Lafzullah

Tafsir Al-Razi — الزخرف 43:29 – الزخرف 43:61

المؤلف / المصدر: Tafsir Al-Razi

المحتويات
  1. الزخرف 43:29
  2. الزخرف 43:30
  3. الزخرف 43:31
  4. الزخرف 43:32
  5. الزخرف 43:33
  6. الزخرف 43:34
  7. الزخرف 43:35
  8. الزخرف 43:36
  9. الزخرف 43:37
  10. الزخرف 43:38
  11. الزخرف 43:39
  12. الزخرف 43:40
  13. الزخرف 43:41
  14. الزخرف 43:42
  15. الزخرف 43:43
  16. الزخرف 43:44
  17. الزخرف 43:45
  18. الزخرف 43:46
  19. الزخرف 43:47
  20. الزخرف 43:48
  21. الزخرف 43:49
  22. الزخرف 43:50
  23. الزخرف 43:51
  24. الزخرف 43:52
  25. الزخرف 43:53
  26. الزخرف 43:54
  27. الزخرف 43:55
  28. الزخرف 43:56
  29. الزخرف 43:57
  30. الزخرف 43:58
  31. الزخرف 43:59
  32. الزخرف 43:60
  33. الزخرف 43:61

الزخرف 43:29

قَوْلُهُ تَعالى ﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ إنَّنِي بَراءٌ مِمّا تَعْبُدُونَ﴾ ﴿إلّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ ﴿وجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً في عَقِبِهِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ ﴿بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلاءِ وآباءَهم حَتّى جاءَهُمُ الحَقُّ ورَسُولٌ مُبِينٌ﴾ ﴿ولَمّا جاءَهُمُ الحَقُّ قالُوا هَذا سِحْرٌ وإنّا بِهِ كافِرُونَ﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ أنَّهُ لَيْسَ لِأُولَئِكَ الكُفّارِ داعٍ يَدْعُوهم إلى تِلْكَ الأقاوِيلِ الباطِلَةِ إلّا تَقْلِيدُ الآباءِ والأسْلافِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ طَرِيقٌ باطِلٌ ومَنهَجٌ فاسِدٌ، وأنَّ الرُّجُوعَ إلى الدَّلِيلِ أوْلى مِنَ الِاعْتِمادِ عَلى التَّقْلِيدِ، أرْدَفَهُ بِهَذِهِ الآيَةِ، والمَقْصُودُ مِنها ذِكْرُ وجْهٍ آخَرَ يَدُلُّ عَلى فَسادِ القَوْلِ بِالتَّقْلِيدِ، وتَقْرِيرُهُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّهُ تَبَرَّأ عَنْ دِينِ آبائِهِ بِناءً عَلى الدَّلِيلِ، فَنَقُولُ: إمّا أنْ يَكُونَ تَقْلِيدُ الآباءِ في الأدْيانِ مُحَرَّمًا أوْ جائِزًا، فَإنْ كانَ مُحَرَّمًا فَقَدْ بَطَلَ القَوْلُ بِالتَّقْلِيدِ، وإنْ كانَ جائِزًا فَمَعْلُومٌ أنَّ أشْرَفَ آباءِ العَرَبِ هو إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وذَلِكَ لِأنَّهم لَيْسَ لَهم فَخْرٌ ولا شَرَفٌ إلّا بِأنَّهم مِن أوْلادِهِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَتَقْلِيدُ هَذا الأبِ الَّذِي هو أشْرَفُ الآباءِ أوْلى مِن تَقْلِيدِ سائِرِ الآباءِ، وإذا ثَبَتَ أنَّ تَقْلِيدَهُ أوْلى مِن تَقْلِيدِ غَيْرِهِ، فَنَقُولُ: إنَّهُ تَرَكَ دِينَ الآباءِ، وحَكَمَ بِأنَّ اتِّباعَ الدَّلِيلِ أوْلى مِن مُتابَعَةِ الآباءِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ وجَبَ تَقْلِيدُهُ في تَرْكِ تَقْلِيدِ الآباءِ ووَجَبَ تَقْلِيدُهُ في تَرْجِيحِ الدَّلِيلِ عَلى التَّقْلِيدِ، وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: فَقَدْ ظَهَرَ أنَّ القَوْلَ بِوُجُوبِ التَّقْلِيدِ يُوجِبُ المَنعَ مِنَ التَّقْلِيدِ، وما أفْضى ثُبُوتُهُ إلى نَفْيِهِ كانَ باطِلًا، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ القَوْلُ بِالتَّقْلِيدِ باطِلًا، فَهَذا طَرِيقٌ رَقِيقٌ في إبْطالِ التَّقْلِيدِ وهو المُرادُ بِهَذِهِ الآيَةِ. الوَجْهُ الثّانِي: في بَيانِ أنَّ تَرْكَ التَّقْلِيدِ والرُّجُوعَ إلى مُتابَعَةِ الدَّلِيلِ أوْلى في الدُّنْيا وفي الدِّينِ، أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا عَدَلَ عَنْ طَرِيقَةِ أبِيهِ إلى مُتابَعَةِ الدَّلِيلِ لا جَرَمَ جَعَلَ اللَّهُ دِينَهُ ومَذْهَبَهُ باقِيًا في عَقِبِهِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وأمّا أدْيانُ آبائِهِ فَقَدِ انْدَرَسَتْ وبَطَلَتْ، فَثَبَتَ أنَّ الرُّجُوعَ إلى مُتابَعَةِ الدَّلِيلِ يَبْقى مَحْمُودَ الأثَرِ إلى قِيامِ السّاعَةِ، وأنَّ التَّقْلِيدَ والإصْرارَ يَنْقَطِعُ أثَرُهُ ولا يَبْقى مِنهُ في الدُّنْيا خَبَرٌ ولا أثَرٌ، فَثَبَتَ مِن هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ أنَّ مُتابَعَةَ الدَّلِيلِ وتَرْكَ التَّقْلِيدِ أوْلى، فَهَذا بَيانُ المَقْصُودِ الأصْلِيِّ مِن هَذِهِ الآيَةِ، ولْنَرْجِعْ إلى تَفْسِيرِ ألْفاظِ الآيَةِ. صفحة ١٧٩ أمّا قَوْلُهُ ﴿إنَّنِي بَراءٌ مِمّا تَعْبُدُونَ﴾ فَقالَ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ والمُبَرِّدُ والزَّجّاجُ: ﴿بَراءٌ﴾ مَصْدَرٌ لا يُثَنّى ولا يُجْمَعُ، مِثْلَ عَدْلٍ ورِضا، وتَقُولُ العَرَبُ: أنا البَراءُ مِنكَ والخَلاءُ مِنكَ، ونَحْنُ البَراءُ مِنكَ والخَلاءُ، ولا يَقُولُونَ: البَراءانِ ولا البَراؤُونَ؛ لِأنَّ المَعْنى ذَوا البَراءِ وذَوُو البَراءِ، فَإنْ قُلْتَ بَرِيءٌ وخَلِيُّ ثَنَّيْتَ وجَمَعْتَ. ثُمَّ اسْتَثْنى خالِقَهُ مِنَ البَراءَةِ فَقالَ: ﴿إلّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ والمَعْنى: أنا أتَبَرَّأُ مِمّا تَعْبُدُونَ إلّا مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”إلّا“ بِمَعْنى ”لَكِنْ“، فَيَكُونُ المَعْنى: لَكِنَّ الَّذِي فَطَرَنِي فَإنَّهُ سَيَهْدِينِ، أيْ: سَيُرْشِدُنِي لِدِينِهِ ويُوَفِّقُنِي لِطاعَتِهِ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في آيَةٍ أُخْرى أنَّهُ قالَ: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهو يَهْدِينِ﴾ وحَكى عَنْهُ هَهُنا أنَّهُ قالَ: ﴿سَيَهْدِينِ﴾ فَأجْمَعُ بَيْنَهُما وقُدِّرَ كَأنَّهُ قالَ: فَهو يَهْدِينِ وسَيَهْدِينِ، فَيَدُلّانِ عَلى اسْتِمْرارِ الهِدايَةِ في الحالِ والِاسْتِقْبالِ ﴿وجَعَلَها﴾ أيْ: وجَعَلَ إبْراهِيمُ كَلِمَةَ التَّوْحِيدِ الَّتِي تَكَلَّمَ بِها، وهي قَوْلُهُ ﴿إنَّنِي بَراءٌ مِمّا تَعْبُدُونَ﴾ جارِيًا مَجْرى (لا إلَهَ)، وقَوْلُهُ ﴿إلّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ جارِيًا مَجْرى قَوْلِهِ (إلّا اللَّهُ)، فَكانَ مَجْمُوعُ قَوْلِهِ ﴿إنَّنِي بَراءٌ مِمّا تَعْبُدُونَ﴾ ﴿إلّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ جارِيًا مَجْرى قَوْلِهِ ﴿لا إلَهَ إلّا اللَّهُ﴾ [الصافات: ٣٥] ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ إبْراهِيمَ جَعَلَ هَذِهِ الكَلِمَةَ باقِيَةً في عَقِبِهِ، أيْ: في ذُرِّيَّتِهِ، فَلا يَزالُ فِيهِمْ مَن يُوَحِّدُ اللَّهَ ويَدْعُو إلى تَوْحِيدِهِ ﴿لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ أيْ لَعَلَّ مَن أشْرَكَ مِنهم يَرْجِعُ بِدُعاءِ مَن وحَّدَ مِنهم، وقِيلَ: وجَعَلَها اللَّهُ، وقُرِئَ ”كَلِمَةً“ عَلى التَّخْفِيفِ وفي ”عَقِيبِهِ“ . * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلاءِ وآباءَهُمْ﴾ يَعْنِي أهْلَ مَكَّةَ، وهم عَقِبُ إبْراهِيمَ، بِالمَدِّ في العُمُرِ والنِّعْمَةِ، فاغْتَرُّوا بِالمُهْلَةِ واشْتَغَلُوا بِالتَّنَعُّمِ واتِّباعِ الشَّهَواتِ وطاعَةِ الشَّيْطانِ عَنْ كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ ﴿حَتّى جاءَهُمُ الحَقُّ﴾ وهو القُرْآنُ ﴿ورَسُولٌ مُبِينٌ﴾ بَيَّنَ الرِّسالَةَ وأوْضَحَها بِما مَعَهُ مِنَ الآياتِ والبَيِّناتِ، فَكَذَّبُوا بِهِ وسَمَّوْهُ ساحِرًا، وما جاءَ بِهِ سِحْرًا، وكَفَرُوا بِهِ، ووَجْهُ النَّظْمِ أنَّهم لَمّا عَوَّلُوا عَلى تَقْلِيدِ الآباءِ ولَمْ يَتَفَكَّرُوا في الحُجَّةِ اغْتَرُّوا بِطُولِ الإمْهالِ وإمْتاعِ اللَّهِ إيّاهم بِنَعِيمِ الدُّنْيا، فَأعْرَضُوا عَنِ الحَقِّ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: إنْ قِيلَ: ما وجْهُ قِراءَةِ مَن قَرَأ ”مَتَّعْتَ“ بِفَتْحِ التّاءِ ؟ قُلْنا: كَأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ اعْتَرَضَ عَلى ذاتِهِ في قَوْلِهِ ﴿وجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً في عَقِبِهِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ فَقالَ: بَلْ مَتَّعْتُهم بِما مَتَّعْتُهم بِهِ مِن طُولِ العُمُرِ والسَّعَةِ في الرِّزْقِ حَتّى شَغَلَهم ذَلِكَ عَنْ كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ، وأرادَ بِذَلِكَ المُبالَغَةَ في تَعْيِيرِهِمْ؛ لِأنَّهُ إذا مَتَّعَهم بِزِيادَةِ النِّعَمِ وجَبَ عَلَيْهِمْ أنْ يَجْعَلُوا ذَلِكَ سَبَبًا في زِيادَةِ الشُّكْرِ والثَّباتِ عَلى التَّوْحِيدِ، لا أنْ يُشْرِكُوا بِهِ ويَجْعَلُوا لَهُ أنْدادًا، فَمِثالُهُ: أنْ يَشْكُوَ الرَّجُلُ إساءَةَ مَن أحْسَنَ إلَيْهِ ثُمَّ يُقْبِلُ عَلى نَفْسِهِ، فَيَقُولُ: أنْتَ السَّبَبُ في ذَلِكَ بِمَعْرُوفِكَ وإحْسانِكَ إلَيْهِ، وغَرَضُهُ بِهَذا الكَلامِ تَوْبِيخُ المُسِيءِ، لا تَقْبِيحُ فِعْلِ نَفْسِهِ.

الزخرف 43:30

قَوْلُهُ تَعالى ﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ إنَّنِي بَراءٌ مِمّا تَعْبُدُونَ﴾ ﴿إلّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ ﴿وجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً في عَقِبِهِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ ﴿بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلاءِ وآباءَهم حَتّى جاءَهُمُ الحَقُّ ورَسُولٌ مُبِينٌ﴾ ﴿ولَمّا جاءَهُمُ الحَقُّ قالُوا هَذا سِحْرٌ وإنّا بِهِ كافِرُونَ﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ أنَّهُ لَيْسَ لِأُولَئِكَ الكُفّارِ داعٍ يَدْعُوهم إلى تِلْكَ الأقاوِيلِ الباطِلَةِ إلّا تَقْلِيدُ الآباءِ والأسْلافِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ طَرِيقٌ باطِلٌ ومَنهَجٌ فاسِدٌ، وأنَّ الرُّجُوعَ إلى الدَّلِيلِ أوْلى مِنَ الِاعْتِمادِ عَلى التَّقْلِيدِ، أرْدَفَهُ بِهَذِهِ الآيَةِ، والمَقْصُودُ مِنها ذِكْرُ وجْهٍ آخَرَ يَدُلُّ عَلى فَسادِ القَوْلِ بِالتَّقْلِيدِ، وتَقْرِيرُهُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّهُ تَبَرَّأ عَنْ دِينِ آبائِهِ بِناءً عَلى الدَّلِيلِ، فَنَقُولُ: إمّا أنْ يَكُونَ تَقْلِيدُ الآباءِ في الأدْيانِ مُحَرَّمًا أوْ جائِزًا، فَإنْ كانَ مُحَرَّمًا فَقَدْ بَطَلَ القَوْلُ بِالتَّقْلِيدِ، وإنْ كانَ جائِزًا فَمَعْلُومٌ أنَّ أشْرَفَ آباءِ العَرَبِ هو إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وذَلِكَ لِأنَّهم لَيْسَ لَهم فَخْرٌ ولا شَرَفٌ إلّا بِأنَّهم مِن أوْلادِهِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَتَقْلِيدُ هَذا الأبِ الَّذِي هو أشْرَفُ الآباءِ أوْلى مِن تَقْلِيدِ سائِرِ الآباءِ، وإذا ثَبَتَ أنَّ تَقْلِيدَهُ أوْلى مِن تَقْلِيدِ غَيْرِهِ، فَنَقُولُ: إنَّهُ تَرَكَ دِينَ الآباءِ، وحَكَمَ بِأنَّ اتِّباعَ الدَّلِيلِ أوْلى مِن مُتابَعَةِ الآباءِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ وجَبَ تَقْلِيدُهُ في تَرْكِ تَقْلِيدِ الآباءِ ووَجَبَ تَقْلِيدُهُ في تَرْجِيحِ الدَّلِيلِ عَلى التَّقْلِيدِ، وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: فَقَدْ ظَهَرَ أنَّ القَوْلَ بِوُجُوبِ التَّقْلِيدِ يُوجِبُ المَنعَ مِنَ التَّقْلِيدِ، وما أفْضى ثُبُوتُهُ إلى نَفْيِهِ كانَ باطِلًا، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ القَوْلُ بِالتَّقْلِيدِ باطِلًا، فَهَذا طَرِيقٌ رَقِيقٌ في إبْطالِ التَّقْلِيدِ وهو المُرادُ بِهَذِهِ الآيَةِ. الوَجْهُ الثّانِي: في بَيانِ أنَّ تَرْكَ التَّقْلِيدِ والرُّجُوعَ إلى مُتابَعَةِ الدَّلِيلِ أوْلى في الدُّنْيا وفي الدِّينِ، أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا عَدَلَ عَنْ طَرِيقَةِ أبِيهِ إلى مُتابَعَةِ الدَّلِيلِ لا جَرَمَ جَعَلَ اللَّهُ دِينَهُ ومَذْهَبَهُ باقِيًا في عَقِبِهِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وأمّا أدْيانُ آبائِهِ فَقَدِ انْدَرَسَتْ وبَطَلَتْ، فَثَبَتَ أنَّ الرُّجُوعَ إلى مُتابَعَةِ الدَّلِيلِ يَبْقى مَحْمُودَ الأثَرِ إلى قِيامِ السّاعَةِ، وأنَّ التَّقْلِيدَ والإصْرارَ يَنْقَطِعُ أثَرُهُ ولا يَبْقى مِنهُ في الدُّنْيا خَبَرٌ ولا أثَرٌ، فَثَبَتَ مِن هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ أنَّ مُتابَعَةَ الدَّلِيلِ وتَرْكَ التَّقْلِيدِ أوْلى، فَهَذا بَيانُ المَقْصُودِ الأصْلِيِّ مِن هَذِهِ الآيَةِ، ولْنَرْجِعْ إلى تَفْسِيرِ ألْفاظِ الآيَةِ. صفحة ١٧٩ أمّا قَوْلُهُ ﴿إنَّنِي بَراءٌ مِمّا تَعْبُدُونَ﴾ فَقالَ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ والمُبَرِّدُ والزَّجّاجُ: ﴿بَراءٌ﴾ مَصْدَرٌ لا يُثَنّى ولا يُجْمَعُ، مِثْلَ عَدْلٍ ورِضا، وتَقُولُ العَرَبُ: أنا البَراءُ مِنكَ والخَلاءُ مِنكَ، ونَحْنُ البَراءُ مِنكَ والخَلاءُ، ولا يَقُولُونَ: البَراءانِ ولا البَراؤُونَ؛ لِأنَّ المَعْنى ذَوا البَراءِ وذَوُو البَراءِ، فَإنْ قُلْتَ بَرِيءٌ وخَلِيُّ ثَنَّيْتَ وجَمَعْتَ. ثُمَّ اسْتَثْنى خالِقَهُ مِنَ البَراءَةِ فَقالَ: ﴿إلّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ والمَعْنى: أنا أتَبَرَّأُ مِمّا تَعْبُدُونَ إلّا مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”إلّا“ بِمَعْنى ”لَكِنْ“، فَيَكُونُ المَعْنى: لَكِنَّ الَّذِي فَطَرَنِي فَإنَّهُ سَيَهْدِينِ، أيْ: سَيُرْشِدُنِي لِدِينِهِ ويُوَفِّقُنِي لِطاعَتِهِ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في آيَةٍ أُخْرى أنَّهُ قالَ: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهو يَهْدِينِ﴾ وحَكى عَنْهُ هَهُنا أنَّهُ قالَ: ﴿سَيَهْدِينِ﴾ فَأجْمَعُ بَيْنَهُما وقُدِّرَ كَأنَّهُ قالَ: فَهو يَهْدِينِ وسَيَهْدِينِ، فَيَدُلّانِ عَلى اسْتِمْرارِ الهِدايَةِ في الحالِ والِاسْتِقْبالِ ﴿وجَعَلَها﴾ أيْ: وجَعَلَ إبْراهِيمُ كَلِمَةَ التَّوْحِيدِ الَّتِي تَكَلَّمَ بِها، وهي قَوْلُهُ ﴿إنَّنِي بَراءٌ مِمّا تَعْبُدُونَ﴾ جارِيًا مَجْرى (لا إلَهَ)، وقَوْلُهُ ﴿إلّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ جارِيًا مَجْرى قَوْلِهِ (إلّا اللَّهُ)، فَكانَ مَجْمُوعُ قَوْلِهِ ﴿إنَّنِي بَراءٌ مِمّا تَعْبُدُونَ﴾ ﴿إلّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ جارِيًا مَجْرى قَوْلِهِ ﴿لا إلَهَ إلّا اللَّهُ﴾ [الصافات: ٣٥] ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ إبْراهِيمَ جَعَلَ هَذِهِ الكَلِمَةَ باقِيَةً في عَقِبِهِ، أيْ: في ذُرِّيَّتِهِ، فَلا يَزالُ فِيهِمْ مَن يُوَحِّدُ اللَّهَ ويَدْعُو إلى تَوْحِيدِهِ ﴿لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ أيْ لَعَلَّ مَن أشْرَكَ مِنهم يَرْجِعُ بِدُعاءِ مَن وحَّدَ مِنهم، وقِيلَ: وجَعَلَها اللَّهُ، وقُرِئَ ”كَلِمَةً“ عَلى التَّخْفِيفِ وفي ”عَقِيبِهِ“ . * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلاءِ وآباءَهُمْ﴾ يَعْنِي أهْلَ مَكَّةَ، وهم عَقِبُ إبْراهِيمَ، بِالمَدِّ في العُمُرِ والنِّعْمَةِ، فاغْتَرُّوا بِالمُهْلَةِ واشْتَغَلُوا بِالتَّنَعُّمِ واتِّباعِ الشَّهَواتِ وطاعَةِ الشَّيْطانِ عَنْ كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ ﴿حَتّى جاءَهُمُ الحَقُّ﴾ وهو القُرْآنُ ﴿ورَسُولٌ مُبِينٌ﴾ بَيَّنَ الرِّسالَةَ وأوْضَحَها بِما مَعَهُ مِنَ الآياتِ والبَيِّناتِ، فَكَذَّبُوا بِهِ وسَمَّوْهُ ساحِرًا، وما جاءَ بِهِ سِحْرًا، وكَفَرُوا بِهِ، ووَجْهُ النَّظْمِ أنَّهم لَمّا عَوَّلُوا عَلى تَقْلِيدِ الآباءِ ولَمْ يَتَفَكَّرُوا في الحُجَّةِ اغْتَرُّوا بِطُولِ الإمْهالِ وإمْتاعِ اللَّهِ إيّاهم بِنَعِيمِ الدُّنْيا، فَأعْرَضُوا عَنِ الحَقِّ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: إنْ قِيلَ: ما وجْهُ قِراءَةِ مَن قَرَأ ”مَتَّعْتَ“ بِفَتْحِ التّاءِ ؟ قُلْنا: كَأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ اعْتَرَضَ عَلى ذاتِهِ في قَوْلِهِ ﴿وجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً في عَقِبِهِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ فَقالَ: بَلْ مَتَّعْتُهم بِما مَتَّعْتُهم بِهِ مِن طُولِ العُمُرِ والسَّعَةِ في الرِّزْقِ حَتّى شَغَلَهم ذَلِكَ عَنْ كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ، وأرادَ بِذَلِكَ المُبالَغَةَ في تَعْيِيرِهِمْ؛ لِأنَّهُ إذا مَتَّعَهم بِزِيادَةِ النِّعَمِ وجَبَ عَلَيْهِمْ أنْ يَجْعَلُوا ذَلِكَ سَبَبًا في زِيادَةِ الشُّكْرِ والثَّباتِ عَلى التَّوْحِيدِ، لا أنْ يُشْرِكُوا بِهِ ويَجْعَلُوا لَهُ أنْدادًا، فَمِثالُهُ: أنْ يَشْكُوَ الرَّجُلُ إساءَةَ مَن أحْسَنَ إلَيْهِ ثُمَّ يُقْبِلُ عَلى نَفْسِهِ، فَيَقُولُ: أنْتَ السَّبَبُ في ذَلِكَ بِمَعْرُوفِكَ وإحْسانِكَ إلَيْهِ، وغَرَضُهُ بِهَذا الكَلامِ تَوْبِيخُ المُسِيءِ، لا تَقْبِيحُ فِعْلِ نَفْسِهِ.

الزخرف 43:31

قَوْلُهُ تَعالى ﴿وقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ صفحة ١٨٠ ﴿أهم يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهم مَعِيشَتَهم في الحَياةِ الدُّنْيا ورَفَعْنا بَعْضَهم فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهم بَعْضًا سُخْرِيًّا ورَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّ هَذا هو النَّوْعُ الرّابِعُ مِن كُفْرِيّاتِهِمُ الَّتِي حَكاها اللَّهُ تَعالى عَنْهم في هَذِهِ السُّورَةِ، وهَؤُلاءِ المَساكِينُ قالُوا: مَنصِبُ رِسالَةِ اللَّهِ مَنصِبٌ شَرِيفٌ، فَلا يَلِيقُ إلّا بِرَجُلٍ شَرِيفٍ، وقَدْ صَدَقُوا في ذَلِكَ؛ إلّا أنَّهم ضَمُّوا إلَيْهِ مُقَدِّمَةً فاسِدَةً، وهي أنَّ الرَّجُلَ الشَّرِيفَ هو الَّذِي يَكُونُ كَثِيرَ المالِ والجاهِ، ومُحَمَّدٌ لَيْسَ كَذَلِكَ، فَلا تَلِيقُ رِسالَةُ اللَّهِ بِهِ، وإنَّما يَلِيقُ هَذا المَنصِبُ بِرَجُلٍ عَظِيمِ الجاهِ كَثِيرِ المالِ في إحْدى القَرْيَتَيْنِ، وهي مَكَّةُ والطّائِفُ، قالَ المُفَسِّرُونَ: والَّذِي بِمَكَّةَ هو الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، والَّذِي بِالطّائِفِ هو عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيُّ، ثُمَّ أبْطَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الشُّبْهَةَ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: قَوْلُهُ ﴿أهم يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ﴾ وتَقْرِيرُ هَذا الجَوابِ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنّا أوْقَعْنا التَّفاوُتَ في مَناصِبِ الدُّنْيا ولَمْ يَقْدِرْ أحَدٌ مِنَ الخَلْقِ عَلى تَغْيِيرِهِ، فالتَّفاوُتُ الَّذِي أوْقَعْناهُ في مَناصِبِ الدِّينِ والنُّبُوَّةِ بِأنْ لا يَقْدِرُوا عَلى التَّصَرُّفِ فِيهِ كانَ أوْلى. وثانِيها: أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّ اخْتِصاصَ ذَلِكَ الغَنِيِّ بِذَلِكَ المالِ الكَثِيرِ إنَّما كانَ لِأجْلِ حُكْمِنا وفَضْلِنا وإحْسانِنا إلَيْهِ، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِالعَقْلِ أنْ نَجْعَلَ إحْسانَنا إلَيْهِ بِكَثْرَةِ المالِ حُجَّةً عَلَيْنا في أنْ نُحْسِنَ إلَيْهِ أيْضًا بِالنُّبُوَّةِ ؟ وثالِثُها: إنّا لَمّا أوْقَعْنا التَّفاوُتَ في الإحْسانِ بِمَناصِبِ الدُّنْيا لا لِسَبَبٍ سابِقٍ، فَلِمَ لا يَجُوزُ أيْضًا أنْ نُوقِعَ التَّفاوُتَ في الإحْسانِ بِمَناصِبِ الدِّينِ والنُّبُوَّةِ، لا لِسَبَبٍ سابِقٍ ؟ فَهَذا تَقْرِيرُ الجَوابِ، ونَرْجِعُ إلى تَفْسِيرِ الألْفاظِ، فَنَقُولُ: الهَمْزَةُ في قَوْلِهِ ﴿أهم يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ﴾ لِلْإنْكارِ الدّالِّ عَلى التَّجْهِيلِ والتَّعَجُّبِ مِن إعْراضِهِمْ وتَحَكُّمِهِمْ وأنْ يَكُونُوا هُمُ المُدَبِّرِينَ لِأمْرِ النُّبُوَّةِ، ثُمَّ ضَرَبَ لِهَذا مِثالًا فَقالَ: ﴿نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهم مَعِيشَتَهم في الحَياةِ الدُّنْيا ورَفَعْنا بَعْضَهم فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: أنّا أوْقَعْنا هَذا التَّفاوُتَ بَيْنَ العِبادِ في القُوَّةِ والضَّعْفِ والعِلْمِ والجَهْلِ والحَذاقَةِ والبَلاهَةِ والشُّهْرَةِ والخُمُولِ، وإنَّما فَعَلْنا ذَلِكَ لِأنّا لَوْ سَوَّيْنا بَيْنَهم في كُلِّ هَذِهِ الأحْوالِ لَمْ يَخْدُمْ أحَدٌ أحَدًا ولَمْ يَصِرْ أحَدٌ مِنهم مُسَخَّرًا لِغَيْرِهِ وحِينَئِذٍ يُفْضِي ذَلِكَ إلى خَرابِ العالَمِ وفَسادِ نِظامِ الدُّنْيا، ثُمَّ إنَّ أحَدًا مِنَ الخَلْقِ لَمْ يَقْدِرْ عَلى تَغْيِيرِ حُكْمِنا ولا عَلى الخُرُوجِ عَنْ قَضائِنا، فَإنْ عَجَزُوا عَنِ الإعْراضِ عَنْ حُكْمِنا في أحْوالِ الدُّنْيا مَعَ قِلَّتِها ودَناءَتِها، فَكَيْفَ يُمْكِنُهُمُ الِاعْتِراضُ عَلى حُكْمِنا وقَضائِنا في تَخْصِيصِ العِبادِ بِمَنصِبِ النُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ ؟ المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهم مَعِيشَتَهم في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ يَقْتَضِي أنْ تَكُونَ كُلُّ أقْسامِ مَعايِشِهِمْ إنَّما تَحْصُلُ بِحُكْمِ اللَّهِ وتَقْدِيرِهِ، وهَذا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ الرِّزْقُ الحَرامُ والحَلالُ كُلُّهُ مِنَ اللَّهِ تَعالى. والوَجْهُ الثّانِي في الجَوابِ: ما هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ ﴿ورَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾ ؟ وتَقْرِيرُهُ أنَّ اللَّهَ تَعالى إذا خَصَّ بَعْضَ عَبِيدِهِ بِنَوْعِ فَضْلِهِ ورَحْمَتِهِ في الدِّينِ فَهَذِهِ الرَّحْمَةُ خَيْرٌ مِنَ الأمْوالِ الَّتِي يَجْمَعُها؛ لِأنَّ الدُّنْيا عَلى شَرَفِ الِانْقِضاءِ والِانْقِراضِ، وفَضْلُ اللَّهِ ورَحْمَتُهُ تَبْقى أبَدَ الآبادِ.

الزخرف 43:32

قَوْلُهُ تَعالى ﴿وقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ صفحة ١٨٠ ﴿أهم يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهم مَعِيشَتَهم في الحَياةِ الدُّنْيا ورَفَعْنا بَعْضَهم فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهم بَعْضًا سُخْرِيًّا ورَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّ هَذا هو النَّوْعُ الرّابِعُ مِن كُفْرِيّاتِهِمُ الَّتِي حَكاها اللَّهُ تَعالى عَنْهم في هَذِهِ السُّورَةِ، وهَؤُلاءِ المَساكِينُ قالُوا: مَنصِبُ رِسالَةِ اللَّهِ مَنصِبٌ شَرِيفٌ، فَلا يَلِيقُ إلّا بِرَجُلٍ شَرِيفٍ، وقَدْ صَدَقُوا في ذَلِكَ؛ إلّا أنَّهم ضَمُّوا إلَيْهِ مُقَدِّمَةً فاسِدَةً، وهي أنَّ الرَّجُلَ الشَّرِيفَ هو الَّذِي يَكُونُ كَثِيرَ المالِ والجاهِ، ومُحَمَّدٌ لَيْسَ كَذَلِكَ، فَلا تَلِيقُ رِسالَةُ اللَّهِ بِهِ، وإنَّما يَلِيقُ هَذا المَنصِبُ بِرَجُلٍ عَظِيمِ الجاهِ كَثِيرِ المالِ في إحْدى القَرْيَتَيْنِ، وهي مَكَّةُ والطّائِفُ، قالَ المُفَسِّرُونَ: والَّذِي بِمَكَّةَ هو الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، والَّذِي بِالطّائِفِ هو عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيُّ، ثُمَّ أبْطَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الشُّبْهَةَ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: قَوْلُهُ ﴿أهم يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ﴾ وتَقْرِيرُ هَذا الجَوابِ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنّا أوْقَعْنا التَّفاوُتَ في مَناصِبِ الدُّنْيا ولَمْ يَقْدِرْ أحَدٌ مِنَ الخَلْقِ عَلى تَغْيِيرِهِ، فالتَّفاوُتُ الَّذِي أوْقَعْناهُ في مَناصِبِ الدِّينِ والنُّبُوَّةِ بِأنْ لا يَقْدِرُوا عَلى التَّصَرُّفِ فِيهِ كانَ أوْلى. وثانِيها: أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّ اخْتِصاصَ ذَلِكَ الغَنِيِّ بِذَلِكَ المالِ الكَثِيرِ إنَّما كانَ لِأجْلِ حُكْمِنا وفَضْلِنا وإحْسانِنا إلَيْهِ، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِالعَقْلِ أنْ نَجْعَلَ إحْسانَنا إلَيْهِ بِكَثْرَةِ المالِ حُجَّةً عَلَيْنا في أنْ نُحْسِنَ إلَيْهِ أيْضًا بِالنُّبُوَّةِ ؟ وثالِثُها: إنّا لَمّا أوْقَعْنا التَّفاوُتَ في الإحْسانِ بِمَناصِبِ الدُّنْيا لا لِسَبَبٍ سابِقٍ، فَلِمَ لا يَجُوزُ أيْضًا أنْ نُوقِعَ التَّفاوُتَ في الإحْسانِ بِمَناصِبِ الدِّينِ والنُّبُوَّةِ، لا لِسَبَبٍ سابِقٍ ؟ فَهَذا تَقْرِيرُ الجَوابِ، ونَرْجِعُ إلى تَفْسِيرِ الألْفاظِ، فَنَقُولُ: الهَمْزَةُ في قَوْلِهِ ﴿أهم يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ﴾ لِلْإنْكارِ الدّالِّ عَلى التَّجْهِيلِ والتَّعَجُّبِ مِن إعْراضِهِمْ وتَحَكُّمِهِمْ وأنْ يَكُونُوا هُمُ المُدَبِّرِينَ لِأمْرِ النُّبُوَّةِ، ثُمَّ ضَرَبَ لِهَذا مِثالًا فَقالَ: ﴿نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهم مَعِيشَتَهم في الحَياةِ الدُّنْيا ورَفَعْنا بَعْضَهم فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: أنّا أوْقَعْنا هَذا التَّفاوُتَ بَيْنَ العِبادِ في القُوَّةِ والضَّعْفِ والعِلْمِ والجَهْلِ والحَذاقَةِ والبَلاهَةِ والشُّهْرَةِ والخُمُولِ، وإنَّما فَعَلْنا ذَلِكَ لِأنّا لَوْ سَوَّيْنا بَيْنَهم في كُلِّ هَذِهِ الأحْوالِ لَمْ يَخْدُمْ أحَدٌ أحَدًا ولَمْ يَصِرْ أحَدٌ مِنهم مُسَخَّرًا لِغَيْرِهِ وحِينَئِذٍ يُفْضِي ذَلِكَ إلى خَرابِ العالَمِ وفَسادِ نِظامِ الدُّنْيا، ثُمَّ إنَّ أحَدًا مِنَ الخَلْقِ لَمْ يَقْدِرْ عَلى تَغْيِيرِ حُكْمِنا ولا عَلى الخُرُوجِ عَنْ قَضائِنا، فَإنْ عَجَزُوا عَنِ الإعْراضِ عَنْ حُكْمِنا في أحْوالِ الدُّنْيا مَعَ قِلَّتِها ودَناءَتِها، فَكَيْفَ يُمْكِنُهُمُ الِاعْتِراضُ عَلى حُكْمِنا وقَضائِنا في تَخْصِيصِ العِبادِ بِمَنصِبِ النُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ ؟ المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهم مَعِيشَتَهم في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ يَقْتَضِي أنْ تَكُونَ كُلُّ أقْسامِ مَعايِشِهِمْ إنَّما تَحْصُلُ بِحُكْمِ اللَّهِ وتَقْدِيرِهِ، وهَذا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ الرِّزْقُ الحَرامُ والحَلالُ كُلُّهُ مِنَ اللَّهِ تَعالى. والوَجْهُ الثّانِي في الجَوابِ: ما هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ ﴿ورَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾ ؟ وتَقْرِيرُهُ أنَّ اللَّهَ تَعالى إذا خَصَّ بَعْضَ عَبِيدِهِ بِنَوْعِ فَضْلِهِ ورَحْمَتِهِ في الدِّينِ فَهَذِهِ الرَّحْمَةُ خَيْرٌ مِنَ الأمْوالِ الَّتِي يَجْمَعُها؛ لِأنَّ الدُّنْيا عَلى شَرَفِ الِانْقِضاءِ والِانْقِراضِ، وفَضْلُ اللَّهِ ورَحْمَتُهُ تَبْقى أبَدَ الآبادِ.

الزخرف 43:33

قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولَوْلا أنْ يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِن فَضَّةٍ ومَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ﴾ ﴿ولِبُيُوتِهِمْ أبْوابًا وسُرُرًا عَلَيْها يَتَّكِئُونَ﴾ ﴿وزُخْرُفًا وإنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمّا مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا والآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ﴿ومَن يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا فَهو لَهُ قَرِينٌ﴾ ﴿وإنَّهم لَيَصُدُّونَهم عَنِ السَّبِيلِ ويَحْسَبُونَ أنَّهم مُهْتَدُونَ﴾ ﴿حَتّى إذا جاءَنا قالَ يالَيْتَ بَيْنِي وبَيْنَكَ بُعْدَ المَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ القَرِينُ﴾ ﴿ولَنْ يَنْفَعَكُمُ اليَوْمَ إذْ ظَلَمْتُمْ أنَّكم في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ وفِي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى أجابَ عَنِ الشُّبْهَةِ الَّتِي ذَكَرُوها بِناءً عَلى تَفْضِيلِ الغَنِيِّ عَلى الفَقِيرِ بِوَجْهٍ ثالِثٍ، وهو أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ مَنافِعَ الدُّنْيا وطَيِّباتِها حَقِيرَةٌ خَسِيسَةٌ عِنْدَ اللَّهِ وبَيَّنَ حَقارَتَها بِقَوْلِهِ ﴿ولَوْلا أنْ يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً﴾، والمَعْنى: لَوْلا أنْ يَرْغَبَ النّاسُ في الكُفْرِ إذا رَأوُا الكافِرَ في سَعَةٍ مِنَ الخَيْرِ والرِّزْقِ لَأعْطَيْتُهم أكْثَرَ الأسْبابِ المُفِيدَةِ لِلتَّنَعُّمِ: أحَدُها: أنْ يَكُونَ سَقْفُهم مِن فِضَّةٍ. وثانِيها: مَعارِجُ أيْضًا مِن فِضَّةٍ عَلَيْها يَظْهَرُونَ. وثالِثُها: أنْ نَجْعَلَ لِبُيُوتِهِمْ أبْوابًا مِن فِضَّةٍ وسُرُرًا أيْضًا مِن فِضَّةٍ عَلَيْها يَتَّكِئُونَ. ثُمَّ قالَ: (وزُخْرُفًا) ولَهُ تَفْسِيرانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الذَّهَبُ. والثّانِي: أنَّهُ الزِّينَةُ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى إذا أخَذَتِ الأرْضُ زُخْرُفَها وازَّيَّنَتْ﴾ [يُونُسَ: ٢٤] فَعَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ يَكُونُ المَعْنى: ونَجْعَلُ لَهم مَعَ ذَلِكَ ذَهَبًا كَثِيرًا، وعَلى الثّانِي: أنّا نُعْطِيهِمْ زِينَةً عَظِيمَةً في كُلِّ بابٍ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ كُلَّ ذَلِكَ مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا، وإنَّما سَمّاهُ مَتاعًا؛ لِأنَّ الإنْسانَ يَسْتَمْتِعُ بِهِ قَلِيلًا ثُمَّ يَنْقَضِي في الحالِ، وأمّا الآخِرَةُ فَهي باقِيَةٌ دائِمَةٌ، وهي عِنْدَ اللَّهِ تَعالى وفي حُكْمِهِ لِلْمُتَّقِينَ عَنْ حُبِّ الدُّنْيا، المُقْبِلِينَ عَلى حُبِّ المَوْلى، وحاصِلُ الجَوابِ أنَّ أُولَئِكَ الجُهّالَ ظَنُّوا أنَّ الرَّجُلَ الغَنِيَّ أوْلى بِمَنصِبِ الرِّسالَةِ مِن مُحَمَّدٍ بِسَبَبِ فَقْرِهِ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ المالَ والجاهَ حَقِيرانِ عِنْدَ اللَّهِ، وأنَّهُما عَلى شَرَفِ الزَّوالِ، فَحُصُولُهُما لا يُفِيدُ حُصُولَ الشَّرَفِ، واللَّهُ أعْلَمُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو: ”سَقْفًا“ بِفَتْحِ السِّينِ وسُكُونِ القافِ عَلى لَفْظِ الواحِدِ لِإرادَةِ الجِنْسِ، كَما في قَوْلِهِ ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ﴾ [النَّحْلِ: ٢٦] والباقُونَ: ”سُقُفًا“ عَلى الجَمْعِ، واخْتَلَفُوا، فَقِيلَ: هو جَمْعُ سَقْفٍ، كَرَهْنٍ ورُهُنٍ، قالَ أبُو عُبَيْدٍ: ولا ثالِثَ لَهُما، وقِيلَ: السُّقُفُ جَمْعُ سُقُوفٍ، كَرُهُنٍ ورُهُونٍ وزُبُرٍ وزُبُورٍ، فَهو جَمْعُ الجَمْعِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ ﴿لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ﴾ فَقَوْلُهُ (لِبُيُوتِهِمْ) بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن قَوْلِهِ (لِمَن يَكْفُرُ) قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قُرِئَ: مَعارِجَ، ومَعارِيجَ، والمَعارِجُ جَمْعُ مَعْرَجٍ، أوِ اسْمُ جَمْعٍ لِمِعْراجٍ، وهي المَصاعِدُ إلى المَساكِنِ العالِيَةِ كالدَّرَجِ والسَّلالِمِ عَلَيْها يَظْهَرُونَ، أيْ عَلى تِلْكَ المَعارِجِ يَظْهَرُونَ، وفي نَصْبِ صفحة ١٨٢ قَوْلِهِ (وزُخْرُفًا) قَوْلانِ، قِيلَ: لَجَعَلْنا لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِن فِضَّةٍ ولَجَعَلْنا لَهم زُخْرُفًا، وقِيلَ: مِن فِضَّةٍ وزُخْرُفٍ، فَلَمّا حَذَفَ الخافِضَ انْتَصَبَ. وأمّا قَوْلُهُ ﴿وإنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمّا مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ قَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ (لَمّا) بِتَشْدِيدِ المِيمِ، والباقُونَ بِالتَّخْفِيفِ، وأمّا قِراءَةُ حَمْزَةَ بِالتَّشْدِيدِ فَإنَّهُ جَعَلَ ”لَمّا“ في مَعْنى ”إلّا“، وحَكى سِيبَوَيْهِ: نَشَدْتُكَ بِاللَّهِ لَما فَعَلْتَ، بِمَعْنى: إلّا فَعَلْتَ، ويُقَوِّي هَذِهِ القِراءَةَ أنَّ في حِرَفِ أُبَيٍّ: ”وما ذَلِكَ إلّا مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا“، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ ”لَمّا“ بِمَعْنى ”إلّا“، وأمّا القِراءَةُ بِالتَّخْفِيفِ، فَقالَ الواحِدِيُّ: لَفْظَةُ ”ما“ لَغْوٌ، والتَّقْدِيرُ: لَمَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا، قالَ أبُو الحَسَنِ: الوَجْهُ التَّخْفِيفُ، لِأنَّ ”لَمّا“ بِمَعْنى ”إلّا“ لا تُعْرَفُ، وحُكِيَ عَنِ الكِسائِيِّ أنَّهُ قالَ: لا أعْرِفُ وجْهَ التَّثْقِيلِ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ تَعالى إنَّما لَمْ يُعْطِ النّاسَ نِعَمَ الدُّنْيا، لِأجْلِ أنَّهُ لَوْ فَعَلَ بِهِمْ ذَلِكَ لَدَعاهم ذَلِكَ إلى الكُفْرِ، فَهو تَعالى لَمْ يَفْعَلْ بِهِمْ ذَلِكَ لِأجْلِ أنْ لا يَدْعُوهم إلى الكُفْرِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أحْكامٍ: أحَدُها: أنَّهُ إذا لَمْ يَفْعَلْ بِهِمْ ما يَدْعُوهم إلى الكُفْرِ، فَلَأنْ لا يَخْلُقَ فِيهِمُ الكُفْرَ أوْلى. وثانِيها: أنَّهُ ثَبَتَ أنَّ فِعْلَ اللُّطْفِ قائِمٌ مَقامَ إزاحَةِ العُذْرِ والعِلَّةِ، فَلَمّا بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ إزاحَةً لِلْعُذْرِ والعِلَّةِ عَنْهم، دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ يَجِبُ أنْ يَفْعَلَ بِهِمْ كُلَّ ما كانَ لُطْفًا داعِيًا لَهم إلى الإيمانِ، فَصارَتْ هَذِهِ الآيَةُ مِن هَذا الوَجْهِ دالَّةً عَلى أنَّهُ يَجِبُ عَلى اللَّهِ تَعالى فِعْلُ اللُّطْفِ. وثالِثُها: أنَّهُ ثَبَتَ بِهَذِهِ الآيَةِ أنَّ اللَّهَ تَعالى إنَّما يَفْعَلُ ما يَفْعَلُهُ ويَتْرُكُ ما يَتْرُكُهُ لِأجْلِ حِكْمَةٍ ومَصْلَحَةٍ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى تَعْلِيلِ أحْكامِ اللَّهِ تَعالى وأفْعالِهِ بِالمَصالِحِ والعِلَلِ، فَإنْ قِيلَ: لَمّا بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ لَوْ فَتَحَ عَلى الكافِرِ أبْوابَ النِّعَمِ، لَصارَ ذَلِكَ سَبَبًا لِاجْتِماعِ النّاسِ عَلى الكُفْرِ، فَلِمَ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ بِالمُسْلِمِينَ حَتّى يَصِيرَ ذَلِكَ سَبَبًا لِاجْتِماعِ النّاسِ عَلى الإسْلامِ ؟ قُلْنا: لِأنَّ النّاسَ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ كانُوا يَجْتَمِعُونَ عَلى الإسْلامِ لِطَلَبِ الدُّنْيا، وهَذا الإيمانُ إيمانُ المُنافِقِينَ، فَكانَ الأصْوَبُ أنْ يُضَيَّقَ الأمْرُ عَلى المُسْلِمِينَ، حَتّى أنَّ كُلَّ مَن دَخَلَ الإسْلامَ، فَإنَّما يَدْخُلُ فِيهِ لِمُتابَعَةِ الدَّلِيلِ ولِطَلَبِ رِضْوانِ اللَّهِ تَعالى، فَحِينَئِذٍ يَعْظُمُ ثَوابُهُ لِهَذا السَّبَبِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ومَن يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا فَهو لَهُ قَرِينٌ﴾ والمُرادُ مِنهُ التَّنْبِيهُ عَلى آفاتِ الدُّنْيا، وذَلِكَ أنَّ مَن فازَ بِالمالِ والجاهِ صارَ كالأعْشى عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، ومَن صارَ كَذَلِكَ صارَ مِن جُلَساءِ الشَّياطِينِ الضّالِّينَ المُضِلِّينَ، فَهَذا وجْهُ تَعَلُّقِ هَذا الكَلامِ بِما قَبْلَهُ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قُرِئَ ”ومَن يَعْشُ“ بِضَمِّ الشِّينِ وفَتْحِها، والفَرْقُ بَيْنَهُما أنَّهُ إذا حَصَلَتِ الآفَةُ في بَصَرِهِ قِيلَ عَشِيَ، وإذا نَظَرَ نَظَرَ العَشِيِّ ولا آفَةَ بِهِ، قِيلَ عَشى، ونَظِيرُهُ عَرِجَ لِمَن بِهِ الآفَةُ، وعَرَجَ لِمَن مَشى مِشْيَةَ العِرْجانِ مِن غَيْرِ عَرَجٍ، قالَ الحُطَيْئَةُ: مَتى تَأْتِهِ تَعْشُو إلى ضَوْءِ نارِهِ أيْ تَنْظُرْ إلَيْها نَظَرَ العَشِيِّ، لِما يُضْعِفُ بَصَرَكَ مِن عِظَمِ الوَقُودِ واتِّساعِ الضَّوْءِ، وقُرِئَ ”يَعْشُو“ عَلى أنَّ ”مَن“ مَوْصُولَةٌ غَيْرُ مُضَمَّنَةٍ مَعْنى الشَّرْطِ، وحَقُّ هَذا القارِئِ أنْ يَرْفَعَ ”نُقَيِّضُ“، ومَعْنى القِراءَةِ بِالفَتْحِ: ومَن يَعْمَ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ وهو القُرْآنُ، لِقَوْلِهِ ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ وأمّا القِراءَةُ بِالضَّمِّ، فَمَعْناها: ومَن يَتَعامَّ عَنْ ذِكْرِهِ، أيْ: يَعْرِفُ أنَّهُ الحَقُّ وهو يَتَجاهَلُ ويَتَعامى، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَحَدُوا بِها واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهُمْ﴾ [النَّمْلِ: ١٤]، و﴿نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا﴾ قالَ مُقاتِلٌ: نَضُمُّ إلَيْهِ شَيْطانًا ﴿فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ . * * * ثُمَّ قالَ: ﴿وإنَّهم لَيَصُدُّونَهم عَنِ السَّبِيلِ﴾ يَعْنِي: وإنَّ الشَّياطِينَ لَيَصُدُّونَهم عَنْ سَبِيلِ الهُدى والحَقِّ، وذَكَرَ صفحة ١٨٣ الكِنايَةَ عَنِ الإنْسانِ والشَّياطِينِ بِلَفْظِ الجَمْعِ، لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿ومَن يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا﴾ يُفِيدُ الجَمْعَ، وإنْ كانَ اللَّفْظُ عَلى الواحِدِ ﴿ويَحْسَبُونَ أنَّهم مُهْتَدُونَ﴾ يَعْنِي الشَّياطِينَ يَصُدُّونَ الكُفّارَ عَنِ السَّبِيلِ، والكُفّارُ يَحْسَبُونَ أنَّهم مُهْتَدُونَ، ثُمَّ عادَ إلى لَفْظِ الواحِدِ، فَقالَ: ﴿حَتّى إذا جاءَنا﴾ يَعْنِي الكافِرَ، وقُرِئَ (جاءانا)، يَعْنِي الكافِرَ وشَيْطانَهُ، رُوِيَ: أنَّ الكافِرَ إذا بُعِثَ يَوْمَ القِيامَةِ مِن قَبْرِهِ أخَذَ شَيْطانُهُ بِيَدِهِ، فَلَمْ يُفارِقْهُ حَتّى يُصَيِّرَهُما اللَّهُ إلى النّارِ، فَذَلِكَ حَيْثُ يَقُولُ: ﴿قالَ يالَيْتَ بَيْنِي وبَيْنَكَ بُعْدَ المَشْرِقَيْنِ﴾ والمُرادُ: يا لَيْتَ حَصَلَ بَيْنِي وبَيْنَكَ بُعْدٌ عَلى أعْظَمِ الوُجُوهِ، واخْتَلَفُوا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ ﴿بُعْدَ المَشْرِقَيْنِ﴾ وذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا: الأوَّلُ: قالَ الأكْثَرُونَ: المُرادُ بُعْدُ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ، ومِن عادَةِ العَرَبِ تَسْمِيَةُ الشَّيْئَيْنِ المُتَقابِلَيْنِ بِاسْمِ أحَدِهِما، قالَ الفَرَزْدَقُ: لَنا قَمَراها والنُّجُومُ الطَّوالِعُ يُرِيدُ الشَّمْسَ والقَمَرَ، ويَقُولُونَ لِلْكُوفَةِ والبَصْرَةِ: البَصْرَتانِ، ولِلْغَداةِ والعَصْرِ: العَصْرانِ، ولِأبِي بَكْرٍ وعُمَرَ: العُمَرانُ، ولِلْماءِ والتَّمْرِ: الأسْوَدانِ. الثّانِي: أنَّ أهْلَ النُّجُومِ يَقُولُونَ: الحَرَكَةُ الَّتِي تَكُونُ مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ هي حَرَكَةُ الفَلَكِ الأعْظَمِ، والحَرَكَةُ الَّتِي مِنَ المَغْرِبِ إلى المَشْرِقِ هي حَرَكَةُ الكَواكِبِ الثّابِتَةِ، وحَرَكَةُ الأفْلاكِ المُمَثَّلَةِ الَّتِي لِلسَّيّاراتِ سِوى القَمَرِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فالمَشْرِقُ والمَغْرِبُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما مَشْرِقٌ بِالنِّسْبَةِ إلى شَيْءٍ آخَرَ، فَثَبَتَ أنَّ إطْلاقَ لَفْظِ المَشْرِقِ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنَ الجِهَتَيْنِ حَقِيقَةٌ. الثّالِثُ: قالُوا: يُحْمَلُ ذَلِكَ عَلى مَشْرِقِ الصَّيْفِ ومَشْرِقِ الشِّتاءِ، وبَيْنَهُما بُعْدٌ عَظِيمٌ، وهَذا بَعِيدٌ عِنْدِي، لِأنَّ المَقْصُودَ مِن قَوْلِهِ ﴿قالَ يالَيْتَ بَيْنِي وبَيْنَكَ بُعْدَ المَشْرِقَيْنِ﴾ المُبالَغَةُ في حُصُولِ البُعْدِ، وهَذِهِ المُبالَغَةُ إنَّما تَحْصُلُ عَنْ ذِكْرِ بُعْدٍ لا يُمْكِنُ وُجُودُ بُعْدٍ آخَرَ أزْيَدَ مِنهُ، والبُعْدُ بَيْنَ مَشْرِقِ الصَّيْفِ ومَشْرِقِ الشِّتاءِ لَيْسَ كَذَلِكَ، فَيَبْعُدُ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلَيْهِ. الرّابِعُ: وهو أنَّ الحِسَّ يَدُلُّ عَلى أنَّ الحَرَكَةَ اليَوْمِيَّةَ إنَّما تَحْصُلُ بِطُلُوعِ الشَّمْسِ مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ، وأمّا القَمَرُ فَإنَّهُ يَظْهَرُ في أوَّلِ الشَّهْرِ في جانِبِ المَغْرِبِ، ثُمَّ لا يَزالُ يَتَقَدَّمُ إلى جانِبِ المَشْرِقِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ مَشْرِقَ حَرَكَةِ القَمَرِ هو المَغْرِبُ، وإذا ثَبَتَ هَذا فالجانِبُ المُسَمّى بِالمَشْرِقِ هو مَشْرِقُ الشَّمْسِ، ولَكِنَّهُ مَغْرِبُ القَمَرِ، وأمّا الجانِبُ المُسَمّى بِالمَغْرِبِ، فَإنَّهُ مَشْرِقُ القَمَرِ ولَكِنَّهُ مَغْرِبُ الشَّمْسِ، وبِهَذا التَّقْدِيرِ يَصِحُّ تَسْمِيَةُ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ بِالمَشْرِقَيْنِ، ولَعَلَّ هَذا الوَجْهَ أقْرَبُ إلى مُطابَقَةِ اللَّفْظِ ورِعايَةِ المَقْصُودِ مِن سائِرِ الوُجُوهِ، واللَّهُ أعْلَمُ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَبِئْسَ القَرِينُ﴾ أيِ الكافِرُ يَقُولُ لِذَلِكَ الشَّيْطانِ ﴿يالَيْتَ بَيْنِي وبَيْنَكَ بُعْدَ المَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ القَرِينُ﴾ أنْتَ، فَهَذا ما يَتَعَلَّقُ بِتَفْسِيرِ الألْفاظِ، والمَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ تَحْقِيرُ الدُّنْيا وبَيانُ ما في المالِ والجاهِ مِنَ المَضارِّ العَظِيمَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ كَثْرَةَ المالِ والجاهَ تَجْعَلُ الإنْسانَ كالأعْشى عَنْ مُطالَعَةِ ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى، ومَن صارَ كَذَلِكَ صارَ جَلِيسًا لِلشَّيْطانِ، ومَن صارَ كَذَلِكَ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِ الهُدى والحَقِّ، وبَقِيَ جَلِيسَ الشَّيْطانِ في الدُّنْيا وفي القِيامَةِ، ومُجالَسَةُ الشَّيْطانِ حالَةٌ تُوجِبُ الضَّرَرَ الشَّدِيدَ في القِيامَةِ بِحَيْثُ يَقُولُ الكافِرُ ﴿يالَيْتَ بَيْنِي وبَيْنَكَ بُعْدَ المَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ القَرِينُ﴾ أنْتَ. فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا أنَّ كَثْرَةَ المالِ والجاهَ تُوجِبُ كَمالَ النُّقْصانِ والحِرْمانِ في الدِّينِ والدُّنْيا، وإذا ظَهَرَ هَذا فَقَدْ ظَهَرَ أنَّ الَّذِينَ قالُوا ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ قالُوا كَلامًا فاسِدًا وشُبْهَةً باطِلَةً. صفحة ١٨٤ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَنْ يَنْفَعَكُمُ اليَوْمَ إذْ ظَلَمْتُمْ أنَّكم في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ فَقَوْلُهُ (أنَّكم) في مَحَلِّ الرَّفْعِ عَلى الفاعِلِيَّةِ، يَعْنِي: ولَنْ يَنْفَعَكُمُ اليَوْمَ كَوْنُكم مُشْتَرِكِينَ في العَذابِ، والسَّبَبُ فِيهِ أنَّ النّاسَ يَقُولُونَ: المُصِيبَةُ إذا عَمَّتْ طابَتْ، وقالَتِ الخَنْساءُ في هَذا المَعْنى: ولَوْلا كَثْرَةُ الباكِينَ حَوْلِي ∗∗∗ عَلى إخْوانِهِمْ لَقَتَلْتُ نَفْسِي ولا يَبْكُونَ مِثْلَ أخِي ولَكِنْ ∗∗∗ أُعَزِّي النَّفْسَ عَنْهُ بِالتَّأسِّي فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ حُصُولَ الشَّرِكَةِ في ذَلِكَ العَذابِ لا يُفِيدُ التَّخْفِيفَ كَما كانَ يُفِيدُهُ في الدُّنْيا، والسَّبَبُ فِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ ذَلِكَ العَذابَ شَدِيدٌ، فاشْتِغالُ كُلِّ واحِدٍ بِنَفْسِهِ يُذْهِلُهُ عَنْ حالِ الآخَرِ، فَلا جَرَمَ الشَّرِكَةُ لا تُفِيدُ الخِفَّةَ. الثّانِي: أنَّ قَوْمًا إذا اشْتَرَكُوا في العَذابِ أعانَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم صاحِبَهُ بِما قَدَرَ عَلَيْهِ، فَيَحْصُلُ بِسَبَبِهِ بَعْضُ التَّخْفِيفِ، وهَذا المَعْنى مُتَعَذِّرٌ في القِيامَةِ. الثّالِثُ: أنَّ جُلُوسَ الإنْسانِ مَعَ قَرِينِهِ يُفِيدُهُ أنْواعًا كَثِيرَةً مِنَ السَّلْوَةِ. فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ الشَّيْطانَ وإنْ كانَ قَرِينًا إلّا أنَّ مُجالَسَتَهُ في القِيامَةِ لا تُوجِبُ السَّلْوَةَ وخِفَّةَ العُقُوبَةِ، وفي كِتابِ ابْنِ مُجاهِدٍ عَنِ ابْنِ عامِرٍ قَرَأ: ”إذْ ظَلَمْتُمْ إنَّكم“ بِكَسْرِ الألِفِ، وقَرَأ الباقُونَ: ”أنَّكم“ بِفَتْحِ الألِفِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

الزخرف 43:34

قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولَوْلا أنْ يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِن فَضَّةٍ ومَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ﴾ ﴿ولِبُيُوتِهِمْ أبْوابًا وسُرُرًا عَلَيْها يَتَّكِئُونَ﴾ ﴿وزُخْرُفًا وإنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمّا مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا والآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ﴿ومَن يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا فَهو لَهُ قَرِينٌ﴾ ﴿وإنَّهم لَيَصُدُّونَهم عَنِ السَّبِيلِ ويَحْسَبُونَ أنَّهم مُهْتَدُونَ﴾ ﴿حَتّى إذا جاءَنا قالَ يالَيْتَ بَيْنِي وبَيْنَكَ بُعْدَ المَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ القَرِينُ﴾ ﴿ولَنْ يَنْفَعَكُمُ اليَوْمَ إذْ ظَلَمْتُمْ أنَّكم في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ وفِي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى أجابَ عَنِ الشُّبْهَةِ الَّتِي ذَكَرُوها بِناءً عَلى تَفْضِيلِ الغَنِيِّ عَلى الفَقِيرِ بِوَجْهٍ ثالِثٍ، وهو أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ مَنافِعَ الدُّنْيا وطَيِّباتِها حَقِيرَةٌ خَسِيسَةٌ عِنْدَ اللَّهِ وبَيَّنَ حَقارَتَها بِقَوْلِهِ ﴿ولَوْلا أنْ يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً﴾، والمَعْنى: لَوْلا أنْ يَرْغَبَ النّاسُ في الكُفْرِ إذا رَأوُا الكافِرَ في سَعَةٍ مِنَ الخَيْرِ والرِّزْقِ لَأعْطَيْتُهم أكْثَرَ الأسْبابِ المُفِيدَةِ لِلتَّنَعُّمِ: أحَدُها: أنْ يَكُونَ سَقْفُهم مِن فِضَّةٍ. وثانِيها: مَعارِجُ أيْضًا مِن فِضَّةٍ عَلَيْها يَظْهَرُونَ. وثالِثُها: أنْ نَجْعَلَ لِبُيُوتِهِمْ أبْوابًا مِن فِضَّةٍ وسُرُرًا أيْضًا مِن فِضَّةٍ عَلَيْها يَتَّكِئُونَ. ثُمَّ قالَ: (وزُخْرُفًا) ولَهُ تَفْسِيرانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الذَّهَبُ. والثّانِي: أنَّهُ الزِّينَةُ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى إذا أخَذَتِ الأرْضُ زُخْرُفَها وازَّيَّنَتْ﴾ [يُونُسَ: ٢٤] فَعَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ يَكُونُ المَعْنى: ونَجْعَلُ لَهم مَعَ ذَلِكَ ذَهَبًا كَثِيرًا، وعَلى الثّانِي: أنّا نُعْطِيهِمْ زِينَةً عَظِيمَةً في كُلِّ بابٍ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ كُلَّ ذَلِكَ مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا، وإنَّما سَمّاهُ مَتاعًا؛ لِأنَّ الإنْسانَ يَسْتَمْتِعُ بِهِ قَلِيلًا ثُمَّ يَنْقَضِي في الحالِ، وأمّا الآخِرَةُ فَهي باقِيَةٌ دائِمَةٌ، وهي عِنْدَ اللَّهِ تَعالى وفي حُكْمِهِ لِلْمُتَّقِينَ عَنْ حُبِّ الدُّنْيا، المُقْبِلِينَ عَلى حُبِّ المَوْلى، وحاصِلُ الجَوابِ أنَّ أُولَئِكَ الجُهّالَ ظَنُّوا أنَّ الرَّجُلَ الغَنِيَّ أوْلى بِمَنصِبِ الرِّسالَةِ مِن مُحَمَّدٍ بِسَبَبِ فَقْرِهِ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ المالَ والجاهَ حَقِيرانِ عِنْدَ اللَّهِ، وأنَّهُما عَلى شَرَفِ الزَّوالِ، فَحُصُولُهُما لا يُفِيدُ حُصُولَ الشَّرَفِ، واللَّهُ أعْلَمُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو: ”سَقْفًا“ بِفَتْحِ السِّينِ وسُكُونِ القافِ عَلى لَفْظِ الواحِدِ لِإرادَةِ الجِنْسِ، كَما في قَوْلِهِ ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ﴾ [النَّحْلِ: ٢٦] والباقُونَ: ”سُقُفًا“ عَلى الجَمْعِ، واخْتَلَفُوا، فَقِيلَ: هو جَمْعُ سَقْفٍ، كَرَهْنٍ ورُهُنٍ، قالَ أبُو عُبَيْدٍ: ولا ثالِثَ لَهُما، وقِيلَ: السُّقُفُ جَمْعُ سُقُوفٍ، كَرُهُنٍ ورُهُونٍ وزُبُرٍ وزُبُورٍ، فَهو جَمْعُ الجَمْعِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ ﴿لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ﴾ فَقَوْلُهُ (لِبُيُوتِهِمْ) بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن قَوْلِهِ (لِمَن يَكْفُرُ) قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قُرِئَ: مَعارِجَ، ومَعارِيجَ، والمَعارِجُ جَمْعُ مَعْرَجٍ، أوِ اسْمُ جَمْعٍ لِمِعْراجٍ، وهي المَصاعِدُ إلى المَساكِنِ العالِيَةِ كالدَّرَجِ والسَّلالِمِ عَلَيْها يَظْهَرُونَ، أيْ عَلى تِلْكَ المَعارِجِ يَظْهَرُونَ، وفي نَصْبِ صفحة ١٨٢ قَوْلِهِ (وزُخْرُفًا) قَوْلانِ، قِيلَ: لَجَعَلْنا لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِن فِضَّةٍ ولَجَعَلْنا لَهم زُخْرُفًا، وقِيلَ: مِن فِضَّةٍ وزُخْرُفٍ، فَلَمّا حَذَفَ الخافِضَ انْتَصَبَ. وأمّا قَوْلُهُ ﴿وإنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمّا مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ قَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ (لَمّا) بِتَشْدِيدِ المِيمِ، والباقُونَ بِالتَّخْفِيفِ، وأمّا قِراءَةُ حَمْزَةَ بِالتَّشْدِيدِ فَإنَّهُ جَعَلَ ”لَمّا“ في مَعْنى ”إلّا“، وحَكى سِيبَوَيْهِ: نَشَدْتُكَ بِاللَّهِ لَما فَعَلْتَ، بِمَعْنى: إلّا فَعَلْتَ، ويُقَوِّي هَذِهِ القِراءَةَ أنَّ في حِرَفِ أُبَيٍّ: ”وما ذَلِكَ إلّا مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا“، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ ”لَمّا“ بِمَعْنى ”إلّا“، وأمّا القِراءَةُ بِالتَّخْفِيفِ، فَقالَ الواحِدِيُّ: لَفْظَةُ ”ما“ لَغْوٌ، والتَّقْدِيرُ: لَمَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا، قالَ أبُو الحَسَنِ: الوَجْهُ التَّخْفِيفُ، لِأنَّ ”لَمّا“ بِمَعْنى ”إلّا“ لا تُعْرَفُ، وحُكِيَ عَنِ الكِسائِيِّ أنَّهُ قالَ: لا أعْرِفُ وجْهَ التَّثْقِيلِ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ تَعالى إنَّما لَمْ يُعْطِ النّاسَ نِعَمَ الدُّنْيا، لِأجْلِ أنَّهُ لَوْ فَعَلَ بِهِمْ ذَلِكَ لَدَعاهم ذَلِكَ إلى الكُفْرِ، فَهو تَعالى لَمْ يَفْعَلْ بِهِمْ ذَلِكَ لِأجْلِ أنْ لا يَدْعُوهم إلى الكُفْرِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أحْكامٍ: أحَدُها: أنَّهُ إذا لَمْ يَفْعَلْ بِهِمْ ما يَدْعُوهم إلى الكُفْرِ، فَلَأنْ لا يَخْلُقَ فِيهِمُ الكُفْرَ أوْلى. وثانِيها: أنَّهُ ثَبَتَ أنَّ فِعْلَ اللُّطْفِ قائِمٌ مَقامَ إزاحَةِ العُذْرِ والعِلَّةِ، فَلَمّا بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ إزاحَةً لِلْعُذْرِ والعِلَّةِ عَنْهم، دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ يَجِبُ أنْ يَفْعَلَ بِهِمْ كُلَّ ما كانَ لُطْفًا داعِيًا لَهم إلى الإيمانِ، فَصارَتْ هَذِهِ الآيَةُ مِن هَذا الوَجْهِ دالَّةً عَلى أنَّهُ يَجِبُ عَلى اللَّهِ تَعالى فِعْلُ اللُّطْفِ. وثالِثُها: أنَّهُ ثَبَتَ بِهَذِهِ الآيَةِ أنَّ اللَّهَ تَعالى إنَّما يَفْعَلُ ما يَفْعَلُهُ ويَتْرُكُ ما يَتْرُكُهُ لِأجْلِ حِكْمَةٍ ومَصْلَحَةٍ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى تَعْلِيلِ أحْكامِ اللَّهِ تَعالى وأفْعالِهِ بِالمَصالِحِ والعِلَلِ، فَإنْ قِيلَ: لَمّا بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ لَوْ فَتَحَ عَلى الكافِرِ أبْوابَ النِّعَمِ، لَصارَ ذَلِكَ سَبَبًا لِاجْتِماعِ النّاسِ عَلى الكُفْرِ، فَلِمَ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ بِالمُسْلِمِينَ حَتّى يَصِيرَ ذَلِكَ سَبَبًا لِاجْتِماعِ النّاسِ عَلى الإسْلامِ ؟ قُلْنا: لِأنَّ النّاسَ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ كانُوا يَجْتَمِعُونَ عَلى الإسْلامِ لِطَلَبِ الدُّنْيا، وهَذا الإيمانُ إيمانُ المُنافِقِينَ، فَكانَ الأصْوَبُ أنْ يُضَيَّقَ الأمْرُ عَلى المُسْلِمِينَ، حَتّى أنَّ كُلَّ مَن دَخَلَ الإسْلامَ، فَإنَّما يَدْخُلُ فِيهِ لِمُتابَعَةِ الدَّلِيلِ ولِطَلَبِ رِضْوانِ اللَّهِ تَعالى، فَحِينَئِذٍ يَعْظُمُ ثَوابُهُ لِهَذا السَّبَبِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ومَن يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا فَهو لَهُ قَرِينٌ﴾ والمُرادُ مِنهُ التَّنْبِيهُ عَلى آفاتِ الدُّنْيا، وذَلِكَ أنَّ مَن فازَ بِالمالِ والجاهِ صارَ كالأعْشى عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، ومَن صارَ كَذَلِكَ صارَ مِن جُلَساءِ الشَّياطِينِ الضّالِّينَ المُضِلِّينَ، فَهَذا وجْهُ تَعَلُّقِ هَذا الكَلامِ بِما قَبْلَهُ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قُرِئَ ”ومَن يَعْشُ“ بِضَمِّ الشِّينِ وفَتْحِها، والفَرْقُ بَيْنَهُما أنَّهُ إذا حَصَلَتِ الآفَةُ في بَصَرِهِ قِيلَ عَشِيَ، وإذا نَظَرَ نَظَرَ العَشِيِّ ولا آفَةَ بِهِ، قِيلَ عَشى، ونَظِيرُهُ عَرِجَ لِمَن بِهِ الآفَةُ، وعَرَجَ لِمَن مَشى مِشْيَةَ العِرْجانِ مِن غَيْرِ عَرَجٍ، قالَ الحُطَيْئَةُ: مَتى تَأْتِهِ تَعْشُو إلى ضَوْءِ نارِهِ أيْ تَنْظُرْ إلَيْها نَظَرَ العَشِيِّ، لِما يُضْعِفُ بَصَرَكَ مِن عِظَمِ الوَقُودِ واتِّساعِ الضَّوْءِ، وقُرِئَ ”يَعْشُو“ عَلى أنَّ ”مَن“ مَوْصُولَةٌ غَيْرُ مُضَمَّنَةٍ مَعْنى الشَّرْطِ، وحَقُّ هَذا القارِئِ أنْ يَرْفَعَ ”نُقَيِّضُ“، ومَعْنى القِراءَةِ بِالفَتْحِ: ومَن يَعْمَ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ وهو القُرْآنُ، لِقَوْلِهِ ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ وأمّا القِراءَةُ بِالضَّمِّ، فَمَعْناها: ومَن يَتَعامَّ عَنْ ذِكْرِهِ، أيْ: يَعْرِفُ أنَّهُ الحَقُّ وهو يَتَجاهَلُ ويَتَعامى، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَحَدُوا بِها واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهُمْ﴾ [النَّمْلِ: ١٤]، و﴿نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا﴾ قالَ مُقاتِلٌ: نَضُمُّ إلَيْهِ شَيْطانًا ﴿فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ . * * * ثُمَّ قالَ: ﴿وإنَّهم لَيَصُدُّونَهم عَنِ السَّبِيلِ﴾ يَعْنِي: وإنَّ الشَّياطِينَ لَيَصُدُّونَهم عَنْ سَبِيلِ الهُدى والحَقِّ، وذَكَرَ صفحة ١٨٣ الكِنايَةَ عَنِ الإنْسانِ والشَّياطِينِ بِلَفْظِ الجَمْعِ، لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿ومَن يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا﴾ يُفِيدُ الجَمْعَ، وإنْ كانَ اللَّفْظُ عَلى الواحِدِ ﴿ويَحْسَبُونَ أنَّهم مُهْتَدُونَ﴾ يَعْنِي الشَّياطِينَ يَصُدُّونَ الكُفّارَ عَنِ السَّبِيلِ، والكُفّارُ يَحْسَبُونَ أنَّهم مُهْتَدُونَ، ثُمَّ عادَ إلى لَفْظِ الواحِدِ، فَقالَ: ﴿حَتّى إذا جاءَنا﴾ يَعْنِي الكافِرَ، وقُرِئَ (جاءانا)، يَعْنِي الكافِرَ وشَيْطانَهُ، رُوِيَ: أنَّ الكافِرَ إذا بُعِثَ يَوْمَ القِيامَةِ مِن قَبْرِهِ أخَذَ شَيْطانُهُ بِيَدِهِ، فَلَمْ يُفارِقْهُ حَتّى يُصَيِّرَهُما اللَّهُ إلى النّارِ، فَذَلِكَ حَيْثُ يَقُولُ: ﴿قالَ يالَيْتَ بَيْنِي وبَيْنَكَ بُعْدَ المَشْرِقَيْنِ﴾ والمُرادُ: يا لَيْتَ حَصَلَ بَيْنِي وبَيْنَكَ بُعْدٌ عَلى أعْظَمِ الوُجُوهِ، واخْتَلَفُوا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ ﴿بُعْدَ المَشْرِقَيْنِ﴾ وذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا: الأوَّلُ: قالَ الأكْثَرُونَ: المُرادُ بُعْدُ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ، ومِن عادَةِ العَرَبِ تَسْمِيَةُ الشَّيْئَيْنِ المُتَقابِلَيْنِ بِاسْمِ أحَدِهِما، قالَ الفَرَزْدَقُ: لَنا قَمَراها والنُّجُومُ الطَّوالِعُ يُرِيدُ الشَّمْسَ والقَمَرَ، ويَقُولُونَ لِلْكُوفَةِ والبَصْرَةِ: البَصْرَتانِ، ولِلْغَداةِ والعَصْرِ: العَصْرانِ، ولِأبِي بَكْرٍ وعُمَرَ: العُمَرانُ، ولِلْماءِ والتَّمْرِ: الأسْوَدانِ. الثّانِي: أنَّ أهْلَ النُّجُومِ يَقُولُونَ: الحَرَكَةُ الَّتِي تَكُونُ مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ هي حَرَكَةُ الفَلَكِ الأعْظَمِ، والحَرَكَةُ الَّتِي مِنَ المَغْرِبِ إلى المَشْرِقِ هي حَرَكَةُ الكَواكِبِ الثّابِتَةِ، وحَرَكَةُ الأفْلاكِ المُمَثَّلَةِ الَّتِي لِلسَّيّاراتِ سِوى القَمَرِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فالمَشْرِقُ والمَغْرِبُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما مَشْرِقٌ بِالنِّسْبَةِ إلى شَيْءٍ آخَرَ، فَثَبَتَ أنَّ إطْلاقَ لَفْظِ المَشْرِقِ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنَ الجِهَتَيْنِ حَقِيقَةٌ. الثّالِثُ: قالُوا: يُحْمَلُ ذَلِكَ عَلى مَشْرِقِ الصَّيْفِ ومَشْرِقِ الشِّتاءِ، وبَيْنَهُما بُعْدٌ عَظِيمٌ، وهَذا بَعِيدٌ عِنْدِي، لِأنَّ المَقْصُودَ مِن قَوْلِهِ ﴿قالَ يالَيْتَ بَيْنِي وبَيْنَكَ بُعْدَ المَشْرِقَيْنِ﴾ المُبالَغَةُ في حُصُولِ البُعْدِ، وهَذِهِ المُبالَغَةُ إنَّما تَحْصُلُ عَنْ ذِكْرِ بُعْدٍ لا يُمْكِنُ وُجُودُ بُعْدٍ آخَرَ أزْيَدَ مِنهُ، والبُعْدُ بَيْنَ مَشْرِقِ الصَّيْفِ ومَشْرِقِ الشِّتاءِ لَيْسَ كَذَلِكَ، فَيَبْعُدُ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلَيْهِ. الرّابِعُ: وهو أنَّ الحِسَّ يَدُلُّ عَلى أنَّ الحَرَكَةَ اليَوْمِيَّةَ إنَّما تَحْصُلُ بِطُلُوعِ الشَّمْسِ مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ، وأمّا القَمَرُ فَإنَّهُ يَظْهَرُ في أوَّلِ الشَّهْرِ في جانِبِ المَغْرِبِ، ثُمَّ لا يَزالُ يَتَقَدَّمُ إلى جانِبِ المَشْرِقِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ مَشْرِقَ حَرَكَةِ القَمَرِ هو المَغْرِبُ، وإذا ثَبَتَ هَذا فالجانِبُ المُسَمّى بِالمَشْرِقِ هو مَشْرِقُ الشَّمْسِ، ولَكِنَّهُ مَغْرِبُ القَمَرِ، وأمّا الجانِبُ المُسَمّى بِالمَغْرِبِ، فَإنَّهُ مَشْرِقُ القَمَرِ ولَكِنَّهُ مَغْرِبُ الشَّمْسِ، وبِهَذا التَّقْدِيرِ يَصِحُّ تَسْمِيَةُ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ بِالمَشْرِقَيْنِ، ولَعَلَّ هَذا الوَجْهَ أقْرَبُ إلى مُطابَقَةِ اللَّفْظِ ورِعايَةِ المَقْصُودِ مِن سائِرِ الوُجُوهِ، واللَّهُ أعْلَمُ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَبِئْسَ القَرِينُ﴾ أيِ الكافِرُ يَقُولُ لِذَلِكَ الشَّيْطانِ ﴿يالَيْتَ بَيْنِي وبَيْنَكَ بُعْدَ المَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ القَرِينُ﴾ أنْتَ، فَهَذا ما يَتَعَلَّقُ بِتَفْسِيرِ الألْفاظِ، والمَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ تَحْقِيرُ الدُّنْيا وبَيانُ ما في المالِ والجاهِ مِنَ المَضارِّ العَظِيمَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ كَثْرَةَ المالِ والجاهَ تَجْعَلُ الإنْسانَ كالأعْشى عَنْ مُطالَعَةِ ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى، ومَن صارَ كَذَلِكَ صارَ جَلِيسًا لِلشَّيْطانِ، ومَن صارَ كَذَلِكَ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِ الهُدى والحَقِّ، وبَقِيَ جَلِيسَ الشَّيْطانِ في الدُّنْيا وفي القِيامَةِ، ومُجالَسَةُ الشَّيْطانِ حالَةٌ تُوجِبُ الضَّرَرَ الشَّدِيدَ في القِيامَةِ بِحَيْثُ يَقُولُ الكافِرُ ﴿يالَيْتَ بَيْنِي وبَيْنَكَ بُعْدَ المَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ القَرِينُ﴾ أنْتَ. فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا أنَّ كَثْرَةَ المالِ والجاهَ تُوجِبُ كَمالَ النُّقْصانِ والحِرْمانِ في الدِّينِ والدُّنْيا، وإذا ظَهَرَ هَذا فَقَدْ ظَهَرَ أنَّ الَّذِينَ قالُوا ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ قالُوا كَلامًا فاسِدًا وشُبْهَةً باطِلَةً. صفحة ١٨٤ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَنْ يَنْفَعَكُمُ اليَوْمَ إذْ ظَلَمْتُمْ أنَّكم في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ فَقَوْلُهُ (أنَّكم) في مَحَلِّ الرَّفْعِ عَلى الفاعِلِيَّةِ، يَعْنِي: ولَنْ يَنْفَعَكُمُ اليَوْمَ كَوْنُكم مُشْتَرِكِينَ في العَذابِ، والسَّبَبُ فِيهِ أنَّ النّاسَ يَقُولُونَ: المُصِيبَةُ إذا عَمَّتْ طابَتْ، وقالَتِ الخَنْساءُ في هَذا المَعْنى: ولَوْلا كَثْرَةُ الباكِينَ حَوْلِي ∗∗∗ عَلى إخْوانِهِمْ لَقَتَلْتُ نَفْسِي ولا يَبْكُونَ مِثْلَ أخِي ولَكِنْ ∗∗∗ أُعَزِّي النَّفْسَ عَنْهُ بِالتَّأسِّي فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ حُصُولَ الشَّرِكَةِ في ذَلِكَ العَذابِ لا يُفِيدُ التَّخْفِيفَ كَما كانَ يُفِيدُهُ في الدُّنْيا، والسَّبَبُ فِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ ذَلِكَ العَذابَ شَدِيدٌ، فاشْتِغالُ كُلِّ واحِدٍ بِنَفْسِهِ يُذْهِلُهُ عَنْ حالِ الآخَرِ، فَلا جَرَمَ الشَّرِكَةُ لا تُفِيدُ الخِفَّةَ. الثّانِي: أنَّ قَوْمًا إذا اشْتَرَكُوا في العَذابِ أعانَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم صاحِبَهُ بِما قَدَرَ عَلَيْهِ، فَيَحْصُلُ بِسَبَبِهِ بَعْضُ التَّخْفِيفِ، وهَذا المَعْنى مُتَعَذِّرٌ في القِيامَةِ. الثّالِثُ: أنَّ جُلُوسَ الإنْسانِ مَعَ قَرِينِهِ يُفِيدُهُ أنْواعًا كَثِيرَةً مِنَ السَّلْوَةِ. فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ الشَّيْطانَ وإنْ كانَ قَرِينًا إلّا أنَّ مُجالَسَتَهُ في القِيامَةِ لا تُوجِبُ السَّلْوَةَ وخِفَّةَ العُقُوبَةِ، وفي كِتابِ ابْنِ مُجاهِدٍ عَنِ ابْنِ عامِرٍ قَرَأ: ”إذْ ظَلَمْتُمْ إنَّكم“ بِكَسْرِ الألِفِ، وقَرَأ الباقُونَ: ”أنَّكم“ بِفَتْحِ الألِفِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

الزخرف 43:35

قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولَوْلا أنْ يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِن فَضَّةٍ ومَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ﴾ ﴿ولِبُيُوتِهِمْ أبْوابًا وسُرُرًا عَلَيْها يَتَّكِئُونَ﴾ ﴿وزُخْرُفًا وإنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمّا مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا والآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ﴿ومَن يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا فَهو لَهُ قَرِينٌ﴾ ﴿وإنَّهم لَيَصُدُّونَهم عَنِ السَّبِيلِ ويَحْسَبُونَ أنَّهم مُهْتَدُونَ﴾ ﴿حَتّى إذا جاءَنا قالَ يالَيْتَ بَيْنِي وبَيْنَكَ بُعْدَ المَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ القَرِينُ﴾ ﴿ولَنْ يَنْفَعَكُمُ اليَوْمَ إذْ ظَلَمْتُمْ أنَّكم في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ وفِي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى أجابَ عَنِ الشُّبْهَةِ الَّتِي ذَكَرُوها بِناءً عَلى تَفْضِيلِ الغَنِيِّ عَلى الفَقِيرِ بِوَجْهٍ ثالِثٍ، وهو أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ مَنافِعَ الدُّنْيا وطَيِّباتِها حَقِيرَةٌ خَسِيسَةٌ عِنْدَ اللَّهِ وبَيَّنَ حَقارَتَها بِقَوْلِهِ ﴿ولَوْلا أنْ يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً﴾، والمَعْنى: لَوْلا أنْ يَرْغَبَ النّاسُ في الكُفْرِ إذا رَأوُا الكافِرَ في سَعَةٍ مِنَ الخَيْرِ والرِّزْقِ لَأعْطَيْتُهم أكْثَرَ الأسْبابِ المُفِيدَةِ لِلتَّنَعُّمِ: أحَدُها: أنْ يَكُونَ سَقْفُهم مِن فِضَّةٍ. وثانِيها: مَعارِجُ أيْضًا مِن فِضَّةٍ عَلَيْها يَظْهَرُونَ. وثالِثُها: أنْ نَجْعَلَ لِبُيُوتِهِمْ أبْوابًا مِن فِضَّةٍ وسُرُرًا أيْضًا مِن فِضَّةٍ عَلَيْها يَتَّكِئُونَ. ثُمَّ قالَ: (وزُخْرُفًا) ولَهُ تَفْسِيرانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الذَّهَبُ. والثّانِي: أنَّهُ الزِّينَةُ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى إذا أخَذَتِ الأرْضُ زُخْرُفَها وازَّيَّنَتْ﴾ [يُونُسَ: ٢٤] فَعَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ يَكُونُ المَعْنى: ونَجْعَلُ لَهم مَعَ ذَلِكَ ذَهَبًا كَثِيرًا، وعَلى الثّانِي: أنّا نُعْطِيهِمْ زِينَةً عَظِيمَةً في كُلِّ بابٍ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ كُلَّ ذَلِكَ مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا، وإنَّما سَمّاهُ مَتاعًا؛ لِأنَّ الإنْسانَ يَسْتَمْتِعُ بِهِ قَلِيلًا ثُمَّ يَنْقَضِي في الحالِ، وأمّا الآخِرَةُ فَهي باقِيَةٌ دائِمَةٌ، وهي عِنْدَ اللَّهِ تَعالى وفي حُكْمِهِ لِلْمُتَّقِينَ عَنْ حُبِّ الدُّنْيا، المُقْبِلِينَ عَلى حُبِّ المَوْلى، وحاصِلُ الجَوابِ أنَّ أُولَئِكَ الجُهّالَ ظَنُّوا أنَّ الرَّجُلَ الغَنِيَّ أوْلى بِمَنصِبِ الرِّسالَةِ مِن مُحَمَّدٍ بِسَبَبِ فَقْرِهِ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ المالَ والجاهَ حَقِيرانِ عِنْدَ اللَّهِ، وأنَّهُما عَلى شَرَفِ الزَّوالِ، فَحُصُولُهُما لا يُفِيدُ حُصُولَ الشَّرَفِ، واللَّهُ أعْلَمُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو: ”سَقْفًا“ بِفَتْحِ السِّينِ وسُكُونِ القافِ عَلى لَفْظِ الواحِدِ لِإرادَةِ الجِنْسِ، كَما في قَوْلِهِ ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ﴾ [النَّحْلِ: ٢٦] والباقُونَ: ”سُقُفًا“ عَلى الجَمْعِ، واخْتَلَفُوا، فَقِيلَ: هو جَمْعُ سَقْفٍ، كَرَهْنٍ ورُهُنٍ، قالَ أبُو عُبَيْدٍ: ولا ثالِثَ لَهُما، وقِيلَ: السُّقُفُ جَمْعُ سُقُوفٍ، كَرُهُنٍ ورُهُونٍ وزُبُرٍ وزُبُورٍ، فَهو جَمْعُ الجَمْعِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ ﴿لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ﴾ فَقَوْلُهُ (لِبُيُوتِهِمْ) بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن قَوْلِهِ (لِمَن يَكْفُرُ) قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قُرِئَ: مَعارِجَ، ومَعارِيجَ، والمَعارِجُ جَمْعُ مَعْرَجٍ، أوِ اسْمُ جَمْعٍ لِمِعْراجٍ، وهي المَصاعِدُ إلى المَساكِنِ العالِيَةِ كالدَّرَجِ والسَّلالِمِ عَلَيْها يَظْهَرُونَ، أيْ عَلى تِلْكَ المَعارِجِ يَظْهَرُونَ، وفي نَصْبِ صفحة ١٨٢ قَوْلِهِ (وزُخْرُفًا) قَوْلانِ، قِيلَ: لَجَعَلْنا لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِن فِضَّةٍ ولَجَعَلْنا لَهم زُخْرُفًا، وقِيلَ: مِن فِضَّةٍ وزُخْرُفٍ، فَلَمّا حَذَفَ الخافِضَ انْتَصَبَ. وأمّا قَوْلُهُ ﴿وإنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمّا مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ قَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ (لَمّا) بِتَشْدِيدِ المِيمِ، والباقُونَ بِالتَّخْفِيفِ، وأمّا قِراءَةُ حَمْزَةَ بِالتَّشْدِيدِ فَإنَّهُ جَعَلَ ”لَمّا“ في مَعْنى ”إلّا“، وحَكى سِيبَوَيْهِ: نَشَدْتُكَ بِاللَّهِ لَما فَعَلْتَ، بِمَعْنى: إلّا فَعَلْتَ، ويُقَوِّي هَذِهِ القِراءَةَ أنَّ في حِرَفِ أُبَيٍّ: ”وما ذَلِكَ إلّا مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا“، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ ”لَمّا“ بِمَعْنى ”إلّا“، وأمّا القِراءَةُ بِالتَّخْفِيفِ، فَقالَ الواحِدِيُّ: لَفْظَةُ ”ما“ لَغْوٌ، والتَّقْدِيرُ: لَمَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا، قالَ أبُو الحَسَنِ: الوَجْهُ التَّخْفِيفُ، لِأنَّ ”لَمّا“ بِمَعْنى ”إلّا“ لا تُعْرَفُ، وحُكِيَ عَنِ الكِسائِيِّ أنَّهُ قالَ: لا أعْرِفُ وجْهَ التَّثْقِيلِ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ تَعالى إنَّما لَمْ يُعْطِ النّاسَ نِعَمَ الدُّنْيا، لِأجْلِ أنَّهُ لَوْ فَعَلَ بِهِمْ ذَلِكَ لَدَعاهم ذَلِكَ إلى الكُفْرِ، فَهو تَعالى لَمْ يَفْعَلْ بِهِمْ ذَلِكَ لِأجْلِ أنْ لا يَدْعُوهم إلى الكُفْرِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أحْكامٍ: أحَدُها: أنَّهُ إذا لَمْ يَفْعَلْ بِهِمْ ما يَدْعُوهم إلى الكُفْرِ، فَلَأنْ لا يَخْلُقَ فِيهِمُ الكُفْرَ أوْلى. وثانِيها: أنَّهُ ثَبَتَ أنَّ فِعْلَ اللُّطْفِ قائِمٌ مَقامَ إزاحَةِ العُذْرِ والعِلَّةِ، فَلَمّا بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ إزاحَةً لِلْعُذْرِ والعِلَّةِ عَنْهم، دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ يَجِبُ أنْ يَفْعَلَ بِهِمْ كُلَّ ما كانَ لُطْفًا داعِيًا لَهم إلى الإيمانِ، فَصارَتْ هَذِهِ الآيَةُ مِن هَذا الوَجْهِ دالَّةً عَلى أنَّهُ يَجِبُ عَلى اللَّهِ تَعالى فِعْلُ اللُّطْفِ. وثالِثُها: أنَّهُ ثَبَتَ بِهَذِهِ الآيَةِ أنَّ اللَّهَ تَعالى إنَّما يَفْعَلُ ما يَفْعَلُهُ ويَتْرُكُ ما يَتْرُكُهُ لِأجْلِ حِكْمَةٍ ومَصْلَحَةٍ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى تَعْلِيلِ أحْكامِ اللَّهِ تَعالى وأفْعالِهِ بِالمَصالِحِ والعِلَلِ، فَإنْ قِيلَ: لَمّا بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ لَوْ فَتَحَ عَلى الكافِرِ أبْوابَ النِّعَمِ، لَصارَ ذَلِكَ سَبَبًا لِاجْتِماعِ النّاسِ عَلى الكُفْرِ، فَلِمَ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ بِالمُسْلِمِينَ حَتّى يَصِيرَ ذَلِكَ سَبَبًا لِاجْتِماعِ النّاسِ عَلى الإسْلامِ ؟ قُلْنا: لِأنَّ النّاسَ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ كانُوا يَجْتَمِعُونَ عَلى الإسْلامِ لِطَلَبِ الدُّنْيا، وهَذا الإيمانُ إيمانُ المُنافِقِينَ، فَكانَ الأصْوَبُ أنْ يُضَيَّقَ الأمْرُ عَلى المُسْلِمِينَ، حَتّى أنَّ كُلَّ مَن دَخَلَ الإسْلامَ، فَإنَّما يَدْخُلُ فِيهِ لِمُتابَعَةِ الدَّلِيلِ ولِطَلَبِ رِضْوانِ اللَّهِ تَعالى، فَحِينَئِذٍ يَعْظُمُ ثَوابُهُ لِهَذا السَّبَبِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ومَن يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا فَهو لَهُ قَرِينٌ﴾ والمُرادُ مِنهُ التَّنْبِيهُ عَلى آفاتِ الدُّنْيا، وذَلِكَ أنَّ مَن فازَ بِالمالِ والجاهِ صارَ كالأعْشى عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، ومَن صارَ كَذَلِكَ صارَ مِن جُلَساءِ الشَّياطِينِ الضّالِّينَ المُضِلِّينَ، فَهَذا وجْهُ تَعَلُّقِ هَذا الكَلامِ بِما قَبْلَهُ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قُرِئَ ”ومَن يَعْشُ“ بِضَمِّ الشِّينِ وفَتْحِها، والفَرْقُ بَيْنَهُما أنَّهُ إذا حَصَلَتِ الآفَةُ في بَصَرِهِ قِيلَ عَشِيَ، وإذا نَظَرَ نَظَرَ العَشِيِّ ولا آفَةَ بِهِ، قِيلَ عَشى، ونَظِيرُهُ عَرِجَ لِمَن بِهِ الآفَةُ، وعَرَجَ لِمَن مَشى مِشْيَةَ العِرْجانِ مِن غَيْرِ عَرَجٍ، قالَ الحُطَيْئَةُ: مَتى تَأْتِهِ تَعْشُو إلى ضَوْءِ نارِهِ أيْ تَنْظُرْ إلَيْها نَظَرَ العَشِيِّ، لِما يُضْعِفُ بَصَرَكَ مِن عِظَمِ الوَقُودِ واتِّساعِ الضَّوْءِ، وقُرِئَ ”يَعْشُو“ عَلى أنَّ ”مَن“ مَوْصُولَةٌ غَيْرُ مُضَمَّنَةٍ مَعْنى الشَّرْطِ، وحَقُّ هَذا القارِئِ أنْ يَرْفَعَ ”نُقَيِّضُ“، ومَعْنى القِراءَةِ بِالفَتْحِ: ومَن يَعْمَ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ وهو القُرْآنُ، لِقَوْلِهِ ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ وأمّا القِراءَةُ بِالضَّمِّ، فَمَعْناها: ومَن يَتَعامَّ عَنْ ذِكْرِهِ، أيْ: يَعْرِفُ أنَّهُ الحَقُّ وهو يَتَجاهَلُ ويَتَعامى، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَحَدُوا بِها واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهُمْ﴾ [النَّمْلِ: ١٤]، و﴿نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا﴾ قالَ مُقاتِلٌ: نَضُمُّ إلَيْهِ شَيْطانًا ﴿فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ . * * * ثُمَّ قالَ: ﴿وإنَّهم لَيَصُدُّونَهم عَنِ السَّبِيلِ﴾ يَعْنِي: وإنَّ الشَّياطِينَ لَيَصُدُّونَهم عَنْ سَبِيلِ الهُدى والحَقِّ، وذَكَرَ صفحة ١٨٣ الكِنايَةَ عَنِ الإنْسانِ والشَّياطِينِ بِلَفْظِ الجَمْعِ، لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿ومَن يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا﴾ يُفِيدُ الجَمْعَ، وإنْ كانَ اللَّفْظُ عَلى الواحِدِ ﴿ويَحْسَبُونَ أنَّهم مُهْتَدُونَ﴾ يَعْنِي الشَّياطِينَ يَصُدُّونَ الكُفّارَ عَنِ السَّبِيلِ، والكُفّارُ يَحْسَبُونَ أنَّهم مُهْتَدُونَ، ثُمَّ عادَ إلى لَفْظِ الواحِدِ، فَقالَ: ﴿حَتّى إذا جاءَنا﴾ يَعْنِي الكافِرَ، وقُرِئَ (جاءانا)، يَعْنِي الكافِرَ وشَيْطانَهُ، رُوِيَ: أنَّ الكافِرَ إذا بُعِثَ يَوْمَ القِيامَةِ مِن قَبْرِهِ أخَذَ شَيْطانُهُ بِيَدِهِ، فَلَمْ يُفارِقْهُ حَتّى يُصَيِّرَهُما اللَّهُ إلى النّارِ، فَذَلِكَ حَيْثُ يَقُولُ: ﴿قالَ يالَيْتَ بَيْنِي وبَيْنَكَ بُعْدَ المَشْرِقَيْنِ﴾ والمُرادُ: يا لَيْتَ حَصَلَ بَيْنِي وبَيْنَكَ بُعْدٌ عَلى أعْظَمِ الوُجُوهِ، واخْتَلَفُوا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ ﴿بُعْدَ المَشْرِقَيْنِ﴾ وذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا: الأوَّلُ: قالَ الأكْثَرُونَ: المُرادُ بُعْدُ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ، ومِن عادَةِ العَرَبِ تَسْمِيَةُ الشَّيْئَيْنِ المُتَقابِلَيْنِ بِاسْمِ أحَدِهِما، قالَ الفَرَزْدَقُ: لَنا قَمَراها والنُّجُومُ الطَّوالِعُ يُرِيدُ الشَّمْسَ والقَمَرَ، ويَقُولُونَ لِلْكُوفَةِ والبَصْرَةِ: البَصْرَتانِ، ولِلْغَداةِ والعَصْرِ: العَصْرانِ، ولِأبِي بَكْرٍ وعُمَرَ: العُمَرانُ، ولِلْماءِ والتَّمْرِ: الأسْوَدانِ. الثّانِي: أنَّ أهْلَ النُّجُومِ يَقُولُونَ: الحَرَكَةُ الَّتِي تَكُونُ مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ هي حَرَكَةُ الفَلَكِ الأعْظَمِ، والحَرَكَةُ الَّتِي مِنَ المَغْرِبِ إلى المَشْرِقِ هي حَرَكَةُ الكَواكِبِ الثّابِتَةِ، وحَرَكَةُ الأفْلاكِ المُمَثَّلَةِ الَّتِي لِلسَّيّاراتِ سِوى القَمَرِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فالمَشْرِقُ والمَغْرِبُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما مَشْرِقٌ بِالنِّسْبَةِ إلى شَيْءٍ آخَرَ، فَثَبَتَ أنَّ إطْلاقَ لَفْظِ المَشْرِقِ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنَ الجِهَتَيْنِ حَقِيقَةٌ. الثّالِثُ: قالُوا: يُحْمَلُ ذَلِكَ عَلى مَشْرِقِ الصَّيْفِ ومَشْرِقِ الشِّتاءِ، وبَيْنَهُما بُعْدٌ عَظِيمٌ، وهَذا بَعِيدٌ عِنْدِي، لِأنَّ المَقْصُودَ مِن قَوْلِهِ ﴿قالَ يالَيْتَ بَيْنِي وبَيْنَكَ بُعْدَ المَشْرِقَيْنِ﴾ المُبالَغَةُ في حُصُولِ البُعْدِ، وهَذِهِ المُبالَغَةُ إنَّما تَحْصُلُ عَنْ ذِكْرِ بُعْدٍ لا يُمْكِنُ وُجُودُ بُعْدٍ آخَرَ أزْيَدَ مِنهُ، والبُعْدُ بَيْنَ مَشْرِقِ الصَّيْفِ ومَشْرِقِ الشِّتاءِ لَيْسَ كَذَلِكَ، فَيَبْعُدُ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلَيْهِ. الرّابِعُ: وهو أنَّ الحِسَّ يَدُلُّ عَلى أنَّ الحَرَكَةَ اليَوْمِيَّةَ إنَّما تَحْصُلُ بِطُلُوعِ الشَّمْسِ مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ، وأمّا القَمَرُ فَإنَّهُ يَظْهَرُ في أوَّلِ الشَّهْرِ في جانِبِ المَغْرِبِ، ثُمَّ لا يَزالُ يَتَقَدَّمُ إلى جانِبِ المَشْرِقِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ مَشْرِقَ حَرَكَةِ القَمَرِ هو المَغْرِبُ، وإذا ثَبَتَ هَذا فالجانِبُ المُسَمّى بِالمَشْرِقِ هو مَشْرِقُ الشَّمْسِ، ولَكِنَّهُ مَغْرِبُ القَمَرِ، وأمّا الجانِبُ المُسَمّى بِالمَغْرِبِ، فَإنَّهُ مَشْرِقُ القَمَرِ ولَكِنَّهُ مَغْرِبُ الشَّمْسِ، وبِهَذا التَّقْدِيرِ يَصِحُّ تَسْمِيَةُ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ بِالمَشْرِقَيْنِ، ولَعَلَّ هَذا الوَجْهَ أقْرَبُ إلى مُطابَقَةِ اللَّفْظِ ورِعايَةِ المَقْصُودِ مِن سائِرِ الوُجُوهِ، واللَّهُ أعْلَمُ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَبِئْسَ القَرِينُ﴾ أيِ الكافِرُ يَقُولُ لِذَلِكَ الشَّيْطانِ ﴿يالَيْتَ بَيْنِي وبَيْنَكَ بُعْدَ المَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ القَرِينُ﴾ أنْتَ، فَهَذا ما يَتَعَلَّقُ بِتَفْسِيرِ الألْفاظِ، والمَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ تَحْقِيرُ الدُّنْيا وبَيانُ ما في المالِ والجاهِ مِنَ المَضارِّ العَظِيمَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ كَثْرَةَ المالِ والجاهَ تَجْعَلُ الإنْسانَ كالأعْشى عَنْ مُطالَعَةِ ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى، ومَن صارَ كَذَلِكَ صارَ جَلِيسًا لِلشَّيْطانِ، ومَن صارَ كَذَلِكَ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِ الهُدى والحَقِّ، وبَقِيَ جَلِيسَ الشَّيْطانِ في الدُّنْيا وفي القِيامَةِ، ومُجالَسَةُ الشَّيْطانِ حالَةٌ تُوجِبُ الضَّرَرَ الشَّدِيدَ في القِيامَةِ بِحَيْثُ يَقُولُ الكافِرُ ﴿يالَيْتَ بَيْنِي وبَيْنَكَ بُعْدَ المَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ القَرِينُ﴾ أنْتَ. فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا أنَّ كَثْرَةَ المالِ والجاهَ تُوجِبُ كَمالَ النُّقْصانِ والحِرْمانِ في الدِّينِ والدُّنْيا، وإذا ظَهَرَ هَذا فَقَدْ ظَهَرَ أنَّ الَّذِينَ قالُوا ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ قالُوا كَلامًا فاسِدًا وشُبْهَةً باطِلَةً. صفحة ١٨٤ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَنْ يَنْفَعَكُمُ اليَوْمَ إذْ ظَلَمْتُمْ أنَّكم في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ فَقَوْلُهُ (أنَّكم) في مَحَلِّ الرَّفْعِ عَلى الفاعِلِيَّةِ، يَعْنِي: ولَنْ يَنْفَعَكُمُ اليَوْمَ كَوْنُكم مُشْتَرِكِينَ في العَذابِ، والسَّبَبُ فِيهِ أنَّ النّاسَ يَقُولُونَ: المُصِيبَةُ إذا عَمَّتْ طابَتْ، وقالَتِ الخَنْساءُ في هَذا المَعْنى: ولَوْلا كَثْرَةُ الباكِينَ حَوْلِي ∗∗∗ عَلى إخْوانِهِمْ لَقَتَلْتُ نَفْسِي ولا يَبْكُونَ مِثْلَ أخِي ولَكِنْ ∗∗∗ أُعَزِّي النَّفْسَ عَنْهُ بِالتَّأسِّي فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ حُصُولَ الشَّرِكَةِ في ذَلِكَ العَذابِ لا يُفِيدُ التَّخْفِيفَ كَما كانَ يُفِيدُهُ في الدُّنْيا، والسَّبَبُ فِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ ذَلِكَ العَذابَ شَدِيدٌ، فاشْتِغالُ كُلِّ واحِدٍ بِنَفْسِهِ يُذْهِلُهُ عَنْ حالِ الآخَرِ، فَلا جَرَمَ الشَّرِكَةُ لا تُفِيدُ الخِفَّةَ. الثّانِي: أنَّ قَوْمًا إذا اشْتَرَكُوا في العَذابِ أعانَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم صاحِبَهُ بِما قَدَرَ عَلَيْهِ، فَيَحْصُلُ بِسَبَبِهِ بَعْضُ التَّخْفِيفِ، وهَذا المَعْنى مُتَعَذِّرٌ في القِيامَةِ. الثّالِثُ: أنَّ جُلُوسَ الإنْسانِ مَعَ قَرِينِهِ يُفِيدُهُ أنْواعًا كَثِيرَةً مِنَ السَّلْوَةِ. فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ الشَّيْطانَ وإنْ كانَ قَرِينًا إلّا أنَّ مُجالَسَتَهُ في القِيامَةِ لا تُوجِبُ السَّلْوَةَ وخِفَّةَ العُقُوبَةِ، وفي كِتابِ ابْنِ مُجاهِدٍ عَنِ ابْنِ عامِرٍ قَرَأ: ”إذْ ظَلَمْتُمْ إنَّكم“ بِكَسْرِ الألِفِ، وقَرَأ الباقُونَ: ”أنَّكم“ بِفَتْحِ الألِفِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

الزخرف 43:36

قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولَوْلا أنْ يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِن فَضَّةٍ ومَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ﴾ ﴿ولِبُيُوتِهِمْ أبْوابًا وسُرُرًا عَلَيْها يَتَّكِئُونَ﴾ ﴿وزُخْرُفًا وإنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمّا مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا والآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ﴿ومَن يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا فَهو لَهُ قَرِينٌ﴾ ﴿وإنَّهم لَيَصُدُّونَهم عَنِ السَّبِيلِ ويَحْسَبُونَ أنَّهم مُهْتَدُونَ﴾ ﴿حَتّى إذا جاءَنا قالَ يالَيْتَ بَيْنِي وبَيْنَكَ بُعْدَ المَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ القَرِينُ﴾ ﴿ولَنْ يَنْفَعَكُمُ اليَوْمَ إذْ ظَلَمْتُمْ أنَّكم في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ وفِي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى أجابَ عَنِ الشُّبْهَةِ الَّتِي ذَكَرُوها بِناءً عَلى تَفْضِيلِ الغَنِيِّ عَلى الفَقِيرِ بِوَجْهٍ ثالِثٍ، وهو أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ مَنافِعَ الدُّنْيا وطَيِّباتِها حَقِيرَةٌ خَسِيسَةٌ عِنْدَ اللَّهِ وبَيَّنَ حَقارَتَها بِقَوْلِهِ ﴿ولَوْلا أنْ يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً﴾، والمَعْنى: لَوْلا أنْ يَرْغَبَ النّاسُ في الكُفْرِ إذا رَأوُا الكافِرَ في سَعَةٍ مِنَ الخَيْرِ والرِّزْقِ لَأعْطَيْتُهم أكْثَرَ الأسْبابِ المُفِيدَةِ لِلتَّنَعُّمِ: أحَدُها: أنْ يَكُونَ سَقْفُهم مِن فِضَّةٍ. وثانِيها: مَعارِجُ أيْضًا مِن فِضَّةٍ عَلَيْها يَظْهَرُونَ. وثالِثُها: أنْ نَجْعَلَ لِبُيُوتِهِمْ أبْوابًا مِن فِضَّةٍ وسُرُرًا أيْضًا مِن فِضَّةٍ عَلَيْها يَتَّكِئُونَ. ثُمَّ قالَ: (وزُخْرُفًا) ولَهُ تَفْسِيرانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الذَّهَبُ. والثّانِي: أنَّهُ الزِّينَةُ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى إذا أخَذَتِ الأرْضُ زُخْرُفَها وازَّيَّنَتْ﴾ [يُونُسَ: ٢٤] فَعَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ يَكُونُ المَعْنى: ونَجْعَلُ لَهم مَعَ ذَلِكَ ذَهَبًا كَثِيرًا، وعَلى الثّانِي: أنّا نُعْطِيهِمْ زِينَةً عَظِيمَةً في كُلِّ بابٍ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ كُلَّ ذَلِكَ مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا، وإنَّما سَمّاهُ مَتاعًا؛ لِأنَّ الإنْسانَ يَسْتَمْتِعُ بِهِ قَلِيلًا ثُمَّ يَنْقَضِي في الحالِ، وأمّا الآخِرَةُ فَهي باقِيَةٌ دائِمَةٌ، وهي عِنْدَ اللَّهِ تَعالى وفي حُكْمِهِ لِلْمُتَّقِينَ عَنْ حُبِّ الدُّنْيا، المُقْبِلِينَ عَلى حُبِّ المَوْلى، وحاصِلُ الجَوابِ أنَّ أُولَئِكَ الجُهّالَ ظَنُّوا أنَّ الرَّجُلَ الغَنِيَّ أوْلى بِمَنصِبِ الرِّسالَةِ مِن مُحَمَّدٍ بِسَبَبِ فَقْرِهِ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ المالَ والجاهَ حَقِيرانِ عِنْدَ اللَّهِ، وأنَّهُما عَلى شَرَفِ الزَّوالِ، فَحُصُولُهُما لا يُفِيدُ حُصُولَ الشَّرَفِ، واللَّهُ أعْلَمُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو: ”سَقْفًا“ بِفَتْحِ السِّينِ وسُكُونِ القافِ عَلى لَفْظِ الواحِدِ لِإرادَةِ الجِنْسِ، كَما في قَوْلِهِ ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ﴾ [النَّحْلِ: ٢٦] والباقُونَ: ”سُقُفًا“ عَلى الجَمْعِ، واخْتَلَفُوا، فَقِيلَ: هو جَمْعُ سَقْفٍ، كَرَهْنٍ ورُهُنٍ، قالَ أبُو عُبَيْدٍ: ولا ثالِثَ لَهُما، وقِيلَ: السُّقُفُ جَمْعُ سُقُوفٍ، كَرُهُنٍ ورُهُونٍ وزُبُرٍ وزُبُورٍ، فَهو جَمْعُ الجَمْعِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ ﴿لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ﴾ فَقَوْلُهُ (لِبُيُوتِهِمْ) بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن قَوْلِهِ (لِمَن يَكْفُرُ) قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قُرِئَ: مَعارِجَ، ومَعارِيجَ، والمَعارِجُ جَمْعُ مَعْرَجٍ، أوِ اسْمُ جَمْعٍ لِمِعْراجٍ، وهي المَصاعِدُ إلى المَساكِنِ العالِيَةِ كالدَّرَجِ والسَّلالِمِ عَلَيْها يَظْهَرُونَ، أيْ عَلى تِلْكَ المَعارِجِ يَظْهَرُونَ، وفي نَصْبِ صفحة ١٨٢ قَوْلِهِ (وزُخْرُفًا) قَوْلانِ، قِيلَ: لَجَعَلْنا لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِن فِضَّةٍ ولَجَعَلْنا لَهم زُخْرُفًا، وقِيلَ: مِن فِضَّةٍ وزُخْرُفٍ، فَلَمّا حَذَفَ الخافِضَ انْتَصَبَ. وأمّا قَوْلُهُ ﴿وإنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمّا مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ قَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ (لَمّا) بِتَشْدِيدِ المِيمِ، والباقُونَ بِالتَّخْفِيفِ، وأمّا قِراءَةُ حَمْزَةَ بِالتَّشْدِيدِ فَإنَّهُ جَعَلَ ”لَمّا“ في مَعْنى ”إلّا“، وحَكى سِيبَوَيْهِ: نَشَدْتُكَ بِاللَّهِ لَما فَعَلْتَ، بِمَعْنى: إلّا فَعَلْتَ، ويُقَوِّي هَذِهِ القِراءَةَ أنَّ في حِرَفِ أُبَيٍّ: ”وما ذَلِكَ إلّا مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا“، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ ”لَمّا“ بِمَعْنى ”إلّا“، وأمّا القِراءَةُ بِالتَّخْفِيفِ، فَقالَ الواحِدِيُّ: لَفْظَةُ ”ما“ لَغْوٌ، والتَّقْدِيرُ: لَمَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا، قالَ أبُو الحَسَنِ: الوَجْهُ التَّخْفِيفُ، لِأنَّ ”لَمّا“ بِمَعْنى ”إلّا“ لا تُعْرَفُ، وحُكِيَ عَنِ الكِسائِيِّ أنَّهُ قالَ: لا أعْرِفُ وجْهَ التَّثْقِيلِ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ تَعالى إنَّما لَمْ يُعْطِ النّاسَ نِعَمَ الدُّنْيا، لِأجْلِ أنَّهُ لَوْ فَعَلَ بِهِمْ ذَلِكَ لَدَعاهم ذَلِكَ إلى الكُفْرِ، فَهو تَعالى لَمْ يَفْعَلْ بِهِمْ ذَلِكَ لِأجْلِ أنْ لا يَدْعُوهم إلى الكُفْرِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أحْكامٍ: أحَدُها: أنَّهُ إذا لَمْ يَفْعَلْ بِهِمْ ما يَدْعُوهم إلى الكُفْرِ، فَلَأنْ لا يَخْلُقَ فِيهِمُ الكُفْرَ أوْلى. وثانِيها: أنَّهُ ثَبَتَ أنَّ فِعْلَ اللُّطْفِ قائِمٌ مَقامَ إزاحَةِ العُذْرِ والعِلَّةِ، فَلَمّا بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ إزاحَةً لِلْعُذْرِ والعِلَّةِ عَنْهم، دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ يَجِبُ أنْ يَفْعَلَ بِهِمْ كُلَّ ما كانَ لُطْفًا داعِيًا لَهم إلى الإيمانِ، فَصارَتْ هَذِهِ الآيَةُ مِن هَذا الوَجْهِ دالَّةً عَلى أنَّهُ يَجِبُ عَلى اللَّهِ تَعالى فِعْلُ اللُّطْفِ. وثالِثُها: أنَّهُ ثَبَتَ بِهَذِهِ الآيَةِ أنَّ اللَّهَ تَعالى إنَّما يَفْعَلُ ما يَفْعَلُهُ ويَتْرُكُ ما يَتْرُكُهُ لِأجْلِ حِكْمَةٍ ومَصْلَحَةٍ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى تَعْلِيلِ أحْكامِ اللَّهِ تَعالى وأفْعالِهِ بِالمَصالِحِ والعِلَلِ، فَإنْ قِيلَ: لَمّا بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ لَوْ فَتَحَ عَلى الكافِرِ أبْوابَ النِّعَمِ، لَصارَ ذَلِكَ سَبَبًا لِاجْتِماعِ النّاسِ عَلى الكُفْرِ، فَلِمَ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ بِالمُسْلِمِينَ حَتّى يَصِيرَ ذَلِكَ سَبَبًا لِاجْتِماعِ النّاسِ عَلى الإسْلامِ ؟ قُلْنا: لِأنَّ النّاسَ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ كانُوا يَجْتَمِعُونَ عَلى الإسْلامِ لِطَلَبِ الدُّنْيا، وهَذا الإيمانُ إيمانُ المُنافِقِينَ، فَكانَ الأصْوَبُ أنْ يُضَيَّقَ الأمْرُ عَلى المُسْلِمِينَ، حَتّى أنَّ كُلَّ مَن دَخَلَ الإسْلامَ، فَإنَّما يَدْخُلُ فِيهِ لِمُتابَعَةِ الدَّلِيلِ ولِطَلَبِ رِضْوانِ اللَّهِ تَعالى، فَحِينَئِذٍ يَعْظُمُ ثَوابُهُ لِهَذا السَّبَبِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ومَن يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا فَهو لَهُ قَرِينٌ﴾ والمُرادُ مِنهُ التَّنْبِيهُ عَلى آفاتِ الدُّنْيا، وذَلِكَ أنَّ مَن فازَ بِالمالِ والجاهِ صارَ كالأعْشى عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، ومَن صارَ كَذَلِكَ صارَ مِن جُلَساءِ الشَّياطِينِ الضّالِّينَ المُضِلِّينَ، فَهَذا وجْهُ تَعَلُّقِ هَذا الكَلامِ بِما قَبْلَهُ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قُرِئَ ”ومَن يَعْشُ“ بِضَمِّ الشِّينِ وفَتْحِها، والفَرْقُ بَيْنَهُما أنَّهُ إذا حَصَلَتِ الآفَةُ في بَصَرِهِ قِيلَ عَشِيَ، وإذا نَظَرَ نَظَرَ العَشِيِّ ولا آفَةَ بِهِ، قِيلَ عَشى، ونَظِيرُهُ عَرِجَ لِمَن بِهِ الآفَةُ، وعَرَجَ لِمَن مَشى مِشْيَةَ العِرْجانِ مِن غَيْرِ عَرَجٍ، قالَ الحُطَيْئَةُ: مَتى تَأْتِهِ تَعْشُو إلى ضَوْءِ نارِهِ أيْ تَنْظُرْ إلَيْها نَظَرَ العَشِيِّ، لِما يُضْعِفُ بَصَرَكَ مِن عِظَمِ الوَقُودِ واتِّساعِ الضَّوْءِ، وقُرِئَ ”يَعْشُو“ عَلى أنَّ ”مَن“ مَوْصُولَةٌ غَيْرُ مُضَمَّنَةٍ مَعْنى الشَّرْطِ، وحَقُّ هَذا القارِئِ أنْ يَرْفَعَ ”نُقَيِّضُ“، ومَعْنى القِراءَةِ بِالفَتْحِ: ومَن يَعْمَ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ وهو القُرْآنُ، لِقَوْلِهِ ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ وأمّا القِراءَةُ بِالضَّمِّ، فَمَعْناها: ومَن يَتَعامَّ عَنْ ذِكْرِهِ، أيْ: يَعْرِفُ أنَّهُ الحَقُّ وهو يَتَجاهَلُ ويَتَعامى، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَحَدُوا بِها واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهُمْ﴾ [النَّمْلِ: ١٤]، و﴿نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا﴾ قالَ مُقاتِلٌ: نَضُمُّ إلَيْهِ شَيْطانًا ﴿فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ . * * * ثُمَّ قالَ: ﴿وإنَّهم لَيَصُدُّونَهم عَنِ السَّبِيلِ﴾ يَعْنِي: وإنَّ الشَّياطِينَ لَيَصُدُّونَهم عَنْ سَبِيلِ الهُدى والحَقِّ، وذَكَرَ صفحة ١٨٣ الكِنايَةَ عَنِ الإنْسانِ والشَّياطِينِ بِلَفْظِ الجَمْعِ، لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿ومَن يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا﴾ يُفِيدُ الجَمْعَ، وإنْ كانَ اللَّفْظُ عَلى الواحِدِ ﴿ويَحْسَبُونَ أنَّهم مُهْتَدُونَ﴾ يَعْنِي الشَّياطِينَ يَصُدُّونَ الكُفّارَ عَنِ السَّبِيلِ، والكُفّارُ يَحْسَبُونَ أنَّهم مُهْتَدُونَ، ثُمَّ عادَ إلى لَفْظِ الواحِدِ، فَقالَ: ﴿حَتّى إذا جاءَنا﴾ يَعْنِي الكافِرَ، وقُرِئَ (جاءانا)، يَعْنِي الكافِرَ وشَيْطانَهُ، رُوِيَ: أنَّ الكافِرَ إذا بُعِثَ يَوْمَ القِيامَةِ مِن قَبْرِهِ أخَذَ شَيْطانُهُ بِيَدِهِ، فَلَمْ يُفارِقْهُ حَتّى يُصَيِّرَهُما اللَّهُ إلى النّارِ، فَذَلِكَ حَيْثُ يَقُولُ: ﴿قالَ يالَيْتَ بَيْنِي وبَيْنَكَ بُعْدَ المَشْرِقَيْنِ﴾ والمُرادُ: يا لَيْتَ حَصَلَ بَيْنِي وبَيْنَكَ بُعْدٌ عَلى أعْظَمِ الوُجُوهِ، واخْتَلَفُوا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ ﴿بُعْدَ المَشْرِقَيْنِ﴾ وذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا: الأوَّلُ: قالَ الأكْثَرُونَ: المُرادُ بُعْدُ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ، ومِن عادَةِ العَرَبِ تَسْمِيَةُ الشَّيْئَيْنِ المُتَقابِلَيْنِ بِاسْمِ أحَدِهِما، قالَ الفَرَزْدَقُ: لَنا قَمَراها والنُّجُومُ الطَّوالِعُ يُرِيدُ الشَّمْسَ والقَمَرَ، ويَقُولُونَ لِلْكُوفَةِ والبَصْرَةِ: البَصْرَتانِ، ولِلْغَداةِ والعَصْرِ: العَصْرانِ، ولِأبِي بَكْرٍ وعُمَرَ: العُمَرانُ، ولِلْماءِ والتَّمْرِ: الأسْوَدانِ. الثّانِي: أنَّ أهْلَ النُّجُومِ يَقُولُونَ: الحَرَكَةُ الَّتِي تَكُونُ مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ هي حَرَكَةُ الفَلَكِ الأعْظَمِ، والحَرَكَةُ الَّتِي مِنَ المَغْرِبِ إلى المَشْرِقِ هي حَرَكَةُ الكَواكِبِ الثّابِتَةِ، وحَرَكَةُ الأفْلاكِ المُمَثَّلَةِ الَّتِي لِلسَّيّاراتِ سِوى القَمَرِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فالمَشْرِقُ والمَغْرِبُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما مَشْرِقٌ بِالنِّسْبَةِ إلى شَيْءٍ آخَرَ، فَثَبَتَ أنَّ إطْلاقَ لَفْظِ المَشْرِقِ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنَ الجِهَتَيْنِ حَقِيقَةٌ. الثّالِثُ: قالُوا: يُحْمَلُ ذَلِكَ عَلى مَشْرِقِ الصَّيْفِ ومَشْرِقِ الشِّتاءِ، وبَيْنَهُما بُعْدٌ عَظِيمٌ، وهَذا بَعِيدٌ عِنْدِي، لِأنَّ المَقْصُودَ مِن قَوْلِهِ ﴿قالَ يالَيْتَ بَيْنِي وبَيْنَكَ بُعْدَ المَشْرِقَيْنِ﴾ المُبالَغَةُ في حُصُولِ البُعْدِ، وهَذِهِ المُبالَغَةُ إنَّما تَحْصُلُ عَنْ ذِكْرِ بُعْدٍ لا يُمْكِنُ وُجُودُ بُعْدٍ آخَرَ أزْيَدَ مِنهُ، والبُعْدُ بَيْنَ مَشْرِقِ الصَّيْفِ ومَشْرِقِ الشِّتاءِ لَيْسَ كَذَلِكَ، فَيَبْعُدُ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلَيْهِ. الرّابِعُ: وهو أنَّ الحِسَّ يَدُلُّ عَلى أنَّ الحَرَكَةَ اليَوْمِيَّةَ إنَّما تَحْصُلُ بِطُلُوعِ الشَّمْسِ مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ، وأمّا القَمَرُ فَإنَّهُ يَظْهَرُ في أوَّلِ الشَّهْرِ في جانِبِ المَغْرِبِ، ثُمَّ لا يَزالُ يَتَقَدَّمُ إلى جانِبِ المَشْرِقِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ مَشْرِقَ حَرَكَةِ القَمَرِ هو المَغْرِبُ، وإذا ثَبَتَ هَذا فالجانِبُ المُسَمّى بِالمَشْرِقِ هو مَشْرِقُ الشَّمْسِ، ولَكِنَّهُ مَغْرِبُ القَمَرِ، وأمّا الجانِبُ المُسَمّى بِالمَغْرِبِ، فَإنَّهُ مَشْرِقُ القَمَرِ ولَكِنَّهُ مَغْرِبُ الشَّمْسِ، وبِهَذا التَّقْدِيرِ يَصِحُّ تَسْمِيَةُ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ بِالمَشْرِقَيْنِ، ولَعَلَّ هَذا الوَجْهَ أقْرَبُ إلى مُطابَقَةِ اللَّفْظِ ورِعايَةِ المَقْصُودِ مِن سائِرِ الوُجُوهِ، واللَّهُ أعْلَمُ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَبِئْسَ القَرِينُ﴾ أيِ الكافِرُ يَقُولُ لِذَلِكَ الشَّيْطانِ ﴿يالَيْتَ بَيْنِي وبَيْنَكَ بُعْدَ المَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ القَرِينُ﴾ أنْتَ، فَهَذا ما يَتَعَلَّقُ بِتَفْسِيرِ الألْفاظِ، والمَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ تَحْقِيرُ الدُّنْيا وبَيانُ ما في المالِ والجاهِ مِنَ المَضارِّ العَظِيمَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ كَثْرَةَ المالِ والجاهَ تَجْعَلُ الإنْسانَ كالأعْشى عَنْ مُطالَعَةِ ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى، ومَن صارَ كَذَلِكَ صارَ جَلِيسًا لِلشَّيْطانِ، ومَن صارَ كَذَلِكَ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِ الهُدى والحَقِّ، وبَقِيَ جَلِيسَ الشَّيْطانِ في الدُّنْيا وفي القِيامَةِ، ومُجالَسَةُ الشَّيْطانِ حالَةٌ تُوجِبُ الضَّرَرَ الشَّدِيدَ في القِيامَةِ بِحَيْثُ يَقُولُ الكافِرُ ﴿يالَيْتَ بَيْنِي وبَيْنَكَ بُعْدَ المَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ القَرِينُ﴾ أنْتَ. فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا أنَّ كَثْرَةَ المالِ والجاهَ تُوجِبُ كَمالَ النُّقْصانِ والحِرْمانِ في الدِّينِ والدُّنْيا، وإذا ظَهَرَ هَذا فَقَدْ ظَهَرَ أنَّ الَّذِينَ قالُوا ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ قالُوا كَلامًا فاسِدًا وشُبْهَةً باطِلَةً. صفحة ١٨٤ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَنْ يَنْفَعَكُمُ اليَوْمَ إذْ ظَلَمْتُمْ أنَّكم في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ فَقَوْلُهُ (أنَّكم) في مَحَلِّ الرَّفْعِ عَلى الفاعِلِيَّةِ، يَعْنِي: ولَنْ يَنْفَعَكُمُ اليَوْمَ كَوْنُكم مُشْتَرِكِينَ في العَذابِ، والسَّبَبُ فِيهِ أنَّ النّاسَ يَقُولُونَ: المُصِيبَةُ إذا عَمَّتْ طابَتْ، وقالَتِ الخَنْساءُ في هَذا المَعْنى: ولَوْلا كَثْرَةُ الباكِينَ حَوْلِي ∗∗∗ عَلى إخْوانِهِمْ لَقَتَلْتُ نَفْسِي ولا يَبْكُونَ مِثْلَ أخِي ولَكِنْ ∗∗∗ أُعَزِّي النَّفْسَ عَنْهُ بِالتَّأسِّي فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ حُصُولَ الشَّرِكَةِ في ذَلِكَ العَذابِ لا يُفِيدُ التَّخْفِيفَ كَما كانَ يُفِيدُهُ في الدُّنْيا، والسَّبَبُ فِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ ذَلِكَ العَذابَ شَدِيدٌ، فاشْتِغالُ كُلِّ واحِدٍ بِنَفْسِهِ يُذْهِلُهُ عَنْ حالِ الآخَرِ، فَلا جَرَمَ الشَّرِكَةُ لا تُفِيدُ الخِفَّةَ. الثّانِي: أنَّ قَوْمًا إذا اشْتَرَكُوا في العَذابِ أعانَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم صاحِبَهُ بِما قَدَرَ عَلَيْهِ، فَيَحْصُلُ بِسَبَبِهِ بَعْضُ التَّخْفِيفِ، وهَذا المَعْنى مُتَعَذِّرٌ في القِيامَةِ. الثّالِثُ: أنَّ جُلُوسَ الإنْسانِ مَعَ قَرِينِهِ يُفِيدُهُ أنْواعًا كَثِيرَةً مِنَ السَّلْوَةِ. فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ الشَّيْطانَ وإنْ كانَ قَرِينًا إلّا أنَّ مُجالَسَتَهُ في القِيامَةِ لا تُوجِبُ السَّلْوَةَ وخِفَّةَ العُقُوبَةِ، وفي كِتابِ ابْنِ مُجاهِدٍ عَنِ ابْنِ عامِرٍ قَرَأ: ”إذْ ظَلَمْتُمْ إنَّكم“ بِكَسْرِ الألِفِ، وقَرَأ الباقُونَ: ”أنَّكم“ بِفَتْحِ الألِفِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

الزخرف 43:37

قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولَوْلا أنْ يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِن فَضَّةٍ ومَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ﴾ ﴿ولِبُيُوتِهِمْ أبْوابًا وسُرُرًا عَلَيْها يَتَّكِئُونَ﴾ ﴿وزُخْرُفًا وإنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمّا مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا والآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ﴿ومَن يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا فَهو لَهُ قَرِينٌ﴾ ﴿وإنَّهم لَيَصُدُّونَهم عَنِ السَّبِيلِ ويَحْسَبُونَ أنَّهم مُهْتَدُونَ﴾ ﴿حَتّى إذا جاءَنا قالَ يالَيْتَ بَيْنِي وبَيْنَكَ بُعْدَ المَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ القَرِينُ﴾ ﴿ولَنْ يَنْفَعَكُمُ اليَوْمَ إذْ ظَلَمْتُمْ أنَّكم في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ وفِي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى أجابَ عَنِ الشُّبْهَةِ الَّتِي ذَكَرُوها بِناءً عَلى تَفْضِيلِ الغَنِيِّ عَلى الفَقِيرِ بِوَجْهٍ ثالِثٍ، وهو أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ مَنافِعَ الدُّنْيا وطَيِّباتِها حَقِيرَةٌ خَسِيسَةٌ عِنْدَ اللَّهِ وبَيَّنَ حَقارَتَها بِقَوْلِهِ ﴿ولَوْلا أنْ يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً﴾، والمَعْنى: لَوْلا أنْ يَرْغَبَ النّاسُ في الكُفْرِ إذا رَأوُا الكافِرَ في سَعَةٍ مِنَ الخَيْرِ والرِّزْقِ لَأعْطَيْتُهم أكْثَرَ الأسْبابِ المُفِيدَةِ لِلتَّنَعُّمِ: أحَدُها: أنْ يَكُونَ سَقْفُهم مِن فِضَّةٍ. وثانِيها: مَعارِجُ أيْضًا مِن فِضَّةٍ عَلَيْها يَظْهَرُونَ. وثالِثُها: أنْ نَجْعَلَ لِبُيُوتِهِمْ أبْوابًا مِن فِضَّةٍ وسُرُرًا أيْضًا مِن فِضَّةٍ عَلَيْها يَتَّكِئُونَ. ثُمَّ قالَ: (وزُخْرُفًا) ولَهُ تَفْسِيرانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الذَّهَبُ. والثّانِي: أنَّهُ الزِّينَةُ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى إذا أخَذَتِ الأرْضُ زُخْرُفَها وازَّيَّنَتْ﴾ [يُونُسَ: ٢٤] فَعَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ يَكُونُ المَعْنى: ونَجْعَلُ لَهم مَعَ ذَلِكَ ذَهَبًا كَثِيرًا، وعَلى الثّانِي: أنّا نُعْطِيهِمْ زِينَةً عَظِيمَةً في كُلِّ بابٍ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ كُلَّ ذَلِكَ مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا، وإنَّما سَمّاهُ مَتاعًا؛ لِأنَّ الإنْسانَ يَسْتَمْتِعُ بِهِ قَلِيلًا ثُمَّ يَنْقَضِي في الحالِ، وأمّا الآخِرَةُ فَهي باقِيَةٌ دائِمَةٌ، وهي عِنْدَ اللَّهِ تَعالى وفي حُكْمِهِ لِلْمُتَّقِينَ عَنْ حُبِّ الدُّنْيا، المُقْبِلِينَ عَلى حُبِّ المَوْلى، وحاصِلُ الجَوابِ أنَّ أُولَئِكَ الجُهّالَ ظَنُّوا أنَّ الرَّجُلَ الغَنِيَّ أوْلى بِمَنصِبِ الرِّسالَةِ مِن مُحَمَّدٍ بِسَبَبِ فَقْرِهِ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ المالَ والجاهَ حَقِيرانِ عِنْدَ اللَّهِ، وأنَّهُما عَلى شَرَفِ الزَّوالِ، فَحُصُولُهُما لا يُفِيدُ حُصُولَ الشَّرَفِ، واللَّهُ أعْلَمُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو: ”سَقْفًا“ بِفَتْحِ السِّينِ وسُكُونِ القافِ عَلى لَفْظِ الواحِدِ لِإرادَةِ الجِنْسِ، كَما في قَوْلِهِ ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ﴾ [النَّحْلِ: ٢٦] والباقُونَ: ”سُقُفًا“ عَلى الجَمْعِ، واخْتَلَفُوا، فَقِيلَ: هو جَمْعُ سَقْفٍ، كَرَهْنٍ ورُهُنٍ، قالَ أبُو عُبَيْدٍ: ولا ثالِثَ لَهُما، وقِيلَ: السُّقُفُ جَمْعُ سُقُوفٍ، كَرُهُنٍ ورُهُونٍ وزُبُرٍ وزُبُورٍ، فَهو جَمْعُ الجَمْعِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ ﴿لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ﴾ فَقَوْلُهُ (لِبُيُوتِهِمْ) بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن قَوْلِهِ (لِمَن يَكْفُرُ) قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قُرِئَ: مَعارِجَ، ومَعارِيجَ، والمَعارِجُ جَمْعُ مَعْرَجٍ، أوِ اسْمُ جَمْعٍ لِمِعْراجٍ، وهي المَصاعِدُ إلى المَساكِنِ العالِيَةِ كالدَّرَجِ والسَّلالِمِ عَلَيْها يَظْهَرُونَ، أيْ عَلى تِلْكَ المَعارِجِ يَظْهَرُونَ، وفي نَصْبِ صفحة ١٨٢ قَوْلِهِ (وزُخْرُفًا) قَوْلانِ، قِيلَ: لَجَعَلْنا لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِن فِضَّةٍ ولَجَعَلْنا لَهم زُخْرُفًا، وقِيلَ: مِن فِضَّةٍ وزُخْرُفٍ، فَلَمّا حَذَفَ الخافِضَ انْتَصَبَ. وأمّا قَوْلُهُ ﴿وإنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمّا مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ قَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ (لَمّا) بِتَشْدِيدِ المِيمِ، والباقُونَ بِالتَّخْفِيفِ، وأمّا قِراءَةُ حَمْزَةَ بِالتَّشْدِيدِ فَإنَّهُ جَعَلَ ”لَمّا“ في مَعْنى ”إلّا“، وحَكى سِيبَوَيْهِ: نَشَدْتُكَ بِاللَّهِ لَما فَعَلْتَ، بِمَعْنى: إلّا فَعَلْتَ، ويُقَوِّي هَذِهِ القِراءَةَ أنَّ في حِرَفِ أُبَيٍّ: ”وما ذَلِكَ إلّا مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا“، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ ”لَمّا“ بِمَعْنى ”إلّا“، وأمّا القِراءَةُ بِالتَّخْفِيفِ، فَقالَ الواحِدِيُّ: لَفْظَةُ ”ما“ لَغْوٌ، والتَّقْدِيرُ: لَمَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا، قالَ أبُو الحَسَنِ: الوَجْهُ التَّخْفِيفُ، لِأنَّ ”لَمّا“ بِمَعْنى ”إلّا“ لا تُعْرَفُ، وحُكِيَ عَنِ الكِسائِيِّ أنَّهُ قالَ: لا أعْرِفُ وجْهَ التَّثْقِيلِ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ تَعالى إنَّما لَمْ يُعْطِ النّاسَ نِعَمَ الدُّنْيا، لِأجْلِ أنَّهُ لَوْ فَعَلَ بِهِمْ ذَلِكَ لَدَعاهم ذَلِكَ إلى الكُفْرِ، فَهو تَعالى لَمْ يَفْعَلْ بِهِمْ ذَلِكَ لِأجْلِ أنْ لا يَدْعُوهم إلى الكُفْرِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أحْكامٍ: أحَدُها: أنَّهُ إذا لَمْ يَفْعَلْ بِهِمْ ما يَدْعُوهم إلى الكُفْرِ، فَلَأنْ لا يَخْلُقَ فِيهِمُ الكُفْرَ أوْلى. وثانِيها: أنَّهُ ثَبَتَ أنَّ فِعْلَ اللُّطْفِ قائِمٌ مَقامَ إزاحَةِ العُذْرِ والعِلَّةِ، فَلَمّا بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ إزاحَةً لِلْعُذْرِ والعِلَّةِ عَنْهم، دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ يَجِبُ أنْ يَفْعَلَ بِهِمْ كُلَّ ما كانَ لُطْفًا داعِيًا لَهم إلى الإيمانِ، فَصارَتْ هَذِهِ الآيَةُ مِن هَذا الوَجْهِ دالَّةً عَلى أنَّهُ يَجِبُ عَلى اللَّهِ تَعالى فِعْلُ اللُّطْفِ. وثالِثُها: أنَّهُ ثَبَتَ بِهَذِهِ الآيَةِ أنَّ اللَّهَ تَعالى إنَّما يَفْعَلُ ما يَفْعَلُهُ ويَتْرُكُ ما يَتْرُكُهُ لِأجْلِ حِكْمَةٍ ومَصْلَحَةٍ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى تَعْلِيلِ أحْكامِ اللَّهِ تَعالى وأفْعالِهِ بِالمَصالِحِ والعِلَلِ، فَإنْ قِيلَ: لَمّا بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ لَوْ فَتَحَ عَلى الكافِرِ أبْوابَ النِّعَمِ، لَصارَ ذَلِكَ سَبَبًا لِاجْتِماعِ النّاسِ عَلى الكُفْرِ، فَلِمَ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ بِالمُسْلِمِينَ حَتّى يَصِيرَ ذَلِكَ سَبَبًا لِاجْتِماعِ النّاسِ عَلى الإسْلامِ ؟ قُلْنا: لِأنَّ النّاسَ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ كانُوا يَجْتَمِعُونَ عَلى الإسْلامِ لِطَلَبِ الدُّنْيا، وهَذا الإيمانُ إيمانُ المُنافِقِينَ، فَكانَ الأصْوَبُ أنْ يُضَيَّقَ الأمْرُ عَلى المُسْلِمِينَ، حَتّى أنَّ كُلَّ مَن دَخَلَ الإسْلامَ، فَإنَّما يَدْخُلُ فِيهِ لِمُتابَعَةِ الدَّلِيلِ ولِطَلَبِ رِضْوانِ اللَّهِ تَعالى، فَحِينَئِذٍ يَعْظُمُ ثَوابُهُ لِهَذا السَّبَبِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ومَن يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا فَهو لَهُ قَرِينٌ﴾ والمُرادُ مِنهُ التَّنْبِيهُ عَلى آفاتِ الدُّنْيا، وذَلِكَ أنَّ مَن فازَ بِالمالِ والجاهِ صارَ كالأعْشى عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، ومَن صارَ كَذَلِكَ صارَ مِن جُلَساءِ الشَّياطِينِ الضّالِّينَ المُضِلِّينَ، فَهَذا وجْهُ تَعَلُّقِ هَذا الكَلامِ بِما قَبْلَهُ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قُرِئَ ”ومَن يَعْشُ“ بِضَمِّ الشِّينِ وفَتْحِها، والفَرْقُ بَيْنَهُما أنَّهُ إذا حَصَلَتِ الآفَةُ في بَصَرِهِ قِيلَ عَشِيَ، وإذا نَظَرَ نَظَرَ العَشِيِّ ولا آفَةَ بِهِ، قِيلَ عَشى، ونَظِيرُهُ عَرِجَ لِمَن بِهِ الآفَةُ، وعَرَجَ لِمَن مَشى مِشْيَةَ العِرْجانِ مِن غَيْرِ عَرَجٍ، قالَ الحُطَيْئَةُ: مَتى تَأْتِهِ تَعْشُو إلى ضَوْءِ نارِهِ أيْ تَنْظُرْ إلَيْها نَظَرَ العَشِيِّ، لِما يُضْعِفُ بَصَرَكَ مِن عِظَمِ الوَقُودِ واتِّساعِ الضَّوْءِ، وقُرِئَ ”يَعْشُو“ عَلى أنَّ ”مَن“ مَوْصُولَةٌ غَيْرُ مُضَمَّنَةٍ مَعْنى الشَّرْطِ، وحَقُّ هَذا القارِئِ أنْ يَرْفَعَ ”نُقَيِّضُ“، ومَعْنى القِراءَةِ بِالفَتْحِ: ومَن يَعْمَ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ وهو القُرْآنُ، لِقَوْلِهِ ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ وأمّا القِراءَةُ بِالضَّمِّ، فَمَعْناها: ومَن يَتَعامَّ عَنْ ذِكْرِهِ، أيْ: يَعْرِفُ أنَّهُ الحَقُّ وهو يَتَجاهَلُ ويَتَعامى، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَحَدُوا بِها واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهُمْ﴾ [النَّمْلِ: ١٤]، و﴿نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا﴾ قالَ مُقاتِلٌ: نَضُمُّ إلَيْهِ شَيْطانًا ﴿فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ . * * * ثُمَّ قالَ: ﴿وإنَّهم لَيَصُدُّونَهم عَنِ السَّبِيلِ﴾ يَعْنِي: وإنَّ الشَّياطِينَ لَيَصُدُّونَهم عَنْ سَبِيلِ الهُدى والحَقِّ، وذَكَرَ صفحة ١٨٣ الكِنايَةَ عَنِ الإنْسانِ والشَّياطِينِ بِلَفْظِ الجَمْعِ، لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿ومَن يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا﴾ يُفِيدُ الجَمْعَ، وإنْ كانَ اللَّفْظُ عَلى الواحِدِ ﴿ويَحْسَبُونَ أنَّهم مُهْتَدُونَ﴾ يَعْنِي الشَّياطِينَ يَصُدُّونَ الكُفّارَ عَنِ السَّبِيلِ، والكُفّارُ يَحْسَبُونَ أنَّهم مُهْتَدُونَ، ثُمَّ عادَ إلى لَفْظِ الواحِدِ، فَقالَ: ﴿حَتّى إذا جاءَنا﴾ يَعْنِي الكافِرَ، وقُرِئَ (جاءانا)، يَعْنِي الكافِرَ وشَيْطانَهُ، رُوِيَ: أنَّ الكافِرَ إذا بُعِثَ يَوْمَ القِيامَةِ مِن قَبْرِهِ أخَذَ شَيْطانُهُ بِيَدِهِ، فَلَمْ يُفارِقْهُ حَتّى يُصَيِّرَهُما اللَّهُ إلى النّارِ، فَذَلِكَ حَيْثُ يَقُولُ: ﴿قالَ يالَيْتَ بَيْنِي وبَيْنَكَ بُعْدَ المَشْرِقَيْنِ﴾ والمُرادُ: يا لَيْتَ حَصَلَ بَيْنِي وبَيْنَكَ بُعْدٌ عَلى أعْظَمِ الوُجُوهِ، واخْتَلَفُوا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ ﴿بُعْدَ المَشْرِقَيْنِ﴾ وذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا: الأوَّلُ: قالَ الأكْثَرُونَ: المُرادُ بُعْدُ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ، ومِن عادَةِ العَرَبِ تَسْمِيَةُ الشَّيْئَيْنِ المُتَقابِلَيْنِ بِاسْمِ أحَدِهِما، قالَ الفَرَزْدَقُ: لَنا قَمَراها والنُّجُومُ الطَّوالِعُ يُرِيدُ الشَّمْسَ والقَمَرَ، ويَقُولُونَ لِلْكُوفَةِ والبَصْرَةِ: البَصْرَتانِ، ولِلْغَداةِ والعَصْرِ: العَصْرانِ، ولِأبِي بَكْرٍ وعُمَرَ: العُمَرانُ، ولِلْماءِ والتَّمْرِ: الأسْوَدانِ. الثّانِي: أنَّ أهْلَ النُّجُومِ يَقُولُونَ: الحَرَكَةُ الَّتِي تَكُونُ مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ هي حَرَكَةُ الفَلَكِ الأعْظَمِ، والحَرَكَةُ الَّتِي مِنَ المَغْرِبِ إلى المَشْرِقِ هي حَرَكَةُ الكَواكِبِ الثّابِتَةِ، وحَرَكَةُ الأفْلاكِ المُمَثَّلَةِ الَّتِي لِلسَّيّاراتِ سِوى القَمَرِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فالمَشْرِقُ والمَغْرِبُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما مَشْرِقٌ بِالنِّسْبَةِ إلى شَيْءٍ آخَرَ، فَثَبَتَ أنَّ إطْلاقَ لَفْظِ المَشْرِقِ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنَ الجِهَتَيْنِ حَقِيقَةٌ. الثّالِثُ: قالُوا: يُحْمَلُ ذَلِكَ عَلى مَشْرِقِ الصَّيْفِ ومَشْرِقِ الشِّتاءِ، وبَيْنَهُما بُعْدٌ عَظِيمٌ، وهَذا بَعِيدٌ عِنْدِي، لِأنَّ المَقْصُودَ مِن قَوْلِهِ ﴿قالَ يالَيْتَ بَيْنِي وبَيْنَكَ بُعْدَ المَشْرِقَيْنِ﴾ المُبالَغَةُ في حُصُولِ البُعْدِ، وهَذِهِ المُبالَغَةُ إنَّما تَحْصُلُ عَنْ ذِكْرِ بُعْدٍ لا يُمْكِنُ وُجُودُ بُعْدٍ آخَرَ أزْيَدَ مِنهُ، والبُعْدُ بَيْنَ مَشْرِقِ الصَّيْفِ ومَشْرِقِ الشِّتاءِ لَيْسَ كَذَلِكَ، فَيَبْعُدُ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلَيْهِ. الرّابِعُ: وهو أنَّ الحِسَّ يَدُلُّ عَلى أنَّ الحَرَكَةَ اليَوْمِيَّةَ إنَّما تَحْصُلُ بِطُلُوعِ الشَّمْسِ مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ، وأمّا القَمَرُ فَإنَّهُ يَظْهَرُ في أوَّلِ الشَّهْرِ في جانِبِ المَغْرِبِ، ثُمَّ لا يَزالُ يَتَقَدَّمُ إلى جانِبِ المَشْرِقِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ مَشْرِقَ حَرَكَةِ القَمَرِ هو المَغْرِبُ، وإذا ثَبَتَ هَذا فالجانِبُ المُسَمّى بِالمَشْرِقِ هو مَشْرِقُ الشَّمْسِ، ولَكِنَّهُ مَغْرِبُ القَمَرِ، وأمّا الجانِبُ المُسَمّى بِالمَغْرِبِ، فَإنَّهُ مَشْرِقُ القَمَرِ ولَكِنَّهُ مَغْرِبُ الشَّمْسِ، وبِهَذا التَّقْدِيرِ يَصِحُّ تَسْمِيَةُ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ بِالمَشْرِقَيْنِ، ولَعَلَّ هَذا الوَجْهَ أقْرَبُ إلى مُطابَقَةِ اللَّفْظِ ورِعايَةِ المَقْصُودِ مِن سائِرِ الوُجُوهِ، واللَّهُ أعْلَمُ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَبِئْسَ القَرِينُ﴾ أيِ الكافِرُ يَقُولُ لِذَلِكَ الشَّيْطانِ ﴿يالَيْتَ بَيْنِي وبَيْنَكَ بُعْدَ المَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ القَرِينُ﴾ أنْتَ، فَهَذا ما يَتَعَلَّقُ بِتَفْسِيرِ الألْفاظِ، والمَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ تَحْقِيرُ الدُّنْيا وبَيانُ ما في المالِ والجاهِ مِنَ المَضارِّ العَظِيمَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ كَثْرَةَ المالِ والجاهَ تَجْعَلُ الإنْسانَ كالأعْشى عَنْ مُطالَعَةِ ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى، ومَن صارَ كَذَلِكَ صارَ جَلِيسًا لِلشَّيْطانِ، ومَن صارَ كَذَلِكَ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِ الهُدى والحَقِّ، وبَقِيَ جَلِيسَ الشَّيْطانِ في الدُّنْيا وفي القِيامَةِ، ومُجالَسَةُ الشَّيْطانِ حالَةٌ تُوجِبُ الضَّرَرَ الشَّدِيدَ في القِيامَةِ بِحَيْثُ يَقُولُ الكافِرُ ﴿يالَيْتَ بَيْنِي وبَيْنَكَ بُعْدَ المَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ القَرِينُ﴾ أنْتَ. فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا أنَّ كَثْرَةَ المالِ والجاهَ تُوجِبُ كَمالَ النُّقْصانِ والحِرْمانِ في الدِّينِ والدُّنْيا، وإذا ظَهَرَ هَذا فَقَدْ ظَهَرَ أنَّ الَّذِينَ قالُوا ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ قالُوا كَلامًا فاسِدًا وشُبْهَةً باطِلَةً. صفحة ١٨٤ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَنْ يَنْفَعَكُمُ اليَوْمَ إذْ ظَلَمْتُمْ أنَّكم في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ فَقَوْلُهُ (أنَّكم) في مَحَلِّ الرَّفْعِ عَلى الفاعِلِيَّةِ، يَعْنِي: ولَنْ يَنْفَعَكُمُ اليَوْمَ كَوْنُكم مُشْتَرِكِينَ في العَذابِ، والسَّبَبُ فِيهِ أنَّ النّاسَ يَقُولُونَ: المُصِيبَةُ إذا عَمَّتْ طابَتْ، وقالَتِ الخَنْساءُ في هَذا المَعْنى: ولَوْلا كَثْرَةُ الباكِينَ حَوْلِي ∗∗∗ عَلى إخْوانِهِمْ لَقَتَلْتُ نَفْسِي ولا يَبْكُونَ مِثْلَ أخِي ولَكِنْ ∗∗∗ أُعَزِّي النَّفْسَ عَنْهُ بِالتَّأسِّي فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ حُصُولَ الشَّرِكَةِ في ذَلِكَ العَذابِ لا يُفِيدُ التَّخْفِيفَ كَما كانَ يُفِيدُهُ في الدُّنْيا، والسَّبَبُ فِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ ذَلِكَ العَذابَ شَدِيدٌ، فاشْتِغالُ كُلِّ واحِدٍ بِنَفْسِهِ يُذْهِلُهُ عَنْ حالِ الآخَرِ، فَلا جَرَمَ الشَّرِكَةُ لا تُفِيدُ الخِفَّةَ. الثّانِي: أنَّ قَوْمًا إذا اشْتَرَكُوا في العَذابِ أعانَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم صاحِبَهُ بِما قَدَرَ عَلَيْهِ، فَيَحْصُلُ بِسَبَبِهِ بَعْضُ التَّخْفِيفِ، وهَذا المَعْنى مُتَعَذِّرٌ في القِيامَةِ. الثّالِثُ: أنَّ جُلُوسَ الإنْسانِ مَعَ قَرِينِهِ يُفِيدُهُ أنْواعًا كَثِيرَةً مِنَ السَّلْوَةِ. فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ الشَّيْطانَ وإنْ كانَ قَرِينًا إلّا أنَّ مُجالَسَتَهُ في القِيامَةِ لا تُوجِبُ السَّلْوَةَ وخِفَّةَ العُقُوبَةِ، وفي كِتابِ ابْنِ مُجاهِدٍ عَنِ ابْنِ عامِرٍ قَرَأ: ”إذْ ظَلَمْتُمْ إنَّكم“ بِكَسْرِ الألِفِ، وقَرَأ الباقُونَ: ”أنَّكم“ بِفَتْحِ الألِفِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

الزخرف 43:38

قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولَوْلا أنْ يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِن فَضَّةٍ ومَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ﴾ ﴿ولِبُيُوتِهِمْ أبْوابًا وسُرُرًا عَلَيْها يَتَّكِئُونَ﴾ ﴿وزُخْرُفًا وإنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمّا مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا والآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ﴿ومَن يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا فَهو لَهُ قَرِينٌ﴾ ﴿وإنَّهم لَيَصُدُّونَهم عَنِ السَّبِيلِ ويَحْسَبُونَ أنَّهم مُهْتَدُونَ﴾ ﴿حَتّى إذا جاءَنا قالَ يالَيْتَ بَيْنِي وبَيْنَكَ بُعْدَ المَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ القَرِينُ﴾ ﴿ولَنْ يَنْفَعَكُمُ اليَوْمَ إذْ ظَلَمْتُمْ أنَّكم في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ وفِي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى أجابَ عَنِ الشُّبْهَةِ الَّتِي ذَكَرُوها بِناءً عَلى تَفْضِيلِ الغَنِيِّ عَلى الفَقِيرِ بِوَجْهٍ ثالِثٍ، وهو أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ مَنافِعَ الدُّنْيا وطَيِّباتِها حَقِيرَةٌ خَسِيسَةٌ عِنْدَ اللَّهِ وبَيَّنَ حَقارَتَها بِقَوْلِهِ ﴿ولَوْلا أنْ يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً﴾، والمَعْنى: لَوْلا أنْ يَرْغَبَ النّاسُ في الكُفْرِ إذا رَأوُا الكافِرَ في سَعَةٍ مِنَ الخَيْرِ والرِّزْقِ لَأعْطَيْتُهم أكْثَرَ الأسْبابِ المُفِيدَةِ لِلتَّنَعُّمِ: أحَدُها: أنْ يَكُونَ سَقْفُهم مِن فِضَّةٍ. وثانِيها: مَعارِجُ أيْضًا مِن فِضَّةٍ عَلَيْها يَظْهَرُونَ. وثالِثُها: أنْ نَجْعَلَ لِبُيُوتِهِمْ أبْوابًا مِن فِضَّةٍ وسُرُرًا أيْضًا مِن فِضَّةٍ عَلَيْها يَتَّكِئُونَ. ثُمَّ قالَ: (وزُخْرُفًا) ولَهُ تَفْسِيرانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الذَّهَبُ. والثّانِي: أنَّهُ الزِّينَةُ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى إذا أخَذَتِ الأرْضُ زُخْرُفَها وازَّيَّنَتْ﴾ [يُونُسَ: ٢٤] فَعَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ يَكُونُ المَعْنى: ونَجْعَلُ لَهم مَعَ ذَلِكَ ذَهَبًا كَثِيرًا، وعَلى الثّانِي: أنّا نُعْطِيهِمْ زِينَةً عَظِيمَةً في كُلِّ بابٍ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ كُلَّ ذَلِكَ مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا، وإنَّما سَمّاهُ مَتاعًا؛ لِأنَّ الإنْسانَ يَسْتَمْتِعُ بِهِ قَلِيلًا ثُمَّ يَنْقَضِي في الحالِ، وأمّا الآخِرَةُ فَهي باقِيَةٌ دائِمَةٌ، وهي عِنْدَ اللَّهِ تَعالى وفي حُكْمِهِ لِلْمُتَّقِينَ عَنْ حُبِّ الدُّنْيا، المُقْبِلِينَ عَلى حُبِّ المَوْلى، وحاصِلُ الجَوابِ أنَّ أُولَئِكَ الجُهّالَ ظَنُّوا أنَّ الرَّجُلَ الغَنِيَّ أوْلى بِمَنصِبِ الرِّسالَةِ مِن مُحَمَّدٍ بِسَبَبِ فَقْرِهِ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ المالَ والجاهَ حَقِيرانِ عِنْدَ اللَّهِ، وأنَّهُما عَلى شَرَفِ الزَّوالِ، فَحُصُولُهُما لا يُفِيدُ حُصُولَ الشَّرَفِ، واللَّهُ أعْلَمُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو: ”سَقْفًا“ بِفَتْحِ السِّينِ وسُكُونِ القافِ عَلى لَفْظِ الواحِدِ لِإرادَةِ الجِنْسِ، كَما في قَوْلِهِ ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ﴾ [النَّحْلِ: ٢٦] والباقُونَ: ”سُقُفًا“ عَلى الجَمْعِ، واخْتَلَفُوا، فَقِيلَ: هو جَمْعُ سَقْفٍ، كَرَهْنٍ ورُهُنٍ، قالَ أبُو عُبَيْدٍ: ولا ثالِثَ لَهُما، وقِيلَ: السُّقُفُ جَمْعُ سُقُوفٍ، كَرُهُنٍ ورُهُونٍ وزُبُرٍ وزُبُورٍ، فَهو جَمْعُ الجَمْعِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ ﴿لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ﴾ فَقَوْلُهُ (لِبُيُوتِهِمْ) بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن قَوْلِهِ (لِمَن يَكْفُرُ) قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قُرِئَ: مَعارِجَ، ومَعارِيجَ، والمَعارِجُ جَمْعُ مَعْرَجٍ، أوِ اسْمُ جَمْعٍ لِمِعْراجٍ، وهي المَصاعِدُ إلى المَساكِنِ العالِيَةِ كالدَّرَجِ والسَّلالِمِ عَلَيْها يَظْهَرُونَ، أيْ عَلى تِلْكَ المَعارِجِ يَظْهَرُونَ، وفي نَصْبِ صفحة ١٨٢ قَوْلِهِ (وزُخْرُفًا) قَوْلانِ، قِيلَ: لَجَعَلْنا لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِن فِضَّةٍ ولَجَعَلْنا لَهم زُخْرُفًا، وقِيلَ: مِن فِضَّةٍ وزُخْرُفٍ، فَلَمّا حَذَفَ الخافِضَ انْتَصَبَ. وأمّا قَوْلُهُ ﴿وإنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمّا مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ قَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ (لَمّا) بِتَشْدِيدِ المِيمِ، والباقُونَ بِالتَّخْفِيفِ، وأمّا قِراءَةُ حَمْزَةَ بِالتَّشْدِيدِ فَإنَّهُ جَعَلَ ”لَمّا“ في مَعْنى ”إلّا“، وحَكى سِيبَوَيْهِ: نَشَدْتُكَ بِاللَّهِ لَما فَعَلْتَ، بِمَعْنى: إلّا فَعَلْتَ، ويُقَوِّي هَذِهِ القِراءَةَ أنَّ في حِرَفِ أُبَيٍّ: ”وما ذَلِكَ إلّا مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا“، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ ”لَمّا“ بِمَعْنى ”إلّا“، وأمّا القِراءَةُ بِالتَّخْفِيفِ، فَقالَ الواحِدِيُّ: لَفْظَةُ ”ما“ لَغْوٌ، والتَّقْدِيرُ: لَمَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا، قالَ أبُو الحَسَنِ: الوَجْهُ التَّخْفِيفُ، لِأنَّ ”لَمّا“ بِمَعْنى ”إلّا“ لا تُعْرَفُ، وحُكِيَ عَنِ الكِسائِيِّ أنَّهُ قالَ: لا أعْرِفُ وجْهَ التَّثْقِيلِ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ تَعالى إنَّما لَمْ يُعْطِ النّاسَ نِعَمَ الدُّنْيا، لِأجْلِ أنَّهُ لَوْ فَعَلَ بِهِمْ ذَلِكَ لَدَعاهم ذَلِكَ إلى الكُفْرِ، فَهو تَعالى لَمْ يَفْعَلْ بِهِمْ ذَلِكَ لِأجْلِ أنْ لا يَدْعُوهم إلى الكُفْرِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أحْكامٍ: أحَدُها: أنَّهُ إذا لَمْ يَفْعَلْ بِهِمْ ما يَدْعُوهم إلى الكُفْرِ، فَلَأنْ لا يَخْلُقَ فِيهِمُ الكُفْرَ أوْلى. وثانِيها: أنَّهُ ثَبَتَ أنَّ فِعْلَ اللُّطْفِ قائِمٌ مَقامَ إزاحَةِ العُذْرِ والعِلَّةِ، فَلَمّا بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ إزاحَةً لِلْعُذْرِ والعِلَّةِ عَنْهم، دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ يَجِبُ أنْ يَفْعَلَ بِهِمْ كُلَّ ما كانَ لُطْفًا داعِيًا لَهم إلى الإيمانِ، فَصارَتْ هَذِهِ الآيَةُ مِن هَذا الوَجْهِ دالَّةً عَلى أنَّهُ يَجِبُ عَلى اللَّهِ تَعالى فِعْلُ اللُّطْفِ. وثالِثُها: أنَّهُ ثَبَتَ بِهَذِهِ الآيَةِ أنَّ اللَّهَ تَعالى إنَّما يَفْعَلُ ما يَفْعَلُهُ ويَتْرُكُ ما يَتْرُكُهُ لِأجْلِ حِكْمَةٍ ومَصْلَحَةٍ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى تَعْلِيلِ أحْكامِ اللَّهِ تَعالى وأفْعالِهِ بِالمَصالِحِ والعِلَلِ، فَإنْ قِيلَ: لَمّا بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ لَوْ فَتَحَ عَلى الكافِرِ أبْوابَ النِّعَمِ، لَصارَ ذَلِكَ سَبَبًا لِاجْتِماعِ النّاسِ عَلى الكُفْرِ، فَلِمَ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ بِالمُسْلِمِينَ حَتّى يَصِيرَ ذَلِكَ سَبَبًا لِاجْتِماعِ النّاسِ عَلى الإسْلامِ ؟ قُلْنا: لِأنَّ النّاسَ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ كانُوا يَجْتَمِعُونَ عَلى الإسْلامِ لِطَلَبِ الدُّنْيا، وهَذا الإيمانُ إيمانُ المُنافِقِينَ، فَكانَ الأصْوَبُ أنْ يُضَيَّقَ الأمْرُ عَلى المُسْلِمِينَ، حَتّى أنَّ كُلَّ مَن دَخَلَ الإسْلامَ، فَإنَّما يَدْخُلُ فِيهِ لِمُتابَعَةِ الدَّلِيلِ ولِطَلَبِ رِضْوانِ اللَّهِ تَعالى، فَحِينَئِذٍ يَعْظُمُ ثَوابُهُ لِهَذا السَّبَبِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ومَن يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا فَهو لَهُ قَرِينٌ﴾ والمُرادُ مِنهُ التَّنْبِيهُ عَلى آفاتِ الدُّنْيا، وذَلِكَ أنَّ مَن فازَ بِالمالِ والجاهِ صارَ كالأعْشى عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، ومَن صارَ كَذَلِكَ صارَ مِن جُلَساءِ الشَّياطِينِ الضّالِّينَ المُضِلِّينَ، فَهَذا وجْهُ تَعَلُّقِ هَذا الكَلامِ بِما قَبْلَهُ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قُرِئَ ”ومَن يَعْشُ“ بِضَمِّ الشِّينِ وفَتْحِها، والفَرْقُ بَيْنَهُما أنَّهُ إذا حَصَلَتِ الآفَةُ في بَصَرِهِ قِيلَ عَشِيَ، وإذا نَظَرَ نَظَرَ العَشِيِّ ولا آفَةَ بِهِ، قِيلَ عَشى، ونَظِيرُهُ عَرِجَ لِمَن بِهِ الآفَةُ، وعَرَجَ لِمَن مَشى مِشْيَةَ العِرْجانِ مِن غَيْرِ عَرَجٍ، قالَ الحُطَيْئَةُ: مَتى تَأْتِهِ تَعْشُو إلى ضَوْءِ نارِهِ أيْ تَنْظُرْ إلَيْها نَظَرَ العَشِيِّ، لِما يُضْعِفُ بَصَرَكَ مِن عِظَمِ الوَقُودِ واتِّساعِ الضَّوْءِ، وقُرِئَ ”يَعْشُو“ عَلى أنَّ ”مَن“ مَوْصُولَةٌ غَيْرُ مُضَمَّنَةٍ مَعْنى الشَّرْطِ، وحَقُّ هَذا القارِئِ أنْ يَرْفَعَ ”نُقَيِّضُ“، ومَعْنى القِراءَةِ بِالفَتْحِ: ومَن يَعْمَ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ وهو القُرْآنُ، لِقَوْلِهِ ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ وأمّا القِراءَةُ بِالضَّمِّ، فَمَعْناها: ومَن يَتَعامَّ عَنْ ذِكْرِهِ، أيْ: يَعْرِفُ أنَّهُ الحَقُّ وهو يَتَجاهَلُ ويَتَعامى، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَحَدُوا بِها واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهُمْ﴾ [النَّمْلِ: ١٤]، و﴿نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا﴾ قالَ مُقاتِلٌ: نَضُمُّ إلَيْهِ شَيْطانًا ﴿فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ . * * * ثُمَّ قالَ: ﴿وإنَّهم لَيَصُدُّونَهم عَنِ السَّبِيلِ﴾ يَعْنِي: وإنَّ الشَّياطِينَ لَيَصُدُّونَهم عَنْ سَبِيلِ الهُدى والحَقِّ، وذَكَرَ صفحة ١٨٣ الكِنايَةَ عَنِ الإنْسانِ والشَّياطِينِ بِلَفْظِ الجَمْعِ، لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿ومَن يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا﴾ يُفِيدُ الجَمْعَ، وإنْ كانَ اللَّفْظُ عَلى الواحِدِ ﴿ويَحْسَبُونَ أنَّهم مُهْتَدُونَ﴾ يَعْنِي الشَّياطِينَ يَصُدُّونَ الكُفّارَ عَنِ السَّبِيلِ، والكُفّارُ يَحْسَبُونَ أنَّهم مُهْتَدُونَ، ثُمَّ عادَ إلى لَفْظِ الواحِدِ، فَقالَ: ﴿حَتّى إذا جاءَنا﴾ يَعْنِي الكافِرَ، وقُرِئَ (جاءانا)، يَعْنِي الكافِرَ وشَيْطانَهُ، رُوِيَ: أنَّ الكافِرَ إذا بُعِثَ يَوْمَ القِيامَةِ مِن قَبْرِهِ أخَذَ شَيْطانُهُ بِيَدِهِ، فَلَمْ يُفارِقْهُ حَتّى يُصَيِّرَهُما اللَّهُ إلى النّارِ، فَذَلِكَ حَيْثُ يَقُولُ: ﴿قالَ يالَيْتَ بَيْنِي وبَيْنَكَ بُعْدَ المَشْرِقَيْنِ﴾ والمُرادُ: يا لَيْتَ حَصَلَ بَيْنِي وبَيْنَكَ بُعْدٌ عَلى أعْظَمِ الوُجُوهِ، واخْتَلَفُوا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ ﴿بُعْدَ المَشْرِقَيْنِ﴾ وذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا: الأوَّلُ: قالَ الأكْثَرُونَ: المُرادُ بُعْدُ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ، ومِن عادَةِ العَرَبِ تَسْمِيَةُ الشَّيْئَيْنِ المُتَقابِلَيْنِ بِاسْمِ أحَدِهِما، قالَ الفَرَزْدَقُ: لَنا قَمَراها والنُّجُومُ الطَّوالِعُ يُرِيدُ الشَّمْسَ والقَمَرَ، ويَقُولُونَ لِلْكُوفَةِ والبَصْرَةِ: البَصْرَتانِ، ولِلْغَداةِ والعَصْرِ: العَصْرانِ، ولِأبِي بَكْرٍ وعُمَرَ: العُمَرانُ، ولِلْماءِ والتَّمْرِ: الأسْوَدانِ. الثّانِي: أنَّ أهْلَ النُّجُومِ يَقُولُونَ: الحَرَكَةُ الَّتِي تَكُونُ مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ هي حَرَكَةُ الفَلَكِ الأعْظَمِ، والحَرَكَةُ الَّتِي مِنَ المَغْرِبِ إلى المَشْرِقِ هي حَرَكَةُ الكَواكِبِ الثّابِتَةِ، وحَرَكَةُ الأفْلاكِ المُمَثَّلَةِ الَّتِي لِلسَّيّاراتِ سِوى القَمَرِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فالمَشْرِقُ والمَغْرِبُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما مَشْرِقٌ بِالنِّسْبَةِ إلى شَيْءٍ آخَرَ، فَثَبَتَ أنَّ إطْلاقَ لَفْظِ المَشْرِقِ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنَ الجِهَتَيْنِ حَقِيقَةٌ. الثّالِثُ: قالُوا: يُحْمَلُ ذَلِكَ عَلى مَشْرِقِ الصَّيْفِ ومَشْرِقِ الشِّتاءِ، وبَيْنَهُما بُعْدٌ عَظِيمٌ، وهَذا بَعِيدٌ عِنْدِي، لِأنَّ المَقْصُودَ مِن قَوْلِهِ ﴿قالَ يالَيْتَ بَيْنِي وبَيْنَكَ بُعْدَ المَشْرِقَيْنِ﴾ المُبالَغَةُ في حُصُولِ البُعْدِ، وهَذِهِ المُبالَغَةُ إنَّما تَحْصُلُ عَنْ ذِكْرِ بُعْدٍ لا يُمْكِنُ وُجُودُ بُعْدٍ آخَرَ أزْيَدَ مِنهُ، والبُعْدُ بَيْنَ مَشْرِقِ الصَّيْفِ ومَشْرِقِ الشِّتاءِ لَيْسَ كَذَلِكَ، فَيَبْعُدُ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلَيْهِ. الرّابِعُ: وهو أنَّ الحِسَّ يَدُلُّ عَلى أنَّ الحَرَكَةَ اليَوْمِيَّةَ إنَّما تَحْصُلُ بِطُلُوعِ الشَّمْسِ مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ، وأمّا القَمَرُ فَإنَّهُ يَظْهَرُ في أوَّلِ الشَّهْرِ في جانِبِ المَغْرِبِ، ثُمَّ لا يَزالُ يَتَقَدَّمُ إلى جانِبِ المَشْرِقِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ مَشْرِقَ حَرَكَةِ القَمَرِ هو المَغْرِبُ، وإذا ثَبَتَ هَذا فالجانِبُ المُسَمّى بِالمَشْرِقِ هو مَشْرِقُ الشَّمْسِ، ولَكِنَّهُ مَغْرِبُ القَمَرِ، وأمّا الجانِبُ المُسَمّى بِالمَغْرِبِ، فَإنَّهُ مَشْرِقُ القَمَرِ ولَكِنَّهُ مَغْرِبُ الشَّمْسِ، وبِهَذا التَّقْدِيرِ يَصِحُّ تَسْمِيَةُ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ بِالمَشْرِقَيْنِ، ولَعَلَّ هَذا الوَجْهَ أقْرَبُ إلى مُطابَقَةِ اللَّفْظِ ورِعايَةِ المَقْصُودِ مِن سائِرِ الوُجُوهِ، واللَّهُ أعْلَمُ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَبِئْسَ القَرِينُ﴾ أيِ الكافِرُ يَقُولُ لِذَلِكَ الشَّيْطانِ ﴿يالَيْتَ بَيْنِي وبَيْنَكَ بُعْدَ المَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ القَرِينُ﴾ أنْتَ، فَهَذا ما يَتَعَلَّقُ بِتَفْسِيرِ الألْفاظِ، والمَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ تَحْقِيرُ الدُّنْيا وبَيانُ ما في المالِ والجاهِ مِنَ المَضارِّ العَظِيمَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ كَثْرَةَ المالِ والجاهَ تَجْعَلُ الإنْسانَ كالأعْشى عَنْ مُطالَعَةِ ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى، ومَن صارَ كَذَلِكَ صارَ جَلِيسًا لِلشَّيْطانِ، ومَن صارَ كَذَلِكَ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِ الهُدى والحَقِّ، وبَقِيَ جَلِيسَ الشَّيْطانِ في الدُّنْيا وفي القِيامَةِ، ومُجالَسَةُ الشَّيْطانِ حالَةٌ تُوجِبُ الضَّرَرَ الشَّدِيدَ في القِيامَةِ بِحَيْثُ يَقُولُ الكافِرُ ﴿يالَيْتَ بَيْنِي وبَيْنَكَ بُعْدَ المَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ القَرِينُ﴾ أنْتَ. فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا أنَّ كَثْرَةَ المالِ والجاهَ تُوجِبُ كَمالَ النُّقْصانِ والحِرْمانِ في الدِّينِ والدُّنْيا، وإذا ظَهَرَ هَذا فَقَدْ ظَهَرَ أنَّ الَّذِينَ قالُوا ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ قالُوا كَلامًا فاسِدًا وشُبْهَةً باطِلَةً. صفحة ١٨٤ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَنْ يَنْفَعَكُمُ اليَوْمَ إذْ ظَلَمْتُمْ أنَّكم في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ فَقَوْلُهُ (أنَّكم) في مَحَلِّ الرَّفْعِ عَلى الفاعِلِيَّةِ، يَعْنِي: ولَنْ يَنْفَعَكُمُ اليَوْمَ كَوْنُكم مُشْتَرِكِينَ في العَذابِ، والسَّبَبُ فِيهِ أنَّ النّاسَ يَقُولُونَ: المُصِيبَةُ إذا عَمَّتْ طابَتْ، وقالَتِ الخَنْساءُ في هَذا المَعْنى: ولَوْلا كَثْرَةُ الباكِينَ حَوْلِي ∗∗∗ عَلى إخْوانِهِمْ لَقَتَلْتُ نَفْسِي ولا يَبْكُونَ مِثْلَ أخِي ولَكِنْ ∗∗∗ أُعَزِّي النَّفْسَ عَنْهُ بِالتَّأسِّي فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ حُصُولَ الشَّرِكَةِ في ذَلِكَ العَذابِ لا يُفِيدُ التَّخْفِيفَ كَما كانَ يُفِيدُهُ في الدُّنْيا، والسَّبَبُ فِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ ذَلِكَ العَذابَ شَدِيدٌ، فاشْتِغالُ كُلِّ واحِدٍ بِنَفْسِهِ يُذْهِلُهُ عَنْ حالِ الآخَرِ، فَلا جَرَمَ الشَّرِكَةُ لا تُفِيدُ الخِفَّةَ. الثّانِي: أنَّ قَوْمًا إذا اشْتَرَكُوا في العَذابِ أعانَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم صاحِبَهُ بِما قَدَرَ عَلَيْهِ، فَيَحْصُلُ بِسَبَبِهِ بَعْضُ التَّخْفِيفِ، وهَذا المَعْنى مُتَعَذِّرٌ في القِيامَةِ. الثّالِثُ: أنَّ جُلُوسَ الإنْسانِ مَعَ قَرِينِهِ يُفِيدُهُ أنْواعًا كَثِيرَةً مِنَ السَّلْوَةِ. فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ الشَّيْطانَ وإنْ كانَ قَرِينًا إلّا أنَّ مُجالَسَتَهُ في القِيامَةِ لا تُوجِبُ السَّلْوَةَ وخِفَّةَ العُقُوبَةِ، وفي كِتابِ ابْنِ مُجاهِدٍ عَنِ ابْنِ عامِرٍ قَرَأ: ”إذْ ظَلَمْتُمْ إنَّكم“ بِكَسْرِ الألِفِ، وقَرَأ الباقُونَ: ”أنَّكم“ بِفَتْحِ الألِفِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

الزخرف 43:39

قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولَوْلا أنْ يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِن فَضَّةٍ ومَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ﴾ ﴿ولِبُيُوتِهِمْ أبْوابًا وسُرُرًا عَلَيْها يَتَّكِئُونَ﴾ ﴿وزُخْرُفًا وإنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمّا مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا والآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ﴿ومَن يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا فَهو لَهُ قَرِينٌ﴾ ﴿وإنَّهم لَيَصُدُّونَهم عَنِ السَّبِيلِ ويَحْسَبُونَ أنَّهم مُهْتَدُونَ﴾ ﴿حَتّى إذا جاءَنا قالَ يالَيْتَ بَيْنِي وبَيْنَكَ بُعْدَ المَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ القَرِينُ﴾ ﴿ولَنْ يَنْفَعَكُمُ اليَوْمَ إذْ ظَلَمْتُمْ أنَّكم في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ وفِي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى أجابَ عَنِ الشُّبْهَةِ الَّتِي ذَكَرُوها بِناءً عَلى تَفْضِيلِ الغَنِيِّ عَلى الفَقِيرِ بِوَجْهٍ ثالِثٍ، وهو أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ مَنافِعَ الدُّنْيا وطَيِّباتِها حَقِيرَةٌ خَسِيسَةٌ عِنْدَ اللَّهِ وبَيَّنَ حَقارَتَها بِقَوْلِهِ ﴿ولَوْلا أنْ يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً﴾، والمَعْنى: لَوْلا أنْ يَرْغَبَ النّاسُ في الكُفْرِ إذا رَأوُا الكافِرَ في سَعَةٍ مِنَ الخَيْرِ والرِّزْقِ لَأعْطَيْتُهم أكْثَرَ الأسْبابِ المُفِيدَةِ لِلتَّنَعُّمِ: أحَدُها: أنْ يَكُونَ سَقْفُهم مِن فِضَّةٍ. وثانِيها: مَعارِجُ أيْضًا مِن فِضَّةٍ عَلَيْها يَظْهَرُونَ. وثالِثُها: أنْ نَجْعَلَ لِبُيُوتِهِمْ أبْوابًا مِن فِضَّةٍ وسُرُرًا أيْضًا مِن فِضَّةٍ عَلَيْها يَتَّكِئُونَ. ثُمَّ قالَ: (وزُخْرُفًا) ولَهُ تَفْسِيرانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الذَّهَبُ. والثّانِي: أنَّهُ الزِّينَةُ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى إذا أخَذَتِ الأرْضُ زُخْرُفَها وازَّيَّنَتْ﴾ [يُونُسَ: ٢٤] فَعَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ يَكُونُ المَعْنى: ونَجْعَلُ لَهم مَعَ ذَلِكَ ذَهَبًا كَثِيرًا، وعَلى الثّانِي: أنّا نُعْطِيهِمْ زِينَةً عَظِيمَةً في كُلِّ بابٍ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ كُلَّ ذَلِكَ مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا، وإنَّما سَمّاهُ مَتاعًا؛ لِأنَّ الإنْسانَ يَسْتَمْتِعُ بِهِ قَلِيلًا ثُمَّ يَنْقَضِي في الحالِ، وأمّا الآخِرَةُ فَهي باقِيَةٌ دائِمَةٌ، وهي عِنْدَ اللَّهِ تَعالى وفي حُكْمِهِ لِلْمُتَّقِينَ عَنْ حُبِّ الدُّنْيا، المُقْبِلِينَ عَلى حُبِّ المَوْلى، وحاصِلُ الجَوابِ أنَّ أُولَئِكَ الجُهّالَ ظَنُّوا أنَّ الرَّجُلَ الغَنِيَّ أوْلى بِمَنصِبِ الرِّسالَةِ مِن مُحَمَّدٍ بِسَبَبِ فَقْرِهِ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ المالَ والجاهَ حَقِيرانِ عِنْدَ اللَّهِ، وأنَّهُما عَلى شَرَفِ الزَّوالِ، فَحُصُولُهُما لا يُفِيدُ حُصُولَ الشَّرَفِ، واللَّهُ أعْلَمُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو: ”سَقْفًا“ بِفَتْحِ السِّينِ وسُكُونِ القافِ عَلى لَفْظِ الواحِدِ لِإرادَةِ الجِنْسِ، كَما في قَوْلِهِ ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ﴾ [النَّحْلِ: ٢٦] والباقُونَ: ”سُقُفًا“ عَلى الجَمْعِ، واخْتَلَفُوا، فَقِيلَ: هو جَمْعُ سَقْفٍ، كَرَهْنٍ ورُهُنٍ، قالَ أبُو عُبَيْدٍ: ولا ثالِثَ لَهُما، وقِيلَ: السُّقُفُ جَمْعُ سُقُوفٍ، كَرُهُنٍ ورُهُونٍ وزُبُرٍ وزُبُورٍ، فَهو جَمْعُ الجَمْعِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ ﴿لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ﴾ فَقَوْلُهُ (لِبُيُوتِهِمْ) بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن قَوْلِهِ (لِمَن يَكْفُرُ) قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قُرِئَ: مَعارِجَ، ومَعارِيجَ، والمَعارِجُ جَمْعُ مَعْرَجٍ، أوِ اسْمُ جَمْعٍ لِمِعْراجٍ، وهي المَصاعِدُ إلى المَساكِنِ العالِيَةِ كالدَّرَجِ والسَّلالِمِ عَلَيْها يَظْهَرُونَ، أيْ عَلى تِلْكَ المَعارِجِ يَظْهَرُونَ، وفي نَصْبِ صفحة ١٨٢ قَوْلِهِ (وزُخْرُفًا) قَوْلانِ، قِيلَ: لَجَعَلْنا لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِن فِضَّةٍ ولَجَعَلْنا لَهم زُخْرُفًا، وقِيلَ: مِن فِضَّةٍ وزُخْرُفٍ، فَلَمّا حَذَفَ الخافِضَ انْتَصَبَ. وأمّا قَوْلُهُ ﴿وإنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمّا مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ قَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ (لَمّا) بِتَشْدِيدِ المِيمِ، والباقُونَ بِالتَّخْفِيفِ، وأمّا قِراءَةُ حَمْزَةَ بِالتَّشْدِيدِ فَإنَّهُ جَعَلَ ”لَمّا“ في مَعْنى ”إلّا“، وحَكى سِيبَوَيْهِ: نَشَدْتُكَ بِاللَّهِ لَما فَعَلْتَ، بِمَعْنى: إلّا فَعَلْتَ، ويُقَوِّي هَذِهِ القِراءَةَ أنَّ في حِرَفِ أُبَيٍّ: ”وما ذَلِكَ إلّا مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا“، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ ”لَمّا“ بِمَعْنى ”إلّا“، وأمّا القِراءَةُ بِالتَّخْفِيفِ، فَقالَ الواحِدِيُّ: لَفْظَةُ ”ما“ لَغْوٌ، والتَّقْدِيرُ: لَمَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا، قالَ أبُو الحَسَنِ: الوَجْهُ التَّخْفِيفُ، لِأنَّ ”لَمّا“ بِمَعْنى ”إلّا“ لا تُعْرَفُ، وحُكِيَ عَنِ الكِسائِيِّ أنَّهُ قالَ: لا أعْرِفُ وجْهَ التَّثْقِيلِ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ تَعالى إنَّما لَمْ يُعْطِ النّاسَ نِعَمَ الدُّنْيا، لِأجْلِ أنَّهُ لَوْ فَعَلَ بِهِمْ ذَلِكَ لَدَعاهم ذَلِكَ إلى الكُفْرِ، فَهو تَعالى لَمْ يَفْعَلْ بِهِمْ ذَلِكَ لِأجْلِ أنْ لا يَدْعُوهم إلى الكُفْرِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أحْكامٍ: أحَدُها: أنَّهُ إذا لَمْ يَفْعَلْ بِهِمْ ما يَدْعُوهم إلى الكُفْرِ، فَلَأنْ لا يَخْلُقَ فِيهِمُ الكُفْرَ أوْلى. وثانِيها: أنَّهُ ثَبَتَ أنَّ فِعْلَ اللُّطْفِ قائِمٌ مَقامَ إزاحَةِ العُذْرِ والعِلَّةِ، فَلَمّا بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ إزاحَةً لِلْعُذْرِ والعِلَّةِ عَنْهم، دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ يَجِبُ أنْ يَفْعَلَ بِهِمْ كُلَّ ما كانَ لُطْفًا داعِيًا لَهم إلى الإيمانِ، فَصارَتْ هَذِهِ الآيَةُ مِن هَذا الوَجْهِ دالَّةً عَلى أنَّهُ يَجِبُ عَلى اللَّهِ تَعالى فِعْلُ اللُّطْفِ. وثالِثُها: أنَّهُ ثَبَتَ بِهَذِهِ الآيَةِ أنَّ اللَّهَ تَعالى إنَّما يَفْعَلُ ما يَفْعَلُهُ ويَتْرُكُ ما يَتْرُكُهُ لِأجْلِ حِكْمَةٍ ومَصْلَحَةٍ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى تَعْلِيلِ أحْكامِ اللَّهِ تَعالى وأفْعالِهِ بِالمَصالِحِ والعِلَلِ، فَإنْ قِيلَ: لَمّا بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ لَوْ فَتَحَ عَلى الكافِرِ أبْوابَ النِّعَمِ، لَصارَ ذَلِكَ سَبَبًا لِاجْتِماعِ النّاسِ عَلى الكُفْرِ، فَلِمَ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ بِالمُسْلِمِينَ حَتّى يَصِيرَ ذَلِكَ سَبَبًا لِاجْتِماعِ النّاسِ عَلى الإسْلامِ ؟ قُلْنا: لِأنَّ النّاسَ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ كانُوا يَجْتَمِعُونَ عَلى الإسْلامِ لِطَلَبِ الدُّنْيا، وهَذا الإيمانُ إيمانُ المُنافِقِينَ، فَكانَ الأصْوَبُ أنْ يُضَيَّقَ الأمْرُ عَلى المُسْلِمِينَ، حَتّى أنَّ كُلَّ مَن دَخَلَ الإسْلامَ، فَإنَّما يَدْخُلُ فِيهِ لِمُتابَعَةِ الدَّلِيلِ ولِطَلَبِ رِضْوانِ اللَّهِ تَعالى، فَحِينَئِذٍ يَعْظُمُ ثَوابُهُ لِهَذا السَّبَبِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ومَن يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا فَهو لَهُ قَرِينٌ﴾ والمُرادُ مِنهُ التَّنْبِيهُ عَلى آفاتِ الدُّنْيا، وذَلِكَ أنَّ مَن فازَ بِالمالِ والجاهِ صارَ كالأعْشى عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، ومَن صارَ كَذَلِكَ صارَ مِن جُلَساءِ الشَّياطِينِ الضّالِّينَ المُضِلِّينَ، فَهَذا وجْهُ تَعَلُّقِ هَذا الكَلامِ بِما قَبْلَهُ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قُرِئَ ”ومَن يَعْشُ“ بِضَمِّ الشِّينِ وفَتْحِها، والفَرْقُ بَيْنَهُما أنَّهُ إذا حَصَلَتِ الآفَةُ في بَصَرِهِ قِيلَ عَشِيَ، وإذا نَظَرَ نَظَرَ العَشِيِّ ولا آفَةَ بِهِ، قِيلَ عَشى، ونَظِيرُهُ عَرِجَ لِمَن بِهِ الآفَةُ، وعَرَجَ لِمَن مَشى مِشْيَةَ العِرْجانِ مِن غَيْرِ عَرَجٍ، قالَ الحُطَيْئَةُ: مَتى تَأْتِهِ تَعْشُو إلى ضَوْءِ نارِهِ أيْ تَنْظُرْ إلَيْها نَظَرَ العَشِيِّ، لِما يُضْعِفُ بَصَرَكَ مِن عِظَمِ الوَقُودِ واتِّساعِ الضَّوْءِ، وقُرِئَ ”يَعْشُو“ عَلى أنَّ ”مَن“ مَوْصُولَةٌ غَيْرُ مُضَمَّنَةٍ مَعْنى الشَّرْطِ، وحَقُّ هَذا القارِئِ أنْ يَرْفَعَ ”نُقَيِّضُ“، ومَعْنى القِراءَةِ بِالفَتْحِ: ومَن يَعْمَ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ وهو القُرْآنُ، لِقَوْلِهِ ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ وأمّا القِراءَةُ بِالضَّمِّ، فَمَعْناها: ومَن يَتَعامَّ عَنْ ذِكْرِهِ، أيْ: يَعْرِفُ أنَّهُ الحَقُّ وهو يَتَجاهَلُ ويَتَعامى، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَحَدُوا بِها واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهُمْ﴾ [النَّمْلِ: ١٤]، و﴿نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا﴾ قالَ مُقاتِلٌ: نَضُمُّ إلَيْهِ شَيْطانًا ﴿فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ . * * * ثُمَّ قالَ: ﴿وإنَّهم لَيَصُدُّونَهم عَنِ السَّبِيلِ﴾ يَعْنِي: وإنَّ الشَّياطِينَ لَيَصُدُّونَهم عَنْ سَبِيلِ الهُدى والحَقِّ، وذَكَرَ صفحة ١٨٣ الكِنايَةَ عَنِ الإنْسانِ والشَّياطِينِ بِلَفْظِ الجَمْعِ، لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿ومَن يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا﴾ يُفِيدُ الجَمْعَ، وإنْ كانَ اللَّفْظُ عَلى الواحِدِ ﴿ويَحْسَبُونَ أنَّهم مُهْتَدُونَ﴾ يَعْنِي الشَّياطِينَ يَصُدُّونَ الكُفّارَ عَنِ السَّبِيلِ، والكُفّارُ يَحْسَبُونَ أنَّهم مُهْتَدُونَ، ثُمَّ عادَ إلى لَفْظِ الواحِدِ، فَقالَ: ﴿حَتّى إذا جاءَنا﴾ يَعْنِي الكافِرَ، وقُرِئَ (جاءانا)، يَعْنِي الكافِرَ وشَيْطانَهُ، رُوِيَ: أنَّ الكافِرَ إذا بُعِثَ يَوْمَ القِيامَةِ مِن قَبْرِهِ أخَذَ شَيْطانُهُ بِيَدِهِ، فَلَمْ يُفارِقْهُ حَتّى يُصَيِّرَهُما اللَّهُ إلى النّارِ، فَذَلِكَ حَيْثُ يَقُولُ: ﴿قالَ يالَيْتَ بَيْنِي وبَيْنَكَ بُعْدَ المَشْرِقَيْنِ﴾ والمُرادُ: يا لَيْتَ حَصَلَ بَيْنِي وبَيْنَكَ بُعْدٌ عَلى أعْظَمِ الوُجُوهِ، واخْتَلَفُوا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ ﴿بُعْدَ المَشْرِقَيْنِ﴾ وذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا: الأوَّلُ: قالَ الأكْثَرُونَ: المُرادُ بُعْدُ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ، ومِن عادَةِ العَرَبِ تَسْمِيَةُ الشَّيْئَيْنِ المُتَقابِلَيْنِ بِاسْمِ أحَدِهِما، قالَ الفَرَزْدَقُ: لَنا قَمَراها والنُّجُومُ الطَّوالِعُ يُرِيدُ الشَّمْسَ والقَمَرَ، ويَقُولُونَ لِلْكُوفَةِ والبَصْرَةِ: البَصْرَتانِ، ولِلْغَداةِ والعَصْرِ: العَصْرانِ، ولِأبِي بَكْرٍ وعُمَرَ: العُمَرانُ، ولِلْماءِ والتَّمْرِ: الأسْوَدانِ. الثّانِي: أنَّ أهْلَ النُّجُومِ يَقُولُونَ: الحَرَكَةُ الَّتِي تَكُونُ مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ هي حَرَكَةُ الفَلَكِ الأعْظَمِ، والحَرَكَةُ الَّتِي مِنَ المَغْرِبِ إلى المَشْرِقِ هي حَرَكَةُ الكَواكِبِ الثّابِتَةِ، وحَرَكَةُ الأفْلاكِ المُمَثَّلَةِ الَّتِي لِلسَّيّاراتِ سِوى القَمَرِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فالمَشْرِقُ والمَغْرِبُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما مَشْرِقٌ بِالنِّسْبَةِ إلى شَيْءٍ آخَرَ، فَثَبَتَ أنَّ إطْلاقَ لَفْظِ المَشْرِقِ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنَ الجِهَتَيْنِ حَقِيقَةٌ. الثّالِثُ: قالُوا: يُحْمَلُ ذَلِكَ عَلى مَشْرِقِ الصَّيْفِ ومَشْرِقِ الشِّتاءِ، وبَيْنَهُما بُعْدٌ عَظِيمٌ، وهَذا بَعِيدٌ عِنْدِي، لِأنَّ المَقْصُودَ مِن قَوْلِهِ ﴿قالَ يالَيْتَ بَيْنِي وبَيْنَكَ بُعْدَ المَشْرِقَيْنِ﴾ المُبالَغَةُ في حُصُولِ البُعْدِ، وهَذِهِ المُبالَغَةُ إنَّما تَحْصُلُ عَنْ ذِكْرِ بُعْدٍ لا يُمْكِنُ وُجُودُ بُعْدٍ آخَرَ أزْيَدَ مِنهُ، والبُعْدُ بَيْنَ مَشْرِقِ الصَّيْفِ ومَشْرِقِ الشِّتاءِ لَيْسَ كَذَلِكَ، فَيَبْعُدُ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلَيْهِ. الرّابِعُ: وهو أنَّ الحِسَّ يَدُلُّ عَلى أنَّ الحَرَكَةَ اليَوْمِيَّةَ إنَّما تَحْصُلُ بِطُلُوعِ الشَّمْسِ مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ، وأمّا القَمَرُ فَإنَّهُ يَظْهَرُ في أوَّلِ الشَّهْرِ في جانِبِ المَغْرِبِ، ثُمَّ لا يَزالُ يَتَقَدَّمُ إلى جانِبِ المَشْرِقِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ مَشْرِقَ حَرَكَةِ القَمَرِ هو المَغْرِبُ، وإذا ثَبَتَ هَذا فالجانِبُ المُسَمّى بِالمَشْرِقِ هو مَشْرِقُ الشَّمْسِ، ولَكِنَّهُ مَغْرِبُ القَمَرِ، وأمّا الجانِبُ المُسَمّى بِالمَغْرِبِ، فَإنَّهُ مَشْرِقُ القَمَرِ ولَكِنَّهُ مَغْرِبُ الشَّمْسِ، وبِهَذا التَّقْدِيرِ يَصِحُّ تَسْمِيَةُ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ بِالمَشْرِقَيْنِ، ولَعَلَّ هَذا الوَجْهَ أقْرَبُ إلى مُطابَقَةِ اللَّفْظِ ورِعايَةِ المَقْصُودِ مِن سائِرِ الوُجُوهِ، واللَّهُ أعْلَمُ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَبِئْسَ القَرِينُ﴾ أيِ الكافِرُ يَقُولُ لِذَلِكَ الشَّيْطانِ ﴿يالَيْتَ بَيْنِي وبَيْنَكَ بُعْدَ المَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ القَرِينُ﴾ أنْتَ، فَهَذا ما يَتَعَلَّقُ بِتَفْسِيرِ الألْفاظِ، والمَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ تَحْقِيرُ الدُّنْيا وبَيانُ ما في المالِ والجاهِ مِنَ المَضارِّ العَظِيمَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ كَثْرَةَ المالِ والجاهَ تَجْعَلُ الإنْسانَ كالأعْشى عَنْ مُطالَعَةِ ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى، ومَن صارَ كَذَلِكَ صارَ جَلِيسًا لِلشَّيْطانِ، ومَن صارَ كَذَلِكَ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِ الهُدى والحَقِّ، وبَقِيَ جَلِيسَ الشَّيْطانِ في الدُّنْيا وفي القِيامَةِ، ومُجالَسَةُ الشَّيْطانِ حالَةٌ تُوجِبُ الضَّرَرَ الشَّدِيدَ في القِيامَةِ بِحَيْثُ يَقُولُ الكافِرُ ﴿يالَيْتَ بَيْنِي وبَيْنَكَ بُعْدَ المَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ القَرِينُ﴾ أنْتَ. فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا أنَّ كَثْرَةَ المالِ والجاهَ تُوجِبُ كَمالَ النُّقْصانِ والحِرْمانِ في الدِّينِ والدُّنْيا، وإذا ظَهَرَ هَذا فَقَدْ ظَهَرَ أنَّ الَّذِينَ قالُوا ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ قالُوا كَلامًا فاسِدًا وشُبْهَةً باطِلَةً. صفحة ١٨٤ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَنْ يَنْفَعَكُمُ اليَوْمَ إذْ ظَلَمْتُمْ أنَّكم في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ فَقَوْلُهُ (أنَّكم) في مَحَلِّ الرَّفْعِ عَلى الفاعِلِيَّةِ، يَعْنِي: ولَنْ يَنْفَعَكُمُ اليَوْمَ كَوْنُكم مُشْتَرِكِينَ في العَذابِ، والسَّبَبُ فِيهِ أنَّ النّاسَ يَقُولُونَ: المُصِيبَةُ إذا عَمَّتْ طابَتْ، وقالَتِ الخَنْساءُ في هَذا المَعْنى: ولَوْلا كَثْرَةُ الباكِينَ حَوْلِي ∗∗∗ عَلى إخْوانِهِمْ لَقَتَلْتُ نَفْسِي ولا يَبْكُونَ مِثْلَ أخِي ولَكِنْ ∗∗∗ أُعَزِّي النَّفْسَ عَنْهُ بِالتَّأسِّي فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ حُصُولَ الشَّرِكَةِ في ذَلِكَ العَذابِ لا يُفِيدُ التَّخْفِيفَ كَما كانَ يُفِيدُهُ في الدُّنْيا، والسَّبَبُ فِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ ذَلِكَ العَذابَ شَدِيدٌ، فاشْتِغالُ كُلِّ واحِدٍ بِنَفْسِهِ يُذْهِلُهُ عَنْ حالِ الآخَرِ، فَلا جَرَمَ الشَّرِكَةُ لا تُفِيدُ الخِفَّةَ. الثّانِي: أنَّ قَوْمًا إذا اشْتَرَكُوا في العَذابِ أعانَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم صاحِبَهُ بِما قَدَرَ عَلَيْهِ، فَيَحْصُلُ بِسَبَبِهِ بَعْضُ التَّخْفِيفِ، وهَذا المَعْنى مُتَعَذِّرٌ في القِيامَةِ. الثّالِثُ: أنَّ جُلُوسَ الإنْسانِ مَعَ قَرِينِهِ يُفِيدُهُ أنْواعًا كَثِيرَةً مِنَ السَّلْوَةِ. فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ الشَّيْطانَ وإنْ كانَ قَرِينًا إلّا أنَّ مُجالَسَتَهُ في القِيامَةِ لا تُوجِبُ السَّلْوَةَ وخِفَّةَ العُقُوبَةِ، وفي كِتابِ ابْنِ مُجاهِدٍ عَنِ ابْنِ عامِرٍ قَرَأ: ”إذْ ظَلَمْتُمْ إنَّكم“ بِكَسْرِ الألِفِ، وقَرَأ الباقُونَ: ”أنَّكم“ بِفَتْحِ الألِفِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

الزخرف 43:40

قَوْلُهُ تَعالى ﴿أفَأنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أوْ تَهْدِي العُمْيَ ومَن كانَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ﴿فَإمّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإنّا مِنهم مُنْتَقِمُونَ﴾ ﴿أوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وعَدْناهم فَإنّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ﴾ ﴿فاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إلَيْكَ إنَّكَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ﴿وإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ وسَوْفَ تُسْألُونَ﴾ ﴿واسْألْ مَن أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رُسُلِنا أجَعَلْنا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَهم في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ بِالعَشى وصَفَهم في هَذِهِ الآيَةِ بِالصَّمَمِ والعَمى، وما أحْسَنَ هَذا التَّرْتِيبَ، وذَلِكَ لِأنَّ الإنْسانَ في أوَّلِ اشْتِغالِهِ بِطَلَبِ الدُّنْيا يَكُونُ كَمَن حَصَلَ بِعَيْنِهِ رَمَدٌ ضَعِيفٌ، ثُمَّ كُلَّما كانَ اشْتِغالُهُ بِتِلْكَ الأعْمالِ أكْثَرَ كانَ مَيْلُهُ إلى الجُسْمانِيّاتِ أشَدَّ، وإعْراضُهُ عَنِ الرُّوحانِيّاتِ أكْمَلَ، لِما ثَبَتَ في عُلُومِ العَقْلِ أنَّ كَثْرَةَ الأفْعالِ تُوجِبُ حُصُولَ المَلَكاتِ الرّاسِخَةِ، فَيَنْتَقِلُ الإنْسانُ مِنَ الرَّمَدِ إلى أنْ يَصِيرَ أعْشى، فَإذا واظَبَ عَلى تِلْكَ الحالَةِ أيّامًا أُخْرى انْتَقَلَ مِن كَوْنِهِ أعْشى إلى كَوْنِهِ أعْمى، فَهَذا تَرْتِيبٌ حَسَنٌ مُوافِقٌ لِما ثَبَتَ بِالبَراهِينِ اليَقِينِيَّةِ، رُوِيَ أنَّهُ ﷺ كانَ يَجْتَهِدُ في دُعاءِ قَوْمِهِ وهم لا يَزِيدُونَ إلّا تَصْمِيمًا عَلى الكُفْرِ وتَمادِيًا في الغَيِّ، فَقالَ تَعالى: ﴿أفَأنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أوْ تَهْدِي العُمْيَ﴾ يَعْنِي أنَّهم بَلَغُوا في النَّفْرَةِ عَنْكَ وعَنْ دِينِكَ إلى حَيْثُ إذا أسْمَعْتَهُمُ القُرْآنَ كانُوا كالأصَمِّ، وإذا أرَيْتَهُمُ المُعْجِزاتِ كانُوا كالأعْمى، ثُمَّ بَيَّنَ صفحة ١٨٥ تَعالى أنَّ صَمَمَهم وعَماهم إنَّما كانَ بِسَبَبِ كَوْنِهِمْ في ضَلالٍ مُبِينٍ. ولَمّا بَيَّنَ تَعالى أنَّ دَعْوَتَهُ لا تُؤَثِّرُ في قُلُوبِهِمْ قالَ: ﴿فَإمّا نَذْهَبَنَّ بِكَ﴾ يُرِيدُ حُصُولَ المَوْتِ قَبْلَ نُزُولِ النِّقْمَةِ بِهِمْ ﴿فَإنّا مِنهم مُنْتَقِمُونَ﴾ بَعْدَكَ، أوْ نُرِيَنَّكَ في حَياتِكَ ما وعَدْناهم مِنَ الذُّلِّ والقَتْلِ، فَإنّا مُقْتَدِرُونَ عَلى ذَلِكَ، واعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ يُفِيدُ كَمالَ التَّسْلِيَةِ لِلرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهم لا تُؤَثِّرُ فِيهِمْ دَعْوَتُهُ، واليَأْسُ إحْدى الرّاحَتَيْنِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ لا بُدَّ وأنْ يَنْتَقِمَ لِأجْلِهِ مِنهم إمّا حالَ حَياتِهِ أوْ بَعْدَ وفاتِهِ، وذَلِكَ أيْضًا يُوجِبُ التَّسْلِيَةَ، فَبَعْدَ هَذا أمَرَهُ أنْ يَسْتَمْسِكَ بِما أمَرَهُ تَعالى، فَقالَ: ﴿فاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إلَيْكَ﴾ بِأنْ تَعْتَقِدَ أنَّهُ حَقٌّ، وبِأنْ تَعْمَلَ بِمُوجِبِهِ فَإنَّهُ الصِّراطُ المُسْتَقِيمُ الَّذِي لا يَمِيلُ عَنْهُ إلّا ضالٌّ في الدِّينِ. ولَمّا بَيَّنَ تَأْثِيرَ التَّمَسُّكِ بِهَذا الدِّينِ في مَنافِعِ الدِّينِ بَيَّنَ أيْضًا تَأْثِيرَهُ في مَنافِعِ الدُّنْيا، فَقالَ: ﴿وإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ﴾ أيْ: إنَّهُ يُوجِبُ الشَّرَفَ العَظِيمَ لَكَ ولِقَوْمِكَ حَيْثُ يُقالُ: إنَّ هَذا الكِتابَ العَظِيمَ أنْزَلَهُ اللَّهُ عَلى رَجُلٍ مِن قَوْمِ هَؤُلاءِ، واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ الإنْسانَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ عَظِيمَ الرَّغْبَةِ في الثَّناءِ الحَسَنِ والذِّكْرِ الجَمِيلِ، ولَوْ لَمْ يَكُنِ الذِّكْرُ الجَمِيلُ أمْرًا مَرْغُوبًا فِيهِ لَما مَنَّ اللَّهُ بِهِ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ حَيْثُ قالَ: ﴿وإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ﴾ ولَما طَلَبَهُ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - حَيْثُ قالَ: ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ [الشُّعَراءِ: ٨٤] ولِأنَّ الذِّكْرَ الجَمِيلَ قائِمٌ مَقامَ الحَياةِ الشَّرِيفَةِ، بَلِ الذِّكْرُ أفْضَلُ مِنَ الحَياةِ؛ لِأنَّ أثَرَ الحَياةِ لا يَحْصُلُ إلّا في مَسْكَنِ ذَلِكَ الحَيِّ، أمّا أثَرُ الذِّكْرِ الجَمِيلِ فَإنَّهُ يَحْصُلُ في كُلِّ مَكانٍ وفي كُلِّ زَمانٍ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وسَوْفَ تُسْألُونَ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: قالَ الكَلْبِيُّ: تُسْألُونَ هَلْ أدَّيْتُمْ شُكْرَ إنْعامِنا عَلَيْكم بِهَذا الذِّكْرِ الجَمِيلِ. الثّانِي: قالَ مُقاتِلٌ: المُرادُ أنَّ مَن كَذَّبَ بِهِ يُسْألُ لِمَ كَذَّبَهُ، فَيُسْألُ سُؤالَ تَوْبِيخٍ. الثّالِثُ: تُسْألُونَ هَلْ عَمِلْتُمْ بِما دَلَّ عَلَيْهِ مِنَ التَّكالِيفِ. واعْلَمْ أنَّ السَّبَبَ الأقْوى في إنْكارِ الكُفّارِ لِرِسالَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ولِبُغْضِهِمْ لَهُ أنَّهُ كانَ يُنْكِرُ عِبادَةَ الأصْنامِ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ إنْكارَ عِبادَةِ الأصْنامِ لَيْسَ مِن خَواصِّ دِينِ مُحَمَّدٍ ﷺ، بَلْ كُلُّ الأنْبِياءِ والرُّسُلِ كانُوا مُطْبِقِينَ عَلى إنْكارِهِ فَقالَ: ﴿واسْألْ مَن أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رُسُلِنا أجَعَلْنا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ وفِيهِ أقْوالٌ: الأوَّلُ: مَعْناهُ واسْألْ مُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابِ، أيْ: أهْلِ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، فَإنَّهم سَيُخْبِرُونَكَ أنَّهُ لَمْ يَرِدْ في دِينِ أحَدٍ مِنَ الأنْبِياءِ عِبادَةُ الأصْنامِ، وإذا كانَ هَذا الأمْرُ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ بَيْنَ كُلِّ الأنْبِياءِ والرُّسُلِ وجَبَ أنْ لا يَجْعَلُوهُ سَبَبًا لِبُغْضِ مُحَمَّدٍ ﷺ . والقَوْلُ الثّانِي: قالَ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ”«لَمّا أُسْرِيَ بِهِ ﷺ إلى المَسْجِدِ الأقْصى بَعَثَ اللَّهُ لَهُ آدَمَ وجَمِيعَ المُرْسَلِينَ مِن ولَدِهِ، فَأذَّنَ جِبْرِيلُ ثُمَّ أقامَ، فَقالَ: يا مُحَمَّدُ، تَقَدَّمْ فَصَلِّ بِهِمْ، فَلَمّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الصَّلاةِ، قالَ لَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ:“ واسْألْ يا مُحَمَّدُ مَن أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رُسُلِنا ... ”الآيَةَ، فَقالَ ﷺ: لا أسْألُ لِأنِّي لَسْتُ شاكًّا فِيهِ» “ . والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ ذِكْرَ السُّؤالِ في مَوْضِعٍ لا يُمْكِنُ السُّؤالُ فِيهِ يَكُونُ المُرادُ مِنهُ النَّظَرَ والِاسْتِدْلالَ، كَقَوْلِ مَن قالَ: سَلِ الأرْضَ مَن شَقَّ أنْهارَكِ، وغَرَسَ أشْجارَكِ، وجَنى ثِمارَكِ، فَإنَّها إنْ لَمْ تُجِبْكَ جَوابًا أجابَتْكَ اعْتِبارًا، فَهَهُنا سُؤالُ النَّبِيِّ ﷺ عَنِ الأنْبِياءِ الَّذِينَ كانُوا قَبْلَهُ - مُمْتَنِعٌ، فَكانَ المُرادُ مِنهُ: انْظُرْ في هَذِهِ المَسْألَةِ بِعَقْلِكَ وتَدَبَّرْ فِيها بِفَهْمِكَ، واللَّهُ أعْلَمُ.

الزخرف 43:41

قَوْلُهُ تَعالى ﴿أفَأنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أوْ تَهْدِي العُمْيَ ومَن كانَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ﴿فَإمّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإنّا مِنهم مُنْتَقِمُونَ﴾ ﴿أوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وعَدْناهم فَإنّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ﴾ ﴿فاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إلَيْكَ إنَّكَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ﴿وإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ وسَوْفَ تُسْألُونَ﴾ ﴿واسْألْ مَن أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رُسُلِنا أجَعَلْنا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَهم في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ بِالعَشى وصَفَهم في هَذِهِ الآيَةِ بِالصَّمَمِ والعَمى، وما أحْسَنَ هَذا التَّرْتِيبَ، وذَلِكَ لِأنَّ الإنْسانَ في أوَّلِ اشْتِغالِهِ بِطَلَبِ الدُّنْيا يَكُونُ كَمَن حَصَلَ بِعَيْنِهِ رَمَدٌ ضَعِيفٌ، ثُمَّ كُلَّما كانَ اشْتِغالُهُ بِتِلْكَ الأعْمالِ أكْثَرَ كانَ مَيْلُهُ إلى الجُسْمانِيّاتِ أشَدَّ، وإعْراضُهُ عَنِ الرُّوحانِيّاتِ أكْمَلَ، لِما ثَبَتَ في عُلُومِ العَقْلِ أنَّ كَثْرَةَ الأفْعالِ تُوجِبُ حُصُولَ المَلَكاتِ الرّاسِخَةِ، فَيَنْتَقِلُ الإنْسانُ مِنَ الرَّمَدِ إلى أنْ يَصِيرَ أعْشى، فَإذا واظَبَ عَلى تِلْكَ الحالَةِ أيّامًا أُخْرى انْتَقَلَ مِن كَوْنِهِ أعْشى إلى كَوْنِهِ أعْمى، فَهَذا تَرْتِيبٌ حَسَنٌ مُوافِقٌ لِما ثَبَتَ بِالبَراهِينِ اليَقِينِيَّةِ، رُوِيَ أنَّهُ ﷺ كانَ يَجْتَهِدُ في دُعاءِ قَوْمِهِ وهم لا يَزِيدُونَ إلّا تَصْمِيمًا عَلى الكُفْرِ وتَمادِيًا في الغَيِّ، فَقالَ تَعالى: ﴿أفَأنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أوْ تَهْدِي العُمْيَ﴾ يَعْنِي أنَّهم بَلَغُوا في النَّفْرَةِ عَنْكَ وعَنْ دِينِكَ إلى حَيْثُ إذا أسْمَعْتَهُمُ القُرْآنَ كانُوا كالأصَمِّ، وإذا أرَيْتَهُمُ المُعْجِزاتِ كانُوا كالأعْمى، ثُمَّ بَيَّنَ صفحة ١٨٥ تَعالى أنَّ صَمَمَهم وعَماهم إنَّما كانَ بِسَبَبِ كَوْنِهِمْ في ضَلالٍ مُبِينٍ. ولَمّا بَيَّنَ تَعالى أنَّ دَعْوَتَهُ لا تُؤَثِّرُ في قُلُوبِهِمْ قالَ: ﴿فَإمّا نَذْهَبَنَّ بِكَ﴾ يُرِيدُ حُصُولَ المَوْتِ قَبْلَ نُزُولِ النِّقْمَةِ بِهِمْ ﴿فَإنّا مِنهم مُنْتَقِمُونَ﴾ بَعْدَكَ، أوْ نُرِيَنَّكَ في حَياتِكَ ما وعَدْناهم مِنَ الذُّلِّ والقَتْلِ، فَإنّا مُقْتَدِرُونَ عَلى ذَلِكَ، واعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ يُفِيدُ كَمالَ التَّسْلِيَةِ لِلرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهم لا تُؤَثِّرُ فِيهِمْ دَعْوَتُهُ، واليَأْسُ إحْدى الرّاحَتَيْنِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ لا بُدَّ وأنْ يَنْتَقِمَ لِأجْلِهِ مِنهم إمّا حالَ حَياتِهِ أوْ بَعْدَ وفاتِهِ، وذَلِكَ أيْضًا يُوجِبُ التَّسْلِيَةَ، فَبَعْدَ هَذا أمَرَهُ أنْ يَسْتَمْسِكَ بِما أمَرَهُ تَعالى، فَقالَ: ﴿فاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إلَيْكَ﴾ بِأنْ تَعْتَقِدَ أنَّهُ حَقٌّ، وبِأنْ تَعْمَلَ بِمُوجِبِهِ فَإنَّهُ الصِّراطُ المُسْتَقِيمُ الَّذِي لا يَمِيلُ عَنْهُ إلّا ضالٌّ في الدِّينِ. ولَمّا بَيَّنَ تَأْثِيرَ التَّمَسُّكِ بِهَذا الدِّينِ في مَنافِعِ الدِّينِ بَيَّنَ أيْضًا تَأْثِيرَهُ في مَنافِعِ الدُّنْيا، فَقالَ: ﴿وإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ﴾ أيْ: إنَّهُ يُوجِبُ الشَّرَفَ العَظِيمَ لَكَ ولِقَوْمِكَ حَيْثُ يُقالُ: إنَّ هَذا الكِتابَ العَظِيمَ أنْزَلَهُ اللَّهُ عَلى رَجُلٍ مِن قَوْمِ هَؤُلاءِ، واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ الإنْسانَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ عَظِيمَ الرَّغْبَةِ في الثَّناءِ الحَسَنِ والذِّكْرِ الجَمِيلِ، ولَوْ لَمْ يَكُنِ الذِّكْرُ الجَمِيلُ أمْرًا مَرْغُوبًا فِيهِ لَما مَنَّ اللَّهُ بِهِ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ حَيْثُ قالَ: ﴿وإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ﴾ ولَما طَلَبَهُ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - حَيْثُ قالَ: ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ [الشُّعَراءِ: ٨٤] ولِأنَّ الذِّكْرَ الجَمِيلَ قائِمٌ مَقامَ الحَياةِ الشَّرِيفَةِ، بَلِ الذِّكْرُ أفْضَلُ مِنَ الحَياةِ؛ لِأنَّ أثَرَ الحَياةِ لا يَحْصُلُ إلّا في مَسْكَنِ ذَلِكَ الحَيِّ، أمّا أثَرُ الذِّكْرِ الجَمِيلِ فَإنَّهُ يَحْصُلُ في كُلِّ مَكانٍ وفي كُلِّ زَمانٍ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وسَوْفَ تُسْألُونَ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: قالَ الكَلْبِيُّ: تُسْألُونَ هَلْ أدَّيْتُمْ شُكْرَ إنْعامِنا عَلَيْكم بِهَذا الذِّكْرِ الجَمِيلِ. الثّانِي: قالَ مُقاتِلٌ: المُرادُ أنَّ مَن كَذَّبَ بِهِ يُسْألُ لِمَ كَذَّبَهُ، فَيُسْألُ سُؤالَ تَوْبِيخٍ. الثّالِثُ: تُسْألُونَ هَلْ عَمِلْتُمْ بِما دَلَّ عَلَيْهِ مِنَ التَّكالِيفِ. واعْلَمْ أنَّ السَّبَبَ الأقْوى في إنْكارِ الكُفّارِ لِرِسالَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ولِبُغْضِهِمْ لَهُ أنَّهُ كانَ يُنْكِرُ عِبادَةَ الأصْنامِ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ إنْكارَ عِبادَةِ الأصْنامِ لَيْسَ مِن خَواصِّ دِينِ مُحَمَّدٍ ﷺ، بَلْ كُلُّ الأنْبِياءِ والرُّسُلِ كانُوا مُطْبِقِينَ عَلى إنْكارِهِ فَقالَ: ﴿واسْألْ مَن أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رُسُلِنا أجَعَلْنا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ وفِيهِ أقْوالٌ: الأوَّلُ: مَعْناهُ واسْألْ مُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابِ، أيْ: أهْلِ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، فَإنَّهم سَيُخْبِرُونَكَ أنَّهُ لَمْ يَرِدْ في دِينِ أحَدٍ مِنَ الأنْبِياءِ عِبادَةُ الأصْنامِ، وإذا كانَ هَذا الأمْرُ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ بَيْنَ كُلِّ الأنْبِياءِ والرُّسُلِ وجَبَ أنْ لا يَجْعَلُوهُ سَبَبًا لِبُغْضِ مُحَمَّدٍ ﷺ . والقَوْلُ الثّانِي: قالَ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ”«لَمّا أُسْرِيَ بِهِ ﷺ إلى المَسْجِدِ الأقْصى بَعَثَ اللَّهُ لَهُ آدَمَ وجَمِيعَ المُرْسَلِينَ مِن ولَدِهِ، فَأذَّنَ جِبْرِيلُ ثُمَّ أقامَ، فَقالَ: يا مُحَمَّدُ، تَقَدَّمْ فَصَلِّ بِهِمْ، فَلَمّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الصَّلاةِ، قالَ لَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ:“ واسْألْ يا مُحَمَّدُ مَن أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رُسُلِنا ... ”الآيَةَ، فَقالَ ﷺ: لا أسْألُ لِأنِّي لَسْتُ شاكًّا فِيهِ» “ . والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ ذِكْرَ السُّؤالِ في مَوْضِعٍ لا يُمْكِنُ السُّؤالُ فِيهِ يَكُونُ المُرادُ مِنهُ النَّظَرَ والِاسْتِدْلالَ، كَقَوْلِ مَن قالَ: سَلِ الأرْضَ مَن شَقَّ أنْهارَكِ، وغَرَسَ أشْجارَكِ، وجَنى ثِمارَكِ، فَإنَّها إنْ لَمْ تُجِبْكَ جَوابًا أجابَتْكَ اعْتِبارًا، فَهَهُنا سُؤالُ النَّبِيِّ ﷺ عَنِ الأنْبِياءِ الَّذِينَ كانُوا قَبْلَهُ - مُمْتَنِعٌ، فَكانَ المُرادُ مِنهُ: انْظُرْ في هَذِهِ المَسْألَةِ بِعَقْلِكَ وتَدَبَّرْ فِيها بِفَهْمِكَ، واللَّهُ أعْلَمُ.

الزخرف 43:42

قَوْلُهُ تَعالى ﴿أفَأنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أوْ تَهْدِي العُمْيَ ومَن كانَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ﴿فَإمّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإنّا مِنهم مُنْتَقِمُونَ﴾ ﴿أوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وعَدْناهم فَإنّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ﴾ ﴿فاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إلَيْكَ إنَّكَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ﴿وإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ وسَوْفَ تُسْألُونَ﴾ ﴿واسْألْ مَن أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رُسُلِنا أجَعَلْنا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَهم في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ بِالعَشى وصَفَهم في هَذِهِ الآيَةِ بِالصَّمَمِ والعَمى، وما أحْسَنَ هَذا التَّرْتِيبَ، وذَلِكَ لِأنَّ الإنْسانَ في أوَّلِ اشْتِغالِهِ بِطَلَبِ الدُّنْيا يَكُونُ كَمَن حَصَلَ بِعَيْنِهِ رَمَدٌ ضَعِيفٌ، ثُمَّ كُلَّما كانَ اشْتِغالُهُ بِتِلْكَ الأعْمالِ أكْثَرَ كانَ مَيْلُهُ إلى الجُسْمانِيّاتِ أشَدَّ، وإعْراضُهُ عَنِ الرُّوحانِيّاتِ أكْمَلَ، لِما ثَبَتَ في عُلُومِ العَقْلِ أنَّ كَثْرَةَ الأفْعالِ تُوجِبُ حُصُولَ المَلَكاتِ الرّاسِخَةِ، فَيَنْتَقِلُ الإنْسانُ مِنَ الرَّمَدِ إلى أنْ يَصِيرَ أعْشى، فَإذا واظَبَ عَلى تِلْكَ الحالَةِ أيّامًا أُخْرى انْتَقَلَ مِن كَوْنِهِ أعْشى إلى كَوْنِهِ أعْمى، فَهَذا تَرْتِيبٌ حَسَنٌ مُوافِقٌ لِما ثَبَتَ بِالبَراهِينِ اليَقِينِيَّةِ، رُوِيَ أنَّهُ ﷺ كانَ يَجْتَهِدُ في دُعاءِ قَوْمِهِ وهم لا يَزِيدُونَ إلّا تَصْمِيمًا عَلى الكُفْرِ وتَمادِيًا في الغَيِّ، فَقالَ تَعالى: ﴿أفَأنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أوْ تَهْدِي العُمْيَ﴾ يَعْنِي أنَّهم بَلَغُوا في النَّفْرَةِ عَنْكَ وعَنْ دِينِكَ إلى حَيْثُ إذا أسْمَعْتَهُمُ القُرْآنَ كانُوا كالأصَمِّ، وإذا أرَيْتَهُمُ المُعْجِزاتِ كانُوا كالأعْمى، ثُمَّ بَيَّنَ صفحة ١٨٥ تَعالى أنَّ صَمَمَهم وعَماهم إنَّما كانَ بِسَبَبِ كَوْنِهِمْ في ضَلالٍ مُبِينٍ. ولَمّا بَيَّنَ تَعالى أنَّ دَعْوَتَهُ لا تُؤَثِّرُ في قُلُوبِهِمْ قالَ: ﴿فَإمّا نَذْهَبَنَّ بِكَ﴾ يُرِيدُ حُصُولَ المَوْتِ قَبْلَ نُزُولِ النِّقْمَةِ بِهِمْ ﴿فَإنّا مِنهم مُنْتَقِمُونَ﴾ بَعْدَكَ، أوْ نُرِيَنَّكَ في حَياتِكَ ما وعَدْناهم مِنَ الذُّلِّ والقَتْلِ، فَإنّا مُقْتَدِرُونَ عَلى ذَلِكَ، واعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ يُفِيدُ كَمالَ التَّسْلِيَةِ لِلرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهم لا تُؤَثِّرُ فِيهِمْ دَعْوَتُهُ، واليَأْسُ إحْدى الرّاحَتَيْنِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ لا بُدَّ وأنْ يَنْتَقِمَ لِأجْلِهِ مِنهم إمّا حالَ حَياتِهِ أوْ بَعْدَ وفاتِهِ، وذَلِكَ أيْضًا يُوجِبُ التَّسْلِيَةَ، فَبَعْدَ هَذا أمَرَهُ أنْ يَسْتَمْسِكَ بِما أمَرَهُ تَعالى، فَقالَ: ﴿فاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إلَيْكَ﴾ بِأنْ تَعْتَقِدَ أنَّهُ حَقٌّ، وبِأنْ تَعْمَلَ بِمُوجِبِهِ فَإنَّهُ الصِّراطُ المُسْتَقِيمُ الَّذِي لا يَمِيلُ عَنْهُ إلّا ضالٌّ في الدِّينِ. ولَمّا بَيَّنَ تَأْثِيرَ التَّمَسُّكِ بِهَذا الدِّينِ في مَنافِعِ الدِّينِ بَيَّنَ أيْضًا تَأْثِيرَهُ في مَنافِعِ الدُّنْيا، فَقالَ: ﴿وإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ﴾ أيْ: إنَّهُ يُوجِبُ الشَّرَفَ العَظِيمَ لَكَ ولِقَوْمِكَ حَيْثُ يُقالُ: إنَّ هَذا الكِتابَ العَظِيمَ أنْزَلَهُ اللَّهُ عَلى رَجُلٍ مِن قَوْمِ هَؤُلاءِ، واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ الإنْسانَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ عَظِيمَ الرَّغْبَةِ في الثَّناءِ الحَسَنِ والذِّكْرِ الجَمِيلِ، ولَوْ لَمْ يَكُنِ الذِّكْرُ الجَمِيلُ أمْرًا مَرْغُوبًا فِيهِ لَما مَنَّ اللَّهُ بِهِ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ حَيْثُ قالَ: ﴿وإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ﴾ ولَما طَلَبَهُ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - حَيْثُ قالَ: ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ [الشُّعَراءِ: ٨٤] ولِأنَّ الذِّكْرَ الجَمِيلَ قائِمٌ مَقامَ الحَياةِ الشَّرِيفَةِ، بَلِ الذِّكْرُ أفْضَلُ مِنَ الحَياةِ؛ لِأنَّ أثَرَ الحَياةِ لا يَحْصُلُ إلّا في مَسْكَنِ ذَلِكَ الحَيِّ، أمّا أثَرُ الذِّكْرِ الجَمِيلِ فَإنَّهُ يَحْصُلُ في كُلِّ مَكانٍ وفي كُلِّ زَمانٍ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وسَوْفَ تُسْألُونَ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: قالَ الكَلْبِيُّ: تُسْألُونَ هَلْ أدَّيْتُمْ شُكْرَ إنْعامِنا عَلَيْكم بِهَذا الذِّكْرِ الجَمِيلِ. الثّانِي: قالَ مُقاتِلٌ: المُرادُ أنَّ مَن كَذَّبَ بِهِ يُسْألُ لِمَ كَذَّبَهُ، فَيُسْألُ سُؤالَ تَوْبِيخٍ. الثّالِثُ: تُسْألُونَ هَلْ عَمِلْتُمْ بِما دَلَّ عَلَيْهِ مِنَ التَّكالِيفِ. واعْلَمْ أنَّ السَّبَبَ الأقْوى في إنْكارِ الكُفّارِ لِرِسالَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ولِبُغْضِهِمْ لَهُ أنَّهُ كانَ يُنْكِرُ عِبادَةَ الأصْنامِ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ إنْكارَ عِبادَةِ الأصْنامِ لَيْسَ مِن خَواصِّ دِينِ مُحَمَّدٍ ﷺ، بَلْ كُلُّ الأنْبِياءِ والرُّسُلِ كانُوا مُطْبِقِينَ عَلى إنْكارِهِ فَقالَ: ﴿واسْألْ مَن أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رُسُلِنا أجَعَلْنا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ وفِيهِ أقْوالٌ: الأوَّلُ: مَعْناهُ واسْألْ مُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابِ، أيْ: أهْلِ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، فَإنَّهم سَيُخْبِرُونَكَ أنَّهُ لَمْ يَرِدْ في دِينِ أحَدٍ مِنَ الأنْبِياءِ عِبادَةُ الأصْنامِ، وإذا كانَ هَذا الأمْرُ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ بَيْنَ كُلِّ الأنْبِياءِ والرُّسُلِ وجَبَ أنْ لا يَجْعَلُوهُ سَبَبًا لِبُغْضِ مُحَمَّدٍ ﷺ . والقَوْلُ الثّانِي: قالَ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ”«لَمّا أُسْرِيَ بِهِ ﷺ إلى المَسْجِدِ الأقْصى بَعَثَ اللَّهُ لَهُ آدَمَ وجَمِيعَ المُرْسَلِينَ مِن ولَدِهِ، فَأذَّنَ جِبْرِيلُ ثُمَّ أقامَ، فَقالَ: يا مُحَمَّدُ، تَقَدَّمْ فَصَلِّ بِهِمْ، فَلَمّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الصَّلاةِ، قالَ لَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ:“ واسْألْ يا مُحَمَّدُ مَن أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رُسُلِنا ... ”الآيَةَ، فَقالَ ﷺ: لا أسْألُ لِأنِّي لَسْتُ شاكًّا فِيهِ» “ . والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ ذِكْرَ السُّؤالِ في مَوْضِعٍ لا يُمْكِنُ السُّؤالُ فِيهِ يَكُونُ المُرادُ مِنهُ النَّظَرَ والِاسْتِدْلالَ، كَقَوْلِ مَن قالَ: سَلِ الأرْضَ مَن شَقَّ أنْهارَكِ، وغَرَسَ أشْجارَكِ، وجَنى ثِمارَكِ، فَإنَّها إنْ لَمْ تُجِبْكَ جَوابًا أجابَتْكَ اعْتِبارًا، فَهَهُنا سُؤالُ النَّبِيِّ ﷺ عَنِ الأنْبِياءِ الَّذِينَ كانُوا قَبْلَهُ - مُمْتَنِعٌ، فَكانَ المُرادُ مِنهُ: انْظُرْ في هَذِهِ المَسْألَةِ بِعَقْلِكَ وتَدَبَّرْ فِيها بِفَهْمِكَ، واللَّهُ أعْلَمُ.

الزخرف 43:43

قَوْلُهُ تَعالى ﴿أفَأنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أوْ تَهْدِي العُمْيَ ومَن كانَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ﴿فَإمّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإنّا مِنهم مُنْتَقِمُونَ﴾ ﴿أوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وعَدْناهم فَإنّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ﴾ ﴿فاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إلَيْكَ إنَّكَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ﴿وإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ وسَوْفَ تُسْألُونَ﴾ ﴿واسْألْ مَن أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رُسُلِنا أجَعَلْنا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَهم في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ بِالعَشى وصَفَهم في هَذِهِ الآيَةِ بِالصَّمَمِ والعَمى، وما أحْسَنَ هَذا التَّرْتِيبَ، وذَلِكَ لِأنَّ الإنْسانَ في أوَّلِ اشْتِغالِهِ بِطَلَبِ الدُّنْيا يَكُونُ كَمَن حَصَلَ بِعَيْنِهِ رَمَدٌ ضَعِيفٌ، ثُمَّ كُلَّما كانَ اشْتِغالُهُ بِتِلْكَ الأعْمالِ أكْثَرَ كانَ مَيْلُهُ إلى الجُسْمانِيّاتِ أشَدَّ، وإعْراضُهُ عَنِ الرُّوحانِيّاتِ أكْمَلَ، لِما ثَبَتَ في عُلُومِ العَقْلِ أنَّ كَثْرَةَ الأفْعالِ تُوجِبُ حُصُولَ المَلَكاتِ الرّاسِخَةِ، فَيَنْتَقِلُ الإنْسانُ مِنَ الرَّمَدِ إلى أنْ يَصِيرَ أعْشى، فَإذا واظَبَ عَلى تِلْكَ الحالَةِ أيّامًا أُخْرى انْتَقَلَ مِن كَوْنِهِ أعْشى إلى كَوْنِهِ أعْمى، فَهَذا تَرْتِيبٌ حَسَنٌ مُوافِقٌ لِما ثَبَتَ بِالبَراهِينِ اليَقِينِيَّةِ، رُوِيَ أنَّهُ ﷺ كانَ يَجْتَهِدُ في دُعاءِ قَوْمِهِ وهم لا يَزِيدُونَ إلّا تَصْمِيمًا عَلى الكُفْرِ وتَمادِيًا في الغَيِّ، فَقالَ تَعالى: ﴿أفَأنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أوْ تَهْدِي العُمْيَ﴾ يَعْنِي أنَّهم بَلَغُوا في النَّفْرَةِ عَنْكَ وعَنْ دِينِكَ إلى حَيْثُ إذا أسْمَعْتَهُمُ القُرْآنَ كانُوا كالأصَمِّ، وإذا أرَيْتَهُمُ المُعْجِزاتِ كانُوا كالأعْمى، ثُمَّ بَيَّنَ صفحة ١٨٥ تَعالى أنَّ صَمَمَهم وعَماهم إنَّما كانَ بِسَبَبِ كَوْنِهِمْ في ضَلالٍ مُبِينٍ. ولَمّا بَيَّنَ تَعالى أنَّ دَعْوَتَهُ لا تُؤَثِّرُ في قُلُوبِهِمْ قالَ: ﴿فَإمّا نَذْهَبَنَّ بِكَ﴾ يُرِيدُ حُصُولَ المَوْتِ قَبْلَ نُزُولِ النِّقْمَةِ بِهِمْ ﴿فَإنّا مِنهم مُنْتَقِمُونَ﴾ بَعْدَكَ، أوْ نُرِيَنَّكَ في حَياتِكَ ما وعَدْناهم مِنَ الذُّلِّ والقَتْلِ، فَإنّا مُقْتَدِرُونَ عَلى ذَلِكَ، واعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ يُفِيدُ كَمالَ التَّسْلِيَةِ لِلرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهم لا تُؤَثِّرُ فِيهِمْ دَعْوَتُهُ، واليَأْسُ إحْدى الرّاحَتَيْنِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ لا بُدَّ وأنْ يَنْتَقِمَ لِأجْلِهِ مِنهم إمّا حالَ حَياتِهِ أوْ بَعْدَ وفاتِهِ، وذَلِكَ أيْضًا يُوجِبُ التَّسْلِيَةَ، فَبَعْدَ هَذا أمَرَهُ أنْ يَسْتَمْسِكَ بِما أمَرَهُ تَعالى، فَقالَ: ﴿فاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إلَيْكَ﴾ بِأنْ تَعْتَقِدَ أنَّهُ حَقٌّ، وبِأنْ تَعْمَلَ بِمُوجِبِهِ فَإنَّهُ الصِّراطُ المُسْتَقِيمُ الَّذِي لا يَمِيلُ عَنْهُ إلّا ضالٌّ في الدِّينِ. ولَمّا بَيَّنَ تَأْثِيرَ التَّمَسُّكِ بِهَذا الدِّينِ في مَنافِعِ الدِّينِ بَيَّنَ أيْضًا تَأْثِيرَهُ في مَنافِعِ الدُّنْيا، فَقالَ: ﴿وإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ﴾ أيْ: إنَّهُ يُوجِبُ الشَّرَفَ العَظِيمَ لَكَ ولِقَوْمِكَ حَيْثُ يُقالُ: إنَّ هَذا الكِتابَ العَظِيمَ أنْزَلَهُ اللَّهُ عَلى رَجُلٍ مِن قَوْمِ هَؤُلاءِ، واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ الإنْسانَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ عَظِيمَ الرَّغْبَةِ في الثَّناءِ الحَسَنِ والذِّكْرِ الجَمِيلِ، ولَوْ لَمْ يَكُنِ الذِّكْرُ الجَمِيلُ أمْرًا مَرْغُوبًا فِيهِ لَما مَنَّ اللَّهُ بِهِ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ حَيْثُ قالَ: ﴿وإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ﴾ ولَما طَلَبَهُ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - حَيْثُ قالَ: ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ [الشُّعَراءِ: ٨٤] ولِأنَّ الذِّكْرَ الجَمِيلَ قائِمٌ مَقامَ الحَياةِ الشَّرِيفَةِ، بَلِ الذِّكْرُ أفْضَلُ مِنَ الحَياةِ؛ لِأنَّ أثَرَ الحَياةِ لا يَحْصُلُ إلّا في مَسْكَنِ ذَلِكَ الحَيِّ، أمّا أثَرُ الذِّكْرِ الجَمِيلِ فَإنَّهُ يَحْصُلُ في كُلِّ مَكانٍ وفي كُلِّ زَمانٍ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وسَوْفَ تُسْألُونَ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: قالَ الكَلْبِيُّ: تُسْألُونَ هَلْ أدَّيْتُمْ شُكْرَ إنْعامِنا عَلَيْكم بِهَذا الذِّكْرِ الجَمِيلِ. الثّانِي: قالَ مُقاتِلٌ: المُرادُ أنَّ مَن كَذَّبَ بِهِ يُسْألُ لِمَ كَذَّبَهُ، فَيُسْألُ سُؤالَ تَوْبِيخٍ. الثّالِثُ: تُسْألُونَ هَلْ عَمِلْتُمْ بِما دَلَّ عَلَيْهِ مِنَ التَّكالِيفِ. واعْلَمْ أنَّ السَّبَبَ الأقْوى في إنْكارِ الكُفّارِ لِرِسالَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ولِبُغْضِهِمْ لَهُ أنَّهُ كانَ يُنْكِرُ عِبادَةَ الأصْنامِ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ إنْكارَ عِبادَةِ الأصْنامِ لَيْسَ مِن خَواصِّ دِينِ مُحَمَّدٍ ﷺ، بَلْ كُلُّ الأنْبِياءِ والرُّسُلِ كانُوا مُطْبِقِينَ عَلى إنْكارِهِ فَقالَ: ﴿واسْألْ مَن أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رُسُلِنا أجَعَلْنا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ وفِيهِ أقْوالٌ: الأوَّلُ: مَعْناهُ واسْألْ مُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابِ، أيْ: أهْلِ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، فَإنَّهم سَيُخْبِرُونَكَ أنَّهُ لَمْ يَرِدْ في دِينِ أحَدٍ مِنَ الأنْبِياءِ عِبادَةُ الأصْنامِ، وإذا كانَ هَذا الأمْرُ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ بَيْنَ كُلِّ الأنْبِياءِ والرُّسُلِ وجَبَ أنْ لا يَجْعَلُوهُ سَبَبًا لِبُغْضِ مُحَمَّدٍ ﷺ . والقَوْلُ الثّانِي: قالَ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ”«لَمّا أُسْرِيَ بِهِ ﷺ إلى المَسْجِدِ الأقْصى بَعَثَ اللَّهُ لَهُ آدَمَ وجَمِيعَ المُرْسَلِينَ مِن ولَدِهِ، فَأذَّنَ جِبْرِيلُ ثُمَّ أقامَ، فَقالَ: يا مُحَمَّدُ، تَقَدَّمْ فَصَلِّ بِهِمْ، فَلَمّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الصَّلاةِ، قالَ لَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ:“ واسْألْ يا مُحَمَّدُ مَن أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رُسُلِنا ... ”الآيَةَ، فَقالَ ﷺ: لا أسْألُ لِأنِّي لَسْتُ شاكًّا فِيهِ» “ . والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ ذِكْرَ السُّؤالِ في مَوْضِعٍ لا يُمْكِنُ السُّؤالُ فِيهِ يَكُونُ المُرادُ مِنهُ النَّظَرَ والِاسْتِدْلالَ، كَقَوْلِ مَن قالَ: سَلِ الأرْضَ مَن شَقَّ أنْهارَكِ، وغَرَسَ أشْجارَكِ، وجَنى ثِمارَكِ، فَإنَّها إنْ لَمْ تُجِبْكَ جَوابًا أجابَتْكَ اعْتِبارًا، فَهَهُنا سُؤالُ النَّبِيِّ ﷺ عَنِ الأنْبِياءِ الَّذِينَ كانُوا قَبْلَهُ - مُمْتَنِعٌ، فَكانَ المُرادُ مِنهُ: انْظُرْ في هَذِهِ المَسْألَةِ بِعَقْلِكَ وتَدَبَّرْ فِيها بِفَهْمِكَ، واللَّهُ أعْلَمُ.

الزخرف 43:44

قَوْلُهُ تَعالى ﴿أفَأنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أوْ تَهْدِي العُمْيَ ومَن كانَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ﴿فَإمّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإنّا مِنهم مُنْتَقِمُونَ﴾ ﴿أوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وعَدْناهم فَإنّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ﴾ ﴿فاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إلَيْكَ إنَّكَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ﴿وإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ وسَوْفَ تُسْألُونَ﴾ ﴿واسْألْ مَن أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رُسُلِنا أجَعَلْنا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَهم في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ بِالعَشى وصَفَهم في هَذِهِ الآيَةِ بِالصَّمَمِ والعَمى، وما أحْسَنَ هَذا التَّرْتِيبَ، وذَلِكَ لِأنَّ الإنْسانَ في أوَّلِ اشْتِغالِهِ بِطَلَبِ الدُّنْيا يَكُونُ كَمَن حَصَلَ بِعَيْنِهِ رَمَدٌ ضَعِيفٌ، ثُمَّ كُلَّما كانَ اشْتِغالُهُ بِتِلْكَ الأعْمالِ أكْثَرَ كانَ مَيْلُهُ إلى الجُسْمانِيّاتِ أشَدَّ، وإعْراضُهُ عَنِ الرُّوحانِيّاتِ أكْمَلَ، لِما ثَبَتَ في عُلُومِ العَقْلِ أنَّ كَثْرَةَ الأفْعالِ تُوجِبُ حُصُولَ المَلَكاتِ الرّاسِخَةِ، فَيَنْتَقِلُ الإنْسانُ مِنَ الرَّمَدِ إلى أنْ يَصِيرَ أعْشى، فَإذا واظَبَ عَلى تِلْكَ الحالَةِ أيّامًا أُخْرى انْتَقَلَ مِن كَوْنِهِ أعْشى إلى كَوْنِهِ أعْمى، فَهَذا تَرْتِيبٌ حَسَنٌ مُوافِقٌ لِما ثَبَتَ بِالبَراهِينِ اليَقِينِيَّةِ، رُوِيَ أنَّهُ ﷺ كانَ يَجْتَهِدُ في دُعاءِ قَوْمِهِ وهم لا يَزِيدُونَ إلّا تَصْمِيمًا عَلى الكُفْرِ وتَمادِيًا في الغَيِّ، فَقالَ تَعالى: ﴿أفَأنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أوْ تَهْدِي العُمْيَ﴾ يَعْنِي أنَّهم بَلَغُوا في النَّفْرَةِ عَنْكَ وعَنْ دِينِكَ إلى حَيْثُ إذا أسْمَعْتَهُمُ القُرْآنَ كانُوا كالأصَمِّ، وإذا أرَيْتَهُمُ المُعْجِزاتِ كانُوا كالأعْمى، ثُمَّ بَيَّنَ صفحة ١٨٥ تَعالى أنَّ صَمَمَهم وعَماهم إنَّما كانَ بِسَبَبِ كَوْنِهِمْ في ضَلالٍ مُبِينٍ. ولَمّا بَيَّنَ تَعالى أنَّ دَعْوَتَهُ لا تُؤَثِّرُ في قُلُوبِهِمْ قالَ: ﴿فَإمّا نَذْهَبَنَّ بِكَ﴾ يُرِيدُ حُصُولَ المَوْتِ قَبْلَ نُزُولِ النِّقْمَةِ بِهِمْ ﴿فَإنّا مِنهم مُنْتَقِمُونَ﴾ بَعْدَكَ، أوْ نُرِيَنَّكَ في حَياتِكَ ما وعَدْناهم مِنَ الذُّلِّ والقَتْلِ، فَإنّا مُقْتَدِرُونَ عَلى ذَلِكَ، واعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ يُفِيدُ كَمالَ التَّسْلِيَةِ لِلرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهم لا تُؤَثِّرُ فِيهِمْ دَعْوَتُهُ، واليَأْسُ إحْدى الرّاحَتَيْنِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ لا بُدَّ وأنْ يَنْتَقِمَ لِأجْلِهِ مِنهم إمّا حالَ حَياتِهِ أوْ بَعْدَ وفاتِهِ، وذَلِكَ أيْضًا يُوجِبُ التَّسْلِيَةَ، فَبَعْدَ هَذا أمَرَهُ أنْ يَسْتَمْسِكَ بِما أمَرَهُ تَعالى، فَقالَ: ﴿فاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إلَيْكَ﴾ بِأنْ تَعْتَقِدَ أنَّهُ حَقٌّ، وبِأنْ تَعْمَلَ بِمُوجِبِهِ فَإنَّهُ الصِّراطُ المُسْتَقِيمُ الَّذِي لا يَمِيلُ عَنْهُ إلّا ضالٌّ في الدِّينِ. ولَمّا بَيَّنَ تَأْثِيرَ التَّمَسُّكِ بِهَذا الدِّينِ في مَنافِعِ الدِّينِ بَيَّنَ أيْضًا تَأْثِيرَهُ في مَنافِعِ الدُّنْيا، فَقالَ: ﴿وإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ﴾ أيْ: إنَّهُ يُوجِبُ الشَّرَفَ العَظِيمَ لَكَ ولِقَوْمِكَ حَيْثُ يُقالُ: إنَّ هَذا الكِتابَ العَظِيمَ أنْزَلَهُ اللَّهُ عَلى رَجُلٍ مِن قَوْمِ هَؤُلاءِ، واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ الإنْسانَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ عَظِيمَ الرَّغْبَةِ في الثَّناءِ الحَسَنِ والذِّكْرِ الجَمِيلِ، ولَوْ لَمْ يَكُنِ الذِّكْرُ الجَمِيلُ أمْرًا مَرْغُوبًا فِيهِ لَما مَنَّ اللَّهُ بِهِ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ حَيْثُ قالَ: ﴿وإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ﴾ ولَما طَلَبَهُ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - حَيْثُ قالَ: ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ [الشُّعَراءِ: ٨٤] ولِأنَّ الذِّكْرَ الجَمِيلَ قائِمٌ مَقامَ الحَياةِ الشَّرِيفَةِ، بَلِ الذِّكْرُ أفْضَلُ مِنَ الحَياةِ؛ لِأنَّ أثَرَ الحَياةِ لا يَحْصُلُ إلّا في مَسْكَنِ ذَلِكَ الحَيِّ، أمّا أثَرُ الذِّكْرِ الجَمِيلِ فَإنَّهُ يَحْصُلُ في كُلِّ مَكانٍ وفي كُلِّ زَمانٍ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وسَوْفَ تُسْألُونَ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: قالَ الكَلْبِيُّ: تُسْألُونَ هَلْ أدَّيْتُمْ شُكْرَ إنْعامِنا عَلَيْكم بِهَذا الذِّكْرِ الجَمِيلِ. الثّانِي: قالَ مُقاتِلٌ: المُرادُ أنَّ مَن كَذَّبَ بِهِ يُسْألُ لِمَ كَذَّبَهُ، فَيُسْألُ سُؤالَ تَوْبِيخٍ. الثّالِثُ: تُسْألُونَ هَلْ عَمِلْتُمْ بِما دَلَّ عَلَيْهِ مِنَ التَّكالِيفِ. واعْلَمْ أنَّ السَّبَبَ الأقْوى في إنْكارِ الكُفّارِ لِرِسالَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ولِبُغْضِهِمْ لَهُ أنَّهُ كانَ يُنْكِرُ عِبادَةَ الأصْنامِ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ إنْكارَ عِبادَةِ الأصْنامِ لَيْسَ مِن خَواصِّ دِينِ مُحَمَّدٍ ﷺ، بَلْ كُلُّ الأنْبِياءِ والرُّسُلِ كانُوا مُطْبِقِينَ عَلى إنْكارِهِ فَقالَ: ﴿واسْألْ مَن أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رُسُلِنا أجَعَلْنا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ وفِيهِ أقْوالٌ: الأوَّلُ: مَعْناهُ واسْألْ مُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابِ، أيْ: أهْلِ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، فَإنَّهم سَيُخْبِرُونَكَ أنَّهُ لَمْ يَرِدْ في دِينِ أحَدٍ مِنَ الأنْبِياءِ عِبادَةُ الأصْنامِ، وإذا كانَ هَذا الأمْرُ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ بَيْنَ كُلِّ الأنْبِياءِ والرُّسُلِ وجَبَ أنْ لا يَجْعَلُوهُ سَبَبًا لِبُغْضِ مُحَمَّدٍ ﷺ . والقَوْلُ الثّانِي: قالَ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ”«لَمّا أُسْرِيَ بِهِ ﷺ إلى المَسْجِدِ الأقْصى بَعَثَ اللَّهُ لَهُ آدَمَ وجَمِيعَ المُرْسَلِينَ مِن ولَدِهِ، فَأذَّنَ جِبْرِيلُ ثُمَّ أقامَ، فَقالَ: يا مُحَمَّدُ، تَقَدَّمْ فَصَلِّ بِهِمْ، فَلَمّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الصَّلاةِ، قالَ لَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ:“ واسْألْ يا مُحَمَّدُ مَن أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رُسُلِنا ... ”الآيَةَ، فَقالَ ﷺ: لا أسْألُ لِأنِّي لَسْتُ شاكًّا فِيهِ» “ . والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ ذِكْرَ السُّؤالِ في مَوْضِعٍ لا يُمْكِنُ السُّؤالُ فِيهِ يَكُونُ المُرادُ مِنهُ النَّظَرَ والِاسْتِدْلالَ، كَقَوْلِ مَن قالَ: سَلِ الأرْضَ مَن شَقَّ أنْهارَكِ، وغَرَسَ أشْجارَكِ، وجَنى ثِمارَكِ، فَإنَّها إنْ لَمْ تُجِبْكَ جَوابًا أجابَتْكَ اعْتِبارًا، فَهَهُنا سُؤالُ النَّبِيِّ ﷺ عَنِ الأنْبِياءِ الَّذِينَ كانُوا قَبْلَهُ - مُمْتَنِعٌ، فَكانَ المُرادُ مِنهُ: انْظُرْ في هَذِهِ المَسْألَةِ بِعَقْلِكَ وتَدَبَّرْ فِيها بِفَهْمِكَ، واللَّهُ أعْلَمُ.

الزخرف 43:45

قَوْلُهُ تَعالى ﴿أفَأنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أوْ تَهْدِي العُمْيَ ومَن كانَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ﴿فَإمّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإنّا مِنهم مُنْتَقِمُونَ﴾ ﴿أوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وعَدْناهم فَإنّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ﴾ ﴿فاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إلَيْكَ إنَّكَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ﴿وإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ وسَوْفَ تُسْألُونَ﴾ ﴿واسْألْ مَن أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رُسُلِنا أجَعَلْنا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَهم في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ بِالعَشى وصَفَهم في هَذِهِ الآيَةِ بِالصَّمَمِ والعَمى، وما أحْسَنَ هَذا التَّرْتِيبَ، وذَلِكَ لِأنَّ الإنْسانَ في أوَّلِ اشْتِغالِهِ بِطَلَبِ الدُّنْيا يَكُونُ كَمَن حَصَلَ بِعَيْنِهِ رَمَدٌ ضَعِيفٌ، ثُمَّ كُلَّما كانَ اشْتِغالُهُ بِتِلْكَ الأعْمالِ أكْثَرَ كانَ مَيْلُهُ إلى الجُسْمانِيّاتِ أشَدَّ، وإعْراضُهُ عَنِ الرُّوحانِيّاتِ أكْمَلَ، لِما ثَبَتَ في عُلُومِ العَقْلِ أنَّ كَثْرَةَ الأفْعالِ تُوجِبُ حُصُولَ المَلَكاتِ الرّاسِخَةِ، فَيَنْتَقِلُ الإنْسانُ مِنَ الرَّمَدِ إلى أنْ يَصِيرَ أعْشى، فَإذا واظَبَ عَلى تِلْكَ الحالَةِ أيّامًا أُخْرى انْتَقَلَ مِن كَوْنِهِ أعْشى إلى كَوْنِهِ أعْمى، فَهَذا تَرْتِيبٌ حَسَنٌ مُوافِقٌ لِما ثَبَتَ بِالبَراهِينِ اليَقِينِيَّةِ، رُوِيَ أنَّهُ ﷺ كانَ يَجْتَهِدُ في دُعاءِ قَوْمِهِ وهم لا يَزِيدُونَ إلّا تَصْمِيمًا عَلى الكُفْرِ وتَمادِيًا في الغَيِّ، فَقالَ تَعالى: ﴿أفَأنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أوْ تَهْدِي العُمْيَ﴾ يَعْنِي أنَّهم بَلَغُوا في النَّفْرَةِ عَنْكَ وعَنْ دِينِكَ إلى حَيْثُ إذا أسْمَعْتَهُمُ القُرْآنَ كانُوا كالأصَمِّ، وإذا أرَيْتَهُمُ المُعْجِزاتِ كانُوا كالأعْمى، ثُمَّ بَيَّنَ صفحة ١٨٥ تَعالى أنَّ صَمَمَهم وعَماهم إنَّما كانَ بِسَبَبِ كَوْنِهِمْ في ضَلالٍ مُبِينٍ. ولَمّا بَيَّنَ تَعالى أنَّ دَعْوَتَهُ لا تُؤَثِّرُ في قُلُوبِهِمْ قالَ: ﴿فَإمّا نَذْهَبَنَّ بِكَ﴾ يُرِيدُ حُصُولَ المَوْتِ قَبْلَ نُزُولِ النِّقْمَةِ بِهِمْ ﴿فَإنّا مِنهم مُنْتَقِمُونَ﴾ بَعْدَكَ، أوْ نُرِيَنَّكَ في حَياتِكَ ما وعَدْناهم مِنَ الذُّلِّ والقَتْلِ، فَإنّا مُقْتَدِرُونَ عَلى ذَلِكَ، واعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ يُفِيدُ كَمالَ التَّسْلِيَةِ لِلرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهم لا تُؤَثِّرُ فِيهِمْ دَعْوَتُهُ، واليَأْسُ إحْدى الرّاحَتَيْنِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ لا بُدَّ وأنْ يَنْتَقِمَ لِأجْلِهِ مِنهم إمّا حالَ حَياتِهِ أوْ بَعْدَ وفاتِهِ، وذَلِكَ أيْضًا يُوجِبُ التَّسْلِيَةَ، فَبَعْدَ هَذا أمَرَهُ أنْ يَسْتَمْسِكَ بِما أمَرَهُ تَعالى، فَقالَ: ﴿فاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إلَيْكَ﴾ بِأنْ تَعْتَقِدَ أنَّهُ حَقٌّ، وبِأنْ تَعْمَلَ بِمُوجِبِهِ فَإنَّهُ الصِّراطُ المُسْتَقِيمُ الَّذِي لا يَمِيلُ عَنْهُ إلّا ضالٌّ في الدِّينِ. ولَمّا بَيَّنَ تَأْثِيرَ التَّمَسُّكِ بِهَذا الدِّينِ في مَنافِعِ الدِّينِ بَيَّنَ أيْضًا تَأْثِيرَهُ في مَنافِعِ الدُّنْيا، فَقالَ: ﴿وإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ﴾ أيْ: إنَّهُ يُوجِبُ الشَّرَفَ العَظِيمَ لَكَ ولِقَوْمِكَ حَيْثُ يُقالُ: إنَّ هَذا الكِتابَ العَظِيمَ أنْزَلَهُ اللَّهُ عَلى رَجُلٍ مِن قَوْمِ هَؤُلاءِ، واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ الإنْسانَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ عَظِيمَ الرَّغْبَةِ في الثَّناءِ الحَسَنِ والذِّكْرِ الجَمِيلِ، ولَوْ لَمْ يَكُنِ الذِّكْرُ الجَمِيلُ أمْرًا مَرْغُوبًا فِيهِ لَما مَنَّ اللَّهُ بِهِ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ حَيْثُ قالَ: ﴿وإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ﴾ ولَما طَلَبَهُ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - حَيْثُ قالَ: ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ [الشُّعَراءِ: ٨٤] ولِأنَّ الذِّكْرَ الجَمِيلَ قائِمٌ مَقامَ الحَياةِ الشَّرِيفَةِ، بَلِ الذِّكْرُ أفْضَلُ مِنَ الحَياةِ؛ لِأنَّ أثَرَ الحَياةِ لا يَحْصُلُ إلّا في مَسْكَنِ ذَلِكَ الحَيِّ، أمّا أثَرُ الذِّكْرِ الجَمِيلِ فَإنَّهُ يَحْصُلُ في كُلِّ مَكانٍ وفي كُلِّ زَمانٍ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وسَوْفَ تُسْألُونَ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: قالَ الكَلْبِيُّ: تُسْألُونَ هَلْ أدَّيْتُمْ شُكْرَ إنْعامِنا عَلَيْكم بِهَذا الذِّكْرِ الجَمِيلِ. الثّانِي: قالَ مُقاتِلٌ: المُرادُ أنَّ مَن كَذَّبَ بِهِ يُسْألُ لِمَ كَذَّبَهُ، فَيُسْألُ سُؤالَ تَوْبِيخٍ. الثّالِثُ: تُسْألُونَ هَلْ عَمِلْتُمْ بِما دَلَّ عَلَيْهِ مِنَ التَّكالِيفِ. واعْلَمْ أنَّ السَّبَبَ الأقْوى في إنْكارِ الكُفّارِ لِرِسالَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ولِبُغْضِهِمْ لَهُ أنَّهُ كانَ يُنْكِرُ عِبادَةَ الأصْنامِ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ إنْكارَ عِبادَةِ الأصْنامِ لَيْسَ مِن خَواصِّ دِينِ مُحَمَّدٍ ﷺ، بَلْ كُلُّ الأنْبِياءِ والرُّسُلِ كانُوا مُطْبِقِينَ عَلى إنْكارِهِ فَقالَ: ﴿واسْألْ مَن أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رُسُلِنا أجَعَلْنا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ وفِيهِ أقْوالٌ: الأوَّلُ: مَعْناهُ واسْألْ مُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابِ، أيْ: أهْلِ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، فَإنَّهم سَيُخْبِرُونَكَ أنَّهُ لَمْ يَرِدْ في دِينِ أحَدٍ مِنَ الأنْبِياءِ عِبادَةُ الأصْنامِ، وإذا كانَ هَذا الأمْرُ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ بَيْنَ كُلِّ الأنْبِياءِ والرُّسُلِ وجَبَ أنْ لا يَجْعَلُوهُ سَبَبًا لِبُغْضِ مُحَمَّدٍ ﷺ . والقَوْلُ الثّانِي: قالَ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ”«لَمّا أُسْرِيَ بِهِ ﷺ إلى المَسْجِدِ الأقْصى بَعَثَ اللَّهُ لَهُ آدَمَ وجَمِيعَ المُرْسَلِينَ مِن ولَدِهِ، فَأذَّنَ جِبْرِيلُ ثُمَّ أقامَ، فَقالَ: يا مُحَمَّدُ، تَقَدَّمْ فَصَلِّ بِهِمْ، فَلَمّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الصَّلاةِ، قالَ لَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ:“ واسْألْ يا مُحَمَّدُ مَن أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رُسُلِنا ... ”الآيَةَ، فَقالَ ﷺ: لا أسْألُ لِأنِّي لَسْتُ شاكًّا فِيهِ» “ . والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ ذِكْرَ السُّؤالِ في مَوْضِعٍ لا يُمْكِنُ السُّؤالُ فِيهِ يَكُونُ المُرادُ مِنهُ النَّظَرَ والِاسْتِدْلالَ، كَقَوْلِ مَن قالَ: سَلِ الأرْضَ مَن شَقَّ أنْهارَكِ، وغَرَسَ أشْجارَكِ، وجَنى ثِمارَكِ، فَإنَّها إنْ لَمْ تُجِبْكَ جَوابًا أجابَتْكَ اعْتِبارًا، فَهَهُنا سُؤالُ النَّبِيِّ ﷺ عَنِ الأنْبِياءِ الَّذِينَ كانُوا قَبْلَهُ - مُمْتَنِعٌ، فَكانَ المُرادُ مِنهُ: انْظُرْ في هَذِهِ المَسْألَةِ بِعَقْلِكَ وتَدَبَّرْ فِيها بِفَهْمِكَ، واللَّهُ أعْلَمُ.

الزخرف 43:46

قَوْلُهُ تَعالى ﴿أفَأنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أوْ تَهْدِي العُمْيَ ومَن كانَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ﴿فَإمّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإنّا مِنهم مُنْتَقِمُونَ﴾ ﴿أوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وعَدْناهم فَإنّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ﴾ ﴿فاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إلَيْكَ إنَّكَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ﴿وإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ وسَوْفَ تُسْألُونَ﴾ ﴿واسْألْ مَن أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رُسُلِنا أجَعَلْنا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَهم في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ بِالعَشى وصَفَهم في هَذِهِ الآيَةِ بِالصَّمَمِ والعَمى، وما أحْسَنَ هَذا التَّرْتِيبَ، وذَلِكَ لِأنَّ الإنْسانَ في أوَّلِ اشْتِغالِهِ بِطَلَبِ الدُّنْيا يَكُونُ كَمَن حَصَلَ بِعَيْنِهِ رَمَدٌ ضَعِيفٌ، ثُمَّ كُلَّما كانَ اشْتِغالُهُ بِتِلْكَ الأعْمالِ أكْثَرَ كانَ مَيْلُهُ إلى الجُسْمانِيّاتِ أشَدَّ، وإعْراضُهُ عَنِ الرُّوحانِيّاتِ أكْمَلَ، لِما ثَبَتَ في عُلُومِ العَقْلِ أنَّ كَثْرَةَ الأفْعالِ تُوجِبُ حُصُولَ المَلَكاتِ الرّاسِخَةِ، فَيَنْتَقِلُ الإنْسانُ مِنَ الرَّمَدِ إلى أنْ يَصِيرَ أعْشى، فَإذا واظَبَ عَلى تِلْكَ الحالَةِ أيّامًا أُخْرى انْتَقَلَ مِن كَوْنِهِ أعْشى إلى كَوْنِهِ أعْمى، فَهَذا تَرْتِيبٌ حَسَنٌ مُوافِقٌ لِما ثَبَتَ بِالبَراهِينِ اليَقِينِيَّةِ، رُوِيَ أنَّهُ ﷺ كانَ يَجْتَهِدُ في دُعاءِ قَوْمِهِ وهم لا يَزِيدُونَ إلّا تَصْمِيمًا عَلى الكُفْرِ وتَمادِيًا في الغَيِّ، فَقالَ تَعالى: ﴿أفَأنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أوْ تَهْدِي العُمْيَ﴾ يَعْنِي أنَّهم بَلَغُوا في النَّفْرَةِ عَنْكَ وعَنْ دِينِكَ إلى حَيْثُ إذا أسْمَعْتَهُمُ القُرْآنَ كانُوا كالأصَمِّ، وإذا أرَيْتَهُمُ المُعْجِزاتِ كانُوا كالأعْمى، ثُمَّ بَيَّنَ صفحة ١٨٥ تَعالى أنَّ صَمَمَهم وعَماهم إنَّما كانَ بِسَبَبِ كَوْنِهِمْ في ضَلالٍ مُبِينٍ. ولَمّا بَيَّنَ تَعالى أنَّ دَعْوَتَهُ لا تُؤَثِّرُ في قُلُوبِهِمْ قالَ: ﴿فَإمّا نَذْهَبَنَّ بِكَ﴾ يُرِيدُ حُصُولَ المَوْتِ قَبْلَ نُزُولِ النِّقْمَةِ بِهِمْ ﴿فَإنّا مِنهم مُنْتَقِمُونَ﴾ بَعْدَكَ، أوْ نُرِيَنَّكَ في حَياتِكَ ما وعَدْناهم مِنَ الذُّلِّ والقَتْلِ، فَإنّا مُقْتَدِرُونَ عَلى ذَلِكَ، واعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ يُفِيدُ كَمالَ التَّسْلِيَةِ لِلرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهم لا تُؤَثِّرُ فِيهِمْ دَعْوَتُهُ، واليَأْسُ إحْدى الرّاحَتَيْنِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ لا بُدَّ وأنْ يَنْتَقِمَ لِأجْلِهِ مِنهم إمّا حالَ حَياتِهِ أوْ بَعْدَ وفاتِهِ، وذَلِكَ أيْضًا يُوجِبُ التَّسْلِيَةَ، فَبَعْدَ هَذا أمَرَهُ أنْ يَسْتَمْسِكَ بِما أمَرَهُ تَعالى، فَقالَ: ﴿فاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إلَيْكَ﴾ بِأنْ تَعْتَقِدَ أنَّهُ حَقٌّ، وبِأنْ تَعْمَلَ بِمُوجِبِهِ فَإنَّهُ الصِّراطُ المُسْتَقِيمُ الَّذِي لا يَمِيلُ عَنْهُ إلّا ضالٌّ في الدِّينِ. ولَمّا بَيَّنَ تَأْثِيرَ التَّمَسُّكِ بِهَذا الدِّينِ في مَنافِعِ الدِّينِ بَيَّنَ أيْضًا تَأْثِيرَهُ في مَنافِعِ الدُّنْيا، فَقالَ: ﴿وإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ﴾ أيْ: إنَّهُ يُوجِبُ الشَّرَفَ العَظِيمَ لَكَ ولِقَوْمِكَ حَيْثُ يُقالُ: إنَّ هَذا الكِتابَ العَظِيمَ أنْزَلَهُ اللَّهُ عَلى رَجُلٍ مِن قَوْمِ هَؤُلاءِ، واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ الإنْسانَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ عَظِيمَ الرَّغْبَةِ في الثَّناءِ الحَسَنِ والذِّكْرِ الجَمِيلِ، ولَوْ لَمْ يَكُنِ الذِّكْرُ الجَمِيلُ أمْرًا مَرْغُوبًا فِيهِ لَما مَنَّ اللَّهُ بِهِ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ حَيْثُ قالَ: ﴿وإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ﴾ ولَما طَلَبَهُ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - حَيْثُ قالَ: ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ [الشُّعَراءِ: ٨٤] ولِأنَّ الذِّكْرَ الجَمِيلَ قائِمٌ مَقامَ الحَياةِ الشَّرِيفَةِ، بَلِ الذِّكْرُ أفْضَلُ مِنَ الحَياةِ؛ لِأنَّ أثَرَ الحَياةِ لا يَحْصُلُ إلّا في مَسْكَنِ ذَلِكَ الحَيِّ، أمّا أثَرُ الذِّكْرِ الجَمِيلِ فَإنَّهُ يَحْصُلُ في كُلِّ مَكانٍ وفي كُلِّ زَمانٍ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وسَوْفَ تُسْألُونَ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: قالَ الكَلْبِيُّ: تُسْألُونَ هَلْ أدَّيْتُمْ شُكْرَ إنْعامِنا عَلَيْكم بِهَذا الذِّكْرِ الجَمِيلِ. الثّانِي: قالَ مُقاتِلٌ: المُرادُ أنَّ مَن كَذَّبَ بِهِ يُسْألُ لِمَ كَذَّبَهُ، فَيُسْألُ سُؤالَ تَوْبِيخٍ. الثّالِثُ: تُسْألُونَ هَلْ عَمِلْتُمْ بِما دَلَّ عَلَيْهِ مِنَ التَّكالِيفِ. واعْلَمْ أنَّ السَّبَبَ الأقْوى في إنْكارِ الكُفّارِ لِرِسالَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ولِبُغْضِهِمْ لَهُ أنَّهُ كانَ يُنْكِرُ عِبادَةَ الأصْنامِ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ إنْكارَ عِبادَةِ الأصْنامِ لَيْسَ مِن خَواصِّ دِينِ مُحَمَّدٍ ﷺ، بَلْ كُلُّ الأنْبِياءِ والرُّسُلِ كانُوا مُطْبِقِينَ عَلى إنْكارِهِ فَقالَ: ﴿واسْألْ مَن أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رُسُلِنا أجَعَلْنا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ وفِيهِ أقْوالٌ: الأوَّلُ: مَعْناهُ واسْألْ مُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابِ، أيْ: أهْلِ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، فَإنَّهم سَيُخْبِرُونَكَ أنَّهُ لَمْ يَرِدْ في دِينِ أحَدٍ مِنَ الأنْبِياءِ عِبادَةُ الأصْنامِ، وإذا كانَ هَذا الأمْرُ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ بَيْنَ كُلِّ الأنْبِياءِ والرُّسُلِ وجَبَ أنْ لا يَجْعَلُوهُ سَبَبًا لِبُغْضِ مُحَمَّدٍ ﷺ . والقَوْلُ الثّانِي: قالَ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ”«لَمّا أُسْرِيَ بِهِ ﷺ إلى المَسْجِدِ الأقْصى بَعَثَ اللَّهُ لَهُ آدَمَ وجَمِيعَ المُرْسَلِينَ مِن ولَدِهِ، فَأذَّنَ جِبْرِيلُ ثُمَّ أقامَ، فَقالَ: يا مُحَمَّدُ، تَقَدَّمْ فَصَلِّ بِهِمْ، فَلَمّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الصَّلاةِ، قالَ لَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ:“ واسْألْ يا مُحَمَّدُ مَن أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رُسُلِنا ... ”الآيَةَ، فَقالَ ﷺ: لا أسْألُ لِأنِّي لَسْتُ شاكًّا فِيهِ» “ . والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ ذِكْرَ السُّؤالِ في مَوْضِعٍ لا يُمْكِنُ السُّؤالُ فِيهِ يَكُونُ المُرادُ مِنهُ النَّظَرَ والِاسْتِدْلالَ، كَقَوْلِ مَن قالَ: سَلِ الأرْضَ مَن شَقَّ أنْهارَكِ، وغَرَسَ أشْجارَكِ، وجَنى ثِمارَكِ، فَإنَّها إنْ لَمْ تُجِبْكَ جَوابًا أجابَتْكَ اعْتِبارًا، فَهَهُنا سُؤالُ النَّبِيِّ ﷺ عَنِ الأنْبِياءِ الَّذِينَ كانُوا قَبْلَهُ - مُمْتَنِعٌ، فَكانَ المُرادُ مِنهُ: انْظُرْ في هَذِهِ المَسْألَةِ بِعَقْلِكَ وتَدَبَّرْ فِيها بِفَهْمِكَ، واللَّهُ أعْلَمُ.

الزخرف 43:47

قَوْلُهُ تَعالى ﴿أفَأنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أوْ تَهْدِي العُمْيَ ومَن كانَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ﴿فَإمّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإنّا مِنهم مُنْتَقِمُونَ﴾ ﴿أوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وعَدْناهم فَإنّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ﴾ ﴿فاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إلَيْكَ إنَّكَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ﴿وإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ وسَوْفَ تُسْألُونَ﴾ ﴿واسْألْ مَن أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رُسُلِنا أجَعَلْنا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَهم في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ بِالعَشى وصَفَهم في هَذِهِ الآيَةِ بِالصَّمَمِ والعَمى، وما أحْسَنَ هَذا التَّرْتِيبَ، وذَلِكَ لِأنَّ الإنْسانَ في أوَّلِ اشْتِغالِهِ بِطَلَبِ الدُّنْيا يَكُونُ كَمَن حَصَلَ بِعَيْنِهِ رَمَدٌ ضَعِيفٌ، ثُمَّ كُلَّما كانَ اشْتِغالُهُ بِتِلْكَ الأعْمالِ أكْثَرَ كانَ مَيْلُهُ إلى الجُسْمانِيّاتِ أشَدَّ، وإعْراضُهُ عَنِ الرُّوحانِيّاتِ أكْمَلَ، لِما ثَبَتَ في عُلُومِ العَقْلِ أنَّ كَثْرَةَ الأفْعالِ تُوجِبُ حُصُولَ المَلَكاتِ الرّاسِخَةِ، فَيَنْتَقِلُ الإنْسانُ مِنَ الرَّمَدِ إلى أنْ يَصِيرَ أعْشى، فَإذا واظَبَ عَلى تِلْكَ الحالَةِ أيّامًا أُخْرى انْتَقَلَ مِن كَوْنِهِ أعْشى إلى كَوْنِهِ أعْمى، فَهَذا تَرْتِيبٌ حَسَنٌ مُوافِقٌ لِما ثَبَتَ بِالبَراهِينِ اليَقِينِيَّةِ، رُوِيَ أنَّهُ ﷺ كانَ يَجْتَهِدُ في دُعاءِ قَوْمِهِ وهم لا يَزِيدُونَ إلّا تَصْمِيمًا عَلى الكُفْرِ وتَمادِيًا في الغَيِّ، فَقالَ تَعالى: ﴿أفَأنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أوْ تَهْدِي العُمْيَ﴾ يَعْنِي أنَّهم بَلَغُوا في النَّفْرَةِ عَنْكَ وعَنْ دِينِكَ إلى حَيْثُ إذا أسْمَعْتَهُمُ القُرْآنَ كانُوا كالأصَمِّ، وإذا أرَيْتَهُمُ المُعْجِزاتِ كانُوا كالأعْمى، ثُمَّ بَيَّنَ صفحة ١٨٥ تَعالى أنَّ صَمَمَهم وعَماهم إنَّما كانَ بِسَبَبِ كَوْنِهِمْ في ضَلالٍ مُبِينٍ. ولَمّا بَيَّنَ تَعالى أنَّ دَعْوَتَهُ لا تُؤَثِّرُ في قُلُوبِهِمْ قالَ: ﴿فَإمّا نَذْهَبَنَّ بِكَ﴾ يُرِيدُ حُصُولَ المَوْتِ قَبْلَ نُزُولِ النِّقْمَةِ بِهِمْ ﴿فَإنّا مِنهم مُنْتَقِمُونَ﴾ بَعْدَكَ، أوْ نُرِيَنَّكَ في حَياتِكَ ما وعَدْناهم مِنَ الذُّلِّ والقَتْلِ، فَإنّا مُقْتَدِرُونَ عَلى ذَلِكَ، واعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ يُفِيدُ كَمالَ التَّسْلِيَةِ لِلرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهم لا تُؤَثِّرُ فِيهِمْ دَعْوَتُهُ، واليَأْسُ إحْدى الرّاحَتَيْنِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ لا بُدَّ وأنْ يَنْتَقِمَ لِأجْلِهِ مِنهم إمّا حالَ حَياتِهِ أوْ بَعْدَ وفاتِهِ، وذَلِكَ أيْضًا يُوجِبُ التَّسْلِيَةَ، فَبَعْدَ هَذا أمَرَهُ أنْ يَسْتَمْسِكَ بِما أمَرَهُ تَعالى، فَقالَ: ﴿فاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إلَيْكَ﴾ بِأنْ تَعْتَقِدَ أنَّهُ حَقٌّ، وبِأنْ تَعْمَلَ بِمُوجِبِهِ فَإنَّهُ الصِّراطُ المُسْتَقِيمُ الَّذِي لا يَمِيلُ عَنْهُ إلّا ضالٌّ في الدِّينِ. ولَمّا بَيَّنَ تَأْثِيرَ التَّمَسُّكِ بِهَذا الدِّينِ في مَنافِعِ الدِّينِ بَيَّنَ أيْضًا تَأْثِيرَهُ في مَنافِعِ الدُّنْيا، فَقالَ: ﴿وإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ﴾ أيْ: إنَّهُ يُوجِبُ الشَّرَفَ العَظِيمَ لَكَ ولِقَوْمِكَ حَيْثُ يُقالُ: إنَّ هَذا الكِتابَ العَظِيمَ أنْزَلَهُ اللَّهُ عَلى رَجُلٍ مِن قَوْمِ هَؤُلاءِ، واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ الإنْسانَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ عَظِيمَ الرَّغْبَةِ في الثَّناءِ الحَسَنِ والذِّكْرِ الجَمِيلِ، ولَوْ لَمْ يَكُنِ الذِّكْرُ الجَمِيلُ أمْرًا مَرْغُوبًا فِيهِ لَما مَنَّ اللَّهُ بِهِ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ حَيْثُ قالَ: ﴿وإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ﴾ ولَما طَلَبَهُ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - حَيْثُ قالَ: ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ [الشُّعَراءِ: ٨٤] ولِأنَّ الذِّكْرَ الجَمِيلَ قائِمٌ مَقامَ الحَياةِ الشَّرِيفَةِ، بَلِ الذِّكْرُ أفْضَلُ مِنَ الحَياةِ؛ لِأنَّ أثَرَ الحَياةِ لا يَحْصُلُ إلّا في مَسْكَنِ ذَلِكَ الحَيِّ، أمّا أثَرُ الذِّكْرِ الجَمِيلِ فَإنَّهُ يَحْصُلُ في كُلِّ مَكانٍ وفي كُلِّ زَمانٍ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وسَوْفَ تُسْألُونَ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: قالَ الكَلْبِيُّ: تُسْألُونَ هَلْ أدَّيْتُمْ شُكْرَ إنْعامِنا عَلَيْكم بِهَذا الذِّكْرِ الجَمِيلِ. الثّانِي: قالَ مُقاتِلٌ: المُرادُ أنَّ مَن كَذَّبَ بِهِ يُسْألُ لِمَ كَذَّبَهُ، فَيُسْألُ سُؤالَ تَوْبِيخٍ. الثّالِثُ: تُسْألُونَ هَلْ عَمِلْتُمْ بِما دَلَّ عَلَيْهِ مِنَ التَّكالِيفِ. واعْلَمْ أنَّ السَّبَبَ الأقْوى في إنْكارِ الكُفّارِ لِرِسالَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ولِبُغْضِهِمْ لَهُ أنَّهُ كانَ يُنْكِرُ عِبادَةَ الأصْنامِ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ إنْكارَ عِبادَةِ الأصْنامِ لَيْسَ مِن خَواصِّ دِينِ مُحَمَّدٍ ﷺ، بَلْ كُلُّ الأنْبِياءِ والرُّسُلِ كانُوا مُطْبِقِينَ عَلى إنْكارِهِ فَقالَ: ﴿واسْألْ مَن أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رُسُلِنا أجَعَلْنا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ وفِيهِ أقْوالٌ: الأوَّلُ: مَعْناهُ واسْألْ مُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابِ، أيْ: أهْلِ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، فَإنَّهم سَيُخْبِرُونَكَ أنَّهُ لَمْ يَرِدْ في دِينِ أحَدٍ مِنَ الأنْبِياءِ عِبادَةُ الأصْنامِ، وإذا كانَ هَذا الأمْرُ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ بَيْنَ كُلِّ الأنْبِياءِ والرُّسُلِ وجَبَ أنْ لا يَجْعَلُوهُ سَبَبًا لِبُغْضِ مُحَمَّدٍ ﷺ . والقَوْلُ الثّانِي: قالَ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ”«لَمّا أُسْرِيَ بِهِ ﷺ إلى المَسْجِدِ الأقْصى بَعَثَ اللَّهُ لَهُ آدَمَ وجَمِيعَ المُرْسَلِينَ مِن ولَدِهِ، فَأذَّنَ جِبْرِيلُ ثُمَّ أقامَ، فَقالَ: يا مُحَمَّدُ، تَقَدَّمْ فَصَلِّ بِهِمْ، فَلَمّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الصَّلاةِ، قالَ لَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ:“ واسْألْ يا مُحَمَّدُ مَن أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رُسُلِنا ... ”الآيَةَ، فَقالَ ﷺ: لا أسْألُ لِأنِّي لَسْتُ شاكًّا فِيهِ» “ . والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ ذِكْرَ السُّؤالِ في مَوْضِعٍ لا يُمْكِنُ السُّؤالُ فِيهِ يَكُونُ المُرادُ مِنهُ النَّظَرَ والِاسْتِدْلالَ، كَقَوْلِ مَن قالَ: سَلِ الأرْضَ مَن شَقَّ أنْهارَكِ، وغَرَسَ أشْجارَكِ، وجَنى ثِمارَكِ، فَإنَّها إنْ لَمْ تُجِبْكَ جَوابًا أجابَتْكَ اعْتِبارًا، فَهَهُنا سُؤالُ النَّبِيِّ ﷺ عَنِ الأنْبِياءِ الَّذِينَ كانُوا قَبْلَهُ - مُمْتَنِعٌ، فَكانَ المُرادُ مِنهُ: انْظُرْ في هَذِهِ المَسْألَةِ بِعَقْلِكَ وتَدَبَّرْ فِيها بِفَهْمِكَ، واللَّهُ أعْلَمُ.

الزخرف 43:48

قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا إلى فِرْعَوْنَ﴾ ﴿ومَلَئِهِ فَقالَ إنِّي رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿فَلَمّا جاءَهم بِآياتِنا إذا هم مِنها يَضْحَكُونَ﴾ ﴿وما نُرِيهِمْ مِن آيَةٍ إلّا هي أكْبَرُ مِن أُخْتِها وأخَذْناهم بِالعَذابِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ ﴿وقالُوا ياأيُّها السّاحِرُ ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ إنَّنا لَمُهْتَدُونَ﴾ ﴿فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُمُ العَذابَ إذا هم يَنْكُثُونَ﴾ ﴿ونادى فِرْعَوْنُ في قَوْمِهِ قالَ ياقَوْمِ ألَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وهَذِهِ الأنْهارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ ﴿أمْ أنا خَيْرٌ مِن هَذا الَّذِي هو مَهِينٌ ولا يَكادُ يُبِينُ﴾ ﴿فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أسْوِرَةٌ مِن ذَهَبٍ أوْ جاءَ مَعَهُ المَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾ ﴿فاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأطاعُوهُ إنَّهم كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ ﴿فَلَمّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنهم فَأغْرَقْناهم أجْمَعِينَ﴾ وفِي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن إعادَةِ قِصَّةِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وفِرْعَوْنَ في هَذا المَقامِ تَقْرِيرُ الكَلامِ الَّذِي تَقَدَّمَ، وذَلِكَ لِأنَّ كُفّارَ قُرَيْشٍ طَعَنُوا في نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ بِسَبَبِ كَوْنِهِ فَقِيرًا عَدِيمَ المالِ والجاهِ، فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بَعْدَ أنْ أوْرَدَ المُعْجِزاتِ القاهِرَةَ الباهِرَةَ الَّتِي لا يَشُكُّ في صِحَّتِها عاقِلٌ أوْرَدَ فِرْعَوْنُ عَلَيْهِ هَذِهِ الشُّبْهَةَ الَّتِي ذَكَرَها كُفّارُ قُرَيْشٍ، فَقالَ: إنِّي غَنِيٌّ كَثِيرُ المالِ والجاهِ، ألا تَرَوْنَ أنَّهُ حَصَلَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وهَذِهِ الأنْهارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي، وأمّا مُوسى فَإنَّهُ فَقِيرٌ مَهِينٌ ولَيْسَ لَهُ بَيانٌ ولِسانٌ، والرَّجُلُ الفَقِيرُ كَيْفَ يَكُونُ رَسُولًا مِن عِنْدِ اللَّهِ إلى المَلِكِ الكَبِيرِ الغَنِيِّ، فَثَبَتَ أنَّ هَذِهِ الشُّبْهَةَ الَّتِي ذَكَرَها كُفّارُ مَكَّةَ، وهي قَوْلُهم ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٣١] وقَدْ أوْرَدَها بِعَيْنِها فِرْعَوْنُ عَلى مُوسى، ثُمَّ إنّا انْتَقَمْنا مِنهم فَأغْرَقْناهم، والمَقْصُودُ مِن إيرادِ هَذِهِ القِصَّةِ - تَقْرِيرُ أمْرَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ الكُفّارَ والجُهّالَ أبَدًا يَحْتَجُّونَ عَلى الأنْبِياءِ بِهَذِهِ الشُّبْهَةِ الرَّكِيكَةِ فَلا يُبالى بِها ولا يُلْتَفَتُ إلَيْها. والثّانِي: أنَّ فِرْعَوْنَ عَلى غايَةِ كَمالِ حالِهِ في الدُّنْيا صارَ مَقْهُورًا باطِلًا، فَيَكُونُ الأمْرُ في حَقِّ أعْدائِكَ هَكَذا، فَثَبَتَ أنَّهُ لَيْسَ المَقْصُودُ مِن إعادَةِ هَذِهِ القِصَّةِ عَيْنَ هَذِهِ القِصَّةِ، بَلِ المَقْصُودُ تَقْرِيرُ الجَوابِ عَنِ الشُّبْهَةِ المَذْكُورَةِ، وعَلى هَذا صفحة ١٨٧ فَلا يَكُونُ هَذا تَقْرِيرًا لِلْقِصَّةِ البَتَّةَ، وهَذا مِن نَفائِسِ الأبْحاثِ، واللَّهُ أعْلَمُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ في تَفْسِيرِ الألْفاظِ: ذَكَرَ تَعالى أنَّهُ أرْسَلَ مُوسى بِآياتِهِ، وهي المُعْجِزاتُ الَّتِي كانَتْ مَعَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ، أيْ قَوْمِهِ، فَقالَ مُوسى: إنِّي رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ، فَلَمّا جاءَهم بِتِلْكَ الآياتِ إذا هم مِنها يَضْحَكُونَ، قِيلَ: إنَّهُ لَمّا ألْقى عَصاهُ صارَ ثُعْبانًا ثُمَّ أخَذَهُ فَعادَ عَصًا كَما كانَ - ضَحِكُوا، ولَمّا عَرَضَ عَلَيْهِمُ اليَدَ البَيْضاءَ ثُمَّ عادَتْ كَما كانَتْ - ضَحِكُوا، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ جازَ أنْ يُجابَ عَنْ ”لَمّا“ بِـ ”إذا“ الَّذِي يُفِيدُ المُفاجَأةَ ؟ قُلْنا: لِأنَّ فِعْلَ المُفاجَأةِ مَعَها مُقَدَّرٌ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: فَلَمّا جاءَهم بِآياتِنا فاجَئُوا وقْتَ ضَحِكِهِمْ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿وما نُرِيهِمْ مِن آيَةٍ إلّا هي أكْبَرُ مِن أُخْتِها﴾ فَإنْ قِيلَ: ظاهِرُ اللَّفْظِ يَقْتَضِي كَوْنَ كُلِّ واحِدٍ مِنها أفْضَلَ مِنَ التّالِي، وذَلِكَ مُحالٌ، قُلْنا: إذا أُرِيدَ المُبالَغَةُ في كَوْنِ كُلٍّ مِن تِلْكَ الأشْياءِ بالِغًا إلى أقْصى الدَّرَجاتِ في الفَضِيلَةِ، فَقَدْ يُذْكَرُ هَذا الكَلامُ بِمَعْنى أنَّهُ لا يَبْعُدُ في أُناسٍ يَنْظُرُونَ إلَيْها أنْ يَقُولَ هَذا: إنَّ هَذا أفْضَلُ مِنَ الثّانِي، وأنْ يَقُولَ الثّانِي: لا بَلِ الثّانِي أفْضَلُ، وأنْ يَقُولَ الثّالِثُ: لا بَلِ الثّالِثُ أفْضَلُ، وحِينَئِذٍ يَصِيرُ كُلُّ واحِدٍ مِن تِلْكَ الأشْياءِ مَقُولًا فِيهِ: إنَّهُ أفْضَلُ مِن غَيْرِهِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وأخَذْناهم بِالعَذابِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ أيْ عَنِ الكُفْرِ إلى الإيمانِ، قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى يُرِيدُ الإيمانَ مِنَ الكُلِّ وأنَّهُ إنَّما أظْهَرَ تِلْكَ المُعْجِزاتِ القاهِرَةَ لِإرادَةِ أنْ يَرْجِعُوا مِنَ الكُفْرِ إلى الإيمانِ، قالَ المُفَسِّرُونَ: ومَعْنى قَوْلِهِ ﴿وأخَذْناهم بِالعَذابِ﴾ أيْ بِالأشْياءِ الَّتِي سَلَّطَها عَلَيْها كالطُّوفانِ والجَرادِ والقُمَّلِ والضَّفادِعِ والدَّمِ والطَّمْسِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وقالُوا ياأيُّها السّاحِرُ ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ إنَّنا لَمُهْتَدُونَ﴾ فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ سَمَّوْهُ بِالسّاحِرِ مَعَ قَوْلِهِمْ ﴿إنَّنا لَمُهْتَدُونَ﴾ ؟ قُلْنا: فِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ لِلْعالِمِ الماهِرِ ساحِرٌ، لِأنَّهم كانُوا يَسْتَعْظِمُونَ السِّحْرَ، وكَما يُقالُ في زَمانِنا في العامِلِ العَجِيبِ الكامِلِ إنَّهُ أتى بِالسِّحْرِ. الثّانِي: ﴿ياأيُّها السّاحِرُ﴾ في زَعْمِ النّاسِ ومُتَعارَفِ قَوْمِ فِرْعَوْنَ كَقَوْلِهِ ﴿وقالُوا ياأيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحِجْرِ: ٦] أيْ نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ في اعْتِقادِهِ وزَعْمِهِ. الثّالِثُ: أنَّ قَوْلَهم ﴿إنَّنا لَمُهْتَدُونَ﴾ وقَدْ كانُوا عازِمِينَ عَلى خِلافِهِ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ ﴿فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُمُ العَذابَ إذا هم يَنْكُثُونَ﴾ فَتَسْمِيَتُهم إيّاهُ بِالسِّحْرِ لا يُنافِي قَوْلَهم ﴿إنَّنا لَمُهْتَدُونَ﴾ ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ لَمّا كَشَفَ عَنْهُمُ العَذابَ نَكَثُوا ذَلِكَ العَهْدَ. ولَمّا حَكى اللَّهُ تَعالى مُعامَلَةَ فِرْعَوْنَ مَعَ مُوسى، حَكى أيْضًا مُعامَلَةَ فِرْعَوْنَ مَعَهُ فَقالَ: ﴿ونادى فِرْعَوْنُ في قَوْمِهِ﴾ والمَعْنى أنَّهُ أظْهَرَ هَذا القَوْلَ، فَقالَ: ﴿ياقَوْمِ ألَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وهَذِهِ الأنْهارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي﴾ يَعْنِي الأنْهارَ الَّتِي فَصَلُوها مِنَ النِّيلِ، ومُعْظَمُها أرْبَعَةٌ: نَهْرُ المَلِكِ ونَهْرُ طُولُونَ ونَهْرُ دِمْياطَ ونَهْرُ تِنِّيسَ، قِيلَ: كانَتْ تَجْرِي تَحْتَ قَصْرِهِ، وحاصِلُ الأمْرِ أنَّهُ احْتَجَّ بِكَثْرَةِ أمْوالِهِ وقُوَّةِ جاهِهِ عَلى فَضِيلَةِ نَفْسِهِ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿أمْ أنا خَيْرٌ مِن هَذا الَّذِي هو مَهِينٌ ولا يَكادُ يُبِينُ﴾ وعَنى بِكَوْنِهِ مَهِينًا كَوْنَهُ فَقِيرًا ضَعِيفَ الحالِ، وبِقَوْلِهِ ﴿ولا يَكادُ يُبِينُ﴾ حَبْسَةً كانَتْ في لِسانِهِ، واخْتَلَفُوا في مَعْنى ”أمْ“ هَهُنا، فَقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَجازُها: بَلْ أنا خَيْرٌ، وعَلى هَذا فَقَدَ تَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ ثُمَّ ابْتَدَأ فَقالَ: ﴿أمْ أنا خَيْرٌ﴾ بِمَعْنى بَلْ أنا خَيْرٌ، وقالَ الباقُونَ: ”أمْ“ هَذِهِ مُتَّصِلَةٌ؛ لِأنَّ المَعْنى ﴿أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ أمْ تُبْصِرُونَ، إلّا أنَّهُ وضَعَ قَوْلَهُ ﴿أنا خَيْرٌ﴾ مَوْضِعَ ”تُبْصِرُونَ“، لِأنَّهم إذا قالُوا لَهُ: أنْتَ خَيْرٌ، فَهم عِنْدَهُ بُصَراءُ، وقالَ آخَرُونَ: إنَّ تَمامَ الكَلامِ عِنْدَ قَوْلِهِ ”أمْ“، وقَوْلُهُ صفحة ١٨٨ ﴿أنا خَيْرٌ﴾ ابْتِداءُ الكَلامِ، والتَّقْدِيرُ: ﴿أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ أمْ تُبْصِرُونَ، لَكِنَّهُ اكْتَفى فِيهِ بِذِكْرِ ”أمْ“ كَما تَقُولُ لِغَيْرِكَ: أتَأْكُلُ أمْ. أيْ: أتَأْكُلُ أمْ لا تَأْكُلُ، تَقْتَصِرُ عَلى ذِكْرِ كَلِمَةِ ”أمْ“ إيثارًا لِلِاخْتِصارِ، فَكَذا هَهُنا، فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - سَألَ اللَّهَ تَعالى أنْ يُزِيلَ الرَّتَّةَ عَنْ لِسانِهِ بِقَوْلِهِ ﴿واحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِسانِي﴾ ﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ [طه: ٢٧] فَأعْطاهُ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﴿قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يامُوسى﴾ فَكَيْفَ عابَهُ فِرْعَوْنُ بِتِلْكَ الرَّتَّةِ ؟ والجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ فِرْعَوْنَ أرادَ بِقَوْلِهِ ﴿ولا يَكادُ يُبِينُ﴾ حُجَّتَهُ الَّتِي تَدُلُّ عَلى صِدْقِهِ فِيما يَدَّعِي، ولَمْ يُرِدْ أنَّهُ لا قُدْرَةَ لَهُ عَلى الكَلامِ. والثّانِي: أنَّهُ عابَهُ بِما كانَ عَلَيْهِ أوَّلًا، وذَلِكَ أنَّ مُوسى كانَ عِنْدَ فِرْعَوْنَ زَمانًا طَوِيلًا وفي لِسانِهِ حَبْسَةٌ، فَنَسَبَهُ فِرْعَوْنُ إلى ما عَهِدَهُ عَلَيْهِ مِنَ الرَّتَّةِ لِأنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى أزالَ ذَلِكَ العَيْبَ عَنْهُ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أسْوِرَةٌ مِن ذَهَبٍ﴾ والمُرادُ أنَّ عادَةَ القَوْمِ جَرَتْ بِأنَّهم إذا جَعَلُوا واحِدًا مِنهم رَئِيسًا لَهم سَوَّرُوهُ بِسِوارٍ مَن ذَهَبٍ وطَوَّقُوهُ بِطَوْقٍ مِن ذَهَبٍ، فَطَلَبَ فِرْعَوْنُ مِن مُوسى مِثْلَ هَذِهِ الحالَةِ، واخْتَلَفَ القُرّاءُ في ”أسْوِرَةٌ“، فَبَعْضُهم قَرَأ: ”أسْوِرَةٌ“، وآخَرُونَ: ”أساوِرَةٌ“، فَأسْوِرَةٌ جَمْعُ سِوارٍ لِأدْنى العَدَدِ، كَقَوْلِكَ حِمارٌ وأحْمِرَةٌ وغُرابٌ وأغْرِبَةٌ، ومَن قَرَأ ”أساوِرَةٌ“ فَذاكَ لِأنَّ أساوِيرَ جَمْعُ أسْوارٍ، وهو السُّوارُ، فَأساوِرَةٌ تَكُونُ الهاءُ عِوَضًا عَنِ الياءِ، نَحْوَ بِطْرِيقٍ وبَطارِقَةٍ وزِنْدِيقٍ وزَنادِقَةٍ وفِرْزِينٍ وفَرازِنَةٍ، فَتَكُونُ أساوِرَةٌ جَمْعَ أسْوارٍ، وحاصِلُ الكَلامِ يَرْجِعُ إلى حَرْفٍ واحِدٍ، وهو أنَّ فِرْعَوْنَ كانَ يَقُولُ أنا أكْثَرُ مالًا وجاهًا، فَوَجَبَ أنْ أكُونَ أفْضَلَ مِنهُ، فَيَمْتَنِعُ كَوْنُهُ رَسُولًا مِنَ اللَّهِ، لِأنَّ مَنصِبَ النُّبُوَّةِ يَقْتَضِي المَخْدُومِيَّةَ، والأخَسُّ لا يَكُونُ مَخْدُومًا لِلْأشْرَفِ، ثُمَّ المُقَدِّمَةُ الفاسِدَةُ هي قَوْلُهُ: مَن كانَ أكْثَرَ مالًا وجاهًا فَهو أفْضَلُ، وهي عَيْنُ المُقَدِّمَةِ الَّتِي تَمَسَّكَ بِها كُفّارُ قُرَيْشٍ في قَوْلِهِمْ ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿أوْ جاءَ مَعَهُ المَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مُقْرِنِينَ بِهِ، مِن قَوْلِكَ: قَرَنْتُهُ بِهِ فاقْتَرَنَ، وأنْ يَكُونَ مِن قَوْلِهِمُ: اقْتَرَنُوا بِمَعْنى تَقارَنُوا، قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ يَمْشُونَ مَعَهُ فَيَدُلُّونَ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأطاعُوهُ﴾ أيْ طَلَبَ مِنهُمُ الخِفَّةَ في الإتْيانِ بِما كانَ يَأْمُرُهم بِهِ فَأطاعُوهُ ﴿إنَّهم كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ حَيْثُ أطاعُوا ذَلِكَ الجاهِلَ الفاسِقَ ﴿فَلَمّا آسَفُونا﴾ أغْضَبُونا، حُكِيَ أنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ غَضِبَ في شَيْءٍ، فَقِيلَ لَهُ: أتَغْضَبُ يا أبا خالِدٍ ؟ فَقالَ: قَدْ غَضِبَ الَّذِي خَلَقَ الأحْلامَ، إنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿فَلَمّا آسَفُونا﴾ أيْ أغْضَبُونا. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿انْتَقَمْنا مِنهُمْ﴾ واعْلَمْ أنَّ ذِكْرَ لَفْظِ الأسَفِ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى مُحالٌ، وذِكْرُ لَفْظِ الِانْتِقامِ وكُلِّ واحِدٍ مِنهُما مِنَ المُتَشابِهاتِ الَّتِي يَجِبُ أنْ يُصارَ فِيها إلى التَّأْوِيلِ، ومَعْنى الغَضَبِ في حَقِّ اللَّهِ إرادَةُ العِقابِ، ومَعْنى الِانْتِقامِ إرادَةُ العِقابِ لِجُرْمٍ سابِقٍ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَجَعَلْناهم سَلَفًا ومَثَلًا﴾ السَّلَفُ كُلُّ شَيْءٍ قَدَّمْتَهُ مِن عَمَلٍ صالِحٍ أوْ قَرْضٍ فَهو سَلَفٌ، والسَّلَفُ أيْضًا مَن تَقَدَّمَ مِن آبائِكَ وأقارِبِكَ، واحِدُهم سالِفٌ، ومِنهُ قَوْلُ طُفَيْلٍ يَرْثِي قَوْمَهُ: مَضَوْا سَلَفًا قَصْدَ السَّبِيلِ عَلَيْهِمُ وصَرْفُ المَنايا بِالرِّجالِ تُقَلَّبُ فَعَلى هَذا قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: يَقُولُ: جَعَلْناهم مُتَقَدِّمِينَ لِيَتَّعِظَ بِهِمُ الآخَرُونَ، أيْ: جَعَلْناهم سَلَفًا لِكُفّارِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ. وأكْثَرُ القُرّاءِ قَرَءُوا بِالفَتْحِ، وهو جَمْعُ سالِفٍ كَما ذَكَرْناهُ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: ”سُلَفًا“ صفحة ١٨٩ بِالضَّمِّ، وهو جَمْعُ سَلَفٍ، قالَ اللَّيْثُ: يُقالُ سَلُفَ - بِضَمِّ اللّامِ - يَسْلُفُ سُلُوفًا، فَهو سُلُفٌ، أيْ: مُتَقَدِّمٌ، وقَوْلُهُ ﴿ومَثَلًا لِلْآخِرِينَ﴾ يُرِيدُ عِظَةً لِمَن بَقِيَ بَعْدَهم وآيَةً وعِبْرَةً، قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: المَثَلُ واحِدٌ يُرادُ بِهِ الجَمْعَ، ومِن ثَمَّ عُطِفَ عَلى سَلَفٍ، والدَّلِيلُ عَلى وُقُوعِهِ عَلى أكْثَرَ مِن واحِدٍ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ ومَن رَزَقْناهُ﴾ [النَّحْلِ: ٧٥] فَأدْخَلَ تَحْتَ المَثَلِ شَيْئَيْنِ، واللَّهُ أعْلَمُ. * * قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولَمّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إذا قَوْمُكَ مِنهُ يَصِدُّونَ﴾ ﴿وقالُوا أآلِهَتُنا خَيْرٌ أمْ هو ما ضَرَبُوهُ لَكَ إلّا جَدَلًا بَلْ هم قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ ﴿إنْ هو إلّا عَبْدٌ أنْعَمْنا عَلَيْهِ وجَعَلْناهُ مَثَلًا لِبَنِي إسْرائِيلَ﴾ ﴿ولَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنكم مَلائِكَةً في الأرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ ﴿وإنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِها واتَّبِعُونِ هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ ﴿ولا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطانُ إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ ٥٠ في الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أنْواعًا كَثِيرَةً مَن كُفْرِيّاتِهِمْ في هَذِهِ السُّورَةِ، وأجابَ عَنْها بِالوُجُوهِ الكَثِيرَةِ: فَأوَّلُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلُوا لَهُ مِن عِبادِهِ جُزْءًا﴾ . وثانِيها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا﴾ . وثالِثُها: قَوْلُهُ ﴿وقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ ما عَبَدْناهُمْ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٢٠] . ورابِعُها: قَوْلُهُ ﴿وقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٣١] . وخامِسُها: هَذِهِ الآيَةُ الَّتِي نَحْنُ الآنَ في تَفْسِيرِها، ولَفْظُ الآيَةِ لا يَدُلُّ إلّا عَلى أنَّهُ لَمّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا أخَذَ القَوْمُ يَضِجُّونَ ويَرْفَعُونَ أصْواتَهم، فَأمّا أنَّ ذَلِكَ المَثَلَ كَيْفَ كانَ، وفي أيِّ شَيْءٍ كانَ، فاللَّفْظُ لا يَدُلُّ عَلَيْهِ، والمُفَسِّرُونَ ذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا، كُلُّها مُحْتَمَلَةٌ: فالأوَّلُ: أنَّ الكُفّارَ لَمّا سَمِعُوا أنَّ النَّصارى يَعْبُدُونَ عِيسى، قالُوا: إذا عَبَدُوا عِيسى فَآلِهَتُنا خَيْرٌ مِن عِيسى، وإنَّما قالُوا ذَلِكَ لِأنَّهم كانُوا يَعْبُدُونَ المَلائِكَةَ. الثّانِي: رُوِيَ أنَّهُ «لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنْبِياءِ: ٩٨] قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزِّبَعْرى: هَذا خاصَّةٌ لَنا ولِآلِهَتِنا أمْ لِجَمِيعِ الأُمَمِ ؟ فَقالَ ﷺ: بَلْ لِجَمِيعِ الأُمَمِ فَقالَ: خَصَمْتُكَ ورَبِّ الكَعْبَةِ، ألَسْتَ تَزْعُمُ أنَّ عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ نَبِيٌّ وتُثْنِي عَلَيْهِ خَيْرًا وعَلى أُمِّهِ، وقَدْ عَلِمْتُ أنَّ النَّصارى يَعْبُدُونَهُما واليَهُودَ يَعْبُدُونَ عُزَيْرًا، والمَلائِكَةُ يُعْبَدُونَ، فَإذا كانَ هَؤُلاءِ في النّارِ فَقَدْ رَضِينا أنْ نَكُونَ نَحْنُ وآلِهَتُنا مَعَهم، فَسَكَتَ النَّبِيُّ ﷺ وفَرِحَ القَوْمُ وضَحِكُوا وضَجُّوا، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى أُولَئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ»﴾ [الأنْبِياءِ: ١٠١] ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ أيْضًا، والمَعْنى: ولَمّا ضَرَبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزِّبَعْرى عِيسى ﴿ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا﴾ وجادَلَ رَسُولَ اللَّهِ بِعِبادَةِ النَّصارى إيّاهُ صفحة ١٩٠ ﴿إذا قَوْمُكَ﴾ قُرَيْشٌ (مِنهَ) أيْ مِن هَذا المَثَلِ ﴿يَصِدُّونَ﴾ أيْ يَرْتَفِعُ لَهم ضَجِيجٌ وجَلَبَةٌ فَرَحًا وجَدَلًا وضَحِكًا بِسَبَبِ ما رَأوْا مِن إسْكاتِ رَسُولِ اللَّهِ، فَإنَّهُ قَدْ جَرَتِ العادَةُ بِأنَّ أحَدَ الخَصْمَيْنِ إذا انْقَطَعَ أظْهَرَ الخَصْمُ الثّانِي الفَرَحَ والضَّجِيجَ، ﴿وقالُوا أآلِهَتُنا خَيْرٌ أمْ هُوَ﴾ يَعْنُونَ أنَّ آلِهَتَنا عِنْدَكَ لَيْسَتْ خَيْرًا مِن عِيسى، فَإذا كانَ عِيسى مِن حَصَبِ جَهَنَّمَ كانَ أمْرُ آلِهَتِنا أهْوَنَ. الوَجْهُ الثّالِثُ في التَّأْوِيلِ: وهو أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا حَكى أنَّ النَّصارى عَبَدُوا المَسِيحَ وجَعَلُوهُ إلَهًا لِأنْفُسِهِمْ، قالَ كُفّارُ مَكَّةَ: إنَّ مُحَمَّدًا يُرِيدُ أنْ يَجْعَلَ لَنا إلَهًا كَما جَعَلَ النَّصارى المَسِيحَ إلَهًا لِأنْفُسِهِمْ، ثُمَّ عِنْدَ هَذا قالُوا ﴿أآلِهَتُنا خَيْرٌ أمْ هُوَ﴾ يَعْنِي أآلِهَتُنا خَيْرٌ أمْ مُحَمَّدٌ، وذَكَرُوا ذَلِكَ لِأجْلِ أنَّهم قالُوا: إنَّ مُحَمَّدًا يَدْعُونا إلى عِبادَةِ نَفْسِهِ، وآباؤُنا زَعَمُوا أنَّهُ يَجِبُ عِبادَةُ هَذِهِ الأصْنامِ، وإذا كانَ لا بُدَّ مِن أحَدِ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ فَعِبادَةُ هَذِهِ الأصْنامِ أوْلى، لِأنَّ آباءَنا وأسْلافَنا كانُوا مُتَطابِقِينَ عَلَيْهِ، وأمّا مُحَمَّدٌ فَإنَّهُ مُتَّهَمٌ في أمْرِنا بِعِبادَتِهِ، فَكانَ الِاشْتِغالُ بِعِبادَةِ الأصْنامِ أوْلى، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنّا لَمْ نَقُلْ إنَّ الِاشْتِغالَ بِعِبادَةِ المَسِيحِ طَرِيقٌ حَسَنٌ، بَلْ هو كَلامٌ باطِلٌ، فَإنَّ عِيسى لَيْسَ إلّا عَبْدًا أنْعَمْنا عَلَيْهِ، فَإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَقَدْ زالَتْ شُبْهَتُهم في قَوْلِهِمْ: إنَّ مُحَمَّدًا يُرِيدُ أنْ يَأْمُرَنا بِعِبادَةِ نَفْسِهِ، فَهَذِهِ الوُجُوهُ الثَّلاثَةُ مِمّا يَحْتَمِلُ كُلُّ واحِدٍ مِنها لَفْظَ الآيَةِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ والكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ”يَصُدُّونَ“ بِضَمِّ الصّادِ، وهو قِراءَةُ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - والباقُونَ بِكَسْرِ الصّادِ وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ، واخْتَلَفُوا فَقالَ الكِسائِيُّ: هُما بِمَعْنًى، نَحْوَ يَعْرِشُونَ ويَعْرُشُونَ، ويَعْكِفُونَ، ويَعْكُفُونَ، ومِنهم مَن فَرَّقَ، أمّا القِراءَةُ بِالضَّمِّ فَمِنَ الصُّدُودِ، أيْ مِن أجْلِ هَذا المَثَلِ يَصُدُّونَ عَنِ الحَقِّ ويُعْرِضُونَ عَنْهُ، وأمّا بِالكَسْرِ فَمَعْناهُ يَضِجُّونَ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ: ”أآلِهَتُنا“ اسْتِفْهامًا بِهَمْزَتَيْنِ، الثّانِيَةُ مُطَوَّلَةٌ، والباقُونَ اسْتِفْهامًا بِهَمْزَةٍ ومَدَّةٍ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ما ضَرَبُوهُ لَكَ إلّا جَدَلًا﴾ أيْ ما ضَرَبُوا لَكَ هَذا المَثَلَ إلّا لِأجْلِ الجَدَلِ والغَلَبَةِ في القَوْلِ، لا لِطَلَبِ الفَرْقِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ ﴿بَلْ هم قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ مُبالِغُونَ في الخُصُومَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [الأنْبِياءِ: ٩٨] لا يَتَناوَلُ المَلائِكَةَ وعِيسى، وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ كَلِمَةَ ”ما“ لا تَتَناوَلُ العُقَلاءَ البَتَّةَ. والثّانِي: أنَّ كَلِمَةَ ”ما“ لَيْسَتْ صَرِيحَةً في الِاسْتِغْراقِ بِدَلِيلِ أنَّهُ يَصِحُّ إدْخالُ لَفْظَتَيِ الكُلِّ والبَعْضِ عَلَيْهِ، فَيُقالُ: إنَّكم وكُلَّ ما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ، أوْ إنَّكم وبَعْضَ ما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ. الثّالِثُ: أنَّ قَوْلَهُ: إنَّكم وكُلَّ ما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أوْ وبَعْضَ ما تَعْبُدُونَ - خِطابُ مُشافَهَةٍ، فَلَعَلَّهُ ما كانَ فِيهِمْ أحَدٌ يَعْبُدُ المَسِيحَ والمَلائِكَةَ. الرّابِعُ: أنَّ قَوْلَهُ ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ هَبْ أنَّهُ عامٌّ إلّا أنَّ النُّصُوصَ الدّالَّةَ عَلى تَعْظِيمِ المَلائِكَةِ وعِيسى أخَصُّ مِنهُ، والخاصُّ مُقَدَّمٌ عَلى العامِّ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: القائِلُونَ بِذَمِّ الجَدَلِ تَمَسَّكُوا بِهَذِهِ الآيَةِ إلّا أنّا قَدْ ذَكَرْنا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما يُجادِلُ في آياتِ اللَّهِ إلّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أنَّ الآياتِ الكَثِيرَةَ دالَّةٌ عَلى أنَّ الجَدَلَ مُوجِبٌ لِلْمَدْحِ والثَّناءِ، وطَرِيقُ التَّوْفِيقِ أنْ تُصْرَفَ تِلْكَ الآياتُ إلى الجَدَلِ الَّذِي يُفِيدُ تَقْرِيرَ الحَقِّ، وأنْ تُصْرَفَ هَذِهِ الآيَةُ إلى الجَدَلِ الَّذِي يُوجِبُ تَقْرِيرَ الباطِلِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنْ هو إلّا عَبْدٌ أنْعَمْنا عَلَيْهِ﴾ يَعْنِي: ما عِيسى إلّا عَبْدٌ كَسائِرِ العَبِيدِ، أنْعَمْنا عَلَيْهِ حَيْثُ جَعَلْناهُ آيَةً بِأنْ خَلَقْناهُ مِن غَيْرِ أبٍ كَما خَلَقْنا آدَمَ، وشَرَّفْناهُ بِالنُّبُوَّةِ وصَيَّرْناهُ عِبْرَةً عَجِيبَةً كالمَثَلِ السّائِرِ ﴿ولَوْ نَشاءُ﴾ صفحة ١٩١ ﴿لَجَعَلْنا مِنكُمْ﴾ لَوَلَّدْنا مِنكم يا رِجالُ ﴿مَلائِكَةً في الأرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ كَما يَخْلُفُكم أوْلادُكم؛ كَما ولَّدْنا عِيسى مِن أُنْثى مِن غَيْرِ فَحْلٍ؛ لِتَعْرِفُوا تَمَيُّزَنا بِالقُدْرَةِ الباهِرَةِ، ولِتَعْرِفُوا أنَّ دُخُولَ التَّوْلِيدِ والتَّوَلُّدِ في المَلائِكَةِ أمْرٌ مُمْكِنٌ، وذاتُ اللَّهِ مُتَعالِيَةٌ عَنْ ذَلِكَ (وأنَّهُ) أيْ عِيسى ﴿لَعِلْمٌ لِلسّاعَةِ﴾ شَرْطٌ مِن أشْراطِها تُعْلَمُ بِهِ، فَسُمِّيَ الشَّرْطُ الدّالُّ عَلى الشَّيْءِ عِلْمًا لِحُصُولِ العِلْمِ بِهِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: ”لَعَلَمٌ“ وهو العَلامَةُ، وقُرِئَ: ”لَلْعِلْمُ“ وقَرَأ أُبَيٌّ: ”لَذِكْرٌ“، وفي الحَدِيثِ: «أنَّ عِيسى يَنْزِلُ عَلى ثَنِيَّةٍ في الأرْضِ المُقَدَّسَةِ يُقالُ لَها أفِيقُ، وبِيَدِهِ حَرْبَةٌ، وبِها يَقْتُلُ الدَّجّالَ، فَيَأْتِي بِبَيْتِ المَقْدِسِ في صَلاةِ الصُّبْحِ والإمامُ يَؤُمُّ بِهِمْ فَيَتَأخَّرُ الإمامُ فَيُقَدِّمُهُ عِيسى ويُصَلِّي خَلْفَهُ عَلى شَرِيعَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ثُمَّ يَقْتُلُ الخَنازِيرَ ويَكْسِرُ الصَّلِيبَ ويُخَرِّبُ البِيَعَ والكَنائِسَ ويَقْتُلُ النَّصارى إلّا مَن آمَنَ بِهِ» ﴿فَلا تَمْتَرُنَّ بِها﴾ مِنَ المِرْيَةِ وهو الشَّكُّ ﴿واتَّبِعُونِ﴾ واتَّبِعُوا هُدايَ وشَرْعِي ﴿هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ أيْ هَذا الَّذِي أدْعُوكم إلَيْهِ صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ ﴿ولا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطانُ إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ قَدْ بانَتْ عَداواتُهُ لَكم لِأجْلِ أنَّهُ هو الَّذِي أخْرَجَ أباكم مِنَ الجَنَّةِ ونَزَعَ عَنْهُ لِباسَ النُّورِ.

الزخرف 43:49

قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا إلى فِرْعَوْنَ﴾ ﴿ومَلَئِهِ فَقالَ إنِّي رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿فَلَمّا جاءَهم بِآياتِنا إذا هم مِنها يَضْحَكُونَ﴾ ﴿وما نُرِيهِمْ مِن آيَةٍ إلّا هي أكْبَرُ مِن أُخْتِها وأخَذْناهم بِالعَذابِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ ﴿وقالُوا ياأيُّها السّاحِرُ ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ إنَّنا لَمُهْتَدُونَ﴾ ﴿فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُمُ العَذابَ إذا هم يَنْكُثُونَ﴾ ﴿ونادى فِرْعَوْنُ في قَوْمِهِ قالَ ياقَوْمِ ألَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وهَذِهِ الأنْهارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ ﴿أمْ أنا خَيْرٌ مِن هَذا الَّذِي هو مَهِينٌ ولا يَكادُ يُبِينُ﴾ ﴿فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أسْوِرَةٌ مِن ذَهَبٍ أوْ جاءَ مَعَهُ المَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾ ﴿فاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأطاعُوهُ إنَّهم كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ ﴿فَلَمّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنهم فَأغْرَقْناهم أجْمَعِينَ﴾ وفِي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن إعادَةِ قِصَّةِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وفِرْعَوْنَ في هَذا المَقامِ تَقْرِيرُ الكَلامِ الَّذِي تَقَدَّمَ، وذَلِكَ لِأنَّ كُفّارَ قُرَيْشٍ طَعَنُوا في نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ بِسَبَبِ كَوْنِهِ فَقِيرًا عَدِيمَ المالِ والجاهِ، فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بَعْدَ أنْ أوْرَدَ المُعْجِزاتِ القاهِرَةَ الباهِرَةَ الَّتِي لا يَشُكُّ في صِحَّتِها عاقِلٌ أوْرَدَ فِرْعَوْنُ عَلَيْهِ هَذِهِ الشُّبْهَةَ الَّتِي ذَكَرَها كُفّارُ قُرَيْشٍ، فَقالَ: إنِّي غَنِيٌّ كَثِيرُ المالِ والجاهِ، ألا تَرَوْنَ أنَّهُ حَصَلَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وهَذِهِ الأنْهارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي، وأمّا مُوسى فَإنَّهُ فَقِيرٌ مَهِينٌ ولَيْسَ لَهُ بَيانٌ ولِسانٌ، والرَّجُلُ الفَقِيرُ كَيْفَ يَكُونُ رَسُولًا مِن عِنْدِ اللَّهِ إلى المَلِكِ الكَبِيرِ الغَنِيِّ، فَثَبَتَ أنَّ هَذِهِ الشُّبْهَةَ الَّتِي ذَكَرَها كُفّارُ مَكَّةَ، وهي قَوْلُهم ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٣١] وقَدْ أوْرَدَها بِعَيْنِها فِرْعَوْنُ عَلى مُوسى، ثُمَّ إنّا انْتَقَمْنا مِنهم فَأغْرَقْناهم، والمَقْصُودُ مِن إيرادِ هَذِهِ القِصَّةِ - تَقْرِيرُ أمْرَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ الكُفّارَ والجُهّالَ أبَدًا يَحْتَجُّونَ عَلى الأنْبِياءِ بِهَذِهِ الشُّبْهَةِ الرَّكِيكَةِ فَلا يُبالى بِها ولا يُلْتَفَتُ إلَيْها. والثّانِي: أنَّ فِرْعَوْنَ عَلى غايَةِ كَمالِ حالِهِ في الدُّنْيا صارَ مَقْهُورًا باطِلًا، فَيَكُونُ الأمْرُ في حَقِّ أعْدائِكَ هَكَذا، فَثَبَتَ أنَّهُ لَيْسَ المَقْصُودُ مِن إعادَةِ هَذِهِ القِصَّةِ عَيْنَ هَذِهِ القِصَّةِ، بَلِ المَقْصُودُ تَقْرِيرُ الجَوابِ عَنِ الشُّبْهَةِ المَذْكُورَةِ، وعَلى هَذا صفحة ١٨٧ فَلا يَكُونُ هَذا تَقْرِيرًا لِلْقِصَّةِ البَتَّةَ، وهَذا مِن نَفائِسِ الأبْحاثِ، واللَّهُ أعْلَمُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ في تَفْسِيرِ الألْفاظِ: ذَكَرَ تَعالى أنَّهُ أرْسَلَ مُوسى بِآياتِهِ، وهي المُعْجِزاتُ الَّتِي كانَتْ مَعَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ، أيْ قَوْمِهِ، فَقالَ مُوسى: إنِّي رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ، فَلَمّا جاءَهم بِتِلْكَ الآياتِ إذا هم مِنها يَضْحَكُونَ، قِيلَ: إنَّهُ لَمّا ألْقى عَصاهُ صارَ ثُعْبانًا ثُمَّ أخَذَهُ فَعادَ عَصًا كَما كانَ - ضَحِكُوا، ولَمّا عَرَضَ عَلَيْهِمُ اليَدَ البَيْضاءَ ثُمَّ عادَتْ كَما كانَتْ - ضَحِكُوا، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ جازَ أنْ يُجابَ عَنْ ”لَمّا“ بِـ ”إذا“ الَّذِي يُفِيدُ المُفاجَأةَ ؟ قُلْنا: لِأنَّ فِعْلَ المُفاجَأةِ مَعَها مُقَدَّرٌ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: فَلَمّا جاءَهم بِآياتِنا فاجَئُوا وقْتَ ضَحِكِهِمْ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿وما نُرِيهِمْ مِن آيَةٍ إلّا هي أكْبَرُ مِن أُخْتِها﴾ فَإنْ قِيلَ: ظاهِرُ اللَّفْظِ يَقْتَضِي كَوْنَ كُلِّ واحِدٍ مِنها أفْضَلَ مِنَ التّالِي، وذَلِكَ مُحالٌ، قُلْنا: إذا أُرِيدَ المُبالَغَةُ في كَوْنِ كُلٍّ مِن تِلْكَ الأشْياءِ بالِغًا إلى أقْصى الدَّرَجاتِ في الفَضِيلَةِ، فَقَدْ يُذْكَرُ هَذا الكَلامُ بِمَعْنى أنَّهُ لا يَبْعُدُ في أُناسٍ يَنْظُرُونَ إلَيْها أنْ يَقُولَ هَذا: إنَّ هَذا أفْضَلُ مِنَ الثّانِي، وأنْ يَقُولَ الثّانِي: لا بَلِ الثّانِي أفْضَلُ، وأنْ يَقُولَ الثّالِثُ: لا بَلِ الثّالِثُ أفْضَلُ، وحِينَئِذٍ يَصِيرُ كُلُّ واحِدٍ مِن تِلْكَ الأشْياءِ مَقُولًا فِيهِ: إنَّهُ أفْضَلُ مِن غَيْرِهِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وأخَذْناهم بِالعَذابِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ أيْ عَنِ الكُفْرِ إلى الإيمانِ، قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى يُرِيدُ الإيمانَ مِنَ الكُلِّ وأنَّهُ إنَّما أظْهَرَ تِلْكَ المُعْجِزاتِ القاهِرَةَ لِإرادَةِ أنْ يَرْجِعُوا مِنَ الكُفْرِ إلى الإيمانِ، قالَ المُفَسِّرُونَ: ومَعْنى قَوْلِهِ ﴿وأخَذْناهم بِالعَذابِ﴾ أيْ بِالأشْياءِ الَّتِي سَلَّطَها عَلَيْها كالطُّوفانِ والجَرادِ والقُمَّلِ والضَّفادِعِ والدَّمِ والطَّمْسِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وقالُوا ياأيُّها السّاحِرُ ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ إنَّنا لَمُهْتَدُونَ﴾ فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ سَمَّوْهُ بِالسّاحِرِ مَعَ قَوْلِهِمْ ﴿إنَّنا لَمُهْتَدُونَ﴾ ؟ قُلْنا: فِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ لِلْعالِمِ الماهِرِ ساحِرٌ، لِأنَّهم كانُوا يَسْتَعْظِمُونَ السِّحْرَ، وكَما يُقالُ في زَمانِنا في العامِلِ العَجِيبِ الكامِلِ إنَّهُ أتى بِالسِّحْرِ. الثّانِي: ﴿ياأيُّها السّاحِرُ﴾ في زَعْمِ النّاسِ ومُتَعارَفِ قَوْمِ فِرْعَوْنَ كَقَوْلِهِ ﴿وقالُوا ياأيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحِجْرِ: ٦] أيْ نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ في اعْتِقادِهِ وزَعْمِهِ. الثّالِثُ: أنَّ قَوْلَهم ﴿إنَّنا لَمُهْتَدُونَ﴾ وقَدْ كانُوا عازِمِينَ عَلى خِلافِهِ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ ﴿فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُمُ العَذابَ إذا هم يَنْكُثُونَ﴾ فَتَسْمِيَتُهم إيّاهُ بِالسِّحْرِ لا يُنافِي قَوْلَهم ﴿إنَّنا لَمُهْتَدُونَ﴾ ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ لَمّا كَشَفَ عَنْهُمُ العَذابَ نَكَثُوا ذَلِكَ العَهْدَ. ولَمّا حَكى اللَّهُ تَعالى مُعامَلَةَ فِرْعَوْنَ مَعَ مُوسى، حَكى أيْضًا مُعامَلَةَ فِرْعَوْنَ مَعَهُ فَقالَ: ﴿ونادى فِرْعَوْنُ في قَوْمِهِ﴾ والمَعْنى أنَّهُ أظْهَرَ هَذا القَوْلَ، فَقالَ: ﴿ياقَوْمِ ألَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وهَذِهِ الأنْهارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي﴾ يَعْنِي الأنْهارَ الَّتِي فَصَلُوها مِنَ النِّيلِ، ومُعْظَمُها أرْبَعَةٌ: نَهْرُ المَلِكِ ونَهْرُ طُولُونَ ونَهْرُ دِمْياطَ ونَهْرُ تِنِّيسَ، قِيلَ: كانَتْ تَجْرِي تَحْتَ قَصْرِهِ، وحاصِلُ الأمْرِ أنَّهُ احْتَجَّ بِكَثْرَةِ أمْوالِهِ وقُوَّةِ جاهِهِ عَلى فَضِيلَةِ نَفْسِهِ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿أمْ أنا خَيْرٌ مِن هَذا الَّذِي هو مَهِينٌ ولا يَكادُ يُبِينُ﴾ وعَنى بِكَوْنِهِ مَهِينًا كَوْنَهُ فَقِيرًا ضَعِيفَ الحالِ، وبِقَوْلِهِ ﴿ولا يَكادُ يُبِينُ﴾ حَبْسَةً كانَتْ في لِسانِهِ، واخْتَلَفُوا في مَعْنى ”أمْ“ هَهُنا، فَقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَجازُها: بَلْ أنا خَيْرٌ، وعَلى هَذا فَقَدَ تَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ ثُمَّ ابْتَدَأ فَقالَ: ﴿أمْ أنا خَيْرٌ﴾ بِمَعْنى بَلْ أنا خَيْرٌ، وقالَ الباقُونَ: ”أمْ“ هَذِهِ مُتَّصِلَةٌ؛ لِأنَّ المَعْنى ﴿أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ أمْ تُبْصِرُونَ، إلّا أنَّهُ وضَعَ قَوْلَهُ ﴿أنا خَيْرٌ﴾ مَوْضِعَ ”تُبْصِرُونَ“، لِأنَّهم إذا قالُوا لَهُ: أنْتَ خَيْرٌ، فَهم عِنْدَهُ بُصَراءُ، وقالَ آخَرُونَ: إنَّ تَمامَ الكَلامِ عِنْدَ قَوْلِهِ ”أمْ“، وقَوْلُهُ صفحة ١٨٨ ﴿أنا خَيْرٌ﴾ ابْتِداءُ الكَلامِ، والتَّقْدِيرُ: ﴿أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ أمْ تُبْصِرُونَ، لَكِنَّهُ اكْتَفى فِيهِ بِذِكْرِ ”أمْ“ كَما تَقُولُ لِغَيْرِكَ: أتَأْكُلُ أمْ. أيْ: أتَأْكُلُ أمْ لا تَأْكُلُ، تَقْتَصِرُ عَلى ذِكْرِ كَلِمَةِ ”أمْ“ إيثارًا لِلِاخْتِصارِ، فَكَذا هَهُنا، فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - سَألَ اللَّهَ تَعالى أنْ يُزِيلَ الرَّتَّةَ عَنْ لِسانِهِ بِقَوْلِهِ ﴿واحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِسانِي﴾ ﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ [طه: ٢٧] فَأعْطاهُ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﴿قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يامُوسى﴾ فَكَيْفَ عابَهُ فِرْعَوْنُ بِتِلْكَ الرَّتَّةِ ؟ والجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ فِرْعَوْنَ أرادَ بِقَوْلِهِ ﴿ولا يَكادُ يُبِينُ﴾ حُجَّتَهُ الَّتِي تَدُلُّ عَلى صِدْقِهِ فِيما يَدَّعِي، ولَمْ يُرِدْ أنَّهُ لا قُدْرَةَ لَهُ عَلى الكَلامِ. والثّانِي: أنَّهُ عابَهُ بِما كانَ عَلَيْهِ أوَّلًا، وذَلِكَ أنَّ مُوسى كانَ عِنْدَ فِرْعَوْنَ زَمانًا طَوِيلًا وفي لِسانِهِ حَبْسَةٌ، فَنَسَبَهُ فِرْعَوْنُ إلى ما عَهِدَهُ عَلَيْهِ مِنَ الرَّتَّةِ لِأنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى أزالَ ذَلِكَ العَيْبَ عَنْهُ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أسْوِرَةٌ مِن ذَهَبٍ﴾ والمُرادُ أنَّ عادَةَ القَوْمِ جَرَتْ بِأنَّهم إذا جَعَلُوا واحِدًا مِنهم رَئِيسًا لَهم سَوَّرُوهُ بِسِوارٍ مَن ذَهَبٍ وطَوَّقُوهُ بِطَوْقٍ مِن ذَهَبٍ، فَطَلَبَ فِرْعَوْنُ مِن مُوسى مِثْلَ هَذِهِ الحالَةِ، واخْتَلَفَ القُرّاءُ في ”أسْوِرَةٌ“، فَبَعْضُهم قَرَأ: ”أسْوِرَةٌ“، وآخَرُونَ: ”أساوِرَةٌ“، فَأسْوِرَةٌ جَمْعُ سِوارٍ لِأدْنى العَدَدِ، كَقَوْلِكَ حِمارٌ وأحْمِرَةٌ وغُرابٌ وأغْرِبَةٌ، ومَن قَرَأ ”أساوِرَةٌ“ فَذاكَ لِأنَّ أساوِيرَ جَمْعُ أسْوارٍ، وهو السُّوارُ، فَأساوِرَةٌ تَكُونُ الهاءُ عِوَضًا عَنِ الياءِ، نَحْوَ بِطْرِيقٍ وبَطارِقَةٍ وزِنْدِيقٍ وزَنادِقَةٍ وفِرْزِينٍ وفَرازِنَةٍ، فَتَكُونُ أساوِرَةٌ جَمْعَ أسْوارٍ، وحاصِلُ الكَلامِ يَرْجِعُ إلى حَرْفٍ واحِدٍ، وهو أنَّ فِرْعَوْنَ كانَ يَقُولُ أنا أكْثَرُ مالًا وجاهًا، فَوَجَبَ أنْ أكُونَ أفْضَلَ مِنهُ، فَيَمْتَنِعُ كَوْنُهُ رَسُولًا مِنَ اللَّهِ، لِأنَّ مَنصِبَ النُّبُوَّةِ يَقْتَضِي المَخْدُومِيَّةَ، والأخَسُّ لا يَكُونُ مَخْدُومًا لِلْأشْرَفِ، ثُمَّ المُقَدِّمَةُ الفاسِدَةُ هي قَوْلُهُ: مَن كانَ أكْثَرَ مالًا وجاهًا فَهو أفْضَلُ، وهي عَيْنُ المُقَدِّمَةِ الَّتِي تَمَسَّكَ بِها كُفّارُ قُرَيْشٍ في قَوْلِهِمْ ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿أوْ جاءَ مَعَهُ المَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مُقْرِنِينَ بِهِ، مِن قَوْلِكَ: قَرَنْتُهُ بِهِ فاقْتَرَنَ، وأنْ يَكُونَ مِن قَوْلِهِمُ: اقْتَرَنُوا بِمَعْنى تَقارَنُوا، قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ يَمْشُونَ مَعَهُ فَيَدُلُّونَ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأطاعُوهُ﴾ أيْ طَلَبَ مِنهُمُ الخِفَّةَ في الإتْيانِ بِما كانَ يَأْمُرُهم بِهِ فَأطاعُوهُ ﴿إنَّهم كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ حَيْثُ أطاعُوا ذَلِكَ الجاهِلَ الفاسِقَ ﴿فَلَمّا آسَفُونا﴾ أغْضَبُونا، حُكِيَ أنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ غَضِبَ في شَيْءٍ، فَقِيلَ لَهُ: أتَغْضَبُ يا أبا خالِدٍ ؟ فَقالَ: قَدْ غَضِبَ الَّذِي خَلَقَ الأحْلامَ، إنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿فَلَمّا آسَفُونا﴾ أيْ أغْضَبُونا. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿انْتَقَمْنا مِنهُمْ﴾ واعْلَمْ أنَّ ذِكْرَ لَفْظِ الأسَفِ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى مُحالٌ، وذِكْرُ لَفْظِ الِانْتِقامِ وكُلِّ واحِدٍ مِنهُما مِنَ المُتَشابِهاتِ الَّتِي يَجِبُ أنْ يُصارَ فِيها إلى التَّأْوِيلِ، ومَعْنى الغَضَبِ في حَقِّ اللَّهِ إرادَةُ العِقابِ، ومَعْنى الِانْتِقامِ إرادَةُ العِقابِ لِجُرْمٍ سابِقٍ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَجَعَلْناهم سَلَفًا ومَثَلًا﴾ السَّلَفُ كُلُّ شَيْءٍ قَدَّمْتَهُ مِن عَمَلٍ صالِحٍ أوْ قَرْضٍ فَهو سَلَفٌ، والسَّلَفُ أيْضًا مَن تَقَدَّمَ مِن آبائِكَ وأقارِبِكَ، واحِدُهم سالِفٌ، ومِنهُ قَوْلُ طُفَيْلٍ يَرْثِي قَوْمَهُ: مَضَوْا سَلَفًا قَصْدَ السَّبِيلِ عَلَيْهِمُ وصَرْفُ المَنايا بِالرِّجالِ تُقَلَّبُ فَعَلى هَذا قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: يَقُولُ: جَعَلْناهم مُتَقَدِّمِينَ لِيَتَّعِظَ بِهِمُ الآخَرُونَ، أيْ: جَعَلْناهم سَلَفًا لِكُفّارِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ. وأكْثَرُ القُرّاءِ قَرَءُوا بِالفَتْحِ، وهو جَمْعُ سالِفٍ كَما ذَكَرْناهُ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: ”سُلَفًا“ صفحة ١٨٩ بِالضَّمِّ، وهو جَمْعُ سَلَفٍ، قالَ اللَّيْثُ: يُقالُ سَلُفَ - بِضَمِّ اللّامِ - يَسْلُفُ سُلُوفًا، فَهو سُلُفٌ، أيْ: مُتَقَدِّمٌ، وقَوْلُهُ ﴿ومَثَلًا لِلْآخِرِينَ﴾ يُرِيدُ عِظَةً لِمَن بَقِيَ بَعْدَهم وآيَةً وعِبْرَةً، قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: المَثَلُ واحِدٌ يُرادُ بِهِ الجَمْعَ، ومِن ثَمَّ عُطِفَ عَلى سَلَفٍ، والدَّلِيلُ عَلى وُقُوعِهِ عَلى أكْثَرَ مِن واحِدٍ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ ومَن رَزَقْناهُ﴾ [النَّحْلِ: ٧٥] فَأدْخَلَ تَحْتَ المَثَلِ شَيْئَيْنِ، واللَّهُ أعْلَمُ. * * قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولَمّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إذا قَوْمُكَ مِنهُ يَصِدُّونَ﴾ ﴿وقالُوا أآلِهَتُنا خَيْرٌ أمْ هو ما ضَرَبُوهُ لَكَ إلّا جَدَلًا بَلْ هم قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ ﴿إنْ هو إلّا عَبْدٌ أنْعَمْنا عَلَيْهِ وجَعَلْناهُ مَثَلًا لِبَنِي إسْرائِيلَ﴾ ﴿ولَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنكم مَلائِكَةً في الأرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ ﴿وإنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِها واتَّبِعُونِ هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ ﴿ولا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطانُ إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ ٥٠ في الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أنْواعًا كَثِيرَةً مَن كُفْرِيّاتِهِمْ في هَذِهِ السُّورَةِ، وأجابَ عَنْها بِالوُجُوهِ الكَثِيرَةِ: فَأوَّلُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلُوا لَهُ مِن عِبادِهِ جُزْءًا﴾ . وثانِيها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا﴾ . وثالِثُها: قَوْلُهُ ﴿وقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ ما عَبَدْناهُمْ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٢٠] . ورابِعُها: قَوْلُهُ ﴿وقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٣١] . وخامِسُها: هَذِهِ الآيَةُ الَّتِي نَحْنُ الآنَ في تَفْسِيرِها، ولَفْظُ الآيَةِ لا يَدُلُّ إلّا عَلى أنَّهُ لَمّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا أخَذَ القَوْمُ يَضِجُّونَ ويَرْفَعُونَ أصْواتَهم، فَأمّا أنَّ ذَلِكَ المَثَلَ كَيْفَ كانَ، وفي أيِّ شَيْءٍ كانَ، فاللَّفْظُ لا يَدُلُّ عَلَيْهِ، والمُفَسِّرُونَ ذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا، كُلُّها مُحْتَمَلَةٌ: فالأوَّلُ: أنَّ الكُفّارَ لَمّا سَمِعُوا أنَّ النَّصارى يَعْبُدُونَ عِيسى، قالُوا: إذا عَبَدُوا عِيسى فَآلِهَتُنا خَيْرٌ مِن عِيسى، وإنَّما قالُوا ذَلِكَ لِأنَّهم كانُوا يَعْبُدُونَ المَلائِكَةَ. الثّانِي: رُوِيَ أنَّهُ «لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنْبِياءِ: ٩٨] قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزِّبَعْرى: هَذا خاصَّةٌ لَنا ولِآلِهَتِنا أمْ لِجَمِيعِ الأُمَمِ ؟ فَقالَ ﷺ: بَلْ لِجَمِيعِ الأُمَمِ فَقالَ: خَصَمْتُكَ ورَبِّ الكَعْبَةِ، ألَسْتَ تَزْعُمُ أنَّ عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ نَبِيٌّ وتُثْنِي عَلَيْهِ خَيْرًا وعَلى أُمِّهِ، وقَدْ عَلِمْتُ أنَّ النَّصارى يَعْبُدُونَهُما واليَهُودَ يَعْبُدُونَ عُزَيْرًا، والمَلائِكَةُ يُعْبَدُونَ، فَإذا كانَ هَؤُلاءِ في النّارِ فَقَدْ رَضِينا أنْ نَكُونَ نَحْنُ وآلِهَتُنا مَعَهم، فَسَكَتَ النَّبِيُّ ﷺ وفَرِحَ القَوْمُ وضَحِكُوا وضَجُّوا، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى أُولَئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ»﴾ [الأنْبِياءِ: ١٠١] ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ أيْضًا، والمَعْنى: ولَمّا ضَرَبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزِّبَعْرى عِيسى ﴿ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا﴾ وجادَلَ رَسُولَ اللَّهِ بِعِبادَةِ النَّصارى إيّاهُ صفحة ١٩٠ ﴿إذا قَوْمُكَ﴾ قُرَيْشٌ (مِنهَ) أيْ مِن هَذا المَثَلِ ﴿يَصِدُّونَ﴾ أيْ يَرْتَفِعُ لَهم ضَجِيجٌ وجَلَبَةٌ فَرَحًا وجَدَلًا وضَحِكًا بِسَبَبِ ما رَأوْا مِن إسْكاتِ رَسُولِ اللَّهِ، فَإنَّهُ قَدْ جَرَتِ العادَةُ بِأنَّ أحَدَ الخَصْمَيْنِ إذا انْقَطَعَ أظْهَرَ الخَصْمُ الثّانِي الفَرَحَ والضَّجِيجَ، ﴿وقالُوا أآلِهَتُنا خَيْرٌ أمْ هُوَ﴾ يَعْنُونَ أنَّ آلِهَتَنا عِنْدَكَ لَيْسَتْ خَيْرًا مِن عِيسى، فَإذا كانَ عِيسى مِن حَصَبِ جَهَنَّمَ كانَ أمْرُ آلِهَتِنا أهْوَنَ. الوَجْهُ الثّالِثُ في التَّأْوِيلِ: وهو أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا حَكى أنَّ النَّصارى عَبَدُوا المَسِيحَ وجَعَلُوهُ إلَهًا لِأنْفُسِهِمْ، قالَ كُفّارُ مَكَّةَ: إنَّ مُحَمَّدًا يُرِيدُ أنْ يَجْعَلَ لَنا إلَهًا كَما جَعَلَ النَّصارى المَسِيحَ إلَهًا لِأنْفُسِهِمْ، ثُمَّ عِنْدَ هَذا قالُوا ﴿أآلِهَتُنا خَيْرٌ أمْ هُوَ﴾ يَعْنِي أآلِهَتُنا خَيْرٌ أمْ مُحَمَّدٌ، وذَكَرُوا ذَلِكَ لِأجْلِ أنَّهم قالُوا: إنَّ مُحَمَّدًا يَدْعُونا إلى عِبادَةِ نَفْسِهِ، وآباؤُنا زَعَمُوا أنَّهُ يَجِبُ عِبادَةُ هَذِهِ الأصْنامِ، وإذا كانَ لا بُدَّ مِن أحَدِ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ فَعِبادَةُ هَذِهِ الأصْنامِ أوْلى، لِأنَّ آباءَنا وأسْلافَنا كانُوا مُتَطابِقِينَ عَلَيْهِ، وأمّا مُحَمَّدٌ فَإنَّهُ مُتَّهَمٌ في أمْرِنا بِعِبادَتِهِ، فَكانَ الِاشْتِغالُ بِعِبادَةِ الأصْنامِ أوْلى، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنّا لَمْ نَقُلْ إنَّ الِاشْتِغالَ بِعِبادَةِ المَسِيحِ طَرِيقٌ حَسَنٌ، بَلْ هو كَلامٌ باطِلٌ، فَإنَّ عِيسى لَيْسَ إلّا عَبْدًا أنْعَمْنا عَلَيْهِ، فَإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَقَدْ زالَتْ شُبْهَتُهم في قَوْلِهِمْ: إنَّ مُحَمَّدًا يُرِيدُ أنْ يَأْمُرَنا بِعِبادَةِ نَفْسِهِ، فَهَذِهِ الوُجُوهُ الثَّلاثَةُ مِمّا يَحْتَمِلُ كُلُّ واحِدٍ مِنها لَفْظَ الآيَةِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ والكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ”يَصُدُّونَ“ بِضَمِّ الصّادِ، وهو قِراءَةُ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - والباقُونَ بِكَسْرِ الصّادِ وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ، واخْتَلَفُوا فَقالَ الكِسائِيُّ: هُما بِمَعْنًى، نَحْوَ يَعْرِشُونَ ويَعْرُشُونَ، ويَعْكِفُونَ، ويَعْكُفُونَ، ومِنهم مَن فَرَّقَ، أمّا القِراءَةُ بِالضَّمِّ فَمِنَ الصُّدُودِ، أيْ مِن أجْلِ هَذا المَثَلِ يَصُدُّونَ عَنِ الحَقِّ ويُعْرِضُونَ عَنْهُ، وأمّا بِالكَسْرِ فَمَعْناهُ يَضِجُّونَ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ: ”أآلِهَتُنا“ اسْتِفْهامًا بِهَمْزَتَيْنِ، الثّانِيَةُ مُطَوَّلَةٌ، والباقُونَ اسْتِفْهامًا بِهَمْزَةٍ ومَدَّةٍ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ما ضَرَبُوهُ لَكَ إلّا جَدَلًا﴾ أيْ ما ضَرَبُوا لَكَ هَذا المَثَلَ إلّا لِأجْلِ الجَدَلِ والغَلَبَةِ في القَوْلِ، لا لِطَلَبِ الفَرْقِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ ﴿بَلْ هم قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ مُبالِغُونَ في الخُصُومَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [الأنْبِياءِ: ٩٨] لا يَتَناوَلُ المَلائِكَةَ وعِيسى، وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ كَلِمَةَ ”ما“ لا تَتَناوَلُ العُقَلاءَ البَتَّةَ. والثّانِي: أنَّ كَلِمَةَ ”ما“ لَيْسَتْ صَرِيحَةً في الِاسْتِغْراقِ بِدَلِيلِ أنَّهُ يَصِحُّ إدْخالُ لَفْظَتَيِ الكُلِّ والبَعْضِ عَلَيْهِ، فَيُقالُ: إنَّكم وكُلَّ ما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ، أوْ إنَّكم وبَعْضَ ما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ. الثّالِثُ: أنَّ قَوْلَهُ: إنَّكم وكُلَّ ما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أوْ وبَعْضَ ما تَعْبُدُونَ - خِطابُ مُشافَهَةٍ، فَلَعَلَّهُ ما كانَ فِيهِمْ أحَدٌ يَعْبُدُ المَسِيحَ والمَلائِكَةَ. الرّابِعُ: أنَّ قَوْلَهُ ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ هَبْ أنَّهُ عامٌّ إلّا أنَّ النُّصُوصَ الدّالَّةَ عَلى تَعْظِيمِ المَلائِكَةِ وعِيسى أخَصُّ مِنهُ، والخاصُّ مُقَدَّمٌ عَلى العامِّ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: القائِلُونَ بِذَمِّ الجَدَلِ تَمَسَّكُوا بِهَذِهِ الآيَةِ إلّا أنّا قَدْ ذَكَرْنا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما يُجادِلُ في آياتِ اللَّهِ إلّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أنَّ الآياتِ الكَثِيرَةَ دالَّةٌ عَلى أنَّ الجَدَلَ مُوجِبٌ لِلْمَدْحِ والثَّناءِ، وطَرِيقُ التَّوْفِيقِ أنْ تُصْرَفَ تِلْكَ الآياتُ إلى الجَدَلِ الَّذِي يُفِيدُ تَقْرِيرَ الحَقِّ، وأنْ تُصْرَفَ هَذِهِ الآيَةُ إلى الجَدَلِ الَّذِي يُوجِبُ تَقْرِيرَ الباطِلِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنْ هو إلّا عَبْدٌ أنْعَمْنا عَلَيْهِ﴾ يَعْنِي: ما عِيسى إلّا عَبْدٌ كَسائِرِ العَبِيدِ، أنْعَمْنا عَلَيْهِ حَيْثُ جَعَلْناهُ آيَةً بِأنْ خَلَقْناهُ مِن غَيْرِ أبٍ كَما خَلَقْنا آدَمَ، وشَرَّفْناهُ بِالنُّبُوَّةِ وصَيَّرْناهُ عِبْرَةً عَجِيبَةً كالمَثَلِ السّائِرِ ﴿ولَوْ نَشاءُ﴾ صفحة ١٩١ ﴿لَجَعَلْنا مِنكُمْ﴾ لَوَلَّدْنا مِنكم يا رِجالُ ﴿مَلائِكَةً في الأرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ كَما يَخْلُفُكم أوْلادُكم؛ كَما ولَّدْنا عِيسى مِن أُنْثى مِن غَيْرِ فَحْلٍ؛ لِتَعْرِفُوا تَمَيُّزَنا بِالقُدْرَةِ الباهِرَةِ، ولِتَعْرِفُوا أنَّ دُخُولَ التَّوْلِيدِ والتَّوَلُّدِ في المَلائِكَةِ أمْرٌ مُمْكِنٌ، وذاتُ اللَّهِ مُتَعالِيَةٌ عَنْ ذَلِكَ (وأنَّهُ) أيْ عِيسى ﴿لَعِلْمٌ لِلسّاعَةِ﴾ شَرْطٌ مِن أشْراطِها تُعْلَمُ بِهِ، فَسُمِّيَ الشَّرْطُ الدّالُّ عَلى الشَّيْءِ عِلْمًا لِحُصُولِ العِلْمِ بِهِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: ”لَعَلَمٌ“ وهو العَلامَةُ، وقُرِئَ: ”لَلْعِلْمُ“ وقَرَأ أُبَيٌّ: ”لَذِكْرٌ“، وفي الحَدِيثِ: «أنَّ عِيسى يَنْزِلُ عَلى ثَنِيَّةٍ في الأرْضِ المُقَدَّسَةِ يُقالُ لَها أفِيقُ، وبِيَدِهِ حَرْبَةٌ، وبِها يَقْتُلُ الدَّجّالَ، فَيَأْتِي بِبَيْتِ المَقْدِسِ في صَلاةِ الصُّبْحِ والإمامُ يَؤُمُّ بِهِمْ فَيَتَأخَّرُ الإمامُ فَيُقَدِّمُهُ عِيسى ويُصَلِّي خَلْفَهُ عَلى شَرِيعَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ثُمَّ يَقْتُلُ الخَنازِيرَ ويَكْسِرُ الصَّلِيبَ ويُخَرِّبُ البِيَعَ والكَنائِسَ ويَقْتُلُ النَّصارى إلّا مَن آمَنَ بِهِ» ﴿فَلا تَمْتَرُنَّ بِها﴾ مِنَ المِرْيَةِ وهو الشَّكُّ ﴿واتَّبِعُونِ﴾ واتَّبِعُوا هُدايَ وشَرْعِي ﴿هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ أيْ هَذا الَّذِي أدْعُوكم إلَيْهِ صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ ﴿ولا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطانُ إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ قَدْ بانَتْ عَداواتُهُ لَكم لِأجْلِ أنَّهُ هو الَّذِي أخْرَجَ أباكم مِنَ الجَنَّةِ ونَزَعَ عَنْهُ لِباسَ النُّورِ.

الزخرف 43:50

قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا إلى فِرْعَوْنَ﴾ ﴿ومَلَئِهِ فَقالَ إنِّي رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿فَلَمّا جاءَهم بِآياتِنا إذا هم مِنها يَضْحَكُونَ﴾ ﴿وما نُرِيهِمْ مِن آيَةٍ إلّا هي أكْبَرُ مِن أُخْتِها وأخَذْناهم بِالعَذابِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ ﴿وقالُوا ياأيُّها السّاحِرُ ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ إنَّنا لَمُهْتَدُونَ﴾ ﴿فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُمُ العَذابَ إذا هم يَنْكُثُونَ﴾ ﴿ونادى فِرْعَوْنُ في قَوْمِهِ قالَ ياقَوْمِ ألَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وهَذِهِ الأنْهارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ ﴿أمْ أنا خَيْرٌ مِن هَذا الَّذِي هو مَهِينٌ ولا يَكادُ يُبِينُ﴾ ﴿فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أسْوِرَةٌ مِن ذَهَبٍ أوْ جاءَ مَعَهُ المَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾ ﴿فاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأطاعُوهُ إنَّهم كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ ﴿فَلَمّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنهم فَأغْرَقْناهم أجْمَعِينَ﴾ وفِي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن إعادَةِ قِصَّةِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وفِرْعَوْنَ في هَذا المَقامِ تَقْرِيرُ الكَلامِ الَّذِي تَقَدَّمَ، وذَلِكَ لِأنَّ كُفّارَ قُرَيْشٍ طَعَنُوا في نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ بِسَبَبِ كَوْنِهِ فَقِيرًا عَدِيمَ المالِ والجاهِ، فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بَعْدَ أنْ أوْرَدَ المُعْجِزاتِ القاهِرَةَ الباهِرَةَ الَّتِي لا يَشُكُّ في صِحَّتِها عاقِلٌ أوْرَدَ فِرْعَوْنُ عَلَيْهِ هَذِهِ الشُّبْهَةَ الَّتِي ذَكَرَها كُفّارُ قُرَيْشٍ، فَقالَ: إنِّي غَنِيٌّ كَثِيرُ المالِ والجاهِ، ألا تَرَوْنَ أنَّهُ حَصَلَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وهَذِهِ الأنْهارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي، وأمّا مُوسى فَإنَّهُ فَقِيرٌ مَهِينٌ ولَيْسَ لَهُ بَيانٌ ولِسانٌ، والرَّجُلُ الفَقِيرُ كَيْفَ يَكُونُ رَسُولًا مِن عِنْدِ اللَّهِ إلى المَلِكِ الكَبِيرِ الغَنِيِّ، فَثَبَتَ أنَّ هَذِهِ الشُّبْهَةَ الَّتِي ذَكَرَها كُفّارُ مَكَّةَ، وهي قَوْلُهم ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٣١] وقَدْ أوْرَدَها بِعَيْنِها فِرْعَوْنُ عَلى مُوسى، ثُمَّ إنّا انْتَقَمْنا مِنهم فَأغْرَقْناهم، والمَقْصُودُ مِن إيرادِ هَذِهِ القِصَّةِ - تَقْرِيرُ أمْرَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ الكُفّارَ والجُهّالَ أبَدًا يَحْتَجُّونَ عَلى الأنْبِياءِ بِهَذِهِ الشُّبْهَةِ الرَّكِيكَةِ فَلا يُبالى بِها ولا يُلْتَفَتُ إلَيْها. والثّانِي: أنَّ فِرْعَوْنَ عَلى غايَةِ كَمالِ حالِهِ في الدُّنْيا صارَ مَقْهُورًا باطِلًا، فَيَكُونُ الأمْرُ في حَقِّ أعْدائِكَ هَكَذا، فَثَبَتَ أنَّهُ لَيْسَ المَقْصُودُ مِن إعادَةِ هَذِهِ القِصَّةِ عَيْنَ هَذِهِ القِصَّةِ، بَلِ المَقْصُودُ تَقْرِيرُ الجَوابِ عَنِ الشُّبْهَةِ المَذْكُورَةِ، وعَلى هَذا صفحة ١٨٧ فَلا يَكُونُ هَذا تَقْرِيرًا لِلْقِصَّةِ البَتَّةَ، وهَذا مِن نَفائِسِ الأبْحاثِ، واللَّهُ أعْلَمُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ في تَفْسِيرِ الألْفاظِ: ذَكَرَ تَعالى أنَّهُ أرْسَلَ مُوسى بِآياتِهِ، وهي المُعْجِزاتُ الَّتِي كانَتْ مَعَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ، أيْ قَوْمِهِ، فَقالَ مُوسى: إنِّي رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ، فَلَمّا جاءَهم بِتِلْكَ الآياتِ إذا هم مِنها يَضْحَكُونَ، قِيلَ: إنَّهُ لَمّا ألْقى عَصاهُ صارَ ثُعْبانًا ثُمَّ أخَذَهُ فَعادَ عَصًا كَما كانَ - ضَحِكُوا، ولَمّا عَرَضَ عَلَيْهِمُ اليَدَ البَيْضاءَ ثُمَّ عادَتْ كَما كانَتْ - ضَحِكُوا، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ جازَ أنْ يُجابَ عَنْ ”لَمّا“ بِـ ”إذا“ الَّذِي يُفِيدُ المُفاجَأةَ ؟ قُلْنا: لِأنَّ فِعْلَ المُفاجَأةِ مَعَها مُقَدَّرٌ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: فَلَمّا جاءَهم بِآياتِنا فاجَئُوا وقْتَ ضَحِكِهِمْ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿وما نُرِيهِمْ مِن آيَةٍ إلّا هي أكْبَرُ مِن أُخْتِها﴾ فَإنْ قِيلَ: ظاهِرُ اللَّفْظِ يَقْتَضِي كَوْنَ كُلِّ واحِدٍ مِنها أفْضَلَ مِنَ التّالِي، وذَلِكَ مُحالٌ، قُلْنا: إذا أُرِيدَ المُبالَغَةُ في كَوْنِ كُلٍّ مِن تِلْكَ الأشْياءِ بالِغًا إلى أقْصى الدَّرَجاتِ في الفَضِيلَةِ، فَقَدْ يُذْكَرُ هَذا الكَلامُ بِمَعْنى أنَّهُ لا يَبْعُدُ في أُناسٍ يَنْظُرُونَ إلَيْها أنْ يَقُولَ هَذا: إنَّ هَذا أفْضَلُ مِنَ الثّانِي، وأنْ يَقُولَ الثّانِي: لا بَلِ الثّانِي أفْضَلُ، وأنْ يَقُولَ الثّالِثُ: لا بَلِ الثّالِثُ أفْضَلُ، وحِينَئِذٍ يَصِيرُ كُلُّ واحِدٍ مِن تِلْكَ الأشْياءِ مَقُولًا فِيهِ: إنَّهُ أفْضَلُ مِن غَيْرِهِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وأخَذْناهم بِالعَذابِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ أيْ عَنِ الكُفْرِ إلى الإيمانِ، قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى يُرِيدُ الإيمانَ مِنَ الكُلِّ وأنَّهُ إنَّما أظْهَرَ تِلْكَ المُعْجِزاتِ القاهِرَةَ لِإرادَةِ أنْ يَرْجِعُوا مِنَ الكُفْرِ إلى الإيمانِ، قالَ المُفَسِّرُونَ: ومَعْنى قَوْلِهِ ﴿وأخَذْناهم بِالعَذابِ﴾ أيْ بِالأشْياءِ الَّتِي سَلَّطَها عَلَيْها كالطُّوفانِ والجَرادِ والقُمَّلِ والضَّفادِعِ والدَّمِ والطَّمْسِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وقالُوا ياأيُّها السّاحِرُ ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ إنَّنا لَمُهْتَدُونَ﴾ فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ سَمَّوْهُ بِالسّاحِرِ مَعَ قَوْلِهِمْ ﴿إنَّنا لَمُهْتَدُونَ﴾ ؟ قُلْنا: فِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ لِلْعالِمِ الماهِرِ ساحِرٌ، لِأنَّهم كانُوا يَسْتَعْظِمُونَ السِّحْرَ، وكَما يُقالُ في زَمانِنا في العامِلِ العَجِيبِ الكامِلِ إنَّهُ أتى بِالسِّحْرِ. الثّانِي: ﴿ياأيُّها السّاحِرُ﴾ في زَعْمِ النّاسِ ومُتَعارَفِ قَوْمِ فِرْعَوْنَ كَقَوْلِهِ ﴿وقالُوا ياأيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحِجْرِ: ٦] أيْ نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ في اعْتِقادِهِ وزَعْمِهِ. الثّالِثُ: أنَّ قَوْلَهم ﴿إنَّنا لَمُهْتَدُونَ﴾ وقَدْ كانُوا عازِمِينَ عَلى خِلافِهِ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ ﴿فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُمُ العَذابَ إذا هم يَنْكُثُونَ﴾ فَتَسْمِيَتُهم إيّاهُ بِالسِّحْرِ لا يُنافِي قَوْلَهم ﴿إنَّنا لَمُهْتَدُونَ﴾ ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ لَمّا كَشَفَ عَنْهُمُ العَذابَ نَكَثُوا ذَلِكَ العَهْدَ. ولَمّا حَكى اللَّهُ تَعالى مُعامَلَةَ فِرْعَوْنَ مَعَ مُوسى، حَكى أيْضًا مُعامَلَةَ فِرْعَوْنَ مَعَهُ فَقالَ: ﴿ونادى فِرْعَوْنُ في قَوْمِهِ﴾ والمَعْنى أنَّهُ أظْهَرَ هَذا القَوْلَ، فَقالَ: ﴿ياقَوْمِ ألَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وهَذِهِ الأنْهارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي﴾ يَعْنِي الأنْهارَ الَّتِي فَصَلُوها مِنَ النِّيلِ، ومُعْظَمُها أرْبَعَةٌ: نَهْرُ المَلِكِ ونَهْرُ طُولُونَ ونَهْرُ دِمْياطَ ونَهْرُ تِنِّيسَ، قِيلَ: كانَتْ تَجْرِي تَحْتَ قَصْرِهِ، وحاصِلُ الأمْرِ أنَّهُ احْتَجَّ بِكَثْرَةِ أمْوالِهِ وقُوَّةِ جاهِهِ عَلى فَضِيلَةِ نَفْسِهِ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿أمْ أنا خَيْرٌ مِن هَذا الَّذِي هو مَهِينٌ ولا يَكادُ يُبِينُ﴾ وعَنى بِكَوْنِهِ مَهِينًا كَوْنَهُ فَقِيرًا ضَعِيفَ الحالِ، وبِقَوْلِهِ ﴿ولا يَكادُ يُبِينُ﴾ حَبْسَةً كانَتْ في لِسانِهِ، واخْتَلَفُوا في مَعْنى ”أمْ“ هَهُنا، فَقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَجازُها: بَلْ أنا خَيْرٌ، وعَلى هَذا فَقَدَ تَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ ثُمَّ ابْتَدَأ فَقالَ: ﴿أمْ أنا خَيْرٌ﴾ بِمَعْنى بَلْ أنا خَيْرٌ، وقالَ الباقُونَ: ”أمْ“ هَذِهِ مُتَّصِلَةٌ؛ لِأنَّ المَعْنى ﴿أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ أمْ تُبْصِرُونَ، إلّا أنَّهُ وضَعَ قَوْلَهُ ﴿أنا خَيْرٌ﴾ مَوْضِعَ ”تُبْصِرُونَ“، لِأنَّهم إذا قالُوا لَهُ: أنْتَ خَيْرٌ، فَهم عِنْدَهُ بُصَراءُ، وقالَ آخَرُونَ: إنَّ تَمامَ الكَلامِ عِنْدَ قَوْلِهِ ”أمْ“، وقَوْلُهُ صفحة ١٨٨ ﴿أنا خَيْرٌ﴾ ابْتِداءُ الكَلامِ، والتَّقْدِيرُ: ﴿أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ أمْ تُبْصِرُونَ، لَكِنَّهُ اكْتَفى فِيهِ بِذِكْرِ ”أمْ“ كَما تَقُولُ لِغَيْرِكَ: أتَأْكُلُ أمْ. أيْ: أتَأْكُلُ أمْ لا تَأْكُلُ، تَقْتَصِرُ عَلى ذِكْرِ كَلِمَةِ ”أمْ“ إيثارًا لِلِاخْتِصارِ، فَكَذا هَهُنا، فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - سَألَ اللَّهَ تَعالى أنْ يُزِيلَ الرَّتَّةَ عَنْ لِسانِهِ بِقَوْلِهِ ﴿واحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِسانِي﴾ ﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ [طه: ٢٧] فَأعْطاهُ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﴿قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يامُوسى﴾ فَكَيْفَ عابَهُ فِرْعَوْنُ بِتِلْكَ الرَّتَّةِ ؟ والجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ فِرْعَوْنَ أرادَ بِقَوْلِهِ ﴿ولا يَكادُ يُبِينُ﴾ حُجَّتَهُ الَّتِي تَدُلُّ عَلى صِدْقِهِ فِيما يَدَّعِي، ولَمْ يُرِدْ أنَّهُ لا قُدْرَةَ لَهُ عَلى الكَلامِ. والثّانِي: أنَّهُ عابَهُ بِما كانَ عَلَيْهِ أوَّلًا، وذَلِكَ أنَّ مُوسى كانَ عِنْدَ فِرْعَوْنَ زَمانًا طَوِيلًا وفي لِسانِهِ حَبْسَةٌ، فَنَسَبَهُ فِرْعَوْنُ إلى ما عَهِدَهُ عَلَيْهِ مِنَ الرَّتَّةِ لِأنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى أزالَ ذَلِكَ العَيْبَ عَنْهُ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أسْوِرَةٌ مِن ذَهَبٍ﴾ والمُرادُ أنَّ عادَةَ القَوْمِ جَرَتْ بِأنَّهم إذا جَعَلُوا واحِدًا مِنهم رَئِيسًا لَهم سَوَّرُوهُ بِسِوارٍ مَن ذَهَبٍ وطَوَّقُوهُ بِطَوْقٍ مِن ذَهَبٍ، فَطَلَبَ فِرْعَوْنُ مِن مُوسى مِثْلَ هَذِهِ الحالَةِ، واخْتَلَفَ القُرّاءُ في ”أسْوِرَةٌ“، فَبَعْضُهم قَرَأ: ”أسْوِرَةٌ“، وآخَرُونَ: ”أساوِرَةٌ“، فَأسْوِرَةٌ جَمْعُ سِوارٍ لِأدْنى العَدَدِ، كَقَوْلِكَ حِمارٌ وأحْمِرَةٌ وغُرابٌ وأغْرِبَةٌ، ومَن قَرَأ ”أساوِرَةٌ“ فَذاكَ لِأنَّ أساوِيرَ جَمْعُ أسْوارٍ، وهو السُّوارُ، فَأساوِرَةٌ تَكُونُ الهاءُ عِوَضًا عَنِ الياءِ، نَحْوَ بِطْرِيقٍ وبَطارِقَةٍ وزِنْدِيقٍ وزَنادِقَةٍ وفِرْزِينٍ وفَرازِنَةٍ، فَتَكُونُ أساوِرَةٌ جَمْعَ أسْوارٍ، وحاصِلُ الكَلامِ يَرْجِعُ إلى حَرْفٍ واحِدٍ، وهو أنَّ فِرْعَوْنَ كانَ يَقُولُ أنا أكْثَرُ مالًا وجاهًا، فَوَجَبَ أنْ أكُونَ أفْضَلَ مِنهُ، فَيَمْتَنِعُ كَوْنُهُ رَسُولًا مِنَ اللَّهِ، لِأنَّ مَنصِبَ النُّبُوَّةِ يَقْتَضِي المَخْدُومِيَّةَ، والأخَسُّ لا يَكُونُ مَخْدُومًا لِلْأشْرَفِ، ثُمَّ المُقَدِّمَةُ الفاسِدَةُ هي قَوْلُهُ: مَن كانَ أكْثَرَ مالًا وجاهًا فَهو أفْضَلُ، وهي عَيْنُ المُقَدِّمَةِ الَّتِي تَمَسَّكَ بِها كُفّارُ قُرَيْشٍ في قَوْلِهِمْ ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿أوْ جاءَ مَعَهُ المَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مُقْرِنِينَ بِهِ، مِن قَوْلِكَ: قَرَنْتُهُ بِهِ فاقْتَرَنَ، وأنْ يَكُونَ مِن قَوْلِهِمُ: اقْتَرَنُوا بِمَعْنى تَقارَنُوا، قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ يَمْشُونَ مَعَهُ فَيَدُلُّونَ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأطاعُوهُ﴾ أيْ طَلَبَ مِنهُمُ الخِفَّةَ في الإتْيانِ بِما كانَ يَأْمُرُهم بِهِ فَأطاعُوهُ ﴿إنَّهم كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ حَيْثُ أطاعُوا ذَلِكَ الجاهِلَ الفاسِقَ ﴿فَلَمّا آسَفُونا﴾ أغْضَبُونا، حُكِيَ أنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ غَضِبَ في شَيْءٍ، فَقِيلَ لَهُ: أتَغْضَبُ يا أبا خالِدٍ ؟ فَقالَ: قَدْ غَضِبَ الَّذِي خَلَقَ الأحْلامَ، إنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿فَلَمّا آسَفُونا﴾ أيْ أغْضَبُونا. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿انْتَقَمْنا مِنهُمْ﴾ واعْلَمْ أنَّ ذِكْرَ لَفْظِ الأسَفِ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى مُحالٌ، وذِكْرُ لَفْظِ الِانْتِقامِ وكُلِّ واحِدٍ مِنهُما مِنَ المُتَشابِهاتِ الَّتِي يَجِبُ أنْ يُصارَ فِيها إلى التَّأْوِيلِ، ومَعْنى الغَضَبِ في حَقِّ اللَّهِ إرادَةُ العِقابِ، ومَعْنى الِانْتِقامِ إرادَةُ العِقابِ لِجُرْمٍ سابِقٍ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَجَعَلْناهم سَلَفًا ومَثَلًا﴾ السَّلَفُ كُلُّ شَيْءٍ قَدَّمْتَهُ مِن عَمَلٍ صالِحٍ أوْ قَرْضٍ فَهو سَلَفٌ، والسَّلَفُ أيْضًا مَن تَقَدَّمَ مِن آبائِكَ وأقارِبِكَ، واحِدُهم سالِفٌ، ومِنهُ قَوْلُ طُفَيْلٍ يَرْثِي قَوْمَهُ: مَضَوْا سَلَفًا قَصْدَ السَّبِيلِ عَلَيْهِمُ وصَرْفُ المَنايا بِالرِّجالِ تُقَلَّبُ فَعَلى هَذا قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: يَقُولُ: جَعَلْناهم مُتَقَدِّمِينَ لِيَتَّعِظَ بِهِمُ الآخَرُونَ، أيْ: جَعَلْناهم سَلَفًا لِكُفّارِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ. وأكْثَرُ القُرّاءِ قَرَءُوا بِالفَتْحِ، وهو جَمْعُ سالِفٍ كَما ذَكَرْناهُ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: ”سُلَفًا“ صفحة ١٨٩ بِالضَّمِّ، وهو جَمْعُ سَلَفٍ، قالَ اللَّيْثُ: يُقالُ سَلُفَ - بِضَمِّ اللّامِ - يَسْلُفُ سُلُوفًا، فَهو سُلُفٌ، أيْ: مُتَقَدِّمٌ، وقَوْلُهُ ﴿ومَثَلًا لِلْآخِرِينَ﴾ يُرِيدُ عِظَةً لِمَن بَقِيَ بَعْدَهم وآيَةً وعِبْرَةً، قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: المَثَلُ واحِدٌ يُرادُ بِهِ الجَمْعَ، ومِن ثَمَّ عُطِفَ عَلى سَلَفٍ، والدَّلِيلُ عَلى وُقُوعِهِ عَلى أكْثَرَ مِن واحِدٍ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ ومَن رَزَقْناهُ﴾ [النَّحْلِ: ٧٥] فَأدْخَلَ تَحْتَ المَثَلِ شَيْئَيْنِ، واللَّهُ أعْلَمُ. * * قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولَمّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إذا قَوْمُكَ مِنهُ يَصِدُّونَ﴾ ﴿وقالُوا أآلِهَتُنا خَيْرٌ أمْ هو ما ضَرَبُوهُ لَكَ إلّا جَدَلًا بَلْ هم قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ ﴿إنْ هو إلّا عَبْدٌ أنْعَمْنا عَلَيْهِ وجَعَلْناهُ مَثَلًا لِبَنِي إسْرائِيلَ﴾ ﴿ولَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنكم مَلائِكَةً في الأرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ ﴿وإنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِها واتَّبِعُونِ هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ ﴿ولا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطانُ إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ ٥٠ في الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أنْواعًا كَثِيرَةً مَن كُفْرِيّاتِهِمْ في هَذِهِ السُّورَةِ، وأجابَ عَنْها بِالوُجُوهِ الكَثِيرَةِ: فَأوَّلُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلُوا لَهُ مِن عِبادِهِ جُزْءًا﴾ . وثانِيها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا﴾ . وثالِثُها: قَوْلُهُ ﴿وقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ ما عَبَدْناهُمْ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٢٠] . ورابِعُها: قَوْلُهُ ﴿وقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٣١] . وخامِسُها: هَذِهِ الآيَةُ الَّتِي نَحْنُ الآنَ في تَفْسِيرِها، ولَفْظُ الآيَةِ لا يَدُلُّ إلّا عَلى أنَّهُ لَمّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا أخَذَ القَوْمُ يَضِجُّونَ ويَرْفَعُونَ أصْواتَهم، فَأمّا أنَّ ذَلِكَ المَثَلَ كَيْفَ كانَ، وفي أيِّ شَيْءٍ كانَ، فاللَّفْظُ لا يَدُلُّ عَلَيْهِ، والمُفَسِّرُونَ ذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا، كُلُّها مُحْتَمَلَةٌ: فالأوَّلُ: أنَّ الكُفّارَ لَمّا سَمِعُوا أنَّ النَّصارى يَعْبُدُونَ عِيسى، قالُوا: إذا عَبَدُوا عِيسى فَآلِهَتُنا خَيْرٌ مِن عِيسى، وإنَّما قالُوا ذَلِكَ لِأنَّهم كانُوا يَعْبُدُونَ المَلائِكَةَ. الثّانِي: رُوِيَ أنَّهُ «لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنْبِياءِ: ٩٨] قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزِّبَعْرى: هَذا خاصَّةٌ لَنا ولِآلِهَتِنا أمْ لِجَمِيعِ الأُمَمِ ؟ فَقالَ ﷺ: بَلْ لِجَمِيعِ الأُمَمِ فَقالَ: خَصَمْتُكَ ورَبِّ الكَعْبَةِ، ألَسْتَ تَزْعُمُ أنَّ عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ نَبِيٌّ وتُثْنِي عَلَيْهِ خَيْرًا وعَلى أُمِّهِ، وقَدْ عَلِمْتُ أنَّ النَّصارى يَعْبُدُونَهُما واليَهُودَ يَعْبُدُونَ عُزَيْرًا، والمَلائِكَةُ يُعْبَدُونَ، فَإذا كانَ هَؤُلاءِ في النّارِ فَقَدْ رَضِينا أنْ نَكُونَ نَحْنُ وآلِهَتُنا مَعَهم، فَسَكَتَ النَّبِيُّ ﷺ وفَرِحَ القَوْمُ وضَحِكُوا وضَجُّوا، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى أُولَئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ»﴾ [الأنْبِياءِ: ١٠١] ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ أيْضًا، والمَعْنى: ولَمّا ضَرَبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزِّبَعْرى عِيسى ﴿ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا﴾ وجادَلَ رَسُولَ اللَّهِ بِعِبادَةِ النَّصارى إيّاهُ صفحة ١٩٠ ﴿إذا قَوْمُكَ﴾ قُرَيْشٌ (مِنهَ) أيْ مِن هَذا المَثَلِ ﴿يَصِدُّونَ﴾ أيْ يَرْتَفِعُ لَهم ضَجِيجٌ وجَلَبَةٌ فَرَحًا وجَدَلًا وضَحِكًا بِسَبَبِ ما رَأوْا مِن إسْكاتِ رَسُولِ اللَّهِ، فَإنَّهُ قَدْ جَرَتِ العادَةُ بِأنَّ أحَدَ الخَصْمَيْنِ إذا انْقَطَعَ أظْهَرَ الخَصْمُ الثّانِي الفَرَحَ والضَّجِيجَ، ﴿وقالُوا أآلِهَتُنا خَيْرٌ أمْ هُوَ﴾ يَعْنُونَ أنَّ آلِهَتَنا عِنْدَكَ لَيْسَتْ خَيْرًا مِن عِيسى، فَإذا كانَ عِيسى مِن حَصَبِ جَهَنَّمَ كانَ أمْرُ آلِهَتِنا أهْوَنَ. الوَجْهُ الثّالِثُ في التَّأْوِيلِ: وهو أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا حَكى أنَّ النَّصارى عَبَدُوا المَسِيحَ وجَعَلُوهُ إلَهًا لِأنْفُسِهِمْ، قالَ كُفّارُ مَكَّةَ: إنَّ مُحَمَّدًا يُرِيدُ أنْ يَجْعَلَ لَنا إلَهًا كَما جَعَلَ النَّصارى المَسِيحَ إلَهًا لِأنْفُسِهِمْ، ثُمَّ عِنْدَ هَذا قالُوا ﴿أآلِهَتُنا خَيْرٌ أمْ هُوَ﴾ يَعْنِي أآلِهَتُنا خَيْرٌ أمْ مُحَمَّدٌ، وذَكَرُوا ذَلِكَ لِأجْلِ أنَّهم قالُوا: إنَّ مُحَمَّدًا يَدْعُونا إلى عِبادَةِ نَفْسِهِ، وآباؤُنا زَعَمُوا أنَّهُ يَجِبُ عِبادَةُ هَذِهِ الأصْنامِ، وإذا كانَ لا بُدَّ مِن أحَدِ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ فَعِبادَةُ هَذِهِ الأصْنامِ أوْلى، لِأنَّ آباءَنا وأسْلافَنا كانُوا مُتَطابِقِينَ عَلَيْهِ، وأمّا مُحَمَّدٌ فَإنَّهُ مُتَّهَمٌ في أمْرِنا بِعِبادَتِهِ، فَكانَ الِاشْتِغالُ بِعِبادَةِ الأصْنامِ أوْلى، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنّا لَمْ نَقُلْ إنَّ الِاشْتِغالَ بِعِبادَةِ المَسِيحِ طَرِيقٌ حَسَنٌ، بَلْ هو كَلامٌ باطِلٌ، فَإنَّ عِيسى لَيْسَ إلّا عَبْدًا أنْعَمْنا عَلَيْهِ، فَإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَقَدْ زالَتْ شُبْهَتُهم في قَوْلِهِمْ: إنَّ مُحَمَّدًا يُرِيدُ أنْ يَأْمُرَنا بِعِبادَةِ نَفْسِهِ، فَهَذِهِ الوُجُوهُ الثَّلاثَةُ مِمّا يَحْتَمِلُ كُلُّ واحِدٍ مِنها لَفْظَ الآيَةِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ والكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ”يَصُدُّونَ“ بِضَمِّ الصّادِ، وهو قِراءَةُ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - والباقُونَ بِكَسْرِ الصّادِ وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ، واخْتَلَفُوا فَقالَ الكِسائِيُّ: هُما بِمَعْنًى، نَحْوَ يَعْرِشُونَ ويَعْرُشُونَ، ويَعْكِفُونَ، ويَعْكُفُونَ، ومِنهم مَن فَرَّقَ، أمّا القِراءَةُ بِالضَّمِّ فَمِنَ الصُّدُودِ، أيْ مِن أجْلِ هَذا المَثَلِ يَصُدُّونَ عَنِ الحَقِّ ويُعْرِضُونَ عَنْهُ، وأمّا بِالكَسْرِ فَمَعْناهُ يَضِجُّونَ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ: ”أآلِهَتُنا“ اسْتِفْهامًا بِهَمْزَتَيْنِ، الثّانِيَةُ مُطَوَّلَةٌ، والباقُونَ اسْتِفْهامًا بِهَمْزَةٍ ومَدَّةٍ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ما ضَرَبُوهُ لَكَ إلّا جَدَلًا﴾ أيْ ما ضَرَبُوا لَكَ هَذا المَثَلَ إلّا لِأجْلِ الجَدَلِ والغَلَبَةِ في القَوْلِ، لا لِطَلَبِ الفَرْقِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ ﴿بَلْ هم قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ مُبالِغُونَ في الخُصُومَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [الأنْبِياءِ: ٩٨] لا يَتَناوَلُ المَلائِكَةَ وعِيسى، وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ كَلِمَةَ ”ما“ لا تَتَناوَلُ العُقَلاءَ البَتَّةَ. والثّانِي: أنَّ كَلِمَةَ ”ما“ لَيْسَتْ صَرِيحَةً في الِاسْتِغْراقِ بِدَلِيلِ أنَّهُ يَصِحُّ إدْخالُ لَفْظَتَيِ الكُلِّ والبَعْضِ عَلَيْهِ، فَيُقالُ: إنَّكم وكُلَّ ما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ، أوْ إنَّكم وبَعْضَ ما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ. الثّالِثُ: أنَّ قَوْلَهُ: إنَّكم وكُلَّ ما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أوْ وبَعْضَ ما تَعْبُدُونَ - خِطابُ مُشافَهَةٍ، فَلَعَلَّهُ ما كانَ فِيهِمْ أحَدٌ يَعْبُدُ المَسِيحَ والمَلائِكَةَ. الرّابِعُ: أنَّ قَوْلَهُ ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ هَبْ أنَّهُ عامٌّ إلّا أنَّ النُّصُوصَ الدّالَّةَ عَلى تَعْظِيمِ المَلائِكَةِ وعِيسى أخَصُّ مِنهُ، والخاصُّ مُقَدَّمٌ عَلى العامِّ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: القائِلُونَ بِذَمِّ الجَدَلِ تَمَسَّكُوا بِهَذِهِ الآيَةِ إلّا أنّا قَدْ ذَكَرْنا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما يُجادِلُ في آياتِ اللَّهِ إلّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أنَّ الآياتِ الكَثِيرَةَ دالَّةٌ عَلى أنَّ الجَدَلَ مُوجِبٌ لِلْمَدْحِ والثَّناءِ، وطَرِيقُ التَّوْفِيقِ أنْ تُصْرَفَ تِلْكَ الآياتُ إلى الجَدَلِ الَّذِي يُفِيدُ تَقْرِيرَ الحَقِّ، وأنْ تُصْرَفَ هَذِهِ الآيَةُ إلى الجَدَلِ الَّذِي يُوجِبُ تَقْرِيرَ الباطِلِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنْ هو إلّا عَبْدٌ أنْعَمْنا عَلَيْهِ﴾ يَعْنِي: ما عِيسى إلّا عَبْدٌ كَسائِرِ العَبِيدِ، أنْعَمْنا عَلَيْهِ حَيْثُ جَعَلْناهُ آيَةً بِأنْ خَلَقْناهُ مِن غَيْرِ أبٍ كَما خَلَقْنا آدَمَ، وشَرَّفْناهُ بِالنُّبُوَّةِ وصَيَّرْناهُ عِبْرَةً عَجِيبَةً كالمَثَلِ السّائِرِ ﴿ولَوْ نَشاءُ﴾ صفحة ١٩١ ﴿لَجَعَلْنا مِنكُمْ﴾ لَوَلَّدْنا مِنكم يا رِجالُ ﴿مَلائِكَةً في الأرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ كَما يَخْلُفُكم أوْلادُكم؛ كَما ولَّدْنا عِيسى مِن أُنْثى مِن غَيْرِ فَحْلٍ؛ لِتَعْرِفُوا تَمَيُّزَنا بِالقُدْرَةِ الباهِرَةِ، ولِتَعْرِفُوا أنَّ دُخُولَ التَّوْلِيدِ والتَّوَلُّدِ في المَلائِكَةِ أمْرٌ مُمْكِنٌ، وذاتُ اللَّهِ مُتَعالِيَةٌ عَنْ ذَلِكَ (وأنَّهُ) أيْ عِيسى ﴿لَعِلْمٌ لِلسّاعَةِ﴾ شَرْطٌ مِن أشْراطِها تُعْلَمُ بِهِ، فَسُمِّيَ الشَّرْطُ الدّالُّ عَلى الشَّيْءِ عِلْمًا لِحُصُولِ العِلْمِ بِهِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: ”لَعَلَمٌ“ وهو العَلامَةُ، وقُرِئَ: ”لَلْعِلْمُ“ وقَرَأ أُبَيٌّ: ”لَذِكْرٌ“، وفي الحَدِيثِ: «أنَّ عِيسى يَنْزِلُ عَلى ثَنِيَّةٍ في الأرْضِ المُقَدَّسَةِ يُقالُ لَها أفِيقُ، وبِيَدِهِ حَرْبَةٌ، وبِها يَقْتُلُ الدَّجّالَ، فَيَأْتِي بِبَيْتِ المَقْدِسِ في صَلاةِ الصُّبْحِ والإمامُ يَؤُمُّ بِهِمْ فَيَتَأخَّرُ الإمامُ فَيُقَدِّمُهُ عِيسى ويُصَلِّي خَلْفَهُ عَلى شَرِيعَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ثُمَّ يَقْتُلُ الخَنازِيرَ ويَكْسِرُ الصَّلِيبَ ويُخَرِّبُ البِيَعَ والكَنائِسَ ويَقْتُلُ النَّصارى إلّا مَن آمَنَ بِهِ» ﴿فَلا تَمْتَرُنَّ بِها﴾ مِنَ المِرْيَةِ وهو الشَّكُّ ﴿واتَّبِعُونِ﴾ واتَّبِعُوا هُدايَ وشَرْعِي ﴿هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ أيْ هَذا الَّذِي أدْعُوكم إلَيْهِ صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ ﴿ولا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطانُ إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ قَدْ بانَتْ عَداواتُهُ لَكم لِأجْلِ أنَّهُ هو الَّذِي أخْرَجَ أباكم مِنَ الجَنَّةِ ونَزَعَ عَنْهُ لِباسَ النُّورِ.

الزخرف 43:51

قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا إلى فِرْعَوْنَ﴾ ﴿ومَلَئِهِ فَقالَ إنِّي رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿فَلَمّا جاءَهم بِآياتِنا إذا هم مِنها يَضْحَكُونَ﴾ ﴿وما نُرِيهِمْ مِن آيَةٍ إلّا هي أكْبَرُ مِن أُخْتِها وأخَذْناهم بِالعَذابِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ ﴿وقالُوا ياأيُّها السّاحِرُ ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ إنَّنا لَمُهْتَدُونَ﴾ ﴿فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُمُ العَذابَ إذا هم يَنْكُثُونَ﴾ ﴿ونادى فِرْعَوْنُ في قَوْمِهِ قالَ ياقَوْمِ ألَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وهَذِهِ الأنْهارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ ﴿أمْ أنا خَيْرٌ مِن هَذا الَّذِي هو مَهِينٌ ولا يَكادُ يُبِينُ﴾ ﴿فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أسْوِرَةٌ مِن ذَهَبٍ أوْ جاءَ مَعَهُ المَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾ ﴿فاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأطاعُوهُ إنَّهم كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ ﴿فَلَمّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنهم فَأغْرَقْناهم أجْمَعِينَ﴾ وفِي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن إعادَةِ قِصَّةِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وفِرْعَوْنَ في هَذا المَقامِ تَقْرِيرُ الكَلامِ الَّذِي تَقَدَّمَ، وذَلِكَ لِأنَّ كُفّارَ قُرَيْشٍ طَعَنُوا في نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ بِسَبَبِ كَوْنِهِ فَقِيرًا عَدِيمَ المالِ والجاهِ، فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بَعْدَ أنْ أوْرَدَ المُعْجِزاتِ القاهِرَةَ الباهِرَةَ الَّتِي لا يَشُكُّ في صِحَّتِها عاقِلٌ أوْرَدَ فِرْعَوْنُ عَلَيْهِ هَذِهِ الشُّبْهَةَ الَّتِي ذَكَرَها كُفّارُ قُرَيْشٍ، فَقالَ: إنِّي غَنِيٌّ كَثِيرُ المالِ والجاهِ، ألا تَرَوْنَ أنَّهُ حَصَلَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وهَذِهِ الأنْهارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي، وأمّا مُوسى فَإنَّهُ فَقِيرٌ مَهِينٌ ولَيْسَ لَهُ بَيانٌ ولِسانٌ، والرَّجُلُ الفَقِيرُ كَيْفَ يَكُونُ رَسُولًا مِن عِنْدِ اللَّهِ إلى المَلِكِ الكَبِيرِ الغَنِيِّ، فَثَبَتَ أنَّ هَذِهِ الشُّبْهَةَ الَّتِي ذَكَرَها كُفّارُ مَكَّةَ، وهي قَوْلُهم ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٣١] وقَدْ أوْرَدَها بِعَيْنِها فِرْعَوْنُ عَلى مُوسى، ثُمَّ إنّا انْتَقَمْنا مِنهم فَأغْرَقْناهم، والمَقْصُودُ مِن إيرادِ هَذِهِ القِصَّةِ - تَقْرِيرُ أمْرَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ الكُفّارَ والجُهّالَ أبَدًا يَحْتَجُّونَ عَلى الأنْبِياءِ بِهَذِهِ الشُّبْهَةِ الرَّكِيكَةِ فَلا يُبالى بِها ولا يُلْتَفَتُ إلَيْها. والثّانِي: أنَّ فِرْعَوْنَ عَلى غايَةِ كَمالِ حالِهِ في الدُّنْيا صارَ مَقْهُورًا باطِلًا، فَيَكُونُ الأمْرُ في حَقِّ أعْدائِكَ هَكَذا، فَثَبَتَ أنَّهُ لَيْسَ المَقْصُودُ مِن إعادَةِ هَذِهِ القِصَّةِ عَيْنَ هَذِهِ القِصَّةِ، بَلِ المَقْصُودُ تَقْرِيرُ الجَوابِ عَنِ الشُّبْهَةِ المَذْكُورَةِ، وعَلى هَذا صفحة ١٨٧ فَلا يَكُونُ هَذا تَقْرِيرًا لِلْقِصَّةِ البَتَّةَ، وهَذا مِن نَفائِسِ الأبْحاثِ، واللَّهُ أعْلَمُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ في تَفْسِيرِ الألْفاظِ: ذَكَرَ تَعالى أنَّهُ أرْسَلَ مُوسى بِآياتِهِ، وهي المُعْجِزاتُ الَّتِي كانَتْ مَعَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ، أيْ قَوْمِهِ، فَقالَ مُوسى: إنِّي رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ، فَلَمّا جاءَهم بِتِلْكَ الآياتِ إذا هم مِنها يَضْحَكُونَ، قِيلَ: إنَّهُ لَمّا ألْقى عَصاهُ صارَ ثُعْبانًا ثُمَّ أخَذَهُ فَعادَ عَصًا كَما كانَ - ضَحِكُوا، ولَمّا عَرَضَ عَلَيْهِمُ اليَدَ البَيْضاءَ ثُمَّ عادَتْ كَما كانَتْ - ضَحِكُوا، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ جازَ أنْ يُجابَ عَنْ ”لَمّا“ بِـ ”إذا“ الَّذِي يُفِيدُ المُفاجَأةَ ؟ قُلْنا: لِأنَّ فِعْلَ المُفاجَأةِ مَعَها مُقَدَّرٌ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: فَلَمّا جاءَهم بِآياتِنا فاجَئُوا وقْتَ ضَحِكِهِمْ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿وما نُرِيهِمْ مِن آيَةٍ إلّا هي أكْبَرُ مِن أُخْتِها﴾ فَإنْ قِيلَ: ظاهِرُ اللَّفْظِ يَقْتَضِي كَوْنَ كُلِّ واحِدٍ مِنها أفْضَلَ مِنَ التّالِي، وذَلِكَ مُحالٌ، قُلْنا: إذا أُرِيدَ المُبالَغَةُ في كَوْنِ كُلٍّ مِن تِلْكَ الأشْياءِ بالِغًا إلى أقْصى الدَّرَجاتِ في الفَضِيلَةِ، فَقَدْ يُذْكَرُ هَذا الكَلامُ بِمَعْنى أنَّهُ لا يَبْعُدُ في أُناسٍ يَنْظُرُونَ إلَيْها أنْ يَقُولَ هَذا: إنَّ هَذا أفْضَلُ مِنَ الثّانِي، وأنْ يَقُولَ الثّانِي: لا بَلِ الثّانِي أفْضَلُ، وأنْ يَقُولَ الثّالِثُ: لا بَلِ الثّالِثُ أفْضَلُ، وحِينَئِذٍ يَصِيرُ كُلُّ واحِدٍ مِن تِلْكَ الأشْياءِ مَقُولًا فِيهِ: إنَّهُ أفْضَلُ مِن غَيْرِهِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وأخَذْناهم بِالعَذابِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ أيْ عَنِ الكُفْرِ إلى الإيمانِ، قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى يُرِيدُ الإيمانَ مِنَ الكُلِّ وأنَّهُ إنَّما أظْهَرَ تِلْكَ المُعْجِزاتِ القاهِرَةَ لِإرادَةِ أنْ يَرْجِعُوا مِنَ الكُفْرِ إلى الإيمانِ، قالَ المُفَسِّرُونَ: ومَعْنى قَوْلِهِ ﴿وأخَذْناهم بِالعَذابِ﴾ أيْ بِالأشْياءِ الَّتِي سَلَّطَها عَلَيْها كالطُّوفانِ والجَرادِ والقُمَّلِ والضَّفادِعِ والدَّمِ والطَّمْسِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وقالُوا ياأيُّها السّاحِرُ ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ إنَّنا لَمُهْتَدُونَ﴾ فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ سَمَّوْهُ بِالسّاحِرِ مَعَ قَوْلِهِمْ ﴿إنَّنا لَمُهْتَدُونَ﴾ ؟ قُلْنا: فِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ لِلْعالِمِ الماهِرِ ساحِرٌ، لِأنَّهم كانُوا يَسْتَعْظِمُونَ السِّحْرَ، وكَما يُقالُ في زَمانِنا في العامِلِ العَجِيبِ الكامِلِ إنَّهُ أتى بِالسِّحْرِ. الثّانِي: ﴿ياأيُّها السّاحِرُ﴾ في زَعْمِ النّاسِ ومُتَعارَفِ قَوْمِ فِرْعَوْنَ كَقَوْلِهِ ﴿وقالُوا ياأيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحِجْرِ: ٦] أيْ نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ في اعْتِقادِهِ وزَعْمِهِ. الثّالِثُ: أنَّ قَوْلَهم ﴿إنَّنا لَمُهْتَدُونَ﴾ وقَدْ كانُوا عازِمِينَ عَلى خِلافِهِ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ ﴿فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُمُ العَذابَ إذا هم يَنْكُثُونَ﴾ فَتَسْمِيَتُهم إيّاهُ بِالسِّحْرِ لا يُنافِي قَوْلَهم ﴿إنَّنا لَمُهْتَدُونَ﴾ ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ لَمّا كَشَفَ عَنْهُمُ العَذابَ نَكَثُوا ذَلِكَ العَهْدَ. ولَمّا حَكى اللَّهُ تَعالى مُعامَلَةَ فِرْعَوْنَ مَعَ مُوسى، حَكى أيْضًا مُعامَلَةَ فِرْعَوْنَ مَعَهُ فَقالَ: ﴿ونادى فِرْعَوْنُ في قَوْمِهِ﴾ والمَعْنى أنَّهُ أظْهَرَ هَذا القَوْلَ، فَقالَ: ﴿ياقَوْمِ ألَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وهَذِهِ الأنْهارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي﴾ يَعْنِي الأنْهارَ الَّتِي فَصَلُوها مِنَ النِّيلِ، ومُعْظَمُها أرْبَعَةٌ: نَهْرُ المَلِكِ ونَهْرُ طُولُونَ ونَهْرُ دِمْياطَ ونَهْرُ تِنِّيسَ، قِيلَ: كانَتْ تَجْرِي تَحْتَ قَصْرِهِ، وحاصِلُ الأمْرِ أنَّهُ احْتَجَّ بِكَثْرَةِ أمْوالِهِ وقُوَّةِ جاهِهِ عَلى فَضِيلَةِ نَفْسِهِ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿أمْ أنا خَيْرٌ مِن هَذا الَّذِي هو مَهِينٌ ولا يَكادُ يُبِينُ﴾ وعَنى بِكَوْنِهِ مَهِينًا كَوْنَهُ فَقِيرًا ضَعِيفَ الحالِ، وبِقَوْلِهِ ﴿ولا يَكادُ يُبِينُ﴾ حَبْسَةً كانَتْ في لِسانِهِ، واخْتَلَفُوا في مَعْنى ”أمْ“ هَهُنا، فَقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَجازُها: بَلْ أنا خَيْرٌ، وعَلى هَذا فَقَدَ تَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ ثُمَّ ابْتَدَأ فَقالَ: ﴿أمْ أنا خَيْرٌ﴾ بِمَعْنى بَلْ أنا خَيْرٌ، وقالَ الباقُونَ: ”أمْ“ هَذِهِ مُتَّصِلَةٌ؛ لِأنَّ المَعْنى ﴿أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ أمْ تُبْصِرُونَ، إلّا أنَّهُ وضَعَ قَوْلَهُ ﴿أنا خَيْرٌ﴾ مَوْضِعَ ”تُبْصِرُونَ“، لِأنَّهم إذا قالُوا لَهُ: أنْتَ خَيْرٌ، فَهم عِنْدَهُ بُصَراءُ، وقالَ آخَرُونَ: إنَّ تَمامَ الكَلامِ عِنْدَ قَوْلِهِ ”أمْ“، وقَوْلُهُ صفحة ١٨٨ ﴿أنا خَيْرٌ﴾ ابْتِداءُ الكَلامِ، والتَّقْدِيرُ: ﴿أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ أمْ تُبْصِرُونَ، لَكِنَّهُ اكْتَفى فِيهِ بِذِكْرِ ”أمْ“ كَما تَقُولُ لِغَيْرِكَ: أتَأْكُلُ أمْ. أيْ: أتَأْكُلُ أمْ لا تَأْكُلُ، تَقْتَصِرُ عَلى ذِكْرِ كَلِمَةِ ”أمْ“ إيثارًا لِلِاخْتِصارِ، فَكَذا هَهُنا، فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - سَألَ اللَّهَ تَعالى أنْ يُزِيلَ الرَّتَّةَ عَنْ لِسانِهِ بِقَوْلِهِ ﴿واحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِسانِي﴾ ﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ [طه: ٢٧] فَأعْطاهُ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﴿قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يامُوسى﴾ فَكَيْفَ عابَهُ فِرْعَوْنُ بِتِلْكَ الرَّتَّةِ ؟ والجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ فِرْعَوْنَ أرادَ بِقَوْلِهِ ﴿ولا يَكادُ يُبِينُ﴾ حُجَّتَهُ الَّتِي تَدُلُّ عَلى صِدْقِهِ فِيما يَدَّعِي، ولَمْ يُرِدْ أنَّهُ لا قُدْرَةَ لَهُ عَلى الكَلامِ. والثّانِي: أنَّهُ عابَهُ بِما كانَ عَلَيْهِ أوَّلًا، وذَلِكَ أنَّ مُوسى كانَ عِنْدَ فِرْعَوْنَ زَمانًا طَوِيلًا وفي لِسانِهِ حَبْسَةٌ، فَنَسَبَهُ فِرْعَوْنُ إلى ما عَهِدَهُ عَلَيْهِ مِنَ الرَّتَّةِ لِأنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى أزالَ ذَلِكَ العَيْبَ عَنْهُ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أسْوِرَةٌ مِن ذَهَبٍ﴾ والمُرادُ أنَّ عادَةَ القَوْمِ جَرَتْ بِأنَّهم إذا جَعَلُوا واحِدًا مِنهم رَئِيسًا لَهم سَوَّرُوهُ بِسِوارٍ مَن ذَهَبٍ وطَوَّقُوهُ بِطَوْقٍ مِن ذَهَبٍ، فَطَلَبَ فِرْعَوْنُ مِن مُوسى مِثْلَ هَذِهِ الحالَةِ، واخْتَلَفَ القُرّاءُ في ”أسْوِرَةٌ“، فَبَعْضُهم قَرَأ: ”أسْوِرَةٌ“، وآخَرُونَ: ”أساوِرَةٌ“، فَأسْوِرَةٌ جَمْعُ سِوارٍ لِأدْنى العَدَدِ، كَقَوْلِكَ حِمارٌ وأحْمِرَةٌ وغُرابٌ وأغْرِبَةٌ، ومَن قَرَأ ”أساوِرَةٌ“ فَذاكَ لِأنَّ أساوِيرَ جَمْعُ أسْوارٍ، وهو السُّوارُ، فَأساوِرَةٌ تَكُونُ الهاءُ عِوَضًا عَنِ الياءِ، نَحْوَ بِطْرِيقٍ وبَطارِقَةٍ وزِنْدِيقٍ وزَنادِقَةٍ وفِرْزِينٍ وفَرازِنَةٍ، فَتَكُونُ أساوِرَةٌ جَمْعَ أسْوارٍ، وحاصِلُ الكَلامِ يَرْجِعُ إلى حَرْفٍ واحِدٍ، وهو أنَّ فِرْعَوْنَ كانَ يَقُولُ أنا أكْثَرُ مالًا وجاهًا، فَوَجَبَ أنْ أكُونَ أفْضَلَ مِنهُ، فَيَمْتَنِعُ كَوْنُهُ رَسُولًا مِنَ اللَّهِ، لِأنَّ مَنصِبَ النُّبُوَّةِ يَقْتَضِي المَخْدُومِيَّةَ، والأخَسُّ لا يَكُونُ مَخْدُومًا لِلْأشْرَفِ، ثُمَّ المُقَدِّمَةُ الفاسِدَةُ هي قَوْلُهُ: مَن كانَ أكْثَرَ مالًا وجاهًا فَهو أفْضَلُ، وهي عَيْنُ المُقَدِّمَةِ الَّتِي تَمَسَّكَ بِها كُفّارُ قُرَيْشٍ في قَوْلِهِمْ ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿أوْ جاءَ مَعَهُ المَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مُقْرِنِينَ بِهِ، مِن قَوْلِكَ: قَرَنْتُهُ بِهِ فاقْتَرَنَ، وأنْ يَكُونَ مِن قَوْلِهِمُ: اقْتَرَنُوا بِمَعْنى تَقارَنُوا، قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ يَمْشُونَ مَعَهُ فَيَدُلُّونَ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأطاعُوهُ﴾ أيْ طَلَبَ مِنهُمُ الخِفَّةَ في الإتْيانِ بِما كانَ يَأْمُرُهم بِهِ فَأطاعُوهُ ﴿إنَّهم كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ حَيْثُ أطاعُوا ذَلِكَ الجاهِلَ الفاسِقَ ﴿فَلَمّا آسَفُونا﴾ أغْضَبُونا، حُكِيَ أنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ غَضِبَ في شَيْءٍ، فَقِيلَ لَهُ: أتَغْضَبُ يا أبا خالِدٍ ؟ فَقالَ: قَدْ غَضِبَ الَّذِي خَلَقَ الأحْلامَ، إنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿فَلَمّا آسَفُونا﴾ أيْ أغْضَبُونا. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿انْتَقَمْنا مِنهُمْ﴾ واعْلَمْ أنَّ ذِكْرَ لَفْظِ الأسَفِ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى مُحالٌ، وذِكْرُ لَفْظِ الِانْتِقامِ وكُلِّ واحِدٍ مِنهُما مِنَ المُتَشابِهاتِ الَّتِي يَجِبُ أنْ يُصارَ فِيها إلى التَّأْوِيلِ، ومَعْنى الغَضَبِ في حَقِّ اللَّهِ إرادَةُ العِقابِ، ومَعْنى الِانْتِقامِ إرادَةُ العِقابِ لِجُرْمٍ سابِقٍ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَجَعَلْناهم سَلَفًا ومَثَلًا﴾ السَّلَفُ كُلُّ شَيْءٍ قَدَّمْتَهُ مِن عَمَلٍ صالِحٍ أوْ قَرْضٍ فَهو سَلَفٌ، والسَّلَفُ أيْضًا مَن تَقَدَّمَ مِن آبائِكَ وأقارِبِكَ، واحِدُهم سالِفٌ، ومِنهُ قَوْلُ طُفَيْلٍ يَرْثِي قَوْمَهُ: مَضَوْا سَلَفًا قَصْدَ السَّبِيلِ عَلَيْهِمُ وصَرْفُ المَنايا بِالرِّجالِ تُقَلَّبُ فَعَلى هَذا قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: يَقُولُ: جَعَلْناهم مُتَقَدِّمِينَ لِيَتَّعِظَ بِهِمُ الآخَرُونَ، أيْ: جَعَلْناهم سَلَفًا لِكُفّارِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ. وأكْثَرُ القُرّاءِ قَرَءُوا بِالفَتْحِ، وهو جَمْعُ سالِفٍ كَما ذَكَرْناهُ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: ”سُلَفًا“ صفحة ١٨٩ بِالضَّمِّ، وهو جَمْعُ سَلَفٍ، قالَ اللَّيْثُ: يُقالُ سَلُفَ - بِضَمِّ اللّامِ - يَسْلُفُ سُلُوفًا، فَهو سُلُفٌ، أيْ: مُتَقَدِّمٌ، وقَوْلُهُ ﴿ومَثَلًا لِلْآخِرِينَ﴾ يُرِيدُ عِظَةً لِمَن بَقِيَ بَعْدَهم وآيَةً وعِبْرَةً، قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: المَثَلُ واحِدٌ يُرادُ بِهِ الجَمْعَ، ومِن ثَمَّ عُطِفَ عَلى سَلَفٍ، والدَّلِيلُ عَلى وُقُوعِهِ عَلى أكْثَرَ مِن واحِدٍ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ ومَن رَزَقْناهُ﴾ [النَّحْلِ: ٧٥] فَأدْخَلَ تَحْتَ المَثَلِ شَيْئَيْنِ، واللَّهُ أعْلَمُ. * * قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولَمّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إذا قَوْمُكَ مِنهُ يَصِدُّونَ﴾ ﴿وقالُوا أآلِهَتُنا خَيْرٌ أمْ هو ما ضَرَبُوهُ لَكَ إلّا جَدَلًا بَلْ هم قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ ﴿إنْ هو إلّا عَبْدٌ أنْعَمْنا عَلَيْهِ وجَعَلْناهُ مَثَلًا لِبَنِي إسْرائِيلَ﴾ ﴿ولَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنكم مَلائِكَةً في الأرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ ﴿وإنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِها واتَّبِعُونِ هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ ﴿ولا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطانُ إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ ٥٠ في الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أنْواعًا كَثِيرَةً مَن كُفْرِيّاتِهِمْ في هَذِهِ السُّورَةِ، وأجابَ عَنْها بِالوُجُوهِ الكَثِيرَةِ: فَأوَّلُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلُوا لَهُ مِن عِبادِهِ جُزْءًا﴾ . وثانِيها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا﴾ . وثالِثُها: قَوْلُهُ ﴿وقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ ما عَبَدْناهُمْ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٢٠] . ورابِعُها: قَوْلُهُ ﴿وقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٣١] . وخامِسُها: هَذِهِ الآيَةُ الَّتِي نَحْنُ الآنَ في تَفْسِيرِها، ولَفْظُ الآيَةِ لا يَدُلُّ إلّا عَلى أنَّهُ لَمّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا أخَذَ القَوْمُ يَضِجُّونَ ويَرْفَعُونَ أصْواتَهم، فَأمّا أنَّ ذَلِكَ المَثَلَ كَيْفَ كانَ، وفي أيِّ شَيْءٍ كانَ، فاللَّفْظُ لا يَدُلُّ عَلَيْهِ، والمُفَسِّرُونَ ذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا، كُلُّها مُحْتَمَلَةٌ: فالأوَّلُ: أنَّ الكُفّارَ لَمّا سَمِعُوا أنَّ النَّصارى يَعْبُدُونَ عِيسى، قالُوا: إذا عَبَدُوا عِيسى فَآلِهَتُنا خَيْرٌ مِن عِيسى، وإنَّما قالُوا ذَلِكَ لِأنَّهم كانُوا يَعْبُدُونَ المَلائِكَةَ. الثّانِي: رُوِيَ أنَّهُ «لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنْبِياءِ: ٩٨] قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزِّبَعْرى: هَذا خاصَّةٌ لَنا ولِآلِهَتِنا أمْ لِجَمِيعِ الأُمَمِ ؟ فَقالَ ﷺ: بَلْ لِجَمِيعِ الأُمَمِ فَقالَ: خَصَمْتُكَ ورَبِّ الكَعْبَةِ، ألَسْتَ تَزْعُمُ أنَّ عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ نَبِيٌّ وتُثْنِي عَلَيْهِ خَيْرًا وعَلى أُمِّهِ، وقَدْ عَلِمْتُ أنَّ النَّصارى يَعْبُدُونَهُما واليَهُودَ يَعْبُدُونَ عُزَيْرًا، والمَلائِكَةُ يُعْبَدُونَ، فَإذا كانَ هَؤُلاءِ في النّارِ فَقَدْ رَضِينا أنْ نَكُونَ نَحْنُ وآلِهَتُنا مَعَهم، فَسَكَتَ النَّبِيُّ ﷺ وفَرِحَ القَوْمُ وضَحِكُوا وضَجُّوا، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى أُولَئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ»﴾ [الأنْبِياءِ: ١٠١] ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ أيْضًا، والمَعْنى: ولَمّا ضَرَبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزِّبَعْرى عِيسى ﴿ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا﴾ وجادَلَ رَسُولَ اللَّهِ بِعِبادَةِ النَّصارى إيّاهُ صفحة ١٩٠ ﴿إذا قَوْمُكَ﴾ قُرَيْشٌ (مِنهَ) أيْ مِن هَذا المَثَلِ ﴿يَصِدُّونَ﴾ أيْ يَرْتَفِعُ لَهم ضَجِيجٌ وجَلَبَةٌ فَرَحًا وجَدَلًا وضَحِكًا بِسَبَبِ ما رَأوْا مِن إسْكاتِ رَسُولِ اللَّهِ، فَإنَّهُ قَدْ جَرَتِ العادَةُ بِأنَّ أحَدَ الخَصْمَيْنِ إذا انْقَطَعَ أظْهَرَ الخَصْمُ الثّانِي الفَرَحَ والضَّجِيجَ، ﴿وقالُوا أآلِهَتُنا خَيْرٌ أمْ هُوَ﴾ يَعْنُونَ أنَّ آلِهَتَنا عِنْدَكَ لَيْسَتْ خَيْرًا مِن عِيسى، فَإذا كانَ عِيسى مِن حَصَبِ جَهَنَّمَ كانَ أمْرُ آلِهَتِنا أهْوَنَ. الوَجْهُ الثّالِثُ في التَّأْوِيلِ: وهو أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا حَكى أنَّ النَّصارى عَبَدُوا المَسِيحَ وجَعَلُوهُ إلَهًا لِأنْفُسِهِمْ، قالَ كُفّارُ مَكَّةَ: إنَّ مُحَمَّدًا يُرِيدُ أنْ يَجْعَلَ لَنا إلَهًا كَما جَعَلَ النَّصارى المَسِيحَ إلَهًا لِأنْفُسِهِمْ، ثُمَّ عِنْدَ هَذا قالُوا ﴿أآلِهَتُنا خَيْرٌ أمْ هُوَ﴾ يَعْنِي أآلِهَتُنا خَيْرٌ أمْ مُحَمَّدٌ، وذَكَرُوا ذَلِكَ لِأجْلِ أنَّهم قالُوا: إنَّ مُحَمَّدًا يَدْعُونا إلى عِبادَةِ نَفْسِهِ، وآباؤُنا زَعَمُوا أنَّهُ يَجِبُ عِبادَةُ هَذِهِ الأصْنامِ، وإذا كانَ لا بُدَّ مِن أحَدِ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ فَعِبادَةُ هَذِهِ الأصْنامِ أوْلى، لِأنَّ آباءَنا وأسْلافَنا كانُوا مُتَطابِقِينَ عَلَيْهِ، وأمّا مُحَمَّدٌ فَإنَّهُ مُتَّهَمٌ في أمْرِنا بِعِبادَتِهِ، فَكانَ الِاشْتِغالُ بِعِبادَةِ الأصْنامِ أوْلى، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنّا لَمْ نَقُلْ إنَّ الِاشْتِغالَ بِعِبادَةِ المَسِيحِ طَرِيقٌ حَسَنٌ، بَلْ هو كَلامٌ باطِلٌ، فَإنَّ عِيسى لَيْسَ إلّا عَبْدًا أنْعَمْنا عَلَيْهِ، فَإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَقَدْ زالَتْ شُبْهَتُهم في قَوْلِهِمْ: إنَّ مُحَمَّدًا يُرِيدُ أنْ يَأْمُرَنا بِعِبادَةِ نَفْسِهِ، فَهَذِهِ الوُجُوهُ الثَّلاثَةُ مِمّا يَحْتَمِلُ كُلُّ واحِدٍ مِنها لَفْظَ الآيَةِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ والكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ”يَصُدُّونَ“ بِضَمِّ الصّادِ، وهو قِراءَةُ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - والباقُونَ بِكَسْرِ الصّادِ وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ، واخْتَلَفُوا فَقالَ الكِسائِيُّ: هُما بِمَعْنًى، نَحْوَ يَعْرِشُونَ ويَعْرُشُونَ، ويَعْكِفُونَ، ويَعْكُفُونَ، ومِنهم مَن فَرَّقَ، أمّا القِراءَةُ بِالضَّمِّ فَمِنَ الصُّدُودِ، أيْ مِن أجْلِ هَذا المَثَلِ يَصُدُّونَ عَنِ الحَقِّ ويُعْرِضُونَ عَنْهُ، وأمّا بِالكَسْرِ فَمَعْناهُ يَضِجُّونَ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ: ”أآلِهَتُنا“ اسْتِفْهامًا بِهَمْزَتَيْنِ، الثّانِيَةُ مُطَوَّلَةٌ، والباقُونَ اسْتِفْهامًا بِهَمْزَةٍ ومَدَّةٍ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ما ضَرَبُوهُ لَكَ إلّا جَدَلًا﴾ أيْ ما ضَرَبُوا لَكَ هَذا المَثَلَ إلّا لِأجْلِ الجَدَلِ والغَلَبَةِ في القَوْلِ، لا لِطَلَبِ الفَرْقِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ ﴿بَلْ هم قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ مُبالِغُونَ في الخُصُومَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [الأنْبِياءِ: ٩٨] لا يَتَناوَلُ المَلائِكَةَ وعِيسى، وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ كَلِمَةَ ”ما“ لا تَتَناوَلُ العُقَلاءَ البَتَّةَ. والثّانِي: أنَّ كَلِمَةَ ”ما“ لَيْسَتْ صَرِيحَةً في الِاسْتِغْراقِ بِدَلِيلِ أنَّهُ يَصِحُّ إدْخالُ لَفْظَتَيِ الكُلِّ والبَعْضِ عَلَيْهِ، فَيُقالُ: إنَّكم وكُلَّ ما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ، أوْ إنَّكم وبَعْضَ ما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ. الثّالِثُ: أنَّ قَوْلَهُ: إنَّكم وكُلَّ ما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أوْ وبَعْضَ ما تَعْبُدُونَ - خِطابُ مُشافَهَةٍ، فَلَعَلَّهُ ما كانَ فِيهِمْ أحَدٌ يَعْبُدُ المَسِيحَ والمَلائِكَةَ. الرّابِعُ: أنَّ قَوْلَهُ ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ هَبْ أنَّهُ عامٌّ إلّا أنَّ النُّصُوصَ الدّالَّةَ عَلى تَعْظِيمِ المَلائِكَةِ وعِيسى أخَصُّ مِنهُ، والخاصُّ مُقَدَّمٌ عَلى العامِّ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: القائِلُونَ بِذَمِّ الجَدَلِ تَمَسَّكُوا بِهَذِهِ الآيَةِ إلّا أنّا قَدْ ذَكَرْنا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما يُجادِلُ في آياتِ اللَّهِ إلّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أنَّ الآياتِ الكَثِيرَةَ دالَّةٌ عَلى أنَّ الجَدَلَ مُوجِبٌ لِلْمَدْحِ والثَّناءِ، وطَرِيقُ التَّوْفِيقِ أنْ تُصْرَفَ تِلْكَ الآياتُ إلى الجَدَلِ الَّذِي يُفِيدُ تَقْرِيرَ الحَقِّ، وأنْ تُصْرَفَ هَذِهِ الآيَةُ إلى الجَدَلِ الَّذِي يُوجِبُ تَقْرِيرَ الباطِلِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنْ هو إلّا عَبْدٌ أنْعَمْنا عَلَيْهِ﴾ يَعْنِي: ما عِيسى إلّا عَبْدٌ كَسائِرِ العَبِيدِ، أنْعَمْنا عَلَيْهِ حَيْثُ جَعَلْناهُ آيَةً بِأنْ خَلَقْناهُ مِن غَيْرِ أبٍ كَما خَلَقْنا آدَمَ، وشَرَّفْناهُ بِالنُّبُوَّةِ وصَيَّرْناهُ عِبْرَةً عَجِيبَةً كالمَثَلِ السّائِرِ ﴿ولَوْ نَشاءُ﴾ صفحة ١٩١ ﴿لَجَعَلْنا مِنكُمْ﴾ لَوَلَّدْنا مِنكم يا رِجالُ ﴿مَلائِكَةً في الأرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ كَما يَخْلُفُكم أوْلادُكم؛ كَما ولَّدْنا عِيسى مِن أُنْثى مِن غَيْرِ فَحْلٍ؛ لِتَعْرِفُوا تَمَيُّزَنا بِالقُدْرَةِ الباهِرَةِ، ولِتَعْرِفُوا أنَّ دُخُولَ التَّوْلِيدِ والتَّوَلُّدِ في المَلائِكَةِ أمْرٌ مُمْكِنٌ، وذاتُ اللَّهِ مُتَعالِيَةٌ عَنْ ذَلِكَ (وأنَّهُ) أيْ عِيسى ﴿لَعِلْمٌ لِلسّاعَةِ﴾ شَرْطٌ مِن أشْراطِها تُعْلَمُ بِهِ، فَسُمِّيَ الشَّرْطُ الدّالُّ عَلى الشَّيْءِ عِلْمًا لِحُصُولِ العِلْمِ بِهِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: ”لَعَلَمٌ“ وهو العَلامَةُ، وقُرِئَ: ”لَلْعِلْمُ“ وقَرَأ أُبَيٌّ: ”لَذِكْرٌ“، وفي الحَدِيثِ: «أنَّ عِيسى يَنْزِلُ عَلى ثَنِيَّةٍ في الأرْضِ المُقَدَّسَةِ يُقالُ لَها أفِيقُ، وبِيَدِهِ حَرْبَةٌ، وبِها يَقْتُلُ الدَّجّالَ، فَيَأْتِي بِبَيْتِ المَقْدِسِ في صَلاةِ الصُّبْحِ والإمامُ يَؤُمُّ بِهِمْ فَيَتَأخَّرُ الإمامُ فَيُقَدِّمُهُ عِيسى ويُصَلِّي خَلْفَهُ عَلى شَرِيعَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ثُمَّ يَقْتُلُ الخَنازِيرَ ويَكْسِرُ الصَّلِيبَ ويُخَرِّبُ البِيَعَ والكَنائِسَ ويَقْتُلُ النَّصارى إلّا مَن آمَنَ بِهِ» ﴿فَلا تَمْتَرُنَّ بِها﴾ مِنَ المِرْيَةِ وهو الشَّكُّ ﴿واتَّبِعُونِ﴾ واتَّبِعُوا هُدايَ وشَرْعِي ﴿هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ أيْ هَذا الَّذِي أدْعُوكم إلَيْهِ صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ ﴿ولا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطانُ إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ قَدْ بانَتْ عَداواتُهُ لَكم لِأجْلِ أنَّهُ هو الَّذِي أخْرَجَ أباكم مِنَ الجَنَّةِ ونَزَعَ عَنْهُ لِباسَ النُّورِ.

الزخرف 43:52

قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا إلى فِرْعَوْنَ﴾ ﴿ومَلَئِهِ فَقالَ إنِّي رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿فَلَمّا جاءَهم بِآياتِنا إذا هم مِنها يَضْحَكُونَ﴾ ﴿وما نُرِيهِمْ مِن آيَةٍ إلّا هي أكْبَرُ مِن أُخْتِها وأخَذْناهم بِالعَذابِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ ﴿وقالُوا ياأيُّها السّاحِرُ ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ إنَّنا لَمُهْتَدُونَ﴾ ﴿فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُمُ العَذابَ إذا هم يَنْكُثُونَ﴾ ﴿ونادى فِرْعَوْنُ في قَوْمِهِ قالَ ياقَوْمِ ألَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وهَذِهِ الأنْهارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ ﴿أمْ أنا خَيْرٌ مِن هَذا الَّذِي هو مَهِينٌ ولا يَكادُ يُبِينُ﴾ ﴿فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أسْوِرَةٌ مِن ذَهَبٍ أوْ جاءَ مَعَهُ المَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾ ﴿فاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأطاعُوهُ إنَّهم كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ ﴿فَلَمّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنهم فَأغْرَقْناهم أجْمَعِينَ﴾ وفِي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن إعادَةِ قِصَّةِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وفِرْعَوْنَ في هَذا المَقامِ تَقْرِيرُ الكَلامِ الَّذِي تَقَدَّمَ، وذَلِكَ لِأنَّ كُفّارَ قُرَيْشٍ طَعَنُوا في نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ بِسَبَبِ كَوْنِهِ فَقِيرًا عَدِيمَ المالِ والجاهِ، فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بَعْدَ أنْ أوْرَدَ المُعْجِزاتِ القاهِرَةَ الباهِرَةَ الَّتِي لا يَشُكُّ في صِحَّتِها عاقِلٌ أوْرَدَ فِرْعَوْنُ عَلَيْهِ هَذِهِ الشُّبْهَةَ الَّتِي ذَكَرَها كُفّارُ قُرَيْشٍ، فَقالَ: إنِّي غَنِيٌّ كَثِيرُ المالِ والجاهِ، ألا تَرَوْنَ أنَّهُ حَصَلَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وهَذِهِ الأنْهارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي، وأمّا مُوسى فَإنَّهُ فَقِيرٌ مَهِينٌ ولَيْسَ لَهُ بَيانٌ ولِسانٌ، والرَّجُلُ الفَقِيرُ كَيْفَ يَكُونُ رَسُولًا مِن عِنْدِ اللَّهِ إلى المَلِكِ الكَبِيرِ الغَنِيِّ، فَثَبَتَ أنَّ هَذِهِ الشُّبْهَةَ الَّتِي ذَكَرَها كُفّارُ مَكَّةَ، وهي قَوْلُهم ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٣١] وقَدْ أوْرَدَها بِعَيْنِها فِرْعَوْنُ عَلى مُوسى، ثُمَّ إنّا انْتَقَمْنا مِنهم فَأغْرَقْناهم، والمَقْصُودُ مِن إيرادِ هَذِهِ القِصَّةِ - تَقْرِيرُ أمْرَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ الكُفّارَ والجُهّالَ أبَدًا يَحْتَجُّونَ عَلى الأنْبِياءِ بِهَذِهِ الشُّبْهَةِ الرَّكِيكَةِ فَلا يُبالى بِها ولا يُلْتَفَتُ إلَيْها. والثّانِي: أنَّ فِرْعَوْنَ عَلى غايَةِ كَمالِ حالِهِ في الدُّنْيا صارَ مَقْهُورًا باطِلًا، فَيَكُونُ الأمْرُ في حَقِّ أعْدائِكَ هَكَذا، فَثَبَتَ أنَّهُ لَيْسَ المَقْصُودُ مِن إعادَةِ هَذِهِ القِصَّةِ عَيْنَ هَذِهِ القِصَّةِ، بَلِ المَقْصُودُ تَقْرِيرُ الجَوابِ عَنِ الشُّبْهَةِ المَذْكُورَةِ، وعَلى هَذا صفحة ١٨٧ فَلا يَكُونُ هَذا تَقْرِيرًا لِلْقِصَّةِ البَتَّةَ، وهَذا مِن نَفائِسِ الأبْحاثِ، واللَّهُ أعْلَمُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ في تَفْسِيرِ الألْفاظِ: ذَكَرَ تَعالى أنَّهُ أرْسَلَ مُوسى بِآياتِهِ، وهي المُعْجِزاتُ الَّتِي كانَتْ مَعَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ، أيْ قَوْمِهِ، فَقالَ مُوسى: إنِّي رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ، فَلَمّا جاءَهم بِتِلْكَ الآياتِ إذا هم مِنها يَضْحَكُونَ، قِيلَ: إنَّهُ لَمّا ألْقى عَصاهُ صارَ ثُعْبانًا ثُمَّ أخَذَهُ فَعادَ عَصًا كَما كانَ - ضَحِكُوا، ولَمّا عَرَضَ عَلَيْهِمُ اليَدَ البَيْضاءَ ثُمَّ عادَتْ كَما كانَتْ - ضَحِكُوا، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ جازَ أنْ يُجابَ عَنْ ”لَمّا“ بِـ ”إذا“ الَّذِي يُفِيدُ المُفاجَأةَ ؟ قُلْنا: لِأنَّ فِعْلَ المُفاجَأةِ مَعَها مُقَدَّرٌ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: فَلَمّا جاءَهم بِآياتِنا فاجَئُوا وقْتَ ضَحِكِهِمْ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿وما نُرِيهِمْ مِن آيَةٍ إلّا هي أكْبَرُ مِن أُخْتِها﴾ فَإنْ قِيلَ: ظاهِرُ اللَّفْظِ يَقْتَضِي كَوْنَ كُلِّ واحِدٍ مِنها أفْضَلَ مِنَ التّالِي، وذَلِكَ مُحالٌ، قُلْنا: إذا أُرِيدَ المُبالَغَةُ في كَوْنِ كُلٍّ مِن تِلْكَ الأشْياءِ بالِغًا إلى أقْصى الدَّرَجاتِ في الفَضِيلَةِ، فَقَدْ يُذْكَرُ هَذا الكَلامُ بِمَعْنى أنَّهُ لا يَبْعُدُ في أُناسٍ يَنْظُرُونَ إلَيْها أنْ يَقُولَ هَذا: إنَّ هَذا أفْضَلُ مِنَ الثّانِي، وأنْ يَقُولَ الثّانِي: لا بَلِ الثّانِي أفْضَلُ، وأنْ يَقُولَ الثّالِثُ: لا بَلِ الثّالِثُ أفْضَلُ، وحِينَئِذٍ يَصِيرُ كُلُّ واحِدٍ مِن تِلْكَ الأشْياءِ مَقُولًا فِيهِ: إنَّهُ أفْضَلُ مِن غَيْرِهِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وأخَذْناهم بِالعَذابِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ أيْ عَنِ الكُفْرِ إلى الإيمانِ، قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى يُرِيدُ الإيمانَ مِنَ الكُلِّ وأنَّهُ إنَّما أظْهَرَ تِلْكَ المُعْجِزاتِ القاهِرَةَ لِإرادَةِ أنْ يَرْجِعُوا مِنَ الكُفْرِ إلى الإيمانِ، قالَ المُفَسِّرُونَ: ومَعْنى قَوْلِهِ ﴿وأخَذْناهم بِالعَذابِ﴾ أيْ بِالأشْياءِ الَّتِي سَلَّطَها عَلَيْها كالطُّوفانِ والجَرادِ والقُمَّلِ والضَّفادِعِ والدَّمِ والطَّمْسِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وقالُوا ياأيُّها السّاحِرُ ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ إنَّنا لَمُهْتَدُونَ﴾ فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ سَمَّوْهُ بِالسّاحِرِ مَعَ قَوْلِهِمْ ﴿إنَّنا لَمُهْتَدُونَ﴾ ؟ قُلْنا: فِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ لِلْعالِمِ الماهِرِ ساحِرٌ، لِأنَّهم كانُوا يَسْتَعْظِمُونَ السِّحْرَ، وكَما يُقالُ في زَمانِنا في العامِلِ العَجِيبِ الكامِلِ إنَّهُ أتى بِالسِّحْرِ. الثّانِي: ﴿ياأيُّها السّاحِرُ﴾ في زَعْمِ النّاسِ ومُتَعارَفِ قَوْمِ فِرْعَوْنَ كَقَوْلِهِ ﴿وقالُوا ياأيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحِجْرِ: ٦] أيْ نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ في اعْتِقادِهِ وزَعْمِهِ. الثّالِثُ: أنَّ قَوْلَهم ﴿إنَّنا لَمُهْتَدُونَ﴾ وقَدْ كانُوا عازِمِينَ عَلى خِلافِهِ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ ﴿فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُمُ العَذابَ إذا هم يَنْكُثُونَ﴾ فَتَسْمِيَتُهم إيّاهُ بِالسِّحْرِ لا يُنافِي قَوْلَهم ﴿إنَّنا لَمُهْتَدُونَ﴾ ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ لَمّا كَشَفَ عَنْهُمُ العَذابَ نَكَثُوا ذَلِكَ العَهْدَ. ولَمّا حَكى اللَّهُ تَعالى مُعامَلَةَ فِرْعَوْنَ مَعَ مُوسى، حَكى أيْضًا مُعامَلَةَ فِرْعَوْنَ مَعَهُ فَقالَ: ﴿ونادى فِرْعَوْنُ في قَوْمِهِ﴾ والمَعْنى أنَّهُ أظْهَرَ هَذا القَوْلَ، فَقالَ: ﴿ياقَوْمِ ألَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وهَذِهِ الأنْهارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي﴾ يَعْنِي الأنْهارَ الَّتِي فَصَلُوها مِنَ النِّيلِ، ومُعْظَمُها أرْبَعَةٌ: نَهْرُ المَلِكِ ونَهْرُ طُولُونَ ونَهْرُ دِمْياطَ ونَهْرُ تِنِّيسَ، قِيلَ: كانَتْ تَجْرِي تَحْتَ قَصْرِهِ، وحاصِلُ الأمْرِ أنَّهُ احْتَجَّ بِكَثْرَةِ أمْوالِهِ وقُوَّةِ جاهِهِ عَلى فَضِيلَةِ نَفْسِهِ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿أمْ أنا خَيْرٌ مِن هَذا الَّذِي هو مَهِينٌ ولا يَكادُ يُبِينُ﴾ وعَنى بِكَوْنِهِ مَهِينًا كَوْنَهُ فَقِيرًا ضَعِيفَ الحالِ، وبِقَوْلِهِ ﴿ولا يَكادُ يُبِينُ﴾ حَبْسَةً كانَتْ في لِسانِهِ، واخْتَلَفُوا في مَعْنى ”أمْ“ هَهُنا، فَقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَجازُها: بَلْ أنا خَيْرٌ، وعَلى هَذا فَقَدَ تَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ ثُمَّ ابْتَدَأ فَقالَ: ﴿أمْ أنا خَيْرٌ﴾ بِمَعْنى بَلْ أنا خَيْرٌ، وقالَ الباقُونَ: ”أمْ“ هَذِهِ مُتَّصِلَةٌ؛ لِأنَّ المَعْنى ﴿أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ أمْ تُبْصِرُونَ، إلّا أنَّهُ وضَعَ قَوْلَهُ ﴿أنا خَيْرٌ﴾ مَوْضِعَ ”تُبْصِرُونَ“، لِأنَّهم إذا قالُوا لَهُ: أنْتَ خَيْرٌ، فَهم عِنْدَهُ بُصَراءُ، وقالَ آخَرُونَ: إنَّ تَمامَ الكَلامِ عِنْدَ قَوْلِهِ ”أمْ“، وقَوْلُهُ صفحة ١٨٨ ﴿أنا خَيْرٌ﴾ ابْتِداءُ الكَلامِ، والتَّقْدِيرُ: ﴿أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ أمْ تُبْصِرُونَ، لَكِنَّهُ اكْتَفى فِيهِ بِذِكْرِ ”أمْ“ كَما تَقُولُ لِغَيْرِكَ: أتَأْكُلُ أمْ. أيْ: أتَأْكُلُ أمْ لا تَأْكُلُ، تَقْتَصِرُ عَلى ذِكْرِ كَلِمَةِ ”أمْ“ إيثارًا لِلِاخْتِصارِ، فَكَذا هَهُنا، فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - سَألَ اللَّهَ تَعالى أنْ يُزِيلَ الرَّتَّةَ عَنْ لِسانِهِ بِقَوْلِهِ ﴿واحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِسانِي﴾ ﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ [طه: ٢٧] فَأعْطاهُ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﴿قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يامُوسى﴾ فَكَيْفَ عابَهُ فِرْعَوْنُ بِتِلْكَ الرَّتَّةِ ؟ والجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ فِرْعَوْنَ أرادَ بِقَوْلِهِ ﴿ولا يَكادُ يُبِينُ﴾ حُجَّتَهُ الَّتِي تَدُلُّ عَلى صِدْقِهِ فِيما يَدَّعِي، ولَمْ يُرِدْ أنَّهُ لا قُدْرَةَ لَهُ عَلى الكَلامِ. والثّانِي: أنَّهُ عابَهُ بِما كانَ عَلَيْهِ أوَّلًا، وذَلِكَ أنَّ مُوسى كانَ عِنْدَ فِرْعَوْنَ زَمانًا طَوِيلًا وفي لِسانِهِ حَبْسَةٌ، فَنَسَبَهُ فِرْعَوْنُ إلى ما عَهِدَهُ عَلَيْهِ مِنَ الرَّتَّةِ لِأنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى أزالَ ذَلِكَ العَيْبَ عَنْهُ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أسْوِرَةٌ مِن ذَهَبٍ﴾ والمُرادُ أنَّ عادَةَ القَوْمِ جَرَتْ بِأنَّهم إذا جَعَلُوا واحِدًا مِنهم رَئِيسًا لَهم سَوَّرُوهُ بِسِوارٍ مَن ذَهَبٍ وطَوَّقُوهُ بِطَوْقٍ مِن ذَهَبٍ، فَطَلَبَ فِرْعَوْنُ مِن مُوسى مِثْلَ هَذِهِ الحالَةِ، واخْتَلَفَ القُرّاءُ في ”أسْوِرَةٌ“، فَبَعْضُهم قَرَأ: ”أسْوِرَةٌ“، وآخَرُونَ: ”أساوِرَةٌ“، فَأسْوِرَةٌ جَمْعُ سِوارٍ لِأدْنى العَدَدِ، كَقَوْلِكَ حِمارٌ وأحْمِرَةٌ وغُرابٌ وأغْرِبَةٌ، ومَن قَرَأ ”أساوِرَةٌ“ فَذاكَ لِأنَّ أساوِيرَ جَمْعُ أسْوارٍ، وهو السُّوارُ، فَأساوِرَةٌ تَكُونُ الهاءُ عِوَضًا عَنِ الياءِ، نَحْوَ بِطْرِيقٍ وبَطارِقَةٍ وزِنْدِيقٍ وزَنادِقَةٍ وفِرْزِينٍ وفَرازِنَةٍ، فَتَكُونُ أساوِرَةٌ جَمْعَ أسْوارٍ، وحاصِلُ الكَلامِ يَرْجِعُ إلى حَرْفٍ واحِدٍ، وهو أنَّ فِرْعَوْنَ كانَ يَقُولُ أنا أكْثَرُ مالًا وجاهًا، فَوَجَبَ أنْ أكُونَ أفْضَلَ مِنهُ، فَيَمْتَنِعُ كَوْنُهُ رَسُولًا مِنَ اللَّهِ، لِأنَّ مَنصِبَ النُّبُوَّةِ يَقْتَضِي المَخْدُومِيَّةَ، والأخَسُّ لا يَكُونُ مَخْدُومًا لِلْأشْرَفِ، ثُمَّ المُقَدِّمَةُ الفاسِدَةُ هي قَوْلُهُ: مَن كانَ أكْثَرَ مالًا وجاهًا فَهو أفْضَلُ، وهي عَيْنُ المُقَدِّمَةِ الَّتِي تَمَسَّكَ بِها كُفّارُ قُرَيْشٍ في قَوْلِهِمْ ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿أوْ جاءَ مَعَهُ المَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مُقْرِنِينَ بِهِ، مِن قَوْلِكَ: قَرَنْتُهُ بِهِ فاقْتَرَنَ، وأنْ يَكُونَ مِن قَوْلِهِمُ: اقْتَرَنُوا بِمَعْنى تَقارَنُوا، قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ يَمْشُونَ مَعَهُ فَيَدُلُّونَ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأطاعُوهُ﴾ أيْ طَلَبَ مِنهُمُ الخِفَّةَ في الإتْيانِ بِما كانَ يَأْمُرُهم بِهِ فَأطاعُوهُ ﴿إنَّهم كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ حَيْثُ أطاعُوا ذَلِكَ الجاهِلَ الفاسِقَ ﴿فَلَمّا آسَفُونا﴾ أغْضَبُونا، حُكِيَ أنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ غَضِبَ في شَيْءٍ، فَقِيلَ لَهُ: أتَغْضَبُ يا أبا خالِدٍ ؟ فَقالَ: قَدْ غَضِبَ الَّذِي خَلَقَ الأحْلامَ، إنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿فَلَمّا آسَفُونا﴾ أيْ أغْضَبُونا. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿انْتَقَمْنا مِنهُمْ﴾ واعْلَمْ أنَّ ذِكْرَ لَفْظِ الأسَفِ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى مُحالٌ، وذِكْرُ لَفْظِ الِانْتِقامِ وكُلِّ واحِدٍ مِنهُما مِنَ المُتَشابِهاتِ الَّتِي يَجِبُ أنْ يُصارَ فِيها إلى التَّأْوِيلِ، ومَعْنى الغَضَبِ في حَقِّ اللَّهِ إرادَةُ العِقابِ، ومَعْنى الِانْتِقامِ إرادَةُ العِقابِ لِجُرْمٍ سابِقٍ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَجَعَلْناهم سَلَفًا ومَثَلًا﴾ السَّلَفُ كُلُّ شَيْءٍ قَدَّمْتَهُ مِن عَمَلٍ صالِحٍ أوْ قَرْضٍ فَهو سَلَفٌ، والسَّلَفُ أيْضًا مَن تَقَدَّمَ مِن آبائِكَ وأقارِبِكَ، واحِدُهم سالِفٌ، ومِنهُ قَوْلُ طُفَيْلٍ يَرْثِي قَوْمَهُ: مَضَوْا سَلَفًا قَصْدَ السَّبِيلِ عَلَيْهِمُ وصَرْفُ المَنايا بِالرِّجالِ تُقَلَّبُ فَعَلى هَذا قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: يَقُولُ: جَعَلْناهم مُتَقَدِّمِينَ لِيَتَّعِظَ بِهِمُ الآخَرُونَ، أيْ: جَعَلْناهم سَلَفًا لِكُفّارِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ. وأكْثَرُ القُرّاءِ قَرَءُوا بِالفَتْحِ، وهو جَمْعُ سالِفٍ كَما ذَكَرْناهُ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: ”سُلَفًا“ صفحة ١٨٩ بِالضَّمِّ، وهو جَمْعُ سَلَفٍ، قالَ اللَّيْثُ: يُقالُ سَلُفَ - بِضَمِّ اللّامِ - يَسْلُفُ سُلُوفًا، فَهو سُلُفٌ، أيْ: مُتَقَدِّمٌ، وقَوْلُهُ ﴿ومَثَلًا لِلْآخِرِينَ﴾ يُرِيدُ عِظَةً لِمَن بَقِيَ بَعْدَهم وآيَةً وعِبْرَةً، قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: المَثَلُ واحِدٌ يُرادُ بِهِ الجَمْعَ، ومِن ثَمَّ عُطِفَ عَلى سَلَفٍ، والدَّلِيلُ عَلى وُقُوعِهِ عَلى أكْثَرَ مِن واحِدٍ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ ومَن رَزَقْناهُ﴾ [النَّحْلِ: ٧٥] فَأدْخَلَ تَحْتَ المَثَلِ شَيْئَيْنِ، واللَّهُ أعْلَمُ. * * قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولَمّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إذا قَوْمُكَ مِنهُ يَصِدُّونَ﴾ ﴿وقالُوا أآلِهَتُنا خَيْرٌ أمْ هو ما ضَرَبُوهُ لَكَ إلّا جَدَلًا بَلْ هم قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ ﴿إنْ هو إلّا عَبْدٌ أنْعَمْنا عَلَيْهِ وجَعَلْناهُ مَثَلًا لِبَنِي إسْرائِيلَ﴾ ﴿ولَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنكم مَلائِكَةً في الأرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ ﴿وإنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِها واتَّبِعُونِ هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ ﴿ولا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطانُ إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ ٥٠ في الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أنْواعًا كَثِيرَةً مَن كُفْرِيّاتِهِمْ في هَذِهِ السُّورَةِ، وأجابَ عَنْها بِالوُجُوهِ الكَثِيرَةِ: فَأوَّلُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلُوا لَهُ مِن عِبادِهِ جُزْءًا﴾ . وثانِيها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا﴾ . وثالِثُها: قَوْلُهُ ﴿وقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ ما عَبَدْناهُمْ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٢٠] . ورابِعُها: قَوْلُهُ ﴿وقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٣١] . وخامِسُها: هَذِهِ الآيَةُ الَّتِي نَحْنُ الآنَ في تَفْسِيرِها، ولَفْظُ الآيَةِ لا يَدُلُّ إلّا عَلى أنَّهُ لَمّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا أخَذَ القَوْمُ يَضِجُّونَ ويَرْفَعُونَ أصْواتَهم، فَأمّا أنَّ ذَلِكَ المَثَلَ كَيْفَ كانَ، وفي أيِّ شَيْءٍ كانَ، فاللَّفْظُ لا يَدُلُّ عَلَيْهِ، والمُفَسِّرُونَ ذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا، كُلُّها مُحْتَمَلَةٌ: فالأوَّلُ: أنَّ الكُفّارَ لَمّا سَمِعُوا أنَّ النَّصارى يَعْبُدُونَ عِيسى، قالُوا: إذا عَبَدُوا عِيسى فَآلِهَتُنا خَيْرٌ مِن عِيسى، وإنَّما قالُوا ذَلِكَ لِأنَّهم كانُوا يَعْبُدُونَ المَلائِكَةَ. الثّانِي: رُوِيَ أنَّهُ «لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنْبِياءِ: ٩٨] قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزِّبَعْرى: هَذا خاصَّةٌ لَنا ولِآلِهَتِنا أمْ لِجَمِيعِ الأُمَمِ ؟ فَقالَ ﷺ: بَلْ لِجَمِيعِ الأُمَمِ فَقالَ: خَصَمْتُكَ ورَبِّ الكَعْبَةِ، ألَسْتَ تَزْعُمُ أنَّ عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ نَبِيٌّ وتُثْنِي عَلَيْهِ خَيْرًا وعَلى أُمِّهِ، وقَدْ عَلِمْتُ أنَّ النَّصارى يَعْبُدُونَهُما واليَهُودَ يَعْبُدُونَ عُزَيْرًا، والمَلائِكَةُ يُعْبَدُونَ، فَإذا كانَ هَؤُلاءِ في النّارِ فَقَدْ رَضِينا أنْ نَكُونَ نَحْنُ وآلِهَتُنا مَعَهم، فَسَكَتَ النَّبِيُّ ﷺ وفَرِحَ القَوْمُ وضَحِكُوا وضَجُّوا، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى أُولَئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ»﴾ [الأنْبِياءِ: ١٠١] ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ أيْضًا، والمَعْنى: ولَمّا ضَرَبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزِّبَعْرى عِيسى ﴿ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا﴾ وجادَلَ رَسُولَ اللَّهِ بِعِبادَةِ النَّصارى إيّاهُ صفحة ١٩٠ ﴿إذا قَوْمُكَ﴾ قُرَيْشٌ (مِنهَ) أيْ مِن هَذا المَثَلِ ﴿يَصِدُّونَ﴾ أيْ يَرْتَفِعُ لَهم ضَجِيجٌ وجَلَبَةٌ فَرَحًا وجَدَلًا وضَحِكًا بِسَبَبِ ما رَأوْا مِن إسْكاتِ رَسُولِ اللَّهِ، فَإنَّهُ قَدْ جَرَتِ العادَةُ بِأنَّ أحَدَ الخَصْمَيْنِ إذا انْقَطَعَ أظْهَرَ الخَصْمُ الثّانِي الفَرَحَ والضَّجِيجَ، ﴿وقالُوا أآلِهَتُنا خَيْرٌ أمْ هُوَ﴾ يَعْنُونَ أنَّ آلِهَتَنا عِنْدَكَ لَيْسَتْ خَيْرًا مِن عِيسى، فَإذا كانَ عِيسى مِن حَصَبِ جَهَنَّمَ كانَ أمْرُ آلِهَتِنا أهْوَنَ. الوَجْهُ الثّالِثُ في التَّأْوِيلِ: وهو أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا حَكى أنَّ النَّصارى عَبَدُوا المَسِيحَ وجَعَلُوهُ إلَهًا لِأنْفُسِهِمْ، قالَ كُفّارُ مَكَّةَ: إنَّ مُحَمَّدًا يُرِيدُ أنْ يَجْعَلَ لَنا إلَهًا كَما جَعَلَ النَّصارى المَسِيحَ إلَهًا لِأنْفُسِهِمْ، ثُمَّ عِنْدَ هَذا قالُوا ﴿أآلِهَتُنا خَيْرٌ أمْ هُوَ﴾ يَعْنِي أآلِهَتُنا خَيْرٌ أمْ مُحَمَّدٌ، وذَكَرُوا ذَلِكَ لِأجْلِ أنَّهم قالُوا: إنَّ مُحَمَّدًا يَدْعُونا إلى عِبادَةِ نَفْسِهِ، وآباؤُنا زَعَمُوا أنَّهُ يَجِبُ عِبادَةُ هَذِهِ الأصْنامِ، وإذا كانَ لا بُدَّ مِن أحَدِ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ فَعِبادَةُ هَذِهِ الأصْنامِ أوْلى، لِأنَّ آباءَنا وأسْلافَنا كانُوا مُتَطابِقِينَ عَلَيْهِ، وأمّا مُحَمَّدٌ فَإنَّهُ مُتَّهَمٌ في أمْرِنا بِعِبادَتِهِ، فَكانَ الِاشْتِغالُ بِعِبادَةِ الأصْنامِ أوْلى، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنّا لَمْ نَقُلْ إنَّ الِاشْتِغالَ بِعِبادَةِ المَسِيحِ طَرِيقٌ حَسَنٌ، بَلْ هو كَلامٌ باطِلٌ، فَإنَّ عِيسى لَيْسَ إلّا عَبْدًا أنْعَمْنا عَلَيْهِ، فَإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَقَدْ زالَتْ شُبْهَتُهم في قَوْلِهِمْ: إنَّ مُحَمَّدًا يُرِيدُ أنْ يَأْمُرَنا بِعِبادَةِ نَفْسِهِ، فَهَذِهِ الوُجُوهُ الثَّلاثَةُ مِمّا يَحْتَمِلُ كُلُّ واحِدٍ مِنها لَفْظَ الآيَةِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ والكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ”يَصُدُّونَ“ بِضَمِّ الصّادِ، وهو قِراءَةُ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - والباقُونَ بِكَسْرِ الصّادِ وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ، واخْتَلَفُوا فَقالَ الكِسائِيُّ: هُما بِمَعْنًى، نَحْوَ يَعْرِشُونَ ويَعْرُشُونَ، ويَعْكِفُونَ، ويَعْكُفُونَ، ومِنهم مَن فَرَّقَ، أمّا القِراءَةُ بِالضَّمِّ فَمِنَ الصُّدُودِ، أيْ مِن أجْلِ هَذا المَثَلِ يَصُدُّونَ عَنِ الحَقِّ ويُعْرِضُونَ عَنْهُ، وأمّا بِالكَسْرِ فَمَعْناهُ يَضِجُّونَ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ: ”أآلِهَتُنا“ اسْتِفْهامًا بِهَمْزَتَيْنِ، الثّانِيَةُ مُطَوَّلَةٌ، والباقُونَ اسْتِفْهامًا بِهَمْزَةٍ ومَدَّةٍ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ما ضَرَبُوهُ لَكَ إلّا جَدَلًا﴾ أيْ ما ضَرَبُوا لَكَ هَذا المَثَلَ إلّا لِأجْلِ الجَدَلِ والغَلَبَةِ في القَوْلِ، لا لِطَلَبِ الفَرْقِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ ﴿بَلْ هم قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ مُبالِغُونَ في الخُصُومَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [الأنْبِياءِ: ٩٨] لا يَتَناوَلُ المَلائِكَةَ وعِيسى، وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ كَلِمَةَ ”ما“ لا تَتَناوَلُ العُقَلاءَ البَتَّةَ. والثّانِي: أنَّ كَلِمَةَ ”ما“ لَيْسَتْ صَرِيحَةً في الِاسْتِغْراقِ بِدَلِيلِ أنَّهُ يَصِحُّ إدْخالُ لَفْظَتَيِ الكُلِّ والبَعْضِ عَلَيْهِ، فَيُقالُ: إنَّكم وكُلَّ ما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ، أوْ إنَّكم وبَعْضَ ما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ. الثّالِثُ: أنَّ قَوْلَهُ: إنَّكم وكُلَّ ما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أوْ وبَعْضَ ما تَعْبُدُونَ - خِطابُ مُشافَهَةٍ، فَلَعَلَّهُ ما كانَ فِيهِمْ أحَدٌ يَعْبُدُ المَسِيحَ والمَلائِكَةَ. الرّابِعُ: أنَّ قَوْلَهُ ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ هَبْ أنَّهُ عامٌّ إلّا أنَّ النُّصُوصَ الدّالَّةَ عَلى تَعْظِيمِ المَلائِكَةِ وعِيسى أخَصُّ مِنهُ، والخاصُّ مُقَدَّمٌ عَلى العامِّ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: القائِلُونَ بِذَمِّ الجَدَلِ تَمَسَّكُوا بِهَذِهِ الآيَةِ إلّا أنّا قَدْ ذَكَرْنا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما يُجادِلُ في آياتِ اللَّهِ إلّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أنَّ الآياتِ الكَثِيرَةَ دالَّةٌ عَلى أنَّ الجَدَلَ مُوجِبٌ لِلْمَدْحِ والثَّناءِ، وطَرِيقُ التَّوْفِيقِ أنْ تُصْرَفَ تِلْكَ الآياتُ إلى الجَدَلِ الَّذِي يُفِيدُ تَقْرِيرَ الحَقِّ، وأنْ تُصْرَفَ هَذِهِ الآيَةُ إلى الجَدَلِ الَّذِي يُوجِبُ تَقْرِيرَ الباطِلِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنْ هو إلّا عَبْدٌ أنْعَمْنا عَلَيْهِ﴾ يَعْنِي: ما عِيسى إلّا عَبْدٌ كَسائِرِ العَبِيدِ، أنْعَمْنا عَلَيْهِ حَيْثُ جَعَلْناهُ آيَةً بِأنْ خَلَقْناهُ مِن غَيْرِ أبٍ كَما خَلَقْنا آدَمَ، وشَرَّفْناهُ بِالنُّبُوَّةِ وصَيَّرْناهُ عِبْرَةً عَجِيبَةً كالمَثَلِ السّائِرِ ﴿ولَوْ نَشاءُ﴾ صفحة ١٩١ ﴿لَجَعَلْنا مِنكُمْ﴾ لَوَلَّدْنا مِنكم يا رِجالُ ﴿مَلائِكَةً في الأرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ كَما يَخْلُفُكم أوْلادُكم؛ كَما ولَّدْنا عِيسى مِن أُنْثى مِن غَيْرِ فَحْلٍ؛ لِتَعْرِفُوا تَمَيُّزَنا بِالقُدْرَةِ الباهِرَةِ، ولِتَعْرِفُوا أنَّ دُخُولَ التَّوْلِيدِ والتَّوَلُّدِ في المَلائِكَةِ أمْرٌ مُمْكِنٌ، وذاتُ اللَّهِ مُتَعالِيَةٌ عَنْ ذَلِكَ (وأنَّهُ) أيْ عِيسى ﴿لَعِلْمٌ لِلسّاعَةِ﴾ شَرْطٌ مِن أشْراطِها تُعْلَمُ بِهِ، فَسُمِّيَ الشَّرْطُ الدّالُّ عَلى الشَّيْءِ عِلْمًا لِحُصُولِ العِلْمِ بِهِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: ”لَعَلَمٌ“ وهو العَلامَةُ، وقُرِئَ: ”لَلْعِلْمُ“ وقَرَأ أُبَيٌّ: ”لَذِكْرٌ“، وفي الحَدِيثِ: «أنَّ عِيسى يَنْزِلُ عَلى ثَنِيَّةٍ في الأرْضِ المُقَدَّسَةِ يُقالُ لَها أفِيقُ، وبِيَدِهِ حَرْبَةٌ، وبِها يَقْتُلُ الدَّجّالَ، فَيَأْتِي بِبَيْتِ المَقْدِسِ في صَلاةِ الصُّبْحِ والإمامُ يَؤُمُّ بِهِمْ فَيَتَأخَّرُ الإمامُ فَيُقَدِّمُهُ عِيسى ويُصَلِّي خَلْفَهُ عَلى شَرِيعَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ثُمَّ يَقْتُلُ الخَنازِيرَ ويَكْسِرُ الصَّلِيبَ ويُخَرِّبُ البِيَعَ والكَنائِسَ ويَقْتُلُ النَّصارى إلّا مَن آمَنَ بِهِ» ﴿فَلا تَمْتَرُنَّ بِها﴾ مِنَ المِرْيَةِ وهو الشَّكُّ ﴿واتَّبِعُونِ﴾ واتَّبِعُوا هُدايَ وشَرْعِي ﴿هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ أيْ هَذا الَّذِي أدْعُوكم إلَيْهِ صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ ﴿ولا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطانُ إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ قَدْ بانَتْ عَداواتُهُ لَكم لِأجْلِ أنَّهُ هو الَّذِي أخْرَجَ أباكم مِنَ الجَنَّةِ ونَزَعَ عَنْهُ لِباسَ النُّورِ.

الزخرف 43:53

قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا إلى فِرْعَوْنَ﴾ ﴿ومَلَئِهِ فَقالَ إنِّي رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿فَلَمّا جاءَهم بِآياتِنا إذا هم مِنها يَضْحَكُونَ﴾ ﴿وما نُرِيهِمْ مِن آيَةٍ إلّا هي أكْبَرُ مِن أُخْتِها وأخَذْناهم بِالعَذابِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ ﴿وقالُوا ياأيُّها السّاحِرُ ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ إنَّنا لَمُهْتَدُونَ﴾ ﴿فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُمُ العَذابَ إذا هم يَنْكُثُونَ﴾ ﴿ونادى فِرْعَوْنُ في قَوْمِهِ قالَ ياقَوْمِ ألَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وهَذِهِ الأنْهارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ ﴿أمْ أنا خَيْرٌ مِن هَذا الَّذِي هو مَهِينٌ ولا يَكادُ يُبِينُ﴾ ﴿فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أسْوِرَةٌ مِن ذَهَبٍ أوْ جاءَ مَعَهُ المَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾ ﴿فاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأطاعُوهُ إنَّهم كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ ﴿فَلَمّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنهم فَأغْرَقْناهم أجْمَعِينَ﴾ وفِي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن إعادَةِ قِصَّةِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وفِرْعَوْنَ في هَذا المَقامِ تَقْرِيرُ الكَلامِ الَّذِي تَقَدَّمَ، وذَلِكَ لِأنَّ كُفّارَ قُرَيْشٍ طَعَنُوا في نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ بِسَبَبِ كَوْنِهِ فَقِيرًا عَدِيمَ المالِ والجاهِ، فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بَعْدَ أنْ أوْرَدَ المُعْجِزاتِ القاهِرَةَ الباهِرَةَ الَّتِي لا يَشُكُّ في صِحَّتِها عاقِلٌ أوْرَدَ فِرْعَوْنُ عَلَيْهِ هَذِهِ الشُّبْهَةَ الَّتِي ذَكَرَها كُفّارُ قُرَيْشٍ، فَقالَ: إنِّي غَنِيٌّ كَثِيرُ المالِ والجاهِ، ألا تَرَوْنَ أنَّهُ حَصَلَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وهَذِهِ الأنْهارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي، وأمّا مُوسى فَإنَّهُ فَقِيرٌ مَهِينٌ ولَيْسَ لَهُ بَيانٌ ولِسانٌ، والرَّجُلُ الفَقِيرُ كَيْفَ يَكُونُ رَسُولًا مِن عِنْدِ اللَّهِ إلى المَلِكِ الكَبِيرِ الغَنِيِّ، فَثَبَتَ أنَّ هَذِهِ الشُّبْهَةَ الَّتِي ذَكَرَها كُفّارُ مَكَّةَ، وهي قَوْلُهم ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٣١] وقَدْ أوْرَدَها بِعَيْنِها فِرْعَوْنُ عَلى مُوسى، ثُمَّ إنّا انْتَقَمْنا مِنهم فَأغْرَقْناهم، والمَقْصُودُ مِن إيرادِ هَذِهِ القِصَّةِ - تَقْرِيرُ أمْرَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ الكُفّارَ والجُهّالَ أبَدًا يَحْتَجُّونَ عَلى الأنْبِياءِ بِهَذِهِ الشُّبْهَةِ الرَّكِيكَةِ فَلا يُبالى بِها ولا يُلْتَفَتُ إلَيْها. والثّانِي: أنَّ فِرْعَوْنَ عَلى غايَةِ كَمالِ حالِهِ في الدُّنْيا صارَ مَقْهُورًا باطِلًا، فَيَكُونُ الأمْرُ في حَقِّ أعْدائِكَ هَكَذا، فَثَبَتَ أنَّهُ لَيْسَ المَقْصُودُ مِن إعادَةِ هَذِهِ القِصَّةِ عَيْنَ هَذِهِ القِصَّةِ، بَلِ المَقْصُودُ تَقْرِيرُ الجَوابِ عَنِ الشُّبْهَةِ المَذْكُورَةِ، وعَلى هَذا صفحة ١٨٧ فَلا يَكُونُ هَذا تَقْرِيرًا لِلْقِصَّةِ البَتَّةَ، وهَذا مِن نَفائِسِ الأبْحاثِ، واللَّهُ أعْلَمُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ في تَفْسِيرِ الألْفاظِ: ذَكَرَ تَعالى أنَّهُ أرْسَلَ مُوسى بِآياتِهِ، وهي المُعْجِزاتُ الَّتِي كانَتْ مَعَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ، أيْ قَوْمِهِ، فَقالَ مُوسى: إنِّي رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ، فَلَمّا جاءَهم بِتِلْكَ الآياتِ إذا هم مِنها يَضْحَكُونَ، قِيلَ: إنَّهُ لَمّا ألْقى عَصاهُ صارَ ثُعْبانًا ثُمَّ أخَذَهُ فَعادَ عَصًا كَما كانَ - ضَحِكُوا، ولَمّا عَرَضَ عَلَيْهِمُ اليَدَ البَيْضاءَ ثُمَّ عادَتْ كَما كانَتْ - ضَحِكُوا، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ جازَ أنْ يُجابَ عَنْ ”لَمّا“ بِـ ”إذا“ الَّذِي يُفِيدُ المُفاجَأةَ ؟ قُلْنا: لِأنَّ فِعْلَ المُفاجَأةِ مَعَها مُقَدَّرٌ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: فَلَمّا جاءَهم بِآياتِنا فاجَئُوا وقْتَ ضَحِكِهِمْ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿وما نُرِيهِمْ مِن آيَةٍ إلّا هي أكْبَرُ مِن أُخْتِها﴾ فَإنْ قِيلَ: ظاهِرُ اللَّفْظِ يَقْتَضِي كَوْنَ كُلِّ واحِدٍ مِنها أفْضَلَ مِنَ التّالِي، وذَلِكَ مُحالٌ، قُلْنا: إذا أُرِيدَ المُبالَغَةُ في كَوْنِ كُلٍّ مِن تِلْكَ الأشْياءِ بالِغًا إلى أقْصى الدَّرَجاتِ في الفَضِيلَةِ، فَقَدْ يُذْكَرُ هَذا الكَلامُ بِمَعْنى أنَّهُ لا يَبْعُدُ في أُناسٍ يَنْظُرُونَ إلَيْها أنْ يَقُولَ هَذا: إنَّ هَذا أفْضَلُ مِنَ الثّانِي، وأنْ يَقُولَ الثّانِي: لا بَلِ الثّانِي أفْضَلُ، وأنْ يَقُولَ الثّالِثُ: لا بَلِ الثّالِثُ أفْضَلُ، وحِينَئِذٍ يَصِيرُ كُلُّ واحِدٍ مِن تِلْكَ الأشْياءِ مَقُولًا فِيهِ: إنَّهُ أفْضَلُ مِن غَيْرِهِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وأخَذْناهم بِالعَذابِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ أيْ عَنِ الكُفْرِ إلى الإيمانِ، قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى يُرِيدُ الإيمانَ مِنَ الكُلِّ وأنَّهُ إنَّما أظْهَرَ تِلْكَ المُعْجِزاتِ القاهِرَةَ لِإرادَةِ أنْ يَرْجِعُوا مِنَ الكُفْرِ إلى الإيمانِ، قالَ المُفَسِّرُونَ: ومَعْنى قَوْلِهِ ﴿وأخَذْناهم بِالعَذابِ﴾ أيْ بِالأشْياءِ الَّتِي سَلَّطَها عَلَيْها كالطُّوفانِ والجَرادِ والقُمَّلِ والضَّفادِعِ والدَّمِ والطَّمْسِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وقالُوا ياأيُّها السّاحِرُ ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ إنَّنا لَمُهْتَدُونَ﴾ فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ سَمَّوْهُ بِالسّاحِرِ مَعَ قَوْلِهِمْ ﴿إنَّنا لَمُهْتَدُونَ﴾ ؟ قُلْنا: فِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ لِلْعالِمِ الماهِرِ ساحِرٌ، لِأنَّهم كانُوا يَسْتَعْظِمُونَ السِّحْرَ، وكَما يُقالُ في زَمانِنا في العامِلِ العَجِيبِ الكامِلِ إنَّهُ أتى بِالسِّحْرِ. الثّانِي: ﴿ياأيُّها السّاحِرُ﴾ في زَعْمِ النّاسِ ومُتَعارَفِ قَوْمِ فِرْعَوْنَ كَقَوْلِهِ ﴿وقالُوا ياأيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحِجْرِ: ٦] أيْ نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ في اعْتِقادِهِ وزَعْمِهِ. الثّالِثُ: أنَّ قَوْلَهم ﴿إنَّنا لَمُهْتَدُونَ﴾ وقَدْ كانُوا عازِمِينَ عَلى خِلافِهِ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ ﴿فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُمُ العَذابَ إذا هم يَنْكُثُونَ﴾ فَتَسْمِيَتُهم إيّاهُ بِالسِّحْرِ لا يُنافِي قَوْلَهم ﴿إنَّنا لَمُهْتَدُونَ﴾ ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ لَمّا كَشَفَ عَنْهُمُ العَذابَ نَكَثُوا ذَلِكَ العَهْدَ. ولَمّا حَكى اللَّهُ تَعالى مُعامَلَةَ فِرْعَوْنَ مَعَ مُوسى، حَكى أيْضًا مُعامَلَةَ فِرْعَوْنَ مَعَهُ فَقالَ: ﴿ونادى فِرْعَوْنُ في قَوْمِهِ﴾ والمَعْنى أنَّهُ أظْهَرَ هَذا القَوْلَ، فَقالَ: ﴿ياقَوْمِ ألَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وهَذِهِ الأنْهارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي﴾ يَعْنِي الأنْهارَ الَّتِي فَصَلُوها مِنَ النِّيلِ، ومُعْظَمُها أرْبَعَةٌ: نَهْرُ المَلِكِ ونَهْرُ طُولُونَ ونَهْرُ دِمْياطَ ونَهْرُ تِنِّيسَ، قِيلَ: كانَتْ تَجْرِي تَحْتَ قَصْرِهِ، وحاصِلُ الأمْرِ أنَّهُ احْتَجَّ بِكَثْرَةِ أمْوالِهِ وقُوَّةِ جاهِهِ عَلى فَضِيلَةِ نَفْسِهِ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿أمْ أنا خَيْرٌ مِن هَذا الَّذِي هو مَهِينٌ ولا يَكادُ يُبِينُ﴾ وعَنى بِكَوْنِهِ مَهِينًا كَوْنَهُ فَقِيرًا ضَعِيفَ الحالِ، وبِقَوْلِهِ ﴿ولا يَكادُ يُبِينُ﴾ حَبْسَةً كانَتْ في لِسانِهِ، واخْتَلَفُوا في مَعْنى ”أمْ“ هَهُنا، فَقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَجازُها: بَلْ أنا خَيْرٌ، وعَلى هَذا فَقَدَ تَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ ثُمَّ ابْتَدَأ فَقالَ: ﴿أمْ أنا خَيْرٌ﴾ بِمَعْنى بَلْ أنا خَيْرٌ، وقالَ الباقُونَ: ”أمْ“ هَذِهِ مُتَّصِلَةٌ؛ لِأنَّ المَعْنى ﴿أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ أمْ تُبْصِرُونَ، إلّا أنَّهُ وضَعَ قَوْلَهُ ﴿أنا خَيْرٌ﴾ مَوْضِعَ ”تُبْصِرُونَ“، لِأنَّهم إذا قالُوا لَهُ: أنْتَ خَيْرٌ، فَهم عِنْدَهُ بُصَراءُ، وقالَ آخَرُونَ: إنَّ تَمامَ الكَلامِ عِنْدَ قَوْلِهِ ”أمْ“، وقَوْلُهُ صفحة ١٨٨ ﴿أنا خَيْرٌ﴾ ابْتِداءُ الكَلامِ، والتَّقْدِيرُ: ﴿أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ أمْ تُبْصِرُونَ، لَكِنَّهُ اكْتَفى فِيهِ بِذِكْرِ ”أمْ“ كَما تَقُولُ لِغَيْرِكَ: أتَأْكُلُ أمْ. أيْ: أتَأْكُلُ أمْ لا تَأْكُلُ، تَقْتَصِرُ عَلى ذِكْرِ كَلِمَةِ ”أمْ“ إيثارًا لِلِاخْتِصارِ، فَكَذا هَهُنا، فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - سَألَ اللَّهَ تَعالى أنْ يُزِيلَ الرَّتَّةَ عَنْ لِسانِهِ بِقَوْلِهِ ﴿واحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِسانِي﴾ ﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ [طه: ٢٧] فَأعْطاهُ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﴿قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يامُوسى﴾ فَكَيْفَ عابَهُ فِرْعَوْنُ بِتِلْكَ الرَّتَّةِ ؟ والجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ فِرْعَوْنَ أرادَ بِقَوْلِهِ ﴿ولا يَكادُ يُبِينُ﴾ حُجَّتَهُ الَّتِي تَدُلُّ عَلى صِدْقِهِ فِيما يَدَّعِي، ولَمْ يُرِدْ أنَّهُ لا قُدْرَةَ لَهُ عَلى الكَلامِ. والثّانِي: أنَّهُ عابَهُ بِما كانَ عَلَيْهِ أوَّلًا، وذَلِكَ أنَّ مُوسى كانَ عِنْدَ فِرْعَوْنَ زَمانًا طَوِيلًا وفي لِسانِهِ حَبْسَةٌ، فَنَسَبَهُ فِرْعَوْنُ إلى ما عَهِدَهُ عَلَيْهِ مِنَ الرَّتَّةِ لِأنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى أزالَ ذَلِكَ العَيْبَ عَنْهُ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أسْوِرَةٌ مِن ذَهَبٍ﴾ والمُرادُ أنَّ عادَةَ القَوْمِ جَرَتْ بِأنَّهم إذا جَعَلُوا واحِدًا مِنهم رَئِيسًا لَهم سَوَّرُوهُ بِسِوارٍ مَن ذَهَبٍ وطَوَّقُوهُ بِطَوْقٍ مِن ذَهَبٍ، فَطَلَبَ فِرْعَوْنُ مِن مُوسى مِثْلَ هَذِهِ الحالَةِ، واخْتَلَفَ القُرّاءُ في ”أسْوِرَةٌ“، فَبَعْضُهم قَرَأ: ”أسْوِرَةٌ“، وآخَرُونَ: ”أساوِرَةٌ“، فَأسْوِرَةٌ جَمْعُ سِوارٍ لِأدْنى العَدَدِ، كَقَوْلِكَ حِمارٌ وأحْمِرَةٌ وغُرابٌ وأغْرِبَةٌ، ومَن قَرَأ ”أساوِرَةٌ“ فَذاكَ لِأنَّ أساوِيرَ جَمْعُ أسْوارٍ، وهو السُّوارُ، فَأساوِرَةٌ تَكُونُ الهاءُ عِوَضًا عَنِ الياءِ، نَحْوَ بِطْرِيقٍ وبَطارِقَةٍ وزِنْدِيقٍ وزَنادِقَةٍ وفِرْزِينٍ وفَرازِنَةٍ، فَتَكُونُ أساوِرَةٌ جَمْعَ أسْوارٍ، وحاصِلُ الكَلامِ يَرْجِعُ إلى حَرْفٍ واحِدٍ، وهو أنَّ فِرْعَوْنَ كانَ يَقُولُ أنا أكْثَرُ مالًا وجاهًا، فَوَجَبَ أنْ أكُونَ أفْضَلَ مِنهُ، فَيَمْتَنِعُ كَوْنُهُ رَسُولًا مِنَ اللَّهِ، لِأنَّ مَنصِبَ النُّبُوَّةِ يَقْتَضِي المَخْدُومِيَّةَ، والأخَسُّ لا يَكُونُ مَخْدُومًا لِلْأشْرَفِ، ثُمَّ المُقَدِّمَةُ الفاسِدَةُ هي قَوْلُهُ: مَن كانَ أكْثَرَ مالًا وجاهًا فَهو أفْضَلُ، وهي عَيْنُ المُقَدِّمَةِ الَّتِي تَمَسَّكَ بِها كُفّارُ قُرَيْشٍ في قَوْلِهِمْ ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿أوْ جاءَ مَعَهُ المَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مُقْرِنِينَ بِهِ، مِن قَوْلِكَ: قَرَنْتُهُ بِهِ فاقْتَرَنَ، وأنْ يَكُونَ مِن قَوْلِهِمُ: اقْتَرَنُوا بِمَعْنى تَقارَنُوا، قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ يَمْشُونَ مَعَهُ فَيَدُلُّونَ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأطاعُوهُ﴾ أيْ طَلَبَ مِنهُمُ الخِفَّةَ في الإتْيانِ بِما كانَ يَأْمُرُهم بِهِ فَأطاعُوهُ ﴿إنَّهم كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ حَيْثُ أطاعُوا ذَلِكَ الجاهِلَ الفاسِقَ ﴿فَلَمّا آسَفُونا﴾ أغْضَبُونا، حُكِيَ أنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ غَضِبَ في شَيْءٍ، فَقِيلَ لَهُ: أتَغْضَبُ يا أبا خالِدٍ ؟ فَقالَ: قَدْ غَضِبَ الَّذِي خَلَقَ الأحْلامَ، إنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿فَلَمّا آسَفُونا﴾ أيْ أغْضَبُونا. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿انْتَقَمْنا مِنهُمْ﴾ واعْلَمْ أنَّ ذِكْرَ لَفْظِ الأسَفِ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى مُحالٌ، وذِكْرُ لَفْظِ الِانْتِقامِ وكُلِّ واحِدٍ مِنهُما مِنَ المُتَشابِهاتِ الَّتِي يَجِبُ أنْ يُصارَ فِيها إلى التَّأْوِيلِ، ومَعْنى الغَضَبِ في حَقِّ اللَّهِ إرادَةُ العِقابِ، ومَعْنى الِانْتِقامِ إرادَةُ العِقابِ لِجُرْمٍ سابِقٍ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَجَعَلْناهم سَلَفًا ومَثَلًا﴾ السَّلَفُ كُلُّ شَيْءٍ قَدَّمْتَهُ مِن عَمَلٍ صالِحٍ أوْ قَرْضٍ فَهو سَلَفٌ، والسَّلَفُ أيْضًا مَن تَقَدَّمَ مِن آبائِكَ وأقارِبِكَ، واحِدُهم سالِفٌ، ومِنهُ قَوْلُ طُفَيْلٍ يَرْثِي قَوْمَهُ: مَضَوْا سَلَفًا قَصْدَ السَّبِيلِ عَلَيْهِمُ وصَرْفُ المَنايا بِالرِّجالِ تُقَلَّبُ فَعَلى هَذا قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: يَقُولُ: جَعَلْناهم مُتَقَدِّمِينَ لِيَتَّعِظَ بِهِمُ الآخَرُونَ، أيْ: جَعَلْناهم سَلَفًا لِكُفّارِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ. وأكْثَرُ القُرّاءِ قَرَءُوا بِالفَتْحِ، وهو جَمْعُ سالِفٍ كَما ذَكَرْناهُ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: ”سُلَفًا“ صفحة ١٨٩ بِالضَّمِّ، وهو جَمْعُ سَلَفٍ، قالَ اللَّيْثُ: يُقالُ سَلُفَ - بِضَمِّ اللّامِ - يَسْلُفُ سُلُوفًا، فَهو سُلُفٌ، أيْ: مُتَقَدِّمٌ، وقَوْلُهُ ﴿ومَثَلًا لِلْآخِرِينَ﴾ يُرِيدُ عِظَةً لِمَن بَقِيَ بَعْدَهم وآيَةً وعِبْرَةً، قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: المَثَلُ واحِدٌ يُرادُ بِهِ الجَمْعَ، ومِن ثَمَّ عُطِفَ عَلى سَلَفٍ، والدَّلِيلُ عَلى وُقُوعِهِ عَلى أكْثَرَ مِن واحِدٍ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ ومَن رَزَقْناهُ﴾ [النَّحْلِ: ٧٥] فَأدْخَلَ تَحْتَ المَثَلِ شَيْئَيْنِ، واللَّهُ أعْلَمُ. * * قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولَمّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إذا قَوْمُكَ مِنهُ يَصِدُّونَ﴾ ﴿وقالُوا أآلِهَتُنا خَيْرٌ أمْ هو ما ضَرَبُوهُ لَكَ إلّا جَدَلًا بَلْ هم قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ ﴿إنْ هو إلّا عَبْدٌ أنْعَمْنا عَلَيْهِ وجَعَلْناهُ مَثَلًا لِبَنِي إسْرائِيلَ﴾ ﴿ولَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنكم مَلائِكَةً في الأرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ ﴿وإنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِها واتَّبِعُونِ هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ ﴿ولا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطانُ إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ ٥٠ في الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أنْواعًا كَثِيرَةً مَن كُفْرِيّاتِهِمْ في هَذِهِ السُّورَةِ، وأجابَ عَنْها بِالوُجُوهِ الكَثِيرَةِ: فَأوَّلُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلُوا لَهُ مِن عِبادِهِ جُزْءًا﴾ . وثانِيها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا﴾ . وثالِثُها: قَوْلُهُ ﴿وقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ ما عَبَدْناهُمْ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٢٠] . ورابِعُها: قَوْلُهُ ﴿وقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٣١] . وخامِسُها: هَذِهِ الآيَةُ الَّتِي نَحْنُ الآنَ في تَفْسِيرِها، ولَفْظُ الآيَةِ لا يَدُلُّ إلّا عَلى أنَّهُ لَمّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا أخَذَ القَوْمُ يَضِجُّونَ ويَرْفَعُونَ أصْواتَهم، فَأمّا أنَّ ذَلِكَ المَثَلَ كَيْفَ كانَ، وفي أيِّ شَيْءٍ كانَ، فاللَّفْظُ لا يَدُلُّ عَلَيْهِ، والمُفَسِّرُونَ ذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا، كُلُّها مُحْتَمَلَةٌ: فالأوَّلُ: أنَّ الكُفّارَ لَمّا سَمِعُوا أنَّ النَّصارى يَعْبُدُونَ عِيسى، قالُوا: إذا عَبَدُوا عِيسى فَآلِهَتُنا خَيْرٌ مِن عِيسى، وإنَّما قالُوا ذَلِكَ لِأنَّهم كانُوا يَعْبُدُونَ المَلائِكَةَ. الثّانِي: رُوِيَ أنَّهُ «لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنْبِياءِ: ٩٨] قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزِّبَعْرى: هَذا خاصَّةٌ لَنا ولِآلِهَتِنا أمْ لِجَمِيعِ الأُمَمِ ؟ فَقالَ ﷺ: بَلْ لِجَمِيعِ الأُمَمِ فَقالَ: خَصَمْتُكَ ورَبِّ الكَعْبَةِ، ألَسْتَ تَزْعُمُ أنَّ عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ نَبِيٌّ وتُثْنِي عَلَيْهِ خَيْرًا وعَلى أُمِّهِ، وقَدْ عَلِمْتُ أنَّ النَّصارى يَعْبُدُونَهُما واليَهُودَ يَعْبُدُونَ عُزَيْرًا، والمَلائِكَةُ يُعْبَدُونَ، فَإذا كانَ هَؤُلاءِ في النّارِ فَقَدْ رَضِينا أنْ نَكُونَ نَحْنُ وآلِهَتُنا مَعَهم، فَسَكَتَ النَّبِيُّ ﷺ وفَرِحَ القَوْمُ وضَحِكُوا وضَجُّوا، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى أُولَئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ»﴾ [الأنْبِياءِ: ١٠١] ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ أيْضًا، والمَعْنى: ولَمّا ضَرَبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزِّبَعْرى عِيسى ﴿ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا﴾ وجادَلَ رَسُولَ اللَّهِ بِعِبادَةِ النَّصارى إيّاهُ صفحة ١٩٠ ﴿إذا قَوْمُكَ﴾ قُرَيْشٌ (مِنهَ) أيْ مِن هَذا المَثَلِ ﴿يَصِدُّونَ﴾ أيْ يَرْتَفِعُ لَهم ضَجِيجٌ وجَلَبَةٌ فَرَحًا وجَدَلًا وضَحِكًا بِسَبَبِ ما رَأوْا مِن إسْكاتِ رَسُولِ اللَّهِ، فَإنَّهُ قَدْ جَرَتِ العادَةُ بِأنَّ أحَدَ الخَصْمَيْنِ إذا انْقَطَعَ أظْهَرَ الخَصْمُ الثّانِي الفَرَحَ والضَّجِيجَ، ﴿وقالُوا أآلِهَتُنا خَيْرٌ أمْ هُوَ﴾ يَعْنُونَ أنَّ آلِهَتَنا عِنْدَكَ لَيْسَتْ خَيْرًا مِن عِيسى، فَإذا كانَ عِيسى مِن حَصَبِ جَهَنَّمَ كانَ أمْرُ آلِهَتِنا أهْوَنَ. الوَجْهُ الثّالِثُ في التَّأْوِيلِ: وهو أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا حَكى أنَّ النَّصارى عَبَدُوا المَسِيحَ وجَعَلُوهُ إلَهًا لِأنْفُسِهِمْ، قالَ كُفّارُ مَكَّةَ: إنَّ مُحَمَّدًا يُرِيدُ أنْ يَجْعَلَ لَنا إلَهًا كَما جَعَلَ النَّصارى المَسِيحَ إلَهًا لِأنْفُسِهِمْ، ثُمَّ عِنْدَ هَذا قالُوا ﴿أآلِهَتُنا خَيْرٌ أمْ هُوَ﴾ يَعْنِي أآلِهَتُنا خَيْرٌ أمْ مُحَمَّدٌ، وذَكَرُوا ذَلِكَ لِأجْلِ أنَّهم قالُوا: إنَّ مُحَمَّدًا يَدْعُونا إلى عِبادَةِ نَفْسِهِ، وآباؤُنا زَعَمُوا أنَّهُ يَجِبُ عِبادَةُ هَذِهِ الأصْنامِ، وإذا كانَ لا بُدَّ مِن أحَدِ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ فَعِبادَةُ هَذِهِ الأصْنامِ أوْلى، لِأنَّ آباءَنا وأسْلافَنا كانُوا مُتَطابِقِينَ عَلَيْهِ، وأمّا مُحَمَّدٌ فَإنَّهُ مُتَّهَمٌ في أمْرِنا بِعِبادَتِهِ، فَكانَ الِاشْتِغالُ بِعِبادَةِ الأصْنامِ أوْلى، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنّا لَمْ نَقُلْ إنَّ الِاشْتِغالَ بِعِبادَةِ المَسِيحِ طَرِيقٌ حَسَنٌ، بَلْ هو كَلامٌ باطِلٌ، فَإنَّ عِيسى لَيْسَ إلّا عَبْدًا أنْعَمْنا عَلَيْهِ، فَإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَقَدْ زالَتْ شُبْهَتُهم في قَوْلِهِمْ: إنَّ مُحَمَّدًا يُرِيدُ أنْ يَأْمُرَنا بِعِبادَةِ نَفْسِهِ، فَهَذِهِ الوُجُوهُ الثَّلاثَةُ مِمّا يَحْتَمِلُ كُلُّ واحِدٍ مِنها لَفْظَ الآيَةِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ والكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ”يَصُدُّونَ“ بِضَمِّ الصّادِ، وهو قِراءَةُ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - والباقُونَ بِكَسْرِ الصّادِ وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ، واخْتَلَفُوا فَقالَ الكِسائِيُّ: هُما بِمَعْنًى، نَحْوَ يَعْرِشُونَ ويَعْرُشُونَ، ويَعْكِفُونَ، ويَعْكُفُونَ، ومِنهم مَن فَرَّقَ، أمّا القِراءَةُ بِالضَّمِّ فَمِنَ الصُّدُودِ، أيْ مِن أجْلِ هَذا المَثَلِ يَصُدُّونَ عَنِ الحَقِّ ويُعْرِضُونَ عَنْهُ، وأمّا بِالكَسْرِ فَمَعْناهُ يَضِجُّونَ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ: ”أآلِهَتُنا“ اسْتِفْهامًا بِهَمْزَتَيْنِ، الثّانِيَةُ مُطَوَّلَةٌ، والباقُونَ اسْتِفْهامًا بِهَمْزَةٍ ومَدَّةٍ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ما ضَرَبُوهُ لَكَ إلّا جَدَلًا﴾ أيْ ما ضَرَبُوا لَكَ هَذا المَثَلَ إلّا لِأجْلِ الجَدَلِ والغَلَبَةِ في القَوْلِ، لا لِطَلَبِ الفَرْقِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ ﴿بَلْ هم قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ مُبالِغُونَ في الخُصُومَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [الأنْبِياءِ: ٩٨] لا يَتَناوَلُ المَلائِكَةَ وعِيسى، وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ كَلِمَةَ ”ما“ لا تَتَناوَلُ العُقَلاءَ البَتَّةَ. والثّانِي: أنَّ كَلِمَةَ ”ما“ لَيْسَتْ صَرِيحَةً في الِاسْتِغْراقِ بِدَلِيلِ أنَّهُ يَصِحُّ إدْخالُ لَفْظَتَيِ الكُلِّ والبَعْضِ عَلَيْهِ، فَيُقالُ: إنَّكم وكُلَّ ما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ، أوْ إنَّكم وبَعْضَ ما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ. الثّالِثُ: أنَّ قَوْلَهُ: إنَّكم وكُلَّ ما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أوْ وبَعْضَ ما تَعْبُدُونَ - خِطابُ مُشافَهَةٍ، فَلَعَلَّهُ ما كانَ فِيهِمْ أحَدٌ يَعْبُدُ المَسِيحَ والمَلائِكَةَ. الرّابِعُ: أنَّ قَوْلَهُ ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ هَبْ أنَّهُ عامٌّ إلّا أنَّ النُّصُوصَ الدّالَّةَ عَلى تَعْظِيمِ المَلائِكَةِ وعِيسى أخَصُّ مِنهُ، والخاصُّ مُقَدَّمٌ عَلى العامِّ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: القائِلُونَ بِذَمِّ الجَدَلِ تَمَسَّكُوا بِهَذِهِ الآيَةِ إلّا أنّا قَدْ ذَكَرْنا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما يُجادِلُ في آياتِ اللَّهِ إلّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أنَّ الآياتِ الكَثِيرَةَ دالَّةٌ عَلى أنَّ الجَدَلَ مُوجِبٌ لِلْمَدْحِ والثَّناءِ، وطَرِيقُ التَّوْفِيقِ أنْ تُصْرَفَ تِلْكَ الآياتُ إلى الجَدَلِ الَّذِي يُفِيدُ تَقْرِيرَ الحَقِّ، وأنْ تُصْرَفَ هَذِهِ الآيَةُ إلى الجَدَلِ الَّذِي يُوجِبُ تَقْرِيرَ الباطِلِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنْ هو إلّا عَبْدٌ أنْعَمْنا عَلَيْهِ﴾ يَعْنِي: ما عِيسى إلّا عَبْدٌ كَسائِرِ العَبِيدِ، أنْعَمْنا عَلَيْهِ حَيْثُ جَعَلْناهُ آيَةً بِأنْ خَلَقْناهُ مِن غَيْرِ أبٍ كَما خَلَقْنا آدَمَ، وشَرَّفْناهُ بِالنُّبُوَّةِ وصَيَّرْناهُ عِبْرَةً عَجِيبَةً كالمَثَلِ السّائِرِ ﴿ولَوْ نَشاءُ﴾ صفحة ١٩١ ﴿لَجَعَلْنا مِنكُمْ﴾ لَوَلَّدْنا مِنكم يا رِجالُ ﴿مَلائِكَةً في الأرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ كَما يَخْلُفُكم أوْلادُكم؛ كَما ولَّدْنا عِيسى مِن أُنْثى مِن غَيْرِ فَحْلٍ؛ لِتَعْرِفُوا تَمَيُّزَنا بِالقُدْرَةِ الباهِرَةِ، ولِتَعْرِفُوا أنَّ دُخُولَ التَّوْلِيدِ والتَّوَلُّدِ في المَلائِكَةِ أمْرٌ مُمْكِنٌ، وذاتُ اللَّهِ مُتَعالِيَةٌ عَنْ ذَلِكَ (وأنَّهُ) أيْ عِيسى ﴿لَعِلْمٌ لِلسّاعَةِ﴾ شَرْطٌ مِن أشْراطِها تُعْلَمُ بِهِ، فَسُمِّيَ الشَّرْطُ الدّالُّ عَلى الشَّيْءِ عِلْمًا لِحُصُولِ العِلْمِ بِهِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: ”لَعَلَمٌ“ وهو العَلامَةُ، وقُرِئَ: ”لَلْعِلْمُ“ وقَرَأ أُبَيٌّ: ”لَذِكْرٌ“، وفي الحَدِيثِ: «أنَّ عِيسى يَنْزِلُ عَلى ثَنِيَّةٍ في الأرْضِ المُقَدَّسَةِ يُقالُ لَها أفِيقُ، وبِيَدِهِ حَرْبَةٌ، وبِها يَقْتُلُ الدَّجّالَ، فَيَأْتِي بِبَيْتِ المَقْدِسِ في صَلاةِ الصُّبْحِ والإمامُ يَؤُمُّ بِهِمْ فَيَتَأخَّرُ الإمامُ فَيُقَدِّمُهُ عِيسى ويُصَلِّي خَلْفَهُ عَلى شَرِيعَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ثُمَّ يَقْتُلُ الخَنازِيرَ ويَكْسِرُ الصَّلِيبَ ويُخَرِّبُ البِيَعَ والكَنائِسَ ويَقْتُلُ النَّصارى إلّا مَن آمَنَ بِهِ» ﴿فَلا تَمْتَرُنَّ بِها﴾ مِنَ المِرْيَةِ وهو الشَّكُّ ﴿واتَّبِعُونِ﴾ واتَّبِعُوا هُدايَ وشَرْعِي ﴿هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ أيْ هَذا الَّذِي أدْعُوكم إلَيْهِ صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ ﴿ولا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطانُ إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ قَدْ بانَتْ عَداواتُهُ لَكم لِأجْلِ أنَّهُ هو الَّذِي أخْرَجَ أباكم مِنَ الجَنَّةِ ونَزَعَ عَنْهُ لِباسَ النُّورِ.

الزخرف 43:54

قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا إلى فِرْعَوْنَ﴾ ﴿ومَلَئِهِ فَقالَ إنِّي رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿فَلَمّا جاءَهم بِآياتِنا إذا هم مِنها يَضْحَكُونَ﴾ ﴿وما نُرِيهِمْ مِن آيَةٍ إلّا هي أكْبَرُ مِن أُخْتِها وأخَذْناهم بِالعَذابِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ ﴿وقالُوا ياأيُّها السّاحِرُ ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ إنَّنا لَمُهْتَدُونَ﴾ ﴿فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُمُ العَذابَ إذا هم يَنْكُثُونَ﴾ ﴿ونادى فِرْعَوْنُ في قَوْمِهِ قالَ ياقَوْمِ ألَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وهَذِهِ الأنْهارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ ﴿أمْ أنا خَيْرٌ مِن هَذا الَّذِي هو مَهِينٌ ولا يَكادُ يُبِينُ﴾ ﴿فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أسْوِرَةٌ مِن ذَهَبٍ أوْ جاءَ مَعَهُ المَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾ ﴿فاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأطاعُوهُ إنَّهم كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ ﴿فَلَمّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنهم فَأغْرَقْناهم أجْمَعِينَ﴾ وفِي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن إعادَةِ قِصَّةِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وفِرْعَوْنَ في هَذا المَقامِ تَقْرِيرُ الكَلامِ الَّذِي تَقَدَّمَ، وذَلِكَ لِأنَّ كُفّارَ قُرَيْشٍ طَعَنُوا في نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ بِسَبَبِ كَوْنِهِ فَقِيرًا عَدِيمَ المالِ والجاهِ، فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بَعْدَ أنْ أوْرَدَ المُعْجِزاتِ القاهِرَةَ الباهِرَةَ الَّتِي لا يَشُكُّ في صِحَّتِها عاقِلٌ أوْرَدَ فِرْعَوْنُ عَلَيْهِ هَذِهِ الشُّبْهَةَ الَّتِي ذَكَرَها كُفّارُ قُرَيْشٍ، فَقالَ: إنِّي غَنِيٌّ كَثِيرُ المالِ والجاهِ، ألا تَرَوْنَ أنَّهُ حَصَلَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وهَذِهِ الأنْهارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي، وأمّا مُوسى فَإنَّهُ فَقِيرٌ مَهِينٌ ولَيْسَ لَهُ بَيانٌ ولِسانٌ، والرَّجُلُ الفَقِيرُ كَيْفَ يَكُونُ رَسُولًا مِن عِنْدِ اللَّهِ إلى المَلِكِ الكَبِيرِ الغَنِيِّ، فَثَبَتَ أنَّ هَذِهِ الشُّبْهَةَ الَّتِي ذَكَرَها كُفّارُ مَكَّةَ، وهي قَوْلُهم ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٣١] وقَدْ أوْرَدَها بِعَيْنِها فِرْعَوْنُ عَلى مُوسى، ثُمَّ إنّا انْتَقَمْنا مِنهم فَأغْرَقْناهم، والمَقْصُودُ مِن إيرادِ هَذِهِ القِصَّةِ - تَقْرِيرُ أمْرَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ الكُفّارَ والجُهّالَ أبَدًا يَحْتَجُّونَ عَلى الأنْبِياءِ بِهَذِهِ الشُّبْهَةِ الرَّكِيكَةِ فَلا يُبالى بِها ولا يُلْتَفَتُ إلَيْها. والثّانِي: أنَّ فِرْعَوْنَ عَلى غايَةِ كَمالِ حالِهِ في الدُّنْيا صارَ مَقْهُورًا باطِلًا، فَيَكُونُ الأمْرُ في حَقِّ أعْدائِكَ هَكَذا، فَثَبَتَ أنَّهُ لَيْسَ المَقْصُودُ مِن إعادَةِ هَذِهِ القِصَّةِ عَيْنَ هَذِهِ القِصَّةِ، بَلِ المَقْصُودُ تَقْرِيرُ الجَوابِ عَنِ الشُّبْهَةِ المَذْكُورَةِ، وعَلى هَذا صفحة ١٨٧ فَلا يَكُونُ هَذا تَقْرِيرًا لِلْقِصَّةِ البَتَّةَ، وهَذا مِن نَفائِسِ الأبْحاثِ، واللَّهُ أعْلَمُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ في تَفْسِيرِ الألْفاظِ: ذَكَرَ تَعالى أنَّهُ أرْسَلَ مُوسى بِآياتِهِ، وهي المُعْجِزاتُ الَّتِي كانَتْ مَعَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ، أيْ قَوْمِهِ، فَقالَ مُوسى: إنِّي رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ، فَلَمّا جاءَهم بِتِلْكَ الآياتِ إذا هم مِنها يَضْحَكُونَ، قِيلَ: إنَّهُ لَمّا ألْقى عَصاهُ صارَ ثُعْبانًا ثُمَّ أخَذَهُ فَعادَ عَصًا كَما كانَ - ضَحِكُوا، ولَمّا عَرَضَ عَلَيْهِمُ اليَدَ البَيْضاءَ ثُمَّ عادَتْ كَما كانَتْ - ضَحِكُوا، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ جازَ أنْ يُجابَ عَنْ ”لَمّا“ بِـ ”إذا“ الَّذِي يُفِيدُ المُفاجَأةَ ؟ قُلْنا: لِأنَّ فِعْلَ المُفاجَأةِ مَعَها مُقَدَّرٌ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: فَلَمّا جاءَهم بِآياتِنا فاجَئُوا وقْتَ ضَحِكِهِمْ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿وما نُرِيهِمْ مِن آيَةٍ إلّا هي أكْبَرُ مِن أُخْتِها﴾ فَإنْ قِيلَ: ظاهِرُ اللَّفْظِ يَقْتَضِي كَوْنَ كُلِّ واحِدٍ مِنها أفْضَلَ مِنَ التّالِي، وذَلِكَ مُحالٌ، قُلْنا: إذا أُرِيدَ المُبالَغَةُ في كَوْنِ كُلٍّ مِن تِلْكَ الأشْياءِ بالِغًا إلى أقْصى الدَّرَجاتِ في الفَضِيلَةِ، فَقَدْ يُذْكَرُ هَذا الكَلامُ بِمَعْنى أنَّهُ لا يَبْعُدُ في أُناسٍ يَنْظُرُونَ إلَيْها أنْ يَقُولَ هَذا: إنَّ هَذا أفْضَلُ مِنَ الثّانِي، وأنْ يَقُولَ الثّانِي: لا بَلِ الثّانِي أفْضَلُ، وأنْ يَقُولَ الثّالِثُ: لا بَلِ الثّالِثُ أفْضَلُ، وحِينَئِذٍ يَصِيرُ كُلُّ واحِدٍ مِن تِلْكَ الأشْياءِ مَقُولًا فِيهِ: إنَّهُ أفْضَلُ مِن غَيْرِهِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وأخَذْناهم بِالعَذابِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ أيْ عَنِ الكُفْرِ إلى الإيمانِ، قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى يُرِيدُ الإيمانَ مِنَ الكُلِّ وأنَّهُ إنَّما أظْهَرَ تِلْكَ المُعْجِزاتِ القاهِرَةَ لِإرادَةِ أنْ يَرْجِعُوا مِنَ الكُفْرِ إلى الإيمانِ، قالَ المُفَسِّرُونَ: ومَعْنى قَوْلِهِ ﴿وأخَذْناهم بِالعَذابِ﴾ أيْ بِالأشْياءِ الَّتِي سَلَّطَها عَلَيْها كالطُّوفانِ والجَرادِ والقُمَّلِ والضَّفادِعِ والدَّمِ والطَّمْسِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وقالُوا ياأيُّها السّاحِرُ ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ إنَّنا لَمُهْتَدُونَ﴾ فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ سَمَّوْهُ بِالسّاحِرِ مَعَ قَوْلِهِمْ ﴿إنَّنا لَمُهْتَدُونَ﴾ ؟ قُلْنا: فِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ لِلْعالِمِ الماهِرِ ساحِرٌ، لِأنَّهم كانُوا يَسْتَعْظِمُونَ السِّحْرَ، وكَما يُقالُ في زَمانِنا في العامِلِ العَجِيبِ الكامِلِ إنَّهُ أتى بِالسِّحْرِ. الثّانِي: ﴿ياأيُّها السّاحِرُ﴾ في زَعْمِ النّاسِ ومُتَعارَفِ قَوْمِ فِرْعَوْنَ كَقَوْلِهِ ﴿وقالُوا ياأيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحِجْرِ: ٦] أيْ نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ في اعْتِقادِهِ وزَعْمِهِ. الثّالِثُ: أنَّ قَوْلَهم ﴿إنَّنا لَمُهْتَدُونَ﴾ وقَدْ كانُوا عازِمِينَ عَلى خِلافِهِ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ ﴿فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُمُ العَذابَ إذا هم يَنْكُثُونَ﴾ فَتَسْمِيَتُهم إيّاهُ بِالسِّحْرِ لا يُنافِي قَوْلَهم ﴿إنَّنا لَمُهْتَدُونَ﴾ ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ لَمّا كَشَفَ عَنْهُمُ العَذابَ نَكَثُوا ذَلِكَ العَهْدَ. ولَمّا حَكى اللَّهُ تَعالى مُعامَلَةَ فِرْعَوْنَ مَعَ مُوسى، حَكى أيْضًا مُعامَلَةَ فِرْعَوْنَ مَعَهُ فَقالَ: ﴿ونادى فِرْعَوْنُ في قَوْمِهِ﴾ والمَعْنى أنَّهُ أظْهَرَ هَذا القَوْلَ، فَقالَ: ﴿ياقَوْمِ ألَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وهَذِهِ الأنْهارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي﴾ يَعْنِي الأنْهارَ الَّتِي فَصَلُوها مِنَ النِّيلِ، ومُعْظَمُها أرْبَعَةٌ: نَهْرُ المَلِكِ ونَهْرُ طُولُونَ ونَهْرُ دِمْياطَ ونَهْرُ تِنِّيسَ، قِيلَ: كانَتْ تَجْرِي تَحْتَ قَصْرِهِ، وحاصِلُ الأمْرِ أنَّهُ احْتَجَّ بِكَثْرَةِ أمْوالِهِ وقُوَّةِ جاهِهِ عَلى فَضِيلَةِ نَفْسِهِ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿أمْ أنا خَيْرٌ مِن هَذا الَّذِي هو مَهِينٌ ولا يَكادُ يُبِينُ﴾ وعَنى بِكَوْنِهِ مَهِينًا كَوْنَهُ فَقِيرًا ضَعِيفَ الحالِ، وبِقَوْلِهِ ﴿ولا يَكادُ يُبِينُ﴾ حَبْسَةً كانَتْ في لِسانِهِ، واخْتَلَفُوا في مَعْنى ”أمْ“ هَهُنا، فَقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَجازُها: بَلْ أنا خَيْرٌ، وعَلى هَذا فَقَدَ تَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ ثُمَّ ابْتَدَأ فَقالَ: ﴿أمْ أنا خَيْرٌ﴾ بِمَعْنى بَلْ أنا خَيْرٌ، وقالَ الباقُونَ: ”أمْ“ هَذِهِ مُتَّصِلَةٌ؛ لِأنَّ المَعْنى ﴿أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ أمْ تُبْصِرُونَ، إلّا أنَّهُ وضَعَ قَوْلَهُ ﴿أنا خَيْرٌ﴾ مَوْضِعَ ”تُبْصِرُونَ“، لِأنَّهم إذا قالُوا لَهُ: أنْتَ خَيْرٌ، فَهم عِنْدَهُ بُصَراءُ، وقالَ آخَرُونَ: إنَّ تَمامَ الكَلامِ عِنْدَ قَوْلِهِ ”أمْ“، وقَوْلُهُ صفحة ١٨٨ ﴿أنا خَيْرٌ﴾ ابْتِداءُ الكَلامِ، والتَّقْدِيرُ: ﴿أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ أمْ تُبْصِرُونَ، لَكِنَّهُ اكْتَفى فِيهِ بِذِكْرِ ”أمْ“ كَما تَقُولُ لِغَيْرِكَ: أتَأْكُلُ أمْ. أيْ: أتَأْكُلُ أمْ لا تَأْكُلُ، تَقْتَصِرُ عَلى ذِكْرِ كَلِمَةِ ”أمْ“ إيثارًا لِلِاخْتِصارِ، فَكَذا هَهُنا، فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - سَألَ اللَّهَ تَعالى أنْ يُزِيلَ الرَّتَّةَ عَنْ لِسانِهِ بِقَوْلِهِ ﴿واحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِسانِي﴾ ﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ [طه: ٢٧] فَأعْطاهُ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﴿قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يامُوسى﴾ فَكَيْفَ عابَهُ فِرْعَوْنُ بِتِلْكَ الرَّتَّةِ ؟ والجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ فِرْعَوْنَ أرادَ بِقَوْلِهِ ﴿ولا يَكادُ يُبِينُ﴾ حُجَّتَهُ الَّتِي تَدُلُّ عَلى صِدْقِهِ فِيما يَدَّعِي، ولَمْ يُرِدْ أنَّهُ لا قُدْرَةَ لَهُ عَلى الكَلامِ. والثّانِي: أنَّهُ عابَهُ بِما كانَ عَلَيْهِ أوَّلًا، وذَلِكَ أنَّ مُوسى كانَ عِنْدَ فِرْعَوْنَ زَمانًا طَوِيلًا وفي لِسانِهِ حَبْسَةٌ، فَنَسَبَهُ فِرْعَوْنُ إلى ما عَهِدَهُ عَلَيْهِ مِنَ الرَّتَّةِ لِأنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى أزالَ ذَلِكَ العَيْبَ عَنْهُ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أسْوِرَةٌ مِن ذَهَبٍ﴾ والمُرادُ أنَّ عادَةَ القَوْمِ جَرَتْ بِأنَّهم إذا جَعَلُوا واحِدًا مِنهم رَئِيسًا لَهم سَوَّرُوهُ بِسِوارٍ مَن ذَهَبٍ وطَوَّقُوهُ بِطَوْقٍ مِن ذَهَبٍ، فَطَلَبَ فِرْعَوْنُ مِن مُوسى مِثْلَ هَذِهِ الحالَةِ، واخْتَلَفَ القُرّاءُ في ”أسْوِرَةٌ“، فَبَعْضُهم قَرَأ: ”أسْوِرَةٌ“، وآخَرُونَ: ”أساوِرَةٌ“، فَأسْوِرَةٌ جَمْعُ سِوارٍ لِأدْنى العَدَدِ، كَقَوْلِكَ حِمارٌ وأحْمِرَةٌ وغُرابٌ وأغْرِبَةٌ، ومَن قَرَأ ”أساوِرَةٌ“ فَذاكَ لِأنَّ أساوِيرَ جَمْعُ أسْوارٍ، وهو السُّوارُ، فَأساوِرَةٌ تَكُونُ الهاءُ عِوَضًا عَنِ الياءِ، نَحْوَ بِطْرِيقٍ وبَطارِقَةٍ وزِنْدِيقٍ وزَنادِقَةٍ وفِرْزِينٍ وفَرازِنَةٍ، فَتَكُونُ أساوِرَةٌ جَمْعَ أسْوارٍ، وحاصِلُ الكَلامِ يَرْجِعُ إلى حَرْفٍ واحِدٍ، وهو أنَّ فِرْعَوْنَ كانَ يَقُولُ أنا أكْثَرُ مالًا وجاهًا، فَوَجَبَ أنْ أكُونَ أفْضَلَ مِنهُ، فَيَمْتَنِعُ كَوْنُهُ رَسُولًا مِنَ اللَّهِ، لِأنَّ مَنصِبَ النُّبُوَّةِ يَقْتَضِي المَخْدُومِيَّةَ، والأخَسُّ لا يَكُونُ مَخْدُومًا لِلْأشْرَفِ، ثُمَّ المُقَدِّمَةُ الفاسِدَةُ هي قَوْلُهُ: مَن كانَ أكْثَرَ مالًا وجاهًا فَهو أفْضَلُ، وهي عَيْنُ المُقَدِّمَةِ الَّتِي تَمَسَّكَ بِها كُفّارُ قُرَيْشٍ في قَوْلِهِمْ ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿أوْ جاءَ مَعَهُ المَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مُقْرِنِينَ بِهِ، مِن قَوْلِكَ: قَرَنْتُهُ بِهِ فاقْتَرَنَ، وأنْ يَكُونَ مِن قَوْلِهِمُ: اقْتَرَنُوا بِمَعْنى تَقارَنُوا، قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ يَمْشُونَ مَعَهُ فَيَدُلُّونَ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأطاعُوهُ﴾ أيْ طَلَبَ مِنهُمُ الخِفَّةَ في الإتْيانِ بِما كانَ يَأْمُرُهم بِهِ فَأطاعُوهُ ﴿إنَّهم كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ حَيْثُ أطاعُوا ذَلِكَ الجاهِلَ الفاسِقَ ﴿فَلَمّا آسَفُونا﴾ أغْضَبُونا، حُكِيَ أنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ غَضِبَ في شَيْءٍ، فَقِيلَ لَهُ: أتَغْضَبُ يا أبا خالِدٍ ؟ فَقالَ: قَدْ غَضِبَ الَّذِي خَلَقَ الأحْلامَ، إنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿فَلَمّا آسَفُونا﴾ أيْ أغْضَبُونا. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿انْتَقَمْنا مِنهُمْ﴾ واعْلَمْ أنَّ ذِكْرَ لَفْظِ الأسَفِ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى مُحالٌ، وذِكْرُ لَفْظِ الِانْتِقامِ وكُلِّ واحِدٍ مِنهُما مِنَ المُتَشابِهاتِ الَّتِي يَجِبُ أنْ يُصارَ فِيها إلى التَّأْوِيلِ، ومَعْنى الغَضَبِ في حَقِّ اللَّهِ إرادَةُ العِقابِ، ومَعْنى الِانْتِقامِ إرادَةُ العِقابِ لِجُرْمٍ سابِقٍ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَجَعَلْناهم سَلَفًا ومَثَلًا﴾ السَّلَفُ كُلُّ شَيْءٍ قَدَّمْتَهُ مِن عَمَلٍ صالِحٍ أوْ قَرْضٍ فَهو سَلَفٌ، والسَّلَفُ أيْضًا مَن تَقَدَّمَ مِن آبائِكَ وأقارِبِكَ، واحِدُهم سالِفٌ، ومِنهُ قَوْلُ طُفَيْلٍ يَرْثِي قَوْمَهُ: مَضَوْا سَلَفًا قَصْدَ السَّبِيلِ عَلَيْهِمُ وصَرْفُ المَنايا بِالرِّجالِ تُقَلَّبُ فَعَلى هَذا قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: يَقُولُ: جَعَلْناهم مُتَقَدِّمِينَ لِيَتَّعِظَ بِهِمُ الآخَرُونَ، أيْ: جَعَلْناهم سَلَفًا لِكُفّارِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ. وأكْثَرُ القُرّاءِ قَرَءُوا بِالفَتْحِ، وهو جَمْعُ سالِفٍ كَما ذَكَرْناهُ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: ”سُلَفًا“ صفحة ١٨٩ بِالضَّمِّ، وهو جَمْعُ سَلَفٍ، قالَ اللَّيْثُ: يُقالُ سَلُفَ - بِضَمِّ اللّامِ - يَسْلُفُ سُلُوفًا، فَهو سُلُفٌ، أيْ: مُتَقَدِّمٌ، وقَوْلُهُ ﴿ومَثَلًا لِلْآخِرِينَ﴾ يُرِيدُ عِظَةً لِمَن بَقِيَ بَعْدَهم وآيَةً وعِبْرَةً، قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: المَثَلُ واحِدٌ يُرادُ بِهِ الجَمْعَ، ومِن ثَمَّ عُطِفَ عَلى سَلَفٍ، والدَّلِيلُ عَلى وُقُوعِهِ عَلى أكْثَرَ مِن واحِدٍ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ ومَن رَزَقْناهُ﴾ [النَّحْلِ: ٧٥] فَأدْخَلَ تَحْتَ المَثَلِ شَيْئَيْنِ، واللَّهُ أعْلَمُ. * * قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولَمّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إذا قَوْمُكَ مِنهُ يَصِدُّونَ﴾ ﴿وقالُوا أآلِهَتُنا خَيْرٌ أمْ هو ما ضَرَبُوهُ لَكَ إلّا جَدَلًا بَلْ هم قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ ﴿إنْ هو إلّا عَبْدٌ أنْعَمْنا عَلَيْهِ وجَعَلْناهُ مَثَلًا لِبَنِي إسْرائِيلَ﴾ ﴿ولَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنكم مَلائِكَةً في الأرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ ﴿وإنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِها واتَّبِعُونِ هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ ﴿ولا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطانُ إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ ٥٠ في الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أنْواعًا كَثِيرَةً مَن كُفْرِيّاتِهِمْ في هَذِهِ السُّورَةِ، وأجابَ عَنْها بِالوُجُوهِ الكَثِيرَةِ: فَأوَّلُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلُوا لَهُ مِن عِبادِهِ جُزْءًا﴾ . وثانِيها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا﴾ . وثالِثُها: قَوْلُهُ ﴿وقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ ما عَبَدْناهُمْ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٢٠] . ورابِعُها: قَوْلُهُ ﴿وقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٣١] . وخامِسُها: هَذِهِ الآيَةُ الَّتِي نَحْنُ الآنَ في تَفْسِيرِها، ولَفْظُ الآيَةِ لا يَدُلُّ إلّا عَلى أنَّهُ لَمّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا أخَذَ القَوْمُ يَضِجُّونَ ويَرْفَعُونَ أصْواتَهم، فَأمّا أنَّ ذَلِكَ المَثَلَ كَيْفَ كانَ، وفي أيِّ شَيْءٍ كانَ، فاللَّفْظُ لا يَدُلُّ عَلَيْهِ، والمُفَسِّرُونَ ذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا، كُلُّها مُحْتَمَلَةٌ: فالأوَّلُ: أنَّ الكُفّارَ لَمّا سَمِعُوا أنَّ النَّصارى يَعْبُدُونَ عِيسى، قالُوا: إذا عَبَدُوا عِيسى فَآلِهَتُنا خَيْرٌ مِن عِيسى، وإنَّما قالُوا ذَلِكَ لِأنَّهم كانُوا يَعْبُدُونَ المَلائِكَةَ. الثّانِي: رُوِيَ أنَّهُ «لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنْبِياءِ: ٩٨] قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزِّبَعْرى: هَذا خاصَّةٌ لَنا ولِآلِهَتِنا أمْ لِجَمِيعِ الأُمَمِ ؟ فَقالَ ﷺ: بَلْ لِجَمِيعِ الأُمَمِ فَقالَ: خَصَمْتُكَ ورَبِّ الكَعْبَةِ، ألَسْتَ تَزْعُمُ أنَّ عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ نَبِيٌّ وتُثْنِي عَلَيْهِ خَيْرًا وعَلى أُمِّهِ، وقَدْ عَلِمْتُ أنَّ النَّصارى يَعْبُدُونَهُما واليَهُودَ يَعْبُدُونَ عُزَيْرًا، والمَلائِكَةُ يُعْبَدُونَ، فَإذا كانَ هَؤُلاءِ في النّارِ فَقَدْ رَضِينا أنْ نَكُونَ نَحْنُ وآلِهَتُنا مَعَهم، فَسَكَتَ النَّبِيُّ ﷺ وفَرِحَ القَوْمُ وضَحِكُوا وضَجُّوا، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى أُولَئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ»﴾ [الأنْبِياءِ: ١٠١] ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ أيْضًا، والمَعْنى: ولَمّا ضَرَبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزِّبَعْرى عِيسى ﴿ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا﴾ وجادَلَ رَسُولَ اللَّهِ بِعِبادَةِ النَّصارى إيّاهُ صفحة ١٩٠ ﴿إذا قَوْمُكَ﴾ قُرَيْشٌ (مِنهَ) أيْ مِن هَذا المَثَلِ ﴿يَصِدُّونَ﴾ أيْ يَرْتَفِعُ لَهم ضَجِيجٌ وجَلَبَةٌ فَرَحًا وجَدَلًا وضَحِكًا بِسَبَبِ ما رَأوْا مِن إسْكاتِ رَسُولِ اللَّهِ، فَإنَّهُ قَدْ جَرَتِ العادَةُ بِأنَّ أحَدَ الخَصْمَيْنِ إذا انْقَطَعَ أظْهَرَ الخَصْمُ الثّانِي الفَرَحَ والضَّجِيجَ، ﴿وقالُوا أآلِهَتُنا خَيْرٌ أمْ هُوَ﴾ يَعْنُونَ أنَّ آلِهَتَنا عِنْدَكَ لَيْسَتْ خَيْرًا مِن عِيسى، فَإذا كانَ عِيسى مِن حَصَبِ جَهَنَّمَ كانَ أمْرُ آلِهَتِنا أهْوَنَ. الوَجْهُ الثّالِثُ في التَّأْوِيلِ: وهو أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا حَكى أنَّ النَّصارى عَبَدُوا المَسِيحَ وجَعَلُوهُ إلَهًا لِأنْفُسِهِمْ، قالَ كُفّارُ مَكَّةَ: إنَّ مُحَمَّدًا يُرِيدُ أنْ يَجْعَلَ لَنا إلَهًا كَما جَعَلَ النَّصارى المَسِيحَ إلَهًا لِأنْفُسِهِمْ، ثُمَّ عِنْدَ هَذا قالُوا ﴿أآلِهَتُنا خَيْرٌ أمْ هُوَ﴾ يَعْنِي أآلِهَتُنا خَيْرٌ أمْ مُحَمَّدٌ، وذَكَرُوا ذَلِكَ لِأجْلِ أنَّهم قالُوا: إنَّ مُحَمَّدًا يَدْعُونا إلى عِبادَةِ نَفْسِهِ، وآباؤُنا زَعَمُوا أنَّهُ يَجِبُ عِبادَةُ هَذِهِ الأصْنامِ، وإذا كانَ لا بُدَّ مِن أحَدِ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ فَعِبادَةُ هَذِهِ الأصْنامِ أوْلى، لِأنَّ آباءَنا وأسْلافَنا كانُوا مُتَطابِقِينَ عَلَيْهِ، وأمّا مُحَمَّدٌ فَإنَّهُ مُتَّهَمٌ في أمْرِنا بِعِبادَتِهِ، فَكانَ الِاشْتِغالُ بِعِبادَةِ الأصْنامِ أوْلى، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنّا لَمْ نَقُلْ إنَّ الِاشْتِغالَ بِعِبادَةِ المَسِيحِ طَرِيقٌ حَسَنٌ، بَلْ هو كَلامٌ باطِلٌ، فَإنَّ عِيسى لَيْسَ إلّا عَبْدًا أنْعَمْنا عَلَيْهِ، فَإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَقَدْ زالَتْ شُبْهَتُهم في قَوْلِهِمْ: إنَّ مُحَمَّدًا يُرِيدُ أنْ يَأْمُرَنا بِعِبادَةِ نَفْسِهِ، فَهَذِهِ الوُجُوهُ الثَّلاثَةُ مِمّا يَحْتَمِلُ كُلُّ واحِدٍ مِنها لَفْظَ الآيَةِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ والكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ”يَصُدُّونَ“ بِضَمِّ الصّادِ، وهو قِراءَةُ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - والباقُونَ بِكَسْرِ الصّادِ وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ، واخْتَلَفُوا فَقالَ الكِسائِيُّ: هُما بِمَعْنًى، نَحْوَ يَعْرِشُونَ ويَعْرُشُونَ، ويَعْكِفُونَ، ويَعْكُفُونَ، ومِنهم مَن فَرَّقَ، أمّا القِراءَةُ بِالضَّمِّ فَمِنَ الصُّدُودِ، أيْ مِن أجْلِ هَذا المَثَلِ يَصُدُّونَ عَنِ الحَقِّ ويُعْرِضُونَ عَنْهُ، وأمّا بِالكَسْرِ فَمَعْناهُ يَضِجُّونَ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ: ”أآلِهَتُنا“ اسْتِفْهامًا بِهَمْزَتَيْنِ، الثّانِيَةُ مُطَوَّلَةٌ، والباقُونَ اسْتِفْهامًا بِهَمْزَةٍ ومَدَّةٍ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ما ضَرَبُوهُ لَكَ إلّا جَدَلًا﴾ أيْ ما ضَرَبُوا لَكَ هَذا المَثَلَ إلّا لِأجْلِ الجَدَلِ والغَلَبَةِ في القَوْلِ، لا لِطَلَبِ الفَرْقِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ ﴿بَلْ هم قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ مُبالِغُونَ في الخُصُومَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [الأنْبِياءِ: ٩٨] لا يَتَناوَلُ المَلائِكَةَ وعِيسى، وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ كَلِمَةَ ”ما“ لا تَتَناوَلُ العُقَلاءَ البَتَّةَ. والثّانِي: أنَّ كَلِمَةَ ”ما“ لَيْسَتْ صَرِيحَةً في الِاسْتِغْراقِ بِدَلِيلِ أنَّهُ يَصِحُّ إدْخالُ لَفْظَتَيِ الكُلِّ والبَعْضِ عَلَيْهِ، فَيُقالُ: إنَّكم وكُلَّ ما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ، أوْ إنَّكم وبَعْضَ ما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ. الثّالِثُ: أنَّ قَوْلَهُ: إنَّكم وكُلَّ ما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أوْ وبَعْضَ ما تَعْبُدُونَ - خِطابُ مُشافَهَةٍ، فَلَعَلَّهُ ما كانَ فِيهِمْ أحَدٌ يَعْبُدُ المَسِيحَ والمَلائِكَةَ. الرّابِعُ: أنَّ قَوْلَهُ ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ هَبْ أنَّهُ عامٌّ إلّا أنَّ النُّصُوصَ الدّالَّةَ عَلى تَعْظِيمِ المَلائِكَةِ وعِيسى أخَصُّ مِنهُ، والخاصُّ مُقَدَّمٌ عَلى العامِّ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: القائِلُونَ بِذَمِّ الجَدَلِ تَمَسَّكُوا بِهَذِهِ الآيَةِ إلّا أنّا قَدْ ذَكَرْنا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما يُجادِلُ في آياتِ اللَّهِ إلّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أنَّ الآياتِ الكَثِيرَةَ دالَّةٌ عَلى أنَّ الجَدَلَ مُوجِبٌ لِلْمَدْحِ والثَّناءِ، وطَرِيقُ التَّوْفِيقِ أنْ تُصْرَفَ تِلْكَ الآياتُ إلى الجَدَلِ الَّذِي يُفِيدُ تَقْرِيرَ الحَقِّ، وأنْ تُصْرَفَ هَذِهِ الآيَةُ إلى الجَدَلِ الَّذِي يُوجِبُ تَقْرِيرَ الباطِلِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنْ هو إلّا عَبْدٌ أنْعَمْنا عَلَيْهِ﴾ يَعْنِي: ما عِيسى إلّا عَبْدٌ كَسائِرِ العَبِيدِ، أنْعَمْنا عَلَيْهِ حَيْثُ جَعَلْناهُ آيَةً بِأنْ خَلَقْناهُ مِن غَيْرِ أبٍ كَما خَلَقْنا آدَمَ، وشَرَّفْناهُ بِالنُّبُوَّةِ وصَيَّرْناهُ عِبْرَةً عَجِيبَةً كالمَثَلِ السّائِرِ ﴿ولَوْ نَشاءُ﴾ صفحة ١٩١ ﴿لَجَعَلْنا مِنكُمْ﴾ لَوَلَّدْنا مِنكم يا رِجالُ ﴿مَلائِكَةً في الأرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ كَما يَخْلُفُكم أوْلادُكم؛ كَما ولَّدْنا عِيسى مِن أُنْثى مِن غَيْرِ فَحْلٍ؛ لِتَعْرِفُوا تَمَيُّزَنا بِالقُدْرَةِ الباهِرَةِ، ولِتَعْرِفُوا أنَّ دُخُولَ التَّوْلِيدِ والتَّوَلُّدِ في المَلائِكَةِ أمْرٌ مُمْكِنٌ، وذاتُ اللَّهِ مُتَعالِيَةٌ عَنْ ذَلِكَ (وأنَّهُ) أيْ عِيسى ﴿لَعِلْمٌ لِلسّاعَةِ﴾ شَرْطٌ مِن أشْراطِها تُعْلَمُ بِهِ، فَسُمِّيَ الشَّرْطُ الدّالُّ عَلى الشَّيْءِ عِلْمًا لِحُصُولِ العِلْمِ بِهِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: ”لَعَلَمٌ“ وهو العَلامَةُ، وقُرِئَ: ”لَلْعِلْمُ“ وقَرَأ أُبَيٌّ: ”لَذِكْرٌ“، وفي الحَدِيثِ: «أنَّ عِيسى يَنْزِلُ عَلى ثَنِيَّةٍ في الأرْضِ المُقَدَّسَةِ يُقالُ لَها أفِيقُ، وبِيَدِهِ حَرْبَةٌ، وبِها يَقْتُلُ الدَّجّالَ، فَيَأْتِي بِبَيْتِ المَقْدِسِ في صَلاةِ الصُّبْحِ والإمامُ يَؤُمُّ بِهِمْ فَيَتَأخَّرُ الإمامُ فَيُقَدِّمُهُ عِيسى ويُصَلِّي خَلْفَهُ عَلى شَرِيعَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ثُمَّ يَقْتُلُ الخَنازِيرَ ويَكْسِرُ الصَّلِيبَ ويُخَرِّبُ البِيَعَ والكَنائِسَ ويَقْتُلُ النَّصارى إلّا مَن آمَنَ بِهِ» ﴿فَلا تَمْتَرُنَّ بِها﴾ مِنَ المِرْيَةِ وهو الشَّكُّ ﴿واتَّبِعُونِ﴾ واتَّبِعُوا هُدايَ وشَرْعِي ﴿هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ أيْ هَذا الَّذِي أدْعُوكم إلَيْهِ صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ ﴿ولا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطانُ إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ قَدْ بانَتْ عَداواتُهُ لَكم لِأجْلِ أنَّهُ هو الَّذِي أخْرَجَ أباكم مِنَ الجَنَّةِ ونَزَعَ عَنْهُ لِباسَ النُّورِ.

الزخرف 43:55

قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا إلى فِرْعَوْنَ﴾ ﴿ومَلَئِهِ فَقالَ إنِّي رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿فَلَمّا جاءَهم بِآياتِنا إذا هم مِنها يَضْحَكُونَ﴾ ﴿وما نُرِيهِمْ مِن آيَةٍ إلّا هي أكْبَرُ مِن أُخْتِها وأخَذْناهم بِالعَذابِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ ﴿وقالُوا ياأيُّها السّاحِرُ ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ إنَّنا لَمُهْتَدُونَ﴾ ﴿فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُمُ العَذابَ إذا هم يَنْكُثُونَ﴾ ﴿ونادى فِرْعَوْنُ في قَوْمِهِ قالَ ياقَوْمِ ألَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وهَذِهِ الأنْهارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ ﴿أمْ أنا خَيْرٌ مِن هَذا الَّذِي هو مَهِينٌ ولا يَكادُ يُبِينُ﴾ ﴿فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أسْوِرَةٌ مِن ذَهَبٍ أوْ جاءَ مَعَهُ المَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾ ﴿فاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأطاعُوهُ إنَّهم كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ ﴿فَلَمّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنهم فَأغْرَقْناهم أجْمَعِينَ﴾ وفِي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن إعادَةِ قِصَّةِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وفِرْعَوْنَ في هَذا المَقامِ تَقْرِيرُ الكَلامِ الَّذِي تَقَدَّمَ، وذَلِكَ لِأنَّ كُفّارَ قُرَيْشٍ طَعَنُوا في نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ بِسَبَبِ كَوْنِهِ فَقِيرًا عَدِيمَ المالِ والجاهِ، فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بَعْدَ أنْ أوْرَدَ المُعْجِزاتِ القاهِرَةَ الباهِرَةَ الَّتِي لا يَشُكُّ في صِحَّتِها عاقِلٌ أوْرَدَ فِرْعَوْنُ عَلَيْهِ هَذِهِ الشُّبْهَةَ الَّتِي ذَكَرَها كُفّارُ قُرَيْشٍ، فَقالَ: إنِّي غَنِيٌّ كَثِيرُ المالِ والجاهِ، ألا تَرَوْنَ أنَّهُ حَصَلَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وهَذِهِ الأنْهارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي، وأمّا مُوسى فَإنَّهُ فَقِيرٌ مَهِينٌ ولَيْسَ لَهُ بَيانٌ ولِسانٌ، والرَّجُلُ الفَقِيرُ كَيْفَ يَكُونُ رَسُولًا مِن عِنْدِ اللَّهِ إلى المَلِكِ الكَبِيرِ الغَنِيِّ، فَثَبَتَ أنَّ هَذِهِ الشُّبْهَةَ الَّتِي ذَكَرَها كُفّارُ مَكَّةَ، وهي قَوْلُهم ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٣١] وقَدْ أوْرَدَها بِعَيْنِها فِرْعَوْنُ عَلى مُوسى، ثُمَّ إنّا انْتَقَمْنا مِنهم فَأغْرَقْناهم، والمَقْصُودُ مِن إيرادِ هَذِهِ القِصَّةِ - تَقْرِيرُ أمْرَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ الكُفّارَ والجُهّالَ أبَدًا يَحْتَجُّونَ عَلى الأنْبِياءِ بِهَذِهِ الشُّبْهَةِ الرَّكِيكَةِ فَلا يُبالى بِها ولا يُلْتَفَتُ إلَيْها. والثّانِي: أنَّ فِرْعَوْنَ عَلى غايَةِ كَمالِ حالِهِ في الدُّنْيا صارَ مَقْهُورًا باطِلًا، فَيَكُونُ الأمْرُ في حَقِّ أعْدائِكَ هَكَذا، فَثَبَتَ أنَّهُ لَيْسَ المَقْصُودُ مِن إعادَةِ هَذِهِ القِصَّةِ عَيْنَ هَذِهِ القِصَّةِ، بَلِ المَقْصُودُ تَقْرِيرُ الجَوابِ عَنِ الشُّبْهَةِ المَذْكُورَةِ، وعَلى هَذا صفحة ١٨٧ فَلا يَكُونُ هَذا تَقْرِيرًا لِلْقِصَّةِ البَتَّةَ، وهَذا مِن نَفائِسِ الأبْحاثِ، واللَّهُ أعْلَمُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ في تَفْسِيرِ الألْفاظِ: ذَكَرَ تَعالى أنَّهُ أرْسَلَ مُوسى بِآياتِهِ، وهي المُعْجِزاتُ الَّتِي كانَتْ مَعَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ، أيْ قَوْمِهِ، فَقالَ مُوسى: إنِّي رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ، فَلَمّا جاءَهم بِتِلْكَ الآياتِ إذا هم مِنها يَضْحَكُونَ، قِيلَ: إنَّهُ لَمّا ألْقى عَصاهُ صارَ ثُعْبانًا ثُمَّ أخَذَهُ فَعادَ عَصًا كَما كانَ - ضَحِكُوا، ولَمّا عَرَضَ عَلَيْهِمُ اليَدَ البَيْضاءَ ثُمَّ عادَتْ كَما كانَتْ - ضَحِكُوا، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ جازَ أنْ يُجابَ عَنْ ”لَمّا“ بِـ ”إذا“ الَّذِي يُفِيدُ المُفاجَأةَ ؟ قُلْنا: لِأنَّ فِعْلَ المُفاجَأةِ مَعَها مُقَدَّرٌ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: فَلَمّا جاءَهم بِآياتِنا فاجَئُوا وقْتَ ضَحِكِهِمْ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿وما نُرِيهِمْ مِن آيَةٍ إلّا هي أكْبَرُ مِن أُخْتِها﴾ فَإنْ قِيلَ: ظاهِرُ اللَّفْظِ يَقْتَضِي كَوْنَ كُلِّ واحِدٍ مِنها أفْضَلَ مِنَ التّالِي، وذَلِكَ مُحالٌ، قُلْنا: إذا أُرِيدَ المُبالَغَةُ في كَوْنِ كُلٍّ مِن تِلْكَ الأشْياءِ بالِغًا إلى أقْصى الدَّرَجاتِ في الفَضِيلَةِ، فَقَدْ يُذْكَرُ هَذا الكَلامُ بِمَعْنى أنَّهُ لا يَبْعُدُ في أُناسٍ يَنْظُرُونَ إلَيْها أنْ يَقُولَ هَذا: إنَّ هَذا أفْضَلُ مِنَ الثّانِي، وأنْ يَقُولَ الثّانِي: لا بَلِ الثّانِي أفْضَلُ، وأنْ يَقُولَ الثّالِثُ: لا بَلِ الثّالِثُ أفْضَلُ، وحِينَئِذٍ يَصِيرُ كُلُّ واحِدٍ مِن تِلْكَ الأشْياءِ مَقُولًا فِيهِ: إنَّهُ أفْضَلُ مِن غَيْرِهِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وأخَذْناهم بِالعَذابِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ أيْ عَنِ الكُفْرِ إلى الإيمانِ، قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى يُرِيدُ الإيمانَ مِنَ الكُلِّ وأنَّهُ إنَّما أظْهَرَ تِلْكَ المُعْجِزاتِ القاهِرَةَ لِإرادَةِ أنْ يَرْجِعُوا مِنَ الكُفْرِ إلى الإيمانِ، قالَ المُفَسِّرُونَ: ومَعْنى قَوْلِهِ ﴿وأخَذْناهم بِالعَذابِ﴾ أيْ بِالأشْياءِ الَّتِي سَلَّطَها عَلَيْها كالطُّوفانِ والجَرادِ والقُمَّلِ والضَّفادِعِ والدَّمِ والطَّمْسِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وقالُوا ياأيُّها السّاحِرُ ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ إنَّنا لَمُهْتَدُونَ﴾ فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ سَمَّوْهُ بِالسّاحِرِ مَعَ قَوْلِهِمْ ﴿إنَّنا لَمُهْتَدُونَ﴾ ؟ قُلْنا: فِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ لِلْعالِمِ الماهِرِ ساحِرٌ، لِأنَّهم كانُوا يَسْتَعْظِمُونَ السِّحْرَ، وكَما يُقالُ في زَمانِنا في العامِلِ العَجِيبِ الكامِلِ إنَّهُ أتى بِالسِّحْرِ. الثّانِي: ﴿ياأيُّها السّاحِرُ﴾ في زَعْمِ النّاسِ ومُتَعارَفِ قَوْمِ فِرْعَوْنَ كَقَوْلِهِ ﴿وقالُوا ياأيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحِجْرِ: ٦] أيْ نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ في اعْتِقادِهِ وزَعْمِهِ. الثّالِثُ: أنَّ قَوْلَهم ﴿إنَّنا لَمُهْتَدُونَ﴾ وقَدْ كانُوا عازِمِينَ عَلى خِلافِهِ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ ﴿فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُمُ العَذابَ إذا هم يَنْكُثُونَ﴾ فَتَسْمِيَتُهم إيّاهُ بِالسِّحْرِ لا يُنافِي قَوْلَهم ﴿إنَّنا لَمُهْتَدُونَ﴾ ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ لَمّا كَشَفَ عَنْهُمُ العَذابَ نَكَثُوا ذَلِكَ العَهْدَ. ولَمّا حَكى اللَّهُ تَعالى مُعامَلَةَ فِرْعَوْنَ مَعَ مُوسى، حَكى أيْضًا مُعامَلَةَ فِرْعَوْنَ مَعَهُ فَقالَ: ﴿ونادى فِرْعَوْنُ في قَوْمِهِ﴾ والمَعْنى أنَّهُ أظْهَرَ هَذا القَوْلَ، فَقالَ: ﴿ياقَوْمِ ألَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وهَذِهِ الأنْهارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي﴾ يَعْنِي الأنْهارَ الَّتِي فَصَلُوها مِنَ النِّيلِ، ومُعْظَمُها أرْبَعَةٌ: نَهْرُ المَلِكِ ونَهْرُ طُولُونَ ونَهْرُ دِمْياطَ ونَهْرُ تِنِّيسَ، قِيلَ: كانَتْ تَجْرِي تَحْتَ قَصْرِهِ، وحاصِلُ الأمْرِ أنَّهُ احْتَجَّ بِكَثْرَةِ أمْوالِهِ وقُوَّةِ جاهِهِ عَلى فَضِيلَةِ نَفْسِهِ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿أمْ أنا خَيْرٌ مِن هَذا الَّذِي هو مَهِينٌ ولا يَكادُ يُبِينُ﴾ وعَنى بِكَوْنِهِ مَهِينًا كَوْنَهُ فَقِيرًا ضَعِيفَ الحالِ، وبِقَوْلِهِ ﴿ولا يَكادُ يُبِينُ﴾ حَبْسَةً كانَتْ في لِسانِهِ، واخْتَلَفُوا في مَعْنى ”أمْ“ هَهُنا، فَقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَجازُها: بَلْ أنا خَيْرٌ، وعَلى هَذا فَقَدَ تَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ ثُمَّ ابْتَدَأ فَقالَ: ﴿أمْ أنا خَيْرٌ﴾ بِمَعْنى بَلْ أنا خَيْرٌ، وقالَ الباقُونَ: ”أمْ“ هَذِهِ مُتَّصِلَةٌ؛ لِأنَّ المَعْنى ﴿أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ أمْ تُبْصِرُونَ، إلّا أنَّهُ وضَعَ قَوْلَهُ ﴿أنا خَيْرٌ﴾ مَوْضِعَ ”تُبْصِرُونَ“، لِأنَّهم إذا قالُوا لَهُ: أنْتَ خَيْرٌ، فَهم عِنْدَهُ بُصَراءُ، وقالَ آخَرُونَ: إنَّ تَمامَ الكَلامِ عِنْدَ قَوْلِهِ ”أمْ“، وقَوْلُهُ صفحة ١٨٨ ﴿أنا خَيْرٌ﴾ ابْتِداءُ الكَلامِ، والتَّقْدِيرُ: ﴿أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ أمْ تُبْصِرُونَ، لَكِنَّهُ اكْتَفى فِيهِ بِذِكْرِ ”أمْ“ كَما تَقُولُ لِغَيْرِكَ: أتَأْكُلُ أمْ. أيْ: أتَأْكُلُ أمْ لا تَأْكُلُ، تَقْتَصِرُ عَلى ذِكْرِ كَلِمَةِ ”أمْ“ إيثارًا لِلِاخْتِصارِ، فَكَذا هَهُنا، فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - سَألَ اللَّهَ تَعالى أنْ يُزِيلَ الرَّتَّةَ عَنْ لِسانِهِ بِقَوْلِهِ ﴿واحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِسانِي﴾ ﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ [طه: ٢٧] فَأعْطاهُ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﴿قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يامُوسى﴾ فَكَيْفَ عابَهُ فِرْعَوْنُ بِتِلْكَ الرَّتَّةِ ؟ والجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ فِرْعَوْنَ أرادَ بِقَوْلِهِ ﴿ولا يَكادُ يُبِينُ﴾ حُجَّتَهُ الَّتِي تَدُلُّ عَلى صِدْقِهِ فِيما يَدَّعِي، ولَمْ يُرِدْ أنَّهُ لا قُدْرَةَ لَهُ عَلى الكَلامِ. والثّانِي: أنَّهُ عابَهُ بِما كانَ عَلَيْهِ أوَّلًا، وذَلِكَ أنَّ مُوسى كانَ عِنْدَ فِرْعَوْنَ زَمانًا طَوِيلًا وفي لِسانِهِ حَبْسَةٌ، فَنَسَبَهُ فِرْعَوْنُ إلى ما عَهِدَهُ عَلَيْهِ مِنَ الرَّتَّةِ لِأنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى أزالَ ذَلِكَ العَيْبَ عَنْهُ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أسْوِرَةٌ مِن ذَهَبٍ﴾ والمُرادُ أنَّ عادَةَ القَوْمِ جَرَتْ بِأنَّهم إذا جَعَلُوا واحِدًا مِنهم رَئِيسًا لَهم سَوَّرُوهُ بِسِوارٍ مَن ذَهَبٍ وطَوَّقُوهُ بِطَوْقٍ مِن ذَهَبٍ، فَطَلَبَ فِرْعَوْنُ مِن مُوسى مِثْلَ هَذِهِ الحالَةِ، واخْتَلَفَ القُرّاءُ في ”أسْوِرَةٌ“، فَبَعْضُهم قَرَأ: ”أسْوِرَةٌ“، وآخَرُونَ: ”أساوِرَةٌ“، فَأسْوِرَةٌ جَمْعُ سِوارٍ لِأدْنى العَدَدِ، كَقَوْلِكَ حِمارٌ وأحْمِرَةٌ وغُرابٌ وأغْرِبَةٌ، ومَن قَرَأ ”أساوِرَةٌ“ فَذاكَ لِأنَّ أساوِيرَ جَمْعُ أسْوارٍ، وهو السُّوارُ، فَأساوِرَةٌ تَكُونُ الهاءُ عِوَضًا عَنِ الياءِ، نَحْوَ بِطْرِيقٍ وبَطارِقَةٍ وزِنْدِيقٍ وزَنادِقَةٍ وفِرْزِينٍ وفَرازِنَةٍ، فَتَكُونُ أساوِرَةٌ جَمْعَ أسْوارٍ، وحاصِلُ الكَلامِ يَرْجِعُ إلى حَرْفٍ واحِدٍ، وهو أنَّ فِرْعَوْنَ كانَ يَقُولُ أنا أكْثَرُ مالًا وجاهًا، فَوَجَبَ أنْ أكُونَ أفْضَلَ مِنهُ، فَيَمْتَنِعُ كَوْنُهُ رَسُولًا مِنَ اللَّهِ، لِأنَّ مَنصِبَ النُّبُوَّةِ يَقْتَضِي المَخْدُومِيَّةَ، والأخَسُّ لا يَكُونُ مَخْدُومًا لِلْأشْرَفِ، ثُمَّ المُقَدِّمَةُ الفاسِدَةُ هي قَوْلُهُ: مَن كانَ أكْثَرَ مالًا وجاهًا فَهو أفْضَلُ، وهي عَيْنُ المُقَدِّمَةِ الَّتِي تَمَسَّكَ بِها كُفّارُ قُرَيْشٍ في قَوْلِهِمْ ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿أوْ جاءَ مَعَهُ المَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مُقْرِنِينَ بِهِ، مِن قَوْلِكَ: قَرَنْتُهُ بِهِ فاقْتَرَنَ، وأنْ يَكُونَ مِن قَوْلِهِمُ: اقْتَرَنُوا بِمَعْنى تَقارَنُوا، قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ يَمْشُونَ مَعَهُ فَيَدُلُّونَ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأطاعُوهُ﴾ أيْ طَلَبَ مِنهُمُ الخِفَّةَ في الإتْيانِ بِما كانَ يَأْمُرُهم بِهِ فَأطاعُوهُ ﴿إنَّهم كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ حَيْثُ أطاعُوا ذَلِكَ الجاهِلَ الفاسِقَ ﴿فَلَمّا آسَفُونا﴾ أغْضَبُونا، حُكِيَ أنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ غَضِبَ في شَيْءٍ، فَقِيلَ لَهُ: أتَغْضَبُ يا أبا خالِدٍ ؟ فَقالَ: قَدْ غَضِبَ الَّذِي خَلَقَ الأحْلامَ، إنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿فَلَمّا آسَفُونا﴾ أيْ أغْضَبُونا. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿انْتَقَمْنا مِنهُمْ﴾ واعْلَمْ أنَّ ذِكْرَ لَفْظِ الأسَفِ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى مُحالٌ، وذِكْرُ لَفْظِ الِانْتِقامِ وكُلِّ واحِدٍ مِنهُما مِنَ المُتَشابِهاتِ الَّتِي يَجِبُ أنْ يُصارَ فِيها إلى التَّأْوِيلِ، ومَعْنى الغَضَبِ في حَقِّ اللَّهِ إرادَةُ العِقابِ، ومَعْنى الِانْتِقامِ إرادَةُ العِقابِ لِجُرْمٍ سابِقٍ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَجَعَلْناهم سَلَفًا ومَثَلًا﴾ السَّلَفُ كُلُّ شَيْءٍ قَدَّمْتَهُ مِن عَمَلٍ صالِحٍ أوْ قَرْضٍ فَهو سَلَفٌ، والسَّلَفُ أيْضًا مَن تَقَدَّمَ مِن آبائِكَ وأقارِبِكَ، واحِدُهم سالِفٌ، ومِنهُ قَوْلُ طُفَيْلٍ يَرْثِي قَوْمَهُ: مَضَوْا سَلَفًا قَصْدَ السَّبِيلِ عَلَيْهِمُ وصَرْفُ المَنايا بِالرِّجالِ تُقَلَّبُ فَعَلى هَذا قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: يَقُولُ: جَعَلْناهم مُتَقَدِّمِينَ لِيَتَّعِظَ بِهِمُ الآخَرُونَ، أيْ: جَعَلْناهم سَلَفًا لِكُفّارِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ. وأكْثَرُ القُرّاءِ قَرَءُوا بِالفَتْحِ، وهو جَمْعُ سالِفٍ كَما ذَكَرْناهُ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: ”سُلَفًا“ صفحة ١٨٩ بِالضَّمِّ، وهو جَمْعُ سَلَفٍ، قالَ اللَّيْثُ: يُقالُ سَلُفَ - بِضَمِّ اللّامِ - يَسْلُفُ سُلُوفًا، فَهو سُلُفٌ، أيْ: مُتَقَدِّمٌ، وقَوْلُهُ ﴿ومَثَلًا لِلْآخِرِينَ﴾ يُرِيدُ عِظَةً لِمَن بَقِيَ بَعْدَهم وآيَةً وعِبْرَةً، قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: المَثَلُ واحِدٌ يُرادُ بِهِ الجَمْعَ، ومِن ثَمَّ عُطِفَ عَلى سَلَفٍ، والدَّلِيلُ عَلى وُقُوعِهِ عَلى أكْثَرَ مِن واحِدٍ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ ومَن رَزَقْناهُ﴾ [النَّحْلِ: ٧٥] فَأدْخَلَ تَحْتَ المَثَلِ شَيْئَيْنِ، واللَّهُ أعْلَمُ. * * قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولَمّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إذا قَوْمُكَ مِنهُ يَصِدُّونَ﴾ ﴿وقالُوا أآلِهَتُنا خَيْرٌ أمْ هو ما ضَرَبُوهُ لَكَ إلّا جَدَلًا بَلْ هم قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ ﴿إنْ هو إلّا عَبْدٌ أنْعَمْنا عَلَيْهِ وجَعَلْناهُ مَثَلًا لِبَنِي إسْرائِيلَ﴾ ﴿ولَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنكم مَلائِكَةً في الأرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ ﴿وإنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِها واتَّبِعُونِ هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ ﴿ولا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطانُ إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ ٥٠ في الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أنْواعًا كَثِيرَةً مَن كُفْرِيّاتِهِمْ في هَذِهِ السُّورَةِ، وأجابَ عَنْها بِالوُجُوهِ الكَثِيرَةِ: فَأوَّلُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلُوا لَهُ مِن عِبادِهِ جُزْءًا﴾ . وثانِيها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا﴾ . وثالِثُها: قَوْلُهُ ﴿وقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ ما عَبَدْناهُمْ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٢٠] . ورابِعُها: قَوْلُهُ ﴿وقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٣١] . وخامِسُها: هَذِهِ الآيَةُ الَّتِي نَحْنُ الآنَ في تَفْسِيرِها، ولَفْظُ الآيَةِ لا يَدُلُّ إلّا عَلى أنَّهُ لَمّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا أخَذَ القَوْمُ يَضِجُّونَ ويَرْفَعُونَ أصْواتَهم، فَأمّا أنَّ ذَلِكَ المَثَلَ كَيْفَ كانَ، وفي أيِّ شَيْءٍ كانَ، فاللَّفْظُ لا يَدُلُّ عَلَيْهِ، والمُفَسِّرُونَ ذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا، كُلُّها مُحْتَمَلَةٌ: فالأوَّلُ: أنَّ الكُفّارَ لَمّا سَمِعُوا أنَّ النَّصارى يَعْبُدُونَ عِيسى، قالُوا: إذا عَبَدُوا عِيسى فَآلِهَتُنا خَيْرٌ مِن عِيسى، وإنَّما قالُوا ذَلِكَ لِأنَّهم كانُوا يَعْبُدُونَ المَلائِكَةَ. الثّانِي: رُوِيَ أنَّهُ «لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنْبِياءِ: ٩٨] قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزِّبَعْرى: هَذا خاصَّةٌ لَنا ولِآلِهَتِنا أمْ لِجَمِيعِ الأُمَمِ ؟ فَقالَ ﷺ: بَلْ لِجَمِيعِ الأُمَمِ فَقالَ: خَصَمْتُكَ ورَبِّ الكَعْبَةِ، ألَسْتَ تَزْعُمُ أنَّ عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ نَبِيٌّ وتُثْنِي عَلَيْهِ خَيْرًا وعَلى أُمِّهِ، وقَدْ عَلِمْتُ أنَّ النَّصارى يَعْبُدُونَهُما واليَهُودَ يَعْبُدُونَ عُزَيْرًا، والمَلائِكَةُ يُعْبَدُونَ، فَإذا كانَ هَؤُلاءِ في النّارِ فَقَدْ رَضِينا أنْ نَكُونَ نَحْنُ وآلِهَتُنا مَعَهم، فَسَكَتَ النَّبِيُّ ﷺ وفَرِحَ القَوْمُ وضَحِكُوا وضَجُّوا، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى أُولَئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ»﴾ [الأنْبِياءِ: ١٠١] ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ أيْضًا، والمَعْنى: ولَمّا ضَرَبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزِّبَعْرى عِيسى ﴿ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا﴾ وجادَلَ رَسُولَ اللَّهِ بِعِبادَةِ النَّصارى إيّاهُ صفحة ١٩٠ ﴿إذا قَوْمُكَ﴾ قُرَيْشٌ (مِنهَ) أيْ مِن هَذا المَثَلِ ﴿يَصِدُّونَ﴾ أيْ يَرْتَفِعُ لَهم ضَجِيجٌ وجَلَبَةٌ فَرَحًا وجَدَلًا وضَحِكًا بِسَبَبِ ما رَأوْا مِن إسْكاتِ رَسُولِ اللَّهِ، فَإنَّهُ قَدْ جَرَتِ العادَةُ بِأنَّ أحَدَ الخَصْمَيْنِ إذا انْقَطَعَ أظْهَرَ الخَصْمُ الثّانِي الفَرَحَ والضَّجِيجَ، ﴿وقالُوا أآلِهَتُنا خَيْرٌ أمْ هُوَ﴾ يَعْنُونَ أنَّ آلِهَتَنا عِنْدَكَ لَيْسَتْ خَيْرًا مِن عِيسى، فَإذا كانَ عِيسى مِن حَصَبِ جَهَنَّمَ كانَ أمْرُ آلِهَتِنا أهْوَنَ. الوَجْهُ الثّالِثُ في التَّأْوِيلِ: وهو أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا حَكى أنَّ النَّصارى عَبَدُوا المَسِيحَ وجَعَلُوهُ إلَهًا لِأنْفُسِهِمْ، قالَ كُفّارُ مَكَّةَ: إنَّ مُحَمَّدًا يُرِيدُ أنْ يَجْعَلَ لَنا إلَهًا كَما جَعَلَ النَّصارى المَسِيحَ إلَهًا لِأنْفُسِهِمْ، ثُمَّ عِنْدَ هَذا قالُوا ﴿أآلِهَتُنا خَيْرٌ أمْ هُوَ﴾ يَعْنِي أآلِهَتُنا خَيْرٌ أمْ مُحَمَّدٌ، وذَكَرُوا ذَلِكَ لِأجْلِ أنَّهم قالُوا: إنَّ مُحَمَّدًا يَدْعُونا إلى عِبادَةِ نَفْسِهِ، وآباؤُنا زَعَمُوا أنَّهُ يَجِبُ عِبادَةُ هَذِهِ الأصْنامِ، وإذا كانَ لا بُدَّ مِن أحَدِ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ فَعِبادَةُ هَذِهِ الأصْنامِ أوْلى، لِأنَّ آباءَنا وأسْلافَنا كانُوا مُتَطابِقِينَ عَلَيْهِ، وأمّا مُحَمَّدٌ فَإنَّهُ مُتَّهَمٌ في أمْرِنا بِعِبادَتِهِ، فَكانَ الِاشْتِغالُ بِعِبادَةِ الأصْنامِ أوْلى، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنّا لَمْ نَقُلْ إنَّ الِاشْتِغالَ بِعِبادَةِ المَسِيحِ طَرِيقٌ حَسَنٌ، بَلْ هو كَلامٌ باطِلٌ، فَإنَّ عِيسى لَيْسَ إلّا عَبْدًا أنْعَمْنا عَلَيْهِ، فَإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَقَدْ زالَتْ شُبْهَتُهم في قَوْلِهِمْ: إنَّ مُحَمَّدًا يُرِيدُ أنْ يَأْمُرَنا بِعِبادَةِ نَفْسِهِ، فَهَذِهِ الوُجُوهُ الثَّلاثَةُ مِمّا يَحْتَمِلُ كُلُّ واحِدٍ مِنها لَفْظَ الآيَةِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ والكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ”يَصُدُّونَ“ بِضَمِّ الصّادِ، وهو قِراءَةُ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - والباقُونَ بِكَسْرِ الصّادِ وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ، واخْتَلَفُوا فَقالَ الكِسائِيُّ: هُما بِمَعْنًى، نَحْوَ يَعْرِشُونَ ويَعْرُشُونَ، ويَعْكِفُونَ، ويَعْكُفُونَ، ومِنهم مَن فَرَّقَ، أمّا القِراءَةُ بِالضَّمِّ فَمِنَ الصُّدُودِ، أيْ مِن أجْلِ هَذا المَثَلِ يَصُدُّونَ عَنِ الحَقِّ ويُعْرِضُونَ عَنْهُ، وأمّا بِالكَسْرِ فَمَعْناهُ يَضِجُّونَ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ: ”أآلِهَتُنا“ اسْتِفْهامًا بِهَمْزَتَيْنِ، الثّانِيَةُ مُطَوَّلَةٌ، والباقُونَ اسْتِفْهامًا بِهَمْزَةٍ ومَدَّةٍ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ما ضَرَبُوهُ لَكَ إلّا جَدَلًا﴾ أيْ ما ضَرَبُوا لَكَ هَذا المَثَلَ إلّا لِأجْلِ الجَدَلِ والغَلَبَةِ في القَوْلِ، لا لِطَلَبِ الفَرْقِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ ﴿بَلْ هم قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ مُبالِغُونَ في الخُصُومَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [الأنْبِياءِ: ٩٨] لا يَتَناوَلُ المَلائِكَةَ وعِيسى، وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ كَلِمَةَ ”ما“ لا تَتَناوَلُ العُقَلاءَ البَتَّةَ. والثّانِي: أنَّ كَلِمَةَ ”ما“ لَيْسَتْ صَرِيحَةً في الِاسْتِغْراقِ بِدَلِيلِ أنَّهُ يَصِحُّ إدْخالُ لَفْظَتَيِ الكُلِّ والبَعْضِ عَلَيْهِ، فَيُقالُ: إنَّكم وكُلَّ ما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ، أوْ إنَّكم وبَعْضَ ما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ. الثّالِثُ: أنَّ قَوْلَهُ: إنَّكم وكُلَّ ما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أوْ وبَعْضَ ما تَعْبُدُونَ - خِطابُ مُشافَهَةٍ، فَلَعَلَّهُ ما كانَ فِيهِمْ أحَدٌ يَعْبُدُ المَسِيحَ والمَلائِكَةَ. الرّابِعُ: أنَّ قَوْلَهُ ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ هَبْ أنَّهُ عامٌّ إلّا أنَّ النُّصُوصَ الدّالَّةَ عَلى تَعْظِيمِ المَلائِكَةِ وعِيسى أخَصُّ مِنهُ، والخاصُّ مُقَدَّمٌ عَلى العامِّ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: القائِلُونَ بِذَمِّ الجَدَلِ تَمَسَّكُوا بِهَذِهِ الآيَةِ إلّا أنّا قَدْ ذَكَرْنا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما يُجادِلُ في آياتِ اللَّهِ إلّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أنَّ الآياتِ الكَثِيرَةَ دالَّةٌ عَلى أنَّ الجَدَلَ مُوجِبٌ لِلْمَدْحِ والثَّناءِ، وطَرِيقُ التَّوْفِيقِ أنْ تُصْرَفَ تِلْكَ الآياتُ إلى الجَدَلِ الَّذِي يُفِيدُ تَقْرِيرَ الحَقِّ، وأنْ تُصْرَفَ هَذِهِ الآيَةُ إلى الجَدَلِ الَّذِي يُوجِبُ تَقْرِيرَ الباطِلِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنْ هو إلّا عَبْدٌ أنْعَمْنا عَلَيْهِ﴾ يَعْنِي: ما عِيسى إلّا عَبْدٌ كَسائِرِ العَبِيدِ، أنْعَمْنا عَلَيْهِ حَيْثُ جَعَلْناهُ آيَةً بِأنْ خَلَقْناهُ مِن غَيْرِ أبٍ كَما خَلَقْنا آدَمَ، وشَرَّفْناهُ بِالنُّبُوَّةِ وصَيَّرْناهُ عِبْرَةً عَجِيبَةً كالمَثَلِ السّائِرِ ﴿ولَوْ نَشاءُ﴾ صفحة ١٩١ ﴿لَجَعَلْنا مِنكُمْ﴾ لَوَلَّدْنا مِنكم يا رِجالُ ﴿مَلائِكَةً في الأرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ كَما يَخْلُفُكم أوْلادُكم؛ كَما ولَّدْنا عِيسى مِن أُنْثى مِن غَيْرِ فَحْلٍ؛ لِتَعْرِفُوا تَمَيُّزَنا بِالقُدْرَةِ الباهِرَةِ، ولِتَعْرِفُوا أنَّ دُخُولَ التَّوْلِيدِ والتَّوَلُّدِ في المَلائِكَةِ أمْرٌ مُمْكِنٌ، وذاتُ اللَّهِ مُتَعالِيَةٌ عَنْ ذَلِكَ (وأنَّهُ) أيْ عِيسى ﴿لَعِلْمٌ لِلسّاعَةِ﴾ شَرْطٌ مِن أشْراطِها تُعْلَمُ بِهِ، فَسُمِّيَ الشَّرْطُ الدّالُّ عَلى الشَّيْءِ عِلْمًا لِحُصُولِ العِلْمِ بِهِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: ”لَعَلَمٌ“ وهو العَلامَةُ، وقُرِئَ: ”لَلْعِلْمُ“ وقَرَأ أُبَيٌّ: ”لَذِكْرٌ“، وفي الحَدِيثِ: «أنَّ عِيسى يَنْزِلُ عَلى ثَنِيَّةٍ في الأرْضِ المُقَدَّسَةِ يُقالُ لَها أفِيقُ، وبِيَدِهِ حَرْبَةٌ، وبِها يَقْتُلُ الدَّجّالَ، فَيَأْتِي بِبَيْتِ المَقْدِسِ في صَلاةِ الصُّبْحِ والإمامُ يَؤُمُّ بِهِمْ فَيَتَأخَّرُ الإمامُ فَيُقَدِّمُهُ عِيسى ويُصَلِّي خَلْفَهُ عَلى شَرِيعَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ثُمَّ يَقْتُلُ الخَنازِيرَ ويَكْسِرُ الصَّلِيبَ ويُخَرِّبُ البِيَعَ والكَنائِسَ ويَقْتُلُ النَّصارى إلّا مَن آمَنَ بِهِ» ﴿فَلا تَمْتَرُنَّ بِها﴾ مِنَ المِرْيَةِ وهو الشَّكُّ ﴿واتَّبِعُونِ﴾ واتَّبِعُوا هُدايَ وشَرْعِي ﴿هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ أيْ هَذا الَّذِي أدْعُوكم إلَيْهِ صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ ﴿ولا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطانُ إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ قَدْ بانَتْ عَداواتُهُ لَكم لِأجْلِ أنَّهُ هو الَّذِي أخْرَجَ أباكم مِنَ الجَنَّةِ ونَزَعَ عَنْهُ لِباسَ النُّورِ.

الزخرف 43:56

قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا إلى فِرْعَوْنَ﴾ ﴿ومَلَئِهِ فَقالَ إنِّي رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿فَلَمّا جاءَهم بِآياتِنا إذا هم مِنها يَضْحَكُونَ﴾ ﴿وما نُرِيهِمْ مِن آيَةٍ إلّا هي أكْبَرُ مِن أُخْتِها وأخَذْناهم بِالعَذابِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ ﴿وقالُوا ياأيُّها السّاحِرُ ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ إنَّنا لَمُهْتَدُونَ﴾ ﴿فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُمُ العَذابَ إذا هم يَنْكُثُونَ﴾ ﴿ونادى فِرْعَوْنُ في قَوْمِهِ قالَ ياقَوْمِ ألَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وهَذِهِ الأنْهارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ ﴿أمْ أنا خَيْرٌ مِن هَذا الَّذِي هو مَهِينٌ ولا يَكادُ يُبِينُ﴾ ﴿فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أسْوِرَةٌ مِن ذَهَبٍ أوْ جاءَ مَعَهُ المَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾ ﴿فاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأطاعُوهُ إنَّهم كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ ﴿فَلَمّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنهم فَأغْرَقْناهم أجْمَعِينَ﴾ وفِي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن إعادَةِ قِصَّةِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وفِرْعَوْنَ في هَذا المَقامِ تَقْرِيرُ الكَلامِ الَّذِي تَقَدَّمَ، وذَلِكَ لِأنَّ كُفّارَ قُرَيْشٍ طَعَنُوا في نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ بِسَبَبِ كَوْنِهِ فَقِيرًا عَدِيمَ المالِ والجاهِ، فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بَعْدَ أنْ أوْرَدَ المُعْجِزاتِ القاهِرَةَ الباهِرَةَ الَّتِي لا يَشُكُّ في صِحَّتِها عاقِلٌ أوْرَدَ فِرْعَوْنُ عَلَيْهِ هَذِهِ الشُّبْهَةَ الَّتِي ذَكَرَها كُفّارُ قُرَيْشٍ، فَقالَ: إنِّي غَنِيٌّ كَثِيرُ المالِ والجاهِ، ألا تَرَوْنَ أنَّهُ حَصَلَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وهَذِهِ الأنْهارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي، وأمّا مُوسى فَإنَّهُ فَقِيرٌ مَهِينٌ ولَيْسَ لَهُ بَيانٌ ولِسانٌ، والرَّجُلُ الفَقِيرُ كَيْفَ يَكُونُ رَسُولًا مِن عِنْدِ اللَّهِ إلى المَلِكِ الكَبِيرِ الغَنِيِّ، فَثَبَتَ أنَّ هَذِهِ الشُّبْهَةَ الَّتِي ذَكَرَها كُفّارُ مَكَّةَ، وهي قَوْلُهم ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٣١] وقَدْ أوْرَدَها بِعَيْنِها فِرْعَوْنُ عَلى مُوسى، ثُمَّ إنّا انْتَقَمْنا مِنهم فَأغْرَقْناهم، والمَقْصُودُ مِن إيرادِ هَذِهِ القِصَّةِ - تَقْرِيرُ أمْرَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ الكُفّارَ والجُهّالَ أبَدًا يَحْتَجُّونَ عَلى الأنْبِياءِ بِهَذِهِ الشُّبْهَةِ الرَّكِيكَةِ فَلا يُبالى بِها ولا يُلْتَفَتُ إلَيْها. والثّانِي: أنَّ فِرْعَوْنَ عَلى غايَةِ كَمالِ حالِهِ في الدُّنْيا صارَ مَقْهُورًا باطِلًا، فَيَكُونُ الأمْرُ في حَقِّ أعْدائِكَ هَكَذا، فَثَبَتَ أنَّهُ لَيْسَ المَقْصُودُ مِن إعادَةِ هَذِهِ القِصَّةِ عَيْنَ هَذِهِ القِصَّةِ، بَلِ المَقْصُودُ تَقْرِيرُ الجَوابِ عَنِ الشُّبْهَةِ المَذْكُورَةِ، وعَلى هَذا صفحة ١٨٧ فَلا يَكُونُ هَذا تَقْرِيرًا لِلْقِصَّةِ البَتَّةَ، وهَذا مِن نَفائِسِ الأبْحاثِ، واللَّهُ أعْلَمُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ في تَفْسِيرِ الألْفاظِ: ذَكَرَ تَعالى أنَّهُ أرْسَلَ مُوسى بِآياتِهِ، وهي المُعْجِزاتُ الَّتِي كانَتْ مَعَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ، أيْ قَوْمِهِ، فَقالَ مُوسى: إنِّي رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ، فَلَمّا جاءَهم بِتِلْكَ الآياتِ إذا هم مِنها يَضْحَكُونَ، قِيلَ: إنَّهُ لَمّا ألْقى عَصاهُ صارَ ثُعْبانًا ثُمَّ أخَذَهُ فَعادَ عَصًا كَما كانَ - ضَحِكُوا، ولَمّا عَرَضَ عَلَيْهِمُ اليَدَ البَيْضاءَ ثُمَّ عادَتْ كَما كانَتْ - ضَحِكُوا، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ جازَ أنْ يُجابَ عَنْ ”لَمّا“ بِـ ”إذا“ الَّذِي يُفِيدُ المُفاجَأةَ ؟ قُلْنا: لِأنَّ فِعْلَ المُفاجَأةِ مَعَها مُقَدَّرٌ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: فَلَمّا جاءَهم بِآياتِنا فاجَئُوا وقْتَ ضَحِكِهِمْ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿وما نُرِيهِمْ مِن آيَةٍ إلّا هي أكْبَرُ مِن أُخْتِها﴾ فَإنْ قِيلَ: ظاهِرُ اللَّفْظِ يَقْتَضِي كَوْنَ كُلِّ واحِدٍ مِنها أفْضَلَ مِنَ التّالِي، وذَلِكَ مُحالٌ، قُلْنا: إذا أُرِيدَ المُبالَغَةُ في كَوْنِ كُلٍّ مِن تِلْكَ الأشْياءِ بالِغًا إلى أقْصى الدَّرَجاتِ في الفَضِيلَةِ، فَقَدْ يُذْكَرُ هَذا الكَلامُ بِمَعْنى أنَّهُ لا يَبْعُدُ في أُناسٍ يَنْظُرُونَ إلَيْها أنْ يَقُولَ هَذا: إنَّ هَذا أفْضَلُ مِنَ الثّانِي، وأنْ يَقُولَ الثّانِي: لا بَلِ الثّانِي أفْضَلُ، وأنْ يَقُولَ الثّالِثُ: لا بَلِ الثّالِثُ أفْضَلُ، وحِينَئِذٍ يَصِيرُ كُلُّ واحِدٍ مِن تِلْكَ الأشْياءِ مَقُولًا فِيهِ: إنَّهُ أفْضَلُ مِن غَيْرِهِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وأخَذْناهم بِالعَذابِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ أيْ عَنِ الكُفْرِ إلى الإيمانِ، قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى يُرِيدُ الإيمانَ مِنَ الكُلِّ وأنَّهُ إنَّما أظْهَرَ تِلْكَ المُعْجِزاتِ القاهِرَةَ لِإرادَةِ أنْ يَرْجِعُوا مِنَ الكُفْرِ إلى الإيمانِ، قالَ المُفَسِّرُونَ: ومَعْنى قَوْلِهِ ﴿وأخَذْناهم بِالعَذابِ﴾ أيْ بِالأشْياءِ الَّتِي سَلَّطَها عَلَيْها كالطُّوفانِ والجَرادِ والقُمَّلِ والضَّفادِعِ والدَّمِ والطَّمْسِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وقالُوا ياأيُّها السّاحِرُ ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ إنَّنا لَمُهْتَدُونَ﴾ فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ سَمَّوْهُ بِالسّاحِرِ مَعَ قَوْلِهِمْ ﴿إنَّنا لَمُهْتَدُونَ﴾ ؟ قُلْنا: فِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ لِلْعالِمِ الماهِرِ ساحِرٌ، لِأنَّهم كانُوا يَسْتَعْظِمُونَ السِّحْرَ، وكَما يُقالُ في زَمانِنا في العامِلِ العَجِيبِ الكامِلِ إنَّهُ أتى بِالسِّحْرِ. الثّانِي: ﴿ياأيُّها السّاحِرُ﴾ في زَعْمِ النّاسِ ومُتَعارَفِ قَوْمِ فِرْعَوْنَ كَقَوْلِهِ ﴿وقالُوا ياأيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحِجْرِ: ٦] أيْ نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ في اعْتِقادِهِ وزَعْمِهِ. الثّالِثُ: أنَّ قَوْلَهم ﴿إنَّنا لَمُهْتَدُونَ﴾ وقَدْ كانُوا عازِمِينَ عَلى خِلافِهِ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ ﴿فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُمُ العَذابَ إذا هم يَنْكُثُونَ﴾ فَتَسْمِيَتُهم إيّاهُ بِالسِّحْرِ لا يُنافِي قَوْلَهم ﴿إنَّنا لَمُهْتَدُونَ﴾ ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ لَمّا كَشَفَ عَنْهُمُ العَذابَ نَكَثُوا ذَلِكَ العَهْدَ. ولَمّا حَكى اللَّهُ تَعالى مُعامَلَةَ فِرْعَوْنَ مَعَ مُوسى، حَكى أيْضًا مُعامَلَةَ فِرْعَوْنَ مَعَهُ فَقالَ: ﴿ونادى فِرْعَوْنُ في قَوْمِهِ﴾ والمَعْنى أنَّهُ أظْهَرَ هَذا القَوْلَ، فَقالَ: ﴿ياقَوْمِ ألَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وهَذِهِ الأنْهارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي﴾ يَعْنِي الأنْهارَ الَّتِي فَصَلُوها مِنَ النِّيلِ، ومُعْظَمُها أرْبَعَةٌ: نَهْرُ المَلِكِ ونَهْرُ طُولُونَ ونَهْرُ دِمْياطَ ونَهْرُ تِنِّيسَ، قِيلَ: كانَتْ تَجْرِي تَحْتَ قَصْرِهِ، وحاصِلُ الأمْرِ أنَّهُ احْتَجَّ بِكَثْرَةِ أمْوالِهِ وقُوَّةِ جاهِهِ عَلى فَضِيلَةِ نَفْسِهِ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿أمْ أنا خَيْرٌ مِن هَذا الَّذِي هو مَهِينٌ ولا يَكادُ يُبِينُ﴾ وعَنى بِكَوْنِهِ مَهِينًا كَوْنَهُ فَقِيرًا ضَعِيفَ الحالِ، وبِقَوْلِهِ ﴿ولا يَكادُ يُبِينُ﴾ حَبْسَةً كانَتْ في لِسانِهِ، واخْتَلَفُوا في مَعْنى ”أمْ“ هَهُنا، فَقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَجازُها: بَلْ أنا خَيْرٌ، وعَلى هَذا فَقَدَ تَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ ثُمَّ ابْتَدَأ فَقالَ: ﴿أمْ أنا خَيْرٌ﴾ بِمَعْنى بَلْ أنا خَيْرٌ، وقالَ الباقُونَ: ”أمْ“ هَذِهِ مُتَّصِلَةٌ؛ لِأنَّ المَعْنى ﴿أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ أمْ تُبْصِرُونَ، إلّا أنَّهُ وضَعَ قَوْلَهُ ﴿أنا خَيْرٌ﴾ مَوْضِعَ ”تُبْصِرُونَ“، لِأنَّهم إذا قالُوا لَهُ: أنْتَ خَيْرٌ، فَهم عِنْدَهُ بُصَراءُ، وقالَ آخَرُونَ: إنَّ تَمامَ الكَلامِ عِنْدَ قَوْلِهِ ”أمْ“، وقَوْلُهُ صفحة ١٨٨ ﴿أنا خَيْرٌ﴾ ابْتِداءُ الكَلامِ، والتَّقْدِيرُ: ﴿أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ أمْ تُبْصِرُونَ، لَكِنَّهُ اكْتَفى فِيهِ بِذِكْرِ ”أمْ“ كَما تَقُولُ لِغَيْرِكَ: أتَأْكُلُ أمْ. أيْ: أتَأْكُلُ أمْ لا تَأْكُلُ، تَقْتَصِرُ عَلى ذِكْرِ كَلِمَةِ ”أمْ“ إيثارًا لِلِاخْتِصارِ، فَكَذا هَهُنا، فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - سَألَ اللَّهَ تَعالى أنْ يُزِيلَ الرَّتَّةَ عَنْ لِسانِهِ بِقَوْلِهِ ﴿واحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِسانِي﴾ ﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ [طه: ٢٧] فَأعْطاهُ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﴿قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يامُوسى﴾ فَكَيْفَ عابَهُ فِرْعَوْنُ بِتِلْكَ الرَّتَّةِ ؟ والجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ فِرْعَوْنَ أرادَ بِقَوْلِهِ ﴿ولا يَكادُ يُبِينُ﴾ حُجَّتَهُ الَّتِي تَدُلُّ عَلى صِدْقِهِ فِيما يَدَّعِي، ولَمْ يُرِدْ أنَّهُ لا قُدْرَةَ لَهُ عَلى الكَلامِ. والثّانِي: أنَّهُ عابَهُ بِما كانَ عَلَيْهِ أوَّلًا، وذَلِكَ أنَّ مُوسى كانَ عِنْدَ فِرْعَوْنَ زَمانًا طَوِيلًا وفي لِسانِهِ حَبْسَةٌ، فَنَسَبَهُ فِرْعَوْنُ إلى ما عَهِدَهُ عَلَيْهِ مِنَ الرَّتَّةِ لِأنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى أزالَ ذَلِكَ العَيْبَ عَنْهُ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أسْوِرَةٌ مِن ذَهَبٍ﴾ والمُرادُ أنَّ عادَةَ القَوْمِ جَرَتْ بِأنَّهم إذا جَعَلُوا واحِدًا مِنهم رَئِيسًا لَهم سَوَّرُوهُ بِسِوارٍ مَن ذَهَبٍ وطَوَّقُوهُ بِطَوْقٍ مِن ذَهَبٍ، فَطَلَبَ فِرْعَوْنُ مِن مُوسى مِثْلَ هَذِهِ الحالَةِ، واخْتَلَفَ القُرّاءُ في ”أسْوِرَةٌ“، فَبَعْضُهم قَرَأ: ”أسْوِرَةٌ“، وآخَرُونَ: ”أساوِرَةٌ“، فَأسْوِرَةٌ جَمْعُ سِوارٍ لِأدْنى العَدَدِ، كَقَوْلِكَ حِمارٌ وأحْمِرَةٌ وغُرابٌ وأغْرِبَةٌ، ومَن قَرَأ ”أساوِرَةٌ“ فَذاكَ لِأنَّ أساوِيرَ جَمْعُ أسْوارٍ، وهو السُّوارُ، فَأساوِرَةٌ تَكُونُ الهاءُ عِوَضًا عَنِ الياءِ، نَحْوَ بِطْرِيقٍ وبَطارِقَةٍ وزِنْدِيقٍ وزَنادِقَةٍ وفِرْزِينٍ وفَرازِنَةٍ، فَتَكُونُ أساوِرَةٌ جَمْعَ أسْوارٍ، وحاصِلُ الكَلامِ يَرْجِعُ إلى حَرْفٍ واحِدٍ، وهو أنَّ فِرْعَوْنَ كانَ يَقُولُ أنا أكْثَرُ مالًا وجاهًا، فَوَجَبَ أنْ أكُونَ أفْضَلَ مِنهُ، فَيَمْتَنِعُ كَوْنُهُ رَسُولًا مِنَ اللَّهِ، لِأنَّ مَنصِبَ النُّبُوَّةِ يَقْتَضِي المَخْدُومِيَّةَ، والأخَسُّ لا يَكُونُ مَخْدُومًا لِلْأشْرَفِ، ثُمَّ المُقَدِّمَةُ الفاسِدَةُ هي قَوْلُهُ: مَن كانَ أكْثَرَ مالًا وجاهًا فَهو أفْضَلُ، وهي عَيْنُ المُقَدِّمَةِ الَّتِي تَمَسَّكَ بِها كُفّارُ قُرَيْشٍ في قَوْلِهِمْ ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿أوْ جاءَ مَعَهُ المَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مُقْرِنِينَ بِهِ، مِن قَوْلِكَ: قَرَنْتُهُ بِهِ فاقْتَرَنَ، وأنْ يَكُونَ مِن قَوْلِهِمُ: اقْتَرَنُوا بِمَعْنى تَقارَنُوا، قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ يَمْشُونَ مَعَهُ فَيَدُلُّونَ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأطاعُوهُ﴾ أيْ طَلَبَ مِنهُمُ الخِفَّةَ في الإتْيانِ بِما كانَ يَأْمُرُهم بِهِ فَأطاعُوهُ ﴿إنَّهم كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ حَيْثُ أطاعُوا ذَلِكَ الجاهِلَ الفاسِقَ ﴿فَلَمّا آسَفُونا﴾ أغْضَبُونا، حُكِيَ أنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ غَضِبَ في شَيْءٍ، فَقِيلَ لَهُ: أتَغْضَبُ يا أبا خالِدٍ ؟ فَقالَ: قَدْ غَضِبَ الَّذِي خَلَقَ الأحْلامَ، إنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿فَلَمّا آسَفُونا﴾ أيْ أغْضَبُونا. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿انْتَقَمْنا مِنهُمْ﴾ واعْلَمْ أنَّ ذِكْرَ لَفْظِ الأسَفِ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى مُحالٌ، وذِكْرُ لَفْظِ الِانْتِقامِ وكُلِّ واحِدٍ مِنهُما مِنَ المُتَشابِهاتِ الَّتِي يَجِبُ أنْ يُصارَ فِيها إلى التَّأْوِيلِ، ومَعْنى الغَضَبِ في حَقِّ اللَّهِ إرادَةُ العِقابِ، ومَعْنى الِانْتِقامِ إرادَةُ العِقابِ لِجُرْمٍ سابِقٍ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَجَعَلْناهم سَلَفًا ومَثَلًا﴾ السَّلَفُ كُلُّ شَيْءٍ قَدَّمْتَهُ مِن عَمَلٍ صالِحٍ أوْ قَرْضٍ فَهو سَلَفٌ، والسَّلَفُ أيْضًا مَن تَقَدَّمَ مِن آبائِكَ وأقارِبِكَ، واحِدُهم سالِفٌ، ومِنهُ قَوْلُ طُفَيْلٍ يَرْثِي قَوْمَهُ: مَضَوْا سَلَفًا قَصْدَ السَّبِيلِ عَلَيْهِمُ وصَرْفُ المَنايا بِالرِّجالِ تُقَلَّبُ فَعَلى هَذا قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: يَقُولُ: جَعَلْناهم مُتَقَدِّمِينَ لِيَتَّعِظَ بِهِمُ الآخَرُونَ، أيْ: جَعَلْناهم سَلَفًا لِكُفّارِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ. وأكْثَرُ القُرّاءِ قَرَءُوا بِالفَتْحِ، وهو جَمْعُ سالِفٍ كَما ذَكَرْناهُ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: ”سُلَفًا“ صفحة ١٨٩ بِالضَّمِّ، وهو جَمْعُ سَلَفٍ، قالَ اللَّيْثُ: يُقالُ سَلُفَ - بِضَمِّ اللّامِ - يَسْلُفُ سُلُوفًا، فَهو سُلُفٌ، أيْ: مُتَقَدِّمٌ، وقَوْلُهُ ﴿ومَثَلًا لِلْآخِرِينَ﴾ يُرِيدُ عِظَةً لِمَن بَقِيَ بَعْدَهم وآيَةً وعِبْرَةً، قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: المَثَلُ واحِدٌ يُرادُ بِهِ الجَمْعَ، ومِن ثَمَّ عُطِفَ عَلى سَلَفٍ، والدَّلِيلُ عَلى وُقُوعِهِ عَلى أكْثَرَ مِن واحِدٍ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ ومَن رَزَقْناهُ﴾ [النَّحْلِ: ٧٥] فَأدْخَلَ تَحْتَ المَثَلِ شَيْئَيْنِ، واللَّهُ أعْلَمُ. * * قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولَمّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إذا قَوْمُكَ مِنهُ يَصِدُّونَ﴾ ﴿وقالُوا أآلِهَتُنا خَيْرٌ أمْ هو ما ضَرَبُوهُ لَكَ إلّا جَدَلًا بَلْ هم قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ ﴿إنْ هو إلّا عَبْدٌ أنْعَمْنا عَلَيْهِ وجَعَلْناهُ مَثَلًا لِبَنِي إسْرائِيلَ﴾ ﴿ولَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنكم مَلائِكَةً في الأرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ ﴿وإنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِها واتَّبِعُونِ هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ ﴿ولا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطانُ إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ ٥٠ في الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أنْواعًا كَثِيرَةً مَن كُفْرِيّاتِهِمْ في هَذِهِ السُّورَةِ، وأجابَ عَنْها بِالوُجُوهِ الكَثِيرَةِ: فَأوَّلُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلُوا لَهُ مِن عِبادِهِ جُزْءًا﴾ . وثانِيها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا﴾ . وثالِثُها: قَوْلُهُ ﴿وقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ ما عَبَدْناهُمْ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٢٠] . ورابِعُها: قَوْلُهُ ﴿وقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٣١] . وخامِسُها: هَذِهِ الآيَةُ الَّتِي نَحْنُ الآنَ في تَفْسِيرِها، ولَفْظُ الآيَةِ لا يَدُلُّ إلّا عَلى أنَّهُ لَمّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا أخَذَ القَوْمُ يَضِجُّونَ ويَرْفَعُونَ أصْواتَهم، فَأمّا أنَّ ذَلِكَ المَثَلَ كَيْفَ كانَ، وفي أيِّ شَيْءٍ كانَ، فاللَّفْظُ لا يَدُلُّ عَلَيْهِ، والمُفَسِّرُونَ ذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا، كُلُّها مُحْتَمَلَةٌ: فالأوَّلُ: أنَّ الكُفّارَ لَمّا سَمِعُوا أنَّ النَّصارى يَعْبُدُونَ عِيسى، قالُوا: إذا عَبَدُوا عِيسى فَآلِهَتُنا خَيْرٌ مِن عِيسى، وإنَّما قالُوا ذَلِكَ لِأنَّهم كانُوا يَعْبُدُونَ المَلائِكَةَ. الثّانِي: رُوِيَ أنَّهُ «لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنْبِياءِ: ٩٨] قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزِّبَعْرى: هَذا خاصَّةٌ لَنا ولِآلِهَتِنا أمْ لِجَمِيعِ الأُمَمِ ؟ فَقالَ ﷺ: بَلْ لِجَمِيعِ الأُمَمِ فَقالَ: خَصَمْتُكَ ورَبِّ الكَعْبَةِ، ألَسْتَ تَزْعُمُ أنَّ عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ نَبِيٌّ وتُثْنِي عَلَيْهِ خَيْرًا وعَلى أُمِّهِ، وقَدْ عَلِمْتُ أنَّ النَّصارى يَعْبُدُونَهُما واليَهُودَ يَعْبُدُونَ عُزَيْرًا، والمَلائِكَةُ يُعْبَدُونَ، فَإذا كانَ هَؤُلاءِ في النّارِ فَقَدْ رَضِينا أنْ نَكُونَ نَحْنُ وآلِهَتُنا مَعَهم، فَسَكَتَ النَّبِيُّ ﷺ وفَرِحَ القَوْمُ وضَحِكُوا وضَجُّوا، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى أُولَئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ»﴾ [الأنْبِياءِ: ١٠١] ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ أيْضًا، والمَعْنى: ولَمّا ضَرَبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزِّبَعْرى عِيسى ﴿ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا﴾ وجادَلَ رَسُولَ اللَّهِ بِعِبادَةِ النَّصارى إيّاهُ صفحة ١٩٠ ﴿إذا قَوْمُكَ﴾ قُرَيْشٌ (مِنهَ) أيْ مِن هَذا المَثَلِ ﴿يَصِدُّونَ﴾ أيْ يَرْتَفِعُ لَهم ضَجِيجٌ وجَلَبَةٌ فَرَحًا وجَدَلًا وضَحِكًا بِسَبَبِ ما رَأوْا مِن إسْكاتِ رَسُولِ اللَّهِ، فَإنَّهُ قَدْ جَرَتِ العادَةُ بِأنَّ أحَدَ الخَصْمَيْنِ إذا انْقَطَعَ أظْهَرَ الخَصْمُ الثّانِي الفَرَحَ والضَّجِيجَ، ﴿وقالُوا أآلِهَتُنا خَيْرٌ أمْ هُوَ﴾ يَعْنُونَ أنَّ آلِهَتَنا عِنْدَكَ لَيْسَتْ خَيْرًا مِن عِيسى، فَإذا كانَ عِيسى مِن حَصَبِ جَهَنَّمَ كانَ أمْرُ آلِهَتِنا أهْوَنَ. الوَجْهُ الثّالِثُ في التَّأْوِيلِ: وهو أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا حَكى أنَّ النَّصارى عَبَدُوا المَسِيحَ وجَعَلُوهُ إلَهًا لِأنْفُسِهِمْ، قالَ كُفّارُ مَكَّةَ: إنَّ مُحَمَّدًا يُرِيدُ أنْ يَجْعَلَ لَنا إلَهًا كَما جَعَلَ النَّصارى المَسِيحَ إلَهًا لِأنْفُسِهِمْ، ثُمَّ عِنْدَ هَذا قالُوا ﴿أآلِهَتُنا خَيْرٌ أمْ هُوَ﴾ يَعْنِي أآلِهَتُنا خَيْرٌ أمْ مُحَمَّدٌ، وذَكَرُوا ذَلِكَ لِأجْلِ أنَّهم قالُوا: إنَّ مُحَمَّدًا يَدْعُونا إلى عِبادَةِ نَفْسِهِ، وآباؤُنا زَعَمُوا أنَّهُ يَجِبُ عِبادَةُ هَذِهِ الأصْنامِ، وإذا كانَ لا بُدَّ مِن أحَدِ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ فَعِبادَةُ هَذِهِ الأصْنامِ أوْلى، لِأنَّ آباءَنا وأسْلافَنا كانُوا مُتَطابِقِينَ عَلَيْهِ، وأمّا مُحَمَّدٌ فَإنَّهُ مُتَّهَمٌ في أمْرِنا بِعِبادَتِهِ، فَكانَ الِاشْتِغالُ بِعِبادَةِ الأصْنامِ أوْلى، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنّا لَمْ نَقُلْ إنَّ الِاشْتِغالَ بِعِبادَةِ المَسِيحِ طَرِيقٌ حَسَنٌ، بَلْ هو كَلامٌ باطِلٌ، فَإنَّ عِيسى لَيْسَ إلّا عَبْدًا أنْعَمْنا عَلَيْهِ، فَإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَقَدْ زالَتْ شُبْهَتُهم في قَوْلِهِمْ: إنَّ مُحَمَّدًا يُرِيدُ أنْ يَأْمُرَنا بِعِبادَةِ نَفْسِهِ، فَهَذِهِ الوُجُوهُ الثَّلاثَةُ مِمّا يَحْتَمِلُ كُلُّ واحِدٍ مِنها لَفْظَ الآيَةِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ والكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ”يَصُدُّونَ“ بِضَمِّ الصّادِ، وهو قِراءَةُ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - والباقُونَ بِكَسْرِ الصّادِ وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ، واخْتَلَفُوا فَقالَ الكِسائِيُّ: هُما بِمَعْنًى، نَحْوَ يَعْرِشُونَ ويَعْرُشُونَ، ويَعْكِفُونَ، ويَعْكُفُونَ، ومِنهم مَن فَرَّقَ، أمّا القِراءَةُ بِالضَّمِّ فَمِنَ الصُّدُودِ، أيْ مِن أجْلِ هَذا المَثَلِ يَصُدُّونَ عَنِ الحَقِّ ويُعْرِضُونَ عَنْهُ، وأمّا بِالكَسْرِ فَمَعْناهُ يَضِجُّونَ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ: ”أآلِهَتُنا“ اسْتِفْهامًا بِهَمْزَتَيْنِ، الثّانِيَةُ مُطَوَّلَةٌ، والباقُونَ اسْتِفْهامًا بِهَمْزَةٍ ومَدَّةٍ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ما ضَرَبُوهُ لَكَ إلّا جَدَلًا﴾ أيْ ما ضَرَبُوا لَكَ هَذا المَثَلَ إلّا لِأجْلِ الجَدَلِ والغَلَبَةِ في القَوْلِ، لا لِطَلَبِ الفَرْقِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ ﴿بَلْ هم قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ مُبالِغُونَ في الخُصُومَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [الأنْبِياءِ: ٩٨] لا يَتَناوَلُ المَلائِكَةَ وعِيسى، وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ كَلِمَةَ ”ما“ لا تَتَناوَلُ العُقَلاءَ البَتَّةَ. والثّانِي: أنَّ كَلِمَةَ ”ما“ لَيْسَتْ صَرِيحَةً في الِاسْتِغْراقِ بِدَلِيلِ أنَّهُ يَصِحُّ إدْخالُ لَفْظَتَيِ الكُلِّ والبَعْضِ عَلَيْهِ، فَيُقالُ: إنَّكم وكُلَّ ما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ، أوْ إنَّكم وبَعْضَ ما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ. الثّالِثُ: أنَّ قَوْلَهُ: إنَّكم وكُلَّ ما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أوْ وبَعْضَ ما تَعْبُدُونَ - خِطابُ مُشافَهَةٍ، فَلَعَلَّهُ ما كانَ فِيهِمْ أحَدٌ يَعْبُدُ المَسِيحَ والمَلائِكَةَ. الرّابِعُ: أنَّ قَوْلَهُ ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ هَبْ أنَّهُ عامٌّ إلّا أنَّ النُّصُوصَ الدّالَّةَ عَلى تَعْظِيمِ المَلائِكَةِ وعِيسى أخَصُّ مِنهُ، والخاصُّ مُقَدَّمٌ عَلى العامِّ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: القائِلُونَ بِذَمِّ الجَدَلِ تَمَسَّكُوا بِهَذِهِ الآيَةِ إلّا أنّا قَدْ ذَكَرْنا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما يُجادِلُ في آياتِ اللَّهِ إلّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أنَّ الآياتِ الكَثِيرَةَ دالَّةٌ عَلى أنَّ الجَدَلَ مُوجِبٌ لِلْمَدْحِ والثَّناءِ، وطَرِيقُ التَّوْفِيقِ أنْ تُصْرَفَ تِلْكَ الآياتُ إلى الجَدَلِ الَّذِي يُفِيدُ تَقْرِيرَ الحَقِّ، وأنْ تُصْرَفَ هَذِهِ الآيَةُ إلى الجَدَلِ الَّذِي يُوجِبُ تَقْرِيرَ الباطِلِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنْ هو إلّا عَبْدٌ أنْعَمْنا عَلَيْهِ﴾ يَعْنِي: ما عِيسى إلّا عَبْدٌ كَسائِرِ العَبِيدِ، أنْعَمْنا عَلَيْهِ حَيْثُ جَعَلْناهُ آيَةً بِأنْ خَلَقْناهُ مِن غَيْرِ أبٍ كَما خَلَقْنا آدَمَ، وشَرَّفْناهُ بِالنُّبُوَّةِ وصَيَّرْناهُ عِبْرَةً عَجِيبَةً كالمَثَلِ السّائِرِ ﴿ولَوْ نَشاءُ﴾ صفحة ١٩١ ﴿لَجَعَلْنا مِنكُمْ﴾ لَوَلَّدْنا مِنكم يا رِجالُ ﴿مَلائِكَةً في الأرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ كَما يَخْلُفُكم أوْلادُكم؛ كَما ولَّدْنا عِيسى مِن أُنْثى مِن غَيْرِ فَحْلٍ؛ لِتَعْرِفُوا تَمَيُّزَنا بِالقُدْرَةِ الباهِرَةِ، ولِتَعْرِفُوا أنَّ دُخُولَ التَّوْلِيدِ والتَّوَلُّدِ في المَلائِكَةِ أمْرٌ مُمْكِنٌ، وذاتُ اللَّهِ مُتَعالِيَةٌ عَنْ ذَلِكَ (وأنَّهُ) أيْ عِيسى ﴿لَعِلْمٌ لِلسّاعَةِ﴾ شَرْطٌ مِن أشْراطِها تُعْلَمُ بِهِ، فَسُمِّيَ الشَّرْطُ الدّالُّ عَلى الشَّيْءِ عِلْمًا لِحُصُولِ العِلْمِ بِهِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: ”لَعَلَمٌ“ وهو العَلامَةُ، وقُرِئَ: ”لَلْعِلْمُ“ وقَرَأ أُبَيٌّ: ”لَذِكْرٌ“، وفي الحَدِيثِ: «أنَّ عِيسى يَنْزِلُ عَلى ثَنِيَّةٍ في الأرْضِ المُقَدَّسَةِ يُقالُ لَها أفِيقُ، وبِيَدِهِ حَرْبَةٌ، وبِها يَقْتُلُ الدَّجّالَ، فَيَأْتِي بِبَيْتِ المَقْدِسِ في صَلاةِ الصُّبْحِ والإمامُ يَؤُمُّ بِهِمْ فَيَتَأخَّرُ الإمامُ فَيُقَدِّمُهُ عِيسى ويُصَلِّي خَلْفَهُ عَلى شَرِيعَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ثُمَّ يَقْتُلُ الخَنازِيرَ ويَكْسِرُ الصَّلِيبَ ويُخَرِّبُ البِيَعَ والكَنائِسَ ويَقْتُلُ النَّصارى إلّا مَن آمَنَ بِهِ» ﴿فَلا تَمْتَرُنَّ بِها﴾ مِنَ المِرْيَةِ وهو الشَّكُّ ﴿واتَّبِعُونِ﴾ واتَّبِعُوا هُدايَ وشَرْعِي ﴿هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ أيْ هَذا الَّذِي أدْعُوكم إلَيْهِ صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ ﴿ولا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطانُ إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ قَدْ بانَتْ عَداواتُهُ لَكم لِأجْلِ أنَّهُ هو الَّذِي أخْرَجَ أباكم مِنَ الجَنَّةِ ونَزَعَ عَنْهُ لِباسَ النُّورِ.

الزخرف 43:57

قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا إلى فِرْعَوْنَ﴾ ﴿ومَلَئِهِ فَقالَ إنِّي رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿فَلَمّا جاءَهم بِآياتِنا إذا هم مِنها يَضْحَكُونَ﴾ ﴿وما نُرِيهِمْ مِن آيَةٍ إلّا هي أكْبَرُ مِن أُخْتِها وأخَذْناهم بِالعَذابِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ ﴿وقالُوا ياأيُّها السّاحِرُ ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ إنَّنا لَمُهْتَدُونَ﴾ ﴿فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُمُ العَذابَ إذا هم يَنْكُثُونَ﴾ ﴿ونادى فِرْعَوْنُ في قَوْمِهِ قالَ ياقَوْمِ ألَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وهَذِهِ الأنْهارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ ﴿أمْ أنا خَيْرٌ مِن هَذا الَّذِي هو مَهِينٌ ولا يَكادُ يُبِينُ﴾ ﴿فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أسْوِرَةٌ مِن ذَهَبٍ أوْ جاءَ مَعَهُ المَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾ ﴿فاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأطاعُوهُ إنَّهم كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ ﴿فَلَمّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنهم فَأغْرَقْناهم أجْمَعِينَ﴾ وفِي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن إعادَةِ قِصَّةِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وفِرْعَوْنَ في هَذا المَقامِ تَقْرِيرُ الكَلامِ الَّذِي تَقَدَّمَ، وذَلِكَ لِأنَّ كُفّارَ قُرَيْشٍ طَعَنُوا في نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ بِسَبَبِ كَوْنِهِ فَقِيرًا عَدِيمَ المالِ والجاهِ، فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بَعْدَ أنْ أوْرَدَ المُعْجِزاتِ القاهِرَةَ الباهِرَةَ الَّتِي لا يَشُكُّ في صِحَّتِها عاقِلٌ أوْرَدَ فِرْعَوْنُ عَلَيْهِ هَذِهِ الشُّبْهَةَ الَّتِي ذَكَرَها كُفّارُ قُرَيْشٍ، فَقالَ: إنِّي غَنِيٌّ كَثِيرُ المالِ والجاهِ، ألا تَرَوْنَ أنَّهُ حَصَلَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وهَذِهِ الأنْهارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي، وأمّا مُوسى فَإنَّهُ فَقِيرٌ مَهِينٌ ولَيْسَ لَهُ بَيانٌ ولِسانٌ، والرَّجُلُ الفَقِيرُ كَيْفَ يَكُونُ رَسُولًا مِن عِنْدِ اللَّهِ إلى المَلِكِ الكَبِيرِ الغَنِيِّ، فَثَبَتَ أنَّ هَذِهِ الشُّبْهَةَ الَّتِي ذَكَرَها كُفّارُ مَكَّةَ، وهي قَوْلُهم ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٣١] وقَدْ أوْرَدَها بِعَيْنِها فِرْعَوْنُ عَلى مُوسى، ثُمَّ إنّا انْتَقَمْنا مِنهم فَأغْرَقْناهم، والمَقْصُودُ مِن إيرادِ هَذِهِ القِصَّةِ - تَقْرِيرُ أمْرَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ الكُفّارَ والجُهّالَ أبَدًا يَحْتَجُّونَ عَلى الأنْبِياءِ بِهَذِهِ الشُّبْهَةِ الرَّكِيكَةِ فَلا يُبالى بِها ولا يُلْتَفَتُ إلَيْها. والثّانِي: أنَّ فِرْعَوْنَ عَلى غايَةِ كَمالِ حالِهِ في الدُّنْيا صارَ مَقْهُورًا باطِلًا، فَيَكُونُ الأمْرُ في حَقِّ أعْدائِكَ هَكَذا، فَثَبَتَ أنَّهُ لَيْسَ المَقْصُودُ مِن إعادَةِ هَذِهِ القِصَّةِ عَيْنَ هَذِهِ القِصَّةِ، بَلِ المَقْصُودُ تَقْرِيرُ الجَوابِ عَنِ الشُّبْهَةِ المَذْكُورَةِ، وعَلى هَذا صفحة ١٨٧ فَلا يَكُونُ هَذا تَقْرِيرًا لِلْقِصَّةِ البَتَّةَ، وهَذا مِن نَفائِسِ الأبْحاثِ، واللَّهُ أعْلَمُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ في تَفْسِيرِ الألْفاظِ: ذَكَرَ تَعالى أنَّهُ أرْسَلَ مُوسى بِآياتِهِ، وهي المُعْجِزاتُ الَّتِي كانَتْ مَعَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ، أيْ قَوْمِهِ، فَقالَ مُوسى: إنِّي رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ، فَلَمّا جاءَهم بِتِلْكَ الآياتِ إذا هم مِنها يَضْحَكُونَ، قِيلَ: إنَّهُ لَمّا ألْقى عَصاهُ صارَ ثُعْبانًا ثُمَّ أخَذَهُ فَعادَ عَصًا كَما كانَ - ضَحِكُوا، ولَمّا عَرَضَ عَلَيْهِمُ اليَدَ البَيْضاءَ ثُمَّ عادَتْ كَما كانَتْ - ضَحِكُوا، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ جازَ أنْ يُجابَ عَنْ ”لَمّا“ بِـ ”إذا“ الَّذِي يُفِيدُ المُفاجَأةَ ؟ قُلْنا: لِأنَّ فِعْلَ المُفاجَأةِ مَعَها مُقَدَّرٌ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: فَلَمّا جاءَهم بِآياتِنا فاجَئُوا وقْتَ ضَحِكِهِمْ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿وما نُرِيهِمْ مِن آيَةٍ إلّا هي أكْبَرُ مِن أُخْتِها﴾ فَإنْ قِيلَ: ظاهِرُ اللَّفْظِ يَقْتَضِي كَوْنَ كُلِّ واحِدٍ مِنها أفْضَلَ مِنَ التّالِي، وذَلِكَ مُحالٌ، قُلْنا: إذا أُرِيدَ المُبالَغَةُ في كَوْنِ كُلٍّ مِن تِلْكَ الأشْياءِ بالِغًا إلى أقْصى الدَّرَجاتِ في الفَضِيلَةِ، فَقَدْ يُذْكَرُ هَذا الكَلامُ بِمَعْنى أنَّهُ لا يَبْعُدُ في أُناسٍ يَنْظُرُونَ إلَيْها أنْ يَقُولَ هَذا: إنَّ هَذا أفْضَلُ مِنَ الثّانِي، وأنْ يَقُولَ الثّانِي: لا بَلِ الثّانِي أفْضَلُ، وأنْ يَقُولَ الثّالِثُ: لا بَلِ الثّالِثُ أفْضَلُ، وحِينَئِذٍ يَصِيرُ كُلُّ واحِدٍ مِن تِلْكَ الأشْياءِ مَقُولًا فِيهِ: إنَّهُ أفْضَلُ مِن غَيْرِهِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وأخَذْناهم بِالعَذابِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ أيْ عَنِ الكُفْرِ إلى الإيمانِ، قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى يُرِيدُ الإيمانَ مِنَ الكُلِّ وأنَّهُ إنَّما أظْهَرَ تِلْكَ المُعْجِزاتِ القاهِرَةَ لِإرادَةِ أنْ يَرْجِعُوا مِنَ الكُفْرِ إلى الإيمانِ، قالَ المُفَسِّرُونَ: ومَعْنى قَوْلِهِ ﴿وأخَذْناهم بِالعَذابِ﴾ أيْ بِالأشْياءِ الَّتِي سَلَّطَها عَلَيْها كالطُّوفانِ والجَرادِ والقُمَّلِ والضَّفادِعِ والدَّمِ والطَّمْسِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وقالُوا ياأيُّها السّاحِرُ ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ إنَّنا لَمُهْتَدُونَ﴾ فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ سَمَّوْهُ بِالسّاحِرِ مَعَ قَوْلِهِمْ ﴿إنَّنا لَمُهْتَدُونَ﴾ ؟ قُلْنا: فِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ لِلْعالِمِ الماهِرِ ساحِرٌ، لِأنَّهم كانُوا يَسْتَعْظِمُونَ السِّحْرَ، وكَما يُقالُ في زَمانِنا في العامِلِ العَجِيبِ الكامِلِ إنَّهُ أتى بِالسِّحْرِ. الثّانِي: ﴿ياأيُّها السّاحِرُ﴾ في زَعْمِ النّاسِ ومُتَعارَفِ قَوْمِ فِرْعَوْنَ كَقَوْلِهِ ﴿وقالُوا ياأيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحِجْرِ: ٦] أيْ نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ في اعْتِقادِهِ وزَعْمِهِ. الثّالِثُ: أنَّ قَوْلَهم ﴿إنَّنا لَمُهْتَدُونَ﴾ وقَدْ كانُوا عازِمِينَ عَلى خِلافِهِ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ ﴿فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُمُ العَذابَ إذا هم يَنْكُثُونَ﴾ فَتَسْمِيَتُهم إيّاهُ بِالسِّحْرِ لا يُنافِي قَوْلَهم ﴿إنَّنا لَمُهْتَدُونَ﴾ ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ لَمّا كَشَفَ عَنْهُمُ العَذابَ نَكَثُوا ذَلِكَ العَهْدَ. ولَمّا حَكى اللَّهُ تَعالى مُعامَلَةَ فِرْعَوْنَ مَعَ مُوسى، حَكى أيْضًا مُعامَلَةَ فِرْعَوْنَ مَعَهُ فَقالَ: ﴿ونادى فِرْعَوْنُ في قَوْمِهِ﴾ والمَعْنى أنَّهُ أظْهَرَ هَذا القَوْلَ، فَقالَ: ﴿ياقَوْمِ ألَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وهَذِهِ الأنْهارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي﴾ يَعْنِي الأنْهارَ الَّتِي فَصَلُوها مِنَ النِّيلِ، ومُعْظَمُها أرْبَعَةٌ: نَهْرُ المَلِكِ ونَهْرُ طُولُونَ ونَهْرُ دِمْياطَ ونَهْرُ تِنِّيسَ، قِيلَ: كانَتْ تَجْرِي تَحْتَ قَصْرِهِ، وحاصِلُ الأمْرِ أنَّهُ احْتَجَّ بِكَثْرَةِ أمْوالِهِ وقُوَّةِ جاهِهِ عَلى فَضِيلَةِ نَفْسِهِ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿أمْ أنا خَيْرٌ مِن هَذا الَّذِي هو مَهِينٌ ولا يَكادُ يُبِينُ﴾ وعَنى بِكَوْنِهِ مَهِينًا كَوْنَهُ فَقِيرًا ضَعِيفَ الحالِ، وبِقَوْلِهِ ﴿ولا يَكادُ يُبِينُ﴾ حَبْسَةً كانَتْ في لِسانِهِ، واخْتَلَفُوا في مَعْنى ”أمْ“ هَهُنا، فَقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَجازُها: بَلْ أنا خَيْرٌ، وعَلى هَذا فَقَدَ تَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ ثُمَّ ابْتَدَأ فَقالَ: ﴿أمْ أنا خَيْرٌ﴾ بِمَعْنى بَلْ أنا خَيْرٌ، وقالَ الباقُونَ: ”أمْ“ هَذِهِ مُتَّصِلَةٌ؛ لِأنَّ المَعْنى ﴿أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ أمْ تُبْصِرُونَ، إلّا أنَّهُ وضَعَ قَوْلَهُ ﴿أنا خَيْرٌ﴾ مَوْضِعَ ”تُبْصِرُونَ“، لِأنَّهم إذا قالُوا لَهُ: أنْتَ خَيْرٌ، فَهم عِنْدَهُ بُصَراءُ، وقالَ آخَرُونَ: إنَّ تَمامَ الكَلامِ عِنْدَ قَوْلِهِ ”أمْ“، وقَوْلُهُ صفحة ١٨٨ ﴿أنا خَيْرٌ﴾ ابْتِداءُ الكَلامِ، والتَّقْدِيرُ: ﴿أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ أمْ تُبْصِرُونَ، لَكِنَّهُ اكْتَفى فِيهِ بِذِكْرِ ”أمْ“ كَما تَقُولُ لِغَيْرِكَ: أتَأْكُلُ أمْ. أيْ: أتَأْكُلُ أمْ لا تَأْكُلُ، تَقْتَصِرُ عَلى ذِكْرِ كَلِمَةِ ”أمْ“ إيثارًا لِلِاخْتِصارِ، فَكَذا هَهُنا، فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - سَألَ اللَّهَ تَعالى أنْ يُزِيلَ الرَّتَّةَ عَنْ لِسانِهِ بِقَوْلِهِ ﴿واحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِسانِي﴾ ﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ [طه: ٢٧] فَأعْطاهُ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﴿قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يامُوسى﴾ فَكَيْفَ عابَهُ فِرْعَوْنُ بِتِلْكَ الرَّتَّةِ ؟ والجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ فِرْعَوْنَ أرادَ بِقَوْلِهِ ﴿ولا يَكادُ يُبِينُ﴾ حُجَّتَهُ الَّتِي تَدُلُّ عَلى صِدْقِهِ فِيما يَدَّعِي، ولَمْ يُرِدْ أنَّهُ لا قُدْرَةَ لَهُ عَلى الكَلامِ. والثّانِي: أنَّهُ عابَهُ بِما كانَ عَلَيْهِ أوَّلًا، وذَلِكَ أنَّ مُوسى كانَ عِنْدَ فِرْعَوْنَ زَمانًا طَوِيلًا وفي لِسانِهِ حَبْسَةٌ، فَنَسَبَهُ فِرْعَوْنُ إلى ما عَهِدَهُ عَلَيْهِ مِنَ الرَّتَّةِ لِأنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى أزالَ ذَلِكَ العَيْبَ عَنْهُ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أسْوِرَةٌ مِن ذَهَبٍ﴾ والمُرادُ أنَّ عادَةَ القَوْمِ جَرَتْ بِأنَّهم إذا جَعَلُوا واحِدًا مِنهم رَئِيسًا لَهم سَوَّرُوهُ بِسِوارٍ مَن ذَهَبٍ وطَوَّقُوهُ بِطَوْقٍ مِن ذَهَبٍ، فَطَلَبَ فِرْعَوْنُ مِن مُوسى مِثْلَ هَذِهِ الحالَةِ، واخْتَلَفَ القُرّاءُ في ”أسْوِرَةٌ“، فَبَعْضُهم قَرَأ: ”أسْوِرَةٌ“، وآخَرُونَ: ”أساوِرَةٌ“، فَأسْوِرَةٌ جَمْعُ سِوارٍ لِأدْنى العَدَدِ، كَقَوْلِكَ حِمارٌ وأحْمِرَةٌ وغُرابٌ وأغْرِبَةٌ، ومَن قَرَأ ”أساوِرَةٌ“ فَذاكَ لِأنَّ أساوِيرَ جَمْعُ أسْوارٍ، وهو السُّوارُ، فَأساوِرَةٌ تَكُونُ الهاءُ عِوَضًا عَنِ الياءِ، نَحْوَ بِطْرِيقٍ وبَطارِقَةٍ وزِنْدِيقٍ وزَنادِقَةٍ وفِرْزِينٍ وفَرازِنَةٍ، فَتَكُونُ أساوِرَةٌ جَمْعَ أسْوارٍ، وحاصِلُ الكَلامِ يَرْجِعُ إلى حَرْفٍ واحِدٍ، وهو أنَّ فِرْعَوْنَ كانَ يَقُولُ أنا أكْثَرُ مالًا وجاهًا، فَوَجَبَ أنْ أكُونَ أفْضَلَ مِنهُ، فَيَمْتَنِعُ كَوْنُهُ رَسُولًا مِنَ اللَّهِ، لِأنَّ مَنصِبَ النُّبُوَّةِ يَقْتَضِي المَخْدُومِيَّةَ، والأخَسُّ لا يَكُونُ مَخْدُومًا لِلْأشْرَفِ، ثُمَّ المُقَدِّمَةُ الفاسِدَةُ هي قَوْلُهُ: مَن كانَ أكْثَرَ مالًا وجاهًا فَهو أفْضَلُ، وهي عَيْنُ المُقَدِّمَةِ الَّتِي تَمَسَّكَ بِها كُفّارُ قُرَيْشٍ في قَوْلِهِمْ ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿أوْ جاءَ مَعَهُ المَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مُقْرِنِينَ بِهِ، مِن قَوْلِكَ: قَرَنْتُهُ بِهِ فاقْتَرَنَ، وأنْ يَكُونَ مِن قَوْلِهِمُ: اقْتَرَنُوا بِمَعْنى تَقارَنُوا، قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ يَمْشُونَ مَعَهُ فَيَدُلُّونَ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأطاعُوهُ﴾ أيْ طَلَبَ مِنهُمُ الخِفَّةَ في الإتْيانِ بِما كانَ يَأْمُرُهم بِهِ فَأطاعُوهُ ﴿إنَّهم كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ حَيْثُ أطاعُوا ذَلِكَ الجاهِلَ الفاسِقَ ﴿فَلَمّا آسَفُونا﴾ أغْضَبُونا، حُكِيَ أنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ غَضِبَ في شَيْءٍ، فَقِيلَ لَهُ: أتَغْضَبُ يا أبا خالِدٍ ؟ فَقالَ: قَدْ غَضِبَ الَّذِي خَلَقَ الأحْلامَ، إنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿فَلَمّا آسَفُونا﴾ أيْ أغْضَبُونا. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿انْتَقَمْنا مِنهُمْ﴾ واعْلَمْ أنَّ ذِكْرَ لَفْظِ الأسَفِ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى مُحالٌ، وذِكْرُ لَفْظِ الِانْتِقامِ وكُلِّ واحِدٍ مِنهُما مِنَ المُتَشابِهاتِ الَّتِي يَجِبُ أنْ يُصارَ فِيها إلى التَّأْوِيلِ، ومَعْنى الغَضَبِ في حَقِّ اللَّهِ إرادَةُ العِقابِ، ومَعْنى الِانْتِقامِ إرادَةُ العِقابِ لِجُرْمٍ سابِقٍ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَجَعَلْناهم سَلَفًا ومَثَلًا﴾ السَّلَفُ كُلُّ شَيْءٍ قَدَّمْتَهُ مِن عَمَلٍ صالِحٍ أوْ قَرْضٍ فَهو سَلَفٌ، والسَّلَفُ أيْضًا مَن تَقَدَّمَ مِن آبائِكَ وأقارِبِكَ، واحِدُهم سالِفٌ، ومِنهُ قَوْلُ طُفَيْلٍ يَرْثِي قَوْمَهُ: مَضَوْا سَلَفًا قَصْدَ السَّبِيلِ عَلَيْهِمُ وصَرْفُ المَنايا بِالرِّجالِ تُقَلَّبُ فَعَلى هَذا قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: يَقُولُ: جَعَلْناهم مُتَقَدِّمِينَ لِيَتَّعِظَ بِهِمُ الآخَرُونَ، أيْ: جَعَلْناهم سَلَفًا لِكُفّارِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ. وأكْثَرُ القُرّاءِ قَرَءُوا بِالفَتْحِ، وهو جَمْعُ سالِفٍ كَما ذَكَرْناهُ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: ”سُلَفًا“ صفحة ١٨٩ بِالضَّمِّ، وهو جَمْعُ سَلَفٍ، قالَ اللَّيْثُ: يُقالُ سَلُفَ - بِضَمِّ اللّامِ - يَسْلُفُ سُلُوفًا، فَهو سُلُفٌ، أيْ: مُتَقَدِّمٌ، وقَوْلُهُ ﴿ومَثَلًا لِلْآخِرِينَ﴾ يُرِيدُ عِظَةً لِمَن بَقِيَ بَعْدَهم وآيَةً وعِبْرَةً، قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: المَثَلُ واحِدٌ يُرادُ بِهِ الجَمْعَ، ومِن ثَمَّ عُطِفَ عَلى سَلَفٍ، والدَّلِيلُ عَلى وُقُوعِهِ عَلى أكْثَرَ مِن واحِدٍ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ ومَن رَزَقْناهُ﴾ [النَّحْلِ: ٧٥] فَأدْخَلَ تَحْتَ المَثَلِ شَيْئَيْنِ، واللَّهُ أعْلَمُ. * * قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولَمّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إذا قَوْمُكَ مِنهُ يَصِدُّونَ﴾ ﴿وقالُوا أآلِهَتُنا خَيْرٌ أمْ هو ما ضَرَبُوهُ لَكَ إلّا جَدَلًا بَلْ هم قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ ﴿إنْ هو إلّا عَبْدٌ أنْعَمْنا عَلَيْهِ وجَعَلْناهُ مَثَلًا لِبَنِي إسْرائِيلَ﴾ ﴿ولَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنكم مَلائِكَةً في الأرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ ﴿وإنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِها واتَّبِعُونِ هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ ﴿ولا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطانُ إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ ٥٠ في الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أنْواعًا كَثِيرَةً مَن كُفْرِيّاتِهِمْ في هَذِهِ السُّورَةِ، وأجابَ عَنْها بِالوُجُوهِ الكَثِيرَةِ: فَأوَّلُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلُوا لَهُ مِن عِبادِهِ جُزْءًا﴾ . وثانِيها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا﴾ . وثالِثُها: قَوْلُهُ ﴿وقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ ما عَبَدْناهُمْ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٢٠] . ورابِعُها: قَوْلُهُ ﴿وقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٣١] . وخامِسُها: هَذِهِ الآيَةُ الَّتِي نَحْنُ الآنَ في تَفْسِيرِها، ولَفْظُ الآيَةِ لا يَدُلُّ إلّا عَلى أنَّهُ لَمّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا أخَذَ القَوْمُ يَضِجُّونَ ويَرْفَعُونَ أصْواتَهم، فَأمّا أنَّ ذَلِكَ المَثَلَ كَيْفَ كانَ، وفي أيِّ شَيْءٍ كانَ، فاللَّفْظُ لا يَدُلُّ عَلَيْهِ، والمُفَسِّرُونَ ذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا، كُلُّها مُحْتَمَلَةٌ: فالأوَّلُ: أنَّ الكُفّارَ لَمّا سَمِعُوا أنَّ النَّصارى يَعْبُدُونَ عِيسى، قالُوا: إذا عَبَدُوا عِيسى فَآلِهَتُنا خَيْرٌ مِن عِيسى، وإنَّما قالُوا ذَلِكَ لِأنَّهم كانُوا يَعْبُدُونَ المَلائِكَةَ. الثّانِي: رُوِيَ أنَّهُ «لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنْبِياءِ: ٩٨] قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزِّبَعْرى: هَذا خاصَّةٌ لَنا ولِآلِهَتِنا أمْ لِجَمِيعِ الأُمَمِ ؟ فَقالَ ﷺ: بَلْ لِجَمِيعِ الأُمَمِ فَقالَ: خَصَمْتُكَ ورَبِّ الكَعْبَةِ، ألَسْتَ تَزْعُمُ أنَّ عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ نَبِيٌّ وتُثْنِي عَلَيْهِ خَيْرًا وعَلى أُمِّهِ، وقَدْ عَلِمْتُ أنَّ النَّصارى يَعْبُدُونَهُما واليَهُودَ يَعْبُدُونَ عُزَيْرًا، والمَلائِكَةُ يُعْبَدُونَ، فَإذا كانَ هَؤُلاءِ في النّارِ فَقَدْ رَضِينا أنْ نَكُونَ نَحْنُ وآلِهَتُنا مَعَهم، فَسَكَتَ النَّبِيُّ ﷺ وفَرِحَ القَوْمُ وضَحِكُوا وضَجُّوا، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى أُولَئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ»﴾ [الأنْبِياءِ: ١٠١] ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ أيْضًا، والمَعْنى: ولَمّا ضَرَبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزِّبَعْرى عِيسى ﴿ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا﴾ وجادَلَ رَسُولَ اللَّهِ بِعِبادَةِ النَّصارى إيّاهُ صفحة ١٩٠ ﴿إذا قَوْمُكَ﴾ قُرَيْشٌ (مِنهَ) أيْ مِن هَذا المَثَلِ ﴿يَصِدُّونَ﴾ أيْ يَرْتَفِعُ لَهم ضَجِيجٌ وجَلَبَةٌ فَرَحًا وجَدَلًا وضَحِكًا بِسَبَبِ ما رَأوْا مِن إسْكاتِ رَسُولِ اللَّهِ، فَإنَّهُ قَدْ جَرَتِ العادَةُ بِأنَّ أحَدَ الخَصْمَيْنِ إذا انْقَطَعَ أظْهَرَ الخَصْمُ الثّانِي الفَرَحَ والضَّجِيجَ، ﴿وقالُوا أآلِهَتُنا خَيْرٌ أمْ هُوَ﴾ يَعْنُونَ أنَّ آلِهَتَنا عِنْدَكَ لَيْسَتْ خَيْرًا مِن عِيسى، فَإذا كانَ عِيسى مِن حَصَبِ جَهَنَّمَ كانَ أمْرُ آلِهَتِنا أهْوَنَ. الوَجْهُ الثّالِثُ في التَّأْوِيلِ: وهو أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا حَكى أنَّ النَّصارى عَبَدُوا المَسِيحَ وجَعَلُوهُ إلَهًا لِأنْفُسِهِمْ، قالَ كُفّارُ مَكَّةَ: إنَّ مُحَمَّدًا يُرِيدُ أنْ يَجْعَلَ لَنا إلَهًا كَما جَعَلَ النَّصارى المَسِيحَ إلَهًا لِأنْفُسِهِمْ، ثُمَّ عِنْدَ هَذا قالُوا ﴿أآلِهَتُنا خَيْرٌ أمْ هُوَ﴾ يَعْنِي أآلِهَتُنا خَيْرٌ أمْ مُحَمَّدٌ، وذَكَرُوا ذَلِكَ لِأجْلِ أنَّهم قالُوا: إنَّ مُحَمَّدًا يَدْعُونا إلى عِبادَةِ نَفْسِهِ، وآباؤُنا زَعَمُوا أنَّهُ يَجِبُ عِبادَةُ هَذِهِ الأصْنامِ، وإذا كانَ لا بُدَّ مِن أحَدِ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ فَعِبادَةُ هَذِهِ الأصْنامِ أوْلى، لِأنَّ آباءَنا وأسْلافَنا كانُوا مُتَطابِقِينَ عَلَيْهِ، وأمّا مُحَمَّدٌ فَإنَّهُ مُتَّهَمٌ في أمْرِنا بِعِبادَتِهِ، فَكانَ الِاشْتِغالُ بِعِبادَةِ الأصْنامِ أوْلى، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنّا لَمْ نَقُلْ إنَّ الِاشْتِغالَ بِعِبادَةِ المَسِيحِ طَرِيقٌ حَسَنٌ، بَلْ هو كَلامٌ باطِلٌ، فَإنَّ عِيسى لَيْسَ إلّا عَبْدًا أنْعَمْنا عَلَيْهِ، فَإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَقَدْ زالَتْ شُبْهَتُهم في قَوْلِهِمْ: إنَّ مُحَمَّدًا يُرِيدُ أنْ يَأْمُرَنا بِعِبادَةِ نَفْسِهِ، فَهَذِهِ الوُجُوهُ الثَّلاثَةُ مِمّا يَحْتَمِلُ كُلُّ واحِدٍ مِنها لَفْظَ الآيَةِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ والكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ”يَصُدُّونَ“ بِضَمِّ الصّادِ، وهو قِراءَةُ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - والباقُونَ بِكَسْرِ الصّادِ وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ، واخْتَلَفُوا فَقالَ الكِسائِيُّ: هُما بِمَعْنًى، نَحْوَ يَعْرِشُونَ ويَعْرُشُونَ، ويَعْكِفُونَ، ويَعْكُفُونَ، ومِنهم مَن فَرَّقَ، أمّا القِراءَةُ بِالضَّمِّ فَمِنَ الصُّدُودِ، أيْ مِن أجْلِ هَذا المَثَلِ يَصُدُّونَ عَنِ الحَقِّ ويُعْرِضُونَ عَنْهُ، وأمّا بِالكَسْرِ فَمَعْناهُ يَضِجُّونَ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ: ”أآلِهَتُنا“ اسْتِفْهامًا بِهَمْزَتَيْنِ، الثّانِيَةُ مُطَوَّلَةٌ، والباقُونَ اسْتِفْهامًا بِهَمْزَةٍ ومَدَّةٍ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ما ضَرَبُوهُ لَكَ إلّا جَدَلًا﴾ أيْ ما ضَرَبُوا لَكَ هَذا المَثَلَ إلّا لِأجْلِ الجَدَلِ والغَلَبَةِ في القَوْلِ، لا لِطَلَبِ الفَرْقِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ ﴿بَلْ هم قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ مُبالِغُونَ في الخُصُومَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [الأنْبِياءِ: ٩٨] لا يَتَناوَلُ المَلائِكَةَ وعِيسى، وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ كَلِمَةَ ”ما“ لا تَتَناوَلُ العُقَلاءَ البَتَّةَ. والثّانِي: أنَّ كَلِمَةَ ”ما“ لَيْسَتْ صَرِيحَةً في الِاسْتِغْراقِ بِدَلِيلِ أنَّهُ يَصِحُّ إدْخالُ لَفْظَتَيِ الكُلِّ والبَعْضِ عَلَيْهِ، فَيُقالُ: إنَّكم وكُلَّ ما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ، أوْ إنَّكم وبَعْضَ ما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ. الثّالِثُ: أنَّ قَوْلَهُ: إنَّكم وكُلَّ ما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أوْ وبَعْضَ ما تَعْبُدُونَ - خِطابُ مُشافَهَةٍ، فَلَعَلَّهُ ما كانَ فِيهِمْ أحَدٌ يَعْبُدُ المَسِيحَ والمَلائِكَةَ. الرّابِعُ: أنَّ قَوْلَهُ ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ هَبْ أنَّهُ عامٌّ إلّا أنَّ النُّصُوصَ الدّالَّةَ عَلى تَعْظِيمِ المَلائِكَةِ وعِيسى أخَصُّ مِنهُ، والخاصُّ مُقَدَّمٌ عَلى العامِّ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: القائِلُونَ بِذَمِّ الجَدَلِ تَمَسَّكُوا بِهَذِهِ الآيَةِ إلّا أنّا قَدْ ذَكَرْنا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما يُجادِلُ في آياتِ اللَّهِ إلّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أنَّ الآياتِ الكَثِيرَةَ دالَّةٌ عَلى أنَّ الجَدَلَ مُوجِبٌ لِلْمَدْحِ والثَّناءِ، وطَرِيقُ التَّوْفِيقِ أنْ تُصْرَفَ تِلْكَ الآياتُ إلى الجَدَلِ الَّذِي يُفِيدُ تَقْرِيرَ الحَقِّ، وأنْ تُصْرَفَ هَذِهِ الآيَةُ إلى الجَدَلِ الَّذِي يُوجِبُ تَقْرِيرَ الباطِلِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنْ هو إلّا عَبْدٌ أنْعَمْنا عَلَيْهِ﴾ يَعْنِي: ما عِيسى إلّا عَبْدٌ كَسائِرِ العَبِيدِ، أنْعَمْنا عَلَيْهِ حَيْثُ جَعَلْناهُ آيَةً بِأنْ خَلَقْناهُ مِن غَيْرِ أبٍ كَما خَلَقْنا آدَمَ، وشَرَّفْناهُ بِالنُّبُوَّةِ وصَيَّرْناهُ عِبْرَةً عَجِيبَةً كالمَثَلِ السّائِرِ ﴿ولَوْ نَشاءُ﴾ صفحة ١٩١ ﴿لَجَعَلْنا مِنكُمْ﴾ لَوَلَّدْنا مِنكم يا رِجالُ ﴿مَلائِكَةً في الأرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ كَما يَخْلُفُكم أوْلادُكم؛ كَما ولَّدْنا عِيسى مِن أُنْثى مِن غَيْرِ فَحْلٍ؛ لِتَعْرِفُوا تَمَيُّزَنا بِالقُدْرَةِ الباهِرَةِ، ولِتَعْرِفُوا أنَّ دُخُولَ التَّوْلِيدِ والتَّوَلُّدِ في المَلائِكَةِ أمْرٌ مُمْكِنٌ، وذاتُ اللَّهِ مُتَعالِيَةٌ عَنْ ذَلِكَ (وأنَّهُ) أيْ عِيسى ﴿لَعِلْمٌ لِلسّاعَةِ﴾ شَرْطٌ مِن أشْراطِها تُعْلَمُ بِهِ، فَسُمِّيَ الشَّرْطُ الدّالُّ عَلى الشَّيْءِ عِلْمًا لِحُصُولِ العِلْمِ بِهِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: ”لَعَلَمٌ“ وهو العَلامَةُ، وقُرِئَ: ”لَلْعِلْمُ“ وقَرَأ أُبَيٌّ: ”لَذِكْرٌ“، وفي الحَدِيثِ: «أنَّ عِيسى يَنْزِلُ عَلى ثَنِيَّةٍ في الأرْضِ المُقَدَّسَةِ يُقالُ لَها أفِيقُ، وبِيَدِهِ حَرْبَةٌ، وبِها يَقْتُلُ الدَّجّالَ، فَيَأْتِي بِبَيْتِ المَقْدِسِ في صَلاةِ الصُّبْحِ والإمامُ يَؤُمُّ بِهِمْ فَيَتَأخَّرُ الإمامُ فَيُقَدِّمُهُ عِيسى ويُصَلِّي خَلْفَهُ عَلى شَرِيعَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ثُمَّ يَقْتُلُ الخَنازِيرَ ويَكْسِرُ الصَّلِيبَ ويُخَرِّبُ البِيَعَ والكَنائِسَ ويَقْتُلُ النَّصارى إلّا مَن آمَنَ بِهِ» ﴿فَلا تَمْتَرُنَّ بِها﴾ مِنَ المِرْيَةِ وهو الشَّكُّ ﴿واتَّبِعُونِ﴾ واتَّبِعُوا هُدايَ وشَرْعِي ﴿هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ أيْ هَذا الَّذِي أدْعُوكم إلَيْهِ صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ ﴿ولا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطانُ إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ قَدْ بانَتْ عَداواتُهُ لَكم لِأجْلِ أنَّهُ هو الَّذِي أخْرَجَ أباكم مِنَ الجَنَّةِ ونَزَعَ عَنْهُ لِباسَ النُّورِ.

الزخرف 43:58

قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا إلى فِرْعَوْنَ﴾ ﴿ومَلَئِهِ فَقالَ إنِّي رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿فَلَمّا جاءَهم بِآياتِنا إذا هم مِنها يَضْحَكُونَ﴾ ﴿وما نُرِيهِمْ مِن آيَةٍ إلّا هي أكْبَرُ مِن أُخْتِها وأخَذْناهم بِالعَذابِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ ﴿وقالُوا ياأيُّها السّاحِرُ ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ إنَّنا لَمُهْتَدُونَ﴾ ﴿فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُمُ العَذابَ إذا هم يَنْكُثُونَ﴾ ﴿ونادى فِرْعَوْنُ في قَوْمِهِ قالَ ياقَوْمِ ألَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وهَذِهِ الأنْهارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ ﴿أمْ أنا خَيْرٌ مِن هَذا الَّذِي هو مَهِينٌ ولا يَكادُ يُبِينُ﴾ ﴿فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أسْوِرَةٌ مِن ذَهَبٍ أوْ جاءَ مَعَهُ المَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾ ﴿فاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأطاعُوهُ إنَّهم كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ ﴿فَلَمّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنهم فَأغْرَقْناهم أجْمَعِينَ﴾ وفِي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن إعادَةِ قِصَّةِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وفِرْعَوْنَ في هَذا المَقامِ تَقْرِيرُ الكَلامِ الَّذِي تَقَدَّمَ، وذَلِكَ لِأنَّ كُفّارَ قُرَيْشٍ طَعَنُوا في نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ بِسَبَبِ كَوْنِهِ فَقِيرًا عَدِيمَ المالِ والجاهِ، فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بَعْدَ أنْ أوْرَدَ المُعْجِزاتِ القاهِرَةَ الباهِرَةَ الَّتِي لا يَشُكُّ في صِحَّتِها عاقِلٌ أوْرَدَ فِرْعَوْنُ عَلَيْهِ هَذِهِ الشُّبْهَةَ الَّتِي ذَكَرَها كُفّارُ قُرَيْشٍ، فَقالَ: إنِّي غَنِيٌّ كَثِيرُ المالِ والجاهِ، ألا تَرَوْنَ أنَّهُ حَصَلَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وهَذِهِ الأنْهارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي، وأمّا مُوسى فَإنَّهُ فَقِيرٌ مَهِينٌ ولَيْسَ لَهُ بَيانٌ ولِسانٌ، والرَّجُلُ الفَقِيرُ كَيْفَ يَكُونُ رَسُولًا مِن عِنْدِ اللَّهِ إلى المَلِكِ الكَبِيرِ الغَنِيِّ، فَثَبَتَ أنَّ هَذِهِ الشُّبْهَةَ الَّتِي ذَكَرَها كُفّارُ مَكَّةَ، وهي قَوْلُهم ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٣١] وقَدْ أوْرَدَها بِعَيْنِها فِرْعَوْنُ عَلى مُوسى، ثُمَّ إنّا انْتَقَمْنا مِنهم فَأغْرَقْناهم، والمَقْصُودُ مِن إيرادِ هَذِهِ القِصَّةِ - تَقْرِيرُ أمْرَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ الكُفّارَ والجُهّالَ أبَدًا يَحْتَجُّونَ عَلى الأنْبِياءِ بِهَذِهِ الشُّبْهَةِ الرَّكِيكَةِ فَلا يُبالى بِها ولا يُلْتَفَتُ إلَيْها. والثّانِي: أنَّ فِرْعَوْنَ عَلى غايَةِ كَمالِ حالِهِ في الدُّنْيا صارَ مَقْهُورًا باطِلًا، فَيَكُونُ الأمْرُ في حَقِّ أعْدائِكَ هَكَذا، فَثَبَتَ أنَّهُ لَيْسَ المَقْصُودُ مِن إعادَةِ هَذِهِ القِصَّةِ عَيْنَ هَذِهِ القِصَّةِ، بَلِ المَقْصُودُ تَقْرِيرُ الجَوابِ عَنِ الشُّبْهَةِ المَذْكُورَةِ، وعَلى هَذا صفحة ١٨٧ فَلا يَكُونُ هَذا تَقْرِيرًا لِلْقِصَّةِ البَتَّةَ، وهَذا مِن نَفائِسِ الأبْحاثِ، واللَّهُ أعْلَمُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ في تَفْسِيرِ الألْفاظِ: ذَكَرَ تَعالى أنَّهُ أرْسَلَ مُوسى بِآياتِهِ، وهي المُعْجِزاتُ الَّتِي كانَتْ مَعَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ، أيْ قَوْمِهِ، فَقالَ مُوسى: إنِّي رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ، فَلَمّا جاءَهم بِتِلْكَ الآياتِ إذا هم مِنها يَضْحَكُونَ، قِيلَ: إنَّهُ لَمّا ألْقى عَصاهُ صارَ ثُعْبانًا ثُمَّ أخَذَهُ فَعادَ عَصًا كَما كانَ - ضَحِكُوا، ولَمّا عَرَضَ عَلَيْهِمُ اليَدَ البَيْضاءَ ثُمَّ عادَتْ كَما كانَتْ - ضَحِكُوا، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ جازَ أنْ يُجابَ عَنْ ”لَمّا“ بِـ ”إذا“ الَّذِي يُفِيدُ المُفاجَأةَ ؟ قُلْنا: لِأنَّ فِعْلَ المُفاجَأةِ مَعَها مُقَدَّرٌ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: فَلَمّا جاءَهم بِآياتِنا فاجَئُوا وقْتَ ضَحِكِهِمْ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿وما نُرِيهِمْ مِن آيَةٍ إلّا هي أكْبَرُ مِن أُخْتِها﴾ فَإنْ قِيلَ: ظاهِرُ اللَّفْظِ يَقْتَضِي كَوْنَ كُلِّ واحِدٍ مِنها أفْضَلَ مِنَ التّالِي، وذَلِكَ مُحالٌ، قُلْنا: إذا أُرِيدَ المُبالَغَةُ في كَوْنِ كُلٍّ مِن تِلْكَ الأشْياءِ بالِغًا إلى أقْصى الدَّرَجاتِ في الفَضِيلَةِ، فَقَدْ يُذْكَرُ هَذا الكَلامُ بِمَعْنى أنَّهُ لا يَبْعُدُ في أُناسٍ يَنْظُرُونَ إلَيْها أنْ يَقُولَ هَذا: إنَّ هَذا أفْضَلُ مِنَ الثّانِي، وأنْ يَقُولَ الثّانِي: لا بَلِ الثّانِي أفْضَلُ، وأنْ يَقُولَ الثّالِثُ: لا بَلِ الثّالِثُ أفْضَلُ، وحِينَئِذٍ يَصِيرُ كُلُّ واحِدٍ مِن تِلْكَ الأشْياءِ مَقُولًا فِيهِ: إنَّهُ أفْضَلُ مِن غَيْرِهِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وأخَذْناهم بِالعَذابِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ أيْ عَنِ الكُفْرِ إلى الإيمانِ، قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى يُرِيدُ الإيمانَ مِنَ الكُلِّ وأنَّهُ إنَّما أظْهَرَ تِلْكَ المُعْجِزاتِ القاهِرَةَ لِإرادَةِ أنْ يَرْجِعُوا مِنَ الكُفْرِ إلى الإيمانِ، قالَ المُفَسِّرُونَ: ومَعْنى قَوْلِهِ ﴿وأخَذْناهم بِالعَذابِ﴾ أيْ بِالأشْياءِ الَّتِي سَلَّطَها عَلَيْها كالطُّوفانِ والجَرادِ والقُمَّلِ والضَّفادِعِ والدَّمِ والطَّمْسِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وقالُوا ياأيُّها السّاحِرُ ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ إنَّنا لَمُهْتَدُونَ﴾ فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ سَمَّوْهُ بِالسّاحِرِ مَعَ قَوْلِهِمْ ﴿إنَّنا لَمُهْتَدُونَ﴾ ؟ قُلْنا: فِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ لِلْعالِمِ الماهِرِ ساحِرٌ، لِأنَّهم كانُوا يَسْتَعْظِمُونَ السِّحْرَ، وكَما يُقالُ في زَمانِنا في العامِلِ العَجِيبِ الكامِلِ إنَّهُ أتى بِالسِّحْرِ. الثّانِي: ﴿ياأيُّها السّاحِرُ﴾ في زَعْمِ النّاسِ ومُتَعارَفِ قَوْمِ فِرْعَوْنَ كَقَوْلِهِ ﴿وقالُوا ياأيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحِجْرِ: ٦] أيْ نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ في اعْتِقادِهِ وزَعْمِهِ. الثّالِثُ: أنَّ قَوْلَهم ﴿إنَّنا لَمُهْتَدُونَ﴾ وقَدْ كانُوا عازِمِينَ عَلى خِلافِهِ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ ﴿فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُمُ العَذابَ إذا هم يَنْكُثُونَ﴾ فَتَسْمِيَتُهم إيّاهُ بِالسِّحْرِ لا يُنافِي قَوْلَهم ﴿إنَّنا لَمُهْتَدُونَ﴾ ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ لَمّا كَشَفَ عَنْهُمُ العَذابَ نَكَثُوا ذَلِكَ العَهْدَ. ولَمّا حَكى اللَّهُ تَعالى مُعامَلَةَ فِرْعَوْنَ مَعَ مُوسى، حَكى أيْضًا مُعامَلَةَ فِرْعَوْنَ مَعَهُ فَقالَ: ﴿ونادى فِرْعَوْنُ في قَوْمِهِ﴾ والمَعْنى أنَّهُ أظْهَرَ هَذا القَوْلَ، فَقالَ: ﴿ياقَوْمِ ألَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وهَذِهِ الأنْهارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي﴾ يَعْنِي الأنْهارَ الَّتِي فَصَلُوها مِنَ النِّيلِ، ومُعْظَمُها أرْبَعَةٌ: نَهْرُ المَلِكِ ونَهْرُ طُولُونَ ونَهْرُ دِمْياطَ ونَهْرُ تِنِّيسَ، قِيلَ: كانَتْ تَجْرِي تَحْتَ قَصْرِهِ، وحاصِلُ الأمْرِ أنَّهُ احْتَجَّ بِكَثْرَةِ أمْوالِهِ وقُوَّةِ جاهِهِ عَلى فَضِيلَةِ نَفْسِهِ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿أمْ أنا خَيْرٌ مِن هَذا الَّذِي هو مَهِينٌ ولا يَكادُ يُبِينُ﴾ وعَنى بِكَوْنِهِ مَهِينًا كَوْنَهُ فَقِيرًا ضَعِيفَ الحالِ، وبِقَوْلِهِ ﴿ولا يَكادُ يُبِينُ﴾ حَبْسَةً كانَتْ في لِسانِهِ، واخْتَلَفُوا في مَعْنى ”أمْ“ هَهُنا، فَقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَجازُها: بَلْ أنا خَيْرٌ، وعَلى هَذا فَقَدَ تَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ ثُمَّ ابْتَدَأ فَقالَ: ﴿أمْ أنا خَيْرٌ﴾ بِمَعْنى بَلْ أنا خَيْرٌ، وقالَ الباقُونَ: ”أمْ“ هَذِهِ مُتَّصِلَةٌ؛ لِأنَّ المَعْنى ﴿أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ أمْ تُبْصِرُونَ، إلّا أنَّهُ وضَعَ قَوْلَهُ ﴿أنا خَيْرٌ﴾ مَوْضِعَ ”تُبْصِرُونَ“، لِأنَّهم إذا قالُوا لَهُ: أنْتَ خَيْرٌ، فَهم عِنْدَهُ بُصَراءُ، وقالَ آخَرُونَ: إنَّ تَمامَ الكَلامِ عِنْدَ قَوْلِهِ ”أمْ“، وقَوْلُهُ صفحة ١٨٨ ﴿أنا خَيْرٌ﴾ ابْتِداءُ الكَلامِ، والتَّقْدِيرُ: ﴿أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ أمْ تُبْصِرُونَ، لَكِنَّهُ اكْتَفى فِيهِ بِذِكْرِ ”أمْ“ كَما تَقُولُ لِغَيْرِكَ: أتَأْكُلُ أمْ. أيْ: أتَأْكُلُ أمْ لا تَأْكُلُ، تَقْتَصِرُ عَلى ذِكْرِ كَلِمَةِ ”أمْ“ إيثارًا لِلِاخْتِصارِ، فَكَذا هَهُنا، فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - سَألَ اللَّهَ تَعالى أنْ يُزِيلَ الرَّتَّةَ عَنْ لِسانِهِ بِقَوْلِهِ ﴿واحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِسانِي﴾ ﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ [طه: ٢٧] فَأعْطاهُ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﴿قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يامُوسى﴾ فَكَيْفَ عابَهُ فِرْعَوْنُ بِتِلْكَ الرَّتَّةِ ؟ والجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ فِرْعَوْنَ أرادَ بِقَوْلِهِ ﴿ولا يَكادُ يُبِينُ﴾ حُجَّتَهُ الَّتِي تَدُلُّ عَلى صِدْقِهِ فِيما يَدَّعِي، ولَمْ يُرِدْ أنَّهُ لا قُدْرَةَ لَهُ عَلى الكَلامِ. والثّانِي: أنَّهُ عابَهُ بِما كانَ عَلَيْهِ أوَّلًا، وذَلِكَ أنَّ مُوسى كانَ عِنْدَ فِرْعَوْنَ زَمانًا طَوِيلًا وفي لِسانِهِ حَبْسَةٌ، فَنَسَبَهُ فِرْعَوْنُ إلى ما عَهِدَهُ عَلَيْهِ مِنَ الرَّتَّةِ لِأنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى أزالَ ذَلِكَ العَيْبَ عَنْهُ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أسْوِرَةٌ مِن ذَهَبٍ﴾ والمُرادُ أنَّ عادَةَ القَوْمِ جَرَتْ بِأنَّهم إذا جَعَلُوا واحِدًا مِنهم رَئِيسًا لَهم سَوَّرُوهُ بِسِوارٍ مَن ذَهَبٍ وطَوَّقُوهُ بِطَوْقٍ مِن ذَهَبٍ، فَطَلَبَ فِرْعَوْنُ مِن مُوسى مِثْلَ هَذِهِ الحالَةِ، واخْتَلَفَ القُرّاءُ في ”أسْوِرَةٌ“، فَبَعْضُهم قَرَأ: ”أسْوِرَةٌ“، وآخَرُونَ: ”أساوِرَةٌ“، فَأسْوِرَةٌ جَمْعُ سِوارٍ لِأدْنى العَدَدِ، كَقَوْلِكَ حِمارٌ وأحْمِرَةٌ وغُرابٌ وأغْرِبَةٌ، ومَن قَرَأ ”أساوِرَةٌ“ فَذاكَ لِأنَّ أساوِيرَ جَمْعُ أسْوارٍ، وهو السُّوارُ، فَأساوِرَةٌ تَكُونُ الهاءُ عِوَضًا عَنِ الياءِ، نَحْوَ بِطْرِيقٍ وبَطارِقَةٍ وزِنْدِيقٍ وزَنادِقَةٍ وفِرْزِينٍ وفَرازِنَةٍ، فَتَكُونُ أساوِرَةٌ جَمْعَ أسْوارٍ، وحاصِلُ الكَلامِ يَرْجِعُ إلى حَرْفٍ واحِدٍ، وهو أنَّ فِرْعَوْنَ كانَ يَقُولُ أنا أكْثَرُ مالًا وجاهًا، فَوَجَبَ أنْ أكُونَ أفْضَلَ مِنهُ، فَيَمْتَنِعُ كَوْنُهُ رَسُولًا مِنَ اللَّهِ، لِأنَّ مَنصِبَ النُّبُوَّةِ يَقْتَضِي المَخْدُومِيَّةَ، والأخَسُّ لا يَكُونُ مَخْدُومًا لِلْأشْرَفِ، ثُمَّ المُقَدِّمَةُ الفاسِدَةُ هي قَوْلُهُ: مَن كانَ أكْثَرَ مالًا وجاهًا فَهو أفْضَلُ، وهي عَيْنُ المُقَدِّمَةِ الَّتِي تَمَسَّكَ بِها كُفّارُ قُرَيْشٍ في قَوْلِهِمْ ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿أوْ جاءَ مَعَهُ المَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مُقْرِنِينَ بِهِ، مِن قَوْلِكَ: قَرَنْتُهُ بِهِ فاقْتَرَنَ، وأنْ يَكُونَ مِن قَوْلِهِمُ: اقْتَرَنُوا بِمَعْنى تَقارَنُوا، قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ يَمْشُونَ مَعَهُ فَيَدُلُّونَ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأطاعُوهُ﴾ أيْ طَلَبَ مِنهُمُ الخِفَّةَ في الإتْيانِ بِما كانَ يَأْمُرُهم بِهِ فَأطاعُوهُ ﴿إنَّهم كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ حَيْثُ أطاعُوا ذَلِكَ الجاهِلَ الفاسِقَ ﴿فَلَمّا آسَفُونا﴾ أغْضَبُونا، حُكِيَ أنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ غَضِبَ في شَيْءٍ، فَقِيلَ لَهُ: أتَغْضَبُ يا أبا خالِدٍ ؟ فَقالَ: قَدْ غَضِبَ الَّذِي خَلَقَ الأحْلامَ، إنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿فَلَمّا آسَفُونا﴾ أيْ أغْضَبُونا. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿انْتَقَمْنا مِنهُمْ﴾ واعْلَمْ أنَّ ذِكْرَ لَفْظِ الأسَفِ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى مُحالٌ، وذِكْرُ لَفْظِ الِانْتِقامِ وكُلِّ واحِدٍ مِنهُما مِنَ المُتَشابِهاتِ الَّتِي يَجِبُ أنْ يُصارَ فِيها إلى التَّأْوِيلِ، ومَعْنى الغَضَبِ في حَقِّ اللَّهِ إرادَةُ العِقابِ، ومَعْنى الِانْتِقامِ إرادَةُ العِقابِ لِجُرْمٍ سابِقٍ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَجَعَلْناهم سَلَفًا ومَثَلًا﴾ السَّلَفُ كُلُّ شَيْءٍ قَدَّمْتَهُ مِن عَمَلٍ صالِحٍ أوْ قَرْضٍ فَهو سَلَفٌ، والسَّلَفُ أيْضًا مَن تَقَدَّمَ مِن آبائِكَ وأقارِبِكَ، واحِدُهم سالِفٌ، ومِنهُ قَوْلُ طُفَيْلٍ يَرْثِي قَوْمَهُ: مَضَوْا سَلَفًا قَصْدَ السَّبِيلِ عَلَيْهِمُ وصَرْفُ المَنايا بِالرِّجالِ تُقَلَّبُ فَعَلى هَذا قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: يَقُولُ: جَعَلْناهم مُتَقَدِّمِينَ لِيَتَّعِظَ بِهِمُ الآخَرُونَ، أيْ: جَعَلْناهم سَلَفًا لِكُفّارِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ. وأكْثَرُ القُرّاءِ قَرَءُوا بِالفَتْحِ، وهو جَمْعُ سالِفٍ كَما ذَكَرْناهُ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: ”سُلَفًا“ صفحة ١٨٩ بِالضَّمِّ، وهو جَمْعُ سَلَفٍ، قالَ اللَّيْثُ: يُقالُ سَلُفَ - بِضَمِّ اللّامِ - يَسْلُفُ سُلُوفًا، فَهو سُلُفٌ، أيْ: مُتَقَدِّمٌ، وقَوْلُهُ ﴿ومَثَلًا لِلْآخِرِينَ﴾ يُرِيدُ عِظَةً لِمَن بَقِيَ بَعْدَهم وآيَةً وعِبْرَةً، قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: المَثَلُ واحِدٌ يُرادُ بِهِ الجَمْعَ، ومِن ثَمَّ عُطِفَ عَلى سَلَفٍ، والدَّلِيلُ عَلى وُقُوعِهِ عَلى أكْثَرَ مِن واحِدٍ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ ومَن رَزَقْناهُ﴾ [النَّحْلِ: ٧٥] فَأدْخَلَ تَحْتَ المَثَلِ شَيْئَيْنِ، واللَّهُ أعْلَمُ. * * قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولَمّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إذا قَوْمُكَ مِنهُ يَصِدُّونَ﴾ ﴿وقالُوا أآلِهَتُنا خَيْرٌ أمْ هو ما ضَرَبُوهُ لَكَ إلّا جَدَلًا بَلْ هم قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ ﴿إنْ هو إلّا عَبْدٌ أنْعَمْنا عَلَيْهِ وجَعَلْناهُ مَثَلًا لِبَنِي إسْرائِيلَ﴾ ﴿ولَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنكم مَلائِكَةً في الأرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ ﴿وإنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِها واتَّبِعُونِ هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ ﴿ولا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطانُ إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ ٥٠ في الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أنْواعًا كَثِيرَةً مَن كُفْرِيّاتِهِمْ في هَذِهِ السُّورَةِ، وأجابَ عَنْها بِالوُجُوهِ الكَثِيرَةِ: فَأوَّلُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلُوا لَهُ مِن عِبادِهِ جُزْءًا﴾ . وثانِيها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا﴾ . وثالِثُها: قَوْلُهُ ﴿وقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ ما عَبَدْناهُمْ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٢٠] . ورابِعُها: قَوْلُهُ ﴿وقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٣١] . وخامِسُها: هَذِهِ الآيَةُ الَّتِي نَحْنُ الآنَ في تَفْسِيرِها، ولَفْظُ الآيَةِ لا يَدُلُّ إلّا عَلى أنَّهُ لَمّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا أخَذَ القَوْمُ يَضِجُّونَ ويَرْفَعُونَ أصْواتَهم، فَأمّا أنَّ ذَلِكَ المَثَلَ كَيْفَ كانَ، وفي أيِّ شَيْءٍ كانَ، فاللَّفْظُ لا يَدُلُّ عَلَيْهِ، والمُفَسِّرُونَ ذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا، كُلُّها مُحْتَمَلَةٌ: فالأوَّلُ: أنَّ الكُفّارَ لَمّا سَمِعُوا أنَّ النَّصارى يَعْبُدُونَ عِيسى، قالُوا: إذا عَبَدُوا عِيسى فَآلِهَتُنا خَيْرٌ مِن عِيسى، وإنَّما قالُوا ذَلِكَ لِأنَّهم كانُوا يَعْبُدُونَ المَلائِكَةَ. الثّانِي: رُوِيَ أنَّهُ «لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنْبِياءِ: ٩٨] قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزِّبَعْرى: هَذا خاصَّةٌ لَنا ولِآلِهَتِنا أمْ لِجَمِيعِ الأُمَمِ ؟ فَقالَ ﷺ: بَلْ لِجَمِيعِ الأُمَمِ فَقالَ: خَصَمْتُكَ ورَبِّ الكَعْبَةِ، ألَسْتَ تَزْعُمُ أنَّ عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ نَبِيٌّ وتُثْنِي عَلَيْهِ خَيْرًا وعَلى أُمِّهِ، وقَدْ عَلِمْتُ أنَّ النَّصارى يَعْبُدُونَهُما واليَهُودَ يَعْبُدُونَ عُزَيْرًا، والمَلائِكَةُ يُعْبَدُونَ، فَإذا كانَ هَؤُلاءِ في النّارِ فَقَدْ رَضِينا أنْ نَكُونَ نَحْنُ وآلِهَتُنا مَعَهم، فَسَكَتَ النَّبِيُّ ﷺ وفَرِحَ القَوْمُ وضَحِكُوا وضَجُّوا، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى أُولَئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ»﴾ [الأنْبِياءِ: ١٠١] ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ أيْضًا، والمَعْنى: ولَمّا ضَرَبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزِّبَعْرى عِيسى ﴿ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا﴾ وجادَلَ رَسُولَ اللَّهِ بِعِبادَةِ النَّصارى إيّاهُ صفحة ١٩٠ ﴿إذا قَوْمُكَ﴾ قُرَيْشٌ (مِنهَ) أيْ مِن هَذا المَثَلِ ﴿يَصِدُّونَ﴾ أيْ يَرْتَفِعُ لَهم ضَجِيجٌ وجَلَبَةٌ فَرَحًا وجَدَلًا وضَحِكًا بِسَبَبِ ما رَأوْا مِن إسْكاتِ رَسُولِ اللَّهِ، فَإنَّهُ قَدْ جَرَتِ العادَةُ بِأنَّ أحَدَ الخَصْمَيْنِ إذا انْقَطَعَ أظْهَرَ الخَصْمُ الثّانِي الفَرَحَ والضَّجِيجَ، ﴿وقالُوا أآلِهَتُنا خَيْرٌ أمْ هُوَ﴾ يَعْنُونَ أنَّ آلِهَتَنا عِنْدَكَ لَيْسَتْ خَيْرًا مِن عِيسى، فَإذا كانَ عِيسى مِن حَصَبِ جَهَنَّمَ كانَ أمْرُ آلِهَتِنا أهْوَنَ. الوَجْهُ الثّالِثُ في التَّأْوِيلِ: وهو أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا حَكى أنَّ النَّصارى عَبَدُوا المَسِيحَ وجَعَلُوهُ إلَهًا لِأنْفُسِهِمْ، قالَ كُفّارُ مَكَّةَ: إنَّ مُحَمَّدًا يُرِيدُ أنْ يَجْعَلَ لَنا إلَهًا كَما جَعَلَ النَّصارى المَسِيحَ إلَهًا لِأنْفُسِهِمْ، ثُمَّ عِنْدَ هَذا قالُوا ﴿أآلِهَتُنا خَيْرٌ أمْ هُوَ﴾ يَعْنِي أآلِهَتُنا خَيْرٌ أمْ مُحَمَّدٌ، وذَكَرُوا ذَلِكَ لِأجْلِ أنَّهم قالُوا: إنَّ مُحَمَّدًا يَدْعُونا إلى عِبادَةِ نَفْسِهِ، وآباؤُنا زَعَمُوا أنَّهُ يَجِبُ عِبادَةُ هَذِهِ الأصْنامِ، وإذا كانَ لا بُدَّ مِن أحَدِ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ فَعِبادَةُ هَذِهِ الأصْنامِ أوْلى، لِأنَّ آباءَنا وأسْلافَنا كانُوا مُتَطابِقِينَ عَلَيْهِ، وأمّا مُحَمَّدٌ فَإنَّهُ مُتَّهَمٌ في أمْرِنا بِعِبادَتِهِ، فَكانَ الِاشْتِغالُ بِعِبادَةِ الأصْنامِ أوْلى، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنّا لَمْ نَقُلْ إنَّ الِاشْتِغالَ بِعِبادَةِ المَسِيحِ طَرِيقٌ حَسَنٌ، بَلْ هو كَلامٌ باطِلٌ، فَإنَّ عِيسى لَيْسَ إلّا عَبْدًا أنْعَمْنا عَلَيْهِ، فَإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَقَدْ زالَتْ شُبْهَتُهم في قَوْلِهِمْ: إنَّ مُحَمَّدًا يُرِيدُ أنْ يَأْمُرَنا بِعِبادَةِ نَفْسِهِ، فَهَذِهِ الوُجُوهُ الثَّلاثَةُ مِمّا يَحْتَمِلُ كُلُّ واحِدٍ مِنها لَفْظَ الآيَةِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ والكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ”يَصُدُّونَ“ بِضَمِّ الصّادِ، وهو قِراءَةُ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - والباقُونَ بِكَسْرِ الصّادِ وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ، واخْتَلَفُوا فَقالَ الكِسائِيُّ: هُما بِمَعْنًى، نَحْوَ يَعْرِشُونَ ويَعْرُشُونَ، ويَعْكِفُونَ، ويَعْكُفُونَ، ومِنهم مَن فَرَّقَ، أمّا القِراءَةُ بِالضَّمِّ فَمِنَ الصُّدُودِ، أيْ مِن أجْلِ هَذا المَثَلِ يَصُدُّونَ عَنِ الحَقِّ ويُعْرِضُونَ عَنْهُ، وأمّا بِالكَسْرِ فَمَعْناهُ يَضِجُّونَ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ: ”أآلِهَتُنا“ اسْتِفْهامًا بِهَمْزَتَيْنِ، الثّانِيَةُ مُطَوَّلَةٌ، والباقُونَ اسْتِفْهامًا بِهَمْزَةٍ ومَدَّةٍ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ما ضَرَبُوهُ لَكَ إلّا جَدَلًا﴾ أيْ ما ضَرَبُوا لَكَ هَذا المَثَلَ إلّا لِأجْلِ الجَدَلِ والغَلَبَةِ في القَوْلِ، لا لِطَلَبِ الفَرْقِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ ﴿بَلْ هم قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ مُبالِغُونَ في الخُصُومَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [الأنْبِياءِ: ٩٨] لا يَتَناوَلُ المَلائِكَةَ وعِيسى، وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ كَلِمَةَ ”ما“ لا تَتَناوَلُ العُقَلاءَ البَتَّةَ. والثّانِي: أنَّ كَلِمَةَ ”ما“ لَيْسَتْ صَرِيحَةً في الِاسْتِغْراقِ بِدَلِيلِ أنَّهُ يَصِحُّ إدْخالُ لَفْظَتَيِ الكُلِّ والبَعْضِ عَلَيْهِ، فَيُقالُ: إنَّكم وكُلَّ ما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ، أوْ إنَّكم وبَعْضَ ما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ. الثّالِثُ: أنَّ قَوْلَهُ: إنَّكم وكُلَّ ما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أوْ وبَعْضَ ما تَعْبُدُونَ - خِطابُ مُشافَهَةٍ، فَلَعَلَّهُ ما كانَ فِيهِمْ أحَدٌ يَعْبُدُ المَسِيحَ والمَلائِكَةَ. الرّابِعُ: أنَّ قَوْلَهُ ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ هَبْ أنَّهُ عامٌّ إلّا أنَّ النُّصُوصَ الدّالَّةَ عَلى تَعْظِيمِ المَلائِكَةِ وعِيسى أخَصُّ مِنهُ، والخاصُّ مُقَدَّمٌ عَلى العامِّ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: القائِلُونَ بِذَمِّ الجَدَلِ تَمَسَّكُوا بِهَذِهِ الآيَةِ إلّا أنّا قَدْ ذَكَرْنا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما يُجادِلُ في آياتِ اللَّهِ إلّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أنَّ الآياتِ الكَثِيرَةَ دالَّةٌ عَلى أنَّ الجَدَلَ مُوجِبٌ لِلْمَدْحِ والثَّناءِ، وطَرِيقُ التَّوْفِيقِ أنْ تُصْرَفَ تِلْكَ الآياتُ إلى الجَدَلِ الَّذِي يُفِيدُ تَقْرِيرَ الحَقِّ، وأنْ تُصْرَفَ هَذِهِ الآيَةُ إلى الجَدَلِ الَّذِي يُوجِبُ تَقْرِيرَ الباطِلِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنْ هو إلّا عَبْدٌ أنْعَمْنا عَلَيْهِ﴾ يَعْنِي: ما عِيسى إلّا عَبْدٌ كَسائِرِ العَبِيدِ، أنْعَمْنا عَلَيْهِ حَيْثُ جَعَلْناهُ آيَةً بِأنْ خَلَقْناهُ مِن غَيْرِ أبٍ كَما خَلَقْنا آدَمَ، وشَرَّفْناهُ بِالنُّبُوَّةِ وصَيَّرْناهُ عِبْرَةً عَجِيبَةً كالمَثَلِ السّائِرِ ﴿ولَوْ نَشاءُ﴾ صفحة ١٩١ ﴿لَجَعَلْنا مِنكُمْ﴾ لَوَلَّدْنا مِنكم يا رِجالُ ﴿مَلائِكَةً في الأرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ كَما يَخْلُفُكم أوْلادُكم؛ كَما ولَّدْنا عِيسى مِن أُنْثى مِن غَيْرِ فَحْلٍ؛ لِتَعْرِفُوا تَمَيُّزَنا بِالقُدْرَةِ الباهِرَةِ، ولِتَعْرِفُوا أنَّ دُخُولَ التَّوْلِيدِ والتَّوَلُّدِ في المَلائِكَةِ أمْرٌ مُمْكِنٌ، وذاتُ اللَّهِ مُتَعالِيَةٌ عَنْ ذَلِكَ (وأنَّهُ) أيْ عِيسى ﴿لَعِلْمٌ لِلسّاعَةِ﴾ شَرْطٌ مِن أشْراطِها تُعْلَمُ بِهِ، فَسُمِّيَ الشَّرْطُ الدّالُّ عَلى الشَّيْءِ عِلْمًا لِحُصُولِ العِلْمِ بِهِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: ”لَعَلَمٌ“ وهو العَلامَةُ، وقُرِئَ: ”لَلْعِلْمُ“ وقَرَأ أُبَيٌّ: ”لَذِكْرٌ“، وفي الحَدِيثِ: «أنَّ عِيسى يَنْزِلُ عَلى ثَنِيَّةٍ في الأرْضِ المُقَدَّسَةِ يُقالُ لَها أفِيقُ، وبِيَدِهِ حَرْبَةٌ، وبِها يَقْتُلُ الدَّجّالَ، فَيَأْتِي بِبَيْتِ المَقْدِسِ في صَلاةِ الصُّبْحِ والإمامُ يَؤُمُّ بِهِمْ فَيَتَأخَّرُ الإمامُ فَيُقَدِّمُهُ عِيسى ويُصَلِّي خَلْفَهُ عَلى شَرِيعَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ثُمَّ يَقْتُلُ الخَنازِيرَ ويَكْسِرُ الصَّلِيبَ ويُخَرِّبُ البِيَعَ والكَنائِسَ ويَقْتُلُ النَّصارى إلّا مَن آمَنَ بِهِ» ﴿فَلا تَمْتَرُنَّ بِها﴾ مِنَ المِرْيَةِ وهو الشَّكُّ ﴿واتَّبِعُونِ﴾ واتَّبِعُوا هُدايَ وشَرْعِي ﴿هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ أيْ هَذا الَّذِي أدْعُوكم إلَيْهِ صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ ﴿ولا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطانُ إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ قَدْ بانَتْ عَداواتُهُ لَكم لِأجْلِ أنَّهُ هو الَّذِي أخْرَجَ أباكم مِنَ الجَنَّةِ ونَزَعَ عَنْهُ لِباسَ النُّورِ.

الزخرف 43:59

قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا إلى فِرْعَوْنَ﴾ ﴿ومَلَئِهِ فَقالَ إنِّي رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿فَلَمّا جاءَهم بِآياتِنا إذا هم مِنها يَضْحَكُونَ﴾ ﴿وما نُرِيهِمْ مِن آيَةٍ إلّا هي أكْبَرُ مِن أُخْتِها وأخَذْناهم بِالعَذابِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ ﴿وقالُوا ياأيُّها السّاحِرُ ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ إنَّنا لَمُهْتَدُونَ﴾ ﴿فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُمُ العَذابَ إذا هم يَنْكُثُونَ﴾ ﴿ونادى فِرْعَوْنُ في قَوْمِهِ قالَ ياقَوْمِ ألَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وهَذِهِ الأنْهارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ ﴿أمْ أنا خَيْرٌ مِن هَذا الَّذِي هو مَهِينٌ ولا يَكادُ يُبِينُ﴾ ﴿فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أسْوِرَةٌ مِن ذَهَبٍ أوْ جاءَ مَعَهُ المَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾ ﴿فاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأطاعُوهُ إنَّهم كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ ﴿فَلَمّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنهم فَأغْرَقْناهم أجْمَعِينَ﴾ وفِي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن إعادَةِ قِصَّةِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وفِرْعَوْنَ في هَذا المَقامِ تَقْرِيرُ الكَلامِ الَّذِي تَقَدَّمَ، وذَلِكَ لِأنَّ كُفّارَ قُرَيْشٍ طَعَنُوا في نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ بِسَبَبِ كَوْنِهِ فَقِيرًا عَدِيمَ المالِ والجاهِ، فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بَعْدَ أنْ أوْرَدَ المُعْجِزاتِ القاهِرَةَ الباهِرَةَ الَّتِي لا يَشُكُّ في صِحَّتِها عاقِلٌ أوْرَدَ فِرْعَوْنُ عَلَيْهِ هَذِهِ الشُّبْهَةَ الَّتِي ذَكَرَها كُفّارُ قُرَيْشٍ، فَقالَ: إنِّي غَنِيٌّ كَثِيرُ المالِ والجاهِ، ألا تَرَوْنَ أنَّهُ حَصَلَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وهَذِهِ الأنْهارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي، وأمّا مُوسى فَإنَّهُ فَقِيرٌ مَهِينٌ ولَيْسَ لَهُ بَيانٌ ولِسانٌ، والرَّجُلُ الفَقِيرُ كَيْفَ يَكُونُ رَسُولًا مِن عِنْدِ اللَّهِ إلى المَلِكِ الكَبِيرِ الغَنِيِّ، فَثَبَتَ أنَّ هَذِهِ الشُّبْهَةَ الَّتِي ذَكَرَها كُفّارُ مَكَّةَ، وهي قَوْلُهم ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٣١] وقَدْ أوْرَدَها بِعَيْنِها فِرْعَوْنُ عَلى مُوسى، ثُمَّ إنّا انْتَقَمْنا مِنهم فَأغْرَقْناهم، والمَقْصُودُ مِن إيرادِ هَذِهِ القِصَّةِ - تَقْرِيرُ أمْرَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ الكُفّارَ والجُهّالَ أبَدًا يَحْتَجُّونَ عَلى الأنْبِياءِ بِهَذِهِ الشُّبْهَةِ الرَّكِيكَةِ فَلا يُبالى بِها ولا يُلْتَفَتُ إلَيْها. والثّانِي: أنَّ فِرْعَوْنَ عَلى غايَةِ كَمالِ حالِهِ في الدُّنْيا صارَ مَقْهُورًا باطِلًا، فَيَكُونُ الأمْرُ في حَقِّ أعْدائِكَ هَكَذا، فَثَبَتَ أنَّهُ لَيْسَ المَقْصُودُ مِن إعادَةِ هَذِهِ القِصَّةِ عَيْنَ هَذِهِ القِصَّةِ، بَلِ المَقْصُودُ تَقْرِيرُ الجَوابِ عَنِ الشُّبْهَةِ المَذْكُورَةِ، وعَلى هَذا صفحة ١٨٧ فَلا يَكُونُ هَذا تَقْرِيرًا لِلْقِصَّةِ البَتَّةَ، وهَذا مِن نَفائِسِ الأبْحاثِ، واللَّهُ أعْلَمُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ في تَفْسِيرِ الألْفاظِ: ذَكَرَ تَعالى أنَّهُ أرْسَلَ مُوسى بِآياتِهِ، وهي المُعْجِزاتُ الَّتِي كانَتْ مَعَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ، أيْ قَوْمِهِ، فَقالَ مُوسى: إنِّي رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ، فَلَمّا جاءَهم بِتِلْكَ الآياتِ إذا هم مِنها يَضْحَكُونَ، قِيلَ: إنَّهُ لَمّا ألْقى عَصاهُ صارَ ثُعْبانًا ثُمَّ أخَذَهُ فَعادَ عَصًا كَما كانَ - ضَحِكُوا، ولَمّا عَرَضَ عَلَيْهِمُ اليَدَ البَيْضاءَ ثُمَّ عادَتْ كَما كانَتْ - ضَحِكُوا، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ جازَ أنْ يُجابَ عَنْ ”لَمّا“ بِـ ”إذا“ الَّذِي يُفِيدُ المُفاجَأةَ ؟ قُلْنا: لِأنَّ فِعْلَ المُفاجَأةِ مَعَها مُقَدَّرٌ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: فَلَمّا جاءَهم بِآياتِنا فاجَئُوا وقْتَ ضَحِكِهِمْ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿وما نُرِيهِمْ مِن آيَةٍ إلّا هي أكْبَرُ مِن أُخْتِها﴾ فَإنْ قِيلَ: ظاهِرُ اللَّفْظِ يَقْتَضِي كَوْنَ كُلِّ واحِدٍ مِنها أفْضَلَ مِنَ التّالِي، وذَلِكَ مُحالٌ، قُلْنا: إذا أُرِيدَ المُبالَغَةُ في كَوْنِ كُلٍّ مِن تِلْكَ الأشْياءِ بالِغًا إلى أقْصى الدَّرَجاتِ في الفَضِيلَةِ، فَقَدْ يُذْكَرُ هَذا الكَلامُ بِمَعْنى أنَّهُ لا يَبْعُدُ في أُناسٍ يَنْظُرُونَ إلَيْها أنْ يَقُولَ هَذا: إنَّ هَذا أفْضَلُ مِنَ الثّانِي، وأنْ يَقُولَ الثّانِي: لا بَلِ الثّانِي أفْضَلُ، وأنْ يَقُولَ الثّالِثُ: لا بَلِ الثّالِثُ أفْضَلُ، وحِينَئِذٍ يَصِيرُ كُلُّ واحِدٍ مِن تِلْكَ الأشْياءِ مَقُولًا فِيهِ: إنَّهُ أفْضَلُ مِن غَيْرِهِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وأخَذْناهم بِالعَذابِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ أيْ عَنِ الكُفْرِ إلى الإيمانِ، قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى يُرِيدُ الإيمانَ مِنَ الكُلِّ وأنَّهُ إنَّما أظْهَرَ تِلْكَ المُعْجِزاتِ القاهِرَةَ لِإرادَةِ أنْ يَرْجِعُوا مِنَ الكُفْرِ إلى الإيمانِ، قالَ المُفَسِّرُونَ: ومَعْنى قَوْلِهِ ﴿وأخَذْناهم بِالعَذابِ﴾ أيْ بِالأشْياءِ الَّتِي سَلَّطَها عَلَيْها كالطُّوفانِ والجَرادِ والقُمَّلِ والضَّفادِعِ والدَّمِ والطَّمْسِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وقالُوا ياأيُّها السّاحِرُ ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ إنَّنا لَمُهْتَدُونَ﴾ فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ سَمَّوْهُ بِالسّاحِرِ مَعَ قَوْلِهِمْ ﴿إنَّنا لَمُهْتَدُونَ﴾ ؟ قُلْنا: فِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ لِلْعالِمِ الماهِرِ ساحِرٌ، لِأنَّهم كانُوا يَسْتَعْظِمُونَ السِّحْرَ، وكَما يُقالُ في زَمانِنا في العامِلِ العَجِيبِ الكامِلِ إنَّهُ أتى بِالسِّحْرِ. الثّانِي: ﴿ياأيُّها السّاحِرُ﴾ في زَعْمِ النّاسِ ومُتَعارَفِ قَوْمِ فِرْعَوْنَ كَقَوْلِهِ ﴿وقالُوا ياأيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحِجْرِ: ٦] أيْ نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ في اعْتِقادِهِ وزَعْمِهِ. الثّالِثُ: أنَّ قَوْلَهم ﴿إنَّنا لَمُهْتَدُونَ﴾ وقَدْ كانُوا عازِمِينَ عَلى خِلافِهِ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ ﴿فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُمُ العَذابَ إذا هم يَنْكُثُونَ﴾ فَتَسْمِيَتُهم إيّاهُ بِالسِّحْرِ لا يُنافِي قَوْلَهم ﴿إنَّنا لَمُهْتَدُونَ﴾ ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ لَمّا كَشَفَ عَنْهُمُ العَذابَ نَكَثُوا ذَلِكَ العَهْدَ. ولَمّا حَكى اللَّهُ تَعالى مُعامَلَةَ فِرْعَوْنَ مَعَ مُوسى، حَكى أيْضًا مُعامَلَةَ فِرْعَوْنَ مَعَهُ فَقالَ: ﴿ونادى فِرْعَوْنُ في قَوْمِهِ﴾ والمَعْنى أنَّهُ أظْهَرَ هَذا القَوْلَ، فَقالَ: ﴿ياقَوْمِ ألَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وهَذِهِ الأنْهارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي﴾ يَعْنِي الأنْهارَ الَّتِي فَصَلُوها مِنَ النِّيلِ، ومُعْظَمُها أرْبَعَةٌ: نَهْرُ المَلِكِ ونَهْرُ طُولُونَ ونَهْرُ دِمْياطَ ونَهْرُ تِنِّيسَ، قِيلَ: كانَتْ تَجْرِي تَحْتَ قَصْرِهِ، وحاصِلُ الأمْرِ أنَّهُ احْتَجَّ بِكَثْرَةِ أمْوالِهِ وقُوَّةِ جاهِهِ عَلى فَضِيلَةِ نَفْسِهِ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿أمْ أنا خَيْرٌ مِن هَذا الَّذِي هو مَهِينٌ ولا يَكادُ يُبِينُ﴾ وعَنى بِكَوْنِهِ مَهِينًا كَوْنَهُ فَقِيرًا ضَعِيفَ الحالِ، وبِقَوْلِهِ ﴿ولا يَكادُ يُبِينُ﴾ حَبْسَةً كانَتْ في لِسانِهِ، واخْتَلَفُوا في مَعْنى ”أمْ“ هَهُنا، فَقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَجازُها: بَلْ أنا خَيْرٌ، وعَلى هَذا فَقَدَ تَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ ثُمَّ ابْتَدَأ فَقالَ: ﴿أمْ أنا خَيْرٌ﴾ بِمَعْنى بَلْ أنا خَيْرٌ، وقالَ الباقُونَ: ”أمْ“ هَذِهِ مُتَّصِلَةٌ؛ لِأنَّ المَعْنى ﴿أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ أمْ تُبْصِرُونَ، إلّا أنَّهُ وضَعَ قَوْلَهُ ﴿أنا خَيْرٌ﴾ مَوْضِعَ ”تُبْصِرُونَ“، لِأنَّهم إذا قالُوا لَهُ: أنْتَ خَيْرٌ، فَهم عِنْدَهُ بُصَراءُ، وقالَ آخَرُونَ: إنَّ تَمامَ الكَلامِ عِنْدَ قَوْلِهِ ”أمْ“، وقَوْلُهُ صفحة ١٨٨ ﴿أنا خَيْرٌ﴾ ابْتِداءُ الكَلامِ، والتَّقْدِيرُ: ﴿أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ أمْ تُبْصِرُونَ، لَكِنَّهُ اكْتَفى فِيهِ بِذِكْرِ ”أمْ“ كَما تَقُولُ لِغَيْرِكَ: أتَأْكُلُ أمْ. أيْ: أتَأْكُلُ أمْ لا تَأْكُلُ، تَقْتَصِرُ عَلى ذِكْرِ كَلِمَةِ ”أمْ“ إيثارًا لِلِاخْتِصارِ، فَكَذا هَهُنا، فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - سَألَ اللَّهَ تَعالى أنْ يُزِيلَ الرَّتَّةَ عَنْ لِسانِهِ بِقَوْلِهِ ﴿واحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِسانِي﴾ ﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ [طه: ٢٧] فَأعْطاهُ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﴿قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يامُوسى﴾ فَكَيْفَ عابَهُ فِرْعَوْنُ بِتِلْكَ الرَّتَّةِ ؟ والجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ فِرْعَوْنَ أرادَ بِقَوْلِهِ ﴿ولا يَكادُ يُبِينُ﴾ حُجَّتَهُ الَّتِي تَدُلُّ عَلى صِدْقِهِ فِيما يَدَّعِي، ولَمْ يُرِدْ أنَّهُ لا قُدْرَةَ لَهُ عَلى الكَلامِ. والثّانِي: أنَّهُ عابَهُ بِما كانَ عَلَيْهِ أوَّلًا، وذَلِكَ أنَّ مُوسى كانَ عِنْدَ فِرْعَوْنَ زَمانًا طَوِيلًا وفي لِسانِهِ حَبْسَةٌ، فَنَسَبَهُ فِرْعَوْنُ إلى ما عَهِدَهُ عَلَيْهِ مِنَ الرَّتَّةِ لِأنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى أزالَ ذَلِكَ العَيْبَ عَنْهُ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أسْوِرَةٌ مِن ذَهَبٍ﴾ والمُرادُ أنَّ عادَةَ القَوْمِ جَرَتْ بِأنَّهم إذا جَعَلُوا واحِدًا مِنهم رَئِيسًا لَهم سَوَّرُوهُ بِسِوارٍ مَن ذَهَبٍ وطَوَّقُوهُ بِطَوْقٍ مِن ذَهَبٍ، فَطَلَبَ فِرْعَوْنُ مِن مُوسى مِثْلَ هَذِهِ الحالَةِ، واخْتَلَفَ القُرّاءُ في ”أسْوِرَةٌ“، فَبَعْضُهم قَرَأ: ”أسْوِرَةٌ“، وآخَرُونَ: ”أساوِرَةٌ“، فَأسْوِرَةٌ جَمْعُ سِوارٍ لِأدْنى العَدَدِ، كَقَوْلِكَ حِمارٌ وأحْمِرَةٌ وغُرابٌ وأغْرِبَةٌ، ومَن قَرَأ ”أساوِرَةٌ“ فَذاكَ لِأنَّ أساوِيرَ جَمْعُ أسْوارٍ، وهو السُّوارُ، فَأساوِرَةٌ تَكُونُ الهاءُ عِوَضًا عَنِ الياءِ، نَحْوَ بِطْرِيقٍ وبَطارِقَةٍ وزِنْدِيقٍ وزَنادِقَةٍ وفِرْزِينٍ وفَرازِنَةٍ، فَتَكُونُ أساوِرَةٌ جَمْعَ أسْوارٍ، وحاصِلُ الكَلامِ يَرْجِعُ إلى حَرْفٍ واحِدٍ، وهو أنَّ فِرْعَوْنَ كانَ يَقُولُ أنا أكْثَرُ مالًا وجاهًا، فَوَجَبَ أنْ أكُونَ أفْضَلَ مِنهُ، فَيَمْتَنِعُ كَوْنُهُ رَسُولًا مِنَ اللَّهِ، لِأنَّ مَنصِبَ النُّبُوَّةِ يَقْتَضِي المَخْدُومِيَّةَ، والأخَسُّ لا يَكُونُ مَخْدُومًا لِلْأشْرَفِ، ثُمَّ المُقَدِّمَةُ الفاسِدَةُ هي قَوْلُهُ: مَن كانَ أكْثَرَ مالًا وجاهًا فَهو أفْضَلُ، وهي عَيْنُ المُقَدِّمَةِ الَّتِي تَمَسَّكَ بِها كُفّارُ قُرَيْشٍ في قَوْلِهِمْ ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿أوْ جاءَ مَعَهُ المَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مُقْرِنِينَ بِهِ، مِن قَوْلِكَ: قَرَنْتُهُ بِهِ فاقْتَرَنَ، وأنْ يَكُونَ مِن قَوْلِهِمُ: اقْتَرَنُوا بِمَعْنى تَقارَنُوا، قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ يَمْشُونَ مَعَهُ فَيَدُلُّونَ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأطاعُوهُ﴾ أيْ طَلَبَ مِنهُمُ الخِفَّةَ في الإتْيانِ بِما كانَ يَأْمُرُهم بِهِ فَأطاعُوهُ ﴿إنَّهم كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ حَيْثُ أطاعُوا ذَلِكَ الجاهِلَ الفاسِقَ ﴿فَلَمّا آسَفُونا﴾ أغْضَبُونا، حُكِيَ أنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ غَضِبَ في شَيْءٍ، فَقِيلَ لَهُ: أتَغْضَبُ يا أبا خالِدٍ ؟ فَقالَ: قَدْ غَضِبَ الَّذِي خَلَقَ الأحْلامَ، إنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿فَلَمّا آسَفُونا﴾ أيْ أغْضَبُونا. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿انْتَقَمْنا مِنهُمْ﴾ واعْلَمْ أنَّ ذِكْرَ لَفْظِ الأسَفِ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى مُحالٌ، وذِكْرُ لَفْظِ الِانْتِقامِ وكُلِّ واحِدٍ مِنهُما مِنَ المُتَشابِهاتِ الَّتِي يَجِبُ أنْ يُصارَ فِيها إلى التَّأْوِيلِ، ومَعْنى الغَضَبِ في حَقِّ اللَّهِ إرادَةُ العِقابِ، ومَعْنى الِانْتِقامِ إرادَةُ العِقابِ لِجُرْمٍ سابِقٍ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَجَعَلْناهم سَلَفًا ومَثَلًا﴾ السَّلَفُ كُلُّ شَيْءٍ قَدَّمْتَهُ مِن عَمَلٍ صالِحٍ أوْ قَرْضٍ فَهو سَلَفٌ، والسَّلَفُ أيْضًا مَن تَقَدَّمَ مِن آبائِكَ وأقارِبِكَ، واحِدُهم سالِفٌ، ومِنهُ قَوْلُ طُفَيْلٍ يَرْثِي قَوْمَهُ: مَضَوْا سَلَفًا قَصْدَ السَّبِيلِ عَلَيْهِمُ وصَرْفُ المَنايا بِالرِّجالِ تُقَلَّبُ فَعَلى هَذا قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: يَقُولُ: جَعَلْناهم مُتَقَدِّمِينَ لِيَتَّعِظَ بِهِمُ الآخَرُونَ، أيْ: جَعَلْناهم سَلَفًا لِكُفّارِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ. وأكْثَرُ القُرّاءِ قَرَءُوا بِالفَتْحِ، وهو جَمْعُ سالِفٍ كَما ذَكَرْناهُ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: ”سُلَفًا“ صفحة ١٨٩ بِالضَّمِّ، وهو جَمْعُ سَلَفٍ، قالَ اللَّيْثُ: يُقالُ سَلُفَ - بِضَمِّ اللّامِ - يَسْلُفُ سُلُوفًا، فَهو سُلُفٌ، أيْ: مُتَقَدِّمٌ، وقَوْلُهُ ﴿ومَثَلًا لِلْآخِرِينَ﴾ يُرِيدُ عِظَةً لِمَن بَقِيَ بَعْدَهم وآيَةً وعِبْرَةً، قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: المَثَلُ واحِدٌ يُرادُ بِهِ الجَمْعَ، ومِن ثَمَّ عُطِفَ عَلى سَلَفٍ، والدَّلِيلُ عَلى وُقُوعِهِ عَلى أكْثَرَ مِن واحِدٍ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ ومَن رَزَقْناهُ﴾ [النَّحْلِ: ٧٥] فَأدْخَلَ تَحْتَ المَثَلِ شَيْئَيْنِ، واللَّهُ أعْلَمُ. * * قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولَمّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إذا قَوْمُكَ مِنهُ يَصِدُّونَ﴾ ﴿وقالُوا أآلِهَتُنا خَيْرٌ أمْ هو ما ضَرَبُوهُ لَكَ إلّا جَدَلًا بَلْ هم قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ ﴿إنْ هو إلّا عَبْدٌ أنْعَمْنا عَلَيْهِ وجَعَلْناهُ مَثَلًا لِبَنِي إسْرائِيلَ﴾ ﴿ولَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنكم مَلائِكَةً في الأرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ ﴿وإنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِها واتَّبِعُونِ هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ ﴿ولا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطانُ إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ ٥٠ في الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أنْواعًا كَثِيرَةً مَن كُفْرِيّاتِهِمْ في هَذِهِ السُّورَةِ، وأجابَ عَنْها بِالوُجُوهِ الكَثِيرَةِ: فَأوَّلُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلُوا لَهُ مِن عِبادِهِ جُزْءًا﴾ . وثانِيها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا﴾ . وثالِثُها: قَوْلُهُ ﴿وقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ ما عَبَدْناهُمْ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٢٠] . ورابِعُها: قَوْلُهُ ﴿وقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٣١] . وخامِسُها: هَذِهِ الآيَةُ الَّتِي نَحْنُ الآنَ في تَفْسِيرِها، ولَفْظُ الآيَةِ لا يَدُلُّ إلّا عَلى أنَّهُ لَمّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا أخَذَ القَوْمُ يَضِجُّونَ ويَرْفَعُونَ أصْواتَهم، فَأمّا أنَّ ذَلِكَ المَثَلَ كَيْفَ كانَ، وفي أيِّ شَيْءٍ كانَ، فاللَّفْظُ لا يَدُلُّ عَلَيْهِ، والمُفَسِّرُونَ ذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا، كُلُّها مُحْتَمَلَةٌ: فالأوَّلُ: أنَّ الكُفّارَ لَمّا سَمِعُوا أنَّ النَّصارى يَعْبُدُونَ عِيسى، قالُوا: إذا عَبَدُوا عِيسى فَآلِهَتُنا خَيْرٌ مِن عِيسى، وإنَّما قالُوا ذَلِكَ لِأنَّهم كانُوا يَعْبُدُونَ المَلائِكَةَ. الثّانِي: رُوِيَ أنَّهُ «لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنْبِياءِ: ٩٨] قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزِّبَعْرى: هَذا خاصَّةٌ لَنا ولِآلِهَتِنا أمْ لِجَمِيعِ الأُمَمِ ؟ فَقالَ ﷺ: بَلْ لِجَمِيعِ الأُمَمِ فَقالَ: خَصَمْتُكَ ورَبِّ الكَعْبَةِ، ألَسْتَ تَزْعُمُ أنَّ عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ نَبِيٌّ وتُثْنِي عَلَيْهِ خَيْرًا وعَلى أُمِّهِ، وقَدْ عَلِمْتُ أنَّ النَّصارى يَعْبُدُونَهُما واليَهُودَ يَعْبُدُونَ عُزَيْرًا، والمَلائِكَةُ يُعْبَدُونَ، فَإذا كانَ هَؤُلاءِ في النّارِ فَقَدْ رَضِينا أنْ نَكُونَ نَحْنُ وآلِهَتُنا مَعَهم، فَسَكَتَ النَّبِيُّ ﷺ وفَرِحَ القَوْمُ وضَحِكُوا وضَجُّوا، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى أُولَئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ»﴾ [الأنْبِياءِ: ١٠١] ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ أيْضًا، والمَعْنى: ولَمّا ضَرَبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزِّبَعْرى عِيسى ﴿ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا﴾ وجادَلَ رَسُولَ اللَّهِ بِعِبادَةِ النَّصارى إيّاهُ صفحة ١٩٠ ﴿إذا قَوْمُكَ﴾ قُرَيْشٌ (مِنهَ) أيْ مِن هَذا المَثَلِ ﴿يَصِدُّونَ﴾ أيْ يَرْتَفِعُ لَهم ضَجِيجٌ وجَلَبَةٌ فَرَحًا وجَدَلًا وضَحِكًا بِسَبَبِ ما رَأوْا مِن إسْكاتِ رَسُولِ اللَّهِ، فَإنَّهُ قَدْ جَرَتِ العادَةُ بِأنَّ أحَدَ الخَصْمَيْنِ إذا انْقَطَعَ أظْهَرَ الخَصْمُ الثّانِي الفَرَحَ والضَّجِيجَ، ﴿وقالُوا أآلِهَتُنا خَيْرٌ أمْ هُوَ﴾ يَعْنُونَ أنَّ آلِهَتَنا عِنْدَكَ لَيْسَتْ خَيْرًا مِن عِيسى، فَإذا كانَ عِيسى مِن حَصَبِ جَهَنَّمَ كانَ أمْرُ آلِهَتِنا أهْوَنَ. الوَجْهُ الثّالِثُ في التَّأْوِيلِ: وهو أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا حَكى أنَّ النَّصارى عَبَدُوا المَسِيحَ وجَعَلُوهُ إلَهًا لِأنْفُسِهِمْ، قالَ كُفّارُ مَكَّةَ: إنَّ مُحَمَّدًا يُرِيدُ أنْ يَجْعَلَ لَنا إلَهًا كَما جَعَلَ النَّصارى المَسِيحَ إلَهًا لِأنْفُسِهِمْ، ثُمَّ عِنْدَ هَذا قالُوا ﴿أآلِهَتُنا خَيْرٌ أمْ هُوَ﴾ يَعْنِي أآلِهَتُنا خَيْرٌ أمْ مُحَمَّدٌ، وذَكَرُوا ذَلِكَ لِأجْلِ أنَّهم قالُوا: إنَّ مُحَمَّدًا يَدْعُونا إلى عِبادَةِ نَفْسِهِ، وآباؤُنا زَعَمُوا أنَّهُ يَجِبُ عِبادَةُ هَذِهِ الأصْنامِ، وإذا كانَ لا بُدَّ مِن أحَدِ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ فَعِبادَةُ هَذِهِ الأصْنامِ أوْلى، لِأنَّ آباءَنا وأسْلافَنا كانُوا مُتَطابِقِينَ عَلَيْهِ، وأمّا مُحَمَّدٌ فَإنَّهُ مُتَّهَمٌ في أمْرِنا بِعِبادَتِهِ، فَكانَ الِاشْتِغالُ بِعِبادَةِ الأصْنامِ أوْلى، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنّا لَمْ نَقُلْ إنَّ الِاشْتِغالَ بِعِبادَةِ المَسِيحِ طَرِيقٌ حَسَنٌ، بَلْ هو كَلامٌ باطِلٌ، فَإنَّ عِيسى لَيْسَ إلّا عَبْدًا أنْعَمْنا عَلَيْهِ، فَإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَقَدْ زالَتْ شُبْهَتُهم في قَوْلِهِمْ: إنَّ مُحَمَّدًا يُرِيدُ أنْ يَأْمُرَنا بِعِبادَةِ نَفْسِهِ، فَهَذِهِ الوُجُوهُ الثَّلاثَةُ مِمّا يَحْتَمِلُ كُلُّ واحِدٍ مِنها لَفْظَ الآيَةِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ والكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ”يَصُدُّونَ“ بِضَمِّ الصّادِ، وهو قِراءَةُ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - والباقُونَ بِكَسْرِ الصّادِ وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ، واخْتَلَفُوا فَقالَ الكِسائِيُّ: هُما بِمَعْنًى، نَحْوَ يَعْرِشُونَ ويَعْرُشُونَ، ويَعْكِفُونَ، ويَعْكُفُونَ، ومِنهم مَن فَرَّقَ، أمّا القِراءَةُ بِالضَّمِّ فَمِنَ الصُّدُودِ، أيْ مِن أجْلِ هَذا المَثَلِ يَصُدُّونَ عَنِ الحَقِّ ويُعْرِضُونَ عَنْهُ، وأمّا بِالكَسْرِ فَمَعْناهُ يَضِجُّونَ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ: ”أآلِهَتُنا“ اسْتِفْهامًا بِهَمْزَتَيْنِ، الثّانِيَةُ مُطَوَّلَةٌ، والباقُونَ اسْتِفْهامًا بِهَمْزَةٍ ومَدَّةٍ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ما ضَرَبُوهُ لَكَ إلّا جَدَلًا﴾ أيْ ما ضَرَبُوا لَكَ هَذا المَثَلَ إلّا لِأجْلِ الجَدَلِ والغَلَبَةِ في القَوْلِ، لا لِطَلَبِ الفَرْقِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ ﴿بَلْ هم قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ مُبالِغُونَ في الخُصُومَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [الأنْبِياءِ: ٩٨] لا يَتَناوَلُ المَلائِكَةَ وعِيسى، وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ كَلِمَةَ ”ما“ لا تَتَناوَلُ العُقَلاءَ البَتَّةَ. والثّانِي: أنَّ كَلِمَةَ ”ما“ لَيْسَتْ صَرِيحَةً في الِاسْتِغْراقِ بِدَلِيلِ أنَّهُ يَصِحُّ إدْخالُ لَفْظَتَيِ الكُلِّ والبَعْضِ عَلَيْهِ، فَيُقالُ: إنَّكم وكُلَّ ما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ، أوْ إنَّكم وبَعْضَ ما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ. الثّالِثُ: أنَّ قَوْلَهُ: إنَّكم وكُلَّ ما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أوْ وبَعْضَ ما تَعْبُدُونَ - خِطابُ مُشافَهَةٍ، فَلَعَلَّهُ ما كانَ فِيهِمْ أحَدٌ يَعْبُدُ المَسِيحَ والمَلائِكَةَ. الرّابِعُ: أنَّ قَوْلَهُ ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ هَبْ أنَّهُ عامٌّ إلّا أنَّ النُّصُوصَ الدّالَّةَ عَلى تَعْظِيمِ المَلائِكَةِ وعِيسى أخَصُّ مِنهُ، والخاصُّ مُقَدَّمٌ عَلى العامِّ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: القائِلُونَ بِذَمِّ الجَدَلِ تَمَسَّكُوا بِهَذِهِ الآيَةِ إلّا أنّا قَدْ ذَكَرْنا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما يُجادِلُ في آياتِ اللَّهِ إلّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أنَّ الآياتِ الكَثِيرَةَ دالَّةٌ عَلى أنَّ الجَدَلَ مُوجِبٌ لِلْمَدْحِ والثَّناءِ، وطَرِيقُ التَّوْفِيقِ أنْ تُصْرَفَ تِلْكَ الآياتُ إلى الجَدَلِ الَّذِي يُفِيدُ تَقْرِيرَ الحَقِّ، وأنْ تُصْرَفَ هَذِهِ الآيَةُ إلى الجَدَلِ الَّذِي يُوجِبُ تَقْرِيرَ الباطِلِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنْ هو إلّا عَبْدٌ أنْعَمْنا عَلَيْهِ﴾ يَعْنِي: ما عِيسى إلّا عَبْدٌ كَسائِرِ العَبِيدِ، أنْعَمْنا عَلَيْهِ حَيْثُ جَعَلْناهُ آيَةً بِأنْ خَلَقْناهُ مِن غَيْرِ أبٍ كَما خَلَقْنا آدَمَ، وشَرَّفْناهُ بِالنُّبُوَّةِ وصَيَّرْناهُ عِبْرَةً عَجِيبَةً كالمَثَلِ السّائِرِ ﴿ولَوْ نَشاءُ﴾ صفحة ١٩١ ﴿لَجَعَلْنا مِنكُمْ﴾ لَوَلَّدْنا مِنكم يا رِجالُ ﴿مَلائِكَةً في الأرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ كَما يَخْلُفُكم أوْلادُكم؛ كَما ولَّدْنا عِيسى مِن أُنْثى مِن غَيْرِ فَحْلٍ؛ لِتَعْرِفُوا تَمَيُّزَنا بِالقُدْرَةِ الباهِرَةِ، ولِتَعْرِفُوا أنَّ دُخُولَ التَّوْلِيدِ والتَّوَلُّدِ في المَلائِكَةِ أمْرٌ مُمْكِنٌ، وذاتُ اللَّهِ مُتَعالِيَةٌ عَنْ ذَلِكَ (وأنَّهُ) أيْ عِيسى ﴿لَعِلْمٌ لِلسّاعَةِ﴾ شَرْطٌ مِن أشْراطِها تُعْلَمُ بِهِ، فَسُمِّيَ الشَّرْطُ الدّالُّ عَلى الشَّيْءِ عِلْمًا لِحُصُولِ العِلْمِ بِهِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: ”لَعَلَمٌ“ وهو العَلامَةُ، وقُرِئَ: ”لَلْعِلْمُ“ وقَرَأ أُبَيٌّ: ”لَذِكْرٌ“، وفي الحَدِيثِ: «أنَّ عِيسى يَنْزِلُ عَلى ثَنِيَّةٍ في الأرْضِ المُقَدَّسَةِ يُقالُ لَها أفِيقُ، وبِيَدِهِ حَرْبَةٌ، وبِها يَقْتُلُ الدَّجّالَ، فَيَأْتِي بِبَيْتِ المَقْدِسِ في صَلاةِ الصُّبْحِ والإمامُ يَؤُمُّ بِهِمْ فَيَتَأخَّرُ الإمامُ فَيُقَدِّمُهُ عِيسى ويُصَلِّي خَلْفَهُ عَلى شَرِيعَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ثُمَّ يَقْتُلُ الخَنازِيرَ ويَكْسِرُ الصَّلِيبَ ويُخَرِّبُ البِيَعَ والكَنائِسَ ويَقْتُلُ النَّصارى إلّا مَن آمَنَ بِهِ» ﴿فَلا تَمْتَرُنَّ بِها﴾ مِنَ المِرْيَةِ وهو الشَّكُّ ﴿واتَّبِعُونِ﴾ واتَّبِعُوا هُدايَ وشَرْعِي ﴿هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ أيْ هَذا الَّذِي أدْعُوكم إلَيْهِ صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ ﴿ولا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطانُ إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ قَدْ بانَتْ عَداواتُهُ لَكم لِأجْلِ أنَّهُ هو الَّذِي أخْرَجَ أباكم مِنَ الجَنَّةِ ونَزَعَ عَنْهُ لِباسَ النُّورِ.

الزخرف 43:60

قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا إلى فِرْعَوْنَ﴾ ﴿ومَلَئِهِ فَقالَ إنِّي رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿فَلَمّا جاءَهم بِآياتِنا إذا هم مِنها يَضْحَكُونَ﴾ ﴿وما نُرِيهِمْ مِن آيَةٍ إلّا هي أكْبَرُ مِن أُخْتِها وأخَذْناهم بِالعَذابِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ ﴿وقالُوا ياأيُّها السّاحِرُ ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ إنَّنا لَمُهْتَدُونَ﴾ ﴿فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُمُ العَذابَ إذا هم يَنْكُثُونَ﴾ ﴿ونادى فِرْعَوْنُ في قَوْمِهِ قالَ ياقَوْمِ ألَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وهَذِهِ الأنْهارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ ﴿أمْ أنا خَيْرٌ مِن هَذا الَّذِي هو مَهِينٌ ولا يَكادُ يُبِينُ﴾ ﴿فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أسْوِرَةٌ مِن ذَهَبٍ أوْ جاءَ مَعَهُ المَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾ ﴿فاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأطاعُوهُ إنَّهم كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ ﴿فَلَمّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنهم فَأغْرَقْناهم أجْمَعِينَ﴾ وفِي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن إعادَةِ قِصَّةِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وفِرْعَوْنَ في هَذا المَقامِ تَقْرِيرُ الكَلامِ الَّذِي تَقَدَّمَ، وذَلِكَ لِأنَّ كُفّارَ قُرَيْشٍ طَعَنُوا في نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ بِسَبَبِ كَوْنِهِ فَقِيرًا عَدِيمَ المالِ والجاهِ، فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بَعْدَ أنْ أوْرَدَ المُعْجِزاتِ القاهِرَةَ الباهِرَةَ الَّتِي لا يَشُكُّ في صِحَّتِها عاقِلٌ أوْرَدَ فِرْعَوْنُ عَلَيْهِ هَذِهِ الشُّبْهَةَ الَّتِي ذَكَرَها كُفّارُ قُرَيْشٍ، فَقالَ: إنِّي غَنِيٌّ كَثِيرُ المالِ والجاهِ، ألا تَرَوْنَ أنَّهُ حَصَلَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وهَذِهِ الأنْهارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي، وأمّا مُوسى فَإنَّهُ فَقِيرٌ مَهِينٌ ولَيْسَ لَهُ بَيانٌ ولِسانٌ، والرَّجُلُ الفَقِيرُ كَيْفَ يَكُونُ رَسُولًا مِن عِنْدِ اللَّهِ إلى المَلِكِ الكَبِيرِ الغَنِيِّ، فَثَبَتَ أنَّ هَذِهِ الشُّبْهَةَ الَّتِي ذَكَرَها كُفّارُ مَكَّةَ، وهي قَوْلُهم ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٣١] وقَدْ أوْرَدَها بِعَيْنِها فِرْعَوْنُ عَلى مُوسى، ثُمَّ إنّا انْتَقَمْنا مِنهم فَأغْرَقْناهم، والمَقْصُودُ مِن إيرادِ هَذِهِ القِصَّةِ - تَقْرِيرُ أمْرَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ الكُفّارَ والجُهّالَ أبَدًا يَحْتَجُّونَ عَلى الأنْبِياءِ بِهَذِهِ الشُّبْهَةِ الرَّكِيكَةِ فَلا يُبالى بِها ولا يُلْتَفَتُ إلَيْها. والثّانِي: أنَّ فِرْعَوْنَ عَلى غايَةِ كَمالِ حالِهِ في الدُّنْيا صارَ مَقْهُورًا باطِلًا، فَيَكُونُ الأمْرُ في حَقِّ أعْدائِكَ هَكَذا، فَثَبَتَ أنَّهُ لَيْسَ المَقْصُودُ مِن إعادَةِ هَذِهِ القِصَّةِ عَيْنَ هَذِهِ القِصَّةِ، بَلِ المَقْصُودُ تَقْرِيرُ الجَوابِ عَنِ الشُّبْهَةِ المَذْكُورَةِ، وعَلى هَذا صفحة ١٨٧ فَلا يَكُونُ هَذا تَقْرِيرًا لِلْقِصَّةِ البَتَّةَ، وهَذا مِن نَفائِسِ الأبْحاثِ، واللَّهُ أعْلَمُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ في تَفْسِيرِ الألْفاظِ: ذَكَرَ تَعالى أنَّهُ أرْسَلَ مُوسى بِآياتِهِ، وهي المُعْجِزاتُ الَّتِي كانَتْ مَعَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ، أيْ قَوْمِهِ، فَقالَ مُوسى: إنِّي رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ، فَلَمّا جاءَهم بِتِلْكَ الآياتِ إذا هم مِنها يَضْحَكُونَ، قِيلَ: إنَّهُ لَمّا ألْقى عَصاهُ صارَ ثُعْبانًا ثُمَّ أخَذَهُ فَعادَ عَصًا كَما كانَ - ضَحِكُوا، ولَمّا عَرَضَ عَلَيْهِمُ اليَدَ البَيْضاءَ ثُمَّ عادَتْ كَما كانَتْ - ضَحِكُوا، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ جازَ أنْ يُجابَ عَنْ ”لَمّا“ بِـ ”إذا“ الَّذِي يُفِيدُ المُفاجَأةَ ؟ قُلْنا: لِأنَّ فِعْلَ المُفاجَأةِ مَعَها مُقَدَّرٌ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: فَلَمّا جاءَهم بِآياتِنا فاجَئُوا وقْتَ ضَحِكِهِمْ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿وما نُرِيهِمْ مِن آيَةٍ إلّا هي أكْبَرُ مِن أُخْتِها﴾ فَإنْ قِيلَ: ظاهِرُ اللَّفْظِ يَقْتَضِي كَوْنَ كُلِّ واحِدٍ مِنها أفْضَلَ مِنَ التّالِي، وذَلِكَ مُحالٌ، قُلْنا: إذا أُرِيدَ المُبالَغَةُ في كَوْنِ كُلٍّ مِن تِلْكَ الأشْياءِ بالِغًا إلى أقْصى الدَّرَجاتِ في الفَضِيلَةِ، فَقَدْ يُذْكَرُ هَذا الكَلامُ بِمَعْنى أنَّهُ لا يَبْعُدُ في أُناسٍ يَنْظُرُونَ إلَيْها أنْ يَقُولَ هَذا: إنَّ هَذا أفْضَلُ مِنَ الثّانِي، وأنْ يَقُولَ الثّانِي: لا بَلِ الثّانِي أفْضَلُ، وأنْ يَقُولَ الثّالِثُ: لا بَلِ الثّالِثُ أفْضَلُ، وحِينَئِذٍ يَصِيرُ كُلُّ واحِدٍ مِن تِلْكَ الأشْياءِ مَقُولًا فِيهِ: إنَّهُ أفْضَلُ مِن غَيْرِهِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وأخَذْناهم بِالعَذابِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ أيْ عَنِ الكُفْرِ إلى الإيمانِ، قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى يُرِيدُ الإيمانَ مِنَ الكُلِّ وأنَّهُ إنَّما أظْهَرَ تِلْكَ المُعْجِزاتِ القاهِرَةَ لِإرادَةِ أنْ يَرْجِعُوا مِنَ الكُفْرِ إلى الإيمانِ، قالَ المُفَسِّرُونَ: ومَعْنى قَوْلِهِ ﴿وأخَذْناهم بِالعَذابِ﴾ أيْ بِالأشْياءِ الَّتِي سَلَّطَها عَلَيْها كالطُّوفانِ والجَرادِ والقُمَّلِ والضَّفادِعِ والدَّمِ والطَّمْسِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وقالُوا ياأيُّها السّاحِرُ ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ إنَّنا لَمُهْتَدُونَ﴾ فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ سَمَّوْهُ بِالسّاحِرِ مَعَ قَوْلِهِمْ ﴿إنَّنا لَمُهْتَدُونَ﴾ ؟ قُلْنا: فِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ لِلْعالِمِ الماهِرِ ساحِرٌ، لِأنَّهم كانُوا يَسْتَعْظِمُونَ السِّحْرَ، وكَما يُقالُ في زَمانِنا في العامِلِ العَجِيبِ الكامِلِ إنَّهُ أتى بِالسِّحْرِ. الثّانِي: ﴿ياأيُّها السّاحِرُ﴾ في زَعْمِ النّاسِ ومُتَعارَفِ قَوْمِ فِرْعَوْنَ كَقَوْلِهِ ﴿وقالُوا ياأيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحِجْرِ: ٦] أيْ نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ في اعْتِقادِهِ وزَعْمِهِ. الثّالِثُ: أنَّ قَوْلَهم ﴿إنَّنا لَمُهْتَدُونَ﴾ وقَدْ كانُوا عازِمِينَ عَلى خِلافِهِ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ ﴿فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُمُ العَذابَ إذا هم يَنْكُثُونَ﴾ فَتَسْمِيَتُهم إيّاهُ بِالسِّحْرِ لا يُنافِي قَوْلَهم ﴿إنَّنا لَمُهْتَدُونَ﴾ ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ لَمّا كَشَفَ عَنْهُمُ العَذابَ نَكَثُوا ذَلِكَ العَهْدَ. ولَمّا حَكى اللَّهُ تَعالى مُعامَلَةَ فِرْعَوْنَ مَعَ مُوسى، حَكى أيْضًا مُعامَلَةَ فِرْعَوْنَ مَعَهُ فَقالَ: ﴿ونادى فِرْعَوْنُ في قَوْمِهِ﴾ والمَعْنى أنَّهُ أظْهَرَ هَذا القَوْلَ، فَقالَ: ﴿ياقَوْمِ ألَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وهَذِهِ الأنْهارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي﴾ يَعْنِي الأنْهارَ الَّتِي فَصَلُوها مِنَ النِّيلِ، ومُعْظَمُها أرْبَعَةٌ: نَهْرُ المَلِكِ ونَهْرُ طُولُونَ ونَهْرُ دِمْياطَ ونَهْرُ تِنِّيسَ، قِيلَ: كانَتْ تَجْرِي تَحْتَ قَصْرِهِ، وحاصِلُ الأمْرِ أنَّهُ احْتَجَّ بِكَثْرَةِ أمْوالِهِ وقُوَّةِ جاهِهِ عَلى فَضِيلَةِ نَفْسِهِ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿أمْ أنا خَيْرٌ مِن هَذا الَّذِي هو مَهِينٌ ولا يَكادُ يُبِينُ﴾ وعَنى بِكَوْنِهِ مَهِينًا كَوْنَهُ فَقِيرًا ضَعِيفَ الحالِ، وبِقَوْلِهِ ﴿ولا يَكادُ يُبِينُ﴾ حَبْسَةً كانَتْ في لِسانِهِ، واخْتَلَفُوا في مَعْنى ”أمْ“ هَهُنا، فَقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَجازُها: بَلْ أنا خَيْرٌ، وعَلى هَذا فَقَدَ تَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ ثُمَّ ابْتَدَأ فَقالَ: ﴿أمْ أنا خَيْرٌ﴾ بِمَعْنى بَلْ أنا خَيْرٌ، وقالَ الباقُونَ: ”أمْ“ هَذِهِ مُتَّصِلَةٌ؛ لِأنَّ المَعْنى ﴿أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ أمْ تُبْصِرُونَ، إلّا أنَّهُ وضَعَ قَوْلَهُ ﴿أنا خَيْرٌ﴾ مَوْضِعَ ”تُبْصِرُونَ“، لِأنَّهم إذا قالُوا لَهُ: أنْتَ خَيْرٌ، فَهم عِنْدَهُ بُصَراءُ، وقالَ آخَرُونَ: إنَّ تَمامَ الكَلامِ عِنْدَ قَوْلِهِ ”أمْ“، وقَوْلُهُ صفحة ١٨٨ ﴿أنا خَيْرٌ﴾ ابْتِداءُ الكَلامِ، والتَّقْدِيرُ: ﴿أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ أمْ تُبْصِرُونَ، لَكِنَّهُ اكْتَفى فِيهِ بِذِكْرِ ”أمْ“ كَما تَقُولُ لِغَيْرِكَ: أتَأْكُلُ أمْ. أيْ: أتَأْكُلُ أمْ لا تَأْكُلُ، تَقْتَصِرُ عَلى ذِكْرِ كَلِمَةِ ”أمْ“ إيثارًا لِلِاخْتِصارِ، فَكَذا هَهُنا، فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - سَألَ اللَّهَ تَعالى أنْ يُزِيلَ الرَّتَّةَ عَنْ لِسانِهِ بِقَوْلِهِ ﴿واحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِسانِي﴾ ﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ [طه: ٢٧] فَأعْطاهُ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﴿قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يامُوسى﴾ فَكَيْفَ عابَهُ فِرْعَوْنُ بِتِلْكَ الرَّتَّةِ ؟ والجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ فِرْعَوْنَ أرادَ بِقَوْلِهِ ﴿ولا يَكادُ يُبِينُ﴾ حُجَّتَهُ الَّتِي تَدُلُّ عَلى صِدْقِهِ فِيما يَدَّعِي، ولَمْ يُرِدْ أنَّهُ لا قُدْرَةَ لَهُ عَلى الكَلامِ. والثّانِي: أنَّهُ عابَهُ بِما كانَ عَلَيْهِ أوَّلًا، وذَلِكَ أنَّ مُوسى كانَ عِنْدَ فِرْعَوْنَ زَمانًا طَوِيلًا وفي لِسانِهِ حَبْسَةٌ، فَنَسَبَهُ فِرْعَوْنُ إلى ما عَهِدَهُ عَلَيْهِ مِنَ الرَّتَّةِ لِأنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى أزالَ ذَلِكَ العَيْبَ عَنْهُ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أسْوِرَةٌ مِن ذَهَبٍ﴾ والمُرادُ أنَّ عادَةَ القَوْمِ جَرَتْ بِأنَّهم إذا جَعَلُوا واحِدًا مِنهم رَئِيسًا لَهم سَوَّرُوهُ بِسِوارٍ مَن ذَهَبٍ وطَوَّقُوهُ بِطَوْقٍ مِن ذَهَبٍ، فَطَلَبَ فِرْعَوْنُ مِن مُوسى مِثْلَ هَذِهِ الحالَةِ، واخْتَلَفَ القُرّاءُ في ”أسْوِرَةٌ“، فَبَعْضُهم قَرَأ: ”أسْوِرَةٌ“، وآخَرُونَ: ”أساوِرَةٌ“، فَأسْوِرَةٌ جَمْعُ سِوارٍ لِأدْنى العَدَدِ، كَقَوْلِكَ حِمارٌ وأحْمِرَةٌ وغُرابٌ وأغْرِبَةٌ، ومَن قَرَأ ”أساوِرَةٌ“ فَذاكَ لِأنَّ أساوِيرَ جَمْعُ أسْوارٍ، وهو السُّوارُ، فَأساوِرَةٌ تَكُونُ الهاءُ عِوَضًا عَنِ الياءِ، نَحْوَ بِطْرِيقٍ وبَطارِقَةٍ وزِنْدِيقٍ وزَنادِقَةٍ وفِرْزِينٍ وفَرازِنَةٍ، فَتَكُونُ أساوِرَةٌ جَمْعَ أسْوارٍ، وحاصِلُ الكَلامِ يَرْجِعُ إلى حَرْفٍ واحِدٍ، وهو أنَّ فِرْعَوْنَ كانَ يَقُولُ أنا أكْثَرُ مالًا وجاهًا، فَوَجَبَ أنْ أكُونَ أفْضَلَ مِنهُ، فَيَمْتَنِعُ كَوْنُهُ رَسُولًا مِنَ اللَّهِ، لِأنَّ مَنصِبَ النُّبُوَّةِ يَقْتَضِي المَخْدُومِيَّةَ، والأخَسُّ لا يَكُونُ مَخْدُومًا لِلْأشْرَفِ، ثُمَّ المُقَدِّمَةُ الفاسِدَةُ هي قَوْلُهُ: مَن كانَ أكْثَرَ مالًا وجاهًا فَهو أفْضَلُ، وهي عَيْنُ المُقَدِّمَةِ الَّتِي تَمَسَّكَ بِها كُفّارُ قُرَيْشٍ في قَوْلِهِمْ ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿أوْ جاءَ مَعَهُ المَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مُقْرِنِينَ بِهِ، مِن قَوْلِكَ: قَرَنْتُهُ بِهِ فاقْتَرَنَ، وأنْ يَكُونَ مِن قَوْلِهِمُ: اقْتَرَنُوا بِمَعْنى تَقارَنُوا، قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ يَمْشُونَ مَعَهُ فَيَدُلُّونَ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأطاعُوهُ﴾ أيْ طَلَبَ مِنهُمُ الخِفَّةَ في الإتْيانِ بِما كانَ يَأْمُرُهم بِهِ فَأطاعُوهُ ﴿إنَّهم كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ حَيْثُ أطاعُوا ذَلِكَ الجاهِلَ الفاسِقَ ﴿فَلَمّا آسَفُونا﴾ أغْضَبُونا، حُكِيَ أنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ غَضِبَ في شَيْءٍ، فَقِيلَ لَهُ: أتَغْضَبُ يا أبا خالِدٍ ؟ فَقالَ: قَدْ غَضِبَ الَّذِي خَلَقَ الأحْلامَ، إنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿فَلَمّا آسَفُونا﴾ أيْ أغْضَبُونا. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿انْتَقَمْنا مِنهُمْ﴾ واعْلَمْ أنَّ ذِكْرَ لَفْظِ الأسَفِ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى مُحالٌ، وذِكْرُ لَفْظِ الِانْتِقامِ وكُلِّ واحِدٍ مِنهُما مِنَ المُتَشابِهاتِ الَّتِي يَجِبُ أنْ يُصارَ فِيها إلى التَّأْوِيلِ، ومَعْنى الغَضَبِ في حَقِّ اللَّهِ إرادَةُ العِقابِ، ومَعْنى الِانْتِقامِ إرادَةُ العِقابِ لِجُرْمٍ سابِقٍ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَجَعَلْناهم سَلَفًا ومَثَلًا﴾ السَّلَفُ كُلُّ شَيْءٍ قَدَّمْتَهُ مِن عَمَلٍ صالِحٍ أوْ قَرْضٍ فَهو سَلَفٌ، والسَّلَفُ أيْضًا مَن تَقَدَّمَ مِن آبائِكَ وأقارِبِكَ، واحِدُهم سالِفٌ، ومِنهُ قَوْلُ طُفَيْلٍ يَرْثِي قَوْمَهُ: مَضَوْا سَلَفًا قَصْدَ السَّبِيلِ عَلَيْهِمُ وصَرْفُ المَنايا بِالرِّجالِ تُقَلَّبُ فَعَلى هَذا قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: يَقُولُ: جَعَلْناهم مُتَقَدِّمِينَ لِيَتَّعِظَ بِهِمُ الآخَرُونَ، أيْ: جَعَلْناهم سَلَفًا لِكُفّارِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ. وأكْثَرُ القُرّاءِ قَرَءُوا بِالفَتْحِ، وهو جَمْعُ سالِفٍ كَما ذَكَرْناهُ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: ”سُلَفًا“ صفحة ١٨٩ بِالضَّمِّ، وهو جَمْعُ سَلَفٍ، قالَ اللَّيْثُ: يُقالُ سَلُفَ - بِضَمِّ اللّامِ - يَسْلُفُ سُلُوفًا، فَهو سُلُفٌ، أيْ: مُتَقَدِّمٌ، وقَوْلُهُ ﴿ومَثَلًا لِلْآخِرِينَ﴾ يُرِيدُ عِظَةً لِمَن بَقِيَ بَعْدَهم وآيَةً وعِبْرَةً، قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: المَثَلُ واحِدٌ يُرادُ بِهِ الجَمْعَ، ومِن ثَمَّ عُطِفَ عَلى سَلَفٍ، والدَّلِيلُ عَلى وُقُوعِهِ عَلى أكْثَرَ مِن واحِدٍ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ ومَن رَزَقْناهُ﴾ [النَّحْلِ: ٧٥] فَأدْخَلَ تَحْتَ المَثَلِ شَيْئَيْنِ، واللَّهُ أعْلَمُ. * * قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولَمّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إذا قَوْمُكَ مِنهُ يَصِدُّونَ﴾ ﴿وقالُوا أآلِهَتُنا خَيْرٌ أمْ هو ما ضَرَبُوهُ لَكَ إلّا جَدَلًا بَلْ هم قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ ﴿إنْ هو إلّا عَبْدٌ أنْعَمْنا عَلَيْهِ وجَعَلْناهُ مَثَلًا لِبَنِي إسْرائِيلَ﴾ ﴿ولَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنكم مَلائِكَةً في الأرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ ﴿وإنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِها واتَّبِعُونِ هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ ﴿ولا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطانُ إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ ٥٠ في الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أنْواعًا كَثِيرَةً مَن كُفْرِيّاتِهِمْ في هَذِهِ السُّورَةِ، وأجابَ عَنْها بِالوُجُوهِ الكَثِيرَةِ: فَأوَّلُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلُوا لَهُ مِن عِبادِهِ جُزْءًا﴾ . وثانِيها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا﴾ . وثالِثُها: قَوْلُهُ ﴿وقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ ما عَبَدْناهُمْ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٢٠] . ورابِعُها: قَوْلُهُ ﴿وقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٣١] . وخامِسُها: هَذِهِ الآيَةُ الَّتِي نَحْنُ الآنَ في تَفْسِيرِها، ولَفْظُ الآيَةِ لا يَدُلُّ إلّا عَلى أنَّهُ لَمّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا أخَذَ القَوْمُ يَضِجُّونَ ويَرْفَعُونَ أصْواتَهم، فَأمّا أنَّ ذَلِكَ المَثَلَ كَيْفَ كانَ، وفي أيِّ شَيْءٍ كانَ، فاللَّفْظُ لا يَدُلُّ عَلَيْهِ، والمُفَسِّرُونَ ذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا، كُلُّها مُحْتَمَلَةٌ: فالأوَّلُ: أنَّ الكُفّارَ لَمّا سَمِعُوا أنَّ النَّصارى يَعْبُدُونَ عِيسى، قالُوا: إذا عَبَدُوا عِيسى فَآلِهَتُنا خَيْرٌ مِن عِيسى، وإنَّما قالُوا ذَلِكَ لِأنَّهم كانُوا يَعْبُدُونَ المَلائِكَةَ. الثّانِي: رُوِيَ أنَّهُ «لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنْبِياءِ: ٩٨] قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزِّبَعْرى: هَذا خاصَّةٌ لَنا ولِآلِهَتِنا أمْ لِجَمِيعِ الأُمَمِ ؟ فَقالَ ﷺ: بَلْ لِجَمِيعِ الأُمَمِ فَقالَ: خَصَمْتُكَ ورَبِّ الكَعْبَةِ، ألَسْتَ تَزْعُمُ أنَّ عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ نَبِيٌّ وتُثْنِي عَلَيْهِ خَيْرًا وعَلى أُمِّهِ، وقَدْ عَلِمْتُ أنَّ النَّصارى يَعْبُدُونَهُما واليَهُودَ يَعْبُدُونَ عُزَيْرًا، والمَلائِكَةُ يُعْبَدُونَ، فَإذا كانَ هَؤُلاءِ في النّارِ فَقَدْ رَضِينا أنْ نَكُونَ نَحْنُ وآلِهَتُنا مَعَهم، فَسَكَتَ النَّبِيُّ ﷺ وفَرِحَ القَوْمُ وضَحِكُوا وضَجُّوا، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى أُولَئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ»﴾ [الأنْبِياءِ: ١٠١] ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ أيْضًا، والمَعْنى: ولَمّا ضَرَبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزِّبَعْرى عِيسى ﴿ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا﴾ وجادَلَ رَسُولَ اللَّهِ بِعِبادَةِ النَّصارى إيّاهُ صفحة ١٩٠ ﴿إذا قَوْمُكَ﴾ قُرَيْشٌ (مِنهَ) أيْ مِن هَذا المَثَلِ ﴿يَصِدُّونَ﴾ أيْ يَرْتَفِعُ لَهم ضَجِيجٌ وجَلَبَةٌ فَرَحًا وجَدَلًا وضَحِكًا بِسَبَبِ ما رَأوْا مِن إسْكاتِ رَسُولِ اللَّهِ، فَإنَّهُ قَدْ جَرَتِ العادَةُ بِأنَّ أحَدَ الخَصْمَيْنِ إذا انْقَطَعَ أظْهَرَ الخَصْمُ الثّانِي الفَرَحَ والضَّجِيجَ، ﴿وقالُوا أآلِهَتُنا خَيْرٌ أمْ هُوَ﴾ يَعْنُونَ أنَّ آلِهَتَنا عِنْدَكَ لَيْسَتْ خَيْرًا مِن عِيسى، فَإذا كانَ عِيسى مِن حَصَبِ جَهَنَّمَ كانَ أمْرُ آلِهَتِنا أهْوَنَ. الوَجْهُ الثّالِثُ في التَّأْوِيلِ: وهو أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا حَكى أنَّ النَّصارى عَبَدُوا المَسِيحَ وجَعَلُوهُ إلَهًا لِأنْفُسِهِمْ، قالَ كُفّارُ مَكَّةَ: إنَّ مُحَمَّدًا يُرِيدُ أنْ يَجْعَلَ لَنا إلَهًا كَما جَعَلَ النَّصارى المَسِيحَ إلَهًا لِأنْفُسِهِمْ، ثُمَّ عِنْدَ هَذا قالُوا ﴿أآلِهَتُنا خَيْرٌ أمْ هُوَ﴾ يَعْنِي أآلِهَتُنا خَيْرٌ أمْ مُحَمَّدٌ، وذَكَرُوا ذَلِكَ لِأجْلِ أنَّهم قالُوا: إنَّ مُحَمَّدًا يَدْعُونا إلى عِبادَةِ نَفْسِهِ، وآباؤُنا زَعَمُوا أنَّهُ يَجِبُ عِبادَةُ هَذِهِ الأصْنامِ، وإذا كانَ لا بُدَّ مِن أحَدِ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ فَعِبادَةُ هَذِهِ الأصْنامِ أوْلى، لِأنَّ آباءَنا وأسْلافَنا كانُوا مُتَطابِقِينَ عَلَيْهِ، وأمّا مُحَمَّدٌ فَإنَّهُ مُتَّهَمٌ في أمْرِنا بِعِبادَتِهِ، فَكانَ الِاشْتِغالُ بِعِبادَةِ الأصْنامِ أوْلى، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنّا لَمْ نَقُلْ إنَّ الِاشْتِغالَ بِعِبادَةِ المَسِيحِ طَرِيقٌ حَسَنٌ، بَلْ هو كَلامٌ باطِلٌ، فَإنَّ عِيسى لَيْسَ إلّا عَبْدًا أنْعَمْنا عَلَيْهِ، فَإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَقَدْ زالَتْ شُبْهَتُهم في قَوْلِهِمْ: إنَّ مُحَمَّدًا يُرِيدُ أنْ يَأْمُرَنا بِعِبادَةِ نَفْسِهِ، فَهَذِهِ الوُجُوهُ الثَّلاثَةُ مِمّا يَحْتَمِلُ كُلُّ واحِدٍ مِنها لَفْظَ الآيَةِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ والكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ”يَصُدُّونَ“ بِضَمِّ الصّادِ، وهو قِراءَةُ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - والباقُونَ بِكَسْرِ الصّادِ وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ، واخْتَلَفُوا فَقالَ الكِسائِيُّ: هُما بِمَعْنًى، نَحْوَ يَعْرِشُونَ ويَعْرُشُونَ، ويَعْكِفُونَ، ويَعْكُفُونَ، ومِنهم مَن فَرَّقَ، أمّا القِراءَةُ بِالضَّمِّ فَمِنَ الصُّدُودِ، أيْ مِن أجْلِ هَذا المَثَلِ يَصُدُّونَ عَنِ الحَقِّ ويُعْرِضُونَ عَنْهُ، وأمّا بِالكَسْرِ فَمَعْناهُ يَضِجُّونَ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ: ”أآلِهَتُنا“ اسْتِفْهامًا بِهَمْزَتَيْنِ، الثّانِيَةُ مُطَوَّلَةٌ، والباقُونَ اسْتِفْهامًا بِهَمْزَةٍ ومَدَّةٍ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ما ضَرَبُوهُ لَكَ إلّا جَدَلًا﴾ أيْ ما ضَرَبُوا لَكَ هَذا المَثَلَ إلّا لِأجْلِ الجَدَلِ والغَلَبَةِ في القَوْلِ، لا لِطَلَبِ الفَرْقِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ ﴿بَلْ هم قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ مُبالِغُونَ في الخُصُومَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [الأنْبِياءِ: ٩٨] لا يَتَناوَلُ المَلائِكَةَ وعِيسى، وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ كَلِمَةَ ”ما“ لا تَتَناوَلُ العُقَلاءَ البَتَّةَ. والثّانِي: أنَّ كَلِمَةَ ”ما“ لَيْسَتْ صَرِيحَةً في الِاسْتِغْراقِ بِدَلِيلِ أنَّهُ يَصِحُّ إدْخالُ لَفْظَتَيِ الكُلِّ والبَعْضِ عَلَيْهِ، فَيُقالُ: إنَّكم وكُلَّ ما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ، أوْ إنَّكم وبَعْضَ ما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ. الثّالِثُ: أنَّ قَوْلَهُ: إنَّكم وكُلَّ ما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أوْ وبَعْضَ ما تَعْبُدُونَ - خِطابُ مُشافَهَةٍ، فَلَعَلَّهُ ما كانَ فِيهِمْ أحَدٌ يَعْبُدُ المَسِيحَ والمَلائِكَةَ. الرّابِعُ: أنَّ قَوْلَهُ ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ هَبْ أنَّهُ عامٌّ إلّا أنَّ النُّصُوصَ الدّالَّةَ عَلى تَعْظِيمِ المَلائِكَةِ وعِيسى أخَصُّ مِنهُ، والخاصُّ مُقَدَّمٌ عَلى العامِّ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: القائِلُونَ بِذَمِّ الجَدَلِ تَمَسَّكُوا بِهَذِهِ الآيَةِ إلّا أنّا قَدْ ذَكَرْنا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما يُجادِلُ في آياتِ اللَّهِ إلّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أنَّ الآياتِ الكَثِيرَةَ دالَّةٌ عَلى أنَّ الجَدَلَ مُوجِبٌ لِلْمَدْحِ والثَّناءِ، وطَرِيقُ التَّوْفِيقِ أنْ تُصْرَفَ تِلْكَ الآياتُ إلى الجَدَلِ الَّذِي يُفِيدُ تَقْرِيرَ الحَقِّ، وأنْ تُصْرَفَ هَذِهِ الآيَةُ إلى الجَدَلِ الَّذِي يُوجِبُ تَقْرِيرَ الباطِلِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنْ هو إلّا عَبْدٌ أنْعَمْنا عَلَيْهِ﴾ يَعْنِي: ما عِيسى إلّا عَبْدٌ كَسائِرِ العَبِيدِ، أنْعَمْنا عَلَيْهِ حَيْثُ جَعَلْناهُ آيَةً بِأنْ خَلَقْناهُ مِن غَيْرِ أبٍ كَما خَلَقْنا آدَمَ، وشَرَّفْناهُ بِالنُّبُوَّةِ وصَيَّرْناهُ عِبْرَةً عَجِيبَةً كالمَثَلِ السّائِرِ ﴿ولَوْ نَشاءُ﴾ صفحة ١٩١ ﴿لَجَعَلْنا مِنكُمْ﴾ لَوَلَّدْنا مِنكم يا رِجالُ ﴿مَلائِكَةً في الأرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ كَما يَخْلُفُكم أوْلادُكم؛ كَما ولَّدْنا عِيسى مِن أُنْثى مِن غَيْرِ فَحْلٍ؛ لِتَعْرِفُوا تَمَيُّزَنا بِالقُدْرَةِ الباهِرَةِ، ولِتَعْرِفُوا أنَّ دُخُولَ التَّوْلِيدِ والتَّوَلُّدِ في المَلائِكَةِ أمْرٌ مُمْكِنٌ، وذاتُ اللَّهِ مُتَعالِيَةٌ عَنْ ذَلِكَ (وأنَّهُ) أيْ عِيسى ﴿لَعِلْمٌ لِلسّاعَةِ﴾ شَرْطٌ مِن أشْراطِها تُعْلَمُ بِهِ، فَسُمِّيَ الشَّرْطُ الدّالُّ عَلى الشَّيْءِ عِلْمًا لِحُصُولِ العِلْمِ بِهِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: ”لَعَلَمٌ“ وهو العَلامَةُ، وقُرِئَ: ”لَلْعِلْمُ“ وقَرَأ أُبَيٌّ: ”لَذِكْرٌ“، وفي الحَدِيثِ: «أنَّ عِيسى يَنْزِلُ عَلى ثَنِيَّةٍ في الأرْضِ المُقَدَّسَةِ يُقالُ لَها أفِيقُ، وبِيَدِهِ حَرْبَةٌ، وبِها يَقْتُلُ الدَّجّالَ، فَيَأْتِي بِبَيْتِ المَقْدِسِ في صَلاةِ الصُّبْحِ والإمامُ يَؤُمُّ بِهِمْ فَيَتَأخَّرُ الإمامُ فَيُقَدِّمُهُ عِيسى ويُصَلِّي خَلْفَهُ عَلى شَرِيعَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ثُمَّ يَقْتُلُ الخَنازِيرَ ويَكْسِرُ الصَّلِيبَ ويُخَرِّبُ البِيَعَ والكَنائِسَ ويَقْتُلُ النَّصارى إلّا مَن آمَنَ بِهِ» ﴿فَلا تَمْتَرُنَّ بِها﴾ مِنَ المِرْيَةِ وهو الشَّكُّ ﴿واتَّبِعُونِ﴾ واتَّبِعُوا هُدايَ وشَرْعِي ﴿هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ أيْ هَذا الَّذِي أدْعُوكم إلَيْهِ صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ ﴿ولا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطانُ إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ قَدْ بانَتْ عَداواتُهُ لَكم لِأجْلِ أنَّهُ هو الَّذِي أخْرَجَ أباكم مِنَ الجَنَّةِ ونَزَعَ عَنْهُ لِباسَ النُّورِ.

الزخرف 43:61

قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا إلى فِرْعَوْنَ﴾ ﴿ومَلَئِهِ فَقالَ إنِّي رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿فَلَمّا جاءَهم بِآياتِنا إذا هم مِنها يَضْحَكُونَ﴾ ﴿وما نُرِيهِمْ مِن آيَةٍ إلّا هي أكْبَرُ مِن أُخْتِها وأخَذْناهم بِالعَذابِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ ﴿وقالُوا ياأيُّها السّاحِرُ ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ إنَّنا لَمُهْتَدُونَ﴾ ﴿فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُمُ العَذابَ إذا هم يَنْكُثُونَ﴾ ﴿ونادى فِرْعَوْنُ في قَوْمِهِ قالَ ياقَوْمِ ألَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وهَذِهِ الأنْهارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ ﴿أمْ أنا خَيْرٌ مِن هَذا الَّذِي هو مَهِينٌ ولا يَكادُ يُبِينُ﴾ ﴿فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أسْوِرَةٌ مِن ذَهَبٍ أوْ جاءَ مَعَهُ المَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾ ﴿فاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأطاعُوهُ إنَّهم كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ ﴿فَلَمّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنهم فَأغْرَقْناهم أجْمَعِينَ﴾ وفِي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن إعادَةِ قِصَّةِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وفِرْعَوْنَ في هَذا المَقامِ تَقْرِيرُ الكَلامِ الَّذِي تَقَدَّمَ، وذَلِكَ لِأنَّ كُفّارَ قُرَيْشٍ طَعَنُوا في نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ بِسَبَبِ كَوْنِهِ فَقِيرًا عَدِيمَ المالِ والجاهِ، فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بَعْدَ أنْ أوْرَدَ المُعْجِزاتِ القاهِرَةَ الباهِرَةَ الَّتِي لا يَشُكُّ في صِحَّتِها عاقِلٌ أوْرَدَ فِرْعَوْنُ عَلَيْهِ هَذِهِ الشُّبْهَةَ الَّتِي ذَكَرَها كُفّارُ قُرَيْشٍ، فَقالَ: إنِّي غَنِيٌّ كَثِيرُ المالِ والجاهِ، ألا تَرَوْنَ أنَّهُ حَصَلَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وهَذِهِ الأنْهارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي، وأمّا مُوسى فَإنَّهُ فَقِيرٌ مَهِينٌ ولَيْسَ لَهُ بَيانٌ ولِسانٌ، والرَّجُلُ الفَقِيرُ كَيْفَ يَكُونُ رَسُولًا مِن عِنْدِ اللَّهِ إلى المَلِكِ الكَبِيرِ الغَنِيِّ، فَثَبَتَ أنَّ هَذِهِ الشُّبْهَةَ الَّتِي ذَكَرَها كُفّارُ مَكَّةَ، وهي قَوْلُهم ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٣١] وقَدْ أوْرَدَها بِعَيْنِها فِرْعَوْنُ عَلى مُوسى، ثُمَّ إنّا انْتَقَمْنا مِنهم فَأغْرَقْناهم، والمَقْصُودُ مِن إيرادِ هَذِهِ القِصَّةِ - تَقْرِيرُ أمْرَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ الكُفّارَ والجُهّالَ أبَدًا يَحْتَجُّونَ عَلى الأنْبِياءِ بِهَذِهِ الشُّبْهَةِ الرَّكِيكَةِ فَلا يُبالى بِها ولا يُلْتَفَتُ إلَيْها. والثّانِي: أنَّ فِرْعَوْنَ عَلى غايَةِ كَمالِ حالِهِ في الدُّنْيا صارَ مَقْهُورًا باطِلًا، فَيَكُونُ الأمْرُ في حَقِّ أعْدائِكَ هَكَذا، فَثَبَتَ أنَّهُ لَيْسَ المَقْصُودُ مِن إعادَةِ هَذِهِ القِصَّةِ عَيْنَ هَذِهِ القِصَّةِ، بَلِ المَقْصُودُ تَقْرِيرُ الجَوابِ عَنِ الشُّبْهَةِ المَذْكُورَةِ، وعَلى هَذا صفحة ١٨٧ فَلا يَكُونُ هَذا تَقْرِيرًا لِلْقِصَّةِ البَتَّةَ، وهَذا مِن نَفائِسِ الأبْحاثِ، واللَّهُ أعْلَمُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ في تَفْسِيرِ الألْفاظِ: ذَكَرَ تَعالى أنَّهُ أرْسَلَ مُوسى بِآياتِهِ، وهي المُعْجِزاتُ الَّتِي كانَتْ مَعَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ، أيْ قَوْمِهِ، فَقالَ مُوسى: إنِّي رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ، فَلَمّا جاءَهم بِتِلْكَ الآياتِ إذا هم مِنها يَضْحَكُونَ، قِيلَ: إنَّهُ لَمّا ألْقى عَصاهُ صارَ ثُعْبانًا ثُمَّ أخَذَهُ فَعادَ عَصًا كَما كانَ - ضَحِكُوا، ولَمّا عَرَضَ عَلَيْهِمُ اليَدَ البَيْضاءَ ثُمَّ عادَتْ كَما كانَتْ - ضَحِكُوا، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ جازَ أنْ يُجابَ عَنْ ”لَمّا“ بِـ ”إذا“ الَّذِي يُفِيدُ المُفاجَأةَ ؟ قُلْنا: لِأنَّ فِعْلَ المُفاجَأةِ مَعَها مُقَدَّرٌ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: فَلَمّا جاءَهم بِآياتِنا فاجَئُوا وقْتَ ضَحِكِهِمْ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿وما نُرِيهِمْ مِن آيَةٍ إلّا هي أكْبَرُ مِن أُخْتِها﴾ فَإنْ قِيلَ: ظاهِرُ اللَّفْظِ يَقْتَضِي كَوْنَ كُلِّ واحِدٍ مِنها أفْضَلَ مِنَ التّالِي، وذَلِكَ مُحالٌ، قُلْنا: إذا أُرِيدَ المُبالَغَةُ في كَوْنِ كُلٍّ مِن تِلْكَ الأشْياءِ بالِغًا إلى أقْصى الدَّرَجاتِ في الفَضِيلَةِ، فَقَدْ يُذْكَرُ هَذا الكَلامُ بِمَعْنى أنَّهُ لا يَبْعُدُ في أُناسٍ يَنْظُرُونَ إلَيْها أنْ يَقُولَ هَذا: إنَّ هَذا أفْضَلُ مِنَ الثّانِي، وأنْ يَقُولَ الثّانِي: لا بَلِ الثّانِي أفْضَلُ، وأنْ يَقُولَ الثّالِثُ: لا بَلِ الثّالِثُ أفْضَلُ، وحِينَئِذٍ يَصِيرُ كُلُّ واحِدٍ مِن تِلْكَ الأشْياءِ مَقُولًا فِيهِ: إنَّهُ أفْضَلُ مِن غَيْرِهِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وأخَذْناهم بِالعَذابِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ أيْ عَنِ الكُفْرِ إلى الإيمانِ، قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى يُرِيدُ الإيمانَ مِنَ الكُلِّ وأنَّهُ إنَّما أظْهَرَ تِلْكَ المُعْجِزاتِ القاهِرَةَ لِإرادَةِ أنْ يَرْجِعُوا مِنَ الكُفْرِ إلى الإيمانِ، قالَ المُفَسِّرُونَ: ومَعْنى قَوْلِهِ ﴿وأخَذْناهم بِالعَذابِ﴾ أيْ بِالأشْياءِ الَّتِي سَلَّطَها عَلَيْها كالطُّوفانِ والجَرادِ والقُمَّلِ والضَّفادِعِ والدَّمِ والطَّمْسِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وقالُوا ياأيُّها السّاحِرُ ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ إنَّنا لَمُهْتَدُونَ﴾ فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ سَمَّوْهُ بِالسّاحِرِ مَعَ قَوْلِهِمْ ﴿إنَّنا لَمُهْتَدُونَ﴾ ؟ قُلْنا: فِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ لِلْعالِمِ الماهِرِ ساحِرٌ، لِأنَّهم كانُوا يَسْتَعْظِمُونَ السِّحْرَ، وكَما يُقالُ في زَمانِنا في العامِلِ العَجِيبِ الكامِلِ إنَّهُ أتى بِالسِّحْرِ. الثّانِي: ﴿ياأيُّها السّاحِرُ﴾ في زَعْمِ النّاسِ ومُتَعارَفِ قَوْمِ فِرْعَوْنَ كَقَوْلِهِ ﴿وقالُوا ياأيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحِجْرِ: ٦] أيْ نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ في اعْتِقادِهِ وزَعْمِهِ. الثّالِثُ: أنَّ قَوْلَهم ﴿إنَّنا لَمُهْتَدُونَ﴾ وقَدْ كانُوا عازِمِينَ عَلى خِلافِهِ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ ﴿فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُمُ العَذابَ إذا هم يَنْكُثُونَ﴾ فَتَسْمِيَتُهم إيّاهُ بِالسِّحْرِ لا يُنافِي قَوْلَهم ﴿إنَّنا لَمُهْتَدُونَ﴾ ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ لَمّا كَشَفَ عَنْهُمُ العَذابَ نَكَثُوا ذَلِكَ العَهْدَ. ولَمّا حَكى اللَّهُ تَعالى مُعامَلَةَ فِرْعَوْنَ مَعَ مُوسى، حَكى أيْضًا مُعامَلَةَ فِرْعَوْنَ مَعَهُ فَقالَ: ﴿ونادى فِرْعَوْنُ في قَوْمِهِ﴾ والمَعْنى أنَّهُ أظْهَرَ هَذا القَوْلَ، فَقالَ: ﴿ياقَوْمِ ألَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وهَذِهِ الأنْهارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي﴾ يَعْنِي الأنْهارَ الَّتِي فَصَلُوها مِنَ النِّيلِ، ومُعْظَمُها أرْبَعَةٌ: نَهْرُ المَلِكِ ونَهْرُ طُولُونَ ونَهْرُ دِمْياطَ ونَهْرُ تِنِّيسَ، قِيلَ: كانَتْ تَجْرِي تَحْتَ قَصْرِهِ، وحاصِلُ الأمْرِ أنَّهُ احْتَجَّ بِكَثْرَةِ أمْوالِهِ وقُوَّةِ جاهِهِ عَلى فَضِيلَةِ نَفْسِهِ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿أمْ أنا خَيْرٌ مِن هَذا الَّذِي هو مَهِينٌ ولا يَكادُ يُبِينُ﴾ وعَنى بِكَوْنِهِ مَهِينًا كَوْنَهُ فَقِيرًا ضَعِيفَ الحالِ، وبِقَوْلِهِ ﴿ولا يَكادُ يُبِينُ﴾ حَبْسَةً كانَتْ في لِسانِهِ، واخْتَلَفُوا في مَعْنى ”أمْ“ هَهُنا، فَقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَجازُها: بَلْ أنا خَيْرٌ، وعَلى هَذا فَقَدَ تَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ ثُمَّ ابْتَدَأ فَقالَ: ﴿أمْ أنا خَيْرٌ﴾ بِمَعْنى بَلْ أنا خَيْرٌ، وقالَ الباقُونَ: ”أمْ“ هَذِهِ مُتَّصِلَةٌ؛ لِأنَّ المَعْنى ﴿أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ أمْ تُبْصِرُونَ، إلّا أنَّهُ وضَعَ قَوْلَهُ ﴿أنا خَيْرٌ﴾ مَوْضِعَ ”تُبْصِرُونَ“، لِأنَّهم إذا قالُوا لَهُ: أنْتَ خَيْرٌ، فَهم عِنْدَهُ بُصَراءُ، وقالَ آخَرُونَ: إنَّ تَمامَ الكَلامِ عِنْدَ قَوْلِهِ ”أمْ“، وقَوْلُهُ صفحة ١٨٨ ﴿أنا خَيْرٌ﴾ ابْتِداءُ الكَلامِ، والتَّقْدِيرُ: ﴿أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ أمْ تُبْصِرُونَ، لَكِنَّهُ اكْتَفى فِيهِ بِذِكْرِ ”أمْ“ كَما تَقُولُ لِغَيْرِكَ: أتَأْكُلُ أمْ. أيْ: أتَأْكُلُ أمْ لا تَأْكُلُ، تَقْتَصِرُ عَلى ذِكْرِ كَلِمَةِ ”أمْ“ إيثارًا لِلِاخْتِصارِ، فَكَذا هَهُنا، فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - سَألَ اللَّهَ تَعالى أنْ يُزِيلَ الرَّتَّةَ عَنْ لِسانِهِ بِقَوْلِهِ ﴿واحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِسانِي﴾ ﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ [طه: ٢٧] فَأعْطاهُ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﴿قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يامُوسى﴾ فَكَيْفَ عابَهُ فِرْعَوْنُ بِتِلْكَ الرَّتَّةِ ؟ والجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ فِرْعَوْنَ أرادَ بِقَوْلِهِ ﴿ولا يَكادُ يُبِينُ﴾ حُجَّتَهُ الَّتِي تَدُلُّ عَلى صِدْقِهِ فِيما يَدَّعِي، ولَمْ يُرِدْ أنَّهُ لا قُدْرَةَ لَهُ عَلى الكَلامِ. والثّانِي: أنَّهُ عابَهُ بِما كانَ عَلَيْهِ أوَّلًا، وذَلِكَ أنَّ مُوسى كانَ عِنْدَ فِرْعَوْنَ زَمانًا طَوِيلًا وفي لِسانِهِ حَبْسَةٌ، فَنَسَبَهُ فِرْعَوْنُ إلى ما عَهِدَهُ عَلَيْهِ مِنَ الرَّتَّةِ لِأنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى أزالَ ذَلِكَ العَيْبَ عَنْهُ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أسْوِرَةٌ مِن ذَهَبٍ﴾ والمُرادُ أنَّ عادَةَ القَوْمِ جَرَتْ بِأنَّهم إذا جَعَلُوا واحِدًا مِنهم رَئِيسًا لَهم سَوَّرُوهُ بِسِوارٍ مَن ذَهَبٍ وطَوَّقُوهُ بِطَوْقٍ مِن ذَهَبٍ، فَطَلَبَ فِرْعَوْنُ مِن مُوسى مِثْلَ هَذِهِ الحالَةِ، واخْتَلَفَ القُرّاءُ في ”أسْوِرَةٌ“، فَبَعْضُهم قَرَأ: ”أسْوِرَةٌ“، وآخَرُونَ: ”أساوِرَةٌ“، فَأسْوِرَةٌ جَمْعُ سِوارٍ لِأدْنى العَدَدِ، كَقَوْلِكَ حِمارٌ وأحْمِرَةٌ وغُرابٌ وأغْرِبَةٌ، ومَن قَرَأ ”أساوِرَةٌ“ فَذاكَ لِأنَّ أساوِيرَ جَمْعُ أسْوارٍ، وهو السُّوارُ، فَأساوِرَةٌ تَكُونُ الهاءُ عِوَضًا عَنِ الياءِ، نَحْوَ بِطْرِيقٍ وبَطارِقَةٍ وزِنْدِيقٍ وزَنادِقَةٍ وفِرْزِينٍ وفَرازِنَةٍ، فَتَكُونُ أساوِرَةٌ جَمْعَ أسْوارٍ، وحاصِلُ الكَلامِ يَرْجِعُ إلى حَرْفٍ واحِدٍ، وهو أنَّ فِرْعَوْنَ كانَ يَقُولُ أنا أكْثَرُ مالًا وجاهًا، فَوَجَبَ أنْ أكُونَ أفْضَلَ مِنهُ، فَيَمْتَنِعُ كَوْنُهُ رَسُولًا مِنَ اللَّهِ، لِأنَّ مَنصِبَ النُّبُوَّةِ يَقْتَضِي المَخْدُومِيَّةَ، والأخَسُّ لا يَكُونُ مَخْدُومًا لِلْأشْرَفِ، ثُمَّ المُقَدِّمَةُ الفاسِدَةُ هي قَوْلُهُ: مَن كانَ أكْثَرَ مالًا وجاهًا فَهو أفْضَلُ، وهي عَيْنُ المُقَدِّمَةِ الَّتِي تَمَسَّكَ بِها كُفّارُ قُرَيْشٍ في قَوْلِهِمْ ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿أوْ جاءَ مَعَهُ المَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مُقْرِنِينَ بِهِ، مِن قَوْلِكَ: قَرَنْتُهُ بِهِ فاقْتَرَنَ، وأنْ يَكُونَ مِن قَوْلِهِمُ: اقْتَرَنُوا بِمَعْنى تَقارَنُوا، قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ يَمْشُونَ مَعَهُ فَيَدُلُّونَ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأطاعُوهُ﴾ أيْ طَلَبَ مِنهُمُ الخِفَّةَ في الإتْيانِ بِما كانَ يَأْمُرُهم بِهِ فَأطاعُوهُ ﴿إنَّهم كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ حَيْثُ أطاعُوا ذَلِكَ الجاهِلَ الفاسِقَ ﴿فَلَمّا آسَفُونا﴾ أغْضَبُونا، حُكِيَ أنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ غَضِبَ في شَيْءٍ، فَقِيلَ لَهُ: أتَغْضَبُ يا أبا خالِدٍ ؟ فَقالَ: قَدْ غَضِبَ الَّذِي خَلَقَ الأحْلامَ، إنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿فَلَمّا آسَفُونا﴾ أيْ أغْضَبُونا. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿انْتَقَمْنا مِنهُمْ﴾ واعْلَمْ أنَّ ذِكْرَ لَفْظِ الأسَفِ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى مُحالٌ، وذِكْرُ لَفْظِ الِانْتِقامِ وكُلِّ واحِدٍ مِنهُما مِنَ المُتَشابِهاتِ الَّتِي يَجِبُ أنْ يُصارَ فِيها إلى التَّأْوِيلِ، ومَعْنى الغَضَبِ في حَقِّ اللَّهِ إرادَةُ العِقابِ، ومَعْنى الِانْتِقامِ إرادَةُ العِقابِ لِجُرْمٍ سابِقٍ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَجَعَلْناهم سَلَفًا ومَثَلًا﴾ السَّلَفُ كُلُّ شَيْءٍ قَدَّمْتَهُ مِن عَمَلٍ صالِحٍ أوْ قَرْضٍ فَهو سَلَفٌ، والسَّلَفُ أيْضًا مَن تَقَدَّمَ مِن آبائِكَ وأقارِبِكَ، واحِدُهم سالِفٌ، ومِنهُ قَوْلُ طُفَيْلٍ يَرْثِي قَوْمَهُ: مَضَوْا سَلَفًا قَصْدَ السَّبِيلِ عَلَيْهِمُ وصَرْفُ المَنايا بِالرِّجالِ تُقَلَّبُ فَعَلى هَذا قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: يَقُولُ: جَعَلْناهم مُتَقَدِّمِينَ لِيَتَّعِظَ بِهِمُ الآخَرُونَ، أيْ: جَعَلْناهم سَلَفًا لِكُفّارِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ. وأكْثَرُ القُرّاءِ قَرَءُوا بِالفَتْحِ، وهو جَمْعُ سالِفٍ كَما ذَكَرْناهُ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: ”سُلَفًا“ صفحة ١٨٩ بِالضَّمِّ، وهو جَمْعُ سَلَفٍ، قالَ اللَّيْثُ: يُقالُ سَلُفَ - بِضَمِّ اللّامِ - يَسْلُفُ سُلُوفًا، فَهو سُلُفٌ، أيْ: مُتَقَدِّمٌ، وقَوْلُهُ ﴿ومَثَلًا لِلْآخِرِينَ﴾ يُرِيدُ عِظَةً لِمَن بَقِيَ بَعْدَهم وآيَةً وعِبْرَةً، قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: المَثَلُ واحِدٌ يُرادُ بِهِ الجَمْعَ، ومِن ثَمَّ عُطِفَ عَلى سَلَفٍ، والدَّلِيلُ عَلى وُقُوعِهِ عَلى أكْثَرَ مِن واحِدٍ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ ومَن رَزَقْناهُ﴾ [النَّحْلِ: ٧٥] فَأدْخَلَ تَحْتَ المَثَلِ شَيْئَيْنِ، واللَّهُ أعْلَمُ. * * قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولَمّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إذا قَوْمُكَ مِنهُ يَصِدُّونَ﴾ ﴿وقالُوا أآلِهَتُنا خَيْرٌ أمْ هو ما ضَرَبُوهُ لَكَ إلّا جَدَلًا بَلْ هم قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ ﴿إنْ هو إلّا عَبْدٌ أنْعَمْنا عَلَيْهِ وجَعَلْناهُ مَثَلًا لِبَنِي إسْرائِيلَ﴾ ﴿ولَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنكم مَلائِكَةً في الأرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ ﴿وإنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِها واتَّبِعُونِ هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ ﴿ولا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطانُ إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ ٥٠ في الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أنْواعًا كَثِيرَةً مَن كُفْرِيّاتِهِمْ في هَذِهِ السُّورَةِ، وأجابَ عَنْها بِالوُجُوهِ الكَثِيرَةِ: فَأوَّلُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلُوا لَهُ مِن عِبادِهِ جُزْءًا﴾ . وثانِيها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا﴾ . وثالِثُها: قَوْلُهُ ﴿وقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ ما عَبَدْناهُمْ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٢٠] . ورابِعُها: قَوْلُهُ ﴿وقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٣١] . وخامِسُها: هَذِهِ الآيَةُ الَّتِي نَحْنُ الآنَ في تَفْسِيرِها، ولَفْظُ الآيَةِ لا يَدُلُّ إلّا عَلى أنَّهُ لَمّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا أخَذَ القَوْمُ يَضِجُّونَ ويَرْفَعُونَ أصْواتَهم، فَأمّا أنَّ ذَلِكَ المَثَلَ كَيْفَ كانَ، وفي أيِّ شَيْءٍ كانَ، فاللَّفْظُ لا يَدُلُّ عَلَيْهِ، والمُفَسِّرُونَ ذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا، كُلُّها مُحْتَمَلَةٌ: فالأوَّلُ: أنَّ الكُفّارَ لَمّا سَمِعُوا أنَّ النَّصارى يَعْبُدُونَ عِيسى، قالُوا: إذا عَبَدُوا عِيسى فَآلِهَتُنا خَيْرٌ مِن عِيسى، وإنَّما قالُوا ذَلِكَ لِأنَّهم كانُوا يَعْبُدُونَ المَلائِكَةَ. الثّانِي: رُوِيَ أنَّهُ «لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنْبِياءِ: ٩٨] قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزِّبَعْرى: هَذا خاصَّةٌ لَنا ولِآلِهَتِنا أمْ لِجَمِيعِ الأُمَمِ ؟ فَقالَ ﷺ: بَلْ لِجَمِيعِ الأُمَمِ فَقالَ: خَصَمْتُكَ ورَبِّ الكَعْبَةِ، ألَسْتَ تَزْعُمُ أنَّ عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ نَبِيٌّ وتُثْنِي عَلَيْهِ خَيْرًا وعَلى أُمِّهِ، وقَدْ عَلِمْتُ أنَّ النَّصارى يَعْبُدُونَهُما واليَهُودَ يَعْبُدُونَ عُزَيْرًا، والمَلائِكَةُ يُعْبَدُونَ، فَإذا كانَ هَؤُلاءِ في النّارِ فَقَدْ رَضِينا أنْ نَكُونَ نَحْنُ وآلِهَتُنا مَعَهم، فَسَكَتَ النَّبِيُّ ﷺ وفَرِحَ القَوْمُ وضَحِكُوا وضَجُّوا، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى أُولَئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ»﴾ [الأنْبِياءِ: ١٠١] ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ أيْضًا، والمَعْنى: ولَمّا ضَرَبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزِّبَعْرى عِيسى ﴿ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا﴾ وجادَلَ رَسُولَ اللَّهِ بِعِبادَةِ النَّصارى إيّاهُ صفحة ١٩٠ ﴿إذا قَوْمُكَ﴾ قُرَيْشٌ (مِنهَ) أيْ مِن هَذا المَثَلِ ﴿يَصِدُّونَ﴾ أيْ يَرْتَفِعُ لَهم ضَجِيجٌ وجَلَبَةٌ فَرَحًا وجَدَلًا وضَحِكًا بِسَبَبِ ما رَأوْا مِن إسْكاتِ رَسُولِ اللَّهِ، فَإنَّهُ قَدْ جَرَتِ العادَةُ بِأنَّ أحَدَ الخَصْمَيْنِ إذا انْقَطَعَ أظْهَرَ الخَصْمُ الثّانِي الفَرَحَ والضَّجِيجَ، ﴿وقالُوا أآلِهَتُنا خَيْرٌ أمْ هُوَ﴾ يَعْنُونَ أنَّ آلِهَتَنا عِنْدَكَ لَيْسَتْ خَيْرًا مِن عِيسى، فَإذا كانَ عِيسى مِن حَصَبِ جَهَنَّمَ كانَ أمْرُ آلِهَتِنا أهْوَنَ. الوَجْهُ الثّالِثُ في التَّأْوِيلِ: وهو أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا حَكى أنَّ النَّصارى عَبَدُوا المَسِيحَ وجَعَلُوهُ إلَهًا لِأنْفُسِهِمْ، قالَ كُفّارُ مَكَّةَ: إنَّ مُحَمَّدًا يُرِيدُ أنْ يَجْعَلَ لَنا إلَهًا كَما جَعَلَ النَّصارى المَسِيحَ إلَهًا لِأنْفُسِهِمْ، ثُمَّ عِنْدَ هَذا قالُوا ﴿أآلِهَتُنا خَيْرٌ أمْ هُوَ﴾ يَعْنِي أآلِهَتُنا خَيْرٌ أمْ مُحَمَّدٌ، وذَكَرُوا ذَلِكَ لِأجْلِ أنَّهم قالُوا: إنَّ مُحَمَّدًا يَدْعُونا إلى عِبادَةِ نَفْسِهِ، وآباؤُنا زَعَمُوا أنَّهُ يَجِبُ عِبادَةُ هَذِهِ الأصْنامِ، وإذا كانَ لا بُدَّ مِن أحَدِ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ فَعِبادَةُ هَذِهِ الأصْنامِ أوْلى، لِأنَّ آباءَنا وأسْلافَنا كانُوا مُتَطابِقِينَ عَلَيْهِ، وأمّا مُحَمَّدٌ فَإنَّهُ مُتَّهَمٌ في أمْرِنا بِعِبادَتِهِ، فَكانَ الِاشْتِغالُ بِعِبادَةِ الأصْنامِ أوْلى، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنّا لَمْ نَقُلْ إنَّ الِاشْتِغالَ بِعِبادَةِ المَسِيحِ طَرِيقٌ حَسَنٌ، بَلْ هو كَلامٌ باطِلٌ، فَإنَّ عِيسى لَيْسَ إلّا عَبْدًا أنْعَمْنا عَلَيْهِ، فَإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَقَدْ زالَتْ شُبْهَتُهم في قَوْلِهِمْ: إنَّ مُحَمَّدًا يُرِيدُ أنْ يَأْمُرَنا بِعِبادَةِ نَفْسِهِ، فَهَذِهِ الوُجُوهُ الثَّلاثَةُ مِمّا يَحْتَمِلُ كُلُّ واحِدٍ مِنها لَفْظَ الآيَةِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ والكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ”يَصُدُّونَ“ بِضَمِّ الصّادِ، وهو قِراءَةُ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - والباقُونَ بِكَسْرِ الصّادِ وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ، واخْتَلَفُوا فَقالَ الكِسائِيُّ: هُما بِمَعْنًى، نَحْوَ يَعْرِشُونَ ويَعْرُشُونَ، ويَعْكِفُونَ، ويَعْكُفُونَ، ومِنهم مَن فَرَّقَ، أمّا القِراءَةُ بِالضَّمِّ فَمِنَ الصُّدُودِ، أيْ مِن أجْلِ هَذا المَثَلِ يَصُدُّونَ عَنِ الحَقِّ ويُعْرِضُونَ عَنْهُ، وأمّا بِالكَسْرِ فَمَعْناهُ يَضِجُّونَ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ: ”أآلِهَتُنا“ اسْتِفْهامًا بِهَمْزَتَيْنِ، الثّانِيَةُ مُطَوَّلَةٌ، والباقُونَ اسْتِفْهامًا بِهَمْزَةٍ ومَدَّةٍ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ما ضَرَبُوهُ لَكَ إلّا جَدَلًا﴾ أيْ ما ضَرَبُوا لَكَ هَذا المَثَلَ إلّا لِأجْلِ الجَدَلِ والغَلَبَةِ في القَوْلِ، لا لِطَلَبِ الفَرْقِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ ﴿بَلْ هم قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ مُبالِغُونَ في الخُصُومَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [الأنْبِياءِ: ٩٨] لا يَتَناوَلُ المَلائِكَةَ وعِيسى، وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ كَلِمَةَ ”ما“ لا تَتَناوَلُ العُقَلاءَ البَتَّةَ. والثّانِي: أنَّ كَلِمَةَ ”ما“ لَيْسَتْ صَرِيحَةً في الِاسْتِغْراقِ بِدَلِيلِ أنَّهُ يَصِحُّ إدْخالُ لَفْظَتَيِ الكُلِّ والبَعْضِ عَلَيْهِ، فَيُقالُ: إنَّكم وكُلَّ ما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ، أوْ إنَّكم وبَعْضَ ما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ. الثّالِثُ: أنَّ قَوْلَهُ: إنَّكم وكُلَّ ما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أوْ وبَعْضَ ما تَعْبُدُونَ - خِطابُ مُشافَهَةٍ، فَلَعَلَّهُ ما كانَ فِيهِمْ أحَدٌ يَعْبُدُ المَسِيحَ والمَلائِكَةَ. الرّابِعُ: أنَّ قَوْلَهُ ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ هَبْ أنَّهُ عامٌّ إلّا أنَّ النُّصُوصَ الدّالَّةَ عَلى تَعْظِيمِ المَلائِكَةِ وعِيسى أخَصُّ مِنهُ، والخاصُّ مُقَدَّمٌ عَلى العامِّ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: القائِلُونَ بِذَمِّ الجَدَلِ تَمَسَّكُوا بِهَذِهِ الآيَةِ إلّا أنّا قَدْ ذَكَرْنا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما يُجادِلُ في آياتِ اللَّهِ إلّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أنَّ الآياتِ الكَثِيرَةَ دالَّةٌ عَلى أنَّ الجَدَلَ مُوجِبٌ لِلْمَدْحِ والثَّناءِ، وطَرِيقُ التَّوْفِيقِ أنْ تُصْرَفَ تِلْكَ الآياتُ إلى الجَدَلِ الَّذِي يُفِيدُ تَقْرِيرَ الحَقِّ، وأنْ تُصْرَفَ هَذِهِ الآيَةُ إلى الجَدَلِ الَّذِي يُوجِبُ تَقْرِيرَ الباطِلِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنْ هو إلّا عَبْدٌ أنْعَمْنا عَلَيْهِ﴾ يَعْنِي: ما عِيسى إلّا عَبْدٌ كَسائِرِ العَبِيدِ، أنْعَمْنا عَلَيْهِ حَيْثُ جَعَلْناهُ آيَةً بِأنْ خَلَقْناهُ مِن غَيْرِ أبٍ كَما خَلَقْنا آدَمَ، وشَرَّفْناهُ بِالنُّبُوَّةِ وصَيَّرْناهُ عِبْرَةً عَجِيبَةً كالمَثَلِ السّائِرِ ﴿ولَوْ نَشاءُ﴾ صفحة ١٩١ ﴿لَجَعَلْنا مِنكُمْ﴾ لَوَلَّدْنا مِنكم يا رِجالُ ﴿مَلائِكَةً في الأرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ كَما يَخْلُفُكم أوْلادُكم؛ كَما ولَّدْنا عِيسى مِن أُنْثى مِن غَيْرِ فَحْلٍ؛ لِتَعْرِفُوا تَمَيُّزَنا بِالقُدْرَةِ الباهِرَةِ، ولِتَعْرِفُوا أنَّ دُخُولَ التَّوْلِيدِ والتَّوَلُّدِ في المَلائِكَةِ أمْرٌ مُمْكِنٌ، وذاتُ اللَّهِ مُتَعالِيَةٌ عَنْ ذَلِكَ (وأنَّهُ) أيْ عِيسى ﴿لَعِلْمٌ لِلسّاعَةِ﴾ شَرْطٌ مِن أشْراطِها تُعْلَمُ بِهِ، فَسُمِّيَ الشَّرْطُ الدّالُّ عَلى الشَّيْءِ عِلْمًا لِحُصُولِ العِلْمِ بِهِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: ”لَعَلَمٌ“ وهو العَلامَةُ، وقُرِئَ: ”لَلْعِلْمُ“ وقَرَأ أُبَيٌّ: ”لَذِكْرٌ“، وفي الحَدِيثِ: «أنَّ عِيسى يَنْزِلُ عَلى ثَنِيَّةٍ في الأرْضِ المُقَدَّسَةِ يُقالُ لَها أفِيقُ، وبِيَدِهِ حَرْبَةٌ، وبِها يَقْتُلُ الدَّجّالَ، فَيَأْتِي بِبَيْتِ المَقْدِسِ في صَلاةِ الصُّبْحِ والإمامُ يَؤُمُّ بِهِمْ فَيَتَأخَّرُ الإمامُ فَيُقَدِّمُهُ عِيسى ويُصَلِّي خَلْفَهُ عَلى شَرِيعَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ثُمَّ يَقْتُلُ الخَنازِيرَ ويَكْسِرُ الصَّلِيبَ ويُخَرِّبُ البِيَعَ والكَنائِسَ ويَقْتُلُ النَّصارى إلّا مَن آمَنَ بِهِ» ﴿فَلا تَمْتَرُنَّ بِها﴾ مِنَ المِرْيَةِ وهو الشَّكُّ ﴿واتَّبِعُونِ﴾ واتَّبِعُوا هُدايَ وشَرْعِي ﴿هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ أيْ هَذا الَّذِي أدْعُوكم إلَيْهِ صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ ﴿ولا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطانُ إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ قَدْ بانَتْ عَداواتُهُ لَكم لِأجْلِ أنَّهُ هو الَّذِي أخْرَجَ أباكم مِنَ الجَنَّةِ ونَزَعَ عَنْهُ لِباسَ النُّورِ.