْدَ مَجِيءِ الشَّرْعِ. ثُمَّ إنَّ أُولَئِكَ المَلائِكَةَ يَقُولُونَ لِلْكُفّارِ: ادْعُوا أنْتُمْ فَإنّا لا نَجْتَرِئُ عَلى ذَلِكَ ولا نُشَفَّعُ إلّا بِشَرْطَيْنِ أحَدَهُما: كَوْنُ المَشْفُوعِ لَهُ مُؤْمِنًا، والثّانِي: حُصُولُ الإذْنِ في الشَّفاعَةِ ولَمْ يُوجَدْ واحِدٌ مِن هَذَيْنِ الشَّرْطَيْنِ فَإقْدامُنا عَلى هَذِهِ الشَّفاعَةِ مُمْتَنِعٌ لَكِنِ ادْعُوا أنْتُمْ، ولَيْسَ قَوْلُهم فادْعُوا لِرَجاءِ المَنفَعَةِ، ولَكِنْ لِلدَّلالَةِ عَلى الخَيْبَةِ، فَإنَّ المَلَكَ المُقَرَّبَ إذا لَمْ يُسْمَعْ دُعاؤُهُ فَكَيْفَ يُسْمَعُ دُعاءُ الكُفّارِ ؟ ثُمَّ يُصَرِّحُونَ لَهم بِأنَّهُ لا أثَرَ لِدُعائِهِمْ فَيَقُولُونَ ﴿وما دُعاءُ الكافِرِينَ إلّا في ضَلالٍ﴾ فَإنْ قِيلَ: إنَّ الحاجَةَ عَلى اللَّهِ مُحالٌ، وإذا كانَ كَذَلِكَ امْتَنَعَ أنْ يُقالَ: إنَّهُ تَأذّى مِن هَؤُلاءِ المُجْرِمِينَ بِسَبَبِ جُرْمِهِمْ، وإذا كانَ التَّأذِّي مُحالًا عَلَيْهِ كانَتْ شَهْوَةُ الِانْتِقامِ مُمْتَنِعَةً في حَقِّهِ، إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: إيصالُ هَذِهِ المَضارِّ العَظِيمَةِ إلى أُولَئِكَ الكُفّارِ إضْرارٌ لا مَنفَعَةَ فِيهِ إلى اللَّهِ تَعالى ولا لِأحَدٍ مِنَ العَبِيدِ، فَهو إضْرارٌ خالٍ عَنْ جَمِيعِ الجِهاتِ المُنْتَفِعَةِ فَكَيْفَ يَلِيقُ بِالرَّحِيمِ الكَرِيمِ أنْ يُبْقِيَ عَلى ذَلِكَ الإيلامِ أبَدَ الآبادِ ودَهْرَ الدّاهِرِينَ، مِن غَيْرِ أنْ يَرْحَمَ حاجَتَهم، ومِن غَيْرِ أنْ يَسْمَعَ دُعاءَهم، ومِن غَيْرِ أنْ يَلْتَفِتَ إلى تَضَرُّعِهِمْ صفحة ٦٦ وانْكِسارِهِمْ، ولَوْ أنَّ أقْسى النّاسِ قَلْبًا فَعَلَ مِثْلَ هَذا التَّعْذِيبِ بِبَعْضِ عَبِيدِهِ لَدَعاهُ كَرَمُهُ ورَحْمَتُهُ إلى العَفْوِ عَنْهُ مَعَ أنَّ هَذا السَّيِّدَ في مَحَلِّ النَّفْعِ والضَّرَرِ والحاجَةِ، فَأكْرَمُ الأكْرَمِينَ كَيْفَ يَلِيقُ بِهِ هَذا الإضْرارُ ؟ قُلْنا: أفْعالُ اللَّهِ لا تُعَلَّلُ و﴿لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ وهم يُسْألُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣] فَلَمّا جاءَ الحُكْمُ الحَقُّ بِهِ في الكِتابِ الحَقِّ وجَبَ الإقْرارُ بِهِ، واللَّهُ أعْلَمُ بِالصَّوابِ.

غافر 40:50

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا وحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ العَذابِ﴾ ﴿النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وعَشِيًّا ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ أدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أشَدَّ العَذابِ﴾ ﴿وإذْ يَتَحاجُّونَ في النّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إنّا كُنّا لَكم تَبَعًا فَهَلْ أنْتُمْ مُغْنُونَ عَنّا نَصِيبًا مِنَ النّارِ﴾ ﴿قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إنّا كُلٌّ فِيها إنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ العِبادِ﴾ صفحة ٦٤ ﴿وقالَ الَّذِينَ في النّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكم يُخَفِّفْ عَنّا يَوْمًا مِنَ العَذابِ﴾ ﴿قالُوا أوَ لَمْ تَكُ تَأْتِيكم رُسُلُكم بِالبَيِّناتِ قالُوا بَلى قالُوا فادْعُوا وما دُعاءُ الكافِرِينَ إلّا في ضَلالٍ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ الرَّجُلَ لَمْ يُقَصِّرْ في تَقْرِيرِ الدِّينِ الحَقِّ، وفي الذَّبِّ عَنْهُ فاللَّهُ تَعالى رَدَّ عَنْهُ كَيْدَ الكافِرِينَ وقَصْدَ القاصِدِينَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمّا صَرَّحَ بِتَقْرِيرِ الحَقِّ فَقَدْ قَصَدُوهُ بِنَوْعٍ مِن أنْواعِ السُّوءِ، قالَ مُقاتِلٌ: لَمّا ذَكَرَ هَذِهِ الكَلِماتِ قَصَدُوا قَتْلَهُ فَهَرَبَ مِنهم إلى الجَبَلِ فَطَلَبُوهُ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ، وقِيلَ: المُرادُ بِقَوْلِهِ ﴿فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا﴾ أنَّهم قَصَدُوا إدْخالَهُ في الكُفْرِ وصَرْفَهُ عَنِ الإسْلامِ ﴿فَوَقاهُ اللَّهُ﴾ عَنْ ذَلِكَ إلّا أنَّ الأوَّلَ أوْلى؛ لِأنَّ قَوْلَهُ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿وحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ العَذابِ﴾ لا يَلِيقُ إلّا بِالوَجْهِ الأوَّلِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ﴾ أيْ أحاطَ بِهِمْ ﴿سُوءُ العَذابِ﴾ أيْ غَرِقُوا في البَحْرِ، وقِيلَ: بَلِ المُرادُ مِنهُ النّارُ المَذْكُورَةُ في قَوْلِهِ: ﴿النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها﴾ قالَ الزَّجّاجُ: ”النّارُ“ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿سُوءُ العَذابِ﴾ قالَ: وجائِزٌ أيْضًا أنْ تَكُونَ مُرْتَفِعَةً عَلى إضْمارِ تَفْسِيرِ ﴿سُوءُ العَذابِ﴾ كَأنَّ قائِلًا قالَ: ما سُوءُ العَذابِ؟ فَقِيلَ: ﴿النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها﴾ . قَرَأ حَمْزَةُ ”حِيقَ“ بِكَسْرِ الحاءِ وكَذَلِكَ في كُلِّ القُرْآنِ والباقُونَ بِالفَتْحِ أمّا قَوْلُهُ: ﴿النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وعَشِيًّا﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى إثْباتِ عَذابِ القَبْرِ قالُوا: الآيَةُ تَقْتَضِي عَرْضَ النّارِ عَلَيْهِمْ غُدُوًّا وعَشِيًّا، ولَيْسَ المُرادُ مِنهُ يَوْمَ القِيامَةِ؛ لِأنَّهُ قالَ: ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ أدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أشَدَّ العَذابِ﴾، ولَيْسَ المُرادُ مِنهُ أيْضًا الدُّنْيا؛ لِأنَّ عَرْضَ النّارِ عَلَيْهِمْ غُدُوًّا وعَشِيًّا ما كانَ حاصِلًا في الدُّنْيا، فَثَبَتَ أنَّ هَذا العَرْضَ إنَّما حَصَلَ بَعْدَ المَوْتِ وقَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى إثْباتِ عَذابِ القَبْرِ في حَقِّ هَؤُلاءِ، وإذا ثَبَتَ في حَقِّهِمْ ثَبَتَ في حَقِّ غَيْرِهِمْ؛ لِأنَّهُ لا قائِلَ بِالفَرْقِ، فَإنْ قِيلَ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن عَرْضِ النّارِ عَلَيْهِمْ غُدُوًّا وعَشِيًّا عَرْضَ النَّصائِحِ عَلَيْهِمْ في الدُّنْيا؟ لِأنَّ أهْلَ الدِّينِ إذا ذَكَرُوا لَهُمُ التَّرْغِيبَ والتَّرْهِيبَ وخَوَّفُوهم بِعَذابِ اللَّهِ، فَقَدْ عَرَضُوا عَلَيْهِمُ النّارَ، ثُمَّ نَقُولُ: في الآيَةِ ما يَمْنَعُ مِن حَمْلِهِ عَلى عَذابِ القَبْرِ وبَيانُهُ مِن وجْهَيْنِ، الأوَّلُ: أنَّ ذَلِكَ العَذابَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ دائِمًا غَيْرَ مُنْقَطِعٍ، وقَوْلُهُ: ﴿يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وعَشِيًّا﴾ يَقْتَضِي أنْ لا يَحْصُلُ ذَلِكَ العَذابُ إلّا في هَذَيْنِ الوَقْتَيْنِ، فَثَبَتَ أنَّ هَذا لا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى عَذابِ القَبْرِ. الثّانِي: أنَّ الغُدْوَةَ والعَشِيَّةَ إنَّما يَحْصُلانِ في الدُّنْيا، أمّا في القَبْرِ فَلا وُجُودَ لَهُما، فَثَبَتَ بِهَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ أنَّهُ لا يُمْكِنُ حَمْلُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى عَذابِ القَبْرِ. والجَوابُ: عَنِ السُّؤالِ الأوَّلِ أنَّ في الدُّنْيا عَرَضَ عَلَيْهِمْ كَلِماتٍ تُذَكِّرُهم أمْرَ النّارِ، لا أنَّهُ يَعْرِضُ عَلَيْهِمْ نَفْسَ النّارِ، فَعَلى قَوْلِهِمْ يَصِيرُ مَعْنى الآيَةِ الكَلِماتُ المُذَكِّرَةُ لِأمْرِ النّارِ كانَتْ تُعْرَضُ عَلَيْهِمْ، وذَلِكَ يُفْضِي إلى تَرْكِ ظاهِرِ اللَّفْظِ والعُدُولِ إلى المَجازِ، أمّا قَوْلُهُ: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى حُصُولِ هَذا العَذابِ في هَذَيْنِ الوَقْتَيْنِ وذَلِكَ لا يَجُوزُ، قُلْنا: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُكْتَفى في القَبْرِ بِإيصالِ العَذابِ إلَيْهِ في هَذَيْنِ الوَقْتَيْنِ، ثُمَّ عِنْدَ قِيامِ القِيامَةِ يُلْقى في النّارِ فَيَدُومُ عَذابُهُ بَعْدَ ذَلِكَ، وأيْضًا لا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ ذِكْرُ الغُدْوَةِ والعَشِيَّةِ كِنايَةً عَنِ الدَّوامِ كَقَوْلِهِ: ﴿ولَهم رِزْقُهم فِيها بُكْرَةً وعَشِيًّا﴾ أمّا قَوْلُهُ: إنَّهُ لَيْسَ في القَبْرِ والقِيامَةِ غُدْوَةٌ وعَشِيَّةٌ، قُلْنا: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ عِنْدَ حُصُولِ هَذَيْنِ الوَقْتَيْنِ لِأهْلِ الدُّنْيا يُعْرَضُ عَلَيْهِمُ العَذابُ؟ واللَّهُ أعْلَمُ. صفحة ٦٥ المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ نافِعٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ (أدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ) أيْ يُقالُ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ: أدْخِلُوهم في أشَدِّ العَذابِ، والباقُونَ (ادْخُلُوا) عَلى مَعْنى أنَّهُ يُقالُ لِهَؤُلاءِ الكُفّارِ: ادْخُلُوا أشَدَّ العَذابِ، والقِراءَةُ الأُولى اخْتِيارُ أبِي عُبَيْدَةَ، واحْتَجَّ عَلَيْها بِقَوْلِهِ تَعالى: ”يُعْرَضُونَ“ فَهَذا يُفْعَلُ بِهِمْ، فَكَذَلِكَ (أدْخِلُوا)، وأمّا وجْهُ القِراءَةِ الثّانِيَةِ فَقَوْلُهُ ﴿ادْخُلُوا أبْوابَ جَهَنَّمَ﴾، وهَهُنا آخِرُ الكَلامِ في قِصَّةِ مُؤْمِنِ آلِ فِرْعَوْنَ. واعْلَمْ أنَّ الكَلامَ في تِلْكَ القِصَّةِ لَمّا انْجَرَّ إلى شَرْحِ أحْوالِ النّارِ، لا جَرَمَ ذَكَرَ اللَّهُ عَقِيبَها قِصَّةَ المُناظَراتِ الَّتِي تَجْرِي بَيْنَ الرُّؤَساءِ والأتْباعِ مِن أهْلِ النّارِ، فَقالَ: ﴿وإذْ يَتَحاجُّونَ في النّارِ﴾ والمَعْنى اذْكُرْ يا مُحَمَّدُ لِقَوْمِكَ إذْ يَتَحاجُّونَ أيْ يُحاجِجُ بَعْضُهم بَعْضًا، ثُمَّ شَرَحَ خُصُومَتَهم وذَلِكَ أنَّ الضُّعَفاءَ يَقُولُونَ لِلرُّؤَساءِ ﴿إنّا كُنّا لَكم تَبَعًا﴾ في الدُّنْيا، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ”تَبَعًا“ كَخَدَمٍ في جَمْعِ خادِمٍ أوْ ذَوِي تَبَعٍ أيْ أتْباعٍ أوْ وصْفًا بِالمَصْدَرِ ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُغْنُونَ عَنّا نَصِيبًا مِنَ النّارِ﴾ أيْ فَهَلْ تَقْدِرُونَ عَلى أنْ تَدْفَعُوا أيُّها الرُّؤَساءُ عَنّا نَصِيبًا مِنَ العَذابِ، واعْلَمْ أنَّ أُولَئِكَ الأتْباعَ يَعْلَمُونَ أنَّ أُولَئِكَ الرُّؤَساءَ لا قُدْرَةَ لَهم عَلى ذَلِكَ التَّخْفِيفِ، وإنَّما مَقْصُودُهم مِن هَذا الكَلامِ المُبالَغَةُ في تَخْجِيلِ أُولَئِكَ الرُّؤَساءِ وإيلامِ قُلُوبِهِمْ؛ لِأنَّهم هُمُ الَّذِينَ سَعَوْا في إيقاعِ هَؤُلاءِ الأتْباعِ في أنْواعِ الضَّلالاتِ، فَعِنْدَ هَذا يَقُولُ الرُّؤَساءُ ﴿إنّا كُلٌّ فِيها﴾ يَعْنِي أنَّ كُلَّنا واقِعُونَ في هَذا العَذابِ، فَلَوْ قَدَرْتُ عَلى إزالَةِ العَذابِ عَنْكَ لَدَفَعْتُهُ عَنْ نَفْسِي، ثُمَّ يَقُولُونَ: ﴿إنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ العِبادِ﴾ يَعْنِي يُوَصِّلُ إلى كُلِّ أحَدٍ مِقْدارَ حَقِّهِ مِنَ النَّعِيمِ أوْ مِنَ العَذابِ، ثُمَّ عِنْدَ هَذا يَحْصُلُ اليَأْسُ لِلْأتْباعِ مِنَ المَتْبُوعِينَ فَيَرْجِعُونَ إلى خَزَنَةِ جَهَنَّمَ ويَقُولُونَ لَهم: ﴿ادْعُوا رَبَّكم يُخَفِّفْ عَنّا يَوْمًا مِنَ العَذابِ﴾ فَإنْ قِيلَ لِمَ لَمْ يَقُلْ: وقالَ الَّذِينَ في النّارِ لِخَزَنَتِها بَلْ قالَ: ﴿وقالَ الَّذِينَ في النّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ﴾ ؟ قُلْنا فِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ المَقْصُودُ مِن ذِكْرِ جَهَنَّمَ التَّهْوِيلَ والتَّفْظِيعَ، والثّانِي: أنْ يَكُونَ جَهَنَّمُ اسْمًا لِمَوْضِعٍ هو أبْعَدُ النّارِ قَعْرًا، مِن قَوْلِهِمْ: بِئْرٌ جَهَنّامٌ أيْ بَعِيدَةُ القَعْرِ، وفِيها أعْظَمُ أقْسامِ الكُفّارِ عُقُوبَةً، وخَزَنَةُ ذَلِكَ المَوْضِعِ تَكُونُ أعْظَمَ خَزَنَةِ جَهَنَّمَ عِنْدَ اللَّهِ دَرَجَةً، فَإذا عَرَفَ الكُفّارُ أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ اسْتَغاثُوا بِهِمْ، فَأُولَئِكَ المَلائِكَةُ يَقُولُونَ لَهم ﴿أوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكم رُسُلُكم بِالبَيِّناتِ﴾ والمَقْصُودُ أنَّ قَبْلَ إرْسالِ الرُّسُلِ كانَ لِلْقَوْمِ أنْ يَقُولُوا إنَّهُ ﴿ما جاءَنا مِن بَشِيرٍ ولا نَذِيرٍ﴾ [المائدة: ١٩] أمّا بَعْدَ مَجِيءِ الرُّسُلِ فَلَمْ يَبْقَ عُذْرٌ ولا عِلَّةٌ كَما قالَ تَعالى: ﴿وما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] وهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ الواجِبَ لا يَتَحَقَّقُ إلّا بَعْدَ مَجِيءِ الشَّرْعِ. ثُمَّ إنَّ أُولَئِكَ المَلائِكَةَ يَقُولُونَ لِلْكُفّارِ: ادْعُوا أنْتُمْ فَإنّا لا نَجْتَرِئُ عَلى ذَلِكَ ولا نُشَفَّعُ إلّا بِشَرْطَيْنِ أحَدَهُما: كَوْنُ المَشْفُوعِ لَهُ مُؤْمِنًا، والثّانِي: حُصُولُ الإذْنِ في الشَّفاعَةِ ولَمْ يُوجَدْ واحِدٌ مِن هَذَيْنِ الشَّرْطَيْنِ فَإقْدامُنا عَلى هَذِهِ الشَّفاعَةِ مُمْتَنِعٌ لَكِنِ ادْعُوا أنْتُمْ، ولَيْسَ قَوْلُهم فادْعُوا لِرَجاءِ المَنفَعَةِ، ولَكِنْ لِلدَّلالَةِ عَلى الخَيْبَةِ، فَإنَّ المَلَكَ المُقَرَّبَ إذا لَمْ يُسْمَعْ دُعاؤُهُ فَكَيْفَ يُسْمَعُ دُعاءُ الكُفّارِ ؟ ثُمَّ يُصَرِّحُونَ لَهم بِأنَّهُ لا أثَرَ لِدُعائِهِمْ فَيَقُولُونَ ﴿وما دُعاءُ الكافِرِينَ إلّا في ضَلالٍ﴾ فَإنْ قِيلَ: إنَّ الحاجَةَ عَلى اللَّهِ مُحالٌ، وإذا كانَ كَذَلِكَ امْتَنَعَ أنْ يُقالَ: إنَّهُ تَأذّى مِن هَؤُلاءِ المُجْرِمِينَ بِسَبَبِ جُرْمِهِمْ، وإذا كانَ التَّأذِّي مُحالًا عَلَيْهِ كانَتْ شَهْوَةُ الِانْتِقامِ مُمْتَنِعَةً في حَقِّهِ، إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: إيصالُ هَذِهِ المَضارِّ العَظِيمَةِ إلى أُولَئِكَ الكُفّارِ إضْرارٌ لا مَنفَعَةَ فِيهِ إلى اللَّهِ تَعالى ولا لِأحَدٍ مِنَ العَبِيدِ، فَهو إضْرارٌ خالٍ عَنْ جَمِيعِ الجِهاتِ المُنْتَفِعَةِ فَكَيْفَ يَلِيقُ بِالرَّحِيمِ الكَرِيمِ أنْ يُبْقِيَ عَلى ذَلِكَ الإيلامِ أبَدَ الآبادِ ودَهْرَ الدّاهِرِينَ، مِن غَيْرِ أنْ يَرْحَمَ حاجَتَهم، ومِن غَيْرِ أنْ يَسْمَعَ دُعاءَهم، ومِن غَيْرِ أنْ يَلْتَفِتَ إلى تَضَرُّعِهِمْ صفحة ٦٦ وانْكِسارِهِمْ، ولَوْ أنَّ أقْسى النّاسِ قَلْبًا فَعَلَ مِثْلَ هَذا التَّعْذِيبِ بِبَعْضِ عَبِيدِهِ لَدَعاهُ كَرَمُهُ ورَحْمَتُهُ إلى العَفْوِ عَنْهُ مَعَ أنَّ هَذا السَّيِّدَ في مَحَلِّ النَّفْعِ والضَّرَرِ والحاجَةِ، فَأكْرَمُ الأكْرَمِينَ كَيْفَ يَلِيقُ بِهِ هَذا الإضْرارُ ؟ قُلْنا: أفْعالُ اللَّهِ لا تُعَلَّلُ و﴿لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ وهم يُسْألُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣] فَلَمّا جاءَ الحُكْمُ الحَقُّ بِهِ في الكِتابِ الحَقِّ وجَبَ الإقْرارُ بِهِ، واللَّهُ أعْلَمُ بِالصَّوابِ.

غافر 40:51

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا وحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ العَذابِ﴾ ﴿النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وعَشِيًّا ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ أدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أشَدَّ العَذابِ﴾ ﴿وإذْ يَتَحاجُّونَ في النّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إنّا كُنّا لَكم تَبَعًا فَهَلْ أنْتُمْ مُغْنُونَ عَنّا نَصِيبًا مِنَ النّارِ﴾ ﴿قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إنّا كُلٌّ فِيها إنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ العِبادِ﴾ صفحة ٦٤ ﴿وقالَ الَّذِينَ في النّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكم يُخَفِّفْ عَنّا يَوْمًا مِنَ العَذابِ﴾ ﴿قالُوا أوَ لَمْ تَكُ تَأْتِيكم رُسُلُكم بِالبَيِّناتِ قالُوا بَلى قالُوا فادْعُوا وما دُعاءُ الكافِرِينَ إلّا في ضَلالٍ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ الرَّجُلَ لَمْ يُقَصِّرْ في تَقْرِيرِ الدِّينِ الحَقِّ، وفي الذَّبِّ عَنْهُ فاللَّهُ تَعالى رَدَّ عَنْهُ كَيْدَ الكافِرِينَ وقَصْدَ القاصِدِينَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمّا صَرَّحَ بِتَقْرِيرِ الحَقِّ فَقَدْ قَصَدُوهُ بِنَوْعٍ مِن أنْواعِ السُّوءِ، قالَ مُقاتِلٌ: لَمّا ذَكَرَ هَذِهِ الكَلِماتِ قَصَدُوا قَتْلَهُ فَهَرَبَ مِنهم إلى الجَبَلِ فَطَلَبُوهُ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ، وقِيلَ: المُرادُ بِقَوْلِهِ ﴿فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا﴾ أنَّهم قَصَدُوا إدْخالَهُ في الكُفْرِ وصَرْفَهُ عَنِ الإسْلامِ ﴿فَوَقاهُ اللَّهُ﴾ عَنْ ذَلِكَ إلّا أنَّ الأوَّلَ أوْلى؛ لِأنَّ قَوْلَهُ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿وحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ العَذابِ﴾ لا يَلِيقُ إلّا بِالوَجْهِ الأوَّلِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ﴾ أيْ أحاطَ بِهِمْ ﴿سُوءُ العَذابِ﴾ أيْ غَرِقُوا في البَحْرِ، وقِيلَ: بَلِ المُرادُ مِنهُ النّارُ المَذْكُورَةُ في قَوْلِهِ: ﴿النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها﴾ قالَ الزَّجّاجُ: ”النّارُ“ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿سُوءُ العَذابِ﴾ قالَ: وجائِزٌ أيْضًا أنْ تَكُونَ مُرْتَفِعَةً عَلى إضْمارِ تَفْسِيرِ ﴿سُوءُ العَذابِ﴾ كَأنَّ قائِلًا قالَ: ما سُوءُ العَذابِ؟ فَقِيلَ: ﴿النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها﴾ . قَرَأ حَمْزَةُ ”حِيقَ“ بِكَسْرِ الحاءِ وكَذَلِكَ في كُلِّ القُرْآنِ والباقُونَ بِالفَتْحِ أمّا قَوْلُهُ: ﴿النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وعَشِيًّا﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى إثْباتِ عَذابِ القَبْرِ قالُوا: الآيَةُ تَقْتَضِي عَرْضَ النّارِ عَلَيْهِمْ غُدُوًّا وعَشِيًّا، ولَيْسَ المُرادُ مِنهُ يَوْمَ القِيامَةِ؛ لِأنَّهُ قالَ: ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ أدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أشَدَّ العَذابِ﴾، ولَيْسَ المُرادُ مِنهُ أيْضًا الدُّنْيا؛ لِأنَّ عَرْضَ النّارِ عَلَيْهِمْ غُدُوًّا وعَشِيًّا ما كانَ حاصِلًا في الدُّنْيا، فَثَبَتَ أنَّ هَذا العَرْضَ إنَّما حَصَلَ بَعْدَ المَوْتِ وقَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى إثْباتِ عَذابِ القَبْرِ في حَقِّ هَؤُلاءِ، وإذا ثَبَتَ في حَقِّهِمْ ثَبَتَ في حَقِّ غَيْرِهِمْ؛ لِأنَّهُ لا قائِلَ بِالفَرْقِ، فَإنْ قِيلَ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن عَرْضِ النّارِ عَلَيْهِمْ غُدُوًّا وعَشِيًّا عَرْضَ النَّصائِحِ عَلَيْهِمْ في الدُّنْيا؟ لِأنَّ أهْلَ الدِّينِ إذا ذَكَرُوا لَهُمُ التَّرْغِيبَ والتَّرْهِيبَ وخَوَّفُوهم بِعَذابِ اللَّهِ، فَقَدْ عَرَضُوا عَلَيْهِمُ النّارَ، ثُمَّ نَقُولُ: في الآيَةِ ما يَمْنَعُ مِن حَمْلِهِ عَلى عَذابِ القَبْرِ وبَيانُهُ مِن وجْهَيْنِ، الأوَّلُ: أنَّ ذَلِكَ العَذابَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ دائِمًا غَيْرَ مُنْقَطِعٍ، وقَوْلُهُ: ﴿يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وعَشِيًّا﴾ يَقْتَضِي أنْ لا يَحْصُلُ ذَلِكَ العَذابُ إلّا في هَذَيْنِ الوَقْتَيْنِ، فَثَبَتَ أنَّ هَذا لا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى عَذابِ القَبْرِ. الثّانِي: أنَّ الغُدْوَةَ والعَشِيَّةَ إنَّما يَحْصُلانِ في الدُّنْيا، أمّا في القَبْرِ فَلا وُجُودَ لَهُما، فَثَبَتَ بِهَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ أنَّهُ لا يُمْكِنُ حَمْلُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى عَذابِ القَبْرِ. والجَوابُ: عَنِ السُّؤالِ الأوَّلِ أنَّ في الدُّنْيا عَرَضَ عَلَيْهِمْ كَلِماتٍ تُذَكِّرُهم أمْرَ النّارِ، لا أنَّهُ يَعْرِضُ عَلَيْهِمْ نَفْسَ النّارِ، فَعَلى قَوْلِهِمْ يَصِيرُ مَعْنى الآيَةِ الكَلِماتُ المُذَكِّرَةُ لِأمْرِ النّارِ كانَتْ تُعْرَضُ عَلَيْهِمْ، وذَلِكَ يُفْضِي إلى تَرْكِ ظاهِرِ اللَّفْظِ والعُدُولِ إلى المَجازِ، أمّا قَوْلُهُ: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى حُصُولِ هَذا العَذابِ في هَذَيْنِ الوَقْتَيْنِ وذَلِكَ لا يَجُوزُ، قُلْنا: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُكْتَفى في القَبْرِ بِإيصالِ العَذابِ إلَيْهِ في هَذَيْنِ الوَقْتَيْنِ، ثُمَّ عِنْدَ قِيامِ القِيامَةِ يُلْقى في النّارِ فَيَدُومُ عَذابُهُ بَعْدَ ذَلِكَ، وأيْضًا لا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ ذِكْرُ الغُدْوَةِ والعَشِيَّةِ كِنايَةً عَنِ الدَّوامِ كَقَوْلِهِ: ﴿ولَهم رِزْقُهم فِيها بُكْرَةً وعَشِيًّا﴾ أمّا قَوْلُهُ: إنَّهُ لَيْسَ في القَبْرِ والقِيامَةِ غُدْوَةٌ وعَشِيَّةٌ، قُلْنا: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ عِنْدَ حُصُولِ هَذَيْنِ الوَقْتَيْنِ لِأهْلِ الدُّنْيا يُعْرَضُ عَلَيْهِمُ العَذابُ؟ واللَّهُ أعْلَمُ. صفحة ٦٥ المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ نافِعٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ (أدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ) أيْ يُقالُ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ: أدْخِلُوهم في أشَدِّ العَذابِ، والباقُونَ (ادْخُلُوا) عَلى مَعْنى أنَّهُ يُقالُ لِهَؤُلاءِ الكُفّارِ: ادْخُلُوا أشَدَّ العَذابِ، والقِراءَةُ الأُولى اخْتِيارُ أبِي عُبَيْدَةَ، واحْتَجَّ عَلَيْها بِقَوْلِهِ تَعالى: ”يُعْرَضُونَ“ فَهَذا يُفْعَلُ بِهِمْ، فَكَذَلِكَ (أدْخِلُوا)، وأمّا وجْهُ القِراءَةِ الثّانِيَةِ فَقَوْلُهُ ﴿ادْخُلُوا أبْوابَ جَهَنَّمَ﴾، وهَهُنا آخِرُ الكَلامِ في قِصَّةِ مُؤْمِنِ آلِ فِرْعَوْنَ. واعْلَمْ أنَّ الكَلامَ في تِلْكَ القِصَّةِ لَمّا انْجَرَّ إلى شَرْحِ أحْوالِ النّارِ، لا جَرَمَ ذَكَرَ اللَّهُ عَقِيبَها قِصَّةَ المُناظَراتِ الَّتِي تَجْرِي بَيْنَ الرُّؤَساءِ والأتْباعِ مِن أهْلِ النّارِ، فَقالَ: ﴿وإذْ يَتَحاجُّونَ في النّارِ﴾ والمَعْنى اذْكُرْ يا مُحَمَّدُ لِقَوْمِكَ إذْ يَتَحاجُّونَ أيْ يُحاجِجُ بَعْضُهم بَعْضًا، ثُمَّ شَرَحَ خُصُومَتَهم وذَلِكَ أنَّ الضُّعَفاءَ يَقُولُونَ لِلرُّؤَساءِ ﴿إنّا كُنّا لَكم تَبَعًا﴾ في الدُّنْيا، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ”تَبَعًا“ كَخَدَمٍ في جَمْعِ خادِمٍ أوْ ذَوِي تَبَعٍ أيْ أتْباعٍ أوْ وصْفًا بِالمَصْدَرِ ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُغْنُونَ عَنّا نَصِيبًا مِنَ النّارِ﴾ أيْ فَهَلْ تَقْدِرُونَ عَلى أنْ تَدْفَعُوا أيُّها الرُّؤَساءُ عَنّا نَصِيبًا مِنَ العَذابِ، واعْلَمْ أنَّ أُولَئِكَ الأتْباعَ يَعْلَمُونَ أنَّ أُولَئِكَ الرُّؤَساءَ لا قُدْرَةَ لَهم عَلى ذَلِكَ التَّخْفِيفِ، وإنَّما مَقْصُودُهم مِن هَذا الكَلامِ المُبالَغَةُ في تَخْجِيلِ أُولَئِكَ الرُّؤَساءِ وإيلامِ قُلُوبِهِمْ؛ لِأنَّهم هُمُ الَّذِينَ سَعَوْا في إيقاعِ هَؤُلاءِ الأتْباعِ في أنْواعِ الضَّلالاتِ، فَعِنْدَ هَذا يَقُولُ الرُّؤَساءُ ﴿إنّا كُلٌّ فِيها﴾ يَعْنِي أنَّ كُلَّنا واقِعُونَ في هَذا العَذابِ، فَلَوْ قَدَرْتُ عَلى إزالَةِ العَذابِ عَنْكَ لَدَفَعْتُهُ عَنْ نَفْسِي، ثُمَّ يَقُولُونَ: ﴿إنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ العِبادِ﴾ يَعْنِي يُوَصِّلُ إلى كُلِّ أحَدٍ مِقْدارَ حَقِّهِ مِنَ النَّعِيمِ أوْ مِنَ العَذابِ، ثُمَّ عِنْدَ هَذا يَحْصُلُ اليَأْسُ لِلْأتْباعِ مِنَ المَتْبُوعِينَ فَيَرْجِعُونَ إلى خَزَنَةِ جَهَنَّمَ ويَقُولُونَ لَهم: ﴿ادْعُوا رَبَّكم يُخَفِّفْ عَنّا يَوْمًا مِنَ العَذابِ﴾ فَإنْ قِيلَ لِمَ لَمْ يَقُلْ: وقالَ الَّذِينَ في النّارِ لِخَزَنَتِها بَلْ قالَ: ﴿وقالَ الَّذِينَ في النّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ﴾ ؟ قُلْنا فِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ المَقْصُودُ مِن ذِكْرِ جَهَنَّمَ التَّهْوِيلَ والتَّفْظِيعَ، والثّانِي: أنْ يَكُونَ جَهَنَّمُ اسْمًا لِمَوْضِعٍ هو أبْعَدُ النّارِ قَعْرًا، مِن قَوْلِهِمْ: بِئْرٌ جَهَنّامٌ أيْ بَعِيدَةُ القَعْرِ، وفِيها أعْظَمُ أقْسامِ الكُفّارِ عُقُوبَةً، وخَزَنَةُ ذَلِكَ المَوْضِعِ تَكُونُ أعْظَمَ خَزَنَةِ جَهَنَّمَ عِنْدَ اللَّهِ دَرَجَةً، فَإذا عَرَفَ الكُفّارُ أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ اسْتَغاثُوا بِهِمْ، فَأُولَئِكَ المَلائِكَةُ يَقُولُونَ لَهم ﴿أوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكم رُسُلُكم بِالبَيِّناتِ﴾ والمَقْصُودُ أنَّ قَبْلَ إرْسالِ الرُّسُلِ كانَ لِلْقَوْمِ أنْ يَقُولُوا إنَّهُ ﴿ما جاءَنا مِن بَشِيرٍ ولا نَذِيرٍ﴾ [المائدة: ١٩] أمّا بَعْدَ مَجِيءِ الرُّسُلِ فَلَمْ يَبْقَ عُذْرٌ ولا عِلَّةٌ كَما قالَ تَعالى: ﴿وما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] وهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ الواجِبَ لا يَتَحَقَّقُ إلّا بَعْدَ مَجِيءِ الشَّرْعِ. ثُمَّ إنَّ أُولَئِكَ المَلائِكَةَ يَقُولُونَ لِلْكُفّارِ: ادْعُوا أنْتُمْ فَإنّا لا نَجْتَرِئُ عَلى ذَلِكَ ولا نُشَفَّعُ إلّا بِشَرْطَيْنِ أحَدَهُما: كَوْنُ المَشْفُوعِ لَهُ مُؤْمِنًا، والثّانِي: حُصُولُ الإذْنِ في الشَّفاعَةِ ولَمْ يُوجَدْ واحِدٌ مِن هَذَيْنِ الشَّرْطَيْنِ فَإقْدامُنا عَلى هَذِهِ الشَّفاعَةِ مُمْتَنِعٌ لَكِنِ ادْعُوا أنْتُمْ، ولَيْسَ قَوْلُهم فادْعُوا لِرَجاءِ المَنفَعَةِ، ولَكِنْ لِلدَّلالَةِ عَلى الخَيْبَةِ، فَإنَّ المَلَكَ المُقَرَّبَ إذا لَمْ يُسْمَعْ دُعاؤُهُ فَكَيْفَ يُسْمَعُ دُعاءُ الكُفّارِ ؟ ثُمَّ يُصَرِّحُونَ لَهم بِأنَّهُ لا أثَرَ لِدُعائِهِمْ فَيَقُولُونَ ﴿وما دُعاءُ الكافِرِينَ إلّا في ضَلالٍ﴾ فَإنْ قِيلَ: إنَّ الحاجَةَ عَلى اللَّهِ مُحالٌ، وإذا كانَ كَذَلِكَ امْتَنَعَ أنْ يُقالَ: إنَّهُ تَأذّى مِن هَؤُلاءِ المُجْرِمِينَ بِسَبَبِ جُرْمِهِمْ، وإذا كانَ التَّأذِّي مُحالًا عَلَيْهِ كانَتْ شَهْوَةُ الِانْتِقامِ مُمْتَنِعَةً في حَقِّهِ، إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: إيصالُ هَذِهِ المَضارِّ العَظِيمَةِ إلى أُولَئِكَ الكُفّارِ إضْرارٌ لا مَنفَعَةَ فِيهِ إلى اللَّهِ تَعالى ولا لِأحَدٍ مِنَ العَبِيدِ، فَهو إضْرارٌ خالٍ عَنْ جَمِيعِ الجِهاتِ المُنْتَفِعَةِ فَكَيْفَ يَلِيقُ بِالرَّحِيمِ الكَرِيمِ أنْ يُبْقِيَ عَلى ذَلِكَ الإيلامِ أبَدَ الآبادِ ودَهْرَ الدّاهِرِينَ، مِن غَيْرِ أنْ يَرْحَمَ حاجَتَهم، ومِن غَيْرِ أنْ يَسْمَعَ دُعاءَهم، ومِن غَيْرِ أنْ يَلْتَفِتَ إلى تَضَرُّعِهِمْ صفحة ٦٦ وانْكِسارِهِمْ، ولَوْ أنَّ أقْسى النّاسِ قَلْبًا فَعَلَ مِثْلَ هَذا التَّعْذِيبِ بِبَعْضِ عَبِيدِهِ لَدَعاهُ كَرَمُهُ ورَحْمَتُهُ إلى العَفْوِ عَنْهُ مَعَ أنَّ هَذا السَّيِّدَ في مَحَلِّ النَّفْعِ والضَّرَرِ والحاجَةِ، فَأكْرَمُ الأكْرَمِينَ كَيْفَ يَلِيقُ بِهِ هَذا الإضْرارُ ؟ قُلْنا: أفْعالُ اللَّهِ لا تُعَلَّلُ و﴿لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ وهم يُسْألُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣] فَلَمّا جاءَ الحُكْمُ الحَقُّ بِهِ في الكِتابِ الحَقِّ وجَبَ الإقْرارُ بِهِ، واللَّهُ أعْلَمُ بِالصَّوابِ.

غافر 40:52

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا وحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ العَذابِ﴾ ﴿النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وعَشِيًّا ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ أدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أشَدَّ العَذابِ﴾ ﴿وإذْ يَتَحاجُّونَ في النّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إنّا كُنّا لَكم تَبَعًا فَهَلْ أنْتُمْ مُغْنُونَ عَنّا نَصِيبًا مِنَ النّارِ﴾ ﴿قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إنّا كُلٌّ فِيها إنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ العِبادِ﴾ صفحة ٦٤ ﴿وقالَ الَّذِينَ في النّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكم يُخَفِّفْ عَنّا يَوْمًا مِنَ العَذابِ﴾ ﴿قالُوا أوَ لَمْ تَكُ تَأْتِيكم رُسُلُكم بِالبَيِّناتِ قالُوا بَلى قالُوا فادْعُوا وما دُعاءُ الكافِرِينَ إلّا في ضَلالٍ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ الرَّجُلَ لَمْ يُقَصِّرْ في تَقْرِيرِ الدِّينِ الحَقِّ، وفي الذَّبِّ عَنْهُ فاللَّهُ تَعالى رَدَّ عَنْهُ كَيْدَ الكافِرِينَ وقَصْدَ القاصِدِينَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمّا صَرَّحَ بِتَقْرِيرِ الحَقِّ فَقَدْ قَصَدُوهُ بِنَوْعٍ مِن أنْواعِ السُّوءِ، قالَ مُقاتِلٌ: لَمّا ذَكَرَ هَذِهِ الكَلِماتِ قَصَدُوا قَتْلَهُ فَهَرَبَ مِنهم إلى الجَبَلِ فَطَلَبُوهُ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ، وقِيلَ: المُرادُ بِقَوْلِهِ ﴿فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا﴾ أنَّهم قَصَدُوا إدْخالَهُ في الكُفْرِ وصَرْفَهُ عَنِ الإسْلامِ ﴿فَوَقاهُ اللَّهُ﴾ عَنْ ذَلِكَ إلّا أنَّ الأوَّلَ أوْلى؛ لِأنَّ قَوْلَهُ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿وحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ العَذابِ﴾ لا يَلِيقُ إلّا بِالوَجْهِ الأوَّلِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ﴾ أيْ أحاطَ بِهِمْ ﴿سُوءُ العَذابِ﴾ أيْ غَرِقُوا في البَحْرِ، وقِيلَ: بَلِ المُرادُ مِنهُ النّارُ المَذْكُورَةُ في قَوْلِهِ: ﴿النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها﴾ قالَ الزَّجّاجُ: ”النّارُ“ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿سُوءُ العَذابِ﴾ قالَ: وجائِزٌ أيْضًا أنْ تَكُونَ مُرْتَفِعَةً عَلى إضْمارِ تَفْسِيرِ ﴿سُوءُ العَذابِ﴾ كَأنَّ قائِلًا قالَ: ما سُوءُ العَذابِ؟ فَقِيلَ: ﴿النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها﴾ . قَرَأ حَمْزَةُ ”حِيقَ“ بِكَسْرِ الحاءِ وكَذَلِكَ في كُلِّ القُرْآنِ والباقُونَ بِالفَتْحِ أمّا قَوْلُهُ: ﴿النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وعَشِيًّا﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى إثْباتِ عَذابِ القَبْرِ قالُوا: الآيَةُ تَقْتَضِي عَرْضَ النّارِ عَلَيْهِمْ غُدُوًّا وعَشِيًّا، ولَيْسَ المُرادُ مِنهُ يَوْمَ القِيامَةِ؛ لِأنَّهُ قالَ: ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ أدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أشَدَّ العَذابِ﴾، ولَيْسَ المُرادُ مِنهُ أيْضًا الدُّنْيا؛ لِأنَّ عَرْضَ النّارِ عَلَيْهِمْ غُدُوًّا وعَشِيًّا ما كانَ حاصِلًا في الدُّنْيا، فَثَبَتَ أنَّ هَذا العَرْضَ إنَّما حَصَلَ بَعْدَ المَوْتِ وقَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى إثْباتِ عَذابِ القَبْرِ في حَقِّ هَؤُلاءِ، وإذا ثَبَتَ في حَقِّهِمْ ثَبَتَ في حَقِّ غَيْرِهِمْ؛ لِأنَّهُ لا قائِلَ بِالفَرْقِ، فَإنْ قِيلَ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن عَرْضِ النّارِ عَلَيْهِمْ غُدُوًّا وعَشِيًّا عَرْضَ النَّصائِحِ عَلَيْهِمْ في الدُّنْيا؟ لِأنَّ أهْلَ الدِّينِ إذا ذَكَرُوا لَهُمُ التَّرْغِيبَ والتَّرْهِيبَ وخَوَّفُوهم بِعَذابِ اللَّهِ، فَقَدْ عَرَضُوا عَلَيْهِمُ النّارَ، ثُمَّ نَقُولُ: في الآيَةِ ما يَمْنَعُ مِن حَمْلِهِ عَلى عَذابِ القَبْرِ وبَيانُهُ مِن وجْهَيْنِ، الأوَّلُ: أنَّ ذَلِكَ العَذابَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ دائِمًا غَيْرَ مُنْقَطِعٍ، وقَوْلُهُ: ﴿يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وعَشِيًّا﴾ يَقْتَضِي أنْ لا يَحْصُلُ ذَلِكَ العَذابُ إلّا في هَذَيْنِ الوَقْتَيْنِ، فَثَبَتَ أنَّ هَذا لا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى عَذابِ القَبْرِ. الثّانِي: أنَّ الغُدْوَةَ والعَشِيَّةَ إنَّما يَحْصُلانِ في الدُّنْيا، أمّا في القَبْرِ فَلا وُجُودَ لَهُما، فَثَبَتَ بِهَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ أنَّهُ لا يُمْكِنُ حَمْلُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى عَذابِ القَبْرِ. والجَوابُ: عَنِ السُّؤالِ الأوَّلِ أنَّ في الدُّنْيا عَرَضَ عَلَيْهِمْ كَلِماتٍ تُذَكِّرُهم أمْرَ النّارِ، لا أنَّهُ يَعْرِضُ عَلَيْهِمْ نَفْسَ النّارِ، فَعَلى قَوْلِهِمْ يَصِيرُ مَعْنى الآيَةِ الكَلِماتُ المُذَكِّرَةُ لِأمْرِ النّارِ كانَتْ تُعْرَضُ عَلَيْهِمْ، وذَلِكَ يُفْضِي إلى تَرْكِ ظاهِرِ اللَّفْظِ والعُدُولِ إلى المَجازِ، أمّا قَوْلُهُ: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى حُصُولِ هَذا العَذابِ في هَذَيْنِ الوَقْتَيْنِ وذَلِكَ لا يَجُوزُ، قُلْنا: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُكْتَفى في القَبْرِ بِإيصالِ العَذابِ إلَيْهِ في هَذَيْنِ الوَقْتَيْنِ، ثُمَّ عِنْدَ قِيامِ القِيامَةِ يُلْقى في النّارِ فَيَدُومُ عَذابُهُ بَعْدَ ذَلِكَ، وأيْضًا لا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ ذِكْرُ الغُدْوَةِ والعَشِيَّةِ كِنايَةً عَنِ الدَّوامِ كَقَوْلِهِ: ﴿ولَهم رِزْقُهم فِيها بُكْرَةً وعَشِيًّا﴾ أمّا قَوْلُهُ: إنَّهُ لَيْسَ في القَبْرِ والقِيامَةِ غُدْوَةٌ وعَشِيَّةٌ، قُلْنا: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ عِنْدَ حُصُولِ هَذَيْنِ الوَقْتَيْنِ لِأهْلِ الدُّنْيا يُعْرَضُ عَلَيْهِمُ العَذابُ؟ واللَّهُ أعْلَمُ. صفحة ٦٥ المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ نافِعٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ (أدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ) أيْ يُقالُ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ: أدْخِلُوهم في أشَدِّ العَذابِ، والباقُونَ (ادْخُلُوا) عَلى مَعْنى أنَّهُ يُقالُ لِهَؤُلاءِ الكُفّارِ: ادْخُلُوا أشَدَّ العَذابِ، والقِراءَةُ الأُولى اخْتِيارُ أبِي عُبَيْدَةَ، واحْتَجَّ عَلَيْها بِقَوْلِهِ تَعالى: ”يُعْرَضُونَ“ فَهَذا يُفْعَلُ بِهِمْ، فَكَذَلِكَ (أدْخِلُوا)، وأمّا وجْهُ القِراءَةِ الثّانِيَةِ فَقَوْلُهُ ﴿ادْخُلُوا أبْوابَ جَهَنَّمَ﴾، وهَهُنا آخِرُ الكَلامِ في قِصَّةِ مُؤْمِنِ آلِ فِرْعَوْنَ. واعْلَمْ أنَّ الكَلامَ في تِلْكَ القِصَّةِ لَمّا انْجَرَّ إلى شَرْحِ أحْوالِ النّارِ، لا جَرَمَ ذَكَرَ اللَّهُ عَقِيبَها قِصَّةَ المُناظَراتِ الَّتِي تَجْرِي بَيْنَ الرُّؤَساءِ والأتْباعِ مِن أهْلِ النّارِ، فَقالَ: ﴿وإذْ يَتَحاجُّونَ في النّارِ﴾ والمَعْنى اذْكُرْ يا مُحَمَّدُ لِقَوْمِكَ إذْ يَتَحاجُّونَ أيْ يُحاجِجُ بَعْضُهم بَعْضًا، ثُمَّ شَرَحَ خُصُومَتَهم وذَلِكَ أنَّ الضُّعَفاءَ يَقُولُونَ لِلرُّؤَساءِ ﴿إنّا كُنّا لَكم تَبَعًا﴾ في الدُّنْيا، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ”تَبَعًا“ كَخَدَمٍ في جَمْعِ خادِمٍ أوْ ذَوِي تَبَعٍ أيْ أتْباعٍ أوْ وصْفًا بِالمَصْدَرِ ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُغْنُونَ عَنّا نَصِيبًا مِنَ النّارِ﴾ أيْ فَهَلْ تَقْدِرُونَ عَلى أنْ تَدْفَعُوا أيُّها الرُّؤَساءُ عَنّا نَصِيبًا مِنَ العَذابِ، واعْلَمْ أنَّ أُولَئِكَ الأتْباعَ يَعْلَمُونَ أنَّ أُولَئِكَ الرُّؤَساءَ لا قُدْرَةَ لَهم عَلى ذَلِكَ التَّخْفِيفِ، وإنَّما مَقْصُودُهم مِن هَذا الكَلامِ المُبالَغَةُ في تَخْجِيلِ أُولَئِكَ الرُّؤَساءِ وإيلامِ قُلُوبِهِمْ؛ لِأنَّهم هُمُ الَّذِينَ سَعَوْا في إيقاعِ هَؤُلاءِ الأتْباعِ في أنْواعِ الضَّلالاتِ، فَعِنْدَ هَذا يَقُولُ الرُّؤَساءُ ﴿إنّا كُلٌّ فِيها﴾ يَعْنِي أنَّ كُلَّنا واقِعُونَ في هَذا العَذابِ، فَلَوْ قَدَرْتُ عَلى إزالَةِ العَذابِ عَنْكَ لَدَفَعْتُهُ عَنْ نَفْسِي، ثُمَّ يَقُولُونَ: ﴿إنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ العِبادِ﴾ يَعْنِي يُوَصِّلُ إلى كُلِّ أحَدٍ مِقْدارَ حَقِّهِ مِنَ النَّعِيمِ أوْ مِنَ العَذابِ، ثُمَّ عِنْدَ هَذا يَحْصُلُ اليَأْسُ لِلْأتْباعِ مِنَ المَتْبُوعِينَ فَيَرْجِعُونَ إلى خَزَنَةِ جَهَنَّمَ ويَقُولُونَ لَهم: ﴿ادْعُوا رَبَّكم يُخَفِّفْ عَنّا يَوْمًا مِنَ العَذابِ﴾ فَإنْ قِيلَ لِمَ لَمْ يَقُلْ: وقالَ الَّذِينَ في النّارِ لِخَزَنَتِها بَلْ قالَ: ﴿وقالَ الَّذِينَ في النّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ﴾ ؟ قُلْنا فِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ المَقْصُودُ مِن ذِكْرِ جَهَنَّمَ التَّهْوِيلَ والتَّفْظِيعَ، والثّانِي: أنْ يَكُونَ جَهَنَّمُ اسْمًا لِمَوْضِعٍ هو أبْعَدُ النّارِ قَعْرًا، مِن قَوْلِهِمْ: بِئْرٌ جَهَنّامٌ أيْ بَعِيدَةُ القَعْرِ، وفِيها أعْظَمُ أقْسامِ الكُفّارِ عُقُوبَةً، وخَزَنَةُ ذَلِكَ المَوْضِعِ تَكُونُ أعْظَمَ خَزَنَةِ جَهَنَّمَ عِنْدَ اللَّهِ دَرَجَةً، فَإذا عَرَفَ الكُفّارُ أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ اسْتَغاثُوا بِهِمْ، فَأُولَئِكَ المَلائِكَةُ يَقُولُونَ لَهم ﴿أوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكم رُسُلُكم بِالبَيِّناتِ﴾ والمَقْصُودُ أنَّ قَبْلَ إرْسالِ الرُّسُلِ كانَ لِلْقَوْمِ أنْ يَقُولُوا إنَّهُ ﴿ما جاءَنا مِن بَشِيرٍ ولا نَذِيرٍ﴾ [المائدة: ١٩] أمّا بَعْدَ مَجِيءِ الرُّسُلِ فَلَمْ يَبْقَ عُذْرٌ ولا عِلَّةٌ كَما قالَ تَعالى: ﴿وما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] وهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ الواجِبَ لا يَتَحَقَّقُ إلّا بَعْدَ مَجِيءِ الشَّرْعِ. ثُمَّ إنَّ أُولَئِكَ المَلائِكَةَ يَقُولُونَ لِلْكُفّارِ: ادْعُوا أنْتُمْ فَإنّا لا نَجْتَرِئُ عَلى ذَلِكَ ولا نُشَفَّعُ إلّا بِشَرْطَيْنِ أحَدَهُما: كَوْنُ المَشْفُوعِ لَهُ مُؤْمِنًا، والثّانِي: حُصُولُ الإذْنِ في الشَّفاعَةِ ولَمْ يُوجَدْ واحِدٌ مِن هَذَيْنِ الشَّرْطَيْنِ فَإقْدامُنا عَلى هَذِهِ الشَّفاعَةِ مُمْتَنِعٌ لَكِنِ ادْعُوا أنْتُمْ، ولَيْسَ قَوْلُهم فادْعُوا لِرَجاءِ المَنفَعَةِ، ولَكِنْ لِلدَّلالَةِ عَلى الخَيْبَةِ، فَإنَّ المَلَكَ المُقَرَّبَ إذا لَمْ يُسْمَعْ دُعاؤُهُ فَكَيْفَ يُسْمَعُ دُعاءُ الكُفّارِ ؟ ثُمَّ يُصَرِّحُونَ لَهم بِأنَّهُ لا أثَرَ لِدُعائِهِمْ فَيَقُولُونَ ﴿وما دُعاءُ الكافِرِينَ إلّا في ضَلالٍ﴾ فَإنْ قِيلَ: إنَّ الحاجَةَ عَلى اللَّهِ مُحالٌ، وإذا كانَ كَذَلِكَ امْتَنَعَ أنْ يُقالَ: إنَّهُ تَأذّى مِن هَؤُلاءِ المُجْرِمِينَ بِسَبَبِ جُرْمِهِمْ، وإذا كانَ التَّأذِّي مُحالًا عَلَيْهِ كانَتْ شَهْوَةُ الِانْتِقامِ مُمْتَنِعَةً في حَقِّهِ، إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: إيصالُ هَذِهِ المَضارِّ العَظِيمَةِ إلى أُولَئِكَ الكُفّارِ إضْرارٌ لا مَنفَعَةَ فِيهِ إلى اللَّهِ تَعالى ولا لِأحَدٍ مِنَ العَبِيدِ، فَهو إضْرارٌ خالٍ عَنْ جَمِيعِ الجِهاتِ المُنْتَفِعَةِ فَكَيْفَ يَلِيقُ بِالرَّحِيمِ الكَرِيمِ أنْ يُبْقِيَ عَلى ذَلِكَ الإيلامِ أبَدَ الآبادِ ودَهْرَ الدّاهِرِينَ، مِن غَيْرِ أنْ يَرْحَمَ حاجَتَهم، ومِن غَيْرِ أنْ يَسْمَعَ دُعاءَهم، ومِن غَيْرِ أنْ يَلْتَفِتَ إلى تَضَرُّعِهِمْ صفحة ٦٦ وانْكِسارِهِمْ، ولَوْ أنَّ أقْسى النّاسِ قَلْبًا فَعَلَ مِثْلَ هَذا التَّعْذِيبِ بِبَعْضِ عَبِيدِهِ لَدَعاهُ كَرَمُهُ ورَحْمَتُهُ إلى العَفْوِ عَنْهُ مَعَ أنَّ هَذا السَّيِّدَ في مَحَلِّ النَّفْعِ والضَّرَرِ والحاجَةِ، فَأكْرَمُ الأكْرَمِينَ كَيْفَ يَلِيقُ بِهِ هَذا الإضْرارُ ؟ قُلْنا: أفْعالُ اللَّهِ لا تُعَلَّلُ و﴿لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ وهم يُسْألُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣] فَلَمّا جاءَ الحُكْمُ الحَقُّ بِهِ في الكِتابِ الحَقِّ وجَبَ الإقْرارُ بِهِ، واللَّهُ أعْلَمُ بِالصَّوابِ.

غافر 40:53

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا والَّذِينَ آمَنُوا في الحَياةِ الدُّنْيا ويَوْمَ يَقُومُ الأشْهادُ﴾ ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظّالِمِينَ مَعْذِرَتُهم ولَهُمُ اللَّعْنَةُ ولَهم سُوءُ الدّارِ﴾ ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الهُدى وأوْرَثْنا بَنِي إسْرائِيلَ الكِتابَ﴾ ﴿هُدًى وذِكْرى لِأُولِي الألْبابِ﴾ ﴿فاصْبِرْ إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالعَشِيِّ والإبْكارِ﴾ اعْلَمْ أنَّ في كَيْفِيَّةِ النَّظْمِ وُجُوهًا: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لِما ذَكَرَ وِقايَةَ اللَّهِ مُوسى صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وذَلِكَ المُؤْمِنَ مِن مَكْرِ فِرْعَوْنَ بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ يَنْصُرُ رُسُلَهُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ، والثّانِي: لَمّا بَيَّنَ مِن قَبْلُ ما يَقَعُ بَيْنَ أهْلِ النّارِ مِنَ التَّخاصُمِ وأنَّهم عِنْدَ الفَزَعِ إلى خَزَنَةِ جَهَنَّمَ يَقُولُونَ: ﴿أوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكم رُسُلُكم بِالبَيِّناتِ﴾ (غافِرٍ: ٥٠) أتْبَعَ ذَلِكَ بِذِكْرِ الرُّسُلِ وأنَّهُ يَنْصُرُهم في الدُّنْيا والآخِرَةِ، والثّالِثُ: وهو الأقْرَبُ عِنْدِي أنَّ الكَلامَ في أوَّلِ السُّورَةِ إنَّما وقَعَ مِن قَوْلِهِ: ﴿ما يُجادِلُ في آياتِ اللَّهِ إلّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهم في البِلادِ﴾ [غافر: ٤] وامْتَدَّ الكَلامُ في الرَّدِّ عَلى أُولَئِكَ المُجادِلِينَ وعَلى أنَّ المُحِقِّينَ أبَدًا كانُوا مَشْغُولِينَ بِدَفْعِ كَيْدِ المُبْطِلِينَ، وكُلُّ ذَلِكَ إنَّما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى تَسْلِيَةً لِلرَّسُولِ ﷺ وتَصْبِيرًا لَهُ عَلى تَحَمُّلِ أذى قَوْمِهِ. ولَمّا بَلَغَ الكَلامُ في تَقْرِيرِ المَطْلُوبِ إلى الغايَةِ القُصْوى وعَدَ تَعالى رَسُولَهُ ﷺ بِأنْ يَنْصُرَهُ عَلى أعْدائِهِ في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ فَقالَ: ﴿إنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا والَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآيَةَ، أمّا في الدُّنْيا فَهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وقالَ إنَّما اتَّخَذْتُمْ﴾، وأمّا في الآخِرَةِ فَهو المُرادُ بِقَوْلِهِ ﴿ويَوْمَ يَقُومُ الأشْهادُ﴾ فَحاصِلُ الكَلامِ أنَّهُ تَعالى وعَدَ بِأنَّهُ يَنْصُرُ الأنْبِياءَ والرُّسُلَ، ويَنْصُرُ الَّذِينَ يَنْصُرُونَهم نُصْرَةً يَظْهَرُ أثَرُها في الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ. واعْلَمْ أنَّ نُصْرَةَ اللَّهِ المُحِقِّينَ تَحْصُلُ بِوُجُوهٍ: أحَدُها: النُّصْرَةُ بِالحُجَّةِ، وقَدْ سَمّى اللَّهُ الحُجَّةَ سُلْطانًا في غَيْرِ مَوْضِعٍ، وهَذِهِ النُّصْرَةُ عامَّةٌ لِلْمُحِقِّينَ أجْمَعَ، ونِعْمَ ما سَمّى اللَّهُ هَذِهِ النُّصْرَةَ سُلْطانًا؛ لِأنَّ السَّلْطَنَةَ في الدُّنْيا قَدْ تَبْطُلُ، وقَدْ تَتَبَدَّلُ بِالفَقْرِ والذِّلَّةِ والحاجَةِ والفُتُورِ، أمّا السَّلْطَنَةُ الحاصِلَةُ بِالحُجَّةِ فَإنَّها تَبْقى أبَدَ الآبادِ ويَمْتَنِعُ تَطَرُّقُ الخَلَلِ والفُتُورِ إلَيْها. وثانِيها: أنَّهم مَنصُورُونَ بِالمَدْحِ والتَّعْظِيمِ، فَإنَّ الظَّلَمَةَ وإنْ قَهَرُوا شَخْصًا مِنَ المُحِقِّينَ إلّا أنَّهم لا يَقْدِرُونَ عَلى إسْقاطِ مَدْحِهِ عَنْ ألْسِنَةِ النّاسِ. وثالِثُها: أنَّهم مَنصُورُونَ بِسَبَبِ أنَّ بَواطِنَهم مَمْلُوءَةٌ مِن أنْوارِ الحُجَّةِ وقُوَّةِ اليَقِينِ، فَإنَّهم إنَّما يَنْظُرُونَ إلى الظَّلَمَةِ والجُهّالِ كَما تَنْظُرُ مَلائِكَةُ صفحة ٦٧ السَّماواتِ إلى أخَسِّ الأشْياءِ. ورابِعُها: أنَّ المُبْطِلِينَ وإنْ كانَ يَتَّفِقُ لَهم أنْ يَحْصُلَ لَهُمُ اسْتِيلاءٌ عَلى المُحِقِّينَ، فَفي الغالِبِ أنَّ ذَلِكَ لا يَدُومُ بَلْ يُكْشَفُ لِلنّاسِ أنَّ ذَلِكَ كانَ أمْرًا وقَعَ عَلى خِلافِ الواجِبِ ونَقِيضِ الحَقِّ. وخامِسُها: أنَّ المُحِقَّ إنِ اتَّفَقَ لَهُ أنْ وقَعَ في نَوْعٍ مِن أنْواعِ المَحْذُورِ فَذَلِكَ يَكُونُ سَبَبًا لِمَزِيدِ ثَوابِهِ وتَعْظِيمِ دَرَجاتِهِ. وسادِسُها: أنَّ الظَّلَمَةَ والمُبْطِلِينَ كَما يَمُوتُونَ تَمُوتُ آثارُهم ولا يَبْقى لَهم في الدُّنْيا أثَرٌ ولا خَبَرٌ. وأمّا المُحِقُّونَ فَإنَّ آثارَهم باقِيَةٌ عَلى وجْهِ الدَّهْرِ، والنّاسُ بِهِمْ يَقْتَدُونَ في أعْمالِ البِرِّ والخَيْرِ ولِمِنَحِهِمْ يَتْرُكُونَ، فَهَذا كُلُّهُ أنْواعُ نُصْرَةِ اللَّهِ لِلْمُحِقِّينَ في الدُّنْيا. وسابِعُها: أنَّهُ تَعالى قَدْ يَنْتَقِمُ لِلْأنْبِياءِ والأوْلِياءِ بَعْدَ مَوْتِهِمْ، كَما نَصَرَ يَحْيى بْنَ زَكَرِيّا فَإنَّهُ لَمّا قُتِلَ قُتِلَ بِهِ سَبْعُونَ ألْفًا، وأمّا نُصْرَتُهُ تَعالى إيّاهم في الآخِرَةِ فَذَلِكَ بِإعْلاءِ دَرَجاتِهِمْ في مَراتِبِ الثَّوابِ وكَوْنِهِمْ مُصاحِبِينَ لِأنْبِياءِ اللَّهِ، كَما قالَ: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ والصّالِحِينَ وحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩] . واعْلَمْ أنَّ في قَوْلِهِ ﴿إنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿ويَوْمَ يَقُومُ الأشْهادُ﴾ دَقِيقَةً مُعْتَبَرَةً وهي أنَّ السُّلْطانَ العَظِيمَ إذا خَصَّ بَعْضَ خَواصِّهِ بِالإكْرامِ العَظِيمِ والتَّشْرِيفِ الكامِلِ عِنْدَ حُضُورِ الجَمْعِ العَظِيمِ مِن أهْلِ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ كانَ ذَلِكَ ألَذَّ وأبْهَجَ فَقَوْلُهُ: ﴿إنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا﴾ إلى ﴿ويَوْمَ يَقُومُ الأشْهادُ﴾ المَقْصُودُ مِنهُ هَذِهِ الدَّقِيقَةُ، واخْتَلَفُوا في المُرادِ بِالأشْهادِ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ كُلُّ مَن يَشْهَدُ بِأعْمالِ العِبادِ يَوْمَ القِيامَةِ مِن مَلَكٍ ونَبِيٍّ ومُؤْمِنٍ، أمّا المَلائِكَةُ فَهُمُ الكِرامُ الكاتِبُونَ يَشْهَدُونَ بِما شاهَدُوا، وأمّا الأنْبِياءُ فَقالَ تَعالى: ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١] وقالَ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ ويَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكم شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣] قالَ المُبَرِّدُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ واحِدُ الأشْهادِ شاهِدًا كَأطْيارٍ وطائِرٍ وأصْحابٍ وصاحِبٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ واحِدُ الأشْهادِ شَهِيدًا كَأشْرافٍ وشَرِيفٍ وأيْتامٍ ويَتِيمٍ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظّالِمِينَ مَعْذِرَتُهم ولَهُمُ اللَّعْنَةُ ولَهم سُوءُ الدّارِ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وابْنُ عامِرٍ: لا تَنْفَعُ، بِالتّاءِ لِتَأْنِيثِ المَعْذِرَةِ، والباقُونَ بِالياءِ كَأنَّهُ أُرِيدَ الِاعْتِذارُ. واعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ أيْضًا مِن هَذا شَرْحُ تَعْظِيمِ ثَوابِ أهْلِ الثَّوابِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُ يَنْصُرُهم في يَوْمٍ يَجْتَمِعُ فِيهِ الأوَّلُونَ والآخِرُونَ، فَحالُهم في عُلُوِّ الدَّرَجاتِ في ذَلِكَ اليَوْمِ ما ذَكَرْناهُ وأمّا حالُ أعْدائِهِمْ فَهو أنَّهُ حَصَلَتْ لَهم أُمُورٌ ثَلاثَةٌ: أحَدُها: أنَّهُ لا يَنْفَعُهم شَيْءٌ مِنَ المَعاذِيرِ البَتَّةَ. وثانِيها: أنَّ: ﴿لَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ وهَذا يُفِيدُ الحَصْرَ يَعْنِي مَقْصُورَةً عَلَيْهِمْ وهي الإهانَةُ والإذْلالُ. وثالِثُها: سُوءُ الدّاءِ وهو العِقابُ الشَّدِيدُ فَهَذا اليَوْمُ إذا كانَ الأعْداءُ واقِعِينَ في هَذِهِ المَراتِبِ الثَّلاثَةِ مِنَ الوَحْشَةِ والبَلِيَّةِ، ثُمَّ إنَّهُ خَصَّ الأنْبِياءَ والأوْلِياءَ بِأنْواعِ التَّشْرِيفاتِ الواقِعَةِ في الجَمْعِ الأعْظَمِ فَهَهُنا يَظْهَرُ أنَّ سُرُورَ المُؤْمِنِ كَمْ يَكُونُ، وأنَّ غُمُومَ الكافِرِينَ إلى أيْنَ تَبْلُغُ ؟ فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهم يَذْكُرُونَ الأعْذارَ إلّا أنَّ تِلْكَ الأعْذارَ لا تَنْفَعُهم فَكَيْفَ الجَمْعُ بَيْنَ هَذا وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿ولا يُؤْذَنُ لَهم فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات: ٣٦] قُلْنا قَوْلُهُ: ﴿لا يَنْفَعُ الظّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ﴾ لا يَدُلُّ عَلى أنَّهم ذَكَرُوا الأعْذارَ، بَلْ لَيْسَ فِيهِ إلّا أنَّهُ لَيْسَ عِنْدَهم عُذْرٌ مَقْبُولٌ نافِعٌ، وهَذا القَدْرُ لا يَدُلُّ عَلى أنَّهم ذَكَرُوهُ أمْ لا. وأيْضًا فَيُقالُ: يَوْمُ القِيامَةِ يَوْمٌ طَوِيلٌ فَيَعْتَذِرُونَ في وقْتٍ ولا يَعْتَذِرُونَ في وقْتٍ آخَرَ، ولَمّا بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ يَنْصُرُ الأنْبِياءَ والمُؤْمِنِينَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ ذَكَرَ نَوْعًا مِن أنْواعِ تِلْكَ صفحة ٦٨ النُّصْرَةِ في الدُّنْيا، فَقالَ: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الهُدى﴾ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الهُدى ما آتاهُ اللَّهُ مِنَ العُلُومِ الكَثِيرَةِ النّافِعَةِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ تِلْكَ الدَّلائِلَ القاهِرَةَ الَّتِي أوْرَدَها عَلى فِرْعَوْنَ وأتْباعِهِ وكادَهم بِها، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ هو النُّبُوَّةَ الَّتِي هي أعْظَمُ المَناصِبِ الإنْسانِيَّةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ إنْزالَ التَّوْراةِ عَلَيْهِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وأوْرَثْنا بَنِي إسْرائِيلَ الكِتابَ هُدًى وذِكْرى لِأُولِي الألْبابِ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ أنَّهُ تَعالى لَمّا أنْزَلَ التَّوْراةَ عَلى مُوسى بَقِيَ ذَلِكَ العِلْمُ فِيهِمْ وتَوارَثُوهُ خَلَفًا عَنْ سَلَفٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ سائِرَ الكُتُبِ الَّتِي أنْزَلَها اللَّهُ عَلَيْهِمْ وهي كُتُبُ أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلِ التَّوْراةُ والزَّبُورُ والإنْجِيلُ، والفَرْقُ بَيْنَ الهُدى والذِّكْرى وأنَّ الهُدى ما يَكُونُ دَلِيلًا عَلى الشَّيْءِ ولَيْسَ مِن شَرْطِهِ أنْ يَذْكُرَ شَيْئًا آخَرَ كانَ مَعْلُومًا ثُمَّ صارَ مَنسِيًّا، وأمّا الذِّكْرى فَهي الَّذِي تَكُونُ كَذَلِكَ، فَكُتُبُ أنْبِياءِ اللَّهِ مُشْتَمِلَةٌ عَلى هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ بَعْضُها دَلائِلُ في أنْفُسِها، وبَعْضُها مُذَكِّراتٌ لِما ورَدَ في الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ المُتَقَدِّمَةِ. ولَمّا بَيَّنَ أنَّ اللَّهَ تَعالى يَنْصُرُ رُسُلَهُ ويَنْصُرُ المُؤْمِنِينَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ وضَرَبَ المِثالَ في ذَلِكَ بِحالِ مُوسى وخاطَبَ بَعْدَ ذَلِكَ مُحَمَّدًا ﷺ فَقالَ: ﴿إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ فاللَّهُ ناصِرُكَ كَما نَصَرَهم ومُنْجِزٌ وعْدَهُ في حَقِّكَ كَما كانَ كَذَلِكَ في حَقِّهِمْ، ثُمَّ أمَرَهُ بِأنْ يُقْبِلَ عَلى طاعَةِ اللَّهِ النّافِعَةِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، فَإنَّ مَن كانَ لِلَّهِ كانَ اللَّهُ لَهُ. واعْلَمْ أنَّ مَجامِعَ الطّاعاتِ مَحْصُورَةٌ في قِسْمَيْنِ: التَّوْبَةِ عَمّا لا يَنْبَغِي، والِاشْتِغالِ بِما يَنْبَغِي، والأوَّلُ مُقَدَّمٌ عَلى الثّانِي بِحَسَبِ الرُّتْبَةِ الذّاتِيَّةِ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ مُقَدَّمًا عَلَيْهِ في الذِّكْرِ، أمّا التَّوْبَةُ عَمّا لا يَنْبَغِي فَهو قَوْلُهُ: ﴿واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ والطّاعِنُونَ في عِصْمَةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ يَتَمَسَّكُونَ بِهِ ونَحْنُ نَحْمِلُهُ عَلى التَّوْبَةِ عَنْ تَرْكِ الأوْلى والأفْضَلِ، أوْ عَلى ما كانَ قَدْ صَدَرَ عَنْهم قَبْلَ النُّبُوَّةِ، وقِيلَ أيْضًا المَقْصُودُ مِنهُ مَحْضُ التَّعَبُّدِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا وآتِنا ما وعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ﴾ [آل عمران: ١٩٤] فَإنَّ إيتاءَ ذَلِكَ الشَّيْءِ واجِبٌ، ثُمَّ إنَّهُ أمَرَنا بِطَلَبِهِ، وكَقَوْلِهِ ﴿رَبِّ احْكم ‎بِالحَقِّ﴾ [الأنبياء: ١١٢] مِن أنّا نَعْلَمُ أنَّهُ لا يَحْكُمُ إلّا بِالحَقِّ، وقِيلَ إضافَةُ المَصْدَرِ إلى الفاعِلِ والمَفْعُولِ فَقَوْلُهُ ﴿واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ مِن بابِ إضافَةِ المَصْدَرِ إلى المَفْعُولِ أيْ واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِ أُمَّتِكَ في حَقِّكَ، وأمّا الِاشْتِغالُ بِما يَنْبَغِي فَهو قَوْلُهُ (﴿وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالعَشِيِّ والإبْكارِ﴾ والتَّسْبِيحُ عِبارَةٌ عَنْ تَنْزِيهِ اللَّهِ عَنْ كُلِّ ما لا يَلِيقُ بِهِ، والعَشِيُّ والإبْكارُ، قِيلَ صَلاةُ العَصْرِ، وصَلاةُ الفَجْرِ، وقِيلَ: الإبْكارُ عِبارَةٌ عَنْ أوَّلِ النَّهارِ إلى النِّصْفِ، والعَشِيُّ عِبارَةٌ عَنِ النِّصْفِ إلى آخِرِ النَّهارِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ الأوْقاتِ، وقِيلَ المُرادُ طَرَفا النَّهارِ، كَما قالَ: ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ﴾ [هود: ١١٤] وبِالجُمْلَةِ فالمُرادُ مِنهُ الأمْرُ بِالمُواظَبَةِ عَلى ذِكْرِ اللَّهِ، وأنْ لا يَفْتُرَ اللِّسانُ عَنْهُ، وأنْ لا يَغْفُلَ القَلْبُ عَنْهُ، حَتّى يَصِيرَ الإنْسانُ بِهَذا السَّبَبِ داخِلًا في زُمْرَةِ المَلائِكَةِ، كَما قالَ في وصْفِهِمْ ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ والنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٠] واللَّهُ أعْلَمُ.

غافر 40:54

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا والَّذِينَ آمَنُوا في الحَياةِ الدُّنْيا ويَوْمَ يَقُومُ الأشْهادُ﴾ ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظّالِمِينَ مَعْذِرَتُهم ولَهُمُ اللَّعْنَةُ ولَهم سُوءُ الدّارِ﴾ ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الهُدى وأوْرَثْنا بَنِي إسْرائِيلَ الكِتابَ﴾ ﴿هُدًى وذِكْرى لِأُولِي الألْبابِ﴾ ﴿فاصْبِرْ إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالعَشِيِّ والإبْكارِ﴾ اعْلَمْ أنَّ في كَيْفِيَّةِ النَّظْمِ وُجُوهًا: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لِما ذَكَرَ وِقايَةَ اللَّهِ مُوسى صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وذَلِكَ المُؤْمِنَ مِن مَكْرِ فِرْعَوْنَ بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ يَنْصُرُ رُسُلَهُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ، والثّانِي: لَمّا بَيَّنَ مِن قَبْلُ ما يَقَعُ بَيْنَ أهْلِ النّارِ مِنَ التَّخاصُمِ وأنَّهم عِنْدَ الفَزَعِ إلى خَزَنَةِ جَهَنَّمَ يَقُولُونَ: ﴿أوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكم رُسُلُكم بِالبَيِّناتِ﴾ (غافِرٍ: ٥٠) أتْبَعَ ذَلِكَ بِذِكْرِ الرُّسُلِ وأنَّهُ يَنْصُرُهم في الدُّنْيا والآخِرَةِ، والثّالِثُ: وهو الأقْرَبُ عِنْدِي أنَّ الكَلامَ في أوَّلِ السُّورَةِ إنَّما وقَعَ مِن قَوْلِهِ: ﴿ما يُجادِلُ في آياتِ اللَّهِ إلّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهم في البِلادِ﴾ [غافر: ٤] وامْتَدَّ الكَلامُ في الرَّدِّ عَلى أُولَئِكَ المُجادِلِينَ وعَلى أنَّ المُحِقِّينَ أبَدًا كانُوا مَشْغُولِينَ بِدَفْعِ كَيْدِ المُبْطِلِينَ، وكُلُّ ذَلِكَ إنَّما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى تَسْلِيَةً لِلرَّسُولِ ﷺ وتَصْبِيرًا لَهُ عَلى تَحَمُّلِ أذى قَوْمِهِ. ولَمّا بَلَغَ الكَلامُ في تَقْرِيرِ المَطْلُوبِ إلى الغايَةِ القُصْوى وعَدَ تَعالى رَسُولَهُ ﷺ بِأنْ يَنْصُرَهُ عَلى أعْدائِهِ في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ فَقالَ: ﴿إنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا والَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآيَةَ، أمّا في الدُّنْيا فَهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وقالَ إنَّما اتَّخَذْتُمْ﴾، وأمّا في الآخِرَةِ فَهو المُرادُ بِقَوْلِهِ ﴿ويَوْمَ يَقُومُ الأشْهادُ﴾ فَحاصِلُ الكَلامِ أنَّهُ تَعالى وعَدَ بِأنَّهُ يَنْصُرُ الأنْبِياءَ والرُّسُلَ، ويَنْصُرُ الَّذِينَ يَنْصُرُونَهم نُصْرَةً يَظْهَرُ أثَرُها في الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ. واعْلَمْ أنَّ نُصْرَةَ اللَّهِ المُحِقِّينَ تَحْصُلُ بِوُجُوهٍ: أحَدُها: النُّصْرَةُ بِالحُجَّةِ، وقَدْ سَمّى اللَّهُ الحُجَّةَ سُلْطانًا في غَيْرِ مَوْضِعٍ، وهَذِهِ النُّصْرَةُ عامَّةٌ لِلْمُحِقِّينَ أجْمَعَ، ونِعْمَ ما سَمّى اللَّهُ هَذِهِ النُّصْرَةَ سُلْطانًا؛ لِأنَّ السَّلْطَنَةَ في الدُّنْيا قَدْ تَبْطُلُ، وقَدْ تَتَبَدَّلُ بِالفَقْرِ والذِّلَّةِ والحاجَةِ والفُتُورِ، أمّا السَّلْطَنَةُ الحاصِلَةُ بِالحُجَّةِ فَإنَّها تَبْقى أبَدَ الآبادِ ويَمْتَنِعُ تَطَرُّقُ الخَلَلِ والفُتُورِ إلَيْها. وثانِيها: أنَّهم مَنصُورُونَ بِالمَدْحِ والتَّعْظِيمِ، فَإنَّ الظَّلَمَةَ وإنْ قَهَرُوا شَخْصًا مِنَ المُحِقِّينَ إلّا أنَّهم لا يَقْدِرُونَ عَلى إسْقاطِ مَدْحِهِ عَنْ ألْسِنَةِ النّاسِ. وثالِثُها: أنَّهم مَنصُورُونَ بِسَبَبِ أنَّ بَواطِنَهم مَمْلُوءَةٌ مِن أنْوارِ الحُجَّةِ وقُوَّةِ اليَقِينِ، فَإنَّهم إنَّما يَنْظُرُونَ إلى الظَّلَمَةِ والجُهّالِ كَما تَنْظُرُ مَلائِكَةُ صفحة ٦٧ السَّماواتِ إلى أخَسِّ الأشْياءِ. ورابِعُها: أنَّ المُبْطِلِينَ وإنْ كانَ يَتَّفِقُ لَهم أنْ يَحْصُلَ لَهُمُ اسْتِيلاءٌ عَلى المُحِقِّينَ، فَفي الغالِبِ أنَّ ذَلِكَ لا يَدُومُ بَلْ يُكْشَفُ لِلنّاسِ أنَّ ذَلِكَ كانَ أمْرًا وقَعَ عَلى خِلافِ الواجِبِ ونَقِيضِ الحَقِّ. وخامِسُها: أنَّ المُحِقَّ إنِ اتَّفَقَ لَهُ أنْ وقَعَ في نَوْعٍ مِن أنْواعِ المَحْذُورِ فَذَلِكَ يَكُونُ سَبَبًا لِمَزِيدِ ثَوابِهِ وتَعْظِيمِ دَرَجاتِهِ. وسادِسُها: أنَّ الظَّلَمَةَ والمُبْطِلِينَ كَما يَمُوتُونَ تَمُوتُ آثارُهم ولا يَبْقى لَهم في الدُّنْيا أثَرٌ ولا خَبَرٌ. وأمّا المُحِقُّونَ فَإنَّ آثارَهم باقِيَةٌ عَلى وجْهِ الدَّهْرِ، والنّاسُ بِهِمْ يَقْتَدُونَ في أعْمالِ البِرِّ والخَيْرِ ولِمِنَحِهِمْ يَتْرُكُونَ، فَهَذا كُلُّهُ أنْواعُ نُصْرَةِ اللَّهِ لِلْمُحِقِّينَ في الدُّنْيا. وسابِعُها: أنَّهُ تَعالى قَدْ يَنْتَقِمُ لِلْأنْبِياءِ والأوْلِياءِ بَعْدَ مَوْتِهِمْ، كَما نَصَرَ يَحْيى بْنَ زَكَرِيّا فَإنَّهُ لَمّا قُتِلَ قُتِلَ بِهِ سَبْعُونَ ألْفًا، وأمّا نُصْرَتُهُ تَعالى إيّاهم في الآخِرَةِ فَذَلِكَ بِإعْلاءِ دَرَجاتِهِمْ في مَراتِبِ الثَّوابِ وكَوْنِهِمْ مُصاحِبِينَ لِأنْبِياءِ اللَّهِ، كَما قالَ: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ والصّالِحِينَ وحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩] . واعْلَمْ أنَّ في قَوْلِهِ ﴿إنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿ويَوْمَ يَقُومُ الأشْهادُ﴾ دَقِيقَةً مُعْتَبَرَةً وهي أنَّ السُّلْطانَ العَظِيمَ إذا خَصَّ بَعْضَ خَواصِّهِ بِالإكْرامِ العَظِيمِ والتَّشْرِيفِ الكامِلِ عِنْدَ حُضُورِ الجَمْعِ العَظِيمِ مِن أهْلِ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ كانَ ذَلِكَ ألَذَّ وأبْهَجَ فَقَوْلُهُ: ﴿إنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا﴾ إلى ﴿ويَوْمَ يَقُومُ الأشْهادُ﴾ المَقْصُودُ مِنهُ هَذِهِ الدَّقِيقَةُ، واخْتَلَفُوا في المُرادِ بِالأشْهادِ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ كُلُّ مَن يَشْهَدُ بِأعْمالِ العِبادِ يَوْمَ القِيامَةِ مِن مَلَكٍ ونَبِيٍّ ومُؤْمِنٍ، أمّا المَلائِكَةُ فَهُمُ الكِرامُ الكاتِبُونَ يَشْهَدُونَ بِما شاهَدُوا، وأمّا الأنْبِياءُ فَقالَ تَعالى: ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١] وقالَ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ ويَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكم شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣] قالَ المُبَرِّدُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ واحِدُ الأشْهادِ شاهِدًا كَأطْيارٍ وطائِرٍ وأصْحابٍ وصاحِبٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ واحِدُ الأشْهادِ شَهِيدًا كَأشْرافٍ وشَرِيفٍ وأيْتامٍ ويَتِيمٍ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظّالِمِينَ مَعْذِرَتُهم ولَهُمُ اللَّعْنَةُ ولَهم سُوءُ الدّارِ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وابْنُ عامِرٍ: لا تَنْفَعُ، بِالتّاءِ لِتَأْنِيثِ المَعْذِرَةِ، والباقُونَ بِالياءِ كَأنَّهُ أُرِيدَ الِاعْتِذارُ. واعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ أيْضًا مِن هَذا شَرْحُ تَعْظِيمِ ثَوابِ أهْلِ الثَّوابِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُ يَنْصُرُهم في يَوْمٍ يَجْتَمِعُ فِيهِ الأوَّلُونَ والآخِرُونَ، فَحالُهم في عُلُوِّ الدَّرَجاتِ في ذَلِكَ اليَوْمِ ما ذَكَرْناهُ وأمّا حالُ أعْدائِهِمْ فَهو أنَّهُ حَصَلَتْ لَهم أُمُورٌ ثَلاثَةٌ: أحَدُها: أنَّهُ لا يَنْفَعُهم شَيْءٌ مِنَ المَعاذِيرِ البَتَّةَ. وثانِيها: أنَّ: ﴿لَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ وهَذا يُفِيدُ الحَصْرَ يَعْنِي مَقْصُورَةً عَلَيْهِمْ وهي الإهانَةُ والإذْلالُ. وثالِثُها: سُوءُ الدّاءِ وهو العِقابُ الشَّدِيدُ فَهَذا اليَوْمُ إذا كانَ الأعْداءُ واقِعِينَ في هَذِهِ المَراتِبِ الثَّلاثَةِ مِنَ الوَحْشَةِ والبَلِيَّةِ، ثُمَّ إنَّهُ خَصَّ الأنْبِياءَ والأوْلِياءَ بِأنْواعِ التَّشْرِيفاتِ الواقِعَةِ في الجَمْعِ الأعْظَمِ فَهَهُنا يَظْهَرُ أنَّ سُرُورَ المُؤْمِنِ كَمْ يَكُونُ، وأنَّ غُمُومَ الكافِرِينَ إلى أيْنَ تَبْلُغُ ؟ فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهم يَذْكُرُونَ الأعْذارَ إلّا أنَّ تِلْكَ الأعْذارَ لا تَنْفَعُهم فَكَيْفَ الجَمْعُ بَيْنَ هَذا وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿ولا يُؤْذَنُ لَهم فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات: ٣٦] قُلْنا قَوْلُهُ: ﴿لا يَنْفَعُ الظّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ﴾ لا يَدُلُّ عَلى أنَّهم ذَكَرُوا الأعْذارَ، بَلْ لَيْسَ فِيهِ إلّا أنَّهُ لَيْسَ عِنْدَهم عُذْرٌ مَقْبُولٌ نافِعٌ، وهَذا القَدْرُ لا يَدُلُّ عَلى أنَّهم ذَكَرُوهُ أمْ لا. وأيْضًا فَيُقالُ: يَوْمُ القِيامَةِ يَوْمٌ طَوِيلٌ فَيَعْتَذِرُونَ في وقْتٍ ولا يَعْتَذِرُونَ في وقْتٍ آخَرَ، ولَمّا بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ يَنْصُرُ الأنْبِياءَ والمُؤْمِنِينَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ ذَكَرَ نَوْعًا مِن أنْواعِ تِلْكَ صفحة ٦٨ النُّصْرَةِ في الدُّنْيا، فَقالَ: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الهُدى﴾ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الهُدى ما آتاهُ اللَّهُ مِنَ العُلُومِ الكَثِيرَةِ النّافِعَةِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ تِلْكَ الدَّلائِلَ القاهِرَةَ الَّتِي أوْرَدَها عَلى فِرْعَوْنَ وأتْباعِهِ وكادَهم بِها، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ هو النُّبُوَّةَ الَّتِي هي أعْظَمُ المَناصِبِ الإنْسانِيَّةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ إنْزالَ التَّوْراةِ عَلَيْهِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وأوْرَثْنا بَنِي إسْرائِيلَ الكِتابَ هُدًى وذِكْرى لِأُولِي الألْبابِ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ أنَّهُ تَعالى لَمّا أنْزَلَ التَّوْراةَ عَلى مُوسى بَقِيَ ذَلِكَ العِلْمُ فِيهِمْ وتَوارَثُوهُ خَلَفًا عَنْ سَلَفٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ سائِرَ الكُتُبِ الَّتِي أنْزَلَها اللَّهُ عَلَيْهِمْ وهي كُتُبُ أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلِ التَّوْراةُ والزَّبُورُ والإنْجِيلُ، والفَرْقُ بَيْنَ الهُدى والذِّكْرى وأنَّ الهُدى ما يَكُونُ دَلِيلًا عَلى الشَّيْءِ ولَيْسَ مِن شَرْطِهِ أنْ يَذْكُرَ شَيْئًا آخَرَ كانَ مَعْلُومًا ثُمَّ صارَ مَنسِيًّا، وأمّا الذِّكْرى فَهي الَّذِي تَكُونُ كَذَلِكَ، فَكُتُبُ أنْبِياءِ اللَّهِ مُشْتَمِلَةٌ عَلى هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ بَعْضُها دَلائِلُ في أنْفُسِها، وبَعْضُها مُذَكِّراتٌ لِما ورَدَ في الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ المُتَقَدِّمَةِ. ولَمّا بَيَّنَ أنَّ اللَّهَ تَعالى يَنْصُرُ رُسُلَهُ ويَنْصُرُ المُؤْمِنِينَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ وضَرَبَ المِثالَ في ذَلِكَ بِحالِ مُوسى وخاطَبَ بَعْدَ ذَلِكَ مُحَمَّدًا ﷺ فَقالَ: ﴿إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ فاللَّهُ ناصِرُكَ كَما نَصَرَهم ومُنْجِزٌ وعْدَهُ في حَقِّكَ كَما كانَ كَذَلِكَ في حَقِّهِمْ، ثُمَّ أمَرَهُ بِأنْ يُقْبِلَ عَلى طاعَةِ اللَّهِ النّافِعَةِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، فَإنَّ مَن كانَ لِلَّهِ كانَ اللَّهُ لَهُ. واعْلَمْ أنَّ مَجامِعَ الطّاعاتِ مَحْصُورَةٌ في قِسْمَيْنِ: التَّوْبَةِ عَمّا لا يَنْبَغِي، والِاشْتِغالِ بِما يَنْبَغِي، والأوَّلُ مُقَدَّمٌ عَلى الثّانِي بِحَسَبِ الرُّتْبَةِ الذّاتِيَّةِ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ مُقَدَّمًا عَلَيْهِ في الذِّكْرِ، أمّا التَّوْبَةُ عَمّا لا يَنْبَغِي فَهو قَوْلُهُ: ﴿واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ والطّاعِنُونَ في عِصْمَةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ يَتَمَسَّكُونَ بِهِ ونَحْنُ نَحْمِلُهُ عَلى التَّوْبَةِ عَنْ تَرْكِ الأوْلى والأفْضَلِ، أوْ عَلى ما كانَ قَدْ صَدَرَ عَنْهم قَبْلَ النُّبُوَّةِ، وقِيلَ أيْضًا المَقْصُودُ مِنهُ مَحْضُ التَّعَبُّدِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا وآتِنا ما وعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ﴾ [آل عمران: ١٩٤] فَإنَّ إيتاءَ ذَلِكَ الشَّيْءِ واجِبٌ، ثُمَّ إنَّهُ أمَرَنا بِطَلَبِهِ، وكَقَوْلِهِ ﴿رَبِّ احْكم ‎بِالحَقِّ﴾ [الأنبياء: ١١٢] مِن أنّا نَعْلَمُ أنَّهُ لا يَحْكُمُ إلّا بِالحَقِّ، وقِيلَ إضافَةُ المَصْدَرِ إلى الفاعِلِ والمَفْعُولِ فَقَوْلُهُ ﴿واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ مِن بابِ إضافَةِ المَصْدَرِ إلى المَفْعُولِ أيْ واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِ أُمَّتِكَ في حَقِّكَ، وأمّا الِاشْتِغالُ بِما يَنْبَغِي فَهو قَوْلُهُ (﴿وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالعَشِيِّ والإبْكارِ﴾ والتَّسْبِيحُ عِبارَةٌ عَنْ تَنْزِيهِ اللَّهِ عَنْ كُلِّ ما لا يَلِيقُ بِهِ، والعَشِيُّ والإبْكارُ، قِيلَ صَلاةُ العَصْرِ، وصَلاةُ الفَجْرِ، وقِيلَ: الإبْكارُ عِبارَةٌ عَنْ أوَّلِ النَّهارِ إلى النِّصْفِ، والعَشِيُّ عِبارَةٌ عَنِ النِّصْفِ إلى آخِرِ النَّهارِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ الأوْقاتِ، وقِيلَ المُرادُ طَرَفا النَّهارِ، كَما قالَ: ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ﴾ [هود: ١١٤] وبِالجُمْلَةِ فالمُرادُ مِنهُ الأمْرُ بِالمُواظَبَةِ عَلى ذِكْرِ اللَّهِ، وأنْ لا يَفْتُرَ اللِّسانُ عَنْهُ، وأنْ لا يَغْفُلَ القَلْبُ عَنْهُ، حَتّى يَصِيرَ الإنْسانُ بِهَذا السَّبَبِ داخِلًا في زُمْرَةِ المَلائِكَةِ، كَما قالَ في وصْفِهِمْ ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ والنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٠] واللَّهُ أعْلَمُ.

غافر 40:55

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا والَّذِينَ آمَنُوا في الحَياةِ الدُّنْيا ويَوْمَ يَقُومُ الأشْهادُ﴾ ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظّالِمِينَ مَعْذِرَتُهم ولَهُمُ اللَّعْنَةُ ولَهم سُوءُ الدّارِ﴾ ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الهُدى وأوْرَثْنا بَنِي إسْرائِيلَ الكِتابَ﴾ ﴿هُدًى وذِكْرى لِأُولِي الألْبابِ﴾ ﴿فاصْبِرْ إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالعَشِيِّ والإبْكارِ﴾ اعْلَمْ أنَّ في كَيْفِيَّةِ النَّظْمِ وُجُوهًا: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لِما ذَكَرَ وِقايَةَ اللَّهِ مُوسى صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وذَلِكَ المُؤْمِنَ مِن مَكْرِ فِرْعَوْنَ بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ يَنْصُرُ رُسُلَهُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ، والثّانِي: لَمّا بَيَّنَ مِن قَبْلُ ما يَقَعُ بَيْنَ أهْلِ النّارِ مِنَ التَّخاصُمِ وأنَّهم عِنْدَ الفَزَعِ إلى خَزَنَةِ جَهَنَّمَ يَقُولُونَ: ﴿أوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكم رُسُلُكم بِالبَيِّناتِ﴾ (غافِرٍ: ٥٠) أتْبَعَ ذَلِكَ بِذِكْرِ الرُّسُلِ وأنَّهُ يَنْصُرُهم في الدُّنْيا والآخِرَةِ، والثّالِثُ: وهو الأقْرَبُ عِنْدِي أنَّ الكَلامَ في أوَّلِ السُّورَةِ إنَّما وقَعَ مِن قَوْلِهِ: ﴿ما يُجادِلُ في آياتِ اللَّهِ إلّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهم في البِلادِ﴾ [غافر: ٤] وامْتَدَّ الكَلامُ في الرَّدِّ عَلى أُولَئِكَ المُجادِلِينَ وعَلى أنَّ المُحِقِّينَ أبَدًا كانُوا مَشْغُولِينَ بِدَفْعِ كَيْدِ المُبْطِلِينَ، وكُلُّ ذَلِكَ إنَّما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى تَسْلِيَةً لِلرَّسُولِ ﷺ وتَصْبِيرًا لَهُ عَلى تَحَمُّلِ أذى قَوْمِهِ. ولَمّا بَلَغَ الكَلامُ في تَقْرِيرِ المَطْلُوبِ إلى الغايَةِ القُصْوى وعَدَ تَعالى رَسُولَهُ ﷺ بِأنْ يَنْصُرَهُ عَلى أعْدائِهِ في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ فَقالَ: ﴿إنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا والَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآيَةَ، أمّا في الدُّنْيا فَهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وقالَ إنَّما اتَّخَذْتُمْ﴾، وأمّا في الآخِرَةِ فَهو المُرادُ بِقَوْلِهِ ﴿ويَوْمَ يَقُومُ الأشْهادُ﴾ فَحاصِلُ الكَلامِ أنَّهُ تَعالى وعَدَ بِأنَّهُ يَنْصُرُ الأنْبِياءَ والرُّسُلَ، ويَنْصُرُ الَّذِينَ يَنْصُرُونَهم نُصْرَةً يَظْهَرُ أثَرُها في الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ. واعْلَمْ أنَّ نُصْرَةَ اللَّهِ المُحِقِّينَ تَحْصُلُ بِوُجُوهٍ: أحَدُها: النُّصْرَةُ بِالحُجَّةِ، وقَدْ سَمّى اللَّهُ الحُجَّةَ سُلْطانًا في غَيْرِ مَوْضِعٍ، وهَذِهِ النُّصْرَةُ عامَّةٌ لِلْمُحِقِّينَ أجْمَعَ، ونِعْمَ ما سَمّى اللَّهُ هَذِهِ النُّصْرَةَ سُلْطانًا؛ لِأنَّ السَّلْطَنَةَ في الدُّنْيا قَدْ تَبْطُلُ، وقَدْ تَتَبَدَّلُ بِالفَقْرِ والذِّلَّةِ والحاجَةِ والفُتُورِ، أمّا السَّلْطَنَةُ الحاصِلَةُ بِالحُجَّةِ فَإنَّها تَبْقى أبَدَ الآبادِ ويَمْتَنِعُ تَطَرُّقُ الخَلَلِ والفُتُورِ إلَيْها. وثانِيها: أنَّهم مَنصُورُونَ بِالمَدْحِ والتَّعْظِيمِ، فَإنَّ الظَّلَمَةَ وإنْ قَهَرُوا شَخْصًا مِنَ المُحِقِّينَ إلّا أنَّهم لا يَقْدِرُونَ عَلى إسْقاطِ مَدْحِهِ عَنْ ألْسِنَةِ النّاسِ. وثالِثُها: أنَّهم مَنصُورُونَ بِسَبَبِ أنَّ بَواطِنَهم مَمْلُوءَةٌ مِن أنْوارِ الحُجَّةِ وقُوَّةِ اليَقِينِ، فَإنَّهم إنَّما يَنْظُرُونَ إلى الظَّلَمَةِ والجُهّالِ كَما تَنْظُرُ مَلائِكَةُ صفحة ٦٧ السَّماواتِ إلى أخَسِّ الأشْياءِ. ورابِعُها: أنَّ المُبْطِلِينَ وإنْ كانَ يَتَّفِقُ لَهم أنْ يَحْصُلَ لَهُمُ اسْتِيلاءٌ عَلى المُحِقِّينَ، فَفي الغالِبِ أنَّ ذَلِكَ لا يَدُومُ بَلْ يُكْشَفُ لِلنّاسِ أنَّ ذَلِكَ كانَ أمْرًا وقَعَ عَلى خِلافِ الواجِبِ ونَقِيضِ الحَقِّ. وخامِسُها: أنَّ المُحِقَّ إنِ اتَّفَقَ لَهُ أنْ وقَعَ في نَوْعٍ مِن أنْواعِ المَحْذُورِ فَذَلِكَ يَكُونُ سَبَبًا لِمَزِيدِ ثَوابِهِ وتَعْظِيمِ دَرَجاتِهِ. وسادِسُها: أنَّ الظَّلَمَةَ والمُبْطِلِينَ كَما يَمُوتُونَ تَمُوتُ آثارُهم ولا يَبْقى لَهم في الدُّنْيا أثَرٌ ولا خَبَرٌ. وأمّا المُحِقُّونَ فَإنَّ آثارَهم باقِيَةٌ عَلى وجْهِ الدَّهْرِ، والنّاسُ بِهِمْ يَقْتَدُونَ في أعْمالِ البِرِّ والخَيْرِ ولِمِنَحِهِمْ يَتْرُكُونَ، فَهَذا كُلُّهُ أنْواعُ نُصْرَةِ اللَّهِ لِلْمُحِقِّينَ في الدُّنْيا. وسابِعُها: أنَّهُ تَعالى قَدْ يَنْتَقِمُ لِلْأنْبِياءِ والأوْلِياءِ بَعْدَ مَوْتِهِمْ، كَما نَصَرَ يَحْيى بْنَ زَكَرِيّا فَإنَّهُ لَمّا قُتِلَ قُتِلَ بِهِ سَبْعُونَ ألْفًا، وأمّا نُصْرَتُهُ تَعالى إيّاهم في الآخِرَةِ فَذَلِكَ بِإعْلاءِ دَرَجاتِهِمْ في مَراتِبِ الثَّوابِ وكَوْنِهِمْ مُصاحِبِينَ لِأنْبِياءِ اللَّهِ، كَما قالَ: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ والصّالِحِينَ وحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩] . واعْلَمْ أنَّ في قَوْلِهِ ﴿إنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿ويَوْمَ يَقُومُ الأشْهادُ﴾ دَقِيقَةً مُعْتَبَرَةً وهي أنَّ السُّلْطانَ العَظِيمَ إذا خَصَّ بَعْضَ خَواصِّهِ بِالإكْرامِ العَظِيمِ والتَّشْرِيفِ الكامِلِ عِنْدَ حُضُورِ الجَمْعِ العَظِيمِ مِن أهْلِ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ كانَ ذَلِكَ ألَذَّ وأبْهَجَ فَقَوْلُهُ: ﴿إنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا﴾ إلى ﴿ويَوْمَ يَقُومُ الأشْهادُ﴾ المَقْصُودُ مِنهُ هَذِهِ الدَّقِيقَةُ، واخْتَلَفُوا في المُرادِ بِالأشْهادِ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ كُلُّ مَن يَشْهَدُ بِأعْمالِ العِبادِ يَوْمَ القِيامَةِ مِن مَلَكٍ ونَبِيٍّ ومُؤْمِنٍ، أمّا المَلائِكَةُ فَهُمُ الكِرامُ الكاتِبُونَ يَشْهَدُونَ بِما شاهَدُوا، وأمّا الأنْبِياءُ فَقالَ تَعالى: ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١] وقالَ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ ويَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكم شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣] قالَ المُبَرِّدُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ واحِدُ الأشْهادِ شاهِدًا كَأطْيارٍ وطائِرٍ وأصْحابٍ وصاحِبٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ واحِدُ الأشْهادِ شَهِيدًا كَأشْرافٍ وشَرِيفٍ وأيْتامٍ ويَتِيمٍ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظّالِمِينَ مَعْذِرَتُهم ولَهُمُ اللَّعْنَةُ ولَهم سُوءُ الدّارِ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وابْنُ عامِرٍ: لا تَنْفَعُ، بِالتّاءِ لِتَأْنِيثِ المَعْذِرَةِ، والباقُونَ بِالياءِ كَأنَّهُ أُرِيدَ الِاعْتِذارُ. واعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ أيْضًا مِن هَذا شَرْحُ تَعْظِيمِ ثَوابِ أهْلِ الثَّوابِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُ يَنْصُرُهم في يَوْمٍ يَجْتَمِعُ فِيهِ الأوَّلُونَ والآخِرُونَ، فَحالُهم في عُلُوِّ الدَّرَجاتِ في ذَلِكَ اليَوْمِ ما ذَكَرْناهُ وأمّا حالُ أعْدائِهِمْ فَهو أنَّهُ حَصَلَتْ لَهم أُمُورٌ ثَلاثَةٌ: أحَدُها: أنَّهُ لا يَنْفَعُهم شَيْءٌ مِنَ المَعاذِيرِ البَتَّةَ. وثانِيها: أنَّ: ﴿لَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ وهَذا يُفِيدُ الحَصْرَ يَعْنِي مَقْصُورَةً عَلَيْهِمْ وهي الإهانَةُ والإذْلالُ. وثالِثُها: سُوءُ الدّاءِ وهو العِقابُ الشَّدِيدُ فَهَذا اليَوْمُ إذا كانَ الأعْداءُ واقِعِينَ في هَذِهِ المَراتِبِ الثَّلاثَةِ مِنَ الوَحْشَةِ والبَلِيَّةِ، ثُمَّ إنَّهُ خَصَّ الأنْبِياءَ والأوْلِياءَ بِأنْواعِ التَّشْرِيفاتِ الواقِعَةِ في الجَمْعِ الأعْظَمِ فَهَهُنا يَظْهَرُ أنَّ سُرُورَ المُؤْمِنِ كَمْ يَكُونُ، وأنَّ غُمُومَ الكافِرِينَ إلى أيْنَ تَبْلُغُ ؟ فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهم يَذْكُرُونَ الأعْذارَ إلّا أنَّ تِلْكَ الأعْذارَ لا تَنْفَعُهم فَكَيْفَ الجَمْعُ بَيْنَ هَذا وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿ولا يُؤْذَنُ لَهم فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات: ٣٦] قُلْنا قَوْلُهُ: ﴿لا يَنْفَعُ الظّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ﴾ لا يَدُلُّ عَلى أنَّهم ذَكَرُوا الأعْذارَ، بَلْ لَيْسَ فِيهِ إلّا أنَّهُ لَيْسَ عِنْدَهم عُذْرٌ مَقْبُولٌ نافِعٌ، وهَذا القَدْرُ لا يَدُلُّ عَلى أنَّهم ذَكَرُوهُ أمْ لا. وأيْضًا فَيُقالُ: يَوْمُ القِيامَةِ يَوْمٌ طَوِيلٌ فَيَعْتَذِرُونَ في وقْتٍ ولا يَعْتَذِرُونَ في وقْتٍ آخَرَ، ولَمّا بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ يَنْصُرُ الأنْبِياءَ والمُؤْمِنِينَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ ذَكَرَ نَوْعًا مِن أنْواعِ تِلْكَ صفحة ٦٨ النُّصْرَةِ في الدُّنْيا، فَقالَ: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الهُدى﴾ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الهُدى ما آتاهُ اللَّهُ مِنَ العُلُومِ الكَثِيرَةِ النّافِعَةِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ تِلْكَ الدَّلائِلَ القاهِرَةَ الَّتِي أوْرَدَها عَلى فِرْعَوْنَ وأتْباعِهِ وكادَهم بِها، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ هو النُّبُوَّةَ الَّتِي هي أعْظَمُ المَناصِبِ الإنْسانِيَّةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ إنْزالَ التَّوْراةِ عَلَيْهِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وأوْرَثْنا بَنِي إسْرائِيلَ الكِتابَ هُدًى وذِكْرى لِأُولِي الألْبابِ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ أنَّهُ تَعالى لَمّا أنْزَلَ التَّوْراةَ عَلى مُوسى بَقِيَ ذَلِكَ العِلْمُ فِيهِمْ وتَوارَثُوهُ خَلَفًا عَنْ سَلَفٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ سائِرَ الكُتُبِ الَّتِي أنْزَلَها اللَّهُ عَلَيْهِمْ وهي كُتُبُ أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلِ التَّوْراةُ والزَّبُورُ والإنْجِيلُ، والفَرْقُ بَيْنَ الهُدى والذِّكْرى وأنَّ الهُدى ما يَكُونُ دَلِيلًا عَلى الشَّيْءِ ولَيْسَ مِن شَرْطِهِ أنْ يَذْكُرَ شَيْئًا آخَرَ كانَ مَعْلُومًا ثُمَّ صارَ مَنسِيًّا، وأمّا الذِّكْرى فَهي الَّذِي تَكُونُ كَذَلِكَ، فَكُتُبُ أنْبِياءِ اللَّهِ مُشْتَمِلَةٌ عَلى هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ بَعْضُها دَلائِلُ في أنْفُسِها، وبَعْضُها مُذَكِّراتٌ لِما ورَدَ في الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ المُتَقَدِّمَةِ. ولَمّا بَيَّنَ أنَّ اللَّهَ تَعالى يَنْصُرُ رُسُلَهُ ويَنْصُرُ المُؤْمِنِينَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ وضَرَبَ المِثالَ في ذَلِكَ بِحالِ مُوسى وخاطَبَ بَعْدَ ذَلِكَ مُحَمَّدًا ﷺ فَقالَ: ﴿إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ فاللَّهُ ناصِرُكَ كَما نَصَرَهم ومُنْجِزٌ وعْدَهُ في حَقِّكَ كَما كانَ كَذَلِكَ في حَقِّهِمْ، ثُمَّ أمَرَهُ بِأنْ يُقْبِلَ عَلى طاعَةِ اللَّهِ النّافِعَةِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، فَإنَّ مَن كانَ لِلَّهِ كانَ اللَّهُ لَهُ. واعْلَمْ أنَّ مَجامِعَ الطّاعاتِ مَحْصُورَةٌ في قِسْمَيْنِ: التَّوْبَةِ عَمّا لا يَنْبَغِي، والِاشْتِغالِ بِما يَنْبَغِي، والأوَّلُ مُقَدَّمٌ عَلى الثّانِي بِحَسَبِ الرُّتْبَةِ الذّاتِيَّةِ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ مُقَدَّمًا عَلَيْهِ في الذِّكْرِ، أمّا التَّوْبَةُ عَمّا لا يَنْبَغِي فَهو قَوْلُهُ: ﴿واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ والطّاعِنُونَ في عِصْمَةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ يَتَمَسَّكُونَ بِهِ ونَحْنُ نَحْمِلُهُ عَلى التَّوْبَةِ عَنْ تَرْكِ الأوْلى والأفْضَلِ، أوْ عَلى ما كانَ قَدْ صَدَرَ عَنْهم قَبْلَ النُّبُوَّةِ، وقِيلَ أيْضًا المَقْصُودُ مِنهُ مَحْضُ التَّعَبُّدِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا وآتِنا ما وعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ﴾ [آل عمران: ١٩٤] فَإنَّ إيتاءَ ذَلِكَ الشَّيْءِ واجِبٌ، ثُمَّ إنَّهُ أمَرَنا بِطَلَبِهِ، وكَقَوْلِهِ ﴿رَبِّ احْكم ‎بِالحَقِّ﴾ [الأنبياء: ١١٢] مِن أنّا نَعْلَمُ أنَّهُ لا يَحْكُمُ إلّا بِالحَقِّ، وقِيلَ إضافَةُ المَصْدَرِ إلى الفاعِلِ والمَفْعُولِ فَقَوْلُهُ ﴿واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ مِن بابِ إضافَةِ المَصْدَرِ إلى المَفْعُولِ أيْ واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِ أُمَّتِكَ في حَقِّكَ، وأمّا الِاشْتِغالُ بِما يَنْبَغِي فَهو قَوْلُهُ (﴿وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالعَشِيِّ والإبْكارِ﴾ والتَّسْبِيحُ عِبارَةٌ عَنْ تَنْزِيهِ اللَّهِ عَنْ كُلِّ ما لا يَلِيقُ بِهِ، والعَشِيُّ والإبْكارُ، قِيلَ صَلاةُ العَصْرِ، وصَلاةُ الفَجْرِ، وقِيلَ: الإبْكارُ عِبارَةٌ عَنْ أوَّلِ النَّهارِ إلى النِّصْفِ، والعَشِيُّ عِبارَةٌ عَنِ النِّصْفِ إلى آخِرِ النَّهارِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ الأوْقاتِ، وقِيلَ المُرادُ طَرَفا النَّهارِ، كَما قالَ: ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ﴾ [هود: ١١٤] وبِالجُمْلَةِ فالمُرادُ مِنهُ الأمْرُ بِالمُواظَبَةِ عَلى ذِكْرِ اللَّهِ، وأنْ لا يَفْتُرَ اللِّسانُ عَنْهُ، وأنْ لا يَغْفُلَ القَلْبُ عَنْهُ، حَتّى يَصِيرَ الإنْسانُ بِهَذا السَّبَبِ داخِلًا في زُمْرَةِ المَلائِكَةِ، كَما قالَ في وصْفِهِمْ ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ والنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٠] واللَّهُ أعْلَمُ.

غافر 40:56

صفحة ٦٩ ﴿وما يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ولا المُسِيءُ قَلِيلًا ما تَتَذَكَّرُونَ﴾ ﴿إنَّ السّاعَةَ لَآتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أتاهم إنْ في صُدُورِهِمْ إلّا كِبْرٌ ما هم بِبالِغِيهِ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إنَّهُ هو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ ﴿لَخَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ أكْبَرُ مِن خَلْقِ النّاسِ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿وما يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ولا المُسِيءُ قَلِيلًا ما تَتَذَكَّرُونَ﴾ ﴿إنَّ السّاعَةَ لَآتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾ اعْلَمْ أنّا بَيَّنّا أنَّ الكَلامَ في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ إنَّما ابْتُدِئَ رَدًّا عَلى الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ، واتَّصَلَ البَعْضُ بِالبَعْضِ وامْتَدَّ عَلى التَّرْتِيبِ الَّذِي لَخَّصْناهُ، والنَّسَقِ الَّذِي كَشَفْنا عَنْهُ إلى هَذا المَوْضِعِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى نَبَّهَ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى الدّاعِيَةِ الَّتِي تَحْمِلُ أُولَئِكَ الكُفّارِ عَلى تِلْكَ المُجادَلَةِ، فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ﴾ إنَّما يَحْمِلُهم عَلى هَذا الجِدالِ الباطِلِ كِبْرٌ في صَدْرِهِمْ فَذَلِكَ الكِبْرُ هو الَّذِي يَحْمِلُهم عَلى هَذا الجِدالِ الباطِلِ، وذَلِكَ الكِبْرُ هو أنَّهم لَوْ سَلَّمُوا نَبُوَّتَكَ لَزِمَهم أنْ يَكُونُوا تَحْتَ يَدِكَ وأمْرِكَ ونَهْيِكَ؛ لِأنَّ النُّبُوَّةَ تَحْتَها كُلُّ مُلْكٍ ورِياسَةٍ وفي صُدُورِهِمْ كِبْرٌ لا يَرْضَوْنَ أنْ يَكُونُوا في خِدْمَتِكَ، فَهَذا هو الَّذِي يَحْمِلُهم عَلى هَذِهِ المُجادَلاتِ الباطِلَةِ والمُخاصِماتِ الفاسِدَةِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ما هم بِبالِغِيهِ﴾ يَعْنِي أنَّهم يُرِيدُونَ أنْ يَكُونُوا تَحْتَ يَدِكَ ولا يَصِلُونَ إلى هَذا المُرادِ، بَلْ لا بُدَّ وأنْ يَصِيرُوا تَحْتَ أمْرِكَ ونَهْيِكَ، ثُمَّ قالَ: ﴿فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ أيْ فالتَجِئْ إلَيْهِ مِن كَيْدِ مَن يُجادِلُكَ ﴿إنَّهُ هو السَّمِيعُ﴾ بِما يَقُولُونَ، أوْ تَقُولُ ﴿البَصِيرُ﴾ بِما تَعْمَلُ ويَعْمَلُونَ، فَهو يَجْعَلُكَ نافِذَ الحُكْمِ عَلَيْهِمْ ويَصُونُكَ عَنْ مَكْرِهِمْ وكَيْدِهِمْ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ جِدالَهم في آياتِ اللَّهِ بِأنَّهُ بِغَيْرِ سُلْطانٍ ولا حُجَّةٍ ذَكَرَ لِهَذا مِثالًا، فَقالَ ﴿لَخَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ أكْبَرُ مِن خَلْقِ النّاسِ﴾ والقادِرُ عَلى الأكْبَرِ قادِرٌ عَلى الأصْغَرِ لا مَحالَةَ، وتَقْرِيرُ هَذا الكَلامِ أنَّ الِاسْتِدْلالَ بِالشَّيْءِ عَلى غَيْرِهِ عَلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ: أحَدُها: أنْ يُقالَ لَمّا قَدَرَ عَلى الأضْعَفِ وجَبَ أنْ يَقْدِرَ عَلى الأقْوى وهَذا فاسِدٌ. وثانِيها: أنْ يُقالَ لَمّا قَدَرَ عَلى الشَّيْءِ قَدَرَ عَلى مِثْلِهِ، فَهَذا اسْتِدْلالٌ حَقٌّ لِما ثَبَتَ في العُقُولِ أنَّ حُكْمَ الشَّيْءِ حُكْمُ مِثْلِهِ، وثالِثُها: أنْ يُقالَ: لَمّا قَدَرَ عَلى الأقْوى الأكْمَلِ فَبِأنْ يَقْدِرَ عَلى الأقَلِّ الأرْذَلِ كانَ أوْلى، وهَذا الِاسْتِدْلالُ في غايَةِ الصِّحَّةِ والقُوَّةِ ولا يَرْتابُ فِيهِ عاقِلٌ البَتَّةَ، ثُمَّ إنَّ هَؤُلاءِ القَوْمَ يُسَلِّمُونَ أنَّ خالِقَ السَّماواتِ والأرْضِ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى، ويَعْلَمُونَ بِالضَّرُورَةِ أنَّ: ﴿لَخَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ أكْبَرُ مِن خَلْقِ النّاسِ﴾ وكانَ مِن حَقِّهِمْ أنْ يُقِرُّوا بِأنَّ القادِرَ عَلى خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ يَكُونُ قادِرًا عَلى إعادَةِ الإنْسانِ الَّذِي خَلَقَهُ أوَّلًا، فَهَذا بُرْهانٌ جَلِيٌّ في إفادَةِ هَذا المَطْلُوبِ، ثُمَّ إنَّ هَذا البُرْهانَ عَلى قُوَّتِهِ صارَ بِحَيْثُ لا يَعْرِفُهُ أكْثَرُ النّاسِ، والمُرادُ مِنهُمُ الَّذِينَ يُنْكِرُونَ الحَشْرَ والنَّشْرَ، فَظَهَرَ بِهَذا المِثالِ أنَّ هَؤُلاءِ الكُفّارَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ ولا حُجَّةٍ، بَلْ بِمُجَرَّدِ الحَسَدِ والجَهْلِ والكِبْرِ والتَّعَصُّبِ، ولَمّا بَيَّنَ صفحة ٧٠ اللَّهُ تَعالى أنَّ الجِدالَ المَقْرُونَ بِالكِبْرِ والحَسَدِ والجَهْلِ كَيْفَ يَكُونُ ؟ وأنَّ الجِدالَ المَقْرُونَ بِالحُجَّةِ والبُرْهانِ كَيْفَ يَكُونُ، نَبَّهَ تَعالى عَلى الفَرْقِ بَيْنَ البابَيْنِ بِذِكْرِ المِثالِ فَقالَ: ﴿وما يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ﴾ يَعْنِي وما يَسْتَوِي المُسْتَدِلُّ والجاهِلُ المُقَلِّدُ، ثُمَّ قالَ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ولا المُسِيءُ﴾ فالمُرادُ بِالأوَّلِ التَّفاوُتُ بَيْنَ العالِمِ والجاهِلِ، والمُرادُ بِالثّانِي التَّفاوُتُ بَيْنَ الآتِي بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ وبَيْنَ الآتِي بِالأعْمالِ الفاسِدَةِ الباطِلَةِ، ثُمَّ قالَ: ﴿قَلِيلًا ما تَتَذَكَّرُونَ﴾ يَعْنِي أنَّهم وإنْ كانُوا يَعْلَمُونَ أنَّ العِلْمَ خَيْرٌ مِنَ الجَهْلِ، وأنَّ العَمَلَ الصّالِحَ خَيْرٌ مِنَ العَمَلِ الفاسِدِ، إلّا أنَّهُ قَلِيلًا ما تَتَذَكَّرُونَ في النَّوْعِ المُعَيَّنِ مِنَ الِاعْتِقادِ أنَّهُ عِلْمٌ أوْ جَهْلٌ، والنَّوْعُ المُعَيَّنُ مِنَ العَمَلِ أنَّهُ عَمَلٌ صالِحٌ أوْ فاسِدٌ، فَإنَّ الحَسَدَ يُعْمِي قُلُوبَهم، فَيَعْتَقِدُونَ في الجَهْلِ والتَّقْلِيدِ أنَّهُ مَحْضُ المَعْرِفَةِ، وفي الحَسَدِ والحِقْدِ والكِبْرِ أنَّهُ مَحْضُ الطّاعَةِ، فَهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿قَلِيلًا ما تَتَذَكَّرُونَ﴾ قَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ”تَتَذَكَّرُونَ“ بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ، أيْ قُلْ لَهم قَلِيلًا ما تَتَذَكَّرُونَ، والباقُونَ بِالياءِ عَلى الغَيْبَةِ. ولَمّا قَرَّرَ الدَّلِيلَ الدّالَّ عَلى إمْكانِ وُجُودِ يَوْمِ القِيامَةِ، أرْدَفَهُ بِأنْ أخْبَرَ عَنْ وُقُوعِها ودُخُولِها في الوُجُودِ، فَقالَ: ﴿إنَّ السّاعَةَ لَآتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾ والمُرادُ بِأكْثَرِ النّاسِ الكُفّارُ الَّذِينَ يُنْكِرُونَ البَعْثَ والقِيامَةَ.

غافر 40:57

صفحة ٦٩ ﴿وما يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ولا المُسِيءُ قَلِيلًا ما تَتَذَكَّرُونَ﴾ ﴿إنَّ السّاعَةَ لَآتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أتاهم إنْ في صُدُورِهِمْ إلّا كِبْرٌ ما هم بِبالِغِيهِ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إنَّهُ هو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ ﴿لَخَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ أكْبَرُ مِن خَلْقِ النّاسِ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿وما يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ولا المُسِيءُ قَلِيلًا ما تَتَذَكَّرُونَ﴾ ﴿إنَّ السّاعَةَ لَآتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾ اعْلَمْ أنّا بَيَّنّا أنَّ الكَلامَ في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ إنَّما ابْتُدِئَ رَدًّا عَلى الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ، واتَّصَلَ البَعْضُ بِالبَعْضِ وامْتَدَّ عَلى التَّرْتِيبِ الَّذِي لَخَّصْناهُ، والنَّسَقِ الَّذِي كَشَفْنا عَنْهُ إلى هَذا المَوْضِعِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى نَبَّهَ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى الدّاعِيَةِ الَّتِي تَحْمِلُ أُولَئِكَ الكُفّارِ عَلى تِلْكَ المُجادَلَةِ، فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ﴾ إنَّما يَحْمِلُهم عَلى هَذا الجِدالِ الباطِلِ كِبْرٌ في صَدْرِهِمْ فَذَلِكَ الكِبْرُ هو الَّذِي يَحْمِلُهم عَلى هَذا الجِدالِ الباطِلِ، وذَلِكَ الكِبْرُ هو أنَّهم لَوْ سَلَّمُوا نَبُوَّتَكَ لَزِمَهم أنْ يَكُونُوا تَحْتَ يَدِكَ وأمْرِكَ ونَهْيِكَ؛ لِأنَّ النُّبُوَّةَ تَحْتَها كُلُّ مُلْكٍ ورِياسَةٍ وفي صُدُورِهِمْ كِبْرٌ لا يَرْضَوْنَ أنْ يَكُونُوا في خِدْمَتِكَ، فَهَذا هو الَّذِي يَحْمِلُهم عَلى هَذِهِ المُجادَلاتِ الباطِلَةِ والمُخاصِماتِ الفاسِدَةِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ما هم بِبالِغِيهِ﴾ يَعْنِي أنَّهم يُرِيدُونَ أنْ يَكُونُوا تَحْتَ يَدِكَ ولا يَصِلُونَ إلى هَذا المُرادِ، بَلْ لا بُدَّ وأنْ يَصِيرُوا تَحْتَ أمْرِكَ ونَهْيِكَ، ثُمَّ قالَ: ﴿فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ أيْ فالتَجِئْ إلَيْهِ مِن كَيْدِ مَن يُجادِلُكَ ﴿إنَّهُ هو السَّمِيعُ﴾ بِما يَقُولُونَ، أوْ تَقُولُ ﴿البَصِيرُ﴾ بِما تَعْمَلُ ويَعْمَلُونَ، فَهو يَجْعَلُكَ نافِذَ الحُكْمِ عَلَيْهِمْ ويَصُونُكَ عَنْ مَكْرِهِمْ وكَيْدِهِمْ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ جِدالَهم في آياتِ اللَّهِ بِأنَّهُ بِغَيْرِ سُلْطانٍ ولا حُجَّةٍ ذَكَرَ لِهَذا مِثالًا، فَقالَ ﴿لَخَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ أكْبَرُ مِن خَلْقِ النّاسِ﴾ والقادِرُ عَلى الأكْبَرِ قادِرٌ عَلى الأصْغَرِ لا مَحالَةَ، وتَقْرِيرُ هَذا الكَلامِ أنَّ الِاسْتِدْلالَ بِالشَّيْءِ عَلى غَيْرِهِ عَلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ: أحَدُها: أنْ يُقالَ لَمّا قَدَرَ عَلى الأضْعَفِ وجَبَ أنْ يَقْدِرَ عَلى الأقْوى وهَذا فاسِدٌ. وثانِيها: أنْ يُقالَ لَمّا قَدَرَ عَلى الشَّيْءِ قَدَرَ عَلى مِثْلِهِ، فَهَذا اسْتِدْلالٌ حَقٌّ لِما ثَبَتَ في العُقُولِ أنَّ حُكْمَ الشَّيْءِ حُكْمُ مِثْلِهِ، وثالِثُها: أنْ يُقالَ: لَمّا قَدَرَ عَلى الأقْوى الأكْمَلِ فَبِأنْ يَقْدِرَ عَلى الأقَلِّ الأرْذَلِ كانَ أوْلى، وهَذا الِاسْتِدْلالُ في غايَةِ الصِّحَّةِ والقُوَّةِ ولا يَرْتابُ فِيهِ عاقِلٌ البَتَّةَ، ثُمَّ إنَّ هَؤُلاءِ القَوْمَ يُسَلِّمُونَ أنَّ خالِقَ السَّماواتِ والأرْضِ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى، ويَعْلَمُونَ بِالضَّرُورَةِ أنَّ: ﴿لَخَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ أكْبَرُ مِن خَلْقِ النّاسِ﴾ وكانَ مِن حَقِّهِمْ أنْ يُقِرُّوا بِأنَّ القادِرَ عَلى خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ يَكُونُ قادِرًا عَلى إعادَةِ الإنْسانِ الَّذِي خَلَقَهُ أوَّلًا، فَهَذا بُرْهانٌ جَلِيٌّ في إفادَةِ هَذا المَطْلُوبِ، ثُمَّ إنَّ هَذا البُرْهانَ عَلى قُوَّتِهِ صارَ بِحَيْثُ لا يَعْرِفُهُ أكْثَرُ النّاسِ، والمُرادُ مِنهُمُ الَّذِينَ يُنْكِرُونَ الحَشْرَ والنَّشْرَ، فَظَهَرَ بِهَذا المِثالِ أنَّ هَؤُلاءِ الكُفّارَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ ولا حُجَّةٍ، بَلْ بِمُجَرَّدِ الحَسَدِ والجَهْلِ والكِبْرِ والتَّعَصُّبِ، ولَمّا بَيَّنَ صفحة ٧٠ اللَّهُ تَعالى أنَّ الجِدالَ المَقْرُونَ بِالكِبْرِ والحَسَدِ والجَهْلِ كَيْفَ يَكُونُ ؟ وأنَّ الجِدالَ المَقْرُونَ بِالحُجَّةِ والبُرْهانِ كَيْفَ يَكُونُ، نَبَّهَ تَعالى عَلى الفَرْقِ بَيْنَ البابَيْنِ بِذِكْرِ المِثالِ فَقالَ: ﴿وما يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ﴾ يَعْنِي وما يَسْتَوِي المُسْتَدِلُّ والجاهِلُ المُقَلِّدُ، ثُمَّ قالَ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ولا المُسِيءُ﴾ فالمُرادُ بِالأوَّلِ التَّفاوُتُ بَيْنَ العالِمِ والجاهِلِ، والمُرادُ بِالثّانِي التَّفاوُتُ بَيْنَ الآتِي بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ وبَيْنَ الآتِي بِالأعْمالِ الفاسِدَةِ الباطِلَةِ، ثُمَّ قالَ: ﴿قَلِيلًا ما تَتَذَكَّرُونَ﴾ يَعْنِي أنَّهم وإنْ كانُوا يَعْلَمُونَ أنَّ العِلْمَ خَيْرٌ مِنَ الجَهْلِ، وأنَّ العَمَلَ الصّالِحَ خَيْرٌ مِنَ العَمَلِ الفاسِدِ، إلّا أنَّهُ قَلِيلًا ما تَتَذَكَّرُونَ في النَّوْعِ المُعَيَّنِ مِنَ الِاعْتِقادِ أنَّهُ عِلْمٌ أوْ جَهْلٌ، والنَّوْعُ المُعَيَّنُ مِنَ العَمَلِ أنَّهُ عَمَلٌ صالِحٌ أوْ فاسِدٌ، فَإنَّ الحَسَدَ يُعْمِي قُلُوبَهم، فَيَعْتَقِدُونَ في الجَهْلِ والتَّقْلِيدِ أنَّهُ مَحْضُ المَعْرِفَةِ، وفي الحَسَدِ والحِقْدِ والكِبْرِ أنَّهُ مَحْضُ الطّاعَةِ، فَهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿قَلِيلًا ما تَتَذَكَّرُونَ﴾ قَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ”تَتَذَكَّرُونَ“ بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ، أيْ قُلْ لَهم قَلِيلًا ما تَتَذَكَّرُونَ، والباقُونَ بِالياءِ عَلى الغَيْبَةِ. ولَمّا قَرَّرَ الدَّلِيلَ الدّالَّ عَلى إمْكانِ وُجُودِ يَوْمِ القِيامَةِ، أرْدَفَهُ بِأنْ أخْبَرَ عَنْ وُقُوعِها ودُخُولِها في الوُجُودِ، فَقالَ: ﴿إنَّ السّاعَةَ لَآتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾ والمُرادُ بِأكْثَرِ النّاسِ الكُفّارُ الَّذِينَ يُنْكِرُونَ البَعْثَ والقِيامَةَ.

غافر 40:58

صفحة ٦٩ ﴿وما يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ولا المُسِيءُ قَلِيلًا ما تَتَذَكَّرُونَ﴾ ﴿إنَّ السّاعَةَ لَآتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أتاهم إنْ في صُدُورِهِمْ إلّا كِبْرٌ ما هم بِبالِغِيهِ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إنَّهُ هو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ ﴿لَخَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ أكْبَرُ مِن خَلْقِ النّاسِ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿وما يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ولا المُسِيءُ قَلِيلًا ما تَتَذَكَّرُونَ﴾ ﴿إنَّ السّاعَةَ لَآتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾ اعْلَمْ أنّا بَيَّنّا أنَّ الكَلامَ في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ إنَّما ابْتُدِئَ رَدًّا عَلى الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ، واتَّصَلَ البَعْضُ بِالبَعْضِ وامْتَدَّ عَلى التَّرْتِيبِ الَّذِي لَخَّصْناهُ، والنَّسَقِ الَّذِي كَشَفْنا عَنْهُ إلى هَذا المَوْضِعِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى نَبَّهَ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى الدّاعِيَةِ الَّتِي تَحْمِلُ أُولَئِكَ الكُفّارِ عَلى تِلْكَ المُجادَلَةِ، فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ﴾ إنَّما يَحْمِلُهم عَلى هَذا الجِدالِ الباطِلِ كِبْرٌ في صَدْرِهِمْ فَذَلِكَ الكِبْرُ هو الَّذِي يَحْمِلُهم عَلى هَذا الجِدالِ الباطِلِ، وذَلِكَ الكِبْرُ هو أنَّهم لَوْ سَلَّمُوا نَبُوَّتَكَ لَزِمَهم أنْ يَكُونُوا تَحْتَ يَدِكَ وأمْرِكَ ونَهْيِكَ؛ لِأنَّ النُّبُوَّةَ تَحْتَها كُلُّ مُلْكٍ ورِياسَةٍ وفي صُدُورِهِمْ كِبْرٌ لا يَرْضَوْنَ أنْ يَكُونُوا في خِدْمَتِكَ، فَهَذا هو الَّذِي يَحْمِلُهم عَلى هَذِهِ المُجادَلاتِ الباطِلَةِ والمُخاصِماتِ الفاسِدَةِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ما هم بِبالِغِيهِ﴾ يَعْنِي أنَّهم يُرِيدُونَ أنْ يَكُونُوا تَحْتَ يَدِكَ ولا يَصِلُونَ إلى هَذا المُرادِ، بَلْ لا بُدَّ وأنْ يَصِيرُوا تَحْتَ أمْرِكَ ونَهْيِكَ، ثُمَّ قالَ: ﴿فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ أيْ فالتَجِئْ إلَيْهِ مِن كَيْدِ مَن يُجادِلُكَ ﴿إنَّهُ هو السَّمِيعُ﴾ بِما يَقُولُونَ، أوْ تَقُولُ ﴿البَصِيرُ﴾ بِما تَعْمَلُ ويَعْمَلُونَ، فَهو يَجْعَلُكَ نافِذَ الحُكْمِ عَلَيْهِمْ ويَصُونُكَ عَنْ مَكْرِهِمْ وكَيْدِهِمْ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ جِدالَهم في آياتِ اللَّهِ بِأنَّهُ بِغَيْرِ سُلْطانٍ ولا حُجَّةٍ ذَكَرَ لِهَذا مِثالًا، فَقالَ ﴿لَخَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ أكْبَرُ مِن خَلْقِ النّاسِ﴾ والقادِرُ عَلى الأكْبَرِ قادِرٌ عَلى الأصْغَرِ لا مَحالَةَ، وتَقْرِيرُ هَذا الكَلامِ أنَّ الِاسْتِدْلالَ بِالشَّيْءِ عَلى غَيْرِهِ عَلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ: أحَدُها: أنْ يُقالَ لَمّا قَدَرَ عَلى الأضْعَفِ وجَبَ أنْ يَقْدِرَ عَلى الأقْوى وهَذا فاسِدٌ. وثانِيها: أنْ يُقالَ لَمّا قَدَرَ عَلى الشَّيْءِ قَدَرَ عَلى مِثْلِهِ، فَهَذا اسْتِدْلالٌ حَقٌّ لِما ثَبَتَ في العُقُولِ أنَّ حُكْمَ الشَّيْءِ حُكْمُ مِثْلِهِ، وثالِثُها: أنْ يُقالَ: لَمّا قَدَرَ عَلى الأقْوى الأكْمَلِ فَبِأنْ يَقْدِرَ عَلى الأقَلِّ الأرْذَلِ كانَ أوْلى، وهَذا الِاسْتِدْلالُ في غايَةِ الصِّحَّةِ والقُوَّةِ ولا يَرْتابُ فِيهِ عاقِلٌ البَتَّةَ، ثُمَّ إنَّ هَؤُلاءِ القَوْمَ يُسَلِّمُونَ أنَّ خالِقَ السَّماواتِ والأرْضِ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى، ويَعْلَمُونَ بِالضَّرُورَةِ أنَّ: ﴿لَخَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ أكْبَرُ مِن خَلْقِ النّاسِ﴾ وكانَ مِن حَقِّهِمْ أنْ يُقِرُّوا بِأنَّ القادِرَ عَلى خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ يَكُونُ قادِرًا عَلى إعادَةِ الإنْسانِ الَّذِي خَلَقَهُ أوَّلًا، فَهَذا بُرْهانٌ جَلِيٌّ في إفادَةِ هَذا المَطْلُوبِ، ثُمَّ إنَّ هَذا البُرْهانَ عَلى قُوَّتِهِ صارَ بِحَيْثُ لا يَعْرِفُهُ أكْثَرُ النّاسِ، والمُرادُ مِنهُمُ الَّذِينَ يُنْكِرُونَ الحَشْرَ والنَّشْرَ، فَظَهَرَ بِهَذا المِثالِ أنَّ هَؤُلاءِ الكُفّارَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ ولا حُجَّةٍ، بَلْ بِمُجَرَّدِ الحَسَدِ والجَهْلِ والكِبْرِ والتَّعَصُّبِ، ولَمّا بَيَّنَ صفحة ٧٠ اللَّهُ تَعالى أنَّ الجِدالَ المَقْرُونَ بِالكِبْرِ والحَسَدِ والجَهْلِ كَيْفَ يَكُونُ ؟ وأنَّ الجِدالَ المَقْرُونَ بِالحُجَّةِ والبُرْهانِ كَيْفَ يَكُونُ، نَبَّهَ تَعالى عَلى الفَرْقِ بَيْنَ البابَيْنِ بِذِكْرِ المِثالِ فَقالَ: ﴿وما يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ﴾ يَعْنِي وما يَسْتَوِي المُسْتَدِلُّ والجاهِلُ المُقَلِّدُ، ثُمَّ قالَ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ولا المُسِيءُ﴾ فالمُرادُ بِالأوَّلِ التَّفاوُتُ بَيْنَ العالِمِ والجاهِلِ، والمُرادُ بِالثّانِي التَّفاوُتُ بَيْنَ الآتِي بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ وبَيْنَ الآتِي بِالأعْمالِ الفاسِدَةِ الباطِلَةِ، ثُمَّ قالَ: ﴿قَلِيلًا ما تَتَذَكَّرُونَ﴾ يَعْنِي أنَّهم وإنْ كانُوا يَعْلَمُونَ أنَّ العِلْمَ خَيْرٌ مِنَ الجَهْلِ، وأنَّ العَمَلَ الصّالِحَ خَيْرٌ مِنَ العَمَلِ الفاسِدِ، إلّا أنَّهُ قَلِيلًا ما تَتَذَكَّرُونَ في النَّوْعِ المُعَيَّنِ مِنَ الِاعْتِقادِ أنَّهُ عِلْمٌ أوْ جَهْلٌ، والنَّوْعُ المُعَيَّنُ مِنَ العَمَلِ أنَّهُ عَمَلٌ صالِحٌ أوْ فاسِدٌ، فَإنَّ الحَسَدَ يُعْمِي قُلُوبَهم، فَيَعْتَقِدُونَ في الجَهْلِ والتَّقْلِيدِ أنَّهُ مَحْضُ المَعْرِفَةِ، وفي الحَسَدِ والحِقْدِ والكِبْرِ أنَّهُ مَحْضُ الطّاعَةِ، فَهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿قَلِيلًا ما تَتَذَكَّرُونَ﴾ قَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ”تَتَذَكَّرُونَ“ بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ، أيْ قُلْ لَهم قَلِيلًا ما تَتَذَكَّرُونَ، والباقُونَ بِالياءِ عَلى الغَيْبَةِ. ولَمّا قَرَّرَ الدَّلِيلَ الدّالَّ عَلى إمْكانِ وُجُودِ يَوْمِ القِيامَةِ، أرْدَفَهُ بِأنْ أخْبَرَ عَنْ وُقُوعِها ودُخُولِها في الوُجُودِ، فَقالَ: ﴿إنَّ السّاعَةَ لَآتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾ والمُرادُ بِأكْثَرِ النّاسِ الكُفّارُ الَّذِينَ يُنْكِرُونَ البَعْثَ والقِيامَةَ.

غافر 40:59

صفحة ٦٩ ﴿وما يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ولا المُسِيءُ قَلِيلًا ما تَتَذَكَّرُونَ﴾ ﴿إنَّ السّاعَةَ لَآتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أتاهم إنْ في صُدُورِهِمْ إلّا كِبْرٌ ما هم بِبالِغِيهِ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إنَّهُ هو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ ﴿لَخَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ أكْبَرُ مِن خَلْقِ النّاسِ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿وما يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ولا المُسِيءُ قَلِيلًا ما تَتَذَكَّرُونَ﴾ ﴿إنَّ السّاعَةَ لَآتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾ اعْلَمْ أنّا بَيَّنّا أنَّ الكَلامَ في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ إنَّما ابْتُدِئَ رَدًّا عَلى الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ، واتَّصَلَ البَعْضُ بِالبَعْضِ وامْتَدَّ عَلى التَّرْتِيبِ الَّذِي لَخَّصْناهُ، والنَّسَقِ الَّذِي كَشَفْنا عَنْهُ إلى هَذا المَوْضِعِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى نَبَّهَ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى الدّاعِيَةِ الَّتِي تَحْمِلُ أُولَئِكَ الكُفّارِ عَلى تِلْكَ المُجادَلَةِ، فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ﴾ إنَّما يَحْمِلُهم عَلى هَذا الجِدالِ الباطِلِ كِبْرٌ في صَدْرِهِمْ فَذَلِكَ الكِبْرُ هو الَّذِي يَحْمِلُهم عَلى هَذا الجِدالِ الباطِلِ، وذَلِكَ الكِبْرُ هو أنَّهم لَوْ سَلَّمُوا نَبُوَّتَكَ لَزِمَهم أنْ يَكُونُوا تَحْتَ يَدِكَ وأمْرِكَ ونَهْيِكَ؛ لِأنَّ النُّبُوَّةَ تَحْتَها كُلُّ مُلْكٍ ورِياسَةٍ وفي صُدُورِهِمْ كِبْرٌ لا يَرْضَوْنَ أنْ يَكُونُوا في خِدْمَتِكَ، فَهَذا هو الَّذِي يَحْمِلُهم عَلى هَذِهِ المُجادَلاتِ الباطِلَةِ والمُخاصِماتِ الفاسِدَةِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ما هم بِبالِغِيهِ﴾ يَعْنِي أنَّهم يُرِيدُونَ أنْ يَكُونُوا تَحْتَ يَدِكَ ولا يَصِلُونَ إلى هَذا المُرادِ، بَلْ لا بُدَّ وأنْ يَصِيرُوا تَحْتَ أمْرِكَ ونَهْيِكَ، ثُمَّ قالَ: ﴿فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ أيْ فالتَجِئْ إلَيْهِ مِن كَيْدِ مَن يُجادِلُكَ ﴿إنَّهُ هو السَّمِيعُ﴾ بِما يَقُولُونَ، أوْ تَقُولُ ﴿البَصِيرُ﴾ بِما تَعْمَلُ ويَعْمَلُونَ، فَهو يَجْعَلُكَ نافِذَ الحُكْمِ عَلَيْهِمْ ويَصُونُكَ عَنْ مَكْرِهِمْ وكَيْدِهِمْ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ جِدالَهم في آياتِ اللَّهِ بِأنَّهُ بِغَيْرِ سُلْطانٍ ولا حُجَّةٍ ذَكَرَ لِهَذا مِثالًا، فَقالَ ﴿لَخَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ أكْبَرُ مِن خَلْقِ النّاسِ﴾ والقادِرُ عَلى الأكْبَرِ قادِرٌ عَلى الأصْغَرِ لا مَحالَةَ، وتَقْرِيرُ هَذا الكَلامِ أنَّ الِاسْتِدْلالَ بِالشَّيْءِ عَلى غَيْرِهِ عَلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ: أحَدُها: أنْ يُقالَ لَمّا قَدَرَ عَلى الأضْعَفِ وجَبَ أنْ يَقْدِرَ عَلى الأقْوى وهَذا فاسِدٌ. وثانِيها: أنْ يُقالَ لَمّا قَدَرَ عَلى الشَّيْءِ قَدَرَ عَلى مِثْلِهِ، فَهَذا اسْتِدْلالٌ حَقٌّ لِما ثَبَتَ في العُقُولِ أنَّ حُكْمَ الشَّيْءِ حُكْمُ مِثْلِهِ، وثالِثُها: أنْ يُقالَ: لَمّا قَدَرَ عَلى الأقْوى الأكْمَلِ فَبِأنْ يَقْدِرَ عَلى الأقَلِّ الأرْذَلِ كانَ أوْلى، وهَذا الِاسْتِدْلالُ في غايَةِ الصِّحَّةِ والقُوَّةِ ولا يَرْتابُ فِيهِ عاقِلٌ البَتَّةَ، ثُمَّ إنَّ هَؤُلاءِ القَوْمَ يُسَلِّمُونَ أنَّ خالِقَ السَّماواتِ والأرْضِ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى، ويَعْلَمُونَ بِالضَّرُورَةِ أنَّ: ﴿لَخَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ أكْبَرُ مِن خَلْقِ النّاسِ﴾ وكانَ مِن حَقِّهِمْ أنْ يُقِرُّوا بِأنَّ القادِرَ عَلى خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ يَكُونُ قادِرًا عَلى إعادَةِ الإنْسانِ الَّذِي خَلَقَهُ أوَّلًا، فَهَذا بُرْهانٌ جَلِيٌّ في إفادَةِ هَذا المَطْلُوبِ، ثُمَّ إنَّ هَذا البُرْهانَ عَلى قُوَّتِهِ صارَ بِحَيْثُ لا يَعْرِفُهُ أكْثَرُ النّاسِ، والمُرادُ مِنهُمُ الَّذِينَ يُنْكِرُونَ الحَشْرَ والنَّشْرَ، فَظَهَرَ بِهَذا المِثالِ أنَّ هَؤُلاءِ الكُفّارَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ ولا حُجَّةٍ، بَلْ بِمُجَرَّدِ الحَسَدِ والجَهْلِ والكِبْرِ والتَّعَصُّبِ، ولَمّا بَيَّنَ صفحة ٧٠ اللَّهُ تَعالى أنَّ الجِدالَ المَقْرُونَ بِالكِبْرِ والحَسَدِ والجَهْلِ كَيْفَ يَكُونُ ؟ وأنَّ الجِدالَ المَقْرُونَ بِالحُجَّةِ والبُرْهانِ كَيْفَ يَكُونُ، نَبَّهَ تَعالى عَلى الفَرْقِ بَيْنَ البابَيْنِ بِذِكْرِ المِثالِ فَقالَ: ﴿وما يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ﴾ يَعْنِي وما يَسْتَوِي المُسْتَدِلُّ والجاهِلُ المُقَلِّدُ، ثُمَّ قالَ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ولا المُسِيءُ﴾ فالمُرادُ بِالأوَّلِ التَّفاوُتُ بَيْنَ العالِمِ والجاهِلِ، والمُرادُ بِالثّانِي التَّفاوُتُ بَيْنَ الآتِي بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ وبَيْنَ الآتِي بِالأعْمالِ الفاسِدَةِ الباطِلَةِ، ثُمَّ قالَ: ﴿قَلِيلًا ما تَتَذَكَّرُونَ﴾ يَعْنِي أنَّهم وإنْ كانُوا يَعْلَمُونَ أنَّ العِلْمَ خَيْرٌ مِنَ الجَهْلِ، وأنَّ العَمَلَ الصّالِحَ خَيْرٌ مِنَ العَمَلِ الفاسِدِ، إلّا أنَّهُ قَلِيلًا ما تَتَذَكَّرُونَ في النَّوْعِ المُعَيَّنِ مِنَ الِاعْتِقادِ أنَّهُ عِلْمٌ أوْ جَهْلٌ، والنَّوْعُ المُعَيَّنُ مِنَ العَمَلِ أنَّهُ عَمَلٌ صالِحٌ أوْ فاسِدٌ، فَإنَّ الحَسَدَ يُعْمِي قُلُوبَهم، فَيَعْتَقِدُونَ في الجَهْلِ والتَّقْلِيدِ أنَّهُ مَحْضُ المَعْرِفَةِ، وفي الحَسَدِ والحِقْدِ والكِبْرِ أنَّهُ مَحْضُ الطّاعَةِ، فَهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿قَلِيلًا ما تَتَذَكَّرُونَ﴾ قَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ”تَتَذَكَّرُونَ“ بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ، أيْ قُلْ لَهم قَلِيلًا ما تَتَذَكَّرُونَ، والباقُونَ بِالياءِ عَلى الغَيْبَةِ. ولَمّا قَرَّرَ الدَّلِيلَ الدّالَّ عَلى إمْكانِ وُجُودِ يَوْمِ القِيامَةِ، أرْدَفَهُ بِأنْ أخْبَرَ عَنْ وُقُوعِها ودُخُولِها في الوُجُودِ، فَقالَ: ﴿إنَّ السّاعَةَ لَآتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾ والمُرادُ بِأكْثَرِ النّاسِ الكُفّارُ الَّذِينَ يُنْكِرُونَ البَعْثَ والقِيامَةَ.

غافر 40:60

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكم إنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ﴾ ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ والنَّهارَ مُبْصِرًا إنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾ ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لا إلَهَ إلّا هو فَأنّى تُؤْفَكُونَ﴾ ﴿كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كانُوا بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ القَوْلَ بِالقِيامَةِ حَقٌّ وصِدْقٌ، وكانَ مِنَ المَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ أنَّ الإنْسانَ لا يَنْتَفِعُ في يَوْمِ القِيامَةِ إلّا بِطاعَةِ اللَّهِ تَعالى، لا جَرَمَ كانَ الِاشْتِغالُ بِالطّاعَةِ مِن أهَمِّ المُهِمّاتِ، ولَمّا كانَ أشْرَفُ أنْواعِ الطّاعاتِ الدُّعاءَ والتَّضَرُّعَ، لا جَرَمَ أمَرَ اللَّهُ تَعالى بِهِ في هَذِهِ الآيَةِ فَقالَ: ﴿وقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ واخْتَلَفَ النّاسُ في المُرادِ بِقَوْلِهِ ﴿ادْعُونِي﴾ فَقِيلَ إنَّهُ الأمْرُ بِالدُّعاءِ، وقِيلَ: إنَّهُ الأمْرُ بِالعِبادَةِ، بِدَلِيلِ أنَّهُ قالَ بَعْدَهُ ﴿الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي﴾ ولَوْلا أنَّ الأمْرَ بِالدُّعاءِ أمْرٌ بِمُطْلَقِ العِبادَةِ لَما بَقِيَ لِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي﴾ مَعْنًى، وأيْضًا الدُّعاءُ بِمَعْنى العِبادَةِ كَثِيرٌ في القُرْآنِ كَقَوْلِهِ صفحة ٧١ ﴿إنْ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إلّا إناثًا﴾ [النساء: ١١٧] وأُجِيبَ عَنْهُ بِأنَّ الدُّعاءَ هو اعْتِرافٌ بِالعُبُودِيَّةِ والذِّلَّةِ والمَسْكَنَةِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ تارِكَ الدُّعاءِ إنَّما تَرَكَهُ لِأجْلِ أنْ يَسْتَكْبِرَ عَنْ إظْهارِ العُبُودِيَّةِ، وأُجِيبَ عَنْ قَوْلِهِ: إنَّ الدُّعاءَ بِمَعْنى العِبادَةِ كَثِيرٌ في القُرْآنِ، بِأنَّ تَرْكَ الظّاهِرِ لا يُصارُ إلَيْهِ إلّا بِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ قالَ: ﴿ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ وقَدْ يُدْعى كَثِيرًا فَلا يُسْتَجابُ أجابَ الكَعْبِيُّ عَنْهُ بِأنْ قالَ: الدُّعاءُ إنَّما يَصِحُّ عَلى شَرْطٍ، ومَن دَعا كَذَلِكَ اسْتُجِيبَ لَهُ، وذَلِكَ الشَّرْطُ هو أنْ يَكُونَ المَطْلُوبُ بِالدُّعاءِ مَصْلَحَةً وحِكْمَةً، ثُمَّ سَألَ نَفْسَهُ فَقالَ: فَما هو أصْلَحُ يَفْعَلُهُ بِلا دُعاءٍ، فَما الفائِدَةُ في الدُّعاءِ ؟ . وأجابَ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ الأوَّلُ: أنَّ فِيهِ الفَزَعَ والِانْقِطاعَ إلى اللَّهِ والثّانِي: أنَّ هَذا أيْضًا وارِدٌ عَلى الكُلِّ؛ لِأنَّهُ إنْ عَلِمَ أنَّهُ يَفْعَلُهُ فَلا بُدَّ وأنْ يَفْعَلَهُ، فَلا فائِدَةَ في الدُّعاءِ، وإنْ عَلِمَ أنَّهُ لا يَفْعَلُهُ فَإنَّهُ البَتَّةَ لا يَفْعَلُهُ، فَلا فائِدَةَ في الدُّعاءِ، وكُلُّ ما يَقُولُونَهُ هَهُنا فَهو جَوابُنا، هَذا تَمامُ ما ذَكَرَهُ، وعِنْدِي فِيهِ وجْهٌ آخَرُ وهو أنَّهُ قالَ: ﴿ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ فَكُلُّ مَن دَعا اللَّهَ وفي قَلْبِهِ ذَرَّةٌ مِنَ الِاعْتِمادِ عَلى مالِهِ وجاهِهِ وأقارِبِهِ وأصْدِقائِهِ وجِدِّهِ واجْتِهادِهِ، فَهو في الحَقِيقَةِ ما دَعا اللَّهَ إلّا بِاللِّسانِ، أمّا بِالقَلْبِ فَإنَّهُ مُعَوِّلٌ في تَحْصِيلِ ذَلِكَ المَطْلُوبِ عَلى غَيْرِ اللَّهِ، فَهَذا الإنْسانُ ما دَعا رَبَّهُ في وقْتٍ، أمّا إذا دَعا في وقْتٍ لا يَبْقى في القَلْبِ التِفاتٌ إلى غَيْرِ اللَّهِ، فالظّاهِرُ أنَّهُ تَحْصُلُ الِاسْتِجابَةُ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَفِيهِ بِشارَةٌ كامِلَةٌ، وهي أنَّ انْقِطاعَ القَلْبِ بِالكُلِّيَّةِ عَمّا سِوى اللَّهِ لا يَحْصُلُ إلّا عِنْدَ القُرْبِ مِنَ المَوْتِ، فَإنَّ الإنْسانَ قاطِعٌ في ذَلِكَ الوَقْتِ بِأنَّهُ لا يَنْفَعُهُ شَيْءٌ سِوى فَضْلِ اللَّهِ تَعالى، فَعَلى القانُونِ الَّذِي ذَكَرْناهُ وجَبَ أنْ يَكُونَ الدُّعاءُ في ذَلِكَ الوَقْتِ مَقْبُولًا عِنْدَ اللَّهِ، ونَرْجُو مِن فَضْلِ اللَّهِ وإحْسانِهِ أنْ يُوَفِّقَنا لِلدُّعاءِ المَقْرُونِ بِالإخْلاصِ والتَّضَرُّعِ في ذَلِكَ الوَقْتِ، واعْلَمْ أنَّ الكَلامَ المُسْتَقْصى في الدُّعاءِ قَدْ سَبَقَ ذِكْرُهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ﴾ أيْ صاغِرِينَ وهَذا إحْسانٌ عَظِيمٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى حَيْثُ ذَكَرَ الوَعِيدَ الشَّدِيدَ عَلى تَرْكِ الدُّعاءِ، فَإنْ قِيلَ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ حِكايَةً عَنْ رَبِّ العِزَّةِ أنَّهُ قالَ: ”«مَن شَغَلَهُ ذِكْرِي عَنْ مَسْألَتِي أعْطَيْتُهُ أفْضَلَ ما أُعْطِي السّائِلِينَ» “ فَهَذا الخَبَرُ يَقْتَضِي أنَّ تَرْكَ الدُّعاءِ أفْضَلُ، وهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ تَرْكَ الدُّعاءِ يُوجِبُ الوَعِيدَ الشَّدِيدَ، فَكَيْفَ الجَمْعُ بَيْنَهُما ؟ قُلْنا: لا شَكَّ أنَّ العَقْلَ إذا كانَ مُسْتَغْرِقًا في الثَّناءِ كانَ ذَلِكَ أضَلَّ مِنَ الدُّعاءِ؛ لِأنَّ الدُّعاءَ يَشْتَمِلُ عَلى مَعْرِفَةِ عِزَّةِ الرُّبُوبِيَّةِ وذِلَّةِ العُبُودِيَّةِ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ واعْلَمْ أنَّ تَعَلُّقَهُ بِما قَبْلَهُ مِن وجْهَيْنِ الأوَّلُ: كَأنَّهُ تَعالى قالَ: إنِّي أنْعَمْتُ عَلَيْكَ قَبْلَ طَلَبِكَ لِهَذِهِ النِّعَمِ الجَلِيلَةِ العَظِيمَةِ، ومَن أنْعَمَ قَبْلَ السُّؤالِ بِهَذِهِ النِّعَمِ العالِيَةِ فَكَيْفَ لا يُنْعِمُ بِالأشْياءِ القَلِيلَةِ بَعْدَ السُّؤالِ ؟ والثّانِي: أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ بِالدُّعاءِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: الِاشْتِغالُ بِالدُّعاءِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مَسْبُوقًا بِحُصُولِ المَعْرِفَةِ، فَما الدَّلِيلُ عَلى وُجُودِ الإلَهِ القادِرِ، وقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الدَّلائِلَ العَشْرَةَ عَلى وُجُودِهِ وقُدْرَتِهِ وحِكْمَتِهِ، واعْلَمْ أنّا بَيَّنّا أنَّ دَلائِلَ وُجُودِ اللَّهِ وقُدْرَتِهِ، إمّا فَلَكِيَّةٌ، وإمّا عُنْصُرِيَّةٌ، أمّا الفَلَكِيّاتُ فَأقْسامٌ كَثِيرَةٌ أحَدُها: تَعاقُبُ اللَّيْلِ والنَّهارِ، و(لَمّا) كانَ أكْثَرُ مَصالِحِ العالَمِ مَرْبُوطًا بِهِما فَذَكَرَهُما اللَّهُ تَعالى في هَذا المَقامِ، وبَيَّنَ أنَّ الحِكْمَةَ في خَلْقِ اللَّيْلِ حُصُولُ الرّاحَةِ بِسَبَبِ النَّوْمِ والسُّكُونِ، والحِكْمَةَ في خَلْقِ النَّهارِ إبْصارُ الأشْياءِ لِيَحْصُلَ مُكْنَةُ التَّصَرُّفِ فِيها عَلى الوَجْهِ الأنْفَعِ، أمّا أنَّ السُّكُونَ في وقْتِ النَّوْمِ سَبَبٌ لِلرّاحَةِ فَبَيانُهُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ الحَرَكاتِ تُوجِبُ الإعْياءَ مِن حَيْثُ إنَّ الحَرَكَةَ تُوجِبُ السُّخُونَةَ والجَفافَ، وذَلِكَ يُوجِبُ التَّألُّمَ، والثّانِي: أنَّ الإحْساسَ بِالأشْياءِ إنَّما يُمْكُنُ بِإيصالِ صفحة ٧٢ الأرْواحِ الجُسْمانِيَّةِ إلى ظاهِرِ الحِسِّ، ثُمَّ إنْ تِلْكَ الأرْواحَ تَتَحَلَّلُ بِسَبَبِ كَثْرَةِ الحَرَكاتِ فَتَضْعُفُ الحَواسُّ والإحْساساتُ، وإذا نامَ الإنْسانُ عادَتِ الأرْواحُ الحَسّاسَةُ في باطِنِ البَدَنِ ورُكِّزَتْ وقَوِيَتْ وتَخَلَّصَتْ عَنِ الإعْياءِ، وأيْضًا اللَّيْلُ بارِدٌ رَطْبٌ فَبُرُودَتُهُ ورُطُوبَتُهُ يَتَدارَكانِ ما حَصَلَ في النَّهارِ مِنَ الحَرِّ والجَفافِ بِسَبَبِ ما حَدَثَ مِن كَثْرَةِ الحَرَكاتِ، فَهَذِهِ هي المَنافِعُ المَعْلُومَةُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ وأمّا قَوْلُهُ: ﴿والنَّهارَ مُبْصِرًا﴾ فاعْلَمْ أنَّ الإنْسانَ مَدَنِيٌّ بِالطَّبْعِ، ومَعْناهُ أنَّهُ ما لَمْ يَحْصُلْ مَدِينَةٌ تامَّةٌ لَمْ تَنْتَظِمْ مُهِمّاتُ الإنْسانِ في مَأْكُولِهِ ومَشْرُوبِهِ ومَلْبَسِهِ ومَنكَحِهِ، وتِلْكَ المُهِمّاتُ لا تَحْصُلُ إلّا بِأعْمالٍ كَثِيرَةٍ، وتِلْكَ الأعْمالُ تَصَرُّفاتٌ في أُمُورٍ، وهَذِهِ التَّصَرُّفاتُ لا تَكْمُلُ إلّا بِالضَّوْءِ والنُّورِ حَتّى يُمَيِّزَ الإنْسانُ بِسَبَبِ ذَلِكَ النُّورِ بَيْنَ ما يُوافِقُهُ وبَيْنَ ما لا يُوافِقُهُ، فَهَذا هو الحِكْمَةُ في قَوْلِهِ ﴿والنَّهارَ مُبْصِرًا﴾ فَإنْ قِيلَ كانَ الواجِبُ بِحَسَبِ رِعايَةِ النَّظْمِ أنْ يُقالَ: هو الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ والنَّهارَ لِتُبْصِرُوا فِيهِ، أوْ فَجَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ ساكِنًا ولَكِنَّهُ لَمْ يَقُلْ كَذَلِكَ بَلْ قالَ في اللَّيْلِ لِتَسْكُنُوا فِيهِ، وقالَ في النَّهارِ مُبْصِرًا فَما الفائِدَةُ فِيهِ ؟ وأيْضًا فَما الحِكْمَةُ في تَقْدِيمِ ذِكْرِ اللَّيْلِ عَلى ذِكْرِ النَّهارِ مَعَ أنَّ النَّهارَ أشْرَفُ مِنَ اللَّيْلِ ؟ قُلْنا: أمّا الجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: فَهو أنَّ اللَّيْلَ والنَّوْمَ في الحَقِيقَةِ طَبِيعَةٌ عَدَمِيَّةٌ فَهو غَيْرُ مَقْصُودٍ بِالذّاتِ، أمّا اليَقَظَةُ فَأُمُورٌ وُجُودِيَّةٌ، وهي مَقْصُودَةٌ بِالذّاتِ، وقَدْ بَيَّنَ الشَّيْخُ عَبْدُ القاهِرِ النَّحْوِيُّ في ”دَلائِلِ الإعْجازِ“ أنَّ دَلالَةَ صِيغَةِ الِاسْمِ عَلى التَّمامِ والكَمالِ أقْوى مِن دَلالَةِ صِيغَةِ الفِعْلِ عَلَيْهِما، فَهَذا هو السَّبَبُ في هَذا الفَرْقِ واللَّهُ أعْلَمُ. وأمّا الجَوابُ عَنِ الثّانِي: فَهو أنَّ الظُّلْمَةَ طَبِيعَةٌ عَدَمِيَّةٌ والنُّورَ طَبِيعَةٌ وُجُودِيَّةٌ والعَدَمُ في المُحْدَثاتِ مُقَدَّمٌ عَلى الوُجُودِ؛ ولِهَذا السَّبَبِ قالَ في أوَّلِ سُورَةِ الأنْعامِ ﴿وجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ﴾ [الأنعام: ١] . واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ ما في اللَّيْلِ والنَّهارِ مِنَ المَصالِحِ والحِكَمِ البالِغَةِ قالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾ والمُرادُ أنَّ فَضْلَ اللَّهِ عَلى الخَلْقِ كَثِيرٌ جِدًّا ولَكِنَّهم لا يَشْكُرُونَهُ، وأعْلَمُ أنَّ تَرْكَ الشُّكْرِ لِوُجُوهٍ: أحَدُها: أنْ يَعْتَقِدَ الرَّجُلُ أنَّ هَذِهِ النِّعَمَ لَيْسَتْ مِنَ اللَّهِ تَعالى مِثْلَ أنْ يَعْتَقِدَ أنَّ هَذِهِ الأفْلاكَ واجِبَةُ الوُجُودِ لِذَواتِها وواجِبَةُ الدَّوَرانِ لِذَواتِها، فَحِينَئِذٍ هَذا الرَّجُلُ لا يَعْتَقِدُ أنَّ هَذِهِ النِّعَمَ مِنَ اللَّهِ، وثانِيها أنَّ الرَّجُلَ وإنِ اعْتَقَدَ أنَّ كُلَّ العالَمِ حَصَلَ بِتَخْلِيقِ اللَّهِ وتَكْوِينِهِ إلّا أنَّ هَذِهِ النِّعَمَ العَظِيمَةَ، أعْنِي نِعْمَةَ تَعاقُبِ اللَّيْلِ والنَّهارِ لَمّا دامَتْ واسْتَمَرَّتْ نَسِيَها الإنْسانُ، فَإذا ابْتُلِيَ الإنْسانُ بِفُقْدانِ شَيْءٍ مِنها عَرَفَ قَدْرَها مِثْلَ أنْ يَتَّفِقَ لِبَعْضِ النّاسِ والعِياذُ بِاللَّهِ أنْ يَحْبِسَهُ بَعْضُ الظَّلَمَةِ في آبارٍ عَمِيقَةٍ مُظْلِمَةٍ مُدَّةً مَدِيدَةً، فَحِينَئِذٍ يَعْرِفُ ذَلِكَ الإنْسانُ قَدْرَ نِعْمَةِ الهَواءِ الصّافِي وقَدْرَ نِعْمَةِ الضَّوْءِ، ورَأيْتُ بَعْضَ المُلُوكِ كانَ يُعَذِّبُ بَعْضَ خَدَمِهِ بِأنْ أمَرَ أقْوامًا حَتّى يَمْنَعُوهُ عَنِ الِاسْتِنادِ إلى الجِدارِ، وعَنِ النَّوْمِ فَعَظُمَ وقْعُ هَذا التَّعْذِيبِ. وثالِثُها: أنَّ الرَّجُلَ وإنْ كانَ عارِفًا بِمَواقِعِ هَذِهِ النِّعَمِ إلّا أنَّهُ يَكُونُ حَرِيصًا عَلى الدُّنْيا مُحِبًّا لِلْمالِ والجاهِ، فَإذا فاتَهُ المالُ الكَثِيرُ والجاهُ العَرِيضُ وقَعَ في كُفْرانِ هَذِهِ النِّعَمِ العَظِيمَةِ، ولَمّا كانَ أكْثَرُ الخَلْقِ هالِكِينَ في أحَدِ هَذِهِ الأوْدِيَةِ الثَّلاثَةِ الَّتِي ذَكَرْناها، لا جَرَمَ قالَ تَعالى: ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقَلِيلٌ مِن عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣] وقَوْلُ إبْلِيسَ ﴿ولا تَجِدُ أكْثَرَهم شاكِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٧] ولَمّا بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى بِتِلْكَ الدَّلائِلِ المَذْكُورَةِ وُجُودَ الإلَهِ القادِرِ الرَّحِيمِ الحَكِيمِ قالَ: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ ذَلِكُمُ المَعْلُومُ المُمَيَّزُ بِالأفْعالِ الخاصَّةِ الَّتِي لا يُشارِكُهُ فِيها أحَدٌ و﴿اللَّهُ رَبُّكم خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ أخْبارٌ مُتَرادِفَةٌ أيْ هو الجامِعُ لِهَذِهِ الأوْصافِ مِنَ الإلَهِيَّةِ والرُّبُوبِيَّةِ وخَلْقِ كُلِّ صفحة ٧٣ شَيْءٍ وأنَّهُ لا ثانِيَ لَهُ ﴿فَأنّى تُؤْفَكُونَ﴾ والمُرادُ فَأنّى تُصْرَفُونَ ولِمَ تَعْدِلُونَ عَنْ هَذِهِ الدَّلائِلِ وتُكَذِّبُونَ بِها، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كانُوا بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [غافر: ٦٣] يَعْنِي أنَّ كُلَّ مَن جَحَدَ بِآياتِ اللَّهِ ولَمْ يَتَأمَّلْها ولَمْ يَكُنْ فِيهِ هِمَّةٌ لِطَلَبِ الحَقِّ وخَوْفِ العاقِبَةِ أُفِكَ كَما أُفِكُوا.

غافر 40:61

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكم إنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ﴾ ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ والنَّهارَ مُبْصِرًا إنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾ ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لا إلَهَ إلّا هو فَأنّى تُؤْفَكُونَ﴾ ﴿كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كانُوا بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ القَوْلَ بِالقِيامَةِ حَقٌّ وصِدْقٌ، وكانَ مِنَ المَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ أنَّ الإنْسانَ لا يَنْتَفِعُ في يَوْمِ القِيامَةِ إلّا بِطاعَةِ اللَّهِ تَعالى، لا جَرَمَ كانَ الِاشْتِغالُ بِالطّاعَةِ مِن أهَمِّ المُهِمّاتِ، ولَمّا كانَ أشْرَفُ أنْواعِ الطّاعاتِ الدُّعاءَ والتَّضَرُّعَ، لا جَرَمَ أمَرَ اللَّهُ تَعالى بِهِ في هَذِهِ الآيَةِ فَقالَ: ﴿وقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ واخْتَلَفَ النّاسُ في المُرادِ بِقَوْلِهِ ﴿ادْعُونِي﴾ فَقِيلَ إنَّهُ الأمْرُ بِالدُّعاءِ، وقِيلَ: إنَّهُ الأمْرُ بِالعِبادَةِ، بِدَلِيلِ أنَّهُ قالَ بَعْدَهُ ﴿الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي﴾ ولَوْلا أنَّ الأمْرَ بِالدُّعاءِ أمْرٌ بِمُطْلَقِ العِبادَةِ لَما بَقِيَ لِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي﴾ مَعْنًى، وأيْضًا الدُّعاءُ بِمَعْنى العِبادَةِ كَثِيرٌ في القُرْآنِ كَقَوْلِهِ صفحة ٧١ ﴿إنْ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إلّا إناثًا﴾ [النساء: ١١٧] وأُجِيبَ عَنْهُ بِأنَّ الدُّعاءَ هو اعْتِرافٌ بِالعُبُودِيَّةِ والذِّلَّةِ والمَسْكَنَةِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ تارِكَ الدُّعاءِ إنَّما تَرَكَهُ لِأجْلِ أنْ يَسْتَكْبِرَ عَنْ إظْهارِ العُبُودِيَّةِ، وأُجِيبَ عَنْ قَوْلِهِ: إنَّ الدُّعاءَ بِمَعْنى العِبادَةِ كَثِيرٌ في القُرْآنِ، بِأنَّ تَرْكَ الظّاهِرِ لا يُصارُ إلَيْهِ إلّا بِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ قالَ: ﴿ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ وقَدْ يُدْعى كَثِيرًا فَلا يُسْتَجابُ أجابَ الكَعْبِيُّ عَنْهُ بِأنْ قالَ: الدُّعاءُ إنَّما يَصِحُّ عَلى شَرْطٍ، ومَن دَعا كَذَلِكَ اسْتُجِيبَ لَهُ، وذَلِكَ الشَّرْطُ هو أنْ يَكُونَ المَطْلُوبُ بِالدُّعاءِ مَصْلَحَةً وحِكْمَةً، ثُمَّ سَألَ نَفْسَهُ فَقالَ: فَما هو أصْلَحُ يَفْعَلُهُ بِلا دُعاءٍ، فَما الفائِدَةُ في الدُّعاءِ ؟ . وأجابَ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ الأوَّلُ: أنَّ فِيهِ الفَزَعَ والِانْقِطاعَ إلى اللَّهِ والثّانِي: أنَّ هَذا أيْضًا وارِدٌ عَلى الكُلِّ؛ لِأنَّهُ إنْ عَلِمَ أنَّهُ يَفْعَلُهُ فَلا بُدَّ وأنْ يَفْعَلَهُ، فَلا فائِدَةَ في الدُّعاءِ، وإنْ عَلِمَ أنَّهُ لا يَفْعَلُهُ فَإنَّهُ البَتَّةَ لا يَفْعَلُهُ، فَلا فائِدَةَ في الدُّعاءِ، وكُلُّ ما يَقُولُونَهُ هَهُنا فَهو جَوابُنا، هَذا تَمامُ ما ذَكَرَهُ، وعِنْدِي فِيهِ وجْهٌ آخَرُ وهو أنَّهُ قالَ: ﴿ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ فَكُلُّ مَن دَعا اللَّهَ وفي قَلْبِهِ ذَرَّةٌ مِنَ الِاعْتِمادِ عَلى مالِهِ وجاهِهِ وأقارِبِهِ وأصْدِقائِهِ وجِدِّهِ واجْتِهادِهِ، فَهو في الحَقِيقَةِ ما دَعا اللَّهَ إلّا بِاللِّسانِ، أمّا بِالقَلْبِ فَإنَّهُ مُعَوِّلٌ في تَحْصِيلِ ذَلِكَ المَطْلُوبِ عَلى غَيْرِ اللَّهِ، فَهَذا الإنْسانُ ما دَعا رَبَّهُ في وقْتٍ، أمّا إذا دَعا في وقْتٍ لا يَبْقى في القَلْبِ التِفاتٌ إلى غَيْرِ اللَّهِ، فالظّاهِرُ أنَّهُ تَحْصُلُ الِاسْتِجابَةُ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَفِيهِ بِشارَةٌ كامِلَةٌ، وهي أنَّ انْقِطاعَ القَلْبِ بِالكُلِّيَّةِ عَمّا سِوى اللَّهِ لا يَحْصُلُ إلّا عِنْدَ القُرْبِ مِنَ المَوْتِ، فَإنَّ الإنْسانَ قاطِعٌ في ذَلِكَ الوَقْتِ بِأنَّهُ لا يَنْفَعُهُ شَيْءٌ سِوى فَضْلِ اللَّهِ تَعالى، فَعَلى القانُونِ الَّذِي ذَكَرْناهُ وجَبَ أنْ يَكُونَ الدُّعاءُ في ذَلِكَ الوَقْتِ مَقْبُولًا عِنْدَ اللَّهِ، ونَرْجُو مِن فَضْلِ اللَّهِ وإحْسانِهِ أنْ يُوَفِّقَنا لِلدُّعاءِ المَقْرُونِ بِالإخْلاصِ والتَّضَرُّعِ في ذَلِكَ الوَقْتِ، واعْلَمْ أنَّ الكَلامَ المُسْتَقْصى في الدُّعاءِ قَدْ سَبَقَ ذِكْرُهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ﴾ أيْ صاغِرِينَ وهَذا إحْسانٌ عَظِيمٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى حَيْثُ ذَكَرَ الوَعِيدَ الشَّدِيدَ عَلى تَرْكِ الدُّعاءِ، فَإنْ قِيلَ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ حِكايَةً عَنْ رَبِّ العِزَّةِ أنَّهُ قالَ: ”«مَن شَغَلَهُ ذِكْرِي عَنْ مَسْألَتِي أعْطَيْتُهُ أفْضَلَ ما أُعْطِي السّائِلِينَ» “ فَهَذا الخَبَرُ يَقْتَضِي أنَّ تَرْكَ الدُّعاءِ أفْضَلُ، وهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ تَرْكَ الدُّعاءِ يُوجِبُ الوَعِيدَ الشَّدِيدَ، فَكَيْفَ الجَمْعُ بَيْنَهُما ؟ قُلْنا: لا شَكَّ أنَّ العَقْلَ إذا كانَ مُسْتَغْرِقًا في الثَّناءِ كانَ ذَلِكَ أضَلَّ مِنَ الدُّعاءِ؛ لِأنَّ الدُّعاءَ يَشْتَمِلُ عَلى مَعْرِفَةِ عِزَّةِ الرُّبُوبِيَّةِ وذِلَّةِ العُبُودِيَّةِ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ واعْلَمْ أنَّ تَعَلُّقَهُ بِما قَبْلَهُ مِن وجْهَيْنِ الأوَّلُ: كَأنَّهُ تَعالى قالَ: إنِّي أنْعَمْتُ عَلَيْكَ قَبْلَ طَلَبِكَ لِهَذِهِ النِّعَمِ الجَلِيلَةِ العَظِيمَةِ، ومَن أنْعَمَ قَبْلَ السُّؤالِ بِهَذِهِ النِّعَمِ العالِيَةِ فَكَيْفَ لا يُنْعِمُ بِالأشْياءِ القَلِيلَةِ بَعْدَ السُّؤالِ ؟ والثّانِي: أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ بِالدُّعاءِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: الِاشْتِغالُ بِالدُّعاءِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مَسْبُوقًا بِحُصُولِ المَعْرِفَةِ، فَما الدَّلِيلُ عَلى وُجُودِ الإلَهِ القادِرِ، وقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الدَّلائِلَ العَشْرَةَ عَلى وُجُودِهِ وقُدْرَتِهِ وحِكْمَتِهِ، واعْلَمْ أنّا بَيَّنّا أنَّ دَلائِلَ وُجُودِ اللَّهِ وقُدْرَتِهِ، إمّا فَلَكِيَّةٌ، وإمّا عُنْصُرِيَّةٌ، أمّا الفَلَكِيّاتُ فَأقْسامٌ كَثِيرَةٌ أحَدُها: تَعاقُبُ اللَّيْلِ والنَّهارِ، و(لَمّا) كانَ أكْثَرُ مَصالِحِ العالَمِ مَرْبُوطًا بِهِما فَذَكَرَهُما اللَّهُ تَعالى في هَذا المَقامِ، وبَيَّنَ أنَّ الحِكْمَةَ في خَلْقِ اللَّيْلِ حُصُولُ الرّاحَةِ بِسَبَبِ النَّوْمِ والسُّكُونِ، والحِكْمَةَ في خَلْقِ النَّهارِ إبْصارُ الأشْياءِ لِيَحْصُلَ مُكْنَةُ التَّصَرُّفِ فِيها عَلى الوَجْهِ الأنْفَعِ، أمّا أنَّ السُّكُونَ في وقْتِ النَّوْمِ سَبَبٌ لِلرّاحَةِ فَبَيانُهُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ الحَرَكاتِ تُوجِبُ الإعْياءَ مِن حَيْثُ إنَّ الحَرَكَةَ تُوجِبُ السُّخُونَةَ والجَفافَ، وذَلِكَ يُوجِبُ التَّألُّمَ، والثّانِي: أنَّ الإحْساسَ بِالأشْياءِ إنَّما يُمْكُنُ بِإيصالِ صفحة ٧٢ الأرْواحِ الجُسْمانِيَّةِ إلى ظاهِرِ الحِسِّ، ثُمَّ إنْ تِلْكَ الأرْواحَ تَتَحَلَّلُ بِسَبَبِ كَثْرَةِ الحَرَكاتِ فَتَضْعُفُ الحَواسُّ والإحْساساتُ، وإذا نامَ الإنْسانُ عادَتِ الأرْواحُ الحَسّاسَةُ في باطِنِ البَدَنِ ورُكِّزَتْ وقَوِيَتْ وتَخَلَّصَتْ عَنِ الإعْياءِ، وأيْضًا اللَّيْلُ بارِدٌ رَطْبٌ فَبُرُودَتُهُ ورُطُوبَتُهُ يَتَدارَكانِ ما حَصَلَ في النَّهارِ مِنَ الحَرِّ والجَفافِ بِسَبَبِ ما حَدَثَ مِن كَثْرَةِ الحَرَكاتِ، فَهَذِهِ هي المَنافِعُ المَعْلُومَةُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ وأمّا قَوْلُهُ: ﴿والنَّهارَ مُبْصِرًا﴾ فاعْلَمْ أنَّ الإنْسانَ مَدَنِيٌّ بِالطَّبْعِ، ومَعْناهُ أنَّهُ ما لَمْ يَحْصُلْ مَدِينَةٌ تامَّةٌ لَمْ تَنْتَظِمْ مُهِمّاتُ الإنْسانِ في مَأْكُولِهِ ومَشْرُوبِهِ ومَلْبَسِهِ ومَنكَحِهِ، وتِلْكَ المُهِمّاتُ لا تَحْصُلُ إلّا بِأعْمالٍ كَثِيرَةٍ، وتِلْكَ الأعْمالُ تَصَرُّفاتٌ في أُمُورٍ، وهَذِهِ التَّصَرُّفاتُ لا تَكْمُلُ إلّا بِالضَّوْءِ والنُّورِ حَتّى يُمَيِّزَ الإنْسانُ بِسَبَبِ ذَلِكَ النُّورِ بَيْنَ ما يُوافِقُهُ وبَيْنَ ما لا يُوافِقُهُ، فَهَذا هو الحِكْمَةُ في قَوْلِهِ ﴿والنَّهارَ مُبْصِرًا﴾ فَإنْ قِيلَ كانَ الواجِبُ بِحَسَبِ رِعايَةِ النَّظْمِ أنْ يُقالَ: هو الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ والنَّهارَ لِتُبْصِرُوا فِيهِ، أوْ فَجَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ ساكِنًا ولَكِنَّهُ لَمْ يَقُلْ كَذَلِكَ بَلْ قالَ في اللَّيْلِ لِتَسْكُنُوا فِيهِ، وقالَ في النَّهارِ مُبْصِرًا فَما الفائِدَةُ فِيهِ ؟ وأيْضًا فَما الحِكْمَةُ في تَقْدِيمِ ذِكْرِ اللَّيْلِ عَلى ذِكْرِ النَّهارِ مَعَ أنَّ النَّهارَ أشْرَفُ مِنَ اللَّيْلِ ؟ قُلْنا: أمّا الجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: فَهو أنَّ اللَّيْلَ والنَّوْمَ في الحَقِيقَةِ طَبِيعَةٌ عَدَمِيَّةٌ فَهو غَيْرُ مَقْصُودٍ بِالذّاتِ، أمّا اليَقَظَةُ فَأُمُورٌ وُجُودِيَّةٌ، وهي مَقْصُودَةٌ بِالذّاتِ، وقَدْ بَيَّنَ الشَّيْخُ عَبْدُ القاهِرِ النَّحْوِيُّ في ”دَلائِلِ الإعْجازِ“ أنَّ دَلالَةَ صِيغَةِ الِاسْمِ عَلى التَّمامِ والكَمالِ أقْوى مِن دَلالَةِ صِيغَةِ الفِعْلِ عَلَيْهِما، فَهَذا هو السَّبَبُ في هَذا الفَرْقِ واللَّهُ أعْلَمُ. وأمّا الجَوابُ عَنِ الثّانِي: فَهو أنَّ الظُّلْمَةَ طَبِيعَةٌ عَدَمِيَّةٌ والنُّورَ طَبِيعَةٌ وُجُودِيَّةٌ والعَدَمُ في المُحْدَثاتِ مُقَدَّمٌ عَلى الوُجُودِ؛ ولِهَذا السَّبَبِ قالَ في أوَّلِ سُورَةِ الأنْعامِ ﴿وجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ﴾ [الأنعام: ١] . واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ ما في اللَّيْلِ والنَّهارِ مِنَ المَصالِحِ والحِكَمِ البالِغَةِ قالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾ والمُرادُ أنَّ فَضْلَ اللَّهِ عَلى الخَلْقِ كَثِيرٌ جِدًّا ولَكِنَّهم لا يَشْكُرُونَهُ، وأعْلَمُ أنَّ تَرْكَ الشُّكْرِ لِوُجُوهٍ: أحَدُها: أنْ يَعْتَقِدَ الرَّجُلُ أنَّ هَذِهِ النِّعَمَ لَيْسَتْ مِنَ اللَّهِ تَعالى مِثْلَ أنْ يَعْتَقِدَ أنَّ هَذِهِ الأفْلاكَ واجِبَةُ الوُجُودِ لِذَواتِها وواجِبَةُ الدَّوَرانِ لِذَواتِها، فَحِينَئِذٍ هَذا الرَّجُلُ لا يَعْتَقِدُ أنَّ هَذِهِ النِّعَمَ مِنَ اللَّهِ، وثانِيها أنَّ الرَّجُلَ وإنِ اعْتَقَدَ أنَّ كُلَّ العالَمِ حَصَلَ بِتَخْلِيقِ اللَّهِ وتَكْوِينِهِ إلّا أنَّ هَذِهِ النِّعَمَ العَظِيمَةَ، أعْنِي نِعْمَةَ تَعاقُبِ اللَّيْلِ والنَّهارِ لَمّا دامَتْ واسْتَمَرَّتْ نَسِيَها الإنْسانُ، فَإذا ابْتُلِيَ الإنْسانُ بِفُقْدانِ شَيْءٍ مِنها عَرَفَ قَدْرَها مِثْلَ أنْ يَتَّفِقَ لِبَعْضِ النّاسِ والعِياذُ بِاللَّهِ أنْ يَحْبِسَهُ بَعْضُ الظَّلَمَةِ في آبارٍ عَمِيقَةٍ مُظْلِمَةٍ مُدَّةً مَدِيدَةً، فَحِينَئِذٍ يَعْرِفُ ذَلِكَ الإنْسانُ قَدْرَ نِعْمَةِ الهَواءِ الصّافِي وقَدْرَ نِعْمَةِ الضَّوْءِ، ورَأيْتُ بَعْضَ المُلُوكِ كانَ يُعَذِّبُ بَعْضَ خَدَمِهِ بِأنْ أمَرَ أقْوامًا حَتّى يَمْنَعُوهُ عَنِ الِاسْتِنادِ إلى الجِدارِ، وعَنِ النَّوْمِ فَعَظُمَ وقْعُ هَذا التَّعْذِيبِ. وثالِثُها: أنَّ الرَّجُلَ وإنْ كانَ عارِفًا بِمَواقِعِ هَذِهِ النِّعَمِ إلّا أنَّهُ يَكُونُ حَرِيصًا عَلى الدُّنْيا مُحِبًّا لِلْمالِ والجاهِ، فَإذا فاتَهُ المالُ الكَثِيرُ والجاهُ العَرِيضُ وقَعَ في كُفْرانِ هَذِهِ النِّعَمِ العَظِيمَةِ، ولَمّا كانَ أكْثَرُ الخَلْقِ هالِكِينَ في أحَدِ هَذِهِ الأوْدِيَةِ الثَّلاثَةِ الَّتِي ذَكَرْناها، لا جَرَمَ قالَ تَعالى: ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقَلِيلٌ مِن عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣] وقَوْلُ إبْلِيسَ ﴿ولا تَجِدُ أكْثَرَهم شاكِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٧] ولَمّا بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى بِتِلْكَ الدَّلائِلِ المَذْكُورَةِ وُجُودَ الإلَهِ القادِرِ الرَّحِيمِ الحَكِيمِ قالَ: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ ذَلِكُمُ المَعْلُومُ المُمَيَّزُ بِالأفْعالِ الخاصَّةِ الَّتِي لا يُشارِكُهُ فِيها أحَدٌ و﴿اللَّهُ رَبُّكم خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ أخْبارٌ مُتَرادِفَةٌ أيْ هو الجامِعُ لِهَذِهِ الأوْصافِ مِنَ الإلَهِيَّةِ والرُّبُوبِيَّةِ وخَلْقِ كُلِّ صفحة ٧٣ شَيْءٍ وأنَّهُ لا ثانِيَ لَهُ ﴿فَأنّى تُؤْفَكُونَ﴾ والمُرادُ فَأنّى تُصْرَفُونَ ولِمَ تَعْدِلُونَ عَنْ هَذِهِ الدَّلائِلِ وتُكَذِّبُونَ بِها، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كانُوا بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [غافر: ٦٣] يَعْنِي أنَّ كُلَّ مَن جَحَدَ بِآياتِ اللَّهِ ولَمْ يَتَأمَّلْها ولَمْ يَكُنْ فِيهِ هِمَّةٌ لِطَلَبِ الحَقِّ وخَوْفِ العاقِبَةِ أُفِكَ كَما أُفِكُوا.

غافر 40:62

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكم إنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ﴾ ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ والنَّهارَ مُبْصِرًا إنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾ ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لا إلَهَ إلّا هو فَأنّى تُؤْفَكُونَ﴾ ﴿كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كانُوا بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ القَوْلَ بِالقِيامَةِ حَقٌّ وصِدْقٌ، وكانَ مِنَ المَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ أنَّ الإنْسانَ لا يَنْتَفِعُ في يَوْمِ القِيامَةِ إلّا بِطاعَةِ اللَّهِ تَعالى، لا جَرَمَ كانَ الِاشْتِغالُ بِالطّاعَةِ مِن أهَمِّ المُهِمّاتِ، ولَمّا كانَ أشْرَفُ أنْواعِ الطّاعاتِ الدُّعاءَ والتَّضَرُّعَ، لا جَرَمَ أمَرَ اللَّهُ تَعالى بِهِ في هَذِهِ الآيَةِ فَقالَ: ﴿وقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ واخْتَلَفَ النّاسُ في المُرادِ بِقَوْلِهِ ﴿ادْعُونِي﴾ فَقِيلَ إنَّهُ الأمْرُ بِالدُّعاءِ، وقِيلَ: إنَّهُ الأمْرُ بِالعِبادَةِ، بِدَلِيلِ أنَّهُ قالَ بَعْدَهُ ﴿الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي﴾ ولَوْلا أنَّ الأمْرَ بِالدُّعاءِ أمْرٌ بِمُطْلَقِ العِبادَةِ لَما بَقِيَ لِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي﴾ مَعْنًى، وأيْضًا الدُّعاءُ بِمَعْنى العِبادَةِ كَثِيرٌ في القُرْآنِ كَقَوْلِهِ صفحة ٧١ ﴿إنْ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إلّا إناثًا﴾ [النساء: ١١٧] وأُجِيبَ عَنْهُ بِأنَّ الدُّعاءَ هو اعْتِرافٌ بِالعُبُودِيَّةِ والذِّلَّةِ والمَسْكَنَةِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ تارِكَ الدُّعاءِ إنَّما تَرَكَهُ لِأجْلِ أنْ يَسْتَكْبِرَ عَنْ إظْهارِ العُبُودِيَّةِ، وأُجِيبَ عَنْ قَوْلِهِ: إنَّ الدُّعاءَ بِمَعْنى العِبادَةِ كَثِيرٌ في القُرْآنِ، بِأنَّ تَرْكَ الظّاهِرِ لا يُصارُ إلَيْهِ إلّا بِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ قالَ: ﴿ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ وقَدْ يُدْعى كَثِيرًا فَلا يُسْتَجابُ أجابَ الكَعْبِيُّ عَنْهُ بِأنْ قالَ: الدُّعاءُ إنَّما يَصِحُّ عَلى شَرْطٍ، ومَن دَعا كَذَلِكَ اسْتُجِيبَ لَهُ، وذَلِكَ الشَّرْطُ هو أنْ يَكُونَ المَطْلُوبُ بِالدُّعاءِ مَصْلَحَةً وحِكْمَةً، ثُمَّ سَألَ نَفْسَهُ فَقالَ: فَما هو أصْلَحُ يَفْعَلُهُ بِلا دُعاءٍ، فَما الفائِدَةُ في الدُّعاءِ ؟ . وأجابَ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ الأوَّلُ: أنَّ فِيهِ الفَزَعَ والِانْقِطاعَ إلى اللَّهِ والثّانِي: أنَّ هَذا أيْضًا وارِدٌ عَلى الكُلِّ؛ لِأنَّهُ إنْ عَلِمَ أنَّهُ يَفْعَلُهُ فَلا بُدَّ وأنْ يَفْعَلَهُ، فَلا فائِدَةَ في الدُّعاءِ، وإنْ عَلِمَ أنَّهُ لا يَفْعَلُهُ فَإنَّهُ البَتَّةَ لا يَفْعَلُهُ، فَلا فائِدَةَ في الدُّعاءِ، وكُلُّ ما يَقُولُونَهُ هَهُنا فَهو جَوابُنا، هَذا تَمامُ ما ذَكَرَهُ، وعِنْدِي فِيهِ وجْهٌ آخَرُ وهو أنَّهُ قالَ: ﴿ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ فَكُلُّ مَن دَعا اللَّهَ وفي قَلْبِهِ ذَرَّةٌ مِنَ الِاعْتِمادِ عَلى مالِهِ وجاهِهِ وأقارِبِهِ وأصْدِقائِهِ وجِدِّهِ واجْتِهادِهِ، فَهو في الحَقِيقَةِ ما دَعا اللَّهَ إلّا بِاللِّسانِ، أمّا بِالقَلْبِ فَإنَّهُ مُعَوِّلٌ في تَحْصِيلِ ذَلِكَ المَطْلُوبِ عَلى غَيْرِ اللَّهِ، فَهَذا الإنْسانُ ما دَعا رَبَّهُ في وقْتٍ، أمّا إذا دَعا في وقْتٍ لا يَبْقى في القَلْبِ التِفاتٌ إلى غَيْرِ اللَّهِ، فالظّاهِرُ أنَّهُ تَحْصُلُ الِاسْتِجابَةُ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَفِيهِ بِشارَةٌ كامِلَةٌ، وهي أنَّ انْقِطاعَ القَلْبِ بِالكُلِّيَّةِ عَمّا سِوى اللَّهِ لا يَحْصُلُ إلّا عِنْدَ القُرْبِ مِنَ المَوْتِ، فَإنَّ الإنْسانَ قاطِعٌ في ذَلِكَ الوَقْتِ بِأنَّهُ لا يَنْفَعُهُ شَيْءٌ سِوى فَضْلِ اللَّهِ تَعالى، فَعَلى القانُونِ الَّذِي ذَكَرْناهُ وجَبَ أنْ يَكُونَ الدُّعاءُ في ذَلِكَ الوَقْتِ مَقْبُولًا عِنْدَ اللَّهِ، ونَرْجُو مِن فَضْلِ اللَّهِ وإحْسانِهِ أنْ يُوَفِّقَنا لِلدُّعاءِ المَقْرُونِ بِالإخْلاصِ والتَّضَرُّعِ في ذَلِكَ الوَقْتِ، واعْلَمْ أنَّ الكَلامَ المُسْتَقْصى في الدُّعاءِ قَدْ سَبَقَ ذِكْرُهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ﴾ أيْ صاغِرِينَ وهَذا إحْسانٌ عَظِيمٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى حَيْثُ ذَكَرَ الوَعِيدَ الشَّدِيدَ عَلى تَرْكِ الدُّعاءِ، فَإنْ قِيلَ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ حِكايَةً عَنْ رَبِّ العِزَّةِ أنَّهُ قالَ: ”«مَن شَغَلَهُ ذِكْرِي عَنْ مَسْألَتِي أعْطَيْتُهُ أفْضَلَ ما أُعْطِي السّائِلِينَ» “ فَهَذا الخَبَرُ يَقْتَضِي أنَّ تَرْكَ الدُّعاءِ أفْضَلُ، وهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ تَرْكَ الدُّعاءِ يُوجِبُ الوَعِيدَ الشَّدِيدَ، فَكَيْفَ الجَمْعُ بَيْنَهُما ؟ قُلْنا: لا شَكَّ أنَّ العَقْلَ إذا كانَ مُسْتَغْرِقًا في الثَّناءِ كانَ ذَلِكَ أضَلَّ مِنَ الدُّعاءِ؛ لِأنَّ الدُّعاءَ يَشْتَمِلُ عَلى مَعْرِفَةِ عِزَّةِ الرُّبُوبِيَّةِ وذِلَّةِ العُبُودِيَّةِ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ واعْلَمْ أنَّ تَعَلُّقَهُ بِما قَبْلَهُ مِن وجْهَيْنِ الأوَّلُ: كَأنَّهُ تَعالى قالَ: إنِّي أنْعَمْتُ عَلَيْكَ قَبْلَ طَلَبِكَ لِهَذِهِ النِّعَمِ الجَلِيلَةِ العَظِيمَةِ، ومَن أنْعَمَ قَبْلَ السُّؤالِ بِهَذِهِ النِّعَمِ العالِيَةِ فَكَيْفَ لا يُنْعِمُ بِالأشْياءِ القَلِيلَةِ بَعْدَ السُّؤالِ ؟ والثّانِي: أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ بِالدُّعاءِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: الِاشْتِغالُ بِالدُّعاءِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مَسْبُوقًا بِحُصُولِ المَعْرِفَةِ، فَما الدَّلِيلُ عَلى وُجُودِ الإلَهِ القادِرِ، وقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الدَّلائِلَ العَشْرَةَ عَلى وُجُودِهِ وقُدْرَتِهِ وحِكْمَتِهِ، واعْلَمْ أنّا بَيَّنّا أنَّ دَلائِلَ وُجُودِ اللَّهِ وقُدْرَتِهِ، إمّا فَلَكِيَّةٌ، وإمّا عُنْصُرِيَّةٌ، أمّا الفَلَكِيّاتُ فَأقْسامٌ كَثِيرَةٌ أحَدُها: تَعاقُبُ اللَّيْلِ والنَّهارِ، و(لَمّا) كانَ أكْثَرُ مَصالِحِ العالَمِ مَرْبُوطًا بِهِما فَذَكَرَهُما اللَّهُ تَعالى في هَذا المَقامِ، وبَيَّنَ أنَّ الحِكْمَةَ في خَلْقِ اللَّيْلِ حُصُولُ الرّاحَةِ بِسَبَبِ النَّوْمِ والسُّكُونِ، والحِكْمَةَ في خَلْقِ النَّهارِ إبْصارُ الأشْياءِ لِيَحْصُلَ مُكْنَةُ التَّصَرُّفِ فِيها عَلى الوَجْهِ الأنْفَعِ، أمّا أنَّ السُّكُونَ في وقْتِ النَّوْمِ سَبَبٌ لِلرّاحَةِ فَبَيانُهُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ الحَرَكاتِ تُوجِبُ الإعْياءَ مِن حَيْثُ إنَّ الحَرَكَةَ تُوجِبُ السُّخُونَةَ والجَفافَ، وذَلِكَ يُوجِبُ التَّألُّمَ، والثّانِي: أنَّ الإحْساسَ بِالأشْياءِ إنَّما يُمْكُنُ بِإيصالِ صفحة ٧٢ الأرْواحِ الجُسْمانِيَّةِ إلى ظاهِرِ الحِسِّ، ثُمَّ إنْ تِلْكَ الأرْواحَ تَتَحَلَّلُ بِسَبَبِ كَثْرَةِ الحَرَكاتِ فَتَضْعُفُ الحَواسُّ والإحْساساتُ، وإذا نامَ الإنْسانُ عادَتِ الأرْواحُ الحَسّاسَةُ في باطِنِ البَدَنِ ورُكِّزَتْ وقَوِيَتْ وتَخَلَّصَتْ عَنِ الإعْياءِ، وأيْضًا اللَّيْلُ بارِدٌ رَطْبٌ فَبُرُودَتُهُ ورُطُوبَتُهُ يَتَدارَكانِ ما حَصَلَ في النَّهارِ مِنَ الحَرِّ والجَفافِ بِسَبَبِ ما حَدَثَ مِن كَثْرَةِ الحَرَكاتِ، فَهَذِهِ هي المَنافِعُ المَعْلُومَةُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ وأمّا قَوْلُهُ: ﴿والنَّهارَ مُبْصِرًا﴾ فاعْلَمْ أنَّ الإنْسانَ مَدَنِيٌّ بِالطَّبْعِ، ومَعْناهُ أنَّهُ ما لَمْ يَحْصُلْ مَدِينَةٌ تامَّةٌ لَمْ تَنْتَظِمْ مُهِمّاتُ الإنْسانِ في مَأْكُولِهِ ومَشْرُوبِهِ ومَلْبَسِهِ ومَنكَحِهِ، وتِلْكَ المُهِمّاتُ لا تَحْصُلُ إلّا بِأعْمالٍ كَثِيرَةٍ، وتِلْكَ الأعْمالُ تَصَرُّفاتٌ في أُمُورٍ، وهَذِهِ التَّصَرُّفاتُ لا تَكْمُلُ إلّا بِالضَّوْءِ والنُّورِ حَتّى يُمَيِّزَ الإنْسانُ بِسَبَبِ ذَلِكَ النُّورِ بَيْنَ ما يُوافِقُهُ وبَيْنَ ما لا يُوافِقُهُ، فَهَذا هو الحِكْمَةُ في قَوْلِهِ ﴿والنَّهارَ مُبْصِرًا﴾ فَإنْ قِيلَ كانَ الواجِبُ بِحَسَبِ رِعايَةِ النَّظْمِ أنْ يُقالَ: هو الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ والنَّهارَ لِتُبْصِرُوا فِيهِ، أوْ فَجَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ ساكِنًا ولَكِنَّهُ لَمْ يَقُلْ كَذَلِكَ بَلْ قالَ في اللَّيْلِ لِتَسْكُنُوا فِيهِ، وقالَ في النَّهارِ مُبْصِرًا فَما الفائِدَةُ فِيهِ ؟ وأيْضًا فَما الحِكْمَةُ في تَقْدِيمِ ذِكْرِ اللَّيْلِ عَلى ذِكْرِ النَّهارِ مَعَ أنَّ النَّهارَ أشْرَفُ مِنَ اللَّيْلِ ؟ قُلْنا: أمّا الجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: فَهو أنَّ اللَّيْلَ والنَّوْمَ في الحَقِيقَةِ طَبِيعَةٌ عَدَمِيَّةٌ فَهو غَيْرُ مَقْصُودٍ بِالذّاتِ، أمّا اليَقَظَةُ فَأُمُورٌ وُجُودِيَّةٌ، وهي مَقْصُودَةٌ بِالذّاتِ، وقَدْ بَيَّنَ الشَّيْخُ عَبْدُ القاهِرِ النَّحْوِيُّ في ”دَلائِلِ الإعْجازِ“ أنَّ دَلالَةَ صِيغَةِ الِاسْمِ عَلى التَّمامِ والكَمالِ أقْوى مِن دَلالَةِ صِيغَةِ الفِعْلِ عَلَيْهِما، فَهَذا هو السَّبَبُ في هَذا الفَرْقِ واللَّهُ أعْلَمُ. وأمّا الجَوابُ عَنِ الثّانِي: فَهو أنَّ الظُّلْمَةَ طَبِيعَةٌ عَدَمِيَّةٌ والنُّورَ طَبِيعَةٌ وُجُودِيَّةٌ والعَدَمُ في المُحْدَثاتِ مُقَدَّمٌ عَلى الوُجُودِ؛ ولِهَذا السَّبَبِ قالَ في أوَّلِ سُورَةِ الأنْعامِ ﴿وجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ﴾ [الأنعام: ١] . واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ ما في اللَّيْلِ والنَّهارِ مِنَ المَصالِحِ والحِكَمِ البالِغَةِ قالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾ والمُرادُ أنَّ فَضْلَ اللَّهِ عَلى الخَلْقِ كَثِيرٌ جِدًّا ولَكِنَّهم لا يَشْكُرُونَهُ، وأعْلَمُ أنَّ تَرْكَ الشُّكْرِ لِوُجُوهٍ: أحَدُها: أنْ يَعْتَقِدَ الرَّجُلُ أنَّ هَذِهِ النِّعَمَ لَيْسَتْ مِنَ اللَّهِ تَعالى مِثْلَ أنْ يَعْتَقِدَ أنَّ هَذِهِ الأفْلاكَ واجِبَةُ الوُجُودِ لِذَواتِها وواجِبَةُ الدَّوَرانِ لِذَواتِها، فَحِينَئِذٍ هَذا الرَّجُلُ لا يَعْتَقِدُ أنَّ هَذِهِ النِّعَمَ مِنَ اللَّهِ، وثانِيها أنَّ الرَّجُلَ وإنِ اعْتَقَدَ أنَّ كُلَّ العالَمِ حَصَلَ بِتَخْلِيقِ اللَّهِ وتَكْوِينِهِ إلّا أنَّ هَذِهِ النِّعَمَ العَظِيمَةَ، أعْنِي نِعْمَةَ تَعاقُبِ اللَّيْلِ والنَّهارِ لَمّا دامَتْ واسْتَمَرَّتْ نَسِيَها الإنْسانُ، فَإذا ابْتُلِيَ الإنْسانُ بِفُقْدانِ شَيْءٍ مِنها عَرَفَ قَدْرَها مِثْلَ أنْ يَتَّفِقَ لِبَعْضِ النّاسِ والعِياذُ بِاللَّهِ أنْ يَحْبِسَهُ بَعْضُ الظَّلَمَةِ في آبارٍ عَمِيقَةٍ مُظْلِمَةٍ مُدَّةً مَدِيدَةً، فَحِينَئِذٍ يَعْرِفُ ذَلِكَ الإنْسانُ قَدْرَ نِعْمَةِ الهَواءِ الصّافِي وقَدْرَ نِعْمَةِ الضَّوْءِ، ورَأيْتُ بَعْضَ المُلُوكِ كانَ يُعَذِّبُ بَعْضَ خَدَمِهِ بِأنْ أمَرَ أقْوامًا حَتّى يَمْنَعُوهُ عَنِ الِاسْتِنادِ إلى الجِدارِ، وعَنِ النَّوْمِ فَعَظُمَ وقْعُ هَذا التَّعْذِيبِ. وثالِثُها: أنَّ الرَّجُلَ وإنْ كانَ عارِفًا بِمَواقِعِ هَذِهِ النِّعَمِ إلّا أنَّهُ يَكُونُ حَرِيصًا عَلى الدُّنْيا مُحِبًّا لِلْمالِ والجاهِ، فَإذا فاتَهُ المالُ الكَثِيرُ والجاهُ العَرِيضُ وقَعَ في كُفْرانِ هَذِهِ النِّعَمِ العَظِيمَةِ، ولَمّا كانَ أكْثَرُ الخَلْقِ هالِكِينَ في أحَدِ هَذِهِ الأوْدِيَةِ الثَّلاثَةِ الَّتِي ذَكَرْناها، لا جَرَمَ قالَ تَعالى: ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقَلِيلٌ مِن عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣] وقَوْلُ إبْلِيسَ ﴿ولا تَجِدُ أكْثَرَهم شاكِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٧] ولَمّا بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى بِتِلْكَ الدَّلائِلِ المَذْكُورَةِ وُجُودَ الإلَهِ القادِرِ الرَّحِيمِ الحَكِيمِ قالَ: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ ذَلِكُمُ المَعْلُومُ المُمَيَّزُ بِالأفْعالِ الخاصَّةِ الَّتِي لا يُشارِكُهُ فِيها أحَدٌ و﴿اللَّهُ رَبُّكم خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ أخْبارٌ مُتَرادِفَةٌ أيْ هو الجامِعُ لِهَذِهِ الأوْصافِ مِنَ الإلَهِيَّةِ والرُّبُوبِيَّةِ وخَلْقِ كُلِّ صفحة ٧٣ شَيْءٍ وأنَّهُ لا ثانِيَ لَهُ ﴿فَأنّى تُؤْفَكُونَ﴾ والمُرادُ فَأنّى تُصْرَفُونَ ولِمَ تَعْدِلُونَ عَنْ هَذِهِ الدَّلائِلِ وتُكَذِّبُونَ بِها، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كانُوا بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [غافر: ٦٣] يَعْنِي أنَّ كُلَّ مَن جَحَدَ بِآياتِ اللَّهِ ولَمْ يَتَأمَّلْها ولَمْ يَكُنْ فِيهِ هِمَّةٌ لِطَلَبِ الحَقِّ وخَوْفِ العاقِبَةِ أُفِكَ كَما أُفِكُوا.

غافر 40:63

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكم إنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ﴾ ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ والنَّهارَ مُبْصِرًا إنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾ ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لا إلَهَ إلّا هو فَأنّى تُؤْفَكُونَ﴾ ﴿كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كانُوا بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ القَوْلَ بِالقِيامَةِ حَقٌّ وصِدْقٌ، وكانَ مِنَ المَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ أنَّ الإنْسانَ لا يَنْتَفِعُ في يَوْمِ القِيامَةِ إلّا بِطاعَةِ اللَّهِ تَعالى، لا جَرَمَ كانَ الِاشْتِغالُ بِالطّاعَةِ مِن أهَمِّ المُهِمّاتِ، ولَمّا كانَ أشْرَفُ أنْواعِ الطّاعاتِ الدُّعاءَ والتَّضَرُّعَ، لا جَرَمَ أمَرَ اللَّهُ تَعالى بِهِ في هَذِهِ الآيَةِ فَقالَ: ﴿وقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ واخْتَلَفَ النّاسُ في المُرادِ بِقَوْلِهِ ﴿ادْعُونِي﴾ فَقِيلَ إنَّهُ الأمْرُ بِالدُّعاءِ، وقِيلَ: إنَّهُ الأمْرُ بِالعِبادَةِ، بِدَلِيلِ أنَّهُ قالَ بَعْدَهُ ﴿الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي﴾ ولَوْلا أنَّ الأمْرَ بِالدُّعاءِ أمْرٌ بِمُطْلَقِ العِبادَةِ لَما بَقِيَ لِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي﴾ مَعْنًى، وأيْضًا الدُّعاءُ بِمَعْنى العِبادَةِ كَثِيرٌ في القُرْآنِ كَقَوْلِهِ صفحة ٧١ ﴿إنْ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إلّا إناثًا﴾ [النساء: ١١٧] وأُجِيبَ عَنْهُ بِأنَّ الدُّعاءَ هو اعْتِرافٌ بِالعُبُودِيَّةِ والذِّلَّةِ والمَسْكَنَةِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ تارِكَ الدُّعاءِ إنَّما تَرَكَهُ لِأجْلِ أنْ يَسْتَكْبِرَ عَنْ إظْهارِ العُبُودِيَّةِ، وأُجِيبَ عَنْ قَوْلِهِ: إنَّ الدُّعاءَ بِمَعْنى العِبادَةِ كَثِيرٌ في القُرْآنِ، بِأنَّ تَرْكَ الظّاهِرِ لا يُصارُ إلَيْهِ إلّا بِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ قالَ: ﴿ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ وقَدْ يُدْعى كَثِيرًا فَلا يُسْتَجابُ أجابَ الكَعْبِيُّ عَنْهُ بِأنْ قالَ: الدُّعاءُ إنَّما يَصِحُّ عَلى شَرْطٍ، ومَن دَعا كَذَلِكَ اسْتُجِيبَ لَهُ، وذَلِكَ الشَّرْطُ هو أنْ يَكُونَ المَطْلُوبُ بِالدُّعاءِ مَصْلَحَةً وحِكْمَةً، ثُمَّ سَألَ نَفْسَهُ فَقالَ: فَما هو أصْلَحُ يَفْعَلُهُ بِلا دُعاءٍ، فَما الفائِدَةُ في الدُّعاءِ ؟ . وأجابَ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ الأوَّلُ: أنَّ فِيهِ الفَزَعَ والِانْقِطاعَ إلى اللَّهِ والثّانِي: أنَّ هَذا أيْضًا وارِدٌ عَلى الكُلِّ؛ لِأنَّهُ إنْ عَلِمَ أنَّهُ يَفْعَلُهُ فَلا بُدَّ وأنْ يَفْعَلَهُ، فَلا فائِدَةَ في الدُّعاءِ، وإنْ عَلِمَ أنَّهُ لا يَفْعَلُهُ فَإنَّهُ البَتَّةَ لا يَفْعَلُهُ، فَلا فائِدَةَ في الدُّعاءِ، وكُلُّ ما يَقُولُونَهُ هَهُنا فَهو جَوابُنا، هَذا تَمامُ ما ذَكَرَهُ، وعِنْدِي فِيهِ وجْهٌ آخَرُ وهو أنَّهُ قالَ: ﴿ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ فَكُلُّ مَن دَعا اللَّهَ وفي قَلْبِهِ ذَرَّةٌ مِنَ الِاعْتِمادِ عَلى مالِهِ وجاهِهِ وأقارِبِهِ وأصْدِقائِهِ وجِدِّهِ واجْتِهادِهِ، فَهو في الحَقِيقَةِ ما دَعا اللَّهَ إلّا بِاللِّسانِ، أمّا بِالقَلْبِ فَإنَّهُ مُعَوِّلٌ في تَحْصِيلِ ذَلِكَ المَطْلُوبِ عَلى غَيْرِ اللَّهِ، فَهَذا الإنْسانُ ما دَعا رَبَّهُ في وقْتٍ، أمّا إذا دَعا في وقْتٍ لا يَبْقى في القَلْبِ التِفاتٌ إلى غَيْرِ اللَّهِ، فالظّاهِرُ أنَّهُ تَحْصُلُ الِاسْتِجابَةُ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَفِيهِ بِشارَةٌ كامِلَةٌ، وهي أنَّ انْقِطاعَ القَلْبِ بِالكُلِّيَّةِ عَمّا سِوى اللَّهِ لا يَحْصُلُ إلّا عِنْدَ القُرْبِ مِنَ المَوْتِ، فَإنَّ الإنْسانَ قاطِعٌ في ذَلِكَ الوَقْتِ بِأنَّهُ لا يَنْفَعُهُ شَيْءٌ سِوى فَضْلِ اللَّهِ تَعالى، فَعَلى القانُونِ الَّذِي ذَكَرْناهُ وجَبَ أنْ يَكُونَ الدُّعاءُ في ذَلِكَ الوَقْتِ مَقْبُولًا عِنْدَ اللَّهِ، ونَرْجُو مِن فَضْلِ اللَّهِ وإحْسانِهِ أنْ يُوَفِّقَنا لِلدُّعاءِ المَقْرُونِ بِالإخْلاصِ والتَّضَرُّعِ في ذَلِكَ الوَقْتِ، واعْلَمْ أنَّ الكَلامَ المُسْتَقْصى في الدُّعاءِ قَدْ سَبَقَ ذِكْرُهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ﴾ أيْ صاغِرِينَ وهَذا إحْسانٌ عَظِيمٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى حَيْثُ ذَكَرَ الوَعِيدَ الشَّدِيدَ عَلى تَرْكِ الدُّعاءِ، فَإنْ قِيلَ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ حِكايَةً عَنْ رَبِّ العِزَّةِ أنَّهُ قالَ: ”«مَن شَغَلَهُ ذِكْرِي عَنْ مَسْألَتِي أعْطَيْتُهُ أفْضَلَ ما أُعْطِي السّائِلِينَ» “ فَهَذا الخَبَرُ يَقْتَضِي أنَّ تَرْكَ الدُّعاءِ أفْضَلُ، وهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ تَرْكَ الدُّعاءِ يُوجِبُ الوَعِيدَ الشَّدِيدَ، فَكَيْفَ الجَمْعُ بَيْنَهُما ؟ قُلْنا: لا شَكَّ أنَّ العَقْلَ إذا كانَ مُسْتَغْرِقًا في الثَّناءِ كانَ ذَلِكَ أضَلَّ مِنَ الدُّعاءِ؛ لِأنَّ الدُّعاءَ يَشْتَمِلُ عَلى مَعْرِفَةِ عِزَّةِ الرُّبُوبِيَّةِ وذِلَّةِ العُبُودِيَّةِ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ واعْلَمْ أنَّ تَعَلُّقَهُ بِما قَبْلَهُ مِن وجْهَيْنِ الأوَّلُ: كَأنَّهُ تَعالى قالَ: إنِّي أنْعَمْتُ عَلَيْكَ قَبْلَ طَلَبِكَ لِهَذِهِ النِّعَمِ الجَلِيلَةِ العَظِيمَةِ، ومَن أنْعَمَ قَبْلَ السُّؤالِ بِهَذِهِ النِّعَمِ العالِيَةِ فَكَيْفَ لا يُنْعِمُ بِالأشْياءِ القَلِيلَةِ بَعْدَ السُّؤالِ ؟ والثّانِي: أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ بِالدُّعاءِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: الِاشْتِغالُ بِالدُّعاءِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مَسْبُوقًا بِحُصُولِ المَعْرِفَةِ، فَما الدَّلِيلُ عَلى وُجُودِ الإلَهِ القادِرِ، وقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الدَّلائِلَ العَشْرَةَ عَلى وُجُودِهِ وقُدْرَتِهِ وحِكْمَتِهِ، واعْلَمْ أنّا بَيَّنّا أنَّ دَلائِلَ وُجُودِ اللَّهِ وقُدْرَتِهِ، إمّا فَلَكِيَّةٌ، وإمّا عُنْصُرِيَّةٌ، أمّا الفَلَكِيّاتُ فَأقْسامٌ كَثِيرَةٌ أحَدُها: تَعاقُبُ اللَّيْلِ والنَّهارِ، و(لَمّا) كانَ أكْثَرُ مَصالِحِ العالَمِ مَرْبُوطًا بِهِما فَذَكَرَهُما اللَّهُ تَعالى في هَذا المَقامِ، وبَيَّنَ أنَّ الحِكْمَةَ في خَلْقِ اللَّيْلِ حُصُولُ الرّاحَةِ بِسَبَبِ النَّوْمِ والسُّكُونِ، والحِكْمَةَ في خَلْقِ النَّهارِ إبْصارُ الأشْياءِ لِيَحْصُلَ مُكْنَةُ التَّصَرُّفِ فِيها عَلى الوَجْهِ الأنْفَعِ، أمّا أنَّ السُّكُونَ في وقْتِ النَّوْمِ سَبَبٌ لِلرّاحَةِ فَبَيانُهُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ الحَرَكاتِ تُوجِبُ الإعْياءَ مِن حَيْثُ إنَّ الحَرَكَةَ تُوجِبُ السُّخُونَةَ والجَفافَ، وذَلِكَ يُوجِبُ التَّألُّمَ، والثّانِي: أنَّ الإحْساسَ بِالأشْياءِ إنَّما يُمْكُنُ بِإيصالِ صفحة ٧٢ الأرْواحِ الجُسْمانِيَّةِ إلى ظاهِرِ الحِسِّ، ثُمَّ إنْ تِلْكَ الأرْواحَ تَتَحَلَّلُ بِسَبَبِ كَثْرَةِ الحَرَكاتِ فَتَضْعُفُ الحَواسُّ والإحْساساتُ، وإذا نامَ الإنْسانُ عادَتِ الأرْواحُ الحَسّاسَةُ في باطِنِ البَدَنِ ورُكِّزَتْ وقَوِيَتْ وتَخَلَّصَتْ عَنِ الإعْياءِ، وأيْضًا اللَّيْلُ بارِدٌ رَطْبٌ فَبُرُودَتُهُ ورُطُوبَتُهُ يَتَدارَكانِ ما حَصَلَ في النَّهارِ مِنَ الحَرِّ والجَفافِ بِسَبَبِ ما حَدَثَ مِن كَثْرَةِ الحَرَكاتِ، فَهَذِهِ هي المَنافِعُ المَعْلُومَةُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ وأمّا قَوْلُهُ: ﴿والنَّهارَ مُبْصِرًا﴾ فاعْلَمْ أنَّ الإنْسانَ مَدَنِيٌّ بِالطَّبْعِ، ومَعْناهُ أنَّهُ ما لَمْ يَحْصُلْ مَدِينَةٌ تامَّةٌ لَمْ تَنْتَظِمْ مُهِمّاتُ الإنْسانِ في مَأْكُولِهِ ومَشْرُوبِهِ ومَلْبَسِهِ ومَنكَحِهِ، وتِلْكَ المُهِمّاتُ لا تَحْصُلُ إلّا بِأعْمالٍ كَثِيرَةٍ، وتِلْكَ الأعْمالُ تَصَرُّفاتٌ في أُمُورٍ، وهَذِهِ التَّصَرُّفاتُ لا تَكْمُلُ إلّا بِالضَّوْءِ والنُّورِ حَتّى يُمَيِّزَ الإنْسانُ بِسَبَبِ ذَلِكَ النُّورِ بَيْنَ ما يُوافِقُهُ وبَيْنَ ما لا يُوافِقُهُ، فَهَذا هو الحِكْمَةُ في قَوْلِهِ ﴿والنَّهارَ مُبْصِرًا﴾ فَإنْ قِيلَ كانَ الواجِبُ بِحَسَبِ رِعايَةِ النَّظْمِ أنْ يُقالَ: هو الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ والنَّهارَ لِتُبْصِرُوا فِيهِ، أوْ فَجَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ ساكِنًا ولَكِنَّهُ لَمْ يَقُلْ كَذَلِكَ بَلْ قالَ في اللَّيْلِ لِتَسْكُنُوا فِيهِ، وقالَ في النَّهارِ مُبْصِرًا فَما الفائِدَةُ فِيهِ ؟ وأيْضًا فَما الحِكْمَةُ في تَقْدِيمِ ذِكْرِ اللَّيْلِ عَلى ذِكْرِ النَّهارِ مَعَ أنَّ النَّهارَ أشْرَفُ مِنَ اللَّيْلِ ؟ قُلْنا: أمّا الجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: فَهو أنَّ اللَّيْلَ والنَّوْمَ في الحَقِيقَةِ طَبِيعَةٌ عَدَمِيَّةٌ فَهو غَيْرُ مَقْصُودٍ بِالذّاتِ، أمّا اليَقَظَةُ فَأُمُورٌ وُجُودِيَّةٌ، وهي مَقْصُودَةٌ بِالذّاتِ، وقَدْ بَيَّنَ الشَّيْخُ عَبْدُ القاهِرِ النَّحْوِيُّ في ”دَلائِلِ الإعْجازِ“ أنَّ دَلالَةَ صِيغَةِ الِاسْمِ عَلى التَّمامِ والكَمالِ أقْوى مِن دَلالَةِ صِيغَةِ الفِعْلِ عَلَيْهِما، فَهَذا هو السَّبَبُ في هَذا الفَرْقِ واللَّهُ أعْلَمُ. وأمّا الجَوابُ عَنِ الثّانِي: فَهو أنَّ الظُّلْمَةَ طَبِيعَةٌ عَدَمِيَّةٌ والنُّورَ طَبِيعَةٌ وُجُودِيَّةٌ والعَدَمُ في المُحْدَثاتِ مُقَدَّمٌ عَلى الوُجُودِ؛ ولِهَذا السَّبَبِ قالَ في أوَّلِ سُورَةِ الأنْعامِ ﴿وجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ﴾ [الأنعام: ١] . واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ ما في اللَّيْلِ والنَّهارِ مِنَ المَصالِحِ والحِكَمِ البالِغَةِ قالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾ والمُرادُ أنَّ فَضْلَ اللَّهِ عَلى الخَلْقِ كَثِيرٌ جِدًّا ولَكِنَّهم لا يَشْكُرُونَهُ، وأعْلَمُ أنَّ تَرْكَ الشُّكْرِ لِوُجُوهٍ: أحَدُها: أنْ يَعْتَقِدَ الرَّجُلُ أنَّ هَذِهِ النِّعَمَ لَيْسَتْ مِنَ اللَّهِ تَعالى مِثْلَ أنْ يَعْتَقِدَ أنَّ هَذِهِ الأفْلاكَ واجِبَةُ الوُجُودِ لِذَواتِها وواجِبَةُ الدَّوَرانِ لِذَواتِها، فَحِينَئِذٍ هَذا الرَّجُلُ لا يَعْتَقِدُ أنَّ هَذِهِ النِّعَمَ مِنَ اللَّهِ، وثانِيها أنَّ الرَّجُلَ وإنِ اعْتَقَدَ أنَّ كُلَّ العالَمِ حَصَلَ بِتَخْلِيقِ اللَّهِ وتَكْوِينِهِ إلّا أنَّ هَذِهِ النِّعَمَ العَظِيمَةَ، أعْنِي نِعْمَةَ تَعاقُبِ اللَّيْلِ والنَّهارِ لَمّا دامَتْ واسْتَمَرَّتْ نَسِيَها الإنْسانُ، فَإذا ابْتُلِيَ الإنْسانُ بِفُقْدانِ شَيْءٍ مِنها عَرَفَ قَدْرَها مِثْلَ أنْ يَتَّفِقَ لِبَعْضِ النّاسِ والعِياذُ بِاللَّهِ أنْ يَحْبِسَهُ بَعْضُ الظَّلَمَةِ في آبارٍ عَمِيقَةٍ مُظْلِمَةٍ مُدَّةً مَدِيدَةً، فَحِينَئِذٍ يَعْرِفُ ذَلِكَ الإنْسانُ قَدْرَ نِعْمَةِ الهَواءِ الصّافِي وقَدْرَ نِعْمَةِ الضَّوْءِ، ورَأيْتُ بَعْضَ المُلُوكِ كانَ يُعَذِّبُ بَعْضَ خَدَمِهِ بِأنْ أمَرَ أقْوامًا حَتّى يَمْنَعُوهُ عَنِ الِاسْتِنادِ إلى الجِدارِ، وعَنِ النَّوْمِ فَعَظُمَ وقْعُ هَذا التَّعْذِيبِ. وثالِثُها: أنَّ الرَّجُلَ وإنْ كانَ عارِفًا بِمَواقِعِ هَذِهِ النِّعَمِ إلّا أنَّهُ يَكُونُ حَرِيصًا عَلى الدُّنْيا مُحِبًّا لِلْمالِ والجاهِ، فَإذا فاتَهُ المالُ الكَثِيرُ والجاهُ العَرِيضُ وقَعَ في كُفْرانِ هَذِهِ النِّعَمِ العَظِيمَةِ، ولَمّا كانَ أكْثَرُ الخَلْقِ هالِكِينَ في أحَدِ هَذِهِ الأوْدِيَةِ الثَّلاثَةِ الَّتِي ذَكَرْناها، لا جَرَمَ قالَ تَعالى: ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقَلِيلٌ مِن عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣] وقَوْلُ إبْلِيسَ ﴿ولا تَجِدُ أكْثَرَهم شاكِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٧] ولَمّا بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى بِتِلْكَ الدَّلائِلِ المَذْكُورَةِ وُجُودَ الإلَهِ القادِرِ الرَّحِيمِ الحَكِيمِ قالَ: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ ذَلِكُمُ المَعْلُومُ المُمَيَّزُ بِالأفْعالِ الخاصَّةِ الَّتِي لا يُشارِكُهُ فِيها أحَدٌ و﴿اللَّهُ رَبُّكم خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ أخْبارٌ مُتَرادِفَةٌ أيْ هو الجامِعُ لِهَذِهِ الأوْصافِ مِنَ الإلَهِيَّةِ والرُّبُوبِيَّةِ وخَلْقِ كُلِّ صفحة ٧٣ شَيْءٍ وأنَّهُ لا ثانِيَ لَهُ ﴿فَأنّى تُؤْفَكُونَ﴾ والمُرادُ فَأنّى تُصْرَفُونَ ولِمَ تَعْدِلُونَ عَنْ هَذِهِ الدَّلائِلِ وتُكَذِّبُونَ بِها، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كانُوا بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [غافر: ٦٣] يَعْنِي أنَّ كُلَّ مَن جَحَدَ بِآياتِ اللَّهِ ولَمْ يَتَأمَّلْها ولَمْ يَكُنْ فِيهِ هِمَّةٌ لِطَلَبِ الحَقِّ وخَوْفِ العاقِبَةِ أُفِكَ كَما أُفِكُوا.

غافر 40:64

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ قَرارًا والسَّماءَ بِناءً وصَوَّرَكم فَأحْسَنَ صُوَرَكم ورَزَقَكم مِنَ الطَّيِّباتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم فَتَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ العالَمِينَ﴾ ﴿هُوَ الحَيُّ لا إلَهَ إلّا هو فادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿قُلْ إنِّي نُهِيتُ أنْ أعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَمّا جاءَنِيَ البَيِّناتُ مِن رَبِّي وأُمِرْتُ أنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ مِن عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكم طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أشُدَّكم ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا ومِنكم مَن يُتَوَفّى مِن قَبْلُ ولِتَبْلُغُوا أجَلًا مُسَمًّى ولَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ اعْلَمْ أنا بَيَّنّا أنَّ دَلائِلَ وُجُودِ اللَّهِ وقُدْرَتِهِ إمّا أنْ تَكُونَ مِن دَلائِلِ الآفاقِ أوْ مِن بابِ دَلائِلِ الأنْفُسِ، أمّا دَلائِلُ الآفاقِ فالمُرادُ كُلُّ ما هو غَيْرُ الإنْسانِ مِن كُلِّ هَذا العالَمِ وهي أقْسامٌ كَثِيرَةٌ، والمَذْكُورُ مِنها في هَذِهِ الآيَةِ أقْسامٌ مِنها أحْوالُ اللَّيْلِ والنَّهارِ وقَدْ سَبَقَ ذِكْرُهُ. وثانِيها: الأرْضُ والسَّماءُ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ قَرارًا والسَّماءَ بِناءً﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ ﴿قَرارًا﴾ أيْ مَنزِلًا في حالِ الحَياةِ وبَعْدَ المَوْتِ ﴿والسَّماءَ بِناءً﴾ كالقُبَّةِ المَضْرُوبَةِ عَلى الأرْضِ، وقِيلَ مَسَكَ الأرْضَ بِلا عَمَدٍ حَتّى أمْكَنَ التَّصَرُّفَ عَلَيْها ﴿والسَّماءَ بِناءً﴾ أيْ قائِمًا ثابِتًا وإلّا لَوَقَعَتْ عَلَيْنا، وأمّا دَلائِلُ الأنْفُسِ فالمُرادُ مِنها دَلالَةُ أحْوالِ بَدَنِ الإنْسانِ ودَلالَةُ أحْوالِ نَفْسِهِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ القادِرِ الحَكِيمِ، والمَذْكُورُ مِنها في هَذِهِ الآيَةِ قِسْمانِ أحَدُها: ما هو حاصِلٌ مُشاهَدٌ حالَ كَمالِ حالِهِ، والثّانِي: ما كانَ حاصِلًا في ابْتِداءِ خِلْقَتِهِ وتَكْوِينِهِ. أمّا القِسْمُ الأوَّلُ: فَأنْواعٌ كَثِيرَةٌ والمَذْكُورُ مِنها في هَذِهِ الآيَةِ أنْواعٌ ثَلاثَةٌ أوَّلُها: حُدُوثُ صُورَتِهِ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وصَوَّرَكُمْ﴾ وثانِيها: حُسْنُ صُورَتِهِ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَأحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾، وثالِثُها: أنَّهُ رَزَقَهُ مِنَ الطَّيِّباتِ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ورَزَقَكم مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ وقَدْ أطْنَبْنا في تَفْسِيرِ هَذِهِ الأشْياءِ في هَذا الكِتابِ مِرارًا لا سِيَّما في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: ٧٠] ولَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ صفحة ٧٤ الدَّلائِلَ الخَمْسَةَ اثْنَيْنِ مِن دَلائِلِ الآفاقِ وثَلاثَةً مِن دَلائِلِ الأنْفُسِ قالَ: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم فَتَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ العالَمِينَ﴾ وتَفْسِيرُ: تَبارَكَ إمّا الدَّوامُ والثَّباتُ وإمّا كَثْرَةُ الخَيْراتِ، ثُمَّ قالَ: ﴿هُوَ الحَيُّ لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ وهَذا يُفِيدُ الحَصْرَ وأنْ لا حَيَّ إلّا هو، فَوَجَبَ أنْ يُحْمَلَ ذَلِكَ عَلى الحَيِّ الَّذِي يَمْتَنِعُ أنْ يَمُوتَ امْتِناعًا ذاتِيًّا وحِينَئِذٍ لا حَيَّ إلّا هو فَكَأنَّهُ أجْرى الشَّيْءَ الَّذِي يَجُوزُ زَوالُهُ مَجْرى المَعْدُومِ. واعْلَمْ أنَّ الحَيَّ عِبارَةٌ عَنِ الدّارِكِ الفَعّالِ، والدّارِكُ إشارَةٌ إلى العِلْمِ التّامِّ، والفَعّالُ إشارَةٌ إلى القُدْرَةِ الكامِلَةِ، ولَمّا نَبَّهَ عَلى هاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ مِن صِفاتِ الجَلالِ نَبَّهَ عَلى الصِّفَةِ الثّالِثَةِ وهي: الوَحْدانِيَّةُ بِقَوْلِهِ: لا إلَهَ إلّا هو، ولَمّا وصَفَهُ بِهَذِهِ الصِّفاتِ أمَرَ العِبادَ بِشَيْئَيْنِ: أحَدُها: بِالدُّعاءِ، والثّانِي: بِالإخْلاصِ فِيهِ، فَقالَ: ﴿فادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ قَوْلَ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهُ لَمّا كانَ مَوْصُوفًا بِصِفاتِ الجَلالِ والعِزَّةِ اسْتَحَقَّ لِذاتِهِ أنْ يُقالَ لَهُ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ، ولَمّا بَيَّنَ صِفاتِ الجَلالِ والعَظَمَةِ قالَ: ﴿قُلْ إنِّي نُهِيتُ أنْ أعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ فَأوْرَدَ ذَلِكَ عَلى المُشْرِكِينَ بِألْيَنِ قَوْلٍ لِيَصْرِفَهم عَنْ عِبادَةِ الأوْثانِ، وبَيَّنَ أنَّ وجْهَ النَّهْيِ في ذَلِكَ ما جاءَهُ مِنَ البَيِّناتِ، وتِلْكَ البَيِّناتُ أنَّ إلَهَ العالَمِ قَدْ ثَبَتَ كَوْنُهُ مَوْصُوفًا بِصِفاتِ الجَلالِ والعَظَمَةِ عَلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وصَرِيحُ العَقْلِ يَشْهَدُ بِأنَّ العِبادَةَ لا تَلِيقُ إلّا بِهِ، وأنَّ جَعْلَ الأحْجارِ المَنحُوتَةِ والخُشُبِ المُصَوَّرَةِ شُرَكاءَ لَهُ في المَعْبُودِيَّةِ مُسْتَنْكَرٌ في بَدِيهَةِ العَقْلِ. ولَمّا بَيَّنَ أنَّهُ أمَرَ بِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى فَقالَ: ﴿وأُمِرْتُ أنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ وإنَّما ذَكَرَ هَذِهِ الأحْكامَ في حَقِّ نَفْسِهِ؛ لِأنَّهم كانُوا يَعْتَقِدُونَ فِيهِ أنَّهُ في غايَةِ العَقْلِ وكَمالِ الجَوْهَرِ، ومِنَ المَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ أنَّ كُلَّ أحَدٍ فَإنَّهُ لا يُرِيدُ لِنَفْسِهِ إلّا الأفْضَلَ الأكْمَلَ، فَإذا ذَكَرَ أنَّ مَصْلَحَتَهُ لا تَتِمُّ إلّا بِالإعْراضِ عَنْ غَيْرِ اللَّهِ والإقْبالِ بِالكُلِّيَّةِ عَلى طاعَةِ اللَّهِ ظَهَرَ بِهِ أنَّ هَذا الطَّرِيقَ أكْمَلُ مِن كُلِّ ما سِواهُ، ثُمَّ قالَ: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن تُرابٍ﴾ . واعْلَمْ أنّا قَدْ ذَكَرْنا أنَّ الدَّلائِلَ عَلى قِسْمَيْنِ: دَلائِلُ الآفاقِ والأنْفُسِ، أمّا دَلائِلُ الآفاقِ فَكَثِيرَةٌ والمَذْكُورُ مِنها في هَذِهِ الآيَةِ أرْبَعَةٌ: اللَّيْلُ، والنَّهارُ، والأرْضُ، والسَّماءُ. وأمّا دَلائِلُ الأنْفُسِ فَقَدْ ذَكَرْنا أنَّها عَلى قِسْمَيْنِ: أحَدُها: الأحْوالُ الحاضِرَةُ حالَ كَمالِ الصِّحَّةِ وهي أقْسامٌ كَثِيرَةٌ، والمَذْكُورُ هَهُنا مِنها ثَلاثَةُ أنْواعٍ: الصُّورَةُ وحُسْنُ الصُّورَةِ ورِزْقُ الطَّيِّباتِ. وأمّا القِسْمُ الثّانِي: وهو كَيْفِيَّةُ تَكَوُّنِ هَذا البَدَنِ مِنِ ابْتِداءِ كَوْنِهِ نُطْفَةً وجَنِينًا إلى آخِرِ الشَّيْخُوخَةِ والمَوْتِ فَهو المَذْكُورُ في هَذِهِ الآيَةِ فَقالَ: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ﴾ فَقِيلَ: المُرادُ آدَمُ، وعِنْدِي لا حاجَةَ إلَيْهِ؛ لِأنَّ كُلَّ إنْسانٍ فَهو مَخْلُوقٌ مِنَ المَنِيِّ ومِن دَمِ الطَّمْثِ، والمَنِيُّ مَخْلُوقٌ مِنَ الدَّمِ. فالإنْسانُ مَخْلُوقٌ مِنَ الدَّمِ والدَّمُ إنَّما يَتَوَلَّدُ مِنَ الأغْذِيَةِ والأغْذِيَةُ إمّا حَيَوانِيَّةً وإمّا نَباتِيَّةً، والحالُ في تَكَوُّنِ ذَلِكَ الحَيَوانِ كالحالِ في تَكَوُّنِ الإنْسانِ، فالأغْذِيَةُ بِأسْرِها مُنْتَهِيَةٌ إلى النَّباتِيَّةِ والنَّبْتُ إنَّما يَكُونُ مِنَ التُّرابِ يَصِيرُ نُطْفَةً ثُمَّ عَلَقَةً بَعْدَ كَوْنِهِ عَلَقَةً مَراتِبُ كَثِيرَةٌ إلى أنْ يَنْفَصِلَ مِن بَطْنِ الأُمِّ، فاللَّهُ تَعالى تَرَكَ ذِكْرَها هَهُنا لِأجْلِ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَها في سائِرِ الآياتِ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى رَتَّبَ عُمْرَ الإنْسانِ عَلى ثَلاثِ مَراتِبَ أوَّلُها: كَوْنُهُ طِفْلًا، وثانِيها: أنْ يَبْلُغَ أشُدَّهُ، وثالِثُها: الشَّيْخُوخَةُ وهَذا تَرْتِيبٌ صَحِيحٌ مُطابِقٌ لِلْعَقْلِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ الإنْسانَ في أوَّلِ عُمْرِهِ يَكُونُ في التَّزايُدِ والنُّشُوءِ صفحة ٧٥ والنَّماءِ وهو المُسَمّى بِالطُّفُولِيَّةِ. والمَرْتَبَةُ الثّانِيَةُ: أنْ يَبْلُغَ إلى كَمالِ النُّشُوءِ وإلى أشُدِّ السِّنِّ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ قَدْ حَصَلَ فِيهِ نَوْعٌ مِن أنْواعِ الضَّعْفِ والنَّقْصِ، وهَذِهِ المَرْتَبَةُ هي المُرادُ مِن قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا﴾ وإذا عَرَفْتَ هَذا التَّقْسِيمَ عَرَفْتَ أنَّ مَراتِبَ العُمْرِ بِحَسَبِ هَذا التَّقْسِيمِ لا تَزِيدُ عَلى هَذِهِ الثَّلاثَةِ، قالَ صاحِبُ الكَشّافِ " قَوْلُهُ ﴿لِتَبْلُغُوا أشُدَّكُمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ ثُمَّ يُبْقِيكم لِتَبْلُغُوا. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿ومِنكم مَن يُتَوَفّى مِن قَبْلُ﴾ أيْ مِن قَبْلِ الشَّيْخُوخَةِ أوْ مِن قَبْلِ هَذِهِ الأحْوالِ إذا خَرَجَ سَقْطًا. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿ولِتَبْلُغُوا أجَلًا مُسَمًّى﴾ ومَعْناهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ لِتَبْلُغُوا أجَلًا مُسَمًّى وهو وقْتُ المَوْتِ وقِيلَ يَوْمُ القِيامَةِ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿ولَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ ما في هَذِهِ الأحْوالِ العَجِيبَةِ مِن أنْواعِ العِبَرِ وأقْسامِ الدَّلائِلِ.

غافر 40:65

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ قَرارًا والسَّماءَ بِناءً وصَوَّرَكم فَأحْسَنَ صُوَرَكم ورَزَقَكم مِنَ الطَّيِّباتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم فَتَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ العالَمِينَ﴾ ﴿هُوَ الحَيُّ لا إلَهَ إلّا هو فادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿قُلْ إنِّي نُهِيتُ أنْ أعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَمّا جاءَنِيَ البَيِّناتُ مِن رَبِّي وأُمِرْتُ أنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ مِن عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكم طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أشُدَّكم ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا ومِنكم مَن يُتَوَفّى مِن قَبْلُ ولِتَبْلُغُوا أجَلًا مُسَمًّى ولَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ اعْلَمْ أنا بَيَّنّا أنَّ دَلائِلَ وُجُودِ اللَّهِ وقُدْرَتِهِ إمّا أنْ تَكُونَ مِن دَلائِلِ الآفاقِ أوْ مِن بابِ دَلائِلِ الأنْفُسِ، أمّا دَلائِلُ الآفاقِ فالمُرادُ كُلُّ ما هو غَيْرُ الإنْسانِ مِن كُلِّ هَذا العالَمِ وهي أقْسامٌ كَثِيرَةٌ، والمَذْكُورُ مِنها في هَذِهِ الآيَةِ أقْسامٌ مِنها أحْوالُ اللَّيْلِ والنَّهارِ وقَدْ سَبَقَ ذِكْرُهُ. وثانِيها: الأرْضُ والسَّماءُ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ قَرارًا والسَّماءَ بِناءً﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ ﴿قَرارًا﴾ أيْ مَنزِلًا في حالِ الحَياةِ وبَعْدَ المَوْتِ ﴿والسَّماءَ بِناءً﴾ كالقُبَّةِ المَضْرُوبَةِ عَلى الأرْضِ، وقِيلَ مَسَكَ الأرْضَ بِلا عَمَدٍ حَتّى أمْكَنَ التَّصَرُّفَ عَلَيْها ﴿والسَّماءَ بِناءً﴾ أيْ قائِمًا ثابِتًا وإلّا لَوَقَعَتْ عَلَيْنا، وأمّا دَلائِلُ الأنْفُسِ فالمُرادُ مِنها دَلالَةُ أحْوالِ بَدَنِ الإنْسانِ ودَلالَةُ أحْوالِ نَفْسِهِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ القادِرِ الحَكِيمِ، والمَذْكُورُ مِنها في هَذِهِ الآيَةِ قِسْمانِ أحَدُها: ما هو حاصِلٌ مُشاهَدٌ حالَ كَمالِ حالِهِ، والثّانِي: ما كانَ حاصِلًا في ابْتِداءِ خِلْقَتِهِ وتَكْوِينِهِ. أمّا القِسْمُ الأوَّلُ: فَأنْواعٌ كَثِيرَةٌ والمَذْكُورُ مِنها في هَذِهِ الآيَةِ أنْواعٌ ثَلاثَةٌ أوَّلُها: حُدُوثُ صُورَتِهِ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وصَوَّرَكُمْ﴾ وثانِيها: حُسْنُ صُورَتِهِ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَأحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾، وثالِثُها: أنَّهُ رَزَقَهُ مِنَ الطَّيِّباتِ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ورَزَقَكم مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ وقَدْ أطْنَبْنا في تَفْسِيرِ هَذِهِ الأشْياءِ في هَذا الكِتابِ مِرارًا لا سِيَّما في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: ٧٠] ولَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ صفحة ٧٤ الدَّلائِلَ الخَمْسَةَ اثْنَيْنِ مِن دَلائِلِ الآفاقِ وثَلاثَةً مِن دَلائِلِ الأنْفُسِ قالَ: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم فَتَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ العالَمِينَ﴾ وتَفْسِيرُ: تَبارَكَ إمّا الدَّوامُ والثَّباتُ وإمّا كَثْرَةُ الخَيْراتِ، ثُمَّ قالَ: ﴿هُوَ الحَيُّ لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ وهَذا يُفِيدُ الحَصْرَ وأنْ لا حَيَّ إلّا هو، فَوَجَبَ أنْ يُحْمَلَ ذَلِكَ عَلى الحَيِّ الَّذِي يَمْتَنِعُ أنْ يَمُوتَ امْتِناعًا ذاتِيًّا وحِينَئِذٍ لا حَيَّ إلّا هو فَكَأنَّهُ أجْرى الشَّيْءَ الَّذِي يَجُوزُ زَوالُهُ مَجْرى المَعْدُومِ. واعْلَمْ أنَّ الحَيَّ عِبارَةٌ عَنِ الدّارِكِ الفَعّالِ، والدّارِكُ إشارَةٌ إلى العِلْمِ التّامِّ، والفَعّالُ إشارَةٌ إلى القُدْرَةِ الكامِلَةِ، ولَمّا نَبَّهَ عَلى هاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ مِن صِفاتِ الجَلالِ نَبَّهَ عَلى الصِّفَةِ الثّالِثَةِ وهي: الوَحْدانِيَّةُ بِقَوْلِهِ: لا إلَهَ إلّا هو، ولَمّا وصَفَهُ بِهَذِهِ الصِّفاتِ أمَرَ العِبادَ بِشَيْئَيْنِ: أحَدُها: بِالدُّعاءِ، والثّانِي: بِالإخْلاصِ فِيهِ، فَقالَ: ﴿فادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ قَوْلَ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهُ لَمّا كانَ مَوْصُوفًا بِصِفاتِ الجَلالِ والعِزَّةِ اسْتَحَقَّ لِذاتِهِ أنْ يُقالَ لَهُ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ، ولَمّا بَيَّنَ صِفاتِ الجَلالِ والعَظَمَةِ قالَ: ﴿قُلْ إنِّي نُهِيتُ أنْ أعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ فَأوْرَدَ ذَلِكَ عَلى المُشْرِكِينَ بِألْيَنِ قَوْلٍ لِيَصْرِفَهم عَنْ عِبادَةِ الأوْثانِ، وبَيَّنَ أنَّ وجْهَ النَّهْيِ في ذَلِكَ ما جاءَهُ مِنَ البَيِّناتِ، وتِلْكَ البَيِّناتُ أنَّ إلَهَ العالَمِ قَدْ ثَبَتَ كَوْنُهُ مَوْصُوفًا بِصِفاتِ الجَلالِ والعَظَمَةِ عَلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وصَرِيحُ العَقْلِ يَشْهَدُ بِأنَّ العِبادَةَ لا تَلِيقُ إلّا بِهِ، وأنَّ جَعْلَ الأحْجارِ المَنحُوتَةِ والخُشُبِ المُصَوَّرَةِ شُرَكاءَ لَهُ في المَعْبُودِيَّةِ مُسْتَنْكَرٌ في بَدِيهَةِ العَقْلِ. ولَمّا بَيَّنَ أنَّهُ أمَرَ بِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى فَقالَ: ﴿وأُمِرْتُ أنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ وإنَّما ذَكَرَ هَذِهِ الأحْكامَ في حَقِّ نَفْسِهِ؛ لِأنَّهم كانُوا يَعْتَقِدُونَ فِيهِ أنَّهُ في غايَةِ العَقْلِ وكَمالِ الجَوْهَرِ، ومِنَ المَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ أنَّ كُلَّ أحَدٍ فَإنَّهُ لا يُرِيدُ لِنَفْسِهِ إلّا الأفْضَلَ الأكْمَلَ، فَإذا ذَكَرَ أنَّ مَصْلَحَتَهُ لا تَتِمُّ إلّا بِالإعْراضِ عَنْ غَيْرِ اللَّهِ والإقْبالِ بِالكُلِّيَّةِ عَلى طاعَةِ اللَّهِ ظَهَرَ بِهِ أنَّ هَذا الطَّرِيقَ أكْمَلُ مِن كُلِّ ما سِواهُ، ثُمَّ قالَ: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن تُرابٍ﴾ . واعْلَمْ أنّا قَدْ ذَكَرْنا أنَّ الدَّلائِلَ عَلى قِسْمَيْنِ: دَلائِلُ الآفاقِ والأنْفُسِ، أمّا دَلائِلُ الآفاقِ فَكَثِيرَةٌ والمَذْكُورُ مِنها في هَذِهِ الآيَةِ أرْبَعَةٌ: اللَّيْلُ، والنَّهارُ، والأرْضُ، والسَّماءُ. وأمّا دَلائِلُ الأنْفُسِ فَقَدْ ذَكَرْنا أنَّها عَلى قِسْمَيْنِ: أحَدُها: الأحْوالُ الحاضِرَةُ حالَ كَمالِ الصِّحَّةِ وهي أقْسامٌ كَثِيرَةٌ، والمَذْكُورُ هَهُنا مِنها ثَلاثَةُ أنْواعٍ: الصُّورَةُ وحُسْنُ الصُّورَةِ ورِزْقُ الطَّيِّباتِ. وأمّا القِسْمُ الثّانِي: وهو كَيْفِيَّةُ تَكَوُّنِ هَذا البَدَنِ مِنِ ابْتِداءِ كَوْنِهِ نُطْفَةً وجَنِينًا إلى آخِرِ الشَّيْخُوخَةِ والمَوْتِ فَهو المَذْكُورُ في هَذِهِ الآيَةِ فَقالَ: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ﴾ فَقِيلَ: المُرادُ آدَمُ، وعِنْدِي لا حاجَةَ إلَيْهِ؛ لِأنَّ كُلَّ إنْسانٍ فَهو مَخْلُوقٌ مِنَ المَنِيِّ ومِن دَمِ الطَّمْثِ، والمَنِيُّ مَخْلُوقٌ مِنَ الدَّمِ. فالإنْسانُ مَخْلُوقٌ مِنَ الدَّمِ والدَّمُ إنَّما يَتَوَلَّدُ مِنَ الأغْذِيَةِ والأغْذِيَةُ إمّا حَيَوانِيَّةً وإمّا نَباتِيَّةً، والحالُ في تَكَوُّنِ ذَلِكَ الحَيَوانِ كالحالِ في تَكَوُّنِ الإنْسانِ، فالأغْذِيَةُ بِأسْرِها مُنْتَهِيَةٌ إلى النَّباتِيَّةِ والنَّبْتُ إنَّما يَكُونُ مِنَ التُّرابِ يَصِيرُ نُطْفَةً ثُمَّ عَلَقَةً بَعْدَ كَوْنِهِ عَلَقَةً مَراتِبُ كَثِيرَةٌ إلى أنْ يَنْفَصِلَ مِن بَطْنِ الأُمِّ، فاللَّهُ تَعالى تَرَكَ ذِكْرَها هَهُنا لِأجْلِ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَها في سائِرِ الآياتِ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى رَتَّبَ عُمْرَ الإنْسانِ عَلى ثَلاثِ مَراتِبَ أوَّلُها: كَوْنُهُ طِفْلًا، وثانِيها: أنْ يَبْلُغَ أشُدَّهُ، وثالِثُها: الشَّيْخُوخَةُ وهَذا تَرْتِيبٌ صَحِيحٌ مُطابِقٌ لِلْعَقْلِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ الإنْسانَ في أوَّلِ عُمْرِهِ يَكُونُ في التَّزايُدِ والنُّشُوءِ صفحة ٧٥ والنَّماءِ وهو المُسَمّى بِالطُّفُولِيَّةِ. والمَرْتَبَةُ الثّانِيَةُ: أنْ يَبْلُغَ إلى كَمالِ النُّشُوءِ وإلى أشُدِّ السِّنِّ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ قَدْ حَصَلَ فِيهِ نَوْعٌ مِن أنْواعِ الضَّعْفِ والنَّقْصِ، وهَذِهِ المَرْتَبَةُ هي المُرادُ مِن قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا﴾ وإذا عَرَفْتَ هَذا التَّقْسِيمَ عَرَفْتَ أنَّ مَراتِبَ العُمْرِ بِحَسَبِ هَذا التَّقْسِيمِ لا تَزِيدُ عَلى هَذِهِ الثَّلاثَةِ، قالَ صاحِبُ الكَشّافِ " قَوْلُهُ ﴿لِتَبْلُغُوا أشُدَّكُمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ ثُمَّ يُبْقِيكم لِتَبْلُغُوا. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿ومِنكم مَن يُتَوَفّى مِن قَبْلُ﴾ أيْ مِن قَبْلِ الشَّيْخُوخَةِ أوْ مِن قَبْلِ هَذِهِ الأحْوالِ إذا خَرَجَ سَقْطًا. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿ولِتَبْلُغُوا أجَلًا مُسَمًّى﴾ ومَعْناهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ لِتَبْلُغُوا أجَلًا مُسَمًّى وهو وقْتُ المَوْتِ وقِيلَ يَوْمُ القِيامَةِ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿ولَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ ما في هَذِهِ الأحْوالِ العَجِيبَةِ مِن أنْواعِ العِبَرِ وأقْسامِ الدَّلائِلِ.

غافر 40:66

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ قَرارًا والسَّماءَ بِناءً وصَوَّرَكم فَأحْسَنَ صُوَرَكم ورَزَقَكم مِنَ الطَّيِّباتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم فَتَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ العالَمِينَ﴾ ﴿هُوَ الحَيُّ لا إلَهَ إلّا هو فادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿قُلْ إنِّي نُهِيتُ أنْ أعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَمّا جاءَنِيَ البَيِّناتُ مِن رَبِّي وأُمِرْتُ أنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ مِن عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكم طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أشُدَّكم ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا ومِنكم مَن يُتَوَفّى مِن قَبْلُ ولِتَبْلُغُوا أجَلًا مُسَمًّى ولَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ اعْلَمْ أنا بَيَّنّا أنَّ دَلائِلَ وُجُودِ اللَّهِ وقُدْرَتِهِ إمّا أنْ تَكُونَ مِن دَلائِلِ الآفاقِ أوْ مِن بابِ دَلائِلِ الأنْفُسِ، أمّا دَلائِلُ الآفاقِ فالمُرادُ كُلُّ ما هو غَيْرُ الإنْسانِ مِن كُلِّ هَذا العالَمِ وهي أقْسامٌ كَثِيرَةٌ، والمَذْكُورُ مِنها في هَذِهِ الآيَةِ أقْسامٌ مِنها أحْوالُ اللَّيْلِ والنَّهارِ وقَدْ سَبَقَ ذِكْرُهُ. وثانِيها: الأرْضُ والسَّماءُ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ قَرارًا والسَّماءَ بِناءً﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ ﴿قَرارًا﴾ أيْ مَنزِلًا في حالِ الحَياةِ وبَعْدَ المَوْتِ ﴿والسَّماءَ بِناءً﴾ كالقُبَّةِ المَضْرُوبَةِ عَلى الأرْضِ، وقِيلَ مَسَكَ الأرْضَ بِلا عَمَدٍ حَتّى أمْكَنَ التَّصَرُّفَ عَلَيْها ﴿والسَّماءَ بِناءً﴾ أيْ قائِمًا ثابِتًا وإلّا لَوَقَعَتْ عَلَيْنا، وأمّا دَلائِلُ الأنْفُسِ فالمُرادُ مِنها دَلالَةُ أحْوالِ بَدَنِ الإنْسانِ ودَلالَةُ أحْوالِ نَفْسِهِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ القادِرِ الحَكِيمِ، والمَذْكُورُ مِنها في هَذِهِ الآيَةِ قِسْمانِ أحَدُها: ما هو حاصِلٌ مُشاهَدٌ حالَ كَمالِ حالِهِ، والثّانِي: ما كانَ حاصِلًا في ابْتِداءِ خِلْقَتِهِ وتَكْوِينِهِ. أمّا القِسْمُ الأوَّلُ: فَأنْواعٌ كَثِيرَةٌ والمَذْكُورُ مِنها في هَذِهِ الآيَةِ أنْواعٌ ثَلاثَةٌ أوَّلُها: حُدُوثُ صُورَتِهِ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وصَوَّرَكُمْ﴾ وثانِيها: حُسْنُ صُورَتِهِ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَأحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾، وثالِثُها: أنَّهُ رَزَقَهُ مِنَ الطَّيِّباتِ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ورَزَقَكم مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ وقَدْ أطْنَبْنا في تَفْسِيرِ هَذِهِ الأشْياءِ في هَذا الكِتابِ مِرارًا لا سِيَّما في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: ٧٠] ولَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ صفحة ٧٤ الدَّلائِلَ الخَمْسَةَ اثْنَيْنِ مِن دَلائِلِ الآفاقِ وثَلاثَةً مِن دَلائِلِ الأنْفُسِ قالَ: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم فَتَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ العالَمِينَ﴾ وتَفْسِيرُ: تَبارَكَ إمّا الدَّوامُ والثَّباتُ وإمّا كَثْرَةُ الخَيْراتِ، ثُمَّ قالَ: ﴿هُوَ الحَيُّ لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ وهَذا يُفِيدُ الحَصْرَ وأنْ لا حَيَّ إلّا هو، فَوَجَبَ أنْ يُحْمَلَ ذَلِكَ عَلى الحَيِّ الَّذِي يَمْتَنِعُ أنْ يَمُوتَ امْتِناعًا ذاتِيًّا وحِينَئِذٍ لا حَيَّ إلّا هو فَكَأنَّهُ أجْرى الشَّيْءَ الَّذِي يَجُوزُ زَوالُهُ مَجْرى المَعْدُومِ. واعْلَمْ أنَّ الحَيَّ عِبارَةٌ عَنِ الدّارِكِ الفَعّالِ، والدّارِكُ إشارَةٌ إلى العِلْمِ التّامِّ، والفَعّالُ إشارَةٌ إلى القُدْرَةِ الكامِلَةِ، ولَمّا نَبَّهَ عَلى هاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ مِن صِفاتِ الجَلالِ نَبَّهَ عَلى الصِّفَةِ الثّالِثَةِ وهي: الوَحْدانِيَّةُ بِقَوْلِهِ: لا إلَهَ إلّا هو، ولَمّا وصَفَهُ بِهَذِهِ الصِّفاتِ أمَرَ العِبادَ بِشَيْئَيْنِ: أحَدُها: بِالدُّعاءِ، والثّانِي: بِالإخْلاصِ فِيهِ، فَقالَ: ﴿فادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ قَوْلَ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهُ لَمّا كانَ مَوْصُوفًا بِصِفاتِ الجَلالِ والعِزَّةِ اسْتَحَقَّ لِذاتِهِ أنْ يُقالَ لَهُ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ، ولَمّا بَيَّنَ صِفاتِ الجَلالِ والعَظَمَةِ قالَ: ﴿قُلْ إنِّي نُهِيتُ أنْ أعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ فَأوْرَدَ ذَلِكَ عَلى المُشْرِكِينَ بِألْيَنِ قَوْلٍ لِيَصْرِفَهم عَنْ عِبادَةِ الأوْثانِ، وبَيَّنَ أنَّ وجْهَ النَّهْيِ في ذَلِكَ ما جاءَهُ مِنَ البَيِّناتِ، وتِلْكَ البَيِّناتُ أنَّ إلَهَ العالَمِ قَدْ ثَبَتَ كَوْنُهُ مَوْصُوفًا بِصِفاتِ الجَلالِ والعَظَمَةِ عَلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وصَرِيحُ العَقْلِ يَشْهَدُ بِأنَّ العِبادَةَ لا تَلِيقُ إلّا بِهِ، وأنَّ جَعْلَ الأحْجارِ المَنحُوتَةِ والخُشُبِ المُصَوَّرَةِ شُرَكاءَ لَهُ في المَعْبُودِيَّةِ مُسْتَنْكَرٌ في بَدِيهَةِ العَقْلِ. ولَمّا بَيَّنَ أنَّهُ أمَرَ بِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى فَقالَ: ﴿وأُمِرْتُ أنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ وإنَّما ذَكَرَ هَذِهِ الأحْكامَ في حَقِّ نَفْسِهِ؛ لِأنَّهم كانُوا يَعْتَقِدُونَ فِيهِ أنَّهُ في غايَةِ العَقْلِ وكَمالِ الجَوْهَرِ، ومِنَ المَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ أنَّ كُلَّ أحَدٍ فَإنَّهُ لا يُرِيدُ لِنَفْسِهِ إلّا الأفْضَلَ الأكْمَلَ، فَإذا ذَكَرَ أنَّ مَصْلَحَتَهُ لا تَتِمُّ إلّا بِالإعْراضِ عَنْ غَيْرِ اللَّهِ والإقْبالِ بِالكُلِّيَّةِ عَلى طاعَةِ اللَّهِ ظَهَرَ بِهِ أنَّ هَذا الطَّرِيقَ أكْمَلُ مِن كُلِّ ما سِواهُ، ثُمَّ قالَ: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن تُرابٍ﴾ . واعْلَمْ أنّا قَدْ ذَكَرْنا أنَّ الدَّلائِلَ عَلى قِسْمَيْنِ: دَلائِلُ الآفاقِ والأنْفُسِ، أمّا دَلائِلُ الآفاقِ فَكَثِيرَةٌ والمَذْكُورُ مِنها في هَذِهِ الآيَةِ أرْبَعَةٌ: اللَّيْلُ، والنَّهارُ، والأرْضُ، والسَّماءُ. وأمّا دَلائِلُ الأنْفُسِ فَقَدْ ذَكَرْنا أنَّها عَلى قِسْمَيْنِ: أحَدُها: الأحْوالُ الحاضِرَةُ حالَ كَمالِ الصِّحَّةِ وهي أقْسامٌ كَثِيرَةٌ، والمَذْكُورُ هَهُنا مِنها ثَلاثَةُ أنْواعٍ: الصُّورَةُ وحُسْنُ الصُّورَةِ ورِزْقُ الطَّيِّباتِ. وأمّا القِسْمُ الثّانِي: وهو كَيْفِيَّةُ تَكَوُّنِ هَذا البَدَنِ مِنِ ابْتِداءِ كَوْنِهِ نُطْفَةً وجَنِينًا إلى آخِرِ الشَّيْخُوخَةِ والمَوْتِ فَهو المَذْكُورُ في هَذِهِ الآيَةِ فَقالَ: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ﴾ فَقِيلَ: المُرادُ آدَمُ، وعِنْدِي لا حاجَةَ إلَيْهِ؛ لِأنَّ كُلَّ إنْسانٍ فَهو مَخْلُوقٌ مِنَ المَنِيِّ ومِن دَمِ الطَّمْثِ، والمَنِيُّ مَخْلُوقٌ مِنَ الدَّمِ. فالإنْسانُ مَخْلُوقٌ مِنَ الدَّمِ والدَّمُ إنَّما يَتَوَلَّدُ مِنَ الأغْذِيَةِ والأغْذِيَةُ إمّا حَيَوانِيَّةً وإمّا نَباتِيَّةً، والحالُ في تَكَوُّنِ ذَلِكَ الحَيَوانِ كالحالِ في تَكَوُّنِ الإنْسانِ، فالأغْذِيَةُ بِأسْرِها مُنْتَهِيَةٌ إلى النَّباتِيَّةِ والنَّبْتُ إنَّما يَكُونُ مِنَ التُّرابِ يَصِيرُ نُطْفَةً ثُمَّ عَلَقَةً بَعْدَ كَوْنِهِ عَلَقَةً مَراتِبُ كَثِيرَةٌ إلى أنْ يَنْفَصِلَ مِن بَطْنِ الأُمِّ، فاللَّهُ تَعالى تَرَكَ ذِكْرَها هَهُنا لِأجْلِ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَها في سائِرِ الآياتِ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى رَتَّبَ عُمْرَ الإنْسانِ عَلى ثَلاثِ مَراتِبَ أوَّلُها: كَوْنُهُ طِفْلًا، وثانِيها: أنْ يَبْلُغَ أشُدَّهُ، وثالِثُها: الشَّيْخُوخَةُ وهَذا تَرْتِيبٌ صَحِيحٌ مُطابِقٌ لِلْعَقْلِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ الإنْسانَ في أوَّلِ عُمْرِهِ يَكُونُ في التَّزايُدِ والنُّشُوءِ صفحة ٧٥ والنَّماءِ وهو المُسَمّى بِالطُّفُولِيَّةِ. والمَرْتَبَةُ الثّانِيَةُ: أنْ يَبْلُغَ إلى كَمالِ النُّشُوءِ وإلى أشُدِّ السِّنِّ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ قَدْ حَصَلَ فِيهِ نَوْعٌ مِن أنْواعِ الضَّعْفِ والنَّقْصِ، وهَذِهِ المَرْتَبَةُ هي المُرادُ مِن قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا﴾ وإذا عَرَفْتَ هَذا التَّقْسِيمَ عَرَفْتَ أنَّ مَراتِبَ العُمْرِ بِحَسَبِ هَذا التَّقْسِيمِ لا تَزِيدُ عَلى هَذِهِ الثَّلاثَةِ، قالَ صاحِبُ الكَشّافِ " قَوْلُهُ ﴿لِتَبْلُغُوا أشُدَّكُمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ ثُمَّ يُبْقِيكم لِتَبْلُغُوا. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿ومِنكم مَن يُتَوَفّى مِن قَبْلُ﴾ أيْ مِن قَبْلِ الشَّيْخُوخَةِ أوْ مِن قَبْلِ هَذِهِ الأحْوالِ إذا خَرَجَ سَقْطًا. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿ولِتَبْلُغُوا أجَلًا مُسَمًّى﴾ ومَعْناهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ لِتَبْلُغُوا أجَلًا مُسَمًّى وهو وقْتُ المَوْتِ وقِيلَ يَوْمُ القِيامَةِ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿ولَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ ما في هَذِهِ الأحْوالِ العَجِيبَةِ مِن أنْواعِ العِبَرِ وأقْسامِ الدَّلائِلِ.

غافر 40:67

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ قَرارًا والسَّماءَ بِناءً وصَوَّرَكم فَأحْسَنَ صُوَرَكم ورَزَقَكم مِنَ الطَّيِّباتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم فَتَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ العالَمِينَ﴾ ﴿هُوَ الحَيُّ لا إلَهَ إلّا هو فادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿قُلْ إنِّي نُهِيتُ أنْ أعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَمّا جاءَنِيَ البَيِّناتُ مِن رَبِّي وأُمِرْتُ أنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ مِن عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكم طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أشُدَّكم ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا ومِنكم مَن يُتَوَفّى مِن قَبْلُ ولِتَبْلُغُوا أجَلًا مُسَمًّى ولَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ اعْلَمْ أنا بَيَّنّا أنَّ دَلائِلَ وُجُودِ اللَّهِ وقُدْرَتِهِ إمّا أنْ تَكُونَ مِن دَلائِلِ الآفاقِ أوْ مِن بابِ دَلائِلِ الأنْفُسِ، أمّا دَلائِلُ الآفاقِ فالمُرادُ كُلُّ ما هو غَيْرُ الإنْسانِ مِن كُلِّ هَذا العالَمِ وهي أقْسامٌ كَثِيرَةٌ، والمَذْكُورُ مِنها في هَذِهِ الآيَةِ أقْسامٌ مِنها أحْوالُ اللَّيْلِ والنَّهارِ وقَدْ سَبَقَ ذِكْرُهُ. وثانِيها: الأرْضُ والسَّماءُ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ قَرارًا والسَّماءَ بِناءً﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ ﴿قَرارًا﴾ أيْ مَنزِلًا في حالِ الحَياةِ وبَعْدَ المَوْتِ ﴿والسَّماءَ بِناءً﴾ كالقُبَّةِ المَضْرُوبَةِ عَلى الأرْضِ، وقِيلَ مَسَكَ الأرْضَ بِلا عَمَدٍ حَتّى أمْكَنَ التَّصَرُّفَ عَلَيْها ﴿والسَّماءَ بِناءً﴾ أيْ قائِمًا ثابِتًا وإلّا لَوَقَعَتْ عَلَيْنا، وأمّا دَلائِلُ الأنْفُسِ فالمُرادُ مِنها دَلالَةُ أحْوالِ بَدَنِ الإنْسانِ ودَلالَةُ أحْوالِ نَفْسِهِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ القادِرِ الحَكِيمِ، والمَذْكُورُ مِنها في هَذِهِ الآيَةِ قِسْمانِ أحَدُها: ما هو حاصِلٌ مُشاهَدٌ حالَ كَمالِ حالِهِ، والثّانِي: ما كانَ حاصِلًا في ابْتِداءِ خِلْقَتِهِ وتَكْوِينِهِ. أمّا القِسْمُ الأوَّلُ: فَأنْواعٌ كَثِيرَةٌ والمَذْكُورُ مِنها في هَذِهِ الآيَةِ أنْواعٌ ثَلاثَةٌ أوَّلُها: حُدُوثُ صُورَتِهِ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وصَوَّرَكُمْ﴾ وثانِيها: حُسْنُ صُورَتِهِ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَأحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾، وثالِثُها: أنَّهُ رَزَقَهُ مِنَ الطَّيِّباتِ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ورَزَقَكم مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ وقَدْ أطْنَبْنا في تَفْسِيرِ هَذِهِ الأشْياءِ في هَذا الكِتابِ مِرارًا لا سِيَّما في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: ٧٠] ولَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ صفحة ٧٤ الدَّلائِلَ الخَمْسَةَ اثْنَيْنِ مِن دَلائِلِ الآفاقِ وثَلاثَةً مِن دَلائِلِ الأنْفُسِ قالَ: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم فَتَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ العالَمِينَ﴾ وتَفْسِيرُ: تَبارَكَ إمّا الدَّوامُ والثَّباتُ وإمّا كَثْرَةُ الخَيْراتِ، ثُمَّ قالَ: ﴿هُوَ الحَيُّ لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ وهَذا يُفِيدُ الحَصْرَ وأنْ لا حَيَّ إلّا هو، فَوَجَبَ أنْ يُحْمَلَ ذَلِكَ عَلى الحَيِّ الَّذِي يَمْتَنِعُ أنْ يَمُوتَ امْتِناعًا ذاتِيًّا وحِينَئِذٍ لا حَيَّ إلّا هو فَكَأنَّهُ أجْرى الشَّيْءَ الَّذِي يَجُوزُ زَوالُهُ مَجْرى المَعْدُومِ. واعْلَمْ أنَّ الحَيَّ عِبارَةٌ عَنِ الدّارِكِ الفَعّالِ، والدّارِكُ إشارَةٌ إلى العِلْمِ التّامِّ، والفَعّالُ إشارَةٌ إلى القُدْرَةِ الكامِلَةِ، ولَمّا نَبَّهَ عَلى هاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ مِن صِفاتِ الجَلالِ نَبَّهَ عَلى الصِّفَةِ الثّالِثَةِ وهي: الوَحْدانِيَّةُ بِقَوْلِهِ: لا إلَهَ إلّا هو، ولَمّا وصَفَهُ بِهَذِهِ الصِّفاتِ أمَرَ العِبادَ بِشَيْئَيْنِ: أحَدُها: بِالدُّعاءِ، والثّانِي: بِالإخْلاصِ فِيهِ، فَقالَ: ﴿فادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ قَوْلَ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهُ لَمّا كانَ مَوْصُوفًا بِصِفاتِ الجَلالِ والعِزَّةِ اسْتَحَقَّ لِذاتِهِ أنْ يُقالَ لَهُ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ، ولَمّا بَيَّنَ صِفاتِ الجَلالِ والعَظَمَةِ قالَ: ﴿قُلْ إنِّي نُهِيتُ أنْ أعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ فَأوْرَدَ ذَلِكَ عَلى المُشْرِكِينَ بِألْيَنِ قَوْلٍ لِيَصْرِفَهم عَنْ عِبادَةِ الأوْثانِ، وبَيَّنَ أنَّ وجْهَ النَّهْيِ في ذَلِكَ ما جاءَهُ مِنَ البَيِّناتِ، وتِلْكَ البَيِّناتُ أنَّ إلَهَ العالَمِ قَدْ ثَبَتَ كَوْنُهُ مَوْصُوفًا بِصِفاتِ الجَلالِ والعَظَمَةِ عَلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وصَرِيحُ العَقْلِ يَشْهَدُ بِأنَّ العِبادَةَ لا تَلِيقُ إلّا بِهِ، وأنَّ جَعْلَ الأحْجارِ المَنحُوتَةِ والخُشُبِ المُصَوَّرَةِ شُرَكاءَ لَهُ في المَعْبُودِيَّةِ مُسْتَنْكَرٌ في بَدِيهَةِ العَقْلِ. ولَمّا بَيَّنَ أنَّهُ أمَرَ بِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى فَقالَ: ﴿وأُمِرْتُ أنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ وإنَّما ذَكَرَ هَذِهِ الأحْكامَ في حَقِّ نَفْسِهِ؛ لِأنَّهم كانُوا يَعْتَقِدُونَ فِيهِ أنَّهُ في غايَةِ العَقْلِ وكَمالِ الجَوْهَرِ، ومِنَ المَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ أنَّ كُلَّ أحَدٍ فَإنَّهُ لا يُرِيدُ لِنَفْسِهِ إلّا الأفْضَلَ الأكْمَلَ، فَإذا ذَكَرَ أنَّ مَصْلَحَتَهُ لا تَتِمُّ إلّا بِالإعْراضِ عَنْ غَيْرِ اللَّهِ والإقْبالِ بِالكُلِّيَّةِ عَلى طاعَةِ اللَّهِ ظَهَرَ بِهِ أنَّ هَذا الطَّرِيقَ أكْمَلُ مِن كُلِّ ما سِواهُ، ثُمَّ قالَ: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن تُرابٍ﴾ . واعْلَمْ أنّا قَدْ ذَكَرْنا أنَّ الدَّلائِلَ عَلى قِسْمَيْنِ: دَلائِلُ الآفاقِ والأنْفُسِ، أمّا دَلائِلُ الآفاقِ فَكَثِيرَةٌ والمَذْكُورُ مِنها في هَذِهِ الآيَةِ أرْبَعَةٌ: اللَّيْلُ، والنَّهارُ، والأرْضُ، والسَّماءُ. وأمّا دَلائِلُ الأنْفُسِ فَقَدْ ذَكَرْنا أنَّها عَلى قِسْمَيْنِ: أحَدُها: الأحْوالُ الحاضِرَةُ حالَ كَمالِ الصِّحَّةِ وهي أقْسامٌ كَثِيرَةٌ، والمَذْكُورُ هَهُنا مِنها ثَلاثَةُ أنْواعٍ: الصُّورَةُ وحُسْنُ الصُّورَةِ ورِزْقُ الطَّيِّباتِ. وأمّا القِسْمُ الثّانِي: وهو كَيْفِيَّةُ تَكَوُّنِ هَذا البَدَنِ مِنِ ابْتِداءِ كَوْنِهِ نُطْفَةً وجَنِينًا إلى آخِرِ الشَّيْخُوخَةِ والمَوْتِ فَهو المَذْكُورُ في هَذِهِ الآيَةِ فَقالَ: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ﴾ فَقِيلَ: المُرادُ آدَمُ، وعِنْدِي لا حاجَةَ إلَيْهِ؛ لِأنَّ كُلَّ إنْسانٍ فَهو مَخْلُوقٌ مِنَ المَنِيِّ ومِن دَمِ الطَّمْثِ، والمَنِيُّ مَخْلُوقٌ مِنَ الدَّمِ. فالإنْسانُ مَخْلُوقٌ مِنَ الدَّمِ والدَّمُ إنَّما يَتَوَلَّدُ مِنَ الأغْذِيَةِ والأغْذِيَةُ إمّا حَيَوانِيَّةً وإمّا نَباتِيَّةً، والحالُ في تَكَوُّنِ ذَلِكَ الحَيَوانِ كالحالِ في تَكَوُّنِ الإنْسانِ، فالأغْذِيَةُ بِأسْرِها مُنْتَهِيَةٌ إلى النَّباتِيَّةِ والنَّبْتُ إنَّما يَكُونُ مِنَ التُّرابِ يَصِيرُ نُطْفَةً ثُمَّ عَلَقَةً بَعْدَ كَوْنِهِ عَلَقَةً مَراتِبُ كَثِيرَةٌ إلى أنْ يَنْفَصِلَ مِن بَطْنِ الأُمِّ، فاللَّهُ تَعالى تَرَكَ ذِكْرَها هَهُنا لِأجْلِ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَها في سائِرِ الآياتِ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى رَتَّبَ عُمْرَ الإنْسانِ عَلى ثَلاثِ مَراتِبَ أوَّلُها: كَوْنُهُ طِفْلًا، وثانِيها: أنْ يَبْلُغَ أشُدَّهُ، وثالِثُها: الشَّيْخُوخَةُ وهَذا تَرْتِيبٌ صَحِيحٌ مُطابِقٌ لِلْعَقْلِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ الإنْسانَ في أوَّلِ عُمْرِهِ يَكُونُ في التَّزايُدِ والنُّشُوءِ صفحة ٧٥ والنَّماءِ وهو المُسَمّى بِالطُّفُولِيَّةِ. والمَرْتَبَةُ الثّانِيَةُ: أنْ يَبْلُغَ إلى كَمالِ النُّشُوءِ وإلى أشُدِّ السِّنِّ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ قَدْ حَصَلَ فِيهِ نَوْعٌ مِن أنْواعِ الضَّعْفِ والنَّقْصِ، وهَذِهِ المَرْتَبَةُ هي المُرادُ مِن قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا﴾ وإذا عَرَفْتَ هَذا التَّقْسِيمَ عَرَفْتَ أنَّ مَراتِبَ العُمْرِ بِحَسَبِ هَذا التَّقْسِيمِ لا تَزِيدُ عَلى هَذِهِ الثَّلاثَةِ، قالَ صاحِبُ الكَشّافِ " قَوْلُهُ ﴿لِتَبْلُغُوا أشُدَّكُمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ ثُمَّ يُبْقِيكم لِتَبْلُغُوا. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿ومِنكم مَن يُتَوَفّى مِن قَبْلُ﴾ أيْ مِن قَبْلِ الشَّيْخُوخَةِ أوْ مِن قَبْلِ هَذِهِ الأحْوالِ إذا خَرَجَ سَقْطًا. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿ولِتَبْلُغُوا أجَلًا مُسَمًّى﴾ ومَعْناهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ لِتَبْلُغُوا أجَلًا مُسَمًّى وهو وقْتُ المَوْتِ وقِيلَ يَوْمُ القِيامَةِ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿ولَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ ما في هَذِهِ الأحْوالِ العَجِيبَةِ مِن أنْواعِ العِبَرِ وأقْسامِ الدَّلائِلِ.