Tafsir Al-Razi — الرحمن 55:57 – الواقعة 56:44
المحتويات
- الرحمن 55:57
- الرحمن 55:58
- الرحمن 55:59
- الرحمن 55:60
- الرحمن 55:61
- الرحمن 55:62
- الرحمن 55:63
- الرحمن 55:64
- الرحمن 55:65
- الرحمن 55:66
- الرحمن 55:67
- الرحمن 55:68
- الرحمن 55:69
- الرحمن 55:70
- الرحمن 55:71
- الرحمن 55:72
- الرحمن 55:73
- الرحمن 55:74
- الرحمن 55:75
- الرحمن 55:76
- الرحمن 55:77
- الرحمن 55:78
- الواقعة 56:1
- الواقعة 56:2
- الواقعة 56:3
- الواقعة 56:4
- الواقعة 56:5
- الواقعة 56:6
- الواقعة 56:7
- الواقعة 56:8
- الواقعة 56:9
- الواقعة 56:10
- الواقعة 56:11
- الواقعة 56:12
- الواقعة 56:13
- الواقعة 56:14
- الواقعة 56:15
- الواقعة 56:16
- الواقعة 56:17
- الواقعة 56:18
- الواقعة 56:19
- الواقعة 56:20
- الواقعة 56:21
- الواقعة 56:22
- الواقعة 56:23
- الواقعة 56:24
- الواقعة 56:25
- الواقعة 56:26
- الواقعة 56:27
- الواقعة 56:28
- الواقعة 56:29
- الواقعة 56:30
- الواقعة 56:31
- الواقعة 56:32
- الواقعة 56:33
- الواقعة 56:34
- الواقعة 56:35
- الواقعة 56:36
- الواقعة 56:37
- الواقعة 56:38
- الواقعة 56:39
- الواقعة 56:40
- الواقعة 56:41
- الواقعة 56:42
- الواقعة 56:43
- الواقعة 56:44
الرحمن 55:57
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ﴾ وفِيهِ مَباحِثُ:
الأوَّلُ: في التَّرْتِيبِ وإنَّهُ في غايَةِ الحُسْنِ لِأنَّهُ في أوَّلِ الأمْرِ بَيَّنَ المَسْكَنَ وهو الجَنَّةُ، ثُمَّ بَيَّنَ ما يَتَنَزَّهُ بِهِ فَإنَّ مَن يَدْخُلُ بُسْتانًا يَتَفَرَّجُ أوَّلًا فَقالَ: ﴿ذَواتا أفْنانٍ﴾ ﴿فِيهِما عَيْنانِ﴾ ثُمَّ ذَكَرَ ما يُتَناوَلُ مِنَ المَأْكُولِ فَقالَ: ﴿فِيهِما مِن كُلِّ فاكِهَةٍ﴾ ثُمَّ ذَكَرَ مَوْضِعَ الرّاحَةِ بَعْدَ التَّناوُلِ وهو الفِراشُ، ثُمَّ ذَكَرَ ما يَكُونُ في الفِراشِ مَعَهُ.
الثّانِي: ﴿فِيهِنَّ﴾ الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى ماذا ؟ نَقُولُ: فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: إلى الآلاءِ والنِّعَمِ أيْ قاصِراتِ الطَّرْفِ. ثانِيها: إلى الفِراشِ أيْ في الفُرُشِ قاصِراتٌ وهُما ضَعِيفانِ، أمّا الأوَّلُ فَلِأنَّ اخْتِصاصَ القاصِراتِ بِكَوْنِهِنَّ في الآلاءِ مَعَ أنَّ الجَنَّتَيْنِ في الآلاءِ والعَيْنَيْنِ فِيهِما والفَواكِهُ كَذَلِكَ لا يَبْقى لَهُ فائِدَةٌ، وأمّا الثّانِي فَلِأنَّ الفُرُشَ جَعَلَها ظَرْفَهم حَيْثُ قالَ: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ﴾ [الرحمن: ٥٤] وأعادَ الضَّمِيرَ إلَيْها بِقَوْلِهِ: ﴿بَطائِنُها﴾ ولَمْ يَقُلْ: بَطائِنُهُنَّ، فَقَوْلُهُ ﴿فِيهِنَّ﴾ يَكُونُ تَفْسِيرًا لِلضَّمِيرِ فَيَحْتاجُ إلى بَيانِ فائِدَةٍ لِأنَّهُ تَعالى قالَ بَعْدَ هَذا مَرَّةً أُخْرى: ﴿فِيهِنَّ خَيْراتٌ﴾ ولَمْ يَكُنْ هُناكَ ذِكْرُ الفُرُشِ فالأصَحُّ إذَنْ هو الوَجْهُ الثّالِثُ: وهو أنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ إلى الجَنَّتَيْنِ، وجَمَعَ الضَّمِيرَ هَهُنا وثَنّى في قَوْلِهِ: ﴿فِيهِما عَيْنانِ﴾ و﴿فِيهِما مِن كُلِّ فاكِهَةٍ﴾ وذَلِكَ لِأنّا بَيَّنّا أنَّ الجَنَّةَ لَها اعْتِباراتٌ ثَلاثَةٌ. أحَدُها: اتِّصالُ أشْجارِها وعَدَمُ وُقُوعِ الفَيافِي والمَهامَةِ فِيها والأراضِي الغامِرَةِ، ومِن هَذا الوَجْهِ كَأنَّها جَنَّةٌ واحِدَةٌ لا يَفْصِلُها فاصِلٌ. وثانِيها: اشْتِمالُها عَلى النَّوْعَيْنِ كَأنَّها جَنَّتانِ. وثالِثُها: لِسِعَتِها وكَثْرَةِ أشْجارِها وأماكِنِها وأنْهارِها ومَساكِنِها كَأنَّها جَنّاتٌ، فَهي مِن وجْهٍ جَنَّةٌ واحِدَةٌ ومِن وجْهٍ جَنَّتانِ ومِن وجْهٍ جَنّاتٌ. إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: اجْتِماعُ النِّسْوانِ لِلْمُعاشَرَةِ مَعَ الأزْواجِ والمُباشَرَةِ في الفِراشِ في مَوْضِعٍ واحِدٍ في الدُّنْيا لا يُمْكِنُ، وذَلِكَ لِضِيقِ المَكانِ، أوْ عَدَمِ الإمْكانِ أوْ دَلِيلِ ذِلَّةِ النِّسْوانِ، فَإنَّ الرَّجُلَ الواحِدَ لا يَجْمَعُ بَيْنَ النِّساءِ في بَيْتٍ إلّا إذا كُنَّ جَوارِيَ غَيْرَ مُلْتَفَتٍ إلَيْهِنَّ، فَأمّا إذا كانَتْ كُلُّ واحِدَةٍ كَبِيرَةَ النَّفْسِ كَثِيرَةَ المالِ فَلا يَجْمَعُ بَيْنَهُنَّ، واعْلَمْ أنَّ الشَّهْوَةَ في الدُّنْيا كَما تَزْدادُ بِالحُسْنِ الَّذِي في الأزْواجِ تَزْدادُ بِسَبَبِ العَظَمَةِ وأحْوالِ النّاسِ في
صفحة ١١٣
أكْثَرِ الأمْرِ تَدُلُّ عَلَيْهِ. إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: الحَظايا في الجَنَّةِ يَجْتَمِعُ فِيهِنَّ حُسْنُ الصُّورَةِ والجَمالِ والعِزِّ والشَّرَفِ والكَمالِ، فَتَكُونُ الواحِدَةُ لَها كَذا وكَذا مِنَ الجَوارِي والغِلْمانِ فَتَزْدادُ اللَّذَّةُ بِسَبَبِ كَمالِها، فَإذَنْ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ لِكُلِّ واحِدَةٍ ما يَلِيقُ بِها مِنَ المَكانِ الواسِعِ فَتَصِيرُ الجَنَّةُ الَّتِي هي واحِدَةٌ مِن حَيْثُ الِاتِّصالُ كَثِيرَةً مِن حَيْثُ تَفَرُّقِ المَساكِنِ فِيها فَقالَ: ﴿فِيهِنَّ﴾ وأمّا الدُّنْيا فَلَيْسَ فِيها تَفَرُّقُ المَساكِنِ دَلِيلًا لِلْعَظَمَةِ واللَّذَّةِ فَقالَ ﴿فِيهِما﴾ وهَذا مِنَ اللَّطائِفِ. الثّالِثُ: قاصِراتُ الطَّرْفِ صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ حُذِفَ، وأُقِيمَتِ الصِّفَةُ مَكانَهُ، والمَوْصُوفُ النِّساءُ أوِ الأزْواجُ كَأنَّهُ قالَ فِيهِنَّ نِساءٌ قاصِراتُ الطَّرْفِ. وفِيهِ لَطِيفَةٌ: فَإنَّهُ تَعالى لَمْ يَذْكُرِ النِّساءَ إلّا بِأوْصافِهِنَّ ولَمْ يَذْكُرِ اسْمَ الجِنْسِ فِيهِنَّ، فَقالَ تارَةً: ﴿وحُورٌ عِينٌ﴾ [الواقعة: ٢٢] وتارَةً: ﴿عُرُبًا أتْرابًا﴾ [الواقعة: ٣٧] وتارَةً: ﴿قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ ولَمْ يَذْكُرْ نِساءَ كَذا وكَذا لِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما: الإشارَةُ إلى تَخْدِرِهِنَّ وتَسَتُّرِهِنَّ، فَلَمْ يَذْكُرْهُنَّ بِاسْمِ الجِنْسِ لِأنَّ اسْمَ الجِنْسِ يَكْشِفُ مِنَ الحَقِيقَةِ ما لا يَكْشِفُهُ الوَصْفُ فَإنَّكَ إذا قُلْتَ المُتَحَرِّكُ المُرِيدُ الآكِلُ الشّارِبُ لا تَكُونُ بَيِّنَتُهُ بِالأوْصافِ الكَثِيرَةِ أكْثَرَ مِمّا بَيِّنَتُهُ بِقَوْلِكَ: حَيَوانٌ وإنْسانٌ. وثانِيهِما: إعْظامًا لَهُنَّ لِيَزْدادَ حُسْنُهُنَّ في أعْيُنِ المَوْعُودِينَ بِالجَنَّةِ فَإنَّ بَناتِ المُلُوكِ لا يُذْكَرْنَ إلّا بِالأوْصافِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: ﴿قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ مِنَ القَصْرِ وهو المَنعُ أيِ المانِعاتُ أعْيُنَهُنَّ مِنَ النَّظَرِ إلى الغَيْرِ، أوْ مِنَ القُصُورِ، وهو كَوْنِ أعْيُنِهِنَّ قاصِرَةً لا طَماحَ فِيها لِلْغَيْرِ، أقُولُ والظّاهِرُ أنَّهُ مِنَ القَصْرِ إذِ القَصْرُ مَدْحٌ والقُصُورُ لَيْسَ كَذَلِكَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: هو مِنَ القَصْرِ بِمَعْنى أنَّهُنَّ قَصَرْنَ أبْصارَهُنَّ، فَأبْصارُهُنَّ مَقْصُورَةٌ، وهُنَّ قاصِراتٌ فَيَكُونُ مِن إضافَةِ الفاعِلِ إلى المَفْعُولِ والدَّلِيلُ عَلَيْهِ هو أنَّ القَصْرَ مَدْحٌ والقُصُورَ لَيْسَ كَذَلِكَ، وعَلى هَذا فَفِيهِ لَطِيفَةٌ وهي أنَّهُ تَعالى قالَ مِن بَعْدِ هَذِهِ: ﴿حُورٌ مَقْصُوراتٌ﴾ [الرحمن: ٧٢] فَهُنَّ مَقْصُوراتٌ وهُنَّ قاصِراتٌ، وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنْ يُقالَ: هُنَّ قاصِراتٌ أبْصارَهُنَّ كَما يَكُونُ شُغْلُ العَفائِفِ، وهُنَّ قاصِراتُ أنْفُسِهُنَّ في الخِيامِ كَما هو عادَةُ المُخَدَّراتِ لِأنْفُسِهُنَّ في الخِيامِ ولِأبْصارِهِنَّ عَنِ الطِّماحِ. وثانِيهِما: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ بَيانًا لِعَظَمَتِهِنَّ وعَفافِهِنَّ وذَلِكَ لِأنَّ المَرْأةَ الَّتِي لا يَكُونُ لَها رادِعٌ مِن نَفْسِها ولا يَكُونُ لَها أوْلِياءُ يَكُونُ فِيها نَوْعُ هَوانٍ، وإذا كانَ لَها أوْلِياءُ أعِزَّةٌ امْتَنَعَتْ عَنِ الخُرُوجِ والبُرُوزِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى عَظَمَتِهِنَّ، وإذا كُنَّ في أنْفُسِهِنَّ عِنْدَ الخُرُوجِ لا يَنْظُرْنَ يَمْنَةً ويَسْرَةً فَهُنَّ في أنْفُسِهِنَّ عَفائِفُ، فَجَمَعَ بَيْنَ الإشارَةِ إلى عَظَمَتِهِنَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَقْصُوراتٌ﴾ مَنَعَهُنَّ أوْلِياؤُهُنَّ وهَهُنا ولِيُّهُنَّ اللَّهُ تَعالى، وبَيْنَ الإشارَةِ إلى عِفَّتِهِنَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ ثُمَّ تَمامُ اللُّطْفِ أنَّهُ تَعالى قَدَّمَ ذِكْرَ ما يَدُلُّ عَلى العِفَّةِ عَلى ما يَدُلُّ عَلى العَظَمَةِ وذَكَرَ في أعْلى الجَنَّتَيْنِ قاصِراتٍ وفي أدْناهُما مَقْصُوراتٍ، والذَّيِ يَدُلُّ عَلى أنَّ المَقْصُوراتِ يَدُلُّ عَلى العَظَمَةِ أنَّهُنَّ يُوصَفْنَ بِالمُخَدَّراتِ لا بِالمُتَخَدِّراتِ، إشارَةً إلى أنَّهُنَّ خَدَّرَهُنَّ خادِرٌ لَهُنَّ غَيْرُهُنَّ كالَّذِي يَضْرِبُ الخِيامَ ويُدْلِي السِّتْرَ، بِخِلافِ مَن تَتَّخِذُهُ لِنَفْسِها وتُغْلِقُ بابَها بِيَدِها، وسَنَذْكُرُ بَيانُهُ في تَفْسِيرِ الآيَةِ بَعْدُ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: ﴿قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ فِيها دَلالَةُ عِفَّتِهِنَّ، وعَلى حُسْنِ المُؤْمِنِينَ في أعْيُنِهِنَّ، فَيُحْبِبْنَ أزْواجَهُنَّ حُبًّا يَشْغَلُهُنَّ عَنِ النَّظَرِ إلى غَيْرِهِمْ، ويَدُلُّ أيْضًا عَلى الحَياءِ لِأنَّ الطَّرْفَ حَرَكَةُ الجَفْنِ، والحُورِيَّةُ لا تُحَرِّكُ جَفْنَها ولا تَرْفَعُ رَأْسَها.
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ﴾ فِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: لَمْ يَفْرَعْهُنَّ.
ثانِيها: لَمْ يُجامِعْهُنَّ.
ثالِثُها: لَمْ يَمْسَسْهُنَّ، وهو أقْرَبُ إلى حالِهِنَّ وألْيَقُ بِوَصْفِ كَمالِهِنَّ، لَكِنْ لَفْظُ الطَّمْثِ غَيْرُ ظاهِرٍ فِيهِ ولَوْ كانَ المُرادُ مِنهُ
صفحة ١١٤
المَسَّ لَذَكَرَ اللَّفْظَ الَّذِي يُسْتَحْسَنُ، وكَيْفَ وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿وإنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٧] وقالَ: ﴿فاعْتَزِلُوا﴾ [البقرة: ٢٢٢] ولَمْ يُصَرِّحْ بِلَفْظٍ مَوْضُوعٍ لِلْوَطْءِ.
فَإنْ قِيلَ: فَما ذَكَرْتُمْ مِنَ الإشْكالِ باقٍ وهو أنَّهُ تَعالى كَنّى عَنِ الوَطْءِ في الدُّنْيا بِاللَّمْسِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ﴾ [النساء: ٤٣] عَلى الصَّحِيحِ في تَفْسِيرِ الآيَةِ وسَنَذْكُرُهُ، وإنْ كانَ عَلى خِلافِ قَوْلِ إمامِنا الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وبِالمَسِّ في قَوْلِهِ: ﴿مِن قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ ولَمْ يَذْكُرِ المَسَّ في الآخِرَةِ بِطَرِيقِ الكِنايَةِ، نَقُولُ: إنَّما ذَكَرَ الجِماعَ في الدُّنْيا بِالكِنايَةِ لِما أنَّهُ في الدُّنْيا قَضاءً لِلشِّهْوَةِ وأنَّهُ يُضْعِفُ البَدَنَ ويَمْنَعُ مِنَ العِبادَةِ، وهو في بَعْضِ الأوْقاتِ قُبْحُهُ كَقُبْحِ شُرْبِ الخَمْرِ، وفي بَعْضِ الأوْقاتِ هو كالأكْلِ الكَثِيرِ. وفي الآخِرَةِ مُجَرَّدٌ عَنْ وُجُوهِ القُبْحِ، وكَيْفَ لا والخَمْرُ في الجَنَّةِ مَعْدُودَةٌ مِنَ اللَّذّاتِ وأكْلُها وشُرْبُها دائِمٌ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، فاللَّهُ تَعالى ذَكَرَهُ في الدُّنْيا بِلَفْظٍ مَجازِيٍّ مَسْتُورٍ في غايَةِ الخَفاءِ بِالكِنايَةِ إشارَةً إلى قُبْحِهِ، وفي الآخِرَةِ ذَكَرَهُ بِأقْرَبِ الألْفاظِ إلى التَّصْرِيحِ أوْ بِلَفْظٍ صَرِيحٍ، لِأنَّ الطَّمْثَ أدَلُّ مِنَ الجِماعِ والوِقاعِ لِأنَّهُما مِنَ الجَمْعِ والوُقُوعِ إشارَةً إلى خُلُوِّهِ عَنْ وُجُوهِ القُبْحِ.
المَسْألَةُ السّابِعَةُ: ما الفائِدَةُ في كَلِمَةِ ﴿قَبْلَهُمْ﴾ ؟ قُلْنا لَوْ قالَ: لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ ولا جانٌّ، يَكُونُ نَفْيًا لِطَمْثِ المُؤْمِنِ إيّاهُنَّ ولَيْسَ كَذَلِكَ.
المَسْألَةُ الثّامِنَةُ: ما الفائِدَةُ في ذِكْرِ الجانِّ مَعَ أنَّ الجانَّ لا يُجامِعُ ؟ نَقُولُ: لَيْسَ كَذَلِكَ بَلِ الجِنُّ لَهم أوْلادٌ وذُرِّيّاتٌ، وإنَّما الخِلافُ في أنَّهم هُلْ يُواقِعُونَ الإنْسَ أمْ لا ؟ والمَشْهُورُ أنَّهم يُواقِعُونَ وإلّا لَما كانَ في الجَنَّةِ أحْسابٌ ولا أنْسابٌ، فَكَأنَّ مُواقَعَةَ الإنْسِ إيّاهُنَّ كَمُواقَعَةِ الجِنِّ مِن حَيْثُ الإشارَةِ إلى نَفْيِها.
الرحمن 55:58
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿كَأنَّهُنَّ الياقُوتُ والمَرْجانُ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ وهَذا التَّشْبِيهُ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: تَشْبِيهٌ بِصَفائِهِما.
وثانِيهِما: بِحُسْنِ بَياضِ اللُّؤْلُؤِ وحُمْرَةِ الياقُوتِ، والمَرْجانُ صِغارُ اللُّؤْلُؤِ وهي أشَدُّ بَياضًا وضِياءً مِنَ الكِبارِ بِكَثِيرٍ، فَإنْ قُلْنا: إنَّ التَّشْبِيهَ لِبَيانِ صَفائِهِنَّ، فَنَقُولُ: فِيهِ لَطِيفَةٌ هي أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ إشارَةٌ إلى خُلُوصِهِنَّ عَنِ القَبائِحِ، وقَوْلَهُ: ﴿كَأنَّهُنَّ الياقُوتُ والمَرْجانُ﴾ إشارَةٌ إلى صَفائِهِنَّ في الجَنَّةِ، فَأوَّلُ ما بَدَأ بِالعَقْلِيّاتِ وخَتَمَ بِالحِسِّيّاتِ، كَما قُلْنا: إنَّ التَّشْبِيهَ لِبَيانِ مُشابَهَةِ جِسْمِهِنَّ بِالياقُوتِ والمَرْجانِ في الحُمْرَةِ والبَياضِ، فَكَذَلِكَ القَوْلُ فِيهِ حَيْثُ قَدَّمَ بَيانَ العِفَّةِ عَلى بَيانِ الحُسْنِ ولا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: هو مُؤَكِّدٌ لِما مَضى لِأنَّهُنَّ لَمّا كُنَّ قاصِراتِ الطَّرْفِ مُمْتَنِعاتٍ عَنِ الِاجْتِماعِ بِالإنْسِ والجِنِّ لَمْ يُطْمَثْنَ فَهُنَّ كالياقُوتِ الَّذِي يَكُونُ في مَعْدِنِهِ والمَرْجانِ المَصُونِ في صَدَفِهِ لا يَكُونُ قَدْ مَسَّهُ يَدُ لامِسٍ، وقَدْ بَيَّنّا مَرَّةً أُخْرى في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَأنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ [الصافات: ٤٩] أنَّ ”كَأنَّ“ الدّاخِلَةُ عَلى المُشَبَّهِ بِهِ لا تُفِيدُ مِنَ التَّأْكِيدِ ما تُفِيدُهُ الدّاخِلَةُ عَلى المُشَبَّهِ، فَإذا قُلْتَ: زَيْدٌ كالأسَدِ، كانَ مَعْناهُ زَيْدٌ يُشْبِهُ الأسَدَ، وإذا قُلْتَ كَأنَّ زَيْدًا الأسَدُ فَمَعْناهُ يُشْبِهُ أنَّ زَيْدًا هو الأسَدُ حَقِيقَةً، لَكِنَّ قَوْلَنا: زَيْدٌ يُشْبِهُ الأسَدَ لَيْسَ فِيهِ مُبالَغَةٌ عَظِيمَةٌ، فَإنَّهُ يُشْبِهُهُ في أنَّهُما حَيَوانانِ وجِسْمانِ وغَيْرُ ذَلِكَ، وقَوْلُنا: زَيْدٌ يُشْبِهُ لا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى الحَقِيقَةِ، أمّا مِن حَيْثُ اللَّفْظِ فَنَقُولُ: إذا دَخَلَتِ الكافُ عَلى المُشَبَّهِ بِهِ، وقِيلَ: إنَّ زَيْدًا كالأسَدِ عَمِلَتِ الكافُ في الأسَدِ عَمَلًا لَفْظِيًّا والعَمَلُ اللَّفْظِيُّ مَعَ العَمَلِ المَعْنَوِيِّ، فَكَأنَّ الأسَدَ عُمِلَ بِهِ عَمَلٌ حَتّى صارَ زَيْدًا، وإذا قُلْتَ: كَأنَّ زَيْدًا الأسَدُ تَرَكْتَ الأسَدَ عَلى
صفحة ١١٥
إعْرابِهِ فَإذَنْ هو مَتْرُوكٌ عَلى حالِهِ وحَقِيقَتِهِ، وزَيْدٌ يُشَبَّهُ بِهِ في تِلْكَ الحالِ. ولا شَكَّ في أنَّ زَيْدًا إذا شُبِّهَ بِأسَدٍ هو عَلى حالِهِ باقٍ يَكُونُ أقْوى مِمّا إذا شُبِّهَ بِأسَدٍ لَمْ يَبْقَ عَلى حالِهِ، وكَأنَّ مَن قالَ: زَيْدٌ كالأسَدِ نَزَّلَ الأسَدَ عَنْ دَرَجَتِهِ فَساواهُ زَيْدٌ، ومَن قالَ: كَأنَّ زَيْدًا الأسَدُ رَفَعَ زَيْدًا عَنْ دَرَجَتِهِ حَتّى ساوى الأسَدَ، وهَذا تَدْقِيقٌ لَطِيفٌ.
الرحمن 55:59
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿كَأنَّهُنَّ الياقُوتُ والمَرْجانُ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ وهَذا التَّشْبِيهُ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: تَشْبِيهٌ بِصَفائِهِما.
وثانِيهِما: بِحُسْنِ بَياضِ اللُّؤْلُؤِ وحُمْرَةِ الياقُوتِ، والمَرْجانُ صِغارُ اللُّؤْلُؤِ وهي أشَدُّ بَياضًا وضِياءً مِنَ الكِبارِ بِكَثِيرٍ، فَإنْ قُلْنا: إنَّ التَّشْبِيهَ لِبَيانِ صَفائِهِنَّ، فَنَقُولُ: فِيهِ لَطِيفَةٌ هي أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ إشارَةٌ إلى خُلُوصِهِنَّ عَنِ القَبائِحِ، وقَوْلَهُ: ﴿كَأنَّهُنَّ الياقُوتُ والمَرْجانُ﴾ إشارَةٌ إلى صَفائِهِنَّ في الجَنَّةِ، فَأوَّلُ ما بَدَأ بِالعَقْلِيّاتِ وخَتَمَ بِالحِسِّيّاتِ، كَما قُلْنا: إنَّ التَّشْبِيهَ لِبَيانِ مُشابَهَةِ جِسْمِهِنَّ بِالياقُوتِ والمَرْجانِ في الحُمْرَةِ والبَياضِ، فَكَذَلِكَ القَوْلُ فِيهِ حَيْثُ قَدَّمَ بَيانَ العِفَّةِ عَلى بَيانِ الحُسْنِ ولا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: هو مُؤَكِّدٌ لِما مَضى لِأنَّهُنَّ لَمّا كُنَّ قاصِراتِ الطَّرْفِ مُمْتَنِعاتٍ عَنِ الِاجْتِماعِ بِالإنْسِ والجِنِّ لَمْ يُطْمَثْنَ فَهُنَّ كالياقُوتِ الَّذِي يَكُونُ في مَعْدِنِهِ والمَرْجانِ المَصُونِ في صَدَفِهِ لا يَكُونُ قَدْ مَسَّهُ يَدُ لامِسٍ، وقَدْ بَيَّنّا مَرَّةً أُخْرى في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَأنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ [الصافات: ٤٩] أنَّ ”كَأنَّ“ الدّاخِلَةُ عَلى المُشَبَّهِ بِهِ لا تُفِيدُ مِنَ التَّأْكِيدِ ما تُفِيدُهُ الدّاخِلَةُ عَلى المُشَبَّهِ، فَإذا قُلْتَ: زَيْدٌ كالأسَدِ، كانَ مَعْناهُ زَيْدٌ يُشْبِهُ الأسَدَ، وإذا قُلْتَ كَأنَّ زَيْدًا الأسَدُ فَمَعْناهُ يُشْبِهُ أنَّ زَيْدًا هو الأسَدُ حَقِيقَةً، لَكِنَّ قَوْلَنا: زَيْدٌ يُشْبِهُ الأسَدَ لَيْسَ فِيهِ مُبالَغَةٌ عَظِيمَةٌ، فَإنَّهُ يُشْبِهُهُ في أنَّهُما حَيَوانانِ وجِسْمانِ وغَيْرُ ذَلِكَ، وقَوْلُنا: زَيْدٌ يُشْبِهُ لا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى الحَقِيقَةِ، أمّا مِن حَيْثُ اللَّفْظِ فَنَقُولُ: إذا دَخَلَتِ الكافُ عَلى المُشَبَّهِ بِهِ، وقِيلَ: إنَّ زَيْدًا كالأسَدِ عَمِلَتِ الكافُ في الأسَدِ عَمَلًا لَفْظِيًّا والعَمَلُ اللَّفْظِيُّ مَعَ العَمَلِ المَعْنَوِيِّ، فَكَأنَّ الأسَدَ عُمِلَ بِهِ عَمَلٌ حَتّى صارَ زَيْدًا، وإذا قُلْتَ: كَأنَّ زَيْدًا الأسَدُ تَرَكْتَ الأسَدَ عَلى
صفحة ١١٥
إعْرابِهِ فَإذَنْ هو مَتْرُوكٌ عَلى حالِهِ وحَقِيقَتِهِ، وزَيْدٌ يُشَبَّهُ بِهِ في تِلْكَ الحالِ. ولا شَكَّ في أنَّ زَيْدًا إذا شُبِّهَ بِأسَدٍ هو عَلى حالِهِ باقٍ يَكُونُ أقْوى مِمّا إذا شُبِّهَ بِأسَدٍ لَمْ يَبْقَ عَلى حالِهِ، وكَأنَّ مَن قالَ: زَيْدٌ كالأسَدِ نَزَّلَ الأسَدَ عَنْ دَرَجَتِهِ فَساواهُ زَيْدٌ، ومَن قالَ: كَأنَّ زَيْدًا الأسَدُ رَفَعَ زَيْدًا عَنْ دَرَجَتِهِ حَتّى ساوى الأسَدَ، وهَذا تَدْقِيقٌ لَطِيفٌ.
الرحمن 55:60
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿هَلْ جَزاءُ الإحْسانِ إلّا الإحْسانُ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ كَثِيرَةٌ حَتّى قِيلَ: إنَّ في القُرْآنِ ثَلاثَ آياتٍ في كُلِّ آيَةٍ مِنها مِائَةُ قَوْلٍ. الأُولى: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاذْكُرُونِي أذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢]، الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ عُدْتُمْ عُدْنا﴾ [الإسراء: ٨]، الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَلْ جَزاءُ الإحْسانِ إلّا الإحْسانُ﴾ ولْنَذْكُرِ الأشْهَرَ مِنها والأقْرَبَ. أمّا الأشْهَرُ فَوُجُوهٌ: أحَدُها: هَلْ جَزاءُ التَّوْحِيدِ غَيْرُ الجَنَّةِ، أيْ جَزاءُ مَن قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ إدْخالُ الجَنَّةِ. ثانِيها: هَلْ جَزاءُ الإحْسانِ في الدُّنْيا إلّا الإحْسانُ في الآخِرَةِ. ثالِثُها: هَلْ جَزاءُ مَن أحْسَنَ إلَيْكم في الدُّنْيا بِالنِّعَمِ وفي العُقْبى بِالنَّعِيمِ إلّا أنْ تُحْسِنُوا إلَيْهِ بِالعِبادَةِ والتَّقْوى، وأمّا الأقْرَبُ فَإنَّهُ عامٌّ فَجَزاءُ كُلِّ مَن أحْسَنَ إلى غَيْرِهِ أنْ يُحْسِنَ هو إلَيْهِ أيْضًا، ولْنَذْكُرْ تَحْقِيقَ القَوْلِ فِيهِ وتَرْجِعُ الوُجُوهُ كُلُّها إلى ذَلِكَ، فَنَقُولُ: الإحْسانُ يُسْتَعْمَلُ في ثَلاثِ مَعانٍ:
أحَدُها: إثْباتُ الحُسْنِ وإيجادُهُ قالَ تَعالى: ﴿فَأحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ [غافر: ٦٤] وقالَ تَعالى: ﴿الَّذِي أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ [السجدة: ٧] .
ثانِيها: الإتْيانُ بِالحُسْنِ كالإظْرافِ والإغْرابِ لِلْإتْيانِ بِالظَّرِيفِ والغَرِيبِ قالَ تَعالى: ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أمْثالِها﴾ [الأنعام: ١٦٠] .
ثالِثُها: يُقالُ: فُلانٌ لا يُحْسِنُ الكِتابَةَ ولا يُحْسِنُ الفاتِحَةَ أيْ لا يَعْلَمُهُما، والظّاهِرُ أنَّ الأصْلَ في الإحْسانِ الوَجْهانِ الأوَّلانِ، والثّالِثُ مَأْخُوذٌ مِنهُما، وهَذا لا يُفْهَمُ إلّا بِقَرِينَةِ الِاسْتِعْمالِ مِمّا يَغْلِبُ عَلى الظَّنِّ إرادَةُ العِلْمِ، إذا عَلِمْتَ هَذا فَنَقُولُ: يُمْكِنُ حَمْلُ الإحْسانِ في المَوْضِعَيْنِ عَلى مَعْنًى مُتَّحِدٍ مِنَ المَعْنَيَيْنِ ويُمْكِنُ حَمْلُهُ فِيهِما عَلى مَعْنَيَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ. أمّا الأوَّلُ: فَنَقُولُ: ﴿هَلْ جَزاءُ الإحْسانِ﴾ أيْ هَلْ جَزاءُ مَن أتى بِالفِعْلِ الحَسَنِ إلّا أنْ يُؤْتى في مُقابَلَتِهِ بِفِعْلٍ حَسَنٍ، لَكِنَّ الفِعْلَ الحَسَنَ مِنَ العَبْدِ لَيْسَ كُلَّ ما يَسْتَحْسِنُهُ هو، بَلِ الحُسْنُ هو ما اسْتَحْسَنَهُ اللَّهُ مِنهُ، فَإنَّ الفاسِقَ رُبَّما يَكُونُ الفِسْقُ في نَظَرِهِ حَسَنًا ولَيْسَ بِحَسَنٍ بَلِ الحَسَنُ ما طَلَبَهُ اللَّهُ مِنهُ، كَذَلِكَ الحَسَنُ مِنَ اللَّهِ هو كُلُّ ما يَأْتِي بِهِ مِمّا يَطْلُبُهُ العَبْدُ كَما أتى العَبْدُ بِما يَطْلُبُهُ اللَّهُ تَعالى مِنهُ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وفِيها ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وتَلَذُّ الأعْيُنُ﴾ [الزخرف: ٧١] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِي ما اشْتَهَتْ أنْفُسُهم خالِدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٢] وقالَ تَعالى: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى﴾ [يونس: ٢٦] أيْ ما هو حَسَنٌ عِنْدَهم. وأمّا الثّانِي: فَنَقُولُ: هَلْ جَزاءُ مَن أثْبَتَ الحُسْنَ في عَمَلِهِ في الدُّنْيا إلّا أنْ يُثْبِتَ اللَّهُ الحُسْنَ فِيهِ وفي أحْوالِهِ في الدّارَيْنِ وبِالعَكْسِ، هَلْ جَزاءُ مَن أثْبَتَ الحُسْنَ فِينا وفي صُوَرِنا وأحْوالِنا إلّا أنْ نُثْبِتَ الحُسْنَ فِيهِ أيْضًا، لَكِنَّ إثْباتَ الحُسْنِ في اللَّهِ تَعالى مُحالٌ، فَإثْباتُ الحُسْنِ أيْضًا في أنْفُسِنا وأفْعالِنا فَنُحَسِّنُ أنْفُسَنا بِعِبادَةِ حَضْرَةِ اللَّهِ تَعالى، وأفْعالَنا بِالتَّوَجُّهِ إلَيْهِ وأحْوالَ باطِنِنا بِمَعْرِفَتِهِ تَعالى، وإلى هَذا رَجَعَتِ الإشارَةُ، ووَرَدَ في الأخْبارِ مِن حُسْنِ وُجُوهِ المُؤْمِنِينَ وقُبْحِ وُجُوهِ الكافِرِينَ.
وأمّا الوَجْهُ الثّالِثُ: وهو الحَمْلُ عَلى المَعْنَيَيْنِ فَهو أنْ تَقُولَ: عَلى جَزاءِ مَن أتى بِالفِعْلِ الحَسَنِ إلّا أنْ يُثَبِّتَ اللَّهُ فِيهِ الحُسْنَ، وفي جَمِيعِ أحْوالِهِ فَيَجْعَلُ وجْهَهُ حَسَنًا وحالَهُ حَسَنًا، ثُمَّ فِيهِ لَطائِفُ:
اللَّطِيفَةُ الأُولى: هَذِهِ إشارَةٌ إلى رَفْعِ التَّكْلِيفِ عَنِ العَوامِّ في الآخِرَةِ، وتَوْجِيهُ التَّكْلِيفِ عَلى الخَواصِّ فِيها. أمّا الأوَّلُ: فَلِأنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿هَلْ جَزاءُ الإحْسانِ إلّا الإحْسانُ﴾ والمُؤْمِنُ لا شَكَّ في أنَّهُ يُثابُ
صفحة ١١٦
بِالجَنَّةِ فَيَكُونُ لَهُ مِنَ اللَّهِ الإحْسانُ جَزاءً لَهُ ومَن جازى عَبْدًا عَلى عَمَلِهِ لا يَأْمُرُهُ بِشُكْرِهِ، ولِأنَّ التَّكْلِيفَ لَوْ بَقِيَ في الآخِرَةِ فَلَوْ تَرَكَ العَبْدُ القِيامَ بِالتَّكْلِيفِ لاسْتَحَقَّ العِقابَ، والعِقابُ تَرْكُ الإحْسانِ لِأنَّ العَبْدَ لَمّا عَبَدَ اللَّهَ في الدُّنْيا ما دامَ وبَقِيَ يَلِيقُ بِكَرَمِهِ تَعالى أنْ يُحْسِنَ إلَيْهِ في الآخِرَةِ ما دامَ وبَقِيَ، فَلا عِقابَ عَلى تَرْكِهِ بِلا تَكْلِيفٍ.
وأمّا الثّانِي: فَتَقُولُ خاصَّةُ اللَّهِ تَعالى عَبَدْنا اللَّهَ تَعالى في الدُّنْيا لِنِعَمٍ قَدْ سَبَقَتْ لَهُ عَلَيْنا، فَهَذا الَّذِي أعْطانا اللَّهُ تَعالى ابْتِداءَ نِعْمَةٍ وإحْسانٍ جَدِيدٍ فَلَهُ عَلَيْنا شُكْرُهُ، فَيَقُولُونَ الحَمْدُ لِلَّهِ، ويَذْكُرُونَ اللَّهَ ويُثْنُونَ عَلَيْهِ فَيَكُونُ نَفْسُ الإحْسانِ مِنَ اللَّهِ تَعالى في حَقِّهِمْ سَبَبًا لِقِيامِهِمْ بِشُكْرِهِ، فَيَعْرِضُونَ هم عَلى أنْفُسِهِمْ عِبادَتَهُ تَعالى فَيَكُونُ لَهم بِأدْنى عِبادَةٍ شُغْلٌ شاغِلٌ عَنِ الحُورِ والقُصُورِ والأكْلِ والشُّرْبِ. فَلا يَأْكُلُونَ ولا يَشْرَبُونَ ولا يَتَنابَذُونَ ولا يَلْعَبُونَ فَيَكُونُ حالُهم كَحالِ المَلائِكَةِ في يَوْمِنا هَذا لا يَتَناكَحُونَ ولا يَلْعَبُونَ، فَلا يَكُونُ ذَلِكَ تَكْلِيفًا مِثْلَ هَذِهِ التَّكالِيفِ الشّاقَّةِ، وإنَّما يَكُونُ ذَلِكَ لَذَّةً زائِدَةً عَلى كُلِّ لَذَّةٍ في غَيْرِها.
اللَّطِيفَةُ الثّانِيَةُ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ العَبْدَ مُحَكَّمٌ في الآخِرَةِ كَما قالَ تَعالى: ﴿لَهم فِيها فاكِهَةٌ ولَهم ما يَدَّعُونَ﴾ وذَلِكَ لِأنّا بَيَّنّا أنَّ الإحْسانَ هو الإتْيانُ بِما هو حَسَنٌ عِنْدَ مَن أتى بِالإحْسانِ، لَكِنَّ اللَّهَ لَمّا طَلَبَ مِنّا العِبادَةَ طَلَبَ كَما أرادَ، فَأتى بِهِ المُؤْمِنُ كَما طُلِبَ مِنهُ، فَصارَ مُحْسِنًا فَهَذا يَقْتَضِي أنْ يُحْسِنَ اللَّهُ إلى عَبْدِهِ ويَأْتِي بِما هو حَسَنٌ عِنْدَهُ، وهو ما يَطْلُبُهُ كَما يُرِيدُ فَكَأنَّهُ قالَ: ﴿هَلْ جَزاءُ الإحْسانِ﴾ أيْ هَلْ جَزاءُ مَن أتى بِما طَلَبْتُهُ مِنهُ عَلى حَسَبِ إرادَتِي إلّا أنْ يُؤْتى بِما طَلَبَهُ مِنِّي عَلى حَسَبِ إرادَتِهِ، لَكِنَّ الإرادَةَ مُتَعَلِّقَةٌ بِالرُّؤْيَةِ، فَيَجِبُ بِحُكْمِ الوَعْدِ أنْ تَكُونَ هَذِهِ آيَةً دالَّةً عَلى الرُّؤْيَةِ البَلْكَفِيَّةِ.
اللَّطِيفَةُ الثّالِثَةُ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ ما يَفْرِضُهُ الإنْسانُ مِن أنْواعِ الإحْسانِ مِنَ اللَّهِ تَعالى فَهو دُونَ الإحْسانِ الَّذِي وعَدَ اللَّهُ تَعالى بِهِ لِأنَّ الكَرِيمَ إذا قالَ لِلْفَقِيرِ: افْعَلْ كَذا ولَكَ كَذا دِينارًا، وقالَ لِغَيْرِهِ افْعَلْ كَذا عَلى أنْ أُحْسِنَ إلَيْكَ يَكُونُ رَجاءُ مَن لَمْ يُعَيِّنْ لَهُ أجْرًا أكْثَرُ مِن رَجاءِ مَن عَيَّنَ لَهُ، هَذا إذا كانَ الكَرِيمُ في غايَةِ الكَرَمِ ونِهايَةِ الغِنى، إذا ثَبَتَ هَذا فاللَّهُ تَعالى قالَ: جَزاءُ مَن أحْسَنَ إلَيَّ أنْ أُحْسِنَ إلَيْهِ بِما يُغْبَطُ بِهِ، وأُوصِلُ إلَيْهِ فَوْقَ ما يَشْتَهِيهِ، فالَّذِي يُعْطِي اللَّهُ فَوْقَ ما يَرْجُوهُ وذَلِكَ عَلى وفْقِ كَرَمِهِ وإفْضالِهِ.
الرحمن 55:61
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿هَلْ جَزاءُ الإحْسانِ إلّا الإحْسانُ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ كَثِيرَةٌ حَتّى قِيلَ: إنَّ في القُرْآنِ ثَلاثَ آياتٍ في كُلِّ آيَةٍ مِنها مِائَةُ قَوْلٍ. الأُولى: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاذْكُرُونِي أذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢]، الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ عُدْتُمْ عُدْنا﴾ [الإسراء: ٨]، الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَلْ جَزاءُ الإحْسانِ إلّا الإحْسانُ﴾ ولْنَذْكُرِ الأشْهَرَ مِنها والأقْرَبَ. أمّا الأشْهَرُ فَوُجُوهٌ: أحَدُها: هَلْ جَزاءُ التَّوْحِيدِ غَيْرُ الجَنَّةِ، أيْ جَزاءُ مَن قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ إدْخالُ الجَنَّةِ. ثانِيها: هَلْ جَزاءُ الإحْسانِ في الدُّنْيا إلّا الإحْسانُ في الآخِرَةِ. ثالِثُها: هَلْ جَزاءُ مَن أحْسَنَ إلَيْكم في الدُّنْيا بِالنِّعَمِ وفي العُقْبى بِالنَّعِيمِ إلّا أنْ تُحْسِنُوا إلَيْهِ بِالعِبادَةِ والتَّقْوى، وأمّا الأقْرَبُ فَإنَّهُ عامٌّ فَجَزاءُ كُلِّ مَن أحْسَنَ إلى غَيْرِهِ أنْ يُحْسِنَ هو إلَيْهِ أيْضًا، ولْنَذْكُرْ تَحْقِيقَ القَوْلِ فِيهِ وتَرْجِعُ الوُجُوهُ كُلُّها إلى ذَلِكَ، فَنَقُولُ: الإحْسانُ يُسْتَعْمَلُ في ثَلاثِ مَعانٍ:
أحَدُها: إثْباتُ الحُسْنِ وإيجادُهُ قالَ تَعالى: ﴿فَأحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ [غافر: ٦٤] وقالَ تَعالى: ﴿الَّذِي أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ [السجدة: ٧] .
ثانِيها: الإتْيانُ بِالحُسْنِ كالإظْرافِ والإغْرابِ لِلْإتْيانِ بِالظَّرِيفِ والغَرِيبِ قالَ تَعالى: ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أمْثالِها﴾ [الأنعام: ١٦٠] .
ثالِثُها: يُقالُ: فُلانٌ لا يُحْسِنُ الكِتابَةَ ولا يُحْسِنُ الفاتِحَةَ أيْ لا يَعْلَمُهُما، والظّاهِرُ أنَّ الأصْلَ في الإحْسانِ الوَجْهانِ الأوَّلانِ، والثّالِثُ مَأْخُوذٌ مِنهُما، وهَذا لا يُفْهَمُ إلّا بِقَرِينَةِ الِاسْتِعْمالِ مِمّا يَغْلِبُ عَلى الظَّنِّ إرادَةُ العِلْمِ، إذا عَلِمْتَ هَذا فَنَقُولُ: يُمْكِنُ حَمْلُ الإحْسانِ في المَوْضِعَيْنِ عَلى مَعْنًى مُتَّحِدٍ مِنَ المَعْنَيَيْنِ ويُمْكِنُ حَمْلُهُ فِيهِما عَلى مَعْنَيَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ. أمّا الأوَّلُ: فَنَقُولُ: ﴿هَلْ جَزاءُ الإحْسانِ﴾ أيْ هَلْ جَزاءُ مَن أتى بِالفِعْلِ الحَسَنِ إلّا أنْ يُؤْتى في مُقابَلَتِهِ بِفِعْلٍ حَسَنٍ، لَكِنَّ الفِعْلَ الحَسَنَ مِنَ العَبْدِ لَيْسَ كُلَّ ما يَسْتَحْسِنُهُ هو، بَلِ الحُسْنُ هو ما اسْتَحْسَنَهُ اللَّهُ مِنهُ، فَإنَّ الفاسِقَ رُبَّما يَكُونُ الفِسْقُ في نَظَرِهِ حَسَنًا ولَيْسَ بِحَسَنٍ بَلِ الحَسَنُ ما طَلَبَهُ اللَّهُ مِنهُ، كَذَلِكَ الحَسَنُ مِنَ اللَّهِ هو كُلُّ ما يَأْتِي بِهِ مِمّا يَطْلُبُهُ العَبْدُ كَما أتى العَبْدُ بِما يَطْلُبُهُ اللَّهُ تَعالى مِنهُ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وفِيها ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وتَلَذُّ الأعْيُنُ﴾ [الزخرف: ٧١] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِي ما اشْتَهَتْ أنْفُسُهم خالِدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٢] وقالَ تَعالى: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى﴾ [يونس: ٢٦] أيْ ما هو حَسَنٌ عِنْدَهم. وأمّا الثّانِي: فَنَقُولُ: هَلْ جَزاءُ مَن أثْبَتَ الحُسْنَ في عَمَلِهِ في الدُّنْيا إلّا أنْ يُثْبِتَ اللَّهُ الحُسْنَ فِيهِ وفي أحْوالِهِ في الدّارَيْنِ وبِالعَكْسِ، هَلْ جَزاءُ مَن أثْبَتَ الحُسْنَ فِينا وفي صُوَرِنا وأحْوالِنا إلّا أنْ نُثْبِتَ الحُسْنَ فِيهِ أيْضًا، لَكِنَّ إثْباتَ الحُسْنِ في اللَّهِ تَعالى مُحالٌ، فَإثْباتُ الحُسْنِ أيْضًا في أنْفُسِنا وأفْعالِنا فَنُحَسِّنُ أنْفُسَنا بِعِبادَةِ حَضْرَةِ اللَّهِ تَعالى، وأفْعالَنا بِالتَّوَجُّهِ إلَيْهِ وأحْوالَ باطِنِنا بِمَعْرِفَتِهِ تَعالى، وإلى هَذا رَجَعَتِ الإشارَةُ، ووَرَدَ في الأخْبارِ مِن حُسْنِ وُجُوهِ المُؤْمِنِينَ وقُبْحِ وُجُوهِ الكافِرِينَ.
وأمّا الوَجْهُ الثّالِثُ: وهو الحَمْلُ عَلى المَعْنَيَيْنِ فَهو أنْ تَقُولَ: عَلى جَزاءِ مَن أتى بِالفِعْلِ الحَسَنِ إلّا أنْ يُثَبِّتَ اللَّهُ فِيهِ الحُسْنَ، وفي جَمِيعِ أحْوالِهِ فَيَجْعَلُ وجْهَهُ حَسَنًا وحالَهُ حَسَنًا، ثُمَّ فِيهِ لَطائِفُ:
اللَّطِيفَةُ الأُولى: هَذِهِ إشارَةٌ إلى رَفْعِ التَّكْلِيفِ عَنِ العَوامِّ في الآخِرَةِ، وتَوْجِيهُ التَّكْلِيفِ عَلى الخَواصِّ فِيها. أمّا الأوَّلُ: فَلِأنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿هَلْ جَزاءُ الإحْسانِ إلّا الإحْسانُ﴾ والمُؤْمِنُ لا شَكَّ في أنَّهُ يُثابُ
صفحة ١١٦
بِالجَنَّةِ فَيَكُونُ لَهُ مِنَ اللَّهِ الإحْسانُ جَزاءً لَهُ ومَن جازى عَبْدًا عَلى عَمَلِهِ لا يَأْمُرُهُ بِشُكْرِهِ، ولِأنَّ التَّكْلِيفَ لَوْ بَقِيَ في الآخِرَةِ فَلَوْ تَرَكَ العَبْدُ القِيامَ بِالتَّكْلِيفِ لاسْتَحَقَّ العِقابَ، والعِقابُ تَرْكُ الإحْسانِ لِأنَّ العَبْدَ لَمّا عَبَدَ اللَّهَ في الدُّنْيا ما دامَ وبَقِيَ يَلِيقُ بِكَرَمِهِ تَعالى أنْ يُحْسِنَ إلَيْهِ في الآخِرَةِ ما دامَ وبَقِيَ، فَلا عِقابَ عَلى تَرْكِهِ بِلا تَكْلِيفٍ.
وأمّا الثّانِي: فَتَقُولُ خاصَّةُ اللَّهِ تَعالى عَبَدْنا اللَّهَ تَعالى في الدُّنْيا لِنِعَمٍ قَدْ سَبَقَتْ لَهُ عَلَيْنا، فَهَذا الَّذِي أعْطانا اللَّهُ تَعالى ابْتِداءَ نِعْمَةٍ وإحْسانٍ جَدِيدٍ فَلَهُ عَلَيْنا شُكْرُهُ، فَيَقُولُونَ الحَمْدُ لِلَّهِ، ويَذْكُرُونَ اللَّهَ ويُثْنُونَ عَلَيْهِ فَيَكُونُ نَفْسُ الإحْسانِ مِنَ اللَّهِ تَعالى في حَقِّهِمْ سَبَبًا لِقِيامِهِمْ بِشُكْرِهِ، فَيَعْرِضُونَ هم عَلى أنْفُسِهِمْ عِبادَتَهُ تَعالى فَيَكُونُ لَهم بِأدْنى عِبادَةٍ شُغْلٌ شاغِلٌ عَنِ الحُورِ والقُصُورِ والأكْلِ والشُّرْبِ. فَلا يَأْكُلُونَ ولا يَشْرَبُونَ ولا يَتَنابَذُونَ ولا يَلْعَبُونَ فَيَكُونُ حالُهم كَحالِ المَلائِكَةِ في يَوْمِنا هَذا لا يَتَناكَحُونَ ولا يَلْعَبُونَ، فَلا يَكُونُ ذَلِكَ تَكْلِيفًا مِثْلَ هَذِهِ التَّكالِيفِ الشّاقَّةِ، وإنَّما يَكُونُ ذَلِكَ لَذَّةً زائِدَةً عَلى كُلِّ لَذَّةٍ في غَيْرِها.
اللَّطِيفَةُ الثّانِيَةُ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ العَبْدَ مُحَكَّمٌ في الآخِرَةِ كَما قالَ تَعالى: ﴿لَهم فِيها فاكِهَةٌ ولَهم ما يَدَّعُونَ﴾ وذَلِكَ لِأنّا بَيَّنّا أنَّ الإحْسانَ هو الإتْيانُ بِما هو حَسَنٌ عِنْدَ مَن أتى بِالإحْسانِ، لَكِنَّ اللَّهَ لَمّا طَلَبَ مِنّا العِبادَةَ طَلَبَ كَما أرادَ، فَأتى بِهِ المُؤْمِنُ كَما طُلِبَ مِنهُ، فَصارَ مُحْسِنًا فَهَذا يَقْتَضِي أنْ يُحْسِنَ اللَّهُ إلى عَبْدِهِ ويَأْتِي بِما هو حَسَنٌ عِنْدَهُ، وهو ما يَطْلُبُهُ كَما يُرِيدُ فَكَأنَّهُ قالَ: ﴿هَلْ جَزاءُ الإحْسانِ﴾ أيْ هَلْ جَزاءُ مَن أتى بِما طَلَبْتُهُ مِنهُ عَلى حَسَبِ إرادَتِي إلّا أنْ يُؤْتى بِما طَلَبَهُ مِنِّي عَلى حَسَبِ إرادَتِهِ، لَكِنَّ الإرادَةَ مُتَعَلِّقَةٌ بِالرُّؤْيَةِ، فَيَجِبُ بِحُكْمِ الوَعْدِ أنْ تَكُونَ هَذِهِ آيَةً دالَّةً عَلى الرُّؤْيَةِ البَلْكَفِيَّةِ.
اللَّطِيفَةُ الثّالِثَةُ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ ما يَفْرِضُهُ الإنْسانُ مِن أنْواعِ الإحْسانِ مِنَ اللَّهِ تَعالى فَهو دُونَ الإحْسانِ الَّذِي وعَدَ اللَّهُ تَعالى بِهِ لِأنَّ الكَرِيمَ إذا قالَ لِلْفَقِيرِ: افْعَلْ كَذا ولَكَ كَذا دِينارًا، وقالَ لِغَيْرِهِ افْعَلْ كَذا عَلى أنْ أُحْسِنَ إلَيْكَ يَكُونُ رَجاءُ مَن لَمْ يُعَيِّنْ لَهُ أجْرًا أكْثَرُ مِن رَجاءِ مَن عَيَّنَ لَهُ، هَذا إذا كانَ الكَرِيمُ في غايَةِ الكَرَمِ ونِهايَةِ الغِنى، إذا ثَبَتَ هَذا فاللَّهُ تَعالى قالَ: جَزاءُ مَن أحْسَنَ إلَيَّ أنْ أُحْسِنَ إلَيْهِ بِما يُغْبَطُ بِهِ، وأُوصِلُ إلَيْهِ فَوْقَ ما يَشْتَهِيهِ، فالَّذِي يُعْطِي اللَّهُ فَوْقَ ما يَرْجُوهُ وذَلِكَ عَلى وفْقِ كَرَمِهِ وإفْضالِهِ.
الرحمن 55:62
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ومِن دُونِهِما جَنَّتانِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿مُدْهامَّتانِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿فِيهِما عَيْنانِ نَضّاخَتانِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ لَمّا ذَكَرَ الجَزاءَ ذَكَرَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ وهو جَنَّتانِ أُخْرَيانِ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى وزِيادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿دُونِهِما﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: دُونِهِما في الشَّرَفِ، وهو ما اخْتارَهُ صاحِبُ الكَشّافِ وقالَ قَوْلُهُ: ﴿مُدْهامَّتانِ﴾ مَعَ قَوْلِهِ في الأُولَيَيْنِ: ﴿ذَواتا أفْنانٍ﴾ وقَوْلُهُ في هَذِهِ: ﴿عَيْنانِ نَضّاخَتانِ﴾ مَعَ قَوْلِهِ في الأُولَيَيْنِ: ﴿عَيْنانِ تَجْرِيانِ﴾ لِأنَّ النَّضْخَ دُونَ الجَرْيِ، وقَوْلُهُ في الأُولَيَيْنِ: ﴿مِن كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ﴾ مَعَ قَوْلِهِ في هاتَيْنِ: ﴿فاكِهَةٌ ونَخْلٌ ورُمّانٌ﴾ وقَوْلُهُ في الأُولَيَيْنِ: ﴿فُرُشٍ بَطائِنُها مِن إسْتَبْرَقٍ﴾ حَيْثُ تَرَكَ ذِكْرَ الظَّهائِرِ لِعُلُوِّها ورِفْعَتِها وعَدَمِ إدْراكِ العُقُولِ إيّاها مَعَ قَوْلِهِ في هاتَيْنِ: ﴿رَفْرَفٍ خُضْرٍ﴾ [الرحمن: ٧٦] دَلِيلٌ عَلَيْهِ، ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: هَذا ضَعِيفٌ لِأنَّ عَطايا اللَّهِ في الآخِرَةِ
صفحة ١١٧
مُتَتابِعَةٌ لا يُعْطِي شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ إلّا ويَظُنُّ الظّانُّ أنَّهُ ذَلِكَ أوْ خَيْرٌ مِنهُ. ويُمْكِنُ أنْ يُجابَ عَنْهُ تَقْرِيرًا لِما اخْتارَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ أنَّ الجَنَّتَيْنِ اللَّتَيْنِ دُونَ الأُولَيَيْنِ لِذُرِّيَتِهِمُ الَّذِينَ ألْحَقَهُمُ اللَّهُ بِهِمْ ولِأتْباعِهِمْ، ولَكِنَّهُ إنَّما جَعَلَهُما لَهم إنْعامًا عَلَيْهِمْ، أيْ هاتانِ الأُخْرَيانِ لَكم أسْكِنُوا فِيهِما مَن تُرِيدُونَ. الثّانِي: أنَّ المُرادَ دُونَهُما في المَكانِ كَأنَّهم في جَنَّتَيْنِ ويَطَّلِعُوا مِن فَوْقُ عَلى جَنَّتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ دُونَهُما، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿غُرَفٌ مِن فَوْقِها غُرَفٌ﴾ [الزمر: ٢٠] الآيَةَ. والغُرَفُ العالِيَةُ عِنْدَها أفْنانٌ، والغُرَفُ الَّتِي دُونَها أرْضُها مُخْضَرَّةٌ، وعَلى هَذا فَفي الآياتِ لَطائِفُ:
الأُولى: قالَ في الأُولَيَيْنِ: ﴿ذَواتا أفْنانٍ﴾ وقالَ في هاتَيْنِ: ﴿مُدْهامَّتانِ﴾ أيْ مُخْضَرَّتانِ في غايَةِ الخُضْرَةِ، وادْهامَّ الشَّيْءُ أيِ اسْوادَّ لَكِنْ لا يُسْتَعْمَلُ في بَعْضِ الأشْياءِ والأرْضُ إذا اخْضَرَّتْ غايَةَ الخُضْرَةِ تَضْرِبُ إلى أسْوَدَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: الأرْضُ الخالِيَةُ عَنِ الزَّرْعِ يُقالُ لَها: بَياضٌ، وإذا كانَتْ مَعْمُورَةً يُقالُ لَها: سَوادُ أرْضٍ كَما يُقالُ: سَوادُ البَلَدِ، وقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «عَلَيْكم بِالسَّوادِ الأعْظَمِ ومَن كَثَّرَ سَوادَ قَوْمٍ فَهو مِنهم» والتَّحْقِيقُ فِيهِ أنَّ ابْتِداءَ الألْوانِ هو البَياضُ وانْتِهاءَها هو السَّوادُ، فَإنَّ الأبْيَضَ يَقْبَلُ كُلَّ لَوْنٍ، والأسْوَدَ لا يَقْبَلُ شَيْئًا مِنَ الألْوانِ، ولِهَذا يُطْلَقُ الكافِرُ عَلى الأسْوَدِ، ولا يُطْلَقُ عَلى لَوْنٍ آخَرَ، ولَمّا كانَتِ الخالِيَةُ عَنِ الزَّرْعِ مُتَّصِفَةً بِالبَياضِ والخالِيَةُ بِالسَّوادِ فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُما تَحْتَ الأُولَيَيْنِ مَكانًا، فَهم إذا نَظَرُوا إلى ما فَوْقَهم، يَرَوْنَ الأفْنانَ تُظِلُّهم، وإذا نَظَرُوا إلى ما تَحْتَهم يَرَوْنَ الأرْضَ مُخْضَرَّةً، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِيهِما عَيْنانِ نَضّاخَتانِ﴾ أيْ فائِرَتانِ ماؤُهُما مُتَحَرِّكٌ إلى جِهَةِ فَوْقُ، وأمّا العَيْنانِ المُتَقَدِّمَتانِ فَتَجْرِيانِ إلى صَوْبِ المُؤْمِنِينَ فَكِلاهُما حَرَكَتُهُما إلى جِهَةِ مَكانِ أهْلِ الإيمانِ، وأمّا قَوْلُ صاحِبِ الكَشّافِ: النَّضْخُ دُونَ الجَرْيِ فَغَيْرُ لازِمٍ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ الجَرْيُ يَسِيرًا والنَّضْخُ قَوِيًّا كَثِيرًا، بَلِ المُرادُ أنَّ النَّضْخَ فِيهِ الحَرَكَةُ إلى جِهَةِ العُلُوِّ، والعَيْنانِ في مَكانِ المُؤْمِنِينَ، فَحَرَكَةُ الماءِ تَكُونُ إلى جِهَتِهِمْ، فالعَيْنانِ الأُولَيانِ في مَكانِهِمْ فَتَكُونُ حَرَكَةُ مائِهِما إلى صَوْبِ المُؤْمِنِينَ جَرْيًا.
الرحمن 55:63
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ومِن دُونِهِما جَنَّتانِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿مُدْهامَّتانِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿فِيهِما عَيْنانِ نَضّاخَتانِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ لَمّا ذَكَرَ الجَزاءَ ذَكَرَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ وهو جَنَّتانِ أُخْرَيانِ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى وزِيادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿دُونِهِما﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: دُونِهِما في الشَّرَفِ، وهو ما اخْتارَهُ صاحِبُ الكَشّافِ وقالَ قَوْلُهُ: ﴿مُدْهامَّتانِ﴾ مَعَ قَوْلِهِ في الأُولَيَيْنِ: ﴿ذَواتا أفْنانٍ﴾ وقَوْلُهُ في هَذِهِ: ﴿عَيْنانِ نَضّاخَتانِ﴾ مَعَ قَوْلِهِ في الأُولَيَيْنِ: ﴿عَيْنانِ تَجْرِيانِ﴾ لِأنَّ النَّضْخَ دُونَ الجَرْيِ، وقَوْلُهُ في الأُولَيَيْنِ: ﴿مِن كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ﴾ مَعَ قَوْلِهِ في هاتَيْنِ: ﴿فاكِهَةٌ ونَخْلٌ ورُمّانٌ﴾ وقَوْلُهُ في الأُولَيَيْنِ: ﴿فُرُشٍ بَطائِنُها مِن إسْتَبْرَقٍ﴾ حَيْثُ تَرَكَ ذِكْرَ الظَّهائِرِ لِعُلُوِّها ورِفْعَتِها وعَدَمِ إدْراكِ العُقُولِ إيّاها مَعَ قَوْلِهِ في هاتَيْنِ: ﴿رَفْرَفٍ خُضْرٍ﴾ [الرحمن: ٧٦] دَلِيلٌ عَلَيْهِ، ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: هَذا ضَعِيفٌ لِأنَّ عَطايا اللَّهِ في الآخِرَةِ
صفحة ١١٧
مُتَتابِعَةٌ لا يُعْطِي شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ إلّا ويَظُنُّ الظّانُّ أنَّهُ ذَلِكَ أوْ خَيْرٌ مِنهُ. ويُمْكِنُ أنْ يُجابَ عَنْهُ تَقْرِيرًا لِما اخْتارَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ أنَّ الجَنَّتَيْنِ اللَّتَيْنِ دُونَ الأُولَيَيْنِ لِذُرِّيَتِهِمُ الَّذِينَ ألْحَقَهُمُ اللَّهُ بِهِمْ ولِأتْباعِهِمْ، ولَكِنَّهُ إنَّما جَعَلَهُما لَهم إنْعامًا عَلَيْهِمْ، أيْ هاتانِ الأُخْرَيانِ لَكم أسْكِنُوا فِيهِما مَن تُرِيدُونَ. الثّانِي: أنَّ المُرادَ دُونَهُما في المَكانِ كَأنَّهم في جَنَّتَيْنِ ويَطَّلِعُوا مِن فَوْقُ عَلى جَنَّتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ دُونَهُما، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿غُرَفٌ مِن فَوْقِها غُرَفٌ﴾ [الزمر: ٢٠] الآيَةَ. والغُرَفُ العالِيَةُ عِنْدَها أفْنانٌ، والغُرَفُ الَّتِي دُونَها أرْضُها مُخْضَرَّةٌ، وعَلى هَذا فَفي الآياتِ لَطائِفُ:
الأُولى: قالَ في الأُولَيَيْنِ: ﴿ذَواتا أفْنانٍ﴾ وقالَ في هاتَيْنِ: ﴿مُدْهامَّتانِ﴾ أيْ مُخْضَرَّتانِ في غايَةِ الخُضْرَةِ، وادْهامَّ الشَّيْءُ أيِ اسْوادَّ لَكِنْ لا يُسْتَعْمَلُ في بَعْضِ الأشْياءِ والأرْضُ إذا اخْضَرَّتْ غايَةَ الخُضْرَةِ تَضْرِبُ إلى أسْوَدَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: الأرْضُ الخالِيَةُ عَنِ الزَّرْعِ يُقالُ لَها: بَياضٌ، وإذا كانَتْ مَعْمُورَةً يُقالُ لَها: سَوادُ أرْضٍ كَما يُقالُ: سَوادُ البَلَدِ، وقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «عَلَيْكم بِالسَّوادِ الأعْظَمِ ومَن كَثَّرَ سَوادَ قَوْمٍ فَهو مِنهم» والتَّحْقِيقُ فِيهِ أنَّ ابْتِداءَ الألْوانِ هو البَياضُ وانْتِهاءَها هو السَّوادُ، فَإنَّ الأبْيَضَ يَقْبَلُ كُلَّ لَوْنٍ، والأسْوَدَ لا يَقْبَلُ شَيْئًا مِنَ الألْوانِ، ولِهَذا يُطْلَقُ الكافِرُ عَلى الأسْوَدِ، ولا يُطْلَقُ عَلى لَوْنٍ آخَرَ، ولَمّا كانَتِ الخالِيَةُ عَنِ الزَّرْعِ مُتَّصِفَةً بِالبَياضِ والخالِيَةُ بِالسَّوادِ فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُما تَحْتَ الأُولَيَيْنِ مَكانًا، فَهم إذا نَظَرُوا إلى ما فَوْقَهم، يَرَوْنَ الأفْنانَ تُظِلُّهم، وإذا نَظَرُوا إلى ما تَحْتَهم يَرَوْنَ الأرْضَ مُخْضَرَّةً، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِيهِما عَيْنانِ نَضّاخَتانِ﴾ أيْ فائِرَتانِ ماؤُهُما مُتَحَرِّكٌ إلى جِهَةِ فَوْقُ، وأمّا العَيْنانِ المُتَقَدِّمَتانِ فَتَجْرِيانِ إلى صَوْبِ المُؤْمِنِينَ فَكِلاهُما حَرَكَتُهُما إلى جِهَةِ مَكانِ أهْلِ الإيمانِ، وأمّا قَوْلُ صاحِبِ الكَشّافِ: النَّضْخُ دُونَ الجَرْيِ فَغَيْرُ لازِمٍ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ الجَرْيُ يَسِيرًا والنَّضْخُ قَوِيًّا كَثِيرًا، بَلِ المُرادُ أنَّ النَّضْخَ فِيهِ الحَرَكَةُ إلى جِهَةِ العُلُوِّ، والعَيْنانِ في مَكانِ المُؤْمِنِينَ، فَحَرَكَةُ الماءِ تَكُونُ إلى جِهَتِهِمْ، فالعَيْنانِ الأُولَيانِ في مَكانِهِمْ فَتَكُونُ حَرَكَةُ مائِهِما إلى صَوْبِ المُؤْمِنِينَ جَرْيًا.
الرحمن 55:64
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ومِن دُونِهِما جَنَّتانِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿مُدْهامَّتانِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿فِيهِما عَيْنانِ نَضّاخَتانِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ لَمّا ذَكَرَ الجَزاءَ ذَكَرَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ وهو جَنَّتانِ أُخْرَيانِ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى وزِيادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿دُونِهِما﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: دُونِهِما في الشَّرَفِ، وهو ما اخْتارَهُ صاحِبُ الكَشّافِ وقالَ قَوْلُهُ: ﴿مُدْهامَّتانِ﴾ مَعَ قَوْلِهِ في الأُولَيَيْنِ: ﴿ذَواتا أفْنانٍ﴾ وقَوْلُهُ في هَذِهِ: ﴿عَيْنانِ نَضّاخَتانِ﴾ مَعَ قَوْلِهِ في الأُولَيَيْنِ: ﴿عَيْنانِ تَجْرِيانِ﴾ لِأنَّ النَّضْخَ دُونَ الجَرْيِ، وقَوْلُهُ في الأُولَيَيْنِ: ﴿مِن كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ﴾ مَعَ قَوْلِهِ في هاتَيْنِ: ﴿فاكِهَةٌ ونَخْلٌ ورُمّانٌ﴾ وقَوْلُهُ في الأُولَيَيْنِ: ﴿فُرُشٍ بَطائِنُها مِن إسْتَبْرَقٍ﴾ حَيْثُ تَرَكَ ذِكْرَ الظَّهائِرِ لِعُلُوِّها ورِفْعَتِها وعَدَمِ إدْراكِ العُقُولِ إيّاها مَعَ قَوْلِهِ في هاتَيْنِ: ﴿رَفْرَفٍ خُضْرٍ﴾ [الرحمن: ٧٦] دَلِيلٌ عَلَيْهِ، ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: هَذا ضَعِيفٌ لِأنَّ عَطايا اللَّهِ في الآخِرَةِ
صفحة ١١٧
مُتَتابِعَةٌ لا يُعْطِي شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ إلّا ويَظُنُّ الظّانُّ أنَّهُ ذَلِكَ أوْ خَيْرٌ مِنهُ. ويُمْكِنُ أنْ يُجابَ عَنْهُ تَقْرِيرًا لِما اخْتارَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ أنَّ الجَنَّتَيْنِ اللَّتَيْنِ دُونَ الأُولَيَيْنِ لِذُرِّيَتِهِمُ الَّذِينَ ألْحَقَهُمُ اللَّهُ بِهِمْ ولِأتْباعِهِمْ، ولَكِنَّهُ إنَّما جَعَلَهُما لَهم إنْعامًا عَلَيْهِمْ، أيْ هاتانِ الأُخْرَيانِ لَكم أسْكِنُوا فِيهِما مَن تُرِيدُونَ. الثّانِي: أنَّ المُرادَ دُونَهُما في المَكانِ كَأنَّهم في جَنَّتَيْنِ ويَطَّلِعُوا مِن فَوْقُ عَلى جَنَّتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ دُونَهُما، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿غُرَفٌ مِن فَوْقِها غُرَفٌ﴾ [الزمر: ٢٠] الآيَةَ. والغُرَفُ العالِيَةُ عِنْدَها أفْنانٌ، والغُرَفُ الَّتِي دُونَها أرْضُها مُخْضَرَّةٌ، وعَلى هَذا فَفي الآياتِ لَطائِفُ:
الأُولى: قالَ في الأُولَيَيْنِ: ﴿ذَواتا أفْنانٍ﴾ وقالَ في هاتَيْنِ: ﴿مُدْهامَّتانِ﴾ أيْ مُخْضَرَّتانِ في غايَةِ الخُضْرَةِ، وادْهامَّ الشَّيْءُ أيِ اسْوادَّ لَكِنْ لا يُسْتَعْمَلُ في بَعْضِ الأشْياءِ والأرْضُ إذا اخْضَرَّتْ غايَةَ الخُضْرَةِ تَضْرِبُ إلى أسْوَدَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: الأرْضُ الخالِيَةُ عَنِ الزَّرْعِ يُقالُ لَها: بَياضٌ، وإذا كانَتْ مَعْمُورَةً يُقالُ لَها: سَوادُ أرْضٍ كَما يُقالُ: سَوادُ البَلَدِ، وقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «عَلَيْكم بِالسَّوادِ الأعْظَمِ ومَن كَثَّرَ سَوادَ قَوْمٍ فَهو مِنهم» والتَّحْقِيقُ فِيهِ أنَّ ابْتِداءَ الألْوانِ هو البَياضُ وانْتِهاءَها هو السَّوادُ، فَإنَّ الأبْيَضَ يَقْبَلُ كُلَّ لَوْنٍ، والأسْوَدَ لا يَقْبَلُ شَيْئًا مِنَ الألْوانِ، ولِهَذا يُطْلَقُ الكافِرُ عَلى الأسْوَدِ، ولا يُطْلَقُ عَلى لَوْنٍ آخَرَ، ولَمّا كانَتِ الخالِيَةُ عَنِ الزَّرْعِ مُتَّصِفَةً بِالبَياضِ والخالِيَةُ بِالسَّوادِ فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُما تَحْتَ الأُولَيَيْنِ مَكانًا، فَهم إذا نَظَرُوا إلى ما فَوْقَهم، يَرَوْنَ الأفْنانَ تُظِلُّهم، وإذا نَظَرُوا إلى ما تَحْتَهم يَرَوْنَ الأرْضَ مُخْضَرَّةً، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِيهِما عَيْنانِ نَضّاخَتانِ﴾ أيْ فائِرَتانِ ماؤُهُما مُتَحَرِّكٌ إلى جِهَةِ فَوْقُ، وأمّا العَيْنانِ المُتَقَدِّمَتانِ فَتَجْرِيانِ إلى صَوْبِ المُؤْمِنِينَ فَكِلاهُما حَرَكَتُهُما إلى جِهَةِ مَكانِ أهْلِ الإيمانِ، وأمّا قَوْلُ صاحِبِ الكَشّافِ: النَّضْخُ دُونَ الجَرْيِ فَغَيْرُ لازِمٍ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ الجَرْيُ يَسِيرًا والنَّضْخُ قَوِيًّا كَثِيرًا، بَلِ المُرادُ أنَّ النَّضْخَ فِيهِ الحَرَكَةُ إلى جِهَةِ العُلُوِّ، والعَيْنانِ في مَكانِ المُؤْمِنِينَ، فَحَرَكَةُ الماءِ تَكُونُ إلى جِهَتِهِمْ، فالعَيْنانِ الأُولَيانِ في مَكانِهِمْ فَتَكُونُ حَرَكَةُ مائِهِما إلى صَوْبِ المُؤْمِنِينَ جَرْيًا.
الرحمن 55:65
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ومِن دُونِهِما جَنَّتانِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿مُدْهامَّتانِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿فِيهِما عَيْنانِ نَضّاخَتانِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ لَمّا ذَكَرَ الجَزاءَ ذَكَرَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ وهو جَنَّتانِ أُخْرَيانِ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى وزِيادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿دُونِهِما﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: دُونِهِما في الشَّرَفِ، وهو ما اخْتارَهُ صاحِبُ الكَشّافِ وقالَ قَوْلُهُ: ﴿مُدْهامَّتانِ﴾ مَعَ قَوْلِهِ في الأُولَيَيْنِ: ﴿ذَواتا أفْنانٍ﴾ وقَوْلُهُ في هَذِهِ: ﴿عَيْنانِ نَضّاخَتانِ﴾ مَعَ قَوْلِهِ في الأُولَيَيْنِ: ﴿عَيْنانِ تَجْرِيانِ﴾ لِأنَّ النَّضْخَ دُونَ الجَرْيِ، وقَوْلُهُ في الأُولَيَيْنِ: ﴿مِن كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ﴾ مَعَ قَوْلِهِ في هاتَيْنِ: ﴿فاكِهَةٌ ونَخْلٌ ورُمّانٌ﴾ وقَوْلُهُ في الأُولَيَيْنِ: ﴿فُرُشٍ بَطائِنُها مِن إسْتَبْرَقٍ﴾ حَيْثُ تَرَكَ ذِكْرَ الظَّهائِرِ لِعُلُوِّها ورِفْعَتِها وعَدَمِ إدْراكِ العُقُولِ إيّاها مَعَ قَوْلِهِ في هاتَيْنِ: ﴿رَفْرَفٍ خُضْرٍ﴾ [الرحمن: ٧٦] دَلِيلٌ عَلَيْهِ، ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: هَذا ضَعِيفٌ لِأنَّ عَطايا اللَّهِ في الآخِرَةِ
صفحة ١١٧
مُتَتابِعَةٌ لا يُعْطِي شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ إلّا ويَظُنُّ الظّانُّ أنَّهُ ذَلِكَ أوْ خَيْرٌ مِنهُ. ويُمْكِنُ أنْ يُجابَ عَنْهُ تَقْرِيرًا لِما اخْتارَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ أنَّ الجَنَّتَيْنِ اللَّتَيْنِ دُونَ الأُولَيَيْنِ لِذُرِّيَتِهِمُ الَّذِينَ ألْحَقَهُمُ اللَّهُ بِهِمْ ولِأتْباعِهِمْ، ولَكِنَّهُ إنَّما جَعَلَهُما لَهم إنْعامًا عَلَيْهِمْ، أيْ هاتانِ الأُخْرَيانِ لَكم أسْكِنُوا فِيهِما مَن تُرِيدُونَ. الثّانِي: أنَّ المُرادَ دُونَهُما في المَكانِ كَأنَّهم في جَنَّتَيْنِ ويَطَّلِعُوا مِن فَوْقُ عَلى جَنَّتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ دُونَهُما، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿غُرَفٌ مِن فَوْقِها غُرَفٌ﴾ [الزمر: ٢٠] الآيَةَ. والغُرَفُ العالِيَةُ عِنْدَها أفْنانٌ، والغُرَفُ الَّتِي دُونَها أرْضُها مُخْضَرَّةٌ، وعَلى هَذا فَفي الآياتِ لَطائِفُ:
الأُولى: قالَ في الأُولَيَيْنِ: ﴿ذَواتا أفْنانٍ﴾ وقالَ في هاتَيْنِ: ﴿مُدْهامَّتانِ﴾ أيْ مُخْضَرَّتانِ في غايَةِ الخُضْرَةِ، وادْهامَّ الشَّيْءُ أيِ اسْوادَّ لَكِنْ لا يُسْتَعْمَلُ في بَعْضِ الأشْياءِ والأرْضُ إذا اخْضَرَّتْ غايَةَ الخُضْرَةِ تَضْرِبُ إلى أسْوَدَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: الأرْضُ الخالِيَةُ عَنِ الزَّرْعِ يُقالُ لَها: بَياضٌ، وإذا كانَتْ مَعْمُورَةً يُقالُ لَها: سَوادُ أرْضٍ كَما يُقالُ: سَوادُ البَلَدِ، وقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «عَلَيْكم بِالسَّوادِ الأعْظَمِ ومَن كَثَّرَ سَوادَ قَوْمٍ فَهو مِنهم» والتَّحْقِيقُ فِيهِ أنَّ ابْتِداءَ الألْوانِ هو البَياضُ وانْتِهاءَها هو السَّوادُ، فَإنَّ الأبْيَضَ يَقْبَلُ كُلَّ لَوْنٍ، والأسْوَدَ لا يَقْبَلُ شَيْئًا مِنَ الألْوانِ، ولِهَذا يُطْلَقُ الكافِرُ عَلى الأسْوَدِ، ولا يُطْلَقُ عَلى لَوْنٍ آخَرَ، ولَمّا كانَتِ الخالِيَةُ عَنِ الزَّرْعِ مُتَّصِفَةً بِالبَياضِ والخالِيَةُ بِالسَّوادِ فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُما تَحْتَ الأُولَيَيْنِ مَكانًا، فَهم إذا نَظَرُوا إلى ما فَوْقَهم، يَرَوْنَ الأفْنانَ تُظِلُّهم، وإذا نَظَرُوا إلى ما تَحْتَهم يَرَوْنَ الأرْضَ مُخْضَرَّةً، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِيهِما عَيْنانِ نَضّاخَتانِ﴾ أيْ فائِرَتانِ ماؤُهُما مُتَحَرِّكٌ إلى جِهَةِ فَوْقُ، وأمّا العَيْنانِ المُتَقَدِّمَتانِ فَتَجْرِيانِ إلى صَوْبِ المُؤْمِنِينَ فَكِلاهُما حَرَكَتُهُما إلى جِهَةِ مَكانِ أهْلِ الإيمانِ، وأمّا قَوْلُ صاحِبِ الكَشّافِ: النَّضْخُ دُونَ الجَرْيِ فَغَيْرُ لازِمٍ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ الجَرْيُ يَسِيرًا والنَّضْخُ قَوِيًّا كَثِيرًا، بَلِ المُرادُ أنَّ النَّضْخَ فِيهِ الحَرَكَةُ إلى جِهَةِ العُلُوِّ، والعَيْنانِ في مَكانِ المُؤْمِنِينَ، فَحَرَكَةُ الماءِ تَكُونُ إلى جِهَتِهِمْ، فالعَيْنانِ الأُولَيانِ في مَكانِهِمْ فَتَكُونُ حَرَكَةُ مائِهِما إلى صَوْبِ المُؤْمِنِينَ جَرْيًا.
الرحمن 55:66
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ومِن دُونِهِما جَنَّتانِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿مُدْهامَّتانِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿فِيهِما عَيْنانِ نَضّاخَتانِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ لَمّا ذَكَرَ الجَزاءَ ذَكَرَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ وهو جَنَّتانِ أُخْرَيانِ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى وزِيادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿دُونِهِما﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: دُونِهِما في الشَّرَفِ، وهو ما اخْتارَهُ صاحِبُ الكَشّافِ وقالَ قَوْلُهُ: ﴿مُدْهامَّتانِ﴾ مَعَ قَوْلِهِ في الأُولَيَيْنِ: ﴿ذَواتا أفْنانٍ﴾ وقَوْلُهُ في هَذِهِ: ﴿عَيْنانِ نَضّاخَتانِ﴾ مَعَ قَوْلِهِ في الأُولَيَيْنِ: ﴿عَيْنانِ تَجْرِيانِ﴾ لِأنَّ النَّضْخَ دُونَ الجَرْيِ، وقَوْلُهُ في الأُولَيَيْنِ: ﴿مِن كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ﴾ مَعَ قَوْلِهِ في هاتَيْنِ: ﴿فاكِهَةٌ ونَخْلٌ ورُمّانٌ﴾ وقَوْلُهُ في الأُولَيَيْنِ: ﴿فُرُشٍ بَطائِنُها مِن إسْتَبْرَقٍ﴾ حَيْثُ تَرَكَ ذِكْرَ الظَّهائِرِ لِعُلُوِّها ورِفْعَتِها وعَدَمِ إدْراكِ العُقُولِ إيّاها مَعَ قَوْلِهِ في هاتَيْنِ: ﴿رَفْرَفٍ خُضْرٍ﴾ [الرحمن: ٧٦] دَلِيلٌ عَلَيْهِ، ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: هَذا ضَعِيفٌ لِأنَّ عَطايا اللَّهِ في الآخِرَةِ
صفحة ١١٧
مُتَتابِعَةٌ لا يُعْطِي شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ إلّا ويَظُنُّ الظّانُّ أنَّهُ ذَلِكَ أوْ خَيْرٌ مِنهُ. ويُمْكِنُ أنْ يُجابَ عَنْهُ تَقْرِيرًا لِما اخْتارَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ أنَّ الجَنَّتَيْنِ اللَّتَيْنِ دُونَ الأُولَيَيْنِ لِذُرِّيَتِهِمُ الَّذِينَ ألْحَقَهُمُ اللَّهُ بِهِمْ ولِأتْباعِهِمْ، ولَكِنَّهُ إنَّما جَعَلَهُما لَهم إنْعامًا عَلَيْهِمْ، أيْ هاتانِ الأُخْرَيانِ لَكم أسْكِنُوا فِيهِما مَن تُرِيدُونَ. الثّانِي: أنَّ المُرادَ دُونَهُما في المَكانِ كَأنَّهم في جَنَّتَيْنِ ويَطَّلِعُوا مِن فَوْقُ عَلى جَنَّتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ دُونَهُما، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿غُرَفٌ مِن فَوْقِها غُرَفٌ﴾ [الزمر: ٢٠] الآيَةَ. والغُرَفُ العالِيَةُ عِنْدَها أفْنانٌ، والغُرَفُ الَّتِي دُونَها أرْضُها مُخْضَرَّةٌ، وعَلى هَذا فَفي الآياتِ لَطائِفُ:
الأُولى: قالَ في الأُولَيَيْنِ: ﴿ذَواتا أفْنانٍ﴾ وقالَ في هاتَيْنِ: ﴿مُدْهامَّتانِ﴾ أيْ مُخْضَرَّتانِ في غايَةِ الخُضْرَةِ، وادْهامَّ الشَّيْءُ أيِ اسْوادَّ لَكِنْ لا يُسْتَعْمَلُ في بَعْضِ الأشْياءِ والأرْضُ إذا اخْضَرَّتْ غايَةَ الخُضْرَةِ تَضْرِبُ إلى أسْوَدَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: الأرْضُ الخالِيَةُ عَنِ الزَّرْعِ يُقالُ لَها: بَياضٌ، وإذا كانَتْ مَعْمُورَةً يُقالُ لَها: سَوادُ أرْضٍ كَما يُقالُ: سَوادُ البَلَدِ، وقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «عَلَيْكم بِالسَّوادِ الأعْظَمِ ومَن كَثَّرَ سَوادَ قَوْمٍ فَهو مِنهم» والتَّحْقِيقُ فِيهِ أنَّ ابْتِداءَ الألْوانِ هو البَياضُ وانْتِهاءَها هو السَّوادُ، فَإنَّ الأبْيَضَ يَقْبَلُ كُلَّ لَوْنٍ، والأسْوَدَ لا يَقْبَلُ شَيْئًا مِنَ الألْوانِ، ولِهَذا يُطْلَقُ الكافِرُ عَلى الأسْوَدِ، ولا يُطْلَقُ عَلى لَوْنٍ آخَرَ، ولَمّا كانَتِ الخالِيَةُ عَنِ الزَّرْعِ مُتَّصِفَةً بِالبَياضِ والخالِيَةُ بِالسَّوادِ فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُما تَحْتَ الأُولَيَيْنِ مَكانًا، فَهم إذا نَظَرُوا إلى ما فَوْقَهم، يَرَوْنَ الأفْنانَ تُظِلُّهم، وإذا نَظَرُوا إلى ما تَحْتَهم يَرَوْنَ الأرْضَ مُخْضَرَّةً، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِيهِما عَيْنانِ نَضّاخَتانِ﴾ أيْ فائِرَتانِ ماؤُهُما مُتَحَرِّكٌ إلى جِهَةِ فَوْقُ، وأمّا العَيْنانِ المُتَقَدِّمَتانِ فَتَجْرِيانِ إلى صَوْبِ المُؤْمِنِينَ فَكِلاهُما حَرَكَتُهُما إلى جِهَةِ مَكانِ أهْلِ الإيمانِ، وأمّا قَوْلُ صاحِبِ الكَشّافِ: النَّضْخُ دُونَ الجَرْيِ فَغَيْرُ لازِمٍ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ الجَرْيُ يَسِيرًا والنَّضْخُ قَوِيًّا كَثِيرًا، بَلِ المُرادُ أنَّ النَّضْخَ فِيهِ الحَرَكَةُ إلى جِهَةِ العُلُوِّ، والعَيْنانِ في مَكانِ المُؤْمِنِينَ، فَحَرَكَةُ الماءِ تَكُونُ إلى جِهَتِهِمْ، فالعَيْنانِ الأُولَيانِ في مَكانِهِمْ فَتَكُونُ حَرَكَةُ مائِهِما إلى صَوْبِ المُؤْمِنِينَ جَرْيًا.
الرحمن 55:67
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ومِن دُونِهِما جَنَّتانِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿مُدْهامَّتانِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿فِيهِما عَيْنانِ نَضّاخَتانِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ لَمّا ذَكَرَ الجَزاءَ ذَكَرَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ وهو جَنَّتانِ أُخْرَيانِ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى وزِيادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿دُونِهِما﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: دُونِهِما في الشَّرَفِ، وهو ما اخْتارَهُ صاحِبُ الكَشّافِ وقالَ قَوْلُهُ: ﴿مُدْهامَّتانِ﴾ مَعَ قَوْلِهِ في الأُولَيَيْنِ: ﴿ذَواتا أفْنانٍ﴾ وقَوْلُهُ في هَذِهِ: ﴿عَيْنانِ نَضّاخَتانِ﴾ مَعَ قَوْلِهِ في الأُولَيَيْنِ: ﴿عَيْنانِ تَجْرِيانِ﴾ لِأنَّ النَّضْخَ دُونَ الجَرْيِ، وقَوْلُهُ في الأُولَيَيْنِ: ﴿مِن كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ﴾ مَعَ قَوْلِهِ في هاتَيْنِ: ﴿فاكِهَةٌ ونَخْلٌ ورُمّانٌ﴾ وقَوْلُهُ في الأُولَيَيْنِ: ﴿فُرُشٍ بَطائِنُها مِن إسْتَبْرَقٍ﴾ حَيْثُ تَرَكَ ذِكْرَ الظَّهائِرِ لِعُلُوِّها ورِفْعَتِها وعَدَمِ إدْراكِ العُقُولِ إيّاها مَعَ قَوْلِهِ في هاتَيْنِ: ﴿رَفْرَفٍ خُضْرٍ﴾ [الرحمن: ٧٦] دَلِيلٌ عَلَيْهِ، ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: هَذا ضَعِيفٌ لِأنَّ عَطايا اللَّهِ في الآخِرَةِ
صفحة ١١٧
مُتَتابِعَةٌ لا يُعْطِي شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ إلّا ويَظُنُّ الظّانُّ أنَّهُ ذَلِكَ أوْ خَيْرٌ مِنهُ. ويُمْكِنُ أنْ يُجابَ عَنْهُ تَقْرِيرًا لِما اخْتارَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ أنَّ الجَنَّتَيْنِ اللَّتَيْنِ دُونَ الأُولَيَيْنِ لِذُرِّيَتِهِمُ الَّذِينَ ألْحَقَهُمُ اللَّهُ بِهِمْ ولِأتْباعِهِمْ، ولَكِنَّهُ إنَّما جَعَلَهُما لَهم إنْعامًا عَلَيْهِمْ، أيْ هاتانِ الأُخْرَيانِ لَكم أسْكِنُوا فِيهِما مَن تُرِيدُونَ. الثّانِي: أنَّ المُرادَ دُونَهُما في المَكانِ كَأنَّهم في جَنَّتَيْنِ ويَطَّلِعُوا مِن فَوْقُ عَلى جَنَّتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ دُونَهُما، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿غُرَفٌ مِن فَوْقِها غُرَفٌ﴾ [الزمر: ٢٠] الآيَةَ. والغُرَفُ العالِيَةُ عِنْدَها أفْنانٌ، والغُرَفُ الَّتِي دُونَها أرْضُها مُخْضَرَّةٌ، وعَلى هَذا فَفي الآياتِ لَطائِفُ:
الأُولى: قالَ في الأُولَيَيْنِ: ﴿ذَواتا أفْنانٍ﴾ وقالَ في هاتَيْنِ: ﴿مُدْهامَّتانِ﴾ أيْ مُخْضَرَّتانِ في غايَةِ الخُضْرَةِ، وادْهامَّ الشَّيْءُ أيِ اسْوادَّ لَكِنْ لا يُسْتَعْمَلُ في بَعْضِ الأشْياءِ والأرْضُ إذا اخْضَرَّتْ غايَةَ الخُضْرَةِ تَضْرِبُ إلى أسْوَدَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: الأرْضُ الخالِيَةُ عَنِ الزَّرْعِ يُقالُ لَها: بَياضٌ، وإذا كانَتْ مَعْمُورَةً يُقالُ لَها: سَوادُ أرْضٍ كَما يُقالُ: سَوادُ البَلَدِ، وقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «عَلَيْكم بِالسَّوادِ الأعْظَمِ ومَن كَثَّرَ سَوادَ قَوْمٍ فَهو مِنهم» والتَّحْقِيقُ فِيهِ أنَّ ابْتِداءَ الألْوانِ هو البَياضُ وانْتِهاءَها هو السَّوادُ، فَإنَّ الأبْيَضَ يَقْبَلُ كُلَّ لَوْنٍ، والأسْوَدَ لا يَقْبَلُ شَيْئًا مِنَ الألْوانِ، ولِهَذا يُطْلَقُ الكافِرُ عَلى الأسْوَدِ، ولا يُطْلَقُ عَلى لَوْنٍ آخَرَ، ولَمّا كانَتِ الخالِيَةُ عَنِ الزَّرْعِ مُتَّصِفَةً بِالبَياضِ والخالِيَةُ بِالسَّوادِ فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُما تَحْتَ الأُولَيَيْنِ مَكانًا، فَهم إذا نَظَرُوا إلى ما فَوْقَهم، يَرَوْنَ الأفْنانَ تُظِلُّهم، وإذا نَظَرُوا إلى ما تَحْتَهم يَرَوْنَ الأرْضَ مُخْضَرَّةً، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِيهِما عَيْنانِ نَضّاخَتانِ﴾ أيْ فائِرَتانِ ماؤُهُما مُتَحَرِّكٌ إلى جِهَةِ فَوْقُ، وأمّا العَيْنانِ المُتَقَدِّمَتانِ فَتَجْرِيانِ إلى صَوْبِ المُؤْمِنِينَ فَكِلاهُما حَرَكَتُهُما إلى جِهَةِ مَكانِ أهْلِ الإيمانِ، وأمّا قَوْلُ صاحِبِ الكَشّافِ: النَّضْخُ دُونَ الجَرْيِ فَغَيْرُ لازِمٍ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ الجَرْيُ يَسِيرًا والنَّضْخُ قَوِيًّا كَثِيرًا، بَلِ المُرادُ أنَّ النَّضْخَ فِيهِ الحَرَكَةُ إلى جِهَةِ العُلُوِّ، والعَيْنانِ في مَكانِ المُؤْمِنِينَ، فَحَرَكَةُ الماءِ تَكُونُ إلى جِهَتِهِمْ، فالعَيْنانِ الأُولَيانِ في مَكانِهِمْ فَتَكُونُ حَرَكَةُ مائِهِما إلى صَوْبِ المُؤْمِنِينَ جَرْيًا.
الرحمن 55:68
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِيهِما فاكِهَةٌ ونَخْلٌ ورُمّانٌ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِيهِما مِن كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ الفاكِهَةَ أرْضِيَّةٌ نَحْوَ البِطِّيخِ وغَيْرِهِ مِنَ الأرْضِيّاتِ المَزْرُوعاتِ، وشَجَرِيَّةٌ نَحْوَ النَّخْلِ وغَيْرِهِ مِنَ الشَّجَرِيّاتِ فَقالَ: ﴿مُدْهامَّتانِ﴾ بِأنْواعِ الخُضَرِ الَّتِي مِنها الفَواكِهُ الأرْضِيَّةُ وفِيهِما أيْضًا الفَواكِهُ الشَّجَرِيَّةُ، وذَكَرَ مِنها نَوْعَيْنِ وهُما الرَّمّانُ والرُّطَبُ لِأنَّهُما مُتَقابِلانِ، فَأحَدُهُما حُلْوٌ والآخَرُ غَيْرُ حُلْوٍ. وكَذَلِكَ أحَدُهُما حارٌّ والآخَرُ بارِدٌ، وأحَدُهُما فاكِهَةٌ وغِذاءٌ، والآخَرُ فاكِهَةٌ، وأحَدُهُما مِن فَواكِهِ البِلادِ الحارَّةِ والآخَرُ مِن فَواكِهِ البِلادِ البارِدَةِ، وأحَدُهُما أشْجارُهُ في غايَةِ الطُّولِ والآخَرُ أشْجارُهُ بِالضِّدِّ، وأحَدُهُما ما يُؤْكَلُ مِنهُ بارِزٌ وما لا يُؤْكَلُ كامِنٌ، والآخَرُ بِالعَكْسِ، فَهُما كالضِّدَّيْنِ والإشارَةُ إلى الطَّرَفَيْنِ تَتَناوَلُ الإشارَةَ إلى ما بَيْنَهُما، كَما قالَ:
صفحة ١١٨
﴿رَبُّ المَشْرِقَيْنِ ورَبُّ المَغْرِبَيْنِ﴾ [الرحمن: ١٧] وقَدَّمْنا ذَلِكَ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ أيْ في باطِنِهِنَّ الخَيْرُ وفي ظاهِرِهِنَّ الحُسْنُ والخَيْراتُ جَمْعُ خَيْرَةٍ. وقَدْ بَيَّنّا أنَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ إلى أنْ قالَ: ﴿كَأنَّهُنَّ﴾ إشارَةً إلى كَوْنِهِنَّ حِسانًا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿حُورٌ مَقْصُوراتٌ في الخِيامِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ .
إشارَةٌ إلى عَظَمَتِهِنَّ فَإنَّهُنَ ما قَصُرْنَ حَجْرًا عَلَيْهِنَّ، وإنَّما ذَلِكَ إشارَةٌ إلى ضَرْبِ الخِيامِ لَهُنَّ وإدْلاءِ السِّتْرِ عَلَيْهِنَّ، والخَيْمَةُ مَبِيتُ الرَّجُلِ كالبَيْتِ مِنَ الخَشَبِ، حَتّى أنَّ العَرَبَ تُسَمِّي البَيْتَ مِنَ الشَّعْرِ خَيْمَةً لِأنَّهُ مُعَدٌّ لِلْإقامَةِ، إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿مَقْصُوراتٌ في الخِيامِ﴾ إشارَةٌ إلى مَعْنى في غايَةِ اللُّطْفِ، وهو أنَّ المُؤْمِنَ في الجَنَّةِ لا يَحْتاجُ إلى التَّحَرُّكِ لِشَيْءٍ وإنَّما الأشْياءُ تَتَحَرَّكُ إلَيْهِ فالمَأْكُولُ والمَشْرُوبُ يَصِلُ إلَيْهِ مِن غَيْرِ حَرَكَةٍ مِنهُ، ويُطافُ عَلَيْهِمْ بِما يَشْتَهُونَهُ فالحُورُ يَكُنَّ في بُيُوتٍ، وعِنْدَ الِانْتِقالِ إلى المُؤْمِنِينَ في وقْتِ إرادَتِهِمْ تَسِيرُ بِهِنَّ لِلِارْتِحالِ إلى المُؤْمِنِينَ خِيامٌ، ولِلْمُؤْمِنِينَ قُصُورٌ تَنْزِلُ الحُورُ مِنَ الخِيامِ إلى القُصُورِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ﴾ قَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وعَبْقَرِيٍّ حِسانٍ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: ما الحِكْمَةُ في تَأْخِيرِ ذِكْرِ اتِّكائِهِمْ عَنْ ذِكْرِ نِسائِهِمْ في هَذا المَوْضِعِ مَعَ أنَّهُ تَعالى قَدَّمَ ذِكْرَ اتِّكائِهِمْ عَلى ذِكْرِ نِسائِهِمْ في الجَنَّتَيْنِ المُتَقَدِّمَتَيْنِ حَيْثُ قالَ: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ﴾ [الرحمن: ٥٤] ثُمَّ قالَ: ﴿قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ وقالَ هَهُنا: ﴿فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿مُتَّكِئِينَ﴾ ؟ والجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ أهْلَ الجَنَّةِ لَيْسَ عَلَيْهِمْ تَعَبٌ وحَرَكَةٌ فَهم مُنَعَّمُونَ دائِمًا لَكِنَّ النّاسَ في الدُّنْيا عَلى أقْسامٍ مِنهم مَن يَجْتَمِعْ مَعَ أهْلِهِ اجْتِماعَ مُسْتَفِيضٍ وعِنْدَ قَضاءِ وطَرِهِ يَسْتَعْمِلُ الِاغْتِسالَ والِانْتِشارَ في الأرْضِ لِلْكَسْبِ، ومِنهم مَن يَكُونُ مُتَرَدِّدًا في طَلَبِ الكَسْبِ وعِنْدَ تَحْصِيلِهِ يَرْجِعُ إلى أهْلِهِ ويُرِيحُ قَلْبَهُ مِنَ التَّعَبِ قَبْلَ قَضاءِ الوَطَرِ فَيَكُونُ التَّعَبُ لازِمًا قَبْلَ قَضاءِ الوَطَرِ أوْ بَعْدَهُ فاللَّهُ تَعالى قالَ في بَيانِ أهْلِ الجَنَّةِ: مُتَّكِئِينَ قَبْلَ الِاجْتِماعِ بِأهْلِهِمْ وبَعْدَ الِاجْتِماعِ كَذَلِكَ، لِيُعْلَمَ أنَّهم دائِمًا عَلى السُّكُونِ فَلا تَعَبَ لَهم لا قَبْلَ الِاجْتِماعِ ولا بَعْدَ الِاجْتِماعِ. وثانِيهِما: هو أنّا بَيَّنّا في الوَجْهَيْنِ المُتَقَدِّمَيْنِ أنَّ الجَنَّتَيْنِ المُتَقَدِّمَتَيْنِ لِأهْلِ الجَنَّةِ الَّذِينَ جاهُدُوا والمُتَأخِّرِينَ لِذُرِّيّاتِهِمُ الَّذِينَ أُلْحِقُوا بِهِمْ، فَهم فِيهِما وأهْلُهم في الخِيامِ مُنْتَظِراتٌ قُدُومَ أزْواجِهِنَّ، فَإذا دَخَلَ المُؤْمِنُ جَنَّتَهُ الَّتِي هي سُكْناهُ يَتَّكِئُ عَلى الفُرُشِ وتَنْتَقِلُ إلَيْهِ أزْواجُهُ الحِسانُ، فَكَوْنُهُنَّ في الجَنَّتَيْنِ المُتَقَدِّمَتَيْنِ بَعْدَ اتِّكائِهِمْ عَلى الفُرُشِ، وأمّا كَوْنُهم في الجَنَّتَيْنِ المُتْأخِّرَتَيْنِ فَذَلِكَ حاصِلٌ في يَوْمِنا، واتِّكاءُ المُؤْمِنِ غَيْرُ حاصِلٍ في يَوْمِنا، فَقَدْ ذَكَرَ كَوْنُهُنَّ فِيهِنَّ هُنا وأخَّرَهُ هُناكَ. و﴿مُتَّكِئِينَ﴾ حالٌ والعامِلُ فِيهِ ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهُمْ﴾ وذَلِكَ في قُوَّةِ الِاسْتِثْناءِ كَأنَّهُ قالَ: لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إلّا المُؤْمِنُونَ فَإنَّهم يَطْمِثُوهُنَّ مُتَّكِئِينَ، وما ذَكَرْنا مِن قَبْلُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ﴾ يُقالُ هُنا.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الرَّفْرَفُ إمّا أنْ يَكُونَ أصْلُهُ مِن رَفَّ الزَّرْعُ إذا بَلَغَ مِن نَضارَتِهِ فَيَكُونُ مُناسِبًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مُدْهامَّتانِ﴾ ويَكُونُ التَّقْدِيرُ أنَّهم مُتَّكِئُونَ عَلى الرِّياضِ والثِّيابِ العَبْقَرِيَّةِ، وإمّا أنْ يَكُونَ مِن رَفْرَفَةِ الطّائِرِ،
صفحة ١١٩
وهِيَ حَوْمُهُ في الهَواءِ حَوْلَ ما يُرِيدُ النُّزُولَ عَلَيْهِ فَيَكُونُ المَعْنى أنَّهم عَلى بُسُطٍ مَرْفُوعَةٍ كَما قالَ تَعالى: ﴿وفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٤] وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ومِن دُونِهِما جَنَّتانِ﴾ أنَّهُما دُونَهُما في المَكانِ حَيْثُ رُفِعَتْ فُرُشُهم، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿خُضْرٍ﴾ صِيغَةُ جَمْعٍ فالرَّفْرَفُ يَكُونُ جَمْعًا لِكَوْنِهِ اسْمَ جِنْسٍ ويَكُونُ واحِدُهُ رَفْرَفَةً كَحَنْظَلَةٍ، والجَمْعُ في مُتَّكِئِينَ يَدُلُّ عَلَيْهِ فَإنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿مُتَّكِئِينَ﴾ دَلَّ عَلى أنَّهم عَلى رَفارِفَ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ما الفَرْقُ بَيْنَ الفُرُشِ والرَّفْرَفِ حَيْثُ لَمْ يَقُلْ: رَفارِفَ اكْتِفاءً بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿مُتَّكِئِينَ﴾ وقالَ: ﴿فُرُشٍ﴾ ولَمْ يَكْتَفِ بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ ذَلِكَ ؟ نَقُولُ: جَمْعُ الرُّباعِيِّ أثْقَلُ مِن جَمْعِ الثُّلاثِيِّ، ولِهَذا لَمْ يَجِئْ لِلْجَمْعِ في الرُّباعِي إلّا مِثالٌ واحِدٌ وأمْثِلَةُ الجَمْعِ في الثُّلاثِي كَثِيرَةٌ وقَدْ قُرِئَ: ”عَلى رَفارِفَ خُضْرٍ“، و”رَفارِفَ خِضارٍ“ و”عَباقِرَ“ .
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: إذا قُلْنا: إنَّ الرَّفْرَفَ هي البُسُطُ فَما الفائِدَةُ في الخُضْرِ حَيْثُ وصَفَ تَعالى ثِيابَ الجَنَّةِ بِكَوْنِها خُضْرًا قالَ تَعالى: ﴿ثِيابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ﴾ [الإنسان: ٢١] ؟ نَقُولُ: مَيْلُ النّاسِ إلى اللَّوْنِ الأخْضَرِ في الدُّنْيا أكْثَرُ، وسَبَبُ المَيْلِ إلَيْهِ هو أنَّ الألْوانَ الَّتِي يُظَنُّ أنَّها أُصُولُ الألْوانِ سَبْعَةٌ وهي الشَّفّافُ وهو الَّذِي لا يَمْنَعُ نُفُوذَ البَصَرِ فِيهِ ولا يَحْجُبُ ما وراءَهُ كالزُّجاجِ والماءِ الصّافِي وغَيْرِهِما ثُمَّ الأبْيَضُ بَعْدَهُ ثُمَّ الأصْفَرُ ثُمَّ الأحْمَرُ ثُمَّ الأخْضَرُ ثُمَّ الأزْرَقُ ثُمَّ الأسْوَدُ، والأظْهَرُ أنَّ الألْوانَ الأصْلِيَّةَ ثَلاثَةٌ الأبْيَضُ والأسْوَدُ وبَيْنَهُما غايَةُ الخِلافِ والأحْمَرُ مُتَوَسِّطٌ بَيْنَ الأبْيَضِ والأسْوَدِ، فَإنَّ الدَّمَ خُلِقَ عَلى اللَّوْنِ المُتَوَسِّطِ، فَإنْ لَمْ تَكُنِ الصِّحَّةُ عَلى ما يَنْبَغِي فَإنْ كانَ لِفَرْطِ البُرُودَةِ فِيهِ كانَ أبْيَضَ وإنْ كانَ لِفَرْطِ الحَرارَةِ فِيهِ كانَ أسْوَدَ لَكِنْ هَذِهِ الثَّلاثَةُ يَحْصُلُ مِنها الألْوانُ الأُخَرُ، فالأبْيَضُ إذا امْتَزَجَ بِالأحْمَرِ حَصَلَ الأصْفَرُ يَدُلُّ عَلَيْهِ مَزْجُ اللَّبَنِ الأبْيَضِ بِالدَّمِ وغَيْرِهِ مِنَ الأشْياءِ الحُمْرِ، وإذا امْتَزَجَ الأبْيَضُ بِالأسْوَدِ حَصَلَ اللَّوْنُ الأزْرَقُ يَدُلُّ عَلَيْهِ خَلْطُ الجَصِّ المَدْقُوقِ بِالفَحْمِ وإذا امْتَزَجَ الأحْمَرُ بِالأسْوَدِ حَصَلَ الأزْرَقُ أيْضًا لَكِنَّهُ إلى السَّوادِ أمْيَلُ، وإذا امْتَزَجَ الأصْفَرُ بِالأزْرَقِ حَصَلَ الأخْضَرُ مِنَ الأصْفَرِ والأزْرَقِ وقَدْ عُلِمَ أنَّ الأصْفَرَ مِنَ الأبْيَضِ والأحْمَرِ والأزْرَقَ مِنَ الأبْيَضِ والأسْوَدِ والأحْمَرِ والأسْوَدِ فالأخْضَرُ حَصَلَ فِيهِ الألْوانُ الثَّلاثَةُ الأصْلِيَّةُ فَيَكُونُ مَيْلُ الإنْسانِ إلَيْهِ لِكَوْنِهِ مُشْتَمِلًا عَلى الألْوانِ الأصْلِيَّةِ وهَذا بَعِيدٌ جِدًّا، والأقْرَبُ أنَّ الأبْيَضَ يُفَرِّقُ البَصَرُ ولِهَذا لا يَقْدِرُ الإنْسانُ عَلى إدامَةِ النَّظَرِ في الأرْضِ عِنْدَ كَوْنِها مَسْتُورَةً بِالثَّلْجِ، وإنَّهُ يُورِثُ الجَهْرَ والنَّظَرَ إلى الأشْياءِ السُّودِ يَجْمَعُ البَصَرَ ولِهَذا كَرِهَ الإنْسانُ النَّظَرَ إلَيْهِ وإلى الأشْياءِ الحُمْرِ كالدَّمِ، والأخْضَرُ لَمّا اجْتَمَعَ فِيهِ الأُمُورُ الثَّلاثَةُ دَفَعَ بَعْضُها أذى بَعْضٍ، وحَصَلَ اللَّوْنُ المُمْتَزِجُ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي في بَدَنِ الإنْسانِ وهي الأحْمَرُ والأبْيَضُ والأصْفَرُ والأسْوَدُ، ولَمّا كانَ مَيْلُ النَّفْسِ في الدُّنْيا إلى الأخْضَرِ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى في الآخِرَةِ ما هو عَلى مُقْتَضى طَبْعِهِ في الدُّنْيا.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: العَبْقَرِيُّ مَنسُوبٌ إلى عَبْقَرٍ وهو عِنْدَ العَرَبِ مَوْضِعٌ مِن مَواضِعِ الجِنِّ فالثِّيابُ المَعْمُولَةُ عَمَلًا جَيِّدًا يُسَمُّونَها عَبْقَرِيّاتٍ مُبالَغَةً في حُسْنِها كَأنَّها لَيْسَتْ مِن عَمَلِ الإنْسِ، ويُسْتَعْمَلُ في غَيْرِ الثِّيابِ أيْضًا حَتّى يُقالَ لِلرَّجُلِ الَّذِي يَعْمَلُ عَمَلًا عَجِيبًا هو عَبْقَرِيٌّ أيْ مِن ذَلِكَ البَلَدِ قالَ النَّبِيُّ ﷺ في المَنامِ الَّذِي رَآهُ: «فَلَمْ أرَ عَبْقَرِيًّا مِنَ النّاسِ يَفْرِي فَرْيَهُ» واكْتَفى بِذِكْرِ اسْمِ الجِنْسِ عَنِ الجَمْعِ ووَصَفَهُ بِما تُوصَفُ بِهِ الجُمُوعُ فَقالَ ”حِسانٍ“، وذَلِكَ لَمّا بَيَّنّا أنَّ جَمْعَ الرُّباعِيِّ يُسْتَثْقَلُ بَعْضَ الِاسْتِثْقالِ، وأمّا مَن قَرَأ: ”عَباقِرِيٍّ“ فَقَدْ جَعَلَ اسْمَ ذَلِكَ المَوْضِعِ عَباقِرَ فَإنْ زَعَمَ أنَهُ جَمَعَهُ فَقَدْ وهِمَ، وإنْ جَمَعَ العَبْقَرِيَّ ثُمَّ نَسَبَ فَقَدِ التَزَمَ تَكَلُّفًا خِلافَ ما كَلَّفَ
صفحة ١٢٠
الأُدَباءُ التِزامَهُ فَإنَّهم في الجَمْعِ إذا نَسَبُوا رَدُّوهُ إلى الواحِدِ وهَذا القارِئُ تَكَلَّفَ في الواحِدِ ورَدَّهُ إلى الجَمْعِ ثُمَّ نَسَبَهُ؛ لِأنَّ عِنْدَ العَرَبِ لَيْسَ في الوُجُودِ بِلادٌ كُلُّها عَبْقَرٌ حَتّى تُجْمَعَ، ويُقالُ: عَباقِرُ، فَهَذا تَكَلُّفُ الجَمْعِ فِيما لا جَمْعَ لَهُ ثُمَّ نُسِبَ إلى ذَلِكَ الجَمْعِ، والأُدَباءُ تَكْرَهُ الجَمْعَ فِيما يُنْسَبُ لِئَلّا يَجْمَعُوا بَيْنَ الجَمْعِ والنِّسْبَةِ.
الرحمن 55:69
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِيهِما فاكِهَةٌ ونَخْلٌ ورُمّانٌ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِيهِما مِن كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ الفاكِهَةَ أرْضِيَّةٌ نَحْوَ البِطِّيخِ وغَيْرِهِ مِنَ الأرْضِيّاتِ المَزْرُوعاتِ، وشَجَرِيَّةٌ نَحْوَ النَّخْلِ وغَيْرِهِ مِنَ الشَّجَرِيّاتِ فَقالَ: ﴿مُدْهامَّتانِ﴾ بِأنْواعِ الخُضَرِ الَّتِي مِنها الفَواكِهُ الأرْضِيَّةُ وفِيهِما أيْضًا الفَواكِهُ الشَّجَرِيَّةُ، وذَكَرَ مِنها نَوْعَيْنِ وهُما الرَّمّانُ والرُّطَبُ لِأنَّهُما مُتَقابِلانِ، فَأحَدُهُما حُلْوٌ والآخَرُ غَيْرُ حُلْوٍ. وكَذَلِكَ أحَدُهُما حارٌّ والآخَرُ بارِدٌ، وأحَدُهُما فاكِهَةٌ وغِذاءٌ، والآخَرُ فاكِهَةٌ، وأحَدُهُما مِن فَواكِهِ البِلادِ الحارَّةِ والآخَرُ مِن فَواكِهِ البِلادِ البارِدَةِ، وأحَدُهُما أشْجارُهُ في غايَةِ الطُّولِ والآخَرُ أشْجارُهُ بِالضِّدِّ، وأحَدُهُما ما يُؤْكَلُ مِنهُ بارِزٌ وما لا يُؤْكَلُ كامِنٌ، والآخَرُ بِالعَكْسِ، فَهُما كالضِّدَّيْنِ والإشارَةُ إلى الطَّرَفَيْنِ تَتَناوَلُ الإشارَةَ إلى ما بَيْنَهُما، كَما قالَ:
صفحة ١١٨
﴿رَبُّ المَشْرِقَيْنِ ورَبُّ المَغْرِبَيْنِ﴾ [الرحمن: ١٧] وقَدَّمْنا ذَلِكَ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ أيْ في باطِنِهِنَّ الخَيْرُ وفي ظاهِرِهِنَّ الحُسْنُ والخَيْراتُ جَمْعُ خَيْرَةٍ. وقَدْ بَيَّنّا أنَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ إلى أنْ قالَ: ﴿كَأنَّهُنَّ﴾ إشارَةً إلى كَوْنِهِنَّ حِسانًا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿حُورٌ مَقْصُوراتٌ في الخِيامِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ .
إشارَةٌ إلى عَظَمَتِهِنَّ فَإنَّهُنَ ما قَصُرْنَ حَجْرًا عَلَيْهِنَّ، وإنَّما ذَلِكَ إشارَةٌ إلى ضَرْبِ الخِيامِ لَهُنَّ وإدْلاءِ السِّتْرِ عَلَيْهِنَّ، والخَيْمَةُ مَبِيتُ الرَّجُلِ كالبَيْتِ مِنَ الخَشَبِ، حَتّى أنَّ العَرَبَ تُسَمِّي البَيْتَ مِنَ الشَّعْرِ خَيْمَةً لِأنَّهُ مُعَدٌّ لِلْإقامَةِ، إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿مَقْصُوراتٌ في الخِيامِ﴾ إشارَةٌ إلى مَعْنى في غايَةِ اللُّطْفِ، وهو أنَّ المُؤْمِنَ في الجَنَّةِ لا يَحْتاجُ إلى التَّحَرُّكِ لِشَيْءٍ وإنَّما الأشْياءُ تَتَحَرَّكُ إلَيْهِ فالمَأْكُولُ والمَشْرُوبُ يَصِلُ إلَيْهِ مِن غَيْرِ حَرَكَةٍ مِنهُ، ويُطافُ عَلَيْهِمْ بِما يَشْتَهُونَهُ فالحُورُ يَكُنَّ في بُيُوتٍ، وعِنْدَ الِانْتِقالِ إلى المُؤْمِنِينَ في وقْتِ إرادَتِهِمْ تَسِيرُ بِهِنَّ لِلِارْتِحالِ إلى المُؤْمِنِينَ خِيامٌ، ولِلْمُؤْمِنِينَ قُصُورٌ تَنْزِلُ الحُورُ مِنَ الخِيامِ إلى القُصُورِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ﴾ قَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وعَبْقَرِيٍّ حِسانٍ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: ما الحِكْمَةُ في تَأْخِيرِ ذِكْرِ اتِّكائِهِمْ عَنْ ذِكْرِ نِسائِهِمْ في هَذا المَوْضِعِ مَعَ أنَّهُ تَعالى قَدَّمَ ذِكْرَ اتِّكائِهِمْ عَلى ذِكْرِ نِسائِهِمْ في الجَنَّتَيْنِ المُتَقَدِّمَتَيْنِ حَيْثُ قالَ: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ﴾ [الرحمن: ٥٤] ثُمَّ قالَ: ﴿قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ وقالَ هَهُنا: ﴿فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿مُتَّكِئِينَ﴾ ؟ والجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ أهْلَ الجَنَّةِ لَيْسَ عَلَيْهِمْ تَعَبٌ وحَرَكَةٌ فَهم مُنَعَّمُونَ دائِمًا لَكِنَّ النّاسَ في الدُّنْيا عَلى أقْسامٍ مِنهم مَن يَجْتَمِعْ مَعَ أهْلِهِ اجْتِماعَ مُسْتَفِيضٍ وعِنْدَ قَضاءِ وطَرِهِ يَسْتَعْمِلُ الِاغْتِسالَ والِانْتِشارَ في الأرْضِ لِلْكَسْبِ، ومِنهم مَن يَكُونُ مُتَرَدِّدًا في طَلَبِ الكَسْبِ وعِنْدَ تَحْصِيلِهِ يَرْجِعُ إلى أهْلِهِ ويُرِيحُ قَلْبَهُ مِنَ التَّعَبِ قَبْلَ قَضاءِ الوَطَرِ فَيَكُونُ التَّعَبُ لازِمًا قَبْلَ قَضاءِ الوَطَرِ أوْ بَعْدَهُ فاللَّهُ تَعالى قالَ في بَيانِ أهْلِ الجَنَّةِ: مُتَّكِئِينَ قَبْلَ الِاجْتِماعِ بِأهْلِهِمْ وبَعْدَ الِاجْتِماعِ كَذَلِكَ، لِيُعْلَمَ أنَّهم دائِمًا عَلى السُّكُونِ فَلا تَعَبَ لَهم لا قَبْلَ الِاجْتِماعِ ولا بَعْدَ الِاجْتِماعِ. وثانِيهِما: هو أنّا بَيَّنّا في الوَجْهَيْنِ المُتَقَدِّمَيْنِ أنَّ الجَنَّتَيْنِ المُتَقَدِّمَتَيْنِ لِأهْلِ الجَنَّةِ الَّذِينَ جاهُدُوا والمُتَأخِّرِينَ لِذُرِّيّاتِهِمُ الَّذِينَ أُلْحِقُوا بِهِمْ، فَهم فِيهِما وأهْلُهم في الخِيامِ مُنْتَظِراتٌ قُدُومَ أزْواجِهِنَّ، فَإذا دَخَلَ المُؤْمِنُ جَنَّتَهُ الَّتِي هي سُكْناهُ يَتَّكِئُ عَلى الفُرُشِ وتَنْتَقِلُ إلَيْهِ أزْواجُهُ الحِسانُ، فَكَوْنُهُنَّ في الجَنَّتَيْنِ المُتَقَدِّمَتَيْنِ بَعْدَ اتِّكائِهِمْ عَلى الفُرُشِ، وأمّا كَوْنُهم في الجَنَّتَيْنِ المُتْأخِّرَتَيْنِ فَذَلِكَ حاصِلٌ في يَوْمِنا، واتِّكاءُ المُؤْمِنِ غَيْرُ حاصِلٍ في يَوْمِنا، فَقَدْ ذَكَرَ كَوْنُهُنَّ فِيهِنَّ هُنا وأخَّرَهُ هُناكَ. و﴿مُتَّكِئِينَ﴾ حالٌ والعامِلُ فِيهِ ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهُمْ﴾ وذَلِكَ في قُوَّةِ الِاسْتِثْناءِ كَأنَّهُ قالَ: لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إلّا المُؤْمِنُونَ فَإنَّهم يَطْمِثُوهُنَّ مُتَّكِئِينَ، وما ذَكَرْنا مِن قَبْلُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ﴾ يُقالُ هُنا.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الرَّفْرَفُ إمّا أنْ يَكُونَ أصْلُهُ مِن رَفَّ الزَّرْعُ إذا بَلَغَ مِن نَضارَتِهِ فَيَكُونُ مُناسِبًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مُدْهامَّتانِ﴾ ويَكُونُ التَّقْدِيرُ أنَّهم مُتَّكِئُونَ عَلى الرِّياضِ والثِّيابِ العَبْقَرِيَّةِ، وإمّا أنْ يَكُونَ مِن رَفْرَفَةِ الطّائِرِ،
صفحة ١١٩
وهِيَ حَوْمُهُ في الهَواءِ حَوْلَ ما يُرِيدُ النُّزُولَ عَلَيْهِ فَيَكُونُ المَعْنى أنَّهم عَلى بُسُطٍ مَرْفُوعَةٍ كَما قالَ تَعالى: ﴿وفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٤] وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ومِن دُونِهِما جَنَّتانِ﴾ أنَّهُما دُونَهُما في المَكانِ حَيْثُ رُفِعَتْ فُرُشُهم، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿خُضْرٍ﴾ صِيغَةُ جَمْعٍ فالرَّفْرَفُ يَكُونُ جَمْعًا لِكَوْنِهِ اسْمَ جِنْسٍ ويَكُونُ واحِدُهُ رَفْرَفَةً كَحَنْظَلَةٍ، والجَمْعُ في مُتَّكِئِينَ يَدُلُّ عَلَيْهِ فَإنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿مُتَّكِئِينَ﴾ دَلَّ عَلى أنَّهم عَلى رَفارِفَ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ما الفَرْقُ بَيْنَ الفُرُشِ والرَّفْرَفِ حَيْثُ لَمْ يَقُلْ: رَفارِفَ اكْتِفاءً بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿مُتَّكِئِينَ﴾ وقالَ: ﴿فُرُشٍ﴾ ولَمْ يَكْتَفِ بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ ذَلِكَ ؟ نَقُولُ: جَمْعُ الرُّباعِيِّ أثْقَلُ مِن جَمْعِ الثُّلاثِيِّ، ولِهَذا لَمْ يَجِئْ لِلْجَمْعِ في الرُّباعِي إلّا مِثالٌ واحِدٌ وأمْثِلَةُ الجَمْعِ في الثُّلاثِي كَثِيرَةٌ وقَدْ قُرِئَ: ”عَلى رَفارِفَ خُضْرٍ“، و”رَفارِفَ خِضارٍ“ و”عَباقِرَ“ .
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: إذا قُلْنا: إنَّ الرَّفْرَفَ هي البُسُطُ فَما الفائِدَةُ في الخُضْرِ حَيْثُ وصَفَ تَعالى ثِيابَ الجَنَّةِ بِكَوْنِها خُضْرًا قالَ تَعالى: ﴿ثِيابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ﴾ [الإنسان: ٢١] ؟ نَقُولُ: مَيْلُ النّاسِ إلى اللَّوْنِ الأخْضَرِ في الدُّنْيا أكْثَرُ، وسَبَبُ المَيْلِ إلَيْهِ هو أنَّ الألْوانَ الَّتِي يُظَنُّ أنَّها أُصُولُ الألْوانِ سَبْعَةٌ وهي الشَّفّافُ وهو الَّذِي لا يَمْنَعُ نُفُوذَ البَصَرِ فِيهِ ولا يَحْجُبُ ما وراءَهُ كالزُّجاجِ والماءِ الصّافِي وغَيْرِهِما ثُمَّ الأبْيَضُ بَعْدَهُ ثُمَّ الأصْفَرُ ثُمَّ الأحْمَرُ ثُمَّ الأخْضَرُ ثُمَّ الأزْرَقُ ثُمَّ الأسْوَدُ، والأظْهَرُ أنَّ الألْوانَ الأصْلِيَّةَ ثَلاثَةٌ الأبْيَضُ والأسْوَدُ وبَيْنَهُما غايَةُ الخِلافِ والأحْمَرُ مُتَوَسِّطٌ بَيْنَ الأبْيَضِ والأسْوَدِ، فَإنَّ الدَّمَ خُلِقَ عَلى اللَّوْنِ المُتَوَسِّطِ، فَإنْ لَمْ تَكُنِ الصِّحَّةُ عَلى ما يَنْبَغِي فَإنْ كانَ لِفَرْطِ البُرُودَةِ فِيهِ كانَ أبْيَضَ وإنْ كانَ لِفَرْطِ الحَرارَةِ فِيهِ كانَ أسْوَدَ لَكِنْ هَذِهِ الثَّلاثَةُ يَحْصُلُ مِنها الألْوانُ الأُخَرُ، فالأبْيَضُ إذا امْتَزَجَ بِالأحْمَرِ حَصَلَ الأصْفَرُ يَدُلُّ عَلَيْهِ مَزْجُ اللَّبَنِ الأبْيَضِ بِالدَّمِ وغَيْرِهِ مِنَ الأشْياءِ الحُمْرِ، وإذا امْتَزَجَ الأبْيَضُ بِالأسْوَدِ حَصَلَ اللَّوْنُ الأزْرَقُ يَدُلُّ عَلَيْهِ خَلْطُ الجَصِّ المَدْقُوقِ بِالفَحْمِ وإذا امْتَزَجَ الأحْمَرُ بِالأسْوَدِ حَصَلَ الأزْرَقُ أيْضًا لَكِنَّهُ إلى السَّوادِ أمْيَلُ، وإذا امْتَزَجَ الأصْفَرُ بِالأزْرَقِ حَصَلَ الأخْضَرُ مِنَ الأصْفَرِ والأزْرَقِ وقَدْ عُلِمَ أنَّ الأصْفَرَ مِنَ الأبْيَضِ والأحْمَرِ والأزْرَقَ مِنَ الأبْيَضِ والأسْوَدِ والأحْمَرِ والأسْوَدِ فالأخْضَرُ حَصَلَ فِيهِ الألْوانُ الثَّلاثَةُ الأصْلِيَّةُ فَيَكُونُ مَيْلُ الإنْسانِ إلَيْهِ لِكَوْنِهِ مُشْتَمِلًا عَلى الألْوانِ الأصْلِيَّةِ وهَذا بَعِيدٌ جِدًّا، والأقْرَبُ أنَّ الأبْيَضَ يُفَرِّقُ البَصَرُ ولِهَذا لا يَقْدِرُ الإنْسانُ عَلى إدامَةِ النَّظَرِ في الأرْضِ عِنْدَ كَوْنِها مَسْتُورَةً بِالثَّلْجِ، وإنَّهُ يُورِثُ الجَهْرَ والنَّظَرَ إلى الأشْياءِ السُّودِ يَجْمَعُ البَصَرَ ولِهَذا كَرِهَ الإنْسانُ النَّظَرَ إلَيْهِ وإلى الأشْياءِ الحُمْرِ كالدَّمِ، والأخْضَرُ لَمّا اجْتَمَعَ فِيهِ الأُمُورُ الثَّلاثَةُ دَفَعَ بَعْضُها أذى بَعْضٍ، وحَصَلَ اللَّوْنُ المُمْتَزِجُ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي في بَدَنِ الإنْسانِ وهي الأحْمَرُ والأبْيَضُ والأصْفَرُ والأسْوَدُ، ولَمّا كانَ مَيْلُ النَّفْسِ في الدُّنْيا إلى الأخْضَرِ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى في الآخِرَةِ ما هو عَلى مُقْتَضى طَبْعِهِ في الدُّنْيا.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: العَبْقَرِيُّ مَنسُوبٌ إلى عَبْقَرٍ وهو عِنْدَ العَرَبِ مَوْضِعٌ مِن مَواضِعِ الجِنِّ فالثِّيابُ المَعْمُولَةُ عَمَلًا جَيِّدًا يُسَمُّونَها عَبْقَرِيّاتٍ مُبالَغَةً في حُسْنِها كَأنَّها لَيْسَتْ مِن عَمَلِ الإنْسِ، ويُسْتَعْمَلُ في غَيْرِ الثِّيابِ أيْضًا حَتّى يُقالَ لِلرَّجُلِ الَّذِي يَعْمَلُ عَمَلًا عَجِيبًا هو عَبْقَرِيٌّ أيْ مِن ذَلِكَ البَلَدِ قالَ النَّبِيُّ ﷺ في المَنامِ الَّذِي رَآهُ: «فَلَمْ أرَ عَبْقَرِيًّا مِنَ النّاسِ يَفْرِي فَرْيَهُ» واكْتَفى بِذِكْرِ اسْمِ الجِنْسِ عَنِ الجَمْعِ ووَصَفَهُ بِما تُوصَفُ بِهِ الجُمُوعُ فَقالَ ”حِسانٍ“، وذَلِكَ لَمّا بَيَّنّا أنَّ جَمْعَ الرُّباعِيِّ يُسْتَثْقَلُ بَعْضَ الِاسْتِثْقالِ، وأمّا مَن قَرَأ: ”عَباقِرِيٍّ“ فَقَدْ جَعَلَ اسْمَ ذَلِكَ المَوْضِعِ عَباقِرَ فَإنْ زَعَمَ أنَهُ جَمَعَهُ فَقَدْ وهِمَ، وإنْ جَمَعَ العَبْقَرِيَّ ثُمَّ نَسَبَ فَقَدِ التَزَمَ تَكَلُّفًا خِلافَ ما كَلَّفَ
صفحة ١٢٠
الأُدَباءُ التِزامَهُ فَإنَّهم في الجَمْعِ إذا نَسَبُوا رَدُّوهُ إلى الواحِدِ وهَذا القارِئُ تَكَلَّفَ في الواحِدِ ورَدَّهُ إلى الجَمْعِ ثُمَّ نَسَبَهُ؛ لِأنَّ عِنْدَ العَرَبِ لَيْسَ في الوُجُودِ بِلادٌ كُلُّها عَبْقَرٌ حَتّى تُجْمَعَ، ويُقالُ: عَباقِرُ، فَهَذا تَكَلُّفُ الجَمْعِ فِيما لا جَمْعَ لَهُ ثُمَّ نُسِبَ إلى ذَلِكَ الجَمْعِ، والأُدَباءُ تَكْرَهُ الجَمْعَ فِيما يُنْسَبُ لِئَلّا يَجْمَعُوا بَيْنَ الجَمْعِ والنِّسْبَةِ.
الرحمن 55:70
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِيهِما فاكِهَةٌ ونَخْلٌ ورُمّانٌ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِيهِما مِن كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ الفاكِهَةَ أرْضِيَّةٌ نَحْوَ البِطِّيخِ وغَيْرِهِ مِنَ الأرْضِيّاتِ المَزْرُوعاتِ، وشَجَرِيَّةٌ نَحْوَ النَّخْلِ وغَيْرِهِ مِنَ الشَّجَرِيّاتِ فَقالَ: ﴿مُدْهامَّتانِ﴾ بِأنْواعِ الخُضَرِ الَّتِي مِنها الفَواكِهُ الأرْضِيَّةُ وفِيهِما أيْضًا الفَواكِهُ الشَّجَرِيَّةُ، وذَكَرَ مِنها نَوْعَيْنِ وهُما الرَّمّانُ والرُّطَبُ لِأنَّهُما مُتَقابِلانِ، فَأحَدُهُما حُلْوٌ والآخَرُ غَيْرُ حُلْوٍ. وكَذَلِكَ أحَدُهُما حارٌّ والآخَرُ بارِدٌ، وأحَدُهُما فاكِهَةٌ وغِذاءٌ، والآخَرُ فاكِهَةٌ، وأحَدُهُما مِن فَواكِهِ البِلادِ الحارَّةِ والآخَرُ مِن فَواكِهِ البِلادِ البارِدَةِ، وأحَدُهُما أشْجارُهُ في غايَةِ الطُّولِ والآخَرُ أشْجارُهُ بِالضِّدِّ، وأحَدُهُما ما يُؤْكَلُ مِنهُ بارِزٌ وما لا يُؤْكَلُ كامِنٌ، والآخَرُ بِالعَكْسِ، فَهُما كالضِّدَّيْنِ والإشارَةُ إلى الطَّرَفَيْنِ تَتَناوَلُ الإشارَةَ إلى ما بَيْنَهُما، كَما قالَ:
صفحة ١١٨
﴿رَبُّ المَشْرِقَيْنِ ورَبُّ المَغْرِبَيْنِ﴾ [الرحمن: ١٧] وقَدَّمْنا ذَلِكَ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ أيْ في باطِنِهِنَّ الخَيْرُ وفي ظاهِرِهِنَّ الحُسْنُ والخَيْراتُ جَمْعُ خَيْرَةٍ. وقَدْ بَيَّنّا أنَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ إلى أنْ قالَ: ﴿كَأنَّهُنَّ﴾ إشارَةً إلى كَوْنِهِنَّ حِسانًا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿حُورٌ مَقْصُوراتٌ في الخِيامِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ .
إشارَةٌ إلى عَظَمَتِهِنَّ فَإنَّهُنَ ما قَصُرْنَ حَجْرًا عَلَيْهِنَّ، وإنَّما ذَلِكَ إشارَةٌ إلى ضَرْبِ الخِيامِ لَهُنَّ وإدْلاءِ السِّتْرِ عَلَيْهِنَّ، والخَيْمَةُ مَبِيتُ الرَّجُلِ كالبَيْتِ مِنَ الخَشَبِ، حَتّى أنَّ العَرَبَ تُسَمِّي البَيْتَ مِنَ الشَّعْرِ خَيْمَةً لِأنَّهُ مُعَدٌّ لِلْإقامَةِ، إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿مَقْصُوراتٌ في الخِيامِ﴾ إشارَةٌ إلى مَعْنى في غايَةِ اللُّطْفِ، وهو أنَّ المُؤْمِنَ في الجَنَّةِ لا يَحْتاجُ إلى التَّحَرُّكِ لِشَيْءٍ وإنَّما الأشْياءُ تَتَحَرَّكُ إلَيْهِ فالمَأْكُولُ والمَشْرُوبُ يَصِلُ إلَيْهِ مِن غَيْرِ حَرَكَةٍ مِنهُ، ويُطافُ عَلَيْهِمْ بِما يَشْتَهُونَهُ فالحُورُ يَكُنَّ في بُيُوتٍ، وعِنْدَ الِانْتِقالِ إلى المُؤْمِنِينَ في وقْتِ إرادَتِهِمْ تَسِيرُ بِهِنَّ لِلِارْتِحالِ إلى المُؤْمِنِينَ خِيامٌ، ولِلْمُؤْمِنِينَ قُصُورٌ تَنْزِلُ الحُورُ مِنَ الخِيامِ إلى القُصُورِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ﴾ قَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وعَبْقَرِيٍّ حِسانٍ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: ما الحِكْمَةُ في تَأْخِيرِ ذِكْرِ اتِّكائِهِمْ عَنْ ذِكْرِ نِسائِهِمْ في هَذا المَوْضِعِ مَعَ أنَّهُ تَعالى قَدَّمَ ذِكْرَ اتِّكائِهِمْ عَلى ذِكْرِ نِسائِهِمْ في الجَنَّتَيْنِ المُتَقَدِّمَتَيْنِ حَيْثُ قالَ: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ﴾ [الرحمن: ٥٤] ثُمَّ قالَ: ﴿قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ وقالَ هَهُنا: ﴿فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿مُتَّكِئِينَ﴾ ؟ والجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ أهْلَ الجَنَّةِ لَيْسَ عَلَيْهِمْ تَعَبٌ وحَرَكَةٌ فَهم مُنَعَّمُونَ دائِمًا لَكِنَّ النّاسَ في الدُّنْيا عَلى أقْسامٍ مِنهم مَن يَجْتَمِعْ مَعَ أهْلِهِ اجْتِماعَ مُسْتَفِيضٍ وعِنْدَ قَضاءِ وطَرِهِ يَسْتَعْمِلُ الِاغْتِسالَ والِانْتِشارَ في الأرْضِ لِلْكَسْبِ، ومِنهم مَن يَكُونُ مُتَرَدِّدًا في طَلَبِ الكَسْبِ وعِنْدَ تَحْصِيلِهِ يَرْجِعُ إلى أهْلِهِ ويُرِيحُ قَلْبَهُ مِنَ التَّعَبِ قَبْلَ قَضاءِ الوَطَرِ فَيَكُونُ التَّعَبُ لازِمًا قَبْلَ قَضاءِ الوَطَرِ أوْ بَعْدَهُ فاللَّهُ تَعالى قالَ في بَيانِ أهْلِ الجَنَّةِ: مُتَّكِئِينَ قَبْلَ الِاجْتِماعِ بِأهْلِهِمْ وبَعْدَ الِاجْتِماعِ كَذَلِكَ، لِيُعْلَمَ أنَّهم دائِمًا عَلى السُّكُونِ فَلا تَعَبَ لَهم لا قَبْلَ الِاجْتِماعِ ولا بَعْدَ الِاجْتِماعِ. وثانِيهِما: هو أنّا بَيَّنّا في الوَجْهَيْنِ المُتَقَدِّمَيْنِ أنَّ الجَنَّتَيْنِ المُتَقَدِّمَتَيْنِ لِأهْلِ الجَنَّةِ الَّذِينَ جاهُدُوا والمُتَأخِّرِينَ لِذُرِّيّاتِهِمُ الَّذِينَ أُلْحِقُوا بِهِمْ، فَهم فِيهِما وأهْلُهم في الخِيامِ مُنْتَظِراتٌ قُدُومَ أزْواجِهِنَّ، فَإذا دَخَلَ المُؤْمِنُ جَنَّتَهُ الَّتِي هي سُكْناهُ يَتَّكِئُ عَلى الفُرُشِ وتَنْتَقِلُ إلَيْهِ أزْواجُهُ الحِسانُ، فَكَوْنُهُنَّ في الجَنَّتَيْنِ المُتَقَدِّمَتَيْنِ بَعْدَ اتِّكائِهِمْ عَلى الفُرُشِ، وأمّا كَوْنُهم في الجَنَّتَيْنِ المُتْأخِّرَتَيْنِ فَذَلِكَ حاصِلٌ في يَوْمِنا، واتِّكاءُ المُؤْمِنِ غَيْرُ حاصِلٍ في يَوْمِنا، فَقَدْ ذَكَرَ كَوْنُهُنَّ فِيهِنَّ هُنا وأخَّرَهُ هُناكَ. و﴿مُتَّكِئِينَ﴾ حالٌ والعامِلُ فِيهِ ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهُمْ﴾ وذَلِكَ في قُوَّةِ الِاسْتِثْناءِ كَأنَّهُ قالَ: لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إلّا المُؤْمِنُونَ فَإنَّهم يَطْمِثُوهُنَّ مُتَّكِئِينَ، وما ذَكَرْنا مِن قَبْلُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ﴾ يُقالُ هُنا.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الرَّفْرَفُ إمّا أنْ يَكُونَ أصْلُهُ مِن رَفَّ الزَّرْعُ إذا بَلَغَ مِن نَضارَتِهِ فَيَكُونُ مُناسِبًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مُدْهامَّتانِ﴾ ويَكُونُ التَّقْدِيرُ أنَّهم مُتَّكِئُونَ عَلى الرِّياضِ والثِّيابِ العَبْقَرِيَّةِ، وإمّا أنْ يَكُونَ مِن رَفْرَفَةِ الطّائِرِ،
صفحة ١١٩
وهِيَ حَوْمُهُ في الهَواءِ حَوْلَ ما يُرِيدُ النُّزُولَ عَلَيْهِ فَيَكُونُ المَعْنى أنَّهم عَلى بُسُطٍ مَرْفُوعَةٍ كَما قالَ تَعالى: ﴿وفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٤] وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ومِن دُونِهِما جَنَّتانِ﴾ أنَّهُما دُونَهُما في المَكانِ حَيْثُ رُفِعَتْ فُرُشُهم، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿خُضْرٍ﴾ صِيغَةُ جَمْعٍ فالرَّفْرَفُ يَكُونُ جَمْعًا لِكَوْنِهِ اسْمَ جِنْسٍ ويَكُونُ واحِدُهُ رَفْرَفَةً كَحَنْظَلَةٍ، والجَمْعُ في مُتَّكِئِينَ يَدُلُّ عَلَيْهِ فَإنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿مُتَّكِئِينَ﴾ دَلَّ عَلى أنَّهم عَلى رَفارِفَ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ما الفَرْقُ بَيْنَ الفُرُشِ والرَّفْرَفِ حَيْثُ لَمْ يَقُلْ: رَفارِفَ اكْتِفاءً بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿مُتَّكِئِينَ﴾ وقالَ: ﴿فُرُشٍ﴾ ولَمْ يَكْتَفِ بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ ذَلِكَ ؟ نَقُولُ: جَمْعُ الرُّباعِيِّ أثْقَلُ مِن جَمْعِ الثُّلاثِيِّ، ولِهَذا لَمْ يَجِئْ لِلْجَمْعِ في الرُّباعِي إلّا مِثالٌ واحِدٌ وأمْثِلَةُ الجَمْعِ في الثُّلاثِي كَثِيرَةٌ وقَدْ قُرِئَ: ”عَلى رَفارِفَ خُضْرٍ“، و”رَفارِفَ خِضارٍ“ و”عَباقِرَ“ .
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: إذا قُلْنا: إنَّ الرَّفْرَفَ هي البُسُطُ فَما الفائِدَةُ في الخُضْرِ حَيْثُ وصَفَ تَعالى ثِيابَ الجَنَّةِ بِكَوْنِها خُضْرًا قالَ تَعالى: ﴿ثِيابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ﴾ [الإنسان: ٢١] ؟ نَقُولُ: مَيْلُ النّاسِ إلى اللَّوْنِ الأخْضَرِ في الدُّنْيا أكْثَرُ، وسَبَبُ المَيْلِ إلَيْهِ هو أنَّ الألْوانَ الَّتِي يُظَنُّ أنَّها أُصُولُ الألْوانِ سَبْعَةٌ وهي الشَّفّافُ وهو الَّذِي لا يَمْنَعُ نُفُوذَ البَصَرِ فِيهِ ولا يَحْجُبُ ما وراءَهُ كالزُّجاجِ والماءِ الصّافِي وغَيْرِهِما ثُمَّ الأبْيَضُ بَعْدَهُ ثُمَّ الأصْفَرُ ثُمَّ الأحْمَرُ ثُمَّ الأخْضَرُ ثُمَّ الأزْرَقُ ثُمَّ الأسْوَدُ، والأظْهَرُ أنَّ الألْوانَ الأصْلِيَّةَ ثَلاثَةٌ الأبْيَضُ والأسْوَدُ وبَيْنَهُما غايَةُ الخِلافِ والأحْمَرُ مُتَوَسِّطٌ بَيْنَ الأبْيَضِ والأسْوَدِ، فَإنَّ الدَّمَ خُلِقَ عَلى اللَّوْنِ المُتَوَسِّطِ، فَإنْ لَمْ تَكُنِ الصِّحَّةُ عَلى ما يَنْبَغِي فَإنْ كانَ لِفَرْطِ البُرُودَةِ فِيهِ كانَ أبْيَضَ وإنْ كانَ لِفَرْطِ الحَرارَةِ فِيهِ كانَ أسْوَدَ لَكِنْ هَذِهِ الثَّلاثَةُ يَحْصُلُ مِنها الألْوانُ الأُخَرُ، فالأبْيَضُ إذا امْتَزَجَ بِالأحْمَرِ حَصَلَ الأصْفَرُ يَدُلُّ عَلَيْهِ مَزْجُ اللَّبَنِ الأبْيَضِ بِالدَّمِ وغَيْرِهِ مِنَ الأشْياءِ الحُمْرِ، وإذا امْتَزَجَ الأبْيَضُ بِالأسْوَدِ حَصَلَ اللَّوْنُ الأزْرَقُ يَدُلُّ عَلَيْهِ خَلْطُ الجَصِّ المَدْقُوقِ بِالفَحْمِ وإذا امْتَزَجَ الأحْمَرُ بِالأسْوَدِ حَصَلَ الأزْرَقُ أيْضًا لَكِنَّهُ إلى السَّوادِ أمْيَلُ، وإذا امْتَزَجَ الأصْفَرُ بِالأزْرَقِ حَصَلَ الأخْضَرُ مِنَ الأصْفَرِ والأزْرَقِ وقَدْ عُلِمَ أنَّ الأصْفَرَ مِنَ الأبْيَضِ والأحْمَرِ والأزْرَقَ مِنَ الأبْيَضِ والأسْوَدِ والأحْمَرِ والأسْوَدِ فالأخْضَرُ حَصَلَ فِيهِ الألْوانُ الثَّلاثَةُ الأصْلِيَّةُ فَيَكُونُ مَيْلُ الإنْسانِ إلَيْهِ لِكَوْنِهِ مُشْتَمِلًا عَلى الألْوانِ الأصْلِيَّةِ وهَذا بَعِيدٌ جِدًّا، والأقْرَبُ أنَّ الأبْيَضَ يُفَرِّقُ البَصَرُ ولِهَذا لا يَقْدِرُ الإنْسانُ عَلى إدامَةِ النَّظَرِ في الأرْضِ عِنْدَ كَوْنِها مَسْتُورَةً بِالثَّلْجِ، وإنَّهُ يُورِثُ الجَهْرَ والنَّظَرَ إلى الأشْياءِ السُّودِ يَجْمَعُ البَصَرَ ولِهَذا كَرِهَ الإنْسانُ النَّظَرَ إلَيْهِ وإلى الأشْياءِ الحُمْرِ كالدَّمِ، والأخْضَرُ لَمّا اجْتَمَعَ فِيهِ الأُمُورُ الثَّلاثَةُ دَفَعَ بَعْضُها أذى بَعْضٍ، وحَصَلَ اللَّوْنُ المُمْتَزِجُ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي في بَدَنِ الإنْسانِ وهي الأحْمَرُ والأبْيَضُ والأصْفَرُ والأسْوَدُ، ولَمّا كانَ مَيْلُ النَّفْسِ في الدُّنْيا إلى الأخْضَرِ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى في الآخِرَةِ ما هو عَلى مُقْتَضى طَبْعِهِ في الدُّنْيا.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: العَبْقَرِيُّ مَنسُوبٌ إلى عَبْقَرٍ وهو عِنْدَ العَرَبِ مَوْضِعٌ مِن مَواضِعِ الجِنِّ فالثِّيابُ المَعْمُولَةُ عَمَلًا جَيِّدًا يُسَمُّونَها عَبْقَرِيّاتٍ مُبالَغَةً في حُسْنِها كَأنَّها لَيْسَتْ مِن عَمَلِ الإنْسِ، ويُسْتَعْمَلُ في غَيْرِ الثِّيابِ أيْضًا حَتّى يُقالَ لِلرَّجُلِ الَّذِي يَعْمَلُ عَمَلًا عَجِيبًا هو عَبْقَرِيٌّ أيْ مِن ذَلِكَ البَلَدِ قالَ النَّبِيُّ ﷺ في المَنامِ الَّذِي رَآهُ: «فَلَمْ أرَ عَبْقَرِيًّا مِنَ النّاسِ يَفْرِي فَرْيَهُ» واكْتَفى بِذِكْرِ اسْمِ الجِنْسِ عَنِ الجَمْعِ ووَصَفَهُ بِما تُوصَفُ بِهِ الجُمُوعُ فَقالَ ”حِسانٍ“، وذَلِكَ لَمّا بَيَّنّا أنَّ جَمْعَ الرُّباعِيِّ يُسْتَثْقَلُ بَعْضَ الِاسْتِثْقالِ، وأمّا مَن قَرَأ: ”عَباقِرِيٍّ“ فَقَدْ جَعَلَ اسْمَ ذَلِكَ المَوْضِعِ عَباقِرَ فَإنْ زَعَمَ أنَهُ جَمَعَهُ فَقَدْ وهِمَ، وإنْ جَمَعَ العَبْقَرِيَّ ثُمَّ نَسَبَ فَقَدِ التَزَمَ تَكَلُّفًا خِلافَ ما كَلَّفَ
صفحة ١٢٠
الأُدَباءُ التِزامَهُ فَإنَّهم في الجَمْعِ إذا نَسَبُوا رَدُّوهُ إلى الواحِدِ وهَذا القارِئُ تَكَلَّفَ في الواحِدِ ورَدَّهُ إلى الجَمْعِ ثُمَّ نَسَبَهُ؛ لِأنَّ عِنْدَ العَرَبِ لَيْسَ في الوُجُودِ بِلادٌ كُلُّها عَبْقَرٌ حَتّى تُجْمَعَ، ويُقالُ: عَباقِرُ، فَهَذا تَكَلُّفُ الجَمْعِ فِيما لا جَمْعَ لَهُ ثُمَّ نُسِبَ إلى ذَلِكَ الجَمْعِ، والأُدَباءُ تَكْرَهُ الجَمْعَ فِيما يُنْسَبُ لِئَلّا يَجْمَعُوا بَيْنَ الجَمْعِ والنِّسْبَةِ.
الرحمن 55:71
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِيهِما فاكِهَةٌ ونَخْلٌ ورُمّانٌ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِيهِما مِن كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ الفاكِهَةَ أرْضِيَّةٌ نَحْوَ البِطِّيخِ وغَيْرِهِ مِنَ الأرْضِيّاتِ المَزْرُوعاتِ، وشَجَرِيَّةٌ نَحْوَ النَّخْلِ وغَيْرِهِ مِنَ الشَّجَرِيّاتِ فَقالَ: ﴿مُدْهامَّتانِ﴾ بِأنْواعِ الخُضَرِ الَّتِي مِنها الفَواكِهُ الأرْضِيَّةُ وفِيهِما أيْضًا الفَواكِهُ الشَّجَرِيَّةُ، وذَكَرَ مِنها نَوْعَيْنِ وهُما الرَّمّانُ والرُّطَبُ لِأنَّهُما مُتَقابِلانِ، فَأحَدُهُما حُلْوٌ والآخَرُ غَيْرُ حُلْوٍ. وكَذَلِكَ أحَدُهُما حارٌّ والآخَرُ بارِدٌ، وأحَدُهُما فاكِهَةٌ وغِذاءٌ، والآخَرُ فاكِهَةٌ، وأحَدُهُما مِن فَواكِهِ البِلادِ الحارَّةِ والآخَرُ مِن فَواكِهِ البِلادِ البارِدَةِ، وأحَدُهُما أشْجارُهُ في غايَةِ الطُّولِ والآخَرُ أشْجارُهُ بِالضِّدِّ، وأحَدُهُما ما يُؤْكَلُ مِنهُ بارِزٌ وما لا يُؤْكَلُ كامِنٌ، والآخَرُ بِالعَكْسِ، فَهُما كالضِّدَّيْنِ والإشارَةُ إلى الطَّرَفَيْنِ تَتَناوَلُ الإشارَةَ إلى ما بَيْنَهُما، كَما قالَ:
صفحة ١١٨
﴿رَبُّ المَشْرِقَيْنِ ورَبُّ المَغْرِبَيْنِ﴾ [الرحمن: ١٧] وقَدَّمْنا ذَلِكَ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ أيْ في باطِنِهِنَّ الخَيْرُ وفي ظاهِرِهِنَّ الحُسْنُ والخَيْراتُ جَمْعُ خَيْرَةٍ. وقَدْ بَيَّنّا أنَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ إلى أنْ قالَ: ﴿كَأنَّهُنَّ﴾ إشارَةً إلى كَوْنِهِنَّ حِسانًا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿حُورٌ مَقْصُوراتٌ في الخِيامِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ .
إشارَةٌ إلى عَظَمَتِهِنَّ فَإنَّهُنَ ما قَصُرْنَ حَجْرًا عَلَيْهِنَّ، وإنَّما ذَلِكَ إشارَةٌ إلى ضَرْبِ الخِيامِ لَهُنَّ وإدْلاءِ السِّتْرِ عَلَيْهِنَّ، والخَيْمَةُ مَبِيتُ الرَّجُلِ كالبَيْتِ مِنَ الخَشَبِ، حَتّى أنَّ العَرَبَ تُسَمِّي البَيْتَ مِنَ الشَّعْرِ خَيْمَةً لِأنَّهُ مُعَدٌّ لِلْإقامَةِ، إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿مَقْصُوراتٌ في الخِيامِ﴾ إشارَةٌ إلى مَعْنى في غايَةِ اللُّطْفِ، وهو أنَّ المُؤْمِنَ في الجَنَّةِ لا يَحْتاجُ إلى التَّحَرُّكِ لِشَيْءٍ وإنَّما الأشْياءُ تَتَحَرَّكُ إلَيْهِ فالمَأْكُولُ والمَشْرُوبُ يَصِلُ إلَيْهِ مِن غَيْرِ حَرَكَةٍ مِنهُ، ويُطافُ عَلَيْهِمْ بِما يَشْتَهُونَهُ فالحُورُ يَكُنَّ في بُيُوتٍ، وعِنْدَ الِانْتِقالِ إلى المُؤْمِنِينَ في وقْتِ إرادَتِهِمْ تَسِيرُ بِهِنَّ لِلِارْتِحالِ إلى المُؤْمِنِينَ خِيامٌ، ولِلْمُؤْمِنِينَ قُصُورٌ تَنْزِلُ الحُورُ مِنَ الخِيامِ إلى القُصُورِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ﴾ قَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وعَبْقَرِيٍّ حِسانٍ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: ما الحِكْمَةُ في تَأْخِيرِ ذِكْرِ اتِّكائِهِمْ عَنْ ذِكْرِ نِسائِهِمْ في هَذا المَوْضِعِ مَعَ أنَّهُ تَعالى قَدَّمَ ذِكْرَ اتِّكائِهِمْ عَلى ذِكْرِ نِسائِهِمْ في الجَنَّتَيْنِ المُتَقَدِّمَتَيْنِ حَيْثُ قالَ: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ﴾ [الرحمن: ٥٤] ثُمَّ قالَ: ﴿قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ وقالَ هَهُنا: ﴿فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿مُتَّكِئِينَ﴾ ؟ والجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ أهْلَ الجَنَّةِ لَيْسَ عَلَيْهِمْ تَعَبٌ وحَرَكَةٌ فَهم مُنَعَّمُونَ دائِمًا لَكِنَّ النّاسَ في الدُّنْيا عَلى أقْسامٍ مِنهم مَن يَجْتَمِعْ مَعَ أهْلِهِ اجْتِماعَ مُسْتَفِيضٍ وعِنْدَ قَضاءِ وطَرِهِ يَسْتَعْمِلُ الِاغْتِسالَ والِانْتِشارَ في الأرْضِ لِلْكَسْبِ، ومِنهم مَن يَكُونُ مُتَرَدِّدًا في طَلَبِ الكَسْبِ وعِنْدَ تَحْصِيلِهِ يَرْجِعُ إلى أهْلِهِ ويُرِيحُ قَلْبَهُ مِنَ التَّعَبِ قَبْلَ قَضاءِ الوَطَرِ فَيَكُونُ التَّعَبُ لازِمًا قَبْلَ قَضاءِ الوَطَرِ أوْ بَعْدَهُ فاللَّهُ تَعالى قالَ في بَيانِ أهْلِ الجَنَّةِ: مُتَّكِئِينَ قَبْلَ الِاجْتِماعِ بِأهْلِهِمْ وبَعْدَ الِاجْتِماعِ كَذَلِكَ، لِيُعْلَمَ أنَّهم دائِمًا عَلى السُّكُونِ فَلا تَعَبَ لَهم لا قَبْلَ الِاجْتِماعِ ولا بَعْدَ الِاجْتِماعِ. وثانِيهِما: هو أنّا بَيَّنّا في الوَجْهَيْنِ المُتَقَدِّمَيْنِ أنَّ الجَنَّتَيْنِ المُتَقَدِّمَتَيْنِ لِأهْلِ الجَنَّةِ الَّذِينَ جاهُدُوا والمُتَأخِّرِينَ لِذُرِّيّاتِهِمُ الَّذِينَ أُلْحِقُوا بِهِمْ، فَهم فِيهِما وأهْلُهم في الخِيامِ مُنْتَظِراتٌ قُدُومَ أزْواجِهِنَّ، فَإذا دَخَلَ المُؤْمِنُ جَنَّتَهُ الَّتِي هي سُكْناهُ يَتَّكِئُ عَلى الفُرُشِ وتَنْتَقِلُ إلَيْهِ أزْواجُهُ الحِسانُ، فَكَوْنُهُنَّ في الجَنَّتَيْنِ المُتَقَدِّمَتَيْنِ بَعْدَ اتِّكائِهِمْ عَلى الفُرُشِ، وأمّا كَوْنُهم في الجَنَّتَيْنِ المُتْأخِّرَتَيْنِ فَذَلِكَ حاصِلٌ في يَوْمِنا، واتِّكاءُ المُؤْمِنِ غَيْرُ حاصِلٍ في يَوْمِنا، فَقَدْ ذَكَرَ كَوْنُهُنَّ فِيهِنَّ هُنا وأخَّرَهُ هُناكَ. و﴿مُتَّكِئِينَ﴾ حالٌ والعامِلُ فِيهِ ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهُمْ﴾ وذَلِكَ في قُوَّةِ الِاسْتِثْناءِ كَأنَّهُ قالَ: لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إلّا المُؤْمِنُونَ فَإنَّهم يَطْمِثُوهُنَّ مُتَّكِئِينَ، وما ذَكَرْنا مِن قَبْلُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ﴾ يُقالُ هُنا.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الرَّفْرَفُ إمّا أنْ يَكُونَ أصْلُهُ مِن رَفَّ الزَّرْعُ إذا بَلَغَ مِن نَضارَتِهِ فَيَكُونُ مُناسِبًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مُدْهامَّتانِ﴾ ويَكُونُ التَّقْدِيرُ أنَّهم مُتَّكِئُونَ عَلى الرِّياضِ والثِّيابِ العَبْقَرِيَّةِ، وإمّا أنْ يَكُونَ مِن رَفْرَفَةِ الطّائِرِ،
صفحة ١١٩
وهِيَ حَوْمُهُ في الهَواءِ حَوْلَ ما يُرِيدُ النُّزُولَ عَلَيْهِ فَيَكُونُ المَعْنى أنَّهم عَلى بُسُطٍ مَرْفُوعَةٍ كَما قالَ تَعالى: ﴿وفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٤] وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ومِن دُونِهِما جَنَّتانِ﴾ أنَّهُما دُونَهُما في المَكانِ حَيْثُ رُفِعَتْ فُرُشُهم، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿خُضْرٍ﴾ صِيغَةُ جَمْعٍ فالرَّفْرَفُ يَكُونُ جَمْعًا لِكَوْنِهِ اسْمَ جِنْسٍ ويَكُونُ واحِدُهُ رَفْرَفَةً كَحَنْظَلَةٍ، والجَمْعُ في مُتَّكِئِينَ يَدُلُّ عَلَيْهِ فَإنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿مُتَّكِئِينَ﴾ دَلَّ عَلى أنَّهم عَلى رَفارِفَ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ما الفَرْقُ بَيْنَ الفُرُشِ والرَّفْرَفِ حَيْثُ لَمْ يَقُلْ: رَفارِفَ اكْتِفاءً بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿مُتَّكِئِينَ﴾ وقالَ: ﴿فُرُشٍ﴾ ولَمْ يَكْتَفِ بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ ذَلِكَ ؟ نَقُولُ: جَمْعُ الرُّباعِيِّ أثْقَلُ مِن جَمْعِ الثُّلاثِيِّ، ولِهَذا لَمْ يَجِئْ لِلْجَمْعِ في الرُّباعِي إلّا مِثالٌ واحِدٌ وأمْثِلَةُ الجَمْعِ في الثُّلاثِي كَثِيرَةٌ وقَدْ قُرِئَ: ”عَلى رَفارِفَ خُضْرٍ“، و”رَفارِفَ خِضارٍ“ و”عَباقِرَ“ .
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: إذا قُلْنا: إنَّ الرَّفْرَفَ هي البُسُطُ فَما الفائِدَةُ في الخُضْرِ حَيْثُ وصَفَ تَعالى ثِيابَ الجَنَّةِ بِكَوْنِها خُضْرًا قالَ تَعالى: ﴿ثِيابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ﴾ [الإنسان: ٢١] ؟ نَقُولُ: مَيْلُ النّاسِ إلى اللَّوْنِ الأخْضَرِ في الدُّنْيا أكْثَرُ، وسَبَبُ المَيْلِ إلَيْهِ هو أنَّ الألْوانَ الَّتِي يُظَنُّ أنَّها أُصُولُ الألْوانِ سَبْعَةٌ وهي الشَّفّافُ وهو الَّذِي لا يَمْنَعُ نُفُوذَ البَصَرِ فِيهِ ولا يَحْجُبُ ما وراءَهُ كالزُّجاجِ والماءِ الصّافِي وغَيْرِهِما ثُمَّ الأبْيَضُ بَعْدَهُ ثُمَّ الأصْفَرُ ثُمَّ الأحْمَرُ ثُمَّ الأخْضَرُ ثُمَّ الأزْرَقُ ثُمَّ الأسْوَدُ، والأظْهَرُ أنَّ الألْوانَ الأصْلِيَّةَ ثَلاثَةٌ الأبْيَضُ والأسْوَدُ وبَيْنَهُما غايَةُ الخِلافِ والأحْمَرُ مُتَوَسِّطٌ بَيْنَ الأبْيَضِ والأسْوَدِ، فَإنَّ الدَّمَ خُلِقَ عَلى اللَّوْنِ المُتَوَسِّطِ، فَإنْ لَمْ تَكُنِ الصِّحَّةُ عَلى ما يَنْبَغِي فَإنْ كانَ لِفَرْطِ البُرُودَةِ فِيهِ كانَ أبْيَضَ وإنْ كانَ لِفَرْطِ الحَرارَةِ فِيهِ كانَ أسْوَدَ لَكِنْ هَذِهِ الثَّلاثَةُ يَحْصُلُ مِنها الألْوانُ الأُخَرُ، فالأبْيَضُ إذا امْتَزَجَ بِالأحْمَرِ حَصَلَ الأصْفَرُ يَدُلُّ عَلَيْهِ مَزْجُ اللَّبَنِ الأبْيَضِ بِالدَّمِ وغَيْرِهِ مِنَ الأشْياءِ الحُمْرِ، وإذا امْتَزَجَ الأبْيَضُ بِالأسْوَدِ حَصَلَ اللَّوْنُ الأزْرَقُ يَدُلُّ عَلَيْهِ خَلْطُ الجَصِّ المَدْقُوقِ بِالفَحْمِ وإذا امْتَزَجَ الأحْمَرُ بِالأسْوَدِ حَصَلَ الأزْرَقُ أيْضًا لَكِنَّهُ إلى السَّوادِ أمْيَلُ، وإذا امْتَزَجَ الأصْفَرُ بِالأزْرَقِ حَصَلَ الأخْضَرُ مِنَ الأصْفَرِ والأزْرَقِ وقَدْ عُلِمَ أنَّ الأصْفَرَ مِنَ الأبْيَضِ والأحْمَرِ والأزْرَقَ مِنَ الأبْيَضِ والأسْوَدِ والأحْمَرِ والأسْوَدِ فالأخْضَرُ حَصَلَ فِيهِ الألْوانُ الثَّلاثَةُ الأصْلِيَّةُ فَيَكُونُ مَيْلُ الإنْسانِ إلَيْهِ لِكَوْنِهِ مُشْتَمِلًا عَلى الألْوانِ الأصْلِيَّةِ وهَذا بَعِيدٌ جِدًّا، والأقْرَبُ أنَّ الأبْيَضَ يُفَرِّقُ البَصَرُ ولِهَذا لا يَقْدِرُ الإنْسانُ عَلى إدامَةِ النَّظَرِ في الأرْضِ عِنْدَ كَوْنِها مَسْتُورَةً بِالثَّلْجِ، وإنَّهُ يُورِثُ الجَهْرَ والنَّظَرَ إلى الأشْياءِ السُّودِ يَجْمَعُ البَصَرَ ولِهَذا كَرِهَ الإنْسانُ النَّظَرَ إلَيْهِ وإلى الأشْياءِ الحُمْرِ كالدَّمِ، والأخْضَرُ لَمّا اجْتَمَعَ فِيهِ الأُمُورُ الثَّلاثَةُ دَفَعَ بَعْضُها أذى بَعْضٍ، وحَصَلَ اللَّوْنُ المُمْتَزِجُ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي في بَدَنِ الإنْسانِ وهي الأحْمَرُ والأبْيَضُ والأصْفَرُ والأسْوَدُ، ولَمّا كانَ مَيْلُ النَّفْسِ في الدُّنْيا إلى الأخْضَرِ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى في الآخِرَةِ ما هو عَلى مُقْتَضى طَبْعِهِ في الدُّنْيا.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: العَبْقَرِيُّ مَنسُوبٌ إلى عَبْقَرٍ وهو عِنْدَ العَرَبِ مَوْضِعٌ مِن مَواضِعِ الجِنِّ فالثِّيابُ المَعْمُولَةُ عَمَلًا جَيِّدًا يُسَمُّونَها عَبْقَرِيّاتٍ مُبالَغَةً في حُسْنِها كَأنَّها لَيْسَتْ مِن عَمَلِ الإنْسِ، ويُسْتَعْمَلُ في غَيْرِ الثِّيابِ أيْضًا حَتّى يُقالَ لِلرَّجُلِ الَّذِي يَعْمَلُ عَمَلًا عَجِيبًا هو عَبْقَرِيٌّ أيْ مِن ذَلِكَ البَلَدِ قالَ النَّبِيُّ ﷺ في المَنامِ الَّذِي رَآهُ: «فَلَمْ أرَ عَبْقَرِيًّا مِنَ النّاسِ يَفْرِي فَرْيَهُ» واكْتَفى بِذِكْرِ اسْمِ الجِنْسِ عَنِ الجَمْعِ ووَصَفَهُ بِما تُوصَفُ بِهِ الجُمُوعُ فَقالَ ”حِسانٍ“، وذَلِكَ لَمّا بَيَّنّا أنَّ جَمْعَ الرُّباعِيِّ يُسْتَثْقَلُ بَعْضَ الِاسْتِثْقالِ، وأمّا مَن قَرَأ: ”عَباقِرِيٍّ“ فَقَدْ جَعَلَ اسْمَ ذَلِكَ المَوْضِعِ عَباقِرَ فَإنْ زَعَمَ أنَهُ جَمَعَهُ فَقَدْ وهِمَ، وإنْ جَمَعَ العَبْقَرِيَّ ثُمَّ نَسَبَ فَقَدِ التَزَمَ تَكَلُّفًا خِلافَ ما كَلَّفَ
صفحة ١٢٠
الأُدَباءُ التِزامَهُ فَإنَّهم في الجَمْعِ إذا نَسَبُوا رَدُّوهُ إلى الواحِدِ وهَذا القارِئُ تَكَلَّفَ في الواحِدِ ورَدَّهُ إلى الجَمْعِ ثُمَّ نَسَبَهُ؛ لِأنَّ عِنْدَ العَرَبِ لَيْسَ في الوُجُودِ بِلادٌ كُلُّها عَبْقَرٌ حَتّى تُجْمَعَ، ويُقالُ: عَباقِرُ، فَهَذا تَكَلُّفُ الجَمْعِ فِيما لا جَمْعَ لَهُ ثُمَّ نُسِبَ إلى ذَلِكَ الجَمْعِ، والأُدَباءُ تَكْرَهُ الجَمْعَ فِيما يُنْسَبُ لِئَلّا يَجْمَعُوا بَيْنَ الجَمْعِ والنِّسْبَةِ.
الرحمن 55:72
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِيهِما فاكِهَةٌ ونَخْلٌ ورُمّانٌ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِيهِما مِن كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ الفاكِهَةَ أرْضِيَّةٌ نَحْوَ البِطِّيخِ وغَيْرِهِ مِنَ الأرْضِيّاتِ المَزْرُوعاتِ، وشَجَرِيَّةٌ نَحْوَ النَّخْلِ وغَيْرِهِ مِنَ الشَّجَرِيّاتِ فَقالَ: ﴿مُدْهامَّتانِ﴾ بِأنْواعِ الخُضَرِ الَّتِي مِنها الفَواكِهُ الأرْضِيَّةُ وفِيهِما أيْضًا الفَواكِهُ الشَّجَرِيَّةُ، وذَكَرَ مِنها نَوْعَيْنِ وهُما الرَّمّانُ والرُّطَبُ لِأنَّهُما مُتَقابِلانِ، فَأحَدُهُما حُلْوٌ والآخَرُ غَيْرُ حُلْوٍ. وكَذَلِكَ أحَدُهُما حارٌّ والآخَرُ بارِدٌ، وأحَدُهُما فاكِهَةٌ وغِذاءٌ، والآخَرُ فاكِهَةٌ، وأحَدُهُما مِن فَواكِهِ البِلادِ الحارَّةِ والآخَرُ مِن فَواكِهِ البِلادِ البارِدَةِ، وأحَدُهُما أشْجارُهُ في غايَةِ الطُّولِ والآخَرُ أشْجارُهُ بِالضِّدِّ، وأحَدُهُما ما يُؤْكَلُ مِنهُ بارِزٌ وما لا يُؤْكَلُ كامِنٌ، والآخَرُ بِالعَكْسِ، فَهُما كالضِّدَّيْنِ والإشارَةُ إلى الطَّرَفَيْنِ تَتَناوَلُ الإشارَةَ إلى ما بَيْنَهُما، كَما قالَ:
صفحة ١١٨
﴿رَبُّ المَشْرِقَيْنِ ورَبُّ المَغْرِبَيْنِ﴾ [الرحمن: ١٧] وقَدَّمْنا ذَلِكَ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ أيْ في باطِنِهِنَّ الخَيْرُ وفي ظاهِرِهِنَّ الحُسْنُ والخَيْراتُ جَمْعُ خَيْرَةٍ. وقَدْ بَيَّنّا أنَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ إلى أنْ قالَ: ﴿كَأنَّهُنَّ﴾ إشارَةً إلى كَوْنِهِنَّ حِسانًا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿حُورٌ مَقْصُوراتٌ في الخِيامِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ .
إشارَةٌ إلى عَظَمَتِهِنَّ فَإنَّهُنَ ما قَصُرْنَ حَجْرًا عَلَيْهِنَّ، وإنَّما ذَلِكَ إشارَةٌ إلى ضَرْبِ الخِيامِ لَهُنَّ وإدْلاءِ السِّتْرِ عَلَيْهِنَّ، والخَيْمَةُ مَبِيتُ الرَّجُلِ كالبَيْتِ مِنَ الخَشَبِ، حَتّى أنَّ العَرَبَ تُسَمِّي البَيْتَ مِنَ الشَّعْرِ خَيْمَةً لِأنَّهُ مُعَدٌّ لِلْإقامَةِ، إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿مَقْصُوراتٌ في الخِيامِ﴾ إشارَةٌ إلى مَعْنى في غايَةِ اللُّطْفِ، وهو أنَّ المُؤْمِنَ في الجَنَّةِ لا يَحْتاجُ إلى التَّحَرُّكِ لِشَيْءٍ وإنَّما الأشْياءُ تَتَحَرَّكُ إلَيْهِ فالمَأْكُولُ والمَشْرُوبُ يَصِلُ إلَيْهِ مِن غَيْرِ حَرَكَةٍ مِنهُ، ويُطافُ عَلَيْهِمْ بِما يَشْتَهُونَهُ فالحُورُ يَكُنَّ في بُيُوتٍ، وعِنْدَ الِانْتِقالِ إلى المُؤْمِنِينَ في وقْتِ إرادَتِهِمْ تَسِيرُ بِهِنَّ لِلِارْتِحالِ إلى المُؤْمِنِينَ خِيامٌ، ولِلْمُؤْمِنِينَ قُصُورٌ تَنْزِلُ الحُورُ مِنَ الخِيامِ إلى القُصُورِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ﴾ قَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وعَبْقَرِيٍّ حِسانٍ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: ما الحِكْمَةُ في تَأْخِيرِ ذِكْرِ اتِّكائِهِمْ عَنْ ذِكْرِ نِسائِهِمْ في هَذا المَوْضِعِ مَعَ أنَّهُ تَعالى قَدَّمَ ذِكْرَ اتِّكائِهِمْ عَلى ذِكْرِ نِسائِهِمْ في الجَنَّتَيْنِ المُتَقَدِّمَتَيْنِ حَيْثُ قالَ: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ﴾ [الرحمن: ٥٤] ثُمَّ قالَ: ﴿قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ وقالَ هَهُنا: ﴿فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿مُتَّكِئِينَ﴾ ؟ والجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ أهْلَ الجَنَّةِ لَيْسَ عَلَيْهِمْ تَعَبٌ وحَرَكَةٌ فَهم مُنَعَّمُونَ دائِمًا لَكِنَّ النّاسَ في الدُّنْيا عَلى أقْسامٍ مِنهم مَن يَجْتَمِعْ مَعَ أهْلِهِ اجْتِماعَ مُسْتَفِيضٍ وعِنْدَ قَضاءِ وطَرِهِ يَسْتَعْمِلُ الِاغْتِسالَ والِانْتِشارَ في الأرْضِ لِلْكَسْبِ، ومِنهم مَن يَكُونُ مُتَرَدِّدًا في طَلَبِ الكَسْبِ وعِنْدَ تَحْصِيلِهِ يَرْجِعُ إلى أهْلِهِ ويُرِيحُ قَلْبَهُ مِنَ التَّعَبِ قَبْلَ قَضاءِ الوَطَرِ فَيَكُونُ التَّعَبُ لازِمًا قَبْلَ قَضاءِ الوَطَرِ أوْ بَعْدَهُ فاللَّهُ تَعالى قالَ في بَيانِ أهْلِ الجَنَّةِ: مُتَّكِئِينَ قَبْلَ الِاجْتِماعِ بِأهْلِهِمْ وبَعْدَ الِاجْتِماعِ كَذَلِكَ، لِيُعْلَمَ أنَّهم دائِمًا عَلى السُّكُونِ فَلا تَعَبَ لَهم لا قَبْلَ الِاجْتِماعِ ولا بَعْدَ الِاجْتِماعِ. وثانِيهِما: هو أنّا بَيَّنّا في الوَجْهَيْنِ المُتَقَدِّمَيْنِ أنَّ الجَنَّتَيْنِ المُتَقَدِّمَتَيْنِ لِأهْلِ الجَنَّةِ الَّذِينَ جاهُدُوا والمُتَأخِّرِينَ لِذُرِّيّاتِهِمُ الَّذِينَ أُلْحِقُوا بِهِمْ، فَهم فِيهِما وأهْلُهم في الخِيامِ مُنْتَظِراتٌ قُدُومَ أزْواجِهِنَّ، فَإذا دَخَلَ المُؤْمِنُ جَنَّتَهُ الَّتِي هي سُكْناهُ يَتَّكِئُ عَلى الفُرُشِ وتَنْتَقِلُ إلَيْهِ أزْواجُهُ الحِسانُ، فَكَوْنُهُنَّ في الجَنَّتَيْنِ المُتَقَدِّمَتَيْنِ بَعْدَ اتِّكائِهِمْ عَلى الفُرُشِ، وأمّا كَوْنُهم في الجَنَّتَيْنِ المُتْأخِّرَتَيْنِ فَذَلِكَ حاصِلٌ في يَوْمِنا، واتِّكاءُ المُؤْمِنِ غَيْرُ حاصِلٍ في يَوْمِنا، فَقَدْ ذَكَرَ كَوْنُهُنَّ فِيهِنَّ هُنا وأخَّرَهُ هُناكَ. و﴿مُتَّكِئِينَ﴾ حالٌ والعامِلُ فِيهِ ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهُمْ﴾ وذَلِكَ في قُوَّةِ الِاسْتِثْناءِ كَأنَّهُ قالَ: لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إلّا المُؤْمِنُونَ فَإنَّهم يَطْمِثُوهُنَّ مُتَّكِئِينَ، وما ذَكَرْنا مِن قَبْلُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ﴾ يُقالُ هُنا.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الرَّفْرَفُ إمّا أنْ يَكُونَ أصْلُهُ مِن رَفَّ الزَّرْعُ إذا بَلَغَ مِن نَضارَتِهِ فَيَكُونُ مُناسِبًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مُدْهامَّتانِ﴾ ويَكُونُ التَّقْدِيرُ أنَّهم مُتَّكِئُونَ عَلى الرِّياضِ والثِّيابِ العَبْقَرِيَّةِ، وإمّا أنْ يَكُونَ مِن رَفْرَفَةِ الطّائِرِ،
صفحة ١١٩
وهِيَ حَوْمُهُ في الهَواءِ حَوْلَ ما يُرِيدُ النُّزُولَ عَلَيْهِ فَيَكُونُ المَعْنى أنَّهم عَلى بُسُطٍ مَرْفُوعَةٍ كَما قالَ تَعالى: ﴿وفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٤] وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ومِن دُونِهِما جَنَّتانِ﴾ أنَّهُما دُونَهُما في المَكانِ حَيْثُ رُفِعَتْ فُرُشُهم، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿خُضْرٍ﴾ صِيغَةُ جَمْعٍ فالرَّفْرَفُ يَكُونُ جَمْعًا لِكَوْنِهِ اسْمَ جِنْسٍ ويَكُونُ واحِدُهُ رَفْرَفَةً كَحَنْظَلَةٍ، والجَمْعُ في مُتَّكِئِينَ يَدُلُّ عَلَيْهِ فَإنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿مُتَّكِئِينَ﴾ دَلَّ عَلى أنَّهم عَلى رَفارِفَ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ما الفَرْقُ بَيْنَ الفُرُشِ والرَّفْرَفِ حَيْثُ لَمْ يَقُلْ: رَفارِفَ اكْتِفاءً بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿مُتَّكِئِينَ﴾ وقالَ: ﴿فُرُشٍ﴾ ولَمْ يَكْتَفِ بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ ذَلِكَ ؟ نَقُولُ: جَمْعُ الرُّباعِيِّ أثْقَلُ مِن جَمْعِ الثُّلاثِيِّ، ولِهَذا لَمْ يَجِئْ لِلْجَمْعِ في الرُّباعِي إلّا مِثالٌ واحِدٌ وأمْثِلَةُ الجَمْعِ في الثُّلاثِي كَثِيرَةٌ وقَدْ قُرِئَ: ”عَلى رَفارِفَ خُضْرٍ“، و”رَفارِفَ خِضارٍ“ و”عَباقِرَ“ .
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: إذا قُلْنا: إنَّ الرَّفْرَفَ هي البُسُطُ فَما الفائِدَةُ في الخُضْرِ حَيْثُ وصَفَ تَعالى ثِيابَ الجَنَّةِ بِكَوْنِها خُضْرًا قالَ تَعالى: ﴿ثِيابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ﴾ [الإنسان: ٢١] ؟ نَقُولُ: مَيْلُ النّاسِ إلى اللَّوْنِ الأخْضَرِ في الدُّنْيا أكْثَرُ، وسَبَبُ المَيْلِ إلَيْهِ هو أنَّ الألْوانَ الَّتِي يُظَنُّ أنَّها أُصُولُ الألْوانِ سَبْعَةٌ وهي الشَّفّافُ وهو الَّذِي لا يَمْنَعُ نُفُوذَ البَصَرِ فِيهِ ولا يَحْجُبُ ما وراءَهُ كالزُّجاجِ والماءِ الصّافِي وغَيْرِهِما ثُمَّ الأبْيَضُ بَعْدَهُ ثُمَّ الأصْفَرُ ثُمَّ الأحْمَرُ ثُمَّ الأخْضَرُ ثُمَّ الأزْرَقُ ثُمَّ الأسْوَدُ، والأظْهَرُ أنَّ الألْوانَ الأصْلِيَّةَ ثَلاثَةٌ الأبْيَضُ والأسْوَدُ وبَيْنَهُما غايَةُ الخِلافِ والأحْمَرُ مُتَوَسِّطٌ بَيْنَ الأبْيَضِ والأسْوَدِ، فَإنَّ الدَّمَ خُلِقَ عَلى اللَّوْنِ المُتَوَسِّطِ، فَإنْ لَمْ تَكُنِ الصِّحَّةُ عَلى ما يَنْبَغِي فَإنْ كانَ لِفَرْطِ البُرُودَةِ فِيهِ كانَ أبْيَضَ وإنْ كانَ لِفَرْطِ الحَرارَةِ فِيهِ كانَ أسْوَدَ لَكِنْ هَذِهِ الثَّلاثَةُ يَحْصُلُ مِنها الألْوانُ الأُخَرُ، فالأبْيَضُ إذا امْتَزَجَ بِالأحْمَرِ حَصَلَ الأصْفَرُ يَدُلُّ عَلَيْهِ مَزْجُ اللَّبَنِ الأبْيَضِ بِالدَّمِ وغَيْرِهِ مِنَ الأشْياءِ الحُمْرِ، وإذا امْتَزَجَ الأبْيَضُ بِالأسْوَدِ حَصَلَ اللَّوْنُ الأزْرَقُ يَدُلُّ عَلَيْهِ خَلْطُ الجَصِّ المَدْقُوقِ بِالفَحْمِ وإذا امْتَزَجَ الأحْمَرُ بِالأسْوَدِ حَصَلَ الأزْرَقُ أيْضًا لَكِنَّهُ إلى السَّوادِ أمْيَلُ، وإذا امْتَزَجَ الأصْفَرُ بِالأزْرَقِ حَصَلَ الأخْضَرُ مِنَ الأصْفَرِ والأزْرَقِ وقَدْ عُلِمَ أنَّ الأصْفَرَ مِنَ الأبْيَضِ والأحْمَرِ والأزْرَقَ مِنَ الأبْيَضِ والأسْوَدِ والأحْمَرِ والأسْوَدِ فالأخْضَرُ حَصَلَ فِيهِ الألْوانُ الثَّلاثَةُ الأصْلِيَّةُ فَيَكُونُ مَيْلُ الإنْسانِ إلَيْهِ لِكَوْنِهِ مُشْتَمِلًا عَلى الألْوانِ الأصْلِيَّةِ وهَذا بَعِيدٌ جِدًّا، والأقْرَبُ أنَّ الأبْيَضَ يُفَرِّقُ البَصَرُ ولِهَذا لا يَقْدِرُ الإنْسانُ عَلى إدامَةِ النَّظَرِ في الأرْضِ عِنْدَ كَوْنِها مَسْتُورَةً بِالثَّلْجِ، وإنَّهُ يُورِثُ الجَهْرَ والنَّظَرَ إلى الأشْياءِ السُّودِ يَجْمَعُ البَصَرَ ولِهَذا كَرِهَ الإنْسانُ النَّظَرَ إلَيْهِ وإلى الأشْياءِ الحُمْرِ كالدَّمِ، والأخْضَرُ لَمّا اجْتَمَعَ فِيهِ الأُمُورُ الثَّلاثَةُ دَفَعَ بَعْضُها أذى بَعْضٍ، وحَصَلَ اللَّوْنُ المُمْتَزِجُ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي في بَدَنِ الإنْسانِ وهي الأحْمَرُ والأبْيَضُ والأصْفَرُ والأسْوَدُ، ولَمّا كانَ مَيْلُ النَّفْسِ في الدُّنْيا إلى الأخْضَرِ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى في الآخِرَةِ ما هو عَلى مُقْتَضى طَبْعِهِ في الدُّنْيا.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: العَبْقَرِيُّ مَنسُوبٌ إلى عَبْقَرٍ وهو عِنْدَ العَرَبِ مَوْضِعٌ مِن مَواضِعِ الجِنِّ فالثِّيابُ المَعْمُولَةُ عَمَلًا جَيِّدًا يُسَمُّونَها عَبْقَرِيّاتٍ مُبالَغَةً في حُسْنِها كَأنَّها لَيْسَتْ مِن عَمَلِ الإنْسِ، ويُسْتَعْمَلُ في غَيْرِ الثِّيابِ أيْضًا حَتّى يُقالَ لِلرَّجُلِ الَّذِي يَعْمَلُ عَمَلًا عَجِيبًا هو عَبْقَرِيٌّ أيْ مِن ذَلِكَ البَلَدِ قالَ النَّبِيُّ ﷺ في المَنامِ الَّذِي رَآهُ: «فَلَمْ أرَ عَبْقَرِيًّا مِنَ النّاسِ يَفْرِي فَرْيَهُ» واكْتَفى بِذِكْرِ اسْمِ الجِنْسِ عَنِ الجَمْعِ ووَصَفَهُ بِما تُوصَفُ بِهِ الجُمُوعُ فَقالَ ”حِسانٍ“، وذَلِكَ لَمّا بَيَّنّا أنَّ جَمْعَ الرُّباعِيِّ يُسْتَثْقَلُ بَعْضَ الِاسْتِثْقالِ، وأمّا مَن قَرَأ: ”عَباقِرِيٍّ“ فَقَدْ جَعَلَ اسْمَ ذَلِكَ المَوْضِعِ عَباقِرَ فَإنْ زَعَمَ أنَهُ جَمَعَهُ فَقَدْ وهِمَ، وإنْ جَمَعَ العَبْقَرِيَّ ثُمَّ نَسَبَ فَقَدِ التَزَمَ تَكَلُّفًا خِلافَ ما كَلَّفَ
صفحة ١٢٠
الأُدَباءُ التِزامَهُ فَإنَّهم في الجَمْعِ إذا نَسَبُوا رَدُّوهُ إلى الواحِدِ وهَذا القارِئُ تَكَلَّفَ في الواحِدِ ورَدَّهُ إلى الجَمْعِ ثُمَّ نَسَبَهُ؛ لِأنَّ عِنْدَ العَرَبِ لَيْسَ في الوُجُودِ بِلادٌ كُلُّها عَبْقَرٌ حَتّى تُجْمَعَ، ويُقالُ: عَباقِرُ، فَهَذا تَكَلُّفُ الجَمْعِ فِيما لا جَمْعَ لَهُ ثُمَّ نُسِبَ إلى ذَلِكَ الجَمْعِ، والأُدَباءُ تَكْرَهُ الجَمْعَ فِيما يُنْسَبُ لِئَلّا يَجْمَعُوا بَيْنَ الجَمْعِ والنِّسْبَةِ.
الرحمن 55:73
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِيهِما فاكِهَةٌ ونَخْلٌ ورُمّانٌ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِيهِما مِن كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ الفاكِهَةَ أرْضِيَّةٌ نَحْوَ البِطِّيخِ وغَيْرِهِ مِنَ الأرْضِيّاتِ المَزْرُوعاتِ، وشَجَرِيَّةٌ نَحْوَ النَّخْلِ وغَيْرِهِ مِنَ الشَّجَرِيّاتِ فَقالَ: ﴿مُدْهامَّتانِ﴾ بِأنْواعِ الخُضَرِ الَّتِي مِنها الفَواكِهُ الأرْضِيَّةُ وفِيهِما أيْضًا الفَواكِهُ الشَّجَرِيَّةُ، وذَكَرَ مِنها نَوْعَيْنِ وهُما الرَّمّانُ والرُّطَبُ لِأنَّهُما مُتَقابِلانِ، فَأحَدُهُما حُلْوٌ والآخَرُ غَيْرُ حُلْوٍ. وكَذَلِكَ أحَدُهُما حارٌّ والآخَرُ بارِدٌ، وأحَدُهُما فاكِهَةٌ وغِذاءٌ، والآخَرُ فاكِهَةٌ، وأحَدُهُما مِن فَواكِهِ البِلادِ الحارَّةِ والآخَرُ مِن فَواكِهِ البِلادِ البارِدَةِ، وأحَدُهُما أشْجارُهُ في غايَةِ الطُّولِ والآخَرُ أشْجارُهُ بِالضِّدِّ، وأحَدُهُما ما يُؤْكَلُ مِنهُ بارِزٌ وما لا يُؤْكَلُ كامِنٌ، والآخَرُ بِالعَكْسِ، فَهُما كالضِّدَّيْنِ والإشارَةُ إلى الطَّرَفَيْنِ تَتَناوَلُ الإشارَةَ إلى ما بَيْنَهُما، كَما قالَ:
صفحة ١١٨
﴿رَبُّ المَشْرِقَيْنِ ورَبُّ المَغْرِبَيْنِ﴾ [الرحمن: ١٧] وقَدَّمْنا ذَلِكَ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ أيْ في باطِنِهِنَّ الخَيْرُ وفي ظاهِرِهِنَّ الحُسْنُ والخَيْراتُ جَمْعُ خَيْرَةٍ. وقَدْ بَيَّنّا أنَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ إلى أنْ قالَ: ﴿كَأنَّهُنَّ﴾ إشارَةً إلى كَوْنِهِنَّ حِسانًا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿حُورٌ مَقْصُوراتٌ في الخِيامِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ .
إشارَةٌ إلى عَظَمَتِهِنَّ فَإنَّهُنَ ما قَصُرْنَ حَجْرًا عَلَيْهِنَّ، وإنَّما ذَلِكَ إشارَةٌ إلى ضَرْبِ الخِيامِ لَهُنَّ وإدْلاءِ السِّتْرِ عَلَيْهِنَّ، والخَيْمَةُ مَبِيتُ الرَّجُلِ كالبَيْتِ مِنَ الخَشَبِ، حَتّى أنَّ العَرَبَ تُسَمِّي البَيْتَ مِنَ الشَّعْرِ خَيْمَةً لِأنَّهُ مُعَدٌّ لِلْإقامَةِ، إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿مَقْصُوراتٌ في الخِيامِ﴾ إشارَةٌ إلى مَعْنى في غايَةِ اللُّطْفِ، وهو أنَّ المُؤْمِنَ في الجَنَّةِ لا يَحْتاجُ إلى التَّحَرُّكِ لِشَيْءٍ وإنَّما الأشْياءُ تَتَحَرَّكُ إلَيْهِ فالمَأْكُولُ والمَشْرُوبُ يَصِلُ إلَيْهِ مِن غَيْرِ حَرَكَةٍ مِنهُ، ويُطافُ عَلَيْهِمْ بِما يَشْتَهُونَهُ فالحُورُ يَكُنَّ في بُيُوتٍ، وعِنْدَ الِانْتِقالِ إلى المُؤْمِنِينَ في وقْتِ إرادَتِهِمْ تَسِيرُ بِهِنَّ لِلِارْتِحالِ إلى المُؤْمِنِينَ خِيامٌ، ولِلْمُؤْمِنِينَ قُصُورٌ تَنْزِلُ الحُورُ مِنَ الخِيامِ إلى القُصُورِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ﴾ قَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وعَبْقَرِيٍّ حِسانٍ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: ما الحِكْمَةُ في تَأْخِيرِ ذِكْرِ اتِّكائِهِمْ عَنْ ذِكْرِ نِسائِهِمْ في هَذا المَوْضِعِ مَعَ أنَّهُ تَعالى قَدَّمَ ذِكْرَ اتِّكائِهِمْ عَلى ذِكْرِ نِسائِهِمْ في الجَنَّتَيْنِ المُتَقَدِّمَتَيْنِ حَيْثُ قالَ: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ﴾ [الرحمن: ٥٤] ثُمَّ قالَ: ﴿قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ وقالَ هَهُنا: ﴿فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿مُتَّكِئِينَ﴾ ؟ والجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ أهْلَ الجَنَّةِ لَيْسَ عَلَيْهِمْ تَعَبٌ وحَرَكَةٌ فَهم مُنَعَّمُونَ دائِمًا لَكِنَّ النّاسَ في الدُّنْيا عَلى أقْسامٍ مِنهم مَن يَجْتَمِعْ مَعَ أهْلِهِ اجْتِماعَ مُسْتَفِيضٍ وعِنْدَ قَضاءِ وطَرِهِ يَسْتَعْمِلُ الِاغْتِسالَ والِانْتِشارَ في الأرْضِ لِلْكَسْبِ، ومِنهم مَن يَكُونُ مُتَرَدِّدًا في طَلَبِ الكَسْبِ وعِنْدَ تَحْصِيلِهِ يَرْجِعُ إلى أهْلِهِ ويُرِيحُ قَلْبَهُ مِنَ التَّعَبِ قَبْلَ قَضاءِ الوَطَرِ فَيَكُونُ التَّعَبُ لازِمًا قَبْلَ قَضاءِ الوَطَرِ أوْ بَعْدَهُ فاللَّهُ تَعالى قالَ في بَيانِ أهْلِ الجَنَّةِ: مُتَّكِئِينَ قَبْلَ الِاجْتِماعِ بِأهْلِهِمْ وبَعْدَ الِاجْتِماعِ كَذَلِكَ، لِيُعْلَمَ أنَّهم دائِمًا عَلى السُّكُونِ فَلا تَعَبَ لَهم لا قَبْلَ الِاجْتِماعِ ولا بَعْدَ الِاجْتِماعِ. وثانِيهِما: هو أنّا بَيَّنّا في الوَجْهَيْنِ المُتَقَدِّمَيْنِ أنَّ الجَنَّتَيْنِ المُتَقَدِّمَتَيْنِ لِأهْلِ الجَنَّةِ الَّذِينَ جاهُدُوا والمُتَأخِّرِينَ لِذُرِّيّاتِهِمُ الَّذِينَ أُلْحِقُوا بِهِمْ، فَهم فِيهِما وأهْلُهم في الخِيامِ مُنْتَظِراتٌ قُدُومَ أزْواجِهِنَّ، فَإذا دَخَلَ المُؤْمِنُ جَنَّتَهُ الَّتِي هي سُكْناهُ يَتَّكِئُ عَلى الفُرُشِ وتَنْتَقِلُ إلَيْهِ أزْواجُهُ الحِسانُ، فَكَوْنُهُنَّ في الجَنَّتَيْنِ المُتَقَدِّمَتَيْنِ بَعْدَ اتِّكائِهِمْ عَلى الفُرُشِ، وأمّا كَوْنُهم في الجَنَّتَيْنِ المُتْأخِّرَتَيْنِ فَذَلِكَ حاصِلٌ في يَوْمِنا، واتِّكاءُ المُؤْمِنِ غَيْرُ حاصِلٍ في يَوْمِنا، فَقَدْ ذَكَرَ كَوْنُهُنَّ فِيهِنَّ هُنا وأخَّرَهُ هُناكَ. و﴿مُتَّكِئِينَ﴾ حالٌ والعامِلُ فِيهِ ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهُمْ﴾ وذَلِكَ في قُوَّةِ الِاسْتِثْناءِ كَأنَّهُ قالَ: لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إلّا المُؤْمِنُونَ فَإنَّهم يَطْمِثُوهُنَّ مُتَّكِئِينَ، وما ذَكَرْنا مِن قَبْلُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ﴾ يُقالُ هُنا.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الرَّفْرَفُ إمّا أنْ يَكُونَ أصْلُهُ مِن رَفَّ الزَّرْعُ إذا بَلَغَ مِن نَضارَتِهِ فَيَكُونُ مُناسِبًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مُدْهامَّتانِ﴾ ويَكُونُ التَّقْدِيرُ أنَّهم مُتَّكِئُونَ عَلى الرِّياضِ والثِّيابِ العَبْقَرِيَّةِ، وإمّا أنْ يَكُونَ مِن رَفْرَفَةِ الطّائِرِ،
صفحة ١١٩
وهِيَ حَوْمُهُ في الهَواءِ حَوْلَ ما يُرِيدُ النُّزُولَ عَلَيْهِ فَيَكُونُ المَعْنى أنَّهم عَلى بُسُطٍ مَرْفُوعَةٍ كَما قالَ تَعالى: ﴿وفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٤] وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ومِن دُونِهِما جَنَّتانِ﴾ أنَّهُما دُونَهُما في المَكانِ حَيْثُ رُفِعَتْ فُرُشُهم، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿خُضْرٍ﴾ صِيغَةُ جَمْعٍ فالرَّفْرَفُ يَكُونُ جَمْعًا لِكَوْنِهِ اسْمَ جِنْسٍ ويَكُونُ واحِدُهُ رَفْرَفَةً كَحَنْظَلَةٍ، والجَمْعُ في مُتَّكِئِينَ يَدُلُّ عَلَيْهِ فَإنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿مُتَّكِئِينَ﴾ دَلَّ عَلى أنَّهم عَلى رَفارِفَ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ما الفَرْقُ بَيْنَ الفُرُشِ والرَّفْرَفِ حَيْثُ لَمْ يَقُلْ: رَفارِفَ اكْتِفاءً بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿مُتَّكِئِينَ﴾ وقالَ: ﴿فُرُشٍ﴾ ولَمْ يَكْتَفِ بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ ذَلِكَ ؟ نَقُولُ: جَمْعُ الرُّباعِيِّ أثْقَلُ مِن جَمْعِ الثُّلاثِيِّ، ولِهَذا لَمْ يَجِئْ لِلْجَمْعِ في الرُّباعِي إلّا مِثالٌ واحِدٌ وأمْثِلَةُ الجَمْعِ في الثُّلاثِي كَثِيرَةٌ وقَدْ قُرِئَ: ”عَلى رَفارِفَ خُضْرٍ“، و”رَفارِفَ خِضارٍ“ و”عَباقِرَ“ .
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: إذا قُلْنا: إنَّ الرَّفْرَفَ هي البُسُطُ فَما الفائِدَةُ في الخُضْرِ حَيْثُ وصَفَ تَعالى ثِيابَ الجَنَّةِ بِكَوْنِها خُضْرًا قالَ تَعالى: ﴿ثِيابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ﴾ [الإنسان: ٢١] ؟ نَقُولُ: مَيْلُ النّاسِ إلى اللَّوْنِ الأخْضَرِ في الدُّنْيا أكْثَرُ، وسَبَبُ المَيْلِ إلَيْهِ هو أنَّ الألْوانَ الَّتِي يُظَنُّ أنَّها أُصُولُ الألْوانِ سَبْعَةٌ وهي الشَّفّافُ وهو الَّذِي لا يَمْنَعُ نُفُوذَ البَصَرِ فِيهِ ولا يَحْجُبُ ما وراءَهُ كالزُّجاجِ والماءِ الصّافِي وغَيْرِهِما ثُمَّ الأبْيَضُ بَعْدَهُ ثُمَّ الأصْفَرُ ثُمَّ الأحْمَرُ ثُمَّ الأخْضَرُ ثُمَّ الأزْرَقُ ثُمَّ الأسْوَدُ، والأظْهَرُ أنَّ الألْوانَ الأصْلِيَّةَ ثَلاثَةٌ الأبْيَضُ والأسْوَدُ وبَيْنَهُما غايَةُ الخِلافِ والأحْمَرُ مُتَوَسِّطٌ بَيْنَ الأبْيَضِ والأسْوَدِ، فَإنَّ الدَّمَ خُلِقَ عَلى اللَّوْنِ المُتَوَسِّطِ، فَإنْ لَمْ تَكُنِ الصِّحَّةُ عَلى ما يَنْبَغِي فَإنْ كانَ لِفَرْطِ البُرُودَةِ فِيهِ كانَ أبْيَضَ وإنْ كانَ لِفَرْطِ الحَرارَةِ فِيهِ كانَ أسْوَدَ لَكِنْ هَذِهِ الثَّلاثَةُ يَحْصُلُ مِنها الألْوانُ الأُخَرُ، فالأبْيَضُ إذا امْتَزَجَ بِالأحْمَرِ حَصَلَ الأصْفَرُ يَدُلُّ عَلَيْهِ مَزْجُ اللَّبَنِ الأبْيَضِ بِالدَّمِ وغَيْرِهِ مِنَ الأشْياءِ الحُمْرِ، وإذا امْتَزَجَ الأبْيَضُ بِالأسْوَدِ حَصَلَ اللَّوْنُ الأزْرَقُ يَدُلُّ عَلَيْهِ خَلْطُ الجَصِّ المَدْقُوقِ بِالفَحْمِ وإذا امْتَزَجَ الأحْمَرُ بِالأسْوَدِ حَصَلَ الأزْرَقُ أيْضًا لَكِنَّهُ إلى السَّوادِ أمْيَلُ، وإذا امْتَزَجَ الأصْفَرُ بِالأزْرَقِ حَصَلَ الأخْضَرُ مِنَ الأصْفَرِ والأزْرَقِ وقَدْ عُلِمَ أنَّ الأصْفَرَ مِنَ الأبْيَضِ والأحْمَرِ والأزْرَقَ مِنَ الأبْيَضِ والأسْوَدِ والأحْمَرِ والأسْوَدِ فالأخْضَرُ حَصَلَ فِيهِ الألْوانُ الثَّلاثَةُ الأصْلِيَّةُ فَيَكُونُ مَيْلُ الإنْسانِ إلَيْهِ لِكَوْنِهِ مُشْتَمِلًا عَلى الألْوانِ الأصْلِيَّةِ وهَذا بَعِيدٌ جِدًّا، والأقْرَبُ أنَّ الأبْيَضَ يُفَرِّقُ البَصَرُ ولِهَذا لا يَقْدِرُ الإنْسانُ عَلى إدامَةِ النَّظَرِ في الأرْضِ عِنْدَ كَوْنِها مَسْتُورَةً بِالثَّلْجِ، وإنَّهُ يُورِثُ الجَهْرَ والنَّظَرَ إلى الأشْياءِ السُّودِ يَجْمَعُ البَصَرَ ولِهَذا كَرِهَ الإنْسانُ النَّظَرَ إلَيْهِ وإلى الأشْياءِ الحُمْرِ كالدَّمِ، والأخْضَرُ لَمّا اجْتَمَعَ فِيهِ الأُمُورُ الثَّلاثَةُ دَفَعَ بَعْضُها أذى بَعْضٍ، وحَصَلَ اللَّوْنُ المُمْتَزِجُ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي في بَدَنِ الإنْسانِ وهي الأحْمَرُ والأبْيَضُ والأصْفَرُ والأسْوَدُ، ولَمّا كانَ مَيْلُ النَّفْسِ في الدُّنْيا إلى الأخْضَرِ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى في الآخِرَةِ ما هو عَلى مُقْتَضى طَبْعِهِ في الدُّنْيا.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: العَبْقَرِيُّ مَنسُوبٌ إلى عَبْقَرٍ وهو عِنْدَ العَرَبِ مَوْضِعٌ مِن مَواضِعِ الجِنِّ فالثِّيابُ المَعْمُولَةُ عَمَلًا جَيِّدًا يُسَمُّونَها عَبْقَرِيّاتٍ مُبالَغَةً في حُسْنِها كَأنَّها لَيْسَتْ مِن عَمَلِ الإنْسِ، ويُسْتَعْمَلُ في غَيْرِ الثِّيابِ أيْضًا حَتّى يُقالَ لِلرَّجُلِ الَّذِي يَعْمَلُ عَمَلًا عَجِيبًا هو عَبْقَرِيٌّ أيْ مِن ذَلِكَ البَلَدِ قالَ النَّبِيُّ ﷺ في المَنامِ الَّذِي رَآهُ: «فَلَمْ أرَ عَبْقَرِيًّا مِنَ النّاسِ يَفْرِي فَرْيَهُ» واكْتَفى بِذِكْرِ اسْمِ الجِنْسِ عَنِ الجَمْعِ ووَصَفَهُ بِما تُوصَفُ بِهِ الجُمُوعُ فَقالَ ”حِسانٍ“، وذَلِكَ لَمّا بَيَّنّا أنَّ جَمْعَ الرُّباعِيِّ يُسْتَثْقَلُ بَعْضَ الِاسْتِثْقالِ، وأمّا مَن قَرَأ: ”عَباقِرِيٍّ“ فَقَدْ جَعَلَ اسْمَ ذَلِكَ المَوْضِعِ عَباقِرَ فَإنْ زَعَمَ أنَهُ جَمَعَهُ فَقَدْ وهِمَ، وإنْ جَمَعَ العَبْقَرِيَّ ثُمَّ نَسَبَ فَقَدِ التَزَمَ تَكَلُّفًا خِلافَ ما كَلَّفَ
صفحة ١٢٠
الأُدَباءُ التِزامَهُ فَإنَّهم في الجَمْعِ إذا نَسَبُوا رَدُّوهُ إلى الواحِدِ وهَذا القارِئُ تَكَلَّفَ في الواحِدِ ورَدَّهُ إلى الجَمْعِ ثُمَّ نَسَبَهُ؛ لِأنَّ عِنْدَ العَرَبِ لَيْسَ في الوُجُودِ بِلادٌ كُلُّها عَبْقَرٌ حَتّى تُجْمَعَ، ويُقالُ: عَباقِرُ، فَهَذا تَكَلُّفُ الجَمْعِ فِيما لا جَمْعَ لَهُ ثُمَّ نُسِبَ إلى ذَلِكَ الجَمْعِ، والأُدَباءُ تَكْرَهُ الجَمْعَ فِيما يُنْسَبُ لِئَلّا يَجْمَعُوا بَيْنَ الجَمْعِ والنِّسْبَةِ.
الرحمن 55:74
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِيهِما فاكِهَةٌ ونَخْلٌ ورُمّانٌ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِيهِما مِن كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ الفاكِهَةَ أرْضِيَّةٌ نَحْوَ البِطِّيخِ وغَيْرِهِ مِنَ الأرْضِيّاتِ المَزْرُوعاتِ، وشَجَرِيَّةٌ نَحْوَ النَّخْلِ وغَيْرِهِ مِنَ الشَّجَرِيّاتِ فَقالَ: ﴿مُدْهامَّتانِ﴾ بِأنْواعِ الخُضَرِ الَّتِي مِنها الفَواكِهُ الأرْضِيَّةُ وفِيهِما أيْضًا الفَواكِهُ الشَّجَرِيَّةُ، وذَكَرَ مِنها نَوْعَيْنِ وهُما الرَّمّانُ والرُّطَبُ لِأنَّهُما مُتَقابِلانِ، فَأحَدُهُما حُلْوٌ والآخَرُ غَيْرُ حُلْوٍ. وكَذَلِكَ أحَدُهُما حارٌّ والآخَرُ بارِدٌ، وأحَدُهُما فاكِهَةٌ وغِذاءٌ، والآخَرُ فاكِهَةٌ، وأحَدُهُما مِن فَواكِهِ البِلادِ الحارَّةِ والآخَرُ مِن فَواكِهِ البِلادِ البارِدَةِ، وأحَدُهُما أشْجارُهُ في غايَةِ الطُّولِ والآخَرُ أشْجارُهُ بِالضِّدِّ، وأحَدُهُما ما يُؤْكَلُ مِنهُ بارِزٌ وما لا يُؤْكَلُ كامِنٌ، والآخَرُ بِالعَكْسِ، فَهُما كالضِّدَّيْنِ والإشارَةُ إلى الطَّرَفَيْنِ تَتَناوَلُ الإشارَةَ إلى ما بَيْنَهُما، كَما قالَ:
صفحة ١١٨
﴿رَبُّ المَشْرِقَيْنِ ورَبُّ المَغْرِبَيْنِ﴾ [الرحمن: ١٧] وقَدَّمْنا ذَلِكَ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ أيْ في باطِنِهِنَّ الخَيْرُ وفي ظاهِرِهِنَّ الحُسْنُ والخَيْراتُ جَمْعُ خَيْرَةٍ. وقَدْ بَيَّنّا أنَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ إلى أنْ قالَ: ﴿كَأنَّهُنَّ﴾ إشارَةً إلى كَوْنِهِنَّ حِسانًا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿حُورٌ مَقْصُوراتٌ في الخِيامِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ .
إشارَةٌ إلى عَظَمَتِهِنَّ فَإنَّهُنَ ما قَصُرْنَ حَجْرًا عَلَيْهِنَّ، وإنَّما ذَلِكَ إشارَةٌ إلى ضَرْبِ الخِيامِ لَهُنَّ وإدْلاءِ السِّتْرِ عَلَيْهِنَّ، والخَيْمَةُ مَبِيتُ الرَّجُلِ كالبَيْتِ مِنَ الخَشَبِ، حَتّى أنَّ العَرَبَ تُسَمِّي البَيْتَ مِنَ الشَّعْرِ خَيْمَةً لِأنَّهُ مُعَدٌّ لِلْإقامَةِ، إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿مَقْصُوراتٌ في الخِيامِ﴾ إشارَةٌ إلى مَعْنى في غايَةِ اللُّطْفِ، وهو أنَّ المُؤْمِنَ في الجَنَّةِ لا يَحْتاجُ إلى التَّحَرُّكِ لِشَيْءٍ وإنَّما الأشْياءُ تَتَحَرَّكُ إلَيْهِ فالمَأْكُولُ والمَشْرُوبُ يَصِلُ إلَيْهِ مِن غَيْرِ حَرَكَةٍ مِنهُ، ويُطافُ عَلَيْهِمْ بِما يَشْتَهُونَهُ فالحُورُ يَكُنَّ في بُيُوتٍ، وعِنْدَ الِانْتِقالِ إلى المُؤْمِنِينَ في وقْتِ إرادَتِهِمْ تَسِيرُ بِهِنَّ لِلِارْتِحالِ إلى المُؤْمِنِينَ خِيامٌ، ولِلْمُؤْمِنِينَ قُصُورٌ تَنْزِلُ الحُورُ مِنَ الخِيامِ إلى القُصُورِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ﴾ قَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وعَبْقَرِيٍّ حِسانٍ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: ما الحِكْمَةُ في تَأْخِيرِ ذِكْرِ اتِّكائِهِمْ عَنْ ذِكْرِ نِسائِهِمْ في هَذا المَوْضِعِ مَعَ أنَّهُ تَعالى قَدَّمَ ذِكْرَ اتِّكائِهِمْ عَلى ذِكْرِ نِسائِهِمْ في الجَنَّتَيْنِ المُتَقَدِّمَتَيْنِ حَيْثُ قالَ: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ﴾ [الرحمن: ٥٤] ثُمَّ قالَ: ﴿قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ وقالَ هَهُنا: ﴿فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿مُتَّكِئِينَ﴾ ؟ والجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ أهْلَ الجَنَّةِ لَيْسَ عَلَيْهِمْ تَعَبٌ وحَرَكَةٌ فَهم مُنَعَّمُونَ دائِمًا لَكِنَّ النّاسَ في الدُّنْيا عَلى أقْسامٍ مِنهم مَن يَجْتَمِعْ مَعَ أهْلِهِ اجْتِماعَ مُسْتَفِيضٍ وعِنْدَ قَضاءِ وطَرِهِ يَسْتَعْمِلُ الِاغْتِسالَ والِانْتِشارَ في الأرْضِ لِلْكَسْبِ، ومِنهم مَن يَكُونُ مُتَرَدِّدًا في طَلَبِ الكَسْبِ وعِنْدَ تَحْصِيلِهِ يَرْجِعُ إلى أهْلِهِ ويُرِيحُ قَلْبَهُ مِنَ التَّعَبِ قَبْلَ قَضاءِ الوَطَرِ فَيَكُونُ التَّعَبُ لازِمًا قَبْلَ قَضاءِ الوَطَرِ أوْ بَعْدَهُ فاللَّهُ تَعالى قالَ في بَيانِ أهْلِ الجَنَّةِ: مُتَّكِئِينَ قَبْلَ الِاجْتِماعِ بِأهْلِهِمْ وبَعْدَ الِاجْتِماعِ كَذَلِكَ، لِيُعْلَمَ أنَّهم دائِمًا عَلى السُّكُونِ فَلا تَعَبَ لَهم لا قَبْلَ الِاجْتِماعِ ولا بَعْدَ الِاجْتِماعِ. وثانِيهِما: هو أنّا بَيَّنّا في الوَجْهَيْنِ المُتَقَدِّمَيْنِ أنَّ الجَنَّتَيْنِ المُتَقَدِّمَتَيْنِ لِأهْلِ الجَنَّةِ الَّذِينَ جاهُدُوا والمُتَأخِّرِينَ لِذُرِّيّاتِهِمُ الَّذِينَ أُلْحِقُوا بِهِمْ، فَهم فِيهِما وأهْلُهم في الخِيامِ مُنْتَظِراتٌ قُدُومَ أزْواجِهِنَّ، فَإذا دَخَلَ المُؤْمِنُ جَنَّتَهُ الَّتِي هي سُكْناهُ يَتَّكِئُ عَلى الفُرُشِ وتَنْتَقِلُ إلَيْهِ أزْواجُهُ الحِسانُ، فَكَوْنُهُنَّ في الجَنَّتَيْنِ المُتَقَدِّمَتَيْنِ بَعْدَ اتِّكائِهِمْ عَلى الفُرُشِ، وأمّا كَوْنُهم في الجَنَّتَيْنِ المُتْأخِّرَتَيْنِ فَذَلِكَ حاصِلٌ في يَوْمِنا، واتِّكاءُ المُؤْمِنِ غَيْرُ حاصِلٍ في يَوْمِنا، فَقَدْ ذَكَرَ كَوْنُهُنَّ فِيهِنَّ هُنا وأخَّرَهُ هُناكَ. و﴿مُتَّكِئِينَ﴾ حالٌ والعامِلُ فِيهِ ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهُمْ﴾ وذَلِكَ في قُوَّةِ الِاسْتِثْناءِ كَأنَّهُ قالَ: لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إلّا المُؤْمِنُونَ فَإنَّهم يَطْمِثُوهُنَّ مُتَّكِئِينَ، وما ذَكَرْنا مِن قَبْلُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ﴾ يُقالُ هُنا.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الرَّفْرَفُ إمّا أنْ يَكُونَ أصْلُهُ مِن رَفَّ الزَّرْعُ إذا بَلَغَ مِن نَضارَتِهِ فَيَكُونُ مُناسِبًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مُدْهامَّتانِ﴾ ويَكُونُ التَّقْدِيرُ أنَّهم مُتَّكِئُونَ عَلى الرِّياضِ والثِّيابِ العَبْقَرِيَّةِ، وإمّا أنْ يَكُونَ مِن رَفْرَفَةِ الطّائِرِ،
صفحة ١١٩
وهِيَ حَوْمُهُ في الهَواءِ حَوْلَ ما يُرِيدُ النُّزُولَ عَلَيْهِ فَيَكُونُ المَعْنى أنَّهم عَلى بُسُطٍ مَرْفُوعَةٍ كَما قالَ تَعالى: ﴿وفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٤] وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ومِن دُونِهِما جَنَّتانِ﴾ أنَّهُما دُونَهُما في المَكانِ حَيْثُ رُفِعَتْ فُرُشُهم، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿خُضْرٍ﴾ صِيغَةُ جَمْعٍ فالرَّفْرَفُ يَكُونُ جَمْعًا لِكَوْنِهِ اسْمَ جِنْسٍ ويَكُونُ واحِدُهُ رَفْرَفَةً كَحَنْظَلَةٍ، والجَمْعُ في مُتَّكِئِينَ يَدُلُّ عَلَيْهِ فَإنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿مُتَّكِئِينَ﴾ دَلَّ عَلى أنَّهم عَلى رَفارِفَ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ما الفَرْقُ بَيْنَ الفُرُشِ والرَّفْرَفِ حَيْثُ لَمْ يَقُلْ: رَفارِفَ اكْتِفاءً بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿مُتَّكِئِينَ﴾ وقالَ: ﴿فُرُشٍ﴾ ولَمْ يَكْتَفِ بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ ذَلِكَ ؟ نَقُولُ: جَمْعُ الرُّباعِيِّ أثْقَلُ مِن جَمْعِ الثُّلاثِيِّ، ولِهَذا لَمْ يَجِئْ لِلْجَمْعِ في الرُّباعِي إلّا مِثالٌ واحِدٌ وأمْثِلَةُ الجَمْعِ في الثُّلاثِي كَثِيرَةٌ وقَدْ قُرِئَ: ”عَلى رَفارِفَ خُضْرٍ“، و”رَفارِفَ خِضارٍ“ و”عَباقِرَ“ .
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: إذا قُلْنا: إنَّ الرَّفْرَفَ هي البُسُطُ فَما الفائِدَةُ في الخُضْرِ حَيْثُ وصَفَ تَعالى ثِيابَ الجَنَّةِ بِكَوْنِها خُضْرًا قالَ تَعالى: ﴿ثِيابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ﴾ [الإنسان: ٢١] ؟ نَقُولُ: مَيْلُ النّاسِ إلى اللَّوْنِ الأخْضَرِ في الدُّنْيا أكْثَرُ، وسَبَبُ المَيْلِ إلَيْهِ هو أنَّ الألْوانَ الَّتِي يُظَنُّ أنَّها أُصُولُ الألْوانِ سَبْعَةٌ وهي الشَّفّافُ وهو الَّذِي لا يَمْنَعُ نُفُوذَ البَصَرِ فِيهِ ولا يَحْجُبُ ما وراءَهُ كالزُّجاجِ والماءِ الصّافِي وغَيْرِهِما ثُمَّ الأبْيَضُ بَعْدَهُ ثُمَّ الأصْفَرُ ثُمَّ الأحْمَرُ ثُمَّ الأخْضَرُ ثُمَّ الأزْرَقُ ثُمَّ الأسْوَدُ، والأظْهَرُ أنَّ الألْوانَ الأصْلِيَّةَ ثَلاثَةٌ الأبْيَضُ والأسْوَدُ وبَيْنَهُما غايَةُ الخِلافِ والأحْمَرُ مُتَوَسِّطٌ بَيْنَ الأبْيَضِ والأسْوَدِ، فَإنَّ الدَّمَ خُلِقَ عَلى اللَّوْنِ المُتَوَسِّطِ، فَإنْ لَمْ تَكُنِ الصِّحَّةُ عَلى ما يَنْبَغِي فَإنْ كانَ لِفَرْطِ البُرُودَةِ فِيهِ كانَ أبْيَضَ وإنْ كانَ لِفَرْطِ الحَرارَةِ فِيهِ كانَ أسْوَدَ لَكِنْ هَذِهِ الثَّلاثَةُ يَحْصُلُ مِنها الألْوانُ الأُخَرُ، فالأبْيَضُ إذا امْتَزَجَ بِالأحْمَرِ حَصَلَ الأصْفَرُ يَدُلُّ عَلَيْهِ مَزْجُ اللَّبَنِ الأبْيَضِ بِالدَّمِ وغَيْرِهِ مِنَ الأشْياءِ الحُمْرِ، وإذا امْتَزَجَ الأبْيَضُ بِالأسْوَدِ حَصَلَ اللَّوْنُ الأزْرَقُ يَدُلُّ عَلَيْهِ خَلْطُ الجَصِّ المَدْقُوقِ بِالفَحْمِ وإذا امْتَزَجَ الأحْمَرُ بِالأسْوَدِ حَصَلَ الأزْرَقُ أيْضًا لَكِنَّهُ إلى السَّوادِ أمْيَلُ، وإذا امْتَزَجَ الأصْفَرُ بِالأزْرَقِ حَصَلَ الأخْضَرُ مِنَ الأصْفَرِ والأزْرَقِ وقَدْ عُلِمَ أنَّ الأصْفَرَ مِنَ الأبْيَضِ والأحْمَرِ والأزْرَقَ مِنَ الأبْيَضِ والأسْوَدِ والأحْمَرِ والأسْوَدِ فالأخْضَرُ حَصَلَ فِيهِ الألْوانُ الثَّلاثَةُ الأصْلِيَّةُ فَيَكُونُ مَيْلُ الإنْسانِ إلَيْهِ لِكَوْنِهِ مُشْتَمِلًا عَلى الألْوانِ الأصْلِيَّةِ وهَذا بَعِيدٌ جِدًّا، والأقْرَبُ أنَّ الأبْيَضَ يُفَرِّقُ البَصَرُ ولِهَذا لا يَقْدِرُ الإنْسانُ عَلى إدامَةِ النَّظَرِ في الأرْضِ عِنْدَ كَوْنِها مَسْتُورَةً بِالثَّلْجِ، وإنَّهُ يُورِثُ الجَهْرَ والنَّظَرَ إلى الأشْياءِ السُّودِ يَجْمَعُ البَصَرَ ولِهَذا كَرِهَ الإنْسانُ النَّظَرَ إلَيْهِ وإلى الأشْياءِ الحُمْرِ كالدَّمِ، والأخْضَرُ لَمّا اجْتَمَعَ فِيهِ الأُمُورُ الثَّلاثَةُ دَفَعَ بَعْضُها أذى بَعْضٍ، وحَصَلَ اللَّوْنُ المُمْتَزِجُ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي في بَدَنِ الإنْسانِ وهي الأحْمَرُ والأبْيَضُ والأصْفَرُ والأسْوَدُ، ولَمّا كانَ مَيْلُ النَّفْسِ في الدُّنْيا إلى الأخْضَرِ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى في الآخِرَةِ ما هو عَلى مُقْتَضى طَبْعِهِ في الدُّنْيا.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: العَبْقَرِيُّ مَنسُوبٌ إلى عَبْقَرٍ وهو عِنْدَ العَرَبِ مَوْضِعٌ مِن مَواضِعِ الجِنِّ فالثِّيابُ المَعْمُولَةُ عَمَلًا جَيِّدًا يُسَمُّونَها عَبْقَرِيّاتٍ مُبالَغَةً في حُسْنِها كَأنَّها لَيْسَتْ مِن عَمَلِ الإنْسِ، ويُسْتَعْمَلُ في غَيْرِ الثِّيابِ أيْضًا حَتّى يُقالَ لِلرَّجُلِ الَّذِي يَعْمَلُ عَمَلًا عَجِيبًا هو عَبْقَرِيٌّ أيْ مِن ذَلِكَ البَلَدِ قالَ النَّبِيُّ ﷺ في المَنامِ الَّذِي رَآهُ: «فَلَمْ أرَ عَبْقَرِيًّا مِنَ النّاسِ يَفْرِي فَرْيَهُ» واكْتَفى بِذِكْرِ اسْمِ الجِنْسِ عَنِ الجَمْعِ ووَصَفَهُ بِما تُوصَفُ بِهِ الجُمُوعُ فَقالَ ”حِسانٍ“، وذَلِكَ لَمّا بَيَّنّا أنَّ جَمْعَ الرُّباعِيِّ يُسْتَثْقَلُ بَعْضَ الِاسْتِثْقالِ، وأمّا مَن قَرَأ: ”عَباقِرِيٍّ“ فَقَدْ جَعَلَ اسْمَ ذَلِكَ المَوْضِعِ عَباقِرَ فَإنْ زَعَمَ أنَهُ جَمَعَهُ فَقَدْ وهِمَ، وإنْ جَمَعَ العَبْقَرِيَّ ثُمَّ نَسَبَ فَقَدِ التَزَمَ تَكَلُّفًا خِلافَ ما كَلَّفَ
صفحة ١٢٠
الأُدَباءُ التِزامَهُ فَإنَّهم في الجَمْعِ إذا نَسَبُوا رَدُّوهُ إلى الواحِدِ وهَذا القارِئُ تَكَلَّفَ في الواحِدِ ورَدَّهُ إلى الجَمْعِ ثُمَّ نَسَبَهُ؛ لِأنَّ عِنْدَ العَرَبِ لَيْسَ في الوُجُودِ بِلادٌ كُلُّها عَبْقَرٌ حَتّى تُجْمَعَ، ويُقالُ: عَباقِرُ، فَهَذا تَكَلُّفُ الجَمْعِ فِيما لا جَمْعَ لَهُ ثُمَّ نُسِبَ إلى ذَلِكَ الجَمْعِ، والأُدَباءُ تَكْرَهُ الجَمْعَ فِيما يُنْسَبُ لِئَلّا يَجْمَعُوا بَيْنَ الجَمْعِ والنِّسْبَةِ.
الرحمن 55:75
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِيهِما فاكِهَةٌ ونَخْلٌ ورُمّانٌ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِيهِما مِن كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ الفاكِهَةَ أرْضِيَّةٌ نَحْوَ البِطِّيخِ وغَيْرِهِ مِنَ الأرْضِيّاتِ المَزْرُوعاتِ، وشَجَرِيَّةٌ نَحْوَ النَّخْلِ وغَيْرِهِ مِنَ الشَّجَرِيّاتِ فَقالَ: ﴿مُدْهامَّتانِ﴾ بِأنْواعِ الخُضَرِ الَّتِي مِنها الفَواكِهُ الأرْضِيَّةُ وفِيهِما أيْضًا الفَواكِهُ الشَّجَرِيَّةُ، وذَكَرَ مِنها نَوْعَيْنِ وهُما الرَّمّانُ والرُّطَبُ لِأنَّهُما مُتَقابِلانِ، فَأحَدُهُما حُلْوٌ والآخَرُ غَيْرُ حُلْوٍ. وكَذَلِكَ أحَدُهُما حارٌّ والآخَرُ بارِدٌ، وأحَدُهُما فاكِهَةٌ وغِذاءٌ، والآخَرُ فاكِهَةٌ، وأحَدُهُما مِن فَواكِهِ البِلادِ الحارَّةِ والآخَرُ مِن فَواكِهِ البِلادِ البارِدَةِ، وأحَدُهُما أشْجارُهُ في غايَةِ الطُّولِ والآخَرُ أشْجارُهُ بِالضِّدِّ، وأحَدُهُما ما يُؤْكَلُ مِنهُ بارِزٌ وما لا يُؤْكَلُ كامِنٌ، والآخَرُ بِالعَكْسِ، فَهُما كالضِّدَّيْنِ والإشارَةُ إلى الطَّرَفَيْنِ تَتَناوَلُ الإشارَةَ إلى ما بَيْنَهُما، كَما قالَ:
صفحة ١١٨
﴿رَبُّ المَشْرِقَيْنِ ورَبُّ المَغْرِبَيْنِ﴾ [الرحمن: ١٧] وقَدَّمْنا ذَلِكَ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ أيْ في باطِنِهِنَّ الخَيْرُ وفي ظاهِرِهِنَّ الحُسْنُ والخَيْراتُ جَمْعُ خَيْرَةٍ. وقَدْ بَيَّنّا أنَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ إلى أنْ قالَ: ﴿كَأنَّهُنَّ﴾ إشارَةً إلى كَوْنِهِنَّ حِسانًا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿حُورٌ مَقْصُوراتٌ في الخِيامِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ .
إشارَةٌ إلى عَظَمَتِهِنَّ فَإنَّهُنَ ما قَصُرْنَ حَجْرًا عَلَيْهِنَّ، وإنَّما ذَلِكَ إشارَةٌ إلى ضَرْبِ الخِيامِ لَهُنَّ وإدْلاءِ السِّتْرِ عَلَيْهِنَّ، والخَيْمَةُ مَبِيتُ الرَّجُلِ كالبَيْتِ مِنَ الخَشَبِ، حَتّى أنَّ العَرَبَ تُسَمِّي البَيْتَ مِنَ الشَّعْرِ خَيْمَةً لِأنَّهُ مُعَدٌّ لِلْإقامَةِ، إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿مَقْصُوراتٌ في الخِيامِ﴾ إشارَةٌ إلى مَعْنى في غايَةِ اللُّطْفِ، وهو أنَّ المُؤْمِنَ في الجَنَّةِ لا يَحْتاجُ إلى التَّحَرُّكِ لِشَيْءٍ وإنَّما الأشْياءُ تَتَحَرَّكُ إلَيْهِ فالمَأْكُولُ والمَشْرُوبُ يَصِلُ إلَيْهِ مِن غَيْرِ حَرَكَةٍ مِنهُ، ويُطافُ عَلَيْهِمْ بِما يَشْتَهُونَهُ فالحُورُ يَكُنَّ في بُيُوتٍ، وعِنْدَ الِانْتِقالِ إلى المُؤْمِنِينَ في وقْتِ إرادَتِهِمْ تَسِيرُ بِهِنَّ لِلِارْتِحالِ إلى المُؤْمِنِينَ خِيامٌ، ولِلْمُؤْمِنِينَ قُصُورٌ تَنْزِلُ الحُورُ مِنَ الخِيامِ إلى القُصُورِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ﴾ قَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وعَبْقَرِيٍّ حِسانٍ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: ما الحِكْمَةُ في تَأْخِيرِ ذِكْرِ اتِّكائِهِمْ عَنْ ذِكْرِ نِسائِهِمْ في هَذا المَوْضِعِ مَعَ أنَّهُ تَعالى قَدَّمَ ذِكْرَ اتِّكائِهِمْ عَلى ذِكْرِ نِسائِهِمْ في الجَنَّتَيْنِ المُتَقَدِّمَتَيْنِ حَيْثُ قالَ: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ﴾ [الرحمن: ٥٤] ثُمَّ قالَ: ﴿قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ وقالَ هَهُنا: ﴿فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿مُتَّكِئِينَ﴾ ؟ والجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ أهْلَ الجَنَّةِ لَيْسَ عَلَيْهِمْ تَعَبٌ وحَرَكَةٌ فَهم مُنَعَّمُونَ دائِمًا لَكِنَّ النّاسَ في الدُّنْيا عَلى أقْسامٍ مِنهم مَن يَجْتَمِعْ مَعَ أهْلِهِ اجْتِماعَ مُسْتَفِيضٍ وعِنْدَ قَضاءِ وطَرِهِ يَسْتَعْمِلُ الِاغْتِسالَ والِانْتِشارَ في الأرْضِ لِلْكَسْبِ، ومِنهم مَن يَكُونُ مُتَرَدِّدًا في طَلَبِ الكَسْبِ وعِنْدَ تَحْصِيلِهِ يَرْجِعُ إلى أهْلِهِ ويُرِيحُ قَلْبَهُ مِنَ التَّعَبِ قَبْلَ قَضاءِ الوَطَرِ فَيَكُونُ التَّعَبُ لازِمًا قَبْلَ قَضاءِ الوَطَرِ أوْ بَعْدَهُ فاللَّهُ تَعالى قالَ في بَيانِ أهْلِ الجَنَّةِ: مُتَّكِئِينَ قَبْلَ الِاجْتِماعِ بِأهْلِهِمْ وبَعْدَ الِاجْتِماعِ كَذَلِكَ، لِيُعْلَمَ أنَّهم دائِمًا عَلى السُّكُونِ فَلا تَعَبَ لَهم لا قَبْلَ الِاجْتِماعِ ولا بَعْدَ الِاجْتِماعِ. وثانِيهِما: هو أنّا بَيَّنّا في الوَجْهَيْنِ المُتَقَدِّمَيْنِ أنَّ الجَنَّتَيْنِ المُتَقَدِّمَتَيْنِ لِأهْلِ الجَنَّةِ الَّذِينَ جاهُدُوا والمُتَأخِّرِينَ لِذُرِّيّاتِهِمُ الَّذِينَ أُلْحِقُوا بِهِمْ، فَهم فِيهِما وأهْلُهم في الخِيامِ مُنْتَظِراتٌ قُدُومَ أزْواجِهِنَّ، فَإذا دَخَلَ المُؤْمِنُ جَنَّتَهُ الَّتِي هي سُكْناهُ يَتَّكِئُ عَلى الفُرُشِ وتَنْتَقِلُ إلَيْهِ أزْواجُهُ الحِسانُ، فَكَوْنُهُنَّ في الجَنَّتَيْنِ المُتَقَدِّمَتَيْنِ بَعْدَ اتِّكائِهِمْ عَلى الفُرُشِ، وأمّا كَوْنُهم في الجَنَّتَيْنِ المُتْأخِّرَتَيْنِ فَذَلِكَ حاصِلٌ في يَوْمِنا، واتِّكاءُ المُؤْمِنِ غَيْرُ حاصِلٍ في يَوْمِنا، فَقَدْ ذَكَرَ كَوْنُهُنَّ فِيهِنَّ هُنا وأخَّرَهُ هُناكَ. و﴿مُتَّكِئِينَ﴾ حالٌ والعامِلُ فِيهِ ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهُمْ﴾ وذَلِكَ في قُوَّةِ الِاسْتِثْناءِ كَأنَّهُ قالَ: لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إلّا المُؤْمِنُونَ فَإنَّهم يَطْمِثُوهُنَّ مُتَّكِئِينَ، وما ذَكَرْنا مِن قَبْلُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ﴾ يُقالُ هُنا.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الرَّفْرَفُ إمّا أنْ يَكُونَ أصْلُهُ مِن رَفَّ الزَّرْعُ إذا بَلَغَ مِن نَضارَتِهِ فَيَكُونُ مُناسِبًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مُدْهامَّتانِ﴾ ويَكُونُ التَّقْدِيرُ أنَّهم مُتَّكِئُونَ عَلى الرِّياضِ والثِّيابِ العَبْقَرِيَّةِ، وإمّا أنْ يَكُونَ مِن رَفْرَفَةِ الطّائِرِ،
صفحة ١١٩
وهِيَ حَوْمُهُ في الهَواءِ حَوْلَ ما يُرِيدُ النُّزُولَ عَلَيْهِ فَيَكُونُ المَعْنى أنَّهم عَلى بُسُطٍ مَرْفُوعَةٍ كَما قالَ تَعالى: ﴿وفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٤] وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ومِن دُونِهِما جَنَّتانِ﴾ أنَّهُما دُونَهُما في المَكانِ حَيْثُ رُفِعَتْ فُرُشُهم، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿خُضْرٍ﴾ صِيغَةُ جَمْعٍ فالرَّفْرَفُ يَكُونُ جَمْعًا لِكَوْنِهِ اسْمَ جِنْسٍ ويَكُونُ واحِدُهُ رَفْرَفَةً كَحَنْظَلَةٍ، والجَمْعُ في مُتَّكِئِينَ يَدُلُّ عَلَيْهِ فَإنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿مُتَّكِئِينَ﴾ دَلَّ عَلى أنَّهم عَلى رَفارِفَ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ما الفَرْقُ بَيْنَ الفُرُشِ والرَّفْرَفِ حَيْثُ لَمْ يَقُلْ: رَفارِفَ اكْتِفاءً بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿مُتَّكِئِينَ﴾ وقالَ: ﴿فُرُشٍ﴾ ولَمْ يَكْتَفِ بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ ذَلِكَ ؟ نَقُولُ: جَمْعُ الرُّباعِيِّ أثْقَلُ مِن جَمْعِ الثُّلاثِيِّ، ولِهَذا لَمْ يَجِئْ لِلْجَمْعِ في الرُّباعِي إلّا مِثالٌ واحِدٌ وأمْثِلَةُ الجَمْعِ في الثُّلاثِي كَثِيرَةٌ وقَدْ قُرِئَ: ”عَلى رَفارِفَ خُضْرٍ“، و”رَفارِفَ خِضارٍ“ و”عَباقِرَ“ .
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: إذا قُلْنا: إنَّ الرَّفْرَفَ هي البُسُطُ فَما الفائِدَةُ في الخُضْرِ حَيْثُ وصَفَ تَعالى ثِيابَ الجَنَّةِ بِكَوْنِها خُضْرًا قالَ تَعالى: ﴿ثِيابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ﴾ [الإنسان: ٢١] ؟ نَقُولُ: مَيْلُ النّاسِ إلى اللَّوْنِ الأخْضَرِ في الدُّنْيا أكْثَرُ، وسَبَبُ المَيْلِ إلَيْهِ هو أنَّ الألْوانَ الَّتِي يُظَنُّ أنَّها أُصُولُ الألْوانِ سَبْعَةٌ وهي الشَّفّافُ وهو الَّذِي لا يَمْنَعُ نُفُوذَ البَصَرِ فِيهِ ولا يَحْجُبُ ما وراءَهُ كالزُّجاجِ والماءِ الصّافِي وغَيْرِهِما ثُمَّ الأبْيَضُ بَعْدَهُ ثُمَّ الأصْفَرُ ثُمَّ الأحْمَرُ ثُمَّ الأخْضَرُ ثُمَّ الأزْرَقُ ثُمَّ الأسْوَدُ، والأظْهَرُ أنَّ الألْوانَ الأصْلِيَّةَ ثَلاثَةٌ الأبْيَضُ والأسْوَدُ وبَيْنَهُما غايَةُ الخِلافِ والأحْمَرُ مُتَوَسِّطٌ بَيْنَ الأبْيَضِ والأسْوَدِ، فَإنَّ الدَّمَ خُلِقَ عَلى اللَّوْنِ المُتَوَسِّطِ، فَإنْ لَمْ تَكُنِ الصِّحَّةُ عَلى ما يَنْبَغِي فَإنْ كانَ لِفَرْطِ البُرُودَةِ فِيهِ كانَ أبْيَضَ وإنْ كانَ لِفَرْطِ الحَرارَةِ فِيهِ كانَ أسْوَدَ لَكِنْ هَذِهِ الثَّلاثَةُ يَحْصُلُ مِنها الألْوانُ الأُخَرُ، فالأبْيَضُ إذا امْتَزَجَ بِالأحْمَرِ حَصَلَ الأصْفَرُ يَدُلُّ عَلَيْهِ مَزْجُ اللَّبَنِ الأبْيَضِ بِالدَّمِ وغَيْرِهِ مِنَ الأشْياءِ الحُمْرِ، وإذا امْتَزَجَ الأبْيَضُ بِالأسْوَدِ حَصَلَ اللَّوْنُ الأزْرَقُ يَدُلُّ عَلَيْهِ خَلْطُ الجَصِّ المَدْقُوقِ بِالفَحْمِ وإذا امْتَزَجَ الأحْمَرُ بِالأسْوَدِ حَصَلَ الأزْرَقُ أيْضًا لَكِنَّهُ إلى السَّوادِ أمْيَلُ، وإذا امْتَزَجَ الأصْفَرُ بِالأزْرَقِ حَصَلَ الأخْضَرُ مِنَ الأصْفَرِ والأزْرَقِ وقَدْ عُلِمَ أنَّ الأصْفَرَ مِنَ الأبْيَضِ والأحْمَرِ والأزْرَقَ مِنَ الأبْيَضِ والأسْوَدِ والأحْمَرِ والأسْوَدِ فالأخْضَرُ حَصَلَ فِيهِ الألْوانُ الثَّلاثَةُ الأصْلِيَّةُ فَيَكُونُ مَيْلُ الإنْسانِ إلَيْهِ لِكَوْنِهِ مُشْتَمِلًا عَلى الألْوانِ الأصْلِيَّةِ وهَذا بَعِيدٌ جِدًّا، والأقْرَبُ أنَّ الأبْيَضَ يُفَرِّقُ البَصَرُ ولِهَذا لا يَقْدِرُ الإنْسانُ عَلى إدامَةِ النَّظَرِ في الأرْضِ عِنْدَ كَوْنِها مَسْتُورَةً بِالثَّلْجِ، وإنَّهُ يُورِثُ الجَهْرَ والنَّظَرَ إلى الأشْياءِ السُّودِ يَجْمَعُ البَصَرَ ولِهَذا كَرِهَ الإنْسانُ النَّظَرَ إلَيْهِ وإلى الأشْياءِ الحُمْرِ كالدَّمِ، والأخْضَرُ لَمّا اجْتَمَعَ فِيهِ الأُمُورُ الثَّلاثَةُ دَفَعَ بَعْضُها أذى بَعْضٍ، وحَصَلَ اللَّوْنُ المُمْتَزِجُ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي في بَدَنِ الإنْسانِ وهي الأحْمَرُ والأبْيَضُ والأصْفَرُ والأسْوَدُ، ولَمّا كانَ مَيْلُ النَّفْسِ في الدُّنْيا إلى الأخْضَرِ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى في الآخِرَةِ ما هو عَلى مُقْتَضى طَبْعِهِ في الدُّنْيا.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: العَبْقَرِيُّ مَنسُوبٌ إلى عَبْقَرٍ وهو عِنْدَ العَرَبِ مَوْضِعٌ مِن مَواضِعِ الجِنِّ فالثِّيابُ المَعْمُولَةُ عَمَلًا جَيِّدًا يُسَمُّونَها عَبْقَرِيّاتٍ مُبالَغَةً في حُسْنِها كَأنَّها لَيْسَتْ مِن عَمَلِ الإنْسِ، ويُسْتَعْمَلُ في غَيْرِ الثِّيابِ أيْضًا حَتّى يُقالَ لِلرَّجُلِ الَّذِي يَعْمَلُ عَمَلًا عَجِيبًا هو عَبْقَرِيٌّ أيْ مِن ذَلِكَ البَلَدِ قالَ النَّبِيُّ ﷺ في المَنامِ الَّذِي رَآهُ: «فَلَمْ أرَ عَبْقَرِيًّا مِنَ النّاسِ يَفْرِي فَرْيَهُ» واكْتَفى بِذِكْرِ اسْمِ الجِنْسِ عَنِ الجَمْعِ ووَصَفَهُ بِما تُوصَفُ بِهِ الجُمُوعُ فَقالَ ”حِسانٍ“، وذَلِكَ لَمّا بَيَّنّا أنَّ جَمْعَ الرُّباعِيِّ يُسْتَثْقَلُ بَعْضَ الِاسْتِثْقالِ، وأمّا مَن قَرَأ: ”عَباقِرِيٍّ“ فَقَدْ جَعَلَ اسْمَ ذَلِكَ المَوْضِعِ عَباقِرَ فَإنْ زَعَمَ أنَهُ جَمَعَهُ فَقَدْ وهِمَ، وإنْ جَمَعَ العَبْقَرِيَّ ثُمَّ نَسَبَ فَقَدِ التَزَمَ تَكَلُّفًا خِلافَ ما كَلَّفَ
صفحة ١٢٠
الأُدَباءُ التِزامَهُ فَإنَّهم في الجَمْعِ إذا نَسَبُوا رَدُّوهُ إلى الواحِدِ وهَذا القارِئُ تَكَلَّفَ في الواحِدِ ورَدَّهُ إلى الجَمْعِ ثُمَّ نَسَبَهُ؛ لِأنَّ عِنْدَ العَرَبِ لَيْسَ في الوُجُودِ بِلادٌ كُلُّها عَبْقَرٌ حَتّى تُجْمَعَ، ويُقالُ: عَباقِرُ، فَهَذا تَكَلُّفُ الجَمْعِ فِيما لا جَمْعَ لَهُ ثُمَّ نُسِبَ إلى ذَلِكَ الجَمْعِ، والأُدَباءُ تَكْرَهُ الجَمْعَ فِيما يُنْسَبُ لِئَلّا يَجْمَعُوا بَيْنَ الجَمْعِ والنِّسْبَةِ.
الرحمن 55:76
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِيهِما فاكِهَةٌ ونَخْلٌ ورُمّانٌ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِيهِما مِن كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ الفاكِهَةَ أرْضِيَّةٌ نَحْوَ البِطِّيخِ وغَيْرِهِ مِنَ الأرْضِيّاتِ المَزْرُوعاتِ، وشَجَرِيَّةٌ نَحْوَ النَّخْلِ وغَيْرِهِ مِنَ الشَّجَرِيّاتِ فَقالَ: ﴿مُدْهامَّتانِ﴾ بِأنْواعِ الخُضَرِ الَّتِي مِنها الفَواكِهُ الأرْضِيَّةُ وفِيهِما أيْضًا الفَواكِهُ الشَّجَرِيَّةُ، وذَكَرَ مِنها نَوْعَيْنِ وهُما الرَّمّانُ والرُّطَبُ لِأنَّهُما مُتَقابِلانِ، فَأحَدُهُما حُلْوٌ والآخَرُ غَيْرُ حُلْوٍ. وكَذَلِكَ أحَدُهُما حارٌّ والآخَرُ بارِدٌ، وأحَدُهُما فاكِهَةٌ وغِذاءٌ، والآخَرُ فاكِهَةٌ، وأحَدُهُما مِن فَواكِهِ البِلادِ الحارَّةِ والآخَرُ مِن فَواكِهِ البِلادِ البارِدَةِ، وأحَدُهُما أشْجارُهُ في غايَةِ الطُّولِ والآخَرُ أشْجارُهُ بِالضِّدِّ، وأحَدُهُما ما يُؤْكَلُ مِنهُ بارِزٌ وما لا يُؤْكَلُ كامِنٌ، والآخَرُ بِالعَكْسِ، فَهُما كالضِّدَّيْنِ والإشارَةُ إلى الطَّرَفَيْنِ تَتَناوَلُ الإشارَةَ إلى ما بَيْنَهُما، كَما قالَ:
صفحة ١١٨
﴿رَبُّ المَشْرِقَيْنِ ورَبُّ المَغْرِبَيْنِ﴾ [الرحمن: ١٧] وقَدَّمْنا ذَلِكَ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ أيْ في باطِنِهِنَّ الخَيْرُ وفي ظاهِرِهِنَّ الحُسْنُ والخَيْراتُ جَمْعُ خَيْرَةٍ. وقَدْ بَيَّنّا أنَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ إلى أنْ قالَ: ﴿كَأنَّهُنَّ﴾ إشارَةً إلى كَوْنِهِنَّ حِسانًا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿حُورٌ مَقْصُوراتٌ في الخِيامِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ .
إشارَةٌ إلى عَظَمَتِهِنَّ فَإنَّهُنَ ما قَصُرْنَ حَجْرًا عَلَيْهِنَّ، وإنَّما ذَلِكَ إشارَةٌ إلى ضَرْبِ الخِيامِ لَهُنَّ وإدْلاءِ السِّتْرِ عَلَيْهِنَّ، والخَيْمَةُ مَبِيتُ الرَّجُلِ كالبَيْتِ مِنَ الخَشَبِ، حَتّى أنَّ العَرَبَ تُسَمِّي البَيْتَ مِنَ الشَّعْرِ خَيْمَةً لِأنَّهُ مُعَدٌّ لِلْإقامَةِ، إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿مَقْصُوراتٌ في الخِيامِ﴾ إشارَةٌ إلى مَعْنى في غايَةِ اللُّطْفِ، وهو أنَّ المُؤْمِنَ في الجَنَّةِ لا يَحْتاجُ إلى التَّحَرُّكِ لِشَيْءٍ وإنَّما الأشْياءُ تَتَحَرَّكُ إلَيْهِ فالمَأْكُولُ والمَشْرُوبُ يَصِلُ إلَيْهِ مِن غَيْرِ حَرَكَةٍ مِنهُ، ويُطافُ عَلَيْهِمْ بِما يَشْتَهُونَهُ فالحُورُ يَكُنَّ في بُيُوتٍ، وعِنْدَ الِانْتِقالِ إلى المُؤْمِنِينَ في وقْتِ إرادَتِهِمْ تَسِيرُ بِهِنَّ لِلِارْتِحالِ إلى المُؤْمِنِينَ خِيامٌ، ولِلْمُؤْمِنِينَ قُصُورٌ تَنْزِلُ الحُورُ مِنَ الخِيامِ إلى القُصُورِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ﴾ قَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وعَبْقَرِيٍّ حِسانٍ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: ما الحِكْمَةُ في تَأْخِيرِ ذِكْرِ اتِّكائِهِمْ عَنْ ذِكْرِ نِسائِهِمْ في هَذا المَوْضِعِ مَعَ أنَّهُ تَعالى قَدَّمَ ذِكْرَ اتِّكائِهِمْ عَلى ذِكْرِ نِسائِهِمْ في الجَنَّتَيْنِ المُتَقَدِّمَتَيْنِ حَيْثُ قالَ: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ﴾ [الرحمن: ٥٤] ثُمَّ قالَ: ﴿قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ وقالَ هَهُنا: ﴿فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿مُتَّكِئِينَ﴾ ؟ والجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ أهْلَ الجَنَّةِ لَيْسَ عَلَيْهِمْ تَعَبٌ وحَرَكَةٌ فَهم مُنَعَّمُونَ دائِمًا لَكِنَّ النّاسَ في الدُّنْيا عَلى أقْسامٍ مِنهم مَن يَجْتَمِعْ مَعَ أهْلِهِ اجْتِماعَ مُسْتَفِيضٍ وعِنْدَ قَضاءِ وطَرِهِ يَسْتَعْمِلُ الِاغْتِسالَ والِانْتِشارَ في الأرْضِ لِلْكَسْبِ، ومِنهم مَن يَكُونُ مُتَرَدِّدًا في طَلَبِ الكَسْبِ وعِنْدَ تَحْصِيلِهِ يَرْجِعُ إلى أهْلِهِ ويُرِيحُ قَلْبَهُ مِنَ التَّعَبِ قَبْلَ قَضاءِ الوَطَرِ فَيَكُونُ التَّعَبُ لازِمًا قَبْلَ قَضاءِ الوَطَرِ أوْ بَعْدَهُ فاللَّهُ تَعالى قالَ في بَيانِ أهْلِ الجَنَّةِ: مُتَّكِئِينَ قَبْلَ الِاجْتِماعِ بِأهْلِهِمْ وبَعْدَ الِاجْتِماعِ كَذَلِكَ، لِيُعْلَمَ أنَّهم دائِمًا عَلى السُّكُونِ فَلا تَعَبَ لَهم لا قَبْلَ الِاجْتِماعِ ولا بَعْدَ الِاجْتِماعِ. وثانِيهِما: هو أنّا بَيَّنّا في الوَجْهَيْنِ المُتَقَدِّمَيْنِ أنَّ الجَنَّتَيْنِ المُتَقَدِّمَتَيْنِ لِأهْلِ الجَنَّةِ الَّذِينَ جاهُدُوا والمُتَأخِّرِينَ لِذُرِّيّاتِهِمُ الَّذِينَ أُلْحِقُوا بِهِمْ، فَهم فِيهِما وأهْلُهم في الخِيامِ مُنْتَظِراتٌ قُدُومَ أزْواجِهِنَّ، فَإذا دَخَلَ المُؤْمِنُ جَنَّتَهُ الَّتِي هي سُكْناهُ يَتَّكِئُ عَلى الفُرُشِ وتَنْتَقِلُ إلَيْهِ أزْواجُهُ الحِسانُ، فَكَوْنُهُنَّ في الجَنَّتَيْنِ المُتَقَدِّمَتَيْنِ بَعْدَ اتِّكائِهِمْ عَلى الفُرُشِ، وأمّا كَوْنُهم في الجَنَّتَيْنِ المُتْأخِّرَتَيْنِ فَذَلِكَ حاصِلٌ في يَوْمِنا، واتِّكاءُ المُؤْمِنِ غَيْرُ حاصِلٍ في يَوْمِنا، فَقَدْ ذَكَرَ كَوْنُهُنَّ فِيهِنَّ هُنا وأخَّرَهُ هُناكَ. و﴿مُتَّكِئِينَ﴾ حالٌ والعامِلُ فِيهِ ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهُمْ﴾ وذَلِكَ في قُوَّةِ الِاسْتِثْناءِ كَأنَّهُ قالَ: لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إلّا المُؤْمِنُونَ فَإنَّهم يَطْمِثُوهُنَّ مُتَّكِئِينَ، وما ذَكَرْنا مِن قَبْلُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ﴾ يُقالُ هُنا.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الرَّفْرَفُ إمّا أنْ يَكُونَ أصْلُهُ مِن رَفَّ الزَّرْعُ إذا بَلَغَ مِن نَضارَتِهِ فَيَكُونُ مُناسِبًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مُدْهامَّتانِ﴾ ويَكُونُ التَّقْدِيرُ أنَّهم مُتَّكِئُونَ عَلى الرِّياضِ والثِّيابِ العَبْقَرِيَّةِ، وإمّا أنْ يَكُونَ مِن رَفْرَفَةِ الطّائِرِ،
صفحة ١١٩
وهِيَ حَوْمُهُ في الهَواءِ حَوْلَ ما يُرِيدُ النُّزُولَ عَلَيْهِ فَيَكُونُ المَعْنى أنَّهم عَلى بُسُطٍ مَرْفُوعَةٍ كَما قالَ تَعالى: ﴿وفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٤] وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ومِن دُونِهِما جَنَّتانِ﴾ أنَّهُما دُونَهُما في المَكانِ حَيْثُ رُفِعَتْ فُرُشُهم، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿خُضْرٍ﴾ صِيغَةُ جَمْعٍ فالرَّفْرَفُ يَكُونُ جَمْعًا لِكَوْنِهِ اسْمَ جِنْسٍ ويَكُونُ واحِدُهُ رَفْرَفَةً كَحَنْظَلَةٍ، والجَمْعُ في مُتَّكِئِينَ يَدُلُّ عَلَيْهِ فَإنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿مُتَّكِئِينَ﴾ دَلَّ عَلى أنَّهم عَلى رَفارِفَ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ما الفَرْقُ بَيْنَ الفُرُشِ والرَّفْرَفِ حَيْثُ لَمْ يَقُلْ: رَفارِفَ اكْتِفاءً بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿مُتَّكِئِينَ﴾ وقالَ: ﴿فُرُشٍ﴾ ولَمْ يَكْتَفِ بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ ذَلِكَ ؟ نَقُولُ: جَمْعُ الرُّباعِيِّ أثْقَلُ مِن جَمْعِ الثُّلاثِيِّ، ولِهَذا لَمْ يَجِئْ لِلْجَمْعِ في الرُّباعِي إلّا مِثالٌ واحِدٌ وأمْثِلَةُ الجَمْعِ في الثُّلاثِي كَثِيرَةٌ وقَدْ قُرِئَ: ”عَلى رَفارِفَ خُضْرٍ“، و”رَفارِفَ خِضارٍ“ و”عَباقِرَ“ .
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: إذا قُلْنا: إنَّ الرَّفْرَفَ هي البُسُطُ فَما الفائِدَةُ في الخُضْرِ حَيْثُ وصَفَ تَعالى ثِيابَ الجَنَّةِ بِكَوْنِها خُضْرًا قالَ تَعالى: ﴿ثِيابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ﴾ [الإنسان: ٢١] ؟ نَقُولُ: مَيْلُ النّاسِ إلى اللَّوْنِ الأخْضَرِ في الدُّنْيا أكْثَرُ، وسَبَبُ المَيْلِ إلَيْهِ هو أنَّ الألْوانَ الَّتِي يُظَنُّ أنَّها أُصُولُ الألْوانِ سَبْعَةٌ وهي الشَّفّافُ وهو الَّذِي لا يَمْنَعُ نُفُوذَ البَصَرِ فِيهِ ولا يَحْجُبُ ما وراءَهُ كالزُّجاجِ والماءِ الصّافِي وغَيْرِهِما ثُمَّ الأبْيَضُ بَعْدَهُ ثُمَّ الأصْفَرُ ثُمَّ الأحْمَرُ ثُمَّ الأخْضَرُ ثُمَّ الأزْرَقُ ثُمَّ الأسْوَدُ، والأظْهَرُ أنَّ الألْوانَ الأصْلِيَّةَ ثَلاثَةٌ الأبْيَضُ والأسْوَدُ وبَيْنَهُما غايَةُ الخِلافِ والأحْمَرُ مُتَوَسِّطٌ بَيْنَ الأبْيَضِ والأسْوَدِ، فَإنَّ الدَّمَ خُلِقَ عَلى اللَّوْنِ المُتَوَسِّطِ، فَإنْ لَمْ تَكُنِ الصِّحَّةُ عَلى ما يَنْبَغِي فَإنْ كانَ لِفَرْطِ البُرُودَةِ فِيهِ كانَ أبْيَضَ وإنْ كانَ لِفَرْطِ الحَرارَةِ فِيهِ كانَ أسْوَدَ لَكِنْ هَذِهِ الثَّلاثَةُ يَحْصُلُ مِنها الألْوانُ الأُخَرُ، فالأبْيَضُ إذا امْتَزَجَ بِالأحْمَرِ حَصَلَ الأصْفَرُ يَدُلُّ عَلَيْهِ مَزْجُ اللَّبَنِ الأبْيَضِ بِالدَّمِ وغَيْرِهِ مِنَ الأشْياءِ الحُمْرِ، وإذا امْتَزَجَ الأبْيَضُ بِالأسْوَدِ حَصَلَ اللَّوْنُ الأزْرَقُ يَدُلُّ عَلَيْهِ خَلْطُ الجَصِّ المَدْقُوقِ بِالفَحْمِ وإذا امْتَزَجَ الأحْمَرُ بِالأسْوَدِ حَصَلَ الأزْرَقُ أيْضًا لَكِنَّهُ إلى السَّوادِ أمْيَلُ، وإذا امْتَزَجَ الأصْفَرُ بِالأزْرَقِ حَصَلَ الأخْضَرُ مِنَ الأصْفَرِ والأزْرَقِ وقَدْ عُلِمَ أنَّ الأصْفَرَ مِنَ الأبْيَضِ والأحْمَرِ والأزْرَقَ مِنَ الأبْيَضِ والأسْوَدِ والأحْمَرِ والأسْوَدِ فالأخْضَرُ حَصَلَ فِيهِ الألْوانُ الثَّلاثَةُ الأصْلِيَّةُ فَيَكُونُ مَيْلُ الإنْسانِ إلَيْهِ لِكَوْنِهِ مُشْتَمِلًا عَلى الألْوانِ الأصْلِيَّةِ وهَذا بَعِيدٌ جِدًّا، والأقْرَبُ أنَّ الأبْيَضَ يُفَرِّقُ البَصَرُ ولِهَذا لا يَقْدِرُ الإنْسانُ عَلى إدامَةِ النَّظَرِ في الأرْضِ عِنْدَ كَوْنِها مَسْتُورَةً بِالثَّلْجِ، وإنَّهُ يُورِثُ الجَهْرَ والنَّظَرَ إلى الأشْياءِ السُّودِ يَجْمَعُ البَصَرَ ولِهَذا كَرِهَ الإنْسانُ النَّظَرَ إلَيْهِ وإلى الأشْياءِ الحُمْرِ كالدَّمِ، والأخْضَرُ لَمّا اجْتَمَعَ فِيهِ الأُمُورُ الثَّلاثَةُ دَفَعَ بَعْضُها أذى بَعْضٍ، وحَصَلَ اللَّوْنُ المُمْتَزِجُ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي في بَدَنِ الإنْسانِ وهي الأحْمَرُ والأبْيَضُ والأصْفَرُ والأسْوَدُ، ولَمّا كانَ مَيْلُ النَّفْسِ في الدُّنْيا إلى الأخْضَرِ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى في الآخِرَةِ ما هو عَلى مُقْتَضى طَبْعِهِ في الدُّنْيا.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: العَبْقَرِيُّ مَنسُوبٌ إلى عَبْقَرٍ وهو عِنْدَ العَرَبِ مَوْضِعٌ مِن مَواضِعِ الجِنِّ فالثِّيابُ المَعْمُولَةُ عَمَلًا جَيِّدًا يُسَمُّونَها عَبْقَرِيّاتٍ مُبالَغَةً في حُسْنِها كَأنَّها لَيْسَتْ مِن عَمَلِ الإنْسِ، ويُسْتَعْمَلُ في غَيْرِ الثِّيابِ أيْضًا حَتّى يُقالَ لِلرَّجُلِ الَّذِي يَعْمَلُ عَمَلًا عَجِيبًا هو عَبْقَرِيٌّ أيْ مِن ذَلِكَ البَلَدِ قالَ النَّبِيُّ ﷺ في المَنامِ الَّذِي رَآهُ: «فَلَمْ أرَ عَبْقَرِيًّا مِنَ النّاسِ يَفْرِي فَرْيَهُ» واكْتَفى بِذِكْرِ اسْمِ الجِنْسِ عَنِ الجَمْعِ ووَصَفَهُ بِما تُوصَفُ بِهِ الجُمُوعُ فَقالَ ”حِسانٍ“، وذَلِكَ لَمّا بَيَّنّا أنَّ جَمْعَ الرُّباعِيِّ يُسْتَثْقَلُ بَعْضَ الِاسْتِثْقالِ، وأمّا مَن قَرَأ: ”عَباقِرِيٍّ“ فَقَدْ جَعَلَ اسْمَ ذَلِكَ المَوْضِعِ عَباقِرَ فَإنْ زَعَمَ أنَهُ جَمَعَهُ فَقَدْ وهِمَ، وإنْ جَمَعَ العَبْقَرِيَّ ثُمَّ نَسَبَ فَقَدِ التَزَمَ تَكَلُّفًا خِلافَ ما كَلَّفَ
صفحة ١٢٠
الأُدَباءُ التِزامَهُ فَإنَّهم في الجَمْعِ إذا نَسَبُوا رَدُّوهُ إلى الواحِدِ وهَذا القارِئُ تَكَلَّفَ في الواحِدِ ورَدَّهُ إلى الجَمْعِ ثُمَّ نَسَبَهُ؛ لِأنَّ عِنْدَ العَرَبِ لَيْسَ في الوُجُودِ بِلادٌ كُلُّها عَبْقَرٌ حَتّى تُجْمَعَ، ويُقالُ: عَباقِرُ، فَهَذا تَكَلُّفُ الجَمْعِ فِيما لا جَمْعَ لَهُ ثُمَّ نُسِبَ إلى ذَلِكَ الجَمْعِ، والأُدَباءُ تَكْرَهُ الجَمْعَ فِيما يُنْسَبُ لِئَلّا يَجْمَعُوا بَيْنَ الجَمْعِ والنِّسْبَةِ.
الرحمن 55:77
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِيهِما فاكِهَةٌ ونَخْلٌ ورُمّانٌ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِيهِما مِن كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ الفاكِهَةَ أرْضِيَّةٌ نَحْوَ البِطِّيخِ وغَيْرِهِ مِنَ الأرْضِيّاتِ المَزْرُوعاتِ، وشَجَرِيَّةٌ نَحْوَ النَّخْلِ وغَيْرِهِ مِنَ الشَّجَرِيّاتِ فَقالَ: ﴿مُدْهامَّتانِ﴾ بِأنْواعِ الخُضَرِ الَّتِي مِنها الفَواكِهُ الأرْضِيَّةُ وفِيهِما أيْضًا الفَواكِهُ الشَّجَرِيَّةُ، وذَكَرَ مِنها نَوْعَيْنِ وهُما الرَّمّانُ والرُّطَبُ لِأنَّهُما مُتَقابِلانِ، فَأحَدُهُما حُلْوٌ والآخَرُ غَيْرُ حُلْوٍ. وكَذَلِكَ أحَدُهُما حارٌّ والآخَرُ بارِدٌ، وأحَدُهُما فاكِهَةٌ وغِذاءٌ، والآخَرُ فاكِهَةٌ، وأحَدُهُما مِن فَواكِهِ البِلادِ الحارَّةِ والآخَرُ مِن فَواكِهِ البِلادِ البارِدَةِ، وأحَدُهُما أشْجارُهُ في غايَةِ الطُّولِ والآخَرُ أشْجارُهُ بِالضِّدِّ، وأحَدُهُما ما يُؤْكَلُ مِنهُ بارِزٌ وما لا يُؤْكَلُ كامِنٌ، والآخَرُ بِالعَكْسِ، فَهُما كالضِّدَّيْنِ والإشارَةُ إلى الطَّرَفَيْنِ تَتَناوَلُ الإشارَةَ إلى ما بَيْنَهُما، كَما قالَ:
صفحة ١١٨
﴿رَبُّ المَشْرِقَيْنِ ورَبُّ المَغْرِبَيْنِ﴾ [الرحمن: ١٧] وقَدَّمْنا ذَلِكَ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ أيْ في باطِنِهِنَّ الخَيْرُ وفي ظاهِرِهِنَّ الحُسْنُ والخَيْراتُ جَمْعُ خَيْرَةٍ. وقَدْ بَيَّنّا أنَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ إلى أنْ قالَ: ﴿كَأنَّهُنَّ﴾ إشارَةً إلى كَوْنِهِنَّ حِسانًا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿حُورٌ مَقْصُوراتٌ في الخِيامِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ .
إشارَةٌ إلى عَظَمَتِهِنَّ فَإنَّهُنَ ما قَصُرْنَ حَجْرًا عَلَيْهِنَّ، وإنَّما ذَلِكَ إشارَةٌ إلى ضَرْبِ الخِيامِ لَهُنَّ وإدْلاءِ السِّتْرِ عَلَيْهِنَّ، والخَيْمَةُ مَبِيتُ الرَّجُلِ كالبَيْتِ مِنَ الخَشَبِ، حَتّى أنَّ العَرَبَ تُسَمِّي البَيْتَ مِنَ الشَّعْرِ خَيْمَةً لِأنَّهُ مُعَدٌّ لِلْإقامَةِ، إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿مَقْصُوراتٌ في الخِيامِ﴾ إشارَةٌ إلى مَعْنى في غايَةِ اللُّطْفِ، وهو أنَّ المُؤْمِنَ في الجَنَّةِ لا يَحْتاجُ إلى التَّحَرُّكِ لِشَيْءٍ وإنَّما الأشْياءُ تَتَحَرَّكُ إلَيْهِ فالمَأْكُولُ والمَشْرُوبُ يَصِلُ إلَيْهِ مِن غَيْرِ حَرَكَةٍ مِنهُ، ويُطافُ عَلَيْهِمْ بِما يَشْتَهُونَهُ فالحُورُ يَكُنَّ في بُيُوتٍ، وعِنْدَ الِانْتِقالِ إلى المُؤْمِنِينَ في وقْتِ إرادَتِهِمْ تَسِيرُ بِهِنَّ لِلِارْتِحالِ إلى المُؤْمِنِينَ خِيامٌ، ولِلْمُؤْمِنِينَ قُصُورٌ تَنْزِلُ الحُورُ مِنَ الخِيامِ إلى القُصُورِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ﴾ قَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وعَبْقَرِيٍّ حِسانٍ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: ما الحِكْمَةُ في تَأْخِيرِ ذِكْرِ اتِّكائِهِمْ عَنْ ذِكْرِ نِسائِهِمْ في هَذا المَوْضِعِ مَعَ أنَّهُ تَعالى قَدَّمَ ذِكْرَ اتِّكائِهِمْ عَلى ذِكْرِ نِسائِهِمْ في الجَنَّتَيْنِ المُتَقَدِّمَتَيْنِ حَيْثُ قالَ: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ﴾ [الرحمن: ٥٤] ثُمَّ قالَ: ﴿قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ وقالَ هَهُنا: ﴿فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿مُتَّكِئِينَ﴾ ؟ والجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ أهْلَ الجَنَّةِ لَيْسَ عَلَيْهِمْ تَعَبٌ وحَرَكَةٌ فَهم مُنَعَّمُونَ دائِمًا لَكِنَّ النّاسَ في الدُّنْيا عَلى أقْسامٍ مِنهم مَن يَجْتَمِعْ مَعَ أهْلِهِ اجْتِماعَ مُسْتَفِيضٍ وعِنْدَ قَضاءِ وطَرِهِ يَسْتَعْمِلُ الِاغْتِسالَ والِانْتِشارَ في الأرْضِ لِلْكَسْبِ، ومِنهم مَن يَكُونُ مُتَرَدِّدًا في طَلَبِ الكَسْبِ وعِنْدَ تَحْصِيلِهِ يَرْجِعُ إلى أهْلِهِ ويُرِيحُ قَلْبَهُ مِنَ التَّعَبِ قَبْلَ قَضاءِ الوَطَرِ فَيَكُونُ التَّعَبُ لازِمًا قَبْلَ قَضاءِ الوَطَرِ أوْ بَعْدَهُ فاللَّهُ تَعالى قالَ في بَيانِ أهْلِ الجَنَّةِ: مُتَّكِئِينَ قَبْلَ الِاجْتِماعِ بِأهْلِهِمْ وبَعْدَ الِاجْتِماعِ كَذَلِكَ، لِيُعْلَمَ أنَّهم دائِمًا عَلى السُّكُونِ فَلا تَعَبَ لَهم لا قَبْلَ الِاجْتِماعِ ولا بَعْدَ الِاجْتِماعِ. وثانِيهِما: هو أنّا بَيَّنّا في الوَجْهَيْنِ المُتَقَدِّمَيْنِ أنَّ الجَنَّتَيْنِ المُتَقَدِّمَتَيْنِ لِأهْلِ الجَنَّةِ الَّذِينَ جاهُدُوا والمُتَأخِّرِينَ لِذُرِّيّاتِهِمُ الَّذِينَ أُلْحِقُوا بِهِمْ، فَهم فِيهِما وأهْلُهم في الخِيامِ مُنْتَظِراتٌ قُدُومَ أزْواجِهِنَّ، فَإذا دَخَلَ المُؤْمِنُ جَنَّتَهُ الَّتِي هي سُكْناهُ يَتَّكِئُ عَلى الفُرُشِ وتَنْتَقِلُ إلَيْهِ أزْواجُهُ الحِسانُ، فَكَوْنُهُنَّ في الجَنَّتَيْنِ المُتَقَدِّمَتَيْنِ بَعْدَ اتِّكائِهِمْ عَلى الفُرُشِ، وأمّا كَوْنُهم في الجَنَّتَيْنِ المُتْأخِّرَتَيْنِ فَذَلِكَ حاصِلٌ في يَوْمِنا، واتِّكاءُ المُؤْمِنِ غَيْرُ حاصِلٍ في يَوْمِنا، فَقَدْ ذَكَرَ كَوْنُهُنَّ فِيهِنَّ هُنا وأخَّرَهُ هُناكَ. و﴿مُتَّكِئِينَ﴾ حالٌ والعامِلُ فِيهِ ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهُمْ﴾ وذَلِكَ في قُوَّةِ الِاسْتِثْناءِ كَأنَّهُ قالَ: لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إلّا المُؤْمِنُونَ فَإنَّهم يَطْمِثُوهُنَّ مُتَّكِئِينَ، وما ذَكَرْنا مِن قَبْلُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ﴾ يُقالُ هُنا.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الرَّفْرَفُ إمّا أنْ يَكُونَ أصْلُهُ مِن رَفَّ الزَّرْعُ إذا بَلَغَ مِن نَضارَتِهِ فَيَكُونُ مُناسِبًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مُدْهامَّتانِ﴾ ويَكُونُ التَّقْدِيرُ أنَّهم مُتَّكِئُونَ عَلى الرِّياضِ والثِّيابِ العَبْقَرِيَّةِ، وإمّا أنْ يَكُونَ مِن رَفْرَفَةِ الطّائِرِ،
صفحة ١١٩
وهِيَ حَوْمُهُ في الهَواءِ حَوْلَ ما يُرِيدُ النُّزُولَ عَلَيْهِ فَيَكُونُ المَعْنى أنَّهم عَلى بُسُطٍ مَرْفُوعَةٍ كَما قالَ تَعالى: ﴿وفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٤] وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ومِن دُونِهِما جَنَّتانِ﴾ أنَّهُما دُونَهُما في المَكانِ حَيْثُ رُفِعَتْ فُرُشُهم، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿خُضْرٍ﴾ صِيغَةُ جَمْعٍ فالرَّفْرَفُ يَكُونُ جَمْعًا لِكَوْنِهِ اسْمَ جِنْسٍ ويَكُونُ واحِدُهُ رَفْرَفَةً كَحَنْظَلَةٍ، والجَمْعُ في مُتَّكِئِينَ يَدُلُّ عَلَيْهِ فَإنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿مُتَّكِئِينَ﴾ دَلَّ عَلى أنَّهم عَلى رَفارِفَ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ما الفَرْقُ بَيْنَ الفُرُشِ والرَّفْرَفِ حَيْثُ لَمْ يَقُلْ: رَفارِفَ اكْتِفاءً بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿مُتَّكِئِينَ﴾ وقالَ: ﴿فُرُشٍ﴾ ولَمْ يَكْتَفِ بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ ذَلِكَ ؟ نَقُولُ: جَمْعُ الرُّباعِيِّ أثْقَلُ مِن جَمْعِ الثُّلاثِيِّ، ولِهَذا لَمْ يَجِئْ لِلْجَمْعِ في الرُّباعِي إلّا مِثالٌ واحِدٌ وأمْثِلَةُ الجَمْعِ في الثُّلاثِي كَثِيرَةٌ وقَدْ قُرِئَ: ”عَلى رَفارِفَ خُضْرٍ“، و”رَفارِفَ خِضارٍ“ و”عَباقِرَ“ .
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: إذا قُلْنا: إنَّ الرَّفْرَفَ هي البُسُطُ فَما الفائِدَةُ في الخُضْرِ حَيْثُ وصَفَ تَعالى ثِيابَ الجَنَّةِ بِكَوْنِها خُضْرًا قالَ تَعالى: ﴿ثِيابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ﴾ [الإنسان: ٢١] ؟ نَقُولُ: مَيْلُ النّاسِ إلى اللَّوْنِ الأخْضَرِ في الدُّنْيا أكْثَرُ، وسَبَبُ المَيْلِ إلَيْهِ هو أنَّ الألْوانَ الَّتِي يُظَنُّ أنَّها أُصُولُ الألْوانِ سَبْعَةٌ وهي الشَّفّافُ وهو الَّذِي لا يَمْنَعُ نُفُوذَ البَصَرِ فِيهِ ولا يَحْجُبُ ما وراءَهُ كالزُّجاجِ والماءِ الصّافِي وغَيْرِهِما ثُمَّ الأبْيَضُ بَعْدَهُ ثُمَّ الأصْفَرُ ثُمَّ الأحْمَرُ ثُمَّ الأخْضَرُ ثُمَّ الأزْرَقُ ثُمَّ الأسْوَدُ، والأظْهَرُ أنَّ الألْوانَ الأصْلِيَّةَ ثَلاثَةٌ الأبْيَضُ والأسْوَدُ وبَيْنَهُما غايَةُ الخِلافِ والأحْمَرُ مُتَوَسِّطٌ بَيْنَ الأبْيَضِ والأسْوَدِ، فَإنَّ الدَّمَ خُلِقَ عَلى اللَّوْنِ المُتَوَسِّطِ، فَإنْ لَمْ تَكُنِ الصِّحَّةُ عَلى ما يَنْبَغِي فَإنْ كانَ لِفَرْطِ البُرُودَةِ فِيهِ كانَ أبْيَضَ وإنْ كانَ لِفَرْطِ الحَرارَةِ فِيهِ كانَ أسْوَدَ لَكِنْ هَذِهِ الثَّلاثَةُ يَحْصُلُ مِنها الألْوانُ الأُخَرُ، فالأبْيَضُ إذا امْتَزَجَ بِالأحْمَرِ حَصَلَ الأصْفَرُ يَدُلُّ عَلَيْهِ مَزْجُ اللَّبَنِ الأبْيَضِ بِالدَّمِ وغَيْرِهِ مِنَ الأشْياءِ الحُمْرِ، وإذا امْتَزَجَ الأبْيَضُ بِالأسْوَدِ حَصَلَ اللَّوْنُ الأزْرَقُ يَدُلُّ عَلَيْهِ خَلْطُ الجَصِّ المَدْقُوقِ بِالفَحْمِ وإذا امْتَزَجَ الأحْمَرُ بِالأسْوَدِ حَصَلَ الأزْرَقُ أيْضًا لَكِنَّهُ إلى السَّوادِ أمْيَلُ، وإذا امْتَزَجَ الأصْفَرُ بِالأزْرَقِ حَصَلَ الأخْضَرُ مِنَ الأصْفَرِ والأزْرَقِ وقَدْ عُلِمَ أنَّ الأصْفَرَ مِنَ الأبْيَضِ والأحْمَرِ والأزْرَقَ مِنَ الأبْيَضِ والأسْوَدِ والأحْمَرِ والأسْوَدِ فالأخْضَرُ حَصَلَ فِيهِ الألْوانُ الثَّلاثَةُ الأصْلِيَّةُ فَيَكُونُ مَيْلُ الإنْسانِ إلَيْهِ لِكَوْنِهِ مُشْتَمِلًا عَلى الألْوانِ الأصْلِيَّةِ وهَذا بَعِيدٌ جِدًّا، والأقْرَبُ أنَّ الأبْيَضَ يُفَرِّقُ البَصَرُ ولِهَذا لا يَقْدِرُ الإنْسانُ عَلى إدامَةِ النَّظَرِ في الأرْضِ عِنْدَ كَوْنِها مَسْتُورَةً بِالثَّلْجِ، وإنَّهُ يُورِثُ الجَهْرَ والنَّظَرَ إلى الأشْياءِ السُّودِ يَجْمَعُ البَصَرَ ولِهَذا كَرِهَ الإنْسانُ النَّظَرَ إلَيْهِ وإلى الأشْياءِ الحُمْرِ كالدَّمِ، والأخْضَرُ لَمّا اجْتَمَعَ فِيهِ الأُمُورُ الثَّلاثَةُ دَفَعَ بَعْضُها أذى بَعْضٍ، وحَصَلَ اللَّوْنُ المُمْتَزِجُ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي في بَدَنِ الإنْسانِ وهي الأحْمَرُ والأبْيَضُ والأصْفَرُ والأسْوَدُ، ولَمّا كانَ مَيْلُ النَّفْسِ في الدُّنْيا إلى الأخْضَرِ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى في الآخِرَةِ ما هو عَلى مُقْتَضى طَبْعِهِ في الدُّنْيا.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: العَبْقَرِيُّ مَنسُوبٌ إلى عَبْقَرٍ وهو عِنْدَ العَرَبِ مَوْضِعٌ مِن مَواضِعِ الجِنِّ فالثِّيابُ المَعْمُولَةُ عَمَلًا جَيِّدًا يُسَمُّونَها عَبْقَرِيّاتٍ مُبالَغَةً في حُسْنِها كَأنَّها لَيْسَتْ مِن عَمَلِ الإنْسِ، ويُسْتَعْمَلُ في غَيْرِ الثِّيابِ أيْضًا حَتّى يُقالَ لِلرَّجُلِ الَّذِي يَعْمَلُ عَمَلًا عَجِيبًا هو عَبْقَرِيٌّ أيْ مِن ذَلِكَ البَلَدِ قالَ النَّبِيُّ ﷺ في المَنامِ الَّذِي رَآهُ: «فَلَمْ أرَ عَبْقَرِيًّا مِنَ النّاسِ يَفْرِي فَرْيَهُ» واكْتَفى بِذِكْرِ اسْمِ الجِنْسِ عَنِ الجَمْعِ ووَصَفَهُ بِما تُوصَفُ بِهِ الجُمُوعُ فَقالَ ”حِسانٍ“، وذَلِكَ لَمّا بَيَّنّا أنَّ جَمْعَ الرُّباعِيِّ يُسْتَثْقَلُ بَعْضَ الِاسْتِثْقالِ، وأمّا مَن قَرَأ: ”عَباقِرِيٍّ“ فَقَدْ جَعَلَ اسْمَ ذَلِكَ المَوْضِعِ عَباقِرَ فَإنْ زَعَمَ أنَهُ جَمَعَهُ فَقَدْ وهِمَ، وإنْ جَمَعَ العَبْقَرِيَّ ثُمَّ نَسَبَ فَقَدِ التَزَمَ تَكَلُّفًا خِلافَ ما كَلَّفَ
صفحة ١٢٠
الأُدَباءُ التِزامَهُ فَإنَّهم في الجَمْعِ إذا نَسَبُوا رَدُّوهُ إلى الواحِدِ وهَذا القارِئُ تَكَلَّفَ في الواحِدِ ورَدَّهُ إلى الجَمْعِ ثُمَّ نَسَبَهُ؛ لِأنَّ عِنْدَ العَرَبِ لَيْسَ في الوُجُودِ بِلادٌ كُلُّها عَبْقَرٌ حَتّى تُجْمَعَ، ويُقالُ: عَباقِرُ، فَهَذا تَكَلُّفُ الجَمْعِ فِيما لا جَمْعَ لَهُ ثُمَّ نُسِبَ إلى ذَلِكَ الجَمْعِ، والأُدَباءُ تَكْرَهُ الجَمْعَ فِيما يُنْسَبُ لِئَلّا يَجْمَعُوا بَيْنَ الجَمْعِ والنِّسْبَةِ.
الرحمن 55:78
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الجَلالِ والإكْرامِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في التَّرْتِيبِ وفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّهُ تَعالى لَمّا خَتَمَ نِعَمَ الدُّنْيا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَبْقى وجْهُ رَبِّكَ ذُو الجَلالِ والإكْرامِ﴾ خَتَمَ نِعَمَ الآخِرَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الجَلالِ والإكْرامِ﴾ إشارَةً إلى أنَّ الباقِيَ والدّائِمَ لِذاتِهِ هو اللَّهُ تَعالى لا غَيْرَ والدُّنْيا فانِيَةٌ، والآخِرَةُ إنْ كانَتْ باقِيَةً لَكِنْ بَقاؤُها بِإبْقاءِ اللَّهِ تَعالى. ثانِيها: هو أنَّهُ تَعالى في أواخِرِ هَذِهِ السُّوَرِ كُلِّها ذَكَرَ اسْمَ اللَّهِ فَقالَ في السُّورَةِ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ: ﴿عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٥٥] وكَوْنُ العَبْدِ عِنْدَ اللَّهِ مِن أتَمِّ النِّعَمِ كَذَلِكَ هَهُنا بَعْدَ ذِكْرِ الجَنّاتِ وما فِيها مِنَ النِّعَمِ قالَ: ﴿تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الجَلالِ والإكْرامِ﴾ إشارَةً إلى أنَّ أتَمَّ النِّعَمِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، وأكْمَلَ اللَّذّاتِ ذِكْرُ اللَّهِ تَعالى، وقالَ في السُّورَةِ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ: ﴿فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ وجَنَّةُ نَعِيمٍ﴾ [الواقعة: ٨٩] ثُمَّ قالَ تَعالى في آخِرِ السُّورَةِ: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٩٦] . ثالِثُها: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ جَمِيعَ اللَّذّاتِ في الجَنّاتِ، ولَمْ يَذْكُرْ لَذَّةَ السَّماعِ وهي مِن أتَمِّ أنْواعِها، فَقالَ: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ خُضْرٍ﴾ يَسْمَعُونَ ذِكْرَ اللَّهِ تَعالى.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أصْلُ التَّبارُكِ مِنَ البَرَكَةِ وهي الدَّوامُ والثَّباتُ، ومِنها بُرُوكُ البَعِيرِ وبِرْكَةُ الماءِ، فَإنَّ الماءَ يَكُونُ فِيها دائِمًا وفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: دامَ اسْمُهُ وثَبَتَ.
وثانِيها: دامَ الخَيْرُ عِنْدَهُ لِأنَّ البَرَكَةَ وإنْ كانَتْ مِنَ الثَّباتِ لَكِنَّها تُسْتَعْمَلُ في الخَيْرِ.
وثالِثُها: تَبارَكَ بِمَعْنى عَلا وارْتَفَعَ شَأْنًا لا مَكانًا.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ بَعْدَ ذِكْرِ نِعَمِ الدُّنْيا: ﴿ويَبْقى وجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن: ٢٧] وقالَ بَعْدَ ذِكْرِ نِعَمِ الآخِرَةِ: ﴿تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ﴾ لِأنَّ الإشارَةَ بَعْدَ عَدِّ نِعَمِ الدُّنْيا وقَعَتْ إلى عَدَمِ كُلِّ شَيْءٍ مِنَ المُمْكِناتِ وفَنائِها في ذَواتِها، واسْمُ اللَّهِ تَعالى يَنْفَعُ الذّاكِرِينَ ولا ذاكِرَ هُناكَ يُوَحِّدُ اللَّهَ غايَةَ التَّوْحِيدِ فَقالَ: ويَبْقى وجْهُ اللَّهِ تَعالى والإشارَةُ هُنا وقَعَتْ إلى أنَّ بَقاءَ أهْلِ الجَنَّةِ بِإبْقاءِ اللَّهِ ذاكِرِينَ اسْمَ اللَّهِ مُتَلَذِّذِينَ بِهِ فَقالَ: ﴿تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ﴾ أيْ في ذَلِكَ اليَوْمِ لا يَبْقى اسْمُ أحَدٍ إلّا اسْمَ اللَّهِ تَعالى بِهِ تَدُورُ الألْسُنُ ولا يَكُونُ لِأحَدٍ عِنْدَ أحَدٍ حاجَةٌ بِذِكْرِهِ ولا مِن أحَدٍ خَوْفٌ، فَإنْ تَذاكَرُوا تَذاكَرُوا بِاسْمِ اللَّهِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: الِاسْمُ مُقْحَمٌ أوْ هو أصْلٌ مَذْكُورٌ لَهُ التَّبارُكُ، نَقُولُ: فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: وهو المَشْهُورُ أنَّهُ مُقْحَمٌ كالوَجْهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَبْقى وجْهُ رَبِّكَ﴾ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤] و: ﴿تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ﴾ [الملك: ١] وغَيْرُهُ مِن صُوَرِ اسْتِعْمالِ لَفْظِ تَبارَكَ.
وثانِيهِما: هو أنَّ الِاسْمَ تَبارَكَ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى مَعْنًى بَلِيغٍ، أمّا إذا قُلْنا: تَبارَكَ بِمَعْنى عَلا فَمَن عَلا اسْمُهُ كَيْفَ يَكُونُ مُسَمّاهُ ! وذَلِكَ لِأنَّ المَلِكَ إذا عَظُمَ شَأْنُهُ لا يُذْكَرُ اسْمُهُ إلّا بِنَوْعِ تَعْظِيمٍ ثُمَّ إذا انْتَهى الذّاكِرُ إلَيْهِ يَكُونُ تَعْظِيمُهُ لَهُ أكْثَرَ،
صفحة ١٢١
فَإنَّ غايَةَ التَّعْظِيمِ لِلِاسْمِ أنَّ السّامِعَ إذا سَمِعَهُ قامَ كَما جَرَتْ عادَةُ المُلُوكِ أنَّهم إذا سَمِعُوا في الرَّسائِلِ اسْمَ سُلْطانٍ عَظِيمٍ يَقُومُونَ عِنْدَ سَماعِ اسْمِهِ، ثُمَّ إنْ أتاهُمُ السُّلْطانُ بِنَفْسِهِ بَدَلًا عَنْ كِتابِهِ الَّذِي فِيهِ اسْمُهُ يَسْتَقْبِلُونَهُ ويَضَعُونَ الجِباهَ عَلى الأرْضِ بَيْنَ يَدَيْهِ، وهَذا مِنَ الدَّلائِلِ الظّاهِرَةِ عَلى أنَّ عُلُوَّ الِاسْمِ يَدُلُّ عَلى عُلُوٍّ زائِدٍ في المُسَمّى، أمّا إنْ قُلْنا: بِمَعْنى دامَ الخَيْرُ عِنْدَهُ فَهو إشارَةٌ إلى أنَّ ذِكْرَ اسْمِ اللَّهِ تَعالى يُزِيلُ الشَّرَّ ويُهَرِّبُ الشَّيْطانَ، ويَزِيدُ الخَيْرَ ويُقَرِّبُ السَّعاداتِ، وأمّا إنْ قُلْنا: بِمَعْنى دامَ اسْمُ اللَّهِ، فَهو إشارَةٌ إلى دَوامِ الذّاكِرِينَ في الجَنَّةِ عَلى ما قُلْنا مِن قَبْلُ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: القِراءَةُ المَشْهُورَةُ هَهُنا: ﴿ذِي الجَلالِ﴾ وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَبْقى وجْهُ رَبِّكَ ذُو الجَلالِ﴾ لِأنَّ الجَلالَ لِلرَّبِّ، والِاسْمُ غَيْرُ المُسَمّى، وأمّا وجْهُ الرَّبِّ فَهو الرَّبُّ فَوَصَفَ هُناكَ الوَجْهَ ووَصَفَ هَهُنا الرَّبَّ، دُونَ الِاسْمِ، ولَوْ قالَ: ويَبْقى الرَّبُّ لِتَوَهُّمِ أنَّ الرَّبَّ إذا بَقِيَ رَبًّا فَلَهُ في ذَلِكَ الزَّمانِ مَرْبُوبٌ، فَإذا قالَ وجْهُ أُنْسِيَ المَرْبُوبُ فَحَصَلَ القَطْعُ بِالبَقاءِ لِلْحَقِّ فَوَصْفُ الوَجْهِ يُفِيدُ هَذِهِ الفائِدَةَ، واللَّهُ أعْلَمُ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ وصَلاتُهُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ وآلِهِ وصَحْبِهِ وسَلامُهُ.
الواقعة 56:1
صفحة ١٢٢
[ سُورَةُ الواقِعَةِ ]
وهِيَ سِتٌّ وتِسْعُونَ آيَةً مَكِّيَّةٌ
﷽
﴿إذا وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ﴾ ﴿خافِضَةٌ رافِعَةٌ﴾
﷽
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذا وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ﴾ ﴿خافِضَةٌ رافِعَةٌ﴾ .
أمّا تَعَلُّقُ هَذِهِ السُّورَةِ بِما قَبْلَها، فَذَلِكَ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ تِلْكَ السُّورَةَ مُشْتَمِلَةٌ عَلى تَعْدِيدِ النِّعَمِ عَلى الإنْسانِ ومُطالَبَتِهِ بِالشُّكْرِ ومَنعِهِ عَنِ التَّكْذِيبِ كَما مَرَّ، وهَذِهِ السُّورَةُ مُشْتَمِلَةٌ عَلى ذِكْرِ الجَزاءِ بِالخَيْرِ لِمَن شَكَرَ وبِالشَّرِّ لِمَن كَذَّبَ وكَفَرَ.
ثانِيها: أنَّ تِلْكَ السُّورَةَ مُتَضَمِّنَةٌ لِلتَّنْبِيهاتِ بِذِكْرِ الآلاءِ في حَقِّ العِبادِ، وهَذِهِ السُّورَةُ كَذَلِكَ لِذِكْرِ الجَزاءِ في حَقِّهِمْ يَوْمَ التَّنادِ.
ثالِثُها: أنَّ تِلْكَ السُّورَةَ سُورَةُ إظْهارِ الرَّحْمَةِ وهَذِهِ السُّورَةُ سُورَةُ إظْهارِ الهَيْبَةِ عَلى عَكْسِ تِلْكَ السُّورَةِ مَعَ ما قَبْلَها، وأمّا تَعَلُّقُ الأوَّلِ بِالآخِرِ فَفي آخِرِ تِلْكَ السُّورَةِ إشارَةٌ إلى الصِّفاتِ مِن بابِ النَّفْيِ والإثْباتِ، وفي أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ إلى القِيامَةِ وإلى ما فِيها مِنَ المَثُوباتِ والعُقُوباتِ، وكُلٌّ مِنهُما يَدُلُّ عَلى عُلُوِّ اسْمِهِ وعَظَمَةِ شَأْنِهِ، وكَمالِ قُدْرَتِهِ وعِزِّ سُلْطانِهِ. ثُمَّ في الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: فَفي تَفْسِيرِها جُمْلَةُ وُجُوهٍ أحَدُها: المُرادُ إذا وقَعَتِ القِيامَةُ الواقِعَةُ أوِ الزَّلْزَلَةُ الواقِعَةُ يَعْتَرِفُ بِها كُلُّ أحَدٍ، ولا يَتَمَكَّنُ أحَدٌ مِن إنْكارِها، ويَبْطُلُ عِنادُ المُعانِدِينَ فَتُخْفِضُ الكافِرِينَ في دَرَكاتِ النّارِ، وتَرْفَعُ المُؤْمِنِينَ في دَرَجاتِ الجَنَّةِ، هَؤُلاءِ في الجَحِيمِ وهَؤُلاءِ في النَّعِيمِ. الثّانِي: ﴿إذا وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ تَزَلْزَلَ النّاسُ، فَتُخْفِضُ المُرْتَفِعَ، وتَرْفَعُ المُنْخَفِضَ، وعَلى هَذا فَهي كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَجَعَلْنا عالِيَها سافِلَها﴾ [الحجر: ٧٤] في الإشارَةِ إلى شِدَّةِ الواقِعَةِ، لِأنَّ العَذابَ الَّذِي جَعَلَ العالِيَ سافِلًا بِالهَدْمِ، والسّافِلَ عالِيًا حَتّى صارَتِ الأرْضُ المُنْخَفِضَةُ كالجِبالِ الرّاسِيَةِ، والجِبالُ الرّاسِيَةُ كالأرْضِ المُنْخَفِضَةِ أشَدُّ وأبْلَغُ، فَصارَتِ البُرُوجُ العالِيَةُ مَعَ الأرْضِ مُتَساوِيَةً، والواقِعَةُ الَّتِي تَقَعُ تَرْفَعُ المُنْخَفِضَةَ فَتَجْعَلُ مِنَ الأرْضِ أجَزاءً عالِيَةً، ومِنَ السَّماءِ أجْزاءً سافِلَةً، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذا رُجَّتِ الأرْضُ رَجًّا﴾ ﴿وبُسَّتِ الجِبالُ بَسًّا﴾ فَإنَّهُ إشارَةٌ إلى أنَّ الأرْضَ تَتَحَرَّكُ بِحَرَكَةٍ مُزْعِجَةٍ، والجِبالَ تَتَفَتَّتُ، فَتَصِيرُ الأرْضُ المُنْخَفِضَةُ كالجِبالِ الرّاسِيَةِ، والجِبالُ الشّامِخَةُ كالأرْضِ السّافِلَةِ، كَما يَفْعَلُ هُبُوبُ الرِّيحِ في الأرْضِ المُرْمِلَةِ. الثّالِثُ: ﴿إذا وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ يَظْهَرُ
صفحة ١٢٣
وُقُوعُها لِكُلِّ أحَدٍ، وكَيْفِيَّةُ وُقُوعِها، فَلا يُوجَدُ لَها كاذِبَةٌ ولا مُتَأوَّلٌ يَظْهَرُ، فَقَوْلُهُ: ﴿خافِضَةٌ رافِعَةٌ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿كاذِبَةٌ﴾ نَسَقًا، فَيَكُونُ كَما يَقُولُ القائِلُ: لَيْسَ لِي في الأمْرِ شَكٌّ ولا خَطَأٌ، أيْ لا قُدْرَةَ لِأحَدٍ عَلى رَفْعِ المُنْخَفِضِ ولا خَفْضِ المُرْتَفِعِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ﴿إذا وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الواقِعَةُ صِفَةً لِمَحْذُوفٍ وهي القِيامَةُ أوِ الزَّلْزَلَةُ عَلى ما بَيَّنّا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَحْذُوفُ شَيْئًا غَيْرَ مُعَيَّنٍ، وتَكُونُ تاءُ التَّأْنِيثِ مُشِيرَةً إلى شِدَّةِ الأمْرِ الواقِعِ وهَوْلِهِ، كَما يُقالُ: كانَتِ الكائِنَةُ والمُرادُ كانَ الأمْرُ كائِنًا ما كانَ، وقَوْلُنا: الأمْرُ كائِنٌ لا يُفِيدُ إلّا حُدُوثَ أمْرٍ ولَوْ كانَ يَسِيرًا بِالنِّسْبَةِ إلى قَوْلِهِ: كانَتِ الكائِنَةُ، إذْ في الكائِنَةِ وصْفٌ زائِدٌ عَلى نَفْسِ كَوْنِهِ شَيْئًا، ولْنُبَيِّنْ هَذا بِبَيانِ كَوْنِ الهاءِ لِلْمُبالَغَةِ في قَوْلِهِمْ: فُلانٌ راوِيَةٌ ونَسّابَةٌ، وهو أنَّهم إذا أرادُوا أنْ يَأْتُوا بِالمُبالَغَةِ في كَوْنِهِ راوِيًا كانَ لَهم أنْ يَأْتُوا بِوَصْفٍ بَعْدَ الخَبْرِ، ويَقُولُونَ: فُلانٌ راوٍ جَيِّدٌ أوَ حَسَنٌ أوْ فاضِلٌ، فَعَدَلُوا عَنِ التَّطْوِيلِ إلى الإيجازِ مَعَ زِيادَةِ فائِدَةٍ، فَقالُوا: نَأْتِي بِحَرْفِ نِيابَةٍ عَنْ كَلِمَةٍ كَما أتَيْنا بِهاءِ التَّأْنِيثِ حَيْثُ قُلْنا: ظالِمَةٌ بَدَلَ قَوْلَ القائِلِ: ظالِمٌ أُنْثى، ولِهَذا لَزِمَهم بَيانُ الأُنْثى عِنْدَما لا يُمْكِنُ بَيانُها بِالهاءِ في قَوْلِهِمْ شاةٌ أُنْثى، وكالكِتابَةِ في الجَمْعِ حَيْثُ قُلْنا: قالُوا بَدَلًا عَنْ قَوْلِ القائِلِ: قالَ وقالَ وقالَ، وقالا بَدَلًا عَنْ قَوْلِهِ: قالَ وقالَ، فَكَذَلِكَ في المُبالَغَةِ، أرادُوا أنْ يَأْتُوا بِحَرْفٍ يُغْنِي عَنْ كَلِمَةٍ والحَرْفُ الدّالُّ عَلى الزِّيادَةِ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ في الآخِرِ، لِأنَّ الزِّيادَةَ بَعْدَ أصْلِ الشَّيْءِ، فَوَضَعُوا الهاءَ عِنْدَ عَدَمِ كَوْنِها لِلتَّأْنِيثِ والتَّوْحِيدِ في اللَّفْظِ المُفْرَدِ لا في الجَمْعِ لِلْمُبالَغَةِ. إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ في كانَتِ الكائِنَةُ ووَقَعَتِ الواقِعَةُ: حَصَلَ هَذا مَعْنًى لا لَفْظًا، أمّا مَعْنًى فَلِأنَّهم قَصَدُوا بِقَوْلِهِمْ: كانَتِ الكائِنَةُ أنَّ الكائِنَ زائِدٌ عَلى أصْلِ ما يَكُونُ، وأمّا لَفْظًا فَلِأنَّ الهاءَ لَوْ كانَتْ لِلْمُبالَغَةِ لَما جازَ إثْباتُ ضَمِيرِ المُؤَنَّثِ في الفِعْلِ، بَلْ كانَ يَنْبَغِي أنْ يَقُولُوا: كانَ الكائِنَةُ ووَقَعَ الواقِعَةُ، ولا يُمْكِنُ ذَلِكَ لِأنّا نَقُولُ: المُرادُ بِهِ المُبالَغَةُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: العامِلُ في ﴿إذا﴾ ماذا ؟ نَقُولُ: فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: فِعْلٌ مُتَقَدِّمٌ يَجْعَلُ إذا مَفْعُولًا بِهِ لا ظَرْفًا وهو اذْكُرْ، كَأنَّهُ قالَ: اذْكُرِ القِيامَةَ. ثانِيها: العامِلُ فِيها ”لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ“ كَما تَقُولُ: يَوْمَ الجُمُعَةِ لَيْسَ لِي شُغْلٌ. ثالِثُها: يُخْفَضُ قَوْمٌ ويُرْفَعُ قَوْمٌ، وقَدْ دَلَّ عَلَيْهِ ﴿خافِضَةٌ رافِعَةٌ﴾، وقِيلَ: العامِلُ فِيها قَوْلُهُ: ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ أيْ في يَوْمِ وُقُوعِ الواقِعَةِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِها﴾ إشارَةٌ إلى أنَّها تَقَعُ دُفْعَةً واحِدَةً فالوَقْعَةُ لِلْمَرَّةِ الواحِدَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿كاذِبَةٌ﴾ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا:
أحَدُها: ”كاذِبَةٌ“ صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ أُقِيمَتْ مَقامُهُ تَقْدِيرُهُ لَيْسَ لَها نَفْسٌ تَكْذِبُ.
ثانِيها: الهاءُ لِلْمُبالَغَةِ كَما تَقُولُ في الواقِعَةِ وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ.
ثالِثُها: هي مَصْدَرٌ كالعاقِبَةِ، فَإنْ قُلْنا بِالوَجْهِ الأوَّلِ فاللّامُ تَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنْ تَكُونَ لِلتَّعْلِيلِ أيْ لا تَكْذِبُ نَفْسٌ في ذَلِكَ اليَوْمِ لِشِدَّةِ وقْعَتِها، كَما يُقالُ: لا كاذِبَ عِنْدَ المَلِكِ لِضَبْطِهِ الأُمُورَ، فَيَكُونُ نَفْيًا عامًّا بِمَعْنى أنَّ كُلَّ أحَدٍ يُصَدِّقُهُ فِيما يَقُولُ، وقالَ: وقَبْلَهُ نُفُوسٌ كَواذِبُ في أُمُورٍ كَثِيرَةٍ ولا كاذِبَ فَيَقُولُ: لا قِيامَةَ لِشِدَّةِ وقْعَتِها وظُهُورِ الأمْرِ وكَما يُقالُ: لا يَحْتَمِلُ الأمْرُ الإنْكارَ لِظُهُورِهِ لِكُلِّ أحَدٍ فَيَكُونُ نَفْيًا خاصًّا بِمَعْنى لا يُكَذِّبُ أحَدٌ فَيَقُولُ: لا قِيامَةَ وقَبْلَهُ نُفُوسٌ قائِلَةٌ بِهِ كاذِبَةٌ فِيهِ.
ثانِيهِما: أنْ تَكُونَ لِلتَّعْدِيَةِ وذَلِكَ كَما يُقالُ: لَيْسَ لِزَيْدٍ ضارِبٌ، وحِينَئِذٍ تَقْدِيرُهُ: إذا وقَعَتِ الواقِعَةُ لَيْسَ لِوَقْعَتِها أمْرٌ يُوجَدُ لَها كاذِبٌ إنْ أخْبَرَ عَنْها فَهي خافِضَةٌ رافِعَةٌ تُخْفِضُ قَوْمًا وتَرْفَعُ قَوْمًا.
وعَلى هَذا لا تَكُونُ عامِلًا في ﴿إذا﴾ وهو بِمَعْنى لَيْسَ لَها كاذِبٌ يَقُولُ: هي أمْرٌ سَهْلٌ يُطاقُ، يُقالُ لِمَن يُقْدِمُ عَلى أمْرٍ عَظِيمٍ ظانًّا أنَّهُ يُطِيقُهُ سَلْ نَفْسَكَ أيْ سَهَّلْتَ الأمْرَ
صفحة ١٢٤
عَلَيْكَ ولَيْسَ بِسَهْلٍ، وإنْ قُلْنا بِالوَجْهِ الثّانِي وهو المُبالَغَةُ فَفِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: لَيْسَ لَها كاذِبٌ عَظِيمٌ بِمَعْنى أنَّ مَن يَكْذِبُ ويُقْدِمُ عَلى الكَذِبِ العَظِيمِ لا يُمْكِنُهُ أنْ يَكْذِبَ لِهَوْلِ ذَلِكَ اليَوْمِ.
وثانِيهِما: أنَّ أحَدًا لَوْ كَذَّبَ وقالَ في ذَلِكَ اليَوْمِ لا قِيامَةَ ولا واقِعَةَ لَكانَ كاذِبًا عَظِيمًا، ولا كاذِبَ لَهِذِهِ العَظَمَةِ في ذَلِكَ اليَوْمِ، والأوَّلُ أدَلُّ عَلى هَوْلِ اليَوْمِ، وعَلى الوَجْهِ الثّالِثِ يَعُودُ ما ذَكَرْنا إلى أنَّهُ لا كاذِبَ في ذَلِكَ اليَوْمِ بَلْ كُلُّ أحَدٍ يُصَدِّقُهُ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: ﴿خافِضَةٌ رافِعَةٌ﴾ تَقْدِيرُهُ هي خافِضَةٌ رافِعَةٌ وقَدْ سَبَقَ ذِكْرُهُ في التَّفْسِيرِ الجُمْلِيِّ وفِيهِ وُجُوهٌ أُخْرى:
أحَدُها: ”خافِضَةٌ رافِعَةٌ“ صِفَتانِ لِلنَّفْسِ الكاذِبَةِ أيْ لَيْسَ لِوَقْعَتِها مَن يُكَذِّبُ ولا مَن يُغَيِّرُ الكَلامَ فَتُخْفِضُ أمْرًا وتَرْفَعُ آخَرَ فَهي خافِضَةٌ أوْ يَكُونُ هو زِيادَةً لِبَيانِ صِدْقِ الخَلْقِ في ذَلِكَ اليَوْمِ وعَدَمِ إمْكانِ كَذِبِهِمْ والكاذِبُ يُغَيِّرُ الكَلامَ، ثُمَّ إذا أرادَ نَفْيَ الكَذِبِ عَنْ نَفْسِهِ يَقُولُ: ما عَرَفْتُ مِمّا كانَ كَلِمَةً واحِدَةً، ورُبَّما يَقُولُ: ما عَرَفْتُ حَرْفًا واحِدًا، وهَذا لِأنَّ الكاذِبَ قَدْ يَكْذِبُ في حَقِيقَةِ الأمْرِ ورُبَّما يَكْذِبُ في صِفَةِ صِفاتِهِ، والصِّفَةُ قَدْ يَكُونُ مُلْتَفَتًا إلَيْها، وقَدْ لا يَكُونُ مُلْتَفَتًا إلَيْها التِفاتًا مُعْتَبَرًا، وقَدْ لا يَكُونُ مُلْتَفَتًا إلَيْها أصْلًا.
(مِثالُ الأوَّلِ): قَوْلُ القائِلِ: ما جاءَ زَيْدٌ ويَكُونُ قَدْ جاءَ.
(ومِثالُ الثّانِي): ما جاءَ يَوْمُ الجُمُعَةِ.
(ومِثالُ الثّالِثُ): ما جاءَ بُكْرَةَ يَوْمِ الجُمُعَةِ ويَكُونُ قَدْ جاءَ بُكْرَةَ يَوْمِ الجُمُعَةِ وما جاءَ أوَّلَ بُكْرَةِ يَوْمِ الجُمُعَةِ.
والثّانِي دُونَ الأوَّلِ والرّابِعُ دُونَ الكُلِّ، فَإذا قالَ القائِلُ: ما أعْرِفُ كَلِمَةً كاذِبَةً نَفى عَنْهُ الكَذِبَ في الإخْبارِ وفي صِفَتِهِ والَّذِي يَقُولُ: ما عَرَفْتُ حَرْفًا واحِدًا نَفى أمْرًا وراءَهُ، والَّذِي يَقُولُ: ما عَرَفْتُ أعْرافَةً واحِدَةً يَكُونُ فَوْقَ ذَلِكَ، فَقَوْلُهُ: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ﴾ ﴿خافِضَةٌ رافِعَةٌ﴾ أيْ مَن يُغَيِّرُ تَغْيِيرًا ولَوْ كانَ يَسِيرًا.
الواقعة 56:2
صفحة ١٢٢
[ سُورَةُ الواقِعَةِ ]
وهِيَ سِتٌّ وتِسْعُونَ آيَةً مَكِّيَّةٌ
﷽
﴿إذا وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ﴾ ﴿خافِضَةٌ رافِعَةٌ﴾
﷽
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذا وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ﴾ ﴿خافِضَةٌ رافِعَةٌ﴾ .
أمّا تَعَلُّقُ هَذِهِ السُّورَةِ بِما قَبْلَها، فَذَلِكَ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ تِلْكَ السُّورَةَ مُشْتَمِلَةٌ عَلى تَعْدِيدِ النِّعَمِ عَلى الإنْسانِ ومُطالَبَتِهِ بِالشُّكْرِ ومَنعِهِ عَنِ التَّكْذِيبِ كَما مَرَّ، وهَذِهِ السُّورَةُ مُشْتَمِلَةٌ عَلى ذِكْرِ الجَزاءِ بِالخَيْرِ لِمَن شَكَرَ وبِالشَّرِّ لِمَن كَذَّبَ وكَفَرَ.
ثانِيها: أنَّ تِلْكَ السُّورَةَ مُتَضَمِّنَةٌ لِلتَّنْبِيهاتِ بِذِكْرِ الآلاءِ في حَقِّ العِبادِ، وهَذِهِ السُّورَةُ كَذَلِكَ لِذِكْرِ الجَزاءِ في حَقِّهِمْ يَوْمَ التَّنادِ.
ثالِثُها: أنَّ تِلْكَ السُّورَةَ سُورَةُ إظْهارِ الرَّحْمَةِ وهَذِهِ السُّورَةُ سُورَةُ إظْهارِ الهَيْبَةِ عَلى عَكْسِ تِلْكَ السُّورَةِ مَعَ ما قَبْلَها، وأمّا تَعَلُّقُ الأوَّلِ بِالآخِرِ فَفي آخِرِ تِلْكَ السُّورَةِ إشارَةٌ إلى الصِّفاتِ مِن بابِ النَّفْيِ والإثْباتِ، وفي أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ إلى القِيامَةِ وإلى ما فِيها مِنَ المَثُوباتِ والعُقُوباتِ، وكُلٌّ مِنهُما يَدُلُّ عَلى عُلُوِّ اسْمِهِ وعَظَمَةِ شَأْنِهِ، وكَمالِ قُدْرَتِهِ وعِزِّ سُلْطانِهِ. ثُمَّ في الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: فَفي تَفْسِيرِها جُمْلَةُ وُجُوهٍ أحَدُها: المُرادُ إذا وقَعَتِ القِيامَةُ الواقِعَةُ أوِ الزَّلْزَلَةُ الواقِعَةُ يَعْتَرِفُ بِها كُلُّ أحَدٍ، ولا يَتَمَكَّنُ أحَدٌ مِن إنْكارِها، ويَبْطُلُ عِنادُ المُعانِدِينَ فَتُخْفِضُ الكافِرِينَ في دَرَكاتِ النّارِ، وتَرْفَعُ المُؤْمِنِينَ في دَرَجاتِ الجَنَّةِ، هَؤُلاءِ في الجَحِيمِ وهَؤُلاءِ في النَّعِيمِ. الثّانِي: ﴿إذا وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ تَزَلْزَلَ النّاسُ، فَتُخْفِضُ المُرْتَفِعَ، وتَرْفَعُ المُنْخَفِضَ، وعَلى هَذا فَهي كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَجَعَلْنا عالِيَها سافِلَها﴾ [الحجر: ٧٤] في الإشارَةِ إلى شِدَّةِ الواقِعَةِ، لِأنَّ العَذابَ الَّذِي جَعَلَ العالِيَ سافِلًا بِالهَدْمِ، والسّافِلَ عالِيًا حَتّى صارَتِ الأرْضُ المُنْخَفِضَةُ كالجِبالِ الرّاسِيَةِ، والجِبالُ الرّاسِيَةُ كالأرْضِ المُنْخَفِضَةِ أشَدُّ وأبْلَغُ، فَصارَتِ البُرُوجُ العالِيَةُ مَعَ الأرْضِ مُتَساوِيَةً، والواقِعَةُ الَّتِي تَقَعُ تَرْفَعُ المُنْخَفِضَةَ فَتَجْعَلُ مِنَ الأرْضِ أجَزاءً عالِيَةً، ومِنَ السَّماءِ أجْزاءً سافِلَةً، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذا رُجَّتِ الأرْضُ رَجًّا﴾ ﴿وبُسَّتِ الجِبالُ بَسًّا﴾ فَإنَّهُ إشارَةٌ إلى أنَّ الأرْضَ تَتَحَرَّكُ بِحَرَكَةٍ مُزْعِجَةٍ، والجِبالَ تَتَفَتَّتُ، فَتَصِيرُ الأرْضُ المُنْخَفِضَةُ كالجِبالِ الرّاسِيَةِ، والجِبالُ الشّامِخَةُ كالأرْضِ السّافِلَةِ، كَما يَفْعَلُ هُبُوبُ الرِّيحِ في الأرْضِ المُرْمِلَةِ. الثّالِثُ: ﴿إذا وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ يَظْهَرُ
صفحة ١٢٣
وُقُوعُها لِكُلِّ أحَدٍ، وكَيْفِيَّةُ وُقُوعِها، فَلا يُوجَدُ لَها كاذِبَةٌ ولا مُتَأوَّلٌ يَظْهَرُ، فَقَوْلُهُ: ﴿خافِضَةٌ رافِعَةٌ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿كاذِبَةٌ﴾ نَسَقًا، فَيَكُونُ كَما يَقُولُ القائِلُ: لَيْسَ لِي في الأمْرِ شَكٌّ ولا خَطَأٌ، أيْ لا قُدْرَةَ لِأحَدٍ عَلى رَفْعِ المُنْخَفِضِ ولا خَفْضِ المُرْتَفِعِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ﴿إذا وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الواقِعَةُ صِفَةً لِمَحْذُوفٍ وهي القِيامَةُ أوِ الزَّلْزَلَةُ عَلى ما بَيَّنّا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَحْذُوفُ شَيْئًا غَيْرَ مُعَيَّنٍ، وتَكُونُ تاءُ التَّأْنِيثِ مُشِيرَةً إلى شِدَّةِ الأمْرِ الواقِعِ وهَوْلِهِ، كَما يُقالُ: كانَتِ الكائِنَةُ والمُرادُ كانَ الأمْرُ كائِنًا ما كانَ، وقَوْلُنا: الأمْرُ كائِنٌ لا يُفِيدُ إلّا حُدُوثَ أمْرٍ ولَوْ كانَ يَسِيرًا بِالنِّسْبَةِ إلى قَوْلِهِ: كانَتِ الكائِنَةُ، إذْ في الكائِنَةِ وصْفٌ زائِدٌ عَلى نَفْسِ كَوْنِهِ شَيْئًا، ولْنُبَيِّنْ هَذا بِبَيانِ كَوْنِ الهاءِ لِلْمُبالَغَةِ في قَوْلِهِمْ: فُلانٌ راوِيَةٌ ونَسّابَةٌ، وهو أنَّهم إذا أرادُوا أنْ يَأْتُوا بِالمُبالَغَةِ في كَوْنِهِ راوِيًا كانَ لَهم أنْ يَأْتُوا بِوَصْفٍ بَعْدَ الخَبْرِ، ويَقُولُونَ: فُلانٌ راوٍ جَيِّدٌ أوَ حَسَنٌ أوْ فاضِلٌ، فَعَدَلُوا عَنِ التَّطْوِيلِ إلى الإيجازِ مَعَ زِيادَةِ فائِدَةٍ، فَقالُوا: نَأْتِي بِحَرْفِ نِيابَةٍ عَنْ كَلِمَةٍ كَما أتَيْنا بِهاءِ التَّأْنِيثِ حَيْثُ قُلْنا: ظالِمَةٌ بَدَلَ قَوْلَ القائِلِ: ظالِمٌ أُنْثى، ولِهَذا لَزِمَهم بَيانُ الأُنْثى عِنْدَما لا يُمْكِنُ بَيانُها بِالهاءِ في قَوْلِهِمْ شاةٌ أُنْثى، وكالكِتابَةِ في الجَمْعِ حَيْثُ قُلْنا: قالُوا بَدَلًا عَنْ قَوْلِ القائِلِ: قالَ وقالَ وقالَ، وقالا بَدَلًا عَنْ قَوْلِهِ: قالَ وقالَ، فَكَذَلِكَ في المُبالَغَةِ، أرادُوا أنْ يَأْتُوا بِحَرْفٍ يُغْنِي عَنْ كَلِمَةٍ والحَرْفُ الدّالُّ عَلى الزِّيادَةِ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ في الآخِرِ، لِأنَّ الزِّيادَةَ بَعْدَ أصْلِ الشَّيْءِ، فَوَضَعُوا الهاءَ عِنْدَ عَدَمِ كَوْنِها لِلتَّأْنِيثِ والتَّوْحِيدِ في اللَّفْظِ المُفْرَدِ لا في الجَمْعِ لِلْمُبالَغَةِ. إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ في كانَتِ الكائِنَةُ ووَقَعَتِ الواقِعَةُ: حَصَلَ هَذا مَعْنًى لا لَفْظًا، أمّا مَعْنًى فَلِأنَّهم قَصَدُوا بِقَوْلِهِمْ: كانَتِ الكائِنَةُ أنَّ الكائِنَ زائِدٌ عَلى أصْلِ ما يَكُونُ، وأمّا لَفْظًا فَلِأنَّ الهاءَ لَوْ كانَتْ لِلْمُبالَغَةِ لَما جازَ إثْباتُ ضَمِيرِ المُؤَنَّثِ في الفِعْلِ، بَلْ كانَ يَنْبَغِي أنْ يَقُولُوا: كانَ الكائِنَةُ ووَقَعَ الواقِعَةُ، ولا يُمْكِنُ ذَلِكَ لِأنّا نَقُولُ: المُرادُ بِهِ المُبالَغَةُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: العامِلُ في ﴿إذا﴾ ماذا ؟ نَقُولُ: فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: فِعْلٌ مُتَقَدِّمٌ يَجْعَلُ إذا مَفْعُولًا بِهِ لا ظَرْفًا وهو اذْكُرْ، كَأنَّهُ قالَ: اذْكُرِ القِيامَةَ. ثانِيها: العامِلُ فِيها ”لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ“ كَما تَقُولُ: يَوْمَ الجُمُعَةِ لَيْسَ لِي شُغْلٌ. ثالِثُها: يُخْفَضُ قَوْمٌ ويُرْفَعُ قَوْمٌ، وقَدْ دَلَّ عَلَيْهِ ﴿خافِضَةٌ رافِعَةٌ﴾، وقِيلَ: العامِلُ فِيها قَوْلُهُ: ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ أيْ في يَوْمِ وُقُوعِ الواقِعَةِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِها﴾ إشارَةٌ إلى أنَّها تَقَعُ دُفْعَةً واحِدَةً فالوَقْعَةُ لِلْمَرَّةِ الواحِدَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿كاذِبَةٌ﴾ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا:
أحَدُها: ”كاذِبَةٌ“ صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ أُقِيمَتْ مَقامُهُ تَقْدِيرُهُ لَيْسَ لَها نَفْسٌ تَكْذِبُ.
ثانِيها: الهاءُ لِلْمُبالَغَةِ كَما تَقُولُ في الواقِعَةِ وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ.
ثالِثُها: هي مَصْدَرٌ كالعاقِبَةِ، فَإنْ قُلْنا بِالوَجْهِ الأوَّلِ فاللّامُ تَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنْ تَكُونَ لِلتَّعْلِيلِ أيْ لا تَكْذِبُ نَفْسٌ في ذَلِكَ اليَوْمِ لِشِدَّةِ وقْعَتِها، كَما يُقالُ: لا كاذِبَ عِنْدَ المَلِكِ لِضَبْطِهِ الأُمُورَ، فَيَكُونُ نَفْيًا عامًّا بِمَعْنى أنَّ كُلَّ أحَدٍ يُصَدِّقُهُ فِيما يَقُولُ، وقالَ: وقَبْلَهُ نُفُوسٌ كَواذِبُ في أُمُورٍ كَثِيرَةٍ ولا كاذِبَ فَيَقُولُ: لا قِيامَةَ لِشِدَّةِ وقْعَتِها وظُهُورِ الأمْرِ وكَما يُقالُ: لا يَحْتَمِلُ الأمْرُ الإنْكارَ لِظُهُورِهِ لِكُلِّ أحَدٍ فَيَكُونُ نَفْيًا خاصًّا بِمَعْنى لا يُكَذِّبُ أحَدٌ فَيَقُولُ: لا قِيامَةَ وقَبْلَهُ نُفُوسٌ قائِلَةٌ بِهِ كاذِبَةٌ فِيهِ.
ثانِيهِما: أنْ تَكُونَ لِلتَّعْدِيَةِ وذَلِكَ كَما يُقالُ: لَيْسَ لِزَيْدٍ ضارِبٌ، وحِينَئِذٍ تَقْدِيرُهُ: إذا وقَعَتِ الواقِعَةُ لَيْسَ لِوَقْعَتِها أمْرٌ يُوجَدُ لَها كاذِبٌ إنْ أخْبَرَ عَنْها فَهي خافِضَةٌ رافِعَةٌ تُخْفِضُ قَوْمًا وتَرْفَعُ قَوْمًا.
وعَلى هَذا لا تَكُونُ عامِلًا في ﴿إذا﴾ وهو بِمَعْنى لَيْسَ لَها كاذِبٌ يَقُولُ: هي أمْرٌ سَهْلٌ يُطاقُ، يُقالُ لِمَن يُقْدِمُ عَلى أمْرٍ عَظِيمٍ ظانًّا أنَّهُ يُطِيقُهُ سَلْ نَفْسَكَ أيْ سَهَّلْتَ الأمْرَ
صفحة ١٢٤
عَلَيْكَ ولَيْسَ بِسَهْلٍ، وإنْ قُلْنا بِالوَجْهِ الثّانِي وهو المُبالَغَةُ فَفِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: لَيْسَ لَها كاذِبٌ عَظِيمٌ بِمَعْنى أنَّ مَن يَكْذِبُ ويُقْدِمُ عَلى الكَذِبِ العَظِيمِ لا يُمْكِنُهُ أنْ يَكْذِبَ لِهَوْلِ ذَلِكَ اليَوْمِ.
وثانِيهِما: أنَّ أحَدًا لَوْ كَذَّبَ وقالَ في ذَلِكَ اليَوْمِ لا قِيامَةَ ولا واقِعَةَ لَكانَ كاذِبًا عَظِيمًا، ولا كاذِبَ لَهِذِهِ العَظَمَةِ في ذَلِكَ اليَوْمِ، والأوَّلُ أدَلُّ عَلى هَوْلِ اليَوْمِ، وعَلى الوَجْهِ الثّالِثِ يَعُودُ ما ذَكَرْنا إلى أنَّهُ لا كاذِبَ في ذَلِكَ اليَوْمِ بَلْ كُلُّ أحَدٍ يُصَدِّقُهُ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: ﴿خافِضَةٌ رافِعَةٌ﴾ تَقْدِيرُهُ هي خافِضَةٌ رافِعَةٌ وقَدْ سَبَقَ ذِكْرُهُ في التَّفْسِيرِ الجُمْلِيِّ وفِيهِ وُجُوهٌ أُخْرى:
أحَدُها: ”خافِضَةٌ رافِعَةٌ“ صِفَتانِ لِلنَّفْسِ الكاذِبَةِ أيْ لَيْسَ لِوَقْعَتِها مَن يُكَذِّبُ ولا مَن يُغَيِّرُ الكَلامَ فَتُخْفِضُ أمْرًا وتَرْفَعُ آخَرَ فَهي خافِضَةٌ أوْ يَكُونُ هو زِيادَةً لِبَيانِ صِدْقِ الخَلْقِ في ذَلِكَ اليَوْمِ وعَدَمِ إمْكانِ كَذِبِهِمْ والكاذِبُ يُغَيِّرُ الكَلامَ، ثُمَّ إذا أرادَ نَفْيَ الكَذِبِ عَنْ نَفْسِهِ يَقُولُ: ما عَرَفْتُ مِمّا كانَ كَلِمَةً واحِدَةً، ورُبَّما يَقُولُ: ما عَرَفْتُ حَرْفًا واحِدًا، وهَذا لِأنَّ الكاذِبَ قَدْ يَكْذِبُ في حَقِيقَةِ الأمْرِ ورُبَّما يَكْذِبُ في صِفَةِ صِفاتِهِ، والصِّفَةُ قَدْ يَكُونُ مُلْتَفَتًا إلَيْها، وقَدْ لا يَكُونُ مُلْتَفَتًا إلَيْها التِفاتًا مُعْتَبَرًا، وقَدْ لا يَكُونُ مُلْتَفَتًا إلَيْها أصْلًا.
(مِثالُ الأوَّلِ): قَوْلُ القائِلِ: ما جاءَ زَيْدٌ ويَكُونُ قَدْ جاءَ.
(ومِثالُ الثّانِي): ما جاءَ يَوْمُ الجُمُعَةِ.
(ومِثالُ الثّالِثُ): ما جاءَ بُكْرَةَ يَوْمِ الجُمُعَةِ ويَكُونُ قَدْ جاءَ بُكْرَةَ يَوْمِ الجُمُعَةِ وما جاءَ أوَّلَ بُكْرَةِ يَوْمِ الجُمُعَةِ.
والثّانِي دُونَ الأوَّلِ والرّابِعُ دُونَ الكُلِّ، فَإذا قالَ القائِلُ: ما أعْرِفُ كَلِمَةً كاذِبَةً نَفى عَنْهُ الكَذِبَ في الإخْبارِ وفي صِفَتِهِ والَّذِي يَقُولُ: ما عَرَفْتُ حَرْفًا واحِدًا نَفى أمْرًا وراءَهُ، والَّذِي يَقُولُ: ما عَرَفْتُ أعْرافَةً واحِدَةً يَكُونُ فَوْقَ ذَلِكَ، فَقَوْلُهُ: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ﴾ ﴿خافِضَةٌ رافِعَةٌ﴾ أيْ مَن يُغَيِّرُ تَغْيِيرًا ولَوْ كانَ يَسِيرًا.
الواقعة 56:3
صفحة ١٢٢
[ سُورَةُ الواقِعَةِ ]
وهِيَ سِتٌّ وتِسْعُونَ آيَةً مَكِّيَّةٌ
﷽
﴿إذا وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ﴾ ﴿خافِضَةٌ رافِعَةٌ﴾
﷽
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذا وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ﴾ ﴿خافِضَةٌ رافِعَةٌ﴾ .
أمّا تَعَلُّقُ هَذِهِ السُّورَةِ بِما قَبْلَها، فَذَلِكَ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ تِلْكَ السُّورَةَ مُشْتَمِلَةٌ عَلى تَعْدِيدِ النِّعَمِ عَلى الإنْسانِ ومُطالَبَتِهِ بِالشُّكْرِ ومَنعِهِ عَنِ التَّكْذِيبِ كَما مَرَّ، وهَذِهِ السُّورَةُ مُشْتَمِلَةٌ عَلى ذِكْرِ الجَزاءِ بِالخَيْرِ لِمَن شَكَرَ وبِالشَّرِّ لِمَن كَذَّبَ وكَفَرَ.
ثانِيها: أنَّ تِلْكَ السُّورَةَ مُتَضَمِّنَةٌ لِلتَّنْبِيهاتِ بِذِكْرِ الآلاءِ في حَقِّ العِبادِ، وهَذِهِ السُّورَةُ كَذَلِكَ لِذِكْرِ الجَزاءِ في حَقِّهِمْ يَوْمَ التَّنادِ.
ثالِثُها: أنَّ تِلْكَ السُّورَةَ سُورَةُ إظْهارِ الرَّحْمَةِ وهَذِهِ السُّورَةُ سُورَةُ إظْهارِ الهَيْبَةِ عَلى عَكْسِ تِلْكَ السُّورَةِ مَعَ ما قَبْلَها، وأمّا تَعَلُّقُ الأوَّلِ بِالآخِرِ فَفي آخِرِ تِلْكَ السُّورَةِ إشارَةٌ إلى الصِّفاتِ مِن بابِ النَّفْيِ والإثْباتِ، وفي أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ إلى القِيامَةِ وإلى ما فِيها مِنَ المَثُوباتِ والعُقُوباتِ، وكُلٌّ مِنهُما يَدُلُّ عَلى عُلُوِّ اسْمِهِ وعَظَمَةِ شَأْنِهِ، وكَمالِ قُدْرَتِهِ وعِزِّ سُلْطانِهِ. ثُمَّ في الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: فَفي تَفْسِيرِها جُمْلَةُ وُجُوهٍ أحَدُها: المُرادُ إذا وقَعَتِ القِيامَةُ الواقِعَةُ أوِ الزَّلْزَلَةُ الواقِعَةُ يَعْتَرِفُ بِها كُلُّ أحَدٍ، ولا يَتَمَكَّنُ أحَدٌ مِن إنْكارِها، ويَبْطُلُ عِنادُ المُعانِدِينَ فَتُخْفِضُ الكافِرِينَ في دَرَكاتِ النّارِ، وتَرْفَعُ المُؤْمِنِينَ في دَرَجاتِ الجَنَّةِ، هَؤُلاءِ في الجَحِيمِ وهَؤُلاءِ في النَّعِيمِ. الثّانِي: ﴿إذا وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ تَزَلْزَلَ النّاسُ، فَتُخْفِضُ المُرْتَفِعَ، وتَرْفَعُ المُنْخَفِضَ، وعَلى هَذا فَهي كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَجَعَلْنا عالِيَها سافِلَها﴾ [الحجر: ٧٤] في الإشارَةِ إلى شِدَّةِ الواقِعَةِ، لِأنَّ العَذابَ الَّذِي جَعَلَ العالِيَ سافِلًا بِالهَدْمِ، والسّافِلَ عالِيًا حَتّى صارَتِ الأرْضُ المُنْخَفِضَةُ كالجِبالِ الرّاسِيَةِ، والجِبالُ الرّاسِيَةُ كالأرْضِ المُنْخَفِضَةِ أشَدُّ وأبْلَغُ، فَصارَتِ البُرُوجُ العالِيَةُ مَعَ الأرْضِ مُتَساوِيَةً، والواقِعَةُ الَّتِي تَقَعُ تَرْفَعُ المُنْخَفِضَةَ فَتَجْعَلُ مِنَ الأرْضِ أجَزاءً عالِيَةً، ومِنَ السَّماءِ أجْزاءً سافِلَةً، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذا رُجَّتِ الأرْضُ رَجًّا﴾ ﴿وبُسَّتِ الجِبالُ بَسًّا﴾ فَإنَّهُ إشارَةٌ إلى أنَّ الأرْضَ تَتَحَرَّكُ بِحَرَكَةٍ مُزْعِجَةٍ، والجِبالَ تَتَفَتَّتُ، فَتَصِيرُ الأرْضُ المُنْخَفِضَةُ كالجِبالِ الرّاسِيَةِ، والجِبالُ الشّامِخَةُ كالأرْضِ السّافِلَةِ، كَما يَفْعَلُ هُبُوبُ الرِّيحِ في الأرْضِ المُرْمِلَةِ. الثّالِثُ: ﴿إذا وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ يَظْهَرُ
صفحة ١٢٣
وُقُوعُها لِكُلِّ أحَدٍ، وكَيْفِيَّةُ وُقُوعِها، فَلا يُوجَدُ لَها كاذِبَةٌ ولا مُتَأوَّلٌ يَظْهَرُ، فَقَوْلُهُ: ﴿خافِضَةٌ رافِعَةٌ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿كاذِبَةٌ﴾ نَسَقًا، فَيَكُونُ كَما يَقُولُ القائِلُ: لَيْسَ لِي في الأمْرِ شَكٌّ ولا خَطَأٌ، أيْ لا قُدْرَةَ لِأحَدٍ عَلى رَفْعِ المُنْخَفِضِ ولا خَفْضِ المُرْتَفِعِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ﴿إذا وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الواقِعَةُ صِفَةً لِمَحْذُوفٍ وهي القِيامَةُ أوِ الزَّلْزَلَةُ عَلى ما بَيَّنّا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَحْذُوفُ شَيْئًا غَيْرَ مُعَيَّنٍ، وتَكُونُ تاءُ التَّأْنِيثِ مُشِيرَةً إلى شِدَّةِ الأمْرِ الواقِعِ وهَوْلِهِ، كَما يُقالُ: كانَتِ الكائِنَةُ والمُرادُ كانَ الأمْرُ كائِنًا ما كانَ، وقَوْلُنا: الأمْرُ كائِنٌ لا يُفِيدُ إلّا حُدُوثَ أمْرٍ ولَوْ كانَ يَسِيرًا بِالنِّسْبَةِ إلى قَوْلِهِ: كانَتِ الكائِنَةُ، إذْ في الكائِنَةِ وصْفٌ زائِدٌ عَلى نَفْسِ كَوْنِهِ شَيْئًا، ولْنُبَيِّنْ هَذا بِبَيانِ كَوْنِ الهاءِ لِلْمُبالَغَةِ في قَوْلِهِمْ: فُلانٌ راوِيَةٌ ونَسّابَةٌ، وهو أنَّهم إذا أرادُوا أنْ يَأْتُوا بِالمُبالَغَةِ في كَوْنِهِ راوِيًا كانَ لَهم أنْ يَأْتُوا بِوَصْفٍ بَعْدَ الخَبْرِ، ويَقُولُونَ: فُلانٌ راوٍ جَيِّدٌ أوَ حَسَنٌ أوْ فاضِلٌ، فَعَدَلُوا عَنِ التَّطْوِيلِ إلى الإيجازِ مَعَ زِيادَةِ فائِدَةٍ، فَقالُوا: نَأْتِي بِحَرْفِ نِيابَةٍ عَنْ كَلِمَةٍ كَما أتَيْنا بِهاءِ التَّأْنِيثِ حَيْثُ قُلْنا: ظالِمَةٌ بَدَلَ قَوْلَ القائِلِ: ظالِمٌ أُنْثى، ولِهَذا لَزِمَهم بَيانُ الأُنْثى عِنْدَما لا يُمْكِنُ بَيانُها بِالهاءِ في قَوْلِهِمْ شاةٌ أُنْثى، وكالكِتابَةِ في الجَمْعِ حَيْثُ قُلْنا: قالُوا بَدَلًا عَنْ قَوْلِ القائِلِ: قالَ وقالَ وقالَ، وقالا بَدَلًا عَنْ قَوْلِهِ: قالَ وقالَ، فَكَذَلِكَ في المُبالَغَةِ، أرادُوا أنْ يَأْتُوا بِحَرْفٍ يُغْنِي عَنْ كَلِمَةٍ والحَرْفُ الدّالُّ عَلى الزِّيادَةِ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ في الآخِرِ، لِأنَّ الزِّيادَةَ بَعْدَ أصْلِ الشَّيْءِ، فَوَضَعُوا الهاءَ عِنْدَ عَدَمِ كَوْنِها لِلتَّأْنِيثِ والتَّوْحِيدِ في اللَّفْظِ المُفْرَدِ لا في الجَمْعِ لِلْمُبالَغَةِ. إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ في كانَتِ الكائِنَةُ ووَقَعَتِ الواقِعَةُ: حَصَلَ هَذا مَعْنًى لا لَفْظًا، أمّا مَعْنًى فَلِأنَّهم قَصَدُوا بِقَوْلِهِمْ: كانَتِ الكائِنَةُ أنَّ الكائِنَ زائِدٌ عَلى أصْلِ ما يَكُونُ، وأمّا لَفْظًا فَلِأنَّ الهاءَ لَوْ كانَتْ لِلْمُبالَغَةِ لَما جازَ إثْباتُ ضَمِيرِ المُؤَنَّثِ في الفِعْلِ، بَلْ كانَ يَنْبَغِي أنْ يَقُولُوا: كانَ الكائِنَةُ ووَقَعَ الواقِعَةُ، ولا يُمْكِنُ ذَلِكَ لِأنّا نَقُولُ: المُرادُ بِهِ المُبالَغَةُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: العامِلُ في ﴿إذا﴾ ماذا ؟ نَقُولُ: فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: فِعْلٌ مُتَقَدِّمٌ يَجْعَلُ إذا مَفْعُولًا بِهِ لا ظَرْفًا وهو اذْكُرْ، كَأنَّهُ قالَ: اذْكُرِ القِيامَةَ. ثانِيها: العامِلُ فِيها ”لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ“ كَما تَقُولُ: يَوْمَ الجُمُعَةِ لَيْسَ لِي شُغْلٌ. ثالِثُها: يُخْفَضُ قَوْمٌ ويُرْفَعُ قَوْمٌ، وقَدْ دَلَّ عَلَيْهِ ﴿خافِضَةٌ رافِعَةٌ﴾، وقِيلَ: العامِلُ فِيها قَوْلُهُ: ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ أيْ في يَوْمِ وُقُوعِ الواقِعَةِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِها﴾ إشارَةٌ إلى أنَّها تَقَعُ دُفْعَةً واحِدَةً فالوَقْعَةُ لِلْمَرَّةِ الواحِدَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿كاذِبَةٌ﴾ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا:
أحَدُها: ”كاذِبَةٌ“ صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ أُقِيمَتْ مَقامُهُ تَقْدِيرُهُ لَيْسَ لَها نَفْسٌ تَكْذِبُ.
ثانِيها: الهاءُ لِلْمُبالَغَةِ كَما تَقُولُ في الواقِعَةِ وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ.
ثالِثُها: هي مَصْدَرٌ كالعاقِبَةِ، فَإنْ قُلْنا بِالوَجْهِ الأوَّلِ فاللّامُ تَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنْ تَكُونَ لِلتَّعْلِيلِ أيْ لا تَكْذِبُ نَفْسٌ في ذَلِكَ اليَوْمِ لِشِدَّةِ وقْعَتِها، كَما يُقالُ: لا كاذِبَ عِنْدَ المَلِكِ لِضَبْطِهِ الأُمُورَ، فَيَكُونُ نَفْيًا عامًّا بِمَعْنى أنَّ كُلَّ أحَدٍ يُصَدِّقُهُ فِيما يَقُولُ، وقالَ: وقَبْلَهُ نُفُوسٌ كَواذِبُ في أُمُورٍ كَثِيرَةٍ ولا كاذِبَ فَيَقُولُ: لا قِيامَةَ لِشِدَّةِ وقْعَتِها وظُهُورِ الأمْرِ وكَما يُقالُ: لا يَحْتَمِلُ الأمْرُ الإنْكارَ لِظُهُورِهِ لِكُلِّ أحَدٍ فَيَكُونُ نَفْيًا خاصًّا بِمَعْنى لا يُكَذِّبُ أحَدٌ فَيَقُولُ: لا قِيامَةَ وقَبْلَهُ نُفُوسٌ قائِلَةٌ بِهِ كاذِبَةٌ فِيهِ.
ثانِيهِما: أنْ تَكُونَ لِلتَّعْدِيَةِ وذَلِكَ كَما يُقالُ: لَيْسَ لِزَيْدٍ ضارِبٌ، وحِينَئِذٍ تَقْدِيرُهُ: إذا وقَعَتِ الواقِعَةُ لَيْسَ لِوَقْعَتِها أمْرٌ يُوجَدُ لَها كاذِبٌ إنْ أخْبَرَ عَنْها فَهي خافِضَةٌ رافِعَةٌ تُخْفِضُ قَوْمًا وتَرْفَعُ قَوْمًا.
وعَلى هَذا لا تَكُونُ عامِلًا في ﴿إذا﴾ وهو بِمَعْنى لَيْسَ لَها كاذِبٌ يَقُولُ: هي أمْرٌ سَهْلٌ يُطاقُ، يُقالُ لِمَن يُقْدِمُ عَلى أمْرٍ عَظِيمٍ ظانًّا أنَّهُ يُطِيقُهُ سَلْ نَفْسَكَ أيْ سَهَّلْتَ الأمْرَ
صفحة ١٢٤
عَلَيْكَ ولَيْسَ بِسَهْلٍ، وإنْ قُلْنا بِالوَجْهِ الثّانِي وهو المُبالَغَةُ فَفِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: لَيْسَ لَها كاذِبٌ عَظِيمٌ بِمَعْنى أنَّ مَن يَكْذِبُ ويُقْدِمُ عَلى الكَذِبِ العَظِيمِ لا يُمْكِنُهُ أنْ يَكْذِبَ لِهَوْلِ ذَلِكَ اليَوْمِ.
وثانِيهِما: أنَّ أحَدًا لَوْ كَذَّبَ وقالَ في ذَلِكَ اليَوْمِ لا قِيامَةَ ولا واقِعَةَ لَكانَ كاذِبًا عَظِيمًا، ولا كاذِبَ لَهِذِهِ العَظَمَةِ في ذَلِكَ اليَوْمِ، والأوَّلُ أدَلُّ عَلى هَوْلِ اليَوْمِ، وعَلى الوَجْهِ الثّالِثِ يَعُودُ ما ذَكَرْنا إلى أنَّهُ لا كاذِبَ في ذَلِكَ اليَوْمِ بَلْ كُلُّ أحَدٍ يُصَدِّقُهُ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: ﴿خافِضَةٌ رافِعَةٌ﴾ تَقْدِيرُهُ هي خافِضَةٌ رافِعَةٌ وقَدْ سَبَقَ ذِكْرُهُ في التَّفْسِيرِ الجُمْلِيِّ وفِيهِ وُجُوهٌ أُخْرى:
أحَدُها: ”خافِضَةٌ رافِعَةٌ“ صِفَتانِ لِلنَّفْسِ الكاذِبَةِ أيْ لَيْسَ لِوَقْعَتِها مَن يُكَذِّبُ ولا مَن يُغَيِّرُ الكَلامَ فَتُخْفِضُ أمْرًا وتَرْفَعُ آخَرَ فَهي خافِضَةٌ أوْ يَكُونُ هو زِيادَةً لِبَيانِ صِدْقِ الخَلْقِ في ذَلِكَ اليَوْمِ وعَدَمِ إمْكانِ كَذِبِهِمْ والكاذِبُ يُغَيِّرُ الكَلامَ، ثُمَّ إذا أرادَ نَفْيَ الكَذِبِ عَنْ نَفْسِهِ يَقُولُ: ما عَرَفْتُ مِمّا كانَ كَلِمَةً واحِدَةً، ورُبَّما يَقُولُ: ما عَرَفْتُ حَرْفًا واحِدًا، وهَذا لِأنَّ الكاذِبَ قَدْ يَكْذِبُ في حَقِيقَةِ الأمْرِ ورُبَّما يَكْذِبُ في صِفَةِ صِفاتِهِ، والصِّفَةُ قَدْ يَكُونُ مُلْتَفَتًا إلَيْها، وقَدْ لا يَكُونُ مُلْتَفَتًا إلَيْها التِفاتًا مُعْتَبَرًا، وقَدْ لا يَكُونُ مُلْتَفَتًا إلَيْها أصْلًا.
(مِثالُ الأوَّلِ): قَوْلُ القائِلِ: ما جاءَ زَيْدٌ ويَكُونُ قَدْ جاءَ.
(ومِثالُ الثّانِي): ما جاءَ يَوْمُ الجُمُعَةِ.
(ومِثالُ الثّالِثُ): ما جاءَ بُكْرَةَ يَوْمِ الجُمُعَةِ ويَكُونُ قَدْ جاءَ بُكْرَةَ يَوْمِ الجُمُعَةِ وما جاءَ أوَّلَ بُكْرَةِ يَوْمِ الجُمُعَةِ.
والثّانِي دُونَ الأوَّلِ والرّابِعُ دُونَ الكُلِّ، فَإذا قالَ القائِلُ: ما أعْرِفُ كَلِمَةً كاذِبَةً نَفى عَنْهُ الكَذِبَ في الإخْبارِ وفي صِفَتِهِ والَّذِي يَقُولُ: ما عَرَفْتُ حَرْفًا واحِدًا نَفى أمْرًا وراءَهُ، والَّذِي يَقُولُ: ما عَرَفْتُ أعْرافَةً واحِدَةً يَكُونُ فَوْقَ ذَلِكَ، فَقَوْلُهُ: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ﴾ ﴿خافِضَةٌ رافِعَةٌ﴾ أيْ مَن يُغَيِّرُ تَغْيِيرًا ولَوْ كانَ يَسِيرًا.
الواقعة 56:4
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إذا رُجَّتِ الأرْضُ رَجًّا﴾ ﴿وبُسَّتِ الجِبالُ بَسًّا﴾ ﴿فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا﴾ أيْ كانَتِ الأرْضُ كَثِيبًا مُرْتَفِعًا والجِبالُ مَهِيلًا مُنْبَسِطًا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا﴾ كَقَوْلِهِ تَعالى في وصْفِ الجِبالِ: ﴿كالعِهْنِ المَنفُوشِ﴾ [القارعة: ٥] وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ فائِدَةِ ذِكْرِ المَصْدَرِ وهي أنَّهُ يُفِيدُ أنَّ الفِعْلَ كانَ قَوْلًا مُعْتَبَرًا ولَمْ يَكُنْ شَيْئًا لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ، ويُقالُ فِيهِ: إنَّهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ فَإذا قالَ القائِلُ: ضَرَبْتُهُ ضَرْبًا مُعْتَبَرًا لا يَقُولُ القائِلُ فِيهِ: لَيْسَ بِضَرْبٍ مُحْتَقِرًا لَهُ كَما يُقالُ: هَذا لَيْسَ بِشَيْءٍ، والعامِلُ في: ﴿إذا رُجَّتِ﴾ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا:
أحَدُها: أنْ يَكُونَ إذا رُجَّتِ بَدَلًا عَنْ إذا وقَعَتْ فَيَكُونُ العامِلُ فِيها ما ذَكَرْنا مِن قَبْلُ.
ثانِيها: أنْ يَكُونَ العامِلُ في: ﴿إذا وقَعَتِ﴾ هو قَوْلُهُ: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِها﴾ والعامِلُ في: ﴿إذا رُجَّتِ﴾ هو قَوْلُهُ: ﴿خافِضَةٌ رافِعَةٌ﴾ تَقْدِيرُهُ تُخْفَضُ الواقِعَةُ وتُرْفَعُ وقْتَ رَجِّ الأرْضِ وبَسِّ الجِبالِ، والفاءُ لِلتَّرْتِيبِ الزَّمانِيِّ؛ لِأنَّ الأرْضَ ما لَمْ تَتَحَرَّكْ والجِبالَ ما لَمْ تَنْبَسَّ لا تَكُونُ هَباءً مُنْبَثًّا، والبَسُّ التَّقْلِيبُ، والهَباءُ هو الهَواءُ المُخْتَلِطُ بِأجْزاءٍ أرْضِيَّةٍ تَظْهَرُ في خَيالِ الشَّمْسِ إذا وقَعَ شُعاعُها في كُوَّةٍ، وقالَ: الَّذِينَ يَقُولُونَ: إنَّ بَيْنَ الحُرُوفِ والمَعانِي مُناسَبَةً إنَّ الهَواءَ إذا خالَطَهُ أجْزاءٌ ثَقِيلَةٌ أرْضِيَّةٌ ثَقُلَ مِن لَفْظِهِ حَرْفٌ فَأُبْدِلَتِ الواوُ الخَفِيفَةُ بِالباءِ الَّتِي لا يُنْطَقُ بِها إلّا بِإطْباقِ الشَّفَتَيْنِ بِقُوَّةٍ ما أوْ في الباءِ ثِقَلٌ ما.
الواقعة 56:5
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إذا رُجَّتِ الأرْضُ رَجًّا﴾ ﴿وبُسَّتِ الجِبالُ بَسًّا﴾ ﴿فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا﴾ أيْ كانَتِ الأرْضُ كَثِيبًا مُرْتَفِعًا والجِبالُ مَهِيلًا مُنْبَسِطًا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا﴾ كَقَوْلِهِ تَعالى في وصْفِ الجِبالِ: ﴿كالعِهْنِ المَنفُوشِ﴾ [القارعة: ٥] وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ فائِدَةِ ذِكْرِ المَصْدَرِ وهي أنَّهُ يُفِيدُ أنَّ الفِعْلَ كانَ قَوْلًا مُعْتَبَرًا ولَمْ يَكُنْ شَيْئًا لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ، ويُقالُ فِيهِ: إنَّهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ فَإذا قالَ القائِلُ: ضَرَبْتُهُ ضَرْبًا مُعْتَبَرًا لا يَقُولُ القائِلُ فِيهِ: لَيْسَ بِضَرْبٍ مُحْتَقِرًا لَهُ كَما يُقالُ: هَذا لَيْسَ بِشَيْءٍ، والعامِلُ في: ﴿إذا رُجَّتِ﴾ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا:
أحَدُها: أنْ يَكُونَ إذا رُجَّتِ بَدَلًا عَنْ إذا وقَعَتْ فَيَكُونُ العامِلُ فِيها ما ذَكَرْنا مِن قَبْلُ.
ثانِيها: أنْ يَكُونَ العامِلُ في: ﴿إذا وقَعَتِ﴾ هو قَوْلُهُ: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِها﴾ والعامِلُ في: ﴿إذا رُجَّتِ﴾ هو قَوْلُهُ: ﴿خافِضَةٌ رافِعَةٌ﴾ تَقْدِيرُهُ تُخْفَضُ الواقِعَةُ وتُرْفَعُ وقْتَ رَجِّ الأرْضِ وبَسِّ الجِبالِ، والفاءُ لِلتَّرْتِيبِ الزَّمانِيِّ؛ لِأنَّ الأرْضَ ما لَمْ تَتَحَرَّكْ والجِبالَ ما لَمْ تَنْبَسَّ لا تَكُونُ هَباءً مُنْبَثًّا، والبَسُّ التَّقْلِيبُ، والهَباءُ هو الهَواءُ المُخْتَلِطُ بِأجْزاءٍ أرْضِيَّةٍ تَظْهَرُ في خَيالِ الشَّمْسِ إذا وقَعَ شُعاعُها في كُوَّةٍ، وقالَ: الَّذِينَ يَقُولُونَ: إنَّ بَيْنَ الحُرُوفِ والمَعانِي مُناسَبَةً إنَّ الهَواءَ إذا خالَطَهُ أجْزاءٌ ثَقِيلَةٌ أرْضِيَّةٌ ثَقُلَ مِن لَفْظِهِ حَرْفٌ فَأُبْدِلَتِ الواوُ الخَفِيفَةُ بِالباءِ الَّتِي لا يُنْطَقُ بِها إلّا بِإطْباقِ الشَّفَتَيْنِ بِقُوَّةٍ ما أوْ في الباءِ ثِقَلٌ ما.
الواقعة 56:6
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إذا رُجَّتِ الأرْضُ رَجًّا﴾ ﴿وبُسَّتِ الجِبالُ بَسًّا﴾ ﴿فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا﴾ أيْ كانَتِ الأرْضُ كَثِيبًا مُرْتَفِعًا والجِبالُ مَهِيلًا مُنْبَسِطًا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا﴾ كَقَوْلِهِ تَعالى في وصْفِ الجِبالِ: ﴿كالعِهْنِ المَنفُوشِ﴾ [القارعة: ٥] وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ فائِدَةِ ذِكْرِ المَصْدَرِ وهي أنَّهُ يُفِيدُ أنَّ الفِعْلَ كانَ قَوْلًا مُعْتَبَرًا ولَمْ يَكُنْ شَيْئًا لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ، ويُقالُ فِيهِ: إنَّهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ فَإذا قالَ القائِلُ: ضَرَبْتُهُ ضَرْبًا مُعْتَبَرًا لا يَقُولُ القائِلُ فِيهِ: لَيْسَ بِضَرْبٍ مُحْتَقِرًا لَهُ كَما يُقالُ: هَذا لَيْسَ بِشَيْءٍ، والعامِلُ في: ﴿إذا رُجَّتِ﴾ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا:
أحَدُها: أنْ يَكُونَ إذا رُجَّتِ بَدَلًا عَنْ إذا وقَعَتْ فَيَكُونُ العامِلُ فِيها ما ذَكَرْنا مِن قَبْلُ.
ثانِيها: أنْ يَكُونَ العامِلُ في: ﴿إذا وقَعَتِ﴾ هو قَوْلُهُ: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِها﴾ والعامِلُ في: ﴿إذا رُجَّتِ﴾ هو قَوْلُهُ: ﴿خافِضَةٌ رافِعَةٌ﴾ تَقْدِيرُهُ تُخْفَضُ الواقِعَةُ وتُرْفَعُ وقْتَ رَجِّ الأرْضِ وبَسِّ الجِبالِ، والفاءُ لِلتَّرْتِيبِ الزَّمانِيِّ؛ لِأنَّ الأرْضَ ما لَمْ تَتَحَرَّكْ والجِبالَ ما لَمْ تَنْبَسَّ لا تَكُونُ هَباءً مُنْبَثًّا، والبَسُّ التَّقْلِيبُ، والهَباءُ هو الهَواءُ المُخْتَلِطُ بِأجْزاءٍ أرْضِيَّةٍ تَظْهَرُ في خَيالِ الشَّمْسِ إذا وقَعَ شُعاعُها في كُوَّةٍ، وقالَ: الَّذِينَ يَقُولُونَ: إنَّ بَيْنَ الحُرُوفِ والمَعانِي مُناسَبَةً إنَّ الهَواءَ إذا خالَطَهُ أجْزاءٌ ثَقِيلَةٌ أرْضِيَّةٌ ثَقُلَ مِن لَفْظِهِ حَرْفٌ فَأُبْدِلَتِ الواوُ الخَفِيفَةُ بِالباءِ الَّتِي لا يُنْطَقُ بِها إلّا بِإطْباقِ الشَّفَتَيْنِ بِقُوَّةٍ ما أوْ في الباءِ ثِقَلٌ ما.
الواقعة 56:7
صفحة ١٢٥
ثُمَّ قالَ تَعالى:
﴿وكُنْتُمْ أزْواجًا ثَلاثَةً﴾ ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ ﴿وأصْحابُ المَشْأمَةِ ما أصْحابُ المَشْأمَةِ﴾ أيْ في ذَلِكَ اليَوْمِ أنْتُمْ أزْواجٌ ثَلاثَةُ أصْنافٍ، وفَسَّرَها بَعْدَها بِقَوْلِهِ: ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: الفاءُ تَدُلُّ عَلى التَّفْسِيرِ، وبَيانُ ما ورَدَ عَلى التَّقْسِيمِ كَأنَّهُ قالَ: أزْواجًا ثَلاثَةً: أصْحابُ المَيْمَنَةِ وأصْحابُ المَشْأمَةِ إلَخْ، ثُمَّ بَيَّنَ حالَ كُلِّ قَوْمٍ، فَقالَ: ﴿ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ فَتَرَكَ التَّقْسِيمَ أوَّلًا واكْتَفى بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ، فَإنَّهُ ذَكَرَ الأقْسامَ الثَّلاثَةَ مَعَ أحْوالِها، وسَبَقَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكُنْتُمْ أزْواجًا ثَلاثَةً﴾ يُغْنِي عَنْ تَعْدِيدِ الأقْسامِ، ثُمَّ أعادَ كُلَّ واحِدَةٍ لِبَيانِ حالِها.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ هم أصْحابُ الجَنَّةِ، وتَسْمِيَتُهم بِأصْحابِ المَيْمَنَةِ إمّا لِكَوْنِهِمْ مِن جُمْلَةِ مَن كُتُبُهم بِأيْمانِهِمْ، وإمّا لِكَوْنِ أيْمانِهِمْ تَسْتَنِيرُ بِنُورٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى، كَما قالَ تَعالى: ﴿نُورُهم يَسْعى بَيْنَ أيْدِيهِمْ وبِأيْمانِهِمْ﴾ [التحريم: ٨] وإمّا لِكَوْنِ اليَمِينِ يُرادُ بِهِ الدَّلِيلُ عَلى الخَيْرِ، والعَرَبُ تَتَفاءَلُ بِالسّانِحِ، و[ هو ] الَّذِي يَقْصِدُ جانِبَ اليَمِينِ مِنَ الطُّيُورِ والوُحُوشِ عِنْدَ الزَّجْرِ والأصْلُ فِيهِ أمْرٌ حُكْمِيٌّ، وهو أنَّهُ تَعالى لَمّا خَلَقَ الخَلْقَ كانَ لَهُ في كُلِّ شَيْءٍ دَلِيلٌ عَلى قُدْرَتِهِ واخْتِيارِهِ، حَتّى أنَّ في نَفْسِ الإنْسانِ لَهُ دَلائِلُ لا تُعَدُّ ولا تُحْصى، ودَلائِلُ الِاخْتِيارِ إثْباتُ مُخْتَلِفَيْنِ في مَحَلَّيْنِ مُتَشابِهَيْنِ، أوْ إثْباتُ مُتَشابِهَيْنِ في مَحَلَّيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، إذْ حالُ الإنْسانِ مِن أشَدِّ الأشْياءِ مُشابَهَةً فَإنَّهُ مَخْلُوقٌ مِن مُتَشابِهٍ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أوْدَعَ في الجانِبِ الأيْمَنِ مِنَ الإنْسانِ قُوَّةً لَيْسَتْ في الجانِبِ الأيْسَرِ، لَوِ اجْتَمَعَ أهْلُ العِلْمِ عَلى أنْ يَذْكُرُوا لَهُ مُرَجِّحًا غَيْرَ قُدْرَةِ اللَّهِ وإرادَتِهِ لا يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ، فَإنْ كانَ بَعْضُهم يَدَّعِي كِياسَةً وذَكاءً يَقُولُ: إنَّ الكَبِدَ في الجانِبِ الأيْمَنِ، وبِها قُوَّةُ التَّغْذِيَةِ، والطِّحالَ في الجانِبِ الأيْسَرِ، ولَيْسَ فِيهِ قُوَّةٌ ظاهِرَةُ النَّفْعِ فَصارَ الجانِبُ الأيْمَنُ قَوِيًّا لِمَكانِ الكَبِدِ عَلى اليَمِينِ ؟ فَنَقُولُ: هَذا دَلِيلُ الِاخْتِيارِ لِأنَّ اليَمِينَ كالشِّمالِ، وتَخْصِيصُ اللَّهِ اليَمِينَ بِجَعْلِهِ مَكانَ الكَبِدِ دَلِيلُ الِاخْتِيارِ إذا ثَبَتَ أنَّ الإنْسانَ يَمِينُهُ أقْوى مِن شِمالِهِ، فَضَّلُوا اليَمِينَ عَلى الشِّمالِ، وجَعَلُوا الجانِبَ الأيْمَنَ لِلْأكابِرِ، وقِيلَ لِمَن لَهُ مَكانَةٌ هو مِن أصْحابِ اليَمِينِ، ووَضَعُوا لَهُ لَفْظًا عَلى وزْنِ العَزِيزِ، فَيَنْبَغِي أنْ يَكُونَ الأمْرُ عَلى ذَلِكَ الوَجْهِ كالسَّمِيعِ والبَصِيرِ، وما لا يَتَغَيَّرُ كالطَّوِيلِ والقَصِيرِ، وقِيلَ لَهُ: اليَمِينُ، وهو يَدُلُّ عَلى القُوَّةِ، ووَضَعُوا مُقابَلَتَهُ اليَسارَ عَلى الوَزْنِ الَّذِي اخْتُصَّ بِهِ الِاسْمُ المَذْمُومِ عِنْدَ النِّداءِ بِذَلِكَ الوَزْنِ، وهو الفَعالِ، فَإنَّ عِنْدَ الشَّتْمِ والنِّداءِ بِالِاسْمِ المَذْمُومِ يُؤْتى الوَزْنُ مَعَ البِناءِ عَلى الكَسْرِ، فَيُقالُ: يا فَجارِ يا فَساقِ يا خَباثِ، وقِيلَ: اليَمِينُ اليَسارُ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ اسْتَعْمَلَ في اليَمِينِ، وأمّا المَيْمَنَةُ فَهي مَفْعَلَةٌ كَأنَّهُ المَوْضِعُ الَّذِي فِيهِ اليَمِينُ وكُلُّ ما وقَعَ بِيَمِينِ الإنْسانِ في جانِبٍ مِنَ المَكانِ، فَذَلِكَ مَوْضِعُ اليَمِينِ فَهو مَيْمَنَةٌ كَقَوْلِنا: مَلْعَبَةٌ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: جَعْلُ اللَّهِ الخَلْقَ عَلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ دَلِيلُ غَلَبَةِ الرَّحْمَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ جَوانِبَ الإنْسانِ أرْبَعَةٌ: يَمِينُهُ وشِمالُهُ، وخَلْفُهُ وقُدّامُهُ، واليَمِينُ في مُقابَلَةِ الشِّمالِ والخَلْفُ في مُقابَلَةِ القُدّامِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أشارَ بِأصْحابِ اليَمِينِ إلى النّاجِينَ الَّذِينَ يُعْطَوْنَ كُتُبَهم بِأيْمانِهِمْ وهم مِن أصْحابِ الجانِبِ الأشْرَفِ المُكْرَمُونَ، وبِأصْحابِ الشِّمالِ إلى الَّذِينَ حالُهم عَلى خِلافِ أصْحابِ اليَمِينِ وهُمُ الَّذِينَ يُعْطَوْنَ كُتُبَهْمُ بِشَمائِلِهِمْ مُهانُونَ وذِكْرُ السّابِقِينَ الَّذِينَ لا حِسابَ عَلَيْهِمْ ويَسْبِقُونَ الخَلْقَ مِن غَيْرِ حِسابٍ بِيَمِينٍ أوْ شِمالٍ، أنَّ الَّذِينَ يَكُونُونَ في المَنزِلَةِ العُلْيا مِنَ الجانِبِ الأيْمَنِ، وهُمُ المُقَرَّبُونَ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ، يَتَكَلَّمُونَ في حَقِّ الغَيْرِ ويَشْفَعُونَ لِلْغَيْرِ
صفحة ١٢٦
ويَقْضُونَ أشْغالَ النّاسِ وهَؤُلاءِ أعْلى مَنزِلَةً مِن أصْحابِ اليَمِينِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمْ يَقُلْ: في مُقابَلَتِهِمْ قَوْمًا يَكُونُونَ مُتَخَلِّفِينَ مُؤَخَّرِينَ عَنْ أصْحابِ الشِّمالِ، لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِمْ لِشِدَّةِ الغَضَبِ عَلَيْهِمْ، وكانَتِ القِسْمَةُ في العادَةِ رُباعِيَّةً فَصارَتْ بِسَبَبِ الفَضْلِ ثُلاثِيَّةً، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمِنهم ظالِمٌ لِنَفْسِهِ ومِنهم مُقْتَصِدٌ ومِنهم سابِقٌ بِالخَيْراتِ﴾ [فاطر: ٣٢] ولَمْ يَقُلْ: مِنهم مُتَخَلِّفٌ عَنِ الكُلِّ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: ما الحِكْمَةُ في الِابْتِداءِ بِأصْحابِ اليَمِينِ، والِانْتِقالِ إلى أصْحابِ الشِّمالِ، ثُمَّ إلى السّابِقِينَ، مَعَ أنَّهُ في البَيانِ بَيَّنَ حالَ السّابِقِينَ ثُمَّ أصْحابِ الشِّمالِ عَلى التَّرْتِيبِ ؟ (والجَوابُ): أنْ نَقُولَ: ذِكْرُ الواقِعَةِ وما يَكُونُ عِنْدَ وُقُوعِها مِنَ الأُمُورِ الهائِلَةِ إنَّما يَكُونُ لِمَن لا يَكُونُ عِنْدَهُ مِن مَحَبَّةِ اللَّهِ تَعالى ما يَكْفِهِ مانِعًا عَنِ المَعْصِيَةِ، وأمّا الَّذِينَ سِرُّهم مَشْغُولٌ بِرَبِّهِمْ فَلا يَحْزَنُونَ بِالعَذابِ، فَلَمّا ذَكَرَ تَعالى: ﴿إذا وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ وكانَ فِيهِ مِنَ التَّخْوِيفِ ما لا يَخْفى وكانَ التَّخْوِيفُ بِالَّذِينَ يَرْغَبُونَ ويَرْهَبُونَ بِالثَّوابِ والعِقابِ أوْلى ذَكَرَ ما ذَكَرَهُ لِقَطْعِ العُذْرِ لا نَفْعِ الخَبَرِ، وأمّا السّابِقُونَ فَهم غَيْرُ مُحْتاجِينَ إلى تَرْغِيبٍ أوْ تَرْهِيبٍ، فَقَدَّمَ سُبْحانَهُ أصْحابَ اليَمِينِ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ ويَرْغَبُونَ، ثُمَّ ذَكَرَ السّابِقِينَ لِيَجْتَهِدَ أصْحابُ اليَمِينِ ويَقْرُبُوا مِن دَرَجَتِهِمْ وإنْ كانَ لا يَنالُها أحَدٌ إلّا بِجَذْبٍ مِنَ اللَّهِ، فَإنَّ السّابِقَ يَنالُهُ ما يَنالُهُ بِجَذْبٍ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: جَذْبَةٌ مِن جَذَباتِ الرَّحْمَنِ خَيْرٌ مِن عِبادَةِ سَبْعِينَ سَنَةً.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: ما مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ ؟ نَقُولُ: هو ضَرْبٌ مِنَ البَلاغَةِ، وتَقْرِيرُهُ هو أنْ يَشْرَعَ المُتَكَلِّمُ في بَيانِ أمْرٍ ثُمَّ يَسْكُتُ عَنِ الكَلامِ ويُشِيرُ إلى أنَّ السّامِعَ لا يَقْدِرُ عَلى سَماعِهِ كَما يَقُولُ القائِلُ لِغَيْرِهِ: أُخْبِرُكَ بِما جَرى عَلَيَّ، ثُمَّ يَقُولُ هُناكَ هو مُجِيبًا لِنَفْسِهِ لا أخافُ أنْ يَحْزُنَكَ، وكَما يَقُولُ القائِلُ: مَن يَعْرِفُ فُلانًا فَيَكُونُ أبْلَغَ مِن أنْ يَصِفَهُ، لِأنَّ السّامِعَ إذا سَمِعَ وصْفَهُ يَقُولُ: هَذا نِهايَةُ ما هو عَلَيْهِ، فَإذا قالَ: مَن يَعْرِفُ فُلانًا بِفَرْضِ السّامِعِ مِن نَفْسِهِ شَيْئًا، ثُمَّ يَقُولُ فُلانٌ عِنْدَ هَذا المُخْبَرِ أعْظَمُ مِمّا فَرَضْتُهُ، وأنْبَهُ مِمّا عَلِمْتُ مِنهُ.
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: ما إعْرابُهُ ومِنهُ يُعْرَفُ مَعْناهُ ؟ نَقُولُ: ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ مُبْتَدَأٌ أرادَ المُتَكَلِّمُ أنْ يَذْكُرَ خَبَرَهُ فَرَجَعَ عَنْ ذِكْرِهِ وتَرْكِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ جُمْلَةٌ اسْتِفْهامِيَّةٌ عَلى مَعْنى التَّعَجُّبِ، كَما تَقُولُ لِمُدَّعِي العِلْمِ: ما مَعْنى كَذا مُسْتَفْهِمًا مُمْتَحِنًا زاعِمًا أنَّهُ لا يَعْرِفُ الجَوابَ، حَتّى إنَّكَ تُحِبُّ وتَشْتَهِي ألّا يُجِيبُ عَنْ سُؤالِكَ ولَوْ أجابَ لَكَرِهَتَهُ؛ لِأنَّ كَلامَكَ مَفْهُومٌ كَأنَّكَ تَقُولُ: إنَّكَ لا تَعْرِفُ الجَوابَ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَكَأنَّ المُتَكَلِّمَ في أوَّلِ الأمْرِ مُخْبِرٌ ثُمَّ لَمْ يُخْبِرْ بِشَيْءٍ لِأنَّ في الأخْبارِ تَطْوِيلًا ثُمَّ لَمْ يَسْكُتْ، وقالَ ذَلِكَ مُمْتَحِنًا زاعِمًا أنَّكَ لا تَعْرِفُ كُنْهَهُ، وذَلِكَ لِأنَّ مَن يَشْرَعْ في كَلامٍ ويَذْكُرُ المُبْتَدَأ ثُمَّ يَسْكَتُ عَنِ الخَبَرِ قَدْ يَكُونُ ذَلِكَ السُّكُوتُ لِحُصُولِ عِلْمِهِ بِأنَّ المُخاطَبَ قَدْ عَلِمَ الخَبَرَ مِن غَيْرِ ذِكْرِ الخَبَرِ، كَما أنَّ قائِلًا: إذا أرادَ أنْ يُخْبِرَ غَيْرَهُ بِأنَّ زَيْدًا وصَلَ، وقالَ: إنَّ زَيْدًا ثُمَّ قَبْلَ قَوْلِهِ: جاءَ وقَعَ بَصَرُهُ عَلى زَيْدٍ ورَآهُ جالِسًا عِنْدَهُ يَسْكُتُ ولا يَقُولُ جاءَ؛ لِخُرُوجِ الكَلامِ عَنِ الفائِدَةِ، وقَدْ يَسْكُتُ عَنْ ذِكْرِ الخَبَرِ مِن أوَّلِ الأمْرِ؛ لِعِلْمِهِ بِأنَّ المُبْتَدَأ وحْدَهُ يَكْفِي لِمَن قالَ: مَن جاءَ فَإنَّهُ إنْ قالَ: زَيْدٌ يَكُونُ جَوابًا وكَثِيرًا ما نَقُولُ: زَيْدٌ ولا نَقُولُ: جاءَ، وقَدْ يَكُونُ السُّكُوتُ عَنِ الخَبَرِ إشارَةً إلى طُولِ القِصَّةِ كَقَوْلِ القائِلِ: الغَضْبانُ مِن زَيْدٍ ويَسْكُتُ ثُمَّ يَقُولُ: ماذا أقُولُ عَنْهُ. إذا عُلِمَ هَذا فَنَقُولُ لَمّا قالَ: ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ كانَ كَأنَّهُ يُرِيدُ أنْ يَأْتِيَ بِالخَبَرِ فَسَكَتَ عَنْهُ ثُمَّ قالَ في نَفْسِهِ: إنَّ السُّكُوتَ قَدْ يُوهِمُ أنَّهُ لِظُهُورِ حالِ الخَبَرِ كَما يُسْكَتُ عَلى زَيْدٍ في جَوابِ مَن جاءَ فَقالَ: ﴿ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ مُمْتَحِنًا زاعِمًا أنَّهُ لا يَفْهَمُ لِيَكُونَ
صفحة ١٢٧
ذَلِكَ دَلِيلًا عَلى أنَّ سُكُوتَهُ عَلى المُبْتَدَأِ لَمْ يَكُنْ لِظُهُورِ الأمْرِ بَلْ لِخَفائِهِ وغَرابَتِهِ، وهَذا وجْهٌ بَلِيغٌ، وفِيهِ وجْهٌ ظاهِرٌ وهو أنْ يُقالَ: مَعْناهُ أنَّهُ جُمْلَةٌ واحِدَةٌ اسْتِفْهامِيَّةٌ كَأنَّهُ قالَ: وأصْحابُ المَيْمَنَةِ ما هم ؟ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِفْهامِ، غَيْرَ أنَّهُ أقامَ المُظْهَرَ مَقامَ المُضْمَرِ، وقالَ: ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ والإتْيانُ بِالمُظْهَرِ إشارَةٌ إلى تَعْظِيمِ أمْرِهِمْ حَيْثُ ذَكَرَهم ظاهِرًا مَرَّتَيْنِ، كَذَلِكَ القَوْلُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأصْحابُ المَشْأمَةِ ما أصْحابُ المَشْأمَةِ﴾ وكَذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿الحاقَّةُ﴾ ﴿ما الحاقَّةُ﴾ وفي قَوْلِهِ: ﴿القارِعَةُ﴾ ﴿ما القارِعَةُ﴾ .
المَسْألَةُ السّابِعَةُ: ما الحِكْمَةُ في اخْتِيارِ لَفْظِ ﴿المَشْأمَةِ﴾ في مُقابَلَةِ ﴿المَيْمَنَةِ﴾، مَعَ أنَّهُ قالَ في بَيانِ أحْوالِهِمْ: ﴿وأصْحابُ الشِّمالِ ما أصْحابُ الشِّمالِ﴾ ؟ نَقُولُ: اليَمِينُ وُضِعَ لِلْجانِبِ المَعْرُوفِ أوَّلًا، ثُمَّ تَفاءَلُوا بِهِ واسْتَعْمَلُوا مِنهُ ألْفاظًا في مَواضِعَ وقالُوا: هَذا مَيْمُونٌ وقالُوا: أيْمِن بِهِ ووَضَعُوا لِلْجانِبِ المُقابِلِ لَهُ اليَسارَ مِنَ الشَّيْءِ اليَسِيرِ إشارَةً إلى ضَعْفِهِ، فَصارَ في مُقابَلَةِ اليَمِينِ كَيْفَما يَدُورُ فَيُقالُ: في مُقابَلَةِ اليُمْنى اليُسْرى، وفي مُقابَلَةِ الأيْمَنِ الأيْسَرُ، وفي مُقابَلَةِ المَيْمَنَةِ المَيْسَرَةُ، ولا تُسْتَعْمَلُ الشِّمالُ كَما تُسْتَعْمَلُ اليَمِينُ، فَلا يُقالُ: الأشْمَلُ ولا المَشْمَلَةُ، وتُسْتَعْمَلُ المَشْأمَةُ كَما تُسْتَعْمَلُ المَيْمَنَةُ، فَلا يُقالُ: في مُقابَلَةِ اليَمِينِ لَفْظٌ مِن بابِ الشُّؤْمِ، وأمّا الشَّآمُ فَلَيْسَ في مُقابَلَةِ اليَمِينِ بَلْ في مُقابَلَةِ يَمانٍ، إذا عُلِمَ هَذا فَنَقُولُ: بَعْدَما قالُوا بِاليَمِينِ لَمْ يَتْرُكُوهُ، واقْتَصَرُوا عَلى اسْتِعْمالِ لَفْظِ اليَمِينِ في الجانِبِ المَعْرُوفِ مِنَ الآدَمِيِّ، ولَفْظِ الشِّمالِ في مُقابَلَتِهِ، وحَدَثَ لَهم لَفْظانِ آخَرانِ فِيهِ: أحَدُهُما: الشِّمالُ وذَلِكَ لِأنَّهم نَظَرُوا إلى الكَواكِبِ مِنَ السَّماءِ وجَعَلُوا مَمَرَّها وجْهَ الإنْسانِ وجَعَلُوا السَّماءَ جانِبَيْنِ وجَعَلُوا أحَدَهُما أقْوى كَما رَأوْا في الإنْسانِ، فَسَمَّوُا الأقْوى بِالجَنُوبِ لِقُوَّةِ الجانِبِ كَما يُقالُ: غَضُوبٌ ورَءُوفٌ، ثُمَّ رَأوْا في مُقابَلَةِ الجَنُوبِ جانِبًا آخَرَ شَمِلَ ذَلِكَ الجانِبُ عِمارَةَ العالَمِ فَسَمَّوْهُ شِمالًا (واللَّفْظُ الآخَرُ): المَشْأمَةُ والأشْأمُ في مُقابَلَةِ المَيْمَنَةِ والأيْمَنِ، وذَلِكَ لِأنَّهم لَمّا أخَذُوا مِنَ اليَمِينِ اليُمْنَ وغَيْرَهُ لِلْتَفاؤُلِ وضَعُوا الشُّؤْمَ في مُقابَلَتِهِ لا في أعْضائِهِمْ وجَوانِبِهِمْ تَكَرُّهًا لِجَعْلِ جانِبٍ مِن جَوانِبِ نَفْسِهِ شُؤْمًا، ولَمّا وضَعُوا ذَلِكَ واسْتَمَرَّ الأمْرُ عَلَيْهِ نَقَلُوا اليَمِينَ مِنَ الجانِبِ إلى غَيْرِهِ، فاللَّهُ تَعالى ذَكَرَ الكُفّارَ بِلَفْظَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ فَقالَ: ﴿وأصْحابُ المَشْأمَةِ﴾ ﴿وأصْحابُ الشِّمالِ﴾ وتَرَكَ لَفْظَ المَيْسَرَةِ واليَسارِ الدّالِ عَلى هَوْنِ الأمْرِ، فَقالَ هَهُنا: ﴿وأصْحابُ المَشْأمَةِ﴾ بِأفْظَعِ الِاسْمَيْنِ، ولِهَذا قالُوا في العَساكِرِ: المَيْمَنَةُ والمَيْسَرَةُ اجْتِنابًا مِن لَفْظِ الشُّؤْمِ.
الواقعة 56:8
صفحة ١٢٥
ثُمَّ قالَ تَعالى:
﴿وكُنْتُمْ أزْواجًا ثَلاثَةً﴾ ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ ﴿وأصْحابُ المَشْأمَةِ ما أصْحابُ المَشْأمَةِ﴾ أيْ في ذَلِكَ اليَوْمِ أنْتُمْ أزْواجٌ ثَلاثَةُ أصْنافٍ، وفَسَّرَها بَعْدَها بِقَوْلِهِ: ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: الفاءُ تَدُلُّ عَلى التَّفْسِيرِ، وبَيانُ ما ورَدَ عَلى التَّقْسِيمِ كَأنَّهُ قالَ: أزْواجًا ثَلاثَةً: أصْحابُ المَيْمَنَةِ وأصْحابُ المَشْأمَةِ إلَخْ، ثُمَّ بَيَّنَ حالَ كُلِّ قَوْمٍ، فَقالَ: ﴿ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ فَتَرَكَ التَّقْسِيمَ أوَّلًا واكْتَفى بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ، فَإنَّهُ ذَكَرَ الأقْسامَ الثَّلاثَةَ مَعَ أحْوالِها، وسَبَقَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكُنْتُمْ أزْواجًا ثَلاثَةً﴾ يُغْنِي عَنْ تَعْدِيدِ الأقْسامِ، ثُمَّ أعادَ كُلَّ واحِدَةٍ لِبَيانِ حالِها.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ هم أصْحابُ الجَنَّةِ، وتَسْمِيَتُهم بِأصْحابِ المَيْمَنَةِ إمّا لِكَوْنِهِمْ مِن جُمْلَةِ مَن كُتُبُهم بِأيْمانِهِمْ، وإمّا لِكَوْنِ أيْمانِهِمْ تَسْتَنِيرُ بِنُورٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى، كَما قالَ تَعالى: ﴿نُورُهم يَسْعى بَيْنَ أيْدِيهِمْ وبِأيْمانِهِمْ﴾ [التحريم: ٨] وإمّا لِكَوْنِ اليَمِينِ يُرادُ بِهِ الدَّلِيلُ عَلى الخَيْرِ، والعَرَبُ تَتَفاءَلُ بِالسّانِحِ، و[ هو ] الَّذِي يَقْصِدُ جانِبَ اليَمِينِ مِنَ الطُّيُورِ والوُحُوشِ عِنْدَ الزَّجْرِ والأصْلُ فِيهِ أمْرٌ حُكْمِيٌّ، وهو أنَّهُ تَعالى لَمّا خَلَقَ الخَلْقَ كانَ لَهُ في كُلِّ شَيْءٍ دَلِيلٌ عَلى قُدْرَتِهِ واخْتِيارِهِ، حَتّى أنَّ في نَفْسِ الإنْسانِ لَهُ دَلائِلُ لا تُعَدُّ ولا تُحْصى، ودَلائِلُ الِاخْتِيارِ إثْباتُ مُخْتَلِفَيْنِ في مَحَلَّيْنِ مُتَشابِهَيْنِ، أوْ إثْباتُ مُتَشابِهَيْنِ في مَحَلَّيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، إذْ حالُ الإنْسانِ مِن أشَدِّ الأشْياءِ مُشابَهَةً فَإنَّهُ مَخْلُوقٌ مِن مُتَشابِهٍ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أوْدَعَ في الجانِبِ الأيْمَنِ مِنَ الإنْسانِ قُوَّةً لَيْسَتْ في الجانِبِ الأيْسَرِ، لَوِ اجْتَمَعَ أهْلُ العِلْمِ عَلى أنْ يَذْكُرُوا لَهُ مُرَجِّحًا غَيْرَ قُدْرَةِ اللَّهِ وإرادَتِهِ لا يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ، فَإنْ كانَ بَعْضُهم يَدَّعِي كِياسَةً وذَكاءً يَقُولُ: إنَّ الكَبِدَ في الجانِبِ الأيْمَنِ، وبِها قُوَّةُ التَّغْذِيَةِ، والطِّحالَ في الجانِبِ الأيْسَرِ، ولَيْسَ فِيهِ قُوَّةٌ ظاهِرَةُ النَّفْعِ فَصارَ الجانِبُ الأيْمَنُ قَوِيًّا لِمَكانِ الكَبِدِ عَلى اليَمِينِ ؟ فَنَقُولُ: هَذا دَلِيلُ الِاخْتِيارِ لِأنَّ اليَمِينَ كالشِّمالِ، وتَخْصِيصُ اللَّهِ اليَمِينَ بِجَعْلِهِ مَكانَ الكَبِدِ دَلِيلُ الِاخْتِيارِ إذا ثَبَتَ أنَّ الإنْسانَ يَمِينُهُ أقْوى مِن شِمالِهِ، فَضَّلُوا اليَمِينَ عَلى الشِّمالِ، وجَعَلُوا الجانِبَ الأيْمَنَ لِلْأكابِرِ، وقِيلَ لِمَن لَهُ مَكانَةٌ هو مِن أصْحابِ اليَمِينِ، ووَضَعُوا لَهُ لَفْظًا عَلى وزْنِ العَزِيزِ، فَيَنْبَغِي أنْ يَكُونَ الأمْرُ عَلى ذَلِكَ الوَجْهِ كالسَّمِيعِ والبَصِيرِ، وما لا يَتَغَيَّرُ كالطَّوِيلِ والقَصِيرِ، وقِيلَ لَهُ: اليَمِينُ، وهو يَدُلُّ عَلى القُوَّةِ، ووَضَعُوا مُقابَلَتَهُ اليَسارَ عَلى الوَزْنِ الَّذِي اخْتُصَّ بِهِ الِاسْمُ المَذْمُومِ عِنْدَ النِّداءِ بِذَلِكَ الوَزْنِ، وهو الفَعالِ، فَإنَّ عِنْدَ الشَّتْمِ والنِّداءِ بِالِاسْمِ المَذْمُومِ يُؤْتى الوَزْنُ مَعَ البِناءِ عَلى الكَسْرِ، فَيُقالُ: يا فَجارِ يا فَساقِ يا خَباثِ، وقِيلَ: اليَمِينُ اليَسارُ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ اسْتَعْمَلَ في اليَمِينِ، وأمّا المَيْمَنَةُ فَهي مَفْعَلَةٌ كَأنَّهُ المَوْضِعُ الَّذِي فِيهِ اليَمِينُ وكُلُّ ما وقَعَ بِيَمِينِ الإنْسانِ في جانِبٍ مِنَ المَكانِ، فَذَلِكَ مَوْضِعُ اليَمِينِ فَهو مَيْمَنَةٌ كَقَوْلِنا: مَلْعَبَةٌ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: جَعْلُ اللَّهِ الخَلْقَ عَلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ دَلِيلُ غَلَبَةِ الرَّحْمَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ جَوانِبَ الإنْسانِ أرْبَعَةٌ: يَمِينُهُ وشِمالُهُ، وخَلْفُهُ وقُدّامُهُ، واليَمِينُ في مُقابَلَةِ الشِّمالِ والخَلْفُ في مُقابَلَةِ القُدّامِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أشارَ بِأصْحابِ اليَمِينِ إلى النّاجِينَ الَّذِينَ يُعْطَوْنَ كُتُبَهم بِأيْمانِهِمْ وهم مِن أصْحابِ الجانِبِ الأشْرَفِ المُكْرَمُونَ، وبِأصْحابِ الشِّمالِ إلى الَّذِينَ حالُهم عَلى خِلافِ أصْحابِ اليَمِينِ وهُمُ الَّذِينَ يُعْطَوْنَ كُتُبَهْمُ بِشَمائِلِهِمْ مُهانُونَ وذِكْرُ السّابِقِينَ الَّذِينَ لا حِسابَ عَلَيْهِمْ ويَسْبِقُونَ الخَلْقَ مِن غَيْرِ حِسابٍ بِيَمِينٍ أوْ شِمالٍ، أنَّ الَّذِينَ يَكُونُونَ في المَنزِلَةِ العُلْيا مِنَ الجانِبِ الأيْمَنِ، وهُمُ المُقَرَّبُونَ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ، يَتَكَلَّمُونَ في حَقِّ الغَيْرِ ويَشْفَعُونَ لِلْغَيْرِ
صفحة ١٢٦
ويَقْضُونَ أشْغالَ النّاسِ وهَؤُلاءِ أعْلى مَنزِلَةً مِن أصْحابِ اليَمِينِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمْ يَقُلْ: في مُقابَلَتِهِمْ قَوْمًا يَكُونُونَ مُتَخَلِّفِينَ مُؤَخَّرِينَ عَنْ أصْحابِ الشِّمالِ، لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِمْ لِشِدَّةِ الغَضَبِ عَلَيْهِمْ، وكانَتِ القِسْمَةُ في العادَةِ رُباعِيَّةً فَصارَتْ بِسَبَبِ الفَضْلِ ثُلاثِيَّةً، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمِنهم ظالِمٌ لِنَفْسِهِ ومِنهم مُقْتَصِدٌ ومِنهم سابِقٌ بِالخَيْراتِ﴾ [فاطر: ٣٢] ولَمْ يَقُلْ: مِنهم مُتَخَلِّفٌ عَنِ الكُلِّ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: ما الحِكْمَةُ في الِابْتِداءِ بِأصْحابِ اليَمِينِ، والِانْتِقالِ إلى أصْحابِ الشِّمالِ، ثُمَّ إلى السّابِقِينَ، مَعَ أنَّهُ في البَيانِ بَيَّنَ حالَ السّابِقِينَ ثُمَّ أصْحابِ الشِّمالِ عَلى التَّرْتِيبِ ؟ (والجَوابُ): أنْ نَقُولَ: ذِكْرُ الواقِعَةِ وما يَكُونُ عِنْدَ وُقُوعِها مِنَ الأُمُورِ الهائِلَةِ إنَّما يَكُونُ لِمَن لا يَكُونُ عِنْدَهُ مِن مَحَبَّةِ اللَّهِ تَعالى ما يَكْفِهِ مانِعًا عَنِ المَعْصِيَةِ، وأمّا الَّذِينَ سِرُّهم مَشْغُولٌ بِرَبِّهِمْ فَلا يَحْزَنُونَ بِالعَذابِ، فَلَمّا ذَكَرَ تَعالى: ﴿إذا وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ وكانَ فِيهِ مِنَ التَّخْوِيفِ ما لا يَخْفى وكانَ التَّخْوِيفُ بِالَّذِينَ يَرْغَبُونَ ويَرْهَبُونَ بِالثَّوابِ والعِقابِ أوْلى ذَكَرَ ما ذَكَرَهُ لِقَطْعِ العُذْرِ لا نَفْعِ الخَبَرِ، وأمّا السّابِقُونَ فَهم غَيْرُ مُحْتاجِينَ إلى تَرْغِيبٍ أوْ تَرْهِيبٍ، فَقَدَّمَ سُبْحانَهُ أصْحابَ اليَمِينِ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ ويَرْغَبُونَ، ثُمَّ ذَكَرَ السّابِقِينَ لِيَجْتَهِدَ أصْحابُ اليَمِينِ ويَقْرُبُوا مِن دَرَجَتِهِمْ وإنْ كانَ لا يَنالُها أحَدٌ إلّا بِجَذْبٍ مِنَ اللَّهِ، فَإنَّ السّابِقَ يَنالُهُ ما يَنالُهُ بِجَذْبٍ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: جَذْبَةٌ مِن جَذَباتِ الرَّحْمَنِ خَيْرٌ مِن عِبادَةِ سَبْعِينَ سَنَةً.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: ما مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ ؟ نَقُولُ: هو ضَرْبٌ مِنَ البَلاغَةِ، وتَقْرِيرُهُ هو أنْ يَشْرَعَ المُتَكَلِّمُ في بَيانِ أمْرٍ ثُمَّ يَسْكُتُ عَنِ الكَلامِ ويُشِيرُ إلى أنَّ السّامِعَ لا يَقْدِرُ عَلى سَماعِهِ كَما يَقُولُ القائِلُ لِغَيْرِهِ: أُخْبِرُكَ بِما جَرى عَلَيَّ، ثُمَّ يَقُولُ هُناكَ هو مُجِيبًا لِنَفْسِهِ لا أخافُ أنْ يَحْزُنَكَ، وكَما يَقُولُ القائِلُ: مَن يَعْرِفُ فُلانًا فَيَكُونُ أبْلَغَ مِن أنْ يَصِفَهُ، لِأنَّ السّامِعَ إذا سَمِعَ وصْفَهُ يَقُولُ: هَذا نِهايَةُ ما هو عَلَيْهِ، فَإذا قالَ: مَن يَعْرِفُ فُلانًا بِفَرْضِ السّامِعِ مِن نَفْسِهِ شَيْئًا، ثُمَّ يَقُولُ فُلانٌ عِنْدَ هَذا المُخْبَرِ أعْظَمُ مِمّا فَرَضْتُهُ، وأنْبَهُ مِمّا عَلِمْتُ مِنهُ.
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: ما إعْرابُهُ ومِنهُ يُعْرَفُ مَعْناهُ ؟ نَقُولُ: ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ مُبْتَدَأٌ أرادَ المُتَكَلِّمُ أنْ يَذْكُرَ خَبَرَهُ فَرَجَعَ عَنْ ذِكْرِهِ وتَرْكِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ جُمْلَةٌ اسْتِفْهامِيَّةٌ عَلى مَعْنى التَّعَجُّبِ، كَما تَقُولُ لِمُدَّعِي العِلْمِ: ما مَعْنى كَذا مُسْتَفْهِمًا مُمْتَحِنًا زاعِمًا أنَّهُ لا يَعْرِفُ الجَوابَ، حَتّى إنَّكَ تُحِبُّ وتَشْتَهِي ألّا يُجِيبُ عَنْ سُؤالِكَ ولَوْ أجابَ لَكَرِهَتَهُ؛ لِأنَّ كَلامَكَ مَفْهُومٌ كَأنَّكَ تَقُولُ: إنَّكَ لا تَعْرِفُ الجَوابَ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَكَأنَّ المُتَكَلِّمَ في أوَّلِ الأمْرِ مُخْبِرٌ ثُمَّ لَمْ يُخْبِرْ بِشَيْءٍ لِأنَّ في الأخْبارِ تَطْوِيلًا ثُمَّ لَمْ يَسْكُتْ، وقالَ ذَلِكَ مُمْتَحِنًا زاعِمًا أنَّكَ لا تَعْرِفُ كُنْهَهُ، وذَلِكَ لِأنَّ مَن يَشْرَعْ في كَلامٍ ويَذْكُرُ المُبْتَدَأ ثُمَّ يَسْكَتُ عَنِ الخَبَرِ قَدْ يَكُونُ ذَلِكَ السُّكُوتُ لِحُصُولِ عِلْمِهِ بِأنَّ المُخاطَبَ قَدْ عَلِمَ الخَبَرَ مِن غَيْرِ ذِكْرِ الخَبَرِ، كَما أنَّ قائِلًا: إذا أرادَ أنْ يُخْبِرَ غَيْرَهُ بِأنَّ زَيْدًا وصَلَ، وقالَ: إنَّ زَيْدًا ثُمَّ قَبْلَ قَوْلِهِ: جاءَ وقَعَ بَصَرُهُ عَلى زَيْدٍ ورَآهُ جالِسًا عِنْدَهُ يَسْكُتُ ولا يَقُولُ جاءَ؛ لِخُرُوجِ الكَلامِ عَنِ الفائِدَةِ، وقَدْ يَسْكُتُ عَنْ ذِكْرِ الخَبَرِ مِن أوَّلِ الأمْرِ؛ لِعِلْمِهِ بِأنَّ المُبْتَدَأ وحْدَهُ يَكْفِي لِمَن قالَ: مَن جاءَ فَإنَّهُ إنْ قالَ: زَيْدٌ يَكُونُ جَوابًا وكَثِيرًا ما نَقُولُ: زَيْدٌ ولا نَقُولُ: جاءَ، وقَدْ يَكُونُ السُّكُوتُ عَنِ الخَبَرِ إشارَةً إلى طُولِ القِصَّةِ كَقَوْلِ القائِلِ: الغَضْبانُ مِن زَيْدٍ ويَسْكُتُ ثُمَّ يَقُولُ: ماذا أقُولُ عَنْهُ. إذا عُلِمَ هَذا فَنَقُولُ لَمّا قالَ: ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ كانَ كَأنَّهُ يُرِيدُ أنْ يَأْتِيَ بِالخَبَرِ فَسَكَتَ عَنْهُ ثُمَّ قالَ في نَفْسِهِ: إنَّ السُّكُوتَ قَدْ يُوهِمُ أنَّهُ لِظُهُورِ حالِ الخَبَرِ كَما يُسْكَتُ عَلى زَيْدٍ في جَوابِ مَن جاءَ فَقالَ: ﴿ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ مُمْتَحِنًا زاعِمًا أنَّهُ لا يَفْهَمُ لِيَكُونَ
صفحة ١٢٧
ذَلِكَ دَلِيلًا عَلى أنَّ سُكُوتَهُ عَلى المُبْتَدَأِ لَمْ يَكُنْ لِظُهُورِ الأمْرِ بَلْ لِخَفائِهِ وغَرابَتِهِ، وهَذا وجْهٌ بَلِيغٌ، وفِيهِ وجْهٌ ظاهِرٌ وهو أنْ يُقالَ: مَعْناهُ أنَّهُ جُمْلَةٌ واحِدَةٌ اسْتِفْهامِيَّةٌ كَأنَّهُ قالَ: وأصْحابُ المَيْمَنَةِ ما هم ؟ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِفْهامِ، غَيْرَ أنَّهُ أقامَ المُظْهَرَ مَقامَ المُضْمَرِ، وقالَ: ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ والإتْيانُ بِالمُظْهَرِ إشارَةٌ إلى تَعْظِيمِ أمْرِهِمْ حَيْثُ ذَكَرَهم ظاهِرًا مَرَّتَيْنِ، كَذَلِكَ القَوْلُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأصْحابُ المَشْأمَةِ ما أصْحابُ المَشْأمَةِ﴾ وكَذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿الحاقَّةُ﴾ ﴿ما الحاقَّةُ﴾ وفي قَوْلِهِ: ﴿القارِعَةُ﴾ ﴿ما القارِعَةُ﴾ .
المَسْألَةُ السّابِعَةُ: ما الحِكْمَةُ في اخْتِيارِ لَفْظِ ﴿المَشْأمَةِ﴾ في مُقابَلَةِ ﴿المَيْمَنَةِ﴾، مَعَ أنَّهُ قالَ في بَيانِ أحْوالِهِمْ: ﴿وأصْحابُ الشِّمالِ ما أصْحابُ الشِّمالِ﴾ ؟ نَقُولُ: اليَمِينُ وُضِعَ لِلْجانِبِ المَعْرُوفِ أوَّلًا، ثُمَّ تَفاءَلُوا بِهِ واسْتَعْمَلُوا مِنهُ ألْفاظًا في مَواضِعَ وقالُوا: هَذا مَيْمُونٌ وقالُوا: أيْمِن بِهِ ووَضَعُوا لِلْجانِبِ المُقابِلِ لَهُ اليَسارَ مِنَ الشَّيْءِ اليَسِيرِ إشارَةً إلى ضَعْفِهِ، فَصارَ في مُقابَلَةِ اليَمِينِ كَيْفَما يَدُورُ فَيُقالُ: في مُقابَلَةِ اليُمْنى اليُسْرى، وفي مُقابَلَةِ الأيْمَنِ الأيْسَرُ، وفي مُقابَلَةِ المَيْمَنَةِ المَيْسَرَةُ، ولا تُسْتَعْمَلُ الشِّمالُ كَما تُسْتَعْمَلُ اليَمِينُ، فَلا يُقالُ: الأشْمَلُ ولا المَشْمَلَةُ، وتُسْتَعْمَلُ المَشْأمَةُ كَما تُسْتَعْمَلُ المَيْمَنَةُ، فَلا يُقالُ: في مُقابَلَةِ اليَمِينِ لَفْظٌ مِن بابِ الشُّؤْمِ، وأمّا الشَّآمُ فَلَيْسَ في مُقابَلَةِ اليَمِينِ بَلْ في مُقابَلَةِ يَمانٍ، إذا عُلِمَ هَذا فَنَقُولُ: بَعْدَما قالُوا بِاليَمِينِ لَمْ يَتْرُكُوهُ، واقْتَصَرُوا عَلى اسْتِعْمالِ لَفْظِ اليَمِينِ في الجانِبِ المَعْرُوفِ مِنَ الآدَمِيِّ، ولَفْظِ الشِّمالِ في مُقابَلَتِهِ، وحَدَثَ لَهم لَفْظانِ آخَرانِ فِيهِ: أحَدُهُما: الشِّمالُ وذَلِكَ لِأنَّهم نَظَرُوا إلى الكَواكِبِ مِنَ السَّماءِ وجَعَلُوا مَمَرَّها وجْهَ الإنْسانِ وجَعَلُوا السَّماءَ جانِبَيْنِ وجَعَلُوا أحَدَهُما أقْوى كَما رَأوْا في الإنْسانِ، فَسَمَّوُا الأقْوى بِالجَنُوبِ لِقُوَّةِ الجانِبِ كَما يُقالُ: غَضُوبٌ ورَءُوفٌ، ثُمَّ رَأوْا في مُقابَلَةِ الجَنُوبِ جانِبًا آخَرَ شَمِلَ ذَلِكَ الجانِبُ عِمارَةَ العالَمِ فَسَمَّوْهُ شِمالًا (واللَّفْظُ الآخَرُ): المَشْأمَةُ والأشْأمُ في مُقابَلَةِ المَيْمَنَةِ والأيْمَنِ، وذَلِكَ لِأنَّهم لَمّا أخَذُوا مِنَ اليَمِينِ اليُمْنَ وغَيْرَهُ لِلْتَفاؤُلِ وضَعُوا الشُّؤْمَ في مُقابَلَتِهِ لا في أعْضائِهِمْ وجَوانِبِهِمْ تَكَرُّهًا لِجَعْلِ جانِبٍ مِن جَوانِبِ نَفْسِهِ شُؤْمًا، ولَمّا وضَعُوا ذَلِكَ واسْتَمَرَّ الأمْرُ عَلَيْهِ نَقَلُوا اليَمِينَ مِنَ الجانِبِ إلى غَيْرِهِ، فاللَّهُ تَعالى ذَكَرَ الكُفّارَ بِلَفْظَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ فَقالَ: ﴿وأصْحابُ المَشْأمَةِ﴾ ﴿وأصْحابُ الشِّمالِ﴾ وتَرَكَ لَفْظَ المَيْسَرَةِ واليَسارِ الدّالِ عَلى هَوْنِ الأمْرِ، فَقالَ هَهُنا: ﴿وأصْحابُ المَشْأمَةِ﴾ بِأفْظَعِ الِاسْمَيْنِ، ولِهَذا قالُوا في العَساكِرِ: المَيْمَنَةُ والمَيْسَرَةُ اجْتِنابًا مِن لَفْظِ الشُّؤْمِ.
الواقعة 56:9
صفحة ١٢٥
ثُمَّ قالَ تَعالى:
﴿وكُنْتُمْ أزْواجًا ثَلاثَةً﴾ ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ ﴿وأصْحابُ المَشْأمَةِ ما أصْحابُ المَشْأمَةِ﴾ أيْ في ذَلِكَ اليَوْمِ أنْتُمْ أزْواجٌ ثَلاثَةُ أصْنافٍ، وفَسَّرَها بَعْدَها بِقَوْلِهِ: ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: الفاءُ تَدُلُّ عَلى التَّفْسِيرِ، وبَيانُ ما ورَدَ عَلى التَّقْسِيمِ كَأنَّهُ قالَ: أزْواجًا ثَلاثَةً: أصْحابُ المَيْمَنَةِ وأصْحابُ المَشْأمَةِ إلَخْ، ثُمَّ بَيَّنَ حالَ كُلِّ قَوْمٍ، فَقالَ: ﴿ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ فَتَرَكَ التَّقْسِيمَ أوَّلًا واكْتَفى بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ، فَإنَّهُ ذَكَرَ الأقْسامَ الثَّلاثَةَ مَعَ أحْوالِها، وسَبَقَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكُنْتُمْ أزْواجًا ثَلاثَةً﴾ يُغْنِي عَنْ تَعْدِيدِ الأقْسامِ، ثُمَّ أعادَ كُلَّ واحِدَةٍ لِبَيانِ حالِها.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ هم أصْحابُ الجَنَّةِ، وتَسْمِيَتُهم بِأصْحابِ المَيْمَنَةِ إمّا لِكَوْنِهِمْ مِن جُمْلَةِ مَن كُتُبُهم بِأيْمانِهِمْ، وإمّا لِكَوْنِ أيْمانِهِمْ تَسْتَنِيرُ بِنُورٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى، كَما قالَ تَعالى: ﴿نُورُهم يَسْعى بَيْنَ أيْدِيهِمْ وبِأيْمانِهِمْ﴾ [التحريم: ٨] وإمّا لِكَوْنِ اليَمِينِ يُرادُ بِهِ الدَّلِيلُ عَلى الخَيْرِ، والعَرَبُ تَتَفاءَلُ بِالسّانِحِ، و[ هو ] الَّذِي يَقْصِدُ جانِبَ اليَمِينِ مِنَ الطُّيُورِ والوُحُوشِ عِنْدَ الزَّجْرِ والأصْلُ فِيهِ أمْرٌ حُكْمِيٌّ، وهو أنَّهُ تَعالى لَمّا خَلَقَ الخَلْقَ كانَ لَهُ في كُلِّ شَيْءٍ دَلِيلٌ عَلى قُدْرَتِهِ واخْتِيارِهِ، حَتّى أنَّ في نَفْسِ الإنْسانِ لَهُ دَلائِلُ لا تُعَدُّ ولا تُحْصى، ودَلائِلُ الِاخْتِيارِ إثْباتُ مُخْتَلِفَيْنِ في مَحَلَّيْنِ مُتَشابِهَيْنِ، أوْ إثْباتُ مُتَشابِهَيْنِ في مَحَلَّيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، إذْ حالُ الإنْسانِ مِن أشَدِّ الأشْياءِ مُشابَهَةً فَإنَّهُ مَخْلُوقٌ مِن مُتَشابِهٍ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أوْدَعَ في الجانِبِ الأيْمَنِ مِنَ الإنْسانِ قُوَّةً لَيْسَتْ في الجانِبِ الأيْسَرِ، لَوِ اجْتَمَعَ أهْلُ العِلْمِ عَلى أنْ يَذْكُرُوا لَهُ مُرَجِّحًا غَيْرَ قُدْرَةِ اللَّهِ وإرادَتِهِ لا يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ، فَإنْ كانَ بَعْضُهم يَدَّعِي كِياسَةً وذَكاءً يَقُولُ: إنَّ الكَبِدَ في الجانِبِ الأيْمَنِ، وبِها قُوَّةُ التَّغْذِيَةِ، والطِّحالَ في الجانِبِ الأيْسَرِ، ولَيْسَ فِيهِ قُوَّةٌ ظاهِرَةُ النَّفْعِ فَصارَ الجانِبُ الأيْمَنُ قَوِيًّا لِمَكانِ الكَبِدِ عَلى اليَمِينِ ؟ فَنَقُولُ: هَذا دَلِيلُ الِاخْتِيارِ لِأنَّ اليَمِينَ كالشِّمالِ، وتَخْصِيصُ اللَّهِ اليَمِينَ بِجَعْلِهِ مَكانَ الكَبِدِ دَلِيلُ الِاخْتِيارِ إذا ثَبَتَ أنَّ الإنْسانَ يَمِينُهُ أقْوى مِن شِمالِهِ، فَضَّلُوا اليَمِينَ عَلى الشِّمالِ، وجَعَلُوا الجانِبَ الأيْمَنَ لِلْأكابِرِ، وقِيلَ لِمَن لَهُ مَكانَةٌ هو مِن أصْحابِ اليَمِينِ، ووَضَعُوا لَهُ لَفْظًا عَلى وزْنِ العَزِيزِ، فَيَنْبَغِي أنْ يَكُونَ الأمْرُ عَلى ذَلِكَ الوَجْهِ كالسَّمِيعِ والبَصِيرِ، وما لا يَتَغَيَّرُ كالطَّوِيلِ والقَصِيرِ، وقِيلَ لَهُ: اليَمِينُ، وهو يَدُلُّ عَلى القُوَّةِ، ووَضَعُوا مُقابَلَتَهُ اليَسارَ عَلى الوَزْنِ الَّذِي اخْتُصَّ بِهِ الِاسْمُ المَذْمُومِ عِنْدَ النِّداءِ بِذَلِكَ الوَزْنِ، وهو الفَعالِ، فَإنَّ عِنْدَ الشَّتْمِ والنِّداءِ بِالِاسْمِ المَذْمُومِ يُؤْتى الوَزْنُ مَعَ البِناءِ عَلى الكَسْرِ، فَيُقالُ: يا فَجارِ يا فَساقِ يا خَباثِ، وقِيلَ: اليَمِينُ اليَسارُ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ اسْتَعْمَلَ في اليَمِينِ، وأمّا المَيْمَنَةُ فَهي مَفْعَلَةٌ كَأنَّهُ المَوْضِعُ الَّذِي فِيهِ اليَمِينُ وكُلُّ ما وقَعَ بِيَمِينِ الإنْسانِ في جانِبٍ مِنَ المَكانِ، فَذَلِكَ مَوْضِعُ اليَمِينِ فَهو مَيْمَنَةٌ كَقَوْلِنا: مَلْعَبَةٌ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: جَعْلُ اللَّهِ الخَلْقَ عَلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ دَلِيلُ غَلَبَةِ الرَّحْمَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ جَوانِبَ الإنْسانِ أرْبَعَةٌ: يَمِينُهُ وشِمالُهُ، وخَلْفُهُ وقُدّامُهُ، واليَمِينُ في مُقابَلَةِ الشِّمالِ والخَلْفُ في مُقابَلَةِ القُدّامِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أشارَ بِأصْحابِ اليَمِينِ إلى النّاجِينَ الَّذِينَ يُعْطَوْنَ كُتُبَهم بِأيْمانِهِمْ وهم مِن أصْحابِ الجانِبِ الأشْرَفِ المُكْرَمُونَ، وبِأصْحابِ الشِّمالِ إلى الَّذِينَ حالُهم عَلى خِلافِ أصْحابِ اليَمِينِ وهُمُ الَّذِينَ يُعْطَوْنَ كُتُبَهْمُ بِشَمائِلِهِمْ مُهانُونَ وذِكْرُ السّابِقِينَ الَّذِينَ لا حِسابَ عَلَيْهِمْ ويَسْبِقُونَ الخَلْقَ مِن غَيْرِ حِسابٍ بِيَمِينٍ أوْ شِمالٍ، أنَّ الَّذِينَ يَكُونُونَ في المَنزِلَةِ العُلْيا مِنَ الجانِبِ الأيْمَنِ، وهُمُ المُقَرَّبُونَ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ، يَتَكَلَّمُونَ في حَقِّ الغَيْرِ ويَشْفَعُونَ لِلْغَيْرِ
صفحة ١٢٦
ويَقْضُونَ أشْغالَ النّاسِ وهَؤُلاءِ أعْلى مَنزِلَةً مِن أصْحابِ اليَمِينِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمْ يَقُلْ: في مُقابَلَتِهِمْ قَوْمًا يَكُونُونَ مُتَخَلِّفِينَ مُؤَخَّرِينَ عَنْ أصْحابِ الشِّمالِ، لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِمْ لِشِدَّةِ الغَضَبِ عَلَيْهِمْ، وكانَتِ القِسْمَةُ في العادَةِ رُباعِيَّةً فَصارَتْ بِسَبَبِ الفَضْلِ ثُلاثِيَّةً، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمِنهم ظالِمٌ لِنَفْسِهِ ومِنهم مُقْتَصِدٌ ومِنهم سابِقٌ بِالخَيْراتِ﴾ [فاطر: ٣٢] ولَمْ يَقُلْ: مِنهم مُتَخَلِّفٌ عَنِ الكُلِّ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: ما الحِكْمَةُ في الِابْتِداءِ بِأصْحابِ اليَمِينِ، والِانْتِقالِ إلى أصْحابِ الشِّمالِ، ثُمَّ إلى السّابِقِينَ، مَعَ أنَّهُ في البَيانِ بَيَّنَ حالَ السّابِقِينَ ثُمَّ أصْحابِ الشِّمالِ عَلى التَّرْتِيبِ ؟ (والجَوابُ): أنْ نَقُولَ: ذِكْرُ الواقِعَةِ وما يَكُونُ عِنْدَ وُقُوعِها مِنَ الأُمُورِ الهائِلَةِ إنَّما يَكُونُ لِمَن لا يَكُونُ عِنْدَهُ مِن مَحَبَّةِ اللَّهِ تَعالى ما يَكْفِهِ مانِعًا عَنِ المَعْصِيَةِ، وأمّا الَّذِينَ سِرُّهم مَشْغُولٌ بِرَبِّهِمْ فَلا يَحْزَنُونَ بِالعَذابِ، فَلَمّا ذَكَرَ تَعالى: ﴿إذا وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ وكانَ فِيهِ مِنَ التَّخْوِيفِ ما لا يَخْفى وكانَ التَّخْوِيفُ بِالَّذِينَ يَرْغَبُونَ ويَرْهَبُونَ بِالثَّوابِ والعِقابِ أوْلى ذَكَرَ ما ذَكَرَهُ لِقَطْعِ العُذْرِ لا نَفْعِ الخَبَرِ، وأمّا السّابِقُونَ فَهم غَيْرُ مُحْتاجِينَ إلى تَرْغِيبٍ أوْ تَرْهِيبٍ، فَقَدَّمَ سُبْحانَهُ أصْحابَ اليَمِينِ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ ويَرْغَبُونَ، ثُمَّ ذَكَرَ السّابِقِينَ لِيَجْتَهِدَ أصْحابُ اليَمِينِ ويَقْرُبُوا مِن دَرَجَتِهِمْ وإنْ كانَ لا يَنالُها أحَدٌ إلّا بِجَذْبٍ مِنَ اللَّهِ، فَإنَّ السّابِقَ يَنالُهُ ما يَنالُهُ بِجَذْبٍ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: جَذْبَةٌ مِن جَذَباتِ الرَّحْمَنِ خَيْرٌ مِن عِبادَةِ سَبْعِينَ سَنَةً.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: ما مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ ؟ نَقُولُ: هو ضَرْبٌ مِنَ البَلاغَةِ، وتَقْرِيرُهُ هو أنْ يَشْرَعَ المُتَكَلِّمُ في بَيانِ أمْرٍ ثُمَّ يَسْكُتُ عَنِ الكَلامِ ويُشِيرُ إلى أنَّ السّامِعَ لا يَقْدِرُ عَلى سَماعِهِ كَما يَقُولُ القائِلُ لِغَيْرِهِ: أُخْبِرُكَ بِما جَرى عَلَيَّ، ثُمَّ يَقُولُ هُناكَ هو مُجِيبًا لِنَفْسِهِ لا أخافُ أنْ يَحْزُنَكَ، وكَما يَقُولُ القائِلُ: مَن يَعْرِفُ فُلانًا فَيَكُونُ أبْلَغَ مِن أنْ يَصِفَهُ، لِأنَّ السّامِعَ إذا سَمِعَ وصْفَهُ يَقُولُ: هَذا نِهايَةُ ما هو عَلَيْهِ، فَإذا قالَ: مَن يَعْرِفُ فُلانًا بِفَرْضِ السّامِعِ مِن نَفْسِهِ شَيْئًا، ثُمَّ يَقُولُ فُلانٌ عِنْدَ هَذا المُخْبَرِ أعْظَمُ مِمّا فَرَضْتُهُ، وأنْبَهُ مِمّا عَلِمْتُ مِنهُ.
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: ما إعْرابُهُ ومِنهُ يُعْرَفُ مَعْناهُ ؟ نَقُولُ: ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ مُبْتَدَأٌ أرادَ المُتَكَلِّمُ أنْ يَذْكُرَ خَبَرَهُ فَرَجَعَ عَنْ ذِكْرِهِ وتَرْكِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ جُمْلَةٌ اسْتِفْهامِيَّةٌ عَلى مَعْنى التَّعَجُّبِ، كَما تَقُولُ لِمُدَّعِي العِلْمِ: ما مَعْنى كَذا مُسْتَفْهِمًا مُمْتَحِنًا زاعِمًا أنَّهُ لا يَعْرِفُ الجَوابَ، حَتّى إنَّكَ تُحِبُّ وتَشْتَهِي ألّا يُجِيبُ عَنْ سُؤالِكَ ولَوْ أجابَ لَكَرِهَتَهُ؛ لِأنَّ كَلامَكَ مَفْهُومٌ كَأنَّكَ تَقُولُ: إنَّكَ لا تَعْرِفُ الجَوابَ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَكَأنَّ المُتَكَلِّمَ في أوَّلِ الأمْرِ مُخْبِرٌ ثُمَّ لَمْ يُخْبِرْ بِشَيْءٍ لِأنَّ في الأخْبارِ تَطْوِيلًا ثُمَّ لَمْ يَسْكُتْ، وقالَ ذَلِكَ مُمْتَحِنًا زاعِمًا أنَّكَ لا تَعْرِفُ كُنْهَهُ، وذَلِكَ لِأنَّ مَن يَشْرَعْ في كَلامٍ ويَذْكُرُ المُبْتَدَأ ثُمَّ يَسْكَتُ عَنِ الخَبَرِ قَدْ يَكُونُ ذَلِكَ السُّكُوتُ لِحُصُولِ عِلْمِهِ بِأنَّ المُخاطَبَ قَدْ عَلِمَ الخَبَرَ مِن غَيْرِ ذِكْرِ الخَبَرِ، كَما أنَّ قائِلًا: إذا أرادَ أنْ يُخْبِرَ غَيْرَهُ بِأنَّ زَيْدًا وصَلَ، وقالَ: إنَّ زَيْدًا ثُمَّ قَبْلَ قَوْلِهِ: جاءَ وقَعَ بَصَرُهُ عَلى زَيْدٍ ورَآهُ جالِسًا عِنْدَهُ يَسْكُتُ ولا يَقُولُ جاءَ؛ لِخُرُوجِ الكَلامِ عَنِ الفائِدَةِ، وقَدْ يَسْكُتُ عَنْ ذِكْرِ الخَبَرِ مِن أوَّلِ الأمْرِ؛ لِعِلْمِهِ بِأنَّ المُبْتَدَأ وحْدَهُ يَكْفِي لِمَن قالَ: مَن جاءَ فَإنَّهُ إنْ قالَ: زَيْدٌ يَكُونُ جَوابًا وكَثِيرًا ما نَقُولُ: زَيْدٌ ولا نَقُولُ: جاءَ، وقَدْ يَكُونُ السُّكُوتُ عَنِ الخَبَرِ إشارَةً إلى طُولِ القِصَّةِ كَقَوْلِ القائِلِ: الغَضْبانُ مِن زَيْدٍ ويَسْكُتُ ثُمَّ يَقُولُ: ماذا أقُولُ عَنْهُ. إذا عُلِمَ هَذا فَنَقُولُ لَمّا قالَ: ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ كانَ كَأنَّهُ يُرِيدُ أنْ يَأْتِيَ بِالخَبَرِ فَسَكَتَ عَنْهُ ثُمَّ قالَ في نَفْسِهِ: إنَّ السُّكُوتَ قَدْ يُوهِمُ أنَّهُ لِظُهُورِ حالِ الخَبَرِ كَما يُسْكَتُ عَلى زَيْدٍ في جَوابِ مَن جاءَ فَقالَ: ﴿ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ مُمْتَحِنًا زاعِمًا أنَّهُ لا يَفْهَمُ لِيَكُونَ
صفحة ١٢٧
ذَلِكَ دَلِيلًا عَلى أنَّ سُكُوتَهُ عَلى المُبْتَدَأِ لَمْ يَكُنْ لِظُهُورِ الأمْرِ بَلْ لِخَفائِهِ وغَرابَتِهِ، وهَذا وجْهٌ بَلِيغٌ، وفِيهِ وجْهٌ ظاهِرٌ وهو أنْ يُقالَ: مَعْناهُ أنَّهُ جُمْلَةٌ واحِدَةٌ اسْتِفْهامِيَّةٌ كَأنَّهُ قالَ: وأصْحابُ المَيْمَنَةِ ما هم ؟ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِفْهامِ، غَيْرَ أنَّهُ أقامَ المُظْهَرَ مَقامَ المُضْمَرِ، وقالَ: ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ والإتْيانُ بِالمُظْهَرِ إشارَةٌ إلى تَعْظِيمِ أمْرِهِمْ حَيْثُ ذَكَرَهم ظاهِرًا مَرَّتَيْنِ، كَذَلِكَ القَوْلُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأصْحابُ المَشْأمَةِ ما أصْحابُ المَشْأمَةِ﴾ وكَذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿الحاقَّةُ﴾ ﴿ما الحاقَّةُ﴾ وفي قَوْلِهِ: ﴿القارِعَةُ﴾ ﴿ما القارِعَةُ﴾ .
المَسْألَةُ السّابِعَةُ: ما الحِكْمَةُ في اخْتِيارِ لَفْظِ ﴿المَشْأمَةِ﴾ في مُقابَلَةِ ﴿المَيْمَنَةِ﴾، مَعَ أنَّهُ قالَ في بَيانِ أحْوالِهِمْ: ﴿وأصْحابُ الشِّمالِ ما أصْحابُ الشِّمالِ﴾ ؟ نَقُولُ: اليَمِينُ وُضِعَ لِلْجانِبِ المَعْرُوفِ أوَّلًا، ثُمَّ تَفاءَلُوا بِهِ واسْتَعْمَلُوا مِنهُ ألْفاظًا في مَواضِعَ وقالُوا: هَذا مَيْمُونٌ وقالُوا: أيْمِن بِهِ ووَضَعُوا لِلْجانِبِ المُقابِلِ لَهُ اليَسارَ مِنَ الشَّيْءِ اليَسِيرِ إشارَةً إلى ضَعْفِهِ، فَصارَ في مُقابَلَةِ اليَمِينِ كَيْفَما يَدُورُ فَيُقالُ: في مُقابَلَةِ اليُمْنى اليُسْرى، وفي مُقابَلَةِ الأيْمَنِ الأيْسَرُ، وفي مُقابَلَةِ المَيْمَنَةِ المَيْسَرَةُ، ولا تُسْتَعْمَلُ الشِّمالُ كَما تُسْتَعْمَلُ اليَمِينُ، فَلا يُقالُ: الأشْمَلُ ولا المَشْمَلَةُ، وتُسْتَعْمَلُ المَشْأمَةُ كَما تُسْتَعْمَلُ المَيْمَنَةُ، فَلا يُقالُ: في مُقابَلَةِ اليَمِينِ لَفْظٌ مِن بابِ الشُّؤْمِ، وأمّا الشَّآمُ فَلَيْسَ في مُقابَلَةِ اليَمِينِ بَلْ في مُقابَلَةِ يَمانٍ، إذا عُلِمَ هَذا فَنَقُولُ: بَعْدَما قالُوا بِاليَمِينِ لَمْ يَتْرُكُوهُ، واقْتَصَرُوا عَلى اسْتِعْمالِ لَفْظِ اليَمِينِ في الجانِبِ المَعْرُوفِ مِنَ الآدَمِيِّ، ولَفْظِ الشِّمالِ في مُقابَلَتِهِ، وحَدَثَ لَهم لَفْظانِ آخَرانِ فِيهِ: أحَدُهُما: الشِّمالُ وذَلِكَ لِأنَّهم نَظَرُوا إلى الكَواكِبِ مِنَ السَّماءِ وجَعَلُوا مَمَرَّها وجْهَ الإنْسانِ وجَعَلُوا السَّماءَ جانِبَيْنِ وجَعَلُوا أحَدَهُما أقْوى كَما رَأوْا في الإنْسانِ، فَسَمَّوُا الأقْوى بِالجَنُوبِ لِقُوَّةِ الجانِبِ كَما يُقالُ: غَضُوبٌ ورَءُوفٌ، ثُمَّ رَأوْا في مُقابَلَةِ الجَنُوبِ جانِبًا آخَرَ شَمِلَ ذَلِكَ الجانِبُ عِمارَةَ العالَمِ فَسَمَّوْهُ شِمالًا (واللَّفْظُ الآخَرُ): المَشْأمَةُ والأشْأمُ في مُقابَلَةِ المَيْمَنَةِ والأيْمَنِ، وذَلِكَ لِأنَّهم لَمّا أخَذُوا مِنَ اليَمِينِ اليُمْنَ وغَيْرَهُ لِلْتَفاؤُلِ وضَعُوا الشُّؤْمَ في مُقابَلَتِهِ لا في أعْضائِهِمْ وجَوانِبِهِمْ تَكَرُّهًا لِجَعْلِ جانِبٍ مِن جَوانِبِ نَفْسِهِ شُؤْمًا، ولَمّا وضَعُوا ذَلِكَ واسْتَمَرَّ الأمْرُ عَلَيْهِ نَقَلُوا اليَمِينَ مِنَ الجانِبِ إلى غَيْرِهِ، فاللَّهُ تَعالى ذَكَرَ الكُفّارَ بِلَفْظَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ فَقالَ: ﴿وأصْحابُ المَشْأمَةِ﴾ ﴿وأصْحابُ الشِّمالِ﴾ وتَرَكَ لَفْظَ المَيْسَرَةِ واليَسارِ الدّالِ عَلى هَوْنِ الأمْرِ، فَقالَ هَهُنا: ﴿وأصْحابُ المَشْأمَةِ﴾ بِأفْظَعِ الِاسْمَيْنِ، ولِهَذا قالُوا في العَساكِرِ: المَيْمَنَةُ والمَيْسَرَةُ اجْتِنابًا مِن لَفْظِ الشُّؤْمِ.
الواقعة 56:10
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿والسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في إعْرابِهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: ﴿والسّابِقُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى ”أصْحابِ المَيْمَنَةِ“ وعِنْدَهُ تَمَّ الكَلامُ، وقَوْلُهُ: ﴿السّابِقُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾ جُمْلَةٌ واحِدَةٌ، والثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿والسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾ جُمْلَةٌ واحِدَةٌ، كَما يَقُولُ القائِلُ: أنْتَ أنْتَ. وكَما قالَ الشّاعِرُ:
أنا أبُو النَّجْمِ وشِعْرِي شِعْرِي
وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ لِشُهْرَةِ أمْرِ المُبْتَدَأِ بِما هو عَلَيْهِ فَلا حاجَةَ إلى الخَبَرِ عَنْهُ، وهو مُرادُ الشّاعِرِ وهو المَشْهُورُ عِنْدَ النُّحاةِ. والثّانِي: لِلْإشارَةِ إلى أنَّ في المُبْتَدَأِ ما لا يُحِيطُ العِلْمُ بِهِ ولا يُخْبَرُ عَنْهُ ولا يُعْرَفُ مِنهُ إلّا نَفْسُ المُبْتَدَأِ، وهو كَما يَقُولُ القائِلُ لِغَيْرِهِ: أخْبِرْنِي عَنْ حالِ المَلِكِ. فَيَقُولُ: لا أعْرِفُ مِنَ المَلِكِ إلّا أنَّهُ
صفحة ١٢٨
مَلِكٌ. فَقَوْلُهُ: ﴿والسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾ أيْ لا يُمْكِنُ الإخْبارُ عَنْهم إلّا بِنَفْسِهِمْ، فَإنَّ حالَهم وما هم عَلَيْهِ فَوْقَ أنْ يُحِيطَ بِهِ عِلْمُ البَشَرِ، (وهَهُنا لَطِيفَةٌ): وهي أنَّهُ في أصْحابِ المَيْمَنَةِ قالَ: ﴿ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ بِالِاسْتِفْهامِ وإنْ كانَ لِلْإعْجازِ، لَكِنْ جَعْلَهم مَوْرِدَ الِاسْتِفْهامِ، وهَهُنا لَمْ يَقُلْ: والسّابِقُونَ ما السّابِقُونَ؛ لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ الَّذِي لِلْإعْجازِ يُورَدُ عَلى مُدَّعِي العِلْمَ فَيُقالُ لَهُ: إنْ كُنْتَ تَعَلَمُ فَبَيَّنَ الكَلامَ، وأمّا إذا كانَ يَعْتَرِفُ بِالجَهْلِ فَلا يُقالُ لَهُ: كَذَبْتَ ولا يُقالُ: كَيْفَ كَذا، وما الجَوابُ عَنْ ذَلِكَ، فَكَذَلِكَ في: ﴿والسّابِقُونَ﴾ ما جَعَلَهم بِحَيْثُ يَدَّعُونَ، فَيُورَدُ عَلَيْهِمُ الِاسْتِفْهامُ فَيُبَيِّنُ عَجْزَهم، بَلْ بَنى الأمْرَ عَلى أنَّهم مُعْتَرِفُونَ في الِابْتِداءِ بِالعَجْزِ، وعَلى هَذا فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾ كَقَوْلِ العالِمِ لِمَن سَألَ عَنْ مَسْألَةٍ مُعْضِلَةٍ وهو يَعْلَمُ أنَّهُ لا يَفْهَمُها وإنْ كانَ أبانَها غايَةَ الإبانَةِ أنَّ الأمْرَ فِيها عَلى ما هو عَلَيْهِ ولا يَشْتَغِلُ بِالبَيانِ. وثالِثُها: هو أنَّ ”السّابِقُونَ“ ثانِيًا تَأْكِيدٌ لِقَوْلِهِ: ﴿والسّابِقُونَ﴾ والوَجْهُ الأوْسَطُ هو الأعْدَلُ الأصَحُّ، وعَلى الوَجْهِ الأوْسَطِ قَوْلٌ آخَرُ: وهو أنَّ المُرادَ مِنهُ أنَّ السّابِقِينَ إلى الخَيْراتِ في الدُّنْيا هُمُ السّابِقُونَ إلى الجَنَّةِ في العُقْبى.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾ يَقْتَضِي الحَصْرَ فَيَنْبَغِي أنْ لا يَكُونَ غَيْرُهم مُقَرَّبًا، وقَدْ قالَ في حَقِّ المَلائِكَةِ إنَّهم مُقَرَّبُونَ، نَقُولُ: ﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾ مِنَ الأزْواجِ الثَّلاثَةِ، فَإنْ قِيلَ: ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ لَيْسُوا مِنَ المُقَرَّبِينَ، نَقُولُ: لِلتَّقْرِيبِ دَرَجاتٌ ﴿والسّابِقُونَ﴾ في غايَةِ القُرْبِ، ولا حَدَّ هُناكَ، ويَحْتَمِلُ وجْهًا آخَرَ، وهو أنْ يُقالَ: المُرادُ السّابِقُونَ مُقَرَّبُونَ مِنَ الجَنّاتِ حالَ كَوْنِ أصْحابِ اليَمِينِ مُتَوَجِّهِينَ إلى طَرِيقِ الجَنَّةِ؛ لِأنَّهُ بِمِقْدارِ ما يُحاسَبُ المُؤْمِنُ حِسابًا يَسِيرًا ويُؤْتى كِتابَهُ بِيَمِينِهِ، يَكُونُ السّابِقُونَ قَدْ قَرُبُوا مِنَ المَنزِلِ، أوْ قَرَّبَهم إلى اللَّهِ في الجَنَّةِ، وأصَحابُ اليَمِينِ بَعْدُ مُتَوَجِّهُونَ إلى ما وصَلَ إلَيْهِ المُقَرَّبُونَ، ثُمَّ إنَّ السَّيْرَ والِارْتِفاعَ لا يَنْقَطِعُ، فَإنَّ السَّيْرَ في اللَّهِ لا انْقِطاعَ لَهُ، والِارْتِفاعَ لا نِهايَةَ لَهُ، فَكُلَّما تَقَرَّبَ أصْحابُ اليَمِينِ مِن دَرَجَةِ السّابِقِ، يَكُونُ قَدِ انْتَقَلَ هو إلى مَوْضِعٍ أعْلى مِنهُ، فَأُولَئِكَ هُمُ المُقَرَّبُونَ في جَنّاتِ النَّعِيمِ، في أعْلى عِلِّيِّينَ حالَ وُصُولِ أصْحابِ اليَمِينِ إلى الحُورِ العِينِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: بَعْدَ بَيانِ أقْسامِ الأزْواجِ لَمْ يَعُدْ إلى بَيانِ حالِهِمْ عَلى تَرْتِيبِ ذِكْرِهِمْ، بَلْ بَيَّنَ حالَ السّابِقِينَ مَعَ أنَّهُ أخَّرَهم، وأخَّرَ ذِكْرَ أصْحابِ الشِّمالِ مَعَ أنَّهُ قَدَّمَهم أوَّلًا في الذِّكْرِ عَلى السّابِقِينَ، نَقُولُ: قَدْ بَيَّنّا أنَّ عِنْدَ ذِكْرِ الواقِعَةِ قَدَّمَ مَن يَنْفَعُهُ ذِكْرُ الأهْوالِ، وأخَّرَ مَن لا يَخْتَلِفُ حالُهُ بِالخَوْفِ والرَّجاءِ، وأمّا عِنْدَ البَيانِ فَذَكَرَ السّابِقَ لِفَضِيلَتِهِ وفَضِيلَةِ حالِهِ.
الواقعة 56:11
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿والسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في إعْرابِهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: ﴿والسّابِقُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى ”أصْحابِ المَيْمَنَةِ“ وعِنْدَهُ تَمَّ الكَلامُ، وقَوْلُهُ: ﴿السّابِقُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾ جُمْلَةٌ واحِدَةٌ، والثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿والسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾ جُمْلَةٌ واحِدَةٌ، كَما يَقُولُ القائِلُ: أنْتَ أنْتَ. وكَما قالَ الشّاعِرُ:
أنا أبُو النَّجْمِ وشِعْرِي شِعْرِي
وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ لِشُهْرَةِ أمْرِ المُبْتَدَأِ بِما هو عَلَيْهِ فَلا حاجَةَ إلى الخَبَرِ عَنْهُ، وهو مُرادُ الشّاعِرِ وهو المَشْهُورُ عِنْدَ النُّحاةِ. والثّانِي: لِلْإشارَةِ إلى أنَّ في المُبْتَدَأِ ما لا يُحِيطُ العِلْمُ بِهِ ولا يُخْبَرُ عَنْهُ ولا يُعْرَفُ مِنهُ إلّا نَفْسُ المُبْتَدَأِ، وهو كَما يَقُولُ القائِلُ لِغَيْرِهِ: أخْبِرْنِي عَنْ حالِ المَلِكِ. فَيَقُولُ: لا أعْرِفُ مِنَ المَلِكِ إلّا أنَّهُ
صفحة ١٢٨
مَلِكٌ. فَقَوْلُهُ: ﴿والسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾ أيْ لا يُمْكِنُ الإخْبارُ عَنْهم إلّا بِنَفْسِهِمْ، فَإنَّ حالَهم وما هم عَلَيْهِ فَوْقَ أنْ يُحِيطَ بِهِ عِلْمُ البَشَرِ، (وهَهُنا لَطِيفَةٌ): وهي أنَّهُ في أصْحابِ المَيْمَنَةِ قالَ: ﴿ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ بِالِاسْتِفْهامِ وإنْ كانَ لِلْإعْجازِ، لَكِنْ جَعْلَهم مَوْرِدَ الِاسْتِفْهامِ، وهَهُنا لَمْ يَقُلْ: والسّابِقُونَ ما السّابِقُونَ؛ لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ الَّذِي لِلْإعْجازِ يُورَدُ عَلى مُدَّعِي العِلْمَ فَيُقالُ لَهُ: إنْ كُنْتَ تَعَلَمُ فَبَيَّنَ الكَلامَ، وأمّا إذا كانَ يَعْتَرِفُ بِالجَهْلِ فَلا يُقالُ لَهُ: كَذَبْتَ ولا يُقالُ: كَيْفَ كَذا، وما الجَوابُ عَنْ ذَلِكَ، فَكَذَلِكَ في: ﴿والسّابِقُونَ﴾ ما جَعَلَهم بِحَيْثُ يَدَّعُونَ، فَيُورَدُ عَلَيْهِمُ الِاسْتِفْهامُ فَيُبَيِّنُ عَجْزَهم، بَلْ بَنى الأمْرَ عَلى أنَّهم مُعْتَرِفُونَ في الِابْتِداءِ بِالعَجْزِ، وعَلى هَذا فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾ كَقَوْلِ العالِمِ لِمَن سَألَ عَنْ مَسْألَةٍ مُعْضِلَةٍ وهو يَعْلَمُ أنَّهُ لا يَفْهَمُها وإنْ كانَ أبانَها غايَةَ الإبانَةِ أنَّ الأمْرَ فِيها عَلى ما هو عَلَيْهِ ولا يَشْتَغِلُ بِالبَيانِ. وثالِثُها: هو أنَّ ”السّابِقُونَ“ ثانِيًا تَأْكِيدٌ لِقَوْلِهِ: ﴿والسّابِقُونَ﴾ والوَجْهُ الأوْسَطُ هو الأعْدَلُ الأصَحُّ، وعَلى الوَجْهِ الأوْسَطِ قَوْلٌ آخَرُ: وهو أنَّ المُرادَ مِنهُ أنَّ السّابِقِينَ إلى الخَيْراتِ في الدُّنْيا هُمُ السّابِقُونَ إلى الجَنَّةِ في العُقْبى.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾ يَقْتَضِي الحَصْرَ فَيَنْبَغِي أنْ لا يَكُونَ غَيْرُهم مُقَرَّبًا، وقَدْ قالَ في حَقِّ المَلائِكَةِ إنَّهم مُقَرَّبُونَ، نَقُولُ: ﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾ مِنَ الأزْواجِ الثَّلاثَةِ، فَإنْ قِيلَ: ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ لَيْسُوا مِنَ المُقَرَّبِينَ، نَقُولُ: لِلتَّقْرِيبِ دَرَجاتٌ ﴿والسّابِقُونَ﴾ في غايَةِ القُرْبِ، ولا حَدَّ هُناكَ، ويَحْتَمِلُ وجْهًا آخَرَ، وهو أنْ يُقالَ: المُرادُ السّابِقُونَ مُقَرَّبُونَ مِنَ الجَنّاتِ حالَ كَوْنِ أصْحابِ اليَمِينِ مُتَوَجِّهِينَ إلى طَرِيقِ الجَنَّةِ؛ لِأنَّهُ بِمِقْدارِ ما يُحاسَبُ المُؤْمِنُ حِسابًا يَسِيرًا ويُؤْتى كِتابَهُ بِيَمِينِهِ، يَكُونُ السّابِقُونَ قَدْ قَرُبُوا مِنَ المَنزِلِ، أوْ قَرَّبَهم إلى اللَّهِ في الجَنَّةِ، وأصَحابُ اليَمِينِ بَعْدُ مُتَوَجِّهُونَ إلى ما وصَلَ إلَيْهِ المُقَرَّبُونَ، ثُمَّ إنَّ السَّيْرَ والِارْتِفاعَ لا يَنْقَطِعُ، فَإنَّ السَّيْرَ في اللَّهِ لا انْقِطاعَ لَهُ، والِارْتِفاعَ لا نِهايَةَ لَهُ، فَكُلَّما تَقَرَّبَ أصْحابُ اليَمِينِ مِن دَرَجَةِ السّابِقِ، يَكُونُ قَدِ انْتَقَلَ هو إلى مَوْضِعٍ أعْلى مِنهُ، فَأُولَئِكَ هُمُ المُقَرَّبُونَ في جَنّاتِ النَّعِيمِ، في أعْلى عِلِّيِّينَ حالَ وُصُولِ أصْحابِ اليَمِينِ إلى الحُورِ العِينِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: بَعْدَ بَيانِ أقْسامِ الأزْواجِ لَمْ يَعُدْ إلى بَيانِ حالِهِمْ عَلى تَرْتِيبِ ذِكْرِهِمْ، بَلْ بَيَّنَ حالَ السّابِقِينَ مَعَ أنَّهُ أخَّرَهم، وأخَّرَ ذِكْرَ أصْحابِ الشِّمالِ مَعَ أنَّهُ قَدَّمَهم أوَّلًا في الذِّكْرِ عَلى السّابِقِينَ، نَقُولُ: قَدْ بَيَّنّا أنَّ عِنْدَ ذِكْرِ الواقِعَةِ قَدَّمَ مَن يَنْفَعُهُ ذِكْرُ الأهْوالِ، وأخَّرَ مَن لا يَخْتَلِفُ حالُهُ بِالخَوْفِ والرَّجاءِ، وأمّا عِنْدَ البَيانِ فَذَكَرَ السّابِقَ لِفَضِيلَتِهِ وفَضِيلَةِ حالِهِ.
الواقعة 56:12
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾
وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: عَرَّفَ النَّعِيمَ بِاللّامِ هَهُنا وقالَ في آخِرِ السُّورَةِ: ﴿فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ وجَنَّةُ نَعِيمٍ﴾ [الواقعة: ٨٩] بِدُونِ اللّامِ، والمَذْكُورُ في آخِرِ السُّورَةِ هو واحِدٌ مِنَ السّابِقِينَ فَلَهُ جَنَّةٌ مِن هَذِهِ الجَنّاتِ وهَذِهِ مُعَرَّفَةٌ بِالإضافَةِ إلى المَعْرِفَةِ، وتِلْكَ غَيْرُ مُعَرَّفَةٍ فَما الفَرْقُ بَيْنَهُما ؟ فَنَقُولُ: الفَرْقُ لَفْظِيٌّ ومَعْنَوِيٌّ: فاللَّفْظِيُّ هو أنَّ السّابِقِينَ مُعَرَّفُونَ بِاللّامِ المُسْتَغْرِقَةِ لِجِنْسِهِمْ، فَجَعَلَ مَوْضِعَ المُعَرَّفَيْنِ مُعَرَّفًا، وأمّا هُناكَ فَهو غَيْرُ مُعَرَّفٍ، لِأنَّ قَوْلَهُ: إنْ كانَ مِنَ المُقَرَّبِينَ أيْ إنْ كانَ فَرْدًا مِنهم فَجَعَلَ مَوْضِعَهُ غَيْرَ مُعَرَّفٍ مَعَ جَوازِ أنْ يَكُونَ الشَّخْصُ مُعَرَّفًا
صفحة ١٢٩
ومَوْضِعُهُ غَيْرُ مُعَرَّفٍ، كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ [الذاريات: ١٥] و﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ ونَهَرٍ﴾ [القمر: ٥٤] وبِالعَكْسِ أيْضًا، وأمّا المَعْنَوِيُّ: فَنَقُولُ: عِنْدَ ذِكْرِ الجَمْعِ جَمَعَ الجَنّاتِ في سائِرِ المَواضِعِ فَقالَ تَعالى: ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ﴾ وقالَ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾ ﴿فِي جَنّاتِ﴾ لَكِنِ السّابِقُونَ نَوْعٌ مِنَ المُتَّقِينَ، وفي المُتَّقِينَ غَيْرُ السّابِقِينَ أيْضًا، ثُمَّ إنَّ السّابِقِينَ لَهم مَنازِلُ لَيْسَ فَوْقَها مَنازِلُ، فَهي صارَتْ مَعْرُوفَةً لِكَوْنِها في غايَةِ العُلُوِّ، أوْ لِأنَّها لا أحَدَ فَوْقَها، وأمّا باقِي المُتَّقِينَ فَلِكُلِّ واحِدٍ مَرْتَبَةٌ، وفَوْقَها مَرْتَبَةٌ فَهم في جَنّاتٍ مُتَناسِبَةٍ في المَنزِلَةِ لا يَجْمَعُها صُقْعٌ واحِدٌ لِاخْتِلافِ مَنازِلِهِمْ، وجَنّاتُ السّابِقِينَ عَلى حَدٍّ واحِدٍ في أعْلى عِلِّيِّينَ يَعْرِفُها كُلُّ أحَدٍ، وأمّا الواحِدُ مِنهم فَإنَّ مَنزِلَتَهُ بَيْنَ المَنازِلِ، ولا يَعْرِفُ كُلُّ أحَدٍ أنَّهُ لِفُلانٍ السّابِقِ فَلَمْ يَعْرِفْها، وأمّا مَنازِلُهم فَيَعْرِفُها كُلُّ أحَدٍ، ويَعْلَمُ أنَّها لِلسّابِقِينَ، ولَمْ يَعْرِفِ الَّذِي لِلْمُتَّقِينَ عَلى وجْهِ كَذا.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: إضافَةُ الجَنَّةِ إلى النَّعِيمِ مِن أيِّ الأنْواعِ ؟ نَقُولُ: إضافَةُ المَكانِ إلى ما يَقَعُ في المَكانِ، يُقالُ: دارُ الضِّيافَةِ، ودارُ الدَّعْوَةِ، ودارُ العَدْلِ، فَكَذَلِكَ جَنَّةُ النَّعِيمِ، وفائِدَتُها أنَّ الجَنَّةَ في الدُّنْيا قَدْ تَكُونُ لِلنَّعِيمِ، وقَدْ تَكُونُ لِلِاشْتِغالِ والتَّعَيُّشِ بِأثْمانِ ثِمارِها، بِخِلافِ الجَنَّةِ في الآخِرَةِ فَإنَّها لِلنَّعِيمِ لا غَيْرُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾، يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا واحِدًا، أمّا الأوَّلُ فَتَقْدِيرُهُ: أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ كائِنُونَ في جَنّاتٍ، كَقَوْلِهِ: ﴿ذُو العَرْشِ المَجِيدُ﴾ ﴿فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ [البروج: ١٦]، وأمّا الثّانِي فَتَقْدِيرُهُ:هُمُ المُقَرَّبُونَ في الجَنّاتِ مِنَ اللَّهِ كَما يُقالُ: هو المُخْتارُ عِنْدَ المَلِكِ في هَذِهِ البَلْدَةِ، وعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ فائِدَتُهُ بَيانُ تَنْعِيمِ جِسْمِهِمْ، وكَرامَةِ نَفْسِهِمْ فَهم مُقَرَّبُونَ عِنْدَ اللَّهِ، فَهم في غايَةِ اللَّذَّةِ وفي جَنّاتٍ، فَجِسْمُهم في غايَةِ النَّعِيمِ، بِخِلافِ المُقَرَّبِينَ عِنْدَ المُلُوكِ، فَإنَّهم يَلْتَذُّونَ بِالقُرْبِ لَكِنْ لا يَكُونُ لِجِسْمِهِمْ راحَةٌ، بَلْ يَكُونُونَ في تَعَبٍ مِنَ الوُقُوفِ وقَضاءِ الأشْغالِ، ولِهَذا قالَ: ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ ولَمْ يَقْتَصِرْ عَلى جَنّاتٍ، وعَلى الوَجْهِ الثّانِي فائِدَتُهُ التَّمْيِيزُ عَنِ المَلائِكَةِ، فَإنَّ المُقَرَّبِينَ في يَوْمِنا هَذا في السَّماواتِ هُمُ المَلائِكَةُ، والسّابِقُونَ المُقَرَّبُونَ في الجَنَّةِ فَيَكُونُ المُقَرَّبُونَ في غَيْرِها هُمُ المَلائِكَةُ، وفِيهِ لَطِيفَةٌ: وهي أنَّ قُرْبَ المَلائِكَةِ قُرْبُ الخَواصِّ عِنْدَ المَلِكِ الَّذِينَ هم لِلْأشْغالِ، فَهم لَيْسُوا في نَعِيمٍ، وإنْ كانُوا في لَذَّةٍ عَظِيمَةٍ ولا يَزالُونَ مُشْفِقِينَ قائِمِينَ بِبابِ اللَّهِ يَرِدُ عَلَيْهِمُ الأمْرُ ولا يَرْتَفِعُ عَنْهُمُ التَّكْلِيفُ، والسّابِقُونَ لَهم قُرْبٌ عِنْدِ اللَّهِ، كَما يَكُونُ لِجُلَساءِ المُلُوكِ، فَهم لا يَكُونُ بِيَدِهِمْ شُغْلٌ ولا يَرِدُ عَلَيْهِمْ أمْرٌ، فَيَلْتَذُّونَ بِالقُرْبِ، ويَتَنَعَّمُونَ بِالرّاحَةِ.
الواقعة 56:13
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ وهَذا خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَدْ ذَكَرْتُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿والسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾ جُمْلَةٌ، وإنَّما كانَ الخَبَرُ عَيْنَ المُبْتَدَأِ لِظُهُورِ حالِهِمْ أوْ لِخَفاءِ أمْرِهِمْ عَلى غَيْرِهِمْ، فَكَيْفَ جاءَ خَبَرٌ بَعْدَهُ ؟ نَقُولُ: ذَلِكَ المَقْصُودُ قَدْ أفادَ ذِكْرَ خَبَرٍ آخَرَ لِمَقْصُودٍ آخَرَ، كَما أنَّ واحِدًا يَقُولُ: زَيْدٌ لا يَخْفى عَلَيْكَ حالُهُ إشارَةً إلى كَوْنِهِ مِنَ المَشْهُورِينَ ثُمَّ يَشْرَعُ في حالٍ يَخْفى عَلى السّامِعِ، مَعَ أنَّهُ قالَ: لا يَخْفى؛ لِأنَّ ذَلِكَ كانَ لِبَيانِ كَوْنِهِ لَيْسَ مِنَ الغُرَباءِ كَذَلِكَ هَهُنا قالَ: ﴿والسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾ لِبَيانِ عَظَمَتِهِمْ ثُمَّ ذَكَرَ حالَ عَدَدِهِمْ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ﴿الأوَّلِينَ﴾ مَن هم ؟ نَقُولُ: المَشْهُورُ أنَّهم مَن كانَ قَبْلَ نَبِيِّنا ﷺ وإنَّما قالَ: ﴿ثُلَّةٌ﴾ والثُّلَّةُ
صفحة ١٣٠
الجَماعَةُ العَظِيمَةُ؛ لِأنَّ مَن قَبْلَ نَبِيِّنا مِنَ الرُّسُلِ والأنْبِياءِ مَن كانَ مِن كِبارِ أصْحابِهِمْ إذا جُمِعُوا يَكُونُونَ أكْثَرَ بِكَثِيرٍ مِنَ السّابِقِينَ مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وعَلى هَذا قِيلَ: إنَّ الصَّحابَةَ لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ صَعُبَ عَلَيْهِمْ قِلَّتُهم، فَنَزَلَ بَعْدَهُ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ وهَذا في غايَةِ الضَّعْفِ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ عَدَدَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ إذا كانَ في ذَلِكَ الزَّمانِ بَلْ إلى آخِرِ الزَّمانِ، بِالنِّسْبَةِ إلى مَن مَضى في غايَةِ القِلَّةِ، فَماذا كانَ عَلَيْهِمْ مِن إنْعامِ اللَّهِ عَلى خَلْقٍ كَثِيرٍ مِنَ الأوَّلِينَ، وما هَذا إلّا خُلْفٌ غَيْرُ جائِزٍ.
وثانِيها: أنَّ هَذا كالنَّسْخِ في الأخْبارِ وأنَّهُ في غايَةِ البُعْدِ.
ثالِثُها: ما ورَدَ بَعْدَها لا يَرْفَعُ هَذا؛ لِأنَّ الثُّلَّةَ مِنَ الأوَّلِينَ هُنا في السّابِقِينَ مِنَ الأوَّلِينَ وهَذا ظاهِرٌ؛ لِأنَّ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ كَثُرُوا ورَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعالى فَعَفا عَنْهم أُمُورًا لَمْ تُعْفَ عَنْ غَيْرِهِمْ، وجَعَلَ لِلنَّبِي ﷺ الشَّفاعَةَ فَكَثُرَ عَدَدُ النّاجِينَ وهم أصْحابُ اليَمِينِ، وأمّا مَن لَمْ يَأْثَمْ ولَمْ يَرْتَكِبِ الكَبِيرَةَ مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَهم في غايَةِ القِلَّةِ وهُمُ السّابِقُونَ.
ورابِعُها: هَذا تَوَهُّمٌ وكانَ يَنْبَغِي أنْ يَفْرَحُوا بِهَذِهِ الآيَةِ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ دَخَلَ فِيهِمُ الأوَّلُ مِنَ الرُّسُلِ والأنْبِياءِ، ولا نَبِيَّ بَعْدَ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَإذا جَعَلَ قَلِيلًا مِن أُمَّتِهِ مَعَ الرُّسُلِ والأنْبِياءِ والأوْلِياءِ الَّذِينَ كانُوا في دَرَجَةٍ واحِدَةٍ، يَكُونُ ذَلِكَ إنْعامًا في حَقِّهِمْ ولَعَلَّهُ إشارَةٌ إلى قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «عُلَماءُ أُمَّتِي كَأنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ» . الوَجْهُ الثّانِي: المُرادُ مِنهُ: ﴿والسّابِقُونَ الأوَّلُونَ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ﴾ [التوبة: ١٠٠] فَإنَّ أكْثَرَهم لَهُمُ الدَّرَجَةُ العُلْيا، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَسْتَوِي مِنكم مَن أنْفَقَ﴾ [الحديد: ١٠] الآيَةَ. ﴿وقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ الَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِن خَلْفِهِمْ، وعَلى هَذا فَقَوْلُهُ: ﴿وكُنْتُمْ أزْواجًا ثَلاثَةً﴾ يَكُونُ خِطابًا مَعَ المَوْجُودِينَ وقْتَ التَّنْزِيلِ، ولا يَكُونُ فِيهِ بَيانُ الأوَّلِينَ الَّذِينَ كانُوا قَبْلَ نَبِيِّنا عَلَيْهِ السَّلامُ، وهَذا ظاهِرٌ فَإنَّ الخِطابَ لا يَتَعَلَّقُ إلّا بِالمَوْجُودِينَ مِن حَيْثُ اللَّفْظُ، ويَدْخُلُ فِيهِ غَيْرُهم بِالدَّلِيلِ. الوَجْهُ الثّالِثُ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ بِأنْفُسِهِمْ ﴿وقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ تَعالى فِيهِمْ: ﴿واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهُمْ﴾ فالمُؤْمِنُونَ وذُرِّيّاتُهم إنْ كانُوا مِن أصْحابِ اليَمِينِ فَهم في الكَثْرَةِ سَواءٌ؛ لِأنَّ كُلَّ صَبِيٍّ ماتَ وأحَدُ أبَوَيْهِ مُؤْمِنٌ فَهو مِن أصْحابِ اليَمِينِ، وأمّا إنْ كانُوا مِنَ المُؤْمِنِينَ السّابِقِينَ، فَقَلَّما يُدْرِكُ ولَدُهم دَرَجَةَ السّابِقِينَ وكَثِيرًا ما يَكُونُ ولَدُ المُؤْمِنِ أحْسَنَ حالًا مِنَ الأبِ لِتَقْصِيرٍ في أبِيهِ ومَعْصِيَةٍ لَمْ تُوجَدْ في الِابْنِ الصَّغِيرِ وعَلى هَذا فَقَوْلُهُ: ﴿الآخِرِينَ﴾ المُرادُ مِنهُ الآخِرُونَ التّابِعُونَ مِنَ الصِّغارِ.
الواقعة 56:14
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ وهَذا خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَدْ ذَكَرْتُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿والسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾ جُمْلَةٌ، وإنَّما كانَ الخَبَرُ عَيْنَ المُبْتَدَأِ لِظُهُورِ حالِهِمْ أوْ لِخَفاءِ أمْرِهِمْ عَلى غَيْرِهِمْ، فَكَيْفَ جاءَ خَبَرٌ بَعْدَهُ ؟ نَقُولُ: ذَلِكَ المَقْصُودُ قَدْ أفادَ ذِكْرَ خَبَرٍ آخَرَ لِمَقْصُودٍ آخَرَ، كَما أنَّ واحِدًا يَقُولُ: زَيْدٌ لا يَخْفى عَلَيْكَ حالُهُ إشارَةً إلى كَوْنِهِ مِنَ المَشْهُورِينَ ثُمَّ يَشْرَعُ في حالٍ يَخْفى عَلى السّامِعِ، مَعَ أنَّهُ قالَ: لا يَخْفى؛ لِأنَّ ذَلِكَ كانَ لِبَيانِ كَوْنِهِ لَيْسَ مِنَ الغُرَباءِ كَذَلِكَ هَهُنا قالَ: ﴿والسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾ لِبَيانِ عَظَمَتِهِمْ ثُمَّ ذَكَرَ حالَ عَدَدِهِمْ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ﴿الأوَّلِينَ﴾ مَن هم ؟ نَقُولُ: المَشْهُورُ أنَّهم مَن كانَ قَبْلَ نَبِيِّنا ﷺ وإنَّما قالَ: ﴿ثُلَّةٌ﴾ والثُّلَّةُ
صفحة ١٣٠
الجَماعَةُ العَظِيمَةُ؛ لِأنَّ مَن قَبْلَ نَبِيِّنا مِنَ الرُّسُلِ والأنْبِياءِ مَن كانَ مِن كِبارِ أصْحابِهِمْ إذا جُمِعُوا يَكُونُونَ أكْثَرَ بِكَثِيرٍ مِنَ السّابِقِينَ مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وعَلى هَذا قِيلَ: إنَّ الصَّحابَةَ لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ صَعُبَ عَلَيْهِمْ قِلَّتُهم، فَنَزَلَ بَعْدَهُ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ وهَذا في غايَةِ الضَّعْفِ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ عَدَدَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ إذا كانَ في ذَلِكَ الزَّمانِ بَلْ إلى آخِرِ الزَّمانِ، بِالنِّسْبَةِ إلى مَن مَضى في غايَةِ القِلَّةِ، فَماذا كانَ عَلَيْهِمْ مِن إنْعامِ اللَّهِ عَلى خَلْقٍ كَثِيرٍ مِنَ الأوَّلِينَ، وما هَذا إلّا خُلْفٌ غَيْرُ جائِزٍ.
وثانِيها: أنَّ هَذا كالنَّسْخِ في الأخْبارِ وأنَّهُ في غايَةِ البُعْدِ.
ثالِثُها: ما ورَدَ بَعْدَها لا يَرْفَعُ هَذا؛ لِأنَّ الثُّلَّةَ مِنَ الأوَّلِينَ هُنا في السّابِقِينَ مِنَ الأوَّلِينَ وهَذا ظاهِرٌ؛ لِأنَّ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ كَثُرُوا ورَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعالى فَعَفا عَنْهم أُمُورًا لَمْ تُعْفَ عَنْ غَيْرِهِمْ، وجَعَلَ لِلنَّبِي ﷺ الشَّفاعَةَ فَكَثُرَ عَدَدُ النّاجِينَ وهم أصْحابُ اليَمِينِ، وأمّا مَن لَمْ يَأْثَمْ ولَمْ يَرْتَكِبِ الكَبِيرَةَ مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَهم في غايَةِ القِلَّةِ وهُمُ السّابِقُونَ.
ورابِعُها: هَذا تَوَهُّمٌ وكانَ يَنْبَغِي أنْ يَفْرَحُوا بِهَذِهِ الآيَةِ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ دَخَلَ فِيهِمُ الأوَّلُ مِنَ الرُّسُلِ والأنْبِياءِ، ولا نَبِيَّ بَعْدَ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَإذا جَعَلَ قَلِيلًا مِن أُمَّتِهِ مَعَ الرُّسُلِ والأنْبِياءِ والأوْلِياءِ الَّذِينَ كانُوا في دَرَجَةٍ واحِدَةٍ، يَكُونُ ذَلِكَ إنْعامًا في حَقِّهِمْ ولَعَلَّهُ إشارَةٌ إلى قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «عُلَماءُ أُمَّتِي كَأنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ» . الوَجْهُ الثّانِي: المُرادُ مِنهُ: ﴿والسّابِقُونَ الأوَّلُونَ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ﴾ [التوبة: ١٠٠] فَإنَّ أكْثَرَهم لَهُمُ الدَّرَجَةُ العُلْيا، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَسْتَوِي مِنكم مَن أنْفَقَ﴾ [الحديد: ١٠] الآيَةَ. ﴿وقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ الَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِن خَلْفِهِمْ، وعَلى هَذا فَقَوْلُهُ: ﴿وكُنْتُمْ أزْواجًا ثَلاثَةً﴾ يَكُونُ خِطابًا مَعَ المَوْجُودِينَ وقْتَ التَّنْزِيلِ، ولا يَكُونُ فِيهِ بَيانُ الأوَّلِينَ الَّذِينَ كانُوا قَبْلَ نَبِيِّنا عَلَيْهِ السَّلامُ، وهَذا ظاهِرٌ فَإنَّ الخِطابَ لا يَتَعَلَّقُ إلّا بِالمَوْجُودِينَ مِن حَيْثُ اللَّفْظُ، ويَدْخُلُ فِيهِ غَيْرُهم بِالدَّلِيلِ. الوَجْهُ الثّالِثُ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ بِأنْفُسِهِمْ ﴿وقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ تَعالى فِيهِمْ: ﴿واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهُمْ﴾ فالمُؤْمِنُونَ وذُرِّيّاتُهم إنْ كانُوا مِن أصْحابِ اليَمِينِ فَهم في الكَثْرَةِ سَواءٌ؛ لِأنَّ كُلَّ صَبِيٍّ ماتَ وأحَدُ أبَوَيْهِ مُؤْمِنٌ فَهو مِن أصْحابِ اليَمِينِ، وأمّا إنْ كانُوا مِنَ المُؤْمِنِينَ السّابِقِينَ، فَقَلَّما يُدْرِكُ ولَدُهم دَرَجَةَ السّابِقِينَ وكَثِيرًا ما يَكُونُ ولَدُ المُؤْمِنِ أحْسَنَ حالًا مِنَ الأبِ لِتَقْصِيرٍ في أبِيهِ ومَعْصِيَةٍ لَمْ تُوجَدْ في الِابْنِ الصَّغِيرِ وعَلى هَذا فَقَوْلُهُ: ﴿الآخِرِينَ﴾ المُرادُ مِنهُ الآخِرُونَ التّابِعُونَ مِنَ الصِّغارِ.
الواقعة 56:15
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ﴾ ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ﴾ .
والمَوْضُونَةُ هي المَنسُوجَةُ القَوِيَّةُ اللُّحْمَةِ والسَّدى، ومِنهُ يُقالُ لِلدِّرْعِ المَنسُوجَةِ: مَوْضُونَةٌ، والوَضِينُ هو الحَبْلُ العَرِيضُ الَّذِي يَكُونُ مِنهُ الحَزْمُ لِقُوَّةِ سُداهُ ولُحْمَتِهِ، والسُّرُرُ الَّتِي تَكُونُ لِلْمُلُوكِ يَكُونُ لَها قَوائِمُ مِن شَيْءٍ صُلْبٍ ويَكُونُ مَجْلِسُهم عَلَيْها مَعْمُولًا بِحَرِيرٍ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ أنْعَمُ مِنَ الخَشَبِ وما يُشْبِهُهُ في الصَّلابَةِ وهَذِهِ السُّرُرُ قَوائِمُها مِنَ الجَواهِرِ النَّفِيسَةِ، وأرْضُها مِنَ الذَّهَبِ المَمْدُودِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَيْها﴾ لِلتَّأْكِيدِ، والمَعْنى أنَّهم كائِنُونَ عَلى سُرُرٍ مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ، فَفائِدَةُ التَّأْكِيدِ هو أنْ لا يُظَنَّ أنَّهم كائِنُونَ عَلى سُرُرٍ مُتَّكِئِينَ عَلى غَيْرِها، كَما يَكُونُ حالُ مَن يَكُونُ عَلى كُرْسِيٍّ صَغِيرٍ لا يَسَعُهُ لِلِاتِّكاءِ فَيُوضَعُ تَحْتَهُ شَيْءٌ آخَرُ لِلِاتِّكاءِ عَلَيْهِ، فَلَمّا قالَ: عَلى سُرُرٍ مُتَّكِئِينَ عَلَيْها دَلَّ هَذا عَلى أنَّ اسْتِقْرارَهم واتِّكاءَهم جَمِيعًا عَلى سُرُرٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُتَقابِلِينَ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّ أحَدًا لا يَسْتَدْبِرُ أحَدًا.
وثانِيهِما: أنَّ أحَدًا مِنَ
صفحة ١٣١
السّابِقِينَ لا يَرى غَيْرَهُ فَوْقَهُ، وهَذا أقْرَبُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿مُتَقابِلِينَ﴾ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ يَحْتاجُ إلى أنْ يُقالَ: مُتَقابِلِينَ مَعْناهُ أنَّ كُلَّ أحَدٍ يُقابِلُ أحَدًا في زَمانٍ واحِدٍ، ولا يُفْهَمُ هَذا إلّا فِيما لا يَكُونُ فِيهِ اخْتِلافُ جِهاتٍ، وعَلى هَذا فَيَكُونُ مَعْنى الكَلامِ أنَّهم أرْواحٌ لَيْسَ لَهم أدْبارٌ وظُهُورٌ، فَيَكُونُ المُرادُ مِنَ السّابِقِينَ هُمُ الَّذِينَ أجْسامُهم أرْواحٌ نُورانِيَّةٌ، جَمِيعُ جِهاتِهِمْ وجْهٌ كالنُّورِ الَّذِي يُقابِلُ كُلَّ شَيْءٍ ولا يَسْتَدْبِرُ أحَدًا، والوَجْهُ الأوَّلُ أقْرَبُ إلى أوْصافِ المَكانِيّاتِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ .
والوِلْدانُ جَمْعُ الوَلِيدِ، وهو في الأصْلِ فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ وهو المَوْلُودُ لَكِنْ غَلَبَ عَلى الصِّغارِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ كَوْنِهِمْ مَوْلُودِينَ، والدَّلِيلُ أنَّهم قالُوا لِلْجارِيَةِ الصَّغِيرَةِ: ولِيدَةٌ، ولَوْ نَظَرُوا إلى الأصْلِ لَجَرَّدُوها عَنِ الهاءِ كالقَتِيلِ، إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: في الوِلْدانِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ عَلى الأصْلِ وهم صِغارُ المُؤْمِنِينَ وهو ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ صِغارَ المُؤْمِنِينَ أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أنَّهُ يُلْحِقُهم بِآبائِهِمْ، ومِنَ النّاسِ المُؤْمِنِينَ الصّالِحِينَ مَن لا ولَدَ لَهُ فَلا يَجُوزُ أنْ يَخْدِمَ ولَدُ المُؤْمِنِ مُؤْمِنًا غَيْرَهُ، فَيَلْزَمُ إمّا أنْ يَكُونَ لَهُمُ اخْتِصاصٌ بِبَعْضِ الصّالِحِينَ وأنْ لا يَكُونَ لِمَن لا يَكُونُ لَهُ ولَدٌ مَن يَطُوفُ عَلَيْهِ مِنَ الوِلْدانِ، وإمّا أنْ يَكُونَ ولَدُ الآخَرِ يَخْدِمُ غَيْرَ أبِيهِ وفِيهِ مَنقَصَةٌ بِالأبِ، وعَلى هَذا الوَجْهِ قِيلَ: هم صِغارُ الكُفّارِ وهو أقْرَبُ مِنَ الأوَّلِ إذْ لَيْسَ فِيهِ ما ذَكَرْنا مِنَ المَفْسَدَةِ.
والثّانِي: أنَّهُ عَلى الِاسْتِعْمالِ الَّذِي لَمْ يُلْحَظْ فِيهِ الأصْلُ وهو إرادَةُ الصِّغارِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ كَوْنِهِمْ مَوْلُودِينَ، وهو حِينَئِذٍ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهُمْ﴾ [الطور: ٢٤] وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مُخَلَّدُونَ﴾ وجْهانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ مِنَ الخُلُودِ والدَّوامِ، وعَلى هَذا الوَجْهِ يَظْهَرُ وجْهانِ آخَرانِ:
أحَدُهُما: أنَّهم مُخَلَّدُونَ ولا مَوْتَ لَهم ولا فَناءَ.
وثانِيهِما: لا يَتَغَيَّرُونَ عَنْ حالِهِمْ ويَبْقَوْنَ صِغارًا دائِمًا لا يَكْبَرُونَ ولا يَلْتَحُونَ.
والوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ مِنَ الخَلَدَةِ وهو القُرْطُ بِمَعْنى في آذانِهِمْ حَلَقٌ، والأوَّلُ أظْهَرُ وألْيَقُ.
الواقعة 56:16
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ﴾ ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ﴾ .
والمَوْضُونَةُ هي المَنسُوجَةُ القَوِيَّةُ اللُّحْمَةِ والسَّدى، ومِنهُ يُقالُ لِلدِّرْعِ المَنسُوجَةِ: مَوْضُونَةٌ، والوَضِينُ هو الحَبْلُ العَرِيضُ الَّذِي يَكُونُ مِنهُ الحَزْمُ لِقُوَّةِ سُداهُ ولُحْمَتِهِ، والسُّرُرُ الَّتِي تَكُونُ لِلْمُلُوكِ يَكُونُ لَها قَوائِمُ مِن شَيْءٍ صُلْبٍ ويَكُونُ مَجْلِسُهم عَلَيْها مَعْمُولًا بِحَرِيرٍ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ أنْعَمُ مِنَ الخَشَبِ وما يُشْبِهُهُ في الصَّلابَةِ وهَذِهِ السُّرُرُ قَوائِمُها مِنَ الجَواهِرِ النَّفِيسَةِ، وأرْضُها مِنَ الذَّهَبِ المَمْدُودِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَيْها﴾ لِلتَّأْكِيدِ، والمَعْنى أنَّهم كائِنُونَ عَلى سُرُرٍ مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ، فَفائِدَةُ التَّأْكِيدِ هو أنْ لا يُظَنَّ أنَّهم كائِنُونَ عَلى سُرُرٍ مُتَّكِئِينَ عَلى غَيْرِها، كَما يَكُونُ حالُ مَن يَكُونُ عَلى كُرْسِيٍّ صَغِيرٍ لا يَسَعُهُ لِلِاتِّكاءِ فَيُوضَعُ تَحْتَهُ شَيْءٌ آخَرُ لِلِاتِّكاءِ عَلَيْهِ، فَلَمّا قالَ: عَلى سُرُرٍ مُتَّكِئِينَ عَلَيْها دَلَّ هَذا عَلى أنَّ اسْتِقْرارَهم واتِّكاءَهم جَمِيعًا عَلى سُرُرٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُتَقابِلِينَ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّ أحَدًا لا يَسْتَدْبِرُ أحَدًا.
وثانِيهِما: أنَّ أحَدًا مِنَ
صفحة ١٣١
السّابِقِينَ لا يَرى غَيْرَهُ فَوْقَهُ، وهَذا أقْرَبُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿مُتَقابِلِينَ﴾ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ يَحْتاجُ إلى أنْ يُقالَ: مُتَقابِلِينَ مَعْناهُ أنَّ كُلَّ أحَدٍ يُقابِلُ أحَدًا في زَمانٍ واحِدٍ، ولا يُفْهَمُ هَذا إلّا فِيما لا يَكُونُ فِيهِ اخْتِلافُ جِهاتٍ، وعَلى هَذا فَيَكُونُ مَعْنى الكَلامِ أنَّهم أرْواحٌ لَيْسَ لَهم أدْبارٌ وظُهُورٌ، فَيَكُونُ المُرادُ مِنَ السّابِقِينَ هُمُ الَّذِينَ أجْسامُهم أرْواحٌ نُورانِيَّةٌ، جَمِيعُ جِهاتِهِمْ وجْهٌ كالنُّورِ الَّذِي يُقابِلُ كُلَّ شَيْءٍ ولا يَسْتَدْبِرُ أحَدًا، والوَجْهُ الأوَّلُ أقْرَبُ إلى أوْصافِ المَكانِيّاتِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ .
والوِلْدانُ جَمْعُ الوَلِيدِ، وهو في الأصْلِ فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ وهو المَوْلُودُ لَكِنْ غَلَبَ عَلى الصِّغارِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ كَوْنِهِمْ مَوْلُودِينَ، والدَّلِيلُ أنَّهم قالُوا لِلْجارِيَةِ الصَّغِيرَةِ: ولِيدَةٌ، ولَوْ نَظَرُوا إلى الأصْلِ لَجَرَّدُوها عَنِ الهاءِ كالقَتِيلِ، إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: في الوِلْدانِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ عَلى الأصْلِ وهم صِغارُ المُؤْمِنِينَ وهو ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ صِغارَ المُؤْمِنِينَ أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أنَّهُ يُلْحِقُهم بِآبائِهِمْ، ومِنَ النّاسِ المُؤْمِنِينَ الصّالِحِينَ مَن لا ولَدَ لَهُ فَلا يَجُوزُ أنْ يَخْدِمَ ولَدُ المُؤْمِنِ مُؤْمِنًا غَيْرَهُ، فَيَلْزَمُ إمّا أنْ يَكُونَ لَهُمُ اخْتِصاصٌ بِبَعْضِ الصّالِحِينَ وأنْ لا يَكُونَ لِمَن لا يَكُونُ لَهُ ولَدٌ مَن يَطُوفُ عَلَيْهِ مِنَ الوِلْدانِ، وإمّا أنْ يَكُونَ ولَدُ الآخَرِ يَخْدِمُ غَيْرَ أبِيهِ وفِيهِ مَنقَصَةٌ بِالأبِ، وعَلى هَذا الوَجْهِ قِيلَ: هم صِغارُ الكُفّارِ وهو أقْرَبُ مِنَ الأوَّلِ إذْ لَيْسَ فِيهِ ما ذَكَرْنا مِنَ المَفْسَدَةِ.
والثّانِي: أنَّهُ عَلى الِاسْتِعْمالِ الَّذِي لَمْ يُلْحَظْ فِيهِ الأصْلُ وهو إرادَةُ الصِّغارِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ كَوْنِهِمْ مَوْلُودِينَ، وهو حِينَئِذٍ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهُمْ﴾ [الطور: ٢٤] وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مُخَلَّدُونَ﴾ وجْهانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ مِنَ الخُلُودِ والدَّوامِ، وعَلى هَذا الوَجْهِ يَظْهَرُ وجْهانِ آخَرانِ:
أحَدُهُما: أنَّهم مُخَلَّدُونَ ولا مَوْتَ لَهم ولا فَناءَ.
وثانِيهِما: لا يَتَغَيَّرُونَ عَنْ حالِهِمْ ويَبْقَوْنَ صِغارًا دائِمًا لا يَكْبَرُونَ ولا يَلْتَحُونَ.
والوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ مِنَ الخَلَدَةِ وهو القُرْطُ بِمَعْنى في آذانِهِمْ حَلَقٌ، والأوَّلُ أظْهَرُ وألْيَقُ.
الواقعة 56:17
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ﴾ ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ﴾ .
والمَوْضُونَةُ هي المَنسُوجَةُ القَوِيَّةُ اللُّحْمَةِ والسَّدى، ومِنهُ يُقالُ لِلدِّرْعِ المَنسُوجَةِ: مَوْضُونَةٌ، والوَضِينُ هو الحَبْلُ العَرِيضُ الَّذِي يَكُونُ مِنهُ الحَزْمُ لِقُوَّةِ سُداهُ ولُحْمَتِهِ، والسُّرُرُ الَّتِي تَكُونُ لِلْمُلُوكِ يَكُونُ لَها قَوائِمُ مِن شَيْءٍ صُلْبٍ ويَكُونُ مَجْلِسُهم عَلَيْها مَعْمُولًا بِحَرِيرٍ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ أنْعَمُ مِنَ الخَشَبِ وما يُشْبِهُهُ في الصَّلابَةِ وهَذِهِ السُّرُرُ قَوائِمُها مِنَ الجَواهِرِ النَّفِيسَةِ، وأرْضُها مِنَ الذَّهَبِ المَمْدُودِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَيْها﴾ لِلتَّأْكِيدِ، والمَعْنى أنَّهم كائِنُونَ عَلى سُرُرٍ مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ، فَفائِدَةُ التَّأْكِيدِ هو أنْ لا يُظَنَّ أنَّهم كائِنُونَ عَلى سُرُرٍ مُتَّكِئِينَ عَلى غَيْرِها، كَما يَكُونُ حالُ مَن يَكُونُ عَلى كُرْسِيٍّ صَغِيرٍ لا يَسَعُهُ لِلِاتِّكاءِ فَيُوضَعُ تَحْتَهُ شَيْءٌ آخَرُ لِلِاتِّكاءِ عَلَيْهِ، فَلَمّا قالَ: عَلى سُرُرٍ مُتَّكِئِينَ عَلَيْها دَلَّ هَذا عَلى أنَّ اسْتِقْرارَهم واتِّكاءَهم جَمِيعًا عَلى سُرُرٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُتَقابِلِينَ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّ أحَدًا لا يَسْتَدْبِرُ أحَدًا.
وثانِيهِما: أنَّ أحَدًا مِنَ
صفحة ١٣١
السّابِقِينَ لا يَرى غَيْرَهُ فَوْقَهُ، وهَذا أقْرَبُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿مُتَقابِلِينَ﴾ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ يَحْتاجُ إلى أنْ يُقالَ: مُتَقابِلِينَ مَعْناهُ أنَّ كُلَّ أحَدٍ يُقابِلُ أحَدًا في زَمانٍ واحِدٍ، ولا يُفْهَمُ هَذا إلّا فِيما لا يَكُونُ فِيهِ اخْتِلافُ جِهاتٍ، وعَلى هَذا فَيَكُونُ مَعْنى الكَلامِ أنَّهم أرْواحٌ لَيْسَ لَهم أدْبارٌ وظُهُورٌ، فَيَكُونُ المُرادُ مِنَ السّابِقِينَ هُمُ الَّذِينَ أجْسامُهم أرْواحٌ نُورانِيَّةٌ، جَمِيعُ جِهاتِهِمْ وجْهٌ كالنُّورِ الَّذِي يُقابِلُ كُلَّ شَيْءٍ ولا يَسْتَدْبِرُ أحَدًا، والوَجْهُ الأوَّلُ أقْرَبُ إلى أوْصافِ المَكانِيّاتِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ .
والوِلْدانُ جَمْعُ الوَلِيدِ، وهو في الأصْلِ فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ وهو المَوْلُودُ لَكِنْ غَلَبَ عَلى الصِّغارِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ كَوْنِهِمْ مَوْلُودِينَ، والدَّلِيلُ أنَّهم قالُوا لِلْجارِيَةِ الصَّغِيرَةِ: ولِيدَةٌ، ولَوْ نَظَرُوا إلى الأصْلِ لَجَرَّدُوها عَنِ الهاءِ كالقَتِيلِ، إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: في الوِلْدانِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ عَلى الأصْلِ وهم صِغارُ المُؤْمِنِينَ وهو ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ صِغارَ المُؤْمِنِينَ أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أنَّهُ يُلْحِقُهم بِآبائِهِمْ، ومِنَ النّاسِ المُؤْمِنِينَ الصّالِحِينَ مَن لا ولَدَ لَهُ فَلا يَجُوزُ أنْ يَخْدِمَ ولَدُ المُؤْمِنِ مُؤْمِنًا غَيْرَهُ، فَيَلْزَمُ إمّا أنْ يَكُونَ لَهُمُ اخْتِصاصٌ بِبَعْضِ الصّالِحِينَ وأنْ لا يَكُونَ لِمَن لا يَكُونُ لَهُ ولَدٌ مَن يَطُوفُ عَلَيْهِ مِنَ الوِلْدانِ، وإمّا أنْ يَكُونَ ولَدُ الآخَرِ يَخْدِمُ غَيْرَ أبِيهِ وفِيهِ مَنقَصَةٌ بِالأبِ، وعَلى هَذا الوَجْهِ قِيلَ: هم صِغارُ الكُفّارِ وهو أقْرَبُ مِنَ الأوَّلِ إذْ لَيْسَ فِيهِ ما ذَكَرْنا مِنَ المَفْسَدَةِ.
والثّانِي: أنَّهُ عَلى الِاسْتِعْمالِ الَّذِي لَمْ يُلْحَظْ فِيهِ الأصْلُ وهو إرادَةُ الصِّغارِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ كَوْنِهِمْ مَوْلُودِينَ، وهو حِينَئِذٍ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهُمْ﴾ [الطور: ٢٤] وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مُخَلَّدُونَ﴾ وجْهانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ مِنَ الخُلُودِ والدَّوامِ، وعَلى هَذا الوَجْهِ يَظْهَرُ وجْهانِ آخَرانِ:
أحَدُهُما: أنَّهم مُخَلَّدُونَ ولا مَوْتَ لَهم ولا فَناءَ.
وثانِيهِما: لا يَتَغَيَّرُونَ عَنْ حالِهِمْ ويَبْقَوْنَ صِغارًا دائِمًا لا يَكْبَرُونَ ولا يَلْتَحُونَ.
والوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ مِنَ الخَلَدَةِ وهو القُرْطُ بِمَعْنى في آذانِهِمْ حَلَقٌ، والأوَّلُ أظْهَرُ وألْيَقُ.
الواقعة 56:18
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿بِأكْوابٍ وأبارِيقَ وكَأْسٍ مِن مَعِينٍ﴾ .
أوانِي الخَمْرِ تَكُونُ في المَجالِسِ، وفي الكُوبِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ مِن جِنْسِ الأقْداحِ وهو قَدَحٌ كَبِيرٌ.
وثانِيهِما: مِن جِنْسِ الكِيزانِ ولا عُرْوَةَ لَهُ ولا خُرْطُومَ والإبْرِيقُ لَهُ عُرْوَةٌ وخُرْطُومٌ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: ما الفَرْقُ بَيْنَ الأكْوابِ والأبارِيقِ والكَأْسِ حَيْثُ ذَكَرَ الأكْوابَ والأبارِيقَ بِلَفْظِ الجَمِيعِ، والكَأْسَ بِلَفْظِ الواحِدِ، ولَمْ يَقُلْ: وكُئُوسٍ ؟ نَقُولُ: هو عَلى عادَةِ العَرَبِ في الشُّرْبِ يَكُونُ عِنْدَهم أوانٍ كَثِيرَةٌ فِيها الخَمْرُ مُعَدَّةٌ مَوْضُوعَةٌ عِنْدَهم، وأمّا الكَأْسُ فَهو القَدَحُ الَّذِي يُشْرَبُ بِهِ الخَمْرُ إذا كانَ فِيهِ الخَمْرُ ولا يَشْرَبُ واحِدٌ في زَمانٍ واحِدٍ إلّا مِن كَأْسٍ واحِدٍ، وأمّا أوانِي الخَمْرِ المَمْلُوءَةُ مِنها في زَمانٍ واحِدٍ فَتُوجَدُ كَثِيرًا، فَإنْ قِيلَ: الطَّوافُ بِالكَأْسِ عَلى عادَةِ أهْلِ الدُّنْيا وأمّا الطَّوافُ بِالأكْوابِ والأبارِيقِ فَغَيْرُ مُعْتادٍ فَما الفائِدَةُ فِيهِ ؟ نَقُولُ: عَدَمُ الطَّوافِ بِها في الدُّنْيا لِدَفْعِ المَشَقَّةِ عَنِ الطّائِفِ لِثِقَلِها، وإلّا فَهي مُحْتاجٌ إلَيْها بِدَلِيلِ أنَّهُ عِنْدَ الفَراغِ يَرْجِعُ إلى المَوْضِعِ الَّذِي هو فِيهِ، وأمّا في الآخِرَةِ فالآنِيَةُ تَدُورُ بِنَفْسِها والوَلِيدُ مَعَها إكْرامًا لا لِلْحَمْلِ، وفِيهِ وجْهٌ آخَرُ مِن حَيْثُ اللُّغَةُ، وهو أنَّ الكَأْسَ إناءٌ فِيهِ شَرابٌ فَيَدْخُلُ في مَفْهُومِهِ المَشْرُوبُ، والإبْرِيقُ آنِيَةٌ لا يُشْتَرَطُ في
صفحة ١٣٢
إطْلاقِ اسْمِ الإبْرِيقِ عَلَيْها أنْ يَكُونَ فِيها شَرابٌ، وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: الإناءُ المَمْلُوءُ الِاعْتِبارُ لِما فِيهِ لا لِلْإناءِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فاعْتِبارُ الكَأْسِ بِما فِيهِ لَكِنْ فِيهِ مَشْرُوبٌ مِن جِنْسٍ واحِدٍ وهو المُعْتَبَرُ، والجِنْسُ لا يُجْمَعُ إلّا عِنْدَ تَنَوُّعِهِ فَلا يُقالُ لِلْأرْغِفَةِ مِن جِنْسٍ واحِدٍ: أخْبازٌ، وإنَّما يُقالُ: أخْبازٌ عِنْدَما يَكُونُ بَعْضُها أسْوَدَ وبَعْضُها أبْيَضَ، وكَذَلِكَ اللُّحُومُ يُقالُ عِنْدَ تَنَوُّعِ الحَيَواناتِ الَّتِي مِنها اللُّحُومُ ولا يُقالُ لِلْقِطْعَتَيْنِ مِنَ اللَّحْمِ: لَحْمانِ، وأمّا الأشْياءُ المُصَنَّفَةُ فَتُجْمَعُ، فالأقْداحُ وإنْ كانَتْ كَبِيرَةً لَكِنَّها لَمّا مُلِئَتْ خَمْرًا مِن جِنْسٍ واحِدٍ لَمْ يَجُزْ أنْ يُقالَ لَها: خُمُورٌ، فَلَمْ يَقُلْ: كُئُوسٌ وإلّا لَكانَ ذَلِكَ تَرْجِيحًا لِلظُّرُوفِ؛ لِأنَّ الكَأْسَ مِن حَيْثُ إنَّها شَرابٌ مِن جِنْسٍ واحِدٍ لا يُجْمَعُ واحِدٌ فَيُتْرَكُ الجَمْعُ تَرْجِيحًا لِجانِبِ المَظْرُوفِ بِخِلافِ الإبْرِيقِ، فَإنَّ المُعْتَبَرَ فِيهِ الإناءُ فَحَسْبُ، وعَلى هَذا يَتَبَيَّنُ بَلاغَةُ القُرْآنِ حَيْثُ لَمْ يَرِدْ فِيهِ لَفْظُ الكُئُوسِ إذْ كانَ ما فِيها نَوْعٌ واحِدٌ مِنَ الخَمْرِ، وهَذا بَحْثٌ عَزِيزٌ في اللُّغَةِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في تَأْخِيرِ الكَأْسِ تَرْتِيبٌ حَسَنٌ، فَكَذَلِكَ في تَقْدِيمِ الأكْوابِ إذا كانَ الكُوبُ مِنهُ يُصَبُّ الشَّرابُ في الإبْرِيقِ ومِنَ الإبْرِيقِ الكَأْسُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ﴿مِن مَعِينٍ﴾ بَيانُ ما في الكَأْسِ أوْ بَيانُ ما في الأكْوابِ والأبارِيقِ، نَقُولُ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الكُلُّ مِن مَعِينٍ والأوَّلُ أظْهَرُ بِالوَضْعِ، والثّانِي لَيْسَ كَذَلِكَ، فَلَمّا قالَ: ﴿وكَأْسٍ﴾ فَكَأنَّهُ قالَ: ومَشْرُوبٍ، وكَأنَّ السّامِعَ مُحْتاجًا إلى مَعْرِفَةِ المَشْرُوبِ، وأمّا الإبْرِيقُ فَدَلالَتُهُ عَلى المَشْرُوبِ لَيْسَ بِالوَضْعِ، وأمّا المَعْنى فَلِأنَّ كَوْنَ الكُلِّ مَلْآنًا هو الحَقُّ، ولِأنَّ الطَّوافَ بِالفارِغِ لا يَلِيقُ فَكانَ الظّاهِرُ بَيانَ ما في الكُلِّ، ومِمّا يُؤَيِّدُ الأوَّلَ هو أنَّهُ تَعالى عِنْدَ ذِكْرِ الأوانِي ذَكَرَ جِنْسَها لا نَوْعَ ما فِيها فَقالَ تَعالى: ﴿ويُطافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِن فِضَّةٍ وأكْوابٍ﴾ [الإنسان: ١٥] الآيَةَ، وعِنْدَ ذِكْرِ الكَأْسِ بَيَّنَ ما فِيها فَقالَ: ﴿وكَأْسٍ مِن مَعِينٍ﴾ فَيُحْتَمَلُ أنَّ الطَّوافَ بِالأبارِيقِ، وإنْ كانَتْ فارِغَةً، لِلزِّينَةِ والتَّجَمُّلِ وفي الآخِرَةِ تَكُونُ لِلْإكْرامِ والتَّنَعُّمِ لا غَيْرُ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: ما مَعْنى المَعِينِ ؟ قُلْنا: ذَكَرْنا في سُورَةِ الصّافّاتِ أنَّهُ فَعِيلٌ أوْ مَفْعُولٌ ومَضى فِيهِ خِلافٌ، فَإنْ قُلْنا: فَعِيلٌ فَهو مِن مَعِينِ الماءِ إذا جَرى، وإنْ قُلْنا: مَفْعُولٌ فَهو مِن عانَهُ إذا شَخَّصَهُ بِعَيْنِهِ ومَيَّزَهُ، والأوَّلُ أصَحُّ وأظْهَرُ؛ لِأنَّ المَعْيُونَ يُوهِمُ بِأنَّهُ مَعْيُوبٌ؛ لِأنَّ قَوْلَ القائِلِ: عانَنِي فُلانٌ مَعْناهُ ضَرَّنِي إذا أصابَتْنِي عَيْنُهُ، ولِأنَّ الوَصْفَ بِالمَفْعُولِ لا فائِدَةَ فِيهِ، وأمّا الجَرَيانُ في المَشْرُوبِ فَهو إنْ كانَ في الماءِ فَهو صِفَةُ مَدْحٍ وإنْ كانَ في غَيْرِهِ فَهو أمْرٌ عَجِيبٌ لا يُوجَدُ في الدُّنْيا، فَيَكُونُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنْهارٌ مِن خَمْرٍ﴾ [محمد: ١٥] .
الواقعة 56:19
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْها ولا يُنْزِفُونَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: ﴿لا يُصَدَّعُونَ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: لا يُصِيبُهم مِنها صُداعٌ، يُقالُ: صَدَّعَنِي فُلانٌ أيْ أوْرَثَنِي الصُّداعَ.
والثّانِي: لا يُنْزِفُونَ عَنْها ولا يُنْفِدُونَها مِنَ الصَّدْعِ، والظّاهِرُ أنَّ أصْلَ الصُّداعِ مِنهُ، وذَلِكَ لِأنَّ الألَمَ الَّذِي في الرَّأْسِ يَكُونُ في أكْثَرِ الأمْرِ بِخِلْطٍ ورِيحٍ في أغْشِيَةِ الدِّماغِ فَيُؤْلِمُهُ، فَيَكُونُ الَّذِي بِهِ صُداعٌ كَأنَّهُ يَتَطَرَّقُ في غِشاءِ دِماغِهِ.
صفحة ١٣٣
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: إنْ كانَ المُرادُ نَفْيَ الصُّداعِ فَكَيْفَ يَحْسُنُ عَنْها مَعَ أنَّ المُسْتَعْمَلَ في السَّبَبِ كَلِمَةُ مِن، فَيُقالُ: مَرِضَ مِن كَذا. وفي المُفارَقَةِ يُقالُ: عَنْ، فَيُقالُ: بَرِئَ عَنِ المَرَضِ. نَقُولُ: الجَوابُ هو أنَّ السَّبَبَ الَّذِي يُثْبِتُ أمْرًا في شَيْءٍ كَأنَّهُ يَنْفَصِلُ عَنْهُ شَيْءٌ ويُثْبِتُ في مَكانِهِ فِعْلَهُ، فَهُناكَ أمْرانِ ونَظَرانِ إذا نَظَرْتَ إلى المَحَلِّ ورَأيْتَ فِيهِ شَيْئًا تَقُولُ: هَذا مِن ماذا ؟ أيِ ابْتِداءُ وجُودِهِ مِن أيِّ شَيْءٍ فَيَقَعُ نَظَرُكَ عَلى السَّبَبِ. فَتَقُولُ: هَذا مِن هَذا أيِ ابْتِداءُ وجُودِهِ مِنهُ، وإذا نَظَرْتَ إلى جانِبِ المُسَبِّبِ تَرى الأمْرَ الَّذِي صَدَرَ عَنْهُ كَأنَّهُ فارَقَهُ والتَصَقَ بِالمَحَلِّ، ولِهَذا لا يُمْكِنُ أنْ يُوجَدَ ذَلِكَ مَرَّةً أُخْرى، والسَّبَبُ كَأنَّهُ كانَ فِيهِ وانْتَقَلَ عَنْهُ في أكْثَرِ الأمْرِ، فَهَهُنا يَكُونُ الأمْرانِ مِنَ الأجْسامِ والأُمُورِ الَّتِي لَها قُرْبٌ وبُعْدٌ، إذا عُلِمَ هَذا فَنَقُولُ: المُرادُ هَهُنا بَيانُ خَمْرِ الآخِرَةِ في نَفْسِها وبَيانُ ما عَلَيْها، فالنَّظَرُ وقَعَ عَلَيْها لا عَلى الشّارِبِينَ، ولَوْ كانَ المَقْصُودُ أنَّهم لا يُصَدَّعُونَ عَنْها لِوَصْفٍ مِنهم لَما كانَ مَدْحًا لَها، وأمّا إذا قالَ: هي لا تُصَدِّعُ لِأمْرٍ فِيها يَكُونُ مَدْحًا لَها فَلَمّا وقَعَ النَّظَرُ عَلَيْها قالَ: عَنْها، وأمّا إذا كُنْتَ تَصِفُ رَجُلًا بِكَثْرَةِ الشُّرْبِ وقُوَّتِهِ عَلَيْهِ، فَإنَّكَ تَقُولُ في حَقِّهِ: هو لا يُصَدَّعُ مِن كَذا مِنَ الخَمْرِ، فَإذا وصَفْتَ الخَمْرَ تَقُولُ: هَذِهِ لا يُصَدَّعُ عَنْها أحَدٌ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا يُنْزِفُونَ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ في الصّافّاتِ والَّذِي يَحْسُنُ ذِكْرُهُ هُنا أنْ نَقُولَ: إنْ كانَ مَعْنى ﴿ولا يُنْزِفُونَ﴾ لا يَسْكَرُونَ، فَنَقُولُ: إمّا أنْ نَقُولَ مَعْنى: ﴿لا يُصَدَّعُونَ﴾ أنَّهم لا يُصِيبُهُمُ الصُّداعُ، وإمّا أنَّهم لا يَفْقِدُونَ، فَإنْ قُلْنا بِالقَوْلِ الأوَّلِ فالتَّرْتِيبُ في غايَةِ الحُسْنِ؛ لِأنَّهُ عَلى طَرِيقَةِ الِارْتِقاءِ، فَإنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿لا يُصَدَّعُونَ﴾ مَعْناهُ لا يُصِيبُهُمُ الصُّداعُ لَكِنَّ هَذا لا يَنْفِي السُّكْرَ فَقالَ بَعْدَهُ ولا يُورِثُ السُّكْرَ، كَقَوْلِ القائِلِ: لَيْسَ فِيهِ مَفْسَدَةٌ كَثِيرَةٌ، ثُمَّ يَقُولُ: ولا قَلِيلَةٌ، تَتْمِيمًا لِلْبَيانِ، ولَوْ عَكَسْتَ التَّرْتِيبَ لا يَكُونُ حَسَنًا، وإنْ قُلْنا: ﴿ولا يُنْزِفُونَ﴾ لا يَفْقِدُونَ فالتَّرْتِيبُ أيْضًا كَذَلِكَ؛ لِأنَّ قَوْلَنا: ﴿لا يُصَدَّعُونَ﴾ أيْ لا يَفْقِدُونَهُ، ومَعَ كَثْرَتِهِ ودَوامِ شُرْبِهِ لا يَسْكَرُونَ، فَإنَّ عَدَمَ السُّكْرِ لِنَفادِ الشَّرابِ لَيْسَ بِعَجَبٍ، لَكِنَّ عَدَمَ سُكْرِهِمْ مَعَ أنَّهم مُسْتَدِيمُونَ لِلشَّرابِ عَجِيبٌ وإنْ قُلْنا: ﴿ولا يُنْزِفُونَ﴾ بِمَعْنى لا يَنْفَدُ شَرابُهم كَما بَيَّنّا هُناكَ. فَنَقُولُ: أيْضًا إنْ كانَ ﴿لا يُصَدَّعُونَ﴾ بِمَعْنى لا يُصِيبُهم صُداعٌ فالتَّرْتِيبُ في غايَةِ الحُسْنِ، وذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿لا يُصَدَّعُونَ﴾ لا يَكُونُ بَيانَ أمْرٍ عَجِيبٍ إنْ كانَ شَرابُهم قَلِيلًا فَقالَ: ﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْها﴾ مَعَ أنَّهم لا يَفْقِدُونَ الشَّرابَ ولا يَنْزِفُونَ الشَّرابَ، وإنْ كانَ بِمَعْنى لا يَنْزِفُونَ عَنْها فالتَّرْتِيبُ حَسَنٌ؛ لِأنَّ مَعْناهُ لا يَنْزِفُونَ عَنْها بِمَعْنى لا يَخْرُجُونَ عَمّا هم فِيهِ ولا يُؤْخَذُ مِنهم ما أُعْطُوا مِنَ الشَّرابِ، ثُمَّ إذا أفْنَوْها بِالشَّرابِ يُعْطَوْنَ.
الواقعة 56:20
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وفاكِهَةٍ مِمّا يَتَخَيَّرُونَ﴾ ﴿ولَحْمِ طَيْرٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: ما وجْهُ الجَرِّ، والفاكِهَةُ لا يَطُوفُ بِها الوِلْدانُ والعَطْفُ يَقْتَضِي ذَلِكَ ؟ نَقُولُ: الجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ الفاكِهَةَ واللَّحْمَ في الدُّنْيا يُطْلَبانِ في حالَتَيْنِ:
أحَدُهُما: حالَةُ الشُّرْبِ والأُخْرى حالُ عَدَمِهِ، فالفاكِهَةُ مِن رُءُوسِ الأشْجارِ تُؤْخَذُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿قُطُوفُها دانِيَةٌ﴾ [الحاقة: ٢٣] وقالَ: ﴿وجَنى الجَنَّتَيْنِ دانٍ﴾ [الرحمن: ٥٤] إلى غَيْرِ ذَلِكَ، وأمّا حالَةُ الشَّرابِ فَجازَ أنْ يَطُوفَ بِها الوِلْدانُ، فَيُناوِلُوهُمُ الفَواكِهَ الغَرِيبَةَ واللُّحُومَ العَجِيبَةَ لا لِلْأكْلِ بَلْ لِلْإكْرامِ، كَما يَضَعُ المُكْرِمُ لِلضَّيْفِ أنْواعَ الفَواكِهِ بِيَدِهِ عِنْدَهُ وإنْ
صفحة ١٣٤
كانَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما مُشارِكًا لِلْآخَرِ في القُرْبِ مِنها.
والوَجْهُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ عَطْفًا في المَعْنى عَلى جَنّاتِ النَّعِيمِ، أيْ هُمُ المُقَرَّبُونَ في جَنّاتٍ وفاكِهَةٍ، ولَحْمٍ وحُورٍ، أيْ في هَذِهِ النِّعَمِ يَتَقَلَّبُونَ، والمَشْهُورُ أنَّهُ عَطْفٌ في اللَّفْظِ لِلْمُجاوَرَةِ لا في المَعْنى، وكَيْفَ لا يَجُوزُ هَذا، وقَدْ جازَ تَقَلَّدَ سَيْفًا ورُمْحًا.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: هَلْ في تَخْصِيصِ التَّخْيِيرِ بِالفاكِهَةِ والِاشْتِهاءِ بِاللَّحْمِ بَلاغَةٌ ؟ قُلْتُ: وكَيْفَ لا وفي كُلِّ حَرْفٍ مِن حُرُوفِ القُرْآنِ بَلاغَةٌ وفَصاحَةٌ، وإنْ كانَ لا يُحِيطُ بِها ذِهْنِيَ الكَلِيلُ، ولا يَصِلُ إلَيْها عِلْمِيَ القَلِيلُ، والَّذِي يَظْهَرُ لِي فِيهِ أنَّ اللَّحْمَ والفاكِهَةَ إذا حَضَرا عِنْدَ الجائِعِ تَمِيلُ نَفْسُهُ إلى اللَّحْمِ، وإذا حَضَرا عِنْدَ الشَّبْعانِ تَمِيلُ إلى الفاكِهَةِ، والجائِعُ مُشْتَهٍ والشَّبْعانُ غَيْرُ مُشْتَهٍ، وإنَّما هو مُخْتارٌ إنْ أرادَ أكَلَ، وإنْ لَمْ يُرِدْ لا يَأْكُلُ، ولا يُقالُ في الجائِعِ إنْ أرادَ أكَلَ؛ لِأنَّ ”إنْ“ لا تَدْخُلُ إلّا عَلى المَشْكُوكِ، إذا عُلِمَ هَذا ثَبَتَ أنَّ في الدُّنْيا اللَّحْمَ عِنْدَ المُشْتَهِي مُخْتارٌ، والفاكِهَةَ عِنْدَ غَيْرِ المُشْتَهِي مُخْتارَةٌ، وحِكايَةُ الجَنَّةِ عَلى ما يُفْهَمُ في الدُّنْيا فَخُصَّ اللَّحْمُ بِالِاشْتِهاءِ والفاكِهَةُ بِالِاخْتِيارِ، والتَّحْقِيقُ فِيهِ مِن حَيْثُ اللَّفْظُ أنَّ الِاخْتِيارَ هو أخْذُ الخَيْرِ مِن أمْرَيْنِ، والأمْرانِ اللَّذانِ يَقَعُ فِيهِما الِاخْتِيارُ في الظّاهِرِ لا يَكُونُ لِلْمُخْتارِ أوَّلًا مَيْلٌ إلى أحَدِهِما، ثُمَّ يَتَفَكَّرُ ويَتَرَوّى، ويَأْخُذُ ما يُغَلِّبُهُ نَظَرُهُ عَلى الآخَرِ فالتَّفَكُّهُ هو ما يَكُونُ عِنْدَ عَدَمِ الحاجَةِ، وأمّا إنِ اشْتَهى واحِدٌ فاكِهَةً بِعَيْنِها فاسْتَحْضَرَها وأكَلَها فَهو لَيْسَ بِمُتَفَكِّهٍ، وإنَّما هو دافِعُ حاجَةٍ، وأمّا فَواكِهُ الجَنَّةِ تَكُونُ أوَّلًا عِنْدَ أصْحابِ الجَنَّةِ مِن غَيْرِ سَبْقِ مَيْلٍ مِنهم إلَيْها، ثُمَّ يَتَفَكَّهُونَ بِها عَلى حَسَبِ اخْتِيارِهِمْ، وأمّا اللَّحْمُ فَتَمِيلُ أنْفُسُهم إلَيْهِ أدْنى مَيْلٍ فَيَحْضُرُ عِنْدَهم، ومَيْلُ النَّفْسِ إلى المَأْكُولِ شَهْوَةٌ، ويَدُلُّ عَلى هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُطُوفُها دانِيَةٌ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿وجَنى الجَنَّتَيْنِ دانٍ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ﴾ ﴿لا مَقْطُوعَةٍ ولا مَمْنُوعَةٍ﴾ فَهو دَلِيلٌ عَلى أنَّها دائِمَةُ الحُضُورِ، وأمّا اللَّحْمُ فالمَرْوِيُّ أنَّ الطّائِرَ يَطِيرُ فَتَمِيلُ نَفْسُ المُؤْمِنِ إلى لَحْمِهِ فَيَنْزِلُ مَشْوِيًّا ومَقْلِيًّا عَلى حَسَبِ ما يَشْتَهِيهِ، فالحاصِلُ أنَّ الفاكِهَةَ تَحْضُرُ عِنْدَهم فَيَتَخَيَّرُ المُؤْمِنُ بَعْدَ الحُضُورِ واللَّحْمُ يَطْلُبُهُ المُؤْمِنُ وتَمِيلُ نَفْسُهُ إلَيْهِ أدْنى مَيْلٍ، وذَلِكَ لِأنَّ الفاكِهَةَ تَلَذُّ الأعْيُنُ بِحُضُورِها، واللَّحْمُ لا تَلَذُّ الأعْيُنُ بِحُضُورِهِ، ثُمَّ إنَّ في اللَّفْظِ لَطِيفَةً، وهي أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿مِمّا يَتَخَيَّرُونَ﴾ ولَمْ يَقُلْ: مِمّا يَخْتارُونَ مَعَ قُرْبِ أحَدِهِما إلى الآخَرِ في المَعْنى، وهو أنَّ التَّخَيُّرَ مِن بابِ التَّكَلُّفِ فَكَأنَّهم يَأْخُذُونَ ما يَكُونُ في نِهايَةِ الكَمالِ، وهَذا لا يُوجَدُ إلّا مِمَّنْ لا يَكُونُ لَهُ حاجَةٌ ولا اضْطِرارٌ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ما الحِكْمَةُ في تَقْدِيمِ الفاكِهَةِ عَلى اللَّحْمِ ؟ نَقُولُ: الجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: العادَةُ في الدُّنْيا التَّقْدِيمُ لِلْفَواكِهِ في الأكْلِ والجَنَّةُ وُضِعَتْ بِما عُلِمَ في الدُّنْيا مِنَ الأوْصافِ وعَلى ما عُلِمَ فِيها، ولا سِيَّما عادَةُ أهْلِ الشُّرْبِ، وكَأنَّ المَقْصُودَ بَيانُ حالِ شُرْبِ أهْلِ الجَنَّةِ.
وثانِيها: الحِكْمَةُ في الدُّنْيا تَقْتَضِي أكْلَ الفاكِهَةِ أوَّلًا؛ لِأنَّها ألْطَفُ وأسْرَعُ انْحِدارًا وأقَلُّ حاجَةً إلى المُكْثِ الطَّوِيلِ في المَعِدَةِ لِلْهَضْمِ، ولِأنَّ الفاكِهَةَ تُحَرِّكُ الشَّهْوَةَ لِلْأكْلِ واللَّحْمُ يَدْفَعُها.
وثالِثُها: يَخْرُجُ مِمّا ذَكَرْنا جَوابًا خَلا عَنْ لَفْظِ التَّخْيِيرِ والِاشْتِهاءِ، هو أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ الفاكِهَةَ دائِمَةُ الحُضُورِ والوُجُودِ، واللَّحْمَ يُشْتَهى ويَحْضُرُ عِنْدَ الِاشْتِهاءِ دَلَّ هَذا عَلى عَدَمِ الجُوعِ؛ لِأنَّ الجائِعَ حاجَتُهُ إلى اللَّحْمِ أكْثَرُ مِنَ اخْتِيارِهِ اللَّحْمَ فَقالَ: ﴿وفاكِهَةٍ﴾ لِأنَّ الحالَ في الجَنَّةِ يُشْبِهُ حالَ الشَّبْعانِ في الدُّنْيا فَيَمِيلُ إلى الفاكِهَةِ أكْثَرَ فَقَدَّمَها، وهَذا الوَجْهُ أصَحُّ؛ لِأنَّ مِنَ الفَواكِهِ ما لا يُؤْكَلُ إلّا بَعْدَ الطَّعامِ، فَلا يَصِحُّ الأوَّلُ جَوابًا في الكُلِّ.
الواقعة 56:21
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وفاكِهَةٍ مِمّا يَتَخَيَّرُونَ﴾ ﴿ولَحْمِ طَيْرٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: ما وجْهُ الجَرِّ، والفاكِهَةُ لا يَطُوفُ بِها الوِلْدانُ والعَطْفُ يَقْتَضِي ذَلِكَ ؟ نَقُولُ: الجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ الفاكِهَةَ واللَّحْمَ في الدُّنْيا يُطْلَبانِ في حالَتَيْنِ:
أحَدُهُما: حالَةُ الشُّرْبِ والأُخْرى حالُ عَدَمِهِ، فالفاكِهَةُ مِن رُءُوسِ الأشْجارِ تُؤْخَذُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿قُطُوفُها دانِيَةٌ﴾ [الحاقة: ٢٣] وقالَ: ﴿وجَنى الجَنَّتَيْنِ دانٍ﴾ [الرحمن: ٥٤] إلى غَيْرِ ذَلِكَ، وأمّا حالَةُ الشَّرابِ فَجازَ أنْ يَطُوفَ بِها الوِلْدانُ، فَيُناوِلُوهُمُ الفَواكِهَ الغَرِيبَةَ واللُّحُومَ العَجِيبَةَ لا لِلْأكْلِ بَلْ لِلْإكْرامِ، كَما يَضَعُ المُكْرِمُ لِلضَّيْفِ أنْواعَ الفَواكِهِ بِيَدِهِ عِنْدَهُ وإنْ
صفحة ١٣٤
كانَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما مُشارِكًا لِلْآخَرِ في القُرْبِ مِنها.
والوَجْهُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ عَطْفًا في المَعْنى عَلى جَنّاتِ النَّعِيمِ، أيْ هُمُ المُقَرَّبُونَ في جَنّاتٍ وفاكِهَةٍ، ولَحْمٍ وحُورٍ، أيْ في هَذِهِ النِّعَمِ يَتَقَلَّبُونَ، والمَشْهُورُ أنَّهُ عَطْفٌ في اللَّفْظِ لِلْمُجاوَرَةِ لا في المَعْنى، وكَيْفَ لا يَجُوزُ هَذا، وقَدْ جازَ تَقَلَّدَ سَيْفًا ورُمْحًا.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: هَلْ في تَخْصِيصِ التَّخْيِيرِ بِالفاكِهَةِ والِاشْتِهاءِ بِاللَّحْمِ بَلاغَةٌ ؟ قُلْتُ: وكَيْفَ لا وفي كُلِّ حَرْفٍ مِن حُرُوفِ القُرْآنِ بَلاغَةٌ وفَصاحَةٌ، وإنْ كانَ لا يُحِيطُ بِها ذِهْنِيَ الكَلِيلُ، ولا يَصِلُ إلَيْها عِلْمِيَ القَلِيلُ، والَّذِي يَظْهَرُ لِي فِيهِ أنَّ اللَّحْمَ والفاكِهَةَ إذا حَضَرا عِنْدَ الجائِعِ تَمِيلُ نَفْسُهُ إلى اللَّحْمِ، وإذا حَضَرا عِنْدَ الشَّبْعانِ تَمِيلُ إلى الفاكِهَةِ، والجائِعُ مُشْتَهٍ والشَّبْعانُ غَيْرُ مُشْتَهٍ، وإنَّما هو مُخْتارٌ إنْ أرادَ أكَلَ، وإنْ لَمْ يُرِدْ لا يَأْكُلُ، ولا يُقالُ في الجائِعِ إنْ أرادَ أكَلَ؛ لِأنَّ ”إنْ“ لا تَدْخُلُ إلّا عَلى المَشْكُوكِ، إذا عُلِمَ هَذا ثَبَتَ أنَّ في الدُّنْيا اللَّحْمَ عِنْدَ المُشْتَهِي مُخْتارٌ، والفاكِهَةَ عِنْدَ غَيْرِ المُشْتَهِي مُخْتارَةٌ، وحِكايَةُ الجَنَّةِ عَلى ما يُفْهَمُ في الدُّنْيا فَخُصَّ اللَّحْمُ بِالِاشْتِهاءِ والفاكِهَةُ بِالِاخْتِيارِ، والتَّحْقِيقُ فِيهِ مِن حَيْثُ اللَّفْظُ أنَّ الِاخْتِيارَ هو أخْذُ الخَيْرِ مِن أمْرَيْنِ، والأمْرانِ اللَّذانِ يَقَعُ فِيهِما الِاخْتِيارُ في الظّاهِرِ لا يَكُونُ لِلْمُخْتارِ أوَّلًا مَيْلٌ إلى أحَدِهِما، ثُمَّ يَتَفَكَّرُ ويَتَرَوّى، ويَأْخُذُ ما يُغَلِّبُهُ نَظَرُهُ عَلى الآخَرِ فالتَّفَكُّهُ هو ما يَكُونُ عِنْدَ عَدَمِ الحاجَةِ، وأمّا إنِ اشْتَهى واحِدٌ فاكِهَةً بِعَيْنِها فاسْتَحْضَرَها وأكَلَها فَهو لَيْسَ بِمُتَفَكِّهٍ، وإنَّما هو دافِعُ حاجَةٍ، وأمّا فَواكِهُ الجَنَّةِ تَكُونُ أوَّلًا عِنْدَ أصْحابِ الجَنَّةِ مِن غَيْرِ سَبْقِ مَيْلٍ مِنهم إلَيْها، ثُمَّ يَتَفَكَّهُونَ بِها عَلى حَسَبِ اخْتِيارِهِمْ، وأمّا اللَّحْمُ فَتَمِيلُ أنْفُسُهم إلَيْهِ أدْنى مَيْلٍ فَيَحْضُرُ عِنْدَهم، ومَيْلُ النَّفْسِ إلى المَأْكُولِ شَهْوَةٌ، ويَدُلُّ عَلى هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُطُوفُها دانِيَةٌ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿وجَنى الجَنَّتَيْنِ دانٍ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ﴾ ﴿لا مَقْطُوعَةٍ ولا مَمْنُوعَةٍ﴾ فَهو دَلِيلٌ عَلى أنَّها دائِمَةُ الحُضُورِ، وأمّا اللَّحْمُ فالمَرْوِيُّ أنَّ الطّائِرَ يَطِيرُ فَتَمِيلُ نَفْسُ المُؤْمِنِ إلى لَحْمِهِ فَيَنْزِلُ مَشْوِيًّا ومَقْلِيًّا عَلى حَسَبِ ما يَشْتَهِيهِ، فالحاصِلُ أنَّ الفاكِهَةَ تَحْضُرُ عِنْدَهم فَيَتَخَيَّرُ المُؤْمِنُ بَعْدَ الحُضُورِ واللَّحْمُ يَطْلُبُهُ المُؤْمِنُ وتَمِيلُ نَفْسُهُ إلَيْهِ أدْنى مَيْلٍ، وذَلِكَ لِأنَّ الفاكِهَةَ تَلَذُّ الأعْيُنُ بِحُضُورِها، واللَّحْمُ لا تَلَذُّ الأعْيُنُ بِحُضُورِهِ، ثُمَّ إنَّ في اللَّفْظِ لَطِيفَةً، وهي أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿مِمّا يَتَخَيَّرُونَ﴾ ولَمْ يَقُلْ: مِمّا يَخْتارُونَ مَعَ قُرْبِ أحَدِهِما إلى الآخَرِ في المَعْنى، وهو أنَّ التَّخَيُّرَ مِن بابِ التَّكَلُّفِ فَكَأنَّهم يَأْخُذُونَ ما يَكُونُ في نِهايَةِ الكَمالِ، وهَذا لا يُوجَدُ إلّا مِمَّنْ لا يَكُونُ لَهُ حاجَةٌ ولا اضْطِرارٌ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ما الحِكْمَةُ في تَقْدِيمِ الفاكِهَةِ عَلى اللَّحْمِ ؟ نَقُولُ: الجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: العادَةُ في الدُّنْيا التَّقْدِيمُ لِلْفَواكِهِ في الأكْلِ والجَنَّةُ وُضِعَتْ بِما عُلِمَ في الدُّنْيا مِنَ الأوْصافِ وعَلى ما عُلِمَ فِيها، ولا سِيَّما عادَةُ أهْلِ الشُّرْبِ، وكَأنَّ المَقْصُودَ بَيانُ حالِ شُرْبِ أهْلِ الجَنَّةِ.
وثانِيها: الحِكْمَةُ في الدُّنْيا تَقْتَضِي أكْلَ الفاكِهَةِ أوَّلًا؛ لِأنَّها ألْطَفُ وأسْرَعُ انْحِدارًا وأقَلُّ حاجَةً إلى المُكْثِ الطَّوِيلِ في المَعِدَةِ لِلْهَضْمِ، ولِأنَّ الفاكِهَةَ تُحَرِّكُ الشَّهْوَةَ لِلْأكْلِ واللَّحْمُ يَدْفَعُها.
وثالِثُها: يَخْرُجُ مِمّا ذَكَرْنا جَوابًا خَلا عَنْ لَفْظِ التَّخْيِيرِ والِاشْتِهاءِ، هو أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ الفاكِهَةَ دائِمَةُ الحُضُورِ والوُجُودِ، واللَّحْمَ يُشْتَهى ويَحْضُرُ عِنْدَ الِاشْتِهاءِ دَلَّ هَذا عَلى عَدَمِ الجُوعِ؛ لِأنَّ الجائِعَ حاجَتُهُ إلى اللَّحْمِ أكْثَرُ مِنَ اخْتِيارِهِ اللَّحْمَ فَقالَ: ﴿وفاكِهَةٍ﴾ لِأنَّ الحالَ في الجَنَّةِ يُشْبِهُ حالَ الشَّبْعانِ في الدُّنْيا فَيَمِيلُ إلى الفاكِهَةِ أكْثَرَ فَقَدَّمَها، وهَذا الوَجْهُ أصَحُّ؛ لِأنَّ مِنَ الفَواكِهِ ما لا يُؤْكَلُ إلّا بَعْدَ الطَّعامِ، فَلا يَصِحُّ الأوَّلُ جَوابًا في الكُلِّ.
الواقعة 56:22
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وحُورٌ عِينٌ﴾ ﴿كَأمْثالِ اللُّؤْلُؤِ المَكْنُونِ﴾ .
وفِيها قِراءاتٌ: الأُولى: الرَّفْعُ وهو المَشْهُورُ، ويَكُونُ عَطْفًا عَلى ”وِلْدانٌ“، فَإنْ قِيلَ قالَ قَبْلَهُ: ﴿حُورٌ مَقْصُوراتٌ في الخِيامِ﴾ [الرحمن: ٧٢] إشارَةً إلى كَوْنِها مُخَدَّرَةً ومَسْتُورَةً، فَكَيْفَ يَصِحُّ قَوْلُكَ: إنَّهُ عَطْفٌ عَلى ”وِلْدانٌ“ ؟ نَقُولُ: الجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: وهو المَشْهُورُ أنْ نَقُولَ: هو عَطْفٌ عَلَيْهِمْ في اللَّفْظِ لا في المَعْنى، أوْ في المَعْنى عَلى التَّقْدِيرِ والمَفْهُومِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ﴾ مَعْناهُ لَهم وِلْدانٌ كَما قالَ تَعالى: ﴿ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهُمْ﴾ فَيَكُونُ: ﴿وحُورٌ عِينٌ﴾ بِمَعْنى ولَهم حُورٌ عِينٌ.
وثانِيهِما: وهو أنْ يُقالَ: لَيْسَتِ الحُورُ مُنْحَصِراتٍ في جِنْسٍ، بَلْ لِأهْلِ الجَنَّةِ: ﴿حُورٌ مَقْصُوراتٌ﴾ في حَظائِرَ مُعَظَّماتٌ ولَهُنَّ جَوارٍوَخَوادِمُ، وحُورٌ تَطُوفُ مَعَ الوِلْدانِ السُّقاةِ فَيَكُونُ كَأنَّهُ قالَ: يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ ونِساءٌ. الثّانِيَةُ: الجَرُّ عَطْفًا عَلى أكْوابٍ وأبارِيقَ، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يُطافُ بِهِنَّ عَلَيْهِمْ ؟ نَقُولُ: الجَوابُ سَبَقَ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ولَحْمِ طَيْرٍ﴾ أوْ عَطْفًا عَلى: ﴿جَنّاتِ﴾ أيْ: ﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾ ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ ﴿وحُورٌ﴾ وقُرِئَ ”حُورًا عِينًا“ بِالنَّصْبِ، ولَعَلَّ الحاصِلَ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ عَلى غَيْرِ العَطْفِ بِمَعْنى العَطْفِ لَكِنَّ هَذا القارِئَ لا بُدَّ لَهُ مِن تَقْدِيرِ ناصِبٍ فَيَقُولُ: يُؤْتَوْنَ حُورًا فَيُقالُ: قَدْ رافِعًا، فَقالَ: ولَهم حُورٌ عِينٌ فَلا يَلْزَمُ الخُرُوجُ عَنْ مُوافَقَةِ العاطِفِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَأمْثالِ اللُّؤْلُؤِ المَكْنُونِ﴾ فِيهِ مَباحِثُ:
الأوَّلُ: الكافُ لِلتَّشْبِيهِ، والمِثْلُ حَقِيقَةٌ فِيهِ، فَلَوْ قالَ: أمْثالُ اللُّؤْلُؤِ المَكْنُونِ لَمْ يَكُنْ إلى الكافِ حاجَةٌ، فَما وجْهُ الجَمْعِ بَيْنَ كَلِمَتَيِ التَّشْبِيهِ ؟ نَقُولُ: الجَوابُ المَشْهُورُ أنَّ كَلِمَتَيِ التَّشْبِيهِ يُفِيدانِ التَّأْكِيدَ والزِّيادَةَ في التَّشْبِيهِ، فَإنْ قِيلَ: لَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ لا يُفِيدانِ ما يُفِيدُ أحَدُهُما؛ لِأنَّكَ إنْ قُلْتَ مَثَلًا: هو كاللُّؤْلُؤَةِ لِلْمُشَبَّهِ، دُونَ المُشَبَّهِ بِهِ في الأمْرِ الَّذِي لِأجْلِهِ التَّشْبِيهُ ؟ نَقُولُ: التَّحْقِيقُ فِيهِ، هو أنَّ الشَّيْءَ إذا كانَ لَهُ مَثَلٌ فَهو مِثْلُهُ، فَإذا قُلْتَ: هو مِثْلُ القَمَرِ لا يَكُونُ في المُبالَغَةِ مِثْلَ قَوْلِكَ هو قَمَرٌ وكَذَلِكَ قَوْلُنا: هو كالأسَدِ، وهو أسَدٌ، فَإذا قُلْتَ: كَمِثْلِ اللُّؤْلُؤِ كَأنَّكَ قُلْتَ: مِثْلُ اللُّؤْلُؤِ، وقَوْلُكَ: هو اللُّؤْلُؤُ أبْلَغُ مِن قَوْلِكَ: هو كاللُّؤْلُؤِ، وهَذا البَحْثُ يُفِيدُنا هَهُنا، ولا يُفِيدُنا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] لِأنَّ النَّفْيَ في مُقابَلَةِ الإثْباتِ، ولا يُفْهَمُ مَعْنى النَّفْيِ مِنَ الكَلامِ ما لَمْ يُفْهَمْ مَعْنى الإثْباتِ الَّذِي يُقابِلُهُ، فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ في مُقابَلَةِ قَوْلِ مَن يَقُولُ: كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، فَنَفى ما أثْبَتَهُ لَكِنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ إذا لَمْ نَقُلْ بِزِيادَةِ الكافِ هو أنَّ مِثْلَ مِثْلِهِ شَيْءٌ، وهَذا كَلامٌ يَدُلُّ عَلى أنَّ لَهُ مِثْلًا، ثُمَّ إنَّ لِمِثْلِهِ مِثْلًا، فَإذا قُلْنا: لَيْسَ كَذَلِكَ كانَ رَدًّا عَلَيْهِ، والرَّدُّ عَلَيْهِ صَحِيحٌ، بَقِيَ أنْ يُقالَ: إنَّ الرّادَّ عَلى مَن يُثْبِتُ أُمُورًا لا يَكُونُ نافِيًا لِكُلِّ ما أثْبَتَهُ، فَإذا قالَ قائِلٌ: زَيْدٌ عالِمٌ جَيِّدٌ، ثُمَّ قِيلَ رَدًّا عَلَيْهِ: لَيْسَ زَيْدٌ عالِمًا جَيِّدًا لا يَلْزَمُ مِن هَذا أنْ يَكُونَ نافِيًا لِكَوْنِهِ عالِمًا، فَمَن يَقُولُ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ بِمَعْنى لَيْسَ مِثْلَ مِثْلِهِ شَيْءٌ لا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ نافِيًا لِمِثْلِهِ، بَلْ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ نافِيًا لِمِثْلِ المِثْلِ، فَلا يَكُونُ الرّادُّ أيْضًا مُوَحِّدًا فَيُخْرِجُ الكَلامَ عَنْ إفادَةِ التَّوْحِيدِ، فَنَقُولُ: يَكُونُ مُفِيدًا لِلتَّوْحِيدِ؛ لِأنّا إذا قُلْنا: لَيْسَ مِثْلَ مِثْلِهِ شَيْءٌ لَزِمَ أنْ لا يَكُونَ لَهُ مِثْلٌ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ لَهُ مِثْلٌ لَكانَ هو مِثْلَ مِثْلِهِ، وهو شَيْءٌ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ أيُّ شَيْءٍ أكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ١٩] فَإنَّ حَقِيقَةَ الشَّيْءِ هو المَوْجُودُ فَيَكُونُ مِثْلَ مِثْلِهِ شَيْءٌ وهو مَنفِيٌّ بِقَوْلِنا: لَيْسَ مِثْلَ مِثْلِهِ
صفحة ١٣٦
شَيْءٌ، فَعُلِمَ أنَّ الكَلامَ لا يَخْرُجُ عَنْ إفادَةِ التَّوْحِيدِ، فَعُلِمَ أنَّ الحَمْلَ عَلى الحَقِيقَةِ يُفِيدُ في الكَلامِ مُبالِغَةً في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَأمْثالِ﴾ وأمّا عَدَمُ الحَمْلِ عَلَيْها في قَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ فَهو أوْجَزُ فَتُجْعَلُ الكافُ زائِدَةً لِئَلّا يَلْزَمَ التَّعْطِيلُ، وهو نَفْيُ الإلَهِ، نَقُولُ: فِيهِ فائِدَةٌ، وهو أنْ يَكُونَ ذَلِكَ نَفْيًا مَعَ الإشارَةِ إلى وجْهِ الدَّلِيلِ عَلى النَّفْيِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى واجِبُ الوُجُودِ، وقَدْ وافَقَنا مَن قالَ بِالشَّرِيكِ، ولا يُخالِفُنا إلّا المُعَطِّلُ، وذَلِكَ إثْباتُهُ ظاهِرٌ، وإذا كانَ هو واجِبَ الوُجُودِ فَلَوْ كانَ لَهُ مِثْلٌ لَخَرَجَ عَنْ كَوْنِهِ واجِبَ الوُجُودِ؛ لِأنَّهُ مَعَ مِثْلِهِ تَعادَلا في الحَقِيقَةِ، وإلّا لَما كانَ ذَلِكَ مِثْلَهُ وقَدْ تَعَدَّدَ فَلا بُدَّ مِنَ انْضِمامِ مُمَيِّزٍ إلَيْهِ بِهِ يَتَمَيَّزُ عَنْ مِثْلِهِ، فَلَوْ كانَ مُرَكَّبًا فَلا يَكُونُ واجِبًا؛ لِأنَّ كُلَّ مُرَكَّبٍ مُمْكِنٌ، فَلَوْ كانَ لَهُ مِثْلٌ لَما كانَ هو هو، فَيَلْزَمُ مِن إثْباتِ المِثْلِ لَهُ نَفْيُهُ، فَقَوْلُهُ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ إذا حَمَلْناهُ أنَّهُ لَيْسَ مِثْلَ مِثْلِهِ شَيْءٌ، ويَكُونُ في مُقابَلَتِهِ قَوْلُ الكافِرِ: مِثْلُ مِثْلِهِ شَيْءٌ فَيَكُونُ مُثْبِتًا لِكَوْنِهِ مِثْلَ مِثْلِهِ، ويَكُونُ مِثْلُهُ يَخْرُجُ عَنْ حَقِيقَةِ نَفْسِهِ ومِنهُ لا يَبْقى واجِبَ الوُجُودِ فَذِكْرُ المِثْلَيْنِ لَفْظًا يُفِيدُ التَّوْحِيدَ مَعَ الإشارَةِ إلى وجْهِ الدَّلِيلِ عَلى بُطْلانِ قَوْلِ المُشْرِكِ، ولَوْ قُلْنا: لَيْسَ مِثْلَهُ شَيْءٌ يَكُونُ نَفْيًا مِن غَيْرِ إشارَةٍ إلى دَلِيلٍ، والتَّحْقِيقُ فِيهِ أنّا نَقُولُ في نَفْيِ المِثْلِ رَدًّا عَلى المُشْرِكِ: لا مِثْلَ لِلَّهِ، ثُمَّ نَسْتَدِلُّ عَلَيْهِ ونَقُولُ: لَوْ كانَ لَهُ مِثْلٌ لَكانَ هو مِثْلًا لِذَلِكَ المِثْلِ فَيَكُونُ مُمْكِنًا مُحْتاجًا فَلا يَكُونُ إلَهًا، ولَوْ كانَ لَهُ مِثْلٌ لَما كانَ اللَّهُ إلَهًا واجِبَ الوُجُودِ؛ لِأنَّ عِنْدَ فَرْضِ مِثْلٍ لَهُ يُشارِكُهُ بِشَيْءٍ ويُنافِيهِ بِشَيْءٍ، فَيَلْزَمُ تَرْكُهُ فَلَوْ كانَ لَهُ مِثْلٌ لَخَرَجَ عَنْ حَقِيقَةِ كَوْنِهِ إلَهًا فَإثْباتُ الشَّرِيكِ يُفْضِي إلى نَفْيِ الإلَهِ فَقَوْلُهُ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ تَوْحِيدٌ بِالدَّلِيلِ ولَيْسَ مِثْلَهُ شَيْءٌ تَوْحِيدٌ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ، وشَيْءٌ مِن هَذا رَأيْتُهُ في كَلامِ الإمامِ فَخْرِ الدِّينِ الرّازِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ بَعْدَما فَرَغْتُ مِن كِتابَةِ هَذا مِمّا وافَقَ خاطِرِي خاطِرَهُ عَلى أنِّي مُعْتَرِفٌ بِأنِّي أصَبْتُ مِنهُ فَوائِدَ لا أُحْصِيها، وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللُّؤْلُؤِ المَكْنُونِ﴾ إشارَةٌ إلى غايَةِ صَفائِهِنَّ أيِ اللُّؤْلُؤِ الَّذِي لَمْ يُغَيِّرْ لَوْنَهُ الشَّمْسُ والهَواءُ.
الواقعة 56:23
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وحُورٌ عِينٌ﴾ ﴿كَأمْثالِ اللُّؤْلُؤِ المَكْنُونِ﴾ .
وفِيها قِراءاتٌ: الأُولى: الرَّفْعُ وهو المَشْهُورُ، ويَكُونُ عَطْفًا عَلى ”وِلْدانٌ“، فَإنْ قِيلَ قالَ قَبْلَهُ: ﴿حُورٌ مَقْصُوراتٌ في الخِيامِ﴾ [الرحمن: ٧٢] إشارَةً إلى كَوْنِها مُخَدَّرَةً ومَسْتُورَةً، فَكَيْفَ يَصِحُّ قَوْلُكَ: إنَّهُ عَطْفٌ عَلى ”وِلْدانٌ“ ؟ نَقُولُ: الجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: وهو المَشْهُورُ أنْ نَقُولَ: هو عَطْفٌ عَلَيْهِمْ في اللَّفْظِ لا في المَعْنى، أوْ في المَعْنى عَلى التَّقْدِيرِ والمَفْهُومِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ﴾ مَعْناهُ لَهم وِلْدانٌ كَما قالَ تَعالى: ﴿ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهُمْ﴾ فَيَكُونُ: ﴿وحُورٌ عِينٌ﴾ بِمَعْنى ولَهم حُورٌ عِينٌ.
وثانِيهِما: وهو أنْ يُقالَ: لَيْسَتِ الحُورُ مُنْحَصِراتٍ في جِنْسٍ، بَلْ لِأهْلِ الجَنَّةِ: ﴿حُورٌ مَقْصُوراتٌ﴾ في حَظائِرَ مُعَظَّماتٌ ولَهُنَّ جَوارٍوَخَوادِمُ، وحُورٌ تَطُوفُ مَعَ الوِلْدانِ السُّقاةِ فَيَكُونُ كَأنَّهُ قالَ: يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ ونِساءٌ. الثّانِيَةُ: الجَرُّ عَطْفًا عَلى أكْوابٍ وأبارِيقَ، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يُطافُ بِهِنَّ عَلَيْهِمْ ؟ نَقُولُ: الجَوابُ سَبَقَ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ولَحْمِ طَيْرٍ﴾ أوْ عَطْفًا عَلى: ﴿جَنّاتِ﴾ أيْ: ﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾ ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ ﴿وحُورٌ﴾ وقُرِئَ ”حُورًا عِينًا“ بِالنَّصْبِ، ولَعَلَّ الحاصِلَ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ عَلى غَيْرِ العَطْفِ بِمَعْنى العَطْفِ لَكِنَّ هَذا القارِئَ لا بُدَّ لَهُ مِن تَقْدِيرِ ناصِبٍ فَيَقُولُ: يُؤْتَوْنَ حُورًا فَيُقالُ: قَدْ رافِعًا، فَقالَ: ولَهم حُورٌ عِينٌ فَلا يَلْزَمُ الخُرُوجُ عَنْ مُوافَقَةِ العاطِفِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَأمْثالِ اللُّؤْلُؤِ المَكْنُونِ﴾ فِيهِ مَباحِثُ:
الأوَّلُ: الكافُ لِلتَّشْبِيهِ، والمِثْلُ حَقِيقَةٌ فِيهِ، فَلَوْ قالَ: أمْثالُ اللُّؤْلُؤِ المَكْنُونِ لَمْ يَكُنْ إلى الكافِ حاجَةٌ، فَما وجْهُ الجَمْعِ بَيْنَ كَلِمَتَيِ التَّشْبِيهِ ؟ نَقُولُ: الجَوابُ المَشْهُورُ أنَّ كَلِمَتَيِ التَّشْبِيهِ يُفِيدانِ التَّأْكِيدَ والزِّيادَةَ في التَّشْبِيهِ، فَإنْ قِيلَ: لَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ لا يُفِيدانِ ما يُفِيدُ أحَدُهُما؛ لِأنَّكَ إنْ قُلْتَ مَثَلًا: هو كاللُّؤْلُؤَةِ لِلْمُشَبَّهِ، دُونَ المُشَبَّهِ بِهِ في الأمْرِ الَّذِي لِأجْلِهِ التَّشْبِيهُ ؟ نَقُولُ: التَّحْقِيقُ فِيهِ، هو أنَّ الشَّيْءَ إذا كانَ لَهُ مَثَلٌ فَهو مِثْلُهُ، فَإذا قُلْتَ: هو مِثْلُ القَمَرِ لا يَكُونُ في المُبالَغَةِ مِثْلَ قَوْلِكَ هو قَمَرٌ وكَذَلِكَ قَوْلُنا: هو كالأسَدِ، وهو أسَدٌ، فَإذا قُلْتَ: كَمِثْلِ اللُّؤْلُؤِ كَأنَّكَ قُلْتَ: مِثْلُ اللُّؤْلُؤِ، وقَوْلُكَ: هو اللُّؤْلُؤُ أبْلَغُ مِن قَوْلِكَ: هو كاللُّؤْلُؤِ، وهَذا البَحْثُ يُفِيدُنا هَهُنا، ولا يُفِيدُنا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] لِأنَّ النَّفْيَ في مُقابَلَةِ الإثْباتِ، ولا يُفْهَمُ مَعْنى النَّفْيِ مِنَ الكَلامِ ما لَمْ يُفْهَمْ مَعْنى الإثْباتِ الَّذِي يُقابِلُهُ، فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ في مُقابَلَةِ قَوْلِ مَن يَقُولُ: كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، فَنَفى ما أثْبَتَهُ لَكِنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ إذا لَمْ نَقُلْ بِزِيادَةِ الكافِ هو أنَّ مِثْلَ مِثْلِهِ شَيْءٌ، وهَذا كَلامٌ يَدُلُّ عَلى أنَّ لَهُ مِثْلًا، ثُمَّ إنَّ لِمِثْلِهِ مِثْلًا، فَإذا قُلْنا: لَيْسَ كَذَلِكَ كانَ رَدًّا عَلَيْهِ، والرَّدُّ عَلَيْهِ صَحِيحٌ، بَقِيَ أنْ يُقالَ: إنَّ الرّادَّ عَلى مَن يُثْبِتُ أُمُورًا لا يَكُونُ نافِيًا لِكُلِّ ما أثْبَتَهُ، فَإذا قالَ قائِلٌ: زَيْدٌ عالِمٌ جَيِّدٌ، ثُمَّ قِيلَ رَدًّا عَلَيْهِ: لَيْسَ زَيْدٌ عالِمًا جَيِّدًا لا يَلْزَمُ مِن هَذا أنْ يَكُونَ نافِيًا لِكَوْنِهِ عالِمًا، فَمَن يَقُولُ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ بِمَعْنى لَيْسَ مِثْلَ مِثْلِهِ شَيْءٌ لا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ نافِيًا لِمِثْلِهِ، بَلْ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ نافِيًا لِمِثْلِ المِثْلِ، فَلا يَكُونُ الرّادُّ أيْضًا مُوَحِّدًا فَيُخْرِجُ الكَلامَ عَنْ إفادَةِ التَّوْحِيدِ، فَنَقُولُ: يَكُونُ مُفِيدًا لِلتَّوْحِيدِ؛ لِأنّا إذا قُلْنا: لَيْسَ مِثْلَ مِثْلِهِ شَيْءٌ لَزِمَ أنْ لا يَكُونَ لَهُ مِثْلٌ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ لَهُ مِثْلٌ لَكانَ هو مِثْلَ مِثْلِهِ، وهو شَيْءٌ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ أيُّ شَيْءٍ أكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ١٩] فَإنَّ حَقِيقَةَ الشَّيْءِ هو المَوْجُودُ فَيَكُونُ مِثْلَ مِثْلِهِ شَيْءٌ وهو مَنفِيٌّ بِقَوْلِنا: لَيْسَ مِثْلَ مِثْلِهِ
صفحة ١٣٦
شَيْءٌ، فَعُلِمَ أنَّ الكَلامَ لا يَخْرُجُ عَنْ إفادَةِ التَّوْحِيدِ، فَعُلِمَ أنَّ الحَمْلَ عَلى الحَقِيقَةِ يُفِيدُ في الكَلامِ مُبالِغَةً في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَأمْثالِ﴾ وأمّا عَدَمُ الحَمْلِ عَلَيْها في قَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ فَهو أوْجَزُ فَتُجْعَلُ الكافُ زائِدَةً لِئَلّا يَلْزَمَ التَّعْطِيلُ، وهو نَفْيُ الإلَهِ، نَقُولُ: فِيهِ فائِدَةٌ، وهو أنْ يَكُونَ ذَلِكَ نَفْيًا مَعَ الإشارَةِ إلى وجْهِ الدَّلِيلِ عَلى النَّفْيِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى واجِبُ الوُجُودِ، وقَدْ وافَقَنا مَن قالَ بِالشَّرِيكِ، ولا يُخالِفُنا إلّا المُعَطِّلُ، وذَلِكَ إثْباتُهُ ظاهِرٌ، وإذا كانَ هو واجِبَ الوُجُودِ فَلَوْ كانَ لَهُ مِثْلٌ لَخَرَجَ عَنْ كَوْنِهِ واجِبَ الوُجُودِ؛ لِأنَّهُ مَعَ مِثْلِهِ تَعادَلا في الحَقِيقَةِ، وإلّا لَما كانَ ذَلِكَ مِثْلَهُ وقَدْ تَعَدَّدَ فَلا بُدَّ مِنَ انْضِمامِ مُمَيِّزٍ إلَيْهِ بِهِ يَتَمَيَّزُ عَنْ مِثْلِهِ، فَلَوْ كانَ مُرَكَّبًا فَلا يَكُونُ واجِبًا؛ لِأنَّ كُلَّ مُرَكَّبٍ مُمْكِنٌ، فَلَوْ كانَ لَهُ مِثْلٌ لَما كانَ هو هو، فَيَلْزَمُ مِن إثْباتِ المِثْلِ لَهُ نَفْيُهُ، فَقَوْلُهُ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ إذا حَمَلْناهُ أنَّهُ لَيْسَ مِثْلَ مِثْلِهِ شَيْءٌ، ويَكُونُ في مُقابَلَتِهِ قَوْلُ الكافِرِ: مِثْلُ مِثْلِهِ شَيْءٌ فَيَكُونُ مُثْبِتًا لِكَوْنِهِ مِثْلَ مِثْلِهِ، ويَكُونُ مِثْلُهُ يَخْرُجُ عَنْ حَقِيقَةِ نَفْسِهِ ومِنهُ لا يَبْقى واجِبَ الوُجُودِ فَذِكْرُ المِثْلَيْنِ لَفْظًا يُفِيدُ التَّوْحِيدَ مَعَ الإشارَةِ إلى وجْهِ الدَّلِيلِ عَلى بُطْلانِ قَوْلِ المُشْرِكِ، ولَوْ قُلْنا: لَيْسَ مِثْلَهُ شَيْءٌ يَكُونُ نَفْيًا مِن غَيْرِ إشارَةٍ إلى دَلِيلٍ، والتَّحْقِيقُ فِيهِ أنّا نَقُولُ في نَفْيِ المِثْلِ رَدًّا عَلى المُشْرِكِ: لا مِثْلَ لِلَّهِ، ثُمَّ نَسْتَدِلُّ عَلَيْهِ ونَقُولُ: لَوْ كانَ لَهُ مِثْلٌ لَكانَ هو مِثْلًا لِذَلِكَ المِثْلِ فَيَكُونُ مُمْكِنًا مُحْتاجًا فَلا يَكُونُ إلَهًا، ولَوْ كانَ لَهُ مِثْلٌ لَما كانَ اللَّهُ إلَهًا واجِبَ الوُجُودِ؛ لِأنَّ عِنْدَ فَرْضِ مِثْلٍ لَهُ يُشارِكُهُ بِشَيْءٍ ويُنافِيهِ بِشَيْءٍ، فَيَلْزَمُ تَرْكُهُ فَلَوْ كانَ لَهُ مِثْلٌ لَخَرَجَ عَنْ حَقِيقَةِ كَوْنِهِ إلَهًا فَإثْباتُ الشَّرِيكِ يُفْضِي إلى نَفْيِ الإلَهِ فَقَوْلُهُ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ تَوْحِيدٌ بِالدَّلِيلِ ولَيْسَ مِثْلَهُ شَيْءٌ تَوْحِيدٌ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ، وشَيْءٌ مِن هَذا رَأيْتُهُ في كَلامِ الإمامِ فَخْرِ الدِّينِ الرّازِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ بَعْدَما فَرَغْتُ مِن كِتابَةِ هَذا مِمّا وافَقَ خاطِرِي خاطِرَهُ عَلى أنِّي مُعْتَرِفٌ بِأنِّي أصَبْتُ مِنهُ فَوائِدَ لا أُحْصِيها، وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللُّؤْلُؤِ المَكْنُونِ﴾ إشارَةٌ إلى غايَةِ صَفائِهِنَّ أيِ اللُّؤْلُؤِ الَّذِي لَمْ يُغَيِّرْ لَوْنَهُ الشَّمْسُ والهَواءُ.
الواقعة 56:24
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ .
وفِي نَصْبِهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ وهو ظاهِرٌ تَقْدِيرُهُ: فَعَلَ بِهِمْ هَذا لِيَقَعَ جَزاءً ولِيُجْزَوْنَ بِأعْمالِهِمْ، وعَلى هَذا فِيهِ لَطِيفَةٌ: وهي أنْ نَقُولَ: المَعْنى أنَّ هَذا كُلَّهُ جَزاءُ عَمَلِكم وأمّا الزِّيادَةُ فَلا يُدْرِكُها أحَدٌ مِنكم،
وثانِيهِما: أنَّهُ مَصْدَرٌ؛ لِأنَّ الدَّلِيلَ عَلى أنَّ كُلَّ ما يَفْعَلُهُ اللَّهُ فَهو جَزاءٌ فَكَأنَّهُ قالَ: تُجْزَوْنَ جَزاءً، وقَوْلُهُ: ﴿بِما كانُوا﴾ قَدْ ذَكَرْنا فائِدَتَهُ في سُورَةِ الطُّورِ وهي أنَّهُ تَعالى قالَ في حَقِّ المُؤْمِنِينَ: ﴿فَيُنَبِّئُهم بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ وفي حَقِّ الكافِرِينَ: ﴿إنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [التحريم: ٧] إشارَةً إلى أنَّ العَذابَ عَيْنُ جَزاءِ ما فَعَلُوا فَلا زِيادَةَ عَلَيْهِمْ، والثَّوابَ ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ فَلا يُعْطِيهِمُ اللَّهُ عَيْنَ عَمَلِهِمْ، بَلْ يُعْطِيهِمْ بِسَبَبِ عَمَلِهِمْ ما يُعْطِيهِمْ، والكافِرُ يُعْطِيهِ عَيْنَ ما فَعَلَ، فَيَكُونُ فِيهِ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أمْثالِها ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إلّا مِثْلَها﴾ [الأنعام: ١٦٠] وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: أُصُولِيَّةٌ ذَكَرَها الإمامُ فَخْرُ الدِّينِ رَحِمَهُ اللَّهُ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ، ونَحْنُ نَذْكُرُ بَعْضَها
صفحة ١٣٧
فالأُولى: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: هَذا يَدُلُّ عَلى أنْ يُقالَ: الثَّوابُ عَلى اللَّهِ واجِبٌ؛ لِأنَّ الجَزاءَ لا يَجُوزُ المُطالَبَةُ بِهِ، وقَدْ أجابَ عَنْهُ الإمامُ فَخْرُ الدِّينِ رَحِمَهُ اللَّهُ بِأجْوِبَةٍ كَثِيرَةٍ، وأظُنُّ بِهِ أنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ ما أقُولُهُ فِيهِ وهو ما ذَكَرُوهُ. ولَوْ صَحَّ لَما كانَ في الوَعْدِ بِهَذِهِ الأشْياءِ فائِدَةٌ، وذَلِكَ لِأنَّ العَقْلَ إذا حَكَمَ بِأنَّ تَرْكَ الجَزاءِ قَبِيحٌ وعُلِمَ بِالعَقْلِ أنَّ القَبِيحَ مِنَ اللَّهِ لا يُوجَدُ، عُلِمَ أنَّ اللَّهَ يُعْطِي هَذِهِ الأشْياءَ لِأنَّها أجْزِيَةٌ، وإيصالُ الجَزاءِ واجِبٌ، وأمّا إذا قُلْنا بِمَذْهَبِنا تَكُونُ الآياتُ مُفِيدَةً مُبَشِّرَةً؛ لِأنَّ البِشارَةَ لا تَكُونُ إلّا بِالخَيْرِ عَنْ أمْرٍ غَيْرِ مَعْلُومٍ، لا يُقالُ: الجَزاءُ كانَ واجِبًا عَلى اللَّهِ وأمّا الخَبَرُ بِهَذِهِ الأشْياءِ فَلا يَذْكُرُها مُبَشِّرًا، لِأنّا نَقُولُ: إذا وجَبَ نَفْسُ الجَزاءِ فَما أعْطانا اللَّهُ تَعالى مِنَ النِّعَمِ في الدُّنْيا جَزاءً فَثَوابُ الآخِرَةِ لا يَكُونُ إلّا تَفَضُّلًا مِنهُ، غايَةُ ما في البابِ أنَّهُ تَعالى كَمَّلَ النِّعْمَةَ بِقَوْلِهِ: هَذا جَزاؤُكم، أيْ جَعَلْتُهُ لَكم جَزاءً، ولَمْ يَكُنْ مُتَعَيِّنًا ولا واجِبًا، كَما أنَّ الكَرِيمَ إذا أعْطى مَن جاءَ بِشَيْءٍ يَسِيرٍ شَيْئًا كَثِيرًا، فَيَظُنُّ أنَّهُ يُودِعُهُ إيداعًا أوْ يَأْمُرُهُ بِحَمْلِهِ إلى مَوْضِعٍ، فَيَقُولُ لَهُ: هَذا لَكَ فَيَفْرَحُ، ثُمَّ إنَّهُ يَقُولُ: هَذا إنْعامٌ عَظِيمٌ يُوجِبُ عَلَيَّ خِدْمَةً كَثِيرَةً، فَيَقُولُ لَهُ هَذا جَزاءُ ما أتَيْتَ بِهِ، ولا أطْلُبُ مِنكَ عَلى هَذا خِدْمَةً، فَإنْ أتَيْتَ بِخِدْمَةٍ فَلَها ثَوابٌ جَدِيدٌ، فَيَكُونُ هَذا غايَةَ الفَضْلِ، وعِنْدَ هَذا نَقُولُ: هَذا كُلُّهُ إذا كانَ الآتِي غَيْرَ العَبْدِ، وأمّا إذا فَعَلَ العَبْدُ ما أوْجَبَ عَلَيْهِ سَيِّدُهُ لا يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ أجْرًا، ولا سِيَّما إذا أتى بِما أمَرَ بِهِ عَلى نَوْعِ اخْتِلالٍ، فَما ظَنُّكَ بِحالِنا مَعَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، مَعَ أنَّ السَّيِّدَ لا يَمْلِكُ مِن عَبْدِهِ إلّا البِنْيَةَ، واللَّهُ تَعالى يَمْلِكُ مِنّا أنْفُسَنا وأجْسامَنا، ثُمَّ إنَّكَ إذا تَفَكَّرْتَ في مَذْهَبِ أهْلِ السُّنَّةِ تَجِدُهم قَدْ حَقَّقُوا مَعْنى العُبُودِيَّةِ غايَةَ التَّحْقِيقِ، واعْتَرَفُوا أنَّهم عَبِيدٌ لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا ولا يَجِبُ لِلْعَبْدِ عَلى السَّيِّدِ دَيْنٌ، والمُعْتَزِلَةُ لَمْ يُحَقِّقُوا العُبُودِيَّةَ، وجَعَلُوا بَيْنَهم وبَيْنَ اللَّهِ مُعامَلَةً تُوجِبُ مُطالَبَةً، ونَرْجُو أنْ يُحَقِّقَ اللَّهُ تَعالى مَعَنا المالِكِيَّةَ غايَةَ التَّحْقِيقِ، ويَدْفَعَ حاجاتِنا الأصْلِيَّةَ ويُطَهِّرَ أعْمالَنا، كَما أنَّ السَّيِّدَ يَدْفَعُ حاجَةَ عَبْدِهِ بِإطْعامِهِ وكُسْوَتِهِ، ويُطَهِّرُ صَوْمَهُ بِزَكاةِ فِطْرِهِ، وإذا جَنى جِنايَةً لَمْ يُمَكِّنِ المَجْنِيَّ عَلَيْهِ مِنهُ، بَلْ يَخْتارُ فِداءَهُ ويُخَلِّصُ رَقَبَتَهُ مِنَ الجِنايَةِ، كَذَلِكَ يَدْفَعُ اللَّهُ حاجاتِنا في الآخِرَةِ، وأهَمُّ الحاجاتِ أنْ يَرْحَمَنا ويَعْفُوَ عَنّا، ويَتَغَمَّدَنا بِالمَغْفِرَةِ والرِّضْوانِ، حَيْثُ مَنَعَ غَيْرَهُ عَنْ تَمَلُّكِ رِقابِنا بِاخْتِيارِ الفِداءِ عَنّا، وأرْجُو أنْ لا يَفْعَلَ مَعَ إخْوانِنا المُعْتَزِلَةِ ما يَفْعَلُهُ المُتَعامِلانِ في المُحاسَبَةِ بِالنَّقِيرِ والقِطْمِيرِ، والمُطالَبَةِ بِما يَفْضُلُ لِأحَدِهِما مِنَ القَلِيلِ والكَثِيرِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالُوا: لَوْ كانَ في الآخِرَةِ رُؤْيَةٌ لَكانَتْ جَزاءً، وقَدْ حَصَرَ اللَّهُ الجَزاءَ فِيما ذَكَرَ والجَوابُ عَنْهُ: أنْ نَقُولَ: لِمَ قُلْتُمْ: إنَّها لَوْ كانَتْ تَكُونُ جَزاءً، بَلْ تَكُونُ فَضْلًا مِنهُ فَوْقَ الجَزاءِ، وهَبْ أنَّها تَكُونُ جَزاءً، ولَكِنْ لِمَ قُلْتُمْ: إنَّ ذِكْرَ الجَزاءِ حَصْرٌ وإنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ مَن قالَ لِغَيْرِهِ: أعْطَيْتُكَ كَذا جَزاءً عَلى عَمَلٍ لا يُنافِي قَوْلَهُ: وأعْطَيْتُكَ شَيْئًا آخَرَ فَوْقَهُ أيْضًا جَزاءً عَلَيْهِ، وهَبْ أنَّهُ حَصْرٌ، لَكِنْ لِمَ قُلْتُمْ: إنَّ القُرْبَةَ لا تَدُلُّ عَلى الرُّؤْيَةِ، فَإنْ قِيلَ: قالَ في حَقِّ المَلائِكَةِ: ﴿ولا المَلائِكَةُ المُقَرَّبُونَ﴾، ولَمْ يَلْزَمْ مِن قُرْبِهِمُ الرُّؤْيَةُ، نَقُولُ: أجَبْنا أنَّ قُرْبَهم مِثْلُ قُرْبِ مَن يَكُونُ عِنْدَ المَلِكِ لِقَضاءِ الأشْغالِ، فَيَكُونُ عَلَيْهِ التَّكْلِيفُ والوُقُوفُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِالبابِ تَخْرُجُ أوامِرُهُ عَلَيْهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦] وقُرْبُ المُؤْمِنِ قُرْبُ المُنَعَّمِ مِنَ المَلِكِ، وهو الَّذِي لا يَكُونُ إلّا لِلْمُكالَمَةِ والمُجالَسَةِ في الدُّنْيا، لَكِنَّ المُقَرَّبَ المُكَلَّفَ لَيْسَ كُلَّما يَرُوحُ إلى بابِ المَلِكِ يَدْخُلُ عَلَيْهِ وأمّا المُنَعَّمُ لا يَذْهَبُ إلَيْهِ إلّا ويَدْخُلُ عَلَيْهِ فَظَهَرَ الفَرْقُ.
والَّذِي يَدُلُّ عَلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾ فِيهِ إشارَةٌ إلى الرُّؤْيَةِ هو أنَّ اللَّهَ تَعالى في سُورَةِ المُطَفِّفِينَ ذَكَرَ الأبْرارَ والفُجّارَ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى قالَ في حَقِّ الفُجّارِ: ﴿إنَّهم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ .
صفحة ١٣٨
[المطففين: ١٥]، وقالَ في الأبْرارِ: ﴿يَشْرَبُ بِها المُقَرَّبُونَ﴾ [المطففين: ٢٨] ولَمْ يَذْكُرْ في مُقابَلَةِ ”المَحْجُوبُونَ“ ما يَدُلُّ عَلى مُخالَفَةِ حالِ الأبْرارِ حالَ الفُجّارِ في الحِجابِ والقُرْبِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ [المطففين: ١٨] وإنْ كانَ دَلِيلًا عَلى القُرْبِ وعُلُوِّ المَنزِلَةِ لَكِنَّهُ في مُقابَلَةِ قَوْلِهِ: ﴿لَفِي سِجِّينٍ﴾ [المطففين: ٧] فَقَوْلُهُ تَعالى في حَقِّهِمْ: ﴿يَشْرَبُ بِها المُقَرَّبُونَ﴾ مَعَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وسَقاهم رَبُّهم شَرابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان: ٢١] يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ مِنهُ القُرْبُ الَّذِي يَكُونُ لِجُلَساءِ المَلِكِ عِنْدَ المَلِكِ، وقَوْلُهُ في حَقِّ المَلائِكَةِ في تِلْكَ السُّورَةِ: ﴿يَشْهَدُهُ المُقَرَّبُونَ﴾ [المطففين: ٢١] يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ مِنهُ القُرْبُ الَّذِي يَكُونُ لِلْكِتابِ والحِسابِ عِنْدَ المَلِكِ لِما أنَّهُ في الدُّنْيا يَحْسُدُ أحَدُهُما الآخَرَ، فَإنَّ الكاتِبَ إنْ كانَ قُرْبُهُ مِنَ المَلِكِ بِسَبَبِ الخِدْمَةِ لا يَخْتارُ قُرْبَ الكِتابِ والحِسابِ، بَلْ قُرْبَ النَّدِيمِ، ثُمَّ إنَّهُ بَيْنَ ذَلِكَ النَّوْعِ مِنَ القُرْبِ وبَيْنَ القُرْبِ الَّذِي بِسَبَبِ الكِتابَةِ ما يَحْمِلُهُ عَلى أنْ يَخْتارَ غَيْرَهُ، وفي سُورَةِ المُطَفِّفِينَ قَوْلُهُ: ﴿لَمَحْجُوبُونَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُقَرَّبِينَ غَيْرُ مَحْجُوبِينَ عَنِ النَّظَرِ إلى اللَّهِ تَعالى، ويَنْبَغِي أنْ لا يُنْظَرَ إلى اللَّهِ قَوْلُنا: جُلَساءُ المَلِكِ في ظاهِرِ النَّظَرِ الَّذِي يَقْتَضِي في نَظَرِ القَوْمِ الجِهَةَ وإلى القُرْبِ الَّذِي يَفْهَمُ العامِّيُّ مِنهُ المَكانَ إلّا بِنَظَرِ العُلَماءِ الأخْبارِ الحُكَماءِ الأخْيارِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالُوا: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ العَمَلَ عَمَلُهم وحاصِلٌ بِفِعْلِهِمْ، نَقُولُ: لا نِزاعَ في أنَّ العَمَلَ في الحَقِيقَةِ اللُّغَوِيَّةِ وُضِعَ لِلْفِعْلِ والمَجْنُونَ لِلَّذِي لا عَقْلَ لَهُ والعاقِلَ لِلَّذِي بَلَغَ الكَمالَ فِيهِ، وذَلِكَ لَيْسَ إلّا بِوَضْعِ اللُّغَةِ لِما يُدْرَكُ بِالحِسِّ، وكُلُّ أحَدٍ يَرى الحَرَكَةَ مِنَ الجِسْمَيْنِ فَيَقُولُ: تَحَرَّكَ وسَكَنَ عَلى سَبِيلِ الحَقِيقَةِ، كَما يَقُولُ: تَدُورُ الرَّحا ويَصْعَدُ الحَجَرُ، وإنَّما الكَلامُ في القُدْرَةِ الَّتِي بِها الفِعْلُ في المَحَلِّ المَرْئِيِّ، وذَلِكَ خارِجٌ عَنْ وضْعِ اللُّغَةِ.
الواقعة 56:25
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ولا تَأْثِيمًا﴾ ﴿إلّا قِيلًا سَلامًا سَلامًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: ما الحِكْمَةُ في تَأْخِيرِ ذِكْرِهِ عَنِ الجَزاءِ مَعَ أنَّهُ مِنَ النِّعَمِ العَظِيمَةِ ؟ نَقُولُ: فِيهِ لَطائِفُ:
الأُولى: أنَّ هَذا مِن أتَمِّ النِّعَمِ، فَجَعَلَها مِن بابِ الزِّيادَةِ الَّتِي مِنها الرُّؤْيَةُ عِنْدَ البَعْضِ ولا مُقابِلَ لَها مِنَ الأعْمالِ، وإنَّما قُلْنا: إنَّها مِن أتَمِّ النِّعَمِ؛ لِأنَّها نِعْمَةُ سَماعِ كَلامِ اللَّهِ تَعالى عَلى ما سَنُبَيِّنُ أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿سَلامًا﴾ هو ما قالَ في سُورَةِ يس: ﴿سَلامٌ قَوْلًا مِن رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس: ٥٨] فَلَمْ يَذْكُرْها فِيما جَعَلَهُ جَزاءً، وهَذا عَلى قَوْلِنا: ﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾ لَيْسَ فِيهِ دَلالَةٌ عَلى الرُّؤْيَةِ.
الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى بَدَأ بِأتَمِّ النِّعَمِ وهي نِعْمَةُ الرُّؤْيَةِ، وهي الرُّؤْيَةُ بِالنَّظَرِ كَما مَرَّ وخَتَمَ بِمِثْلِها، وهي نِعْمَةُ المُخاطَبَةِ. الثّالِثَةُ: هي أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ النِّعَمَ الفِعْلِيَّةَ وقابَلَها بِأعْمالِهِمْ حَيْثُ قالَ: ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ذَكَرَ النِّعَمَ القَوْلِيَّةَ في مُقابَلَةِ أذْكارِهِمُ الحَسَنَةِ ولَمْ يَذْكُرُوا اللَّذّاتِ العَقْلِيَّةَ الَّتِي في مُقابَلَةِ أعْمالِ قُلُوبِهِمْ مِن إخْلاصِهِمْ واعْتِقادِهِمْ؛ لِأنَّ العَمَلَ القَلْبِيَّ لَمْ يُرَ ولَمْ يُسْمَعْ، فَما يُعْطِيهِمُ اللَّهُ تَعالى مِنَ النِّعْمَةِ تَكُونُ نِعْمَةً لَمْ تَرَها عَيْنٌ ولا سَمِعَتْها أُذُنٌ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ ﷺ: «فِيها ما لا عَيْنٌ رَأتْ، ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ، ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ» وقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ولا خَطَرَ إشارَةٌ إلى الزِّيادَةِ، والَّذِي يَدُلُّ عَلى النِّعْمَةِ القَوْلِيَّةِ في مُقابَلَةِ قَوْلِهِمُ الطَّيِّبِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ ألّا تَخافُوا ولا تَحْزَنُوا وأبْشِرُوا﴾ [فصلت: ٣٠] إلى قَوْلِهِ:
صفحة ١٣٩
﴿نُزُلًا مِن غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ [فصلت: ٣٢] .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ولا تَأْثِيمًا﴾ نَفْيٌ لِلْمَكْرُوهِ لِما أنَّ اللَّغْوَ كَلامٌ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ؛ لِأنَّهُ عِنْدَ المُعْتَبَرَينَ مِنَ الرِّجالِ مَكْرُوهٌ، ونَفْيُ المَكْرُوهِ لا يُعَدُّ مِنَ النِّعَمِ العَظِيمَةِ الَّتِي مَرَّ ذِكْرُها، كَيْفَ وقَدْ ذَكَرْتَ أنَّ تَأْخِيرَ هَذِهِ النِّعْمَةِ لِكَوْنِها أتَمَّ، ولَوْ قالَ: إنَّ فُلانًا في بَلْدَةِ كَذا مُحْتَرَمٌ مُكَرَّمٌ لا يُضْرَبُ ولا يُشْتَمُ فَهو غَيْرُ مُكَرَّمٍ وهو مَذْمُومٌ، والواغِلُ مَذْمُومٌ وهو الَّذِي يَدْخُلُ عَلى قَوْمٍ يَشْرَبُونَ ويَأْكُلُونَ فَيَأْكُلُ ويَشْرَبُ مَعَهم مِن غَيْرِ دُعاءٍ ولا إذْنٍ فَكَأنَّهُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ في عَدَمِ الِاعْتِبارِ كَلامٌ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ وهو اللَّغْوُ، وكَذَلِكَ ما يَتَصَرَّفُ مِنهُ مِثْلُ الوُلُوغِ لا يُقالُ إلّا إذا كانَ الوالِغُ كَلْبًا أوْ ما يُشْبِهُهُ مِنَ السِّباعِ، وأمّا التَّأْثِيمُ فَهو النِّسْبَةُ إلى الإثْمِ ومَعْناهُ لا يَذْكُرُ إلّا باطِلًا ولا يَنْسُبُهُ أحَدٌ إلّا إلى الباطِلِ، وأمّا التَّقْدِيمُ فَلِأنَّ اللَّغْوَ أعَمُّ مِنَ التَّأْثِيمِ أيْ يَجْعَلُهُ آثِمًا كَما تَقُولُ: إنَّهُ فاسِقٌ أوْ سارِقٌ ونَحْوُ ذَلِكَ، وبِالجُمْلَةِ فالمُتَكَلِّمُ يَنْقَسِمُ إلى أنْ يَلْغُوَ وإلى أنْ لا يَلْغُوَ والَّذِي لا يَلْغُو يَقْصِدُ الأمْرَ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيَ عَنِ المُنْكَرِ، فَيَأْخُذُ النّاسَ بِأقْوالِهِمْ وهو لا يُؤْخَذُ عَلَيْهِ شَيْءٌ، فَقالَ تَعالى: لا يَلْغُو أحَدٌ ولا يَصْدُرُ مِنهُ لَغْوٌ ولا ما يُشْبِهُ اللَّغْوَ فَيَقُولُ لَهُ: الصّادِقُ لا يَلْغُو ولا يَأْثَمُ ولا شَكَّ في أنَّ الباطِلَ أقْبَحُ ما يُشْبِهُهُ فَقالَ: لا يَأْثَمُ أحَدٌ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ تَعالى في سُورَةِ النَّبَأِ: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ولا كِذّابًا﴾ فَهَلْ بَيْنَهُما فَرْقٌ ؟ قُلْنا: نَعَمْ، الكِذّابُ كَثِيرُ التَّكْذِيبِ ومَعْناهُ هُناكَ أنَّهم لا يَسْمَعُونَ كَذِبًا ولا أحَدًا يَقُولُ لِآخَرَ: كَذَبْتَ وفائِدَتُهُ أنَّهم لا يَعْرِفُونَ كَذِبًا مِن مُعَيَّنٍ مِنَ النّاسِ ولا مِن واحِدٍ مِنهم غَيْرِ مُعَيَّنٍ لِتَفاوُتِ حالِهِمْ وحالِ الدُّنْيا، فَإنّا نَعْلَمُ أنَّ بَعْضَ النّاسِ بِأعْيانِهِمْ كَذّابُونَ فَإنْ لَمْ نَعْرِفْ ذَلِكَ نَقْطَعْ بِأنَّ في النّاسِ كَذّابًا؛ لِأنَّ أحَدَهم يَقُولُ لِصاحِبِهِ: كَذَبْتَ فَإنْ صَدَقَ فَصاحِبُهُ كَذّابٌ، وإنْ لَمْ يَصْدُقْ فَهو كاذِبٌ فَيَعْلَمُ أنَّ في الدُّنْيا كَذّابًا بِعَيْنِهِ أوْ بِغَيْرِ عَيْنِهِ ولا كَذَلِكَ في الآخِرَةِ فَلا كَذِبَ فِيها، وقالَ هَهُنا: ﴿ولا تَأْثِيمًا﴾ وهو أبْلَغُ مِنَ التَّكْذِيبِ فَإنَّ مَن يَقُولُ في حَقِّ مَن لا يَعْرِفُهُ: إنَّهُ زانٍ أوْ شارِبٌ الخَمْرَ مَثَلًا فَإنَّهُ يَأْثَمُ وقَدْ يَكُونُ صادِقًا، فالَّذِي لَيْسَ عَنْ عِلْمٍ إثْمٌ فَلا يَقُولُ أحَدٌ لِأحَدٍ: قُلْتَ ما لا عِلْمَ لَكَ بِهِ، فالكَلامُ هَهُنا أبْلَغُ؛ لِأنَّهُ قَصَرَ السُّورَةَ عَلى بَيانِ أحْوالِ الأقْسامِ؛ لِأنَّ المَذْكُورِينَ هُنا هُمُ السّابِقُونَ وفي سُورَةِ النَّبَأِ هُمُ المُتَّقُونَ، وقَدْ بَيَّنّا أنَّ السّابِقَ فَوْقَ المُتَّقِي.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: ﴿إلّا قِيلًا﴾ اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ مُنْقَطِعٌ، فَنَقُولُ: فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: وهو الأظْهَرُ أنَّهُ مُنْقَطِعٌ؛ لِأنَّ السَّلامَ لَيْسَ مِن جِنْسِ اللَّغْوِ تَقْدِيرُهُ لَكِنْ يَسْمَعُونَ قِيلًا سَلامًا سَلامًا.
ثانِيهِما: أنَّهُ مُتَّصِلٌ ووَجْهُهُ أنْ نَقُولَ: المَجازُ قَدْ يَكُونُ في المَعْنى، ومِن جُمْلَتِهِ أنَّكَ تَقُولُ: ما لِي ذَنْبٌ إلّا أنِّي أُحِبُّكَ فَلِهَذا تُؤْذِينِي، فَتَسْتَثْنِي مَحَبَّتَهُ مِنَ الذَّنْبِ ولا تُرِيدُ المُنْقَطِعَ؛ لِأنَّكَ لا تُرِيدُ بِهَذا القَوْلِ بَيانَ أنَّكَ تُحِبُّهُ إنَّما تُرِيدُ في تَبْرِئَتِكَ عَنِ الذُّنُوبِ ووَجْهُهُ هو أنَّ بَيْنَهُما غايَةَ الخِلافِ وبَيْنَهُما أُمُورٌ مُتَوَسِّطَةٌ، مِثالُهُ: الحارُّ والبارِدُ وبَيْنَهُما الفاتِرُ الَّذِي هو أقْرَبُ إلى الحارِّ مِنَ البارِدِ وأقْرَبُ إلى البارِدِ مِنَ الحارِّ، والمُتَوَسِّطُ يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ البارِدِ عِنْدَ النِّسْبَةِ إلى الحارِّ فَيُقالُ: هَذا بارِدٌ ويُخْبَرُ عَنْهُ بِالنِّسْبَةِ إلى البارِدِ فَيُقالُ: إنَّهُ حارٌّ، إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُ القائِلِ: ما لِي ذَنْبٌ إلّا أنِّي أُحِبُّكَ، مَعْناهُ لا تَجِدُ ما يُقَرِّبُ مِنَ الذَّنْبِ إلّا المَحَبَّةَ فَإنَّ عِنْدِي أُمُورًا فَوْقَها إذا نَسَبْتَها إلى الذَّنْبِ تَجِدُ بَيْنَها غايَةَ الخِلافِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ كَقَوْلِهِ: دَرَجاتُ الحُبِّ عِنْدِي طاعَتُكَ وفَوْقَها إنَّ أفْضَلَ جانِبٍ أقَلُّ أمْرٍ مِن أُمُورِكَ عَلى جانِبِ الحِفْظِ لِرُوحِي، إشارَةً إلى المُبالَغَةِ كَما يَقُولُ القائِلُ: لَيْسَ هَذا بِشَيْءٍ، مُسْتَحْقَرًا بِالنِّسْبَةِ إلى ما
صفحة ١٤٠
فَوْقَهُ، فَقَوْلُهُ: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا﴾ أيْ يَسْمَعُونَ فِيها كَلامًا فائِقًا عَظِيمَ الفائِدَةِ كامِلَ اللَّذَّةِ، أدْناها وأقْرَبُها إلى اللَّغْوِ قَوْلُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ: سَلامٌ عَلَيْكَ فَلا يَسْمَعُونَ ما يَقْرُبُ مِنَ اللَّغْوِ إلّا سَلامًا، فَما ظَنُّكَ بِالَّذِي يَبْعُدُ مِنهُ كَما يَبْعُدُ الماءُ البارِدُ الصّادِقُ، والماءُ الَّذِي كَسَرَتِ الشَّمْسُ بُرُودَتَهُ وطُلِبَ مِنهُ ماءٌ حارٌّ، لَيْسَ عِنْدِي ماءٌ حارٌّ إلّا هَذا أيْ لَيْسَ عِنْدِي ما يَبْعُدُ مِنَ البارِدِ الصّادِقِ البُرُودَةِ ويَقْرُبُ مِنَ الحارِّ إلّا هَذا وفِيهِ المُبالَغَةُ الفائِقَةُ والبَلاغَةُ الرّائِقَةُ وحِينَئِذٍ يَكُونُ اللَّغْوُ مَجازًا، والِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلًا فَإنْ قِيلَ: إذا لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِن مَجازٍ وحُمِلَ اللَّغْوُ عَلى ما يَقْرُبُ مِنهُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ فَلْيُحْمَلْ إلّا عَلى لَكِنْ؛ لِأنَّهُما مُشْتَرِكانِ في إثْباتِ خِلافِ ما تَقَدَّمَ، نَقُولُ: المَجازُ في الأسْماءِ أوْلى مِنَ المَجازِ في الحُرُوفِ؛ لِأنَّها تَقْبَلُ التَّغَيُّرَ في الدَّلالَةِ وتَتَغَيَّرُ في الأحْوالِ، ولا كَذَلِكَ الحُرُوفُ؛ لِأنَّ الحُرُوفَ لا تَصِيرُ مَجازًا إلّا بِالِاقْتِرانِ بِاسْمٍ، والِاسْمُ يَصِيرُ مَجازًا مِن غَيْرِ الِاقْتِرانِ بِحَرْفٍ فَإنَّكَ تَقُولُ: رَأيْتُ أسَدًا يَرْمِي ويَكُونُ مَجازًا ولا اقْتِرانَ لَهُ بِحَرْفٍ، وكَذَلِكَ إذا قُلْتَ لِرَجُلٍ: هَذا أسَدٌ وتُرِيدُ بِأسَدٍ كامِلَ الشَّجاعَةِ، ولِأنَّ عَرْضَ المُتَكَلِّمِ في قَوْلِهِ: ما لِي ذَنْبٌ إلّا أنِّي أُحِبُّكَ، لا يَحْصُلُ بِما ذَكَرْتَ مِنَ المَجازِ، ولِأنَّ العُدُولَ عَنِ الأصْلِ لا يَكُونُ لَهُ فائِدَةٌ مِنَ المُبالَغَةِ والبَلاغَةِ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قِيلًا﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مَصْدَرٌ كالقَوْلِ فَيَكُونُ ”قِيلًا“ مَصْدَرًا، كَما أنَّ القَوْلَ مَصْدَرٌ لَكِنْ لا يَظْهَرُ لَهُ في بابِ فَعَلَ يَفْعُلُ إلّا حَرْفٌ. ثانِيهِما: أنَّهُ اسْمٌ والقَوْلُ مَصْدَرٌ فَهو كالسِّدْلِ والسِّتْرِ بِكَسْرِ السِّينِ اسْمٌ وبِفَتْحِها مَصْدَرٌ وهو الأظْهَرُ، وعَلى هَذا نَقُولُ: الظّاهِرُ أنَّهُ اسْمٌ مَأْخُوذٌ مِن فِعْلٍ هو: قالَ وقِيلَ لِما لَمْ يُذْكَرْ فاعِلُهُ، وما قِيلَ: إنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهى عَنِ القِيلِ والقالِ، يَكُونُ مَعْناهُ نَهى عَنِ المُشاجَرَةِ وحِكايَةِ أُمُورٍ جَرَتْ بَيْنَ أقْوامٍ لا فائِدَةَ في ذِكْرِها، ولَيْسَ فِيها إلّا مُجَرَّدُ الحِكايَةِ مِن غَيْرِ وعْظٍ ولا حِكْمَةٍ لِقَوْلِهِ ﷺ: «رَحِمَ اللَّهُ عَبْدًا قالَ خَيْرًا فَغَنِمَ أوْ سَكَتَ فَسَلِمَ» وعَلى هَذا فالقِيلُ اسْمٌ لِقَوْلٍ لَمْ يُعْلَمْ قائِلُهُ، والقالُ اسْمٌ لِلْقَوْلِ مَأْخُوذٌ مِن قِيلَ لِما لَمْ يُذْكَرْ فاعِلُهُ، تَقُولُ: قالَ فُلانٌ كَذا، ثُمَّ قِيلَ لَهُ كَذا، فَقالَ كَذا، فَيَكُونُ حاصِلُ كَلامِهِ قِيلَ وقالَ، وعَلى هَذا فالقِيلُ اسْمٌ لِقَوْلٍ لَمْ يُعْلَمْ قائِلُهُ، والقالُ مَأْخُوذٌ مِن قِيلَ هو قالَ، ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: هَذا باطِلٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقِيلِهِ يارَبِّ إنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الزخرف: ٨٨] فَإنَّ الضَّمِيرَ لِلرَّسُولِ ﷺ أيْ يَعْلَمُ اللَّهُ قِيلَ مُحَمَّدٍ: ﴿وقِيلِهِ يارَبِّ إنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ﴾، كَما قالَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿إنَّكَ إنْ تَذَرْهم يُضِلُّوا عِبادَكَ﴾ [نوح: ٢٧]، وعَلى هَذا فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاصْفَحْ عَنْهم وقُلْ سَلامٌ﴾ [الزخرف: ٨٩] إرْشادٌ لَهُ لِئَلّا يَدْعُوَ عَلى قَوْمِهِ عِنْدَ يَأْسِهِ مِنهم كَما دَعا عَلَيْهِمْ نُوحٌ عِنْدَهُ، وإذا كانَ القَوْلُ مُضافًا إلى مُحَمَّدٍ ﷺ فَلا يَكُونُ القِيلُ اسْمًا لِقَوْلٍ لَمْ يُعْلَمْ قائِلُهُ ؟ فَنَقُولُ: الجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ قَوْلَنا: إنَّهُ اسْمٌ مَأْخُوذٌ مِن قِيلَ المَوْضُوعِ لِقَوْلٍ لَمْ يُعْلَمْ قائِلُهُ في الأصْلِ لا يُنافِي جَوازَ اسْتِعْمالِهِ في قَوْلِ مَن عُلِمَ بِغَيْرِ المَوْضُوعِ.
وثانِيهِما: وهو الجَوابُ الدَّقِيقُ أنْ نَقُولَ: الهاءُ في: ﴿وقِيلِهِ﴾ ضَمِيرٌ كَما في رَبِّهِ وكالضَّمِيرِ المَجْهُولِ عِنْدَ الكُوفِيِّينَ وهو ضَمِيرُ الشَّأْنِ، وعِنْدَ البَصْرِيِّينَ قالَ: ﴿فَإنَّها لا تَعْمى الأبْصارُ﴾ [الحج: ٤٦] والهاءُ غَيْرُ عائِدٍ إلى مَذْكُورٍ، غَيْرَ أنَّ الكُوفِيِّينَ جَعَلُوهُ لِغَيْرِ مَعْلُومٍ والبَصْرِيِّينَ جَعَلُوهُ ضَمِيرَ القِصَّةِ، والظّاهِرُ في هَذِهِ المَسْألَةِ قَوْلُ الكُوفِيِّينَ، وعَلى هَذا مَعْنى عِبارَتِهِمْ: بَلَغَ غايَةَ عِلْمِ اللَّهِ تَعالى قِيلُ القائِلِ مِنهم: يا رَبِّ إنَّ هَؤُلاءِ، إشارَةٌ إلى أنَّ الِاخْتِصاصَ بِذَلِكَ القَوْلِ في كُلِّ أحَدٍ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ لِعِلْمِهِ أنَّهم قائِلُونَ بِهَذا وأنَّهم عالِمُونَ، وأهْلُ السَّماءِ عَلِمُوا بِأنَّ عِنْدَ اللَّهِ عِلْمَ السّاعَةِ يَعْلَمُها فَيَعْلَمُ قَوْلَ مَن يَقُولُ: ﴿وقِيلِهِ يارَبِّ إنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ﴾ مِن غَيْرِ
صفحة ١٤١
تَعْيِينِ قَوْلٍ لِاشْتِراكِ الكُلِّ فِيهِ، ويُؤَيِّدُ هَذا أنَّ الضَّمِيرَ لَوْ كانَ عائِدًا إلى مَعْلُومٍ فَإمّا أنْ يَكُونَ إلى مَذْكُورٍ قَبْلَهُ، ولا شَيْءَ فِيما قَبْلَهُ يَصِحُّ عَوْدُ الضَّمِيرِ إلَيْهِ، وإمّا إلى مَعْلُومٍ غَيْرِ مَذْكُورٍ وهو مُحَمَّدٌ ﷺ لَكِنَّ الخِطابَ بِقَوْلِهِ: ﴿فاصْفَحْ﴾ كانَ يَقْتَضِي أنْ يَقُولَ: وقِيلِكَ يا رَبِّ؛ لِأنَّ مُحَمَّدًا ﷺ هو المُخاطَبُ أوَّلًا بِكَلامِ اللَّهِ، وقَدْ قالَ قَبْلَهُ: ﴿ولَئِنْ سَألْتَهُمْ﴾ [لقمان: ٢٥] وقالَ مِن قَبْلُ: ﴿قُلْ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾ [الزخرف: ٨١] وكانَ هو المُخاطَبَ أوَّلًا، إذا تَحَقَّقَ هَذا نَقُولُ: إذا تَفَكَّرْتَ في اسْتِعْمالِ لَفْظِ القِيلِ في القُرْآنِ تَرى ما ذَكَرْنا مَلْحُوظًا مُراعًى، فَقالَ هَهُنا: ﴿إلّا قِيلًا سَلامًا سَلامًا﴾ لِعَدَمِ اخْتِصاصِ هَذا القَوْلِ بِقائِلٍ دُونَ قائِلٍ فَيَسْمَعُ هَذا القَوْلَ دائِمًا مِنَ المَلائِكَةِ والنّاسِ كَما قالَ تَعالى: ﴿والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ﴾ ﴿سَلامٌ﴾ [الرعد: ٢٣] حَيْثُ كانَ المُسَلِّمُ مُنْفَرِدًا، وهو اللَّهُ كَأنَّهُ قالَ: سَلامٌ قَوْلًا مِنّا، وقالَ تَعالى: ﴿ومَن أحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إلى اللَّهِ وعَمِلَ صالِحًا﴾ [فصلت: ٣٣] وقالَ: ﴿هِيَ أشَدُّ وطْئًا وأقْوَمُ قِيلًا﴾ [المزمل: ٦]؛ لِأنَّ الدّاعِيَ مُعَيَّنٌ وهُمُ الرُّسُلُ ومَنِ اتَّبَعَهم مِنَ الأُمَّةِ وكُلُّ مَن قامَ لَيْلًا فَإنَّ قَوْلَهُ قَوِيمٌ، ونَهْجَهُ مُسْتَقِيمٌ، وقالَ تَعالى: ﴿وقِيلِهِ يارَبِّ﴾ لِأنَّ كُلَّ أحَدٍ يَقُولُ: إنَّهم لا يُؤْمِنُونَ. أمّا هم فَلِاعْتِرافِهِمْ ولِإقْرارِهِمْ وأمّا غَيْرُهم فَلِكُفْرانِهِمْ بِإسْرافِهِمْ وإصْرارِهِمْ، ويُؤَيِّدُ ما ذَكَرْنا أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ولا تَأْثِيمًا﴾ والِاسْتِثْناءُ المُتَّصِلُ يُقَرِّبُ إلى المَعْنى بِالنِّسْبَةِ إلى غَيْرِهِ وهو قَوْلٌ لا يُعْرَفُ قائِلُهُ، فَقالَ: ﴿إلّا قِيلًا﴾ وهو سَلامٌ عَلَيْكَ، وأمّا قَوْلُ مَن يُعْرَفُ وهو اللَّهُ فَهو الأبْعَدُ عَنِ اللَّغْوِ غايَةَ البُعْدِ وبَيْنَهُما نِهايَةُ الخِلافِ فَقالَ: ﴿سَلامٌ قَوْلًا﴾ .
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: سَلامٌ، فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ صِفَةٌ وصَفَ اللَّهُ تَعالى بِها ﴿قِيلًا﴾ كَما يُوصَفُ الشَّيْءُ بِالمَصْدَرِ حَيْثُ يُقالُ: رَجُلٌ عَدْلٌ، وقَوْمٌ صَوْمٌ، ومَعْناهُ إلّا قِيلًا سالِمًا عَنِ العُيُوبِ.
وثانِيها: هو مَصْدَرٌ تَقْدِيرُهُ: إلّا أنْ يَقُولُوا سَلامًا.
وثالِثُها: هو بَدَلٌ مِن ﴿قِيلًا﴾، تَقْدِيرُهُ: إلّا سَلامًا.
المَسْألَةُ السّابِعَةُ: تَكْرِيرُ السَّلامِ هَلْ فِيهِ فائِدَةٌ ؟ نَقُولُ: فِيهِ إشارَةٌ إلى تَمامِ النِّعْمَةِ، وذَلِكَ؛ لِأنَّ أثَرَ السَّلامِ في الدُّنْيا لا يَتِمُّ إلّا بِالتَّسْلِيمِ ورَدِّ السَّلامِ، فَكَما أنَّ أحَدَ المُتَلاقِيَيْنِ في الدُّنْيا يَقُولُ لِلْآخَرِ: السَّلامُ عَلَيْكَ، فَيَقُولُ الآخَرُ: وعَلَيْكَ السَّلامُ، فَكَذَلِكَ في الآخِرَةِ يَقُولُونَ: ﴿سَلامًا سَلامًا﴾ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿سَلامٌ قَوْلًا مِن رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ لَمْ يَكُنْ لَهُ رَدٌّ؛ لِأنَّ تَسْلِيمَ اللَّهِ عَلى عَبْدِهِ مُؤَمِّنٌ لَهُ، فَأمّا اللَّهُ تَعالى فَهو مُنَزَّهٌ عَنْ أنْ يُؤَمِّنَهُ أحَدٌ، بَلِ الرَّدُّ إنْ كانَ فَهو قَوْلُ المُؤَمَّنِ: سَلامٌ عَلَيْنا وعَلى عِبادِ اللَّهِ الصّالِحِينَ.
المَسْألَةُ الثّامِنَةُ: ما الفَرْقُ بَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَلامًا سَلامًا﴾ بِنَصْبِهِما، وبَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالُوا سَلامًا قالَ سَلامٌ﴾ ؟ قُلْنا: قَدْ ذَكَرْنا هُناكَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿سَلامٌ عَلَيْكَ﴾ [مَرْيَمَ: ٤٧ ] أتَمُّ وأبْلَغُ مِن قَوْلِهِمْ سَلامًا عَلَيْكَ، فَإبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ أرادَ أنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْهِمْ بِالذِّكْرِ ويُجِيبَهم بِأحْسَنِ ما حَيَّوْا، وأمّا هُنا فَلا يَتَفَضَّلُ أحَدٌ مِن أهْلِ الجَنَّةِ عَلى الآخَرِ مِثْلَ التَّفَضُّلِ في تِلْكَ الصُّورَةِ إذْ هم مِن جِنْسٍ واحِدٍ، وهُمُ المُؤْمِنُونَ ولا يَنْسُبُ أحَدٌ إلى أحَدٍ تَقْصِيرًا.
المَسْألَةُ التّاسِعَةُ: إذا كانَ قَوْلُ القائِلِ: ﴿سَلامٌ عَلَيْكَ﴾ أتَمَّ وأبْلَغَ فَما بالُ القِراءَةِ المَشْهُورَةِ صارَتْ بِالنَّصْبِ، ومَن قَرَأ (سَلامٌ) لَيْسَ مِثْلَ الَّذِي قَرَأ بِالنَّصْبِ، نَقُولُ ذَلِكَ مِن حَيْثُ اللَّفْظُ والمَعْنى، أمّا اللَّفْظُ فَلِأنَّهُ يُسْتَثْنى مِنَ المَسْمُوعِ وهو مَفْعُولٌ مَنصُوبٌ، فالنَّصْبُ بِقَوْلِهِ: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا﴾ وأمّا المَعْنى فَلِأنّا بَيَّنّا أنَّ الِاسْتِثْناءَ مُتَّصِلٌ، وقَوْلُهم: ﴿سَلامٌ﴾ أبْعَدُ مِنَ اللَّغْوِ مِن قَوْلِهِمْ: ﴿سَلامًا﴾ فَقالَ: ﴿إلّا قِيلًا سَلامًا﴾ لِيَكُونَ أقْرَبَ إلى اللَّغْوِ مِن غَيْرِهِ، وإنْ كانَ في نَفْسِهِ بَعِيدًا عَنْهُ.
الواقعة 56:26
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ولا تَأْثِيمًا﴾ ﴿إلّا قِيلًا سَلامًا سَلامًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: ما الحِكْمَةُ في تَأْخِيرِ ذِكْرِهِ عَنِ الجَزاءِ مَعَ أنَّهُ مِنَ النِّعَمِ العَظِيمَةِ ؟ نَقُولُ: فِيهِ لَطائِفُ:
الأُولى: أنَّ هَذا مِن أتَمِّ النِّعَمِ، فَجَعَلَها مِن بابِ الزِّيادَةِ الَّتِي مِنها الرُّؤْيَةُ عِنْدَ البَعْضِ ولا مُقابِلَ لَها مِنَ الأعْمالِ، وإنَّما قُلْنا: إنَّها مِن أتَمِّ النِّعَمِ؛ لِأنَّها نِعْمَةُ سَماعِ كَلامِ اللَّهِ تَعالى عَلى ما سَنُبَيِّنُ أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿سَلامًا﴾ هو ما قالَ في سُورَةِ يس: ﴿سَلامٌ قَوْلًا مِن رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس: ٥٨] فَلَمْ يَذْكُرْها فِيما جَعَلَهُ جَزاءً، وهَذا عَلى قَوْلِنا: ﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾ لَيْسَ فِيهِ دَلالَةٌ عَلى الرُّؤْيَةِ.
الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى بَدَأ بِأتَمِّ النِّعَمِ وهي نِعْمَةُ الرُّؤْيَةِ، وهي الرُّؤْيَةُ بِالنَّظَرِ كَما مَرَّ وخَتَمَ بِمِثْلِها، وهي نِعْمَةُ المُخاطَبَةِ. الثّالِثَةُ: هي أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ النِّعَمَ الفِعْلِيَّةَ وقابَلَها بِأعْمالِهِمْ حَيْثُ قالَ: ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ذَكَرَ النِّعَمَ القَوْلِيَّةَ في مُقابَلَةِ أذْكارِهِمُ الحَسَنَةِ ولَمْ يَذْكُرُوا اللَّذّاتِ العَقْلِيَّةَ الَّتِي في مُقابَلَةِ أعْمالِ قُلُوبِهِمْ مِن إخْلاصِهِمْ واعْتِقادِهِمْ؛ لِأنَّ العَمَلَ القَلْبِيَّ لَمْ يُرَ ولَمْ يُسْمَعْ، فَما يُعْطِيهِمُ اللَّهُ تَعالى مِنَ النِّعْمَةِ تَكُونُ نِعْمَةً لَمْ تَرَها عَيْنٌ ولا سَمِعَتْها أُذُنٌ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ ﷺ: «فِيها ما لا عَيْنٌ رَأتْ، ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ، ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ» وقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ولا خَطَرَ إشارَةٌ إلى الزِّيادَةِ، والَّذِي يَدُلُّ عَلى النِّعْمَةِ القَوْلِيَّةِ في مُقابَلَةِ قَوْلِهِمُ الطَّيِّبِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ ألّا تَخافُوا ولا تَحْزَنُوا وأبْشِرُوا﴾ [فصلت: ٣٠] إلى قَوْلِهِ:
صفحة ١٣٩
﴿نُزُلًا مِن غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ [فصلت: ٣٢] .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ولا تَأْثِيمًا﴾ نَفْيٌ لِلْمَكْرُوهِ لِما أنَّ اللَّغْوَ كَلامٌ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ؛ لِأنَّهُ عِنْدَ المُعْتَبَرَينَ مِنَ الرِّجالِ مَكْرُوهٌ، ونَفْيُ المَكْرُوهِ لا يُعَدُّ مِنَ النِّعَمِ العَظِيمَةِ الَّتِي مَرَّ ذِكْرُها، كَيْفَ وقَدْ ذَكَرْتَ أنَّ تَأْخِيرَ هَذِهِ النِّعْمَةِ لِكَوْنِها أتَمَّ، ولَوْ قالَ: إنَّ فُلانًا في بَلْدَةِ كَذا مُحْتَرَمٌ مُكَرَّمٌ لا يُضْرَبُ ولا يُشْتَمُ فَهو غَيْرُ مُكَرَّمٍ وهو مَذْمُومٌ، والواغِلُ مَذْمُومٌ وهو الَّذِي يَدْخُلُ عَلى قَوْمٍ يَشْرَبُونَ ويَأْكُلُونَ فَيَأْكُلُ ويَشْرَبُ مَعَهم مِن غَيْرِ دُعاءٍ ولا إذْنٍ فَكَأنَّهُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ في عَدَمِ الِاعْتِبارِ كَلامٌ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ وهو اللَّغْوُ، وكَذَلِكَ ما يَتَصَرَّفُ مِنهُ مِثْلُ الوُلُوغِ لا يُقالُ إلّا إذا كانَ الوالِغُ كَلْبًا أوْ ما يُشْبِهُهُ مِنَ السِّباعِ، وأمّا التَّأْثِيمُ فَهو النِّسْبَةُ إلى الإثْمِ ومَعْناهُ لا يَذْكُرُ إلّا باطِلًا ولا يَنْسُبُهُ أحَدٌ إلّا إلى الباطِلِ، وأمّا التَّقْدِيمُ فَلِأنَّ اللَّغْوَ أعَمُّ مِنَ التَّأْثِيمِ أيْ يَجْعَلُهُ آثِمًا كَما تَقُولُ: إنَّهُ فاسِقٌ أوْ سارِقٌ ونَحْوُ ذَلِكَ، وبِالجُمْلَةِ فالمُتَكَلِّمُ يَنْقَسِمُ إلى أنْ يَلْغُوَ وإلى أنْ لا يَلْغُوَ والَّذِي لا يَلْغُو يَقْصِدُ الأمْرَ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيَ عَنِ المُنْكَرِ، فَيَأْخُذُ النّاسَ بِأقْوالِهِمْ وهو لا يُؤْخَذُ عَلَيْهِ شَيْءٌ، فَقالَ تَعالى: لا يَلْغُو أحَدٌ ولا يَصْدُرُ مِنهُ لَغْوٌ ولا ما يُشْبِهُ اللَّغْوَ فَيَقُولُ لَهُ: الصّادِقُ لا يَلْغُو ولا يَأْثَمُ ولا شَكَّ في أنَّ الباطِلَ أقْبَحُ ما يُشْبِهُهُ فَقالَ: لا يَأْثَمُ أحَدٌ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ تَعالى في سُورَةِ النَّبَأِ: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ولا كِذّابًا﴾ فَهَلْ بَيْنَهُما فَرْقٌ ؟ قُلْنا: نَعَمْ، الكِذّابُ كَثِيرُ التَّكْذِيبِ ومَعْناهُ هُناكَ أنَّهم لا يَسْمَعُونَ كَذِبًا ولا أحَدًا يَقُولُ لِآخَرَ: كَذَبْتَ وفائِدَتُهُ أنَّهم لا يَعْرِفُونَ كَذِبًا مِن مُعَيَّنٍ مِنَ النّاسِ ولا مِن واحِدٍ مِنهم غَيْرِ مُعَيَّنٍ لِتَفاوُتِ حالِهِمْ وحالِ الدُّنْيا، فَإنّا نَعْلَمُ أنَّ بَعْضَ النّاسِ بِأعْيانِهِمْ كَذّابُونَ فَإنْ لَمْ نَعْرِفْ ذَلِكَ نَقْطَعْ بِأنَّ في النّاسِ كَذّابًا؛ لِأنَّ أحَدَهم يَقُولُ لِصاحِبِهِ: كَذَبْتَ فَإنْ صَدَقَ فَصاحِبُهُ كَذّابٌ، وإنْ لَمْ يَصْدُقْ فَهو كاذِبٌ فَيَعْلَمُ أنَّ في الدُّنْيا كَذّابًا بِعَيْنِهِ أوْ بِغَيْرِ عَيْنِهِ ولا كَذَلِكَ في الآخِرَةِ فَلا كَذِبَ فِيها، وقالَ هَهُنا: ﴿ولا تَأْثِيمًا﴾ وهو أبْلَغُ مِنَ التَّكْذِيبِ فَإنَّ مَن يَقُولُ في حَقِّ مَن لا يَعْرِفُهُ: إنَّهُ زانٍ أوْ شارِبٌ الخَمْرَ مَثَلًا فَإنَّهُ يَأْثَمُ وقَدْ يَكُونُ صادِقًا، فالَّذِي لَيْسَ عَنْ عِلْمٍ إثْمٌ فَلا يَقُولُ أحَدٌ لِأحَدٍ: قُلْتَ ما لا عِلْمَ لَكَ بِهِ، فالكَلامُ هَهُنا أبْلَغُ؛ لِأنَّهُ قَصَرَ السُّورَةَ عَلى بَيانِ أحْوالِ الأقْسامِ؛ لِأنَّ المَذْكُورِينَ هُنا هُمُ السّابِقُونَ وفي سُورَةِ النَّبَأِ هُمُ المُتَّقُونَ، وقَدْ بَيَّنّا أنَّ السّابِقَ فَوْقَ المُتَّقِي.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: ﴿إلّا قِيلًا﴾ اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ مُنْقَطِعٌ، فَنَقُولُ: فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: وهو الأظْهَرُ أنَّهُ مُنْقَطِعٌ؛ لِأنَّ السَّلامَ لَيْسَ مِن جِنْسِ اللَّغْوِ تَقْدِيرُهُ لَكِنْ يَسْمَعُونَ قِيلًا سَلامًا سَلامًا.
ثانِيهِما: أنَّهُ مُتَّصِلٌ ووَجْهُهُ أنْ نَقُولَ: المَجازُ قَدْ يَكُونُ في المَعْنى، ومِن جُمْلَتِهِ أنَّكَ تَقُولُ: ما لِي ذَنْبٌ إلّا أنِّي أُحِبُّكَ فَلِهَذا تُؤْذِينِي، فَتَسْتَثْنِي مَحَبَّتَهُ مِنَ الذَّنْبِ ولا تُرِيدُ المُنْقَطِعَ؛ لِأنَّكَ لا تُرِيدُ بِهَذا القَوْلِ بَيانَ أنَّكَ تُحِبُّهُ إنَّما تُرِيدُ في تَبْرِئَتِكَ عَنِ الذُّنُوبِ ووَجْهُهُ هو أنَّ بَيْنَهُما غايَةَ الخِلافِ وبَيْنَهُما أُمُورٌ مُتَوَسِّطَةٌ، مِثالُهُ: الحارُّ والبارِدُ وبَيْنَهُما الفاتِرُ الَّذِي هو أقْرَبُ إلى الحارِّ مِنَ البارِدِ وأقْرَبُ إلى البارِدِ مِنَ الحارِّ، والمُتَوَسِّطُ يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ البارِدِ عِنْدَ النِّسْبَةِ إلى الحارِّ فَيُقالُ: هَذا بارِدٌ ويُخْبَرُ عَنْهُ بِالنِّسْبَةِ إلى البارِدِ فَيُقالُ: إنَّهُ حارٌّ، إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُ القائِلِ: ما لِي ذَنْبٌ إلّا أنِّي أُحِبُّكَ، مَعْناهُ لا تَجِدُ ما يُقَرِّبُ مِنَ الذَّنْبِ إلّا المَحَبَّةَ فَإنَّ عِنْدِي أُمُورًا فَوْقَها إذا نَسَبْتَها إلى الذَّنْبِ تَجِدُ بَيْنَها غايَةَ الخِلافِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ كَقَوْلِهِ: دَرَجاتُ الحُبِّ عِنْدِي طاعَتُكَ وفَوْقَها إنَّ أفْضَلَ جانِبٍ أقَلُّ أمْرٍ مِن أُمُورِكَ عَلى جانِبِ الحِفْظِ لِرُوحِي، إشارَةً إلى المُبالَغَةِ كَما يَقُولُ القائِلُ: لَيْسَ هَذا بِشَيْءٍ، مُسْتَحْقَرًا بِالنِّسْبَةِ إلى ما
صفحة ١٤٠
فَوْقَهُ، فَقَوْلُهُ: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا﴾ أيْ يَسْمَعُونَ فِيها كَلامًا فائِقًا عَظِيمَ الفائِدَةِ كامِلَ اللَّذَّةِ، أدْناها وأقْرَبُها إلى اللَّغْوِ قَوْلُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ: سَلامٌ عَلَيْكَ فَلا يَسْمَعُونَ ما يَقْرُبُ مِنَ اللَّغْوِ إلّا سَلامًا، فَما ظَنُّكَ بِالَّذِي يَبْعُدُ مِنهُ كَما يَبْعُدُ الماءُ البارِدُ الصّادِقُ، والماءُ الَّذِي كَسَرَتِ الشَّمْسُ بُرُودَتَهُ وطُلِبَ مِنهُ ماءٌ حارٌّ، لَيْسَ عِنْدِي ماءٌ حارٌّ إلّا هَذا أيْ لَيْسَ عِنْدِي ما يَبْعُدُ مِنَ البارِدِ الصّادِقِ البُرُودَةِ ويَقْرُبُ مِنَ الحارِّ إلّا هَذا وفِيهِ المُبالَغَةُ الفائِقَةُ والبَلاغَةُ الرّائِقَةُ وحِينَئِذٍ يَكُونُ اللَّغْوُ مَجازًا، والِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلًا فَإنْ قِيلَ: إذا لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِن مَجازٍ وحُمِلَ اللَّغْوُ عَلى ما يَقْرُبُ مِنهُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ فَلْيُحْمَلْ إلّا عَلى لَكِنْ؛ لِأنَّهُما مُشْتَرِكانِ في إثْباتِ خِلافِ ما تَقَدَّمَ، نَقُولُ: المَجازُ في الأسْماءِ أوْلى مِنَ المَجازِ في الحُرُوفِ؛ لِأنَّها تَقْبَلُ التَّغَيُّرَ في الدَّلالَةِ وتَتَغَيَّرُ في الأحْوالِ، ولا كَذَلِكَ الحُرُوفُ؛ لِأنَّ الحُرُوفَ لا تَصِيرُ مَجازًا إلّا بِالِاقْتِرانِ بِاسْمٍ، والِاسْمُ يَصِيرُ مَجازًا مِن غَيْرِ الِاقْتِرانِ بِحَرْفٍ فَإنَّكَ تَقُولُ: رَأيْتُ أسَدًا يَرْمِي ويَكُونُ مَجازًا ولا اقْتِرانَ لَهُ بِحَرْفٍ، وكَذَلِكَ إذا قُلْتَ لِرَجُلٍ: هَذا أسَدٌ وتُرِيدُ بِأسَدٍ كامِلَ الشَّجاعَةِ، ولِأنَّ عَرْضَ المُتَكَلِّمِ في قَوْلِهِ: ما لِي ذَنْبٌ إلّا أنِّي أُحِبُّكَ، لا يَحْصُلُ بِما ذَكَرْتَ مِنَ المَجازِ، ولِأنَّ العُدُولَ عَنِ الأصْلِ لا يَكُونُ لَهُ فائِدَةٌ مِنَ المُبالَغَةِ والبَلاغَةِ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قِيلًا﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مَصْدَرٌ كالقَوْلِ فَيَكُونُ ”قِيلًا“ مَصْدَرًا، كَما أنَّ القَوْلَ مَصْدَرٌ لَكِنْ لا يَظْهَرُ لَهُ في بابِ فَعَلَ يَفْعُلُ إلّا حَرْفٌ. ثانِيهِما: أنَّهُ اسْمٌ والقَوْلُ مَصْدَرٌ فَهو كالسِّدْلِ والسِّتْرِ بِكَسْرِ السِّينِ اسْمٌ وبِفَتْحِها مَصْدَرٌ وهو الأظْهَرُ، وعَلى هَذا نَقُولُ: الظّاهِرُ أنَّهُ اسْمٌ مَأْخُوذٌ مِن فِعْلٍ هو: قالَ وقِيلَ لِما لَمْ يُذْكَرْ فاعِلُهُ، وما قِيلَ: إنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهى عَنِ القِيلِ والقالِ، يَكُونُ مَعْناهُ نَهى عَنِ المُشاجَرَةِ وحِكايَةِ أُمُورٍ جَرَتْ بَيْنَ أقْوامٍ لا فائِدَةَ في ذِكْرِها، ولَيْسَ فِيها إلّا مُجَرَّدُ الحِكايَةِ مِن غَيْرِ وعْظٍ ولا حِكْمَةٍ لِقَوْلِهِ ﷺ: «رَحِمَ اللَّهُ عَبْدًا قالَ خَيْرًا فَغَنِمَ أوْ سَكَتَ فَسَلِمَ» وعَلى هَذا فالقِيلُ اسْمٌ لِقَوْلٍ لَمْ يُعْلَمْ قائِلُهُ، والقالُ اسْمٌ لِلْقَوْلِ مَأْخُوذٌ مِن قِيلَ لِما لَمْ يُذْكَرْ فاعِلُهُ، تَقُولُ: قالَ فُلانٌ كَذا، ثُمَّ قِيلَ لَهُ كَذا، فَقالَ كَذا، فَيَكُونُ حاصِلُ كَلامِهِ قِيلَ وقالَ، وعَلى هَذا فالقِيلُ اسْمٌ لِقَوْلٍ لَمْ يُعْلَمْ قائِلُهُ، والقالُ مَأْخُوذٌ مِن قِيلَ هو قالَ، ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: هَذا باطِلٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقِيلِهِ يارَبِّ إنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الزخرف: ٨٨] فَإنَّ الضَّمِيرَ لِلرَّسُولِ ﷺ أيْ يَعْلَمُ اللَّهُ قِيلَ مُحَمَّدٍ: ﴿وقِيلِهِ يارَبِّ إنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ﴾، كَما قالَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿إنَّكَ إنْ تَذَرْهم يُضِلُّوا عِبادَكَ﴾ [نوح: ٢٧]، وعَلى هَذا فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاصْفَحْ عَنْهم وقُلْ سَلامٌ﴾ [الزخرف: ٨٩] إرْشادٌ لَهُ لِئَلّا يَدْعُوَ عَلى قَوْمِهِ عِنْدَ يَأْسِهِ مِنهم كَما دَعا عَلَيْهِمْ نُوحٌ عِنْدَهُ، وإذا كانَ القَوْلُ مُضافًا إلى مُحَمَّدٍ ﷺ فَلا يَكُونُ القِيلُ اسْمًا لِقَوْلٍ لَمْ يُعْلَمْ قائِلُهُ ؟ فَنَقُولُ: الجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ قَوْلَنا: إنَّهُ اسْمٌ مَأْخُوذٌ مِن قِيلَ المَوْضُوعِ لِقَوْلٍ لَمْ يُعْلَمْ قائِلُهُ في الأصْلِ لا يُنافِي جَوازَ اسْتِعْمالِهِ في قَوْلِ مَن عُلِمَ بِغَيْرِ المَوْضُوعِ.
وثانِيهِما: وهو الجَوابُ الدَّقِيقُ أنْ نَقُولَ: الهاءُ في: ﴿وقِيلِهِ﴾ ضَمِيرٌ كَما في رَبِّهِ وكالضَّمِيرِ المَجْهُولِ عِنْدَ الكُوفِيِّينَ وهو ضَمِيرُ الشَّأْنِ، وعِنْدَ البَصْرِيِّينَ قالَ: ﴿فَإنَّها لا تَعْمى الأبْصارُ﴾ [الحج: ٤٦] والهاءُ غَيْرُ عائِدٍ إلى مَذْكُورٍ، غَيْرَ أنَّ الكُوفِيِّينَ جَعَلُوهُ لِغَيْرِ مَعْلُومٍ والبَصْرِيِّينَ جَعَلُوهُ ضَمِيرَ القِصَّةِ، والظّاهِرُ في هَذِهِ المَسْألَةِ قَوْلُ الكُوفِيِّينَ، وعَلى هَذا مَعْنى عِبارَتِهِمْ: بَلَغَ غايَةَ عِلْمِ اللَّهِ تَعالى قِيلُ القائِلِ مِنهم: يا رَبِّ إنَّ هَؤُلاءِ، إشارَةٌ إلى أنَّ الِاخْتِصاصَ بِذَلِكَ القَوْلِ في كُلِّ أحَدٍ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ لِعِلْمِهِ أنَّهم قائِلُونَ بِهَذا وأنَّهم عالِمُونَ، وأهْلُ السَّماءِ عَلِمُوا بِأنَّ عِنْدَ اللَّهِ عِلْمَ السّاعَةِ يَعْلَمُها فَيَعْلَمُ قَوْلَ مَن يَقُولُ: ﴿وقِيلِهِ يارَبِّ إنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ﴾ مِن غَيْرِ
صفحة ١٤١
تَعْيِينِ قَوْلٍ لِاشْتِراكِ الكُلِّ فِيهِ، ويُؤَيِّدُ هَذا أنَّ الضَّمِيرَ لَوْ كانَ عائِدًا إلى مَعْلُومٍ فَإمّا أنْ يَكُونَ إلى مَذْكُورٍ قَبْلَهُ، ولا شَيْءَ فِيما قَبْلَهُ يَصِحُّ عَوْدُ الضَّمِيرِ إلَيْهِ، وإمّا إلى مَعْلُومٍ غَيْرِ مَذْكُورٍ وهو مُحَمَّدٌ ﷺ لَكِنَّ الخِطابَ بِقَوْلِهِ: ﴿فاصْفَحْ﴾ كانَ يَقْتَضِي أنْ يَقُولَ: وقِيلِكَ يا رَبِّ؛ لِأنَّ مُحَمَّدًا ﷺ هو المُخاطَبُ أوَّلًا بِكَلامِ اللَّهِ، وقَدْ قالَ قَبْلَهُ: ﴿ولَئِنْ سَألْتَهُمْ﴾ [لقمان: ٢٥] وقالَ مِن قَبْلُ: ﴿قُلْ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾ [الزخرف: ٨١] وكانَ هو المُخاطَبَ أوَّلًا، إذا تَحَقَّقَ هَذا نَقُولُ: إذا تَفَكَّرْتَ في اسْتِعْمالِ لَفْظِ القِيلِ في القُرْآنِ تَرى ما ذَكَرْنا مَلْحُوظًا مُراعًى، فَقالَ هَهُنا: ﴿إلّا قِيلًا سَلامًا سَلامًا﴾ لِعَدَمِ اخْتِصاصِ هَذا القَوْلِ بِقائِلٍ دُونَ قائِلٍ فَيَسْمَعُ هَذا القَوْلَ دائِمًا مِنَ المَلائِكَةِ والنّاسِ كَما قالَ تَعالى: ﴿والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ﴾ ﴿سَلامٌ﴾ [الرعد: ٢٣] حَيْثُ كانَ المُسَلِّمُ مُنْفَرِدًا، وهو اللَّهُ كَأنَّهُ قالَ: سَلامٌ قَوْلًا مِنّا، وقالَ تَعالى: ﴿ومَن أحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إلى اللَّهِ وعَمِلَ صالِحًا﴾ [فصلت: ٣٣] وقالَ: ﴿هِيَ أشَدُّ وطْئًا وأقْوَمُ قِيلًا﴾ [المزمل: ٦]؛ لِأنَّ الدّاعِيَ مُعَيَّنٌ وهُمُ الرُّسُلُ ومَنِ اتَّبَعَهم مِنَ الأُمَّةِ وكُلُّ مَن قامَ لَيْلًا فَإنَّ قَوْلَهُ قَوِيمٌ، ونَهْجَهُ مُسْتَقِيمٌ، وقالَ تَعالى: ﴿وقِيلِهِ يارَبِّ﴾ لِأنَّ كُلَّ أحَدٍ يَقُولُ: إنَّهم لا يُؤْمِنُونَ. أمّا هم فَلِاعْتِرافِهِمْ ولِإقْرارِهِمْ وأمّا غَيْرُهم فَلِكُفْرانِهِمْ بِإسْرافِهِمْ وإصْرارِهِمْ، ويُؤَيِّدُ ما ذَكَرْنا أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ولا تَأْثِيمًا﴾ والِاسْتِثْناءُ المُتَّصِلُ يُقَرِّبُ إلى المَعْنى بِالنِّسْبَةِ إلى غَيْرِهِ وهو قَوْلٌ لا يُعْرَفُ قائِلُهُ، فَقالَ: ﴿إلّا قِيلًا﴾ وهو سَلامٌ عَلَيْكَ، وأمّا قَوْلُ مَن يُعْرَفُ وهو اللَّهُ فَهو الأبْعَدُ عَنِ اللَّغْوِ غايَةَ البُعْدِ وبَيْنَهُما نِهايَةُ الخِلافِ فَقالَ: ﴿سَلامٌ قَوْلًا﴾ .
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: سَلامٌ، فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ صِفَةٌ وصَفَ اللَّهُ تَعالى بِها ﴿قِيلًا﴾ كَما يُوصَفُ الشَّيْءُ بِالمَصْدَرِ حَيْثُ يُقالُ: رَجُلٌ عَدْلٌ، وقَوْمٌ صَوْمٌ، ومَعْناهُ إلّا قِيلًا سالِمًا عَنِ العُيُوبِ.
وثانِيها: هو مَصْدَرٌ تَقْدِيرُهُ: إلّا أنْ يَقُولُوا سَلامًا.
وثالِثُها: هو بَدَلٌ مِن ﴿قِيلًا﴾، تَقْدِيرُهُ: إلّا سَلامًا.
المَسْألَةُ السّابِعَةُ: تَكْرِيرُ السَّلامِ هَلْ فِيهِ فائِدَةٌ ؟ نَقُولُ: فِيهِ إشارَةٌ إلى تَمامِ النِّعْمَةِ، وذَلِكَ؛ لِأنَّ أثَرَ السَّلامِ في الدُّنْيا لا يَتِمُّ إلّا بِالتَّسْلِيمِ ورَدِّ السَّلامِ، فَكَما أنَّ أحَدَ المُتَلاقِيَيْنِ في الدُّنْيا يَقُولُ لِلْآخَرِ: السَّلامُ عَلَيْكَ، فَيَقُولُ الآخَرُ: وعَلَيْكَ السَّلامُ، فَكَذَلِكَ في الآخِرَةِ يَقُولُونَ: ﴿سَلامًا سَلامًا﴾ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿سَلامٌ قَوْلًا مِن رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ لَمْ يَكُنْ لَهُ رَدٌّ؛ لِأنَّ تَسْلِيمَ اللَّهِ عَلى عَبْدِهِ مُؤَمِّنٌ لَهُ، فَأمّا اللَّهُ تَعالى فَهو مُنَزَّهٌ عَنْ أنْ يُؤَمِّنَهُ أحَدٌ، بَلِ الرَّدُّ إنْ كانَ فَهو قَوْلُ المُؤَمَّنِ: سَلامٌ عَلَيْنا وعَلى عِبادِ اللَّهِ الصّالِحِينَ.
المَسْألَةُ الثّامِنَةُ: ما الفَرْقُ بَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَلامًا سَلامًا﴾ بِنَصْبِهِما، وبَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالُوا سَلامًا قالَ سَلامٌ﴾ ؟ قُلْنا: قَدْ ذَكَرْنا هُناكَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿سَلامٌ عَلَيْكَ﴾ [مَرْيَمَ: ٤٧ ] أتَمُّ وأبْلَغُ مِن قَوْلِهِمْ سَلامًا عَلَيْكَ، فَإبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ أرادَ أنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْهِمْ بِالذِّكْرِ ويُجِيبَهم بِأحْسَنِ ما حَيَّوْا، وأمّا هُنا فَلا يَتَفَضَّلُ أحَدٌ مِن أهْلِ الجَنَّةِ عَلى الآخَرِ مِثْلَ التَّفَضُّلِ في تِلْكَ الصُّورَةِ إذْ هم مِن جِنْسٍ واحِدٍ، وهُمُ المُؤْمِنُونَ ولا يَنْسُبُ أحَدٌ إلى أحَدٍ تَقْصِيرًا.
المَسْألَةُ التّاسِعَةُ: إذا كانَ قَوْلُ القائِلِ: ﴿سَلامٌ عَلَيْكَ﴾ أتَمَّ وأبْلَغَ فَما بالُ القِراءَةِ المَشْهُورَةِ صارَتْ بِالنَّصْبِ، ومَن قَرَأ (سَلامٌ) لَيْسَ مِثْلَ الَّذِي قَرَأ بِالنَّصْبِ، نَقُولُ ذَلِكَ مِن حَيْثُ اللَّفْظُ والمَعْنى، أمّا اللَّفْظُ فَلِأنَّهُ يُسْتَثْنى مِنَ المَسْمُوعِ وهو مَفْعُولٌ مَنصُوبٌ، فالنَّصْبُ بِقَوْلِهِ: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا﴾ وأمّا المَعْنى فَلِأنّا بَيَّنّا أنَّ الِاسْتِثْناءَ مُتَّصِلٌ، وقَوْلُهم: ﴿سَلامٌ﴾ أبْعَدُ مِنَ اللَّغْوِ مِن قَوْلِهِمْ: ﴿سَلامًا﴾ فَقالَ: ﴿إلّا قِيلًا سَلامًا﴾ لِيَكُونَ أقْرَبَ إلى اللَّغْوِ مِن غَيْرِهِ، وإنْ كانَ في نَفْسِهِ بَعِيدًا عَنْهُ.
الواقعة 56:27
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وأصْحابُ اليَمِينِ ما أصْحابُ اليَمِينِ﴾ ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ﴾ ﴿وطَلْحٍ مَنضُودٍ﴾ .
لَمّا بَيَّنَ حالَ السّابِقِينَ شَرَعَ في شَأْنِ أصْحابِ المَيْمَنَةِ مِنَ الأزْواجِ الثَّلاثَةِ، وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: ما الفائِدَةُ في ذِكْرِهِمْ بِلَفْظِ: ﴿أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ عِنْدَ ذِكْرِ الأقْسامِ، وبِلَفْظِ: ﴿وأصْحابُ اليَمِينِ﴾ عِنْدَ ذِكْرِ الإنْعامِ ؟ نَقُولُ: المَيْمَنَةُ مَفْعَلَةٌ إمّا بِمَعْنى مَوْضِعِ اليَمِينِ كالمَحْكَمَةِ لِمَوْضِعِ الحُكْمِ، أيِ: الأرْضُ الَّتِي فِيها اليَمِينُ وإمّا بِمَعْنى مَوْضِعِ اليُمْنِ كالمَنارَةِ مَوْضِعِ النّارِ، والمَجْمَرَةِ مَوْضِعِ الجَمْرِ، فَكَيْفَما كانَ المَيْمَنَةُ فِيها دَلالَةٌ عَلى المَوْضِعِ، لَكِنَّ الأزْواجَ الثَّلاثَةَ في أوَّلِ الأمْرِ يَتَمَيَّزُ بَعْضُهم عَنْ بَعْضٍ، ويَتَفَرَّقُونَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ [الروم: ١٤] وقالَ: ﴿يُصَدَّعُونَ﴾ فَيَتَفَرَّقُونَ بِالمَكانِ فَأشارَ في الأوَّلِ إلَيْهِمْ بِلَفْظٍ يَدُلُّ عَلى المَكانِ، ثُمَّ عِنْدَ الثَّوابِ وقَعَ تَفَرُّقُهم بِأمْرٍ مُبْهَمٍ لا يَتَشارَكُونَ فِيهِ كالمَكانِ، فَقالَ: ﴿وأصْحابُ اليَمِينِ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أصْحابُ اليَمِينِ الَّذِينَ يَأْخُذُونَ بِأيْمانِهِمْ كُتُبَهم.
ثانِيها: أصْحابُ القُوَّةِ.
ثالِثُها: أصْحابُ النُّورِ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ما الحِكْمَةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِي سِدْرٍ﴾ وأيَّةُ نِعْمَةٍ تَكُونُ في كَوْنِهِمْ في سِدْرٍ، والسِّدْرُ مِن أشْجارِ البَوادِي، لا بِمُرٍّ ولا بِحُلْوٍ ولا بِطَيِّبٍ ؟ نَقُولُ: فِيهِ حِكْمَةٌ بالِغَةٌ غَفَلَتْ عَنْها الأوائِلُ والأواخِرُ، واقْتَصَرُوا في الجَوابِ والتَّقْرِيبِ أنَّ الجَنَّةَ تُمَثَّلُ بِما كانَ عِنْدَ العَرَبِ عَزِيزًا مَحْمُودًا، وهو صَوابٌ ولَكِنَّهُ غَيْرُ فائِقٍ، والفائِقُ الرّائِقُ الَّذِي هو بِتَفْسِيرِ كَلامِ اللَّهِ لائِقٌ، هو أنْ نَقُولَ: إنّا قَدْ بَيَّنّا مِرارًا أنَّ البَلِيغَ يَذْكُرُ طَرَفَيْ أمْرَيْنِ، يَتَضَمَّنُ ذِكْرُهُما الإشارَةَ إلى جَمِيعِ ما بَيْنَهُما، كَما يُقالُ: فُلانٌ مَلِكُ الشَّرْقِ والغَرْبِ، ويُفْهَمُ مِنهُ أنَّهُ مَلِكُهُما ومَلِكُ ما بَيْنَهُما، ويُقالُ: فُلانٌ أرْضى الصَّغِيرَ والكَبِيرَ، ويُفْهَمُ مِنهُ أنَّهُ أرْضى كُلَّ أحَدٍ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، فَنَقُولُ: لا خَفاءَ في أنَّ تَزَيُّنَ المَواضِعِ الَّتِي يُتَفَرَّجُ فِيها بِالأشْجارِ، وتِلْكَ الأشْجارُ تارَةً يُطْلَبُ مِنها نَفْسُ الوَرَقِ والنَّظَرُ إلَيْهِ والِاسْتِظْلالُ بِهِ، وتارَةً يُقْصَدُ إلى ثِمارِها، وتارَةً يُجْمَعُ بَيْنَهُما، لَكِنَّ الأشْجارَ أوْراقُها عَلى أقْسامٍ كَثِيرَةٍ، ويَجْمَعُها نَوْعانِ: أوْراقٌ صِغارٌ، وأوْراقٌ كِبارٌ، والسِّدْرُ في غايَةِ الصِّغَرِ، والطَّلْحُ وهو شَجَرُ المَوْزِ في غايَةِ الكِبَرِ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ﴾ ﴿وطَلْحٍ مَنضُودٍ﴾ إشارَةٌ إلى ما يَكُونُ ورَقُهُ في غايَةِ الصِّغَرِ مِنَ الأشْجارِ، وإلى ما يَكُونُ ورَقُهُ في غايَةِ الكِبَرِ مِنها، فَوَقَعَتِ الإشارَةُ إلى الطَّرَفَيْنِ جامِعَةً لِجَمِيعِ الأشْجارِ نَظَرًا إلى أوْراقِها، والوَرَقُ أحَدُ مَقاصِدِ الشَّجَرِ ونَظِيرُهُ في الذِّكْرِ ذِكْرُ النَّخْلِ والرُّمّانِ عِنْدَ القَصْدِ إلى ذِكْرِ الثِّمارِ؛ لِأنَّ بَيْنَهُما غايَةَ الخِلافِ كَما بَيَّنّاهُ في مَوْضِعِهِ، فَوَقَعَتِ الإشارَةُ إلَيْهِما جامِعَةً لِجَمِيعِ الأشْجارِ نَظَرًا إلى ثِمارِها، وكَذَلِكَ قُلْنا في النَّخِيلِ والأعْنابِ، فَإنَّ النَّخْلَ مِن أعْظَمِ الأشْجارِ المُثْمِرَةِ، والكَرْمُ مِن أصْغَرِ الأشْجارِ المُثْمِرَةِ، وبَيْنَهُما أشْجارٌ فَوَقَعَتِ الإشارَةُ إلَيْهِما جامِعَةً لِسائِرِ الأشْجارِ، وهَذا جَوابٌ فائِقٌ وفَّقَنا اللَّهُ تَعالى لَهُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ما مَعْنى المَخْضُودِ ؟ نَقُولُ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: مَأْخُوذُ الشَّوْكِ، فَإنَّ شَوْكَ السِّدْرِ يَسْتَقْصِفُ ورَقَها، ولَوْلاهُ لَكانَ مُنْتَزَهَ العَرَبِ، ذَلِكَ لِأنَّها تُظِلُّ لِكَثْرَةِ أوْراقِها ودُخُولِ بَعْضِها في بَعْضٍ.
وثانِيهِما: مَخْضُودٌ أيْ مُتَعَطِّفٌ إلى أسْفَلُ، فَإنَّ رُءُوسَ أغْصانِ السِّدْرِ في الدُّنْيا تَمِيلُ إلى فَوْقُ بِخِلافِ أشْجارِ الثِّمارِ، فَإنَّ رُءُوسَها تَتَدَلّى، وحِينَئِذٍ مَعْناهُ أنَّهُ يُخالِفُ سِدْرَ الدُّنْيا، فَإنَّ لَها ثَمَرًا كَثِيرًا.
صفحة ١٤٣
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: ما الطَّلْحُ ؟ نَقُولُ: الظّاهِرُ أنَّهُ شَجَرُ المَوْزِ، وبِهِ يَتِمُّ ما ذَكَرْنا مِنَ الفائِدَةِ رُوِيَ أنَّ عَلِيًّا عَلَيْهِ السَّلامُ سَمِعَ مَن يَقْرَأُ: ﴿وطَلْحٍ مَنضُودٍ﴾ فَقالَ: ما شَأْنُ الطَّلْحِ ؟ إنَّما هو (وطَلْعٍ)، واسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾ [ق: ١٠] فَقالُوا: في المَصاحِفِ كَذَلِكَ، فَقالَ: لا تُحَوَّلُ المَصاحِفُ، فَنَقُولُ: هَذا دَلِيلُ مُعْجِزَةِ القُرْآنِ، وغَزارَةِ عِلْمِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. أمّا المُعْجِزَةُ فَلِأنَّ عَلِيًّا كانَ مِن فُصَحاءِ العَرَبِ ولَمّا سَمِعَ هَذا حَمَلَهُ عَلى الطَّلْعِ واسْتَمَرَّ عَلَيْهِ، وما كانَ قَدِ اتَّفَقَ حَرْفُهُ لِمُبادَرَةِ ذِهْنِهِ إلى مَعْنًى، ثُمَّ قالَ في نَفْسِهِ: إنَّ هَذا الكَلامَ في غايَةِ الحُسْنِ؛ لِأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ الشَّجَرَ المَقْصُودَ مِنهُ الوَرَقُ لِلِاسْتِظْلالِ بِهِ، والشَّجَرَ المَقْصُودَ مِنهُ الثَّمَرُ لِلِاسْتِغْلالِ بِهِ، فَذَكَرَ النَّوْعَيْنِ، ثُمَّ إنَّهُ لَمّا اطَّلَعَ عَلى حَقِيقَةِ اللَّفْظِ عَلِمَ أنَّ الطَّلْحَ في هَذا المَوْضِعِ أوْلى، وهو أفْصَحُ مِنَ الكَلامِ الَّذِي ظَنَّهُ في غايَةِ الفَصاحَةِ فَقالَ: المُصْحَفُ بَيَّنَ لِي أنَّهُ خَيْرٌ مِمّا كانَ في ظَنِّي فالمُصْحَفُ لا يُحَوَّلُ. والَّذِي يُؤَيِّدُ هَذا أنَّهُ لَوْ كانَ (طَلْعٌ) لَكانَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ﴾ تَكْرارَ أحْرُفٍ مِن غَيْرِ فائِدَةٍ، وأمّا عَلى الطَّلْحِ فَتَظْهَرُ فائِدَةُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وفاكِهَةٍ﴾ وسَنُبَيِّنُها إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: ما المَنضُودُ ؟ فَنَقُولُ: إمّا الوَرَقُ وإمّا الثَّمَرُ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ الوَرَقُ؛ لِأنَّ شَجَرَ المَوْزِ مِن أوَّلِهِ إلى أعْلاهُ يَكُونُ ورَقًا بَعْدَ ورَقٍ، وهو يَنْبُتُ كَشَجَرِ الحِنْطَةِ ورَقًا بَعْدَ ورَقِ وساقُهُ يَغْلُظُ وتَرْتَفِعُ أوْراقُهُ، ويَبْقى بَعْضُها دُونَ بَعْضٍ، كَما في القَصَبِ، فَمَوْزُ الدُّنْيا إذا ثَبَتَ كانَ بَيْنَ القَصَبِ وبَيْنَ بَعْضِها فُرْجَةٌ، ولَيْسَ عَلَيْها ورَقٌ، ومَوْزُ الآخِرَةِ يَكُونُ ورَقُهُ مُتَّصِلًا بَعْضُهُ بِبَعْضٍ فَهو أكْثَرُ أوْراقًا، وقِيلَ: المَنضُودُ المُثْمِرُ، فَإنْ قِيلَ: إذا كانَ الطَّلْحُ شَجَرًا فَهو لا يَكُونُ مَنضُودًا وإنَّما يَكُونُ لَهُ ثَمَرٌ مَنضُودٌ، فَكَيْفَ وصَفَ بِهِ الطَّلْحَ ؟ نَقُولُ: هو مِن بابِ ”حَسَنُ الوَجْهِ“ وُصِفَ بِسَبَبِ اتِّصافِ ما يَتَّصِلُ بِهِ، يُقالُ: زَيْدٌ حَسَنُ الوَجْهِ، وقَدْ يُتْرَكُ الوَجْهُ ويُقالُ: زَيْدٌ حَسَنٌ والمُرادُ حَسَنُ الوَجْهِ ولا يُتْرَكُ إنْ أوْهَمَ فَيَصِحُّ أنْ يُقالَ: زَيْدٌ مَضْرُوبُ الغُلامِ، ولا يَجُوزُ تَرْكُ الغُلامِ؛ لِأنَّهُ يُوهِمُ الخَطَأ، وأمّا حَسَنُ الوَجْهِ فَيَجُوزُ تَرْكُ الوَجْهِ.
الواقعة 56:28
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وأصْحابُ اليَمِينِ ما أصْحابُ اليَمِينِ﴾ ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ﴾ ﴿وطَلْحٍ مَنضُودٍ﴾ .
لَمّا بَيَّنَ حالَ السّابِقِينَ شَرَعَ في شَأْنِ أصْحابِ المَيْمَنَةِ مِنَ الأزْواجِ الثَّلاثَةِ، وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: ما الفائِدَةُ في ذِكْرِهِمْ بِلَفْظِ: ﴿أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ عِنْدَ ذِكْرِ الأقْسامِ، وبِلَفْظِ: ﴿وأصْحابُ اليَمِينِ﴾ عِنْدَ ذِكْرِ الإنْعامِ ؟ نَقُولُ: المَيْمَنَةُ مَفْعَلَةٌ إمّا بِمَعْنى مَوْضِعِ اليَمِينِ كالمَحْكَمَةِ لِمَوْضِعِ الحُكْمِ، أيِ: الأرْضُ الَّتِي فِيها اليَمِينُ وإمّا بِمَعْنى مَوْضِعِ اليُمْنِ كالمَنارَةِ مَوْضِعِ النّارِ، والمَجْمَرَةِ مَوْضِعِ الجَمْرِ، فَكَيْفَما كانَ المَيْمَنَةُ فِيها دَلالَةٌ عَلى المَوْضِعِ، لَكِنَّ الأزْواجَ الثَّلاثَةَ في أوَّلِ الأمْرِ يَتَمَيَّزُ بَعْضُهم عَنْ بَعْضٍ، ويَتَفَرَّقُونَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ [الروم: ١٤] وقالَ: ﴿يُصَدَّعُونَ﴾ فَيَتَفَرَّقُونَ بِالمَكانِ فَأشارَ في الأوَّلِ إلَيْهِمْ بِلَفْظٍ يَدُلُّ عَلى المَكانِ، ثُمَّ عِنْدَ الثَّوابِ وقَعَ تَفَرُّقُهم بِأمْرٍ مُبْهَمٍ لا يَتَشارَكُونَ فِيهِ كالمَكانِ، فَقالَ: ﴿وأصْحابُ اليَمِينِ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أصْحابُ اليَمِينِ الَّذِينَ يَأْخُذُونَ بِأيْمانِهِمْ كُتُبَهم.
ثانِيها: أصْحابُ القُوَّةِ.
ثالِثُها: أصْحابُ النُّورِ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ما الحِكْمَةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِي سِدْرٍ﴾ وأيَّةُ نِعْمَةٍ تَكُونُ في كَوْنِهِمْ في سِدْرٍ، والسِّدْرُ مِن أشْجارِ البَوادِي، لا بِمُرٍّ ولا بِحُلْوٍ ولا بِطَيِّبٍ ؟ نَقُولُ: فِيهِ حِكْمَةٌ بالِغَةٌ غَفَلَتْ عَنْها الأوائِلُ والأواخِرُ، واقْتَصَرُوا في الجَوابِ والتَّقْرِيبِ أنَّ الجَنَّةَ تُمَثَّلُ بِما كانَ عِنْدَ العَرَبِ عَزِيزًا مَحْمُودًا، وهو صَوابٌ ولَكِنَّهُ غَيْرُ فائِقٍ، والفائِقُ الرّائِقُ الَّذِي هو بِتَفْسِيرِ كَلامِ اللَّهِ لائِقٌ، هو أنْ نَقُولَ: إنّا قَدْ بَيَّنّا مِرارًا أنَّ البَلِيغَ يَذْكُرُ طَرَفَيْ أمْرَيْنِ، يَتَضَمَّنُ ذِكْرُهُما الإشارَةَ إلى جَمِيعِ ما بَيْنَهُما، كَما يُقالُ: فُلانٌ مَلِكُ الشَّرْقِ والغَرْبِ، ويُفْهَمُ مِنهُ أنَّهُ مَلِكُهُما ومَلِكُ ما بَيْنَهُما، ويُقالُ: فُلانٌ أرْضى الصَّغِيرَ والكَبِيرَ، ويُفْهَمُ مِنهُ أنَّهُ أرْضى كُلَّ أحَدٍ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، فَنَقُولُ: لا خَفاءَ في أنَّ تَزَيُّنَ المَواضِعِ الَّتِي يُتَفَرَّجُ فِيها بِالأشْجارِ، وتِلْكَ الأشْجارُ تارَةً يُطْلَبُ مِنها نَفْسُ الوَرَقِ والنَّظَرُ إلَيْهِ والِاسْتِظْلالُ بِهِ، وتارَةً يُقْصَدُ إلى ثِمارِها، وتارَةً يُجْمَعُ بَيْنَهُما، لَكِنَّ الأشْجارَ أوْراقُها عَلى أقْسامٍ كَثِيرَةٍ، ويَجْمَعُها نَوْعانِ: أوْراقٌ صِغارٌ، وأوْراقٌ كِبارٌ، والسِّدْرُ في غايَةِ الصِّغَرِ، والطَّلْحُ وهو شَجَرُ المَوْزِ في غايَةِ الكِبَرِ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ﴾ ﴿وطَلْحٍ مَنضُودٍ﴾ إشارَةٌ إلى ما يَكُونُ ورَقُهُ في غايَةِ الصِّغَرِ مِنَ الأشْجارِ، وإلى ما يَكُونُ ورَقُهُ في غايَةِ الكِبَرِ مِنها، فَوَقَعَتِ الإشارَةُ إلى الطَّرَفَيْنِ جامِعَةً لِجَمِيعِ الأشْجارِ نَظَرًا إلى أوْراقِها، والوَرَقُ أحَدُ مَقاصِدِ الشَّجَرِ ونَظِيرُهُ في الذِّكْرِ ذِكْرُ النَّخْلِ والرُّمّانِ عِنْدَ القَصْدِ إلى ذِكْرِ الثِّمارِ؛ لِأنَّ بَيْنَهُما غايَةَ الخِلافِ كَما بَيَّنّاهُ في مَوْضِعِهِ، فَوَقَعَتِ الإشارَةُ إلَيْهِما جامِعَةً لِجَمِيعِ الأشْجارِ نَظَرًا إلى ثِمارِها، وكَذَلِكَ قُلْنا في النَّخِيلِ والأعْنابِ، فَإنَّ النَّخْلَ مِن أعْظَمِ الأشْجارِ المُثْمِرَةِ، والكَرْمُ مِن أصْغَرِ الأشْجارِ المُثْمِرَةِ، وبَيْنَهُما أشْجارٌ فَوَقَعَتِ الإشارَةُ إلَيْهِما جامِعَةً لِسائِرِ الأشْجارِ، وهَذا جَوابٌ فائِقٌ وفَّقَنا اللَّهُ تَعالى لَهُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ما مَعْنى المَخْضُودِ ؟ نَقُولُ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: مَأْخُوذُ الشَّوْكِ، فَإنَّ شَوْكَ السِّدْرِ يَسْتَقْصِفُ ورَقَها، ولَوْلاهُ لَكانَ مُنْتَزَهَ العَرَبِ، ذَلِكَ لِأنَّها تُظِلُّ لِكَثْرَةِ أوْراقِها ودُخُولِ بَعْضِها في بَعْضٍ.
وثانِيهِما: مَخْضُودٌ أيْ مُتَعَطِّفٌ إلى أسْفَلُ، فَإنَّ رُءُوسَ أغْصانِ السِّدْرِ في الدُّنْيا تَمِيلُ إلى فَوْقُ بِخِلافِ أشْجارِ الثِّمارِ، فَإنَّ رُءُوسَها تَتَدَلّى، وحِينَئِذٍ مَعْناهُ أنَّهُ يُخالِفُ سِدْرَ الدُّنْيا، فَإنَّ لَها ثَمَرًا كَثِيرًا.
صفحة ١٤٣
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: ما الطَّلْحُ ؟ نَقُولُ: الظّاهِرُ أنَّهُ شَجَرُ المَوْزِ، وبِهِ يَتِمُّ ما ذَكَرْنا مِنَ الفائِدَةِ رُوِيَ أنَّ عَلِيًّا عَلَيْهِ السَّلامُ سَمِعَ مَن يَقْرَأُ: ﴿وطَلْحٍ مَنضُودٍ﴾ فَقالَ: ما شَأْنُ الطَّلْحِ ؟ إنَّما هو (وطَلْعٍ)، واسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾ [ق: ١٠] فَقالُوا: في المَصاحِفِ كَذَلِكَ، فَقالَ: لا تُحَوَّلُ المَصاحِفُ، فَنَقُولُ: هَذا دَلِيلُ مُعْجِزَةِ القُرْآنِ، وغَزارَةِ عِلْمِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. أمّا المُعْجِزَةُ فَلِأنَّ عَلِيًّا كانَ مِن فُصَحاءِ العَرَبِ ولَمّا سَمِعَ هَذا حَمَلَهُ عَلى الطَّلْعِ واسْتَمَرَّ عَلَيْهِ، وما كانَ قَدِ اتَّفَقَ حَرْفُهُ لِمُبادَرَةِ ذِهْنِهِ إلى مَعْنًى، ثُمَّ قالَ في نَفْسِهِ: إنَّ هَذا الكَلامَ في غايَةِ الحُسْنِ؛ لِأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ الشَّجَرَ المَقْصُودَ مِنهُ الوَرَقُ لِلِاسْتِظْلالِ بِهِ، والشَّجَرَ المَقْصُودَ مِنهُ الثَّمَرُ لِلِاسْتِغْلالِ بِهِ، فَذَكَرَ النَّوْعَيْنِ، ثُمَّ إنَّهُ لَمّا اطَّلَعَ عَلى حَقِيقَةِ اللَّفْظِ عَلِمَ أنَّ الطَّلْحَ في هَذا المَوْضِعِ أوْلى، وهو أفْصَحُ مِنَ الكَلامِ الَّذِي ظَنَّهُ في غايَةِ الفَصاحَةِ فَقالَ: المُصْحَفُ بَيَّنَ لِي أنَّهُ خَيْرٌ مِمّا كانَ في ظَنِّي فالمُصْحَفُ لا يُحَوَّلُ. والَّذِي يُؤَيِّدُ هَذا أنَّهُ لَوْ كانَ (طَلْعٌ) لَكانَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ﴾ تَكْرارَ أحْرُفٍ مِن غَيْرِ فائِدَةٍ، وأمّا عَلى الطَّلْحِ فَتَظْهَرُ فائِدَةُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وفاكِهَةٍ﴾ وسَنُبَيِّنُها إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: ما المَنضُودُ ؟ فَنَقُولُ: إمّا الوَرَقُ وإمّا الثَّمَرُ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ الوَرَقُ؛ لِأنَّ شَجَرَ المَوْزِ مِن أوَّلِهِ إلى أعْلاهُ يَكُونُ ورَقًا بَعْدَ ورَقٍ، وهو يَنْبُتُ كَشَجَرِ الحِنْطَةِ ورَقًا بَعْدَ ورَقِ وساقُهُ يَغْلُظُ وتَرْتَفِعُ أوْراقُهُ، ويَبْقى بَعْضُها دُونَ بَعْضٍ، كَما في القَصَبِ، فَمَوْزُ الدُّنْيا إذا ثَبَتَ كانَ بَيْنَ القَصَبِ وبَيْنَ بَعْضِها فُرْجَةٌ، ولَيْسَ عَلَيْها ورَقٌ، ومَوْزُ الآخِرَةِ يَكُونُ ورَقُهُ مُتَّصِلًا بَعْضُهُ بِبَعْضٍ فَهو أكْثَرُ أوْراقًا، وقِيلَ: المَنضُودُ المُثْمِرُ، فَإنْ قِيلَ: إذا كانَ الطَّلْحُ شَجَرًا فَهو لا يَكُونُ مَنضُودًا وإنَّما يَكُونُ لَهُ ثَمَرٌ مَنضُودٌ، فَكَيْفَ وصَفَ بِهِ الطَّلْحَ ؟ نَقُولُ: هو مِن بابِ ”حَسَنُ الوَجْهِ“ وُصِفَ بِسَبَبِ اتِّصافِ ما يَتَّصِلُ بِهِ، يُقالُ: زَيْدٌ حَسَنُ الوَجْهِ، وقَدْ يُتْرَكُ الوَجْهُ ويُقالُ: زَيْدٌ حَسَنٌ والمُرادُ حَسَنُ الوَجْهِ ولا يُتْرَكُ إنْ أوْهَمَ فَيَصِحُّ أنْ يُقالَ: زَيْدٌ مَضْرُوبُ الغُلامِ، ولا يَجُوزُ تَرْكُ الغُلامِ؛ لِأنَّهُ يُوهِمُ الخَطَأ، وأمّا حَسَنُ الوَجْهِ فَيَجُوزُ تَرْكُ الوَجْهِ.
الواقعة 56:29
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وأصْحابُ اليَمِينِ ما أصْحابُ اليَمِينِ﴾ ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ﴾ ﴿وطَلْحٍ مَنضُودٍ﴾ .
لَمّا بَيَّنَ حالَ السّابِقِينَ شَرَعَ في شَأْنِ أصْحابِ المَيْمَنَةِ مِنَ الأزْواجِ الثَّلاثَةِ، وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: ما الفائِدَةُ في ذِكْرِهِمْ بِلَفْظِ: ﴿أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ عِنْدَ ذِكْرِ الأقْسامِ، وبِلَفْظِ: ﴿وأصْحابُ اليَمِينِ﴾ عِنْدَ ذِكْرِ الإنْعامِ ؟ نَقُولُ: المَيْمَنَةُ مَفْعَلَةٌ إمّا بِمَعْنى مَوْضِعِ اليَمِينِ كالمَحْكَمَةِ لِمَوْضِعِ الحُكْمِ، أيِ: الأرْضُ الَّتِي فِيها اليَمِينُ وإمّا بِمَعْنى مَوْضِعِ اليُمْنِ كالمَنارَةِ مَوْضِعِ النّارِ، والمَجْمَرَةِ مَوْضِعِ الجَمْرِ، فَكَيْفَما كانَ المَيْمَنَةُ فِيها دَلالَةٌ عَلى المَوْضِعِ، لَكِنَّ الأزْواجَ الثَّلاثَةَ في أوَّلِ الأمْرِ يَتَمَيَّزُ بَعْضُهم عَنْ بَعْضٍ، ويَتَفَرَّقُونَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ [الروم: ١٤] وقالَ: ﴿يُصَدَّعُونَ﴾ فَيَتَفَرَّقُونَ بِالمَكانِ فَأشارَ في الأوَّلِ إلَيْهِمْ بِلَفْظٍ يَدُلُّ عَلى المَكانِ، ثُمَّ عِنْدَ الثَّوابِ وقَعَ تَفَرُّقُهم بِأمْرٍ مُبْهَمٍ لا يَتَشارَكُونَ فِيهِ كالمَكانِ، فَقالَ: ﴿وأصْحابُ اليَمِينِ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أصْحابُ اليَمِينِ الَّذِينَ يَأْخُذُونَ بِأيْمانِهِمْ كُتُبَهم.
ثانِيها: أصْحابُ القُوَّةِ.
ثالِثُها: أصْحابُ النُّورِ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ما الحِكْمَةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِي سِدْرٍ﴾ وأيَّةُ نِعْمَةٍ تَكُونُ في كَوْنِهِمْ في سِدْرٍ، والسِّدْرُ مِن أشْجارِ البَوادِي، لا بِمُرٍّ ولا بِحُلْوٍ ولا بِطَيِّبٍ ؟ نَقُولُ: فِيهِ حِكْمَةٌ بالِغَةٌ غَفَلَتْ عَنْها الأوائِلُ والأواخِرُ، واقْتَصَرُوا في الجَوابِ والتَّقْرِيبِ أنَّ الجَنَّةَ تُمَثَّلُ بِما كانَ عِنْدَ العَرَبِ عَزِيزًا مَحْمُودًا، وهو صَوابٌ ولَكِنَّهُ غَيْرُ فائِقٍ، والفائِقُ الرّائِقُ الَّذِي هو بِتَفْسِيرِ كَلامِ اللَّهِ لائِقٌ، هو أنْ نَقُولَ: إنّا قَدْ بَيَّنّا مِرارًا أنَّ البَلِيغَ يَذْكُرُ طَرَفَيْ أمْرَيْنِ، يَتَضَمَّنُ ذِكْرُهُما الإشارَةَ إلى جَمِيعِ ما بَيْنَهُما، كَما يُقالُ: فُلانٌ مَلِكُ الشَّرْقِ والغَرْبِ، ويُفْهَمُ مِنهُ أنَّهُ مَلِكُهُما ومَلِكُ ما بَيْنَهُما، ويُقالُ: فُلانٌ أرْضى الصَّغِيرَ والكَبِيرَ، ويُفْهَمُ مِنهُ أنَّهُ أرْضى كُلَّ أحَدٍ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، فَنَقُولُ: لا خَفاءَ في أنَّ تَزَيُّنَ المَواضِعِ الَّتِي يُتَفَرَّجُ فِيها بِالأشْجارِ، وتِلْكَ الأشْجارُ تارَةً يُطْلَبُ مِنها نَفْسُ الوَرَقِ والنَّظَرُ إلَيْهِ والِاسْتِظْلالُ بِهِ، وتارَةً يُقْصَدُ إلى ثِمارِها، وتارَةً يُجْمَعُ بَيْنَهُما، لَكِنَّ الأشْجارَ أوْراقُها عَلى أقْسامٍ كَثِيرَةٍ، ويَجْمَعُها نَوْعانِ: أوْراقٌ صِغارٌ، وأوْراقٌ كِبارٌ، والسِّدْرُ في غايَةِ الصِّغَرِ، والطَّلْحُ وهو شَجَرُ المَوْزِ في غايَةِ الكِبَرِ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ﴾ ﴿وطَلْحٍ مَنضُودٍ﴾ إشارَةٌ إلى ما يَكُونُ ورَقُهُ في غايَةِ الصِّغَرِ مِنَ الأشْجارِ، وإلى ما يَكُونُ ورَقُهُ في غايَةِ الكِبَرِ مِنها، فَوَقَعَتِ الإشارَةُ إلى الطَّرَفَيْنِ جامِعَةً لِجَمِيعِ الأشْجارِ نَظَرًا إلى أوْراقِها، والوَرَقُ أحَدُ مَقاصِدِ الشَّجَرِ ونَظِيرُهُ في الذِّكْرِ ذِكْرُ النَّخْلِ والرُّمّانِ عِنْدَ القَصْدِ إلى ذِكْرِ الثِّمارِ؛ لِأنَّ بَيْنَهُما غايَةَ الخِلافِ كَما بَيَّنّاهُ في مَوْضِعِهِ، فَوَقَعَتِ الإشارَةُ إلَيْهِما جامِعَةً لِجَمِيعِ الأشْجارِ نَظَرًا إلى ثِمارِها، وكَذَلِكَ قُلْنا في النَّخِيلِ والأعْنابِ، فَإنَّ النَّخْلَ مِن أعْظَمِ الأشْجارِ المُثْمِرَةِ، والكَرْمُ مِن أصْغَرِ الأشْجارِ المُثْمِرَةِ، وبَيْنَهُما أشْجارٌ فَوَقَعَتِ الإشارَةُ إلَيْهِما جامِعَةً لِسائِرِ الأشْجارِ، وهَذا جَوابٌ فائِقٌ وفَّقَنا اللَّهُ تَعالى لَهُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ما مَعْنى المَخْضُودِ ؟ نَقُولُ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: مَأْخُوذُ الشَّوْكِ، فَإنَّ شَوْكَ السِّدْرِ يَسْتَقْصِفُ ورَقَها، ولَوْلاهُ لَكانَ مُنْتَزَهَ العَرَبِ، ذَلِكَ لِأنَّها تُظِلُّ لِكَثْرَةِ أوْراقِها ودُخُولِ بَعْضِها في بَعْضٍ.
وثانِيهِما: مَخْضُودٌ أيْ مُتَعَطِّفٌ إلى أسْفَلُ، فَإنَّ رُءُوسَ أغْصانِ السِّدْرِ في الدُّنْيا تَمِيلُ إلى فَوْقُ بِخِلافِ أشْجارِ الثِّمارِ، فَإنَّ رُءُوسَها تَتَدَلّى، وحِينَئِذٍ مَعْناهُ أنَّهُ يُخالِفُ سِدْرَ الدُّنْيا، فَإنَّ لَها ثَمَرًا كَثِيرًا.
صفحة ١٤٣
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: ما الطَّلْحُ ؟ نَقُولُ: الظّاهِرُ أنَّهُ شَجَرُ المَوْزِ، وبِهِ يَتِمُّ ما ذَكَرْنا مِنَ الفائِدَةِ رُوِيَ أنَّ عَلِيًّا عَلَيْهِ السَّلامُ سَمِعَ مَن يَقْرَأُ: ﴿وطَلْحٍ مَنضُودٍ﴾ فَقالَ: ما شَأْنُ الطَّلْحِ ؟ إنَّما هو (وطَلْعٍ)، واسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾ [ق: ١٠] فَقالُوا: في المَصاحِفِ كَذَلِكَ، فَقالَ: لا تُحَوَّلُ المَصاحِفُ، فَنَقُولُ: هَذا دَلِيلُ مُعْجِزَةِ القُرْآنِ، وغَزارَةِ عِلْمِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. أمّا المُعْجِزَةُ فَلِأنَّ عَلِيًّا كانَ مِن فُصَحاءِ العَرَبِ ولَمّا سَمِعَ هَذا حَمَلَهُ عَلى الطَّلْعِ واسْتَمَرَّ عَلَيْهِ، وما كانَ قَدِ اتَّفَقَ حَرْفُهُ لِمُبادَرَةِ ذِهْنِهِ إلى مَعْنًى، ثُمَّ قالَ في نَفْسِهِ: إنَّ هَذا الكَلامَ في غايَةِ الحُسْنِ؛ لِأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ الشَّجَرَ المَقْصُودَ مِنهُ الوَرَقُ لِلِاسْتِظْلالِ بِهِ، والشَّجَرَ المَقْصُودَ مِنهُ الثَّمَرُ لِلِاسْتِغْلالِ بِهِ، فَذَكَرَ النَّوْعَيْنِ، ثُمَّ إنَّهُ لَمّا اطَّلَعَ عَلى حَقِيقَةِ اللَّفْظِ عَلِمَ أنَّ الطَّلْحَ في هَذا المَوْضِعِ أوْلى، وهو أفْصَحُ مِنَ الكَلامِ الَّذِي ظَنَّهُ في غايَةِ الفَصاحَةِ فَقالَ: المُصْحَفُ بَيَّنَ لِي أنَّهُ خَيْرٌ مِمّا كانَ في ظَنِّي فالمُصْحَفُ لا يُحَوَّلُ. والَّذِي يُؤَيِّدُ هَذا أنَّهُ لَوْ كانَ (طَلْعٌ) لَكانَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ﴾ تَكْرارَ أحْرُفٍ مِن غَيْرِ فائِدَةٍ، وأمّا عَلى الطَّلْحِ فَتَظْهَرُ فائِدَةُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وفاكِهَةٍ﴾ وسَنُبَيِّنُها إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: ما المَنضُودُ ؟ فَنَقُولُ: إمّا الوَرَقُ وإمّا الثَّمَرُ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ الوَرَقُ؛ لِأنَّ شَجَرَ المَوْزِ مِن أوَّلِهِ إلى أعْلاهُ يَكُونُ ورَقًا بَعْدَ ورَقٍ، وهو يَنْبُتُ كَشَجَرِ الحِنْطَةِ ورَقًا بَعْدَ ورَقِ وساقُهُ يَغْلُظُ وتَرْتَفِعُ أوْراقُهُ، ويَبْقى بَعْضُها دُونَ بَعْضٍ، كَما في القَصَبِ، فَمَوْزُ الدُّنْيا إذا ثَبَتَ كانَ بَيْنَ القَصَبِ وبَيْنَ بَعْضِها فُرْجَةٌ، ولَيْسَ عَلَيْها ورَقٌ، ومَوْزُ الآخِرَةِ يَكُونُ ورَقُهُ مُتَّصِلًا بَعْضُهُ بِبَعْضٍ فَهو أكْثَرُ أوْراقًا، وقِيلَ: المَنضُودُ المُثْمِرُ، فَإنْ قِيلَ: إذا كانَ الطَّلْحُ شَجَرًا فَهو لا يَكُونُ مَنضُودًا وإنَّما يَكُونُ لَهُ ثَمَرٌ مَنضُودٌ، فَكَيْفَ وصَفَ بِهِ الطَّلْحَ ؟ نَقُولُ: هو مِن بابِ ”حَسَنُ الوَجْهِ“ وُصِفَ بِسَبَبِ اتِّصافِ ما يَتَّصِلُ بِهِ، يُقالُ: زَيْدٌ حَسَنُ الوَجْهِ، وقَدْ يُتْرَكُ الوَجْهُ ويُقالُ: زَيْدٌ حَسَنٌ والمُرادُ حَسَنُ الوَجْهِ ولا يُتْرَكُ إنْ أوْهَمَ فَيَصِحُّ أنْ يُقالَ: زَيْدٌ مَضْرُوبُ الغُلامِ، ولا يَجُوزُ تَرْكُ الغُلامِ؛ لِأنَّهُ يُوهِمُ الخَطَأ، وأمّا حَسَنُ الوَجْهِ فَيَجُوزُ تَرْكُ الوَجْهِ.
الواقعة 56:30
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾، وفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: مَمْدُودٌ زَمانًا، أيْ لا زَوالَ لَهُ فَهو دائِمٌ، كَما قالَ تَعالى: ﴿أُكُلُها دائِمٌ وظِلُّها﴾ [الرعد: ٣٥] أيْ كَذَلِكَ.
الثّانِي: مَمْدُودٌ مَكانًا، أيْ يَقَعُ عَلى شَيْءٍ كَبِيرٍ ويَسْتُرُهُ مِن بُقْعَةِ الجَنَّةِ.
الثّالِثُ: المُرادُ مَمْدُودٌ أيْ مُنْبَسِطٌ، كَما قالَ تَعالى: ﴿والأرْضَ مَدَدْناها﴾ [الحجر: ١٩] فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَكُونُ الوَجْهُ الثّانِي ؟ نَقُولُ: الظِّلُّ قَدْ يَكُونُ مُرْتَفِعًا، فَإنَّ الشَّمْسَ إذا كانَتْ تَحْتَ الأرْضِ يَقَعُ ظِلُّها في الجَوِّ فَيَتَراكَمُ الظِّلُّ فَيَسْوَدُّ وجْهُ الأرْضِ وإذا كانَتْ عَلى أحَدِ جانِبَيْها قَرِيبَةً مِنَ الأُفُقِ يَنْبَسِطُ عَلى وجْهِ الأرْضِ فَيُضِيءُ الجَوُّ ولا يَسْخُنُ وجْهُ الأرْضِ، فَيَكُونُ في غايَةِ الطِّيبَةِ، فَقَوْلُهُ: ﴿وظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ أيْ عِنْدِ قِيامِهِ عَمُودًا عَلى الأرْضِ كالظِّلِّ بِاللَّيْلِ، وعَلى هَذا فالظِّلُّ لَيْسَ ظِلَّ الأشْجارِ بَلْ ظِلٌّ يَخْلُقُهُ اللَّهُ تَعالى.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وماءٍ مَسْكُوبٍ﴾ فِيهِ أيْضًا وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: مَسْكُوبٌ مِن فَوْقُ، وذَلِكَ لِأنَّ العَرَبَ أكْثَرُ ما يَكُونُ عِنْدَهُمُ الآبارُ والبِرَكُ فَلا سَكْبَ لِلْماءِ عِنْدَهم بِخِلافِ المَواضِعِ الَّتِي فِيها العُيُونُ النّابِعَةُ مِنَ الجِبالِ الحاكِمَةُ عَلى الأرْضِ تَسْكُبُ عَلَيْها.
الثّانِي: جارٍ في غَيْرِ أُخْدُودٍ؛ لِأنَّ الماءَ المَسْكُوبَ يَكُونُ جارِيًا في الهَواءِ ولا نَهْرَ هُناكَ، كَذَلِكَ الماءُ في الجَنَّةِ. الثّالِثُ: كَثِيرٌ وذَلِكَ الماءُ عِنْدَ العَرَبِ عَزِيزٌ لا يُسْكَبُ، بَلْ يُحْفَظُ
صفحة ١٤٤
ويُشْرَبُ، فَإذا ذَكَرُوا النِّعَمَ يَعُدُّونَ كَثْرَةَ الماءِ ويُعَبِّرُونَ عَنْ كَثْرَتِها بِإراقَتِها وسَكْبِها، والأوَّلُ أصَحُّ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ﴾ ﴿لا مَقْطُوعَةٍ ولا مَمْنُوعَةٍ﴾ لَمّا ذَكَرَ الأشْجارَ الَّتِي يُطْلَبُ مِنها ورَقُها ذَكَرَ بَعْدَها الأشْجارَ الَّتِي يُقْصَدُ ثَمَرُها، وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: ما الحِكْمَةُ في تَقْدِيمِ الأشْجارِ المُورِقَةِ عَلى غَيْرِ المُورِقَةِ ؟ نَقُولُ: هي ظاهِرَةٌ، وهو أنَّهُ قَدَّمَ الوَرَقَ عَلى الشَّجَرِ عَلى طَرِيقَةِ الِارْتِقاءِ مِن نِعْمَةٍ إلى ذِكْرِ نِعْمَةٍ فَوْقَها، والفَواكِهُ أتَمُّ نِعْمَةً.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ما الحِكْمَةُ في ذِكْرِ الأشْجارِ المُورِقَةِ بِأنْفُسِها، وذِكْرِ أشْجارِ الفَواكِهِ بِثِمارِها ؟ نَقُولُ: هي أيْضًا ظاهِرَةٌ، فَإنَّ الأوْراقَ حُسْنُها عِنْدَ كَوْنِها عَلى الشَّجَرِ، وأمّا الثِّمارُ فَهي في أنْفُسِها مَطْلُوبَةٌ سَواءٌ كانَتْ عَلَيْها أوْ مَقْطُوعَةً، ولِهَذا صارَتِ الفَواكِهُ لَها أسْماءٌ بِها تُعْرَفُ أشْجارُها، فَيُقالُ: شَجَرُ التِّينِ ووَرَقُهُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ما الحِكْمَةُ في وصْفِ الفاكِهَةِ بِالكَثْرَةِ، لا بِالطِّيبِ واللَّذَّةِ ؟ نَقُولُ: قَدْ بَيَّنّا في سُورَةِ الرَّحْمَنِ أنَّ الفاكِهَةَ فاعِلَةٌ كالرّاضِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٢١] أيْ ذاتُ فَكَهٍ، وهي لا تَكُونُ بِالطَّبِيعَةِ إلّا بِالطِّيبِ واللَّذَّةِ، وأمّا الكَثْرَةُ فَبَيَّنّا أنَّ اللَّهَ تَعالى حَيْثُ ذَكَرَ الفاكِهَةَ ذَكَرَ ما يَدُلُّ عَلى الكَثْرَةِ؛ لِأنَّها لَيْسَتْ لِدَفْعِ الحاجَةِ حَتّى تَكُونَ بِقَدْرِ الحاجَةِ، بَلْ هي لِلتَّنَعُّمِ، فَوَصَفَها بِالكَثْرَةِ والتَّنَوُّعِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: ﴿لا مَقْطُوعَةٍ﴾ أيْ لَيْسَتْ كَفَواكِهِ الدُّنْيا، فَإنَّها تَنْقَطِعُ في أكْثَرِ الأوْقاتِ والأزْمانِ، وفي كَثِيرٍ مِنَ المَواضِعِ والأماكِنِ: ﴿ولا مَمْنُوعَةٍ﴾ أيْ لا تُمْنَعُ مِنَ النّاسِ لِطَلَبِ الأعْواضِ والأثْمانِ، والمَمْنُوعُ مِنَ النّاسِ لِطَلَبِ الأعْواضِ والأثْمانِ ظاهِرٌ في الحِسِّ؛ لِأنَّ الفاكِهَةَ في الدُّنْيا تُمْنَعُ عَنِ البَعْضِ فَهي مَمْنُوعَةٌ، وفي الآخِرَةِ لَيْسَتْ مَمْنُوعَةً. وأمّا القَطْعُ فَيُقالُ في الدُّنْيا: إنَّها انْقَطَعَتْ فَهي مُنْقَطِعَةٌ لا مَقْطُوعَةٌ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا مَقْطُوعَةٍ﴾ في غايَةِ الحُسْنِ؛ لِأنَّ فِيهِ إشارَةً إلى دَلِيلِ عَدَمِ القَطْعِ، كَما أنَّ في: ﴿ولا مَمْنُوعَةٍ﴾ دَلِيلًا عَلى عَدَمِ المَنعِ، وبَيانُهُ هو أنَّ الفاكِهَةَ في الدُّنْيا لا تُمْنَعُ إلّا لِطَلَبِ العِوَضِ وحاجَةِ صاحِبِها إلى ثَمَنِها لِدَفْعِ حاجَةٍ بِهِ، وفي الآخِرَةِ مالِكُها اللَّهُ تَعالى ولا حاجَةَ لَهُ، فَلَزِمَ أنْ لا تُمْنَعَ الفاكِهَةُ مِن أحَدٍ كالَّذِي لَهُ فاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ، ولا يَأْكُلُ ولا يَبِيعُ، ولا يَحْتاجُ إلَيْها بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ لا شَكَّ في أنْ يُفَرِّقَها ولا يَمْنَعَها مِن أحَدٍ. وأمّا الِانْقِطاعُ فَنَقُولُ الَّذِي يُقالُ في الدُّنْيا: الفاكِهَةُ انْقَطَعَتْ، ولا يُقالُ عِنْدَ وُجُودِها: امْتَنَعَتْ، بَلْ يُقالُ: مُنِعَتْ، وذَلِكَ لِأنَّ الإنْسانَ لا يَتَكَلَّمُ إلّا بِما يَفْهَمُهُ الصَّغِيرُ والكَبِيرُ، ولَكِنَّ كُلَّ أحَدٍ إذا نَظَرَ إلى الفاكِهَةِ زَمانَ وُجُودِها يَرى أحَدًا يَحُوزُها ويَحْفَظُها ولا يَراها بِنَفْسِها تَمْتَنِعُ فَيَقُولُ إنَّها مَمْنُوعَةٌ، وأمّا عِنْدَ انْقِطاعِها وفَقْدِها لا يَرى أحَدًا قَطَعَها حِسًّا وأعْدَمَها فَيَظُنُّها مُنْقَطِعَةً بِنَفْسِها لِعَدَمِ إحْساسِهِ بِالقاطِعِ، ووُجُودِ إحْساسِهِ بِالمانِعِ، فَقالَ تَعالى: لَوْ نَظَرْتُمْ في الدُّنْيا حَقَّ النَّظَرِ عَلِمْتُمْ أنَّ كُلَّ زَمانٍ نَظَرًا إلى كَوْنِهِ لَيْلًا ونَهارًا مُمْكِنٌ فِيهِ الفاكِهَةُ فَهي بِنَفْسِها لا تَنْقَطِعُ، وإنَّما لا تُوجَدُ عِنْدَ المُحَقِّقِ لِقَطْعِ اللَّهِ إيّاها وتَخْصِيصِها بِزَمانٍ دُونَ زَمانٍ، وعِنْدَ غَيْرِ المُحَقِّقِ لِبَرْدِ الزَّمانِ وحَرِّهِ وكَوْنِهِ مُحْتاجًا إلى الظُّهُورِ والنُّمُوِّ والزَّهْرِ؛ ولِذَلِكَ تَجْرِي العادَةُ بِأزْمِنَةٍ فَهي يَقْطَعُها الزَّمانُ في نَظَرِ غَيْرِ المُحَقِّقِ فَإذا كانَتِ الجَنَّةُ ظِلُّها مَمْدُودٌ لا شَمْسَ هُناكَ ولا زَمْهَرِيرَ اسْتَوَتِ الأزْمِنَةُ واللَّهُ تَعالى يَقْطَعُها فَلا تَكُونُ مَقْطُوعَةً بِسَبَبٍ حَقِيقِيٍّ ولا ظاهِرٍ، فالمَقْطُوعُ يَتَفَكَّرُ الإنْسانُ فِيهِ ويَعْلَمُ أنَّهُ مَقْطُوعٌ لا مُنْقَطِعٌ مِن غَيْرِ قاطِعٍ، وفي الجَنَّةِ لا قاطِعَ فَلا تَصِيرُ مَقْطُوعَةً.
صفحة ١٤٥
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قَدَّمَ نَفْيَ كَوْنِها مَقْطُوعَةً لِما أنَّ القَطْعَ لِلْمَوْجُودِ والمَنعَ بَعْدَ الوُجُودِ؛ لِأنَّها تُوجَدُ أوَّلًا ثُمَّ تُمْنَعُ فَإنْ لَمْ تَكُنْ مَوْجُودَةً لا تَكُونُ مَمْنُوعَةً مَحْفُوظَةً فَقالَ: لا تُقْطَعُ فَتُوجَدَ أبَدًا ثُمَّ إنَّ ذَلِكَ المَوْجُودَ لا يُمْنَعُ مِن أحَدٍ وهو ظاهِرٌ غَيْرَ أنّا نُحِبُّ أنْ لا نَتْرُكَ شَيْئًا مِمّا يَخْطُرُ بِالبالِ ويَكُونُ صَحِيحًا.
الواقعة 56:31
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾، وفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: مَمْدُودٌ زَمانًا، أيْ لا زَوالَ لَهُ فَهو دائِمٌ، كَما قالَ تَعالى: ﴿أُكُلُها دائِمٌ وظِلُّها﴾ [الرعد: ٣٥] أيْ كَذَلِكَ.
الثّانِي: مَمْدُودٌ مَكانًا، أيْ يَقَعُ عَلى شَيْءٍ كَبِيرٍ ويَسْتُرُهُ مِن بُقْعَةِ الجَنَّةِ.
الثّالِثُ: المُرادُ مَمْدُودٌ أيْ مُنْبَسِطٌ، كَما قالَ تَعالى: ﴿والأرْضَ مَدَدْناها﴾ [الحجر: ١٩] فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَكُونُ الوَجْهُ الثّانِي ؟ نَقُولُ: الظِّلُّ قَدْ يَكُونُ مُرْتَفِعًا، فَإنَّ الشَّمْسَ إذا كانَتْ تَحْتَ الأرْضِ يَقَعُ ظِلُّها في الجَوِّ فَيَتَراكَمُ الظِّلُّ فَيَسْوَدُّ وجْهُ الأرْضِ وإذا كانَتْ عَلى أحَدِ جانِبَيْها قَرِيبَةً مِنَ الأُفُقِ يَنْبَسِطُ عَلى وجْهِ الأرْضِ فَيُضِيءُ الجَوُّ ولا يَسْخُنُ وجْهُ الأرْضِ، فَيَكُونُ في غايَةِ الطِّيبَةِ، فَقَوْلُهُ: ﴿وظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ أيْ عِنْدِ قِيامِهِ عَمُودًا عَلى الأرْضِ كالظِّلِّ بِاللَّيْلِ، وعَلى هَذا فالظِّلُّ لَيْسَ ظِلَّ الأشْجارِ بَلْ ظِلٌّ يَخْلُقُهُ اللَّهُ تَعالى.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وماءٍ مَسْكُوبٍ﴾ فِيهِ أيْضًا وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: مَسْكُوبٌ مِن فَوْقُ، وذَلِكَ لِأنَّ العَرَبَ أكْثَرُ ما يَكُونُ عِنْدَهُمُ الآبارُ والبِرَكُ فَلا سَكْبَ لِلْماءِ عِنْدَهم بِخِلافِ المَواضِعِ الَّتِي فِيها العُيُونُ النّابِعَةُ مِنَ الجِبالِ الحاكِمَةُ عَلى الأرْضِ تَسْكُبُ عَلَيْها.
الثّانِي: جارٍ في غَيْرِ أُخْدُودٍ؛ لِأنَّ الماءَ المَسْكُوبَ يَكُونُ جارِيًا في الهَواءِ ولا نَهْرَ هُناكَ، كَذَلِكَ الماءُ في الجَنَّةِ. الثّالِثُ: كَثِيرٌ وذَلِكَ الماءُ عِنْدَ العَرَبِ عَزِيزٌ لا يُسْكَبُ، بَلْ يُحْفَظُ
صفحة ١٤٤
ويُشْرَبُ، فَإذا ذَكَرُوا النِّعَمَ يَعُدُّونَ كَثْرَةَ الماءِ ويُعَبِّرُونَ عَنْ كَثْرَتِها بِإراقَتِها وسَكْبِها، والأوَّلُ أصَحُّ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ﴾ ﴿لا مَقْطُوعَةٍ ولا مَمْنُوعَةٍ﴾ لَمّا ذَكَرَ الأشْجارَ الَّتِي يُطْلَبُ مِنها ورَقُها ذَكَرَ بَعْدَها الأشْجارَ الَّتِي يُقْصَدُ ثَمَرُها، وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: ما الحِكْمَةُ في تَقْدِيمِ الأشْجارِ المُورِقَةِ عَلى غَيْرِ المُورِقَةِ ؟ نَقُولُ: هي ظاهِرَةٌ، وهو أنَّهُ قَدَّمَ الوَرَقَ عَلى الشَّجَرِ عَلى طَرِيقَةِ الِارْتِقاءِ مِن نِعْمَةٍ إلى ذِكْرِ نِعْمَةٍ فَوْقَها، والفَواكِهُ أتَمُّ نِعْمَةً.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ما الحِكْمَةُ في ذِكْرِ الأشْجارِ المُورِقَةِ بِأنْفُسِها، وذِكْرِ أشْجارِ الفَواكِهِ بِثِمارِها ؟ نَقُولُ: هي أيْضًا ظاهِرَةٌ، فَإنَّ الأوْراقَ حُسْنُها عِنْدَ كَوْنِها عَلى الشَّجَرِ، وأمّا الثِّمارُ فَهي في أنْفُسِها مَطْلُوبَةٌ سَواءٌ كانَتْ عَلَيْها أوْ مَقْطُوعَةً، ولِهَذا صارَتِ الفَواكِهُ لَها أسْماءٌ بِها تُعْرَفُ أشْجارُها، فَيُقالُ: شَجَرُ التِّينِ ووَرَقُهُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ما الحِكْمَةُ في وصْفِ الفاكِهَةِ بِالكَثْرَةِ، لا بِالطِّيبِ واللَّذَّةِ ؟ نَقُولُ: قَدْ بَيَّنّا في سُورَةِ الرَّحْمَنِ أنَّ الفاكِهَةَ فاعِلَةٌ كالرّاضِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٢١] أيْ ذاتُ فَكَهٍ، وهي لا تَكُونُ بِالطَّبِيعَةِ إلّا بِالطِّيبِ واللَّذَّةِ، وأمّا الكَثْرَةُ فَبَيَّنّا أنَّ اللَّهَ تَعالى حَيْثُ ذَكَرَ الفاكِهَةَ ذَكَرَ ما يَدُلُّ عَلى الكَثْرَةِ؛ لِأنَّها لَيْسَتْ لِدَفْعِ الحاجَةِ حَتّى تَكُونَ بِقَدْرِ الحاجَةِ، بَلْ هي لِلتَّنَعُّمِ، فَوَصَفَها بِالكَثْرَةِ والتَّنَوُّعِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: ﴿لا مَقْطُوعَةٍ﴾ أيْ لَيْسَتْ كَفَواكِهِ الدُّنْيا، فَإنَّها تَنْقَطِعُ في أكْثَرِ الأوْقاتِ والأزْمانِ، وفي كَثِيرٍ مِنَ المَواضِعِ والأماكِنِ: ﴿ولا مَمْنُوعَةٍ﴾ أيْ لا تُمْنَعُ مِنَ النّاسِ لِطَلَبِ الأعْواضِ والأثْمانِ، والمَمْنُوعُ مِنَ النّاسِ لِطَلَبِ الأعْواضِ والأثْمانِ ظاهِرٌ في الحِسِّ؛ لِأنَّ الفاكِهَةَ في الدُّنْيا تُمْنَعُ عَنِ البَعْضِ فَهي مَمْنُوعَةٌ، وفي الآخِرَةِ لَيْسَتْ مَمْنُوعَةً. وأمّا القَطْعُ فَيُقالُ في الدُّنْيا: إنَّها انْقَطَعَتْ فَهي مُنْقَطِعَةٌ لا مَقْطُوعَةٌ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا مَقْطُوعَةٍ﴾ في غايَةِ الحُسْنِ؛ لِأنَّ فِيهِ إشارَةً إلى دَلِيلِ عَدَمِ القَطْعِ، كَما أنَّ في: ﴿ولا مَمْنُوعَةٍ﴾ دَلِيلًا عَلى عَدَمِ المَنعِ، وبَيانُهُ هو أنَّ الفاكِهَةَ في الدُّنْيا لا تُمْنَعُ إلّا لِطَلَبِ العِوَضِ وحاجَةِ صاحِبِها إلى ثَمَنِها لِدَفْعِ حاجَةٍ بِهِ، وفي الآخِرَةِ مالِكُها اللَّهُ تَعالى ولا حاجَةَ لَهُ، فَلَزِمَ أنْ لا تُمْنَعَ الفاكِهَةُ مِن أحَدٍ كالَّذِي لَهُ فاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ، ولا يَأْكُلُ ولا يَبِيعُ، ولا يَحْتاجُ إلَيْها بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ لا شَكَّ في أنْ يُفَرِّقَها ولا يَمْنَعَها مِن أحَدٍ. وأمّا الِانْقِطاعُ فَنَقُولُ الَّذِي يُقالُ في الدُّنْيا: الفاكِهَةُ انْقَطَعَتْ، ولا يُقالُ عِنْدَ وُجُودِها: امْتَنَعَتْ، بَلْ يُقالُ: مُنِعَتْ، وذَلِكَ لِأنَّ الإنْسانَ لا يَتَكَلَّمُ إلّا بِما يَفْهَمُهُ الصَّغِيرُ والكَبِيرُ، ولَكِنَّ كُلَّ أحَدٍ إذا نَظَرَ إلى الفاكِهَةِ زَمانَ وُجُودِها يَرى أحَدًا يَحُوزُها ويَحْفَظُها ولا يَراها بِنَفْسِها تَمْتَنِعُ فَيَقُولُ إنَّها مَمْنُوعَةٌ، وأمّا عِنْدَ انْقِطاعِها وفَقْدِها لا يَرى أحَدًا قَطَعَها حِسًّا وأعْدَمَها فَيَظُنُّها مُنْقَطِعَةً بِنَفْسِها لِعَدَمِ إحْساسِهِ بِالقاطِعِ، ووُجُودِ إحْساسِهِ بِالمانِعِ، فَقالَ تَعالى: لَوْ نَظَرْتُمْ في الدُّنْيا حَقَّ النَّظَرِ عَلِمْتُمْ أنَّ كُلَّ زَمانٍ نَظَرًا إلى كَوْنِهِ لَيْلًا ونَهارًا مُمْكِنٌ فِيهِ الفاكِهَةُ فَهي بِنَفْسِها لا تَنْقَطِعُ، وإنَّما لا تُوجَدُ عِنْدَ المُحَقِّقِ لِقَطْعِ اللَّهِ إيّاها وتَخْصِيصِها بِزَمانٍ دُونَ زَمانٍ، وعِنْدَ غَيْرِ المُحَقِّقِ لِبَرْدِ الزَّمانِ وحَرِّهِ وكَوْنِهِ مُحْتاجًا إلى الظُّهُورِ والنُّمُوِّ والزَّهْرِ؛ ولِذَلِكَ تَجْرِي العادَةُ بِأزْمِنَةٍ فَهي يَقْطَعُها الزَّمانُ في نَظَرِ غَيْرِ المُحَقِّقِ فَإذا كانَتِ الجَنَّةُ ظِلُّها مَمْدُودٌ لا شَمْسَ هُناكَ ولا زَمْهَرِيرَ اسْتَوَتِ الأزْمِنَةُ واللَّهُ تَعالى يَقْطَعُها فَلا تَكُونُ مَقْطُوعَةً بِسَبَبٍ حَقِيقِيٍّ ولا ظاهِرٍ، فالمَقْطُوعُ يَتَفَكَّرُ الإنْسانُ فِيهِ ويَعْلَمُ أنَّهُ مَقْطُوعٌ لا مُنْقَطِعٌ مِن غَيْرِ قاطِعٍ، وفي الجَنَّةِ لا قاطِعَ فَلا تَصِيرُ مَقْطُوعَةً.
صفحة ١٤٥
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قَدَّمَ نَفْيَ كَوْنِها مَقْطُوعَةً لِما أنَّ القَطْعَ لِلْمَوْجُودِ والمَنعَ بَعْدَ الوُجُودِ؛ لِأنَّها تُوجَدُ أوَّلًا ثُمَّ تُمْنَعُ فَإنْ لَمْ تَكُنْ مَوْجُودَةً لا تَكُونُ مَمْنُوعَةً مَحْفُوظَةً فَقالَ: لا تُقْطَعُ فَتُوجَدَ أبَدًا ثُمَّ إنَّ ذَلِكَ المَوْجُودَ لا يُمْنَعُ مِن أحَدٍ وهو ظاهِرٌ غَيْرَ أنّا نُحِبُّ أنْ لا نَتْرُكَ شَيْئًا مِمّا يَخْطُرُ بِالبالِ ويَكُونُ صَحِيحًا.
الواقعة 56:32
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾، وفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: مَمْدُودٌ زَمانًا، أيْ لا زَوالَ لَهُ فَهو دائِمٌ، كَما قالَ تَعالى: ﴿أُكُلُها دائِمٌ وظِلُّها﴾ [الرعد: ٣٥] أيْ كَذَلِكَ.
الثّانِي: مَمْدُودٌ مَكانًا، أيْ يَقَعُ عَلى شَيْءٍ كَبِيرٍ ويَسْتُرُهُ مِن بُقْعَةِ الجَنَّةِ.
الثّالِثُ: المُرادُ مَمْدُودٌ أيْ مُنْبَسِطٌ، كَما قالَ تَعالى: ﴿والأرْضَ مَدَدْناها﴾ [الحجر: ١٩] فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَكُونُ الوَجْهُ الثّانِي ؟ نَقُولُ: الظِّلُّ قَدْ يَكُونُ مُرْتَفِعًا، فَإنَّ الشَّمْسَ إذا كانَتْ تَحْتَ الأرْضِ يَقَعُ ظِلُّها في الجَوِّ فَيَتَراكَمُ الظِّلُّ فَيَسْوَدُّ وجْهُ الأرْضِ وإذا كانَتْ عَلى أحَدِ جانِبَيْها قَرِيبَةً مِنَ الأُفُقِ يَنْبَسِطُ عَلى وجْهِ الأرْضِ فَيُضِيءُ الجَوُّ ولا يَسْخُنُ وجْهُ الأرْضِ، فَيَكُونُ في غايَةِ الطِّيبَةِ، فَقَوْلُهُ: ﴿وظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ أيْ عِنْدِ قِيامِهِ عَمُودًا عَلى الأرْضِ كالظِّلِّ بِاللَّيْلِ، وعَلى هَذا فالظِّلُّ لَيْسَ ظِلَّ الأشْجارِ بَلْ ظِلٌّ يَخْلُقُهُ اللَّهُ تَعالى.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وماءٍ مَسْكُوبٍ﴾ فِيهِ أيْضًا وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: مَسْكُوبٌ مِن فَوْقُ، وذَلِكَ لِأنَّ العَرَبَ أكْثَرُ ما يَكُونُ عِنْدَهُمُ الآبارُ والبِرَكُ فَلا سَكْبَ لِلْماءِ عِنْدَهم بِخِلافِ المَواضِعِ الَّتِي فِيها العُيُونُ النّابِعَةُ مِنَ الجِبالِ الحاكِمَةُ عَلى الأرْضِ تَسْكُبُ عَلَيْها.
الثّانِي: جارٍ في غَيْرِ أُخْدُودٍ؛ لِأنَّ الماءَ المَسْكُوبَ يَكُونُ جارِيًا في الهَواءِ ولا نَهْرَ هُناكَ، كَذَلِكَ الماءُ في الجَنَّةِ. الثّالِثُ: كَثِيرٌ وذَلِكَ الماءُ عِنْدَ العَرَبِ عَزِيزٌ لا يُسْكَبُ، بَلْ يُحْفَظُ
صفحة ١٤٤
ويُشْرَبُ، فَإذا ذَكَرُوا النِّعَمَ يَعُدُّونَ كَثْرَةَ الماءِ ويُعَبِّرُونَ عَنْ كَثْرَتِها بِإراقَتِها وسَكْبِها، والأوَّلُ أصَحُّ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ﴾ ﴿لا مَقْطُوعَةٍ ولا مَمْنُوعَةٍ﴾ لَمّا ذَكَرَ الأشْجارَ الَّتِي يُطْلَبُ مِنها ورَقُها ذَكَرَ بَعْدَها الأشْجارَ الَّتِي يُقْصَدُ ثَمَرُها، وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: ما الحِكْمَةُ في تَقْدِيمِ الأشْجارِ المُورِقَةِ عَلى غَيْرِ المُورِقَةِ ؟ نَقُولُ: هي ظاهِرَةٌ، وهو أنَّهُ قَدَّمَ الوَرَقَ عَلى الشَّجَرِ عَلى طَرِيقَةِ الِارْتِقاءِ مِن نِعْمَةٍ إلى ذِكْرِ نِعْمَةٍ فَوْقَها، والفَواكِهُ أتَمُّ نِعْمَةً.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ما الحِكْمَةُ في ذِكْرِ الأشْجارِ المُورِقَةِ بِأنْفُسِها، وذِكْرِ أشْجارِ الفَواكِهِ بِثِمارِها ؟ نَقُولُ: هي أيْضًا ظاهِرَةٌ، فَإنَّ الأوْراقَ حُسْنُها عِنْدَ كَوْنِها عَلى الشَّجَرِ، وأمّا الثِّمارُ فَهي في أنْفُسِها مَطْلُوبَةٌ سَواءٌ كانَتْ عَلَيْها أوْ مَقْطُوعَةً، ولِهَذا صارَتِ الفَواكِهُ لَها أسْماءٌ بِها تُعْرَفُ أشْجارُها، فَيُقالُ: شَجَرُ التِّينِ ووَرَقُهُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ما الحِكْمَةُ في وصْفِ الفاكِهَةِ بِالكَثْرَةِ، لا بِالطِّيبِ واللَّذَّةِ ؟ نَقُولُ: قَدْ بَيَّنّا في سُورَةِ الرَّحْمَنِ أنَّ الفاكِهَةَ فاعِلَةٌ كالرّاضِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٢١] أيْ ذاتُ فَكَهٍ، وهي لا تَكُونُ بِالطَّبِيعَةِ إلّا بِالطِّيبِ واللَّذَّةِ، وأمّا الكَثْرَةُ فَبَيَّنّا أنَّ اللَّهَ تَعالى حَيْثُ ذَكَرَ الفاكِهَةَ ذَكَرَ ما يَدُلُّ عَلى الكَثْرَةِ؛ لِأنَّها لَيْسَتْ لِدَفْعِ الحاجَةِ حَتّى تَكُونَ بِقَدْرِ الحاجَةِ، بَلْ هي لِلتَّنَعُّمِ، فَوَصَفَها بِالكَثْرَةِ والتَّنَوُّعِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: ﴿لا مَقْطُوعَةٍ﴾ أيْ لَيْسَتْ كَفَواكِهِ الدُّنْيا، فَإنَّها تَنْقَطِعُ في أكْثَرِ الأوْقاتِ والأزْمانِ، وفي كَثِيرٍ مِنَ المَواضِعِ والأماكِنِ: ﴿ولا مَمْنُوعَةٍ﴾ أيْ لا تُمْنَعُ مِنَ النّاسِ لِطَلَبِ الأعْواضِ والأثْمانِ، والمَمْنُوعُ مِنَ النّاسِ لِطَلَبِ الأعْواضِ والأثْمانِ ظاهِرٌ في الحِسِّ؛ لِأنَّ الفاكِهَةَ في الدُّنْيا تُمْنَعُ عَنِ البَعْضِ فَهي مَمْنُوعَةٌ، وفي الآخِرَةِ لَيْسَتْ مَمْنُوعَةً. وأمّا القَطْعُ فَيُقالُ في الدُّنْيا: إنَّها انْقَطَعَتْ فَهي مُنْقَطِعَةٌ لا مَقْطُوعَةٌ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا مَقْطُوعَةٍ﴾ في غايَةِ الحُسْنِ؛ لِأنَّ فِيهِ إشارَةً إلى دَلِيلِ عَدَمِ القَطْعِ، كَما أنَّ في: ﴿ولا مَمْنُوعَةٍ﴾ دَلِيلًا عَلى عَدَمِ المَنعِ، وبَيانُهُ هو أنَّ الفاكِهَةَ في الدُّنْيا لا تُمْنَعُ إلّا لِطَلَبِ العِوَضِ وحاجَةِ صاحِبِها إلى ثَمَنِها لِدَفْعِ حاجَةٍ بِهِ، وفي الآخِرَةِ مالِكُها اللَّهُ تَعالى ولا حاجَةَ لَهُ، فَلَزِمَ أنْ لا تُمْنَعَ الفاكِهَةُ مِن أحَدٍ كالَّذِي لَهُ فاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ، ولا يَأْكُلُ ولا يَبِيعُ، ولا يَحْتاجُ إلَيْها بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ لا شَكَّ في أنْ يُفَرِّقَها ولا يَمْنَعَها مِن أحَدٍ. وأمّا الِانْقِطاعُ فَنَقُولُ الَّذِي يُقالُ في الدُّنْيا: الفاكِهَةُ انْقَطَعَتْ، ولا يُقالُ عِنْدَ وُجُودِها: امْتَنَعَتْ، بَلْ يُقالُ: مُنِعَتْ، وذَلِكَ لِأنَّ الإنْسانَ لا يَتَكَلَّمُ إلّا بِما يَفْهَمُهُ الصَّغِيرُ والكَبِيرُ، ولَكِنَّ كُلَّ أحَدٍ إذا نَظَرَ إلى الفاكِهَةِ زَمانَ وُجُودِها يَرى أحَدًا يَحُوزُها ويَحْفَظُها ولا يَراها بِنَفْسِها تَمْتَنِعُ فَيَقُولُ إنَّها مَمْنُوعَةٌ، وأمّا عِنْدَ انْقِطاعِها وفَقْدِها لا يَرى أحَدًا قَطَعَها حِسًّا وأعْدَمَها فَيَظُنُّها مُنْقَطِعَةً بِنَفْسِها لِعَدَمِ إحْساسِهِ بِالقاطِعِ، ووُجُودِ إحْساسِهِ بِالمانِعِ، فَقالَ تَعالى: لَوْ نَظَرْتُمْ في الدُّنْيا حَقَّ النَّظَرِ عَلِمْتُمْ أنَّ كُلَّ زَمانٍ نَظَرًا إلى كَوْنِهِ لَيْلًا ونَهارًا مُمْكِنٌ فِيهِ الفاكِهَةُ فَهي بِنَفْسِها لا تَنْقَطِعُ، وإنَّما لا تُوجَدُ عِنْدَ المُحَقِّقِ لِقَطْعِ اللَّهِ إيّاها وتَخْصِيصِها بِزَمانٍ دُونَ زَمانٍ، وعِنْدَ غَيْرِ المُحَقِّقِ لِبَرْدِ الزَّمانِ وحَرِّهِ وكَوْنِهِ مُحْتاجًا إلى الظُّهُورِ والنُّمُوِّ والزَّهْرِ؛ ولِذَلِكَ تَجْرِي العادَةُ بِأزْمِنَةٍ فَهي يَقْطَعُها الزَّمانُ في نَظَرِ غَيْرِ المُحَقِّقِ فَإذا كانَتِ الجَنَّةُ ظِلُّها مَمْدُودٌ لا شَمْسَ هُناكَ ولا زَمْهَرِيرَ اسْتَوَتِ الأزْمِنَةُ واللَّهُ تَعالى يَقْطَعُها فَلا تَكُونُ مَقْطُوعَةً بِسَبَبٍ حَقِيقِيٍّ ولا ظاهِرٍ، فالمَقْطُوعُ يَتَفَكَّرُ الإنْسانُ فِيهِ ويَعْلَمُ أنَّهُ مَقْطُوعٌ لا مُنْقَطِعٌ مِن غَيْرِ قاطِعٍ، وفي الجَنَّةِ لا قاطِعَ فَلا تَصِيرُ مَقْطُوعَةً.
صفحة ١٤٥
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قَدَّمَ نَفْيَ كَوْنِها مَقْطُوعَةً لِما أنَّ القَطْعَ لِلْمَوْجُودِ والمَنعَ بَعْدَ الوُجُودِ؛ لِأنَّها تُوجَدُ أوَّلًا ثُمَّ تُمْنَعُ فَإنْ لَمْ تَكُنْ مَوْجُودَةً لا تَكُونُ مَمْنُوعَةً مَحْفُوظَةً فَقالَ: لا تُقْطَعُ فَتُوجَدَ أبَدًا ثُمَّ إنَّ ذَلِكَ المَوْجُودَ لا يُمْنَعُ مِن أحَدٍ وهو ظاهِرٌ غَيْرَ أنّا نُحِبُّ أنْ لا نَتْرُكَ شَيْئًا مِمّا يَخْطُرُ بِالبالِ ويَكُونُ صَحِيحًا.
الواقعة 56:33
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾، وفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: مَمْدُودٌ زَمانًا، أيْ لا زَوالَ لَهُ فَهو دائِمٌ، كَما قالَ تَعالى: ﴿أُكُلُها دائِمٌ وظِلُّها﴾ [الرعد: ٣٥] أيْ كَذَلِكَ.
الثّانِي: مَمْدُودٌ مَكانًا، أيْ يَقَعُ عَلى شَيْءٍ كَبِيرٍ ويَسْتُرُهُ مِن بُقْعَةِ الجَنَّةِ.
الثّالِثُ: المُرادُ مَمْدُودٌ أيْ مُنْبَسِطٌ، كَما قالَ تَعالى: ﴿والأرْضَ مَدَدْناها﴾ [الحجر: ١٩] فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَكُونُ الوَجْهُ الثّانِي ؟ نَقُولُ: الظِّلُّ قَدْ يَكُونُ مُرْتَفِعًا، فَإنَّ الشَّمْسَ إذا كانَتْ تَحْتَ الأرْضِ يَقَعُ ظِلُّها في الجَوِّ فَيَتَراكَمُ الظِّلُّ فَيَسْوَدُّ وجْهُ الأرْضِ وإذا كانَتْ عَلى أحَدِ جانِبَيْها قَرِيبَةً مِنَ الأُفُقِ يَنْبَسِطُ عَلى وجْهِ الأرْضِ فَيُضِيءُ الجَوُّ ولا يَسْخُنُ وجْهُ الأرْضِ، فَيَكُونُ في غايَةِ الطِّيبَةِ، فَقَوْلُهُ: ﴿وظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ أيْ عِنْدِ قِيامِهِ عَمُودًا عَلى الأرْضِ كالظِّلِّ بِاللَّيْلِ، وعَلى هَذا فالظِّلُّ لَيْسَ ظِلَّ الأشْجارِ بَلْ ظِلٌّ يَخْلُقُهُ اللَّهُ تَعالى.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وماءٍ مَسْكُوبٍ﴾ فِيهِ أيْضًا وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: مَسْكُوبٌ مِن فَوْقُ، وذَلِكَ لِأنَّ العَرَبَ أكْثَرُ ما يَكُونُ عِنْدَهُمُ الآبارُ والبِرَكُ فَلا سَكْبَ لِلْماءِ عِنْدَهم بِخِلافِ المَواضِعِ الَّتِي فِيها العُيُونُ النّابِعَةُ مِنَ الجِبالِ الحاكِمَةُ عَلى الأرْضِ تَسْكُبُ عَلَيْها.
الثّانِي: جارٍ في غَيْرِ أُخْدُودٍ؛ لِأنَّ الماءَ المَسْكُوبَ يَكُونُ جارِيًا في الهَواءِ ولا نَهْرَ هُناكَ، كَذَلِكَ الماءُ في الجَنَّةِ. الثّالِثُ: كَثِيرٌ وذَلِكَ الماءُ عِنْدَ العَرَبِ عَزِيزٌ لا يُسْكَبُ، بَلْ يُحْفَظُ
صفحة ١٤٤
ويُشْرَبُ، فَإذا ذَكَرُوا النِّعَمَ يَعُدُّونَ كَثْرَةَ الماءِ ويُعَبِّرُونَ عَنْ كَثْرَتِها بِإراقَتِها وسَكْبِها، والأوَّلُ أصَحُّ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ﴾ ﴿لا مَقْطُوعَةٍ ولا مَمْنُوعَةٍ﴾ لَمّا ذَكَرَ الأشْجارَ الَّتِي يُطْلَبُ مِنها ورَقُها ذَكَرَ بَعْدَها الأشْجارَ الَّتِي يُقْصَدُ ثَمَرُها، وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: ما الحِكْمَةُ في تَقْدِيمِ الأشْجارِ المُورِقَةِ عَلى غَيْرِ المُورِقَةِ ؟ نَقُولُ: هي ظاهِرَةٌ، وهو أنَّهُ قَدَّمَ الوَرَقَ عَلى الشَّجَرِ عَلى طَرِيقَةِ الِارْتِقاءِ مِن نِعْمَةٍ إلى ذِكْرِ نِعْمَةٍ فَوْقَها، والفَواكِهُ أتَمُّ نِعْمَةً.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ما الحِكْمَةُ في ذِكْرِ الأشْجارِ المُورِقَةِ بِأنْفُسِها، وذِكْرِ أشْجارِ الفَواكِهِ بِثِمارِها ؟ نَقُولُ: هي أيْضًا ظاهِرَةٌ، فَإنَّ الأوْراقَ حُسْنُها عِنْدَ كَوْنِها عَلى الشَّجَرِ، وأمّا الثِّمارُ فَهي في أنْفُسِها مَطْلُوبَةٌ سَواءٌ كانَتْ عَلَيْها أوْ مَقْطُوعَةً، ولِهَذا صارَتِ الفَواكِهُ لَها أسْماءٌ بِها تُعْرَفُ أشْجارُها، فَيُقالُ: شَجَرُ التِّينِ ووَرَقُهُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ما الحِكْمَةُ في وصْفِ الفاكِهَةِ بِالكَثْرَةِ، لا بِالطِّيبِ واللَّذَّةِ ؟ نَقُولُ: قَدْ بَيَّنّا في سُورَةِ الرَّحْمَنِ أنَّ الفاكِهَةَ فاعِلَةٌ كالرّاضِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٢١] أيْ ذاتُ فَكَهٍ، وهي لا تَكُونُ بِالطَّبِيعَةِ إلّا بِالطِّيبِ واللَّذَّةِ، وأمّا الكَثْرَةُ فَبَيَّنّا أنَّ اللَّهَ تَعالى حَيْثُ ذَكَرَ الفاكِهَةَ ذَكَرَ ما يَدُلُّ عَلى الكَثْرَةِ؛ لِأنَّها لَيْسَتْ لِدَفْعِ الحاجَةِ حَتّى تَكُونَ بِقَدْرِ الحاجَةِ، بَلْ هي لِلتَّنَعُّمِ، فَوَصَفَها بِالكَثْرَةِ والتَّنَوُّعِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: ﴿لا مَقْطُوعَةٍ﴾ أيْ لَيْسَتْ كَفَواكِهِ الدُّنْيا، فَإنَّها تَنْقَطِعُ في أكْثَرِ الأوْقاتِ والأزْمانِ، وفي كَثِيرٍ مِنَ المَواضِعِ والأماكِنِ: ﴿ولا مَمْنُوعَةٍ﴾ أيْ لا تُمْنَعُ مِنَ النّاسِ لِطَلَبِ الأعْواضِ والأثْمانِ، والمَمْنُوعُ مِنَ النّاسِ لِطَلَبِ الأعْواضِ والأثْمانِ ظاهِرٌ في الحِسِّ؛ لِأنَّ الفاكِهَةَ في الدُّنْيا تُمْنَعُ عَنِ البَعْضِ فَهي مَمْنُوعَةٌ، وفي الآخِرَةِ لَيْسَتْ مَمْنُوعَةً. وأمّا القَطْعُ فَيُقالُ في الدُّنْيا: إنَّها انْقَطَعَتْ فَهي مُنْقَطِعَةٌ لا مَقْطُوعَةٌ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا مَقْطُوعَةٍ﴾ في غايَةِ الحُسْنِ؛ لِأنَّ فِيهِ إشارَةً إلى دَلِيلِ عَدَمِ القَطْعِ، كَما أنَّ في: ﴿ولا مَمْنُوعَةٍ﴾ دَلِيلًا عَلى عَدَمِ المَنعِ، وبَيانُهُ هو أنَّ الفاكِهَةَ في الدُّنْيا لا تُمْنَعُ إلّا لِطَلَبِ العِوَضِ وحاجَةِ صاحِبِها إلى ثَمَنِها لِدَفْعِ حاجَةٍ بِهِ، وفي الآخِرَةِ مالِكُها اللَّهُ تَعالى ولا حاجَةَ لَهُ، فَلَزِمَ أنْ لا تُمْنَعَ الفاكِهَةُ مِن أحَدٍ كالَّذِي لَهُ فاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ، ولا يَأْكُلُ ولا يَبِيعُ، ولا يَحْتاجُ إلَيْها بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ لا شَكَّ في أنْ يُفَرِّقَها ولا يَمْنَعَها مِن أحَدٍ. وأمّا الِانْقِطاعُ فَنَقُولُ الَّذِي يُقالُ في الدُّنْيا: الفاكِهَةُ انْقَطَعَتْ، ولا يُقالُ عِنْدَ وُجُودِها: امْتَنَعَتْ، بَلْ يُقالُ: مُنِعَتْ، وذَلِكَ لِأنَّ الإنْسانَ لا يَتَكَلَّمُ إلّا بِما يَفْهَمُهُ الصَّغِيرُ والكَبِيرُ، ولَكِنَّ كُلَّ أحَدٍ إذا نَظَرَ إلى الفاكِهَةِ زَمانَ وُجُودِها يَرى أحَدًا يَحُوزُها ويَحْفَظُها ولا يَراها بِنَفْسِها تَمْتَنِعُ فَيَقُولُ إنَّها مَمْنُوعَةٌ، وأمّا عِنْدَ انْقِطاعِها وفَقْدِها لا يَرى أحَدًا قَطَعَها حِسًّا وأعْدَمَها فَيَظُنُّها مُنْقَطِعَةً بِنَفْسِها لِعَدَمِ إحْساسِهِ بِالقاطِعِ، ووُجُودِ إحْساسِهِ بِالمانِعِ، فَقالَ تَعالى: لَوْ نَظَرْتُمْ في الدُّنْيا حَقَّ النَّظَرِ عَلِمْتُمْ أنَّ كُلَّ زَمانٍ نَظَرًا إلى كَوْنِهِ لَيْلًا ونَهارًا مُمْكِنٌ فِيهِ الفاكِهَةُ فَهي بِنَفْسِها لا تَنْقَطِعُ، وإنَّما لا تُوجَدُ عِنْدَ المُحَقِّقِ لِقَطْعِ اللَّهِ إيّاها وتَخْصِيصِها بِزَمانٍ دُونَ زَمانٍ، وعِنْدَ غَيْرِ المُحَقِّقِ لِبَرْدِ الزَّمانِ وحَرِّهِ وكَوْنِهِ مُحْتاجًا إلى الظُّهُورِ والنُّمُوِّ والزَّهْرِ؛ ولِذَلِكَ تَجْرِي العادَةُ بِأزْمِنَةٍ فَهي يَقْطَعُها الزَّمانُ في نَظَرِ غَيْرِ المُحَقِّقِ فَإذا كانَتِ الجَنَّةُ ظِلُّها مَمْدُودٌ لا شَمْسَ هُناكَ ولا زَمْهَرِيرَ اسْتَوَتِ الأزْمِنَةُ واللَّهُ تَعالى يَقْطَعُها فَلا تَكُونُ مَقْطُوعَةً بِسَبَبٍ حَقِيقِيٍّ ولا ظاهِرٍ، فالمَقْطُوعُ يَتَفَكَّرُ الإنْسانُ فِيهِ ويَعْلَمُ أنَّهُ مَقْطُوعٌ لا مُنْقَطِعٌ مِن غَيْرِ قاطِعٍ، وفي الجَنَّةِ لا قاطِعَ فَلا تَصِيرُ مَقْطُوعَةً.
صفحة ١٤٥
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قَدَّمَ نَفْيَ كَوْنِها مَقْطُوعَةً لِما أنَّ القَطْعَ لِلْمَوْجُودِ والمَنعَ بَعْدَ الوُجُودِ؛ لِأنَّها تُوجَدُ أوَّلًا ثُمَّ تُمْنَعُ فَإنْ لَمْ تَكُنْ مَوْجُودَةً لا تَكُونُ مَمْنُوعَةً مَحْفُوظَةً فَقالَ: لا تُقْطَعُ فَتُوجَدَ أبَدًا ثُمَّ إنَّ ذَلِكَ المَوْجُودَ لا يُمْنَعُ مِن أحَدٍ وهو ظاهِرٌ غَيْرَ أنّا نُحِبُّ أنْ لا نَتْرُكَ شَيْئًا مِمّا يَخْطُرُ بِالبالِ ويَكُونُ صَحِيحًا.
الواقعة 56:34
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ وقَدْ ذَكَرْنا مَعْنى الفُرُشِ، ونَذْكُرُ وجْهًا آخَرَ فِيها إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وأمّا المَرْفُوعَةُ فَفِيها ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: مَرْفُوعَةُ القَدْرِ يُقالُ: ثَوْبٌ رَفِيعٌ أيِ عَزِيزٌ مُرْتَفِعُ القَدْرِ والثَّمَنِ ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها﴾ [الرحمن: ٥٤] .
وثانِيها: مَرْفُوعَةٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ.
ثالِثُها: مَرْفُوعَةٌ فَوْقَ السَّرِيرِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنّا أنْشَأْناهُنَّ إنْشاءً﴾ ﴿فَجَعَلْناهُنَّ أبْكارًا﴾ ﴿عُرُبًا أتْرابًا﴾ ﴿لِأصْحابِ اليَمِينِ﴾ وفي الإنْشاءِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: الضَّمِيرُ في: ﴿أنْشَأْناهُنَّ﴾ عائِدٌ إلى مَن ؟ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: إلى (حُورٍ عِينٍ) وهو بَعِيدٌ لِبُعْدِهِنَّ ووُقُوعِهِنَّ في قِصَّةٍ أُخْرى.
ثانِيها: أنَّ المُرادَ مِنَ الفُرُشِ النِّساءُ والضَّمِيرُ عائِدٌ إلَيْهِنَّ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧]، ويُقالُ لِلْجارِيَةِ صارَتْ فِراشًا وإذا صارَتْ فِراشًا رُفِعَ قَدْرُها بِالنِّسْبَةِ إلى جارِيَةٍ لَمْ تَصِرْ فِراشًا، وهو أقْرَبُ مِنَ الأوَّلِ لَكِنْ يَبْعُدُ ظاهِرًا؛ لِأنَّ وصْفَها بِالمَرْفُوعَةِ يُنْبِئُ عَنْ خِلافِ ذَلِكَ.
وثالِثُها: أنَّهُ عائِدٌ إلى مَعْلُومٍ دَلَّ عَلَيْهِ فُرُشٌ؛ لِأنَّهُ قَدْ عُلِمَ في الدُّنْيا وفي مَواضِعَ مِن ذِكْرِ الآخِرَةِ، أنَّ في الفُرُشِ حَظايا تَقْدِيرُهُ: وفي فُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ حَظايا مُنْشَآتٌ، وهو مِثْلُ ما ذُكِرَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ [الصافات: ٤٨] و﴿مَقْصُوراتٌ﴾ [الرحمن: ٧٢] فَهو تَعالى أقامَ الصِّفَةَ مُقامَ المَوْصُوفِ ولَمْ يَذْكُرْ نِساءَ الآخِرَةِ بِلَفْظٍ حَقِيقِيٍّ أصْلًا وإنَّما عَرَّفَهُنَّ بِأوْصافِهِنَّ ولِباسِهِنَّ إشارَةً إلى صَوْنِهِنَّ وتَخَدُّرِهِنَّ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا أنْشَأْناهُنَّ﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ الحُورَ فَيَكُونَ المُرادُ الإنْشاءَ الَّذِي هو الِابْتِداءُ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بَناتِ آدَمَ فَيَكُونَ الإنْشاءُ بِمَعْنى إحْياءِ الإعادَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أبْكارًا﴾ يَدُلُّ عَلى الثّانِي؛ لِأنَّ الإنْشاءَ لَوْ كانَ بِمَعْنى الِابْتِداءِ لَعُلِمَ مِن كَوْنِهِنَّ أبْكارًا مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى بَيانٍ ولَمّا كانَ المُرادُ إحْياءَ بَناتِ آدَمَ قالَ: ﴿أبْكارًا﴾ أيْ نَجْعَلُهُنَّ أبْكارًا وإنْ مِتْنَ ثَيِّباتٍ، فَإنْ قِيلَ: فَما الفائِدَةُ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ ؟ نَقُولُ: الجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ الوَصْفَ بَعْدَها لا يَكُونُ مِن غَيْرِها إذا كُنَّ أزْواجَهم بَيِّنُ الفائِدَةِ؛ لِأنَّ البِكْرَ في الدُّنْيا لا تَكُونُ عارِفَةً بِلَذَّةِ الزَّوْجِ فَلا تَرْضى بِأنْ تَتَزَوَّجَ مِن رَجُلٍ لا تَعْرِفُهُ وتَخْتارُ التَّزْوِيجَ بِأقْرانِها ومَعارِفِها، لَكِنَّ أهْلَ الجَنَّةِ إذا لَمْ يَكُنَّ مِن جِنْسِ أبْناءِ آدَمَ وتَكُونُ الواحِدَةُ مِنهُنَّ بِكْرًا لَمْ تَرَ زَوْجًا ثُمَّ تَزَوَّجَتْ بِغَيْرِ جِنْسِها فَرُبَّما يُتَوَهَّمُ مِنها سُوءُ عِشْرَةٍ فَقالَ: ﴿أبْكارًا﴾ فَلا يُوجَدُ فِيهِنَّ ما يُوجَدُ في أبْكارِ الدُّنْيا.
الثّانِي: المُرادُ ”أبْكارًا“ بَكارَةً تُخالِفُ بَكارَةَ الدُّنْيا، فَإنَّ البَكارَةَ لا تَعُودُ إلّا عَلى بُعْدٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أتْرابًا﴾ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا:
أحَدُها: مُسْتَوِياتٌ في السِّنِّ فَلا تَفْضُلُ إحْداهُنَّ عَلى الأُخْرى بِصِغَرٍ ولا كِبَرٍ كُلُّهُنَّ خُلِقْنَ في زَمانٍ واحِدٍ، ولا يَلْحَقُهُنَّ عَجْزٌ ولا زَمانَةٌ ولا تَغَيُّرُ لَوْنٍ، وعَلى هَذا إنْ كُنَّ مِن بَناتِ آدَمَ فاللَّفْظُ فِيهِنَّ حَقِيقَةٌ، وإنْ كُنَّ مِن غَيْرِهِنَّ فَمَعْناهُ ما كَبِرْنَ؛ سُمِّينَ بِهِ لِأنَّ كُلًّا مِنهُنَّ تُمَسُّ وقْتَ مَسِّ الأُخْرى لَكِنْ نُسِيَ الأصْلُ، وجُعِلَ عِبارَةً عَنْ ذَلِكَ كاللَّذَّةِ لِلْمُتَساوِيَيْنِ مِنَ العُقَلاءِ، فَأطْلَقَ عَلى حُورِ
صفحة ١٤٦
الجَنَّةِ أتْرابًا.
ثانِيها: أتْرابًا مُتَماثِلاتٍ في النَّظَرِ إلَيْهِنَّ كالأتْرابِ سَواءٌ وُجِدْنَ في زَمانٍ أوْ في أزْمِنَةٍ، والظّاهِرُ أنَّهُ في أزْمِنَةٍ؛ لِأنَّ المُؤْمِنَ إذا عَمِلَ عَمَلًا صالِحًا خُلِقَ لَهُ مِنهُنَّ ما شاءَ اللَّهُ.
ثالِثُها: أتْرابًا لِأصْحابِ اليَمِينِ، أيْ عَلى سِنِّهِمْ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى الِاتِّفاقِ؛ لِأنَّ أحَدَ الزَّوْجَيْنِ إذا كانَ أكْبَرَ مِنَ الآخَرِ فالشّابُّ يُعَيِّرُهُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: إنْ قِيلَ ما الفائِدَةُ في قَوْلِهِ: ﴿فَجَعَلْناهُنَّ﴾ ؟ نَقُولُ: فائِدَتُهُ ظاهِرَةٌ تَتَبَيَّنُ بِالنَّظَرِ إلى اللّامِ في: ﴿لِأصْحابِ اليَمِينِ﴾ فَنَقُولُ: إنْ كانَتِ اللّامُ مُتَعَلِّقَةً بِـ ”أتْرابًا“ يَكُونُ مَعْناهُ: ﴿أنْشَأْناهُنَّ﴾ وهَذا لا يَجُوزُ وإنْ كانَتْ مُتَعَلِّقَةً بِـ ”أنْشَأْناهُنَّ“ يَكُونُ مَعْناهُ أنْشَأْناهُنَّ لِأصْحابِ اليَمِينِ والإنْشاءُ حالَ كَوْنِهِنَّ أبْكارًا وأتْرابًا فَلا يَتَعَلَّقُ الإنْشاءُ بِالأبْكارِ بِحَيْثُ يَكُونُ كَوْنُهُنَّ أبْكارًا بِالإنْشاءِ؛ لِأنَّ الفِعْلَ لا يُؤَثِّرُ في الحالِ تَأْثِيرًا واجِبًا، فَنَقُولُ: صَرْفُهُ لِلْإنْشاءِ لا يَدُلُّ عَلى أنَّ الإنْشاءَ كانَ بِفِعْلٍ فَيَكُونُ الإنْعامُ عَلَيْهِمْ بِمُجَرَّدِ إنْشائِهِنَّ لِأصْحابِ اليَمِينِ: ﴿فَجَعَلْناهُنَّ أبْكارًا﴾ لِيَكُونَ تَرْتِيبُ المُسَبَّبِ عَلى السَّبَبِ فاقْتَضى ذَلِكَ كَوْنَهُنَّ أبْكارًا، وأمّا إنْ كانَ الإنْشاءُ أوَّلًا مِن غَيْرِ مُباشَرَةٍ لِلْأزْواجِ ما كانَ يَقْتَضِي جَعْلَهُنَّ أبْكارًا فالفاءُ لِتَرْتِيبِ المُقْتَضى عَلى المُقْتَضِي.
الواقعة 56:35
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ وقَدْ ذَكَرْنا مَعْنى الفُرُشِ، ونَذْكُرُ وجْهًا آخَرَ فِيها إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وأمّا المَرْفُوعَةُ فَفِيها ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: مَرْفُوعَةُ القَدْرِ يُقالُ: ثَوْبٌ رَفِيعٌ أيِ عَزِيزٌ مُرْتَفِعُ القَدْرِ والثَّمَنِ ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها﴾ [الرحمن: ٥٤] .
وثانِيها: مَرْفُوعَةٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ.
ثالِثُها: مَرْفُوعَةٌ فَوْقَ السَّرِيرِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنّا أنْشَأْناهُنَّ إنْشاءً﴾ ﴿فَجَعَلْناهُنَّ أبْكارًا﴾ ﴿عُرُبًا أتْرابًا﴾ ﴿لِأصْحابِ اليَمِينِ﴾ وفي الإنْشاءِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: الضَّمِيرُ في: ﴿أنْشَأْناهُنَّ﴾ عائِدٌ إلى مَن ؟ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: إلى (حُورٍ عِينٍ) وهو بَعِيدٌ لِبُعْدِهِنَّ ووُقُوعِهِنَّ في قِصَّةٍ أُخْرى.
ثانِيها: أنَّ المُرادَ مِنَ الفُرُشِ النِّساءُ والضَّمِيرُ عائِدٌ إلَيْهِنَّ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧]، ويُقالُ لِلْجارِيَةِ صارَتْ فِراشًا وإذا صارَتْ فِراشًا رُفِعَ قَدْرُها بِالنِّسْبَةِ إلى جارِيَةٍ لَمْ تَصِرْ فِراشًا، وهو أقْرَبُ مِنَ الأوَّلِ لَكِنْ يَبْعُدُ ظاهِرًا؛ لِأنَّ وصْفَها بِالمَرْفُوعَةِ يُنْبِئُ عَنْ خِلافِ ذَلِكَ.
وثالِثُها: أنَّهُ عائِدٌ إلى مَعْلُومٍ دَلَّ عَلَيْهِ فُرُشٌ؛ لِأنَّهُ قَدْ عُلِمَ في الدُّنْيا وفي مَواضِعَ مِن ذِكْرِ الآخِرَةِ، أنَّ في الفُرُشِ حَظايا تَقْدِيرُهُ: وفي فُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ حَظايا مُنْشَآتٌ، وهو مِثْلُ ما ذُكِرَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ [الصافات: ٤٨] و﴿مَقْصُوراتٌ﴾ [الرحمن: ٧٢] فَهو تَعالى أقامَ الصِّفَةَ مُقامَ المَوْصُوفِ ولَمْ يَذْكُرْ نِساءَ الآخِرَةِ بِلَفْظٍ حَقِيقِيٍّ أصْلًا وإنَّما عَرَّفَهُنَّ بِأوْصافِهِنَّ ولِباسِهِنَّ إشارَةً إلى صَوْنِهِنَّ وتَخَدُّرِهِنَّ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا أنْشَأْناهُنَّ﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ الحُورَ فَيَكُونَ المُرادُ الإنْشاءَ الَّذِي هو الِابْتِداءُ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بَناتِ آدَمَ فَيَكُونَ الإنْشاءُ بِمَعْنى إحْياءِ الإعادَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أبْكارًا﴾ يَدُلُّ عَلى الثّانِي؛ لِأنَّ الإنْشاءَ لَوْ كانَ بِمَعْنى الِابْتِداءِ لَعُلِمَ مِن كَوْنِهِنَّ أبْكارًا مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى بَيانٍ ولَمّا كانَ المُرادُ إحْياءَ بَناتِ آدَمَ قالَ: ﴿أبْكارًا﴾ أيْ نَجْعَلُهُنَّ أبْكارًا وإنْ مِتْنَ ثَيِّباتٍ، فَإنْ قِيلَ: فَما الفائِدَةُ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ ؟ نَقُولُ: الجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ الوَصْفَ بَعْدَها لا يَكُونُ مِن غَيْرِها إذا كُنَّ أزْواجَهم بَيِّنُ الفائِدَةِ؛ لِأنَّ البِكْرَ في الدُّنْيا لا تَكُونُ عارِفَةً بِلَذَّةِ الزَّوْجِ فَلا تَرْضى بِأنْ تَتَزَوَّجَ مِن رَجُلٍ لا تَعْرِفُهُ وتَخْتارُ التَّزْوِيجَ بِأقْرانِها ومَعارِفِها، لَكِنَّ أهْلَ الجَنَّةِ إذا لَمْ يَكُنَّ مِن جِنْسِ أبْناءِ آدَمَ وتَكُونُ الواحِدَةُ مِنهُنَّ بِكْرًا لَمْ تَرَ زَوْجًا ثُمَّ تَزَوَّجَتْ بِغَيْرِ جِنْسِها فَرُبَّما يُتَوَهَّمُ مِنها سُوءُ عِشْرَةٍ فَقالَ: ﴿أبْكارًا﴾ فَلا يُوجَدُ فِيهِنَّ ما يُوجَدُ في أبْكارِ الدُّنْيا.
الثّانِي: المُرادُ ”أبْكارًا“ بَكارَةً تُخالِفُ بَكارَةَ الدُّنْيا، فَإنَّ البَكارَةَ لا تَعُودُ إلّا عَلى بُعْدٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أتْرابًا﴾ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا:
أحَدُها: مُسْتَوِياتٌ في السِّنِّ فَلا تَفْضُلُ إحْداهُنَّ عَلى الأُخْرى بِصِغَرٍ ولا كِبَرٍ كُلُّهُنَّ خُلِقْنَ في زَمانٍ واحِدٍ، ولا يَلْحَقُهُنَّ عَجْزٌ ولا زَمانَةٌ ولا تَغَيُّرُ لَوْنٍ، وعَلى هَذا إنْ كُنَّ مِن بَناتِ آدَمَ فاللَّفْظُ فِيهِنَّ حَقِيقَةٌ، وإنْ كُنَّ مِن غَيْرِهِنَّ فَمَعْناهُ ما كَبِرْنَ؛ سُمِّينَ بِهِ لِأنَّ كُلًّا مِنهُنَّ تُمَسُّ وقْتَ مَسِّ الأُخْرى لَكِنْ نُسِيَ الأصْلُ، وجُعِلَ عِبارَةً عَنْ ذَلِكَ كاللَّذَّةِ لِلْمُتَساوِيَيْنِ مِنَ العُقَلاءِ، فَأطْلَقَ عَلى حُورِ
صفحة ١٤٦
الجَنَّةِ أتْرابًا.
ثانِيها: أتْرابًا مُتَماثِلاتٍ في النَّظَرِ إلَيْهِنَّ كالأتْرابِ سَواءٌ وُجِدْنَ في زَمانٍ أوْ في أزْمِنَةٍ، والظّاهِرُ أنَّهُ في أزْمِنَةٍ؛ لِأنَّ المُؤْمِنَ إذا عَمِلَ عَمَلًا صالِحًا خُلِقَ لَهُ مِنهُنَّ ما شاءَ اللَّهُ.
ثالِثُها: أتْرابًا لِأصْحابِ اليَمِينِ، أيْ عَلى سِنِّهِمْ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى الِاتِّفاقِ؛ لِأنَّ أحَدَ الزَّوْجَيْنِ إذا كانَ أكْبَرَ مِنَ الآخَرِ فالشّابُّ يُعَيِّرُهُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: إنْ قِيلَ ما الفائِدَةُ في قَوْلِهِ: ﴿فَجَعَلْناهُنَّ﴾ ؟ نَقُولُ: فائِدَتُهُ ظاهِرَةٌ تَتَبَيَّنُ بِالنَّظَرِ إلى اللّامِ في: ﴿لِأصْحابِ اليَمِينِ﴾ فَنَقُولُ: إنْ كانَتِ اللّامُ مُتَعَلِّقَةً بِـ ”أتْرابًا“ يَكُونُ مَعْناهُ: ﴿أنْشَأْناهُنَّ﴾ وهَذا لا يَجُوزُ وإنْ كانَتْ مُتَعَلِّقَةً بِـ ”أنْشَأْناهُنَّ“ يَكُونُ مَعْناهُ أنْشَأْناهُنَّ لِأصْحابِ اليَمِينِ والإنْشاءُ حالَ كَوْنِهِنَّ أبْكارًا وأتْرابًا فَلا يَتَعَلَّقُ الإنْشاءُ بِالأبْكارِ بِحَيْثُ يَكُونُ كَوْنُهُنَّ أبْكارًا بِالإنْشاءِ؛ لِأنَّ الفِعْلَ لا يُؤَثِّرُ في الحالِ تَأْثِيرًا واجِبًا، فَنَقُولُ: صَرْفُهُ لِلْإنْشاءِ لا يَدُلُّ عَلى أنَّ الإنْشاءَ كانَ بِفِعْلٍ فَيَكُونُ الإنْعامُ عَلَيْهِمْ بِمُجَرَّدِ إنْشائِهِنَّ لِأصْحابِ اليَمِينِ: ﴿فَجَعَلْناهُنَّ أبْكارًا﴾ لِيَكُونَ تَرْتِيبُ المُسَبَّبِ عَلى السَّبَبِ فاقْتَضى ذَلِكَ كَوْنَهُنَّ أبْكارًا، وأمّا إنْ كانَ الإنْشاءُ أوَّلًا مِن غَيْرِ مُباشَرَةٍ لِلْأزْواجِ ما كانَ يَقْتَضِي جَعْلَهُنَّ أبْكارًا فالفاءُ لِتَرْتِيبِ المُقْتَضى عَلى المُقْتَضِي.
الواقعة 56:36
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ وقَدْ ذَكَرْنا مَعْنى الفُرُشِ، ونَذْكُرُ وجْهًا آخَرَ فِيها إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وأمّا المَرْفُوعَةُ فَفِيها ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: مَرْفُوعَةُ القَدْرِ يُقالُ: ثَوْبٌ رَفِيعٌ أيِ عَزِيزٌ مُرْتَفِعُ القَدْرِ والثَّمَنِ ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها﴾ [الرحمن: ٥٤] .
وثانِيها: مَرْفُوعَةٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ.
ثالِثُها: مَرْفُوعَةٌ فَوْقَ السَّرِيرِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنّا أنْشَأْناهُنَّ إنْشاءً﴾ ﴿فَجَعَلْناهُنَّ أبْكارًا﴾ ﴿عُرُبًا أتْرابًا﴾ ﴿لِأصْحابِ اليَمِينِ﴾ وفي الإنْشاءِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: الضَّمِيرُ في: ﴿أنْشَأْناهُنَّ﴾ عائِدٌ إلى مَن ؟ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: إلى (حُورٍ عِينٍ) وهو بَعِيدٌ لِبُعْدِهِنَّ ووُقُوعِهِنَّ في قِصَّةٍ أُخْرى.
ثانِيها: أنَّ المُرادَ مِنَ الفُرُشِ النِّساءُ والضَّمِيرُ عائِدٌ إلَيْهِنَّ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧]، ويُقالُ لِلْجارِيَةِ صارَتْ فِراشًا وإذا صارَتْ فِراشًا رُفِعَ قَدْرُها بِالنِّسْبَةِ إلى جارِيَةٍ لَمْ تَصِرْ فِراشًا، وهو أقْرَبُ مِنَ الأوَّلِ لَكِنْ يَبْعُدُ ظاهِرًا؛ لِأنَّ وصْفَها بِالمَرْفُوعَةِ يُنْبِئُ عَنْ خِلافِ ذَلِكَ.
وثالِثُها: أنَّهُ عائِدٌ إلى مَعْلُومٍ دَلَّ عَلَيْهِ فُرُشٌ؛ لِأنَّهُ قَدْ عُلِمَ في الدُّنْيا وفي مَواضِعَ مِن ذِكْرِ الآخِرَةِ، أنَّ في الفُرُشِ حَظايا تَقْدِيرُهُ: وفي فُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ حَظايا مُنْشَآتٌ، وهو مِثْلُ ما ذُكِرَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ [الصافات: ٤٨] و﴿مَقْصُوراتٌ﴾ [الرحمن: ٧٢] فَهو تَعالى أقامَ الصِّفَةَ مُقامَ المَوْصُوفِ ولَمْ يَذْكُرْ نِساءَ الآخِرَةِ بِلَفْظٍ حَقِيقِيٍّ أصْلًا وإنَّما عَرَّفَهُنَّ بِأوْصافِهِنَّ ولِباسِهِنَّ إشارَةً إلى صَوْنِهِنَّ وتَخَدُّرِهِنَّ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا أنْشَأْناهُنَّ﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ الحُورَ فَيَكُونَ المُرادُ الإنْشاءَ الَّذِي هو الِابْتِداءُ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بَناتِ آدَمَ فَيَكُونَ الإنْشاءُ بِمَعْنى إحْياءِ الإعادَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أبْكارًا﴾ يَدُلُّ عَلى الثّانِي؛ لِأنَّ الإنْشاءَ لَوْ كانَ بِمَعْنى الِابْتِداءِ لَعُلِمَ مِن كَوْنِهِنَّ أبْكارًا مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى بَيانٍ ولَمّا كانَ المُرادُ إحْياءَ بَناتِ آدَمَ قالَ: ﴿أبْكارًا﴾ أيْ نَجْعَلُهُنَّ أبْكارًا وإنْ مِتْنَ ثَيِّباتٍ، فَإنْ قِيلَ: فَما الفائِدَةُ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ ؟ نَقُولُ: الجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ الوَصْفَ بَعْدَها لا يَكُونُ مِن غَيْرِها إذا كُنَّ أزْواجَهم بَيِّنُ الفائِدَةِ؛ لِأنَّ البِكْرَ في الدُّنْيا لا تَكُونُ عارِفَةً بِلَذَّةِ الزَّوْجِ فَلا تَرْضى بِأنْ تَتَزَوَّجَ مِن رَجُلٍ لا تَعْرِفُهُ وتَخْتارُ التَّزْوِيجَ بِأقْرانِها ومَعارِفِها، لَكِنَّ أهْلَ الجَنَّةِ إذا لَمْ يَكُنَّ مِن جِنْسِ أبْناءِ آدَمَ وتَكُونُ الواحِدَةُ مِنهُنَّ بِكْرًا لَمْ تَرَ زَوْجًا ثُمَّ تَزَوَّجَتْ بِغَيْرِ جِنْسِها فَرُبَّما يُتَوَهَّمُ مِنها سُوءُ عِشْرَةٍ فَقالَ: ﴿أبْكارًا﴾ فَلا يُوجَدُ فِيهِنَّ ما يُوجَدُ في أبْكارِ الدُّنْيا.
الثّانِي: المُرادُ ”أبْكارًا“ بَكارَةً تُخالِفُ بَكارَةَ الدُّنْيا، فَإنَّ البَكارَةَ لا تَعُودُ إلّا عَلى بُعْدٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أتْرابًا﴾ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا:
أحَدُها: مُسْتَوِياتٌ في السِّنِّ فَلا تَفْضُلُ إحْداهُنَّ عَلى الأُخْرى بِصِغَرٍ ولا كِبَرٍ كُلُّهُنَّ خُلِقْنَ في زَمانٍ واحِدٍ، ولا يَلْحَقُهُنَّ عَجْزٌ ولا زَمانَةٌ ولا تَغَيُّرُ لَوْنٍ، وعَلى هَذا إنْ كُنَّ مِن بَناتِ آدَمَ فاللَّفْظُ فِيهِنَّ حَقِيقَةٌ، وإنْ كُنَّ مِن غَيْرِهِنَّ فَمَعْناهُ ما كَبِرْنَ؛ سُمِّينَ بِهِ لِأنَّ كُلًّا مِنهُنَّ تُمَسُّ وقْتَ مَسِّ الأُخْرى لَكِنْ نُسِيَ الأصْلُ، وجُعِلَ عِبارَةً عَنْ ذَلِكَ كاللَّذَّةِ لِلْمُتَساوِيَيْنِ مِنَ العُقَلاءِ، فَأطْلَقَ عَلى حُورِ
صفحة ١٤٦
الجَنَّةِ أتْرابًا.
ثانِيها: أتْرابًا مُتَماثِلاتٍ في النَّظَرِ إلَيْهِنَّ كالأتْرابِ سَواءٌ وُجِدْنَ في زَمانٍ أوْ في أزْمِنَةٍ، والظّاهِرُ أنَّهُ في أزْمِنَةٍ؛ لِأنَّ المُؤْمِنَ إذا عَمِلَ عَمَلًا صالِحًا خُلِقَ لَهُ مِنهُنَّ ما شاءَ اللَّهُ.
ثالِثُها: أتْرابًا لِأصْحابِ اليَمِينِ، أيْ عَلى سِنِّهِمْ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى الِاتِّفاقِ؛ لِأنَّ أحَدَ الزَّوْجَيْنِ إذا كانَ أكْبَرَ مِنَ الآخَرِ فالشّابُّ يُعَيِّرُهُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: إنْ قِيلَ ما الفائِدَةُ في قَوْلِهِ: ﴿فَجَعَلْناهُنَّ﴾ ؟ نَقُولُ: فائِدَتُهُ ظاهِرَةٌ تَتَبَيَّنُ بِالنَّظَرِ إلى اللّامِ في: ﴿لِأصْحابِ اليَمِينِ﴾ فَنَقُولُ: إنْ كانَتِ اللّامُ مُتَعَلِّقَةً بِـ ”أتْرابًا“ يَكُونُ مَعْناهُ: ﴿أنْشَأْناهُنَّ﴾ وهَذا لا يَجُوزُ وإنْ كانَتْ مُتَعَلِّقَةً بِـ ”أنْشَأْناهُنَّ“ يَكُونُ مَعْناهُ أنْشَأْناهُنَّ لِأصْحابِ اليَمِينِ والإنْشاءُ حالَ كَوْنِهِنَّ أبْكارًا وأتْرابًا فَلا يَتَعَلَّقُ الإنْشاءُ بِالأبْكارِ بِحَيْثُ يَكُونُ كَوْنُهُنَّ أبْكارًا بِالإنْشاءِ؛ لِأنَّ الفِعْلَ لا يُؤَثِّرُ في الحالِ تَأْثِيرًا واجِبًا، فَنَقُولُ: صَرْفُهُ لِلْإنْشاءِ لا يَدُلُّ عَلى أنَّ الإنْشاءَ كانَ بِفِعْلٍ فَيَكُونُ الإنْعامُ عَلَيْهِمْ بِمُجَرَّدِ إنْشائِهِنَّ لِأصْحابِ اليَمِينِ: ﴿فَجَعَلْناهُنَّ أبْكارًا﴾ لِيَكُونَ تَرْتِيبُ المُسَبَّبِ عَلى السَّبَبِ فاقْتَضى ذَلِكَ كَوْنَهُنَّ أبْكارًا، وأمّا إنْ كانَ الإنْشاءُ أوَّلًا مِن غَيْرِ مُباشَرَةٍ لِلْأزْواجِ ما كانَ يَقْتَضِي جَعْلَهُنَّ أبْكارًا فالفاءُ لِتَرْتِيبِ المُقْتَضى عَلى المُقْتَضِي.
الواقعة 56:37
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ وقَدْ ذَكَرْنا مَعْنى الفُرُشِ، ونَذْكُرُ وجْهًا آخَرَ فِيها إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وأمّا المَرْفُوعَةُ فَفِيها ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: مَرْفُوعَةُ القَدْرِ يُقالُ: ثَوْبٌ رَفِيعٌ أيِ عَزِيزٌ مُرْتَفِعُ القَدْرِ والثَّمَنِ ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها﴾ [الرحمن: ٥٤] .
وثانِيها: مَرْفُوعَةٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ.
ثالِثُها: مَرْفُوعَةٌ فَوْقَ السَّرِيرِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنّا أنْشَأْناهُنَّ إنْشاءً﴾ ﴿فَجَعَلْناهُنَّ أبْكارًا﴾ ﴿عُرُبًا أتْرابًا﴾ ﴿لِأصْحابِ اليَمِينِ﴾ وفي الإنْشاءِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: الضَّمِيرُ في: ﴿أنْشَأْناهُنَّ﴾ عائِدٌ إلى مَن ؟ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: إلى (حُورٍ عِينٍ) وهو بَعِيدٌ لِبُعْدِهِنَّ ووُقُوعِهِنَّ في قِصَّةٍ أُخْرى.
ثانِيها: أنَّ المُرادَ مِنَ الفُرُشِ النِّساءُ والضَّمِيرُ عائِدٌ إلَيْهِنَّ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧]، ويُقالُ لِلْجارِيَةِ صارَتْ فِراشًا وإذا صارَتْ فِراشًا رُفِعَ قَدْرُها بِالنِّسْبَةِ إلى جارِيَةٍ لَمْ تَصِرْ فِراشًا، وهو أقْرَبُ مِنَ الأوَّلِ لَكِنْ يَبْعُدُ ظاهِرًا؛ لِأنَّ وصْفَها بِالمَرْفُوعَةِ يُنْبِئُ عَنْ خِلافِ ذَلِكَ.
وثالِثُها: أنَّهُ عائِدٌ إلى مَعْلُومٍ دَلَّ عَلَيْهِ فُرُشٌ؛ لِأنَّهُ قَدْ عُلِمَ في الدُّنْيا وفي مَواضِعَ مِن ذِكْرِ الآخِرَةِ، أنَّ في الفُرُشِ حَظايا تَقْدِيرُهُ: وفي فُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ حَظايا مُنْشَآتٌ، وهو مِثْلُ ما ذُكِرَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ [الصافات: ٤٨] و﴿مَقْصُوراتٌ﴾ [الرحمن: ٧٢] فَهو تَعالى أقامَ الصِّفَةَ مُقامَ المَوْصُوفِ ولَمْ يَذْكُرْ نِساءَ الآخِرَةِ بِلَفْظٍ حَقِيقِيٍّ أصْلًا وإنَّما عَرَّفَهُنَّ بِأوْصافِهِنَّ ولِباسِهِنَّ إشارَةً إلى صَوْنِهِنَّ وتَخَدُّرِهِنَّ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا أنْشَأْناهُنَّ﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ الحُورَ فَيَكُونَ المُرادُ الإنْشاءَ الَّذِي هو الِابْتِداءُ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بَناتِ آدَمَ فَيَكُونَ الإنْشاءُ بِمَعْنى إحْياءِ الإعادَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أبْكارًا﴾ يَدُلُّ عَلى الثّانِي؛ لِأنَّ الإنْشاءَ لَوْ كانَ بِمَعْنى الِابْتِداءِ لَعُلِمَ مِن كَوْنِهِنَّ أبْكارًا مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى بَيانٍ ولَمّا كانَ المُرادُ إحْياءَ بَناتِ آدَمَ قالَ: ﴿أبْكارًا﴾ أيْ نَجْعَلُهُنَّ أبْكارًا وإنْ مِتْنَ ثَيِّباتٍ، فَإنْ قِيلَ: فَما الفائِدَةُ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ ؟ نَقُولُ: الجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ الوَصْفَ بَعْدَها لا يَكُونُ مِن غَيْرِها إذا كُنَّ أزْواجَهم بَيِّنُ الفائِدَةِ؛ لِأنَّ البِكْرَ في الدُّنْيا لا تَكُونُ عارِفَةً بِلَذَّةِ الزَّوْجِ فَلا تَرْضى بِأنْ تَتَزَوَّجَ مِن رَجُلٍ لا تَعْرِفُهُ وتَخْتارُ التَّزْوِيجَ بِأقْرانِها ومَعارِفِها، لَكِنَّ أهْلَ الجَنَّةِ إذا لَمْ يَكُنَّ مِن جِنْسِ أبْناءِ آدَمَ وتَكُونُ الواحِدَةُ مِنهُنَّ بِكْرًا لَمْ تَرَ زَوْجًا ثُمَّ تَزَوَّجَتْ بِغَيْرِ جِنْسِها فَرُبَّما يُتَوَهَّمُ مِنها سُوءُ عِشْرَةٍ فَقالَ: ﴿أبْكارًا﴾ فَلا يُوجَدُ فِيهِنَّ ما يُوجَدُ في أبْكارِ الدُّنْيا.
الثّانِي: المُرادُ ”أبْكارًا“ بَكارَةً تُخالِفُ بَكارَةَ الدُّنْيا، فَإنَّ البَكارَةَ لا تَعُودُ إلّا عَلى بُعْدٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أتْرابًا﴾ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا:
أحَدُها: مُسْتَوِياتٌ في السِّنِّ فَلا تَفْضُلُ إحْداهُنَّ عَلى الأُخْرى بِصِغَرٍ ولا كِبَرٍ كُلُّهُنَّ خُلِقْنَ في زَمانٍ واحِدٍ، ولا يَلْحَقُهُنَّ عَجْزٌ ولا زَمانَةٌ ولا تَغَيُّرُ لَوْنٍ، وعَلى هَذا إنْ كُنَّ مِن بَناتِ آدَمَ فاللَّفْظُ فِيهِنَّ حَقِيقَةٌ، وإنْ كُنَّ مِن غَيْرِهِنَّ فَمَعْناهُ ما كَبِرْنَ؛ سُمِّينَ بِهِ لِأنَّ كُلًّا مِنهُنَّ تُمَسُّ وقْتَ مَسِّ الأُخْرى لَكِنْ نُسِيَ الأصْلُ، وجُعِلَ عِبارَةً عَنْ ذَلِكَ كاللَّذَّةِ لِلْمُتَساوِيَيْنِ مِنَ العُقَلاءِ، فَأطْلَقَ عَلى حُورِ
صفحة ١٤٦
الجَنَّةِ أتْرابًا.
ثانِيها: أتْرابًا مُتَماثِلاتٍ في النَّظَرِ إلَيْهِنَّ كالأتْرابِ سَواءٌ وُجِدْنَ في زَمانٍ أوْ في أزْمِنَةٍ، والظّاهِرُ أنَّهُ في أزْمِنَةٍ؛ لِأنَّ المُؤْمِنَ إذا عَمِلَ عَمَلًا صالِحًا خُلِقَ لَهُ مِنهُنَّ ما شاءَ اللَّهُ.
ثالِثُها: أتْرابًا لِأصْحابِ اليَمِينِ، أيْ عَلى سِنِّهِمْ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى الِاتِّفاقِ؛ لِأنَّ أحَدَ الزَّوْجَيْنِ إذا كانَ أكْبَرَ مِنَ الآخَرِ فالشّابُّ يُعَيِّرُهُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: إنْ قِيلَ ما الفائِدَةُ في قَوْلِهِ: ﴿فَجَعَلْناهُنَّ﴾ ؟ نَقُولُ: فائِدَتُهُ ظاهِرَةٌ تَتَبَيَّنُ بِالنَّظَرِ إلى اللّامِ في: ﴿لِأصْحابِ اليَمِينِ﴾ فَنَقُولُ: إنْ كانَتِ اللّامُ مُتَعَلِّقَةً بِـ ”أتْرابًا“ يَكُونُ مَعْناهُ: ﴿أنْشَأْناهُنَّ﴾ وهَذا لا يَجُوزُ وإنْ كانَتْ مُتَعَلِّقَةً بِـ ”أنْشَأْناهُنَّ“ يَكُونُ مَعْناهُ أنْشَأْناهُنَّ لِأصْحابِ اليَمِينِ والإنْشاءُ حالَ كَوْنِهِنَّ أبْكارًا وأتْرابًا فَلا يَتَعَلَّقُ الإنْشاءُ بِالأبْكارِ بِحَيْثُ يَكُونُ كَوْنُهُنَّ أبْكارًا بِالإنْشاءِ؛ لِأنَّ الفِعْلَ لا يُؤَثِّرُ في الحالِ تَأْثِيرًا واجِبًا، فَنَقُولُ: صَرْفُهُ لِلْإنْشاءِ لا يَدُلُّ عَلى أنَّ الإنْشاءَ كانَ بِفِعْلٍ فَيَكُونُ الإنْعامُ عَلَيْهِمْ بِمُجَرَّدِ إنْشائِهِنَّ لِأصْحابِ اليَمِينِ: ﴿فَجَعَلْناهُنَّ أبْكارًا﴾ لِيَكُونَ تَرْتِيبُ المُسَبَّبِ عَلى السَّبَبِ فاقْتَضى ذَلِكَ كَوْنَهُنَّ أبْكارًا، وأمّا إنْ كانَ الإنْشاءُ أوَّلًا مِن غَيْرِ مُباشَرَةٍ لِلْأزْواجِ ما كانَ يَقْتَضِي جَعْلَهُنَّ أبْكارًا فالفاءُ لِتَرْتِيبِ المُقْتَضى عَلى المُقْتَضِي.
الواقعة 56:38
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ وقَدْ ذَكَرْنا مَعْنى الفُرُشِ، ونَذْكُرُ وجْهًا آخَرَ فِيها إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وأمّا المَرْفُوعَةُ فَفِيها ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: مَرْفُوعَةُ القَدْرِ يُقالُ: ثَوْبٌ رَفِيعٌ أيِ عَزِيزٌ مُرْتَفِعُ القَدْرِ والثَّمَنِ ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها﴾ [الرحمن: ٥٤] .
وثانِيها: مَرْفُوعَةٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ.
ثالِثُها: مَرْفُوعَةٌ فَوْقَ السَّرِيرِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنّا أنْشَأْناهُنَّ إنْشاءً﴾ ﴿فَجَعَلْناهُنَّ أبْكارًا﴾ ﴿عُرُبًا أتْرابًا﴾ ﴿لِأصْحابِ اليَمِينِ﴾ وفي الإنْشاءِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: الضَّمِيرُ في: ﴿أنْشَأْناهُنَّ﴾ عائِدٌ إلى مَن ؟ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: إلى (حُورٍ عِينٍ) وهو بَعِيدٌ لِبُعْدِهِنَّ ووُقُوعِهِنَّ في قِصَّةٍ أُخْرى.
ثانِيها: أنَّ المُرادَ مِنَ الفُرُشِ النِّساءُ والضَّمِيرُ عائِدٌ إلَيْهِنَّ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧]، ويُقالُ لِلْجارِيَةِ صارَتْ فِراشًا وإذا صارَتْ فِراشًا رُفِعَ قَدْرُها بِالنِّسْبَةِ إلى جارِيَةٍ لَمْ تَصِرْ فِراشًا، وهو أقْرَبُ مِنَ الأوَّلِ لَكِنْ يَبْعُدُ ظاهِرًا؛ لِأنَّ وصْفَها بِالمَرْفُوعَةِ يُنْبِئُ عَنْ خِلافِ ذَلِكَ.
وثالِثُها: أنَّهُ عائِدٌ إلى مَعْلُومٍ دَلَّ عَلَيْهِ فُرُشٌ؛ لِأنَّهُ قَدْ عُلِمَ في الدُّنْيا وفي مَواضِعَ مِن ذِكْرِ الآخِرَةِ، أنَّ في الفُرُشِ حَظايا تَقْدِيرُهُ: وفي فُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ حَظايا مُنْشَآتٌ، وهو مِثْلُ ما ذُكِرَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ [الصافات: ٤٨] و﴿مَقْصُوراتٌ﴾ [الرحمن: ٧٢] فَهو تَعالى أقامَ الصِّفَةَ مُقامَ المَوْصُوفِ ولَمْ يَذْكُرْ نِساءَ الآخِرَةِ بِلَفْظٍ حَقِيقِيٍّ أصْلًا وإنَّما عَرَّفَهُنَّ بِأوْصافِهِنَّ ولِباسِهِنَّ إشارَةً إلى صَوْنِهِنَّ وتَخَدُّرِهِنَّ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا أنْشَأْناهُنَّ﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ الحُورَ فَيَكُونَ المُرادُ الإنْشاءَ الَّذِي هو الِابْتِداءُ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بَناتِ آدَمَ فَيَكُونَ الإنْشاءُ بِمَعْنى إحْياءِ الإعادَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أبْكارًا﴾ يَدُلُّ عَلى الثّانِي؛ لِأنَّ الإنْشاءَ لَوْ كانَ بِمَعْنى الِابْتِداءِ لَعُلِمَ مِن كَوْنِهِنَّ أبْكارًا مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى بَيانٍ ولَمّا كانَ المُرادُ إحْياءَ بَناتِ آدَمَ قالَ: ﴿أبْكارًا﴾ أيْ نَجْعَلُهُنَّ أبْكارًا وإنْ مِتْنَ ثَيِّباتٍ، فَإنْ قِيلَ: فَما الفائِدَةُ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ ؟ نَقُولُ: الجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ الوَصْفَ بَعْدَها لا يَكُونُ مِن غَيْرِها إذا كُنَّ أزْواجَهم بَيِّنُ الفائِدَةِ؛ لِأنَّ البِكْرَ في الدُّنْيا لا تَكُونُ عارِفَةً بِلَذَّةِ الزَّوْجِ فَلا تَرْضى بِأنْ تَتَزَوَّجَ مِن رَجُلٍ لا تَعْرِفُهُ وتَخْتارُ التَّزْوِيجَ بِأقْرانِها ومَعارِفِها، لَكِنَّ أهْلَ الجَنَّةِ إذا لَمْ يَكُنَّ مِن جِنْسِ أبْناءِ آدَمَ وتَكُونُ الواحِدَةُ مِنهُنَّ بِكْرًا لَمْ تَرَ زَوْجًا ثُمَّ تَزَوَّجَتْ بِغَيْرِ جِنْسِها فَرُبَّما يُتَوَهَّمُ مِنها سُوءُ عِشْرَةٍ فَقالَ: ﴿أبْكارًا﴾ فَلا يُوجَدُ فِيهِنَّ ما يُوجَدُ في أبْكارِ الدُّنْيا.
الثّانِي: المُرادُ ”أبْكارًا“ بَكارَةً تُخالِفُ بَكارَةَ الدُّنْيا، فَإنَّ البَكارَةَ لا تَعُودُ إلّا عَلى بُعْدٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أتْرابًا﴾ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا:
أحَدُها: مُسْتَوِياتٌ في السِّنِّ فَلا تَفْضُلُ إحْداهُنَّ عَلى الأُخْرى بِصِغَرٍ ولا كِبَرٍ كُلُّهُنَّ خُلِقْنَ في زَمانٍ واحِدٍ، ولا يَلْحَقُهُنَّ عَجْزٌ ولا زَمانَةٌ ولا تَغَيُّرُ لَوْنٍ، وعَلى هَذا إنْ كُنَّ مِن بَناتِ آدَمَ فاللَّفْظُ فِيهِنَّ حَقِيقَةٌ، وإنْ كُنَّ مِن غَيْرِهِنَّ فَمَعْناهُ ما كَبِرْنَ؛ سُمِّينَ بِهِ لِأنَّ كُلًّا مِنهُنَّ تُمَسُّ وقْتَ مَسِّ الأُخْرى لَكِنْ نُسِيَ الأصْلُ، وجُعِلَ عِبارَةً عَنْ ذَلِكَ كاللَّذَّةِ لِلْمُتَساوِيَيْنِ مِنَ العُقَلاءِ، فَأطْلَقَ عَلى حُورِ
صفحة ١٤٦
الجَنَّةِ أتْرابًا.
ثانِيها: أتْرابًا مُتَماثِلاتٍ في النَّظَرِ إلَيْهِنَّ كالأتْرابِ سَواءٌ وُجِدْنَ في زَمانٍ أوْ في أزْمِنَةٍ، والظّاهِرُ أنَّهُ في أزْمِنَةٍ؛ لِأنَّ المُؤْمِنَ إذا عَمِلَ عَمَلًا صالِحًا خُلِقَ لَهُ مِنهُنَّ ما شاءَ اللَّهُ.
ثالِثُها: أتْرابًا لِأصْحابِ اليَمِينِ، أيْ عَلى سِنِّهِمْ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى الِاتِّفاقِ؛ لِأنَّ أحَدَ الزَّوْجَيْنِ إذا كانَ أكْبَرَ مِنَ الآخَرِ فالشّابُّ يُعَيِّرُهُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: إنْ قِيلَ ما الفائِدَةُ في قَوْلِهِ: ﴿فَجَعَلْناهُنَّ﴾ ؟ نَقُولُ: فائِدَتُهُ ظاهِرَةٌ تَتَبَيَّنُ بِالنَّظَرِ إلى اللّامِ في: ﴿لِأصْحابِ اليَمِينِ﴾ فَنَقُولُ: إنْ كانَتِ اللّامُ مُتَعَلِّقَةً بِـ ”أتْرابًا“ يَكُونُ مَعْناهُ: ﴿أنْشَأْناهُنَّ﴾ وهَذا لا يَجُوزُ وإنْ كانَتْ مُتَعَلِّقَةً بِـ ”أنْشَأْناهُنَّ“ يَكُونُ مَعْناهُ أنْشَأْناهُنَّ لِأصْحابِ اليَمِينِ والإنْشاءُ حالَ كَوْنِهِنَّ أبْكارًا وأتْرابًا فَلا يَتَعَلَّقُ الإنْشاءُ بِالأبْكارِ بِحَيْثُ يَكُونُ كَوْنُهُنَّ أبْكارًا بِالإنْشاءِ؛ لِأنَّ الفِعْلَ لا يُؤَثِّرُ في الحالِ تَأْثِيرًا واجِبًا، فَنَقُولُ: صَرْفُهُ لِلْإنْشاءِ لا يَدُلُّ عَلى أنَّ الإنْشاءَ كانَ بِفِعْلٍ فَيَكُونُ الإنْعامُ عَلَيْهِمْ بِمُجَرَّدِ إنْشائِهِنَّ لِأصْحابِ اليَمِينِ: ﴿فَجَعَلْناهُنَّ أبْكارًا﴾ لِيَكُونَ تَرْتِيبُ المُسَبَّبِ عَلى السَّبَبِ فاقْتَضى ذَلِكَ كَوْنَهُنَّ أبْكارًا، وأمّا إنْ كانَ الإنْشاءُ أوَّلًا مِن غَيْرِ مُباشَرَةٍ لِلْأزْواجِ ما كانَ يَقْتَضِي جَعْلَهُنَّ أبْكارًا فالفاءُ لِتَرْتِيبِ المُقْتَضى عَلى المُقْتَضِي.
الواقعة 56:39
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ .
وقَدْ ذَكَرْنا ما فِيهِ لَكِنَّ هُنا لَطِيفَةً: وهي أنَّهُ تَعالى قالَ في السّابِقِينَ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ قَبْلَ ذِكْرِ السُّرُرِ والفاكِهَةِ والحُورِ، وذَكَرَ في أصْحابِ اليَمِينِ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ بَعْدَ ذِكْرِ هَذِهِ النِّعَمِ، نَقُولُ: السّابِقُونَ لا يَلْتَفِتُونَ إلى الحُورِ العِينِ والمَأْكُولِ والمَشْرُوبِ، ونِعَمُ الجَنَّةِ تَتَشَرَّفُ بِهِمْ، وأصْحابُ اليَمِينِ يَلْتَفِتُونَ إلَيْها فَقَدَّمَ ذِكْرَها عَلَيْهِمْ ثُمَّ قالَ: هَذا لَكم وأمّا السّابِقُونَ فَذَكَرَهم أوَّلًا ثُمَّ ذَكَرَ مَكانَهم، فَكَأنَّهُ قالَ لِأهْلِ الجَنَّةِ هَؤُلاءِ وارِدُونَ عَلَيْكم. والَّذِي يُتَمِّمُ هَذِهِ اللَّطِيفَةَ أنَّهُ تَعالى لَمْ يُقَدِّمْ ثُلَّةَ السّابِقِينَ إلّا لِكَوْنِهِمْ مُقَرَّبِينَ حِسًّا فَقالَ: ﴿المُقَرَّبُونَ﴾ ﴿فِي جَنّاتِ﴾ [الواقعة: ١٢] ثُمَّ قالَ: ﴿ثُلَّةٌ﴾ ثُمَّ ذَكَرَ النِّعَمَ؛ لِكَوْنِها فَوْقَ الدُّنْيا إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى مِنَ اللَّهِ فَإنَّها فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ، وإلى هَذا أشارَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ [الشورى: ٢٣] وأمّا قَوْلُهُ: ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ [الصافات: ٤٣] فَقَدْ ذَكَرْنا أنَّهُ لِتَمْيِيزِ مُقَرَّبِي المُؤْمِنِينَ مِن مُقَرَّبِي المَلائِكَةِ، فَإنَّهم مُقَرَّبُونَ في الجَنَّةِ وهم مُقَرَّبُونَ في أماكِنِهِمْ لِقَضاءِ الأشْغالِ الَّتِي لِلنّاسِ وغَيْرِهِمْ بِقُدْرَةِ اللَّهِ، وقَدْ بانَ مِن هَذا أنَّ المُرادَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ هُمُ النّاجُونَ الَّذِينَ أذْنَبُوا وأسْرَفُوا وعَفا اللَّهُ عَنْهم بِسَبَبِ أدْنى حَسَنَةٍ لا الَّذِينَ غَلَبَتْ حَسَناتُهم وكَثُرَتْ، وسَنَذْكُرُ الدَّلِيلَ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَسَلامٌ لَكَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ [الواقعة: ٩١] .
الواقعة 56:40
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ .
وقَدْ ذَكَرْنا ما فِيهِ لَكِنَّ هُنا لَطِيفَةً: وهي أنَّهُ تَعالى قالَ في السّابِقِينَ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ قَبْلَ ذِكْرِ السُّرُرِ والفاكِهَةِ والحُورِ، وذَكَرَ في أصْحابِ اليَمِينِ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ بَعْدَ ذِكْرِ هَذِهِ النِّعَمِ، نَقُولُ: السّابِقُونَ لا يَلْتَفِتُونَ إلى الحُورِ العِينِ والمَأْكُولِ والمَشْرُوبِ، ونِعَمُ الجَنَّةِ تَتَشَرَّفُ بِهِمْ، وأصْحابُ اليَمِينِ يَلْتَفِتُونَ إلَيْها فَقَدَّمَ ذِكْرَها عَلَيْهِمْ ثُمَّ قالَ: هَذا لَكم وأمّا السّابِقُونَ فَذَكَرَهم أوَّلًا ثُمَّ ذَكَرَ مَكانَهم، فَكَأنَّهُ قالَ لِأهْلِ الجَنَّةِ هَؤُلاءِ وارِدُونَ عَلَيْكم. والَّذِي يُتَمِّمُ هَذِهِ اللَّطِيفَةَ أنَّهُ تَعالى لَمْ يُقَدِّمْ ثُلَّةَ السّابِقِينَ إلّا لِكَوْنِهِمْ مُقَرَّبِينَ حِسًّا فَقالَ: ﴿المُقَرَّبُونَ﴾ ﴿فِي جَنّاتِ﴾ [الواقعة: ١٢] ثُمَّ قالَ: ﴿ثُلَّةٌ﴾ ثُمَّ ذَكَرَ النِّعَمَ؛ لِكَوْنِها فَوْقَ الدُّنْيا إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى مِنَ اللَّهِ فَإنَّها فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ، وإلى هَذا أشارَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ [الشورى: ٢٣] وأمّا قَوْلُهُ: ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ [الصافات: ٤٣] فَقَدْ ذَكَرْنا أنَّهُ لِتَمْيِيزِ مُقَرَّبِي المُؤْمِنِينَ مِن مُقَرَّبِي المَلائِكَةِ، فَإنَّهم مُقَرَّبُونَ في الجَنَّةِ وهم مُقَرَّبُونَ في أماكِنِهِمْ لِقَضاءِ الأشْغالِ الَّتِي لِلنّاسِ وغَيْرِهِمْ بِقُدْرَةِ اللَّهِ، وقَدْ بانَ مِن هَذا أنَّ المُرادَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ هُمُ النّاجُونَ الَّذِينَ أذْنَبُوا وأسْرَفُوا وعَفا اللَّهُ عَنْهم بِسَبَبِ أدْنى حَسَنَةٍ لا الَّذِينَ غَلَبَتْ حَسَناتُهم وكَثُرَتْ، وسَنَذْكُرُ الدَّلِيلَ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَسَلامٌ لَكَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ [الواقعة: ٩١] .
الواقعة 56:41
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وأصْحابُ الشِّمالِ ما أصْحابُ الشِّمالِ﴾ ﴿فِي سَمُومٍ وحَمِيمٍ﴾ ﴿وظِلٍّ مِن يَحْمُومٍ﴾ .
وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: ما الحِكْمَةُ في ذِكْرِ السَّمُومِ والحَمِيمِ وتَرْكِ ذِكْرِ النّارِ وأهْوالِها ؟ نَقُولُ: فِيهِ إشارَةٌ بِالأدْنى إلى الأعْلى فَقالَ: هَواؤُهُمُ الَّذِي يَهُبُّ عَلَيْهِمْ سَمُومٌ، وماؤُهُمُ الَّذِي يَسْتَغِيثُونَ بِهِ حَمِيمٌ، مَعَ أنَّ الهَواءَ والماءَ أبْرَدُ الأشْياءِ، وهُما أيِ السُّمُومُ والحَمِيمُ مِن أضَرِّ الأشْياءِ بِخِلافِ الهَواءِ والماءِ في الدُّنْيا فَإنَّهُما مِن أنْفَعِ
صفحة ١٤٧
الأشْياءِ فَما ظَنُّكَ بِنارِهِمُ الَّتِي هي عِنْدَنا أيْضًا أحَرُّ، ولَوْ قالَ: هم في نارٍ، كُنّا نَظُنُّ أنَّ نارَهم كَنارِنا لِأنّا ما رَأيْنا شَيْئًا أحَرَّ مِنَ الَّتِي رَأيْناها، ولا أحَرَّ مِنَ السَّمُومِ، ولا أبْرَدَ مِنَ الزُّلالِ، فَقالَ: أبْرَدُ الأشْياءِ لَهم أحَرُّها فَكَيْفَ حالُهم مَعَ أحَرِّها، فَإنْ قِيلَ: ما السَّمُومُ ؟ نَقُولُ: المَشْهُورُ هي رِيحٌ حارَّةٌ تَهُبُّ فَتُمْرِضُ أوْ تَقْتُلُ غالِبًا، والأوْلى أنْ يُقالَ: هي هَواءٌ مُتَعَفِّنٌ يَتَحَرَّكُ مِن جانِبٍ إلى جانِبٍ فَإذا اسْتَنْشَقَ الإنْسانُ مِنهُ يَفْسُدُ قَلْبُهُ بِسَبَبِ العُفُونَةِ ويُقْتَلُ الإنْسانُ، وأصْلُهُ مِنَ السُّمِّ كَسُمِّ الحَيَّةِ والعَقْرَبِ وغَيْرِهِما، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا السُّمُّ مِنَ السَّمِّ، وهو خُرْمُ الإبْرَةِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿حَتّى يَلِجَ الجَمَلُ في سَمِّ الخِياطِ﴾ [الأعراف: ٤٠]؛ لِأنَّ سُمَّ الأفْعى يَنْفُذُ في المَسامِّ فَيُفْسِدُها، وقِيلَ: إنَّ السَّمُومَ مُخْتَصَّةٌ بِما يَهُبُّ لَيْلًا، وعَلى هَذا فَقَوْلُهُ: ﴿سَمُومٍ﴾ إشارَةٌ إلى ظُلْمَةِ ما هم فِيهِ غَيْرَ أنَّهُ بَعِيدٌ جِدًّا؛ لِأنَّ السَّمُومَ قَدْ تُرى بِالنَّهارِ بِسَبَبِ كَثافَتِها.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الحَمِيمُ هو الماءُ الحارُّ وهو فَعِيلٌ بِمَعْنى فاعِلٍ مِن حَمِمَ الماءُ بِكَسْرِ المِيمِ، أوْ بِمَعْنى مَفْعُولٍ مِن حَمَّ الماءَ إذا سَخَّنَهُ، وقَدْ ذَكَرْناهُ مِرارًا غَيْرَ أنَّ هَهُنا لَطِيفَةً لُغَوِيَّةً: وهي أنَّ فَعُولًا لَمّا تَكَرَّرَ مِنهُ الشَّيْءُ والرِّيحَ لَمّا كانَتْ كَثِيرَةَ الهُبُوبِ تَهُبُّ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ خُصَّ السَّمُومُ بِالفَعُولِ، والماءُ الحارُّ لَمّا كانَ لا يُفْهَمُ مِنهُ الوُرُودُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ لَمْ يُقَلْ فِيهِ: حَمُومٌ، فَإنْ قِيلَ: ما اليَحْمُومُ ؟ نَقُولُ: فِيهِ وُجُوهٌ:
أوَّلُها: أنَّهُ اسْمٌ مِن أسْماءِ جَهَنَّمَ.
ثانِيها: أنَّهُ الدُّخانُ.
ثالِثُها: أنَّهُ الظُّلْمَةُ، وأصْلُهُ مِنَ الحُمَمِ وهو الفَحْمُ فَكَأنَّهُ لِسَوادِهِ فَحْمٌ فَسَمَّوْهُ بِاسْمٍ مُشْتَقٍّ مِنهُ، وزِيادَةُ الحَرْفِ فِيهِ لِزِيادَةِ ذَلِكَ المَعْنى فِيهِ، ورُبَّما تَكُونُ الزِّيادَةُ فِيهِ جاءَتْ لِمَعْنَيَيْنِ: الزِّيادَةُ في سَوادِهِ والزِّيادَةُ في حَرارَتِهِ، وفي الأُمُورِ الثَّلاثَةِ إشارَةٌ إلى دُونِهِمْ في العَذابِ دائِمًا؛ لِأنَّهم إنْ تَعَرَّضُوا لِمَهَبِّ الهَواءِ أصابَهُمُ الهَواءُ الَّذِي هو السَّمُومُ، وإنِ اسْتَكَنُّوا كَما يَفْعَلُهُ الَّذِي يَدْفَعُ عَنْ نَفْسِهِ السَّمُومَ بِالِاسْتِكْنانِ في الكِنِّ يَكُونُوا في ظِلٍّ مِن يَحْمُومٍ، وإنْ أرادُوا الرَّدَّ عَنْ أنْفُسِهِمُ السَّمُومَ بِالِاسْتِكْنانِ في مَكانٍ مِن حَمِيمٍ فَلا انْفِكاكَ لَهم مِن عَذابِ الحَمِيمِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: فِيهِ تَرْتِيبٌ وهو أنَّ السَّمُومَ يَضْرِبُهُ فَيَعْطَشُ وتَلْتَهِبُ نارُ السَّمُومِ في أحْشائِهِ فَيَشْرَبُ الماءَ فَيُقَطِّعُ أمْعاءَهُ ويُرِيدُ الِاسْتِظْلالَ بِظِلٍّ فَيَكُونُ ذَلِكَ الظِّلُّ ظِلَّ اليَحْمُومِ، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ وجْهُ اسْتِعْمالِ (مِن) في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن يَحْمُومٍ﴾ ؟ فَنَقُولُ: إنْ قُلْنا إنَّهُ اسْمُ جَهَنَّمَ فَهو لِابْتِداءِ الغايَةِ كَما تَقُولُ: جاءَنِي نَسِيمٌ مِنَ الجَنَّةِ، وإنْ قُلْنا: إنَّهُ دُخانٌ فَهو كَما في قَوْلِنا: خاتَمٌ مِن فِضَّةٍ، وإنْ قُلْنا: إنَّهُ الظُّلْمَةُ فَكَذَلِكَ، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَصِحُّ تَفْسِيرُهُ بِجَهَنَّمَ مَعَ أنَّهُ اسْمٌ مُنْصَرِفٌ مُنَكَّرٌ فَكَيْفَ وُضِعَ لِمَكانٍ مُعَرَّفٍ، ولَوْ كانَ اسْمًا لَها ؟ قُلْنا: اسْتِعْمالُهُ بِالألِفِ واللّامِ كالجَحِيمِ، أوْ كانَ غَيْرَ مُنْصَرِفٍ كَأسْماءِ جَهَنَّمَ يَكُونُ مِثْلَهُ عَلى ثَلاثَةِ مَواضِعَ كُلُّها يَحْمُومٌ.
الواقعة 56:42
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وأصْحابُ الشِّمالِ ما أصْحابُ الشِّمالِ﴾ ﴿فِي سَمُومٍ وحَمِيمٍ﴾ ﴿وظِلٍّ مِن يَحْمُومٍ﴾ .
وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: ما الحِكْمَةُ في ذِكْرِ السَّمُومِ والحَمِيمِ وتَرْكِ ذِكْرِ النّارِ وأهْوالِها ؟ نَقُولُ: فِيهِ إشارَةٌ بِالأدْنى إلى الأعْلى فَقالَ: هَواؤُهُمُ الَّذِي يَهُبُّ عَلَيْهِمْ سَمُومٌ، وماؤُهُمُ الَّذِي يَسْتَغِيثُونَ بِهِ حَمِيمٌ، مَعَ أنَّ الهَواءَ والماءَ أبْرَدُ الأشْياءِ، وهُما أيِ السُّمُومُ والحَمِيمُ مِن أضَرِّ الأشْياءِ بِخِلافِ الهَواءِ والماءِ في الدُّنْيا فَإنَّهُما مِن أنْفَعِ
صفحة ١٤٧
الأشْياءِ فَما ظَنُّكَ بِنارِهِمُ الَّتِي هي عِنْدَنا أيْضًا أحَرُّ، ولَوْ قالَ: هم في نارٍ، كُنّا نَظُنُّ أنَّ نارَهم كَنارِنا لِأنّا ما رَأيْنا شَيْئًا أحَرَّ مِنَ الَّتِي رَأيْناها، ولا أحَرَّ مِنَ السَّمُومِ، ولا أبْرَدَ مِنَ الزُّلالِ، فَقالَ: أبْرَدُ الأشْياءِ لَهم أحَرُّها فَكَيْفَ حالُهم مَعَ أحَرِّها، فَإنْ قِيلَ: ما السَّمُومُ ؟ نَقُولُ: المَشْهُورُ هي رِيحٌ حارَّةٌ تَهُبُّ فَتُمْرِضُ أوْ تَقْتُلُ غالِبًا، والأوْلى أنْ يُقالَ: هي هَواءٌ مُتَعَفِّنٌ يَتَحَرَّكُ مِن جانِبٍ إلى جانِبٍ فَإذا اسْتَنْشَقَ الإنْسانُ مِنهُ يَفْسُدُ قَلْبُهُ بِسَبَبِ العُفُونَةِ ويُقْتَلُ الإنْسانُ، وأصْلُهُ مِنَ السُّمِّ كَسُمِّ الحَيَّةِ والعَقْرَبِ وغَيْرِهِما، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا السُّمُّ مِنَ السَّمِّ، وهو خُرْمُ الإبْرَةِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿حَتّى يَلِجَ الجَمَلُ في سَمِّ الخِياطِ﴾ [الأعراف: ٤٠]؛ لِأنَّ سُمَّ الأفْعى يَنْفُذُ في المَسامِّ فَيُفْسِدُها، وقِيلَ: إنَّ السَّمُومَ مُخْتَصَّةٌ بِما يَهُبُّ لَيْلًا، وعَلى هَذا فَقَوْلُهُ: ﴿سَمُومٍ﴾ إشارَةٌ إلى ظُلْمَةِ ما هم فِيهِ غَيْرَ أنَّهُ بَعِيدٌ جِدًّا؛ لِأنَّ السَّمُومَ قَدْ تُرى بِالنَّهارِ بِسَبَبِ كَثافَتِها.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الحَمِيمُ هو الماءُ الحارُّ وهو فَعِيلٌ بِمَعْنى فاعِلٍ مِن حَمِمَ الماءُ بِكَسْرِ المِيمِ، أوْ بِمَعْنى مَفْعُولٍ مِن حَمَّ الماءَ إذا سَخَّنَهُ، وقَدْ ذَكَرْناهُ مِرارًا غَيْرَ أنَّ هَهُنا لَطِيفَةً لُغَوِيَّةً: وهي أنَّ فَعُولًا لَمّا تَكَرَّرَ مِنهُ الشَّيْءُ والرِّيحَ لَمّا كانَتْ كَثِيرَةَ الهُبُوبِ تَهُبُّ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ خُصَّ السَّمُومُ بِالفَعُولِ، والماءُ الحارُّ لَمّا كانَ لا يُفْهَمُ مِنهُ الوُرُودُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ لَمْ يُقَلْ فِيهِ: حَمُومٌ، فَإنْ قِيلَ: ما اليَحْمُومُ ؟ نَقُولُ: فِيهِ وُجُوهٌ:
أوَّلُها: أنَّهُ اسْمٌ مِن أسْماءِ جَهَنَّمَ.
ثانِيها: أنَّهُ الدُّخانُ.
ثالِثُها: أنَّهُ الظُّلْمَةُ، وأصْلُهُ مِنَ الحُمَمِ وهو الفَحْمُ فَكَأنَّهُ لِسَوادِهِ فَحْمٌ فَسَمَّوْهُ بِاسْمٍ مُشْتَقٍّ مِنهُ، وزِيادَةُ الحَرْفِ فِيهِ لِزِيادَةِ ذَلِكَ المَعْنى فِيهِ، ورُبَّما تَكُونُ الزِّيادَةُ فِيهِ جاءَتْ لِمَعْنَيَيْنِ: الزِّيادَةُ في سَوادِهِ والزِّيادَةُ في حَرارَتِهِ، وفي الأُمُورِ الثَّلاثَةِ إشارَةٌ إلى دُونِهِمْ في العَذابِ دائِمًا؛ لِأنَّهم إنْ تَعَرَّضُوا لِمَهَبِّ الهَواءِ أصابَهُمُ الهَواءُ الَّذِي هو السَّمُومُ، وإنِ اسْتَكَنُّوا كَما يَفْعَلُهُ الَّذِي يَدْفَعُ عَنْ نَفْسِهِ السَّمُومَ بِالِاسْتِكْنانِ في الكِنِّ يَكُونُوا في ظِلٍّ مِن يَحْمُومٍ، وإنْ أرادُوا الرَّدَّ عَنْ أنْفُسِهِمُ السَّمُومَ بِالِاسْتِكْنانِ في مَكانٍ مِن حَمِيمٍ فَلا انْفِكاكَ لَهم مِن عَذابِ الحَمِيمِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: فِيهِ تَرْتِيبٌ وهو أنَّ السَّمُومَ يَضْرِبُهُ فَيَعْطَشُ وتَلْتَهِبُ نارُ السَّمُومِ في أحْشائِهِ فَيَشْرَبُ الماءَ فَيُقَطِّعُ أمْعاءَهُ ويُرِيدُ الِاسْتِظْلالَ بِظِلٍّ فَيَكُونُ ذَلِكَ الظِّلُّ ظِلَّ اليَحْمُومِ، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ وجْهُ اسْتِعْمالِ (مِن) في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن يَحْمُومٍ﴾ ؟ فَنَقُولُ: إنْ قُلْنا إنَّهُ اسْمُ جَهَنَّمَ فَهو لِابْتِداءِ الغايَةِ كَما تَقُولُ: جاءَنِي نَسِيمٌ مِنَ الجَنَّةِ، وإنْ قُلْنا: إنَّهُ دُخانٌ فَهو كَما في قَوْلِنا: خاتَمٌ مِن فِضَّةٍ، وإنْ قُلْنا: إنَّهُ الظُّلْمَةُ فَكَذَلِكَ، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَصِحُّ تَفْسِيرُهُ بِجَهَنَّمَ مَعَ أنَّهُ اسْمٌ مُنْصَرِفٌ مُنَكَّرٌ فَكَيْفَ وُضِعَ لِمَكانٍ مُعَرَّفٍ، ولَوْ كانَ اسْمًا لَها ؟ قُلْنا: اسْتِعْمالُهُ بِالألِفِ واللّامِ كالجَحِيمِ، أوْ كانَ غَيْرَ مُنْصَرِفٍ كَأسْماءِ جَهَنَّمَ يَكُونُ مِثْلَهُ عَلى ثَلاثَةِ مَواضِعَ كُلُّها يَحْمُومٌ.
الواقعة 56:43
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وأصْحابُ الشِّمالِ ما أصْحابُ الشِّمالِ﴾ ﴿فِي سَمُومٍ وحَمِيمٍ﴾ ﴿وظِلٍّ مِن يَحْمُومٍ﴾ .
وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: ما الحِكْمَةُ في ذِكْرِ السَّمُومِ والحَمِيمِ وتَرْكِ ذِكْرِ النّارِ وأهْوالِها ؟ نَقُولُ: فِيهِ إشارَةٌ بِالأدْنى إلى الأعْلى فَقالَ: هَواؤُهُمُ الَّذِي يَهُبُّ عَلَيْهِمْ سَمُومٌ، وماؤُهُمُ الَّذِي يَسْتَغِيثُونَ بِهِ حَمِيمٌ، مَعَ أنَّ الهَواءَ والماءَ أبْرَدُ الأشْياءِ، وهُما أيِ السُّمُومُ والحَمِيمُ مِن أضَرِّ الأشْياءِ بِخِلافِ الهَواءِ والماءِ في الدُّنْيا فَإنَّهُما مِن أنْفَعِ
صفحة ١٤٧
الأشْياءِ فَما ظَنُّكَ بِنارِهِمُ الَّتِي هي عِنْدَنا أيْضًا أحَرُّ، ولَوْ قالَ: هم في نارٍ، كُنّا نَظُنُّ أنَّ نارَهم كَنارِنا لِأنّا ما رَأيْنا شَيْئًا أحَرَّ مِنَ الَّتِي رَأيْناها، ولا أحَرَّ مِنَ السَّمُومِ، ولا أبْرَدَ مِنَ الزُّلالِ، فَقالَ: أبْرَدُ الأشْياءِ لَهم أحَرُّها فَكَيْفَ حالُهم مَعَ أحَرِّها، فَإنْ قِيلَ: ما السَّمُومُ ؟ نَقُولُ: المَشْهُورُ هي رِيحٌ حارَّةٌ تَهُبُّ فَتُمْرِضُ أوْ تَقْتُلُ غالِبًا، والأوْلى أنْ يُقالَ: هي هَواءٌ مُتَعَفِّنٌ يَتَحَرَّكُ مِن جانِبٍ إلى جانِبٍ فَإذا اسْتَنْشَقَ الإنْسانُ مِنهُ يَفْسُدُ قَلْبُهُ بِسَبَبِ العُفُونَةِ ويُقْتَلُ الإنْسانُ، وأصْلُهُ مِنَ السُّمِّ كَسُمِّ الحَيَّةِ والعَقْرَبِ وغَيْرِهِما، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا السُّمُّ مِنَ السَّمِّ، وهو خُرْمُ الإبْرَةِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿حَتّى يَلِجَ الجَمَلُ في سَمِّ الخِياطِ﴾ [الأعراف: ٤٠]؛ لِأنَّ سُمَّ الأفْعى يَنْفُذُ في المَسامِّ فَيُفْسِدُها، وقِيلَ: إنَّ السَّمُومَ مُخْتَصَّةٌ بِما يَهُبُّ لَيْلًا، وعَلى هَذا فَقَوْلُهُ: ﴿سَمُومٍ﴾ إشارَةٌ إلى ظُلْمَةِ ما هم فِيهِ غَيْرَ أنَّهُ بَعِيدٌ جِدًّا؛ لِأنَّ السَّمُومَ قَدْ تُرى بِالنَّهارِ بِسَبَبِ كَثافَتِها.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الحَمِيمُ هو الماءُ الحارُّ وهو فَعِيلٌ بِمَعْنى فاعِلٍ مِن حَمِمَ الماءُ بِكَسْرِ المِيمِ، أوْ بِمَعْنى مَفْعُولٍ مِن حَمَّ الماءَ إذا سَخَّنَهُ، وقَدْ ذَكَرْناهُ مِرارًا غَيْرَ أنَّ هَهُنا لَطِيفَةً لُغَوِيَّةً: وهي أنَّ فَعُولًا لَمّا تَكَرَّرَ مِنهُ الشَّيْءُ والرِّيحَ لَمّا كانَتْ كَثِيرَةَ الهُبُوبِ تَهُبُّ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ خُصَّ السَّمُومُ بِالفَعُولِ، والماءُ الحارُّ لَمّا كانَ لا يُفْهَمُ مِنهُ الوُرُودُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ لَمْ يُقَلْ فِيهِ: حَمُومٌ، فَإنْ قِيلَ: ما اليَحْمُومُ ؟ نَقُولُ: فِيهِ وُجُوهٌ:
أوَّلُها: أنَّهُ اسْمٌ مِن أسْماءِ جَهَنَّمَ.
ثانِيها: أنَّهُ الدُّخانُ.
ثالِثُها: أنَّهُ الظُّلْمَةُ، وأصْلُهُ مِنَ الحُمَمِ وهو الفَحْمُ فَكَأنَّهُ لِسَوادِهِ فَحْمٌ فَسَمَّوْهُ بِاسْمٍ مُشْتَقٍّ مِنهُ، وزِيادَةُ الحَرْفِ فِيهِ لِزِيادَةِ ذَلِكَ المَعْنى فِيهِ، ورُبَّما تَكُونُ الزِّيادَةُ فِيهِ جاءَتْ لِمَعْنَيَيْنِ: الزِّيادَةُ في سَوادِهِ والزِّيادَةُ في حَرارَتِهِ، وفي الأُمُورِ الثَّلاثَةِ إشارَةٌ إلى دُونِهِمْ في العَذابِ دائِمًا؛ لِأنَّهم إنْ تَعَرَّضُوا لِمَهَبِّ الهَواءِ أصابَهُمُ الهَواءُ الَّذِي هو السَّمُومُ، وإنِ اسْتَكَنُّوا كَما يَفْعَلُهُ الَّذِي يَدْفَعُ عَنْ نَفْسِهِ السَّمُومَ بِالِاسْتِكْنانِ في الكِنِّ يَكُونُوا في ظِلٍّ مِن يَحْمُومٍ، وإنْ أرادُوا الرَّدَّ عَنْ أنْفُسِهِمُ السَّمُومَ بِالِاسْتِكْنانِ في مَكانٍ مِن حَمِيمٍ فَلا انْفِكاكَ لَهم مِن عَذابِ الحَمِيمِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: فِيهِ تَرْتِيبٌ وهو أنَّ السَّمُومَ يَضْرِبُهُ فَيَعْطَشُ وتَلْتَهِبُ نارُ السَّمُومِ في أحْشائِهِ فَيَشْرَبُ الماءَ فَيُقَطِّعُ أمْعاءَهُ ويُرِيدُ الِاسْتِظْلالَ بِظِلٍّ فَيَكُونُ ذَلِكَ الظِّلُّ ظِلَّ اليَحْمُومِ، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ وجْهُ اسْتِعْمالِ (مِن) في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن يَحْمُومٍ﴾ ؟ فَنَقُولُ: إنْ قُلْنا إنَّهُ اسْمُ جَهَنَّمَ فَهو لِابْتِداءِ الغايَةِ كَما تَقُولُ: جاءَنِي نَسِيمٌ مِنَ الجَنَّةِ، وإنْ قُلْنا: إنَّهُ دُخانٌ فَهو كَما في قَوْلِنا: خاتَمٌ مِن فِضَّةٍ، وإنْ قُلْنا: إنَّهُ الظُّلْمَةُ فَكَذَلِكَ، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَصِحُّ تَفْسِيرُهُ بِجَهَنَّمَ مَعَ أنَّهُ اسْمٌ مُنْصَرِفٌ مُنَكَّرٌ فَكَيْفَ وُضِعَ لِمَكانٍ مُعَرَّفٍ، ولَوْ كانَ اسْمًا لَها ؟ قُلْنا: اسْتِعْمالُهُ بِالألِفِ واللّامِ كالجَحِيمِ، أوْ كانَ غَيْرَ مُنْصَرِفٍ كَأسْماءِ جَهَنَّمَ يَكُونُ مِثْلَهُ عَلى ثَلاثَةِ مَواضِعَ كُلُّها يَحْمُومٌ.
الواقعة 56:44
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لا بارِدٍ ولا كَرِيمٍ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كَرَمُ الظِّلِّ نَفْعُهُ المَلْهُوفَ، ودَفْعُهُ أذى الحَرِّ عَنْهُ، ولَوْ كانَ كَذَلِكَ لَكانَ البارِدُ والكَرِيمُ بِمَعْنًى واحِدٍ، والأقْرَبُ أنْ يُقالَ: فائِدَةُ الظِّلِّ أمْرانِ: أحَدُهُما دَفْعُ الحَرِّ، والآخَرُ كَوْنُ الإنْسانِ فِيهِ مُكْرَمًا، وذَلِكَ لِأنَّ الإنْسانَ في البَرْدِ يَقْصِدُ عَيْنَ الشَّمْسِ لِيَتَدَفَّأ بِحَرِّها إذا كانَ قَلِيلَ الثِّيابِ، فَإذا كانَ مِنَ المُكْرَمِينَ يَكُونُ أبَدًا في مَكانٍ يَدْفَعُ الحَرَّ والبَرْدَ عَنْ نَفْسِهِ في الظِّلِّ، أمّا الحَرُّ فَظاهِرٌ،
صفحة ١٤٨
وأمّا البَرْدُ فَيَدْفَعُهُ بِإدْفاءِ المَوْضِعِ بِإيقادِ ما يُدْفِئُهُ، فَيَكُونُ الظِّلُّ في الحَرِّ مَطْلُوبًا لِلْبَرْدِ فَيُطْلَبُ لِكَوْنِهِ بارِدًا، وفي البَرْدِ يُطْلَبُ لِكَوْنِهِ ذا كَرامَةٍ لا لِبَرْدٍ يَكُونُ في الظِّلِّ فَقالَ: ﴿لا بارِدٍ﴾ يُطْلَبُ لِبَرْدِهِ، ولا ذِي كَرامَةٍ قَدْ أُعِدَّ لِلْجُلُوسِ فِيهِ، وذَلِكَ لِأنَّ المَواضِعَ الَّتِي يَقَعُ عَلَيْها ظِلٌّ كالمَواضِعِ الَّتِي تَحْتَ أشْجارٍ وأمامَ الجِدارِ يُتَّخَذُ مِنها مَقاعِدُ فَتَصِيرُ تِلْكَ المَقاعِدُ مَحْفُوظَةً عَنِ القاذُوراتِ، وباقِي المَواضِعِ تَصِيرُ مَزابِلَ، ثُمَّ إذا وقَعَتِ الشَّمْسُ في بَعْضِ الأوْقاتِ عَلَيْها تُطْلَبُ لِنَظافَتِها، وكَوْنِها مُعَدَّةً لِلْجُلُوسِ، فَتَكُونُ مَطْلُوبَةً في مِثْلِ هَذا الوَقْتِ لِأجْلِ كَرامَتِها لا لِبَرْدِها، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا بارِدٍ ولا كَرِيمٍ﴾ يَحْتَمِلُ هَذا، ويَحْتَمِلُ أنْ يُقالَ: إنَّ الظِّلَّ يُطْلَبُ لِأمْرٍ يَرْجِعُ إلى الحِسِّ، أوْ لِأمْرٍ يَرْجِعُ إلى العَقْلِ، فالَّذِي يَرْجِعُ إلى الحِسِّ هو بَرْدُهُ، والَّذِي يَرْجِعُ إلى العَقْلِ أنْ يَكُونَ الرُّجُوعُ إلَيْهِ كَرامَةً، وهَذا لا بَرْدَ لَهُ ولا كَرامَةَ فِيهِ، وهَذا هو المُرادُ بِما نَقَلَهُ الواحِدِيُّ عَنِ الفَرّاءِ: أنَّ العَرَبَ تُتْبِعُ كُلَّ مَنفِيٍّ بِكَرِيمٍ إذا كانَ المَنفِيُّ أكْرَمَ فَيُقالُ: هَذِهِ الدّارُ لَيْسَتْ بِواسِعَةٍ ولا كَرِيمَةٍ، والتَّحْقِيقُ فِيهِ ما ذَكَرْنا أنَّ وصْفَ الكَمالِ إمّا حِسِّيٌّ، وإمّا عَقْلِيٌّ، والحِسِّيُّ يُصَرَّحُ بِلَفْظِهِ، وأمّا العَقْلِيُّ فَلِخَفائِهِ عَنِ الحِسِّ يُشارُ إلَيْهِ بِلَفْظٍ جامِعٍ؛ لِأنَّ الكَرامَةَ، والكَرامَةُ عِنْدَ العَرَبِ مِن أشْهَرِ أوْصافِ المَدْحِ، ونَفْيُهُما نَفْيُ وصْفِ الكَمالِ العَقْلِيِّ، فَيَصِيرُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا بارِدٍ ولا كَرِيمٍ﴾ مَعْناهُ لا مَدْحَ فِيهِ أصْلًا لا حِسًّا ولا عَقْلًا.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ ﴿وكانُوا يُصِرُّونَ عَلى الحِنْثِ العَظِيمِ﴾ ﴿وكانُوا يَقُولُونَ أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ ﴿أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ﴾ وفي الآياتِ لَطائِفُ، نَذْكُرُها في مَسائِلَ:
المَسْألَةُ الأُولى: ما الحِكْمَةُ في بَيانِ سَبَبِ كَوْنِهِمْ في العَذابِ مَعَ أنَّهُ تَعالى لَمْ يَذْكُرْ سَبَبَ كَوْنِ أصْحابِ اليَمِينِ في النَّعِيمِ، ولَمْ يَقُلْ: إنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ شاكِرِينَ مُذْعِنِينَ ؟ فَنَقُولُ: قَدْ ذَكَرْنا مِرارًا أنَّ اللَّهَ تَعالى عِنْدَ إيصالِ الثَّوابِ لا يَذْكُرُ أعْمالَ العِبادِ الصّالِحَةَ، وعِنْدَ إيصالِ العِقابِ يَذْكُرُ أعْمالَ المُسِيئِينَ؛ لِأنَّ الثَّوابَ فَضْلٌ والعِقابَ عَدْلٌ، والفَضْلُ سَواءٌ ذُكِرَ سَبَبُهُ أوْ لَمْ يُذْكَرْ لا يُتَوَهَّمُ في المُتَفَضِّلِ بِهِ نَقْصٌ وظُلْمٌ، وأمّا العَدْلُ فَإنْ لَمْ يُعْلَمْ سَبَبُ العِقابِ، يُظَنُّ أنَّ هُناكَ ظُلْمًا فَقالَ: هم فِيها بِسَبَبِ تَرَفِهِمْ، والَّذِي يُؤَيِّدُ هَذِهِ اللَّطِيفَةَ أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ في حَقِّ السّابِقِينَ: ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الواقعة: ٢٤] ولَمْ يَقُلْ: في حَقِّ أصْحابِ اليَمِينِ، ذَلِكَ لِأنّا أشَرْنا أنَّ أصْحابَ اليَمِينِ هُمُ النّاجُونَ بِالفَضْلِ العَظِيمِ، وسَنُبَيِّنُ ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَسَلامٌ لَكَ﴾ [الواقعة: ٩١] وإذا كانَ كَذَلِكَ فالفَضْلُ في حَقِّهِمْ مُتَمَحِّضٌ فَقالَ: هَذِهِ النِّعَمُ لَكم، ولَمْ يَقُلْ جَزاءً؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ”جَزاءً“ في مِثْلِ هَذا المَوْضِعِ، وهو مَوْضِعُ العَفْوِ عَنْهم، لا يُثِيبُ لَهم سُرُورًا بِخِلافِ مَن كَثُرَتْ حَسَناتُهُ، فَيُقالُ لَهُ: نِعْمَ ما فَعَلْتَ خُذْ هَذا لَكَ جَزاءً.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: جُعِلَ السَّبَبَ كَوْنُهم مُتْرَفِينَ ولَيْسَ كُلُّ مَن هو مِن أصْحابِ الشِّمالِ يَكُونُ مُتْرَفًا فَإنَّ فِيهِمْ مَن يَكُونُ فَقِيرًا ؟ نَقُولُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ لَيْسَ بِذَمٍّ، فَإنَّ المُتْرَفَ هو الَّذِي جُعِلَ ذا تَرَفٍ أيْ نِعْمَةٍ، فَظاهِرُ ذَلِكَ لا يُوجِبُ ذَمًّا، لَكِنَّ ذَلِكَ يُبَيِّنُ قُبْحَ ما ذُكِرَ عَنْهم بَعْدَهُ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكانُوا يُصِرُّونَ﴾؛ لِأنَّ صُدُورَ الكُفْرانِ مِمَّنْ عَلَيْهِ غايَةُ الإنْعامِ أقْبَحُ القَبائِحِ فَقالَ: إنَّهم كانُوا مُتْرَفِينَ، ولَمْ يَشْكُرُوا نِعَمَ اللَّهِ بَلْ أصَرُّوا عَلى الذَّنْبِ وعَلى هَذا فَنَقُولُ: النِّعَمُ الَّتِي تَقْتَضِي شُكْرَ اللَّهِ وعِبادَتَهُ في كُلِّ أحَدٍ كَثِيرَةٌ فَإنَّ الخَلْقَ والرِّزْقَ وما يَحْتاجُ إلَيْهِ وتَتَوَقَّفُ مَصالِحُهُ عَلَيْهِ حاصِلٌ لِلْكُلِّ، غايَةُ ما في البابِ أنَّ حالَ النّاسِ في الإتْرافِ مُتَقارِبٌ، فَيُقالُ في حَقِّ البَعْضِ بِالنِّسْبَةِ إلى بَعْضٍ: إنَّهُ في ضُرٍّ، ولَوْ حَمَلَ نَفْسَهُ عَلى القَناعَةِ لَكانَ أغْنى
صفحة ١٤٩
الأغْنِياءِ وكَيْفَ لا والإنْسانُ إذا نَظَرَ إلى حالِهِ يَجِدُها مُفْتَقِرَةً إلى مَسْكَنٍ يَأْوِي إلَيْهِ ولِباسِ الحَرِّ والبَرْدِ وما يَسُدُّ جُوعَهُ مِنَ المَأْكُولِ والمَشْرُوبِ، وغَيْرِ هَذا مِنَ الفَضَلاتِ الَّتِي يَحْمِلُ عَلَيْها شُحُّ النَّفْسِ، ثُمَّ إنَّ أحَدًا لا يُغْلَبُ عَنْ تَحْصِيلِ مَسْكَنٍ بِاشْتِراءٍ أوِ اكْتِراءٍ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ فَلَيْسَ هو أعْجَزَ مِنَ الحَشَراتِ، لا تَفْقِدُ مُدَّخَلًا أوْ مَغارَةً، وأمّا اللِّباسُ فَلَوِ اقْتَنَعَ بِما يَدْفَعُ الضَّرُورَةَ كانَ يَكْفِيهِ في عُمُرِهِ لِباسٌ واحِدٌ، كُلَّما تَمَزَّقَ مِنهُ مَوْضِعٌ يَرْقَعُهُ مِن أيِّ شَيْءٍ كانَ، بَقِيَ أمْرُ المَأْكُولِ والمَشْرُوبِ، فَإذا نَظَرَ النّاظِرُ يَجِدُ كُلَّ أحَدٍ في جَمِيعِ الأحْوالِ غَيْرَ مَغْلُوبٍ عَنْ كِسْرَةِ خُبْزٍ وشَرْبَةِ ماءٍ، غَيْرَ أنَّ طَلَبَ الغِنى يُورِثُ الفَقْرَ فَيُرِيدُ الإنْسانُ بَيْتًا مُزَخْرَفًا ومَأْكُولًا طَيِّبًا، وغَيْرَ ذَلِكَ مِن أنْواعِ الدَّوابِّ والثِّيابِ، فَيَفْتَقِرُ إلى أنْ يَحْمِلَ المَشاقَّ، وطَلَبُ الغِنى يُورِثُ فَقْرَهُ، وارْتِيادُ الِارْتِفاعِ يَحُطُّ قَدْرَهُ، وبِالجُمْلَةِ شَهْوَةُ بَطْنِهِ وفَرْجِهِ تَكْسِرُ ظَهْرَهُ، عَلى أنَّنا نَقُولُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ لا شَكَّ أنَّ أهْلَ القُبُورِ لَمّا فَقَدُوا الأيْدِيَ الباطِشَةَ، والأعْيُنَ الباصِرَةَ، وبانَ لَهُمُ الحَقائِقُ، عَلِمُوا ﴿إنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ بِالنِّسْبَةِ إلى تِلْكَ الحالَةِ.
* * *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ما الإصْرارُ عَلى الحِنْثِ العَظِيمِ ؟ نَقُولُ: الشِّرْكُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] وفِيها لَطِيفَةٌ وهي أنَّهُ أشارَ في الآياتِ الثَّلاثِ إلى الأُصُولِ الثَّلاثَةِ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ مِن حَيْثُ الِاسْتِعْمالُ يَدُلُّ عَلى ذَمِّهِمْ بِإنْكارِ الرُّسُلِ، إذِ المُتْرَفُ مُتَكَبِّرٌ بِسَبَبِ الغِنى فَيُنْكِرُ الرِّسالَةَ، والمُتْرَفُونَ كانُوا يَقُولُونَ: ﴿أبَشَرًا مِنّا واحِدًا نَتَّبِعُهُ﴾ [القمر: ٢٤] وقَوْلُهُ: ﴿يُصِرُّونَ عَلى الحِنْثِ العَظِيمِ﴾ إشارَةٌ إلى الشِّرْكِ ومُخالَفَةِ التَّوْحِيدِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكانُوا يَقُولُونَ أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا﴾ إشارَةٌ إلى إنْكارِ الحَشْرِ والنَّشْرِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكانُوا يُصِرُّونَ عَلى الحِنْثِ العَظِيمِ﴾ فِيهِ مُبالَغاتٌ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكانُوا يُصِرُّونَ﴾ وهو آكَدُ مِن قَوْلِ القائِلِ: إنَّهم قَبْلَ ذَلِكَ أصَرُّوا؛ لِأنَّ اجْتِماعَ لَفْظَيِ الماضِي والمُسْتَقْبَلِ يَدُلُّ عَلى الِاسْتِمْرارِ؛ لِأنَّ قَوْلَنا: فُلانٌ كانَ يُحْسِنُ إلى النّاسِ، يُفِيدُ كَوْنَ ذَلِكَ عادَةً لَهُ.
ثانِيها: لَفْظُ الإصْرارِ فَإنَّ الإصْرارَ مُداوَمَةُ المَعْصِيَةِ والغُلُولِ، ولا يُقالُ: في الخَيْرِ أصَرَّ.
ثالِثُها: الحِنْثُ فَإنَّهُ فَوْقَ الذَّنْبِ فَإنَّ الحِنْثَ لا يَكادُ في اللُّغَةِ يَقَعُ عَلى الصَّغِيرَةِ والذَّنْبُ يَقَعُ عَلَيْها، وأمّا الحِنْثُ في اليَمِينِ فاسْتَعْمَلُوهُ؛ لِأنَّ نَفْسَ الكَذِبِ عِنْدَ العُقَلاءِ قَبِيحٌ، فَإنَّ مَصْلَحَةَ العالَمِ مَنُوطَةٌ بِالصِّدْقِ وإلّا لَمْ يَحْصُلْ لِأحَدٍ بِقَوْلِ أحَدٍ ثِقَةٌ فَلا يُبْنى عَلى كَلامِهِ مَصالِحُ، ولا يُجْتَنَبُ عَنْ مَفاسِدَ، ثُمَّ إنَّ الكَذِبَ لَمّا وُجِدَ في كَثِيرٍ مِنَ النّاسِ لِأغْراضٍ فاسِدَةٍ أرادُوا تَوْكِيدَ الأمْرِ بِضَمِّ شَيْءٍ إلَيْهِ يَدْفَعُ تَوَهُّمَهُ، فَضَمُّوا إلَيْهِ الأيْمانَ ولا شَيْءَ فَوْقَها، فَإذا حَنِثَ لَمْ يَبْقَ أمْرٌ يُفِيدُ الثِّقَةَ فَيَلْزَمُ مِنهُ فَسادٌ فَوْقَ فَسادِ الزِّنا والشُّرْبِ، غَيْرَ أنَّ اليَمِينَ إذا كانَتْ عَلى أمْرٍ مُسْتَقْبَلٍ ورَأى الحالِفُ غَيْرَهُ جَوَّزَ الشَّرْعُ الحِنْثَ ولَمْ يُجَوِّزْهُ في الكَبِيرَةِ كالزِّنا والقَتْلِ لِكَثْرَةِ وُقُوعِ الأيْمانِ وقِلَّةِ وُقُوعِ القَتْلِ، والَّذِي يَدُلُّ عَلى أنَّ الحِنْثَ هو الكَبِيرَةُ قَوْلُهم لِلْبالِغِ: بَلَغَ الحِنْثَ، أيْ بَلَغَ مَبْلَغًا بِحَيْثُ يَرْتَكِبُ الكَبِيرَةَ، وقَبْلَهُ ما كانَ يُنْفى عَنْهُ الصَّغِيرَةُ؛ لِأنَّ الوَلِيَّ مَأْمُورٌ بِالمُعاقَبَةِ عَلى إساءَةِ الأدَبِ وتَرْكِ الصَّلاةِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿العَظِيمِ﴾ هَذا يُفِيدُ أنَّ المُرادَ الشِّرْكُ، فَإنَّ هَذِهِ الأُمُورَ لا تَجْتَمِعُ في غَيْرِهِ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: كَيْفَ اشْتُهِرَ ﴿مِتْنا﴾ بِكَسْرِ المِيمِ مَعَ أنَّ اسْتِعْمالَ القُرْآنِ في المُسْتَقْبَلِ يَمُوتُ قالَ تَعالى عَنْ يَحْيى وعِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ: ﴿ويَوْمَ أمُوتُ﴾ [مريم: ٣٣] ولَمْ يُقْرَأْ أماتُ عَلى وزْنِ أخافُ، وقالَ
صفحة ١٥٠
تَعالى: ﴿قُلْ مُوتُوا﴾ [آل عمران: ١١٩] ولَمْ يَقُلْ: ولا تَماتُوا كَما قالَ: ﴿ألّا تَخافُوا﴾ [فصلت: ٣٠] قُلْنا: فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّ هَذِهِ الكَلِمَةَ خالَفَتْ غَيْرَها، فَقِيلَ فِيها: أمُوتُ، والسَّماعُ مُقَدَّمٌ عَلى القِياسِ.
والثّانِي: ماتَ يَماتُ لُغَةٌ في ماتَ يَمُوتُ، فاسْتُعْمِلَ ما فِيها الكَسْرُ لِأنَّ الكَسْرَ في الماضِي يُوجَدُ أكْثَرَ الأمْرَيْنِ:
أحَدُهُما: كَثْرَةُ يَفْعَلُ عَلى يَفْعُلُ.
وثانِيهِما: كَوْنُهُ عَلى فَعَلَ يَفْعَلُ، مِثْلُ خافَ يَخافُ، وفي مُسْتَقْبَلِها الضَّمُّ؛ لِأنَّهُ يُوجَدُ لِسَبَبَيْنِ:
أحَدُهُما: كَوْنُ الفِعْلِ عَلى فَعَلَ يَفْعُلُ، مِثْلُ طالَ يَطُولُ، فَإنَّ وصْفَهُ بِالتَّطْوِيلِ دُونَ الطّائِلِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ مِن بابِ قَصَرَ يَقْصُرُ.
وثانِيهِما: كَوْنُهُ عَلى فَعِلَ يَفْعُلُ، تَقُولُ: فَعِلْتُ في الماضِي بِالكَسْرِ وفي المُسْتَقْبَلِ بِالضَّمِّ.
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: كَيْفَ أتى بِاللّامِ المُؤَكِّدَةِ في قَوْلِهِ: ﴿لَمَبْعُوثُونَ﴾ مَعَ أنَّ المُرادَ هو النَّفْيُ وفي النَّفْيِ لا يُذْكَرُ في خَبَرِ إنَّ اللّامُ يُقالُ: إنَّ زَيْدًا لَيَجِيءُ وإنَّ زَيْدًا لا يَجِيءُ، فَلا تُذْكَرُ اللّامُ، وما مُرادُهم بِالِاسْتِفْهامِ إلّا الإنْكارَ بِمَعْنى إنّا لا نُبْعَثُ ؟ نَقُولُ: الجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: عِنْدَ إرادَةِ التَّصْرِيحِ بِالنَّفْيِ يُوجَدُ التَّصْرِيحُ بِالنَّفْيِ وصِيغَتُهُ.
ثانِيهِما: أنَّهم أرادُوا تَكْذِيبَ مَن يُخْبِرُ عَنِ البَعْثِ فَذَكَرُوا أنَّ المُخْبِرَ عَنْهُ يُبالِغُ في الإخْبارِ ونَحْنُ نَسْتَكْثِرُ مُبالَغَتَهُ وتَأْكِيدَهُ فَحَكَوْا كَلامَهم عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِفْهامِ بِمَعْنى الإنْكارِ، ثُمَّ إنَّهم أشارُوا في الإنْكارِ إلى أُمُورٍ اعْتَقَدُوها مُقَرَّرَةً لِصِحَّةِ إنْكارِهِمْ فَقالُوا أوَّلًا: ﴿أئِذا مِتْنا﴾ ولَمْ يَقْتَصِرُوا عَلَيْهِ بَلْ قالُوا بَعْدَهُ: ﴿وكُنّا تُرابًا وعِظامًا﴾ أيْ فَطالَ عَهْدُنا بَعْدَ كَوْنِنا أمْواتًا حَتّى صارَتِ اللُّحُومُ تُرابًا والعِظامُ رُفاتًا، ثُمَّ زادُوا وقالُوا: مَعَ هَذا يُقالُ لَنا: إنَّكم لَمَبْعُوثُونَ بِطَرِيقِ التَّأْكِيدِ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ:
أحَدُها: اسْتِعْمالُ كَلِمَةٍ إنَّ.
ثانِيها: إثْباتُ اللّامِ في خَبَرِها.
ثالِثُها: تَرْكُ صِيغَةِ الِاسْتِقْبالِ، والإتْيانُ بِالمَفْعُولِ كَأنَّهُ كائِنٌ، فَقالُوا لَنا: إنَّكم لَمَبْعُوثُونَ ثُمَّ زادُوا وقالُوا: ﴿أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ﴾ يَعْنِي هَذا أبْعَدُ فَإنّا إذا كُنّا تُرابًا بَعْدَ مَوْتِنا والآباءُ حالُهم فَوْقَ حالِ العِظامِ الرُّفاتِ فَكَيْفَ يُمْكِنُ البَعْثُ ؟ وقَدْ بَيَّنّا في سُورَةِ والصّافّاتِ هَذا كُلَّهُ وقُلْنا: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ﴾ مَعْناهُ: أوْ يَقُولُوا: آباؤُنا الأوَّلُونَ، إشارَةً إلى أنَّهم في الإشْكالِ أعْظَمُ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى أجابَهم ورَدَّ عَلَيْهِمْ في الجَوابِ في كُلِّ مُبالَغَةٍ بِمُبالَغَةٍ أُخْرى فَقالَ: