Lafzullah

Tafsir Al-Razi — الواقعة 56:45 – الواقعة 56:96

المؤلف / المصدر: Tafsir Al-Razi

المحتويات
  1. الواقعة 56:45
  2. الواقعة 56:46
  3. الواقعة 56:47
  4. الواقعة 56:48
  5. الواقعة 56:49
  6. الواقعة 56:50
  7. الواقعة 56:51
  8. الواقعة 56:52
  9. الواقعة 56:53
  10. الواقعة 56:54
  11. الواقعة 56:55
  12. الواقعة 56:56
  13. الواقعة 56:57
  14. الواقعة 56:58
  15. الواقعة 56:59
  16. الواقعة 56:60
  17. الواقعة 56:61
  18. الواقعة 56:62
  19. الواقعة 56:63
  20. الواقعة 56:64
  21. الواقعة 56:65
  22. الواقعة 56:66
  23. الواقعة 56:67
  24. الواقعة 56:68
  25. الواقعة 56:69
  26. الواقعة 56:70
  27. الواقعة 56:71
  28. الواقعة 56:72
  29. الواقعة 56:73
  30. الواقعة 56:74
  31. الواقعة 56:75
  32. الواقعة 56:76
  33. الواقعة 56:77
  34. الواقعة 56:78
  35. الواقعة 56:79
  36. الواقعة 56:80
  37. الواقعة 56:81
  38. الواقعة 56:82
  39. الواقعة 56:83
  40. الواقعة 56:84
  41. الواقعة 56:85
  42. الواقعة 56:86
  43. الواقعة 56:87
  44. الواقعة 56:88
  45. الواقعة 56:89
  46. الواقعة 56:90
  47. الواقعة 56:91
  48. الواقعة 56:92
  49. الواقعة 56:93
  50. الواقعة 56:94
  51. الواقعة 56:95
  52. الواقعة 56:96

الواقعة 56:45

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لا بارِدٍ ولا كَرِيمٍ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كَرَمُ الظِّلِّ نَفْعُهُ المَلْهُوفَ، ودَفْعُهُ أذى الحَرِّ عَنْهُ، ولَوْ كانَ كَذَلِكَ لَكانَ البارِدُ والكَرِيمُ بِمَعْنًى واحِدٍ، والأقْرَبُ أنْ يُقالَ: فائِدَةُ الظِّلِّ أمْرانِ: أحَدُهُما دَفْعُ الحَرِّ، والآخَرُ كَوْنُ الإنْسانِ فِيهِ مُكْرَمًا، وذَلِكَ لِأنَّ الإنْسانَ في البَرْدِ يَقْصِدُ عَيْنَ الشَّمْسِ لِيَتَدَفَّأ بِحَرِّها إذا كانَ قَلِيلَ الثِّيابِ، فَإذا كانَ مِنَ المُكْرَمِينَ يَكُونُ أبَدًا في مَكانٍ يَدْفَعُ الحَرَّ والبَرْدَ عَنْ نَفْسِهِ في الظِّلِّ، أمّا الحَرُّ فَظاهِرٌ، صفحة ١٤٨ وأمّا البَرْدُ فَيَدْفَعُهُ بِإدْفاءِ المَوْضِعِ بِإيقادِ ما يُدْفِئُهُ، فَيَكُونُ الظِّلُّ في الحَرِّ مَطْلُوبًا لِلْبَرْدِ فَيُطْلَبُ لِكَوْنِهِ بارِدًا، وفي البَرْدِ يُطْلَبُ لِكَوْنِهِ ذا كَرامَةٍ لا لِبَرْدٍ يَكُونُ في الظِّلِّ فَقالَ: ﴿لا بارِدٍ﴾ يُطْلَبُ لِبَرْدِهِ، ولا ذِي كَرامَةٍ قَدْ أُعِدَّ لِلْجُلُوسِ فِيهِ، وذَلِكَ لِأنَّ المَواضِعَ الَّتِي يَقَعُ عَلَيْها ظِلٌّ كالمَواضِعِ الَّتِي تَحْتَ أشْجارٍ وأمامَ الجِدارِ يُتَّخَذُ مِنها مَقاعِدُ فَتَصِيرُ تِلْكَ المَقاعِدُ مَحْفُوظَةً عَنِ القاذُوراتِ، وباقِي المَواضِعِ تَصِيرُ مَزابِلَ، ثُمَّ إذا وقَعَتِ الشَّمْسُ في بَعْضِ الأوْقاتِ عَلَيْها تُطْلَبُ لِنَظافَتِها، وكَوْنِها مُعَدَّةً لِلْجُلُوسِ، فَتَكُونُ مَطْلُوبَةً في مِثْلِ هَذا الوَقْتِ لِأجْلِ كَرامَتِها لا لِبَرْدِها، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا بارِدٍ ولا كَرِيمٍ﴾ يَحْتَمِلُ هَذا، ويَحْتَمِلُ أنْ يُقالَ: إنَّ الظِّلَّ يُطْلَبُ لِأمْرٍ يَرْجِعُ إلى الحِسِّ، أوْ لِأمْرٍ يَرْجِعُ إلى العَقْلِ، فالَّذِي يَرْجِعُ إلى الحِسِّ هو بَرْدُهُ، والَّذِي يَرْجِعُ إلى العَقْلِ أنْ يَكُونَ الرُّجُوعُ إلَيْهِ كَرامَةً، وهَذا لا بَرْدَ لَهُ ولا كَرامَةَ فِيهِ، وهَذا هو المُرادُ بِما نَقَلَهُ الواحِدِيُّ عَنِ الفَرّاءِ: أنَّ العَرَبَ تُتْبِعُ كُلَّ مَنفِيٍّ بِكَرِيمٍ إذا كانَ المَنفِيُّ أكْرَمَ فَيُقالُ: هَذِهِ الدّارُ لَيْسَتْ بِواسِعَةٍ ولا كَرِيمَةٍ، والتَّحْقِيقُ فِيهِ ما ذَكَرْنا أنَّ وصْفَ الكَمالِ إمّا حِسِّيٌّ، وإمّا عَقْلِيٌّ، والحِسِّيُّ يُصَرَّحُ بِلَفْظِهِ، وأمّا العَقْلِيُّ فَلِخَفائِهِ عَنِ الحِسِّ يُشارُ إلَيْهِ بِلَفْظٍ جامِعٍ؛ لِأنَّ الكَرامَةَ، والكَرامَةُ عِنْدَ العَرَبِ مِن أشْهَرِ أوْصافِ المَدْحِ، ونَفْيُهُما نَفْيُ وصْفِ الكَمالِ العَقْلِيِّ، فَيَصِيرُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا بارِدٍ ولا كَرِيمٍ﴾ مَعْناهُ لا مَدْحَ فِيهِ أصْلًا لا حِسًّا ولا عَقْلًا. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ ﴿وكانُوا يُصِرُّونَ عَلى الحِنْثِ العَظِيمِ﴾ ﴿وكانُوا يَقُولُونَ أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ ﴿أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ﴾ وفي الآياتِ لَطائِفُ، نَذْكُرُها في مَسائِلَ: المَسْألَةُ الأُولى: ما الحِكْمَةُ في بَيانِ سَبَبِ كَوْنِهِمْ في العَذابِ مَعَ أنَّهُ تَعالى لَمْ يَذْكُرْ سَبَبَ كَوْنِ أصْحابِ اليَمِينِ في النَّعِيمِ، ولَمْ يَقُلْ: إنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ شاكِرِينَ مُذْعِنِينَ ؟ فَنَقُولُ: قَدْ ذَكَرْنا مِرارًا أنَّ اللَّهَ تَعالى عِنْدَ إيصالِ الثَّوابِ لا يَذْكُرُ أعْمالَ العِبادِ الصّالِحَةَ، وعِنْدَ إيصالِ العِقابِ يَذْكُرُ أعْمالَ المُسِيئِينَ؛ لِأنَّ الثَّوابَ فَضْلٌ والعِقابَ عَدْلٌ، والفَضْلُ سَواءٌ ذُكِرَ سَبَبُهُ أوْ لَمْ يُذْكَرْ لا يُتَوَهَّمُ في المُتَفَضِّلِ بِهِ نَقْصٌ وظُلْمٌ، وأمّا العَدْلُ فَإنْ لَمْ يُعْلَمْ سَبَبُ العِقابِ، يُظَنُّ أنَّ هُناكَ ظُلْمًا فَقالَ: هم فِيها بِسَبَبِ تَرَفِهِمْ، والَّذِي يُؤَيِّدُ هَذِهِ اللَّطِيفَةَ أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ في حَقِّ السّابِقِينَ: ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الواقعة: ٢٤] ولَمْ يَقُلْ: في حَقِّ أصْحابِ اليَمِينِ، ذَلِكَ لِأنّا أشَرْنا أنَّ أصْحابَ اليَمِينِ هُمُ النّاجُونَ بِالفَضْلِ العَظِيمِ، وسَنُبَيِّنُ ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَسَلامٌ لَكَ﴾ [الواقعة: ٩١] وإذا كانَ كَذَلِكَ فالفَضْلُ في حَقِّهِمْ مُتَمَحِّضٌ فَقالَ: هَذِهِ النِّعَمُ لَكم، ولَمْ يَقُلْ جَزاءً؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ”جَزاءً“ في مِثْلِ هَذا المَوْضِعِ، وهو مَوْضِعُ العَفْوِ عَنْهم، لا يُثِيبُ لَهم سُرُورًا بِخِلافِ مَن كَثُرَتْ حَسَناتُهُ، فَيُقالُ لَهُ: نِعْمَ ما فَعَلْتَ خُذْ هَذا لَكَ جَزاءً. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: جُعِلَ السَّبَبَ كَوْنُهم مُتْرَفِينَ ولَيْسَ كُلُّ مَن هو مِن أصْحابِ الشِّمالِ يَكُونُ مُتْرَفًا فَإنَّ فِيهِمْ مَن يَكُونُ فَقِيرًا ؟ نَقُولُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ لَيْسَ بِذَمٍّ، فَإنَّ المُتْرَفَ هو الَّذِي جُعِلَ ذا تَرَفٍ أيْ نِعْمَةٍ، فَظاهِرُ ذَلِكَ لا يُوجِبُ ذَمًّا، لَكِنَّ ذَلِكَ يُبَيِّنُ قُبْحَ ما ذُكِرَ عَنْهم بَعْدَهُ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكانُوا يُصِرُّونَ﴾؛ لِأنَّ صُدُورَ الكُفْرانِ مِمَّنْ عَلَيْهِ غايَةُ الإنْعامِ أقْبَحُ القَبائِحِ فَقالَ: إنَّهم كانُوا مُتْرَفِينَ، ولَمْ يَشْكُرُوا نِعَمَ اللَّهِ بَلْ أصَرُّوا عَلى الذَّنْبِ وعَلى هَذا فَنَقُولُ: النِّعَمُ الَّتِي تَقْتَضِي شُكْرَ اللَّهِ وعِبادَتَهُ في كُلِّ أحَدٍ كَثِيرَةٌ فَإنَّ الخَلْقَ والرِّزْقَ وما يَحْتاجُ إلَيْهِ وتَتَوَقَّفُ مَصالِحُهُ عَلَيْهِ حاصِلٌ لِلْكُلِّ، غايَةُ ما في البابِ أنَّ حالَ النّاسِ في الإتْرافِ مُتَقارِبٌ، فَيُقالُ في حَقِّ البَعْضِ بِالنِّسْبَةِ إلى بَعْضٍ: إنَّهُ في ضُرٍّ، ولَوْ حَمَلَ نَفْسَهُ عَلى القَناعَةِ لَكانَ أغْنى صفحة ١٤٩ الأغْنِياءِ وكَيْفَ لا والإنْسانُ إذا نَظَرَ إلى حالِهِ يَجِدُها مُفْتَقِرَةً إلى مَسْكَنٍ يَأْوِي إلَيْهِ ولِباسِ الحَرِّ والبَرْدِ وما يَسُدُّ جُوعَهُ مِنَ المَأْكُولِ والمَشْرُوبِ، وغَيْرِ هَذا مِنَ الفَضَلاتِ الَّتِي يَحْمِلُ عَلَيْها شُحُّ النَّفْسِ، ثُمَّ إنَّ أحَدًا لا يُغْلَبُ عَنْ تَحْصِيلِ مَسْكَنٍ بِاشْتِراءٍ أوِ اكْتِراءٍ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ فَلَيْسَ هو أعْجَزَ مِنَ الحَشَراتِ، لا تَفْقِدُ مُدَّخَلًا أوْ مَغارَةً، وأمّا اللِّباسُ فَلَوِ اقْتَنَعَ بِما يَدْفَعُ الضَّرُورَةَ كانَ يَكْفِيهِ في عُمُرِهِ لِباسٌ واحِدٌ، كُلَّما تَمَزَّقَ مِنهُ مَوْضِعٌ يَرْقَعُهُ مِن أيِّ شَيْءٍ كانَ، بَقِيَ أمْرُ المَأْكُولِ والمَشْرُوبِ، فَإذا نَظَرَ النّاظِرُ يَجِدُ كُلَّ أحَدٍ في جَمِيعِ الأحْوالِ غَيْرَ مَغْلُوبٍ عَنْ كِسْرَةِ خُبْزٍ وشَرْبَةِ ماءٍ، غَيْرَ أنَّ طَلَبَ الغِنى يُورِثُ الفَقْرَ فَيُرِيدُ الإنْسانُ بَيْتًا مُزَخْرَفًا ومَأْكُولًا طَيِّبًا، وغَيْرَ ذَلِكَ مِن أنْواعِ الدَّوابِّ والثِّيابِ، فَيَفْتَقِرُ إلى أنْ يَحْمِلَ المَشاقَّ، وطَلَبُ الغِنى يُورِثُ فَقْرَهُ، وارْتِيادُ الِارْتِفاعِ يَحُطُّ قَدْرَهُ، وبِالجُمْلَةِ شَهْوَةُ بَطْنِهِ وفَرْجِهِ تَكْسِرُ ظَهْرَهُ، عَلى أنَّنا نَقُولُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ لا شَكَّ أنَّ أهْلَ القُبُورِ لَمّا فَقَدُوا الأيْدِيَ الباطِشَةَ، والأعْيُنَ الباصِرَةَ، وبانَ لَهُمُ الحَقائِقُ، عَلِمُوا ﴿إنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ بِالنِّسْبَةِ إلى تِلْكَ الحالَةِ. * * * المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ما الإصْرارُ عَلى الحِنْثِ العَظِيمِ ؟ نَقُولُ: الشِّرْكُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] وفِيها لَطِيفَةٌ وهي أنَّهُ أشارَ في الآياتِ الثَّلاثِ إلى الأُصُولِ الثَّلاثَةِ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ مِن حَيْثُ الِاسْتِعْمالُ يَدُلُّ عَلى ذَمِّهِمْ بِإنْكارِ الرُّسُلِ، إذِ المُتْرَفُ مُتَكَبِّرٌ بِسَبَبِ الغِنى فَيُنْكِرُ الرِّسالَةَ، والمُتْرَفُونَ كانُوا يَقُولُونَ: ﴿أبَشَرًا مِنّا واحِدًا نَتَّبِعُهُ﴾ [القمر: ٢٤] وقَوْلُهُ: ﴿يُصِرُّونَ عَلى الحِنْثِ العَظِيمِ﴾ إشارَةٌ إلى الشِّرْكِ ومُخالَفَةِ التَّوْحِيدِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكانُوا يَقُولُونَ أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا﴾ إشارَةٌ إلى إنْكارِ الحَشْرِ والنَّشْرِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكانُوا يُصِرُّونَ عَلى الحِنْثِ العَظِيمِ﴾ فِيهِ مُبالَغاتٌ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكانُوا يُصِرُّونَ﴾ وهو آكَدُ مِن قَوْلِ القائِلِ: إنَّهم قَبْلَ ذَلِكَ أصَرُّوا؛ لِأنَّ اجْتِماعَ لَفْظَيِ الماضِي والمُسْتَقْبَلِ يَدُلُّ عَلى الِاسْتِمْرارِ؛ لِأنَّ قَوْلَنا: فُلانٌ كانَ يُحْسِنُ إلى النّاسِ، يُفِيدُ كَوْنَ ذَلِكَ عادَةً لَهُ. ثانِيها: لَفْظُ الإصْرارِ فَإنَّ الإصْرارَ مُداوَمَةُ المَعْصِيَةِ والغُلُولِ، ولا يُقالُ: في الخَيْرِ أصَرَّ. ثالِثُها: الحِنْثُ فَإنَّهُ فَوْقَ الذَّنْبِ فَإنَّ الحِنْثَ لا يَكادُ في اللُّغَةِ يَقَعُ عَلى الصَّغِيرَةِ والذَّنْبُ يَقَعُ عَلَيْها، وأمّا الحِنْثُ في اليَمِينِ فاسْتَعْمَلُوهُ؛ لِأنَّ نَفْسَ الكَذِبِ عِنْدَ العُقَلاءِ قَبِيحٌ، فَإنَّ مَصْلَحَةَ العالَمِ مَنُوطَةٌ بِالصِّدْقِ وإلّا لَمْ يَحْصُلْ لِأحَدٍ بِقَوْلِ أحَدٍ ثِقَةٌ فَلا يُبْنى عَلى كَلامِهِ مَصالِحُ، ولا يُجْتَنَبُ عَنْ مَفاسِدَ، ثُمَّ إنَّ الكَذِبَ لَمّا وُجِدَ في كَثِيرٍ مِنَ النّاسِ لِأغْراضٍ فاسِدَةٍ أرادُوا تَوْكِيدَ الأمْرِ بِضَمِّ شَيْءٍ إلَيْهِ يَدْفَعُ تَوَهُّمَهُ، فَضَمُّوا إلَيْهِ الأيْمانَ ولا شَيْءَ فَوْقَها، فَإذا حَنِثَ لَمْ يَبْقَ أمْرٌ يُفِيدُ الثِّقَةَ فَيَلْزَمُ مِنهُ فَسادٌ فَوْقَ فَسادِ الزِّنا والشُّرْبِ، غَيْرَ أنَّ اليَمِينَ إذا كانَتْ عَلى أمْرٍ مُسْتَقْبَلٍ ورَأى الحالِفُ غَيْرَهُ جَوَّزَ الشَّرْعُ الحِنْثَ ولَمْ يُجَوِّزْهُ في الكَبِيرَةِ كالزِّنا والقَتْلِ لِكَثْرَةِ وُقُوعِ الأيْمانِ وقِلَّةِ وُقُوعِ القَتْلِ، والَّذِي يَدُلُّ عَلى أنَّ الحِنْثَ هو الكَبِيرَةُ قَوْلُهم لِلْبالِغِ: بَلَغَ الحِنْثَ، أيْ بَلَغَ مَبْلَغًا بِحَيْثُ يَرْتَكِبُ الكَبِيرَةَ، وقَبْلَهُ ما كانَ يُنْفى عَنْهُ الصَّغِيرَةُ؛ لِأنَّ الوَلِيَّ مَأْمُورٌ بِالمُعاقَبَةِ عَلى إساءَةِ الأدَبِ وتَرْكِ الصَّلاةِ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿العَظِيمِ﴾ هَذا يُفِيدُ أنَّ المُرادَ الشِّرْكُ، فَإنَّ هَذِهِ الأُمُورَ لا تَجْتَمِعُ في غَيْرِهِ. المَسْألَةُ الخامِسَةُ: كَيْفَ اشْتُهِرَ ﴿مِتْنا﴾ بِكَسْرِ المِيمِ مَعَ أنَّ اسْتِعْمالَ القُرْآنِ في المُسْتَقْبَلِ يَمُوتُ قالَ تَعالى عَنْ يَحْيى وعِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ: ﴿ويَوْمَ أمُوتُ﴾ [مريم: ٣٣] ولَمْ يُقْرَأْ أماتُ عَلى وزْنِ أخافُ، وقالَ صفحة ١٥٠ تَعالى: ﴿قُلْ مُوتُوا﴾ [آل عمران: ١١٩] ولَمْ يَقُلْ: ولا تَماتُوا كَما قالَ: ﴿ألّا تَخافُوا﴾ [فصلت: ٣٠] قُلْنا: فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ هَذِهِ الكَلِمَةَ خالَفَتْ غَيْرَها، فَقِيلَ فِيها: أمُوتُ، والسَّماعُ مُقَدَّمٌ عَلى القِياسِ. والثّانِي: ماتَ يَماتُ لُغَةٌ في ماتَ يَمُوتُ، فاسْتُعْمِلَ ما فِيها الكَسْرُ لِأنَّ الكَسْرَ في الماضِي يُوجَدُ أكْثَرَ الأمْرَيْنِ: أحَدُهُما: كَثْرَةُ يَفْعَلُ عَلى يَفْعُلُ. وثانِيهِما: كَوْنُهُ عَلى فَعَلَ يَفْعَلُ، مِثْلُ خافَ يَخافُ، وفي مُسْتَقْبَلِها الضَّمُّ؛ لِأنَّهُ يُوجَدُ لِسَبَبَيْنِ: أحَدُهُما: كَوْنُ الفِعْلِ عَلى فَعَلَ يَفْعُلُ، مِثْلُ طالَ يَطُولُ، فَإنَّ وصْفَهُ بِالتَّطْوِيلِ دُونَ الطّائِلِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ مِن بابِ قَصَرَ يَقْصُرُ. وثانِيهِما: كَوْنُهُ عَلى فَعِلَ يَفْعُلُ، تَقُولُ: فَعِلْتُ في الماضِي بِالكَسْرِ وفي المُسْتَقْبَلِ بِالضَّمِّ. المَسْألَةُ السّادِسَةُ: كَيْفَ أتى بِاللّامِ المُؤَكِّدَةِ في قَوْلِهِ: ﴿لَمَبْعُوثُونَ﴾ مَعَ أنَّ المُرادَ هو النَّفْيُ وفي النَّفْيِ لا يُذْكَرُ في خَبَرِ إنَّ اللّامُ يُقالُ: إنَّ زَيْدًا لَيَجِيءُ وإنَّ زَيْدًا لا يَجِيءُ، فَلا تُذْكَرُ اللّامُ، وما مُرادُهم بِالِاسْتِفْهامِ إلّا الإنْكارَ بِمَعْنى إنّا لا نُبْعَثُ ؟ نَقُولُ: الجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: عِنْدَ إرادَةِ التَّصْرِيحِ بِالنَّفْيِ يُوجَدُ التَّصْرِيحُ بِالنَّفْيِ وصِيغَتُهُ. ثانِيهِما: أنَّهم أرادُوا تَكْذِيبَ مَن يُخْبِرُ عَنِ البَعْثِ فَذَكَرُوا أنَّ المُخْبِرَ عَنْهُ يُبالِغُ في الإخْبارِ ونَحْنُ نَسْتَكْثِرُ مُبالَغَتَهُ وتَأْكِيدَهُ فَحَكَوْا كَلامَهم عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِفْهامِ بِمَعْنى الإنْكارِ، ثُمَّ إنَّهم أشارُوا في الإنْكارِ إلى أُمُورٍ اعْتَقَدُوها مُقَرَّرَةً لِصِحَّةِ إنْكارِهِمْ فَقالُوا أوَّلًا: ﴿أئِذا مِتْنا﴾ ولَمْ يَقْتَصِرُوا عَلَيْهِ بَلْ قالُوا بَعْدَهُ: ﴿وكُنّا تُرابًا وعِظامًا﴾ أيْ فَطالَ عَهْدُنا بَعْدَ كَوْنِنا أمْواتًا حَتّى صارَتِ اللُّحُومُ تُرابًا والعِظامُ رُفاتًا، ثُمَّ زادُوا وقالُوا: مَعَ هَذا يُقالُ لَنا: إنَّكم لَمَبْعُوثُونَ بِطَرِيقِ التَّأْكِيدِ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: أحَدُها: اسْتِعْمالُ كَلِمَةٍ إنَّ. ثانِيها: إثْباتُ اللّامِ في خَبَرِها. ثالِثُها: تَرْكُ صِيغَةِ الِاسْتِقْبالِ، والإتْيانُ بِالمَفْعُولِ كَأنَّهُ كائِنٌ، فَقالُوا لَنا: إنَّكم لَمَبْعُوثُونَ ثُمَّ زادُوا وقالُوا: ﴿أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ﴾ يَعْنِي هَذا أبْعَدُ فَإنّا إذا كُنّا تُرابًا بَعْدَ مَوْتِنا والآباءُ حالُهم فَوْقَ حالِ العِظامِ الرُّفاتِ فَكَيْفَ يُمْكِنُ البَعْثُ ؟ وقَدْ بَيَّنّا في سُورَةِ والصّافّاتِ هَذا كُلَّهُ وقُلْنا: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ﴾ مَعْناهُ: أوْ يَقُولُوا: آباؤُنا الأوَّلُونَ، إشارَةً إلى أنَّهم في الإشْكالِ أعْظَمُ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى أجابَهم ورَدَّ عَلَيْهِمْ في الجَوابِ في كُلِّ مُبالَغَةٍ بِمُبالَغَةٍ أُخْرى فَقالَ:

الواقعة 56:46

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لا بارِدٍ ولا كَرِيمٍ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كَرَمُ الظِّلِّ نَفْعُهُ المَلْهُوفَ، ودَفْعُهُ أذى الحَرِّ عَنْهُ، ولَوْ كانَ كَذَلِكَ لَكانَ البارِدُ والكَرِيمُ بِمَعْنًى واحِدٍ، والأقْرَبُ أنْ يُقالَ: فائِدَةُ الظِّلِّ أمْرانِ: أحَدُهُما دَفْعُ الحَرِّ، والآخَرُ كَوْنُ الإنْسانِ فِيهِ مُكْرَمًا، وذَلِكَ لِأنَّ الإنْسانَ في البَرْدِ يَقْصِدُ عَيْنَ الشَّمْسِ لِيَتَدَفَّأ بِحَرِّها إذا كانَ قَلِيلَ الثِّيابِ، فَإذا كانَ مِنَ المُكْرَمِينَ يَكُونُ أبَدًا في مَكانٍ يَدْفَعُ الحَرَّ والبَرْدَ عَنْ نَفْسِهِ في الظِّلِّ، أمّا الحَرُّ فَظاهِرٌ، صفحة ١٤٨ وأمّا البَرْدُ فَيَدْفَعُهُ بِإدْفاءِ المَوْضِعِ بِإيقادِ ما يُدْفِئُهُ، فَيَكُونُ الظِّلُّ في الحَرِّ مَطْلُوبًا لِلْبَرْدِ فَيُطْلَبُ لِكَوْنِهِ بارِدًا، وفي البَرْدِ يُطْلَبُ لِكَوْنِهِ ذا كَرامَةٍ لا لِبَرْدٍ يَكُونُ في الظِّلِّ فَقالَ: ﴿لا بارِدٍ﴾ يُطْلَبُ لِبَرْدِهِ، ولا ذِي كَرامَةٍ قَدْ أُعِدَّ لِلْجُلُوسِ فِيهِ، وذَلِكَ لِأنَّ المَواضِعَ الَّتِي يَقَعُ عَلَيْها ظِلٌّ كالمَواضِعِ الَّتِي تَحْتَ أشْجارٍ وأمامَ الجِدارِ يُتَّخَذُ مِنها مَقاعِدُ فَتَصِيرُ تِلْكَ المَقاعِدُ مَحْفُوظَةً عَنِ القاذُوراتِ، وباقِي المَواضِعِ تَصِيرُ مَزابِلَ، ثُمَّ إذا وقَعَتِ الشَّمْسُ في بَعْضِ الأوْقاتِ عَلَيْها تُطْلَبُ لِنَظافَتِها، وكَوْنِها مُعَدَّةً لِلْجُلُوسِ، فَتَكُونُ مَطْلُوبَةً في مِثْلِ هَذا الوَقْتِ لِأجْلِ كَرامَتِها لا لِبَرْدِها، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا بارِدٍ ولا كَرِيمٍ﴾ يَحْتَمِلُ هَذا، ويَحْتَمِلُ أنْ يُقالَ: إنَّ الظِّلَّ يُطْلَبُ لِأمْرٍ يَرْجِعُ إلى الحِسِّ، أوْ لِأمْرٍ يَرْجِعُ إلى العَقْلِ، فالَّذِي يَرْجِعُ إلى الحِسِّ هو بَرْدُهُ، والَّذِي يَرْجِعُ إلى العَقْلِ أنْ يَكُونَ الرُّجُوعُ إلَيْهِ كَرامَةً، وهَذا لا بَرْدَ لَهُ ولا كَرامَةَ فِيهِ، وهَذا هو المُرادُ بِما نَقَلَهُ الواحِدِيُّ عَنِ الفَرّاءِ: أنَّ العَرَبَ تُتْبِعُ كُلَّ مَنفِيٍّ بِكَرِيمٍ إذا كانَ المَنفِيُّ أكْرَمَ فَيُقالُ: هَذِهِ الدّارُ لَيْسَتْ بِواسِعَةٍ ولا كَرِيمَةٍ، والتَّحْقِيقُ فِيهِ ما ذَكَرْنا أنَّ وصْفَ الكَمالِ إمّا حِسِّيٌّ، وإمّا عَقْلِيٌّ، والحِسِّيُّ يُصَرَّحُ بِلَفْظِهِ، وأمّا العَقْلِيُّ فَلِخَفائِهِ عَنِ الحِسِّ يُشارُ إلَيْهِ بِلَفْظٍ جامِعٍ؛ لِأنَّ الكَرامَةَ، والكَرامَةُ عِنْدَ العَرَبِ مِن أشْهَرِ أوْصافِ المَدْحِ، ونَفْيُهُما نَفْيُ وصْفِ الكَمالِ العَقْلِيِّ، فَيَصِيرُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا بارِدٍ ولا كَرِيمٍ﴾ مَعْناهُ لا مَدْحَ فِيهِ أصْلًا لا حِسًّا ولا عَقْلًا. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ ﴿وكانُوا يُصِرُّونَ عَلى الحِنْثِ العَظِيمِ﴾ ﴿وكانُوا يَقُولُونَ أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ ﴿أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ﴾ وفي الآياتِ لَطائِفُ، نَذْكُرُها في مَسائِلَ: المَسْألَةُ الأُولى: ما الحِكْمَةُ في بَيانِ سَبَبِ كَوْنِهِمْ في العَذابِ مَعَ أنَّهُ تَعالى لَمْ يَذْكُرْ سَبَبَ كَوْنِ أصْحابِ اليَمِينِ في النَّعِيمِ، ولَمْ يَقُلْ: إنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ شاكِرِينَ مُذْعِنِينَ ؟ فَنَقُولُ: قَدْ ذَكَرْنا مِرارًا أنَّ اللَّهَ تَعالى عِنْدَ إيصالِ الثَّوابِ لا يَذْكُرُ أعْمالَ العِبادِ الصّالِحَةَ، وعِنْدَ إيصالِ العِقابِ يَذْكُرُ أعْمالَ المُسِيئِينَ؛ لِأنَّ الثَّوابَ فَضْلٌ والعِقابَ عَدْلٌ، والفَضْلُ سَواءٌ ذُكِرَ سَبَبُهُ أوْ لَمْ يُذْكَرْ لا يُتَوَهَّمُ في المُتَفَضِّلِ بِهِ نَقْصٌ وظُلْمٌ، وأمّا العَدْلُ فَإنْ لَمْ يُعْلَمْ سَبَبُ العِقابِ، يُظَنُّ أنَّ هُناكَ ظُلْمًا فَقالَ: هم فِيها بِسَبَبِ تَرَفِهِمْ، والَّذِي يُؤَيِّدُ هَذِهِ اللَّطِيفَةَ أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ في حَقِّ السّابِقِينَ: ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الواقعة: ٢٤] ولَمْ يَقُلْ: في حَقِّ أصْحابِ اليَمِينِ، ذَلِكَ لِأنّا أشَرْنا أنَّ أصْحابَ اليَمِينِ هُمُ النّاجُونَ بِالفَضْلِ العَظِيمِ، وسَنُبَيِّنُ ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَسَلامٌ لَكَ﴾ [الواقعة: ٩١] وإذا كانَ كَذَلِكَ فالفَضْلُ في حَقِّهِمْ مُتَمَحِّضٌ فَقالَ: هَذِهِ النِّعَمُ لَكم، ولَمْ يَقُلْ جَزاءً؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ”جَزاءً“ في مِثْلِ هَذا المَوْضِعِ، وهو مَوْضِعُ العَفْوِ عَنْهم، لا يُثِيبُ لَهم سُرُورًا بِخِلافِ مَن كَثُرَتْ حَسَناتُهُ، فَيُقالُ لَهُ: نِعْمَ ما فَعَلْتَ خُذْ هَذا لَكَ جَزاءً. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: جُعِلَ السَّبَبَ كَوْنُهم مُتْرَفِينَ ولَيْسَ كُلُّ مَن هو مِن أصْحابِ الشِّمالِ يَكُونُ مُتْرَفًا فَإنَّ فِيهِمْ مَن يَكُونُ فَقِيرًا ؟ نَقُولُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ لَيْسَ بِذَمٍّ، فَإنَّ المُتْرَفَ هو الَّذِي جُعِلَ ذا تَرَفٍ أيْ نِعْمَةٍ، فَظاهِرُ ذَلِكَ لا يُوجِبُ ذَمًّا، لَكِنَّ ذَلِكَ يُبَيِّنُ قُبْحَ ما ذُكِرَ عَنْهم بَعْدَهُ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكانُوا يُصِرُّونَ﴾؛ لِأنَّ صُدُورَ الكُفْرانِ مِمَّنْ عَلَيْهِ غايَةُ الإنْعامِ أقْبَحُ القَبائِحِ فَقالَ: إنَّهم كانُوا مُتْرَفِينَ، ولَمْ يَشْكُرُوا نِعَمَ اللَّهِ بَلْ أصَرُّوا عَلى الذَّنْبِ وعَلى هَذا فَنَقُولُ: النِّعَمُ الَّتِي تَقْتَضِي شُكْرَ اللَّهِ وعِبادَتَهُ في كُلِّ أحَدٍ كَثِيرَةٌ فَإنَّ الخَلْقَ والرِّزْقَ وما يَحْتاجُ إلَيْهِ وتَتَوَقَّفُ مَصالِحُهُ عَلَيْهِ حاصِلٌ لِلْكُلِّ، غايَةُ ما في البابِ أنَّ حالَ النّاسِ في الإتْرافِ مُتَقارِبٌ، فَيُقالُ في حَقِّ البَعْضِ بِالنِّسْبَةِ إلى بَعْضٍ: إنَّهُ في ضُرٍّ، ولَوْ حَمَلَ نَفْسَهُ عَلى القَناعَةِ لَكانَ أغْنى صفحة ١٤٩ الأغْنِياءِ وكَيْفَ لا والإنْسانُ إذا نَظَرَ إلى حالِهِ يَجِدُها مُفْتَقِرَةً إلى مَسْكَنٍ يَأْوِي إلَيْهِ ولِباسِ الحَرِّ والبَرْدِ وما يَسُدُّ جُوعَهُ مِنَ المَأْكُولِ والمَشْرُوبِ، وغَيْرِ هَذا مِنَ الفَضَلاتِ الَّتِي يَحْمِلُ عَلَيْها شُحُّ النَّفْسِ، ثُمَّ إنَّ أحَدًا لا يُغْلَبُ عَنْ تَحْصِيلِ مَسْكَنٍ بِاشْتِراءٍ أوِ اكْتِراءٍ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ فَلَيْسَ هو أعْجَزَ مِنَ الحَشَراتِ، لا تَفْقِدُ مُدَّخَلًا أوْ مَغارَةً، وأمّا اللِّباسُ فَلَوِ اقْتَنَعَ بِما يَدْفَعُ الضَّرُورَةَ كانَ يَكْفِيهِ في عُمُرِهِ لِباسٌ واحِدٌ، كُلَّما تَمَزَّقَ مِنهُ مَوْضِعٌ يَرْقَعُهُ مِن أيِّ شَيْءٍ كانَ، بَقِيَ أمْرُ المَأْكُولِ والمَشْرُوبِ، فَإذا نَظَرَ النّاظِرُ يَجِدُ كُلَّ أحَدٍ في جَمِيعِ الأحْوالِ غَيْرَ مَغْلُوبٍ عَنْ كِسْرَةِ خُبْزٍ وشَرْبَةِ ماءٍ، غَيْرَ أنَّ طَلَبَ الغِنى يُورِثُ الفَقْرَ فَيُرِيدُ الإنْسانُ بَيْتًا مُزَخْرَفًا ومَأْكُولًا طَيِّبًا، وغَيْرَ ذَلِكَ مِن أنْواعِ الدَّوابِّ والثِّيابِ، فَيَفْتَقِرُ إلى أنْ يَحْمِلَ المَشاقَّ، وطَلَبُ الغِنى يُورِثُ فَقْرَهُ، وارْتِيادُ الِارْتِفاعِ يَحُطُّ قَدْرَهُ، وبِالجُمْلَةِ شَهْوَةُ بَطْنِهِ وفَرْجِهِ تَكْسِرُ ظَهْرَهُ، عَلى أنَّنا نَقُولُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ لا شَكَّ أنَّ أهْلَ القُبُورِ لَمّا فَقَدُوا الأيْدِيَ الباطِشَةَ، والأعْيُنَ الباصِرَةَ، وبانَ لَهُمُ الحَقائِقُ، عَلِمُوا ﴿إنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ بِالنِّسْبَةِ إلى تِلْكَ الحالَةِ. * * * المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ما الإصْرارُ عَلى الحِنْثِ العَظِيمِ ؟ نَقُولُ: الشِّرْكُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] وفِيها لَطِيفَةٌ وهي أنَّهُ أشارَ في الآياتِ الثَّلاثِ إلى الأُصُولِ الثَّلاثَةِ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ مِن حَيْثُ الِاسْتِعْمالُ يَدُلُّ عَلى ذَمِّهِمْ بِإنْكارِ الرُّسُلِ، إذِ المُتْرَفُ مُتَكَبِّرٌ بِسَبَبِ الغِنى فَيُنْكِرُ الرِّسالَةَ، والمُتْرَفُونَ كانُوا يَقُولُونَ: ﴿أبَشَرًا مِنّا واحِدًا نَتَّبِعُهُ﴾ [القمر: ٢٤] وقَوْلُهُ: ﴿يُصِرُّونَ عَلى الحِنْثِ العَظِيمِ﴾ إشارَةٌ إلى الشِّرْكِ ومُخالَفَةِ التَّوْحِيدِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكانُوا يَقُولُونَ أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا﴾ إشارَةٌ إلى إنْكارِ الحَشْرِ والنَّشْرِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكانُوا يُصِرُّونَ عَلى الحِنْثِ العَظِيمِ﴾ فِيهِ مُبالَغاتٌ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكانُوا يُصِرُّونَ﴾ وهو آكَدُ مِن قَوْلِ القائِلِ: إنَّهم قَبْلَ ذَلِكَ أصَرُّوا؛ لِأنَّ اجْتِماعَ لَفْظَيِ الماضِي والمُسْتَقْبَلِ يَدُلُّ عَلى الِاسْتِمْرارِ؛ لِأنَّ قَوْلَنا: فُلانٌ كانَ يُحْسِنُ إلى النّاسِ، يُفِيدُ كَوْنَ ذَلِكَ عادَةً لَهُ. ثانِيها: لَفْظُ الإصْرارِ فَإنَّ الإصْرارَ مُداوَمَةُ المَعْصِيَةِ والغُلُولِ، ولا يُقالُ: في الخَيْرِ أصَرَّ. ثالِثُها: الحِنْثُ فَإنَّهُ فَوْقَ الذَّنْبِ فَإنَّ الحِنْثَ لا يَكادُ في اللُّغَةِ يَقَعُ عَلى الصَّغِيرَةِ والذَّنْبُ يَقَعُ عَلَيْها، وأمّا الحِنْثُ في اليَمِينِ فاسْتَعْمَلُوهُ؛ لِأنَّ نَفْسَ الكَذِبِ عِنْدَ العُقَلاءِ قَبِيحٌ، فَإنَّ مَصْلَحَةَ العالَمِ مَنُوطَةٌ بِالصِّدْقِ وإلّا لَمْ يَحْصُلْ لِأحَدٍ بِقَوْلِ أحَدٍ ثِقَةٌ فَلا يُبْنى عَلى كَلامِهِ مَصالِحُ، ولا يُجْتَنَبُ عَنْ مَفاسِدَ، ثُمَّ إنَّ الكَذِبَ لَمّا وُجِدَ في كَثِيرٍ مِنَ النّاسِ لِأغْراضٍ فاسِدَةٍ أرادُوا تَوْكِيدَ الأمْرِ بِضَمِّ شَيْءٍ إلَيْهِ يَدْفَعُ تَوَهُّمَهُ، فَضَمُّوا إلَيْهِ الأيْمانَ ولا شَيْءَ فَوْقَها، فَإذا حَنِثَ لَمْ يَبْقَ أمْرٌ يُفِيدُ الثِّقَةَ فَيَلْزَمُ مِنهُ فَسادٌ فَوْقَ فَسادِ الزِّنا والشُّرْبِ، غَيْرَ أنَّ اليَمِينَ إذا كانَتْ عَلى أمْرٍ مُسْتَقْبَلٍ ورَأى الحالِفُ غَيْرَهُ جَوَّزَ الشَّرْعُ الحِنْثَ ولَمْ يُجَوِّزْهُ في الكَبِيرَةِ كالزِّنا والقَتْلِ لِكَثْرَةِ وُقُوعِ الأيْمانِ وقِلَّةِ وُقُوعِ القَتْلِ، والَّذِي يَدُلُّ عَلى أنَّ الحِنْثَ هو الكَبِيرَةُ قَوْلُهم لِلْبالِغِ: بَلَغَ الحِنْثَ، أيْ بَلَغَ مَبْلَغًا بِحَيْثُ يَرْتَكِبُ الكَبِيرَةَ، وقَبْلَهُ ما كانَ يُنْفى عَنْهُ الصَّغِيرَةُ؛ لِأنَّ الوَلِيَّ مَأْمُورٌ بِالمُعاقَبَةِ عَلى إساءَةِ الأدَبِ وتَرْكِ الصَّلاةِ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿العَظِيمِ﴾ هَذا يُفِيدُ أنَّ المُرادَ الشِّرْكُ، فَإنَّ هَذِهِ الأُمُورَ لا تَجْتَمِعُ في غَيْرِهِ. المَسْألَةُ الخامِسَةُ: كَيْفَ اشْتُهِرَ ﴿مِتْنا﴾ بِكَسْرِ المِيمِ مَعَ أنَّ اسْتِعْمالَ القُرْآنِ في المُسْتَقْبَلِ يَمُوتُ قالَ تَعالى عَنْ يَحْيى وعِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ: ﴿ويَوْمَ أمُوتُ﴾ [مريم: ٣٣] ولَمْ يُقْرَأْ أماتُ عَلى وزْنِ أخافُ، وقالَ صفحة ١٥٠ تَعالى: ﴿قُلْ مُوتُوا﴾ [آل عمران: ١١٩] ولَمْ يَقُلْ: ولا تَماتُوا كَما قالَ: ﴿ألّا تَخافُوا﴾ [فصلت: ٣٠] قُلْنا: فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ هَذِهِ الكَلِمَةَ خالَفَتْ غَيْرَها، فَقِيلَ فِيها: أمُوتُ، والسَّماعُ مُقَدَّمٌ عَلى القِياسِ. والثّانِي: ماتَ يَماتُ لُغَةٌ في ماتَ يَمُوتُ، فاسْتُعْمِلَ ما فِيها الكَسْرُ لِأنَّ الكَسْرَ في الماضِي يُوجَدُ أكْثَرَ الأمْرَيْنِ: أحَدُهُما: كَثْرَةُ يَفْعَلُ عَلى يَفْعُلُ. وثانِيهِما: كَوْنُهُ عَلى فَعَلَ يَفْعَلُ، مِثْلُ خافَ يَخافُ، وفي مُسْتَقْبَلِها الضَّمُّ؛ لِأنَّهُ يُوجَدُ لِسَبَبَيْنِ: أحَدُهُما: كَوْنُ الفِعْلِ عَلى فَعَلَ يَفْعُلُ، مِثْلُ طالَ يَطُولُ، فَإنَّ وصْفَهُ بِالتَّطْوِيلِ دُونَ الطّائِلِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ مِن بابِ قَصَرَ يَقْصُرُ. وثانِيهِما: كَوْنُهُ عَلى فَعِلَ يَفْعُلُ، تَقُولُ: فَعِلْتُ في الماضِي بِالكَسْرِ وفي المُسْتَقْبَلِ بِالضَّمِّ. المَسْألَةُ السّادِسَةُ: كَيْفَ أتى بِاللّامِ المُؤَكِّدَةِ في قَوْلِهِ: ﴿لَمَبْعُوثُونَ﴾ مَعَ أنَّ المُرادَ هو النَّفْيُ وفي النَّفْيِ لا يُذْكَرُ في خَبَرِ إنَّ اللّامُ يُقالُ: إنَّ زَيْدًا لَيَجِيءُ وإنَّ زَيْدًا لا يَجِيءُ، فَلا تُذْكَرُ اللّامُ، وما مُرادُهم بِالِاسْتِفْهامِ إلّا الإنْكارَ بِمَعْنى إنّا لا نُبْعَثُ ؟ نَقُولُ: الجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: عِنْدَ إرادَةِ التَّصْرِيحِ بِالنَّفْيِ يُوجَدُ التَّصْرِيحُ بِالنَّفْيِ وصِيغَتُهُ. ثانِيهِما: أنَّهم أرادُوا تَكْذِيبَ مَن يُخْبِرُ عَنِ البَعْثِ فَذَكَرُوا أنَّ المُخْبِرَ عَنْهُ يُبالِغُ في الإخْبارِ ونَحْنُ نَسْتَكْثِرُ مُبالَغَتَهُ وتَأْكِيدَهُ فَحَكَوْا كَلامَهم عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِفْهامِ بِمَعْنى الإنْكارِ، ثُمَّ إنَّهم أشارُوا في الإنْكارِ إلى أُمُورٍ اعْتَقَدُوها مُقَرَّرَةً لِصِحَّةِ إنْكارِهِمْ فَقالُوا أوَّلًا: ﴿أئِذا مِتْنا﴾ ولَمْ يَقْتَصِرُوا عَلَيْهِ بَلْ قالُوا بَعْدَهُ: ﴿وكُنّا تُرابًا وعِظامًا﴾ أيْ فَطالَ عَهْدُنا بَعْدَ كَوْنِنا أمْواتًا حَتّى صارَتِ اللُّحُومُ تُرابًا والعِظامُ رُفاتًا، ثُمَّ زادُوا وقالُوا: مَعَ هَذا يُقالُ لَنا: إنَّكم لَمَبْعُوثُونَ بِطَرِيقِ التَّأْكِيدِ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: أحَدُها: اسْتِعْمالُ كَلِمَةٍ إنَّ. ثانِيها: إثْباتُ اللّامِ في خَبَرِها. ثالِثُها: تَرْكُ صِيغَةِ الِاسْتِقْبالِ، والإتْيانُ بِالمَفْعُولِ كَأنَّهُ كائِنٌ، فَقالُوا لَنا: إنَّكم لَمَبْعُوثُونَ ثُمَّ زادُوا وقالُوا: ﴿أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ﴾ يَعْنِي هَذا أبْعَدُ فَإنّا إذا كُنّا تُرابًا بَعْدَ مَوْتِنا والآباءُ حالُهم فَوْقَ حالِ العِظامِ الرُّفاتِ فَكَيْفَ يُمْكِنُ البَعْثُ ؟ وقَدْ بَيَّنّا في سُورَةِ والصّافّاتِ هَذا كُلَّهُ وقُلْنا: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ﴾ مَعْناهُ: أوْ يَقُولُوا: آباؤُنا الأوَّلُونَ، إشارَةً إلى أنَّهم في الإشْكالِ أعْظَمُ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى أجابَهم ورَدَّ عَلَيْهِمْ في الجَوابِ في كُلِّ مُبالَغَةٍ بِمُبالَغَةٍ أُخْرى فَقالَ:

الواقعة 56:47

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لا بارِدٍ ولا كَرِيمٍ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كَرَمُ الظِّلِّ نَفْعُهُ المَلْهُوفَ، ودَفْعُهُ أذى الحَرِّ عَنْهُ، ولَوْ كانَ كَذَلِكَ لَكانَ البارِدُ والكَرِيمُ بِمَعْنًى واحِدٍ، والأقْرَبُ أنْ يُقالَ: فائِدَةُ الظِّلِّ أمْرانِ: أحَدُهُما دَفْعُ الحَرِّ، والآخَرُ كَوْنُ الإنْسانِ فِيهِ مُكْرَمًا، وذَلِكَ لِأنَّ الإنْسانَ في البَرْدِ يَقْصِدُ عَيْنَ الشَّمْسِ لِيَتَدَفَّأ بِحَرِّها إذا كانَ قَلِيلَ الثِّيابِ، فَإذا كانَ مِنَ المُكْرَمِينَ يَكُونُ أبَدًا في مَكانٍ يَدْفَعُ الحَرَّ والبَرْدَ عَنْ نَفْسِهِ في الظِّلِّ، أمّا الحَرُّ فَظاهِرٌ، صفحة ١٤٨ وأمّا البَرْدُ فَيَدْفَعُهُ بِإدْفاءِ المَوْضِعِ بِإيقادِ ما يُدْفِئُهُ، فَيَكُونُ الظِّلُّ في الحَرِّ مَطْلُوبًا لِلْبَرْدِ فَيُطْلَبُ لِكَوْنِهِ بارِدًا، وفي البَرْدِ يُطْلَبُ لِكَوْنِهِ ذا كَرامَةٍ لا لِبَرْدٍ يَكُونُ في الظِّلِّ فَقالَ: ﴿لا بارِدٍ﴾ يُطْلَبُ لِبَرْدِهِ، ولا ذِي كَرامَةٍ قَدْ أُعِدَّ لِلْجُلُوسِ فِيهِ، وذَلِكَ لِأنَّ المَواضِعَ الَّتِي يَقَعُ عَلَيْها ظِلٌّ كالمَواضِعِ الَّتِي تَحْتَ أشْجارٍ وأمامَ الجِدارِ يُتَّخَذُ مِنها مَقاعِدُ فَتَصِيرُ تِلْكَ المَقاعِدُ مَحْفُوظَةً عَنِ القاذُوراتِ، وباقِي المَواضِعِ تَصِيرُ مَزابِلَ، ثُمَّ إذا وقَعَتِ الشَّمْسُ في بَعْضِ الأوْقاتِ عَلَيْها تُطْلَبُ لِنَظافَتِها، وكَوْنِها مُعَدَّةً لِلْجُلُوسِ، فَتَكُونُ مَطْلُوبَةً في مِثْلِ هَذا الوَقْتِ لِأجْلِ كَرامَتِها لا لِبَرْدِها، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا بارِدٍ ولا كَرِيمٍ﴾ يَحْتَمِلُ هَذا، ويَحْتَمِلُ أنْ يُقالَ: إنَّ الظِّلَّ يُطْلَبُ لِأمْرٍ يَرْجِعُ إلى الحِسِّ، أوْ لِأمْرٍ يَرْجِعُ إلى العَقْلِ، فالَّذِي يَرْجِعُ إلى الحِسِّ هو بَرْدُهُ، والَّذِي يَرْجِعُ إلى العَقْلِ أنْ يَكُونَ الرُّجُوعُ إلَيْهِ كَرامَةً، وهَذا لا بَرْدَ لَهُ ولا كَرامَةَ فِيهِ، وهَذا هو المُرادُ بِما نَقَلَهُ الواحِدِيُّ عَنِ الفَرّاءِ: أنَّ العَرَبَ تُتْبِعُ كُلَّ مَنفِيٍّ بِكَرِيمٍ إذا كانَ المَنفِيُّ أكْرَمَ فَيُقالُ: هَذِهِ الدّارُ لَيْسَتْ بِواسِعَةٍ ولا كَرِيمَةٍ، والتَّحْقِيقُ فِيهِ ما ذَكَرْنا أنَّ وصْفَ الكَمالِ إمّا حِسِّيٌّ، وإمّا عَقْلِيٌّ، والحِسِّيُّ يُصَرَّحُ بِلَفْظِهِ، وأمّا العَقْلِيُّ فَلِخَفائِهِ عَنِ الحِسِّ يُشارُ إلَيْهِ بِلَفْظٍ جامِعٍ؛ لِأنَّ الكَرامَةَ، والكَرامَةُ عِنْدَ العَرَبِ مِن أشْهَرِ أوْصافِ المَدْحِ، ونَفْيُهُما نَفْيُ وصْفِ الكَمالِ العَقْلِيِّ، فَيَصِيرُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا بارِدٍ ولا كَرِيمٍ﴾ مَعْناهُ لا مَدْحَ فِيهِ أصْلًا لا حِسًّا ولا عَقْلًا. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ ﴿وكانُوا يُصِرُّونَ عَلى الحِنْثِ العَظِيمِ﴾ ﴿وكانُوا يَقُولُونَ أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ ﴿أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ﴾ وفي الآياتِ لَطائِفُ، نَذْكُرُها في مَسائِلَ: المَسْألَةُ الأُولى: ما الحِكْمَةُ في بَيانِ سَبَبِ كَوْنِهِمْ في العَذابِ مَعَ أنَّهُ تَعالى لَمْ يَذْكُرْ سَبَبَ كَوْنِ أصْحابِ اليَمِينِ في النَّعِيمِ، ولَمْ يَقُلْ: إنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ شاكِرِينَ مُذْعِنِينَ ؟ فَنَقُولُ: قَدْ ذَكَرْنا مِرارًا أنَّ اللَّهَ تَعالى عِنْدَ إيصالِ الثَّوابِ لا يَذْكُرُ أعْمالَ العِبادِ الصّالِحَةَ، وعِنْدَ إيصالِ العِقابِ يَذْكُرُ أعْمالَ المُسِيئِينَ؛ لِأنَّ الثَّوابَ فَضْلٌ والعِقابَ عَدْلٌ، والفَضْلُ سَواءٌ ذُكِرَ سَبَبُهُ أوْ لَمْ يُذْكَرْ لا يُتَوَهَّمُ في المُتَفَضِّلِ بِهِ نَقْصٌ وظُلْمٌ، وأمّا العَدْلُ فَإنْ لَمْ يُعْلَمْ سَبَبُ العِقابِ، يُظَنُّ أنَّ هُناكَ ظُلْمًا فَقالَ: هم فِيها بِسَبَبِ تَرَفِهِمْ، والَّذِي يُؤَيِّدُ هَذِهِ اللَّطِيفَةَ أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ في حَقِّ السّابِقِينَ: ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الواقعة: ٢٤] ولَمْ يَقُلْ: في حَقِّ أصْحابِ اليَمِينِ، ذَلِكَ لِأنّا أشَرْنا أنَّ أصْحابَ اليَمِينِ هُمُ النّاجُونَ بِالفَضْلِ العَظِيمِ، وسَنُبَيِّنُ ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَسَلامٌ لَكَ﴾ [الواقعة: ٩١] وإذا كانَ كَذَلِكَ فالفَضْلُ في حَقِّهِمْ مُتَمَحِّضٌ فَقالَ: هَذِهِ النِّعَمُ لَكم، ولَمْ يَقُلْ جَزاءً؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ”جَزاءً“ في مِثْلِ هَذا المَوْضِعِ، وهو مَوْضِعُ العَفْوِ عَنْهم، لا يُثِيبُ لَهم سُرُورًا بِخِلافِ مَن كَثُرَتْ حَسَناتُهُ، فَيُقالُ لَهُ: نِعْمَ ما فَعَلْتَ خُذْ هَذا لَكَ جَزاءً. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: جُعِلَ السَّبَبَ كَوْنُهم مُتْرَفِينَ ولَيْسَ كُلُّ مَن هو مِن أصْحابِ الشِّمالِ يَكُونُ مُتْرَفًا فَإنَّ فِيهِمْ مَن يَكُونُ فَقِيرًا ؟ نَقُولُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ لَيْسَ بِذَمٍّ، فَإنَّ المُتْرَفَ هو الَّذِي جُعِلَ ذا تَرَفٍ أيْ نِعْمَةٍ، فَظاهِرُ ذَلِكَ لا يُوجِبُ ذَمًّا، لَكِنَّ ذَلِكَ يُبَيِّنُ قُبْحَ ما ذُكِرَ عَنْهم بَعْدَهُ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكانُوا يُصِرُّونَ﴾؛ لِأنَّ صُدُورَ الكُفْرانِ مِمَّنْ عَلَيْهِ غايَةُ الإنْعامِ أقْبَحُ القَبائِحِ فَقالَ: إنَّهم كانُوا مُتْرَفِينَ، ولَمْ يَشْكُرُوا نِعَمَ اللَّهِ بَلْ أصَرُّوا عَلى الذَّنْبِ وعَلى هَذا فَنَقُولُ: النِّعَمُ الَّتِي تَقْتَضِي شُكْرَ اللَّهِ وعِبادَتَهُ في كُلِّ أحَدٍ كَثِيرَةٌ فَإنَّ الخَلْقَ والرِّزْقَ وما يَحْتاجُ إلَيْهِ وتَتَوَقَّفُ مَصالِحُهُ عَلَيْهِ حاصِلٌ لِلْكُلِّ، غايَةُ ما في البابِ أنَّ حالَ النّاسِ في الإتْرافِ مُتَقارِبٌ، فَيُقالُ في حَقِّ البَعْضِ بِالنِّسْبَةِ إلى بَعْضٍ: إنَّهُ في ضُرٍّ، ولَوْ حَمَلَ نَفْسَهُ عَلى القَناعَةِ لَكانَ أغْنى صفحة ١٤٩ الأغْنِياءِ وكَيْفَ لا والإنْسانُ إذا نَظَرَ إلى حالِهِ يَجِدُها مُفْتَقِرَةً إلى مَسْكَنٍ يَأْوِي إلَيْهِ ولِباسِ الحَرِّ والبَرْدِ وما يَسُدُّ جُوعَهُ مِنَ المَأْكُولِ والمَشْرُوبِ، وغَيْرِ هَذا مِنَ الفَضَلاتِ الَّتِي يَحْمِلُ عَلَيْها شُحُّ النَّفْسِ، ثُمَّ إنَّ أحَدًا لا يُغْلَبُ عَنْ تَحْصِيلِ مَسْكَنٍ بِاشْتِراءٍ أوِ اكْتِراءٍ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ فَلَيْسَ هو أعْجَزَ مِنَ الحَشَراتِ، لا تَفْقِدُ مُدَّخَلًا أوْ مَغارَةً، وأمّا اللِّباسُ فَلَوِ اقْتَنَعَ بِما يَدْفَعُ الضَّرُورَةَ كانَ يَكْفِيهِ في عُمُرِهِ لِباسٌ واحِدٌ، كُلَّما تَمَزَّقَ مِنهُ مَوْضِعٌ يَرْقَعُهُ مِن أيِّ شَيْءٍ كانَ، بَقِيَ أمْرُ المَأْكُولِ والمَشْرُوبِ، فَإذا نَظَرَ النّاظِرُ يَجِدُ كُلَّ أحَدٍ في جَمِيعِ الأحْوالِ غَيْرَ مَغْلُوبٍ عَنْ كِسْرَةِ خُبْزٍ وشَرْبَةِ ماءٍ، غَيْرَ أنَّ طَلَبَ الغِنى يُورِثُ الفَقْرَ فَيُرِيدُ الإنْسانُ بَيْتًا مُزَخْرَفًا ومَأْكُولًا طَيِّبًا، وغَيْرَ ذَلِكَ مِن أنْواعِ الدَّوابِّ والثِّيابِ، فَيَفْتَقِرُ إلى أنْ يَحْمِلَ المَشاقَّ، وطَلَبُ الغِنى يُورِثُ فَقْرَهُ، وارْتِيادُ الِارْتِفاعِ يَحُطُّ قَدْرَهُ، وبِالجُمْلَةِ شَهْوَةُ بَطْنِهِ وفَرْجِهِ تَكْسِرُ ظَهْرَهُ، عَلى أنَّنا نَقُولُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ لا شَكَّ أنَّ أهْلَ القُبُورِ لَمّا فَقَدُوا الأيْدِيَ الباطِشَةَ، والأعْيُنَ الباصِرَةَ، وبانَ لَهُمُ الحَقائِقُ، عَلِمُوا ﴿إنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ بِالنِّسْبَةِ إلى تِلْكَ الحالَةِ. * * * المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ما الإصْرارُ عَلى الحِنْثِ العَظِيمِ ؟ نَقُولُ: الشِّرْكُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] وفِيها لَطِيفَةٌ وهي أنَّهُ أشارَ في الآياتِ الثَّلاثِ إلى الأُصُولِ الثَّلاثَةِ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ مِن حَيْثُ الِاسْتِعْمالُ يَدُلُّ عَلى ذَمِّهِمْ بِإنْكارِ الرُّسُلِ، إذِ المُتْرَفُ مُتَكَبِّرٌ بِسَبَبِ الغِنى فَيُنْكِرُ الرِّسالَةَ، والمُتْرَفُونَ كانُوا يَقُولُونَ: ﴿أبَشَرًا مِنّا واحِدًا نَتَّبِعُهُ﴾ [القمر: ٢٤] وقَوْلُهُ: ﴿يُصِرُّونَ عَلى الحِنْثِ العَظِيمِ﴾ إشارَةٌ إلى الشِّرْكِ ومُخالَفَةِ التَّوْحِيدِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكانُوا يَقُولُونَ أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا﴾ إشارَةٌ إلى إنْكارِ الحَشْرِ والنَّشْرِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكانُوا يُصِرُّونَ عَلى الحِنْثِ العَظِيمِ﴾ فِيهِ مُبالَغاتٌ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكانُوا يُصِرُّونَ﴾ وهو آكَدُ مِن قَوْلِ القائِلِ: إنَّهم قَبْلَ ذَلِكَ أصَرُّوا؛ لِأنَّ اجْتِماعَ لَفْظَيِ الماضِي والمُسْتَقْبَلِ يَدُلُّ عَلى الِاسْتِمْرارِ؛ لِأنَّ قَوْلَنا: فُلانٌ كانَ يُحْسِنُ إلى النّاسِ، يُفِيدُ كَوْنَ ذَلِكَ عادَةً لَهُ. ثانِيها: لَفْظُ الإصْرارِ فَإنَّ الإصْرارَ مُداوَمَةُ المَعْصِيَةِ والغُلُولِ، ولا يُقالُ: في الخَيْرِ أصَرَّ. ثالِثُها: الحِنْثُ فَإنَّهُ فَوْقَ الذَّنْبِ فَإنَّ الحِنْثَ لا يَكادُ في اللُّغَةِ يَقَعُ عَلى الصَّغِيرَةِ والذَّنْبُ يَقَعُ عَلَيْها، وأمّا الحِنْثُ في اليَمِينِ فاسْتَعْمَلُوهُ؛ لِأنَّ نَفْسَ الكَذِبِ عِنْدَ العُقَلاءِ قَبِيحٌ، فَإنَّ مَصْلَحَةَ العالَمِ مَنُوطَةٌ بِالصِّدْقِ وإلّا لَمْ يَحْصُلْ لِأحَدٍ بِقَوْلِ أحَدٍ ثِقَةٌ فَلا يُبْنى عَلى كَلامِهِ مَصالِحُ، ولا يُجْتَنَبُ عَنْ مَفاسِدَ، ثُمَّ إنَّ الكَذِبَ لَمّا وُجِدَ في كَثِيرٍ مِنَ النّاسِ لِأغْراضٍ فاسِدَةٍ أرادُوا تَوْكِيدَ الأمْرِ بِضَمِّ شَيْءٍ إلَيْهِ يَدْفَعُ تَوَهُّمَهُ، فَضَمُّوا إلَيْهِ الأيْمانَ ولا شَيْءَ فَوْقَها، فَإذا حَنِثَ لَمْ يَبْقَ أمْرٌ يُفِيدُ الثِّقَةَ فَيَلْزَمُ مِنهُ فَسادٌ فَوْقَ فَسادِ الزِّنا والشُّرْبِ، غَيْرَ أنَّ اليَمِينَ إذا كانَتْ عَلى أمْرٍ مُسْتَقْبَلٍ ورَأى الحالِفُ غَيْرَهُ جَوَّزَ الشَّرْعُ الحِنْثَ ولَمْ يُجَوِّزْهُ في الكَبِيرَةِ كالزِّنا والقَتْلِ لِكَثْرَةِ وُقُوعِ الأيْمانِ وقِلَّةِ وُقُوعِ القَتْلِ، والَّذِي يَدُلُّ عَلى أنَّ الحِنْثَ هو الكَبِيرَةُ قَوْلُهم لِلْبالِغِ: بَلَغَ الحِنْثَ، أيْ بَلَغَ مَبْلَغًا بِحَيْثُ يَرْتَكِبُ الكَبِيرَةَ، وقَبْلَهُ ما كانَ يُنْفى عَنْهُ الصَّغِيرَةُ؛ لِأنَّ الوَلِيَّ مَأْمُورٌ بِالمُعاقَبَةِ عَلى إساءَةِ الأدَبِ وتَرْكِ الصَّلاةِ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿العَظِيمِ﴾ هَذا يُفِيدُ أنَّ المُرادَ الشِّرْكُ، فَإنَّ هَذِهِ الأُمُورَ لا تَجْتَمِعُ في غَيْرِهِ. المَسْألَةُ الخامِسَةُ: كَيْفَ اشْتُهِرَ ﴿مِتْنا﴾ بِكَسْرِ المِيمِ مَعَ أنَّ اسْتِعْمالَ القُرْآنِ في المُسْتَقْبَلِ يَمُوتُ قالَ تَعالى عَنْ يَحْيى وعِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ: ﴿ويَوْمَ أمُوتُ﴾ [مريم: ٣٣] ولَمْ يُقْرَأْ أماتُ عَلى وزْنِ أخافُ، وقالَ صفحة ١٥٠ تَعالى: ﴿قُلْ مُوتُوا﴾ [آل عمران: ١١٩] ولَمْ يَقُلْ: ولا تَماتُوا كَما قالَ: ﴿ألّا تَخافُوا﴾ [فصلت: ٣٠] قُلْنا: فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ هَذِهِ الكَلِمَةَ خالَفَتْ غَيْرَها، فَقِيلَ فِيها: أمُوتُ، والسَّماعُ مُقَدَّمٌ عَلى القِياسِ. والثّانِي: ماتَ يَماتُ لُغَةٌ في ماتَ يَمُوتُ، فاسْتُعْمِلَ ما فِيها الكَسْرُ لِأنَّ الكَسْرَ في الماضِي يُوجَدُ أكْثَرَ الأمْرَيْنِ: أحَدُهُما: كَثْرَةُ يَفْعَلُ عَلى يَفْعُلُ. وثانِيهِما: كَوْنُهُ عَلى فَعَلَ يَفْعَلُ، مِثْلُ خافَ يَخافُ، وفي مُسْتَقْبَلِها الضَّمُّ؛ لِأنَّهُ يُوجَدُ لِسَبَبَيْنِ: أحَدُهُما: كَوْنُ الفِعْلِ عَلى فَعَلَ يَفْعُلُ، مِثْلُ طالَ يَطُولُ، فَإنَّ وصْفَهُ بِالتَّطْوِيلِ دُونَ الطّائِلِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ مِن بابِ قَصَرَ يَقْصُرُ. وثانِيهِما: كَوْنُهُ عَلى فَعِلَ يَفْعُلُ، تَقُولُ: فَعِلْتُ في الماضِي بِالكَسْرِ وفي المُسْتَقْبَلِ بِالضَّمِّ. المَسْألَةُ السّادِسَةُ: كَيْفَ أتى بِاللّامِ المُؤَكِّدَةِ في قَوْلِهِ: ﴿لَمَبْعُوثُونَ﴾ مَعَ أنَّ المُرادَ هو النَّفْيُ وفي النَّفْيِ لا يُذْكَرُ في خَبَرِ إنَّ اللّامُ يُقالُ: إنَّ زَيْدًا لَيَجِيءُ وإنَّ زَيْدًا لا يَجِيءُ، فَلا تُذْكَرُ اللّامُ، وما مُرادُهم بِالِاسْتِفْهامِ إلّا الإنْكارَ بِمَعْنى إنّا لا نُبْعَثُ ؟ نَقُولُ: الجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: عِنْدَ إرادَةِ التَّصْرِيحِ بِالنَّفْيِ يُوجَدُ التَّصْرِيحُ بِالنَّفْيِ وصِيغَتُهُ. ثانِيهِما: أنَّهم أرادُوا تَكْذِيبَ مَن يُخْبِرُ عَنِ البَعْثِ فَذَكَرُوا أنَّ المُخْبِرَ عَنْهُ يُبالِغُ في الإخْبارِ ونَحْنُ نَسْتَكْثِرُ مُبالَغَتَهُ وتَأْكِيدَهُ فَحَكَوْا كَلامَهم عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِفْهامِ بِمَعْنى الإنْكارِ، ثُمَّ إنَّهم أشارُوا في الإنْكارِ إلى أُمُورٍ اعْتَقَدُوها مُقَرَّرَةً لِصِحَّةِ إنْكارِهِمْ فَقالُوا أوَّلًا: ﴿أئِذا مِتْنا﴾ ولَمْ يَقْتَصِرُوا عَلَيْهِ بَلْ قالُوا بَعْدَهُ: ﴿وكُنّا تُرابًا وعِظامًا﴾ أيْ فَطالَ عَهْدُنا بَعْدَ كَوْنِنا أمْواتًا حَتّى صارَتِ اللُّحُومُ تُرابًا والعِظامُ رُفاتًا، ثُمَّ زادُوا وقالُوا: مَعَ هَذا يُقالُ لَنا: إنَّكم لَمَبْعُوثُونَ بِطَرِيقِ التَّأْكِيدِ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: أحَدُها: اسْتِعْمالُ كَلِمَةٍ إنَّ. ثانِيها: إثْباتُ اللّامِ في خَبَرِها. ثالِثُها: تَرْكُ صِيغَةِ الِاسْتِقْبالِ، والإتْيانُ بِالمَفْعُولِ كَأنَّهُ كائِنٌ، فَقالُوا لَنا: إنَّكم لَمَبْعُوثُونَ ثُمَّ زادُوا وقالُوا: ﴿أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ﴾ يَعْنِي هَذا أبْعَدُ فَإنّا إذا كُنّا تُرابًا بَعْدَ مَوْتِنا والآباءُ حالُهم فَوْقَ حالِ العِظامِ الرُّفاتِ فَكَيْفَ يُمْكِنُ البَعْثُ ؟ وقَدْ بَيَّنّا في سُورَةِ والصّافّاتِ هَذا كُلَّهُ وقُلْنا: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ﴾ مَعْناهُ: أوْ يَقُولُوا: آباؤُنا الأوَّلُونَ، إشارَةً إلى أنَّهم في الإشْكالِ أعْظَمُ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى أجابَهم ورَدَّ عَلَيْهِمْ في الجَوابِ في كُلِّ مُبالَغَةٍ بِمُبالَغَةٍ أُخْرى فَقالَ:

الواقعة 56:48

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لا بارِدٍ ولا كَرِيمٍ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كَرَمُ الظِّلِّ نَفْعُهُ المَلْهُوفَ، ودَفْعُهُ أذى الحَرِّ عَنْهُ، ولَوْ كانَ كَذَلِكَ لَكانَ البارِدُ والكَرِيمُ بِمَعْنًى واحِدٍ، والأقْرَبُ أنْ يُقالَ: فائِدَةُ الظِّلِّ أمْرانِ: أحَدُهُما دَفْعُ الحَرِّ، والآخَرُ كَوْنُ الإنْسانِ فِيهِ مُكْرَمًا، وذَلِكَ لِأنَّ الإنْسانَ في البَرْدِ يَقْصِدُ عَيْنَ الشَّمْسِ لِيَتَدَفَّأ بِحَرِّها إذا كانَ قَلِيلَ الثِّيابِ، فَإذا كانَ مِنَ المُكْرَمِينَ يَكُونُ أبَدًا في مَكانٍ يَدْفَعُ الحَرَّ والبَرْدَ عَنْ نَفْسِهِ في الظِّلِّ، أمّا الحَرُّ فَظاهِرٌ، صفحة ١٤٨ وأمّا البَرْدُ فَيَدْفَعُهُ بِإدْفاءِ المَوْضِعِ بِإيقادِ ما يُدْفِئُهُ، فَيَكُونُ الظِّلُّ في الحَرِّ مَطْلُوبًا لِلْبَرْدِ فَيُطْلَبُ لِكَوْنِهِ بارِدًا، وفي البَرْدِ يُطْلَبُ لِكَوْنِهِ ذا كَرامَةٍ لا لِبَرْدٍ يَكُونُ في الظِّلِّ فَقالَ: ﴿لا بارِدٍ﴾ يُطْلَبُ لِبَرْدِهِ، ولا ذِي كَرامَةٍ قَدْ أُعِدَّ لِلْجُلُوسِ فِيهِ، وذَلِكَ لِأنَّ المَواضِعَ الَّتِي يَقَعُ عَلَيْها ظِلٌّ كالمَواضِعِ الَّتِي تَحْتَ أشْجارٍ وأمامَ الجِدارِ يُتَّخَذُ مِنها مَقاعِدُ فَتَصِيرُ تِلْكَ المَقاعِدُ مَحْفُوظَةً عَنِ القاذُوراتِ، وباقِي المَواضِعِ تَصِيرُ مَزابِلَ، ثُمَّ إذا وقَعَتِ الشَّمْسُ في بَعْضِ الأوْقاتِ عَلَيْها تُطْلَبُ لِنَظافَتِها، وكَوْنِها مُعَدَّةً لِلْجُلُوسِ، فَتَكُونُ مَطْلُوبَةً في مِثْلِ هَذا الوَقْتِ لِأجْلِ كَرامَتِها لا لِبَرْدِها، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا بارِدٍ ولا كَرِيمٍ﴾ يَحْتَمِلُ هَذا، ويَحْتَمِلُ أنْ يُقالَ: إنَّ الظِّلَّ يُطْلَبُ لِأمْرٍ يَرْجِعُ إلى الحِسِّ، أوْ لِأمْرٍ يَرْجِعُ إلى العَقْلِ، فالَّذِي يَرْجِعُ إلى الحِسِّ هو بَرْدُهُ، والَّذِي يَرْجِعُ إلى العَقْلِ أنْ يَكُونَ الرُّجُوعُ إلَيْهِ كَرامَةً، وهَذا لا بَرْدَ لَهُ ولا كَرامَةَ فِيهِ، وهَذا هو المُرادُ بِما نَقَلَهُ الواحِدِيُّ عَنِ الفَرّاءِ: أنَّ العَرَبَ تُتْبِعُ كُلَّ مَنفِيٍّ بِكَرِيمٍ إذا كانَ المَنفِيُّ أكْرَمَ فَيُقالُ: هَذِهِ الدّارُ لَيْسَتْ بِواسِعَةٍ ولا كَرِيمَةٍ، والتَّحْقِيقُ فِيهِ ما ذَكَرْنا أنَّ وصْفَ الكَمالِ إمّا حِسِّيٌّ، وإمّا عَقْلِيٌّ، والحِسِّيُّ يُصَرَّحُ بِلَفْظِهِ، وأمّا العَقْلِيُّ فَلِخَفائِهِ عَنِ الحِسِّ يُشارُ إلَيْهِ بِلَفْظٍ جامِعٍ؛ لِأنَّ الكَرامَةَ، والكَرامَةُ عِنْدَ العَرَبِ مِن أشْهَرِ أوْصافِ المَدْحِ، ونَفْيُهُما نَفْيُ وصْفِ الكَمالِ العَقْلِيِّ، فَيَصِيرُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا بارِدٍ ولا كَرِيمٍ﴾ مَعْناهُ لا مَدْحَ فِيهِ أصْلًا لا حِسًّا ولا عَقْلًا. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ ﴿وكانُوا يُصِرُّونَ عَلى الحِنْثِ العَظِيمِ﴾ ﴿وكانُوا يَقُولُونَ أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ ﴿أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ﴾ وفي الآياتِ لَطائِفُ، نَذْكُرُها في مَسائِلَ: المَسْألَةُ الأُولى: ما الحِكْمَةُ في بَيانِ سَبَبِ كَوْنِهِمْ في العَذابِ مَعَ أنَّهُ تَعالى لَمْ يَذْكُرْ سَبَبَ كَوْنِ أصْحابِ اليَمِينِ في النَّعِيمِ، ولَمْ يَقُلْ: إنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ شاكِرِينَ مُذْعِنِينَ ؟ فَنَقُولُ: قَدْ ذَكَرْنا مِرارًا أنَّ اللَّهَ تَعالى عِنْدَ إيصالِ الثَّوابِ لا يَذْكُرُ أعْمالَ العِبادِ الصّالِحَةَ، وعِنْدَ إيصالِ العِقابِ يَذْكُرُ أعْمالَ المُسِيئِينَ؛ لِأنَّ الثَّوابَ فَضْلٌ والعِقابَ عَدْلٌ، والفَضْلُ سَواءٌ ذُكِرَ سَبَبُهُ أوْ لَمْ يُذْكَرْ لا يُتَوَهَّمُ في المُتَفَضِّلِ بِهِ نَقْصٌ وظُلْمٌ، وأمّا العَدْلُ فَإنْ لَمْ يُعْلَمْ سَبَبُ العِقابِ، يُظَنُّ أنَّ هُناكَ ظُلْمًا فَقالَ: هم فِيها بِسَبَبِ تَرَفِهِمْ، والَّذِي يُؤَيِّدُ هَذِهِ اللَّطِيفَةَ أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ في حَقِّ السّابِقِينَ: ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الواقعة: ٢٤] ولَمْ يَقُلْ: في حَقِّ أصْحابِ اليَمِينِ، ذَلِكَ لِأنّا أشَرْنا أنَّ أصْحابَ اليَمِينِ هُمُ النّاجُونَ بِالفَضْلِ العَظِيمِ، وسَنُبَيِّنُ ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَسَلامٌ لَكَ﴾ [الواقعة: ٩١] وإذا كانَ كَذَلِكَ فالفَضْلُ في حَقِّهِمْ مُتَمَحِّضٌ فَقالَ: هَذِهِ النِّعَمُ لَكم، ولَمْ يَقُلْ جَزاءً؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ”جَزاءً“ في مِثْلِ هَذا المَوْضِعِ، وهو مَوْضِعُ العَفْوِ عَنْهم، لا يُثِيبُ لَهم سُرُورًا بِخِلافِ مَن كَثُرَتْ حَسَناتُهُ، فَيُقالُ لَهُ: نِعْمَ ما فَعَلْتَ خُذْ هَذا لَكَ جَزاءً. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: جُعِلَ السَّبَبَ كَوْنُهم مُتْرَفِينَ ولَيْسَ كُلُّ مَن هو مِن أصْحابِ الشِّمالِ يَكُونُ مُتْرَفًا فَإنَّ فِيهِمْ مَن يَكُونُ فَقِيرًا ؟ نَقُولُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ لَيْسَ بِذَمٍّ، فَإنَّ المُتْرَفَ هو الَّذِي جُعِلَ ذا تَرَفٍ أيْ نِعْمَةٍ، فَظاهِرُ ذَلِكَ لا يُوجِبُ ذَمًّا، لَكِنَّ ذَلِكَ يُبَيِّنُ قُبْحَ ما ذُكِرَ عَنْهم بَعْدَهُ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكانُوا يُصِرُّونَ﴾؛ لِأنَّ صُدُورَ الكُفْرانِ مِمَّنْ عَلَيْهِ غايَةُ الإنْعامِ أقْبَحُ القَبائِحِ فَقالَ: إنَّهم كانُوا مُتْرَفِينَ، ولَمْ يَشْكُرُوا نِعَمَ اللَّهِ بَلْ أصَرُّوا عَلى الذَّنْبِ وعَلى هَذا فَنَقُولُ: النِّعَمُ الَّتِي تَقْتَضِي شُكْرَ اللَّهِ وعِبادَتَهُ في كُلِّ أحَدٍ كَثِيرَةٌ فَإنَّ الخَلْقَ والرِّزْقَ وما يَحْتاجُ إلَيْهِ وتَتَوَقَّفُ مَصالِحُهُ عَلَيْهِ حاصِلٌ لِلْكُلِّ، غايَةُ ما في البابِ أنَّ حالَ النّاسِ في الإتْرافِ مُتَقارِبٌ، فَيُقالُ في حَقِّ البَعْضِ بِالنِّسْبَةِ إلى بَعْضٍ: إنَّهُ في ضُرٍّ، ولَوْ حَمَلَ نَفْسَهُ عَلى القَناعَةِ لَكانَ أغْنى صفحة ١٤٩ الأغْنِياءِ وكَيْفَ لا والإنْسانُ إذا نَظَرَ إلى حالِهِ يَجِدُها مُفْتَقِرَةً إلى مَسْكَنٍ يَأْوِي إلَيْهِ ولِباسِ الحَرِّ والبَرْدِ وما يَسُدُّ جُوعَهُ مِنَ المَأْكُولِ والمَشْرُوبِ، وغَيْرِ هَذا مِنَ الفَضَلاتِ الَّتِي يَحْمِلُ عَلَيْها شُحُّ النَّفْسِ، ثُمَّ إنَّ أحَدًا لا يُغْلَبُ عَنْ تَحْصِيلِ مَسْكَنٍ بِاشْتِراءٍ أوِ اكْتِراءٍ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ فَلَيْسَ هو أعْجَزَ مِنَ الحَشَراتِ، لا تَفْقِدُ مُدَّخَلًا أوْ مَغارَةً، وأمّا اللِّباسُ فَلَوِ اقْتَنَعَ بِما يَدْفَعُ الضَّرُورَةَ كانَ يَكْفِيهِ في عُمُرِهِ لِباسٌ واحِدٌ، كُلَّما تَمَزَّقَ مِنهُ مَوْضِعٌ يَرْقَعُهُ مِن أيِّ شَيْءٍ كانَ، بَقِيَ أمْرُ المَأْكُولِ والمَشْرُوبِ، فَإذا نَظَرَ النّاظِرُ يَجِدُ كُلَّ أحَدٍ في جَمِيعِ الأحْوالِ غَيْرَ مَغْلُوبٍ عَنْ كِسْرَةِ خُبْزٍ وشَرْبَةِ ماءٍ، غَيْرَ أنَّ طَلَبَ الغِنى يُورِثُ الفَقْرَ فَيُرِيدُ الإنْسانُ بَيْتًا مُزَخْرَفًا ومَأْكُولًا طَيِّبًا، وغَيْرَ ذَلِكَ مِن أنْواعِ الدَّوابِّ والثِّيابِ، فَيَفْتَقِرُ إلى أنْ يَحْمِلَ المَشاقَّ، وطَلَبُ الغِنى يُورِثُ فَقْرَهُ، وارْتِيادُ الِارْتِفاعِ يَحُطُّ قَدْرَهُ، وبِالجُمْلَةِ شَهْوَةُ بَطْنِهِ وفَرْجِهِ تَكْسِرُ ظَهْرَهُ، عَلى أنَّنا نَقُولُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ لا شَكَّ أنَّ أهْلَ القُبُورِ لَمّا فَقَدُوا الأيْدِيَ الباطِشَةَ، والأعْيُنَ الباصِرَةَ، وبانَ لَهُمُ الحَقائِقُ، عَلِمُوا ﴿إنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ بِالنِّسْبَةِ إلى تِلْكَ الحالَةِ. * * * المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ما الإصْرارُ عَلى الحِنْثِ العَظِيمِ ؟ نَقُولُ: الشِّرْكُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] وفِيها لَطِيفَةٌ وهي أنَّهُ أشارَ في الآياتِ الثَّلاثِ إلى الأُصُولِ الثَّلاثَةِ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ مِن حَيْثُ الِاسْتِعْمالُ يَدُلُّ عَلى ذَمِّهِمْ بِإنْكارِ الرُّسُلِ، إذِ المُتْرَفُ مُتَكَبِّرٌ بِسَبَبِ الغِنى فَيُنْكِرُ الرِّسالَةَ، والمُتْرَفُونَ كانُوا يَقُولُونَ: ﴿أبَشَرًا مِنّا واحِدًا نَتَّبِعُهُ﴾ [القمر: ٢٤] وقَوْلُهُ: ﴿يُصِرُّونَ عَلى الحِنْثِ العَظِيمِ﴾ إشارَةٌ إلى الشِّرْكِ ومُخالَفَةِ التَّوْحِيدِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكانُوا يَقُولُونَ أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا﴾ إشارَةٌ إلى إنْكارِ الحَشْرِ والنَّشْرِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكانُوا يُصِرُّونَ عَلى الحِنْثِ العَظِيمِ﴾ فِيهِ مُبالَغاتٌ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكانُوا يُصِرُّونَ﴾ وهو آكَدُ مِن قَوْلِ القائِلِ: إنَّهم قَبْلَ ذَلِكَ أصَرُّوا؛ لِأنَّ اجْتِماعَ لَفْظَيِ الماضِي والمُسْتَقْبَلِ يَدُلُّ عَلى الِاسْتِمْرارِ؛ لِأنَّ قَوْلَنا: فُلانٌ كانَ يُحْسِنُ إلى النّاسِ، يُفِيدُ كَوْنَ ذَلِكَ عادَةً لَهُ. ثانِيها: لَفْظُ الإصْرارِ فَإنَّ الإصْرارَ مُداوَمَةُ المَعْصِيَةِ والغُلُولِ، ولا يُقالُ: في الخَيْرِ أصَرَّ. ثالِثُها: الحِنْثُ فَإنَّهُ فَوْقَ الذَّنْبِ فَإنَّ الحِنْثَ لا يَكادُ في اللُّغَةِ يَقَعُ عَلى الصَّغِيرَةِ والذَّنْبُ يَقَعُ عَلَيْها، وأمّا الحِنْثُ في اليَمِينِ فاسْتَعْمَلُوهُ؛ لِأنَّ نَفْسَ الكَذِبِ عِنْدَ العُقَلاءِ قَبِيحٌ، فَإنَّ مَصْلَحَةَ العالَمِ مَنُوطَةٌ بِالصِّدْقِ وإلّا لَمْ يَحْصُلْ لِأحَدٍ بِقَوْلِ أحَدٍ ثِقَةٌ فَلا يُبْنى عَلى كَلامِهِ مَصالِحُ، ولا يُجْتَنَبُ عَنْ مَفاسِدَ، ثُمَّ إنَّ الكَذِبَ لَمّا وُجِدَ في كَثِيرٍ مِنَ النّاسِ لِأغْراضٍ فاسِدَةٍ أرادُوا تَوْكِيدَ الأمْرِ بِضَمِّ شَيْءٍ إلَيْهِ يَدْفَعُ تَوَهُّمَهُ، فَضَمُّوا إلَيْهِ الأيْمانَ ولا شَيْءَ فَوْقَها، فَإذا حَنِثَ لَمْ يَبْقَ أمْرٌ يُفِيدُ الثِّقَةَ فَيَلْزَمُ مِنهُ فَسادٌ فَوْقَ فَسادِ الزِّنا والشُّرْبِ، غَيْرَ أنَّ اليَمِينَ إذا كانَتْ عَلى أمْرٍ مُسْتَقْبَلٍ ورَأى الحالِفُ غَيْرَهُ جَوَّزَ الشَّرْعُ الحِنْثَ ولَمْ يُجَوِّزْهُ في الكَبِيرَةِ كالزِّنا والقَتْلِ لِكَثْرَةِ وُقُوعِ الأيْمانِ وقِلَّةِ وُقُوعِ القَتْلِ، والَّذِي يَدُلُّ عَلى أنَّ الحِنْثَ هو الكَبِيرَةُ قَوْلُهم لِلْبالِغِ: بَلَغَ الحِنْثَ، أيْ بَلَغَ مَبْلَغًا بِحَيْثُ يَرْتَكِبُ الكَبِيرَةَ، وقَبْلَهُ ما كانَ يُنْفى عَنْهُ الصَّغِيرَةُ؛ لِأنَّ الوَلِيَّ مَأْمُورٌ بِالمُعاقَبَةِ عَلى إساءَةِ الأدَبِ وتَرْكِ الصَّلاةِ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿العَظِيمِ﴾ هَذا يُفِيدُ أنَّ المُرادَ الشِّرْكُ، فَإنَّ هَذِهِ الأُمُورَ لا تَجْتَمِعُ في غَيْرِهِ. المَسْألَةُ الخامِسَةُ: كَيْفَ اشْتُهِرَ ﴿مِتْنا﴾ بِكَسْرِ المِيمِ مَعَ أنَّ اسْتِعْمالَ القُرْآنِ في المُسْتَقْبَلِ يَمُوتُ قالَ تَعالى عَنْ يَحْيى وعِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ: ﴿ويَوْمَ أمُوتُ﴾ [مريم: ٣٣] ولَمْ يُقْرَأْ أماتُ عَلى وزْنِ أخافُ، وقالَ صفحة ١٥٠ تَعالى: ﴿قُلْ مُوتُوا﴾ [آل عمران: ١١٩] ولَمْ يَقُلْ: ولا تَماتُوا كَما قالَ: ﴿ألّا تَخافُوا﴾ [فصلت: ٣٠] قُلْنا: فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ هَذِهِ الكَلِمَةَ خالَفَتْ غَيْرَها، فَقِيلَ فِيها: أمُوتُ، والسَّماعُ مُقَدَّمٌ عَلى القِياسِ. والثّانِي: ماتَ يَماتُ لُغَةٌ في ماتَ يَمُوتُ، فاسْتُعْمِلَ ما فِيها الكَسْرُ لِأنَّ الكَسْرَ في الماضِي يُوجَدُ أكْثَرَ الأمْرَيْنِ: أحَدُهُما: كَثْرَةُ يَفْعَلُ عَلى يَفْعُلُ. وثانِيهِما: كَوْنُهُ عَلى فَعَلَ يَفْعَلُ، مِثْلُ خافَ يَخافُ، وفي مُسْتَقْبَلِها الضَّمُّ؛ لِأنَّهُ يُوجَدُ لِسَبَبَيْنِ: أحَدُهُما: كَوْنُ الفِعْلِ عَلى فَعَلَ يَفْعُلُ، مِثْلُ طالَ يَطُولُ، فَإنَّ وصْفَهُ بِالتَّطْوِيلِ دُونَ الطّائِلِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ مِن بابِ قَصَرَ يَقْصُرُ. وثانِيهِما: كَوْنُهُ عَلى فَعِلَ يَفْعُلُ، تَقُولُ: فَعِلْتُ في الماضِي بِالكَسْرِ وفي المُسْتَقْبَلِ بِالضَّمِّ. المَسْألَةُ السّادِسَةُ: كَيْفَ أتى بِاللّامِ المُؤَكِّدَةِ في قَوْلِهِ: ﴿لَمَبْعُوثُونَ﴾ مَعَ أنَّ المُرادَ هو النَّفْيُ وفي النَّفْيِ لا يُذْكَرُ في خَبَرِ إنَّ اللّامُ يُقالُ: إنَّ زَيْدًا لَيَجِيءُ وإنَّ زَيْدًا لا يَجِيءُ، فَلا تُذْكَرُ اللّامُ، وما مُرادُهم بِالِاسْتِفْهامِ إلّا الإنْكارَ بِمَعْنى إنّا لا نُبْعَثُ ؟ نَقُولُ: الجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: عِنْدَ إرادَةِ التَّصْرِيحِ بِالنَّفْيِ يُوجَدُ التَّصْرِيحُ بِالنَّفْيِ وصِيغَتُهُ. ثانِيهِما: أنَّهم أرادُوا تَكْذِيبَ مَن يُخْبِرُ عَنِ البَعْثِ فَذَكَرُوا أنَّ المُخْبِرَ عَنْهُ يُبالِغُ في الإخْبارِ ونَحْنُ نَسْتَكْثِرُ مُبالَغَتَهُ وتَأْكِيدَهُ فَحَكَوْا كَلامَهم عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِفْهامِ بِمَعْنى الإنْكارِ، ثُمَّ إنَّهم أشارُوا في الإنْكارِ إلى أُمُورٍ اعْتَقَدُوها مُقَرَّرَةً لِصِحَّةِ إنْكارِهِمْ فَقالُوا أوَّلًا: ﴿أئِذا مِتْنا﴾ ولَمْ يَقْتَصِرُوا عَلَيْهِ بَلْ قالُوا بَعْدَهُ: ﴿وكُنّا تُرابًا وعِظامًا﴾ أيْ فَطالَ عَهْدُنا بَعْدَ كَوْنِنا أمْواتًا حَتّى صارَتِ اللُّحُومُ تُرابًا والعِظامُ رُفاتًا، ثُمَّ زادُوا وقالُوا: مَعَ هَذا يُقالُ لَنا: إنَّكم لَمَبْعُوثُونَ بِطَرِيقِ التَّأْكِيدِ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: أحَدُها: اسْتِعْمالُ كَلِمَةٍ إنَّ. ثانِيها: إثْباتُ اللّامِ في خَبَرِها. ثالِثُها: تَرْكُ صِيغَةِ الِاسْتِقْبالِ، والإتْيانُ بِالمَفْعُولِ كَأنَّهُ كائِنٌ، فَقالُوا لَنا: إنَّكم لَمَبْعُوثُونَ ثُمَّ زادُوا وقالُوا: ﴿أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ﴾ يَعْنِي هَذا أبْعَدُ فَإنّا إذا كُنّا تُرابًا بَعْدَ مَوْتِنا والآباءُ حالُهم فَوْقَ حالِ العِظامِ الرُّفاتِ فَكَيْفَ يُمْكِنُ البَعْثُ ؟ وقَدْ بَيَّنّا في سُورَةِ والصّافّاتِ هَذا كُلَّهُ وقُلْنا: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ﴾ مَعْناهُ: أوْ يَقُولُوا: آباؤُنا الأوَّلُونَ، إشارَةً إلى أنَّهم في الإشْكالِ أعْظَمُ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى أجابَهم ورَدَّ عَلَيْهِمْ في الجَوابِ في كُلِّ مُبالَغَةٍ بِمُبالَغَةٍ أُخْرى فَقالَ:

الواقعة 56:49

﴿قُلْ إنَّ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ﴾ ﴿لَمَجْمُوعُونَ إلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ فَقَوْلُهُ: ﴿قُلْ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ الأمْرَ في غايَةِ الظُّهُورِ، وذَلِكَ أنَّ في الرِّسالَةِ أسْرارًا لا تُقالُ إلّا لِلْأبْرارِ، ومِن جُمْلَتِها تَعْيِينُ وقْتِ القِيامَةِ؛ لِأنَّ العَوامَّ لَوْ عَلِمُوا لاتَّكَلُوا والأنْبِياءُ رُبَّما اطَّلَعُوا عَلى عَلاماتِها أكْثَرَ مِمّا بَيَّنُوا ورُبَّما بَيَّنُوا لِلْأكابِرِ مِنَ الصَّحابَةِ عَلاماتٍ عَلى ما نُبَيِّنُ، فَفِيهِ وُجُوهٌ: أوَّلُها قَوْلُهُ: ﴿قُلْ﴾ يَعْنِي أنَّ هَذا مِن جُمْلَةِ الأُمُورِ الَّتِي بَلَغَتْ في الظُّهُورِ إلى حَدٍّ يَشْتَرِكُ فِيهِ العَوامُّ والخَواصُّ، فَقالَ: قُلْ قَوْلًا عامًّا وهَكَذا في كُلِّ مَوْضِعٍ، قالَ: قُلْ كانَ الأمْرُ ظاهِرًا، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] وقالَ: ﴿قُلْ إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ [فصلت: ٦] أيْ هَذا هو الظّاهِرُ مِن أمْرِ الرُّوحِ وغَيْرُهُ خَفِيٌّ. ثانِيها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ﴾ [الواقعة: ٤٩] بِتَقْدِيمِ الأوَّلِينَ عَلى الآخَرِينَ في جَوابِ قَوْلِهِمْ: ﴿أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ﴾ فَإنَّهم أخَّرُوا ذِكْرَ الآباءِ لِكَوْنِ الِاسْتِبْعادِ فِيهِمْ أكْثَرَ، فَقالَ إنَّ الأوَّلِينَ الَّذِينَ تَسْتَبْعِدُونَ بَعْثَهم وتُؤَخِّرُونَهم يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ في أمْرٍ مُقَدَّمٍ عَلى الآخِرِينَ، يَتَبَيَّنُ مِنهُ إثْباتُ حالِ مَن أخَّرْتُمُوهُ صفحة ١٥١ مُسْتَبْعِدِينَ، إشارَةً إلى كَوْنِ الأمْرِ هَيِّنًا. ثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَمَجْمُوعُونَ﴾ فَإنَّهم أنْكَرُوا قَوْلَهُ: ﴿لَمَبْعُوثُونَ﴾ فَقالَ: هو واقِعٌ مَعَ أمْرٍ زائِدٍ، وهو أنَّهم يُحْشَرُونَ ويُجْمَعُونَ في عَرْصَةِ الحِسابِ، وهَذا فَوْقَ البَعْثِ، فَإنَّ مَن بَقِيَ تَحْتَ التُّرابِ مُدَّةً طَوِيلَةً ثُمَّ حُشِرَ رُبَّما لا يَكُونُ لَهُ قُدْرَةٌ عَلى الحَرَكَةِ، وكَيْفَ لَوْ كانَ حَيًّا مَحْبُوسًا في قَبْرِهِ مُدَّةً لَتَعَذَّرَتْ عَلَيْهِ الحَرَكَةُ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بِقُدْرَتِهِ يُحَرِّكُهُ بِأسْرَعِ حَرَكَةٍ ويَجْمَعُهُ بِأقْوى سَيْرٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَمَجْمُوعُونَ﴾ فَوْقَ قَوْلِ القائِلِ: مَجْمُوعُونَ كَما قُلْنا: إنَّ قَوْلَ القائِلِ: إنَّهُ يَمُوتُ في إفادَةِ التَّوْكِيدِ دُونَ قَوْلِهِ: إنَّهُ مَيِّتٌ. رابِعُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى يَجْمَعُهم في يَوْمٍ واحِدٍ مَعْلُومٍ، واجْتِماعُ عَدَدٍ مِنَ الأمْواتِ لا يَعْلَمُ عَدَدَهم إلّا اللَّهُ تَعالى في وقْتٍ واحِدٍ أعْجَبُ مِن نَفْسِ البَعْثِ وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ والصّافّاتِ: ﴿فَإنَّما هي زَجْرَةٌ واحِدَةٌ﴾ [الصافات: ١٩] أيْ أنْتُمْ تَسْتَبْعِدُونَ نَفْسَ البَعْثِ، والأعْجَبُ مِن هَذا أنَّهُ يَبْعَثُهم بِزَجْرَةٍ واحِدَةٍ أيْ صَيْحَةٍ واحِدَةٍ: ﴿فَإذا هم يَنْظُرُونَ﴾ أيْ يُبْعَثُونَ مَعَ زِيادَةِ أمْرٍ، وهو فَتْحُ أعْيُنِهِمْ ونَظَرُهم، بِخِلافِ مَن نَعَسَ فَإنَّهُ إذا انْتَبَهَ يَبْقى ساعَةً ثُمَّ يَنْظُرُ في الأشْياءِ، فَأمْرُ الإحْياءِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى أهْوَنُ مِن تَنْبِيهِ نائِمٍ. خامِسُها: حَرْفُ ﴿إلى﴾ أدَلُّ عَلى البَعْثِ مِنَ اللّامِ، ولْنَذْكُرْ هَذا في جَوابِ سُؤالٍ هو أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكم لِيَوْمِ الجَمْعِ﴾ [التغابن: ٩] وقالَ هُنا: ﴿لَمَجْمُوعُونَ إلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ ولَمْ يَقُلْ: لِمِيقاتِنا، وقالَ: ﴿ولَمّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا﴾ [الأعراف: ١٤٣] نَقُولُ: لَمّا كانَ ذِكْرُ الجَمْعِ جَوابًا لِلْمُنْكِرِينَ ذَكَرَ كَلِمَةَ ”إلى“ الدّالَّةِ عَلى التَّحَرُّكِ والِانْتِقالِ لِتَكُونَ أدَلَّ عَلى فِعْلٍ غَيْرِ البَعْثِ ولا يَجْمَعُ هُناكَ قالَ: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكم لِيَوْمِ﴾ ولا يُفْهَمُ النُّشُورُ مِن نَفْسِ الحَرْفِ وإنْ كانَ يُفْهَمُ مِنَ الكَلامِ، ولِهَذا قالَ هَهُنا: ﴿لَمَجْمُوعُونَ﴾ بِلَفْظِ التَّأْكِيدِ، وقالَ هُناكَ: ﴿يَجْمَعُكُمْ﴾ وقالَ هَهُنا: ﴿إلى مِيقاتِ﴾ وهو مَصِيرُ الوَقْتِ إلَيْهِ، وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَمّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا﴾ فَنَقُولُ: المَوْضِعُ هُناكَ لَمْ يَكُنْ مَطْلُوبَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وإنَّما كانَ مَطْلُوبُهُ الحُضُورَ؛ لِأنَّ مَن وُقِّتَ لَهُ وقْتٌ وعُيِّنَ لَهُ مَوْضِعٌ كانَتْ حَرَكَتُهُ في الحَقِيقَةِ لِأمْرٍ بِالتَّبَعِ إلى أمْرٍ وأمّا هُناكَ فالأمْرُ الأعْظَمُ الوُقُوفُ في مَوْضِعِهِ لا زَمانِهِ فَقالَ بِكَلِمَةٍ دَلالَتُها عَلى المَوْضِعِ والمَكانِ أظْهَرُ.

الواقعة 56:50

﴿قُلْ إنَّ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ﴾ ﴿لَمَجْمُوعُونَ إلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ فَقَوْلُهُ: ﴿قُلْ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ الأمْرَ في غايَةِ الظُّهُورِ، وذَلِكَ أنَّ في الرِّسالَةِ أسْرارًا لا تُقالُ إلّا لِلْأبْرارِ، ومِن جُمْلَتِها تَعْيِينُ وقْتِ القِيامَةِ؛ لِأنَّ العَوامَّ لَوْ عَلِمُوا لاتَّكَلُوا والأنْبِياءُ رُبَّما اطَّلَعُوا عَلى عَلاماتِها أكْثَرَ مِمّا بَيَّنُوا ورُبَّما بَيَّنُوا لِلْأكابِرِ مِنَ الصَّحابَةِ عَلاماتٍ عَلى ما نُبَيِّنُ، فَفِيهِ وُجُوهٌ: أوَّلُها قَوْلُهُ: ﴿قُلْ﴾ يَعْنِي أنَّ هَذا مِن جُمْلَةِ الأُمُورِ الَّتِي بَلَغَتْ في الظُّهُورِ إلى حَدٍّ يَشْتَرِكُ فِيهِ العَوامُّ والخَواصُّ، فَقالَ: قُلْ قَوْلًا عامًّا وهَكَذا في كُلِّ مَوْضِعٍ، قالَ: قُلْ كانَ الأمْرُ ظاهِرًا، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] وقالَ: ﴿قُلْ إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ [فصلت: ٦] أيْ هَذا هو الظّاهِرُ مِن أمْرِ الرُّوحِ وغَيْرُهُ خَفِيٌّ. ثانِيها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ﴾ [الواقعة: ٤٩] بِتَقْدِيمِ الأوَّلِينَ عَلى الآخَرِينَ في جَوابِ قَوْلِهِمْ: ﴿أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ﴾ فَإنَّهم أخَّرُوا ذِكْرَ الآباءِ لِكَوْنِ الِاسْتِبْعادِ فِيهِمْ أكْثَرَ، فَقالَ إنَّ الأوَّلِينَ الَّذِينَ تَسْتَبْعِدُونَ بَعْثَهم وتُؤَخِّرُونَهم يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ في أمْرٍ مُقَدَّمٍ عَلى الآخِرِينَ، يَتَبَيَّنُ مِنهُ إثْباتُ حالِ مَن أخَّرْتُمُوهُ صفحة ١٥١ مُسْتَبْعِدِينَ، إشارَةً إلى كَوْنِ الأمْرِ هَيِّنًا. ثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَمَجْمُوعُونَ﴾ فَإنَّهم أنْكَرُوا قَوْلَهُ: ﴿لَمَبْعُوثُونَ﴾ فَقالَ: هو واقِعٌ مَعَ أمْرٍ زائِدٍ، وهو أنَّهم يُحْشَرُونَ ويُجْمَعُونَ في عَرْصَةِ الحِسابِ، وهَذا فَوْقَ البَعْثِ، فَإنَّ مَن بَقِيَ تَحْتَ التُّرابِ مُدَّةً طَوِيلَةً ثُمَّ حُشِرَ رُبَّما لا يَكُونُ لَهُ قُدْرَةٌ عَلى الحَرَكَةِ، وكَيْفَ لَوْ كانَ حَيًّا مَحْبُوسًا في قَبْرِهِ مُدَّةً لَتَعَذَّرَتْ عَلَيْهِ الحَرَكَةُ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بِقُدْرَتِهِ يُحَرِّكُهُ بِأسْرَعِ حَرَكَةٍ ويَجْمَعُهُ بِأقْوى سَيْرٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَمَجْمُوعُونَ﴾ فَوْقَ قَوْلِ القائِلِ: مَجْمُوعُونَ كَما قُلْنا: إنَّ قَوْلَ القائِلِ: إنَّهُ يَمُوتُ في إفادَةِ التَّوْكِيدِ دُونَ قَوْلِهِ: إنَّهُ مَيِّتٌ. رابِعُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى يَجْمَعُهم في يَوْمٍ واحِدٍ مَعْلُومٍ، واجْتِماعُ عَدَدٍ مِنَ الأمْواتِ لا يَعْلَمُ عَدَدَهم إلّا اللَّهُ تَعالى في وقْتٍ واحِدٍ أعْجَبُ مِن نَفْسِ البَعْثِ وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ والصّافّاتِ: ﴿فَإنَّما هي زَجْرَةٌ واحِدَةٌ﴾ [الصافات: ١٩] أيْ أنْتُمْ تَسْتَبْعِدُونَ نَفْسَ البَعْثِ، والأعْجَبُ مِن هَذا أنَّهُ يَبْعَثُهم بِزَجْرَةٍ واحِدَةٍ أيْ صَيْحَةٍ واحِدَةٍ: ﴿فَإذا هم يَنْظُرُونَ﴾ أيْ يُبْعَثُونَ مَعَ زِيادَةِ أمْرٍ، وهو فَتْحُ أعْيُنِهِمْ ونَظَرُهم، بِخِلافِ مَن نَعَسَ فَإنَّهُ إذا انْتَبَهَ يَبْقى ساعَةً ثُمَّ يَنْظُرُ في الأشْياءِ، فَأمْرُ الإحْياءِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى أهْوَنُ مِن تَنْبِيهِ نائِمٍ. خامِسُها: حَرْفُ ﴿إلى﴾ أدَلُّ عَلى البَعْثِ مِنَ اللّامِ، ولْنَذْكُرْ هَذا في جَوابِ سُؤالٍ هو أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكم لِيَوْمِ الجَمْعِ﴾ [التغابن: ٩] وقالَ هُنا: ﴿لَمَجْمُوعُونَ إلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ ولَمْ يَقُلْ: لِمِيقاتِنا، وقالَ: ﴿ولَمّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا﴾ [الأعراف: ١٤٣] نَقُولُ: لَمّا كانَ ذِكْرُ الجَمْعِ جَوابًا لِلْمُنْكِرِينَ ذَكَرَ كَلِمَةَ ”إلى“ الدّالَّةِ عَلى التَّحَرُّكِ والِانْتِقالِ لِتَكُونَ أدَلَّ عَلى فِعْلٍ غَيْرِ البَعْثِ ولا يَجْمَعُ هُناكَ قالَ: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكم لِيَوْمِ﴾ ولا يُفْهَمُ النُّشُورُ مِن نَفْسِ الحَرْفِ وإنْ كانَ يُفْهَمُ مِنَ الكَلامِ، ولِهَذا قالَ هَهُنا: ﴿لَمَجْمُوعُونَ﴾ بِلَفْظِ التَّأْكِيدِ، وقالَ هُناكَ: ﴿يَجْمَعُكُمْ﴾ وقالَ هَهُنا: ﴿إلى مِيقاتِ﴾ وهو مَصِيرُ الوَقْتِ إلَيْهِ، وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَمّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا﴾ فَنَقُولُ: المَوْضِعُ هُناكَ لَمْ يَكُنْ مَطْلُوبَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وإنَّما كانَ مَطْلُوبُهُ الحُضُورَ؛ لِأنَّ مَن وُقِّتَ لَهُ وقْتٌ وعُيِّنَ لَهُ مَوْضِعٌ كانَتْ حَرَكَتُهُ في الحَقِيقَةِ لِأمْرٍ بِالتَّبَعِ إلى أمْرٍ وأمّا هُناكَ فالأمْرُ الأعْظَمُ الوُقُوفُ في مَوْضِعِهِ لا زَمانِهِ فَقالَ بِكَلِمَةٍ دَلالَتُها عَلى المَوْضِعِ والمَكانِ أظْهَرُ.

الواقعة 56:51

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ثُمَّ إنَّكم أيُّها الضّالُّونَ المُكَذِّبُونَ﴾ ﴿لَآكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِن زَقُّومٍ﴾ ﴿فَمالِئُونَ مِنها البُطُونَ﴾ ﴿فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الحَمِيمِ﴾ ﴿فَشارِبُونَ شُرْبَ الهِيمِ﴾ . فِي تَفْسِيرِ الآياتِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: الخِطابُ مَعَ مَن ؟ نَقُولُ: قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ مَعَ أهْلِ مَكَّةَ، والظّاهِرُ أنَّهُ عامٌّ مَعَ كُلِّ ضالٍّ مُكَذِّبٍ وقَدْ تَقَدَّمَ مِثْلُ هَذا في مَواضِعَ، وهو تَمامُ كَلامِ النَّبِيِّ ﷺ كَأنَّهُ تَعالى قالَ لِنَبِيِّهِ: قُلْ إنَّ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ لَمَجْمُوعُونَ ثُمَّ إنَّكم تُعَذَّبُونَ بِهَذِهِ الأنْواعِ مِنَ العَذابِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ هَهُنا: ﴿الضّالُّونَ المُكَذِّبُونَ﴾ بِتَقْدِيمِ الضّالِّ وقالَ في آخِرِ السُّورَةِ: ﴿وأمّا إنْ كانَ مِنَ المُكَذِّبِينَ الضّالِّينَ﴾ [الواقعة: ٩٢] بِتَقْدِيمِ المُكَذِّبِينَ، فَهَلْ بَيْنَهُما فَرْقٌ ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، وذَلِكَ أنَّ المُرادَ مِنَ الضّالِّينَ هَهُنا هُمُ الَّذِينَ صَدَرَ مِنهُمُ الإصْرارُ عَلى الحِنْثِ العَظِيمِ، فَضَلُّوا في سَبِيلِ اللَّهِ ولَمْ يَصِلُوا إلَيْهِ ولَمْ صفحة ١٥٢ يُوَحِّدُوهُ، وذَلِكَ ضَلالٌ عَظِيمٌ، ثُمَّ كَذَّبُوا رُسُلَهُ وقالُوا: ﴿أئِذا مِتْنا﴾ فَكَذَّبُوا بِالحَشْرِ، فَقالَ: ﴿أيُّها الضّالُّونَ﴾ الَّذِينَ أشْرَكْتُمْ ﴿المُكَذِّبُونَ﴾ الَّذِينَ أنْكَرْتُمُ الحَشْرَ لَتَأْكُلُونَ ما تَكْرَهُونَ، وأمّا هُناكَ فَقالَ لَهم: أيُّها المُكَذِّبُونَ الَّذِينَ كَذَّبْتُمْ بِالحَشْرِ، ﴿الضّالُّونَ﴾ في طَرِيقِ الخَلاصِ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ إلى النَّعِيمِ، وفِيهِ وجْهٌ آخَرُ وهو أنَّ الخِطابَ هُنا مَعَ الكُفّارِ فَقالَ: يا أيُّها الَّذِينَ ضَلَلْتُمْ أوَّلًا وكَذَّبْتُمْ ثانِيًا، والخِطابُ في آخِرِ السُّورَةِ مَعَ مُحَمَّدٍ ﷺ يُبَيِّنُ لَهُ حالَ الأزْواجِ الثَّلاثَةِ. فَقالَ: المُقَرَّبُونَ في رَوْحٍ ورَيْحانٍ وجَنَّةِ نَعِيمٍ، وأصْحابُ اليَمِينِ في سَلامٍ، وأمّا المُكَذِّبُونَ الَّذِينَ كَذَّبُوا فَقَدْ ضَلُّوا فَقَدَّمَ تَكْذِيبَهم إشارَةً إلى كَرامَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ حَيْثُ بَيَّنَ أنَّ أقْوى سَبَبٍ في عِقابِهِمْ تَكْذِيبُهم والَّذِي يَدُلُّ عَلى أنَّ الكَلامَ هُناكَ مَعَ مُحَمَّدٍ ﷺ قَوْلُهُ: ﴿فَسَلامٌ لَكَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ [الواقعة: ٩١] . المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ما الزَّقُّومُ ؟ نَقُولُ: قَدْ بَيَّنّاهُ في مَوْضِعٍ آخَرَ واخْتَلَفَ فِيهِ أقْوالُ النّاسِ ومَآلُ الأقْوالِ إلى كَوْنِ ذَلِكَ في الطَّعْمِ مُرًّا وفي اللَّمْسِ حارًّا، وفي الرّائِحَةِ مُنْتِنًا، وفي المَنظَرِ أسْوَدَ لا يَكادُ آكِلُهُ يُسِيغُهُ فَيُكْرَهُ عَلى ابْتِلاعِهِ، والتَّحْقِيقُ اللُّغَوِيُّ فِيهِ أنَّ الزَّقُّومَ لُغَيَّةٌ عَرَبِيَّةٌ دَلَّنا تَرْكِيبُهُ عَلى قُبْحِهِ، وذَلِكَ لِأنَّ ”ز ق“ لَمْ يَجْتَمِعْ إلّا في مُهْمَلٍ أوْ في مَكْرُوهٍ مِنهُ مَزَقَ، ومِنهُ زَمَقَ شَعْرُهُ إذا نَتَفَهُ، ومِنهُ القَزْمُ لِلدَّناءَةِ، وأقْوى مِن هَذا أنَّ القافَ مَعَ كُلِّ حَرْفٍ مِنَ الحَرْفَيْنِ الباقِيَيْنِ يَدُلُّ عَلى المَكْرُوهِ في أكْثَرِ الأمْرِ، فالقافُ مَعَ المِيمِ قُمامَةٌ وقُمْقُمَةٌ، وبِالعَكْسِ مُقامِقٌ الغَلِيظُ الصَّوْتِ والقُمْقُمَةُ هو السُّورُ، وأمّا القافُ مَعَ الزّايِ فالزَّقُّ رَمْيُ الطّائِرِ بِذَرْقِهِ، والزَّقْزَقَةُ الخِفَّةُ، وبِالعَكْسِ القَزْنُوبُ، فَيَنْفِرُ الطَّبْعُ مِن تَرْكِيبِ الكَلِمَةِ مِن حُرُوفٍ اجْتِماعُها دَلِيلُ الكَراهَةِ والقُبْحِ، ثُمَّ قُرِنَ بِالأكْلِ فَدَلَّ عَلى أنَّهُ طَعامٌ ذُو غُصَّةٍ، وأمّا ما يُقالُ بِأنَّ العَرَبَ تَقُولُ: زَقَمْتَنِي بِمَعْنى أطْعَمْتَنِي الزُّبْدَ والعَسَلَ واللَّبَنَ، فَذَلِكَ لِلْمَجانَةِ كَقَوْلِهِمْ: أرْشَقَنِي بِثَوْبٍ حَسَنٍ، وأرْجَمَنِي بِكِيسٍ مِن ذَهَبٍ، وقَوْلُهُ: ﴿مِن شَجَرٍ﴾ لِابْتِداءِ الغايَةِ أيْ تَناوُلُكم مِنهُ، وقَوْلُهُ: ﴿فَمالِئُونَ مِنها﴾ زِيادَةٌ في بَيانِ العَذابِ أيْ لا يُكْتَفى مِنكم بِنَفْسٍ كَما الأكْلُ يَكْتَفِي مَن يَأْكُلُ الشَّيْءَ لِتَحِلَّةِ القَسَمِ، بَلْ يُلْزَمُونَ بِأنْ تَمْلَئُوا مِنها البُطُونَ والهاءُ عائِدَةٌ إلى الشَّجَرَةِ، والبُطُونُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ مُقابَلَةَ الجَمْعِ بِالجَمْعِ أيْ يَمْلَأُ كُلُّ واحِدٍ مِنكم بَطْنَهُ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنكم يَمْلَأُ البُطُونَ، والبُطُونُ حِينَئِذٍ تَكُونُ بُطُونَ الأمْعاءِ، لِتَخَيُّلِ وصْفِ المِعى في باطِنِ الإنْسانِ لَهُ، كَيَأْكُلُ في سَبْعَةِ أمْعاءٍ، فَيَمْلَئُونَ بُطُونَ الأمْعاءِ وغَيْرِها، والأوَّلُ أظْهَرُ، والثّانِي أدْخَلُ في التَّعْذِيبِ والوَعِيدِ، قَوْلُهُ: ﴿فَشارِبُونَ عَلَيْهِ﴾ أيْ عَقِيبَ الأكْلِ تَجُرُّ مَرارَتُهُ وحَرارَتُهُ إلى شُرْبِ الماءِ فَيَشْرَبُونَ عَلى ذَلِكَ المَأْكُولِ وعَلى ذَلِكَ الزَّقُّومِ مِنَ الماءِ الحارِّ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ الحَمِيمِ، وقَوْلُهُ: ﴿فَشارِبُونَ شُرْبَ الهِيمِ﴾ بَيانٌ أيْضًا لِزِيادَةِ العَذابِ أيْ لا يَكُونُ أمْرُكم أمْرَ مَن شَرِبَ ماءً حارًّا مُنْتِنًا فَيُمْسِكُ عَنْهُ بَلْ يَلْزَمُكم أنْ تَشْرَبُوا مِنهُ مِثْلَ ما تَشْرَبُ الهِيمُ وهي الجِمالُ الَّتِي أصابَها العَطَشُ فَتَشْرَبُ ولا تَرْوى، وهَذا البَيانُ في الشُّرْبِ لِزِيادَةِ العَذابِ، وقَوْلُهُ: ﴿فَمالِئُونَ مِنها﴾ في الأكْلِ، فَإنْ قِيلَ: الأهْيَمُ إذا شَرِبَ الماءَ الكَثِيرَ يَضُرُّهُ ولَكِنْ في الحالِ يَلْتَذُّ بِهِ، فَهَلْ لِأهْلِ الجَحِيمِ مِن شُرْبِ الحَمِيمِ الحارِّ في النّارِ لَذَّةٌ ؟ قُلْنا: لا، وإنَّما ذَلِكَ لِبَيانِ زِيادَةِ العَذابِ، ووَجْهُهُ أنْ يُقالَ: يُلْزَمُونَ بِشُرْبِ الحَمِيمِ ولا يُكْتَفى مِنهم بِذَلِكَ الشُّرْبِ بَلْ يُلْزَمُونَ أنْ يَشْرَبُوا كَما يَشْرَبُ الجَمَلُ الأهْيَمُ الَّذِي بِهِ الهُيامُ، أوْ هم إذا شَرِبُوا تَزْدادُ حَرارَةُ الزَّقُّومِ في جَوْفِهِمْ فَيَظُنُّونَ أنَّهُ مِنَ الزَّقُّومِ لا مِنَ الحَمِيمِ فَيَشْرَبُونَ مِنهُ شَيْئًا كَثِيرًا بِناءً عَلى وهْمِ الرِّيِّ، والقَوْلُ في الهِيمِ كالقَوْلِ في البِيضِ، أصْلُهُ هُومٌ، وهَذا مِن هامَ يَهِيمُ كَأنَّهُ مِنَ العَطَشِ يَهِيمُ، والهُيامُ ذَلِكَ الدّاءُ الَّذِي يَجْعَلُهُ كالهائِمِ مِنَ العَطَشِ.

الواقعة 56:52

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ثُمَّ إنَّكم أيُّها الضّالُّونَ المُكَذِّبُونَ﴾ ﴿لَآكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِن زَقُّومٍ﴾ ﴿فَمالِئُونَ مِنها البُطُونَ﴾ ﴿فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الحَمِيمِ﴾ ﴿فَشارِبُونَ شُرْبَ الهِيمِ﴾ . فِي تَفْسِيرِ الآياتِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: الخِطابُ مَعَ مَن ؟ نَقُولُ: قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ مَعَ أهْلِ مَكَّةَ، والظّاهِرُ أنَّهُ عامٌّ مَعَ كُلِّ ضالٍّ مُكَذِّبٍ وقَدْ تَقَدَّمَ مِثْلُ هَذا في مَواضِعَ، وهو تَمامُ كَلامِ النَّبِيِّ ﷺ كَأنَّهُ تَعالى قالَ لِنَبِيِّهِ: قُلْ إنَّ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ لَمَجْمُوعُونَ ثُمَّ إنَّكم تُعَذَّبُونَ بِهَذِهِ الأنْواعِ مِنَ العَذابِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ هَهُنا: ﴿الضّالُّونَ المُكَذِّبُونَ﴾ بِتَقْدِيمِ الضّالِّ وقالَ في آخِرِ السُّورَةِ: ﴿وأمّا إنْ كانَ مِنَ المُكَذِّبِينَ الضّالِّينَ﴾ [الواقعة: ٩٢] بِتَقْدِيمِ المُكَذِّبِينَ، فَهَلْ بَيْنَهُما فَرْقٌ ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، وذَلِكَ أنَّ المُرادَ مِنَ الضّالِّينَ هَهُنا هُمُ الَّذِينَ صَدَرَ مِنهُمُ الإصْرارُ عَلى الحِنْثِ العَظِيمِ، فَضَلُّوا في سَبِيلِ اللَّهِ ولَمْ يَصِلُوا إلَيْهِ ولَمْ صفحة ١٥٢ يُوَحِّدُوهُ، وذَلِكَ ضَلالٌ عَظِيمٌ، ثُمَّ كَذَّبُوا رُسُلَهُ وقالُوا: ﴿أئِذا مِتْنا﴾ فَكَذَّبُوا بِالحَشْرِ، فَقالَ: ﴿أيُّها الضّالُّونَ﴾ الَّذِينَ أشْرَكْتُمْ ﴿المُكَذِّبُونَ﴾ الَّذِينَ أنْكَرْتُمُ الحَشْرَ لَتَأْكُلُونَ ما تَكْرَهُونَ، وأمّا هُناكَ فَقالَ لَهم: أيُّها المُكَذِّبُونَ الَّذِينَ كَذَّبْتُمْ بِالحَشْرِ، ﴿الضّالُّونَ﴾ في طَرِيقِ الخَلاصِ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ إلى النَّعِيمِ، وفِيهِ وجْهٌ آخَرُ وهو أنَّ الخِطابَ هُنا مَعَ الكُفّارِ فَقالَ: يا أيُّها الَّذِينَ ضَلَلْتُمْ أوَّلًا وكَذَّبْتُمْ ثانِيًا، والخِطابُ في آخِرِ السُّورَةِ مَعَ مُحَمَّدٍ ﷺ يُبَيِّنُ لَهُ حالَ الأزْواجِ الثَّلاثَةِ. فَقالَ: المُقَرَّبُونَ في رَوْحٍ ورَيْحانٍ وجَنَّةِ نَعِيمٍ، وأصْحابُ اليَمِينِ في سَلامٍ، وأمّا المُكَذِّبُونَ الَّذِينَ كَذَّبُوا فَقَدْ ضَلُّوا فَقَدَّمَ تَكْذِيبَهم إشارَةً إلى كَرامَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ حَيْثُ بَيَّنَ أنَّ أقْوى سَبَبٍ في عِقابِهِمْ تَكْذِيبُهم والَّذِي يَدُلُّ عَلى أنَّ الكَلامَ هُناكَ مَعَ مُحَمَّدٍ ﷺ قَوْلُهُ: ﴿فَسَلامٌ لَكَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ [الواقعة: ٩١] . المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ما الزَّقُّومُ ؟ نَقُولُ: قَدْ بَيَّنّاهُ في مَوْضِعٍ آخَرَ واخْتَلَفَ فِيهِ أقْوالُ النّاسِ ومَآلُ الأقْوالِ إلى كَوْنِ ذَلِكَ في الطَّعْمِ مُرًّا وفي اللَّمْسِ حارًّا، وفي الرّائِحَةِ مُنْتِنًا، وفي المَنظَرِ أسْوَدَ لا يَكادُ آكِلُهُ يُسِيغُهُ فَيُكْرَهُ عَلى ابْتِلاعِهِ، والتَّحْقِيقُ اللُّغَوِيُّ فِيهِ أنَّ الزَّقُّومَ لُغَيَّةٌ عَرَبِيَّةٌ دَلَّنا تَرْكِيبُهُ عَلى قُبْحِهِ، وذَلِكَ لِأنَّ ”ز ق“ لَمْ يَجْتَمِعْ إلّا في مُهْمَلٍ أوْ في مَكْرُوهٍ مِنهُ مَزَقَ، ومِنهُ زَمَقَ شَعْرُهُ إذا نَتَفَهُ، ومِنهُ القَزْمُ لِلدَّناءَةِ، وأقْوى مِن هَذا أنَّ القافَ مَعَ كُلِّ حَرْفٍ مِنَ الحَرْفَيْنِ الباقِيَيْنِ يَدُلُّ عَلى المَكْرُوهِ في أكْثَرِ الأمْرِ، فالقافُ مَعَ المِيمِ قُمامَةٌ وقُمْقُمَةٌ، وبِالعَكْسِ مُقامِقٌ الغَلِيظُ الصَّوْتِ والقُمْقُمَةُ هو السُّورُ، وأمّا القافُ مَعَ الزّايِ فالزَّقُّ رَمْيُ الطّائِرِ بِذَرْقِهِ، والزَّقْزَقَةُ الخِفَّةُ، وبِالعَكْسِ القَزْنُوبُ، فَيَنْفِرُ الطَّبْعُ مِن تَرْكِيبِ الكَلِمَةِ مِن حُرُوفٍ اجْتِماعُها دَلِيلُ الكَراهَةِ والقُبْحِ، ثُمَّ قُرِنَ بِالأكْلِ فَدَلَّ عَلى أنَّهُ طَعامٌ ذُو غُصَّةٍ، وأمّا ما يُقالُ بِأنَّ العَرَبَ تَقُولُ: زَقَمْتَنِي بِمَعْنى أطْعَمْتَنِي الزُّبْدَ والعَسَلَ واللَّبَنَ، فَذَلِكَ لِلْمَجانَةِ كَقَوْلِهِمْ: أرْشَقَنِي بِثَوْبٍ حَسَنٍ، وأرْجَمَنِي بِكِيسٍ مِن ذَهَبٍ، وقَوْلُهُ: ﴿مِن شَجَرٍ﴾ لِابْتِداءِ الغايَةِ أيْ تَناوُلُكم مِنهُ، وقَوْلُهُ: ﴿فَمالِئُونَ مِنها﴾ زِيادَةٌ في بَيانِ العَذابِ أيْ لا يُكْتَفى مِنكم بِنَفْسٍ كَما الأكْلُ يَكْتَفِي مَن يَأْكُلُ الشَّيْءَ لِتَحِلَّةِ القَسَمِ، بَلْ يُلْزَمُونَ بِأنْ تَمْلَئُوا مِنها البُطُونَ والهاءُ عائِدَةٌ إلى الشَّجَرَةِ، والبُطُونُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ مُقابَلَةَ الجَمْعِ بِالجَمْعِ أيْ يَمْلَأُ كُلُّ واحِدٍ مِنكم بَطْنَهُ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنكم يَمْلَأُ البُطُونَ، والبُطُونُ حِينَئِذٍ تَكُونُ بُطُونَ الأمْعاءِ، لِتَخَيُّلِ وصْفِ المِعى في باطِنِ الإنْسانِ لَهُ، كَيَأْكُلُ في سَبْعَةِ أمْعاءٍ، فَيَمْلَئُونَ بُطُونَ الأمْعاءِ وغَيْرِها، والأوَّلُ أظْهَرُ، والثّانِي أدْخَلُ في التَّعْذِيبِ والوَعِيدِ، قَوْلُهُ: ﴿فَشارِبُونَ عَلَيْهِ﴾ أيْ عَقِيبَ الأكْلِ تَجُرُّ مَرارَتُهُ وحَرارَتُهُ إلى شُرْبِ الماءِ فَيَشْرَبُونَ عَلى ذَلِكَ المَأْكُولِ وعَلى ذَلِكَ الزَّقُّومِ مِنَ الماءِ الحارِّ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ الحَمِيمِ، وقَوْلُهُ: ﴿فَشارِبُونَ شُرْبَ الهِيمِ﴾ بَيانٌ أيْضًا لِزِيادَةِ العَذابِ أيْ لا يَكُونُ أمْرُكم أمْرَ مَن شَرِبَ ماءً حارًّا مُنْتِنًا فَيُمْسِكُ عَنْهُ بَلْ يَلْزَمُكم أنْ تَشْرَبُوا مِنهُ مِثْلَ ما تَشْرَبُ الهِيمُ وهي الجِمالُ الَّتِي أصابَها العَطَشُ فَتَشْرَبُ ولا تَرْوى، وهَذا البَيانُ في الشُّرْبِ لِزِيادَةِ العَذابِ، وقَوْلُهُ: ﴿فَمالِئُونَ مِنها﴾ في الأكْلِ، فَإنْ قِيلَ: الأهْيَمُ إذا شَرِبَ الماءَ الكَثِيرَ يَضُرُّهُ ولَكِنْ في الحالِ يَلْتَذُّ بِهِ، فَهَلْ لِأهْلِ الجَحِيمِ مِن شُرْبِ الحَمِيمِ الحارِّ في النّارِ لَذَّةٌ ؟ قُلْنا: لا، وإنَّما ذَلِكَ لِبَيانِ زِيادَةِ العَذابِ، ووَجْهُهُ أنْ يُقالَ: يُلْزَمُونَ بِشُرْبِ الحَمِيمِ ولا يُكْتَفى مِنهم بِذَلِكَ الشُّرْبِ بَلْ يُلْزَمُونَ أنْ يَشْرَبُوا كَما يَشْرَبُ الجَمَلُ الأهْيَمُ الَّذِي بِهِ الهُيامُ، أوْ هم إذا شَرِبُوا تَزْدادُ حَرارَةُ الزَّقُّومِ في جَوْفِهِمْ فَيَظُنُّونَ أنَّهُ مِنَ الزَّقُّومِ لا مِنَ الحَمِيمِ فَيَشْرَبُونَ مِنهُ شَيْئًا كَثِيرًا بِناءً عَلى وهْمِ الرِّيِّ، والقَوْلُ في الهِيمِ كالقَوْلِ في البِيضِ، أصْلُهُ هُومٌ، وهَذا مِن هامَ يَهِيمُ كَأنَّهُ مِنَ العَطَشِ يَهِيمُ، والهُيامُ ذَلِكَ الدّاءُ الَّذِي يَجْعَلُهُ كالهائِمِ مِنَ العَطَشِ.

الواقعة 56:53

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ثُمَّ إنَّكم أيُّها الضّالُّونَ المُكَذِّبُونَ﴾ ﴿لَآكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِن زَقُّومٍ﴾ ﴿فَمالِئُونَ مِنها البُطُونَ﴾ ﴿فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الحَمِيمِ﴾ ﴿فَشارِبُونَ شُرْبَ الهِيمِ﴾ . فِي تَفْسِيرِ الآياتِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: الخِطابُ مَعَ مَن ؟ نَقُولُ: قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ مَعَ أهْلِ مَكَّةَ، والظّاهِرُ أنَّهُ عامٌّ مَعَ كُلِّ ضالٍّ مُكَذِّبٍ وقَدْ تَقَدَّمَ مِثْلُ هَذا في مَواضِعَ، وهو تَمامُ كَلامِ النَّبِيِّ ﷺ كَأنَّهُ تَعالى قالَ لِنَبِيِّهِ: قُلْ إنَّ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ لَمَجْمُوعُونَ ثُمَّ إنَّكم تُعَذَّبُونَ بِهَذِهِ الأنْواعِ مِنَ العَذابِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ هَهُنا: ﴿الضّالُّونَ المُكَذِّبُونَ﴾ بِتَقْدِيمِ الضّالِّ وقالَ في آخِرِ السُّورَةِ: ﴿وأمّا إنْ كانَ مِنَ المُكَذِّبِينَ الضّالِّينَ﴾ [الواقعة: ٩٢] بِتَقْدِيمِ المُكَذِّبِينَ، فَهَلْ بَيْنَهُما فَرْقٌ ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، وذَلِكَ أنَّ المُرادَ مِنَ الضّالِّينَ هَهُنا هُمُ الَّذِينَ صَدَرَ مِنهُمُ الإصْرارُ عَلى الحِنْثِ العَظِيمِ، فَضَلُّوا في سَبِيلِ اللَّهِ ولَمْ يَصِلُوا إلَيْهِ ولَمْ صفحة ١٥٢ يُوَحِّدُوهُ، وذَلِكَ ضَلالٌ عَظِيمٌ، ثُمَّ كَذَّبُوا رُسُلَهُ وقالُوا: ﴿أئِذا مِتْنا﴾ فَكَذَّبُوا بِالحَشْرِ، فَقالَ: ﴿أيُّها الضّالُّونَ﴾ الَّذِينَ أشْرَكْتُمْ ﴿المُكَذِّبُونَ﴾ الَّذِينَ أنْكَرْتُمُ الحَشْرَ لَتَأْكُلُونَ ما تَكْرَهُونَ، وأمّا هُناكَ فَقالَ لَهم: أيُّها المُكَذِّبُونَ الَّذِينَ كَذَّبْتُمْ بِالحَشْرِ، ﴿الضّالُّونَ﴾ في طَرِيقِ الخَلاصِ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ إلى النَّعِيمِ، وفِيهِ وجْهٌ آخَرُ وهو أنَّ الخِطابَ هُنا مَعَ الكُفّارِ فَقالَ: يا أيُّها الَّذِينَ ضَلَلْتُمْ أوَّلًا وكَذَّبْتُمْ ثانِيًا، والخِطابُ في آخِرِ السُّورَةِ مَعَ مُحَمَّدٍ ﷺ يُبَيِّنُ لَهُ حالَ الأزْواجِ الثَّلاثَةِ. فَقالَ: المُقَرَّبُونَ في رَوْحٍ ورَيْحانٍ وجَنَّةِ نَعِيمٍ، وأصْحابُ اليَمِينِ في سَلامٍ، وأمّا المُكَذِّبُونَ الَّذِينَ كَذَّبُوا فَقَدْ ضَلُّوا فَقَدَّمَ تَكْذِيبَهم إشارَةً إلى كَرامَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ حَيْثُ بَيَّنَ أنَّ أقْوى سَبَبٍ في عِقابِهِمْ تَكْذِيبُهم والَّذِي يَدُلُّ عَلى أنَّ الكَلامَ هُناكَ مَعَ مُحَمَّدٍ ﷺ قَوْلُهُ: ﴿فَسَلامٌ لَكَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ [الواقعة: ٩١] . المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ما الزَّقُّومُ ؟ نَقُولُ: قَدْ بَيَّنّاهُ في مَوْضِعٍ آخَرَ واخْتَلَفَ فِيهِ أقْوالُ النّاسِ ومَآلُ الأقْوالِ إلى كَوْنِ ذَلِكَ في الطَّعْمِ مُرًّا وفي اللَّمْسِ حارًّا، وفي الرّائِحَةِ مُنْتِنًا، وفي المَنظَرِ أسْوَدَ لا يَكادُ آكِلُهُ يُسِيغُهُ فَيُكْرَهُ عَلى ابْتِلاعِهِ، والتَّحْقِيقُ اللُّغَوِيُّ فِيهِ أنَّ الزَّقُّومَ لُغَيَّةٌ عَرَبِيَّةٌ دَلَّنا تَرْكِيبُهُ عَلى قُبْحِهِ، وذَلِكَ لِأنَّ ”ز ق“ لَمْ يَجْتَمِعْ إلّا في مُهْمَلٍ أوْ في مَكْرُوهٍ مِنهُ مَزَقَ، ومِنهُ زَمَقَ شَعْرُهُ إذا نَتَفَهُ، ومِنهُ القَزْمُ لِلدَّناءَةِ، وأقْوى مِن هَذا أنَّ القافَ مَعَ كُلِّ حَرْفٍ مِنَ الحَرْفَيْنِ الباقِيَيْنِ يَدُلُّ عَلى المَكْرُوهِ في أكْثَرِ الأمْرِ، فالقافُ مَعَ المِيمِ قُمامَةٌ وقُمْقُمَةٌ، وبِالعَكْسِ مُقامِقٌ الغَلِيظُ الصَّوْتِ والقُمْقُمَةُ هو السُّورُ، وأمّا القافُ مَعَ الزّايِ فالزَّقُّ رَمْيُ الطّائِرِ بِذَرْقِهِ، والزَّقْزَقَةُ الخِفَّةُ، وبِالعَكْسِ القَزْنُوبُ، فَيَنْفِرُ الطَّبْعُ مِن تَرْكِيبِ الكَلِمَةِ مِن حُرُوفٍ اجْتِماعُها دَلِيلُ الكَراهَةِ والقُبْحِ، ثُمَّ قُرِنَ بِالأكْلِ فَدَلَّ عَلى أنَّهُ طَعامٌ ذُو غُصَّةٍ، وأمّا ما يُقالُ بِأنَّ العَرَبَ تَقُولُ: زَقَمْتَنِي بِمَعْنى أطْعَمْتَنِي الزُّبْدَ والعَسَلَ واللَّبَنَ، فَذَلِكَ لِلْمَجانَةِ كَقَوْلِهِمْ: أرْشَقَنِي بِثَوْبٍ حَسَنٍ، وأرْجَمَنِي بِكِيسٍ مِن ذَهَبٍ، وقَوْلُهُ: ﴿مِن شَجَرٍ﴾ لِابْتِداءِ الغايَةِ أيْ تَناوُلُكم مِنهُ، وقَوْلُهُ: ﴿فَمالِئُونَ مِنها﴾ زِيادَةٌ في بَيانِ العَذابِ أيْ لا يُكْتَفى مِنكم بِنَفْسٍ كَما الأكْلُ يَكْتَفِي مَن يَأْكُلُ الشَّيْءَ لِتَحِلَّةِ القَسَمِ، بَلْ يُلْزَمُونَ بِأنْ تَمْلَئُوا مِنها البُطُونَ والهاءُ عائِدَةٌ إلى الشَّجَرَةِ، والبُطُونُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ مُقابَلَةَ الجَمْعِ بِالجَمْعِ أيْ يَمْلَأُ كُلُّ واحِدٍ مِنكم بَطْنَهُ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنكم يَمْلَأُ البُطُونَ، والبُطُونُ حِينَئِذٍ تَكُونُ بُطُونَ الأمْعاءِ، لِتَخَيُّلِ وصْفِ المِعى في باطِنِ الإنْسانِ لَهُ، كَيَأْكُلُ في سَبْعَةِ أمْعاءٍ، فَيَمْلَئُونَ بُطُونَ الأمْعاءِ وغَيْرِها، والأوَّلُ أظْهَرُ، والثّانِي أدْخَلُ في التَّعْذِيبِ والوَعِيدِ، قَوْلُهُ: ﴿فَشارِبُونَ عَلَيْهِ﴾ أيْ عَقِيبَ الأكْلِ تَجُرُّ مَرارَتُهُ وحَرارَتُهُ إلى شُرْبِ الماءِ فَيَشْرَبُونَ عَلى ذَلِكَ المَأْكُولِ وعَلى ذَلِكَ الزَّقُّومِ مِنَ الماءِ الحارِّ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ الحَمِيمِ، وقَوْلُهُ: ﴿فَشارِبُونَ شُرْبَ الهِيمِ﴾ بَيانٌ أيْضًا لِزِيادَةِ العَذابِ أيْ لا يَكُونُ أمْرُكم أمْرَ مَن شَرِبَ ماءً حارًّا مُنْتِنًا فَيُمْسِكُ عَنْهُ بَلْ يَلْزَمُكم أنْ تَشْرَبُوا مِنهُ مِثْلَ ما تَشْرَبُ الهِيمُ وهي الجِمالُ الَّتِي أصابَها العَطَشُ فَتَشْرَبُ ولا تَرْوى، وهَذا البَيانُ في الشُّرْبِ لِزِيادَةِ العَذابِ، وقَوْلُهُ: ﴿فَمالِئُونَ مِنها﴾ في الأكْلِ، فَإنْ قِيلَ: الأهْيَمُ إذا شَرِبَ الماءَ الكَثِيرَ يَضُرُّهُ ولَكِنْ في الحالِ يَلْتَذُّ بِهِ، فَهَلْ لِأهْلِ الجَحِيمِ مِن شُرْبِ الحَمِيمِ الحارِّ في النّارِ لَذَّةٌ ؟ قُلْنا: لا، وإنَّما ذَلِكَ لِبَيانِ زِيادَةِ العَذابِ، ووَجْهُهُ أنْ يُقالَ: يُلْزَمُونَ بِشُرْبِ الحَمِيمِ ولا يُكْتَفى مِنهم بِذَلِكَ الشُّرْبِ بَلْ يُلْزَمُونَ أنْ يَشْرَبُوا كَما يَشْرَبُ الجَمَلُ الأهْيَمُ الَّذِي بِهِ الهُيامُ، أوْ هم إذا شَرِبُوا تَزْدادُ حَرارَةُ الزَّقُّومِ في جَوْفِهِمْ فَيَظُنُّونَ أنَّهُ مِنَ الزَّقُّومِ لا مِنَ الحَمِيمِ فَيَشْرَبُونَ مِنهُ شَيْئًا كَثِيرًا بِناءً عَلى وهْمِ الرِّيِّ، والقَوْلُ في الهِيمِ كالقَوْلِ في البِيضِ، أصْلُهُ هُومٌ، وهَذا مِن هامَ يَهِيمُ كَأنَّهُ مِنَ العَطَشِ يَهِيمُ، والهُيامُ ذَلِكَ الدّاءُ الَّذِي يَجْعَلُهُ كالهائِمِ مِنَ العَطَشِ.

الواقعة 56:54

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ثُمَّ إنَّكم أيُّها الضّالُّونَ المُكَذِّبُونَ﴾ ﴿لَآكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِن زَقُّومٍ﴾ ﴿فَمالِئُونَ مِنها البُطُونَ﴾ ﴿فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الحَمِيمِ﴾ ﴿فَشارِبُونَ شُرْبَ الهِيمِ﴾ . فِي تَفْسِيرِ الآياتِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: الخِطابُ مَعَ مَن ؟ نَقُولُ: قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ مَعَ أهْلِ مَكَّةَ، والظّاهِرُ أنَّهُ عامٌّ مَعَ كُلِّ ضالٍّ مُكَذِّبٍ وقَدْ تَقَدَّمَ مِثْلُ هَذا في مَواضِعَ، وهو تَمامُ كَلامِ النَّبِيِّ ﷺ كَأنَّهُ تَعالى قالَ لِنَبِيِّهِ: قُلْ إنَّ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ لَمَجْمُوعُونَ ثُمَّ إنَّكم تُعَذَّبُونَ بِهَذِهِ الأنْواعِ مِنَ العَذابِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ هَهُنا: ﴿الضّالُّونَ المُكَذِّبُونَ﴾ بِتَقْدِيمِ الضّالِّ وقالَ في آخِرِ السُّورَةِ: ﴿وأمّا إنْ كانَ مِنَ المُكَذِّبِينَ الضّالِّينَ﴾ [الواقعة: ٩٢] بِتَقْدِيمِ المُكَذِّبِينَ، فَهَلْ بَيْنَهُما فَرْقٌ ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، وذَلِكَ أنَّ المُرادَ مِنَ الضّالِّينَ هَهُنا هُمُ الَّذِينَ صَدَرَ مِنهُمُ الإصْرارُ عَلى الحِنْثِ العَظِيمِ، فَضَلُّوا في سَبِيلِ اللَّهِ ولَمْ يَصِلُوا إلَيْهِ ولَمْ صفحة ١٥٢ يُوَحِّدُوهُ، وذَلِكَ ضَلالٌ عَظِيمٌ، ثُمَّ كَذَّبُوا رُسُلَهُ وقالُوا: ﴿أئِذا مِتْنا﴾ فَكَذَّبُوا بِالحَشْرِ، فَقالَ: ﴿أيُّها الضّالُّونَ﴾ الَّذِينَ أشْرَكْتُمْ ﴿المُكَذِّبُونَ﴾ الَّذِينَ أنْكَرْتُمُ الحَشْرَ لَتَأْكُلُونَ ما تَكْرَهُونَ، وأمّا هُناكَ فَقالَ لَهم: أيُّها المُكَذِّبُونَ الَّذِينَ كَذَّبْتُمْ بِالحَشْرِ، ﴿الضّالُّونَ﴾ في طَرِيقِ الخَلاصِ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ إلى النَّعِيمِ، وفِيهِ وجْهٌ آخَرُ وهو أنَّ الخِطابَ هُنا مَعَ الكُفّارِ فَقالَ: يا أيُّها الَّذِينَ ضَلَلْتُمْ أوَّلًا وكَذَّبْتُمْ ثانِيًا، والخِطابُ في آخِرِ السُّورَةِ مَعَ مُحَمَّدٍ ﷺ يُبَيِّنُ لَهُ حالَ الأزْواجِ الثَّلاثَةِ. فَقالَ: المُقَرَّبُونَ في رَوْحٍ ورَيْحانٍ وجَنَّةِ نَعِيمٍ، وأصْحابُ اليَمِينِ في سَلامٍ، وأمّا المُكَذِّبُونَ الَّذِينَ كَذَّبُوا فَقَدْ ضَلُّوا فَقَدَّمَ تَكْذِيبَهم إشارَةً إلى كَرامَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ حَيْثُ بَيَّنَ أنَّ أقْوى سَبَبٍ في عِقابِهِمْ تَكْذِيبُهم والَّذِي يَدُلُّ عَلى أنَّ الكَلامَ هُناكَ مَعَ مُحَمَّدٍ ﷺ قَوْلُهُ: ﴿فَسَلامٌ لَكَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ [الواقعة: ٩١] . المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ما الزَّقُّومُ ؟ نَقُولُ: قَدْ بَيَّنّاهُ في مَوْضِعٍ آخَرَ واخْتَلَفَ فِيهِ أقْوالُ النّاسِ ومَآلُ الأقْوالِ إلى كَوْنِ ذَلِكَ في الطَّعْمِ مُرًّا وفي اللَّمْسِ حارًّا، وفي الرّائِحَةِ مُنْتِنًا، وفي المَنظَرِ أسْوَدَ لا يَكادُ آكِلُهُ يُسِيغُهُ فَيُكْرَهُ عَلى ابْتِلاعِهِ، والتَّحْقِيقُ اللُّغَوِيُّ فِيهِ أنَّ الزَّقُّومَ لُغَيَّةٌ عَرَبِيَّةٌ دَلَّنا تَرْكِيبُهُ عَلى قُبْحِهِ، وذَلِكَ لِأنَّ ”ز ق“ لَمْ يَجْتَمِعْ إلّا في مُهْمَلٍ أوْ في مَكْرُوهٍ مِنهُ مَزَقَ، ومِنهُ زَمَقَ شَعْرُهُ إذا نَتَفَهُ، ومِنهُ القَزْمُ لِلدَّناءَةِ، وأقْوى مِن هَذا أنَّ القافَ مَعَ كُلِّ حَرْفٍ مِنَ الحَرْفَيْنِ الباقِيَيْنِ يَدُلُّ عَلى المَكْرُوهِ في أكْثَرِ الأمْرِ، فالقافُ مَعَ المِيمِ قُمامَةٌ وقُمْقُمَةٌ، وبِالعَكْسِ مُقامِقٌ الغَلِيظُ الصَّوْتِ والقُمْقُمَةُ هو السُّورُ، وأمّا القافُ مَعَ الزّايِ فالزَّقُّ رَمْيُ الطّائِرِ بِذَرْقِهِ، والزَّقْزَقَةُ الخِفَّةُ، وبِالعَكْسِ القَزْنُوبُ، فَيَنْفِرُ الطَّبْعُ مِن تَرْكِيبِ الكَلِمَةِ مِن حُرُوفٍ اجْتِماعُها دَلِيلُ الكَراهَةِ والقُبْحِ، ثُمَّ قُرِنَ بِالأكْلِ فَدَلَّ عَلى أنَّهُ طَعامٌ ذُو غُصَّةٍ، وأمّا ما يُقالُ بِأنَّ العَرَبَ تَقُولُ: زَقَمْتَنِي بِمَعْنى أطْعَمْتَنِي الزُّبْدَ والعَسَلَ واللَّبَنَ، فَذَلِكَ لِلْمَجانَةِ كَقَوْلِهِمْ: أرْشَقَنِي بِثَوْبٍ حَسَنٍ، وأرْجَمَنِي بِكِيسٍ مِن ذَهَبٍ، وقَوْلُهُ: ﴿مِن شَجَرٍ﴾ لِابْتِداءِ الغايَةِ أيْ تَناوُلُكم مِنهُ، وقَوْلُهُ: ﴿فَمالِئُونَ مِنها﴾ زِيادَةٌ في بَيانِ العَذابِ أيْ لا يُكْتَفى مِنكم بِنَفْسٍ كَما الأكْلُ يَكْتَفِي مَن يَأْكُلُ الشَّيْءَ لِتَحِلَّةِ القَسَمِ، بَلْ يُلْزَمُونَ بِأنْ تَمْلَئُوا مِنها البُطُونَ والهاءُ عائِدَةٌ إلى الشَّجَرَةِ، والبُطُونُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ مُقابَلَةَ الجَمْعِ بِالجَمْعِ أيْ يَمْلَأُ كُلُّ واحِدٍ مِنكم بَطْنَهُ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنكم يَمْلَأُ البُطُونَ، والبُطُونُ حِينَئِذٍ تَكُونُ بُطُونَ الأمْعاءِ، لِتَخَيُّلِ وصْفِ المِعى في باطِنِ الإنْسانِ لَهُ، كَيَأْكُلُ في سَبْعَةِ أمْعاءٍ، فَيَمْلَئُونَ بُطُونَ الأمْعاءِ وغَيْرِها، والأوَّلُ أظْهَرُ، والثّانِي أدْخَلُ في التَّعْذِيبِ والوَعِيدِ، قَوْلُهُ: ﴿فَشارِبُونَ عَلَيْهِ﴾ أيْ عَقِيبَ الأكْلِ تَجُرُّ مَرارَتُهُ وحَرارَتُهُ إلى شُرْبِ الماءِ فَيَشْرَبُونَ عَلى ذَلِكَ المَأْكُولِ وعَلى ذَلِكَ الزَّقُّومِ مِنَ الماءِ الحارِّ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ الحَمِيمِ، وقَوْلُهُ: ﴿فَشارِبُونَ شُرْبَ الهِيمِ﴾ بَيانٌ أيْضًا لِزِيادَةِ العَذابِ أيْ لا يَكُونُ أمْرُكم أمْرَ مَن شَرِبَ ماءً حارًّا مُنْتِنًا فَيُمْسِكُ عَنْهُ بَلْ يَلْزَمُكم أنْ تَشْرَبُوا مِنهُ مِثْلَ ما تَشْرَبُ الهِيمُ وهي الجِمالُ الَّتِي أصابَها العَطَشُ فَتَشْرَبُ ولا تَرْوى، وهَذا البَيانُ في الشُّرْبِ لِزِيادَةِ العَذابِ، وقَوْلُهُ: ﴿فَمالِئُونَ مِنها﴾ في الأكْلِ، فَإنْ قِيلَ: الأهْيَمُ إذا شَرِبَ الماءَ الكَثِيرَ يَضُرُّهُ ولَكِنْ في الحالِ يَلْتَذُّ بِهِ، فَهَلْ لِأهْلِ الجَحِيمِ مِن شُرْبِ الحَمِيمِ الحارِّ في النّارِ لَذَّةٌ ؟ قُلْنا: لا، وإنَّما ذَلِكَ لِبَيانِ زِيادَةِ العَذابِ، ووَجْهُهُ أنْ يُقالَ: يُلْزَمُونَ بِشُرْبِ الحَمِيمِ ولا يُكْتَفى مِنهم بِذَلِكَ الشُّرْبِ بَلْ يُلْزَمُونَ أنْ يَشْرَبُوا كَما يَشْرَبُ الجَمَلُ الأهْيَمُ الَّذِي بِهِ الهُيامُ، أوْ هم إذا شَرِبُوا تَزْدادُ حَرارَةُ الزَّقُّومِ في جَوْفِهِمْ فَيَظُنُّونَ أنَّهُ مِنَ الزَّقُّومِ لا مِنَ الحَمِيمِ فَيَشْرَبُونَ مِنهُ شَيْئًا كَثِيرًا بِناءً عَلى وهْمِ الرِّيِّ، والقَوْلُ في الهِيمِ كالقَوْلِ في البِيضِ، أصْلُهُ هُومٌ، وهَذا مِن هامَ يَهِيمُ كَأنَّهُ مِنَ العَطَشِ يَهِيمُ، والهُيامُ ذَلِكَ الدّاءُ الَّذِي يَجْعَلُهُ كالهائِمِ مِنَ العَطَشِ.

الواقعة 56:55

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ثُمَّ إنَّكم أيُّها الضّالُّونَ المُكَذِّبُونَ﴾ ﴿لَآكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِن زَقُّومٍ﴾ ﴿فَمالِئُونَ مِنها البُطُونَ﴾ ﴿فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الحَمِيمِ﴾ ﴿فَشارِبُونَ شُرْبَ الهِيمِ﴾ . فِي تَفْسِيرِ الآياتِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: الخِطابُ مَعَ مَن ؟ نَقُولُ: قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ مَعَ أهْلِ مَكَّةَ، والظّاهِرُ أنَّهُ عامٌّ مَعَ كُلِّ ضالٍّ مُكَذِّبٍ وقَدْ تَقَدَّمَ مِثْلُ هَذا في مَواضِعَ، وهو تَمامُ كَلامِ النَّبِيِّ ﷺ كَأنَّهُ تَعالى قالَ لِنَبِيِّهِ: قُلْ إنَّ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ لَمَجْمُوعُونَ ثُمَّ إنَّكم تُعَذَّبُونَ بِهَذِهِ الأنْواعِ مِنَ العَذابِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ هَهُنا: ﴿الضّالُّونَ المُكَذِّبُونَ﴾ بِتَقْدِيمِ الضّالِّ وقالَ في آخِرِ السُّورَةِ: ﴿وأمّا إنْ كانَ مِنَ المُكَذِّبِينَ الضّالِّينَ﴾ [الواقعة: ٩٢] بِتَقْدِيمِ المُكَذِّبِينَ، فَهَلْ بَيْنَهُما فَرْقٌ ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، وذَلِكَ أنَّ المُرادَ مِنَ الضّالِّينَ هَهُنا هُمُ الَّذِينَ صَدَرَ مِنهُمُ الإصْرارُ عَلى الحِنْثِ العَظِيمِ، فَضَلُّوا في سَبِيلِ اللَّهِ ولَمْ يَصِلُوا إلَيْهِ ولَمْ صفحة ١٥٢ يُوَحِّدُوهُ، وذَلِكَ ضَلالٌ عَظِيمٌ، ثُمَّ كَذَّبُوا رُسُلَهُ وقالُوا: ﴿أئِذا مِتْنا﴾ فَكَذَّبُوا بِالحَشْرِ، فَقالَ: ﴿أيُّها الضّالُّونَ﴾ الَّذِينَ أشْرَكْتُمْ ﴿المُكَذِّبُونَ﴾ الَّذِينَ أنْكَرْتُمُ الحَشْرَ لَتَأْكُلُونَ ما تَكْرَهُونَ، وأمّا هُناكَ فَقالَ لَهم: أيُّها المُكَذِّبُونَ الَّذِينَ كَذَّبْتُمْ بِالحَشْرِ، ﴿الضّالُّونَ﴾ في طَرِيقِ الخَلاصِ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ إلى النَّعِيمِ، وفِيهِ وجْهٌ آخَرُ وهو أنَّ الخِطابَ هُنا مَعَ الكُفّارِ فَقالَ: يا أيُّها الَّذِينَ ضَلَلْتُمْ أوَّلًا وكَذَّبْتُمْ ثانِيًا، والخِطابُ في آخِرِ السُّورَةِ مَعَ مُحَمَّدٍ ﷺ يُبَيِّنُ لَهُ حالَ الأزْواجِ الثَّلاثَةِ. فَقالَ: المُقَرَّبُونَ في رَوْحٍ ورَيْحانٍ وجَنَّةِ نَعِيمٍ، وأصْحابُ اليَمِينِ في سَلامٍ، وأمّا المُكَذِّبُونَ الَّذِينَ كَذَّبُوا فَقَدْ ضَلُّوا فَقَدَّمَ تَكْذِيبَهم إشارَةً إلى كَرامَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ حَيْثُ بَيَّنَ أنَّ أقْوى سَبَبٍ في عِقابِهِمْ تَكْذِيبُهم والَّذِي يَدُلُّ عَلى أنَّ الكَلامَ هُناكَ مَعَ مُحَمَّدٍ ﷺ قَوْلُهُ: ﴿فَسَلامٌ لَكَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ [الواقعة: ٩١] . المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ما الزَّقُّومُ ؟ نَقُولُ: قَدْ بَيَّنّاهُ في مَوْضِعٍ آخَرَ واخْتَلَفَ فِيهِ أقْوالُ النّاسِ ومَآلُ الأقْوالِ إلى كَوْنِ ذَلِكَ في الطَّعْمِ مُرًّا وفي اللَّمْسِ حارًّا، وفي الرّائِحَةِ مُنْتِنًا، وفي المَنظَرِ أسْوَدَ لا يَكادُ آكِلُهُ يُسِيغُهُ فَيُكْرَهُ عَلى ابْتِلاعِهِ، والتَّحْقِيقُ اللُّغَوِيُّ فِيهِ أنَّ الزَّقُّومَ لُغَيَّةٌ عَرَبِيَّةٌ دَلَّنا تَرْكِيبُهُ عَلى قُبْحِهِ، وذَلِكَ لِأنَّ ”ز ق“ لَمْ يَجْتَمِعْ إلّا في مُهْمَلٍ أوْ في مَكْرُوهٍ مِنهُ مَزَقَ، ومِنهُ زَمَقَ شَعْرُهُ إذا نَتَفَهُ، ومِنهُ القَزْمُ لِلدَّناءَةِ، وأقْوى مِن هَذا أنَّ القافَ مَعَ كُلِّ حَرْفٍ مِنَ الحَرْفَيْنِ الباقِيَيْنِ يَدُلُّ عَلى المَكْرُوهِ في أكْثَرِ الأمْرِ، فالقافُ مَعَ المِيمِ قُمامَةٌ وقُمْقُمَةٌ، وبِالعَكْسِ مُقامِقٌ الغَلِيظُ الصَّوْتِ والقُمْقُمَةُ هو السُّورُ، وأمّا القافُ مَعَ الزّايِ فالزَّقُّ رَمْيُ الطّائِرِ بِذَرْقِهِ، والزَّقْزَقَةُ الخِفَّةُ، وبِالعَكْسِ القَزْنُوبُ، فَيَنْفِرُ الطَّبْعُ مِن تَرْكِيبِ الكَلِمَةِ مِن حُرُوفٍ اجْتِماعُها دَلِيلُ الكَراهَةِ والقُبْحِ، ثُمَّ قُرِنَ بِالأكْلِ فَدَلَّ عَلى أنَّهُ طَعامٌ ذُو غُصَّةٍ، وأمّا ما يُقالُ بِأنَّ العَرَبَ تَقُولُ: زَقَمْتَنِي بِمَعْنى أطْعَمْتَنِي الزُّبْدَ والعَسَلَ واللَّبَنَ، فَذَلِكَ لِلْمَجانَةِ كَقَوْلِهِمْ: أرْشَقَنِي بِثَوْبٍ حَسَنٍ، وأرْجَمَنِي بِكِيسٍ مِن ذَهَبٍ، وقَوْلُهُ: ﴿مِن شَجَرٍ﴾ لِابْتِداءِ الغايَةِ أيْ تَناوُلُكم مِنهُ، وقَوْلُهُ: ﴿فَمالِئُونَ مِنها﴾ زِيادَةٌ في بَيانِ العَذابِ أيْ لا يُكْتَفى مِنكم بِنَفْسٍ كَما الأكْلُ يَكْتَفِي مَن يَأْكُلُ الشَّيْءَ لِتَحِلَّةِ القَسَمِ، بَلْ يُلْزَمُونَ بِأنْ تَمْلَئُوا مِنها البُطُونَ والهاءُ عائِدَةٌ إلى الشَّجَرَةِ، والبُطُونُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ مُقابَلَةَ الجَمْعِ بِالجَمْعِ أيْ يَمْلَأُ كُلُّ واحِدٍ مِنكم بَطْنَهُ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنكم يَمْلَأُ البُطُونَ، والبُطُونُ حِينَئِذٍ تَكُونُ بُطُونَ الأمْعاءِ، لِتَخَيُّلِ وصْفِ المِعى في باطِنِ الإنْسانِ لَهُ، كَيَأْكُلُ في سَبْعَةِ أمْعاءٍ، فَيَمْلَئُونَ بُطُونَ الأمْعاءِ وغَيْرِها، والأوَّلُ أظْهَرُ، والثّانِي أدْخَلُ في التَّعْذِيبِ والوَعِيدِ، قَوْلُهُ: ﴿فَشارِبُونَ عَلَيْهِ﴾ أيْ عَقِيبَ الأكْلِ تَجُرُّ مَرارَتُهُ وحَرارَتُهُ إلى شُرْبِ الماءِ فَيَشْرَبُونَ عَلى ذَلِكَ المَأْكُولِ وعَلى ذَلِكَ الزَّقُّومِ مِنَ الماءِ الحارِّ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ الحَمِيمِ، وقَوْلُهُ: ﴿فَشارِبُونَ شُرْبَ الهِيمِ﴾ بَيانٌ أيْضًا لِزِيادَةِ العَذابِ أيْ لا يَكُونُ أمْرُكم أمْرَ مَن شَرِبَ ماءً حارًّا مُنْتِنًا فَيُمْسِكُ عَنْهُ بَلْ يَلْزَمُكم أنْ تَشْرَبُوا مِنهُ مِثْلَ ما تَشْرَبُ الهِيمُ وهي الجِمالُ الَّتِي أصابَها العَطَشُ فَتَشْرَبُ ولا تَرْوى، وهَذا البَيانُ في الشُّرْبِ لِزِيادَةِ العَذابِ، وقَوْلُهُ: ﴿فَمالِئُونَ مِنها﴾ في الأكْلِ، فَإنْ قِيلَ: الأهْيَمُ إذا شَرِبَ الماءَ الكَثِيرَ يَضُرُّهُ ولَكِنْ في الحالِ يَلْتَذُّ بِهِ، فَهَلْ لِأهْلِ الجَحِيمِ مِن شُرْبِ الحَمِيمِ الحارِّ في النّارِ لَذَّةٌ ؟ قُلْنا: لا، وإنَّما ذَلِكَ لِبَيانِ زِيادَةِ العَذابِ، ووَجْهُهُ أنْ يُقالَ: يُلْزَمُونَ بِشُرْبِ الحَمِيمِ ولا يُكْتَفى مِنهم بِذَلِكَ الشُّرْبِ بَلْ يُلْزَمُونَ أنْ يَشْرَبُوا كَما يَشْرَبُ الجَمَلُ الأهْيَمُ الَّذِي بِهِ الهُيامُ، أوْ هم إذا شَرِبُوا تَزْدادُ حَرارَةُ الزَّقُّومِ في جَوْفِهِمْ فَيَظُنُّونَ أنَّهُ مِنَ الزَّقُّومِ لا مِنَ الحَمِيمِ فَيَشْرَبُونَ مِنهُ شَيْئًا كَثِيرًا بِناءً عَلى وهْمِ الرِّيِّ، والقَوْلُ في الهِيمِ كالقَوْلِ في البِيضِ، أصْلُهُ هُومٌ، وهَذا مِن هامَ يَهِيمُ كَأنَّهُ مِنَ العَطَشِ يَهِيمُ، والهُيامُ ذَلِكَ الدّاءُ الَّذِي يَجْعَلُهُ كالهائِمِ مِنَ العَطَشِ.

الواقعة 56:56

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿هَذا نُزُلُهم يَوْمَ الدِّينِ﴾ . يَعْنِي لَيْسَ هَذا كُلَّ العَذابِ بَلْ هَذا أوَّلُ ما يَلْقَوْنَهُ وهو بَعْضٌ مِنهُ وأقْطَعُ لِأمْعائِهِمْ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿نَحْنُ خَلَقْناكم فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ﴾ ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تُمْنُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أمْ نَحْنُ الخالِقُونَ﴾ دَلِيلًا عَلى كَذِبِهِمْ وصِدْقِ الرُّسُلِ في الحَشْرِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿أأنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ﴾ إلْزامٌ عَلى الإقْرارِ بِأنَّ الخالِقَ في الِابْتِداءِ هو اللَّهُ تَعالى، ولَمّا كانَ قادِرًا عَلى الخَلْقِ أوَّلًا كانَ قادِرًا عَلى الخَلْقِ ثانِيًا، ولا مَجالَ لِلنَّظَرِ في ذاتِهِ وصِفاتِهِ تَعالى وتَقَدَّسَ، وإنْ لَمْ يَعْتَرِفُوا بِهِ، بَلْ يَشُكُّونَ ويَقُولُونَ: الخَلْقُ الأوَّلُ مِن مَنِيٍّ بِحَسَبِ الطَّبِيعَةِ، فَنَقُولُ: المَنِيُّ مِنَ الأُمُورِ المُمْكِنَةِ ولا وُجُودَ لِلْمُمْكِنِ بِذاتِهِ بَلْ بِالغَيْرِ عَلى ما عُرِفَ، فَيَكُونُ المَنِيُّ مِنَ القادِرِ القاهِرِ، وكَذَلِكَ خَلْقُ الطَّبِيعَةِ وغَيْرِها مِنَ الحادِثاتِ أيْضًا، فَقالَ لَهم: هَلْ تَشُكُّونَ في أنَّ اللَّهَ خَلَقَكم أوَّلًا أمْ لا ؟ فَإنْ قالُوا: لا نَشُكُّ في أنَّهُ خالِقُنا، فَيُقالُ: فَهَلْ تُصَدِّقُونَ أيْضًا بِخَلْقِكم ثانِيًا ؟ فَإنَّ مَن خَلَقَكم أوَّلًا مِن لا شَيْءٍ لا يَعْجِزُ أنْ يَخْلُقَكم ثانِيًا مِن أجْزاءٍ هي عِنْدَهُ مَعْلُومَةٌ، وإنْ كُنْتُمْ تَشُكُّونَ وتَقُولُونَ: الخَلْقُ لا يَكُونُ إلّا مِن مَنِيٍّ وبَعْدَ المَوْتِ لا والِدَةَ ولا مَنِيَّ، فَيُقالُ لَهم: هَذا المَنِيُّ أنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أمِ اللَّهُ، فَإنْ كُنْتُمْ تَعْتَرِفُونَ بِاللَّهِ وبِقُدْرَتِهِ وإرادَتِهِ وعَمَلِهِ، فَذَلِكَ يُلْزِمُكُمُ القَوْلَ بِجَوازِ الحَشْرِ وصِحَّتِهِ، و﴿فَلَوْلا﴾ كَلِمَةٌ مُرَكَّبَةٌ مِن كَلِمَتَيْنِ مَعْناها التَّحْضِيضُ والحَثُّ والأصْلُ فِيهِ: لِمَ لا، فَإذا قُلْتَ: لِمَ لا أكَلْتَ ولِمَ ما أكَلْتَ، جازَ الِاسْتِفْهامانِ، فَإنَّ مَعْناهُ لا عِلَّةَ لِعَدَمِ الأكْلِ ولا يُمْكِنُكَ أنْ تَذْكُرَ عِلَّةً لَهُ، كَما تَقُولُ: لِمَ فَعَلْتَ ؟ مُوَبِّخًا، يَكُونُ مَعْناهُ فَعَلْتَ أمْرًا لا سَبَبَ لَهُ ولا يُمْكِنُكَ ذِكْرُ سَبَبٍ لَهُ، ثُمَّ إنَّهم تَرَكُوا حَرْفَ الِاسْتِفْهامِ عَنِ العِلَّةِ وأتَوْا بِحَرْفِ الِاسْتِفْهامِ عَنِ الحُكْمِ، فَقالُوا: هَلّا فَعَلْتَ ؟ كَما يَقُولُونَ في مَوْضِعٍ: لِمَ فَعَلْتَ هَذا وأنْتَ تَعْلَمُ فَسادَهُ، أتَفْعَلُ هَذا وأنْتَ عاقِلٌ ؟ وفِيهِ زِيادَةُ حَثٍّ؛ لِأنَّ قَوْلَ القائِلِ: لِمَ فَعَلْتَ حَقِيقَتُهُ سُؤالٌ عَنِ العِلَّةِ، ومَعْناهُ أنَّ عِلَّتَهُ غَيْرُ مَعْلُومَةٍ وغَيْرُ ظاهِرَةٍ، فَلا يَجُوزُ ظُهُورُ وُجُودِهِ، وقَوْلُهُ: أفَعَلْتَ، سُؤالٌ عَنْ حَقِيقَتِهِ، ومَعْناهُ أنَّهُ في جِنْسِهِ غَيْرُ مُمْكِنٍ، والسّائِلُ عَنِ العِلَّةِ كَأنَّهُ سَلَّمَ الوُجُودَ وجَعَلَهُ مَعْلُومًا وسَألَ عَنِ العِلَّةِ، كَما يَقُولُ القائِلُ: زَيْدٌ جاءَ فَلِمَ جاءَ، والسّائِلُ عَنِ الوُجُودِ لَمْ يُسَلِّمْهُ، وقَوْلُ القائِلِ: لِمَ فَعَلْتَ وأنْتَ تَعْلَمُ ما فِيهِ دُونَ قَوْلِهِ: أفَعَلْتَ وأنْتَ تَعْلَمُ ما فِيهِ؛ لِأنَّ في الأوَّلِ جَعَلَهُ كالمُصِيبِ في فِعْلِهِ لِعِلَّةٍ خَفِيَّةٍ تُطْلَبُ مِنهُ، وفي الثّانِي جَعَلَهُ مُخْطِئًا في أوَّلِ الأمْرِ، وإذا عُلِمَ ما بَيْنَ لِمَ فَعَلْتَ، وأفَعَلْتَ، عُلِمَ ما بَيْنَ لِمَ تَفْعَلُ وهَلّا تَفْعَلُ، وأمّا ﴿فَلَوْلا﴾ فَنَقُولُ: هي كَلِمَةُ شَرْطٍ في الأصْلِ والجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ غَيْرُ مَجْزُومَةٍ بِها كَما أنَّ جُمْلَةَ الِاسْتِفْهامِ غَيْرُ مَجْزُومٍ بِهِ لَكِنَّ لَوْلا تَدُلُّ عَلى الِاعْتِسافِ وتَزِيدُ نَفْيَ النَّظَرِ والتَّوانِي، فَيَقُولُ: لَوْلا تُصَدِّقُونَ، بَدَلَ قَوْلِهِ: لِمَ لا، وهَلّا؛ لِأنَّهُ أدَلُّ عَلى نَفْيِ ما دَخَلَتْ عَلَيْهِ وهو عَدَمُ التَّصْدِيقِ وفِيهِ لَطِيفَةٌ: وهي أنَّ لَوْلا تَدْخُلُ عَلى فِعْلٍ ماضٍ عَلى مُسْتَقْبَلٍ قالَ تَعالى: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِنهم طائِفَةٌ﴾ [التوبة: ١٢٢] فَما وجْهُ اخْتِصاصِ المُسْتَقْبَلِ هَهُنا بِالذِّكْرِ، وهَلّا قالَ: فَلَوْلا صَدَّقْتُمْ ؟ نَقُولُ: هَذا كَلامٌ مَعَهم في الدُّنْيا والإسْلامُ فِيها مَقْبُولٌ ويَجُبُّ ما قَبْلَهُ فَقالَ: لِمَ لا تُصَدِّقُونَ في ساعَتِكم، والدَّلائِلُ واضِحَةٌ مُسْتَمِرَّةٌ والفائِدَةُ حاصِلَةٌ، فَأمّا في قَوْلِهِ: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ﴾ لَمْ تَكُنِ الفائِدَةُ تَحْصُلُ إلّا بَعْدَ مُدَّةٍ فَقالَ: لَوْ سافَرْتُمْ صفحة ١٥٤ لَحَصَلَ لَكُمُ الفائِدَةُ في الحالِ وقَدْ فاتَ ذَلِكَ، فَإنْ كُنْتُمْ لا تُسافِرُونَ في الحالِ تَفُوتُكُمُ الفائِدَةُ أيْضًا في الِاسْتِقْبالِ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تُمْنُونَ﴾ مِن تَقْرِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿نَحْنُ خَلَقْناكُمْ﴾ وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿نَحْنُ خَلَقْناكُمْ﴾ قالَ الطَّبِيعِيُّونَ: نَحْنُ مَوْجُودُونَ مِن نُطَفِ الخَلْقِ بِجَواهِرَ كامِنَةٍ وقَبْلَ كُلِّ واحِدٍ نُطْفَةُ واحِدٍ فَقالَ تَعالى رَدًّا عَلَيْهِمْ: هَلْ رَأيْتُمْ هَذا المَنِيَّ وأنَّهُ جِسْمٌ ضَعِيفٌ مُتَشابِهُ الصُّورَةِ لا بُدَّ لَهُ مِن مُكَوِّنٍ، فَأنْتُمْ خَلَقْتُمُ النُّطْفَةَ أمْ غَيْرُكم خَلَقَها، ولا بُدَّ مِن الِاعْتِرافِ بِخالِقٍ غَيْرِ مَخْلُوقٍ قَطْعًا لِلتَّسَلْسُلِ الباطِلِ وإلى رَبِّنا المُنْتَهى، ولا يَرْتابُ فِيهِ أحَدٌ مِن أوَّلِ ما خَلَقَ اللَّهُ النُّطْفَةَ وصَوَّرَها وأحْياها ونَوَّرَها فَلِمَ لا تُصَدِّقُونَ أنَّهُ واحِدٌ أحَدٌ صَمَدٌ قادِرٌ عَلى الأشْياءِ، فَإنَّهُ يُعِيدُكم كَما أنْشَأكم في الِابْتِداءِ، والِاسْتِفْهامُ يُفِيدُ زِيادَةَ تَقْرِيرٍ وقَدْ عَلِمْتَ ذَلِكَ مِرارًا.

الواقعة 56:57

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿هَذا نُزُلُهم يَوْمَ الدِّينِ﴾ . يَعْنِي لَيْسَ هَذا كُلَّ العَذابِ بَلْ هَذا أوَّلُ ما يَلْقَوْنَهُ وهو بَعْضٌ مِنهُ وأقْطَعُ لِأمْعائِهِمْ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿نَحْنُ خَلَقْناكم فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ﴾ ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تُمْنُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أمْ نَحْنُ الخالِقُونَ﴾ دَلِيلًا عَلى كَذِبِهِمْ وصِدْقِ الرُّسُلِ في الحَشْرِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿أأنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ﴾ إلْزامٌ عَلى الإقْرارِ بِأنَّ الخالِقَ في الِابْتِداءِ هو اللَّهُ تَعالى، ولَمّا كانَ قادِرًا عَلى الخَلْقِ أوَّلًا كانَ قادِرًا عَلى الخَلْقِ ثانِيًا، ولا مَجالَ لِلنَّظَرِ في ذاتِهِ وصِفاتِهِ تَعالى وتَقَدَّسَ، وإنْ لَمْ يَعْتَرِفُوا بِهِ، بَلْ يَشُكُّونَ ويَقُولُونَ: الخَلْقُ الأوَّلُ مِن مَنِيٍّ بِحَسَبِ الطَّبِيعَةِ، فَنَقُولُ: المَنِيُّ مِنَ الأُمُورِ المُمْكِنَةِ ولا وُجُودَ لِلْمُمْكِنِ بِذاتِهِ بَلْ بِالغَيْرِ عَلى ما عُرِفَ، فَيَكُونُ المَنِيُّ مِنَ القادِرِ القاهِرِ، وكَذَلِكَ خَلْقُ الطَّبِيعَةِ وغَيْرِها مِنَ الحادِثاتِ أيْضًا، فَقالَ لَهم: هَلْ تَشُكُّونَ في أنَّ اللَّهَ خَلَقَكم أوَّلًا أمْ لا ؟ فَإنْ قالُوا: لا نَشُكُّ في أنَّهُ خالِقُنا، فَيُقالُ: فَهَلْ تُصَدِّقُونَ أيْضًا بِخَلْقِكم ثانِيًا ؟ فَإنَّ مَن خَلَقَكم أوَّلًا مِن لا شَيْءٍ لا يَعْجِزُ أنْ يَخْلُقَكم ثانِيًا مِن أجْزاءٍ هي عِنْدَهُ مَعْلُومَةٌ، وإنْ كُنْتُمْ تَشُكُّونَ وتَقُولُونَ: الخَلْقُ لا يَكُونُ إلّا مِن مَنِيٍّ وبَعْدَ المَوْتِ لا والِدَةَ ولا مَنِيَّ، فَيُقالُ لَهم: هَذا المَنِيُّ أنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أمِ اللَّهُ، فَإنْ كُنْتُمْ تَعْتَرِفُونَ بِاللَّهِ وبِقُدْرَتِهِ وإرادَتِهِ وعَمَلِهِ، فَذَلِكَ يُلْزِمُكُمُ القَوْلَ بِجَوازِ الحَشْرِ وصِحَّتِهِ، و﴿فَلَوْلا﴾ كَلِمَةٌ مُرَكَّبَةٌ مِن كَلِمَتَيْنِ مَعْناها التَّحْضِيضُ والحَثُّ والأصْلُ فِيهِ: لِمَ لا، فَإذا قُلْتَ: لِمَ لا أكَلْتَ ولِمَ ما أكَلْتَ، جازَ الِاسْتِفْهامانِ، فَإنَّ مَعْناهُ لا عِلَّةَ لِعَدَمِ الأكْلِ ولا يُمْكِنُكَ أنْ تَذْكُرَ عِلَّةً لَهُ، كَما تَقُولُ: لِمَ فَعَلْتَ ؟ مُوَبِّخًا، يَكُونُ مَعْناهُ فَعَلْتَ أمْرًا لا سَبَبَ لَهُ ولا يُمْكِنُكَ ذِكْرُ سَبَبٍ لَهُ، ثُمَّ إنَّهم تَرَكُوا حَرْفَ الِاسْتِفْهامِ عَنِ العِلَّةِ وأتَوْا بِحَرْفِ الِاسْتِفْهامِ عَنِ الحُكْمِ، فَقالُوا: هَلّا فَعَلْتَ ؟ كَما يَقُولُونَ في مَوْضِعٍ: لِمَ فَعَلْتَ هَذا وأنْتَ تَعْلَمُ فَسادَهُ، أتَفْعَلُ هَذا وأنْتَ عاقِلٌ ؟ وفِيهِ زِيادَةُ حَثٍّ؛ لِأنَّ قَوْلَ القائِلِ: لِمَ فَعَلْتَ حَقِيقَتُهُ سُؤالٌ عَنِ العِلَّةِ، ومَعْناهُ أنَّ عِلَّتَهُ غَيْرُ مَعْلُومَةٍ وغَيْرُ ظاهِرَةٍ، فَلا يَجُوزُ ظُهُورُ وُجُودِهِ، وقَوْلُهُ: أفَعَلْتَ، سُؤالٌ عَنْ حَقِيقَتِهِ، ومَعْناهُ أنَّهُ في جِنْسِهِ غَيْرُ مُمْكِنٍ، والسّائِلُ عَنِ العِلَّةِ كَأنَّهُ سَلَّمَ الوُجُودَ وجَعَلَهُ مَعْلُومًا وسَألَ عَنِ العِلَّةِ، كَما يَقُولُ القائِلُ: زَيْدٌ جاءَ فَلِمَ جاءَ، والسّائِلُ عَنِ الوُجُودِ لَمْ يُسَلِّمْهُ، وقَوْلُ القائِلِ: لِمَ فَعَلْتَ وأنْتَ تَعْلَمُ ما فِيهِ دُونَ قَوْلِهِ: أفَعَلْتَ وأنْتَ تَعْلَمُ ما فِيهِ؛ لِأنَّ في الأوَّلِ جَعَلَهُ كالمُصِيبِ في فِعْلِهِ لِعِلَّةٍ خَفِيَّةٍ تُطْلَبُ مِنهُ، وفي الثّانِي جَعَلَهُ مُخْطِئًا في أوَّلِ الأمْرِ، وإذا عُلِمَ ما بَيْنَ لِمَ فَعَلْتَ، وأفَعَلْتَ، عُلِمَ ما بَيْنَ لِمَ تَفْعَلُ وهَلّا تَفْعَلُ، وأمّا ﴿فَلَوْلا﴾ فَنَقُولُ: هي كَلِمَةُ شَرْطٍ في الأصْلِ والجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ غَيْرُ مَجْزُومَةٍ بِها كَما أنَّ جُمْلَةَ الِاسْتِفْهامِ غَيْرُ مَجْزُومٍ بِهِ لَكِنَّ لَوْلا تَدُلُّ عَلى الِاعْتِسافِ وتَزِيدُ نَفْيَ النَّظَرِ والتَّوانِي، فَيَقُولُ: لَوْلا تُصَدِّقُونَ، بَدَلَ قَوْلِهِ: لِمَ لا، وهَلّا؛ لِأنَّهُ أدَلُّ عَلى نَفْيِ ما دَخَلَتْ عَلَيْهِ وهو عَدَمُ التَّصْدِيقِ وفِيهِ لَطِيفَةٌ: وهي أنَّ لَوْلا تَدْخُلُ عَلى فِعْلٍ ماضٍ عَلى مُسْتَقْبَلٍ قالَ تَعالى: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِنهم طائِفَةٌ﴾ [التوبة: ١٢٢] فَما وجْهُ اخْتِصاصِ المُسْتَقْبَلِ هَهُنا بِالذِّكْرِ، وهَلّا قالَ: فَلَوْلا صَدَّقْتُمْ ؟ نَقُولُ: هَذا كَلامٌ مَعَهم في الدُّنْيا والإسْلامُ فِيها مَقْبُولٌ ويَجُبُّ ما قَبْلَهُ فَقالَ: لِمَ لا تُصَدِّقُونَ في ساعَتِكم، والدَّلائِلُ واضِحَةٌ مُسْتَمِرَّةٌ والفائِدَةُ حاصِلَةٌ، فَأمّا في قَوْلِهِ: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ﴾ لَمْ تَكُنِ الفائِدَةُ تَحْصُلُ إلّا بَعْدَ مُدَّةٍ فَقالَ: لَوْ سافَرْتُمْ صفحة ١٥٤ لَحَصَلَ لَكُمُ الفائِدَةُ في الحالِ وقَدْ فاتَ ذَلِكَ، فَإنْ كُنْتُمْ لا تُسافِرُونَ في الحالِ تَفُوتُكُمُ الفائِدَةُ أيْضًا في الِاسْتِقْبالِ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تُمْنُونَ﴾ مِن تَقْرِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿نَحْنُ خَلَقْناكُمْ﴾ وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿نَحْنُ خَلَقْناكُمْ﴾ قالَ الطَّبِيعِيُّونَ: نَحْنُ مَوْجُودُونَ مِن نُطَفِ الخَلْقِ بِجَواهِرَ كامِنَةٍ وقَبْلَ كُلِّ واحِدٍ نُطْفَةُ واحِدٍ فَقالَ تَعالى رَدًّا عَلَيْهِمْ: هَلْ رَأيْتُمْ هَذا المَنِيَّ وأنَّهُ جِسْمٌ ضَعِيفٌ مُتَشابِهُ الصُّورَةِ لا بُدَّ لَهُ مِن مُكَوِّنٍ، فَأنْتُمْ خَلَقْتُمُ النُّطْفَةَ أمْ غَيْرُكم خَلَقَها، ولا بُدَّ مِن الِاعْتِرافِ بِخالِقٍ غَيْرِ مَخْلُوقٍ قَطْعًا لِلتَّسَلْسُلِ الباطِلِ وإلى رَبِّنا المُنْتَهى، ولا يَرْتابُ فِيهِ أحَدٌ مِن أوَّلِ ما خَلَقَ اللَّهُ النُّطْفَةَ وصَوَّرَها وأحْياها ونَوَّرَها فَلِمَ لا تُصَدِّقُونَ أنَّهُ واحِدٌ أحَدٌ صَمَدٌ قادِرٌ عَلى الأشْياءِ، فَإنَّهُ يُعِيدُكم كَما أنْشَأكم في الِابْتِداءِ، والِاسْتِفْهامُ يُفِيدُ زِيادَةَ تَقْرِيرٍ وقَدْ عَلِمْتَ ذَلِكَ مِرارًا.

الواقعة 56:58

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿هَذا نُزُلُهم يَوْمَ الدِّينِ﴾ . يَعْنِي لَيْسَ هَذا كُلَّ العَذابِ بَلْ هَذا أوَّلُ ما يَلْقَوْنَهُ وهو بَعْضٌ مِنهُ وأقْطَعُ لِأمْعائِهِمْ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿نَحْنُ خَلَقْناكم فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ﴾ ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تُمْنُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أمْ نَحْنُ الخالِقُونَ﴾ دَلِيلًا عَلى كَذِبِهِمْ وصِدْقِ الرُّسُلِ في الحَشْرِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿أأنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ﴾ إلْزامٌ عَلى الإقْرارِ بِأنَّ الخالِقَ في الِابْتِداءِ هو اللَّهُ تَعالى، ولَمّا كانَ قادِرًا عَلى الخَلْقِ أوَّلًا كانَ قادِرًا عَلى الخَلْقِ ثانِيًا، ولا مَجالَ لِلنَّظَرِ في ذاتِهِ وصِفاتِهِ تَعالى وتَقَدَّسَ، وإنْ لَمْ يَعْتَرِفُوا بِهِ، بَلْ يَشُكُّونَ ويَقُولُونَ: الخَلْقُ الأوَّلُ مِن مَنِيٍّ بِحَسَبِ الطَّبِيعَةِ، فَنَقُولُ: المَنِيُّ مِنَ الأُمُورِ المُمْكِنَةِ ولا وُجُودَ لِلْمُمْكِنِ بِذاتِهِ بَلْ بِالغَيْرِ عَلى ما عُرِفَ، فَيَكُونُ المَنِيُّ مِنَ القادِرِ القاهِرِ، وكَذَلِكَ خَلْقُ الطَّبِيعَةِ وغَيْرِها مِنَ الحادِثاتِ أيْضًا، فَقالَ لَهم: هَلْ تَشُكُّونَ في أنَّ اللَّهَ خَلَقَكم أوَّلًا أمْ لا ؟ فَإنْ قالُوا: لا نَشُكُّ في أنَّهُ خالِقُنا، فَيُقالُ: فَهَلْ تُصَدِّقُونَ أيْضًا بِخَلْقِكم ثانِيًا ؟ فَإنَّ مَن خَلَقَكم أوَّلًا مِن لا شَيْءٍ لا يَعْجِزُ أنْ يَخْلُقَكم ثانِيًا مِن أجْزاءٍ هي عِنْدَهُ مَعْلُومَةٌ، وإنْ كُنْتُمْ تَشُكُّونَ وتَقُولُونَ: الخَلْقُ لا يَكُونُ إلّا مِن مَنِيٍّ وبَعْدَ المَوْتِ لا والِدَةَ ولا مَنِيَّ، فَيُقالُ لَهم: هَذا المَنِيُّ أنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أمِ اللَّهُ، فَإنْ كُنْتُمْ تَعْتَرِفُونَ بِاللَّهِ وبِقُدْرَتِهِ وإرادَتِهِ وعَمَلِهِ، فَذَلِكَ يُلْزِمُكُمُ القَوْلَ بِجَوازِ الحَشْرِ وصِحَّتِهِ، و﴿فَلَوْلا﴾ كَلِمَةٌ مُرَكَّبَةٌ مِن كَلِمَتَيْنِ مَعْناها التَّحْضِيضُ والحَثُّ والأصْلُ فِيهِ: لِمَ لا، فَإذا قُلْتَ: لِمَ لا أكَلْتَ ولِمَ ما أكَلْتَ، جازَ الِاسْتِفْهامانِ، فَإنَّ مَعْناهُ لا عِلَّةَ لِعَدَمِ الأكْلِ ولا يُمْكِنُكَ أنْ تَذْكُرَ عِلَّةً لَهُ، كَما تَقُولُ: لِمَ فَعَلْتَ ؟ مُوَبِّخًا، يَكُونُ مَعْناهُ فَعَلْتَ أمْرًا لا سَبَبَ لَهُ ولا يُمْكِنُكَ ذِكْرُ سَبَبٍ لَهُ، ثُمَّ إنَّهم تَرَكُوا حَرْفَ الِاسْتِفْهامِ عَنِ العِلَّةِ وأتَوْا بِحَرْفِ الِاسْتِفْهامِ عَنِ الحُكْمِ، فَقالُوا: هَلّا فَعَلْتَ ؟ كَما يَقُولُونَ في مَوْضِعٍ: لِمَ فَعَلْتَ هَذا وأنْتَ تَعْلَمُ فَسادَهُ، أتَفْعَلُ هَذا وأنْتَ عاقِلٌ ؟ وفِيهِ زِيادَةُ حَثٍّ؛ لِأنَّ قَوْلَ القائِلِ: لِمَ فَعَلْتَ حَقِيقَتُهُ سُؤالٌ عَنِ العِلَّةِ، ومَعْناهُ أنَّ عِلَّتَهُ غَيْرُ مَعْلُومَةٍ وغَيْرُ ظاهِرَةٍ، فَلا يَجُوزُ ظُهُورُ وُجُودِهِ، وقَوْلُهُ: أفَعَلْتَ، سُؤالٌ عَنْ حَقِيقَتِهِ، ومَعْناهُ أنَّهُ في جِنْسِهِ غَيْرُ مُمْكِنٍ، والسّائِلُ عَنِ العِلَّةِ كَأنَّهُ سَلَّمَ الوُجُودَ وجَعَلَهُ مَعْلُومًا وسَألَ عَنِ العِلَّةِ، كَما يَقُولُ القائِلُ: زَيْدٌ جاءَ فَلِمَ جاءَ، والسّائِلُ عَنِ الوُجُودِ لَمْ يُسَلِّمْهُ، وقَوْلُ القائِلِ: لِمَ فَعَلْتَ وأنْتَ تَعْلَمُ ما فِيهِ دُونَ قَوْلِهِ: أفَعَلْتَ وأنْتَ تَعْلَمُ ما فِيهِ؛ لِأنَّ في الأوَّلِ جَعَلَهُ كالمُصِيبِ في فِعْلِهِ لِعِلَّةٍ خَفِيَّةٍ تُطْلَبُ مِنهُ، وفي الثّانِي جَعَلَهُ مُخْطِئًا في أوَّلِ الأمْرِ، وإذا عُلِمَ ما بَيْنَ لِمَ فَعَلْتَ، وأفَعَلْتَ، عُلِمَ ما بَيْنَ لِمَ تَفْعَلُ وهَلّا تَفْعَلُ، وأمّا ﴿فَلَوْلا﴾ فَنَقُولُ: هي كَلِمَةُ شَرْطٍ في الأصْلِ والجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ غَيْرُ مَجْزُومَةٍ بِها كَما أنَّ جُمْلَةَ الِاسْتِفْهامِ غَيْرُ مَجْزُومٍ بِهِ لَكِنَّ لَوْلا تَدُلُّ عَلى الِاعْتِسافِ وتَزِيدُ نَفْيَ النَّظَرِ والتَّوانِي، فَيَقُولُ: لَوْلا تُصَدِّقُونَ، بَدَلَ قَوْلِهِ: لِمَ لا، وهَلّا؛ لِأنَّهُ أدَلُّ عَلى نَفْيِ ما دَخَلَتْ عَلَيْهِ وهو عَدَمُ التَّصْدِيقِ وفِيهِ لَطِيفَةٌ: وهي أنَّ لَوْلا تَدْخُلُ عَلى فِعْلٍ ماضٍ عَلى مُسْتَقْبَلٍ قالَ تَعالى: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِنهم طائِفَةٌ﴾ [التوبة: ١٢٢] فَما وجْهُ اخْتِصاصِ المُسْتَقْبَلِ هَهُنا بِالذِّكْرِ، وهَلّا قالَ: فَلَوْلا صَدَّقْتُمْ ؟ نَقُولُ: هَذا كَلامٌ مَعَهم في الدُّنْيا والإسْلامُ فِيها مَقْبُولٌ ويَجُبُّ ما قَبْلَهُ فَقالَ: لِمَ لا تُصَدِّقُونَ في ساعَتِكم، والدَّلائِلُ واضِحَةٌ مُسْتَمِرَّةٌ والفائِدَةُ حاصِلَةٌ، فَأمّا في قَوْلِهِ: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ﴾ لَمْ تَكُنِ الفائِدَةُ تَحْصُلُ إلّا بَعْدَ مُدَّةٍ فَقالَ: لَوْ سافَرْتُمْ صفحة ١٥٤ لَحَصَلَ لَكُمُ الفائِدَةُ في الحالِ وقَدْ فاتَ ذَلِكَ، فَإنْ كُنْتُمْ لا تُسافِرُونَ في الحالِ تَفُوتُكُمُ الفائِدَةُ أيْضًا في الِاسْتِقْبالِ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تُمْنُونَ﴾ مِن تَقْرِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿نَحْنُ خَلَقْناكُمْ﴾ وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿نَحْنُ خَلَقْناكُمْ﴾ قالَ الطَّبِيعِيُّونَ: نَحْنُ مَوْجُودُونَ مِن نُطَفِ الخَلْقِ بِجَواهِرَ كامِنَةٍ وقَبْلَ كُلِّ واحِدٍ نُطْفَةُ واحِدٍ فَقالَ تَعالى رَدًّا عَلَيْهِمْ: هَلْ رَأيْتُمْ هَذا المَنِيَّ وأنَّهُ جِسْمٌ ضَعِيفٌ مُتَشابِهُ الصُّورَةِ لا بُدَّ لَهُ مِن مُكَوِّنٍ، فَأنْتُمْ خَلَقْتُمُ النُّطْفَةَ أمْ غَيْرُكم خَلَقَها، ولا بُدَّ مِن الِاعْتِرافِ بِخالِقٍ غَيْرِ مَخْلُوقٍ قَطْعًا لِلتَّسَلْسُلِ الباطِلِ وإلى رَبِّنا المُنْتَهى، ولا يَرْتابُ فِيهِ أحَدٌ مِن أوَّلِ ما خَلَقَ اللَّهُ النُّطْفَةَ وصَوَّرَها وأحْياها ونَوَّرَها فَلِمَ لا تُصَدِّقُونَ أنَّهُ واحِدٌ أحَدٌ صَمَدٌ قادِرٌ عَلى الأشْياءِ، فَإنَّهُ يُعِيدُكم كَما أنْشَأكم في الِابْتِداءِ، والِاسْتِفْهامُ يُفِيدُ زِيادَةَ تَقْرِيرٍ وقَدْ عَلِمْتَ ذَلِكَ مِرارًا.

الواقعة 56:59

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿هَذا نُزُلُهم يَوْمَ الدِّينِ﴾ . يَعْنِي لَيْسَ هَذا كُلَّ العَذابِ بَلْ هَذا أوَّلُ ما يَلْقَوْنَهُ وهو بَعْضٌ مِنهُ وأقْطَعُ لِأمْعائِهِمْ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿نَحْنُ خَلَقْناكم فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ﴾ ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تُمْنُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أمْ نَحْنُ الخالِقُونَ﴾ دَلِيلًا عَلى كَذِبِهِمْ وصِدْقِ الرُّسُلِ في الحَشْرِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿أأنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ﴾ إلْزامٌ عَلى الإقْرارِ بِأنَّ الخالِقَ في الِابْتِداءِ هو اللَّهُ تَعالى، ولَمّا كانَ قادِرًا عَلى الخَلْقِ أوَّلًا كانَ قادِرًا عَلى الخَلْقِ ثانِيًا، ولا مَجالَ لِلنَّظَرِ في ذاتِهِ وصِفاتِهِ تَعالى وتَقَدَّسَ، وإنْ لَمْ يَعْتَرِفُوا بِهِ، بَلْ يَشُكُّونَ ويَقُولُونَ: الخَلْقُ الأوَّلُ مِن مَنِيٍّ بِحَسَبِ الطَّبِيعَةِ، فَنَقُولُ: المَنِيُّ مِنَ الأُمُورِ المُمْكِنَةِ ولا وُجُودَ لِلْمُمْكِنِ بِذاتِهِ بَلْ بِالغَيْرِ عَلى ما عُرِفَ، فَيَكُونُ المَنِيُّ مِنَ القادِرِ القاهِرِ، وكَذَلِكَ خَلْقُ الطَّبِيعَةِ وغَيْرِها مِنَ الحادِثاتِ أيْضًا، فَقالَ لَهم: هَلْ تَشُكُّونَ في أنَّ اللَّهَ خَلَقَكم أوَّلًا أمْ لا ؟ فَإنْ قالُوا: لا نَشُكُّ في أنَّهُ خالِقُنا، فَيُقالُ: فَهَلْ تُصَدِّقُونَ أيْضًا بِخَلْقِكم ثانِيًا ؟ فَإنَّ مَن خَلَقَكم أوَّلًا مِن لا شَيْءٍ لا يَعْجِزُ أنْ يَخْلُقَكم ثانِيًا مِن أجْزاءٍ هي عِنْدَهُ مَعْلُومَةٌ، وإنْ كُنْتُمْ تَشُكُّونَ وتَقُولُونَ: الخَلْقُ لا يَكُونُ إلّا مِن مَنِيٍّ وبَعْدَ المَوْتِ لا والِدَةَ ولا مَنِيَّ، فَيُقالُ لَهم: هَذا المَنِيُّ أنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أمِ اللَّهُ، فَإنْ كُنْتُمْ تَعْتَرِفُونَ بِاللَّهِ وبِقُدْرَتِهِ وإرادَتِهِ وعَمَلِهِ، فَذَلِكَ يُلْزِمُكُمُ القَوْلَ بِجَوازِ الحَشْرِ وصِحَّتِهِ، و﴿فَلَوْلا﴾ كَلِمَةٌ مُرَكَّبَةٌ مِن كَلِمَتَيْنِ مَعْناها التَّحْضِيضُ والحَثُّ والأصْلُ فِيهِ: لِمَ لا، فَإذا قُلْتَ: لِمَ لا أكَلْتَ ولِمَ ما أكَلْتَ، جازَ الِاسْتِفْهامانِ، فَإنَّ مَعْناهُ لا عِلَّةَ لِعَدَمِ الأكْلِ ولا يُمْكِنُكَ أنْ تَذْكُرَ عِلَّةً لَهُ، كَما تَقُولُ: لِمَ فَعَلْتَ ؟ مُوَبِّخًا، يَكُونُ مَعْناهُ فَعَلْتَ أمْرًا لا سَبَبَ لَهُ ولا يُمْكِنُكَ ذِكْرُ سَبَبٍ لَهُ، ثُمَّ إنَّهم تَرَكُوا حَرْفَ الِاسْتِفْهامِ عَنِ العِلَّةِ وأتَوْا بِحَرْفِ الِاسْتِفْهامِ عَنِ الحُكْمِ، فَقالُوا: هَلّا فَعَلْتَ ؟ كَما يَقُولُونَ في مَوْضِعٍ: لِمَ فَعَلْتَ هَذا وأنْتَ تَعْلَمُ فَسادَهُ، أتَفْعَلُ هَذا وأنْتَ عاقِلٌ ؟ وفِيهِ زِيادَةُ حَثٍّ؛ لِأنَّ قَوْلَ القائِلِ: لِمَ فَعَلْتَ حَقِيقَتُهُ سُؤالٌ عَنِ العِلَّةِ، ومَعْناهُ أنَّ عِلَّتَهُ غَيْرُ مَعْلُومَةٍ وغَيْرُ ظاهِرَةٍ، فَلا يَجُوزُ ظُهُورُ وُجُودِهِ، وقَوْلُهُ: أفَعَلْتَ، سُؤالٌ عَنْ حَقِيقَتِهِ، ومَعْناهُ أنَّهُ في جِنْسِهِ غَيْرُ مُمْكِنٍ، والسّائِلُ عَنِ العِلَّةِ كَأنَّهُ سَلَّمَ الوُجُودَ وجَعَلَهُ مَعْلُومًا وسَألَ عَنِ العِلَّةِ، كَما يَقُولُ القائِلُ: زَيْدٌ جاءَ فَلِمَ جاءَ، والسّائِلُ عَنِ الوُجُودِ لَمْ يُسَلِّمْهُ، وقَوْلُ القائِلِ: لِمَ فَعَلْتَ وأنْتَ تَعْلَمُ ما فِيهِ دُونَ قَوْلِهِ: أفَعَلْتَ وأنْتَ تَعْلَمُ ما فِيهِ؛ لِأنَّ في الأوَّلِ جَعَلَهُ كالمُصِيبِ في فِعْلِهِ لِعِلَّةٍ خَفِيَّةٍ تُطْلَبُ مِنهُ، وفي الثّانِي جَعَلَهُ مُخْطِئًا في أوَّلِ الأمْرِ، وإذا عُلِمَ ما بَيْنَ لِمَ فَعَلْتَ، وأفَعَلْتَ، عُلِمَ ما بَيْنَ لِمَ تَفْعَلُ وهَلّا تَفْعَلُ، وأمّا ﴿فَلَوْلا﴾ فَنَقُولُ: هي كَلِمَةُ شَرْطٍ في الأصْلِ والجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ غَيْرُ مَجْزُومَةٍ بِها كَما أنَّ جُمْلَةَ الِاسْتِفْهامِ غَيْرُ مَجْزُومٍ بِهِ لَكِنَّ لَوْلا تَدُلُّ عَلى الِاعْتِسافِ وتَزِيدُ نَفْيَ النَّظَرِ والتَّوانِي، فَيَقُولُ: لَوْلا تُصَدِّقُونَ، بَدَلَ قَوْلِهِ: لِمَ لا، وهَلّا؛ لِأنَّهُ أدَلُّ عَلى نَفْيِ ما دَخَلَتْ عَلَيْهِ وهو عَدَمُ التَّصْدِيقِ وفِيهِ لَطِيفَةٌ: وهي أنَّ لَوْلا تَدْخُلُ عَلى فِعْلٍ ماضٍ عَلى مُسْتَقْبَلٍ قالَ تَعالى: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِنهم طائِفَةٌ﴾ [التوبة: ١٢٢] فَما وجْهُ اخْتِصاصِ المُسْتَقْبَلِ هَهُنا بِالذِّكْرِ، وهَلّا قالَ: فَلَوْلا صَدَّقْتُمْ ؟ نَقُولُ: هَذا كَلامٌ مَعَهم في الدُّنْيا والإسْلامُ فِيها مَقْبُولٌ ويَجُبُّ ما قَبْلَهُ فَقالَ: لِمَ لا تُصَدِّقُونَ في ساعَتِكم، والدَّلائِلُ واضِحَةٌ مُسْتَمِرَّةٌ والفائِدَةُ حاصِلَةٌ، فَأمّا في قَوْلِهِ: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ﴾ لَمْ تَكُنِ الفائِدَةُ تَحْصُلُ إلّا بَعْدَ مُدَّةٍ فَقالَ: لَوْ سافَرْتُمْ صفحة ١٥٤ لَحَصَلَ لَكُمُ الفائِدَةُ في الحالِ وقَدْ فاتَ ذَلِكَ، فَإنْ كُنْتُمْ لا تُسافِرُونَ في الحالِ تَفُوتُكُمُ الفائِدَةُ أيْضًا في الِاسْتِقْبالِ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تُمْنُونَ﴾ مِن تَقْرِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿نَحْنُ خَلَقْناكُمْ﴾ وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿نَحْنُ خَلَقْناكُمْ﴾ قالَ الطَّبِيعِيُّونَ: نَحْنُ مَوْجُودُونَ مِن نُطَفِ الخَلْقِ بِجَواهِرَ كامِنَةٍ وقَبْلَ كُلِّ واحِدٍ نُطْفَةُ واحِدٍ فَقالَ تَعالى رَدًّا عَلَيْهِمْ: هَلْ رَأيْتُمْ هَذا المَنِيَّ وأنَّهُ جِسْمٌ ضَعِيفٌ مُتَشابِهُ الصُّورَةِ لا بُدَّ لَهُ مِن مُكَوِّنٍ، فَأنْتُمْ خَلَقْتُمُ النُّطْفَةَ أمْ غَيْرُكم خَلَقَها، ولا بُدَّ مِن الِاعْتِرافِ بِخالِقٍ غَيْرِ مَخْلُوقٍ قَطْعًا لِلتَّسَلْسُلِ الباطِلِ وإلى رَبِّنا المُنْتَهى، ولا يَرْتابُ فِيهِ أحَدٌ مِن أوَّلِ ما خَلَقَ اللَّهُ النُّطْفَةَ وصَوَّرَها وأحْياها ونَوَّرَها فَلِمَ لا تُصَدِّقُونَ أنَّهُ واحِدٌ أحَدٌ صَمَدٌ قادِرٌ عَلى الأشْياءِ، فَإنَّهُ يُعِيدُكم كَما أنْشَأكم في الِابْتِداءِ، والِاسْتِفْهامُ يُفِيدُ زِيادَةَ تَقْرِيرٍ وقَدْ عَلِمْتَ ذَلِكَ مِرارًا.

الواقعة 56:60

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ المَوْتَ وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ ﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكم ونُنْشِئَكم في ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأةَ الأُولى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: في التَّرْتِيبِ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ تَقْرِيرٌ لِما سَبَقَ وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ والحَياةَ﴾ [الملك: ٢] فَقالَ: ﴿نَحْنُ خَلَقْناكُمْ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ المَوْتَ﴾ فَمَن قَدَرَ عَلى الإحْياءِ والإماتَةِ وهُما ضِدّانِ ثَبَتَ كَوْنُهُ مُخْتارًا فَيُمْكِنُ الإحْياءُ ثانِيًا مِنهُ بَعْدَ الإماتَةِ بِخِلافِ ما لَوْ كانَ الإحْياءُ مِنهُ، ولَمْ يَكُنْ لَهُ قُدْرَةٌ عَلى الإماتَةِ فَيُظَنُّ بِهِ أنَّهُ مُوجَبٌ لا مُخْتارٌ، والمُوجَبُ لا يَقْدِرُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُمْكِنٍ فَقالَ: نَحْنُ خَلَقْناكم وقَدَّرْنا المَوْتَ بَيْنَكم فانْظُرُوا فِيهِ واعْلَمُوا أنّا قادِرُونَ أنْ نُنْشِئَكم. ثانِيهِما: أنَّهُ جَوابٌ عَنْ قَوْلِ مُبْطِلٍ يَقُولُ: إنْ لَمْ تَكُنِ الحَياةُ والمَوْتُ بِأُمُورٍ طَبِيعِيَّةٍ في الأجْسامِ مِن حَراراتٍ ورُطُوباتٍ إذا تَوَفَّرَتْ بَقِيَتْ حَيَّةً، وإذا نَقَصَتْ وفَنِيَتْ ماتَتْ لَمْ يَقَعِ المَوْتُ وكَيْفَ يَلِيقُ بِالحَكِيمِ أنْ يَخْلُقَ شَيْئًا يُتْقِنُ خَلْقَهُ ويُحْسِنُ صُورَتَهُ ثُمَّ يُفْسِدُهُ ويُعْدِمُهُ ثُمَّ يُعِيدُهُ ويُنْشِئُهُ، فَقالَ تَعالى: نَحْنُ قَدَّرْنا المَوْتَ، ولا يَرُدُّ قَوْلَكم: لِماذا أعْدَمَ ولِماذا أنْشَأ ولِماذا هَدَمَ ؟ لِأنَّ كَمالَ القُدْرَةِ يَقْتَضِي ذَلِكَ وإنَّما يَقْبُحُ مِنَ الصّائِغِ والبانِي صِياغَةُ شَيْءٍ وبِناؤُهُ وكَسْرُهُ وإنْشاؤُهُ؛ لِأنَّهُ يَحْتاجُ إلى صَرْفِ زَمانٍ إلَيْهِ وتَحَمُّلِ مَشَقَّةٍ وما مَثَلُهُ إلّا مَثَلُ إنْسانٍ يَنْظُرُ إلى شَيْءٍ فَيَقْطَعُ نَظَرَهُ عَنْهُ طَرْفَةَ عَيْنٍ، ثُمَّ يُعاوِدُهُ ولا يُقالُ لَهُ: لِمَ قَطَعْتَ النَّظَرَ ولِمَ نَظَرْتَ إلَيْهِ، ﴿ولِلَّهِ المَثَلُ الأعْلى﴾ [النحل: ٦٠] مِن هَذا؛ لِأنَّ هُنا لا بُدَّ مِن حَرَكَةٍ وزَمانٍ ولَوْ تَوارَدَ عَلى الإنْسانِ أمْثالُهُ لَتَعِبَ لَكِنْ في المَرَّةِ الواحِدَةِ لا يَثْبُتُ التَّعَبُ واللَّهُ تَعالى مُنَزَّهٌ عَنِ التَّعَبِ ولا افْتِقارَ لِفِعْلِهِ إلى زَمانٍ ولا زَمانَ لِفِعْلِهِ ولا إلى حَرَكَةٍ بِجِرْمٍ، وفِيهِ وجْهٌ آخَرُ ألْطَفُ مِنها، وهو أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تُمْنُونَ﴾ مَعْناهُ أفَرَأيْتُمْ ذَلِكَ مَيِّتًا لا حَياةَ فِيهِ وهو مَنِيٌّ، ولَوْ تَفَكَّرْتُمْ فِيهِ لَعَلِمْتُمْ أنَّهُ كانَ قَبْلَ ذَلِكَ حَيًّا مُتَّصِلًا بِحَيٍّ وكانَ أجْزاءً مُدْرِكَةً مُتَألِّمَةً مُتَلَذِّذَةً ثُمَّ إذا أمْنَيْتُمُوهُ لا تَسْتَرِيبُونَ في كَوْنِهِ مَيِّتًا كالجَماداتِ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى يَخْلُقُهُ آدَمِيًّا ويَجْعَلُهُ بَشَرًا سَوِيًّا فالنُّطْفَةُ كانَتْ قَبْلَ الِانْفِصالِ حَيَّةً، ثُمَّ صارَتْ مَيِّتَةً ثُمَّ أحْياها اللَّهُ تَعالى مَرَّةً أُخْرى فاعْلَمُوا أنَّما إذا خَلَقْناكم أوَّلًا ثُمَّ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ المَوْتَ ثانِيًا ثُمَّ نُنْشِئُكم مَرَّةً أُخْرى فَلا تَسْتَبْعِدُوا ذَلِكَ كَما في النُّطَفِ. صفحة ١٥٥ المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ما الفَرْقُ بَيْنَ هَذا المَوْضِعِ وبَيْنَ أوَّلِ سُورَةِ تَبارَكَ حَيْثُ قالَ هُناكَ: ﴿خَلَقَ المَوْتَ والحَياةَ﴾ بِتَقْدِيمِ ذِكْرِ المَوْتِ ؟ نَقُولُ: الكَلامُ هُنا عَلى التَّرْتِيبِ الأصْلِيِّ كَما قالَ تَعالى في مَواضِعَ مِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٢] ثُمَّ قالَ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿ثُمَّ إنَّكم بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾ [المؤمنون: ١٥] وأمّا في سُورَةِ المُلْكِ فَنَذْكُرُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى فائِدَتَها ومَرْجِعَها إلى ما ذَكَرْنا أنَّهُ قالَ: خَلَقَ المَوْتَ في النُّطَفِ بَعْدَ كَوْنِها حَيَّةً عِنْدَ الِاتِّصالِ ثُمَّ خَلَقَ الحَياةَ فِيها بَعْدَ المَوْتِ وهو دَلِيلُ الحَشْرِ، وقِيلَ: المُرادُ مِنَ المَوْتِ هُنا المَوْتُ الَّذِي بَعْدَ الحَياةِ، والمُرادُ هُناكَ الَّذِي قَبْلَ الحَياةِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ هَهُنا: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنا﴾ وقالَ في سُورَةِ المُلْكِ: ﴿خَلَقَ المَوْتَ والحَياةَ﴾ فَذَكَرَ المَوْتَ والحَياةَ بِلَفْظِ الخَلْقِ، وهَهُنا قالَ: ﴿خَلَقْناكُمْ﴾ وقالَ: ﴿قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ المَوْتَ﴾ فَنَقُولُ: كانَ المُرادُ هُناكَ بَيانَ كَوْنِ المَوْتِ والحَياةِ مَخْلُوقَيْنِ مُطْلَقًا لا في النّاسِ عَلى الخُصُوصِ، وهُنا لَمّا قالَ: ﴿خَلَقْناكُمْ﴾ خَصَّصَهم بِالذِّكْرِ فَصارَ كَأنَّهُ قالَ: خَلَقْنا حَياتَكم، فَلَوْ قالَ: نَحْنُ قَدَّرْنا مَوْتَكم، كانَ يَنْبَغِي أنَّهُ يُوجَدُ مَوْتُهم في الحالِ ولَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، ولِهَذا قالَ: ﴿قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ﴾ وأمّا هُناكَ فالمَوْتُ والحَياةُ كانا مَخْلُوقَيْنِ في مَحَلَّيْنِ ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلى بَعْضٍ مَخْصُوصٍ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: هَلْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَيْنَكُمُ﴾ بَدَلًا عَنْ غَيْرِهِ مِنَ الألْفاظِ فائِدَةٌ ؟ نَقُولُ: نَعَمْ فائِدَةٌ جَلِيلَةٌ، وهي تَبِينُ بِالنَّظَرِ إلى الألْفاظِ الَّتِي تَقُومُ مَقامَها فَنَقُولُ: قَدَّرْنا لَكُمُ المَوْتَ، وقَدَّرْنا فِيكُمُ المَوْتَ، فَقَوْلُهُ: قَدَّرْنا فِيكم يُفِيدُ مَعْنى الخَلْقِ؛ لِأنَّ تَقْدِيرَ الشَّيْءِ في الشَّيْءِ يَسْتَدْعِي كَوْنَهُ ظَرْفًا لَهُ إمّا ظَرْفُ حُصُولٍ فِيهِ أوْ ظَرْفُ حُلُولٍ فِيهِ كَما يُقالُ: البَياضُ في الجِسْمِ والكَحَلُ في العَيْنِ، فَلَوْ قالَ: قَدَّرْنا فِيكُمُ المَوْتَ لَكانَ مَخْلُوقًا فِينا ولَيْسَ كَذَلِكَ، وإنْ قُلْنا: قَدَّرْنا لَكُمُ المَوْتَ كانَ ذَلِكَ يُنْبِئُ عَنْ تَأخُّرِهِ عَنِ النّاسِ فَإنَّ القائِلَ إذا قالَ: هَذا مُعَدٌّ لَكَ كانَ مَعْناهُ أنَّهُ اليَوْمَ لِغَيْرِكَ وغَدًا لَكَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وتِلْكَ الأيّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النّاسِ﴾ [آل عمران: ١٤٠] . المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ المَشْهُورُ أنَّ المُرادَ مِنهُ: وما نَحْنُ بِمَغْلُوبِينَ عاجِزِينَ عَنْ خَلْقِ أمْثالِكم وإعادَتِكم بَعْدَ تَفَرُّقِ أوْصالِكم، يُقالُ: فاتَهُ الشَّيْءُ إذا غَلَبَهُ ولَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ ومِثْلُهُ سَبَقَهُ وعَلى هَذا نُعِيدُ ما ذَكَرْناهُ مِنَ التَّرْتِيبِ، ونَقُولُ: إذا كانَ قَوْلُهُ: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ﴾ لِبَيانِ أنَّهُ خَلَقَ الحَياةَ وقَدَّرَ المَوْتَ، وهُما ضِدّانِ وخالِقُ الضِّدَّيْنِ يَكُونُ قادِرًا مُخْتارًا فَقالَ: ﴿وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ عاجِزِينَ عَنِ الشَّيْءِ بِخِلافِ المُوجِبِ الَّذِي لا يُمْكِنُهُ مِن إيقاعِ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الضِّدَّيْنِ فَيَسْبِقُهُ ويَفُوتُهُ، فَإنَّ النّارَ لا يُمْكِنُها التَّبْرِيدُ؛ لِأنَّ طَبِيعَتَها مُوجِبَةٌ لِلتَّسْخِينِ، وأمّا إنْ قُلْنا بِأنَّهُ ذَكَرَهُ رَدًّا عَلَيْهِمْ حَيْثُ قالُوا: لَوْ لَمْ يَكُنِ المَوْتُ مِن فَناءِ الرُّطُوباتِ الأصْلِيَّةِ وانْطِفاءِ الحَرارَةِ الغَرِيزِيَّةِ وكانَ بِخَلْقِ حَكِيمٍ مُخْتارٍ ما كانَ يَجُوزُ وُقُوعُهُ؛ لِأنَّ الحَكِيمَ كَيْفَ يَبْنِي ويَهْدِمُ ويُوجِدُ ويُعْدِمُ فَقالَ: ﴿وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ أيْ عاجِزِينَ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ الَّتِي يَسْتَبْعِدُونَها مِنَ البَنّاءِ والصّائِغِ فَإنَّهُ يَفْتَقِرُ في الإيجادِ إلى زَمانٍ ومَكانٍ وتَمْكِينٍ مِنَ المَفْعُولِ وإمْكانٍ ويَلْحَقُهُ تَعَبٌ مِن تَحْرِيكٍ وإسْكانٍ واللَّهُ تَعالى يَخْلُقُ بِكُنْ فَيَكُونُ، فَهو فَوْقَ ما ذَكَرْنا مِنَ المَثَلِ مِن قَطْعِ النَّظَرِ وإعادَتِهِ في أسْرَعِ حِينٍ حَيْثُ لا يَصِحُّ مِنَ القائِلِ أنْ يَقُولَ: لِمَ قَطَعْتَ النَّظَرَ في ذَلِكَ الزَّمانِ اللَّطِيفِ الَّذِي لا يُدْرَكُ ولا يُحَسُّ بَلْ رُبَّما يَكُونُ مُدَّعِي القُدْرَةِ التّامَّةِ عَلى الشَّيْءِ في الزَّمانِ اليَسِيرِ بِالحَرَكَةِ السَّرِيعَةِ يَأْتِي بِشَيْءٍ ثُمَّ يُبْطِلُهُ ثُمَّ يَأْتِي بِمِثْلِهِ ثُمَّ يُبْطِلُهُ، يَدُلُّكَ عَلَيْهِ فِعْلُ أصْحابِ خِفَّةِ اليَدِ، حَيْثُ يُوهِمُ أنَّهُ يَفْعَلُ شَيْئًا ثُمَّ يُبْطِلُهُ، ثُمَّ يَأْتِي بِمِثْلِهِ إرادَةً مِن نَفْسِهِ القُدْرَةَ، وعَلى هَذا صفحة ١٥٦ فَنَقُولُ قَوْلُهُ في سُورَةِ تَبارَكَ: ﴿خَلَقَ المَوْتَ والحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ﴾ [الملك: ٢] مَعْناهُ أماتَ وأحْيا لِتَعْلَمُوا أنَّهُ فاعِلٌ مُخْتارٌ، فَتَعْبُدُونَهُ وتَعْتَقِدُونَ الثَّوابَ والعِقابَ فَيَحْسُنُ عَمَلُكم ولَوِ اعْتَقَدْتُمُوهُ مُوجِبًا لَما عَمِلْتُمْ شَيْئًا عَلى هَذا التَّفْسِيرِ المَشْهُورِ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ حَقِيقَتُهُ وهي أنّا ما سُبِقْنا وهو يَحْتَمِلُ شَيْئَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ مَعْناهُ أنَّهُ هو الأوَّلُ لَمْ يَكُنْ قَبْلَهُ شَيْءٌ. وثانِيهِما: في خَلْقِ النّاسِ وتَقْدِيرِ المَوْتِ فِيهِمْ ما سُبِقَ وهو عَلى طَرِيقَةِ مَنعٍ آخَرَ، وفِيهِ فائِدَتانِ: أمّا إذا قُلْنا: ﴿وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ مَعْناهُ ما سَبَقَنا شَيْءٌ فَهو إشارَةٌ إلى أنَّكم مِن أيِّ وجْهٍ تَسْلُكُونَ طَرِيقَ النَّظَرِ تَنْتَهُونَ إلى اللَّهِ وتَقِفُونَ عِنْدَهُ ولا تُجاوِزُونَهُ، فَإنَّكم إنْ كُنْتُمْ تَقُولُونَ: قَبْلَ النُّطْفَةِ أبٌ وقَبْلَ الأبِ نُطْفَةٌ فالعَقْلُ يَحْكُمُ بِانْتِهاءِ النُّطَفِ والآباءِ إلى خالِقٍ غَيْرِ مَخْلُوقٍ، وأنا ذَلِكَ فَإنِّي لَسْتُ بِمَسْبُوقٍ ولَيْسَ هُناكَ خالِقٌ ولا سابِقٌ غَيْرِي، وهَذا يَكُونُ عَلى طَرِيقَةِ التَّدَرُّجِ والنُّزُولِ مِن مَقامٍ إلى مَقامٍ، والعاقِلُ الَّذِي هَداهُ اللَّهُ تَعالى الهِدايَةَ القَوِيَّةَ يَعْرِفُ أوَّلًا والَّذِي دُونَهُ يَعْرِفُ بَعْدَ ذَلِكَ بِرُتْبَةٍ، والمُعانِدُ لا بُدَّ مِن أنْ يَعْرِفَ إنْ عادَ إلى عَقْلِهِ بَعْدَ المَراتِبِ، ويَقُولُ: لا بُدَّ لِلْكُلِّ مِن إلَهٍ، وهو لَيْسَ بِمَسْبُوقٍ فِيما فَعَلَهُ، فَمَعْناهُ أنَّهُ فَعَلَ ما فَعَلَ، ولَمْ يَكُنْ لِمَفْعُولِهِ مِثالٌ، وأمّا إنْ قُلْنا: إنَّهُ لَيْسَ بِمَسْبُوقٍ، وأيُّ حاجَةٍ في إعادَتِهِ لَهُ بِمِثالٍ هو أهْوَنُ فَيَكُونُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهُوَ أهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧] ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكم ونُنْشِئَكم في ما لا تَعْلَمُونَ﴾ فَإنْ قِيلَ: هَذا لا يَصِحُّ؛ لِأنَّ مِثْلَ هَذا ورَدَ في سُؤالِ سائِلٍ، والمُرادُ ما ذَكَرْنا كَأنَّهُ قالَ: وإنّا لَقادِرُونَ عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكم وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ، أيْ لَسْنا بِعاجِزِينَ مَغْلُوبِينَ فَهَذا دَلِيلُنا، وذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنّا لَقادِرُونَ﴾ أفادَ فائِدَةَ انْتِفاءِ العَجْزِ عَنْهُ، فَلا بُدَّ مِن أنْ يَكُونَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ فائِدَةٌ ظاهِرَةٌ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكُمْ﴾ في الوَجْهِ المَشْهُورِ، قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ﴾ يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ: ﴿وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ أيْ عَلى التَّبْدِيلِ، ومَعْناهُ وما نَحْنُ عاجِزِينَ عَنِ التَّبْدِيلِ. والتَّحْقِيقُ في هَذا الوَجْهِ أنَّ مَن سَبَقَهُ الشَّيْءُ كَأنَّهُ غَلَبَهُ فَعَجَزَ عَنْهُ، وكَلِمَةُ عَلى في هَذا الوَجْهِ مَأْخُوذَةٌ مِنَ اسْتِعْمالِ لَفْظِ المُسابَقَةِ فَإنَّهُ يَكُونُ عَلى شَيْءٍ، فَإنَّ مَن سَبَقَ غَيْرَهُ عَلى أمْرٍ فَهو الغالِبُ، وعَلى الوَجْهِ الآخَرِ يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنا﴾ وتَقْدِيرُهُ: نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكم عَلى وجْهِ التَّبْدِيلِ لا عَلى وجْهِ قَطْعِ النَّسْلِ مِن أوَّلِ الأمْرِ، كَما يَقُولُ القائِلُ: خَرَجَ فُلانٌ عَلى أنْ يَرْجِعَ عاجِلًا، أيْ عَلى هَذا الوَجْهِ خَرَجَ، وتَعَلُّقُ كَلِمَةِ عَلى هَذا الوَجْهِ أظْهَرُ، فَإنْ قِيلَ: عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ المُفَسِّرُونَ لا إشْكالَ في تَبْدِيلِ أمْثالِكم، أيْ أشْكالِكم وأوْصافِكم، ويَكُونُ الأمْثالُ جَمْعَ مِثْلٍ، ويَكُونُ مَعْناهُ وما نَحْنُ بِعاجِزِينَ عَلى أنْ نَمْسَخَكم، ونَجْعَلَكم في صُورَةِ قِرَدَةٍ وخَنازِيرَ، فَيَكُونُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْ نَشاءُ لَمَسَخْناهم عَلى مَكانَتِهِمْ﴾ [يس: ٦٧] وعَلى ما قُلْتُ في تَفْسِيرِ المَسْبُوقِينَ، وجَعَلْتُ المُتَعَلِّقَ لِقَوْلِهِ: ﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكُمْ﴾ هو قَوْلَهُ: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنا﴾ فَيَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿نُبَدِّلَ أمْثالَكُمْ﴾ مَعْناهُ عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَهم لا عَلى عَمَلِهِمْ، نَقُولُ: هَذا إيرادٌ وارِدٌ عَلى المُفَسِّرِينَ بِأسْرِهِمْ إذا فَسَّرُوا الأمْثالَ بِجَمْعِ المِثْلِ، وهو الظّاهِرُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ لا يَكُونُوا أمْثالَكُمْ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿وإذا شِئْنا بَدَّلْنا أمْثالَهم تَبْدِيلًا﴾ [الإنسان: ٢٨] فَإنَّ قَوْلَهُ: (إذا) دَلِيلُ الوُقُوعِ، وتَغَيُّرُ أوْصافِهِمْ بِالمَسْخِ لَيْسَ أمْرًا يَقَعُ، والجَوابُ أنْ يُقالَ: الأمْثالُ إمّا أنْ يَكُونَ جَمْعَ مِثْلٍ، وإمّا جَمْعَ مَثَلٍ، فَإنْ كانَ جَمْعَ مِثْلٍ فَنَقُولُ مَعْناهُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ المَوْتَ عَلى هَذا الوَجْهِ، وهو أنْ نُغَيِّرَ أوْصافَكم فَتَكُونُوا أطْفالًا، ثُمَّ شُبّانًا، ثُمَّ كُهُولًا، ثُمَّ شُيُوخًا، ثُمَّ يُدْرِكَكُمُ الأجَلُ، وما قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ المَوْتَ عَلى أنْ نُهْلِكَكم دُفْعَةً واحِدَةً إلّا إذا جاءَ وقْتُ ذَلِكَ فَتُهْلَكُونَ بِنَفْخَةٍ واحِدَةٍ وإنْ قُلْنا: هو جَمْعُ مَثَلٍ فَنَقُولُ مَعْنى: ﴿نُبَدِّلَ أمْثالَكُمْ﴾ نَجْعَلُ أمْثالَكم بَدَلًا وبَدَّلَهُ بِمَعْنى جَعَلَهُ بَدَلًا، ولَمْ يَحْسُنْ أنْ يُقالَ: صفحة ١٥٧ بَدَّلْناكم عَلى هَذا الوَجْهِ؛ لِأنَّهُ يُفِيدُ أنّا جَعَلْنا بَدَلًا فَلا يَدُلُّ عَلى وُقُوعِ الفَناءِ عَلَيْهِمْ، غايَةُ ما في البابِ أنَّ قَوْلَ القائِلِ: جَعَلْتُ كَذا بَدَلًا لا تَتِمُّ فائِدَتُهُ إلّا إذا قالَ: جَعَلْتُهُ بَدَلًا عَنْ كَذا لَكِنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿نُبَدِّلَ أمْثالَكُمْ﴾ فالمَثَلُ يَدُلُّ عَلى المَثَلِ فَكَأنَّهُ قالَ: جَعَلْنا أمْثالَكم بَدَلًا لَكم، ومَعْناهُ عَلى ما ذَكَرْنا أنَّهُ لَمْ نُقَدِّرِ المَوْتَ عَلى أنْ نُفْنِيَ الخَلْقَ دُفْعَةً بَلْ قَدَّرْناهُ عَلى أنْ نَجْعَلَ مَثَلَهم بَدَلَهم مُدَّةً طَوِيلَةً ثُمَّ نُهْلِكَهم جَمِيعًا ثُمَّ نُنْشِئَهم، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي ما لا تَعْلَمُونَ﴾ عَلى الوَجْهِ المَشْهُورِ في التَّفْسِيرِ أنَّهُ فِيما لا تَعْلَمُونَ مِنَ الأوْصافِ والأخْلاقِ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ: ﴿فِي ما لا تَعْلَمُونَ﴾ مِنَ الأوْصافِ والزَّمانِ، فَإنَّ أحَدًا لا يَدْرِي أنَّهُ مَتى يَمُوتُ ومَتى يُنْشَأُ أوْ كَأنَّهم قالُوا: ومَتى السّاعَةُ والإنْشاءُ ؟ فَقالَ: لا عِلْمَ لَكم بِهِما، هَذا إذا قُلْنا: إنَّ المُرادَ ما ذُكِرَ فِيهِ عَلى الوَجْهِ المَشْهُورِ وفِيهِ لَطِيفَةٌ: وهي أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فِي ما لا تَعْلَمُونَ﴾ تَقْرِيرٌ لِقَوْلِهِ: ﴿أأنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أمْ نَحْنُ الخالِقُونَ﴾ وكَيْفَ يَكُونُ خالِقُ الشَّيْءِ غَيْرَ عالِمٍ بِهِ ؟ وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُوَ أعْلَمُ بِكم إذْ أنْشَأكم مِنَ الأرْضِ وإذْ أنْتُمْ أجِنَّةٌ في بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ﴾ [النجم: ٣٢] وعَلى ما ذَكَرْنا فِيهِ فائِدَةٌ وهي التَّحْرِيضُ عَلى العَمَلِ الصّالِحِ؛ لِأنَّ التَّبْدِيلَ والإنْشاءَ وهو المَوْتُ والحَشْرُ إذا كانَ واقِعًا في زَمانٍ لا يَعْلَمُهُ أحَدٌ فَيَنْبَغِي أنْ لا يَتَّكِلَ الإنْسانُ عَلى طُولِ المُدَّةِ ولا يَغْفُلَ عَنْ إعْدادِ العُدَّةِ، وقالَ تَعالى: ﴿ولَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأةَ الأُولى﴾ تَقْرِيرًا لِإمْكانِ النَّشْأةِ الثّانِيَةِ.

الواقعة 56:61

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ المَوْتَ وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ ﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكم ونُنْشِئَكم في ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأةَ الأُولى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: في التَّرْتِيبِ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ تَقْرِيرٌ لِما سَبَقَ وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ والحَياةَ﴾ [الملك: ٢] فَقالَ: ﴿نَحْنُ خَلَقْناكُمْ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ المَوْتَ﴾ فَمَن قَدَرَ عَلى الإحْياءِ والإماتَةِ وهُما ضِدّانِ ثَبَتَ كَوْنُهُ مُخْتارًا فَيُمْكِنُ الإحْياءُ ثانِيًا مِنهُ بَعْدَ الإماتَةِ بِخِلافِ ما لَوْ كانَ الإحْياءُ مِنهُ، ولَمْ يَكُنْ لَهُ قُدْرَةٌ عَلى الإماتَةِ فَيُظَنُّ بِهِ أنَّهُ مُوجَبٌ لا مُخْتارٌ، والمُوجَبُ لا يَقْدِرُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُمْكِنٍ فَقالَ: نَحْنُ خَلَقْناكم وقَدَّرْنا المَوْتَ بَيْنَكم فانْظُرُوا فِيهِ واعْلَمُوا أنّا قادِرُونَ أنْ نُنْشِئَكم. ثانِيهِما: أنَّهُ جَوابٌ عَنْ قَوْلِ مُبْطِلٍ يَقُولُ: إنْ لَمْ تَكُنِ الحَياةُ والمَوْتُ بِأُمُورٍ طَبِيعِيَّةٍ في الأجْسامِ مِن حَراراتٍ ورُطُوباتٍ إذا تَوَفَّرَتْ بَقِيَتْ حَيَّةً، وإذا نَقَصَتْ وفَنِيَتْ ماتَتْ لَمْ يَقَعِ المَوْتُ وكَيْفَ يَلِيقُ بِالحَكِيمِ أنْ يَخْلُقَ شَيْئًا يُتْقِنُ خَلْقَهُ ويُحْسِنُ صُورَتَهُ ثُمَّ يُفْسِدُهُ ويُعْدِمُهُ ثُمَّ يُعِيدُهُ ويُنْشِئُهُ، فَقالَ تَعالى: نَحْنُ قَدَّرْنا المَوْتَ، ولا يَرُدُّ قَوْلَكم: لِماذا أعْدَمَ ولِماذا أنْشَأ ولِماذا هَدَمَ ؟ لِأنَّ كَمالَ القُدْرَةِ يَقْتَضِي ذَلِكَ وإنَّما يَقْبُحُ مِنَ الصّائِغِ والبانِي صِياغَةُ شَيْءٍ وبِناؤُهُ وكَسْرُهُ وإنْشاؤُهُ؛ لِأنَّهُ يَحْتاجُ إلى صَرْفِ زَمانٍ إلَيْهِ وتَحَمُّلِ مَشَقَّةٍ وما مَثَلُهُ إلّا مَثَلُ إنْسانٍ يَنْظُرُ إلى شَيْءٍ فَيَقْطَعُ نَظَرَهُ عَنْهُ طَرْفَةَ عَيْنٍ، ثُمَّ يُعاوِدُهُ ولا يُقالُ لَهُ: لِمَ قَطَعْتَ النَّظَرَ ولِمَ نَظَرْتَ إلَيْهِ، ﴿ولِلَّهِ المَثَلُ الأعْلى﴾ [النحل: ٦٠] مِن هَذا؛ لِأنَّ هُنا لا بُدَّ مِن حَرَكَةٍ وزَمانٍ ولَوْ تَوارَدَ عَلى الإنْسانِ أمْثالُهُ لَتَعِبَ لَكِنْ في المَرَّةِ الواحِدَةِ لا يَثْبُتُ التَّعَبُ واللَّهُ تَعالى مُنَزَّهٌ عَنِ التَّعَبِ ولا افْتِقارَ لِفِعْلِهِ إلى زَمانٍ ولا زَمانَ لِفِعْلِهِ ولا إلى حَرَكَةٍ بِجِرْمٍ، وفِيهِ وجْهٌ آخَرُ ألْطَفُ مِنها، وهو أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تُمْنُونَ﴾ مَعْناهُ أفَرَأيْتُمْ ذَلِكَ مَيِّتًا لا حَياةَ فِيهِ وهو مَنِيٌّ، ولَوْ تَفَكَّرْتُمْ فِيهِ لَعَلِمْتُمْ أنَّهُ كانَ قَبْلَ ذَلِكَ حَيًّا مُتَّصِلًا بِحَيٍّ وكانَ أجْزاءً مُدْرِكَةً مُتَألِّمَةً مُتَلَذِّذَةً ثُمَّ إذا أمْنَيْتُمُوهُ لا تَسْتَرِيبُونَ في كَوْنِهِ مَيِّتًا كالجَماداتِ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى يَخْلُقُهُ آدَمِيًّا ويَجْعَلُهُ بَشَرًا سَوِيًّا فالنُّطْفَةُ كانَتْ قَبْلَ الِانْفِصالِ حَيَّةً، ثُمَّ صارَتْ مَيِّتَةً ثُمَّ أحْياها اللَّهُ تَعالى مَرَّةً أُخْرى فاعْلَمُوا أنَّما إذا خَلَقْناكم أوَّلًا ثُمَّ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ المَوْتَ ثانِيًا ثُمَّ نُنْشِئُكم مَرَّةً أُخْرى فَلا تَسْتَبْعِدُوا ذَلِكَ كَما في النُّطَفِ. صفحة ١٥٥ المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ما الفَرْقُ بَيْنَ هَذا المَوْضِعِ وبَيْنَ أوَّلِ سُورَةِ تَبارَكَ حَيْثُ قالَ هُناكَ: ﴿خَلَقَ المَوْتَ والحَياةَ﴾ بِتَقْدِيمِ ذِكْرِ المَوْتِ ؟ نَقُولُ: الكَلامُ هُنا عَلى التَّرْتِيبِ الأصْلِيِّ كَما قالَ تَعالى في مَواضِعَ مِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٢] ثُمَّ قالَ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿ثُمَّ إنَّكم بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾ [المؤمنون: ١٥] وأمّا في سُورَةِ المُلْكِ فَنَذْكُرُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى فائِدَتَها ومَرْجِعَها إلى ما ذَكَرْنا أنَّهُ قالَ: خَلَقَ المَوْتَ في النُّطَفِ بَعْدَ كَوْنِها حَيَّةً عِنْدَ الِاتِّصالِ ثُمَّ خَلَقَ الحَياةَ فِيها بَعْدَ المَوْتِ وهو دَلِيلُ الحَشْرِ، وقِيلَ: المُرادُ مِنَ المَوْتِ هُنا المَوْتُ الَّذِي بَعْدَ الحَياةِ، والمُرادُ هُناكَ الَّذِي قَبْلَ الحَياةِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ هَهُنا: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنا﴾ وقالَ في سُورَةِ المُلْكِ: ﴿خَلَقَ المَوْتَ والحَياةَ﴾ فَذَكَرَ المَوْتَ والحَياةَ بِلَفْظِ الخَلْقِ، وهَهُنا قالَ: ﴿خَلَقْناكُمْ﴾ وقالَ: ﴿قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ المَوْتَ﴾ فَنَقُولُ: كانَ المُرادُ هُناكَ بَيانَ كَوْنِ المَوْتِ والحَياةِ مَخْلُوقَيْنِ مُطْلَقًا لا في النّاسِ عَلى الخُصُوصِ، وهُنا لَمّا قالَ: ﴿خَلَقْناكُمْ﴾ خَصَّصَهم بِالذِّكْرِ فَصارَ كَأنَّهُ قالَ: خَلَقْنا حَياتَكم، فَلَوْ قالَ: نَحْنُ قَدَّرْنا مَوْتَكم، كانَ يَنْبَغِي أنَّهُ يُوجَدُ مَوْتُهم في الحالِ ولَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، ولِهَذا قالَ: ﴿قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ﴾ وأمّا هُناكَ فالمَوْتُ والحَياةُ كانا مَخْلُوقَيْنِ في مَحَلَّيْنِ ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلى بَعْضٍ مَخْصُوصٍ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: هَلْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَيْنَكُمُ﴾ بَدَلًا عَنْ غَيْرِهِ مِنَ الألْفاظِ فائِدَةٌ ؟ نَقُولُ: نَعَمْ فائِدَةٌ جَلِيلَةٌ، وهي تَبِينُ بِالنَّظَرِ إلى الألْفاظِ الَّتِي تَقُومُ مَقامَها فَنَقُولُ: قَدَّرْنا لَكُمُ المَوْتَ، وقَدَّرْنا فِيكُمُ المَوْتَ، فَقَوْلُهُ: قَدَّرْنا فِيكم يُفِيدُ مَعْنى الخَلْقِ؛ لِأنَّ تَقْدِيرَ الشَّيْءِ في الشَّيْءِ يَسْتَدْعِي كَوْنَهُ ظَرْفًا لَهُ إمّا ظَرْفُ حُصُولٍ فِيهِ أوْ ظَرْفُ حُلُولٍ فِيهِ كَما يُقالُ: البَياضُ في الجِسْمِ والكَحَلُ في العَيْنِ، فَلَوْ قالَ: قَدَّرْنا فِيكُمُ المَوْتَ لَكانَ مَخْلُوقًا فِينا ولَيْسَ كَذَلِكَ، وإنْ قُلْنا: قَدَّرْنا لَكُمُ المَوْتَ كانَ ذَلِكَ يُنْبِئُ عَنْ تَأخُّرِهِ عَنِ النّاسِ فَإنَّ القائِلَ إذا قالَ: هَذا مُعَدٌّ لَكَ كانَ مَعْناهُ أنَّهُ اليَوْمَ لِغَيْرِكَ وغَدًا لَكَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وتِلْكَ الأيّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النّاسِ﴾ [آل عمران: ١٤٠] . المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ المَشْهُورُ أنَّ المُرادَ مِنهُ: وما نَحْنُ بِمَغْلُوبِينَ عاجِزِينَ عَنْ خَلْقِ أمْثالِكم وإعادَتِكم بَعْدَ تَفَرُّقِ أوْصالِكم، يُقالُ: فاتَهُ الشَّيْءُ إذا غَلَبَهُ ولَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ ومِثْلُهُ سَبَقَهُ وعَلى هَذا نُعِيدُ ما ذَكَرْناهُ مِنَ التَّرْتِيبِ، ونَقُولُ: إذا كانَ قَوْلُهُ: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ﴾ لِبَيانِ أنَّهُ خَلَقَ الحَياةَ وقَدَّرَ المَوْتَ، وهُما ضِدّانِ وخالِقُ الضِّدَّيْنِ يَكُونُ قادِرًا مُخْتارًا فَقالَ: ﴿وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ عاجِزِينَ عَنِ الشَّيْءِ بِخِلافِ المُوجِبِ الَّذِي لا يُمْكِنُهُ مِن إيقاعِ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الضِّدَّيْنِ فَيَسْبِقُهُ ويَفُوتُهُ، فَإنَّ النّارَ لا يُمْكِنُها التَّبْرِيدُ؛ لِأنَّ طَبِيعَتَها مُوجِبَةٌ لِلتَّسْخِينِ، وأمّا إنْ قُلْنا بِأنَّهُ ذَكَرَهُ رَدًّا عَلَيْهِمْ حَيْثُ قالُوا: لَوْ لَمْ يَكُنِ المَوْتُ مِن فَناءِ الرُّطُوباتِ الأصْلِيَّةِ وانْطِفاءِ الحَرارَةِ الغَرِيزِيَّةِ وكانَ بِخَلْقِ حَكِيمٍ مُخْتارٍ ما كانَ يَجُوزُ وُقُوعُهُ؛ لِأنَّ الحَكِيمَ كَيْفَ يَبْنِي ويَهْدِمُ ويُوجِدُ ويُعْدِمُ فَقالَ: ﴿وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ أيْ عاجِزِينَ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ الَّتِي يَسْتَبْعِدُونَها مِنَ البَنّاءِ والصّائِغِ فَإنَّهُ يَفْتَقِرُ في الإيجادِ إلى زَمانٍ ومَكانٍ وتَمْكِينٍ مِنَ المَفْعُولِ وإمْكانٍ ويَلْحَقُهُ تَعَبٌ مِن تَحْرِيكٍ وإسْكانٍ واللَّهُ تَعالى يَخْلُقُ بِكُنْ فَيَكُونُ، فَهو فَوْقَ ما ذَكَرْنا مِنَ المَثَلِ مِن قَطْعِ النَّظَرِ وإعادَتِهِ في أسْرَعِ حِينٍ حَيْثُ لا يَصِحُّ مِنَ القائِلِ أنْ يَقُولَ: لِمَ قَطَعْتَ النَّظَرَ في ذَلِكَ الزَّمانِ اللَّطِيفِ الَّذِي لا يُدْرَكُ ولا يُحَسُّ بَلْ رُبَّما يَكُونُ مُدَّعِي القُدْرَةِ التّامَّةِ عَلى الشَّيْءِ في الزَّمانِ اليَسِيرِ بِالحَرَكَةِ السَّرِيعَةِ يَأْتِي بِشَيْءٍ ثُمَّ يُبْطِلُهُ ثُمَّ يَأْتِي بِمِثْلِهِ ثُمَّ يُبْطِلُهُ، يَدُلُّكَ عَلَيْهِ فِعْلُ أصْحابِ خِفَّةِ اليَدِ، حَيْثُ يُوهِمُ أنَّهُ يَفْعَلُ شَيْئًا ثُمَّ يُبْطِلُهُ، ثُمَّ يَأْتِي بِمِثْلِهِ إرادَةً مِن نَفْسِهِ القُدْرَةَ، وعَلى هَذا صفحة ١٥٦ فَنَقُولُ قَوْلُهُ في سُورَةِ تَبارَكَ: ﴿خَلَقَ المَوْتَ والحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ﴾ [الملك: ٢] مَعْناهُ أماتَ وأحْيا لِتَعْلَمُوا أنَّهُ فاعِلٌ مُخْتارٌ، فَتَعْبُدُونَهُ وتَعْتَقِدُونَ الثَّوابَ والعِقابَ فَيَحْسُنُ عَمَلُكم ولَوِ اعْتَقَدْتُمُوهُ مُوجِبًا لَما عَمِلْتُمْ شَيْئًا عَلى هَذا التَّفْسِيرِ المَشْهُورِ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ حَقِيقَتُهُ وهي أنّا ما سُبِقْنا وهو يَحْتَمِلُ شَيْئَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ مَعْناهُ أنَّهُ هو الأوَّلُ لَمْ يَكُنْ قَبْلَهُ شَيْءٌ. وثانِيهِما: في خَلْقِ النّاسِ وتَقْدِيرِ المَوْتِ فِيهِمْ ما سُبِقَ وهو عَلى طَرِيقَةِ مَنعٍ آخَرَ، وفِيهِ فائِدَتانِ: أمّا إذا قُلْنا: ﴿وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ مَعْناهُ ما سَبَقَنا شَيْءٌ فَهو إشارَةٌ إلى أنَّكم مِن أيِّ وجْهٍ تَسْلُكُونَ طَرِيقَ النَّظَرِ تَنْتَهُونَ إلى اللَّهِ وتَقِفُونَ عِنْدَهُ ولا تُجاوِزُونَهُ، فَإنَّكم إنْ كُنْتُمْ تَقُولُونَ: قَبْلَ النُّطْفَةِ أبٌ وقَبْلَ الأبِ نُطْفَةٌ فالعَقْلُ يَحْكُمُ بِانْتِهاءِ النُّطَفِ والآباءِ إلى خالِقٍ غَيْرِ مَخْلُوقٍ، وأنا ذَلِكَ فَإنِّي لَسْتُ بِمَسْبُوقٍ ولَيْسَ هُناكَ خالِقٌ ولا سابِقٌ غَيْرِي، وهَذا يَكُونُ عَلى طَرِيقَةِ التَّدَرُّجِ والنُّزُولِ مِن مَقامٍ إلى مَقامٍ، والعاقِلُ الَّذِي هَداهُ اللَّهُ تَعالى الهِدايَةَ القَوِيَّةَ يَعْرِفُ أوَّلًا والَّذِي دُونَهُ يَعْرِفُ بَعْدَ ذَلِكَ بِرُتْبَةٍ، والمُعانِدُ لا بُدَّ مِن أنْ يَعْرِفَ إنْ عادَ إلى عَقْلِهِ بَعْدَ المَراتِبِ، ويَقُولُ: لا بُدَّ لِلْكُلِّ مِن إلَهٍ، وهو لَيْسَ بِمَسْبُوقٍ فِيما فَعَلَهُ، فَمَعْناهُ أنَّهُ فَعَلَ ما فَعَلَ، ولَمْ يَكُنْ لِمَفْعُولِهِ مِثالٌ، وأمّا إنْ قُلْنا: إنَّهُ لَيْسَ بِمَسْبُوقٍ، وأيُّ حاجَةٍ في إعادَتِهِ لَهُ بِمِثالٍ هو أهْوَنُ فَيَكُونُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهُوَ أهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧] ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكم ونُنْشِئَكم في ما لا تَعْلَمُونَ﴾ فَإنْ قِيلَ: هَذا لا يَصِحُّ؛ لِأنَّ مِثْلَ هَذا ورَدَ في سُؤالِ سائِلٍ، والمُرادُ ما ذَكَرْنا كَأنَّهُ قالَ: وإنّا لَقادِرُونَ عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكم وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ، أيْ لَسْنا بِعاجِزِينَ مَغْلُوبِينَ فَهَذا دَلِيلُنا، وذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنّا لَقادِرُونَ﴾ أفادَ فائِدَةَ انْتِفاءِ العَجْزِ عَنْهُ، فَلا بُدَّ مِن أنْ يَكُونَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ فائِدَةٌ ظاهِرَةٌ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكُمْ﴾ في الوَجْهِ المَشْهُورِ، قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ﴾ يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ: ﴿وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ أيْ عَلى التَّبْدِيلِ، ومَعْناهُ وما نَحْنُ عاجِزِينَ عَنِ التَّبْدِيلِ. والتَّحْقِيقُ في هَذا الوَجْهِ أنَّ مَن سَبَقَهُ الشَّيْءُ كَأنَّهُ غَلَبَهُ فَعَجَزَ عَنْهُ، وكَلِمَةُ عَلى في هَذا الوَجْهِ مَأْخُوذَةٌ مِنَ اسْتِعْمالِ لَفْظِ المُسابَقَةِ فَإنَّهُ يَكُونُ عَلى شَيْءٍ، فَإنَّ مَن سَبَقَ غَيْرَهُ عَلى أمْرٍ فَهو الغالِبُ، وعَلى الوَجْهِ الآخَرِ يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنا﴾ وتَقْدِيرُهُ: نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكم عَلى وجْهِ التَّبْدِيلِ لا عَلى وجْهِ قَطْعِ النَّسْلِ مِن أوَّلِ الأمْرِ، كَما يَقُولُ القائِلُ: خَرَجَ فُلانٌ عَلى أنْ يَرْجِعَ عاجِلًا، أيْ عَلى هَذا الوَجْهِ خَرَجَ، وتَعَلُّقُ كَلِمَةِ عَلى هَذا الوَجْهِ أظْهَرُ، فَإنْ قِيلَ: عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ المُفَسِّرُونَ لا إشْكالَ في تَبْدِيلِ أمْثالِكم، أيْ أشْكالِكم وأوْصافِكم، ويَكُونُ الأمْثالُ جَمْعَ مِثْلٍ، ويَكُونُ مَعْناهُ وما نَحْنُ بِعاجِزِينَ عَلى أنْ نَمْسَخَكم، ونَجْعَلَكم في صُورَةِ قِرَدَةٍ وخَنازِيرَ، فَيَكُونُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْ نَشاءُ لَمَسَخْناهم عَلى مَكانَتِهِمْ﴾ [يس: ٦٧] وعَلى ما قُلْتُ في تَفْسِيرِ المَسْبُوقِينَ، وجَعَلْتُ المُتَعَلِّقَ لِقَوْلِهِ: ﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكُمْ﴾ هو قَوْلَهُ: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنا﴾ فَيَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿نُبَدِّلَ أمْثالَكُمْ﴾ مَعْناهُ عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَهم لا عَلى عَمَلِهِمْ، نَقُولُ: هَذا إيرادٌ وارِدٌ عَلى المُفَسِّرِينَ بِأسْرِهِمْ إذا فَسَّرُوا الأمْثالَ بِجَمْعِ المِثْلِ، وهو الظّاهِرُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ لا يَكُونُوا أمْثالَكُمْ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿وإذا شِئْنا بَدَّلْنا أمْثالَهم تَبْدِيلًا﴾ [الإنسان: ٢٨] فَإنَّ قَوْلَهُ: (إذا) دَلِيلُ الوُقُوعِ، وتَغَيُّرُ أوْصافِهِمْ بِالمَسْخِ لَيْسَ أمْرًا يَقَعُ، والجَوابُ أنْ يُقالَ: الأمْثالُ إمّا أنْ يَكُونَ جَمْعَ مِثْلٍ، وإمّا جَمْعَ مَثَلٍ، فَإنْ كانَ جَمْعَ مِثْلٍ فَنَقُولُ مَعْناهُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ المَوْتَ عَلى هَذا الوَجْهِ، وهو أنْ نُغَيِّرَ أوْصافَكم فَتَكُونُوا أطْفالًا، ثُمَّ شُبّانًا، ثُمَّ كُهُولًا، ثُمَّ شُيُوخًا، ثُمَّ يُدْرِكَكُمُ الأجَلُ، وما قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ المَوْتَ عَلى أنْ نُهْلِكَكم دُفْعَةً واحِدَةً إلّا إذا جاءَ وقْتُ ذَلِكَ فَتُهْلَكُونَ بِنَفْخَةٍ واحِدَةٍ وإنْ قُلْنا: هو جَمْعُ مَثَلٍ فَنَقُولُ مَعْنى: ﴿نُبَدِّلَ أمْثالَكُمْ﴾ نَجْعَلُ أمْثالَكم بَدَلًا وبَدَّلَهُ بِمَعْنى جَعَلَهُ بَدَلًا، ولَمْ يَحْسُنْ أنْ يُقالَ: صفحة ١٥٧ بَدَّلْناكم عَلى هَذا الوَجْهِ؛ لِأنَّهُ يُفِيدُ أنّا جَعَلْنا بَدَلًا فَلا يَدُلُّ عَلى وُقُوعِ الفَناءِ عَلَيْهِمْ، غايَةُ ما في البابِ أنَّ قَوْلَ القائِلِ: جَعَلْتُ كَذا بَدَلًا لا تَتِمُّ فائِدَتُهُ إلّا إذا قالَ: جَعَلْتُهُ بَدَلًا عَنْ كَذا لَكِنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿نُبَدِّلَ أمْثالَكُمْ﴾ فالمَثَلُ يَدُلُّ عَلى المَثَلِ فَكَأنَّهُ قالَ: جَعَلْنا أمْثالَكم بَدَلًا لَكم، ومَعْناهُ عَلى ما ذَكَرْنا أنَّهُ لَمْ نُقَدِّرِ المَوْتَ عَلى أنْ نُفْنِيَ الخَلْقَ دُفْعَةً بَلْ قَدَّرْناهُ عَلى أنْ نَجْعَلَ مَثَلَهم بَدَلَهم مُدَّةً طَوِيلَةً ثُمَّ نُهْلِكَهم جَمِيعًا ثُمَّ نُنْشِئَهم، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي ما لا تَعْلَمُونَ﴾ عَلى الوَجْهِ المَشْهُورِ في التَّفْسِيرِ أنَّهُ فِيما لا تَعْلَمُونَ مِنَ الأوْصافِ والأخْلاقِ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ: ﴿فِي ما لا تَعْلَمُونَ﴾ مِنَ الأوْصافِ والزَّمانِ، فَإنَّ أحَدًا لا يَدْرِي أنَّهُ مَتى يَمُوتُ ومَتى يُنْشَأُ أوْ كَأنَّهم قالُوا: ومَتى السّاعَةُ والإنْشاءُ ؟ فَقالَ: لا عِلْمَ لَكم بِهِما، هَذا إذا قُلْنا: إنَّ المُرادَ ما ذُكِرَ فِيهِ عَلى الوَجْهِ المَشْهُورِ وفِيهِ لَطِيفَةٌ: وهي أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فِي ما لا تَعْلَمُونَ﴾ تَقْرِيرٌ لِقَوْلِهِ: ﴿أأنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أمْ نَحْنُ الخالِقُونَ﴾ وكَيْفَ يَكُونُ خالِقُ الشَّيْءِ غَيْرَ عالِمٍ بِهِ ؟ وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُوَ أعْلَمُ بِكم إذْ أنْشَأكم مِنَ الأرْضِ وإذْ أنْتُمْ أجِنَّةٌ في بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ﴾ [النجم: ٣٢] وعَلى ما ذَكَرْنا فِيهِ فائِدَةٌ وهي التَّحْرِيضُ عَلى العَمَلِ الصّالِحِ؛ لِأنَّ التَّبْدِيلَ والإنْشاءَ وهو المَوْتُ والحَشْرُ إذا كانَ واقِعًا في زَمانٍ لا يَعْلَمُهُ أحَدٌ فَيَنْبَغِي أنْ لا يَتَّكِلَ الإنْسانُ عَلى طُولِ المُدَّةِ ولا يَغْفُلَ عَنْ إعْدادِ العُدَّةِ، وقالَ تَعالى: ﴿ولَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأةَ الأُولى﴾ تَقْرِيرًا لِإمْكانِ النَّشْأةِ الثّانِيَةِ.

الواقعة 56:62

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ المَوْتَ وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ ﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكم ونُنْشِئَكم في ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأةَ الأُولى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: في التَّرْتِيبِ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ تَقْرِيرٌ لِما سَبَقَ وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ والحَياةَ﴾ [الملك: ٢] فَقالَ: ﴿نَحْنُ خَلَقْناكُمْ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ المَوْتَ﴾ فَمَن قَدَرَ عَلى الإحْياءِ والإماتَةِ وهُما ضِدّانِ ثَبَتَ كَوْنُهُ مُخْتارًا فَيُمْكِنُ الإحْياءُ ثانِيًا مِنهُ بَعْدَ الإماتَةِ بِخِلافِ ما لَوْ كانَ الإحْياءُ مِنهُ، ولَمْ يَكُنْ لَهُ قُدْرَةٌ عَلى الإماتَةِ فَيُظَنُّ بِهِ أنَّهُ مُوجَبٌ لا مُخْتارٌ، والمُوجَبُ لا يَقْدِرُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُمْكِنٍ فَقالَ: نَحْنُ خَلَقْناكم وقَدَّرْنا المَوْتَ بَيْنَكم فانْظُرُوا فِيهِ واعْلَمُوا أنّا قادِرُونَ أنْ نُنْشِئَكم. ثانِيهِما: أنَّهُ جَوابٌ عَنْ قَوْلِ مُبْطِلٍ يَقُولُ: إنْ لَمْ تَكُنِ الحَياةُ والمَوْتُ بِأُمُورٍ طَبِيعِيَّةٍ في الأجْسامِ مِن حَراراتٍ ورُطُوباتٍ إذا تَوَفَّرَتْ بَقِيَتْ حَيَّةً، وإذا نَقَصَتْ وفَنِيَتْ ماتَتْ لَمْ يَقَعِ المَوْتُ وكَيْفَ يَلِيقُ بِالحَكِيمِ أنْ يَخْلُقَ شَيْئًا يُتْقِنُ خَلْقَهُ ويُحْسِنُ صُورَتَهُ ثُمَّ يُفْسِدُهُ ويُعْدِمُهُ ثُمَّ يُعِيدُهُ ويُنْشِئُهُ، فَقالَ تَعالى: نَحْنُ قَدَّرْنا المَوْتَ، ولا يَرُدُّ قَوْلَكم: لِماذا أعْدَمَ ولِماذا أنْشَأ ولِماذا هَدَمَ ؟ لِأنَّ كَمالَ القُدْرَةِ يَقْتَضِي ذَلِكَ وإنَّما يَقْبُحُ مِنَ الصّائِغِ والبانِي صِياغَةُ شَيْءٍ وبِناؤُهُ وكَسْرُهُ وإنْشاؤُهُ؛ لِأنَّهُ يَحْتاجُ إلى صَرْفِ زَمانٍ إلَيْهِ وتَحَمُّلِ مَشَقَّةٍ وما مَثَلُهُ إلّا مَثَلُ إنْسانٍ يَنْظُرُ إلى شَيْءٍ فَيَقْطَعُ نَظَرَهُ عَنْهُ طَرْفَةَ عَيْنٍ، ثُمَّ يُعاوِدُهُ ولا يُقالُ لَهُ: لِمَ قَطَعْتَ النَّظَرَ ولِمَ نَظَرْتَ إلَيْهِ، ﴿ولِلَّهِ المَثَلُ الأعْلى﴾ [النحل: ٦٠] مِن هَذا؛ لِأنَّ هُنا لا بُدَّ مِن حَرَكَةٍ وزَمانٍ ولَوْ تَوارَدَ عَلى الإنْسانِ أمْثالُهُ لَتَعِبَ لَكِنْ في المَرَّةِ الواحِدَةِ لا يَثْبُتُ التَّعَبُ واللَّهُ تَعالى مُنَزَّهٌ عَنِ التَّعَبِ ولا افْتِقارَ لِفِعْلِهِ إلى زَمانٍ ولا زَمانَ لِفِعْلِهِ ولا إلى حَرَكَةٍ بِجِرْمٍ، وفِيهِ وجْهٌ آخَرُ ألْطَفُ مِنها، وهو أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تُمْنُونَ﴾ مَعْناهُ أفَرَأيْتُمْ ذَلِكَ مَيِّتًا لا حَياةَ فِيهِ وهو مَنِيٌّ، ولَوْ تَفَكَّرْتُمْ فِيهِ لَعَلِمْتُمْ أنَّهُ كانَ قَبْلَ ذَلِكَ حَيًّا مُتَّصِلًا بِحَيٍّ وكانَ أجْزاءً مُدْرِكَةً مُتَألِّمَةً مُتَلَذِّذَةً ثُمَّ إذا أمْنَيْتُمُوهُ لا تَسْتَرِيبُونَ في كَوْنِهِ مَيِّتًا كالجَماداتِ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى يَخْلُقُهُ آدَمِيًّا ويَجْعَلُهُ بَشَرًا سَوِيًّا فالنُّطْفَةُ كانَتْ قَبْلَ الِانْفِصالِ حَيَّةً، ثُمَّ صارَتْ مَيِّتَةً ثُمَّ أحْياها اللَّهُ تَعالى مَرَّةً أُخْرى فاعْلَمُوا أنَّما إذا خَلَقْناكم أوَّلًا ثُمَّ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ المَوْتَ ثانِيًا ثُمَّ نُنْشِئُكم مَرَّةً أُخْرى فَلا تَسْتَبْعِدُوا ذَلِكَ كَما في النُّطَفِ. صفحة ١٥٥ المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ما الفَرْقُ بَيْنَ هَذا المَوْضِعِ وبَيْنَ أوَّلِ سُورَةِ تَبارَكَ حَيْثُ قالَ هُناكَ: ﴿خَلَقَ المَوْتَ والحَياةَ﴾ بِتَقْدِيمِ ذِكْرِ المَوْتِ ؟ نَقُولُ: الكَلامُ هُنا عَلى التَّرْتِيبِ الأصْلِيِّ كَما قالَ تَعالى في مَواضِعَ مِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٢] ثُمَّ قالَ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿ثُمَّ إنَّكم بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾ [المؤمنون: ١٥] وأمّا في سُورَةِ المُلْكِ فَنَذْكُرُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى فائِدَتَها ومَرْجِعَها إلى ما ذَكَرْنا أنَّهُ قالَ: خَلَقَ المَوْتَ في النُّطَفِ بَعْدَ كَوْنِها حَيَّةً عِنْدَ الِاتِّصالِ ثُمَّ خَلَقَ الحَياةَ فِيها بَعْدَ المَوْتِ وهو دَلِيلُ الحَشْرِ، وقِيلَ: المُرادُ مِنَ المَوْتِ هُنا المَوْتُ الَّذِي بَعْدَ الحَياةِ، والمُرادُ هُناكَ الَّذِي قَبْلَ الحَياةِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ هَهُنا: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنا﴾ وقالَ في سُورَةِ المُلْكِ: ﴿خَلَقَ المَوْتَ والحَياةَ﴾ فَذَكَرَ المَوْتَ والحَياةَ بِلَفْظِ الخَلْقِ، وهَهُنا قالَ: ﴿خَلَقْناكُمْ﴾ وقالَ: ﴿قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ المَوْتَ﴾ فَنَقُولُ: كانَ المُرادُ هُناكَ بَيانَ كَوْنِ المَوْتِ والحَياةِ مَخْلُوقَيْنِ مُطْلَقًا لا في النّاسِ عَلى الخُصُوصِ، وهُنا لَمّا قالَ: ﴿خَلَقْناكُمْ﴾ خَصَّصَهم بِالذِّكْرِ فَصارَ كَأنَّهُ قالَ: خَلَقْنا حَياتَكم، فَلَوْ قالَ: نَحْنُ قَدَّرْنا مَوْتَكم، كانَ يَنْبَغِي أنَّهُ يُوجَدُ مَوْتُهم في الحالِ ولَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، ولِهَذا قالَ: ﴿قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ﴾ وأمّا هُناكَ فالمَوْتُ والحَياةُ كانا مَخْلُوقَيْنِ في مَحَلَّيْنِ ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلى بَعْضٍ مَخْصُوصٍ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: هَلْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَيْنَكُمُ﴾ بَدَلًا عَنْ غَيْرِهِ مِنَ الألْفاظِ فائِدَةٌ ؟ نَقُولُ: نَعَمْ فائِدَةٌ جَلِيلَةٌ، وهي تَبِينُ بِالنَّظَرِ إلى الألْفاظِ الَّتِي تَقُومُ مَقامَها فَنَقُولُ: قَدَّرْنا لَكُمُ المَوْتَ، وقَدَّرْنا فِيكُمُ المَوْتَ، فَقَوْلُهُ: قَدَّرْنا فِيكم يُفِيدُ مَعْنى الخَلْقِ؛ لِأنَّ تَقْدِيرَ الشَّيْءِ في الشَّيْءِ يَسْتَدْعِي كَوْنَهُ ظَرْفًا لَهُ إمّا ظَرْفُ حُصُولٍ فِيهِ أوْ ظَرْفُ حُلُولٍ فِيهِ كَما يُقالُ: البَياضُ في الجِسْمِ والكَحَلُ في العَيْنِ، فَلَوْ قالَ: قَدَّرْنا فِيكُمُ المَوْتَ لَكانَ مَخْلُوقًا فِينا ولَيْسَ كَذَلِكَ، وإنْ قُلْنا: قَدَّرْنا لَكُمُ المَوْتَ كانَ ذَلِكَ يُنْبِئُ عَنْ تَأخُّرِهِ عَنِ النّاسِ فَإنَّ القائِلَ إذا قالَ: هَذا مُعَدٌّ لَكَ كانَ مَعْناهُ أنَّهُ اليَوْمَ لِغَيْرِكَ وغَدًا لَكَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وتِلْكَ الأيّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النّاسِ﴾ [آل عمران: ١٤٠] . المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ المَشْهُورُ أنَّ المُرادَ مِنهُ: وما نَحْنُ بِمَغْلُوبِينَ عاجِزِينَ عَنْ خَلْقِ أمْثالِكم وإعادَتِكم بَعْدَ تَفَرُّقِ أوْصالِكم، يُقالُ: فاتَهُ الشَّيْءُ إذا غَلَبَهُ ولَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ ومِثْلُهُ سَبَقَهُ وعَلى هَذا نُعِيدُ ما ذَكَرْناهُ مِنَ التَّرْتِيبِ، ونَقُولُ: إذا كانَ قَوْلُهُ: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ﴾ لِبَيانِ أنَّهُ خَلَقَ الحَياةَ وقَدَّرَ المَوْتَ، وهُما ضِدّانِ وخالِقُ الضِّدَّيْنِ يَكُونُ قادِرًا مُخْتارًا فَقالَ: ﴿وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ عاجِزِينَ عَنِ الشَّيْءِ بِخِلافِ المُوجِبِ الَّذِي لا يُمْكِنُهُ مِن إيقاعِ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الضِّدَّيْنِ فَيَسْبِقُهُ ويَفُوتُهُ، فَإنَّ النّارَ لا يُمْكِنُها التَّبْرِيدُ؛ لِأنَّ طَبِيعَتَها مُوجِبَةٌ لِلتَّسْخِينِ، وأمّا إنْ قُلْنا بِأنَّهُ ذَكَرَهُ رَدًّا عَلَيْهِمْ حَيْثُ قالُوا: لَوْ لَمْ يَكُنِ المَوْتُ مِن فَناءِ الرُّطُوباتِ الأصْلِيَّةِ وانْطِفاءِ الحَرارَةِ الغَرِيزِيَّةِ وكانَ بِخَلْقِ حَكِيمٍ مُخْتارٍ ما كانَ يَجُوزُ وُقُوعُهُ؛ لِأنَّ الحَكِيمَ كَيْفَ يَبْنِي ويَهْدِمُ ويُوجِدُ ويُعْدِمُ فَقالَ: ﴿وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ أيْ عاجِزِينَ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ الَّتِي يَسْتَبْعِدُونَها مِنَ البَنّاءِ والصّائِغِ فَإنَّهُ يَفْتَقِرُ في الإيجادِ إلى زَمانٍ ومَكانٍ وتَمْكِينٍ مِنَ المَفْعُولِ وإمْكانٍ ويَلْحَقُهُ تَعَبٌ مِن تَحْرِيكٍ وإسْكانٍ واللَّهُ تَعالى يَخْلُقُ بِكُنْ فَيَكُونُ، فَهو فَوْقَ ما ذَكَرْنا مِنَ المَثَلِ مِن قَطْعِ النَّظَرِ وإعادَتِهِ في أسْرَعِ حِينٍ حَيْثُ لا يَصِحُّ مِنَ القائِلِ أنْ يَقُولَ: لِمَ قَطَعْتَ النَّظَرَ في ذَلِكَ الزَّمانِ اللَّطِيفِ الَّذِي لا يُدْرَكُ ولا يُحَسُّ بَلْ رُبَّما يَكُونُ مُدَّعِي القُدْرَةِ التّامَّةِ عَلى الشَّيْءِ في الزَّمانِ اليَسِيرِ بِالحَرَكَةِ السَّرِيعَةِ يَأْتِي بِشَيْءٍ ثُمَّ يُبْطِلُهُ ثُمَّ يَأْتِي بِمِثْلِهِ ثُمَّ يُبْطِلُهُ، يَدُلُّكَ عَلَيْهِ فِعْلُ أصْحابِ خِفَّةِ اليَدِ، حَيْثُ يُوهِمُ أنَّهُ يَفْعَلُ شَيْئًا ثُمَّ يُبْطِلُهُ، ثُمَّ يَأْتِي بِمِثْلِهِ إرادَةً مِن نَفْسِهِ القُدْرَةَ، وعَلى هَذا صفحة ١٥٦ فَنَقُولُ قَوْلُهُ في سُورَةِ تَبارَكَ: ﴿خَلَقَ المَوْتَ والحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ﴾ [الملك: ٢] مَعْناهُ أماتَ وأحْيا لِتَعْلَمُوا أنَّهُ فاعِلٌ مُخْتارٌ، فَتَعْبُدُونَهُ وتَعْتَقِدُونَ الثَّوابَ والعِقابَ فَيَحْسُنُ عَمَلُكم ولَوِ اعْتَقَدْتُمُوهُ مُوجِبًا لَما عَمِلْتُمْ شَيْئًا عَلى هَذا التَّفْسِيرِ المَشْهُورِ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ حَقِيقَتُهُ وهي أنّا ما سُبِقْنا وهو يَحْتَمِلُ شَيْئَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ مَعْناهُ أنَّهُ هو الأوَّلُ لَمْ يَكُنْ قَبْلَهُ شَيْءٌ. وثانِيهِما: في خَلْقِ النّاسِ وتَقْدِيرِ المَوْتِ فِيهِمْ ما سُبِقَ وهو عَلى طَرِيقَةِ مَنعٍ آخَرَ، وفِيهِ فائِدَتانِ: أمّا إذا قُلْنا: ﴿وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ مَعْناهُ ما سَبَقَنا شَيْءٌ فَهو إشارَةٌ إلى أنَّكم مِن أيِّ وجْهٍ تَسْلُكُونَ طَرِيقَ النَّظَرِ تَنْتَهُونَ إلى اللَّهِ وتَقِفُونَ عِنْدَهُ ولا تُجاوِزُونَهُ، فَإنَّكم إنْ كُنْتُمْ تَقُولُونَ: قَبْلَ النُّطْفَةِ أبٌ وقَبْلَ الأبِ نُطْفَةٌ فالعَقْلُ يَحْكُمُ بِانْتِهاءِ النُّطَفِ والآباءِ إلى خالِقٍ غَيْرِ مَخْلُوقٍ، وأنا ذَلِكَ فَإنِّي لَسْتُ بِمَسْبُوقٍ ولَيْسَ هُناكَ خالِقٌ ولا سابِقٌ غَيْرِي، وهَذا يَكُونُ عَلى طَرِيقَةِ التَّدَرُّجِ والنُّزُولِ مِن مَقامٍ إلى مَقامٍ، والعاقِلُ الَّذِي هَداهُ اللَّهُ تَعالى الهِدايَةَ القَوِيَّةَ يَعْرِفُ أوَّلًا والَّذِي دُونَهُ يَعْرِفُ بَعْدَ ذَلِكَ بِرُتْبَةٍ، والمُعانِدُ لا بُدَّ مِن أنْ يَعْرِفَ إنْ عادَ إلى عَقْلِهِ بَعْدَ المَراتِبِ، ويَقُولُ: لا بُدَّ لِلْكُلِّ مِن إلَهٍ، وهو لَيْسَ بِمَسْبُوقٍ فِيما فَعَلَهُ، فَمَعْناهُ أنَّهُ فَعَلَ ما فَعَلَ، ولَمْ يَكُنْ لِمَفْعُولِهِ مِثالٌ، وأمّا إنْ قُلْنا: إنَّهُ لَيْسَ بِمَسْبُوقٍ، وأيُّ حاجَةٍ في إعادَتِهِ لَهُ بِمِثالٍ هو أهْوَنُ فَيَكُونُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهُوَ أهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧] ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكم ونُنْشِئَكم في ما لا تَعْلَمُونَ﴾ فَإنْ قِيلَ: هَذا لا يَصِحُّ؛ لِأنَّ مِثْلَ هَذا ورَدَ في سُؤالِ سائِلٍ، والمُرادُ ما ذَكَرْنا كَأنَّهُ قالَ: وإنّا لَقادِرُونَ عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكم وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ، أيْ لَسْنا بِعاجِزِينَ مَغْلُوبِينَ فَهَذا دَلِيلُنا، وذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنّا لَقادِرُونَ﴾ أفادَ فائِدَةَ انْتِفاءِ العَجْزِ عَنْهُ، فَلا بُدَّ مِن أنْ يَكُونَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ فائِدَةٌ ظاهِرَةٌ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكُمْ﴾ في الوَجْهِ المَشْهُورِ، قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ﴾ يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ: ﴿وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ أيْ عَلى التَّبْدِيلِ، ومَعْناهُ وما نَحْنُ عاجِزِينَ عَنِ التَّبْدِيلِ. والتَّحْقِيقُ في هَذا الوَجْهِ أنَّ مَن سَبَقَهُ الشَّيْءُ كَأنَّهُ غَلَبَهُ فَعَجَزَ عَنْهُ، وكَلِمَةُ عَلى في هَذا الوَجْهِ مَأْخُوذَةٌ مِنَ اسْتِعْمالِ لَفْظِ المُسابَقَةِ فَإنَّهُ يَكُونُ عَلى شَيْءٍ، فَإنَّ مَن سَبَقَ غَيْرَهُ عَلى أمْرٍ فَهو الغالِبُ، وعَلى الوَجْهِ الآخَرِ يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنا﴾ وتَقْدِيرُهُ: نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكم عَلى وجْهِ التَّبْدِيلِ لا عَلى وجْهِ قَطْعِ النَّسْلِ مِن أوَّلِ الأمْرِ، كَما يَقُولُ القائِلُ: خَرَجَ فُلانٌ عَلى أنْ يَرْجِعَ عاجِلًا، أيْ عَلى هَذا الوَجْهِ خَرَجَ، وتَعَلُّقُ كَلِمَةِ عَلى هَذا الوَجْهِ أظْهَرُ، فَإنْ قِيلَ: عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ المُفَسِّرُونَ لا إشْكالَ في تَبْدِيلِ أمْثالِكم، أيْ أشْكالِكم وأوْصافِكم، ويَكُونُ الأمْثالُ جَمْعَ مِثْلٍ، ويَكُونُ مَعْناهُ وما نَحْنُ بِعاجِزِينَ عَلى أنْ نَمْسَخَكم، ونَجْعَلَكم في صُورَةِ قِرَدَةٍ وخَنازِيرَ، فَيَكُونُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْ نَشاءُ لَمَسَخْناهم عَلى مَكانَتِهِمْ﴾ [يس: ٦٧] وعَلى ما قُلْتُ في تَفْسِيرِ المَسْبُوقِينَ، وجَعَلْتُ المُتَعَلِّقَ لِقَوْلِهِ: ﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكُمْ﴾ هو قَوْلَهُ: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنا﴾ فَيَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿نُبَدِّلَ أمْثالَكُمْ﴾ مَعْناهُ عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَهم لا عَلى عَمَلِهِمْ، نَقُولُ: هَذا إيرادٌ وارِدٌ عَلى المُفَسِّرِينَ بِأسْرِهِمْ إذا فَسَّرُوا الأمْثالَ بِجَمْعِ المِثْلِ، وهو الظّاهِرُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ لا يَكُونُوا أمْثالَكُمْ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿وإذا شِئْنا بَدَّلْنا أمْثالَهم تَبْدِيلًا﴾ [الإنسان: ٢٨] فَإنَّ قَوْلَهُ: (إذا) دَلِيلُ الوُقُوعِ، وتَغَيُّرُ أوْصافِهِمْ بِالمَسْخِ لَيْسَ أمْرًا يَقَعُ، والجَوابُ أنْ يُقالَ: الأمْثالُ إمّا أنْ يَكُونَ جَمْعَ مِثْلٍ، وإمّا جَمْعَ مَثَلٍ، فَإنْ كانَ جَمْعَ مِثْلٍ فَنَقُولُ مَعْناهُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ المَوْتَ عَلى هَذا الوَجْهِ، وهو أنْ نُغَيِّرَ أوْصافَكم فَتَكُونُوا أطْفالًا، ثُمَّ شُبّانًا، ثُمَّ كُهُولًا، ثُمَّ شُيُوخًا، ثُمَّ يُدْرِكَكُمُ الأجَلُ، وما قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ المَوْتَ عَلى أنْ نُهْلِكَكم دُفْعَةً واحِدَةً إلّا إذا جاءَ وقْتُ ذَلِكَ فَتُهْلَكُونَ بِنَفْخَةٍ واحِدَةٍ وإنْ قُلْنا: هو جَمْعُ مَثَلٍ فَنَقُولُ مَعْنى: ﴿نُبَدِّلَ أمْثالَكُمْ﴾ نَجْعَلُ أمْثالَكم بَدَلًا وبَدَّلَهُ بِمَعْنى جَعَلَهُ بَدَلًا، ولَمْ يَحْسُنْ أنْ يُقالَ: صفحة ١٥٧ بَدَّلْناكم عَلى هَذا الوَجْهِ؛ لِأنَّهُ يُفِيدُ أنّا جَعَلْنا بَدَلًا فَلا يَدُلُّ عَلى وُقُوعِ الفَناءِ عَلَيْهِمْ، غايَةُ ما في البابِ أنَّ قَوْلَ القائِلِ: جَعَلْتُ كَذا بَدَلًا لا تَتِمُّ فائِدَتُهُ إلّا إذا قالَ: جَعَلْتُهُ بَدَلًا عَنْ كَذا لَكِنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿نُبَدِّلَ أمْثالَكُمْ﴾ فالمَثَلُ يَدُلُّ عَلى المَثَلِ فَكَأنَّهُ قالَ: جَعَلْنا أمْثالَكم بَدَلًا لَكم، ومَعْناهُ عَلى ما ذَكَرْنا أنَّهُ لَمْ نُقَدِّرِ المَوْتَ عَلى أنْ نُفْنِيَ الخَلْقَ دُفْعَةً بَلْ قَدَّرْناهُ عَلى أنْ نَجْعَلَ مَثَلَهم بَدَلَهم مُدَّةً طَوِيلَةً ثُمَّ نُهْلِكَهم جَمِيعًا ثُمَّ نُنْشِئَهم، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي ما لا تَعْلَمُونَ﴾ عَلى الوَجْهِ المَشْهُورِ في التَّفْسِيرِ أنَّهُ فِيما لا تَعْلَمُونَ مِنَ الأوْصافِ والأخْلاقِ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ: ﴿فِي ما لا تَعْلَمُونَ﴾ مِنَ الأوْصافِ والزَّمانِ، فَإنَّ أحَدًا لا يَدْرِي أنَّهُ مَتى يَمُوتُ ومَتى يُنْشَأُ أوْ كَأنَّهم قالُوا: ومَتى السّاعَةُ والإنْشاءُ ؟ فَقالَ: لا عِلْمَ لَكم بِهِما، هَذا إذا قُلْنا: إنَّ المُرادَ ما ذُكِرَ فِيهِ عَلى الوَجْهِ المَشْهُورِ وفِيهِ لَطِيفَةٌ: وهي أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فِي ما لا تَعْلَمُونَ﴾ تَقْرِيرٌ لِقَوْلِهِ: ﴿أأنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أمْ نَحْنُ الخالِقُونَ﴾ وكَيْفَ يَكُونُ خالِقُ الشَّيْءِ غَيْرَ عالِمٍ بِهِ ؟ وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُوَ أعْلَمُ بِكم إذْ أنْشَأكم مِنَ الأرْضِ وإذْ أنْتُمْ أجِنَّةٌ في بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ﴾ [النجم: ٣٢] وعَلى ما ذَكَرْنا فِيهِ فائِدَةٌ وهي التَّحْرِيضُ عَلى العَمَلِ الصّالِحِ؛ لِأنَّ التَّبْدِيلَ والإنْشاءَ وهو المَوْتُ والحَشْرُ إذا كانَ واقِعًا في زَمانٍ لا يَعْلَمُهُ أحَدٌ فَيَنْبَغِي أنْ لا يَتَّكِلَ الإنْسانُ عَلى طُولِ المُدَّةِ ولا يَغْفُلَ عَنْ إعْدادِ العُدَّةِ، وقالَ تَعالى: ﴿ولَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأةَ الأُولى﴾ تَقْرِيرًا لِإمْكانِ النَّشْأةِ الثّانِيَةِ.

الواقعة 56:63

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أمْ نَحْنُ الزّارِعُونَ﴾ . ذَكَرَ بَعْدَ دَلِيلِ الخَلْقِ دَلِيلَ الرِّزْقِ فَقَوْلُهُ: ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تُمْنُونَ﴾ إشارَةٌ إلى دَلِيلِ الخَلْقِ وبِهِ الِابْتِداءُ، وقَوْلُهُ: ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ﴾ إشارَةٌ إلى دَلِيلِ الرِّزْقِ وبِهِ البَقاءُ، وذَكَرَ أُمُورًا ثَلاثَةً: المَأْكُولُ، والمَشْرُوبُ، وما بِهِ إصْلاحُ المَأْكُولِ، ورَتَّبَهُ تَرْتِيبًا فَذَكَرَ المَأْكُولَ أوَّلًا؛ لِأنَّهُ هو الغِذاءُ، ثُمَّ المَشْرُوبَ؛ لِأنَّ بِهِ الِاسْتِمْراءَ، ثُمَّ النّارَ الَّتِي بِها الإصْلاحُ وذَكَرَ مِن كُلِّ نَوْعٍ ما هو الأصْلُ، فَذَكَرَ مِنَ المَأْكُولِ الحَبَّ فَإنَّهُ هو الأصْلُ، ومِنَ المَشْرُوبِ الماءَ؛ لِأنَّهُ هو الأصْلُ، وذَكَرَ مِنَ المُصْلِحاتِ النّارَ؛ لِأنَّ بِها إصْلاحَ أكْثَرِ الأغْذِيَةِ وأعَمِّها، ودَخَلَ في كُلِّ واحِدٍ مِنها ما هو دُونَهُ، هَذا هو التَّرْتِيبُ، وأمّا التَّفْسِيرُ فَنَقُولُ: الفَرْقُ بَيْنَ الحَرْثِ والزَّرْعِ هو أنَّ الحَرْثَ أوائِلُ الزَّرْعِ ومُقَدِّماتُهُ مِن كِرابِ الأرْضِ، وإلْقاءِ البَذْرِ، وسَقْيِ المَبْذُورِ، والزَّرْعُ هو آخِرُ الحَرْثِ مِن خُرُوجِ النَّباتِ واسْتِغْلاظِهِ واسْتِوائِهِ عَلى السّاقِ، فَقَوْلُهُ: ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ﴾ أيْ ما تَبْتَدِئُونَ مِنهُ مِنَ الأعْمالِ أأنْتُمْ تُبْلِغُونَها المَقْصُودَ أمِ اللَّهُ ؟ ولا يَشُكُّ أحَدٌ في أنَّ إيجادَ الحَبِّ في السُّنْبُلَةِ لَيْسَ بِفِعْلِ النّاسِ، ولَيْسَ بِفِعْلِهِمْ إنْ كانَ سِوى إلْقاءِ البَذْرِ والسَّقْيِ، فَإنْ قِيلَ: هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّهَ هو الزّارِعُ، فَكَيْفَ قالَ تَعالى: ﴿يُعْجِبُ الزُّرّاعَ﴾ [الفتح: ٢٩] وقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «الزَّرْعُ لِلزّارِعِ» قُلْنا قَدْ ثَبَتَ مِنَ التَّفْسِيرِ أنَّ الحَرْثَ مُتَّصِلٌ بِالزَّرْعِ، فالحَرْثُ أوائِلُ الزَّرْعِ، والزَّرْعُ أواخِرُ الحَرْثِ، فَيَجُوزُ إطْلاقُ أحَدِهِما عَلى الآخَرِ، لَكِنَّ قَوْلَهُ: ﴿يُعْجِبُ الزُّرّاعَ﴾ بَدَلًا عَنْ قَوْلِهِ: يُعْجِبُ الحُرّاثَ، يَدُلُّ عَلى أنَّ الحارِثَ إذا كانَ هو المُبْتَدِئَ، فَرُبَّما يَتَعَجَّبُ بِما يَتَرَتَّبُ عَلى فِعْلِهِ مِن خُرُوجِ النَّباتِ، والزّارِعُ لَمّا كانَ هو المُنْتَهِيَ، ولا يُعْجِبُهُ إلّا شَيْءٌ عَظِيمٌ، فَقالَ: ﴿يُعْجِبُ الزُّرّاعَ﴾ الَّذِينَ تَعَوَّدُوا أخْذَ الحِراثِ، فَما ظَنُّكَ بِإعْجابِهِ الحُرّاثَ، وقَوْلُهُ ﷺ: «الزَّرْعُ لِلزّارِعِ» فِيهِ فائِدَةٌ؛ لِأنَّهُ لَوْ قالَ: لِلْحارِثِ فَمَنِ ابْتَدَأ بِعَمَلِ الزَّرْعِ وأتى بِكِرابِ الأرْضِ وتَسْوِيَتِها يَصِيرُ حارِثًا، وذَلِكَ قَبْلَ إلْقاءِ البَذْرَةِ لِزَرْعٍ لِمَن أتى بِالأمْرِ المُتَأخِّرِ وهو إلْقاءُ البَذْرِ، أيْ مَن لَهُ البَذْرُ عَلى مَذْهَبِ أبِي حَنِيفَةَ صفحة ١٥٨ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ وهَذا أظْهَرُ؛ لِأنَّهُ بِمُجَرَّدِ الإلْقاءِ في الأرْضِ يُجْعَلُ الزَّرْعُ لِلْمُلْقِي سَواءٌ كانَ مالِكًا أوْ غاصِبًا.

الواقعة 56:64

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أمْ نَحْنُ الزّارِعُونَ﴾ . ذَكَرَ بَعْدَ دَلِيلِ الخَلْقِ دَلِيلَ الرِّزْقِ فَقَوْلُهُ: ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تُمْنُونَ﴾ إشارَةٌ إلى دَلِيلِ الخَلْقِ وبِهِ الِابْتِداءُ، وقَوْلُهُ: ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ﴾ إشارَةٌ إلى دَلِيلِ الرِّزْقِ وبِهِ البَقاءُ، وذَكَرَ أُمُورًا ثَلاثَةً: المَأْكُولُ، والمَشْرُوبُ، وما بِهِ إصْلاحُ المَأْكُولِ، ورَتَّبَهُ تَرْتِيبًا فَذَكَرَ المَأْكُولَ أوَّلًا؛ لِأنَّهُ هو الغِذاءُ، ثُمَّ المَشْرُوبَ؛ لِأنَّ بِهِ الِاسْتِمْراءَ، ثُمَّ النّارَ الَّتِي بِها الإصْلاحُ وذَكَرَ مِن كُلِّ نَوْعٍ ما هو الأصْلُ، فَذَكَرَ مِنَ المَأْكُولِ الحَبَّ فَإنَّهُ هو الأصْلُ، ومِنَ المَشْرُوبِ الماءَ؛ لِأنَّهُ هو الأصْلُ، وذَكَرَ مِنَ المُصْلِحاتِ النّارَ؛ لِأنَّ بِها إصْلاحَ أكْثَرِ الأغْذِيَةِ وأعَمِّها، ودَخَلَ في كُلِّ واحِدٍ مِنها ما هو دُونَهُ، هَذا هو التَّرْتِيبُ، وأمّا التَّفْسِيرُ فَنَقُولُ: الفَرْقُ بَيْنَ الحَرْثِ والزَّرْعِ هو أنَّ الحَرْثَ أوائِلُ الزَّرْعِ ومُقَدِّماتُهُ مِن كِرابِ الأرْضِ، وإلْقاءِ البَذْرِ، وسَقْيِ المَبْذُورِ، والزَّرْعُ هو آخِرُ الحَرْثِ مِن خُرُوجِ النَّباتِ واسْتِغْلاظِهِ واسْتِوائِهِ عَلى السّاقِ، فَقَوْلُهُ: ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ﴾ أيْ ما تَبْتَدِئُونَ مِنهُ مِنَ الأعْمالِ أأنْتُمْ تُبْلِغُونَها المَقْصُودَ أمِ اللَّهُ ؟ ولا يَشُكُّ أحَدٌ في أنَّ إيجادَ الحَبِّ في السُّنْبُلَةِ لَيْسَ بِفِعْلِ النّاسِ، ولَيْسَ بِفِعْلِهِمْ إنْ كانَ سِوى إلْقاءِ البَذْرِ والسَّقْيِ، فَإنْ قِيلَ: هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّهَ هو الزّارِعُ، فَكَيْفَ قالَ تَعالى: ﴿يُعْجِبُ الزُّرّاعَ﴾ [الفتح: ٢٩] وقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «الزَّرْعُ لِلزّارِعِ» قُلْنا قَدْ ثَبَتَ مِنَ التَّفْسِيرِ أنَّ الحَرْثَ مُتَّصِلٌ بِالزَّرْعِ، فالحَرْثُ أوائِلُ الزَّرْعِ، والزَّرْعُ أواخِرُ الحَرْثِ، فَيَجُوزُ إطْلاقُ أحَدِهِما عَلى الآخَرِ، لَكِنَّ قَوْلَهُ: ﴿يُعْجِبُ الزُّرّاعَ﴾ بَدَلًا عَنْ قَوْلِهِ: يُعْجِبُ الحُرّاثَ، يَدُلُّ عَلى أنَّ الحارِثَ إذا كانَ هو المُبْتَدِئَ، فَرُبَّما يَتَعَجَّبُ بِما يَتَرَتَّبُ عَلى فِعْلِهِ مِن خُرُوجِ النَّباتِ، والزّارِعُ لَمّا كانَ هو المُنْتَهِيَ، ولا يُعْجِبُهُ إلّا شَيْءٌ عَظِيمٌ، فَقالَ: ﴿يُعْجِبُ الزُّرّاعَ﴾ الَّذِينَ تَعَوَّدُوا أخْذَ الحِراثِ، فَما ظَنُّكَ بِإعْجابِهِ الحُرّاثَ، وقَوْلُهُ ﷺ: «الزَّرْعُ لِلزّارِعِ» فِيهِ فائِدَةٌ؛ لِأنَّهُ لَوْ قالَ: لِلْحارِثِ فَمَنِ ابْتَدَأ بِعَمَلِ الزَّرْعِ وأتى بِكِرابِ الأرْضِ وتَسْوِيَتِها يَصِيرُ حارِثًا، وذَلِكَ قَبْلَ إلْقاءِ البَذْرَةِ لِزَرْعٍ لِمَن أتى بِالأمْرِ المُتَأخِّرِ وهو إلْقاءُ البَذْرِ، أيْ مَن لَهُ البَذْرُ عَلى مَذْهَبِ أبِي حَنِيفَةَ صفحة ١٥٨ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ وهَذا أظْهَرُ؛ لِأنَّهُ بِمُجَرَّدِ الإلْقاءِ في الأرْضِ يُجْعَلُ الزَّرْعُ لِلْمُلْقِي سَواءٌ كانَ مالِكًا أوْ غاصِبًا.

الواقعة 56:65

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ ﴿إنّا لَمُغْرَمُونَ﴾ ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ وهو تَدْرِيجٌ في الإثْباتِ، وبَيانُهُ هو أنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿أأنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أمْ نَحْنُ الزّارِعُونَ﴾ لَمْ يَبْعُدْ مِن مُعانِدٍ أنْ يَقُولَ: نَحْنُ نَحْرُثُ وهو بِنَفْسِهِ يَصِيرُ زَرْعًا، لا بِفِعْلِنا ولا بِفِعْلِ غَيْرِنا، فَقالَ تَعالى: ولَوْ سَلِمَ لَكم هَذا الباطِلُ، فَما تَقُولُونَ في سَلامَتِهِ عَنِ الآفاتِ الَّتِي تُصِيبُهُ، فَيَفْسُدُ قَبْلَ اشْتِدادِ الحَبِّ وقَبْلَ انْعِقادِهِ، أوْ قَبْلَ اشْتِدادِ الحَبِّ وقَبْلَ ظُهُورِ الحَبِّ فِيهِ، فَهَلْ تَحْفَظُونَهُ مِنها أوْ تَدْفَعُونَها عَنْهُ، أوْ هَذا الزَّرْعُ بِنَفْسِهِ يَدْفَعُ عَنْ نَفْسِهِ تِلْكَ الآفاتِ، كَما تَقُولُونَ: إنَّهُ بِنَفْسِهِ يَنْبُتُ، ولا يَشُكُّ أحَدٌ أنَّ دَفْعَ الآفاتِ بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى، وحِفْظَهُ عَنْها بِفَضْلِ اللَّهِ، وعَلى هَذا أعادَهُ لِيَذْكُرَ أُمُورًا مُرَتَّبَةً بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فَيَكُونُ الأمْرُ الأوَّلُ: لِلْمُهْتَدِينَ. والثّانِي: لِلظّالِمِينَ. والثّالِثُ: لِلْمُعانِدِينَ الضّالِّينَ، فَيَذْكُرُ الأمْرَ الَّذِي لا شَكَّ فِيهِ في آخِرِ الأمْرِ إقامَةً لِلْحُجَّةِ عَلى الضّالِّ المُعانِدِ. وفِيهِ سُؤالٌ وهو أنَّهُ تَعالى هَهُنا قالَ: ﴿لَجَعَلْناهُ﴾ بِلامِ الجَوابِ وقالَ في الماءِ: ﴿جَعَلْناهُ أُجاجًا﴾ [الواقعة: ٧٠] مِن غَيْرِ لامٍ فَما الفَرْقُ بَيْنَهُما ؟ نَقُولُ: ذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ عَنْهُ جَوابَيْنِ: أحَدُهُما: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطامًا﴾ كانَ قَرِيبَ الذِّكْرِ فاسْتَغْنى بِذِكْرِ اللّامِ فِيهِ عَنْ ذِكْرِها ثانِيًا، وهَذا ضَعِيفٌ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ولَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلى أعْيُنِهِمْ﴾ [يس: ٦٦] مَعَ قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ نَشاءُ لَمَسَخْناهُمْ﴾ [يس: ٦٧] أقْرَبُ مِن قَوْلِهِ: ﴿لَجَعَلْناهُ حُطامًا﴾ و﴿جَعَلْناهُ أُجاجًا﴾ اللَّهُمَّ إلّا أنْ نَقُولَ: هُناكَ أحَدُهُما قَرِيبٌ مِنَ الآخَرِ ذِكْرًا لا مَعْنًى؛ لِأنَّ الطَّمْسَ لا يَلْزَمُهُ المَسْخُ ولا بِالعَكْسِ والمَأْكُولَ مَعَهُ المَشْرُوبُ في الدَّهْرِ، فالأمْرانِ تَقارَبا لَفْظًا ومَعْنًى والجَوابُ الثّانِي: أنَّ اللّامَ يُفِيدُ نَوْعَ تَأْكِيدٍ فَذَكَرَ اللّامَ في المَأْكُولِ لِيُعْلَمَ أنَّ أمْرَ المَأْكُولِ أهَمُّ مِن أمْرِ المَشْرُوبِ وأنَّ نِعْمَتَهُ أعْظَمُ وما ذَكَرْنا أيْضًا وارِدٌ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ أمْرَ الطَّمْسِ أهْوَنُ مِن أمْرِ المَسْخِ وأدْخَلَ فِيهِما اللّامَ، وهَهُنا جَوابٌ آخَرُ يَبِينُ بِتَقْدِيمِ بَحْثٍ عَنْ فائِدَةِ اللّامِ في جَوابِ لَوْ، فَنَقُولُ: حَرْفُ الشَّرْطِ إذا دَخَلَ عَلى الجُمْلَةِ يُخْرِجُها عَنْ كَوْنِها جُمْلَةً في المَعْنى فاحْتاجُوا إلى عَلامَةٍ تَدُلُّ عَلى المَعْنى، فَأتَوْا بِالجَزْمِ في المُسْتَقْبَلِ؛ لِأنَّ الشَّرْطَ يَقْتَضِي جَزاءً، وفِيهِ تَطْوِيلٌ فالجَزْمُ الَّذِي هو سُكُونٌ ألْيَقُ بِالمَوْضِعِ وبَيْنَهُ وبَيْنَ المَعْنى أيْضًا مُناسَبَةٌ لَكِنَّ كَلِمَةَ لَوْ مُخْتَصَّةٌ بِالدُّخُولِ عَلى الماضِي مَعْنًى فَإنَّها إذا دَخَلَتْ عَلى المُسْتَقْبَلِ جَعَلَتْهُ ماضِيًا، والتَّحْقِيقُ فِيهِ أنَّ الجُمْلَةَ الشَّرْطِيَّةَ لا تَخْرُجُ عَنْ أقْسامٍ فَإنَّها إذا ذُكِرَتْ لا بُدَّ مِن أنْ يَكُونَ الشَّرْطُ مَعْلُومَ الوُقُوعِ؛ لِأنَّ الشَّرْطَ إنْ كانَ مَعْلُومَ الوُقُوعِ فالجَزاءُ لازِمُ الوُقُوعِ فَجَعْلُ الكَلامِ جُمْلَةً شَرْطِيَّةً عُدُولٌ عَنْ جُمْلَةٍ إسْنادِيَّةٍ إلى جُمْلَةٍ تَعْلِيقِيَّةٍ وهو تَطْوِيلٌ مِن غَيْرِ فائِدَةٍ فَقَوْلُ القائِلِ: آتِيكَ إنْ طَلَعَتِ الشَّمْسُ تَطْوِيلٌ والأوْلى أنْ يَقُولَ: آتِيكَ جَزْمًا مِن غَيْرِ شَرْطٍ فَإذا عُلِمَ هَذا فَحالُ الشَّرْطِ لا يَخْلُو مِن أنْ يَكُونَ مَعْلُومَ العَدَمِ أوْ مَشْكُوكًا فِيهِ فالشَّرْطُ إذا وقَعَ عَلى قِسْمَيْنِ فَلا بُدَّ لَهُما مِن لَفْظَيْنِ وهُما إنْ ولَوْ، واخْتَصَّتْ إنْ بِالشُّكُوكِ، ولَوْ بِمَعْلُومٍ لِأمْرٍ بَيَّنّاهُ في مَوْضِعٍ آخَرَ، لَكِنْ ما عُلِمَ عَدَمُهُ يَكُونُ الآخَرُ فَقَدْ أثْبَتَ مِنهُ فَهو ماضٍ أوْ في حُكْمِهِ؛ لِأنَّ العِلْمَ بِالأُمُورِ يَكُونُ بَعْدَ وُقُوعِها وما يُشَكُّ فِيهِ فَهو مُسْتَقْبَلٌ أوْ في مَعْناهُ لِأنَّنا نَشُكُّ في الأُمُورِ المُسْتَقْبَلَةِ أنَّها تَكُونُ أوْ لا تَكُونُ والماضِي خَرَجَ عَنِ التَّرَدُّدِ، صفحة ١٥٩ وإذا ثَبَتَ هَذا، فَنَقُولُ: لَمّا دَخَلَ لَوْ عَلى الماضِي وما اخْتَلَفَ آخَرُ بِالعامِلِ لَمْ يَتَبَيَّنْ فِيهِ إعْرابٌ، وإنْ لَمّا دَخَلَ عَلى المُسْتَقْبَلِ بانَ فِيهِ الإعْرابُ، ثُمَّ إنَّ الجَزاءَ عَلى حَسَبِ الشَّرْطِ وكانَ الجَزاءُ في بابِ لَوْ ماضِيًا فَلَمْ يَتَبَيَّنْ فِيهِ الحالُ بِحَرَكَةٍ ولا سُكُونٍ، فَيُضافُ لَهُ حَرْفٌ يَدُلُّ عَلى خُرُوجِهِ عَنْ كَوْنِهِ جُمْلَةً ودُخُولِهِ في كَوْنِهِ جُزْءَ جُمْلَةٍ، إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: عِنْدَما يَكُونُ الجَزاءُ ظاهِرًا يَسْتَغْنِي عَنِ الحَرْفِ الصّارِفِ، لَكِنَّ كَوْنَ الماءِ المَذْكُورِ في الآيَةِ، وهو الماءُ المَشْرُوبُ المُنَزَّلُ مِنَ المُزْنِ أُجاجًا لَيْسَ أمْرًا واقِعًا يُظَنُّ أنَّهُ خَبَرٌ مُسْتَقِلٌّ، ويُقَوِّيهِ أنَّهُ تَعالى يَقُولُ: ﴿جَعَلْناهُ أُجاجًا﴾ عَلى طَرِيقَةِ الإخْبارِ، والحَرْثُ والزَّرْعُ كَثِيرًا ما وقَعَ كَوْنُهُ حُطامًا فَلَوْ قالَ: جَعَلْناهُ حُطامًا، كانَ يُتَوَهَّمُ مِنهُ الإخْبارُ، فَقالَ هُناكَ: ﴿لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ﴾ لِيُخْرِجَهُ عَمّا هو صالِحٌ لَهُ في الواقِعِ، وهو الحُطامِيَّةُ، وقالَ: الماءُ المُنَزَّلُ المَشْرُوبُ مِنَ المُزْنِ جَعَلْناهُ أُجاجًا؛ لِأنَّهُ لا يُتَوَهَّمُ ذَلِكَ فاسْتَغْنى عَنِ اللّامِ، وفِيهِ لَطِيفَةٌ أُخْرى نَحْوِيَّةٌ، وهي أنَّ في القُرْآنِ إسْقاطَ اللّامِ عَنْ جَزاءِ لَوْ حَيْثُ كانَتْ لَوْ داخِلَةً عَلى مُسْتَقْبَلٍ لَفْظًا، وأمّا إذا كانَ ما دَخَلَ عَلَيْهِ لَوْ ماضِيًا، وكانَ الجَزاءُ مُوجَبًا فَلا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْ شِئْنا لَآتَيْنا﴾ [السجدة: ١٣] ﴿لَوْ هَدانا اللَّهُ لَهَدَيْناكُمْ﴾ [إبراهيم: ٢١] وذَلِكَ لِأنَّ لَوْ إذا دَخَلَتْ عَلى فِعْلٍ مُسْتَقْبَلٍ كَما في قَوْلِهِ: ﴿لَوْ نَشاءُ﴾ فَقَدْ أُخْرِجَتْ عَنْ حَيِّزِها لَفْظًا؛ لِأنَّ لَوْ لِلْماضِي فَإذا خَرَجَ الشَّرْطُ عَنْ حَيِّزِهِ جازَ في الجَزاءِ الإخْراجُ عَنْ حَيِّزِهِ لَفْظًا وإسْقاطُ اللّامِ عَنْهُ؛ لِأنَّ إنْ كانَ حَيِّزُها المُسْتَقْبَلَ وتَدْخُلُ عَلى المُسْتَقْبَلِ، فَإذا جُعِلَ ما دَخَلَ إنْ عَلَيْهِ ماضِيًا كَقَوْلِكَ: إنْ جِئْتَنِي، جازَ في الخَبَرِ الإخْراجُ عَنْ حَيِّزِهِ وتَرْكُ الجَزْمِ فَنَقُولُ: أُكْرِمُكَ بِالرَّفْعِ، وأُكْرِمْكَ بِالجَزْمِ، كَما تَقُولُ في: ﴿لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ﴾ وفي: ﴿لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ﴾ وما ذَكَرْناهُ مِنَ الجَوابِ في قَوْلِهِ: ﴿أنُطْعِمُ مَن لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أطْعَمَهُ﴾ [يس: ٤٧] إذا نَظَرْتَ إلَيْهِ تَجِدُهُ مُسْتَقِيمًا، وحَيْثُ لَمْ يَقُلْ: لَوْ شاءَ اللَّهُ أطْعَمَهُ، عُلِمَ أنَّ الآخَرَ جَزاءٌ ولَمْ يَبْقَ فِيهِ تَوَهُّمٌ؛ لِأنَّهُ إمّا أنْ يَكُونَ عِنْدَ المُتَكَلِّمِ، وذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ؛ لِأنَّ المُتَكَلِّمَ عالِمٌ بِحَقِيقَةِ كَلامِهِ، وإمّا أنْ يَكُونَ عِنْدَهم وذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ هَهُنا؛ لِأنَّ قَوْلَهم: لَوْ شاءَ اللَّهُ أطْعَمَهُ رَدٌّ عَلى المُؤْمِنِينَ في زَعْمِهِمْ يَعْنِي أنْتُمْ تَقُولُونَ: إنَّ اللَّهَ لَوْ شاءَ فِعْلًا فَلا نُطْعِمُ مِن لَوْ شاءَ اللَّهُ أطْعَمَهُ عَلى زَعْمِكم، فَلَمّا كانَ أطْعَمَهُ جَزاءً مَعْلُومًا عِنْدَ السّامِعِ والمُتَكَلِّمِ اسْتَغْنى عَنِ اللّامِ، والحُطامُ كالفُتاتِ والجُذاذِ وهو مِنَ الحَطْمِ كَما أنَّ الفُتاتَ والجُذاذَ مِنَ الفَتِّ والجَذِّ، والفُعالُ في أكْثَرِ الأمْرِ يَدُلُّ عَلى مَكْرُوهٍ أوْ مُنْكَرٍ، إمّا في المَعانِي: فَكالسُّباتِ والفُواقِ والزُّكامِ والدُّوارِ والصُّداعِ لِأمْراضٍ وآفاتٍ في النّاسِ والنَّباتِ. وإمّا في الأعْيانِ: فَكالجُذاذِ والحُطامِ والفُتاتِ وكَذا إذا لَحِقَتْهُ الهاءُ كالبُرادَةِ والسُّحالَةِ، وفِيهِ زِيادَةُ بَيانٍ، وهو أنَّ ضَمَّ الفاءِ مِنَ الكَلِمَةِ يَدُلُّ عَلى ما ذَكَرْنا في الأفْعالِ، فَإنّا نَقُولُ: فُعِلَ لِما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ وكانَ السَّبَبُ أنَّ أوائِلَ الكَلِمِ لَمّا لَمْ يَكُنْ فِيهِ التَّخْفِيفُ المُطْلَقُ وهو السُّكُونُ لَمْ يَثْبُتِ التَّثْقِيلُ المُطْلَقُ وهو الضَّمُّ، فَإذا ثَبَتَ فَهو لِعارِضٍ، إنْ عُلِمَ كَما ذَكَرْنا فَلا كَلامَ، وإنْ لَمْ يُعْلَمْ كَما في بُرْدٍ وقُفْلٍ فالأمْرُ خَفِيٌّ يَطُولُ ذِكْرُهُ، والوَضْعُ يَدُلُّ عَلَيْهِ في الثُّلاثِيِّ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا لَمُغْرَمُونَ﴾ ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ [الواقعة: ٦٦ - ٦٧] وفِيهِ وجْهانِ: أمّا عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ: كَأنَّما هو كَلامٌ مُقَدَّرٌ عَنْهم كَأنَّهُ يَقُولُ: وحِينَئِذٍ يَحِقُّ أنْ تَقُولُوا: إنّا لَمُعَذَّبُونَ دائِمُونَ في العَذابِ. وأمّا عَلى الوَجْهِ الثّانِي: فَيَقُولُونَ: إنّا لَمُعَذَّبُونَ ومَحْرُومُونَ عَنْ إعادَةِ الزَّرْعِ مَرَّةً أُخْرى، يَقُولُونَ: إنّا لَمُعَذَّبُونَ بِالجُوعِ بِهَلاكِ الزَّرْعِ ومَحْرُومُونَ عَنْ دَفْعِهِ بِغَيْرِ الزَّرْعِ لِفَواتِ الماءِ. والوَجْهُ الثّانِي: في الغُرْمِ إنّا لَمُكْرَهُونَ بِالغَرامَةِ مِن غَرِمَ الرَّجُلُ وأصْلُ الغُرْمِ والغَرامِ لُزُومُ المَكْرُوهِ.

الواقعة 56:66

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ ﴿إنّا لَمُغْرَمُونَ﴾ ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ وهو تَدْرِيجٌ في الإثْباتِ، وبَيانُهُ هو أنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿أأنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أمْ نَحْنُ الزّارِعُونَ﴾ لَمْ يَبْعُدْ مِن مُعانِدٍ أنْ يَقُولَ: نَحْنُ نَحْرُثُ وهو بِنَفْسِهِ يَصِيرُ زَرْعًا، لا بِفِعْلِنا ولا بِفِعْلِ غَيْرِنا، فَقالَ تَعالى: ولَوْ سَلِمَ لَكم هَذا الباطِلُ، فَما تَقُولُونَ في سَلامَتِهِ عَنِ الآفاتِ الَّتِي تُصِيبُهُ، فَيَفْسُدُ قَبْلَ اشْتِدادِ الحَبِّ وقَبْلَ انْعِقادِهِ، أوْ قَبْلَ اشْتِدادِ الحَبِّ وقَبْلَ ظُهُورِ الحَبِّ فِيهِ، فَهَلْ تَحْفَظُونَهُ مِنها أوْ تَدْفَعُونَها عَنْهُ، أوْ هَذا الزَّرْعُ بِنَفْسِهِ يَدْفَعُ عَنْ نَفْسِهِ تِلْكَ الآفاتِ، كَما تَقُولُونَ: إنَّهُ بِنَفْسِهِ يَنْبُتُ، ولا يَشُكُّ أحَدٌ أنَّ دَفْعَ الآفاتِ بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى، وحِفْظَهُ عَنْها بِفَضْلِ اللَّهِ، وعَلى هَذا أعادَهُ لِيَذْكُرَ أُمُورًا مُرَتَّبَةً بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فَيَكُونُ الأمْرُ الأوَّلُ: لِلْمُهْتَدِينَ. والثّانِي: لِلظّالِمِينَ. والثّالِثُ: لِلْمُعانِدِينَ الضّالِّينَ، فَيَذْكُرُ الأمْرَ الَّذِي لا شَكَّ فِيهِ في آخِرِ الأمْرِ إقامَةً لِلْحُجَّةِ عَلى الضّالِّ المُعانِدِ. وفِيهِ سُؤالٌ وهو أنَّهُ تَعالى هَهُنا قالَ: ﴿لَجَعَلْناهُ﴾ بِلامِ الجَوابِ وقالَ في الماءِ: ﴿جَعَلْناهُ أُجاجًا﴾ [الواقعة: ٧٠] مِن غَيْرِ لامٍ فَما الفَرْقُ بَيْنَهُما ؟ نَقُولُ: ذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ عَنْهُ جَوابَيْنِ: أحَدُهُما: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطامًا﴾ كانَ قَرِيبَ الذِّكْرِ فاسْتَغْنى بِذِكْرِ اللّامِ فِيهِ عَنْ ذِكْرِها ثانِيًا، وهَذا ضَعِيفٌ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ولَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلى أعْيُنِهِمْ﴾ [يس: ٦٦] مَعَ قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ نَشاءُ لَمَسَخْناهُمْ﴾ [يس: ٦٧] أقْرَبُ مِن قَوْلِهِ: ﴿لَجَعَلْناهُ حُطامًا﴾ و﴿جَعَلْناهُ أُجاجًا﴾ اللَّهُمَّ إلّا أنْ نَقُولَ: هُناكَ أحَدُهُما قَرِيبٌ مِنَ الآخَرِ ذِكْرًا لا مَعْنًى؛ لِأنَّ الطَّمْسَ لا يَلْزَمُهُ المَسْخُ ولا بِالعَكْسِ والمَأْكُولَ مَعَهُ المَشْرُوبُ في الدَّهْرِ، فالأمْرانِ تَقارَبا لَفْظًا ومَعْنًى والجَوابُ الثّانِي: أنَّ اللّامَ يُفِيدُ نَوْعَ تَأْكِيدٍ فَذَكَرَ اللّامَ في المَأْكُولِ لِيُعْلَمَ أنَّ أمْرَ المَأْكُولِ أهَمُّ مِن أمْرِ المَشْرُوبِ وأنَّ نِعْمَتَهُ أعْظَمُ وما ذَكَرْنا أيْضًا وارِدٌ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ أمْرَ الطَّمْسِ أهْوَنُ مِن أمْرِ المَسْخِ وأدْخَلَ فِيهِما اللّامَ، وهَهُنا جَوابٌ آخَرُ يَبِينُ بِتَقْدِيمِ بَحْثٍ عَنْ فائِدَةِ اللّامِ في جَوابِ لَوْ، فَنَقُولُ: حَرْفُ الشَّرْطِ إذا دَخَلَ عَلى الجُمْلَةِ يُخْرِجُها عَنْ كَوْنِها جُمْلَةً في المَعْنى فاحْتاجُوا إلى عَلامَةٍ تَدُلُّ عَلى المَعْنى، فَأتَوْا بِالجَزْمِ في المُسْتَقْبَلِ؛ لِأنَّ الشَّرْطَ يَقْتَضِي جَزاءً، وفِيهِ تَطْوِيلٌ فالجَزْمُ الَّذِي هو سُكُونٌ ألْيَقُ بِالمَوْضِعِ وبَيْنَهُ وبَيْنَ المَعْنى أيْضًا مُناسَبَةٌ لَكِنَّ كَلِمَةَ لَوْ مُخْتَصَّةٌ بِالدُّخُولِ عَلى الماضِي مَعْنًى فَإنَّها إذا دَخَلَتْ عَلى المُسْتَقْبَلِ جَعَلَتْهُ ماضِيًا، والتَّحْقِيقُ فِيهِ أنَّ الجُمْلَةَ الشَّرْطِيَّةَ لا تَخْرُجُ عَنْ أقْسامٍ فَإنَّها إذا ذُكِرَتْ لا بُدَّ مِن أنْ يَكُونَ الشَّرْطُ مَعْلُومَ الوُقُوعِ؛ لِأنَّ الشَّرْطَ إنْ كانَ مَعْلُومَ الوُقُوعِ فالجَزاءُ لازِمُ الوُقُوعِ فَجَعْلُ الكَلامِ جُمْلَةً شَرْطِيَّةً عُدُولٌ عَنْ جُمْلَةٍ إسْنادِيَّةٍ إلى جُمْلَةٍ تَعْلِيقِيَّةٍ وهو تَطْوِيلٌ مِن غَيْرِ فائِدَةٍ فَقَوْلُ القائِلِ: آتِيكَ إنْ طَلَعَتِ الشَّمْسُ تَطْوِيلٌ والأوْلى أنْ يَقُولَ: آتِيكَ جَزْمًا مِن غَيْرِ شَرْطٍ فَإذا عُلِمَ هَذا فَحالُ الشَّرْطِ لا يَخْلُو مِن أنْ يَكُونَ مَعْلُومَ العَدَمِ أوْ مَشْكُوكًا فِيهِ فالشَّرْطُ إذا وقَعَ عَلى قِسْمَيْنِ فَلا بُدَّ لَهُما مِن لَفْظَيْنِ وهُما إنْ ولَوْ، واخْتَصَّتْ إنْ بِالشُّكُوكِ، ولَوْ بِمَعْلُومٍ لِأمْرٍ بَيَّنّاهُ في مَوْضِعٍ آخَرَ، لَكِنْ ما عُلِمَ عَدَمُهُ يَكُونُ الآخَرُ فَقَدْ أثْبَتَ مِنهُ فَهو ماضٍ أوْ في حُكْمِهِ؛ لِأنَّ العِلْمَ بِالأُمُورِ يَكُونُ بَعْدَ وُقُوعِها وما يُشَكُّ فِيهِ فَهو مُسْتَقْبَلٌ أوْ في مَعْناهُ لِأنَّنا نَشُكُّ في الأُمُورِ المُسْتَقْبَلَةِ أنَّها تَكُونُ أوْ لا تَكُونُ والماضِي خَرَجَ عَنِ التَّرَدُّدِ، صفحة ١٥٩ وإذا ثَبَتَ هَذا، فَنَقُولُ: لَمّا دَخَلَ لَوْ عَلى الماضِي وما اخْتَلَفَ آخَرُ بِالعامِلِ لَمْ يَتَبَيَّنْ فِيهِ إعْرابٌ، وإنْ لَمّا دَخَلَ عَلى المُسْتَقْبَلِ بانَ فِيهِ الإعْرابُ، ثُمَّ إنَّ الجَزاءَ عَلى حَسَبِ الشَّرْطِ وكانَ الجَزاءُ في بابِ لَوْ ماضِيًا فَلَمْ يَتَبَيَّنْ فِيهِ الحالُ بِحَرَكَةٍ ولا سُكُونٍ، فَيُضافُ لَهُ حَرْفٌ يَدُلُّ عَلى خُرُوجِهِ عَنْ كَوْنِهِ جُمْلَةً ودُخُولِهِ في كَوْنِهِ جُزْءَ جُمْلَةٍ، إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: عِنْدَما يَكُونُ الجَزاءُ ظاهِرًا يَسْتَغْنِي عَنِ الحَرْفِ الصّارِفِ، لَكِنَّ كَوْنَ الماءِ المَذْكُورِ في الآيَةِ، وهو الماءُ المَشْرُوبُ المُنَزَّلُ مِنَ المُزْنِ أُجاجًا لَيْسَ أمْرًا واقِعًا يُظَنُّ أنَّهُ خَبَرٌ مُسْتَقِلٌّ، ويُقَوِّيهِ أنَّهُ تَعالى يَقُولُ: ﴿جَعَلْناهُ أُجاجًا﴾ عَلى طَرِيقَةِ الإخْبارِ، والحَرْثُ والزَّرْعُ كَثِيرًا ما وقَعَ كَوْنُهُ حُطامًا فَلَوْ قالَ: جَعَلْناهُ حُطامًا، كانَ يُتَوَهَّمُ مِنهُ الإخْبارُ، فَقالَ هُناكَ: ﴿لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ﴾ لِيُخْرِجَهُ عَمّا هو صالِحٌ لَهُ في الواقِعِ، وهو الحُطامِيَّةُ، وقالَ: الماءُ المُنَزَّلُ المَشْرُوبُ مِنَ المُزْنِ جَعَلْناهُ أُجاجًا؛ لِأنَّهُ لا يُتَوَهَّمُ ذَلِكَ فاسْتَغْنى عَنِ اللّامِ، وفِيهِ لَطِيفَةٌ أُخْرى نَحْوِيَّةٌ، وهي أنَّ في القُرْآنِ إسْقاطَ اللّامِ عَنْ جَزاءِ لَوْ حَيْثُ كانَتْ لَوْ داخِلَةً عَلى مُسْتَقْبَلٍ لَفْظًا، وأمّا إذا كانَ ما دَخَلَ عَلَيْهِ لَوْ ماضِيًا، وكانَ الجَزاءُ مُوجَبًا فَلا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْ شِئْنا لَآتَيْنا﴾ [السجدة: ١٣] ﴿لَوْ هَدانا اللَّهُ لَهَدَيْناكُمْ﴾ [إبراهيم: ٢١] وذَلِكَ لِأنَّ لَوْ إذا دَخَلَتْ عَلى فِعْلٍ مُسْتَقْبَلٍ كَما في قَوْلِهِ: ﴿لَوْ نَشاءُ﴾ فَقَدْ أُخْرِجَتْ عَنْ حَيِّزِها لَفْظًا؛ لِأنَّ لَوْ لِلْماضِي فَإذا خَرَجَ الشَّرْطُ عَنْ حَيِّزِهِ جازَ في الجَزاءِ الإخْراجُ عَنْ حَيِّزِهِ لَفْظًا وإسْقاطُ اللّامِ عَنْهُ؛ لِأنَّ إنْ كانَ حَيِّزُها المُسْتَقْبَلَ وتَدْخُلُ عَلى المُسْتَقْبَلِ، فَإذا جُعِلَ ما دَخَلَ إنْ عَلَيْهِ ماضِيًا كَقَوْلِكَ: إنْ جِئْتَنِي، جازَ في الخَبَرِ الإخْراجُ عَنْ حَيِّزِهِ وتَرْكُ الجَزْمِ فَنَقُولُ: أُكْرِمُكَ بِالرَّفْعِ، وأُكْرِمْكَ بِالجَزْمِ، كَما تَقُولُ في: ﴿لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ﴾ وفي: ﴿لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ﴾ وما ذَكَرْناهُ مِنَ الجَوابِ في قَوْلِهِ: ﴿أنُطْعِمُ مَن لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أطْعَمَهُ﴾ [يس: ٤٧] إذا نَظَرْتَ إلَيْهِ تَجِدُهُ مُسْتَقِيمًا، وحَيْثُ لَمْ يَقُلْ: لَوْ شاءَ اللَّهُ أطْعَمَهُ، عُلِمَ أنَّ الآخَرَ جَزاءٌ ولَمْ يَبْقَ فِيهِ تَوَهُّمٌ؛ لِأنَّهُ إمّا أنْ يَكُونَ عِنْدَ المُتَكَلِّمِ، وذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ؛ لِأنَّ المُتَكَلِّمَ عالِمٌ بِحَقِيقَةِ كَلامِهِ، وإمّا أنْ يَكُونَ عِنْدَهم وذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ هَهُنا؛ لِأنَّ قَوْلَهم: لَوْ شاءَ اللَّهُ أطْعَمَهُ رَدٌّ عَلى المُؤْمِنِينَ في زَعْمِهِمْ يَعْنِي أنْتُمْ تَقُولُونَ: إنَّ اللَّهَ لَوْ شاءَ فِعْلًا فَلا نُطْعِمُ مِن لَوْ شاءَ اللَّهُ أطْعَمَهُ عَلى زَعْمِكم، فَلَمّا كانَ أطْعَمَهُ جَزاءً مَعْلُومًا عِنْدَ السّامِعِ والمُتَكَلِّمِ اسْتَغْنى عَنِ اللّامِ، والحُطامُ كالفُتاتِ والجُذاذِ وهو مِنَ الحَطْمِ كَما أنَّ الفُتاتَ والجُذاذَ مِنَ الفَتِّ والجَذِّ، والفُعالُ في أكْثَرِ الأمْرِ يَدُلُّ عَلى مَكْرُوهٍ أوْ مُنْكَرٍ، إمّا في المَعانِي: فَكالسُّباتِ والفُواقِ والزُّكامِ والدُّوارِ والصُّداعِ لِأمْراضٍ وآفاتٍ في النّاسِ والنَّباتِ. وإمّا في الأعْيانِ: فَكالجُذاذِ والحُطامِ والفُتاتِ وكَذا إذا لَحِقَتْهُ الهاءُ كالبُرادَةِ والسُّحالَةِ، وفِيهِ زِيادَةُ بَيانٍ، وهو أنَّ ضَمَّ الفاءِ مِنَ الكَلِمَةِ يَدُلُّ عَلى ما ذَكَرْنا في الأفْعالِ، فَإنّا نَقُولُ: فُعِلَ لِما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ وكانَ السَّبَبُ أنَّ أوائِلَ الكَلِمِ لَمّا لَمْ يَكُنْ فِيهِ التَّخْفِيفُ المُطْلَقُ وهو السُّكُونُ لَمْ يَثْبُتِ التَّثْقِيلُ المُطْلَقُ وهو الضَّمُّ، فَإذا ثَبَتَ فَهو لِعارِضٍ، إنْ عُلِمَ كَما ذَكَرْنا فَلا كَلامَ، وإنْ لَمْ يُعْلَمْ كَما في بُرْدٍ وقُفْلٍ فالأمْرُ خَفِيٌّ يَطُولُ ذِكْرُهُ، والوَضْعُ يَدُلُّ عَلَيْهِ في الثُّلاثِيِّ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا لَمُغْرَمُونَ﴾ ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ [الواقعة: ٦٦ - ٦٧] وفِيهِ وجْهانِ: أمّا عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ: كَأنَّما هو كَلامٌ مُقَدَّرٌ عَنْهم كَأنَّهُ يَقُولُ: وحِينَئِذٍ يَحِقُّ أنْ تَقُولُوا: إنّا لَمُعَذَّبُونَ دائِمُونَ في العَذابِ. وأمّا عَلى الوَجْهِ الثّانِي: فَيَقُولُونَ: إنّا لَمُعَذَّبُونَ ومَحْرُومُونَ عَنْ إعادَةِ الزَّرْعِ مَرَّةً أُخْرى، يَقُولُونَ: إنّا لَمُعَذَّبُونَ بِالجُوعِ بِهَلاكِ الزَّرْعِ ومَحْرُومُونَ عَنْ دَفْعِهِ بِغَيْرِ الزَّرْعِ لِفَواتِ الماءِ. والوَجْهُ الثّانِي: في الغُرْمِ إنّا لَمُكْرَهُونَ بِالغَرامَةِ مِن غَرِمَ الرَّجُلُ وأصْلُ الغُرْمِ والغَرامِ لُزُومُ المَكْرُوهِ.

الواقعة 56:67

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ ﴿إنّا لَمُغْرَمُونَ﴾ ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ وهو تَدْرِيجٌ في الإثْباتِ، وبَيانُهُ هو أنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿أأنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أمْ نَحْنُ الزّارِعُونَ﴾ لَمْ يَبْعُدْ مِن مُعانِدٍ أنْ يَقُولَ: نَحْنُ نَحْرُثُ وهو بِنَفْسِهِ يَصِيرُ زَرْعًا، لا بِفِعْلِنا ولا بِفِعْلِ غَيْرِنا، فَقالَ تَعالى: ولَوْ سَلِمَ لَكم هَذا الباطِلُ، فَما تَقُولُونَ في سَلامَتِهِ عَنِ الآفاتِ الَّتِي تُصِيبُهُ، فَيَفْسُدُ قَبْلَ اشْتِدادِ الحَبِّ وقَبْلَ انْعِقادِهِ، أوْ قَبْلَ اشْتِدادِ الحَبِّ وقَبْلَ ظُهُورِ الحَبِّ فِيهِ، فَهَلْ تَحْفَظُونَهُ مِنها أوْ تَدْفَعُونَها عَنْهُ، أوْ هَذا الزَّرْعُ بِنَفْسِهِ يَدْفَعُ عَنْ نَفْسِهِ تِلْكَ الآفاتِ، كَما تَقُولُونَ: إنَّهُ بِنَفْسِهِ يَنْبُتُ، ولا يَشُكُّ أحَدٌ أنَّ دَفْعَ الآفاتِ بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى، وحِفْظَهُ عَنْها بِفَضْلِ اللَّهِ، وعَلى هَذا أعادَهُ لِيَذْكُرَ أُمُورًا مُرَتَّبَةً بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فَيَكُونُ الأمْرُ الأوَّلُ: لِلْمُهْتَدِينَ. والثّانِي: لِلظّالِمِينَ. والثّالِثُ: لِلْمُعانِدِينَ الضّالِّينَ، فَيَذْكُرُ الأمْرَ الَّذِي لا شَكَّ فِيهِ في آخِرِ الأمْرِ إقامَةً لِلْحُجَّةِ عَلى الضّالِّ المُعانِدِ. وفِيهِ سُؤالٌ وهو أنَّهُ تَعالى هَهُنا قالَ: ﴿لَجَعَلْناهُ﴾ بِلامِ الجَوابِ وقالَ في الماءِ: ﴿جَعَلْناهُ أُجاجًا﴾ [الواقعة: ٧٠] مِن غَيْرِ لامٍ فَما الفَرْقُ بَيْنَهُما ؟ نَقُولُ: ذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ عَنْهُ جَوابَيْنِ: أحَدُهُما: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطامًا﴾ كانَ قَرِيبَ الذِّكْرِ فاسْتَغْنى بِذِكْرِ اللّامِ فِيهِ عَنْ ذِكْرِها ثانِيًا، وهَذا ضَعِيفٌ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ولَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلى أعْيُنِهِمْ﴾ [يس: ٦٦] مَعَ قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ نَشاءُ لَمَسَخْناهُمْ﴾ [يس: ٦٧] أقْرَبُ مِن قَوْلِهِ: ﴿لَجَعَلْناهُ حُطامًا﴾ و﴿جَعَلْناهُ أُجاجًا﴾ اللَّهُمَّ إلّا أنْ نَقُولَ: هُناكَ أحَدُهُما قَرِيبٌ مِنَ الآخَرِ ذِكْرًا لا مَعْنًى؛ لِأنَّ الطَّمْسَ لا يَلْزَمُهُ المَسْخُ ولا بِالعَكْسِ والمَأْكُولَ مَعَهُ المَشْرُوبُ في الدَّهْرِ، فالأمْرانِ تَقارَبا لَفْظًا ومَعْنًى والجَوابُ الثّانِي: أنَّ اللّامَ يُفِيدُ نَوْعَ تَأْكِيدٍ فَذَكَرَ اللّامَ في المَأْكُولِ لِيُعْلَمَ أنَّ أمْرَ المَأْكُولِ أهَمُّ مِن أمْرِ المَشْرُوبِ وأنَّ نِعْمَتَهُ أعْظَمُ وما ذَكَرْنا أيْضًا وارِدٌ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ أمْرَ الطَّمْسِ أهْوَنُ مِن أمْرِ المَسْخِ وأدْخَلَ فِيهِما اللّامَ، وهَهُنا جَوابٌ آخَرُ يَبِينُ بِتَقْدِيمِ بَحْثٍ عَنْ فائِدَةِ اللّامِ في جَوابِ لَوْ، فَنَقُولُ: حَرْفُ الشَّرْطِ إذا دَخَلَ عَلى الجُمْلَةِ يُخْرِجُها عَنْ كَوْنِها جُمْلَةً في المَعْنى فاحْتاجُوا إلى عَلامَةٍ تَدُلُّ عَلى المَعْنى، فَأتَوْا بِالجَزْمِ في المُسْتَقْبَلِ؛ لِأنَّ الشَّرْطَ يَقْتَضِي جَزاءً، وفِيهِ تَطْوِيلٌ فالجَزْمُ الَّذِي هو سُكُونٌ ألْيَقُ بِالمَوْضِعِ وبَيْنَهُ وبَيْنَ المَعْنى أيْضًا مُناسَبَةٌ لَكِنَّ كَلِمَةَ لَوْ مُخْتَصَّةٌ بِالدُّخُولِ عَلى الماضِي مَعْنًى فَإنَّها إذا دَخَلَتْ عَلى المُسْتَقْبَلِ جَعَلَتْهُ ماضِيًا، والتَّحْقِيقُ فِيهِ أنَّ الجُمْلَةَ الشَّرْطِيَّةَ لا تَخْرُجُ عَنْ أقْسامٍ فَإنَّها إذا ذُكِرَتْ لا بُدَّ مِن أنْ يَكُونَ الشَّرْطُ مَعْلُومَ الوُقُوعِ؛ لِأنَّ الشَّرْطَ إنْ كانَ مَعْلُومَ الوُقُوعِ فالجَزاءُ لازِمُ الوُقُوعِ فَجَعْلُ الكَلامِ جُمْلَةً شَرْطِيَّةً عُدُولٌ عَنْ جُمْلَةٍ إسْنادِيَّةٍ إلى جُمْلَةٍ تَعْلِيقِيَّةٍ وهو تَطْوِيلٌ مِن غَيْرِ فائِدَةٍ فَقَوْلُ القائِلِ: آتِيكَ إنْ طَلَعَتِ الشَّمْسُ تَطْوِيلٌ والأوْلى أنْ يَقُولَ: آتِيكَ جَزْمًا مِن غَيْرِ شَرْطٍ فَإذا عُلِمَ هَذا فَحالُ الشَّرْطِ لا يَخْلُو مِن أنْ يَكُونَ مَعْلُومَ العَدَمِ أوْ مَشْكُوكًا فِيهِ فالشَّرْطُ إذا وقَعَ عَلى قِسْمَيْنِ فَلا بُدَّ لَهُما مِن لَفْظَيْنِ وهُما إنْ ولَوْ، واخْتَصَّتْ إنْ بِالشُّكُوكِ، ولَوْ بِمَعْلُومٍ لِأمْرٍ بَيَّنّاهُ في مَوْضِعٍ آخَرَ، لَكِنْ ما عُلِمَ عَدَمُهُ يَكُونُ الآخَرُ فَقَدْ أثْبَتَ مِنهُ فَهو ماضٍ أوْ في حُكْمِهِ؛ لِأنَّ العِلْمَ بِالأُمُورِ يَكُونُ بَعْدَ وُقُوعِها وما يُشَكُّ فِيهِ فَهو مُسْتَقْبَلٌ أوْ في مَعْناهُ لِأنَّنا نَشُكُّ في الأُمُورِ المُسْتَقْبَلَةِ أنَّها تَكُونُ أوْ لا تَكُونُ والماضِي خَرَجَ عَنِ التَّرَدُّدِ، صفحة ١٥٩ وإذا ثَبَتَ هَذا، فَنَقُولُ: لَمّا دَخَلَ لَوْ عَلى الماضِي وما اخْتَلَفَ آخَرُ بِالعامِلِ لَمْ يَتَبَيَّنْ فِيهِ إعْرابٌ، وإنْ لَمّا دَخَلَ عَلى المُسْتَقْبَلِ بانَ فِيهِ الإعْرابُ، ثُمَّ إنَّ الجَزاءَ عَلى حَسَبِ الشَّرْطِ وكانَ الجَزاءُ في بابِ لَوْ ماضِيًا فَلَمْ يَتَبَيَّنْ فِيهِ الحالُ بِحَرَكَةٍ ولا سُكُونٍ، فَيُضافُ لَهُ حَرْفٌ يَدُلُّ عَلى خُرُوجِهِ عَنْ كَوْنِهِ جُمْلَةً ودُخُولِهِ في كَوْنِهِ جُزْءَ جُمْلَةٍ، إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: عِنْدَما يَكُونُ الجَزاءُ ظاهِرًا يَسْتَغْنِي عَنِ الحَرْفِ الصّارِفِ، لَكِنَّ كَوْنَ الماءِ المَذْكُورِ في الآيَةِ، وهو الماءُ المَشْرُوبُ المُنَزَّلُ مِنَ المُزْنِ أُجاجًا لَيْسَ أمْرًا واقِعًا يُظَنُّ أنَّهُ خَبَرٌ مُسْتَقِلٌّ، ويُقَوِّيهِ أنَّهُ تَعالى يَقُولُ: ﴿جَعَلْناهُ أُجاجًا﴾ عَلى طَرِيقَةِ الإخْبارِ، والحَرْثُ والزَّرْعُ كَثِيرًا ما وقَعَ كَوْنُهُ حُطامًا فَلَوْ قالَ: جَعَلْناهُ حُطامًا، كانَ يُتَوَهَّمُ مِنهُ الإخْبارُ، فَقالَ هُناكَ: ﴿لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ﴾ لِيُخْرِجَهُ عَمّا هو صالِحٌ لَهُ في الواقِعِ، وهو الحُطامِيَّةُ، وقالَ: الماءُ المُنَزَّلُ المَشْرُوبُ مِنَ المُزْنِ جَعَلْناهُ أُجاجًا؛ لِأنَّهُ لا يُتَوَهَّمُ ذَلِكَ فاسْتَغْنى عَنِ اللّامِ، وفِيهِ لَطِيفَةٌ أُخْرى نَحْوِيَّةٌ، وهي أنَّ في القُرْآنِ إسْقاطَ اللّامِ عَنْ جَزاءِ لَوْ حَيْثُ كانَتْ لَوْ داخِلَةً عَلى مُسْتَقْبَلٍ لَفْظًا، وأمّا إذا كانَ ما دَخَلَ عَلَيْهِ لَوْ ماضِيًا، وكانَ الجَزاءُ مُوجَبًا فَلا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْ شِئْنا لَآتَيْنا﴾ [السجدة: ١٣] ﴿لَوْ هَدانا اللَّهُ لَهَدَيْناكُمْ﴾ [إبراهيم: ٢١] وذَلِكَ لِأنَّ لَوْ إذا دَخَلَتْ عَلى فِعْلٍ مُسْتَقْبَلٍ كَما في قَوْلِهِ: ﴿لَوْ نَشاءُ﴾ فَقَدْ أُخْرِجَتْ عَنْ حَيِّزِها لَفْظًا؛ لِأنَّ لَوْ لِلْماضِي فَإذا خَرَجَ الشَّرْطُ عَنْ حَيِّزِهِ جازَ في الجَزاءِ الإخْراجُ عَنْ حَيِّزِهِ لَفْظًا وإسْقاطُ اللّامِ عَنْهُ؛ لِأنَّ إنْ كانَ حَيِّزُها المُسْتَقْبَلَ وتَدْخُلُ عَلى المُسْتَقْبَلِ، فَإذا جُعِلَ ما دَخَلَ إنْ عَلَيْهِ ماضِيًا كَقَوْلِكَ: إنْ جِئْتَنِي، جازَ في الخَبَرِ الإخْراجُ عَنْ حَيِّزِهِ وتَرْكُ الجَزْمِ فَنَقُولُ: أُكْرِمُكَ بِالرَّفْعِ، وأُكْرِمْكَ بِالجَزْمِ، كَما تَقُولُ في: ﴿لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ﴾ وفي: ﴿لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ﴾ وما ذَكَرْناهُ مِنَ الجَوابِ في قَوْلِهِ: ﴿أنُطْعِمُ مَن لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أطْعَمَهُ﴾ [يس: ٤٧] إذا نَظَرْتَ إلَيْهِ تَجِدُهُ مُسْتَقِيمًا، وحَيْثُ لَمْ يَقُلْ: لَوْ شاءَ اللَّهُ أطْعَمَهُ، عُلِمَ أنَّ الآخَرَ جَزاءٌ ولَمْ يَبْقَ فِيهِ تَوَهُّمٌ؛ لِأنَّهُ إمّا أنْ يَكُونَ عِنْدَ المُتَكَلِّمِ، وذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ؛ لِأنَّ المُتَكَلِّمَ عالِمٌ بِحَقِيقَةِ كَلامِهِ، وإمّا أنْ يَكُونَ عِنْدَهم وذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ هَهُنا؛ لِأنَّ قَوْلَهم: لَوْ شاءَ اللَّهُ أطْعَمَهُ رَدٌّ عَلى المُؤْمِنِينَ في زَعْمِهِمْ يَعْنِي أنْتُمْ تَقُولُونَ: إنَّ اللَّهَ لَوْ شاءَ فِعْلًا فَلا نُطْعِمُ مِن لَوْ شاءَ اللَّهُ أطْعَمَهُ عَلى زَعْمِكم، فَلَمّا كانَ أطْعَمَهُ جَزاءً مَعْلُومًا عِنْدَ السّامِعِ والمُتَكَلِّمِ اسْتَغْنى عَنِ اللّامِ، والحُطامُ كالفُتاتِ والجُذاذِ وهو مِنَ الحَطْمِ كَما أنَّ الفُتاتَ والجُذاذَ مِنَ الفَتِّ والجَذِّ، والفُعالُ في أكْثَرِ الأمْرِ يَدُلُّ عَلى مَكْرُوهٍ أوْ مُنْكَرٍ، إمّا في المَعانِي: فَكالسُّباتِ والفُواقِ والزُّكامِ والدُّوارِ والصُّداعِ لِأمْراضٍ وآفاتٍ في النّاسِ والنَّباتِ. وإمّا في الأعْيانِ: فَكالجُذاذِ والحُطامِ والفُتاتِ وكَذا إذا لَحِقَتْهُ الهاءُ كالبُرادَةِ والسُّحالَةِ، وفِيهِ زِيادَةُ بَيانٍ، وهو أنَّ ضَمَّ الفاءِ مِنَ الكَلِمَةِ يَدُلُّ عَلى ما ذَكَرْنا في الأفْعالِ، فَإنّا نَقُولُ: فُعِلَ لِما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ وكانَ السَّبَبُ أنَّ أوائِلَ الكَلِمِ لَمّا لَمْ يَكُنْ فِيهِ التَّخْفِيفُ المُطْلَقُ وهو السُّكُونُ لَمْ يَثْبُتِ التَّثْقِيلُ المُطْلَقُ وهو الضَّمُّ، فَإذا ثَبَتَ فَهو لِعارِضٍ، إنْ عُلِمَ كَما ذَكَرْنا فَلا كَلامَ، وإنْ لَمْ يُعْلَمْ كَما في بُرْدٍ وقُفْلٍ فالأمْرُ خَفِيٌّ يَطُولُ ذِكْرُهُ، والوَضْعُ يَدُلُّ عَلَيْهِ في الثُّلاثِيِّ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا لَمُغْرَمُونَ﴾ ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ [الواقعة: ٦٦ - ٦٧] وفِيهِ وجْهانِ: أمّا عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ: كَأنَّما هو كَلامٌ مُقَدَّرٌ عَنْهم كَأنَّهُ يَقُولُ: وحِينَئِذٍ يَحِقُّ أنْ تَقُولُوا: إنّا لَمُعَذَّبُونَ دائِمُونَ في العَذابِ. وأمّا عَلى الوَجْهِ الثّانِي: فَيَقُولُونَ: إنّا لَمُعَذَّبُونَ ومَحْرُومُونَ عَنْ إعادَةِ الزَّرْعِ مَرَّةً أُخْرى، يَقُولُونَ: إنّا لَمُعَذَّبُونَ بِالجُوعِ بِهَلاكِ الزَّرْعِ ومَحْرُومُونَ عَنْ دَفْعِهِ بِغَيْرِ الزَّرْعِ لِفَواتِ الماءِ. والوَجْهُ الثّانِي: في الغُرْمِ إنّا لَمُكْرَهُونَ بِالغَرامَةِ مِن غَرِمَ الرَّجُلُ وأصْلُ الغُرْمِ والغَرامِ لُزُومُ المَكْرُوهِ.

الواقعة 56:68

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أفَرَأيْتُمُ الماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ أنْزَلْتُمُوهُ مِنَ المُزْنِ أمْ نَحْنُ المُنْزِلُونَ﴾ ﴿لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجًا فَلَوْلا تَشْكُرُونَ﴾ . خَصَّهُ بِالذِّكْرِ لِأنَّهُ ألْطَفُ وأنْظَفُ، أوْ تَذْكِيرًا لَهم بِالإنْعامِ عَلَيْهِمْ، والمُزْنُ السَّحابُ الثَّقِيلُ بِالماءِ لا بِغَيْرِهِ مِن أنْواعِ العَذابِ يَدُلُّ عَلى ثِقَلِهِ قَلْبُ اللَّفْظِ وعَلى مُدافَعَةِ الأمْرِ وهو النَّزْمُ في بَعْضِ اللُّغاتِ السَّحابُ الَّذِي مَسَّ الأرْضَ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الأُجاجِ أنَّهُ الماءُ المُرُّ مِن شِدَّةِ المُلُوحَةِ، والظّاهِرُ أنَّهُ هو الحارُّ مِن أجِيجِ النّارِ كالحُطامِ مِنَ الحَطِيمِ، وقَدْ ذَكَرْناهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَذا عَذْبٌ فُراتٌ وهَذا مِلْحٌ أُجاجٌ﴾ [الفرقان: ٥٣] ذَكَرَ في الماءِ الطَّيِّبِ صِفَتَيْنِ إحْداهُما عائِدَةٌ إلى طَعْمِهِ والأُخْرى عائِدَةٌ إلى كَيْفِيَّةِ مَلْمَسِهِ وهي البُرُودَةُ واللَّطافَةُ، وفي الماءِ الآخَرِ أيْضًا صِفَتَيْنِ إحْداهُما عائِدَةٌ إلى طَعْمِهِ والأُخْرى عائِدَةٌ إلى كَيْفِيَّةِ مَلْمَسِهِ وهي الحَرارَةُ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَلَوْلا تَشْكُرُونَ﴾ لَمْ يَقُلْ عِنْدَ ذِكْرِ الطَّعامِ الشُّكْرَ وذَلِكَ لِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ في المَأْكُولِ أكْلَهم، فَلَمّا لَمْ يَقُلْ: تَأْكُلُونَ لَمْ يَقُلْ: تَشْكُرُونَ وقالَ في الماءِ: ﴿تَشْرَبُونَ﴾ فَقالَ: ﴿تَشْكُرُونَ﴾ . والثّانِي: أنَّ في المَأْكُولِ قالَ: ﴿تَحْرُثُونَ﴾ فَأثْبَتَ لَهم سَعْيًا فَلَمْ يَقُلْ: تَشْكُرُونَ وقالَ في الماءِ: ﴿أنْزَلْتُمُوهُ مِنَ المُزْنِ﴾ لا عَمَلَ لَكم فِيهِ أصْلًا فَهو مَحْضُ النِّعْمَةِ فَقالَ: ﴿فَلَوْلا تَشْكُرُونَ﴾ وفِيهِ وجْهٌ ثالِثٌ: وهو الأحْسَنُ أنْ يُقالَ: النِّعْمَةُ لا تَتِمُّ إلّا عِنْدَ الأكْلِ والشُّرْبِ ألا تَرى أنَّ في البَرارِيِّ الَّتِي لا يُوجَدُ فِيها الماءُ لا يَأْكُلُ الإنْسانُ شَيْئًا مَخافَةَ العَطَشِ، فَلَمّا ذَكَرَ المَأْكُولَ أوَّلًا وأتَمَّهُ بِذِكْرِ المَشْرُوبِ ثانِيًا قالَ: ﴿فَلَوْلا تَشْكُرُونَ﴾ عَلى هَذِهِ النِّعْمَةِ التّامَّةِ.

الواقعة 56:69

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أفَرَأيْتُمُ الماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ أنْزَلْتُمُوهُ مِنَ المُزْنِ أمْ نَحْنُ المُنْزِلُونَ﴾ ﴿لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجًا فَلَوْلا تَشْكُرُونَ﴾ . خَصَّهُ بِالذِّكْرِ لِأنَّهُ ألْطَفُ وأنْظَفُ، أوْ تَذْكِيرًا لَهم بِالإنْعامِ عَلَيْهِمْ، والمُزْنُ السَّحابُ الثَّقِيلُ بِالماءِ لا بِغَيْرِهِ مِن أنْواعِ العَذابِ يَدُلُّ عَلى ثِقَلِهِ قَلْبُ اللَّفْظِ وعَلى مُدافَعَةِ الأمْرِ وهو النَّزْمُ في بَعْضِ اللُّغاتِ السَّحابُ الَّذِي مَسَّ الأرْضَ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الأُجاجِ أنَّهُ الماءُ المُرُّ مِن شِدَّةِ المُلُوحَةِ، والظّاهِرُ أنَّهُ هو الحارُّ مِن أجِيجِ النّارِ كالحُطامِ مِنَ الحَطِيمِ، وقَدْ ذَكَرْناهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَذا عَذْبٌ فُراتٌ وهَذا مِلْحٌ أُجاجٌ﴾ [الفرقان: ٥٣] ذَكَرَ في الماءِ الطَّيِّبِ صِفَتَيْنِ إحْداهُما عائِدَةٌ إلى طَعْمِهِ والأُخْرى عائِدَةٌ إلى كَيْفِيَّةِ مَلْمَسِهِ وهي البُرُودَةُ واللَّطافَةُ، وفي الماءِ الآخَرِ أيْضًا صِفَتَيْنِ إحْداهُما عائِدَةٌ إلى طَعْمِهِ والأُخْرى عائِدَةٌ إلى كَيْفِيَّةِ مَلْمَسِهِ وهي الحَرارَةُ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَلَوْلا تَشْكُرُونَ﴾ لَمْ يَقُلْ عِنْدَ ذِكْرِ الطَّعامِ الشُّكْرَ وذَلِكَ لِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ في المَأْكُولِ أكْلَهم، فَلَمّا لَمْ يَقُلْ: تَأْكُلُونَ لَمْ يَقُلْ: تَشْكُرُونَ وقالَ في الماءِ: ﴿تَشْرَبُونَ﴾ فَقالَ: ﴿تَشْكُرُونَ﴾ . والثّانِي: أنَّ في المَأْكُولِ قالَ: ﴿تَحْرُثُونَ﴾ فَأثْبَتَ لَهم سَعْيًا فَلَمْ يَقُلْ: تَشْكُرُونَ وقالَ في الماءِ: ﴿أنْزَلْتُمُوهُ مِنَ المُزْنِ﴾ لا عَمَلَ لَكم فِيهِ أصْلًا فَهو مَحْضُ النِّعْمَةِ فَقالَ: ﴿فَلَوْلا تَشْكُرُونَ﴾ وفِيهِ وجْهٌ ثالِثٌ: وهو الأحْسَنُ أنْ يُقالَ: النِّعْمَةُ لا تَتِمُّ إلّا عِنْدَ الأكْلِ والشُّرْبِ ألا تَرى أنَّ في البَرارِيِّ الَّتِي لا يُوجَدُ فِيها الماءُ لا يَأْكُلُ الإنْسانُ شَيْئًا مَخافَةَ العَطَشِ، فَلَمّا ذَكَرَ المَأْكُولَ أوَّلًا وأتَمَّهُ بِذِكْرِ المَشْرُوبِ ثانِيًا قالَ: ﴿فَلَوْلا تَشْكُرُونَ﴾ عَلى هَذِهِ النِّعْمَةِ التّامَّةِ.

الواقعة 56:70

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أفَرَأيْتُمُ الماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ أنْزَلْتُمُوهُ مِنَ المُزْنِ أمْ نَحْنُ المُنْزِلُونَ﴾ ﴿لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجًا فَلَوْلا تَشْكُرُونَ﴾ . خَصَّهُ بِالذِّكْرِ لِأنَّهُ ألْطَفُ وأنْظَفُ، أوْ تَذْكِيرًا لَهم بِالإنْعامِ عَلَيْهِمْ، والمُزْنُ السَّحابُ الثَّقِيلُ بِالماءِ لا بِغَيْرِهِ مِن أنْواعِ العَذابِ يَدُلُّ عَلى ثِقَلِهِ قَلْبُ اللَّفْظِ وعَلى مُدافَعَةِ الأمْرِ وهو النَّزْمُ في بَعْضِ اللُّغاتِ السَّحابُ الَّذِي مَسَّ الأرْضَ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الأُجاجِ أنَّهُ الماءُ المُرُّ مِن شِدَّةِ المُلُوحَةِ، والظّاهِرُ أنَّهُ هو الحارُّ مِن أجِيجِ النّارِ كالحُطامِ مِنَ الحَطِيمِ، وقَدْ ذَكَرْناهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَذا عَذْبٌ فُراتٌ وهَذا مِلْحٌ أُجاجٌ﴾ [الفرقان: ٥٣] ذَكَرَ في الماءِ الطَّيِّبِ صِفَتَيْنِ إحْداهُما عائِدَةٌ إلى طَعْمِهِ والأُخْرى عائِدَةٌ إلى كَيْفِيَّةِ مَلْمَسِهِ وهي البُرُودَةُ واللَّطافَةُ، وفي الماءِ الآخَرِ أيْضًا صِفَتَيْنِ إحْداهُما عائِدَةٌ إلى طَعْمِهِ والأُخْرى عائِدَةٌ إلى كَيْفِيَّةِ مَلْمَسِهِ وهي الحَرارَةُ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَلَوْلا تَشْكُرُونَ﴾ لَمْ يَقُلْ عِنْدَ ذِكْرِ الطَّعامِ الشُّكْرَ وذَلِكَ لِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ في المَأْكُولِ أكْلَهم، فَلَمّا لَمْ يَقُلْ: تَأْكُلُونَ لَمْ يَقُلْ: تَشْكُرُونَ وقالَ في الماءِ: ﴿تَشْرَبُونَ﴾ فَقالَ: ﴿تَشْكُرُونَ﴾ . والثّانِي: أنَّ في المَأْكُولِ قالَ: ﴿تَحْرُثُونَ﴾ فَأثْبَتَ لَهم سَعْيًا فَلَمْ يَقُلْ: تَشْكُرُونَ وقالَ في الماءِ: ﴿أنْزَلْتُمُوهُ مِنَ المُزْنِ﴾ لا عَمَلَ لَكم فِيهِ أصْلًا فَهو مَحْضُ النِّعْمَةِ فَقالَ: ﴿فَلَوْلا تَشْكُرُونَ﴾ وفِيهِ وجْهٌ ثالِثٌ: وهو الأحْسَنُ أنْ يُقالَ: النِّعْمَةُ لا تَتِمُّ إلّا عِنْدَ الأكْلِ والشُّرْبِ ألا تَرى أنَّ في البَرارِيِّ الَّتِي لا يُوجَدُ فِيها الماءُ لا يَأْكُلُ الإنْسانُ شَيْئًا مَخافَةَ العَطَشِ، فَلَمّا ذَكَرَ المَأْكُولَ أوَّلًا وأتَمَّهُ بِذِكْرِ المَشْرُوبِ ثانِيًا قالَ: ﴿فَلَوْلا تَشْكُرُونَ﴾ عَلى هَذِهِ النِّعْمَةِ التّامَّةِ.

الواقعة 56:71

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أفَرَأيْتُمُ الماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ أنْزَلْتُمُوهُ مِنَ المُزْنِ أمْ نَحْنُ المُنْزِلُونَ﴾ ﴿لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجًا فَلَوْلا تَشْكُرُونَ﴾ . خَصَّهُ بِالذِّكْرِ لِأنَّهُ ألْطَفُ وأنْظَفُ، أوْ تَذْكِيرًا لَهم بِالإنْعامِ عَلَيْهِمْ، والمُزْنُ السَّحابُ الثَّقِيلُ بِالماءِ لا بِغَيْرِهِ مِن أنْواعِ العَذابِ يَدُلُّ عَلى ثِقَلِهِ قَلْبُ اللَّفْظِ وعَلى مُدافَعَةِ الأمْرِ وهو النَّزْمُ في بَعْضِ اللُّغاتِ السَّحابُ الَّذِي مَسَّ الأرْضَ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الأُجاجِ أنَّهُ الماءُ المُرُّ مِن شِدَّةِ المُلُوحَةِ، والظّاهِرُ أنَّهُ هو الحارُّ مِن أجِيجِ النّارِ كالحُطامِ مِنَ الحَطِيمِ، وقَدْ ذَكَرْناهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَذا عَذْبٌ فُراتٌ وهَذا مِلْحٌ أُجاجٌ﴾ [الفرقان: ٥٣] ذَكَرَ في الماءِ الطَّيِّبِ صِفَتَيْنِ إحْداهُما عائِدَةٌ إلى طَعْمِهِ والأُخْرى عائِدَةٌ إلى كَيْفِيَّةِ مَلْمَسِهِ وهي البُرُودَةُ واللَّطافَةُ، وفي الماءِ الآخَرِ أيْضًا صِفَتَيْنِ إحْداهُما عائِدَةٌ إلى طَعْمِهِ والأُخْرى عائِدَةٌ إلى كَيْفِيَّةِ مَلْمَسِهِ وهي الحَرارَةُ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَلَوْلا تَشْكُرُونَ﴾ لَمْ يَقُلْ عِنْدَ ذِكْرِ الطَّعامِ الشُّكْرَ وذَلِكَ لِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ في المَأْكُولِ أكْلَهم، فَلَمّا لَمْ يَقُلْ: تَأْكُلُونَ لَمْ يَقُلْ: تَشْكُرُونَ وقالَ في الماءِ: ﴿تَشْرَبُونَ﴾ فَقالَ: ﴿تَشْكُرُونَ﴾ . والثّانِي: أنَّ في المَأْكُولِ قالَ: ﴿تَحْرُثُونَ﴾ فَأثْبَتَ لَهم سَعْيًا فَلَمْ يَقُلْ: تَشْكُرُونَ وقالَ في الماءِ: ﴿أنْزَلْتُمُوهُ مِنَ المُزْنِ﴾ لا عَمَلَ لَكم فِيهِ أصْلًا فَهو مَحْضُ النِّعْمَةِ فَقالَ: ﴿فَلَوْلا تَشْكُرُونَ﴾ وفِيهِ وجْهٌ ثالِثٌ: وهو الأحْسَنُ أنْ يُقالَ: النِّعْمَةُ لا تَتِمُّ إلّا عِنْدَ الأكْلِ والشُّرْبِ ألا تَرى أنَّ في البَرارِيِّ الَّتِي لا يُوجَدُ فِيها الماءُ لا يَأْكُلُ الإنْسانُ شَيْئًا مَخافَةَ العَطَشِ، فَلَمّا ذَكَرَ المَأْكُولَ أوَّلًا وأتَمَّهُ بِذِكْرِ المَشْرُوبِ ثانِيًا قالَ: ﴿فَلَوْلا تَشْكُرُونَ﴾ عَلى هَذِهِ النِّعْمَةِ التّامَّةِ.

الواقعة 56:72

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أفَرَأيْتُمُ الماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ أنْزَلْتُمُوهُ مِنَ المُزْنِ أمْ نَحْنُ المُنْزِلُونَ﴾ ﴿لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجًا فَلَوْلا تَشْكُرُونَ﴾ . خَصَّهُ بِالذِّكْرِ لِأنَّهُ ألْطَفُ وأنْظَفُ، أوْ تَذْكِيرًا لَهم بِالإنْعامِ عَلَيْهِمْ، والمُزْنُ السَّحابُ الثَّقِيلُ بِالماءِ لا بِغَيْرِهِ مِن أنْواعِ العَذابِ يَدُلُّ عَلى ثِقَلِهِ قَلْبُ اللَّفْظِ وعَلى مُدافَعَةِ الأمْرِ وهو النَّزْمُ في بَعْضِ اللُّغاتِ السَّحابُ الَّذِي مَسَّ الأرْضَ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الأُجاجِ أنَّهُ الماءُ المُرُّ مِن شِدَّةِ المُلُوحَةِ، والظّاهِرُ أنَّهُ هو الحارُّ مِن أجِيجِ النّارِ كالحُطامِ مِنَ الحَطِيمِ، وقَدْ ذَكَرْناهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَذا عَذْبٌ فُراتٌ وهَذا مِلْحٌ أُجاجٌ﴾ [الفرقان: ٥٣] ذَكَرَ في الماءِ الطَّيِّبِ صِفَتَيْنِ إحْداهُما عائِدَةٌ إلى طَعْمِهِ والأُخْرى عائِدَةٌ إلى كَيْفِيَّةِ مَلْمَسِهِ وهي البُرُودَةُ واللَّطافَةُ، وفي الماءِ الآخَرِ أيْضًا صِفَتَيْنِ إحْداهُما عائِدَةٌ إلى طَعْمِهِ والأُخْرى عائِدَةٌ إلى كَيْفِيَّةِ مَلْمَسِهِ وهي الحَرارَةُ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَلَوْلا تَشْكُرُونَ﴾ لَمْ يَقُلْ عِنْدَ ذِكْرِ الطَّعامِ الشُّكْرَ وذَلِكَ لِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ في المَأْكُولِ أكْلَهم، فَلَمّا لَمْ يَقُلْ: تَأْكُلُونَ لَمْ يَقُلْ: تَشْكُرُونَ وقالَ في الماءِ: ﴿تَشْرَبُونَ﴾ فَقالَ: ﴿تَشْكُرُونَ﴾ . والثّانِي: أنَّ في المَأْكُولِ قالَ: ﴿تَحْرُثُونَ﴾ فَأثْبَتَ لَهم سَعْيًا فَلَمْ يَقُلْ: تَشْكُرُونَ وقالَ في الماءِ: ﴿أنْزَلْتُمُوهُ مِنَ المُزْنِ﴾ لا عَمَلَ لَكم فِيهِ أصْلًا فَهو مَحْضُ النِّعْمَةِ فَقالَ: ﴿فَلَوْلا تَشْكُرُونَ﴾ وفِيهِ وجْهٌ ثالِثٌ: وهو الأحْسَنُ أنْ يُقالَ: النِّعْمَةُ لا تَتِمُّ إلّا عِنْدَ الأكْلِ والشُّرْبِ ألا تَرى أنَّ في البَرارِيِّ الَّتِي لا يُوجَدُ فِيها الماءُ لا يَأْكُلُ الإنْسانُ شَيْئًا مَخافَةَ العَطَشِ، فَلَمّا ذَكَرَ المَأْكُولَ أوَّلًا وأتَمَّهُ بِذِكْرِ المَشْرُوبِ ثانِيًا قالَ: ﴿فَلَوْلا تَشْكُرُونَ﴾ عَلى هَذِهِ النِّعْمَةِ التّامَّةِ.

الواقعة 56:73

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أفَرَأيْتُمُ الماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ أنْزَلْتُمُوهُ مِنَ المُزْنِ أمْ نَحْنُ المُنْزِلُونَ﴾ ﴿لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجًا فَلَوْلا تَشْكُرُونَ﴾ . خَصَّهُ بِالذِّكْرِ لِأنَّهُ ألْطَفُ وأنْظَفُ، أوْ تَذْكِيرًا لَهم بِالإنْعامِ عَلَيْهِمْ، والمُزْنُ السَّحابُ الثَّقِيلُ بِالماءِ لا بِغَيْرِهِ مِن أنْواعِ العَذابِ يَدُلُّ عَلى ثِقَلِهِ قَلْبُ اللَّفْظِ وعَلى مُدافَعَةِ الأمْرِ وهو النَّزْمُ في بَعْضِ اللُّغاتِ السَّحابُ الَّذِي مَسَّ الأرْضَ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الأُجاجِ أنَّهُ الماءُ المُرُّ مِن شِدَّةِ المُلُوحَةِ، والظّاهِرُ أنَّهُ هو الحارُّ مِن أجِيجِ النّارِ كالحُطامِ مِنَ الحَطِيمِ، وقَدْ ذَكَرْناهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَذا عَذْبٌ فُراتٌ وهَذا مِلْحٌ أُجاجٌ﴾ [الفرقان: ٥٣] ذَكَرَ في الماءِ الطَّيِّبِ صِفَتَيْنِ إحْداهُما عائِدَةٌ إلى طَعْمِهِ والأُخْرى عائِدَةٌ إلى كَيْفِيَّةِ مَلْمَسِهِ وهي البُرُودَةُ واللَّطافَةُ، وفي الماءِ الآخَرِ أيْضًا صِفَتَيْنِ إحْداهُما عائِدَةٌ إلى طَعْمِهِ والأُخْرى عائِدَةٌ إلى كَيْفِيَّةِ مَلْمَسِهِ وهي الحَرارَةُ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَلَوْلا تَشْكُرُونَ﴾ لَمْ يَقُلْ عِنْدَ ذِكْرِ الطَّعامِ الشُّكْرَ وذَلِكَ لِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ في المَأْكُولِ أكْلَهم، فَلَمّا لَمْ يَقُلْ: تَأْكُلُونَ لَمْ يَقُلْ: تَشْكُرُونَ وقالَ في الماءِ: ﴿تَشْرَبُونَ﴾ فَقالَ: ﴿تَشْكُرُونَ﴾ . والثّانِي: أنَّ في المَأْكُولِ قالَ: ﴿تَحْرُثُونَ﴾ فَأثْبَتَ لَهم سَعْيًا فَلَمْ يَقُلْ: تَشْكُرُونَ وقالَ في الماءِ: ﴿أنْزَلْتُمُوهُ مِنَ المُزْنِ﴾ لا عَمَلَ لَكم فِيهِ أصْلًا فَهو مَحْضُ النِّعْمَةِ فَقالَ: ﴿فَلَوْلا تَشْكُرُونَ﴾ وفِيهِ وجْهٌ ثالِثٌ: وهو الأحْسَنُ أنْ يُقالَ: النِّعْمَةُ لا تَتِمُّ إلّا عِنْدَ الأكْلِ والشُّرْبِ ألا تَرى أنَّ في البَرارِيِّ الَّتِي لا يُوجَدُ فِيها الماءُ لا يَأْكُلُ الإنْسانُ شَيْئًا مَخافَةَ العَطَشِ، فَلَمّا ذَكَرَ المَأْكُولَ أوَّلًا وأتَمَّهُ بِذِكْرِ المَشْرُوبِ ثانِيًا قالَ: ﴿فَلَوْلا تَشْكُرُونَ﴾ عَلى هَذِهِ النِّعْمَةِ التّامَّةِ.

الواقعة 56:74

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أفَرَأيْتُمُ النّارَ الَّتِي تُورُونَ﴾ أيْ تَقْدَحُونَ ﴿أأنْتُمْ أنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أمْ نَحْنُ المُنْشِئُونَ﴾ وفي شَجَرَةِ النّارِ وجُوهٌ: أحَدُها: أنَّها الشَّجَرَةُ الَّتِي تُورِي النّارَ مِنها بِالزَّنْدِ والزَّنْدَةِ كالمَرْخِ. وثانِيها: الشَّجَرَةُ الَّتِي تَصْلُحُ لِإيقادِ النّارِ كالحَطَبِ فَإنَّها لَوْ لَمْ تَكُنْ لَمْ يَسْهُلْ إيقادُ النّارِ؛ لَأنَّ النّارَ لا تَتَعَلَّقُ بِكُلِّ شَيْءٍ كَما تَتَعَلَّقُ بِالحَطَبِ. وثالِثُها: أُصُولُ شَعْلِها ووَقُودُ شَجَرَتِها ولَوْلا كَوْنُها ذاتَ شَعْلٍ لَما صَلَحَتْ لِإنْضاجِ الأشْياءِ والباقِي ظاهِرٌ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً ومَتاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾ في قَوْلِهِ: ﴿تَذْكِرَةً﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: تَذْكِرَةً لِنارِ القِيامَةِ فَيَجِبُ عَلى العاقِلِ أنْ يَخْشى اللَّهَ تَعالى وعَذابَهُ إذا رَأى النّارَ المُوقَدَةَ. وثانِيهِما: تَذْكِرَةً بِصِحَّةِ البَعْثِ؛ لِأنَّ مَن قَدَرَ عَلى إيداعِ النّارِ في الشَّجَرِ الأخْضَرِ لا يَعْجِزُ عَنْ إيداعِ الحَرارَةِ الغَرِيزِيَّةِ في بَدَنِ المَيِّتِ وقَدْ ذَكَرْناهُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكم مِنَ الشَّجَرِ الأخْضَرِ نارًا﴾ [يس: ٨٠] والمُقْوِي: هو الَّذِي صفحة ١٦١ أوْقَدَهُ فَقَوّاهُ وزادَهُ وفِيهِ لَطِيفَةٌ: وهو أنَّهُ تَعالى قَدَّمَ كَوْنَها تَذْكِرَةً عَلى كَوْنِها مَتاعًا لِيُعْلَمَ أنَّ الفائِدَةَ الأُخْرَوِيَّةَ أتَمُّ وبِالذِّكْرِ أهَمُّ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: في وجْهِ تَعَلُّقِهِ بِما قَبْلَهُ ؟ نَقُولُ: لَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى حالَ المُكَذِّبِينَ بِالحَشْرِ والوَحْدانِيَّةِ ذَكَرَ الدَّلِيلَ عَلَيْهِما بِالخَلْقِ والرِّزْقِ ولَمْ يُفِدْهُمُ الإيمانُ، قالَ لِنَبِيِّهِ ﷺ إنَّ وظِيفَتَكَ أنْ تَكْمُلَ في نَفْسِكَ وهو عِلْمُكَ بِرَبِّكَ وعَمَلُكَ لِرَبِّكَ: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ وقَدْ ذَكَرْنا ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ﴾ [طه: ١٣٠] في مَوْضِعٍ آخَرَ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: التَّسْبِيحُ التَّنْزِيهُ عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ فَما فائِدَةُ ذِكْرِ الِاسْمِ ولَمْ يَقُلْ: فَسَبِّحْ بِرَبِّكَ العَظِيمِ ؟ فَنَقُولُ الجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: هو المَشْهُورُ وهو أنَّ الِاسْمَ مُقْحَمٌ، وعَلى هَذا الجَوابِ فَنَقُولُ: فِيهِ فائِدَةٌ زِيادَةُ التَّعْظِيمِ؛ لِأنَّ مَن عَظَّمَ عَظِيمًا وبالَغَ في تَعْظِيمِهِ لَمْ يَذْكُرِ اسْمَهُ إلّا وعَظَّمَهُ، فَلا يَذْكُرُ اسْمَهُ في مَوْضِعٍ وضِيعٍ ولا عَلى وجْهِ الِاتِّفاقِ كَيْفَما اتَّفَقَ، وذَلِكَ لِأنَّ مَن يُعَظِّمُ شَخْصًا عِنْدَ حُضُورِهِ رُبَّما لا يُعَظِّمُهُ عِنْدَ غَيْبَتِهِ فَيَذْكُرُهُ بِاسْمِ عَلَمِهِ، فَإنْ كانَ بِمَحْضَرٍ مِنهُ لا يَقُولُ ذَلِكَ، فَإذا عَظُمَ عِنْدَهُ لا يَذْكُرُهُ في حُضُورِهِ وغَيْبَتِهِ إلّا بِأوْصافِ العَظَمَةِ، فَإنْ قِيلَ: فَعَلى هَذا فَما فائِدَةُ الباءِ وكَيْفَ صارَ ذَلِكَ، ولَمْ يَقُلْ: فَسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ العَظِيمِ، أوِ الرَّبَّ العَظِيمَ، نَقُولُ: قَدْ تَقَدَّمَ مِرارًا أنَّ الفِعْلَ إذا كانَ تَعَلُّقُهُ بِالمَفْعُولِ ظاهِرًا غايَةَ الظُّهُورِ لا يَتَعَدّى إلَيْهِ بِحَرْفٍ فَلا يُقالُ: ضَرَبْتُ بِزَيْدٍ بِمَعْنى ضَرَبْتُ زَيْدًا، وإذا كانَ في غايَةِ الخَفاءِ لا يَتَعَدّى إلَيْهِ إلّا بِحَرْفٍ فَلا يُقالُ: ذَهَبْتُ زَيْدًا بِمَعْنى ذَهَبْتُ بِزَيْدٍ، وإذا كانَ بَيْنَهُما جازَ الوَجْهانِ فَنَقُولُ: سَبَّحْتُهُ وسَبَّحْتُ بِهِ وشَكَرْتُهُ وشَكَرْتُ لَهُ، إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: لَمّا عَلَّقَ التَّسْبِيحَ بِالِاسْمِ وكانَ الِاسْمُ مُقْحَمًا كانَ التَّسْبِيحُ في الحَقِيقَةِ مُتَعَلِّقًا بِغَيْرِهِ وهو الرَّبُّ وكانَ التَّعَلُّقُ خَفِيًّا مِن وجْهٍ فَجازَ إدْخالُ الباءِ، فَإنْ قِيلَ: إذا جازَ الإسْقاطُ والإثْباتُ فَما الفَرْقُ بَيْنَ هَذا المَوْضِعِ وبَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ ؟ فَنَقُولُ: هَهُنا تَقْدِيمُ الدَّلِيلِ عَلى العَظَمَةِ أنْ يُقالَ: الباءُ في قَوْلِهِ: ﴿بِاسْمِ﴾ غَيْرُ زائِدَةٍ، وتَقْرِيرُهُ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ الأُمُورَ وقالَ: نَحْنُ أمْ أنْتُمْ، فاعْتَرَفَ الكُلُّ بِأنَّ الأُمُورَ مِنَ اللَّهِ، وإذا طُولِبُوا بِالوَحْدانِيَّةِ قالُوا: نَحْنُ لا نُشْرِكُ في المَعْنى وإنَّما نَتَّخِذُ أصْنامًا آلِهَةً في الِاسْمِ ونُسَمِّيها آلِهَةً، والَّذِي خَلَقَها وخَلَقَ السَّماواتِ هو اللَّهُ فَنَحْنُ نُنَزِّهُهُ في الحَقِيقَةِ فَقالَ: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ وكَما أنَّكَ أيُّها العاقِلُ اعْتَرَفْتَ بِعَدَمِ اشْتِراكِهِما في الحَقِيقَةِ اعْتَرِفْ بِعَدَمِ اشْتِراكِهِما في الِاسْمِ، ولا تَقُلْ لِغَيْرِهِ إلَهٌ، فَإنَّ الِاسْمَ يَتْبَعُ المَعْنى والحَقِيقَةَ، وعَلى هَذا فالخِطابُ لا يَكُونُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بَلْ يَكُونُ كَما يَقُولُ الواعِظُ: يا مِسْكِينُ أفْنَيْتَ عُمُرَكَ وما أصْلَحْتَ عَمَلَكَ، ولا يُرِيدُ أحَدًا بِعَيْنِهِ، وتَقْدِيرُهُ يا أيُّها المِسْكِينُ السّامِعُ. وثانِيهِما: أنْ يَكُونَ المُرادُ بِذِكْرِ رَبِّكَ، أيْ إذا قُلْتَ: وتَوَلَّوْا، فَسَبِّحْ رَبَّكَ بِذِكْرِ اسْمِهِ بَيْنَ قَوْمِكَ واشْتَغِلْ بِالتَّبْلِيغِ، والمَعْنى اذْكُرْهُ بِاللِّسانِ والقَلْبِ وبَيِّنْ وصْفَهُ لَهم وإنْ لَمْ يَقْبَلُوا فَإنَّكَ مُقْبِلٌ عَلى شُغْلِكَ الَّذِي هو التَّبْلِيغُ، ولَوْ قالَ: فَسَبِّحْ رَبَّكَ، ما أفادَ الذِّكْرَ لَهم، وكانَ يُنْبِئُ عَنِ التَّسْبِيحِ بِالقَلْبِ، ولَمّا قالَ: فَسَبِّحْ باسْمِ رَبِّكَ، والِاسْمُ هو الَّذِي يُذْكَرُ لَفْظًا، دَلَّ عَلى أنَّهُ مَأْمُورٌ بِالذِّكْرِ اللِّسانِيِّ ولَيْسَ لَهُ أنْ يَقْتَصِرَ عَلى الذِّكْرِ القَلْبِيِّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: فَسَبِّحْ مُبْتَدِئًا بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ فَلا تَكُونُ الباءُ زائِدَةً. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: كَيْفَ يُسَبَّحُ رَبُّنا؟ نَقُولُ: إمّا مَعْنًى، فَبِأنْ يُعْتَقَدَ فِيهِ أنَّهُ واحِدٌ مُنَزَّهٌ عَنِ الشَّرِيكِ وقادِرٌ صفحة ١٦٢ بَرِيءٌ عَنِ العَجْزِ فَلا يَعْجِزُ عَنِ الحَشْرِ، وإمّا لَفْظًا فَبِأنْ يُقالَ: سُبْحانَ اللَّهِ وسُبْحانَ اللَّهِ العَظِيمِ، وسُبْحانَهُ عَمّا يُشْرِكُونَ أوْ ما يَقُومُ مَقامَهُ مِنَ الكَلامِ الدّالِّ عَلى تَنْزِيهِهِ عَنِ الشَّرِيكِ والعَجْزِ فَإنَّكَ إذا سَبَّحْتَهُ واعْتَقَدْتَ أنَّهُ واحِدٌ مُنَزَّهٌ عَنْ كُلِّ ما لا يَجُوزُ في حَقِيقَتِهِ، لَزِمَ أنْ لا يَكُونَ جِسْمًا؛ لِأنَّ الجِسْمَ فِيهِ أشْياءُ كَثِيرَةٌ وهو واحِدٌ حَقِيقِيٌّ لا كَثْرَةَ لِذاتِهِ، ولا يَكُونُ عَرَضًا ولا في مَكانٍ، وكُلُّ ما لا يَجُوزُ لَهُ يَنْتَفِي عَنْهُ بِالتَّوْحِيدِ ولا يَكُونُ عَلى شَيْءٍ، ولا في شَيْءٍ، ولا عَنْ شَيْءٍ، وإذا قُلْتَ: هو قادِرٌ ثَبَتَ لَهُ العِلْمُ والإرادَةُ والحَياةُ وغَيْرُها مِنَ الصِّفاتِ وسَنَذْكُرُ ذَلِكَ في تَفْسِيرِ سُورَةِ الإخْلاصِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: ما الفَرْقُ بَيْنَ العَظِيمِ وبَيْنَ الأعْلى، وهَلْ في ذِكْرِ ﴿العَظِيمِ﴾ هُنا بَدَلَ ﴿الأعْلى﴾ وذِكْرِ ﴿الأعْلى﴾ في قَوْلِهِ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ بَدَلَ العَظِيمِ فائِدَةٌ ؟ نَقُولُ: أمّا الفَرْقُ بَيْنَ العَظِيمِ والأعْلى فَهو أنَّ العَظِيمَ يَدُلُّ عَلى القُرْبِ، والأعْلى يَدُلُّ عَلى البُعْدِ، بَيانُهُ هو أنَّ ما عَظُمَ مِنَ الأشْياءِ المُدْرَكَةِ بِالحِسِّ قَرِيبٌ مِن كُلِّ مُمْكِنٍ؛ لِأنَّهُ لَوْ بَعُدَ عَنْهُ لَخَلا عَنْهُ مَوْضِعُهُ، فَلَوْ كانَ فِيهِ أجْزاءٌ أُخَرُ لَكانَ أعْظَمَ مِمّا هو عَلَيْهِ فالعَظِيمُ بِالنِّسْبَةِ إلى الكُلِّ هو الَّذِي يَقْرُبُ مِنَ الكُلِّ، وأمّا الصَّغِيرُ إذا قَرُبَ مِن جِهَةٍ فَقَدْ بَعُدَ عَنْ أُخْرى، وأمّا العَلِيُّ فَهو البَعِيدُ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ؛ لِأنَّ ما قَرُبَ مِن شَيْءٍ مِن جِهَةِ فَوْقُ يَكُونُ أبْعَدَ مِنهُ وكانَ أعْلى، فالعَلِيُّ المُطْلَقُ بِالنِّسْبَةِ إلى كُلِّ شَيْءٍ هو الَّذِي في غايَةِ البُعْدِ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ، إذا عَرَفْتَ هَذا فالأشْياءُ المُدْرِكَةُ تُسَبِّحُ اللَّهَ، وإذا عَلِمْنا مِنَ اللَّهِ مَعْنًى سَلْبِيًّا، فَصَحَّ أنْ نَقُولَ: هو أعْلى مِن أنْ يُحِيطَ بِهِ إدْراكُنا، وإذا عَلِمْنا مِنهُ وصْفًا ثُبُوتِيًّا مِن عِلْمٍ وقُدْرَةٍ يُزِيدُ تَعْظِيمَهُ أكْثَرَ مِمّا وصَلَ إلَيْهِ عِلْمُنا، فَنَقُولُ: هو أعْظَمُ وأعْلى مِن أنْ يُحِيطَ بِهِ عِلْمُنا، وقَوْلُنا: أعْظَمُ مَعْناهُ عَظِيمٌ لا عَظِيمَ مِثْلُهُ، فَفِيهِ مَفْهُومٌ سَلْبِيٌّ ومَفْهُومٌ ثُبُوتِيٌّ، وقَوْلُهُ: أعْلى، مَعْناهُ هو عَلِيٌّ ولا عَلِيَّ مِثْلُهُ، والعَلِيُّ إشارَةٌ إلى مَفْهُومٍ سَلْبِيٍّ والأعْلى مِثْلُهُ بِسَبَبٍ آخَرَ، فالأعْلى مُسْتَعْمَلٌ عَلى حَقِيقَتِهِ لَفْظًا ومَعْنًى، والأعْظَمُ مُسْتَعْمَلٌ عَلى حَقِيقَتِهِ لَفْظًا، وفِيهِ مَعْنًى سَلْبِيٌّ، وكَأنَّ الأصْلَ في العَظِيمِ مَفْهُومٌ ثُبُوتِيٌّ لا سَلْبَ فِيهِ فالأعْلى أحْسَنُ اسْتِعْمالًا مِنَ الأعْظَمِ، هَذا هو الفَرْقُ.

الواقعة 56:75

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ﴾ ﴿وإنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: في التَّرْتِيبِ ووَجْهُهُ هو أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا أرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدى ودِينِ الحَقِّ آتاهُ كُلَّ ما يَنْبَغِي لَهُ وطَهَّرَهُ عَنْ كُلِّ ما لا يَنْبَغِي لَهُ، فَآتاهُ الحِكْمَةَ وهي البَراهِينُ القاطِعَةُ واسْتِعْمالُها عَلى وُجُوهِها، والمَوْعِظَةَ الحَسَنَةَ وهي الأُمُورُ المُفِيدَةُ المُرَقِّقَةُ لِلْقُلُوبِ المُنَوِّرَةُ لِلصُّدُورِ، والمُجادَلَةَ الَّتِي هي عَلى أحْسَنِ الطُّرُقِ فَأتى بِها وعَجَزَ الكُلُّ عَنْ مُعارَضَتِهِ بِشَيْءٍ ولَمْ يُؤْمِنُوا، والَّذِي يُتْلى عَلَيْهِ كُلُّ ذَلِكَ ولا يُؤْمِنُ لا يَبْقى لَهُ غَيْرَ أنَّهُ يَقُولُ: هَذا البَيانُ لَيْسَ لِظُهُورِ المُدَّعى بَلْ لِقُوَّةِ ذِهْنِ المُدَّعِي وقُوَّتِهِ عَلى تَرْكِيبِ الأدِلَّةِ وهو يَعْلَمُ أنَّهُ يَغْلِبُ بِقُوَّةِ جِدالِهِ لا بِظُهُورِ مَقالِهِ ورُبَّما يَقُولُ أحَدُ المُناظِرَيْنِ لِلْآخَرِ عِنْدَ انْقِطاعِهِ: أنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الحَقَّ بِيَدِي لَكِنْ تَسْتَضْعِفُنِي ولا تُنْصِفُنِي، وحِينَئِذٍ لا يَبْقى لِلْخَصْمِ جَوابٌ غَيْرَ القَسَمِ بِالأيْمانِ الَّتِي لا مَخارِجَ عَنْها أنَّهُ غَيْرُ مُكابِرٍ وأنَّهُ مُنْصِفٌ، وذَلِكَ لِأنَّهُ لَوْ أتى بِدَلِيلٍ آخَرَ لَكانَ لَهُ أنْ يَقُولَ: وهَذا الدَّلِيلُ أيْضًا غَلَبْتَنِي فِيهِ بِقُوَّتِكَ وقُدْرَتِكَ، فَكَذَلِكَ النَّبِيُّ ﷺ لَمّا آتاهُ اللَّهُ جَلَّ وعَزَّ ما يَنْبَغِي قالُوا: إنَّهُ يُرِيدُ التَّفَضُّلَ عَلَيْنا وهو يُجادِلُنا فِيما يَعْلَمُ صفحة ١٦٣ خِلافَهُ، فَلَمْ يَبْقَ لَهُ إلّا أنْ يُقْسِمَ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ أنْواعًا مِنَ القَسَمِ بَعْدَ الدَّلائِلِ، ولِهَذا كَثُرَتِ الأيْمانُ في أوائِلِ التَّنْزِيلِ وفي السُّبُعِ الأخِيرِ خاصَّةً. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في تَعَلُّقِ الباءِ، نَقُولُ: إنَّهُ لَمّا بَيَّنَ أنَّهُ خالِقُ الخَلْقِ والرِّزْقِ ولَهُ العَظَمَةُ بِالدَّلِيلِ القاطِعِ ولَمْ يُؤْمِنُوا قالَ: لَمْ يَبْقَ إلّا القَسَمُ فَأُقْسِمُ بِاللَّهِ إنِّي لَصادِقٌ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ما المَعْنى مِن قَوْلِهِ: ﴿فَلا أُقْسِمُ﴾ مَعَ أنَّكَ تَقُولُ: إنَّهُ قَسَمٌ ؟ نَقُولُ: فِيهِ وُجُوهٌ مَنقُولَةٌ ومَعْقُولَةٌ غَيْرُ مُخالِفَةٍ لِلنَّقْلِ، أمّا المَنقُولُ: فَأحَدُها: أنَّ (لا) زائِدَةٌ مِثْلُها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِئَلّا يَعْلَمَ﴾ [الحديد: ٢٩] مَعْناهُ لِيَعْلَمَ. ثانِيها: أصْلُها لَأُقْسِمُ بِلامِ التَّأْكِيدِ أُشْبِعَتْ فَتْحَتُها فَصارَتْ لا كَما في الوَقْفِ. ثالِثُها: لا نافِيَةٌ وأصْلُهُ عَلى مَقالَتِهِمْ والقَسَمُ بَعْدَها كَأنَّهُ قالَ: لا، واللَّهِ لا صِحَّةَ لِقَوْلِ الكُفّارِ أُقْسِمُ عَلَيْهِ، أمّا المَعْقُولُ فَهو أنَّ كَلِمَةَ لا هي نافِيَةٌ عَلى مَعْناها غَيْرَ أنَّ في الكَلامِ مَجازًا تَرْكِيبِيًّا، وتَقْدِيرُهُ أنْ نَقُولَ: لا في النَّفْيِ هُنا كَهي في قَوْلِ القائِلِ: لا تَسْألْنِي عَمّا جَرى عَلَيَّ، يُشِيرُ إلى أنَّ ما جَرى عَلَيْهِ أعْظَمُ مِن أنْ يُشْرَحَ فَلا يَنْبَغِي أنْ يَسْألَهُ، فَإنَّ غَرَضَهُ مِنَ السُّؤالِ لا يَحْصُلُ ولا يَكُونُ غَرَضُهُ مِن ذَلِكَ النَّهْيِ إلّا بَيانَ عَظَمَةِ الواقِعَةِ، ويَصِيرُ كَأنَّهُ قالَ: جَرى عَلَيَّ أمْرٌ عَظِيمٌ. ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّ السّامِعَ يَقُولُ لَهُ: ماذا جَرى عَلَيْكَ ؟ ولَوْ فَهِمَ مِن حَقِيقَةِ كَلامِهِ النَّهْيَ عَنِ السُّؤالِ لَما قالَ: ماذا جَرى عَلَيْكَ، فَيَصِحُّ مِنهُ أنْ يَقُولَ: أخْطَأْتُ حَيْثُ مَنَعْتُكَ عَنِ السُّؤالِ، ثُمَّ سَألْتَنِي وكَيْفَ لا وكَثِيرًا ما يَقُولُ ذَلِكَ القائِلُ الَّذِي قالَ: لا تَسْألْنِي عِنْدَ سُكُوتِ صاحِبِهِ عَنِ السُّؤالِ، أوْ لا تَسْألْنِي، ولا تَقُولُ: ماذا جَرى عَلَيْكَ ولا يَكُونُ لِلسّامِعِ أنْ يَقُولَ: إنَّكَ مَنَعْتَنِي عَنِ السُّؤالِ كُلُّ ذَلِكَ تَقَرَّرَ في أفْهامِهِمْ أنَّ المُرادَ تَعْظِيمُ الواقِعَةِ لا النَّهْيُ، إذا عُلِمَ هَذا فَنَقُولُ في القَسَمِ مِثْلُ هَذا مَوْجُودٌ مِن أحَدِ وجْهَيْنِ: إمّا لِكَوْنِ الواقِعَةِ في غايَةِ الظُّهُورِ، فَيَقُولُ: لا أُقْسِمُ بِأنَّهُ عَلى هَذا الأمْرِ؛ لِأنَّهُ أظْهَرُ مِن أنْ يُشْهَرَ، وأكْثَرُ مِن أنْ يُنْكَرَ، فَيَقُولُ: لا أُقْسِمُ ولا يُرِيدُ بِهِ القَسَمَ ونَفْيَهُ، وإنَّما يُرِيدُ الإعْلامَ بِأنَّ الواقِعَةَ ظاهِرَةٌ. وإمّا لِكَوْنِ المُقْسَمِ بِهِ فَوْقَ ما يُقْسِمُ بِهِ، والمُقْسِمُ صارَ يُصَدِّقُ نَفْسَهُ فَيَقُولُ لا أُقْسِمُ يَمِينًا بَلْ ألْفَ يَمِينٍ، ولا أُقْسِمُ بِرَأْسِ الأمِيرِ بَلْ بِرَأْسِ السُّلْطانِ، ويَقُولُ: لا أُقْسِمُ بِكَذا مُرِيدًا لِكَوْنِهِ في غايَةِ الجَزْمِ. والثّانِي: يَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّ هَذِهِ الصِّيغَةَ لَمْ تَرِدْ في القُرْآنِ، والمُقْسَمُ بِهِ هو اللَّهُ تَعالى أوْ صِفَةٌ مِن صِفاتِهِ، وإنَّما جاءَتْ أُمُورٌ مَخْلُوقَةٌ والأوَّلُ لا يَرِدُ عَلَيْهِ إشْكالٌ إنْ قُلْنا إنَّ المُقْسَمَ بِهِ في جَمِيعِ المَواضِعِ رَبُّ الأشْياءِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿والصّافّاتِ﴾ [الصافات: ١] المُرادُ مِنهُ رَبُّ الصّافّاتِ ورَبُّ القِيامَةِ ورَبُّ الشَّمْسِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ فَإذًا قَوْلُهُ: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ﴾ أيْ: الأمْرُ أظْهَرُ مِن أنْ يُقْسَمَ عَلَيْهِ، وأنْ يَتَطَرَّقَ الشَّكُّ إلَيْهِ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: مَواقِعُ النُّجُومِ ما هي ؟ فَنَقُولُ: فِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: المَشارِقُ والمَغارِبُ أوِ المَغارِبُ وحْدَها، فَإنَّ عِنْدَها سُقُوطَ النُّجُومِ. الثّانِي: هي مَواضِعُها في السَّماءِ في بُرُوجِها ومَنازِلِها. الثّالِثُ: مَواقِعُها في اتِّباعِ الشَّياطِينِ عِنْدَ المُزاحَمَةِ. الرّابِعُ: مَواقِعُها يَوْمَ القِيامَةِ حِينَ تَنْتَثِرُ النُّجُومُ، وأمّا مَواقِعُ نُجُومِ القُرْآنِ فَهي قُلُوبُ عِبادِهِ ومَلائِكَتِهِ ورُسُلِهِ وصالِحِي المُؤْمِنِينَ، أوْ مَعانِيها وأحْكامُها الَّتِي ورَدَتْ فِيها. المَسْألَةُ الخامِسَةُ: هَلْ في اخْتِصاصِ مَواقِعِ النُّجُومِ لِلْقَسَمِ بِها فائِدَةٌ ؟ قُلْنا: نَعَمْ فائِدَةٌ جَلِيلَةٌ، وبَيانُها أنّا قَدْ ذَكَرْنا أنَّ القَسَمَ بِمَواقِعِها كَما هي قَسَمٌ كَذَلِكَ هي مِنَ الدَّلائِلِ، وقَدْ بَيَّنّاهُ في الذّارِياتِ، وفي الطُّورِ، وفي النَّجْمِ، وغَيْرِها، فَنَقُولُ: هي هُنا أيْضًا كَذَلِكَ، وذَلِكَ مِن حَيْثُ إنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا ذَكَرَ خَلْقَ الآدَمِيِّ مِنَ المَنِيِّ صفحة ١٦٤ ومَوْتَهُ، بَيَّنَ بِإشارَتِهِ إلى إيجادِ الضِّدَّيْنِ في الأنْفُسِ قُدْرَتِهِ واخْتِيارِهِ، ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ دَلِيلًا مِن دَلائِلِ الأنْفُسِ ذَكَرَ مِن دَلائِلِ الآفاقِ أيْضًا قُدْرَتَهُ واخْتِيارَهُ، فَقالَ: ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ﴾ [الواقعة: ٦٣] ﴿أفَرَأيْتُمُ الماءَ﴾ [الواقعة: ٦٨] إلى غَيْرِ ذَلِكَ، وذَكَرَ قُدْرَتَهُ عَلى زَرْعِهِ وجَعْلِهِ حُطامًا، وخَلْقِهِ الماءَ فُراتًا عَذْبًا، وجَعْلِهِ أُجاجًا، إشارَةً إلى أنَّ القادِرَ عَلى الضِّدَّيْنِ مُخْتارٌ، ولَمْ يَكُنْ ذَكَرَ مِنَ الدَّلائِلِ السَّماوِيَّةِ شَيْئًا، فَذَكَرَ الدَّلِيلَ السَّماوِيَّ في مَعْرِضِ القَسَمِ، وقالَ: مَواقِعُ النُّجُومِ، فَإنَّها أيْضًا دَلِيلُ الِاخْتِيارِ؛ لِأنَّ كَوْنَ كُلِّ واحِدٍ في مَوْضِعٍ مِنَ السَّماءِ دُونَ غَيْرِهِ مِنَ المَواضِعِ مَعَ اسْتِواءِ المَواضِعِ في الحَقِيقَةِ دَلِيلُ فاعِلٍ مُخْتارٍ، فَقالَ: ﴿بِمَواقِعِ النُّجُومِ﴾ لَيْسَ إلى البَراهِينِ النَّفْسِيَّةِ والآفاقِيَّةِ بِالذِّكْرِ كَما قالَ تَعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الآفاقِ وفي أنْفُسِهِمْ﴾ [فصلت: ٥٣] وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وفِي الأرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ﴾ ﴿وفِي أنْفُسِكم أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ ﴿وفِي السَّماءِ رِزْقُكم وما تُوعَدُونَ﴾ [الذاريات: ٢١] حَيْثُ ذَكَرَ الأنْواعَ الثَّلاثَةَ كَذَلِكَ هُنا، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ والضَّمِيرُ عائِدٌ إلى القَسَمِ الَّذِي يَتَضَمَّنُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ﴾ فَإنَّهُ يَتَضَمَّنُ ذِكْرَ المَصْدَرِ، ولِهَذا تُوصَفُ المَصادِرُ الَّتِي لَمْ تَظْهَرُ بَعْدَ الفِعْلِ، فَيُقالُ: ضَرَبْتُهُ قَوِيًّا، وفِيهِ مَسائِلُ نَحْوِيَّةٌ ومَعْنَوِيَّةٌ، أمّا النَّحْوِيَّةُ: فالمَسْألَةُ الأُولى: هو أنْ يُقالَ: جَوابُ ﴿لَوْ تَعْلَمُونَ﴾ ماذا ؟ ورُبَّما يَقُولُ بَعْضُ مَن لا يَعْلَمُ: إنَّ جَوابَهُ ما تَقَدَّمَ وهو فاسِدٌ في جَمِيعِ المَواضِعِ؛ لِأنَّ جَوابَ الشَّرْطِ لا يَتَقَدَّمُ، وذَلِكَ لِأنَّ عَمَلَ الحُرُوفِ في مَعْمُولاتِها لا يَكُونُ قَبْلَ وُجُودِها، فَلا يُقالُ: زَيْدًا إنْ قامَ ولا غَيْرُهُ مِنَ الحُرُوفِ والسِّرُّ فِيهِ أنَّ عَمَلَ الحُرُوفِ مُشَبَّهٌ بِعَمَلِ المَعانِي، ويُمَيِّزُ بَيْنَ الفاعِلِ والمَفْعُولِ وغَيْرِهِما، فَإذا كانَ العامِلُ مَعْنًى لا مَوْضِعَ لَهُ في الحِسِّ فَيُعْلَمُ تَقَدُّمُهُ وتَأخُّرُ مُدْرَكٍ بِالحِسِّ، جازَ أنْ يُقالَ: قائِمًا ضَرَبْتُ زَيْدًا، أوْ ضَرْبًا شَدِيدًا ضَرْبَتُهُ، وأمّا الحُرُوفُ فَلَها تَقَدُّمٌ وتَأخُّرٌ مُدْرَكٌ بِالحِسِّ فَلَمْ يُمْكِنْ بَعْدَ عِلْمِنا بِتَأخُّرِها فَرْضُ وُجُودِها مُتَقَدِّمَةً بِخِلافِ المَعانِي، إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: عَمَلُ حَرْفِ الشَّرْطِ في المَعْنى إخْراجُ كُلِّ واحِدَةٍ مِنَ الجُمْلَتَيْنِ عَنْ كَوْنِها جُمْلَةً مُسْتَقِلَّةً، فَإذا قُلْتَ: مَن، وإنْ، لا يُمْكِنُ إخْراجُ الجُمْلَةِ الأُولى عَنْ كَوْنِها جُمْلَةً بَعْدِ وُقُوعِها جُمَلٌ، لِيُعْلَمَ أنَّ حَرْفَها أضْعَفُ مِن عَمَلِ المَعْنى لِتَوَقُّفِهِ عَلى عَمَلِهِ مَعَ أنَّ المَعْنى أمْكَنَ فَرْضُهُ مُتَقَدِّمًا ومُتَأخِّرًا وعَمَلُ الأفْعالِ عَمَلٌ مَعْنَوِيٌّ، وعَمَلُ الحُرُوفِ عَمَلٌ مُشَبَّهٌ بِالمَعْنى، إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وهَمَّ بِها لَوْلا أنْ رَأى﴾ [يوسف: ٢٤] قالَ بَعْضُ الوُعّاظِ مُتَعَلِّقٌ بِلَوْلا، فَلا يَكُونُ الهَمُّ وقَعَ مِنهُ، وهو باطِلٌ لِما ذَكَرْنا، وهُنا أدْخَلُ في البُطْلانِ؛ لِأنَّ المُتَقَدِّمَ لا يَصْلُحُ جَزاءً لِلْمُتَأخِّرِ، فَإنَّ مَن قالَ: لَوْ تَعْلَمُونَ إنَّ زَيْدًا لَقائِمٌ، لَمْ يَأْتِ بِالعَرَبِيَّةِ، إذا تَبَيَّنَ هَذا فالقَوْلُ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يُقالَ: الجَوابُ مَحْذُوفٌ بِالكُلِّيَّةِ لَمْ يُقْصَدْ بِذَلِكَ جَوابٌ، وإنَّما يُرادُ نَفْيُ ما دَخَلَتْ عَلَيْهِ لَوْ، وكَأنَّهُ قالَ: وإنَّهُ لَقَسَمٌ لا تَعْلَمُونَ، وتَحْقِيقُهُ أنَّ لَوْ تُذْكَرُ لِامْتِناعِ الشَّيْءِ لِامْتِناعِ غَيْرِهِ، فَلا بُدَّ مِنَ انْتِفاءِ الأوَّلِ، فَإدْخالُ لَوْ عَلى تَعْلَمُونَ أفادَنا أنَّ عِلْمَهم مُنْتَفٍ، سَواءٌ عَلِمْنا الجَوابَ أوْ لَمْ نَعْلَمْ، وهو كَقَوْلِهِمْ في الفِعْلِ المُتَعَدِّي فُلانٌ يُعْطِي ويَمْنَعُ، حَيْثُ لا يُقْصَدُ بِهِ مَفْعُولٌ، وإنَّما يُرادُ إثْباتُ القُدْرَةِ، وعَلى هَذا إنْ قِيلَ: فَما فائِدَةُ العُدُولِ إلى غَيْرِ الحَقِيقَةِ، وتَرْكِ قَوْلِهِ: إنَّهُ لَقَسَمٌ ولا تَعْلَمُونَ ؟ فَنَقُولُ: فائِدَتُهُ تَأْكِيدُ النَّفْيِ؛ لِأنَّ مَن قالَ: لَوْ تَعْلَمُونَ كانَ ذَلِكَ دَعْوى مِنهُ، فَإذا طُولِبَ وقِيلَ: لِمَ قُلْتَ: إنّا لا نَعْلَمُ يَقُولُ: لَوْ تَعْلَمُونَ لَفَعَلْتُمْ كَذا، فَإذا قالَ في ابْتِداءِ الأمْرِ: لا تَعْلَمُونَ كانَ مُرِيدًا لِلنَّفْيِ، فَكَأنَّهُ قالَ: أقُولُ: إنَّكم لا تَعْلَمُونَ قَوْلًا مِن غَيْرِ تَعَلُّقٍ بِدَلِيلٍ وسَبَبٍ. وثانِيهِما: أنْ يَكُونَ لَهُ جَوابٌ تَقْدِيرُهُ: لَوْ تَعْلَمُونَ لَعَظَّمْتُمُوهُ لَكِنَّكم ما عَظَّمْتُمُوهُ، فَعُلِمَ أنَّكم لا تَعْلَمُونَ، إذْ لَوْ تَعْلَمُونَ لَعَظُمَ في أعْيُنِكم، ولا تَعْظِيمَ فَلا تَعْلَمُونَ. صفحة ١٦٥ المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: إنْ قِيلَ قَوْلُهُ: ﴿لَوْ تَعْلَمُونَ﴾ هَلْ لَهُ مَفْعُولٌ أمْ لا ؟ قُلْنا: عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ لا مَفْعُولَ لَهُ، كَما في قَوْلِهِمْ: فُلانٌ يُعْطِي ويَمْنَعُ، وكَأنَّهُ قالَ: لا عِلْمَ لَكم، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: لا عِلْمَ لَكم بِعِظَمِ القَسَمِ، فَيَكُونُ لَهُ مَفْعُولٌ، والأوَّلُ أبْلَغُ وأدْخَلُ في الحُسْنِ؛ لِأنَّهم لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا أصْلًا؛ لِأنَّهم لَوْ عَلِمُوا لَكانَ أوْلى الأشْياءِ بِالعِلْمِ هَذِهِ الأُمُورُ الظّاهِرَةُ بِالبَراهِينِ القاطِعَةِ، فَهو كَقَوْلِهِ: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ﴾ [البقرة: ١٨] وقَوْلِهِ: ﴿كالأنْعامِ بَلْ هم أضَلُّ﴾ [الأعراف: ١٧٩] وعَلى الثّانِي أيْضًا يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: لَوْ كانَ لَكم عِلْمٌ بِالقَسَمِ لَعَظَّمْتُمُوهُ. وثانِيهِما: لَوْ كانَ لَكم عِلْمٌ بِعَظَمَتِهِ لَعَظَّمْتُمُوهُ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: كَيْفَ تَعَلَّقَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوْ تَعْلَمُونَ﴾ بِما قَبْلَهُ وما بَعْدَهُ ؟ فَنَقُولُ: هو كَلامُ اعْتِراضٍ في أثْناءِ الكَلامِ تَقْدِيرُهُ: وإنَّهُ لَقَسَمٌ عَظِيمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ لَصَدَّقْتُمْ، فَإنْ قِيلَ: فَما فائِدَةُ الِاعْتِراضِ ؟ نَقُولُ: الِاهْتِمامُ بِقَطْعِ اعْتِراضِ المُعْتَرِضِ؛ لِأنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿وإنَّهُ لَقَسَمٌ﴾ أرادَ أنْ يَصِفَهُ بِالعَظَمَةِ بِقَوْلِهِ: عَظِيمٌ والكَفّارُ كانُوا يَجْهَلُونَ ذَلِكَ ويَدَّعُونَ العِلْمَ بِأُمُورِ النَّجْمِ، وكانُوا يَقُولُونَ: لَوْ كانَ كَذَلِكَ فَما بالُهُ لا يَحْصُلُ لَنا عِلْمٌ وظَنٌّ، فَقالَ: لَوْ تَعْلَمُونَ لَحَصَلَ لَكُمُ القَطْعُ، وعَلى ما ذَكَرْنا الأمْرُ أظْهَرُ مِن هَذا، وذَلِكَ لِأنّا قُلْنا: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَلا أُقْسِمُ﴾ مَعْناهُ الأمْرُ واضِحٌ مِن أنْ يُصَدَّقَ بِيَمِينٍ، والكُفّارُ كانُوا يَقُولُونَ: أيْنَ الظُّهُورُ ونَحْنُ نَقْطَعُ بِعَدَمِهِ، فَقالَ: لَوْ تَعْلَمُونَ شَيْئًا لَما كانَ كَذَلِكَ، والأظْهَرُ مِنهُ أنّا بَيَّنّا أنَّ كُلَّ ما جَعَلَهُ اللَّهُ قَسَمًا فَهو في نَفْسِهِ دَلِيلٌ عَلى المَطْلُوبِ وأخْرَجَهُ مَخْرَجَ القَسَمِ، فَقَوْلُهُ: ﴿وإنَّهُ لَقَسَمٌ﴾ مَعْناهُ عِنْدَ التَّحْقِيقِ، وإنَّهُ دَلِيلٌ وبُرْهانٌ قَوِيٌّ لَوْ تَعْلَمُونَ وجْهَهُ لاعْتَرَفْتُمْ بِمَدْلُولِهِ، وهو التَّوْحِيدُ والقُدْرَةُ عَلى الحَشْرِ، وذَلِكَ لَأنَّ دَلالَةَ اخْتِصاصِ الكَواكِبِ بِمَواضِعِها في غايَةِ الظُّهُورِ ولا يَلْزَمُ الفَلاسِفَةَ دَلِيلٌ أظْهَرُ مِنهُ، وأمّا المَعْنَوِيَّةُ: فالمَسْألَةُ الأُولى: ما المُقْسَمُ عَلَيْهِ ؟ نَقُولُ: فِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: القُرْآنُ كانُوا يَجْعَلُونَهُ تارَةً شِعْرًا وأُخْرى سِحْرًا وغَيْرَ ذَلِكَ. وثانِيهِما: هو التَّوْحِيدُ والحَشْرُ وهو أظْهَرُ، وقَوْلُهُ: ﴿لَقُرْآنٌ﴾ ابْتِداءُ كَلامٍ وسَنُبَيِّنُ ذَلِكَ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ما الفائِدَةُ في وصْفِهِ بِالعَظِيمِ في قَوْلِهِ: ﴿وإنَّهُ لَقَسَمٌ﴾ فَنَقُولُ: لَمّا قالَ: ﴿فَلا أُقْسِمُ﴾ وكانَ مَعْناهُ: لا أُقْسِمُ بِهَذا لِوُضُوحِ المُقْسَمِ بِهِ عَلَيْهِ. قالَ: لَسْتُ تارِكًا لِلْقَسَمِ بِهَذا؛ لِأنَّهُ لَيْسَ بِقَسَمٍ أوْ لَيْسَ بِقَسَمٍ عَظِيمٍ، بَلْ هو قَسَمٌ عَظِيمٌ ولا أُقْسِمُ بِهِ، بَلْ بِأعْظَمَ مِنهُ أُقْسِمُ لِجَزْمِي بِالأمْرِ وعِلْمِي بِحَقِيقَتِهِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اليَمِينُ في أكْثَرِ الأمْرِ تُوصَفُ بِالمُغَلَّظَةِ والعِظَمِ يُقالُ في المُقْسِمِ: حَلَفَ فُلانٌ بِالأيْمانِ العِظامِ، ثُمَّ تَقُولُ في حَقِّهِ يَمِينٌ مُغَلَّظَةٌ؛ لِأنَّ آثامَها كَبِيرَةٌ. وأمّا في حَقِّ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ فَبِالعَظِيمِ وذَلِكَ هو المُناسِبُ؛ لِأنَّ مَعْناهُ هو الَّذِي قَرُبَ قَوْلُهُ مِن كُلِّ قَلْبٍ ومَلَأ الصَّدْرَ بِالرُّعْبِ لِما بَيَّنّا أنَّ مَعْنى العَظِيمِ فِيهِ ذَلِكَ، كَما أنَّ الجِسْمَ العَظِيمَ هو الَّذِي قَرُبَ مِن أشْياءَ عَظِيمَةٍ ومَلَأ أماكِنَ كَثِيرَةً مِنَ العِظَمِ، كَذَلِكَ العَظِيمُ الَّذِي لَيْسَ بِجِسْمٍ قَرُبَ مِن أُمُورٍ كَثِيرَةٍ، ومَلَأ صُدُورًا كَثِيرَةً.

الواقعة 56:76

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ﴾ ﴿وإنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: في التَّرْتِيبِ ووَجْهُهُ هو أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا أرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدى ودِينِ الحَقِّ آتاهُ كُلَّ ما يَنْبَغِي لَهُ وطَهَّرَهُ عَنْ كُلِّ ما لا يَنْبَغِي لَهُ، فَآتاهُ الحِكْمَةَ وهي البَراهِينُ القاطِعَةُ واسْتِعْمالُها عَلى وُجُوهِها، والمَوْعِظَةَ الحَسَنَةَ وهي الأُمُورُ المُفِيدَةُ المُرَقِّقَةُ لِلْقُلُوبِ المُنَوِّرَةُ لِلصُّدُورِ، والمُجادَلَةَ الَّتِي هي عَلى أحْسَنِ الطُّرُقِ فَأتى بِها وعَجَزَ الكُلُّ عَنْ مُعارَضَتِهِ بِشَيْءٍ ولَمْ يُؤْمِنُوا، والَّذِي يُتْلى عَلَيْهِ كُلُّ ذَلِكَ ولا يُؤْمِنُ لا يَبْقى لَهُ غَيْرَ أنَّهُ يَقُولُ: هَذا البَيانُ لَيْسَ لِظُهُورِ المُدَّعى بَلْ لِقُوَّةِ ذِهْنِ المُدَّعِي وقُوَّتِهِ عَلى تَرْكِيبِ الأدِلَّةِ وهو يَعْلَمُ أنَّهُ يَغْلِبُ بِقُوَّةِ جِدالِهِ لا بِظُهُورِ مَقالِهِ ورُبَّما يَقُولُ أحَدُ المُناظِرَيْنِ لِلْآخَرِ عِنْدَ انْقِطاعِهِ: أنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الحَقَّ بِيَدِي لَكِنْ تَسْتَضْعِفُنِي ولا تُنْصِفُنِي، وحِينَئِذٍ لا يَبْقى لِلْخَصْمِ جَوابٌ غَيْرَ القَسَمِ بِالأيْمانِ الَّتِي لا مَخارِجَ عَنْها أنَّهُ غَيْرُ مُكابِرٍ وأنَّهُ مُنْصِفٌ، وذَلِكَ لِأنَّهُ لَوْ أتى بِدَلِيلٍ آخَرَ لَكانَ لَهُ أنْ يَقُولَ: وهَذا الدَّلِيلُ أيْضًا غَلَبْتَنِي فِيهِ بِقُوَّتِكَ وقُدْرَتِكَ، فَكَذَلِكَ النَّبِيُّ ﷺ لَمّا آتاهُ اللَّهُ جَلَّ وعَزَّ ما يَنْبَغِي قالُوا: إنَّهُ يُرِيدُ التَّفَضُّلَ عَلَيْنا وهو يُجادِلُنا فِيما يَعْلَمُ صفحة ١٦٣ خِلافَهُ، فَلَمْ يَبْقَ لَهُ إلّا أنْ يُقْسِمَ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ أنْواعًا مِنَ القَسَمِ بَعْدَ الدَّلائِلِ، ولِهَذا كَثُرَتِ الأيْمانُ في أوائِلِ التَّنْزِيلِ وفي السُّبُعِ الأخِيرِ خاصَّةً. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في تَعَلُّقِ الباءِ، نَقُولُ: إنَّهُ لَمّا بَيَّنَ أنَّهُ خالِقُ الخَلْقِ والرِّزْقِ ولَهُ العَظَمَةُ بِالدَّلِيلِ القاطِعِ ولَمْ يُؤْمِنُوا قالَ: لَمْ يَبْقَ إلّا القَسَمُ فَأُقْسِمُ بِاللَّهِ إنِّي لَصادِقٌ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ما المَعْنى مِن قَوْلِهِ: ﴿فَلا أُقْسِمُ﴾ مَعَ أنَّكَ تَقُولُ: إنَّهُ قَسَمٌ ؟ نَقُولُ: فِيهِ وُجُوهٌ مَنقُولَةٌ ومَعْقُولَةٌ غَيْرُ مُخالِفَةٍ لِلنَّقْلِ، أمّا المَنقُولُ: فَأحَدُها: أنَّ (لا) زائِدَةٌ مِثْلُها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِئَلّا يَعْلَمَ﴾ [الحديد: ٢٩] مَعْناهُ لِيَعْلَمَ. ثانِيها: أصْلُها لَأُقْسِمُ بِلامِ التَّأْكِيدِ أُشْبِعَتْ فَتْحَتُها فَصارَتْ لا كَما في الوَقْفِ. ثالِثُها: لا نافِيَةٌ وأصْلُهُ عَلى مَقالَتِهِمْ والقَسَمُ بَعْدَها كَأنَّهُ قالَ: لا، واللَّهِ لا صِحَّةَ لِقَوْلِ الكُفّارِ أُقْسِمُ عَلَيْهِ، أمّا المَعْقُولُ فَهو أنَّ كَلِمَةَ لا هي نافِيَةٌ عَلى مَعْناها غَيْرَ أنَّ في الكَلامِ مَجازًا تَرْكِيبِيًّا، وتَقْدِيرُهُ أنْ نَقُولَ: لا في النَّفْيِ هُنا كَهي في قَوْلِ القائِلِ: لا تَسْألْنِي عَمّا جَرى عَلَيَّ، يُشِيرُ إلى أنَّ ما جَرى عَلَيْهِ أعْظَمُ مِن أنْ يُشْرَحَ فَلا يَنْبَغِي أنْ يَسْألَهُ، فَإنَّ غَرَضَهُ مِنَ السُّؤالِ لا يَحْصُلُ ولا يَكُونُ غَرَضُهُ مِن ذَلِكَ النَّهْيِ إلّا بَيانَ عَظَمَةِ الواقِعَةِ، ويَصِيرُ كَأنَّهُ قالَ: جَرى عَلَيَّ أمْرٌ عَظِيمٌ. ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّ السّامِعَ يَقُولُ لَهُ: ماذا جَرى عَلَيْكَ ؟ ولَوْ فَهِمَ مِن حَقِيقَةِ كَلامِهِ النَّهْيَ عَنِ السُّؤالِ لَما قالَ: ماذا جَرى عَلَيْكَ، فَيَصِحُّ مِنهُ أنْ يَقُولَ: أخْطَأْتُ حَيْثُ مَنَعْتُكَ عَنِ السُّؤالِ، ثُمَّ سَألْتَنِي وكَيْفَ لا وكَثِيرًا ما يَقُولُ ذَلِكَ القائِلُ الَّذِي قالَ: لا تَسْألْنِي عِنْدَ سُكُوتِ صاحِبِهِ عَنِ السُّؤالِ، أوْ لا تَسْألْنِي، ولا تَقُولُ: ماذا جَرى عَلَيْكَ ولا يَكُونُ لِلسّامِعِ أنْ يَقُولَ: إنَّكَ مَنَعْتَنِي عَنِ السُّؤالِ كُلُّ ذَلِكَ تَقَرَّرَ في أفْهامِهِمْ أنَّ المُرادَ تَعْظِيمُ الواقِعَةِ لا النَّهْيُ، إذا عُلِمَ هَذا فَنَقُولُ في القَسَمِ مِثْلُ هَذا مَوْجُودٌ مِن أحَدِ وجْهَيْنِ: إمّا لِكَوْنِ الواقِعَةِ في غايَةِ الظُّهُورِ، فَيَقُولُ: لا أُقْسِمُ بِأنَّهُ عَلى هَذا الأمْرِ؛ لِأنَّهُ أظْهَرُ مِن أنْ يُشْهَرَ، وأكْثَرُ مِن أنْ يُنْكَرَ، فَيَقُولُ: لا أُقْسِمُ ولا يُرِيدُ بِهِ القَسَمَ ونَفْيَهُ، وإنَّما يُرِيدُ الإعْلامَ بِأنَّ الواقِعَةَ ظاهِرَةٌ. وإمّا لِكَوْنِ المُقْسَمِ بِهِ فَوْقَ ما يُقْسِمُ بِهِ، والمُقْسِمُ صارَ يُصَدِّقُ نَفْسَهُ فَيَقُولُ لا أُقْسِمُ يَمِينًا بَلْ ألْفَ يَمِينٍ، ولا أُقْسِمُ بِرَأْسِ الأمِيرِ بَلْ بِرَأْسِ السُّلْطانِ، ويَقُولُ: لا أُقْسِمُ بِكَذا مُرِيدًا لِكَوْنِهِ في غايَةِ الجَزْمِ. والثّانِي: يَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّ هَذِهِ الصِّيغَةَ لَمْ تَرِدْ في القُرْآنِ، والمُقْسَمُ بِهِ هو اللَّهُ تَعالى أوْ صِفَةٌ مِن صِفاتِهِ، وإنَّما جاءَتْ أُمُورٌ مَخْلُوقَةٌ والأوَّلُ لا يَرِدُ عَلَيْهِ إشْكالٌ إنْ قُلْنا إنَّ المُقْسَمَ بِهِ في جَمِيعِ المَواضِعِ رَبُّ الأشْياءِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿والصّافّاتِ﴾ [الصافات: ١] المُرادُ مِنهُ رَبُّ الصّافّاتِ ورَبُّ القِيامَةِ ورَبُّ الشَّمْسِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ فَإذًا قَوْلُهُ: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ﴾ أيْ: الأمْرُ أظْهَرُ مِن أنْ يُقْسَمَ عَلَيْهِ، وأنْ يَتَطَرَّقَ الشَّكُّ إلَيْهِ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: مَواقِعُ النُّجُومِ ما هي ؟ فَنَقُولُ: فِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: المَشارِقُ والمَغارِبُ أوِ المَغارِبُ وحْدَها، فَإنَّ عِنْدَها سُقُوطَ النُّجُومِ. الثّانِي: هي مَواضِعُها في السَّماءِ في بُرُوجِها ومَنازِلِها. الثّالِثُ: مَواقِعُها في اتِّباعِ الشَّياطِينِ عِنْدَ المُزاحَمَةِ. الرّابِعُ: مَواقِعُها يَوْمَ القِيامَةِ حِينَ تَنْتَثِرُ النُّجُومُ، وأمّا مَواقِعُ نُجُومِ القُرْآنِ فَهي قُلُوبُ عِبادِهِ ومَلائِكَتِهِ ورُسُلِهِ وصالِحِي المُؤْمِنِينَ، أوْ مَعانِيها وأحْكامُها الَّتِي ورَدَتْ فِيها. المَسْألَةُ الخامِسَةُ: هَلْ في اخْتِصاصِ مَواقِعِ النُّجُومِ لِلْقَسَمِ بِها فائِدَةٌ ؟ قُلْنا: نَعَمْ فائِدَةٌ جَلِيلَةٌ، وبَيانُها أنّا قَدْ ذَكَرْنا أنَّ القَسَمَ بِمَواقِعِها كَما هي قَسَمٌ كَذَلِكَ هي مِنَ الدَّلائِلِ، وقَدْ بَيَّنّاهُ في الذّارِياتِ، وفي الطُّورِ، وفي النَّجْمِ، وغَيْرِها، فَنَقُولُ: هي هُنا أيْضًا كَذَلِكَ، وذَلِكَ مِن حَيْثُ إنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا ذَكَرَ خَلْقَ الآدَمِيِّ مِنَ المَنِيِّ صفحة ١٦٤ ومَوْتَهُ، بَيَّنَ بِإشارَتِهِ إلى إيجادِ الضِّدَّيْنِ في الأنْفُسِ قُدْرَتِهِ واخْتِيارِهِ، ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ دَلِيلًا مِن دَلائِلِ الأنْفُسِ ذَكَرَ مِن دَلائِلِ الآفاقِ أيْضًا قُدْرَتَهُ واخْتِيارَهُ، فَقالَ: ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ﴾ [الواقعة: ٦٣] ﴿أفَرَأيْتُمُ الماءَ﴾ [الواقعة: ٦٨] إلى غَيْرِ ذَلِكَ، وذَكَرَ قُدْرَتَهُ عَلى زَرْعِهِ وجَعْلِهِ حُطامًا، وخَلْقِهِ الماءَ فُراتًا عَذْبًا، وجَعْلِهِ أُجاجًا، إشارَةً إلى أنَّ القادِرَ عَلى الضِّدَّيْنِ مُخْتارٌ، ولَمْ يَكُنْ ذَكَرَ مِنَ الدَّلائِلِ السَّماوِيَّةِ شَيْئًا، فَذَكَرَ الدَّلِيلَ السَّماوِيَّ في مَعْرِضِ القَسَمِ، وقالَ: مَواقِعُ النُّجُومِ، فَإنَّها أيْضًا دَلِيلُ الِاخْتِيارِ؛ لِأنَّ كَوْنَ كُلِّ واحِدٍ في مَوْضِعٍ مِنَ السَّماءِ دُونَ غَيْرِهِ مِنَ المَواضِعِ مَعَ اسْتِواءِ المَواضِعِ في الحَقِيقَةِ دَلِيلُ فاعِلٍ مُخْتارٍ، فَقالَ: ﴿بِمَواقِعِ النُّجُومِ﴾ لَيْسَ إلى البَراهِينِ النَّفْسِيَّةِ والآفاقِيَّةِ بِالذِّكْرِ كَما قالَ تَعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الآفاقِ وفي أنْفُسِهِمْ﴾ [فصلت: ٥٣] وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وفِي الأرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ﴾ ﴿وفِي أنْفُسِكم أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ ﴿وفِي السَّماءِ رِزْقُكم وما تُوعَدُونَ﴾ [الذاريات: ٢١] حَيْثُ ذَكَرَ الأنْواعَ الثَّلاثَةَ كَذَلِكَ هُنا، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ والضَّمِيرُ عائِدٌ إلى القَسَمِ الَّذِي يَتَضَمَّنُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ﴾ فَإنَّهُ يَتَضَمَّنُ ذِكْرَ المَصْدَرِ، ولِهَذا تُوصَفُ المَصادِرُ الَّتِي لَمْ تَظْهَرُ بَعْدَ الفِعْلِ، فَيُقالُ: ضَرَبْتُهُ قَوِيًّا، وفِيهِ مَسائِلُ نَحْوِيَّةٌ ومَعْنَوِيَّةٌ، أمّا النَّحْوِيَّةُ: فالمَسْألَةُ الأُولى: هو أنْ يُقالَ: جَوابُ ﴿لَوْ تَعْلَمُونَ﴾ ماذا ؟ ورُبَّما يَقُولُ بَعْضُ مَن لا يَعْلَمُ: إنَّ جَوابَهُ ما تَقَدَّمَ وهو فاسِدٌ في جَمِيعِ المَواضِعِ؛ لِأنَّ جَوابَ الشَّرْطِ لا يَتَقَدَّمُ، وذَلِكَ لِأنَّ عَمَلَ الحُرُوفِ في مَعْمُولاتِها لا يَكُونُ قَبْلَ وُجُودِها، فَلا يُقالُ: زَيْدًا إنْ قامَ ولا غَيْرُهُ مِنَ الحُرُوفِ والسِّرُّ فِيهِ أنَّ عَمَلَ الحُرُوفِ مُشَبَّهٌ بِعَمَلِ المَعانِي، ويُمَيِّزُ بَيْنَ الفاعِلِ والمَفْعُولِ وغَيْرِهِما، فَإذا كانَ العامِلُ مَعْنًى لا مَوْضِعَ لَهُ في الحِسِّ فَيُعْلَمُ تَقَدُّمُهُ وتَأخُّرُ مُدْرَكٍ بِالحِسِّ، جازَ أنْ يُقالَ: قائِمًا ضَرَبْتُ زَيْدًا، أوْ ضَرْبًا شَدِيدًا ضَرْبَتُهُ، وأمّا الحُرُوفُ فَلَها تَقَدُّمٌ وتَأخُّرٌ مُدْرَكٌ بِالحِسِّ فَلَمْ يُمْكِنْ بَعْدَ عِلْمِنا بِتَأخُّرِها فَرْضُ وُجُودِها مُتَقَدِّمَةً بِخِلافِ المَعانِي، إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: عَمَلُ حَرْفِ الشَّرْطِ في المَعْنى إخْراجُ كُلِّ واحِدَةٍ مِنَ الجُمْلَتَيْنِ عَنْ كَوْنِها جُمْلَةً مُسْتَقِلَّةً، فَإذا قُلْتَ: مَن، وإنْ، لا يُمْكِنُ إخْراجُ الجُمْلَةِ الأُولى عَنْ كَوْنِها جُمْلَةً بَعْدِ وُقُوعِها جُمَلٌ، لِيُعْلَمَ أنَّ حَرْفَها أضْعَفُ مِن عَمَلِ المَعْنى لِتَوَقُّفِهِ عَلى عَمَلِهِ مَعَ أنَّ المَعْنى أمْكَنَ فَرْضُهُ مُتَقَدِّمًا ومُتَأخِّرًا وعَمَلُ الأفْعالِ عَمَلٌ مَعْنَوِيٌّ، وعَمَلُ الحُرُوفِ عَمَلٌ مُشَبَّهٌ بِالمَعْنى، إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وهَمَّ بِها لَوْلا أنْ رَأى﴾ [يوسف: ٢٤] قالَ بَعْضُ الوُعّاظِ مُتَعَلِّقٌ بِلَوْلا، فَلا يَكُونُ الهَمُّ وقَعَ مِنهُ، وهو باطِلٌ لِما ذَكَرْنا، وهُنا أدْخَلُ في البُطْلانِ؛ لِأنَّ المُتَقَدِّمَ لا يَصْلُحُ جَزاءً لِلْمُتَأخِّرِ، فَإنَّ مَن قالَ: لَوْ تَعْلَمُونَ إنَّ زَيْدًا لَقائِمٌ، لَمْ يَأْتِ بِالعَرَبِيَّةِ، إذا تَبَيَّنَ هَذا فالقَوْلُ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يُقالَ: الجَوابُ مَحْذُوفٌ بِالكُلِّيَّةِ لَمْ يُقْصَدْ بِذَلِكَ جَوابٌ، وإنَّما يُرادُ نَفْيُ ما دَخَلَتْ عَلَيْهِ لَوْ، وكَأنَّهُ قالَ: وإنَّهُ لَقَسَمٌ لا تَعْلَمُونَ، وتَحْقِيقُهُ أنَّ لَوْ تُذْكَرُ لِامْتِناعِ الشَّيْءِ لِامْتِناعِ غَيْرِهِ، فَلا بُدَّ مِنَ انْتِفاءِ الأوَّلِ، فَإدْخالُ لَوْ عَلى تَعْلَمُونَ أفادَنا أنَّ عِلْمَهم مُنْتَفٍ، سَواءٌ عَلِمْنا الجَوابَ أوْ لَمْ نَعْلَمْ، وهو كَقَوْلِهِمْ في الفِعْلِ المُتَعَدِّي فُلانٌ يُعْطِي ويَمْنَعُ، حَيْثُ لا يُقْصَدُ بِهِ مَفْعُولٌ، وإنَّما يُرادُ إثْباتُ القُدْرَةِ، وعَلى هَذا إنْ قِيلَ: فَما فائِدَةُ العُدُولِ إلى غَيْرِ الحَقِيقَةِ، وتَرْكِ قَوْلِهِ: إنَّهُ لَقَسَمٌ ولا تَعْلَمُونَ ؟ فَنَقُولُ: فائِدَتُهُ تَأْكِيدُ النَّفْيِ؛ لِأنَّ مَن قالَ: لَوْ تَعْلَمُونَ كانَ ذَلِكَ دَعْوى مِنهُ، فَإذا طُولِبَ وقِيلَ: لِمَ قُلْتَ: إنّا لا نَعْلَمُ يَقُولُ: لَوْ تَعْلَمُونَ لَفَعَلْتُمْ كَذا، فَإذا قالَ في ابْتِداءِ الأمْرِ: لا تَعْلَمُونَ كانَ مُرِيدًا لِلنَّفْيِ، فَكَأنَّهُ قالَ: أقُولُ: إنَّكم لا تَعْلَمُونَ قَوْلًا مِن غَيْرِ تَعَلُّقٍ بِدَلِيلٍ وسَبَبٍ. وثانِيهِما: أنْ يَكُونَ لَهُ جَوابٌ تَقْدِيرُهُ: لَوْ تَعْلَمُونَ لَعَظَّمْتُمُوهُ لَكِنَّكم ما عَظَّمْتُمُوهُ، فَعُلِمَ أنَّكم لا تَعْلَمُونَ، إذْ لَوْ تَعْلَمُونَ لَعَظُمَ في أعْيُنِكم، ولا تَعْظِيمَ فَلا تَعْلَمُونَ. صفحة ١٦٥ المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: إنْ قِيلَ قَوْلُهُ: ﴿لَوْ تَعْلَمُونَ﴾ هَلْ لَهُ مَفْعُولٌ أمْ لا ؟ قُلْنا: عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ لا مَفْعُولَ لَهُ، كَما في قَوْلِهِمْ: فُلانٌ يُعْطِي ويَمْنَعُ، وكَأنَّهُ قالَ: لا عِلْمَ لَكم، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: لا عِلْمَ لَكم بِعِظَمِ القَسَمِ، فَيَكُونُ لَهُ مَفْعُولٌ، والأوَّلُ أبْلَغُ وأدْخَلُ في الحُسْنِ؛ لِأنَّهم لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا أصْلًا؛ لِأنَّهم لَوْ عَلِمُوا لَكانَ أوْلى الأشْياءِ بِالعِلْمِ هَذِهِ الأُمُورُ الظّاهِرَةُ بِالبَراهِينِ القاطِعَةِ، فَهو كَقَوْلِهِ: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ﴾ [البقرة: ١٨] وقَوْلِهِ: ﴿كالأنْعامِ بَلْ هم أضَلُّ﴾ [الأعراف: ١٧٩] وعَلى الثّانِي أيْضًا يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: لَوْ كانَ لَكم عِلْمٌ بِالقَسَمِ لَعَظَّمْتُمُوهُ. وثانِيهِما: لَوْ كانَ لَكم عِلْمٌ بِعَظَمَتِهِ لَعَظَّمْتُمُوهُ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: كَيْفَ تَعَلَّقَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوْ تَعْلَمُونَ﴾ بِما قَبْلَهُ وما بَعْدَهُ ؟ فَنَقُولُ: هو كَلامُ اعْتِراضٍ في أثْناءِ الكَلامِ تَقْدِيرُهُ: وإنَّهُ لَقَسَمٌ عَظِيمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ لَصَدَّقْتُمْ، فَإنْ قِيلَ: فَما فائِدَةُ الِاعْتِراضِ ؟ نَقُولُ: الِاهْتِمامُ بِقَطْعِ اعْتِراضِ المُعْتَرِضِ؛ لِأنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿وإنَّهُ لَقَسَمٌ﴾ أرادَ أنْ يَصِفَهُ بِالعَظَمَةِ بِقَوْلِهِ: عَظِيمٌ والكَفّارُ كانُوا يَجْهَلُونَ ذَلِكَ ويَدَّعُونَ العِلْمَ بِأُمُورِ النَّجْمِ، وكانُوا يَقُولُونَ: لَوْ كانَ كَذَلِكَ فَما بالُهُ لا يَحْصُلُ لَنا عِلْمٌ وظَنٌّ، فَقالَ: لَوْ تَعْلَمُونَ لَحَصَلَ لَكُمُ القَطْعُ، وعَلى ما ذَكَرْنا الأمْرُ أظْهَرُ مِن هَذا، وذَلِكَ لِأنّا قُلْنا: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَلا أُقْسِمُ﴾ مَعْناهُ الأمْرُ واضِحٌ مِن أنْ يُصَدَّقَ بِيَمِينٍ، والكُفّارُ كانُوا يَقُولُونَ: أيْنَ الظُّهُورُ ونَحْنُ نَقْطَعُ بِعَدَمِهِ، فَقالَ: لَوْ تَعْلَمُونَ شَيْئًا لَما كانَ كَذَلِكَ، والأظْهَرُ مِنهُ أنّا بَيَّنّا أنَّ كُلَّ ما جَعَلَهُ اللَّهُ قَسَمًا فَهو في نَفْسِهِ دَلِيلٌ عَلى المَطْلُوبِ وأخْرَجَهُ مَخْرَجَ القَسَمِ، فَقَوْلُهُ: ﴿وإنَّهُ لَقَسَمٌ﴾ مَعْناهُ عِنْدَ التَّحْقِيقِ، وإنَّهُ دَلِيلٌ وبُرْهانٌ قَوِيٌّ لَوْ تَعْلَمُونَ وجْهَهُ لاعْتَرَفْتُمْ بِمَدْلُولِهِ، وهو التَّوْحِيدُ والقُدْرَةُ عَلى الحَشْرِ، وذَلِكَ لَأنَّ دَلالَةَ اخْتِصاصِ الكَواكِبِ بِمَواضِعِها في غايَةِ الظُّهُورِ ولا يَلْزَمُ الفَلاسِفَةَ دَلِيلٌ أظْهَرُ مِنهُ، وأمّا المَعْنَوِيَّةُ: فالمَسْألَةُ الأُولى: ما المُقْسَمُ عَلَيْهِ ؟ نَقُولُ: فِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: القُرْآنُ كانُوا يَجْعَلُونَهُ تارَةً شِعْرًا وأُخْرى سِحْرًا وغَيْرَ ذَلِكَ. وثانِيهِما: هو التَّوْحِيدُ والحَشْرُ وهو أظْهَرُ، وقَوْلُهُ: ﴿لَقُرْآنٌ﴾ ابْتِداءُ كَلامٍ وسَنُبَيِّنُ ذَلِكَ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ما الفائِدَةُ في وصْفِهِ بِالعَظِيمِ في قَوْلِهِ: ﴿وإنَّهُ لَقَسَمٌ﴾ فَنَقُولُ: لَمّا قالَ: ﴿فَلا أُقْسِمُ﴾ وكانَ مَعْناهُ: لا أُقْسِمُ بِهَذا لِوُضُوحِ المُقْسَمِ بِهِ عَلَيْهِ. قالَ: لَسْتُ تارِكًا لِلْقَسَمِ بِهَذا؛ لِأنَّهُ لَيْسَ بِقَسَمٍ أوْ لَيْسَ بِقَسَمٍ عَظِيمٍ، بَلْ هو قَسَمٌ عَظِيمٌ ولا أُقْسِمُ بِهِ، بَلْ بِأعْظَمَ مِنهُ أُقْسِمُ لِجَزْمِي بِالأمْرِ وعِلْمِي بِحَقِيقَتِهِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اليَمِينُ في أكْثَرِ الأمْرِ تُوصَفُ بِالمُغَلَّظَةِ والعِظَمِ يُقالُ في المُقْسِمِ: حَلَفَ فُلانٌ بِالأيْمانِ العِظامِ، ثُمَّ تَقُولُ في حَقِّهِ يَمِينٌ مُغَلَّظَةٌ؛ لِأنَّ آثامَها كَبِيرَةٌ. وأمّا في حَقِّ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ فَبِالعَظِيمِ وذَلِكَ هو المُناسِبُ؛ لِأنَّ مَعْناهُ هو الَّذِي قَرُبَ قَوْلُهُ مِن كُلِّ قَلْبٍ ومَلَأ الصَّدْرَ بِالرُّعْبِ لِما بَيَّنّا أنَّ مَعْنى العَظِيمِ فِيهِ ذَلِكَ، كَما أنَّ الجِسْمَ العَظِيمَ هو الَّذِي قَرُبَ مِن أشْياءَ عَظِيمَةٍ ومَلَأ أماكِنَ كَثِيرَةً مِنَ العِظَمِ، كَذَلِكَ العَظِيمُ الَّذِي لَيْسَ بِجِسْمٍ قَرُبَ مِن أُمُورٍ كَثِيرَةٍ، ومَلَأ صُدُورًا كَثِيرَةً.

الواقعة 56:77

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ﴾ ﴿وإنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: في التَّرْتِيبِ ووَجْهُهُ هو أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا أرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدى ودِينِ الحَقِّ آتاهُ كُلَّ ما يَنْبَغِي لَهُ وطَهَّرَهُ عَنْ كُلِّ ما لا يَنْبَغِي لَهُ، فَآتاهُ الحِكْمَةَ وهي البَراهِينُ القاطِعَةُ واسْتِعْمالُها عَلى وُجُوهِها، والمَوْعِظَةَ الحَسَنَةَ وهي الأُمُورُ المُفِيدَةُ المُرَقِّقَةُ لِلْقُلُوبِ المُنَوِّرَةُ لِلصُّدُورِ، والمُجادَلَةَ الَّتِي هي عَلى أحْسَنِ الطُّرُقِ فَأتى بِها وعَجَزَ الكُلُّ عَنْ مُعارَضَتِهِ بِشَيْءٍ ولَمْ يُؤْمِنُوا، والَّذِي يُتْلى عَلَيْهِ كُلُّ ذَلِكَ ولا يُؤْمِنُ لا يَبْقى لَهُ غَيْرَ أنَّهُ يَقُولُ: هَذا البَيانُ لَيْسَ لِظُهُورِ المُدَّعى بَلْ لِقُوَّةِ ذِهْنِ المُدَّعِي وقُوَّتِهِ عَلى تَرْكِيبِ الأدِلَّةِ وهو يَعْلَمُ أنَّهُ يَغْلِبُ بِقُوَّةِ جِدالِهِ لا بِظُهُورِ مَقالِهِ ورُبَّما يَقُولُ أحَدُ المُناظِرَيْنِ لِلْآخَرِ عِنْدَ انْقِطاعِهِ: أنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الحَقَّ بِيَدِي لَكِنْ تَسْتَضْعِفُنِي ولا تُنْصِفُنِي، وحِينَئِذٍ لا يَبْقى لِلْخَصْمِ جَوابٌ غَيْرَ القَسَمِ بِالأيْمانِ الَّتِي لا مَخارِجَ عَنْها أنَّهُ غَيْرُ مُكابِرٍ وأنَّهُ مُنْصِفٌ، وذَلِكَ لِأنَّهُ لَوْ أتى بِدَلِيلٍ آخَرَ لَكانَ لَهُ أنْ يَقُولَ: وهَذا الدَّلِيلُ أيْضًا غَلَبْتَنِي فِيهِ بِقُوَّتِكَ وقُدْرَتِكَ، فَكَذَلِكَ النَّبِيُّ ﷺ لَمّا آتاهُ اللَّهُ جَلَّ وعَزَّ ما يَنْبَغِي قالُوا: إنَّهُ يُرِيدُ التَّفَضُّلَ عَلَيْنا وهو يُجادِلُنا فِيما يَعْلَمُ صفحة ١٦٣ خِلافَهُ، فَلَمْ يَبْقَ لَهُ إلّا أنْ يُقْسِمَ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ أنْواعًا مِنَ القَسَمِ بَعْدَ الدَّلائِلِ، ولِهَذا كَثُرَتِ الأيْمانُ في أوائِلِ التَّنْزِيلِ وفي السُّبُعِ الأخِيرِ خاصَّةً. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في تَعَلُّقِ الباءِ، نَقُولُ: إنَّهُ لَمّا بَيَّنَ أنَّهُ خالِقُ الخَلْقِ والرِّزْقِ ولَهُ العَظَمَةُ بِالدَّلِيلِ القاطِعِ ولَمْ يُؤْمِنُوا قالَ: لَمْ يَبْقَ إلّا القَسَمُ فَأُقْسِمُ بِاللَّهِ إنِّي لَصادِقٌ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ما المَعْنى مِن قَوْلِهِ: ﴿فَلا أُقْسِمُ﴾ مَعَ أنَّكَ تَقُولُ: إنَّهُ قَسَمٌ ؟ نَقُولُ: فِيهِ وُجُوهٌ مَنقُولَةٌ ومَعْقُولَةٌ غَيْرُ مُخالِفَةٍ لِلنَّقْلِ، أمّا المَنقُولُ: فَأحَدُها: أنَّ (لا) زائِدَةٌ مِثْلُها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِئَلّا يَعْلَمَ﴾ [الحديد: ٢٩] مَعْناهُ لِيَعْلَمَ. ثانِيها: أصْلُها لَأُقْسِمُ بِلامِ التَّأْكِيدِ أُشْبِعَتْ فَتْحَتُها فَصارَتْ لا كَما في الوَقْفِ. ثالِثُها: لا نافِيَةٌ وأصْلُهُ عَلى مَقالَتِهِمْ والقَسَمُ بَعْدَها كَأنَّهُ قالَ: لا، واللَّهِ لا صِحَّةَ لِقَوْلِ الكُفّارِ أُقْسِمُ عَلَيْهِ، أمّا المَعْقُولُ فَهو أنَّ كَلِمَةَ لا هي نافِيَةٌ عَلى مَعْناها غَيْرَ أنَّ في الكَلامِ مَجازًا تَرْكِيبِيًّا، وتَقْدِيرُهُ أنْ نَقُولَ: لا في النَّفْيِ هُنا كَهي في قَوْلِ القائِلِ: لا تَسْألْنِي عَمّا جَرى عَلَيَّ، يُشِيرُ إلى أنَّ ما جَرى عَلَيْهِ أعْظَمُ مِن أنْ يُشْرَحَ فَلا يَنْبَغِي أنْ يَسْألَهُ، فَإنَّ غَرَضَهُ مِنَ السُّؤالِ لا يَحْصُلُ ولا يَكُونُ غَرَضُهُ مِن ذَلِكَ النَّهْيِ إلّا بَيانَ عَظَمَةِ الواقِعَةِ، ويَصِيرُ كَأنَّهُ قالَ: جَرى عَلَيَّ أمْرٌ عَظِيمٌ. ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّ السّامِعَ يَقُولُ لَهُ: ماذا جَرى عَلَيْكَ ؟ ولَوْ فَهِمَ مِن حَقِيقَةِ كَلامِهِ النَّهْيَ عَنِ السُّؤالِ لَما قالَ: ماذا جَرى عَلَيْكَ، فَيَصِحُّ مِنهُ أنْ يَقُولَ: أخْطَأْتُ حَيْثُ مَنَعْتُكَ عَنِ السُّؤالِ، ثُمَّ سَألْتَنِي وكَيْفَ لا وكَثِيرًا ما يَقُولُ ذَلِكَ القائِلُ الَّذِي قالَ: لا تَسْألْنِي عِنْدَ سُكُوتِ صاحِبِهِ عَنِ السُّؤالِ، أوْ لا تَسْألْنِي، ولا تَقُولُ: ماذا جَرى عَلَيْكَ ولا يَكُونُ لِلسّامِعِ أنْ يَقُولَ: إنَّكَ مَنَعْتَنِي عَنِ السُّؤالِ كُلُّ ذَلِكَ تَقَرَّرَ في أفْهامِهِمْ أنَّ المُرادَ تَعْظِيمُ الواقِعَةِ لا النَّهْيُ، إذا عُلِمَ هَذا فَنَقُولُ في القَسَمِ مِثْلُ هَذا مَوْجُودٌ مِن أحَدِ وجْهَيْنِ: إمّا لِكَوْنِ الواقِعَةِ في غايَةِ الظُّهُورِ، فَيَقُولُ: لا أُقْسِمُ بِأنَّهُ عَلى هَذا الأمْرِ؛ لِأنَّهُ أظْهَرُ مِن أنْ يُشْهَرَ، وأكْثَرُ مِن أنْ يُنْكَرَ، فَيَقُولُ: لا أُقْسِمُ ولا يُرِيدُ بِهِ القَسَمَ ونَفْيَهُ، وإنَّما يُرِيدُ الإعْلامَ بِأنَّ الواقِعَةَ ظاهِرَةٌ. وإمّا لِكَوْنِ المُقْسَمِ بِهِ فَوْقَ ما يُقْسِمُ بِهِ، والمُقْسِمُ صارَ يُصَدِّقُ نَفْسَهُ فَيَقُولُ لا أُقْسِمُ يَمِينًا بَلْ ألْفَ يَمِينٍ، ولا أُقْسِمُ بِرَأْسِ الأمِيرِ بَلْ بِرَأْسِ السُّلْطانِ، ويَقُولُ: لا أُقْسِمُ بِكَذا مُرِيدًا لِكَوْنِهِ في غايَةِ الجَزْمِ. والثّانِي: يَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّ هَذِهِ الصِّيغَةَ لَمْ تَرِدْ في القُرْآنِ، والمُقْسَمُ بِهِ هو اللَّهُ تَعالى أوْ صِفَةٌ مِن صِفاتِهِ، وإنَّما جاءَتْ أُمُورٌ مَخْلُوقَةٌ والأوَّلُ لا يَرِدُ عَلَيْهِ إشْكالٌ إنْ قُلْنا إنَّ المُقْسَمَ بِهِ في جَمِيعِ المَواضِعِ رَبُّ الأشْياءِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿والصّافّاتِ﴾ [الصافات: ١] المُرادُ مِنهُ رَبُّ الصّافّاتِ ورَبُّ القِيامَةِ ورَبُّ الشَّمْسِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ فَإذًا قَوْلُهُ: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ﴾ أيْ: الأمْرُ أظْهَرُ مِن أنْ يُقْسَمَ عَلَيْهِ، وأنْ يَتَطَرَّقَ الشَّكُّ إلَيْهِ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: مَواقِعُ النُّجُومِ ما هي ؟ فَنَقُولُ: فِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: المَشارِقُ والمَغارِبُ أوِ المَغارِبُ وحْدَها، فَإنَّ عِنْدَها سُقُوطَ النُّجُومِ. الثّانِي: هي مَواضِعُها في السَّماءِ في بُرُوجِها ومَنازِلِها. الثّالِثُ: مَواقِعُها في اتِّباعِ الشَّياطِينِ عِنْدَ المُزاحَمَةِ. الرّابِعُ: مَواقِعُها يَوْمَ القِيامَةِ حِينَ تَنْتَثِرُ النُّجُومُ، وأمّا مَواقِعُ نُجُومِ القُرْآنِ فَهي قُلُوبُ عِبادِهِ ومَلائِكَتِهِ ورُسُلِهِ وصالِحِي المُؤْمِنِينَ، أوْ مَعانِيها وأحْكامُها الَّتِي ورَدَتْ فِيها. المَسْألَةُ الخامِسَةُ: هَلْ في اخْتِصاصِ مَواقِعِ النُّجُومِ لِلْقَسَمِ بِها فائِدَةٌ ؟ قُلْنا: نَعَمْ فائِدَةٌ جَلِيلَةٌ، وبَيانُها أنّا قَدْ ذَكَرْنا أنَّ القَسَمَ بِمَواقِعِها كَما هي قَسَمٌ كَذَلِكَ هي مِنَ الدَّلائِلِ، وقَدْ بَيَّنّاهُ في الذّارِياتِ، وفي الطُّورِ، وفي النَّجْمِ، وغَيْرِها، فَنَقُولُ: هي هُنا أيْضًا كَذَلِكَ، وذَلِكَ مِن حَيْثُ إنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا ذَكَرَ خَلْقَ الآدَمِيِّ مِنَ المَنِيِّ صفحة ١٦٤ ومَوْتَهُ، بَيَّنَ بِإشارَتِهِ إلى إيجادِ الضِّدَّيْنِ في الأنْفُسِ قُدْرَتِهِ واخْتِيارِهِ، ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ دَلِيلًا مِن دَلائِلِ الأنْفُسِ ذَكَرَ مِن دَلائِلِ الآفاقِ أيْضًا قُدْرَتَهُ واخْتِيارَهُ، فَقالَ: ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ﴾ [الواقعة: ٦٣] ﴿أفَرَأيْتُمُ الماءَ﴾ [الواقعة: ٦٨] إلى غَيْرِ ذَلِكَ، وذَكَرَ قُدْرَتَهُ عَلى زَرْعِهِ وجَعْلِهِ حُطامًا، وخَلْقِهِ الماءَ فُراتًا عَذْبًا، وجَعْلِهِ أُجاجًا، إشارَةً إلى أنَّ القادِرَ عَلى الضِّدَّيْنِ مُخْتارٌ، ولَمْ يَكُنْ ذَكَرَ مِنَ الدَّلائِلِ السَّماوِيَّةِ شَيْئًا، فَذَكَرَ الدَّلِيلَ السَّماوِيَّ في مَعْرِضِ القَسَمِ، وقالَ: مَواقِعُ النُّجُومِ، فَإنَّها أيْضًا دَلِيلُ الِاخْتِيارِ؛ لِأنَّ كَوْنَ كُلِّ واحِدٍ في مَوْضِعٍ مِنَ السَّماءِ دُونَ غَيْرِهِ مِنَ المَواضِعِ مَعَ اسْتِواءِ المَواضِعِ في الحَقِيقَةِ دَلِيلُ فاعِلٍ مُخْتارٍ، فَقالَ: ﴿بِمَواقِعِ النُّجُومِ﴾ لَيْسَ إلى البَراهِينِ النَّفْسِيَّةِ والآفاقِيَّةِ بِالذِّكْرِ كَما قالَ تَعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الآفاقِ وفي أنْفُسِهِمْ﴾ [فصلت: ٥٣] وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وفِي الأرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ﴾ ﴿وفِي أنْفُسِكم أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ ﴿وفِي السَّماءِ رِزْقُكم وما تُوعَدُونَ﴾ [الذاريات: ٢١] حَيْثُ ذَكَرَ الأنْواعَ الثَّلاثَةَ كَذَلِكَ هُنا، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ والضَّمِيرُ عائِدٌ إلى القَسَمِ الَّذِي يَتَضَمَّنُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ﴾ فَإنَّهُ يَتَضَمَّنُ ذِكْرَ المَصْدَرِ، ولِهَذا تُوصَفُ المَصادِرُ الَّتِي لَمْ تَظْهَرُ بَعْدَ الفِعْلِ، فَيُقالُ: ضَرَبْتُهُ قَوِيًّا، وفِيهِ مَسائِلُ نَحْوِيَّةٌ ومَعْنَوِيَّةٌ، أمّا النَّحْوِيَّةُ: فالمَسْألَةُ الأُولى: هو أنْ يُقالَ: جَوابُ ﴿لَوْ تَعْلَمُونَ﴾ ماذا ؟ ورُبَّما يَقُولُ بَعْضُ مَن لا يَعْلَمُ: إنَّ جَوابَهُ ما تَقَدَّمَ وهو فاسِدٌ في جَمِيعِ المَواضِعِ؛ لِأنَّ جَوابَ الشَّرْطِ لا يَتَقَدَّمُ، وذَلِكَ لِأنَّ عَمَلَ الحُرُوفِ في مَعْمُولاتِها لا يَكُونُ قَبْلَ وُجُودِها، فَلا يُقالُ: زَيْدًا إنْ قامَ ولا غَيْرُهُ مِنَ الحُرُوفِ والسِّرُّ فِيهِ أنَّ عَمَلَ الحُرُوفِ مُشَبَّهٌ بِعَمَلِ المَعانِي، ويُمَيِّزُ بَيْنَ الفاعِلِ والمَفْعُولِ وغَيْرِهِما، فَإذا كانَ العامِلُ مَعْنًى لا مَوْضِعَ لَهُ في الحِسِّ فَيُعْلَمُ تَقَدُّمُهُ وتَأخُّرُ مُدْرَكٍ بِالحِسِّ، جازَ أنْ يُقالَ: قائِمًا ضَرَبْتُ زَيْدًا، أوْ ضَرْبًا شَدِيدًا ضَرْبَتُهُ، وأمّا الحُرُوفُ فَلَها تَقَدُّمٌ وتَأخُّرٌ مُدْرَكٌ بِالحِسِّ فَلَمْ يُمْكِنْ بَعْدَ عِلْمِنا بِتَأخُّرِها فَرْضُ وُجُودِها مُتَقَدِّمَةً بِخِلافِ المَعانِي، إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: عَمَلُ حَرْفِ الشَّرْطِ في المَعْنى إخْراجُ كُلِّ واحِدَةٍ مِنَ الجُمْلَتَيْنِ عَنْ كَوْنِها جُمْلَةً مُسْتَقِلَّةً، فَإذا قُلْتَ: مَن، وإنْ، لا يُمْكِنُ إخْراجُ الجُمْلَةِ الأُولى عَنْ كَوْنِها جُمْلَةً بَعْدِ وُقُوعِها جُمَلٌ، لِيُعْلَمَ أنَّ حَرْفَها أضْعَفُ مِن عَمَلِ المَعْنى لِتَوَقُّفِهِ عَلى عَمَلِهِ مَعَ أنَّ المَعْنى أمْكَنَ فَرْضُهُ مُتَقَدِّمًا ومُتَأخِّرًا وعَمَلُ الأفْعالِ عَمَلٌ مَعْنَوِيٌّ، وعَمَلُ الحُرُوفِ عَمَلٌ مُشَبَّهٌ بِالمَعْنى، إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وهَمَّ بِها لَوْلا أنْ رَأى﴾ [يوسف: ٢٤] قالَ بَعْضُ الوُعّاظِ مُتَعَلِّقٌ بِلَوْلا، فَلا يَكُونُ الهَمُّ وقَعَ مِنهُ، وهو باطِلٌ لِما ذَكَرْنا، وهُنا أدْخَلُ في البُطْلانِ؛ لِأنَّ المُتَقَدِّمَ لا يَصْلُحُ جَزاءً لِلْمُتَأخِّرِ، فَإنَّ مَن قالَ: لَوْ تَعْلَمُونَ إنَّ زَيْدًا لَقائِمٌ، لَمْ يَأْتِ بِالعَرَبِيَّةِ، إذا تَبَيَّنَ هَذا فالقَوْلُ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يُقالَ: الجَوابُ مَحْذُوفٌ بِالكُلِّيَّةِ لَمْ يُقْصَدْ بِذَلِكَ جَوابٌ، وإنَّما يُرادُ نَفْيُ ما دَخَلَتْ عَلَيْهِ لَوْ، وكَأنَّهُ قالَ: وإنَّهُ لَقَسَمٌ لا تَعْلَمُونَ، وتَحْقِيقُهُ أنَّ لَوْ تُذْكَرُ لِامْتِناعِ الشَّيْءِ لِامْتِناعِ غَيْرِهِ، فَلا بُدَّ مِنَ انْتِفاءِ الأوَّلِ، فَإدْخالُ لَوْ عَلى تَعْلَمُونَ أفادَنا أنَّ عِلْمَهم مُنْتَفٍ، سَواءٌ عَلِمْنا الجَوابَ أوْ لَمْ نَعْلَمْ، وهو كَقَوْلِهِمْ في الفِعْلِ المُتَعَدِّي فُلانٌ يُعْطِي ويَمْنَعُ، حَيْثُ لا يُقْصَدُ بِهِ مَفْعُولٌ، وإنَّما يُرادُ إثْباتُ القُدْرَةِ، وعَلى هَذا إنْ قِيلَ: فَما فائِدَةُ العُدُولِ إلى غَيْرِ الحَقِيقَةِ، وتَرْكِ قَوْلِهِ: إنَّهُ لَقَسَمٌ ولا تَعْلَمُونَ ؟ فَنَقُولُ: فائِدَتُهُ تَأْكِيدُ النَّفْيِ؛ لِأنَّ مَن قالَ: لَوْ تَعْلَمُونَ كانَ ذَلِكَ دَعْوى مِنهُ، فَإذا طُولِبَ وقِيلَ: لِمَ قُلْتَ: إنّا لا نَعْلَمُ يَقُولُ: لَوْ تَعْلَمُونَ لَفَعَلْتُمْ كَذا، فَإذا قالَ في ابْتِداءِ الأمْرِ: لا تَعْلَمُونَ كانَ مُرِيدًا لِلنَّفْيِ، فَكَأنَّهُ قالَ: أقُولُ: إنَّكم لا تَعْلَمُونَ قَوْلًا مِن غَيْرِ تَعَلُّقٍ بِدَلِيلٍ وسَبَبٍ. وثانِيهِما: أنْ يَكُونَ لَهُ جَوابٌ تَقْدِيرُهُ: لَوْ تَعْلَمُونَ لَعَظَّمْتُمُوهُ لَكِنَّكم ما عَظَّمْتُمُوهُ، فَعُلِمَ أنَّكم لا تَعْلَمُونَ، إذْ لَوْ تَعْلَمُونَ لَعَظُمَ في أعْيُنِكم، ولا تَعْظِيمَ فَلا تَعْلَمُونَ. صفحة ١٦٥ المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: إنْ قِيلَ قَوْلُهُ: ﴿لَوْ تَعْلَمُونَ﴾ هَلْ لَهُ مَفْعُولٌ أمْ لا ؟ قُلْنا: عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ لا مَفْعُولَ لَهُ، كَما في قَوْلِهِمْ: فُلانٌ يُعْطِي ويَمْنَعُ، وكَأنَّهُ قالَ: لا عِلْمَ لَكم، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: لا عِلْمَ لَكم بِعِظَمِ القَسَمِ، فَيَكُونُ لَهُ مَفْعُولٌ، والأوَّلُ أبْلَغُ وأدْخَلُ في الحُسْنِ؛ لِأنَّهم لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا أصْلًا؛ لِأنَّهم لَوْ عَلِمُوا لَكانَ أوْلى الأشْياءِ بِالعِلْمِ هَذِهِ الأُمُورُ الظّاهِرَةُ بِالبَراهِينِ القاطِعَةِ، فَهو كَقَوْلِهِ: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ﴾ [البقرة: ١٨] وقَوْلِهِ: ﴿كالأنْعامِ بَلْ هم أضَلُّ﴾ [الأعراف: ١٧٩] وعَلى الثّانِي أيْضًا يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: لَوْ كانَ لَكم عِلْمٌ بِالقَسَمِ لَعَظَّمْتُمُوهُ. وثانِيهِما: لَوْ كانَ لَكم عِلْمٌ بِعَظَمَتِهِ لَعَظَّمْتُمُوهُ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: كَيْفَ تَعَلَّقَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوْ تَعْلَمُونَ﴾ بِما قَبْلَهُ وما بَعْدَهُ ؟ فَنَقُولُ: هو كَلامُ اعْتِراضٍ في أثْناءِ الكَلامِ تَقْدِيرُهُ: وإنَّهُ لَقَسَمٌ عَظِيمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ لَصَدَّقْتُمْ، فَإنْ قِيلَ: فَما فائِدَةُ الِاعْتِراضِ ؟ نَقُولُ: الِاهْتِمامُ بِقَطْعِ اعْتِراضِ المُعْتَرِضِ؛ لِأنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿وإنَّهُ لَقَسَمٌ﴾ أرادَ أنْ يَصِفَهُ بِالعَظَمَةِ بِقَوْلِهِ: عَظِيمٌ والكَفّارُ كانُوا يَجْهَلُونَ ذَلِكَ ويَدَّعُونَ العِلْمَ بِأُمُورِ النَّجْمِ، وكانُوا يَقُولُونَ: لَوْ كانَ كَذَلِكَ فَما بالُهُ لا يَحْصُلُ لَنا عِلْمٌ وظَنٌّ، فَقالَ: لَوْ تَعْلَمُونَ لَحَصَلَ لَكُمُ القَطْعُ، وعَلى ما ذَكَرْنا الأمْرُ أظْهَرُ مِن هَذا، وذَلِكَ لِأنّا قُلْنا: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَلا أُقْسِمُ﴾ مَعْناهُ الأمْرُ واضِحٌ مِن أنْ يُصَدَّقَ بِيَمِينٍ، والكُفّارُ كانُوا يَقُولُونَ: أيْنَ الظُّهُورُ ونَحْنُ نَقْطَعُ بِعَدَمِهِ، فَقالَ: لَوْ تَعْلَمُونَ شَيْئًا لَما كانَ كَذَلِكَ، والأظْهَرُ مِنهُ أنّا بَيَّنّا أنَّ كُلَّ ما جَعَلَهُ اللَّهُ قَسَمًا فَهو في نَفْسِهِ دَلِيلٌ عَلى المَطْلُوبِ وأخْرَجَهُ مَخْرَجَ القَسَمِ، فَقَوْلُهُ: ﴿وإنَّهُ لَقَسَمٌ﴾ مَعْناهُ عِنْدَ التَّحْقِيقِ، وإنَّهُ دَلِيلٌ وبُرْهانٌ قَوِيٌّ لَوْ تَعْلَمُونَ وجْهَهُ لاعْتَرَفْتُمْ بِمَدْلُولِهِ، وهو التَّوْحِيدُ والقُدْرَةُ عَلى الحَشْرِ، وذَلِكَ لَأنَّ دَلالَةَ اخْتِصاصِ الكَواكِبِ بِمَواضِعِها في غايَةِ الظُّهُورِ ولا يَلْزَمُ الفَلاسِفَةَ دَلِيلٌ أظْهَرُ مِنهُ، وأمّا المَعْنَوِيَّةُ: فالمَسْألَةُ الأُولى: ما المُقْسَمُ عَلَيْهِ ؟ نَقُولُ: فِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: القُرْآنُ كانُوا يَجْعَلُونَهُ تارَةً شِعْرًا وأُخْرى سِحْرًا وغَيْرَ ذَلِكَ. وثانِيهِما: هو التَّوْحِيدُ والحَشْرُ وهو أظْهَرُ، وقَوْلُهُ: ﴿لَقُرْآنٌ﴾ ابْتِداءُ كَلامٍ وسَنُبَيِّنُ ذَلِكَ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ما الفائِدَةُ في وصْفِهِ بِالعَظِيمِ في قَوْلِهِ: ﴿وإنَّهُ لَقَسَمٌ﴾ فَنَقُولُ: لَمّا قالَ: ﴿فَلا أُقْسِمُ﴾ وكانَ مَعْناهُ: لا أُقْسِمُ بِهَذا لِوُضُوحِ المُقْسَمِ بِهِ عَلَيْهِ. قالَ: لَسْتُ تارِكًا لِلْقَسَمِ بِهَذا؛ لِأنَّهُ لَيْسَ بِقَسَمٍ أوْ لَيْسَ بِقَسَمٍ عَظِيمٍ، بَلْ هو قَسَمٌ عَظِيمٌ ولا أُقْسِمُ بِهِ، بَلْ بِأعْظَمَ مِنهُ أُقْسِمُ لِجَزْمِي بِالأمْرِ وعِلْمِي بِحَقِيقَتِهِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اليَمِينُ في أكْثَرِ الأمْرِ تُوصَفُ بِالمُغَلَّظَةِ والعِظَمِ يُقالُ في المُقْسِمِ: حَلَفَ فُلانٌ بِالأيْمانِ العِظامِ، ثُمَّ تَقُولُ في حَقِّهِ يَمِينٌ مُغَلَّظَةٌ؛ لِأنَّ آثامَها كَبِيرَةٌ. وأمّا في حَقِّ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ فَبِالعَظِيمِ وذَلِكَ هو المُناسِبُ؛ لِأنَّ مَعْناهُ هو الَّذِي قَرُبَ قَوْلُهُ مِن كُلِّ قَلْبٍ ومَلَأ الصَّدْرَ بِالرُّعْبِ لِما بَيَّنّا أنَّ مَعْنى العَظِيمِ فِيهِ ذَلِكَ، كَما أنَّ الجِسْمَ العَظِيمَ هو الَّذِي قَرُبَ مِن أشْياءَ عَظِيمَةٍ ومَلَأ أماكِنَ كَثِيرَةً مِنَ العِظَمِ، كَذَلِكَ العَظِيمُ الَّذِي لَيْسَ بِجِسْمٍ قَرُبَ مِن أُمُورٍ كَثِيرَةٍ، ومَلَأ صُدُورًا كَثِيرَةً.

الواقعة 56:78

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ﴾ ﴿وإنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: في التَّرْتِيبِ ووَجْهُهُ هو أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا أرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدى ودِينِ الحَقِّ آتاهُ كُلَّ ما يَنْبَغِي لَهُ وطَهَّرَهُ عَنْ كُلِّ ما لا يَنْبَغِي لَهُ، فَآتاهُ الحِكْمَةَ وهي البَراهِينُ القاطِعَةُ واسْتِعْمالُها عَلى وُجُوهِها، والمَوْعِظَةَ الحَسَنَةَ وهي الأُمُورُ المُفِيدَةُ المُرَقِّقَةُ لِلْقُلُوبِ المُنَوِّرَةُ لِلصُّدُورِ، والمُجادَلَةَ الَّتِي هي عَلى أحْسَنِ الطُّرُقِ فَأتى بِها وعَجَزَ الكُلُّ عَنْ مُعارَضَتِهِ بِشَيْءٍ ولَمْ يُؤْمِنُوا، والَّذِي يُتْلى عَلَيْهِ كُلُّ ذَلِكَ ولا يُؤْمِنُ لا يَبْقى لَهُ غَيْرَ أنَّهُ يَقُولُ: هَذا البَيانُ لَيْسَ لِظُهُورِ المُدَّعى بَلْ لِقُوَّةِ ذِهْنِ المُدَّعِي وقُوَّتِهِ عَلى تَرْكِيبِ الأدِلَّةِ وهو يَعْلَمُ أنَّهُ يَغْلِبُ بِقُوَّةِ جِدالِهِ لا بِظُهُورِ مَقالِهِ ورُبَّما يَقُولُ أحَدُ المُناظِرَيْنِ لِلْآخَرِ عِنْدَ انْقِطاعِهِ: أنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الحَقَّ بِيَدِي لَكِنْ تَسْتَضْعِفُنِي ولا تُنْصِفُنِي، وحِينَئِذٍ لا يَبْقى لِلْخَصْمِ جَوابٌ غَيْرَ القَسَمِ بِالأيْمانِ الَّتِي لا مَخارِجَ عَنْها أنَّهُ غَيْرُ مُكابِرٍ وأنَّهُ مُنْصِفٌ، وذَلِكَ لِأنَّهُ لَوْ أتى بِدَلِيلٍ آخَرَ لَكانَ لَهُ أنْ يَقُولَ: وهَذا الدَّلِيلُ أيْضًا غَلَبْتَنِي فِيهِ بِقُوَّتِكَ وقُدْرَتِكَ، فَكَذَلِكَ النَّبِيُّ ﷺ لَمّا آتاهُ اللَّهُ جَلَّ وعَزَّ ما يَنْبَغِي قالُوا: إنَّهُ يُرِيدُ التَّفَضُّلَ عَلَيْنا وهو يُجادِلُنا فِيما يَعْلَمُ صفحة ١٦٣ خِلافَهُ، فَلَمْ يَبْقَ لَهُ إلّا أنْ يُقْسِمَ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ أنْواعًا مِنَ القَسَمِ بَعْدَ الدَّلائِلِ، ولِهَذا كَثُرَتِ الأيْمانُ في أوائِلِ التَّنْزِيلِ وفي السُّبُعِ الأخِيرِ خاصَّةً. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في تَعَلُّقِ الباءِ، نَقُولُ: إنَّهُ لَمّا بَيَّنَ أنَّهُ خالِقُ الخَلْقِ والرِّزْقِ ولَهُ العَظَمَةُ بِالدَّلِيلِ القاطِعِ ولَمْ يُؤْمِنُوا قالَ: لَمْ يَبْقَ إلّا القَسَمُ فَأُقْسِمُ بِاللَّهِ إنِّي لَصادِقٌ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ما المَعْنى مِن قَوْلِهِ: ﴿فَلا أُقْسِمُ﴾ مَعَ أنَّكَ تَقُولُ: إنَّهُ قَسَمٌ ؟ نَقُولُ: فِيهِ وُجُوهٌ مَنقُولَةٌ ومَعْقُولَةٌ غَيْرُ مُخالِفَةٍ لِلنَّقْلِ، أمّا المَنقُولُ: فَأحَدُها: أنَّ (لا) زائِدَةٌ مِثْلُها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِئَلّا يَعْلَمَ﴾ [الحديد: ٢٩] مَعْناهُ لِيَعْلَمَ. ثانِيها: أصْلُها لَأُقْسِمُ بِلامِ التَّأْكِيدِ أُشْبِعَتْ فَتْحَتُها فَصارَتْ لا كَما في الوَقْفِ. ثالِثُها: لا نافِيَةٌ وأصْلُهُ عَلى مَقالَتِهِمْ والقَسَمُ بَعْدَها كَأنَّهُ قالَ: لا، واللَّهِ لا صِحَّةَ لِقَوْلِ الكُفّارِ أُقْسِمُ عَلَيْهِ، أمّا المَعْقُولُ فَهو أنَّ كَلِمَةَ لا هي نافِيَةٌ عَلى مَعْناها غَيْرَ أنَّ في الكَلامِ مَجازًا تَرْكِيبِيًّا، وتَقْدِيرُهُ أنْ نَقُولَ: لا في النَّفْيِ هُنا كَهي في قَوْلِ القائِلِ: لا تَسْألْنِي عَمّا جَرى عَلَيَّ، يُشِيرُ إلى أنَّ ما جَرى عَلَيْهِ أعْظَمُ مِن أنْ يُشْرَحَ فَلا يَنْبَغِي أنْ يَسْألَهُ، فَإنَّ غَرَضَهُ مِنَ السُّؤالِ لا يَحْصُلُ ولا يَكُونُ غَرَضُهُ مِن ذَلِكَ النَّهْيِ إلّا بَيانَ عَظَمَةِ الواقِعَةِ، ويَصِيرُ كَأنَّهُ قالَ: جَرى عَلَيَّ أمْرٌ عَظِيمٌ. ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّ السّامِعَ يَقُولُ لَهُ: ماذا جَرى عَلَيْكَ ؟ ولَوْ فَهِمَ مِن حَقِيقَةِ كَلامِهِ النَّهْيَ عَنِ السُّؤالِ لَما قالَ: ماذا جَرى عَلَيْكَ، فَيَصِحُّ مِنهُ أنْ يَقُولَ: أخْطَأْتُ حَيْثُ مَنَعْتُكَ عَنِ السُّؤالِ، ثُمَّ سَألْتَنِي وكَيْفَ لا وكَثِيرًا ما يَقُولُ ذَلِكَ القائِلُ الَّذِي قالَ: لا تَسْألْنِي عِنْدَ سُكُوتِ صاحِبِهِ عَنِ السُّؤالِ، أوْ لا تَسْألْنِي، ولا تَقُولُ: ماذا جَرى عَلَيْكَ ولا يَكُونُ لِلسّامِعِ أنْ يَقُولَ: إنَّكَ مَنَعْتَنِي عَنِ السُّؤالِ كُلُّ ذَلِكَ تَقَرَّرَ في أفْهامِهِمْ أنَّ المُرادَ تَعْظِيمُ الواقِعَةِ لا النَّهْيُ، إذا عُلِمَ هَذا فَنَقُولُ في القَسَمِ مِثْلُ هَذا مَوْجُودٌ مِن أحَدِ وجْهَيْنِ: إمّا لِكَوْنِ الواقِعَةِ في غايَةِ الظُّهُورِ، فَيَقُولُ: لا أُقْسِمُ بِأنَّهُ عَلى هَذا الأمْرِ؛ لِأنَّهُ أظْهَرُ مِن أنْ يُشْهَرَ، وأكْثَرُ مِن أنْ يُنْكَرَ، فَيَقُولُ: لا أُقْسِمُ ولا يُرِيدُ بِهِ القَسَمَ ونَفْيَهُ، وإنَّما يُرِيدُ الإعْلامَ بِأنَّ الواقِعَةَ ظاهِرَةٌ. وإمّا لِكَوْنِ المُقْسَمِ بِهِ فَوْقَ ما يُقْسِمُ بِهِ، والمُقْسِمُ صارَ يُصَدِّقُ نَفْسَهُ فَيَقُولُ لا أُقْسِمُ يَمِينًا بَلْ ألْفَ يَمِينٍ، ولا أُقْسِمُ بِرَأْسِ الأمِيرِ بَلْ بِرَأْسِ السُّلْطانِ، ويَقُولُ: لا أُقْسِمُ بِكَذا مُرِيدًا لِكَوْنِهِ في غايَةِ الجَزْمِ. والثّانِي: يَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّ هَذِهِ الصِّيغَةَ لَمْ تَرِدْ في القُرْآنِ، والمُقْسَمُ بِهِ هو اللَّهُ تَعالى أوْ صِفَةٌ مِن صِفاتِهِ، وإنَّما جاءَتْ أُمُورٌ مَخْلُوقَةٌ والأوَّلُ لا يَرِدُ عَلَيْهِ إشْكالٌ إنْ قُلْنا إنَّ المُقْسَمَ بِهِ في جَمِيعِ المَواضِعِ رَبُّ الأشْياءِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿والصّافّاتِ﴾ [الصافات: ١] المُرادُ مِنهُ رَبُّ الصّافّاتِ ورَبُّ القِيامَةِ ورَبُّ الشَّمْسِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ فَإذًا قَوْلُهُ: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ﴾ أيْ: الأمْرُ أظْهَرُ مِن أنْ يُقْسَمَ عَلَيْهِ، وأنْ يَتَطَرَّقَ الشَّكُّ إلَيْهِ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: مَواقِعُ النُّجُومِ ما هي ؟ فَنَقُولُ: فِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: المَشارِقُ والمَغارِبُ أوِ المَغارِبُ وحْدَها، فَإنَّ عِنْدَها سُقُوطَ النُّجُومِ. الثّانِي: هي مَواضِعُها في السَّماءِ في بُرُوجِها ومَنازِلِها. الثّالِثُ: مَواقِعُها في اتِّباعِ الشَّياطِينِ عِنْدَ المُزاحَمَةِ. الرّابِعُ: مَواقِعُها يَوْمَ القِيامَةِ حِينَ تَنْتَثِرُ النُّجُومُ، وأمّا مَواقِعُ نُجُومِ القُرْآنِ فَهي قُلُوبُ عِبادِهِ ومَلائِكَتِهِ ورُسُلِهِ وصالِحِي المُؤْمِنِينَ، أوْ مَعانِيها وأحْكامُها الَّتِي ورَدَتْ فِيها. المَسْألَةُ الخامِسَةُ: هَلْ في اخْتِصاصِ مَواقِعِ النُّجُومِ لِلْقَسَمِ بِها فائِدَةٌ ؟ قُلْنا: نَعَمْ فائِدَةٌ جَلِيلَةٌ، وبَيانُها أنّا قَدْ ذَكَرْنا أنَّ القَسَمَ بِمَواقِعِها كَما هي قَسَمٌ كَذَلِكَ هي مِنَ الدَّلائِلِ، وقَدْ بَيَّنّاهُ في الذّارِياتِ، وفي الطُّورِ، وفي النَّجْمِ، وغَيْرِها، فَنَقُولُ: هي هُنا أيْضًا كَذَلِكَ، وذَلِكَ مِن حَيْثُ إنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا ذَكَرَ خَلْقَ الآدَمِيِّ مِنَ المَنِيِّ صفحة ١٦٤ ومَوْتَهُ، بَيَّنَ بِإشارَتِهِ إلى إيجادِ الضِّدَّيْنِ في الأنْفُسِ قُدْرَتِهِ واخْتِيارِهِ، ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ دَلِيلًا مِن دَلائِلِ الأنْفُسِ ذَكَرَ مِن دَلائِلِ الآفاقِ أيْضًا قُدْرَتَهُ واخْتِيارَهُ، فَقالَ: ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ﴾ [الواقعة: ٦٣] ﴿أفَرَأيْتُمُ الماءَ﴾ [الواقعة: ٦٨] إلى غَيْرِ ذَلِكَ، وذَكَرَ قُدْرَتَهُ عَلى زَرْعِهِ وجَعْلِهِ حُطامًا، وخَلْقِهِ الماءَ فُراتًا عَذْبًا، وجَعْلِهِ أُجاجًا، إشارَةً إلى أنَّ القادِرَ عَلى الضِّدَّيْنِ مُخْتارٌ، ولَمْ يَكُنْ ذَكَرَ مِنَ الدَّلائِلِ السَّماوِيَّةِ شَيْئًا، فَذَكَرَ الدَّلِيلَ السَّماوِيَّ في مَعْرِضِ القَسَمِ، وقالَ: مَواقِعُ النُّجُومِ، فَإنَّها أيْضًا دَلِيلُ الِاخْتِيارِ؛ لِأنَّ كَوْنَ كُلِّ واحِدٍ في مَوْضِعٍ مِنَ السَّماءِ دُونَ غَيْرِهِ مِنَ المَواضِعِ مَعَ اسْتِواءِ المَواضِعِ في الحَقِيقَةِ دَلِيلُ فاعِلٍ مُخْتارٍ، فَقالَ: ﴿بِمَواقِعِ النُّجُومِ﴾ لَيْسَ إلى البَراهِينِ النَّفْسِيَّةِ والآفاقِيَّةِ بِالذِّكْرِ كَما قالَ تَعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الآفاقِ وفي أنْفُسِهِمْ﴾ [فصلت: ٥٣] وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وفِي الأرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ﴾ ﴿وفِي أنْفُسِكم أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ ﴿وفِي السَّماءِ رِزْقُكم وما تُوعَدُونَ﴾ [الذاريات: ٢١] حَيْثُ ذَكَرَ الأنْواعَ الثَّلاثَةَ كَذَلِكَ هُنا، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ والضَّمِيرُ عائِدٌ إلى القَسَمِ الَّذِي يَتَضَمَّنُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ﴾ فَإنَّهُ يَتَضَمَّنُ ذِكْرَ المَصْدَرِ، ولِهَذا تُوصَفُ المَصادِرُ الَّتِي لَمْ تَظْهَرُ بَعْدَ الفِعْلِ، فَيُقالُ: ضَرَبْتُهُ قَوِيًّا، وفِيهِ مَسائِلُ نَحْوِيَّةٌ ومَعْنَوِيَّةٌ، أمّا النَّحْوِيَّةُ: فالمَسْألَةُ الأُولى: هو أنْ يُقالَ: جَوابُ ﴿لَوْ تَعْلَمُونَ﴾ ماذا ؟ ورُبَّما يَقُولُ بَعْضُ مَن لا يَعْلَمُ: إنَّ جَوابَهُ ما تَقَدَّمَ وهو فاسِدٌ في جَمِيعِ المَواضِعِ؛ لِأنَّ جَوابَ الشَّرْطِ لا يَتَقَدَّمُ، وذَلِكَ لِأنَّ عَمَلَ الحُرُوفِ في مَعْمُولاتِها لا يَكُونُ قَبْلَ وُجُودِها، فَلا يُقالُ: زَيْدًا إنْ قامَ ولا غَيْرُهُ مِنَ الحُرُوفِ والسِّرُّ فِيهِ أنَّ عَمَلَ الحُرُوفِ مُشَبَّهٌ بِعَمَلِ المَعانِي، ويُمَيِّزُ بَيْنَ الفاعِلِ والمَفْعُولِ وغَيْرِهِما، فَإذا كانَ العامِلُ مَعْنًى لا مَوْضِعَ لَهُ في الحِسِّ فَيُعْلَمُ تَقَدُّمُهُ وتَأخُّرُ مُدْرَكٍ بِالحِسِّ، جازَ أنْ يُقالَ: قائِمًا ضَرَبْتُ زَيْدًا، أوْ ضَرْبًا شَدِيدًا ضَرْبَتُهُ، وأمّا الحُرُوفُ فَلَها تَقَدُّمٌ وتَأخُّرٌ مُدْرَكٌ بِالحِسِّ فَلَمْ يُمْكِنْ بَعْدَ عِلْمِنا بِتَأخُّرِها فَرْضُ وُجُودِها مُتَقَدِّمَةً بِخِلافِ المَعانِي، إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: عَمَلُ حَرْفِ الشَّرْطِ في المَعْنى إخْراجُ كُلِّ واحِدَةٍ مِنَ الجُمْلَتَيْنِ عَنْ كَوْنِها جُمْلَةً مُسْتَقِلَّةً، فَإذا قُلْتَ: مَن، وإنْ، لا يُمْكِنُ إخْراجُ الجُمْلَةِ الأُولى عَنْ كَوْنِها جُمْلَةً بَعْدِ وُقُوعِها جُمَلٌ، لِيُعْلَمَ أنَّ حَرْفَها أضْعَفُ مِن عَمَلِ المَعْنى لِتَوَقُّفِهِ عَلى عَمَلِهِ مَعَ أنَّ المَعْنى أمْكَنَ فَرْضُهُ مُتَقَدِّمًا ومُتَأخِّرًا وعَمَلُ الأفْعالِ عَمَلٌ مَعْنَوِيٌّ، وعَمَلُ الحُرُوفِ عَمَلٌ مُشَبَّهٌ بِالمَعْنى، إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وهَمَّ بِها لَوْلا أنْ رَأى﴾ [يوسف: ٢٤] قالَ بَعْضُ الوُعّاظِ مُتَعَلِّقٌ بِلَوْلا، فَلا يَكُونُ الهَمُّ وقَعَ مِنهُ، وهو باطِلٌ لِما ذَكَرْنا، وهُنا أدْخَلُ في البُطْلانِ؛ لِأنَّ المُتَقَدِّمَ لا يَصْلُحُ جَزاءً لِلْمُتَأخِّرِ، فَإنَّ مَن قالَ: لَوْ تَعْلَمُونَ إنَّ زَيْدًا لَقائِمٌ، لَمْ يَأْتِ بِالعَرَبِيَّةِ، إذا تَبَيَّنَ هَذا فالقَوْلُ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يُقالَ: الجَوابُ مَحْذُوفٌ بِالكُلِّيَّةِ لَمْ يُقْصَدْ بِذَلِكَ جَوابٌ، وإنَّما يُرادُ نَفْيُ ما دَخَلَتْ عَلَيْهِ لَوْ، وكَأنَّهُ قالَ: وإنَّهُ لَقَسَمٌ لا تَعْلَمُونَ، وتَحْقِيقُهُ أنَّ لَوْ تُذْكَرُ لِامْتِناعِ الشَّيْءِ لِامْتِناعِ غَيْرِهِ، فَلا بُدَّ مِنَ انْتِفاءِ الأوَّلِ، فَإدْخالُ لَوْ عَلى تَعْلَمُونَ أفادَنا أنَّ عِلْمَهم مُنْتَفٍ، سَواءٌ عَلِمْنا الجَوابَ أوْ لَمْ نَعْلَمْ، وهو كَقَوْلِهِمْ في الفِعْلِ المُتَعَدِّي فُلانٌ يُعْطِي ويَمْنَعُ، حَيْثُ لا يُقْصَدُ بِهِ مَفْعُولٌ، وإنَّما يُرادُ إثْباتُ القُدْرَةِ، وعَلى هَذا إنْ قِيلَ: فَما فائِدَةُ العُدُولِ إلى غَيْرِ الحَقِيقَةِ، وتَرْكِ قَوْلِهِ: إنَّهُ لَقَسَمٌ ولا تَعْلَمُونَ ؟ فَنَقُولُ: فائِدَتُهُ تَأْكِيدُ النَّفْيِ؛ لِأنَّ مَن قالَ: لَوْ تَعْلَمُونَ كانَ ذَلِكَ دَعْوى مِنهُ، فَإذا طُولِبَ وقِيلَ: لِمَ قُلْتَ: إنّا لا نَعْلَمُ يَقُولُ: لَوْ تَعْلَمُونَ لَفَعَلْتُمْ كَذا، فَإذا قالَ في ابْتِداءِ الأمْرِ: لا تَعْلَمُونَ كانَ مُرِيدًا لِلنَّفْيِ، فَكَأنَّهُ قالَ: أقُولُ: إنَّكم لا تَعْلَمُونَ قَوْلًا مِن غَيْرِ تَعَلُّقٍ بِدَلِيلٍ وسَبَبٍ. وثانِيهِما: أنْ يَكُونَ لَهُ جَوابٌ تَقْدِيرُهُ: لَوْ تَعْلَمُونَ لَعَظَّمْتُمُوهُ لَكِنَّكم ما عَظَّمْتُمُوهُ، فَعُلِمَ أنَّكم لا تَعْلَمُونَ، إذْ لَوْ تَعْلَمُونَ لَعَظُمَ في أعْيُنِكم، ولا تَعْظِيمَ فَلا تَعْلَمُونَ. صفحة ١٦٥ المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: إنْ قِيلَ قَوْلُهُ: ﴿لَوْ تَعْلَمُونَ﴾ هَلْ لَهُ مَفْعُولٌ أمْ لا ؟ قُلْنا: عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ لا مَفْعُولَ لَهُ، كَما في قَوْلِهِمْ: فُلانٌ يُعْطِي ويَمْنَعُ، وكَأنَّهُ قالَ: لا عِلْمَ لَكم، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: لا عِلْمَ لَكم بِعِظَمِ القَسَمِ، فَيَكُونُ لَهُ مَفْعُولٌ، والأوَّلُ أبْلَغُ وأدْخَلُ في الحُسْنِ؛ لِأنَّهم لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا أصْلًا؛ لِأنَّهم لَوْ عَلِمُوا لَكانَ أوْلى الأشْياءِ بِالعِلْمِ هَذِهِ الأُمُورُ الظّاهِرَةُ بِالبَراهِينِ القاطِعَةِ، فَهو كَقَوْلِهِ: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ﴾ [البقرة: ١٨] وقَوْلِهِ: ﴿كالأنْعامِ بَلْ هم أضَلُّ﴾ [الأعراف: ١٧٩] وعَلى الثّانِي أيْضًا يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: لَوْ كانَ لَكم عِلْمٌ بِالقَسَمِ لَعَظَّمْتُمُوهُ. وثانِيهِما: لَوْ كانَ لَكم عِلْمٌ بِعَظَمَتِهِ لَعَظَّمْتُمُوهُ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: كَيْفَ تَعَلَّقَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوْ تَعْلَمُونَ﴾ بِما قَبْلَهُ وما بَعْدَهُ ؟ فَنَقُولُ: هو كَلامُ اعْتِراضٍ في أثْناءِ الكَلامِ تَقْدِيرُهُ: وإنَّهُ لَقَسَمٌ عَظِيمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ لَصَدَّقْتُمْ، فَإنْ قِيلَ: فَما فائِدَةُ الِاعْتِراضِ ؟ نَقُولُ: الِاهْتِمامُ بِقَطْعِ اعْتِراضِ المُعْتَرِضِ؛ لِأنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿وإنَّهُ لَقَسَمٌ﴾ أرادَ أنْ يَصِفَهُ بِالعَظَمَةِ بِقَوْلِهِ: عَظِيمٌ والكَفّارُ كانُوا يَجْهَلُونَ ذَلِكَ ويَدَّعُونَ العِلْمَ بِأُمُورِ النَّجْمِ، وكانُوا يَقُولُونَ: لَوْ كانَ كَذَلِكَ فَما بالُهُ لا يَحْصُلُ لَنا عِلْمٌ وظَنٌّ، فَقالَ: لَوْ تَعْلَمُونَ لَحَصَلَ لَكُمُ القَطْعُ، وعَلى ما ذَكَرْنا الأمْرُ أظْهَرُ مِن هَذا، وذَلِكَ لِأنّا قُلْنا: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَلا أُقْسِمُ﴾ مَعْناهُ الأمْرُ واضِحٌ مِن أنْ يُصَدَّقَ بِيَمِينٍ، والكُفّارُ كانُوا يَقُولُونَ: أيْنَ الظُّهُورُ ونَحْنُ نَقْطَعُ بِعَدَمِهِ، فَقالَ: لَوْ تَعْلَمُونَ شَيْئًا لَما كانَ كَذَلِكَ، والأظْهَرُ مِنهُ أنّا بَيَّنّا أنَّ كُلَّ ما جَعَلَهُ اللَّهُ قَسَمًا فَهو في نَفْسِهِ دَلِيلٌ عَلى المَطْلُوبِ وأخْرَجَهُ مَخْرَجَ القَسَمِ، فَقَوْلُهُ: ﴿وإنَّهُ لَقَسَمٌ﴾ مَعْناهُ عِنْدَ التَّحْقِيقِ، وإنَّهُ دَلِيلٌ وبُرْهانٌ قَوِيٌّ لَوْ تَعْلَمُونَ وجْهَهُ لاعْتَرَفْتُمْ بِمَدْلُولِهِ، وهو التَّوْحِيدُ والقُدْرَةُ عَلى الحَشْرِ، وذَلِكَ لَأنَّ دَلالَةَ اخْتِصاصِ الكَواكِبِ بِمَواضِعِها في غايَةِ الظُّهُورِ ولا يَلْزَمُ الفَلاسِفَةَ دَلِيلٌ أظْهَرُ مِنهُ، وأمّا المَعْنَوِيَّةُ: فالمَسْألَةُ الأُولى: ما المُقْسَمُ عَلَيْهِ ؟ نَقُولُ: فِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: القُرْآنُ كانُوا يَجْعَلُونَهُ تارَةً شِعْرًا وأُخْرى سِحْرًا وغَيْرَ ذَلِكَ. وثانِيهِما: هو التَّوْحِيدُ والحَشْرُ وهو أظْهَرُ، وقَوْلُهُ: ﴿لَقُرْآنٌ﴾ ابْتِداءُ كَلامٍ وسَنُبَيِّنُ ذَلِكَ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ما الفائِدَةُ في وصْفِهِ بِالعَظِيمِ في قَوْلِهِ: ﴿وإنَّهُ لَقَسَمٌ﴾ فَنَقُولُ: لَمّا قالَ: ﴿فَلا أُقْسِمُ﴾ وكانَ مَعْناهُ: لا أُقْسِمُ بِهَذا لِوُضُوحِ المُقْسَمِ بِهِ عَلَيْهِ. قالَ: لَسْتُ تارِكًا لِلْقَسَمِ بِهَذا؛ لِأنَّهُ لَيْسَ بِقَسَمٍ أوْ لَيْسَ بِقَسَمٍ عَظِيمٍ، بَلْ هو قَسَمٌ عَظِيمٌ ولا أُقْسِمُ بِهِ، بَلْ بِأعْظَمَ مِنهُ أُقْسِمُ لِجَزْمِي بِالأمْرِ وعِلْمِي بِحَقِيقَتِهِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اليَمِينُ في أكْثَرِ الأمْرِ تُوصَفُ بِالمُغَلَّظَةِ والعِظَمِ يُقالُ في المُقْسِمِ: حَلَفَ فُلانٌ بِالأيْمانِ العِظامِ، ثُمَّ تَقُولُ في حَقِّهِ يَمِينٌ مُغَلَّظَةٌ؛ لِأنَّ آثامَها كَبِيرَةٌ. وأمّا في حَقِّ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ فَبِالعَظِيمِ وذَلِكَ هو المُناسِبُ؛ لِأنَّ مَعْناهُ هو الَّذِي قَرُبَ قَوْلُهُ مِن كُلِّ قَلْبٍ ومَلَأ الصَّدْرَ بِالرُّعْبِ لِما بَيَّنّا أنَّ مَعْنى العَظِيمِ فِيهِ ذَلِكَ، كَما أنَّ الجِسْمَ العَظِيمَ هو الَّذِي قَرُبَ مِن أشْياءَ عَظِيمَةٍ ومَلَأ أماكِنَ كَثِيرَةً مِنَ العِظَمِ، كَذَلِكَ العَظِيمُ الَّذِي لَيْسَ بِجِسْمٍ قَرُبَ مِن أُمُورٍ كَثِيرَةٍ، ومَلَأ صُدُورًا كَثِيرَةً.

الواقعة 56:79

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ﴾ ﴿وإنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: في التَّرْتِيبِ ووَجْهُهُ هو أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا أرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدى ودِينِ الحَقِّ آتاهُ كُلَّ ما يَنْبَغِي لَهُ وطَهَّرَهُ عَنْ كُلِّ ما لا يَنْبَغِي لَهُ، فَآتاهُ الحِكْمَةَ وهي البَراهِينُ القاطِعَةُ واسْتِعْمالُها عَلى وُجُوهِها، والمَوْعِظَةَ الحَسَنَةَ وهي الأُمُورُ المُفِيدَةُ المُرَقِّقَةُ لِلْقُلُوبِ المُنَوِّرَةُ لِلصُّدُورِ، والمُجادَلَةَ الَّتِي هي عَلى أحْسَنِ الطُّرُقِ فَأتى بِها وعَجَزَ الكُلُّ عَنْ مُعارَضَتِهِ بِشَيْءٍ ولَمْ يُؤْمِنُوا، والَّذِي يُتْلى عَلَيْهِ كُلُّ ذَلِكَ ولا يُؤْمِنُ لا يَبْقى لَهُ غَيْرَ أنَّهُ يَقُولُ: هَذا البَيانُ لَيْسَ لِظُهُورِ المُدَّعى بَلْ لِقُوَّةِ ذِهْنِ المُدَّعِي وقُوَّتِهِ عَلى تَرْكِيبِ الأدِلَّةِ وهو يَعْلَمُ أنَّهُ يَغْلِبُ بِقُوَّةِ جِدالِهِ لا بِظُهُورِ مَقالِهِ ورُبَّما يَقُولُ أحَدُ المُناظِرَيْنِ لِلْآخَرِ عِنْدَ انْقِطاعِهِ: أنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الحَقَّ بِيَدِي لَكِنْ تَسْتَضْعِفُنِي ولا تُنْصِفُنِي، وحِينَئِذٍ لا يَبْقى لِلْخَصْمِ جَوابٌ غَيْرَ القَسَمِ بِالأيْمانِ الَّتِي لا مَخارِجَ عَنْها أنَّهُ غَيْرُ مُكابِرٍ وأنَّهُ مُنْصِفٌ، وذَلِكَ لِأنَّهُ لَوْ أتى بِدَلِيلٍ آخَرَ لَكانَ لَهُ أنْ يَقُولَ: وهَذا الدَّلِيلُ أيْضًا غَلَبْتَنِي فِيهِ بِقُوَّتِكَ وقُدْرَتِكَ، فَكَذَلِكَ النَّبِيُّ ﷺ لَمّا آتاهُ اللَّهُ جَلَّ وعَزَّ ما يَنْبَغِي قالُوا: إنَّهُ يُرِيدُ التَّفَضُّلَ عَلَيْنا وهو يُجادِلُنا فِيما يَعْلَمُ صفحة ١٦٣ خِلافَهُ، فَلَمْ يَبْقَ لَهُ إلّا أنْ يُقْسِمَ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ أنْواعًا مِنَ القَسَمِ بَعْدَ الدَّلائِلِ، ولِهَذا كَثُرَتِ الأيْمانُ في أوائِلِ التَّنْزِيلِ وفي السُّبُعِ الأخِيرِ خاصَّةً. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في تَعَلُّقِ الباءِ، نَقُولُ: إنَّهُ لَمّا بَيَّنَ أنَّهُ خالِقُ الخَلْقِ والرِّزْقِ ولَهُ العَظَمَةُ بِالدَّلِيلِ القاطِعِ ولَمْ يُؤْمِنُوا قالَ: لَمْ يَبْقَ إلّا القَسَمُ فَأُقْسِمُ بِاللَّهِ إنِّي لَصادِقٌ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ما المَعْنى مِن قَوْلِهِ: ﴿فَلا أُقْسِمُ﴾ مَعَ أنَّكَ تَقُولُ: إنَّهُ قَسَمٌ ؟ نَقُولُ: فِيهِ وُجُوهٌ مَنقُولَةٌ ومَعْقُولَةٌ غَيْرُ مُخالِفَةٍ لِلنَّقْلِ، أمّا المَنقُولُ: فَأحَدُها: أنَّ (لا) زائِدَةٌ مِثْلُها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِئَلّا يَعْلَمَ﴾ [الحديد: ٢٩] مَعْناهُ لِيَعْلَمَ. ثانِيها: أصْلُها لَأُقْسِمُ بِلامِ التَّأْكِيدِ أُشْبِعَتْ فَتْحَتُها فَصارَتْ لا كَما في الوَقْفِ. ثالِثُها: لا نافِيَةٌ وأصْلُهُ عَلى مَقالَتِهِمْ والقَسَمُ بَعْدَها كَأنَّهُ قالَ: لا، واللَّهِ لا صِحَّةَ لِقَوْلِ الكُفّارِ أُقْسِمُ عَلَيْهِ، أمّا المَعْقُولُ فَهو أنَّ كَلِمَةَ لا هي نافِيَةٌ عَلى مَعْناها غَيْرَ أنَّ في الكَلامِ مَجازًا تَرْكِيبِيًّا، وتَقْدِيرُهُ أنْ نَقُولَ: لا في النَّفْيِ هُنا كَهي في قَوْلِ القائِلِ: لا تَسْألْنِي عَمّا جَرى عَلَيَّ، يُشِيرُ إلى أنَّ ما جَرى عَلَيْهِ أعْظَمُ مِن أنْ يُشْرَحَ فَلا يَنْبَغِي أنْ يَسْألَهُ، فَإنَّ غَرَضَهُ مِنَ السُّؤالِ لا يَحْصُلُ ولا يَكُونُ غَرَضُهُ مِن ذَلِكَ النَّهْيِ إلّا بَيانَ عَظَمَةِ الواقِعَةِ، ويَصِيرُ كَأنَّهُ قالَ: جَرى عَلَيَّ أمْرٌ عَظِيمٌ. ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّ السّامِعَ يَقُولُ لَهُ: ماذا جَرى عَلَيْكَ ؟ ولَوْ فَهِمَ مِن حَقِيقَةِ كَلامِهِ النَّهْيَ عَنِ السُّؤالِ لَما قالَ: ماذا جَرى عَلَيْكَ، فَيَصِحُّ مِنهُ أنْ يَقُولَ: أخْطَأْتُ حَيْثُ مَنَعْتُكَ عَنِ السُّؤالِ، ثُمَّ سَألْتَنِي وكَيْفَ لا وكَثِيرًا ما يَقُولُ ذَلِكَ القائِلُ الَّذِي قالَ: لا تَسْألْنِي عِنْدَ سُكُوتِ صاحِبِهِ عَنِ السُّؤالِ، أوْ لا تَسْألْنِي، ولا تَقُولُ: ماذا جَرى عَلَيْكَ ولا يَكُونُ لِلسّامِعِ أنْ يَقُولَ: إنَّكَ مَنَعْتَنِي عَنِ السُّؤالِ كُلُّ ذَلِكَ تَقَرَّرَ في أفْهامِهِمْ أنَّ المُرادَ تَعْظِيمُ الواقِعَةِ لا النَّهْيُ، إذا عُلِمَ هَذا فَنَقُولُ في القَسَمِ مِثْلُ هَذا مَوْجُودٌ مِن أحَدِ وجْهَيْنِ: إمّا لِكَوْنِ الواقِعَةِ في غايَةِ الظُّهُورِ، فَيَقُولُ: لا أُقْسِمُ بِأنَّهُ عَلى هَذا الأمْرِ؛ لِأنَّهُ أظْهَرُ مِن أنْ يُشْهَرَ، وأكْثَرُ مِن أنْ يُنْكَرَ، فَيَقُولُ: لا أُقْسِمُ ولا يُرِيدُ بِهِ القَسَمَ ونَفْيَهُ، وإنَّما يُرِيدُ الإعْلامَ بِأنَّ الواقِعَةَ ظاهِرَةٌ. وإمّا لِكَوْنِ المُقْسَمِ بِهِ فَوْقَ ما يُقْسِمُ بِهِ، والمُقْسِمُ صارَ يُصَدِّقُ نَفْسَهُ فَيَقُولُ لا أُقْسِمُ يَمِينًا بَلْ ألْفَ يَمِينٍ، ولا أُقْسِمُ بِرَأْسِ الأمِيرِ بَلْ بِرَأْسِ السُّلْطانِ، ويَقُولُ: لا أُقْسِمُ بِكَذا مُرِيدًا لِكَوْنِهِ في غايَةِ الجَزْمِ. والثّانِي: يَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّ هَذِهِ الصِّيغَةَ لَمْ تَرِدْ في القُرْآنِ، والمُقْسَمُ بِهِ هو اللَّهُ تَعالى أوْ صِفَةٌ مِن صِفاتِهِ، وإنَّما جاءَتْ أُمُورٌ مَخْلُوقَةٌ والأوَّلُ لا يَرِدُ عَلَيْهِ إشْكالٌ إنْ قُلْنا إنَّ المُقْسَمَ بِهِ في جَمِيعِ المَواضِعِ رَبُّ الأشْياءِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿والصّافّاتِ﴾ [الصافات: ١] المُرادُ مِنهُ رَبُّ الصّافّاتِ ورَبُّ القِيامَةِ ورَبُّ الشَّمْسِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ فَإذًا قَوْلُهُ: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ﴾ أيْ: الأمْرُ أظْهَرُ مِن أنْ يُقْسَمَ عَلَيْهِ، وأنْ يَتَطَرَّقَ الشَّكُّ إلَيْهِ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: مَواقِعُ النُّجُومِ ما هي ؟ فَنَقُولُ: فِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: المَشارِقُ والمَغارِبُ أوِ المَغارِبُ وحْدَها، فَإنَّ عِنْدَها سُقُوطَ النُّجُومِ. الثّانِي: هي مَواضِعُها في السَّماءِ في بُرُوجِها ومَنازِلِها. الثّالِثُ: مَواقِعُها في اتِّباعِ الشَّياطِينِ عِنْدَ المُزاحَمَةِ. الرّابِعُ: مَواقِعُها يَوْمَ القِيامَةِ حِينَ تَنْتَثِرُ النُّجُومُ، وأمّا مَواقِعُ نُجُومِ القُرْآنِ فَهي قُلُوبُ عِبادِهِ ومَلائِكَتِهِ ورُسُلِهِ وصالِحِي المُؤْمِنِينَ، أوْ مَعانِيها وأحْكامُها الَّتِي ورَدَتْ فِيها. المَسْألَةُ الخامِسَةُ: هَلْ في اخْتِصاصِ مَواقِعِ النُّجُومِ لِلْقَسَمِ بِها فائِدَةٌ ؟ قُلْنا: نَعَمْ فائِدَةٌ جَلِيلَةٌ، وبَيانُها أنّا قَدْ ذَكَرْنا أنَّ القَسَمَ بِمَواقِعِها كَما هي قَسَمٌ كَذَلِكَ هي مِنَ الدَّلائِلِ، وقَدْ بَيَّنّاهُ في الذّارِياتِ، وفي الطُّورِ، وفي النَّجْمِ، وغَيْرِها، فَنَقُولُ: هي هُنا أيْضًا كَذَلِكَ، وذَلِكَ مِن حَيْثُ إنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا ذَكَرَ خَلْقَ الآدَمِيِّ مِنَ المَنِيِّ صفحة ١٦٤ ومَوْتَهُ، بَيَّنَ بِإشارَتِهِ إلى إيجادِ الضِّدَّيْنِ في الأنْفُسِ قُدْرَتِهِ واخْتِيارِهِ، ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ دَلِيلًا مِن دَلائِلِ الأنْفُسِ ذَكَرَ مِن دَلائِلِ الآفاقِ أيْضًا قُدْرَتَهُ واخْتِيارَهُ، فَقالَ: ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ﴾ [الواقعة: ٦٣] ﴿أفَرَأيْتُمُ الماءَ﴾ [الواقعة: ٦٨] إلى غَيْرِ ذَلِكَ، وذَكَرَ قُدْرَتَهُ عَلى زَرْعِهِ وجَعْلِهِ حُطامًا، وخَلْقِهِ الماءَ فُراتًا عَذْبًا، وجَعْلِهِ أُجاجًا، إشارَةً إلى أنَّ القادِرَ عَلى الضِّدَّيْنِ مُخْتارٌ، ولَمْ يَكُنْ ذَكَرَ مِنَ الدَّلائِلِ السَّماوِيَّةِ شَيْئًا، فَذَكَرَ الدَّلِيلَ السَّماوِيَّ في مَعْرِضِ القَسَمِ، وقالَ: مَواقِعُ النُّجُومِ، فَإنَّها أيْضًا دَلِيلُ الِاخْتِيارِ؛ لِأنَّ كَوْنَ كُلِّ واحِدٍ في مَوْضِعٍ مِنَ السَّماءِ دُونَ غَيْرِهِ مِنَ المَواضِعِ مَعَ اسْتِواءِ المَواضِعِ في الحَقِيقَةِ دَلِيلُ فاعِلٍ مُخْتارٍ، فَقالَ: ﴿بِمَواقِعِ النُّجُومِ﴾ لَيْسَ إلى البَراهِينِ النَّفْسِيَّةِ والآفاقِيَّةِ بِالذِّكْرِ كَما قالَ تَعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الآفاقِ وفي أنْفُسِهِمْ﴾ [فصلت: ٥٣] وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وفِي الأرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ﴾ ﴿وفِي أنْفُسِكم أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ ﴿وفِي السَّماءِ رِزْقُكم وما تُوعَدُونَ﴾ [الذاريات: ٢١] حَيْثُ ذَكَرَ الأنْواعَ الثَّلاثَةَ كَذَلِكَ هُنا، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ والضَّمِيرُ عائِدٌ إلى القَسَمِ الَّذِي يَتَضَمَّنُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ﴾ فَإنَّهُ يَتَضَمَّنُ ذِكْرَ المَصْدَرِ، ولِهَذا تُوصَفُ المَصادِرُ الَّتِي لَمْ تَظْهَرُ بَعْدَ الفِعْلِ، فَيُقالُ: ضَرَبْتُهُ قَوِيًّا، وفِيهِ مَسائِلُ نَحْوِيَّةٌ ومَعْنَوِيَّةٌ، أمّا النَّحْوِيَّةُ: فالمَسْألَةُ الأُولى: هو أنْ يُقالَ: جَوابُ ﴿لَوْ تَعْلَمُونَ﴾ ماذا ؟ ورُبَّما يَقُولُ بَعْضُ مَن لا يَعْلَمُ: إنَّ جَوابَهُ ما تَقَدَّمَ وهو فاسِدٌ في جَمِيعِ المَواضِعِ؛ لِأنَّ جَوابَ الشَّرْطِ لا يَتَقَدَّمُ، وذَلِكَ لِأنَّ عَمَلَ الحُرُوفِ في مَعْمُولاتِها لا يَكُونُ قَبْلَ وُجُودِها، فَلا يُقالُ: زَيْدًا إنْ قامَ ولا غَيْرُهُ مِنَ الحُرُوفِ والسِّرُّ فِيهِ أنَّ عَمَلَ الحُرُوفِ مُشَبَّهٌ بِعَمَلِ المَعانِي، ويُمَيِّزُ بَيْنَ الفاعِلِ والمَفْعُولِ وغَيْرِهِما، فَإذا كانَ العامِلُ مَعْنًى لا مَوْضِعَ لَهُ في الحِسِّ فَيُعْلَمُ تَقَدُّمُهُ وتَأخُّرُ مُدْرَكٍ بِالحِسِّ، جازَ أنْ يُقالَ: قائِمًا ضَرَبْتُ زَيْدًا، أوْ ضَرْبًا شَدِيدًا ضَرْبَتُهُ، وأمّا الحُرُوفُ فَلَها تَقَدُّمٌ وتَأخُّرٌ مُدْرَكٌ بِالحِسِّ فَلَمْ يُمْكِنْ بَعْدَ عِلْمِنا بِتَأخُّرِها فَرْضُ وُجُودِها مُتَقَدِّمَةً بِخِلافِ المَعانِي، إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: عَمَلُ حَرْفِ الشَّرْطِ في المَعْنى إخْراجُ كُلِّ واحِدَةٍ مِنَ الجُمْلَتَيْنِ عَنْ كَوْنِها جُمْلَةً مُسْتَقِلَّةً، فَإذا قُلْتَ: مَن، وإنْ، لا يُمْكِنُ إخْراجُ الجُمْلَةِ الأُولى عَنْ كَوْنِها جُمْلَةً بَعْدِ وُقُوعِها جُمَلٌ، لِيُعْلَمَ أنَّ حَرْفَها أضْعَفُ مِن عَمَلِ المَعْنى لِتَوَقُّفِهِ عَلى عَمَلِهِ مَعَ أنَّ المَعْنى أمْكَنَ فَرْضُهُ مُتَقَدِّمًا ومُتَأخِّرًا وعَمَلُ الأفْعالِ عَمَلٌ مَعْنَوِيٌّ، وعَمَلُ الحُرُوفِ عَمَلٌ مُشَبَّهٌ بِالمَعْنى، إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وهَمَّ بِها لَوْلا أنْ رَأى﴾ [يوسف: ٢٤] قالَ بَعْضُ الوُعّاظِ مُتَعَلِّقٌ بِلَوْلا، فَلا يَكُونُ الهَمُّ وقَعَ مِنهُ، وهو باطِلٌ لِما ذَكَرْنا، وهُنا أدْخَلُ في البُطْلانِ؛ لِأنَّ المُتَقَدِّمَ لا يَصْلُحُ جَزاءً لِلْمُتَأخِّرِ، فَإنَّ مَن قالَ: لَوْ تَعْلَمُونَ إنَّ زَيْدًا لَقائِمٌ، لَمْ يَأْتِ بِالعَرَبِيَّةِ، إذا تَبَيَّنَ هَذا فالقَوْلُ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يُقالَ: الجَوابُ مَحْذُوفٌ بِالكُلِّيَّةِ لَمْ يُقْصَدْ بِذَلِكَ جَوابٌ، وإنَّما يُرادُ نَفْيُ ما دَخَلَتْ عَلَيْهِ لَوْ، وكَأنَّهُ قالَ: وإنَّهُ لَقَسَمٌ لا تَعْلَمُونَ، وتَحْقِيقُهُ أنَّ لَوْ تُذْكَرُ لِامْتِناعِ الشَّيْءِ لِامْتِناعِ غَيْرِهِ، فَلا بُدَّ مِنَ انْتِفاءِ الأوَّلِ، فَإدْخالُ لَوْ عَلى تَعْلَمُونَ أفادَنا أنَّ عِلْمَهم مُنْتَفٍ، سَواءٌ عَلِمْنا الجَوابَ أوْ لَمْ نَعْلَمْ، وهو كَقَوْلِهِمْ في الفِعْلِ المُتَعَدِّي فُلانٌ يُعْطِي ويَمْنَعُ، حَيْثُ لا يُقْصَدُ بِهِ مَفْعُولٌ، وإنَّما يُرادُ إثْباتُ القُدْرَةِ، وعَلى هَذا إنْ قِيلَ: فَما فائِدَةُ العُدُولِ إلى غَيْرِ الحَقِيقَةِ، وتَرْكِ قَوْلِهِ: إنَّهُ لَقَسَمٌ ولا تَعْلَمُونَ ؟ فَنَقُولُ: فائِدَتُهُ تَأْكِيدُ النَّفْيِ؛ لِأنَّ مَن قالَ: لَوْ تَعْلَمُونَ كانَ ذَلِكَ دَعْوى مِنهُ، فَإذا طُولِبَ وقِيلَ: لِمَ قُلْتَ: إنّا لا نَعْلَمُ يَقُولُ: لَوْ تَعْلَمُونَ لَفَعَلْتُمْ كَذا، فَإذا قالَ في ابْتِداءِ الأمْرِ: لا تَعْلَمُونَ كانَ مُرِيدًا لِلنَّفْيِ، فَكَأنَّهُ قالَ: أقُولُ: إنَّكم لا تَعْلَمُونَ قَوْلًا مِن غَيْرِ تَعَلُّقٍ بِدَلِيلٍ وسَبَبٍ. وثانِيهِما: أنْ يَكُونَ لَهُ جَوابٌ تَقْدِيرُهُ: لَوْ تَعْلَمُونَ لَعَظَّمْتُمُوهُ لَكِنَّكم ما عَظَّمْتُمُوهُ، فَعُلِمَ أنَّكم لا تَعْلَمُونَ، إذْ لَوْ تَعْلَمُونَ لَعَظُمَ في أعْيُنِكم، ولا تَعْظِيمَ فَلا تَعْلَمُونَ. صفحة ١٦٥ المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: إنْ قِيلَ قَوْلُهُ: ﴿لَوْ تَعْلَمُونَ﴾ هَلْ لَهُ مَفْعُولٌ أمْ لا ؟ قُلْنا: عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ لا مَفْعُولَ لَهُ، كَما في قَوْلِهِمْ: فُلانٌ يُعْطِي ويَمْنَعُ، وكَأنَّهُ قالَ: لا عِلْمَ لَكم، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: لا عِلْمَ لَكم بِعِظَمِ القَسَمِ، فَيَكُونُ لَهُ مَفْعُولٌ، والأوَّلُ أبْلَغُ وأدْخَلُ في الحُسْنِ؛ لِأنَّهم لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا أصْلًا؛ لِأنَّهم لَوْ عَلِمُوا لَكانَ أوْلى الأشْياءِ بِالعِلْمِ هَذِهِ الأُمُورُ الظّاهِرَةُ بِالبَراهِينِ القاطِعَةِ، فَهو كَقَوْلِهِ: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ﴾ [البقرة: ١٨] وقَوْلِهِ: ﴿كالأنْعامِ بَلْ هم أضَلُّ﴾ [الأعراف: ١٧٩] وعَلى الثّانِي أيْضًا يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: لَوْ كانَ لَكم عِلْمٌ بِالقَسَمِ لَعَظَّمْتُمُوهُ. وثانِيهِما: لَوْ كانَ لَكم عِلْمٌ بِعَظَمَتِهِ لَعَظَّمْتُمُوهُ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: كَيْفَ تَعَلَّقَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوْ تَعْلَمُونَ﴾ بِما قَبْلَهُ وما بَعْدَهُ ؟ فَنَقُولُ: هو كَلامُ اعْتِراضٍ في أثْناءِ الكَلامِ تَقْدِيرُهُ: وإنَّهُ لَقَسَمٌ عَظِيمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ لَصَدَّقْتُمْ، فَإنْ قِيلَ: فَما فائِدَةُ الِاعْتِراضِ ؟ نَقُولُ: الِاهْتِمامُ بِقَطْعِ اعْتِراضِ المُعْتَرِضِ؛ لِأنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿وإنَّهُ لَقَسَمٌ﴾ أرادَ أنْ يَصِفَهُ بِالعَظَمَةِ بِقَوْلِهِ: عَظِيمٌ والكَفّارُ كانُوا يَجْهَلُونَ ذَلِكَ ويَدَّعُونَ العِلْمَ بِأُمُورِ النَّجْمِ، وكانُوا يَقُولُونَ: لَوْ كانَ كَذَلِكَ فَما بالُهُ لا يَحْصُلُ لَنا عِلْمٌ وظَنٌّ، فَقالَ: لَوْ تَعْلَمُونَ لَحَصَلَ لَكُمُ القَطْعُ، وعَلى ما ذَكَرْنا الأمْرُ أظْهَرُ مِن هَذا، وذَلِكَ لِأنّا قُلْنا: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَلا أُقْسِمُ﴾ مَعْناهُ الأمْرُ واضِحٌ مِن أنْ يُصَدَّقَ بِيَمِينٍ، والكُفّارُ كانُوا يَقُولُونَ: أيْنَ الظُّهُورُ ونَحْنُ نَقْطَعُ بِعَدَمِهِ، فَقالَ: لَوْ تَعْلَمُونَ شَيْئًا لَما كانَ كَذَلِكَ، والأظْهَرُ مِنهُ أنّا بَيَّنّا أنَّ كُلَّ ما جَعَلَهُ اللَّهُ قَسَمًا فَهو في نَفْسِهِ دَلِيلٌ عَلى المَطْلُوبِ وأخْرَجَهُ مَخْرَجَ القَسَمِ، فَقَوْلُهُ: ﴿وإنَّهُ لَقَسَمٌ﴾ مَعْناهُ عِنْدَ التَّحْقِيقِ، وإنَّهُ دَلِيلٌ وبُرْهانٌ قَوِيٌّ لَوْ تَعْلَمُونَ وجْهَهُ لاعْتَرَفْتُمْ بِمَدْلُولِهِ، وهو التَّوْحِيدُ والقُدْرَةُ عَلى الحَشْرِ، وذَلِكَ لَأنَّ دَلالَةَ اخْتِصاصِ الكَواكِبِ بِمَواضِعِها في غايَةِ الظُّهُورِ ولا يَلْزَمُ الفَلاسِفَةَ دَلِيلٌ أظْهَرُ مِنهُ، وأمّا المَعْنَوِيَّةُ: فالمَسْألَةُ الأُولى: ما المُقْسَمُ عَلَيْهِ ؟ نَقُولُ: فِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: القُرْآنُ كانُوا يَجْعَلُونَهُ تارَةً شِعْرًا وأُخْرى سِحْرًا وغَيْرَ ذَلِكَ. وثانِيهِما: هو التَّوْحِيدُ والحَشْرُ وهو أظْهَرُ، وقَوْلُهُ: ﴿لَقُرْآنٌ﴾ ابْتِداءُ كَلامٍ وسَنُبَيِّنُ ذَلِكَ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ما الفائِدَةُ في وصْفِهِ بِالعَظِيمِ في قَوْلِهِ: ﴿وإنَّهُ لَقَسَمٌ﴾ فَنَقُولُ: لَمّا قالَ: ﴿فَلا أُقْسِمُ﴾ وكانَ مَعْناهُ: لا أُقْسِمُ بِهَذا لِوُضُوحِ المُقْسَمِ بِهِ عَلَيْهِ. قالَ: لَسْتُ تارِكًا لِلْقَسَمِ بِهَذا؛ لِأنَّهُ لَيْسَ بِقَسَمٍ أوْ لَيْسَ بِقَسَمٍ عَظِيمٍ، بَلْ هو قَسَمٌ عَظِيمٌ ولا أُقْسِمُ بِهِ، بَلْ بِأعْظَمَ مِنهُ أُقْسِمُ لِجَزْمِي بِالأمْرِ وعِلْمِي بِحَقِيقَتِهِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اليَمِينُ في أكْثَرِ الأمْرِ تُوصَفُ بِالمُغَلَّظَةِ والعِظَمِ يُقالُ في المُقْسِمِ: حَلَفَ فُلانٌ بِالأيْمانِ العِظامِ، ثُمَّ تَقُولُ في حَقِّهِ يَمِينٌ مُغَلَّظَةٌ؛ لِأنَّ آثامَها كَبِيرَةٌ. وأمّا في حَقِّ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ فَبِالعَظِيمِ وذَلِكَ هو المُناسِبُ؛ لِأنَّ مَعْناهُ هو الَّذِي قَرُبَ قَوْلُهُ مِن كُلِّ قَلْبٍ ومَلَأ الصَّدْرَ بِالرُّعْبِ لِما بَيَّنّا أنَّ مَعْنى العَظِيمِ فِيهِ ذَلِكَ، كَما أنَّ الجِسْمَ العَظِيمَ هو الَّذِي قَرُبَ مِن أشْياءَ عَظِيمَةٍ ومَلَأ أماكِنَ كَثِيرَةً مِنَ العِظَمِ، كَذَلِكَ العَظِيمُ الَّذِي لَيْسَ بِجِسْمٍ قَرُبَ مِن أُمُورٍ كَثِيرَةٍ، ومَلَأ صُدُورًا كَثِيرَةً.

الواقعة 56:80

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ ﴿فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ﴾ ﴿لا يَمَسُّهُ إلّا المُطَهَّرُونَ﴾ ﴿تَنْزِيلٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: صفحة ١٦٦ المَسْألَةُ الأُولى: الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّهُ﴾ عائِدٌ إلى ماذا ؟ فَنَقُولُ: فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: إلى مَعْلُومٍ وهو الكَلامُ الَّذِي أُنْزِلَ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ، وكانَ مَعْرُوفًا عِنْدَ الكُلِّ، وكانَ الكُفّارُ يَقُولُونَ: إنَّهُ شِعْرٌ وإنَّهُ سِحْرٌ، فَقالَ تَعالى رَدًّا عَلَيْهِمْ: ﴿إنَّهُ لَقُرْآنٌ﴾ عائِدٌ إلى مَذْكُورٍ وهو جَمِيعُ ما سَبَقَ في سُورَةِ الواقِعَةِ مِنَ التَّوْحِيدِ، والحَشْرِ، والدَّلائِلِ المَذْكُورَةِ عَلَيْهِما، والقَسَمِ الَّذِي قالَ فِيهِ: ﴿وإنَّهُ لَقَسَمٌ﴾ وذَلِكَ لِأنَّهم قالُوا: هَذا كُلُّهُ كَلامُ مُحَمَّدٍ ومُخْتَرَعٌ مِن عِنْدِهِ، فَقالَ: ﴿إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ ﴿فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ﴾ . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: القُرْآنُ مَصْدَرٌ أوِ اسْمٌ غَيْرُ مَصْدَرٍ ؟ فَنَقُولُ: فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مَصْدَرٌ أُرِيدَ بِهِ المَفْعُولُ وهو المَقْرُوءُ ومِثْلُهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْ أنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الجِبالُ﴾ [الرعد: ٣١] وهَذا كَما يُقالُ في الجِسْمِ العَظِيمِ: انْظُرْ إلى قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى أيْ مَقْدُورِهِ وهو كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَذا خَلْقُ اللَّهِ فَأرُونِي﴾ [لقمان: ١١] وعَلى هَذا سَنُبَيِّنُ فَسادَ قَوْلِ مَن رَدَّ عَلى الفُقَهاءِ قَوْلَهم في بابِ الزَّكاةِ: يُعْطِي شَيْئًا أعْلى مِمّا وجَبَ ويَأْخُذُ الجُبْرانَ أوْ يُعْطِي شَيْئًا دُونَهُ، ويُعْطِي الجُبْرانَ أيْضًا، حَيْثُ قالَ: الجُبْرانُ مَصْدَرٌ لا يُؤْخَذُ ولا يُعْطى، فَيُقالُ لَهُ هو كالقُرْآنِ بِمَعْنى المَقْرُوءِ، ويَجُوزُ أنْ يُقالَ لِما أُخِذَ جابِرٌ أوْ مَجْبُورٌ أوْ يُقالُ: هو اسْمٌ لِما يُجْبَرُ بِهِ كالقُرْبانِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: إذا كانَ هَذا الكَلامُ لِلرَّدِّ عَلى المُشْرِكِينَ فَهم ما كانُوا يُنْكِرُونَ كَوْنَهُ مَقْرُوءًا فَما الفائِدَةُ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ لَقُرْآنٌ﴾ ؟ نَقُولُ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ إخْبارٌ عَنِ الكُلِّ وهو قَوْلُهُ: ﴿لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ فَهم كانُوا يُنْكِرُونَ كَوْنَهُ قُرْآنًا كَرِيمًا، وهم ما كانُوا يُقِرُّونَ بِهِ. وثانِيهِما: وهُوَ أحْسَنُ مِنَ الأوَّلِ، أنَّهم قالُوا: هو مُخْتَرَعٌ مِن عِنْدِهِ وكانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: إنَّهُ مَسْمُوعٌ سَمِعْتُهُ وتَلَوْتُهُ عَلَيْكم فَما كانَ القُرْآنُ عِنْدَهم مَقْرُوءًا، وما كانُوا يَقُولُونَ: إنَّ النَّبِيَّ ﷺ يَقْرَأُ القُرْآنَ، وفَرْقٌ بَيْنَ القِراءَةِ والإنْشاءِ، فَلَمّا قالَ: ﴿إنَّهُ لَقُرْآنٌ﴾ أثْبَتَ كَوْنَهُ مَقْرُوءًا عَلى النَّبِيِّ ﷺ لِيُقْرَأ ويُتْلى فَقالَ تَعالى: ﴿إنَّهُ لَقُرْآنٌ﴾ سَمّاهُ قُرْآنًا لِكَثْرَةِ ما قُرِئَ، ويُقْرَأُ إلى الأبَدِ بَعْضُهُ في الدُّنْيا وبَعْضُهُ في الآخِرَةِ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿كَرِيمٌ﴾ فِيهِ لَطِيفَةٌ ؟ وهي أنَّ الكَلامَ إذا قُرِئَ كَثِيرًا يَهُونُ في الأعْيُنِ والآذانِ، ولِهَذا تَرى مَن قالَ شَيْئًا في مَجْلِسِ المُلُوكِ لا يَذْكُرُهُ ثانِيًا، ولَوْ قِيلَ فِيهِ يُقالُ لِقائِلِهِ لِمَ تُكَرِّرُ هَذا، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿إنَّهُ لَقُرْآنٌ﴾ أيْ مَقْرُوءٌ، قُرِئَ ويُقْرَأُ، قالَ: ﴿كَرِيمٌ﴾ أيْ لا يَهُونُ بِكَثْرَةِ التِّلاوَةَ ويَبْقى أبَدَ الدَّهْرِ كالكَلامِ الغَضِّ والحَدِيثِ الطَّرِيِّ، ومِن هُنا يَقَعُ أنَّ وصْفَ القُرْآنِ بِالحَدِيثِ مَعَ أنَّهُ قَدِيمٌ يَسْتَمِدُّ مِن هَذا مَدَدًا فَهو قَدِيمٌ يَسْمَعُهُ السّامِعُونَ كَأنَّهُ كَلامُ السّاعَةِ، وما قَرَعَ سَمْعَ الجَماعَةِ؛ لِأنَّ المَلائِكَةَ الَّذِينَ عَلِمُوهُ قَبْلَ النَّبِيِّ بِأُلُوفٍ مِنَ السِّنِينَ إذا سَمِعُوهُ مِن أحَدِنا يَتَلَذَّذُونَ بِهِ التِذاذَ السّامِعِ بِكَلامٍ جَدِيدٍ لَمْ يُذْكَرْ لَهُ مِن قَبْلُ، والكَرِيمُ اسْمٌ جامِعٌ لِصِفاتِ المَدْحِ، قِيلَ: الكَرِيمُ هو الَّذِي كانَ طاهِرَ الأصْلِ ظاهِرَ الفَضْلِ، حَتّى إنَّ مَن أصْلُهُ غَيْرُ زَكِيٍّ لا يُقالُ لَهُ كَرِيمٌ مُطْلَقًا، بَلْ يُقالُ لَهُ: كَرِيمٌ في نَفْسِهِ، ومَن يَكُونُ زَكِيَّ الأصْلِ غَيْرَ زَكِيِّ النَّفْسِ لا يُقالُ لَهُ: كَرِيمٌ إلّا مَعَ تَقْيِيدٍ، فَيُقالُ: هو كَرِيمُ الأصْلِ لَكِنَّهُ خَسِيسٌ في نَفْسِهِ، ثُمَّ إنَّ السَّخِيَّ المُجَرَّدَ هو الَّذِي يَكْثُرُ عَطاؤُهُ لِلنّاسِ، أوْ يَسْهُلُ عَطاؤُهُ ويُسَمّى كَرِيمًا، وإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فَضْلٌ آخَرُ لا عَلى الحَقِيقَةِ ولَكِنَّ ذَلِكَ لِسَبَبٍ، وهو أنَّ النّاسَ يُحِبُّونَ مَن يُعْطِيهِمْ، ويَفْرَحُونَ بِمَن يُعْطِي أكْثَرَ مِمّا يَفْرَحُونَ بِغَيْرِهِ، فَإذا رَأوْا زاهِدًا أوْ عالِمًا لا يُسَمُّونَهُ كَرِيمًا، ويُؤَيِّدُ هَذا أنَّهم إذا رَأوْا واحِدًا لا يَطْلُبُ مِنهم شَيْئًا يُسَمُّونَهُ كَرِيمَ النَّفْسِ لِمُجَرَّدِ تَرْكِهِ الِاسْتِعْطاءَ لَمّا أنَّ الأخْذَ مِنهم صَعْبٌ عَلَيْهِمْ وهَذا كُلُّهُ في العادَةِ الرَّدِيئَةِ، وأمّا في الأصْلِ فَيُقالُ: الكَرِيمُ هو صفحة ١٦٧ الَّذِي اسْتُجْمِعَ فِيهِ ما يَنْبَغِي مِن طَهارَةِ الأصْلِ وظُهُورِ الفَضْلِ، ويَدُلُّ عَلى هَذا أنَّ السَّخِيَّ في مُعامَلَتِهِ يَنْبَغِي أنْ لا يُوجَدَ مِنهُ ما يُقالُ بِسَبَبِهِ إنَّهُ لَئِيمٌ، فالقُرْآنُ أيْضًا كَرِيمٌ بِمَعْنى طاهِرِ الأصْلِ ظاهِرِ الفَضْلِ، لَفْظُهُ فَصِيحٌ، ومَعْناهُ صَحِيحٌ لَكِنَّ القُرْآنَ أيْضًا كَرِيمٌ عَلى مَفْهُومِ العَوامِّ فَإنَّ كُلَّ مَن طَلَبَ مِنهُ شَيْئًا أعْطاهُ، فالفَقِيهُ يَسْتَدِلُّ بِهِ ويَأْخُذُ مِنهُ، والحَكِيمُ يَسْتَمِدُّ مِنهُ ويَحْتَجُّ بِهِ، والأدِيبُ يَسْتَفِيدُ مِنهُ ويَتَقَوّى بِهِ، واللَّهُ تَعالى وصَفَ القُرْآنَ بِكَوْنِهِ كَرِيمًا، وبِكَوْنِهِ عَزِيزًا، وبِكَوْنِهِ حَكِيمًا، فَلِكَوْنِهِ كَرِيمًا كُلُّ مَن أقْبَلَ عَلَيْهِ نالَ مِنهُ ما يُرِيدُهُ فَإنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ لا يَفْهَمُ مِنَ العُلُومِ شَيْئًا وإذا اشْتَغَلَ بِالقُرْآنِ سَهُلَ عَلَيْهِ حِفْظُهُ، وقَلَّما يُرى شَخْصٌ يَحْفَظُ كِتابًا يَقْرَؤُهُ بِحَيْثُ لا يُغَيِّرُ مِنهُ كَلِمَةً بِكَلِمَةٍ، ولا يُبَدِّلُ حَرْفًا بِحَرْفٍ وجَمِيعُ القُرّاءِ يَقْرَءُونَ القُرْآنَ مِن غَيْرِ تَوَقُّفٍ ولا تَبْدِيلٍ، ولِكَوْنِهِ عَزِيزًا أنَّ كُلَّ مَن يُعْرِضُ عَنْهُ لا يَبْقى مَعَهُ مِنهُ شَيْءٌ، بِخِلافِ سائِرِ الكُتُبِ، فَإنَّ مَن قَرَأ كِتابًا وحَفِظَهُ ثُمَّ تَرَكَهُ يَتَعَلَّقُ بِقَلْبِهِ مَعْناهُ حَتّى يَنْقُلَهُ صَحِيحًا، والقُرْآنُ مَن تَرَكَهُ لا يَبْقى مَعَهُ مِنهُ شَيْءٌ لِعِزَّتِهِ ولا يَثْبُتُ عِنْدَ مَن لا يَلْزَمُهُ بِالحِفْظِ، ولِكَوْنِهِ حَكِيمًا مَنِ اشْتَغَلَ بِهِ وأقْبَلَ عَلَيْهِ بِالقَلْبِ أغْناهُ عَنْ سائِرِ العُلُومِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي كِتابٍ﴾ جَعَلَهُ شَيْئًا مَظْرُوفًا بِكِتابٍ فَما ذَلِكَ ؟ نَقُولُ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: المَظْرُوفُ: القُرْآنُ، أيْ هو قُرْآنٌ في كِتابٍ، كَما يُقالُ: فُلانٌ رَجُلٌ كَرِيمٌ في بَيْتِهِ، لا يَشُكُّ السّامِعُ أنَّ مُرادَ القائِلِ: أنَّهُ في الدّارِ قاعِدٌ ولا يُرِيدُ بِهِ أنَّهُ كَرِيمٌ إذا كانَ في الدّارِ، وغَيْرُ كَرِيمٍ إذا كانَ خارِجًا ولا يَشُكُّ أيْضًا أنَّهُ لا يُرِيدُ بِهِ أنَّهُ كَرِيمٌ في بَيْتِهِ، بَلِ المُرادُ أنَّهُ رَجُلٌ كَرِيمٌ وهو في البَيْتِ، فَكَذَلِكَ هَهُنا أنَّ القُرْآنَ كَرِيمٌ وهو في كِتابٍ، أوِ المَظْرُوفَ كَرِيمٌ عَلى مَعْنى أنَّهُ كَرِيمٌ في كِتابٍ، كَما يُقالُ: فُلانٌ رَجُلٌ كَرِيمٌ في نَفْسِهِ، فَيَفْهَمُ كُلُّ أحَدٍ أنَّ القائِلَ لَمْ يَجْعَلْهُ رَجُلًا مَظْرُوفًا فَإنَّ القائِلَ: لَمْ يُرِدْ أنَّهُ رَجُلٌ في نَفْسِهِ قاعِدٌ أوْ نائِمٌ، وإنَّما أرادَ بِهِ أنَّهُ كَرِيمٌ كَرَمُهُ في نَفْسِهِ، فَكَذَلِكَ قُرْآنٌ كَرِيمٌ فالقُرْآنُ كَرِيمٌ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ وإنْ لَمْ يَكُنْ كَرِيمًا عِنْدَ الكُفّارِ. ثانِيهِما: المَظْرُوفُ هو مَجْمُوعُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ أيْ هو كَذا في كِتابٍ كَما يُقالُ: ﴿وما أدْراكَ ما عِلِّيُّونَ﴾ [المطففين: ١٩] في كِتابِ اللَّهِ تَعالى، والمُرادُ حِينَئِذٍ أنَّهُ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ نَعْتُهُ مَكْتُوبٌ: ﴿إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ والكُلُّ صَحِيحٌ، والأوَّلُ أبْلَغُ في التَّعْظِيمِ بِالمَقْرُوءِ السَّماوِيِّ. المَسْألَةُ الخامِسَةُ: ما المُرادُ مِنَ الكِتابِ ؟ نَقُولُ فِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: وهو الأصَحُّ أنَّهُ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ هو قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ ﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج: ٢٢] . الثّانِي: الكِتابُ هو المُصْحَفُ. الثّالِثُ: كِتابٌ مِنَ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ فَهو قُرْآنٌ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ وغَيْرِهِما، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ سُمِّيَ الكِتابُ كِتابًا والكِتابُ فِعالٌ، وهو إذا كانَ لِلْواحِدِ فَهو إمّا مَصْدَرٌ كالحِسابِ والقِيامِ وغَيْرِهِما، أوِ اسْمٌ لِما يُكْتَبُ كاللِّباسِ واللِّثامِ وغَيْرِهِما، فَكَيْفَما كانَ فالقُرْآنُ لا يَكُونُ في كِتابٍ بِمَعْنى المَصْدَرِ، ولا يَكُونُ في مَكْتُوبٍ، وإنَّما يَكُونُ مَكْتُوبًا في لَوْحٍ أوْ ورَقٍ، فالمَكْتُوبُ لا يَكُونُ في الكِتابِ، إنَّما يَكُونُ في القِرْطاسِ، نَقُولُ: ما ذَكَرْتَ مِنَ المَوازِينِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الكِتابَ لَيْسَ المَكْتُوبَ ولا هو المَكْتُوبَ فِيهِ أوِ المَكْتُوبَ عَلَيْهِ، فَإنَّ اللِّثامَ ما يُلْثَمُ بِهِ، والصِّوانَ ما يُصانُ فِيهِ الثَّوْبُ، لَكِنَّ اللَّوْحَ لَمّا لَمْ يَكُنْ إلّا الَّذِي يُكْتَبُ فِيهِ صَحَّ تَسْمِيَتُهُ كِتابًا. المَسْألَةُ السّادِسَةُ: المَكْتُوبُ هو المَسْتُورُ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿كَأمْثالِ اللُّؤْلُؤِ المَكْنُونِ﴾ [الواقعة: ٢٣]، قالَ: ﴿بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ [الصافات: ٤٩] فَإنْ كانَ المُرادُ مِنَ الكِتابِ اللَّوْحَ فَهو لَيْسَ بِمَسْتُورٍ وإنَّما الشَّيْءُ فِيهِ مَنشُورٌ، وإنْ كانَ المُرادُ هو المُصْحَفَ فَعُدِمَ كَوْنُهُ مَكْتُوبًا مَسْتُورًا، فَكَيْفَ الجَوابُ عَنْهُ ؟ فَنَقُولُ: المَكْنُونُ المَحْفُوظُ إذا كانَ غَيْرَ عَزِيزٍ يُحْفَظُ بِالعَيْنِ، وهو ظاهِرٌ لِلنّاسِ فَإذا كانَ شَرِيفًا عَزِيزًا لا يُكْتَفى بِالصَّوْنِ والحِفْظِ بِالعَيْنِ بَلْ يُسْتَرُ صفحة ١٦٨ عَنِ العُيُونِ، ثُمَّ كَلَّما تَزْدادُ عِزَّتُهُ يَزْدادُ سَتْرُهُ فَتارَةً يَكُونُ مَخْزُونًا ثُمَّ يُجْعَلُ مَدْفُونًا، فالسَّتْرُ صارَ كاللّازِمِ لِلصَّوْنِ البالِغِ فَقالَ: ﴿مَكْنُونٍ﴾ أيْ مَحْفُوظٍ غايَةَ الحِفْظِ، فَذَكَرَ اللّامَ وأرادَ المَلْزُومَ وهو بابٌ مِنَ الكَلامِ الفَصِيحِ تَقُولُ مَثَلًا: فُلانٌ كِبْرِيتٌ أحْمَرُ، أيْ قَلِيلُ الوُجُودِ. والجَوابُ الثّانِي: إنَّ اللَّوْحَ المَحْفُوظَ مَسْتُورٌ عَنِ العَيْنِ لا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ إلّا مَلائِكَةٌ مَخْصُوصُونَ، ولا يَنْظُرُ إلَيْهِ إلّا قَوْمٌ مُطَهَّرُونَ، وأمّا القُرْآنُ فَهو مَكْتُوبٌ مَسْتُورٌ أبَدَ الدَّهْرِ عَنْ أعْيُنِ المُبَدِّلِينَ، مَصُونٌ عَنْ أيْدِي المُحَرِّفِينَ، فَإنْ قِيلَ: فَما فائِدَةُ كَوْنِهِ ﴿فِي كِتابٍ﴾ وكُلُّ مَقْرُوءٍ في كِتابٍ ؟ نَقُولُ: هو لِتَأْكِيدِ الرَّدِّ عَلى الكُفّارِ؛ لِأنَّهم كانُوا يَقُولُونَ: إنَّهُ مُخْتَرَعٌ مِن عِنْدِهِ مُفْتَرًى، فَلَمّا قالَ: مَقْرُوءٌ عَلَيْهِ انْدَفَعَ كَلامُهم، ثُمَّ إنَّهم قالُوا: إنْ كانَ مَقْرُوءًا عَلَيْهِ فَهو كَلامُ الجِنِّ فَقالَ: ﴿فِي كِتابٍ﴾ أيْ لَمْ يَنْزِلْ بِهِ عَلَيْهِ المَلَكُ إلّا بَعْدَما أخَذَهُ مِن كِتابٍ فَهو لَيْسَ بِكَلامِ المَلائِكَةِ فَضْلًا أنْ يَكُونَ كَلامَ الجِنِّ، وأمّا إذا قُلْنا: إذا كانَ كَرِيمًا فَهو في كِتابٍ، فَفائِدَتُهُ ظاهِرَةٌ، وأمّا فائِدَةُ كَوْنِهِ ﴿فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ﴾ فَيَكُونُ رَدًّا عَلى مَن قالَ: إنَّهُ أساطِيرُ الأوَّلِينَ في كُتُبٍ ظاهِرَةٍ، أيْ فَلِمَ لا يُطالِعُها الكُفّارُ، ولِمَ لا يَطَّلِعُونَ عَلَيْهِ لا بَلْ هو ﴿فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ﴾ ﴿لا يَمَسُّهُ إلّا المُطَهَّرُونَ﴾، فَإذًا تَبَيَّنَ فِيما ذَكَرْنا أنَّ وصْفَهُ بِكَوْنِهِ قُرْآنًا صارَ رَدًّا عَلى مَن قالَ: يَذْكُرُهُ مِن عِنْدِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿فِي كِتابٍ﴾ رَدٌّ عَلى مَن قالَ: يَتْلُوهُ عَلَيْهِ الجِنُّ حَيْثُ اعْتَرَفَ بِكَوْنِهِ مَقْرُوءًا ونازَعَ في شَيْءٍ آخَرَ، وقَوْلُهُ: ﴿مَكْنُونٍ﴾ رَدٌّ عَلى مَن قالَ: إنَّهُ مَقْرُوءٌ في كِتابٍ لَكِنَّهُ مِن أساطِيرِ الأوَّلِينَ. المَسْألَةُ السّابِعَةُ: ﴿لا يَمَسُّهُ﴾ الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى الكِتابِ عَلى الصَّحِيحِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: هو عائِدٌ إلى ما عادَ إلَيْهِ المُضْمَرُ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ﴾ ومَعْناهُ: لا يَمَسُّ القُرْآنَ إلّا المُطَهَّرُونَ، والصِّيغَةُ إخْبارٌ، لَكِنَّ الخِلافَ في أنَّهُ هَلْ هو بِمَعْنى النَّهْيِ، كَما أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿والمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٨] إخْبارٌ بِمَعْنى الأمْرِ، فَمَن قالَ: المُرادُ مِنَ الكِتابِ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، وهو الأصَحُّ عَلى ما بَيَّنّا، قالَ: هو إخْبارٌ مَعْنًى كَما هو إخْبارٌ لَفْظًا، إذا قُلْنا: إنَّ المُضْمَرَ في ﴿يَمَسُّهُ﴾ لِلْكِتابِ، ومَن قالَ: المُرادُ المُصْحَفُ اخْتُلِفَ في قَوْلِهِ، وفِيهِ وجْهٌ ضَعِيفٌ نَقَلَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ أنَّهُ نَهْيٌ لَفْظًا ومَعْنًى وجُلِبَتْ إلَيْهِ ضَمَّةُ الهاءِ لا لِلْإعْرابِ ولا وجْهَ لَهُ. المَسْألَةُ الثّامِنَةُ: إذا كانَ الأصَحُّ أنَّ المُرادَ مِنَ الكِتابِ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، فالصَّحِيحُ أنَّ الضَّمِيرَ في ﴿لا يَمَسُّهُ﴾ لِلْكِتابِ، فَكَيْفَ يَصِحُّ قَوْلُ الشّافِعِيِّ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ: لا يَجُوزُ مَسُّ المُصْحَفِ لِلْمُحْدِثِ، نَقُولُ: الظّاهِرُ أنَّهُ ما أخَذَهُ مِن صَرِيحِ الآيَةِ ولَعَلَّهُ أخَذَهُ مِنَ السُّنَّةِ فَإنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَتَبَ إلى عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ: «لا يَمَسُّ القُرْآنَ مَن هو عَلى غَيْرِ طُهْرٍ» أوْ أخَذَهُ مِنَ الآيَةِ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِنْباطِ، وقالَ: إنَّ المَسَّ بِطُهْرٍ صِفَةٌ مِنَ الصِّفاتِ الدّالَّةِ عَلى التَّعْظِيمِ والمَسَّ بِغَيْرِ طُهُورٍ نَوْعُ إهانَةٍ في المَعْنى، وذَلِكَ لِأنَّ الأضْدادَ يَنْبَغِي أنْ تُقابَلَ بِالأضْدادِ، فالمَسُّ بِالمُطَهَّرِ في مُقابَلَةِ المَسِّ عَلى غَيْرِ طُهْرٍ، وتَرْكُ المَسِّ خُرُوجٌ عَنْ كُلِّ واحِدَةٍ مِنهُما فَكَذَلِكَ الإكْرامُ في مُقابَلَةِ الإهانَةِ وهُناكَ شَيْءٌ لا إكْرامَ ولا إهانَةَ فَنَقُولُ: إنَّ مَن لا يَمَسُّ المُصْحَفَ لا يَكُونُ مُكَرَّمًا ولا مَهِينًا وبِتَرْكِ المَسِّ خَرَجَ عَنِ الضِّدَّيْنِ فَفي المَسِّ عَلى الطُّهْرِ التَّعْظِيمُ، وفي المَسِّ عَلى الحَدَثِ الإهانَةُ فَلا تَجُوزُ وهو مَعْنًى دَقِيقٌ يَلِيقُ بِالشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ ومَن يَقْرُبُ مِنهُ في الدَّرَجَةِ. ثُمَّ إنَّ هَهُنا لَطِيفَةً فِقْهِيَّةً لاحَتْ لِهَذا الضَّعِيفِ في حالِ تَفَكُّرِهِ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ فَأرادَ تَقْيِيدَها هُنا فَإنَّها مِن فَضْلِ اللَّهِ فَيَجِبُ عَلَيَّ إكْرامُها بِالتَّقْيِيدِ بِالكِتابِ، وهي أنَّ الشّافِعِيَّ رَحِمَهُ اللَّهُ مَنَعَ المُحْدِثَ والجُنُبَ مِن مَسِّ المُصْحَفِ وجَعَلَهُما غَيْرَ مُطَهَّرَيْنِ ثُمَّ مَنَعَ الجُنُبَ عَنْ قِراءَةِ القُرْآنِ ولَمْ يَمْنَعِ المُحْدِثَ وهو اسْتِنْباطٌ مِنهُ صفحة ١٦٩ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى، وذَلِكَ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى مَنَعَهُ عَنِ المَسْجِدِ بِصَرِيحِ قَوْلِهِ: ﴿ولا جُنُبًا﴾ [النساء: ٤٣] فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ لَيْسَ أهْلًا لِلذِّكْرِ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ أهْلًا لِلذِّكْرِ لَما مَنَعَهُ مِن دُخُولِ المَسْجِدِ؛ لِأنَّهُ تَعالى أذِنَ لِأهْلِ الذِّكْرِ في الدُّخُولِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أذِنَ اللَّهُ أنْ تُرْفَعَ ويُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ﴾ [النور: ٣٦] الآيَةَ، والمَأْذُونُ في الذِّكْرِ في المَسْجِدِ مَأْذُونٌ في دُخُولِ المَسْجِدِ ضَرُورَةً فَلَوْ كانَ الجُنُبُ أهْلًا لِلذِّكْرِ لَما كانَ مَمْنُوعًا عَنْ دُخُولِ المَسْجِدِ والمُكْثِ فِيهِ وإنَّهُ مَمْنُوعٌ عَنْهُما وعَنْ أحَدِهِما، وأمّا المُحْدِثُ فَعُلِمَ أنَّهُ غَيْرُ مَمْنُوعٍ عَنْ دُخُولِ المَسْجِدِ فَإنَّ مِنَ الصَّحابَةِ مَن كانَ يَدْخُلُ المَسْجِدَ، وجَوَّزَ النَّبِيُّ ﷺ نَوْمَ القَوْمِ في المَسْجِدِ ولَيْسَ النَّوْمُ حَدَثًا إذِ النَّوْمُ الخاصُّ يَلْزَمُهُ الحُكْمُ بِالحَدَثِ عَلى اخْتِلافٍ بَيْنَ الأئِمَّةِ وما لَمْ يَكُنْ مَمْنُوعًا مِن دُخُولِ المَسْجِدِ لَمْ يَثْبُتْ كَوْنُهُ غَيْرَ أهْلٍ لِلذِّكْرِ فَجازَ لَهُ القِراءَةُ، فَإنْ قِيلَ: وكانَ يَنْبَغِي أنْ لا يَجُوزَ لِلْجُنُبِ أنْ يُسَبِّحَ ويَسْتَغْفِرَ؛ لِأنَّهُ ذِكْرٌ، نَقُولُ: القُرْآنُ هو الذِّكْرُ المُطْلَقُ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف: ٤٤] وقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿والقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ [ص: ١] وقَوْلُهُ: ﴿يُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ﴾ [النُّورِ: ٣٦] مَعَ أنّا نَعْلَمُ أنَّ المَسْجِدَ يُسَمّى مَسْجِدًا، ومَسْجِدُ القَوْمِ مَحَلُّ السُّجُودِ، والمُرادُ مِنهُ الصَّلاةُ، والذِّكْرُ الواجِبُ في الصَّلاةِ هو القُرْآنُ، فالقُرْآنُ مَفْهُومٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿يُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ﴾، ومِن حَيْثُ المَعْقُولُ هو أنَّ غَيْرَ القُرْآنِ رُبَّما يُذْكَرُ مُرِيدًا بِهِ مَعْناهُ فَيَكُونُ كَلامًا غَيْرَ ذِكْرٍ، فَإنَّ مَن قالَ: أسْتَغْفِرُ اللَّهَ أخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ بِأمْرٍ، ومَن قالَ: لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ العَلِيِّ العَظِيمِ كَذَلِكَ أخْبَرَ عَنْ أمْرٍ كائِنٍ بِخِلافِ مَن قالَ: ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] فَإنَّهُ لَيْسَ بِمُتَكَلِّمٍ بِهِ بَلْ هو قائِلٌ لَهُ غَيْرُ آمِرٍ لِغَيْرِهِ بِالقَوْلِ، فالقُرْآنُ هو الذِّكْرُ الَّذِي لا يَكُونُ إلّا عَلى قَصْدِ الذِّكْرِ لا عَلى قَصْدِ الكَلامِ فَهو المُطْلَقُ وغَيْرُهُ قَدْ يَكُونُ ذِكْرًا، وقَدْ لا يَكُونُ، فَإنْ قِيلَ: فَإذا قالَ: ﴿ادْخُلُوها بِسَلامٍ﴾ [الحجر: ٤٦] وأرادَ الإخْبارَ يَنْبَغِي أنْ لا يَكُونَ قُرْآنًا وذِكْرًا، نَقُولُ: هو في نَفْسِهِ قُرْآنٌ، ومَن ذَكَرَهُ عَلى قَصْدِ الإخْبارِ، وأرادَ الأمْرَ والإذْنَ في الدُّخُولِ يَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ قارِئًا لِلْقُرْآنِ، وإنْ كانَ لا يَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ قُرْآنًا، ولِهَذا نَقُولُ نَحْنُ بِبُطْلانِ صَلاتِهِ ولَوْ كانَ قارِئًا لَما بَطَلَتْ، وهَذا جَوابٌ فِيهِ لُطْفٌ يَنْبَغِي أنْ يَتَنَبَّهَ لَهُ المُطالِعُ لِهَذا الكِتابِ، وذَلِكَ مِن حَيْثُ إنِّي فَرَّقْتُ بَيْنَ أنْ يُقالَ: لَيْسَ قَوْلُ القائِلٍ: ادْخُلُوها بِسَلامٍ عَلى قَصْدِ الإذْنِ قُرْآنًا، وبَيْنَ قَوْلِهِ: لَيْسَ القائِلُ: ادْخُلُوها بِسَلامٍ عَلى غَيْرِ قَصْدٍ بِقارِئٍ لِلْقُرْآنِ، وأمّا الجَوابُ مِن حَيْثُ المَعْقُولُ فَهو أنَّ العِبادَةَ عَلى مُنافاةِ الشَّهْوَةِ، والشَّهْوَةُ إمّا شَهْوَةُ البَطْنِ، وإمّا شَهْوَةُ الفَرْجِ في أكْثَرِ الأمْرِ، فَإنَّ أحَدًا لا يَخْلُو عَنْهُما، وإنْ لَمْ يَشْتَهِ شَيْئًا آخَرَ مِنَ المَأْكُولِ والمَشْرُوبِ والمَنكُوحِ، لَكِنَّ شَهْوَةَ البَطْنِ قَدْ لا تَبْقى شَهْوَةً بَلْ تَصِيرُ حاجَةً عِنْدَ الجُوعِ وضَرُورَةً عِنْدِ الخَوْفِ، ولِهَذا قالَ تَعالى: ﴿ولَحْمِ طَيْرٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ [الواقعة: ٢١] أيْ لا يَكُونُ لِحاجَةٍ ولا ضَرُورَةٍ بَلْ لِمُجَرَّدِ الشَّهْوَةِ، وقَدْ بَيَّنّاهُ في هَذِهِ السُّورَةِ وأمّا شَهْوَةُ الفَرْجِ فَلا تَخْرُجُ عَنْ كَوْنِها شَهْوَةً وإنْ خَرَجَتْ تَكُونُ في مَحَلِّ الحاجَةِ لا الضَّرُورَةِ، فَلا يُعْلَمُ أنَّ شَهْوَةَ الفَرْجِ لَيْسَتْ شَهْوَةً مَحْضَةً، والعِبادَةُ فِيها مُنْضَمَّةٌ لِلشَّهْوَةِ، فَلَمْ تَخْرُجْ شَهْوَةُ الفَرْجِ عَنْ كَوْنِها عِبادَةً بَدَنِيَّةً قَطُّ، بَلْ حَكَمَ الشَّرْعُ بِبُطْلانِ الحَجِّ بِهِ، وبُطْلانِ الصَّوْمِ والصَّلاةِ، وأمّا قَضاءُ شَهْوَةِ البَطْنِ فَلَمّا لَمْ يَكُنْ شَهْوَةً مُجَرَّدَةً بَطَلَ بِهِ الصَّلاةُ والصَّوْمُ دُونَ الحَجِّ، ورُبَّما لَمْ تَبْطُلُ بِهِ الصَّلاةُ أيْضًا، إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: خُرُوجُ الخارِجِ دَلِيلُ قَضاءِ الشَّهْوَةِ البَطْنِيَّةِ، وخُرُوجُ المَنِيِّ دَلِيلُ قَضاءِ الشَّهْوَةِ الفَرْجِيَّةِ، فَواجِبٌ بِهِما تَطْهِيرُ النَّفْسِ، لَكِنَّ الظّاهِرَ والباطِنَ مُتَحاذِيانِ، فَأمَرَ اللَّهُ تَعالى بِتَطْهِيرِ الظّاهِرِ عِنْدَ الحَدَثِ والإنْزالِ لِمُوافَقَةِ الباطِنِ، والإنْسانُ إذا كانَ لَهُ بَصِيرَةٌ ويَنْظُرُ في تَطْهِيرِ باطِنِهِ عِنْدَ الِاغْتِسالِ لِلْجَنابَةِ، فَإنَّهُ يَجِدُ خِفَّةً ورَغْبَةً في الصَّلاةِ والذِّكْرِ وهُنا تَتِمَّةٌ لِهَذِهِ اللَّطِيفَةِ: وهي أنَّ قائِلًا لَوْ قالَ: لَوْ صَحَّ قَوْلُكَ لَلَزِمَ أنْ يَجِبَ الوُضُوءُ بِالأكْلِ كَما يَجِبُ صفحة ١٧٠ بِالحَدَثِ؛ لِأنَّ الأكْلَ قَضاءُ الشَّهْوَةِ، وهَذا كَما أنَّ الِاغْتِسالَ لَمّا وجَبَ بِالإنْزالِ، لِكَوْنِهِ دَلِيلَ قَضاءِ الشَّهْوَةِ، وكَذا بِالإيلاجِ لِكَوْنِهِ قَضاءً بِالإيلاجِ، فَكَذَلِكَ الإحْداثُ والأكْلُ فَنَقُولُ: هَهُنا سِرٌّ مَكْنُونٌ وهو ما بَيَّنّاهُ أنَّ الأكْلَ قَدْ يَكُونُ لِحاجَةٍ وضَرُورَةٍ فَنَقُولُ: الأكْلُ لا يُعْلَمُ كَوْنُهُ لِلشَّهْوَةِ إلّا بِعَلامَةٍ، فَإذا أحْدَثَ عُلِمَ أنَّهُ أكَلَ ولا يُعْلَمُ كَوْنُهُ لِلشَّهْوَةِ، وأمّا الإيلاجُ فَلا يَكُونُ لِلْحاجَةِ ولا يَكُونُ لِلضَّرُورَةِ فَهو شَهْوَةٌ كَيْفَما كانَ، فَناطَ الشّارِعُ إيجابَ التَّطْهِيرِ بِدَلِيلَيْنِ: أحَدُهُما: قَوْلُهُ ﷺ: «إنَّما الماءُ مِنَ الماءِ» فَإنَّ الإنْزالَ كالإحْداثِ، وكَما أنَّ الحَدَثَ هو الخارِجُ وهو أصْلٌ في إيجابِ الوُضُوءِ، كَذَلِكَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ الإنْزالُ الَّذِي هو الخُرُوجُ هو الأصْلَ في إيجابِ الغُسْلِ، فَإنَّ عِنْدَهُ يَتَبَيَّنُ قَضاءُ الحاجَةِ والشَّهْوَةِ، فَإنَّ الإنْسانَ بَعْدَ الإنْزالِ لا يَشْتَهِي الجِماعَ في الظّاهِرِ. وثانِيهِما: ما رُوِيَ عَنْهُ ﷺ: ”«الوُضُوءُ مِن أكْلِ ما مَسَّتْهُ النّارُ» “ فَإنَّ ذَلِكَ دَلِيلُ قَضاءِ الشَّهْوَةِ كَما أنَّ خُرُوجَ الحَدَثِ دَلِيلُهُ، وذَلِكَ لِأنَّ المُضْطَرَّ لا يَصْبِرُ إلى أنْ يَسْتَوِيَ الطَّعامُ بِالنّارِ بَلْ يَأْكُلُ كَيْفَما كانَ، فَأكْلُ الشَّيْءِ بَعْدَ الطَّبْخِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ قاضٍ بِهِ الشَّهْوَةَ لا دافِعٌ بِهِ الضَّرُورَةَ، ونَعُودُ إلى الجَوابِ عَنِ السُّؤالِ ونَقُولُ: إذا تَبَيَّنَ هَذا فالشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَضى بِأنَّ شَهْوَةَ الفَرْجِ شَهْوَةٌ مَحْضَةٌ، فَلا تُجامِعُ العِبادَةُ الجَنابَةَ، فَلا يَنْبَغِي أنْ يَقْرَأ الجُنُبُ القُرْآنَ، والمُحْدِثُ يَجُوزُ لَهُ أنْ يَقْرَأ؛ لِأنَّ الحَدَثَ لَيْسَ يَكُونُ عَنْ شَهْوَةٍ مَحْضَةٍ. المَسْألَةُ التّاسِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿إلّا المُطَهَّرُونَ﴾ هُمُ المَلائِكَةُ طَهَّرَهُمُ اللَّهُ في أوَّلِ أمْرِهِمْ وأبْقاهم كَذَلِكَ طُولَ عُمُرِهِمْ ولَوْ كانَ المُرادُ نَفْيَ الحَدَثِ لَقالَ: لا يَمَسُّهُ إلّا المُتَطَهِّرُونَ أوِ المُطَّهَّرُونَ، بِتَشْدِيدِ الطّاءِ والهاءِ، والقِراءَةُ المَشْهُورَةُ الصَّحِيحَةُ ﴿المُطَهَّرُونَ﴾ مِنَ التَّطْهِيرِ لا مِنَ الإطْهارِ، وعَلى هَذا يَتَأيَّدُ ما ذَكَرْنا مِن وجْهٍ آخَرَ، وذَلِكَ مِن حَيْثُ إنَّ بَعْضَهم كانَ يَقُولُ: هو مِنَ السَّماءِ يَنْزِلُ بِهِ الجِنُّ ويُلْقِيهِ عَلَيْهِ كَما كانُوا يَقُولُونَ في حَقِّ الكَهَنَةِ، فَإنَّهم كانُوا يَقُولُونَ: النَّبِيُّ ﷺ كاهِنٌ، فَقالَ: لا يَمَسُّهُ الجِنُّ وإنَّما يَمَسُّهُ المُطَهَّرُونَ الَّذِينَ طُهِّرُوا عَنِ الخُبْثِ، ولا يَكُونُونَ مَحَلًّا لِلْإفْسادِ والسَّفْكِ، فَلا يُفْسِدُونَ ولا يَسْفِكُونَ، وغَيْرُهم لَيْسَ بِمُطَهَّرٍ عَلى هَذا الوَجْهِ، فَيَكُونُ هَذا رَدًّا عَلى القائِلِينَ: بِكَوْنِهِ مُفْتَرِيًا، وبِكَوْنِهِ شاعِرًا، وبِكَوْنِهِ مَجْنُونًا بِمَسِّ الجِنِّ، وبِكَوْنِهِ كاهِنًا، وكُلُّ ذَلِكَ قَوْلُهم، والكُلُّ رُدَّ عَلَيْهِ بِما ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَهُنا مِن أوْصافِ كِتابِ اللَّهِ العَزِيزِ. المَسْألَةُ العاشِرَةُ: قَوْلُهُ: ﴿تَنْزِيلٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ مَصْدَرٌ، والقُرْآنُ الَّذِي في كِتابٍ لَيْسَ تَنْزِيلًا إنَّما هو مُنَزَّلٌ كَما قالَ تَعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ [الشعراء: ١٩٣] نَقُولُ: ذِكْرُ المَصْدَرِ وإرادَةُ المَفْعُولِ كَثِيرٌ كَما قُلْنا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَذا خَلْقُ اللَّهِ﴾ فَإنْ قِيلَ: ما فائِدَةُ العُدُولِ عَنِ الحَقِيقَةِ إلى المَجازِ في هَذا المَوْضِعِ ؟ فَنَقُولُ: التَّنْزِيلُ والمُنَزَّلُ كِلاهُما مَفْعُولانِ ولَهُما تَعَلُّقٌ بِالفاعِلِ، لَكِنَّ تَعَلُّقَ الفاعِلِ بِالمَصْدَرِ أكْثَرُ، وتَعَلُّقَ المَفْعُولِ عِبارَةٌ عَنِ الوَصْفِ القائِمِ بِهِ، فَنَقُولُ هَذا في الكَلامِ، فَإنَّ كَلامَ اللَّهِ أيْضًا وصْفٌ قائِمٌ بِاللَّهِ عِنْدَنا، وإنَّما نَقُولُ: مِن حَيْثُ الصِّيغَةُ واللَّفْظُ ولَكَ أنْ تَنْظُرَ في مِثالٍ آخَرَ لِيَتَيَسَّرَ لَكَ الأمْرُ مِن غَيْرِ غَلَطٍ وخَطَأٍ في الِاعْتِقادِ، فَنَقُولُ في القُدْرَةِ والمَقْدُورِ تَعَلُّقُ القُدْرَةِ بِالفاعِلِ أبْلَغُ مِن تَعَلُّقِ المَقْدُورِ، فَإنَّ القُدْرَةَ في القادِرِ والمَقْدُورُ لَيْسَ فِيهِ، فَإذا قالَ: هَذا قُدْرَةُ اللَّهِ تَعالى كانَ لَهُ مِنَ العَظَمَةِ ما لا يَكُونُ في قَوْلِهِ: هَذا مَقْدُورُ اللَّهِ؛ لِأنَّ عَظَمَةَ الشَّيْءِ بِعَظَمَةِ اللَّهِ، فَإذا جَعَلْتَ الشَّيْءَ قائِمًا بِالتَّعْظِيمِ غَيْرَ مُبايِنٍ عَنْهُ كانَ أعْظَمَ، وإذا ذَكَرْتَهُ بِلَفْظٍ يُقالُ مِثْلُهُ فِيما لا يَقُومُ بِاللَّهِ وهو المَفْعُولُ بِهِ كانَ دُونَهُ، فَقالَ: ﴿تَنْزِيلٌ﴾ ولَمْ يَقُلْ: مُنَزَّلٌ، ثُمَّ إنَّ هَهُنا بَلاغَةً أُخْرى وهي أنَّ المَفْعُولَ قَدْ يُذْكَرُ ويُرادُ بِهِ المَصْدَرُ عَلى ضِدِّ ما ذَكَرْنا، كَما في قَوْلِهِ: ﴿مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ صفحة ١٧١ [الإسراء: ٨٠] أيْ دُخُولَ صِدْقٍ أوْ إدْخالَ صِدْقٍ وقالَ تَعالى: ﴿كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ [سبأ: ٧] أيْ تَمْزِيقٍ، فالمُمَزَّقُ بِمَعْنى التَّمْزِيقِ، كالمُنَزَّلِ بِمَعْنى التَّنْزِيلِ، وعَلى العَكْسِ سَواءٌ، وهَذِهِ البَلاغَةُ هي أنَّ الفِعْلَ لا يُرى، والمَفْعُولَ بِهِ يَصِيرُ مَرْئِيًّا، والمَرْئِيُّ أقْوى في العِلْمِ، فَيُقالُ: مَزَّقَهم تَمْزِيقًا وهو فِعْلٌ مَعْلُومٌ لِكُلِّ أحَدٍ عِلْمًا بَيِّنًا يَبْلُغُ دَرَجَةَ الرُّؤْيَةِ ويَصِيرُ التَّمَزُّقُ هُنا كَما صارَ المُمَزَّقُ ثابِتًا مَرْئِيًّا، والكَلامُ يَخْتَلِفُ بِمَواضِعِ الكَلامِ، ويَسْتَخْرِجُ المُوَفَّقُ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ، وقَوْلُهُ: ﴿مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ أيْضًا لِتَعْظِيمِ القُرْآنِ؛ لِأنَّ الكَلامَ يَعْظُمُ بِعَظَمَةِ المُتَكَلِّمُ، ولِهَذا يُقالُ لِرَسُولِ المَلِكِ هَذا كَلامُ المَلِكِ أوْ كَلامُكَ وهَذا كَلامُ المَلِكِ الأعْظَمِ أوْ كَلامُ المَلِكِ الَّذِي دُونَهُ، إذا كانَ الرَّسُولُ رَسُولَ مُلُوكٍ، فَيَعْظُمُ الكَلامُ بِقَدْرِ عَظَمَةِ المُتَكَلِّمِ، فَإذا قالَ: ﴿مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ تَبَيَّنَ مِنهُ عَظَمَةٌ لا عَظَمَةَ مِثْلُها وقَدْ بَيَّنّا تَفْسِيرَ العالَمِ وما فِيهِ مِنَ اللَّطائِفِ، وقَوْلُهُ: ﴿تَنْزِيلٌ﴾ رَدٌّ عَلى طائِفَةٍ أُخْرى، وهُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ إنَّهُ في كِتابٍ، ولا يَمَسُّهُ إلّا المُطَهَّرُونَ وهُمُ المَلائِكَةُ، لَكِنَّ المَلَكَ يَأْخُذُ ويُعَلِّمُ النّاسَ مِن عِنْدِهِ ولا يَكُونُ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وذَلِكَ أنَّ طائِفَةً مِنَ الرَّوافِضِ يَقُولُونَ: إنَّ جِبْرائِيلَ أُنْزِلَ عَلى عَلِيٍّ، فَنَزَلَ عَلى مُحَمَّدٍ، فَقالَ تَعالى: هو مِنَ اللَّهِ لَيْسَ بِاخْتِيارِ المَلَكِ أيْضًا، وعِنْدَ هَذا تَبَيَّنَ الحَقُّ فَعادَ إلى تَوْبِيخِ الكُفّارِ.

الواقعة 56:81

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أفَبِهَذا الحَدِيثِ أنْتُمْ مُدْهِنُونَ﴾ ﴿وتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ﴾ . وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: (هَذا) إشارَةٌ إلى ماذا ؟ فَنَقُولُ: المَشْهُورُ أنَّهُ إشارَةٌ إلى القُرْآنِ وإطْلاقُ الحَدِيثِ في القُرْآنِ عَلى الكَلامِ القَدِيمِ كَثِيرٌ بِمَعْنى كَوْنِهِ اسْمًا لا وصْفًا فَإنَّ الحَدِيثَ اسْمٌ لِما يُتَحَدَّثُ بِهِ، ووَصْفٌ يُوصَفُ بِهِ ما يَتَجَدَّدُ، فَيُقالُ: أمْرٌ حادِثٌ ورَسْمٌ حَدِيثٌ أيْ جَدِيدٌ، ويُقالُ: أعْجَبَنِي حَدِيثُ فُلانٍ وكَلامُهُ وقَدْ بَيَّنّا أنَّ القُرْآنَ قَدِيمٌ لَهُ لَذَّةُ الكَلامِ الجَدِيدِ والحَدِيثِ الَّذِي لَمْ يُسْمَعْ. الوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ إشارَةٌ إلى ما تَحَدَّثُوا بِهِ مِن قَبْلُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكانُوا يَقُولُونَ أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ ﴿أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ﴾ [الواقعة: ٤٧ - ٤٨] وذَلِكَ لِأنَّ الكَلامَ مُسْتَقِلٌّ مُنْتَظِمٌ فَإنَّهُ تَعالى رَدَّ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ﴾ [الواقعة: ٤٩] وذَكَرَ الدَّلِيلَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿نَحْنُ خَلَقْناكُمْ﴾ وبِقَوْلِهِ: ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تُمْنُونَ﴾ ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ﴾ وأقْسَمَ بَعْدَ إقامَةِ الدَّلائِلِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلا أُقْسِمُ﴾ وبَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ لَقُرْآنٌ﴾ ثُمَّ عادَ إلى كَلامِهِمْ، وقالَ: ﴿أفَبِهَذا الحَدِيثِ﴾ الَّذِي تَتَحَدَّثُونَ بِهِ ﴿أنْتُمْ مُدْهِنُونَ﴾ لِأصْحابِكم تَعْلَمُونَ خِلافَهُ وتَقُولُونَهُ، أمْ أنْتُمْ بِهِ جازِمُونَ، وعَلى الإصْرارِ عازِمُونَ، وسَنُبَيِّنُ وجْهَهُ بِتَفْسِيرِ المُدْهِنِ، وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ المُدْهِنَ المُرادُ بِهِ المُكَذِّبُ قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ أفَبِالقُرْآنِ أنْتُمْ تُكَذِّبُونَ، والتَّحْقِيقُ فِيهِ أنَّ الإدْهانَ تَلْيِينُ الكَلامِ لِاسْتِمالَةِ السّامِعِ مِن غَيْرِ اعْتِقادِ صِحَّةِ الكَلامِ مِنَ المُتَكَلِّمِ، كَما أنَّ العَدُوَّ إذا عَجَزَ عَنْ عَدُوِّهِ يَقُولُ لَهُ: أنا داعٍ لَكَ ومُثْنٍ عَلَيْكَ مُداهَنَةً وهو كاذِبٌ، فَصارَ اسْتِعْمالُ المُدْهِنِ في المُكَذِّبِ اسْتِعْمالًا ثانِيًا، وهَذا إذا قُلْنا: إنَّ الحَدِيثَ هو القُرْآنُ. والوَجْهُ الثّانِي: المُدْهِنُ هو الَّذِي يَلِينَ في الكَلامِ ويُوافِقُ بِاللِّسانِ وهو مُصِرٌّ عَلى الخِلافِ فَقالَ: ﴿أنْتُمْ﴾ فَمِنهم مَن يَقُولُ: إنَّ النَّبِيَّ كاذِبٌ، وإنَّ الحَشْرَ مُحالٌ وذَلِكَ لِما هم عَلَيْهِ مِن حُبِّ الرِّياسَةِ، وتَخافُونَ أنَّكم إنْ صَدَّقْتُمْ ومَنَعْتُمْ ضُعَفاءَكم عَنِ الكُفْرِ يَفُوتُ عَلَيْكم مِن كَسْبِكم ما تَرْبَحُونَهُ بِسَبَبِهِمْ فَتَجْعَلُونَ رِزْقَكم صفحة ١٧٢ أنَّكم تُكَذِّبُونَ الرُّسُلَ، والأوَّلُ عَلَيْهِ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ، لَكِنَّ الثّانِيَ مُطابِقٌ لِصَرِيحِ اللَّفْظِ فَإنَّ الحَدِيثَ بِكَلامِهِمْ أوْلى وهو عِبارَةٌ عَنْ قَوْلِهِمْ: ﴿أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ والمُدْهِنُ يَبْقى عَلى حَقِيقَتِهِ فَإنَّهم ما كانُوا مُدْهِنِينَ بِالقُرْآنِ، وقَوْلُ الزَّجّاجِ: مُكَذِّبُونَ جاءَ بَعْدَهُ صَرِيحًا. وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: تَجْعَلُونَ شُكْرَ النِّعَمِ أنَّكم تَقُولُونَ مُطِرْنا بِنَوْءِ كَذا، وهَذا عَلَيْهِ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ. الثّانِي: تَجْعَلُونَ مَعاشَكم وكَسْبَكم تَكْذِيبَ مُحَمَّدٍ، يُقالُ: فُلانٌ قَطَعَ الطَّرِيقُ مَعاشَهُ، والرِّزْقُ في الأصْلِ مَصْدَرٌ سُمِّيَ بِهِ ما يُرْزَقُ، يُقالُ لِلْمَأْكُولِ رِزْقٌ، كَما يُقالُ لِلْمَقْدُورِ قُدْرَةٌ، والمَخْلُوقِ خَلْقٌ، وعَلى هَذا فالتَّكْذِيبُ مَصْدَرٌ قُصِدَ بِهِ ما كانُوا يُحَصِّلُونَ بِهِ مَقاصِدَهم، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿تُكَذِّبُونَ﴾ فَعَلى الأوَّلِ المُرادُ تَكْذِيبُهم بِما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ إلّا عَلى اللَّهِ رِزْقُها﴾ [هود: ٦] وغَيْرُ ذَلِكَ، وعَلى الثّانِي المُرادُ جَمِيعُ ما صَدَرَ مِنهم مَنِ التَّكْذِيبِ، وهو أقْرَبُ إلى اللَّفْظِ.

الواقعة 56:82

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أفَبِهَذا الحَدِيثِ أنْتُمْ مُدْهِنُونَ﴾ ﴿وتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ﴾ . وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: (هَذا) إشارَةٌ إلى ماذا ؟ فَنَقُولُ: المَشْهُورُ أنَّهُ إشارَةٌ إلى القُرْآنِ وإطْلاقُ الحَدِيثِ في القُرْآنِ عَلى الكَلامِ القَدِيمِ كَثِيرٌ بِمَعْنى كَوْنِهِ اسْمًا لا وصْفًا فَإنَّ الحَدِيثَ اسْمٌ لِما يُتَحَدَّثُ بِهِ، ووَصْفٌ يُوصَفُ بِهِ ما يَتَجَدَّدُ، فَيُقالُ: أمْرٌ حادِثٌ ورَسْمٌ حَدِيثٌ أيْ جَدِيدٌ، ويُقالُ: أعْجَبَنِي حَدِيثُ فُلانٍ وكَلامُهُ وقَدْ بَيَّنّا أنَّ القُرْآنَ قَدِيمٌ لَهُ لَذَّةُ الكَلامِ الجَدِيدِ والحَدِيثِ الَّذِي لَمْ يُسْمَعْ. الوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ إشارَةٌ إلى ما تَحَدَّثُوا بِهِ مِن قَبْلُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكانُوا يَقُولُونَ أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ ﴿أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ﴾ [الواقعة: ٤٧ - ٤٨] وذَلِكَ لِأنَّ الكَلامَ مُسْتَقِلٌّ مُنْتَظِمٌ فَإنَّهُ تَعالى رَدَّ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ﴾ [الواقعة: ٤٩] وذَكَرَ الدَّلِيلَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿نَحْنُ خَلَقْناكُمْ﴾ وبِقَوْلِهِ: ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تُمْنُونَ﴾ ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ﴾ وأقْسَمَ بَعْدَ إقامَةِ الدَّلائِلِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلا أُقْسِمُ﴾ وبَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ لَقُرْآنٌ﴾ ثُمَّ عادَ إلى كَلامِهِمْ، وقالَ: ﴿أفَبِهَذا الحَدِيثِ﴾ الَّذِي تَتَحَدَّثُونَ بِهِ ﴿أنْتُمْ مُدْهِنُونَ﴾ لِأصْحابِكم تَعْلَمُونَ خِلافَهُ وتَقُولُونَهُ، أمْ أنْتُمْ بِهِ جازِمُونَ، وعَلى الإصْرارِ عازِمُونَ، وسَنُبَيِّنُ وجْهَهُ بِتَفْسِيرِ المُدْهِنِ، وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ المُدْهِنَ المُرادُ بِهِ المُكَذِّبُ قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ أفَبِالقُرْآنِ أنْتُمْ تُكَذِّبُونَ، والتَّحْقِيقُ فِيهِ أنَّ الإدْهانَ تَلْيِينُ الكَلامِ لِاسْتِمالَةِ السّامِعِ مِن غَيْرِ اعْتِقادِ صِحَّةِ الكَلامِ مِنَ المُتَكَلِّمِ، كَما أنَّ العَدُوَّ إذا عَجَزَ عَنْ عَدُوِّهِ يَقُولُ لَهُ: أنا داعٍ لَكَ ومُثْنٍ عَلَيْكَ مُداهَنَةً وهو كاذِبٌ، فَصارَ اسْتِعْمالُ المُدْهِنِ في المُكَذِّبِ اسْتِعْمالًا ثانِيًا، وهَذا إذا قُلْنا: إنَّ الحَدِيثَ هو القُرْآنُ. والوَجْهُ الثّانِي: المُدْهِنُ هو الَّذِي يَلِينَ في الكَلامِ ويُوافِقُ بِاللِّسانِ وهو مُصِرٌّ عَلى الخِلافِ فَقالَ: ﴿أنْتُمْ﴾ فَمِنهم مَن يَقُولُ: إنَّ النَّبِيَّ كاذِبٌ، وإنَّ الحَشْرَ مُحالٌ وذَلِكَ لِما هم عَلَيْهِ مِن حُبِّ الرِّياسَةِ، وتَخافُونَ أنَّكم إنْ صَدَّقْتُمْ ومَنَعْتُمْ ضُعَفاءَكم عَنِ الكُفْرِ يَفُوتُ عَلَيْكم مِن كَسْبِكم ما تَرْبَحُونَهُ بِسَبَبِهِمْ فَتَجْعَلُونَ رِزْقَكم صفحة ١٧٢ أنَّكم تُكَذِّبُونَ الرُّسُلَ، والأوَّلُ عَلَيْهِ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ، لَكِنَّ الثّانِيَ مُطابِقٌ لِصَرِيحِ اللَّفْظِ فَإنَّ الحَدِيثَ بِكَلامِهِمْ أوْلى وهو عِبارَةٌ عَنْ قَوْلِهِمْ: ﴿أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ والمُدْهِنُ يَبْقى عَلى حَقِيقَتِهِ فَإنَّهم ما كانُوا مُدْهِنِينَ بِالقُرْآنِ، وقَوْلُ الزَّجّاجِ: مُكَذِّبُونَ جاءَ بَعْدَهُ صَرِيحًا. وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: تَجْعَلُونَ شُكْرَ النِّعَمِ أنَّكم تَقُولُونَ مُطِرْنا بِنَوْءِ كَذا، وهَذا عَلَيْهِ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ. الثّانِي: تَجْعَلُونَ مَعاشَكم وكَسْبَكم تَكْذِيبَ مُحَمَّدٍ، يُقالُ: فُلانٌ قَطَعَ الطَّرِيقُ مَعاشَهُ، والرِّزْقُ في الأصْلِ مَصْدَرٌ سُمِّيَ بِهِ ما يُرْزَقُ، يُقالُ لِلْمَأْكُولِ رِزْقٌ، كَما يُقالُ لِلْمَقْدُورِ قُدْرَةٌ، والمَخْلُوقِ خَلْقٌ، وعَلى هَذا فالتَّكْذِيبُ مَصْدَرٌ قُصِدَ بِهِ ما كانُوا يُحَصِّلُونَ بِهِ مَقاصِدَهم، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿تُكَذِّبُونَ﴾ فَعَلى الأوَّلِ المُرادُ تَكْذِيبُهم بِما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ إلّا عَلى اللَّهِ رِزْقُها﴾ [هود: ٦] وغَيْرُ ذَلِكَ، وعَلى الثّانِي المُرادُ جَمِيعُ ما صَدَرَ مِنهم مَنِ التَّكْذِيبِ، وهو أقْرَبُ إلى اللَّفْظِ.

الواقعة 56:83

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ﴾ ﴿وأنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ﴾ ﴿ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِنكم ولَكِنْ لا تُبْصِرُونَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: المُرادُ مِن كَلِمَةِ: ﴿فَلَوْلا﴾ مَعْنى هَلّا مِن كَلِماتِ التَّحْضِيضِ وهي أرْبَعُ كَلِماتٍ: لَوْلا، ولَوْما، وهَلّا، وألا ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: أصْلُ الكَلِماتِ لِمَ لا، عَلى السُّؤالِ كَما يَقُولُ القائِلُ: إنْ كُنْتَ صادِقًا فَلِمَ لا يَظْهَرُ صِدْقُكَ، ثُمَّ إنَّما قُلْنا: الأصْلُ لِمَ لا لِكَوْنِهِ اسْتِفْهامًا أشْبَهَ قَوْلَنا: هَلّا، ثُمَّ إنَّ الِاسْتِفْهامَ تارَةً يَكُونُ عَنْ وُجُودِ شَيْءٍ وأُخْرى عَنْ سَبَبِ وُجُودِهِ، فَيُقالُ: هَلْ جاءَ زَيْدٌ ولِمَ جاءَ، والِاسْتِفْهامُ بِهَلْ قَبْلَ الِاسْتِفْهامِ بِلِمَ، ثُمَّ إنَّ الِاسْتِفْهامَ قَدْ يُسْتَعْمَلُ لِلْإنْكارِ وهو كَثِيرٌ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى هَهُنا: ﴿أفَبِهَذا الحَدِيثِ أنْتُمْ مُدْهِنُونَ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿أتَدْعُونَ بَعْلًا وتَذَرُونَ﴾ [الصافات: ١٢٥] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾ [الصافات: ٨٦] ونَظائِرُها كَثِيرَةٌ، وقَدْ ذَكَرْنا لَكَ الحِكْمَةَ فِيهِ، وهي أنَّ النّافِيَ والنّاهِيَ لا يَأْمُرُ أنْ يُكَذَّبَ المُخاطَبُ فَعَرَّضَ بِالنَّفْيِ لِئَلّا يَحْتاجَ إلى بَيانِ النَّفْيِ، إذا ثَبَتَ هَذا فالِاسْتِفْهامُ ”بِهَلْ“ لِإنْكارِ الفِعْلِ، والِاسْتِفْهامُ ”بِلِمَ“ لِإنْكارِ سَبَبِهِ، وبَيانُ ذَلِكَ أنَّ مَن قالَ: لِمَ فَعَلْتَ كَذا، يُشِيرُ إلى أنَّهُ لا سَبَبَ لِلْفِعْلِ، ويَقُولُ: كانَ الفِعْلُ وقَعَ مِن غَيْرِ سَبَبِ الوُقُوعِ، وهو غَيْرُ جائِزٍ، وإذا قالَ: هَلْ فَعَلْتَ، يُنْكِرُ نَفْسَ الفِعْلِ لا الفِعْلَ مِن غَيْرِ سَبَبٍ، وكَأنَّهُ في الأوَّلِ يَقُولُ: لَوْ وُجِدَ لِلْفِعْلِ سَبَبٌ لَكانَ فِعْلُهُ ألْيَقَ، وفي الثّانِي يَقُولُ: الفِعْلُ غَيْرُ لائِقٍ ولَوْ وُجِدَ لَهُ سَبَبٌ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: إنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما يَقَعُ في صَدْرِ الكَلامِ، ويَسْتَدْعِي كَلامًا مُرَكَّبًا مِن كَلامَيْنِ في الأصْلِ، أمّا في ”هَلْ“ فَلِأنَّ أصْلَها أنَّكَ تَسْتَعْمِلُها في جُمْلَتَيْنِ، فَتَقُولُ: هَلْ جاءَ زَيْدٌ أوْ ما جاءَ، لَكِنَّكَ رُبَّما تَحْذِفُ أحَدَيْهِما، وأمّا في ”لَوْ“ فَإنَّكَ تَقُولُ: لَوْ كانَ كَذا لَكانَ كَذا، ورُبَّما تَحْذِفُ الجَزاءَ كَما ذَكَرْنا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَوْ تَعْلَمُونَ﴾؛ لِأنَّهُ يُشِيرُ بِلَوْ إلى أنَّ المَنفِيَّ لَهُ دَلِيلٌ، فَإذا قالَ القائِلُ: لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، وقِيلَ لَهُ لِمَ لا يَعْلَمُونَ، قالَ: إنَّهم لَوْ يَعْلَمُونَ لَفَعَلُوا كَذا، فَدَلِيلُهُ مُسْتَحْضَرٌ إنْ طُولِبَ بِهِ بَيَّنَهُ وإذا ثَبَتَ أنَّ النَّفْيَّ بِلَوْ، والنَّفْيَ بِهَلْ، أبْلَغُ مِنَ النَّفْيِ بِلا، والنَّفْيُ بِقَوْلِهِ: لِمَ، وإنْ كانَ بَيْنَهُما اشْتِراكٌ مَعْنًى ولَفْظًا وحُكْمًا وصارَتْ كَلِماتُ التَّحْضِيضِ وهي: لَوْما، ولَوْلا، وهَلّا وألا، كَما تَقُولُ: لِمَ لا فَإذَنْ قَوْلُ القائِلِ: هَلْ تَفْعَلُ وأنْتَ عَنْهُ مُسْتَغْنٍ، صفحة ١٧٣ كَقَوْلِهِ: لِمَ تَفْعَلُ وهو قَبِيحٌ، وقَوْلُهُ: وهَلّا تَفْعَلُ وأنْتَ إلَيْهِ مُحْتاجٌ، وألا تَفْعَلُ وأنْتَ إلَيْهِ مُحْتاجٌ، وقَوْلُهُ: لَوْلا، ولَوْما، كَقَوْلِهِ: لِمَ لا تَفْعَلُ، ولِمَ لا فَعَلْتَ، فَقَدْ وُجِدَ في ألا زِيادَةُ نَصٍّ؛ لِأنَّ نَقْلَ اللَّفْظِ لا يَخْلُو مِن نَصٍّ، كَما أنَّ المَعْنى صارَ فِيهِ زِيادَةٌ ما، عَلى ما في الأصْلِ كَما بَيَّنّاهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ﴾ أيْ لِمَ لا يَقُولُونَ عِنْدَ المَوْتِ، وهو وقْتُ ظُهُورِ الأُمُورِ وزَمانُ اتِّفاقِ الكَلِماتِ، ولَوْ كانَ ما يَقُولُونَهُ حَقًّا ظاهِرًا كَما يَزْعُمُونَ لَكانَ الواجِبُ أنْ يُشْرِكُوا عِنْدَ النَّزْعِ، وهَذا إشارَةٌ إلى أنَّ كُلَّ أحَدٍ يُؤْمِنُ عِنْدَ المَوْتِ لَكِنْ لَمْ يُقْبَلْ إيمانُ مَن لَمْ يُؤْمِن قَبْلَهُ، فَإنْ قِيلَ: ما سُمِعَ مِنهُمُ الِاعْتِرافُ وقْتَ النَّزْعِ بَلْ يَقُولُونَ: نَحْنُ نُكَذِّبُ الرُّسُلَ أيْضًا وقْتَ بُلُوغِ النَّفْسِ إلى الحُلْقُومِ ونَمُوتُ عَلَيْهِ ؟ فَنَقُولُ: هَذِهِ الآيَةُ بِعَيْنِها إشارَةٌ وبِشارَةٌ، أمّا الإشارَةُ فَإلى الكُفّارِ، وأمّا البِشارَةُ فَلِلرُّسُلِ، أمّا الإشارَةُ وهي أنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ لِلْكُفّارِ حالَةً لا يُمْكِنُهم إنْكارُها وهي حالَةُ المَوْتِ فَإنَّهم وإنْ كَفَرُوا بِالحَشْرِ وهو الحَياةُ بَعْدَ المَوْتِ لَكِنَّهم لَمْ يُنْكِرُوا المَوْتَ، وهو أظْهَرُ مِن كُلِّ ما هو مَن مِثْلُهُ فَلا يَشُكُّونَ في حالَةِ النَّزْعِ، ولا يَشُكُّونَ في أنَّ في ذَلِكَ الوَقْتِ لا يَبْقى لَهم لِسانٌ يَنْطِقُ، ولا إنْكارٌ بِعَمَلٍ فَتَفُوتُهم قُوَّةُ الِاكْتِسابِ لِإيمانِهِمْ ولا يُمْكِنُهُمُ الإتْيانُ بِما يَجِبُ، فَيَكُونُ ذَلِكَ حَثًّا لَهم عَلى تَجْدِيدِ النَّظَرِ في طَلَبِ الحَقِّ قَبْلَ تِلْكَ الحالَةِ، وأمّا البِشارَةُ فَلِأنَّ الرُّسُلَ لَمّا كُذِّبُوا وكُذِّبَ مُرْسِلُهم صَعُبَ عَلَيْهِمْ، فَبُشِّرُوا بِأنَّ المُكَذِّبِينَ سَيَرْجِعُونَ عَمّا يَقُولُونَ، ثُمَّ هو إنْ كانَ قَبْلَ النَّزْعِ فَذَلِكَ مَقْبُولٌ وإلّا فَعِنْدَ المَوْتِ وهو غَيْرُ نافِعٍ، والضَّمِيرُ في ﴿بَلَغَتِ﴾ لِلنَّفْسِ أوْ لِلْحَياةِ أوِ الرُّوحِ، وقَوْلُهُ: ﴿وأنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ﴾ تَأْكِيدٌ لِبَيانِ الحَقِّ أيْ في ذَلِكَ الوَقْتِ تَصِيرُ الأُمُورُ مَرْئِيَّةً مُشاهَدَةً يَنْظُرُ إلَيْها كُلُّ مَن بَلَغَ إلى تِلْكَ الحالَةِ، فَإنْ كانَ ما ذَكَرْتُمْ حَقًّا كانَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ في ذَلِكَ الوَقْتِ، وقَدْ ذَكَرْنا التَّحْقِيقَ في ﴿حِينَئِذٍ﴾ في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ في سُورَةِ والطُّورِ، واللَّفْظُ والمَعْنى مُتَطابِقانِ عَلى ما ذَكَرْنا؛ لِأنَّهم كانُوا يُكَذِّبُونَ بِالرُّسُلِ والحَشْرِ، وصَرَّحَ بِهِ اللَّهُ في هَذِهِ السُّورَةِ عَنْهم حَيْثُ قالَ: إنَّهم ﴿وكانُوا يُصِرُّونَ عَلى الحِنْثِ العَظِيمِ﴾ ﴿وكانُوا يَقُولُونَ أئِذا مِتْنا﴾ وهَذا كالتَّصْرِيحِ بِالتَّكْذِيبِ؛ لِأنَّهم ما كانُوا يُنْكِرُونَ أنَّ اللَّهَ تَعالى مُنْزِلٌ لَكِنَّهم كانُوا يَجْعَلُونَ أيْضًا الكَواكِبَ مِنَ المُنْزِلِينَ، وأمّا المُضْمَرُ فَذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿أفَرَأيْتُمُ الماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿أأنْتُمْ أنْزَلْتُمُوهُ مِنَ المُزْنِ أمْ نَحْنُ المُنْزِلُونَ﴾ بِالواسِطَةِ وبِالتَّفْوِيضِ عَلى ما هو مَذْهَبُ المُشْرِكِينَ أوْ مَذْهَبُ الفَلاسِفَةِ. وأيْضًا التَّفْسِيرُ المَشْهُورُ مُحْتاجٌ إلى إضْمارٍ تَقْدِيرُهُ أتَجْعَلُونَ شُكْرَ رِزْقِكم، وأمّا جَعْلُ الرِّزْقِ بِمَعْنى المَعاشِ فَأقْرَبُ، يُقالُ: فُلانٌ رِزْقُهُ في لِسانِهِ، ورِزْقُ فُلانٍ في رِجْلِهِ ويَدِهِ، وأيْضًا فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ﴾ مُتَّصِلٌ بِما قَبْلَهُ لِما بَيَّنّا أنَّ المُرادَ أنَّكم تُكَذِّبُونَ الرُّسُلَ فَلِمَ لا تُكَذِّبُونَهم وقْتَ النَّزْعِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأحْيا بِهِ الأرْضَ مِن بَعْدِ مَوْتِها لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [العنكبوت: ٦٣] فَعُلِمَ أنَّهم كَذَّبُوا كَما قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «كَذَبَ المُنَجِّمُونَ ورَبِّ الكَعْبَةِ» ولَمْ يَكْذِبُوا وهَذا عَلى قِراءَةِ مَن يَقْرَأُ: ”تَكْذِبُونَ“ بِالتَّخْفِيفِ، وأمّا المُدْهِنُ فَعَلى ما ذَكَرْنا يَبْقى عَلى الأصْلِ ويُوافِقُهُ: ﴿ودُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم: ٩] فَإنَّ المُرادَ هُناكَ لَيْسَ تَكْذِبُ فَيَكْذِبُونَ؛ لِأنَّهم أرادُوا النِّفاقَ لا التَّكْذِيبَ الظّاهِرَ.

الواقعة 56:84

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ﴾ ﴿وأنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ﴾ ﴿ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِنكم ولَكِنْ لا تُبْصِرُونَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: المُرادُ مِن كَلِمَةِ: ﴿فَلَوْلا﴾ مَعْنى هَلّا مِن كَلِماتِ التَّحْضِيضِ وهي أرْبَعُ كَلِماتٍ: لَوْلا، ولَوْما، وهَلّا، وألا ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: أصْلُ الكَلِماتِ لِمَ لا، عَلى السُّؤالِ كَما يَقُولُ القائِلُ: إنْ كُنْتَ صادِقًا فَلِمَ لا يَظْهَرُ صِدْقُكَ، ثُمَّ إنَّما قُلْنا: الأصْلُ لِمَ لا لِكَوْنِهِ اسْتِفْهامًا أشْبَهَ قَوْلَنا: هَلّا، ثُمَّ إنَّ الِاسْتِفْهامَ تارَةً يَكُونُ عَنْ وُجُودِ شَيْءٍ وأُخْرى عَنْ سَبَبِ وُجُودِهِ، فَيُقالُ: هَلْ جاءَ زَيْدٌ ولِمَ جاءَ، والِاسْتِفْهامُ بِهَلْ قَبْلَ الِاسْتِفْهامِ بِلِمَ، ثُمَّ إنَّ الِاسْتِفْهامَ قَدْ يُسْتَعْمَلُ لِلْإنْكارِ وهو كَثِيرٌ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى هَهُنا: ﴿أفَبِهَذا الحَدِيثِ أنْتُمْ مُدْهِنُونَ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿أتَدْعُونَ بَعْلًا وتَذَرُونَ﴾ [الصافات: ١٢٥] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾ [الصافات: ٨٦] ونَظائِرُها كَثِيرَةٌ، وقَدْ ذَكَرْنا لَكَ الحِكْمَةَ فِيهِ، وهي أنَّ النّافِيَ والنّاهِيَ لا يَأْمُرُ أنْ يُكَذَّبَ المُخاطَبُ فَعَرَّضَ بِالنَّفْيِ لِئَلّا يَحْتاجَ إلى بَيانِ النَّفْيِ، إذا ثَبَتَ هَذا فالِاسْتِفْهامُ ”بِهَلْ“ لِإنْكارِ الفِعْلِ، والِاسْتِفْهامُ ”بِلِمَ“ لِإنْكارِ سَبَبِهِ، وبَيانُ ذَلِكَ أنَّ مَن قالَ: لِمَ فَعَلْتَ كَذا، يُشِيرُ إلى أنَّهُ لا سَبَبَ لِلْفِعْلِ، ويَقُولُ: كانَ الفِعْلُ وقَعَ مِن غَيْرِ سَبَبِ الوُقُوعِ، وهو غَيْرُ جائِزٍ، وإذا قالَ: هَلْ فَعَلْتَ، يُنْكِرُ نَفْسَ الفِعْلِ لا الفِعْلَ مِن غَيْرِ سَبَبٍ، وكَأنَّهُ في الأوَّلِ يَقُولُ: لَوْ وُجِدَ لِلْفِعْلِ سَبَبٌ لَكانَ فِعْلُهُ ألْيَقَ، وفي الثّانِي يَقُولُ: الفِعْلُ غَيْرُ لائِقٍ ولَوْ وُجِدَ لَهُ سَبَبٌ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: إنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما يَقَعُ في صَدْرِ الكَلامِ، ويَسْتَدْعِي كَلامًا مُرَكَّبًا مِن كَلامَيْنِ في الأصْلِ، أمّا في ”هَلْ“ فَلِأنَّ أصْلَها أنَّكَ تَسْتَعْمِلُها في جُمْلَتَيْنِ، فَتَقُولُ: هَلْ جاءَ زَيْدٌ أوْ ما جاءَ، لَكِنَّكَ رُبَّما تَحْذِفُ أحَدَيْهِما، وأمّا في ”لَوْ“ فَإنَّكَ تَقُولُ: لَوْ كانَ كَذا لَكانَ كَذا، ورُبَّما تَحْذِفُ الجَزاءَ كَما ذَكَرْنا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَوْ تَعْلَمُونَ﴾؛ لِأنَّهُ يُشِيرُ بِلَوْ إلى أنَّ المَنفِيَّ لَهُ دَلِيلٌ، فَإذا قالَ القائِلُ: لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، وقِيلَ لَهُ لِمَ لا يَعْلَمُونَ، قالَ: إنَّهم لَوْ يَعْلَمُونَ لَفَعَلُوا كَذا، فَدَلِيلُهُ مُسْتَحْضَرٌ إنْ طُولِبَ بِهِ بَيَّنَهُ وإذا ثَبَتَ أنَّ النَّفْيَّ بِلَوْ، والنَّفْيَ بِهَلْ، أبْلَغُ مِنَ النَّفْيِ بِلا، والنَّفْيُ بِقَوْلِهِ: لِمَ، وإنْ كانَ بَيْنَهُما اشْتِراكٌ مَعْنًى ولَفْظًا وحُكْمًا وصارَتْ كَلِماتُ التَّحْضِيضِ وهي: لَوْما، ولَوْلا، وهَلّا وألا، كَما تَقُولُ: لِمَ لا فَإذَنْ قَوْلُ القائِلِ: هَلْ تَفْعَلُ وأنْتَ عَنْهُ مُسْتَغْنٍ، صفحة ١٧٣ كَقَوْلِهِ: لِمَ تَفْعَلُ وهو قَبِيحٌ، وقَوْلُهُ: وهَلّا تَفْعَلُ وأنْتَ إلَيْهِ مُحْتاجٌ، وألا تَفْعَلُ وأنْتَ إلَيْهِ مُحْتاجٌ، وقَوْلُهُ: لَوْلا، ولَوْما، كَقَوْلِهِ: لِمَ لا تَفْعَلُ، ولِمَ لا فَعَلْتَ، فَقَدْ وُجِدَ في ألا زِيادَةُ نَصٍّ؛ لِأنَّ نَقْلَ اللَّفْظِ لا يَخْلُو مِن نَصٍّ، كَما أنَّ المَعْنى صارَ فِيهِ زِيادَةٌ ما، عَلى ما في الأصْلِ كَما بَيَّنّاهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ﴾ أيْ لِمَ لا يَقُولُونَ عِنْدَ المَوْتِ، وهو وقْتُ ظُهُورِ الأُمُورِ وزَمانُ اتِّفاقِ الكَلِماتِ، ولَوْ كانَ ما يَقُولُونَهُ حَقًّا ظاهِرًا كَما يَزْعُمُونَ لَكانَ الواجِبُ أنْ يُشْرِكُوا عِنْدَ النَّزْعِ، وهَذا إشارَةٌ إلى أنَّ كُلَّ أحَدٍ يُؤْمِنُ عِنْدَ المَوْتِ لَكِنْ لَمْ يُقْبَلْ إيمانُ مَن لَمْ يُؤْمِن قَبْلَهُ، فَإنْ قِيلَ: ما سُمِعَ مِنهُمُ الِاعْتِرافُ وقْتَ النَّزْعِ بَلْ يَقُولُونَ: نَحْنُ نُكَذِّبُ الرُّسُلَ أيْضًا وقْتَ بُلُوغِ النَّفْسِ إلى الحُلْقُومِ ونَمُوتُ عَلَيْهِ ؟ فَنَقُولُ: هَذِهِ الآيَةُ بِعَيْنِها إشارَةٌ وبِشارَةٌ، أمّا الإشارَةُ فَإلى الكُفّارِ، وأمّا البِشارَةُ فَلِلرُّسُلِ، أمّا الإشارَةُ وهي أنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ لِلْكُفّارِ حالَةً لا يُمْكِنُهم إنْكارُها وهي حالَةُ المَوْتِ فَإنَّهم وإنْ كَفَرُوا بِالحَشْرِ وهو الحَياةُ بَعْدَ المَوْتِ لَكِنَّهم لَمْ يُنْكِرُوا المَوْتَ، وهو أظْهَرُ مِن كُلِّ ما هو مَن مِثْلُهُ فَلا يَشُكُّونَ في حالَةِ النَّزْعِ، ولا يَشُكُّونَ في أنَّ في ذَلِكَ الوَقْتِ لا يَبْقى لَهم لِسانٌ يَنْطِقُ، ولا إنْكارٌ بِعَمَلٍ فَتَفُوتُهم قُوَّةُ الِاكْتِسابِ لِإيمانِهِمْ ولا يُمْكِنُهُمُ الإتْيانُ بِما يَجِبُ، فَيَكُونُ ذَلِكَ حَثًّا لَهم عَلى تَجْدِيدِ النَّظَرِ في طَلَبِ الحَقِّ قَبْلَ تِلْكَ الحالَةِ، وأمّا البِشارَةُ فَلِأنَّ الرُّسُلَ لَمّا كُذِّبُوا وكُذِّبَ مُرْسِلُهم صَعُبَ عَلَيْهِمْ، فَبُشِّرُوا بِأنَّ المُكَذِّبِينَ سَيَرْجِعُونَ عَمّا يَقُولُونَ، ثُمَّ هو إنْ كانَ قَبْلَ النَّزْعِ فَذَلِكَ مَقْبُولٌ وإلّا فَعِنْدَ المَوْتِ وهو غَيْرُ نافِعٍ، والضَّمِيرُ في ﴿بَلَغَتِ﴾ لِلنَّفْسِ أوْ لِلْحَياةِ أوِ الرُّوحِ، وقَوْلُهُ: ﴿وأنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ﴾ تَأْكِيدٌ لِبَيانِ الحَقِّ أيْ في ذَلِكَ الوَقْتِ تَصِيرُ الأُمُورُ مَرْئِيَّةً مُشاهَدَةً يَنْظُرُ إلَيْها كُلُّ مَن بَلَغَ إلى تِلْكَ الحالَةِ، فَإنْ كانَ ما ذَكَرْتُمْ حَقًّا كانَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ في ذَلِكَ الوَقْتِ، وقَدْ ذَكَرْنا التَّحْقِيقَ في ﴿حِينَئِذٍ﴾ في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ في سُورَةِ والطُّورِ، واللَّفْظُ والمَعْنى مُتَطابِقانِ عَلى ما ذَكَرْنا؛ لِأنَّهم كانُوا يُكَذِّبُونَ بِالرُّسُلِ والحَشْرِ، وصَرَّحَ بِهِ اللَّهُ في هَذِهِ السُّورَةِ عَنْهم حَيْثُ قالَ: إنَّهم ﴿وكانُوا يُصِرُّونَ عَلى الحِنْثِ العَظِيمِ﴾ ﴿وكانُوا يَقُولُونَ أئِذا مِتْنا﴾ وهَذا كالتَّصْرِيحِ بِالتَّكْذِيبِ؛ لِأنَّهم ما كانُوا يُنْكِرُونَ أنَّ اللَّهَ تَعالى مُنْزِلٌ لَكِنَّهم كانُوا يَجْعَلُونَ أيْضًا الكَواكِبَ مِنَ المُنْزِلِينَ، وأمّا المُضْمَرُ فَذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿أفَرَأيْتُمُ الماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿أأنْتُمْ أنْزَلْتُمُوهُ مِنَ المُزْنِ أمْ نَحْنُ المُنْزِلُونَ﴾ بِالواسِطَةِ وبِالتَّفْوِيضِ عَلى ما هو مَذْهَبُ المُشْرِكِينَ أوْ مَذْهَبُ الفَلاسِفَةِ. وأيْضًا التَّفْسِيرُ المَشْهُورُ مُحْتاجٌ إلى إضْمارٍ تَقْدِيرُهُ أتَجْعَلُونَ شُكْرَ رِزْقِكم، وأمّا جَعْلُ الرِّزْقِ بِمَعْنى المَعاشِ فَأقْرَبُ، يُقالُ: فُلانٌ رِزْقُهُ في لِسانِهِ، ورِزْقُ فُلانٍ في رِجْلِهِ ويَدِهِ، وأيْضًا فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ﴾ مُتَّصِلٌ بِما قَبْلَهُ لِما بَيَّنّا أنَّ المُرادَ أنَّكم تُكَذِّبُونَ الرُّسُلَ فَلِمَ لا تُكَذِّبُونَهم وقْتَ النَّزْعِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأحْيا بِهِ الأرْضَ مِن بَعْدِ مَوْتِها لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [العنكبوت: ٦٣] فَعُلِمَ أنَّهم كَذَّبُوا كَما قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «كَذَبَ المُنَجِّمُونَ ورَبِّ الكَعْبَةِ» ولَمْ يَكْذِبُوا وهَذا عَلى قِراءَةِ مَن يَقْرَأُ: ”تَكْذِبُونَ“ بِالتَّخْفِيفِ، وأمّا المُدْهِنُ فَعَلى ما ذَكَرْنا يَبْقى عَلى الأصْلِ ويُوافِقُهُ: ﴿ودُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم: ٩] فَإنَّ المُرادَ هُناكَ لَيْسَ تَكْذِبُ فَيَكْذِبُونَ؛ لِأنَّهم أرادُوا النِّفاقَ لا التَّكْذِيبَ الظّاهِرَ.

الواقعة 56:85

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ﴾ ﴿وأنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ﴾ ﴿ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِنكم ولَكِنْ لا تُبْصِرُونَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: المُرادُ مِن كَلِمَةِ: ﴿فَلَوْلا﴾ مَعْنى هَلّا مِن كَلِماتِ التَّحْضِيضِ وهي أرْبَعُ كَلِماتٍ: لَوْلا، ولَوْما، وهَلّا، وألا ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: أصْلُ الكَلِماتِ لِمَ لا، عَلى السُّؤالِ كَما يَقُولُ القائِلُ: إنْ كُنْتَ صادِقًا فَلِمَ لا يَظْهَرُ صِدْقُكَ، ثُمَّ إنَّما قُلْنا: الأصْلُ لِمَ لا لِكَوْنِهِ اسْتِفْهامًا أشْبَهَ قَوْلَنا: هَلّا، ثُمَّ إنَّ الِاسْتِفْهامَ تارَةً يَكُونُ عَنْ وُجُودِ شَيْءٍ وأُخْرى عَنْ سَبَبِ وُجُودِهِ، فَيُقالُ: هَلْ جاءَ زَيْدٌ ولِمَ جاءَ، والِاسْتِفْهامُ بِهَلْ قَبْلَ الِاسْتِفْهامِ بِلِمَ، ثُمَّ إنَّ الِاسْتِفْهامَ قَدْ يُسْتَعْمَلُ لِلْإنْكارِ وهو كَثِيرٌ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى هَهُنا: ﴿أفَبِهَذا الحَدِيثِ أنْتُمْ مُدْهِنُونَ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿أتَدْعُونَ بَعْلًا وتَذَرُونَ﴾ [الصافات: ١٢٥] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾ [الصافات: ٨٦] ونَظائِرُها كَثِيرَةٌ، وقَدْ ذَكَرْنا لَكَ الحِكْمَةَ فِيهِ، وهي أنَّ النّافِيَ والنّاهِيَ لا يَأْمُرُ أنْ يُكَذَّبَ المُخاطَبُ فَعَرَّضَ بِالنَّفْيِ لِئَلّا يَحْتاجَ إلى بَيانِ النَّفْيِ، إذا ثَبَتَ هَذا فالِاسْتِفْهامُ ”بِهَلْ“ لِإنْكارِ الفِعْلِ، والِاسْتِفْهامُ ”بِلِمَ“ لِإنْكارِ سَبَبِهِ، وبَيانُ ذَلِكَ أنَّ مَن قالَ: لِمَ فَعَلْتَ كَذا، يُشِيرُ إلى أنَّهُ لا سَبَبَ لِلْفِعْلِ، ويَقُولُ: كانَ الفِعْلُ وقَعَ مِن غَيْرِ سَبَبِ الوُقُوعِ، وهو غَيْرُ جائِزٍ، وإذا قالَ: هَلْ فَعَلْتَ، يُنْكِرُ نَفْسَ الفِعْلِ لا الفِعْلَ مِن غَيْرِ سَبَبٍ، وكَأنَّهُ في الأوَّلِ يَقُولُ: لَوْ وُجِدَ لِلْفِعْلِ سَبَبٌ لَكانَ فِعْلُهُ ألْيَقَ، وفي الثّانِي يَقُولُ: الفِعْلُ غَيْرُ لائِقٍ ولَوْ وُجِدَ لَهُ سَبَبٌ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: إنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما يَقَعُ في صَدْرِ الكَلامِ، ويَسْتَدْعِي كَلامًا مُرَكَّبًا مِن كَلامَيْنِ في الأصْلِ، أمّا في ”هَلْ“ فَلِأنَّ أصْلَها أنَّكَ تَسْتَعْمِلُها في جُمْلَتَيْنِ، فَتَقُولُ: هَلْ جاءَ زَيْدٌ أوْ ما جاءَ، لَكِنَّكَ رُبَّما تَحْذِفُ أحَدَيْهِما، وأمّا في ”لَوْ“ فَإنَّكَ تَقُولُ: لَوْ كانَ كَذا لَكانَ كَذا، ورُبَّما تَحْذِفُ الجَزاءَ كَما ذَكَرْنا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَوْ تَعْلَمُونَ﴾؛ لِأنَّهُ يُشِيرُ بِلَوْ إلى أنَّ المَنفِيَّ لَهُ دَلِيلٌ، فَإذا قالَ القائِلُ: لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، وقِيلَ لَهُ لِمَ لا يَعْلَمُونَ، قالَ: إنَّهم لَوْ يَعْلَمُونَ لَفَعَلُوا كَذا، فَدَلِيلُهُ مُسْتَحْضَرٌ إنْ طُولِبَ بِهِ بَيَّنَهُ وإذا ثَبَتَ أنَّ النَّفْيَّ بِلَوْ، والنَّفْيَ بِهَلْ، أبْلَغُ مِنَ النَّفْيِ بِلا، والنَّفْيُ بِقَوْلِهِ: لِمَ، وإنْ كانَ بَيْنَهُما اشْتِراكٌ مَعْنًى ولَفْظًا وحُكْمًا وصارَتْ كَلِماتُ التَّحْضِيضِ وهي: لَوْما، ولَوْلا، وهَلّا وألا، كَما تَقُولُ: لِمَ لا فَإذَنْ قَوْلُ القائِلِ: هَلْ تَفْعَلُ وأنْتَ عَنْهُ مُسْتَغْنٍ، صفحة ١٧٣ كَقَوْلِهِ: لِمَ تَفْعَلُ وهو قَبِيحٌ، وقَوْلُهُ: وهَلّا تَفْعَلُ وأنْتَ إلَيْهِ مُحْتاجٌ، وألا تَفْعَلُ وأنْتَ إلَيْهِ مُحْتاجٌ، وقَوْلُهُ: لَوْلا، ولَوْما، كَقَوْلِهِ: لِمَ لا تَفْعَلُ، ولِمَ لا فَعَلْتَ، فَقَدْ وُجِدَ في ألا زِيادَةُ نَصٍّ؛ لِأنَّ نَقْلَ اللَّفْظِ لا يَخْلُو مِن نَصٍّ، كَما أنَّ المَعْنى صارَ فِيهِ زِيادَةٌ ما، عَلى ما في الأصْلِ كَما بَيَّنّاهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ﴾ أيْ لِمَ لا يَقُولُونَ عِنْدَ المَوْتِ، وهو وقْتُ ظُهُورِ الأُمُورِ وزَمانُ اتِّفاقِ الكَلِماتِ، ولَوْ كانَ ما يَقُولُونَهُ حَقًّا ظاهِرًا كَما يَزْعُمُونَ لَكانَ الواجِبُ أنْ يُشْرِكُوا عِنْدَ النَّزْعِ، وهَذا إشارَةٌ إلى أنَّ كُلَّ أحَدٍ يُؤْمِنُ عِنْدَ المَوْتِ لَكِنْ لَمْ يُقْبَلْ إيمانُ مَن لَمْ يُؤْمِن قَبْلَهُ، فَإنْ قِيلَ: ما سُمِعَ مِنهُمُ الِاعْتِرافُ وقْتَ النَّزْعِ بَلْ يَقُولُونَ: نَحْنُ نُكَذِّبُ الرُّسُلَ أيْضًا وقْتَ بُلُوغِ النَّفْسِ إلى الحُلْقُومِ ونَمُوتُ عَلَيْهِ ؟ فَنَقُولُ: هَذِهِ الآيَةُ بِعَيْنِها إشارَةٌ وبِشارَةٌ، أمّا الإشارَةُ فَإلى الكُفّارِ، وأمّا البِشارَةُ فَلِلرُّسُلِ، أمّا الإشارَةُ وهي أنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ لِلْكُفّارِ حالَةً لا يُمْكِنُهم إنْكارُها وهي حالَةُ المَوْتِ فَإنَّهم وإنْ كَفَرُوا بِالحَشْرِ وهو الحَياةُ بَعْدَ المَوْتِ لَكِنَّهم لَمْ يُنْكِرُوا المَوْتَ، وهو أظْهَرُ مِن كُلِّ ما هو مَن مِثْلُهُ فَلا يَشُكُّونَ في حالَةِ النَّزْعِ، ولا يَشُكُّونَ في أنَّ في ذَلِكَ الوَقْتِ لا يَبْقى لَهم لِسانٌ يَنْطِقُ، ولا إنْكارٌ بِعَمَلٍ فَتَفُوتُهم قُوَّةُ الِاكْتِسابِ لِإيمانِهِمْ ولا يُمْكِنُهُمُ الإتْيانُ بِما يَجِبُ، فَيَكُونُ ذَلِكَ حَثًّا لَهم عَلى تَجْدِيدِ النَّظَرِ في طَلَبِ الحَقِّ قَبْلَ تِلْكَ الحالَةِ، وأمّا البِشارَةُ فَلِأنَّ الرُّسُلَ لَمّا كُذِّبُوا وكُذِّبَ مُرْسِلُهم صَعُبَ عَلَيْهِمْ، فَبُشِّرُوا بِأنَّ المُكَذِّبِينَ سَيَرْجِعُونَ عَمّا يَقُولُونَ، ثُمَّ هو إنْ كانَ قَبْلَ النَّزْعِ فَذَلِكَ مَقْبُولٌ وإلّا فَعِنْدَ المَوْتِ وهو غَيْرُ نافِعٍ، والضَّمِيرُ في ﴿بَلَغَتِ﴾ لِلنَّفْسِ أوْ لِلْحَياةِ أوِ الرُّوحِ، وقَوْلُهُ: ﴿وأنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ﴾ تَأْكِيدٌ لِبَيانِ الحَقِّ أيْ في ذَلِكَ الوَقْتِ تَصِيرُ الأُمُورُ مَرْئِيَّةً مُشاهَدَةً يَنْظُرُ إلَيْها كُلُّ مَن بَلَغَ إلى تِلْكَ الحالَةِ، فَإنْ كانَ ما ذَكَرْتُمْ حَقًّا كانَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ في ذَلِكَ الوَقْتِ، وقَدْ ذَكَرْنا التَّحْقِيقَ في ﴿حِينَئِذٍ﴾ في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ في سُورَةِ والطُّورِ، واللَّفْظُ والمَعْنى مُتَطابِقانِ عَلى ما ذَكَرْنا؛ لِأنَّهم كانُوا يُكَذِّبُونَ بِالرُّسُلِ والحَشْرِ، وصَرَّحَ بِهِ اللَّهُ في هَذِهِ السُّورَةِ عَنْهم حَيْثُ قالَ: إنَّهم ﴿وكانُوا يُصِرُّونَ عَلى الحِنْثِ العَظِيمِ﴾ ﴿وكانُوا يَقُولُونَ أئِذا مِتْنا﴾ وهَذا كالتَّصْرِيحِ بِالتَّكْذِيبِ؛ لِأنَّهم ما كانُوا يُنْكِرُونَ أنَّ اللَّهَ تَعالى مُنْزِلٌ لَكِنَّهم كانُوا يَجْعَلُونَ أيْضًا الكَواكِبَ مِنَ المُنْزِلِينَ، وأمّا المُضْمَرُ فَذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿أفَرَأيْتُمُ الماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿أأنْتُمْ أنْزَلْتُمُوهُ مِنَ المُزْنِ أمْ نَحْنُ المُنْزِلُونَ﴾ بِالواسِطَةِ وبِالتَّفْوِيضِ عَلى ما هو مَذْهَبُ المُشْرِكِينَ أوْ مَذْهَبُ الفَلاسِفَةِ. وأيْضًا التَّفْسِيرُ المَشْهُورُ مُحْتاجٌ إلى إضْمارٍ تَقْدِيرُهُ أتَجْعَلُونَ شُكْرَ رِزْقِكم، وأمّا جَعْلُ الرِّزْقِ بِمَعْنى المَعاشِ فَأقْرَبُ، يُقالُ: فُلانٌ رِزْقُهُ في لِسانِهِ، ورِزْقُ فُلانٍ في رِجْلِهِ ويَدِهِ، وأيْضًا فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ﴾ مُتَّصِلٌ بِما قَبْلَهُ لِما بَيَّنّا أنَّ المُرادَ أنَّكم تُكَذِّبُونَ الرُّسُلَ فَلِمَ لا تُكَذِّبُونَهم وقْتَ النَّزْعِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأحْيا بِهِ الأرْضَ مِن بَعْدِ مَوْتِها لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [العنكبوت: ٦٣] فَعُلِمَ أنَّهم كَذَّبُوا كَما قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «كَذَبَ المُنَجِّمُونَ ورَبِّ الكَعْبَةِ» ولَمْ يَكْذِبُوا وهَذا عَلى قِراءَةِ مَن يَقْرَأُ: ”تَكْذِبُونَ“ بِالتَّخْفِيفِ، وأمّا المُدْهِنُ فَعَلى ما ذَكَرْنا يَبْقى عَلى الأصْلِ ويُوافِقُهُ: ﴿ودُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم: ٩] فَإنَّ المُرادَ هُناكَ لَيْسَ تَكْذِبُ فَيَكْذِبُونَ؛ لِأنَّهم أرادُوا النِّفاقَ لا التَّكْذِيبَ الظّاهِرَ.

الواقعة 56:86

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَلَوْلا إنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ ﴿تَرْجِعُونَها إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ ﴿فَلَوْلا﴾ في المَرَّةِ الثّانِيَةِ مُكَرَّرَةٌ وهي بِعَيْنِها هي الَّتِي قالَ تَعالى: ﴿فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ﴾ ولَها جَوابٌ واحِدٌ، وتَقْدِيرُهُ عَلى ما قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَلَوْلا تَرْجِعُونَها إذا صفحة ١٧٤ بَلَغَتِ الحُلْقُومَ، أيْ إنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ، وقالَ بَعْضُهم: هو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإمّا يَأْتِيَنَّكم مِنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ [البقرة: ٣٨] حَيْثُ جَعَلَ ﴿فَلا خَوْفٌ﴾ جَزاءَ شَرْطَيْنِ، والظّاهِرُ خِلافُ ما قالُوا، وهو أنْ يُقالَ: جَوابُ لَوْلا في قَوْلِهِ: ﴿فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ﴾ هو ما يَدُلُّ عَلَيْهِ ما سَبَقَ يَعْنِي تُكَذِّبُونَ مُدَّةَ حَياتِكم جاعِلِينَ التَّكْذِيبَ رِزْقَكم ومَعاشَكم، فَلَوْلا تُكَذِّبُونَ وقْتَ النَّزْعِ وأنْتُمْ في ذَلِكَ الوَقْتِ تَعْلَمُونَ الأُمُورَ وتُشاهِدُونَها، وأمّا لَوْلا في المَرَّةِ الثّانِيَةِ فَجَوابُها: ﴿تَرْجِعُونَها﴾ . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في ﴿مَدِينِينَ﴾ أقْوالٌ مِنهم مَن قالَ: المُرادُ مَمْلُوكِينَ، ومِنهم مَن قالَ: مَجْزِيِّينَ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مِن دانَهُ السُّلْطانُ إذا ساسَهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: المُرادُ غَيْرُ مُقِيمِينَ مِن مَدَنَ إذا أقامَ، هو حِينَئِذٍ فَعَيْلٌ، ومِنهُ المَدِينَةُ، وجَمْعُها مَدائِنُ، مِن غَيْرِ إظْهارِ الياءِ، ولَوْ كانَتْ مَفْعَلَةً لَكانَ جَمْعُها مَدايِنَ كَمَعايِشَ بِإثْباتِ الياءِ، ووَجْهُهُ أنْ يُقالَ: كانَ قَوْمٌ يُنْكِرُونَ العَذابَ الدّائِمَ، وقَوْمٌ يُنْكِرُونَ العَذابَ ومَنِ اعْتَرَفَ بِهِ كانَ يُنْكِرُ دَوامَهُ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلّا أيّامًا مَعْدُودَةً﴾ [البقرة: ٨٠] قِيلَ: إنْ كُنْتُمْ عَلى ما تَقُولُونَ لا تَبْقَوْنَ في العَذابِ الدّائِمِ فَلِمَ لا تُرْجِعُونَ أنْفُسَكم إلى الدُّنْيا إنْ لَمْ تَكُنِ الآخِرَةُ دارَ الإقامَةِ، وأمّا عَلى قَوْلِهِ: (مَجْزِيِّينَ) فالتَّفْسِيرُ مِثْلُ هَذا كَأنَّهُ قالَ: سَتُصَدِّقُونَ وقْتَ النَّزْعِ رُسُلَ اللَّهِ في الحَشْرِ، فَإنْ كُنْتُمْ بَعْدَ ذَلِكَ غَيْرَ مَجْزِيِّينَ فَلِمَ لا تُرْجِعُونَ أنْفُسَكم إلى دُنْياكم، فَإنَّ التَّعْوِيقَ لِلْجَزاءِ لا غَيْرُ، ولَوْلا الجَزاءُ لَكُنْتُمْ مُخْتارِينَ كَما كُنْتُمْ في دُنْياكُمُ الَّتِي لَيْسَتْ دارَ الجَزاءِ مُخْتارِينَ تَكُونُونَ حَيْثُ تُرِيدُونَ مِنَ الأماكِنِ، وأمّا عَلى قَوْلِنا: مَمْلُوكِينَ مِنَ المِلْكِ، ومِنهُ المَدِينَةُ لِلْمُلُوكَةِ، فالأمْرُ أظْهَرُ بِمَعْنى أنَّكم إذا كُنْتُمْ لَسْتُمْ تَحْتَ قُدْرَةِ أحَدٍ، فَلِمَ لا تُرْجِعُونَ أنْفُسَكم إلى الدُّنْيا كَما كُنْتُمْ في دُنْياكُمُ الَّتِي لَيْسَتْ دارَ جَزاءٍ مَعَ أنَّ ذَلِكَ مُشْتَهى أنْفُسِكم ومُنى قُلُوبِكم، وكُلُّ ذَلِكَ عِنْدَ التَّحْقِيقِ راجِعٌ إلى كَلامٍ واحِدٍ، وأنَّهم كانُوا يَأْخُذُونَ بِقَوْلِ الفَلاسِفَةِ في بَعْضِ الأشْياءِ دُونَ بَعْضٍ، وكانُوا يَقُولُونَ بِالطَّبائِعِ، وأنَّ الأمْطارَ مِنَ السُّحُبِ، وهي مُتَوَلِّدَةٌ بِأسْبابٍ فَلَكِيَّةٍ، والنَّباتُ كَذَلِكَ، والحَيَوانُ كَذَلِكَ، ولا اخْتِيارَ لِلَّهِ في شَيْءٍ وسَواءٌ عَلَيْهِ إنْكارُ الرُّسُلِ والحَشْرِ، فَقالَ تَعالى: إنْ كانَ الأمْرُ كَما يَقُولُونَ فَما بالُ الطَّبِيعِيِّ الَّذِي يَدَّعِي العِلْمَ لا يَقْدِرُ عَلى أنْ يُرْجِعَ النَّفْسَ مِنَ الحُلْقُومِ، مَعَ أنَّ في الطَّبْعِ عِنْدَهُ إمْكانًا لِذَلِكَ، فَإنَّ عِنْدَهُمُ البَقاءَ بِالغَداءِ وزَوالَ الأمْراضِ بِالدَّواءِ، وإذا عُلِمَ هَذا فَإنْ قُلْنا: ﴿غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ مَعْناهُ غَيْرَ مَمْلُوكِينَ رَجَعَ إلى قَوْلِهِمْ مِن إنْكارِ الِاخْتِيارِ وقَلْبِ الأُمُورِ كَما يَشاءُ اللَّهُ، وإنْ قُلْنا: غَيْرَ مُقِيمِينَ فَكَذَلِكَ؛ لِأنَّ إنْكارَ الحَشْرِ بِناءً عَلى القَوْلِ بِالطَّبْعِ، وإنْ قُلْنا: غَيْرَ مُحاسَبِينَ ومَجْزِيِّينَ فَكَذَلِكَ، ثُمَّ لَمّا بَيَّنَ أنَّ المَوْتَ كائِنٌ والحَشْرَ بَعْدَهُ لازِمٌ، بَيَّنَ ما يَكُونُ بَعْدَ الحَشْرِ لِيَكُونَ ذَلِكَ باعِثًا لِلْمُكَلَّفِ عَلى العَمَلِ الصّالِحِ، وزاجِرًا لِلْمُتَمَرِّدِ عَنِ العِصْيانِ والكَذِبِ فَقالَ:

الواقعة 56:87

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَلَوْلا إنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ ﴿تَرْجِعُونَها إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ ﴿فَلَوْلا﴾ في المَرَّةِ الثّانِيَةِ مُكَرَّرَةٌ وهي بِعَيْنِها هي الَّتِي قالَ تَعالى: ﴿فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ﴾ ولَها جَوابٌ واحِدٌ، وتَقْدِيرُهُ عَلى ما قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَلَوْلا تَرْجِعُونَها إذا صفحة ١٧٤ بَلَغَتِ الحُلْقُومَ، أيْ إنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ، وقالَ بَعْضُهم: هو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإمّا يَأْتِيَنَّكم مِنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ [البقرة: ٣٨] حَيْثُ جَعَلَ ﴿فَلا خَوْفٌ﴾ جَزاءَ شَرْطَيْنِ، والظّاهِرُ خِلافُ ما قالُوا، وهو أنْ يُقالَ: جَوابُ لَوْلا في قَوْلِهِ: ﴿فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ﴾ هو ما يَدُلُّ عَلَيْهِ ما سَبَقَ يَعْنِي تُكَذِّبُونَ مُدَّةَ حَياتِكم جاعِلِينَ التَّكْذِيبَ رِزْقَكم ومَعاشَكم، فَلَوْلا تُكَذِّبُونَ وقْتَ النَّزْعِ وأنْتُمْ في ذَلِكَ الوَقْتِ تَعْلَمُونَ الأُمُورَ وتُشاهِدُونَها، وأمّا لَوْلا في المَرَّةِ الثّانِيَةِ فَجَوابُها: ﴿تَرْجِعُونَها﴾ . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في ﴿مَدِينِينَ﴾ أقْوالٌ مِنهم مَن قالَ: المُرادُ مَمْلُوكِينَ، ومِنهم مَن قالَ: مَجْزِيِّينَ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مِن دانَهُ السُّلْطانُ إذا ساسَهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: المُرادُ غَيْرُ مُقِيمِينَ مِن مَدَنَ إذا أقامَ، هو حِينَئِذٍ فَعَيْلٌ، ومِنهُ المَدِينَةُ، وجَمْعُها مَدائِنُ، مِن غَيْرِ إظْهارِ الياءِ، ولَوْ كانَتْ مَفْعَلَةً لَكانَ جَمْعُها مَدايِنَ كَمَعايِشَ بِإثْباتِ الياءِ، ووَجْهُهُ أنْ يُقالَ: كانَ قَوْمٌ يُنْكِرُونَ العَذابَ الدّائِمَ، وقَوْمٌ يُنْكِرُونَ العَذابَ ومَنِ اعْتَرَفَ بِهِ كانَ يُنْكِرُ دَوامَهُ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلّا أيّامًا مَعْدُودَةً﴾ [البقرة: ٨٠] قِيلَ: إنْ كُنْتُمْ عَلى ما تَقُولُونَ لا تَبْقَوْنَ في العَذابِ الدّائِمِ فَلِمَ لا تُرْجِعُونَ أنْفُسَكم إلى الدُّنْيا إنْ لَمْ تَكُنِ الآخِرَةُ دارَ الإقامَةِ، وأمّا عَلى قَوْلِهِ: (مَجْزِيِّينَ) فالتَّفْسِيرُ مِثْلُ هَذا كَأنَّهُ قالَ: سَتُصَدِّقُونَ وقْتَ النَّزْعِ رُسُلَ اللَّهِ في الحَشْرِ، فَإنْ كُنْتُمْ بَعْدَ ذَلِكَ غَيْرَ مَجْزِيِّينَ فَلِمَ لا تُرْجِعُونَ أنْفُسَكم إلى دُنْياكم، فَإنَّ التَّعْوِيقَ لِلْجَزاءِ لا غَيْرُ، ولَوْلا الجَزاءُ لَكُنْتُمْ مُخْتارِينَ كَما كُنْتُمْ في دُنْياكُمُ الَّتِي لَيْسَتْ دارَ الجَزاءِ مُخْتارِينَ تَكُونُونَ حَيْثُ تُرِيدُونَ مِنَ الأماكِنِ، وأمّا عَلى قَوْلِنا: مَمْلُوكِينَ مِنَ المِلْكِ، ومِنهُ المَدِينَةُ لِلْمُلُوكَةِ، فالأمْرُ أظْهَرُ بِمَعْنى أنَّكم إذا كُنْتُمْ لَسْتُمْ تَحْتَ قُدْرَةِ أحَدٍ، فَلِمَ لا تُرْجِعُونَ أنْفُسَكم إلى الدُّنْيا كَما كُنْتُمْ في دُنْياكُمُ الَّتِي لَيْسَتْ دارَ جَزاءٍ مَعَ أنَّ ذَلِكَ مُشْتَهى أنْفُسِكم ومُنى قُلُوبِكم، وكُلُّ ذَلِكَ عِنْدَ التَّحْقِيقِ راجِعٌ إلى كَلامٍ واحِدٍ، وأنَّهم كانُوا يَأْخُذُونَ بِقَوْلِ الفَلاسِفَةِ في بَعْضِ الأشْياءِ دُونَ بَعْضٍ، وكانُوا يَقُولُونَ بِالطَّبائِعِ، وأنَّ الأمْطارَ مِنَ السُّحُبِ، وهي مُتَوَلِّدَةٌ بِأسْبابٍ فَلَكِيَّةٍ، والنَّباتُ كَذَلِكَ، والحَيَوانُ كَذَلِكَ، ولا اخْتِيارَ لِلَّهِ في شَيْءٍ وسَواءٌ عَلَيْهِ إنْكارُ الرُّسُلِ والحَشْرِ، فَقالَ تَعالى: إنْ كانَ الأمْرُ كَما يَقُولُونَ فَما بالُ الطَّبِيعِيِّ الَّذِي يَدَّعِي العِلْمَ لا يَقْدِرُ عَلى أنْ يُرْجِعَ النَّفْسَ مِنَ الحُلْقُومِ، مَعَ أنَّ في الطَّبْعِ عِنْدَهُ إمْكانًا لِذَلِكَ، فَإنَّ عِنْدَهُمُ البَقاءَ بِالغَداءِ وزَوالَ الأمْراضِ بِالدَّواءِ، وإذا عُلِمَ هَذا فَإنْ قُلْنا: ﴿غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ مَعْناهُ غَيْرَ مَمْلُوكِينَ رَجَعَ إلى قَوْلِهِمْ مِن إنْكارِ الِاخْتِيارِ وقَلْبِ الأُمُورِ كَما يَشاءُ اللَّهُ، وإنْ قُلْنا: غَيْرَ مُقِيمِينَ فَكَذَلِكَ؛ لِأنَّ إنْكارَ الحَشْرِ بِناءً عَلى القَوْلِ بِالطَّبْعِ، وإنْ قُلْنا: غَيْرَ مُحاسَبِينَ ومَجْزِيِّينَ فَكَذَلِكَ، ثُمَّ لَمّا بَيَّنَ أنَّ المَوْتَ كائِنٌ والحَشْرَ بَعْدَهُ لازِمٌ، بَيَّنَ ما يَكُونُ بَعْدَ الحَشْرِ لِيَكُونَ ذَلِكَ باعِثًا لِلْمُكَلَّفِ عَلى العَمَلِ الصّالِحِ، وزاجِرًا لِلْمُتَمَرِّدِ عَنِ العِصْيانِ والكَذِبِ فَقالَ:

الواقعة 56:88

﴿فَأمّا إنْ كانَ مِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ ﴿فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ وجَنَّةُ نَعِيمٍ﴾ هَذا وجْهُ تَعَلُّقِهِ مَعْنًى، وأمّا تَعَلُّقُهُ لَفْظًا فَنَقُولُ: لَمّا قالَ: ﴿فَلَوْلا إنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ ﴿تَرْجِعُونَها﴾ وكانَ فِيها أنَّ رُجُوعَ الحَياةِ والنَّفْسِ إلى البَدَنِ لَيْسَ تَحْتَ قُدْرَتِهِمْ ولا رُجُوعَ لَهم بَعْدَ المَوْتِ إلى الدُّنْيا صارَ كَأنَّهُ قالَ: أنْتُمْ بَعْدَ المَوْتِ دائِمُونَ في دارِ الإقامَةِ ومَجْزِيُّونَ، فالمَجْزِيُّ إنْ كانَ مِنَ المُقَرَّبِينَ فَلَهُ الرُّوحُ والرَّيْحانُ، وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: في مَعْنى الرُّوحِ وفِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: هو الرَّحْمَةُ قالَ تَعالى: ﴿ولا تَيْأسُوا مِن رَوْحِ اللَّهِ﴾ صفحة ١٧٥ [يوسف: ٨٧] أيْ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ. الثّانِي: الرّاحَةُ. الثّالِثُ: الفَرَحُ، وأصْلُ الرَّوْحِ السَّعَةُ، ومِنهُ الرَّوْحُ لِسَعَةِ ما بَيْنَ الرِّجْلَيْنِ دُونَ الفَحَجِ، وقُرِئَ: ”فَرُوحٌ“ بِضَمِّ الرّاءِ بِمَعْنى الرَّحْمَةِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في الكَلامِ إضْمارٌ تَقْدِيرُهُ: فَلَهُ رَوْحٌ أفْصَحَتِ الفاءُ عَنْهُ لِكَوْنِهِ فاءَ الجَزاءِ لِرَبْطِ الجُمْلَةِ بِالشَّرْطِ فَعُلِمَ كَوْنُها جَزاءً، وكَذَلِكَ إذا كانَ أمْرًا أوْ نَهْيًا أوْ ماضِيًا؛ لِأنَّ الجَزاءَ إذا كانَ مُسْتَقْبَلًا يُعْلَمُ كَوْنُهُ جَزاءً بِالجَزْمِ الظّاهِرِ في السَّمْعِ والخَطِّ، وهَذِهِ الأشْياءُ الَّتِي ذُكِرَتْ لا تَحْتَمِلُ الجَزْمَ، أمّا غَيْرُ الأمْرِ والنَّهْيِ فَظاهِرٌ، وأمّا الأمْرُ والنَّهْيُ فَلِأنَّ الجَزْمَ فِيهِما لَيْسَ لِكَوْنِهِما جَزاءَيْنِ فَلا عَلامَةَ لِلْجَزاءِ فِيهِ، فاخْتارُوا الفاءَ فَإنَّها لِتَرْتِيبِ أمْرٍ عَلى أمْرٍ، والجَزاءُ مُرَتَّبٌ عَلى الشَّرْطِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في الرَّيْحانِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذُو العَصْفِ والرَّيْحانُ﴾ [الرحمن: ١٢] ولَكِنْ هَهُنا فِيهِ كَلامٌ، فَمِنهم مَن قالَ: المُرادُ هَهُنا ما هو المُرادُ ثَمَّةَ، إمّا الوَرَقُ وإمّا الزَّهْرُ وإمّا النَّباتُ المَعْرُوفُ، وعَلى هَذا فَقَدَ قِيلَ: إنَّ أرْواحَ أهْلِ الجَنَّةِ لا تُخْرَجُ مِنَ الدُّنْيا إلّا ويُؤْتى إلَيْهِمْ بِرَيْحانٍ مِنَ الجَنَّةِ يَشُمُّونَهُ، وقِيلَ: إنَّ المُرادَ هَهُنا غَيْرُ ذَلِكَ وهو الخُلُودُ، وقِيلَ: هو رِضاءُ اللَّهِ تَعالى عَنْهم فَإذا قُلْنا: الرَّوْحُ هو الرَّحْمَةُ فالآيَةُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُبَشِّرُهم رَبُّهم بِرَحْمَةٍ مِنهُ ورِضْوانٍ وجَنّاتٍ لَهم فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ﴾ [التوبة: ٢١] وأمّا: ﴿جَنَّةَ نَعِيمٍ﴾ فَقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ فِيها عِنْدَ تَفْسِيرِ السّابِقِينَ في قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾ ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ [الواقعة: ١١] وذَكَرْنا فائِدَةَ التَّعْرِيفِ هُناكَ وفائِدَةَ التَّنْكِيرِ هَهُنا. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: ذَكَرَ في حَقِّ المُقَرَّبِينَ أُمُورًا ثَلاثَةً هَهُنا وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُبَشِّرُهم رَبُّهُمْ﴾ [التوبة: ٢١] وذَلِكَ لِأنَّهم أتَوْا بِأُمُورٍ ثَلاثَةٍ وهي: عَقِيدَةٌ حَقَّةٌ وكَلِمَةٌ طَيِّبَةٌ وأعْمالٌ حَسَنَةٌ، فالقَلْبُ واللِّسانُ والجَوارِحُ كُلُّها كانَتْ مُرَتَّبَةً بِرَحْمَةِ اللَّهِ عَلى عَقِيدَتِهِ، وكُلُّ مَن لَهُ عَقِيدَةٌ حَقَّةٌ يَرْحَمُهُ اللَّهُ ويَرْزُقُهُ اللَّهُ دائِمًا وعَلى الكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ وهي كَلِمَةُ الشَّهادَةِ، وكُلُّ مَن قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ فَلَهُ رِزْقٌ كَرِيمٌ والجَنَّةُ لَهُ عَلى أعْمالِهِ الصّالِحَةِ، قالَ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ المُؤْمِنِينَ أنْفُسَهم وأمْوالَهم بِأنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١١١] وقالَ: ﴿ونَهى النَّفْسَ عَنِ الهَوى﴾ ﴿فَإنَّ الجَنَّةَ هي المَأْوى﴾ [النازعات: ٤٠] فَإنْ قِيلَ: فَعَلى هَذا مَن أتى بِالعَقِيدَةِ الحَقَّةِ، ولَمْ يَأْتِ بِالكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ مِن أهْلِ الرَّحْمَةِ ولا يَرْحَمُ اللَّهُ إلّا مَن قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، نَقُولُ: مَن كانَتْ عَقِيدَتُهُ حَقَّةً، لا بُدَّ وأنْ يَأْتِيَ بِالقَوْلِ الطَّيِّبِ فَإنْ لَمْ يُسْمَعْ لا يُحْكُمُ بِهِ؛ لِأنَّ العَقِيدَةَ لا اطِّلاعَ لَنا عَلَيْها فالقَوْلُ دَلِيلٌ لَنا، وأمّا اللَّهُ تَعالى فَهو عالِمُ الأسْرارِ، ولِهَذا ورَدَ في الأخْبارِ أنَّ مِنَ النّاسِ مَن يُدْفَنُ في مَقابِرِ الكُفّارِ ويُحْشَرُ مَعَ المُؤْمِنِينَ، ومِنهم مَن يُدْفَنُ في مَقابِرِ المُسْلِمِينَ ويُحْشَرُ مَعَ الكُفّارِ لا يُقالُ: إنَّ مَن لا يَعْمَلُ الأعْمالَ الصّالِحَةَ لا تَكُونُ لَهُ الجَنَّةُ عَلى ما ذَكَرْتَ، لِأنّا نَقُولُ: الجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ عَقِيدَتَهُ الحَقَّةَ وكَلِمَتَهُ الطَّيِّبَةَ لا يَتْرُكانِهِ بِلا عَمَلٍ، فَهَذا أمْرٌ غَيْرُ واقِعٍ وفَرْضٌ غَيْرُ جائِزٍ. وثانِيهِما: أنّا نَقُولُ مِن حَيْثُ الجَزاءِ، وأمّا مَن قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ فَيَدْخُلُ الجَنَّةَ، وإنْ لَمْ يَعْمَلْ عَمَلًا لا عَلى وجْهِ الجَزاءِ بَلْ بِمَحْضِ فَضْلِ اللَّهِ مِن غَيْرِ جَزاءٍ، وإنْ كانَ الجَزاءُ أيْضًا مِنَ الفَضْلِ لَكِنَّ مِنَ الفَضْلِ ما يَكُونُ كالصَّدَقَةِ المُبْتَدَأةِ، ومِنَ الفَضْلِ ما لا كَما يُعْطِي المَلِكُ الكَرِيمُ آخَرَ والمُهْدى إلَيْهِ غَيْرُ مَلِكٍ لا يَسْتَحِقُّ هَدِيَّتَهُ ولا رِزْقَهُ.

الواقعة 56:89

﴿فَأمّا إنْ كانَ مِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ ﴿فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ وجَنَّةُ نَعِيمٍ﴾ هَذا وجْهُ تَعَلُّقِهِ مَعْنًى، وأمّا تَعَلُّقُهُ لَفْظًا فَنَقُولُ: لَمّا قالَ: ﴿فَلَوْلا إنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ ﴿تَرْجِعُونَها﴾ وكانَ فِيها أنَّ رُجُوعَ الحَياةِ والنَّفْسِ إلى البَدَنِ لَيْسَ تَحْتَ قُدْرَتِهِمْ ولا رُجُوعَ لَهم بَعْدَ المَوْتِ إلى الدُّنْيا صارَ كَأنَّهُ قالَ: أنْتُمْ بَعْدَ المَوْتِ دائِمُونَ في دارِ الإقامَةِ ومَجْزِيُّونَ، فالمَجْزِيُّ إنْ كانَ مِنَ المُقَرَّبِينَ فَلَهُ الرُّوحُ والرَّيْحانُ، وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: في مَعْنى الرُّوحِ وفِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: هو الرَّحْمَةُ قالَ تَعالى: ﴿ولا تَيْأسُوا مِن رَوْحِ اللَّهِ﴾ صفحة ١٧٥ [يوسف: ٨٧] أيْ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ. الثّانِي: الرّاحَةُ. الثّالِثُ: الفَرَحُ، وأصْلُ الرَّوْحِ السَّعَةُ، ومِنهُ الرَّوْحُ لِسَعَةِ ما بَيْنَ الرِّجْلَيْنِ دُونَ الفَحَجِ، وقُرِئَ: ”فَرُوحٌ“ بِضَمِّ الرّاءِ بِمَعْنى الرَّحْمَةِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في الكَلامِ إضْمارٌ تَقْدِيرُهُ: فَلَهُ رَوْحٌ أفْصَحَتِ الفاءُ عَنْهُ لِكَوْنِهِ فاءَ الجَزاءِ لِرَبْطِ الجُمْلَةِ بِالشَّرْطِ فَعُلِمَ كَوْنُها جَزاءً، وكَذَلِكَ إذا كانَ أمْرًا أوْ نَهْيًا أوْ ماضِيًا؛ لِأنَّ الجَزاءَ إذا كانَ مُسْتَقْبَلًا يُعْلَمُ كَوْنُهُ جَزاءً بِالجَزْمِ الظّاهِرِ في السَّمْعِ والخَطِّ، وهَذِهِ الأشْياءُ الَّتِي ذُكِرَتْ لا تَحْتَمِلُ الجَزْمَ، أمّا غَيْرُ الأمْرِ والنَّهْيِ فَظاهِرٌ، وأمّا الأمْرُ والنَّهْيُ فَلِأنَّ الجَزْمَ فِيهِما لَيْسَ لِكَوْنِهِما جَزاءَيْنِ فَلا عَلامَةَ لِلْجَزاءِ فِيهِ، فاخْتارُوا الفاءَ فَإنَّها لِتَرْتِيبِ أمْرٍ عَلى أمْرٍ، والجَزاءُ مُرَتَّبٌ عَلى الشَّرْطِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في الرَّيْحانِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذُو العَصْفِ والرَّيْحانُ﴾ [الرحمن: ١٢] ولَكِنْ هَهُنا فِيهِ كَلامٌ، فَمِنهم مَن قالَ: المُرادُ هَهُنا ما هو المُرادُ ثَمَّةَ، إمّا الوَرَقُ وإمّا الزَّهْرُ وإمّا النَّباتُ المَعْرُوفُ، وعَلى هَذا فَقَدَ قِيلَ: إنَّ أرْواحَ أهْلِ الجَنَّةِ لا تُخْرَجُ مِنَ الدُّنْيا إلّا ويُؤْتى إلَيْهِمْ بِرَيْحانٍ مِنَ الجَنَّةِ يَشُمُّونَهُ، وقِيلَ: إنَّ المُرادَ هَهُنا غَيْرُ ذَلِكَ وهو الخُلُودُ، وقِيلَ: هو رِضاءُ اللَّهِ تَعالى عَنْهم فَإذا قُلْنا: الرَّوْحُ هو الرَّحْمَةُ فالآيَةُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُبَشِّرُهم رَبُّهم بِرَحْمَةٍ مِنهُ ورِضْوانٍ وجَنّاتٍ لَهم فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ﴾ [التوبة: ٢١] وأمّا: ﴿جَنَّةَ نَعِيمٍ﴾ فَقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ فِيها عِنْدَ تَفْسِيرِ السّابِقِينَ في قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾ ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ [الواقعة: ١١] وذَكَرْنا فائِدَةَ التَّعْرِيفِ هُناكَ وفائِدَةَ التَّنْكِيرِ هَهُنا. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: ذَكَرَ في حَقِّ المُقَرَّبِينَ أُمُورًا ثَلاثَةً هَهُنا وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُبَشِّرُهم رَبُّهُمْ﴾ [التوبة: ٢١] وذَلِكَ لِأنَّهم أتَوْا بِأُمُورٍ ثَلاثَةٍ وهي: عَقِيدَةٌ حَقَّةٌ وكَلِمَةٌ طَيِّبَةٌ وأعْمالٌ حَسَنَةٌ، فالقَلْبُ واللِّسانُ والجَوارِحُ كُلُّها كانَتْ مُرَتَّبَةً بِرَحْمَةِ اللَّهِ عَلى عَقِيدَتِهِ، وكُلُّ مَن لَهُ عَقِيدَةٌ حَقَّةٌ يَرْحَمُهُ اللَّهُ ويَرْزُقُهُ اللَّهُ دائِمًا وعَلى الكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ وهي كَلِمَةُ الشَّهادَةِ، وكُلُّ مَن قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ فَلَهُ رِزْقٌ كَرِيمٌ والجَنَّةُ لَهُ عَلى أعْمالِهِ الصّالِحَةِ، قالَ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ المُؤْمِنِينَ أنْفُسَهم وأمْوالَهم بِأنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١١١] وقالَ: ﴿ونَهى النَّفْسَ عَنِ الهَوى﴾ ﴿فَإنَّ الجَنَّةَ هي المَأْوى﴾ [النازعات: ٤٠] فَإنْ قِيلَ: فَعَلى هَذا مَن أتى بِالعَقِيدَةِ الحَقَّةِ، ولَمْ يَأْتِ بِالكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ مِن أهْلِ الرَّحْمَةِ ولا يَرْحَمُ اللَّهُ إلّا مَن قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، نَقُولُ: مَن كانَتْ عَقِيدَتُهُ حَقَّةً، لا بُدَّ وأنْ يَأْتِيَ بِالقَوْلِ الطَّيِّبِ فَإنْ لَمْ يُسْمَعْ لا يُحْكُمُ بِهِ؛ لِأنَّ العَقِيدَةَ لا اطِّلاعَ لَنا عَلَيْها فالقَوْلُ دَلِيلٌ لَنا، وأمّا اللَّهُ تَعالى فَهو عالِمُ الأسْرارِ، ولِهَذا ورَدَ في الأخْبارِ أنَّ مِنَ النّاسِ مَن يُدْفَنُ في مَقابِرِ الكُفّارِ ويُحْشَرُ مَعَ المُؤْمِنِينَ، ومِنهم مَن يُدْفَنُ في مَقابِرِ المُسْلِمِينَ ويُحْشَرُ مَعَ الكُفّارِ لا يُقالُ: إنَّ مَن لا يَعْمَلُ الأعْمالَ الصّالِحَةَ لا تَكُونُ لَهُ الجَنَّةُ عَلى ما ذَكَرْتَ، لِأنّا نَقُولُ: الجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ عَقِيدَتَهُ الحَقَّةَ وكَلِمَتَهُ الطَّيِّبَةَ لا يَتْرُكانِهِ بِلا عَمَلٍ، فَهَذا أمْرٌ غَيْرُ واقِعٍ وفَرْضٌ غَيْرُ جائِزٍ. وثانِيهِما: أنّا نَقُولُ مِن حَيْثُ الجَزاءِ، وأمّا مَن قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ فَيَدْخُلُ الجَنَّةَ، وإنْ لَمْ يَعْمَلْ عَمَلًا لا عَلى وجْهِ الجَزاءِ بَلْ بِمَحْضِ فَضْلِ اللَّهِ مِن غَيْرِ جَزاءٍ، وإنْ كانَ الجَزاءُ أيْضًا مِنَ الفَضْلِ لَكِنَّ مِنَ الفَضْلِ ما يَكُونُ كالصَّدَقَةِ المُبْتَدَأةِ، ومِنَ الفَضْلِ ما لا كَما يُعْطِي المَلِكُ الكَرِيمُ آخَرَ والمُهْدى إلَيْهِ غَيْرُ مَلِكٍ لا يَسْتَحِقُّ هَدِيَّتَهُ ولا رِزْقَهُ.

الواقعة 56:90

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وأمّا إنْ كانَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ ﴿فَسَلامٌ لَكَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: صفحة ١٧٦ المَسْألَةُ الأُولى: في السَّلامِ وفِيهِ وُجُوهٌ: أوَّلُها: يُسَلِّمُ بِهِ صاحِبُ اليَمِينِ عَلى صاحِبِ اليَمِينِ، كَما قالَ تَعالى مِن قَبْلُ: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ولا تَأْثِيمًا﴾ ﴿إلّا قِيلًا سَلامًا سَلامًا﴾ [الواقعة: ٢٥] . ثانِيها: ﴿فَسَلامٌ لَكَ﴾ أيْ سَلامَةٌ لَكَ مِن أمْرٍ خافَ قَلْبُكَ مِنهُ فَإنَّهُ في أعْلى المَراتِبِ، وهَذا كَما يُقالُ لِمَن تَعَلَّقَ قَلْبُهُ بِوَلَدِهِ الغائِبِ عَنْهُ، إذا كانَ يَخْدِمُ عِنْدَ كَرِيمٍ، يَقُولُ لَهُ: كُنْ فارِغًا مِن جانِبِ ولَدِكَ فَإنَّهُ في راحَةٍ. ثالِثُها: أنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ تُفِيدُ عَظْمَةَ حالِهِمْ كَما يُقالُ: فُلانٌ ناهِيكَ بِهِ، وحَسْبُكَ أنَّهُ فُلانٌ، إشارَةً إلى أنَّهُ مَمْدُوحٌ فَوْقَ الفَضْلِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الخِطابُ بِقَوْلِهِ: ﴿لَكَ﴾ مَعَ مَن ؟ نَقُولُ: قَدْ ظَهَرَ بَعْضُ ذَلِكَ فَنَقُولُ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الكَلامِ النَّبِيَّ ﷺ، وحِينَئِذٍ فِيهِ وجْهٌ وهو ما ذَكَرْنا أنَّ ذَلِكَ تَسْلِيَةٌ لِقَلْبِ النَّبِيِّ ﷺ فَإنَّهم غَيْرُ مُحْتاجِينَ إلى شَيْءٍ مِنَ الشَّفاعَةِ وغَيْرِها، فَسَلامٌ لَكَ يا مُحَمَّدُ مِنهم فَإنَّهم في سَلامَةٍ وعافِيَةٍ لا يُهِمُّكَ أمْرُهم، أوْ فَسَلامٌ لَكَ يا مُحَمَّدُ مِنهم، وكَوْنُهم مِمَّنْ يُسَلِّمُ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ دَلِيلُ العَظَمَةِ، فَإنَّ العَظِيمَ لا يُسَلِّمُ عَلَيْهِ إلّا عَظِيمٌ، وعَلى هَذا فَفِيهِ لَطِيفَةٌ: وهي أنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَكانَتُهُ فَوْقَ مَكانَةِ أصْحابِ اليَمِينِ بِالنِّسْبَةِ إلى المُقَرَّبِينَ الَّذِينَ هم في عِلِّيِّينَ، كَأصْحابِ الجَنَّةِ بِالنِّسْبَةِ إلى أهْلِ عِلِّيِّينَ، فَلَمّا قالَ: ﴿وأمّا إنْ كانَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ كانَ فِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ مَكانَهم غَيْرُ مَكانِ الأوَّلِينَ المُقَرَّبِينَ، فَقالَ تَعالى: هَؤُلاءِ وإنْ كانُوا دُونَ الأوَّلِينَ لَكِنْ لا تَنْفَعُ بَيْنَهُمُ المَكانَةُ والتَّسْلِيمُ، بَلْ هم يَرَوْنَكَ ويَصِلُونَ إلَيْكَ وُصُولَ جَلِيسِ المَلِكِ إلى المَلِكِ والغائِبِ إلى أهْلِهِ ووَلَدِهِ، وأمّا المُقَرَّبُونَ فَهم يُلازِمُونَكَ ولا يُفارِقُونَكَ وإنْ كُنْتَ أعْلى مَرْتَبَةً مِنهم. * * * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وأمّا إنْ كانَ مِنَ المُكَذِّبِينَ الضّالِّينَ﴾ ﴿فَنُزُلٌ مِن حَمِيمٍ﴾ ﴿وتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ هَهُنا: ﴿مِنَ المُكَذِّبِينَ الضّالِّينَ﴾ وقالَ مِن قَبْلُ: ﴿ثُمَّ إنَّكم أيُّها الضّالُّونَ المُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٥١] وقَدْ بَيَّنّا فائِدَةَ التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ هُناكَ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرَ الأزْواجَ الثَّلاثَةَ في أوَّلِ السُّورَةِ بِعِبارَةٍ وأعادَهم بِعِبارَةٍ أُخْرى فَقالَ: ﴿أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿أصْحابُ اليَمِينِ﴾ وقالَ: ﴿وأصْحابُ المَشْأمَةِ﴾ [الواقعة: ٩] ثُمَّ قالَ: ﴿وأصْحابُ الشِّمالِ﴾ [الواقعة: ٤١] وأعادَهم هَهُنا، وفي المَواضِعِ الثَّلاثَةِ ذَكَرَ أصْحابَ اليَمِينِ بِلَفْظٍ واحِدٍ أوْ بِلَفْظَيْنِ مَرَّتَيْنِ، أحَدُهُما غَيْرُ الآخَرِ، وذَكَرَ السّابِقِينَ في أوَّلِ السُّورَةِ بِلَفْظِ السّابِقِينَ، وفي آخِرِ السُّورَةِ بِلَفْظِ المُقَرَّبِينَ، وذَكَرَ أصْحابَ النّارِ في الأوَّلِ بِلَفْظِ ﴿أصْحابُ المَشْأمَةِ﴾ ثُمَّ بِلَفْظِ ﴿أصْحابُ الشِّمالِ﴾ ثُمَّ بِلَفْظِ ﴿المُكَذِّبِينَ﴾ فَما الحِكْمَةُ فِيهِ ؟ نَقُولُ: أمّا السّابِقُ فَلَهُ حالَتانِ: إحْداهُما في الأُولى، والأُخْرى في الآخِرَةِ، فَذَكَرَهُ في المَرَّةِ الأُولى بِما لَهُ في الحالَةِ الأُولى، وفي الثّانِيَةِ بِما لَهُ في الحالَةِ الآخِرَةِ، ولَيْسَ لَهُ حالَةٌ هي واسِطَةٌ بَيْنَ الوُقُوفِ لِلْعَرْضِ وبَيْنَ الحِسابِ، بَلْ هو يُنْقَلُ مِنَ الدُّنْيا إلى أعْلى عِلِّيِّينَ، ثُمَّ ذَكَرَ أصْحابَ اليَمِينِ بِلَفْظَيْنِ مُتَقارِبَيْنِ؛ لِأنَّ حالَهم قَرِيبَةٌ مِن حالِ السّابِقِينَ، وذَكَرَ الكُفّارَ بِألْفاظٍ ثَلاثَةٍ كَأنَّهم في الدُّنْيا ضَحِكُوا عَلَيْهِمْ بِأنَّهم أصْحابُ مَوْضِعِ شُؤْمٍ، فَوَصَفُوهم بِمَوْضِعِ الشُّؤْمِ، فَإنَّ المَشْأمَةَ مَفْعَلَةٌ وهي المَوْضِعُ، ثُمَّ قالَ: ﴿أصْحابُ الشِّمالِ﴾ صفحة ١٧٧ فَإنَّهم في الآخِرَةِ يُؤْتَوْنَ كِتابَهم بِشِمالِهِمْ، ويَقِفُونَ في مَوْضِعٍ هو شِمالٌ، لِأجْلِ كَوْنِهِمْ مِن أهْلِ النّارِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ حالَهم في أوَّلِ الحَشْرِ بِكَوْنِهِمْ مِن أصْحابِ الشِّمالِ ذَكَرَ ما يَكُونُ لَهم مِنَ السَّمُومِ والحَمِيمِ، ثُمَّ لَمْ يَقْتَصِرْ عَلَيْهِ، ثُمَّ ذَكَرَ السَّبَبَ فِيهِ، فَقالَ: ﴿إنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ ﴿وكانُوا يُصِرُّونَ﴾ [الواقعة: ٤٦] فَذَكَرَ سَبَبَ العِقابِ لِما بَيَّنّا مِرارًا أنَّ العادِلَ يَذْكُرُ لِلْعِقابِ سَبَبًا، والمُتَفَضِّلَ لا يَذْكُرُ لِلْإنْعامِ والتَّفَضُّلِ سَبَبًا، فَذَكَّرَهم في الآخِرَةِ ما عَمِلُوهُ في الدُّنْيا، فَقالَ: ﴿وأمّا إنْ كانَ مِنَ المُكَذِّبِينَ﴾ لِيَكُونَ تَرْتِيبُ العِقابِ عَلى تَكْذِيبِ الكِتابِ فَظَهَرَ العَدْلُ، وغَيْرُ ذَلِكَ ظاهِرٌ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ هَذا لَهو حَقُّ اليَقِينِ﴾ ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: ﴿هَذا﴾ إشارَةٌ إلى ماذا ؟ نَقُولُ: فِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: القُرْآنُ. ثانِيها: ما ذَكَرَهُ في السُّورَةِ. ثالِثُها: جَزاءُ الأزْواجِ الثَّلاثَةِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: كَيْفَ أضافَ الحَقَّ إلى اليَقِينِ مَعَ أنَّهُما بِمَعْنًى واحِدٍ ؟ نَقُولُ: فِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: هَذِهِ الإضافَةُ، كَما أضافَ الجانِبَ إلى الغَرْبِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿وما كُنْتَ بِجانِبِ الغَرْبِيِّ﴾ [القصص: ٤٤] وأضافَ الدّارَ إلى الآخِرَةِ في قَوْلِهِ: ﴿ولَدارُ الآخِرَةِ﴾ [يوسف: ١٠٩] غَيْرَ أنَّ المُقَدَّرَ هُنا غَيْرُ ظاهِرٍ، فَإنَّ شَرْطَ ذَلِكَ أنْ يَكُونَ بِحَيْثُ يُوصَفُ بِاليَقِينِ، ويُضافُ إلَيْهِ الحَقُّ، وما يُوصَفُ بِاليَقِينِ بَعْدَ إضافَةِ الحَقِّ إلَيْهِ. وثانِيها: أنَّهُ مِنَ الإضافَةِ الَّتِي بِمَعْنى مِن، كَما يُقالُ: بابٌ مِن ساجٍ، وبابُ ساجٍ، وخاتَمٌ مِن فِضَّةٍ، وخاتَمُ فِضَّةٍ، فَكَأنَّهُ قالَ: لَهو الحَقُّ مِنَ اليَقِينِ. ثالِثُها: وهو أقْرَبُ مِنها ما ذَكَرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ أنَّ ذَلِكَ نَوْعُ تَأْكِيدٍ يُقالُ: هَذا مِن حَقِّ الحَقِّ، وصَوابُ الصَّوابِ، أيْ غايَتُهُ ونِهايَتُهُ الَّتِي لا وُصُولَ فَوْقَهُ، والَّذِي وقَعَ في تَقْرِيرِ هَذا أنَّ الإنْسانَ أظْهَرُ ما عِنْدَهُ الأنْوارُ المُدْرَكَةُ بِالحِسِّ، وتِلْكَ الأنْوارُ أكْثَرُها مَشُوبَةٌ بِغَيْرِها، فَإذا وصَلَ الطّالِبُ إلى أوَّلِهِ يَقُولُ: وجَدْتُ أمْرَ كَذا، ثُمَّ إنَّهُ مَعَ صِحَّةِ إطْلاقِ اللَّفْظِ عَلَيْهِ لا يَتَمَيَّزُ عَنْ غَيْرِهِ، فَيَتَوَسَّطُ الطّالِبُ ويَأْخُذُ مَطْلُوبَهُ مِن وسَطِهِ، مِثالُهُ مَن يَطْلُبُ الماءَ، ثُمَّ يَصِلُ إلى بِرْكَةٍ عَظِيمَةٍ، فَإذا أخَذَ مِن طَرَفِهِ شَيْئًا يَقُولُ: هو ماءٌ، ورُبَّما يَقُولُ قائِلٌ آخَرُ: هَذا لَيْسَ بِماءٍ، وإنَّما هو طِينٌ، وأمّا الماءُ ما أخَذْتَهُ مِن وسَطِ البِرْكَةِ، فالَّذِي في طَرَفِ البِرْكَةِ ماءٌ بِالنِّسْبَةِ إلى أجْسامٍ أُخْرى، ثُمَّ إذا نُسِبَ إلى الماءِ الصّافِي رُبَّما يُقالُ لَهُ شَيْءٌ آخَرُ، فَإذا قالَ: هَذا هو الماءُ حَقًّا قَدْ أكَّدَ، ولَهُ أنْ يَقُولَ: حَقُّ الماءِ، أيِ الماءُ حَقًّا هَذا بِحَيْثُ لا يَقُولُ أحَدٌ فِيهِ شَيْئًا، فَكَذَلِكَ هَهُنا كَأنَّهُ قالَ: هَذا هو اليَقِينُ حَقًّا لا اليَقِينُ الَّذِي يَقُولُ بَعْضٌ إنَّهُ لَيْسَ بِيَقِينٍ، ويَحْتَمِلُ وجْهًا آخَرَ، وهو أنْ يُقالَ: الإضافَةُ عَلى حَقِيقَتِها، ومَعْناهُ أنَّ هَذا القَوْلَ لَكَ يا مُحَمَّدُ ولِلْمُؤْمِنِينَ، وحُقُّ اليَقِينِ أنْ تَقُولَ كَذا، ويَقْرُبُ مِن هَذا ما يُقالُ: حَقُّ الكَمالِ أنْ يُصَلِّيَ المُؤْمِنُ، وهَذا كَما قِيلَ في قَوْلِهِ ﷺ: «أُمِرْتُ أنْ أُقاتِلَ النّاسَ حَتّى يَقُولُوا لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، فَإذا قالُوها عَصَمُوا مِنِّي دِماءَهم وأمْوالَهم إلّا بِحَقِّها» أنَّ الضَّمِيرَ راجِعٌ إلى الكَلِمَةِ أيْ إلّا بِحَقِّ الكَلِمَةِ، ومِن حَقِّ الكَلِمَةِ أداءُ الزَّكاةِ والصَّلاةُ، فَكَذَلِكَ حَقُّ اليَقِينِ أنْ يَعْرِفَ ما قالَهُ اللَّهُ تَعالى في الواقِعَةِ في حَقِّ الأزْواجِ الثَّلاثَةِ، وعَلى هَذا مَعْناهُ: أنَّ اليَقِينَ لا يَحِقُّ ولا يَكُونُ إلّا إذا صَدَقَ فِيما قالَهُ بِحَقٍّ، فالتَّصْدِيقُ حَقُّ اليَقِينِ الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ فَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ، وقُلْنا إنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ الحَقَّ وامْتَنَعَ الكُفّارُ، قالَ لِنَبِيِّهِ ﷺ: هَذا هو حَقٌّ، فَإنِ امْتَنَعُوا فَلا تَتْرُكْهم ولا تُعْرِضْ عَنْهم وسَبِّحْ رَبَّكَ في نَفْسِكَ، وما عَلَيْكَ مِن قَوْمِكَ سَواءٌ صَدَّقُوكَ أوْ كَذَّبُوكَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ فَسَبِّحْ واذْكُرْ رَبَّكَ بِاسْمِهِ الأعْظَمِ، وهَذا صفحة ١٧٨ مُتَّصِلٌ بِما بَعْدَهُ؛ لِأنَّهُ قالَ في السُّورَةِ الَّتِي تَلِي هَذِهِ: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ﴾ [الحديد: ١] فَكَأنَّهُ قالَ: سَبَّحَ اللَّهَ ما في السَّماواتِ، فَعَلَيْكَ أنْ تُوافِقَهم ولا تَلْتَفِتْ إلى الشِّرْذِمَةِ القَلِيلَةِ الضّالَّةِ، فَإنَّ كُلَّ شَيْءٍ مَعَكَ يُسَبِّحُ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ. تَمَّ تَفْسِيرُ السُّورَةِ، واللَّهُ أعْلَمُ بِالصَّوابِ وإلَيْهِ المَرْجِعُ والمَآبُ، وصَلّى اللَّهُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ وعَلى آلِهِ وصَحْبِهِ وسَلَّمَ.

الواقعة 56:91

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وأمّا إنْ كانَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ ﴿فَسَلامٌ لَكَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: صفحة ١٧٦ المَسْألَةُ الأُولى: في السَّلامِ وفِيهِ وُجُوهٌ: أوَّلُها: يُسَلِّمُ بِهِ صاحِبُ اليَمِينِ عَلى صاحِبِ اليَمِينِ، كَما قالَ تَعالى مِن قَبْلُ: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ولا تَأْثِيمًا﴾ ﴿إلّا قِيلًا سَلامًا سَلامًا﴾ [الواقعة: ٢٥] . ثانِيها: ﴿فَسَلامٌ لَكَ﴾ أيْ سَلامَةٌ لَكَ مِن أمْرٍ خافَ قَلْبُكَ مِنهُ فَإنَّهُ في أعْلى المَراتِبِ، وهَذا كَما يُقالُ لِمَن تَعَلَّقَ قَلْبُهُ بِوَلَدِهِ الغائِبِ عَنْهُ، إذا كانَ يَخْدِمُ عِنْدَ كَرِيمٍ، يَقُولُ لَهُ: كُنْ فارِغًا مِن جانِبِ ولَدِكَ فَإنَّهُ في راحَةٍ. ثالِثُها: أنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ تُفِيدُ عَظْمَةَ حالِهِمْ كَما يُقالُ: فُلانٌ ناهِيكَ بِهِ، وحَسْبُكَ أنَّهُ فُلانٌ، إشارَةً إلى أنَّهُ مَمْدُوحٌ فَوْقَ الفَضْلِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الخِطابُ بِقَوْلِهِ: ﴿لَكَ﴾ مَعَ مَن ؟ نَقُولُ: قَدْ ظَهَرَ بَعْضُ ذَلِكَ فَنَقُولُ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الكَلامِ النَّبِيَّ ﷺ، وحِينَئِذٍ فِيهِ وجْهٌ وهو ما ذَكَرْنا أنَّ ذَلِكَ تَسْلِيَةٌ لِقَلْبِ النَّبِيِّ ﷺ فَإنَّهم غَيْرُ مُحْتاجِينَ إلى شَيْءٍ مِنَ الشَّفاعَةِ وغَيْرِها، فَسَلامٌ لَكَ يا مُحَمَّدُ مِنهم فَإنَّهم في سَلامَةٍ وعافِيَةٍ لا يُهِمُّكَ أمْرُهم، أوْ فَسَلامٌ لَكَ يا مُحَمَّدُ مِنهم، وكَوْنُهم مِمَّنْ يُسَلِّمُ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ دَلِيلُ العَظَمَةِ، فَإنَّ العَظِيمَ لا يُسَلِّمُ عَلَيْهِ إلّا عَظِيمٌ، وعَلى هَذا فَفِيهِ لَطِيفَةٌ: وهي أنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَكانَتُهُ فَوْقَ مَكانَةِ أصْحابِ اليَمِينِ بِالنِّسْبَةِ إلى المُقَرَّبِينَ الَّذِينَ هم في عِلِّيِّينَ، كَأصْحابِ الجَنَّةِ بِالنِّسْبَةِ إلى أهْلِ عِلِّيِّينَ، فَلَمّا قالَ: ﴿وأمّا إنْ كانَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ كانَ فِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ مَكانَهم غَيْرُ مَكانِ الأوَّلِينَ المُقَرَّبِينَ، فَقالَ تَعالى: هَؤُلاءِ وإنْ كانُوا دُونَ الأوَّلِينَ لَكِنْ لا تَنْفَعُ بَيْنَهُمُ المَكانَةُ والتَّسْلِيمُ، بَلْ هم يَرَوْنَكَ ويَصِلُونَ إلَيْكَ وُصُولَ جَلِيسِ المَلِكِ إلى المَلِكِ والغائِبِ إلى أهْلِهِ ووَلَدِهِ، وأمّا المُقَرَّبُونَ فَهم يُلازِمُونَكَ ولا يُفارِقُونَكَ وإنْ كُنْتَ أعْلى مَرْتَبَةً مِنهم. * * * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وأمّا إنْ كانَ مِنَ المُكَذِّبِينَ الضّالِّينَ﴾ ﴿فَنُزُلٌ مِن حَمِيمٍ﴾ ﴿وتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ هَهُنا: ﴿مِنَ المُكَذِّبِينَ الضّالِّينَ﴾ وقالَ مِن قَبْلُ: ﴿ثُمَّ إنَّكم أيُّها الضّالُّونَ المُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٥١] وقَدْ بَيَّنّا فائِدَةَ التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ هُناكَ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرَ الأزْواجَ الثَّلاثَةَ في أوَّلِ السُّورَةِ بِعِبارَةٍ وأعادَهم بِعِبارَةٍ أُخْرى فَقالَ: ﴿أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿أصْحابُ اليَمِينِ﴾ وقالَ: ﴿وأصْحابُ المَشْأمَةِ﴾ [الواقعة: ٩] ثُمَّ قالَ: ﴿وأصْحابُ الشِّمالِ﴾ [الواقعة: ٤١] وأعادَهم هَهُنا، وفي المَواضِعِ الثَّلاثَةِ ذَكَرَ أصْحابَ اليَمِينِ بِلَفْظٍ واحِدٍ أوْ بِلَفْظَيْنِ مَرَّتَيْنِ، أحَدُهُما غَيْرُ الآخَرِ، وذَكَرَ السّابِقِينَ في أوَّلِ السُّورَةِ بِلَفْظِ السّابِقِينَ، وفي آخِرِ السُّورَةِ بِلَفْظِ المُقَرَّبِينَ، وذَكَرَ أصْحابَ النّارِ في الأوَّلِ بِلَفْظِ ﴿أصْحابُ المَشْأمَةِ﴾ ثُمَّ بِلَفْظِ ﴿أصْحابُ الشِّمالِ﴾ ثُمَّ بِلَفْظِ ﴿المُكَذِّبِينَ﴾ فَما الحِكْمَةُ فِيهِ ؟ نَقُولُ: أمّا السّابِقُ فَلَهُ حالَتانِ: إحْداهُما في الأُولى، والأُخْرى في الآخِرَةِ، فَذَكَرَهُ في المَرَّةِ الأُولى بِما لَهُ في الحالَةِ الأُولى، وفي الثّانِيَةِ بِما لَهُ في الحالَةِ الآخِرَةِ، ولَيْسَ لَهُ حالَةٌ هي واسِطَةٌ بَيْنَ الوُقُوفِ لِلْعَرْضِ وبَيْنَ الحِسابِ، بَلْ هو يُنْقَلُ مِنَ الدُّنْيا إلى أعْلى عِلِّيِّينَ، ثُمَّ ذَكَرَ أصْحابَ اليَمِينِ بِلَفْظَيْنِ مُتَقارِبَيْنِ؛ لِأنَّ حالَهم قَرِيبَةٌ مِن حالِ السّابِقِينَ، وذَكَرَ الكُفّارَ بِألْفاظٍ ثَلاثَةٍ كَأنَّهم في الدُّنْيا ضَحِكُوا عَلَيْهِمْ بِأنَّهم أصْحابُ مَوْضِعِ شُؤْمٍ، فَوَصَفُوهم بِمَوْضِعِ الشُّؤْمِ، فَإنَّ المَشْأمَةَ مَفْعَلَةٌ وهي المَوْضِعُ، ثُمَّ قالَ: ﴿أصْحابُ الشِّمالِ﴾ صفحة ١٧٧ فَإنَّهم في الآخِرَةِ يُؤْتَوْنَ كِتابَهم بِشِمالِهِمْ، ويَقِفُونَ في مَوْضِعٍ هو شِمالٌ، لِأجْلِ كَوْنِهِمْ مِن أهْلِ النّارِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ حالَهم في أوَّلِ الحَشْرِ بِكَوْنِهِمْ مِن أصْحابِ الشِّمالِ ذَكَرَ ما يَكُونُ لَهم مِنَ السَّمُومِ والحَمِيمِ، ثُمَّ لَمْ يَقْتَصِرْ عَلَيْهِ، ثُمَّ ذَكَرَ السَّبَبَ فِيهِ، فَقالَ: ﴿إنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ ﴿وكانُوا يُصِرُّونَ﴾ [الواقعة: ٤٦] فَذَكَرَ سَبَبَ العِقابِ لِما بَيَّنّا مِرارًا أنَّ العادِلَ يَذْكُرُ لِلْعِقابِ سَبَبًا، والمُتَفَضِّلَ لا يَذْكُرُ لِلْإنْعامِ والتَّفَضُّلِ سَبَبًا، فَذَكَّرَهم في الآخِرَةِ ما عَمِلُوهُ في الدُّنْيا، فَقالَ: ﴿وأمّا إنْ كانَ مِنَ المُكَذِّبِينَ﴾ لِيَكُونَ تَرْتِيبُ العِقابِ عَلى تَكْذِيبِ الكِتابِ فَظَهَرَ العَدْلُ، وغَيْرُ ذَلِكَ ظاهِرٌ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ هَذا لَهو حَقُّ اليَقِينِ﴾ ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: ﴿هَذا﴾ إشارَةٌ إلى ماذا ؟ نَقُولُ: فِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: القُرْآنُ. ثانِيها: ما ذَكَرَهُ في السُّورَةِ. ثالِثُها: جَزاءُ الأزْواجِ الثَّلاثَةِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: كَيْفَ أضافَ الحَقَّ إلى اليَقِينِ مَعَ أنَّهُما بِمَعْنًى واحِدٍ ؟ نَقُولُ: فِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: هَذِهِ الإضافَةُ، كَما أضافَ الجانِبَ إلى الغَرْبِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿وما كُنْتَ بِجانِبِ الغَرْبِيِّ﴾ [القصص: ٤٤] وأضافَ الدّارَ إلى الآخِرَةِ في قَوْلِهِ: ﴿ولَدارُ الآخِرَةِ﴾ [يوسف: ١٠٩] غَيْرَ أنَّ المُقَدَّرَ هُنا غَيْرُ ظاهِرٍ، فَإنَّ شَرْطَ ذَلِكَ أنْ يَكُونَ بِحَيْثُ يُوصَفُ بِاليَقِينِ، ويُضافُ إلَيْهِ الحَقُّ، وما يُوصَفُ بِاليَقِينِ بَعْدَ إضافَةِ الحَقِّ إلَيْهِ. وثانِيها: أنَّهُ مِنَ الإضافَةِ الَّتِي بِمَعْنى مِن، كَما يُقالُ: بابٌ مِن ساجٍ، وبابُ ساجٍ، وخاتَمٌ مِن فِضَّةٍ، وخاتَمُ فِضَّةٍ، فَكَأنَّهُ قالَ: لَهو الحَقُّ مِنَ اليَقِينِ. ثالِثُها: وهو أقْرَبُ مِنها ما ذَكَرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ أنَّ ذَلِكَ نَوْعُ تَأْكِيدٍ يُقالُ: هَذا مِن حَقِّ الحَقِّ، وصَوابُ الصَّوابِ، أيْ غايَتُهُ ونِهايَتُهُ الَّتِي لا وُصُولَ فَوْقَهُ، والَّذِي وقَعَ في تَقْرِيرِ هَذا أنَّ الإنْسانَ أظْهَرُ ما عِنْدَهُ الأنْوارُ المُدْرَكَةُ بِالحِسِّ، وتِلْكَ الأنْوارُ أكْثَرُها مَشُوبَةٌ بِغَيْرِها، فَإذا وصَلَ الطّالِبُ إلى أوَّلِهِ يَقُولُ: وجَدْتُ أمْرَ كَذا، ثُمَّ إنَّهُ مَعَ صِحَّةِ إطْلاقِ اللَّفْظِ عَلَيْهِ لا يَتَمَيَّزُ عَنْ غَيْرِهِ، فَيَتَوَسَّطُ الطّالِبُ ويَأْخُذُ مَطْلُوبَهُ مِن وسَطِهِ، مِثالُهُ مَن يَطْلُبُ الماءَ، ثُمَّ يَصِلُ إلى بِرْكَةٍ عَظِيمَةٍ، فَإذا أخَذَ مِن طَرَفِهِ شَيْئًا يَقُولُ: هو ماءٌ، ورُبَّما يَقُولُ قائِلٌ آخَرُ: هَذا لَيْسَ بِماءٍ، وإنَّما هو طِينٌ، وأمّا الماءُ ما أخَذْتَهُ مِن وسَطِ البِرْكَةِ، فالَّذِي في طَرَفِ البِرْكَةِ ماءٌ بِالنِّسْبَةِ إلى أجْسامٍ أُخْرى، ثُمَّ إذا نُسِبَ إلى الماءِ الصّافِي رُبَّما يُقالُ لَهُ شَيْءٌ آخَرُ، فَإذا قالَ: هَذا هو الماءُ حَقًّا قَدْ أكَّدَ، ولَهُ أنْ يَقُولَ: حَقُّ الماءِ، أيِ الماءُ حَقًّا هَذا بِحَيْثُ لا يَقُولُ أحَدٌ فِيهِ شَيْئًا، فَكَذَلِكَ هَهُنا كَأنَّهُ قالَ: هَذا هو اليَقِينُ حَقًّا لا اليَقِينُ الَّذِي يَقُولُ بَعْضٌ إنَّهُ لَيْسَ بِيَقِينٍ، ويَحْتَمِلُ وجْهًا آخَرَ، وهو أنْ يُقالَ: الإضافَةُ عَلى حَقِيقَتِها، ومَعْناهُ أنَّ هَذا القَوْلَ لَكَ يا مُحَمَّدُ ولِلْمُؤْمِنِينَ، وحُقُّ اليَقِينِ أنْ تَقُولَ كَذا، ويَقْرُبُ مِن هَذا ما يُقالُ: حَقُّ الكَمالِ أنْ يُصَلِّيَ المُؤْمِنُ، وهَذا كَما قِيلَ في قَوْلِهِ ﷺ: «أُمِرْتُ أنْ أُقاتِلَ النّاسَ حَتّى يَقُولُوا لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، فَإذا قالُوها عَصَمُوا مِنِّي دِماءَهم وأمْوالَهم إلّا بِحَقِّها» أنَّ الضَّمِيرَ راجِعٌ إلى الكَلِمَةِ أيْ إلّا بِحَقِّ الكَلِمَةِ، ومِن حَقِّ الكَلِمَةِ أداءُ الزَّكاةِ والصَّلاةُ، فَكَذَلِكَ حَقُّ اليَقِينِ أنْ يَعْرِفَ ما قالَهُ اللَّهُ تَعالى في الواقِعَةِ في حَقِّ الأزْواجِ الثَّلاثَةِ، وعَلى هَذا مَعْناهُ: أنَّ اليَقِينَ لا يَحِقُّ ولا يَكُونُ إلّا إذا صَدَقَ فِيما قالَهُ بِحَقٍّ، فالتَّصْدِيقُ حَقُّ اليَقِينِ الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ فَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ، وقُلْنا إنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ الحَقَّ وامْتَنَعَ الكُفّارُ، قالَ لِنَبِيِّهِ ﷺ: هَذا هو حَقٌّ، فَإنِ امْتَنَعُوا فَلا تَتْرُكْهم ولا تُعْرِضْ عَنْهم وسَبِّحْ رَبَّكَ في نَفْسِكَ، وما عَلَيْكَ مِن قَوْمِكَ سَواءٌ صَدَّقُوكَ أوْ كَذَّبُوكَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ فَسَبِّحْ واذْكُرْ رَبَّكَ بِاسْمِهِ الأعْظَمِ، وهَذا صفحة ١٧٨ مُتَّصِلٌ بِما بَعْدَهُ؛ لِأنَّهُ قالَ في السُّورَةِ الَّتِي تَلِي هَذِهِ: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ﴾ [الحديد: ١] فَكَأنَّهُ قالَ: سَبَّحَ اللَّهَ ما في السَّماواتِ، فَعَلَيْكَ أنْ تُوافِقَهم ولا تَلْتَفِتْ إلى الشِّرْذِمَةِ القَلِيلَةِ الضّالَّةِ، فَإنَّ كُلَّ شَيْءٍ مَعَكَ يُسَبِّحُ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ. تَمَّ تَفْسِيرُ السُّورَةِ، واللَّهُ أعْلَمُ بِالصَّوابِ وإلَيْهِ المَرْجِعُ والمَآبُ، وصَلّى اللَّهُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ وعَلى آلِهِ وصَحْبِهِ وسَلَّمَ.

الواقعة 56:92

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وأمّا إنْ كانَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ ﴿فَسَلامٌ لَكَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: صفحة ١٧٦ المَسْألَةُ الأُولى: في السَّلامِ وفِيهِ وُجُوهٌ: أوَّلُها: يُسَلِّمُ بِهِ صاحِبُ اليَمِينِ عَلى صاحِبِ اليَمِينِ، كَما قالَ تَعالى مِن قَبْلُ: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ولا تَأْثِيمًا﴾ ﴿إلّا قِيلًا سَلامًا سَلامًا﴾ [الواقعة: ٢٥] . ثانِيها: ﴿فَسَلامٌ لَكَ﴾ أيْ سَلامَةٌ لَكَ مِن أمْرٍ خافَ قَلْبُكَ مِنهُ فَإنَّهُ في أعْلى المَراتِبِ، وهَذا كَما يُقالُ لِمَن تَعَلَّقَ قَلْبُهُ بِوَلَدِهِ الغائِبِ عَنْهُ، إذا كانَ يَخْدِمُ عِنْدَ كَرِيمٍ، يَقُولُ لَهُ: كُنْ فارِغًا مِن جانِبِ ولَدِكَ فَإنَّهُ في راحَةٍ. ثالِثُها: أنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ تُفِيدُ عَظْمَةَ حالِهِمْ كَما يُقالُ: فُلانٌ ناهِيكَ بِهِ، وحَسْبُكَ أنَّهُ فُلانٌ، إشارَةً إلى أنَّهُ مَمْدُوحٌ فَوْقَ الفَضْلِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الخِطابُ بِقَوْلِهِ: ﴿لَكَ﴾ مَعَ مَن ؟ نَقُولُ: قَدْ ظَهَرَ بَعْضُ ذَلِكَ فَنَقُولُ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الكَلامِ النَّبِيَّ ﷺ، وحِينَئِذٍ فِيهِ وجْهٌ وهو ما ذَكَرْنا أنَّ ذَلِكَ تَسْلِيَةٌ لِقَلْبِ النَّبِيِّ ﷺ فَإنَّهم غَيْرُ مُحْتاجِينَ إلى شَيْءٍ مِنَ الشَّفاعَةِ وغَيْرِها، فَسَلامٌ لَكَ يا مُحَمَّدُ مِنهم فَإنَّهم في سَلامَةٍ وعافِيَةٍ لا يُهِمُّكَ أمْرُهم، أوْ فَسَلامٌ لَكَ يا مُحَمَّدُ مِنهم، وكَوْنُهم مِمَّنْ يُسَلِّمُ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ دَلِيلُ العَظَمَةِ، فَإنَّ العَظِيمَ لا يُسَلِّمُ عَلَيْهِ إلّا عَظِيمٌ، وعَلى هَذا فَفِيهِ لَطِيفَةٌ: وهي أنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَكانَتُهُ فَوْقَ مَكانَةِ أصْحابِ اليَمِينِ بِالنِّسْبَةِ إلى المُقَرَّبِينَ الَّذِينَ هم في عِلِّيِّينَ، كَأصْحابِ الجَنَّةِ بِالنِّسْبَةِ إلى أهْلِ عِلِّيِّينَ، فَلَمّا قالَ: ﴿وأمّا إنْ كانَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ كانَ فِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ مَكانَهم غَيْرُ مَكانِ الأوَّلِينَ المُقَرَّبِينَ، فَقالَ تَعالى: هَؤُلاءِ وإنْ كانُوا دُونَ الأوَّلِينَ لَكِنْ لا تَنْفَعُ بَيْنَهُمُ المَكانَةُ والتَّسْلِيمُ، بَلْ هم يَرَوْنَكَ ويَصِلُونَ إلَيْكَ وُصُولَ جَلِيسِ المَلِكِ إلى المَلِكِ والغائِبِ إلى أهْلِهِ ووَلَدِهِ، وأمّا المُقَرَّبُونَ فَهم يُلازِمُونَكَ ولا يُفارِقُونَكَ وإنْ كُنْتَ أعْلى مَرْتَبَةً مِنهم. * * * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وأمّا إنْ كانَ مِنَ المُكَذِّبِينَ الضّالِّينَ﴾ ﴿فَنُزُلٌ مِن حَمِيمٍ﴾ ﴿وتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ هَهُنا: ﴿مِنَ المُكَذِّبِينَ الضّالِّينَ﴾ وقالَ مِن قَبْلُ: ﴿ثُمَّ إنَّكم أيُّها الضّالُّونَ المُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٥١] وقَدْ بَيَّنّا فائِدَةَ التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ هُناكَ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرَ الأزْواجَ الثَّلاثَةَ في أوَّلِ السُّورَةِ بِعِبارَةٍ وأعادَهم بِعِبارَةٍ أُخْرى فَقالَ: ﴿أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿أصْحابُ اليَمِينِ﴾ وقالَ: ﴿وأصْحابُ المَشْأمَةِ﴾ [الواقعة: ٩] ثُمَّ قالَ: ﴿وأصْحابُ الشِّمالِ﴾ [الواقعة: ٤١] وأعادَهم هَهُنا، وفي المَواضِعِ الثَّلاثَةِ ذَكَرَ أصْحابَ اليَمِينِ بِلَفْظٍ واحِدٍ أوْ بِلَفْظَيْنِ مَرَّتَيْنِ، أحَدُهُما غَيْرُ الآخَرِ، وذَكَرَ السّابِقِينَ في أوَّلِ السُّورَةِ بِلَفْظِ السّابِقِينَ، وفي آخِرِ السُّورَةِ بِلَفْظِ المُقَرَّبِينَ، وذَكَرَ أصْحابَ النّارِ في الأوَّلِ بِلَفْظِ ﴿أصْحابُ المَشْأمَةِ﴾ ثُمَّ بِلَفْظِ ﴿أصْحابُ الشِّمالِ﴾ ثُمَّ بِلَفْظِ ﴿المُكَذِّبِينَ﴾ فَما الحِكْمَةُ فِيهِ ؟ نَقُولُ: أمّا السّابِقُ فَلَهُ حالَتانِ: إحْداهُما في الأُولى، والأُخْرى في الآخِرَةِ، فَذَكَرَهُ في المَرَّةِ الأُولى بِما لَهُ في الحالَةِ الأُولى، وفي الثّانِيَةِ بِما لَهُ في الحالَةِ الآخِرَةِ، ولَيْسَ لَهُ حالَةٌ هي واسِطَةٌ بَيْنَ الوُقُوفِ لِلْعَرْضِ وبَيْنَ الحِسابِ، بَلْ هو يُنْقَلُ مِنَ الدُّنْيا إلى أعْلى عِلِّيِّينَ، ثُمَّ ذَكَرَ أصْحابَ اليَمِينِ بِلَفْظَيْنِ مُتَقارِبَيْنِ؛ لِأنَّ حالَهم قَرِيبَةٌ مِن حالِ السّابِقِينَ، وذَكَرَ الكُفّارَ بِألْفاظٍ ثَلاثَةٍ كَأنَّهم في الدُّنْيا ضَحِكُوا عَلَيْهِمْ بِأنَّهم أصْحابُ مَوْضِعِ شُؤْمٍ، فَوَصَفُوهم بِمَوْضِعِ الشُّؤْمِ، فَإنَّ المَشْأمَةَ مَفْعَلَةٌ وهي المَوْضِعُ، ثُمَّ قالَ: ﴿أصْحابُ الشِّمالِ﴾ صفحة ١٧٧ فَإنَّهم في الآخِرَةِ يُؤْتَوْنَ كِتابَهم بِشِمالِهِمْ، ويَقِفُونَ في مَوْضِعٍ هو شِمالٌ، لِأجْلِ كَوْنِهِمْ مِن أهْلِ النّارِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ حالَهم في أوَّلِ الحَشْرِ بِكَوْنِهِمْ مِن أصْحابِ الشِّمالِ ذَكَرَ ما يَكُونُ لَهم مِنَ السَّمُومِ والحَمِيمِ، ثُمَّ لَمْ يَقْتَصِرْ عَلَيْهِ، ثُمَّ ذَكَرَ السَّبَبَ فِيهِ، فَقالَ: ﴿إنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ ﴿وكانُوا يُصِرُّونَ﴾ [الواقعة: ٤٦] فَذَكَرَ سَبَبَ العِقابِ لِما بَيَّنّا مِرارًا أنَّ العادِلَ يَذْكُرُ لِلْعِقابِ سَبَبًا، والمُتَفَضِّلَ لا يَذْكُرُ لِلْإنْعامِ والتَّفَضُّلِ سَبَبًا، فَذَكَّرَهم في الآخِرَةِ ما عَمِلُوهُ في الدُّنْيا، فَقالَ: ﴿وأمّا إنْ كانَ مِنَ المُكَذِّبِينَ﴾ لِيَكُونَ تَرْتِيبُ العِقابِ عَلى تَكْذِيبِ الكِتابِ فَظَهَرَ العَدْلُ، وغَيْرُ ذَلِكَ ظاهِرٌ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ هَذا لَهو حَقُّ اليَقِينِ﴾ ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: ﴿هَذا﴾ إشارَةٌ إلى ماذا ؟ نَقُولُ: فِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: القُرْآنُ. ثانِيها: ما ذَكَرَهُ في السُّورَةِ. ثالِثُها: جَزاءُ الأزْواجِ الثَّلاثَةِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: كَيْفَ أضافَ الحَقَّ إلى اليَقِينِ مَعَ أنَّهُما بِمَعْنًى واحِدٍ ؟ نَقُولُ: فِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: هَذِهِ الإضافَةُ، كَما أضافَ الجانِبَ إلى الغَرْبِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿وما كُنْتَ بِجانِبِ الغَرْبِيِّ﴾ [القصص: ٤٤] وأضافَ الدّارَ إلى الآخِرَةِ في قَوْلِهِ: ﴿ولَدارُ الآخِرَةِ﴾ [يوسف: ١٠٩] غَيْرَ أنَّ المُقَدَّرَ هُنا غَيْرُ ظاهِرٍ، فَإنَّ شَرْطَ ذَلِكَ أنْ يَكُونَ بِحَيْثُ يُوصَفُ بِاليَقِينِ، ويُضافُ إلَيْهِ الحَقُّ، وما يُوصَفُ بِاليَقِينِ بَعْدَ إضافَةِ الحَقِّ إلَيْهِ. وثانِيها: أنَّهُ مِنَ الإضافَةِ الَّتِي بِمَعْنى مِن، كَما يُقالُ: بابٌ مِن ساجٍ، وبابُ ساجٍ، وخاتَمٌ مِن فِضَّةٍ، وخاتَمُ فِضَّةٍ، فَكَأنَّهُ قالَ: لَهو الحَقُّ مِنَ اليَقِينِ. ثالِثُها: وهو أقْرَبُ مِنها ما ذَكَرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ أنَّ ذَلِكَ نَوْعُ تَأْكِيدٍ يُقالُ: هَذا مِن حَقِّ الحَقِّ، وصَوابُ الصَّوابِ، أيْ غايَتُهُ ونِهايَتُهُ الَّتِي لا وُصُولَ فَوْقَهُ، والَّذِي وقَعَ في تَقْرِيرِ هَذا أنَّ الإنْسانَ أظْهَرُ ما عِنْدَهُ الأنْوارُ المُدْرَكَةُ بِالحِسِّ، وتِلْكَ الأنْوارُ أكْثَرُها مَشُوبَةٌ بِغَيْرِها، فَإذا وصَلَ الطّالِبُ إلى أوَّلِهِ يَقُولُ: وجَدْتُ أمْرَ كَذا، ثُمَّ إنَّهُ مَعَ صِحَّةِ إطْلاقِ اللَّفْظِ عَلَيْهِ لا يَتَمَيَّزُ عَنْ غَيْرِهِ، فَيَتَوَسَّطُ الطّالِبُ ويَأْخُذُ مَطْلُوبَهُ مِن وسَطِهِ، مِثالُهُ مَن يَطْلُبُ الماءَ، ثُمَّ يَصِلُ إلى بِرْكَةٍ عَظِيمَةٍ، فَإذا أخَذَ مِن طَرَفِهِ شَيْئًا يَقُولُ: هو ماءٌ، ورُبَّما يَقُولُ قائِلٌ آخَرُ: هَذا لَيْسَ بِماءٍ، وإنَّما هو طِينٌ، وأمّا الماءُ ما أخَذْتَهُ مِن وسَطِ البِرْكَةِ، فالَّذِي في طَرَفِ البِرْكَةِ ماءٌ بِالنِّسْبَةِ إلى أجْسامٍ أُخْرى، ثُمَّ إذا نُسِبَ إلى الماءِ الصّافِي رُبَّما يُقالُ لَهُ شَيْءٌ آخَرُ، فَإذا قالَ: هَذا هو الماءُ حَقًّا قَدْ أكَّدَ، ولَهُ أنْ يَقُولَ: حَقُّ الماءِ، أيِ الماءُ حَقًّا هَذا بِحَيْثُ لا يَقُولُ أحَدٌ فِيهِ شَيْئًا، فَكَذَلِكَ هَهُنا كَأنَّهُ قالَ: هَذا هو اليَقِينُ حَقًّا لا اليَقِينُ الَّذِي يَقُولُ بَعْضٌ إنَّهُ لَيْسَ بِيَقِينٍ، ويَحْتَمِلُ وجْهًا آخَرَ، وهو أنْ يُقالَ: الإضافَةُ عَلى حَقِيقَتِها، ومَعْناهُ أنَّ هَذا القَوْلَ لَكَ يا مُحَمَّدُ ولِلْمُؤْمِنِينَ، وحُقُّ اليَقِينِ أنْ تَقُولَ كَذا، ويَقْرُبُ مِن هَذا ما يُقالُ: حَقُّ الكَمالِ أنْ يُصَلِّيَ المُؤْمِنُ، وهَذا كَما قِيلَ في قَوْلِهِ ﷺ: «أُمِرْتُ أنْ أُقاتِلَ النّاسَ حَتّى يَقُولُوا لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، فَإذا قالُوها عَصَمُوا مِنِّي دِماءَهم وأمْوالَهم إلّا بِحَقِّها» أنَّ الضَّمِيرَ راجِعٌ إلى الكَلِمَةِ أيْ إلّا بِحَقِّ الكَلِمَةِ، ومِن حَقِّ الكَلِمَةِ أداءُ الزَّكاةِ والصَّلاةُ، فَكَذَلِكَ حَقُّ اليَقِينِ أنْ يَعْرِفَ ما قالَهُ اللَّهُ تَعالى في الواقِعَةِ في حَقِّ الأزْواجِ الثَّلاثَةِ، وعَلى هَذا مَعْناهُ: أنَّ اليَقِينَ لا يَحِقُّ ولا يَكُونُ إلّا إذا صَدَقَ فِيما قالَهُ بِحَقٍّ، فالتَّصْدِيقُ حَقُّ اليَقِينِ الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ فَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ، وقُلْنا إنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ الحَقَّ وامْتَنَعَ الكُفّارُ، قالَ لِنَبِيِّهِ ﷺ: هَذا هو حَقٌّ، فَإنِ امْتَنَعُوا فَلا تَتْرُكْهم ولا تُعْرِضْ عَنْهم وسَبِّحْ رَبَّكَ في نَفْسِكَ، وما عَلَيْكَ مِن قَوْمِكَ سَواءٌ صَدَّقُوكَ أوْ كَذَّبُوكَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ فَسَبِّحْ واذْكُرْ رَبَّكَ بِاسْمِهِ الأعْظَمِ، وهَذا صفحة ١٧٨ مُتَّصِلٌ بِما بَعْدَهُ؛ لِأنَّهُ قالَ في السُّورَةِ الَّتِي تَلِي هَذِهِ: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ﴾ [الحديد: ١] فَكَأنَّهُ قالَ: سَبَّحَ اللَّهَ ما في السَّماواتِ، فَعَلَيْكَ أنْ تُوافِقَهم ولا تَلْتَفِتْ إلى الشِّرْذِمَةِ القَلِيلَةِ الضّالَّةِ، فَإنَّ كُلَّ شَيْءٍ مَعَكَ يُسَبِّحُ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ. تَمَّ تَفْسِيرُ السُّورَةِ، واللَّهُ أعْلَمُ بِالصَّوابِ وإلَيْهِ المَرْجِعُ والمَآبُ، وصَلّى اللَّهُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ وعَلى آلِهِ وصَحْبِهِ وسَلَّمَ.

الواقعة 56:93

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وأمّا إنْ كانَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ ﴿فَسَلامٌ لَكَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: صفحة ١٧٦ المَسْألَةُ الأُولى: في السَّلامِ وفِيهِ وُجُوهٌ: أوَّلُها: يُسَلِّمُ بِهِ صاحِبُ اليَمِينِ عَلى صاحِبِ اليَمِينِ، كَما قالَ تَعالى مِن قَبْلُ: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ولا تَأْثِيمًا﴾ ﴿إلّا قِيلًا سَلامًا سَلامًا﴾ [الواقعة: ٢٥] . ثانِيها: ﴿فَسَلامٌ لَكَ﴾ أيْ سَلامَةٌ لَكَ مِن أمْرٍ خافَ قَلْبُكَ مِنهُ فَإنَّهُ في أعْلى المَراتِبِ، وهَذا كَما يُقالُ لِمَن تَعَلَّقَ قَلْبُهُ بِوَلَدِهِ الغائِبِ عَنْهُ، إذا كانَ يَخْدِمُ عِنْدَ كَرِيمٍ، يَقُولُ لَهُ: كُنْ فارِغًا مِن جانِبِ ولَدِكَ فَإنَّهُ في راحَةٍ. ثالِثُها: أنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ تُفِيدُ عَظْمَةَ حالِهِمْ كَما يُقالُ: فُلانٌ ناهِيكَ بِهِ، وحَسْبُكَ أنَّهُ فُلانٌ، إشارَةً إلى أنَّهُ مَمْدُوحٌ فَوْقَ الفَضْلِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الخِطابُ بِقَوْلِهِ: ﴿لَكَ﴾ مَعَ مَن ؟ نَقُولُ: قَدْ ظَهَرَ بَعْضُ ذَلِكَ فَنَقُولُ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الكَلامِ النَّبِيَّ ﷺ، وحِينَئِذٍ فِيهِ وجْهٌ وهو ما ذَكَرْنا أنَّ ذَلِكَ تَسْلِيَةٌ لِقَلْبِ النَّبِيِّ ﷺ فَإنَّهم غَيْرُ مُحْتاجِينَ إلى شَيْءٍ مِنَ الشَّفاعَةِ وغَيْرِها، فَسَلامٌ لَكَ يا مُحَمَّدُ مِنهم فَإنَّهم في سَلامَةٍ وعافِيَةٍ لا يُهِمُّكَ أمْرُهم، أوْ فَسَلامٌ لَكَ يا مُحَمَّدُ مِنهم، وكَوْنُهم مِمَّنْ يُسَلِّمُ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ دَلِيلُ العَظَمَةِ، فَإنَّ العَظِيمَ لا يُسَلِّمُ عَلَيْهِ إلّا عَظِيمٌ، وعَلى هَذا فَفِيهِ لَطِيفَةٌ: وهي أنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَكانَتُهُ فَوْقَ مَكانَةِ أصْحابِ اليَمِينِ بِالنِّسْبَةِ إلى المُقَرَّبِينَ الَّذِينَ هم في عِلِّيِّينَ، كَأصْحابِ الجَنَّةِ بِالنِّسْبَةِ إلى أهْلِ عِلِّيِّينَ، فَلَمّا قالَ: ﴿وأمّا إنْ كانَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ كانَ فِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ مَكانَهم غَيْرُ مَكانِ الأوَّلِينَ المُقَرَّبِينَ، فَقالَ تَعالى: هَؤُلاءِ وإنْ كانُوا دُونَ الأوَّلِينَ لَكِنْ لا تَنْفَعُ بَيْنَهُمُ المَكانَةُ والتَّسْلِيمُ، بَلْ هم يَرَوْنَكَ ويَصِلُونَ إلَيْكَ وُصُولَ جَلِيسِ المَلِكِ إلى المَلِكِ والغائِبِ إلى أهْلِهِ ووَلَدِهِ، وأمّا المُقَرَّبُونَ فَهم يُلازِمُونَكَ ولا يُفارِقُونَكَ وإنْ كُنْتَ أعْلى مَرْتَبَةً مِنهم. * * * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وأمّا إنْ كانَ مِنَ المُكَذِّبِينَ الضّالِّينَ﴾ ﴿فَنُزُلٌ مِن حَمِيمٍ﴾ ﴿وتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ هَهُنا: ﴿مِنَ المُكَذِّبِينَ الضّالِّينَ﴾ وقالَ مِن قَبْلُ: ﴿ثُمَّ إنَّكم أيُّها الضّالُّونَ المُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٥١] وقَدْ بَيَّنّا فائِدَةَ التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ هُناكَ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرَ الأزْواجَ الثَّلاثَةَ في أوَّلِ السُّورَةِ بِعِبارَةٍ وأعادَهم بِعِبارَةٍ أُخْرى فَقالَ: ﴿أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿أصْحابُ اليَمِينِ﴾ وقالَ: ﴿وأصْحابُ المَشْأمَةِ﴾ [الواقعة: ٩] ثُمَّ قالَ: ﴿وأصْحابُ الشِّمالِ﴾ [الواقعة: ٤١] وأعادَهم هَهُنا، وفي المَواضِعِ الثَّلاثَةِ ذَكَرَ أصْحابَ اليَمِينِ بِلَفْظٍ واحِدٍ أوْ بِلَفْظَيْنِ مَرَّتَيْنِ، أحَدُهُما غَيْرُ الآخَرِ، وذَكَرَ السّابِقِينَ في أوَّلِ السُّورَةِ بِلَفْظِ السّابِقِينَ، وفي آخِرِ السُّورَةِ بِلَفْظِ المُقَرَّبِينَ، وذَكَرَ أصْحابَ النّارِ في الأوَّلِ بِلَفْظِ ﴿أصْحابُ المَشْأمَةِ﴾ ثُمَّ بِلَفْظِ ﴿أصْحابُ الشِّمالِ﴾ ثُمَّ بِلَفْظِ ﴿المُكَذِّبِينَ﴾ فَما الحِكْمَةُ فِيهِ ؟ نَقُولُ: أمّا السّابِقُ فَلَهُ حالَتانِ: إحْداهُما في الأُولى، والأُخْرى في الآخِرَةِ، فَذَكَرَهُ في المَرَّةِ الأُولى بِما لَهُ في الحالَةِ الأُولى، وفي الثّانِيَةِ بِما لَهُ في الحالَةِ الآخِرَةِ، ولَيْسَ لَهُ حالَةٌ هي واسِطَةٌ بَيْنَ الوُقُوفِ لِلْعَرْضِ وبَيْنَ الحِسابِ، بَلْ هو يُنْقَلُ مِنَ الدُّنْيا إلى أعْلى عِلِّيِّينَ، ثُمَّ ذَكَرَ أصْحابَ اليَمِينِ بِلَفْظَيْنِ مُتَقارِبَيْنِ؛ لِأنَّ حالَهم قَرِيبَةٌ مِن حالِ السّابِقِينَ، وذَكَرَ الكُفّارَ بِألْفاظٍ ثَلاثَةٍ كَأنَّهم في الدُّنْيا ضَحِكُوا عَلَيْهِمْ بِأنَّهم أصْحابُ مَوْضِعِ شُؤْمٍ، فَوَصَفُوهم بِمَوْضِعِ الشُّؤْمِ، فَإنَّ المَشْأمَةَ مَفْعَلَةٌ وهي المَوْضِعُ، ثُمَّ قالَ: ﴿أصْحابُ الشِّمالِ﴾ صفحة ١٧٧ فَإنَّهم في الآخِرَةِ يُؤْتَوْنَ كِتابَهم بِشِمالِهِمْ، ويَقِفُونَ في مَوْضِعٍ هو شِمالٌ، لِأجْلِ كَوْنِهِمْ مِن أهْلِ النّارِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ حالَهم في أوَّلِ الحَشْرِ بِكَوْنِهِمْ مِن أصْحابِ الشِّمالِ ذَكَرَ ما يَكُونُ لَهم مِنَ السَّمُومِ والحَمِيمِ، ثُمَّ لَمْ يَقْتَصِرْ عَلَيْهِ، ثُمَّ ذَكَرَ السَّبَبَ فِيهِ، فَقالَ: ﴿إنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ ﴿وكانُوا يُصِرُّونَ﴾ [الواقعة: ٤٦] فَذَكَرَ سَبَبَ العِقابِ لِما بَيَّنّا مِرارًا أنَّ العادِلَ يَذْكُرُ لِلْعِقابِ سَبَبًا، والمُتَفَضِّلَ لا يَذْكُرُ لِلْإنْعامِ والتَّفَضُّلِ سَبَبًا، فَذَكَّرَهم في الآخِرَةِ ما عَمِلُوهُ في الدُّنْيا، فَقالَ: ﴿وأمّا إنْ كانَ مِنَ المُكَذِّبِينَ﴾ لِيَكُونَ تَرْتِيبُ العِقابِ عَلى تَكْذِيبِ الكِتابِ فَظَهَرَ العَدْلُ، وغَيْرُ ذَلِكَ ظاهِرٌ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ هَذا لَهو حَقُّ اليَقِينِ﴾ ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: ﴿هَذا﴾ إشارَةٌ إلى ماذا ؟ نَقُولُ: فِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: القُرْآنُ. ثانِيها: ما ذَكَرَهُ في السُّورَةِ. ثالِثُها: جَزاءُ الأزْواجِ الثَّلاثَةِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: كَيْفَ أضافَ الحَقَّ إلى اليَقِينِ مَعَ أنَّهُما بِمَعْنًى واحِدٍ ؟ نَقُولُ: فِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: هَذِهِ الإضافَةُ، كَما أضافَ الجانِبَ إلى الغَرْبِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿وما كُنْتَ بِجانِبِ الغَرْبِيِّ﴾ [القصص: ٤٤] وأضافَ الدّارَ إلى الآخِرَةِ في قَوْلِهِ: ﴿ولَدارُ الآخِرَةِ﴾ [يوسف: ١٠٩] غَيْرَ أنَّ المُقَدَّرَ هُنا غَيْرُ ظاهِرٍ، فَإنَّ شَرْطَ ذَلِكَ أنْ يَكُونَ بِحَيْثُ يُوصَفُ بِاليَقِينِ، ويُضافُ إلَيْهِ الحَقُّ، وما يُوصَفُ بِاليَقِينِ بَعْدَ إضافَةِ الحَقِّ إلَيْهِ. وثانِيها: أنَّهُ مِنَ الإضافَةِ الَّتِي بِمَعْنى مِن، كَما يُقالُ: بابٌ مِن ساجٍ، وبابُ ساجٍ، وخاتَمٌ مِن فِضَّةٍ، وخاتَمُ فِضَّةٍ، فَكَأنَّهُ قالَ: لَهو الحَقُّ مِنَ اليَقِينِ. ثالِثُها: وهو أقْرَبُ مِنها ما ذَكَرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ أنَّ ذَلِكَ نَوْعُ تَأْكِيدٍ يُقالُ: هَذا مِن حَقِّ الحَقِّ، وصَوابُ الصَّوابِ، أيْ غايَتُهُ ونِهايَتُهُ الَّتِي لا وُصُولَ فَوْقَهُ، والَّذِي وقَعَ في تَقْرِيرِ هَذا أنَّ الإنْسانَ أظْهَرُ ما عِنْدَهُ الأنْوارُ المُدْرَكَةُ بِالحِسِّ، وتِلْكَ الأنْوارُ أكْثَرُها مَشُوبَةٌ بِغَيْرِها، فَإذا وصَلَ الطّالِبُ إلى أوَّلِهِ يَقُولُ: وجَدْتُ أمْرَ كَذا، ثُمَّ إنَّهُ مَعَ صِحَّةِ إطْلاقِ اللَّفْظِ عَلَيْهِ لا يَتَمَيَّزُ عَنْ غَيْرِهِ، فَيَتَوَسَّطُ الطّالِبُ ويَأْخُذُ مَطْلُوبَهُ مِن وسَطِهِ، مِثالُهُ مَن يَطْلُبُ الماءَ، ثُمَّ يَصِلُ إلى بِرْكَةٍ عَظِيمَةٍ، فَإذا أخَذَ مِن طَرَفِهِ شَيْئًا يَقُولُ: هو ماءٌ، ورُبَّما يَقُولُ قائِلٌ آخَرُ: هَذا لَيْسَ بِماءٍ، وإنَّما هو طِينٌ، وأمّا الماءُ ما أخَذْتَهُ مِن وسَطِ البِرْكَةِ، فالَّذِي في طَرَفِ البِرْكَةِ ماءٌ بِالنِّسْبَةِ إلى أجْسامٍ أُخْرى، ثُمَّ إذا نُسِبَ إلى الماءِ الصّافِي رُبَّما يُقالُ لَهُ شَيْءٌ آخَرُ، فَإذا قالَ: هَذا هو الماءُ حَقًّا قَدْ أكَّدَ، ولَهُ أنْ يَقُولَ: حَقُّ الماءِ، أيِ الماءُ حَقًّا هَذا بِحَيْثُ لا يَقُولُ أحَدٌ فِيهِ شَيْئًا، فَكَذَلِكَ هَهُنا كَأنَّهُ قالَ: هَذا هو اليَقِينُ حَقًّا لا اليَقِينُ الَّذِي يَقُولُ بَعْضٌ إنَّهُ لَيْسَ بِيَقِينٍ، ويَحْتَمِلُ وجْهًا آخَرَ، وهو أنْ يُقالَ: الإضافَةُ عَلى حَقِيقَتِها، ومَعْناهُ أنَّ هَذا القَوْلَ لَكَ يا مُحَمَّدُ ولِلْمُؤْمِنِينَ، وحُقُّ اليَقِينِ أنْ تَقُولَ كَذا، ويَقْرُبُ مِن هَذا ما يُقالُ: حَقُّ الكَمالِ أنْ يُصَلِّيَ المُؤْمِنُ، وهَذا كَما قِيلَ في قَوْلِهِ ﷺ: «أُمِرْتُ أنْ أُقاتِلَ النّاسَ حَتّى يَقُولُوا لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، فَإذا قالُوها عَصَمُوا مِنِّي دِماءَهم وأمْوالَهم إلّا بِحَقِّها» أنَّ الضَّمِيرَ راجِعٌ إلى الكَلِمَةِ أيْ إلّا بِحَقِّ الكَلِمَةِ، ومِن حَقِّ الكَلِمَةِ أداءُ الزَّكاةِ والصَّلاةُ، فَكَذَلِكَ حَقُّ اليَقِينِ أنْ يَعْرِفَ ما قالَهُ اللَّهُ تَعالى في الواقِعَةِ في حَقِّ الأزْواجِ الثَّلاثَةِ، وعَلى هَذا مَعْناهُ: أنَّ اليَقِينَ لا يَحِقُّ ولا يَكُونُ إلّا إذا صَدَقَ فِيما قالَهُ بِحَقٍّ، فالتَّصْدِيقُ حَقُّ اليَقِينِ الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ فَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ، وقُلْنا إنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ الحَقَّ وامْتَنَعَ الكُفّارُ، قالَ لِنَبِيِّهِ ﷺ: هَذا هو حَقٌّ، فَإنِ امْتَنَعُوا فَلا تَتْرُكْهم ولا تُعْرِضْ عَنْهم وسَبِّحْ رَبَّكَ في نَفْسِكَ، وما عَلَيْكَ مِن قَوْمِكَ سَواءٌ صَدَّقُوكَ أوْ كَذَّبُوكَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ فَسَبِّحْ واذْكُرْ رَبَّكَ بِاسْمِهِ الأعْظَمِ، وهَذا صفحة ١٧٨ مُتَّصِلٌ بِما بَعْدَهُ؛ لِأنَّهُ قالَ في السُّورَةِ الَّتِي تَلِي هَذِهِ: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ﴾ [الحديد: ١] فَكَأنَّهُ قالَ: سَبَّحَ اللَّهَ ما في السَّماواتِ، فَعَلَيْكَ أنْ تُوافِقَهم ولا تَلْتَفِتْ إلى الشِّرْذِمَةِ القَلِيلَةِ الضّالَّةِ، فَإنَّ كُلَّ شَيْءٍ مَعَكَ يُسَبِّحُ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ. تَمَّ تَفْسِيرُ السُّورَةِ، واللَّهُ أعْلَمُ بِالصَّوابِ وإلَيْهِ المَرْجِعُ والمَآبُ، وصَلّى اللَّهُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ وعَلى آلِهِ وصَحْبِهِ وسَلَّمَ.

الواقعة 56:94

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وأمّا إنْ كانَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ ﴿فَسَلامٌ لَكَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: صفحة ١٧٦ المَسْألَةُ الأُولى: في السَّلامِ وفِيهِ وُجُوهٌ: أوَّلُها: يُسَلِّمُ بِهِ صاحِبُ اليَمِينِ عَلى صاحِبِ اليَمِينِ، كَما قالَ تَعالى مِن قَبْلُ: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ولا تَأْثِيمًا﴾ ﴿إلّا قِيلًا سَلامًا سَلامًا﴾ [الواقعة: ٢٥] . ثانِيها: ﴿فَسَلامٌ لَكَ﴾ أيْ سَلامَةٌ لَكَ مِن أمْرٍ خافَ قَلْبُكَ مِنهُ فَإنَّهُ في أعْلى المَراتِبِ، وهَذا كَما يُقالُ لِمَن تَعَلَّقَ قَلْبُهُ بِوَلَدِهِ الغائِبِ عَنْهُ، إذا كانَ يَخْدِمُ عِنْدَ كَرِيمٍ، يَقُولُ لَهُ: كُنْ فارِغًا مِن جانِبِ ولَدِكَ فَإنَّهُ في راحَةٍ. ثالِثُها: أنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ تُفِيدُ عَظْمَةَ حالِهِمْ كَما يُقالُ: فُلانٌ ناهِيكَ بِهِ، وحَسْبُكَ أنَّهُ فُلانٌ، إشارَةً إلى أنَّهُ مَمْدُوحٌ فَوْقَ الفَضْلِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الخِطابُ بِقَوْلِهِ: ﴿لَكَ﴾ مَعَ مَن ؟ نَقُولُ: قَدْ ظَهَرَ بَعْضُ ذَلِكَ فَنَقُولُ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الكَلامِ النَّبِيَّ ﷺ، وحِينَئِذٍ فِيهِ وجْهٌ وهو ما ذَكَرْنا أنَّ ذَلِكَ تَسْلِيَةٌ لِقَلْبِ النَّبِيِّ ﷺ فَإنَّهم غَيْرُ مُحْتاجِينَ إلى شَيْءٍ مِنَ الشَّفاعَةِ وغَيْرِها، فَسَلامٌ لَكَ يا مُحَمَّدُ مِنهم فَإنَّهم في سَلامَةٍ وعافِيَةٍ لا يُهِمُّكَ أمْرُهم، أوْ فَسَلامٌ لَكَ يا مُحَمَّدُ مِنهم، وكَوْنُهم مِمَّنْ يُسَلِّمُ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ دَلِيلُ العَظَمَةِ، فَإنَّ العَظِيمَ لا يُسَلِّمُ عَلَيْهِ إلّا عَظِيمٌ، وعَلى هَذا فَفِيهِ لَطِيفَةٌ: وهي أنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَكانَتُهُ فَوْقَ مَكانَةِ أصْحابِ اليَمِينِ بِالنِّسْبَةِ إلى المُقَرَّبِينَ الَّذِينَ هم في عِلِّيِّينَ، كَأصْحابِ الجَنَّةِ بِالنِّسْبَةِ إلى أهْلِ عِلِّيِّينَ، فَلَمّا قالَ: ﴿وأمّا إنْ كانَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ كانَ فِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ مَكانَهم غَيْرُ مَكانِ الأوَّلِينَ المُقَرَّبِينَ، فَقالَ تَعالى: هَؤُلاءِ وإنْ كانُوا دُونَ الأوَّلِينَ لَكِنْ لا تَنْفَعُ بَيْنَهُمُ المَكانَةُ والتَّسْلِيمُ، بَلْ هم يَرَوْنَكَ ويَصِلُونَ إلَيْكَ وُصُولَ جَلِيسِ المَلِكِ إلى المَلِكِ والغائِبِ إلى أهْلِهِ ووَلَدِهِ، وأمّا المُقَرَّبُونَ فَهم يُلازِمُونَكَ ولا يُفارِقُونَكَ وإنْ كُنْتَ أعْلى مَرْتَبَةً مِنهم. * * * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وأمّا إنْ كانَ مِنَ المُكَذِّبِينَ الضّالِّينَ﴾ ﴿فَنُزُلٌ مِن حَمِيمٍ﴾ ﴿وتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ هَهُنا: ﴿مِنَ المُكَذِّبِينَ الضّالِّينَ﴾ وقالَ مِن قَبْلُ: ﴿ثُمَّ إنَّكم أيُّها الضّالُّونَ المُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٥١] وقَدْ بَيَّنّا فائِدَةَ التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ هُناكَ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرَ الأزْواجَ الثَّلاثَةَ في أوَّلِ السُّورَةِ بِعِبارَةٍ وأعادَهم بِعِبارَةٍ أُخْرى فَقالَ: ﴿أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿أصْحابُ اليَمِينِ﴾ وقالَ: ﴿وأصْحابُ المَشْأمَةِ﴾ [الواقعة: ٩] ثُمَّ قالَ: ﴿وأصْحابُ الشِّمالِ﴾ [الواقعة: ٤١] وأعادَهم هَهُنا، وفي المَواضِعِ الثَّلاثَةِ ذَكَرَ أصْحابَ اليَمِينِ بِلَفْظٍ واحِدٍ أوْ بِلَفْظَيْنِ مَرَّتَيْنِ، أحَدُهُما غَيْرُ الآخَرِ، وذَكَرَ السّابِقِينَ في أوَّلِ السُّورَةِ بِلَفْظِ السّابِقِينَ، وفي آخِرِ السُّورَةِ بِلَفْظِ المُقَرَّبِينَ، وذَكَرَ أصْحابَ النّارِ في الأوَّلِ بِلَفْظِ ﴿أصْحابُ المَشْأمَةِ﴾ ثُمَّ بِلَفْظِ ﴿أصْحابُ الشِّمالِ﴾ ثُمَّ بِلَفْظِ ﴿المُكَذِّبِينَ﴾ فَما الحِكْمَةُ فِيهِ ؟ نَقُولُ: أمّا السّابِقُ فَلَهُ حالَتانِ: إحْداهُما في الأُولى، والأُخْرى في الآخِرَةِ، فَذَكَرَهُ في المَرَّةِ الأُولى بِما لَهُ في الحالَةِ الأُولى، وفي الثّانِيَةِ بِما لَهُ في الحالَةِ الآخِرَةِ، ولَيْسَ لَهُ حالَةٌ هي واسِطَةٌ بَيْنَ الوُقُوفِ لِلْعَرْضِ وبَيْنَ الحِسابِ، بَلْ هو يُنْقَلُ مِنَ الدُّنْيا إلى أعْلى عِلِّيِّينَ، ثُمَّ ذَكَرَ أصْحابَ اليَمِينِ بِلَفْظَيْنِ مُتَقارِبَيْنِ؛ لِأنَّ حالَهم قَرِيبَةٌ مِن حالِ السّابِقِينَ، وذَكَرَ الكُفّارَ بِألْفاظٍ ثَلاثَةٍ كَأنَّهم في الدُّنْيا ضَحِكُوا عَلَيْهِمْ بِأنَّهم أصْحابُ مَوْضِعِ شُؤْمٍ، فَوَصَفُوهم بِمَوْضِعِ الشُّؤْمِ، فَإنَّ المَشْأمَةَ مَفْعَلَةٌ وهي المَوْضِعُ، ثُمَّ قالَ: ﴿أصْحابُ الشِّمالِ﴾ صفحة ١٧٧ فَإنَّهم في الآخِرَةِ يُؤْتَوْنَ كِتابَهم بِشِمالِهِمْ، ويَقِفُونَ في مَوْضِعٍ هو شِمالٌ، لِأجْلِ كَوْنِهِمْ مِن أهْلِ النّارِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ حالَهم في أوَّلِ الحَشْرِ بِكَوْنِهِمْ مِن أصْحابِ الشِّمالِ ذَكَرَ ما يَكُونُ لَهم مِنَ السَّمُومِ والحَمِيمِ، ثُمَّ لَمْ يَقْتَصِرْ عَلَيْهِ، ثُمَّ ذَكَرَ السَّبَبَ فِيهِ، فَقالَ: ﴿إنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ ﴿وكانُوا يُصِرُّونَ﴾ [الواقعة: ٤٦] فَذَكَرَ سَبَبَ العِقابِ لِما بَيَّنّا مِرارًا أنَّ العادِلَ يَذْكُرُ لِلْعِقابِ سَبَبًا، والمُتَفَضِّلَ لا يَذْكُرُ لِلْإنْعامِ والتَّفَضُّلِ سَبَبًا، فَذَكَّرَهم في الآخِرَةِ ما عَمِلُوهُ في الدُّنْيا، فَقالَ: ﴿وأمّا إنْ كانَ مِنَ المُكَذِّبِينَ﴾ لِيَكُونَ تَرْتِيبُ العِقابِ عَلى تَكْذِيبِ الكِتابِ فَظَهَرَ العَدْلُ، وغَيْرُ ذَلِكَ ظاهِرٌ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ هَذا لَهو حَقُّ اليَقِينِ﴾ ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: ﴿هَذا﴾ إشارَةٌ إلى ماذا ؟ نَقُولُ: فِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: القُرْآنُ. ثانِيها: ما ذَكَرَهُ في السُّورَةِ. ثالِثُها: جَزاءُ الأزْواجِ الثَّلاثَةِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: كَيْفَ أضافَ الحَقَّ إلى اليَقِينِ مَعَ أنَّهُما بِمَعْنًى واحِدٍ ؟ نَقُولُ: فِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: هَذِهِ الإضافَةُ، كَما أضافَ الجانِبَ إلى الغَرْبِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿وما كُنْتَ بِجانِبِ الغَرْبِيِّ﴾ [القصص: ٤٤] وأضافَ الدّارَ إلى الآخِرَةِ في قَوْلِهِ: ﴿ولَدارُ الآخِرَةِ﴾ [يوسف: ١٠٩] غَيْرَ أنَّ المُقَدَّرَ هُنا غَيْرُ ظاهِرٍ، فَإنَّ شَرْطَ ذَلِكَ أنْ يَكُونَ بِحَيْثُ يُوصَفُ بِاليَقِينِ، ويُضافُ إلَيْهِ الحَقُّ، وما يُوصَفُ بِاليَقِينِ بَعْدَ إضافَةِ الحَقِّ إلَيْهِ. وثانِيها: أنَّهُ مِنَ الإضافَةِ الَّتِي بِمَعْنى مِن، كَما يُقالُ: بابٌ مِن ساجٍ، وبابُ ساجٍ، وخاتَمٌ مِن فِضَّةٍ، وخاتَمُ فِضَّةٍ، فَكَأنَّهُ قالَ: لَهو الحَقُّ مِنَ اليَقِينِ. ثالِثُها: وهو أقْرَبُ مِنها ما ذَكَرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ أنَّ ذَلِكَ نَوْعُ تَأْكِيدٍ يُقالُ: هَذا مِن حَقِّ الحَقِّ، وصَوابُ الصَّوابِ، أيْ غايَتُهُ ونِهايَتُهُ الَّتِي لا وُصُولَ فَوْقَهُ، والَّذِي وقَعَ في تَقْرِيرِ هَذا أنَّ الإنْسانَ أظْهَرُ ما عِنْدَهُ الأنْوارُ المُدْرَكَةُ بِالحِسِّ، وتِلْكَ الأنْوارُ أكْثَرُها مَشُوبَةٌ بِغَيْرِها، فَإذا وصَلَ الطّالِبُ إلى أوَّلِهِ يَقُولُ: وجَدْتُ أمْرَ كَذا، ثُمَّ إنَّهُ مَعَ صِحَّةِ إطْلاقِ اللَّفْظِ عَلَيْهِ لا يَتَمَيَّزُ عَنْ غَيْرِهِ، فَيَتَوَسَّطُ الطّالِبُ ويَأْخُذُ مَطْلُوبَهُ مِن وسَطِهِ، مِثالُهُ مَن يَطْلُبُ الماءَ، ثُمَّ يَصِلُ إلى بِرْكَةٍ عَظِيمَةٍ، فَإذا أخَذَ مِن طَرَفِهِ شَيْئًا يَقُولُ: هو ماءٌ، ورُبَّما يَقُولُ قائِلٌ آخَرُ: هَذا لَيْسَ بِماءٍ، وإنَّما هو طِينٌ، وأمّا الماءُ ما أخَذْتَهُ مِن وسَطِ البِرْكَةِ، فالَّذِي في طَرَفِ البِرْكَةِ ماءٌ بِالنِّسْبَةِ إلى أجْسامٍ أُخْرى، ثُمَّ إذا نُسِبَ إلى الماءِ الصّافِي رُبَّما يُقالُ لَهُ شَيْءٌ آخَرُ، فَإذا قالَ: هَذا هو الماءُ حَقًّا قَدْ أكَّدَ، ولَهُ أنْ يَقُولَ: حَقُّ الماءِ، أيِ الماءُ حَقًّا هَذا بِحَيْثُ لا يَقُولُ أحَدٌ فِيهِ شَيْئًا، فَكَذَلِكَ هَهُنا كَأنَّهُ قالَ: هَذا هو اليَقِينُ حَقًّا لا اليَقِينُ الَّذِي يَقُولُ بَعْضٌ إنَّهُ لَيْسَ بِيَقِينٍ، ويَحْتَمِلُ وجْهًا آخَرَ، وهو أنْ يُقالَ: الإضافَةُ عَلى حَقِيقَتِها، ومَعْناهُ أنَّ هَذا القَوْلَ لَكَ يا مُحَمَّدُ ولِلْمُؤْمِنِينَ، وحُقُّ اليَقِينِ أنْ تَقُولَ كَذا، ويَقْرُبُ مِن هَذا ما يُقالُ: حَقُّ الكَمالِ أنْ يُصَلِّيَ المُؤْمِنُ، وهَذا كَما قِيلَ في قَوْلِهِ ﷺ: «أُمِرْتُ أنْ أُقاتِلَ النّاسَ حَتّى يَقُولُوا لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، فَإذا قالُوها عَصَمُوا مِنِّي دِماءَهم وأمْوالَهم إلّا بِحَقِّها» أنَّ الضَّمِيرَ راجِعٌ إلى الكَلِمَةِ أيْ إلّا بِحَقِّ الكَلِمَةِ، ومِن حَقِّ الكَلِمَةِ أداءُ الزَّكاةِ والصَّلاةُ، فَكَذَلِكَ حَقُّ اليَقِينِ أنْ يَعْرِفَ ما قالَهُ اللَّهُ تَعالى في الواقِعَةِ في حَقِّ الأزْواجِ الثَّلاثَةِ، وعَلى هَذا مَعْناهُ: أنَّ اليَقِينَ لا يَحِقُّ ولا يَكُونُ إلّا إذا صَدَقَ فِيما قالَهُ بِحَقٍّ، فالتَّصْدِيقُ حَقُّ اليَقِينِ الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ فَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ، وقُلْنا إنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ الحَقَّ وامْتَنَعَ الكُفّارُ، قالَ لِنَبِيِّهِ ﷺ: هَذا هو حَقٌّ، فَإنِ امْتَنَعُوا فَلا تَتْرُكْهم ولا تُعْرِضْ عَنْهم وسَبِّحْ رَبَّكَ في نَفْسِكَ، وما عَلَيْكَ مِن قَوْمِكَ سَواءٌ صَدَّقُوكَ أوْ كَذَّبُوكَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ فَسَبِّحْ واذْكُرْ رَبَّكَ بِاسْمِهِ الأعْظَمِ، وهَذا صفحة ١٧٨ مُتَّصِلٌ بِما بَعْدَهُ؛ لِأنَّهُ قالَ في السُّورَةِ الَّتِي تَلِي هَذِهِ: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ﴾ [الحديد: ١] فَكَأنَّهُ قالَ: سَبَّحَ اللَّهَ ما في السَّماواتِ، فَعَلَيْكَ أنْ تُوافِقَهم ولا تَلْتَفِتْ إلى الشِّرْذِمَةِ القَلِيلَةِ الضّالَّةِ، فَإنَّ كُلَّ شَيْءٍ مَعَكَ يُسَبِّحُ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ. تَمَّ تَفْسِيرُ السُّورَةِ، واللَّهُ أعْلَمُ بِالصَّوابِ وإلَيْهِ المَرْجِعُ والمَآبُ، وصَلّى اللَّهُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ وعَلى آلِهِ وصَحْبِهِ وسَلَّمَ.

الواقعة 56:95

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وأمّا إنْ كانَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ ﴿فَسَلامٌ لَكَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: صفحة ١٧٦ المَسْألَةُ الأُولى: في السَّلامِ وفِيهِ وُجُوهٌ: أوَّلُها: يُسَلِّمُ بِهِ صاحِبُ اليَمِينِ عَلى صاحِبِ اليَمِينِ، كَما قالَ تَعالى مِن قَبْلُ: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ولا تَأْثِيمًا﴾ ﴿إلّا قِيلًا سَلامًا سَلامًا﴾ [الواقعة: ٢٥] . ثانِيها: ﴿فَسَلامٌ لَكَ﴾ أيْ سَلامَةٌ لَكَ مِن أمْرٍ خافَ قَلْبُكَ مِنهُ فَإنَّهُ في أعْلى المَراتِبِ، وهَذا كَما يُقالُ لِمَن تَعَلَّقَ قَلْبُهُ بِوَلَدِهِ الغائِبِ عَنْهُ، إذا كانَ يَخْدِمُ عِنْدَ كَرِيمٍ، يَقُولُ لَهُ: كُنْ فارِغًا مِن جانِبِ ولَدِكَ فَإنَّهُ في راحَةٍ. ثالِثُها: أنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ تُفِيدُ عَظْمَةَ حالِهِمْ كَما يُقالُ: فُلانٌ ناهِيكَ بِهِ، وحَسْبُكَ أنَّهُ فُلانٌ، إشارَةً إلى أنَّهُ مَمْدُوحٌ فَوْقَ الفَضْلِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الخِطابُ بِقَوْلِهِ: ﴿لَكَ﴾ مَعَ مَن ؟ نَقُولُ: قَدْ ظَهَرَ بَعْضُ ذَلِكَ فَنَقُولُ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الكَلامِ النَّبِيَّ ﷺ، وحِينَئِذٍ فِيهِ وجْهٌ وهو ما ذَكَرْنا أنَّ ذَلِكَ تَسْلِيَةٌ لِقَلْبِ النَّبِيِّ ﷺ فَإنَّهم غَيْرُ مُحْتاجِينَ إلى شَيْءٍ مِنَ الشَّفاعَةِ وغَيْرِها، فَسَلامٌ لَكَ يا مُحَمَّدُ مِنهم فَإنَّهم في سَلامَةٍ وعافِيَةٍ لا يُهِمُّكَ أمْرُهم، أوْ فَسَلامٌ لَكَ يا مُحَمَّدُ مِنهم، وكَوْنُهم مِمَّنْ يُسَلِّمُ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ دَلِيلُ العَظَمَةِ، فَإنَّ العَظِيمَ لا يُسَلِّمُ عَلَيْهِ إلّا عَظِيمٌ، وعَلى هَذا فَفِيهِ لَطِيفَةٌ: وهي أنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَكانَتُهُ فَوْقَ مَكانَةِ أصْحابِ اليَمِينِ بِالنِّسْبَةِ إلى المُقَرَّبِينَ الَّذِينَ هم في عِلِّيِّينَ، كَأصْحابِ الجَنَّةِ بِالنِّسْبَةِ إلى أهْلِ عِلِّيِّينَ، فَلَمّا قالَ: ﴿وأمّا إنْ كانَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ كانَ فِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ مَكانَهم غَيْرُ مَكانِ الأوَّلِينَ المُقَرَّبِينَ، فَقالَ تَعالى: هَؤُلاءِ وإنْ كانُوا دُونَ الأوَّلِينَ لَكِنْ لا تَنْفَعُ بَيْنَهُمُ المَكانَةُ والتَّسْلِيمُ، بَلْ هم يَرَوْنَكَ ويَصِلُونَ إلَيْكَ وُصُولَ جَلِيسِ المَلِكِ إلى المَلِكِ والغائِبِ إلى أهْلِهِ ووَلَدِهِ، وأمّا المُقَرَّبُونَ فَهم يُلازِمُونَكَ ولا يُفارِقُونَكَ وإنْ كُنْتَ أعْلى مَرْتَبَةً مِنهم. * * * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وأمّا إنْ كانَ مِنَ المُكَذِّبِينَ الضّالِّينَ﴾ ﴿فَنُزُلٌ مِن حَمِيمٍ﴾ ﴿وتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ هَهُنا: ﴿مِنَ المُكَذِّبِينَ الضّالِّينَ﴾ وقالَ مِن قَبْلُ: ﴿ثُمَّ إنَّكم أيُّها الضّالُّونَ المُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٥١] وقَدْ بَيَّنّا فائِدَةَ التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ هُناكَ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرَ الأزْواجَ الثَّلاثَةَ في أوَّلِ السُّورَةِ بِعِبارَةٍ وأعادَهم بِعِبارَةٍ أُخْرى فَقالَ: ﴿أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿أصْحابُ اليَمِينِ﴾ وقالَ: ﴿وأصْحابُ المَشْأمَةِ﴾ [الواقعة: ٩] ثُمَّ قالَ: ﴿وأصْحابُ الشِّمالِ﴾ [الواقعة: ٤١] وأعادَهم هَهُنا، وفي المَواضِعِ الثَّلاثَةِ ذَكَرَ أصْحابَ اليَمِينِ بِلَفْظٍ واحِدٍ أوْ بِلَفْظَيْنِ مَرَّتَيْنِ، أحَدُهُما غَيْرُ الآخَرِ، وذَكَرَ السّابِقِينَ في أوَّلِ السُّورَةِ بِلَفْظِ السّابِقِينَ، وفي آخِرِ السُّورَةِ بِلَفْظِ المُقَرَّبِينَ، وذَكَرَ أصْحابَ النّارِ في الأوَّلِ بِلَفْظِ ﴿أصْحابُ المَشْأمَةِ﴾ ثُمَّ بِلَفْظِ ﴿أصْحابُ الشِّمالِ﴾ ثُمَّ بِلَفْظِ ﴿المُكَذِّبِينَ﴾ فَما الحِكْمَةُ فِيهِ ؟ نَقُولُ: أمّا السّابِقُ فَلَهُ حالَتانِ: إحْداهُما في الأُولى، والأُخْرى في الآخِرَةِ، فَذَكَرَهُ في المَرَّةِ الأُولى بِما لَهُ في الحالَةِ الأُولى، وفي الثّانِيَةِ بِما لَهُ في الحالَةِ الآخِرَةِ، ولَيْسَ لَهُ حالَةٌ هي واسِطَةٌ بَيْنَ الوُقُوفِ لِلْعَرْضِ وبَيْنَ الحِسابِ، بَلْ هو يُنْقَلُ مِنَ الدُّنْيا إلى أعْلى عِلِّيِّينَ، ثُمَّ ذَكَرَ أصْحابَ اليَمِينِ بِلَفْظَيْنِ مُتَقارِبَيْنِ؛ لِأنَّ حالَهم قَرِيبَةٌ مِن حالِ السّابِقِينَ، وذَكَرَ الكُفّارَ بِألْفاظٍ ثَلاثَةٍ كَأنَّهم في الدُّنْيا ضَحِكُوا عَلَيْهِمْ بِأنَّهم أصْحابُ مَوْضِعِ شُؤْمٍ، فَوَصَفُوهم بِمَوْضِعِ الشُّؤْمِ، فَإنَّ المَشْأمَةَ مَفْعَلَةٌ وهي المَوْضِعُ، ثُمَّ قالَ: ﴿أصْحابُ الشِّمالِ﴾ صفحة ١٧٧ فَإنَّهم في الآخِرَةِ يُؤْتَوْنَ كِتابَهم بِشِمالِهِمْ، ويَقِفُونَ في مَوْضِعٍ هو شِمالٌ، لِأجْلِ كَوْنِهِمْ مِن أهْلِ النّارِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ حالَهم في أوَّلِ الحَشْرِ بِكَوْنِهِمْ مِن أصْحابِ الشِّمالِ ذَكَرَ ما يَكُونُ لَهم مِنَ السَّمُومِ والحَمِيمِ، ثُمَّ لَمْ يَقْتَصِرْ عَلَيْهِ، ثُمَّ ذَكَرَ السَّبَبَ فِيهِ، فَقالَ: ﴿إنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ ﴿وكانُوا يُصِرُّونَ﴾ [الواقعة: ٤٦] فَذَكَرَ سَبَبَ العِقابِ لِما بَيَّنّا مِرارًا أنَّ العادِلَ يَذْكُرُ لِلْعِقابِ سَبَبًا، والمُتَفَضِّلَ لا يَذْكُرُ لِلْإنْعامِ والتَّفَضُّلِ سَبَبًا، فَذَكَّرَهم في الآخِرَةِ ما عَمِلُوهُ في الدُّنْيا، فَقالَ: ﴿وأمّا إنْ كانَ مِنَ المُكَذِّبِينَ﴾ لِيَكُونَ تَرْتِيبُ العِقابِ عَلى تَكْذِيبِ الكِتابِ فَظَهَرَ العَدْلُ، وغَيْرُ ذَلِكَ ظاهِرٌ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ هَذا لَهو حَقُّ اليَقِينِ﴾ ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: ﴿هَذا﴾ إشارَةٌ إلى ماذا ؟ نَقُولُ: فِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: القُرْآنُ. ثانِيها: ما ذَكَرَهُ في السُّورَةِ. ثالِثُها: جَزاءُ الأزْواجِ الثَّلاثَةِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: كَيْفَ أضافَ الحَقَّ إلى اليَقِينِ مَعَ أنَّهُما بِمَعْنًى واحِدٍ ؟ نَقُولُ: فِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: هَذِهِ الإضافَةُ، كَما أضافَ الجانِبَ إلى الغَرْبِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿وما كُنْتَ بِجانِبِ الغَرْبِيِّ﴾ [القصص: ٤٤] وأضافَ الدّارَ إلى الآخِرَةِ في قَوْلِهِ: ﴿ولَدارُ الآخِرَةِ﴾ [يوسف: ١٠٩] غَيْرَ أنَّ المُقَدَّرَ هُنا غَيْرُ ظاهِرٍ، فَإنَّ شَرْطَ ذَلِكَ أنْ يَكُونَ بِحَيْثُ يُوصَفُ بِاليَقِينِ، ويُضافُ إلَيْهِ الحَقُّ، وما يُوصَفُ بِاليَقِينِ بَعْدَ إضافَةِ الحَقِّ إلَيْهِ. وثانِيها: أنَّهُ مِنَ الإضافَةِ الَّتِي بِمَعْنى مِن، كَما يُقالُ: بابٌ مِن ساجٍ، وبابُ ساجٍ، وخاتَمٌ مِن فِضَّةٍ، وخاتَمُ فِضَّةٍ، فَكَأنَّهُ قالَ: لَهو الحَقُّ مِنَ اليَقِينِ. ثالِثُها: وهو أقْرَبُ مِنها ما ذَكَرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ أنَّ ذَلِكَ نَوْعُ تَأْكِيدٍ يُقالُ: هَذا مِن حَقِّ الحَقِّ، وصَوابُ الصَّوابِ، أيْ غايَتُهُ ونِهايَتُهُ الَّتِي لا وُصُولَ فَوْقَهُ، والَّذِي وقَعَ في تَقْرِيرِ هَذا أنَّ الإنْسانَ أظْهَرُ ما عِنْدَهُ الأنْوارُ المُدْرَكَةُ بِالحِسِّ، وتِلْكَ الأنْوارُ أكْثَرُها مَشُوبَةٌ بِغَيْرِها، فَإذا وصَلَ الطّالِبُ إلى أوَّلِهِ يَقُولُ: وجَدْتُ أمْرَ كَذا، ثُمَّ إنَّهُ مَعَ صِحَّةِ إطْلاقِ اللَّفْظِ عَلَيْهِ لا يَتَمَيَّزُ عَنْ غَيْرِهِ، فَيَتَوَسَّطُ الطّالِبُ ويَأْخُذُ مَطْلُوبَهُ مِن وسَطِهِ، مِثالُهُ مَن يَطْلُبُ الماءَ، ثُمَّ يَصِلُ إلى بِرْكَةٍ عَظِيمَةٍ، فَإذا أخَذَ مِن طَرَفِهِ شَيْئًا يَقُولُ: هو ماءٌ، ورُبَّما يَقُولُ قائِلٌ آخَرُ: هَذا لَيْسَ بِماءٍ، وإنَّما هو طِينٌ، وأمّا الماءُ ما أخَذْتَهُ مِن وسَطِ البِرْكَةِ، فالَّذِي في طَرَفِ البِرْكَةِ ماءٌ بِالنِّسْبَةِ إلى أجْسامٍ أُخْرى، ثُمَّ إذا نُسِبَ إلى الماءِ الصّافِي رُبَّما يُقالُ لَهُ شَيْءٌ آخَرُ، فَإذا قالَ: هَذا هو الماءُ حَقًّا قَدْ أكَّدَ، ولَهُ أنْ يَقُولَ: حَقُّ الماءِ، أيِ الماءُ حَقًّا هَذا بِحَيْثُ لا يَقُولُ أحَدٌ فِيهِ شَيْئًا، فَكَذَلِكَ هَهُنا كَأنَّهُ قالَ: هَذا هو اليَقِينُ حَقًّا لا اليَقِينُ الَّذِي يَقُولُ بَعْضٌ إنَّهُ لَيْسَ بِيَقِينٍ، ويَحْتَمِلُ وجْهًا آخَرَ، وهو أنْ يُقالَ: الإضافَةُ عَلى حَقِيقَتِها، ومَعْناهُ أنَّ هَذا القَوْلَ لَكَ يا مُحَمَّدُ ولِلْمُؤْمِنِينَ، وحُقُّ اليَقِينِ أنْ تَقُولَ كَذا، ويَقْرُبُ مِن هَذا ما يُقالُ: حَقُّ الكَمالِ أنْ يُصَلِّيَ المُؤْمِنُ، وهَذا كَما قِيلَ في قَوْلِهِ ﷺ: «أُمِرْتُ أنْ أُقاتِلَ النّاسَ حَتّى يَقُولُوا لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، فَإذا قالُوها عَصَمُوا مِنِّي دِماءَهم وأمْوالَهم إلّا بِحَقِّها» أنَّ الضَّمِيرَ راجِعٌ إلى الكَلِمَةِ أيْ إلّا بِحَقِّ الكَلِمَةِ، ومِن حَقِّ الكَلِمَةِ أداءُ الزَّكاةِ والصَّلاةُ، فَكَذَلِكَ حَقُّ اليَقِينِ أنْ يَعْرِفَ ما قالَهُ اللَّهُ تَعالى في الواقِعَةِ في حَقِّ الأزْواجِ الثَّلاثَةِ، وعَلى هَذا مَعْناهُ: أنَّ اليَقِينَ لا يَحِقُّ ولا يَكُونُ إلّا إذا صَدَقَ فِيما قالَهُ بِحَقٍّ، فالتَّصْدِيقُ حَقُّ اليَقِينِ الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ فَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ، وقُلْنا إنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ الحَقَّ وامْتَنَعَ الكُفّارُ، قالَ لِنَبِيِّهِ ﷺ: هَذا هو حَقٌّ، فَإنِ امْتَنَعُوا فَلا تَتْرُكْهم ولا تُعْرِضْ عَنْهم وسَبِّحْ رَبَّكَ في نَفْسِكَ، وما عَلَيْكَ مِن قَوْمِكَ سَواءٌ صَدَّقُوكَ أوْ كَذَّبُوكَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ فَسَبِّحْ واذْكُرْ رَبَّكَ بِاسْمِهِ الأعْظَمِ، وهَذا صفحة ١٧٨ مُتَّصِلٌ بِما بَعْدَهُ؛ لِأنَّهُ قالَ في السُّورَةِ الَّتِي تَلِي هَذِهِ: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ﴾ [الحديد: ١] فَكَأنَّهُ قالَ: سَبَّحَ اللَّهَ ما في السَّماواتِ، فَعَلَيْكَ أنْ تُوافِقَهم ولا تَلْتَفِتْ إلى الشِّرْذِمَةِ القَلِيلَةِ الضّالَّةِ، فَإنَّ كُلَّ شَيْءٍ مَعَكَ يُسَبِّحُ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ. تَمَّ تَفْسِيرُ السُّورَةِ، واللَّهُ أعْلَمُ بِالصَّوابِ وإلَيْهِ المَرْجِعُ والمَآبُ، وصَلّى اللَّهُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ وعَلى آلِهِ وصَحْبِهِ وسَلَّمَ.

الواقعة 56:96

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وأمّا إنْ كانَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ ﴿فَسَلامٌ لَكَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: صفحة ١٧٦ المَسْألَةُ الأُولى: في السَّلامِ وفِيهِ وُجُوهٌ: أوَّلُها: يُسَلِّمُ بِهِ صاحِبُ اليَمِينِ عَلى صاحِبِ اليَمِينِ، كَما قالَ تَعالى مِن قَبْلُ: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ولا تَأْثِيمًا﴾ ﴿إلّا قِيلًا سَلامًا سَلامًا﴾ [الواقعة: ٢٥] . ثانِيها: ﴿فَسَلامٌ لَكَ﴾ أيْ سَلامَةٌ لَكَ مِن أمْرٍ خافَ قَلْبُكَ مِنهُ فَإنَّهُ في أعْلى المَراتِبِ، وهَذا كَما يُقالُ لِمَن تَعَلَّقَ قَلْبُهُ بِوَلَدِهِ الغائِبِ عَنْهُ، إذا كانَ يَخْدِمُ عِنْدَ كَرِيمٍ، يَقُولُ لَهُ: كُنْ فارِغًا مِن جانِبِ ولَدِكَ فَإنَّهُ في راحَةٍ. ثالِثُها: أنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ تُفِيدُ عَظْمَةَ حالِهِمْ كَما يُقالُ: فُلانٌ ناهِيكَ بِهِ، وحَسْبُكَ أنَّهُ فُلانٌ، إشارَةً إلى أنَّهُ مَمْدُوحٌ فَوْقَ الفَضْلِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الخِطابُ بِقَوْلِهِ: ﴿لَكَ﴾ مَعَ مَن ؟ نَقُولُ: قَدْ ظَهَرَ بَعْضُ ذَلِكَ فَنَقُولُ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الكَلامِ النَّبِيَّ ﷺ، وحِينَئِذٍ فِيهِ وجْهٌ وهو ما ذَكَرْنا أنَّ ذَلِكَ تَسْلِيَةٌ لِقَلْبِ النَّبِيِّ ﷺ فَإنَّهم غَيْرُ مُحْتاجِينَ إلى شَيْءٍ مِنَ الشَّفاعَةِ وغَيْرِها، فَسَلامٌ لَكَ يا مُحَمَّدُ مِنهم فَإنَّهم في سَلامَةٍ وعافِيَةٍ لا يُهِمُّكَ أمْرُهم، أوْ فَسَلامٌ لَكَ يا مُحَمَّدُ مِنهم، وكَوْنُهم مِمَّنْ يُسَلِّمُ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ دَلِيلُ العَظَمَةِ، فَإنَّ العَظِيمَ لا يُسَلِّمُ عَلَيْهِ إلّا عَظِيمٌ، وعَلى هَذا فَفِيهِ لَطِيفَةٌ: وهي أنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَكانَتُهُ فَوْقَ مَكانَةِ أصْحابِ اليَمِينِ بِالنِّسْبَةِ إلى المُقَرَّبِينَ الَّذِينَ هم في عِلِّيِّينَ، كَأصْحابِ الجَنَّةِ بِالنِّسْبَةِ إلى أهْلِ عِلِّيِّينَ، فَلَمّا قالَ: ﴿وأمّا إنْ كانَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ كانَ فِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ مَكانَهم غَيْرُ مَكانِ الأوَّلِينَ المُقَرَّبِينَ، فَقالَ تَعالى: هَؤُلاءِ وإنْ كانُوا دُونَ الأوَّلِينَ لَكِنْ لا تَنْفَعُ بَيْنَهُمُ المَكانَةُ والتَّسْلِيمُ، بَلْ هم يَرَوْنَكَ ويَصِلُونَ إلَيْكَ وُصُولَ جَلِيسِ المَلِكِ إلى المَلِكِ والغائِبِ إلى أهْلِهِ ووَلَدِهِ، وأمّا المُقَرَّبُونَ فَهم يُلازِمُونَكَ ولا يُفارِقُونَكَ وإنْ كُنْتَ أعْلى مَرْتَبَةً مِنهم. * * * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وأمّا إنْ كانَ مِنَ المُكَذِّبِينَ الضّالِّينَ﴾ ﴿فَنُزُلٌ مِن حَمِيمٍ﴾ ﴿وتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ هَهُنا: ﴿مِنَ المُكَذِّبِينَ الضّالِّينَ﴾ وقالَ مِن قَبْلُ: ﴿ثُمَّ إنَّكم أيُّها الضّالُّونَ المُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٥١] وقَدْ بَيَّنّا فائِدَةَ التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ هُناكَ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرَ الأزْواجَ الثَّلاثَةَ في أوَّلِ السُّورَةِ بِعِبارَةٍ وأعادَهم بِعِبارَةٍ أُخْرى فَقالَ: ﴿أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿أصْحابُ اليَمِينِ﴾ وقالَ: ﴿وأصْحابُ المَشْأمَةِ﴾ [الواقعة: ٩] ثُمَّ قالَ: ﴿وأصْحابُ الشِّمالِ﴾ [الواقعة: ٤١] وأعادَهم هَهُنا، وفي المَواضِعِ الثَّلاثَةِ ذَكَرَ أصْحابَ اليَمِينِ بِلَفْظٍ واحِدٍ أوْ بِلَفْظَيْنِ مَرَّتَيْنِ، أحَدُهُما غَيْرُ الآخَرِ، وذَكَرَ السّابِقِينَ في أوَّلِ السُّورَةِ بِلَفْظِ السّابِقِينَ، وفي آخِرِ السُّورَةِ بِلَفْظِ المُقَرَّبِينَ، وذَكَرَ أصْحابَ النّارِ في الأوَّلِ بِلَفْظِ ﴿أصْحابُ المَشْأمَةِ﴾ ثُمَّ بِلَفْظِ ﴿أصْحابُ الشِّمالِ﴾ ثُمَّ بِلَفْظِ ﴿المُكَذِّبِينَ﴾ فَما الحِكْمَةُ فِيهِ ؟ نَقُولُ: أمّا السّابِقُ فَلَهُ حالَتانِ: إحْداهُما في الأُولى، والأُخْرى في الآخِرَةِ، فَذَكَرَهُ في المَرَّةِ الأُولى بِما لَهُ في الحالَةِ الأُولى، وفي الثّانِيَةِ بِما لَهُ في الحالَةِ الآخِرَةِ، ولَيْسَ لَهُ حالَةٌ هي واسِطَةٌ بَيْنَ الوُقُوفِ لِلْعَرْضِ وبَيْنَ الحِسابِ، بَلْ هو يُنْقَلُ مِنَ الدُّنْيا إلى أعْلى عِلِّيِّينَ، ثُمَّ ذَكَرَ أصْحابَ اليَمِينِ بِلَفْظَيْنِ مُتَقارِبَيْنِ؛ لِأنَّ حالَهم قَرِيبَةٌ مِن حالِ السّابِقِينَ، وذَكَرَ الكُفّارَ بِألْفاظٍ ثَلاثَةٍ كَأنَّهم في الدُّنْيا ضَحِكُوا عَلَيْهِمْ بِأنَّهم أصْحابُ مَوْضِعِ شُؤْمٍ، فَوَصَفُوهم بِمَوْضِعِ الشُّؤْمِ، فَإنَّ المَشْأمَةَ مَفْعَلَةٌ وهي المَوْضِعُ، ثُمَّ قالَ: ﴿أصْحابُ الشِّمالِ﴾ صفحة ١٧٧ فَإنَّهم في الآخِرَةِ يُؤْتَوْنَ كِتابَهم بِشِمالِهِمْ، ويَقِفُونَ في مَوْضِعٍ هو شِمالٌ، لِأجْلِ كَوْنِهِمْ مِن أهْلِ النّارِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ حالَهم في أوَّلِ الحَشْرِ بِكَوْنِهِمْ مِن أصْحابِ الشِّمالِ ذَكَرَ ما يَكُونُ لَهم مِنَ السَّمُومِ والحَمِيمِ، ثُمَّ لَمْ يَقْتَصِرْ عَلَيْهِ، ثُمَّ ذَكَرَ السَّبَبَ فِيهِ، فَقالَ: ﴿إنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ ﴿وكانُوا يُصِرُّونَ﴾ [الواقعة: ٤٦] فَذَكَرَ سَبَبَ العِقابِ لِما بَيَّنّا مِرارًا أنَّ العادِلَ يَذْكُرُ لِلْعِقابِ سَبَبًا، والمُتَفَضِّلَ لا يَذْكُرُ لِلْإنْعامِ والتَّفَضُّلِ سَبَبًا، فَذَكَّرَهم في الآخِرَةِ ما عَمِلُوهُ في الدُّنْيا، فَقالَ: ﴿وأمّا إنْ كانَ مِنَ المُكَذِّبِينَ﴾ لِيَكُونَ تَرْتِيبُ العِقابِ عَلى تَكْذِيبِ الكِتابِ فَظَهَرَ العَدْلُ، وغَيْرُ ذَلِكَ ظاهِرٌ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ هَذا لَهو حَقُّ اليَقِينِ﴾ ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: ﴿هَذا﴾ إشارَةٌ إلى ماذا ؟ نَقُولُ: فِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: القُرْآنُ. ثانِيها: ما ذَكَرَهُ في السُّورَةِ. ثالِثُها: جَزاءُ الأزْواجِ الثَّلاثَةِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: كَيْفَ أضافَ الحَقَّ إلى اليَقِينِ مَعَ أنَّهُما بِمَعْنًى واحِدٍ ؟ نَقُولُ: فِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: هَذِهِ الإضافَةُ، كَما أضافَ الجانِبَ إلى الغَرْبِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿وما كُنْتَ بِجانِبِ الغَرْبِيِّ﴾ [القصص: ٤٤] وأضافَ الدّارَ إلى الآخِرَةِ في قَوْلِهِ: ﴿ولَدارُ الآخِرَةِ﴾ [يوسف: ١٠٩] غَيْرَ أنَّ المُقَدَّرَ هُنا غَيْرُ ظاهِرٍ، فَإنَّ شَرْطَ ذَلِكَ أنْ يَكُونَ بِحَيْثُ يُوصَفُ بِاليَقِينِ، ويُضافُ إلَيْهِ الحَقُّ، وما يُوصَفُ بِاليَقِينِ بَعْدَ إضافَةِ الحَقِّ إلَيْهِ. وثانِيها: أنَّهُ مِنَ الإضافَةِ الَّتِي بِمَعْنى مِن، كَما يُقالُ: بابٌ مِن ساجٍ، وبابُ ساجٍ، وخاتَمٌ مِن فِضَّةٍ، وخاتَمُ فِضَّةٍ، فَكَأنَّهُ قالَ: لَهو الحَقُّ مِنَ اليَقِينِ. ثالِثُها: وهو أقْرَبُ مِنها ما ذَكَرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ أنَّ ذَلِكَ نَوْعُ تَأْكِيدٍ يُقالُ: هَذا مِن حَقِّ الحَقِّ، وصَوابُ الصَّوابِ، أيْ غايَتُهُ ونِهايَتُهُ الَّتِي لا وُصُولَ فَوْقَهُ، والَّذِي وقَعَ في تَقْرِيرِ هَذا أنَّ الإنْسانَ أظْهَرُ ما عِنْدَهُ الأنْوارُ المُدْرَكَةُ بِالحِسِّ، وتِلْكَ الأنْوارُ أكْثَرُها مَشُوبَةٌ بِغَيْرِها، فَإذا وصَلَ الطّالِبُ إلى أوَّلِهِ يَقُولُ: وجَدْتُ أمْرَ كَذا، ثُمَّ إنَّهُ مَعَ صِحَّةِ إطْلاقِ اللَّفْظِ عَلَيْهِ لا يَتَمَيَّزُ عَنْ غَيْرِهِ، فَيَتَوَسَّطُ الطّالِبُ ويَأْخُذُ مَطْلُوبَهُ مِن وسَطِهِ، مِثالُهُ مَن يَطْلُبُ الماءَ، ثُمَّ يَصِلُ إلى بِرْكَةٍ عَظِيمَةٍ، فَإذا أخَذَ مِن طَرَفِهِ شَيْئًا يَقُولُ: هو ماءٌ، ورُبَّما يَقُولُ قائِلٌ آخَرُ: هَذا لَيْسَ بِماءٍ، وإنَّما هو طِينٌ، وأمّا الماءُ ما أخَذْتَهُ مِن وسَطِ البِرْكَةِ، فالَّذِي في طَرَفِ البِرْكَةِ ماءٌ بِالنِّسْبَةِ إلى أجْسامٍ أُخْرى، ثُمَّ إذا نُسِبَ إلى الماءِ الصّافِي رُبَّما يُقالُ لَهُ شَيْءٌ آخَرُ، فَإذا قالَ: هَذا هو الماءُ حَقًّا قَدْ أكَّدَ، ولَهُ أنْ يَقُولَ: حَقُّ الماءِ، أيِ الماءُ حَقًّا هَذا بِحَيْثُ لا يَقُولُ أحَدٌ فِيهِ شَيْئًا، فَكَذَلِكَ هَهُنا كَأنَّهُ قالَ: هَذا هو اليَقِينُ حَقًّا لا اليَقِينُ الَّذِي يَقُولُ بَعْضٌ إنَّهُ لَيْسَ بِيَقِينٍ، ويَحْتَمِلُ وجْهًا آخَرَ، وهو أنْ يُقالَ: الإضافَةُ عَلى حَقِيقَتِها، ومَعْناهُ أنَّ هَذا القَوْلَ لَكَ يا مُحَمَّدُ ولِلْمُؤْمِنِينَ، وحُقُّ اليَقِينِ أنْ تَقُولَ كَذا، ويَقْرُبُ مِن هَذا ما يُقالُ: حَقُّ الكَمالِ أنْ يُصَلِّيَ المُؤْمِنُ، وهَذا كَما قِيلَ في قَوْلِهِ ﷺ: «أُمِرْتُ أنْ أُقاتِلَ النّاسَ حَتّى يَقُولُوا لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، فَإذا قالُوها عَصَمُوا مِنِّي دِماءَهم وأمْوالَهم إلّا بِحَقِّها» أنَّ الضَّمِيرَ راجِعٌ إلى الكَلِمَةِ أيْ إلّا بِحَقِّ الكَلِمَةِ، ومِن حَقِّ الكَلِمَةِ أداءُ الزَّكاةِ والصَّلاةُ، فَكَذَلِكَ حَقُّ اليَقِينِ أنْ يَعْرِفَ ما قالَهُ اللَّهُ تَعالى في الواقِعَةِ في حَقِّ الأزْواجِ الثَّلاثَةِ، وعَلى هَذا مَعْناهُ: أنَّ اليَقِينَ لا يَحِقُّ ولا يَكُونُ إلّا إذا صَدَقَ فِيما قالَهُ بِحَقٍّ، فالتَّصْدِيقُ حَقُّ اليَقِينِ الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ فَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ، وقُلْنا إنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ الحَقَّ وامْتَنَعَ الكُفّارُ، قالَ لِنَبِيِّهِ ﷺ: هَذا هو حَقٌّ، فَإنِ امْتَنَعُوا فَلا تَتْرُكْهم ولا تُعْرِضْ عَنْهم وسَبِّحْ رَبَّكَ في نَفْسِكَ، وما عَلَيْكَ مِن قَوْمِكَ سَواءٌ صَدَّقُوكَ أوْ كَذَّبُوكَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ فَسَبِّحْ واذْكُرْ رَبَّكَ بِاسْمِهِ الأعْظَمِ، وهَذا صفحة ١٧٨ مُتَّصِلٌ بِما بَعْدَهُ؛ لِأنَّهُ قالَ في السُّورَةِ الَّتِي تَلِي هَذِهِ: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ﴾ [الحديد: ١] فَكَأنَّهُ قالَ: سَبَّحَ اللَّهَ ما في السَّماواتِ، فَعَلَيْكَ أنْ تُوافِقَهم ولا تَلْتَفِتْ إلى الشِّرْذِمَةِ القَلِيلَةِ الضّالَّةِ، فَإنَّ كُلَّ شَيْءٍ مَعَكَ يُسَبِّحُ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ. تَمَّ تَفْسِيرُ السُّورَةِ، واللَّهُ أعْلَمُ بِالصَّوابِ وإلَيْهِ المَرْجِعُ والمَآبُ، وصَلّى اللَّهُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ وعَلى آلِهِ وصَحْبِهِ وسَلَّمَ.