Lafzullah

Tafsir Al-Razi — الزخرف 43:62 – الدخان 44:11

المؤلف / المصدر: Tafsir Al-Razi

المحتويات
  1. الزخرف 43:62
  2. الزخرف 43:63
  3. الزخرف 43:64
  4. الزخرف 43:65
  5. الزخرف 43:66
  6. الزخرف 43:67
  7. الزخرف 43:68
  8. الزخرف 43:69
  9. الزخرف 43:70
  10. الزخرف 43:71
  11. الزخرف 43:72
  12. الزخرف 43:73
  13. الزخرف 43:74
  14. الزخرف 43:75
  15. الزخرف 43:76
  16. الزخرف 43:77
  17. الزخرف 43:78
  18. الزخرف 43:79
  19. الزخرف 43:80
  20. الزخرف 43:81
  21. الزخرف 43:82
  22. الزخرف 43:83
  23. الزخرف 43:84
  24. الزخرف 43:85
  25. الزخرف 43:86
  26. الزخرف 43:87
  27. الزخرف 43:88
  28. الزخرف 43:89
  29. الدخان 44:1
  30. الدخان 44:2
  31. الدخان 44:3
  32. الدخان 44:4
  33. الدخان 44:5
  34. الدخان 44:6
  35. الدخان 44:7
  36. الدخان 44:8
  37. الدخان 44:9
  38. الدخان 44:10
  39. الدخان 44:11

الزخرف 43:62

قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا إلى فِرْعَوْنَ﴾ ﴿ومَلَئِهِ فَقالَ إنِّي رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿فَلَمّا جاءَهم بِآياتِنا إذا هم مِنها يَضْحَكُونَ﴾ ﴿وما نُرِيهِمْ مِن آيَةٍ إلّا هي أكْبَرُ مِن أُخْتِها وأخَذْناهم بِالعَذابِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ ﴿وقالُوا ياأيُّها السّاحِرُ ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ إنَّنا لَمُهْتَدُونَ﴾ ﴿فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُمُ العَذابَ إذا هم يَنْكُثُونَ﴾ ﴿ونادى فِرْعَوْنُ في قَوْمِهِ قالَ ياقَوْمِ ألَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وهَذِهِ الأنْهارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ ﴿أمْ أنا خَيْرٌ مِن هَذا الَّذِي هو مَهِينٌ ولا يَكادُ يُبِينُ﴾ ﴿فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أسْوِرَةٌ مِن ذَهَبٍ أوْ جاءَ مَعَهُ المَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾ ﴿فاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأطاعُوهُ إنَّهم كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ ﴿فَلَمّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنهم فَأغْرَقْناهم أجْمَعِينَ﴾ وفِي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن إعادَةِ قِصَّةِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وفِرْعَوْنَ في هَذا المَقامِ تَقْرِيرُ الكَلامِ الَّذِي تَقَدَّمَ، وذَلِكَ لِأنَّ كُفّارَ قُرَيْشٍ طَعَنُوا في نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ بِسَبَبِ كَوْنِهِ فَقِيرًا عَدِيمَ المالِ والجاهِ، فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بَعْدَ أنْ أوْرَدَ المُعْجِزاتِ القاهِرَةَ الباهِرَةَ الَّتِي لا يَشُكُّ في صِحَّتِها عاقِلٌ أوْرَدَ فِرْعَوْنُ عَلَيْهِ هَذِهِ الشُّبْهَةَ الَّتِي ذَكَرَها كُفّارُ قُرَيْشٍ، فَقالَ: إنِّي غَنِيٌّ كَثِيرُ المالِ والجاهِ، ألا تَرَوْنَ أنَّهُ حَصَلَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وهَذِهِ الأنْهارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي، وأمّا مُوسى فَإنَّهُ فَقِيرٌ مَهِينٌ ولَيْسَ لَهُ بَيانٌ ولِسانٌ، والرَّجُلُ الفَقِيرُ كَيْفَ يَكُونُ رَسُولًا مِن عِنْدِ اللَّهِ إلى المَلِكِ الكَبِيرِ الغَنِيِّ، فَثَبَتَ أنَّ هَذِهِ الشُّبْهَةَ الَّتِي ذَكَرَها كُفّارُ مَكَّةَ، وهي قَوْلُهم ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٣١] وقَدْ أوْرَدَها بِعَيْنِها فِرْعَوْنُ عَلى مُوسى، ثُمَّ إنّا انْتَقَمْنا مِنهم فَأغْرَقْناهم، والمَقْصُودُ مِن إيرادِ هَذِهِ القِصَّةِ - تَقْرِيرُ أمْرَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ الكُفّارَ والجُهّالَ أبَدًا يَحْتَجُّونَ عَلى الأنْبِياءِ بِهَذِهِ الشُّبْهَةِ الرَّكِيكَةِ فَلا يُبالى بِها ولا يُلْتَفَتُ إلَيْها. والثّانِي: أنَّ فِرْعَوْنَ عَلى غايَةِ كَمالِ حالِهِ في الدُّنْيا صارَ مَقْهُورًا باطِلًا، فَيَكُونُ الأمْرُ في حَقِّ أعْدائِكَ هَكَذا، فَثَبَتَ أنَّهُ لَيْسَ المَقْصُودُ مِن إعادَةِ هَذِهِ القِصَّةِ عَيْنَ هَذِهِ القِصَّةِ، بَلِ المَقْصُودُ تَقْرِيرُ الجَوابِ عَنِ الشُّبْهَةِ المَذْكُورَةِ، وعَلى هَذا صفحة ١٨٧ فَلا يَكُونُ هَذا تَقْرِيرًا لِلْقِصَّةِ البَتَّةَ، وهَذا مِن نَفائِسِ الأبْحاثِ، واللَّهُ أعْلَمُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ في تَفْسِيرِ الألْفاظِ: ذَكَرَ تَعالى أنَّهُ أرْسَلَ مُوسى بِآياتِهِ، وهي المُعْجِزاتُ الَّتِي كانَتْ مَعَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ، أيْ قَوْمِهِ، فَقالَ مُوسى: إنِّي رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ، فَلَمّا جاءَهم بِتِلْكَ الآياتِ إذا هم مِنها يَضْحَكُونَ، قِيلَ: إنَّهُ لَمّا ألْقى عَصاهُ صارَ ثُعْبانًا ثُمَّ أخَذَهُ فَعادَ عَصًا كَما كانَ - ضَحِكُوا، ولَمّا عَرَضَ عَلَيْهِمُ اليَدَ البَيْضاءَ ثُمَّ عادَتْ كَما كانَتْ - ضَحِكُوا، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ جازَ أنْ يُجابَ عَنْ ”لَمّا“ بِـ ”إذا“ الَّذِي يُفِيدُ المُفاجَأةَ ؟ قُلْنا: لِأنَّ فِعْلَ المُفاجَأةِ مَعَها مُقَدَّرٌ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: فَلَمّا جاءَهم بِآياتِنا فاجَئُوا وقْتَ ضَحِكِهِمْ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿وما نُرِيهِمْ مِن آيَةٍ إلّا هي أكْبَرُ مِن أُخْتِها﴾ فَإنْ قِيلَ: ظاهِرُ اللَّفْظِ يَقْتَضِي كَوْنَ كُلِّ واحِدٍ مِنها أفْضَلَ مِنَ التّالِي، وذَلِكَ مُحالٌ، قُلْنا: إذا أُرِيدَ المُبالَغَةُ في كَوْنِ كُلٍّ مِن تِلْكَ الأشْياءِ بالِغًا إلى أقْصى الدَّرَجاتِ في الفَضِيلَةِ، فَقَدْ يُذْكَرُ هَذا الكَلامُ بِمَعْنى أنَّهُ لا يَبْعُدُ في أُناسٍ يَنْظُرُونَ إلَيْها أنْ يَقُولَ هَذا: إنَّ هَذا أفْضَلُ مِنَ الثّانِي، وأنْ يَقُولَ الثّانِي: لا بَلِ الثّانِي أفْضَلُ، وأنْ يَقُولَ الثّالِثُ: لا بَلِ الثّالِثُ أفْضَلُ، وحِينَئِذٍ يَصِيرُ كُلُّ واحِدٍ مِن تِلْكَ الأشْياءِ مَقُولًا فِيهِ: إنَّهُ أفْضَلُ مِن غَيْرِهِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وأخَذْناهم بِالعَذابِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ أيْ عَنِ الكُفْرِ إلى الإيمانِ، قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى يُرِيدُ الإيمانَ مِنَ الكُلِّ وأنَّهُ إنَّما أظْهَرَ تِلْكَ المُعْجِزاتِ القاهِرَةَ لِإرادَةِ أنْ يَرْجِعُوا مِنَ الكُفْرِ إلى الإيمانِ، قالَ المُفَسِّرُونَ: ومَعْنى قَوْلِهِ ﴿وأخَذْناهم بِالعَذابِ﴾ أيْ بِالأشْياءِ الَّتِي سَلَّطَها عَلَيْها كالطُّوفانِ والجَرادِ والقُمَّلِ والضَّفادِعِ والدَّمِ والطَّمْسِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وقالُوا ياأيُّها السّاحِرُ ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ إنَّنا لَمُهْتَدُونَ﴾ فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ سَمَّوْهُ بِالسّاحِرِ مَعَ قَوْلِهِمْ ﴿إنَّنا لَمُهْتَدُونَ﴾ ؟ قُلْنا: فِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ لِلْعالِمِ الماهِرِ ساحِرٌ، لِأنَّهم كانُوا يَسْتَعْظِمُونَ السِّحْرَ، وكَما يُقالُ في زَمانِنا في العامِلِ العَجِيبِ الكامِلِ إنَّهُ أتى بِالسِّحْرِ. الثّانِي: ﴿ياأيُّها السّاحِرُ﴾ في زَعْمِ النّاسِ ومُتَعارَفِ قَوْمِ فِرْعَوْنَ كَقَوْلِهِ ﴿وقالُوا ياأيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحِجْرِ: ٦] أيْ نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ في اعْتِقادِهِ وزَعْمِهِ. الثّالِثُ: أنَّ قَوْلَهم ﴿إنَّنا لَمُهْتَدُونَ﴾ وقَدْ كانُوا عازِمِينَ عَلى خِلافِهِ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ ﴿فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُمُ العَذابَ إذا هم يَنْكُثُونَ﴾ فَتَسْمِيَتُهم إيّاهُ بِالسِّحْرِ لا يُنافِي قَوْلَهم ﴿إنَّنا لَمُهْتَدُونَ﴾ ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ لَمّا كَشَفَ عَنْهُمُ العَذابَ نَكَثُوا ذَلِكَ العَهْدَ. ولَمّا حَكى اللَّهُ تَعالى مُعامَلَةَ فِرْعَوْنَ مَعَ مُوسى، حَكى أيْضًا مُعامَلَةَ فِرْعَوْنَ مَعَهُ فَقالَ: ﴿ونادى فِرْعَوْنُ في قَوْمِهِ﴾ والمَعْنى أنَّهُ أظْهَرَ هَذا القَوْلَ، فَقالَ: ﴿ياقَوْمِ ألَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وهَذِهِ الأنْهارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي﴾ يَعْنِي الأنْهارَ الَّتِي فَصَلُوها مِنَ النِّيلِ، ومُعْظَمُها أرْبَعَةٌ: نَهْرُ المَلِكِ ونَهْرُ طُولُونَ ونَهْرُ دِمْياطَ ونَهْرُ تِنِّيسَ، قِيلَ: كانَتْ تَجْرِي تَحْتَ قَصْرِهِ، وحاصِلُ الأمْرِ أنَّهُ احْتَجَّ بِكَثْرَةِ أمْوالِهِ وقُوَّةِ جاهِهِ عَلى فَضِيلَةِ نَفْسِهِ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿أمْ أنا خَيْرٌ مِن هَذا الَّذِي هو مَهِينٌ ولا يَكادُ يُبِينُ﴾ وعَنى بِكَوْنِهِ مَهِينًا كَوْنَهُ فَقِيرًا ضَعِيفَ الحالِ، وبِقَوْلِهِ ﴿ولا يَكادُ يُبِينُ﴾ حَبْسَةً كانَتْ في لِسانِهِ، واخْتَلَفُوا في مَعْنى ”أمْ“ هَهُنا، فَقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَجازُها: بَلْ أنا خَيْرٌ، وعَلى هَذا فَقَدَ تَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ ثُمَّ ابْتَدَأ فَقالَ: ﴿أمْ أنا خَيْرٌ﴾ بِمَعْنى بَلْ أنا خَيْرٌ، وقالَ الباقُونَ: ”أمْ“ هَذِهِ مُتَّصِلَةٌ؛ لِأنَّ المَعْنى ﴿أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ أمْ تُبْصِرُونَ، إلّا أنَّهُ وضَعَ قَوْلَهُ ﴿أنا خَيْرٌ﴾ مَوْضِعَ ”تُبْصِرُونَ“، لِأنَّهم إذا قالُوا لَهُ: أنْتَ خَيْرٌ، فَهم عِنْدَهُ بُصَراءُ، وقالَ آخَرُونَ: إنَّ تَمامَ الكَلامِ عِنْدَ قَوْلِهِ ”أمْ“، وقَوْلُهُ صفحة ١٨٨ ﴿أنا خَيْرٌ﴾ ابْتِداءُ الكَلامِ، والتَّقْدِيرُ: ﴿أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ أمْ تُبْصِرُونَ، لَكِنَّهُ اكْتَفى فِيهِ بِذِكْرِ ”أمْ“ كَما تَقُولُ لِغَيْرِكَ: أتَأْكُلُ أمْ. أيْ: أتَأْكُلُ أمْ لا تَأْكُلُ، تَقْتَصِرُ عَلى ذِكْرِ كَلِمَةِ ”أمْ“ إيثارًا لِلِاخْتِصارِ، فَكَذا هَهُنا، فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - سَألَ اللَّهَ تَعالى أنْ يُزِيلَ الرَّتَّةَ عَنْ لِسانِهِ بِقَوْلِهِ ﴿واحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِسانِي﴾ ﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ [طه: ٢٧] فَأعْطاهُ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﴿قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يامُوسى﴾ فَكَيْفَ عابَهُ فِرْعَوْنُ بِتِلْكَ الرَّتَّةِ ؟ والجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ فِرْعَوْنَ أرادَ بِقَوْلِهِ ﴿ولا يَكادُ يُبِينُ﴾ حُجَّتَهُ الَّتِي تَدُلُّ عَلى صِدْقِهِ فِيما يَدَّعِي، ولَمْ يُرِدْ أنَّهُ لا قُدْرَةَ لَهُ عَلى الكَلامِ. والثّانِي: أنَّهُ عابَهُ بِما كانَ عَلَيْهِ أوَّلًا، وذَلِكَ أنَّ مُوسى كانَ عِنْدَ فِرْعَوْنَ زَمانًا طَوِيلًا وفي لِسانِهِ حَبْسَةٌ، فَنَسَبَهُ فِرْعَوْنُ إلى ما عَهِدَهُ عَلَيْهِ مِنَ الرَّتَّةِ لِأنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى أزالَ ذَلِكَ العَيْبَ عَنْهُ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أسْوِرَةٌ مِن ذَهَبٍ﴾ والمُرادُ أنَّ عادَةَ القَوْمِ جَرَتْ بِأنَّهم إذا جَعَلُوا واحِدًا مِنهم رَئِيسًا لَهم سَوَّرُوهُ بِسِوارٍ مَن ذَهَبٍ وطَوَّقُوهُ بِطَوْقٍ مِن ذَهَبٍ، فَطَلَبَ فِرْعَوْنُ مِن مُوسى مِثْلَ هَذِهِ الحالَةِ، واخْتَلَفَ القُرّاءُ في ”أسْوِرَةٌ“، فَبَعْضُهم قَرَأ: ”أسْوِرَةٌ“، وآخَرُونَ: ”أساوِرَةٌ“، فَأسْوِرَةٌ جَمْعُ سِوارٍ لِأدْنى العَدَدِ، كَقَوْلِكَ حِمارٌ وأحْمِرَةٌ وغُرابٌ وأغْرِبَةٌ، ومَن قَرَأ ”أساوِرَةٌ“ فَذاكَ لِأنَّ أساوِيرَ جَمْعُ أسْوارٍ، وهو السُّوارُ، فَأساوِرَةٌ تَكُونُ الهاءُ عِوَضًا عَنِ الياءِ، نَحْوَ بِطْرِيقٍ وبَطارِقَةٍ وزِنْدِيقٍ وزَنادِقَةٍ وفِرْزِينٍ وفَرازِنَةٍ، فَتَكُونُ أساوِرَةٌ جَمْعَ أسْوارٍ، وحاصِلُ الكَلامِ يَرْجِعُ إلى حَرْفٍ واحِدٍ، وهو أنَّ فِرْعَوْنَ كانَ يَقُولُ أنا أكْثَرُ مالًا وجاهًا، فَوَجَبَ أنْ أكُونَ أفْضَلَ مِنهُ، فَيَمْتَنِعُ كَوْنُهُ رَسُولًا مِنَ اللَّهِ، لِأنَّ مَنصِبَ النُّبُوَّةِ يَقْتَضِي المَخْدُومِيَّةَ، والأخَسُّ لا يَكُونُ مَخْدُومًا لِلْأشْرَفِ، ثُمَّ المُقَدِّمَةُ الفاسِدَةُ هي قَوْلُهُ: مَن كانَ أكْثَرَ مالًا وجاهًا فَهو أفْضَلُ، وهي عَيْنُ المُقَدِّمَةِ الَّتِي تَمَسَّكَ بِها كُفّارُ قُرَيْشٍ في قَوْلِهِمْ ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿أوْ جاءَ مَعَهُ المَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مُقْرِنِينَ بِهِ، مِن قَوْلِكَ: قَرَنْتُهُ بِهِ فاقْتَرَنَ، وأنْ يَكُونَ مِن قَوْلِهِمُ: اقْتَرَنُوا بِمَعْنى تَقارَنُوا، قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ يَمْشُونَ مَعَهُ فَيَدُلُّونَ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأطاعُوهُ﴾ أيْ طَلَبَ مِنهُمُ الخِفَّةَ في الإتْيانِ بِما كانَ يَأْمُرُهم بِهِ فَأطاعُوهُ ﴿إنَّهم كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ حَيْثُ أطاعُوا ذَلِكَ الجاهِلَ الفاسِقَ ﴿فَلَمّا آسَفُونا﴾ أغْضَبُونا، حُكِيَ أنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ غَضِبَ في شَيْءٍ، فَقِيلَ لَهُ: أتَغْضَبُ يا أبا خالِدٍ ؟ فَقالَ: قَدْ غَضِبَ الَّذِي خَلَقَ الأحْلامَ، إنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿فَلَمّا آسَفُونا﴾ أيْ أغْضَبُونا. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿انْتَقَمْنا مِنهُمْ﴾ واعْلَمْ أنَّ ذِكْرَ لَفْظِ الأسَفِ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى مُحالٌ، وذِكْرُ لَفْظِ الِانْتِقامِ وكُلِّ واحِدٍ مِنهُما مِنَ المُتَشابِهاتِ الَّتِي يَجِبُ أنْ يُصارَ فِيها إلى التَّأْوِيلِ، ومَعْنى الغَضَبِ في حَقِّ اللَّهِ إرادَةُ العِقابِ، ومَعْنى الِانْتِقامِ إرادَةُ العِقابِ لِجُرْمٍ سابِقٍ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَجَعَلْناهم سَلَفًا ومَثَلًا﴾ السَّلَفُ كُلُّ شَيْءٍ قَدَّمْتَهُ مِن عَمَلٍ صالِحٍ أوْ قَرْضٍ فَهو سَلَفٌ، والسَّلَفُ أيْضًا مَن تَقَدَّمَ مِن آبائِكَ وأقارِبِكَ، واحِدُهم سالِفٌ، ومِنهُ قَوْلُ طُفَيْلٍ يَرْثِي قَوْمَهُ: مَضَوْا سَلَفًا قَصْدَ السَّبِيلِ عَلَيْهِمُ وصَرْفُ المَنايا بِالرِّجالِ تُقَلَّبُ فَعَلى هَذا قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: يَقُولُ: جَعَلْناهم مُتَقَدِّمِينَ لِيَتَّعِظَ بِهِمُ الآخَرُونَ، أيْ: جَعَلْناهم سَلَفًا لِكُفّارِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ. وأكْثَرُ القُرّاءِ قَرَءُوا بِالفَتْحِ، وهو جَمْعُ سالِفٍ كَما ذَكَرْناهُ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: ”سُلَفًا“ صفحة ١٨٩ بِالضَّمِّ، وهو جَمْعُ سَلَفٍ، قالَ اللَّيْثُ: يُقالُ سَلُفَ - بِضَمِّ اللّامِ - يَسْلُفُ سُلُوفًا، فَهو سُلُفٌ، أيْ: مُتَقَدِّمٌ، وقَوْلُهُ ﴿ومَثَلًا لِلْآخِرِينَ﴾ يُرِيدُ عِظَةً لِمَن بَقِيَ بَعْدَهم وآيَةً وعِبْرَةً، قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: المَثَلُ واحِدٌ يُرادُ بِهِ الجَمْعَ، ومِن ثَمَّ عُطِفَ عَلى سَلَفٍ، والدَّلِيلُ عَلى وُقُوعِهِ عَلى أكْثَرَ مِن واحِدٍ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ ومَن رَزَقْناهُ﴾ [النَّحْلِ: ٧٥] فَأدْخَلَ تَحْتَ المَثَلِ شَيْئَيْنِ، واللَّهُ أعْلَمُ. * * قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولَمّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إذا قَوْمُكَ مِنهُ يَصِدُّونَ﴾ ﴿وقالُوا أآلِهَتُنا خَيْرٌ أمْ هو ما ضَرَبُوهُ لَكَ إلّا جَدَلًا بَلْ هم قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ ﴿إنْ هو إلّا عَبْدٌ أنْعَمْنا عَلَيْهِ وجَعَلْناهُ مَثَلًا لِبَنِي إسْرائِيلَ﴾ ﴿ولَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنكم مَلائِكَةً في الأرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ ﴿وإنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِها واتَّبِعُونِ هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ ﴿ولا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطانُ إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ ٥٠ في الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أنْواعًا كَثِيرَةً مَن كُفْرِيّاتِهِمْ في هَذِهِ السُّورَةِ، وأجابَ عَنْها بِالوُجُوهِ الكَثِيرَةِ: فَأوَّلُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلُوا لَهُ مِن عِبادِهِ جُزْءًا﴾ . وثانِيها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا﴾ . وثالِثُها: قَوْلُهُ ﴿وقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ ما عَبَدْناهُمْ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٢٠] . ورابِعُها: قَوْلُهُ ﴿وقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٣١] . وخامِسُها: هَذِهِ الآيَةُ الَّتِي نَحْنُ الآنَ في تَفْسِيرِها، ولَفْظُ الآيَةِ لا يَدُلُّ إلّا عَلى أنَّهُ لَمّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا أخَذَ القَوْمُ يَضِجُّونَ ويَرْفَعُونَ أصْواتَهم، فَأمّا أنَّ ذَلِكَ المَثَلَ كَيْفَ كانَ، وفي أيِّ شَيْءٍ كانَ، فاللَّفْظُ لا يَدُلُّ عَلَيْهِ، والمُفَسِّرُونَ ذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا، كُلُّها مُحْتَمَلَةٌ: فالأوَّلُ: أنَّ الكُفّارَ لَمّا سَمِعُوا أنَّ النَّصارى يَعْبُدُونَ عِيسى، قالُوا: إذا عَبَدُوا عِيسى فَآلِهَتُنا خَيْرٌ مِن عِيسى، وإنَّما قالُوا ذَلِكَ لِأنَّهم كانُوا يَعْبُدُونَ المَلائِكَةَ. الثّانِي: رُوِيَ أنَّهُ «لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنْبِياءِ: ٩٨] قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزِّبَعْرى: هَذا خاصَّةٌ لَنا ولِآلِهَتِنا أمْ لِجَمِيعِ الأُمَمِ ؟ فَقالَ ﷺ: بَلْ لِجَمِيعِ الأُمَمِ فَقالَ: خَصَمْتُكَ ورَبِّ الكَعْبَةِ، ألَسْتَ تَزْعُمُ أنَّ عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ نَبِيٌّ وتُثْنِي عَلَيْهِ خَيْرًا وعَلى أُمِّهِ، وقَدْ عَلِمْتُ أنَّ النَّصارى يَعْبُدُونَهُما واليَهُودَ يَعْبُدُونَ عُزَيْرًا، والمَلائِكَةُ يُعْبَدُونَ، فَإذا كانَ هَؤُلاءِ في النّارِ فَقَدْ رَضِينا أنْ نَكُونَ نَحْنُ وآلِهَتُنا مَعَهم، فَسَكَتَ النَّبِيُّ ﷺ وفَرِحَ القَوْمُ وضَحِكُوا وضَجُّوا، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى أُولَئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ»﴾ [الأنْبِياءِ: ١٠١] ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ أيْضًا، والمَعْنى: ولَمّا ضَرَبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزِّبَعْرى عِيسى ﴿ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا﴾ وجادَلَ رَسُولَ اللَّهِ بِعِبادَةِ النَّصارى إيّاهُ صفحة ١٩٠ ﴿إذا قَوْمُكَ﴾ قُرَيْشٌ (مِنهَ) أيْ مِن هَذا المَثَلِ ﴿يَصِدُّونَ﴾ أيْ يَرْتَفِعُ لَهم ضَجِيجٌ وجَلَبَةٌ فَرَحًا وجَدَلًا وضَحِكًا بِسَبَبِ ما رَأوْا مِن إسْكاتِ رَسُولِ اللَّهِ، فَإنَّهُ قَدْ جَرَتِ العادَةُ بِأنَّ أحَدَ الخَصْمَيْنِ إذا انْقَطَعَ أظْهَرَ الخَصْمُ الثّانِي الفَرَحَ والضَّجِيجَ، ﴿وقالُوا أآلِهَتُنا خَيْرٌ أمْ هُوَ﴾ يَعْنُونَ أنَّ آلِهَتَنا عِنْدَكَ لَيْسَتْ خَيْرًا مِن عِيسى، فَإذا كانَ عِيسى مِن حَصَبِ جَهَنَّمَ كانَ أمْرُ آلِهَتِنا أهْوَنَ. الوَجْهُ الثّالِثُ في التَّأْوِيلِ: وهو أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا حَكى أنَّ النَّصارى عَبَدُوا المَسِيحَ وجَعَلُوهُ إلَهًا لِأنْفُسِهِمْ، قالَ كُفّارُ مَكَّةَ: إنَّ مُحَمَّدًا يُرِيدُ أنْ يَجْعَلَ لَنا إلَهًا كَما جَعَلَ النَّصارى المَسِيحَ إلَهًا لِأنْفُسِهِمْ، ثُمَّ عِنْدَ هَذا قالُوا ﴿أآلِهَتُنا خَيْرٌ أمْ هُوَ﴾ يَعْنِي أآلِهَتُنا خَيْرٌ أمْ مُحَمَّدٌ، وذَكَرُوا ذَلِكَ لِأجْلِ أنَّهم قالُوا: إنَّ مُحَمَّدًا يَدْعُونا إلى عِبادَةِ نَفْسِهِ، وآباؤُنا زَعَمُوا أنَّهُ يَجِبُ عِبادَةُ هَذِهِ الأصْنامِ، وإذا كانَ لا بُدَّ مِن أحَدِ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ فَعِبادَةُ هَذِهِ الأصْنامِ أوْلى، لِأنَّ آباءَنا وأسْلافَنا كانُوا مُتَطابِقِينَ عَلَيْهِ، وأمّا مُحَمَّدٌ فَإنَّهُ مُتَّهَمٌ في أمْرِنا بِعِبادَتِهِ، فَكانَ الِاشْتِغالُ بِعِبادَةِ الأصْنامِ أوْلى، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنّا لَمْ نَقُلْ إنَّ الِاشْتِغالَ بِعِبادَةِ المَسِيحِ طَرِيقٌ حَسَنٌ، بَلْ هو كَلامٌ باطِلٌ، فَإنَّ عِيسى لَيْسَ إلّا عَبْدًا أنْعَمْنا عَلَيْهِ، فَإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَقَدْ زالَتْ شُبْهَتُهم في قَوْلِهِمْ: إنَّ مُحَمَّدًا يُرِيدُ أنْ يَأْمُرَنا بِعِبادَةِ نَفْسِهِ، فَهَذِهِ الوُجُوهُ الثَّلاثَةُ مِمّا يَحْتَمِلُ كُلُّ واحِدٍ مِنها لَفْظَ الآيَةِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ والكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ”يَصُدُّونَ“ بِضَمِّ الصّادِ، وهو قِراءَةُ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - والباقُونَ بِكَسْرِ الصّادِ وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ، واخْتَلَفُوا فَقالَ الكِسائِيُّ: هُما بِمَعْنًى، نَحْوَ يَعْرِشُونَ ويَعْرُشُونَ، ويَعْكِفُونَ، ويَعْكُفُونَ، ومِنهم مَن فَرَّقَ، أمّا القِراءَةُ بِالضَّمِّ فَمِنَ الصُّدُودِ، أيْ مِن أجْلِ هَذا المَثَلِ يَصُدُّونَ عَنِ الحَقِّ ويُعْرِضُونَ عَنْهُ، وأمّا بِالكَسْرِ فَمَعْناهُ يَضِجُّونَ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ: ”أآلِهَتُنا“ اسْتِفْهامًا بِهَمْزَتَيْنِ، الثّانِيَةُ مُطَوَّلَةٌ، والباقُونَ اسْتِفْهامًا بِهَمْزَةٍ ومَدَّةٍ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ما ضَرَبُوهُ لَكَ إلّا جَدَلًا﴾ أيْ ما ضَرَبُوا لَكَ هَذا المَثَلَ إلّا لِأجْلِ الجَدَلِ والغَلَبَةِ في القَوْلِ، لا لِطَلَبِ الفَرْقِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ ﴿بَلْ هم قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ مُبالِغُونَ في الخُصُومَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [الأنْبِياءِ: ٩٨] لا يَتَناوَلُ المَلائِكَةَ وعِيسى، وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ كَلِمَةَ ”ما“ لا تَتَناوَلُ العُقَلاءَ البَتَّةَ. والثّانِي: أنَّ كَلِمَةَ ”ما“ لَيْسَتْ صَرِيحَةً في الِاسْتِغْراقِ بِدَلِيلِ أنَّهُ يَصِحُّ إدْخالُ لَفْظَتَيِ الكُلِّ والبَعْضِ عَلَيْهِ، فَيُقالُ: إنَّكم وكُلَّ ما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ، أوْ إنَّكم وبَعْضَ ما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ. الثّالِثُ: أنَّ قَوْلَهُ: إنَّكم وكُلَّ ما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أوْ وبَعْضَ ما تَعْبُدُونَ - خِطابُ مُشافَهَةٍ، فَلَعَلَّهُ ما كانَ فِيهِمْ أحَدٌ يَعْبُدُ المَسِيحَ والمَلائِكَةَ. الرّابِعُ: أنَّ قَوْلَهُ ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ هَبْ أنَّهُ عامٌّ إلّا أنَّ النُّصُوصَ الدّالَّةَ عَلى تَعْظِيمِ المَلائِكَةِ وعِيسى أخَصُّ مِنهُ، والخاصُّ مُقَدَّمٌ عَلى العامِّ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: القائِلُونَ بِذَمِّ الجَدَلِ تَمَسَّكُوا بِهَذِهِ الآيَةِ إلّا أنّا قَدْ ذَكَرْنا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما يُجادِلُ في آياتِ اللَّهِ إلّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أنَّ الآياتِ الكَثِيرَةَ دالَّةٌ عَلى أنَّ الجَدَلَ مُوجِبٌ لِلْمَدْحِ والثَّناءِ، وطَرِيقُ التَّوْفِيقِ أنْ تُصْرَفَ تِلْكَ الآياتُ إلى الجَدَلِ الَّذِي يُفِيدُ تَقْرِيرَ الحَقِّ، وأنْ تُصْرَفَ هَذِهِ الآيَةُ إلى الجَدَلِ الَّذِي يُوجِبُ تَقْرِيرَ الباطِلِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنْ هو إلّا عَبْدٌ أنْعَمْنا عَلَيْهِ﴾ يَعْنِي: ما عِيسى إلّا عَبْدٌ كَسائِرِ العَبِيدِ، أنْعَمْنا عَلَيْهِ حَيْثُ جَعَلْناهُ آيَةً بِأنْ خَلَقْناهُ مِن غَيْرِ أبٍ كَما خَلَقْنا آدَمَ، وشَرَّفْناهُ بِالنُّبُوَّةِ وصَيَّرْناهُ عِبْرَةً عَجِيبَةً كالمَثَلِ السّائِرِ ﴿ولَوْ نَشاءُ﴾ صفحة ١٩١ ﴿لَجَعَلْنا مِنكُمْ﴾ لَوَلَّدْنا مِنكم يا رِجالُ ﴿مَلائِكَةً في الأرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ كَما يَخْلُفُكم أوْلادُكم؛ كَما ولَّدْنا عِيسى مِن أُنْثى مِن غَيْرِ فَحْلٍ؛ لِتَعْرِفُوا تَمَيُّزَنا بِالقُدْرَةِ الباهِرَةِ، ولِتَعْرِفُوا أنَّ دُخُولَ التَّوْلِيدِ والتَّوَلُّدِ في المَلائِكَةِ أمْرٌ مُمْكِنٌ، وذاتُ اللَّهِ مُتَعالِيَةٌ عَنْ ذَلِكَ (وأنَّهُ) أيْ عِيسى ﴿لَعِلْمٌ لِلسّاعَةِ﴾ شَرْطٌ مِن أشْراطِها تُعْلَمُ بِهِ، فَسُمِّيَ الشَّرْطُ الدّالُّ عَلى الشَّيْءِ عِلْمًا لِحُصُولِ العِلْمِ بِهِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: ”لَعَلَمٌ“ وهو العَلامَةُ، وقُرِئَ: ”لَلْعِلْمُ“ وقَرَأ أُبَيٌّ: ”لَذِكْرٌ“، وفي الحَدِيثِ: «أنَّ عِيسى يَنْزِلُ عَلى ثَنِيَّةٍ في الأرْضِ المُقَدَّسَةِ يُقالُ لَها أفِيقُ، وبِيَدِهِ حَرْبَةٌ، وبِها يَقْتُلُ الدَّجّالَ، فَيَأْتِي بِبَيْتِ المَقْدِسِ في صَلاةِ الصُّبْحِ والإمامُ يَؤُمُّ بِهِمْ فَيَتَأخَّرُ الإمامُ فَيُقَدِّمُهُ عِيسى ويُصَلِّي خَلْفَهُ عَلى شَرِيعَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ثُمَّ يَقْتُلُ الخَنازِيرَ ويَكْسِرُ الصَّلِيبَ ويُخَرِّبُ البِيَعَ والكَنائِسَ ويَقْتُلُ النَّصارى إلّا مَن آمَنَ بِهِ» ﴿فَلا تَمْتَرُنَّ بِها﴾ مِنَ المِرْيَةِ وهو الشَّكُّ ﴿واتَّبِعُونِ﴾ واتَّبِعُوا هُدايَ وشَرْعِي ﴿هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ أيْ هَذا الَّذِي أدْعُوكم إلَيْهِ صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ ﴿ولا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطانُ إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ قَدْ بانَتْ عَداواتُهُ لَكم لِأجْلِ أنَّهُ هو الَّذِي أخْرَجَ أباكم مِنَ الجَنَّةِ ونَزَعَ عَنْهُ لِباسَ النُّورِ.

الزخرف 43:63

قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولَمّا جاءَ عِيسى بِالبَيِّناتِ قالَ قَدْ جِئْتُكم بِالحِكْمَةِ ولِأُبَيِّنَ لَكم بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿إنَّ اللَّهَ هو رَبِّي ورَبُّكم فاعْبُدُوهُ هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ ﴿فاخْتَلَفَ الأحْزابُ مِن بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِن عَذابِ يَوْمٍ ألِيمٍ﴾ ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا السّاعَةَ أنْ تَأْتِيَهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أنَّهُ لَمّا جاءَ عِيسى بِالمُعْجِزاتِ وبِالشَّرائِعِ البَيِّناتِ الواضِحاتِ ﴿قالَ قَدْ جِئْتُكم بِالحِكْمَةِ﴾ وهي مَعْرِفَةُ ذاتِ اللَّهِ وصِفاتِهِ وأفْعالِهِ ﴿ولِأُبَيِّنَ لَكم بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾ يَعْنِي أنَّ قَوْمَ مُوسى كانُوا قَدِ اخْتَلَفُوا في أشْياءَ مِن أحْكامِ التَّكالِيفِ واتَّفَقُوا عَلى أشْياءَ، فَجاءَ عِيسى لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الحَقَّ في تِلْكَ المَسائِلِ الخِلافِيَّةِ، وبِالجُمْلَةِ: فالحِكْمَةُ مَعْناها أُصُولُ الدِّينِ، وبَعْضُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ مَعْناهُ فُرُوعُ الدِّينِ، فَإنْ قِيلَ: لِمَ لَمْ يُبَيِّنْ لَهم كُلَّ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ ؟ قُلْنا: لِأنَّ النّاسَ قَدْ يَخْتَلِفُونَ في أشْياءَ لا حاجَةَ بِهِمْ إلى مَعْرِفَتِها، فَلا يَجِبُ عَلى الرَّسُولِ بَيانُها، ولَمّا بَيَّنَ الأُصُولَ والفُرُوعَ قالَ: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ﴾ في الكُفْرِ بِهِ والإعْراضِ عَنْ دِينِهِ ﴿وأطِيعُونِ﴾ فِيما أُبَلِّغُهُ إلَيْكم مِنَ التَّكالِيفِ ﴿إنَّ اللَّهَ هو رَبِّي ورَبُّكم فاعْبُدُوهُ هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ والمَعْنى ظاهِرٌ ﴿فاخْتَلَفَ الأحْزابُ﴾ أيِ الفِرَقُ المُتَحَزِّبَةُ بَعْدَ عِيسى، وهُمُ المَلَكانِيَّةُ واليَعْقُوبِيَّةُ والنُّسْطُورِيَّةُ، وقِيلَ: اليَهُودُ والنَّصارى ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِن عَذابِ يَوْمٍ ألِيمٍ﴾ وهو وعِيدٌ بِيَوْمِ الأحْزابِ، فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ ﴿مِن بَيْنِهِمْ﴾ الضَّمِيرُ فِيهِ إلى مَن يَرْجِعُ ؟ قُلْنا: إلى الَّذِينَ خاطَبَهم عِيسى في قَوْلِهِ ﴿قَدْ جِئْتُكم بِالحِكْمَةِ﴾ وهم قَوْمُهُ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا السّاعَةَ أنْ تَأْتِيَهم بَغْتَةً﴾ فَقَوْلُهُ ”أنْ تَأْتِيَهم“ بَدَلٌ مِنَ السّاعَةِ، والمَعْنى: هَلْ يَنْظُرُونَ صفحة ١٩٢ إلّا إتْيانَ السّاعَةِ. فَإنْ قالُوا: قَوْلُهُ ﴿بَغْتَةً﴾ يُفِيدُ عَيْنَ ما يُفِيدُهُ قَوْلُهُ ﴿وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ فَما الفائِدَةُ فِيهِ ؟ قُلْنا: يَجُوزُ أنْ تَأْتِيَهم بَغْتَةً، وهم يَعْرِفُونَهُ بِسَبَبِ أنَّهم يُشاهِدُونَهُ.

الزخرف 43:64

قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولَمّا جاءَ عِيسى بِالبَيِّناتِ قالَ قَدْ جِئْتُكم بِالحِكْمَةِ ولِأُبَيِّنَ لَكم بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿إنَّ اللَّهَ هو رَبِّي ورَبُّكم فاعْبُدُوهُ هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ ﴿فاخْتَلَفَ الأحْزابُ مِن بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِن عَذابِ يَوْمٍ ألِيمٍ﴾ ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا السّاعَةَ أنْ تَأْتِيَهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أنَّهُ لَمّا جاءَ عِيسى بِالمُعْجِزاتِ وبِالشَّرائِعِ البَيِّناتِ الواضِحاتِ ﴿قالَ قَدْ جِئْتُكم بِالحِكْمَةِ﴾ وهي مَعْرِفَةُ ذاتِ اللَّهِ وصِفاتِهِ وأفْعالِهِ ﴿ولِأُبَيِّنَ لَكم بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾ يَعْنِي أنَّ قَوْمَ مُوسى كانُوا قَدِ اخْتَلَفُوا في أشْياءَ مِن أحْكامِ التَّكالِيفِ واتَّفَقُوا عَلى أشْياءَ، فَجاءَ عِيسى لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الحَقَّ في تِلْكَ المَسائِلِ الخِلافِيَّةِ، وبِالجُمْلَةِ: فالحِكْمَةُ مَعْناها أُصُولُ الدِّينِ، وبَعْضُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ مَعْناهُ فُرُوعُ الدِّينِ، فَإنْ قِيلَ: لِمَ لَمْ يُبَيِّنْ لَهم كُلَّ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ ؟ قُلْنا: لِأنَّ النّاسَ قَدْ يَخْتَلِفُونَ في أشْياءَ لا حاجَةَ بِهِمْ إلى مَعْرِفَتِها، فَلا يَجِبُ عَلى الرَّسُولِ بَيانُها، ولَمّا بَيَّنَ الأُصُولَ والفُرُوعَ قالَ: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ﴾ في الكُفْرِ بِهِ والإعْراضِ عَنْ دِينِهِ ﴿وأطِيعُونِ﴾ فِيما أُبَلِّغُهُ إلَيْكم مِنَ التَّكالِيفِ ﴿إنَّ اللَّهَ هو رَبِّي ورَبُّكم فاعْبُدُوهُ هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ والمَعْنى ظاهِرٌ ﴿فاخْتَلَفَ الأحْزابُ﴾ أيِ الفِرَقُ المُتَحَزِّبَةُ بَعْدَ عِيسى، وهُمُ المَلَكانِيَّةُ واليَعْقُوبِيَّةُ والنُّسْطُورِيَّةُ، وقِيلَ: اليَهُودُ والنَّصارى ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِن عَذابِ يَوْمٍ ألِيمٍ﴾ وهو وعِيدٌ بِيَوْمِ الأحْزابِ، فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ ﴿مِن بَيْنِهِمْ﴾ الضَّمِيرُ فِيهِ إلى مَن يَرْجِعُ ؟ قُلْنا: إلى الَّذِينَ خاطَبَهم عِيسى في قَوْلِهِ ﴿قَدْ جِئْتُكم بِالحِكْمَةِ﴾ وهم قَوْمُهُ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا السّاعَةَ أنْ تَأْتِيَهم بَغْتَةً﴾ فَقَوْلُهُ ”أنْ تَأْتِيَهم“ بَدَلٌ مِنَ السّاعَةِ، والمَعْنى: هَلْ يَنْظُرُونَ صفحة ١٩٢ إلّا إتْيانَ السّاعَةِ. فَإنْ قالُوا: قَوْلُهُ ﴿بَغْتَةً﴾ يُفِيدُ عَيْنَ ما يُفِيدُهُ قَوْلُهُ ﴿وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ فَما الفائِدَةُ فِيهِ ؟ قُلْنا: يَجُوزُ أنْ تَأْتِيَهم بَغْتَةً، وهم يَعْرِفُونَهُ بِسَبَبِ أنَّهم يُشاهِدُونَهُ.

الزخرف 43:65

قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولَمّا جاءَ عِيسى بِالبَيِّناتِ قالَ قَدْ جِئْتُكم بِالحِكْمَةِ ولِأُبَيِّنَ لَكم بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿إنَّ اللَّهَ هو رَبِّي ورَبُّكم فاعْبُدُوهُ هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ ﴿فاخْتَلَفَ الأحْزابُ مِن بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِن عَذابِ يَوْمٍ ألِيمٍ﴾ ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا السّاعَةَ أنْ تَأْتِيَهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أنَّهُ لَمّا جاءَ عِيسى بِالمُعْجِزاتِ وبِالشَّرائِعِ البَيِّناتِ الواضِحاتِ ﴿قالَ قَدْ جِئْتُكم بِالحِكْمَةِ﴾ وهي مَعْرِفَةُ ذاتِ اللَّهِ وصِفاتِهِ وأفْعالِهِ ﴿ولِأُبَيِّنَ لَكم بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾ يَعْنِي أنَّ قَوْمَ مُوسى كانُوا قَدِ اخْتَلَفُوا في أشْياءَ مِن أحْكامِ التَّكالِيفِ واتَّفَقُوا عَلى أشْياءَ، فَجاءَ عِيسى لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الحَقَّ في تِلْكَ المَسائِلِ الخِلافِيَّةِ، وبِالجُمْلَةِ: فالحِكْمَةُ مَعْناها أُصُولُ الدِّينِ، وبَعْضُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ مَعْناهُ فُرُوعُ الدِّينِ، فَإنْ قِيلَ: لِمَ لَمْ يُبَيِّنْ لَهم كُلَّ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ ؟ قُلْنا: لِأنَّ النّاسَ قَدْ يَخْتَلِفُونَ في أشْياءَ لا حاجَةَ بِهِمْ إلى مَعْرِفَتِها، فَلا يَجِبُ عَلى الرَّسُولِ بَيانُها، ولَمّا بَيَّنَ الأُصُولَ والفُرُوعَ قالَ: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ﴾ في الكُفْرِ بِهِ والإعْراضِ عَنْ دِينِهِ ﴿وأطِيعُونِ﴾ فِيما أُبَلِّغُهُ إلَيْكم مِنَ التَّكالِيفِ ﴿إنَّ اللَّهَ هو رَبِّي ورَبُّكم فاعْبُدُوهُ هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ والمَعْنى ظاهِرٌ ﴿فاخْتَلَفَ الأحْزابُ﴾ أيِ الفِرَقُ المُتَحَزِّبَةُ بَعْدَ عِيسى، وهُمُ المَلَكانِيَّةُ واليَعْقُوبِيَّةُ والنُّسْطُورِيَّةُ، وقِيلَ: اليَهُودُ والنَّصارى ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِن عَذابِ يَوْمٍ ألِيمٍ﴾ وهو وعِيدٌ بِيَوْمِ الأحْزابِ، فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ ﴿مِن بَيْنِهِمْ﴾ الضَّمِيرُ فِيهِ إلى مَن يَرْجِعُ ؟ قُلْنا: إلى الَّذِينَ خاطَبَهم عِيسى في قَوْلِهِ ﴿قَدْ جِئْتُكم بِالحِكْمَةِ﴾ وهم قَوْمُهُ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا السّاعَةَ أنْ تَأْتِيَهم بَغْتَةً﴾ فَقَوْلُهُ ”أنْ تَأْتِيَهم“ بَدَلٌ مِنَ السّاعَةِ، والمَعْنى: هَلْ يَنْظُرُونَ صفحة ١٩٢ إلّا إتْيانَ السّاعَةِ. فَإنْ قالُوا: قَوْلُهُ ﴿بَغْتَةً﴾ يُفِيدُ عَيْنَ ما يُفِيدُهُ قَوْلُهُ ﴿وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ فَما الفائِدَةُ فِيهِ ؟ قُلْنا: يَجُوزُ أنْ تَأْتِيَهم بَغْتَةً، وهم يَعْرِفُونَهُ بِسَبَبِ أنَّهم يُشاهِدُونَهُ.

الزخرف 43:66

قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولَمّا جاءَ عِيسى بِالبَيِّناتِ قالَ قَدْ جِئْتُكم بِالحِكْمَةِ ولِأُبَيِّنَ لَكم بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿إنَّ اللَّهَ هو رَبِّي ورَبُّكم فاعْبُدُوهُ هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ ﴿فاخْتَلَفَ الأحْزابُ مِن بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِن عَذابِ يَوْمٍ ألِيمٍ﴾ ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا السّاعَةَ أنْ تَأْتِيَهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أنَّهُ لَمّا جاءَ عِيسى بِالمُعْجِزاتِ وبِالشَّرائِعِ البَيِّناتِ الواضِحاتِ ﴿قالَ قَدْ جِئْتُكم بِالحِكْمَةِ﴾ وهي مَعْرِفَةُ ذاتِ اللَّهِ وصِفاتِهِ وأفْعالِهِ ﴿ولِأُبَيِّنَ لَكم بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾ يَعْنِي أنَّ قَوْمَ مُوسى كانُوا قَدِ اخْتَلَفُوا في أشْياءَ مِن أحْكامِ التَّكالِيفِ واتَّفَقُوا عَلى أشْياءَ، فَجاءَ عِيسى لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الحَقَّ في تِلْكَ المَسائِلِ الخِلافِيَّةِ، وبِالجُمْلَةِ: فالحِكْمَةُ مَعْناها أُصُولُ الدِّينِ، وبَعْضُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ مَعْناهُ فُرُوعُ الدِّينِ، فَإنْ قِيلَ: لِمَ لَمْ يُبَيِّنْ لَهم كُلَّ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ ؟ قُلْنا: لِأنَّ النّاسَ قَدْ يَخْتَلِفُونَ في أشْياءَ لا حاجَةَ بِهِمْ إلى مَعْرِفَتِها، فَلا يَجِبُ عَلى الرَّسُولِ بَيانُها، ولَمّا بَيَّنَ الأُصُولَ والفُرُوعَ قالَ: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ﴾ في الكُفْرِ بِهِ والإعْراضِ عَنْ دِينِهِ ﴿وأطِيعُونِ﴾ فِيما أُبَلِّغُهُ إلَيْكم مِنَ التَّكالِيفِ ﴿إنَّ اللَّهَ هو رَبِّي ورَبُّكم فاعْبُدُوهُ هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ والمَعْنى ظاهِرٌ ﴿فاخْتَلَفَ الأحْزابُ﴾ أيِ الفِرَقُ المُتَحَزِّبَةُ بَعْدَ عِيسى، وهُمُ المَلَكانِيَّةُ واليَعْقُوبِيَّةُ والنُّسْطُورِيَّةُ، وقِيلَ: اليَهُودُ والنَّصارى ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِن عَذابِ يَوْمٍ ألِيمٍ﴾ وهو وعِيدٌ بِيَوْمِ الأحْزابِ، فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ ﴿مِن بَيْنِهِمْ﴾ الضَّمِيرُ فِيهِ إلى مَن يَرْجِعُ ؟ قُلْنا: إلى الَّذِينَ خاطَبَهم عِيسى في قَوْلِهِ ﴿قَدْ جِئْتُكم بِالحِكْمَةِ﴾ وهم قَوْمُهُ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا السّاعَةَ أنْ تَأْتِيَهم بَغْتَةً﴾ فَقَوْلُهُ ”أنْ تَأْتِيَهم“ بَدَلٌ مِنَ السّاعَةِ، والمَعْنى: هَلْ يَنْظُرُونَ صفحة ١٩٢ إلّا إتْيانَ السّاعَةِ. فَإنْ قالُوا: قَوْلُهُ ﴿بَغْتَةً﴾ يُفِيدُ عَيْنَ ما يُفِيدُهُ قَوْلُهُ ﴿وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ فَما الفائِدَةُ فِيهِ ؟ قُلْنا: يَجُوزُ أنْ تَأْتِيَهم بَغْتَةً، وهم يَعْرِفُونَهُ بِسَبَبِ أنَّهم يُشاهِدُونَهُ.

الزخرف 43:67

قَوْلُهُ تَعالى ﴿الأخِلّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلّا المُتَّقِينَ﴾ ﴿ياعِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وكانُوا مُسْلِمِينَ﴾ ﴿ادْخُلُوا الجَنَّةَ أنْتُمْ وأزْواجُكم تُحْبَرُونَ﴾ ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ مِن ذَهَبٍ وأكْوابٍ وفِيها ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وتَلَذُّ الأعْيُنُ وأنْتُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ ﴿وتِلْكَ الجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿لَكم فِيها فاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنها تَأْكُلُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا السّاعَةَ أنْ تَأْتِيَهم بَغْتَةً﴾ ذَكَرَ عَقِيبَهُ بَعْضَ ما يَتَعَلَّقُ بِأحْوالِ القِيامَةِ: فَأوَّلُها: ﴿الأخِلّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلّا المُتَّقِينَ﴾ والمَعْنى ﴿الأخِلّاءُ﴾ في الدُّنْيا ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ يَعْنِي في الآخِرَةِ ﴿بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ يَعْنِي أنَّ الخُلَّةَ إذا كانَتْ عَلى المَعْصِيَةِ والكُفْرِ صارَتْ عَداوَةً يَوْمَ القِيامَةِ ﴿إلّا المُتَّقِينَ﴾ يَعْنِي المُوَحِّدِينَ الَّذِينَ يُخالِلُ بَعْضُهم بَعْضًا عَلى الإيمانِ والتَّقْوى، فَإنَّ خُلَّتَهم لا تَصِيرُ عَداوَةً، ولِلْحُكَماءِ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ طَرِيقٌ حَسَنٌ، قالُوا: إنَّ المَحَبَّةَ أمْرٌ لا يَحْصُلُ إلّا عِنْدَ اعْتِقادِ حُصُولِ خَيْرٍ أوْ دَفْعِ ضَرَرٍ، فَمَتى حَصَلَ هَذا الِاعْتِقادُ حَصَلَتِ المَحَبَّةُ لا مَحالَةَ، ومَتى حَصَلَ اعْتِقادُ أنَّهُ يُوجِبُ ضَرَرًا حَصَلَ البُغْضُ والنَّفْرَةُ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: تِلْكَ الخَيْراتُ الَّتِي كانَ اعْتِقادُ حُصُولِها يُوجِبُ حُصُولَ المَحَبَّةِ - إمّا أنْ تَكُونَ قابِلَةً لِلتَّغَيُّرِ والتَّبَدُّلِ، أوْ لا تَكُونُ كَذَلِكَ، فَإنْ كانَ الواقِعُ هو القِسْمَ الأوَّلَ، وجَبَ أنْ تُبَدَّلَ تِلْكَ المَحَبَّةُ بِالنَّفْرَةِ، لِأنَّ تِلْكَ المَحَبَّةَ إنَّما حَصَلَتْ لِاعْتِقادِ حُصُولِ الخَيْرِ والرّاحَةِ، فَإذا زالَ ذَلِكَ الِاعْتِقادُ وحَصَلَ عَقِيبَهُ اعْتِقادُ أنَّ الحاصِلَ هو الضَّرَرُ والألَمُ - وجَبَ أنْ تَتَبَدَّلَ تِلْكَ المَحَبَّةُ بِالبِغْضَةِ، لِأنَّ تَبَدُّلَ العِلَّةِ يُوجِبُ تَبَدُّلَ المَعْلُولِ، أمّا إذا كانَتِ الخَيْراتُ المُوجِبَةُ لِلْمَحَبَّةِ خَيْراتٍ باقِيَةً أبَدِيَّةً غَيْرَ قابِلَةٍ لِلتَّبَدُّلِ والتَّغَيُّرِ، كانَتْ تِلْكَ المَحَبَّةُ أيْضًا مَحَبَّةً باقِيَةً آمِنَةً مِنَ التَّغَيُّرِ، إذا عَرَفْتَ هَذا الأصْلَ فَنَقُولُ: الَّذِينَ حَصَلَتْ بَيْنَهم مَحَبَّةٌ ومَوَدَّةٌ في الدُّنْيا، إنْ كانَتْ تِلْكَ المَحَبَّةُ لِأجْلِ طَلَبِ الدُّنْيا وطَيِّباتِها ولَذّاتِها، فَهَذِهِ المَطالِبُ لا تَبْقى في القِيامَةِ، بَلْ يَصِيرُ طَلَبُ الدُّنْيا سَبَبًا لِحُصُولِ الآلامِ والآفاتِ في يَوْمِ القِيامَةِ، فَلا جَرَمَ تَنْقَلِبُ هَذِهِ المَحَبَّةُ الدُّنْيَوِيَّةُ بِغْضَةً ونَفْرَةً في القِيامَةِ، أمّا إنْ كانَ المُوجِبُ لِحُصُولِ المَحَبَّةِ في الدُّنْيا الِاشْتِراكَ في مَحَبَّةِ اللَّهِ وفي خِدْمَتِهِ وطاعَتِهِ، فَهَذا السَّبَبُ غَيْرُ قابِلٍ لِلنَّسْخِ والتَّغَيُّرِ، فَلا جَرَمَ كانَتْ هَذِهِ المَحَبَّةُ باقِيَةً في القِيامَةِ، بَلْ كَأنَّها تَصِيرُ أقْوى وأصْفى وأكْمَلَ وأفْضَلَ مِمّا كانَتْ في الدُّنْيا، فَهَذا هو التَّفْسِيرُ المُطابِقُ لِقَوْلِهِ صفحة ١٩٣ تَعالى: ﴿الأخِلّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلّا المُتَّقِينَ﴾ الحُكْمُ الثّانِي مِن أحْكامِ يَوْمِ القِيامَةِ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياعِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾، وقَدْ ذَكَرْنا مِرارًا أنَّ عادَةَ القُرْآنِ جارِيَةٌ بِتَخْصِيصِ لَفْظِ العِبادِ بِالمُؤْمِنِينَ المُطِيعِينَ المُتَّقِينَ، فَقَوْلُهُ: ﴿ياعِبادِ﴾ كَلامُ اللَّهُ تَعالى، فَكَأنَّ الحَقَّ يُخاطِبُهم بِنَفْسِهِ ويَقُولُ لَهم: ﴿ياعِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾، وفِيهِ أنْواعٌ كَثِيرَةٌ مِمّا يُوجِبُ الفَرَحَ: أوَّلُها: أنَّ الحَقَّ سُبْحانَهُ وتَعالى خاطَبَهم بِنَفْسِهِ مِن غَيْرِ واسِطَةٍ. وثانِيها: أنَّهُ تَعالى وصَفَهم بِالعُبُودِيَّةِ، وهَذا تَشْرِيفٌ عَظِيمٌ، بِدَلِيلِ أنَّهُ لَمّا أرادَ أنْ يُشَرِّفَ مُحَمَّدًا ﷺ لَيْلَةَ المِعْراجِ قالَ: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء: ١] . وثالِثُها: قَوْلُهُ ﴿لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ﴾ فَأزالَ عَنْهُمُ الخَوْفَ في يَوْمِ القِيامَةِ بِالكُلِّيَّةِ، وهَذا مِن أعْظَمِ النِّعَمِ. ورابِعُها: قَوْلُهُ ﴿ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ فَنَفى عَنْهُمُ الحُزْنَ بِسَبَبِ فَوْتِ الدُّنْيا الماضِيَةِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وكانُوا مُسْلِمِينَ﴾ قِيلَ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ مُضْمَرٌ، والتَّقْدِيرُ: يُقالُ لَهم: ادْخُلُوا الجَنَّةَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: أعْنِي الَّذِينَ آمَنُوا. قالَ مُقاتِلٌ: إذا وقَعَ الخَوْفُ يَوْمَ القِيامَةِ نادى مُنادٍ: ﴿ياعِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ﴾، فَإذا سَمِعُوا النِّداءَ رَفَعَ الخَلائِقُ رُءُوسَهم، فَيُقالُ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وكانُوا مُسْلِمِينَ﴾ فَتُنَكِّسُ أهْلُ الأدْيانِ الباطِلَةِ رُءُوسَهم. الحُكْمُ الثّالِثُ: مِن وقائِعِ القِيامَةِ أنَّهُ تَعالى إذا أمَّنَ المُؤْمِنِينَ مِنَ الخَوْفِ والحُزْنِ، وجَبَ أنْ يَمُرَّ حِسابُهم عَلى أسْهَلِ الوُجُوهِ وعَلى أحْسَنِها، ثُمَّ يُقالُ لَهم: ﴿ادْخُلُوا الجَنَّةَ أنْتُمْ وأزْواجُكم تُحْبَرُونَ﴾، والحَبْرَةُ المُبالَغَةُ في الإكْرامِ فِيما وُصِفَ بِالجَمِيلِ، يَعْنِي يُكْرَمُونَ إكْرامًا عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ، وهَذا مِمّا سَبَقَ تَفْسِيرُهُ في سُورَةِ الرُّومِ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ مِن ذَهَبٍ وأكْوابٍ﴾، قالَ الفَرّاءُ: الكُوبُ المُسْتَدِيرُ الرَّأْسِ الَّذِي لا أُذُنَ لَهُ، فَقَوْلُهُ: ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ مِن ذَهَبٍ﴾ إشارَةٌ إلى المَطْعُومِ، وقَوْلُهُ: ﴿وأكْوابٍ﴾ إشارَةٌ إلى المَشْرُوبِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى تَرَكَ التَّفْصِيلَ وذَكَرَ بَيانًا كُلِّيًّا فَقالَ: ﴿وفِيها ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وتَلَذُّ الأعْيُنُ وأنْتُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ . * * * ثُمَّ قالَ: ﴿وتِلْكَ الجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، وقَدْ ذَكَرْنا في وِراثَةِ الجَنَّةِ وجْهَيْنِ في قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الوارِثُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الفِرْدَوْسَ﴾ [المؤمنون: ١٠، ١١]، ولَمّا ذَكَرَ الطَّعامَ والشَّرابَ فِيما تَقَدَّمَ ذَكَرَ هَهُنا حالَ الفاكِهَةِ فَقالَ: ﴿لَكم فِيها فاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنها تَأْكُلُونَ﴾ . واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى بَعَثَ مُحَمَّدًا ﷺ إلى العَرَبِ أوَّلًا، ثُمَّ إلى العالَمِينَ ثانِيًا، والعَرَبُ كانُوا في ضِيقٍ شَدِيدٍ بِسَبَبِ المَأْكُولِ والمَشْرُوبِ والفاكِهَةِ، فَلِهَذا السَّبَبِ تَفَضَّلَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ بِهَذِهِ المَعانِي مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى تَكْمِيلًا لِرَغْبَتِهِمْ وتَقْوِيَةً لِدَواعِيهِمْ.

الزخرف 43:68

قَوْلُهُ تَعالى ﴿الأخِلّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلّا المُتَّقِينَ﴾ ﴿ياعِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وكانُوا مُسْلِمِينَ﴾ ﴿ادْخُلُوا الجَنَّةَ أنْتُمْ وأزْواجُكم تُحْبَرُونَ﴾ ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ مِن ذَهَبٍ وأكْوابٍ وفِيها ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وتَلَذُّ الأعْيُنُ وأنْتُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ ﴿وتِلْكَ الجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿لَكم فِيها فاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنها تَأْكُلُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا السّاعَةَ أنْ تَأْتِيَهم بَغْتَةً﴾ ذَكَرَ عَقِيبَهُ بَعْضَ ما يَتَعَلَّقُ بِأحْوالِ القِيامَةِ: فَأوَّلُها: ﴿الأخِلّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلّا المُتَّقِينَ﴾ والمَعْنى ﴿الأخِلّاءُ﴾ في الدُّنْيا ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ يَعْنِي في الآخِرَةِ ﴿بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ يَعْنِي أنَّ الخُلَّةَ إذا كانَتْ عَلى المَعْصِيَةِ والكُفْرِ صارَتْ عَداوَةً يَوْمَ القِيامَةِ ﴿إلّا المُتَّقِينَ﴾ يَعْنِي المُوَحِّدِينَ الَّذِينَ يُخالِلُ بَعْضُهم بَعْضًا عَلى الإيمانِ والتَّقْوى، فَإنَّ خُلَّتَهم لا تَصِيرُ عَداوَةً، ولِلْحُكَماءِ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ طَرِيقٌ حَسَنٌ، قالُوا: إنَّ المَحَبَّةَ أمْرٌ لا يَحْصُلُ إلّا عِنْدَ اعْتِقادِ حُصُولِ خَيْرٍ أوْ دَفْعِ ضَرَرٍ، فَمَتى حَصَلَ هَذا الِاعْتِقادُ حَصَلَتِ المَحَبَّةُ لا مَحالَةَ، ومَتى حَصَلَ اعْتِقادُ أنَّهُ يُوجِبُ ضَرَرًا حَصَلَ البُغْضُ والنَّفْرَةُ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: تِلْكَ الخَيْراتُ الَّتِي كانَ اعْتِقادُ حُصُولِها يُوجِبُ حُصُولَ المَحَبَّةِ - إمّا أنْ تَكُونَ قابِلَةً لِلتَّغَيُّرِ والتَّبَدُّلِ، أوْ لا تَكُونُ كَذَلِكَ، فَإنْ كانَ الواقِعُ هو القِسْمَ الأوَّلَ، وجَبَ أنْ تُبَدَّلَ تِلْكَ المَحَبَّةُ بِالنَّفْرَةِ، لِأنَّ تِلْكَ المَحَبَّةَ إنَّما حَصَلَتْ لِاعْتِقادِ حُصُولِ الخَيْرِ والرّاحَةِ، فَإذا زالَ ذَلِكَ الِاعْتِقادُ وحَصَلَ عَقِيبَهُ اعْتِقادُ أنَّ الحاصِلَ هو الضَّرَرُ والألَمُ - وجَبَ أنْ تَتَبَدَّلَ تِلْكَ المَحَبَّةُ بِالبِغْضَةِ، لِأنَّ تَبَدُّلَ العِلَّةِ يُوجِبُ تَبَدُّلَ المَعْلُولِ، أمّا إذا كانَتِ الخَيْراتُ المُوجِبَةُ لِلْمَحَبَّةِ خَيْراتٍ باقِيَةً أبَدِيَّةً غَيْرَ قابِلَةٍ لِلتَّبَدُّلِ والتَّغَيُّرِ، كانَتْ تِلْكَ المَحَبَّةُ أيْضًا مَحَبَّةً باقِيَةً آمِنَةً مِنَ التَّغَيُّرِ، إذا عَرَفْتَ هَذا الأصْلَ فَنَقُولُ: الَّذِينَ حَصَلَتْ بَيْنَهم مَحَبَّةٌ ومَوَدَّةٌ في الدُّنْيا، إنْ كانَتْ تِلْكَ المَحَبَّةُ لِأجْلِ طَلَبِ الدُّنْيا وطَيِّباتِها ولَذّاتِها، فَهَذِهِ المَطالِبُ لا تَبْقى في القِيامَةِ، بَلْ يَصِيرُ طَلَبُ الدُّنْيا سَبَبًا لِحُصُولِ الآلامِ والآفاتِ في يَوْمِ القِيامَةِ، فَلا جَرَمَ تَنْقَلِبُ هَذِهِ المَحَبَّةُ الدُّنْيَوِيَّةُ بِغْضَةً ونَفْرَةً في القِيامَةِ، أمّا إنْ كانَ المُوجِبُ لِحُصُولِ المَحَبَّةِ في الدُّنْيا الِاشْتِراكَ في مَحَبَّةِ اللَّهِ وفي خِدْمَتِهِ وطاعَتِهِ، فَهَذا السَّبَبُ غَيْرُ قابِلٍ لِلنَّسْخِ والتَّغَيُّرِ، فَلا جَرَمَ كانَتْ هَذِهِ المَحَبَّةُ باقِيَةً في القِيامَةِ، بَلْ كَأنَّها تَصِيرُ أقْوى وأصْفى وأكْمَلَ وأفْضَلَ مِمّا كانَتْ في الدُّنْيا، فَهَذا هو التَّفْسِيرُ المُطابِقُ لِقَوْلِهِ صفحة ١٩٣ تَعالى: ﴿الأخِلّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلّا المُتَّقِينَ﴾ الحُكْمُ الثّانِي مِن أحْكامِ يَوْمِ القِيامَةِ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياعِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾، وقَدْ ذَكَرْنا مِرارًا أنَّ عادَةَ القُرْآنِ جارِيَةٌ بِتَخْصِيصِ لَفْظِ العِبادِ بِالمُؤْمِنِينَ المُطِيعِينَ المُتَّقِينَ، فَقَوْلُهُ: ﴿ياعِبادِ﴾ كَلامُ اللَّهُ تَعالى، فَكَأنَّ الحَقَّ يُخاطِبُهم بِنَفْسِهِ ويَقُولُ لَهم: ﴿ياعِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾، وفِيهِ أنْواعٌ كَثِيرَةٌ مِمّا يُوجِبُ الفَرَحَ: أوَّلُها: أنَّ الحَقَّ سُبْحانَهُ وتَعالى خاطَبَهم بِنَفْسِهِ مِن غَيْرِ واسِطَةٍ. وثانِيها: أنَّهُ تَعالى وصَفَهم بِالعُبُودِيَّةِ، وهَذا تَشْرِيفٌ عَظِيمٌ، بِدَلِيلِ أنَّهُ لَمّا أرادَ أنْ يُشَرِّفَ مُحَمَّدًا ﷺ لَيْلَةَ المِعْراجِ قالَ: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء: ١] . وثالِثُها: قَوْلُهُ ﴿لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ﴾ فَأزالَ عَنْهُمُ الخَوْفَ في يَوْمِ القِيامَةِ بِالكُلِّيَّةِ، وهَذا مِن أعْظَمِ النِّعَمِ. ورابِعُها: قَوْلُهُ ﴿ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ فَنَفى عَنْهُمُ الحُزْنَ بِسَبَبِ فَوْتِ الدُّنْيا الماضِيَةِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وكانُوا مُسْلِمِينَ﴾ قِيلَ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ مُضْمَرٌ، والتَّقْدِيرُ: يُقالُ لَهم: ادْخُلُوا الجَنَّةَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: أعْنِي الَّذِينَ آمَنُوا. قالَ مُقاتِلٌ: إذا وقَعَ الخَوْفُ يَوْمَ القِيامَةِ نادى مُنادٍ: ﴿ياعِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ﴾، فَإذا سَمِعُوا النِّداءَ رَفَعَ الخَلائِقُ رُءُوسَهم، فَيُقالُ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وكانُوا مُسْلِمِينَ﴾ فَتُنَكِّسُ أهْلُ الأدْيانِ الباطِلَةِ رُءُوسَهم. الحُكْمُ الثّالِثُ: مِن وقائِعِ القِيامَةِ أنَّهُ تَعالى إذا أمَّنَ المُؤْمِنِينَ مِنَ الخَوْفِ والحُزْنِ، وجَبَ أنْ يَمُرَّ حِسابُهم عَلى أسْهَلِ الوُجُوهِ وعَلى أحْسَنِها، ثُمَّ يُقالُ لَهم: ﴿ادْخُلُوا الجَنَّةَ أنْتُمْ وأزْواجُكم تُحْبَرُونَ﴾، والحَبْرَةُ المُبالَغَةُ في الإكْرامِ فِيما وُصِفَ بِالجَمِيلِ، يَعْنِي يُكْرَمُونَ إكْرامًا عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ، وهَذا مِمّا سَبَقَ تَفْسِيرُهُ في سُورَةِ الرُّومِ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ مِن ذَهَبٍ وأكْوابٍ﴾، قالَ الفَرّاءُ: الكُوبُ المُسْتَدِيرُ الرَّأْسِ الَّذِي لا أُذُنَ لَهُ، فَقَوْلُهُ: ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ مِن ذَهَبٍ﴾ إشارَةٌ إلى المَطْعُومِ، وقَوْلُهُ: ﴿وأكْوابٍ﴾ إشارَةٌ إلى المَشْرُوبِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى تَرَكَ التَّفْصِيلَ وذَكَرَ بَيانًا كُلِّيًّا فَقالَ: ﴿وفِيها ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وتَلَذُّ الأعْيُنُ وأنْتُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ . * * * ثُمَّ قالَ: ﴿وتِلْكَ الجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، وقَدْ ذَكَرْنا في وِراثَةِ الجَنَّةِ وجْهَيْنِ في قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الوارِثُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الفِرْدَوْسَ﴾ [المؤمنون: ١٠، ١١]، ولَمّا ذَكَرَ الطَّعامَ والشَّرابَ فِيما تَقَدَّمَ ذَكَرَ هَهُنا حالَ الفاكِهَةِ فَقالَ: ﴿لَكم فِيها فاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنها تَأْكُلُونَ﴾ . واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى بَعَثَ مُحَمَّدًا ﷺ إلى العَرَبِ أوَّلًا، ثُمَّ إلى العالَمِينَ ثانِيًا، والعَرَبُ كانُوا في ضِيقٍ شَدِيدٍ بِسَبَبِ المَأْكُولِ والمَشْرُوبِ والفاكِهَةِ، فَلِهَذا السَّبَبِ تَفَضَّلَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ بِهَذِهِ المَعانِي مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى تَكْمِيلًا لِرَغْبَتِهِمْ وتَقْوِيَةً لِدَواعِيهِمْ.

الزخرف 43:69

قَوْلُهُ تَعالى ﴿الأخِلّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلّا المُتَّقِينَ﴾ ﴿ياعِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وكانُوا مُسْلِمِينَ﴾ ﴿ادْخُلُوا الجَنَّةَ أنْتُمْ وأزْواجُكم تُحْبَرُونَ﴾ ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ مِن ذَهَبٍ وأكْوابٍ وفِيها ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وتَلَذُّ الأعْيُنُ وأنْتُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ ﴿وتِلْكَ الجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿لَكم فِيها فاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنها تَأْكُلُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا السّاعَةَ أنْ تَأْتِيَهم بَغْتَةً﴾ ذَكَرَ عَقِيبَهُ بَعْضَ ما يَتَعَلَّقُ بِأحْوالِ القِيامَةِ: فَأوَّلُها: ﴿الأخِلّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلّا المُتَّقِينَ﴾ والمَعْنى ﴿الأخِلّاءُ﴾ في الدُّنْيا ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ يَعْنِي في الآخِرَةِ ﴿بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ يَعْنِي أنَّ الخُلَّةَ إذا كانَتْ عَلى المَعْصِيَةِ والكُفْرِ صارَتْ عَداوَةً يَوْمَ القِيامَةِ ﴿إلّا المُتَّقِينَ﴾ يَعْنِي المُوَحِّدِينَ الَّذِينَ يُخالِلُ بَعْضُهم بَعْضًا عَلى الإيمانِ والتَّقْوى، فَإنَّ خُلَّتَهم لا تَصِيرُ عَداوَةً، ولِلْحُكَماءِ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ طَرِيقٌ حَسَنٌ، قالُوا: إنَّ المَحَبَّةَ أمْرٌ لا يَحْصُلُ إلّا عِنْدَ اعْتِقادِ حُصُولِ خَيْرٍ أوْ دَفْعِ ضَرَرٍ، فَمَتى حَصَلَ هَذا الِاعْتِقادُ حَصَلَتِ المَحَبَّةُ لا مَحالَةَ، ومَتى حَصَلَ اعْتِقادُ أنَّهُ يُوجِبُ ضَرَرًا حَصَلَ البُغْضُ والنَّفْرَةُ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: تِلْكَ الخَيْراتُ الَّتِي كانَ اعْتِقادُ حُصُولِها يُوجِبُ حُصُولَ المَحَبَّةِ - إمّا أنْ تَكُونَ قابِلَةً لِلتَّغَيُّرِ والتَّبَدُّلِ، أوْ لا تَكُونُ كَذَلِكَ، فَإنْ كانَ الواقِعُ هو القِسْمَ الأوَّلَ، وجَبَ أنْ تُبَدَّلَ تِلْكَ المَحَبَّةُ بِالنَّفْرَةِ، لِأنَّ تِلْكَ المَحَبَّةَ إنَّما حَصَلَتْ لِاعْتِقادِ حُصُولِ الخَيْرِ والرّاحَةِ، فَإذا زالَ ذَلِكَ الِاعْتِقادُ وحَصَلَ عَقِيبَهُ اعْتِقادُ أنَّ الحاصِلَ هو الضَّرَرُ والألَمُ - وجَبَ أنْ تَتَبَدَّلَ تِلْكَ المَحَبَّةُ بِالبِغْضَةِ، لِأنَّ تَبَدُّلَ العِلَّةِ يُوجِبُ تَبَدُّلَ المَعْلُولِ، أمّا إذا كانَتِ الخَيْراتُ المُوجِبَةُ لِلْمَحَبَّةِ خَيْراتٍ باقِيَةً أبَدِيَّةً غَيْرَ قابِلَةٍ لِلتَّبَدُّلِ والتَّغَيُّرِ، كانَتْ تِلْكَ المَحَبَّةُ أيْضًا مَحَبَّةً باقِيَةً آمِنَةً مِنَ التَّغَيُّرِ، إذا عَرَفْتَ هَذا الأصْلَ فَنَقُولُ: الَّذِينَ حَصَلَتْ بَيْنَهم مَحَبَّةٌ ومَوَدَّةٌ في الدُّنْيا، إنْ كانَتْ تِلْكَ المَحَبَّةُ لِأجْلِ طَلَبِ الدُّنْيا وطَيِّباتِها ولَذّاتِها، فَهَذِهِ المَطالِبُ لا تَبْقى في القِيامَةِ، بَلْ يَصِيرُ طَلَبُ الدُّنْيا سَبَبًا لِحُصُولِ الآلامِ والآفاتِ في يَوْمِ القِيامَةِ، فَلا جَرَمَ تَنْقَلِبُ هَذِهِ المَحَبَّةُ الدُّنْيَوِيَّةُ بِغْضَةً ونَفْرَةً في القِيامَةِ، أمّا إنْ كانَ المُوجِبُ لِحُصُولِ المَحَبَّةِ في الدُّنْيا الِاشْتِراكَ في مَحَبَّةِ اللَّهِ وفي خِدْمَتِهِ وطاعَتِهِ، فَهَذا السَّبَبُ غَيْرُ قابِلٍ لِلنَّسْخِ والتَّغَيُّرِ، فَلا جَرَمَ كانَتْ هَذِهِ المَحَبَّةُ باقِيَةً في القِيامَةِ، بَلْ كَأنَّها تَصِيرُ أقْوى وأصْفى وأكْمَلَ وأفْضَلَ مِمّا كانَتْ في الدُّنْيا، فَهَذا هو التَّفْسِيرُ المُطابِقُ لِقَوْلِهِ صفحة ١٩٣ تَعالى: ﴿الأخِلّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلّا المُتَّقِينَ﴾ الحُكْمُ الثّانِي مِن أحْكامِ يَوْمِ القِيامَةِ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياعِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾، وقَدْ ذَكَرْنا مِرارًا أنَّ عادَةَ القُرْآنِ جارِيَةٌ بِتَخْصِيصِ لَفْظِ العِبادِ بِالمُؤْمِنِينَ المُطِيعِينَ المُتَّقِينَ، فَقَوْلُهُ: ﴿ياعِبادِ﴾ كَلامُ اللَّهُ تَعالى، فَكَأنَّ الحَقَّ يُخاطِبُهم بِنَفْسِهِ ويَقُولُ لَهم: ﴿ياعِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾، وفِيهِ أنْواعٌ كَثِيرَةٌ مِمّا يُوجِبُ الفَرَحَ: أوَّلُها: أنَّ الحَقَّ سُبْحانَهُ وتَعالى خاطَبَهم بِنَفْسِهِ مِن غَيْرِ واسِطَةٍ. وثانِيها: أنَّهُ تَعالى وصَفَهم بِالعُبُودِيَّةِ، وهَذا تَشْرِيفٌ عَظِيمٌ، بِدَلِيلِ أنَّهُ لَمّا أرادَ أنْ يُشَرِّفَ مُحَمَّدًا ﷺ لَيْلَةَ المِعْراجِ قالَ: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء: ١] . وثالِثُها: قَوْلُهُ ﴿لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ﴾ فَأزالَ عَنْهُمُ الخَوْفَ في يَوْمِ القِيامَةِ بِالكُلِّيَّةِ، وهَذا مِن أعْظَمِ النِّعَمِ. ورابِعُها: قَوْلُهُ ﴿ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ فَنَفى عَنْهُمُ الحُزْنَ بِسَبَبِ فَوْتِ الدُّنْيا الماضِيَةِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وكانُوا مُسْلِمِينَ﴾ قِيلَ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ مُضْمَرٌ، والتَّقْدِيرُ: يُقالُ لَهم: ادْخُلُوا الجَنَّةَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: أعْنِي الَّذِينَ آمَنُوا. قالَ مُقاتِلٌ: إذا وقَعَ الخَوْفُ يَوْمَ القِيامَةِ نادى مُنادٍ: ﴿ياعِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ﴾، فَإذا سَمِعُوا النِّداءَ رَفَعَ الخَلائِقُ رُءُوسَهم، فَيُقالُ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وكانُوا مُسْلِمِينَ﴾ فَتُنَكِّسُ أهْلُ الأدْيانِ الباطِلَةِ رُءُوسَهم. الحُكْمُ الثّالِثُ: مِن وقائِعِ القِيامَةِ أنَّهُ تَعالى إذا أمَّنَ المُؤْمِنِينَ مِنَ الخَوْفِ والحُزْنِ، وجَبَ أنْ يَمُرَّ حِسابُهم عَلى أسْهَلِ الوُجُوهِ وعَلى أحْسَنِها، ثُمَّ يُقالُ لَهم: ﴿ادْخُلُوا الجَنَّةَ أنْتُمْ وأزْواجُكم تُحْبَرُونَ﴾، والحَبْرَةُ المُبالَغَةُ في الإكْرامِ فِيما وُصِفَ بِالجَمِيلِ، يَعْنِي يُكْرَمُونَ إكْرامًا عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ، وهَذا مِمّا سَبَقَ تَفْسِيرُهُ في سُورَةِ الرُّومِ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ مِن ذَهَبٍ وأكْوابٍ﴾، قالَ الفَرّاءُ: الكُوبُ المُسْتَدِيرُ الرَّأْسِ الَّذِي لا أُذُنَ لَهُ، فَقَوْلُهُ: ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ مِن ذَهَبٍ﴾ إشارَةٌ إلى المَطْعُومِ، وقَوْلُهُ: ﴿وأكْوابٍ﴾ إشارَةٌ إلى المَشْرُوبِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى تَرَكَ التَّفْصِيلَ وذَكَرَ بَيانًا كُلِّيًّا فَقالَ: ﴿وفِيها ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وتَلَذُّ الأعْيُنُ وأنْتُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ . * * * ثُمَّ قالَ: ﴿وتِلْكَ الجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، وقَدْ ذَكَرْنا في وِراثَةِ الجَنَّةِ وجْهَيْنِ في قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الوارِثُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الفِرْدَوْسَ﴾ [المؤمنون: ١٠، ١١]، ولَمّا ذَكَرَ الطَّعامَ والشَّرابَ فِيما تَقَدَّمَ ذَكَرَ هَهُنا حالَ الفاكِهَةِ فَقالَ: ﴿لَكم فِيها فاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنها تَأْكُلُونَ﴾ . واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى بَعَثَ مُحَمَّدًا ﷺ إلى العَرَبِ أوَّلًا، ثُمَّ إلى العالَمِينَ ثانِيًا، والعَرَبُ كانُوا في ضِيقٍ شَدِيدٍ بِسَبَبِ المَأْكُولِ والمَشْرُوبِ والفاكِهَةِ، فَلِهَذا السَّبَبِ تَفَضَّلَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ بِهَذِهِ المَعانِي مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى تَكْمِيلًا لِرَغْبَتِهِمْ وتَقْوِيَةً لِدَواعِيهِمْ.

الزخرف 43:70

قَوْلُهُ تَعالى ﴿الأخِلّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلّا المُتَّقِينَ﴾ ﴿ياعِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وكانُوا مُسْلِمِينَ﴾ ﴿ادْخُلُوا الجَنَّةَ أنْتُمْ وأزْواجُكم تُحْبَرُونَ﴾ ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ مِن ذَهَبٍ وأكْوابٍ وفِيها ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وتَلَذُّ الأعْيُنُ وأنْتُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ ﴿وتِلْكَ الجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿لَكم فِيها فاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنها تَأْكُلُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا السّاعَةَ أنْ تَأْتِيَهم بَغْتَةً﴾ ذَكَرَ عَقِيبَهُ بَعْضَ ما يَتَعَلَّقُ بِأحْوالِ القِيامَةِ: فَأوَّلُها: ﴿الأخِلّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلّا المُتَّقِينَ﴾ والمَعْنى ﴿الأخِلّاءُ﴾ في الدُّنْيا ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ يَعْنِي في الآخِرَةِ ﴿بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ يَعْنِي أنَّ الخُلَّةَ إذا كانَتْ عَلى المَعْصِيَةِ والكُفْرِ صارَتْ عَداوَةً يَوْمَ القِيامَةِ ﴿إلّا المُتَّقِينَ﴾ يَعْنِي المُوَحِّدِينَ الَّذِينَ يُخالِلُ بَعْضُهم بَعْضًا عَلى الإيمانِ والتَّقْوى، فَإنَّ خُلَّتَهم لا تَصِيرُ عَداوَةً، ولِلْحُكَماءِ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ طَرِيقٌ حَسَنٌ، قالُوا: إنَّ المَحَبَّةَ أمْرٌ لا يَحْصُلُ إلّا عِنْدَ اعْتِقادِ حُصُولِ خَيْرٍ أوْ دَفْعِ ضَرَرٍ، فَمَتى حَصَلَ هَذا الِاعْتِقادُ حَصَلَتِ المَحَبَّةُ لا مَحالَةَ، ومَتى حَصَلَ اعْتِقادُ أنَّهُ يُوجِبُ ضَرَرًا حَصَلَ البُغْضُ والنَّفْرَةُ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: تِلْكَ الخَيْراتُ الَّتِي كانَ اعْتِقادُ حُصُولِها يُوجِبُ حُصُولَ المَحَبَّةِ - إمّا أنْ تَكُونَ قابِلَةً لِلتَّغَيُّرِ والتَّبَدُّلِ، أوْ لا تَكُونُ كَذَلِكَ، فَإنْ كانَ الواقِعُ هو القِسْمَ الأوَّلَ، وجَبَ أنْ تُبَدَّلَ تِلْكَ المَحَبَّةُ بِالنَّفْرَةِ، لِأنَّ تِلْكَ المَحَبَّةَ إنَّما حَصَلَتْ لِاعْتِقادِ حُصُولِ الخَيْرِ والرّاحَةِ، فَإذا زالَ ذَلِكَ الِاعْتِقادُ وحَصَلَ عَقِيبَهُ اعْتِقادُ أنَّ الحاصِلَ هو الضَّرَرُ والألَمُ - وجَبَ أنْ تَتَبَدَّلَ تِلْكَ المَحَبَّةُ بِالبِغْضَةِ، لِأنَّ تَبَدُّلَ العِلَّةِ يُوجِبُ تَبَدُّلَ المَعْلُولِ، أمّا إذا كانَتِ الخَيْراتُ المُوجِبَةُ لِلْمَحَبَّةِ خَيْراتٍ باقِيَةً أبَدِيَّةً غَيْرَ قابِلَةٍ لِلتَّبَدُّلِ والتَّغَيُّرِ، كانَتْ تِلْكَ المَحَبَّةُ أيْضًا مَحَبَّةً باقِيَةً آمِنَةً مِنَ التَّغَيُّرِ، إذا عَرَفْتَ هَذا الأصْلَ فَنَقُولُ: الَّذِينَ حَصَلَتْ بَيْنَهم مَحَبَّةٌ ومَوَدَّةٌ في الدُّنْيا، إنْ كانَتْ تِلْكَ المَحَبَّةُ لِأجْلِ طَلَبِ الدُّنْيا وطَيِّباتِها ولَذّاتِها، فَهَذِهِ المَطالِبُ لا تَبْقى في القِيامَةِ، بَلْ يَصِيرُ طَلَبُ الدُّنْيا سَبَبًا لِحُصُولِ الآلامِ والآفاتِ في يَوْمِ القِيامَةِ، فَلا جَرَمَ تَنْقَلِبُ هَذِهِ المَحَبَّةُ الدُّنْيَوِيَّةُ بِغْضَةً ونَفْرَةً في القِيامَةِ، أمّا إنْ كانَ المُوجِبُ لِحُصُولِ المَحَبَّةِ في الدُّنْيا الِاشْتِراكَ في مَحَبَّةِ اللَّهِ وفي خِدْمَتِهِ وطاعَتِهِ، فَهَذا السَّبَبُ غَيْرُ قابِلٍ لِلنَّسْخِ والتَّغَيُّرِ، فَلا جَرَمَ كانَتْ هَذِهِ المَحَبَّةُ باقِيَةً في القِيامَةِ، بَلْ كَأنَّها تَصِيرُ أقْوى وأصْفى وأكْمَلَ وأفْضَلَ مِمّا كانَتْ في الدُّنْيا، فَهَذا هو التَّفْسِيرُ المُطابِقُ لِقَوْلِهِ صفحة ١٩٣ تَعالى: ﴿الأخِلّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلّا المُتَّقِينَ﴾ الحُكْمُ الثّانِي مِن أحْكامِ يَوْمِ القِيامَةِ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياعِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾، وقَدْ ذَكَرْنا مِرارًا أنَّ عادَةَ القُرْآنِ جارِيَةٌ بِتَخْصِيصِ لَفْظِ العِبادِ بِالمُؤْمِنِينَ المُطِيعِينَ المُتَّقِينَ، فَقَوْلُهُ: ﴿ياعِبادِ﴾ كَلامُ اللَّهُ تَعالى، فَكَأنَّ الحَقَّ يُخاطِبُهم بِنَفْسِهِ ويَقُولُ لَهم: ﴿ياعِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾، وفِيهِ أنْواعٌ كَثِيرَةٌ مِمّا يُوجِبُ الفَرَحَ: أوَّلُها: أنَّ الحَقَّ سُبْحانَهُ وتَعالى خاطَبَهم بِنَفْسِهِ مِن غَيْرِ واسِطَةٍ. وثانِيها: أنَّهُ تَعالى وصَفَهم بِالعُبُودِيَّةِ، وهَذا تَشْرِيفٌ عَظِيمٌ، بِدَلِيلِ أنَّهُ لَمّا أرادَ أنْ يُشَرِّفَ مُحَمَّدًا ﷺ لَيْلَةَ المِعْراجِ قالَ: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء: ١] . وثالِثُها: قَوْلُهُ ﴿لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ﴾ فَأزالَ عَنْهُمُ الخَوْفَ في يَوْمِ القِيامَةِ بِالكُلِّيَّةِ، وهَذا مِن أعْظَمِ النِّعَمِ. ورابِعُها: قَوْلُهُ ﴿ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ فَنَفى عَنْهُمُ الحُزْنَ بِسَبَبِ فَوْتِ الدُّنْيا الماضِيَةِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وكانُوا مُسْلِمِينَ﴾ قِيلَ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ مُضْمَرٌ، والتَّقْدِيرُ: يُقالُ لَهم: ادْخُلُوا الجَنَّةَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: أعْنِي الَّذِينَ آمَنُوا. قالَ مُقاتِلٌ: إذا وقَعَ الخَوْفُ يَوْمَ القِيامَةِ نادى مُنادٍ: ﴿ياعِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ﴾، فَإذا سَمِعُوا النِّداءَ رَفَعَ الخَلائِقُ رُءُوسَهم، فَيُقالُ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وكانُوا مُسْلِمِينَ﴾ فَتُنَكِّسُ أهْلُ الأدْيانِ الباطِلَةِ رُءُوسَهم. الحُكْمُ الثّالِثُ: مِن وقائِعِ القِيامَةِ أنَّهُ تَعالى إذا أمَّنَ المُؤْمِنِينَ مِنَ الخَوْفِ والحُزْنِ، وجَبَ أنْ يَمُرَّ حِسابُهم عَلى أسْهَلِ الوُجُوهِ وعَلى أحْسَنِها، ثُمَّ يُقالُ لَهم: ﴿ادْخُلُوا الجَنَّةَ أنْتُمْ وأزْواجُكم تُحْبَرُونَ﴾، والحَبْرَةُ المُبالَغَةُ في الإكْرامِ فِيما وُصِفَ بِالجَمِيلِ، يَعْنِي يُكْرَمُونَ إكْرامًا عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ، وهَذا مِمّا سَبَقَ تَفْسِيرُهُ في سُورَةِ الرُّومِ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ مِن ذَهَبٍ وأكْوابٍ﴾، قالَ الفَرّاءُ: الكُوبُ المُسْتَدِيرُ الرَّأْسِ الَّذِي لا أُذُنَ لَهُ، فَقَوْلُهُ: ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ مِن ذَهَبٍ﴾ إشارَةٌ إلى المَطْعُومِ، وقَوْلُهُ: ﴿وأكْوابٍ﴾ إشارَةٌ إلى المَشْرُوبِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى تَرَكَ التَّفْصِيلَ وذَكَرَ بَيانًا كُلِّيًّا فَقالَ: ﴿وفِيها ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وتَلَذُّ الأعْيُنُ وأنْتُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ . * * * ثُمَّ قالَ: ﴿وتِلْكَ الجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، وقَدْ ذَكَرْنا في وِراثَةِ الجَنَّةِ وجْهَيْنِ في قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الوارِثُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الفِرْدَوْسَ﴾ [المؤمنون: ١٠، ١١]، ولَمّا ذَكَرَ الطَّعامَ والشَّرابَ فِيما تَقَدَّمَ ذَكَرَ هَهُنا حالَ الفاكِهَةِ فَقالَ: ﴿لَكم فِيها فاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنها تَأْكُلُونَ﴾ . واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى بَعَثَ مُحَمَّدًا ﷺ إلى العَرَبِ أوَّلًا، ثُمَّ إلى العالَمِينَ ثانِيًا، والعَرَبُ كانُوا في ضِيقٍ شَدِيدٍ بِسَبَبِ المَأْكُولِ والمَشْرُوبِ والفاكِهَةِ، فَلِهَذا السَّبَبِ تَفَضَّلَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ بِهَذِهِ المَعانِي مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى تَكْمِيلًا لِرَغْبَتِهِمْ وتَقْوِيَةً لِدَواعِيهِمْ.

الزخرف 43:71

قَوْلُهُ تَعالى ﴿الأخِلّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلّا المُتَّقِينَ﴾ ﴿ياعِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وكانُوا مُسْلِمِينَ﴾ ﴿ادْخُلُوا الجَنَّةَ أنْتُمْ وأزْواجُكم تُحْبَرُونَ﴾ ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ مِن ذَهَبٍ وأكْوابٍ وفِيها ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وتَلَذُّ الأعْيُنُ وأنْتُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ ﴿وتِلْكَ الجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿لَكم فِيها فاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنها تَأْكُلُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا السّاعَةَ أنْ تَأْتِيَهم بَغْتَةً﴾ ذَكَرَ عَقِيبَهُ بَعْضَ ما يَتَعَلَّقُ بِأحْوالِ القِيامَةِ: فَأوَّلُها: ﴿الأخِلّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلّا المُتَّقِينَ﴾ والمَعْنى ﴿الأخِلّاءُ﴾ في الدُّنْيا ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ يَعْنِي في الآخِرَةِ ﴿بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ يَعْنِي أنَّ الخُلَّةَ إذا كانَتْ عَلى المَعْصِيَةِ والكُفْرِ صارَتْ عَداوَةً يَوْمَ القِيامَةِ ﴿إلّا المُتَّقِينَ﴾ يَعْنِي المُوَحِّدِينَ الَّذِينَ يُخالِلُ بَعْضُهم بَعْضًا عَلى الإيمانِ والتَّقْوى، فَإنَّ خُلَّتَهم لا تَصِيرُ عَداوَةً، ولِلْحُكَماءِ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ طَرِيقٌ حَسَنٌ، قالُوا: إنَّ المَحَبَّةَ أمْرٌ لا يَحْصُلُ إلّا عِنْدَ اعْتِقادِ حُصُولِ خَيْرٍ أوْ دَفْعِ ضَرَرٍ، فَمَتى حَصَلَ هَذا الِاعْتِقادُ حَصَلَتِ المَحَبَّةُ لا مَحالَةَ، ومَتى حَصَلَ اعْتِقادُ أنَّهُ يُوجِبُ ضَرَرًا حَصَلَ البُغْضُ والنَّفْرَةُ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: تِلْكَ الخَيْراتُ الَّتِي كانَ اعْتِقادُ حُصُولِها يُوجِبُ حُصُولَ المَحَبَّةِ - إمّا أنْ تَكُونَ قابِلَةً لِلتَّغَيُّرِ والتَّبَدُّلِ، أوْ لا تَكُونُ كَذَلِكَ، فَإنْ كانَ الواقِعُ هو القِسْمَ الأوَّلَ، وجَبَ أنْ تُبَدَّلَ تِلْكَ المَحَبَّةُ بِالنَّفْرَةِ، لِأنَّ تِلْكَ المَحَبَّةَ إنَّما حَصَلَتْ لِاعْتِقادِ حُصُولِ الخَيْرِ والرّاحَةِ، فَإذا زالَ ذَلِكَ الِاعْتِقادُ وحَصَلَ عَقِيبَهُ اعْتِقادُ أنَّ الحاصِلَ هو الضَّرَرُ والألَمُ - وجَبَ أنْ تَتَبَدَّلَ تِلْكَ المَحَبَّةُ بِالبِغْضَةِ، لِأنَّ تَبَدُّلَ العِلَّةِ يُوجِبُ تَبَدُّلَ المَعْلُولِ، أمّا إذا كانَتِ الخَيْراتُ المُوجِبَةُ لِلْمَحَبَّةِ خَيْراتٍ باقِيَةً أبَدِيَّةً غَيْرَ قابِلَةٍ لِلتَّبَدُّلِ والتَّغَيُّرِ، كانَتْ تِلْكَ المَحَبَّةُ أيْضًا مَحَبَّةً باقِيَةً آمِنَةً مِنَ التَّغَيُّرِ، إذا عَرَفْتَ هَذا الأصْلَ فَنَقُولُ: الَّذِينَ حَصَلَتْ بَيْنَهم مَحَبَّةٌ ومَوَدَّةٌ في الدُّنْيا، إنْ كانَتْ تِلْكَ المَحَبَّةُ لِأجْلِ طَلَبِ الدُّنْيا وطَيِّباتِها ولَذّاتِها، فَهَذِهِ المَطالِبُ لا تَبْقى في القِيامَةِ، بَلْ يَصِيرُ طَلَبُ الدُّنْيا سَبَبًا لِحُصُولِ الآلامِ والآفاتِ في يَوْمِ القِيامَةِ، فَلا جَرَمَ تَنْقَلِبُ هَذِهِ المَحَبَّةُ الدُّنْيَوِيَّةُ بِغْضَةً ونَفْرَةً في القِيامَةِ، أمّا إنْ كانَ المُوجِبُ لِحُصُولِ المَحَبَّةِ في الدُّنْيا الِاشْتِراكَ في مَحَبَّةِ اللَّهِ وفي خِدْمَتِهِ وطاعَتِهِ، فَهَذا السَّبَبُ غَيْرُ قابِلٍ لِلنَّسْخِ والتَّغَيُّرِ، فَلا جَرَمَ كانَتْ هَذِهِ المَحَبَّةُ باقِيَةً في القِيامَةِ، بَلْ كَأنَّها تَصِيرُ أقْوى وأصْفى وأكْمَلَ وأفْضَلَ مِمّا كانَتْ في الدُّنْيا، فَهَذا هو التَّفْسِيرُ المُطابِقُ لِقَوْلِهِ صفحة ١٩٣ تَعالى: ﴿الأخِلّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلّا المُتَّقِينَ﴾ الحُكْمُ الثّانِي مِن أحْكامِ يَوْمِ القِيامَةِ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياعِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾، وقَدْ ذَكَرْنا مِرارًا أنَّ عادَةَ القُرْآنِ جارِيَةٌ بِتَخْصِيصِ لَفْظِ العِبادِ بِالمُؤْمِنِينَ المُطِيعِينَ المُتَّقِينَ، فَقَوْلُهُ: ﴿ياعِبادِ﴾ كَلامُ اللَّهُ تَعالى، فَكَأنَّ الحَقَّ يُخاطِبُهم بِنَفْسِهِ ويَقُولُ لَهم: ﴿ياعِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾، وفِيهِ أنْواعٌ كَثِيرَةٌ مِمّا يُوجِبُ الفَرَحَ: أوَّلُها: أنَّ الحَقَّ سُبْحانَهُ وتَعالى خاطَبَهم بِنَفْسِهِ مِن غَيْرِ واسِطَةٍ. وثانِيها: أنَّهُ تَعالى وصَفَهم بِالعُبُودِيَّةِ، وهَذا تَشْرِيفٌ عَظِيمٌ، بِدَلِيلِ أنَّهُ لَمّا أرادَ أنْ يُشَرِّفَ مُحَمَّدًا ﷺ لَيْلَةَ المِعْراجِ قالَ: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء: ١] . وثالِثُها: قَوْلُهُ ﴿لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ﴾ فَأزالَ عَنْهُمُ الخَوْفَ في يَوْمِ القِيامَةِ بِالكُلِّيَّةِ، وهَذا مِن أعْظَمِ النِّعَمِ. ورابِعُها: قَوْلُهُ ﴿ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ فَنَفى عَنْهُمُ الحُزْنَ بِسَبَبِ فَوْتِ الدُّنْيا الماضِيَةِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وكانُوا مُسْلِمِينَ﴾ قِيلَ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ مُضْمَرٌ، والتَّقْدِيرُ: يُقالُ لَهم: ادْخُلُوا الجَنَّةَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: أعْنِي الَّذِينَ آمَنُوا. قالَ مُقاتِلٌ: إذا وقَعَ الخَوْفُ يَوْمَ القِيامَةِ نادى مُنادٍ: ﴿ياعِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ﴾، فَإذا سَمِعُوا النِّداءَ رَفَعَ الخَلائِقُ رُءُوسَهم، فَيُقالُ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وكانُوا مُسْلِمِينَ﴾ فَتُنَكِّسُ أهْلُ الأدْيانِ الباطِلَةِ رُءُوسَهم. الحُكْمُ الثّالِثُ: مِن وقائِعِ القِيامَةِ أنَّهُ تَعالى إذا أمَّنَ المُؤْمِنِينَ مِنَ الخَوْفِ والحُزْنِ، وجَبَ أنْ يَمُرَّ حِسابُهم عَلى أسْهَلِ الوُجُوهِ وعَلى أحْسَنِها، ثُمَّ يُقالُ لَهم: ﴿ادْخُلُوا الجَنَّةَ أنْتُمْ وأزْواجُكم تُحْبَرُونَ﴾، والحَبْرَةُ المُبالَغَةُ في الإكْرامِ فِيما وُصِفَ بِالجَمِيلِ، يَعْنِي يُكْرَمُونَ إكْرامًا عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ، وهَذا مِمّا سَبَقَ تَفْسِيرُهُ في سُورَةِ الرُّومِ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ مِن ذَهَبٍ وأكْوابٍ﴾، قالَ الفَرّاءُ: الكُوبُ المُسْتَدِيرُ الرَّأْسِ الَّذِي لا أُذُنَ لَهُ، فَقَوْلُهُ: ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ مِن ذَهَبٍ﴾ إشارَةٌ إلى المَطْعُومِ، وقَوْلُهُ: ﴿وأكْوابٍ﴾ إشارَةٌ إلى المَشْرُوبِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى تَرَكَ التَّفْصِيلَ وذَكَرَ بَيانًا كُلِّيًّا فَقالَ: ﴿وفِيها ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وتَلَذُّ الأعْيُنُ وأنْتُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ . * * * ثُمَّ قالَ: ﴿وتِلْكَ الجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، وقَدْ ذَكَرْنا في وِراثَةِ الجَنَّةِ وجْهَيْنِ في قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الوارِثُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الفِرْدَوْسَ﴾ [المؤمنون: ١٠، ١١]، ولَمّا ذَكَرَ الطَّعامَ والشَّرابَ فِيما تَقَدَّمَ ذَكَرَ هَهُنا حالَ الفاكِهَةِ فَقالَ: ﴿لَكم فِيها فاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنها تَأْكُلُونَ﴾ . واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى بَعَثَ مُحَمَّدًا ﷺ إلى العَرَبِ أوَّلًا، ثُمَّ إلى العالَمِينَ ثانِيًا، والعَرَبُ كانُوا في ضِيقٍ شَدِيدٍ بِسَبَبِ المَأْكُولِ والمَشْرُوبِ والفاكِهَةِ، فَلِهَذا السَّبَبِ تَفَضَّلَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ بِهَذِهِ المَعانِي مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى تَكْمِيلًا لِرَغْبَتِهِمْ وتَقْوِيَةً لِدَواعِيهِمْ.

الزخرف 43:72

قَوْلُهُ تَعالى ﴿الأخِلّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلّا المُتَّقِينَ﴾ ﴿ياعِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وكانُوا مُسْلِمِينَ﴾ ﴿ادْخُلُوا الجَنَّةَ أنْتُمْ وأزْواجُكم تُحْبَرُونَ﴾ ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ مِن ذَهَبٍ وأكْوابٍ وفِيها ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وتَلَذُّ الأعْيُنُ وأنْتُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ ﴿وتِلْكَ الجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿لَكم فِيها فاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنها تَأْكُلُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا السّاعَةَ أنْ تَأْتِيَهم بَغْتَةً﴾ ذَكَرَ عَقِيبَهُ بَعْضَ ما يَتَعَلَّقُ بِأحْوالِ القِيامَةِ: فَأوَّلُها: ﴿الأخِلّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلّا المُتَّقِينَ﴾ والمَعْنى ﴿الأخِلّاءُ﴾ في الدُّنْيا ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ يَعْنِي في الآخِرَةِ ﴿بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ يَعْنِي أنَّ الخُلَّةَ إذا كانَتْ عَلى المَعْصِيَةِ والكُفْرِ صارَتْ عَداوَةً يَوْمَ القِيامَةِ ﴿إلّا المُتَّقِينَ﴾ يَعْنِي المُوَحِّدِينَ الَّذِينَ يُخالِلُ بَعْضُهم بَعْضًا عَلى الإيمانِ والتَّقْوى، فَإنَّ خُلَّتَهم لا تَصِيرُ عَداوَةً، ولِلْحُكَماءِ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ طَرِيقٌ حَسَنٌ، قالُوا: إنَّ المَحَبَّةَ أمْرٌ لا يَحْصُلُ إلّا عِنْدَ اعْتِقادِ حُصُولِ خَيْرٍ أوْ دَفْعِ ضَرَرٍ، فَمَتى حَصَلَ هَذا الِاعْتِقادُ حَصَلَتِ المَحَبَّةُ لا مَحالَةَ، ومَتى حَصَلَ اعْتِقادُ أنَّهُ يُوجِبُ ضَرَرًا حَصَلَ البُغْضُ والنَّفْرَةُ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: تِلْكَ الخَيْراتُ الَّتِي كانَ اعْتِقادُ حُصُولِها يُوجِبُ حُصُولَ المَحَبَّةِ - إمّا أنْ تَكُونَ قابِلَةً لِلتَّغَيُّرِ والتَّبَدُّلِ، أوْ لا تَكُونُ كَذَلِكَ، فَإنْ كانَ الواقِعُ هو القِسْمَ الأوَّلَ، وجَبَ أنْ تُبَدَّلَ تِلْكَ المَحَبَّةُ بِالنَّفْرَةِ، لِأنَّ تِلْكَ المَحَبَّةَ إنَّما حَصَلَتْ لِاعْتِقادِ حُصُولِ الخَيْرِ والرّاحَةِ، فَإذا زالَ ذَلِكَ الِاعْتِقادُ وحَصَلَ عَقِيبَهُ اعْتِقادُ أنَّ الحاصِلَ هو الضَّرَرُ والألَمُ - وجَبَ أنْ تَتَبَدَّلَ تِلْكَ المَحَبَّةُ بِالبِغْضَةِ، لِأنَّ تَبَدُّلَ العِلَّةِ يُوجِبُ تَبَدُّلَ المَعْلُولِ، أمّا إذا كانَتِ الخَيْراتُ المُوجِبَةُ لِلْمَحَبَّةِ خَيْراتٍ باقِيَةً أبَدِيَّةً غَيْرَ قابِلَةٍ لِلتَّبَدُّلِ والتَّغَيُّرِ، كانَتْ تِلْكَ المَحَبَّةُ أيْضًا مَحَبَّةً باقِيَةً آمِنَةً مِنَ التَّغَيُّرِ، إذا عَرَفْتَ هَذا الأصْلَ فَنَقُولُ: الَّذِينَ حَصَلَتْ بَيْنَهم مَحَبَّةٌ ومَوَدَّةٌ في الدُّنْيا، إنْ كانَتْ تِلْكَ المَحَبَّةُ لِأجْلِ طَلَبِ الدُّنْيا وطَيِّباتِها ولَذّاتِها، فَهَذِهِ المَطالِبُ لا تَبْقى في القِيامَةِ، بَلْ يَصِيرُ طَلَبُ الدُّنْيا سَبَبًا لِحُصُولِ الآلامِ والآفاتِ في يَوْمِ القِيامَةِ، فَلا جَرَمَ تَنْقَلِبُ هَذِهِ المَحَبَّةُ الدُّنْيَوِيَّةُ بِغْضَةً ونَفْرَةً في القِيامَةِ، أمّا إنْ كانَ المُوجِبُ لِحُصُولِ المَحَبَّةِ في الدُّنْيا الِاشْتِراكَ في مَحَبَّةِ اللَّهِ وفي خِدْمَتِهِ وطاعَتِهِ، فَهَذا السَّبَبُ غَيْرُ قابِلٍ لِلنَّسْخِ والتَّغَيُّرِ، فَلا جَرَمَ كانَتْ هَذِهِ المَحَبَّةُ باقِيَةً في القِيامَةِ، بَلْ كَأنَّها تَصِيرُ أقْوى وأصْفى وأكْمَلَ وأفْضَلَ مِمّا كانَتْ في الدُّنْيا، فَهَذا هو التَّفْسِيرُ المُطابِقُ لِقَوْلِهِ صفحة ١٩٣ تَعالى: ﴿الأخِلّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلّا المُتَّقِينَ﴾ الحُكْمُ الثّانِي مِن أحْكامِ يَوْمِ القِيامَةِ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياعِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾، وقَدْ ذَكَرْنا مِرارًا أنَّ عادَةَ القُرْآنِ جارِيَةٌ بِتَخْصِيصِ لَفْظِ العِبادِ بِالمُؤْمِنِينَ المُطِيعِينَ المُتَّقِينَ، فَقَوْلُهُ: ﴿ياعِبادِ﴾ كَلامُ اللَّهُ تَعالى، فَكَأنَّ الحَقَّ يُخاطِبُهم بِنَفْسِهِ ويَقُولُ لَهم: ﴿ياعِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾، وفِيهِ أنْواعٌ كَثِيرَةٌ مِمّا يُوجِبُ الفَرَحَ: أوَّلُها: أنَّ الحَقَّ سُبْحانَهُ وتَعالى خاطَبَهم بِنَفْسِهِ مِن غَيْرِ واسِطَةٍ. وثانِيها: أنَّهُ تَعالى وصَفَهم بِالعُبُودِيَّةِ، وهَذا تَشْرِيفٌ عَظِيمٌ، بِدَلِيلِ أنَّهُ لَمّا أرادَ أنْ يُشَرِّفَ مُحَمَّدًا ﷺ لَيْلَةَ المِعْراجِ قالَ: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء: ١] . وثالِثُها: قَوْلُهُ ﴿لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ﴾ فَأزالَ عَنْهُمُ الخَوْفَ في يَوْمِ القِيامَةِ بِالكُلِّيَّةِ، وهَذا مِن أعْظَمِ النِّعَمِ. ورابِعُها: قَوْلُهُ ﴿ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ فَنَفى عَنْهُمُ الحُزْنَ بِسَبَبِ فَوْتِ الدُّنْيا الماضِيَةِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وكانُوا مُسْلِمِينَ﴾ قِيلَ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ مُضْمَرٌ، والتَّقْدِيرُ: يُقالُ لَهم: ادْخُلُوا الجَنَّةَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: أعْنِي الَّذِينَ آمَنُوا. قالَ مُقاتِلٌ: إذا وقَعَ الخَوْفُ يَوْمَ القِيامَةِ نادى مُنادٍ: ﴿ياعِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ﴾، فَإذا سَمِعُوا النِّداءَ رَفَعَ الخَلائِقُ رُءُوسَهم، فَيُقالُ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وكانُوا مُسْلِمِينَ﴾ فَتُنَكِّسُ أهْلُ الأدْيانِ الباطِلَةِ رُءُوسَهم. الحُكْمُ الثّالِثُ: مِن وقائِعِ القِيامَةِ أنَّهُ تَعالى إذا أمَّنَ المُؤْمِنِينَ مِنَ الخَوْفِ والحُزْنِ، وجَبَ أنْ يَمُرَّ حِسابُهم عَلى أسْهَلِ الوُجُوهِ وعَلى أحْسَنِها، ثُمَّ يُقالُ لَهم: ﴿ادْخُلُوا الجَنَّةَ أنْتُمْ وأزْواجُكم تُحْبَرُونَ﴾، والحَبْرَةُ المُبالَغَةُ في الإكْرامِ فِيما وُصِفَ بِالجَمِيلِ، يَعْنِي يُكْرَمُونَ إكْرامًا عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ، وهَذا مِمّا سَبَقَ تَفْسِيرُهُ في سُورَةِ الرُّومِ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ مِن ذَهَبٍ وأكْوابٍ﴾، قالَ الفَرّاءُ: الكُوبُ المُسْتَدِيرُ الرَّأْسِ الَّذِي لا أُذُنَ لَهُ، فَقَوْلُهُ: ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ مِن ذَهَبٍ﴾ إشارَةٌ إلى المَطْعُومِ، وقَوْلُهُ: ﴿وأكْوابٍ﴾ إشارَةٌ إلى المَشْرُوبِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى تَرَكَ التَّفْصِيلَ وذَكَرَ بَيانًا كُلِّيًّا فَقالَ: ﴿وفِيها ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وتَلَذُّ الأعْيُنُ وأنْتُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ . * * * ثُمَّ قالَ: ﴿وتِلْكَ الجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، وقَدْ ذَكَرْنا في وِراثَةِ الجَنَّةِ وجْهَيْنِ في قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الوارِثُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الفِرْدَوْسَ﴾ [المؤمنون: ١٠، ١١]، ولَمّا ذَكَرَ الطَّعامَ والشَّرابَ فِيما تَقَدَّمَ ذَكَرَ هَهُنا حالَ الفاكِهَةِ فَقالَ: ﴿لَكم فِيها فاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنها تَأْكُلُونَ﴾ . واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى بَعَثَ مُحَمَّدًا ﷺ إلى العَرَبِ أوَّلًا، ثُمَّ إلى العالَمِينَ ثانِيًا، والعَرَبُ كانُوا في ضِيقٍ شَدِيدٍ بِسَبَبِ المَأْكُولِ والمَشْرُوبِ والفاكِهَةِ، فَلِهَذا السَّبَبِ تَفَضَّلَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ بِهَذِهِ المَعانِي مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى تَكْمِيلًا لِرَغْبَتِهِمْ وتَقْوِيَةً لِدَواعِيهِمْ.

الزخرف 43:73

قَوْلُهُ تَعالى ﴿الأخِلّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلّا المُتَّقِينَ﴾ ﴿ياعِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وكانُوا مُسْلِمِينَ﴾ ﴿ادْخُلُوا الجَنَّةَ أنْتُمْ وأزْواجُكم تُحْبَرُونَ﴾ ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ مِن ذَهَبٍ وأكْوابٍ وفِيها ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وتَلَذُّ الأعْيُنُ وأنْتُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ ﴿وتِلْكَ الجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿لَكم فِيها فاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنها تَأْكُلُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا السّاعَةَ أنْ تَأْتِيَهم بَغْتَةً﴾ ذَكَرَ عَقِيبَهُ بَعْضَ ما يَتَعَلَّقُ بِأحْوالِ القِيامَةِ: فَأوَّلُها: ﴿الأخِلّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلّا المُتَّقِينَ﴾ والمَعْنى ﴿الأخِلّاءُ﴾ في الدُّنْيا ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ يَعْنِي في الآخِرَةِ ﴿بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ يَعْنِي أنَّ الخُلَّةَ إذا كانَتْ عَلى المَعْصِيَةِ والكُفْرِ صارَتْ عَداوَةً يَوْمَ القِيامَةِ ﴿إلّا المُتَّقِينَ﴾ يَعْنِي المُوَحِّدِينَ الَّذِينَ يُخالِلُ بَعْضُهم بَعْضًا عَلى الإيمانِ والتَّقْوى، فَإنَّ خُلَّتَهم لا تَصِيرُ عَداوَةً، ولِلْحُكَماءِ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ طَرِيقٌ حَسَنٌ، قالُوا: إنَّ المَحَبَّةَ أمْرٌ لا يَحْصُلُ إلّا عِنْدَ اعْتِقادِ حُصُولِ خَيْرٍ أوْ دَفْعِ ضَرَرٍ، فَمَتى حَصَلَ هَذا الِاعْتِقادُ حَصَلَتِ المَحَبَّةُ لا مَحالَةَ، ومَتى حَصَلَ اعْتِقادُ أنَّهُ يُوجِبُ ضَرَرًا حَصَلَ البُغْضُ والنَّفْرَةُ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: تِلْكَ الخَيْراتُ الَّتِي كانَ اعْتِقادُ حُصُولِها يُوجِبُ حُصُولَ المَحَبَّةِ - إمّا أنْ تَكُونَ قابِلَةً لِلتَّغَيُّرِ والتَّبَدُّلِ، أوْ لا تَكُونُ كَذَلِكَ، فَإنْ كانَ الواقِعُ هو القِسْمَ الأوَّلَ، وجَبَ أنْ تُبَدَّلَ تِلْكَ المَحَبَّةُ بِالنَّفْرَةِ، لِأنَّ تِلْكَ المَحَبَّةَ إنَّما حَصَلَتْ لِاعْتِقادِ حُصُولِ الخَيْرِ والرّاحَةِ، فَإذا زالَ ذَلِكَ الِاعْتِقادُ وحَصَلَ عَقِيبَهُ اعْتِقادُ أنَّ الحاصِلَ هو الضَّرَرُ والألَمُ - وجَبَ أنْ تَتَبَدَّلَ تِلْكَ المَحَبَّةُ بِالبِغْضَةِ، لِأنَّ تَبَدُّلَ العِلَّةِ يُوجِبُ تَبَدُّلَ المَعْلُولِ، أمّا إذا كانَتِ الخَيْراتُ المُوجِبَةُ لِلْمَحَبَّةِ خَيْراتٍ باقِيَةً أبَدِيَّةً غَيْرَ قابِلَةٍ لِلتَّبَدُّلِ والتَّغَيُّرِ، كانَتْ تِلْكَ المَحَبَّةُ أيْضًا مَحَبَّةً باقِيَةً آمِنَةً مِنَ التَّغَيُّرِ، إذا عَرَفْتَ هَذا الأصْلَ فَنَقُولُ: الَّذِينَ حَصَلَتْ بَيْنَهم مَحَبَّةٌ ومَوَدَّةٌ في الدُّنْيا، إنْ كانَتْ تِلْكَ المَحَبَّةُ لِأجْلِ طَلَبِ الدُّنْيا وطَيِّباتِها ولَذّاتِها، فَهَذِهِ المَطالِبُ لا تَبْقى في القِيامَةِ، بَلْ يَصِيرُ طَلَبُ الدُّنْيا سَبَبًا لِحُصُولِ الآلامِ والآفاتِ في يَوْمِ القِيامَةِ، فَلا جَرَمَ تَنْقَلِبُ هَذِهِ المَحَبَّةُ الدُّنْيَوِيَّةُ بِغْضَةً ونَفْرَةً في القِيامَةِ، أمّا إنْ كانَ المُوجِبُ لِحُصُولِ المَحَبَّةِ في الدُّنْيا الِاشْتِراكَ في مَحَبَّةِ اللَّهِ وفي خِدْمَتِهِ وطاعَتِهِ، فَهَذا السَّبَبُ غَيْرُ قابِلٍ لِلنَّسْخِ والتَّغَيُّرِ، فَلا جَرَمَ كانَتْ هَذِهِ المَحَبَّةُ باقِيَةً في القِيامَةِ، بَلْ كَأنَّها تَصِيرُ أقْوى وأصْفى وأكْمَلَ وأفْضَلَ مِمّا كانَتْ في الدُّنْيا، فَهَذا هو التَّفْسِيرُ المُطابِقُ لِقَوْلِهِ صفحة ١٩٣ تَعالى: ﴿الأخِلّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلّا المُتَّقِينَ﴾ الحُكْمُ الثّانِي مِن أحْكامِ يَوْمِ القِيامَةِ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياعِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾، وقَدْ ذَكَرْنا مِرارًا أنَّ عادَةَ القُرْآنِ جارِيَةٌ بِتَخْصِيصِ لَفْظِ العِبادِ بِالمُؤْمِنِينَ المُطِيعِينَ المُتَّقِينَ، فَقَوْلُهُ: ﴿ياعِبادِ﴾ كَلامُ اللَّهُ تَعالى، فَكَأنَّ الحَقَّ يُخاطِبُهم بِنَفْسِهِ ويَقُولُ لَهم: ﴿ياعِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾، وفِيهِ أنْواعٌ كَثِيرَةٌ مِمّا يُوجِبُ الفَرَحَ: أوَّلُها: أنَّ الحَقَّ سُبْحانَهُ وتَعالى خاطَبَهم بِنَفْسِهِ مِن غَيْرِ واسِطَةٍ. وثانِيها: أنَّهُ تَعالى وصَفَهم بِالعُبُودِيَّةِ، وهَذا تَشْرِيفٌ عَظِيمٌ، بِدَلِيلِ أنَّهُ لَمّا أرادَ أنْ يُشَرِّفَ مُحَمَّدًا ﷺ لَيْلَةَ المِعْراجِ قالَ: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء: ١] . وثالِثُها: قَوْلُهُ ﴿لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ﴾ فَأزالَ عَنْهُمُ الخَوْفَ في يَوْمِ القِيامَةِ بِالكُلِّيَّةِ، وهَذا مِن أعْظَمِ النِّعَمِ. ورابِعُها: قَوْلُهُ ﴿ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ فَنَفى عَنْهُمُ الحُزْنَ بِسَبَبِ فَوْتِ الدُّنْيا الماضِيَةِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وكانُوا مُسْلِمِينَ﴾ قِيلَ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ مُضْمَرٌ، والتَّقْدِيرُ: يُقالُ لَهم: ادْخُلُوا الجَنَّةَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: أعْنِي الَّذِينَ آمَنُوا. قالَ مُقاتِلٌ: إذا وقَعَ الخَوْفُ يَوْمَ القِيامَةِ نادى مُنادٍ: ﴿ياعِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ﴾، فَإذا سَمِعُوا النِّداءَ رَفَعَ الخَلائِقُ رُءُوسَهم، فَيُقالُ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وكانُوا مُسْلِمِينَ﴾ فَتُنَكِّسُ أهْلُ الأدْيانِ الباطِلَةِ رُءُوسَهم. الحُكْمُ الثّالِثُ: مِن وقائِعِ القِيامَةِ أنَّهُ تَعالى إذا أمَّنَ المُؤْمِنِينَ مِنَ الخَوْفِ والحُزْنِ، وجَبَ أنْ يَمُرَّ حِسابُهم عَلى أسْهَلِ الوُجُوهِ وعَلى أحْسَنِها، ثُمَّ يُقالُ لَهم: ﴿ادْخُلُوا الجَنَّةَ أنْتُمْ وأزْواجُكم تُحْبَرُونَ﴾، والحَبْرَةُ المُبالَغَةُ في الإكْرامِ فِيما وُصِفَ بِالجَمِيلِ، يَعْنِي يُكْرَمُونَ إكْرامًا عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ، وهَذا مِمّا سَبَقَ تَفْسِيرُهُ في سُورَةِ الرُّومِ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ مِن ذَهَبٍ وأكْوابٍ﴾، قالَ الفَرّاءُ: الكُوبُ المُسْتَدِيرُ الرَّأْسِ الَّذِي لا أُذُنَ لَهُ، فَقَوْلُهُ: ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ مِن ذَهَبٍ﴾ إشارَةٌ إلى المَطْعُومِ، وقَوْلُهُ: ﴿وأكْوابٍ﴾ إشارَةٌ إلى المَشْرُوبِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى تَرَكَ التَّفْصِيلَ وذَكَرَ بَيانًا كُلِّيًّا فَقالَ: ﴿وفِيها ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وتَلَذُّ الأعْيُنُ وأنْتُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ . * * * ثُمَّ قالَ: ﴿وتِلْكَ الجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، وقَدْ ذَكَرْنا في وِراثَةِ الجَنَّةِ وجْهَيْنِ في قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الوارِثُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الفِرْدَوْسَ﴾ [المؤمنون: ١٠، ١١]، ولَمّا ذَكَرَ الطَّعامَ والشَّرابَ فِيما تَقَدَّمَ ذَكَرَ هَهُنا حالَ الفاكِهَةِ فَقالَ: ﴿لَكم فِيها فاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنها تَأْكُلُونَ﴾ . واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى بَعَثَ مُحَمَّدًا ﷺ إلى العَرَبِ أوَّلًا، ثُمَّ إلى العالَمِينَ ثانِيًا، والعَرَبُ كانُوا في ضِيقٍ شَدِيدٍ بِسَبَبِ المَأْكُولِ والمَشْرُوبِ والفاكِهَةِ، فَلِهَذا السَّبَبِ تَفَضَّلَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ بِهَذِهِ المَعانِي مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى تَكْمِيلًا لِرَغْبَتِهِمْ وتَقْوِيَةً لِدَواعِيهِمْ.

الزخرف 43:74

قَوْلُهُ تَعالى ﴿الأخِلّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلّا المُتَّقِينَ﴾ ﴿ياعِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وكانُوا مُسْلِمِينَ﴾ ﴿ادْخُلُوا الجَنَّةَ أنْتُمْ وأزْواجُكم تُحْبَرُونَ﴾ ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ مِن ذَهَبٍ وأكْوابٍ وفِيها ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وتَلَذُّ الأعْيُنُ وأنْتُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ ﴿وتِلْكَ الجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿لَكم فِيها فاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنها تَأْكُلُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا السّاعَةَ أنْ تَأْتِيَهم بَغْتَةً﴾ ذَكَرَ عَقِيبَهُ بَعْضَ ما يَتَعَلَّقُ بِأحْوالِ القِيامَةِ: فَأوَّلُها: ﴿الأخِلّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلّا المُتَّقِينَ﴾ والمَعْنى ﴿الأخِلّاءُ﴾ في الدُّنْيا ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ يَعْنِي في الآخِرَةِ ﴿بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ يَعْنِي أنَّ الخُلَّةَ إذا كانَتْ عَلى المَعْصِيَةِ والكُفْرِ صارَتْ عَداوَةً يَوْمَ القِيامَةِ ﴿إلّا المُتَّقِينَ﴾ يَعْنِي المُوَحِّدِينَ الَّذِينَ يُخالِلُ بَعْضُهم بَعْضًا عَلى الإيمانِ والتَّقْوى، فَإنَّ خُلَّتَهم لا تَصِيرُ عَداوَةً، ولِلْحُكَماءِ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ طَرِيقٌ حَسَنٌ، قالُوا: إنَّ المَحَبَّةَ أمْرٌ لا يَحْصُلُ إلّا عِنْدَ اعْتِقادِ حُصُولِ خَيْرٍ أوْ دَفْعِ ضَرَرٍ، فَمَتى حَصَلَ هَذا الِاعْتِقادُ حَصَلَتِ المَحَبَّةُ لا مَحالَةَ، ومَتى حَصَلَ اعْتِقادُ أنَّهُ يُوجِبُ ضَرَرًا حَصَلَ البُغْضُ والنَّفْرَةُ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: تِلْكَ الخَيْراتُ الَّتِي كانَ اعْتِقادُ حُصُولِها يُوجِبُ حُصُولَ المَحَبَّةِ - إمّا أنْ تَكُونَ قابِلَةً لِلتَّغَيُّرِ والتَّبَدُّلِ، أوْ لا تَكُونُ كَذَلِكَ، فَإنْ كانَ الواقِعُ هو القِسْمَ الأوَّلَ، وجَبَ أنْ تُبَدَّلَ تِلْكَ المَحَبَّةُ بِالنَّفْرَةِ، لِأنَّ تِلْكَ المَحَبَّةَ إنَّما حَصَلَتْ لِاعْتِقادِ حُصُولِ الخَيْرِ والرّاحَةِ، فَإذا زالَ ذَلِكَ الِاعْتِقادُ وحَصَلَ عَقِيبَهُ اعْتِقادُ أنَّ الحاصِلَ هو الضَّرَرُ والألَمُ - وجَبَ أنْ تَتَبَدَّلَ تِلْكَ المَحَبَّةُ بِالبِغْضَةِ، لِأنَّ تَبَدُّلَ العِلَّةِ يُوجِبُ تَبَدُّلَ المَعْلُولِ، أمّا إذا كانَتِ الخَيْراتُ المُوجِبَةُ لِلْمَحَبَّةِ خَيْراتٍ باقِيَةً أبَدِيَّةً غَيْرَ قابِلَةٍ لِلتَّبَدُّلِ والتَّغَيُّرِ، كانَتْ تِلْكَ المَحَبَّةُ أيْضًا مَحَبَّةً باقِيَةً آمِنَةً مِنَ التَّغَيُّرِ، إذا عَرَفْتَ هَذا الأصْلَ فَنَقُولُ: الَّذِينَ حَصَلَتْ بَيْنَهم مَحَبَّةٌ ومَوَدَّةٌ في الدُّنْيا، إنْ كانَتْ تِلْكَ المَحَبَّةُ لِأجْلِ طَلَبِ الدُّنْيا وطَيِّباتِها ولَذّاتِها، فَهَذِهِ المَطالِبُ لا تَبْقى في القِيامَةِ، بَلْ يَصِيرُ طَلَبُ الدُّنْيا سَبَبًا لِحُصُولِ الآلامِ والآفاتِ في يَوْمِ القِيامَةِ، فَلا جَرَمَ تَنْقَلِبُ هَذِهِ المَحَبَّةُ الدُّنْيَوِيَّةُ بِغْضَةً ونَفْرَةً في القِيامَةِ، أمّا إنْ كانَ المُوجِبُ لِحُصُولِ المَحَبَّةِ في الدُّنْيا الِاشْتِراكَ في مَحَبَّةِ اللَّهِ وفي خِدْمَتِهِ وطاعَتِهِ، فَهَذا السَّبَبُ غَيْرُ قابِلٍ لِلنَّسْخِ والتَّغَيُّرِ، فَلا جَرَمَ كانَتْ هَذِهِ المَحَبَّةُ باقِيَةً في القِيامَةِ، بَلْ كَأنَّها تَصِيرُ أقْوى وأصْفى وأكْمَلَ وأفْضَلَ مِمّا كانَتْ في الدُّنْيا، فَهَذا هو التَّفْسِيرُ المُطابِقُ لِقَوْلِهِ صفحة ١٩٣ تَعالى: ﴿الأخِلّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلّا المُتَّقِينَ﴾ الحُكْمُ الثّانِي مِن أحْكامِ يَوْمِ القِيامَةِ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياعِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾، وقَدْ ذَكَرْنا مِرارًا أنَّ عادَةَ القُرْآنِ جارِيَةٌ بِتَخْصِيصِ لَفْظِ العِبادِ بِالمُؤْمِنِينَ المُطِيعِينَ المُتَّقِينَ، فَقَوْلُهُ: ﴿ياعِبادِ﴾ كَلامُ اللَّهُ تَعالى، فَكَأنَّ الحَقَّ يُخاطِبُهم بِنَفْسِهِ ويَقُولُ لَهم: ﴿ياعِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾، وفِيهِ أنْواعٌ كَثِيرَةٌ مِمّا يُوجِبُ الفَرَحَ: أوَّلُها: أنَّ الحَقَّ سُبْحانَهُ وتَعالى خاطَبَهم بِنَفْسِهِ مِن غَيْرِ واسِطَةٍ. وثانِيها: أنَّهُ تَعالى وصَفَهم بِالعُبُودِيَّةِ، وهَذا تَشْرِيفٌ عَظِيمٌ، بِدَلِيلِ أنَّهُ لَمّا أرادَ أنْ يُشَرِّفَ مُحَمَّدًا ﷺ لَيْلَةَ المِعْراجِ قالَ: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء: ١] . وثالِثُها: قَوْلُهُ ﴿لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ﴾ فَأزالَ عَنْهُمُ الخَوْفَ في يَوْمِ القِيامَةِ بِالكُلِّيَّةِ، وهَذا مِن أعْظَمِ النِّعَمِ. ورابِعُها: قَوْلُهُ ﴿ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ فَنَفى عَنْهُمُ الحُزْنَ بِسَبَبِ فَوْتِ الدُّنْيا الماضِيَةِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وكانُوا مُسْلِمِينَ﴾ قِيلَ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ مُضْمَرٌ، والتَّقْدِيرُ: يُقالُ لَهم: ادْخُلُوا الجَنَّةَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: أعْنِي الَّذِينَ آمَنُوا. قالَ مُقاتِلٌ: إذا وقَعَ الخَوْفُ يَوْمَ القِيامَةِ نادى مُنادٍ: ﴿ياعِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ﴾، فَإذا سَمِعُوا النِّداءَ رَفَعَ الخَلائِقُ رُءُوسَهم، فَيُقالُ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وكانُوا مُسْلِمِينَ﴾ فَتُنَكِّسُ أهْلُ الأدْيانِ الباطِلَةِ رُءُوسَهم. الحُكْمُ الثّالِثُ: مِن وقائِعِ القِيامَةِ أنَّهُ تَعالى إذا أمَّنَ المُؤْمِنِينَ مِنَ الخَوْفِ والحُزْنِ، وجَبَ أنْ يَمُرَّ حِسابُهم عَلى أسْهَلِ الوُجُوهِ وعَلى أحْسَنِها، ثُمَّ يُقالُ لَهم: ﴿ادْخُلُوا الجَنَّةَ أنْتُمْ وأزْواجُكم تُحْبَرُونَ﴾، والحَبْرَةُ المُبالَغَةُ في الإكْرامِ فِيما وُصِفَ بِالجَمِيلِ، يَعْنِي يُكْرَمُونَ إكْرامًا عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ، وهَذا مِمّا سَبَقَ تَفْسِيرُهُ في سُورَةِ الرُّومِ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ مِن ذَهَبٍ وأكْوابٍ﴾، قالَ الفَرّاءُ: الكُوبُ المُسْتَدِيرُ الرَّأْسِ الَّذِي لا أُذُنَ لَهُ، فَقَوْلُهُ: ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ مِن ذَهَبٍ﴾ إشارَةٌ إلى المَطْعُومِ، وقَوْلُهُ: ﴿وأكْوابٍ﴾ إشارَةٌ إلى المَشْرُوبِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى تَرَكَ التَّفْصِيلَ وذَكَرَ بَيانًا كُلِّيًّا فَقالَ: ﴿وفِيها ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وتَلَذُّ الأعْيُنُ وأنْتُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ . * * * ثُمَّ قالَ: ﴿وتِلْكَ الجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، وقَدْ ذَكَرْنا في وِراثَةِ الجَنَّةِ وجْهَيْنِ في قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الوارِثُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الفِرْدَوْسَ﴾ [المؤمنون: ١٠، ١١]، ولَمّا ذَكَرَ الطَّعامَ والشَّرابَ فِيما تَقَدَّمَ ذَكَرَ هَهُنا حالَ الفاكِهَةِ فَقالَ: ﴿لَكم فِيها فاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنها تَأْكُلُونَ﴾ . واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى بَعَثَ مُحَمَّدًا ﷺ إلى العَرَبِ أوَّلًا، ثُمَّ إلى العالَمِينَ ثانِيًا، والعَرَبُ كانُوا في ضِيقٍ شَدِيدٍ بِسَبَبِ المَأْكُولِ والمَشْرُوبِ والفاكِهَةِ، فَلِهَذا السَّبَبِ تَفَضَّلَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ بِهَذِهِ المَعانِي مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى تَكْمِيلًا لِرَغْبَتِهِمْ وتَقْوِيَةً لِدَواعِيهِمْ.

الزخرف 43:75

قَوْلُهُ تَعالى ﴿الأخِلّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلّا المُتَّقِينَ﴾ ﴿ياعِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وكانُوا مُسْلِمِينَ﴾ ﴿ادْخُلُوا الجَنَّةَ أنْتُمْ وأزْواجُكم تُحْبَرُونَ﴾ ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ مِن ذَهَبٍ وأكْوابٍ وفِيها ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وتَلَذُّ الأعْيُنُ وأنْتُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ ﴿وتِلْكَ الجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿لَكم فِيها فاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنها تَأْكُلُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا السّاعَةَ أنْ تَأْتِيَهم بَغْتَةً﴾ ذَكَرَ عَقِيبَهُ بَعْضَ ما يَتَعَلَّقُ بِأحْوالِ القِيامَةِ: فَأوَّلُها: ﴿الأخِلّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلّا المُتَّقِينَ﴾ والمَعْنى ﴿الأخِلّاءُ﴾ في الدُّنْيا ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ يَعْنِي في الآخِرَةِ ﴿بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ يَعْنِي أنَّ الخُلَّةَ إذا كانَتْ عَلى المَعْصِيَةِ والكُفْرِ صارَتْ عَداوَةً يَوْمَ القِيامَةِ ﴿إلّا المُتَّقِينَ﴾ يَعْنِي المُوَحِّدِينَ الَّذِينَ يُخالِلُ بَعْضُهم بَعْضًا عَلى الإيمانِ والتَّقْوى، فَإنَّ خُلَّتَهم لا تَصِيرُ عَداوَةً، ولِلْحُكَماءِ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ طَرِيقٌ حَسَنٌ، قالُوا: إنَّ المَحَبَّةَ أمْرٌ لا يَحْصُلُ إلّا عِنْدَ اعْتِقادِ حُصُولِ خَيْرٍ أوْ دَفْعِ ضَرَرٍ، فَمَتى حَصَلَ هَذا الِاعْتِقادُ حَصَلَتِ المَحَبَّةُ لا مَحالَةَ، ومَتى حَصَلَ اعْتِقادُ أنَّهُ يُوجِبُ ضَرَرًا حَصَلَ البُغْضُ والنَّفْرَةُ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: تِلْكَ الخَيْراتُ الَّتِي كانَ اعْتِقادُ حُصُولِها يُوجِبُ حُصُولَ المَحَبَّةِ - إمّا أنْ تَكُونَ قابِلَةً لِلتَّغَيُّرِ والتَّبَدُّلِ، أوْ لا تَكُونُ كَذَلِكَ، فَإنْ كانَ الواقِعُ هو القِسْمَ الأوَّلَ، وجَبَ أنْ تُبَدَّلَ تِلْكَ المَحَبَّةُ بِالنَّفْرَةِ، لِأنَّ تِلْكَ المَحَبَّةَ إنَّما حَصَلَتْ لِاعْتِقادِ حُصُولِ الخَيْرِ والرّاحَةِ، فَإذا زالَ ذَلِكَ الِاعْتِقادُ وحَصَلَ عَقِيبَهُ اعْتِقادُ أنَّ الحاصِلَ هو الضَّرَرُ والألَمُ - وجَبَ أنْ تَتَبَدَّلَ تِلْكَ المَحَبَّةُ بِالبِغْضَةِ، لِأنَّ تَبَدُّلَ العِلَّةِ يُوجِبُ تَبَدُّلَ المَعْلُولِ، أمّا إذا كانَتِ الخَيْراتُ المُوجِبَةُ لِلْمَحَبَّةِ خَيْراتٍ باقِيَةً أبَدِيَّةً غَيْرَ قابِلَةٍ لِلتَّبَدُّلِ والتَّغَيُّرِ، كانَتْ تِلْكَ المَحَبَّةُ أيْضًا مَحَبَّةً باقِيَةً آمِنَةً مِنَ التَّغَيُّرِ، إذا عَرَفْتَ هَذا الأصْلَ فَنَقُولُ: الَّذِينَ حَصَلَتْ بَيْنَهم مَحَبَّةٌ ومَوَدَّةٌ في الدُّنْيا، إنْ كانَتْ تِلْكَ المَحَبَّةُ لِأجْلِ طَلَبِ الدُّنْيا وطَيِّباتِها ولَذّاتِها، فَهَذِهِ المَطالِبُ لا تَبْقى في القِيامَةِ، بَلْ يَصِيرُ طَلَبُ الدُّنْيا سَبَبًا لِحُصُولِ الآلامِ والآفاتِ في يَوْمِ القِيامَةِ، فَلا جَرَمَ تَنْقَلِبُ هَذِهِ المَحَبَّةُ الدُّنْيَوِيَّةُ بِغْضَةً ونَفْرَةً في القِيامَةِ، أمّا إنْ كانَ المُوجِبُ لِحُصُولِ المَحَبَّةِ في الدُّنْيا الِاشْتِراكَ في مَحَبَّةِ اللَّهِ وفي خِدْمَتِهِ وطاعَتِهِ، فَهَذا السَّبَبُ غَيْرُ قابِلٍ لِلنَّسْخِ والتَّغَيُّرِ، فَلا جَرَمَ كانَتْ هَذِهِ المَحَبَّةُ باقِيَةً في القِيامَةِ، بَلْ كَأنَّها تَصِيرُ أقْوى وأصْفى وأكْمَلَ وأفْضَلَ مِمّا كانَتْ في الدُّنْيا، فَهَذا هو التَّفْسِيرُ المُطابِقُ لِقَوْلِهِ صفحة ١٩٣ تَعالى: ﴿الأخِلّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلّا المُتَّقِينَ﴾ الحُكْمُ الثّانِي مِن أحْكامِ يَوْمِ القِيامَةِ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياعِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾، وقَدْ ذَكَرْنا مِرارًا أنَّ عادَةَ القُرْآنِ جارِيَةٌ بِتَخْصِيصِ لَفْظِ العِبادِ بِالمُؤْمِنِينَ المُطِيعِينَ المُتَّقِينَ، فَقَوْلُهُ: ﴿ياعِبادِ﴾ كَلامُ اللَّهُ تَعالى، فَكَأنَّ الحَقَّ يُخاطِبُهم بِنَفْسِهِ ويَقُولُ لَهم: ﴿ياعِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾، وفِيهِ أنْواعٌ كَثِيرَةٌ مِمّا يُوجِبُ الفَرَحَ: أوَّلُها: أنَّ الحَقَّ سُبْحانَهُ وتَعالى خاطَبَهم بِنَفْسِهِ مِن غَيْرِ واسِطَةٍ. وثانِيها: أنَّهُ تَعالى وصَفَهم بِالعُبُودِيَّةِ، وهَذا تَشْرِيفٌ عَظِيمٌ، بِدَلِيلِ أنَّهُ لَمّا أرادَ أنْ يُشَرِّفَ مُحَمَّدًا ﷺ لَيْلَةَ المِعْراجِ قالَ: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء: ١] . وثالِثُها: قَوْلُهُ ﴿لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ﴾ فَأزالَ عَنْهُمُ الخَوْفَ في يَوْمِ القِيامَةِ بِالكُلِّيَّةِ، وهَذا مِن أعْظَمِ النِّعَمِ. ورابِعُها: قَوْلُهُ ﴿ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ فَنَفى عَنْهُمُ الحُزْنَ بِسَبَبِ فَوْتِ الدُّنْيا الماضِيَةِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وكانُوا مُسْلِمِينَ﴾ قِيلَ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ مُضْمَرٌ، والتَّقْدِيرُ: يُقالُ لَهم: ادْخُلُوا الجَنَّةَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: أعْنِي الَّذِينَ آمَنُوا. قالَ مُقاتِلٌ: إذا وقَعَ الخَوْفُ يَوْمَ القِيامَةِ نادى مُنادٍ: ﴿ياعِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ﴾، فَإذا سَمِعُوا النِّداءَ رَفَعَ الخَلائِقُ رُءُوسَهم، فَيُقالُ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وكانُوا مُسْلِمِينَ﴾ فَتُنَكِّسُ أهْلُ الأدْيانِ الباطِلَةِ رُءُوسَهم. الحُكْمُ الثّالِثُ: مِن وقائِعِ القِيامَةِ أنَّهُ تَعالى إذا أمَّنَ المُؤْمِنِينَ مِنَ الخَوْفِ والحُزْنِ، وجَبَ أنْ يَمُرَّ حِسابُهم عَلى أسْهَلِ الوُجُوهِ وعَلى أحْسَنِها، ثُمَّ يُقالُ لَهم: ﴿ادْخُلُوا الجَنَّةَ أنْتُمْ وأزْواجُكم تُحْبَرُونَ﴾، والحَبْرَةُ المُبالَغَةُ في الإكْرامِ فِيما وُصِفَ بِالجَمِيلِ، يَعْنِي يُكْرَمُونَ إكْرامًا عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ، وهَذا مِمّا سَبَقَ تَفْسِيرُهُ في سُورَةِ الرُّومِ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ مِن ذَهَبٍ وأكْوابٍ﴾، قالَ الفَرّاءُ: الكُوبُ المُسْتَدِيرُ الرَّأْسِ الَّذِي لا أُذُنَ لَهُ، فَقَوْلُهُ: ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ مِن ذَهَبٍ﴾ إشارَةٌ إلى المَطْعُومِ، وقَوْلُهُ: ﴿وأكْوابٍ﴾ إشارَةٌ إلى المَشْرُوبِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى تَرَكَ التَّفْصِيلَ وذَكَرَ بَيانًا كُلِّيًّا فَقالَ: ﴿وفِيها ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وتَلَذُّ الأعْيُنُ وأنْتُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ . * * * ثُمَّ قالَ: ﴿وتِلْكَ الجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، وقَدْ ذَكَرْنا في وِراثَةِ الجَنَّةِ وجْهَيْنِ في قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الوارِثُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الفِرْدَوْسَ﴾ [المؤمنون: ١٠، ١١]، ولَمّا ذَكَرَ الطَّعامَ والشَّرابَ فِيما تَقَدَّمَ ذَكَرَ هَهُنا حالَ الفاكِهَةِ فَقالَ: ﴿لَكم فِيها فاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنها تَأْكُلُونَ﴾ . واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى بَعَثَ مُحَمَّدًا ﷺ إلى العَرَبِ أوَّلًا، ثُمَّ إلى العالَمِينَ ثانِيًا، والعَرَبُ كانُوا في ضِيقٍ شَدِيدٍ بِسَبَبِ المَأْكُولِ والمَشْرُوبِ والفاكِهَةِ، فَلِهَذا السَّبَبِ تَفَضَّلَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ بِهَذِهِ المَعانِي مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى تَكْمِيلًا لِرَغْبَتِهِمْ وتَقْوِيَةً لِدَواعِيهِمْ.

الزخرف 43:76

صفحة ١٩٤ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ المُجْرِمِينَ في عَذابِ جَهَنَّمَ خالِدُونَ﴾ ﴿لا يُفَتَّرُ عَنْهم وهم فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ ﴿وما ظَلَمْناهم ولَكِنْ كانُوا هُمُ الظّالِمِينَ﴾ ﴿ونادَوْا يامالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ قالَ إنَّكم ماكِثُونَ﴾ ﴿لَقَدْ جِئْناكم بِالحَقِّ ولَكِنَّ أكْثَرَكم لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾ ﴿أمْ أبْرَمُوا أمْرًا فَإنّا مُبْرِمُونَ﴾ ﴿أمْ يَحْسَبُونَ أنّا لا نَسْمَعُ سِرَّهم ونَجْواهم بَلى ورُسُلُنا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ الوَعْدَ أرْدَفَهُ بِالوَعِيدِ عَلى التَّرْتِيبِ المُسْتَمِرِّ في القُرْآنِ، وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: احْتَجَّ القاضِي عَلى القَطْعِ بِوَعِيدِ الفُسّاقِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ المُجْرِمِينَ في عَذابِ جَهَنَّمَ خالِدُونَ﴾ ﴿لا يُفَتَّرُ عَنْهم وهم فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾، ولَفْظُ المُجْرِمِ يَتَناوَلُ الكافِرَ والفاسِقَ، فَوَجَبَ كَوْنُ الكُلِّ في عَذابِ جَهَنَّمَ، وقَوْلُهُ: ﴿خالِدُونَ﴾ يَدُلُّ عَلى الخُلُودِ، وقَوْلُهُ أيْضًا: ﴿لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ﴾ يَدُلُّ عَلى الخُلُودِ والدَّوامِ أيْضًا. والجَوابُ: أنَّ ما قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ وما بَعْدَها يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ مِن لَفْظِ (المُجْرِمِينَ) هَهُنا الكُفّارُ، أمّا ما قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ فَلِأنَّهُ قالَ: ﴿ياعِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وكانُوا مُسْلِمِينَ﴾ [الزخرف: ٦٨، ٦٩]، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ مَن آمَنَ بِآياتِ اللَّهِ وكانُوا مُسْلِمِينَ فَإنَّهم يَدْخُلُونَ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿ياعِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وكانُوا مُسْلِمِينَ﴾، والفاسِقُ مِن أهْلِ الصَّلاةِ آمَنَ بِاللَّهِ تَعالى وبِآياتِهِ وأسْلَمَ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ داخِلًا تَحْتَ ذَلِكَ الوَعْدِ، ووَجَبَ أنْ يَكُونَ خارِجًا عَنْ هَذا الوَعِيدِ، وأمّا ما بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ فَهو قَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ جِئْناكم بِالحَقِّ ولَكِنَّ أكْثَرَكم لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾، والمُرادُ بِالحَقِّ هَهُنا إمّا الإسْلامُ وإمّا القُرْآنُ، والرَّجُلُ المُسْلِمُ لا يَكْرَهُ الإسْلامَ ولا القُرْآنَ، فَثَبَتَ أنَّ ما قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ وما بَعْدَها يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ مِنَ المُجْرِمِينَ الكُفّارُ، واللَّهُ أعْلَمُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى وصَفَ عَذابَ جَهَنَّمَ في حَقِّ المُجْرِمِينَ بِصِفاتٍ ثَلاثٍ: إحْداها: الخُلُودُ، وقَدْ ذَكَرْنا في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ أنَّهُ عِبارَةٌ عَنْ طُولِ المُكْثِ، ولا يُفِيدُ الدَّوامَ. وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ﴾ أيْ لا يُخَفَّفُ ولا يَنْقُصُ مِن قَوْلِهِمْ: فَتَرَتْ عَنْهُ الحُمّى إذا سَكَنَتْ ونَقَصَ حَرُّها. وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿وهم فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾، والمُبْلِسُ اليائِسُ السّاكِتُ سُكُوتَ يائِسٍ مِن فَرَجٍ، عَنِ الضَّحّاكِ: يُجْعَلُ المُجْرِمُ في تابُوتٍ مِن نارٍ، ثُمَّ يُقْفَلُ عَلَيْهِ فَيَبْقى فِيهِ خالِدًا لا يُرى، قالَ صاحِبُ “ الكَشّافِ “: وقُرِئَ (وهم فِيها) أيْ: وهم في النّارِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: احْتَجَّ القاضِي بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما ظَلَمْناهم ولَكِنْ كانُوا هُمُ الظّالِمِينَ﴾ فَقالَ: إنْ كانَ خَلَقَ فِيهِمُ الكُفْرَ لِيُدْخِلَهُمُ النّارَ فَما الَّذِي نَفاهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وما ظَلَمْناهُمْ﴾، وما الَّذِي نَسَبَهُ إلَيْهِمْ مِمّا نَفاهُ عَنْ نَفْسِهِ ؟ أوَلَيْسَ لَوْ أثْبَتْناهُ ظُلْمًا لَهم كانَ لا يَزِيدُ عَلى ما يَقُولُهُ القَوْمُ، فَإنْ قالُوا: ذَلِكَ الفِعْلُ لَمْ يَقَعْ بِقُدْرَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ فَقَطْ، بَلْ إنَّما وقَعَ بِقُدْرَةِ اللَّهِ مَعَ قُدْرَةِ العَبْدِ مَعًا، فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ ظُلْمًا مِنَ اللَّهِ. قُلْنا: عِنْدَكم أنَّ القُدْرَةَ عَلى الظُّلْمِ مُوجِبَةٌ لِلظُّلْمِ، وخالِقُ تِلْكَ القُدْرَةِ هو اللَّهُ تَعالى، فَكَأنَّهُ تَعالى لَمّا فَعَلَ مَعَ خَلْقِ الكُفْرِ قُدْرَةً عَلى الكُفْرِ خَرَجَ عَنْ أنْ يَكُونَ ظالِمًا لَهم، وذَلِكَ مُحالٌ لِأنَّ مَن يَكُونُ ظالِمًا في فِعْلٍ، فَإذا فَعَلَ مَعَهُ ما يُوجِبُ ذَلِكَ الفِعْلَ يَكُونُ بِذَلِكَ أحَقُّ، فَيُقالُ لِلْقاضِي: قُدْرَةُ العَبْدِ هَلْ هي صالِحَةٌ لِلطَّرَفَيْنِ أوْ هي مُتَعَيَّنَةٌ لِأحَدِ الطَّرَفَيْنِ ؟ فَإنْ كانَتْ صالِحَةً لِكِلا الطَّرَفَيْنِ فالتَّرْجِيحُ إنْ وقَعَ لا لِمُرَجِّحٍ لَزِمَ نَفْيُ الصّانِعِ، وإنِ افْتَقَرَ إلى مُرَجِّحٍ عادَ التَّقْسِيمُ الأوَّلُ فِيهِ، ولا بُدَّ وأنْ يَنْتَهِيَ إلى داعِيَةٍ مُرَجِّحَةٍ يَخْلُقُها اللَّهُ في العَبْدِ، وإنْ كانَتْ مُتَعَيِّنَةً لِأحَدِ الطَّرَفَيْنِ فَحِينَئِذٍ يَلْزَمُكَ ما أوْرَدْتَهُ عَلَيْنا. صفحة ١٩٥ واعْلَمْ أنَّهُ لَيْسَ الرَّجُلُ مَن يَرى وجْهَ الِاسْتِدْلالِ فَيَذْكُرُهُ، إنَّما الرَّجُلُ الَّذِي يَنْظُرُ فِيما قَبْلَ الكَلامِ وفِيما بَعْدَهُ، فَإنْ رَآهُ وارِدًا عَلى مَذْهَبِهِ بِعَيْنِهِ لَمْ يَذْكُرْهُ، واللَّهُ أعْلَمُ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ (يا مالِ) بِحَذْفِ الكافِ لِلتَّرْخِيمِ، فَقِيلَ لِابْنِ عَبّاسٍ: إنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ قَرَأ: (ونادَوْا يا مالِ) فَقالَ: ما أشْغَلَ أهْلَ النّارِ عَنْ هَذا التَّرْخِيمِ ! وأُجِيبَ عَنْهُ بِأنَّهُ إنَّما حَسُنَ هَذا التَّرْخِيمُ لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّهم بَلَغُوا في الضَّعْفِ والنَّحافَةِ إلى حَيْثُ لا يُمْكِنُهم أنْ يَذْكُرُوا مِنَ الكَلِمَةِ إلّا بَعْضَها. المَسْألَةُ الخامِسَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ قَوْلَهم: ﴿يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ﴾ عَلى أيِّ وجْهٍ طَلَبُوا، فَقالَ بَعْضُهم: عَلى التَّمَنِّي، وقالَ آخَرُونَ: عَلى وجْهِ الِاسْتِغاثَةِ، وإلّا فَهم عالِمُونَ بِأنَّهُ لا خَلاصَ لَهم عَنْ ذَلِكَ العِقابِ، وقِيلَ: لا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: إنَّهم لِشِدَّةِ ما هم فِيهِ مِنَ العَذابِ نَسُوا تِلْكَ المَسْألَةَ فَذَكَرُوهُ عَلى وجْهِ الطَّلَبِ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ مالِكًا يَقُولُ لَهم: ﴿إنَّكم ماكِثُونَ﴾، ولَيْسَ في القُرْآنِ مَتى أجابَهم، هَلْ أجابَهم في الحالِ أوْ بِمُدَّةٍ طَوِيلَةٍ ؟ وإنْ كانَ بَعْدَ ذَلِكَ فَهَلْ حَصَلَ ذَلِكَ الجَوابُ بَعْدَ ذَلِكَ السُّؤالِ بِمُدَّةٍ قَلِيلَةٍ أوْ بِمُدَّةٍ طَوِيلَةٍ ؟ فَلا يَمْتَنِعُ أنْ تُؤَخَّرَ الإجابَةُ اسْتِخْفافًا بِهِمْ وزِيادَةً في غَمِّهِمْ، فَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بَعْدَ أرْبَعِينَ سَنَةً، وعَنْ غَيْرِهِ بَعْدَ مِائَةِ سَنَةٍ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ بَعْدَ ألْفِ سَنَةٍ، واللَّهُ أعْلَمُ بِذَلِكَ المِقْدارِ. ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ مالِكًا لَمّا أجابَهم بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّكم ماكِثُونَ﴾ ذَكَرَ بَعْدَهُ ما هو كالعِلَّةِ لِذَلِكَ الجَوابِ فَقالَ: ﴿لَقَدْ جِئْناكم بِالحَقِّ ولَكِنَّ أكْثَرَكم لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾، والمُرادُ نَفْرَتُهم عَنْ مُحَمَّدٍ وعَنِ القُرْآنِ، وشَدَّةُ بُغْضِهِمْ لِقَبُولِ الدِّينِ الحَقِّ، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ قالَ: ﴿ونادَوْا يامالِكُ﴾ بَعْدَ ما وصَفَهم بِالإبْلاسِ ؟ قُلْنا: تِلْكَ أزْمِنَةٌ مُتَطاوِلَةٌ وأحْقابٌ مُمْتَدَّةٌ، فَتَخْتَلِفُ بِهِمُ الأحْوالُ فَيَسْكُتُونَ أوْقاتًا لِغَلَبَةِ اليَأْسِ عَلَيْهِمْ، ويَسْتَغِيثُونَ أوْقاتًا لِشِدَّةِ ما بِهِمْ، رُوِيَ أنَّهُ يُلْقى عَلى أهْلِ النّارِ الجُوعُ حَتّى يَعْدِلَ ما هم فِيهِ مِنَ العَذابِ، فَيَقُولُونَ: ادْعُوا مالِكًا فَيَدْعُونَ: ﴿ونادَوْا يامالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ﴾، ولَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى كَيْفِيَّةَ عَذابِهِمْ في الآخِرَةِ ذَكَرَ بَعْدَهُ كَيْفِيَّةَ مَكْرِهِمْ وفَسادَ باطِنِهِمْ في الدُّنْيا فَقالَ: ﴿أمْ أبْرَمُوا أمْرًا فَإنّا مُبْرِمُونَ﴾، والمَعْنى: أمْ أبْرَمُوا أيْ مُشْرِكُو مَكَّةَ أمْرًا مِن كَيْدِهِمْ ومَكْرِهِمْ بِرَسُولِ اللَّهِ، فَإنّا مُبْرِمُونَ كَيْدَنا كَما أبْرَمُوا كَيْدَهم، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ المَكِيدُونَ﴾ [الطور: ٤٢]، قالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ في تَدْبِيرِهِمْ في المَكْرِ بِهِ في دارِ النَّدْوَةِ، وهو ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وقَدْ ذَكَرْنا القِصَّةَ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿أمْ يَحْسَبُونَ أنّا لا نَسْمَعُ سِرَّهم ونَجْواهُمْ﴾، السِّرُّ ما حَدَّثَ بِهِ الرَّجُلُ نَفْسَهُ أوْ غَيْرَهُ في مَكانٍ خالٍ، والنَّجْوى ما تَكَلَّمُوا بِهِ فِيما بَيْنَهم، ﴿بَلى﴾ نَسْمَعُها ونَطَّلِعُ عَلَيْها، ﴿ورُسُلُنا﴾ يُرِيدُ الحَفَظَةَ، ﴿يَكْتُبُونَ﴾ عَلَيْهِمْ تِلْكَ الأحْوالَ، وعَنْ يَحْيى بْنِ مُعاذٍ: مَن سَتَرَ مِنَ النّاسِ ذُنُوبَهُ، وأبْداها لِلَّذِي لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ في السَّماواتِ فَقَدْ جَعَلَهُ أهْوَنَ النّاظِرِينَ إلَيْهِ، وهو مِن عَلاماتِ النِّفاقِ.

الزخرف 43:77

صفحة ١٩٤ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ المُجْرِمِينَ في عَذابِ جَهَنَّمَ خالِدُونَ﴾ ﴿لا يُفَتَّرُ عَنْهم وهم فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ ﴿وما ظَلَمْناهم ولَكِنْ كانُوا هُمُ الظّالِمِينَ﴾ ﴿ونادَوْا يامالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ قالَ إنَّكم ماكِثُونَ﴾ ﴿لَقَدْ جِئْناكم بِالحَقِّ ولَكِنَّ أكْثَرَكم لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾ ﴿أمْ أبْرَمُوا أمْرًا فَإنّا مُبْرِمُونَ﴾ ﴿أمْ يَحْسَبُونَ أنّا لا نَسْمَعُ سِرَّهم ونَجْواهم بَلى ورُسُلُنا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ الوَعْدَ أرْدَفَهُ بِالوَعِيدِ عَلى التَّرْتِيبِ المُسْتَمِرِّ في القُرْآنِ، وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: احْتَجَّ القاضِي عَلى القَطْعِ بِوَعِيدِ الفُسّاقِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ المُجْرِمِينَ في عَذابِ جَهَنَّمَ خالِدُونَ﴾ ﴿لا يُفَتَّرُ عَنْهم وهم فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾، ولَفْظُ المُجْرِمِ يَتَناوَلُ الكافِرَ والفاسِقَ، فَوَجَبَ كَوْنُ الكُلِّ في عَذابِ جَهَنَّمَ، وقَوْلُهُ: ﴿خالِدُونَ﴾ يَدُلُّ عَلى الخُلُودِ، وقَوْلُهُ أيْضًا: ﴿لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ﴾ يَدُلُّ عَلى الخُلُودِ والدَّوامِ أيْضًا. والجَوابُ: أنَّ ما قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ وما بَعْدَها يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ مِن لَفْظِ (المُجْرِمِينَ) هَهُنا الكُفّارُ، أمّا ما قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ فَلِأنَّهُ قالَ: ﴿ياعِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وكانُوا مُسْلِمِينَ﴾ [الزخرف: ٦٨، ٦٩]، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ مَن آمَنَ بِآياتِ اللَّهِ وكانُوا مُسْلِمِينَ فَإنَّهم يَدْخُلُونَ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿ياعِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وكانُوا مُسْلِمِينَ﴾، والفاسِقُ مِن أهْلِ الصَّلاةِ آمَنَ بِاللَّهِ تَعالى وبِآياتِهِ وأسْلَمَ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ داخِلًا تَحْتَ ذَلِكَ الوَعْدِ، ووَجَبَ أنْ يَكُونَ خارِجًا عَنْ هَذا الوَعِيدِ، وأمّا ما بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ فَهو قَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ جِئْناكم بِالحَقِّ ولَكِنَّ أكْثَرَكم لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾، والمُرادُ بِالحَقِّ هَهُنا إمّا الإسْلامُ وإمّا القُرْآنُ، والرَّجُلُ المُسْلِمُ لا يَكْرَهُ الإسْلامَ ولا القُرْآنَ، فَثَبَتَ أنَّ ما قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ وما بَعْدَها يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ مِنَ المُجْرِمِينَ الكُفّارُ، واللَّهُ أعْلَمُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى وصَفَ عَذابَ جَهَنَّمَ في حَقِّ المُجْرِمِينَ بِصِفاتٍ ثَلاثٍ: إحْداها: الخُلُودُ، وقَدْ ذَكَرْنا في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ أنَّهُ عِبارَةٌ عَنْ طُولِ المُكْثِ، ولا يُفِيدُ الدَّوامَ. وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ﴾ أيْ لا يُخَفَّفُ ولا يَنْقُصُ مِن قَوْلِهِمْ: فَتَرَتْ عَنْهُ الحُمّى إذا سَكَنَتْ ونَقَصَ حَرُّها. وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿وهم فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾، والمُبْلِسُ اليائِسُ السّاكِتُ سُكُوتَ يائِسٍ مِن فَرَجٍ، عَنِ الضَّحّاكِ: يُجْعَلُ المُجْرِمُ في تابُوتٍ مِن نارٍ، ثُمَّ يُقْفَلُ عَلَيْهِ فَيَبْقى فِيهِ خالِدًا لا يُرى، قالَ صاحِبُ “ الكَشّافِ “: وقُرِئَ (وهم فِيها) أيْ: وهم في النّارِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: احْتَجَّ القاضِي بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما ظَلَمْناهم ولَكِنْ كانُوا هُمُ الظّالِمِينَ﴾ فَقالَ: إنْ كانَ خَلَقَ فِيهِمُ الكُفْرَ لِيُدْخِلَهُمُ النّارَ فَما الَّذِي نَفاهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وما ظَلَمْناهُمْ﴾، وما الَّذِي نَسَبَهُ إلَيْهِمْ مِمّا نَفاهُ عَنْ نَفْسِهِ ؟ أوَلَيْسَ لَوْ أثْبَتْناهُ ظُلْمًا لَهم كانَ لا يَزِيدُ عَلى ما يَقُولُهُ القَوْمُ، فَإنْ قالُوا: ذَلِكَ الفِعْلُ لَمْ يَقَعْ بِقُدْرَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ فَقَطْ، بَلْ إنَّما وقَعَ بِقُدْرَةِ اللَّهِ مَعَ قُدْرَةِ العَبْدِ مَعًا، فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ ظُلْمًا مِنَ اللَّهِ. قُلْنا: عِنْدَكم أنَّ القُدْرَةَ عَلى الظُّلْمِ مُوجِبَةٌ لِلظُّلْمِ، وخالِقُ تِلْكَ القُدْرَةِ هو اللَّهُ تَعالى، فَكَأنَّهُ تَعالى لَمّا فَعَلَ مَعَ خَلْقِ الكُفْرِ قُدْرَةً عَلى الكُفْرِ خَرَجَ عَنْ أنْ يَكُونَ ظالِمًا لَهم، وذَلِكَ مُحالٌ لِأنَّ مَن يَكُونُ ظالِمًا في فِعْلٍ، فَإذا فَعَلَ مَعَهُ ما يُوجِبُ ذَلِكَ الفِعْلَ يَكُونُ بِذَلِكَ أحَقُّ، فَيُقالُ لِلْقاضِي: قُدْرَةُ العَبْدِ هَلْ هي صالِحَةٌ لِلطَّرَفَيْنِ أوْ هي مُتَعَيَّنَةٌ لِأحَدِ الطَّرَفَيْنِ ؟ فَإنْ كانَتْ صالِحَةً لِكِلا الطَّرَفَيْنِ فالتَّرْجِيحُ إنْ وقَعَ لا لِمُرَجِّحٍ لَزِمَ نَفْيُ الصّانِعِ، وإنِ افْتَقَرَ إلى مُرَجِّحٍ عادَ التَّقْسِيمُ الأوَّلُ فِيهِ، ولا بُدَّ وأنْ يَنْتَهِيَ إلى داعِيَةٍ مُرَجِّحَةٍ يَخْلُقُها اللَّهُ في العَبْدِ، وإنْ كانَتْ مُتَعَيِّنَةً لِأحَدِ الطَّرَفَيْنِ فَحِينَئِذٍ يَلْزَمُكَ ما أوْرَدْتَهُ عَلَيْنا. صفحة ١٩٥ واعْلَمْ أنَّهُ لَيْسَ الرَّجُلُ مَن يَرى وجْهَ الِاسْتِدْلالِ فَيَذْكُرُهُ، إنَّما الرَّجُلُ الَّذِي يَنْظُرُ فِيما قَبْلَ الكَلامِ وفِيما بَعْدَهُ، فَإنْ رَآهُ وارِدًا عَلى مَذْهَبِهِ بِعَيْنِهِ لَمْ يَذْكُرْهُ، واللَّهُ أعْلَمُ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ (يا مالِ) بِحَذْفِ الكافِ لِلتَّرْخِيمِ، فَقِيلَ لِابْنِ عَبّاسٍ: إنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ قَرَأ: (ونادَوْا يا مالِ) فَقالَ: ما أشْغَلَ أهْلَ النّارِ عَنْ هَذا التَّرْخِيمِ ! وأُجِيبَ عَنْهُ بِأنَّهُ إنَّما حَسُنَ هَذا التَّرْخِيمُ لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّهم بَلَغُوا في الضَّعْفِ والنَّحافَةِ إلى حَيْثُ لا يُمْكِنُهم أنْ يَذْكُرُوا مِنَ الكَلِمَةِ إلّا بَعْضَها. المَسْألَةُ الخامِسَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ قَوْلَهم: ﴿يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ﴾ عَلى أيِّ وجْهٍ طَلَبُوا، فَقالَ بَعْضُهم: عَلى التَّمَنِّي، وقالَ آخَرُونَ: عَلى وجْهِ الِاسْتِغاثَةِ، وإلّا فَهم عالِمُونَ بِأنَّهُ لا خَلاصَ لَهم عَنْ ذَلِكَ العِقابِ، وقِيلَ: لا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: إنَّهم لِشِدَّةِ ما هم فِيهِ مِنَ العَذابِ نَسُوا تِلْكَ المَسْألَةَ فَذَكَرُوهُ عَلى وجْهِ الطَّلَبِ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ مالِكًا يَقُولُ لَهم: ﴿إنَّكم ماكِثُونَ﴾، ولَيْسَ في القُرْآنِ مَتى أجابَهم، هَلْ أجابَهم في الحالِ أوْ بِمُدَّةٍ طَوِيلَةٍ ؟ وإنْ كانَ بَعْدَ ذَلِكَ فَهَلْ حَصَلَ ذَلِكَ الجَوابُ بَعْدَ ذَلِكَ السُّؤالِ بِمُدَّةٍ قَلِيلَةٍ أوْ بِمُدَّةٍ طَوِيلَةٍ ؟ فَلا يَمْتَنِعُ أنْ تُؤَخَّرَ الإجابَةُ اسْتِخْفافًا بِهِمْ وزِيادَةً في غَمِّهِمْ، فَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بَعْدَ أرْبَعِينَ سَنَةً، وعَنْ غَيْرِهِ بَعْدَ مِائَةِ سَنَةٍ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ بَعْدَ ألْفِ سَنَةٍ، واللَّهُ أعْلَمُ بِذَلِكَ المِقْدارِ. ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ مالِكًا لَمّا أجابَهم بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّكم ماكِثُونَ﴾ ذَكَرَ بَعْدَهُ ما هو كالعِلَّةِ لِذَلِكَ الجَوابِ فَقالَ: ﴿لَقَدْ جِئْناكم بِالحَقِّ ولَكِنَّ أكْثَرَكم لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾، والمُرادُ نَفْرَتُهم عَنْ مُحَمَّدٍ وعَنِ القُرْآنِ، وشَدَّةُ بُغْضِهِمْ لِقَبُولِ الدِّينِ الحَقِّ، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ قالَ: ﴿ونادَوْا يامالِكُ﴾ بَعْدَ ما وصَفَهم بِالإبْلاسِ ؟ قُلْنا: تِلْكَ أزْمِنَةٌ مُتَطاوِلَةٌ وأحْقابٌ مُمْتَدَّةٌ، فَتَخْتَلِفُ بِهِمُ الأحْوالُ فَيَسْكُتُونَ أوْقاتًا لِغَلَبَةِ اليَأْسِ عَلَيْهِمْ، ويَسْتَغِيثُونَ أوْقاتًا لِشِدَّةِ ما بِهِمْ، رُوِيَ أنَّهُ يُلْقى عَلى أهْلِ النّارِ الجُوعُ حَتّى يَعْدِلَ ما هم فِيهِ مِنَ العَذابِ، فَيَقُولُونَ: ادْعُوا مالِكًا فَيَدْعُونَ: ﴿ونادَوْا يامالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ﴾، ولَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى كَيْفِيَّةَ عَذابِهِمْ في الآخِرَةِ ذَكَرَ بَعْدَهُ كَيْفِيَّةَ مَكْرِهِمْ وفَسادَ باطِنِهِمْ في الدُّنْيا فَقالَ: ﴿أمْ أبْرَمُوا أمْرًا فَإنّا مُبْرِمُونَ﴾، والمَعْنى: أمْ أبْرَمُوا أيْ مُشْرِكُو مَكَّةَ أمْرًا مِن كَيْدِهِمْ ومَكْرِهِمْ بِرَسُولِ اللَّهِ، فَإنّا مُبْرِمُونَ كَيْدَنا كَما أبْرَمُوا كَيْدَهم، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ المَكِيدُونَ﴾ [الطور: ٤٢]، قالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ في تَدْبِيرِهِمْ في المَكْرِ بِهِ في دارِ النَّدْوَةِ، وهو ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وقَدْ ذَكَرْنا القِصَّةَ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿أمْ يَحْسَبُونَ أنّا لا نَسْمَعُ سِرَّهم ونَجْواهُمْ﴾، السِّرُّ ما حَدَّثَ بِهِ الرَّجُلُ نَفْسَهُ أوْ غَيْرَهُ في مَكانٍ خالٍ، والنَّجْوى ما تَكَلَّمُوا بِهِ فِيما بَيْنَهم، ﴿بَلى﴾ نَسْمَعُها ونَطَّلِعُ عَلَيْها، ﴿ورُسُلُنا﴾ يُرِيدُ الحَفَظَةَ، ﴿يَكْتُبُونَ﴾ عَلَيْهِمْ تِلْكَ الأحْوالَ، وعَنْ يَحْيى بْنِ مُعاذٍ: مَن سَتَرَ مِنَ النّاسِ ذُنُوبَهُ، وأبْداها لِلَّذِي لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ في السَّماواتِ فَقَدْ جَعَلَهُ أهْوَنَ النّاظِرِينَ إلَيْهِ، وهو مِن عَلاماتِ النِّفاقِ.

الزخرف 43:78

صفحة ١٩٤ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ المُجْرِمِينَ في عَذابِ جَهَنَّمَ خالِدُونَ﴾ ﴿لا يُفَتَّرُ عَنْهم وهم فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ ﴿وما ظَلَمْناهم ولَكِنْ كانُوا هُمُ الظّالِمِينَ﴾ ﴿ونادَوْا يامالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ قالَ إنَّكم ماكِثُونَ﴾ ﴿لَقَدْ جِئْناكم بِالحَقِّ ولَكِنَّ أكْثَرَكم لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾ ﴿أمْ أبْرَمُوا أمْرًا فَإنّا مُبْرِمُونَ﴾ ﴿أمْ يَحْسَبُونَ أنّا لا نَسْمَعُ سِرَّهم ونَجْواهم بَلى ورُسُلُنا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ الوَعْدَ أرْدَفَهُ بِالوَعِيدِ عَلى التَّرْتِيبِ المُسْتَمِرِّ في القُرْآنِ، وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: احْتَجَّ القاضِي عَلى القَطْعِ بِوَعِيدِ الفُسّاقِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ المُجْرِمِينَ في عَذابِ جَهَنَّمَ خالِدُونَ﴾ ﴿لا يُفَتَّرُ عَنْهم وهم فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾، ولَفْظُ المُجْرِمِ يَتَناوَلُ الكافِرَ والفاسِقَ، فَوَجَبَ كَوْنُ الكُلِّ في عَذابِ جَهَنَّمَ، وقَوْلُهُ: ﴿خالِدُونَ﴾ يَدُلُّ عَلى الخُلُودِ، وقَوْلُهُ أيْضًا: ﴿لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ﴾ يَدُلُّ عَلى الخُلُودِ والدَّوامِ أيْضًا. والجَوابُ: أنَّ ما قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ وما بَعْدَها يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ مِن لَفْظِ (المُجْرِمِينَ) هَهُنا الكُفّارُ، أمّا ما قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ فَلِأنَّهُ قالَ: ﴿ياعِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وكانُوا مُسْلِمِينَ﴾ [الزخرف: ٦٨، ٦٩]، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ مَن آمَنَ بِآياتِ اللَّهِ وكانُوا مُسْلِمِينَ فَإنَّهم يَدْخُلُونَ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿ياعِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وكانُوا مُسْلِمِينَ﴾، والفاسِقُ مِن أهْلِ الصَّلاةِ آمَنَ بِاللَّهِ تَعالى وبِآياتِهِ وأسْلَمَ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ داخِلًا تَحْتَ ذَلِكَ الوَعْدِ، ووَجَبَ أنْ يَكُونَ خارِجًا عَنْ هَذا الوَعِيدِ، وأمّا ما بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ فَهو قَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ جِئْناكم بِالحَقِّ ولَكِنَّ أكْثَرَكم لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾، والمُرادُ بِالحَقِّ هَهُنا إمّا الإسْلامُ وإمّا القُرْآنُ، والرَّجُلُ المُسْلِمُ لا يَكْرَهُ الإسْلامَ ولا القُرْآنَ، فَثَبَتَ أنَّ ما قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ وما بَعْدَها يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ مِنَ المُجْرِمِينَ الكُفّارُ، واللَّهُ أعْلَمُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى وصَفَ عَذابَ جَهَنَّمَ في حَقِّ المُجْرِمِينَ بِصِفاتٍ ثَلاثٍ: إحْداها: الخُلُودُ، وقَدْ ذَكَرْنا في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ أنَّهُ عِبارَةٌ عَنْ طُولِ المُكْثِ، ولا يُفِيدُ الدَّوامَ. وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ﴾ أيْ لا يُخَفَّفُ ولا يَنْقُصُ مِن قَوْلِهِمْ: فَتَرَتْ عَنْهُ الحُمّى إذا سَكَنَتْ ونَقَصَ حَرُّها. وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿وهم فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾، والمُبْلِسُ اليائِسُ السّاكِتُ سُكُوتَ يائِسٍ مِن فَرَجٍ، عَنِ الضَّحّاكِ: يُجْعَلُ المُجْرِمُ في تابُوتٍ مِن نارٍ، ثُمَّ يُقْفَلُ عَلَيْهِ فَيَبْقى فِيهِ خالِدًا لا يُرى، قالَ صاحِبُ “ الكَشّافِ “: وقُرِئَ (وهم فِيها) أيْ: وهم في النّارِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: احْتَجَّ القاضِي بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما ظَلَمْناهم ولَكِنْ كانُوا هُمُ الظّالِمِينَ﴾ فَقالَ: إنْ كانَ خَلَقَ فِيهِمُ الكُفْرَ لِيُدْخِلَهُمُ النّارَ فَما الَّذِي نَفاهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وما ظَلَمْناهُمْ﴾، وما الَّذِي نَسَبَهُ إلَيْهِمْ مِمّا نَفاهُ عَنْ نَفْسِهِ ؟ أوَلَيْسَ لَوْ أثْبَتْناهُ ظُلْمًا لَهم كانَ لا يَزِيدُ عَلى ما يَقُولُهُ القَوْمُ، فَإنْ قالُوا: ذَلِكَ الفِعْلُ لَمْ يَقَعْ بِقُدْرَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ فَقَطْ، بَلْ إنَّما وقَعَ بِقُدْرَةِ اللَّهِ مَعَ قُدْرَةِ العَبْدِ مَعًا، فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ ظُلْمًا مِنَ اللَّهِ. قُلْنا: عِنْدَكم أنَّ القُدْرَةَ عَلى الظُّلْمِ مُوجِبَةٌ لِلظُّلْمِ، وخالِقُ تِلْكَ القُدْرَةِ هو اللَّهُ تَعالى، فَكَأنَّهُ تَعالى لَمّا فَعَلَ مَعَ خَلْقِ الكُفْرِ قُدْرَةً عَلى الكُفْرِ خَرَجَ عَنْ أنْ يَكُونَ ظالِمًا لَهم، وذَلِكَ مُحالٌ لِأنَّ مَن يَكُونُ ظالِمًا في فِعْلٍ، فَإذا فَعَلَ مَعَهُ ما يُوجِبُ ذَلِكَ الفِعْلَ يَكُونُ بِذَلِكَ أحَقُّ، فَيُقالُ لِلْقاضِي: قُدْرَةُ العَبْدِ هَلْ هي صالِحَةٌ لِلطَّرَفَيْنِ أوْ هي مُتَعَيَّنَةٌ لِأحَدِ الطَّرَفَيْنِ ؟ فَإنْ كانَتْ صالِحَةً لِكِلا الطَّرَفَيْنِ فالتَّرْجِيحُ إنْ وقَعَ لا لِمُرَجِّحٍ لَزِمَ نَفْيُ الصّانِعِ، وإنِ افْتَقَرَ إلى مُرَجِّحٍ عادَ التَّقْسِيمُ الأوَّلُ فِيهِ، ولا بُدَّ وأنْ يَنْتَهِيَ إلى داعِيَةٍ مُرَجِّحَةٍ يَخْلُقُها اللَّهُ في العَبْدِ، وإنْ كانَتْ مُتَعَيِّنَةً لِأحَدِ الطَّرَفَيْنِ فَحِينَئِذٍ يَلْزَمُكَ ما أوْرَدْتَهُ عَلَيْنا. صفحة ١٩٥ واعْلَمْ أنَّهُ لَيْسَ الرَّجُلُ مَن يَرى وجْهَ الِاسْتِدْلالِ فَيَذْكُرُهُ، إنَّما الرَّجُلُ الَّذِي يَنْظُرُ فِيما قَبْلَ الكَلامِ وفِيما بَعْدَهُ، فَإنْ رَآهُ وارِدًا عَلى مَذْهَبِهِ بِعَيْنِهِ لَمْ يَذْكُرْهُ، واللَّهُ أعْلَمُ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ (يا مالِ) بِحَذْفِ الكافِ لِلتَّرْخِيمِ، فَقِيلَ لِابْنِ عَبّاسٍ: إنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ قَرَأ: (ونادَوْا يا مالِ) فَقالَ: ما أشْغَلَ أهْلَ النّارِ عَنْ هَذا التَّرْخِيمِ ! وأُجِيبَ عَنْهُ بِأنَّهُ إنَّما حَسُنَ هَذا التَّرْخِيمُ لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّهم بَلَغُوا في الضَّعْفِ والنَّحافَةِ إلى حَيْثُ لا يُمْكِنُهم أنْ يَذْكُرُوا مِنَ الكَلِمَةِ إلّا بَعْضَها. المَسْألَةُ الخامِسَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ قَوْلَهم: ﴿يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ﴾ عَلى أيِّ وجْهٍ طَلَبُوا، فَقالَ بَعْضُهم: عَلى التَّمَنِّي، وقالَ آخَرُونَ: عَلى وجْهِ الِاسْتِغاثَةِ، وإلّا فَهم عالِمُونَ بِأنَّهُ لا خَلاصَ لَهم عَنْ ذَلِكَ العِقابِ، وقِيلَ: لا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: إنَّهم لِشِدَّةِ ما هم فِيهِ مِنَ العَذابِ نَسُوا تِلْكَ المَسْألَةَ فَذَكَرُوهُ عَلى وجْهِ الطَّلَبِ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ مالِكًا يَقُولُ لَهم: ﴿إنَّكم ماكِثُونَ﴾، ولَيْسَ في القُرْآنِ مَتى أجابَهم، هَلْ أجابَهم في الحالِ أوْ بِمُدَّةٍ طَوِيلَةٍ ؟ وإنْ كانَ بَعْدَ ذَلِكَ فَهَلْ حَصَلَ ذَلِكَ الجَوابُ بَعْدَ ذَلِكَ السُّؤالِ بِمُدَّةٍ قَلِيلَةٍ أوْ بِمُدَّةٍ طَوِيلَةٍ ؟ فَلا يَمْتَنِعُ أنْ تُؤَخَّرَ الإجابَةُ اسْتِخْفافًا بِهِمْ وزِيادَةً في غَمِّهِمْ، فَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بَعْدَ أرْبَعِينَ سَنَةً، وعَنْ غَيْرِهِ بَعْدَ مِائَةِ سَنَةٍ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ بَعْدَ ألْفِ سَنَةٍ، واللَّهُ أعْلَمُ بِذَلِكَ المِقْدارِ. ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ مالِكًا لَمّا أجابَهم بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّكم ماكِثُونَ﴾ ذَكَرَ بَعْدَهُ ما هو كالعِلَّةِ لِذَلِكَ الجَوابِ فَقالَ: ﴿لَقَدْ جِئْناكم بِالحَقِّ ولَكِنَّ أكْثَرَكم لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾، والمُرادُ نَفْرَتُهم عَنْ مُحَمَّدٍ وعَنِ القُرْآنِ، وشَدَّةُ بُغْضِهِمْ لِقَبُولِ الدِّينِ الحَقِّ، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ قالَ: ﴿ونادَوْا يامالِكُ﴾ بَعْدَ ما وصَفَهم بِالإبْلاسِ ؟ قُلْنا: تِلْكَ أزْمِنَةٌ مُتَطاوِلَةٌ وأحْقابٌ مُمْتَدَّةٌ، فَتَخْتَلِفُ بِهِمُ الأحْوالُ فَيَسْكُتُونَ أوْقاتًا لِغَلَبَةِ اليَأْسِ عَلَيْهِمْ، ويَسْتَغِيثُونَ أوْقاتًا لِشِدَّةِ ما بِهِمْ، رُوِيَ أنَّهُ يُلْقى عَلى أهْلِ النّارِ الجُوعُ حَتّى يَعْدِلَ ما هم فِيهِ مِنَ العَذابِ، فَيَقُولُونَ: ادْعُوا مالِكًا فَيَدْعُونَ: ﴿ونادَوْا يامالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ﴾، ولَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى كَيْفِيَّةَ عَذابِهِمْ في الآخِرَةِ ذَكَرَ بَعْدَهُ كَيْفِيَّةَ مَكْرِهِمْ وفَسادَ باطِنِهِمْ في الدُّنْيا فَقالَ: ﴿أمْ أبْرَمُوا أمْرًا فَإنّا مُبْرِمُونَ﴾، والمَعْنى: أمْ أبْرَمُوا أيْ مُشْرِكُو مَكَّةَ أمْرًا مِن كَيْدِهِمْ ومَكْرِهِمْ بِرَسُولِ اللَّهِ، فَإنّا مُبْرِمُونَ كَيْدَنا كَما أبْرَمُوا كَيْدَهم، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ المَكِيدُونَ﴾ [الطور: ٤٢]، قالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ في تَدْبِيرِهِمْ في المَكْرِ بِهِ في دارِ النَّدْوَةِ، وهو ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وقَدْ ذَكَرْنا القِصَّةَ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿أمْ يَحْسَبُونَ أنّا لا نَسْمَعُ سِرَّهم ونَجْواهُمْ﴾، السِّرُّ ما حَدَّثَ بِهِ الرَّجُلُ نَفْسَهُ أوْ غَيْرَهُ في مَكانٍ خالٍ، والنَّجْوى ما تَكَلَّمُوا بِهِ فِيما بَيْنَهم، ﴿بَلى﴾ نَسْمَعُها ونَطَّلِعُ عَلَيْها، ﴿ورُسُلُنا﴾ يُرِيدُ الحَفَظَةَ، ﴿يَكْتُبُونَ﴾ عَلَيْهِمْ تِلْكَ الأحْوالَ، وعَنْ يَحْيى بْنِ مُعاذٍ: مَن سَتَرَ مِنَ النّاسِ ذُنُوبَهُ، وأبْداها لِلَّذِي لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ في السَّماواتِ فَقَدْ جَعَلَهُ أهْوَنَ النّاظِرِينَ إلَيْهِ، وهو مِن عَلاماتِ النِّفاقِ.

الزخرف 43:79

صفحة ١٩٤ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ المُجْرِمِينَ في عَذابِ جَهَنَّمَ خالِدُونَ﴾ ﴿لا يُفَتَّرُ عَنْهم وهم فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ ﴿وما ظَلَمْناهم ولَكِنْ كانُوا هُمُ الظّالِمِينَ﴾ ﴿ونادَوْا يامالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ قالَ إنَّكم ماكِثُونَ﴾ ﴿لَقَدْ جِئْناكم بِالحَقِّ ولَكِنَّ أكْثَرَكم لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾ ﴿أمْ أبْرَمُوا أمْرًا فَإنّا مُبْرِمُونَ﴾ ﴿أمْ يَحْسَبُونَ أنّا لا نَسْمَعُ سِرَّهم ونَجْواهم بَلى ورُسُلُنا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ الوَعْدَ أرْدَفَهُ بِالوَعِيدِ عَلى التَّرْتِيبِ المُسْتَمِرِّ في القُرْآنِ، وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: احْتَجَّ القاضِي عَلى القَطْعِ بِوَعِيدِ الفُسّاقِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ المُجْرِمِينَ في عَذابِ جَهَنَّمَ خالِدُونَ﴾ ﴿لا يُفَتَّرُ عَنْهم وهم فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾، ولَفْظُ المُجْرِمِ يَتَناوَلُ الكافِرَ والفاسِقَ، فَوَجَبَ كَوْنُ الكُلِّ في عَذابِ جَهَنَّمَ، وقَوْلُهُ: ﴿خالِدُونَ﴾ يَدُلُّ عَلى الخُلُودِ، وقَوْلُهُ أيْضًا: ﴿لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ﴾ يَدُلُّ عَلى الخُلُودِ والدَّوامِ أيْضًا. والجَوابُ: أنَّ ما قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ وما بَعْدَها يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ مِن لَفْظِ (المُجْرِمِينَ) هَهُنا الكُفّارُ، أمّا ما قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ فَلِأنَّهُ قالَ: ﴿ياعِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وكانُوا مُسْلِمِينَ﴾ [الزخرف: ٦٨، ٦٩]، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ مَن آمَنَ بِآياتِ اللَّهِ وكانُوا مُسْلِمِينَ فَإنَّهم يَدْخُلُونَ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿ياعِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وكانُوا مُسْلِمِينَ﴾، والفاسِقُ مِن أهْلِ الصَّلاةِ آمَنَ بِاللَّهِ تَعالى وبِآياتِهِ وأسْلَمَ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ داخِلًا تَحْتَ ذَلِكَ الوَعْدِ، ووَجَبَ أنْ يَكُونَ خارِجًا عَنْ هَذا الوَعِيدِ، وأمّا ما بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ فَهو قَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ جِئْناكم بِالحَقِّ ولَكِنَّ أكْثَرَكم لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾، والمُرادُ بِالحَقِّ هَهُنا إمّا الإسْلامُ وإمّا القُرْآنُ، والرَّجُلُ المُسْلِمُ لا يَكْرَهُ الإسْلامَ ولا القُرْآنَ، فَثَبَتَ أنَّ ما قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ وما بَعْدَها يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ مِنَ المُجْرِمِينَ الكُفّارُ، واللَّهُ أعْلَمُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى وصَفَ عَذابَ جَهَنَّمَ في حَقِّ المُجْرِمِينَ بِصِفاتٍ ثَلاثٍ: إحْداها: الخُلُودُ، وقَدْ ذَكَرْنا في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ أنَّهُ عِبارَةٌ عَنْ طُولِ المُكْثِ، ولا يُفِيدُ الدَّوامَ. وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ﴾ أيْ لا يُخَفَّفُ ولا يَنْقُصُ مِن قَوْلِهِمْ: فَتَرَتْ عَنْهُ الحُمّى إذا سَكَنَتْ ونَقَصَ حَرُّها. وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿وهم فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾، والمُبْلِسُ اليائِسُ السّاكِتُ سُكُوتَ يائِسٍ مِن فَرَجٍ، عَنِ الضَّحّاكِ: يُجْعَلُ المُجْرِمُ في تابُوتٍ مِن نارٍ، ثُمَّ يُقْفَلُ عَلَيْهِ فَيَبْقى فِيهِ خالِدًا لا يُرى، قالَ صاحِبُ “ الكَشّافِ “: وقُرِئَ (وهم فِيها) أيْ: وهم في النّارِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: احْتَجَّ القاضِي بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما ظَلَمْناهم ولَكِنْ كانُوا هُمُ الظّالِمِينَ﴾ فَقالَ: إنْ كانَ خَلَقَ فِيهِمُ الكُفْرَ لِيُدْخِلَهُمُ النّارَ فَما الَّذِي نَفاهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وما ظَلَمْناهُمْ﴾، وما الَّذِي نَسَبَهُ إلَيْهِمْ مِمّا نَفاهُ عَنْ نَفْسِهِ ؟ أوَلَيْسَ لَوْ أثْبَتْناهُ ظُلْمًا لَهم كانَ لا يَزِيدُ عَلى ما يَقُولُهُ القَوْمُ، فَإنْ قالُوا: ذَلِكَ الفِعْلُ لَمْ يَقَعْ بِقُدْرَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ فَقَطْ، بَلْ إنَّما وقَعَ بِقُدْرَةِ اللَّهِ مَعَ قُدْرَةِ العَبْدِ مَعًا، فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ ظُلْمًا مِنَ اللَّهِ. قُلْنا: عِنْدَكم أنَّ القُدْرَةَ عَلى الظُّلْمِ مُوجِبَةٌ لِلظُّلْمِ، وخالِقُ تِلْكَ القُدْرَةِ هو اللَّهُ تَعالى، فَكَأنَّهُ تَعالى لَمّا فَعَلَ مَعَ خَلْقِ الكُفْرِ قُدْرَةً عَلى الكُفْرِ خَرَجَ عَنْ أنْ يَكُونَ ظالِمًا لَهم، وذَلِكَ مُحالٌ لِأنَّ مَن يَكُونُ ظالِمًا في فِعْلٍ، فَإذا فَعَلَ مَعَهُ ما يُوجِبُ ذَلِكَ الفِعْلَ يَكُونُ بِذَلِكَ أحَقُّ، فَيُقالُ لِلْقاضِي: قُدْرَةُ العَبْدِ هَلْ هي صالِحَةٌ لِلطَّرَفَيْنِ أوْ هي مُتَعَيَّنَةٌ لِأحَدِ الطَّرَفَيْنِ ؟ فَإنْ كانَتْ صالِحَةً لِكِلا الطَّرَفَيْنِ فالتَّرْجِيحُ إنْ وقَعَ لا لِمُرَجِّحٍ لَزِمَ نَفْيُ الصّانِعِ، وإنِ افْتَقَرَ إلى مُرَجِّحٍ عادَ التَّقْسِيمُ الأوَّلُ فِيهِ، ولا بُدَّ وأنْ يَنْتَهِيَ إلى داعِيَةٍ مُرَجِّحَةٍ يَخْلُقُها اللَّهُ في العَبْدِ، وإنْ كانَتْ مُتَعَيِّنَةً لِأحَدِ الطَّرَفَيْنِ فَحِينَئِذٍ يَلْزَمُكَ ما أوْرَدْتَهُ عَلَيْنا. صفحة ١٩٥ واعْلَمْ أنَّهُ لَيْسَ الرَّجُلُ مَن يَرى وجْهَ الِاسْتِدْلالِ فَيَذْكُرُهُ، إنَّما الرَّجُلُ الَّذِي يَنْظُرُ فِيما قَبْلَ الكَلامِ وفِيما بَعْدَهُ، فَإنْ رَآهُ وارِدًا عَلى مَذْهَبِهِ بِعَيْنِهِ لَمْ يَذْكُرْهُ، واللَّهُ أعْلَمُ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ (يا مالِ) بِحَذْفِ الكافِ لِلتَّرْخِيمِ، فَقِيلَ لِابْنِ عَبّاسٍ: إنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ قَرَأ: (ونادَوْا يا مالِ) فَقالَ: ما أشْغَلَ أهْلَ النّارِ عَنْ هَذا التَّرْخِيمِ ! وأُجِيبَ عَنْهُ بِأنَّهُ إنَّما حَسُنَ هَذا التَّرْخِيمُ لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّهم بَلَغُوا في الضَّعْفِ والنَّحافَةِ إلى حَيْثُ لا يُمْكِنُهم أنْ يَذْكُرُوا مِنَ الكَلِمَةِ إلّا بَعْضَها. المَسْألَةُ الخامِسَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ قَوْلَهم: ﴿يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ﴾ عَلى أيِّ وجْهٍ طَلَبُوا، فَقالَ بَعْضُهم: عَلى التَّمَنِّي، وقالَ آخَرُونَ: عَلى وجْهِ الِاسْتِغاثَةِ، وإلّا فَهم عالِمُونَ بِأنَّهُ لا خَلاصَ لَهم عَنْ ذَلِكَ العِقابِ، وقِيلَ: لا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: إنَّهم لِشِدَّةِ ما هم فِيهِ مِنَ العَذابِ نَسُوا تِلْكَ المَسْألَةَ فَذَكَرُوهُ عَلى وجْهِ الطَّلَبِ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ مالِكًا يَقُولُ لَهم: ﴿إنَّكم ماكِثُونَ﴾، ولَيْسَ في القُرْآنِ مَتى أجابَهم، هَلْ أجابَهم في الحالِ أوْ بِمُدَّةٍ طَوِيلَةٍ ؟ وإنْ كانَ بَعْدَ ذَلِكَ فَهَلْ حَصَلَ ذَلِكَ الجَوابُ بَعْدَ ذَلِكَ السُّؤالِ بِمُدَّةٍ قَلِيلَةٍ أوْ بِمُدَّةٍ طَوِيلَةٍ ؟ فَلا يَمْتَنِعُ أنْ تُؤَخَّرَ الإجابَةُ اسْتِخْفافًا بِهِمْ وزِيادَةً في غَمِّهِمْ، فَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بَعْدَ أرْبَعِينَ سَنَةً، وعَنْ غَيْرِهِ بَعْدَ مِائَةِ سَنَةٍ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ بَعْدَ ألْفِ سَنَةٍ، واللَّهُ أعْلَمُ بِذَلِكَ المِقْدارِ. ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ مالِكًا لَمّا أجابَهم بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّكم ماكِثُونَ﴾ ذَكَرَ بَعْدَهُ ما هو كالعِلَّةِ لِذَلِكَ الجَوابِ فَقالَ: ﴿لَقَدْ جِئْناكم بِالحَقِّ ولَكِنَّ أكْثَرَكم لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾، والمُرادُ نَفْرَتُهم عَنْ مُحَمَّدٍ وعَنِ القُرْآنِ، وشَدَّةُ بُغْضِهِمْ لِقَبُولِ الدِّينِ الحَقِّ، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ قالَ: ﴿ونادَوْا يامالِكُ﴾ بَعْدَ ما وصَفَهم بِالإبْلاسِ ؟ قُلْنا: تِلْكَ أزْمِنَةٌ مُتَطاوِلَةٌ وأحْقابٌ مُمْتَدَّةٌ، فَتَخْتَلِفُ بِهِمُ الأحْوالُ فَيَسْكُتُونَ أوْقاتًا لِغَلَبَةِ اليَأْسِ عَلَيْهِمْ، ويَسْتَغِيثُونَ أوْقاتًا لِشِدَّةِ ما بِهِمْ، رُوِيَ أنَّهُ يُلْقى عَلى أهْلِ النّارِ الجُوعُ حَتّى يَعْدِلَ ما هم فِيهِ مِنَ العَذابِ، فَيَقُولُونَ: ادْعُوا مالِكًا فَيَدْعُونَ: ﴿ونادَوْا يامالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ﴾، ولَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى كَيْفِيَّةَ عَذابِهِمْ في الآخِرَةِ ذَكَرَ بَعْدَهُ كَيْفِيَّةَ مَكْرِهِمْ وفَسادَ باطِنِهِمْ في الدُّنْيا فَقالَ: ﴿أمْ أبْرَمُوا أمْرًا فَإنّا مُبْرِمُونَ﴾، والمَعْنى: أمْ أبْرَمُوا أيْ مُشْرِكُو مَكَّةَ أمْرًا مِن كَيْدِهِمْ ومَكْرِهِمْ بِرَسُولِ اللَّهِ، فَإنّا مُبْرِمُونَ كَيْدَنا كَما أبْرَمُوا كَيْدَهم، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ المَكِيدُونَ﴾ [الطور: ٤٢]، قالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ في تَدْبِيرِهِمْ في المَكْرِ بِهِ في دارِ النَّدْوَةِ، وهو ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وقَدْ ذَكَرْنا القِصَّةَ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿أمْ يَحْسَبُونَ أنّا لا نَسْمَعُ سِرَّهم ونَجْواهُمْ﴾، السِّرُّ ما حَدَّثَ بِهِ الرَّجُلُ نَفْسَهُ أوْ غَيْرَهُ في مَكانٍ خالٍ، والنَّجْوى ما تَكَلَّمُوا بِهِ فِيما بَيْنَهم، ﴿بَلى﴾ نَسْمَعُها ونَطَّلِعُ عَلَيْها، ﴿ورُسُلُنا﴾ يُرِيدُ الحَفَظَةَ، ﴿يَكْتُبُونَ﴾ عَلَيْهِمْ تِلْكَ الأحْوالَ، وعَنْ يَحْيى بْنِ مُعاذٍ: مَن سَتَرَ مِنَ النّاسِ ذُنُوبَهُ، وأبْداها لِلَّذِي لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ في السَّماواتِ فَقَدْ جَعَلَهُ أهْوَنَ النّاظِرِينَ إلَيْهِ، وهو مِن عَلاماتِ النِّفاقِ.

الزخرف 43:80

صفحة ١٩٤ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ المُجْرِمِينَ في عَذابِ جَهَنَّمَ خالِدُونَ﴾ ﴿لا يُفَتَّرُ عَنْهم وهم فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ ﴿وما ظَلَمْناهم ولَكِنْ كانُوا هُمُ الظّالِمِينَ﴾ ﴿ونادَوْا يامالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ قالَ إنَّكم ماكِثُونَ﴾ ﴿لَقَدْ جِئْناكم بِالحَقِّ ولَكِنَّ أكْثَرَكم لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾ ﴿أمْ أبْرَمُوا أمْرًا فَإنّا مُبْرِمُونَ﴾ ﴿أمْ يَحْسَبُونَ أنّا لا نَسْمَعُ سِرَّهم ونَجْواهم بَلى ورُسُلُنا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ الوَعْدَ أرْدَفَهُ بِالوَعِيدِ عَلى التَّرْتِيبِ المُسْتَمِرِّ في القُرْآنِ، وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: احْتَجَّ القاضِي عَلى القَطْعِ بِوَعِيدِ الفُسّاقِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ المُجْرِمِينَ في عَذابِ جَهَنَّمَ خالِدُونَ﴾ ﴿لا يُفَتَّرُ عَنْهم وهم فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾، ولَفْظُ المُجْرِمِ يَتَناوَلُ الكافِرَ والفاسِقَ، فَوَجَبَ كَوْنُ الكُلِّ في عَذابِ جَهَنَّمَ، وقَوْلُهُ: ﴿خالِدُونَ﴾ يَدُلُّ عَلى الخُلُودِ، وقَوْلُهُ أيْضًا: ﴿لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ﴾ يَدُلُّ عَلى الخُلُودِ والدَّوامِ أيْضًا. والجَوابُ: أنَّ ما قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ وما بَعْدَها يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ مِن لَفْظِ (المُجْرِمِينَ) هَهُنا الكُفّارُ، أمّا ما قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ فَلِأنَّهُ قالَ: ﴿ياعِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وكانُوا مُسْلِمِينَ﴾ [الزخرف: ٦٨، ٦٩]، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ مَن آمَنَ بِآياتِ اللَّهِ وكانُوا مُسْلِمِينَ فَإنَّهم يَدْخُلُونَ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿ياعِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وكانُوا مُسْلِمِينَ﴾، والفاسِقُ مِن أهْلِ الصَّلاةِ آمَنَ بِاللَّهِ تَعالى وبِآياتِهِ وأسْلَمَ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ داخِلًا تَحْتَ ذَلِكَ الوَعْدِ، ووَجَبَ أنْ يَكُونَ خارِجًا عَنْ هَذا الوَعِيدِ، وأمّا ما بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ فَهو قَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ جِئْناكم بِالحَقِّ ولَكِنَّ أكْثَرَكم لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾، والمُرادُ بِالحَقِّ هَهُنا إمّا الإسْلامُ وإمّا القُرْآنُ، والرَّجُلُ المُسْلِمُ لا يَكْرَهُ الإسْلامَ ولا القُرْآنَ، فَثَبَتَ أنَّ ما قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ وما بَعْدَها يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ مِنَ المُجْرِمِينَ الكُفّارُ، واللَّهُ أعْلَمُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى وصَفَ عَذابَ جَهَنَّمَ في حَقِّ المُجْرِمِينَ بِصِفاتٍ ثَلاثٍ: إحْداها: الخُلُودُ، وقَدْ ذَكَرْنا في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ أنَّهُ عِبارَةٌ عَنْ طُولِ المُكْثِ، ولا يُفِيدُ الدَّوامَ. وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ﴾ أيْ لا يُخَفَّفُ ولا يَنْقُصُ مِن قَوْلِهِمْ: فَتَرَتْ عَنْهُ الحُمّى إذا سَكَنَتْ ونَقَصَ حَرُّها. وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿وهم فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾، والمُبْلِسُ اليائِسُ السّاكِتُ سُكُوتَ يائِسٍ مِن فَرَجٍ، عَنِ الضَّحّاكِ: يُجْعَلُ المُجْرِمُ في تابُوتٍ مِن نارٍ، ثُمَّ يُقْفَلُ عَلَيْهِ فَيَبْقى فِيهِ خالِدًا لا يُرى، قالَ صاحِبُ “ الكَشّافِ “: وقُرِئَ (وهم فِيها) أيْ: وهم في النّارِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: احْتَجَّ القاضِي بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما ظَلَمْناهم ولَكِنْ كانُوا هُمُ الظّالِمِينَ﴾ فَقالَ: إنْ كانَ خَلَقَ فِيهِمُ الكُفْرَ لِيُدْخِلَهُمُ النّارَ فَما الَّذِي نَفاهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وما ظَلَمْناهُمْ﴾، وما الَّذِي نَسَبَهُ إلَيْهِمْ مِمّا نَفاهُ عَنْ نَفْسِهِ ؟ أوَلَيْسَ لَوْ أثْبَتْناهُ ظُلْمًا لَهم كانَ لا يَزِيدُ عَلى ما يَقُولُهُ القَوْمُ، فَإنْ قالُوا: ذَلِكَ الفِعْلُ لَمْ يَقَعْ بِقُدْرَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ فَقَطْ، بَلْ إنَّما وقَعَ بِقُدْرَةِ اللَّهِ مَعَ قُدْرَةِ العَبْدِ مَعًا، فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ ظُلْمًا مِنَ اللَّهِ. قُلْنا: عِنْدَكم أنَّ القُدْرَةَ عَلى الظُّلْمِ مُوجِبَةٌ لِلظُّلْمِ، وخالِقُ تِلْكَ القُدْرَةِ هو اللَّهُ تَعالى، فَكَأنَّهُ تَعالى لَمّا فَعَلَ مَعَ خَلْقِ الكُفْرِ قُدْرَةً عَلى الكُفْرِ خَرَجَ عَنْ أنْ يَكُونَ ظالِمًا لَهم، وذَلِكَ مُحالٌ لِأنَّ مَن يَكُونُ ظالِمًا في فِعْلٍ، فَإذا فَعَلَ مَعَهُ ما يُوجِبُ ذَلِكَ الفِعْلَ يَكُونُ بِذَلِكَ أحَقُّ، فَيُقالُ لِلْقاضِي: قُدْرَةُ العَبْدِ هَلْ هي صالِحَةٌ لِلطَّرَفَيْنِ أوْ هي مُتَعَيَّنَةٌ لِأحَدِ الطَّرَفَيْنِ ؟ فَإنْ كانَتْ صالِحَةً لِكِلا الطَّرَفَيْنِ فالتَّرْجِيحُ إنْ وقَعَ لا لِمُرَجِّحٍ لَزِمَ نَفْيُ الصّانِعِ، وإنِ افْتَقَرَ إلى مُرَجِّحٍ عادَ التَّقْسِيمُ الأوَّلُ فِيهِ، ولا بُدَّ وأنْ يَنْتَهِيَ إلى داعِيَةٍ مُرَجِّحَةٍ يَخْلُقُها اللَّهُ في العَبْدِ، وإنْ كانَتْ مُتَعَيِّنَةً لِأحَدِ الطَّرَفَيْنِ فَحِينَئِذٍ يَلْزَمُكَ ما أوْرَدْتَهُ عَلَيْنا. صفحة ١٩٥ واعْلَمْ أنَّهُ لَيْسَ الرَّجُلُ مَن يَرى وجْهَ الِاسْتِدْلالِ فَيَذْكُرُهُ، إنَّما الرَّجُلُ الَّذِي يَنْظُرُ فِيما قَبْلَ الكَلامِ وفِيما بَعْدَهُ، فَإنْ رَآهُ وارِدًا عَلى مَذْهَبِهِ بِعَيْنِهِ لَمْ يَذْكُرْهُ، واللَّهُ أعْلَمُ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ (يا مالِ) بِحَذْفِ الكافِ لِلتَّرْخِيمِ، فَقِيلَ لِابْنِ عَبّاسٍ: إنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ قَرَأ: (ونادَوْا يا مالِ) فَقالَ: ما أشْغَلَ أهْلَ النّارِ عَنْ هَذا التَّرْخِيمِ ! وأُجِيبَ عَنْهُ بِأنَّهُ إنَّما حَسُنَ هَذا التَّرْخِيمُ لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّهم بَلَغُوا في الضَّعْفِ والنَّحافَةِ إلى حَيْثُ لا يُمْكِنُهم أنْ يَذْكُرُوا مِنَ الكَلِمَةِ إلّا بَعْضَها. المَسْألَةُ الخامِسَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ قَوْلَهم: ﴿يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ﴾ عَلى أيِّ وجْهٍ طَلَبُوا، فَقالَ بَعْضُهم: عَلى التَّمَنِّي، وقالَ آخَرُونَ: عَلى وجْهِ الِاسْتِغاثَةِ، وإلّا فَهم عالِمُونَ بِأنَّهُ لا خَلاصَ لَهم عَنْ ذَلِكَ العِقابِ، وقِيلَ: لا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: إنَّهم لِشِدَّةِ ما هم فِيهِ مِنَ العَذابِ نَسُوا تِلْكَ المَسْألَةَ فَذَكَرُوهُ عَلى وجْهِ الطَّلَبِ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ مالِكًا يَقُولُ لَهم: ﴿إنَّكم ماكِثُونَ﴾، ولَيْسَ في القُرْآنِ مَتى أجابَهم، هَلْ أجابَهم في الحالِ أوْ بِمُدَّةٍ طَوِيلَةٍ ؟ وإنْ كانَ بَعْدَ ذَلِكَ فَهَلْ حَصَلَ ذَلِكَ الجَوابُ بَعْدَ ذَلِكَ السُّؤالِ بِمُدَّةٍ قَلِيلَةٍ أوْ بِمُدَّةٍ طَوِيلَةٍ ؟ فَلا يَمْتَنِعُ أنْ تُؤَخَّرَ الإجابَةُ اسْتِخْفافًا بِهِمْ وزِيادَةً في غَمِّهِمْ، فَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بَعْدَ أرْبَعِينَ سَنَةً، وعَنْ غَيْرِهِ بَعْدَ مِائَةِ سَنَةٍ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ بَعْدَ ألْفِ سَنَةٍ، واللَّهُ أعْلَمُ بِذَلِكَ المِقْدارِ. ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ مالِكًا لَمّا أجابَهم بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّكم ماكِثُونَ﴾ ذَكَرَ بَعْدَهُ ما هو كالعِلَّةِ لِذَلِكَ الجَوابِ فَقالَ: ﴿لَقَدْ جِئْناكم بِالحَقِّ ولَكِنَّ أكْثَرَكم لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾، والمُرادُ نَفْرَتُهم عَنْ مُحَمَّدٍ وعَنِ القُرْآنِ، وشَدَّةُ بُغْضِهِمْ لِقَبُولِ الدِّينِ الحَقِّ، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ قالَ: ﴿ونادَوْا يامالِكُ﴾ بَعْدَ ما وصَفَهم بِالإبْلاسِ ؟ قُلْنا: تِلْكَ أزْمِنَةٌ مُتَطاوِلَةٌ وأحْقابٌ مُمْتَدَّةٌ، فَتَخْتَلِفُ بِهِمُ الأحْوالُ فَيَسْكُتُونَ أوْقاتًا لِغَلَبَةِ اليَأْسِ عَلَيْهِمْ، ويَسْتَغِيثُونَ أوْقاتًا لِشِدَّةِ ما بِهِمْ، رُوِيَ أنَّهُ يُلْقى عَلى أهْلِ النّارِ الجُوعُ حَتّى يَعْدِلَ ما هم فِيهِ مِنَ العَذابِ، فَيَقُولُونَ: ادْعُوا مالِكًا فَيَدْعُونَ: ﴿ونادَوْا يامالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ﴾، ولَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى كَيْفِيَّةَ عَذابِهِمْ في الآخِرَةِ ذَكَرَ بَعْدَهُ كَيْفِيَّةَ مَكْرِهِمْ وفَسادَ باطِنِهِمْ في الدُّنْيا فَقالَ: ﴿أمْ أبْرَمُوا أمْرًا فَإنّا مُبْرِمُونَ﴾، والمَعْنى: أمْ أبْرَمُوا أيْ مُشْرِكُو مَكَّةَ أمْرًا مِن كَيْدِهِمْ ومَكْرِهِمْ بِرَسُولِ اللَّهِ، فَإنّا مُبْرِمُونَ كَيْدَنا كَما أبْرَمُوا كَيْدَهم، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ المَكِيدُونَ﴾ [الطور: ٤٢]، قالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ في تَدْبِيرِهِمْ في المَكْرِ بِهِ في دارِ النَّدْوَةِ، وهو ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وقَدْ ذَكَرْنا القِصَّةَ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿أمْ يَحْسَبُونَ أنّا لا نَسْمَعُ سِرَّهم ونَجْواهُمْ﴾، السِّرُّ ما حَدَّثَ بِهِ الرَّجُلُ نَفْسَهُ أوْ غَيْرَهُ في مَكانٍ خالٍ، والنَّجْوى ما تَكَلَّمُوا بِهِ فِيما بَيْنَهم، ﴿بَلى﴾ نَسْمَعُها ونَطَّلِعُ عَلَيْها، ﴿ورُسُلُنا﴾ يُرِيدُ الحَفَظَةَ، ﴿يَكْتُبُونَ﴾ عَلَيْهِمْ تِلْكَ الأحْوالَ، وعَنْ يَحْيى بْنِ مُعاذٍ: مَن سَتَرَ مِنَ النّاسِ ذُنُوبَهُ، وأبْداها لِلَّذِي لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ في السَّماواتِ فَقَدْ جَعَلَهُ أهْوَنَ النّاظِرِينَ إلَيْهِ، وهو مِن عَلاماتِ النِّفاقِ.

الزخرف 43:81

صفحة ١٩٦ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾ ﴿سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ رَبِّ العَرْشِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ ﴿فَذَرْهم يَخُوضُوا ويَلْعَبُوا حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ ﴿وهُوَ الَّذِي في السَّماءِ إلَهٌ وفي الأرْضِ إلَهٌ وهو الحَكِيمُ العَلِيمُ﴾ ﴿وتَبارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما وعِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ﴿ولا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفاعَةَ إلّا مَن شَهِدَ بِالحَقِّ وهم يَعْلَمُونَ﴾ ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَهم لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأنّى يُؤْفَكُونَ﴾ ﴿وقِيلِهِ يارَبِّ إنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿فاصْفَحْ عَنْهم وقُلْ سَلامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾، وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ (وُلْدٌ) بِضَمِّ الواوِ وإسْكانِ اللّامِ والباقُونَ بِفَتْحِها، ﴿فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾، قَرَأ نافِعٌ (فَأنا) بِفَتْحَةٍ طَوِيلَةٍ عَلى النُّونِ والباقُونَ بِلا تَطْوِيلٍ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ النّاسَ ظَنُّوا أنَّ قَوْلَهُ ﴿قُلْ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾ لَوْ أجْرَيْناهُ عَلى ظاهِرِهِ فَإنَّهُ يَقْتَضِي وُقُوعَ الشَّكِّ في إثْباتِ ولَدٍ لِلَّهِ تَعالى، وذَلِكَ مُحالٌ، فَلا جَرَمَ افْتَقَرُوا إلى تَأْوِيلِ الآيَةِ، وعِنْدِي أنَّهُ لَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ ولَيْسَ في ظاهِرِ اللَّفْظِ ما يُوجِبُ العُدُولَ عَنِ الظّاهِرِ، وتَقْرِيرُهُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾ قَضِيَّةٌ شَرْطِيَّةٌ، والقَضِيَّةُ الشَّرْطِيَّةُ مُرَكَّبَةٌ مِن قَضِيَّتَيْنِ خَبَرِيَّتَيْنِ أدْخَلَ عَلى إحْداهُما حَرْفَ الشَّرْطِ وعَلى الأُخْرى حَرْفَ الجَزاءِ؛ فَحَصَلَ بِمَجْمُوعِهِما قَضِيَّةٌ واحِدَةٌ، ومِثالُهُ هَذِهِ الآيَةُ، فَإنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾ قَضِيَّةٌ مُرَكَّبَةٌ مِن قَضِيَّتَيْنِ: إحْداهُما: قَوْلُهُ: ﴿إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ﴾، والثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾، ثُمَّ أدْخَلَ حَرْفَ الشَّرْطِ - وهو لَفْظَةُ إنَّ - عَلى القَضِيَّةِ الأُولى، وحَرْفَ الجَزاءِ - وهو الفاءُ - عَلى القَضِيَّةِ الثّانِيَةِ؛ فَحَصَلَ مِن مَجْمُوعِهِما قَضِيَّةٌ واحِدَةٌ، وهي القَضِيَّةُ الشَّرْطِيَّةُ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: القَضِيَّةُ الشَّرْطِيَّةُ لا تُفِيدُ إلّا كَوْنَ الشَّرْطِ مُسْتَلْزِمًا لِلْجَزاءِ، ولَيْسَ فِيها إشْعارٌ بِكَوْنِ الشَّرْطِ حَقًّا أوْ باطِلًا أوْ بِكَوْنِ الجَزاءِ حَقًّا أوْ باطِلًا، بَلْ نَقُولُ: القَضِيَّةُ الشَّرْطِيَّةُ الحَقَّةُ قَدْ تَكُونُ مُرَكَّبَةً مِن قَضِيَّتَيْنِ حَقِيقِيَّتَيْنِ أوْ مِن قَضِيَّتَيْنِ باطِلَتَيْنِ، أوْ مِن شَرْطٍ باطِلٍ وجَزاءٍ حَقٍّ، أوْ مِن شَرْطٍ حَقٍّ وجَزاءٍ باطِلٍ، فَأمّا القِسْمُ الرّابِعُ: وهو أنْ تَكُونَ القَضِيَّةُ الشَّرْطِيَّةُ الحَقَّةُ مُرَكَّبَةً مِن شَرْطٍ حَقٍّ وجَزاءٍ باطِلٍ فَهَذا مُحالٌ. ولْنُبَيِّنْ أمْثالَ هَذِهِ الأقْسامِ الأرْبَعَةِ: فَإذا قُلْنا: إنْ كانَ الإنْسانُ حَيَوانًا فالإنْسانُ جِسْمٌ، فَهَذِهِ شَرْطِيَّةٌ حَقَّةٌ، وهي مُرَكَّبَةٌ مِن قَضِيَّتَيْنِ حَقِيقِيَّتَيْنِ، إحْداهُما: قَوْلُنا: الإنْسانُ حَيَوانٌ، والثّانِيَةُ: قَوْلُنا: الإنْسانُ جِسْمٌ، وإذا قُلْنا: إنْ كانَتِ الخَمْسَةُ زَوْجًا كانَتْ مُنْقَسِمَةً بِمُتَساوِيَيْنِ، فَهَذِهِ شَرْطِيَّةٌ حَقَّةٌ لَكِنَّها مُرَكَّبَةٌ مِن قَوْلِنا: الخَمْسَةُ زَوْجٌ، ومِن قَوْلِنا: الخَمْسَةُ مُنْقَسِمَةٌ بِمُتَساوِيَيْنِ، وهُما باطِلانِ، وكَوْنُهُما باطِلَيْنِ لا يَمْنَعُ مِن أنْ يَكُونَ اسْتِلْزامُ أحَدِهِما لِلْآخَرِ حَقًّا، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ القَضِيَّةَ الشَّرْطِيَّةَ لا تُفِيدُ إلّا مُجَرَّدَ الِاسْتِلْزامِ: وإذا قُلْنا: إنْ كانَ الإنْسانُ حَجَرًا فَهو جِسْمٌ، فَهَذا جِسْمٌ، فَهَذا أيْضًا حَقٌّ لَكِنَّها مُرَكَّبَةٌ مِن شَرْطٍ باطِلٍ، وهو قَوْلُنا: الإنْسانُ حَجَرٌ، ومِن جُزْءٍ حَقٍّ وهو قَوْلُنا: الإنْسانُ صفحة ١٩٧ جِسْمٌ، وإنَّما جازَ هَذا لِأنَّ الباطِلَ قَدْ يَكُونُ بِحَيْثُ يَلْزَمُ مِن فَرْضِ وُقُوعِهِ وُقُوعُ حَقٍّ، فَإذا فَرَضْنا كَوْنَ الإنْسانِ حَجَرًا وجَبَ كَوْنُهُ جِسْمًا، فَهَذا شَرْطٌ باطِلٌ يَسْتَلْزِمُ جَزاءً حَقًّا. وأمّا القِسْمُ الرّابِعُ: وهو تَرْكِيبُ قَضِيَّةٍ شَرْطِيَّةٍ حَقَّةٍ مِن شَرْطٍ حَقٍّ وجَزاءٍ باطِلٍ فَهَذا مُحالٌ، لِأنَّ هَذا التَّرْكِيبَ يَلْزَمُ مِنهُ كَوْنُ الحَقِّ مُسْتَلْزِمًا لِلْباطِلِ، وذَلِكَ مُحالٌ، بِخِلافِ القِسْمِ الثّالِثِ فَإنَّهُ يَلْزَمُ مِنهُ كَوْنُ الباطِلِ مُسْتَلْزِمًا لِلْحَقِّ وذَلِكَ لَيْسَ بِمُحالٍ، إذا عَرَفْتَ هَذا الأصْلَ فَلْنَرْجِعْ إلى الآيَةِ فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾ قَضِيَّةٌ شَرْطِيَّةٌ حَقَّةٌ مِن شَرْطٍ باطِلٍ ومِن جَزاءٍ باطِلٍ لِأنَّ قَوْلَنا: (كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ) باطِلٌ، وقَوْلَنا: (أنا أوَّلُ العابِدِينَ) لِذَلِكَ الوَلَدِ باطِلٌ أيْضًا، إلّا أنّا بَيَّنّا أنَّ كَوْنَ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما باطِلًا لا يَمْنَعُ مِن أنْ يَكُونَ اسْتِلْزامُ أحَدِهِما لِلْآخَرِ حَقًّا كَما ضَرَبْنا مِنَ المِثالِ في قَوْلِنا: إنْ كانَتِ الخَمْسَةُ زَوْجًا كانَتْ مُنْقَسِمَةً بِمُتَساوِيَيْنِ، فَثَبَتَ أنَّ هَذا الكَلامَ لا امْتِناعَ في إجْرائِهِ عَلى ظاهِرِهِ، ويَكُونُ المُرادُ مِنهُ أنَّهُ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ لِذَلِكَ الوَلَدِ، فَإنَّ السُّلْطانَ إذا كانَ لَهُ ولَدٌ فَكَما يَجِبُ عَلى عَبْدِهِ أنْ يَخْدِمَهُ فَكَذَلِكَ يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يَخْدِمَ ولَدَهُ، وقَدْ بَيَّنّا أنَّ هَذا التَّرْكِيبَ لا يَدُلُّ عَلى الِاعْتِرافِ بِإثْباتِ ولَدٍ أمْ لا. ومِمّا يَقْرُبُ مِن هَذا البابِ قَوْلُهُ: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلّا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾ [الأنبياء: ٢٢]، فَهَذا الكَلامُ قَضِيَّةٌ شَرْطِيَّةٌ، والشَّرْطُ هو قَوْلُنا: ﴿فِيهِما آلِهَةٌ﴾، والجَزاءُ هو قَوْلُنا: (فَسَدَتا)، فالشَّرْطُ في نَفْسِهِ باطِلٌ، والجَزاءُ أيْضًا باطِلٌ؛ لِأنَّ الحَقَّ أنَّهُ لَيْسَ فِيهِما آلِهَةٌ، وكَلِمَةُ “ لَوْ “ تُفِيدُ انْتِفاءَ الشَّيْءِ بِانْتِفاءِ غَيْرِهِ لِأنَّهُما ما فَسَدَتا، ثُمَّ مَعَ كَوْنِ الشَّرْطِ باطِلًا وكَوْنِ الجَزاءِ باطِلًا كانَ اسْتِلْزامُ ذَلِكَ الشَّرْطِ لِهَذا الجَزاءِ حَقًّا فَكَذا هَهُنا، فَإنْ قالُوا: الفَرْقُ أنَّ هَهُنا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الشَّرْطِيَّةَ بِصِيغَةِ “ لَوْ “ فَقالَ: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ﴾، وكَلِمَةُ لَوْ تُفِيدُ انْتِفاءَ الشَّيْءِ لِانْتِفاءِ غَيْرِهِ، وأمّا في الآيَةِ الَّتِي نَحْنُ في تَفْسِيرِها إنَّما ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى كَلِمَةَ “ إنْ “ وهَذِهِ الكَلِمَةُ لا تُفِيدُ انْتِفاءَ الشَّيْءِ لِانْتِفاءِ غَيْرِهِ، بَلْ هَذِهِ الكَلِمَةُ تُفِيدُ الشَّكَّ في أنَّهُ هَلْ حَصَلَ الشَّرْطُ أمْ لا ؟ وحُصُولُ هَذا الشَّكِّ لِلرَّسُولِ غَيْرُ مُمْكِنٍ، قُلْنا: الفَرْقُ الَّذِي ذَكَرْتُمْ صَحِيحٌ إلّا أنَّ مَقْصُودَنا بَيانُ أنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن كَوْنِ الشَّرْطِيَّةِ صادِقَةً كَوْنُ جُزْأيْها صادِقَتَيْنِ أوْ كاذِبَتَيْنِ عَلى ما قَرَّرْناهُ، أمّا قَوْلُهُ: إنَّ لَفْظَةَ “ إنْ “ تُفِيدُ حُصُولَ الشَّرْطِ هَلْ حَصَلَ أمْ لا ؟ قُلْنا: هَذا مَمْنُوعٌ، فَإنَّ حَرْفَ “ إنْ “ حَرْفُ الشَّرْطِ، وحَرْفُ الشَّرْطِ لا يُفِيدُ إلّا كَوْنَ الشَّرْطِ مُسْتَلْزِمًا لِلْجَزاءِ، وأمّا بَيانُ أنَّ ذَلِكَ الشَّرْطَ مَعْلُومُ الوُقُوعِ أوْ مَشْكُوكُ الوُقُوعِ فاللَّفْظُ لا دَلالَةَ فِيهِ عَلَيْهِ البَتَّةَ، فَظَهَرَ مِنَ المَباحِثِ الَّتِي لَخَّصْناها أنَّ الكَلامَ هَهُنا مُمْكِنُ الإجْراءِ عَلى ظاهِرِهِ مِن جَمِيعِ الوُجُوهِ، وأنَّهُ لا حاجَةَ فِيهِ البَتَّةَ إلى التَّأْوِيلِ، والمَعْنى أنَّهُ تَعالى قالَ: (قُلُ) يا مُحَمَّدُ، ﴿إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾ لِذَلِكَ الوَلَدِ، وأنا أوَّلُ الخادِمِينَ لَهُ، والمَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ بَيانُ أنِّي لا أُنْكِرُ ولَدَهُ لِأجْلِ العِنادِ والمُنازَعَةِ، فَإنَّ بِتَقْدِيرِ أنْ يَقُومَ الدَّلِيلُ عَلى ثُبُوتِ هَذا الوَلَدِ كُنْتُ مُقِرًّا بِهِ مُعْتَرِفًا بِوُجُوبِ خِدْمَتِهِ إلّا أنَّهُ لَمْ يُوجَدْ هَذا الوَلَدُ، ولَمْ يَقُمِ الدَّلِيلُ عَلى ثُبُوتِهِ البَتَّةَ، فَكَيْفَ أقُولُ بِهِ ؟ بَلِ الدَّلِيلُ القاطِعُ قائِمٌ عَلى عَدَمِهِ فَكَيْفَ أقُولُ بِهِ ؟ وكَيْفَ أعْتَرِفُ بِوُجُودِهِ ؟ وهَذا الكَلامُ ظاهِرٌ كامِلٌ لا حاجَةَ بِهِ البَتَّةَ إلى التَّأْوِيلِ والعُدُولِ عَنِ الظّاهِرِ، فَهَذا ما عِنْدِي في هَذا المَوْضِعِ. ونُقِلَ عَنِ السُّدِّيِّ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنَّهُ كانَ يَقُولُ: حَمْلُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى ظاهِرِها مُمْكِنٌ ولا حاجَةَ إلى التَّأْوِيلِ، والتَّقْرِيرُ الَّذِي ذَكَرْناهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ الَّذِي قالَهُ هو الحَقُّ، أمّا القائِلُونَ بِأنَّهُ لا بُدَّ مِنَ التَّأْوِيلِ فَقَدْ ذَكَرُوا وُجُوهًا: الأوَّلُ: قالَ الواحِدِيُّ: كَثُرَتِ الوُجُوهُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ، والأقْوى أنْ يُقالَ: المَعْنى إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ في زَعْمِكم ﴿فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾ أيِ المُوَحِّدِينَ لِلَّهِ صفحة ١٩٨ المُكَذِّبِينَ لِقَوْلِكم بِإضافَةِ الوَلَدِ إلَيْهِ، ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إمّا أنْ يَكُونَ تَقْدِيرُ الكَلامِ: إنْ يَثْبُتْ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ في نَفْسِ الأمْرِ فَأنا أوَّلُ المُنْكِرِينَ لَهُ، أوْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: إنْ يَثْبُتْ لَكُمُ ادِّعاءُ لِلرَّحْمَنِ ولَدًا فَأنا أوَّلُ المُنْكِرِينَ لَهُ، والأوَّلُ باطِلٌ لِأنَّ ثُبُوتَ الشَّيْءِ في نَفْسِهِ لا يَقْتَضِي كَوْنَ الرَّسُولِ مُنْكِرًا لَهُ، لِأنَّ قَوْلَهُ: إنْ كانَ الشَّيْءُ ثابِتًا في نَفْسِهِ فَأنا أوَّلُ المُنْكِرِينَ يَقْتَضِي إصْرارَهُ عَلى الكَذِبِ والجَهْلِ، وذَلِكَ لا يَلِيقُ بِالرَّسُولِ، والثّانِي أيْضًا باطِلٌ لِأنَّهم سَواءٌ أثْبَتُوا لِلَّهِ ولَدًا أوْ لَمْ يُثْبِتُوهُ لَهُ فالرَّسُولُ مُنْكِرٌ لِذَلِكَ الوَلَدِ، فَلَمْ يَكُنْ لِزَعْمِهِمْ تَأْثِيرٌ في كَوْنِ الرَّسُولِ مُنْكِرًا لِذَلِكَ الوَلَدِ، فَلَمْ يَصْلُحْ جَعْلُ زَعْمِهِمْ إثْباتَ الوَلَدِ مُؤَثِّرًا في كَوْنِ الرَّسُولِ مُنْكِرًا لِلْوَلَدِ. الوَجْهُ الثّانِي: قالُوا: مَعْناهُ ﴿إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾ الآنِفِينَ مِن أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ مِن عَبِدَ يَعْبَدُ إذا اشْتَدَّتْ أنَفَتُهُ فَهو عَبِدٌ وعابِدٌ، وقَرَأ بَعْضُهم (عَبِدِينَ) . واعْلَمْ أنَّ السُّؤالَ المَذْكُورَ قائِمٌ هَهُنا لِأنَّهُ إنْ كانَ المُرادُ: إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ في نَفْسِ الأمْرِ فَأنا أوَّلُ الآنِفِينَ مِنَ الإقْرارِ بِهِ، فَهَذا يَقْتَضِي الإصْرارَ عَلى الجَهْلِ والكَذِبِ، وإنْ كانَ المُرادُ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ في زَعْمِكم واعْتِقادِكم فَأنا أوَّلُ الآنِفِينَ، فَهَذا التَّعْلِيقُ فاسِدٌ لِأنَّ هَذِهِ الأنَفَةَ حاصِلَةٌ سَواءٌ حَصَلَ ذَلِكَ الزَّعْمُ والِاعْتِقادُ أوْ لَمْ يَحْصُلْ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ هَذا التَّعْلِيقُ جائِزًا. والوَجْهُ الثّالِثُ: قالَ بَعْضُهم: إنَّ كَلِمَةَ “ إنْ “ هَهُنا هي النّافِيَةُ، والتَّقْدِيرُ: ما كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ المُوَحِّدِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ أنْ لا ولَدَ لَهُ. واعْلَمْ أنَّ التِزامَ هَذِهِ الوُجُوهِ البَعِيدَةِ إنَّما يَكُونُ لِلضَّرُورَةِ، وقَدْ بَيَّنّا أنَّهُ لا ضَرُورَةَ البَتَّةَ فَلَمْ يَجُزِ المَصِيرُ إلَيْها، واللَّهُ أعْلَمُ. ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ رَبِّ العَرْشِ عَمّا يَصِفُونَ﴾، والمَعْنى أنَّ إلَهَ العالَمِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ واجِبَ الوُجُودِ لِذاتِهِ، وكُلُّ ما كانَ كَذَلِكَ فَهو فَرْدٌ مُطْلَقٌ لا يَقْبَلُ التَّجَزُّؤَ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، والوَلَدُ عِبارَةٌ عَنْ أنْ يَنْفَصِلَ عَنِ الشَّيْءِ جُزْءٌ مِن أجْزائِهِ، فَيَتَوَلَّدُ عَنْ ذَلِكَ الجُزْءِ شَخْصٌ مِثْلُهُ، وهَذا إنَّما يُعْقَلُ فِيما تَكُونُ ذاتُهُ قابِلَةً لِلتَّجَزُّؤِ والتَّبْعِيضِ، وإذا كانَ مُحالًا في حَقِّ إلَهِ العالَمِ امْتَنَعَ إثْباتُ الوَلَدِ لَهُ، ولَمّا ذَكَرَ هَذا البُرْهانَ القاطِعَ قالَ: ﴿فَذَرْهم يَخُوضُوا ويَلْعَبُوا حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾، والمَقْصُودُ مِنهُ التَّهْدِيدُ، يَعْنِي قَدْ ذَكَرْتُ الحُجَّةَ القاطِعَةَ عَلى فَسادِ ما ذَكَرُوا، وهم لَمْ يَلْتَفِتُوا إلَيْها لِأجْلِ كَوْنِهِمْ مُسْتَغْرِقِينَ في طَلَبِ المالِ والجاهِ والرِّياسَةِ؛ فاتْرُكْهم في ذَلِكَ الباطِلِ واللَّعِبِ حَتّى يَصِلُوا إلى ذَلِكَ اليَوْمِ الَّذِي وُعِدُوا فِيهِ بِما وُعِدُوا، والمَقْصُودُ مِنهُ التَّهْدِيدُ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي في السَّماءِ إلَهٌ وفي الأرْضِ إلَهٌ﴾، وفِيهِ أبْحاثٌ: البَحْثُ الأوَّلُ: قالَ أبُو عَلِيٍّ: نَظَرْتُ فِيما يَرْتَفِعُ بِهِ إلَهٌ فَوَجَدْتُ ارْتِفاعَهُ يَصِحُّ بِأنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ: وهو الَّذِي في السَّماءِ هو إلَهٌ. والبَحْثُ الثّانِي: هَذِهِ الآيَةُ مِن أدَلِّ الدَّلائِلِ عَلى أنَّهُ تَعالى غَيْرُ مُسْتَقِرٍّ في السَّماءِ، لِأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ بِهَذِهِ الآيَةِ أنَّ نِسْبَتَهُ إلى السَّماءِ بِالإلَهِيَّةِ كَنِسْبَتِهِ إلى الأرْضِ، فَلَمّا كانَ إلَهًا لِلْأرْضِ مَعَ أنَّهُ غَيْرُ مُسْتَقِرٍّ فِيها فَكَذَلِكَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ إلَهًا لِلسَّماءِ مَعَ أنَّهُ لا يَكُونُ مُسْتَقِرًّا فِيها، فَإنْ قِيلَ: وأيُّ تَعَلُّقِ لِهَذا الكَلامِ بِنَفْيِ الوَلَدِ عَنِ اللَّهِ صفحة ١٩٩ تَعالى ؟ قُلْنا: تَعَلُّقُهُ بِهِ أنَّهُ تَعالى خَلَقَ عِيسى بِمَحْضِ كُنْ فَيَكُونُ مِن غَيْرِ واسِطَةِ النُّطْفَةِ والأبِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ هَذا القَدْرَ لا يُوجِبُ كَوْنَ عِيسى ولَدًا لِلَّهِ سُبْحانَهُ، لِأنَّ هَذا المَعْنى حاصِلٌ في تَخْلِيقِ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما مَعَ انْتِفاءِ حُصُولِ الوَلَدِيَّةِ هُناكَ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وهُوَ الحَكِيمُ العَلِيمُ﴾ وقَدْ ذَكَرْنا في سُورَةِ الأنْعامِ أنَّ كَوْنَهُ تَعالى حَكِيمًا عَلِيمًا يُنافِي حُصُولَ الوَلَدِ لَهُ.

الزخرف 43:82

صفحة ١٩٦ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾ ﴿سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ رَبِّ العَرْشِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ ﴿فَذَرْهم يَخُوضُوا ويَلْعَبُوا حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ ﴿وهُوَ الَّذِي في السَّماءِ إلَهٌ وفي الأرْضِ إلَهٌ وهو الحَكِيمُ العَلِيمُ﴾ ﴿وتَبارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما وعِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ﴿ولا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفاعَةَ إلّا مَن شَهِدَ بِالحَقِّ وهم يَعْلَمُونَ﴾ ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَهم لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأنّى يُؤْفَكُونَ﴾ ﴿وقِيلِهِ يارَبِّ إنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿فاصْفَحْ عَنْهم وقُلْ سَلامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾، وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ (وُلْدٌ) بِضَمِّ الواوِ وإسْكانِ اللّامِ والباقُونَ بِفَتْحِها، ﴿فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾، قَرَأ نافِعٌ (فَأنا) بِفَتْحَةٍ طَوِيلَةٍ عَلى النُّونِ والباقُونَ بِلا تَطْوِيلٍ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ النّاسَ ظَنُّوا أنَّ قَوْلَهُ ﴿قُلْ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾ لَوْ أجْرَيْناهُ عَلى ظاهِرِهِ فَإنَّهُ يَقْتَضِي وُقُوعَ الشَّكِّ في إثْباتِ ولَدٍ لِلَّهِ تَعالى، وذَلِكَ مُحالٌ، فَلا جَرَمَ افْتَقَرُوا إلى تَأْوِيلِ الآيَةِ، وعِنْدِي أنَّهُ لَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ ولَيْسَ في ظاهِرِ اللَّفْظِ ما يُوجِبُ العُدُولَ عَنِ الظّاهِرِ، وتَقْرِيرُهُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾ قَضِيَّةٌ شَرْطِيَّةٌ، والقَضِيَّةُ الشَّرْطِيَّةُ مُرَكَّبَةٌ مِن قَضِيَّتَيْنِ خَبَرِيَّتَيْنِ أدْخَلَ عَلى إحْداهُما حَرْفَ الشَّرْطِ وعَلى الأُخْرى حَرْفَ الجَزاءِ؛ فَحَصَلَ بِمَجْمُوعِهِما قَضِيَّةٌ واحِدَةٌ، ومِثالُهُ هَذِهِ الآيَةُ، فَإنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾ قَضِيَّةٌ مُرَكَّبَةٌ مِن قَضِيَّتَيْنِ: إحْداهُما: قَوْلُهُ: ﴿إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ﴾، والثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾، ثُمَّ أدْخَلَ حَرْفَ الشَّرْطِ - وهو لَفْظَةُ إنَّ - عَلى القَضِيَّةِ الأُولى، وحَرْفَ الجَزاءِ - وهو الفاءُ - عَلى القَضِيَّةِ الثّانِيَةِ؛ فَحَصَلَ مِن مَجْمُوعِهِما قَضِيَّةٌ واحِدَةٌ، وهي القَضِيَّةُ الشَّرْطِيَّةُ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: القَضِيَّةُ الشَّرْطِيَّةُ لا تُفِيدُ إلّا كَوْنَ الشَّرْطِ مُسْتَلْزِمًا لِلْجَزاءِ، ولَيْسَ فِيها إشْعارٌ بِكَوْنِ الشَّرْطِ حَقًّا أوْ باطِلًا أوْ بِكَوْنِ الجَزاءِ حَقًّا أوْ باطِلًا، بَلْ نَقُولُ: القَضِيَّةُ الشَّرْطِيَّةُ الحَقَّةُ قَدْ تَكُونُ مُرَكَّبَةً مِن قَضِيَّتَيْنِ حَقِيقِيَّتَيْنِ أوْ مِن قَضِيَّتَيْنِ باطِلَتَيْنِ، أوْ مِن شَرْطٍ باطِلٍ وجَزاءٍ حَقٍّ، أوْ مِن شَرْطٍ حَقٍّ وجَزاءٍ باطِلٍ، فَأمّا القِسْمُ الرّابِعُ: وهو أنْ تَكُونَ القَضِيَّةُ الشَّرْطِيَّةُ الحَقَّةُ مُرَكَّبَةً مِن شَرْطٍ حَقٍّ وجَزاءٍ باطِلٍ فَهَذا مُحالٌ. ولْنُبَيِّنْ أمْثالَ هَذِهِ الأقْسامِ الأرْبَعَةِ: فَإذا قُلْنا: إنْ كانَ الإنْسانُ حَيَوانًا فالإنْسانُ جِسْمٌ، فَهَذِهِ شَرْطِيَّةٌ حَقَّةٌ، وهي مُرَكَّبَةٌ مِن قَضِيَّتَيْنِ حَقِيقِيَّتَيْنِ، إحْداهُما: قَوْلُنا: الإنْسانُ حَيَوانٌ، والثّانِيَةُ: قَوْلُنا: الإنْسانُ جِسْمٌ، وإذا قُلْنا: إنْ كانَتِ الخَمْسَةُ زَوْجًا كانَتْ مُنْقَسِمَةً بِمُتَساوِيَيْنِ، فَهَذِهِ شَرْطِيَّةٌ حَقَّةٌ لَكِنَّها مُرَكَّبَةٌ مِن قَوْلِنا: الخَمْسَةُ زَوْجٌ، ومِن قَوْلِنا: الخَمْسَةُ مُنْقَسِمَةٌ بِمُتَساوِيَيْنِ، وهُما باطِلانِ، وكَوْنُهُما باطِلَيْنِ لا يَمْنَعُ مِن أنْ يَكُونَ اسْتِلْزامُ أحَدِهِما لِلْآخَرِ حَقًّا، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ القَضِيَّةَ الشَّرْطِيَّةَ لا تُفِيدُ إلّا مُجَرَّدَ الِاسْتِلْزامِ: وإذا قُلْنا: إنْ كانَ الإنْسانُ حَجَرًا فَهو جِسْمٌ، فَهَذا جِسْمٌ، فَهَذا أيْضًا حَقٌّ لَكِنَّها مُرَكَّبَةٌ مِن شَرْطٍ باطِلٍ، وهو قَوْلُنا: الإنْسانُ حَجَرٌ، ومِن جُزْءٍ حَقٍّ وهو قَوْلُنا: الإنْسانُ صفحة ١٩٧ جِسْمٌ، وإنَّما جازَ هَذا لِأنَّ الباطِلَ قَدْ يَكُونُ بِحَيْثُ يَلْزَمُ مِن فَرْضِ وُقُوعِهِ وُقُوعُ حَقٍّ، فَإذا فَرَضْنا كَوْنَ الإنْسانِ حَجَرًا وجَبَ كَوْنُهُ جِسْمًا، فَهَذا شَرْطٌ باطِلٌ يَسْتَلْزِمُ جَزاءً حَقًّا. وأمّا القِسْمُ الرّابِعُ: وهو تَرْكِيبُ قَضِيَّةٍ شَرْطِيَّةٍ حَقَّةٍ مِن شَرْطٍ حَقٍّ وجَزاءٍ باطِلٍ فَهَذا مُحالٌ، لِأنَّ هَذا التَّرْكِيبَ يَلْزَمُ مِنهُ كَوْنُ الحَقِّ مُسْتَلْزِمًا لِلْباطِلِ، وذَلِكَ مُحالٌ، بِخِلافِ القِسْمِ الثّالِثِ فَإنَّهُ يَلْزَمُ مِنهُ كَوْنُ الباطِلِ مُسْتَلْزِمًا لِلْحَقِّ وذَلِكَ لَيْسَ بِمُحالٍ، إذا عَرَفْتَ هَذا الأصْلَ فَلْنَرْجِعْ إلى الآيَةِ فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾ قَضِيَّةٌ شَرْطِيَّةٌ حَقَّةٌ مِن شَرْطٍ باطِلٍ ومِن جَزاءٍ باطِلٍ لِأنَّ قَوْلَنا: (كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ) باطِلٌ، وقَوْلَنا: (أنا أوَّلُ العابِدِينَ) لِذَلِكَ الوَلَدِ باطِلٌ أيْضًا، إلّا أنّا بَيَّنّا أنَّ كَوْنَ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما باطِلًا لا يَمْنَعُ مِن أنْ يَكُونَ اسْتِلْزامُ أحَدِهِما لِلْآخَرِ حَقًّا كَما ضَرَبْنا مِنَ المِثالِ في قَوْلِنا: إنْ كانَتِ الخَمْسَةُ زَوْجًا كانَتْ مُنْقَسِمَةً بِمُتَساوِيَيْنِ، فَثَبَتَ أنَّ هَذا الكَلامَ لا امْتِناعَ في إجْرائِهِ عَلى ظاهِرِهِ، ويَكُونُ المُرادُ مِنهُ أنَّهُ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ لِذَلِكَ الوَلَدِ، فَإنَّ السُّلْطانَ إذا كانَ لَهُ ولَدٌ فَكَما يَجِبُ عَلى عَبْدِهِ أنْ يَخْدِمَهُ فَكَذَلِكَ يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يَخْدِمَ ولَدَهُ، وقَدْ بَيَّنّا أنَّ هَذا التَّرْكِيبَ لا يَدُلُّ عَلى الِاعْتِرافِ بِإثْباتِ ولَدٍ أمْ لا. ومِمّا يَقْرُبُ مِن هَذا البابِ قَوْلُهُ: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلّا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾ [الأنبياء: ٢٢]، فَهَذا الكَلامُ قَضِيَّةٌ شَرْطِيَّةٌ، والشَّرْطُ هو قَوْلُنا: ﴿فِيهِما آلِهَةٌ﴾، والجَزاءُ هو قَوْلُنا: (فَسَدَتا)، فالشَّرْطُ في نَفْسِهِ باطِلٌ، والجَزاءُ أيْضًا باطِلٌ؛ لِأنَّ الحَقَّ أنَّهُ لَيْسَ فِيهِما آلِهَةٌ، وكَلِمَةُ “ لَوْ “ تُفِيدُ انْتِفاءَ الشَّيْءِ بِانْتِفاءِ غَيْرِهِ لِأنَّهُما ما فَسَدَتا، ثُمَّ مَعَ كَوْنِ الشَّرْطِ باطِلًا وكَوْنِ الجَزاءِ باطِلًا كانَ اسْتِلْزامُ ذَلِكَ الشَّرْطِ لِهَذا الجَزاءِ حَقًّا فَكَذا هَهُنا، فَإنْ قالُوا: الفَرْقُ أنَّ هَهُنا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الشَّرْطِيَّةَ بِصِيغَةِ “ لَوْ “ فَقالَ: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ﴾، وكَلِمَةُ لَوْ تُفِيدُ انْتِفاءَ الشَّيْءِ لِانْتِفاءِ غَيْرِهِ، وأمّا في الآيَةِ الَّتِي نَحْنُ في تَفْسِيرِها إنَّما ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى كَلِمَةَ “ إنْ “ وهَذِهِ الكَلِمَةُ لا تُفِيدُ انْتِفاءَ الشَّيْءِ لِانْتِفاءِ غَيْرِهِ، بَلْ هَذِهِ الكَلِمَةُ تُفِيدُ الشَّكَّ في أنَّهُ هَلْ حَصَلَ الشَّرْطُ أمْ لا ؟ وحُصُولُ هَذا الشَّكِّ لِلرَّسُولِ غَيْرُ مُمْكِنٍ، قُلْنا: الفَرْقُ الَّذِي ذَكَرْتُمْ صَحِيحٌ إلّا أنَّ مَقْصُودَنا بَيانُ أنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن كَوْنِ الشَّرْطِيَّةِ صادِقَةً كَوْنُ جُزْأيْها صادِقَتَيْنِ أوْ كاذِبَتَيْنِ عَلى ما قَرَّرْناهُ، أمّا قَوْلُهُ: إنَّ لَفْظَةَ “ إنْ “ تُفِيدُ حُصُولَ الشَّرْطِ هَلْ حَصَلَ أمْ لا ؟ قُلْنا: هَذا مَمْنُوعٌ، فَإنَّ حَرْفَ “ إنْ “ حَرْفُ الشَّرْطِ، وحَرْفُ الشَّرْطِ لا يُفِيدُ إلّا كَوْنَ الشَّرْطِ مُسْتَلْزِمًا لِلْجَزاءِ، وأمّا بَيانُ أنَّ ذَلِكَ الشَّرْطَ مَعْلُومُ الوُقُوعِ أوْ مَشْكُوكُ الوُقُوعِ فاللَّفْظُ لا دَلالَةَ فِيهِ عَلَيْهِ البَتَّةَ، فَظَهَرَ مِنَ المَباحِثِ الَّتِي لَخَّصْناها أنَّ الكَلامَ هَهُنا مُمْكِنُ الإجْراءِ عَلى ظاهِرِهِ مِن جَمِيعِ الوُجُوهِ، وأنَّهُ لا حاجَةَ فِيهِ البَتَّةَ إلى التَّأْوِيلِ، والمَعْنى أنَّهُ تَعالى قالَ: (قُلُ) يا مُحَمَّدُ، ﴿إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾ لِذَلِكَ الوَلَدِ، وأنا أوَّلُ الخادِمِينَ لَهُ، والمَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ بَيانُ أنِّي لا أُنْكِرُ ولَدَهُ لِأجْلِ العِنادِ والمُنازَعَةِ، فَإنَّ بِتَقْدِيرِ أنْ يَقُومَ الدَّلِيلُ عَلى ثُبُوتِ هَذا الوَلَدِ كُنْتُ مُقِرًّا بِهِ مُعْتَرِفًا بِوُجُوبِ خِدْمَتِهِ إلّا أنَّهُ لَمْ يُوجَدْ هَذا الوَلَدُ، ولَمْ يَقُمِ الدَّلِيلُ عَلى ثُبُوتِهِ البَتَّةَ، فَكَيْفَ أقُولُ بِهِ ؟ بَلِ الدَّلِيلُ القاطِعُ قائِمٌ عَلى عَدَمِهِ فَكَيْفَ أقُولُ بِهِ ؟ وكَيْفَ أعْتَرِفُ بِوُجُودِهِ ؟ وهَذا الكَلامُ ظاهِرٌ كامِلٌ لا حاجَةَ بِهِ البَتَّةَ إلى التَّأْوِيلِ والعُدُولِ عَنِ الظّاهِرِ، فَهَذا ما عِنْدِي في هَذا المَوْضِعِ. ونُقِلَ عَنِ السُّدِّيِّ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنَّهُ كانَ يَقُولُ: حَمْلُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى ظاهِرِها مُمْكِنٌ ولا حاجَةَ إلى التَّأْوِيلِ، والتَّقْرِيرُ الَّذِي ذَكَرْناهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ الَّذِي قالَهُ هو الحَقُّ، أمّا القائِلُونَ بِأنَّهُ لا بُدَّ مِنَ التَّأْوِيلِ فَقَدْ ذَكَرُوا وُجُوهًا: الأوَّلُ: قالَ الواحِدِيُّ: كَثُرَتِ الوُجُوهُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ، والأقْوى أنْ يُقالَ: المَعْنى إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ في زَعْمِكم ﴿فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾ أيِ المُوَحِّدِينَ لِلَّهِ صفحة ١٩٨ المُكَذِّبِينَ لِقَوْلِكم بِإضافَةِ الوَلَدِ إلَيْهِ، ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إمّا أنْ يَكُونَ تَقْدِيرُ الكَلامِ: إنْ يَثْبُتْ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ في نَفْسِ الأمْرِ فَأنا أوَّلُ المُنْكِرِينَ لَهُ، أوْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: إنْ يَثْبُتْ لَكُمُ ادِّعاءُ لِلرَّحْمَنِ ولَدًا فَأنا أوَّلُ المُنْكِرِينَ لَهُ، والأوَّلُ باطِلٌ لِأنَّ ثُبُوتَ الشَّيْءِ في نَفْسِهِ لا يَقْتَضِي كَوْنَ الرَّسُولِ مُنْكِرًا لَهُ، لِأنَّ قَوْلَهُ: إنْ كانَ الشَّيْءُ ثابِتًا في نَفْسِهِ فَأنا أوَّلُ المُنْكِرِينَ يَقْتَضِي إصْرارَهُ عَلى الكَذِبِ والجَهْلِ، وذَلِكَ لا يَلِيقُ بِالرَّسُولِ، والثّانِي أيْضًا باطِلٌ لِأنَّهم سَواءٌ أثْبَتُوا لِلَّهِ ولَدًا أوْ لَمْ يُثْبِتُوهُ لَهُ فالرَّسُولُ مُنْكِرٌ لِذَلِكَ الوَلَدِ، فَلَمْ يَكُنْ لِزَعْمِهِمْ تَأْثِيرٌ في كَوْنِ الرَّسُولِ مُنْكِرًا لِذَلِكَ الوَلَدِ، فَلَمْ يَصْلُحْ جَعْلُ زَعْمِهِمْ إثْباتَ الوَلَدِ مُؤَثِّرًا في كَوْنِ الرَّسُولِ مُنْكِرًا لِلْوَلَدِ. الوَجْهُ الثّانِي: قالُوا: مَعْناهُ ﴿إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾ الآنِفِينَ مِن أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ مِن عَبِدَ يَعْبَدُ إذا اشْتَدَّتْ أنَفَتُهُ فَهو عَبِدٌ وعابِدٌ، وقَرَأ بَعْضُهم (عَبِدِينَ) . واعْلَمْ أنَّ السُّؤالَ المَذْكُورَ قائِمٌ هَهُنا لِأنَّهُ إنْ كانَ المُرادُ: إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ في نَفْسِ الأمْرِ فَأنا أوَّلُ الآنِفِينَ مِنَ الإقْرارِ بِهِ، فَهَذا يَقْتَضِي الإصْرارَ عَلى الجَهْلِ والكَذِبِ، وإنْ كانَ المُرادُ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ في زَعْمِكم واعْتِقادِكم فَأنا أوَّلُ الآنِفِينَ، فَهَذا التَّعْلِيقُ فاسِدٌ لِأنَّ هَذِهِ الأنَفَةَ حاصِلَةٌ سَواءٌ حَصَلَ ذَلِكَ الزَّعْمُ والِاعْتِقادُ أوْ لَمْ يَحْصُلْ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ هَذا التَّعْلِيقُ جائِزًا. والوَجْهُ الثّالِثُ: قالَ بَعْضُهم: إنَّ كَلِمَةَ “ إنْ “ هَهُنا هي النّافِيَةُ، والتَّقْدِيرُ: ما كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ المُوَحِّدِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ أنْ لا ولَدَ لَهُ. واعْلَمْ أنَّ التِزامَ هَذِهِ الوُجُوهِ البَعِيدَةِ إنَّما يَكُونُ لِلضَّرُورَةِ، وقَدْ بَيَّنّا أنَّهُ لا ضَرُورَةَ البَتَّةَ فَلَمْ يَجُزِ المَصِيرُ إلَيْها، واللَّهُ أعْلَمُ. ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ رَبِّ العَرْشِ عَمّا يَصِفُونَ﴾، والمَعْنى أنَّ إلَهَ العالَمِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ واجِبَ الوُجُودِ لِذاتِهِ، وكُلُّ ما كانَ كَذَلِكَ فَهو فَرْدٌ مُطْلَقٌ لا يَقْبَلُ التَّجَزُّؤَ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، والوَلَدُ عِبارَةٌ عَنْ أنْ يَنْفَصِلَ عَنِ الشَّيْءِ جُزْءٌ مِن أجْزائِهِ، فَيَتَوَلَّدُ عَنْ ذَلِكَ الجُزْءِ شَخْصٌ مِثْلُهُ، وهَذا إنَّما يُعْقَلُ فِيما تَكُونُ ذاتُهُ قابِلَةً لِلتَّجَزُّؤِ والتَّبْعِيضِ، وإذا كانَ مُحالًا في حَقِّ إلَهِ العالَمِ امْتَنَعَ إثْباتُ الوَلَدِ لَهُ، ولَمّا ذَكَرَ هَذا البُرْهانَ القاطِعَ قالَ: ﴿فَذَرْهم يَخُوضُوا ويَلْعَبُوا حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾، والمَقْصُودُ مِنهُ التَّهْدِيدُ، يَعْنِي قَدْ ذَكَرْتُ الحُجَّةَ القاطِعَةَ عَلى فَسادِ ما ذَكَرُوا، وهم لَمْ يَلْتَفِتُوا إلَيْها لِأجْلِ كَوْنِهِمْ مُسْتَغْرِقِينَ في طَلَبِ المالِ والجاهِ والرِّياسَةِ؛ فاتْرُكْهم في ذَلِكَ الباطِلِ واللَّعِبِ حَتّى يَصِلُوا إلى ذَلِكَ اليَوْمِ الَّذِي وُعِدُوا فِيهِ بِما وُعِدُوا، والمَقْصُودُ مِنهُ التَّهْدِيدُ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي في السَّماءِ إلَهٌ وفي الأرْضِ إلَهٌ﴾، وفِيهِ أبْحاثٌ: البَحْثُ الأوَّلُ: قالَ أبُو عَلِيٍّ: نَظَرْتُ فِيما يَرْتَفِعُ بِهِ إلَهٌ فَوَجَدْتُ ارْتِفاعَهُ يَصِحُّ بِأنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ: وهو الَّذِي في السَّماءِ هو إلَهٌ. والبَحْثُ الثّانِي: هَذِهِ الآيَةُ مِن أدَلِّ الدَّلائِلِ عَلى أنَّهُ تَعالى غَيْرُ مُسْتَقِرٍّ في السَّماءِ، لِأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ بِهَذِهِ الآيَةِ أنَّ نِسْبَتَهُ إلى السَّماءِ بِالإلَهِيَّةِ كَنِسْبَتِهِ إلى الأرْضِ، فَلَمّا كانَ إلَهًا لِلْأرْضِ مَعَ أنَّهُ غَيْرُ مُسْتَقِرٍّ فِيها فَكَذَلِكَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ إلَهًا لِلسَّماءِ مَعَ أنَّهُ لا يَكُونُ مُسْتَقِرًّا فِيها، فَإنْ قِيلَ: وأيُّ تَعَلُّقِ لِهَذا الكَلامِ بِنَفْيِ الوَلَدِ عَنِ اللَّهِ صفحة ١٩٩ تَعالى ؟ قُلْنا: تَعَلُّقُهُ بِهِ أنَّهُ تَعالى خَلَقَ عِيسى بِمَحْضِ كُنْ فَيَكُونُ مِن غَيْرِ واسِطَةِ النُّطْفَةِ والأبِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ هَذا القَدْرَ لا يُوجِبُ كَوْنَ عِيسى ولَدًا لِلَّهِ سُبْحانَهُ، لِأنَّ هَذا المَعْنى حاصِلٌ في تَخْلِيقِ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما مَعَ انْتِفاءِ حُصُولِ الوَلَدِيَّةِ هُناكَ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وهُوَ الحَكِيمُ العَلِيمُ﴾ وقَدْ ذَكَرْنا في سُورَةِ الأنْعامِ أنَّ كَوْنَهُ تَعالى حَكِيمًا عَلِيمًا يُنافِي حُصُولَ الوَلَدِ لَهُ.

الزخرف 43:83

صفحة ١٩٦ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾ ﴿سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ رَبِّ العَرْشِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ ﴿فَذَرْهم يَخُوضُوا ويَلْعَبُوا حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ ﴿وهُوَ الَّذِي في السَّماءِ إلَهٌ وفي الأرْضِ إلَهٌ وهو الحَكِيمُ العَلِيمُ﴾ ﴿وتَبارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما وعِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ﴿ولا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفاعَةَ إلّا مَن شَهِدَ بِالحَقِّ وهم يَعْلَمُونَ﴾ ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَهم لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأنّى يُؤْفَكُونَ﴾ ﴿وقِيلِهِ يارَبِّ إنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿فاصْفَحْ عَنْهم وقُلْ سَلامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾، وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ (وُلْدٌ) بِضَمِّ الواوِ وإسْكانِ اللّامِ والباقُونَ بِفَتْحِها، ﴿فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾، قَرَأ نافِعٌ (فَأنا) بِفَتْحَةٍ طَوِيلَةٍ عَلى النُّونِ والباقُونَ بِلا تَطْوِيلٍ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ النّاسَ ظَنُّوا أنَّ قَوْلَهُ ﴿قُلْ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾ لَوْ أجْرَيْناهُ عَلى ظاهِرِهِ فَإنَّهُ يَقْتَضِي وُقُوعَ الشَّكِّ في إثْباتِ ولَدٍ لِلَّهِ تَعالى، وذَلِكَ مُحالٌ، فَلا جَرَمَ افْتَقَرُوا إلى تَأْوِيلِ الآيَةِ، وعِنْدِي أنَّهُ لَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ ولَيْسَ في ظاهِرِ اللَّفْظِ ما يُوجِبُ العُدُولَ عَنِ الظّاهِرِ، وتَقْرِيرُهُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾ قَضِيَّةٌ شَرْطِيَّةٌ، والقَضِيَّةُ الشَّرْطِيَّةُ مُرَكَّبَةٌ مِن قَضِيَّتَيْنِ خَبَرِيَّتَيْنِ أدْخَلَ عَلى إحْداهُما حَرْفَ الشَّرْطِ وعَلى الأُخْرى حَرْفَ الجَزاءِ؛ فَحَصَلَ بِمَجْمُوعِهِما قَضِيَّةٌ واحِدَةٌ، ومِثالُهُ هَذِهِ الآيَةُ، فَإنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾ قَضِيَّةٌ مُرَكَّبَةٌ مِن قَضِيَّتَيْنِ: إحْداهُما: قَوْلُهُ: ﴿إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ﴾، والثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾، ثُمَّ أدْخَلَ حَرْفَ الشَّرْطِ - وهو لَفْظَةُ إنَّ - عَلى القَضِيَّةِ الأُولى، وحَرْفَ الجَزاءِ - وهو الفاءُ - عَلى القَضِيَّةِ الثّانِيَةِ؛ فَحَصَلَ مِن مَجْمُوعِهِما قَضِيَّةٌ واحِدَةٌ، وهي القَضِيَّةُ الشَّرْطِيَّةُ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: القَضِيَّةُ الشَّرْطِيَّةُ لا تُفِيدُ إلّا كَوْنَ الشَّرْطِ مُسْتَلْزِمًا لِلْجَزاءِ، ولَيْسَ فِيها إشْعارٌ بِكَوْنِ الشَّرْطِ حَقًّا أوْ باطِلًا أوْ بِكَوْنِ الجَزاءِ حَقًّا أوْ باطِلًا، بَلْ نَقُولُ: القَضِيَّةُ الشَّرْطِيَّةُ الحَقَّةُ قَدْ تَكُونُ مُرَكَّبَةً مِن قَضِيَّتَيْنِ حَقِيقِيَّتَيْنِ أوْ مِن قَضِيَّتَيْنِ باطِلَتَيْنِ، أوْ مِن شَرْطٍ باطِلٍ وجَزاءٍ حَقٍّ، أوْ مِن شَرْطٍ حَقٍّ وجَزاءٍ باطِلٍ، فَأمّا القِسْمُ الرّابِعُ: وهو أنْ تَكُونَ القَضِيَّةُ الشَّرْطِيَّةُ الحَقَّةُ مُرَكَّبَةً مِن شَرْطٍ حَقٍّ وجَزاءٍ باطِلٍ فَهَذا مُحالٌ. ولْنُبَيِّنْ أمْثالَ هَذِهِ الأقْسامِ الأرْبَعَةِ: فَإذا قُلْنا: إنْ كانَ الإنْسانُ حَيَوانًا فالإنْسانُ جِسْمٌ، فَهَذِهِ شَرْطِيَّةٌ حَقَّةٌ، وهي مُرَكَّبَةٌ مِن قَضِيَّتَيْنِ حَقِيقِيَّتَيْنِ، إحْداهُما: قَوْلُنا: الإنْسانُ حَيَوانٌ، والثّانِيَةُ: قَوْلُنا: الإنْسانُ جِسْمٌ، وإذا قُلْنا: إنْ كانَتِ الخَمْسَةُ زَوْجًا كانَتْ مُنْقَسِمَةً بِمُتَساوِيَيْنِ، فَهَذِهِ شَرْطِيَّةٌ حَقَّةٌ لَكِنَّها مُرَكَّبَةٌ مِن قَوْلِنا: الخَمْسَةُ زَوْجٌ، ومِن قَوْلِنا: الخَمْسَةُ مُنْقَسِمَةٌ بِمُتَساوِيَيْنِ، وهُما باطِلانِ، وكَوْنُهُما باطِلَيْنِ لا يَمْنَعُ مِن أنْ يَكُونَ اسْتِلْزامُ أحَدِهِما لِلْآخَرِ حَقًّا، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ القَضِيَّةَ الشَّرْطِيَّةَ لا تُفِيدُ إلّا مُجَرَّدَ الِاسْتِلْزامِ: وإذا قُلْنا: إنْ كانَ الإنْسانُ حَجَرًا فَهو جِسْمٌ، فَهَذا جِسْمٌ، فَهَذا أيْضًا حَقٌّ لَكِنَّها مُرَكَّبَةٌ مِن شَرْطٍ باطِلٍ، وهو قَوْلُنا: الإنْسانُ حَجَرٌ، ومِن جُزْءٍ حَقٍّ وهو قَوْلُنا: الإنْسانُ صفحة ١٩٧ جِسْمٌ، وإنَّما جازَ هَذا لِأنَّ الباطِلَ قَدْ يَكُونُ بِحَيْثُ يَلْزَمُ مِن فَرْضِ وُقُوعِهِ وُقُوعُ حَقٍّ، فَإذا فَرَضْنا كَوْنَ الإنْسانِ حَجَرًا وجَبَ كَوْنُهُ جِسْمًا، فَهَذا شَرْطٌ باطِلٌ يَسْتَلْزِمُ جَزاءً حَقًّا. وأمّا القِسْمُ الرّابِعُ: وهو تَرْكِيبُ قَضِيَّةٍ شَرْطِيَّةٍ حَقَّةٍ مِن شَرْطٍ حَقٍّ وجَزاءٍ باطِلٍ فَهَذا مُحالٌ، لِأنَّ هَذا التَّرْكِيبَ يَلْزَمُ مِنهُ كَوْنُ الحَقِّ مُسْتَلْزِمًا لِلْباطِلِ، وذَلِكَ مُحالٌ، بِخِلافِ القِسْمِ الثّالِثِ فَإنَّهُ يَلْزَمُ مِنهُ كَوْنُ الباطِلِ مُسْتَلْزِمًا لِلْحَقِّ وذَلِكَ لَيْسَ بِمُحالٍ، إذا عَرَفْتَ هَذا الأصْلَ فَلْنَرْجِعْ إلى الآيَةِ فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾ قَضِيَّةٌ شَرْطِيَّةٌ حَقَّةٌ مِن شَرْطٍ باطِلٍ ومِن جَزاءٍ باطِلٍ لِأنَّ قَوْلَنا: (كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ) باطِلٌ، وقَوْلَنا: (أنا أوَّلُ العابِدِينَ) لِذَلِكَ الوَلَدِ باطِلٌ أيْضًا، إلّا أنّا بَيَّنّا أنَّ كَوْنَ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما باطِلًا لا يَمْنَعُ مِن أنْ يَكُونَ اسْتِلْزامُ أحَدِهِما لِلْآخَرِ حَقًّا كَما ضَرَبْنا مِنَ المِثالِ في قَوْلِنا: إنْ كانَتِ الخَمْسَةُ زَوْجًا كانَتْ مُنْقَسِمَةً بِمُتَساوِيَيْنِ، فَثَبَتَ أنَّ هَذا الكَلامَ لا امْتِناعَ في إجْرائِهِ عَلى ظاهِرِهِ، ويَكُونُ المُرادُ مِنهُ أنَّهُ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ لِذَلِكَ الوَلَدِ، فَإنَّ السُّلْطانَ إذا كانَ لَهُ ولَدٌ فَكَما يَجِبُ عَلى عَبْدِهِ أنْ يَخْدِمَهُ فَكَذَلِكَ يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يَخْدِمَ ولَدَهُ، وقَدْ بَيَّنّا أنَّ هَذا التَّرْكِيبَ لا يَدُلُّ عَلى الِاعْتِرافِ بِإثْباتِ ولَدٍ أمْ لا. ومِمّا يَقْرُبُ مِن هَذا البابِ قَوْلُهُ: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلّا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾ [الأنبياء: ٢٢]، فَهَذا الكَلامُ قَضِيَّةٌ شَرْطِيَّةٌ، والشَّرْطُ هو قَوْلُنا: ﴿فِيهِما آلِهَةٌ﴾، والجَزاءُ هو قَوْلُنا: (فَسَدَتا)، فالشَّرْطُ في نَفْسِهِ باطِلٌ، والجَزاءُ أيْضًا باطِلٌ؛ لِأنَّ الحَقَّ أنَّهُ لَيْسَ فِيهِما آلِهَةٌ، وكَلِمَةُ “ لَوْ “ تُفِيدُ انْتِفاءَ الشَّيْءِ بِانْتِفاءِ غَيْرِهِ لِأنَّهُما ما فَسَدَتا، ثُمَّ مَعَ كَوْنِ الشَّرْطِ باطِلًا وكَوْنِ الجَزاءِ باطِلًا كانَ اسْتِلْزامُ ذَلِكَ الشَّرْطِ لِهَذا الجَزاءِ حَقًّا فَكَذا هَهُنا، فَإنْ قالُوا: الفَرْقُ أنَّ هَهُنا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الشَّرْطِيَّةَ بِصِيغَةِ “ لَوْ “ فَقالَ: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ﴾، وكَلِمَةُ لَوْ تُفِيدُ انْتِفاءَ الشَّيْءِ لِانْتِفاءِ غَيْرِهِ، وأمّا في الآيَةِ الَّتِي نَحْنُ في تَفْسِيرِها إنَّما ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى كَلِمَةَ “ إنْ “ وهَذِهِ الكَلِمَةُ لا تُفِيدُ انْتِفاءَ الشَّيْءِ لِانْتِفاءِ غَيْرِهِ، بَلْ هَذِهِ الكَلِمَةُ تُفِيدُ الشَّكَّ في أنَّهُ هَلْ حَصَلَ الشَّرْطُ أمْ لا ؟ وحُصُولُ هَذا الشَّكِّ لِلرَّسُولِ غَيْرُ مُمْكِنٍ، قُلْنا: الفَرْقُ الَّذِي ذَكَرْتُمْ صَحِيحٌ إلّا أنَّ مَقْصُودَنا بَيانُ أنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن كَوْنِ الشَّرْطِيَّةِ صادِقَةً كَوْنُ جُزْأيْها صادِقَتَيْنِ أوْ كاذِبَتَيْنِ عَلى ما قَرَّرْناهُ، أمّا قَوْلُهُ: إنَّ لَفْظَةَ “ إنْ “ تُفِيدُ حُصُولَ الشَّرْطِ هَلْ حَصَلَ أمْ لا ؟ قُلْنا: هَذا مَمْنُوعٌ، فَإنَّ حَرْفَ “ إنْ “ حَرْفُ الشَّرْطِ، وحَرْفُ الشَّرْطِ لا يُفِيدُ إلّا كَوْنَ الشَّرْطِ مُسْتَلْزِمًا لِلْجَزاءِ، وأمّا بَيانُ أنَّ ذَلِكَ الشَّرْطَ مَعْلُومُ الوُقُوعِ أوْ مَشْكُوكُ الوُقُوعِ فاللَّفْظُ لا دَلالَةَ فِيهِ عَلَيْهِ البَتَّةَ، فَظَهَرَ مِنَ المَباحِثِ الَّتِي لَخَّصْناها أنَّ الكَلامَ هَهُنا مُمْكِنُ الإجْراءِ عَلى ظاهِرِهِ مِن جَمِيعِ الوُجُوهِ، وأنَّهُ لا حاجَةَ فِيهِ البَتَّةَ إلى التَّأْوِيلِ، والمَعْنى أنَّهُ تَعالى قالَ: (قُلُ) يا مُحَمَّدُ، ﴿إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾ لِذَلِكَ الوَلَدِ، وأنا أوَّلُ الخادِمِينَ لَهُ، والمَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ بَيانُ أنِّي لا أُنْكِرُ ولَدَهُ لِأجْلِ العِنادِ والمُنازَعَةِ، فَإنَّ بِتَقْدِيرِ أنْ يَقُومَ الدَّلِيلُ عَلى ثُبُوتِ هَذا الوَلَدِ كُنْتُ مُقِرًّا بِهِ مُعْتَرِفًا بِوُجُوبِ خِدْمَتِهِ إلّا أنَّهُ لَمْ يُوجَدْ هَذا الوَلَدُ، ولَمْ يَقُمِ الدَّلِيلُ عَلى ثُبُوتِهِ البَتَّةَ، فَكَيْفَ أقُولُ بِهِ ؟ بَلِ الدَّلِيلُ القاطِعُ قائِمٌ عَلى عَدَمِهِ فَكَيْفَ أقُولُ بِهِ ؟ وكَيْفَ أعْتَرِفُ بِوُجُودِهِ ؟ وهَذا الكَلامُ ظاهِرٌ كامِلٌ لا حاجَةَ بِهِ البَتَّةَ إلى التَّأْوِيلِ والعُدُولِ عَنِ الظّاهِرِ، فَهَذا ما عِنْدِي في هَذا المَوْضِعِ. ونُقِلَ عَنِ السُّدِّيِّ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنَّهُ كانَ يَقُولُ: حَمْلُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى ظاهِرِها مُمْكِنٌ ولا حاجَةَ إلى التَّأْوِيلِ، والتَّقْرِيرُ الَّذِي ذَكَرْناهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ الَّذِي قالَهُ هو الحَقُّ، أمّا القائِلُونَ بِأنَّهُ لا بُدَّ مِنَ التَّأْوِيلِ فَقَدْ ذَكَرُوا وُجُوهًا: الأوَّلُ: قالَ الواحِدِيُّ: كَثُرَتِ الوُجُوهُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ، والأقْوى أنْ يُقالَ: المَعْنى إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ في زَعْمِكم ﴿فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾ أيِ المُوَحِّدِينَ لِلَّهِ صفحة ١٩٨ المُكَذِّبِينَ لِقَوْلِكم بِإضافَةِ الوَلَدِ إلَيْهِ، ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إمّا أنْ يَكُونَ تَقْدِيرُ الكَلامِ: إنْ يَثْبُتْ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ في نَفْسِ الأمْرِ فَأنا أوَّلُ المُنْكِرِينَ لَهُ، أوْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: إنْ يَثْبُتْ لَكُمُ ادِّعاءُ لِلرَّحْمَنِ ولَدًا فَأنا أوَّلُ المُنْكِرِينَ لَهُ، والأوَّلُ باطِلٌ لِأنَّ ثُبُوتَ الشَّيْءِ في نَفْسِهِ لا يَقْتَضِي كَوْنَ الرَّسُولِ مُنْكِرًا لَهُ، لِأنَّ قَوْلَهُ: إنْ كانَ الشَّيْءُ ثابِتًا في نَفْسِهِ فَأنا أوَّلُ المُنْكِرِينَ يَقْتَضِي إصْرارَهُ عَلى الكَذِبِ والجَهْلِ، وذَلِكَ لا يَلِيقُ بِالرَّسُولِ، والثّانِي أيْضًا باطِلٌ لِأنَّهم سَواءٌ أثْبَتُوا لِلَّهِ ولَدًا أوْ لَمْ يُثْبِتُوهُ لَهُ فالرَّسُولُ مُنْكِرٌ لِذَلِكَ الوَلَدِ، فَلَمْ يَكُنْ لِزَعْمِهِمْ تَأْثِيرٌ في كَوْنِ الرَّسُولِ مُنْكِرًا لِذَلِكَ الوَلَدِ، فَلَمْ يَصْلُحْ جَعْلُ زَعْمِهِمْ إثْباتَ الوَلَدِ مُؤَثِّرًا في كَوْنِ الرَّسُولِ مُنْكِرًا لِلْوَلَدِ. الوَجْهُ الثّانِي: قالُوا: مَعْناهُ ﴿إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾ الآنِفِينَ مِن أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ مِن عَبِدَ يَعْبَدُ إذا اشْتَدَّتْ أنَفَتُهُ فَهو عَبِدٌ وعابِدٌ، وقَرَأ بَعْضُهم (عَبِدِينَ) . واعْلَمْ أنَّ السُّؤالَ المَذْكُورَ قائِمٌ هَهُنا لِأنَّهُ إنْ كانَ المُرادُ: إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ في نَفْسِ الأمْرِ فَأنا أوَّلُ الآنِفِينَ مِنَ الإقْرارِ بِهِ، فَهَذا يَقْتَضِي الإصْرارَ عَلى الجَهْلِ والكَذِبِ، وإنْ كانَ المُرادُ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ في زَعْمِكم واعْتِقادِكم فَأنا أوَّلُ الآنِفِينَ، فَهَذا التَّعْلِيقُ فاسِدٌ لِأنَّ هَذِهِ الأنَفَةَ حاصِلَةٌ سَواءٌ حَصَلَ ذَلِكَ الزَّعْمُ والِاعْتِقادُ أوْ لَمْ يَحْصُلْ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ هَذا التَّعْلِيقُ جائِزًا. والوَجْهُ الثّالِثُ: قالَ بَعْضُهم: إنَّ كَلِمَةَ “ إنْ “ هَهُنا هي النّافِيَةُ، والتَّقْدِيرُ: ما كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ المُوَحِّدِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ أنْ لا ولَدَ لَهُ. واعْلَمْ أنَّ التِزامَ هَذِهِ الوُجُوهِ البَعِيدَةِ إنَّما يَكُونُ لِلضَّرُورَةِ، وقَدْ بَيَّنّا أنَّهُ لا ضَرُورَةَ البَتَّةَ فَلَمْ يَجُزِ المَصِيرُ إلَيْها، واللَّهُ أعْلَمُ. ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ رَبِّ العَرْشِ عَمّا يَصِفُونَ﴾، والمَعْنى أنَّ إلَهَ العالَمِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ واجِبَ الوُجُودِ لِذاتِهِ، وكُلُّ ما كانَ كَذَلِكَ فَهو فَرْدٌ مُطْلَقٌ لا يَقْبَلُ التَّجَزُّؤَ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، والوَلَدُ عِبارَةٌ عَنْ أنْ يَنْفَصِلَ عَنِ الشَّيْءِ جُزْءٌ مِن أجْزائِهِ، فَيَتَوَلَّدُ عَنْ ذَلِكَ الجُزْءِ شَخْصٌ مِثْلُهُ، وهَذا إنَّما يُعْقَلُ فِيما تَكُونُ ذاتُهُ قابِلَةً لِلتَّجَزُّؤِ والتَّبْعِيضِ، وإذا كانَ مُحالًا في حَقِّ إلَهِ العالَمِ امْتَنَعَ إثْباتُ الوَلَدِ لَهُ، ولَمّا ذَكَرَ هَذا البُرْهانَ القاطِعَ قالَ: ﴿فَذَرْهم يَخُوضُوا ويَلْعَبُوا حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾، والمَقْصُودُ مِنهُ التَّهْدِيدُ، يَعْنِي قَدْ ذَكَرْتُ الحُجَّةَ القاطِعَةَ عَلى فَسادِ ما ذَكَرُوا، وهم لَمْ يَلْتَفِتُوا إلَيْها لِأجْلِ كَوْنِهِمْ مُسْتَغْرِقِينَ في طَلَبِ المالِ والجاهِ والرِّياسَةِ؛ فاتْرُكْهم في ذَلِكَ الباطِلِ واللَّعِبِ حَتّى يَصِلُوا إلى ذَلِكَ اليَوْمِ الَّذِي وُعِدُوا فِيهِ بِما وُعِدُوا، والمَقْصُودُ مِنهُ التَّهْدِيدُ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي في السَّماءِ إلَهٌ وفي الأرْضِ إلَهٌ﴾، وفِيهِ أبْحاثٌ: البَحْثُ الأوَّلُ: قالَ أبُو عَلِيٍّ: نَظَرْتُ فِيما يَرْتَفِعُ بِهِ إلَهٌ فَوَجَدْتُ ارْتِفاعَهُ يَصِحُّ بِأنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ: وهو الَّذِي في السَّماءِ هو إلَهٌ. والبَحْثُ الثّانِي: هَذِهِ الآيَةُ مِن أدَلِّ الدَّلائِلِ عَلى أنَّهُ تَعالى غَيْرُ مُسْتَقِرٍّ في السَّماءِ، لِأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ بِهَذِهِ الآيَةِ أنَّ نِسْبَتَهُ إلى السَّماءِ بِالإلَهِيَّةِ كَنِسْبَتِهِ إلى الأرْضِ، فَلَمّا كانَ إلَهًا لِلْأرْضِ مَعَ أنَّهُ غَيْرُ مُسْتَقِرٍّ فِيها فَكَذَلِكَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ إلَهًا لِلسَّماءِ مَعَ أنَّهُ لا يَكُونُ مُسْتَقِرًّا فِيها، فَإنْ قِيلَ: وأيُّ تَعَلُّقِ لِهَذا الكَلامِ بِنَفْيِ الوَلَدِ عَنِ اللَّهِ صفحة ١٩٩ تَعالى ؟ قُلْنا: تَعَلُّقُهُ بِهِ أنَّهُ تَعالى خَلَقَ عِيسى بِمَحْضِ كُنْ فَيَكُونُ مِن غَيْرِ واسِطَةِ النُّطْفَةِ والأبِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ هَذا القَدْرَ لا يُوجِبُ كَوْنَ عِيسى ولَدًا لِلَّهِ سُبْحانَهُ، لِأنَّ هَذا المَعْنى حاصِلٌ في تَخْلِيقِ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما مَعَ انْتِفاءِ حُصُولِ الوَلَدِيَّةِ هُناكَ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وهُوَ الحَكِيمُ العَلِيمُ﴾ وقَدْ ذَكَرْنا في سُورَةِ الأنْعامِ أنَّ كَوْنَهُ تَعالى حَكِيمًا عَلِيمًا يُنافِي حُصُولَ الوَلَدِ لَهُ.

الزخرف 43:84

صفحة ١٩٦ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾ ﴿سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ رَبِّ العَرْشِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ ﴿فَذَرْهم يَخُوضُوا ويَلْعَبُوا حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ ﴿وهُوَ الَّذِي في السَّماءِ إلَهٌ وفي الأرْضِ إلَهٌ وهو الحَكِيمُ العَلِيمُ﴾ ﴿وتَبارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما وعِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ﴿ولا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفاعَةَ إلّا مَن شَهِدَ بِالحَقِّ وهم يَعْلَمُونَ﴾ ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَهم لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأنّى يُؤْفَكُونَ﴾ ﴿وقِيلِهِ يارَبِّ إنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿فاصْفَحْ عَنْهم وقُلْ سَلامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾، وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ (وُلْدٌ) بِضَمِّ الواوِ وإسْكانِ اللّامِ والباقُونَ بِفَتْحِها، ﴿فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾، قَرَأ نافِعٌ (فَأنا) بِفَتْحَةٍ طَوِيلَةٍ عَلى النُّونِ والباقُونَ بِلا تَطْوِيلٍ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ النّاسَ ظَنُّوا أنَّ قَوْلَهُ ﴿قُلْ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾ لَوْ أجْرَيْناهُ عَلى ظاهِرِهِ فَإنَّهُ يَقْتَضِي وُقُوعَ الشَّكِّ في إثْباتِ ولَدٍ لِلَّهِ تَعالى، وذَلِكَ مُحالٌ، فَلا جَرَمَ افْتَقَرُوا إلى تَأْوِيلِ الآيَةِ، وعِنْدِي أنَّهُ لَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ ولَيْسَ في ظاهِرِ اللَّفْظِ ما يُوجِبُ العُدُولَ عَنِ الظّاهِرِ، وتَقْرِيرُهُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾ قَضِيَّةٌ شَرْطِيَّةٌ، والقَضِيَّةُ الشَّرْطِيَّةُ مُرَكَّبَةٌ مِن قَضِيَّتَيْنِ خَبَرِيَّتَيْنِ أدْخَلَ عَلى إحْداهُما حَرْفَ الشَّرْطِ وعَلى الأُخْرى حَرْفَ الجَزاءِ؛ فَحَصَلَ بِمَجْمُوعِهِما قَضِيَّةٌ واحِدَةٌ، ومِثالُهُ هَذِهِ الآيَةُ، فَإنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾ قَضِيَّةٌ مُرَكَّبَةٌ مِن قَضِيَّتَيْنِ: إحْداهُما: قَوْلُهُ: ﴿إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ﴾، والثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾، ثُمَّ أدْخَلَ حَرْفَ الشَّرْطِ - وهو لَفْظَةُ إنَّ - عَلى القَضِيَّةِ الأُولى، وحَرْفَ الجَزاءِ - وهو الفاءُ - عَلى القَضِيَّةِ الثّانِيَةِ؛ فَحَصَلَ مِن مَجْمُوعِهِما قَضِيَّةٌ واحِدَةٌ، وهي القَضِيَّةُ الشَّرْطِيَّةُ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: القَضِيَّةُ الشَّرْطِيَّةُ لا تُفِيدُ إلّا كَوْنَ الشَّرْطِ مُسْتَلْزِمًا لِلْجَزاءِ، ولَيْسَ فِيها إشْعارٌ بِكَوْنِ الشَّرْطِ حَقًّا أوْ باطِلًا أوْ بِكَوْنِ الجَزاءِ حَقًّا أوْ باطِلًا، بَلْ نَقُولُ: القَضِيَّةُ الشَّرْطِيَّةُ الحَقَّةُ قَدْ تَكُونُ مُرَكَّبَةً مِن قَضِيَّتَيْنِ حَقِيقِيَّتَيْنِ أوْ مِن قَضِيَّتَيْنِ باطِلَتَيْنِ، أوْ مِن شَرْطٍ باطِلٍ وجَزاءٍ حَقٍّ، أوْ مِن شَرْطٍ حَقٍّ وجَزاءٍ باطِلٍ، فَأمّا القِسْمُ الرّابِعُ: وهو أنْ تَكُونَ القَضِيَّةُ الشَّرْطِيَّةُ الحَقَّةُ مُرَكَّبَةً مِن شَرْطٍ حَقٍّ وجَزاءٍ باطِلٍ فَهَذا مُحالٌ. ولْنُبَيِّنْ أمْثالَ هَذِهِ الأقْسامِ الأرْبَعَةِ: فَإذا قُلْنا: إنْ كانَ الإنْسانُ حَيَوانًا فالإنْسانُ جِسْمٌ، فَهَذِهِ شَرْطِيَّةٌ حَقَّةٌ، وهي مُرَكَّبَةٌ مِن قَضِيَّتَيْنِ حَقِيقِيَّتَيْنِ، إحْداهُما: قَوْلُنا: الإنْسانُ حَيَوانٌ، والثّانِيَةُ: قَوْلُنا: الإنْسانُ جِسْمٌ، وإذا قُلْنا: إنْ كانَتِ الخَمْسَةُ زَوْجًا كانَتْ مُنْقَسِمَةً بِمُتَساوِيَيْنِ، فَهَذِهِ شَرْطِيَّةٌ حَقَّةٌ لَكِنَّها مُرَكَّبَةٌ مِن قَوْلِنا: الخَمْسَةُ زَوْجٌ، ومِن قَوْلِنا: الخَمْسَةُ مُنْقَسِمَةٌ بِمُتَساوِيَيْنِ، وهُما باطِلانِ، وكَوْنُهُما باطِلَيْنِ لا يَمْنَعُ مِن أنْ يَكُونَ اسْتِلْزامُ أحَدِهِما لِلْآخَرِ حَقًّا، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ القَضِيَّةَ الشَّرْطِيَّةَ لا تُفِيدُ إلّا مُجَرَّدَ الِاسْتِلْزامِ: وإذا قُلْنا: إنْ كانَ الإنْسانُ حَجَرًا فَهو جِسْمٌ، فَهَذا جِسْمٌ، فَهَذا أيْضًا حَقٌّ لَكِنَّها مُرَكَّبَةٌ مِن شَرْطٍ باطِلٍ، وهو قَوْلُنا: الإنْسانُ حَجَرٌ، ومِن جُزْءٍ حَقٍّ وهو قَوْلُنا: الإنْسانُ صفحة ١٩٧ جِسْمٌ، وإنَّما جازَ هَذا لِأنَّ الباطِلَ قَدْ يَكُونُ بِحَيْثُ يَلْزَمُ مِن فَرْضِ وُقُوعِهِ وُقُوعُ حَقٍّ، فَإذا فَرَضْنا كَوْنَ الإنْسانِ حَجَرًا وجَبَ كَوْنُهُ جِسْمًا، فَهَذا شَرْطٌ باطِلٌ يَسْتَلْزِمُ جَزاءً حَقًّا. وأمّا القِسْمُ الرّابِعُ: وهو تَرْكِيبُ قَضِيَّةٍ شَرْطِيَّةٍ حَقَّةٍ مِن شَرْطٍ حَقٍّ وجَزاءٍ باطِلٍ فَهَذا مُحالٌ، لِأنَّ هَذا التَّرْكِيبَ يَلْزَمُ مِنهُ كَوْنُ الحَقِّ مُسْتَلْزِمًا لِلْباطِلِ، وذَلِكَ مُحالٌ، بِخِلافِ القِسْمِ الثّالِثِ فَإنَّهُ يَلْزَمُ مِنهُ كَوْنُ الباطِلِ مُسْتَلْزِمًا لِلْحَقِّ وذَلِكَ لَيْسَ بِمُحالٍ، إذا عَرَفْتَ هَذا الأصْلَ فَلْنَرْجِعْ إلى الآيَةِ فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾ قَضِيَّةٌ شَرْطِيَّةٌ حَقَّةٌ مِن شَرْطٍ باطِلٍ ومِن جَزاءٍ باطِلٍ لِأنَّ قَوْلَنا: (كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ) باطِلٌ، وقَوْلَنا: (أنا أوَّلُ العابِدِينَ) لِذَلِكَ الوَلَدِ باطِلٌ أيْضًا، إلّا أنّا بَيَّنّا أنَّ كَوْنَ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما باطِلًا لا يَمْنَعُ مِن أنْ يَكُونَ اسْتِلْزامُ أحَدِهِما لِلْآخَرِ حَقًّا كَما ضَرَبْنا مِنَ المِثالِ في قَوْلِنا: إنْ كانَتِ الخَمْسَةُ زَوْجًا كانَتْ مُنْقَسِمَةً بِمُتَساوِيَيْنِ، فَثَبَتَ أنَّ هَذا الكَلامَ لا امْتِناعَ في إجْرائِهِ عَلى ظاهِرِهِ، ويَكُونُ المُرادُ مِنهُ أنَّهُ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ لِذَلِكَ الوَلَدِ، فَإنَّ السُّلْطانَ إذا كانَ لَهُ ولَدٌ فَكَما يَجِبُ عَلى عَبْدِهِ أنْ يَخْدِمَهُ فَكَذَلِكَ يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يَخْدِمَ ولَدَهُ، وقَدْ بَيَّنّا أنَّ هَذا التَّرْكِيبَ لا يَدُلُّ عَلى الِاعْتِرافِ بِإثْباتِ ولَدٍ أمْ لا. ومِمّا يَقْرُبُ مِن هَذا البابِ قَوْلُهُ: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلّا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾ [الأنبياء: ٢٢]، فَهَذا الكَلامُ قَضِيَّةٌ شَرْطِيَّةٌ، والشَّرْطُ هو قَوْلُنا: ﴿فِيهِما آلِهَةٌ﴾، والجَزاءُ هو قَوْلُنا: (فَسَدَتا)، فالشَّرْطُ في نَفْسِهِ باطِلٌ، والجَزاءُ أيْضًا باطِلٌ؛ لِأنَّ الحَقَّ أنَّهُ لَيْسَ فِيهِما آلِهَةٌ، وكَلِمَةُ “ لَوْ “ تُفِيدُ انْتِفاءَ الشَّيْءِ بِانْتِفاءِ غَيْرِهِ لِأنَّهُما ما فَسَدَتا، ثُمَّ مَعَ كَوْنِ الشَّرْطِ باطِلًا وكَوْنِ الجَزاءِ باطِلًا كانَ اسْتِلْزامُ ذَلِكَ الشَّرْطِ لِهَذا الجَزاءِ حَقًّا فَكَذا هَهُنا، فَإنْ قالُوا: الفَرْقُ أنَّ هَهُنا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الشَّرْطِيَّةَ بِصِيغَةِ “ لَوْ “ فَقالَ: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ﴾، وكَلِمَةُ لَوْ تُفِيدُ انْتِفاءَ الشَّيْءِ لِانْتِفاءِ غَيْرِهِ، وأمّا في الآيَةِ الَّتِي نَحْنُ في تَفْسِيرِها إنَّما ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى كَلِمَةَ “ إنْ “ وهَذِهِ الكَلِمَةُ لا تُفِيدُ انْتِفاءَ الشَّيْءِ لِانْتِفاءِ غَيْرِهِ، بَلْ هَذِهِ الكَلِمَةُ تُفِيدُ الشَّكَّ في أنَّهُ هَلْ حَصَلَ الشَّرْطُ أمْ لا ؟ وحُصُولُ هَذا الشَّكِّ لِلرَّسُولِ غَيْرُ مُمْكِنٍ، قُلْنا: الفَرْقُ الَّذِي ذَكَرْتُمْ صَحِيحٌ إلّا أنَّ مَقْصُودَنا بَيانُ أنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن كَوْنِ الشَّرْطِيَّةِ صادِقَةً كَوْنُ جُزْأيْها صادِقَتَيْنِ أوْ كاذِبَتَيْنِ عَلى ما قَرَّرْناهُ، أمّا قَوْلُهُ: إنَّ لَفْظَةَ “ إنْ “ تُفِيدُ حُصُولَ الشَّرْطِ هَلْ حَصَلَ أمْ لا ؟ قُلْنا: هَذا مَمْنُوعٌ، فَإنَّ حَرْفَ “ إنْ “ حَرْفُ الشَّرْطِ، وحَرْفُ الشَّرْطِ لا يُفِيدُ إلّا كَوْنَ الشَّرْطِ مُسْتَلْزِمًا لِلْجَزاءِ، وأمّا بَيانُ أنَّ ذَلِكَ الشَّرْطَ مَعْلُومُ الوُقُوعِ أوْ مَشْكُوكُ الوُقُوعِ فاللَّفْظُ لا دَلالَةَ فِيهِ عَلَيْهِ البَتَّةَ، فَظَهَرَ مِنَ المَباحِثِ الَّتِي لَخَّصْناها أنَّ الكَلامَ هَهُنا مُمْكِنُ الإجْراءِ عَلى ظاهِرِهِ مِن جَمِيعِ الوُجُوهِ، وأنَّهُ لا حاجَةَ فِيهِ البَتَّةَ إلى التَّأْوِيلِ، والمَعْنى أنَّهُ تَعالى قالَ: (قُلُ) يا مُحَمَّدُ، ﴿إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾ لِذَلِكَ الوَلَدِ، وأنا أوَّلُ الخادِمِينَ لَهُ، والمَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ بَيانُ أنِّي لا أُنْكِرُ ولَدَهُ لِأجْلِ العِنادِ والمُنازَعَةِ، فَإنَّ بِتَقْدِيرِ أنْ يَقُومَ الدَّلِيلُ عَلى ثُبُوتِ هَذا الوَلَدِ كُنْتُ مُقِرًّا بِهِ مُعْتَرِفًا بِوُجُوبِ خِدْمَتِهِ إلّا أنَّهُ لَمْ يُوجَدْ هَذا الوَلَدُ، ولَمْ يَقُمِ الدَّلِيلُ عَلى ثُبُوتِهِ البَتَّةَ، فَكَيْفَ أقُولُ بِهِ ؟ بَلِ الدَّلِيلُ القاطِعُ قائِمٌ عَلى عَدَمِهِ فَكَيْفَ أقُولُ بِهِ ؟ وكَيْفَ أعْتَرِفُ بِوُجُودِهِ ؟ وهَذا الكَلامُ ظاهِرٌ كامِلٌ لا حاجَةَ بِهِ البَتَّةَ إلى التَّأْوِيلِ والعُدُولِ عَنِ الظّاهِرِ، فَهَذا ما عِنْدِي في هَذا المَوْضِعِ. ونُقِلَ عَنِ السُّدِّيِّ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنَّهُ كانَ يَقُولُ: حَمْلُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى ظاهِرِها مُمْكِنٌ ولا حاجَةَ إلى التَّأْوِيلِ، والتَّقْرِيرُ الَّذِي ذَكَرْناهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ الَّذِي قالَهُ هو الحَقُّ، أمّا القائِلُونَ بِأنَّهُ لا بُدَّ مِنَ التَّأْوِيلِ فَقَدْ ذَكَرُوا وُجُوهًا: الأوَّلُ: قالَ الواحِدِيُّ: كَثُرَتِ الوُجُوهُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ، والأقْوى أنْ يُقالَ: المَعْنى إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ في زَعْمِكم ﴿فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾ أيِ المُوَحِّدِينَ لِلَّهِ صفحة ١٩٨ المُكَذِّبِينَ لِقَوْلِكم بِإضافَةِ الوَلَدِ إلَيْهِ، ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إمّا أنْ يَكُونَ تَقْدِيرُ الكَلامِ: إنْ يَثْبُتْ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ في نَفْسِ الأمْرِ فَأنا أوَّلُ المُنْكِرِينَ لَهُ، أوْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: إنْ يَثْبُتْ لَكُمُ ادِّعاءُ لِلرَّحْمَنِ ولَدًا فَأنا أوَّلُ المُنْكِرِينَ لَهُ، والأوَّلُ باطِلٌ لِأنَّ ثُبُوتَ الشَّيْءِ في نَفْسِهِ لا يَقْتَضِي كَوْنَ الرَّسُولِ مُنْكِرًا لَهُ، لِأنَّ قَوْلَهُ: إنْ كانَ الشَّيْءُ ثابِتًا في نَفْسِهِ فَأنا أوَّلُ المُنْكِرِينَ يَقْتَضِي إصْرارَهُ عَلى الكَذِبِ والجَهْلِ، وذَلِكَ لا يَلِيقُ بِالرَّسُولِ، والثّانِي أيْضًا باطِلٌ لِأنَّهم سَواءٌ أثْبَتُوا لِلَّهِ ولَدًا أوْ لَمْ يُثْبِتُوهُ لَهُ فالرَّسُولُ مُنْكِرٌ لِذَلِكَ الوَلَدِ، فَلَمْ يَكُنْ لِزَعْمِهِمْ تَأْثِيرٌ في كَوْنِ الرَّسُولِ مُنْكِرًا لِذَلِكَ الوَلَدِ، فَلَمْ يَصْلُحْ جَعْلُ زَعْمِهِمْ إثْباتَ الوَلَدِ مُؤَثِّرًا في كَوْنِ الرَّسُولِ مُنْكِرًا لِلْوَلَدِ. الوَجْهُ الثّانِي: قالُوا: مَعْناهُ ﴿إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾ الآنِفِينَ مِن أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ مِن عَبِدَ يَعْبَدُ إذا اشْتَدَّتْ أنَفَتُهُ فَهو عَبِدٌ وعابِدٌ، وقَرَأ بَعْضُهم (عَبِدِينَ) . واعْلَمْ أنَّ السُّؤالَ المَذْكُورَ قائِمٌ هَهُنا لِأنَّهُ إنْ كانَ المُرادُ: إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ في نَفْسِ الأمْرِ فَأنا أوَّلُ الآنِفِينَ مِنَ الإقْرارِ بِهِ، فَهَذا يَقْتَضِي الإصْرارَ عَلى الجَهْلِ والكَذِبِ، وإنْ كانَ المُرادُ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ في زَعْمِكم واعْتِقادِكم فَأنا أوَّلُ الآنِفِينَ، فَهَذا التَّعْلِيقُ فاسِدٌ لِأنَّ هَذِهِ الأنَفَةَ حاصِلَةٌ سَواءٌ حَصَلَ ذَلِكَ الزَّعْمُ والِاعْتِقادُ أوْ لَمْ يَحْصُلْ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ هَذا التَّعْلِيقُ جائِزًا. والوَجْهُ الثّالِثُ: قالَ بَعْضُهم: إنَّ كَلِمَةَ “ إنْ “ هَهُنا هي النّافِيَةُ، والتَّقْدِيرُ: ما كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ المُوَحِّدِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ أنْ لا ولَدَ لَهُ. واعْلَمْ أنَّ التِزامَ هَذِهِ الوُجُوهِ البَعِيدَةِ إنَّما يَكُونُ لِلضَّرُورَةِ، وقَدْ بَيَّنّا أنَّهُ لا ضَرُورَةَ البَتَّةَ فَلَمْ يَجُزِ المَصِيرُ إلَيْها، واللَّهُ أعْلَمُ. ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ رَبِّ العَرْشِ عَمّا يَصِفُونَ﴾، والمَعْنى أنَّ إلَهَ العالَمِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ واجِبَ الوُجُودِ لِذاتِهِ، وكُلُّ ما كانَ كَذَلِكَ فَهو فَرْدٌ مُطْلَقٌ لا يَقْبَلُ التَّجَزُّؤَ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، والوَلَدُ عِبارَةٌ عَنْ أنْ يَنْفَصِلَ عَنِ الشَّيْءِ جُزْءٌ مِن أجْزائِهِ، فَيَتَوَلَّدُ عَنْ ذَلِكَ الجُزْءِ شَخْصٌ مِثْلُهُ، وهَذا إنَّما يُعْقَلُ فِيما تَكُونُ ذاتُهُ قابِلَةً لِلتَّجَزُّؤِ والتَّبْعِيضِ، وإذا كانَ مُحالًا في حَقِّ إلَهِ العالَمِ امْتَنَعَ إثْباتُ الوَلَدِ لَهُ، ولَمّا ذَكَرَ هَذا البُرْهانَ القاطِعَ قالَ: ﴿فَذَرْهم يَخُوضُوا ويَلْعَبُوا حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾، والمَقْصُودُ مِنهُ التَّهْدِيدُ، يَعْنِي قَدْ ذَكَرْتُ الحُجَّةَ القاطِعَةَ عَلى فَسادِ ما ذَكَرُوا، وهم لَمْ يَلْتَفِتُوا إلَيْها لِأجْلِ كَوْنِهِمْ مُسْتَغْرِقِينَ في طَلَبِ المالِ والجاهِ والرِّياسَةِ؛ فاتْرُكْهم في ذَلِكَ الباطِلِ واللَّعِبِ حَتّى يَصِلُوا إلى ذَلِكَ اليَوْمِ الَّذِي وُعِدُوا فِيهِ بِما وُعِدُوا، والمَقْصُودُ مِنهُ التَّهْدِيدُ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي في السَّماءِ إلَهٌ وفي الأرْضِ إلَهٌ﴾، وفِيهِ أبْحاثٌ: البَحْثُ الأوَّلُ: قالَ أبُو عَلِيٍّ: نَظَرْتُ فِيما يَرْتَفِعُ بِهِ إلَهٌ فَوَجَدْتُ ارْتِفاعَهُ يَصِحُّ بِأنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ: وهو الَّذِي في السَّماءِ هو إلَهٌ. والبَحْثُ الثّانِي: هَذِهِ الآيَةُ مِن أدَلِّ الدَّلائِلِ عَلى أنَّهُ تَعالى غَيْرُ مُسْتَقِرٍّ في السَّماءِ، لِأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ بِهَذِهِ الآيَةِ أنَّ نِسْبَتَهُ إلى السَّماءِ بِالإلَهِيَّةِ كَنِسْبَتِهِ إلى الأرْضِ، فَلَمّا كانَ إلَهًا لِلْأرْضِ مَعَ أنَّهُ غَيْرُ مُسْتَقِرٍّ فِيها فَكَذَلِكَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ إلَهًا لِلسَّماءِ مَعَ أنَّهُ لا يَكُونُ مُسْتَقِرًّا فِيها، فَإنْ قِيلَ: وأيُّ تَعَلُّقِ لِهَذا الكَلامِ بِنَفْيِ الوَلَدِ عَنِ اللَّهِ صفحة ١٩٩ تَعالى ؟ قُلْنا: تَعَلُّقُهُ بِهِ أنَّهُ تَعالى خَلَقَ عِيسى بِمَحْضِ كُنْ فَيَكُونُ مِن غَيْرِ واسِطَةِ النُّطْفَةِ والأبِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ هَذا القَدْرَ لا يُوجِبُ كَوْنَ عِيسى ولَدًا لِلَّهِ سُبْحانَهُ، لِأنَّ هَذا المَعْنى حاصِلٌ في تَخْلِيقِ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما مَعَ انْتِفاءِ حُصُولِ الوَلَدِيَّةِ هُناكَ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وهُوَ الحَكِيمُ العَلِيمُ﴾ وقَدْ ذَكَرْنا في سُورَةِ الأنْعامِ أنَّ كَوْنَهُ تَعالى حَكِيمًا عَلِيمًا يُنافِي حُصُولَ الوَلَدِ لَهُ.

الزخرف 43:85

صفحة ١٩٦ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾ ﴿سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ رَبِّ العَرْشِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ ﴿فَذَرْهم يَخُوضُوا ويَلْعَبُوا حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ ﴿وهُوَ الَّذِي في السَّماءِ إلَهٌ وفي الأرْضِ إلَهٌ وهو الحَكِيمُ العَلِيمُ﴾ ﴿وتَبارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما وعِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ﴿ولا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفاعَةَ إلّا مَن شَهِدَ بِالحَقِّ وهم يَعْلَمُونَ﴾ ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَهم لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأنّى يُؤْفَكُونَ﴾ ﴿وقِيلِهِ يارَبِّ إنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿فاصْفَحْ عَنْهم وقُلْ سَلامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾، وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ (وُلْدٌ) بِضَمِّ الواوِ وإسْكانِ اللّامِ والباقُونَ بِفَتْحِها، ﴿فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾، قَرَأ نافِعٌ (فَأنا) بِفَتْحَةٍ طَوِيلَةٍ عَلى النُّونِ والباقُونَ بِلا تَطْوِيلٍ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ النّاسَ ظَنُّوا أنَّ قَوْلَهُ ﴿قُلْ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾ لَوْ أجْرَيْناهُ عَلى ظاهِرِهِ فَإنَّهُ يَقْتَضِي وُقُوعَ الشَّكِّ في إثْباتِ ولَدٍ لِلَّهِ تَعالى، وذَلِكَ مُحالٌ، فَلا جَرَمَ افْتَقَرُوا إلى تَأْوِيلِ الآيَةِ، وعِنْدِي أنَّهُ لَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ ولَيْسَ في ظاهِرِ اللَّفْظِ ما يُوجِبُ العُدُولَ عَنِ الظّاهِرِ، وتَقْرِيرُهُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾ قَضِيَّةٌ شَرْطِيَّةٌ، والقَضِيَّةُ الشَّرْطِيَّةُ مُرَكَّبَةٌ مِن قَضِيَّتَيْنِ خَبَرِيَّتَيْنِ أدْخَلَ عَلى إحْداهُما حَرْفَ الشَّرْطِ وعَلى الأُخْرى حَرْفَ الجَزاءِ؛ فَحَصَلَ بِمَجْمُوعِهِما قَضِيَّةٌ واحِدَةٌ، ومِثالُهُ هَذِهِ الآيَةُ، فَإنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾ قَضِيَّةٌ مُرَكَّبَةٌ مِن قَضِيَّتَيْنِ: إحْداهُما: قَوْلُهُ: ﴿إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ﴾، والثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾، ثُمَّ أدْخَلَ حَرْفَ الشَّرْطِ - وهو لَفْظَةُ إنَّ - عَلى القَضِيَّةِ الأُولى، وحَرْفَ الجَزاءِ - وهو الفاءُ - عَلى القَضِيَّةِ الثّانِيَةِ؛ فَحَصَلَ مِن مَجْمُوعِهِما قَضِيَّةٌ واحِدَةٌ، وهي القَضِيَّةُ الشَّرْطِيَّةُ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: القَضِيَّةُ الشَّرْطِيَّةُ لا تُفِيدُ إلّا كَوْنَ الشَّرْطِ مُسْتَلْزِمًا لِلْجَزاءِ، ولَيْسَ فِيها إشْعارٌ بِكَوْنِ الشَّرْطِ حَقًّا أوْ باطِلًا أوْ بِكَوْنِ الجَزاءِ حَقًّا أوْ باطِلًا، بَلْ نَقُولُ: القَضِيَّةُ الشَّرْطِيَّةُ الحَقَّةُ قَدْ تَكُونُ مُرَكَّبَةً مِن قَضِيَّتَيْنِ حَقِيقِيَّتَيْنِ أوْ مِن قَضِيَّتَيْنِ باطِلَتَيْنِ، أوْ مِن شَرْطٍ باطِلٍ وجَزاءٍ حَقٍّ، أوْ مِن شَرْطٍ حَقٍّ وجَزاءٍ باطِلٍ، فَأمّا القِسْمُ الرّابِعُ: وهو أنْ تَكُونَ القَضِيَّةُ الشَّرْطِيَّةُ الحَقَّةُ مُرَكَّبَةً مِن شَرْطٍ حَقٍّ وجَزاءٍ باطِلٍ فَهَذا مُحالٌ. ولْنُبَيِّنْ أمْثالَ هَذِهِ الأقْسامِ الأرْبَعَةِ: فَإذا قُلْنا: إنْ كانَ الإنْسانُ حَيَوانًا فالإنْسانُ جِسْمٌ، فَهَذِهِ شَرْطِيَّةٌ حَقَّةٌ، وهي مُرَكَّبَةٌ مِن قَضِيَّتَيْنِ حَقِيقِيَّتَيْنِ، إحْداهُما: قَوْلُنا: الإنْسانُ حَيَوانٌ، والثّانِيَةُ: قَوْلُنا: الإنْسانُ جِسْمٌ، وإذا قُلْنا: إنْ كانَتِ الخَمْسَةُ زَوْجًا كانَتْ مُنْقَسِمَةً بِمُتَساوِيَيْنِ، فَهَذِهِ شَرْطِيَّةٌ حَقَّةٌ لَكِنَّها مُرَكَّبَةٌ مِن قَوْلِنا: الخَمْسَةُ زَوْجٌ، ومِن قَوْلِنا: الخَمْسَةُ مُنْقَسِمَةٌ بِمُتَساوِيَيْنِ، وهُما باطِلانِ، وكَوْنُهُما باطِلَيْنِ لا يَمْنَعُ مِن أنْ يَكُونَ اسْتِلْزامُ أحَدِهِما لِلْآخَرِ حَقًّا، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ القَضِيَّةَ الشَّرْطِيَّةَ لا تُفِيدُ إلّا مُجَرَّدَ الِاسْتِلْزامِ: وإذا قُلْنا: إنْ كانَ الإنْسانُ حَجَرًا فَهو جِسْمٌ، فَهَذا جِسْمٌ، فَهَذا أيْضًا حَقٌّ لَكِنَّها مُرَكَّبَةٌ مِن شَرْطٍ باطِلٍ، وهو قَوْلُنا: الإنْسانُ حَجَرٌ، ومِن جُزْءٍ حَقٍّ وهو قَوْلُنا: الإنْسانُ صفحة ١٩٧ جِسْمٌ، وإنَّما جازَ هَذا لِأنَّ الباطِلَ قَدْ يَكُونُ بِحَيْثُ يَلْزَمُ مِن فَرْضِ وُقُوعِهِ وُقُوعُ حَقٍّ، فَإذا فَرَضْنا كَوْنَ الإنْسانِ حَجَرًا وجَبَ كَوْنُهُ جِسْمًا، فَهَذا شَرْطٌ باطِلٌ يَسْتَلْزِمُ جَزاءً حَقًّا. وأمّا القِسْمُ الرّابِعُ: وهو تَرْكِيبُ قَضِيَّةٍ شَرْطِيَّةٍ حَقَّةٍ مِن شَرْطٍ حَقٍّ وجَزاءٍ باطِلٍ فَهَذا مُحالٌ، لِأنَّ هَذا التَّرْكِيبَ يَلْزَمُ مِنهُ كَوْنُ الحَقِّ مُسْتَلْزِمًا لِلْباطِلِ، وذَلِكَ مُحالٌ، بِخِلافِ القِسْمِ الثّالِثِ فَإنَّهُ يَلْزَمُ مِنهُ كَوْنُ الباطِلِ مُسْتَلْزِمًا لِلْحَقِّ وذَلِكَ لَيْسَ بِمُحالٍ، إذا عَرَفْتَ هَذا الأصْلَ فَلْنَرْجِعْ إلى الآيَةِ فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾ قَضِيَّةٌ شَرْطِيَّةٌ حَقَّةٌ مِن شَرْطٍ باطِلٍ ومِن جَزاءٍ باطِلٍ لِأنَّ قَوْلَنا: (كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ) باطِلٌ، وقَوْلَنا: (أنا أوَّلُ العابِدِينَ) لِذَلِكَ الوَلَدِ باطِلٌ أيْضًا، إلّا أنّا بَيَّنّا أنَّ كَوْنَ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما باطِلًا لا يَمْنَعُ مِن أنْ يَكُونَ اسْتِلْزامُ أحَدِهِما لِلْآخَرِ حَقًّا كَما ضَرَبْنا مِنَ المِثالِ في قَوْلِنا: إنْ كانَتِ الخَمْسَةُ زَوْجًا كانَتْ مُنْقَسِمَةً بِمُتَساوِيَيْنِ، فَثَبَتَ أنَّ هَذا الكَلامَ لا امْتِناعَ في إجْرائِهِ عَلى ظاهِرِهِ، ويَكُونُ المُرادُ مِنهُ أنَّهُ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ لِذَلِكَ الوَلَدِ، فَإنَّ السُّلْطانَ إذا كانَ لَهُ ولَدٌ فَكَما يَجِبُ عَلى عَبْدِهِ أنْ يَخْدِمَهُ فَكَذَلِكَ يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يَخْدِمَ ولَدَهُ، وقَدْ بَيَّنّا أنَّ هَذا التَّرْكِيبَ لا يَدُلُّ عَلى الِاعْتِرافِ بِإثْباتِ ولَدٍ أمْ لا. ومِمّا يَقْرُبُ مِن هَذا البابِ قَوْلُهُ: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلّا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾ [الأنبياء: ٢٢]، فَهَذا الكَلامُ قَضِيَّةٌ شَرْطِيَّةٌ، والشَّرْطُ هو قَوْلُنا: ﴿فِيهِما آلِهَةٌ﴾، والجَزاءُ هو قَوْلُنا: (فَسَدَتا)، فالشَّرْطُ في نَفْسِهِ باطِلٌ، والجَزاءُ أيْضًا باطِلٌ؛ لِأنَّ الحَقَّ أنَّهُ لَيْسَ فِيهِما آلِهَةٌ، وكَلِمَةُ “ لَوْ “ تُفِيدُ انْتِفاءَ الشَّيْءِ بِانْتِفاءِ غَيْرِهِ لِأنَّهُما ما فَسَدَتا، ثُمَّ مَعَ كَوْنِ الشَّرْطِ باطِلًا وكَوْنِ الجَزاءِ باطِلًا كانَ اسْتِلْزامُ ذَلِكَ الشَّرْطِ لِهَذا الجَزاءِ حَقًّا فَكَذا هَهُنا، فَإنْ قالُوا: الفَرْقُ أنَّ هَهُنا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الشَّرْطِيَّةَ بِصِيغَةِ “ لَوْ “ فَقالَ: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ﴾، وكَلِمَةُ لَوْ تُفِيدُ انْتِفاءَ الشَّيْءِ لِانْتِفاءِ غَيْرِهِ، وأمّا في الآيَةِ الَّتِي نَحْنُ في تَفْسِيرِها إنَّما ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى كَلِمَةَ “ إنْ “ وهَذِهِ الكَلِمَةُ لا تُفِيدُ انْتِفاءَ الشَّيْءِ لِانْتِفاءِ غَيْرِهِ، بَلْ هَذِهِ الكَلِمَةُ تُفِيدُ الشَّكَّ في أنَّهُ هَلْ حَصَلَ الشَّرْطُ أمْ لا ؟ وحُصُولُ هَذا الشَّكِّ لِلرَّسُولِ غَيْرُ مُمْكِنٍ، قُلْنا: الفَرْقُ الَّذِي ذَكَرْتُمْ صَحِيحٌ إلّا أنَّ مَقْصُودَنا بَيانُ أنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن كَوْنِ الشَّرْطِيَّةِ صادِقَةً كَوْنُ جُزْأيْها صادِقَتَيْنِ أوْ كاذِبَتَيْنِ عَلى ما قَرَّرْناهُ، أمّا قَوْلُهُ: إنَّ لَفْظَةَ “ إنْ “ تُفِيدُ حُصُولَ الشَّرْطِ هَلْ حَصَلَ أمْ لا ؟ قُلْنا: هَذا مَمْنُوعٌ، فَإنَّ حَرْفَ “ إنْ “ حَرْفُ الشَّرْطِ، وحَرْفُ الشَّرْطِ لا يُفِيدُ إلّا كَوْنَ الشَّرْطِ مُسْتَلْزِمًا لِلْجَزاءِ، وأمّا بَيانُ أنَّ ذَلِكَ الشَّرْطَ مَعْلُومُ الوُقُوعِ أوْ مَشْكُوكُ الوُقُوعِ فاللَّفْظُ لا دَلالَةَ فِيهِ عَلَيْهِ البَتَّةَ، فَظَهَرَ مِنَ المَباحِثِ الَّتِي لَخَّصْناها أنَّ الكَلامَ هَهُنا مُمْكِنُ الإجْراءِ عَلى ظاهِرِهِ مِن جَمِيعِ الوُجُوهِ، وأنَّهُ لا حاجَةَ فِيهِ البَتَّةَ إلى التَّأْوِيلِ، والمَعْنى أنَّهُ تَعالى قالَ: (قُلُ) يا مُحَمَّدُ، ﴿إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾ لِذَلِكَ الوَلَدِ، وأنا أوَّلُ الخادِمِينَ لَهُ، والمَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ بَيانُ أنِّي لا أُنْكِرُ ولَدَهُ لِأجْلِ العِنادِ والمُنازَعَةِ، فَإنَّ بِتَقْدِيرِ أنْ يَقُومَ الدَّلِيلُ عَلى ثُبُوتِ هَذا الوَلَدِ كُنْتُ مُقِرًّا بِهِ مُعْتَرِفًا بِوُجُوبِ خِدْمَتِهِ إلّا أنَّهُ لَمْ يُوجَدْ هَذا الوَلَدُ، ولَمْ يَقُمِ الدَّلِيلُ عَلى ثُبُوتِهِ البَتَّةَ، فَكَيْفَ أقُولُ بِهِ ؟ بَلِ الدَّلِيلُ القاطِعُ قائِمٌ عَلى عَدَمِهِ فَكَيْفَ أقُولُ بِهِ ؟ وكَيْفَ أعْتَرِفُ بِوُجُودِهِ ؟ وهَذا الكَلامُ ظاهِرٌ كامِلٌ لا حاجَةَ بِهِ البَتَّةَ إلى التَّأْوِيلِ والعُدُولِ عَنِ الظّاهِرِ، فَهَذا ما عِنْدِي في هَذا المَوْضِعِ. ونُقِلَ عَنِ السُّدِّيِّ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنَّهُ كانَ يَقُولُ: حَمْلُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى ظاهِرِها مُمْكِنٌ ولا حاجَةَ إلى التَّأْوِيلِ، والتَّقْرِيرُ الَّذِي ذَكَرْناهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ الَّذِي قالَهُ هو الحَقُّ، أمّا القائِلُونَ بِأنَّهُ لا بُدَّ مِنَ التَّأْوِيلِ فَقَدْ ذَكَرُوا وُجُوهًا: الأوَّلُ: قالَ الواحِدِيُّ: كَثُرَتِ الوُجُوهُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ، والأقْوى أنْ يُقالَ: المَعْنى إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ في زَعْمِكم ﴿فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾ أيِ المُوَحِّدِينَ لِلَّهِ صفحة ١٩٨ المُكَذِّبِينَ لِقَوْلِكم بِإضافَةِ الوَلَدِ إلَيْهِ، ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إمّا أنْ يَكُونَ تَقْدِيرُ الكَلامِ: إنْ يَثْبُتْ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ في نَفْسِ الأمْرِ فَأنا أوَّلُ المُنْكِرِينَ لَهُ، أوْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: إنْ يَثْبُتْ لَكُمُ ادِّعاءُ لِلرَّحْمَنِ ولَدًا فَأنا أوَّلُ المُنْكِرِينَ لَهُ، والأوَّلُ باطِلٌ لِأنَّ ثُبُوتَ الشَّيْءِ في نَفْسِهِ لا يَقْتَضِي كَوْنَ الرَّسُولِ مُنْكِرًا لَهُ، لِأنَّ قَوْلَهُ: إنْ كانَ الشَّيْءُ ثابِتًا في نَفْسِهِ فَأنا أوَّلُ المُنْكِرِينَ يَقْتَضِي إصْرارَهُ عَلى الكَذِبِ والجَهْلِ، وذَلِكَ لا يَلِيقُ بِالرَّسُولِ، والثّانِي أيْضًا باطِلٌ لِأنَّهم سَواءٌ أثْبَتُوا لِلَّهِ ولَدًا أوْ لَمْ يُثْبِتُوهُ لَهُ فالرَّسُولُ مُنْكِرٌ لِذَلِكَ الوَلَدِ، فَلَمْ يَكُنْ لِزَعْمِهِمْ تَأْثِيرٌ في كَوْنِ الرَّسُولِ مُنْكِرًا لِذَلِكَ الوَلَدِ، فَلَمْ يَصْلُحْ جَعْلُ زَعْمِهِمْ إثْباتَ الوَلَدِ مُؤَثِّرًا في كَوْنِ الرَّسُولِ مُنْكِرًا لِلْوَلَدِ. الوَجْهُ الثّانِي: قالُوا: مَعْناهُ ﴿إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾ الآنِفِينَ مِن أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ مِن عَبِدَ يَعْبَدُ إذا اشْتَدَّتْ أنَفَتُهُ فَهو عَبِدٌ وعابِدٌ، وقَرَأ بَعْضُهم (عَبِدِينَ) . واعْلَمْ أنَّ السُّؤالَ المَذْكُورَ قائِمٌ هَهُنا لِأنَّهُ إنْ كانَ المُرادُ: إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ في نَفْسِ الأمْرِ فَأنا أوَّلُ الآنِفِينَ مِنَ الإقْرارِ بِهِ، فَهَذا يَقْتَضِي الإصْرارَ عَلى الجَهْلِ والكَذِبِ، وإنْ كانَ المُرادُ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ في زَعْمِكم واعْتِقادِكم فَأنا أوَّلُ الآنِفِينَ، فَهَذا التَّعْلِيقُ فاسِدٌ لِأنَّ هَذِهِ الأنَفَةَ حاصِلَةٌ سَواءٌ حَصَلَ ذَلِكَ الزَّعْمُ والِاعْتِقادُ أوْ لَمْ يَحْصُلْ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ هَذا التَّعْلِيقُ جائِزًا. والوَجْهُ الثّالِثُ: قالَ بَعْضُهم: إنَّ كَلِمَةَ “ إنْ “ هَهُنا هي النّافِيَةُ، والتَّقْدِيرُ: ما كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ المُوَحِّدِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ أنْ لا ولَدَ لَهُ. واعْلَمْ أنَّ التِزامَ هَذِهِ الوُجُوهِ البَعِيدَةِ إنَّما يَكُونُ لِلضَّرُورَةِ، وقَدْ بَيَّنّا أنَّهُ لا ضَرُورَةَ البَتَّةَ فَلَمْ يَجُزِ المَصِيرُ إلَيْها، واللَّهُ أعْلَمُ. ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ رَبِّ العَرْشِ عَمّا يَصِفُونَ﴾، والمَعْنى أنَّ إلَهَ العالَمِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ واجِبَ الوُجُودِ لِذاتِهِ، وكُلُّ ما كانَ كَذَلِكَ فَهو فَرْدٌ مُطْلَقٌ لا يَقْبَلُ التَّجَزُّؤَ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، والوَلَدُ عِبارَةٌ عَنْ أنْ يَنْفَصِلَ عَنِ الشَّيْءِ جُزْءٌ مِن أجْزائِهِ، فَيَتَوَلَّدُ عَنْ ذَلِكَ الجُزْءِ شَخْصٌ مِثْلُهُ، وهَذا إنَّما يُعْقَلُ فِيما تَكُونُ ذاتُهُ قابِلَةً لِلتَّجَزُّؤِ والتَّبْعِيضِ، وإذا كانَ مُحالًا في حَقِّ إلَهِ العالَمِ امْتَنَعَ إثْباتُ الوَلَدِ لَهُ، ولَمّا ذَكَرَ هَذا البُرْهانَ القاطِعَ قالَ: ﴿فَذَرْهم يَخُوضُوا ويَلْعَبُوا حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾، والمَقْصُودُ مِنهُ التَّهْدِيدُ، يَعْنِي قَدْ ذَكَرْتُ الحُجَّةَ القاطِعَةَ عَلى فَسادِ ما ذَكَرُوا، وهم لَمْ يَلْتَفِتُوا إلَيْها لِأجْلِ كَوْنِهِمْ مُسْتَغْرِقِينَ في طَلَبِ المالِ والجاهِ والرِّياسَةِ؛ فاتْرُكْهم في ذَلِكَ الباطِلِ واللَّعِبِ حَتّى يَصِلُوا إلى ذَلِكَ اليَوْمِ الَّذِي وُعِدُوا فِيهِ بِما وُعِدُوا، والمَقْصُودُ مِنهُ التَّهْدِيدُ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي في السَّماءِ إلَهٌ وفي الأرْضِ إلَهٌ﴾، وفِيهِ أبْحاثٌ: البَحْثُ الأوَّلُ: قالَ أبُو عَلِيٍّ: نَظَرْتُ فِيما يَرْتَفِعُ بِهِ إلَهٌ فَوَجَدْتُ ارْتِفاعَهُ يَصِحُّ بِأنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ: وهو الَّذِي في السَّماءِ هو إلَهٌ. والبَحْثُ الثّانِي: هَذِهِ الآيَةُ مِن أدَلِّ الدَّلائِلِ عَلى أنَّهُ تَعالى غَيْرُ مُسْتَقِرٍّ في السَّماءِ، لِأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ بِهَذِهِ الآيَةِ أنَّ نِسْبَتَهُ إلى السَّماءِ بِالإلَهِيَّةِ كَنِسْبَتِهِ إلى الأرْضِ، فَلَمّا كانَ إلَهًا لِلْأرْضِ مَعَ أنَّهُ غَيْرُ مُسْتَقِرٍّ فِيها فَكَذَلِكَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ إلَهًا لِلسَّماءِ مَعَ أنَّهُ لا يَكُونُ مُسْتَقِرًّا فِيها، فَإنْ قِيلَ: وأيُّ تَعَلُّقِ لِهَذا الكَلامِ بِنَفْيِ الوَلَدِ عَنِ اللَّهِ صفحة ١٩٩ تَعالى ؟ قُلْنا: تَعَلُّقُهُ بِهِ أنَّهُ تَعالى خَلَقَ عِيسى بِمَحْضِ كُنْ فَيَكُونُ مِن غَيْرِ واسِطَةِ النُّطْفَةِ والأبِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ هَذا القَدْرَ لا يُوجِبُ كَوْنَ عِيسى ولَدًا لِلَّهِ سُبْحانَهُ، لِأنَّ هَذا المَعْنى حاصِلٌ في تَخْلِيقِ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما مَعَ انْتِفاءِ حُصُولِ الوَلَدِيَّةِ هُناكَ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وهُوَ الحَكِيمُ العَلِيمُ﴾ وقَدْ ذَكَرْنا في سُورَةِ الأنْعامِ أنَّ كَوْنَهُ تَعالى حَكِيمًا عَلِيمًا يُنافِي حُصُولَ الوَلَدِ لَهُ.

الزخرف 43:86

صفحة ١٩٦ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾ ﴿سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ رَبِّ العَرْشِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ ﴿فَذَرْهم يَخُوضُوا ويَلْعَبُوا حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ ﴿وهُوَ الَّذِي في السَّماءِ إلَهٌ وفي الأرْضِ إلَهٌ وهو الحَكِيمُ العَلِيمُ﴾ ﴿وتَبارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما وعِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ﴿ولا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفاعَةَ إلّا مَن شَهِدَ بِالحَقِّ وهم يَعْلَمُونَ﴾ ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَهم لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأنّى يُؤْفَكُونَ﴾ ﴿وقِيلِهِ يارَبِّ إنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿فاصْفَحْ عَنْهم وقُلْ سَلامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾، وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ (وُلْدٌ) بِضَمِّ الواوِ وإسْكانِ اللّامِ والباقُونَ بِفَتْحِها، ﴿فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾، قَرَأ نافِعٌ (فَأنا) بِفَتْحَةٍ طَوِيلَةٍ عَلى النُّونِ والباقُونَ بِلا تَطْوِيلٍ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ النّاسَ ظَنُّوا أنَّ قَوْلَهُ ﴿قُلْ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾ لَوْ أجْرَيْناهُ عَلى ظاهِرِهِ فَإنَّهُ يَقْتَضِي وُقُوعَ الشَّكِّ في إثْباتِ ولَدٍ لِلَّهِ تَعالى، وذَلِكَ مُحالٌ، فَلا جَرَمَ افْتَقَرُوا إلى تَأْوِيلِ الآيَةِ، وعِنْدِي أنَّهُ لَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ ولَيْسَ في ظاهِرِ اللَّفْظِ ما يُوجِبُ العُدُولَ عَنِ الظّاهِرِ، وتَقْرِيرُهُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾ قَضِيَّةٌ شَرْطِيَّةٌ، والقَضِيَّةُ الشَّرْطِيَّةُ مُرَكَّبَةٌ مِن قَضِيَّتَيْنِ خَبَرِيَّتَيْنِ أدْخَلَ عَلى إحْداهُما حَرْفَ الشَّرْطِ وعَلى الأُخْرى حَرْفَ الجَزاءِ؛ فَحَصَلَ بِمَجْمُوعِهِما قَضِيَّةٌ واحِدَةٌ، ومِثالُهُ هَذِهِ الآيَةُ، فَإنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾ قَضِيَّةٌ مُرَكَّبَةٌ مِن قَضِيَّتَيْنِ: إحْداهُما: قَوْلُهُ: ﴿إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ﴾، والثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾، ثُمَّ أدْخَلَ حَرْفَ الشَّرْطِ - وهو لَفْظَةُ إنَّ - عَلى القَضِيَّةِ الأُولى، وحَرْفَ الجَزاءِ - وهو الفاءُ - عَلى القَضِيَّةِ الثّانِيَةِ؛ فَحَصَلَ مِن مَجْمُوعِهِما قَضِيَّةٌ واحِدَةٌ، وهي القَضِيَّةُ الشَّرْطِيَّةُ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: القَضِيَّةُ الشَّرْطِيَّةُ لا تُفِيدُ إلّا كَوْنَ الشَّرْطِ مُسْتَلْزِمًا لِلْجَزاءِ، ولَيْسَ فِيها إشْعارٌ بِكَوْنِ الشَّرْطِ حَقًّا أوْ باطِلًا أوْ بِكَوْنِ الجَزاءِ حَقًّا أوْ باطِلًا، بَلْ نَقُولُ: القَضِيَّةُ الشَّرْطِيَّةُ الحَقَّةُ قَدْ تَكُونُ مُرَكَّبَةً مِن قَضِيَّتَيْنِ حَقِيقِيَّتَيْنِ أوْ مِن قَضِيَّتَيْنِ باطِلَتَيْنِ، أوْ مِن شَرْطٍ باطِلٍ وجَزاءٍ حَقٍّ، أوْ مِن شَرْطٍ حَقٍّ وجَزاءٍ باطِلٍ، فَأمّا القِسْمُ الرّابِعُ: وهو أنْ تَكُونَ القَضِيَّةُ الشَّرْطِيَّةُ الحَقَّةُ مُرَكَّبَةً مِن شَرْطٍ حَقٍّ وجَزاءٍ باطِلٍ فَهَذا مُحالٌ. ولْنُبَيِّنْ أمْثالَ هَذِهِ الأقْسامِ الأرْبَعَةِ: فَإذا قُلْنا: إنْ كانَ الإنْسانُ حَيَوانًا فالإنْسانُ جِسْمٌ، فَهَذِهِ شَرْطِيَّةٌ حَقَّةٌ، وهي مُرَكَّبَةٌ مِن قَضِيَّتَيْنِ حَقِيقِيَّتَيْنِ، إحْداهُما: قَوْلُنا: الإنْسانُ حَيَوانٌ، والثّانِيَةُ: قَوْلُنا: الإنْسانُ جِسْمٌ، وإذا قُلْنا: إنْ كانَتِ الخَمْسَةُ زَوْجًا كانَتْ مُنْقَسِمَةً بِمُتَساوِيَيْنِ، فَهَذِهِ شَرْطِيَّةٌ حَقَّةٌ لَكِنَّها مُرَكَّبَةٌ مِن قَوْلِنا: الخَمْسَةُ زَوْجٌ، ومِن قَوْلِنا: الخَمْسَةُ مُنْقَسِمَةٌ بِمُتَساوِيَيْنِ، وهُما باطِلانِ، وكَوْنُهُما باطِلَيْنِ لا يَمْنَعُ مِن أنْ يَكُونَ اسْتِلْزامُ أحَدِهِما لِلْآخَرِ حَقًّا، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ القَضِيَّةَ الشَّرْطِيَّةَ لا تُفِيدُ إلّا مُجَرَّدَ الِاسْتِلْزامِ: وإذا قُلْنا: إنْ كانَ الإنْسانُ حَجَرًا فَهو جِسْمٌ، فَهَذا جِسْمٌ، فَهَذا أيْضًا حَقٌّ لَكِنَّها مُرَكَّبَةٌ مِن شَرْطٍ باطِلٍ، وهو قَوْلُنا: الإنْسانُ حَجَرٌ، ومِن جُزْءٍ حَقٍّ وهو قَوْلُنا: الإنْسانُ صفحة ١٩٧ جِسْمٌ، وإنَّما جازَ هَذا لِأنَّ الباطِلَ قَدْ يَكُونُ بِحَيْثُ يَلْزَمُ مِن فَرْضِ وُقُوعِهِ وُقُوعُ حَقٍّ، فَإذا فَرَضْنا كَوْنَ الإنْسانِ حَجَرًا وجَبَ كَوْنُهُ جِسْمًا، فَهَذا شَرْطٌ باطِلٌ يَسْتَلْزِمُ جَزاءً حَقًّا. وأمّا القِسْمُ الرّابِعُ: وهو تَرْكِيبُ قَضِيَّةٍ شَرْطِيَّةٍ حَقَّةٍ مِن شَرْطٍ حَقٍّ وجَزاءٍ باطِلٍ فَهَذا مُحالٌ، لِأنَّ هَذا التَّرْكِيبَ يَلْزَمُ مِنهُ كَوْنُ الحَقِّ مُسْتَلْزِمًا لِلْباطِلِ، وذَلِكَ مُحالٌ، بِخِلافِ القِسْمِ الثّالِثِ فَإنَّهُ يَلْزَمُ مِنهُ كَوْنُ الباطِلِ مُسْتَلْزِمًا لِلْحَقِّ وذَلِكَ لَيْسَ بِمُحالٍ، إذا عَرَفْتَ هَذا الأصْلَ فَلْنَرْجِعْ إلى الآيَةِ فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾ قَضِيَّةٌ شَرْطِيَّةٌ حَقَّةٌ مِن شَرْطٍ باطِلٍ ومِن جَزاءٍ باطِلٍ لِأنَّ قَوْلَنا: (كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ) باطِلٌ، وقَوْلَنا: (أنا أوَّلُ العابِدِينَ) لِذَلِكَ الوَلَدِ باطِلٌ أيْضًا، إلّا أنّا بَيَّنّا أنَّ كَوْنَ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما باطِلًا لا يَمْنَعُ مِن أنْ يَكُونَ اسْتِلْزامُ أحَدِهِما لِلْآخَرِ حَقًّا كَما ضَرَبْنا مِنَ المِثالِ في قَوْلِنا: إنْ كانَتِ الخَمْسَةُ زَوْجًا كانَتْ مُنْقَسِمَةً بِمُتَساوِيَيْنِ، فَثَبَتَ أنَّ هَذا الكَلامَ لا امْتِناعَ في إجْرائِهِ عَلى ظاهِرِهِ، ويَكُونُ المُرادُ مِنهُ أنَّهُ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ لِذَلِكَ الوَلَدِ، فَإنَّ السُّلْطانَ إذا كانَ لَهُ ولَدٌ فَكَما يَجِبُ عَلى عَبْدِهِ أنْ يَخْدِمَهُ فَكَذَلِكَ يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يَخْدِمَ ولَدَهُ، وقَدْ بَيَّنّا أنَّ هَذا التَّرْكِيبَ لا يَدُلُّ عَلى الِاعْتِرافِ بِإثْباتِ ولَدٍ أمْ لا. ومِمّا يَقْرُبُ مِن هَذا البابِ قَوْلُهُ: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلّا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾ [الأنبياء: ٢٢]، فَهَذا الكَلامُ قَضِيَّةٌ شَرْطِيَّةٌ، والشَّرْطُ هو قَوْلُنا: ﴿فِيهِما آلِهَةٌ﴾، والجَزاءُ هو قَوْلُنا: (فَسَدَتا)، فالشَّرْطُ في نَفْسِهِ باطِلٌ، والجَزاءُ أيْضًا باطِلٌ؛ لِأنَّ الحَقَّ أنَّهُ لَيْسَ فِيهِما آلِهَةٌ، وكَلِمَةُ “ لَوْ “ تُفِيدُ انْتِفاءَ الشَّيْءِ بِانْتِفاءِ غَيْرِهِ لِأنَّهُما ما فَسَدَتا، ثُمَّ مَعَ كَوْنِ الشَّرْطِ باطِلًا وكَوْنِ الجَزاءِ باطِلًا كانَ اسْتِلْزامُ ذَلِكَ الشَّرْطِ لِهَذا الجَزاءِ حَقًّا فَكَذا هَهُنا، فَإنْ قالُوا: الفَرْقُ أنَّ هَهُنا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الشَّرْطِيَّةَ بِصِيغَةِ “ لَوْ “ فَقالَ: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ﴾، وكَلِمَةُ لَوْ تُفِيدُ انْتِفاءَ الشَّيْءِ لِانْتِفاءِ غَيْرِهِ، وأمّا في الآيَةِ الَّتِي نَحْنُ في تَفْسِيرِها إنَّما ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى كَلِمَةَ “ إنْ “ وهَذِهِ الكَلِمَةُ لا تُفِيدُ انْتِفاءَ الشَّيْءِ لِانْتِفاءِ غَيْرِهِ، بَلْ هَذِهِ الكَلِمَةُ تُفِيدُ الشَّكَّ في أنَّهُ هَلْ حَصَلَ الشَّرْطُ أمْ لا ؟ وحُصُولُ هَذا الشَّكِّ لِلرَّسُولِ غَيْرُ مُمْكِنٍ، قُلْنا: الفَرْقُ الَّذِي ذَكَرْتُمْ صَحِيحٌ إلّا أنَّ مَقْصُودَنا بَيانُ أنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن كَوْنِ الشَّرْطِيَّةِ صادِقَةً كَوْنُ جُزْأيْها صادِقَتَيْنِ أوْ كاذِبَتَيْنِ عَلى ما قَرَّرْناهُ، أمّا قَوْلُهُ: إنَّ لَفْظَةَ “ إنْ “ تُفِيدُ حُصُولَ الشَّرْطِ هَلْ حَصَلَ أمْ لا ؟ قُلْنا: هَذا مَمْنُوعٌ، فَإنَّ حَرْفَ “ إنْ “ حَرْفُ الشَّرْطِ، وحَرْفُ الشَّرْطِ لا يُفِيدُ إلّا كَوْنَ الشَّرْطِ مُسْتَلْزِمًا لِلْجَزاءِ، وأمّا بَيانُ أنَّ ذَلِكَ الشَّرْطَ مَعْلُومُ الوُقُوعِ أوْ مَشْكُوكُ الوُقُوعِ فاللَّفْظُ لا دَلالَةَ فِيهِ عَلَيْهِ البَتَّةَ، فَظَهَرَ مِنَ المَباحِثِ الَّتِي لَخَّصْناها أنَّ الكَلامَ هَهُنا مُمْكِنُ الإجْراءِ عَلى ظاهِرِهِ مِن جَمِيعِ الوُجُوهِ، وأنَّهُ لا حاجَةَ فِيهِ البَتَّةَ إلى التَّأْوِيلِ، والمَعْنى أنَّهُ تَعالى قالَ: (قُلُ) يا مُحَمَّدُ، ﴿إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾ لِذَلِكَ الوَلَدِ، وأنا أوَّلُ الخادِمِينَ لَهُ، والمَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ بَيانُ أنِّي لا أُنْكِرُ ولَدَهُ لِأجْلِ العِنادِ والمُنازَعَةِ، فَإنَّ بِتَقْدِيرِ أنْ يَقُومَ الدَّلِيلُ عَلى ثُبُوتِ هَذا الوَلَدِ كُنْتُ مُقِرًّا بِهِ مُعْتَرِفًا بِوُجُوبِ خِدْمَتِهِ إلّا أنَّهُ لَمْ يُوجَدْ هَذا الوَلَدُ، ولَمْ يَقُمِ الدَّلِيلُ عَلى ثُبُوتِهِ البَتَّةَ، فَكَيْفَ أقُولُ بِهِ ؟ بَلِ الدَّلِيلُ القاطِعُ قائِمٌ عَلى عَدَمِهِ فَكَيْفَ أقُولُ بِهِ ؟ وكَيْفَ أعْتَرِفُ بِوُجُودِهِ ؟ وهَذا الكَلامُ ظاهِرٌ كامِلٌ لا حاجَةَ بِهِ البَتَّةَ إلى التَّأْوِيلِ والعُدُولِ عَنِ الظّاهِرِ، فَهَذا ما عِنْدِي في هَذا المَوْضِعِ. ونُقِلَ عَنِ السُّدِّيِّ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنَّهُ كانَ يَقُولُ: حَمْلُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى ظاهِرِها مُمْكِنٌ ولا حاجَةَ إلى التَّأْوِيلِ، والتَّقْرِيرُ الَّذِي ذَكَرْناهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ الَّذِي قالَهُ هو الحَقُّ، أمّا القائِلُونَ بِأنَّهُ لا بُدَّ مِنَ التَّأْوِيلِ فَقَدْ ذَكَرُوا وُجُوهًا: الأوَّلُ: قالَ الواحِدِيُّ: كَثُرَتِ الوُجُوهُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ، والأقْوى أنْ يُقالَ: المَعْنى إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ في زَعْمِكم ﴿فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾ أيِ المُوَحِّدِينَ لِلَّهِ صفحة ١٩٨ المُكَذِّبِينَ لِقَوْلِكم بِإضافَةِ الوَلَدِ إلَيْهِ، ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إمّا أنْ يَكُونَ تَقْدِيرُ الكَلامِ: إنْ يَثْبُتْ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ في نَفْسِ الأمْرِ فَأنا أوَّلُ المُنْكِرِينَ لَهُ، أوْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: إنْ يَثْبُتْ لَكُمُ ادِّعاءُ لِلرَّحْمَنِ ولَدًا فَأنا أوَّلُ المُنْكِرِينَ لَهُ، والأوَّلُ باطِلٌ لِأنَّ ثُبُوتَ الشَّيْءِ في نَفْسِهِ لا يَقْتَضِي كَوْنَ الرَّسُولِ مُنْكِرًا لَهُ، لِأنَّ قَوْلَهُ: إنْ كانَ الشَّيْءُ ثابِتًا في نَفْسِهِ فَأنا أوَّلُ المُنْكِرِينَ يَقْتَضِي إصْرارَهُ عَلى الكَذِبِ والجَهْلِ، وذَلِكَ لا يَلِيقُ بِالرَّسُولِ، والثّانِي أيْضًا باطِلٌ لِأنَّهم سَواءٌ أثْبَتُوا لِلَّهِ ولَدًا أوْ لَمْ يُثْبِتُوهُ لَهُ فالرَّسُولُ مُنْكِرٌ لِذَلِكَ الوَلَدِ، فَلَمْ يَكُنْ لِزَعْمِهِمْ تَأْثِيرٌ في كَوْنِ الرَّسُولِ مُنْكِرًا لِذَلِكَ الوَلَدِ، فَلَمْ يَصْلُحْ جَعْلُ زَعْمِهِمْ إثْباتَ الوَلَدِ مُؤَثِّرًا في كَوْنِ الرَّسُولِ مُنْكِرًا لِلْوَلَدِ. الوَجْهُ الثّانِي: قالُوا: مَعْناهُ ﴿إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾ الآنِفِينَ مِن أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ مِن عَبِدَ يَعْبَدُ إذا اشْتَدَّتْ أنَفَتُهُ فَهو عَبِدٌ وعابِدٌ، وقَرَأ بَعْضُهم (عَبِدِينَ) . واعْلَمْ أنَّ السُّؤالَ المَذْكُورَ قائِمٌ هَهُنا لِأنَّهُ إنْ كانَ المُرادُ: إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ في نَفْسِ الأمْرِ فَأنا أوَّلُ الآنِفِينَ مِنَ الإقْرارِ بِهِ، فَهَذا يَقْتَضِي الإصْرارَ عَلى الجَهْلِ والكَذِبِ، وإنْ كانَ المُرادُ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ في زَعْمِكم واعْتِقادِكم فَأنا أوَّلُ الآنِفِينَ، فَهَذا التَّعْلِيقُ فاسِدٌ لِأنَّ هَذِهِ الأنَفَةَ حاصِلَةٌ سَواءٌ حَصَلَ ذَلِكَ الزَّعْمُ والِاعْتِقادُ أوْ لَمْ يَحْصُلْ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ هَذا التَّعْلِيقُ جائِزًا. والوَجْهُ الثّالِثُ: قالَ بَعْضُهم: إنَّ كَلِمَةَ “ إنْ “ هَهُنا هي النّافِيَةُ، والتَّقْدِيرُ: ما كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ المُوَحِّدِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ أنْ لا ولَدَ لَهُ. واعْلَمْ أنَّ التِزامَ هَذِهِ الوُجُوهِ البَعِيدَةِ إنَّما يَكُونُ لِلضَّرُورَةِ، وقَدْ بَيَّنّا أنَّهُ لا ضَرُورَةَ البَتَّةَ فَلَمْ يَجُزِ المَصِيرُ إلَيْها، واللَّهُ أعْلَمُ. ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ رَبِّ العَرْشِ عَمّا يَصِفُونَ﴾، والمَعْنى أنَّ إلَهَ العالَمِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ واجِبَ الوُجُودِ لِذاتِهِ، وكُلُّ ما كانَ كَذَلِكَ فَهو فَرْدٌ مُطْلَقٌ لا يَقْبَلُ التَّجَزُّؤَ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، والوَلَدُ عِبارَةٌ عَنْ أنْ يَنْفَصِلَ عَنِ الشَّيْءِ جُزْءٌ مِن أجْزائِهِ، فَيَتَوَلَّدُ عَنْ ذَلِكَ الجُزْءِ شَخْصٌ مِثْلُهُ، وهَذا إنَّما يُعْقَلُ فِيما تَكُونُ ذاتُهُ قابِلَةً لِلتَّجَزُّؤِ والتَّبْعِيضِ، وإذا كانَ مُحالًا في حَقِّ إلَهِ العالَمِ امْتَنَعَ إثْباتُ الوَلَدِ لَهُ، ولَمّا ذَكَرَ هَذا البُرْهانَ القاطِعَ قالَ: ﴿فَذَرْهم يَخُوضُوا ويَلْعَبُوا حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾، والمَقْصُودُ مِنهُ التَّهْدِيدُ، يَعْنِي قَدْ ذَكَرْتُ الحُجَّةَ القاطِعَةَ عَلى فَسادِ ما ذَكَرُوا، وهم لَمْ يَلْتَفِتُوا إلَيْها لِأجْلِ كَوْنِهِمْ مُسْتَغْرِقِينَ في طَلَبِ المالِ والجاهِ والرِّياسَةِ؛ فاتْرُكْهم في ذَلِكَ الباطِلِ واللَّعِبِ حَتّى يَصِلُوا إلى ذَلِكَ اليَوْمِ الَّذِي وُعِدُوا فِيهِ بِما وُعِدُوا، والمَقْصُودُ مِنهُ التَّهْدِيدُ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي في السَّماءِ إلَهٌ وفي الأرْضِ إلَهٌ﴾، وفِيهِ أبْحاثٌ: البَحْثُ الأوَّلُ: قالَ أبُو عَلِيٍّ: نَظَرْتُ فِيما يَرْتَفِعُ بِهِ إلَهٌ فَوَجَدْتُ ارْتِفاعَهُ يَصِحُّ بِأنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ: وهو الَّذِي في السَّماءِ هو إلَهٌ. والبَحْثُ الثّانِي: هَذِهِ الآيَةُ مِن أدَلِّ الدَّلائِلِ عَلى أنَّهُ تَعالى غَيْرُ مُسْتَقِرٍّ في السَّماءِ، لِأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ بِهَذِهِ الآيَةِ أنَّ نِسْبَتَهُ إلى السَّماءِ بِالإلَهِيَّةِ كَنِسْبَتِهِ إلى الأرْضِ، فَلَمّا كانَ إلَهًا لِلْأرْضِ مَعَ أنَّهُ غَيْرُ مُسْتَقِرٍّ فِيها فَكَذَلِكَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ إلَهًا لِلسَّماءِ مَعَ أنَّهُ لا يَكُونُ مُسْتَقِرًّا فِيها، فَإنْ قِيلَ: وأيُّ تَعَلُّقِ لِهَذا الكَلامِ بِنَفْيِ الوَلَدِ عَنِ اللَّهِ صفحة ١٩٩ تَعالى ؟ قُلْنا: تَعَلُّقُهُ بِهِ أنَّهُ تَعالى خَلَقَ عِيسى بِمَحْضِ كُنْ فَيَكُونُ مِن غَيْرِ واسِطَةِ النُّطْفَةِ والأبِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ هَذا القَدْرَ لا يُوجِبُ كَوْنَ عِيسى ولَدًا لِلَّهِ سُبْحانَهُ، لِأنَّ هَذا المَعْنى حاصِلٌ في تَخْلِيقِ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما مَعَ انْتِفاءِ حُصُولِ الوَلَدِيَّةِ هُناكَ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وهُوَ الحَكِيمُ العَلِيمُ﴾ وقَدْ ذَكَرْنا في سُورَةِ الأنْعامِ أنَّ كَوْنَهُ تَعالى حَكِيمًا عَلِيمًا يُنافِي حُصُولَ الوَلَدِ لَهُ.

الزخرف 43:87

صفحة ١٩٦ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾ ﴿سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ رَبِّ العَرْشِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ ﴿فَذَرْهم يَخُوضُوا ويَلْعَبُوا حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ ﴿وهُوَ الَّذِي في السَّماءِ إلَهٌ وفي الأرْضِ إلَهٌ وهو الحَكِيمُ العَلِيمُ﴾ ﴿وتَبارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما وعِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ﴿ولا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفاعَةَ إلّا مَن شَهِدَ بِالحَقِّ وهم يَعْلَمُونَ﴾ ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَهم لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأنّى يُؤْفَكُونَ﴾ ﴿وقِيلِهِ يارَبِّ إنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿فاصْفَحْ عَنْهم وقُلْ سَلامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾، وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ (وُلْدٌ) بِضَمِّ الواوِ وإسْكانِ اللّامِ والباقُونَ بِفَتْحِها، ﴿فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾، قَرَأ نافِعٌ (فَأنا) بِفَتْحَةٍ طَوِيلَةٍ عَلى النُّونِ والباقُونَ بِلا تَطْوِيلٍ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ النّاسَ ظَنُّوا أنَّ قَوْلَهُ ﴿قُلْ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾ لَوْ أجْرَيْناهُ عَلى ظاهِرِهِ فَإنَّهُ يَقْتَضِي وُقُوعَ الشَّكِّ في إثْباتِ ولَدٍ لِلَّهِ تَعالى، وذَلِكَ مُحالٌ، فَلا جَرَمَ افْتَقَرُوا إلى تَأْوِيلِ الآيَةِ، وعِنْدِي أنَّهُ لَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ ولَيْسَ في ظاهِرِ اللَّفْظِ ما يُوجِبُ العُدُولَ عَنِ الظّاهِرِ، وتَقْرِيرُهُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾ قَضِيَّةٌ شَرْطِيَّةٌ، والقَضِيَّةُ الشَّرْطِيَّةُ مُرَكَّبَةٌ مِن قَضِيَّتَيْنِ خَبَرِيَّتَيْنِ أدْخَلَ عَلى إحْداهُما حَرْفَ الشَّرْطِ وعَلى الأُخْرى حَرْفَ الجَزاءِ؛ فَحَصَلَ بِمَجْمُوعِهِما قَضِيَّةٌ واحِدَةٌ، ومِثالُهُ هَذِهِ الآيَةُ، فَإنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾ قَضِيَّةٌ مُرَكَّبَةٌ مِن قَضِيَّتَيْنِ: إحْداهُما: قَوْلُهُ: ﴿إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ﴾، والثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾، ثُمَّ أدْخَلَ حَرْفَ الشَّرْطِ - وهو لَفْظَةُ إنَّ - عَلى القَضِيَّةِ الأُولى، وحَرْفَ الجَزاءِ - وهو الفاءُ - عَلى القَضِيَّةِ الثّانِيَةِ؛ فَحَصَلَ مِن مَجْمُوعِهِما قَضِيَّةٌ واحِدَةٌ، وهي القَضِيَّةُ الشَّرْطِيَّةُ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: القَضِيَّةُ الشَّرْطِيَّةُ لا تُفِيدُ إلّا كَوْنَ الشَّرْطِ مُسْتَلْزِمًا لِلْجَزاءِ، ولَيْسَ فِيها إشْعارٌ بِكَوْنِ الشَّرْطِ حَقًّا أوْ باطِلًا أوْ بِكَوْنِ الجَزاءِ حَقًّا أوْ باطِلًا، بَلْ نَقُولُ: القَضِيَّةُ الشَّرْطِيَّةُ الحَقَّةُ قَدْ تَكُونُ مُرَكَّبَةً مِن قَضِيَّتَيْنِ حَقِيقِيَّتَيْنِ أوْ مِن قَضِيَّتَيْنِ باطِلَتَيْنِ، أوْ مِن شَرْطٍ باطِلٍ وجَزاءٍ حَقٍّ، أوْ مِن شَرْطٍ حَقٍّ وجَزاءٍ باطِلٍ، فَأمّا القِسْمُ الرّابِعُ: وهو أنْ تَكُونَ القَضِيَّةُ الشَّرْطِيَّةُ الحَقَّةُ مُرَكَّبَةً مِن شَرْطٍ حَقٍّ وجَزاءٍ باطِلٍ فَهَذا مُحالٌ. ولْنُبَيِّنْ أمْثالَ هَذِهِ الأقْسامِ الأرْبَعَةِ: فَإذا قُلْنا: إنْ كانَ الإنْسانُ حَيَوانًا فالإنْسانُ جِسْمٌ، فَهَذِهِ شَرْطِيَّةٌ حَقَّةٌ، وهي مُرَكَّبَةٌ مِن قَضِيَّتَيْنِ حَقِيقِيَّتَيْنِ، إحْداهُما: قَوْلُنا: الإنْسانُ حَيَوانٌ، والثّانِيَةُ: قَوْلُنا: الإنْسانُ جِسْمٌ، وإذا قُلْنا: إنْ كانَتِ الخَمْسَةُ زَوْجًا كانَتْ مُنْقَسِمَةً بِمُتَساوِيَيْنِ، فَهَذِهِ شَرْطِيَّةٌ حَقَّةٌ لَكِنَّها مُرَكَّبَةٌ مِن قَوْلِنا: الخَمْسَةُ زَوْجٌ، ومِن قَوْلِنا: الخَمْسَةُ مُنْقَسِمَةٌ بِمُتَساوِيَيْنِ، وهُما باطِلانِ، وكَوْنُهُما باطِلَيْنِ لا يَمْنَعُ مِن أنْ يَكُونَ اسْتِلْزامُ أحَدِهِما لِلْآخَرِ حَقًّا، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ القَضِيَّةَ الشَّرْطِيَّةَ لا تُفِيدُ إلّا مُجَرَّدَ الِاسْتِلْزامِ: وإذا قُلْنا: إنْ كانَ الإنْسانُ حَجَرًا فَهو جِسْمٌ، فَهَذا جِسْمٌ، فَهَذا أيْضًا حَقٌّ لَكِنَّها مُرَكَّبَةٌ مِن شَرْطٍ باطِلٍ، وهو قَوْلُنا: الإنْسانُ حَجَرٌ، ومِن جُزْءٍ حَقٍّ وهو قَوْلُنا: الإنْسانُ صفحة ١٩٧ جِسْمٌ، وإنَّما جازَ هَذا لِأنَّ الباطِلَ قَدْ يَكُونُ بِحَيْثُ يَلْزَمُ مِن فَرْضِ وُقُوعِهِ وُقُوعُ حَقٍّ، فَإذا فَرَضْنا كَوْنَ الإنْسانِ حَجَرًا وجَبَ كَوْنُهُ جِسْمًا، فَهَذا شَرْطٌ باطِلٌ يَسْتَلْزِمُ جَزاءً حَقًّا. وأمّا القِسْمُ الرّابِعُ: وهو تَرْكِيبُ قَضِيَّةٍ شَرْطِيَّةٍ حَقَّةٍ مِن شَرْطٍ حَقٍّ وجَزاءٍ باطِلٍ فَهَذا مُحالٌ، لِأنَّ هَذا التَّرْكِيبَ يَلْزَمُ مِنهُ كَوْنُ الحَقِّ مُسْتَلْزِمًا لِلْباطِلِ، وذَلِكَ مُحالٌ، بِخِلافِ القِسْمِ الثّالِثِ فَإنَّهُ يَلْزَمُ مِنهُ كَوْنُ الباطِلِ مُسْتَلْزِمًا لِلْحَقِّ وذَلِكَ لَيْسَ بِمُحالٍ، إذا عَرَفْتَ هَذا الأصْلَ فَلْنَرْجِعْ إلى الآيَةِ فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾ قَضِيَّةٌ شَرْطِيَّةٌ حَقَّةٌ مِن شَرْطٍ باطِلٍ ومِن جَزاءٍ باطِلٍ لِأنَّ قَوْلَنا: (كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ) باطِلٌ، وقَوْلَنا: (أنا أوَّلُ العابِدِينَ) لِذَلِكَ الوَلَدِ باطِلٌ أيْضًا، إلّا أنّا بَيَّنّا أنَّ كَوْنَ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما باطِلًا لا يَمْنَعُ مِن أنْ يَكُونَ اسْتِلْزامُ أحَدِهِما لِلْآخَرِ حَقًّا كَما ضَرَبْنا مِنَ المِثالِ في قَوْلِنا: إنْ كانَتِ الخَمْسَةُ زَوْجًا كانَتْ مُنْقَسِمَةً بِمُتَساوِيَيْنِ، فَثَبَتَ أنَّ هَذا الكَلامَ لا امْتِناعَ في إجْرائِهِ عَلى ظاهِرِهِ، ويَكُونُ المُرادُ مِنهُ أنَّهُ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ لِذَلِكَ الوَلَدِ، فَإنَّ السُّلْطانَ إذا كانَ لَهُ ولَدٌ فَكَما يَجِبُ عَلى عَبْدِهِ أنْ يَخْدِمَهُ فَكَذَلِكَ يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يَخْدِمَ ولَدَهُ، وقَدْ بَيَّنّا أنَّ هَذا التَّرْكِيبَ لا يَدُلُّ عَلى الِاعْتِرافِ بِإثْباتِ ولَدٍ أمْ لا. ومِمّا يَقْرُبُ مِن هَذا البابِ قَوْلُهُ: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلّا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾ [الأنبياء: ٢٢]، فَهَذا الكَلامُ قَضِيَّةٌ شَرْطِيَّةٌ، والشَّرْطُ هو قَوْلُنا: ﴿فِيهِما آلِهَةٌ﴾، والجَزاءُ هو قَوْلُنا: (فَسَدَتا)، فالشَّرْطُ في نَفْسِهِ باطِلٌ، والجَزاءُ أيْضًا باطِلٌ؛ لِأنَّ الحَقَّ أنَّهُ لَيْسَ فِيهِما آلِهَةٌ، وكَلِمَةُ “ لَوْ “ تُفِيدُ انْتِفاءَ الشَّيْءِ بِانْتِفاءِ غَيْرِهِ لِأنَّهُما ما فَسَدَتا، ثُمَّ مَعَ كَوْنِ الشَّرْطِ باطِلًا وكَوْنِ الجَزاءِ باطِلًا كانَ اسْتِلْزامُ ذَلِكَ الشَّرْطِ لِهَذا الجَزاءِ حَقًّا فَكَذا هَهُنا، فَإنْ قالُوا: الفَرْقُ أنَّ هَهُنا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الشَّرْطِيَّةَ بِصِيغَةِ “ لَوْ “ فَقالَ: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ﴾، وكَلِمَةُ لَوْ تُفِيدُ انْتِفاءَ الشَّيْءِ لِانْتِفاءِ غَيْرِهِ، وأمّا في الآيَةِ الَّتِي نَحْنُ في تَفْسِيرِها إنَّما ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى كَلِمَةَ “ إنْ “ وهَذِهِ الكَلِمَةُ لا تُفِيدُ انْتِفاءَ الشَّيْءِ لِانْتِفاءِ غَيْرِهِ، بَلْ هَذِهِ الكَلِمَةُ تُفِيدُ الشَّكَّ في أنَّهُ هَلْ حَصَلَ الشَّرْطُ أمْ لا ؟ وحُصُولُ هَذا الشَّكِّ لِلرَّسُولِ غَيْرُ مُمْكِنٍ، قُلْنا: الفَرْقُ الَّذِي ذَكَرْتُمْ صَحِيحٌ إلّا أنَّ مَقْصُودَنا بَيانُ أنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن كَوْنِ الشَّرْطِيَّةِ صادِقَةً كَوْنُ جُزْأيْها صادِقَتَيْنِ أوْ كاذِبَتَيْنِ عَلى ما قَرَّرْناهُ، أمّا قَوْلُهُ: إنَّ لَفْظَةَ “ إنْ “ تُفِيدُ حُصُولَ الشَّرْطِ هَلْ حَصَلَ أمْ لا ؟ قُلْنا: هَذا مَمْنُوعٌ، فَإنَّ حَرْفَ “ إنْ “ حَرْفُ الشَّرْطِ، وحَرْفُ الشَّرْطِ لا يُفِيدُ إلّا كَوْنَ الشَّرْطِ مُسْتَلْزِمًا لِلْجَزاءِ، وأمّا بَيانُ أنَّ ذَلِكَ الشَّرْطَ مَعْلُومُ الوُقُوعِ أوْ مَشْكُوكُ الوُقُوعِ فاللَّفْظُ لا دَلالَةَ فِيهِ عَلَيْهِ البَتَّةَ، فَظَهَرَ مِنَ المَباحِثِ الَّتِي لَخَّصْناها أنَّ الكَلامَ هَهُنا مُمْكِنُ الإجْراءِ عَلى ظاهِرِهِ مِن جَمِيعِ الوُجُوهِ، وأنَّهُ لا حاجَةَ فِيهِ البَتَّةَ إلى التَّأْوِيلِ، والمَعْنى أنَّهُ تَعالى قالَ: (قُلُ) يا مُحَمَّدُ، ﴿إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾ لِذَلِكَ الوَلَدِ، وأنا أوَّلُ الخادِمِينَ لَهُ، والمَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ بَيانُ أنِّي لا أُنْكِرُ ولَدَهُ لِأجْلِ العِنادِ والمُنازَعَةِ، فَإنَّ بِتَقْدِيرِ أنْ يَقُومَ الدَّلِيلُ عَلى ثُبُوتِ هَذا الوَلَدِ كُنْتُ مُقِرًّا بِهِ مُعْتَرِفًا بِوُجُوبِ خِدْمَتِهِ إلّا أنَّهُ لَمْ يُوجَدْ هَذا الوَلَدُ، ولَمْ يَقُمِ الدَّلِيلُ عَلى ثُبُوتِهِ البَتَّةَ، فَكَيْفَ أقُولُ بِهِ ؟ بَلِ الدَّلِيلُ القاطِعُ قائِمٌ عَلى عَدَمِهِ فَكَيْفَ أقُولُ بِهِ ؟ وكَيْفَ أعْتَرِفُ بِوُجُودِهِ ؟ وهَذا الكَلامُ ظاهِرٌ كامِلٌ لا حاجَةَ بِهِ البَتَّةَ إلى التَّأْوِيلِ والعُدُولِ عَنِ الظّاهِرِ، فَهَذا ما عِنْدِي في هَذا المَوْضِعِ. ونُقِلَ عَنِ السُّدِّيِّ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنَّهُ كانَ يَقُولُ: حَمْلُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى ظاهِرِها مُمْكِنٌ ولا حاجَةَ إلى التَّأْوِيلِ، والتَّقْرِيرُ الَّذِي ذَكَرْناهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ الَّذِي قالَهُ هو الحَقُّ، أمّا القائِلُونَ بِأنَّهُ لا بُدَّ مِنَ التَّأْوِيلِ فَقَدْ ذَكَرُوا وُجُوهًا: الأوَّلُ: قالَ الواحِدِيُّ: كَثُرَتِ الوُجُوهُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ، والأقْوى أنْ يُقالَ: المَعْنى إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ في زَعْمِكم ﴿فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾ أيِ المُوَحِّدِينَ لِلَّهِ صفحة ١٩٨ المُكَذِّبِينَ لِقَوْلِكم بِإضافَةِ الوَلَدِ إلَيْهِ، ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إمّا أنْ يَكُونَ تَقْدِيرُ الكَلامِ: إنْ يَثْبُتْ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ في نَفْسِ الأمْرِ فَأنا أوَّلُ المُنْكِرِينَ لَهُ، أوْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: إنْ يَثْبُتْ لَكُمُ ادِّعاءُ لِلرَّحْمَنِ ولَدًا فَأنا أوَّلُ المُنْكِرِينَ لَهُ، والأوَّلُ باطِلٌ لِأنَّ ثُبُوتَ الشَّيْءِ في نَفْسِهِ لا يَقْتَضِي كَوْنَ الرَّسُولِ مُنْكِرًا لَهُ، لِأنَّ قَوْلَهُ: إنْ كانَ الشَّيْءُ ثابِتًا في نَفْسِهِ فَأنا أوَّلُ المُنْكِرِينَ يَقْتَضِي إصْرارَهُ عَلى الكَذِبِ والجَهْلِ، وذَلِكَ لا يَلِيقُ بِالرَّسُولِ، والثّانِي أيْضًا باطِلٌ لِأنَّهم سَواءٌ أثْبَتُوا لِلَّهِ ولَدًا أوْ لَمْ يُثْبِتُوهُ لَهُ فالرَّسُولُ مُنْكِرٌ لِذَلِكَ الوَلَدِ، فَلَمْ يَكُنْ لِزَعْمِهِمْ تَأْثِيرٌ في كَوْنِ الرَّسُولِ مُنْكِرًا لِذَلِكَ الوَلَدِ، فَلَمْ يَصْلُحْ جَعْلُ زَعْمِهِمْ إثْباتَ الوَلَدِ مُؤَثِّرًا في كَوْنِ الرَّسُولِ مُنْكِرًا لِلْوَلَدِ. الوَجْهُ الثّانِي: قالُوا: مَعْناهُ ﴿إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾ الآنِفِينَ مِن أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ مِن عَبِدَ يَعْبَدُ إذا اشْتَدَّتْ أنَفَتُهُ فَهو عَبِدٌ وعابِدٌ، وقَرَأ بَعْضُهم (عَبِدِينَ) . واعْلَمْ أنَّ السُّؤالَ المَذْكُورَ قائِمٌ هَهُنا لِأنَّهُ إنْ كانَ المُرادُ: إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ في نَفْسِ الأمْرِ فَأنا أوَّلُ الآنِفِينَ مِنَ الإقْرارِ بِهِ، فَهَذا يَقْتَضِي الإصْرارَ عَلى الجَهْلِ والكَذِبِ، وإنْ كانَ المُرادُ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ في زَعْمِكم واعْتِقادِكم فَأنا أوَّلُ الآنِفِينَ، فَهَذا التَّعْلِيقُ فاسِدٌ لِأنَّ هَذِهِ الأنَفَةَ حاصِلَةٌ سَواءٌ حَصَلَ ذَلِكَ الزَّعْمُ والِاعْتِقادُ أوْ لَمْ يَحْصُلْ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ هَذا التَّعْلِيقُ جائِزًا. والوَجْهُ الثّالِثُ: قالَ بَعْضُهم: إنَّ كَلِمَةَ “ إنْ “ هَهُنا هي النّافِيَةُ، والتَّقْدِيرُ: ما كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ المُوَحِّدِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ أنْ لا ولَدَ لَهُ. واعْلَمْ أنَّ التِزامَ هَذِهِ الوُجُوهِ البَعِيدَةِ إنَّما يَكُونُ لِلضَّرُورَةِ، وقَدْ بَيَّنّا أنَّهُ لا ضَرُورَةَ البَتَّةَ فَلَمْ يَجُزِ المَصِيرُ إلَيْها، واللَّهُ أعْلَمُ. ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ رَبِّ العَرْشِ عَمّا يَصِفُونَ﴾، والمَعْنى أنَّ إلَهَ العالَمِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ واجِبَ الوُجُودِ لِذاتِهِ، وكُلُّ ما كانَ كَذَلِكَ فَهو فَرْدٌ مُطْلَقٌ لا يَقْبَلُ التَّجَزُّؤَ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، والوَلَدُ عِبارَةٌ عَنْ أنْ يَنْفَصِلَ عَنِ الشَّيْءِ جُزْءٌ مِن أجْزائِهِ، فَيَتَوَلَّدُ عَنْ ذَلِكَ الجُزْءِ شَخْصٌ مِثْلُهُ، وهَذا إنَّما يُعْقَلُ فِيما تَكُونُ ذاتُهُ قابِلَةً لِلتَّجَزُّؤِ والتَّبْعِيضِ، وإذا كانَ مُحالًا في حَقِّ إلَهِ العالَمِ امْتَنَعَ إثْباتُ الوَلَدِ لَهُ، ولَمّا ذَكَرَ هَذا البُرْهانَ القاطِعَ قالَ: ﴿فَذَرْهم يَخُوضُوا ويَلْعَبُوا حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾، والمَقْصُودُ مِنهُ التَّهْدِيدُ، يَعْنِي قَدْ ذَكَرْتُ الحُجَّةَ القاطِعَةَ عَلى فَسادِ ما ذَكَرُوا، وهم لَمْ يَلْتَفِتُوا إلَيْها لِأجْلِ كَوْنِهِمْ مُسْتَغْرِقِينَ في طَلَبِ المالِ والجاهِ والرِّياسَةِ؛ فاتْرُكْهم في ذَلِكَ الباطِلِ واللَّعِبِ حَتّى يَصِلُوا إلى ذَلِكَ اليَوْمِ الَّذِي وُعِدُوا فِيهِ بِما وُعِدُوا، والمَقْصُودُ مِنهُ التَّهْدِيدُ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي في السَّماءِ إلَهٌ وفي الأرْضِ إلَهٌ﴾، وفِيهِ أبْحاثٌ: البَحْثُ الأوَّلُ: قالَ أبُو عَلِيٍّ: نَظَرْتُ فِيما يَرْتَفِعُ بِهِ إلَهٌ فَوَجَدْتُ ارْتِفاعَهُ يَصِحُّ بِأنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ: وهو الَّذِي في السَّماءِ هو إلَهٌ. والبَحْثُ الثّانِي: هَذِهِ الآيَةُ مِن أدَلِّ الدَّلائِلِ عَلى أنَّهُ تَعالى غَيْرُ مُسْتَقِرٍّ في السَّماءِ، لِأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ بِهَذِهِ الآيَةِ أنَّ نِسْبَتَهُ إلى السَّماءِ بِالإلَهِيَّةِ كَنِسْبَتِهِ إلى الأرْضِ، فَلَمّا كانَ إلَهًا لِلْأرْضِ مَعَ أنَّهُ غَيْرُ مُسْتَقِرٍّ فِيها فَكَذَلِكَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ إلَهًا لِلسَّماءِ مَعَ أنَّهُ لا يَكُونُ مُسْتَقِرًّا فِيها، فَإنْ قِيلَ: وأيُّ تَعَلُّقِ لِهَذا الكَلامِ بِنَفْيِ الوَلَدِ عَنِ اللَّهِ صفحة ١٩٩ تَعالى ؟ قُلْنا: تَعَلُّقُهُ بِهِ أنَّهُ تَعالى خَلَقَ عِيسى بِمَحْضِ كُنْ فَيَكُونُ مِن غَيْرِ واسِطَةِ النُّطْفَةِ والأبِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ هَذا القَدْرَ لا يُوجِبُ كَوْنَ عِيسى ولَدًا لِلَّهِ سُبْحانَهُ، لِأنَّ هَذا المَعْنى حاصِلٌ في تَخْلِيقِ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما مَعَ انْتِفاءِ حُصُولِ الوَلَدِيَّةِ هُناكَ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وهُوَ الحَكِيمُ العَلِيمُ﴾ وقَدْ ذَكَرْنا في سُورَةِ الأنْعامِ أنَّ كَوْنَهُ تَعالى حَكِيمًا عَلِيمًا يُنافِي حُصُولَ الوَلَدِ لَهُ.

الزخرف 43:88

صفحة ١٩٦ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾ ﴿سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ رَبِّ العَرْشِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ ﴿فَذَرْهم يَخُوضُوا ويَلْعَبُوا حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ ﴿وهُوَ الَّذِي في السَّماءِ إلَهٌ وفي الأرْضِ إلَهٌ وهو الحَكِيمُ العَلِيمُ﴾ ﴿وتَبارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما وعِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ﴿ولا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفاعَةَ إلّا مَن شَهِدَ بِالحَقِّ وهم يَعْلَمُونَ﴾ ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَهم لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأنّى يُؤْفَكُونَ﴾ ﴿وقِيلِهِ يارَبِّ إنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿فاصْفَحْ عَنْهم وقُلْ سَلامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾، وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ (وُلْدٌ) بِضَمِّ الواوِ وإسْكانِ اللّامِ والباقُونَ بِفَتْحِها، ﴿فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾، قَرَأ نافِعٌ (فَأنا) بِفَتْحَةٍ طَوِيلَةٍ عَلى النُّونِ والباقُونَ بِلا تَطْوِيلٍ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ النّاسَ ظَنُّوا أنَّ قَوْلَهُ ﴿قُلْ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾ لَوْ أجْرَيْناهُ عَلى ظاهِرِهِ فَإنَّهُ يَقْتَضِي وُقُوعَ الشَّكِّ في إثْباتِ ولَدٍ لِلَّهِ تَعالى، وذَلِكَ مُحالٌ، فَلا جَرَمَ افْتَقَرُوا إلى تَأْوِيلِ الآيَةِ، وعِنْدِي أنَّهُ لَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ ولَيْسَ في ظاهِرِ اللَّفْظِ ما يُوجِبُ العُدُولَ عَنِ الظّاهِرِ، وتَقْرِيرُهُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾ قَضِيَّةٌ شَرْطِيَّةٌ، والقَضِيَّةُ الشَّرْطِيَّةُ مُرَكَّبَةٌ مِن قَضِيَّتَيْنِ خَبَرِيَّتَيْنِ أدْخَلَ عَلى إحْداهُما حَرْفَ الشَّرْطِ وعَلى الأُخْرى حَرْفَ الجَزاءِ؛ فَحَصَلَ بِمَجْمُوعِهِما قَضِيَّةٌ واحِدَةٌ، ومِثالُهُ هَذِهِ الآيَةُ، فَإنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾ قَضِيَّةٌ مُرَكَّبَةٌ مِن قَضِيَّتَيْنِ: إحْداهُما: قَوْلُهُ: ﴿إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ﴾، والثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾، ثُمَّ أدْخَلَ حَرْفَ الشَّرْطِ - وهو لَفْظَةُ إنَّ - عَلى القَضِيَّةِ الأُولى، وحَرْفَ الجَزاءِ - وهو الفاءُ - عَلى القَضِيَّةِ الثّانِيَةِ؛ فَحَصَلَ مِن مَجْمُوعِهِما قَضِيَّةٌ واحِدَةٌ، وهي القَضِيَّةُ الشَّرْطِيَّةُ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: القَضِيَّةُ الشَّرْطِيَّةُ لا تُفِيدُ إلّا كَوْنَ الشَّرْطِ مُسْتَلْزِمًا لِلْجَزاءِ، ولَيْسَ فِيها إشْعارٌ بِكَوْنِ الشَّرْطِ حَقًّا أوْ باطِلًا أوْ بِكَوْنِ الجَزاءِ حَقًّا أوْ باطِلًا، بَلْ نَقُولُ: القَضِيَّةُ الشَّرْطِيَّةُ الحَقَّةُ قَدْ تَكُونُ مُرَكَّبَةً مِن قَضِيَّتَيْنِ حَقِيقِيَّتَيْنِ أوْ مِن قَضِيَّتَيْنِ باطِلَتَيْنِ، أوْ مِن شَرْطٍ باطِلٍ وجَزاءٍ حَقٍّ، أوْ مِن شَرْطٍ حَقٍّ وجَزاءٍ باطِلٍ، فَأمّا القِسْمُ الرّابِعُ: وهو أنْ تَكُونَ القَضِيَّةُ الشَّرْطِيَّةُ الحَقَّةُ مُرَكَّبَةً مِن شَرْطٍ حَقٍّ وجَزاءٍ باطِلٍ فَهَذا مُحالٌ. ولْنُبَيِّنْ أمْثالَ هَذِهِ الأقْسامِ الأرْبَعَةِ: فَإذا قُلْنا: إنْ كانَ الإنْسانُ حَيَوانًا فالإنْسانُ جِسْمٌ، فَهَذِهِ شَرْطِيَّةٌ حَقَّةٌ، وهي مُرَكَّبَةٌ مِن قَضِيَّتَيْنِ حَقِيقِيَّتَيْنِ، إحْداهُما: قَوْلُنا: الإنْسانُ حَيَوانٌ، والثّانِيَةُ: قَوْلُنا: الإنْسانُ جِسْمٌ، وإذا قُلْنا: إنْ كانَتِ الخَمْسَةُ زَوْجًا كانَتْ مُنْقَسِمَةً بِمُتَساوِيَيْنِ، فَهَذِهِ شَرْطِيَّةٌ حَقَّةٌ لَكِنَّها مُرَكَّبَةٌ مِن قَوْلِنا: الخَمْسَةُ زَوْجٌ، ومِن قَوْلِنا: الخَمْسَةُ مُنْقَسِمَةٌ بِمُتَساوِيَيْنِ، وهُما باطِلانِ، وكَوْنُهُما باطِلَيْنِ لا يَمْنَعُ مِن أنْ يَكُونَ اسْتِلْزامُ أحَدِهِما لِلْآخَرِ حَقًّا، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ القَضِيَّةَ الشَّرْطِيَّةَ لا تُفِيدُ إلّا مُجَرَّدَ الِاسْتِلْزامِ: وإذا قُلْنا: إنْ كانَ الإنْسانُ حَجَرًا فَهو جِسْمٌ، فَهَذا جِسْمٌ، فَهَذا أيْضًا حَقٌّ لَكِنَّها مُرَكَّبَةٌ مِن شَرْطٍ باطِلٍ، وهو قَوْلُنا: الإنْسانُ حَجَرٌ، ومِن جُزْءٍ حَقٍّ وهو قَوْلُنا: الإنْسانُ صفحة ١٩٧ جِسْمٌ، وإنَّما جازَ هَذا لِأنَّ الباطِلَ قَدْ يَكُونُ بِحَيْثُ يَلْزَمُ مِن فَرْضِ وُقُوعِهِ وُقُوعُ حَقٍّ، فَإذا فَرَضْنا كَوْنَ الإنْسانِ حَجَرًا وجَبَ كَوْنُهُ جِسْمًا، فَهَذا شَرْطٌ باطِلٌ يَسْتَلْزِمُ جَزاءً حَقًّا. وأمّا القِسْمُ الرّابِعُ: وهو تَرْكِيبُ قَضِيَّةٍ شَرْطِيَّةٍ حَقَّةٍ مِن شَرْطٍ حَقٍّ وجَزاءٍ باطِلٍ فَهَذا مُحالٌ، لِأنَّ هَذا التَّرْكِيبَ يَلْزَمُ مِنهُ كَوْنُ الحَقِّ مُسْتَلْزِمًا لِلْباطِلِ، وذَلِكَ مُحالٌ، بِخِلافِ القِسْمِ الثّالِثِ فَإنَّهُ يَلْزَمُ مِنهُ كَوْنُ الباطِلِ مُسْتَلْزِمًا لِلْحَقِّ وذَلِكَ لَيْسَ بِمُحالٍ، إذا عَرَفْتَ هَذا الأصْلَ فَلْنَرْجِعْ إلى الآيَةِ فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾ قَضِيَّةٌ شَرْطِيَّةٌ حَقَّةٌ مِن شَرْطٍ باطِلٍ ومِن جَزاءٍ باطِلٍ لِأنَّ قَوْلَنا: (كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ) باطِلٌ، وقَوْلَنا: (أنا أوَّلُ العابِدِينَ) لِذَلِكَ الوَلَدِ باطِلٌ أيْضًا، إلّا أنّا بَيَّنّا أنَّ كَوْنَ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما باطِلًا لا يَمْنَعُ مِن أنْ يَكُونَ اسْتِلْزامُ أحَدِهِما لِلْآخَرِ حَقًّا كَما ضَرَبْنا مِنَ المِثالِ في قَوْلِنا: إنْ كانَتِ الخَمْسَةُ زَوْجًا كانَتْ مُنْقَسِمَةً بِمُتَساوِيَيْنِ، فَثَبَتَ أنَّ هَذا الكَلامَ لا امْتِناعَ في إجْرائِهِ عَلى ظاهِرِهِ، ويَكُونُ المُرادُ مِنهُ أنَّهُ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ لِذَلِكَ الوَلَدِ، فَإنَّ السُّلْطانَ إذا كانَ لَهُ ولَدٌ فَكَما يَجِبُ عَلى عَبْدِهِ أنْ يَخْدِمَهُ فَكَذَلِكَ يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يَخْدِمَ ولَدَهُ، وقَدْ بَيَّنّا أنَّ هَذا التَّرْكِيبَ لا يَدُلُّ عَلى الِاعْتِرافِ بِإثْباتِ ولَدٍ أمْ لا. ومِمّا يَقْرُبُ مِن هَذا البابِ قَوْلُهُ: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلّا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾ [الأنبياء: ٢٢]، فَهَذا الكَلامُ قَضِيَّةٌ شَرْطِيَّةٌ، والشَّرْطُ هو قَوْلُنا: ﴿فِيهِما آلِهَةٌ﴾، والجَزاءُ هو قَوْلُنا: (فَسَدَتا)، فالشَّرْطُ في نَفْسِهِ باطِلٌ، والجَزاءُ أيْضًا باطِلٌ؛ لِأنَّ الحَقَّ أنَّهُ لَيْسَ فِيهِما آلِهَةٌ، وكَلِمَةُ “ لَوْ “ تُفِيدُ انْتِفاءَ الشَّيْءِ بِانْتِفاءِ غَيْرِهِ لِأنَّهُما ما فَسَدَتا، ثُمَّ مَعَ كَوْنِ الشَّرْطِ باطِلًا وكَوْنِ الجَزاءِ باطِلًا كانَ اسْتِلْزامُ ذَلِكَ الشَّرْطِ لِهَذا الجَزاءِ حَقًّا فَكَذا هَهُنا، فَإنْ قالُوا: الفَرْقُ أنَّ هَهُنا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الشَّرْطِيَّةَ بِصِيغَةِ “ لَوْ “ فَقالَ: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ﴾، وكَلِمَةُ لَوْ تُفِيدُ انْتِفاءَ الشَّيْءِ لِانْتِفاءِ غَيْرِهِ، وأمّا في الآيَةِ الَّتِي نَحْنُ في تَفْسِيرِها إنَّما ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى كَلِمَةَ “ إنْ “ وهَذِهِ الكَلِمَةُ لا تُفِيدُ انْتِفاءَ الشَّيْءِ لِانْتِفاءِ غَيْرِهِ، بَلْ هَذِهِ الكَلِمَةُ تُفِيدُ الشَّكَّ في أنَّهُ هَلْ حَصَلَ الشَّرْطُ أمْ لا ؟ وحُصُولُ هَذا الشَّكِّ لِلرَّسُولِ غَيْرُ مُمْكِنٍ، قُلْنا: الفَرْقُ الَّذِي ذَكَرْتُمْ صَحِيحٌ إلّا أنَّ مَقْصُودَنا بَيانُ أنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن كَوْنِ الشَّرْطِيَّةِ صادِقَةً كَوْنُ جُزْأيْها صادِقَتَيْنِ أوْ كاذِبَتَيْنِ عَلى ما قَرَّرْناهُ، أمّا قَوْلُهُ: إنَّ لَفْظَةَ “ إنْ “ تُفِيدُ حُصُولَ الشَّرْطِ هَلْ حَصَلَ أمْ لا ؟ قُلْنا: هَذا مَمْنُوعٌ، فَإنَّ حَرْفَ “ إنْ “ حَرْفُ الشَّرْطِ، وحَرْفُ الشَّرْطِ لا يُفِيدُ إلّا كَوْنَ الشَّرْطِ مُسْتَلْزِمًا لِلْجَزاءِ، وأمّا بَيانُ أنَّ ذَلِكَ الشَّرْطَ مَعْلُومُ الوُقُوعِ أوْ مَشْكُوكُ الوُقُوعِ فاللَّفْظُ لا دَلالَةَ فِيهِ عَلَيْهِ البَتَّةَ، فَظَهَرَ مِنَ المَباحِثِ الَّتِي لَخَّصْناها أنَّ الكَلامَ هَهُنا مُمْكِنُ الإجْراءِ عَلى ظاهِرِهِ مِن جَمِيعِ الوُجُوهِ، وأنَّهُ لا حاجَةَ فِيهِ البَتَّةَ إلى التَّأْوِيلِ، والمَعْنى أنَّهُ تَعالى قالَ: (قُلُ) يا مُحَمَّدُ، ﴿إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾ لِذَلِكَ الوَلَدِ، وأنا أوَّلُ الخادِمِينَ لَهُ، والمَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ بَيانُ أنِّي لا أُنْكِرُ ولَدَهُ لِأجْلِ العِنادِ والمُنازَعَةِ، فَإنَّ بِتَقْدِيرِ أنْ يَقُومَ الدَّلِيلُ عَلى ثُبُوتِ هَذا الوَلَدِ كُنْتُ مُقِرًّا بِهِ مُعْتَرِفًا بِوُجُوبِ خِدْمَتِهِ إلّا أنَّهُ لَمْ يُوجَدْ هَذا الوَلَدُ، ولَمْ يَقُمِ الدَّلِيلُ عَلى ثُبُوتِهِ البَتَّةَ، فَكَيْفَ أقُولُ بِهِ ؟ بَلِ الدَّلِيلُ القاطِعُ قائِمٌ عَلى عَدَمِهِ فَكَيْفَ أقُولُ بِهِ ؟ وكَيْفَ أعْتَرِفُ بِوُجُودِهِ ؟ وهَذا الكَلامُ ظاهِرٌ كامِلٌ لا حاجَةَ بِهِ البَتَّةَ إلى التَّأْوِيلِ والعُدُولِ عَنِ الظّاهِرِ، فَهَذا ما عِنْدِي في هَذا المَوْضِعِ. ونُقِلَ عَنِ السُّدِّيِّ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنَّهُ كانَ يَقُولُ: حَمْلُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى ظاهِرِها مُمْكِنٌ ولا حاجَةَ إلى التَّأْوِيلِ، والتَّقْرِيرُ الَّذِي ذَكَرْناهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ الَّذِي قالَهُ هو الحَقُّ، أمّا القائِلُونَ بِأنَّهُ لا بُدَّ مِنَ التَّأْوِيلِ فَقَدْ ذَكَرُوا وُجُوهًا: الأوَّلُ: قالَ الواحِدِيُّ: كَثُرَتِ الوُجُوهُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ، والأقْوى أنْ يُقالَ: المَعْنى إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ في زَعْمِكم ﴿فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾ أيِ المُوَحِّدِينَ لِلَّهِ صفحة ١٩٨ المُكَذِّبِينَ لِقَوْلِكم بِإضافَةِ الوَلَدِ إلَيْهِ، ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إمّا أنْ يَكُونَ تَقْدِيرُ الكَلامِ: إنْ يَثْبُتْ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ في نَفْسِ الأمْرِ فَأنا أوَّلُ المُنْكِرِينَ لَهُ، أوْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: إنْ يَثْبُتْ لَكُمُ ادِّعاءُ لِلرَّحْمَنِ ولَدًا فَأنا أوَّلُ المُنْكِرِينَ لَهُ، والأوَّلُ باطِلٌ لِأنَّ ثُبُوتَ الشَّيْءِ في نَفْسِهِ لا يَقْتَضِي كَوْنَ الرَّسُولِ مُنْكِرًا لَهُ، لِأنَّ قَوْلَهُ: إنْ كانَ الشَّيْءُ ثابِتًا في نَفْسِهِ فَأنا أوَّلُ المُنْكِرِينَ يَقْتَضِي إصْرارَهُ عَلى الكَذِبِ والجَهْلِ، وذَلِكَ لا يَلِيقُ بِالرَّسُولِ، والثّانِي أيْضًا باطِلٌ لِأنَّهم سَواءٌ أثْبَتُوا لِلَّهِ ولَدًا أوْ لَمْ يُثْبِتُوهُ لَهُ فالرَّسُولُ مُنْكِرٌ لِذَلِكَ الوَلَدِ، فَلَمْ يَكُنْ لِزَعْمِهِمْ تَأْثِيرٌ في كَوْنِ الرَّسُولِ مُنْكِرًا لِذَلِكَ الوَلَدِ، فَلَمْ يَصْلُحْ جَعْلُ زَعْمِهِمْ إثْباتَ الوَلَدِ مُؤَثِّرًا في كَوْنِ الرَّسُولِ مُنْكِرًا لِلْوَلَدِ. الوَجْهُ الثّانِي: قالُوا: مَعْناهُ ﴿إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾ الآنِفِينَ مِن أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ مِن عَبِدَ يَعْبَدُ إذا اشْتَدَّتْ أنَفَتُهُ فَهو عَبِدٌ وعابِدٌ، وقَرَأ بَعْضُهم (عَبِدِينَ) . واعْلَمْ أنَّ السُّؤالَ المَذْكُورَ قائِمٌ هَهُنا لِأنَّهُ إنْ كانَ المُرادُ: إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ في نَفْسِ الأمْرِ فَأنا أوَّلُ الآنِفِينَ مِنَ الإقْرارِ بِهِ، فَهَذا يَقْتَضِي الإصْرارَ عَلى الجَهْلِ والكَذِبِ، وإنْ كانَ المُرادُ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ في زَعْمِكم واعْتِقادِكم فَأنا أوَّلُ الآنِفِينَ، فَهَذا التَّعْلِيقُ فاسِدٌ لِأنَّ هَذِهِ الأنَفَةَ حاصِلَةٌ سَواءٌ حَصَلَ ذَلِكَ الزَّعْمُ والِاعْتِقادُ أوْ لَمْ يَحْصُلْ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ هَذا التَّعْلِيقُ جائِزًا. والوَجْهُ الثّالِثُ: قالَ بَعْضُهم: إنَّ كَلِمَةَ “ إنْ “ هَهُنا هي النّافِيَةُ، والتَّقْدِيرُ: ما كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ المُوَحِّدِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ أنْ لا ولَدَ لَهُ. واعْلَمْ أنَّ التِزامَ هَذِهِ الوُجُوهِ البَعِيدَةِ إنَّما يَكُونُ لِلضَّرُورَةِ، وقَدْ بَيَّنّا أنَّهُ لا ضَرُورَةَ البَتَّةَ فَلَمْ يَجُزِ المَصِيرُ إلَيْها، واللَّهُ أعْلَمُ. ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ رَبِّ العَرْشِ عَمّا يَصِفُونَ﴾، والمَعْنى أنَّ إلَهَ العالَمِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ واجِبَ الوُجُودِ لِذاتِهِ، وكُلُّ ما كانَ كَذَلِكَ فَهو فَرْدٌ مُطْلَقٌ لا يَقْبَلُ التَّجَزُّؤَ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، والوَلَدُ عِبارَةٌ عَنْ أنْ يَنْفَصِلَ عَنِ الشَّيْءِ جُزْءٌ مِن أجْزائِهِ، فَيَتَوَلَّدُ عَنْ ذَلِكَ الجُزْءِ شَخْصٌ مِثْلُهُ، وهَذا إنَّما يُعْقَلُ فِيما تَكُونُ ذاتُهُ قابِلَةً لِلتَّجَزُّؤِ والتَّبْعِيضِ، وإذا كانَ مُحالًا في حَقِّ إلَهِ العالَمِ امْتَنَعَ إثْباتُ الوَلَدِ لَهُ، ولَمّا ذَكَرَ هَذا البُرْهانَ القاطِعَ قالَ: ﴿فَذَرْهم يَخُوضُوا ويَلْعَبُوا حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾، والمَقْصُودُ مِنهُ التَّهْدِيدُ، يَعْنِي قَدْ ذَكَرْتُ الحُجَّةَ القاطِعَةَ عَلى فَسادِ ما ذَكَرُوا، وهم لَمْ يَلْتَفِتُوا إلَيْها لِأجْلِ كَوْنِهِمْ مُسْتَغْرِقِينَ في طَلَبِ المالِ والجاهِ والرِّياسَةِ؛ فاتْرُكْهم في ذَلِكَ الباطِلِ واللَّعِبِ حَتّى يَصِلُوا إلى ذَلِكَ اليَوْمِ الَّذِي وُعِدُوا فِيهِ بِما وُعِدُوا، والمَقْصُودُ مِنهُ التَّهْدِيدُ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي في السَّماءِ إلَهٌ وفي الأرْضِ إلَهٌ﴾، وفِيهِ أبْحاثٌ: البَحْثُ الأوَّلُ: قالَ أبُو عَلِيٍّ: نَظَرْتُ فِيما يَرْتَفِعُ بِهِ إلَهٌ فَوَجَدْتُ ارْتِفاعَهُ يَصِحُّ بِأنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ: وهو الَّذِي في السَّماءِ هو إلَهٌ. والبَحْثُ الثّانِي: هَذِهِ الآيَةُ مِن أدَلِّ الدَّلائِلِ عَلى أنَّهُ تَعالى غَيْرُ مُسْتَقِرٍّ في السَّماءِ، لِأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ بِهَذِهِ الآيَةِ أنَّ نِسْبَتَهُ إلى السَّماءِ بِالإلَهِيَّةِ كَنِسْبَتِهِ إلى الأرْضِ، فَلَمّا كانَ إلَهًا لِلْأرْضِ مَعَ أنَّهُ غَيْرُ مُسْتَقِرٍّ فِيها فَكَذَلِكَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ إلَهًا لِلسَّماءِ مَعَ أنَّهُ لا يَكُونُ مُسْتَقِرًّا فِيها، فَإنْ قِيلَ: وأيُّ تَعَلُّقِ لِهَذا الكَلامِ بِنَفْيِ الوَلَدِ عَنِ اللَّهِ صفحة ١٩٩ تَعالى ؟ قُلْنا: تَعَلُّقُهُ بِهِ أنَّهُ تَعالى خَلَقَ عِيسى بِمَحْضِ كُنْ فَيَكُونُ مِن غَيْرِ واسِطَةِ النُّطْفَةِ والأبِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ هَذا القَدْرَ لا يُوجِبُ كَوْنَ عِيسى ولَدًا لِلَّهِ سُبْحانَهُ، لِأنَّ هَذا المَعْنى حاصِلٌ في تَخْلِيقِ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما مَعَ انْتِفاءِ حُصُولِ الوَلَدِيَّةِ هُناكَ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وهُوَ الحَكِيمُ العَلِيمُ﴾ وقَدْ ذَكَرْنا في سُورَةِ الأنْعامِ أنَّ كَوْنَهُ تَعالى حَكِيمًا عَلِيمًا يُنافِي حُصُولَ الوَلَدِ لَهُ.

الزخرف 43:89

ثُمَّ قالَ: ﴿وتَبارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما وعِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾، واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: (تَبارَكَ) إمّا أنْ يَكُونَ مُشْتَقًّا مِنَ الثَّباتِ والبَقاءِ، وإمّا أنْ يَكُونَ مُشْتَقًّا مِن كَثْرَةِ الخَيْرِ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فَكُلُّ واحِدٍ مِن هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ يُنافِي كَوْنَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ ولَدًا لِلَّهِ تَعالى، لِأنَّهُ إنْ كانَ المُرادُ مِنهُ الثَّباتَ والبَقاءَ فَعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَكُنْ واجِبَ البَقاءِ والدَّوامِ، لِأنَّهُ حَدَثَ بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُنْ، ثُمَّ عِنْدَ النَّصارى أنَّهُ قُتِلَ وماتَ ومَن كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُ وبَيْنَ الباقِي الدّائِمِ الأزَلِيِّ مُجانَسَةٌ ومُشابَهَةٌ، فامْتَنَعَ كَوْنُهُ ولَدًا لَهُ، وإنْ كانَ المُرادُ بِالبَرَكَةِ كَثْرَةَ الخَيْراتِ مِثْلَ كَوْنِهِ خالِقًا لِلسَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما فَعِيسى لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، بَلْ كانَ مُحْتاجًا إلى الطَّعامِ وعِنْدَ النَّصارى أنَّهُ كانَ خائِفًا مِنَ اليَهُودِ وبِالآخِرَةِ أخَذُوهُ وقَتَلُوهُ، فالَّذِي هَذا صِفَتُهُ كَيْفَ يَكُونُ ولَدًا لِمَن كانَ خالِقًا لِلسَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما ؟ ! * * * وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وعِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ﴾ فالمَقْصُودُ مِنهُ أنَّهُ لَمّا شَرَحَ كَمالَ قُدْرَتِهِ فَكَذَلِكَ شَرَحَ كَمالَ عِلْمِهِ، والمَقْصُودُ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ مَن كانَ كامِلًا في الذّاتِ والعِلْمِ والقُدْرَةِ عَلى الحَدِّ الَّذِي شَرَحْناهُ امْتَنَعَ أنْ يَكُونَ ولَدُهُ في العَجْزِ وعَدَمِ الوُقُوفِ عَلى أحْوالِ العالَمِ بِالحَدِّ الَّذِي وصَفَهُ النَّصارى. ولَمّا أطْنَبَ اللَّهُ تَعالى في نَفْيِ الوَلَدِ أرْدَفَهُ بِبَيانِ نَفْيِ الشُّرَكاءِ فَقالَ: ﴿ولا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفاعَةَ إلّا مَن شَهِدَ بِالحَقِّ وهم يَعْلَمُونَ﴾، ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ في هَذِهِ الآيَةِ قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ المَلائِكَةَ وعِيسى وعُزَيْرًا، والمَعْنى أنَّ المَلائِكَةَ وعِيسى وعُزَيْرًا لا يَشْفَعُونَ إلّا لِمَن شَهِدَ بِالحَقِّ، رُوِيَ أنَّ النَّضْرَ بْنَ الحارِثِ ونَفَرًا مَعَهُ قالُوا: إنْ كانَ ما يَقُولُ مُحَمَّدٌ حَقًّا فَنَحْنُ نَتَوَلّى المَلائِكَةَ فَهم أحَقُّ بِالشَّفاعَةِ مِن مُحَمَّدٍ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ يَقُولُ: لا يَقْدِرُ هَؤُلاءِ أنْ يَشْفَعُوا لِأحَدٍ، ثُمَّ اسْتَثْنى فَقالَ: ﴿إلّا مَن شَهِدَ بِالحَقِّ﴾ والمَعْنى عَلى هَذا القَوْلِ هَؤُلاءِ لا يَشْفَعُونَ إلّا لِمَن شَهِدَ بِالحَقِّ، فَأضْمَرَ اللّامَ، أوْ يُقالُ: التَّقْدِيرُ: إلّا شَفاعَةَ مَن شَهِدَ بِالحَقِّ فَحَذَفَ المُضافَ، وهَذا عَلى لُغَةِ مَن يُعَدِّي الشَّفاعَةَ بِغَيْرِ لامٍ، فَيَقُولُ: شَفَعْتُ فُلانًا بِمَعْنى شَفَعْتُ لَهُ كَما تَقُولُ: كَلَّمْتُهُ وكَلَّمْتُ لَهُ، ونَصَحْتُهُ ونَصَحْتُ لَهُ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ كُلَّ مَعْبُودٍ مِن دُونِ اللَّهِ، وقَوْلُهُ: ﴿إلّا مَن شَهِدَ بِالحَقِّ﴾ المَلائِكَةُ وعِيسى وعُزَيْرٌ، والمَعْنى أنَّ الأشْياءَ الَّتِي عَبَدَها الكُفّارُ لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ إلّا مِن شَهِدَ بِالحَقِّ، وهُمُ المَلائِكَةُ وعِيسى وعُزَيْرٌ، فَإنَّ لَهم شَفاعَةً عِنْدَ اللَّهِ ومَنزِلَةً، ومَعْنى مَن شَهِدَ بِالحَقِّ: مَن شَهِدَ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وهم يَعْلَمُونَ﴾ وهَذا القَيْدُ يَدُلُّ عَلى أنَّ الشَّهادَةَ بِاللِّسانِ فَقَطْ لا تُفِيدُ البَتَّةَ، واحْتَجَّ القائِلُونَ بِأنَّ إيمانَ المُقَلِّدِ لا يَنْفَعُ البَتَّةَ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَقالُوا: بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّ الشَّهادَةَ لا تَنْفَعُ إلّا إذا حَصَلَ مَعَها العِلْمُ، والعِلْمُ عِبارَةٌ عَنِ اليَقِينِ الَّذِي لَوْ شُكِّكَ صاحِبُهُ فِيهِ لَمْ يَتَشَكَّكْ، وهَذا لَمْ يَحْصُلْ إلّا عِنْدَ الدَّلِيلِ، فَثَبَتَ أنَّ إيمانَ المُقَلِّدِ لا يَنْفَعُ البَتَّةَ. صفحة ٢٠٠ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَهم لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأنّى يُؤْفَكُونَ﴾، وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: ظَنَّ قَوْمٌ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ وأمْثالَها في القُرْآنِ تَدُلُّ عَلى أنَّ القَوْمَ مُضْطَرُّونَ إلى الِاعْتِرافِ بِوُجُودِ الإلَهِ لِلْعالَمِ، قالَ الجُبّائِيُّ: وهَذا لا يَصِحُّ لِأنَّ قَوْمَ فِرْعَوْنَ قالُوا: لا إلَهَ لَهم غَيْرُهُ، وقَوْمَ إبْراهِيمَ قالُوا: ﴿وإنّا لَفي شَكٍّ مِمّا تَدْعُونَنا إلَيْهِ﴾ [إبراهيم: ٩]، فَيُقالُ لَهم: لا نُسَلِّمُ أنَّ قَوْمَ فِرْعَوْنَ كانُوا مُنْكِرِينَ لِوُجُودِ الإلَهِ، والدَّلِيلُ عَلى قَوْلِنا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَحَدُوا بِها واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهم ظُلْمًا﴾ [النمل: ١٤]، وقالَ مُوسى لِفِرْعَوْنَ: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ ما أنْزَلَ هَؤُلاءِ إلّا رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ بَصائِرَ﴾ [الإسراء: ١٠٢]، فالقِراءَةُ بِفَتْحِ التّاءِ في (عَلِمْتَ) تَدُلُّ عَلى أنَّ فِرْعَوْنَ كانَ عارِفًا بِاللَّهِ، وأمّا قَوْمُ إبْراهِيمَ حَيْثُ قالُوا: ﴿وإنّا لَفي شَكٍّ مِمّا تَدْعُونَنا إلَيْهِ﴾ فَهو مَصْرُوفٌ إلى إثْباتِ القِيامَةِ وإثْباتِ التَّكالِيفِ وإثْباتِ النُّبُوَّةِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ هَذا الكَلامَ في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ وفي آخِرِها، والمَقْصُودُ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّهُمُ اعْتَقَدُوا أنَّ خالِقَ العالَمِ وخالِقَ الحَيَواناتِ هو اللَّهُ تَعالى، فَكَيْفَ أقْدَمُوا مَعَ هَذا الِاعْتِقادِ عَلى عِبادَةِ أجْسامٍ خَسِيسَةٍ وأصْنامٍ خَبِيثَةٍ لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ بَلْ هي جَماداتٌ مَحْضَةٌ ؟ ! * * * وأمّا قَوْلُهُ: ﴿فَأنّى يُؤْفَكُونَ﴾ مَعْناهُ: لِمَ تَكْذِبُونَ عَلى اللَّهِ فَتَقُولُونَ: إنَّ اللَّهَ أمَرَنا بِعِبادَةِ الأصْنامِ، وقَدِ احْتَجَّ بَعْضُ أصْحابِنا بِهِ عَلى أنَّ إفْكَهم لَيْسَ مِنهم بَلْ مِن غَيْرِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿فَأنّى يُؤْفَكُونَ﴾، وأجابَ القاضِي بِأنَّ مَن يَضِلُّ في فَهْمِ الكَلامِ أوْ في الطَّرِيقِ يُقالُ لَهُ: أيْنَ يَذْهَبُ بِكَ ؟ والمُرادُ: أيْنَ تَذْهَبُ ؟ وأجابَ الأصْحابُ بِأنَّ قَوْلَ القائِلِ: أيْنَ يَذْهَبُ بِكَ ؟ ظاهِرُهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ ذاهِبًا آخَرَ ذَهَبَ بِهِ، فَصَرْفُ الكَلامِ عَنْ حَقِيقَتِهِ خِلافُ الأصْلِ الظّاهِرِ، وأيْضًا فَإنَّ الَّذِي ذَهَبَ بِهِ هو الَّذِي خَلَقَ تِلْكَ الدّاعِيَةَ في قَلْبِهِ، وقَدْ ثَبَتَ بِالبُرْهانِ الباهِرِ أنَّ خالِقَ تِلْكَ الدّاعِيَةِ هو اللَّهُ تَعالى. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وقِيلِهِ يارَبِّ إنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ﴾، وفِيهِ مَباحِثُ: الأوَّلُ: قَرَأ الأكْثَرُونَ (وقِيلَهُ) بِفَتْحِ اللّامِ، وقَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ بِكَسْرِ اللّامِ، قالَ الواحِدِيُّ: وقَرَأ أُناسٌ مِن غَيْرِ السَّبْعَةِ بِالرَّفْعِ، أمّا الَّذِينَ قَرَءُوا بِالنَّصْبِ فَذَكَرَ الأخْفَشُ والفَرّاءُ فِيهِ قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ بِتَقْدِيرِ: وقالَ قِيلَهُ وشَكا شَكْواهُ إلى رَبِّهِ يَعْنِي النَّبِيَّ ﷺ فانْتَصَبَ قِيلَهُ بِإضْمارِ قالَ، والثّانِي: أنَّهُ عَطْفٌ عَلى ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: (أنّا لا نَسْمَعُ سِرَّهم ونَجْواهم. . . وقِيلَهُ)، وذَكَرَ الزَّجّاجُ فِيهِ وجْهًا ثالِثًا فَقالَ: إنَّهُ نُصِبَ عَلى مَوْضِعِ السّاعَةِ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وعِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ﴾ مَعْناهُ أنَّهُ عَلِمَ السّاعَةَ، والتَّقْدِيرُ: عَلِمَ السّاعَةَ وقِيلَهُ، ونَظِيرُهُ قَوْلُكَ: عَجِبْتُ مِن ضَرْبِ زَيْدٍ وعَمْرًا، وأمّا القِراءَةُ بِالجَرِّ فَقالَ الأخْفَشُ والفَرّاءُ والزَّجّاجُ: إنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى السّاعَةِ، أيْ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ، وعِلْمُ قِيلِهِ: يا رَبِّ، قالَ المُبَرِّدُ: العَطْفُ عَلى المَنصُوبِ حَسَنٌ وإنْ تَباعَدَ المَعْطُوفُ مِنَ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ لِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُفْصَلَ بَيْنَ المَنصُوبِ وعامِلِهِ، والمَجْرُورُ يَجُوزُ ذَلِكَ فِيهِ عَلى قُبْحٍ، وأمّا القِراءَةُ بِالرَّفْعِ فَفِيها وجْهانِ: الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ ﴿وقِيلِهِ﴾ مُبْتَدَأً وخَبَرُهُ ما بَعْدَهُ. والثّانِي: أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى عِلْمِ السّاعَةِ عَلى تَقْدِيرِ حَذْفِ المُضافِ، مَعْناهُ: وعِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ وعِلْمُ قِيلِهِ، قالَ صاحِبُ “ الكَشّافِ “: هَذِهِ الوُجُوهُ لَيْسَتْ قَوِيَّةً في المَعْنى لا سِيَّما وُقُوعُ الفَصْلِ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ بِما لا يَحْسُنُ اعْتِراضًا، ثُمَّ ذَكَرَ وجْهًا آخَرَ وزَعَمَ أنَّهُ أقْوى مِمّا سَبَقَ، وهو أنْ يَكُونَ النَّصْبُ والجَرُّ عَلى إضْمارِ حَرْفِ القَسَمِ وحَذْفِهِ، والرَّفْعُ عَلى قَوْلِهِمْ: أيْمُنُ اللَّهِ، وأمانَةُ اللَّهِ، ويَمِينُ اللَّهِ، يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ﴾ جَوابَ القَسَمِ كَأنَّهُ قِيلَ صفحة ٢٠١ وأقْسَمَ بِقِيلِهِ: يا رَبِّ، أوْ وقِيلِهِ: يا رَبِّ قَسَمِي، وأقُولُ: هَذا الَّذِي ذَكَرَهُ صاحِبُ “ الكَشّافِ “ مُتَكَلَّفٌ أيْضًا، وهَهُنا إضْمارٌ امْتَلَأ القُرْآنُ مِنهُ وهو إضْمارُ اذْكُرْ، والتَّقْدِيرُ: واذْكُرْ قِيلَهُ: يا رَبِّ، وأمّا القِراءَةُ بِالجَرِّ فالتَّقْدِيرُ: واذْكُرْ وقْتَ قِيلِهِ: يا رَبِّ، وإذا وجَبَ التِزامُ الإضْمارِ فَلَأنْ يُضْمِرَ شَيْئًا جَرَتِ العادَةُ في القُرْآنِ بِالتِزامِ إضْمارِهِ أوْلى مِن غَيْرِهِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿وقِيلِهِ يارَبِّ﴾ والمُرادُ: وقِيلَ يا رَبِّ، والهاءُ زِيادَةٌ. البَحْثُ الثّانِي: القِيلُ مَصْدَرٌ كالقَوْلِ، ومِنهُ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: «نَهى عَنْ قِيلَ وقالَ»، قالَ اللَّيْثُ: تَقُولُ العَرَبُ: كَثِيرٌ فِيهِ القِيلُ والقالُ، ورَوى شِمْرٌ عَنْ أبِي زَيْدٍ يُقالُ: ما أحْسَنَ قَيْلَكَ وقَوْلَكَ وقالَكَ وقالَتَكَ ومَقالَتَكَ، خَمْسَةُ أوْجُهٍ. البَحْثُ الثّالِثُ: الضَّمِيرُ في قِيلِهِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ . البَحْثُ الرّابِعُ: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا ضَجِرَ مِنهم وعَرَفَ إصْرارَهم أخْبَرَ عَنْهم أنَّهم قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ، وهو قَرِيبٌ مِمّا حَكى اللَّهُ عَنْ نُوحٍ أنَّهُ قالَ: ﴿رَبِّ إنَّهم عَصَوْنِي واتَّبَعُوا مَن لَمْ يَزِدْهُ مالُهُ ووَلَدُهُ إلّا خَسارًا﴾ [نوح: ٢١] . ثُمَّ إنَّهُ تَعالى قالَ لَهُ: ﴿فاصْفَحْ عَنْهُمْ﴾، فَأمَرَهُ بِأنْ يَصْفَحَ عَنْهم، وفي ضِمْنِهِ مَنَعَهُ مِن أنْ يَدْعُوَ عَلَيْهِمْ بِالعَذابِ، والصَّفْحُ هو الإعْراضُ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿وقُلْ سَلامٌ﴾، قالَ سِيبَوَيْهِ إنَّما مَعْناهُ المُتارَكَةُ، ونَظِيرُهُ قَوْلُ إبْراهِيمَ لِأبِيهِ: ﴿سَلامٌ عَلَيْكَ سَأسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي﴾ [مريم: ٤٧]، وكَقَوْلِهِ: ﴿سَلامٌ عَلَيْكم لا نَبْتَغِي الجاهِلِينَ﴾ [القصص: ٥٥] . قَوْلُهُ: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ والمَقْصُودُ مِنهُ التَّهْدِيدُ، وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ تَعْلَمُونَ بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ، والباقُونَ بِالياءِ كِنايَةً عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ قَوْمٌ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّهُ يَجُوزُ السَّلامُ عَلى الكافِرِ، وأقُولُ: إنْ صَحَّ هَذا الِاسْتِدْلالُ فَهَذا يُوجِبُ الِاقْتِصارَ عَلى مُجَرَّدِ قَوْلِهِ: (سَلامٌ)، وأنْ يُقالَ لِلْمُؤْمِنِ: سَلامٌ عَلَيْكم، والمَقْصُودُ التَّنْبِيهُ عَلى التَّحِيَّةِ الَّتِي تُذْكَرُ لِلْمُسْلِمِ والكافِرِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاصْفَحْ عَنْهم وقُلْ سَلامٌ﴾ مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ، وعِنْدِي أنَّ التِزامَ النَّسْخِ في أمْثالِ هَذِهِ المَواضِعِ مُشْكِلٌ، لِأنَّ الأمْرَ لا يُفِيدُ الفِعْلَ إلّا مَرَّةً واحِدَةً، فَإذا أتى بِهِ مَرَّةً واحِدَةً فَقَدْ سَقَطَتْ دَلالَةُ اللَّفْظِ، فَأيُّ حاجَةٍ فِيهِ إلى التِزامِ النَّسْخِ ؟ وأيْضًا فَمِثْلُهُ يَمِينُ الفَوْرِ مَشْهُورَةٌ عِنْدَ الفُقَهاءِ، وهي دالَّةٌ عَلى أنَّ اللَّفْظَ قَدْ يَتَقَيَّدُ بِحَسَبِ قَرِينَةِ العُرْفِ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَلا حاجَةَ فِيهِ إلى التِزامِ النَّسْخِ، واللَّهُ أعْلَمُ بِالصَّوابِ. قالَ مَوْلانا المُؤَلِّفُ عَلَيْهِ سَحائِبُ الرَّحْمَةِ والرُّضْوانِ: تَمَّ تَفْسِيرُ هَذِهِ السُّورَةِ يَوْمَ الأحَدِ الحادِيَ عَشَرَ مِن ذِي الحِجَّةِ سَنَةَ ثَلاثٍ وسِتِّمِائَةٍ، والحَمْدُ لِلَّهِ أوَّلًا وآخِرًا، وباطِنًا وظاهِرًا، والصَّلاةُ عَلى مَلائِكَتِهِ المُقَرَّبِينَ والأنْبِياءِ والمُرْسَلِينَ خُصُوصًا عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ وآلِهِ وصَحْبِهِ أجْمَعِينَ أبَدَ الآبِدِينَ ودَهْرَ الدّاهِرِينَ.

الدخان 44:1

صفحة ٢٠٢ (سُورَةُ الدُّخانِ) خَمْسُونَ وتِسْعُ آياتٍ مَكِّيَّةٍ إلّا قَوْلَهُ: ﴿إنّا كاشِفُوا العَذابِ﴾ ﷽ ﴿حم﴾ ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إنّا كُنّا مُنْذِرِينَ﴾ ﴿فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ﴾ ﴿أمْرًا مِن عِنْدِنا إنّا كُنّا مُرْسِلِينَ﴾ ﴿رَحْمَةً مِن رَبِّكَ إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ ﴿رَبِّ السَّمَواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ ﴿لا إلَهَ إلّا هو يُحْيِي ويُمِيتُ رَبُّكم ورَبُّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿بَلْ هم في شَكٍّ يَلْعَبُونَ﴾ ﷽ ﴿حم﴾ ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إنّا كُنّا مُنْذِرِينَ﴾ ﴿فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ﴾ ﴿أمْرًا مِن عِنْدِنا إنّا كُنّا مُرْسِلِينَ﴾ ﴿رَحْمَةً مِن رَبِّكَ إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ ﴿رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ ﴿لا إلَهَ إلّا هو يُحْيِي ويُمِيتُ رَبُّكم ورَبُّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿بَلْ هم في شَكٍّ يَلْعَبُونَ﴾، وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: في قَوْلِهِ: ﴿حم﴾ ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ وُجُوهٌ مِنَ الِاحْتِمالاتِ: أوَّلُها: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: هَذِهِ ﴿حم﴾ ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ كَقَوْلِكَ: هَذا زَيْدٌ واللَّهِ. وثانِيها: أنْ يَكُونَ الكَلامُ قَدْ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿حم﴾، ثُمَّ يُقالُ ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ ﴿إنّا أنْزَلْناهُ﴾ . وثالِثُها: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: وحم، والكِتابِ المُبِينِ، إنّا أنْزَلْناهُ، فَيَكُونُ ذَلِكَ في التَّقْدِيرِ قَسَمَيْنِ عَلى شَيْءٍ واحِدٍ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالُوا: هَذا يَدُلُّ عَلى حُدُوثِ القُرْآنِ لِوُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿حم﴾ تَقْدِيرُهُ: هَذِهِ حم، يَعْنِي هَذا شَيْءٌ مُؤَلَّفٌ مِن هَذِهِ الحُرُوفِ، والمُؤَلَّفُ مِنَ الحُرُوفِ المُتَعاقِبَةِ مُحْدَثٌ. الثّانِي: أنَّهُ ثَبَتَ أنَّ الحَلِفَ لا يَصِحُّ بِهَذِهِ الأشْياءِ بَلْ بِإلَهِ هَذِهِ الأشْياءِ، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: ورَبِّ حم ورَبِّ الكِتابِ المُبِينِ، وكُلُّ مَن كانَ مَرْبُوبًا فَهو مُحْدَثٌ. الثّالِثُ: أنَّهُ وصَفَهُ بِكَوْنِهِ كِتابًا، والكِتابُ مُشْتَقٌّ مِنَ الجَمْعِ، فَمَعْناهُ أنَّهُ مَجْمُوعٌ والمَجْمُوعُ مَحَلُّ تَصَرُّفِ الغَيْرِ، وما كانَ كَذَلِكَ فَهو مُحْدَثٌ. الرّابِعُ: قَوْلُهُ: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ﴾ والمُنْزَلُ مَحَلُّ تَصَرُّفِ صفحة ٢٠٣ الغَيْرِ، وما كانَ كَذَلِكَ فَهو مُحْدَثٌ، وقَدْ ذَكَرْنا مِرارًا أنَّ جَمِيعَ هَذِهِ الدَّلائِلِ تَدُلُّ عَلى أنَّ الشَّيْءَ المُرَكَّبَ مِنَ الحُرُوفِ المُتَعاقِبَةِ والأصْواتِ المُتَوالِيَةِ مُحْدَثٌ، والعِلْمُ بِذَلِكَ ضَرُورِيٌّ بَدِيهِيٌّ، لا يُنازِعُ فِيهِ إلّا مَن كانَ عَدِيمَ العَقْلِ وكانَ غَيْرَ عارِفٍ بِمَعْنى القَدِيمِ والمُحْدَثِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَكَيْفَ يُنازِعُ في صِحَّةِ هَذِهِ الدَّلائِلِ ؟ إنَّما الَّذِي ثَبَتَ قِدَمُهُ شَيْءٌ آخَرُ سِوى ما تَرَكَّبَ مِن هَذِهِ الحُرُوفِ والأصْواتِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالكِتابِ هَهُنا الكُتُبَ المُتَقَدِّمَةَ الَّتِي أنْزَلَها اللَّهُ عَلى أنْبِيائِهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿لَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلَنا بِالبَيِّناتِ وأنْزَلْنا مَعَهُمُ الكِتابَ والمِيزانَ﴾ [الحديد: ٢٥]، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ اللَّوْحَ المَحْفُوظَ، كَما قالَ: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ وعِنْدَهُ أُمُّ الكِتابِ﴾ [الرعد: ٣٩]، وقالَ: ﴿وإنَّهُ في أُمِّ الكِتابِ لَدَيْنا﴾ [الزخرف: ٤]، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ القُرْآنَ، وبِهَذا التَّقْدِيرِ فَقَدْ أقْسَمَ بِالقُرْآنِ عَلى أنَّهُ أنْزَلَ القُرْآنَ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ، وهَذا النَّوْعُ مِنَ الكَلامِ يَدُلُّ عَلى غايَةِ تَعْظِيمِ القُرْآنِ، فَقَدْ يَقُولُ الرَّجُلُ إذا أرادَ تَعْظِيمَ رَجُلٍ لَهُ حاجَةٌ إلَيْهِ: أسْتَشْفِعُ بِكَ إلَيْكَ وأُقْسِمُ بِحَقِّكَ عَلَيْكَ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: ﴿المُبِينِ﴾ هو المُشْتَمِلُ عَلى بَيانِ ما بِالنّاسِ حاجَةً إلَيْهِ في دِينِهِمْ ودُنْياهم، فَوَصَفَهُ بِكَوْنِهِ مُبِينًا، وإنْ كانَتْ حَقِيقَةُ الإبانَةِ لِلَّهِ تَعالى، لِأجْلِ أنَّ الإبانَةَ حَصَلَتْ بِهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ﴾ [النمل: ٧٦]، وقالَ في آيَةٍ أُخْرى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أحْسَنَ القَصَصِ﴾ [يوسف: ٣]، وقالَ: ﴿أمْ أنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطانًا فَهو يَتَكَلَّمُ بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾ [الروم: ٣٥] فَوَصَفَهُ بِالتَّكَلُّمِ إذْ كانَ غايَةً في الإبانَةِ، فَكَأنَّهُ ذُو لِسانٍ يَنْطِقُ، والمَعْنى فِيهِ المُبالَغَةُ في وصْفِهِ بِهَذا المَعْنى. المَسْألَةُ الخامِسَةُ: اخْتَلَفُوا في هَذِهِ اللَّيْلَةِ المُبارَكَةِ، فَقالَ الأكْثَرُونَ: إنَّها لَيْلَةُ القَدْرِ، وقالَ عِكْرِمَةُ وطائِفَةٌ آخَرُونَ: إنَّها لَيْلَةُ البَراءَةِ، وهي لَيْلَةُ النِّصْفِ مِن شَعْبانَ، أمّا الأوَّلُونَ فَقَدِ احْتَجُّوا عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِمْ بِوُجُوهٍ: أوَّلُها: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ﴾ [القدر: ١]، وهَهُنا قالَ: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ﴾ فَوَجَبَ أنْ تَكُونَ هَذِهِ اللَّيْلَةُ المُبارَكَةُ هي تِلْكَ المُسَمّاةُ بِلَيْلَةِ القَدْرِ، لِئَلّا يَلْزَمَ التَّناقُضُ. وثانِيها: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ القُرْآنُ﴾ [البقرة: ١٨٥]، فَبَيَّنَ أنَّ إنْزالَ القُرْآنِ إنَّما وقَعَ في شَهْرِ رَمَضانَ، وقالَ هَهُنا: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ﴾ فَوَجَبَ أنْ تَكُونَ هَذِهِ اللَّيْلَةُ المُبارَكَةُ واقِعَةً في شَهْرِ رَمَضانَ، وكُلُّ مَن قالَ: إنَّ هَذِهِ اللَّيْلَةَ المُبارَكَةَ واقِعَةٌ في شَهْرِ رَمَضانَ قالَ: إنَّها لَيْلَةُ القَدْرِ، فَثَبَتَ أنَّها لَيْلَةُ القَدْرِ. وثالِثُها: أنَّهُ تَعالى قالَ في صِفَةِ لَيْلَةِ القَدْرِ: ﴿تَنَزَّلُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ فِيها بِإذْنِ رَبِّهِمْ مِن كُلِّ أمْرٍ﴾ ﴿سَلامٌ هِيَ﴾ [القدر: ٤، ٥]، وقالَ أيْضًا هَهُنا ﴿فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ﴾ وهَذا مُناسِبٌ لِقَوْلِهِ: ﴿تَنَزَّلُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ فِيها﴾ [القدر: ٤]، وهَهُنا قالَ: ﴿أمْرًا مِن عِنْدِنا﴾، وقالَ في تِلْكَ الآيَةِ: ﴿بِإذْنِ رَبِّهِمْ مِن كُلِّ أمْرٍ﴾ [القدر: ٤]، وقالَ هَهُنا ﴿رَحْمَةً مِن رَبِّكَ﴾، وقالَ في تِلْكَ الآيَةِ: ﴿سَلامٌ هِيَ﴾ [القدر: ٥]، وإذا تَقارَبَتِ الأوْصافُ وجَبَ القَوْلُ بِأنَّ إحْدى اللَّيْلَتَيْنِ هي الأُخْرى. ورابِعُها: نَقَلَ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ في “ تَفْسِيرِهِ “ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قالَ: نَزَلَتْ صُحُفُ إبْراهِيمَ في أوَّلِ لَيْلَةٍ مِن رَمَضانَ، والتَّوْراةُ لِسِتِّ لَيالٍ مِنهُ، والزَّبُورُ لِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ لَيْلَةً مَضَتْ مِنهُ، والإنْجِيلُ لِثَمانِ عَشْرَةَ لَيْلَةً مَضَتْ مِنهُ، والقُرْآنُ لِأرْبَعٍ وعِشْرِينَ لَيْلَةً مَضَتْ مِن رَمَضانَ، واللَّيْلَةُ المُبارَكَةُ هي لَيْلَةُ القَدْرِ. وخامِسُها: أنَّ لَيْلَةَ القَدْرِ إنَّما سُمِّيَتْ بِهَذا الِاسْمِ؛ لِأنَّ قَدْرَها وشَرَفَها عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ لَيْسَ قَدْرُها وشَرَفُها لِسَبَبِ ذَلِكَ الزَّمانِ، لِأنَّ الزَّمانَ شَيْءٌ واحِدٌ في الذّاتِ والصِّفاتِ، فَيَمْتَنِعُ كَوْنُ بَعْضِهِ أشْرَفَ مِن بَعْضٍ لِذاتِهِ، فَثَبَتَ أنَّ شَرَفَهُ وقَدْرَهُ بِسَبَبِ أنَّهُ حَصَلَ فِيهِ أُمُورٌ شَرِيفَةٌ عالِيَةٌ، لَها قَدْرٌ عَظِيمٌ ومَرْتَبَةٌ رَفِيعَةٌ، ومَعْلُومٌ أنَّ صفحة ٢٠٤ مَنصِبَ الدِّينِ أعْلى وأعْظَمُ مِن مَنصِبِ الدُّنْيا، وأعْلى الأشْياءِ وأشْرَفُها مَنصِبًا في الدِّينِ هو القُرْآنُ، لِأجْلِ أنَّ بِهِ ثَبَتَتْ نُبُوَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وبِهِ ظَهَرَ الفَرْقُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ في سائِرِ كُتُبِ اللَّهِ المُنَزَّلَةِ، كَما قالَ في صِفَتِهِ: (﴿ومُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤٨]، وبِهِ ظَهَرَتْ دَرَجاتُ أرْبابِ السَّعاداتِ، ودَرَكاتُ أرْبابِ الشَّقاواتِ، فَعَلى هَذا لا شَيْءَ إلّا والقُرْآنُ أعْظَمُ قَدْرًا وأعْلى ذِكْرًا وأعْظَمُ مَنصِبًا مِنهُ، فَلَوْ كانَ نُزُولُهُ إنَّما وقَعَ في لَيْلَةٍ أُخْرى سِوى لَيْلَةِ القَدْرِ لَكانَتْ لَيْلَةُ القَدْرِ هي هَذِهِ الثّانِيَةُ لا الأُولى، وحَيْثُ أطْبَقُوا عَلى أنَّ لَيْلَةَ القَدْرِ الَّتِي وقَعَتْ في رَمَضانَ، عَلِمْنا أنَّ القُرْآنَ إنَّما أُنْزِلَ في تِلْكَ اللَّيْلَةِ. وأمّا القائِلُونَ بِأنَّ المُرادَ مِنَ اللَّيْلَةِ المُبارَكَةِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ الآيَةِ هي لَيْلَةُ النِّصْفِ مِن شَعْبانَ، فَما رَأيْتُ لَهم فِيهِ دَلِيلًا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، وإنَّما قَنِعُوا فِيهِ بِأنْ نَقَلُوهُ عَنْ بَعْضِ النّاسِ، فَإنْ صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيهِ كَلامٌ فَلا مَزِيدَ عَلَيْهِ، وإلّا فالحَقُّ هو الأوَّلُ، ثُمَّ إنَّ هَؤُلاءِ القائِلِينَ بِهَذا القَوْلِ زَعَمُوا أنَّ لَيْلَةَ النِّصْفِ مِن شَعْبانَ لَها أرْبَعَةُ أسْماءَ: اللَّيْلَةُ المُبارَكَةُ، ولَيْلَةُ البَراءَةِ، ولَيْلَةُ الصَّكِّ، ولَيْلَةُ الرَّحْمَةِ، وقِيلَ: إنَّما سُمِّيَتْ بِلَيْلَةِ البَراءَةِ ولَيْلَةِ الصَّكِّ، لِأنَّ البُنْدارَ إذا اسْتَوْفى الخَراجَ مِن أهْلِهِ كَتَبَ لَهُمُ البَراءَةَ، كَذَلِكَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ يَكْتُبُ لِعِبادِهِ المُؤْمِنِينَ البَراءَةَ في هَذِهِ اللَّيْلَةِ، وقِيلَ: هَذِهِ اللَّيْلَةُ مُخْتَصَّةٌ بِخَمْسِ خِصالٍ: الأُولى: تَفْرِيقُ كُلِّ أمْرٍ حَكِيمٍ فِيها، قالَ تَعالى: ﴿فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ﴾ . والثّانِيَةُ: فَضِيلَةُ العِبادَةِ فِيها، قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن صَلّى في هَذِهِ اللَّيْلَةِ مِائَةَ رَكْعَةٍ أرْسَلَ اللَّهُ إلَيْهِ مِائَةَ مَلَكٍ، ثَلاثُونَ يُبَشِّرُونَهُ بِالجَنَّةِ، وثَلاثُونَ يُؤَمِّنُونَهُ مِن عَذابِ النّارِ، وثَلاثُونَ يَدْفَعُونَ عَنْهُ آفاتِ الدُّنْيا، وعَشَرَةٌ يَدْفَعُونَ عَنْهُ مَكايِدَ الشَّيْطانِ» . الخَصْلَةُ الثّالِثَةُ: نُزُولُ الرَّحْمَةِ، قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «إنَّ اللَّهَ يَرْحَمُ أُمَّتِي في هَذِهِ اللَّيْلَةِ بِعَدَدِ شَعْرِ أغْنامِ بَنِي كَلْبٍ» . والخَصْلَةُ الرّابِعَةُ: حُصُولُ المَغْفِرَةِ، قالَ ﷺ: «إنَّ اللَّهَ تَعالى يَغْفِرُ لِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ في تِلْكَ اللَّيْلَةِ، إلّا لِكاهِنٍ، أوْ مُشاحِنٍ، أوْ مُدْمِنِ خَمْرٍ، أوْ عاقٍّ لِلْوالِدَيْنِ، أوْ مُصِرٍّ عَلى الزِّنا» . والخَصْلَةُ الخامِسَةُ: أنَّهُ تَعالى أعْطى رَسُولَهُ في هَذِهِ اللَّيْلَةِ تَمامَ الشَّفاعَةِ، وذَلِكَ أنَّهُ سَألَ لَيْلَةَ الثّالِثَ عَشَرَ مِن شَعْبانَ في أُمَّتِهِ فَأُعْطِيَ الثُّلُثَ مِنها، ثُمَّ سَألَ لَيْلَةَ الرّابِعَ عَشَرَ فَأُعْطِيَ الثُّلُثَيْنِ، ثُمَّ سَألَ لَيْلَةَ الخامِسَ عَشَرَ فَأُعْطِيَ الجَمِيعَ إلّا مَن شَرَدَ عَلى اللَّهِ شِرادَ البَعِيرِ. هَذا الفَصْلُ نَقَلْتُهُ مِنَ “ الكَشّافِ “، فَإنْ قِيلَ: لا شَكَّ أنَّ الزَّمانَ عِبارَةٌ عَنِ المُدَّةِ المُمْتَدَّةِ الَّتِي تَقْدِيرُها حَرَكاتُ الأفْلاكِ والكَواكِبِ، وأنَّهُ في ذاتِهِ أمْرٌ مُتَشابِهُ الأجْزاءِ فَيَمْتَنِعُ كَوْنُ بَعْضِها أفْضَلَ مِن بَعْضٍ، والمَكانُ عِبارَةٌ عَنِ الفَضاءِ المُمْتَدِّ والخَلاءِ الخالِي، فَيَمْتَنِعُ كَوْنُ بَعْضِ أجْزائِهِ أشْرَفَ مِنَ البَعْضِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ تَخْصِيصُ بَعْضِ أجْزائِهِ بِمَزِيدِ الشَّرَفِ دُونَ الباقِي تَرْجِيحًا لِأحَدِ طَرَفَيِ المُمْكِنِ عَلى الآخَرِ لا لِمُرَجِّحٍ وإنَّهُ مُحالٌ، قُلْنا: القَوْلُ بِإثْباتِ حُدُوثِ العالَمِ وإثْباتِ أنَّ فاعِلَهُ فاعِلٌ مُخْتارٌ بِناءً عَلى هَذا الحَرْفِ وهو أنَّهُ لا يَبْعُدُ مِنَ الفاعِلِ المُخْتارِ تَخْصِيصُ وقْتٍ مُعَيَّنٍ بِإحْداثِ العالَمِ فِيهِ دُونَ ما قَبْلَهُ وما بَعْدَهُ، فَإنْ بَطَلَ هَذا الأصْلُ فَقَدْ بَطَلَ حُدُوثُ العالَمِ وبَطَلَ الفاعِلُ المُخْتارُ، وحِينَئِذٍ لا يَكُونُ الخَوْضُ في تَفْسِيرِ القُرْآنِ فائِدَةً، وإنْ صَحَّ هَذا الأصْلُ فَقَدْ زالَ ما ذَكَرْتُمْ مِنَ السُّؤالِ، فَهَذا هو الجَوابُ المُعْتَمَدُ، والنّاسُ قالُوا: لا يَبْعُدُ أنْ يَخُصَّ اللَّهُ تَعالى بَعْضَ الأوْقاتِ بِمَزِيدِ تَشْرِيفٍ حَتّى يَصِيرَ ذَلِكَ داعِيًا لِلْمُكَلَّفِ إلى الإقْدامِ عَلى الطّاعاتِ في ذَلِكَ الوَقْتِ، ولِهَذا السَّبَبِ بَيَّنَ أنَّهُ تَعالى أخْفاهُ في الأوْقاتِ وما عَيَّنَهُ لِأنَّهُ إنْ لَمْ يَكُنْ مُعَيَّنًا جَوَّزَ المُكَلَّفُ في كُلِّ وقْتٍ مُعَيَّنٍ أنْ يَكُونَ هو ذَلِكَ الوَقْتَ الشَّرِيفَ، فَيَصِيرُ ذَلِكَ حامِلًا لَهُ عَلى المُواظَبَةِ عَلى الطّاعاتِ في كُلِّ الأوْقاتِ، وإذا وقَعْتَ عَلى هَذا الحَرْفِ ظَهَرَ عِنْدَكَ أنَّ الزَّمانَ والمَكانَ إنَّما فازا بِالتَّشْرِيفاتِ الزّائِدَةِ تَبَعًا لِشَرَفِ الإنْسانِ فَهو الأصْلُ وكُلُّ ما سِواهُ فَهو تَبَعٌ لَهُ، واللَّهُ أعْلَمُ. صفحة ٢٠٥ المَسْألَةُ السّادِسَةُ: رُوِيَ أنَّ عَطِيَّةَ الحَرُورِيَّ سَألَ ابْنَ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما عَنْ قَوْلِهِ: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ﴾ [القدر: ١] وقَوْلِهِ: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ﴾ كَيْفَ يَصِحُّ ذَلِكَ مَعَ أنَّ اللَّهَ تَعالى أنْزَلَ القُرْآنَ في جَمِيعِ الشُّهُورِ ؟ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: يا ابْنَ الأسْوَدِ، لَوْ هَلَكْتُ أنا ووَقَعَ هَذا في نَفْسِكَ ولَمْ تَجِدْ جَوابَهُ هَلَكْتَ، نَزَلَ القُرْآنُ جُمْلَةً مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ إلى البَيْتِ المَعْمُورِ، وهو في السَّماءِ الدُّنْيا، ثُمَّ نَزَلَ بَعْدَ ذَلِكَ في أنْواعِ الوَقائِعِ حالًا فَحالًا، واللَّهُ أعْلَمُ. * * * المَسْألَةُ السّابِعَةُ: في بَيانِ نَظْمِ هَذِهِ الآياتِ: اعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِنها تَعْظِيمُ القُرْآنِ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: أحَدُها: بَيانُ تَعْظِيمِ القُرْآنِ بِحَسَبِ ذاتِهِ. الثّانِي: بَيانُ تَعْظِيمِهِ بِسَبَبِ شَرَفِ الوَقْتِ الَّذِي نَزَلَ فِيهِ. والثّالِثُ: بَيانُ تَعْظِيمِهِ بِحَسَبِ شَرَفِ مَنزِلَتِهِ. أمّا بَيانُ تَعْظِيمِهِ بِحَسَبِ ذاتِهِ فَمِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ تَعالى أقْسَمَ بِهِ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى شَرَفِهِ. وثانِيها: أنَّهُ تَعالى أقْسَمَ بِهِ عَلى كَوْنِهِ نازِلًا في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ القَسَمَ بِالشَّيْءِ عَلى حالَةٍ مِن أحْوالِ نَفْسِهِ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ في غايَةِ الشَّرَفِ. وثالِثُها: أنَّهُ تَعالى وصَفَهُ بِكَوْنِهِ مُبِينًا، وذَلِكَ يَدُلُّ أيْضًا عَلى شَرَفِهِ في ذاتِهِ. وأمّا النَّوْعُ الثّانِي: وهو بَيانُ شَرَفِهِ لِأجْلِ شَرَفِ الوَقْتِ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ فَهو قَوْلُهُ: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ﴾، وهَذا تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ نُزُولَهُ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ يَقْتَضِي شَرَفَهُ وجَلالَتَهُ، ثُمَّ نَقُولُ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ﴾ يَقْتَضِي أمْرَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ تَعالى أنْزَلَهُ، والثّانِي: كَوْنُ تِلْكَ اللَّيْلَةِ مُبارَكَةً، فَذَكَرَ تَعالى عَقِيبَ هَذِهِ الكَلِمَةِ ما يَجْرِي مَجْرى البَيانِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما، أمّا بَيانُ أنَّهُ تَعالى لِمَ أنْزَلَهُ فَهو قَوْلُهُ: ﴿إنّا كُنّا مُنْذِرِينَ﴾ يَعْنِي الحِكْمَةَ في إنْزالِ هَذِهِ السُّورَةِ أنَّ إنْذارَ الخَلْقِ لا يَتِمُّ إلّا بِهِ، وأمّا بَيانُ أنَّ هَذِهِ اللَّيْلَةَ لَيْلَةٌ مُبارَكَةٌ فَهو أمْرانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ تَعالى يَفْرِقُ فِيها كُلَّ أمْرٍ حَكِيمٍ، والثّانِي: أنَّ ذَلِكَ الأمْرَ الحَكِيمَ مَخْصُوصٌ بِشَرَفِ أنَّهُ إنَّما يَظْهَرُ مِن عِنْدِهِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿أمْرًا مِن عِنْدِنا﴾ . وأمّا النَّوْعُ الثّالِثُ: فَهو بَيانُ شَرَفِ القُرْآنِ لِشَرَفِ مَنزِلِهِ وذَلِكَ هو قَوْلُهُ: ﴿إنّا كُنّا مُرْسِلِينَ﴾ فَبَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ الإنْذارَ والإرْسالَ إنَّما حَصَلَ مِنَ اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ الإرْسالَ إنَّما كانَ لِأجْلِ تَكْمِيلِ الرَّحْمَةِ وهو قَوْلُهُ: ﴿رَحْمَةً مِن رَبِّكَ﴾، وكانَ الواجِبُ أنْ يُقالَ: رَحْمَةً مِنّا إلّا أنَّهُ وضَعَ الظّاهِرَ مَوْضِعَ المُضْمَرِ إيذانًا بِأنَّ الرُّبُوبِيَّةَ تَقْتَضِي الرَّحْمَةَ عَلى المَرْبُوبِينَ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ تِلْكَ الرَّحْمَةَ وقَعَتْ عَلى وفْقِ حاجاتِ المُحْتاجِينَ لِأنَّهُ تَعالى يَسْمَعُ تَضَرُّعاتِهِمْ، ويَعْلَمُ أنْواعَ حاجاتِهِمْ، فَلِهَذا قالَ: ﴿إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ فَهَذا ما خَطَرَ بِالبالِ في كَيْفِيَّةِ تَعَلُّقِ بَعْضِ هَذِهِ الآياتِ بِبَعْضٍ. المَسْألَةُ الثّامِنَةُ: في تَفْسِيرِ مُفْرَداتِ هَذِهِ الألْفاظِ: أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ﴾ فَقَدْ قِيلَ فِيهِ: إنَّهُ تَعالى أنْزَلَ كُلِّيَّةَ القُرْآنِ مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ إلى سَماءِ الدُّنْيا في هَذِهِ اللَّيْلَةِ، ثُمَّ أنْزَلَ في كُلِّ وقْتٍ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ المُكَلَّفُ، وقِيلَ: يَبْدَأُ في اسْتِنْساخِ ذَلِكَ مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ في لَيْلَةِ البَراءَةِ، ويَقَعُ الفَراغُ في لَيْلَةِ القَدْرِ، فَتُدْفَعُ نُسْخَةُ الأرْزاقِ إلى مِيكائِيلَ، ونُسْخَةُ الحُرُوبِ إلى جِبْرائِيلَ، وكَذَلِكَ الزَّلازِلِ والصَّواعِقِ والخَسْفِ، ونُسْخَةُ الأعْمالِ إلى إسْماعِيلَ صاحِبِ سَماءِ الدُّنْيا وهو مَلَكٌ عَظِيمٌ، ونُسْخَةُ المَصائِبِ إلى مَلَكِ المَوْتِ. صفحة ٢٠٦ أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِيها يُفْرَقُ﴾ أيْ في تِلْكَ اللَّيْلَةِ المُبارَكَةِ يُفْرَقُ أيْ يُفَصَّلُ ويُبَيَّنُ مِن قَوْلِهِمْ: فَرَقْتُ الشَّيْءَ أفْرُقُهُ فَرْقًا وفُرْقانًا، قالَ صاحِبُ “ الكَشّافِ “: وقُرِئَ يُفَرِّقُ بِالتَّشْدِيدِ، ويَفْرُقُ عَلى إسْنادِ الفِعْلِ إلى الفاعِلِ ونَصْبِ كُلٍّ، والفارِقُ هو اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ نُفَرِّقُ بِالنُّونِ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ﴾، فالحَكِيمُ مَعْناهُ ذُو الحِكْمَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ تَخْصِيصَ اللَّهِ تَعالى كُلَّ أحَدٍ بِحالَةٍ مُعَيَّنَةٍ مِنَ العُمُرِ والرِّزْقِ والأجْلِ والسَّعادَةِ والشَّقاوَةِ يَدُلُّ عَلى حِكْمَةٍ بالِغَةٍ لِلَّهِ تَعالى، فَلَمّا كانَتْ تِلْكَ الأفْعالُ والأقْضِيَةُ دالَّةً عَلى حِكْمَةِ فاعِلِها وُصِفَتْ بِكَوْنِها حَكِيمَةً، وهَذا مِنَ الإسْنادِ المَجازِيِّ، لِأنَّ الحَكِيمَ صِفَةُ صاحِبِ الأمْرِ عَلى الحَقِيقَةِ، ووَصْفُ الأمْرِ بِهِ مَجازٌ، ثُمَّ قالَ: ﴿أمْرًا مِن عِنْدِنا﴾، وفي انْتِصابِ قَوْلِهِ: ﴿أمْرًا﴾ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ نُصِبَ عَلى الِاخْتِصاصِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ شَرَفَ تِلْكَ الأقْضِيَةِ والأحْكامِ بِسَبَبِ أنْ وصَفَها بِكَوْنِها حَكِيمَةً، ثُمَّ زادَ في بَيانِ شَرَفِها بِأنْ قالَ: أعْنِي بِهَذا الأمْرِ أمْرًا حاصِلًا مِن عِنْدِنا كائِنًا مِن لَدُنّا، وكَما اقْتَضاهُ عِلْمُنا وتَدْبِيرُنا. والثّانِي: أنَّهُ نُصِبَ عَلى الحالِ، وفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ حالًا مِن أحَدِ الضَّمِيرَيْنِ في ﴿أنْزَلْناهُ﴾، إمّا مِن ضَمِيرِ الفاعِلِ أيْ: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ﴾ آمِرِينَ أمْرًا، أوْ مِن ضَمِيرِ المَفْعُولِ أيْ: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ﴾ في حالِ كَوْنِهِ أمْرًا مِن عِنْدِنا بِما يَجِبُ أنْ يَفْعَلَ. والثّالِثُ: ما حَكاهُ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ عَنْ أبِي الحَسَنِ رَحِمَهُما اللَّهُ: أنَّهُ حَمَلَ قَوْلَهُ: ﴿أمْرًا﴾ عَلى الحالِ، وذُو الحالِ قَوْلُهُ: ﴿كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ﴾، وهو نَكِرَةٌ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿إنّا كُنّا مُرْسِلِينَ﴾ يَعْنِي: إنّا إنَّما فَعَلْنا ذَلِكَ الإنْذارَ لِأجَلِ (إنّا كُنّا مُرْسِلِينَ) يَعْنِي الأنْبِياءَ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿رَحْمَةً مِن رَبِّكَ﴾ أيْ لِلرَّحْمَةِ، فَهي نَصْبٌ عَلى أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لَهُ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ يَعْنِي أنَّ تِلْكَ الرَّحْمَةَ كانَتْ رَحْمَةً في الحَقِيقَةِ لِأنَّ المُحْتاجِينَ إمّا أنْ يَذْكُرُوا بِألْسِنَتِهِمْ حاجاتِهِمْ، وإمّا أنْ لا يَذْكُرُوها، فَإنْ ذَكَرُوها فَهو تَعالى يَسْمَعُ كَلامَهم فَيَعْرِفُ حاجاتِهِمْ، وإنْ لَمْ يَذْكُرُوها فَهو تَعالى عالِمٌ بِها، فَثَبَتَ أنَّ كَوْنَهُ (سَمِيعًا عَلِيمًا) يَقْتَضِي أنْ يُنْزِلَ رَحْمَتَهُ عَلَيْهِمْ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾، وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِكَسْرِ الباءِ مِن رَبٍّ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿رَحْمَةً مِن رَبِّكَ﴾ والباقُونَ بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿هُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المَقْصُودُ مِن هَذِهِ الآيَةِ أنَّ المُنَزِّلَ إذا كانَ مَوْصُوفًا بِهَذِهِ الجَلالَةِ والكِبْرِياءِ كانَ المُنْزَّلُ الَّذِي هو القُرْآنُ في غايَةِ الشَّرَفِ والرِّفْعَةِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الفائِدَةُ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: مَعْناهُ إنْ كُنْتُمْ تَطْلُبُونَ اليَقِينَ وتُرِيدُونَهُ، فاعْرِفُوا أنَّ الأمْرَ كَما قُلْنا، كَقَوْلِهِمْ: فُلانٌ مُنْجِدٌ مُتْهِمٌ أيْ يُرِيدُ نَجْدًا وتِهامَةَ. الثّانِي: قالَ صاحِبُ “ الكَشّافِ “ كانُوا يُقِرُّونَ بِأنَّ لِلسَّماواتِ والأرْضِ رَبًّا وخالِقًا، فَقِيلَ لَهم: إنَّ إرْسالَ الرُّسُلِ وإنْزالَ الكُتُبِ رَحْمَةٌ مِنَ الرَّبِّ سُبْحانَهُ وتَعالى، ثُمَّ قِيلَ: إنَّ هَذا هو السَّمِيعُ العَلِيمُ الَّذِي أنْتُمْ مُقِرُّونَ بِهِ ومُعْتَرِفُونَ بِأنَّهُ رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما إنْ كانَ إقْرارُكم عَنْ عِلْمٍ ويَقِينٍ، كَما تَقُولُ: هَذا إنْعامُ زَيْدٍ الَّذِي تَسامَعَ النّاسُ بِكَرَمِهِ إنْ بَلَغَكَ حَدِيثُهُ وسَمِعْتَ قِصَّتَهُ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى رَدَّ أنْ يَكُونُوا مُوقِنِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿بَلْ هم في شَكٍّ يَلْعَبُونَ﴾، وأنَّ إقْرارَهم غَيْرُ صادِرٍ عَنْ عِلْمٍ ويَقِينٍ ولا عَنْ جَدٍّ وحَقِيقَةٍ، بَلْ قَوْلٌ مَخْلُوطٌ بِهُزْءٍ ولَعِبٍ، واللَّهُ أعْلَمُ.

الدخان 44:2

صفحة ٢٠٢ (سُورَةُ الدُّخانِ) خَمْسُونَ وتِسْعُ آياتٍ مَكِّيَّةٍ إلّا قَوْلَهُ: ﴿إنّا كاشِفُوا العَذابِ﴾ ﷽ ﴿حم﴾ ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إنّا كُنّا مُنْذِرِينَ﴾ ﴿فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ﴾ ﴿أمْرًا مِن عِنْدِنا إنّا كُنّا مُرْسِلِينَ﴾ ﴿رَحْمَةً مِن رَبِّكَ إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ ﴿رَبِّ السَّمَواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ ﴿لا إلَهَ إلّا هو يُحْيِي ويُمِيتُ رَبُّكم ورَبُّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿بَلْ هم في شَكٍّ يَلْعَبُونَ﴾ ﷽ ﴿حم﴾ ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إنّا كُنّا مُنْذِرِينَ﴾ ﴿فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ﴾ ﴿أمْرًا مِن عِنْدِنا إنّا كُنّا مُرْسِلِينَ﴾ ﴿رَحْمَةً مِن رَبِّكَ إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ ﴿رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ ﴿لا إلَهَ إلّا هو يُحْيِي ويُمِيتُ رَبُّكم ورَبُّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿بَلْ هم في شَكٍّ يَلْعَبُونَ﴾، وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: في قَوْلِهِ: ﴿حم﴾ ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ وُجُوهٌ مِنَ الِاحْتِمالاتِ: أوَّلُها: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: هَذِهِ ﴿حم﴾ ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ كَقَوْلِكَ: هَذا زَيْدٌ واللَّهِ. وثانِيها: أنْ يَكُونَ الكَلامُ قَدْ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿حم﴾، ثُمَّ يُقالُ ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ ﴿إنّا أنْزَلْناهُ﴾ . وثالِثُها: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: وحم، والكِتابِ المُبِينِ، إنّا أنْزَلْناهُ، فَيَكُونُ ذَلِكَ في التَّقْدِيرِ قَسَمَيْنِ عَلى شَيْءٍ واحِدٍ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالُوا: هَذا يَدُلُّ عَلى حُدُوثِ القُرْآنِ لِوُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿حم﴾ تَقْدِيرُهُ: هَذِهِ حم، يَعْنِي هَذا شَيْءٌ مُؤَلَّفٌ مِن هَذِهِ الحُرُوفِ، والمُؤَلَّفُ مِنَ الحُرُوفِ المُتَعاقِبَةِ مُحْدَثٌ. الثّانِي: أنَّهُ ثَبَتَ أنَّ الحَلِفَ لا يَصِحُّ بِهَذِهِ الأشْياءِ بَلْ بِإلَهِ هَذِهِ الأشْياءِ، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: ورَبِّ حم ورَبِّ الكِتابِ المُبِينِ، وكُلُّ مَن كانَ مَرْبُوبًا فَهو مُحْدَثٌ. الثّالِثُ: أنَّهُ وصَفَهُ بِكَوْنِهِ كِتابًا، والكِتابُ مُشْتَقٌّ مِنَ الجَمْعِ، فَمَعْناهُ أنَّهُ مَجْمُوعٌ والمَجْمُوعُ مَحَلُّ تَصَرُّفِ الغَيْرِ، وما كانَ كَذَلِكَ فَهو مُحْدَثٌ. الرّابِعُ: قَوْلُهُ: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ﴾ والمُنْزَلُ مَحَلُّ تَصَرُّفِ صفحة ٢٠٣ الغَيْرِ، وما كانَ كَذَلِكَ فَهو مُحْدَثٌ، وقَدْ ذَكَرْنا مِرارًا أنَّ جَمِيعَ هَذِهِ الدَّلائِلِ تَدُلُّ عَلى أنَّ الشَّيْءَ المُرَكَّبَ مِنَ الحُرُوفِ المُتَعاقِبَةِ والأصْواتِ المُتَوالِيَةِ مُحْدَثٌ، والعِلْمُ بِذَلِكَ ضَرُورِيٌّ بَدِيهِيٌّ، لا يُنازِعُ فِيهِ إلّا مَن كانَ عَدِيمَ العَقْلِ وكانَ غَيْرَ عارِفٍ بِمَعْنى القَدِيمِ والمُحْدَثِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَكَيْفَ يُنازِعُ في صِحَّةِ هَذِهِ الدَّلائِلِ ؟ إنَّما الَّذِي ثَبَتَ قِدَمُهُ شَيْءٌ آخَرُ سِوى ما تَرَكَّبَ مِن هَذِهِ الحُرُوفِ والأصْواتِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالكِتابِ هَهُنا الكُتُبَ المُتَقَدِّمَةَ الَّتِي أنْزَلَها اللَّهُ عَلى أنْبِيائِهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿لَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلَنا بِالبَيِّناتِ وأنْزَلْنا مَعَهُمُ الكِتابَ والمِيزانَ﴾ [الحديد: ٢٥]، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ اللَّوْحَ المَحْفُوظَ، كَما قالَ: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ وعِنْدَهُ أُمُّ الكِتابِ﴾ [الرعد: ٣٩]، وقالَ: ﴿وإنَّهُ في أُمِّ الكِتابِ لَدَيْنا﴾ [الزخرف: ٤]، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ القُرْآنَ، وبِهَذا التَّقْدِيرِ فَقَدْ أقْسَمَ بِالقُرْآنِ عَلى أنَّهُ أنْزَلَ القُرْآنَ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ، وهَذا النَّوْعُ مِنَ الكَلامِ يَدُلُّ عَلى غايَةِ تَعْظِيمِ القُرْآنِ، فَقَدْ يَقُولُ الرَّجُلُ إذا أرادَ تَعْظِيمَ رَجُلٍ لَهُ حاجَةٌ إلَيْهِ: أسْتَشْفِعُ بِكَ إلَيْكَ وأُقْسِمُ بِحَقِّكَ عَلَيْكَ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: ﴿المُبِينِ﴾ هو المُشْتَمِلُ عَلى بَيانِ ما بِالنّاسِ حاجَةً إلَيْهِ في دِينِهِمْ ودُنْياهم، فَوَصَفَهُ بِكَوْنِهِ مُبِينًا، وإنْ كانَتْ حَقِيقَةُ الإبانَةِ لِلَّهِ تَعالى، لِأجْلِ أنَّ الإبانَةَ حَصَلَتْ بِهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ﴾ [النمل: ٧٦]، وقالَ في آيَةٍ أُخْرى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أحْسَنَ القَصَصِ﴾ [يوسف: ٣]، وقالَ: ﴿أمْ أنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطانًا فَهو يَتَكَلَّمُ بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾ [الروم: ٣٥] فَوَصَفَهُ بِالتَّكَلُّمِ إذْ كانَ غايَةً في الإبانَةِ، فَكَأنَّهُ ذُو لِسانٍ يَنْطِقُ، والمَعْنى فِيهِ المُبالَغَةُ في وصْفِهِ بِهَذا المَعْنى. المَسْألَةُ الخامِسَةُ: اخْتَلَفُوا في هَذِهِ اللَّيْلَةِ المُبارَكَةِ، فَقالَ الأكْثَرُونَ: إنَّها لَيْلَةُ القَدْرِ، وقالَ عِكْرِمَةُ وطائِفَةٌ آخَرُونَ: إنَّها لَيْلَةُ البَراءَةِ، وهي لَيْلَةُ النِّصْفِ مِن شَعْبانَ، أمّا الأوَّلُونَ فَقَدِ احْتَجُّوا عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِمْ بِوُجُوهٍ: أوَّلُها: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ﴾ [القدر: ١]، وهَهُنا قالَ: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ﴾ فَوَجَبَ أنْ تَكُونَ هَذِهِ اللَّيْلَةُ المُبارَكَةُ هي تِلْكَ المُسَمّاةُ بِلَيْلَةِ القَدْرِ، لِئَلّا يَلْزَمَ التَّناقُضُ. وثانِيها: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ القُرْآنُ﴾ [البقرة: ١٨٥]، فَبَيَّنَ أنَّ إنْزالَ القُرْآنِ إنَّما وقَعَ في شَهْرِ رَمَضانَ، وقالَ هَهُنا: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ﴾ فَوَجَبَ أنْ تَكُونَ هَذِهِ اللَّيْلَةُ المُبارَكَةُ واقِعَةً في شَهْرِ رَمَضانَ، وكُلُّ مَن قالَ: إنَّ هَذِهِ اللَّيْلَةَ المُبارَكَةَ واقِعَةٌ في شَهْرِ رَمَضانَ قالَ: إنَّها لَيْلَةُ القَدْرِ، فَثَبَتَ أنَّها لَيْلَةُ القَدْرِ. وثالِثُها: أنَّهُ تَعالى قالَ في صِفَةِ لَيْلَةِ القَدْرِ: ﴿تَنَزَّلُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ فِيها بِإذْنِ رَبِّهِمْ مِن كُلِّ أمْرٍ﴾ ﴿سَلامٌ هِيَ﴾ [القدر: ٤، ٥]، وقالَ أيْضًا هَهُنا ﴿فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ﴾ وهَذا مُناسِبٌ لِقَوْلِهِ: ﴿تَنَزَّلُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ فِيها﴾ [القدر: ٤]، وهَهُنا قالَ: ﴿أمْرًا مِن عِنْدِنا﴾، وقالَ في تِلْكَ الآيَةِ: ﴿بِإذْنِ رَبِّهِمْ مِن كُلِّ أمْرٍ﴾ [القدر: ٤]، وقالَ هَهُنا ﴿رَحْمَةً مِن رَبِّكَ﴾، وقالَ في تِلْكَ الآيَةِ: ﴿سَلامٌ هِيَ﴾ [القدر: ٥]، وإذا تَقارَبَتِ الأوْصافُ وجَبَ القَوْلُ بِأنَّ إحْدى اللَّيْلَتَيْنِ هي الأُخْرى. ورابِعُها: نَقَلَ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ في “ تَفْسِيرِهِ “ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قالَ: نَزَلَتْ صُحُفُ إبْراهِيمَ في أوَّلِ لَيْلَةٍ مِن رَمَضانَ، والتَّوْراةُ لِسِتِّ لَيالٍ مِنهُ، والزَّبُورُ لِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ لَيْلَةً مَضَتْ مِنهُ، والإنْجِيلُ لِثَمانِ عَشْرَةَ لَيْلَةً مَضَتْ مِنهُ، والقُرْآنُ لِأرْبَعٍ وعِشْرِينَ لَيْلَةً مَضَتْ مِن رَمَضانَ، واللَّيْلَةُ المُبارَكَةُ هي لَيْلَةُ القَدْرِ. وخامِسُها: أنَّ لَيْلَةَ القَدْرِ إنَّما سُمِّيَتْ بِهَذا الِاسْمِ؛ لِأنَّ قَدْرَها وشَرَفَها عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ لَيْسَ قَدْرُها وشَرَفُها لِسَبَبِ ذَلِكَ الزَّمانِ، لِأنَّ الزَّمانَ شَيْءٌ واحِدٌ في الذّاتِ والصِّفاتِ، فَيَمْتَنِعُ كَوْنُ بَعْضِهِ أشْرَفَ مِن بَعْضٍ لِذاتِهِ، فَثَبَتَ أنَّ شَرَفَهُ وقَدْرَهُ بِسَبَبِ أنَّهُ حَصَلَ فِيهِ أُمُورٌ شَرِيفَةٌ عالِيَةٌ، لَها قَدْرٌ عَظِيمٌ ومَرْتَبَةٌ رَفِيعَةٌ، ومَعْلُومٌ أنَّ صفحة ٢٠٤ مَنصِبَ الدِّينِ أعْلى وأعْظَمُ مِن مَنصِبِ الدُّنْيا، وأعْلى الأشْياءِ وأشْرَفُها مَنصِبًا في الدِّينِ هو القُرْآنُ، لِأجْلِ أنَّ بِهِ ثَبَتَتْ نُبُوَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وبِهِ ظَهَرَ الفَرْقُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ في سائِرِ كُتُبِ اللَّهِ المُنَزَّلَةِ، كَما قالَ في صِفَتِهِ: (﴿ومُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤٨]، وبِهِ ظَهَرَتْ دَرَجاتُ أرْبابِ السَّعاداتِ، ودَرَكاتُ أرْبابِ الشَّقاواتِ، فَعَلى هَذا لا شَيْءَ إلّا والقُرْآنُ أعْظَمُ قَدْرًا وأعْلى ذِكْرًا وأعْظَمُ مَنصِبًا مِنهُ، فَلَوْ كانَ نُزُولُهُ إنَّما وقَعَ في لَيْلَةٍ أُخْرى سِوى لَيْلَةِ القَدْرِ لَكانَتْ لَيْلَةُ القَدْرِ هي هَذِهِ الثّانِيَةُ لا الأُولى، وحَيْثُ أطْبَقُوا عَلى أنَّ لَيْلَةَ القَدْرِ الَّتِي وقَعَتْ في رَمَضانَ، عَلِمْنا أنَّ القُرْآنَ إنَّما أُنْزِلَ في تِلْكَ اللَّيْلَةِ. وأمّا القائِلُونَ بِأنَّ المُرادَ مِنَ اللَّيْلَةِ المُبارَكَةِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ الآيَةِ هي لَيْلَةُ النِّصْفِ مِن شَعْبانَ، فَما رَأيْتُ لَهم فِيهِ دَلِيلًا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، وإنَّما قَنِعُوا فِيهِ بِأنْ نَقَلُوهُ عَنْ بَعْضِ النّاسِ، فَإنْ صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيهِ كَلامٌ فَلا مَزِيدَ عَلَيْهِ، وإلّا فالحَقُّ هو الأوَّلُ، ثُمَّ إنَّ هَؤُلاءِ القائِلِينَ بِهَذا القَوْلِ زَعَمُوا أنَّ لَيْلَةَ النِّصْفِ مِن شَعْبانَ لَها أرْبَعَةُ أسْماءَ: اللَّيْلَةُ المُبارَكَةُ، ولَيْلَةُ البَراءَةِ، ولَيْلَةُ الصَّكِّ، ولَيْلَةُ الرَّحْمَةِ، وقِيلَ: إنَّما سُمِّيَتْ بِلَيْلَةِ البَراءَةِ ولَيْلَةِ الصَّكِّ، لِأنَّ البُنْدارَ إذا اسْتَوْفى الخَراجَ مِن أهْلِهِ كَتَبَ لَهُمُ البَراءَةَ، كَذَلِكَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ يَكْتُبُ لِعِبادِهِ المُؤْمِنِينَ البَراءَةَ في هَذِهِ اللَّيْلَةِ، وقِيلَ: هَذِهِ اللَّيْلَةُ مُخْتَصَّةٌ بِخَمْسِ خِصالٍ: الأُولى: تَفْرِيقُ كُلِّ أمْرٍ حَكِيمٍ فِيها، قالَ تَعالى: ﴿فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ﴾ . والثّانِيَةُ: فَضِيلَةُ العِبادَةِ فِيها، قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن صَلّى في هَذِهِ اللَّيْلَةِ مِائَةَ رَكْعَةٍ أرْسَلَ اللَّهُ إلَيْهِ مِائَةَ مَلَكٍ، ثَلاثُونَ يُبَشِّرُونَهُ بِالجَنَّةِ، وثَلاثُونَ يُؤَمِّنُونَهُ مِن عَذابِ النّارِ، وثَلاثُونَ يَدْفَعُونَ عَنْهُ آفاتِ الدُّنْيا، وعَشَرَةٌ يَدْفَعُونَ عَنْهُ مَكايِدَ الشَّيْطانِ» . الخَصْلَةُ الثّالِثَةُ: نُزُولُ الرَّحْمَةِ، قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «إنَّ اللَّهَ يَرْحَمُ أُمَّتِي في هَذِهِ اللَّيْلَةِ بِعَدَدِ شَعْرِ أغْنامِ بَنِي كَلْبٍ» . والخَصْلَةُ الرّابِعَةُ: حُصُولُ المَغْفِرَةِ، قالَ ﷺ: «إنَّ اللَّهَ تَعالى يَغْفِرُ لِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ في تِلْكَ اللَّيْلَةِ، إلّا لِكاهِنٍ، أوْ مُشاحِنٍ، أوْ مُدْمِنِ خَمْرٍ، أوْ عاقٍّ لِلْوالِدَيْنِ، أوْ مُصِرٍّ عَلى الزِّنا» . والخَصْلَةُ الخامِسَةُ: أنَّهُ تَعالى أعْطى رَسُولَهُ في هَذِهِ اللَّيْلَةِ تَمامَ الشَّفاعَةِ، وذَلِكَ أنَّهُ سَألَ لَيْلَةَ الثّالِثَ عَشَرَ مِن شَعْبانَ في أُمَّتِهِ فَأُعْطِيَ الثُّلُثَ مِنها، ثُمَّ سَألَ لَيْلَةَ الرّابِعَ عَشَرَ فَأُعْطِيَ الثُّلُثَيْنِ، ثُمَّ سَألَ لَيْلَةَ الخامِسَ عَشَرَ فَأُعْطِيَ الجَمِيعَ إلّا مَن شَرَدَ عَلى اللَّهِ شِرادَ البَعِيرِ. هَذا الفَصْلُ نَقَلْتُهُ مِنَ “ الكَشّافِ “، فَإنْ قِيلَ: لا شَكَّ أنَّ الزَّمانَ عِبارَةٌ عَنِ المُدَّةِ المُمْتَدَّةِ الَّتِي تَقْدِيرُها حَرَكاتُ الأفْلاكِ والكَواكِبِ، وأنَّهُ في ذاتِهِ أمْرٌ مُتَشابِهُ الأجْزاءِ فَيَمْتَنِعُ كَوْنُ بَعْضِها أفْضَلَ مِن بَعْضٍ، والمَكانُ عِبارَةٌ عَنِ الفَضاءِ المُمْتَدِّ والخَلاءِ الخالِي، فَيَمْتَنِعُ كَوْنُ بَعْضِ أجْزائِهِ أشْرَفَ مِنَ البَعْضِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ تَخْصِيصُ بَعْضِ أجْزائِهِ بِمَزِيدِ الشَّرَفِ دُونَ الباقِي تَرْجِيحًا لِأحَدِ طَرَفَيِ المُمْكِنِ عَلى الآخَرِ لا لِمُرَجِّحٍ وإنَّهُ مُحالٌ، قُلْنا: القَوْلُ بِإثْباتِ حُدُوثِ العالَمِ وإثْباتِ أنَّ فاعِلَهُ فاعِلٌ مُخْتارٌ بِناءً عَلى هَذا الحَرْفِ وهو أنَّهُ لا يَبْعُدُ مِنَ الفاعِلِ المُخْتارِ تَخْصِيصُ وقْتٍ مُعَيَّنٍ بِإحْداثِ العالَمِ فِيهِ دُونَ ما قَبْلَهُ وما بَعْدَهُ، فَإنْ بَطَلَ هَذا الأصْلُ فَقَدْ بَطَلَ حُدُوثُ العالَمِ وبَطَلَ الفاعِلُ المُخْتارُ، وحِينَئِذٍ لا يَكُونُ الخَوْضُ في تَفْسِيرِ القُرْآنِ فائِدَةً، وإنْ صَحَّ هَذا الأصْلُ فَقَدْ زالَ ما ذَكَرْتُمْ مِنَ السُّؤالِ، فَهَذا هو الجَوابُ المُعْتَمَدُ، والنّاسُ قالُوا: لا يَبْعُدُ أنْ يَخُصَّ اللَّهُ تَعالى بَعْضَ الأوْقاتِ بِمَزِيدِ تَشْرِيفٍ حَتّى يَصِيرَ ذَلِكَ داعِيًا لِلْمُكَلَّفِ إلى الإقْدامِ عَلى الطّاعاتِ في ذَلِكَ الوَقْتِ، ولِهَذا السَّبَبِ بَيَّنَ أنَّهُ تَعالى أخْفاهُ في الأوْقاتِ وما عَيَّنَهُ لِأنَّهُ إنْ لَمْ يَكُنْ مُعَيَّنًا جَوَّزَ المُكَلَّفُ في كُلِّ وقْتٍ مُعَيَّنٍ أنْ يَكُونَ هو ذَلِكَ الوَقْتَ الشَّرِيفَ، فَيَصِيرُ ذَلِكَ حامِلًا لَهُ عَلى المُواظَبَةِ عَلى الطّاعاتِ في كُلِّ الأوْقاتِ، وإذا وقَعْتَ عَلى هَذا الحَرْفِ ظَهَرَ عِنْدَكَ أنَّ الزَّمانَ والمَكانَ إنَّما فازا بِالتَّشْرِيفاتِ الزّائِدَةِ تَبَعًا لِشَرَفِ الإنْسانِ فَهو الأصْلُ وكُلُّ ما سِواهُ فَهو تَبَعٌ لَهُ، واللَّهُ أعْلَمُ. صفحة ٢٠٥ المَسْألَةُ السّادِسَةُ: رُوِيَ أنَّ عَطِيَّةَ الحَرُورِيَّ سَألَ ابْنَ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما عَنْ قَوْلِهِ: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ﴾ [القدر: ١] وقَوْلِهِ: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ﴾ كَيْفَ يَصِحُّ ذَلِكَ مَعَ أنَّ اللَّهَ تَعالى أنْزَلَ القُرْآنَ في جَمِيعِ الشُّهُورِ ؟ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: يا ابْنَ الأسْوَدِ، لَوْ هَلَكْتُ أنا ووَقَعَ هَذا في نَفْسِكَ ولَمْ تَجِدْ جَوابَهُ هَلَكْتَ، نَزَلَ القُرْآنُ جُمْلَةً مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ إلى البَيْتِ المَعْمُورِ، وهو في السَّماءِ الدُّنْيا، ثُمَّ نَزَلَ بَعْدَ ذَلِكَ في أنْواعِ الوَقائِعِ حالًا فَحالًا، واللَّهُ أعْلَمُ. * * * المَسْألَةُ السّابِعَةُ: في بَيانِ نَظْمِ هَذِهِ الآياتِ: اعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِنها تَعْظِيمُ القُرْآنِ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: أحَدُها: بَيانُ تَعْظِيمِ القُرْآنِ بِحَسَبِ ذاتِهِ. الثّانِي: بَيانُ تَعْظِيمِهِ بِسَبَبِ شَرَفِ الوَقْتِ الَّذِي نَزَلَ فِيهِ. والثّالِثُ: بَيانُ تَعْظِيمِهِ بِحَسَبِ شَرَفِ مَنزِلَتِهِ. أمّا بَيانُ تَعْظِيمِهِ بِحَسَبِ ذاتِهِ فَمِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ تَعالى أقْسَمَ بِهِ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى شَرَفِهِ. وثانِيها: أنَّهُ تَعالى أقْسَمَ بِهِ عَلى كَوْنِهِ نازِلًا في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ القَسَمَ بِالشَّيْءِ عَلى حالَةٍ مِن أحْوالِ نَفْسِهِ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ في غايَةِ الشَّرَفِ. وثالِثُها: أنَّهُ تَعالى وصَفَهُ بِكَوْنِهِ مُبِينًا، وذَلِكَ يَدُلُّ أيْضًا عَلى شَرَفِهِ في ذاتِهِ. وأمّا النَّوْعُ الثّانِي: وهو بَيانُ شَرَفِهِ لِأجْلِ شَرَفِ الوَقْتِ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ فَهو قَوْلُهُ: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ﴾، وهَذا تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ نُزُولَهُ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ يَقْتَضِي شَرَفَهُ وجَلالَتَهُ، ثُمَّ نَقُولُ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ﴾ يَقْتَضِي أمْرَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ تَعالى أنْزَلَهُ، والثّانِي: كَوْنُ تِلْكَ اللَّيْلَةِ مُبارَكَةً، فَذَكَرَ تَعالى عَقِيبَ هَذِهِ الكَلِمَةِ ما يَجْرِي مَجْرى البَيانِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما، أمّا بَيانُ أنَّهُ تَعالى لِمَ أنْزَلَهُ فَهو قَوْلُهُ: ﴿إنّا كُنّا مُنْذِرِينَ﴾ يَعْنِي الحِكْمَةَ في إنْزالِ هَذِهِ السُّورَةِ أنَّ إنْذارَ الخَلْقِ لا يَتِمُّ إلّا بِهِ، وأمّا بَيانُ أنَّ هَذِهِ اللَّيْلَةَ لَيْلَةٌ مُبارَكَةٌ فَهو أمْرانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ تَعالى يَفْرِقُ فِيها كُلَّ أمْرٍ حَكِيمٍ، والثّانِي: أنَّ ذَلِكَ الأمْرَ الحَكِيمَ مَخْصُوصٌ بِشَرَفِ أنَّهُ إنَّما يَظْهَرُ مِن عِنْدِهِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿أمْرًا مِن عِنْدِنا﴾ . وأمّا النَّوْعُ الثّالِثُ: فَهو بَيانُ شَرَفِ القُرْآنِ لِشَرَفِ مَنزِلِهِ وذَلِكَ هو قَوْلُهُ: ﴿إنّا كُنّا مُرْسِلِينَ﴾ فَبَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ الإنْذارَ والإرْسالَ إنَّما حَصَلَ مِنَ اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ الإرْسالَ إنَّما كانَ لِأجْلِ تَكْمِيلِ الرَّحْمَةِ وهو قَوْلُهُ: ﴿رَحْمَةً مِن رَبِّكَ﴾، وكانَ الواجِبُ أنْ يُقالَ: رَحْمَةً مِنّا إلّا أنَّهُ وضَعَ الظّاهِرَ مَوْضِعَ المُضْمَرِ إيذانًا بِأنَّ الرُّبُوبِيَّةَ تَقْتَضِي الرَّحْمَةَ عَلى المَرْبُوبِينَ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ تِلْكَ الرَّحْمَةَ وقَعَتْ عَلى وفْقِ حاجاتِ المُحْتاجِينَ لِأنَّهُ تَعالى يَسْمَعُ تَضَرُّعاتِهِمْ، ويَعْلَمُ أنْواعَ حاجاتِهِمْ، فَلِهَذا قالَ: ﴿إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ فَهَذا ما خَطَرَ بِالبالِ في كَيْفِيَّةِ تَعَلُّقِ بَعْضِ هَذِهِ الآياتِ بِبَعْضٍ. المَسْألَةُ الثّامِنَةُ: في تَفْسِيرِ مُفْرَداتِ هَذِهِ الألْفاظِ: أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ﴾ فَقَدْ قِيلَ فِيهِ: إنَّهُ تَعالى أنْزَلَ كُلِّيَّةَ القُرْآنِ مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ إلى سَماءِ الدُّنْيا في هَذِهِ اللَّيْلَةِ، ثُمَّ أنْزَلَ في كُلِّ وقْتٍ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ المُكَلَّفُ، وقِيلَ: يَبْدَأُ في اسْتِنْساخِ ذَلِكَ مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ في لَيْلَةِ البَراءَةِ، ويَقَعُ الفَراغُ في لَيْلَةِ القَدْرِ، فَتُدْفَعُ نُسْخَةُ الأرْزاقِ إلى مِيكائِيلَ، ونُسْخَةُ الحُرُوبِ إلى جِبْرائِيلَ، وكَذَلِكَ الزَّلازِلِ والصَّواعِقِ والخَسْفِ، ونُسْخَةُ الأعْمالِ إلى إسْماعِيلَ صاحِبِ سَماءِ الدُّنْيا وهو مَلَكٌ عَظِيمٌ، ونُسْخَةُ المَصائِبِ إلى مَلَكِ المَوْتِ. صفحة ٢٠٦ أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِيها يُفْرَقُ﴾ أيْ في تِلْكَ اللَّيْلَةِ المُبارَكَةِ يُفْرَقُ أيْ يُفَصَّلُ ويُبَيَّنُ مِن قَوْلِهِمْ: فَرَقْتُ الشَّيْءَ أفْرُقُهُ فَرْقًا وفُرْقانًا، قالَ صاحِبُ “ الكَشّافِ “: وقُرِئَ يُفَرِّقُ بِالتَّشْدِيدِ، ويَفْرُقُ عَلى إسْنادِ الفِعْلِ إلى الفاعِلِ ونَصْبِ كُلٍّ، والفارِقُ هو اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ نُفَرِّقُ بِالنُّونِ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ﴾، فالحَكِيمُ مَعْناهُ ذُو الحِكْمَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ تَخْصِيصَ اللَّهِ تَعالى كُلَّ أحَدٍ بِحالَةٍ مُعَيَّنَةٍ مِنَ العُمُرِ والرِّزْقِ والأجْلِ والسَّعادَةِ والشَّقاوَةِ يَدُلُّ عَلى حِكْمَةٍ بالِغَةٍ لِلَّهِ تَعالى، فَلَمّا كانَتْ تِلْكَ الأفْعالُ والأقْضِيَةُ دالَّةً عَلى حِكْمَةِ فاعِلِها وُصِفَتْ بِكَوْنِها حَكِيمَةً، وهَذا مِنَ الإسْنادِ المَجازِيِّ، لِأنَّ الحَكِيمَ صِفَةُ صاحِبِ الأمْرِ عَلى الحَقِيقَةِ، ووَصْفُ الأمْرِ بِهِ مَجازٌ، ثُمَّ قالَ: ﴿أمْرًا مِن عِنْدِنا﴾، وفي انْتِصابِ قَوْلِهِ: ﴿أمْرًا﴾ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ نُصِبَ عَلى الِاخْتِصاصِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ شَرَفَ تِلْكَ الأقْضِيَةِ والأحْكامِ بِسَبَبِ أنْ وصَفَها بِكَوْنِها حَكِيمَةً، ثُمَّ زادَ في بَيانِ شَرَفِها بِأنْ قالَ: أعْنِي بِهَذا الأمْرِ أمْرًا حاصِلًا مِن عِنْدِنا كائِنًا مِن لَدُنّا، وكَما اقْتَضاهُ عِلْمُنا وتَدْبِيرُنا. والثّانِي: أنَّهُ نُصِبَ عَلى الحالِ، وفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ حالًا مِن أحَدِ الضَّمِيرَيْنِ في ﴿أنْزَلْناهُ﴾، إمّا مِن ضَمِيرِ الفاعِلِ أيْ: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ﴾ آمِرِينَ أمْرًا، أوْ مِن ضَمِيرِ المَفْعُولِ أيْ: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ﴾ في حالِ كَوْنِهِ أمْرًا مِن عِنْدِنا بِما يَجِبُ أنْ يَفْعَلَ. والثّالِثُ: ما حَكاهُ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ عَنْ أبِي الحَسَنِ رَحِمَهُما اللَّهُ: أنَّهُ حَمَلَ قَوْلَهُ: ﴿أمْرًا﴾ عَلى الحالِ، وذُو الحالِ قَوْلُهُ: ﴿كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ﴾، وهو نَكِرَةٌ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿إنّا كُنّا مُرْسِلِينَ﴾ يَعْنِي: إنّا إنَّما فَعَلْنا ذَلِكَ الإنْذارَ لِأجَلِ (إنّا كُنّا مُرْسِلِينَ) يَعْنِي الأنْبِياءَ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿رَحْمَةً مِن رَبِّكَ﴾ أيْ لِلرَّحْمَةِ، فَهي نَصْبٌ عَلى أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لَهُ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ يَعْنِي أنَّ تِلْكَ الرَّحْمَةَ كانَتْ رَحْمَةً في الحَقِيقَةِ لِأنَّ المُحْتاجِينَ إمّا أنْ يَذْكُرُوا بِألْسِنَتِهِمْ حاجاتِهِمْ، وإمّا أنْ لا يَذْكُرُوها، فَإنْ ذَكَرُوها فَهو تَعالى يَسْمَعُ كَلامَهم فَيَعْرِفُ حاجاتِهِمْ، وإنْ لَمْ يَذْكُرُوها فَهو تَعالى عالِمٌ بِها، فَثَبَتَ أنَّ كَوْنَهُ (سَمِيعًا عَلِيمًا) يَقْتَضِي أنْ يُنْزِلَ رَحْمَتَهُ عَلَيْهِمْ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾، وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِكَسْرِ الباءِ مِن رَبٍّ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿رَحْمَةً مِن رَبِّكَ﴾ والباقُونَ بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿هُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المَقْصُودُ مِن هَذِهِ الآيَةِ أنَّ المُنَزِّلَ إذا كانَ مَوْصُوفًا بِهَذِهِ الجَلالَةِ والكِبْرِياءِ كانَ المُنْزَّلُ الَّذِي هو القُرْآنُ في غايَةِ الشَّرَفِ والرِّفْعَةِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الفائِدَةُ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: مَعْناهُ إنْ كُنْتُمْ تَطْلُبُونَ اليَقِينَ وتُرِيدُونَهُ، فاعْرِفُوا أنَّ الأمْرَ كَما قُلْنا، كَقَوْلِهِمْ: فُلانٌ مُنْجِدٌ مُتْهِمٌ أيْ يُرِيدُ نَجْدًا وتِهامَةَ. الثّانِي: قالَ صاحِبُ “ الكَشّافِ “ كانُوا يُقِرُّونَ بِأنَّ لِلسَّماواتِ والأرْضِ رَبًّا وخالِقًا، فَقِيلَ لَهم: إنَّ إرْسالَ الرُّسُلِ وإنْزالَ الكُتُبِ رَحْمَةٌ مِنَ الرَّبِّ سُبْحانَهُ وتَعالى، ثُمَّ قِيلَ: إنَّ هَذا هو السَّمِيعُ العَلِيمُ الَّذِي أنْتُمْ مُقِرُّونَ بِهِ ومُعْتَرِفُونَ بِأنَّهُ رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما إنْ كانَ إقْرارُكم عَنْ عِلْمٍ ويَقِينٍ، كَما تَقُولُ: هَذا إنْعامُ زَيْدٍ الَّذِي تَسامَعَ النّاسُ بِكَرَمِهِ إنْ بَلَغَكَ حَدِيثُهُ وسَمِعْتَ قِصَّتَهُ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى رَدَّ أنْ يَكُونُوا مُوقِنِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿بَلْ هم في شَكٍّ يَلْعَبُونَ﴾، وأنَّ إقْرارَهم غَيْرُ صادِرٍ عَنْ عِلْمٍ ويَقِينٍ ولا عَنْ جَدٍّ وحَقِيقَةٍ، بَلْ قَوْلٌ مَخْلُوطٌ بِهُزْءٍ ولَعِبٍ، واللَّهُ أعْلَمُ.

الدخان 44:3

صفحة ٢٠٢ (سُورَةُ الدُّخانِ) خَمْسُونَ وتِسْعُ آياتٍ مَكِّيَّةٍ إلّا قَوْلَهُ: ﴿إنّا كاشِفُوا العَذابِ﴾ ﷽ ﴿حم﴾ ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إنّا كُنّا مُنْذِرِينَ﴾ ﴿فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ﴾ ﴿أمْرًا مِن عِنْدِنا إنّا كُنّا مُرْسِلِينَ﴾ ﴿رَحْمَةً مِن رَبِّكَ إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ ﴿رَبِّ السَّمَواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ ﴿لا إلَهَ إلّا هو يُحْيِي ويُمِيتُ رَبُّكم ورَبُّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿بَلْ هم في شَكٍّ يَلْعَبُونَ﴾ ﷽ ﴿حم﴾ ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إنّا كُنّا مُنْذِرِينَ﴾ ﴿فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ﴾ ﴿أمْرًا مِن عِنْدِنا إنّا كُنّا مُرْسِلِينَ﴾ ﴿رَحْمَةً مِن رَبِّكَ إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ ﴿رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ ﴿لا إلَهَ إلّا هو يُحْيِي ويُمِيتُ رَبُّكم ورَبُّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿بَلْ هم في شَكٍّ يَلْعَبُونَ﴾، وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: في قَوْلِهِ: ﴿حم﴾ ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ وُجُوهٌ مِنَ الِاحْتِمالاتِ: أوَّلُها: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: هَذِهِ ﴿حم﴾ ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ كَقَوْلِكَ: هَذا زَيْدٌ واللَّهِ. وثانِيها: أنْ يَكُونَ الكَلامُ قَدْ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿حم﴾، ثُمَّ يُقالُ ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ ﴿إنّا أنْزَلْناهُ﴾ . وثالِثُها: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: وحم، والكِتابِ المُبِينِ، إنّا أنْزَلْناهُ، فَيَكُونُ ذَلِكَ في التَّقْدِيرِ قَسَمَيْنِ عَلى شَيْءٍ واحِدٍ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالُوا: هَذا يَدُلُّ عَلى حُدُوثِ القُرْآنِ لِوُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿حم﴾ تَقْدِيرُهُ: هَذِهِ حم، يَعْنِي هَذا شَيْءٌ مُؤَلَّفٌ مِن هَذِهِ الحُرُوفِ، والمُؤَلَّفُ مِنَ الحُرُوفِ المُتَعاقِبَةِ مُحْدَثٌ. الثّانِي: أنَّهُ ثَبَتَ أنَّ الحَلِفَ لا يَصِحُّ بِهَذِهِ الأشْياءِ بَلْ بِإلَهِ هَذِهِ الأشْياءِ، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: ورَبِّ حم ورَبِّ الكِتابِ المُبِينِ، وكُلُّ مَن كانَ مَرْبُوبًا فَهو مُحْدَثٌ. الثّالِثُ: أنَّهُ وصَفَهُ بِكَوْنِهِ كِتابًا، والكِتابُ مُشْتَقٌّ مِنَ الجَمْعِ، فَمَعْناهُ أنَّهُ مَجْمُوعٌ والمَجْمُوعُ مَحَلُّ تَصَرُّفِ الغَيْرِ، وما كانَ كَذَلِكَ فَهو مُحْدَثٌ. الرّابِعُ: قَوْلُهُ: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ﴾ والمُنْزَلُ مَحَلُّ تَصَرُّفِ صفحة ٢٠٣ الغَيْرِ، وما كانَ كَذَلِكَ فَهو مُحْدَثٌ، وقَدْ ذَكَرْنا مِرارًا أنَّ جَمِيعَ هَذِهِ الدَّلائِلِ تَدُلُّ عَلى أنَّ الشَّيْءَ المُرَكَّبَ مِنَ الحُرُوفِ المُتَعاقِبَةِ والأصْواتِ المُتَوالِيَةِ مُحْدَثٌ، والعِلْمُ بِذَلِكَ ضَرُورِيٌّ بَدِيهِيٌّ، لا يُنازِعُ فِيهِ إلّا مَن كانَ عَدِيمَ العَقْلِ وكانَ غَيْرَ عارِفٍ بِمَعْنى القَدِيمِ والمُحْدَثِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَكَيْفَ يُنازِعُ في صِحَّةِ هَذِهِ الدَّلائِلِ ؟ إنَّما الَّذِي ثَبَتَ قِدَمُهُ شَيْءٌ آخَرُ سِوى ما تَرَكَّبَ مِن هَذِهِ الحُرُوفِ والأصْواتِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالكِتابِ هَهُنا الكُتُبَ المُتَقَدِّمَةَ الَّتِي أنْزَلَها اللَّهُ عَلى أنْبِيائِهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿لَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلَنا بِالبَيِّناتِ وأنْزَلْنا مَعَهُمُ الكِتابَ والمِيزانَ﴾ [الحديد: ٢٥]، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ اللَّوْحَ المَحْفُوظَ، كَما قالَ: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ وعِنْدَهُ أُمُّ الكِتابِ﴾ [الرعد: ٣٩]، وقالَ: ﴿وإنَّهُ في أُمِّ الكِتابِ لَدَيْنا﴾ [الزخرف: ٤]، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ القُرْآنَ، وبِهَذا التَّقْدِيرِ فَقَدْ أقْسَمَ بِالقُرْآنِ عَلى أنَّهُ أنْزَلَ القُرْآنَ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ، وهَذا النَّوْعُ مِنَ الكَلامِ يَدُلُّ عَلى غايَةِ تَعْظِيمِ القُرْآنِ، فَقَدْ يَقُولُ الرَّجُلُ إذا أرادَ تَعْظِيمَ رَجُلٍ لَهُ حاجَةٌ إلَيْهِ: أسْتَشْفِعُ بِكَ إلَيْكَ وأُقْسِمُ بِحَقِّكَ عَلَيْكَ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: ﴿المُبِينِ﴾ هو المُشْتَمِلُ عَلى بَيانِ ما بِالنّاسِ حاجَةً إلَيْهِ في دِينِهِمْ ودُنْياهم، فَوَصَفَهُ بِكَوْنِهِ مُبِينًا، وإنْ كانَتْ حَقِيقَةُ الإبانَةِ لِلَّهِ تَعالى، لِأجْلِ أنَّ الإبانَةَ حَصَلَتْ بِهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ﴾ [النمل: ٧٦]، وقالَ في آيَةٍ أُخْرى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أحْسَنَ القَصَصِ﴾ [يوسف: ٣]، وقالَ: ﴿أمْ أنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطانًا فَهو يَتَكَلَّمُ بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾ [الروم: ٣٥] فَوَصَفَهُ بِالتَّكَلُّمِ إذْ كانَ غايَةً في الإبانَةِ، فَكَأنَّهُ ذُو لِسانٍ يَنْطِقُ، والمَعْنى فِيهِ المُبالَغَةُ في وصْفِهِ بِهَذا المَعْنى. المَسْألَةُ الخامِسَةُ: اخْتَلَفُوا في هَذِهِ اللَّيْلَةِ المُبارَكَةِ، فَقالَ الأكْثَرُونَ: إنَّها لَيْلَةُ القَدْرِ، وقالَ عِكْرِمَةُ وطائِفَةٌ آخَرُونَ: إنَّها لَيْلَةُ البَراءَةِ، وهي لَيْلَةُ النِّصْفِ مِن شَعْبانَ، أمّا الأوَّلُونَ فَقَدِ احْتَجُّوا عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِمْ بِوُجُوهٍ: أوَّلُها: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ﴾ [القدر: ١]، وهَهُنا قالَ: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ﴾ فَوَجَبَ أنْ تَكُونَ هَذِهِ اللَّيْلَةُ المُبارَكَةُ هي تِلْكَ المُسَمّاةُ بِلَيْلَةِ القَدْرِ، لِئَلّا يَلْزَمَ التَّناقُضُ. وثانِيها: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ القُرْآنُ﴾ [البقرة: ١٨٥]، فَبَيَّنَ أنَّ إنْزالَ القُرْآنِ إنَّما وقَعَ في شَهْرِ رَمَضانَ، وقالَ هَهُنا: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ﴾ فَوَجَبَ أنْ تَكُونَ هَذِهِ اللَّيْلَةُ المُبارَكَةُ واقِعَةً في شَهْرِ رَمَضانَ، وكُلُّ مَن قالَ: إنَّ هَذِهِ اللَّيْلَةَ المُبارَكَةَ واقِعَةٌ في شَهْرِ رَمَضانَ قالَ: إنَّها لَيْلَةُ القَدْرِ، فَثَبَتَ أنَّها لَيْلَةُ القَدْرِ. وثالِثُها: أنَّهُ تَعالى قالَ في صِفَةِ لَيْلَةِ القَدْرِ: ﴿تَنَزَّلُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ فِيها بِإذْنِ رَبِّهِمْ مِن كُلِّ أمْرٍ﴾ ﴿سَلامٌ هِيَ﴾ [القدر: ٤، ٥]، وقالَ أيْضًا هَهُنا ﴿فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ﴾ وهَذا مُناسِبٌ لِقَوْلِهِ: ﴿تَنَزَّلُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ فِيها﴾ [القدر: ٤]، وهَهُنا قالَ: ﴿أمْرًا مِن عِنْدِنا﴾، وقالَ في تِلْكَ الآيَةِ: ﴿بِإذْنِ رَبِّهِمْ مِن كُلِّ أمْرٍ﴾ [القدر: ٤]، وقالَ هَهُنا ﴿رَحْمَةً مِن رَبِّكَ﴾، وقالَ في تِلْكَ الآيَةِ: ﴿سَلامٌ هِيَ﴾ [القدر: ٥]، وإذا تَقارَبَتِ الأوْصافُ وجَبَ القَوْلُ بِأنَّ إحْدى اللَّيْلَتَيْنِ هي الأُخْرى. ورابِعُها: نَقَلَ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ في “ تَفْسِيرِهِ “ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قالَ: نَزَلَتْ صُحُفُ إبْراهِيمَ في أوَّلِ لَيْلَةٍ مِن رَمَضانَ، والتَّوْراةُ لِسِتِّ لَيالٍ مِنهُ، والزَّبُورُ لِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ لَيْلَةً مَضَتْ مِنهُ، والإنْجِيلُ لِثَمانِ عَشْرَةَ لَيْلَةً مَضَتْ مِنهُ، والقُرْآنُ لِأرْبَعٍ وعِشْرِينَ لَيْلَةً مَضَتْ مِن رَمَضانَ، واللَّيْلَةُ المُبارَكَةُ هي لَيْلَةُ القَدْرِ. وخامِسُها: أنَّ لَيْلَةَ القَدْرِ إنَّما سُمِّيَتْ بِهَذا الِاسْمِ؛ لِأنَّ قَدْرَها وشَرَفَها عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ لَيْسَ قَدْرُها وشَرَفُها لِسَبَبِ ذَلِكَ الزَّمانِ، لِأنَّ الزَّمانَ شَيْءٌ واحِدٌ في الذّاتِ والصِّفاتِ، فَيَمْتَنِعُ كَوْنُ بَعْضِهِ أشْرَفَ مِن بَعْضٍ لِذاتِهِ، فَثَبَتَ أنَّ شَرَفَهُ وقَدْرَهُ بِسَبَبِ أنَّهُ حَصَلَ فِيهِ أُمُورٌ شَرِيفَةٌ عالِيَةٌ، لَها قَدْرٌ عَظِيمٌ ومَرْتَبَةٌ رَفِيعَةٌ، ومَعْلُومٌ أنَّ صفحة ٢٠٤ مَنصِبَ الدِّينِ أعْلى وأعْظَمُ مِن مَنصِبِ الدُّنْيا، وأعْلى الأشْياءِ وأشْرَفُها مَنصِبًا في الدِّينِ هو القُرْآنُ، لِأجْلِ أنَّ بِهِ ثَبَتَتْ نُبُوَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وبِهِ ظَهَرَ الفَرْقُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ في سائِرِ كُتُبِ اللَّهِ المُنَزَّلَةِ، كَما قالَ في صِفَتِهِ: (﴿ومُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤٨]، وبِهِ ظَهَرَتْ دَرَجاتُ أرْبابِ السَّعاداتِ، ودَرَكاتُ أرْبابِ الشَّقاواتِ، فَعَلى هَذا لا شَيْءَ إلّا والقُرْآنُ أعْظَمُ قَدْرًا وأعْلى ذِكْرًا وأعْظَمُ مَنصِبًا مِنهُ، فَلَوْ كانَ نُزُولُهُ إنَّما وقَعَ في لَيْلَةٍ أُخْرى سِوى لَيْلَةِ القَدْرِ لَكانَتْ لَيْلَةُ القَدْرِ هي هَذِهِ الثّانِيَةُ لا الأُولى، وحَيْثُ أطْبَقُوا عَلى أنَّ لَيْلَةَ القَدْرِ الَّتِي وقَعَتْ في رَمَضانَ، عَلِمْنا أنَّ القُرْآنَ إنَّما أُنْزِلَ في تِلْكَ اللَّيْلَةِ. وأمّا القائِلُونَ بِأنَّ المُرادَ مِنَ اللَّيْلَةِ المُبارَكَةِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ الآيَةِ هي لَيْلَةُ النِّصْفِ مِن شَعْبانَ، فَما رَأيْتُ لَهم فِيهِ دَلِيلًا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، وإنَّما قَنِعُوا فِيهِ بِأنْ نَقَلُوهُ عَنْ بَعْضِ النّاسِ، فَإنْ صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيهِ كَلامٌ فَلا مَزِيدَ عَلَيْهِ، وإلّا فالحَقُّ هو الأوَّلُ، ثُمَّ إنَّ هَؤُلاءِ القائِلِينَ بِهَذا القَوْلِ زَعَمُوا أنَّ لَيْلَةَ النِّصْفِ مِن شَعْبانَ لَها أرْبَعَةُ أسْماءَ: اللَّيْلَةُ المُبارَكَةُ، ولَيْلَةُ البَراءَةِ، ولَيْلَةُ الصَّكِّ، ولَيْلَةُ الرَّحْمَةِ، وقِيلَ: إنَّما سُمِّيَتْ بِلَيْلَةِ البَراءَةِ ولَيْلَةِ الصَّكِّ، لِأنَّ البُنْدارَ إذا اسْتَوْفى الخَراجَ مِن أهْلِهِ كَتَبَ لَهُمُ البَراءَةَ، كَذَلِكَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ يَكْتُبُ لِعِبادِهِ المُؤْمِنِينَ البَراءَةَ في هَذِهِ اللَّيْلَةِ، وقِيلَ: هَذِهِ اللَّيْلَةُ مُخْتَصَّةٌ بِخَمْسِ خِصالٍ: الأُولى: تَفْرِيقُ كُلِّ أمْرٍ حَكِيمٍ فِيها، قالَ تَعالى: ﴿فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ﴾ . والثّانِيَةُ: فَضِيلَةُ العِبادَةِ فِيها، قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن صَلّى في هَذِهِ اللَّيْلَةِ مِائَةَ رَكْعَةٍ أرْسَلَ اللَّهُ إلَيْهِ مِائَةَ مَلَكٍ، ثَلاثُونَ يُبَشِّرُونَهُ بِالجَنَّةِ، وثَلاثُونَ يُؤَمِّنُونَهُ مِن عَذابِ النّارِ، وثَلاثُونَ يَدْفَعُونَ عَنْهُ آفاتِ الدُّنْيا، وعَشَرَةٌ يَدْفَعُونَ عَنْهُ مَكايِدَ الشَّيْطانِ» . الخَصْلَةُ الثّالِثَةُ: نُزُولُ الرَّحْمَةِ، قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «إنَّ اللَّهَ يَرْحَمُ أُمَّتِي في هَذِهِ اللَّيْلَةِ بِعَدَدِ شَعْرِ أغْنامِ بَنِي كَلْبٍ» . والخَصْلَةُ الرّابِعَةُ: حُصُولُ المَغْفِرَةِ، قالَ ﷺ: «إنَّ اللَّهَ تَعالى يَغْفِرُ لِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ في تِلْكَ اللَّيْلَةِ، إلّا لِكاهِنٍ، أوْ مُشاحِنٍ، أوْ مُدْمِنِ خَمْرٍ، أوْ عاقٍّ لِلْوالِدَيْنِ، أوْ مُصِرٍّ عَلى الزِّنا» . والخَصْلَةُ الخامِسَةُ: أنَّهُ تَعالى أعْطى رَسُولَهُ في هَذِهِ اللَّيْلَةِ تَمامَ الشَّفاعَةِ، وذَلِكَ أنَّهُ سَألَ لَيْلَةَ الثّالِثَ عَشَرَ مِن شَعْبانَ في أُمَّتِهِ فَأُعْطِيَ الثُّلُثَ مِنها، ثُمَّ سَألَ لَيْلَةَ الرّابِعَ عَشَرَ فَأُعْطِيَ الثُّلُثَيْنِ، ثُمَّ سَألَ لَيْلَةَ الخامِسَ عَشَرَ فَأُعْطِيَ الجَمِيعَ إلّا مَن شَرَدَ عَلى اللَّهِ شِرادَ البَعِيرِ. هَذا الفَصْلُ نَقَلْتُهُ مِنَ “ الكَشّافِ “، فَإنْ قِيلَ: لا شَكَّ أنَّ الزَّمانَ عِبارَةٌ عَنِ المُدَّةِ المُمْتَدَّةِ الَّتِي تَقْدِيرُها حَرَكاتُ الأفْلاكِ والكَواكِبِ، وأنَّهُ في ذاتِهِ أمْرٌ مُتَشابِهُ الأجْزاءِ فَيَمْتَنِعُ كَوْنُ بَعْضِها أفْضَلَ مِن بَعْضٍ، والمَكانُ عِبارَةٌ عَنِ الفَضاءِ المُمْتَدِّ والخَلاءِ الخالِي، فَيَمْتَنِعُ كَوْنُ بَعْضِ أجْزائِهِ أشْرَفَ مِنَ البَعْضِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ تَخْصِيصُ بَعْضِ أجْزائِهِ بِمَزِيدِ الشَّرَفِ دُونَ الباقِي تَرْجِيحًا لِأحَدِ طَرَفَيِ المُمْكِنِ عَلى الآخَرِ لا لِمُرَجِّحٍ وإنَّهُ مُحالٌ، قُلْنا: القَوْلُ بِإثْباتِ حُدُوثِ العالَمِ وإثْباتِ أنَّ فاعِلَهُ فاعِلٌ مُخْتارٌ بِناءً عَلى هَذا الحَرْفِ وهو أنَّهُ لا يَبْعُدُ مِنَ الفاعِلِ المُخْتارِ تَخْصِيصُ وقْتٍ مُعَيَّنٍ بِإحْداثِ العالَمِ فِيهِ دُونَ ما قَبْلَهُ وما بَعْدَهُ، فَإنْ بَطَلَ هَذا الأصْلُ فَقَدْ بَطَلَ حُدُوثُ العالَمِ وبَطَلَ الفاعِلُ المُخْتارُ، وحِينَئِذٍ لا يَكُونُ الخَوْضُ في تَفْسِيرِ القُرْآنِ فائِدَةً، وإنْ صَحَّ هَذا الأصْلُ فَقَدْ زالَ ما ذَكَرْتُمْ مِنَ السُّؤالِ، فَهَذا هو الجَوابُ المُعْتَمَدُ، والنّاسُ قالُوا: لا يَبْعُدُ أنْ يَخُصَّ اللَّهُ تَعالى بَعْضَ الأوْقاتِ بِمَزِيدِ تَشْرِيفٍ حَتّى يَصِيرَ ذَلِكَ داعِيًا لِلْمُكَلَّفِ إلى الإقْدامِ عَلى الطّاعاتِ في ذَلِكَ الوَقْتِ، ولِهَذا السَّبَبِ بَيَّنَ أنَّهُ تَعالى أخْفاهُ في الأوْقاتِ وما عَيَّنَهُ لِأنَّهُ إنْ لَمْ يَكُنْ مُعَيَّنًا جَوَّزَ المُكَلَّفُ في كُلِّ وقْتٍ مُعَيَّنٍ أنْ يَكُونَ هو ذَلِكَ الوَقْتَ الشَّرِيفَ، فَيَصِيرُ ذَلِكَ حامِلًا لَهُ عَلى المُواظَبَةِ عَلى الطّاعاتِ في كُلِّ الأوْقاتِ، وإذا وقَعْتَ عَلى هَذا الحَرْفِ ظَهَرَ عِنْدَكَ أنَّ الزَّمانَ والمَكانَ إنَّما فازا بِالتَّشْرِيفاتِ الزّائِدَةِ تَبَعًا لِشَرَفِ الإنْسانِ فَهو الأصْلُ وكُلُّ ما سِواهُ فَهو تَبَعٌ لَهُ، واللَّهُ أعْلَمُ. صفحة ٢٠٥ المَسْألَةُ السّادِسَةُ: رُوِيَ أنَّ عَطِيَّةَ الحَرُورِيَّ سَألَ ابْنَ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما عَنْ قَوْلِهِ: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ﴾ [القدر: ١] وقَوْلِهِ: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ﴾ كَيْفَ يَصِحُّ ذَلِكَ مَعَ أنَّ اللَّهَ تَعالى أنْزَلَ القُرْآنَ في جَمِيعِ الشُّهُورِ ؟ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: يا ابْنَ الأسْوَدِ، لَوْ هَلَكْتُ أنا ووَقَعَ هَذا في نَفْسِكَ ولَمْ تَجِدْ جَوابَهُ هَلَكْتَ، نَزَلَ القُرْآنُ جُمْلَةً مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ إلى البَيْتِ المَعْمُورِ، وهو في السَّماءِ الدُّنْيا، ثُمَّ نَزَلَ بَعْدَ ذَلِكَ في أنْواعِ الوَقائِعِ حالًا فَحالًا، واللَّهُ أعْلَمُ. * * * المَسْألَةُ السّابِعَةُ: في بَيانِ نَظْمِ هَذِهِ الآياتِ: اعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِنها تَعْظِيمُ القُرْآنِ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: أحَدُها: بَيانُ تَعْظِيمِ القُرْآنِ بِحَسَبِ ذاتِهِ. الثّانِي: بَيانُ تَعْظِيمِهِ بِسَبَبِ شَرَفِ الوَقْتِ الَّذِي نَزَلَ فِيهِ. والثّالِثُ: بَيانُ تَعْظِيمِهِ بِحَسَبِ شَرَفِ مَنزِلَتِهِ. أمّا بَيانُ تَعْظِيمِهِ بِحَسَبِ ذاتِهِ فَمِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ تَعالى أقْسَمَ بِهِ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى شَرَفِهِ. وثانِيها: أنَّهُ تَعالى أقْسَمَ بِهِ عَلى كَوْنِهِ نازِلًا في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ القَسَمَ بِالشَّيْءِ عَلى حالَةٍ مِن أحْوالِ نَفْسِهِ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ في غايَةِ الشَّرَفِ. وثالِثُها: أنَّهُ تَعالى وصَفَهُ بِكَوْنِهِ مُبِينًا، وذَلِكَ يَدُلُّ أيْضًا عَلى شَرَفِهِ في ذاتِهِ. وأمّا النَّوْعُ الثّانِي: وهو بَيانُ شَرَفِهِ لِأجْلِ شَرَفِ الوَقْتِ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ فَهو قَوْلُهُ: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ﴾، وهَذا تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ نُزُولَهُ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ يَقْتَضِي شَرَفَهُ وجَلالَتَهُ، ثُمَّ نَقُولُ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ﴾ يَقْتَضِي أمْرَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ تَعالى أنْزَلَهُ، والثّانِي: كَوْنُ تِلْكَ اللَّيْلَةِ مُبارَكَةً، فَذَكَرَ تَعالى عَقِيبَ هَذِهِ الكَلِمَةِ ما يَجْرِي مَجْرى البَيانِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما، أمّا بَيانُ أنَّهُ تَعالى لِمَ أنْزَلَهُ فَهو قَوْلُهُ: ﴿إنّا كُنّا مُنْذِرِينَ﴾ يَعْنِي الحِكْمَةَ في إنْزالِ هَذِهِ السُّورَةِ أنَّ إنْذارَ الخَلْقِ لا يَتِمُّ إلّا بِهِ، وأمّا بَيانُ أنَّ هَذِهِ اللَّيْلَةَ لَيْلَةٌ مُبارَكَةٌ فَهو أمْرانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ تَعالى يَفْرِقُ فِيها كُلَّ أمْرٍ حَكِيمٍ، والثّانِي: أنَّ ذَلِكَ الأمْرَ الحَكِيمَ مَخْصُوصٌ بِشَرَفِ أنَّهُ إنَّما يَظْهَرُ مِن عِنْدِهِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿أمْرًا مِن عِنْدِنا﴾ . وأمّا النَّوْعُ الثّالِثُ: فَهو بَيانُ شَرَفِ القُرْآنِ لِشَرَفِ مَنزِلِهِ وذَلِكَ هو قَوْلُهُ: ﴿إنّا كُنّا مُرْسِلِينَ﴾ فَبَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ الإنْذارَ والإرْسالَ إنَّما حَصَلَ مِنَ اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ الإرْسالَ إنَّما كانَ لِأجْلِ تَكْمِيلِ الرَّحْمَةِ وهو قَوْلُهُ: ﴿رَحْمَةً مِن رَبِّكَ﴾، وكانَ الواجِبُ أنْ يُقالَ: رَحْمَةً مِنّا إلّا أنَّهُ وضَعَ الظّاهِرَ مَوْضِعَ المُضْمَرِ إيذانًا بِأنَّ الرُّبُوبِيَّةَ تَقْتَضِي الرَّحْمَةَ عَلى المَرْبُوبِينَ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ تِلْكَ الرَّحْمَةَ وقَعَتْ عَلى وفْقِ حاجاتِ المُحْتاجِينَ لِأنَّهُ تَعالى يَسْمَعُ تَضَرُّعاتِهِمْ، ويَعْلَمُ أنْواعَ حاجاتِهِمْ، فَلِهَذا قالَ: ﴿إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ فَهَذا ما خَطَرَ بِالبالِ في كَيْفِيَّةِ تَعَلُّقِ بَعْضِ هَذِهِ الآياتِ بِبَعْضٍ. المَسْألَةُ الثّامِنَةُ: في تَفْسِيرِ مُفْرَداتِ هَذِهِ الألْفاظِ: أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ﴾ فَقَدْ قِيلَ فِيهِ: إنَّهُ تَعالى أنْزَلَ كُلِّيَّةَ القُرْآنِ مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ إلى سَماءِ الدُّنْيا في هَذِهِ اللَّيْلَةِ، ثُمَّ أنْزَلَ في كُلِّ وقْتٍ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ المُكَلَّفُ، وقِيلَ: يَبْدَأُ في اسْتِنْساخِ ذَلِكَ مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ في لَيْلَةِ البَراءَةِ، ويَقَعُ الفَراغُ في لَيْلَةِ القَدْرِ، فَتُدْفَعُ نُسْخَةُ الأرْزاقِ إلى مِيكائِيلَ، ونُسْخَةُ الحُرُوبِ إلى جِبْرائِيلَ، وكَذَلِكَ الزَّلازِلِ والصَّواعِقِ والخَسْفِ، ونُسْخَةُ الأعْمالِ إلى إسْماعِيلَ صاحِبِ سَماءِ الدُّنْيا وهو مَلَكٌ عَظِيمٌ، ونُسْخَةُ المَصائِبِ إلى مَلَكِ المَوْتِ. صفحة ٢٠٦ أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِيها يُفْرَقُ﴾ أيْ في تِلْكَ اللَّيْلَةِ المُبارَكَةِ يُفْرَقُ أيْ يُفَصَّلُ ويُبَيَّنُ مِن قَوْلِهِمْ: فَرَقْتُ الشَّيْءَ أفْرُقُهُ فَرْقًا وفُرْقانًا، قالَ صاحِبُ “ الكَشّافِ “: وقُرِئَ يُفَرِّقُ بِالتَّشْدِيدِ، ويَفْرُقُ عَلى إسْنادِ الفِعْلِ إلى الفاعِلِ ونَصْبِ كُلٍّ، والفارِقُ هو اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ نُفَرِّقُ بِالنُّونِ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ﴾، فالحَكِيمُ مَعْناهُ ذُو الحِكْمَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ تَخْصِيصَ اللَّهِ تَعالى كُلَّ أحَدٍ بِحالَةٍ مُعَيَّنَةٍ مِنَ العُمُرِ والرِّزْقِ والأجْلِ والسَّعادَةِ والشَّقاوَةِ يَدُلُّ عَلى حِكْمَةٍ بالِغَةٍ لِلَّهِ تَعالى، فَلَمّا كانَتْ تِلْكَ الأفْعالُ والأقْضِيَةُ دالَّةً عَلى حِكْمَةِ فاعِلِها وُصِفَتْ بِكَوْنِها حَكِيمَةً، وهَذا مِنَ الإسْنادِ المَجازِيِّ، لِأنَّ الحَكِيمَ صِفَةُ صاحِبِ الأمْرِ عَلى الحَقِيقَةِ، ووَصْفُ الأمْرِ بِهِ مَجازٌ، ثُمَّ قالَ: ﴿أمْرًا مِن عِنْدِنا﴾، وفي انْتِصابِ قَوْلِهِ: ﴿أمْرًا﴾ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ نُصِبَ عَلى الِاخْتِصاصِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ شَرَفَ تِلْكَ الأقْضِيَةِ والأحْكامِ بِسَبَبِ أنْ وصَفَها بِكَوْنِها حَكِيمَةً، ثُمَّ زادَ في بَيانِ شَرَفِها بِأنْ قالَ: أعْنِي بِهَذا الأمْرِ أمْرًا حاصِلًا مِن عِنْدِنا كائِنًا مِن لَدُنّا، وكَما اقْتَضاهُ عِلْمُنا وتَدْبِيرُنا. والثّانِي: أنَّهُ نُصِبَ عَلى الحالِ، وفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ حالًا مِن أحَدِ الضَّمِيرَيْنِ في ﴿أنْزَلْناهُ﴾، إمّا مِن ضَمِيرِ الفاعِلِ أيْ: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ﴾ آمِرِينَ أمْرًا، أوْ مِن ضَمِيرِ المَفْعُولِ أيْ: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ﴾ في حالِ كَوْنِهِ أمْرًا مِن عِنْدِنا بِما يَجِبُ أنْ يَفْعَلَ. والثّالِثُ: ما حَكاهُ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ عَنْ أبِي الحَسَنِ رَحِمَهُما اللَّهُ: أنَّهُ حَمَلَ قَوْلَهُ: ﴿أمْرًا﴾ عَلى الحالِ، وذُو الحالِ قَوْلُهُ: ﴿كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ﴾، وهو نَكِرَةٌ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿إنّا كُنّا مُرْسِلِينَ﴾ يَعْنِي: إنّا إنَّما فَعَلْنا ذَلِكَ الإنْذارَ لِأجَلِ (إنّا كُنّا مُرْسِلِينَ) يَعْنِي الأنْبِياءَ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿رَحْمَةً مِن رَبِّكَ﴾ أيْ لِلرَّحْمَةِ، فَهي نَصْبٌ عَلى أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لَهُ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ يَعْنِي أنَّ تِلْكَ الرَّحْمَةَ كانَتْ رَحْمَةً في الحَقِيقَةِ لِأنَّ المُحْتاجِينَ إمّا أنْ يَذْكُرُوا بِألْسِنَتِهِمْ حاجاتِهِمْ، وإمّا أنْ لا يَذْكُرُوها، فَإنْ ذَكَرُوها فَهو تَعالى يَسْمَعُ كَلامَهم فَيَعْرِفُ حاجاتِهِمْ، وإنْ لَمْ يَذْكُرُوها فَهو تَعالى عالِمٌ بِها، فَثَبَتَ أنَّ كَوْنَهُ (سَمِيعًا عَلِيمًا) يَقْتَضِي أنْ يُنْزِلَ رَحْمَتَهُ عَلَيْهِمْ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾، وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِكَسْرِ الباءِ مِن رَبٍّ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿رَحْمَةً مِن رَبِّكَ﴾ والباقُونَ بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿هُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المَقْصُودُ مِن هَذِهِ الآيَةِ أنَّ المُنَزِّلَ إذا كانَ مَوْصُوفًا بِهَذِهِ الجَلالَةِ والكِبْرِياءِ كانَ المُنْزَّلُ الَّذِي هو القُرْآنُ في غايَةِ الشَّرَفِ والرِّفْعَةِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الفائِدَةُ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: مَعْناهُ إنْ كُنْتُمْ تَطْلُبُونَ اليَقِينَ وتُرِيدُونَهُ، فاعْرِفُوا أنَّ الأمْرَ كَما قُلْنا، كَقَوْلِهِمْ: فُلانٌ مُنْجِدٌ مُتْهِمٌ أيْ يُرِيدُ نَجْدًا وتِهامَةَ. الثّانِي: قالَ صاحِبُ “ الكَشّافِ “ كانُوا يُقِرُّونَ بِأنَّ لِلسَّماواتِ والأرْضِ رَبًّا وخالِقًا، فَقِيلَ لَهم: إنَّ إرْسالَ الرُّسُلِ وإنْزالَ الكُتُبِ رَحْمَةٌ مِنَ الرَّبِّ سُبْحانَهُ وتَعالى، ثُمَّ قِيلَ: إنَّ هَذا هو السَّمِيعُ العَلِيمُ الَّذِي أنْتُمْ مُقِرُّونَ بِهِ ومُعْتَرِفُونَ بِأنَّهُ رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما إنْ كانَ إقْرارُكم عَنْ عِلْمٍ ويَقِينٍ، كَما تَقُولُ: هَذا إنْعامُ زَيْدٍ الَّذِي تَسامَعَ النّاسُ بِكَرَمِهِ إنْ بَلَغَكَ حَدِيثُهُ وسَمِعْتَ قِصَّتَهُ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى رَدَّ أنْ يَكُونُوا مُوقِنِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿بَلْ هم في شَكٍّ يَلْعَبُونَ﴾، وأنَّ إقْرارَهم غَيْرُ صادِرٍ عَنْ عِلْمٍ ويَقِينٍ ولا عَنْ جَدٍّ وحَقِيقَةٍ، بَلْ قَوْلٌ مَخْلُوطٌ بِهُزْءٍ ولَعِبٍ، واللَّهُ أعْلَمُ.

الدخان 44:4

صفحة ٢٠٢ (سُورَةُ الدُّخانِ) خَمْسُونَ وتِسْعُ آياتٍ مَكِّيَّةٍ إلّا قَوْلَهُ: ﴿إنّا كاشِفُوا العَذابِ﴾ ﷽ ﴿حم﴾ ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إنّا كُنّا مُنْذِرِينَ﴾ ﴿فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ﴾ ﴿أمْرًا مِن عِنْدِنا إنّا كُنّا مُرْسِلِينَ﴾ ﴿رَحْمَةً مِن رَبِّكَ إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ ﴿رَبِّ السَّمَواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ ﴿لا إلَهَ إلّا هو يُحْيِي ويُمِيتُ رَبُّكم ورَبُّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿بَلْ هم في شَكٍّ يَلْعَبُونَ﴾ ﷽ ﴿حم﴾ ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إنّا كُنّا مُنْذِرِينَ﴾ ﴿فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ﴾ ﴿أمْرًا مِن عِنْدِنا إنّا كُنّا مُرْسِلِينَ﴾ ﴿رَحْمَةً مِن رَبِّكَ إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ ﴿رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ ﴿لا إلَهَ إلّا هو يُحْيِي ويُمِيتُ رَبُّكم ورَبُّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿بَلْ هم في شَكٍّ يَلْعَبُونَ﴾، وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: في قَوْلِهِ: ﴿حم﴾ ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ وُجُوهٌ مِنَ الِاحْتِمالاتِ: أوَّلُها: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: هَذِهِ ﴿حم﴾ ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ كَقَوْلِكَ: هَذا زَيْدٌ واللَّهِ. وثانِيها: أنْ يَكُونَ الكَلامُ قَدْ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿حم﴾، ثُمَّ يُقالُ ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ ﴿إنّا أنْزَلْناهُ﴾ . وثالِثُها: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: وحم، والكِتابِ المُبِينِ، إنّا أنْزَلْناهُ، فَيَكُونُ ذَلِكَ في التَّقْدِيرِ قَسَمَيْنِ عَلى شَيْءٍ واحِدٍ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالُوا: هَذا يَدُلُّ عَلى حُدُوثِ القُرْآنِ لِوُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿حم﴾ تَقْدِيرُهُ: هَذِهِ حم، يَعْنِي هَذا شَيْءٌ مُؤَلَّفٌ مِن هَذِهِ الحُرُوفِ، والمُؤَلَّفُ مِنَ الحُرُوفِ المُتَعاقِبَةِ مُحْدَثٌ. الثّانِي: أنَّهُ ثَبَتَ أنَّ الحَلِفَ لا يَصِحُّ بِهَذِهِ الأشْياءِ بَلْ بِإلَهِ هَذِهِ الأشْياءِ، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: ورَبِّ حم ورَبِّ الكِتابِ المُبِينِ، وكُلُّ مَن كانَ مَرْبُوبًا فَهو مُحْدَثٌ. الثّالِثُ: أنَّهُ وصَفَهُ بِكَوْنِهِ كِتابًا، والكِتابُ مُشْتَقٌّ مِنَ الجَمْعِ، فَمَعْناهُ أنَّهُ مَجْمُوعٌ والمَجْمُوعُ مَحَلُّ تَصَرُّفِ الغَيْرِ، وما كانَ كَذَلِكَ فَهو مُحْدَثٌ. الرّابِعُ: قَوْلُهُ: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ﴾ والمُنْزَلُ مَحَلُّ تَصَرُّفِ صفحة ٢٠٣ الغَيْرِ، وما كانَ كَذَلِكَ فَهو مُحْدَثٌ، وقَدْ ذَكَرْنا مِرارًا أنَّ جَمِيعَ هَذِهِ الدَّلائِلِ تَدُلُّ عَلى أنَّ الشَّيْءَ المُرَكَّبَ مِنَ الحُرُوفِ المُتَعاقِبَةِ والأصْواتِ المُتَوالِيَةِ مُحْدَثٌ، والعِلْمُ بِذَلِكَ ضَرُورِيٌّ بَدِيهِيٌّ، لا يُنازِعُ فِيهِ إلّا مَن كانَ عَدِيمَ العَقْلِ وكانَ غَيْرَ عارِفٍ بِمَعْنى القَدِيمِ والمُحْدَثِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَكَيْفَ يُنازِعُ في صِحَّةِ هَذِهِ الدَّلائِلِ ؟ إنَّما الَّذِي ثَبَتَ قِدَمُهُ شَيْءٌ آخَرُ سِوى ما تَرَكَّبَ مِن هَذِهِ الحُرُوفِ والأصْواتِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالكِتابِ هَهُنا الكُتُبَ المُتَقَدِّمَةَ الَّتِي أنْزَلَها اللَّهُ عَلى أنْبِيائِهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿لَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلَنا بِالبَيِّناتِ وأنْزَلْنا مَعَهُمُ الكِتابَ والمِيزانَ﴾ [الحديد: ٢٥]، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ اللَّوْحَ المَحْفُوظَ، كَما قالَ: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ وعِنْدَهُ أُمُّ الكِتابِ﴾ [الرعد: ٣٩]، وقالَ: ﴿وإنَّهُ في أُمِّ الكِتابِ لَدَيْنا﴾ [الزخرف: ٤]، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ القُرْآنَ، وبِهَذا التَّقْدِيرِ فَقَدْ أقْسَمَ بِالقُرْآنِ عَلى أنَّهُ أنْزَلَ القُرْآنَ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ، وهَذا النَّوْعُ مِنَ الكَلامِ يَدُلُّ عَلى غايَةِ تَعْظِيمِ القُرْآنِ، فَقَدْ يَقُولُ الرَّجُلُ إذا أرادَ تَعْظِيمَ رَجُلٍ لَهُ حاجَةٌ إلَيْهِ: أسْتَشْفِعُ بِكَ إلَيْكَ وأُقْسِمُ بِحَقِّكَ عَلَيْكَ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: ﴿المُبِينِ﴾ هو المُشْتَمِلُ عَلى بَيانِ ما بِالنّاسِ حاجَةً إلَيْهِ في دِينِهِمْ ودُنْياهم، فَوَصَفَهُ بِكَوْنِهِ مُبِينًا، وإنْ كانَتْ حَقِيقَةُ الإبانَةِ لِلَّهِ تَعالى، لِأجْلِ أنَّ الإبانَةَ حَصَلَتْ بِهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ﴾ [النمل: ٧٦]، وقالَ في آيَةٍ أُخْرى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أحْسَنَ القَصَصِ﴾ [يوسف: ٣]، وقالَ: ﴿أمْ أنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطانًا فَهو يَتَكَلَّمُ بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾ [الروم: ٣٥] فَوَصَفَهُ بِالتَّكَلُّمِ إذْ كانَ غايَةً في الإبانَةِ، فَكَأنَّهُ ذُو لِسانٍ يَنْطِقُ، والمَعْنى فِيهِ المُبالَغَةُ في وصْفِهِ بِهَذا المَعْنى. المَسْألَةُ الخامِسَةُ: اخْتَلَفُوا في هَذِهِ اللَّيْلَةِ المُبارَكَةِ، فَقالَ الأكْثَرُونَ: إنَّها لَيْلَةُ القَدْرِ، وقالَ عِكْرِمَةُ وطائِفَةٌ آخَرُونَ: إنَّها لَيْلَةُ البَراءَةِ، وهي لَيْلَةُ النِّصْفِ مِن شَعْبانَ، أمّا الأوَّلُونَ فَقَدِ احْتَجُّوا عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِمْ بِوُجُوهٍ: أوَّلُها: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ﴾ [القدر: ١]، وهَهُنا قالَ: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ﴾ فَوَجَبَ أنْ تَكُونَ هَذِهِ اللَّيْلَةُ المُبارَكَةُ هي تِلْكَ المُسَمّاةُ بِلَيْلَةِ القَدْرِ، لِئَلّا يَلْزَمَ التَّناقُضُ. وثانِيها: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ القُرْآنُ﴾ [البقرة: ١٨٥]، فَبَيَّنَ أنَّ إنْزالَ القُرْآنِ إنَّما وقَعَ في شَهْرِ رَمَضانَ، وقالَ هَهُنا: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ﴾ فَوَجَبَ أنْ تَكُونَ هَذِهِ اللَّيْلَةُ المُبارَكَةُ واقِعَةً في شَهْرِ رَمَضانَ، وكُلُّ مَن قالَ: إنَّ هَذِهِ اللَّيْلَةَ المُبارَكَةَ واقِعَةٌ في شَهْرِ رَمَضانَ قالَ: إنَّها لَيْلَةُ القَدْرِ، فَثَبَتَ أنَّها لَيْلَةُ القَدْرِ. وثالِثُها: أنَّهُ تَعالى قالَ في صِفَةِ لَيْلَةِ القَدْرِ: ﴿تَنَزَّلُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ فِيها بِإذْنِ رَبِّهِمْ مِن كُلِّ أمْرٍ﴾ ﴿سَلامٌ هِيَ﴾ [القدر: ٤، ٥]، وقالَ أيْضًا هَهُنا ﴿فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ﴾ وهَذا مُناسِبٌ لِقَوْلِهِ: ﴿تَنَزَّلُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ فِيها﴾ [القدر: ٤]، وهَهُنا قالَ: ﴿أمْرًا مِن عِنْدِنا﴾، وقالَ في تِلْكَ الآيَةِ: ﴿بِإذْنِ رَبِّهِمْ مِن كُلِّ أمْرٍ﴾ [القدر: ٤]، وقالَ هَهُنا ﴿رَحْمَةً مِن رَبِّكَ﴾، وقالَ في تِلْكَ الآيَةِ: ﴿سَلامٌ هِيَ﴾ [القدر: ٥]، وإذا تَقارَبَتِ الأوْصافُ وجَبَ القَوْلُ بِأنَّ إحْدى اللَّيْلَتَيْنِ هي الأُخْرى. ورابِعُها: نَقَلَ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ في “ تَفْسِيرِهِ “ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قالَ: نَزَلَتْ صُحُفُ إبْراهِيمَ في أوَّلِ لَيْلَةٍ مِن رَمَضانَ، والتَّوْراةُ لِسِتِّ لَيالٍ مِنهُ، والزَّبُورُ لِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ لَيْلَةً مَضَتْ مِنهُ، والإنْجِيلُ لِثَمانِ عَشْرَةَ لَيْلَةً مَضَتْ مِنهُ، والقُرْآنُ لِأرْبَعٍ وعِشْرِينَ لَيْلَةً مَضَتْ مِن رَمَضانَ، واللَّيْلَةُ المُبارَكَةُ هي لَيْلَةُ القَدْرِ. وخامِسُها: أنَّ لَيْلَةَ القَدْرِ إنَّما سُمِّيَتْ بِهَذا الِاسْمِ؛ لِأنَّ قَدْرَها وشَرَفَها عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ لَيْسَ قَدْرُها وشَرَفُها لِسَبَبِ ذَلِكَ الزَّمانِ، لِأنَّ الزَّمانَ شَيْءٌ واحِدٌ في الذّاتِ والصِّفاتِ، فَيَمْتَنِعُ كَوْنُ بَعْضِهِ أشْرَفَ مِن بَعْضٍ لِذاتِهِ، فَثَبَتَ أنَّ شَرَفَهُ وقَدْرَهُ بِسَبَبِ أنَّهُ حَصَلَ فِيهِ أُمُورٌ شَرِيفَةٌ عالِيَةٌ، لَها قَدْرٌ عَظِيمٌ ومَرْتَبَةٌ رَفِيعَةٌ، ومَعْلُومٌ أنَّ صفحة ٢٠٤ مَنصِبَ الدِّينِ أعْلى وأعْظَمُ مِن مَنصِبِ الدُّنْيا، وأعْلى الأشْياءِ وأشْرَفُها مَنصِبًا في الدِّينِ هو القُرْآنُ، لِأجْلِ أنَّ بِهِ ثَبَتَتْ نُبُوَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وبِهِ ظَهَرَ الفَرْقُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ في سائِرِ كُتُبِ اللَّهِ المُنَزَّلَةِ، كَما قالَ في صِفَتِهِ: (﴿ومُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤٨]، وبِهِ ظَهَرَتْ دَرَجاتُ أرْبابِ السَّعاداتِ، ودَرَكاتُ أرْبابِ الشَّقاواتِ، فَعَلى هَذا لا شَيْءَ إلّا والقُرْآنُ أعْظَمُ قَدْرًا وأعْلى ذِكْرًا وأعْظَمُ مَنصِبًا مِنهُ، فَلَوْ كانَ نُزُولُهُ إنَّما وقَعَ في لَيْلَةٍ أُخْرى سِوى لَيْلَةِ القَدْرِ لَكانَتْ لَيْلَةُ القَدْرِ هي هَذِهِ الثّانِيَةُ لا الأُولى، وحَيْثُ أطْبَقُوا عَلى أنَّ لَيْلَةَ القَدْرِ الَّتِي وقَعَتْ في رَمَضانَ، عَلِمْنا أنَّ القُرْآنَ إنَّما أُنْزِلَ في تِلْكَ اللَّيْلَةِ. وأمّا القائِلُونَ بِأنَّ المُرادَ مِنَ اللَّيْلَةِ المُبارَكَةِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ الآيَةِ هي لَيْلَةُ النِّصْفِ مِن شَعْبانَ، فَما رَأيْتُ لَهم فِيهِ دَلِيلًا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، وإنَّما قَنِعُوا فِيهِ بِأنْ نَقَلُوهُ عَنْ بَعْضِ النّاسِ، فَإنْ صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيهِ كَلامٌ فَلا مَزِيدَ عَلَيْهِ، وإلّا فالحَقُّ هو الأوَّلُ، ثُمَّ إنَّ هَؤُلاءِ القائِلِينَ بِهَذا القَوْلِ زَعَمُوا أنَّ لَيْلَةَ النِّصْفِ مِن شَعْبانَ لَها أرْبَعَةُ أسْماءَ: اللَّيْلَةُ المُبارَكَةُ، ولَيْلَةُ البَراءَةِ، ولَيْلَةُ الصَّكِّ، ولَيْلَةُ الرَّحْمَةِ، وقِيلَ: إنَّما سُمِّيَتْ بِلَيْلَةِ البَراءَةِ ولَيْلَةِ الصَّكِّ، لِأنَّ البُنْدارَ إذا اسْتَوْفى الخَراجَ مِن أهْلِهِ كَتَبَ لَهُمُ البَراءَةَ، كَذَلِكَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ يَكْتُبُ لِعِبادِهِ المُؤْمِنِينَ البَراءَةَ في هَذِهِ اللَّيْلَةِ، وقِيلَ: هَذِهِ اللَّيْلَةُ مُخْتَصَّةٌ بِخَمْسِ خِصالٍ: الأُولى: تَفْرِيقُ كُلِّ أمْرٍ حَكِيمٍ فِيها، قالَ تَعالى: ﴿فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ﴾ . والثّانِيَةُ: فَضِيلَةُ العِبادَةِ فِيها، قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن صَلّى في هَذِهِ اللَّيْلَةِ مِائَةَ رَكْعَةٍ أرْسَلَ اللَّهُ إلَيْهِ مِائَةَ مَلَكٍ، ثَلاثُونَ يُبَشِّرُونَهُ بِالجَنَّةِ، وثَلاثُونَ يُؤَمِّنُونَهُ مِن عَذابِ النّارِ، وثَلاثُونَ يَدْفَعُونَ عَنْهُ آفاتِ الدُّنْيا، وعَشَرَةٌ يَدْفَعُونَ عَنْهُ مَكايِدَ الشَّيْطانِ» . الخَصْلَةُ الثّالِثَةُ: نُزُولُ الرَّحْمَةِ، قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «إنَّ اللَّهَ يَرْحَمُ أُمَّتِي في هَذِهِ اللَّيْلَةِ بِعَدَدِ شَعْرِ أغْنامِ بَنِي كَلْبٍ» . والخَصْلَةُ الرّابِعَةُ: حُصُولُ المَغْفِرَةِ، قالَ ﷺ: «إنَّ اللَّهَ تَعالى يَغْفِرُ لِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ في تِلْكَ اللَّيْلَةِ، إلّا لِكاهِنٍ، أوْ مُشاحِنٍ، أوْ مُدْمِنِ خَمْرٍ، أوْ عاقٍّ لِلْوالِدَيْنِ، أوْ مُصِرٍّ عَلى الزِّنا» . والخَصْلَةُ الخامِسَةُ: أنَّهُ تَعالى أعْطى رَسُولَهُ في هَذِهِ اللَّيْلَةِ تَمامَ الشَّفاعَةِ، وذَلِكَ أنَّهُ سَألَ لَيْلَةَ الثّالِثَ عَشَرَ مِن شَعْبانَ في أُمَّتِهِ فَأُعْطِيَ الثُّلُثَ مِنها، ثُمَّ سَألَ لَيْلَةَ الرّابِعَ عَشَرَ فَأُعْطِيَ الثُّلُثَيْنِ، ثُمَّ سَألَ لَيْلَةَ الخامِسَ عَشَرَ فَأُعْطِيَ الجَمِيعَ إلّا مَن شَرَدَ عَلى اللَّهِ شِرادَ البَعِيرِ. هَذا الفَصْلُ نَقَلْتُهُ مِنَ “ الكَشّافِ “، فَإنْ قِيلَ: لا شَكَّ أنَّ الزَّمانَ عِبارَةٌ عَنِ المُدَّةِ المُمْتَدَّةِ الَّتِي تَقْدِيرُها حَرَكاتُ الأفْلاكِ والكَواكِبِ، وأنَّهُ في ذاتِهِ أمْرٌ مُتَشابِهُ الأجْزاءِ فَيَمْتَنِعُ كَوْنُ بَعْضِها أفْضَلَ مِن بَعْضٍ، والمَكانُ عِبارَةٌ عَنِ الفَضاءِ المُمْتَدِّ والخَلاءِ الخالِي، فَيَمْتَنِعُ كَوْنُ بَعْضِ أجْزائِهِ أشْرَفَ مِنَ البَعْضِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ تَخْصِيصُ بَعْضِ أجْزائِهِ بِمَزِيدِ الشَّرَفِ دُونَ الباقِي تَرْجِيحًا لِأحَدِ طَرَفَيِ المُمْكِنِ عَلى الآخَرِ لا لِمُرَجِّحٍ وإنَّهُ مُحالٌ، قُلْنا: القَوْلُ بِإثْباتِ حُدُوثِ العالَمِ وإثْباتِ أنَّ فاعِلَهُ فاعِلٌ مُخْتارٌ بِناءً عَلى هَذا الحَرْفِ وهو أنَّهُ لا يَبْعُدُ مِنَ الفاعِلِ المُخْتارِ تَخْصِيصُ وقْتٍ مُعَيَّنٍ بِإحْداثِ العالَمِ فِيهِ دُونَ ما قَبْلَهُ وما بَعْدَهُ، فَإنْ بَطَلَ هَذا الأصْلُ فَقَدْ بَطَلَ حُدُوثُ العالَمِ وبَطَلَ الفاعِلُ المُخْتارُ، وحِينَئِذٍ لا يَكُونُ الخَوْضُ في تَفْسِيرِ القُرْآنِ فائِدَةً، وإنْ صَحَّ هَذا الأصْلُ فَقَدْ زالَ ما ذَكَرْتُمْ مِنَ السُّؤالِ، فَهَذا هو الجَوابُ المُعْتَمَدُ، والنّاسُ قالُوا: لا يَبْعُدُ أنْ يَخُصَّ اللَّهُ تَعالى بَعْضَ الأوْقاتِ بِمَزِيدِ تَشْرِيفٍ حَتّى يَصِيرَ ذَلِكَ داعِيًا لِلْمُكَلَّفِ إلى الإقْدامِ عَلى الطّاعاتِ في ذَلِكَ الوَقْتِ، ولِهَذا السَّبَبِ بَيَّنَ أنَّهُ تَعالى أخْفاهُ في الأوْقاتِ وما عَيَّنَهُ لِأنَّهُ إنْ لَمْ يَكُنْ مُعَيَّنًا جَوَّزَ المُكَلَّفُ في كُلِّ وقْتٍ مُعَيَّنٍ أنْ يَكُونَ هو ذَلِكَ الوَقْتَ الشَّرِيفَ، فَيَصِيرُ ذَلِكَ حامِلًا لَهُ عَلى المُواظَبَةِ عَلى الطّاعاتِ في كُلِّ الأوْقاتِ، وإذا وقَعْتَ عَلى هَذا الحَرْفِ ظَهَرَ عِنْدَكَ أنَّ الزَّمانَ والمَكانَ إنَّما فازا بِالتَّشْرِيفاتِ الزّائِدَةِ تَبَعًا لِشَرَفِ الإنْسانِ فَهو الأصْلُ وكُلُّ ما سِواهُ فَهو تَبَعٌ لَهُ، واللَّهُ أعْلَمُ. صفحة ٢٠٥ المَسْألَةُ السّادِسَةُ: رُوِيَ أنَّ عَطِيَّةَ الحَرُورِيَّ سَألَ ابْنَ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما عَنْ قَوْلِهِ: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ﴾ [القدر: ١] وقَوْلِهِ: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ﴾ كَيْفَ يَصِحُّ ذَلِكَ مَعَ أنَّ اللَّهَ تَعالى أنْزَلَ القُرْآنَ في جَمِيعِ الشُّهُورِ ؟ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: يا ابْنَ الأسْوَدِ، لَوْ هَلَكْتُ أنا ووَقَعَ هَذا في نَفْسِكَ ولَمْ تَجِدْ جَوابَهُ هَلَكْتَ، نَزَلَ القُرْآنُ جُمْلَةً مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ إلى البَيْتِ المَعْمُورِ، وهو في السَّماءِ الدُّنْيا، ثُمَّ نَزَلَ بَعْدَ ذَلِكَ في أنْواعِ الوَقائِعِ حالًا فَحالًا، واللَّهُ أعْلَمُ. * * * المَسْألَةُ السّابِعَةُ: في بَيانِ نَظْمِ هَذِهِ الآياتِ: اعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِنها تَعْظِيمُ القُرْآنِ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: أحَدُها: بَيانُ تَعْظِيمِ القُرْآنِ بِحَسَبِ ذاتِهِ. الثّانِي: بَيانُ تَعْظِيمِهِ بِسَبَبِ شَرَفِ الوَقْتِ الَّذِي نَزَلَ فِيهِ. والثّالِثُ: بَيانُ تَعْظِيمِهِ بِحَسَبِ شَرَفِ مَنزِلَتِهِ. أمّا بَيانُ تَعْظِيمِهِ بِحَسَبِ ذاتِهِ فَمِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ تَعالى أقْسَمَ بِهِ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى شَرَفِهِ. وثانِيها: أنَّهُ تَعالى أقْسَمَ بِهِ عَلى كَوْنِهِ نازِلًا في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ القَسَمَ بِالشَّيْءِ عَلى حالَةٍ مِن أحْوالِ نَفْسِهِ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ في غايَةِ الشَّرَفِ. وثالِثُها: أنَّهُ تَعالى وصَفَهُ بِكَوْنِهِ مُبِينًا، وذَلِكَ يَدُلُّ أيْضًا عَلى شَرَفِهِ في ذاتِهِ. وأمّا النَّوْعُ الثّانِي: وهو بَيانُ شَرَفِهِ لِأجْلِ شَرَفِ الوَقْتِ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ فَهو قَوْلُهُ: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ﴾، وهَذا تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ نُزُولَهُ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ يَقْتَضِي شَرَفَهُ وجَلالَتَهُ، ثُمَّ نَقُولُ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ﴾ يَقْتَضِي أمْرَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ تَعالى أنْزَلَهُ، والثّانِي: كَوْنُ تِلْكَ اللَّيْلَةِ مُبارَكَةً، فَذَكَرَ تَعالى عَقِيبَ هَذِهِ الكَلِمَةِ ما يَجْرِي مَجْرى البَيانِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما، أمّا بَيانُ أنَّهُ تَعالى لِمَ أنْزَلَهُ فَهو قَوْلُهُ: ﴿إنّا كُنّا مُنْذِرِينَ﴾ يَعْنِي الحِكْمَةَ في إنْزالِ هَذِهِ السُّورَةِ أنَّ إنْذارَ الخَلْقِ لا يَتِمُّ إلّا بِهِ، وأمّا بَيانُ أنَّ هَذِهِ اللَّيْلَةَ لَيْلَةٌ مُبارَكَةٌ فَهو أمْرانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ تَعالى يَفْرِقُ فِيها كُلَّ أمْرٍ حَكِيمٍ، والثّانِي: أنَّ ذَلِكَ الأمْرَ الحَكِيمَ مَخْصُوصٌ بِشَرَفِ أنَّهُ إنَّما يَظْهَرُ مِن عِنْدِهِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿أمْرًا مِن عِنْدِنا﴾ . وأمّا النَّوْعُ الثّالِثُ: فَهو بَيانُ شَرَفِ القُرْآنِ لِشَرَفِ مَنزِلِهِ وذَلِكَ هو قَوْلُهُ: ﴿إنّا كُنّا مُرْسِلِينَ﴾ فَبَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ الإنْذارَ والإرْسالَ إنَّما حَصَلَ مِنَ اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ الإرْسالَ إنَّما كانَ لِأجْلِ تَكْمِيلِ الرَّحْمَةِ وهو قَوْلُهُ: ﴿رَحْمَةً مِن رَبِّكَ﴾، وكانَ الواجِبُ أنْ يُقالَ: رَحْمَةً مِنّا إلّا أنَّهُ وضَعَ الظّاهِرَ مَوْضِعَ المُضْمَرِ إيذانًا بِأنَّ الرُّبُوبِيَّةَ تَقْتَضِي الرَّحْمَةَ عَلى المَرْبُوبِينَ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ تِلْكَ الرَّحْمَةَ وقَعَتْ عَلى وفْقِ حاجاتِ المُحْتاجِينَ لِأنَّهُ تَعالى يَسْمَعُ تَضَرُّعاتِهِمْ، ويَعْلَمُ أنْواعَ حاجاتِهِمْ، فَلِهَذا قالَ: ﴿إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ فَهَذا ما خَطَرَ بِالبالِ في كَيْفِيَّةِ تَعَلُّقِ بَعْضِ هَذِهِ الآياتِ بِبَعْضٍ. المَسْألَةُ الثّامِنَةُ: في تَفْسِيرِ مُفْرَداتِ هَذِهِ الألْفاظِ: أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ﴾ فَقَدْ قِيلَ فِيهِ: إنَّهُ تَعالى أنْزَلَ كُلِّيَّةَ القُرْآنِ مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ إلى سَماءِ الدُّنْيا في هَذِهِ اللَّيْلَةِ، ثُمَّ أنْزَلَ في كُلِّ وقْتٍ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ المُكَلَّفُ، وقِيلَ: يَبْدَأُ في اسْتِنْساخِ ذَلِكَ مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ في لَيْلَةِ البَراءَةِ، ويَقَعُ الفَراغُ في لَيْلَةِ القَدْرِ، فَتُدْفَعُ نُسْخَةُ الأرْزاقِ إلى مِيكائِيلَ، ونُسْخَةُ الحُرُوبِ إلى جِبْرائِيلَ، وكَذَلِكَ الزَّلازِلِ والصَّواعِقِ والخَسْفِ، ونُسْخَةُ الأعْمالِ إلى إسْماعِيلَ صاحِبِ سَماءِ الدُّنْيا وهو مَلَكٌ عَظِيمٌ، ونُسْخَةُ المَصائِبِ إلى مَلَكِ المَوْتِ. صفحة ٢٠٦ أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِيها يُفْرَقُ﴾ أيْ في تِلْكَ اللَّيْلَةِ المُبارَكَةِ يُفْرَقُ أيْ يُفَصَّلُ ويُبَيَّنُ مِن قَوْلِهِمْ: فَرَقْتُ الشَّيْءَ أفْرُقُهُ فَرْقًا وفُرْقانًا، قالَ صاحِبُ “ الكَشّافِ “: وقُرِئَ يُفَرِّقُ بِالتَّشْدِيدِ، ويَفْرُقُ عَلى إسْنادِ الفِعْلِ إلى الفاعِلِ ونَصْبِ كُلٍّ، والفارِقُ هو اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ نُفَرِّقُ بِالنُّونِ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ﴾، فالحَكِيمُ مَعْناهُ ذُو الحِكْمَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ تَخْصِيصَ اللَّهِ تَعالى كُلَّ أحَدٍ بِحالَةٍ مُعَيَّنَةٍ مِنَ العُمُرِ والرِّزْقِ والأجْلِ والسَّعادَةِ والشَّقاوَةِ يَدُلُّ عَلى حِكْمَةٍ بالِغَةٍ لِلَّهِ تَعالى، فَلَمّا كانَتْ تِلْكَ الأفْعالُ والأقْضِيَةُ دالَّةً عَلى حِكْمَةِ فاعِلِها وُصِفَتْ بِكَوْنِها حَكِيمَةً، وهَذا مِنَ الإسْنادِ المَجازِيِّ، لِأنَّ الحَكِيمَ صِفَةُ صاحِبِ الأمْرِ عَلى الحَقِيقَةِ، ووَصْفُ الأمْرِ بِهِ مَجازٌ، ثُمَّ قالَ: ﴿أمْرًا مِن عِنْدِنا﴾، وفي انْتِصابِ قَوْلِهِ: ﴿أمْرًا﴾ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ نُصِبَ عَلى الِاخْتِصاصِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ شَرَفَ تِلْكَ الأقْضِيَةِ والأحْكامِ بِسَبَبِ أنْ وصَفَها بِكَوْنِها حَكِيمَةً، ثُمَّ زادَ في بَيانِ شَرَفِها بِأنْ قالَ: أعْنِي بِهَذا الأمْرِ أمْرًا حاصِلًا مِن عِنْدِنا كائِنًا مِن لَدُنّا، وكَما اقْتَضاهُ عِلْمُنا وتَدْبِيرُنا. والثّانِي: أنَّهُ نُصِبَ عَلى الحالِ، وفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ حالًا مِن أحَدِ الضَّمِيرَيْنِ في ﴿أنْزَلْناهُ﴾، إمّا مِن ضَمِيرِ الفاعِلِ أيْ: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ﴾ آمِرِينَ أمْرًا، أوْ مِن ضَمِيرِ المَفْعُولِ أيْ: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ﴾ في حالِ كَوْنِهِ أمْرًا مِن عِنْدِنا بِما يَجِبُ أنْ يَفْعَلَ. والثّالِثُ: ما حَكاهُ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ عَنْ أبِي الحَسَنِ رَحِمَهُما اللَّهُ: أنَّهُ حَمَلَ قَوْلَهُ: ﴿أمْرًا﴾ عَلى الحالِ، وذُو الحالِ قَوْلُهُ: ﴿كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ﴾، وهو نَكِرَةٌ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿إنّا كُنّا مُرْسِلِينَ﴾ يَعْنِي: إنّا إنَّما فَعَلْنا ذَلِكَ الإنْذارَ لِأجَلِ (إنّا كُنّا مُرْسِلِينَ) يَعْنِي الأنْبِياءَ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿رَحْمَةً مِن رَبِّكَ﴾ أيْ لِلرَّحْمَةِ، فَهي نَصْبٌ عَلى أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لَهُ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ يَعْنِي أنَّ تِلْكَ الرَّحْمَةَ كانَتْ رَحْمَةً في الحَقِيقَةِ لِأنَّ المُحْتاجِينَ إمّا أنْ يَذْكُرُوا بِألْسِنَتِهِمْ حاجاتِهِمْ، وإمّا أنْ لا يَذْكُرُوها، فَإنْ ذَكَرُوها فَهو تَعالى يَسْمَعُ كَلامَهم فَيَعْرِفُ حاجاتِهِمْ، وإنْ لَمْ يَذْكُرُوها فَهو تَعالى عالِمٌ بِها، فَثَبَتَ أنَّ كَوْنَهُ (سَمِيعًا عَلِيمًا) يَقْتَضِي أنْ يُنْزِلَ رَحْمَتَهُ عَلَيْهِمْ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾، وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِكَسْرِ الباءِ مِن رَبٍّ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿رَحْمَةً مِن رَبِّكَ﴾ والباقُونَ بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿هُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المَقْصُودُ مِن هَذِهِ الآيَةِ أنَّ المُنَزِّلَ إذا كانَ مَوْصُوفًا بِهَذِهِ الجَلالَةِ والكِبْرِياءِ كانَ المُنْزَّلُ الَّذِي هو القُرْآنُ في غايَةِ الشَّرَفِ والرِّفْعَةِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الفائِدَةُ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: مَعْناهُ إنْ كُنْتُمْ تَطْلُبُونَ اليَقِينَ وتُرِيدُونَهُ، فاعْرِفُوا أنَّ الأمْرَ كَما قُلْنا، كَقَوْلِهِمْ: فُلانٌ مُنْجِدٌ مُتْهِمٌ أيْ يُرِيدُ نَجْدًا وتِهامَةَ. الثّانِي: قالَ صاحِبُ “ الكَشّافِ “ كانُوا يُقِرُّونَ بِأنَّ لِلسَّماواتِ والأرْضِ رَبًّا وخالِقًا، فَقِيلَ لَهم: إنَّ إرْسالَ الرُّسُلِ وإنْزالَ الكُتُبِ رَحْمَةٌ مِنَ الرَّبِّ سُبْحانَهُ وتَعالى، ثُمَّ قِيلَ: إنَّ هَذا هو السَّمِيعُ العَلِيمُ الَّذِي أنْتُمْ مُقِرُّونَ بِهِ ومُعْتَرِفُونَ بِأنَّهُ رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما إنْ كانَ إقْرارُكم عَنْ عِلْمٍ ويَقِينٍ، كَما تَقُولُ: هَذا إنْعامُ زَيْدٍ الَّذِي تَسامَعَ النّاسُ بِكَرَمِهِ إنْ بَلَغَكَ حَدِيثُهُ وسَمِعْتَ قِصَّتَهُ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى رَدَّ أنْ يَكُونُوا مُوقِنِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿بَلْ هم في شَكٍّ يَلْعَبُونَ﴾، وأنَّ إقْرارَهم غَيْرُ صادِرٍ عَنْ عِلْمٍ ويَقِينٍ ولا عَنْ جَدٍّ وحَقِيقَةٍ، بَلْ قَوْلٌ مَخْلُوطٌ بِهُزْءٍ ولَعِبٍ، واللَّهُ أعْلَمُ.

الدخان 44:5

صفحة ٢٠٢ (سُورَةُ الدُّخانِ) خَمْسُونَ وتِسْعُ آياتٍ مَكِّيَّةٍ إلّا قَوْلَهُ: ﴿إنّا كاشِفُوا العَذابِ﴾ ﷽ ﴿حم﴾ ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إنّا كُنّا مُنْذِرِينَ﴾ ﴿فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ﴾ ﴿أمْرًا مِن عِنْدِنا إنّا كُنّا مُرْسِلِينَ﴾ ﴿رَحْمَةً مِن رَبِّكَ إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ ﴿رَبِّ السَّمَواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ ﴿لا إلَهَ إلّا هو يُحْيِي ويُمِيتُ رَبُّكم ورَبُّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿بَلْ هم في شَكٍّ يَلْعَبُونَ﴾ ﷽ ﴿حم﴾ ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إنّا كُنّا مُنْذِرِينَ﴾ ﴿فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ﴾ ﴿أمْرًا مِن عِنْدِنا إنّا كُنّا مُرْسِلِينَ﴾ ﴿رَحْمَةً مِن رَبِّكَ إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ ﴿رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ ﴿لا إلَهَ إلّا هو يُحْيِي ويُمِيتُ رَبُّكم ورَبُّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿بَلْ هم في شَكٍّ يَلْعَبُونَ﴾، وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: في قَوْلِهِ: ﴿حم﴾ ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ وُجُوهٌ مِنَ الِاحْتِمالاتِ: أوَّلُها: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: هَذِهِ ﴿حم﴾ ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ كَقَوْلِكَ: هَذا زَيْدٌ واللَّهِ. وثانِيها: أنْ يَكُونَ الكَلامُ قَدْ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿حم﴾، ثُمَّ يُقالُ ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ ﴿إنّا أنْزَلْناهُ﴾ . وثالِثُها: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: وحم، والكِتابِ المُبِينِ، إنّا أنْزَلْناهُ، فَيَكُونُ ذَلِكَ في التَّقْدِيرِ قَسَمَيْنِ عَلى شَيْءٍ واحِدٍ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالُوا: هَذا يَدُلُّ عَلى حُدُوثِ القُرْآنِ لِوُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿حم﴾ تَقْدِيرُهُ: هَذِهِ حم، يَعْنِي هَذا شَيْءٌ مُؤَلَّفٌ مِن هَذِهِ الحُرُوفِ، والمُؤَلَّفُ مِنَ الحُرُوفِ المُتَعاقِبَةِ مُحْدَثٌ. الثّانِي: أنَّهُ ثَبَتَ أنَّ الحَلِفَ لا يَصِحُّ بِهَذِهِ الأشْياءِ بَلْ بِإلَهِ هَذِهِ الأشْياءِ، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: ورَبِّ حم ورَبِّ الكِتابِ المُبِينِ، وكُلُّ مَن كانَ مَرْبُوبًا فَهو مُحْدَثٌ. الثّالِثُ: أنَّهُ وصَفَهُ بِكَوْنِهِ كِتابًا، والكِتابُ مُشْتَقٌّ مِنَ الجَمْعِ، فَمَعْناهُ أنَّهُ مَجْمُوعٌ والمَجْمُوعُ مَحَلُّ تَصَرُّفِ الغَيْرِ، وما كانَ كَذَلِكَ فَهو مُحْدَثٌ. الرّابِعُ: قَوْلُهُ: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ﴾ والمُنْزَلُ مَحَلُّ تَصَرُّفِ صفحة ٢٠٣ الغَيْرِ، وما كانَ كَذَلِكَ فَهو مُحْدَثٌ، وقَدْ ذَكَرْنا مِرارًا أنَّ جَمِيعَ هَذِهِ الدَّلائِلِ تَدُلُّ عَلى أنَّ الشَّيْءَ المُرَكَّبَ مِنَ الحُرُوفِ المُتَعاقِبَةِ والأصْواتِ المُتَوالِيَةِ مُحْدَثٌ، والعِلْمُ بِذَلِكَ ضَرُورِيٌّ بَدِيهِيٌّ، لا يُنازِعُ فِيهِ إلّا مَن كانَ عَدِيمَ العَقْلِ وكانَ غَيْرَ عارِفٍ بِمَعْنى القَدِيمِ والمُحْدَثِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَكَيْفَ يُنازِعُ في صِحَّةِ هَذِهِ الدَّلائِلِ ؟ إنَّما الَّذِي ثَبَتَ قِدَمُهُ شَيْءٌ آخَرُ سِوى ما تَرَكَّبَ مِن هَذِهِ الحُرُوفِ والأصْواتِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالكِتابِ هَهُنا الكُتُبَ المُتَقَدِّمَةَ الَّتِي أنْزَلَها اللَّهُ عَلى أنْبِيائِهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿لَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلَنا بِالبَيِّناتِ وأنْزَلْنا مَعَهُمُ الكِتابَ والمِيزانَ﴾ [الحديد: ٢٥]، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ اللَّوْحَ المَحْفُوظَ، كَما قالَ: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ وعِنْدَهُ أُمُّ الكِتابِ﴾ [الرعد: ٣٩]، وقالَ: ﴿وإنَّهُ في أُمِّ الكِتابِ لَدَيْنا﴾ [الزخرف: ٤]، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ القُرْآنَ، وبِهَذا التَّقْدِيرِ فَقَدْ أقْسَمَ بِالقُرْآنِ عَلى أنَّهُ أنْزَلَ القُرْآنَ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ، وهَذا النَّوْعُ مِنَ الكَلامِ يَدُلُّ عَلى غايَةِ تَعْظِيمِ القُرْآنِ، فَقَدْ يَقُولُ الرَّجُلُ إذا أرادَ تَعْظِيمَ رَجُلٍ لَهُ حاجَةٌ إلَيْهِ: أسْتَشْفِعُ بِكَ إلَيْكَ وأُقْسِمُ بِحَقِّكَ عَلَيْكَ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: ﴿المُبِينِ﴾ هو المُشْتَمِلُ عَلى بَيانِ ما بِالنّاسِ حاجَةً إلَيْهِ في دِينِهِمْ ودُنْياهم، فَوَصَفَهُ بِكَوْنِهِ مُبِينًا، وإنْ كانَتْ حَقِيقَةُ الإبانَةِ لِلَّهِ تَعالى، لِأجْلِ أنَّ الإبانَةَ حَصَلَتْ بِهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ﴾ [النمل: ٧٦]، وقالَ في آيَةٍ أُخْرى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أحْسَنَ القَصَصِ﴾ [يوسف: ٣]، وقالَ: ﴿أمْ أنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطانًا فَهو يَتَكَلَّمُ بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾ [الروم: ٣٥] فَوَصَفَهُ بِالتَّكَلُّمِ إذْ كانَ غايَةً في الإبانَةِ، فَكَأنَّهُ ذُو لِسانٍ يَنْطِقُ، والمَعْنى فِيهِ المُبالَغَةُ في وصْفِهِ بِهَذا المَعْنى. المَسْألَةُ الخامِسَةُ: اخْتَلَفُوا في هَذِهِ اللَّيْلَةِ المُبارَكَةِ، فَقالَ الأكْثَرُونَ: إنَّها لَيْلَةُ القَدْرِ، وقالَ عِكْرِمَةُ وطائِفَةٌ آخَرُونَ: إنَّها لَيْلَةُ البَراءَةِ، وهي لَيْلَةُ النِّصْفِ مِن شَعْبانَ، أمّا الأوَّلُونَ فَقَدِ احْتَجُّوا عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِمْ بِوُجُوهٍ: أوَّلُها: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ﴾ [القدر: ١]، وهَهُنا قالَ: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ﴾ فَوَجَبَ أنْ تَكُونَ هَذِهِ اللَّيْلَةُ المُبارَكَةُ هي تِلْكَ المُسَمّاةُ بِلَيْلَةِ القَدْرِ، لِئَلّا يَلْزَمَ التَّناقُضُ. وثانِيها: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ القُرْآنُ﴾ [البقرة: ١٨٥]، فَبَيَّنَ أنَّ إنْزالَ القُرْآنِ إنَّما وقَعَ في شَهْرِ رَمَضانَ، وقالَ هَهُنا: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ﴾ فَوَجَبَ أنْ تَكُونَ هَذِهِ اللَّيْلَةُ المُبارَكَةُ واقِعَةً في شَهْرِ رَمَضانَ، وكُلُّ مَن قالَ: إنَّ هَذِهِ اللَّيْلَةَ المُبارَكَةَ واقِعَةٌ في شَهْرِ رَمَضانَ قالَ: إنَّها لَيْلَةُ القَدْرِ، فَثَبَتَ أنَّها لَيْلَةُ القَدْرِ. وثالِثُها: أنَّهُ تَعالى قالَ في صِفَةِ لَيْلَةِ القَدْرِ: ﴿تَنَزَّلُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ فِيها بِإذْنِ رَبِّهِمْ مِن كُلِّ أمْرٍ﴾ ﴿سَلامٌ هِيَ﴾ [القدر: ٤، ٥]، وقالَ أيْضًا هَهُنا ﴿فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ﴾ وهَذا مُناسِبٌ لِقَوْلِهِ: ﴿تَنَزَّلُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ فِيها﴾ [القدر: ٤]، وهَهُنا قالَ: ﴿أمْرًا مِن عِنْدِنا﴾، وقالَ في تِلْكَ الآيَةِ: ﴿بِإذْنِ رَبِّهِمْ مِن كُلِّ أمْرٍ﴾ [القدر: ٤]، وقالَ هَهُنا ﴿رَحْمَةً مِن رَبِّكَ﴾، وقالَ في تِلْكَ الآيَةِ: ﴿سَلامٌ هِيَ﴾ [القدر: ٥]، وإذا تَقارَبَتِ الأوْصافُ وجَبَ القَوْلُ بِأنَّ إحْدى اللَّيْلَتَيْنِ هي الأُخْرى. ورابِعُها: نَقَلَ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ في “ تَفْسِيرِهِ “ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قالَ: نَزَلَتْ صُحُفُ إبْراهِيمَ في أوَّلِ لَيْلَةٍ مِن رَمَضانَ، والتَّوْراةُ لِسِتِّ لَيالٍ مِنهُ، والزَّبُورُ لِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ لَيْلَةً مَضَتْ مِنهُ، والإنْجِيلُ لِثَمانِ عَشْرَةَ لَيْلَةً مَضَتْ مِنهُ، والقُرْآنُ لِأرْبَعٍ وعِشْرِينَ لَيْلَةً مَضَتْ مِن رَمَضانَ، واللَّيْلَةُ المُبارَكَةُ هي لَيْلَةُ القَدْرِ. وخامِسُها: أنَّ لَيْلَةَ القَدْرِ إنَّما سُمِّيَتْ بِهَذا الِاسْمِ؛ لِأنَّ قَدْرَها وشَرَفَها عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ لَيْسَ قَدْرُها وشَرَفُها لِسَبَبِ ذَلِكَ الزَّمانِ، لِأنَّ الزَّمانَ شَيْءٌ واحِدٌ في الذّاتِ والصِّفاتِ، فَيَمْتَنِعُ كَوْنُ بَعْضِهِ أشْرَفَ مِن بَعْضٍ لِذاتِهِ، فَثَبَتَ أنَّ شَرَفَهُ وقَدْرَهُ بِسَبَبِ أنَّهُ حَصَلَ فِيهِ أُمُورٌ شَرِيفَةٌ عالِيَةٌ، لَها قَدْرٌ عَظِيمٌ ومَرْتَبَةٌ رَفِيعَةٌ، ومَعْلُومٌ أنَّ صفحة ٢٠٤ مَنصِبَ الدِّينِ أعْلى وأعْظَمُ مِن مَنصِبِ الدُّنْيا، وأعْلى الأشْياءِ وأشْرَفُها مَنصِبًا في الدِّينِ هو القُرْآنُ، لِأجْلِ أنَّ بِهِ ثَبَتَتْ نُبُوَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وبِهِ ظَهَرَ الفَرْقُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ في سائِرِ كُتُبِ اللَّهِ المُنَزَّلَةِ، كَما قالَ في صِفَتِهِ: (﴿ومُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤٨]، وبِهِ ظَهَرَتْ دَرَجاتُ أرْبابِ السَّعاداتِ، ودَرَكاتُ أرْبابِ الشَّقاواتِ، فَعَلى هَذا لا شَيْءَ إلّا والقُرْآنُ أعْظَمُ قَدْرًا وأعْلى ذِكْرًا وأعْظَمُ مَنصِبًا مِنهُ، فَلَوْ كانَ نُزُولُهُ إنَّما وقَعَ في لَيْلَةٍ أُخْرى سِوى لَيْلَةِ القَدْرِ لَكانَتْ لَيْلَةُ القَدْرِ هي هَذِهِ الثّانِيَةُ لا الأُولى، وحَيْثُ أطْبَقُوا عَلى أنَّ لَيْلَةَ القَدْرِ الَّتِي وقَعَتْ في رَمَضانَ، عَلِمْنا أنَّ القُرْآنَ إنَّما أُنْزِلَ في تِلْكَ اللَّيْلَةِ. وأمّا القائِلُونَ بِأنَّ المُرادَ مِنَ اللَّيْلَةِ المُبارَكَةِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ الآيَةِ هي لَيْلَةُ النِّصْفِ مِن شَعْبانَ، فَما رَأيْتُ لَهم فِيهِ دَلِيلًا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، وإنَّما قَنِعُوا فِيهِ بِأنْ نَقَلُوهُ عَنْ بَعْضِ النّاسِ، فَإنْ صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيهِ كَلامٌ فَلا مَزِيدَ عَلَيْهِ، وإلّا فالحَقُّ هو الأوَّلُ، ثُمَّ إنَّ هَؤُلاءِ القائِلِينَ بِهَذا القَوْلِ زَعَمُوا أنَّ لَيْلَةَ النِّصْفِ مِن شَعْبانَ لَها أرْبَعَةُ أسْماءَ: اللَّيْلَةُ المُبارَكَةُ، ولَيْلَةُ البَراءَةِ، ولَيْلَةُ الصَّكِّ، ولَيْلَةُ الرَّحْمَةِ، وقِيلَ: إنَّما سُمِّيَتْ بِلَيْلَةِ البَراءَةِ ولَيْلَةِ الصَّكِّ، لِأنَّ البُنْدارَ إذا اسْتَوْفى الخَراجَ مِن أهْلِهِ كَتَبَ لَهُمُ البَراءَةَ، كَذَلِكَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ يَكْتُبُ لِعِبادِهِ المُؤْمِنِينَ البَراءَةَ في هَذِهِ اللَّيْلَةِ، وقِيلَ: هَذِهِ اللَّيْلَةُ مُخْتَصَّةٌ بِخَمْسِ خِصالٍ: الأُولى: تَفْرِيقُ كُلِّ أمْرٍ حَكِيمٍ فِيها، قالَ تَعالى: ﴿فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ﴾ . والثّانِيَةُ: فَضِيلَةُ العِبادَةِ فِيها، قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن صَلّى في هَذِهِ اللَّيْلَةِ مِائَةَ رَكْعَةٍ أرْسَلَ اللَّهُ إلَيْهِ مِائَةَ مَلَكٍ، ثَلاثُونَ يُبَشِّرُونَهُ بِالجَنَّةِ، وثَلاثُونَ يُؤَمِّنُونَهُ مِن عَذابِ النّارِ، وثَلاثُونَ يَدْفَعُونَ عَنْهُ آفاتِ الدُّنْيا، وعَشَرَةٌ يَدْفَعُونَ عَنْهُ مَكايِدَ الشَّيْطانِ» . الخَصْلَةُ الثّالِثَةُ: نُزُولُ الرَّحْمَةِ، قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «إنَّ اللَّهَ يَرْحَمُ أُمَّتِي في هَذِهِ اللَّيْلَةِ بِعَدَدِ شَعْرِ أغْنامِ بَنِي كَلْبٍ» . والخَصْلَةُ الرّابِعَةُ: حُصُولُ المَغْفِرَةِ، قالَ ﷺ: «إنَّ اللَّهَ تَعالى يَغْفِرُ لِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ في تِلْكَ اللَّيْلَةِ، إلّا لِكاهِنٍ، أوْ مُشاحِنٍ، أوْ مُدْمِنِ خَمْرٍ، أوْ عاقٍّ لِلْوالِدَيْنِ، أوْ مُصِرٍّ عَلى الزِّنا» . والخَصْلَةُ الخامِسَةُ: أنَّهُ تَعالى أعْطى رَسُولَهُ في هَذِهِ اللَّيْلَةِ تَمامَ الشَّفاعَةِ، وذَلِكَ أنَّهُ سَألَ لَيْلَةَ الثّالِثَ عَشَرَ مِن شَعْبانَ في أُمَّتِهِ فَأُعْطِيَ الثُّلُثَ مِنها، ثُمَّ سَألَ لَيْلَةَ الرّابِعَ عَشَرَ فَأُعْطِيَ الثُّلُثَيْنِ، ثُمَّ سَألَ لَيْلَةَ الخامِسَ عَشَرَ فَأُعْطِيَ الجَمِيعَ إلّا مَن شَرَدَ عَلى اللَّهِ شِرادَ البَعِيرِ. هَذا الفَصْلُ نَقَلْتُهُ مِنَ “ الكَشّافِ “، فَإنْ قِيلَ: لا شَكَّ أنَّ الزَّمانَ عِبارَةٌ عَنِ المُدَّةِ المُمْتَدَّةِ الَّتِي تَقْدِيرُها حَرَكاتُ الأفْلاكِ والكَواكِبِ، وأنَّهُ في ذاتِهِ أمْرٌ مُتَشابِهُ الأجْزاءِ فَيَمْتَنِعُ كَوْنُ بَعْضِها أفْضَلَ مِن بَعْضٍ، والمَكانُ عِبارَةٌ عَنِ الفَضاءِ المُمْتَدِّ والخَلاءِ الخالِي، فَيَمْتَنِعُ كَوْنُ بَعْضِ أجْزائِهِ أشْرَفَ مِنَ البَعْضِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ تَخْصِيصُ بَعْضِ أجْزائِهِ بِمَزِيدِ الشَّرَفِ دُونَ الباقِي تَرْجِيحًا لِأحَدِ طَرَفَيِ المُمْكِنِ عَلى الآخَرِ لا لِمُرَجِّحٍ وإنَّهُ مُحالٌ، قُلْنا: القَوْلُ بِإثْباتِ حُدُوثِ العالَمِ وإثْباتِ أنَّ فاعِلَهُ فاعِلٌ مُخْتارٌ بِناءً عَلى هَذا الحَرْفِ وهو أنَّهُ لا يَبْعُدُ مِنَ الفاعِلِ المُخْتارِ تَخْصِيصُ وقْتٍ مُعَيَّنٍ بِإحْداثِ العالَمِ فِيهِ دُونَ ما قَبْلَهُ وما بَعْدَهُ، فَإنْ بَطَلَ هَذا الأصْلُ فَقَدْ بَطَلَ حُدُوثُ العالَمِ وبَطَلَ الفاعِلُ المُخْتارُ، وحِينَئِذٍ لا يَكُونُ الخَوْضُ في تَفْسِيرِ القُرْآنِ فائِدَةً، وإنْ صَحَّ هَذا الأصْلُ فَقَدْ زالَ ما ذَكَرْتُمْ مِنَ السُّؤالِ، فَهَذا هو الجَوابُ المُعْتَمَدُ، والنّاسُ قالُوا: لا يَبْعُدُ أنْ يَخُصَّ اللَّهُ تَعالى بَعْضَ الأوْقاتِ بِمَزِيدِ تَشْرِيفٍ حَتّى يَصِيرَ ذَلِكَ داعِيًا لِلْمُكَلَّفِ إلى الإقْدامِ عَلى الطّاعاتِ في ذَلِكَ الوَقْتِ، ولِهَذا السَّبَبِ بَيَّنَ أنَّهُ تَعالى أخْفاهُ في الأوْقاتِ وما عَيَّنَهُ لِأنَّهُ إنْ لَمْ يَكُنْ مُعَيَّنًا جَوَّزَ المُكَلَّفُ في كُلِّ وقْتٍ مُعَيَّنٍ أنْ يَكُونَ هو ذَلِكَ الوَقْتَ الشَّرِيفَ، فَيَصِيرُ ذَلِكَ حامِلًا لَهُ عَلى المُواظَبَةِ عَلى الطّاعاتِ في كُلِّ الأوْقاتِ، وإذا وقَعْتَ عَلى هَذا الحَرْفِ ظَهَرَ عِنْدَكَ أنَّ الزَّمانَ والمَكانَ إنَّما فازا بِالتَّشْرِيفاتِ الزّائِدَةِ تَبَعًا لِشَرَفِ الإنْسانِ فَهو الأصْلُ وكُلُّ ما سِواهُ فَهو تَبَعٌ لَهُ، واللَّهُ أعْلَمُ. صفحة ٢٠٥ المَسْألَةُ السّادِسَةُ: رُوِيَ أنَّ عَطِيَّةَ الحَرُورِيَّ سَألَ ابْنَ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما عَنْ قَوْلِهِ: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ﴾ [القدر: ١] وقَوْلِهِ: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ﴾ كَيْفَ يَصِحُّ ذَلِكَ مَعَ أنَّ اللَّهَ تَعالى أنْزَلَ القُرْآنَ في جَمِيعِ الشُّهُورِ ؟ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: يا ابْنَ الأسْوَدِ، لَوْ هَلَكْتُ أنا ووَقَعَ هَذا في نَفْسِكَ ولَمْ تَجِدْ جَوابَهُ هَلَكْتَ، نَزَلَ القُرْآنُ جُمْلَةً مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ إلى البَيْتِ المَعْمُورِ، وهو في السَّماءِ الدُّنْيا، ثُمَّ نَزَلَ بَعْدَ ذَلِكَ في أنْواعِ الوَقائِعِ حالًا فَحالًا، واللَّهُ أعْلَمُ. * * * المَسْألَةُ السّابِعَةُ: في بَيانِ نَظْمِ هَذِهِ الآياتِ: اعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِنها تَعْظِيمُ القُرْآنِ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: أحَدُها: بَيانُ تَعْظِيمِ القُرْآنِ بِحَسَبِ ذاتِهِ. الثّانِي: بَيانُ تَعْظِيمِهِ بِسَبَبِ شَرَفِ الوَقْتِ الَّذِي نَزَلَ فِيهِ. والثّالِثُ: بَيانُ تَعْظِيمِهِ بِحَسَبِ شَرَفِ مَنزِلَتِهِ. أمّا بَيانُ تَعْظِيمِهِ بِحَسَبِ ذاتِهِ فَمِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ تَعالى أقْسَمَ بِهِ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى شَرَفِهِ. وثانِيها: أنَّهُ تَعالى أقْسَمَ بِهِ عَلى كَوْنِهِ نازِلًا في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ القَسَمَ بِالشَّيْءِ عَلى حالَةٍ مِن أحْوالِ نَفْسِهِ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ في غايَةِ الشَّرَفِ. وثالِثُها: أنَّهُ تَعالى وصَفَهُ بِكَوْنِهِ مُبِينًا، وذَلِكَ يَدُلُّ أيْضًا عَلى شَرَفِهِ في ذاتِهِ. وأمّا النَّوْعُ الثّانِي: وهو بَيانُ شَرَفِهِ لِأجْلِ شَرَفِ الوَقْتِ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ فَهو قَوْلُهُ: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ﴾، وهَذا تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ نُزُولَهُ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ يَقْتَضِي شَرَفَهُ وجَلالَتَهُ، ثُمَّ نَقُولُ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ﴾ يَقْتَضِي أمْرَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ تَعالى أنْزَلَهُ، والثّانِي: كَوْنُ تِلْكَ اللَّيْلَةِ مُبارَكَةً، فَذَكَرَ تَعالى عَقِيبَ هَذِهِ الكَلِمَةِ ما يَجْرِي مَجْرى البَيانِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما، أمّا بَيانُ أنَّهُ تَعالى لِمَ أنْزَلَهُ فَهو قَوْلُهُ: ﴿إنّا كُنّا مُنْذِرِينَ﴾ يَعْنِي الحِكْمَةَ في إنْزالِ هَذِهِ السُّورَةِ أنَّ إنْذارَ الخَلْقِ لا يَتِمُّ إلّا بِهِ، وأمّا بَيانُ أنَّ هَذِهِ اللَّيْلَةَ لَيْلَةٌ مُبارَكَةٌ فَهو أمْرانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ تَعالى يَفْرِقُ فِيها كُلَّ أمْرٍ حَكِيمٍ، والثّانِي: أنَّ ذَلِكَ الأمْرَ الحَكِيمَ مَخْصُوصٌ بِشَرَفِ أنَّهُ إنَّما يَظْهَرُ مِن عِنْدِهِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿أمْرًا مِن عِنْدِنا﴾ . وأمّا النَّوْعُ الثّالِثُ: فَهو بَيانُ شَرَفِ القُرْآنِ لِشَرَفِ مَنزِلِهِ وذَلِكَ هو قَوْلُهُ: ﴿إنّا كُنّا مُرْسِلِينَ﴾ فَبَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ الإنْذارَ والإرْسالَ إنَّما حَصَلَ مِنَ اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ الإرْسالَ إنَّما كانَ لِأجْلِ تَكْمِيلِ الرَّحْمَةِ وهو قَوْلُهُ: ﴿رَحْمَةً مِن رَبِّكَ﴾، وكانَ الواجِبُ أنْ يُقالَ: رَحْمَةً مِنّا إلّا أنَّهُ وضَعَ الظّاهِرَ مَوْضِعَ المُضْمَرِ إيذانًا بِأنَّ الرُّبُوبِيَّةَ تَقْتَضِي الرَّحْمَةَ عَلى المَرْبُوبِينَ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ تِلْكَ الرَّحْمَةَ وقَعَتْ عَلى وفْقِ حاجاتِ المُحْتاجِينَ لِأنَّهُ تَعالى يَسْمَعُ تَضَرُّعاتِهِمْ، ويَعْلَمُ أنْواعَ حاجاتِهِمْ، فَلِهَذا قالَ: ﴿إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ فَهَذا ما خَطَرَ بِالبالِ في كَيْفِيَّةِ تَعَلُّقِ بَعْضِ هَذِهِ الآياتِ بِبَعْضٍ. المَسْألَةُ الثّامِنَةُ: في تَفْسِيرِ مُفْرَداتِ هَذِهِ الألْفاظِ: أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ﴾ فَقَدْ قِيلَ فِيهِ: إنَّهُ تَعالى أنْزَلَ كُلِّيَّةَ القُرْآنِ مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ إلى سَماءِ الدُّنْيا في هَذِهِ اللَّيْلَةِ، ثُمَّ أنْزَلَ في كُلِّ وقْتٍ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ المُكَلَّفُ، وقِيلَ: يَبْدَأُ في اسْتِنْساخِ ذَلِكَ مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ في لَيْلَةِ البَراءَةِ، ويَقَعُ الفَراغُ في لَيْلَةِ القَدْرِ، فَتُدْفَعُ نُسْخَةُ الأرْزاقِ إلى مِيكائِيلَ، ونُسْخَةُ الحُرُوبِ إلى جِبْرائِيلَ، وكَذَلِكَ الزَّلازِلِ والصَّواعِقِ والخَسْفِ، ونُسْخَةُ الأعْمالِ إلى إسْماعِيلَ صاحِبِ سَماءِ الدُّنْيا وهو مَلَكٌ عَظِيمٌ، ونُسْخَةُ المَصائِبِ إلى مَلَكِ المَوْتِ. صفحة ٢٠٦ أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِيها يُفْرَقُ﴾ أيْ في تِلْكَ اللَّيْلَةِ المُبارَكَةِ يُفْرَقُ أيْ يُفَصَّلُ ويُبَيَّنُ مِن قَوْلِهِمْ: فَرَقْتُ الشَّيْءَ أفْرُقُهُ فَرْقًا وفُرْقانًا، قالَ صاحِبُ “ الكَشّافِ “: وقُرِئَ يُفَرِّقُ بِالتَّشْدِيدِ، ويَفْرُقُ عَلى إسْنادِ الفِعْلِ إلى الفاعِلِ ونَصْبِ كُلٍّ، والفارِقُ هو اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ نُفَرِّقُ بِالنُّونِ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ﴾، فالحَكِيمُ مَعْناهُ ذُو الحِكْمَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ تَخْصِيصَ اللَّهِ تَعالى كُلَّ أحَدٍ بِحالَةٍ مُعَيَّنَةٍ مِنَ العُمُرِ والرِّزْقِ والأجْلِ والسَّعادَةِ والشَّقاوَةِ يَدُلُّ عَلى حِكْمَةٍ بالِغَةٍ لِلَّهِ تَعالى، فَلَمّا كانَتْ تِلْكَ الأفْعالُ والأقْضِيَةُ دالَّةً عَلى حِكْمَةِ فاعِلِها وُصِفَتْ بِكَوْنِها حَكِيمَةً، وهَذا مِنَ الإسْنادِ المَجازِيِّ، لِأنَّ الحَكِيمَ صِفَةُ صاحِبِ الأمْرِ عَلى الحَقِيقَةِ، ووَصْفُ الأمْرِ بِهِ مَجازٌ، ثُمَّ قالَ: ﴿أمْرًا مِن عِنْدِنا﴾، وفي انْتِصابِ قَوْلِهِ: ﴿أمْرًا﴾ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ نُصِبَ عَلى الِاخْتِصاصِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ شَرَفَ تِلْكَ الأقْضِيَةِ والأحْكامِ بِسَبَبِ أنْ وصَفَها بِكَوْنِها حَكِيمَةً، ثُمَّ زادَ في بَيانِ شَرَفِها بِأنْ قالَ: أعْنِي بِهَذا الأمْرِ أمْرًا حاصِلًا مِن عِنْدِنا كائِنًا مِن لَدُنّا، وكَما اقْتَضاهُ عِلْمُنا وتَدْبِيرُنا. والثّانِي: أنَّهُ نُصِبَ عَلى الحالِ، وفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ حالًا مِن أحَدِ الضَّمِيرَيْنِ في ﴿أنْزَلْناهُ﴾، إمّا مِن ضَمِيرِ الفاعِلِ أيْ: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ﴾ آمِرِينَ أمْرًا، أوْ مِن ضَمِيرِ المَفْعُولِ أيْ: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ﴾ في حالِ كَوْنِهِ أمْرًا مِن عِنْدِنا بِما يَجِبُ أنْ يَفْعَلَ. والثّالِثُ: ما حَكاهُ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ عَنْ أبِي الحَسَنِ رَحِمَهُما اللَّهُ: أنَّهُ حَمَلَ قَوْلَهُ: ﴿أمْرًا﴾ عَلى الحالِ، وذُو الحالِ قَوْلُهُ: ﴿كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ﴾، وهو نَكِرَةٌ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿إنّا كُنّا مُرْسِلِينَ﴾ يَعْنِي: إنّا إنَّما فَعَلْنا ذَلِكَ الإنْذارَ لِأجَلِ (إنّا كُنّا مُرْسِلِينَ) يَعْنِي الأنْبِياءَ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿رَحْمَةً مِن رَبِّكَ﴾ أيْ لِلرَّحْمَةِ، فَهي نَصْبٌ عَلى أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لَهُ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ يَعْنِي أنَّ تِلْكَ الرَّحْمَةَ كانَتْ رَحْمَةً في الحَقِيقَةِ لِأنَّ المُحْتاجِينَ إمّا أنْ يَذْكُرُوا بِألْسِنَتِهِمْ حاجاتِهِمْ، وإمّا أنْ لا يَذْكُرُوها، فَإنْ ذَكَرُوها فَهو تَعالى يَسْمَعُ كَلامَهم فَيَعْرِفُ حاجاتِهِمْ، وإنْ لَمْ يَذْكُرُوها فَهو تَعالى عالِمٌ بِها، فَثَبَتَ أنَّ كَوْنَهُ (سَمِيعًا عَلِيمًا) يَقْتَضِي أنْ يُنْزِلَ رَحْمَتَهُ عَلَيْهِمْ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾، وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِكَسْرِ الباءِ مِن رَبٍّ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿رَحْمَةً مِن رَبِّكَ﴾ والباقُونَ بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿هُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المَقْصُودُ مِن هَذِهِ الآيَةِ أنَّ المُنَزِّلَ إذا كانَ مَوْصُوفًا بِهَذِهِ الجَلالَةِ والكِبْرِياءِ كانَ المُنْزَّلُ الَّذِي هو القُرْآنُ في غايَةِ الشَّرَفِ والرِّفْعَةِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الفائِدَةُ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: مَعْناهُ إنْ كُنْتُمْ تَطْلُبُونَ اليَقِينَ وتُرِيدُونَهُ، فاعْرِفُوا أنَّ الأمْرَ كَما قُلْنا، كَقَوْلِهِمْ: فُلانٌ مُنْجِدٌ مُتْهِمٌ أيْ يُرِيدُ نَجْدًا وتِهامَةَ. الثّانِي: قالَ صاحِبُ “ الكَشّافِ “ كانُوا يُقِرُّونَ بِأنَّ لِلسَّماواتِ والأرْضِ رَبًّا وخالِقًا، فَقِيلَ لَهم: إنَّ إرْسالَ الرُّسُلِ وإنْزالَ الكُتُبِ رَحْمَةٌ مِنَ الرَّبِّ سُبْحانَهُ وتَعالى، ثُمَّ قِيلَ: إنَّ هَذا هو السَّمِيعُ العَلِيمُ الَّذِي أنْتُمْ مُقِرُّونَ بِهِ ومُعْتَرِفُونَ بِأنَّهُ رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما إنْ كانَ إقْرارُكم عَنْ عِلْمٍ ويَقِينٍ، كَما تَقُولُ: هَذا إنْعامُ زَيْدٍ الَّذِي تَسامَعَ النّاسُ بِكَرَمِهِ إنْ بَلَغَكَ حَدِيثُهُ وسَمِعْتَ قِصَّتَهُ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى رَدَّ أنْ يَكُونُوا مُوقِنِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿بَلْ هم في شَكٍّ يَلْعَبُونَ﴾، وأنَّ إقْرارَهم غَيْرُ صادِرٍ عَنْ عِلْمٍ ويَقِينٍ ولا عَنْ جَدٍّ وحَقِيقَةٍ، بَلْ قَوْلٌ مَخْلُوطٌ بِهُزْءٍ ولَعِبٍ، واللَّهُ أعْلَمُ.

الدخان 44:6

صفحة ٢٠٢ (سُورَةُ الدُّخانِ) خَمْسُونَ وتِسْعُ آياتٍ مَكِّيَّةٍ إلّا قَوْلَهُ: ﴿إنّا كاشِفُوا العَذابِ﴾ ﷽ ﴿حم﴾ ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إنّا كُنّا مُنْذِرِينَ﴾ ﴿فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ﴾ ﴿أمْرًا مِن عِنْدِنا إنّا كُنّا مُرْسِلِينَ﴾ ﴿رَحْمَةً مِن رَبِّكَ إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ ﴿رَبِّ السَّمَواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ ﴿لا إلَهَ إلّا هو يُحْيِي ويُمِيتُ رَبُّكم ورَبُّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿بَلْ هم في شَكٍّ يَلْعَبُونَ﴾ ﷽ ﴿حم﴾ ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إنّا كُنّا مُنْذِرِينَ﴾ ﴿فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ﴾ ﴿أمْرًا مِن عِنْدِنا إنّا كُنّا مُرْسِلِينَ﴾ ﴿رَحْمَةً مِن رَبِّكَ إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ ﴿رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ ﴿لا إلَهَ إلّا هو يُحْيِي ويُمِيتُ رَبُّكم ورَبُّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿بَلْ هم في شَكٍّ يَلْعَبُونَ﴾، وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: في قَوْلِهِ: ﴿حم﴾ ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ وُجُوهٌ مِنَ الِاحْتِمالاتِ: أوَّلُها: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: هَذِهِ ﴿حم﴾ ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ كَقَوْلِكَ: هَذا زَيْدٌ واللَّهِ. وثانِيها: أنْ يَكُونَ الكَلامُ قَدْ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿حم﴾، ثُمَّ يُقالُ ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ ﴿إنّا أنْزَلْناهُ﴾ . وثالِثُها: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: وحم، والكِتابِ المُبِينِ، إنّا أنْزَلْناهُ، فَيَكُونُ ذَلِكَ في التَّقْدِيرِ قَسَمَيْنِ عَلى شَيْءٍ واحِدٍ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالُوا: هَذا يَدُلُّ عَلى حُدُوثِ القُرْآنِ لِوُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿حم﴾ تَقْدِيرُهُ: هَذِهِ حم، يَعْنِي هَذا شَيْءٌ مُؤَلَّفٌ مِن هَذِهِ الحُرُوفِ، والمُؤَلَّفُ مِنَ الحُرُوفِ المُتَعاقِبَةِ مُحْدَثٌ. الثّانِي: أنَّهُ ثَبَتَ أنَّ الحَلِفَ لا يَصِحُّ بِهَذِهِ الأشْياءِ بَلْ بِإلَهِ هَذِهِ الأشْياءِ، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: ورَبِّ حم ورَبِّ الكِتابِ المُبِينِ، وكُلُّ مَن كانَ مَرْبُوبًا فَهو مُحْدَثٌ. الثّالِثُ: أنَّهُ وصَفَهُ بِكَوْنِهِ كِتابًا، والكِتابُ مُشْتَقٌّ مِنَ الجَمْعِ، فَمَعْناهُ أنَّهُ مَجْمُوعٌ والمَجْمُوعُ مَحَلُّ تَصَرُّفِ الغَيْرِ، وما كانَ كَذَلِكَ فَهو مُحْدَثٌ. الرّابِعُ: قَوْلُهُ: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ﴾ والمُنْزَلُ مَحَلُّ تَصَرُّفِ صفحة ٢٠٣ الغَيْرِ، وما كانَ كَذَلِكَ فَهو مُحْدَثٌ، وقَدْ ذَكَرْنا مِرارًا أنَّ جَمِيعَ هَذِهِ الدَّلائِلِ تَدُلُّ عَلى أنَّ الشَّيْءَ المُرَكَّبَ مِنَ الحُرُوفِ المُتَعاقِبَةِ والأصْواتِ المُتَوالِيَةِ مُحْدَثٌ، والعِلْمُ بِذَلِكَ ضَرُورِيٌّ بَدِيهِيٌّ، لا يُنازِعُ فِيهِ إلّا مَن كانَ عَدِيمَ العَقْلِ وكانَ غَيْرَ عارِفٍ بِمَعْنى القَدِيمِ والمُحْدَثِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَكَيْفَ يُنازِعُ في صِحَّةِ هَذِهِ الدَّلائِلِ ؟ إنَّما الَّذِي ثَبَتَ قِدَمُهُ شَيْءٌ آخَرُ سِوى ما تَرَكَّبَ مِن هَذِهِ الحُرُوفِ والأصْواتِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالكِتابِ هَهُنا الكُتُبَ المُتَقَدِّمَةَ الَّتِي أنْزَلَها اللَّهُ عَلى أنْبِيائِهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿لَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلَنا بِالبَيِّناتِ وأنْزَلْنا مَعَهُمُ الكِتابَ والمِيزانَ﴾ [الحديد: ٢٥]، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ اللَّوْحَ المَحْفُوظَ، كَما قالَ: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ وعِنْدَهُ أُمُّ الكِتابِ﴾ [الرعد: ٣٩]، وقالَ: ﴿وإنَّهُ في أُمِّ الكِتابِ لَدَيْنا﴾ [الزخرف: ٤]، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ القُرْآنَ، وبِهَذا التَّقْدِيرِ فَقَدْ أقْسَمَ بِالقُرْآنِ عَلى أنَّهُ أنْزَلَ القُرْآنَ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ، وهَذا النَّوْعُ مِنَ الكَلامِ يَدُلُّ عَلى غايَةِ تَعْظِيمِ القُرْآنِ، فَقَدْ يَقُولُ الرَّجُلُ إذا أرادَ تَعْظِيمَ رَجُلٍ لَهُ حاجَةٌ إلَيْهِ: أسْتَشْفِعُ بِكَ إلَيْكَ وأُقْسِمُ بِحَقِّكَ عَلَيْكَ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: ﴿المُبِينِ﴾ هو المُشْتَمِلُ عَلى بَيانِ ما بِالنّاسِ حاجَةً إلَيْهِ في دِينِهِمْ ودُنْياهم، فَوَصَفَهُ بِكَوْنِهِ مُبِينًا، وإنْ كانَتْ حَقِيقَةُ الإبانَةِ لِلَّهِ تَعالى، لِأجْلِ أنَّ الإبانَةَ حَصَلَتْ بِهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ﴾ [النمل: ٧٦]، وقالَ في آيَةٍ أُخْرى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أحْسَنَ القَصَصِ﴾ [يوسف: ٣]، وقالَ: ﴿أمْ أنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطانًا فَهو يَتَكَلَّمُ بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾ [الروم: ٣٥] فَوَصَفَهُ بِالتَّكَلُّمِ إذْ كانَ غايَةً في الإبانَةِ، فَكَأنَّهُ ذُو لِسانٍ يَنْطِقُ، والمَعْنى فِيهِ المُبالَغَةُ في وصْفِهِ بِهَذا المَعْنى. المَسْألَةُ الخامِسَةُ: اخْتَلَفُوا في هَذِهِ اللَّيْلَةِ المُبارَكَةِ، فَقالَ الأكْثَرُونَ: إنَّها لَيْلَةُ القَدْرِ، وقالَ عِكْرِمَةُ وطائِفَةٌ آخَرُونَ: إنَّها لَيْلَةُ البَراءَةِ، وهي لَيْلَةُ النِّصْفِ مِن شَعْبانَ، أمّا الأوَّلُونَ فَقَدِ احْتَجُّوا عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِمْ بِوُجُوهٍ: أوَّلُها: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ﴾ [القدر: ١]، وهَهُنا قالَ: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ﴾ فَوَجَبَ أنْ تَكُونَ هَذِهِ اللَّيْلَةُ المُبارَكَةُ هي تِلْكَ المُسَمّاةُ بِلَيْلَةِ القَدْرِ، لِئَلّا يَلْزَمَ التَّناقُضُ. وثانِيها: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ القُرْآنُ﴾ [البقرة: ١٨٥]، فَبَيَّنَ أنَّ إنْزالَ القُرْآنِ إنَّما وقَعَ في شَهْرِ رَمَضانَ، وقالَ هَهُنا: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ﴾ فَوَجَبَ أنْ تَكُونَ هَذِهِ اللَّيْلَةُ المُبارَكَةُ واقِعَةً في شَهْرِ رَمَضانَ، وكُلُّ مَن قالَ: إنَّ هَذِهِ اللَّيْلَةَ المُبارَكَةَ واقِعَةٌ في شَهْرِ رَمَضانَ قالَ: إنَّها لَيْلَةُ القَدْرِ، فَثَبَتَ أنَّها لَيْلَةُ القَدْرِ. وثالِثُها: أنَّهُ تَعالى قالَ في صِفَةِ لَيْلَةِ القَدْرِ: ﴿تَنَزَّلُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ فِيها بِإذْنِ رَبِّهِمْ مِن كُلِّ أمْرٍ﴾ ﴿سَلامٌ هِيَ﴾ [القدر: ٤، ٥]، وقالَ أيْضًا هَهُنا ﴿فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ﴾ وهَذا مُناسِبٌ لِقَوْلِهِ: ﴿تَنَزَّلُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ فِيها﴾ [القدر: ٤]، وهَهُنا قالَ: ﴿أمْرًا مِن عِنْدِنا﴾، وقالَ في تِلْكَ الآيَةِ: ﴿بِإذْنِ رَبِّهِمْ مِن كُلِّ أمْرٍ﴾ [القدر: ٤]، وقالَ هَهُنا ﴿رَحْمَةً مِن رَبِّكَ﴾، وقالَ في تِلْكَ الآيَةِ: ﴿سَلامٌ هِيَ﴾ [القدر: ٥]، وإذا تَقارَبَتِ الأوْصافُ وجَبَ القَوْلُ بِأنَّ إحْدى اللَّيْلَتَيْنِ هي الأُخْرى. ورابِعُها: نَقَلَ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ في “ تَفْسِيرِهِ “ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قالَ: نَزَلَتْ صُحُفُ إبْراهِيمَ في أوَّلِ لَيْلَةٍ مِن رَمَضانَ، والتَّوْراةُ لِسِتِّ لَيالٍ مِنهُ، والزَّبُورُ لِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ لَيْلَةً مَضَتْ مِنهُ، والإنْجِيلُ لِثَمانِ عَشْرَةَ لَيْلَةً مَضَتْ مِنهُ، والقُرْآنُ لِأرْبَعٍ وعِشْرِينَ لَيْلَةً مَضَتْ مِن رَمَضانَ، واللَّيْلَةُ المُبارَكَةُ هي لَيْلَةُ القَدْرِ. وخامِسُها: أنَّ لَيْلَةَ القَدْرِ إنَّما سُمِّيَتْ بِهَذا الِاسْمِ؛ لِأنَّ قَدْرَها وشَرَفَها عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ لَيْسَ قَدْرُها وشَرَفُها لِسَبَبِ ذَلِكَ الزَّمانِ، لِأنَّ الزَّمانَ شَيْءٌ واحِدٌ في الذّاتِ والصِّفاتِ، فَيَمْتَنِعُ كَوْنُ بَعْضِهِ أشْرَفَ مِن بَعْضٍ لِذاتِهِ، فَثَبَتَ أنَّ شَرَفَهُ وقَدْرَهُ بِسَبَبِ أنَّهُ حَصَلَ فِيهِ أُمُورٌ شَرِيفَةٌ عالِيَةٌ، لَها قَدْرٌ عَظِيمٌ ومَرْتَبَةٌ رَفِيعَةٌ، ومَعْلُومٌ أنَّ صفحة ٢٠٤ مَنصِبَ الدِّينِ أعْلى وأعْظَمُ مِن مَنصِبِ الدُّنْيا، وأعْلى الأشْياءِ وأشْرَفُها مَنصِبًا في الدِّينِ هو القُرْآنُ، لِأجْلِ أنَّ بِهِ ثَبَتَتْ نُبُوَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وبِهِ ظَهَرَ الفَرْقُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ في سائِرِ كُتُبِ اللَّهِ المُنَزَّلَةِ، كَما قالَ في صِفَتِهِ: (﴿ومُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤٨]، وبِهِ ظَهَرَتْ دَرَجاتُ أرْبابِ السَّعاداتِ، ودَرَكاتُ أرْبابِ الشَّقاواتِ، فَعَلى هَذا لا شَيْءَ إلّا والقُرْآنُ أعْظَمُ قَدْرًا وأعْلى ذِكْرًا وأعْظَمُ مَنصِبًا مِنهُ، فَلَوْ كانَ نُزُولُهُ إنَّما وقَعَ في لَيْلَةٍ أُخْرى سِوى لَيْلَةِ القَدْرِ لَكانَتْ لَيْلَةُ القَدْرِ هي هَذِهِ الثّانِيَةُ لا الأُولى، وحَيْثُ أطْبَقُوا عَلى أنَّ لَيْلَةَ القَدْرِ الَّتِي وقَعَتْ في رَمَضانَ، عَلِمْنا أنَّ القُرْآنَ إنَّما أُنْزِلَ في تِلْكَ اللَّيْلَةِ. وأمّا القائِلُونَ بِأنَّ المُرادَ مِنَ اللَّيْلَةِ المُبارَكَةِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ الآيَةِ هي لَيْلَةُ النِّصْفِ مِن شَعْبانَ، فَما رَأيْتُ لَهم فِيهِ دَلِيلًا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، وإنَّما قَنِعُوا فِيهِ بِأنْ نَقَلُوهُ عَنْ بَعْضِ النّاسِ، فَإنْ صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيهِ كَلامٌ فَلا مَزِيدَ عَلَيْهِ، وإلّا فالحَقُّ هو الأوَّلُ، ثُمَّ إنَّ هَؤُلاءِ القائِلِينَ بِهَذا القَوْلِ زَعَمُوا أنَّ لَيْلَةَ النِّصْفِ مِن شَعْبانَ لَها أرْبَعَةُ أسْماءَ: اللَّيْلَةُ المُبارَكَةُ، ولَيْلَةُ البَراءَةِ، ولَيْلَةُ الصَّكِّ، ولَيْلَةُ الرَّحْمَةِ، وقِيلَ: إنَّما سُمِّيَتْ بِلَيْلَةِ البَراءَةِ ولَيْلَةِ الصَّكِّ، لِأنَّ البُنْدارَ إذا اسْتَوْفى الخَراجَ مِن أهْلِهِ كَتَبَ لَهُمُ البَراءَةَ، كَذَلِكَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ يَكْتُبُ لِعِبادِهِ المُؤْمِنِينَ البَراءَةَ في هَذِهِ اللَّيْلَةِ، وقِيلَ: هَذِهِ اللَّيْلَةُ مُخْتَصَّةٌ بِخَمْسِ خِصالٍ: الأُولى: تَفْرِيقُ كُلِّ أمْرٍ حَكِيمٍ فِيها، قالَ تَعالى: ﴿فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ﴾ . والثّانِيَةُ: فَضِيلَةُ العِبادَةِ فِيها، قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن صَلّى في هَذِهِ اللَّيْلَةِ مِائَةَ رَكْعَةٍ أرْسَلَ اللَّهُ إلَيْهِ مِائَةَ مَلَكٍ، ثَلاثُونَ يُبَشِّرُونَهُ بِالجَنَّةِ، وثَلاثُونَ يُؤَمِّنُونَهُ مِن عَذابِ النّارِ، وثَلاثُونَ يَدْفَعُونَ عَنْهُ آفاتِ الدُّنْيا، وعَشَرَةٌ يَدْفَعُونَ عَنْهُ مَكايِدَ الشَّيْطانِ» . الخَصْلَةُ الثّالِثَةُ: نُزُولُ الرَّحْمَةِ، قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «إنَّ اللَّهَ يَرْحَمُ أُمَّتِي في هَذِهِ اللَّيْلَةِ بِعَدَدِ شَعْرِ أغْنامِ بَنِي كَلْبٍ» . والخَصْلَةُ الرّابِعَةُ: حُصُولُ المَغْفِرَةِ، قالَ ﷺ: «إنَّ اللَّهَ تَعالى يَغْفِرُ لِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ في تِلْكَ اللَّيْلَةِ، إلّا لِكاهِنٍ، أوْ مُشاحِنٍ، أوْ مُدْمِنِ خَمْرٍ، أوْ عاقٍّ لِلْوالِدَيْنِ، أوْ مُصِرٍّ عَلى الزِّنا» . والخَصْلَةُ الخامِسَةُ: أنَّهُ تَعالى أعْطى رَسُولَهُ في هَذِهِ اللَّيْلَةِ تَمامَ الشَّفاعَةِ، وذَلِكَ أنَّهُ سَألَ لَيْلَةَ الثّالِثَ عَشَرَ مِن شَعْبانَ في أُمَّتِهِ فَأُعْطِيَ الثُّلُثَ مِنها، ثُمَّ سَألَ لَيْلَةَ الرّابِعَ عَشَرَ فَأُعْطِيَ الثُّلُثَيْنِ، ثُمَّ سَألَ لَيْلَةَ الخامِسَ عَشَرَ فَأُعْطِيَ الجَمِيعَ إلّا مَن شَرَدَ عَلى اللَّهِ شِرادَ البَعِيرِ. هَذا الفَصْلُ نَقَلْتُهُ مِنَ “ الكَشّافِ “، فَإنْ قِيلَ: لا شَكَّ أنَّ الزَّمانَ عِبارَةٌ عَنِ المُدَّةِ المُمْتَدَّةِ الَّتِي تَقْدِيرُها حَرَكاتُ الأفْلاكِ والكَواكِبِ، وأنَّهُ في ذاتِهِ أمْرٌ مُتَشابِهُ الأجْزاءِ فَيَمْتَنِعُ كَوْنُ بَعْضِها أفْضَلَ مِن بَعْضٍ، والمَكانُ عِبارَةٌ عَنِ الفَضاءِ المُمْتَدِّ والخَلاءِ الخالِي، فَيَمْتَنِعُ كَوْنُ بَعْضِ أجْزائِهِ أشْرَفَ مِنَ البَعْضِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ تَخْصِيصُ بَعْضِ أجْزائِهِ بِمَزِيدِ الشَّرَفِ دُونَ الباقِي تَرْجِيحًا لِأحَدِ طَرَفَيِ المُمْكِنِ عَلى الآخَرِ لا لِمُرَجِّحٍ وإنَّهُ مُحالٌ، قُلْنا: القَوْلُ بِإثْباتِ حُدُوثِ العالَمِ وإثْباتِ أنَّ فاعِلَهُ فاعِلٌ مُخْتارٌ بِناءً عَلى هَذا الحَرْفِ وهو أنَّهُ لا يَبْعُدُ مِنَ الفاعِلِ المُخْتارِ تَخْصِيصُ وقْتٍ مُعَيَّنٍ بِإحْداثِ العالَمِ فِيهِ دُونَ ما قَبْلَهُ وما بَعْدَهُ، فَإنْ بَطَلَ هَذا الأصْلُ فَقَدْ بَطَلَ حُدُوثُ العالَمِ وبَطَلَ الفاعِلُ المُخْتارُ، وحِينَئِذٍ لا يَكُونُ الخَوْضُ في تَفْسِيرِ القُرْآنِ فائِدَةً، وإنْ صَحَّ هَذا الأصْلُ فَقَدْ زالَ ما ذَكَرْتُمْ مِنَ السُّؤالِ، فَهَذا هو الجَوابُ المُعْتَمَدُ، والنّاسُ قالُوا: لا يَبْعُدُ أنْ يَخُصَّ اللَّهُ تَعالى بَعْضَ الأوْقاتِ بِمَزِيدِ تَشْرِيفٍ حَتّى يَصِيرَ ذَلِكَ داعِيًا لِلْمُكَلَّفِ إلى الإقْدامِ عَلى الطّاعاتِ في ذَلِكَ الوَقْتِ، ولِهَذا السَّبَبِ بَيَّنَ أنَّهُ تَعالى أخْفاهُ في الأوْقاتِ وما عَيَّنَهُ لِأنَّهُ إنْ لَمْ يَكُنْ مُعَيَّنًا جَوَّزَ المُكَلَّفُ في كُلِّ وقْتٍ مُعَيَّنٍ أنْ يَكُونَ هو ذَلِكَ الوَقْتَ الشَّرِيفَ، فَيَصِيرُ ذَلِكَ حامِلًا لَهُ عَلى المُواظَبَةِ عَلى الطّاعاتِ في كُلِّ الأوْقاتِ، وإذا وقَعْتَ عَلى هَذا الحَرْفِ ظَهَرَ عِنْدَكَ أنَّ الزَّمانَ والمَكانَ إنَّما فازا بِالتَّشْرِيفاتِ الزّائِدَةِ تَبَعًا لِشَرَفِ الإنْسانِ فَهو الأصْلُ وكُلُّ ما سِواهُ فَهو تَبَعٌ لَهُ، واللَّهُ أعْلَمُ. صفحة ٢٠٥ المَسْألَةُ السّادِسَةُ: رُوِيَ أنَّ عَطِيَّةَ الحَرُورِيَّ سَألَ ابْنَ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما عَنْ قَوْلِهِ: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ﴾ [القدر: ١] وقَوْلِهِ: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ﴾ كَيْفَ يَصِحُّ ذَلِكَ مَعَ أنَّ اللَّهَ تَعالى أنْزَلَ القُرْآنَ في جَمِيعِ الشُّهُورِ ؟ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: يا ابْنَ الأسْوَدِ، لَوْ هَلَكْتُ أنا ووَقَعَ هَذا في نَفْسِكَ ولَمْ تَجِدْ جَوابَهُ هَلَكْتَ، نَزَلَ القُرْآنُ جُمْلَةً مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ إلى البَيْتِ المَعْمُورِ، وهو في السَّماءِ الدُّنْيا، ثُمَّ نَزَلَ بَعْدَ ذَلِكَ في أنْواعِ الوَقائِعِ حالًا فَحالًا، واللَّهُ أعْلَمُ. * * * المَسْألَةُ السّابِعَةُ: في بَيانِ نَظْمِ هَذِهِ الآياتِ: اعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِنها تَعْظِيمُ القُرْآنِ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: أحَدُها: بَيانُ تَعْظِيمِ القُرْآنِ بِحَسَبِ ذاتِهِ. الثّانِي: بَيانُ تَعْظِيمِهِ بِسَبَبِ شَرَفِ الوَقْتِ الَّذِي نَزَلَ فِيهِ. والثّالِثُ: بَيانُ تَعْظِيمِهِ بِحَسَبِ شَرَفِ مَنزِلَتِهِ. أمّا بَيانُ تَعْظِيمِهِ بِحَسَبِ ذاتِهِ فَمِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ تَعالى أقْسَمَ بِهِ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى شَرَفِهِ. وثانِيها: أنَّهُ تَعالى أقْسَمَ بِهِ عَلى كَوْنِهِ نازِلًا في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ القَسَمَ بِالشَّيْءِ عَلى حالَةٍ مِن أحْوالِ نَفْسِهِ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ في غايَةِ الشَّرَفِ. وثالِثُها: أنَّهُ تَعالى وصَفَهُ بِكَوْنِهِ مُبِينًا، وذَلِكَ يَدُلُّ أيْضًا عَلى شَرَفِهِ في ذاتِهِ. وأمّا النَّوْعُ الثّانِي: وهو بَيانُ شَرَفِهِ لِأجْلِ شَرَفِ الوَقْتِ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ فَهو قَوْلُهُ: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ﴾، وهَذا تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ نُزُولَهُ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ يَقْتَضِي شَرَفَهُ وجَلالَتَهُ، ثُمَّ نَقُولُ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ﴾ يَقْتَضِي أمْرَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ تَعالى أنْزَلَهُ، والثّانِي: كَوْنُ تِلْكَ اللَّيْلَةِ مُبارَكَةً، فَذَكَرَ تَعالى عَقِيبَ هَذِهِ الكَلِمَةِ ما يَجْرِي مَجْرى البَيانِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما، أمّا بَيانُ أنَّهُ تَعالى لِمَ أنْزَلَهُ فَهو قَوْلُهُ: ﴿إنّا كُنّا مُنْذِرِينَ﴾ يَعْنِي الحِكْمَةَ في إنْزالِ هَذِهِ السُّورَةِ أنَّ إنْذارَ الخَلْقِ لا يَتِمُّ إلّا بِهِ، وأمّا بَيانُ أنَّ هَذِهِ اللَّيْلَةَ لَيْلَةٌ مُبارَكَةٌ فَهو أمْرانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ تَعالى يَفْرِقُ فِيها كُلَّ أمْرٍ حَكِيمٍ، والثّانِي: أنَّ ذَلِكَ الأمْرَ الحَكِيمَ مَخْصُوصٌ بِشَرَفِ أنَّهُ إنَّما يَظْهَرُ مِن عِنْدِهِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿أمْرًا مِن عِنْدِنا﴾ . وأمّا النَّوْعُ الثّالِثُ: فَهو بَيانُ شَرَفِ القُرْآنِ لِشَرَفِ مَنزِلِهِ وذَلِكَ هو قَوْلُهُ: ﴿إنّا كُنّا مُرْسِلِينَ﴾ فَبَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ الإنْذارَ والإرْسالَ إنَّما حَصَلَ مِنَ اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ الإرْسالَ إنَّما كانَ لِأجْلِ تَكْمِيلِ الرَّحْمَةِ وهو قَوْلُهُ: ﴿رَحْمَةً مِن رَبِّكَ﴾، وكانَ الواجِبُ أنْ يُقالَ: رَحْمَةً مِنّا إلّا أنَّهُ وضَعَ الظّاهِرَ مَوْضِعَ المُضْمَرِ إيذانًا بِأنَّ الرُّبُوبِيَّةَ تَقْتَضِي الرَّحْمَةَ عَلى المَرْبُوبِينَ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ تِلْكَ الرَّحْمَةَ وقَعَتْ عَلى وفْقِ حاجاتِ المُحْتاجِينَ لِأنَّهُ تَعالى يَسْمَعُ تَضَرُّعاتِهِمْ، ويَعْلَمُ أنْواعَ حاجاتِهِمْ، فَلِهَذا قالَ: ﴿إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ فَهَذا ما خَطَرَ بِالبالِ في كَيْفِيَّةِ تَعَلُّقِ بَعْضِ هَذِهِ الآياتِ بِبَعْضٍ. المَسْألَةُ الثّامِنَةُ: في تَفْسِيرِ مُفْرَداتِ هَذِهِ الألْفاظِ: أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ﴾ فَقَدْ قِيلَ فِيهِ: إنَّهُ تَعالى أنْزَلَ كُلِّيَّةَ القُرْآنِ مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ إلى سَماءِ الدُّنْيا في هَذِهِ اللَّيْلَةِ، ثُمَّ أنْزَلَ في كُلِّ وقْتٍ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ المُكَلَّفُ، وقِيلَ: يَبْدَأُ في اسْتِنْساخِ ذَلِكَ مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ في لَيْلَةِ البَراءَةِ، ويَقَعُ الفَراغُ في لَيْلَةِ القَدْرِ، فَتُدْفَعُ نُسْخَةُ الأرْزاقِ إلى مِيكائِيلَ، ونُسْخَةُ الحُرُوبِ إلى جِبْرائِيلَ، وكَذَلِكَ الزَّلازِلِ والصَّواعِقِ والخَسْفِ، ونُسْخَةُ الأعْمالِ إلى إسْماعِيلَ صاحِبِ سَماءِ الدُّنْيا وهو مَلَكٌ عَظِيمٌ، ونُسْخَةُ المَصائِبِ إلى مَلَكِ المَوْتِ. صفحة ٢٠٦ أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِيها يُفْرَقُ﴾ أيْ في تِلْكَ اللَّيْلَةِ المُبارَكَةِ يُفْرَقُ أيْ يُفَصَّلُ ويُبَيَّنُ مِن قَوْلِهِمْ: فَرَقْتُ الشَّيْءَ أفْرُقُهُ فَرْقًا وفُرْقانًا، قالَ صاحِبُ “ الكَشّافِ “: وقُرِئَ يُفَرِّقُ بِالتَّشْدِيدِ، ويَفْرُقُ عَلى إسْنادِ الفِعْلِ إلى الفاعِلِ ونَصْبِ كُلٍّ، والفارِقُ هو اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ نُفَرِّقُ بِالنُّونِ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ﴾، فالحَكِيمُ مَعْناهُ ذُو الحِكْمَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ تَخْصِيصَ اللَّهِ تَعالى كُلَّ أحَدٍ بِحالَةٍ مُعَيَّنَةٍ مِنَ العُمُرِ والرِّزْقِ والأجْلِ والسَّعادَةِ والشَّقاوَةِ يَدُلُّ عَلى حِكْمَةٍ بالِغَةٍ لِلَّهِ تَعالى، فَلَمّا كانَتْ تِلْكَ الأفْعالُ والأقْضِيَةُ دالَّةً عَلى حِكْمَةِ فاعِلِها وُصِفَتْ بِكَوْنِها حَكِيمَةً، وهَذا مِنَ الإسْنادِ المَجازِيِّ، لِأنَّ الحَكِيمَ صِفَةُ صاحِبِ الأمْرِ عَلى الحَقِيقَةِ، ووَصْفُ الأمْرِ بِهِ مَجازٌ، ثُمَّ قالَ: ﴿أمْرًا مِن عِنْدِنا﴾، وفي انْتِصابِ قَوْلِهِ: ﴿أمْرًا﴾ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ نُصِبَ عَلى الِاخْتِصاصِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ شَرَفَ تِلْكَ الأقْضِيَةِ والأحْكامِ بِسَبَبِ أنْ وصَفَها بِكَوْنِها حَكِيمَةً، ثُمَّ زادَ في بَيانِ شَرَفِها بِأنْ قالَ: أعْنِي بِهَذا الأمْرِ أمْرًا حاصِلًا مِن عِنْدِنا كائِنًا مِن لَدُنّا، وكَما اقْتَضاهُ عِلْمُنا وتَدْبِيرُنا. والثّانِي: أنَّهُ نُصِبَ عَلى الحالِ، وفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ حالًا مِن أحَدِ الضَّمِيرَيْنِ في ﴿أنْزَلْناهُ﴾، إمّا مِن ضَمِيرِ الفاعِلِ أيْ: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ﴾ آمِرِينَ أمْرًا، أوْ مِن ضَمِيرِ المَفْعُولِ أيْ: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ﴾ في حالِ كَوْنِهِ أمْرًا مِن عِنْدِنا بِما يَجِبُ أنْ يَفْعَلَ. والثّالِثُ: ما حَكاهُ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ عَنْ أبِي الحَسَنِ رَحِمَهُما اللَّهُ: أنَّهُ حَمَلَ قَوْلَهُ: ﴿أمْرًا﴾ عَلى الحالِ، وذُو الحالِ قَوْلُهُ: ﴿كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ﴾، وهو نَكِرَةٌ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿إنّا كُنّا مُرْسِلِينَ﴾ يَعْنِي: إنّا إنَّما فَعَلْنا ذَلِكَ الإنْذارَ لِأجَلِ (إنّا كُنّا مُرْسِلِينَ) يَعْنِي الأنْبِياءَ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿رَحْمَةً مِن رَبِّكَ﴾ أيْ لِلرَّحْمَةِ، فَهي نَصْبٌ عَلى أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لَهُ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ يَعْنِي أنَّ تِلْكَ الرَّحْمَةَ كانَتْ رَحْمَةً في الحَقِيقَةِ لِأنَّ المُحْتاجِينَ إمّا أنْ يَذْكُرُوا بِألْسِنَتِهِمْ حاجاتِهِمْ، وإمّا أنْ لا يَذْكُرُوها، فَإنْ ذَكَرُوها فَهو تَعالى يَسْمَعُ كَلامَهم فَيَعْرِفُ حاجاتِهِمْ، وإنْ لَمْ يَذْكُرُوها فَهو تَعالى عالِمٌ بِها، فَثَبَتَ أنَّ كَوْنَهُ (سَمِيعًا عَلِيمًا) يَقْتَضِي أنْ يُنْزِلَ رَحْمَتَهُ عَلَيْهِمْ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾، وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِكَسْرِ الباءِ مِن رَبٍّ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿رَحْمَةً مِن رَبِّكَ﴾ والباقُونَ بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿هُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المَقْصُودُ مِن هَذِهِ الآيَةِ أنَّ المُنَزِّلَ إذا كانَ مَوْصُوفًا بِهَذِهِ الجَلالَةِ والكِبْرِياءِ كانَ المُنْزَّلُ الَّذِي هو القُرْآنُ في غايَةِ الشَّرَفِ والرِّفْعَةِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الفائِدَةُ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: مَعْناهُ إنْ كُنْتُمْ تَطْلُبُونَ اليَقِينَ وتُرِيدُونَهُ، فاعْرِفُوا أنَّ الأمْرَ كَما قُلْنا، كَقَوْلِهِمْ: فُلانٌ مُنْجِدٌ مُتْهِمٌ أيْ يُرِيدُ نَجْدًا وتِهامَةَ. الثّانِي: قالَ صاحِبُ “ الكَشّافِ “ كانُوا يُقِرُّونَ بِأنَّ لِلسَّماواتِ والأرْضِ رَبًّا وخالِقًا، فَقِيلَ لَهم: إنَّ إرْسالَ الرُّسُلِ وإنْزالَ الكُتُبِ رَحْمَةٌ مِنَ الرَّبِّ سُبْحانَهُ وتَعالى، ثُمَّ قِيلَ: إنَّ هَذا هو السَّمِيعُ العَلِيمُ الَّذِي أنْتُمْ مُقِرُّونَ بِهِ ومُعْتَرِفُونَ بِأنَّهُ رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما إنْ كانَ إقْرارُكم عَنْ عِلْمٍ ويَقِينٍ، كَما تَقُولُ: هَذا إنْعامُ زَيْدٍ الَّذِي تَسامَعَ النّاسُ بِكَرَمِهِ إنْ بَلَغَكَ حَدِيثُهُ وسَمِعْتَ قِصَّتَهُ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى رَدَّ أنْ يَكُونُوا مُوقِنِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿بَلْ هم في شَكٍّ يَلْعَبُونَ﴾، وأنَّ إقْرارَهم غَيْرُ صادِرٍ عَنْ عِلْمٍ ويَقِينٍ ولا عَنْ جَدٍّ وحَقِيقَةٍ، بَلْ قَوْلٌ مَخْلُوطٌ بِهُزْءٍ ولَعِبٍ، واللَّهُ أعْلَمُ.

الدخان 44:7

صفحة ٢٠٢ (سُورَةُ الدُّخانِ) خَمْسُونَ وتِسْعُ آياتٍ مَكِّيَّةٍ إلّا قَوْلَهُ: ﴿إنّا كاشِفُوا العَذابِ﴾ ﷽ ﴿حم﴾ ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إنّا كُنّا مُنْذِرِينَ﴾ ﴿فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ﴾ ﴿أمْرًا مِن عِنْدِنا إنّا كُنّا مُرْسِلِينَ﴾ ﴿رَحْمَةً مِن رَبِّكَ إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ ﴿رَبِّ السَّمَواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ ﴿لا إلَهَ إلّا هو يُحْيِي ويُمِيتُ رَبُّكم ورَبُّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿بَلْ هم في شَكٍّ يَلْعَبُونَ﴾ ﷽ ﴿حم﴾ ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إنّا كُنّا مُنْذِرِينَ﴾ ﴿فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ﴾ ﴿أمْرًا مِن عِنْدِنا إنّا كُنّا مُرْسِلِينَ﴾ ﴿رَحْمَةً مِن رَبِّكَ إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ ﴿رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ ﴿لا إلَهَ إلّا هو يُحْيِي ويُمِيتُ رَبُّكم ورَبُّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿بَلْ هم في شَكٍّ يَلْعَبُونَ﴾، وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: في قَوْلِهِ: ﴿حم﴾ ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ وُجُوهٌ مِنَ الِاحْتِمالاتِ: أوَّلُها: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: هَذِهِ ﴿حم﴾ ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ كَقَوْلِكَ: هَذا زَيْدٌ واللَّهِ. وثانِيها: أنْ يَكُونَ الكَلامُ قَدْ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿حم﴾، ثُمَّ يُقالُ ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ ﴿إنّا أنْزَلْناهُ﴾ . وثالِثُها: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: وحم، والكِتابِ المُبِينِ، إنّا أنْزَلْناهُ، فَيَكُونُ ذَلِكَ في التَّقْدِيرِ قَسَمَيْنِ عَلى شَيْءٍ واحِدٍ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالُوا: هَذا يَدُلُّ عَلى حُدُوثِ القُرْآنِ لِوُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿حم﴾ تَقْدِيرُهُ: هَذِهِ حم، يَعْنِي هَذا شَيْءٌ مُؤَلَّفٌ مِن هَذِهِ الحُرُوفِ، والمُؤَلَّفُ مِنَ الحُرُوفِ المُتَعاقِبَةِ مُحْدَثٌ. الثّانِي: أنَّهُ ثَبَتَ أنَّ الحَلِفَ لا يَصِحُّ بِهَذِهِ الأشْياءِ بَلْ بِإلَهِ هَذِهِ الأشْياءِ، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: ورَبِّ حم ورَبِّ الكِتابِ المُبِينِ، وكُلُّ مَن كانَ مَرْبُوبًا فَهو مُحْدَثٌ. الثّالِثُ: أنَّهُ وصَفَهُ بِكَوْنِهِ كِتابًا، والكِتابُ مُشْتَقٌّ مِنَ الجَمْعِ، فَمَعْناهُ أنَّهُ مَجْمُوعٌ والمَجْمُوعُ مَحَلُّ تَصَرُّفِ الغَيْرِ، وما كانَ كَذَلِكَ فَهو مُحْدَثٌ. الرّابِعُ: قَوْلُهُ: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ﴾ والمُنْزَلُ مَحَلُّ تَصَرُّفِ صفحة ٢٠٣ الغَيْرِ، وما كانَ كَذَلِكَ فَهو مُحْدَثٌ، وقَدْ ذَكَرْنا مِرارًا أنَّ جَمِيعَ هَذِهِ الدَّلائِلِ تَدُلُّ عَلى أنَّ الشَّيْءَ المُرَكَّبَ مِنَ الحُرُوفِ المُتَعاقِبَةِ والأصْواتِ المُتَوالِيَةِ مُحْدَثٌ، والعِلْمُ بِذَلِكَ ضَرُورِيٌّ بَدِيهِيٌّ، لا يُنازِعُ فِيهِ إلّا مَن كانَ عَدِيمَ العَقْلِ وكانَ غَيْرَ عارِفٍ بِمَعْنى القَدِيمِ والمُحْدَثِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَكَيْفَ يُنازِعُ في صِحَّةِ هَذِهِ الدَّلائِلِ ؟ إنَّما الَّذِي ثَبَتَ قِدَمُهُ شَيْءٌ آخَرُ سِوى ما تَرَكَّبَ مِن هَذِهِ الحُرُوفِ والأصْواتِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالكِتابِ هَهُنا الكُتُبَ المُتَقَدِّمَةَ الَّتِي أنْزَلَها اللَّهُ عَلى أنْبِيائِهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿لَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلَنا بِالبَيِّناتِ وأنْزَلْنا مَعَهُمُ الكِتابَ والمِيزانَ﴾ [الحديد: ٢٥]، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ اللَّوْحَ المَحْفُوظَ، كَما قالَ: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ وعِنْدَهُ أُمُّ الكِتابِ﴾ [الرعد: ٣٩]، وقالَ: ﴿وإنَّهُ في أُمِّ الكِتابِ لَدَيْنا﴾ [الزخرف: ٤]، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ القُرْآنَ، وبِهَذا التَّقْدِيرِ فَقَدْ أقْسَمَ بِالقُرْآنِ عَلى أنَّهُ أنْزَلَ القُرْآنَ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ، وهَذا النَّوْعُ مِنَ الكَلامِ يَدُلُّ عَلى غايَةِ تَعْظِيمِ القُرْآنِ، فَقَدْ يَقُولُ الرَّجُلُ إذا أرادَ تَعْظِيمَ رَجُلٍ لَهُ حاجَةٌ إلَيْهِ: أسْتَشْفِعُ بِكَ إلَيْكَ وأُقْسِمُ بِحَقِّكَ عَلَيْكَ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: ﴿المُبِينِ﴾ هو المُشْتَمِلُ عَلى بَيانِ ما بِالنّاسِ حاجَةً إلَيْهِ في دِينِهِمْ ودُنْياهم، فَوَصَفَهُ بِكَوْنِهِ مُبِينًا، وإنْ كانَتْ حَقِيقَةُ الإبانَةِ لِلَّهِ تَعالى، لِأجْلِ أنَّ الإبانَةَ حَصَلَتْ بِهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ﴾ [النمل: ٧٦]، وقالَ في آيَةٍ أُخْرى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أحْسَنَ القَصَصِ﴾ [يوسف: ٣]، وقالَ: ﴿أمْ أنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطانًا فَهو يَتَكَلَّمُ بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾ [الروم: ٣٥] فَوَصَفَهُ بِالتَّكَلُّمِ إذْ كانَ غايَةً في الإبانَةِ، فَكَأنَّهُ ذُو لِسانٍ يَنْطِقُ، والمَعْنى فِيهِ المُبالَغَةُ في وصْفِهِ بِهَذا المَعْنى. المَسْألَةُ الخامِسَةُ: اخْتَلَفُوا في هَذِهِ اللَّيْلَةِ المُبارَكَةِ، فَقالَ الأكْثَرُونَ: إنَّها لَيْلَةُ القَدْرِ، وقالَ عِكْرِمَةُ وطائِفَةٌ آخَرُونَ: إنَّها لَيْلَةُ البَراءَةِ، وهي لَيْلَةُ النِّصْفِ مِن شَعْبانَ، أمّا الأوَّلُونَ فَقَدِ احْتَجُّوا عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِمْ بِوُجُوهٍ: أوَّلُها: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ﴾ [القدر: ١]، وهَهُنا قالَ: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ﴾ فَوَجَبَ أنْ تَكُونَ هَذِهِ اللَّيْلَةُ المُبارَكَةُ هي تِلْكَ المُسَمّاةُ بِلَيْلَةِ القَدْرِ، لِئَلّا يَلْزَمَ التَّناقُضُ. وثانِيها: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ القُرْآنُ﴾ [البقرة: ١٨٥]، فَبَيَّنَ أنَّ إنْزالَ القُرْآنِ إنَّما وقَعَ في شَهْرِ رَمَضانَ، وقالَ هَهُنا: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ﴾ فَوَجَبَ أنْ تَكُونَ هَذِهِ اللَّيْلَةُ المُبارَكَةُ واقِعَةً في شَهْرِ رَمَضانَ، وكُلُّ مَن قالَ: إنَّ هَذِهِ اللَّيْلَةَ المُبارَكَةَ واقِعَةٌ في شَهْرِ رَمَضانَ قالَ: إنَّها لَيْلَةُ القَدْرِ، فَثَبَتَ أنَّها لَيْلَةُ القَدْرِ. وثالِثُها: أنَّهُ تَعالى قالَ في صِفَةِ لَيْلَةِ القَدْرِ: ﴿تَنَزَّلُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ فِيها بِإذْنِ رَبِّهِمْ مِن كُلِّ أمْرٍ﴾ ﴿سَلامٌ هِيَ﴾ [القدر: ٤، ٥]، وقالَ أيْضًا هَهُنا ﴿فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ﴾ وهَذا مُناسِبٌ لِقَوْلِهِ: ﴿تَنَزَّلُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ فِيها﴾ [القدر: ٤]، وهَهُنا قالَ: ﴿أمْرًا مِن عِنْدِنا﴾، وقالَ في تِلْكَ الآيَةِ: ﴿بِإذْنِ رَبِّهِمْ مِن كُلِّ أمْرٍ﴾ [القدر: ٤]، وقالَ هَهُنا ﴿رَحْمَةً مِن رَبِّكَ﴾، وقالَ في تِلْكَ الآيَةِ: ﴿سَلامٌ هِيَ﴾ [القدر: ٥]، وإذا تَقارَبَتِ الأوْصافُ وجَبَ القَوْلُ بِأنَّ إحْدى اللَّيْلَتَيْنِ هي الأُخْرى. ورابِعُها: نَقَلَ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ في “ تَفْسِيرِهِ “ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قالَ: نَزَلَتْ صُحُفُ إبْراهِيمَ في أوَّلِ لَيْلَةٍ مِن رَمَضانَ، والتَّوْراةُ لِسِتِّ لَيالٍ مِنهُ، والزَّبُورُ لِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ لَيْلَةً مَضَتْ مِنهُ، والإنْجِيلُ لِثَمانِ عَشْرَةَ لَيْلَةً مَضَتْ مِنهُ، والقُرْآنُ لِأرْبَعٍ وعِشْرِينَ لَيْلَةً مَضَتْ مِن رَمَضانَ، واللَّيْلَةُ المُبارَكَةُ هي لَيْلَةُ القَدْرِ. وخامِسُها: أنَّ لَيْلَةَ القَدْرِ إنَّما سُمِّيَتْ بِهَذا الِاسْمِ؛ لِأنَّ قَدْرَها وشَرَفَها عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ لَيْسَ قَدْرُها وشَرَفُها لِسَبَبِ ذَلِكَ الزَّمانِ، لِأنَّ الزَّمانَ شَيْءٌ واحِدٌ في الذّاتِ والصِّفاتِ، فَيَمْتَنِعُ كَوْنُ بَعْضِهِ أشْرَفَ مِن بَعْضٍ لِذاتِهِ، فَثَبَتَ أنَّ شَرَفَهُ وقَدْرَهُ بِسَبَبِ أنَّهُ حَصَلَ فِيهِ أُمُورٌ شَرِيفَةٌ عالِيَةٌ، لَها قَدْرٌ عَظِيمٌ ومَرْتَبَةٌ رَفِيعَةٌ، ومَعْلُومٌ أنَّ صفحة ٢٠٤ مَنصِبَ الدِّينِ أعْلى وأعْظَمُ مِن مَنصِبِ الدُّنْيا، وأعْلى الأشْياءِ وأشْرَفُها مَنصِبًا في الدِّينِ هو القُرْآنُ، لِأجْلِ أنَّ بِهِ ثَبَتَتْ نُبُوَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وبِهِ ظَهَرَ الفَرْقُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ في سائِرِ كُتُبِ اللَّهِ المُنَزَّلَةِ، كَما قالَ في صِفَتِهِ: (﴿ومُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤٨]، وبِهِ ظَهَرَتْ دَرَجاتُ أرْبابِ السَّعاداتِ، ودَرَكاتُ أرْبابِ الشَّقاواتِ، فَعَلى هَذا لا شَيْءَ إلّا والقُرْآنُ أعْظَمُ قَدْرًا وأعْلى ذِكْرًا وأعْظَمُ مَنصِبًا مِنهُ، فَلَوْ كانَ نُزُولُهُ إنَّما وقَعَ في لَيْلَةٍ أُخْرى سِوى لَيْلَةِ القَدْرِ لَكانَتْ لَيْلَةُ القَدْرِ هي هَذِهِ الثّانِيَةُ لا الأُولى، وحَيْثُ أطْبَقُوا عَلى أنَّ لَيْلَةَ القَدْرِ الَّتِي وقَعَتْ في رَمَضانَ، عَلِمْنا أنَّ القُرْآنَ إنَّما أُنْزِلَ في تِلْكَ اللَّيْلَةِ. وأمّا القائِلُونَ بِأنَّ المُرادَ مِنَ اللَّيْلَةِ المُبارَكَةِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ الآيَةِ هي لَيْلَةُ النِّصْفِ مِن شَعْبانَ، فَما رَأيْتُ لَهم فِيهِ دَلِيلًا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، وإنَّما قَنِعُوا فِيهِ بِأنْ نَقَلُوهُ عَنْ بَعْضِ النّاسِ، فَإنْ صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيهِ كَلامٌ فَلا مَزِيدَ عَلَيْهِ، وإلّا فالحَقُّ هو الأوَّلُ، ثُمَّ إنَّ هَؤُلاءِ القائِلِينَ بِهَذا القَوْلِ زَعَمُوا أنَّ لَيْلَةَ النِّصْفِ مِن شَعْبانَ لَها أرْبَعَةُ أسْماءَ: اللَّيْلَةُ المُبارَكَةُ، ولَيْلَةُ البَراءَةِ، ولَيْلَةُ الصَّكِّ، ولَيْلَةُ الرَّحْمَةِ، وقِيلَ: إنَّما سُمِّيَتْ بِلَيْلَةِ البَراءَةِ ولَيْلَةِ الصَّكِّ، لِأنَّ البُنْدارَ إذا اسْتَوْفى الخَراجَ مِن أهْلِهِ كَتَبَ لَهُمُ البَراءَةَ، كَذَلِكَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ يَكْتُبُ لِعِبادِهِ المُؤْمِنِينَ البَراءَةَ في هَذِهِ اللَّيْلَةِ، وقِيلَ: هَذِهِ اللَّيْلَةُ مُخْتَصَّةٌ بِخَمْسِ خِصالٍ: الأُولى: تَفْرِيقُ كُلِّ أمْرٍ حَكِيمٍ فِيها، قالَ تَعالى: ﴿فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ﴾ . والثّانِيَةُ: فَضِيلَةُ العِبادَةِ فِيها، قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن صَلّى في هَذِهِ اللَّيْلَةِ مِائَةَ رَكْعَةٍ أرْسَلَ اللَّهُ إلَيْهِ مِائَةَ مَلَكٍ، ثَلاثُونَ يُبَشِّرُونَهُ بِالجَنَّةِ، وثَلاثُونَ يُؤَمِّنُونَهُ مِن عَذابِ النّارِ، وثَلاثُونَ يَدْفَعُونَ عَنْهُ آفاتِ الدُّنْيا، وعَشَرَةٌ يَدْفَعُونَ عَنْهُ مَكايِدَ الشَّيْطانِ» . الخَصْلَةُ الثّالِثَةُ: نُزُولُ الرَّحْمَةِ، قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «إنَّ اللَّهَ يَرْحَمُ أُمَّتِي في هَذِهِ اللَّيْلَةِ بِعَدَدِ شَعْرِ أغْنامِ بَنِي كَلْبٍ» . والخَصْلَةُ الرّابِعَةُ: حُصُولُ المَغْفِرَةِ، قالَ ﷺ: «إنَّ اللَّهَ تَعالى يَغْفِرُ لِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ في تِلْكَ اللَّيْلَةِ، إلّا لِكاهِنٍ، أوْ مُشاحِنٍ، أوْ مُدْمِنِ خَمْرٍ، أوْ عاقٍّ لِلْوالِدَيْنِ، أوْ مُصِرٍّ عَلى الزِّنا» . والخَصْلَةُ الخامِسَةُ: أنَّهُ تَعالى أعْطى رَسُولَهُ في هَذِهِ اللَّيْلَةِ تَمامَ الشَّفاعَةِ، وذَلِكَ أنَّهُ سَألَ لَيْلَةَ الثّالِثَ عَشَرَ مِن شَعْبانَ في أُمَّتِهِ فَأُعْطِيَ الثُّلُثَ مِنها، ثُمَّ سَألَ لَيْلَةَ الرّابِعَ عَشَرَ فَأُعْطِيَ الثُّلُثَيْنِ، ثُمَّ سَألَ لَيْلَةَ الخامِسَ عَشَرَ فَأُعْطِيَ الجَمِيعَ إلّا مَن شَرَدَ عَلى اللَّهِ شِرادَ البَعِيرِ. هَذا الفَصْلُ نَقَلْتُهُ مِنَ “ الكَشّافِ “، فَإنْ قِيلَ: لا شَكَّ أنَّ الزَّمانَ عِبارَةٌ عَنِ المُدَّةِ المُمْتَدَّةِ الَّتِي تَقْدِيرُها حَرَكاتُ الأفْلاكِ والكَواكِبِ، وأنَّهُ في ذاتِهِ أمْرٌ مُتَشابِهُ الأجْزاءِ فَيَمْتَنِعُ كَوْنُ بَعْضِها أفْضَلَ مِن بَعْضٍ، والمَكانُ عِبارَةٌ عَنِ الفَضاءِ المُمْتَدِّ والخَلاءِ الخالِي، فَيَمْتَنِعُ كَوْنُ بَعْضِ أجْزائِهِ أشْرَفَ مِنَ البَعْضِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ تَخْصِيصُ بَعْضِ أجْزائِهِ بِمَزِيدِ الشَّرَفِ دُونَ الباقِي تَرْجِيحًا لِأحَدِ طَرَفَيِ المُمْكِنِ عَلى الآخَرِ لا لِمُرَجِّحٍ وإنَّهُ مُحالٌ، قُلْنا: القَوْلُ بِإثْباتِ حُدُوثِ العالَمِ وإثْباتِ أنَّ فاعِلَهُ فاعِلٌ مُخْتارٌ بِناءً عَلى هَذا الحَرْفِ وهو أنَّهُ لا يَبْعُدُ مِنَ الفاعِلِ المُخْتارِ تَخْصِيصُ وقْتٍ مُعَيَّنٍ بِإحْداثِ العالَمِ فِيهِ دُونَ ما قَبْلَهُ وما بَعْدَهُ، فَإنْ بَطَلَ هَذا الأصْلُ فَقَدْ بَطَلَ حُدُوثُ العالَمِ وبَطَلَ الفاعِلُ المُخْتارُ، وحِينَئِذٍ لا يَكُونُ الخَوْضُ في تَفْسِيرِ القُرْآنِ فائِدَةً، وإنْ صَحَّ هَذا الأصْلُ فَقَدْ زالَ ما ذَكَرْتُمْ مِنَ السُّؤالِ، فَهَذا هو الجَوابُ المُعْتَمَدُ، والنّاسُ قالُوا: لا يَبْعُدُ أنْ يَخُصَّ اللَّهُ تَعالى بَعْضَ الأوْقاتِ بِمَزِيدِ تَشْرِيفٍ حَتّى يَصِيرَ ذَلِكَ داعِيًا لِلْمُكَلَّفِ إلى الإقْدامِ عَلى الطّاعاتِ في ذَلِكَ الوَقْتِ، ولِهَذا السَّبَبِ بَيَّنَ أنَّهُ تَعالى أخْفاهُ في الأوْقاتِ وما عَيَّنَهُ لِأنَّهُ إنْ لَمْ يَكُنْ مُعَيَّنًا جَوَّزَ المُكَلَّفُ في كُلِّ وقْتٍ مُعَيَّنٍ أنْ يَكُونَ هو ذَلِكَ الوَقْتَ الشَّرِيفَ، فَيَصِيرُ ذَلِكَ حامِلًا لَهُ عَلى المُواظَبَةِ عَلى الطّاعاتِ في كُلِّ الأوْقاتِ، وإذا وقَعْتَ عَلى هَذا الحَرْفِ ظَهَرَ عِنْدَكَ أنَّ الزَّمانَ والمَكانَ إنَّما فازا بِالتَّشْرِيفاتِ الزّائِدَةِ تَبَعًا لِشَرَفِ الإنْسانِ فَهو الأصْلُ وكُلُّ ما سِواهُ فَهو تَبَعٌ لَهُ، واللَّهُ أعْلَمُ. صفحة ٢٠٥ المَسْألَةُ السّادِسَةُ: رُوِيَ أنَّ عَطِيَّةَ الحَرُورِيَّ سَألَ ابْنَ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما عَنْ قَوْلِهِ: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ﴾ [القدر: ١] وقَوْلِهِ: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ﴾ كَيْفَ يَصِحُّ ذَلِكَ مَعَ أنَّ اللَّهَ تَعالى أنْزَلَ القُرْآنَ في جَمِيعِ الشُّهُورِ ؟ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: يا ابْنَ الأسْوَدِ، لَوْ هَلَكْتُ أنا ووَقَعَ هَذا في نَفْسِكَ ولَمْ تَجِدْ جَوابَهُ هَلَكْتَ، نَزَلَ القُرْآنُ جُمْلَةً مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ إلى البَيْتِ المَعْمُورِ، وهو في السَّماءِ الدُّنْيا، ثُمَّ نَزَلَ بَعْدَ ذَلِكَ في أنْواعِ الوَقائِعِ حالًا فَحالًا، واللَّهُ أعْلَمُ. * * * المَسْألَةُ السّابِعَةُ: في بَيانِ نَظْمِ هَذِهِ الآياتِ: اعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِنها تَعْظِيمُ القُرْآنِ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: أحَدُها: بَيانُ تَعْظِيمِ القُرْآنِ بِحَسَبِ ذاتِهِ. الثّانِي: بَيانُ تَعْظِيمِهِ بِسَبَبِ شَرَفِ الوَقْتِ الَّذِي نَزَلَ فِيهِ. والثّالِثُ: بَيانُ تَعْظِيمِهِ بِحَسَبِ شَرَفِ مَنزِلَتِهِ. أمّا بَيانُ تَعْظِيمِهِ بِحَسَبِ ذاتِهِ فَمِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ تَعالى أقْسَمَ بِهِ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى شَرَفِهِ. وثانِيها: أنَّهُ تَعالى أقْسَمَ بِهِ عَلى كَوْنِهِ نازِلًا في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ القَسَمَ بِالشَّيْءِ عَلى حالَةٍ مِن أحْوالِ نَفْسِهِ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ في غايَةِ الشَّرَفِ. وثالِثُها: أنَّهُ تَعالى وصَفَهُ بِكَوْنِهِ مُبِينًا، وذَلِكَ يَدُلُّ أيْضًا عَلى شَرَفِهِ في ذاتِهِ. وأمّا النَّوْعُ الثّانِي: وهو بَيانُ شَرَفِهِ لِأجْلِ شَرَفِ الوَقْتِ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ فَهو قَوْلُهُ: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ﴾، وهَذا تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ نُزُولَهُ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ يَقْتَضِي شَرَفَهُ وجَلالَتَهُ، ثُمَّ نَقُولُ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ﴾ يَقْتَضِي أمْرَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ تَعالى أنْزَلَهُ، والثّانِي: كَوْنُ تِلْكَ اللَّيْلَةِ مُبارَكَةً، فَذَكَرَ تَعالى عَقِيبَ هَذِهِ الكَلِمَةِ ما يَجْرِي مَجْرى البَيانِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما، أمّا بَيانُ أنَّهُ تَعالى لِمَ أنْزَلَهُ فَهو قَوْلُهُ: ﴿إنّا كُنّا مُنْذِرِينَ﴾ يَعْنِي الحِكْمَةَ في إنْزالِ هَذِهِ السُّورَةِ أنَّ إنْذارَ الخَلْقِ لا يَتِمُّ إلّا بِهِ، وأمّا بَيانُ أنَّ هَذِهِ اللَّيْلَةَ لَيْلَةٌ مُبارَكَةٌ فَهو أمْرانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ تَعالى يَفْرِقُ فِيها كُلَّ أمْرٍ حَكِيمٍ، والثّانِي: أنَّ ذَلِكَ الأمْرَ الحَكِيمَ مَخْصُوصٌ بِشَرَفِ أنَّهُ إنَّما يَظْهَرُ مِن عِنْدِهِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿أمْرًا مِن عِنْدِنا﴾ . وأمّا النَّوْعُ الثّالِثُ: فَهو بَيانُ شَرَفِ القُرْآنِ لِشَرَفِ مَنزِلِهِ وذَلِكَ هو قَوْلُهُ: ﴿إنّا كُنّا مُرْسِلِينَ﴾ فَبَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ الإنْذارَ والإرْسالَ إنَّما حَصَلَ مِنَ اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ الإرْسالَ إنَّما كانَ لِأجْلِ تَكْمِيلِ الرَّحْمَةِ وهو قَوْلُهُ: ﴿رَحْمَةً مِن رَبِّكَ﴾، وكانَ الواجِبُ أنْ يُقالَ: رَحْمَةً مِنّا إلّا أنَّهُ وضَعَ الظّاهِرَ مَوْضِعَ المُضْمَرِ إيذانًا بِأنَّ الرُّبُوبِيَّةَ تَقْتَضِي الرَّحْمَةَ عَلى المَرْبُوبِينَ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ تِلْكَ الرَّحْمَةَ وقَعَتْ عَلى وفْقِ حاجاتِ المُحْتاجِينَ لِأنَّهُ تَعالى يَسْمَعُ تَضَرُّعاتِهِمْ، ويَعْلَمُ أنْواعَ حاجاتِهِمْ، فَلِهَذا قالَ: ﴿إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ فَهَذا ما خَطَرَ بِالبالِ في كَيْفِيَّةِ تَعَلُّقِ بَعْضِ هَذِهِ الآياتِ بِبَعْضٍ. المَسْألَةُ الثّامِنَةُ: في تَفْسِيرِ مُفْرَداتِ هَذِهِ الألْفاظِ: أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ﴾ فَقَدْ قِيلَ فِيهِ: إنَّهُ تَعالى أنْزَلَ كُلِّيَّةَ القُرْآنِ مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ إلى سَماءِ الدُّنْيا في هَذِهِ اللَّيْلَةِ، ثُمَّ أنْزَلَ في كُلِّ وقْتٍ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ المُكَلَّفُ، وقِيلَ: يَبْدَأُ في اسْتِنْساخِ ذَلِكَ مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ في لَيْلَةِ البَراءَةِ، ويَقَعُ الفَراغُ في لَيْلَةِ القَدْرِ، فَتُدْفَعُ نُسْخَةُ الأرْزاقِ إلى مِيكائِيلَ، ونُسْخَةُ الحُرُوبِ إلى جِبْرائِيلَ، وكَذَلِكَ الزَّلازِلِ والصَّواعِقِ والخَسْفِ، ونُسْخَةُ الأعْمالِ إلى إسْماعِيلَ صاحِبِ سَماءِ الدُّنْيا وهو مَلَكٌ عَظِيمٌ، ونُسْخَةُ المَصائِبِ إلى مَلَكِ المَوْتِ. صفحة ٢٠٦ أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِيها يُفْرَقُ﴾ أيْ في تِلْكَ اللَّيْلَةِ المُبارَكَةِ يُفْرَقُ أيْ يُفَصَّلُ ويُبَيَّنُ مِن قَوْلِهِمْ: فَرَقْتُ الشَّيْءَ أفْرُقُهُ فَرْقًا وفُرْقانًا، قالَ صاحِبُ “ الكَشّافِ “: وقُرِئَ يُفَرِّقُ بِالتَّشْدِيدِ، ويَفْرُقُ عَلى إسْنادِ الفِعْلِ إلى الفاعِلِ ونَصْبِ كُلٍّ، والفارِقُ هو اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ نُفَرِّقُ بِالنُّونِ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ﴾، فالحَكِيمُ مَعْناهُ ذُو الحِكْمَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ تَخْصِيصَ اللَّهِ تَعالى كُلَّ أحَدٍ بِحالَةٍ مُعَيَّنَةٍ مِنَ العُمُرِ والرِّزْقِ والأجْلِ والسَّعادَةِ والشَّقاوَةِ يَدُلُّ عَلى حِكْمَةٍ بالِغَةٍ لِلَّهِ تَعالى، فَلَمّا كانَتْ تِلْكَ الأفْعالُ والأقْضِيَةُ دالَّةً عَلى حِكْمَةِ فاعِلِها وُصِفَتْ بِكَوْنِها حَكِيمَةً، وهَذا مِنَ الإسْنادِ المَجازِيِّ، لِأنَّ الحَكِيمَ صِفَةُ صاحِبِ الأمْرِ عَلى الحَقِيقَةِ، ووَصْفُ الأمْرِ بِهِ مَجازٌ، ثُمَّ قالَ: ﴿أمْرًا مِن عِنْدِنا﴾، وفي انْتِصابِ قَوْلِهِ: ﴿أمْرًا﴾ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ نُصِبَ عَلى الِاخْتِصاصِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ شَرَفَ تِلْكَ الأقْضِيَةِ والأحْكامِ بِسَبَبِ أنْ وصَفَها بِكَوْنِها حَكِيمَةً، ثُمَّ زادَ في بَيانِ شَرَفِها بِأنْ قالَ: أعْنِي بِهَذا الأمْرِ أمْرًا حاصِلًا مِن عِنْدِنا كائِنًا مِن لَدُنّا، وكَما اقْتَضاهُ عِلْمُنا وتَدْبِيرُنا. والثّانِي: أنَّهُ نُصِبَ عَلى الحالِ، وفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ حالًا مِن أحَدِ الضَّمِيرَيْنِ في ﴿أنْزَلْناهُ﴾، إمّا مِن ضَمِيرِ الفاعِلِ أيْ: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ﴾ آمِرِينَ أمْرًا، أوْ مِن ضَمِيرِ المَفْعُولِ أيْ: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ﴾ في حالِ كَوْنِهِ أمْرًا مِن عِنْدِنا بِما يَجِبُ أنْ يَفْعَلَ. والثّالِثُ: ما حَكاهُ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ عَنْ أبِي الحَسَنِ رَحِمَهُما اللَّهُ: أنَّهُ حَمَلَ قَوْلَهُ: ﴿أمْرًا﴾ عَلى الحالِ، وذُو الحالِ قَوْلُهُ: ﴿كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ﴾، وهو نَكِرَةٌ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿إنّا كُنّا مُرْسِلِينَ﴾ يَعْنِي: إنّا إنَّما فَعَلْنا ذَلِكَ الإنْذارَ لِأجَلِ (إنّا كُنّا مُرْسِلِينَ) يَعْنِي الأنْبِياءَ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿رَحْمَةً مِن رَبِّكَ﴾ أيْ لِلرَّحْمَةِ، فَهي نَصْبٌ عَلى أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لَهُ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ يَعْنِي أنَّ تِلْكَ الرَّحْمَةَ كانَتْ رَحْمَةً في الحَقِيقَةِ لِأنَّ المُحْتاجِينَ إمّا أنْ يَذْكُرُوا بِألْسِنَتِهِمْ حاجاتِهِمْ، وإمّا أنْ لا يَذْكُرُوها، فَإنْ ذَكَرُوها فَهو تَعالى يَسْمَعُ كَلامَهم فَيَعْرِفُ حاجاتِهِمْ، وإنْ لَمْ يَذْكُرُوها فَهو تَعالى عالِمٌ بِها، فَثَبَتَ أنَّ كَوْنَهُ (سَمِيعًا عَلِيمًا) يَقْتَضِي أنْ يُنْزِلَ رَحْمَتَهُ عَلَيْهِمْ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾، وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِكَسْرِ الباءِ مِن رَبٍّ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿رَحْمَةً مِن رَبِّكَ﴾ والباقُونَ بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿هُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المَقْصُودُ مِن هَذِهِ الآيَةِ أنَّ المُنَزِّلَ إذا كانَ مَوْصُوفًا بِهَذِهِ الجَلالَةِ والكِبْرِياءِ كانَ المُنْزَّلُ الَّذِي هو القُرْآنُ في غايَةِ الشَّرَفِ والرِّفْعَةِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الفائِدَةُ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: مَعْناهُ إنْ كُنْتُمْ تَطْلُبُونَ اليَقِينَ وتُرِيدُونَهُ، فاعْرِفُوا أنَّ الأمْرَ كَما قُلْنا، كَقَوْلِهِمْ: فُلانٌ مُنْجِدٌ مُتْهِمٌ أيْ يُرِيدُ نَجْدًا وتِهامَةَ. الثّانِي: قالَ صاحِبُ “ الكَشّافِ “ كانُوا يُقِرُّونَ بِأنَّ لِلسَّماواتِ والأرْضِ رَبًّا وخالِقًا، فَقِيلَ لَهم: إنَّ إرْسالَ الرُّسُلِ وإنْزالَ الكُتُبِ رَحْمَةٌ مِنَ الرَّبِّ سُبْحانَهُ وتَعالى، ثُمَّ قِيلَ: إنَّ هَذا هو السَّمِيعُ العَلِيمُ الَّذِي أنْتُمْ مُقِرُّونَ بِهِ ومُعْتَرِفُونَ بِأنَّهُ رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما إنْ كانَ إقْرارُكم عَنْ عِلْمٍ ويَقِينٍ، كَما تَقُولُ: هَذا إنْعامُ زَيْدٍ الَّذِي تَسامَعَ النّاسُ بِكَرَمِهِ إنْ بَلَغَكَ حَدِيثُهُ وسَمِعْتَ قِصَّتَهُ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى رَدَّ أنْ يَكُونُوا مُوقِنِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿بَلْ هم في شَكٍّ يَلْعَبُونَ﴾، وأنَّ إقْرارَهم غَيْرُ صادِرٍ عَنْ عِلْمٍ ويَقِينٍ ولا عَنْ جَدٍّ وحَقِيقَةٍ، بَلْ قَوْلٌ مَخْلُوطٌ بِهُزْءٍ ولَعِبٍ، واللَّهُ أعْلَمُ.

الدخان 44:8

صفحة ٢٠٢ (سُورَةُ الدُّخانِ) خَمْسُونَ وتِسْعُ آياتٍ مَكِّيَّةٍ إلّا قَوْلَهُ: ﴿إنّا كاشِفُوا العَذابِ﴾ ﷽ ﴿حم﴾ ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إنّا كُنّا مُنْذِرِينَ﴾ ﴿فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ﴾ ﴿أمْرًا مِن عِنْدِنا إنّا كُنّا مُرْسِلِينَ﴾ ﴿رَحْمَةً مِن رَبِّكَ إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ ﴿رَبِّ السَّمَواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ ﴿لا إلَهَ إلّا هو يُحْيِي ويُمِيتُ رَبُّكم ورَبُّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿بَلْ هم في شَكٍّ يَلْعَبُونَ﴾ ﷽ ﴿حم﴾ ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إنّا كُنّا مُنْذِرِينَ﴾ ﴿فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ﴾ ﴿أمْرًا مِن عِنْدِنا إنّا كُنّا مُرْسِلِينَ﴾ ﴿رَحْمَةً مِن رَبِّكَ إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ ﴿رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ ﴿لا إلَهَ إلّا هو يُحْيِي ويُمِيتُ رَبُّكم ورَبُّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿بَلْ هم في شَكٍّ يَلْعَبُونَ﴾، وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: في قَوْلِهِ: ﴿حم﴾ ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ وُجُوهٌ مِنَ الِاحْتِمالاتِ: أوَّلُها: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: هَذِهِ ﴿حم﴾ ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ كَقَوْلِكَ: هَذا زَيْدٌ واللَّهِ. وثانِيها: أنْ يَكُونَ الكَلامُ قَدْ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿حم﴾، ثُمَّ يُقالُ ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ ﴿إنّا أنْزَلْناهُ﴾ . وثالِثُها: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: وحم، والكِتابِ المُبِينِ، إنّا أنْزَلْناهُ، فَيَكُونُ ذَلِكَ في التَّقْدِيرِ قَسَمَيْنِ عَلى شَيْءٍ واحِدٍ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالُوا: هَذا يَدُلُّ عَلى حُدُوثِ القُرْآنِ لِوُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿حم﴾ تَقْدِيرُهُ: هَذِهِ حم، يَعْنِي هَذا شَيْءٌ مُؤَلَّفٌ مِن هَذِهِ الحُرُوفِ، والمُؤَلَّفُ مِنَ الحُرُوفِ المُتَعاقِبَةِ مُحْدَثٌ. الثّانِي: أنَّهُ ثَبَتَ أنَّ الحَلِفَ لا يَصِحُّ بِهَذِهِ الأشْياءِ بَلْ بِإلَهِ هَذِهِ الأشْياءِ، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: ورَبِّ حم ورَبِّ الكِتابِ المُبِينِ، وكُلُّ مَن كانَ مَرْبُوبًا فَهو مُحْدَثٌ. الثّالِثُ: أنَّهُ وصَفَهُ بِكَوْنِهِ كِتابًا، والكِتابُ مُشْتَقٌّ مِنَ الجَمْعِ، فَمَعْناهُ أنَّهُ مَجْمُوعٌ والمَجْمُوعُ مَحَلُّ تَصَرُّفِ الغَيْرِ، وما كانَ كَذَلِكَ فَهو مُحْدَثٌ. الرّابِعُ: قَوْلُهُ: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ﴾ والمُنْزَلُ مَحَلُّ تَصَرُّفِ صفحة ٢٠٣ الغَيْرِ، وما كانَ كَذَلِكَ فَهو مُحْدَثٌ، وقَدْ ذَكَرْنا مِرارًا أنَّ جَمِيعَ هَذِهِ الدَّلائِلِ تَدُلُّ عَلى أنَّ الشَّيْءَ المُرَكَّبَ مِنَ الحُرُوفِ المُتَعاقِبَةِ والأصْواتِ المُتَوالِيَةِ مُحْدَثٌ، والعِلْمُ بِذَلِكَ ضَرُورِيٌّ بَدِيهِيٌّ، لا يُنازِعُ فِيهِ إلّا مَن كانَ عَدِيمَ العَقْلِ وكانَ غَيْرَ عارِفٍ بِمَعْنى القَدِيمِ والمُحْدَثِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَكَيْفَ يُنازِعُ في صِحَّةِ هَذِهِ الدَّلائِلِ ؟ إنَّما الَّذِي ثَبَتَ قِدَمُهُ شَيْءٌ آخَرُ سِوى ما تَرَكَّبَ مِن هَذِهِ الحُرُوفِ والأصْواتِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالكِتابِ هَهُنا الكُتُبَ المُتَقَدِّمَةَ الَّتِي أنْزَلَها اللَّهُ عَلى أنْبِيائِهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿لَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلَنا بِالبَيِّناتِ وأنْزَلْنا مَعَهُمُ الكِتابَ والمِيزانَ﴾ [الحديد: ٢٥]، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ اللَّوْحَ المَحْفُوظَ، كَما قالَ: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ وعِنْدَهُ أُمُّ الكِتابِ﴾ [الرعد: ٣٩]، وقالَ: ﴿وإنَّهُ في أُمِّ الكِتابِ لَدَيْنا﴾ [الزخرف: ٤]، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ القُرْآنَ، وبِهَذا التَّقْدِيرِ فَقَدْ أقْسَمَ بِالقُرْآنِ عَلى أنَّهُ أنْزَلَ القُرْآنَ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ، وهَذا النَّوْعُ مِنَ الكَلامِ يَدُلُّ عَلى غايَةِ تَعْظِيمِ القُرْآنِ، فَقَدْ يَقُولُ الرَّجُلُ إذا أرادَ تَعْظِيمَ رَجُلٍ لَهُ حاجَةٌ إلَيْهِ: أسْتَشْفِعُ بِكَ إلَيْكَ وأُقْسِمُ بِحَقِّكَ عَلَيْكَ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: ﴿المُبِينِ﴾ هو المُشْتَمِلُ عَلى بَيانِ ما بِالنّاسِ حاجَةً إلَيْهِ في دِينِهِمْ ودُنْياهم، فَوَصَفَهُ بِكَوْنِهِ مُبِينًا، وإنْ كانَتْ حَقِيقَةُ الإبانَةِ لِلَّهِ تَعالى، لِأجْلِ أنَّ الإبانَةَ حَصَلَتْ بِهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ﴾ [النمل: ٧٦]، وقالَ في آيَةٍ أُخْرى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أحْسَنَ القَصَصِ﴾ [يوسف: ٣]، وقالَ: ﴿أمْ أنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطانًا فَهو يَتَكَلَّمُ بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾ [الروم: ٣٥] فَوَصَفَهُ بِالتَّكَلُّمِ إذْ كانَ غايَةً في الإبانَةِ، فَكَأنَّهُ ذُو لِسانٍ يَنْطِقُ، والمَعْنى فِيهِ المُبالَغَةُ في وصْفِهِ بِهَذا المَعْنى. المَسْألَةُ الخامِسَةُ: اخْتَلَفُوا في هَذِهِ اللَّيْلَةِ المُبارَكَةِ، فَقالَ الأكْثَرُونَ: إنَّها لَيْلَةُ القَدْرِ، وقالَ عِكْرِمَةُ وطائِفَةٌ آخَرُونَ: إنَّها لَيْلَةُ البَراءَةِ، وهي لَيْلَةُ النِّصْفِ مِن شَعْبانَ، أمّا الأوَّلُونَ فَقَدِ احْتَجُّوا عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِمْ بِوُجُوهٍ: أوَّلُها: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ﴾ [القدر: ١]، وهَهُنا قالَ: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ﴾ فَوَجَبَ أنْ تَكُونَ هَذِهِ اللَّيْلَةُ المُبارَكَةُ هي تِلْكَ المُسَمّاةُ بِلَيْلَةِ القَدْرِ، لِئَلّا يَلْزَمَ التَّناقُضُ. وثانِيها: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ القُرْآنُ﴾ [البقرة: ١٨٥]، فَبَيَّنَ أنَّ إنْزالَ القُرْآنِ إنَّما وقَعَ في شَهْرِ رَمَضانَ، وقالَ هَهُنا: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ﴾ فَوَجَبَ أنْ تَكُونَ هَذِهِ اللَّيْلَةُ المُبارَكَةُ واقِعَةً في شَهْرِ رَمَضانَ، وكُلُّ مَن قالَ: إنَّ هَذِهِ اللَّيْلَةَ المُبارَكَةَ واقِعَةٌ في شَهْرِ رَمَضانَ قالَ: إنَّها لَيْلَةُ القَدْرِ، فَثَبَتَ أنَّها لَيْلَةُ القَدْرِ. وثالِثُها: أنَّهُ تَعالى قالَ في صِفَةِ لَيْلَةِ القَدْرِ: ﴿تَنَزَّلُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ فِيها بِإذْنِ رَبِّهِمْ مِن كُلِّ أمْرٍ﴾ ﴿سَلامٌ هِيَ﴾ [القدر: ٤، ٥]، وقالَ أيْضًا هَهُنا ﴿فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ﴾ وهَذا مُناسِبٌ لِقَوْلِهِ: ﴿تَنَزَّلُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ فِيها﴾ [القدر: ٤]، وهَهُنا قالَ: ﴿أمْرًا مِن عِنْدِنا﴾، وقالَ في تِلْكَ الآيَةِ: ﴿بِإذْنِ رَبِّهِمْ مِن كُلِّ أمْرٍ﴾ [القدر: ٤]، وقالَ هَهُنا ﴿رَحْمَةً مِن رَبِّكَ﴾، وقالَ في تِلْكَ الآيَةِ: ﴿سَلامٌ هِيَ﴾ [القدر: ٥]، وإذا تَقارَبَتِ الأوْصافُ وجَبَ القَوْلُ بِأنَّ إحْدى اللَّيْلَتَيْنِ هي الأُخْرى. ورابِعُها: نَقَلَ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ في “ تَفْسِيرِهِ “ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قالَ: نَزَلَتْ صُحُفُ إبْراهِيمَ في أوَّلِ لَيْلَةٍ مِن رَمَضانَ، والتَّوْراةُ لِسِتِّ لَيالٍ مِنهُ، والزَّبُورُ لِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ لَيْلَةً مَضَتْ مِنهُ، والإنْجِيلُ لِثَمانِ عَشْرَةَ لَيْلَةً مَضَتْ مِنهُ، والقُرْآنُ لِأرْبَعٍ وعِشْرِينَ لَيْلَةً مَضَتْ مِن رَمَضانَ، واللَّيْلَةُ المُبارَكَةُ هي لَيْلَةُ القَدْرِ. وخامِسُها: أنَّ لَيْلَةَ القَدْرِ إنَّما سُمِّيَتْ بِهَذا الِاسْمِ؛ لِأنَّ قَدْرَها وشَرَفَها عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ لَيْسَ قَدْرُها وشَرَفُها لِسَبَبِ ذَلِكَ الزَّمانِ، لِأنَّ الزَّمانَ شَيْءٌ واحِدٌ في الذّاتِ والصِّفاتِ، فَيَمْتَنِعُ كَوْنُ بَعْضِهِ أشْرَفَ مِن بَعْضٍ لِذاتِهِ، فَثَبَتَ أنَّ شَرَفَهُ وقَدْرَهُ بِسَبَبِ أنَّهُ حَصَلَ فِيهِ أُمُورٌ شَرِيفَةٌ عالِيَةٌ، لَها قَدْرٌ عَظِيمٌ ومَرْتَبَةٌ رَفِيعَةٌ، ومَعْلُومٌ أنَّ صفحة ٢٠٤ مَنصِبَ الدِّينِ أعْلى وأعْظَمُ مِن مَنصِبِ الدُّنْيا، وأعْلى الأشْياءِ وأشْرَفُها مَنصِبًا في الدِّينِ هو القُرْآنُ، لِأجْلِ أنَّ بِهِ ثَبَتَتْ نُبُوَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وبِهِ ظَهَرَ الفَرْقُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ في سائِرِ كُتُبِ اللَّهِ المُنَزَّلَةِ، كَما قالَ في صِفَتِهِ: (﴿ومُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤٨]، وبِهِ ظَهَرَتْ دَرَجاتُ أرْبابِ السَّعاداتِ، ودَرَكاتُ أرْبابِ الشَّقاواتِ، فَعَلى هَذا لا شَيْءَ إلّا والقُرْآنُ أعْظَمُ قَدْرًا وأعْلى ذِكْرًا وأعْظَمُ مَنصِبًا مِنهُ، فَلَوْ كانَ نُزُولُهُ إنَّما وقَعَ في لَيْلَةٍ أُخْرى سِوى لَيْلَةِ القَدْرِ لَكانَتْ لَيْلَةُ القَدْرِ هي هَذِهِ الثّانِيَةُ لا الأُولى، وحَيْثُ أطْبَقُوا عَلى أنَّ لَيْلَةَ القَدْرِ الَّتِي وقَعَتْ في رَمَضانَ، عَلِمْنا أنَّ القُرْآنَ إنَّما أُنْزِلَ في تِلْكَ اللَّيْلَةِ. وأمّا القائِلُونَ بِأنَّ المُرادَ مِنَ اللَّيْلَةِ المُبارَكَةِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ الآيَةِ هي لَيْلَةُ النِّصْفِ مِن شَعْبانَ، فَما رَأيْتُ لَهم فِيهِ دَلِيلًا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، وإنَّما قَنِعُوا فِيهِ بِأنْ نَقَلُوهُ عَنْ بَعْضِ النّاسِ، فَإنْ صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيهِ كَلامٌ فَلا مَزِيدَ عَلَيْهِ، وإلّا فالحَقُّ هو الأوَّلُ، ثُمَّ إنَّ هَؤُلاءِ القائِلِينَ بِهَذا القَوْلِ زَعَمُوا أنَّ لَيْلَةَ النِّصْفِ مِن شَعْبانَ لَها أرْبَعَةُ أسْماءَ: اللَّيْلَةُ المُبارَكَةُ، ولَيْلَةُ البَراءَةِ، ولَيْلَةُ الصَّكِّ، ولَيْلَةُ الرَّحْمَةِ، وقِيلَ: إنَّما سُمِّيَتْ بِلَيْلَةِ البَراءَةِ ولَيْلَةِ الصَّكِّ، لِأنَّ البُنْدارَ إذا اسْتَوْفى الخَراجَ مِن أهْلِهِ كَتَبَ لَهُمُ البَراءَةَ، كَذَلِكَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ يَكْتُبُ لِعِبادِهِ المُؤْمِنِينَ البَراءَةَ في هَذِهِ اللَّيْلَةِ، وقِيلَ: هَذِهِ اللَّيْلَةُ مُخْتَصَّةٌ بِخَمْسِ خِصالٍ: الأُولى: تَفْرِيقُ كُلِّ أمْرٍ حَكِيمٍ فِيها، قالَ تَعالى: ﴿فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ﴾ . والثّانِيَةُ: فَضِيلَةُ العِبادَةِ فِيها، قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن صَلّى في هَذِهِ اللَّيْلَةِ مِائَةَ رَكْعَةٍ أرْسَلَ اللَّهُ إلَيْهِ مِائَةَ مَلَكٍ، ثَلاثُونَ يُبَشِّرُونَهُ بِالجَنَّةِ، وثَلاثُونَ يُؤَمِّنُونَهُ مِن عَذابِ النّارِ، وثَلاثُونَ يَدْفَعُونَ عَنْهُ آفاتِ الدُّنْيا، وعَشَرَةٌ يَدْفَعُونَ عَنْهُ مَكايِدَ الشَّيْطانِ» . الخَصْلَةُ الثّالِثَةُ: نُزُولُ الرَّحْمَةِ، قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «إنَّ اللَّهَ يَرْحَمُ أُمَّتِي في هَذِهِ اللَّيْلَةِ بِعَدَدِ شَعْرِ أغْنامِ بَنِي كَلْبٍ» . والخَصْلَةُ الرّابِعَةُ: حُصُولُ المَغْفِرَةِ، قالَ ﷺ: «إنَّ اللَّهَ تَعالى يَغْفِرُ لِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ في تِلْكَ اللَّيْلَةِ، إلّا لِكاهِنٍ، أوْ مُشاحِنٍ، أوْ مُدْمِنِ خَمْرٍ، أوْ عاقٍّ لِلْوالِدَيْنِ، أوْ مُصِرٍّ عَلى الزِّنا» . والخَصْلَةُ الخامِسَةُ: أنَّهُ تَعالى أعْطى رَسُولَهُ في هَذِهِ اللَّيْلَةِ تَمامَ الشَّفاعَةِ، وذَلِكَ أنَّهُ سَألَ لَيْلَةَ الثّالِثَ عَشَرَ مِن شَعْبانَ في أُمَّتِهِ فَأُعْطِيَ الثُّلُثَ مِنها، ثُمَّ سَألَ لَيْلَةَ الرّابِعَ عَشَرَ فَأُعْطِيَ الثُّلُثَيْنِ، ثُمَّ سَألَ لَيْلَةَ الخامِسَ عَشَرَ فَأُعْطِيَ الجَمِيعَ إلّا مَن شَرَدَ عَلى اللَّهِ شِرادَ البَعِيرِ. هَذا الفَصْلُ نَقَلْتُهُ مِنَ “ الكَشّافِ “، فَإنْ قِيلَ: لا شَكَّ أنَّ الزَّمانَ عِبارَةٌ عَنِ المُدَّةِ المُمْتَدَّةِ الَّتِي تَقْدِيرُها حَرَكاتُ الأفْلاكِ والكَواكِبِ، وأنَّهُ في ذاتِهِ أمْرٌ مُتَشابِهُ الأجْزاءِ فَيَمْتَنِعُ كَوْنُ بَعْضِها أفْضَلَ مِن بَعْضٍ، والمَكانُ عِبارَةٌ عَنِ الفَضاءِ المُمْتَدِّ والخَلاءِ الخالِي، فَيَمْتَنِعُ كَوْنُ بَعْضِ أجْزائِهِ أشْرَفَ مِنَ البَعْضِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ تَخْصِيصُ بَعْضِ أجْزائِهِ بِمَزِيدِ الشَّرَفِ دُونَ الباقِي تَرْجِيحًا لِأحَدِ طَرَفَيِ المُمْكِنِ عَلى الآخَرِ لا لِمُرَجِّحٍ وإنَّهُ مُحالٌ، قُلْنا: القَوْلُ بِإثْباتِ حُدُوثِ العالَمِ وإثْباتِ أنَّ فاعِلَهُ فاعِلٌ مُخْتارٌ بِناءً عَلى هَذا الحَرْفِ وهو أنَّهُ لا يَبْعُدُ مِنَ الفاعِلِ المُخْتارِ تَخْصِيصُ وقْتٍ مُعَيَّنٍ بِإحْداثِ العالَمِ فِيهِ دُونَ ما قَبْلَهُ وما بَعْدَهُ، فَإنْ بَطَلَ هَذا الأصْلُ فَقَدْ بَطَلَ حُدُوثُ العالَمِ وبَطَلَ الفاعِلُ المُخْتارُ، وحِينَئِذٍ لا يَكُونُ الخَوْضُ في تَفْسِيرِ القُرْآنِ فائِدَةً، وإنْ صَحَّ هَذا الأصْلُ فَقَدْ زالَ ما ذَكَرْتُمْ مِنَ السُّؤالِ، فَهَذا هو الجَوابُ المُعْتَمَدُ، والنّاسُ قالُوا: لا يَبْعُدُ أنْ يَخُصَّ اللَّهُ تَعالى بَعْضَ الأوْقاتِ بِمَزِيدِ تَشْرِيفٍ حَتّى يَصِيرَ ذَلِكَ داعِيًا لِلْمُكَلَّفِ إلى الإقْدامِ عَلى الطّاعاتِ في ذَلِكَ الوَقْتِ، ولِهَذا السَّبَبِ بَيَّنَ أنَّهُ تَعالى أخْفاهُ في الأوْقاتِ وما عَيَّنَهُ لِأنَّهُ إنْ لَمْ يَكُنْ مُعَيَّنًا جَوَّزَ المُكَلَّفُ في كُلِّ وقْتٍ مُعَيَّنٍ أنْ يَكُونَ هو ذَلِكَ الوَقْتَ الشَّرِيفَ، فَيَصِيرُ ذَلِكَ حامِلًا لَهُ عَلى المُواظَبَةِ عَلى الطّاعاتِ في كُلِّ الأوْقاتِ، وإذا وقَعْتَ عَلى هَذا الحَرْفِ ظَهَرَ عِنْدَكَ أنَّ الزَّمانَ والمَكانَ إنَّما فازا بِالتَّشْرِيفاتِ الزّائِدَةِ تَبَعًا لِشَرَفِ الإنْسانِ فَهو الأصْلُ وكُلُّ ما سِواهُ فَهو تَبَعٌ لَهُ، واللَّهُ أعْلَمُ. صفحة ٢٠٥ المَسْألَةُ السّادِسَةُ: رُوِيَ أنَّ عَطِيَّةَ الحَرُورِيَّ سَألَ ابْنَ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما عَنْ قَوْلِهِ: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ﴾ [القدر: ١] وقَوْلِهِ: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ﴾ كَيْفَ يَصِحُّ ذَلِكَ مَعَ أنَّ اللَّهَ تَعالى أنْزَلَ القُرْآنَ في جَمِيعِ الشُّهُورِ ؟ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: يا ابْنَ الأسْوَدِ، لَوْ هَلَكْتُ أنا ووَقَعَ هَذا في نَفْسِكَ ولَمْ تَجِدْ جَوابَهُ هَلَكْتَ، نَزَلَ القُرْآنُ جُمْلَةً مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ إلى البَيْتِ المَعْمُورِ، وهو في السَّماءِ الدُّنْيا، ثُمَّ نَزَلَ بَعْدَ ذَلِكَ في أنْواعِ الوَقائِعِ حالًا فَحالًا، واللَّهُ أعْلَمُ. * * * المَسْألَةُ السّابِعَةُ: في بَيانِ نَظْمِ هَذِهِ الآياتِ: اعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِنها تَعْظِيمُ القُرْآنِ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: أحَدُها: بَيانُ تَعْظِيمِ القُرْآنِ بِحَسَبِ ذاتِهِ. الثّانِي: بَيانُ تَعْظِيمِهِ بِسَبَبِ شَرَفِ الوَقْتِ الَّذِي نَزَلَ فِيهِ. والثّالِثُ: بَيانُ تَعْظِيمِهِ بِحَسَبِ شَرَفِ مَنزِلَتِهِ. أمّا بَيانُ تَعْظِيمِهِ بِحَسَبِ ذاتِهِ فَمِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ تَعالى أقْسَمَ بِهِ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى شَرَفِهِ. وثانِيها: أنَّهُ تَعالى أقْسَمَ بِهِ عَلى كَوْنِهِ نازِلًا في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ القَسَمَ بِالشَّيْءِ عَلى حالَةٍ مِن أحْوالِ نَفْسِهِ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ في غايَةِ الشَّرَفِ. وثالِثُها: أنَّهُ تَعالى وصَفَهُ بِكَوْنِهِ مُبِينًا، وذَلِكَ يَدُلُّ أيْضًا عَلى شَرَفِهِ في ذاتِهِ. وأمّا النَّوْعُ الثّانِي: وهو بَيانُ شَرَفِهِ لِأجْلِ شَرَفِ الوَقْتِ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ فَهو قَوْلُهُ: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ﴾، وهَذا تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ نُزُولَهُ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ يَقْتَضِي شَرَفَهُ وجَلالَتَهُ، ثُمَّ نَقُولُ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ﴾ يَقْتَضِي أمْرَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ تَعالى أنْزَلَهُ، والثّانِي: كَوْنُ تِلْكَ اللَّيْلَةِ مُبارَكَةً، فَذَكَرَ تَعالى عَقِيبَ هَذِهِ الكَلِمَةِ ما يَجْرِي مَجْرى البَيانِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما، أمّا بَيانُ أنَّهُ تَعالى لِمَ أنْزَلَهُ فَهو قَوْلُهُ: ﴿إنّا كُنّا مُنْذِرِينَ﴾ يَعْنِي الحِكْمَةَ في إنْزالِ هَذِهِ السُّورَةِ أنَّ إنْذارَ الخَلْقِ لا يَتِمُّ إلّا بِهِ، وأمّا بَيانُ أنَّ هَذِهِ اللَّيْلَةَ لَيْلَةٌ مُبارَكَةٌ فَهو أمْرانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ تَعالى يَفْرِقُ فِيها كُلَّ أمْرٍ حَكِيمٍ، والثّانِي: أنَّ ذَلِكَ الأمْرَ الحَكِيمَ مَخْصُوصٌ بِشَرَفِ أنَّهُ إنَّما يَظْهَرُ مِن عِنْدِهِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿أمْرًا مِن عِنْدِنا﴾ . وأمّا النَّوْعُ الثّالِثُ: فَهو بَيانُ شَرَفِ القُرْآنِ لِشَرَفِ مَنزِلِهِ وذَلِكَ هو قَوْلُهُ: ﴿إنّا كُنّا مُرْسِلِينَ﴾ فَبَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ الإنْذارَ والإرْسالَ إنَّما حَصَلَ مِنَ اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ الإرْسالَ إنَّما كانَ لِأجْلِ تَكْمِيلِ الرَّحْمَةِ وهو قَوْلُهُ: ﴿رَحْمَةً مِن رَبِّكَ﴾، وكانَ الواجِبُ أنْ يُقالَ: رَحْمَةً مِنّا إلّا أنَّهُ وضَعَ الظّاهِرَ مَوْضِعَ المُضْمَرِ إيذانًا بِأنَّ الرُّبُوبِيَّةَ تَقْتَضِي الرَّحْمَةَ عَلى المَرْبُوبِينَ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ تِلْكَ الرَّحْمَةَ وقَعَتْ عَلى وفْقِ حاجاتِ المُحْتاجِينَ لِأنَّهُ تَعالى يَسْمَعُ تَضَرُّعاتِهِمْ، ويَعْلَمُ أنْواعَ حاجاتِهِمْ، فَلِهَذا قالَ: ﴿إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ فَهَذا ما خَطَرَ بِالبالِ في كَيْفِيَّةِ تَعَلُّقِ بَعْضِ هَذِهِ الآياتِ بِبَعْضٍ. المَسْألَةُ الثّامِنَةُ: في تَفْسِيرِ مُفْرَداتِ هَذِهِ الألْفاظِ: أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ﴾ فَقَدْ قِيلَ فِيهِ: إنَّهُ تَعالى أنْزَلَ كُلِّيَّةَ القُرْآنِ مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ إلى سَماءِ الدُّنْيا في هَذِهِ اللَّيْلَةِ، ثُمَّ أنْزَلَ في كُلِّ وقْتٍ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ المُكَلَّفُ، وقِيلَ: يَبْدَأُ في اسْتِنْساخِ ذَلِكَ مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ في لَيْلَةِ البَراءَةِ، ويَقَعُ الفَراغُ في لَيْلَةِ القَدْرِ، فَتُدْفَعُ نُسْخَةُ الأرْزاقِ إلى مِيكائِيلَ، ونُسْخَةُ الحُرُوبِ إلى جِبْرائِيلَ، وكَذَلِكَ الزَّلازِلِ والصَّواعِقِ والخَسْفِ، ونُسْخَةُ الأعْمالِ إلى إسْماعِيلَ صاحِبِ سَماءِ الدُّنْيا وهو مَلَكٌ عَظِيمٌ، ونُسْخَةُ المَصائِبِ إلى مَلَكِ المَوْتِ. صفحة ٢٠٦ أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِيها يُفْرَقُ﴾ أيْ في تِلْكَ اللَّيْلَةِ المُبارَكَةِ يُفْرَقُ أيْ يُفَصَّلُ ويُبَيَّنُ مِن قَوْلِهِمْ: فَرَقْتُ الشَّيْءَ أفْرُقُهُ فَرْقًا وفُرْقانًا، قالَ صاحِبُ “ الكَشّافِ “: وقُرِئَ يُفَرِّقُ بِالتَّشْدِيدِ، ويَفْرُقُ عَلى إسْنادِ الفِعْلِ إلى الفاعِلِ ونَصْبِ كُلٍّ، والفارِقُ هو اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ نُفَرِّقُ بِالنُّونِ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ﴾، فالحَكِيمُ مَعْناهُ ذُو الحِكْمَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ تَخْصِيصَ اللَّهِ تَعالى كُلَّ أحَدٍ بِحالَةٍ مُعَيَّنَةٍ مِنَ العُمُرِ والرِّزْقِ والأجْلِ والسَّعادَةِ والشَّقاوَةِ يَدُلُّ عَلى حِكْمَةٍ بالِغَةٍ لِلَّهِ تَعالى، فَلَمّا كانَتْ تِلْكَ الأفْعالُ والأقْضِيَةُ دالَّةً عَلى حِكْمَةِ فاعِلِها وُصِفَتْ بِكَوْنِها حَكِيمَةً، وهَذا مِنَ الإسْنادِ المَجازِيِّ، لِأنَّ الحَكِيمَ صِفَةُ صاحِبِ الأمْرِ عَلى الحَقِيقَةِ، ووَصْفُ الأمْرِ بِهِ مَجازٌ، ثُمَّ قالَ: ﴿أمْرًا مِن عِنْدِنا﴾، وفي انْتِصابِ قَوْلِهِ: ﴿أمْرًا﴾ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ نُصِبَ عَلى الِاخْتِصاصِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ شَرَفَ تِلْكَ الأقْضِيَةِ والأحْكامِ بِسَبَبِ أنْ وصَفَها بِكَوْنِها حَكِيمَةً، ثُمَّ زادَ في بَيانِ شَرَفِها بِأنْ قالَ: أعْنِي بِهَذا الأمْرِ أمْرًا حاصِلًا مِن عِنْدِنا كائِنًا مِن لَدُنّا، وكَما اقْتَضاهُ عِلْمُنا وتَدْبِيرُنا. والثّانِي: أنَّهُ نُصِبَ عَلى الحالِ، وفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ حالًا مِن أحَدِ الضَّمِيرَيْنِ في ﴿أنْزَلْناهُ﴾، إمّا مِن ضَمِيرِ الفاعِلِ أيْ: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ﴾ آمِرِينَ أمْرًا، أوْ مِن ضَمِيرِ المَفْعُولِ أيْ: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ﴾ في حالِ كَوْنِهِ أمْرًا مِن عِنْدِنا بِما يَجِبُ أنْ يَفْعَلَ. والثّالِثُ: ما حَكاهُ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ عَنْ أبِي الحَسَنِ رَحِمَهُما اللَّهُ: أنَّهُ حَمَلَ قَوْلَهُ: ﴿أمْرًا﴾ عَلى الحالِ، وذُو الحالِ قَوْلُهُ: ﴿كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ﴾، وهو نَكِرَةٌ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿إنّا كُنّا مُرْسِلِينَ﴾ يَعْنِي: إنّا إنَّما فَعَلْنا ذَلِكَ الإنْذارَ لِأجَلِ (إنّا كُنّا مُرْسِلِينَ) يَعْنِي الأنْبِياءَ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿رَحْمَةً مِن رَبِّكَ﴾ أيْ لِلرَّحْمَةِ، فَهي نَصْبٌ عَلى أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لَهُ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ يَعْنِي أنَّ تِلْكَ الرَّحْمَةَ كانَتْ رَحْمَةً في الحَقِيقَةِ لِأنَّ المُحْتاجِينَ إمّا أنْ يَذْكُرُوا بِألْسِنَتِهِمْ حاجاتِهِمْ، وإمّا أنْ لا يَذْكُرُوها، فَإنْ ذَكَرُوها فَهو تَعالى يَسْمَعُ كَلامَهم فَيَعْرِفُ حاجاتِهِمْ، وإنْ لَمْ يَذْكُرُوها فَهو تَعالى عالِمٌ بِها، فَثَبَتَ أنَّ كَوْنَهُ (سَمِيعًا عَلِيمًا) يَقْتَضِي أنْ يُنْزِلَ رَحْمَتَهُ عَلَيْهِمْ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾، وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِكَسْرِ الباءِ مِن رَبٍّ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿رَحْمَةً مِن رَبِّكَ﴾ والباقُونَ بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿هُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المَقْصُودُ مِن هَذِهِ الآيَةِ أنَّ المُنَزِّلَ إذا كانَ مَوْصُوفًا بِهَذِهِ الجَلالَةِ والكِبْرِياءِ كانَ المُنْزَّلُ الَّذِي هو القُرْآنُ في غايَةِ الشَّرَفِ والرِّفْعَةِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الفائِدَةُ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: مَعْناهُ إنْ كُنْتُمْ تَطْلُبُونَ اليَقِينَ وتُرِيدُونَهُ، فاعْرِفُوا أنَّ الأمْرَ كَما قُلْنا، كَقَوْلِهِمْ: فُلانٌ مُنْجِدٌ مُتْهِمٌ أيْ يُرِيدُ نَجْدًا وتِهامَةَ. الثّانِي: قالَ صاحِبُ “ الكَشّافِ “ كانُوا يُقِرُّونَ بِأنَّ لِلسَّماواتِ والأرْضِ رَبًّا وخالِقًا، فَقِيلَ لَهم: إنَّ إرْسالَ الرُّسُلِ وإنْزالَ الكُتُبِ رَحْمَةٌ مِنَ الرَّبِّ سُبْحانَهُ وتَعالى، ثُمَّ قِيلَ: إنَّ هَذا هو السَّمِيعُ العَلِيمُ الَّذِي أنْتُمْ مُقِرُّونَ بِهِ ومُعْتَرِفُونَ بِأنَّهُ رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما إنْ كانَ إقْرارُكم عَنْ عِلْمٍ ويَقِينٍ، كَما تَقُولُ: هَذا إنْعامُ زَيْدٍ الَّذِي تَسامَعَ النّاسُ بِكَرَمِهِ إنْ بَلَغَكَ حَدِيثُهُ وسَمِعْتَ قِصَّتَهُ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى رَدَّ أنْ يَكُونُوا مُوقِنِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿بَلْ هم في شَكٍّ يَلْعَبُونَ﴾، وأنَّ إقْرارَهم غَيْرُ صادِرٍ عَنْ عِلْمٍ ويَقِينٍ ولا عَنْ جَدٍّ وحَقِيقَةٍ، بَلْ قَوْلٌ مَخْلُوطٌ بِهُزْءٍ ولَعِبٍ، واللَّهُ أعْلَمُ.

الدخان 44:9

صفحة ٢٠٢ (سُورَةُ الدُّخانِ) خَمْسُونَ وتِسْعُ آياتٍ مَكِّيَّةٍ إلّا قَوْلَهُ: ﴿إنّا كاشِفُوا العَذابِ﴾ ﷽ ﴿حم﴾ ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إنّا كُنّا مُنْذِرِينَ﴾ ﴿فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ﴾ ﴿أمْرًا مِن عِنْدِنا إنّا كُنّا مُرْسِلِينَ﴾ ﴿رَحْمَةً مِن رَبِّكَ إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ ﴿رَبِّ السَّمَواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ ﴿لا إلَهَ إلّا هو يُحْيِي ويُمِيتُ رَبُّكم ورَبُّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿بَلْ هم في شَكٍّ يَلْعَبُونَ﴾ ﷽ ﴿حم﴾ ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إنّا كُنّا مُنْذِرِينَ﴾ ﴿فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ﴾ ﴿أمْرًا مِن عِنْدِنا إنّا كُنّا مُرْسِلِينَ﴾ ﴿رَحْمَةً مِن رَبِّكَ إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ ﴿رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ ﴿لا إلَهَ إلّا هو يُحْيِي ويُمِيتُ رَبُّكم ورَبُّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿بَلْ هم في شَكٍّ يَلْعَبُونَ﴾، وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: في قَوْلِهِ: ﴿حم﴾ ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ وُجُوهٌ مِنَ الِاحْتِمالاتِ: أوَّلُها: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: هَذِهِ ﴿حم﴾ ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ كَقَوْلِكَ: هَذا زَيْدٌ واللَّهِ. وثانِيها: أنْ يَكُونَ الكَلامُ قَدْ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿حم﴾، ثُمَّ يُقالُ ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ ﴿إنّا أنْزَلْناهُ﴾ . وثالِثُها: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: وحم، والكِتابِ المُبِينِ، إنّا أنْزَلْناهُ، فَيَكُونُ ذَلِكَ في التَّقْدِيرِ قَسَمَيْنِ عَلى شَيْءٍ واحِدٍ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالُوا: هَذا يَدُلُّ عَلى حُدُوثِ القُرْآنِ لِوُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿حم﴾ تَقْدِيرُهُ: هَذِهِ حم، يَعْنِي هَذا شَيْءٌ مُؤَلَّفٌ مِن هَذِهِ الحُرُوفِ، والمُؤَلَّفُ مِنَ الحُرُوفِ المُتَعاقِبَةِ مُحْدَثٌ. الثّانِي: أنَّهُ ثَبَتَ أنَّ الحَلِفَ لا يَصِحُّ بِهَذِهِ الأشْياءِ بَلْ بِإلَهِ هَذِهِ الأشْياءِ، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: ورَبِّ حم ورَبِّ الكِتابِ المُبِينِ، وكُلُّ مَن كانَ مَرْبُوبًا فَهو مُحْدَثٌ. الثّالِثُ: أنَّهُ وصَفَهُ بِكَوْنِهِ كِتابًا، والكِتابُ مُشْتَقٌّ مِنَ الجَمْعِ، فَمَعْناهُ أنَّهُ مَجْمُوعٌ والمَجْمُوعُ مَحَلُّ تَصَرُّفِ الغَيْرِ، وما كانَ كَذَلِكَ فَهو مُحْدَثٌ. الرّابِعُ: قَوْلُهُ: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ﴾ والمُنْزَلُ مَحَلُّ تَصَرُّفِ صفحة ٢٠٣ الغَيْرِ، وما كانَ كَذَلِكَ فَهو مُحْدَثٌ، وقَدْ ذَكَرْنا مِرارًا أنَّ جَمِيعَ هَذِهِ الدَّلائِلِ تَدُلُّ عَلى أنَّ الشَّيْءَ المُرَكَّبَ مِنَ الحُرُوفِ المُتَعاقِبَةِ والأصْواتِ المُتَوالِيَةِ مُحْدَثٌ، والعِلْمُ بِذَلِكَ ضَرُورِيٌّ بَدِيهِيٌّ، لا يُنازِعُ فِيهِ إلّا مَن كانَ عَدِيمَ العَقْلِ وكانَ غَيْرَ عارِفٍ بِمَعْنى القَدِيمِ والمُحْدَثِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَكَيْفَ يُنازِعُ في صِحَّةِ هَذِهِ الدَّلائِلِ ؟ إنَّما الَّذِي ثَبَتَ قِدَمُهُ شَيْءٌ آخَرُ سِوى ما تَرَكَّبَ مِن هَذِهِ الحُرُوفِ والأصْواتِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالكِتابِ هَهُنا الكُتُبَ المُتَقَدِّمَةَ الَّتِي أنْزَلَها اللَّهُ عَلى أنْبِيائِهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿لَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلَنا بِالبَيِّناتِ وأنْزَلْنا مَعَهُمُ الكِتابَ والمِيزانَ﴾ [الحديد: ٢٥]، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ اللَّوْحَ المَحْفُوظَ، كَما قالَ: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ وعِنْدَهُ أُمُّ الكِتابِ﴾ [الرعد: ٣٩]، وقالَ: ﴿وإنَّهُ في أُمِّ الكِتابِ لَدَيْنا﴾ [الزخرف: ٤]، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ القُرْآنَ، وبِهَذا التَّقْدِيرِ فَقَدْ أقْسَمَ بِالقُرْآنِ عَلى أنَّهُ أنْزَلَ القُرْآنَ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ، وهَذا النَّوْعُ مِنَ الكَلامِ يَدُلُّ عَلى غايَةِ تَعْظِيمِ القُرْآنِ، فَقَدْ يَقُولُ الرَّجُلُ إذا أرادَ تَعْظِيمَ رَجُلٍ لَهُ حاجَةٌ إلَيْهِ: أسْتَشْفِعُ بِكَ إلَيْكَ وأُقْسِمُ بِحَقِّكَ عَلَيْكَ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: ﴿المُبِينِ﴾ هو المُشْتَمِلُ عَلى بَيانِ ما بِالنّاسِ حاجَةً إلَيْهِ في دِينِهِمْ ودُنْياهم، فَوَصَفَهُ بِكَوْنِهِ مُبِينًا، وإنْ كانَتْ حَقِيقَةُ الإبانَةِ لِلَّهِ تَعالى، لِأجْلِ أنَّ الإبانَةَ حَصَلَتْ بِهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ﴾ [النمل: ٧٦]، وقالَ في آيَةٍ أُخْرى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أحْسَنَ القَصَصِ﴾ [يوسف: ٣]، وقالَ: ﴿أمْ أنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطانًا فَهو يَتَكَلَّمُ بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾ [الروم: ٣٥] فَوَصَفَهُ بِالتَّكَلُّمِ إذْ كانَ غايَةً في الإبانَةِ، فَكَأنَّهُ ذُو لِسانٍ يَنْطِقُ، والمَعْنى فِيهِ المُبالَغَةُ في وصْفِهِ بِهَذا المَعْنى. المَسْألَةُ الخامِسَةُ: اخْتَلَفُوا في هَذِهِ اللَّيْلَةِ المُبارَكَةِ، فَقالَ الأكْثَرُونَ: إنَّها لَيْلَةُ القَدْرِ، وقالَ عِكْرِمَةُ وطائِفَةٌ آخَرُونَ: إنَّها لَيْلَةُ البَراءَةِ، وهي لَيْلَةُ النِّصْفِ مِن شَعْبانَ، أمّا الأوَّلُونَ فَقَدِ احْتَجُّوا عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِمْ بِوُجُوهٍ: أوَّلُها: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ﴾ [القدر: ١]، وهَهُنا قالَ: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ﴾ فَوَجَبَ أنْ تَكُونَ هَذِهِ اللَّيْلَةُ المُبارَكَةُ هي تِلْكَ المُسَمّاةُ بِلَيْلَةِ القَدْرِ، لِئَلّا يَلْزَمَ التَّناقُضُ. وثانِيها: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ القُرْآنُ﴾ [البقرة: ١٨٥]، فَبَيَّنَ أنَّ إنْزالَ القُرْآنِ إنَّما وقَعَ في شَهْرِ رَمَضانَ، وقالَ هَهُنا: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ﴾ فَوَجَبَ أنْ تَكُونَ هَذِهِ اللَّيْلَةُ المُبارَكَةُ واقِعَةً في شَهْرِ رَمَضانَ، وكُلُّ مَن قالَ: إنَّ هَذِهِ اللَّيْلَةَ المُبارَكَةَ واقِعَةٌ في شَهْرِ رَمَضانَ قالَ: إنَّها لَيْلَةُ القَدْرِ، فَثَبَتَ أنَّها لَيْلَةُ القَدْرِ. وثالِثُها: أنَّهُ تَعالى قالَ في صِفَةِ لَيْلَةِ القَدْرِ: ﴿تَنَزَّلُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ فِيها بِإذْنِ رَبِّهِمْ مِن كُلِّ أمْرٍ﴾ ﴿سَلامٌ هِيَ﴾ [القدر: ٤، ٥]، وقالَ أيْضًا هَهُنا ﴿فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ﴾ وهَذا مُناسِبٌ لِقَوْلِهِ: ﴿تَنَزَّلُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ فِيها﴾ [القدر: ٤]، وهَهُنا قالَ: ﴿أمْرًا مِن عِنْدِنا﴾، وقالَ في تِلْكَ الآيَةِ: ﴿بِإذْنِ رَبِّهِمْ مِن كُلِّ أمْرٍ﴾ [القدر: ٤]، وقالَ هَهُنا ﴿رَحْمَةً مِن رَبِّكَ﴾، وقالَ في تِلْكَ الآيَةِ: ﴿سَلامٌ هِيَ﴾ [القدر: ٥]، وإذا تَقارَبَتِ الأوْصافُ وجَبَ القَوْلُ بِأنَّ إحْدى اللَّيْلَتَيْنِ هي الأُخْرى. ورابِعُها: نَقَلَ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ في “ تَفْسِيرِهِ “ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قالَ: نَزَلَتْ صُحُفُ إبْراهِيمَ في أوَّلِ لَيْلَةٍ مِن رَمَضانَ، والتَّوْراةُ لِسِتِّ لَيالٍ مِنهُ، والزَّبُورُ لِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ لَيْلَةً مَضَتْ مِنهُ، والإنْجِيلُ لِثَمانِ عَشْرَةَ لَيْلَةً مَضَتْ مِنهُ، والقُرْآنُ لِأرْبَعٍ وعِشْرِينَ لَيْلَةً مَضَتْ مِن رَمَضانَ، واللَّيْلَةُ المُبارَكَةُ هي لَيْلَةُ القَدْرِ. وخامِسُها: أنَّ لَيْلَةَ القَدْرِ إنَّما سُمِّيَتْ بِهَذا الِاسْمِ؛ لِأنَّ قَدْرَها وشَرَفَها عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ لَيْسَ قَدْرُها وشَرَفُها لِسَبَبِ ذَلِكَ الزَّمانِ، لِأنَّ الزَّمانَ شَيْءٌ واحِدٌ في الذّاتِ والصِّفاتِ، فَيَمْتَنِعُ كَوْنُ بَعْضِهِ أشْرَفَ مِن بَعْضٍ لِذاتِهِ، فَثَبَتَ أنَّ شَرَفَهُ وقَدْرَهُ بِسَبَبِ أنَّهُ حَصَلَ فِيهِ أُمُورٌ شَرِيفَةٌ عالِيَةٌ، لَها قَدْرٌ عَظِيمٌ ومَرْتَبَةٌ رَفِيعَةٌ، ومَعْلُومٌ أنَّ صفحة ٢٠٤ مَنصِبَ الدِّينِ أعْلى وأعْظَمُ مِن مَنصِبِ الدُّنْيا، وأعْلى الأشْياءِ وأشْرَفُها مَنصِبًا في الدِّينِ هو القُرْآنُ، لِأجْلِ أنَّ بِهِ ثَبَتَتْ نُبُوَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وبِهِ ظَهَرَ الفَرْقُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ في سائِرِ كُتُبِ اللَّهِ المُنَزَّلَةِ، كَما قالَ في صِفَتِهِ: (﴿ومُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤٨]، وبِهِ ظَهَرَتْ دَرَجاتُ أرْبابِ السَّعاداتِ، ودَرَكاتُ أرْبابِ الشَّقاواتِ، فَعَلى هَذا لا شَيْءَ إلّا والقُرْآنُ أعْظَمُ قَدْرًا وأعْلى ذِكْرًا وأعْظَمُ مَنصِبًا مِنهُ، فَلَوْ كانَ نُزُولُهُ إنَّما وقَعَ في لَيْلَةٍ أُخْرى سِوى لَيْلَةِ القَدْرِ لَكانَتْ لَيْلَةُ القَدْرِ هي هَذِهِ الثّانِيَةُ لا الأُولى، وحَيْثُ أطْبَقُوا عَلى أنَّ لَيْلَةَ القَدْرِ الَّتِي وقَعَتْ في رَمَضانَ، عَلِمْنا أنَّ القُرْآنَ إنَّما أُنْزِلَ في تِلْكَ اللَّيْلَةِ. وأمّا القائِلُونَ بِأنَّ المُرادَ مِنَ اللَّيْلَةِ المُبارَكَةِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ الآيَةِ هي لَيْلَةُ النِّصْفِ مِن شَعْبانَ، فَما رَأيْتُ لَهم فِيهِ دَلِيلًا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، وإنَّما قَنِعُوا فِيهِ بِأنْ نَقَلُوهُ عَنْ بَعْضِ النّاسِ، فَإنْ صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيهِ كَلامٌ فَلا مَزِيدَ عَلَيْهِ، وإلّا فالحَقُّ هو الأوَّلُ، ثُمَّ إنَّ هَؤُلاءِ القائِلِينَ بِهَذا القَوْلِ زَعَمُوا أنَّ لَيْلَةَ النِّصْفِ مِن شَعْبانَ لَها أرْبَعَةُ أسْماءَ: اللَّيْلَةُ المُبارَكَةُ، ولَيْلَةُ البَراءَةِ، ولَيْلَةُ الصَّكِّ، ولَيْلَةُ الرَّحْمَةِ، وقِيلَ: إنَّما سُمِّيَتْ بِلَيْلَةِ البَراءَةِ ولَيْلَةِ الصَّكِّ، لِأنَّ البُنْدارَ إذا اسْتَوْفى الخَراجَ مِن أهْلِهِ كَتَبَ لَهُمُ البَراءَةَ، كَذَلِكَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ يَكْتُبُ لِعِبادِهِ المُؤْمِنِينَ البَراءَةَ في هَذِهِ اللَّيْلَةِ، وقِيلَ: هَذِهِ اللَّيْلَةُ مُخْتَصَّةٌ بِخَمْسِ خِصالٍ: الأُولى: تَفْرِيقُ كُلِّ أمْرٍ حَكِيمٍ فِيها، قالَ تَعالى: ﴿فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ﴾ . والثّانِيَةُ: فَضِيلَةُ العِبادَةِ فِيها، قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن صَلّى في هَذِهِ اللَّيْلَةِ مِائَةَ رَكْعَةٍ أرْسَلَ اللَّهُ إلَيْهِ مِائَةَ مَلَكٍ، ثَلاثُونَ يُبَشِّرُونَهُ بِالجَنَّةِ، وثَلاثُونَ يُؤَمِّنُونَهُ مِن عَذابِ النّارِ، وثَلاثُونَ يَدْفَعُونَ عَنْهُ آفاتِ الدُّنْيا، وعَشَرَةٌ يَدْفَعُونَ عَنْهُ مَكايِدَ الشَّيْطانِ» . الخَصْلَةُ الثّالِثَةُ: نُزُولُ الرَّحْمَةِ، قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «إنَّ اللَّهَ يَرْحَمُ أُمَّتِي في هَذِهِ اللَّيْلَةِ بِعَدَدِ شَعْرِ أغْنامِ بَنِي كَلْبٍ» . والخَصْلَةُ الرّابِعَةُ: حُصُولُ المَغْفِرَةِ، قالَ ﷺ: «إنَّ اللَّهَ تَعالى يَغْفِرُ لِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ في تِلْكَ اللَّيْلَةِ، إلّا لِكاهِنٍ، أوْ مُشاحِنٍ، أوْ مُدْمِنِ خَمْرٍ، أوْ عاقٍّ لِلْوالِدَيْنِ، أوْ مُصِرٍّ عَلى الزِّنا» . والخَصْلَةُ الخامِسَةُ: أنَّهُ تَعالى أعْطى رَسُولَهُ في هَذِهِ اللَّيْلَةِ تَمامَ الشَّفاعَةِ، وذَلِكَ أنَّهُ سَألَ لَيْلَةَ الثّالِثَ عَشَرَ مِن شَعْبانَ في أُمَّتِهِ فَأُعْطِيَ الثُّلُثَ مِنها، ثُمَّ سَألَ لَيْلَةَ الرّابِعَ عَشَرَ فَأُعْطِيَ الثُّلُثَيْنِ، ثُمَّ سَألَ لَيْلَةَ الخامِسَ عَشَرَ فَأُعْطِيَ الجَمِيعَ إلّا مَن شَرَدَ عَلى اللَّهِ شِرادَ البَعِيرِ. هَذا الفَصْلُ نَقَلْتُهُ مِنَ “ الكَشّافِ “، فَإنْ قِيلَ: لا شَكَّ أنَّ الزَّمانَ عِبارَةٌ عَنِ المُدَّةِ المُمْتَدَّةِ الَّتِي تَقْدِيرُها حَرَكاتُ الأفْلاكِ والكَواكِبِ، وأنَّهُ في ذاتِهِ أمْرٌ مُتَشابِهُ الأجْزاءِ فَيَمْتَنِعُ كَوْنُ بَعْضِها أفْضَلَ مِن بَعْضٍ، والمَكانُ عِبارَةٌ عَنِ الفَضاءِ المُمْتَدِّ والخَلاءِ الخالِي، فَيَمْتَنِعُ كَوْنُ بَعْضِ أجْزائِهِ أشْرَفَ مِنَ البَعْضِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ تَخْصِيصُ بَعْضِ أجْزائِهِ بِمَزِيدِ الشَّرَفِ دُونَ الباقِي تَرْجِيحًا لِأحَدِ طَرَفَيِ المُمْكِنِ عَلى الآخَرِ لا لِمُرَجِّحٍ وإنَّهُ مُحالٌ، قُلْنا: القَوْلُ بِإثْباتِ حُدُوثِ العالَمِ وإثْباتِ أنَّ فاعِلَهُ فاعِلٌ مُخْتارٌ بِناءً عَلى هَذا الحَرْفِ وهو أنَّهُ لا يَبْعُدُ مِنَ الفاعِلِ المُخْتارِ تَخْصِيصُ وقْتٍ مُعَيَّنٍ بِإحْداثِ العالَمِ فِيهِ دُونَ ما قَبْلَهُ وما بَعْدَهُ، فَإنْ بَطَلَ هَذا الأصْلُ فَقَدْ بَطَلَ حُدُوثُ العالَمِ وبَطَلَ الفاعِلُ المُخْتارُ، وحِينَئِذٍ لا يَكُونُ الخَوْضُ في تَفْسِيرِ القُرْآنِ فائِدَةً، وإنْ صَحَّ هَذا الأصْلُ فَقَدْ زالَ ما ذَكَرْتُمْ مِنَ السُّؤالِ، فَهَذا هو الجَوابُ المُعْتَمَدُ، والنّاسُ قالُوا: لا يَبْعُدُ أنْ يَخُصَّ اللَّهُ تَعالى بَعْضَ الأوْقاتِ بِمَزِيدِ تَشْرِيفٍ حَتّى يَصِيرَ ذَلِكَ داعِيًا لِلْمُكَلَّفِ إلى الإقْدامِ عَلى الطّاعاتِ في ذَلِكَ الوَقْتِ، ولِهَذا السَّبَبِ بَيَّنَ أنَّهُ تَعالى أخْفاهُ في الأوْقاتِ وما عَيَّنَهُ لِأنَّهُ إنْ لَمْ يَكُنْ مُعَيَّنًا جَوَّزَ المُكَلَّفُ في كُلِّ وقْتٍ مُعَيَّنٍ أنْ يَكُونَ هو ذَلِكَ الوَقْتَ الشَّرِيفَ، فَيَصِيرُ ذَلِكَ حامِلًا لَهُ عَلى المُواظَبَةِ عَلى الطّاعاتِ في كُلِّ الأوْقاتِ، وإذا وقَعْتَ عَلى هَذا الحَرْفِ ظَهَرَ عِنْدَكَ أنَّ الزَّمانَ والمَكانَ إنَّما فازا بِالتَّشْرِيفاتِ الزّائِدَةِ تَبَعًا لِشَرَفِ الإنْسانِ فَهو الأصْلُ وكُلُّ ما سِواهُ فَهو تَبَعٌ لَهُ، واللَّهُ أعْلَمُ. صفحة ٢٠٥ المَسْألَةُ السّادِسَةُ: رُوِيَ أنَّ عَطِيَّةَ الحَرُورِيَّ سَألَ ابْنَ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما عَنْ قَوْلِهِ: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ﴾ [القدر: ١] وقَوْلِهِ: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ﴾ كَيْفَ يَصِحُّ ذَلِكَ مَعَ أنَّ اللَّهَ تَعالى أنْزَلَ القُرْآنَ في جَمِيعِ الشُّهُورِ ؟ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: يا ابْنَ الأسْوَدِ، لَوْ هَلَكْتُ أنا ووَقَعَ هَذا في نَفْسِكَ ولَمْ تَجِدْ جَوابَهُ هَلَكْتَ، نَزَلَ القُرْآنُ جُمْلَةً مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ إلى البَيْتِ المَعْمُورِ، وهو في السَّماءِ الدُّنْيا، ثُمَّ نَزَلَ بَعْدَ ذَلِكَ في أنْواعِ الوَقائِعِ حالًا فَحالًا، واللَّهُ أعْلَمُ. * * * المَسْألَةُ السّابِعَةُ: في بَيانِ نَظْمِ هَذِهِ الآياتِ: اعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِنها تَعْظِيمُ القُرْآنِ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: أحَدُها: بَيانُ تَعْظِيمِ القُرْآنِ بِحَسَبِ ذاتِهِ. الثّانِي: بَيانُ تَعْظِيمِهِ بِسَبَبِ شَرَفِ الوَقْتِ الَّذِي نَزَلَ فِيهِ. والثّالِثُ: بَيانُ تَعْظِيمِهِ بِحَسَبِ شَرَفِ مَنزِلَتِهِ. أمّا بَيانُ تَعْظِيمِهِ بِحَسَبِ ذاتِهِ فَمِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ تَعالى أقْسَمَ بِهِ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى شَرَفِهِ. وثانِيها: أنَّهُ تَعالى أقْسَمَ بِهِ عَلى كَوْنِهِ نازِلًا في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ القَسَمَ بِالشَّيْءِ عَلى حالَةٍ مِن أحْوالِ نَفْسِهِ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ في غايَةِ الشَّرَفِ. وثالِثُها: أنَّهُ تَعالى وصَفَهُ بِكَوْنِهِ مُبِينًا، وذَلِكَ يَدُلُّ أيْضًا عَلى شَرَفِهِ في ذاتِهِ. وأمّا النَّوْعُ الثّانِي: وهو بَيانُ شَرَفِهِ لِأجْلِ شَرَفِ الوَقْتِ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ فَهو قَوْلُهُ: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ﴾، وهَذا تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ نُزُولَهُ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ يَقْتَضِي شَرَفَهُ وجَلالَتَهُ، ثُمَّ نَقُولُ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ﴾ يَقْتَضِي أمْرَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ تَعالى أنْزَلَهُ، والثّانِي: كَوْنُ تِلْكَ اللَّيْلَةِ مُبارَكَةً، فَذَكَرَ تَعالى عَقِيبَ هَذِهِ الكَلِمَةِ ما يَجْرِي مَجْرى البَيانِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما، أمّا بَيانُ أنَّهُ تَعالى لِمَ أنْزَلَهُ فَهو قَوْلُهُ: ﴿إنّا كُنّا مُنْذِرِينَ﴾ يَعْنِي الحِكْمَةَ في إنْزالِ هَذِهِ السُّورَةِ أنَّ إنْذارَ الخَلْقِ لا يَتِمُّ إلّا بِهِ، وأمّا بَيانُ أنَّ هَذِهِ اللَّيْلَةَ لَيْلَةٌ مُبارَكَةٌ فَهو أمْرانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ تَعالى يَفْرِقُ فِيها كُلَّ أمْرٍ حَكِيمٍ، والثّانِي: أنَّ ذَلِكَ الأمْرَ الحَكِيمَ مَخْصُوصٌ بِشَرَفِ أنَّهُ إنَّما يَظْهَرُ مِن عِنْدِهِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿أمْرًا مِن عِنْدِنا﴾ . وأمّا النَّوْعُ الثّالِثُ: فَهو بَيانُ شَرَفِ القُرْآنِ لِشَرَفِ مَنزِلِهِ وذَلِكَ هو قَوْلُهُ: ﴿إنّا كُنّا مُرْسِلِينَ﴾ فَبَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ الإنْذارَ والإرْسالَ إنَّما حَصَلَ مِنَ اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ الإرْسالَ إنَّما كانَ لِأجْلِ تَكْمِيلِ الرَّحْمَةِ وهو قَوْلُهُ: ﴿رَحْمَةً مِن رَبِّكَ﴾، وكانَ الواجِبُ أنْ يُقالَ: رَحْمَةً مِنّا إلّا أنَّهُ وضَعَ الظّاهِرَ مَوْضِعَ المُضْمَرِ إيذانًا بِأنَّ الرُّبُوبِيَّةَ تَقْتَضِي الرَّحْمَةَ عَلى المَرْبُوبِينَ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ تِلْكَ الرَّحْمَةَ وقَعَتْ عَلى وفْقِ حاجاتِ المُحْتاجِينَ لِأنَّهُ تَعالى يَسْمَعُ تَضَرُّعاتِهِمْ، ويَعْلَمُ أنْواعَ حاجاتِهِمْ، فَلِهَذا قالَ: ﴿إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ فَهَذا ما خَطَرَ بِالبالِ في كَيْفِيَّةِ تَعَلُّقِ بَعْضِ هَذِهِ الآياتِ بِبَعْضٍ. المَسْألَةُ الثّامِنَةُ: في تَفْسِيرِ مُفْرَداتِ هَذِهِ الألْفاظِ: أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ﴾ فَقَدْ قِيلَ فِيهِ: إنَّهُ تَعالى أنْزَلَ كُلِّيَّةَ القُرْآنِ مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ إلى سَماءِ الدُّنْيا في هَذِهِ اللَّيْلَةِ، ثُمَّ أنْزَلَ في كُلِّ وقْتٍ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ المُكَلَّفُ، وقِيلَ: يَبْدَأُ في اسْتِنْساخِ ذَلِكَ مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ في لَيْلَةِ البَراءَةِ، ويَقَعُ الفَراغُ في لَيْلَةِ القَدْرِ، فَتُدْفَعُ نُسْخَةُ الأرْزاقِ إلى مِيكائِيلَ، ونُسْخَةُ الحُرُوبِ إلى جِبْرائِيلَ، وكَذَلِكَ الزَّلازِلِ والصَّواعِقِ والخَسْفِ، ونُسْخَةُ الأعْمالِ إلى إسْماعِيلَ صاحِبِ سَماءِ الدُّنْيا وهو مَلَكٌ عَظِيمٌ، ونُسْخَةُ المَصائِبِ إلى مَلَكِ المَوْتِ. صفحة ٢٠٦ أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِيها يُفْرَقُ﴾ أيْ في تِلْكَ اللَّيْلَةِ المُبارَكَةِ يُفْرَقُ أيْ يُفَصَّلُ ويُبَيَّنُ مِن قَوْلِهِمْ: فَرَقْتُ الشَّيْءَ أفْرُقُهُ فَرْقًا وفُرْقانًا، قالَ صاحِبُ “ الكَشّافِ “: وقُرِئَ يُفَرِّقُ بِالتَّشْدِيدِ، ويَفْرُقُ عَلى إسْنادِ الفِعْلِ إلى الفاعِلِ ونَصْبِ كُلٍّ، والفارِقُ هو اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ نُفَرِّقُ بِالنُّونِ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ﴾، فالحَكِيمُ مَعْناهُ ذُو الحِكْمَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ تَخْصِيصَ اللَّهِ تَعالى كُلَّ أحَدٍ بِحالَةٍ مُعَيَّنَةٍ مِنَ العُمُرِ والرِّزْقِ والأجْلِ والسَّعادَةِ والشَّقاوَةِ يَدُلُّ عَلى حِكْمَةٍ بالِغَةٍ لِلَّهِ تَعالى، فَلَمّا كانَتْ تِلْكَ الأفْعالُ والأقْضِيَةُ دالَّةً عَلى حِكْمَةِ فاعِلِها وُصِفَتْ بِكَوْنِها حَكِيمَةً، وهَذا مِنَ الإسْنادِ المَجازِيِّ، لِأنَّ الحَكِيمَ صِفَةُ صاحِبِ الأمْرِ عَلى الحَقِيقَةِ، ووَصْفُ الأمْرِ بِهِ مَجازٌ، ثُمَّ قالَ: ﴿أمْرًا مِن عِنْدِنا﴾، وفي انْتِصابِ قَوْلِهِ: ﴿أمْرًا﴾ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ نُصِبَ عَلى الِاخْتِصاصِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ شَرَفَ تِلْكَ الأقْضِيَةِ والأحْكامِ بِسَبَبِ أنْ وصَفَها بِكَوْنِها حَكِيمَةً، ثُمَّ زادَ في بَيانِ شَرَفِها بِأنْ قالَ: أعْنِي بِهَذا الأمْرِ أمْرًا حاصِلًا مِن عِنْدِنا كائِنًا مِن لَدُنّا، وكَما اقْتَضاهُ عِلْمُنا وتَدْبِيرُنا. والثّانِي: أنَّهُ نُصِبَ عَلى الحالِ، وفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ حالًا مِن أحَدِ الضَّمِيرَيْنِ في ﴿أنْزَلْناهُ﴾، إمّا مِن ضَمِيرِ الفاعِلِ أيْ: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ﴾ آمِرِينَ أمْرًا، أوْ مِن ضَمِيرِ المَفْعُولِ أيْ: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ﴾ في حالِ كَوْنِهِ أمْرًا مِن عِنْدِنا بِما يَجِبُ أنْ يَفْعَلَ. والثّالِثُ: ما حَكاهُ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ عَنْ أبِي الحَسَنِ رَحِمَهُما اللَّهُ: أنَّهُ حَمَلَ قَوْلَهُ: ﴿أمْرًا﴾ عَلى الحالِ، وذُو الحالِ قَوْلُهُ: ﴿كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ﴾، وهو نَكِرَةٌ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿إنّا كُنّا مُرْسِلِينَ﴾ يَعْنِي: إنّا إنَّما فَعَلْنا ذَلِكَ الإنْذارَ لِأجَلِ (إنّا كُنّا مُرْسِلِينَ) يَعْنِي الأنْبِياءَ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿رَحْمَةً مِن رَبِّكَ﴾ أيْ لِلرَّحْمَةِ، فَهي نَصْبٌ عَلى أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لَهُ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ يَعْنِي أنَّ تِلْكَ الرَّحْمَةَ كانَتْ رَحْمَةً في الحَقِيقَةِ لِأنَّ المُحْتاجِينَ إمّا أنْ يَذْكُرُوا بِألْسِنَتِهِمْ حاجاتِهِمْ، وإمّا أنْ لا يَذْكُرُوها، فَإنْ ذَكَرُوها فَهو تَعالى يَسْمَعُ كَلامَهم فَيَعْرِفُ حاجاتِهِمْ، وإنْ لَمْ يَذْكُرُوها فَهو تَعالى عالِمٌ بِها، فَثَبَتَ أنَّ كَوْنَهُ (سَمِيعًا عَلِيمًا) يَقْتَضِي أنْ يُنْزِلَ رَحْمَتَهُ عَلَيْهِمْ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾، وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِكَسْرِ الباءِ مِن رَبٍّ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿رَحْمَةً مِن رَبِّكَ﴾ والباقُونَ بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿هُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المَقْصُودُ مِن هَذِهِ الآيَةِ أنَّ المُنَزِّلَ إذا كانَ مَوْصُوفًا بِهَذِهِ الجَلالَةِ والكِبْرِياءِ كانَ المُنْزَّلُ الَّذِي هو القُرْآنُ في غايَةِ الشَّرَفِ والرِّفْعَةِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الفائِدَةُ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: مَعْناهُ إنْ كُنْتُمْ تَطْلُبُونَ اليَقِينَ وتُرِيدُونَهُ، فاعْرِفُوا أنَّ الأمْرَ كَما قُلْنا، كَقَوْلِهِمْ: فُلانٌ مُنْجِدٌ مُتْهِمٌ أيْ يُرِيدُ نَجْدًا وتِهامَةَ. الثّانِي: قالَ صاحِبُ “ الكَشّافِ “ كانُوا يُقِرُّونَ بِأنَّ لِلسَّماواتِ والأرْضِ رَبًّا وخالِقًا، فَقِيلَ لَهم: إنَّ إرْسالَ الرُّسُلِ وإنْزالَ الكُتُبِ رَحْمَةٌ مِنَ الرَّبِّ سُبْحانَهُ وتَعالى، ثُمَّ قِيلَ: إنَّ هَذا هو السَّمِيعُ العَلِيمُ الَّذِي أنْتُمْ مُقِرُّونَ بِهِ ومُعْتَرِفُونَ بِأنَّهُ رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما إنْ كانَ إقْرارُكم عَنْ عِلْمٍ ويَقِينٍ، كَما تَقُولُ: هَذا إنْعامُ زَيْدٍ الَّذِي تَسامَعَ النّاسُ بِكَرَمِهِ إنْ بَلَغَكَ حَدِيثُهُ وسَمِعْتَ قِصَّتَهُ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى رَدَّ أنْ يَكُونُوا مُوقِنِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿بَلْ هم في شَكٍّ يَلْعَبُونَ﴾، وأنَّ إقْرارَهم غَيْرُ صادِرٍ عَنْ عِلْمٍ ويَقِينٍ ولا عَنْ جَدٍّ وحَقِيقَةٍ، بَلْ قَوْلٌ مَخْلُوطٌ بِهُزْءٍ ولَعِبٍ، واللَّهُ أعْلَمُ.

الدخان 44:10

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ﴾ ﴿يَغْشى النّاسَ هَذا عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿رَبَّنا اكْشِفْ عَنّا العَذابَ إنّا مُؤْمِنُونَ﴾ ﴿أنّى لَهُمُ الذِّكْرى وقَدْ جاءَهم رَسُولٌ مُبِينٌ﴾ ﴿ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وقالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ﴾ ﴿إنّا كاشِفُوا العَذابِ قَلِيلًا إنَّكم عائِدُونَ﴾ ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ البَطْشَةَ الكُبْرى إنّا مُنْتَقِمُونَ﴾ . اعْلَمْ أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿فارْتَقِبْ﴾ انْتَظِرْ، ويُقالُ ذَلِكَ في المَكْرُوهِ، والمَعْنى: انْتَظِرْ يا مُحَمَّدُ عَذابَهم، فَحُذِفَ مَفْعُولُ الِارْتِقابِ لِدَلالَةِ ما ذُكِرَ بَعْدَهُ عَلَيْهِ وهو قَوْلُهُ: ﴿هَذا عَذابٌ ألِيمٌ﴾، ويَجُوزُ أيْضًا أنْ يَكُونَ ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ﴾ مَفْعُولَ الِارْتِقابِ، وقَوْلُهُ: ﴿بِدُخانٍ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَعا عَلى قَوْمِهِ بِمَكَّةَ لَمّا كَذَّبُوهُ فَقالَ: («اللَّهُمَّ اجْعَلْ سِنِيَّهِمْ كَسِنِيِّ يُوسُفَ» ) فارْتَفَعَ المَطَرُ وأجْدَبَتِ الأرْضُ وأصابَتْ قُرَيْشًا شِدَّةُ المَجاعَةِ حَتّى أكَلُوا العِظامَ والكِلابَ والجِيَفَ، فَكانَ الرَّجُلُ لِما بِهِ مِنَ الجُوعِ يَرى بَيْنَهُ وبَيْنَ السَّماءِ كالدُّخانِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما في بَعْضِ الرِّواياتِ ومُقاتِلٍ ومُجاهِدٍ واخْتِيارُ الفَرّاءِ والزَّجّاجِ، وهو قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وكانَ يُنْكِرُ أنْ يَكُونَ الدُّخانُ إلّا هَذا الَّذِي أصابَهم مِن شِدَّةِ الجُوعِ كالظُّلْمَةِ في أبْصارِهِمْ حَتّى كانُوا كَأنَّهم يَرَوْنَ دُخانًا، فالحاصِلُ أنَّ هَذا الدُّخانَ هو الظُّلْمَةُ الَّتِي في أبْصارِهِمْ مِن شِدَّةِ الجُوعِ، وذَكَرَ ابْنُ قُتَيْبَةَ في تَفْسِيرِ الدُّخانِ بِهَذِهِ الحالَةِ وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ في سَنَةِ القَحْطِ يَعْظُمُ يُبْسُ الأرْضِ بِسَبَبِ انْقِطاعِ المَطَرِ، ويَرْتَفِعُ المَطَرُ ويَرْتَفِعُ الغُبارُ الكَثِيرُ ويُظْلِمُ الهَواءُ، وذَلِكَ يُشْبِهُ الدُّخانَ ولِهَذا يُقالُ لِسَنَةِ المَجاعَةِ: الغَبْراءُ. الثّانِي: أنَّ العَرَبَ يُسَمُّونَ الشَّرَّ الغالِبَ بِالدُّخانِ فَيَقُولُ: كانَ بَيْنَنا أمْرٌ ارْتَفَعَ لَهُ دُخانٌ، والسَّبَبُ فِيهِ أنَّ الإنْسانَ إذا اشْتَدَّ خَوْفُهُ أوْ ضَعْفُهُ أظْلَمَتْ عَيْناهُ فَيَرى الدُّنْيا كالمَمْلُوءَةِ مِنَ الدُّخانِ. والقَوْلُ الثّانِي في الدُّخانِ: أنَّهُ دُخانٌ يَظْهَرُ في العالَمِ وهو إحْدى عَلاماتِ القِيامَةِ، قالُوا: فَإذا حَصَلَتْ هَذِهِ الحالَةُ حَصَلَ لِأهْلِ الإيمانِ مِنهُ حالَةٌ تُشْبِهُ الزُّكامَ، وحَصَلَ لِأهْلِ الكُفْرِ حالَةٌ يَصِيرُ لِأجْلِها رَأْسُهُ كَرَأْسِ الحَنِيذِ، وهَذا القَوْلُ هو المَنقُولُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، وهو قَوْلٌ مَشْهُورٌ لِابْنِ عَبّاسٍ، واحْتَجَّ القائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ بِوُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ﴾ يَقْتَضِي وُجُودَ دُخانٍ تَأْتِي بِهِ السَّماءُ، وما ذَكَرْتُمُوهُ مِنَ الظُّلْمَةِ الحاصِلَةِ في العَيْنِ بِسَبَبِ شِدَّةِ الجُوعِ فَذاكَ لَيْسَ بِدُخانٍ أتَتْ بِهِ السَّماءُ، فَكانَ حَمْلُ لَفْظِ الآيَةِ عَلى هَذا الوَجْهِ عُدُولًا عَنِ الظّاهِرِ لا لِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ، وإنَّهُ لا يَجُوزُ. الثّانِي: أنَّهُ وصَفَ ذَلِكَ الدُّخانَ بِكَوْنِهِ مُبِينًا، والحالَةُ الَّتِي ذَكَرْتُمُوها لَيْسَتْ كَذَلِكَ لِأنَّها عارِضَةٌ تَعْرِضُ لِبَعْضِ النّاسِ في أدْمِغَتِهِمْ، ومِثْلُ هَذا لا يُوصَفُ بِكَوْنِهِ دُخانًا مُبِينًا. والثّالِثُ: أنَّهُ وصَفَ ذَلِكَ الدُّخانَ بِأنَّهُ يَغْشى النّاسَ، وهَذا إنَّما يَصْدُقُ إذا وصَلَ صفحة ٢٠٨ ذَلِكَ الدُّخانُ إلَيْهِمْ واتَّصَلَ بِهِمْ، والحالُ الَّتِي ذَكَرْتُمُوها لا تُوصَفُ بِأنَّها تَغْشى النّاسَ إلّا عَلى سَبِيلِ المَجازِ، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ العُدُولَ مِنَ الحَقِيقَةِ إلى المَجازِ لا يَجُوزُ إلّا لِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ. الرّابِعُ: رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: («أوَّلُ الآياتِ الدُّخانُ، ونُزُولُ عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ عَلَيْهِما السَّلامُ، ونارٌ تَخْرُجُ مِن قَعْرِ عَدَنَ تَسُوقُ النّاسَ إلى المَحْشَرِ، قالَ حُذَيْفَةُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، وما الدُّخانُ ؟ فَتَلا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الآيَةَ، وقالَ: دُخانٌ يَمْلَأُ ما بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ يَمْكُثُ أرْبَعِينَ يَوْمًا ولَيْلَةً، أمّا المُؤْمِنُ فَيُصِيبُهُ كَهَيْئَةِ الزَّكْمَةِ، وأمّا الكافِرُ فَهو كالسَّكْرانِ يَخْرُجُ مِن مَنخَرَيْهِ وأُذُنَيْهِ ودُبُرِهِ» ) رَواهُ صاحِبُ “ الكَشّافِ “ . ورَوى القاضِي عَنِ الحَسَنِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: («باكِرُوا بِالأعْمالِ سِتًّا، وذَكَرَ مِنها طُلُوعَ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها والدَّجّالَ والدُّخانَ والدّابَّةَ» )، أمّا القائِلُونَ بِالقَوْلِ الأوَّلِ فَلا شَكَّ أنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي صَرْفَ اللَّفْظِ عَنْ حَقِيقَتِهِ إلى المَجازِ، وذَلِكَ لا يَجُوزُ إلّا عِنْدَ قِيامِ دَلِيلٍ يَدُلُّ عَلى أنَّ حَمْلَهُ عَلى حَقِيقَتِهِ مُمْتَنِعٌ، والقَوْمُ لَمْ يَذْكُرُوا ذَلِكَ الدَّلِيلَ فَكانَ المَصِيرُ إلى ما ذَكَرُوهُ مُشْكِلًا جِدًّا، فَإنْ قالُوا: الدَّلِيلُ عَلى أنَّ المُرادَ ما ذَكَرْناهُ أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهم أنَّهم يَقُولُونَ: ﴿رَبَّنا اكْشِفْ عَنّا العَذابَ إنّا مُؤْمِنُونَ﴾، وهَذا إذا حَمَلْناهُ عَلى القَحْطِ الَّذِي وقَعَ بِمَكَّةَ اسْتَقامَ، فَإنَّهُ نُقِلَ أنَّ القَحْطَ لَمّا اشْتَدَّ بِمَكَّةَ مَشى إلَيْهِ أبُو سُفْيانَ وناشَدَهُ بِاللَّهِ والرَّحِمِ وأوْعَدَهُ أنَّهُ إنْ دَعا لَهم وأزالَ اللَّهُ عَنْهم تِلْكَ البَلِيَّةَ أنْ يُؤْمِنُوا بِهِ، فَلَمّا أزالَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم ذَلِكَ رَجَعُوا إلى شِرْكِهِمْ، أمّا إذا حَمَلْناهُ عَلى أنَّ المُرادَ مِنهُ ظُهُورُ عَلامَةٍ مِن عَلاماتِ القِيامَةِ لَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ، لِأنَّ عِنْدَ ظُهُورِ عَلاماتِ القِيامَةِ لا يُمْكِنُهم أنْ يَقُولُوا: ﴿رَبَّنا اكْشِفْ عَنّا العَذابَ إنّا مُؤْمِنُونَ﴾، ولَمْ يَصِحَّ أيْضًا أنْ يُقالَ لَهم: ﴿إنّا كاشِفُوا العَذابِ قَلِيلًا إنَّكم عائِدُونَ﴾، والجَوابُ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ظُهُورُ هَذِهِ العَلامَةِ جارِيًا مَجْرى ظُهُورِ سائِرِ عَلاماتِ القِيامَةِ في أنَّهُ لا يُوجِبُ انْقِطاعَ التَّكْلِيفِ فَتَحْدُثُ هَذِهِ الحالَةُ، ثُمَّ إنَّ النّاسَ يَخافُونَ جِدًّا فَيَتَضَرَّعُونَ، فَإذا زالَتْ تِلْكَ الواقِعَةُ عادُوا إلى الكُفْرِ والفِسْقِ، وإذا كانَ هَذا مُحْتَمَلًا فَقَدْ سَقَطَ ما قالُوهُ، واللَّهُ أعْلَمُ. ولْنَرْجِعْ إلى التَّفْسِيرِ فَنَقُولُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ﴾ أيْ ظاهِرِ الحالِ لا يَشُكُّ أحَدٌ في أنَّهُ دُخانٌ يَغْشى النّاسَ أيْ يَشْمَلُهم وهو في مَحَلِّ الجَرِّ صِفَةٌ لِقَوْلِهِ: ﴿بِدُخانٍ﴾، وفي قَوْلِهِ: ﴿هَذا عَذابٌ ألِيمٌ﴾ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ مَنصُوبُ المَحَلِّ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ وهو (يَقُولُونَ)، ويَقُولُونَ مَنصُوبٌ عَلى الحالِ أيْ قائِلِينَ ذَلِكَ. الثّانِي: قالَ الجُرْجانِيُّ صاحِبُ “ النَّظْمِ “: هَذا إشارَةٌ إلَيْهِ وإخْبارٌ عَنْ دُنُوِّهِ واقْتِرابِهِ كَما يُقالُ: هَذا العَدُوُّ فاسْتَقْبِلْهُ، والغَرَضُ مِنهُ التَّنْبِيهُ عَلى القُرْبِ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿رَبَّنا اكْشِفْ عَنّا العَذابَ﴾ فَإنْ قُلْنا: التَّقْدِيرُ: يَقُولُونَ (هَذا عَذابٌ ألِيمٌ رَبَّنا اكْشِفْ عَنّا العَذابَ) فالمَعْنى ظاهِرٌ وإنْ لَمْ يُضْمَرِ القَوْلُ هُناكَ أضْمَرْناهُ هَهُنا، والعَذابُ عَلى القَوْلِ الأوَّلِ هو القَحْطُ الشَّدِيدُ، وعَلى القَوْلِ الثّانِي: المُهْلِكُ. ﴿إنّا مُؤْمِنُونَ﴾ أيْ بِمُحَمَّدٍ وبِالقُرْآنِ، والمُرادُ مِنهُ الوَعْدُ بِالإيمانِ إنْ كَشَفَ عَنْهُمُ العَذابَ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أنّى لَهُمُ الذِّكْرى﴾ يَعْنِي كَيْفَ يَتَذَكَّرُونَ وكَيْفَ يَتَّعِظُونَ بِهَذِهِ الحالَةِ وقَدْ جاءَهم ما هو أعْظَمُ وأدْخَلُ في وُجُوبِ الطّاعَةِ وهو ما ظَهَرَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ مِنَ المُعْجِزاتِ القاهِرَةِ والبَيِّناتِ الباهِرَةِ ؟ ﴿ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ﴾ صفحة ٢٠٩ ولَمْ يَلْتَفِتُوا إلَيْهِ، ﴿وقالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ كُفّارَ مَكَّةَ كانَ لَهم في ظُهُورِ القُرْآنِ عَلى مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَوْلانِ: مِنهم مَن كانَ يَقُولُ: إنَّ مُحَمَّدًا يَتَعَلَّمُ هَذِهِ الكَلِماتِ مِن بَعْضِ النّاسِ لِقَوْلِهِ: ﴿إنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إلَيْهِ أعْجَمِيٌّ﴾ [النحل: ١٠٣]، وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ [الفرقان: ٤]، ومِنهم مَن كانَ يَقُولُ: إنَّهُ مَجْنُونٌ والجِنُّ يُلْقُونَ عَلَيْهِ هَذِهِ الكَلِماتِ حالَ ما يَعْرِضُ لَهُ الغَشْيُ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنّا كاشِفُوا العَذابِ قَلِيلًا إنَّكم عائِدُونَ﴾ أيْ كَما يَكْشِفُ العَذابَ عَنْكم تَعُودُونَ في الحالِ إلى ما كُنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ، والمَقْصُودُ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّهم لا يُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ، وأنَّهم في حالِ العَجْزِ يَتَضَرَّعُونَ إلى اللَّهِ تَعالى، فَإذا زالَ الخَوْفُ عادُوا إلى الكُفْرِ والتَّقْلِيدِ لِمَذاهِبِ الأسْلافِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ البَطْشَةَ الكُبْرى إنّا مُنْتَقِمُونَ﴾، قالَ صاحِبُ “ الكَشّافِ “: وقُرِئَ نَبْطُشُ بِضَمِّ الطّاءِ، وقَرَأ الحَسَنُ نُبْطِشُ بِضَمِّ النُّونِ كَأنَّهُ تَعالى يَأْمُرُ المَلائِكَةَ بِأنْ يَبْطِشُوا بِهِمْ، والبَطْشُ الأخْذُ بِشِدَّةٍ، وأكْثَرُ ما يَكُونُ بِوَقْعِ الضَّرْبِ المُتَتابِعِ ثُمَّ صارَ بِحَيْثُ يُسْتَعْمَلُ في إيصالِ الآلامِ المُتَتابِعَةِ، وفي المُرادِ بِهَذا اليَوْمِ قَوْلانِ: القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّهُ يَوْمُ بَدْرٍ، وهو قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ وابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ ومُقاتِلٍ وأبِي العالِيَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم، قالُوا: إنَّ كُفّارَ مَكَّةَ لَما أزالَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمُ القَحْطَ والجُوعَ عادُوا إلى التَّكْذِيبِ فانْتَقَمَ اللَّهُ مِنهم يَوْمَ بَدْرٍ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ يَوْمُ القِيامَةِ، رَوى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قالَ: قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: البَطْشَةُ الكُبْرى يَوْمُ بَدْرٍ، وأنا أقُولُ: هي يَوْمُ القِيامَةِ، وهَذا القَوْلُ أصَحُّ لِأنَّ يَوْمَ بَدْرٍ لا يَبْلُغُ هَذا المَبْلَغَ الَّذِي يُوصَفُ بِهَذا الوَصْفِ العَظِيمِ، ولِأنَّ الِانْتِقامَ التّامَّ إنَّما يَحْصُلُ يَوْمَ القِيامَةِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اليَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ [غافر: ١٧]، ولِأنَّ هَذِهِ البَطْشَةَ لَمّا وُصِفَتْ بِكَوْنِها كُبْرى عَلى الإطْلاقِ وجَبَ أنْ تَكُونَ أعْظَمَ أنْواعِ البَطْشِ، وذَلِكَ لَيْسَ إلّا في القِيامَةِ، ولَفْظُ الِانْتِقامِ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى مِنَ المُتَشابِهاتِ كالغَضَبِ والحَياءِ والتَّعَجُّبِ، والمَعْنى مَعْلُومٌ واللَّهُ أعْلَمُ.

الدخان 44:11

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ﴾ ﴿يَغْشى النّاسَ هَذا عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿رَبَّنا اكْشِفْ عَنّا العَذابَ إنّا مُؤْمِنُونَ﴾ ﴿أنّى لَهُمُ الذِّكْرى وقَدْ جاءَهم رَسُولٌ مُبِينٌ﴾ ﴿ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وقالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ﴾ ﴿إنّا كاشِفُوا العَذابِ قَلِيلًا إنَّكم عائِدُونَ﴾ ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ البَطْشَةَ الكُبْرى إنّا مُنْتَقِمُونَ﴾ . اعْلَمْ أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿فارْتَقِبْ﴾ انْتَظِرْ، ويُقالُ ذَلِكَ في المَكْرُوهِ، والمَعْنى: انْتَظِرْ يا مُحَمَّدُ عَذابَهم، فَحُذِفَ مَفْعُولُ الِارْتِقابِ لِدَلالَةِ ما ذُكِرَ بَعْدَهُ عَلَيْهِ وهو قَوْلُهُ: ﴿هَذا عَذابٌ ألِيمٌ﴾، ويَجُوزُ أيْضًا أنْ يَكُونَ ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ﴾ مَفْعُولَ الِارْتِقابِ، وقَوْلُهُ: ﴿بِدُخانٍ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَعا عَلى قَوْمِهِ بِمَكَّةَ لَمّا كَذَّبُوهُ فَقالَ: («اللَّهُمَّ اجْعَلْ سِنِيَّهِمْ كَسِنِيِّ يُوسُفَ» ) فارْتَفَعَ المَطَرُ وأجْدَبَتِ الأرْضُ وأصابَتْ قُرَيْشًا شِدَّةُ المَجاعَةِ حَتّى أكَلُوا العِظامَ والكِلابَ والجِيَفَ، فَكانَ الرَّجُلُ لِما بِهِ مِنَ الجُوعِ يَرى بَيْنَهُ وبَيْنَ السَّماءِ كالدُّخانِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما في بَعْضِ الرِّواياتِ ومُقاتِلٍ ومُجاهِدٍ واخْتِيارُ الفَرّاءِ والزَّجّاجِ، وهو قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وكانَ يُنْكِرُ أنْ يَكُونَ الدُّخانُ إلّا هَذا الَّذِي أصابَهم مِن شِدَّةِ الجُوعِ كالظُّلْمَةِ في أبْصارِهِمْ حَتّى كانُوا كَأنَّهم يَرَوْنَ دُخانًا، فالحاصِلُ أنَّ هَذا الدُّخانَ هو الظُّلْمَةُ الَّتِي في أبْصارِهِمْ مِن شِدَّةِ الجُوعِ، وذَكَرَ ابْنُ قُتَيْبَةَ في تَفْسِيرِ الدُّخانِ بِهَذِهِ الحالَةِ وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ في سَنَةِ القَحْطِ يَعْظُمُ يُبْسُ الأرْضِ بِسَبَبِ انْقِطاعِ المَطَرِ، ويَرْتَفِعُ المَطَرُ ويَرْتَفِعُ الغُبارُ الكَثِيرُ ويُظْلِمُ الهَواءُ، وذَلِكَ يُشْبِهُ الدُّخانَ ولِهَذا يُقالُ لِسَنَةِ المَجاعَةِ: الغَبْراءُ. الثّانِي: أنَّ العَرَبَ يُسَمُّونَ الشَّرَّ الغالِبَ بِالدُّخانِ فَيَقُولُ: كانَ بَيْنَنا أمْرٌ ارْتَفَعَ لَهُ دُخانٌ، والسَّبَبُ فِيهِ أنَّ الإنْسانَ إذا اشْتَدَّ خَوْفُهُ أوْ ضَعْفُهُ أظْلَمَتْ عَيْناهُ فَيَرى الدُّنْيا كالمَمْلُوءَةِ مِنَ الدُّخانِ. والقَوْلُ الثّانِي في الدُّخانِ: أنَّهُ دُخانٌ يَظْهَرُ في العالَمِ وهو إحْدى عَلاماتِ القِيامَةِ، قالُوا: فَإذا حَصَلَتْ هَذِهِ الحالَةُ حَصَلَ لِأهْلِ الإيمانِ مِنهُ حالَةٌ تُشْبِهُ الزُّكامَ، وحَصَلَ لِأهْلِ الكُفْرِ حالَةٌ يَصِيرُ لِأجْلِها رَأْسُهُ كَرَأْسِ الحَنِيذِ، وهَذا القَوْلُ هو المَنقُولُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، وهو قَوْلٌ مَشْهُورٌ لِابْنِ عَبّاسٍ، واحْتَجَّ القائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ بِوُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ﴾ يَقْتَضِي وُجُودَ دُخانٍ تَأْتِي بِهِ السَّماءُ، وما ذَكَرْتُمُوهُ مِنَ الظُّلْمَةِ الحاصِلَةِ في العَيْنِ بِسَبَبِ شِدَّةِ الجُوعِ فَذاكَ لَيْسَ بِدُخانٍ أتَتْ بِهِ السَّماءُ، فَكانَ حَمْلُ لَفْظِ الآيَةِ عَلى هَذا الوَجْهِ عُدُولًا عَنِ الظّاهِرِ لا لِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ، وإنَّهُ لا يَجُوزُ. الثّانِي: أنَّهُ وصَفَ ذَلِكَ الدُّخانَ بِكَوْنِهِ مُبِينًا، والحالَةُ الَّتِي ذَكَرْتُمُوها لَيْسَتْ كَذَلِكَ لِأنَّها عارِضَةٌ تَعْرِضُ لِبَعْضِ النّاسِ في أدْمِغَتِهِمْ، ومِثْلُ هَذا لا يُوصَفُ بِكَوْنِهِ دُخانًا مُبِينًا. والثّالِثُ: أنَّهُ وصَفَ ذَلِكَ الدُّخانَ بِأنَّهُ يَغْشى النّاسَ، وهَذا إنَّما يَصْدُقُ إذا وصَلَ صفحة ٢٠٨ ذَلِكَ الدُّخانُ إلَيْهِمْ واتَّصَلَ بِهِمْ، والحالُ الَّتِي ذَكَرْتُمُوها لا تُوصَفُ بِأنَّها تَغْشى النّاسَ إلّا عَلى سَبِيلِ المَجازِ، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ العُدُولَ مِنَ الحَقِيقَةِ إلى المَجازِ لا يَجُوزُ إلّا لِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ. الرّابِعُ: رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: («أوَّلُ الآياتِ الدُّخانُ، ونُزُولُ عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ عَلَيْهِما السَّلامُ، ونارٌ تَخْرُجُ مِن قَعْرِ عَدَنَ تَسُوقُ النّاسَ إلى المَحْشَرِ، قالَ حُذَيْفَةُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، وما الدُّخانُ ؟ فَتَلا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الآيَةَ، وقالَ: دُخانٌ يَمْلَأُ ما بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ يَمْكُثُ أرْبَعِينَ يَوْمًا ولَيْلَةً، أمّا المُؤْمِنُ فَيُصِيبُهُ كَهَيْئَةِ الزَّكْمَةِ، وأمّا الكافِرُ فَهو كالسَّكْرانِ يَخْرُجُ مِن مَنخَرَيْهِ وأُذُنَيْهِ ودُبُرِهِ» ) رَواهُ صاحِبُ “ الكَشّافِ “ . ورَوى القاضِي عَنِ الحَسَنِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: («باكِرُوا بِالأعْمالِ سِتًّا، وذَكَرَ مِنها طُلُوعَ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها والدَّجّالَ والدُّخانَ والدّابَّةَ» )، أمّا القائِلُونَ بِالقَوْلِ الأوَّلِ فَلا شَكَّ أنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي صَرْفَ اللَّفْظِ عَنْ حَقِيقَتِهِ إلى المَجازِ، وذَلِكَ لا يَجُوزُ إلّا عِنْدَ قِيامِ دَلِيلٍ يَدُلُّ عَلى أنَّ حَمْلَهُ عَلى حَقِيقَتِهِ مُمْتَنِعٌ، والقَوْمُ لَمْ يَذْكُرُوا ذَلِكَ الدَّلِيلَ فَكانَ المَصِيرُ إلى ما ذَكَرُوهُ مُشْكِلًا جِدًّا، فَإنْ قالُوا: الدَّلِيلُ عَلى أنَّ المُرادَ ما ذَكَرْناهُ أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهم أنَّهم يَقُولُونَ: ﴿رَبَّنا اكْشِفْ عَنّا العَذابَ إنّا مُؤْمِنُونَ﴾، وهَذا إذا حَمَلْناهُ عَلى القَحْطِ الَّذِي وقَعَ بِمَكَّةَ اسْتَقامَ، فَإنَّهُ نُقِلَ أنَّ القَحْطَ لَمّا اشْتَدَّ بِمَكَّةَ مَشى إلَيْهِ أبُو سُفْيانَ وناشَدَهُ بِاللَّهِ والرَّحِمِ وأوْعَدَهُ أنَّهُ إنْ دَعا لَهم وأزالَ اللَّهُ عَنْهم تِلْكَ البَلِيَّةَ أنْ يُؤْمِنُوا بِهِ، فَلَمّا أزالَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم ذَلِكَ رَجَعُوا إلى شِرْكِهِمْ، أمّا إذا حَمَلْناهُ عَلى أنَّ المُرادَ مِنهُ ظُهُورُ عَلامَةٍ مِن عَلاماتِ القِيامَةِ لَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ، لِأنَّ عِنْدَ ظُهُورِ عَلاماتِ القِيامَةِ لا يُمْكِنُهم أنْ يَقُولُوا: ﴿رَبَّنا اكْشِفْ عَنّا العَذابَ إنّا مُؤْمِنُونَ﴾، ولَمْ يَصِحَّ أيْضًا أنْ يُقالَ لَهم: ﴿إنّا كاشِفُوا العَذابِ قَلِيلًا إنَّكم عائِدُونَ﴾، والجَوابُ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ظُهُورُ هَذِهِ العَلامَةِ جارِيًا مَجْرى ظُهُورِ سائِرِ عَلاماتِ القِيامَةِ في أنَّهُ لا يُوجِبُ انْقِطاعَ التَّكْلِيفِ فَتَحْدُثُ هَذِهِ الحالَةُ، ثُمَّ إنَّ النّاسَ يَخافُونَ جِدًّا فَيَتَضَرَّعُونَ، فَإذا زالَتْ تِلْكَ الواقِعَةُ عادُوا إلى الكُفْرِ والفِسْقِ، وإذا كانَ هَذا مُحْتَمَلًا فَقَدْ سَقَطَ ما قالُوهُ، واللَّهُ أعْلَمُ. ولْنَرْجِعْ إلى التَّفْسِيرِ فَنَقُولُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ﴾ أيْ ظاهِرِ الحالِ لا يَشُكُّ أحَدٌ في أنَّهُ دُخانٌ يَغْشى النّاسَ أيْ يَشْمَلُهم وهو في مَحَلِّ الجَرِّ صِفَةٌ لِقَوْلِهِ: ﴿بِدُخانٍ﴾، وفي قَوْلِهِ: ﴿هَذا عَذابٌ ألِيمٌ﴾ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ مَنصُوبُ المَحَلِّ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ وهو (يَقُولُونَ)، ويَقُولُونَ مَنصُوبٌ عَلى الحالِ أيْ قائِلِينَ ذَلِكَ. الثّانِي: قالَ الجُرْجانِيُّ صاحِبُ “ النَّظْمِ “: هَذا إشارَةٌ إلَيْهِ وإخْبارٌ عَنْ دُنُوِّهِ واقْتِرابِهِ كَما يُقالُ: هَذا العَدُوُّ فاسْتَقْبِلْهُ، والغَرَضُ مِنهُ التَّنْبِيهُ عَلى القُرْبِ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿رَبَّنا اكْشِفْ عَنّا العَذابَ﴾ فَإنْ قُلْنا: التَّقْدِيرُ: يَقُولُونَ (هَذا عَذابٌ ألِيمٌ رَبَّنا اكْشِفْ عَنّا العَذابَ) فالمَعْنى ظاهِرٌ وإنْ لَمْ يُضْمَرِ القَوْلُ هُناكَ أضْمَرْناهُ هَهُنا، والعَذابُ عَلى القَوْلِ الأوَّلِ هو القَحْطُ الشَّدِيدُ، وعَلى القَوْلِ الثّانِي: المُهْلِكُ. ﴿إنّا مُؤْمِنُونَ﴾ أيْ بِمُحَمَّدٍ وبِالقُرْآنِ، والمُرادُ مِنهُ الوَعْدُ بِالإيمانِ إنْ كَشَفَ عَنْهُمُ العَذابَ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أنّى لَهُمُ الذِّكْرى﴾ يَعْنِي كَيْفَ يَتَذَكَّرُونَ وكَيْفَ يَتَّعِظُونَ بِهَذِهِ الحالَةِ وقَدْ جاءَهم ما هو أعْظَمُ وأدْخَلُ في وُجُوبِ الطّاعَةِ وهو ما ظَهَرَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ مِنَ المُعْجِزاتِ القاهِرَةِ والبَيِّناتِ الباهِرَةِ ؟ ﴿ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ﴾ صفحة ٢٠٩ ولَمْ يَلْتَفِتُوا إلَيْهِ، ﴿وقالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ كُفّارَ مَكَّةَ كانَ لَهم في ظُهُورِ القُرْآنِ عَلى مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَوْلانِ: مِنهم مَن كانَ يَقُولُ: إنَّ مُحَمَّدًا يَتَعَلَّمُ هَذِهِ الكَلِماتِ مِن بَعْضِ النّاسِ لِقَوْلِهِ: ﴿إنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إلَيْهِ أعْجَمِيٌّ﴾ [النحل: ١٠٣]، وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ [الفرقان: ٤]، ومِنهم مَن كانَ يَقُولُ: إنَّهُ مَجْنُونٌ والجِنُّ يُلْقُونَ عَلَيْهِ هَذِهِ الكَلِماتِ حالَ ما يَعْرِضُ لَهُ الغَشْيُ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنّا كاشِفُوا العَذابِ قَلِيلًا إنَّكم عائِدُونَ﴾ أيْ كَما يَكْشِفُ العَذابَ عَنْكم تَعُودُونَ في الحالِ إلى ما كُنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ، والمَقْصُودُ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّهم لا يُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ، وأنَّهم في حالِ العَجْزِ يَتَضَرَّعُونَ إلى اللَّهِ تَعالى، فَإذا زالَ الخَوْفُ عادُوا إلى الكُفْرِ والتَّقْلِيدِ لِمَذاهِبِ الأسْلافِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ البَطْشَةَ الكُبْرى إنّا مُنْتَقِمُونَ﴾، قالَ صاحِبُ “ الكَشّافِ “: وقُرِئَ نَبْطُشُ بِضَمِّ الطّاءِ، وقَرَأ الحَسَنُ نُبْطِشُ بِضَمِّ النُّونِ كَأنَّهُ تَعالى يَأْمُرُ المَلائِكَةَ بِأنْ يَبْطِشُوا بِهِمْ، والبَطْشُ الأخْذُ بِشِدَّةٍ، وأكْثَرُ ما يَكُونُ بِوَقْعِ الضَّرْبِ المُتَتابِعِ ثُمَّ صارَ بِحَيْثُ يُسْتَعْمَلُ في إيصالِ الآلامِ المُتَتابِعَةِ، وفي المُرادِ بِهَذا اليَوْمِ قَوْلانِ: القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّهُ يَوْمُ بَدْرٍ، وهو قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ وابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ ومُقاتِلٍ وأبِي العالِيَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم، قالُوا: إنَّ كُفّارَ مَكَّةَ لَما أزالَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمُ القَحْطَ والجُوعَ عادُوا إلى التَّكْذِيبِ فانْتَقَمَ اللَّهُ مِنهم يَوْمَ بَدْرٍ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ يَوْمُ القِيامَةِ، رَوى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قالَ: قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: البَطْشَةُ الكُبْرى يَوْمُ بَدْرٍ، وأنا أقُولُ: هي يَوْمُ القِيامَةِ، وهَذا القَوْلُ أصَحُّ لِأنَّ يَوْمَ بَدْرٍ لا يَبْلُغُ هَذا المَبْلَغَ الَّذِي يُوصَفُ بِهَذا الوَصْفِ العَظِيمِ، ولِأنَّ الِانْتِقامَ التّامَّ إنَّما يَحْصُلُ يَوْمَ القِيامَةِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اليَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ [غافر: ١٧]، ولِأنَّ هَذِهِ البَطْشَةَ لَمّا وُصِفَتْ بِكَوْنِها كُبْرى عَلى الإطْلاقِ وجَبَ أنْ تَكُونَ أعْظَمَ أنْواعِ البَطْشِ، وذَلِكَ لَيْسَ إلّا في القِيامَةِ، ولَفْظُ الِانْتِقامِ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى مِنَ المُتَشابِهاتِ كالغَضَبِ والحَياءِ والتَّعَجُّبِ، والمَعْنى مَعْلُومٌ واللَّهُ أعْلَمُ.