Lafzullah

Tafsir Al-Razi — القيامة 75:1 – الإنسان 76:31

المؤلف / المصدر: Tafsir Al-Razi

المحتويات
  1. القيامة 75:1
  2. القيامة 75:2
  3. القيامة 75:3
  4. القيامة 75:4
  5. القيامة 75:5
  6. القيامة 75:6
  7. القيامة 75:7
  8. القيامة 75:8
  9. القيامة 75:9
  10. القيامة 75:10
  11. القيامة 75:11
  12. القيامة 75:12
  13. القيامة 75:13
  14. القيامة 75:14
  15. القيامة 75:15
  16. القيامة 75:16
  17. القيامة 75:17
  18. القيامة 75:18
  19. القيامة 75:19
  20. القيامة 75:20
  21. القيامة 75:21
  22. القيامة 75:22
  23. القيامة 75:23
  24. القيامة 75:24
  25. القيامة 75:25
  26. القيامة 75:26
  27. القيامة 75:27
  28. القيامة 75:28
  29. القيامة 75:29
  30. القيامة 75:30
  31. القيامة 75:31
  32. القيامة 75:32
  33. القيامة 75:33
  34. القيامة 75:34
  35. القيامة 75:35
  36. القيامة 75:36
  37. القيامة 75:37
  38. القيامة 75:38
  39. القيامة 75:39
  40. القيامة 75:40
  41. الإنسان 76:1
  42. الإنسان 76:2
  43. الإنسان 76:3
  44. الإنسان 76:4
  45. الإنسان 76:5
  46. الإنسان 76:6
  47. الإنسان 76:7
  48. الإنسان 76:8
  49. الإنسان 76:9
  50. الإنسان 76:10
  51. الإنسان 76:11
  52. الإنسان 76:12
  53. الإنسان 76:13
  54. الإنسان 76:14
  55. الإنسان 76:15
  56. الإنسان 76:16
  57. الإنسان 76:17
  58. الإنسان 76:18
  59. الإنسان 76:19
  60. الإنسان 76:20
  61. الإنسان 76:21
  62. الإنسان 76:22
  63. الإنسان 76:23
  64. الإنسان 76:24
  65. الإنسان 76:25
  66. الإنسان 76:26
  67. الإنسان 76:27
  68. الإنسان 76:28
  69. الإنسان 76:29
  70. الإنسان 76:30
  71. الإنسان 76:31

القيامة 75:1

صفحة ١٨٩ (سُورَةُ القِيامَةِ) أرْبَعُونَ آيَةً مَكِّيَّةً ﷽ ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ ﴿ولا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ﴾ ﷽ ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ ﴿ولا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ﴾ في الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: المُفَسِّرُونَ ذَكَرُوا في لَفْظَةِ ”﴿لا﴾“ في قَوْلِهِ: ﴿لا أُقْسِمُ﴾ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ: الأوَّلُ: أنَّها صِلَةٌ زائِدَةٌ، والمَعْنى أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ، ونَظِيرُهُ ﴿لِئَلّا يَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ﴾ [ الحَدِيدِ: ٢٩] وقَوْلُهُ: ﴿ما مَنَعَكَ ألّا تَسْجُدَ﴾ ﴿فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [ آلِ عِمْرانَ: ١٥٩] وهَذا القَوْلُ عِنْدِي ضَعِيفٌ مِن وُجُوهٍ: أوَّلُها: أنَّ تَجْوِيزَ هَذا يُفْضِي إلى الطَّعْنِ في القُرْآنِ، لِأنَّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَجُوزُ جَعْلُ النَّفْيِ إثْباتًا، والإثْباتِ نَفْيًا، وتَجْوِيزُهُ يُفْضِي إلى أنْ لا يَبْقى الِاعْتِمادُ عَلى إثْباتِهِ ولا عَلى نَفْيِهِ. وثانِيها: أنَّ هَذا الحَرْفَ إنَّما يُزادُ في وسَطِ الكَلامِ لا في أوَّلِهِ، فَإنْ قِيلَ: فالكَلامُ عَلَيْهِ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: لا نُسَلِّمُ أنَّها إنَّما تُزادُ في وسَطِ الكَلامِ، ألا تَرى إلى امْرِئِ القَيْسِ كَيْفَ زادَها في مُسْتَهَلِّ قَصِيدَتِهِ، وهي قَوْلُهُ: لا وأبِيكِ ابْنَةَ العامِرِيِّ لا يَدَّعِي القَوْمُ أنِّي أفِرُّ الثّانِي: هَبْ أنَّ هَذا الحَرْفَ لا يُزادُ في أوَّلِ الكَلامِ إلّا أنَّ القُرْآنَ كُلَّهُ كالسُّورَةِ الواحِدَةِ لِاتِّصالِ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ قَدْ يَذْكُرُ الشَّيْءَ في سُورَةٍ ثُمَّ يَجِيءُ جَوابُهُ في سُورَةٍ أُخْرى كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقالُوا ياأيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [ الحِجْرِ: ٦] ثُمَّ جاءَ جَوابُهُ في سُورَةٍ أُخْرى وهو قَوْلُهُ: ﴿ما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ [ القَلَمِ: ٢] وإذا كانَ كَذَلِكَ، كانَ أوَّلُ هَذِهِ السُّورَةِ جارِيًا مَجْرى وسَطِ الكَلامِ. والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: أنَّ قَوْلَهُ ”لا وأبِيكِ“ قَسَمٌ عَنِ النَّفْيِ، وقَوْلَهُ: ﴿لا أُقْسِمُ﴾ نَفْيٌ لِلْقَسَمِ، فَتَشْبِيهُ أحَدِهِما بِالآخَرِ غَيْرُ جائِزٍ، وإنَّما قُلْنا: إنَّ قَوْلَهُ ﴿لا أُقْسِمُ﴾ نَفْيٌ لِلْقَسَمِ، لِأنَّهُ عَلى وِزانِ قَوْلِنا: لا أقْتُلُ، لا أضْرِبُ، لا أنْصُرُ، ومَعْلُومٌ أنَّ ذَلِكَ يُفِيدُ النَّفْيَ. والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ لَوْ حَلَفَ لا يُقْسِمُ كانَ البِرُّ بِتَرْكِ القَسَمِ، والحِنْثُ بِفِعْلِ القَسَمِ، فَظَهَرَ أنَّ البَيْتَ صفحة ١٩٠ المَذْكُورَ لَيْسَ مِن هَذا البابِ. وعَنِ الثّانِي: أنَّ القُرْآنَ كالسُّورَةِ الواحِدَةِ في عَدَمِ التَّناقُضِ، فَإمّا أنْ يُقْرَنَ بِكُلِّ آيَةٍ ما قُرِنَ بِالآيَةِ الأُخْرى فَذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ، لِأنَّهُ يُلْزِمُ جَوازَ أنْ يُقْرَنَ بِكُلِّ إثْباتٍ حَرْفُ النَّفْيِ في سائِرِ الآياتِ، وذَلِكَ يَقْتَضِي انْقِلابَ كُلِّ إثْباتٍ نَفْيًا وانْقِلابَ كُلِّ نَفْيٍ إثْباتًا، وإنَّهُ لا يَجُوزُ. وثالِثُها: أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِنا: ”لا“ صِلَةُ ”أنْ“ لَغْوٌ باطِلٌ، يَجِبُ طَرْحُهُ وإسْقاطُهُ حَتّى يَنْتَظِمَ الكَلامُ، ومَعْلُومٌ أنَّ وصْفَ كَلامِ اللَّهِ تَعالى بِذَلِكَ لا يَجُوزُ. القَوْلُ الثّانِي لِلْمُفَسِّرِينَ في هَذِهِ الآيَةِ: ما نُقِلَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قَرَأ ”لَأُقْسِمُ“ عَلى أنَّ اللّامَ لِلِابْتِداءِ، وأُقْسِمُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، مَعْناهُ: لَأنا أُقْسِمُ، ويُعَضِّدُهُ أنَّهُ في مُصْحَفِ عُثْمانَ بِغَيْرِ ألِفٍ واتَّفَقُوا في قَوْلِهِ: ﴿ولا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ﴾ عَلى ”لا أُقْسِمُ“، قالَ الحَسَنُ: مَعْنى الآيَةِ أنِّي أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ لِشَرَفِها، ولا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ لِخَساسَتِها، وطَعَنَ أبُو عُبَيْدَةَ في هَذِهِ القِراءَةِ، وقالَ: لَوْ كانَ المُرادُ هَذا لَقالَ: لَأُقْسِمَنَّ، لِأنَّ العَرَبَ لا تَقُولُ: لَأفْعَلُ كَذا، وإنَّما يَقُولُونَ: لَأفْعَلَنَّ كَذا، إلّا أنَّ الواحِدِيَّ حَكى جَوازَ ذَلِكَ عَنْ سِيبَوَيْهِ والفَرّاءِ، واعْلَمْ أنَّ هَذا الوَجْهَ أيْضًا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ هَذِهِ القِراءَةَ شاذَّةٌ، فَهَبْ أنَّ هَذا الشّاذَّ اسْتَمَرَّ، فَما الوَجْهُ في القِراءَةِ المَشْهُورَةِ المُتَواتِرَةِ ؟ ولا يُمْكِنُ دَفْعُها وإلّا لَكانَ ذَلِكَ قَدْحًا فِيما ثَبَتَ بِالتَّواتُرِ، وأيْضًا فَلا بُدَّ مِن إضْمارِ قَسَمٍ آخَرَ لِتَكُونَ هَذِهِ اللّامُ جَوابًا عَنْهُ، فَيَصِيرُ التَّقْدِيرُ: واللَّهِ لَأُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ قَسَمًا عَلى قَسَمٍ، وإنَّهُ رَكِيكٌ ولِأنَّهُ يُفْضِي إلى التَّسَلْسُلِ. القَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ لَفْظَةَ ”لا“ ورَدَتْ لِلنَّفْيِ، ثُمَّ هَهُنا احْتِمالانِ: الأوَّلُ: أنَّها ورَدَتْ نَفْيًا لِكَلامٍ ذُكِرَ قَبْلَ القَسَمِ، كَأنَّهم أنْكَرُوا البَعْثَ فَقِيلَ: لا لَيْسَ الأمْرُ عَلى ما ذَكَرْتُمْ، ثُمَّ قِيلَ: أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ، وهَذا أيْضًا فِيهِ إشْكالٌ، لِأنَّ إعادَةَ حَرْفِ النَّفْيِ مَرَّةً أُخْرى في قَوْلِهِ: ﴿ولا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ﴾ مَعَ أنَّ المُرادَ ما ذَكَرُوهُ تَقْدَحُ في فَصاحَةِ الكَلامِ. الِاحْتِمالُ الثّانِي: أنَّ ”لا“ هَهُنا لِنَفْيِ القَسَمِ كَأنَّهُ قالَ: لا أُقْسِمُ عَلَيْكم بِذَلِكَ اليَوْمِ وتِلْكَ النَّفْسِ، ولَكِنِّي أسْألُكَ غَيْرَ مُقْسِمٍ أتَحْسَبُ أنّا لا نَجْمَعُ عِظامَكَ إذا تَفَرَّقَتْ بِالمَوْتِ، فَإنْ كُنْتَ تَحْسَبُ ذَلِكَ فاعْلَمْ أنّا قادِرُونَ عَلى أنْ نَفْعَلَ ذَلِكَ. وهَذا القَوْلُ اخْتِيارُ أبِي مُسْلِمٍ وهو الأصَحُّ، ويُمْكِنُ تَقْدِيرُ هَذا القَوْلِ عَلى وُجُوهٍ أُخَرَ: أحَدُها: كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: ﴿لا أُقْسِمُ﴾ بِهَذِهِ الأشْياءِ عَلى إثْباتِ هَذا المَطْلُوبِ فَإنَّ هَذا المَطْلُوبَ أعْظَمُ وأجَلُّ مِن أنْ يُقْسَمَ عَلَيْهِ بِهَذِهِ الأشْياءِ، ويَكُونُ الغَرَضُ مِن هَذا الكَلامِ تَعْظِيمَ المُقْسَمِ عَلَيْهِ وتَفْخِيمَ شَأْنِهِ. وثانِيها: كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: ﴿لا أُقْسِمُ﴾ بِهَذِهِ الأشْياءِ عَلى إثْباتِ هَذا المَطْلُوبِ، فَإنَّ إثْباتَهُ أظْهَرُ وأجْلى وأقْوى وأحْرى مِن أنْ يُحاوِلَ إثْباتَهُ بِمِثْلِ هَذا القَسَمِ، ثُمَّ قالَ بَعْدَهُ: ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ ألَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ﴾ أيْ: كَيْفَ خَطَرَ بِبالِهِ هَذا الخاطِرُ الفاسِدُ مَعَ ظُهُورِ فَسادِهِ. وثالِثُها: أنْ يَكُونَ الغَرَضُ مِنهُ الِاسْتِفْهامَ عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ، والتَّقْدِيرُ: ألا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ. ألا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ عَلى أنَّ الحَشْرَ والنَّشْرَ حَقٌّ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرُوا في النَّفْسِ اللَّوّامَةِ وُجُوهًا: أحَدُها: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّ كُلَّ نَفْسٍ فَإنَّها تَلُومُ نَفْسَها يَوْمَ القِيامَةِ سَواءٌ كانَتْ بَرَّةً أوْ فاجِرَةً، أمّا البَرَّةُ فَلِأجْلِ أنَّها لَمْ تَزِدْ عَلى طاعَتِها، وأمّا الفاجِرَةُ فَلِأجْلِ أنَّها لِمَ لَمْ تَشْتَغِلْ بِالتَّقْوى، وطَعَنَ بَعْضُهم في هَذا الوَجْهِ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ مَن يَسْتَحِقُّ الثَّوابَ لا يَجُوزُ أنْ يَلُومَ نَفْسَهُ عَلى تَرْكِ الزِّيادَةِ، لِأنَّهُ لَوْ جازَ مِنهُ لَوْمُ نَفْسِهِ عَلى ذَلِكَ لَجازَ مِن غَيْرِهِ أنْ يَلُومَها عَلَيْهِ. الثّانِي: أنَّ الإنْسانَ إنَّما يَلُومُ نَفْسَهُ عِنْدَ الضَّجارَةِ وضِيقِ القَلْبِ، وذَلِكَ لا يَلِيقُ بِأهْلِ الجَنَّةِ حالَ كَوْنِهِمْ في الجَنَّةِ، ولِأنَّ المُكَلَّفَ يَعْلَمُ أنَّهُ لا مِقْدارَ مِنَ الطّاعَةِ إلّا ويُمْكِنُ الإتْيانُ بِما هو أزْيَدُ مِنهُ، فَلَوْ كانَ ذَلِكَ مُوجِبًا لِلَّوْمِ لامْتَنَعَ الِانْفِكاكُ عَنْهُ، وما كانَ كَذَلِكَ لا يَكُونُ مَطْلُوبَ الحُصُولِ، ولا يُلامُ عَلى تَرْكِ تَحْصِيلِهِ. والجَوابُ عَنِ الكُلِّ: أنْ يُحْمَلَ اللَّوْمُ صفحة ١٩١ عَلى تَمَنِّي الزِّيادَةِ، وحِينَئِذٍ تَسْقُطُ هَذِهِ الأسْئِلَةُ. وثانِيها: أنَّ النَّفْسَ اللَّوّامَةَ هي النُّفُوسُ المُتَّقِيَةُ الَّتِي تَلُومُ النَّفْسَ العاصِيَةَ يَوْمَ القِيامَةِ بِسَبَبِ أنَّها تَرَكَتِ التَّقْوى. ثالِثُها: أنَّها هي النُّفُوسُ الشَّرِيفَةُ الَّتِي لا تَزالُ تَلُومُ نَفْسَها وإنِ اجْتَهَدَتْ في الطّاعَةِ، وعَنِ الحَسَنِ أنَّ المُؤْمِنَ لا تَراهُ إلّا لائِمًا نَفْسَهُ، وأمّا الجاهِلُ فَإنَّهُ يَكُونُ راضِيًا بِما هو فِيهِ مِنَ الأحْوالِ الخَسِيسَةِ. ورابِعُها: أنَّها نَفْسُ آدَمَ لَمْ تَزَلْ تَلُومُ عَلى فِعْلِها الَّذِي خَرَجَتْ بِهِ مِنَ الجَنَّةِ. وخامِسُها: المُرادُ نُفُوسُ الأشْقِياءِ حِينَ شاهَدَتْ أحْوالَ القِيامَةِ وأهْوالَها، فَإنَّها تَلُومُ نَفْسَها عَلى ما صَدَرَ عَنْها مِنَ المَعاصِي، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ تَقُولَ نَفْسٌ ياحَسْرَتا عَلى ما فَرَّطْتُ﴾ [ الزُّمَرِ: ٥٦] . وسادِسُها: أنَّ الإنْسانَ خُلِقَ مَلُولًا، فَأيَّ شَيْءٍ طَلَبَهُ إذا وجَدَهُ مَلَّهُ، فَحِينَئِذٍ يَلُومُ نَفْسَهُ عَلى أنِّي لِمَ طَلَبْتُهُ، فَلِكَثْرَةِ هَذا العَمَلِ سُمِّيَ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الإنْسانَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾ ﴿إذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا﴾ ﴿وإذا مَسَّهُ الخَيْرُ مَنُوعًا﴾ [ المَعارِجِ: ١٩] واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ ”لَوّامَةِ“ يُنْبِئُ عَنِ التَّكْرارِ والإعادَةِ، وكَذا القَوْلُ في لَوّامٍ وعَذّابٍ وضَرّارٍ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اعْلَمْ أنَّ في الآيَةِ إشْكالاتٍ: أحَدُها: ما المُناسِبَةُ بَيْنَ القِيامَةِ وبَيْنَ النَّفْسِ اللَّوّامَةِ، حَتّى جَمَعَ اللَّهُ بَيْنَهُما في القَسَمِ ؟ وثانِيها: المُقْسَمُ عَلَيْهِ هو وُقُوعُ القِيامَةِ، فَيَصِيرُ حاصِلُهُ أنَّهُ تَعالى أقْسَمَ بِوُقُوعِ القِيامَةِ. وثالِثُها: لِمَ قالَ: ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ ولَمْ يَقُلْ: والقِيامَةِ، كَما قالَ في سائِرِ السُّوَرِ: ”والطَّوْرِ“، ”والذّارِياتِ“، ”والضُّحى“ ؟ والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ أحْوالَ القِيامَةِ عَجِيبَةٌ جِدًّا، ثُمَّ المَقْصُودُ مِن إقامَةِ القِيامَةِ إظْهارُ أحْوالِ النُّفُوسِ اللَّوّامَةِ. أعْنِي سَعادَتَها وشَقاوَتَها، فَقَدْ حَصَلَ بَيْنَ القِيامَةِ والنُّفُوسِ اللَّوّامَةِ هَذِهِ المُناسَبَةُ الشَّدِيدَةُ. وثانِيها: أنَّ القَسَمَ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ تَنْبِيهٌ عَلى عَجائِبِ أحْوالِ النَّفْسِ عَلى ما قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«مَن عَرَفَ نَفْسَهُ فَقَدْ عَرَفَ رَبَّهُ» “ ومِن أحْوالِها العَجِيبَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [ الذّارِياتِ: ٥٦] وقَوْلُهُ: ﴿إنّا عَرَضْنا الأمانَةَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وحَمَلَها الإنْسانُ﴾ [ الأحْزابِ: ٧٢] وقالَ قائِلُونَ: القَسَمُ وقَعَ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ عَلى مَعْنى التَّعْظِيمِ لَها مِن حَيْثُ إنَّها أبَدًا تَسْتَحْقِرُ فِعْلَها وجِدَّها واجْتِهادَها في طاعَةِ اللَّهِ، وقالَ آخَرُونَ: إنَّهُ تَعالى أقْسَمَ بِالقِيامَةِ، ولَمْ يُقْسِمْ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ، وهَذا عَلى القِراءَةِ الشّاذَّةِ الَّتِي رَوَيْناها عَنِ الحَسَنِ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: ”أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ“ تَعْظِيمًا لَها، ولا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ تَحْقِيرًا لَها، لِأنَّ النَّفْسَ اللَّوّامَةَ إمّا أنْ تَكُونَ كافِرَةً بِالقِيامَةِ مَعَ عِظَمِ أمْرِها، وإمّا أنْ تَكُونَ فاسِقَةً مُقَصِّرَةً في العَمَلِ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فَإنَّها تَكُونُ مُسْتَحْقِرَةً. وأمّا السُّؤالُ الثّانِي: فالجَوابُ عَنْهُ ما ذَكَرْنا أنَّ المُحَقِّقِينَ قالُوا: القَسَمُ بِهَذِهِ الأشْياءِ قَسَمٌ بِرَبِّها وخالِقِها في الحَقِيقَةِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: أُقْسِمُ بِرَبِّ القِيامَةِ عَلى وُقُوعِ يَوْمِ القِيامَةِ. وأمّا السُّؤالُ الثّالِثُ: فَجَوابُهُ أنَّهُ حَيْثُ أقْسَمَ قالَ: ﴿والطُّورِ﴾ ﴿والذّارِياتِ﴾ وأمّا هَهُنا فَإنَّهُ نَفى كَوْنَهُ تَعالى مُقْسِمًا بِهَذِهِ الأشْياءِ، فَزالَ السُّؤالُ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

القيامة 75:2

صفحة ١٨٩ (سُورَةُ القِيامَةِ) أرْبَعُونَ آيَةً مَكِّيَّةً ﷽ ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ ﴿ولا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ﴾ ﷽ ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ ﴿ولا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ﴾ في الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: المُفَسِّرُونَ ذَكَرُوا في لَفْظَةِ ”﴿لا﴾“ في قَوْلِهِ: ﴿لا أُقْسِمُ﴾ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ: الأوَّلُ: أنَّها صِلَةٌ زائِدَةٌ، والمَعْنى أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ، ونَظِيرُهُ ﴿لِئَلّا يَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ﴾ [ الحَدِيدِ: ٢٩] وقَوْلُهُ: ﴿ما مَنَعَكَ ألّا تَسْجُدَ﴾ ﴿فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [ آلِ عِمْرانَ: ١٥٩] وهَذا القَوْلُ عِنْدِي ضَعِيفٌ مِن وُجُوهٍ: أوَّلُها: أنَّ تَجْوِيزَ هَذا يُفْضِي إلى الطَّعْنِ في القُرْآنِ، لِأنَّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَجُوزُ جَعْلُ النَّفْيِ إثْباتًا، والإثْباتِ نَفْيًا، وتَجْوِيزُهُ يُفْضِي إلى أنْ لا يَبْقى الِاعْتِمادُ عَلى إثْباتِهِ ولا عَلى نَفْيِهِ. وثانِيها: أنَّ هَذا الحَرْفَ إنَّما يُزادُ في وسَطِ الكَلامِ لا في أوَّلِهِ، فَإنْ قِيلَ: فالكَلامُ عَلَيْهِ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: لا نُسَلِّمُ أنَّها إنَّما تُزادُ في وسَطِ الكَلامِ، ألا تَرى إلى امْرِئِ القَيْسِ كَيْفَ زادَها في مُسْتَهَلِّ قَصِيدَتِهِ، وهي قَوْلُهُ: لا وأبِيكِ ابْنَةَ العامِرِيِّ لا يَدَّعِي القَوْمُ أنِّي أفِرُّ الثّانِي: هَبْ أنَّ هَذا الحَرْفَ لا يُزادُ في أوَّلِ الكَلامِ إلّا أنَّ القُرْآنَ كُلَّهُ كالسُّورَةِ الواحِدَةِ لِاتِّصالِ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ قَدْ يَذْكُرُ الشَّيْءَ في سُورَةٍ ثُمَّ يَجِيءُ جَوابُهُ في سُورَةٍ أُخْرى كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقالُوا ياأيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [ الحِجْرِ: ٦] ثُمَّ جاءَ جَوابُهُ في سُورَةٍ أُخْرى وهو قَوْلُهُ: ﴿ما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ [ القَلَمِ: ٢] وإذا كانَ كَذَلِكَ، كانَ أوَّلُ هَذِهِ السُّورَةِ جارِيًا مَجْرى وسَطِ الكَلامِ. والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: أنَّ قَوْلَهُ ”لا وأبِيكِ“ قَسَمٌ عَنِ النَّفْيِ، وقَوْلَهُ: ﴿لا أُقْسِمُ﴾ نَفْيٌ لِلْقَسَمِ، فَتَشْبِيهُ أحَدِهِما بِالآخَرِ غَيْرُ جائِزٍ، وإنَّما قُلْنا: إنَّ قَوْلَهُ ﴿لا أُقْسِمُ﴾ نَفْيٌ لِلْقَسَمِ، لِأنَّهُ عَلى وِزانِ قَوْلِنا: لا أقْتُلُ، لا أضْرِبُ، لا أنْصُرُ، ومَعْلُومٌ أنَّ ذَلِكَ يُفِيدُ النَّفْيَ. والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ لَوْ حَلَفَ لا يُقْسِمُ كانَ البِرُّ بِتَرْكِ القَسَمِ، والحِنْثُ بِفِعْلِ القَسَمِ، فَظَهَرَ أنَّ البَيْتَ صفحة ١٩٠ المَذْكُورَ لَيْسَ مِن هَذا البابِ. وعَنِ الثّانِي: أنَّ القُرْآنَ كالسُّورَةِ الواحِدَةِ في عَدَمِ التَّناقُضِ، فَإمّا أنْ يُقْرَنَ بِكُلِّ آيَةٍ ما قُرِنَ بِالآيَةِ الأُخْرى فَذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ، لِأنَّهُ يُلْزِمُ جَوازَ أنْ يُقْرَنَ بِكُلِّ إثْباتٍ حَرْفُ النَّفْيِ في سائِرِ الآياتِ، وذَلِكَ يَقْتَضِي انْقِلابَ كُلِّ إثْباتٍ نَفْيًا وانْقِلابَ كُلِّ نَفْيٍ إثْباتًا، وإنَّهُ لا يَجُوزُ. وثالِثُها: أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِنا: ”لا“ صِلَةُ ”أنْ“ لَغْوٌ باطِلٌ، يَجِبُ طَرْحُهُ وإسْقاطُهُ حَتّى يَنْتَظِمَ الكَلامُ، ومَعْلُومٌ أنَّ وصْفَ كَلامِ اللَّهِ تَعالى بِذَلِكَ لا يَجُوزُ. القَوْلُ الثّانِي لِلْمُفَسِّرِينَ في هَذِهِ الآيَةِ: ما نُقِلَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قَرَأ ”لَأُقْسِمُ“ عَلى أنَّ اللّامَ لِلِابْتِداءِ، وأُقْسِمُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، مَعْناهُ: لَأنا أُقْسِمُ، ويُعَضِّدُهُ أنَّهُ في مُصْحَفِ عُثْمانَ بِغَيْرِ ألِفٍ واتَّفَقُوا في قَوْلِهِ: ﴿ولا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ﴾ عَلى ”لا أُقْسِمُ“، قالَ الحَسَنُ: مَعْنى الآيَةِ أنِّي أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ لِشَرَفِها، ولا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ لِخَساسَتِها، وطَعَنَ أبُو عُبَيْدَةَ في هَذِهِ القِراءَةِ، وقالَ: لَوْ كانَ المُرادُ هَذا لَقالَ: لَأُقْسِمَنَّ، لِأنَّ العَرَبَ لا تَقُولُ: لَأفْعَلُ كَذا، وإنَّما يَقُولُونَ: لَأفْعَلَنَّ كَذا، إلّا أنَّ الواحِدِيَّ حَكى جَوازَ ذَلِكَ عَنْ سِيبَوَيْهِ والفَرّاءِ، واعْلَمْ أنَّ هَذا الوَجْهَ أيْضًا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ هَذِهِ القِراءَةَ شاذَّةٌ، فَهَبْ أنَّ هَذا الشّاذَّ اسْتَمَرَّ، فَما الوَجْهُ في القِراءَةِ المَشْهُورَةِ المُتَواتِرَةِ ؟ ولا يُمْكِنُ دَفْعُها وإلّا لَكانَ ذَلِكَ قَدْحًا فِيما ثَبَتَ بِالتَّواتُرِ، وأيْضًا فَلا بُدَّ مِن إضْمارِ قَسَمٍ آخَرَ لِتَكُونَ هَذِهِ اللّامُ جَوابًا عَنْهُ، فَيَصِيرُ التَّقْدِيرُ: واللَّهِ لَأُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ قَسَمًا عَلى قَسَمٍ، وإنَّهُ رَكِيكٌ ولِأنَّهُ يُفْضِي إلى التَّسَلْسُلِ. القَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ لَفْظَةَ ”لا“ ورَدَتْ لِلنَّفْيِ، ثُمَّ هَهُنا احْتِمالانِ: الأوَّلُ: أنَّها ورَدَتْ نَفْيًا لِكَلامٍ ذُكِرَ قَبْلَ القَسَمِ، كَأنَّهم أنْكَرُوا البَعْثَ فَقِيلَ: لا لَيْسَ الأمْرُ عَلى ما ذَكَرْتُمْ، ثُمَّ قِيلَ: أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ، وهَذا أيْضًا فِيهِ إشْكالٌ، لِأنَّ إعادَةَ حَرْفِ النَّفْيِ مَرَّةً أُخْرى في قَوْلِهِ: ﴿ولا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ﴾ مَعَ أنَّ المُرادَ ما ذَكَرُوهُ تَقْدَحُ في فَصاحَةِ الكَلامِ. الِاحْتِمالُ الثّانِي: أنَّ ”لا“ هَهُنا لِنَفْيِ القَسَمِ كَأنَّهُ قالَ: لا أُقْسِمُ عَلَيْكم بِذَلِكَ اليَوْمِ وتِلْكَ النَّفْسِ، ولَكِنِّي أسْألُكَ غَيْرَ مُقْسِمٍ أتَحْسَبُ أنّا لا نَجْمَعُ عِظامَكَ إذا تَفَرَّقَتْ بِالمَوْتِ، فَإنْ كُنْتَ تَحْسَبُ ذَلِكَ فاعْلَمْ أنّا قادِرُونَ عَلى أنْ نَفْعَلَ ذَلِكَ. وهَذا القَوْلُ اخْتِيارُ أبِي مُسْلِمٍ وهو الأصَحُّ، ويُمْكِنُ تَقْدِيرُ هَذا القَوْلِ عَلى وُجُوهٍ أُخَرَ: أحَدُها: كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: ﴿لا أُقْسِمُ﴾ بِهَذِهِ الأشْياءِ عَلى إثْباتِ هَذا المَطْلُوبِ فَإنَّ هَذا المَطْلُوبَ أعْظَمُ وأجَلُّ مِن أنْ يُقْسَمَ عَلَيْهِ بِهَذِهِ الأشْياءِ، ويَكُونُ الغَرَضُ مِن هَذا الكَلامِ تَعْظِيمَ المُقْسَمِ عَلَيْهِ وتَفْخِيمَ شَأْنِهِ. وثانِيها: كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: ﴿لا أُقْسِمُ﴾ بِهَذِهِ الأشْياءِ عَلى إثْباتِ هَذا المَطْلُوبِ، فَإنَّ إثْباتَهُ أظْهَرُ وأجْلى وأقْوى وأحْرى مِن أنْ يُحاوِلَ إثْباتَهُ بِمِثْلِ هَذا القَسَمِ، ثُمَّ قالَ بَعْدَهُ: ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ ألَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ﴾ أيْ: كَيْفَ خَطَرَ بِبالِهِ هَذا الخاطِرُ الفاسِدُ مَعَ ظُهُورِ فَسادِهِ. وثالِثُها: أنْ يَكُونَ الغَرَضُ مِنهُ الِاسْتِفْهامَ عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ، والتَّقْدِيرُ: ألا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ. ألا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ عَلى أنَّ الحَشْرَ والنَّشْرَ حَقٌّ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرُوا في النَّفْسِ اللَّوّامَةِ وُجُوهًا: أحَدُها: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّ كُلَّ نَفْسٍ فَإنَّها تَلُومُ نَفْسَها يَوْمَ القِيامَةِ سَواءٌ كانَتْ بَرَّةً أوْ فاجِرَةً، أمّا البَرَّةُ فَلِأجْلِ أنَّها لَمْ تَزِدْ عَلى طاعَتِها، وأمّا الفاجِرَةُ فَلِأجْلِ أنَّها لِمَ لَمْ تَشْتَغِلْ بِالتَّقْوى، وطَعَنَ بَعْضُهم في هَذا الوَجْهِ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ مَن يَسْتَحِقُّ الثَّوابَ لا يَجُوزُ أنْ يَلُومَ نَفْسَهُ عَلى تَرْكِ الزِّيادَةِ، لِأنَّهُ لَوْ جازَ مِنهُ لَوْمُ نَفْسِهِ عَلى ذَلِكَ لَجازَ مِن غَيْرِهِ أنْ يَلُومَها عَلَيْهِ. الثّانِي: أنَّ الإنْسانَ إنَّما يَلُومُ نَفْسَهُ عِنْدَ الضَّجارَةِ وضِيقِ القَلْبِ، وذَلِكَ لا يَلِيقُ بِأهْلِ الجَنَّةِ حالَ كَوْنِهِمْ في الجَنَّةِ، ولِأنَّ المُكَلَّفَ يَعْلَمُ أنَّهُ لا مِقْدارَ مِنَ الطّاعَةِ إلّا ويُمْكِنُ الإتْيانُ بِما هو أزْيَدُ مِنهُ، فَلَوْ كانَ ذَلِكَ مُوجِبًا لِلَّوْمِ لامْتَنَعَ الِانْفِكاكُ عَنْهُ، وما كانَ كَذَلِكَ لا يَكُونُ مَطْلُوبَ الحُصُولِ، ولا يُلامُ عَلى تَرْكِ تَحْصِيلِهِ. والجَوابُ عَنِ الكُلِّ: أنْ يُحْمَلَ اللَّوْمُ صفحة ١٩١ عَلى تَمَنِّي الزِّيادَةِ، وحِينَئِذٍ تَسْقُطُ هَذِهِ الأسْئِلَةُ. وثانِيها: أنَّ النَّفْسَ اللَّوّامَةَ هي النُّفُوسُ المُتَّقِيَةُ الَّتِي تَلُومُ النَّفْسَ العاصِيَةَ يَوْمَ القِيامَةِ بِسَبَبِ أنَّها تَرَكَتِ التَّقْوى. ثالِثُها: أنَّها هي النُّفُوسُ الشَّرِيفَةُ الَّتِي لا تَزالُ تَلُومُ نَفْسَها وإنِ اجْتَهَدَتْ في الطّاعَةِ، وعَنِ الحَسَنِ أنَّ المُؤْمِنَ لا تَراهُ إلّا لائِمًا نَفْسَهُ، وأمّا الجاهِلُ فَإنَّهُ يَكُونُ راضِيًا بِما هو فِيهِ مِنَ الأحْوالِ الخَسِيسَةِ. ورابِعُها: أنَّها نَفْسُ آدَمَ لَمْ تَزَلْ تَلُومُ عَلى فِعْلِها الَّذِي خَرَجَتْ بِهِ مِنَ الجَنَّةِ. وخامِسُها: المُرادُ نُفُوسُ الأشْقِياءِ حِينَ شاهَدَتْ أحْوالَ القِيامَةِ وأهْوالَها، فَإنَّها تَلُومُ نَفْسَها عَلى ما صَدَرَ عَنْها مِنَ المَعاصِي، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ تَقُولَ نَفْسٌ ياحَسْرَتا عَلى ما فَرَّطْتُ﴾ [ الزُّمَرِ: ٥٦] . وسادِسُها: أنَّ الإنْسانَ خُلِقَ مَلُولًا، فَأيَّ شَيْءٍ طَلَبَهُ إذا وجَدَهُ مَلَّهُ، فَحِينَئِذٍ يَلُومُ نَفْسَهُ عَلى أنِّي لِمَ طَلَبْتُهُ، فَلِكَثْرَةِ هَذا العَمَلِ سُمِّيَ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الإنْسانَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾ ﴿إذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا﴾ ﴿وإذا مَسَّهُ الخَيْرُ مَنُوعًا﴾ [ المَعارِجِ: ١٩] واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ ”لَوّامَةِ“ يُنْبِئُ عَنِ التَّكْرارِ والإعادَةِ، وكَذا القَوْلُ في لَوّامٍ وعَذّابٍ وضَرّارٍ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اعْلَمْ أنَّ في الآيَةِ إشْكالاتٍ: أحَدُها: ما المُناسِبَةُ بَيْنَ القِيامَةِ وبَيْنَ النَّفْسِ اللَّوّامَةِ، حَتّى جَمَعَ اللَّهُ بَيْنَهُما في القَسَمِ ؟ وثانِيها: المُقْسَمُ عَلَيْهِ هو وُقُوعُ القِيامَةِ، فَيَصِيرُ حاصِلُهُ أنَّهُ تَعالى أقْسَمَ بِوُقُوعِ القِيامَةِ. وثالِثُها: لِمَ قالَ: ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ ولَمْ يَقُلْ: والقِيامَةِ، كَما قالَ في سائِرِ السُّوَرِ: ”والطَّوْرِ“، ”والذّارِياتِ“، ”والضُّحى“ ؟ والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ أحْوالَ القِيامَةِ عَجِيبَةٌ جِدًّا، ثُمَّ المَقْصُودُ مِن إقامَةِ القِيامَةِ إظْهارُ أحْوالِ النُّفُوسِ اللَّوّامَةِ. أعْنِي سَعادَتَها وشَقاوَتَها، فَقَدْ حَصَلَ بَيْنَ القِيامَةِ والنُّفُوسِ اللَّوّامَةِ هَذِهِ المُناسَبَةُ الشَّدِيدَةُ. وثانِيها: أنَّ القَسَمَ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ تَنْبِيهٌ عَلى عَجائِبِ أحْوالِ النَّفْسِ عَلى ما قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«مَن عَرَفَ نَفْسَهُ فَقَدْ عَرَفَ رَبَّهُ» “ ومِن أحْوالِها العَجِيبَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [ الذّارِياتِ: ٥٦] وقَوْلُهُ: ﴿إنّا عَرَضْنا الأمانَةَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وحَمَلَها الإنْسانُ﴾ [ الأحْزابِ: ٧٢] وقالَ قائِلُونَ: القَسَمُ وقَعَ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ عَلى مَعْنى التَّعْظِيمِ لَها مِن حَيْثُ إنَّها أبَدًا تَسْتَحْقِرُ فِعْلَها وجِدَّها واجْتِهادَها في طاعَةِ اللَّهِ، وقالَ آخَرُونَ: إنَّهُ تَعالى أقْسَمَ بِالقِيامَةِ، ولَمْ يُقْسِمْ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ، وهَذا عَلى القِراءَةِ الشّاذَّةِ الَّتِي رَوَيْناها عَنِ الحَسَنِ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: ”أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ“ تَعْظِيمًا لَها، ولا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ تَحْقِيرًا لَها، لِأنَّ النَّفْسَ اللَّوّامَةَ إمّا أنْ تَكُونَ كافِرَةً بِالقِيامَةِ مَعَ عِظَمِ أمْرِها، وإمّا أنْ تَكُونَ فاسِقَةً مُقَصِّرَةً في العَمَلِ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فَإنَّها تَكُونُ مُسْتَحْقِرَةً. وأمّا السُّؤالُ الثّانِي: فالجَوابُ عَنْهُ ما ذَكَرْنا أنَّ المُحَقِّقِينَ قالُوا: القَسَمُ بِهَذِهِ الأشْياءِ قَسَمٌ بِرَبِّها وخالِقِها في الحَقِيقَةِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: أُقْسِمُ بِرَبِّ القِيامَةِ عَلى وُقُوعِ يَوْمِ القِيامَةِ. وأمّا السُّؤالُ الثّالِثُ: فَجَوابُهُ أنَّهُ حَيْثُ أقْسَمَ قالَ: ﴿والطُّورِ﴾ ﴿والذّارِياتِ﴾ وأمّا هَهُنا فَإنَّهُ نَفى كَوْنَهُ تَعالى مُقْسِمًا بِهَذِهِ الأشْياءِ، فَزالَ السُّؤالُ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

القيامة 75:3

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ ألَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ﴾ ﴿بَلى قادِرِينَ عَلى أنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ﴾ فِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: ذَكَرُوا في جَوابِ القَسَمِ وُجُوهًا: أحَدُها: وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ أنَّهُ مَحْذُوفٌ عَلى تَقْدِيرِ صفحة ١٩٢ لَيُبْعَثَنَّ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ ألَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ﴾ . وثانِيها: قالَ الحَسَنُ: وقَعَ القَسَمُ عَلى قَوْلِهِ: ﴿بَلى قادِرِينَ﴾ . وثالِثُها: وهو أقْرَبُ، أنَّ هَذا لَيْسَ بِقَسَمٍ بَلْ هو نَفْيٌ لِلْقَسَمِ فَلا يَحْتاجُ إلى الجَوابِ، فَكَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: لا أُقْسِمُ بِكَذا وكَذا عَلى شَيْءٍ، ولَكِنِّي أسْألُكَ ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ ألَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ﴾ . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المَشْهُورُ أنَّ المُرادَ مِنَ الإنْسانِ إنْسانٌ مُعَيَّنٌ، رُوِيَ «أنَّ عَدِيَّ بْنَ أبِي رَبِيعَةَ خَتَنَ الأخْنَسِ بْنِ شَرِيقٍ، وهُما اللَّذانِ كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ فِيهِما: ”اللَّهُمَّ اكْفِنِي شَرَّ جارَيِ السُّوءِ“، قالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: يا مُحَمَّدُ حَدِّثْنِي عَنْ يَوْمِ القِيامَةِ مَتى يَكُونُ وكَيْفَ أمْرُهُ ؟ فَأخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ: لَوْ عايَنْتُ ذَلِكَ اليَوْمَ لَمْ أُصَدِّقْكَ يا مُحَمَّدُ ولَمْ أُؤْمِن بِكَ، كَيْفَ يَجْمَعُ اللَّهُ العِظامَ ؟ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ»، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ بِالإنْسانِ هَهُنا أبا جَهْلٍ، وقالَ جَمْعٌ مِنَ الأُصُولِيِّينَ: بَلِ المُرادُ بِالإنْسانِ المُكَذِّبُ بِالبَعْثِ عَلى الإطْلاقِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَرَأ قَتادَةُ: ”أنْ لَنْ تُجْمَعَ عِظامُهُ“ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، والمَعْنى أنَّ الكافِرَ ظَنَّ أنَّ العِظامَ بَعْدَ تَفَرُّقِها وصَيْرُورَتِها تُرابًا واخْتِلاطِ تِلْكَ الأجْزاءِ بِغَيْرِها وبَعْدَما نَسَفَتْها الرِّياحُ وطَيَّرَتْها في أباعِدِ الأرْضِ لا يُمْكِنُ جَمْعُها مَرَّةً أُخْرى، وقالَ تَعالى في جَوابِهِ: ﴿بَلى﴾ فَهَذِهِ الكَلِمَةُ أوْجَبَتْ ما بَعْدَ النَّفْيِ وهو الجَمْعُ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: بَلْ يَجْمَعُها، وفي قَوْلِهِ: ﴿قادِرِينَ﴾ وجْهانِ: الأوَّلُ: وهو المَشْهُورُ، أنَّهُ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في ”نَجْمَعُ“ أيْ نَجْمَعُ العِظامَ قادِرِينَ عَلى تَأْلِيفِها جَمِيعِها وإعادَتِها إلى التَّرْكِيبِ الأوَّلِ. وهَذا الوَجْهُ عِنْدِي فِيهِ إشْكالٌ، وهو أنَّ الحالَ إنَّما يَحْسُنُ ذِكْرُهُ إذا أمْكَنَ وُقُوعُ ذَلِكَ الأمْرِ لا عَلى تِلْكَ الحالَةِ، تَقُولُ: رَأيْتُ زَيْدًا راكِبًا لِأنَّهُ يُمْكِنُ أنْ نَرى زَيْدًا غَيْرَ راكِبٍ، وهَهُنا كَوْنُهُ تَعالى جامِعًا لِلْعِظامِ يَسْتَحِيلُ وُقُوعُهُ إلّا مَعَ كَوْنِهِ قادِرًا، فَكانَ جَعْلُهُ حالًا جارِيًا مَجْرى بَيانِ الواضِحاتِ، وإنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ. والثّانِي: أنَّ تَقْدِيرَ الآيَةِ كُنّا قادِرِينَ عَلى أنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ في الِابْتِداءِ فَوَجَبَ أنْ نَبْقى قادِرِينَ عَلى تِلْكَ التَّسْوِيَةِ في الِانْتِهاءِ، وقُرِئَ ”قادِرُونَ“ أيْ ونَحْنُ قادِرُونَ، وفي قَوْلِهِ: ﴿عَلى أنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ﴾ وُجُوهٌ: أحَدُها: أنَّهُ نَبَّهَ بِالبَنانِ عَلى بَقِيَّةِ الأعْضاءِ، أيْ نَقْدِرُ عَلى أنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ بَعْدَ صَيْرُورَتِهِ تُرابًا كَما كانَ، وتَحْقِيقُهُ أنَّ مَن قَدَرَ عَلى الشَّيْءِ في الِابْتِداءِ قَدَرَ أيْضًا عَلَيْهِ في الإعادَةِ وإنَّما خُصَّ البَنانُ بِالذِّكْرِ لِأنَّهُ آخِرُ ما يَتِمُّ خَلْقُهُ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: نَقْدِرُ عَلى ضَمِّ سُلاماتِهِ عَلى صِغَرِها ولَطافَتِها بَعْضِها إلى بَعْضٍ كَما كانَتْ أوَّلًا مِن غَيْرِ نُقْصانٍ ولا تَفاوُتٍ، فَكَيْفَ القَوْلُ في كِبارِ العِظامِ. وثانِيها: ﴿بَلى قادِرِينَ عَلى أنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ﴾ أيْ نَجْعَلُها مَعَ كَفِّهِ صَفِيحَةً مُسْتَوِيَةً لا شُقُوقَ فِيها كَخُفِّ البَعِيرِ، فَيُعْدَمُ الِارْتِفاقُ بِالأعْمالِ اللَّطِيفَةِ كالكِتابَةِ والخِياطَةِ وسائِرِ الأعْمالِ اللَّطِيفَةِ الَّتِي يُسْتَعانُ عَلَيْها بِالأصابِعِ، والقَوْلُ الأوَّلُ أقْرَبُ إلى الصَّوابِ.

القيامة 75:4

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ ألَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ﴾ ﴿بَلى قادِرِينَ عَلى أنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ﴾ فِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: ذَكَرُوا في جَوابِ القَسَمِ وُجُوهًا: أحَدُها: وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ أنَّهُ مَحْذُوفٌ عَلى تَقْدِيرِ صفحة ١٩٢ لَيُبْعَثَنَّ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ ألَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ﴾ . وثانِيها: قالَ الحَسَنُ: وقَعَ القَسَمُ عَلى قَوْلِهِ: ﴿بَلى قادِرِينَ﴾ . وثالِثُها: وهو أقْرَبُ، أنَّ هَذا لَيْسَ بِقَسَمٍ بَلْ هو نَفْيٌ لِلْقَسَمِ فَلا يَحْتاجُ إلى الجَوابِ، فَكَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: لا أُقْسِمُ بِكَذا وكَذا عَلى شَيْءٍ، ولَكِنِّي أسْألُكَ ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ ألَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ﴾ . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المَشْهُورُ أنَّ المُرادَ مِنَ الإنْسانِ إنْسانٌ مُعَيَّنٌ، رُوِيَ «أنَّ عَدِيَّ بْنَ أبِي رَبِيعَةَ خَتَنَ الأخْنَسِ بْنِ شَرِيقٍ، وهُما اللَّذانِ كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ فِيهِما: ”اللَّهُمَّ اكْفِنِي شَرَّ جارَيِ السُّوءِ“، قالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: يا مُحَمَّدُ حَدِّثْنِي عَنْ يَوْمِ القِيامَةِ مَتى يَكُونُ وكَيْفَ أمْرُهُ ؟ فَأخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ: لَوْ عايَنْتُ ذَلِكَ اليَوْمَ لَمْ أُصَدِّقْكَ يا مُحَمَّدُ ولَمْ أُؤْمِن بِكَ، كَيْفَ يَجْمَعُ اللَّهُ العِظامَ ؟ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ»، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ بِالإنْسانِ هَهُنا أبا جَهْلٍ، وقالَ جَمْعٌ مِنَ الأُصُولِيِّينَ: بَلِ المُرادُ بِالإنْسانِ المُكَذِّبُ بِالبَعْثِ عَلى الإطْلاقِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَرَأ قَتادَةُ: ”أنْ لَنْ تُجْمَعَ عِظامُهُ“ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، والمَعْنى أنَّ الكافِرَ ظَنَّ أنَّ العِظامَ بَعْدَ تَفَرُّقِها وصَيْرُورَتِها تُرابًا واخْتِلاطِ تِلْكَ الأجْزاءِ بِغَيْرِها وبَعْدَما نَسَفَتْها الرِّياحُ وطَيَّرَتْها في أباعِدِ الأرْضِ لا يُمْكِنُ جَمْعُها مَرَّةً أُخْرى، وقالَ تَعالى في جَوابِهِ: ﴿بَلى﴾ فَهَذِهِ الكَلِمَةُ أوْجَبَتْ ما بَعْدَ النَّفْيِ وهو الجَمْعُ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: بَلْ يَجْمَعُها، وفي قَوْلِهِ: ﴿قادِرِينَ﴾ وجْهانِ: الأوَّلُ: وهو المَشْهُورُ، أنَّهُ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في ”نَجْمَعُ“ أيْ نَجْمَعُ العِظامَ قادِرِينَ عَلى تَأْلِيفِها جَمِيعِها وإعادَتِها إلى التَّرْكِيبِ الأوَّلِ. وهَذا الوَجْهُ عِنْدِي فِيهِ إشْكالٌ، وهو أنَّ الحالَ إنَّما يَحْسُنُ ذِكْرُهُ إذا أمْكَنَ وُقُوعُ ذَلِكَ الأمْرِ لا عَلى تِلْكَ الحالَةِ، تَقُولُ: رَأيْتُ زَيْدًا راكِبًا لِأنَّهُ يُمْكِنُ أنْ نَرى زَيْدًا غَيْرَ راكِبٍ، وهَهُنا كَوْنُهُ تَعالى جامِعًا لِلْعِظامِ يَسْتَحِيلُ وُقُوعُهُ إلّا مَعَ كَوْنِهِ قادِرًا، فَكانَ جَعْلُهُ حالًا جارِيًا مَجْرى بَيانِ الواضِحاتِ، وإنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ. والثّانِي: أنَّ تَقْدِيرَ الآيَةِ كُنّا قادِرِينَ عَلى أنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ في الِابْتِداءِ فَوَجَبَ أنْ نَبْقى قادِرِينَ عَلى تِلْكَ التَّسْوِيَةِ في الِانْتِهاءِ، وقُرِئَ ”قادِرُونَ“ أيْ ونَحْنُ قادِرُونَ، وفي قَوْلِهِ: ﴿عَلى أنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ﴾ وُجُوهٌ: أحَدُها: أنَّهُ نَبَّهَ بِالبَنانِ عَلى بَقِيَّةِ الأعْضاءِ، أيْ نَقْدِرُ عَلى أنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ بَعْدَ صَيْرُورَتِهِ تُرابًا كَما كانَ، وتَحْقِيقُهُ أنَّ مَن قَدَرَ عَلى الشَّيْءِ في الِابْتِداءِ قَدَرَ أيْضًا عَلَيْهِ في الإعادَةِ وإنَّما خُصَّ البَنانُ بِالذِّكْرِ لِأنَّهُ آخِرُ ما يَتِمُّ خَلْقُهُ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: نَقْدِرُ عَلى ضَمِّ سُلاماتِهِ عَلى صِغَرِها ولَطافَتِها بَعْضِها إلى بَعْضٍ كَما كانَتْ أوَّلًا مِن غَيْرِ نُقْصانٍ ولا تَفاوُتٍ، فَكَيْفَ القَوْلُ في كِبارِ العِظامِ. وثانِيها: ﴿بَلى قادِرِينَ عَلى أنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ﴾ أيْ نَجْعَلُها مَعَ كَفِّهِ صَفِيحَةً مُسْتَوِيَةً لا شُقُوقَ فِيها كَخُفِّ البَعِيرِ، فَيُعْدَمُ الِارْتِفاقُ بِالأعْمالِ اللَّطِيفَةِ كالكِتابَةِ والخِياطَةِ وسائِرِ الأعْمالِ اللَّطِيفَةِ الَّتِي يُسْتَعانُ عَلَيْها بِالأصابِعِ، والقَوْلُ الأوَّلُ أقْرَبُ إلى الصَّوابِ.

القيامة 75:5

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ يُرِيدُ الإنْسانُ لِيَفْجُرَ أمامَهُ﴾ اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿بَلْ يُرِيدُ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿أيَحْسَبُ﴾، فَيَجُوزُ فِيهِ أنْ يَكُونَ أيْضًا اسْتِفْهامًا كَأنَّهُ اسْتَفْهَمَ عَنْ شَيْءٍ ثُمَّ اسْتَفْهَمَ عَنْ شَيْءٍ آخَرَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ إيجابًا كَأنَّهُ اسْتَفْهَمَ أوَّلًا ثُمَّ أتى بِهَذا الإخْبارِ ثانِيًا. وقَوْلُهُ: ﴿لِيَفْجُرَ أمامَهُ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أيْ لِيَدُومَ عَلى فُجُورِهِ فِيما يَسْتَقْبِلُهُ مِنَ الزَّمانِ لا يَنْزِعُ عَنْهُ، وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: يُقَدِّمُ الذَّنْبَ ويُؤَخِّرُ التَّوْبَةَ، يَقُولُ: سَوْفَ أتُوبُ، حَتّى يَأْتِيَهُ المَوْتُ عَلى شَرِّ أحْوالِهِ وأسْوَأِ أعْمالِهِ. القَوْلُ الثّانِي: ﴿لِيَفْجُرَ أمامَهُ﴾ أيْ: لِيَكْذِبَ بِما أمامَهُ مِنَ البَعْثِ والحِسابِ، لِأنَّ مَن كَذَّبَ حَقًّا كانَ كاذِبًا وفاجِرًا صفحة ١٩٣ والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿يَسْألُ أيّانَ يَوْمُ القِيامَةِ﴾ فالمَعْنى: ﴿يُرِيدُ الإنْسانُ لِيَفْجُرَ أمامَهُ﴾ أيْ: لِيُكَذِّبَ بِيَوْمِ القِيامَةِ وهو أمامَهُ، فَهو يَسْألُ أيّانَ يَوْمُ القِيامَةِ، مَتى يَكُونُ ذَلِكَ تَكْذِيبًا لَهُ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿يَسْألُ أيّانَ يَوْمُ القِيامَةِ﴾ أيْ: يَسْألُ سُؤالَ مُسْتَنْعِتٍ مُسْتَبْعِدٍ لِقِيامِ السّاعَةِ في قَوْلِهِ: ﴿أيّانَ يَوْمُ القِيامَةِ﴾، ونَظِيرُهُ ﴿يَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ﴾ واعْلَمْ أنَّ إنْكارَ البَعْثِ تارَةً يَتَوَلَّدُ مِنَ الشُّبْهَةِ وأُخْرى مِنَ الشَّهْوَةِ. أمّا مِنَ الشُّبْهَةِ فَهو الَّذِي حَكاهُ اللَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ ألَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ﴾ وتَقْرِيرُهُ: أنَّ الإنْسانَ هو هَذا البَدَنُ، فَإذا ماتَ تَفَرَّقَتْ أجْزاءُ البَدَنِ واخْتَلَطَتْ تِلْكَ الأجْزاءُ بِسائِرِ أجْزاءِ التُّرابِ وتَفَرَّقَتْ في مَشارِقِ الأرْضِ ومَغارِبِها، فَكانَ تَمْيِيزُها بَعْدَ ذَلِكَ عَنْ غَيْرِها مُحالًا، فَكانَ البَعْثُ مُحالًا. واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الشُّبْهَةَ ساقِطَةٌ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: لا نُسَلِّمُ أنَّ الإنْسانَ هو هَذا البَدَنُ فَلِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ شَيْءٌ مُدَبِّرٌ لِهَذا البَدَنِ، فَإذا فَسَدَ هَذا البَدَنُ بَقِيَ هو حَيًّا كَما كانَ. وحِينَئِذٍ يَكُونُ اللَّهُ تَعالى قادِرًا عَلى أنْ يَرُدَّهُ إلى أيِّ بَدَنٍ شاءَ وأرادَ، وعَلى هَذا القَوْلِ يَسْقُطُ السُّؤالُ، وفي الآيَةِ إشارَةٌ إلى هَذا لِأنَّهُ أقْسَمَ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ، ثُمَّ قالَ: ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ ألَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ﴾ وهو تَصْرِيحٌ بِالفَرْقِ بَيْنَ النَّفْسِ والبَدَنِ. الثّانِي: إنْ سَلَّمْنا أنَّ الإنْسانَ هو هَذا البَدَنُ فَلِمَ قُلْتُمْ: إنَّهُ بَعْدَ تَفْرِيقِ أجْزائِهِ لا يُمْكِنُ جَمْعُهُ مَرَّةً أُخْرى، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى عالِمٌ بِجَمِيعِ الجُزْئِيّاتِ فَيَكُونُ عالِمًا بِالجُزْءِ الَّذِي هو بَدَنُ عَمْرٍو، وهو تَعالى قادِرٌ عَلى كُلِّ المُمْكِناتِ وذَلِكَ التَّرْكِيبُ مِنَ المُمْكِناتِ، وإلّا لَما وُجِدَ أوَّلًا، فَيَلْزَمُ أنْ يَكُونَ قادِرًا عَلى تَرْكِيبِها. ومَتى ثَبَتَ كَوْنُهُ تَعالى عالِمًا بِجَمِيعِ الجُزْئِيّاتِ قادِرًا عَلى جَمِيعِ المُمْكِناتِ لا يَبْقى في المَسْألَةِ إشْكالٌ. وأمّا القِسْمُ الثّانِي: وهو إنْكارُ مَن أنْكَرَ المَعادَ بِناءً عَلى الشَّهْوَةِ فَهو الَّذِي حَكاهُ اللَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿بَلْ يُرِيدُ الإنْسانُ لِيَفْجُرَ أمامَهُ﴾ ومَعْناهُ أنَّ الإنْسانَ الَّذِي يَمِيلُ طَبْعُهُ إلى الِاسْتِرْسالِ في الشَّهَواتِ والِاسْتِكْثارِ مِنَ اللَّذّاتِ لا يَكادُ يُقِرُّ بِالحَشْرِ والنَّشْرِ وبَعْثِ الأمْواتِ لِئَلّا تَتَنَغَّصَ عَلَيْهِ اللَّذّاتُ الجُسْمانِيَّةُ، فَيَكُونُ أبَدًا مُنْكِرًا لِذَلِكَ قائِلًا عَلى سَبِيلِ الهُزُؤِ والسُّخْرِيَةِ ﴿أيّانَ يَوْمُ القِيامَةِ﴾ .

القيامة 75:6

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ يُرِيدُ الإنْسانُ لِيَفْجُرَ أمامَهُ﴾ اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿بَلْ يُرِيدُ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿أيَحْسَبُ﴾، فَيَجُوزُ فِيهِ أنْ يَكُونَ أيْضًا اسْتِفْهامًا كَأنَّهُ اسْتَفْهَمَ عَنْ شَيْءٍ ثُمَّ اسْتَفْهَمَ عَنْ شَيْءٍ آخَرَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ إيجابًا كَأنَّهُ اسْتَفْهَمَ أوَّلًا ثُمَّ أتى بِهَذا الإخْبارِ ثانِيًا. وقَوْلُهُ: ﴿لِيَفْجُرَ أمامَهُ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أيْ لِيَدُومَ عَلى فُجُورِهِ فِيما يَسْتَقْبِلُهُ مِنَ الزَّمانِ لا يَنْزِعُ عَنْهُ، وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: يُقَدِّمُ الذَّنْبَ ويُؤَخِّرُ التَّوْبَةَ، يَقُولُ: سَوْفَ أتُوبُ، حَتّى يَأْتِيَهُ المَوْتُ عَلى شَرِّ أحْوالِهِ وأسْوَأِ أعْمالِهِ. القَوْلُ الثّانِي: ﴿لِيَفْجُرَ أمامَهُ﴾ أيْ: لِيَكْذِبَ بِما أمامَهُ مِنَ البَعْثِ والحِسابِ، لِأنَّ مَن كَذَّبَ حَقًّا كانَ كاذِبًا وفاجِرًا صفحة ١٩٣ والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿يَسْألُ أيّانَ يَوْمُ القِيامَةِ﴾ فالمَعْنى: ﴿يُرِيدُ الإنْسانُ لِيَفْجُرَ أمامَهُ﴾ أيْ: لِيُكَذِّبَ بِيَوْمِ القِيامَةِ وهو أمامَهُ، فَهو يَسْألُ أيّانَ يَوْمُ القِيامَةِ، مَتى يَكُونُ ذَلِكَ تَكْذِيبًا لَهُ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿يَسْألُ أيّانَ يَوْمُ القِيامَةِ﴾ أيْ: يَسْألُ سُؤالَ مُسْتَنْعِتٍ مُسْتَبْعِدٍ لِقِيامِ السّاعَةِ في قَوْلِهِ: ﴿أيّانَ يَوْمُ القِيامَةِ﴾، ونَظِيرُهُ ﴿يَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ﴾ واعْلَمْ أنَّ إنْكارَ البَعْثِ تارَةً يَتَوَلَّدُ مِنَ الشُّبْهَةِ وأُخْرى مِنَ الشَّهْوَةِ. أمّا مِنَ الشُّبْهَةِ فَهو الَّذِي حَكاهُ اللَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ ألَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ﴾ وتَقْرِيرُهُ: أنَّ الإنْسانَ هو هَذا البَدَنُ، فَإذا ماتَ تَفَرَّقَتْ أجْزاءُ البَدَنِ واخْتَلَطَتْ تِلْكَ الأجْزاءُ بِسائِرِ أجْزاءِ التُّرابِ وتَفَرَّقَتْ في مَشارِقِ الأرْضِ ومَغارِبِها، فَكانَ تَمْيِيزُها بَعْدَ ذَلِكَ عَنْ غَيْرِها مُحالًا، فَكانَ البَعْثُ مُحالًا. واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الشُّبْهَةَ ساقِطَةٌ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: لا نُسَلِّمُ أنَّ الإنْسانَ هو هَذا البَدَنُ فَلِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ شَيْءٌ مُدَبِّرٌ لِهَذا البَدَنِ، فَإذا فَسَدَ هَذا البَدَنُ بَقِيَ هو حَيًّا كَما كانَ. وحِينَئِذٍ يَكُونُ اللَّهُ تَعالى قادِرًا عَلى أنْ يَرُدَّهُ إلى أيِّ بَدَنٍ شاءَ وأرادَ، وعَلى هَذا القَوْلِ يَسْقُطُ السُّؤالُ، وفي الآيَةِ إشارَةٌ إلى هَذا لِأنَّهُ أقْسَمَ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ، ثُمَّ قالَ: ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ ألَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ﴾ وهو تَصْرِيحٌ بِالفَرْقِ بَيْنَ النَّفْسِ والبَدَنِ. الثّانِي: إنْ سَلَّمْنا أنَّ الإنْسانَ هو هَذا البَدَنُ فَلِمَ قُلْتُمْ: إنَّهُ بَعْدَ تَفْرِيقِ أجْزائِهِ لا يُمْكِنُ جَمْعُهُ مَرَّةً أُخْرى، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى عالِمٌ بِجَمِيعِ الجُزْئِيّاتِ فَيَكُونُ عالِمًا بِالجُزْءِ الَّذِي هو بَدَنُ عَمْرٍو، وهو تَعالى قادِرٌ عَلى كُلِّ المُمْكِناتِ وذَلِكَ التَّرْكِيبُ مِنَ المُمْكِناتِ، وإلّا لَما وُجِدَ أوَّلًا، فَيَلْزَمُ أنْ يَكُونَ قادِرًا عَلى تَرْكِيبِها. ومَتى ثَبَتَ كَوْنُهُ تَعالى عالِمًا بِجَمِيعِ الجُزْئِيّاتِ قادِرًا عَلى جَمِيعِ المُمْكِناتِ لا يَبْقى في المَسْألَةِ إشْكالٌ. وأمّا القِسْمُ الثّانِي: وهو إنْكارُ مَن أنْكَرَ المَعادَ بِناءً عَلى الشَّهْوَةِ فَهو الَّذِي حَكاهُ اللَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿بَلْ يُرِيدُ الإنْسانُ لِيَفْجُرَ أمامَهُ﴾ ومَعْناهُ أنَّ الإنْسانَ الَّذِي يَمِيلُ طَبْعُهُ إلى الِاسْتِرْسالِ في الشَّهَواتِ والِاسْتِكْثارِ مِنَ اللَّذّاتِ لا يَكادُ يُقِرُّ بِالحَشْرِ والنَّشْرِ وبَعْثِ الأمْواتِ لِئَلّا تَتَنَغَّصَ عَلَيْهِ اللَّذّاتُ الجُسْمانِيَّةُ، فَيَكُونُ أبَدًا مُنْكِرًا لِذَلِكَ قائِلًا عَلى سَبِيلِ الهُزُؤِ والسُّخْرِيَةِ ﴿أيّانَ يَوْمُ القِيامَةِ﴾ .

القيامة 75:7

ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ عَلاماتِ القِيامَةِ فَقالَ: ﴿فَإذا بَرِقَ البَصَرُ﴾ ﴿وخَسَفَ القَمَرُ﴾ ﴿وجُمِعَ الشَّمْسُ والقَمَرُ﴾ ﴿يَقُولُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ أيْنَ المَفَرُّ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ مِن عَلاماتِ القِيامَةِ في هَذا المَوْضِعِ أُمُورًا ثَلاثَةً: أوَّلُها: قَوْلُهُ ﴿فَإذا بَرِقَ البَصَرُ﴾ قُرِئَ بِكَسْرِ الرّاءِ وفَتْحِها، قالَ الأخْفَشُ: المَكْسُورَةُ في كَلامِهِمْ أكْثَرُ والمَفْتُوحَةُ لُغَةٌ أيْضًا. قالَ الزَّجّاجُ: بَرِقَ بَصَرُهُ بِكَسْرِ الرّاءِ يَبْرُقُ بَرْقًا إذا تَحَيَّرَ، والأصْلُ فِيهِ أنْ يُكْثِرَ الإنْسانُ مِنَ النَّظَرِ إلى لَمَعانِ البَرْقِ، فَيُؤَثِّرُ ذَلِكَ في ناظِرِهِ، ثُمَّ يُسْتَعْمَلُ ذَلِكَ في كُلِّ حَيْرَةٍ، وإنْ لَمْ يَكُنْ هُناكَ نَظَرٌ إلى البَرْقِ، كَما قالُوا: قَمِرَ بَصَرُهُ إذا فَسَدَ مِنَ النَّظَرِ إلى القَمَرِ، ثُمَّ اسْتُعِيرَ في الحَيْرَةِ، وكَذَلِكَ بَعِلَ الرَّجُلُ في أمْرِهِ، أيْ تَحَيَّرَ ودَهِشَ، وأصْلُهُ مِن قَوْلِهِمْ: بَعَلَتِ المَرْأةُ إذا فاجَأها زَوْجُها، فَنَظَرَتْ إلَيْهِ وتَحَيَّرَتْ، وأمّا بَرَقَ بِفَتْحِ الرّاءِ، فَهو مِنَ البَرِيقِ، أيْ لَمَعَ مِن شِدَّةِ شُخُوصِهِ، وقَرَأ أبُو السَّمّالِ: ”بَلَقَ“ بِمَعْنى انْفَتَحَ، يُقالُ: بَلَقَ البابُ وأبْلَقْتُهُ وبَلَقْتُهُ فَتَحْتُهُ. صفحة ١٩٤ المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ هَذِهِ الحالَةَ: مَتى تَحْصُلُ ؟ فَقِيلَ: عِنْدَ المَوْتِ، وقِيلَ: عِنْدَ البَعْثِ، وقِيلَ: عِنْدَ رُؤْيَةِ جَهَنَّمَ، فَمَن قالَ: إنَّ هَذا يَكُونُ عِنْدَ المَوْتِ، قالَ: إنَّ البَصَرَ يَبْرُقُ عَلى مَعْنى يَشْخَصُ عِنْدَ مُعايَنَةِ أسْبابِ المَوْتِ والمَلائِكَةِ، كَما يُوجَدُ ذَلِكَ في كُلِّ واحِدٍ إذا قَرُبَ مَوْتُهُ، ومَن مالَ إلى هَذا التَّأْوِيلِ، قالَ: إنَّهم إنَّما سَألُوهُ عَنْ يَوْمِ القِيامَةِ، لَكِنَّهُ تَعالى ذَكَرَ هَذِهِ الحادِثَةَ عِنْدَ المَوْتِ، والسَّبَبُ فِيهِ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ المُنْكِرَ لَمّا قالَ: ﴿أيّانَ يَوْمُ القِيامَةِ﴾ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ فَقِيلَ لَهُ: إذا بَرِقَ البَصَرُ وقَرُبَ المَوْتُ زالَتْ عَنْهُ الشُّكُوكُ، وتَيَقَّنَ حِينَئِذٍ أنَّ الَّذِي كانَ عَلَيْهِ مِن إنْكارِ البَعْثِ والقِيامَةِ خَطَأٌ. الثّانِي: أنَّهُ إذا قَرُبَ مَوْتُهُ وبَرِقَ بَصَرُهُ تَيَقَّنَ أنَّ إنْكارَ البَعْثِ لِأجْلِ طَلَبِ اللَّذّاتِ الدُّنْيَوِيَّةِ كانَ باطِلًا، وأمّا مَن قالَ بِأنَّ ذَلِكَ إنَّما يَكُونُ عِنْدَ قِيامِ القِيامَةِ، قالَ: لِأنَّ السُّؤالَ إنَّما كانَ عَنْ يَوْمِ القِيامَةِ، فَوَجَبَ أنْ يَقَعَ الجَوابُ بِما يَكُونُ مِن خَواصِّهِ وآثارِهِ، قالَ تَعالى: ﴿إنَّما يُؤَخِّرُهم لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأبْصارُ﴾ . وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿وخَسَفَ القَمَرُ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن خُسُوفِ القَمَرِ ذَهابَ ضَوْئِهِ كَما نَعْقِلُهُ مِن حالِهِ إذا خَسَفَ في الدُّنْيا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ ذَهابَهُ بِنَفْسِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿فَخَسَفْنا بِهِ وبِدارِهِ الأرْضَ﴾ [ القَصَصِ: ٨١] . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قُرِئَ: ”وخُسِفَ القَمَرُ“ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ. وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿وجُمِعَ الشَّمْسُ والقَمَرُ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: ذَكَرُوا في كَيْفِيَّةِ الجَمْعِ وُجُوهًا: أحَدُها: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أنْ تُدْرِكَ القَمَرَ﴾ [ يس: ٤٠] فَإذا جاءَ وقْتُ القِيامَةِ أدْرَكَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما صاحِبَهُ واجْتَمَعا. وثانِيها: جُمِعا في ذَهابِ الضَّوْءِ، فَهو كَما يُقالُ: الشّافِعِيُّ يَجْمَعُ ما بَيْنَ كَذا وكَذا في حُكْمِ كَذا. وثالِثُها: يُجْمَعانِ أسْوَدَيْنِ مُكَوَّرَيْنِ كَأنَّهُما ثَوْرانِ عَقِيرانِ في النّارِ، وقِيلَ: يُجْمَعانِ ثُمَّ يُقْذَفانِ في البَحْرِ، فَهُناكَ نارُ اللَّهِ الكُبْرى. واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الوُجُوهَ الَّتِي ذَكَرْناها في قَوْلِهِ ﴿وخَسَفَ القَمَرُ﴾ ﴿وجُمِعَ الشَّمْسُ والقَمَرُ﴾ إنَّما تَسْتَقِيمُ عَلى مَذْهَبِ مَن يَجْعَلُ بَرْقَ البَصَرِ مِن عَلاماتِ القِيامَةِ، فَأمّا مَن يَجْعَلُ بَرْقَ البَصَرِ مِن عَلاماتِ المَوْتِ، قالَ: مَعْنى ﴿وخَسَفَ القَمَرُ﴾ أيْ ذَهَبَ ضَوْءُ البَصَرِ عِنْدَ المَوْتِ، يُقالُ: عَيْنٌ خاسِفَةٌ، إذا فُقِئَتْ حَتّى غابَتْ حَدَقَتُها في الرَّأْسِ، وأصْلُها مِن خَسَفَتِ الأرْضُ إذا ساخَتْ بِما عَلَيْها، وقَوْلُهُ: ﴿وجُمِعَ الشَّمْسُ والقَمَرُ﴾ كِنايَةٌ عَنْ ذَهابِ الرُّوحِ إلى عالَمِ الآخِرَةِ كَأنَّ الآخِرَةَ كالشَّمْسِ، فَإنَّهُ يَظْهَرُ فِيها المُغَيَّباتُ وتَتَّضِحُ فِيها المُبْهَماتُ، والرُّوحُ كالقَمَرِ فَإنَّهُ كَما أنَّ القَمَرَ يَقْبَلُ النُّورَ مِنَ الشَّمْسِ، فَكَذا الرُّوحُ تَقْبَلُ نُورَ المَعارِفِ مِن عالَمِ الآخِرَةِ، ولا شَكَّ أنَّ تَفْسِيرَ هَذِهِ الآياتِ بِعَلاماتِ القِيامَةِ أوْلى مِن تَفْسِيرِها بِعَلاماتِ المَوْتِ وأشَدُّ مُطابَقَةً لَها. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الفَرّاءُ: إنَّما قالَ ﴿جَمَعَ﴾ ولَمْ يَقُلْ: جُمِعَتْ؛ لِأنَّ المُرادَ أنَّهُ جُمِعَ بَيْنَهُما في زَوالِ النُّورِ وذَهابِ الضَّوْءِ، وقالَ الكِسائِيُّ: المَعْنى جُمِعَ النُّورانِ أوِ الضِّياءانِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: القَمَرُ شارَكَ الشَّمْسَ في الجَمْعِ، وهو مُذَكَّرٌ، فَلا جَرَمَ غَلَبَ جانِبُ التَّذْكِيرِ في اللَّفْظِ، قالَ الفَرّاءُ: قُلْتُ لِمَن نَصَرَ هَذا القَوْلَ: كَيْفَ تَقُولُونَ: الشَّمْسُ جُمِعَ والقَمَرُ ؟ فَقالُوا: جُمِعَتْ، فَقُلْتُ: ما الفَرْقُ بَيْنَ المَوْضِعَيْنِ ؟ فَرَجَعَ عَنْ هَذا القَوْلِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: طَعَنَتِ المَلاحِدَةُ في الآيَةِ، وقالُوا: خُسُوفُ القَمَرِ لا يَحْصُلُ حالَ اجْتِماعِ الشَّمْسِ والقَمَرِ. والجَوابُ: اللَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى أنْ يَجْعَلَ القَمَرَ مُنْخَسِفًا، سَواءٌ كانَتِ الأرْضُ مُتَوَسِّطَةً بَيْنَهُ وبَيْنَ الشَّمْسِ، أوْ لَمْ تَكُنْ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ الأجْسامَ مُتَماثِلَةٌ، فَيَصِحُّ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنها ما يَصِحُّ عَلى الآخَرِ صفحة ١٩٥ واللَّهُ قادِرٌ عَلى كُلِّ المُمْكِناتِ، فَوَجَبَ أنْ يَقْدِرَ عَلى إزالَةِ الضَّوْءِ عَنِ القَمَرِ في جَمِيعِ الأحْوالِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَقُولُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ أيْنَ المَفَرُّ﴾ أيْ: يَقُولُ هَذا الإنْسانُ المُنْكِرُ لِلْقِيامَةِ إذا عايَنَ هَذِهِ الأحْوالَ: أيْنَ المَفَرُّ ؟ والقِراءَةُ المَشْهُورَةُ بِفَتْحِ الفاءِ، وقُرِئَ أيْضًا بِكَسْرِ الفاءِ، والمَفَرُّ بِفَتْحِ الفاءِ هو الفِرارُ، قالَ الأخْفَشُ والزَّجّاجُ: المَصْدَرُ مِن فَعَلَ يَفْعَلُ مَفْتُوحَ العَيْنِ. وهو قَوْلُ جُمْهُورِ أهْلِ اللُّغَةِ، والمَعْنى أيْنَ الفِرارُ، وقَوْلُ القائِلِ: أيْنَ الفِرارُ ؟ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ لا يَرى عَلاماتِ مُكْنَةِ الفِرارِ فَيَقُولُ حِينَئِذٍ: أيْنَ الفِرارُ ؟ كَما إذا أيَسَ مِن وِجْدانِ زَيْدٍ يَقُولُ: أيْنَ زِيدٌ ؟ والثّانِي: أنْ يَكُونَ المَعْنى إلى أيْنَ الفِرارُ. وأمّا المَفِرُّ بِكَسْرِ الفاءِ فَهو المَوْضِعُ، فَزَعَمَ بَعْضُ أهْلِ اللُّغَةِ أنَّ المَفَرَّ بِفَتْحِ الفاءِ كَما يَكُونُ اسْمًا لِلْمَصْدَرِ، فَقَدْ يَكُونُ أيْضًا اسْمًا لِلْمَوْضِعِ، والمَفِرُّ بِكَسْرِ الفاءِ كَما يَكُونُ اسْمًا لِلْمَوْضِعِ، فَقَدْ يَكُونُ مَصْدَرًا، ونَظِيرُهُ المَرْجِعُ.

القيامة 75:8

ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ عَلاماتِ القِيامَةِ فَقالَ: ﴿فَإذا بَرِقَ البَصَرُ﴾ ﴿وخَسَفَ القَمَرُ﴾ ﴿وجُمِعَ الشَّمْسُ والقَمَرُ﴾ ﴿يَقُولُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ أيْنَ المَفَرُّ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ مِن عَلاماتِ القِيامَةِ في هَذا المَوْضِعِ أُمُورًا ثَلاثَةً: أوَّلُها: قَوْلُهُ ﴿فَإذا بَرِقَ البَصَرُ﴾ قُرِئَ بِكَسْرِ الرّاءِ وفَتْحِها، قالَ الأخْفَشُ: المَكْسُورَةُ في كَلامِهِمْ أكْثَرُ والمَفْتُوحَةُ لُغَةٌ أيْضًا. قالَ الزَّجّاجُ: بَرِقَ بَصَرُهُ بِكَسْرِ الرّاءِ يَبْرُقُ بَرْقًا إذا تَحَيَّرَ، والأصْلُ فِيهِ أنْ يُكْثِرَ الإنْسانُ مِنَ النَّظَرِ إلى لَمَعانِ البَرْقِ، فَيُؤَثِّرُ ذَلِكَ في ناظِرِهِ، ثُمَّ يُسْتَعْمَلُ ذَلِكَ في كُلِّ حَيْرَةٍ، وإنْ لَمْ يَكُنْ هُناكَ نَظَرٌ إلى البَرْقِ، كَما قالُوا: قَمِرَ بَصَرُهُ إذا فَسَدَ مِنَ النَّظَرِ إلى القَمَرِ، ثُمَّ اسْتُعِيرَ في الحَيْرَةِ، وكَذَلِكَ بَعِلَ الرَّجُلُ في أمْرِهِ، أيْ تَحَيَّرَ ودَهِشَ، وأصْلُهُ مِن قَوْلِهِمْ: بَعَلَتِ المَرْأةُ إذا فاجَأها زَوْجُها، فَنَظَرَتْ إلَيْهِ وتَحَيَّرَتْ، وأمّا بَرَقَ بِفَتْحِ الرّاءِ، فَهو مِنَ البَرِيقِ، أيْ لَمَعَ مِن شِدَّةِ شُخُوصِهِ، وقَرَأ أبُو السَّمّالِ: ”بَلَقَ“ بِمَعْنى انْفَتَحَ، يُقالُ: بَلَقَ البابُ وأبْلَقْتُهُ وبَلَقْتُهُ فَتَحْتُهُ. صفحة ١٩٤ المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ هَذِهِ الحالَةَ: مَتى تَحْصُلُ ؟ فَقِيلَ: عِنْدَ المَوْتِ، وقِيلَ: عِنْدَ البَعْثِ، وقِيلَ: عِنْدَ رُؤْيَةِ جَهَنَّمَ، فَمَن قالَ: إنَّ هَذا يَكُونُ عِنْدَ المَوْتِ، قالَ: إنَّ البَصَرَ يَبْرُقُ عَلى مَعْنى يَشْخَصُ عِنْدَ مُعايَنَةِ أسْبابِ المَوْتِ والمَلائِكَةِ، كَما يُوجَدُ ذَلِكَ في كُلِّ واحِدٍ إذا قَرُبَ مَوْتُهُ، ومَن مالَ إلى هَذا التَّأْوِيلِ، قالَ: إنَّهم إنَّما سَألُوهُ عَنْ يَوْمِ القِيامَةِ، لَكِنَّهُ تَعالى ذَكَرَ هَذِهِ الحادِثَةَ عِنْدَ المَوْتِ، والسَّبَبُ فِيهِ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ المُنْكِرَ لَمّا قالَ: ﴿أيّانَ يَوْمُ القِيامَةِ﴾ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ فَقِيلَ لَهُ: إذا بَرِقَ البَصَرُ وقَرُبَ المَوْتُ زالَتْ عَنْهُ الشُّكُوكُ، وتَيَقَّنَ حِينَئِذٍ أنَّ الَّذِي كانَ عَلَيْهِ مِن إنْكارِ البَعْثِ والقِيامَةِ خَطَأٌ. الثّانِي: أنَّهُ إذا قَرُبَ مَوْتُهُ وبَرِقَ بَصَرُهُ تَيَقَّنَ أنَّ إنْكارَ البَعْثِ لِأجْلِ طَلَبِ اللَّذّاتِ الدُّنْيَوِيَّةِ كانَ باطِلًا، وأمّا مَن قالَ بِأنَّ ذَلِكَ إنَّما يَكُونُ عِنْدَ قِيامِ القِيامَةِ، قالَ: لِأنَّ السُّؤالَ إنَّما كانَ عَنْ يَوْمِ القِيامَةِ، فَوَجَبَ أنْ يَقَعَ الجَوابُ بِما يَكُونُ مِن خَواصِّهِ وآثارِهِ، قالَ تَعالى: ﴿إنَّما يُؤَخِّرُهم لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأبْصارُ﴾ . وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿وخَسَفَ القَمَرُ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن خُسُوفِ القَمَرِ ذَهابَ ضَوْئِهِ كَما نَعْقِلُهُ مِن حالِهِ إذا خَسَفَ في الدُّنْيا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ ذَهابَهُ بِنَفْسِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿فَخَسَفْنا بِهِ وبِدارِهِ الأرْضَ﴾ [ القَصَصِ: ٨١] . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قُرِئَ: ”وخُسِفَ القَمَرُ“ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ. وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿وجُمِعَ الشَّمْسُ والقَمَرُ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: ذَكَرُوا في كَيْفِيَّةِ الجَمْعِ وُجُوهًا: أحَدُها: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أنْ تُدْرِكَ القَمَرَ﴾ [ يس: ٤٠] فَإذا جاءَ وقْتُ القِيامَةِ أدْرَكَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما صاحِبَهُ واجْتَمَعا. وثانِيها: جُمِعا في ذَهابِ الضَّوْءِ، فَهو كَما يُقالُ: الشّافِعِيُّ يَجْمَعُ ما بَيْنَ كَذا وكَذا في حُكْمِ كَذا. وثالِثُها: يُجْمَعانِ أسْوَدَيْنِ مُكَوَّرَيْنِ كَأنَّهُما ثَوْرانِ عَقِيرانِ في النّارِ، وقِيلَ: يُجْمَعانِ ثُمَّ يُقْذَفانِ في البَحْرِ، فَهُناكَ نارُ اللَّهِ الكُبْرى. واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الوُجُوهَ الَّتِي ذَكَرْناها في قَوْلِهِ ﴿وخَسَفَ القَمَرُ﴾ ﴿وجُمِعَ الشَّمْسُ والقَمَرُ﴾ إنَّما تَسْتَقِيمُ عَلى مَذْهَبِ مَن يَجْعَلُ بَرْقَ البَصَرِ مِن عَلاماتِ القِيامَةِ، فَأمّا مَن يَجْعَلُ بَرْقَ البَصَرِ مِن عَلاماتِ المَوْتِ، قالَ: مَعْنى ﴿وخَسَفَ القَمَرُ﴾ أيْ ذَهَبَ ضَوْءُ البَصَرِ عِنْدَ المَوْتِ، يُقالُ: عَيْنٌ خاسِفَةٌ، إذا فُقِئَتْ حَتّى غابَتْ حَدَقَتُها في الرَّأْسِ، وأصْلُها مِن خَسَفَتِ الأرْضُ إذا ساخَتْ بِما عَلَيْها، وقَوْلُهُ: ﴿وجُمِعَ الشَّمْسُ والقَمَرُ﴾ كِنايَةٌ عَنْ ذَهابِ الرُّوحِ إلى عالَمِ الآخِرَةِ كَأنَّ الآخِرَةَ كالشَّمْسِ، فَإنَّهُ يَظْهَرُ فِيها المُغَيَّباتُ وتَتَّضِحُ فِيها المُبْهَماتُ، والرُّوحُ كالقَمَرِ فَإنَّهُ كَما أنَّ القَمَرَ يَقْبَلُ النُّورَ مِنَ الشَّمْسِ، فَكَذا الرُّوحُ تَقْبَلُ نُورَ المَعارِفِ مِن عالَمِ الآخِرَةِ، ولا شَكَّ أنَّ تَفْسِيرَ هَذِهِ الآياتِ بِعَلاماتِ القِيامَةِ أوْلى مِن تَفْسِيرِها بِعَلاماتِ المَوْتِ وأشَدُّ مُطابَقَةً لَها. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الفَرّاءُ: إنَّما قالَ ﴿جَمَعَ﴾ ولَمْ يَقُلْ: جُمِعَتْ؛ لِأنَّ المُرادَ أنَّهُ جُمِعَ بَيْنَهُما في زَوالِ النُّورِ وذَهابِ الضَّوْءِ، وقالَ الكِسائِيُّ: المَعْنى جُمِعَ النُّورانِ أوِ الضِّياءانِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: القَمَرُ شارَكَ الشَّمْسَ في الجَمْعِ، وهو مُذَكَّرٌ، فَلا جَرَمَ غَلَبَ جانِبُ التَّذْكِيرِ في اللَّفْظِ، قالَ الفَرّاءُ: قُلْتُ لِمَن نَصَرَ هَذا القَوْلَ: كَيْفَ تَقُولُونَ: الشَّمْسُ جُمِعَ والقَمَرُ ؟ فَقالُوا: جُمِعَتْ، فَقُلْتُ: ما الفَرْقُ بَيْنَ المَوْضِعَيْنِ ؟ فَرَجَعَ عَنْ هَذا القَوْلِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: طَعَنَتِ المَلاحِدَةُ في الآيَةِ، وقالُوا: خُسُوفُ القَمَرِ لا يَحْصُلُ حالَ اجْتِماعِ الشَّمْسِ والقَمَرِ. والجَوابُ: اللَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى أنْ يَجْعَلَ القَمَرَ مُنْخَسِفًا، سَواءٌ كانَتِ الأرْضُ مُتَوَسِّطَةً بَيْنَهُ وبَيْنَ الشَّمْسِ، أوْ لَمْ تَكُنْ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ الأجْسامَ مُتَماثِلَةٌ، فَيَصِحُّ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنها ما يَصِحُّ عَلى الآخَرِ صفحة ١٩٥ واللَّهُ قادِرٌ عَلى كُلِّ المُمْكِناتِ، فَوَجَبَ أنْ يَقْدِرَ عَلى إزالَةِ الضَّوْءِ عَنِ القَمَرِ في جَمِيعِ الأحْوالِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَقُولُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ أيْنَ المَفَرُّ﴾ أيْ: يَقُولُ هَذا الإنْسانُ المُنْكِرُ لِلْقِيامَةِ إذا عايَنَ هَذِهِ الأحْوالَ: أيْنَ المَفَرُّ ؟ والقِراءَةُ المَشْهُورَةُ بِفَتْحِ الفاءِ، وقُرِئَ أيْضًا بِكَسْرِ الفاءِ، والمَفَرُّ بِفَتْحِ الفاءِ هو الفِرارُ، قالَ الأخْفَشُ والزَّجّاجُ: المَصْدَرُ مِن فَعَلَ يَفْعَلُ مَفْتُوحَ العَيْنِ. وهو قَوْلُ جُمْهُورِ أهْلِ اللُّغَةِ، والمَعْنى أيْنَ الفِرارُ، وقَوْلُ القائِلِ: أيْنَ الفِرارُ ؟ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ لا يَرى عَلاماتِ مُكْنَةِ الفِرارِ فَيَقُولُ حِينَئِذٍ: أيْنَ الفِرارُ ؟ كَما إذا أيَسَ مِن وِجْدانِ زَيْدٍ يَقُولُ: أيْنَ زِيدٌ ؟ والثّانِي: أنْ يَكُونَ المَعْنى إلى أيْنَ الفِرارُ. وأمّا المَفِرُّ بِكَسْرِ الفاءِ فَهو المَوْضِعُ، فَزَعَمَ بَعْضُ أهْلِ اللُّغَةِ أنَّ المَفَرَّ بِفَتْحِ الفاءِ كَما يَكُونُ اسْمًا لِلْمَصْدَرِ، فَقَدْ يَكُونُ أيْضًا اسْمًا لِلْمَوْضِعِ، والمَفِرُّ بِكَسْرِ الفاءِ كَما يَكُونُ اسْمًا لِلْمَوْضِعِ، فَقَدْ يَكُونُ مَصْدَرًا، ونَظِيرُهُ المَرْجِعُ.

القيامة 75:9

ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ عَلاماتِ القِيامَةِ فَقالَ: ﴿فَإذا بَرِقَ البَصَرُ﴾ ﴿وخَسَفَ القَمَرُ﴾ ﴿وجُمِعَ الشَّمْسُ والقَمَرُ﴾ ﴿يَقُولُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ أيْنَ المَفَرُّ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ مِن عَلاماتِ القِيامَةِ في هَذا المَوْضِعِ أُمُورًا ثَلاثَةً: أوَّلُها: قَوْلُهُ ﴿فَإذا بَرِقَ البَصَرُ﴾ قُرِئَ بِكَسْرِ الرّاءِ وفَتْحِها، قالَ الأخْفَشُ: المَكْسُورَةُ في كَلامِهِمْ أكْثَرُ والمَفْتُوحَةُ لُغَةٌ أيْضًا. قالَ الزَّجّاجُ: بَرِقَ بَصَرُهُ بِكَسْرِ الرّاءِ يَبْرُقُ بَرْقًا إذا تَحَيَّرَ، والأصْلُ فِيهِ أنْ يُكْثِرَ الإنْسانُ مِنَ النَّظَرِ إلى لَمَعانِ البَرْقِ، فَيُؤَثِّرُ ذَلِكَ في ناظِرِهِ، ثُمَّ يُسْتَعْمَلُ ذَلِكَ في كُلِّ حَيْرَةٍ، وإنْ لَمْ يَكُنْ هُناكَ نَظَرٌ إلى البَرْقِ، كَما قالُوا: قَمِرَ بَصَرُهُ إذا فَسَدَ مِنَ النَّظَرِ إلى القَمَرِ، ثُمَّ اسْتُعِيرَ في الحَيْرَةِ، وكَذَلِكَ بَعِلَ الرَّجُلُ في أمْرِهِ، أيْ تَحَيَّرَ ودَهِشَ، وأصْلُهُ مِن قَوْلِهِمْ: بَعَلَتِ المَرْأةُ إذا فاجَأها زَوْجُها، فَنَظَرَتْ إلَيْهِ وتَحَيَّرَتْ، وأمّا بَرَقَ بِفَتْحِ الرّاءِ، فَهو مِنَ البَرِيقِ، أيْ لَمَعَ مِن شِدَّةِ شُخُوصِهِ، وقَرَأ أبُو السَّمّالِ: ”بَلَقَ“ بِمَعْنى انْفَتَحَ، يُقالُ: بَلَقَ البابُ وأبْلَقْتُهُ وبَلَقْتُهُ فَتَحْتُهُ. صفحة ١٩٤ المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ هَذِهِ الحالَةَ: مَتى تَحْصُلُ ؟ فَقِيلَ: عِنْدَ المَوْتِ، وقِيلَ: عِنْدَ البَعْثِ، وقِيلَ: عِنْدَ رُؤْيَةِ جَهَنَّمَ، فَمَن قالَ: إنَّ هَذا يَكُونُ عِنْدَ المَوْتِ، قالَ: إنَّ البَصَرَ يَبْرُقُ عَلى مَعْنى يَشْخَصُ عِنْدَ مُعايَنَةِ أسْبابِ المَوْتِ والمَلائِكَةِ، كَما يُوجَدُ ذَلِكَ في كُلِّ واحِدٍ إذا قَرُبَ مَوْتُهُ، ومَن مالَ إلى هَذا التَّأْوِيلِ، قالَ: إنَّهم إنَّما سَألُوهُ عَنْ يَوْمِ القِيامَةِ، لَكِنَّهُ تَعالى ذَكَرَ هَذِهِ الحادِثَةَ عِنْدَ المَوْتِ، والسَّبَبُ فِيهِ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ المُنْكِرَ لَمّا قالَ: ﴿أيّانَ يَوْمُ القِيامَةِ﴾ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ فَقِيلَ لَهُ: إذا بَرِقَ البَصَرُ وقَرُبَ المَوْتُ زالَتْ عَنْهُ الشُّكُوكُ، وتَيَقَّنَ حِينَئِذٍ أنَّ الَّذِي كانَ عَلَيْهِ مِن إنْكارِ البَعْثِ والقِيامَةِ خَطَأٌ. الثّانِي: أنَّهُ إذا قَرُبَ مَوْتُهُ وبَرِقَ بَصَرُهُ تَيَقَّنَ أنَّ إنْكارَ البَعْثِ لِأجْلِ طَلَبِ اللَّذّاتِ الدُّنْيَوِيَّةِ كانَ باطِلًا، وأمّا مَن قالَ بِأنَّ ذَلِكَ إنَّما يَكُونُ عِنْدَ قِيامِ القِيامَةِ، قالَ: لِأنَّ السُّؤالَ إنَّما كانَ عَنْ يَوْمِ القِيامَةِ، فَوَجَبَ أنْ يَقَعَ الجَوابُ بِما يَكُونُ مِن خَواصِّهِ وآثارِهِ، قالَ تَعالى: ﴿إنَّما يُؤَخِّرُهم لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأبْصارُ﴾ . وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿وخَسَفَ القَمَرُ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن خُسُوفِ القَمَرِ ذَهابَ ضَوْئِهِ كَما نَعْقِلُهُ مِن حالِهِ إذا خَسَفَ في الدُّنْيا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ ذَهابَهُ بِنَفْسِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿فَخَسَفْنا بِهِ وبِدارِهِ الأرْضَ﴾ [ القَصَصِ: ٨١] . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قُرِئَ: ”وخُسِفَ القَمَرُ“ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ. وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿وجُمِعَ الشَّمْسُ والقَمَرُ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: ذَكَرُوا في كَيْفِيَّةِ الجَمْعِ وُجُوهًا: أحَدُها: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أنْ تُدْرِكَ القَمَرَ﴾ [ يس: ٤٠] فَإذا جاءَ وقْتُ القِيامَةِ أدْرَكَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما صاحِبَهُ واجْتَمَعا. وثانِيها: جُمِعا في ذَهابِ الضَّوْءِ، فَهو كَما يُقالُ: الشّافِعِيُّ يَجْمَعُ ما بَيْنَ كَذا وكَذا في حُكْمِ كَذا. وثالِثُها: يُجْمَعانِ أسْوَدَيْنِ مُكَوَّرَيْنِ كَأنَّهُما ثَوْرانِ عَقِيرانِ في النّارِ، وقِيلَ: يُجْمَعانِ ثُمَّ يُقْذَفانِ في البَحْرِ، فَهُناكَ نارُ اللَّهِ الكُبْرى. واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الوُجُوهَ الَّتِي ذَكَرْناها في قَوْلِهِ ﴿وخَسَفَ القَمَرُ﴾ ﴿وجُمِعَ الشَّمْسُ والقَمَرُ﴾ إنَّما تَسْتَقِيمُ عَلى مَذْهَبِ مَن يَجْعَلُ بَرْقَ البَصَرِ مِن عَلاماتِ القِيامَةِ، فَأمّا مَن يَجْعَلُ بَرْقَ البَصَرِ مِن عَلاماتِ المَوْتِ، قالَ: مَعْنى ﴿وخَسَفَ القَمَرُ﴾ أيْ ذَهَبَ ضَوْءُ البَصَرِ عِنْدَ المَوْتِ، يُقالُ: عَيْنٌ خاسِفَةٌ، إذا فُقِئَتْ حَتّى غابَتْ حَدَقَتُها في الرَّأْسِ، وأصْلُها مِن خَسَفَتِ الأرْضُ إذا ساخَتْ بِما عَلَيْها، وقَوْلُهُ: ﴿وجُمِعَ الشَّمْسُ والقَمَرُ﴾ كِنايَةٌ عَنْ ذَهابِ الرُّوحِ إلى عالَمِ الآخِرَةِ كَأنَّ الآخِرَةَ كالشَّمْسِ، فَإنَّهُ يَظْهَرُ فِيها المُغَيَّباتُ وتَتَّضِحُ فِيها المُبْهَماتُ، والرُّوحُ كالقَمَرِ فَإنَّهُ كَما أنَّ القَمَرَ يَقْبَلُ النُّورَ مِنَ الشَّمْسِ، فَكَذا الرُّوحُ تَقْبَلُ نُورَ المَعارِفِ مِن عالَمِ الآخِرَةِ، ولا شَكَّ أنَّ تَفْسِيرَ هَذِهِ الآياتِ بِعَلاماتِ القِيامَةِ أوْلى مِن تَفْسِيرِها بِعَلاماتِ المَوْتِ وأشَدُّ مُطابَقَةً لَها. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الفَرّاءُ: إنَّما قالَ ﴿جَمَعَ﴾ ولَمْ يَقُلْ: جُمِعَتْ؛ لِأنَّ المُرادَ أنَّهُ جُمِعَ بَيْنَهُما في زَوالِ النُّورِ وذَهابِ الضَّوْءِ، وقالَ الكِسائِيُّ: المَعْنى جُمِعَ النُّورانِ أوِ الضِّياءانِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: القَمَرُ شارَكَ الشَّمْسَ في الجَمْعِ، وهو مُذَكَّرٌ، فَلا جَرَمَ غَلَبَ جانِبُ التَّذْكِيرِ في اللَّفْظِ، قالَ الفَرّاءُ: قُلْتُ لِمَن نَصَرَ هَذا القَوْلَ: كَيْفَ تَقُولُونَ: الشَّمْسُ جُمِعَ والقَمَرُ ؟ فَقالُوا: جُمِعَتْ، فَقُلْتُ: ما الفَرْقُ بَيْنَ المَوْضِعَيْنِ ؟ فَرَجَعَ عَنْ هَذا القَوْلِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: طَعَنَتِ المَلاحِدَةُ في الآيَةِ، وقالُوا: خُسُوفُ القَمَرِ لا يَحْصُلُ حالَ اجْتِماعِ الشَّمْسِ والقَمَرِ. والجَوابُ: اللَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى أنْ يَجْعَلَ القَمَرَ مُنْخَسِفًا، سَواءٌ كانَتِ الأرْضُ مُتَوَسِّطَةً بَيْنَهُ وبَيْنَ الشَّمْسِ، أوْ لَمْ تَكُنْ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ الأجْسامَ مُتَماثِلَةٌ، فَيَصِحُّ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنها ما يَصِحُّ عَلى الآخَرِ صفحة ١٩٥ واللَّهُ قادِرٌ عَلى كُلِّ المُمْكِناتِ، فَوَجَبَ أنْ يَقْدِرَ عَلى إزالَةِ الضَّوْءِ عَنِ القَمَرِ في جَمِيعِ الأحْوالِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَقُولُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ أيْنَ المَفَرُّ﴾ أيْ: يَقُولُ هَذا الإنْسانُ المُنْكِرُ لِلْقِيامَةِ إذا عايَنَ هَذِهِ الأحْوالَ: أيْنَ المَفَرُّ ؟ والقِراءَةُ المَشْهُورَةُ بِفَتْحِ الفاءِ، وقُرِئَ أيْضًا بِكَسْرِ الفاءِ، والمَفَرُّ بِفَتْحِ الفاءِ هو الفِرارُ، قالَ الأخْفَشُ والزَّجّاجُ: المَصْدَرُ مِن فَعَلَ يَفْعَلُ مَفْتُوحَ العَيْنِ. وهو قَوْلُ جُمْهُورِ أهْلِ اللُّغَةِ، والمَعْنى أيْنَ الفِرارُ، وقَوْلُ القائِلِ: أيْنَ الفِرارُ ؟ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ لا يَرى عَلاماتِ مُكْنَةِ الفِرارِ فَيَقُولُ حِينَئِذٍ: أيْنَ الفِرارُ ؟ كَما إذا أيَسَ مِن وِجْدانِ زَيْدٍ يَقُولُ: أيْنَ زِيدٌ ؟ والثّانِي: أنْ يَكُونَ المَعْنى إلى أيْنَ الفِرارُ. وأمّا المَفِرُّ بِكَسْرِ الفاءِ فَهو المَوْضِعُ، فَزَعَمَ بَعْضُ أهْلِ اللُّغَةِ أنَّ المَفَرَّ بِفَتْحِ الفاءِ كَما يَكُونُ اسْمًا لِلْمَصْدَرِ، فَقَدْ يَكُونُ أيْضًا اسْمًا لِلْمَوْضِعِ، والمَفِرُّ بِكَسْرِ الفاءِ كَما يَكُونُ اسْمًا لِلْمَوْضِعِ، فَقَدْ يَكُونُ مَصْدَرًا، ونَظِيرُهُ المَرْجِعُ.

القيامة 75:10

ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ عَلاماتِ القِيامَةِ فَقالَ: ﴿فَإذا بَرِقَ البَصَرُ﴾ ﴿وخَسَفَ القَمَرُ﴾ ﴿وجُمِعَ الشَّمْسُ والقَمَرُ﴾ ﴿يَقُولُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ أيْنَ المَفَرُّ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ مِن عَلاماتِ القِيامَةِ في هَذا المَوْضِعِ أُمُورًا ثَلاثَةً: أوَّلُها: قَوْلُهُ ﴿فَإذا بَرِقَ البَصَرُ﴾ قُرِئَ بِكَسْرِ الرّاءِ وفَتْحِها، قالَ الأخْفَشُ: المَكْسُورَةُ في كَلامِهِمْ أكْثَرُ والمَفْتُوحَةُ لُغَةٌ أيْضًا. قالَ الزَّجّاجُ: بَرِقَ بَصَرُهُ بِكَسْرِ الرّاءِ يَبْرُقُ بَرْقًا إذا تَحَيَّرَ، والأصْلُ فِيهِ أنْ يُكْثِرَ الإنْسانُ مِنَ النَّظَرِ إلى لَمَعانِ البَرْقِ، فَيُؤَثِّرُ ذَلِكَ في ناظِرِهِ، ثُمَّ يُسْتَعْمَلُ ذَلِكَ في كُلِّ حَيْرَةٍ، وإنْ لَمْ يَكُنْ هُناكَ نَظَرٌ إلى البَرْقِ، كَما قالُوا: قَمِرَ بَصَرُهُ إذا فَسَدَ مِنَ النَّظَرِ إلى القَمَرِ، ثُمَّ اسْتُعِيرَ في الحَيْرَةِ، وكَذَلِكَ بَعِلَ الرَّجُلُ في أمْرِهِ، أيْ تَحَيَّرَ ودَهِشَ، وأصْلُهُ مِن قَوْلِهِمْ: بَعَلَتِ المَرْأةُ إذا فاجَأها زَوْجُها، فَنَظَرَتْ إلَيْهِ وتَحَيَّرَتْ، وأمّا بَرَقَ بِفَتْحِ الرّاءِ، فَهو مِنَ البَرِيقِ، أيْ لَمَعَ مِن شِدَّةِ شُخُوصِهِ، وقَرَأ أبُو السَّمّالِ: ”بَلَقَ“ بِمَعْنى انْفَتَحَ، يُقالُ: بَلَقَ البابُ وأبْلَقْتُهُ وبَلَقْتُهُ فَتَحْتُهُ. صفحة ١٩٤ المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ هَذِهِ الحالَةَ: مَتى تَحْصُلُ ؟ فَقِيلَ: عِنْدَ المَوْتِ، وقِيلَ: عِنْدَ البَعْثِ، وقِيلَ: عِنْدَ رُؤْيَةِ جَهَنَّمَ، فَمَن قالَ: إنَّ هَذا يَكُونُ عِنْدَ المَوْتِ، قالَ: إنَّ البَصَرَ يَبْرُقُ عَلى مَعْنى يَشْخَصُ عِنْدَ مُعايَنَةِ أسْبابِ المَوْتِ والمَلائِكَةِ، كَما يُوجَدُ ذَلِكَ في كُلِّ واحِدٍ إذا قَرُبَ مَوْتُهُ، ومَن مالَ إلى هَذا التَّأْوِيلِ، قالَ: إنَّهم إنَّما سَألُوهُ عَنْ يَوْمِ القِيامَةِ، لَكِنَّهُ تَعالى ذَكَرَ هَذِهِ الحادِثَةَ عِنْدَ المَوْتِ، والسَّبَبُ فِيهِ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ المُنْكِرَ لَمّا قالَ: ﴿أيّانَ يَوْمُ القِيامَةِ﴾ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ فَقِيلَ لَهُ: إذا بَرِقَ البَصَرُ وقَرُبَ المَوْتُ زالَتْ عَنْهُ الشُّكُوكُ، وتَيَقَّنَ حِينَئِذٍ أنَّ الَّذِي كانَ عَلَيْهِ مِن إنْكارِ البَعْثِ والقِيامَةِ خَطَأٌ. الثّانِي: أنَّهُ إذا قَرُبَ مَوْتُهُ وبَرِقَ بَصَرُهُ تَيَقَّنَ أنَّ إنْكارَ البَعْثِ لِأجْلِ طَلَبِ اللَّذّاتِ الدُّنْيَوِيَّةِ كانَ باطِلًا، وأمّا مَن قالَ بِأنَّ ذَلِكَ إنَّما يَكُونُ عِنْدَ قِيامِ القِيامَةِ، قالَ: لِأنَّ السُّؤالَ إنَّما كانَ عَنْ يَوْمِ القِيامَةِ، فَوَجَبَ أنْ يَقَعَ الجَوابُ بِما يَكُونُ مِن خَواصِّهِ وآثارِهِ، قالَ تَعالى: ﴿إنَّما يُؤَخِّرُهم لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأبْصارُ﴾ . وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿وخَسَفَ القَمَرُ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن خُسُوفِ القَمَرِ ذَهابَ ضَوْئِهِ كَما نَعْقِلُهُ مِن حالِهِ إذا خَسَفَ في الدُّنْيا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ ذَهابَهُ بِنَفْسِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿فَخَسَفْنا بِهِ وبِدارِهِ الأرْضَ﴾ [ القَصَصِ: ٨١] . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قُرِئَ: ”وخُسِفَ القَمَرُ“ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ. وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿وجُمِعَ الشَّمْسُ والقَمَرُ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: ذَكَرُوا في كَيْفِيَّةِ الجَمْعِ وُجُوهًا: أحَدُها: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أنْ تُدْرِكَ القَمَرَ﴾ [ يس: ٤٠] فَإذا جاءَ وقْتُ القِيامَةِ أدْرَكَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما صاحِبَهُ واجْتَمَعا. وثانِيها: جُمِعا في ذَهابِ الضَّوْءِ، فَهو كَما يُقالُ: الشّافِعِيُّ يَجْمَعُ ما بَيْنَ كَذا وكَذا في حُكْمِ كَذا. وثالِثُها: يُجْمَعانِ أسْوَدَيْنِ مُكَوَّرَيْنِ كَأنَّهُما ثَوْرانِ عَقِيرانِ في النّارِ، وقِيلَ: يُجْمَعانِ ثُمَّ يُقْذَفانِ في البَحْرِ، فَهُناكَ نارُ اللَّهِ الكُبْرى. واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الوُجُوهَ الَّتِي ذَكَرْناها في قَوْلِهِ ﴿وخَسَفَ القَمَرُ﴾ ﴿وجُمِعَ الشَّمْسُ والقَمَرُ﴾ إنَّما تَسْتَقِيمُ عَلى مَذْهَبِ مَن يَجْعَلُ بَرْقَ البَصَرِ مِن عَلاماتِ القِيامَةِ، فَأمّا مَن يَجْعَلُ بَرْقَ البَصَرِ مِن عَلاماتِ المَوْتِ، قالَ: مَعْنى ﴿وخَسَفَ القَمَرُ﴾ أيْ ذَهَبَ ضَوْءُ البَصَرِ عِنْدَ المَوْتِ، يُقالُ: عَيْنٌ خاسِفَةٌ، إذا فُقِئَتْ حَتّى غابَتْ حَدَقَتُها في الرَّأْسِ، وأصْلُها مِن خَسَفَتِ الأرْضُ إذا ساخَتْ بِما عَلَيْها، وقَوْلُهُ: ﴿وجُمِعَ الشَّمْسُ والقَمَرُ﴾ كِنايَةٌ عَنْ ذَهابِ الرُّوحِ إلى عالَمِ الآخِرَةِ كَأنَّ الآخِرَةَ كالشَّمْسِ، فَإنَّهُ يَظْهَرُ فِيها المُغَيَّباتُ وتَتَّضِحُ فِيها المُبْهَماتُ، والرُّوحُ كالقَمَرِ فَإنَّهُ كَما أنَّ القَمَرَ يَقْبَلُ النُّورَ مِنَ الشَّمْسِ، فَكَذا الرُّوحُ تَقْبَلُ نُورَ المَعارِفِ مِن عالَمِ الآخِرَةِ، ولا شَكَّ أنَّ تَفْسِيرَ هَذِهِ الآياتِ بِعَلاماتِ القِيامَةِ أوْلى مِن تَفْسِيرِها بِعَلاماتِ المَوْتِ وأشَدُّ مُطابَقَةً لَها. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الفَرّاءُ: إنَّما قالَ ﴿جَمَعَ﴾ ولَمْ يَقُلْ: جُمِعَتْ؛ لِأنَّ المُرادَ أنَّهُ جُمِعَ بَيْنَهُما في زَوالِ النُّورِ وذَهابِ الضَّوْءِ، وقالَ الكِسائِيُّ: المَعْنى جُمِعَ النُّورانِ أوِ الضِّياءانِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: القَمَرُ شارَكَ الشَّمْسَ في الجَمْعِ، وهو مُذَكَّرٌ، فَلا جَرَمَ غَلَبَ جانِبُ التَّذْكِيرِ في اللَّفْظِ، قالَ الفَرّاءُ: قُلْتُ لِمَن نَصَرَ هَذا القَوْلَ: كَيْفَ تَقُولُونَ: الشَّمْسُ جُمِعَ والقَمَرُ ؟ فَقالُوا: جُمِعَتْ، فَقُلْتُ: ما الفَرْقُ بَيْنَ المَوْضِعَيْنِ ؟ فَرَجَعَ عَنْ هَذا القَوْلِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: طَعَنَتِ المَلاحِدَةُ في الآيَةِ، وقالُوا: خُسُوفُ القَمَرِ لا يَحْصُلُ حالَ اجْتِماعِ الشَّمْسِ والقَمَرِ. والجَوابُ: اللَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى أنْ يَجْعَلَ القَمَرَ مُنْخَسِفًا، سَواءٌ كانَتِ الأرْضُ مُتَوَسِّطَةً بَيْنَهُ وبَيْنَ الشَّمْسِ، أوْ لَمْ تَكُنْ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ الأجْسامَ مُتَماثِلَةٌ، فَيَصِحُّ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنها ما يَصِحُّ عَلى الآخَرِ صفحة ١٩٥ واللَّهُ قادِرٌ عَلى كُلِّ المُمْكِناتِ، فَوَجَبَ أنْ يَقْدِرَ عَلى إزالَةِ الضَّوْءِ عَنِ القَمَرِ في جَمِيعِ الأحْوالِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَقُولُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ أيْنَ المَفَرُّ﴾ أيْ: يَقُولُ هَذا الإنْسانُ المُنْكِرُ لِلْقِيامَةِ إذا عايَنَ هَذِهِ الأحْوالَ: أيْنَ المَفَرُّ ؟ والقِراءَةُ المَشْهُورَةُ بِفَتْحِ الفاءِ، وقُرِئَ أيْضًا بِكَسْرِ الفاءِ، والمَفَرُّ بِفَتْحِ الفاءِ هو الفِرارُ، قالَ الأخْفَشُ والزَّجّاجُ: المَصْدَرُ مِن فَعَلَ يَفْعَلُ مَفْتُوحَ العَيْنِ. وهو قَوْلُ جُمْهُورِ أهْلِ اللُّغَةِ، والمَعْنى أيْنَ الفِرارُ، وقَوْلُ القائِلِ: أيْنَ الفِرارُ ؟ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ لا يَرى عَلاماتِ مُكْنَةِ الفِرارِ فَيَقُولُ حِينَئِذٍ: أيْنَ الفِرارُ ؟ كَما إذا أيَسَ مِن وِجْدانِ زَيْدٍ يَقُولُ: أيْنَ زِيدٌ ؟ والثّانِي: أنْ يَكُونَ المَعْنى إلى أيْنَ الفِرارُ. وأمّا المَفِرُّ بِكَسْرِ الفاءِ فَهو المَوْضِعُ، فَزَعَمَ بَعْضُ أهْلِ اللُّغَةِ أنَّ المَفَرَّ بِفَتْحِ الفاءِ كَما يَكُونُ اسْمًا لِلْمَصْدَرِ، فَقَدْ يَكُونُ أيْضًا اسْمًا لِلْمَوْضِعِ، والمَفِرُّ بِكَسْرِ الفاءِ كَما يَكُونُ اسْمًا لِلْمَوْضِعِ، فَقَدْ يَكُونُ مَصْدَرًا، ونَظِيرُهُ المَرْجِعُ.

القيامة 75:11

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلّا﴾ وهو رَدْعٌ عَنْ طَلَبِ المَفَرِّ ﴿لا وزَرَ﴾ قالَ المُبَرِّدُ والزَّجّاجُ: أصْلُ الوَزَرِ الجَبَلُ المَنِيعُ، ثُمَّ يُقالُ لِكُلِّ ما التَجَأْتَ إلَيْهِ وتَحَصَّنْتَ بِهِ وزَرٌ، وأنْشَدَ المُبَرِّدُ قَوْلَ كَعْبِ بْنِ مالِكٍ: النّاسُ آلَتْ عَلَيْنا فِيكَ لَيْسَ لَنا إلّا السُّيُوفَ وأطْرافَ القَنا وزَرُ ومَعْنى الآيَةِ أنَّهُ لا شَيْءَ يُعْتَصَمُ بِهِ مِن أمْرِ اللَّهِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المُسْتَقَرُّ﴾ وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ المُسْتَقَرُّ بِمَعْنى الِاسْتِقْرارِ، بِمَعْنى أنَّهم لا يَقْدِرُونَ أنْ يَسْتَقِرُّوا إلى غَيْرِهِ، ويَنْصَبُّوا إلى غَيْرِهِ، كَما قالَ: ﴿إنَّ إلى رَبِّكَ الرُّجْعى﴾ [ العَلَقِ: ٨] ﴿وإلى اللَّهِ المَصِيرُ﴾ [ فاطِرٍ: ١٨] ﴿ألا إلى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ﴾ [الشُّورى: ٥٣] ﴿وأنَّ إلى رَبِّكَ المُنْتَهى﴾ [ النَّجْمِ: ٤٢] . الثّانِي: أنْ يَكُونَ المَعْنى إلى رَبِّكَ مُسْتَقَرُّهم، أيْ مَوْضِعُ قَرارِهِمْ مِن جَنَّةٍ أوْ نارٍ، أيْ مُفَوَّضُ ذَلِكَ إلى مَشِيئَتِهِ مَن شاءَ أدْخَلَهُ الجَنَّةَ، ومَن شاءَ أدْخَلَهُ النّارَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُنَبَّأُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وأخَّرَ﴾ بِما قَدَّمَ مِن عَمَلٍ عَمِلَهُ، وبِما أخَّرَ مِن عَمَلٍ لَمْ يَعْمَلْهُ، أوْ بِما قَدَّمَ مِن مالِهِ فَتَصَدَّقَ بِهِ وبِما أخَّرَهُ فَخَلَّفَهُ، أوْ بِما قَدَّمَ مِن عَمَلِ الخَيْرِ والشَّرِّ وبِما أخَّرَ مِن سُنَّةٍ حَسَنَةٍ أوْ سَيِّئَةٍ، فَعُمِلَ بِها بَعْدَهُ، وعَنْ مُجاهِدٍ: أنَّهُ مُفَسَّرٌ بِأوَّلِ العَمَلِ وآخِرِهِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿فَيُنَبِّئُهم بِما عَمِلُوا أحْصاهُ اللَّهُ ونَسُوهُ﴾ [ المُجادَلَةِ: ٦] وقالَ: ﴿ونَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وآثارَهُمْ﴾ [ يس: ١٢] واعْلَمْ أنَّ الأظْهَرَ أنَّ هَذا الإنْباءَ يَكُونُ يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ العَرْضِ والمُحاسَبَةِ ووَزْنِ الأعْمالِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عِنْدَ المَوْتِ وذَلِكَ أنَّهُ إذا ماتَ بُيِّنَ لَهُ مَقْعَدُهُ مِنَ الجَنَّةِ والنّارِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلِ الإنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: يُنَبَّأُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِأعْمالِهِ، قالَ: بَلْ لا يَحْتاجُ إلى أنْ يُنَبِّئَهُ غَيْرُهُ، وذَلِكَ لِأنَّ نَفْسَهُ شاهِدَةٌ بِكَوْنِهِ فاعِلًا لِتِلْكَ الأفْعالِ، مُقْدِمًا عَلَيْها، ثُمَّ في قَوْلِهِ: ﴿بَصِيرَةٌ﴾ وجْهانِ: الأوَّلُ: قالَ الأخْفَشُ: جَعَلَهُ في نَفْسِهِ بَصِيرَةً كَما يُقالُ: فُلانٌ جُودٌ وكَرَمٌ، فَهَهُنا أيْضًا كَذَلِكَ، لِأنَّ الإنْسانَ بِضَرُورَةِ عَقْلِهِ يَعْلَمُ صفحة ١٩٦ أنَّ ما يُقَرِّبُهُ إلى اللَّهِ ويَشْغَلُهُ بِطاعَتِهِ وخِدْمَتِهِ فَهو السَّعادَةُ، وما يُبْعِدُهُ عَنْ طاعَةِ اللَّهِ ويَشْغَلُهُ بِالدُّنْيا ولَذّاتِها فَهو الشَّقاوَةُ، فَهَبْ أنَّهُ بِلِسانِهِ يُرَوِّجُ ويُزَوِّرُ ويَرى الحَقَّ في صُورَةِ الباطِلِ والباطِلَ في صُورَةِ الحَقِّ، لَكِنَّهُ بِعَقْلِهِ السَّلِيمِ يَعْلَمُ أنَّ الَّذِي هو عَلَيْهِ في ظاهِرِهِ جَيِّدٌ أوْ رَدِيءٌ. والثّانِي: أنَّ المُرادَ جَوارِحُهُ تَشْهَدُ عَلَيْهِ بِما عَمِلَ فَهو شاهِدٌ عَلى نَفْسِهِ بِشَهادَةِ جَوارِحِهِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ومُقاتِلٍ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ ألْسِنَتُهم وأيْدِيهِمْ وأرْجُلُهُمْ﴾ [ النُّورِ: ٢٤] وقَوْلِهِ: ﴿وتُكَلِّمُنا أيْدِيهِمْ وتَشْهَدُ أرْجُلُهُمْ﴾ [ يس: ٦٥] وقَوْلِهِ: ﴿شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهم وأبْصارُهم وجُلُودُهُمْ﴾ [ فُصِّلَتْ: ٢٠] فَأمّا تَأْنِيثُ البَصِيرَةِ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِأنَّ المُرادَ بِالإنْسانِ هَهُنا الجَوارِحُ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: بَلْ جَوارِحُ الإنْسانِ، كَأنَّهُ قِيلَ: بَلْ جَوارِحُ الإنْسانِ عَلى نَفْسِ الإنْسانِ بَصِيرَةٌ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هَذِهِ الهاءُ لِأجْلِ المُبالَغَةِ كَقَوْلِهِ: رَجُلٌ راوِيَةٌ وطاغِيَةٌ وعَلّامَةٌ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في الآيَةِ الأُولى أنَّ الإنْسانَ يُخْبَرُ يَوْمَ القِيامَةِ بِأعْمالِهِ. ثُمَّ ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ شاهِدٌ عَلى نَفْسِهِ بِما عَمِلَ، فَقالَ الواحِدِيُّ: هَذا يَكُونُ مِنَ الكُفّارِ فَإنَّهم يُنْكِرُونَ ما عَمِلُوا فَيَخْتِمُ اللَّهُ عَلى أفْواهِهِمْ ويُنْطِقُ جَوارِحَهم.

القيامة 75:12

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلّا﴾ وهو رَدْعٌ عَنْ طَلَبِ المَفَرِّ ﴿لا وزَرَ﴾ قالَ المُبَرِّدُ والزَّجّاجُ: أصْلُ الوَزَرِ الجَبَلُ المَنِيعُ، ثُمَّ يُقالُ لِكُلِّ ما التَجَأْتَ إلَيْهِ وتَحَصَّنْتَ بِهِ وزَرٌ، وأنْشَدَ المُبَرِّدُ قَوْلَ كَعْبِ بْنِ مالِكٍ: النّاسُ آلَتْ عَلَيْنا فِيكَ لَيْسَ لَنا إلّا السُّيُوفَ وأطْرافَ القَنا وزَرُ ومَعْنى الآيَةِ أنَّهُ لا شَيْءَ يُعْتَصَمُ بِهِ مِن أمْرِ اللَّهِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المُسْتَقَرُّ﴾ وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ المُسْتَقَرُّ بِمَعْنى الِاسْتِقْرارِ، بِمَعْنى أنَّهم لا يَقْدِرُونَ أنْ يَسْتَقِرُّوا إلى غَيْرِهِ، ويَنْصَبُّوا إلى غَيْرِهِ، كَما قالَ: ﴿إنَّ إلى رَبِّكَ الرُّجْعى﴾ [ العَلَقِ: ٨] ﴿وإلى اللَّهِ المَصِيرُ﴾ [ فاطِرٍ: ١٨] ﴿ألا إلى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ﴾ [الشُّورى: ٥٣] ﴿وأنَّ إلى رَبِّكَ المُنْتَهى﴾ [ النَّجْمِ: ٤٢] . الثّانِي: أنْ يَكُونَ المَعْنى إلى رَبِّكَ مُسْتَقَرُّهم، أيْ مَوْضِعُ قَرارِهِمْ مِن جَنَّةٍ أوْ نارٍ، أيْ مُفَوَّضُ ذَلِكَ إلى مَشِيئَتِهِ مَن شاءَ أدْخَلَهُ الجَنَّةَ، ومَن شاءَ أدْخَلَهُ النّارَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُنَبَّأُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وأخَّرَ﴾ بِما قَدَّمَ مِن عَمَلٍ عَمِلَهُ، وبِما أخَّرَ مِن عَمَلٍ لَمْ يَعْمَلْهُ، أوْ بِما قَدَّمَ مِن مالِهِ فَتَصَدَّقَ بِهِ وبِما أخَّرَهُ فَخَلَّفَهُ، أوْ بِما قَدَّمَ مِن عَمَلِ الخَيْرِ والشَّرِّ وبِما أخَّرَ مِن سُنَّةٍ حَسَنَةٍ أوْ سَيِّئَةٍ، فَعُمِلَ بِها بَعْدَهُ، وعَنْ مُجاهِدٍ: أنَّهُ مُفَسَّرٌ بِأوَّلِ العَمَلِ وآخِرِهِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿فَيُنَبِّئُهم بِما عَمِلُوا أحْصاهُ اللَّهُ ونَسُوهُ﴾ [ المُجادَلَةِ: ٦] وقالَ: ﴿ونَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وآثارَهُمْ﴾ [ يس: ١٢] واعْلَمْ أنَّ الأظْهَرَ أنَّ هَذا الإنْباءَ يَكُونُ يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ العَرْضِ والمُحاسَبَةِ ووَزْنِ الأعْمالِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عِنْدَ المَوْتِ وذَلِكَ أنَّهُ إذا ماتَ بُيِّنَ لَهُ مَقْعَدُهُ مِنَ الجَنَّةِ والنّارِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلِ الإنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: يُنَبَّأُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِأعْمالِهِ، قالَ: بَلْ لا يَحْتاجُ إلى أنْ يُنَبِّئَهُ غَيْرُهُ، وذَلِكَ لِأنَّ نَفْسَهُ شاهِدَةٌ بِكَوْنِهِ فاعِلًا لِتِلْكَ الأفْعالِ، مُقْدِمًا عَلَيْها، ثُمَّ في قَوْلِهِ: ﴿بَصِيرَةٌ﴾ وجْهانِ: الأوَّلُ: قالَ الأخْفَشُ: جَعَلَهُ في نَفْسِهِ بَصِيرَةً كَما يُقالُ: فُلانٌ جُودٌ وكَرَمٌ، فَهَهُنا أيْضًا كَذَلِكَ، لِأنَّ الإنْسانَ بِضَرُورَةِ عَقْلِهِ يَعْلَمُ صفحة ١٩٦ أنَّ ما يُقَرِّبُهُ إلى اللَّهِ ويَشْغَلُهُ بِطاعَتِهِ وخِدْمَتِهِ فَهو السَّعادَةُ، وما يُبْعِدُهُ عَنْ طاعَةِ اللَّهِ ويَشْغَلُهُ بِالدُّنْيا ولَذّاتِها فَهو الشَّقاوَةُ، فَهَبْ أنَّهُ بِلِسانِهِ يُرَوِّجُ ويُزَوِّرُ ويَرى الحَقَّ في صُورَةِ الباطِلِ والباطِلَ في صُورَةِ الحَقِّ، لَكِنَّهُ بِعَقْلِهِ السَّلِيمِ يَعْلَمُ أنَّ الَّذِي هو عَلَيْهِ في ظاهِرِهِ جَيِّدٌ أوْ رَدِيءٌ. والثّانِي: أنَّ المُرادَ جَوارِحُهُ تَشْهَدُ عَلَيْهِ بِما عَمِلَ فَهو شاهِدٌ عَلى نَفْسِهِ بِشَهادَةِ جَوارِحِهِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ومُقاتِلٍ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ ألْسِنَتُهم وأيْدِيهِمْ وأرْجُلُهُمْ﴾ [ النُّورِ: ٢٤] وقَوْلِهِ: ﴿وتُكَلِّمُنا أيْدِيهِمْ وتَشْهَدُ أرْجُلُهُمْ﴾ [ يس: ٦٥] وقَوْلِهِ: ﴿شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهم وأبْصارُهم وجُلُودُهُمْ﴾ [ فُصِّلَتْ: ٢٠] فَأمّا تَأْنِيثُ البَصِيرَةِ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِأنَّ المُرادَ بِالإنْسانِ هَهُنا الجَوارِحُ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: بَلْ جَوارِحُ الإنْسانِ، كَأنَّهُ قِيلَ: بَلْ جَوارِحُ الإنْسانِ عَلى نَفْسِ الإنْسانِ بَصِيرَةٌ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هَذِهِ الهاءُ لِأجْلِ المُبالَغَةِ كَقَوْلِهِ: رَجُلٌ راوِيَةٌ وطاغِيَةٌ وعَلّامَةٌ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في الآيَةِ الأُولى أنَّ الإنْسانَ يُخْبَرُ يَوْمَ القِيامَةِ بِأعْمالِهِ. ثُمَّ ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ شاهِدٌ عَلى نَفْسِهِ بِما عَمِلَ، فَقالَ الواحِدِيُّ: هَذا يَكُونُ مِنَ الكُفّارِ فَإنَّهم يُنْكِرُونَ ما عَمِلُوا فَيَخْتِمُ اللَّهُ عَلى أفْواهِهِمْ ويُنْطِقُ جَوارِحَهم.

القيامة 75:13

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلّا﴾ وهو رَدْعٌ عَنْ طَلَبِ المَفَرِّ ﴿لا وزَرَ﴾ قالَ المُبَرِّدُ والزَّجّاجُ: أصْلُ الوَزَرِ الجَبَلُ المَنِيعُ، ثُمَّ يُقالُ لِكُلِّ ما التَجَأْتَ إلَيْهِ وتَحَصَّنْتَ بِهِ وزَرٌ، وأنْشَدَ المُبَرِّدُ قَوْلَ كَعْبِ بْنِ مالِكٍ: النّاسُ آلَتْ عَلَيْنا فِيكَ لَيْسَ لَنا إلّا السُّيُوفَ وأطْرافَ القَنا وزَرُ ومَعْنى الآيَةِ أنَّهُ لا شَيْءَ يُعْتَصَمُ بِهِ مِن أمْرِ اللَّهِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المُسْتَقَرُّ﴾ وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ المُسْتَقَرُّ بِمَعْنى الِاسْتِقْرارِ، بِمَعْنى أنَّهم لا يَقْدِرُونَ أنْ يَسْتَقِرُّوا إلى غَيْرِهِ، ويَنْصَبُّوا إلى غَيْرِهِ، كَما قالَ: ﴿إنَّ إلى رَبِّكَ الرُّجْعى﴾ [ العَلَقِ: ٨] ﴿وإلى اللَّهِ المَصِيرُ﴾ [ فاطِرٍ: ١٨] ﴿ألا إلى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ﴾ [الشُّورى: ٥٣] ﴿وأنَّ إلى رَبِّكَ المُنْتَهى﴾ [ النَّجْمِ: ٤٢] . الثّانِي: أنْ يَكُونَ المَعْنى إلى رَبِّكَ مُسْتَقَرُّهم، أيْ مَوْضِعُ قَرارِهِمْ مِن جَنَّةٍ أوْ نارٍ، أيْ مُفَوَّضُ ذَلِكَ إلى مَشِيئَتِهِ مَن شاءَ أدْخَلَهُ الجَنَّةَ، ومَن شاءَ أدْخَلَهُ النّارَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُنَبَّأُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وأخَّرَ﴾ بِما قَدَّمَ مِن عَمَلٍ عَمِلَهُ، وبِما أخَّرَ مِن عَمَلٍ لَمْ يَعْمَلْهُ، أوْ بِما قَدَّمَ مِن مالِهِ فَتَصَدَّقَ بِهِ وبِما أخَّرَهُ فَخَلَّفَهُ، أوْ بِما قَدَّمَ مِن عَمَلِ الخَيْرِ والشَّرِّ وبِما أخَّرَ مِن سُنَّةٍ حَسَنَةٍ أوْ سَيِّئَةٍ، فَعُمِلَ بِها بَعْدَهُ، وعَنْ مُجاهِدٍ: أنَّهُ مُفَسَّرٌ بِأوَّلِ العَمَلِ وآخِرِهِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿فَيُنَبِّئُهم بِما عَمِلُوا أحْصاهُ اللَّهُ ونَسُوهُ﴾ [ المُجادَلَةِ: ٦] وقالَ: ﴿ونَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وآثارَهُمْ﴾ [ يس: ١٢] واعْلَمْ أنَّ الأظْهَرَ أنَّ هَذا الإنْباءَ يَكُونُ يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ العَرْضِ والمُحاسَبَةِ ووَزْنِ الأعْمالِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عِنْدَ المَوْتِ وذَلِكَ أنَّهُ إذا ماتَ بُيِّنَ لَهُ مَقْعَدُهُ مِنَ الجَنَّةِ والنّارِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلِ الإنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: يُنَبَّأُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِأعْمالِهِ، قالَ: بَلْ لا يَحْتاجُ إلى أنْ يُنَبِّئَهُ غَيْرُهُ، وذَلِكَ لِأنَّ نَفْسَهُ شاهِدَةٌ بِكَوْنِهِ فاعِلًا لِتِلْكَ الأفْعالِ، مُقْدِمًا عَلَيْها، ثُمَّ في قَوْلِهِ: ﴿بَصِيرَةٌ﴾ وجْهانِ: الأوَّلُ: قالَ الأخْفَشُ: جَعَلَهُ في نَفْسِهِ بَصِيرَةً كَما يُقالُ: فُلانٌ جُودٌ وكَرَمٌ، فَهَهُنا أيْضًا كَذَلِكَ، لِأنَّ الإنْسانَ بِضَرُورَةِ عَقْلِهِ يَعْلَمُ صفحة ١٩٦ أنَّ ما يُقَرِّبُهُ إلى اللَّهِ ويَشْغَلُهُ بِطاعَتِهِ وخِدْمَتِهِ فَهو السَّعادَةُ، وما يُبْعِدُهُ عَنْ طاعَةِ اللَّهِ ويَشْغَلُهُ بِالدُّنْيا ولَذّاتِها فَهو الشَّقاوَةُ، فَهَبْ أنَّهُ بِلِسانِهِ يُرَوِّجُ ويُزَوِّرُ ويَرى الحَقَّ في صُورَةِ الباطِلِ والباطِلَ في صُورَةِ الحَقِّ، لَكِنَّهُ بِعَقْلِهِ السَّلِيمِ يَعْلَمُ أنَّ الَّذِي هو عَلَيْهِ في ظاهِرِهِ جَيِّدٌ أوْ رَدِيءٌ. والثّانِي: أنَّ المُرادَ جَوارِحُهُ تَشْهَدُ عَلَيْهِ بِما عَمِلَ فَهو شاهِدٌ عَلى نَفْسِهِ بِشَهادَةِ جَوارِحِهِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ومُقاتِلٍ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ ألْسِنَتُهم وأيْدِيهِمْ وأرْجُلُهُمْ﴾ [ النُّورِ: ٢٤] وقَوْلِهِ: ﴿وتُكَلِّمُنا أيْدِيهِمْ وتَشْهَدُ أرْجُلُهُمْ﴾ [ يس: ٦٥] وقَوْلِهِ: ﴿شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهم وأبْصارُهم وجُلُودُهُمْ﴾ [ فُصِّلَتْ: ٢٠] فَأمّا تَأْنِيثُ البَصِيرَةِ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِأنَّ المُرادَ بِالإنْسانِ هَهُنا الجَوارِحُ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: بَلْ جَوارِحُ الإنْسانِ، كَأنَّهُ قِيلَ: بَلْ جَوارِحُ الإنْسانِ عَلى نَفْسِ الإنْسانِ بَصِيرَةٌ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هَذِهِ الهاءُ لِأجْلِ المُبالَغَةِ كَقَوْلِهِ: رَجُلٌ راوِيَةٌ وطاغِيَةٌ وعَلّامَةٌ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في الآيَةِ الأُولى أنَّ الإنْسانَ يُخْبَرُ يَوْمَ القِيامَةِ بِأعْمالِهِ. ثُمَّ ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ شاهِدٌ عَلى نَفْسِهِ بِما عَمِلَ، فَقالَ الواحِدِيُّ: هَذا يَكُونُ مِنَ الكُفّارِ فَإنَّهم يُنْكِرُونَ ما عَمِلُوا فَيَخْتِمُ اللَّهُ عَلى أفْواهِهِمْ ويُنْطِقُ جَوارِحَهم.

القيامة 75:14

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلّا﴾ وهو رَدْعٌ عَنْ طَلَبِ المَفَرِّ ﴿لا وزَرَ﴾ قالَ المُبَرِّدُ والزَّجّاجُ: أصْلُ الوَزَرِ الجَبَلُ المَنِيعُ، ثُمَّ يُقالُ لِكُلِّ ما التَجَأْتَ إلَيْهِ وتَحَصَّنْتَ بِهِ وزَرٌ، وأنْشَدَ المُبَرِّدُ قَوْلَ كَعْبِ بْنِ مالِكٍ: النّاسُ آلَتْ عَلَيْنا فِيكَ لَيْسَ لَنا إلّا السُّيُوفَ وأطْرافَ القَنا وزَرُ ومَعْنى الآيَةِ أنَّهُ لا شَيْءَ يُعْتَصَمُ بِهِ مِن أمْرِ اللَّهِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المُسْتَقَرُّ﴾ وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ المُسْتَقَرُّ بِمَعْنى الِاسْتِقْرارِ، بِمَعْنى أنَّهم لا يَقْدِرُونَ أنْ يَسْتَقِرُّوا إلى غَيْرِهِ، ويَنْصَبُّوا إلى غَيْرِهِ، كَما قالَ: ﴿إنَّ إلى رَبِّكَ الرُّجْعى﴾ [ العَلَقِ: ٨] ﴿وإلى اللَّهِ المَصِيرُ﴾ [ فاطِرٍ: ١٨] ﴿ألا إلى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ﴾ [الشُّورى: ٥٣] ﴿وأنَّ إلى رَبِّكَ المُنْتَهى﴾ [ النَّجْمِ: ٤٢] . الثّانِي: أنْ يَكُونَ المَعْنى إلى رَبِّكَ مُسْتَقَرُّهم، أيْ مَوْضِعُ قَرارِهِمْ مِن جَنَّةٍ أوْ نارٍ، أيْ مُفَوَّضُ ذَلِكَ إلى مَشِيئَتِهِ مَن شاءَ أدْخَلَهُ الجَنَّةَ، ومَن شاءَ أدْخَلَهُ النّارَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُنَبَّأُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وأخَّرَ﴾ بِما قَدَّمَ مِن عَمَلٍ عَمِلَهُ، وبِما أخَّرَ مِن عَمَلٍ لَمْ يَعْمَلْهُ، أوْ بِما قَدَّمَ مِن مالِهِ فَتَصَدَّقَ بِهِ وبِما أخَّرَهُ فَخَلَّفَهُ، أوْ بِما قَدَّمَ مِن عَمَلِ الخَيْرِ والشَّرِّ وبِما أخَّرَ مِن سُنَّةٍ حَسَنَةٍ أوْ سَيِّئَةٍ، فَعُمِلَ بِها بَعْدَهُ، وعَنْ مُجاهِدٍ: أنَّهُ مُفَسَّرٌ بِأوَّلِ العَمَلِ وآخِرِهِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿فَيُنَبِّئُهم بِما عَمِلُوا أحْصاهُ اللَّهُ ونَسُوهُ﴾ [ المُجادَلَةِ: ٦] وقالَ: ﴿ونَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وآثارَهُمْ﴾ [ يس: ١٢] واعْلَمْ أنَّ الأظْهَرَ أنَّ هَذا الإنْباءَ يَكُونُ يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ العَرْضِ والمُحاسَبَةِ ووَزْنِ الأعْمالِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عِنْدَ المَوْتِ وذَلِكَ أنَّهُ إذا ماتَ بُيِّنَ لَهُ مَقْعَدُهُ مِنَ الجَنَّةِ والنّارِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلِ الإنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: يُنَبَّأُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِأعْمالِهِ، قالَ: بَلْ لا يَحْتاجُ إلى أنْ يُنَبِّئَهُ غَيْرُهُ، وذَلِكَ لِأنَّ نَفْسَهُ شاهِدَةٌ بِكَوْنِهِ فاعِلًا لِتِلْكَ الأفْعالِ، مُقْدِمًا عَلَيْها، ثُمَّ في قَوْلِهِ: ﴿بَصِيرَةٌ﴾ وجْهانِ: الأوَّلُ: قالَ الأخْفَشُ: جَعَلَهُ في نَفْسِهِ بَصِيرَةً كَما يُقالُ: فُلانٌ جُودٌ وكَرَمٌ، فَهَهُنا أيْضًا كَذَلِكَ، لِأنَّ الإنْسانَ بِضَرُورَةِ عَقْلِهِ يَعْلَمُ صفحة ١٩٦ أنَّ ما يُقَرِّبُهُ إلى اللَّهِ ويَشْغَلُهُ بِطاعَتِهِ وخِدْمَتِهِ فَهو السَّعادَةُ، وما يُبْعِدُهُ عَنْ طاعَةِ اللَّهِ ويَشْغَلُهُ بِالدُّنْيا ولَذّاتِها فَهو الشَّقاوَةُ، فَهَبْ أنَّهُ بِلِسانِهِ يُرَوِّجُ ويُزَوِّرُ ويَرى الحَقَّ في صُورَةِ الباطِلِ والباطِلَ في صُورَةِ الحَقِّ، لَكِنَّهُ بِعَقْلِهِ السَّلِيمِ يَعْلَمُ أنَّ الَّذِي هو عَلَيْهِ في ظاهِرِهِ جَيِّدٌ أوْ رَدِيءٌ. والثّانِي: أنَّ المُرادَ جَوارِحُهُ تَشْهَدُ عَلَيْهِ بِما عَمِلَ فَهو شاهِدٌ عَلى نَفْسِهِ بِشَهادَةِ جَوارِحِهِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ومُقاتِلٍ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ ألْسِنَتُهم وأيْدِيهِمْ وأرْجُلُهُمْ﴾ [ النُّورِ: ٢٤] وقَوْلِهِ: ﴿وتُكَلِّمُنا أيْدِيهِمْ وتَشْهَدُ أرْجُلُهُمْ﴾ [ يس: ٦٥] وقَوْلِهِ: ﴿شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهم وأبْصارُهم وجُلُودُهُمْ﴾ [ فُصِّلَتْ: ٢٠] فَأمّا تَأْنِيثُ البَصِيرَةِ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِأنَّ المُرادَ بِالإنْسانِ هَهُنا الجَوارِحُ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: بَلْ جَوارِحُ الإنْسانِ، كَأنَّهُ قِيلَ: بَلْ جَوارِحُ الإنْسانِ عَلى نَفْسِ الإنْسانِ بَصِيرَةٌ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هَذِهِ الهاءُ لِأجْلِ المُبالَغَةِ كَقَوْلِهِ: رَجُلٌ راوِيَةٌ وطاغِيَةٌ وعَلّامَةٌ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في الآيَةِ الأُولى أنَّ الإنْسانَ يُخْبَرُ يَوْمَ القِيامَةِ بِأعْمالِهِ. ثُمَّ ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ شاهِدٌ عَلى نَفْسِهِ بِما عَمِلَ، فَقالَ الواحِدِيُّ: هَذا يَكُونُ مِنَ الكُفّارِ فَإنَّهم يُنْكِرُونَ ما عَمِلُوا فَيَخْتِمُ اللَّهُ عَلى أفْواهِهِمْ ويُنْطِقُ جَوارِحَهم.

القيامة 75:15

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْ ألْقى مَعاذِيرَهُ﴾ لِلْمُفَسِّرِينَ فِيهِ أقْوالٌ: الأوَّلُ: قالَ الواحِدِيُّ: المَعاذِيرُ جَمْعُ مَعْذِرَةٍ، يُقالُ: مَعْذِرَةٌ ومَعاذِرُ ومَعاذِيرُ. قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ جَمْعُ المَعْذِرَةِ مَعاذِرُ، والمَعاذِيرُ لَيْسَ جَمْعَ مَعْذِرَةٍ، وإنَّما هو اسْمُ جَمْعٍ لَها، ونَحْوُهُ المَناكِيرُ في المُنْكَرِ، والمَعْنى أنَّ الإنْسانَ وإنِ اعْتَذَرَ عَنْ نَفْسِهِ وجادَلَ عَنْها وأتى بِكُلِّ عُذْرٍ وحُجَّةٍ، فَإنَّهُ لا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ لِأنَّهُ شاهِدٌ عَلى نَفْسِهِ. القَوْلُ الثّانِي: قالَ الضَّحّاكُ والسُّدِّيُّ والفَرّاءُ والمُبَرِّدُ والزَّجّاجُ: المَعاذِيرُ السُّتُورُ واحِدُها مِعْذارٌ، قالَ المُبَرِّدُ: هي لُغَةٌ يَمانِيَّةٌ. قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: إنْ صَحَّتْ هَذِهِ الرِّوايَةُ فَذاكَ مَجازٌ مِن حَيْثُ إنَّ السِّتْرَ يَمْنَعُ رُؤْيَةَ المُحْتَجِبِ كَما تَمْنَعُ المَعْذِرَةُ عُقُوبَةَ الذَّنْبِ، والمَعْنى عَلى هَذا القَوْلِ: أنَّهُ وإنْ أسْبَلَ السِّتْرَ لِيُخْفِيَ ما يَعْمَلُ، فَإنَّ نَفْسَهُ شاهِدَةٌ عَلَيْهِ. ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ فِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: زَعَمَ قَوْمٌ مِن قُدَماءِ الرَّوافِضِ أنَّ هَذا القُرْآنَ قَدْ غُيِّرَ وبُدِّلَ وزِيدَ فِيهِ ونُقِصَ عَنْهُ، واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِأنَّهُ لا مُناسَبَةَ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ وبَيْنَ ما قَبْلَها، ولَوْ كانَ هَذا التَّرْتِيبُ مِنَ اللَّهِ تَعالى لَما كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ. واعْلَمْ أنَّ في بَيانِ المُناسِبَةِ وُجُوهًا: أوَّلُها: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الِاسْتِعْجالُ المَنهِيُّ عَنْهُ إنَّما اتَّفَقَ لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ عِنْدَ إنْزالِ هَذِهِ الآياتِ عَلَيْهِ، فَلا جَرَمَ نُهِيَ عَنْ ذَلِكَ الِاسْتِعْجالِ في هَذا الوَقْتِ، وقِيلَ لَهُ: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ وهَذا كَما أنَّ المُدَرِّسَ إذا كانَ يُلْقِي عَلى تِلْمِيذِهِ شَيْئًا، فَأخَذَ التِّلْمِيذُ يَلْتَفِتُ يَمِينًا وشِمالًا، فَيَقُولُ المُدَرِّسُ في أثْناءِ ذَلِكَ الدَّرْسِ لا تَلْتَفِتْ يَمِينًا وشِمالًا ثُمَّ يَعُودُ إلى الدَّرْسِ، فَإذا نَقَلَ ذَلِكَ الدَّرْسَ مَعَ هَذا الكَلامِ في أثْنائِهِ، فَمَن لَمْ يَعْرِفِ السَّبَبَ يَقُولُ: إنَّ وُقُوعَ تِلْكَ الكَلِمَةِ في أثْناءِ ذَلِكَ الدَّرْسِ غَيْرُ مُناسِبٍ، لَكِنَّ مَن عَرَفَ الواقِعَةَ عَلِمَ أنَّهُ حَسُنَ التَّرْتِيبُ. وثانِيها: أنَّهُ تَعالى نَقَلَ عَنِ الكُفّارِ أنَّهم يُحِبُّونَ صفحة ١٩٧ السَّعادَةَ العاجِلَةَ، وذَلِكَ هو قَوْلُهُ: ﴿بَلْ يُرِيدُ الإنْسانُ لِيَفْجُرَ أمامَهُ﴾ ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ التَّعْجِيلَ مَذْمُومٌ مُطْلَقًا حَتّى التَّعْجِيلَ في أُمُورِ الدِّينِ، فَقالَ: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ وقالَ في آخِرِ الآيَةِ: ﴿كَلّا بَلْ تُحِبُّونَ العاجِلَةَ﴾ . وثالِثُها: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿بَلِ الإنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ ﴿ولَوْ ألْقى مَعاذِيرَهُ﴾ فَهَهُنا كانَ الرَّسُولُ ﷺ يُظْهِرُ التَّعْجِيلَ في القِراءَةِ مَعَ جِبْرِيلَ، وكانَ يَجْعَلُ العُذْرَ فِيهِ خَوْفَ النِّسْيانِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ لَهُ: إنَّكَ إذا أتَيْتَ بِهَذا العُذْرِ لَكِنَّكَ تَعْلَمُ أنَّ الحِفْظَ لا يَحْصُلُ إلّا بِتَوْفِيقِ اللَّهِ وإعانَتِهِ فاتْرُكْ هَذا التَّعْجِيلَ واعْتَمِدْ عَلى هِدايَةِ اللَّهِ تَعالى، وهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ ﴿إنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وقُرْآنَهُ﴾ . ورابِعُها: كَأنَّهُ تَعالى قالَ: يا مُحَمَّدُ إنَّ غَرَضَكَ مِن هَذا التَّعْجِيلِ أنْ تَحْفَظَهُ وتُبَلِّغَهُ إلَيْهِمْ لَكِنْ لا حاجَةَ إلى هَذا، فَإنَّ ”الإنْسانَ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ“، وهم بِقُلُوبِهِمْ يَعْلَمُونَ أنَّ الَّذِي هم عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ وعِبادَةِ الأوْثانِ وإنْكارِ البَعْثِ مُنْكَرٌ باطِلٌ، فَإذا كانَ غَرَضُكَ مِن هَذا التَّعْجِيلِ أنْ تُعَرِّفَهم قُبْحَ ما هم عَلَيْهِ، ثُمَّ إنَّ هَذِهِ المَعْرِفَةَ حاصِلَةٌ عِنْدَهم، فَحِينَئِذٍ لَمْ يَبْقَ لِهَذا التَّعْجِيلِ فائِدَةٌ، فَلا جَرَمَ قالَ: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ﴾ . وخامِسُها: أنَّهُ تَعالى حَكى عَنِ الكافِرِ أنَّهُ يَقُولُ: أيْنَ المَفَرُّ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿كَلّا لا وزَرَ﴾ ﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المُسْتَقَرُّ﴾ فالكافِرُ كَأنَّهُ كانَ يَفِرُّ مِنَ اللَّهِ تَعالى إلى غَيْرِهِ، فَقِيلَ لِمُحَمَّدٍ: إنَّكَ في طَلَبِ حِفْظِ القُرْآنِ تَسْتَعِينُ بِالتَّكْرارِ، وهَذا اسْتِعانَةٌ مِنكَ بِغَيْرِ اللَّهِ، فاتْرُكْ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ، واسْتَعِنْ في هَذا الأمْرِ بِاللَّهِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ الكافِرَ يَفِرُّ مِنَ اللَّهِ إلى غَيْرِهِ، وأمّا أنْتَ فَكُنْ كالمُضادِّ لَهُ، فَيَجِبُ أنْ تَفِرَّ مِن غَيْرِ اللَّهِ إلى اللَّهِ وأنْ تَسْتَعِينَ في كُلِّ الأُمُورِ بِاللَّهِ، حَتّى يَحْصُلَ لَكَ المَقْصُودُ عَلى ما قالَ: ﴿إنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وقُرْآنَهُ﴾ وقالَ في سُورَةٍ أُخْرى: ﴿ولا تَعْجَلْ بِالقُرْآنِ مِن قَبْلِ أنْ يُقْضى إلَيْكَ وحْيُهُ وقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [ طه: ١١٤] أيْ: لا تَسْتَعِنْ في طَلَبِ الحِفْظِ بِالتَّكْرارِ، بَلِ اطْلُبْهُ مِنَ اللَّهِ تَعالى. وسادِسُها: ما ذَكَرَهُ القَفّالُ وهو أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ﴾ لَيْسَ خِطابًا مَعَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ بَلْ هو خِطابٌ مَعَ الإنْسانِ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ: ﴿يُنَبَّأُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وأخَّرَ﴾ فَكانَ ذَلِكَ لِلْإنْسانِ حالَ ما يُنَبَّأُ بِقَبائِحِ أفْعالِهِ، وذَلِكَ بِأنْ يُعْرَضَ عَلَيْهِ كِتابُهُ، فَيُقالُ لَهُ: ﴿اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ اليَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [ الإسْراءِ: ١٤] فَإذا أخَذَ في القِراءَةِ تَلَجْلَجَ لِسانُهُ مِن شِدَّةِ الخَوْفِ وسُرْعَةِ القِراءَةِ فَيُقالُ لَهُ: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ فَإنَّهُ يَجِبُ عَلَيْنا بِحُكْمِ الوَعْدِ أوْ بِحُكْمِ الحِكْمَةِ أنْ نَجْمَعَ أعْمالَكَ عَلَيْكَ وأنْ نَقْرَأها عَلَيْكَ، فَإذا قَرَأْناهُ عَلَيْكَ فاتَّبِعْ قُرْآنَهُ بِالإقْرارِ بِأنَّكَ فَعَلْتَ تِلْكَ الأفْعالَ، ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا بَيانَ أمْرِهِ وشَرْحَ مَراتِبِ عُقُوبَتِهِ، وحاصِلُ الأمْرِ مِن تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ المُرادَ مِنهُ أنَّهُ تَعالى يَقْرَأُ عَلى الكافِرِ جَمِيعَ أعْمالِهِ عَلى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ، وفِيهِ أشَدُّ الوَعِيدِ في الدُّنْيا وأشَدُّ التَّهْوِيلِ في الآخِرَةِ، ثُمَّ قالَ القَفّالُ: فَهَذا وجْهٌ حَسَنٌ لَيْسَ في العَقْلِ ما يَدْفَعُهُ وإنْ كانَتِ الآثارُ غَيْرَ وارِدَةٍ بِهِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ مَن جَوَّزَ الذَّنْبَ عَلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ: إنَّ ذَلِكَ الِاسْتِعْجالَ إنْ كانَ بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى فَكَيْفَ نَهاهُ عَنْهُ ؟ وإنْ كانَ لا بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى فَقَدْ صَدَرَ الذَّنْبُ عَنْهُ ؟ الجَوابُ: لَعَلَّ ذَلِكَ الِاسْتِعْجالَ كانَ مَأْذُونًا فِيهِ إلى وقْتِ النَّهْيِ عَنْهُ، ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ الشَّيْءُ مَأْذُونًا فِيهِ في وقْتٍ ثُمَّ يَصِيرُ مَنهِيًّا عَنْهُ في وقْتٍ آخَرَ، ولِهَذا السَّبَبِ قُلْنا: يَجُوزُ النَّسْخُ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: رَوى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَشْتَدُّ عَلَيْهِ حِفْظُ التَّنْزِيلِ، وكانَ إذا نَزَلَ عَلَيْهِ الوَحْيُ يُحَرِّكُ لِسانَهُ وشَفَتَيْهِ قَبْلَ فَراغِ جِبْرِيلَ مَخافَةَ أنْ لا يَحْفَظَ، فَأنْزَلَ تَعالى: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ﴾ أيْ: بِالوَحْيِ والتَّنْزِيلِ والقُرْآنِ، وإنَّما جازَ هَذا الإضْمارُ وإنْ لَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْرٌ لِدَلالَةِ الحالِ عَلَيْهِ، كَما صفحة ١٩٨ أُضْمِرَ في قَوْلِهِ: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ﴾ [ القَدْرِ: ١]، ونَظِيرُ قَوْلِهِ: ﴿ولا تَعْجَلْ بِالقُرْآنِ مِن قَبْلِ أنْ يُقْضى إلَيْكَ وحْيُهُ﴾ [ طه: ١١٤] وقَوْلِهِ: ﴿لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ أيْ: لِتَعْجَلَ بِأخْذِهِ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وقُرْآنَهُ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: كَلِمَةُ ”عَلى“ لِلْوُجُوبِ، فَقَوْلُهُ: ﴿إنَّ عَلَيْنا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ كالواجِبِ عَلى اللَّهِ تَعالى، أمّا عَلى مَذْهَبِنا فَذَلِكَ الوُجُوبُ بِحُكْمِ الوَعْدِ، وأمّا عَلى قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ: فَلِأنَّ المَقْصُودَ مِنَ البَعْثَةِ لا يَتِمُّ إلّا إذا كانَ الوَحْيُ مَحْفُوظًا مُبَرَّأً عَنِ النِّسْيانِ، فَكانَ ذَلِكَ واجِبًا نَظَرًا إلى الحِكْمَةِ.

القيامة 75:16

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْ ألْقى مَعاذِيرَهُ﴾ لِلْمُفَسِّرِينَ فِيهِ أقْوالٌ: الأوَّلُ: قالَ الواحِدِيُّ: المَعاذِيرُ جَمْعُ مَعْذِرَةٍ، يُقالُ: مَعْذِرَةٌ ومَعاذِرُ ومَعاذِيرُ. قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ جَمْعُ المَعْذِرَةِ مَعاذِرُ، والمَعاذِيرُ لَيْسَ جَمْعَ مَعْذِرَةٍ، وإنَّما هو اسْمُ جَمْعٍ لَها، ونَحْوُهُ المَناكِيرُ في المُنْكَرِ، والمَعْنى أنَّ الإنْسانَ وإنِ اعْتَذَرَ عَنْ نَفْسِهِ وجادَلَ عَنْها وأتى بِكُلِّ عُذْرٍ وحُجَّةٍ، فَإنَّهُ لا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ لِأنَّهُ شاهِدٌ عَلى نَفْسِهِ. القَوْلُ الثّانِي: قالَ الضَّحّاكُ والسُّدِّيُّ والفَرّاءُ والمُبَرِّدُ والزَّجّاجُ: المَعاذِيرُ السُّتُورُ واحِدُها مِعْذارٌ، قالَ المُبَرِّدُ: هي لُغَةٌ يَمانِيَّةٌ. قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: إنْ صَحَّتْ هَذِهِ الرِّوايَةُ فَذاكَ مَجازٌ مِن حَيْثُ إنَّ السِّتْرَ يَمْنَعُ رُؤْيَةَ المُحْتَجِبِ كَما تَمْنَعُ المَعْذِرَةُ عُقُوبَةَ الذَّنْبِ، والمَعْنى عَلى هَذا القَوْلِ: أنَّهُ وإنْ أسْبَلَ السِّتْرَ لِيُخْفِيَ ما يَعْمَلُ، فَإنَّ نَفْسَهُ شاهِدَةٌ عَلَيْهِ. ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ فِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: زَعَمَ قَوْمٌ مِن قُدَماءِ الرَّوافِضِ أنَّ هَذا القُرْآنَ قَدْ غُيِّرَ وبُدِّلَ وزِيدَ فِيهِ ونُقِصَ عَنْهُ، واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِأنَّهُ لا مُناسَبَةَ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ وبَيْنَ ما قَبْلَها، ولَوْ كانَ هَذا التَّرْتِيبُ مِنَ اللَّهِ تَعالى لَما كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ. واعْلَمْ أنَّ في بَيانِ المُناسِبَةِ وُجُوهًا: أوَّلُها: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الِاسْتِعْجالُ المَنهِيُّ عَنْهُ إنَّما اتَّفَقَ لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ عِنْدَ إنْزالِ هَذِهِ الآياتِ عَلَيْهِ، فَلا جَرَمَ نُهِيَ عَنْ ذَلِكَ الِاسْتِعْجالِ في هَذا الوَقْتِ، وقِيلَ لَهُ: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ وهَذا كَما أنَّ المُدَرِّسَ إذا كانَ يُلْقِي عَلى تِلْمِيذِهِ شَيْئًا، فَأخَذَ التِّلْمِيذُ يَلْتَفِتُ يَمِينًا وشِمالًا، فَيَقُولُ المُدَرِّسُ في أثْناءِ ذَلِكَ الدَّرْسِ لا تَلْتَفِتْ يَمِينًا وشِمالًا ثُمَّ يَعُودُ إلى الدَّرْسِ، فَإذا نَقَلَ ذَلِكَ الدَّرْسَ مَعَ هَذا الكَلامِ في أثْنائِهِ، فَمَن لَمْ يَعْرِفِ السَّبَبَ يَقُولُ: إنَّ وُقُوعَ تِلْكَ الكَلِمَةِ في أثْناءِ ذَلِكَ الدَّرْسِ غَيْرُ مُناسِبٍ، لَكِنَّ مَن عَرَفَ الواقِعَةَ عَلِمَ أنَّهُ حَسُنَ التَّرْتِيبُ. وثانِيها: أنَّهُ تَعالى نَقَلَ عَنِ الكُفّارِ أنَّهم يُحِبُّونَ صفحة ١٩٧ السَّعادَةَ العاجِلَةَ، وذَلِكَ هو قَوْلُهُ: ﴿بَلْ يُرِيدُ الإنْسانُ لِيَفْجُرَ أمامَهُ﴾ ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ التَّعْجِيلَ مَذْمُومٌ مُطْلَقًا حَتّى التَّعْجِيلَ في أُمُورِ الدِّينِ، فَقالَ: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ وقالَ في آخِرِ الآيَةِ: ﴿كَلّا بَلْ تُحِبُّونَ العاجِلَةَ﴾ . وثالِثُها: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿بَلِ الإنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ ﴿ولَوْ ألْقى مَعاذِيرَهُ﴾ فَهَهُنا كانَ الرَّسُولُ ﷺ يُظْهِرُ التَّعْجِيلَ في القِراءَةِ مَعَ جِبْرِيلَ، وكانَ يَجْعَلُ العُذْرَ فِيهِ خَوْفَ النِّسْيانِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ لَهُ: إنَّكَ إذا أتَيْتَ بِهَذا العُذْرِ لَكِنَّكَ تَعْلَمُ أنَّ الحِفْظَ لا يَحْصُلُ إلّا بِتَوْفِيقِ اللَّهِ وإعانَتِهِ فاتْرُكْ هَذا التَّعْجِيلَ واعْتَمِدْ عَلى هِدايَةِ اللَّهِ تَعالى، وهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ ﴿إنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وقُرْآنَهُ﴾ . ورابِعُها: كَأنَّهُ تَعالى قالَ: يا مُحَمَّدُ إنَّ غَرَضَكَ مِن هَذا التَّعْجِيلِ أنْ تَحْفَظَهُ وتُبَلِّغَهُ إلَيْهِمْ لَكِنْ لا حاجَةَ إلى هَذا، فَإنَّ ”الإنْسانَ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ“، وهم بِقُلُوبِهِمْ يَعْلَمُونَ أنَّ الَّذِي هم عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ وعِبادَةِ الأوْثانِ وإنْكارِ البَعْثِ مُنْكَرٌ باطِلٌ، فَإذا كانَ غَرَضُكَ مِن هَذا التَّعْجِيلِ أنْ تُعَرِّفَهم قُبْحَ ما هم عَلَيْهِ، ثُمَّ إنَّ هَذِهِ المَعْرِفَةَ حاصِلَةٌ عِنْدَهم، فَحِينَئِذٍ لَمْ يَبْقَ لِهَذا التَّعْجِيلِ فائِدَةٌ، فَلا جَرَمَ قالَ: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ﴾ . وخامِسُها: أنَّهُ تَعالى حَكى عَنِ الكافِرِ أنَّهُ يَقُولُ: أيْنَ المَفَرُّ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿كَلّا لا وزَرَ﴾ ﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المُسْتَقَرُّ﴾ فالكافِرُ كَأنَّهُ كانَ يَفِرُّ مِنَ اللَّهِ تَعالى إلى غَيْرِهِ، فَقِيلَ لِمُحَمَّدٍ: إنَّكَ في طَلَبِ حِفْظِ القُرْآنِ تَسْتَعِينُ بِالتَّكْرارِ، وهَذا اسْتِعانَةٌ مِنكَ بِغَيْرِ اللَّهِ، فاتْرُكْ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ، واسْتَعِنْ في هَذا الأمْرِ بِاللَّهِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ الكافِرَ يَفِرُّ مِنَ اللَّهِ إلى غَيْرِهِ، وأمّا أنْتَ فَكُنْ كالمُضادِّ لَهُ، فَيَجِبُ أنْ تَفِرَّ مِن غَيْرِ اللَّهِ إلى اللَّهِ وأنْ تَسْتَعِينَ في كُلِّ الأُمُورِ بِاللَّهِ، حَتّى يَحْصُلَ لَكَ المَقْصُودُ عَلى ما قالَ: ﴿إنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وقُرْآنَهُ﴾ وقالَ في سُورَةٍ أُخْرى: ﴿ولا تَعْجَلْ بِالقُرْآنِ مِن قَبْلِ أنْ يُقْضى إلَيْكَ وحْيُهُ وقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [ طه: ١١٤] أيْ: لا تَسْتَعِنْ في طَلَبِ الحِفْظِ بِالتَّكْرارِ، بَلِ اطْلُبْهُ مِنَ اللَّهِ تَعالى. وسادِسُها: ما ذَكَرَهُ القَفّالُ وهو أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ﴾ لَيْسَ خِطابًا مَعَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ بَلْ هو خِطابٌ مَعَ الإنْسانِ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ: ﴿يُنَبَّأُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وأخَّرَ﴾ فَكانَ ذَلِكَ لِلْإنْسانِ حالَ ما يُنَبَّأُ بِقَبائِحِ أفْعالِهِ، وذَلِكَ بِأنْ يُعْرَضَ عَلَيْهِ كِتابُهُ، فَيُقالُ لَهُ: ﴿اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ اليَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [ الإسْراءِ: ١٤] فَإذا أخَذَ في القِراءَةِ تَلَجْلَجَ لِسانُهُ مِن شِدَّةِ الخَوْفِ وسُرْعَةِ القِراءَةِ فَيُقالُ لَهُ: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ فَإنَّهُ يَجِبُ عَلَيْنا بِحُكْمِ الوَعْدِ أوْ بِحُكْمِ الحِكْمَةِ أنْ نَجْمَعَ أعْمالَكَ عَلَيْكَ وأنْ نَقْرَأها عَلَيْكَ، فَإذا قَرَأْناهُ عَلَيْكَ فاتَّبِعْ قُرْآنَهُ بِالإقْرارِ بِأنَّكَ فَعَلْتَ تِلْكَ الأفْعالَ، ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا بَيانَ أمْرِهِ وشَرْحَ مَراتِبِ عُقُوبَتِهِ، وحاصِلُ الأمْرِ مِن تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ المُرادَ مِنهُ أنَّهُ تَعالى يَقْرَأُ عَلى الكافِرِ جَمِيعَ أعْمالِهِ عَلى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ، وفِيهِ أشَدُّ الوَعِيدِ في الدُّنْيا وأشَدُّ التَّهْوِيلِ في الآخِرَةِ، ثُمَّ قالَ القَفّالُ: فَهَذا وجْهٌ حَسَنٌ لَيْسَ في العَقْلِ ما يَدْفَعُهُ وإنْ كانَتِ الآثارُ غَيْرَ وارِدَةٍ بِهِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ مَن جَوَّزَ الذَّنْبَ عَلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ: إنَّ ذَلِكَ الِاسْتِعْجالَ إنْ كانَ بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى فَكَيْفَ نَهاهُ عَنْهُ ؟ وإنْ كانَ لا بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى فَقَدْ صَدَرَ الذَّنْبُ عَنْهُ ؟ الجَوابُ: لَعَلَّ ذَلِكَ الِاسْتِعْجالَ كانَ مَأْذُونًا فِيهِ إلى وقْتِ النَّهْيِ عَنْهُ، ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ الشَّيْءُ مَأْذُونًا فِيهِ في وقْتٍ ثُمَّ يَصِيرُ مَنهِيًّا عَنْهُ في وقْتٍ آخَرَ، ولِهَذا السَّبَبِ قُلْنا: يَجُوزُ النَّسْخُ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: رَوى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَشْتَدُّ عَلَيْهِ حِفْظُ التَّنْزِيلِ، وكانَ إذا نَزَلَ عَلَيْهِ الوَحْيُ يُحَرِّكُ لِسانَهُ وشَفَتَيْهِ قَبْلَ فَراغِ جِبْرِيلَ مَخافَةَ أنْ لا يَحْفَظَ، فَأنْزَلَ تَعالى: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ﴾ أيْ: بِالوَحْيِ والتَّنْزِيلِ والقُرْآنِ، وإنَّما جازَ هَذا الإضْمارُ وإنْ لَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْرٌ لِدَلالَةِ الحالِ عَلَيْهِ، كَما صفحة ١٩٨ أُضْمِرَ في قَوْلِهِ: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ﴾ [ القَدْرِ: ١]، ونَظِيرُ قَوْلِهِ: ﴿ولا تَعْجَلْ بِالقُرْآنِ مِن قَبْلِ أنْ يُقْضى إلَيْكَ وحْيُهُ﴾ [ طه: ١١٤] وقَوْلِهِ: ﴿لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ أيْ: لِتَعْجَلَ بِأخْذِهِ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وقُرْآنَهُ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: كَلِمَةُ ”عَلى“ لِلْوُجُوبِ، فَقَوْلُهُ: ﴿إنَّ عَلَيْنا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ كالواجِبِ عَلى اللَّهِ تَعالى، أمّا عَلى مَذْهَبِنا فَذَلِكَ الوُجُوبُ بِحُكْمِ الوَعْدِ، وأمّا عَلى قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ: فَلِأنَّ المَقْصُودَ مِنَ البَعْثَةِ لا يَتِمُّ إلّا إذا كانَ الوَحْيُ مَحْفُوظًا مُبَرَّأً عَنِ النِّسْيانِ، فَكانَ ذَلِكَ واجِبًا نَظَرًا إلى الحِكْمَةِ.

القيامة 75:17

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿إنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ﴾ مَعْناهُ: عَلَيْنا جَمْعُهُ في صَدْرِكَ وحِفْظِكَ، وقَوْلُهُ: ﴿وقُرْآنَهُ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ المُرادَ مِنَ القُرْآنِ القِراءَةُ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَفِيهِ احْتِمالانِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ المُرادُ: جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - سَيُعِيدُهُ عَلَيْكَ حَتّى تَحْفَظَهُ. والثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ: إنّا سَنُقْرِئُكَ يا مُحَمَّدُ إلى أنْ تَصِيرَ بِحَيْثُ لا تَنْساهُ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ [ الأعْلى: ٦]؛ فَعَلى هَذا الوَجْهِ الأوَّلِ القارِئُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وعَلى الوَجْهِ الثّانِي القارِئُ مُحَمَّدٌ ﷺ . والوَجْهُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ القُرْآنِ الجَمْعَ والتَّأْلِيفَ، مِن قَوْلِهِمْ: ما قَرَأتِ النّاقَةُ سَلًى قَطُّ، أيْ: ما جَمَعَتْ، وبِنْتُ عَمْرِو بْنِ كُلْثُومٍ لَمْ تَقْرَأْ جَنِينًا، وقَدْ ذَكَرْنا ذَلِكَ عِنْدَ تَفْسِيرِ القُرْءِ، فَإنْ قِيلَ: فَعَلى هَذا الوَجْهِ يَكُونُ الجَمْعُ والقُرْآنُ واحِدًا فَيَلْزَمُ التَّكْرارُ، قُلْنا: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الجَمْعِ جَمْعَهُ في نَفْسِهِ ووُجُودَهُ الخارِجِيَّ، ومِنَ القُرْآنِ جَمْعَهُ في ذِهْنِهِ، وحِفْظَهُ، وحِينَئِذٍ يَنْدَفِعُ التَّكْرارُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا قَرَأْناهُ فاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ فِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: جَعَلَ قِراءَةَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ قِراءَتَهُ، وهَذا يَدُلُّ عَلى الشَّرَفِ العَظِيمِ لِجِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ونَظِيرُهُ في حَقِّ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أطاعَ اللَّهَ﴾ [ النِّساءِ: ٨٠] . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَعْناهُ فَإذا قَرَأهُ جِبْرِيلُ فاتَّبِعْ قُرْآنَهُ، وفِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: قالَ قَتادَةُ: فاتَّبِعْ حَلالَهُ وحَرامَهُ. والثّانِي: فاتَّبِعْ قِراءَتَهُ، أيْ: لا يَنْبَغِي أنْ تَكُونَ قِراءَتُكَ مُقارِنَةً لِقِراءَةِ جِبْرِيلَ، لَكِنْ يَجِبُ أنْ تَسْكُتَ حَتّى يُتِمَّ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ القِراءَةَ، فَإذا سَكَتَ جِبْرِيلُ فَخُذْ أنْتَ في القِراءَةِ، وهَذا الوَجْهُ أوْلى لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أمَرَ أنْ يَدَعَ القِراءَةَ ويَسْتَمِعَ مِن جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، حَتّى إذا فَرَغَ جِبْرِيلُ قَرَأهُ، ولَيْسَ هَذا مَوْضِعَ الأمْرِ بِاتِّباعِ ما فِيهِ مِنَ الحَلالِ والحَرامِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَكانَ النَّبِيُّ ﷺ إذا نَزَلَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ أطْرَقَ واسْتَمَعَ، فَإذا ذَهَبَ قَرَأهُ.

القيامة 75:18

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿إنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ﴾ مَعْناهُ: عَلَيْنا جَمْعُهُ في صَدْرِكَ وحِفْظِكَ، وقَوْلُهُ: ﴿وقُرْآنَهُ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ المُرادَ مِنَ القُرْآنِ القِراءَةُ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَفِيهِ احْتِمالانِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ المُرادُ: جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - سَيُعِيدُهُ عَلَيْكَ حَتّى تَحْفَظَهُ. والثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ: إنّا سَنُقْرِئُكَ يا مُحَمَّدُ إلى أنْ تَصِيرَ بِحَيْثُ لا تَنْساهُ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ [ الأعْلى: ٦]؛ فَعَلى هَذا الوَجْهِ الأوَّلِ القارِئُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وعَلى الوَجْهِ الثّانِي القارِئُ مُحَمَّدٌ ﷺ . والوَجْهُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ القُرْآنِ الجَمْعَ والتَّأْلِيفَ، مِن قَوْلِهِمْ: ما قَرَأتِ النّاقَةُ سَلًى قَطُّ، أيْ: ما جَمَعَتْ، وبِنْتُ عَمْرِو بْنِ كُلْثُومٍ لَمْ تَقْرَأْ جَنِينًا، وقَدْ ذَكَرْنا ذَلِكَ عِنْدَ تَفْسِيرِ القُرْءِ، فَإنْ قِيلَ: فَعَلى هَذا الوَجْهِ يَكُونُ الجَمْعُ والقُرْآنُ واحِدًا فَيَلْزَمُ التَّكْرارُ، قُلْنا: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الجَمْعِ جَمْعَهُ في نَفْسِهِ ووُجُودَهُ الخارِجِيَّ، ومِنَ القُرْآنِ جَمْعَهُ في ذِهْنِهِ، وحِفْظَهُ، وحِينَئِذٍ يَنْدَفِعُ التَّكْرارُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا قَرَأْناهُ فاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ فِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: جَعَلَ قِراءَةَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ قِراءَتَهُ، وهَذا يَدُلُّ عَلى الشَّرَفِ العَظِيمِ لِجِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ونَظِيرُهُ في حَقِّ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أطاعَ اللَّهَ﴾ [ النِّساءِ: ٨٠] . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَعْناهُ فَإذا قَرَأهُ جِبْرِيلُ فاتَّبِعْ قُرْآنَهُ، وفِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: قالَ قَتادَةُ: فاتَّبِعْ حَلالَهُ وحَرامَهُ. والثّانِي: فاتَّبِعْ قِراءَتَهُ، أيْ: لا يَنْبَغِي أنْ تَكُونَ قِراءَتُكَ مُقارِنَةً لِقِراءَةِ جِبْرِيلَ، لَكِنْ يَجِبُ أنْ تَسْكُتَ حَتّى يُتِمَّ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ القِراءَةَ، فَإذا سَكَتَ جِبْرِيلُ فَخُذْ أنْتَ في القِراءَةِ، وهَذا الوَجْهُ أوْلى لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أمَرَ أنْ يَدَعَ القِراءَةَ ويَسْتَمِعَ مِن جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، حَتّى إذا فَرَغَ جِبْرِيلُ قَرَأهُ، ولَيْسَ هَذا مَوْضِعَ الأمْرِ بِاتِّباعِ ما فِيهِ مِنَ الحَلالِ والحَرامِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَكانَ النَّبِيُّ ﷺ إذا نَزَلَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ أطْرَقَ واسْتَمَعَ، فَإذا ذَهَبَ قَرَأهُ.

القيامة 75:19

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ﴾ فِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَقْرَأُ مَعَ قِراءَةِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ وكانَ يَسْألُ في صفحة ١٩٩ أثْناءِ قِراءَتِهِ مُشْكِلاتِهِ ومَعانِيَهُ لِغايَةِ حِرْصِهِ عَلى العِلْمِ، فَنُهِيَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنِ الأمْرَيْنِ جَمِيعًا، أمّا عَنِ القِراءَةِ مَعَ قِراءَةِ جِبْرِيلَ فَبِقَوْلِهِ: ﴿فَإذا قَرَأْناهُ فاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ وأمّا عَنْ إلْقاءِ الأسْئِلَةِ في البَيانِ فَبِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ﴾ . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ مَن جَوَّزَ تَأْخِيرَ البَيانِ عَنْ وقْتِ الخِطابِ بِهَذِهِ الآيَةِ. وأجابَ أبُو الحُسَيْنِ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ ظاهِرَ الآيَةِ يَقْتَضِي وُجُوبَ تَأْخِيرِ البَيانِ عَنْ وقْتِ الخِطابِ وأنْتُمْ لا تَقُولُونَ بِهِ. الثّانِي: أنَّ عِنْدَنا الواجِبَ أنْ يُقْرَنَ بِاللَّفْظِ إشْعارًا بِأنَّهُ لَيْسَ المُرادُ مِنَ اللَّفْظِ ما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُهُ، فَأمّا البَيانُ التَّفْصِيلِيُّ فَيَجُوزُ تَأْخِيرُهُ، فَتُحْمَلُ الآيَةُ عَلى تَأْخِيرِ البَيانِ التَّفْصِيلِيِّ، وذَكَرَ القَفّالُ وجْهًا ثالِثًا: وهو أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ﴾ أيْ: ثُمَّ إنّا نُخْبِرُكَ بِأنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [ البَلَدِ: ١٧] . والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: أنَّ اللَّفْظَ لا يَقْتَضِي وُجُوبَ تَأْخِيرِ البَيانِ بَلْ يَقْتَضِي تَأْخِيرَ وُجُوبِ البَيانِ، وعِنْدَنا الأمْرُ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ وُجُوبَ البَيانِ لا يَتَحَقَّقُ إلّا عِنْدَ الحاجَةِ. وعَنِ الثّانِي: أنَّ كَلِمَةَ ”ثُمَّ“ دَخَلَتْ مُطْلَقَ البَيانِ فَيَتَناوَلُ البَيانَ المُجْمَلَ والمُفَصَّلَ، وأمّا سُؤالُ القَفّالِ فَضَعِيفٌ أيْضًا لِأنَّهُ تَرْكٌ لِلظّاهِرِ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ بَيانَ المُجْمَلِ واجِبٌ عَلى اللَّهِ تَعالى. أمّا عِنْدَنا فَبِالوَعْدِ والتَّفَضُّلِ. وأمّا عِنْدَ المُعْتَزِلَةِ فَبِالحِكْمَةِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلّا بَلْ تُحِبُّونَ العاجِلَةَ﴾ ﴿وتَذَرُونَ الآخِرَةَ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ﴿كَلّا﴾ رَدْعٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنْ عادَةِ العَجَلَةَ، وحَثٌّ عَلى الأناةِ والتُّؤَدَةِ، وقَدْ بالَغَ في ذَلِكَ بِإتْباعِهِ قَوْلَهُ: ﴿بَلْ تُحِبُّونَ العاجِلَةَ﴾ كَأنَّهُ قالَ: بَلْ أنْتُمْ يا بَنِي آدَمَ؛ لِأنَّكم خُلِقْتُمْ مِن عَجَلٍ وطُبِعْتُمْ عَلَيْهِ تَعْجَلُونَ في كُلِّ شَيْءٍ، ومِن ثَمَّ تُحِبُّونَ العاجِلَةَ وتَذَرُونَ الآخِرَةَ، وقالَ سائِرُ المُفَسِّرِينَ: ﴿كَلّا﴾ مَعْناهُ حَقًّا، أيْ: حَقًّا تُحِبُّونَ العاجِلَةَ وتَذَرُوَنَ الآخِرَةَ، والمَعْنى أنَّهم يُحِبُّونَ الدُّنْيا ويَعْمَلُونَ لَها ويَتْرُكُونَ الآخِرَةَ ويُعْرِضُونَ عَنْها. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قُرِئَ ”تُحِبُّونَ“ و”تَذَرُونَ“ بِالتّاءِ والياءِ، وفِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: قالَ الفَرّاءُ: القُرْآنُ إذا نَزَلَ تَعْرِيفًا لِحالِ قَوْمٍ، فَتارَةً يَنْزِلُ عَلى سَبِيلِ المُخاطَبَةِ لَهم. وتارَةً يَنْزِلُ عَلى سَبِيلِ المُغايَبَةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى إذا كُنْتُمْ في الفُلْكِ وجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ [ يُونُسَ: ٢٢] . الثّانِي: قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: الياءُ عَلى ما تَقَدَّمَ مِن ذِكْرِ الإنْسانِ في قَوْلِهِ: ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ﴾ والمُرادُ مِنهُ الكَثْرَةُ، كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الإنْسانَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾ [ المَعارِجِ: ١٩] والمَعْنى: أنَّهم يُحِبُّونَ ويَذَرُونَ، والتّاءُ عَلى: قُلْ لَهم: بَلْ تُحِبُّونَ وتَذَرُونَ.

القيامة 75:20

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ﴾ فِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَقْرَأُ مَعَ قِراءَةِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ وكانَ يَسْألُ في صفحة ١٩٩ أثْناءِ قِراءَتِهِ مُشْكِلاتِهِ ومَعانِيَهُ لِغايَةِ حِرْصِهِ عَلى العِلْمِ، فَنُهِيَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنِ الأمْرَيْنِ جَمِيعًا، أمّا عَنِ القِراءَةِ مَعَ قِراءَةِ جِبْرِيلَ فَبِقَوْلِهِ: ﴿فَإذا قَرَأْناهُ فاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ وأمّا عَنْ إلْقاءِ الأسْئِلَةِ في البَيانِ فَبِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ﴾ . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ مَن جَوَّزَ تَأْخِيرَ البَيانِ عَنْ وقْتِ الخِطابِ بِهَذِهِ الآيَةِ. وأجابَ أبُو الحُسَيْنِ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ ظاهِرَ الآيَةِ يَقْتَضِي وُجُوبَ تَأْخِيرِ البَيانِ عَنْ وقْتِ الخِطابِ وأنْتُمْ لا تَقُولُونَ بِهِ. الثّانِي: أنَّ عِنْدَنا الواجِبَ أنْ يُقْرَنَ بِاللَّفْظِ إشْعارًا بِأنَّهُ لَيْسَ المُرادُ مِنَ اللَّفْظِ ما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُهُ، فَأمّا البَيانُ التَّفْصِيلِيُّ فَيَجُوزُ تَأْخِيرُهُ، فَتُحْمَلُ الآيَةُ عَلى تَأْخِيرِ البَيانِ التَّفْصِيلِيِّ، وذَكَرَ القَفّالُ وجْهًا ثالِثًا: وهو أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ﴾ أيْ: ثُمَّ إنّا نُخْبِرُكَ بِأنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [ البَلَدِ: ١٧] . والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: أنَّ اللَّفْظَ لا يَقْتَضِي وُجُوبَ تَأْخِيرِ البَيانِ بَلْ يَقْتَضِي تَأْخِيرَ وُجُوبِ البَيانِ، وعِنْدَنا الأمْرُ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ وُجُوبَ البَيانِ لا يَتَحَقَّقُ إلّا عِنْدَ الحاجَةِ. وعَنِ الثّانِي: أنَّ كَلِمَةَ ”ثُمَّ“ دَخَلَتْ مُطْلَقَ البَيانِ فَيَتَناوَلُ البَيانَ المُجْمَلَ والمُفَصَّلَ، وأمّا سُؤالُ القَفّالِ فَضَعِيفٌ أيْضًا لِأنَّهُ تَرْكٌ لِلظّاهِرِ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ بَيانَ المُجْمَلِ واجِبٌ عَلى اللَّهِ تَعالى. أمّا عِنْدَنا فَبِالوَعْدِ والتَّفَضُّلِ. وأمّا عِنْدَ المُعْتَزِلَةِ فَبِالحِكْمَةِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلّا بَلْ تُحِبُّونَ العاجِلَةَ﴾ ﴿وتَذَرُونَ الآخِرَةَ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ﴿كَلّا﴾ رَدْعٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنْ عادَةِ العَجَلَةَ، وحَثٌّ عَلى الأناةِ والتُّؤَدَةِ، وقَدْ بالَغَ في ذَلِكَ بِإتْباعِهِ قَوْلَهُ: ﴿بَلْ تُحِبُّونَ العاجِلَةَ﴾ كَأنَّهُ قالَ: بَلْ أنْتُمْ يا بَنِي آدَمَ؛ لِأنَّكم خُلِقْتُمْ مِن عَجَلٍ وطُبِعْتُمْ عَلَيْهِ تَعْجَلُونَ في كُلِّ شَيْءٍ، ومِن ثَمَّ تُحِبُّونَ العاجِلَةَ وتَذَرُونَ الآخِرَةَ، وقالَ سائِرُ المُفَسِّرِينَ: ﴿كَلّا﴾ مَعْناهُ حَقًّا، أيْ: حَقًّا تُحِبُّونَ العاجِلَةَ وتَذَرُوَنَ الآخِرَةَ، والمَعْنى أنَّهم يُحِبُّونَ الدُّنْيا ويَعْمَلُونَ لَها ويَتْرُكُونَ الآخِرَةَ ويُعْرِضُونَ عَنْها. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قُرِئَ ”تُحِبُّونَ“ و”تَذَرُونَ“ بِالتّاءِ والياءِ، وفِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: قالَ الفَرّاءُ: القُرْآنُ إذا نَزَلَ تَعْرِيفًا لِحالِ قَوْمٍ، فَتارَةً يَنْزِلُ عَلى سَبِيلِ المُخاطَبَةِ لَهم. وتارَةً يَنْزِلُ عَلى سَبِيلِ المُغايَبَةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى إذا كُنْتُمْ في الفُلْكِ وجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ [ يُونُسَ: ٢٢] . الثّانِي: قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: الياءُ عَلى ما تَقَدَّمَ مِن ذِكْرِ الإنْسانِ في قَوْلِهِ: ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ﴾ والمُرادُ مِنهُ الكَثْرَةُ، كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الإنْسانَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾ [ المَعارِجِ: ١٩] والمَعْنى: أنَّهم يُحِبُّونَ ويَذَرُونَ، والتّاءُ عَلى: قُلْ لَهم: بَلْ تُحِبُّونَ وتَذَرُونَ.

القيامة 75:21

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ﴾ فِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَقْرَأُ مَعَ قِراءَةِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ وكانَ يَسْألُ في صفحة ١٩٩ أثْناءِ قِراءَتِهِ مُشْكِلاتِهِ ومَعانِيَهُ لِغايَةِ حِرْصِهِ عَلى العِلْمِ، فَنُهِيَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنِ الأمْرَيْنِ جَمِيعًا، أمّا عَنِ القِراءَةِ مَعَ قِراءَةِ جِبْرِيلَ فَبِقَوْلِهِ: ﴿فَإذا قَرَأْناهُ فاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ وأمّا عَنْ إلْقاءِ الأسْئِلَةِ في البَيانِ فَبِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ﴾ . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ مَن جَوَّزَ تَأْخِيرَ البَيانِ عَنْ وقْتِ الخِطابِ بِهَذِهِ الآيَةِ. وأجابَ أبُو الحُسَيْنِ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ ظاهِرَ الآيَةِ يَقْتَضِي وُجُوبَ تَأْخِيرِ البَيانِ عَنْ وقْتِ الخِطابِ وأنْتُمْ لا تَقُولُونَ بِهِ. الثّانِي: أنَّ عِنْدَنا الواجِبَ أنْ يُقْرَنَ بِاللَّفْظِ إشْعارًا بِأنَّهُ لَيْسَ المُرادُ مِنَ اللَّفْظِ ما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُهُ، فَأمّا البَيانُ التَّفْصِيلِيُّ فَيَجُوزُ تَأْخِيرُهُ، فَتُحْمَلُ الآيَةُ عَلى تَأْخِيرِ البَيانِ التَّفْصِيلِيِّ، وذَكَرَ القَفّالُ وجْهًا ثالِثًا: وهو أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ﴾ أيْ: ثُمَّ إنّا نُخْبِرُكَ بِأنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [ البَلَدِ: ١٧] . والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: أنَّ اللَّفْظَ لا يَقْتَضِي وُجُوبَ تَأْخِيرِ البَيانِ بَلْ يَقْتَضِي تَأْخِيرَ وُجُوبِ البَيانِ، وعِنْدَنا الأمْرُ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ وُجُوبَ البَيانِ لا يَتَحَقَّقُ إلّا عِنْدَ الحاجَةِ. وعَنِ الثّانِي: أنَّ كَلِمَةَ ”ثُمَّ“ دَخَلَتْ مُطْلَقَ البَيانِ فَيَتَناوَلُ البَيانَ المُجْمَلَ والمُفَصَّلَ، وأمّا سُؤالُ القَفّالِ فَضَعِيفٌ أيْضًا لِأنَّهُ تَرْكٌ لِلظّاهِرِ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ بَيانَ المُجْمَلِ واجِبٌ عَلى اللَّهِ تَعالى. أمّا عِنْدَنا فَبِالوَعْدِ والتَّفَضُّلِ. وأمّا عِنْدَ المُعْتَزِلَةِ فَبِالحِكْمَةِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلّا بَلْ تُحِبُّونَ العاجِلَةَ﴾ ﴿وتَذَرُونَ الآخِرَةَ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ﴿كَلّا﴾ رَدْعٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنْ عادَةِ العَجَلَةَ، وحَثٌّ عَلى الأناةِ والتُّؤَدَةِ، وقَدْ بالَغَ في ذَلِكَ بِإتْباعِهِ قَوْلَهُ: ﴿بَلْ تُحِبُّونَ العاجِلَةَ﴾ كَأنَّهُ قالَ: بَلْ أنْتُمْ يا بَنِي آدَمَ؛ لِأنَّكم خُلِقْتُمْ مِن عَجَلٍ وطُبِعْتُمْ عَلَيْهِ تَعْجَلُونَ في كُلِّ شَيْءٍ، ومِن ثَمَّ تُحِبُّونَ العاجِلَةَ وتَذَرُونَ الآخِرَةَ، وقالَ سائِرُ المُفَسِّرِينَ: ﴿كَلّا﴾ مَعْناهُ حَقًّا، أيْ: حَقًّا تُحِبُّونَ العاجِلَةَ وتَذَرُوَنَ الآخِرَةَ، والمَعْنى أنَّهم يُحِبُّونَ الدُّنْيا ويَعْمَلُونَ لَها ويَتْرُكُونَ الآخِرَةَ ويُعْرِضُونَ عَنْها. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قُرِئَ ”تُحِبُّونَ“ و”تَذَرُونَ“ بِالتّاءِ والياءِ، وفِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: قالَ الفَرّاءُ: القُرْآنُ إذا نَزَلَ تَعْرِيفًا لِحالِ قَوْمٍ، فَتارَةً يَنْزِلُ عَلى سَبِيلِ المُخاطَبَةِ لَهم. وتارَةً يَنْزِلُ عَلى سَبِيلِ المُغايَبَةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى إذا كُنْتُمْ في الفُلْكِ وجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ [ يُونُسَ: ٢٢] . الثّانِي: قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: الياءُ عَلى ما تَقَدَّمَ مِن ذِكْرِ الإنْسانِ في قَوْلِهِ: ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ﴾ والمُرادُ مِنهُ الكَثْرَةُ، كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الإنْسانَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾ [ المَعارِجِ: ١٩] والمَعْنى: أنَّهم يُحِبُّونَ ويَذَرُونَ، والتّاءُ عَلى: قُلْ لَهم: بَلْ تُحِبُّونَ وتَذَرُونَ.

القيامة 75:22

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ﴾ قالَ اللَّيْثُ: نَضَرَ اللَّوْنُ والشَّجَرُ والوَرَقُ يَنْضُرُ نَضْرَةً، والنَّضْرَةُ النِّعْمَةُ، والنّاضِرُ النّاعِمُ، والنَّضِرُ الحَسَنُ مِن كُلِّ شَيْءٍ، ومِنهُ يُقالُ لِلَّوْنِ إذا كانَ مُشْرِقًا: ناضِرٌ، فَيُقالُ: أخْضَرُ ناضِرٌ، وكَذَلِكَ في جَمِيعِ الألْوانِ، ومَعْناهُ الَّذِي يَكُونُ لَهُ بَرْقٌ، وكَذَلِكَ يُقالُ: شَجَرٌ ناضِرٌ، ورَوْضٌ ناضِرٌ. ومِنهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«نَضَرَ اللَّهُ عَبْدًا سَمِعَ مَقالَتِي فَوَعاها» “ الحَدِيثَ. أكْثَرُ الرُّواةِ رَواهُ بِالتَّخْفِيفِ، ورَوى عِكْرِمَةُ عَنِ الأصْمَعِيِّ فِيهِ التَّشْدِيدَ، وألْفاظُ المُفَسِّرِينَ مُخْتَلِفَةٌ في تَفْسِيرِ النّاضِرِ، ومَعْناها واحِدٌ، قالُوا: صفحة ٢٠٠ مَسْرُورَةٌ، ناعِمَةٌ، مُضِيئَةٌ، مُشْرِقَةٌ، بَهِجَةٌ. وقالَ الزَّجّاجُ: نَضَرَتْ بِنَعِيمِ الجَنَّةِ، كَما قالَ: ﴿تَعْرِفُ في وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ [ المُطَفِّفِينَ: ٢٤] . ﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ اعْلَمْ أنَّ جُمْهُورَ أهْلِ السُّنَّةِ يَتَمَسَّكُونَ بِهَذِهِ الآيَةِ في إثْباتِ أنَّ المُؤْمِنِينَ يَرَوْنَ اللَّهَ تَعالى يَوْمَ القِيامَةِ. أمّا المُعْتَزِلَةُ فَلَهم هَهُنا مَقامانِ: أحَدُهُما: بَيانُ أنَّ ظاهِرَهُ لا يَدُلُّ عَلى رُؤْيَةِ اللَّهِ تَعالى. والثّانِي: بَيانُ التَّأْوِيلِ. أمّا المَقامُ الأوَّلُ: فَقالُوا: النَّظَرُ المَقْرُونُ بِحَرْفِ ”إلى“ لَيْسَ اسْمًا لِلرُّؤْيَةِ، بَلْ لِمُقَدِّمَةِ الرُّؤْيَةِ، وهي تَقْلِيبُ الحَدَقَةِ نَحْوَ المَرْئِيِّ التِماسًا لِرُؤْيَتِهِ، ونَظَرُ العَيْنِ بِالنِّسْبَةِ إلى الرُّؤْيَةِ كَنَظَرِ القَلْبِ بِالنِّسْبَةِ إلى المَعْرِفَةِ، وكالإصْغاءِ بِالنِّسْبَةِ إلى السَّماعِ، فَكَما أنَّ نَظَرَ القَلْبِ مُقَدِّمَةٌ لِلْمَعْرِفَةِ، والإصْغاءَ مُقَدِّمَةٌ لِلسَّماعِ، فَكَذا نَظَرُ العَيْنِ مُقَدِّمَةٌ لِلرُّؤْيَةِ، قالُوا: والَّذِي يَدُلُّ عَلى أنَّ النَّظَرَ لَيْسَ اسْمًا لِلرُّؤْيَةِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَراهم يَنْظُرُونَ إلَيْكَ وهم لا يُبْصِرُونَ﴾ [ الأعْرافِ: ١٩٨] أثْبَتَ النَّظَرَ حالَ عَدَمِ الرُّؤْيَةِ، فَدَلَّ عَلى أنَّ النَّظَرَ غَيْرُ الرُّؤْيَةِ. والثّانِي: أنَّ النَّظَرَ يُوصَفُ بِما لا تُوصَفُ بِهِ الرُّؤْيَةُ، يُقالُ: نَظَرَ إلَيْهِ نَظَرًا شَزَرًا، ونَظَرَ غَضْبانَ، ونَظَرَ راضٍ، وكُلُّ ذَلِكَ لِأجْلِ أنَّ حَرَكَةَ الحَدَقَةِ تَدُلُّ عَلى هَذِهِ الأحْوالِ، ولا تُوصَفُ الرُّؤْيَةُ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ، فَلا يُقالُ: رَآهُ شَزَرًا، ورَآهُ رُؤْيَةَ غَضْبانَ، أوْ رُؤْيَةَ راضٍ. الثّالِثُ: يُقالُ: انْظُرْ إلَيْهِ حَتّى تَراهُ، ونَظَرْتُ إلَيْهِ فَرَأيْتُهُ، وهَذا يُفِيدُ كَوْنَ الرُّؤْيَةِ غايَةً لِلنَّظَرِ، وذَلِكَ يُوجِبُ الفَرْقَ بَيْنَ النَّظَرِ والرُّؤْيَةِ. الرّابِعُ: يُقالُ: دُورُ بَنِي فُلانٍ مُتَناظِرَةٌ، أيْ مُتَقابِلَةٌ، فَمُسَمّى النَّظَرِ حاصِلٌ هَهُنا، ومُسَمّى الرُّؤْيَةِ غَيْرُ حاصِلٍ. الخامِسُ: قَوْلُ الشّاعِرِ: وُجُوهٌ ناظِراتٌ يَوْمَ بَدْرٍ إلى الرَّحْمَنِ تَنْتَظِرُ الخَلاصا أثْبَتَ النَّظَرَ المَقْرُونَ بِحَرْفِ ”إلى“ مَعَ أنَّ الرُّؤْيَةَ ما كانَتْ حاصِلَةً. السّادِسُ: احْتَجَّ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ عَلى أنَّ النَّظَرَ لَيْسَ عِبارَةً عَنِ الرُّؤْيَةِ الَّتِي هي إدْراكُ البَصَرِ، بَلْ هو عِبارَةٌ عَنْ تَقْلِيبِ الحَدَقَةِ نَحْوَ الجِهَةِ الَّتِي فِيها الشَّيْءُ الَّذِي يُرادُ رُؤْيَتُهُ، لِقَوْلِ الشّاعِرِ: فَيا مَيُّ هَلْ يُجْزِي بُكائِي بِمِثْلِهِ ∗∗∗ مِرارًا وأنْفاسِي إلَيْكِ الزَّوافِرا وإنِّي مَتّى أُشْرِفُ عَلى الجانِبِ الَّذِي ∗∗∗ بِهِ أنْتِ مِن بَيْنِ الجَوانِبِ ناظِرا قالَ: فَلَوْ كانَ النَّظَرُ عِبارَةً عَنِ الرُّؤْيَةِ لَما طَلَبَ الجَزاءَ عَلَيْهِ، لِأنَّ المُحِبَّ لَمْ يَطْلُبِ الثَّوابَ عَلى رُؤْيَةِ المَحْبُوبِ، فَإنَّ ذَلِكَ مِن أعْظَمِ مَطالِبِهِ، قالَ: ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أيْضًا قَوْلُ الآخَرِ: ونَظْرَةُ ذِي شَجَنٍ وامِقٍ ∗∗∗ إذا ما الرَّكائِبُ جاوَزْنَ مِيلًا والمُرادُ مِنهُ تَقْلِيبُ الحَدَقَةِ نَحْوَ الجانِبِ الَّذِي فِيهِ المَحْبُوبُ، فَعَلِمْنا بِهَذِهِ الوُجُوهِ أنَّ النَّظَرَ المَقْرُونَ بِحَرْفِ ”إلى“ لَيْسَ اسْمًا لِلرُّؤْيَةِ. السّابِعُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ مَعْناهُ أنَّها تَنْظُرُ إلى رَبِّها خاصَّةً ولا تَنْظُرُ إلى غَيْرِهِ، وهَذا مَعْنى تَقْدِيمِ المَفْعُولِ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المُسْتَقَرُّ﴾ [ القِيامَةِ: ١٢]، ﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المَساقُ﴾ [ القِيامَةِ: ٣٠]، ﴿ألا إلى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ﴾ [ الشُّورى: ٥٣]، ﴿وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [ الزُّخْرُفِ: ٨٥]، ﴿وإلى اللَّهِ المَصِيرُ﴾ [ فاطِرٍ: ١٨] ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وإلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [ الشُّورى: ١٠] كَيْفَ دَلَّ فِيها التَّقْدِيمُ عَلى مَعْنى الِاخْتِصاصِ، ومَعْلُومٌ أنَّهم يَنْظُرُونَ إلى أشْياءَ لا يُحِيطُ بِها الحَصْرُ، ولا تَدْخُلُ تَحْتَ العَدَدِ صفحة ٢٠١ فِي مَوْقِفِ القِيامَةِ، فَإنَّ المُؤْمِنِينَ نَظّارَةُ ذَلِكَ اليَوْمِ لِأنَّهُمُ الآمِنُونَ الَّذِينَ ﴿لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ [ البَقَرَةِ: ٦٢] فَلَمّا دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ النَّظَرَ لَيْسَ إلّا إلى اللَّهِ، ودَلَّ العَقْلُ عَلى أنَّهم يَرَوْنَ غَيْرَ اللَّهِ، عَلِمْنا أنَّ المُرادَ مِنَ النَّظَرِ إلى اللَّهِ لَيْسَ هو الرُّؤْيَةُ. الثّامِنُ: قالَ تَعالى: ﴿ولا يَنْظُرُ إلَيْهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ [ آلِ عِمْرانَ: ٧٧] ولَوْ قالَ: لا يَراهم كَفى، فَلَمّا نَفى النَّظَرَ، ولَمْ يَنْفِ الرُّؤْيَةَ دَلَّ عَلى المُغايَرَةِ، فَثَبَتَ بِهَذِهِ الوُجُوهِ، أنَّ النَّظَرَ المَذْكُورَ في هَذِهِ الآيَةِ لَيْسَ هو الرُّؤْيَةَ. المَقامُ الثّانِي: في بَيانِ التَّأْوِيلِ المُفَصَّلِ، وهو مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ النّاظِرُ بِمَعْنى المُنْتَظِرِ، أيْ أُولَئِكَ الأقْوامُ يَنْتَظِرُونَ ثَوابَ اللَّهِ، وهو كَقَوْلِ القائِلِ: إنَّما أنْظُرُ إلى فُلانٍ في حاجَتِي، والمُرادُ أنْتَظِرُ نَجاحَها مِن جِهَتِهِ، وقالَ تَعالى: ﴿فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ المُرْسَلُونَ﴾ [ النَّمْلِ: ٣٥] وقالَ: ﴿وإنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسَرَةٍ﴾ [ البَقَرَةِ: ٢٨٠] لا يُقالُ: النَّظَرُ المَقْرُونُ بِحَرْفِ ”إلى“ غَيْرُ مُسْتَعْمَلٍ في مَعْنى الِانْتِظارِ، ولِأنَّ الِانْتِظارَ غَمٌّ وألَمٌ، وهو لا يَلِيقُ بِأهْلِ السَّعادَةِ يَوْمَ القِيامَةِ، لِأنّا نَقُولُ: الجَوابُ عَنِ الأوَّلِ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: النَّظَرُ المَقْرُونُ بِحَرْفِ ”إلى“ قَدْ يُسْتَعْمَلُ بِمَعْنى الِانْتِظارِ والتَّوَقُّعِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ يُقالُ: أنا إلى فُلانٍ ناظِرٌ ما يَصْنَعُ بِي، والمُرادُ مِنهُ التَّوَقُّعُ والرَّجاءُ، وقالَ الشّاعِرُ: وإذا نَظَرْتُ إلَيْكَ مِن مَلِكٍ ∗∗∗ والبَحْرُ دُونَكَ زِدْتَنِي نِعَما وتَحْقِيقُ الكَلامِ فِيهِ أنَّ قَوْلَهم في الِانْتِظارِ ”نَظَرْتُ“ بِغَيْرِ صِلَةٍ، فَإنَّما ذَلِكَ في الِانْتِظارِ لِمَجِيءِ الإنْسانِ بِنَفْسِهِ، فَأمّا إذا كانَ مُنْتَظِرًا لِرِفْدِهِ ومَعُونَتِهِ، فَقَدْ يُقالُ فِيهِ: نَظَرْتُ إلَيْهِ؛ كَقَوْلِ الرَّجُلِ: وإنَّما نَظَرِي إلى اللَّهِ ثُمَّ إلَيْكَ، وقَدْ يَقُولُ ذَلِكَ مَن لا يُبْصِرُ، ويَقُولُ الأعْمى في مِثْلِ هَذا المَعْنى: عَيْنِي شاخِصَةٌ إلَيْكَ، ثُمَّ إنْ سَلَّمْنا ذَلِكَ لَكِنْ لا نُسَلِّمُ أنَّ المُرادَ مِن ”إلى“ هَهُنا حَرْفُ التَّعَدِّي، بَلْ هو واحِدُ الآلاءِ، والمَعْنى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ، نِعْمَةُ رَبِّها مُنْتَظِرَةٌ. وأمّا السُّؤالُ الثّانِي: وهو أنَّ الِانْتِظارَ غَمٌّ وألَمٌ، فَجَوابُهُ أنَّ المُنْتَظِرَ إذا كانَ فِيما يَنْتَظِرُهُ عَلى يَقِينٍ مِنَ الوُصُولِ إلَيْهِ، فَإنَّهُ يَكُونُ في أعْظَمِ اللَّذّاتِ. التَّأْوِيلُ الثّانِي: أنْ يُضْمَرَ المُضافُ، والمَعْنى: إلى ثَوابِ رَبِّها ناظِرَةٌ، قالُوا: وإنَّما صِرْنا إلى هَذا التَّأْوِيلِ؛ لِأنَّهُ لَمّا دَلَّتِ الدَّلائِلُ السَّمْعِيَّةُ والعَقْلِيَّةُ عَلى أنَّهُ تَعالى تَمْتَنِعُ رُؤْيَتُهُ وجَبَ المَصِيرُ إلى التَّأْوِيلِ، ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: فَهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ أيْضًا عَلى أنَّ النَّظَرَ لَيْسَ عِبارَةً عَنْ تَقْلِيبِ الحَدَقَةِ، لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿لا يَنْظُرُ إلَيْهِمْ﴾، ولَيْسَ المُرادُ أنَّهُ تَعالى يُقَلِّبُ الحَدَقَةَ إلى جَهَنَّمَ، فَإنْ قُلْتُمْ: المُرادُ أنَّهُ لا يَنْظُرُ إلَيْهِمْ نَظَرَ الرَّحْمَةِ كانَ ذَلِكَ جَوابَنا عَمّا قالُوهُ. التَّأْوِيلُ الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ مَعْنى ﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ أنَّها لا تَسْألُ ولا تَرْغَبُ إلّا إلى اللَّهِ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«اعْبُدِ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ» “ فَأهْلُ القِيامَةِ لِشِدَّةِ تَضَرُّعِهِمْ إلَيْهِ وانْقِطاعِ أطْماعِهِمْ عَنْ غَيْرِهِ صارُوا كَأنَّهم يَنْظُرُونَ إلَيْهِ. الجَوابُ: قَوْلُهُ: لَيْسَ النَّظَرُ عِبارَةٌ عَنِ الرُّؤْيَةِ، قُلْنا: هَهُنا مَقامانِ: الأوَّلُ: أنْ تُقِيمَ الدَّلالَةَ عَلى أنَّ النَّظَرَ هو الرُّؤْيَةُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: ما حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وهو قَوْلُهُ: ﴿أنْظُرْ إلَيْكَ﴾ [ الأعْرافِ: ١٤٣] فَلَوْ كانَ النَّظَرُ عِبارَةً عَنْ تَقْلِيبِ الحَدَقَةِ إلى جانِبِ صفحة ٢٠٢ المَرْئِيِّ، لاقْتَضَتِ الآيَةُ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أثْبَتَ لِلَّهِ تَعالى وِجْهَةً ومَكانًا، وذَلِكَ مُحالٌ. الثّانِي: أنَّهُ جَعَلَ النَّظَرَ أمْرًا مُرَتَّبًا عَلى الإرادَةِ فَيَكُونُ النَّظَرُ مُتَأخِّرًا عَنِ الإرادَةِ، وتَقْلِيبُ الحَدَقَةِ غَيْرَ مُتَأخِّرٍ عَنِ الإرادَةِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ النَّظَرُ عِبارَةً عَنْ تَقْلِيبِ الحَدَقَةِ إلى جانِبِ المَرْئِيِّ. * * * المَقامُ الثّانِي: وهو الأقْرَبُ إلى الصَّوابِ، سَلَّمْنا أنَّ النَّظَرَ عِبارَةٌ عَنْ تَقْلِيبِ الحَدَقَةِ نَحْوَ المَرْئِيِّ التِماسًا لِرُؤْيَتِهِ، لَكِنّا نَقُولُ: لَمّا تَعَذَّرَ حَمْلُهُ عَلى حَقِيقَتِهِ وجَبَ حَمْلُهُ عَلى مُسَبِّبِهِ وهو الرُّؤْيَةُ، إطْلاقًا لِاسْمِ السَّبَبِ عَلى المُسَبِّبِ، وحَمْلُهُ عَلى الرُّؤْيَةِ أوْلى مِن حَمْلِهِ عَلى الِانْتِظارِ، لِأنَّ تَقْلِيبَ الحَدَقَةِ كالسَّبَبِ لِلرُّؤْيَةِ ولا تَعَلُّقَ بَيْنَهُ وبَيْنَ الِانْتِظارِ، فَكانَ حَمْلُهُ عَلى الرُّؤْيَةِ أوْلى مِن حَمْلِهِ عَلى الِانْتِظارِ. أمّا قَوْلُهُ: النَّظَرُ جاءَ بِمَعْنى الِانْتِظارِ، قُلْنا: لَنا في الجَوابِ مَقامانِ: الأوَّلُ: أنَّ النَّظَرَ الوارِدَ بِمَعْنى الِانْتِظارِ كَثِيرٌ في القُرْآنِ، ولَكِنَّهُ لَمْ يُقْرَنِ البَتَّةَ بِحَرْفِ ”إلى“ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِن نُورِكُمْ﴾ [ الحَدِيدِ: ١٣] وقَوْلِهِ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا تَأْوِيلَهُ﴾ [ الأعْرافِ: ٥٣] ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا أنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ﴾ [ البَقَرَةِ: ٢١٠] والَّذِي نَدَّعِيهِ أنَّ النَّظَرَ المَقْرُونَ بِحَرْفِ ”إلى“ المُعَدّى إلى الوُجُوهِ لَيْسَ إلّا بِمَعْنى الرُّؤْيَةِ أوْ بِالمَعْنى الَّذِي يَسْتَعْقِبُ الرُّؤْيَةَ - ظاهِرٌ، فَوَجَبَ أنْ لا يَرِدَ بِمَعْنى الِانْتِظارِ دَفْعًا لِلِاشْتِراكِ. وأمّا قَوْلُ الشّاعِرِ: وُجُوهٌ ناظِراتٌ يَوْمَ بَدْرٍ إلى الرَّحْمَنِ تَنْتَظِرُ الخَلاصا قُلْنا: هَذا الشِّعْرُ مَوْضُوعٌ، والرِّوايَةُ الصَّحِيحَةُ: وُجُوهٌ ناظِراتٌ يَوْمَ بَكْرٍ ∗∗∗ إلى الرَّحْمَنِ تَنْتَظِرُ الخَلاصا والمُرادُ مِن هَذا الرَّحْمَنِ مُسَيْلِمَةُ الكَذّابُ، لِأنَّهم كانُوا يُسَمُّونَهُ رَحْمَنَ اليَمامَةِ، فَأصْحابُهُ كانُوا يَنْظُرُونَ إلَيْهِ ويَتَوَقَّعُونَ مِنهُ التَّخَلُّصَ مِنَ الأعْداءِ، وأمّا قَوْلُ الشّاعِرِ: وإذا نَظَرْتُ إلَيْكَ مِن مَلِكٍ فالجَوابُ: أنَّ قَوْلَهُ: وإذا نَظَرْتُ إلَيْكَ، لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ الِانْتِظارَ، لِأنَّ مُجَرَّدَ الِانْتِظارِ لا يَسْتَعْقِبُ العَطِيَّةَ، بَلِ المُرادُ مِن قَوْلِهِ ”وإذا نَظَرْتُ إلَيْكَ“ وإذا سَألَتُكَ؛ لِأنَّ النَّظَرَ إلى الإنْسانِ مُقَدِّمَةُ المُكالَمَةِ، فَجازَ التَّعْبِيرُ عَنْهُ بِهِ، وقَوْلُهُ: كَلِمَةُ ”إلى“ هَهُنا لَيْسَ المُرادُ مِنهُ حَرْفَ التَّعَدِّي، بَلْ واحِدُ الآلاءِ، قُلْنا: إنَّ ”إلى“ عَلى هَذا القَوْلِ تَكُونُ اسْمًا لِلْماهِيَّةِ الَّتِي يَصْدُقُ عَلَيْهِ أنَّها نِعْمَةٌ، فَعَلى هَذا يَكْفِي في تَحَقُّقِ مُسَمّى هَذِهِ اللَّفْظَةِ أيُّ جُزْءٍ فُرِضَ مِن أجْزاءِ النِّعْمَةِ، وإنْ كانَ في غايَةِ القِلَّةِ والحَقارَةِ، وأهْلُ الثَّوابِ يَكُونُونَ في جَمِيعِ مَواقِفِ القِيامَةِ في النِّعَمِ العَظِيمَةِ المُتَكامِلَةِ، ومَن كانَ حالُهُ كَذَلِكَ كَيْفَ يُمْكِنُ أنْ يُبَشَّرَ بِأنَّهُ يَكُونُ في تَوَقُّعِ الشَّيْءِ الَّذِي يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ اسْمُ النِّعْمَةِ، ومِثالُ هَذا أنْ يُبَشِّرَ سُلْطانُ الأرْضِ بِأنَّهُ سَيَصِيرُ حالُكَ في العَظَمَةِ والقُوَّةِ بَعْدَ سَنَةٍ، بِحَيْثُ تَكُونُ مُتَوَقِّعًا لِحُصُولِ اللُّقْمَةِ الواحِدَةِ مِنَ الخُبْزِ والقَطْرَةِ الواحِدَةِ مِنَ الماءِ، وكَما أنَّ ذَلِكَ فاسِدٌ مِنَ القَوْلِ، فَكَذا هَذا. المَقامُ الثّانِي: هَبْ أنَّ النَّظَرَ المُعَدّى بِحَرْفِ ”إلى“ المَقْرُونَ بِالوُجُوهِ - جاءَ في اللُّغَةِ بِمَعْنى الِانْتِظارِ، لَكِنْ لا يُمْكِنُ حَمْلُ هَذِهِ الآيَةِ عَلَيْهِ، لِأنَّ لَذَّةَ الِانْتِظارِ مَعَ يَقِينِ الوُقُوعِ كانَتْ حاصِلَةً في الدُّنْيا، فَلا بُدَّ وأنْ يَحْصُلَ في صفحة ٢٠٣ الآخِرَةِ شَيْءٌ أزْيَدُ مِنهُ حَتّى يَحْسُنَ ذِكْرُهُ في مَعْرِضِ التَّرْغِيبِ في الآخِرَةِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ هو قُرْبَ الحُصُولِ، لِأنَّ ذَلِكَ مَعْلُومٌ بِالعَقْلِ، فَبَطَلَ ما ذَكَرُوهُ مِنَ التَّأْوِيلِ. وأمّا التَّأْوِيلُ الثّانِي: وهو أنَّ المُرادَ: إلى ثَوابِ رَبِّها ناظِرَةٌ، فَهَذا تَرْكٌ لِلظّاهِرِ، وقَوْلُهُ: إنَّما صِرْنا إلَيْهِ لِقِيامِ الدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ والنَّقْلِيَّةِ عَلى أنَّ اللَّهَ لا يَرى، قُلْنا: بَيَّنّا في الكُتُبِ العَقْلِيَّةِ ضَعْفَ تِلْكَ الوُجُوهِ، فَلا حاجَةَ هَهُنا إلى ذِكْرِها. واللَّهُ أعْلَمُ.

القيامة 75:23

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ﴾ قالَ اللَّيْثُ: نَضَرَ اللَّوْنُ والشَّجَرُ والوَرَقُ يَنْضُرُ نَضْرَةً، والنَّضْرَةُ النِّعْمَةُ، والنّاضِرُ النّاعِمُ، والنَّضِرُ الحَسَنُ مِن كُلِّ شَيْءٍ، ومِنهُ يُقالُ لِلَّوْنِ إذا كانَ مُشْرِقًا: ناضِرٌ، فَيُقالُ: أخْضَرُ ناضِرٌ، وكَذَلِكَ في جَمِيعِ الألْوانِ، ومَعْناهُ الَّذِي يَكُونُ لَهُ بَرْقٌ، وكَذَلِكَ يُقالُ: شَجَرٌ ناضِرٌ، ورَوْضٌ ناضِرٌ. ومِنهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«نَضَرَ اللَّهُ عَبْدًا سَمِعَ مَقالَتِي فَوَعاها» “ الحَدِيثَ. أكْثَرُ الرُّواةِ رَواهُ بِالتَّخْفِيفِ، ورَوى عِكْرِمَةُ عَنِ الأصْمَعِيِّ فِيهِ التَّشْدِيدَ، وألْفاظُ المُفَسِّرِينَ مُخْتَلِفَةٌ في تَفْسِيرِ النّاضِرِ، ومَعْناها واحِدٌ، قالُوا: صفحة ٢٠٠ مَسْرُورَةٌ، ناعِمَةٌ، مُضِيئَةٌ، مُشْرِقَةٌ، بَهِجَةٌ. وقالَ الزَّجّاجُ: نَضَرَتْ بِنَعِيمِ الجَنَّةِ، كَما قالَ: ﴿تَعْرِفُ في وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ [ المُطَفِّفِينَ: ٢٤] . ﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ اعْلَمْ أنَّ جُمْهُورَ أهْلِ السُّنَّةِ يَتَمَسَّكُونَ بِهَذِهِ الآيَةِ في إثْباتِ أنَّ المُؤْمِنِينَ يَرَوْنَ اللَّهَ تَعالى يَوْمَ القِيامَةِ. أمّا المُعْتَزِلَةُ فَلَهم هَهُنا مَقامانِ: أحَدُهُما: بَيانُ أنَّ ظاهِرَهُ لا يَدُلُّ عَلى رُؤْيَةِ اللَّهِ تَعالى. والثّانِي: بَيانُ التَّأْوِيلِ. أمّا المَقامُ الأوَّلُ: فَقالُوا: النَّظَرُ المَقْرُونُ بِحَرْفِ ”إلى“ لَيْسَ اسْمًا لِلرُّؤْيَةِ، بَلْ لِمُقَدِّمَةِ الرُّؤْيَةِ، وهي تَقْلِيبُ الحَدَقَةِ نَحْوَ المَرْئِيِّ التِماسًا لِرُؤْيَتِهِ، ونَظَرُ العَيْنِ بِالنِّسْبَةِ إلى الرُّؤْيَةِ كَنَظَرِ القَلْبِ بِالنِّسْبَةِ إلى المَعْرِفَةِ، وكالإصْغاءِ بِالنِّسْبَةِ إلى السَّماعِ، فَكَما أنَّ نَظَرَ القَلْبِ مُقَدِّمَةٌ لِلْمَعْرِفَةِ، والإصْغاءَ مُقَدِّمَةٌ لِلسَّماعِ، فَكَذا نَظَرُ العَيْنِ مُقَدِّمَةٌ لِلرُّؤْيَةِ، قالُوا: والَّذِي يَدُلُّ عَلى أنَّ النَّظَرَ لَيْسَ اسْمًا لِلرُّؤْيَةِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَراهم يَنْظُرُونَ إلَيْكَ وهم لا يُبْصِرُونَ﴾ [ الأعْرافِ: ١٩٨] أثْبَتَ النَّظَرَ حالَ عَدَمِ الرُّؤْيَةِ، فَدَلَّ عَلى أنَّ النَّظَرَ غَيْرُ الرُّؤْيَةِ. والثّانِي: أنَّ النَّظَرَ يُوصَفُ بِما لا تُوصَفُ بِهِ الرُّؤْيَةُ، يُقالُ: نَظَرَ إلَيْهِ نَظَرًا شَزَرًا، ونَظَرَ غَضْبانَ، ونَظَرَ راضٍ، وكُلُّ ذَلِكَ لِأجْلِ أنَّ حَرَكَةَ الحَدَقَةِ تَدُلُّ عَلى هَذِهِ الأحْوالِ، ولا تُوصَفُ الرُّؤْيَةُ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ، فَلا يُقالُ: رَآهُ شَزَرًا، ورَآهُ رُؤْيَةَ غَضْبانَ، أوْ رُؤْيَةَ راضٍ. الثّالِثُ: يُقالُ: انْظُرْ إلَيْهِ حَتّى تَراهُ، ونَظَرْتُ إلَيْهِ فَرَأيْتُهُ، وهَذا يُفِيدُ كَوْنَ الرُّؤْيَةِ غايَةً لِلنَّظَرِ، وذَلِكَ يُوجِبُ الفَرْقَ بَيْنَ النَّظَرِ والرُّؤْيَةِ. الرّابِعُ: يُقالُ: دُورُ بَنِي فُلانٍ مُتَناظِرَةٌ، أيْ مُتَقابِلَةٌ، فَمُسَمّى النَّظَرِ حاصِلٌ هَهُنا، ومُسَمّى الرُّؤْيَةِ غَيْرُ حاصِلٍ. الخامِسُ: قَوْلُ الشّاعِرِ: وُجُوهٌ ناظِراتٌ يَوْمَ بَدْرٍ إلى الرَّحْمَنِ تَنْتَظِرُ الخَلاصا أثْبَتَ النَّظَرَ المَقْرُونَ بِحَرْفِ ”إلى“ مَعَ أنَّ الرُّؤْيَةَ ما كانَتْ حاصِلَةً. السّادِسُ: احْتَجَّ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ عَلى أنَّ النَّظَرَ لَيْسَ عِبارَةً عَنِ الرُّؤْيَةِ الَّتِي هي إدْراكُ البَصَرِ، بَلْ هو عِبارَةٌ عَنْ تَقْلِيبِ الحَدَقَةِ نَحْوَ الجِهَةِ الَّتِي فِيها الشَّيْءُ الَّذِي يُرادُ رُؤْيَتُهُ، لِقَوْلِ الشّاعِرِ: فَيا مَيُّ هَلْ يُجْزِي بُكائِي بِمِثْلِهِ ∗∗∗ مِرارًا وأنْفاسِي إلَيْكِ الزَّوافِرا وإنِّي مَتّى أُشْرِفُ عَلى الجانِبِ الَّذِي ∗∗∗ بِهِ أنْتِ مِن بَيْنِ الجَوانِبِ ناظِرا قالَ: فَلَوْ كانَ النَّظَرُ عِبارَةً عَنِ الرُّؤْيَةِ لَما طَلَبَ الجَزاءَ عَلَيْهِ، لِأنَّ المُحِبَّ لَمْ يَطْلُبِ الثَّوابَ عَلى رُؤْيَةِ المَحْبُوبِ، فَإنَّ ذَلِكَ مِن أعْظَمِ مَطالِبِهِ، قالَ: ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أيْضًا قَوْلُ الآخَرِ: ونَظْرَةُ ذِي شَجَنٍ وامِقٍ ∗∗∗ إذا ما الرَّكائِبُ جاوَزْنَ مِيلًا والمُرادُ مِنهُ تَقْلِيبُ الحَدَقَةِ نَحْوَ الجانِبِ الَّذِي فِيهِ المَحْبُوبُ، فَعَلِمْنا بِهَذِهِ الوُجُوهِ أنَّ النَّظَرَ المَقْرُونَ بِحَرْفِ ”إلى“ لَيْسَ اسْمًا لِلرُّؤْيَةِ. السّابِعُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ مَعْناهُ أنَّها تَنْظُرُ إلى رَبِّها خاصَّةً ولا تَنْظُرُ إلى غَيْرِهِ، وهَذا مَعْنى تَقْدِيمِ المَفْعُولِ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المُسْتَقَرُّ﴾ [ القِيامَةِ: ١٢]، ﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المَساقُ﴾ [ القِيامَةِ: ٣٠]، ﴿ألا إلى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ﴾ [ الشُّورى: ٥٣]، ﴿وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [ الزُّخْرُفِ: ٨٥]، ﴿وإلى اللَّهِ المَصِيرُ﴾ [ فاطِرٍ: ١٨] ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وإلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [ الشُّورى: ١٠] كَيْفَ دَلَّ فِيها التَّقْدِيمُ عَلى مَعْنى الِاخْتِصاصِ، ومَعْلُومٌ أنَّهم يَنْظُرُونَ إلى أشْياءَ لا يُحِيطُ بِها الحَصْرُ، ولا تَدْخُلُ تَحْتَ العَدَدِ صفحة ٢٠١ فِي مَوْقِفِ القِيامَةِ، فَإنَّ المُؤْمِنِينَ نَظّارَةُ ذَلِكَ اليَوْمِ لِأنَّهُمُ الآمِنُونَ الَّذِينَ ﴿لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ [ البَقَرَةِ: ٦٢] فَلَمّا دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ النَّظَرَ لَيْسَ إلّا إلى اللَّهِ، ودَلَّ العَقْلُ عَلى أنَّهم يَرَوْنَ غَيْرَ اللَّهِ، عَلِمْنا أنَّ المُرادَ مِنَ النَّظَرِ إلى اللَّهِ لَيْسَ هو الرُّؤْيَةُ. الثّامِنُ: قالَ تَعالى: ﴿ولا يَنْظُرُ إلَيْهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ [ آلِ عِمْرانَ: ٧٧] ولَوْ قالَ: لا يَراهم كَفى، فَلَمّا نَفى النَّظَرَ، ولَمْ يَنْفِ الرُّؤْيَةَ دَلَّ عَلى المُغايَرَةِ، فَثَبَتَ بِهَذِهِ الوُجُوهِ، أنَّ النَّظَرَ المَذْكُورَ في هَذِهِ الآيَةِ لَيْسَ هو الرُّؤْيَةَ. المَقامُ الثّانِي: في بَيانِ التَّأْوِيلِ المُفَصَّلِ، وهو مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ النّاظِرُ بِمَعْنى المُنْتَظِرِ، أيْ أُولَئِكَ الأقْوامُ يَنْتَظِرُونَ ثَوابَ اللَّهِ، وهو كَقَوْلِ القائِلِ: إنَّما أنْظُرُ إلى فُلانٍ في حاجَتِي، والمُرادُ أنْتَظِرُ نَجاحَها مِن جِهَتِهِ، وقالَ تَعالى: ﴿فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ المُرْسَلُونَ﴾ [ النَّمْلِ: ٣٥] وقالَ: ﴿وإنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسَرَةٍ﴾ [ البَقَرَةِ: ٢٨٠] لا يُقالُ: النَّظَرُ المَقْرُونُ بِحَرْفِ ”إلى“ غَيْرُ مُسْتَعْمَلٍ في مَعْنى الِانْتِظارِ، ولِأنَّ الِانْتِظارَ غَمٌّ وألَمٌ، وهو لا يَلِيقُ بِأهْلِ السَّعادَةِ يَوْمَ القِيامَةِ، لِأنّا نَقُولُ: الجَوابُ عَنِ الأوَّلِ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: النَّظَرُ المَقْرُونُ بِحَرْفِ ”إلى“ قَدْ يُسْتَعْمَلُ بِمَعْنى الِانْتِظارِ والتَّوَقُّعِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ يُقالُ: أنا إلى فُلانٍ ناظِرٌ ما يَصْنَعُ بِي، والمُرادُ مِنهُ التَّوَقُّعُ والرَّجاءُ، وقالَ الشّاعِرُ: وإذا نَظَرْتُ إلَيْكَ مِن مَلِكٍ ∗∗∗ والبَحْرُ دُونَكَ زِدْتَنِي نِعَما وتَحْقِيقُ الكَلامِ فِيهِ أنَّ قَوْلَهم في الِانْتِظارِ ”نَظَرْتُ“ بِغَيْرِ صِلَةٍ، فَإنَّما ذَلِكَ في الِانْتِظارِ لِمَجِيءِ الإنْسانِ بِنَفْسِهِ، فَأمّا إذا كانَ مُنْتَظِرًا لِرِفْدِهِ ومَعُونَتِهِ، فَقَدْ يُقالُ فِيهِ: نَظَرْتُ إلَيْهِ؛ كَقَوْلِ الرَّجُلِ: وإنَّما نَظَرِي إلى اللَّهِ ثُمَّ إلَيْكَ، وقَدْ يَقُولُ ذَلِكَ مَن لا يُبْصِرُ، ويَقُولُ الأعْمى في مِثْلِ هَذا المَعْنى: عَيْنِي شاخِصَةٌ إلَيْكَ، ثُمَّ إنْ سَلَّمْنا ذَلِكَ لَكِنْ لا نُسَلِّمُ أنَّ المُرادَ مِن ”إلى“ هَهُنا حَرْفُ التَّعَدِّي، بَلْ هو واحِدُ الآلاءِ، والمَعْنى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ، نِعْمَةُ رَبِّها مُنْتَظِرَةٌ. وأمّا السُّؤالُ الثّانِي: وهو أنَّ الِانْتِظارَ غَمٌّ وألَمٌ، فَجَوابُهُ أنَّ المُنْتَظِرَ إذا كانَ فِيما يَنْتَظِرُهُ عَلى يَقِينٍ مِنَ الوُصُولِ إلَيْهِ، فَإنَّهُ يَكُونُ في أعْظَمِ اللَّذّاتِ. التَّأْوِيلُ الثّانِي: أنْ يُضْمَرَ المُضافُ، والمَعْنى: إلى ثَوابِ رَبِّها ناظِرَةٌ، قالُوا: وإنَّما صِرْنا إلى هَذا التَّأْوِيلِ؛ لِأنَّهُ لَمّا دَلَّتِ الدَّلائِلُ السَّمْعِيَّةُ والعَقْلِيَّةُ عَلى أنَّهُ تَعالى تَمْتَنِعُ رُؤْيَتُهُ وجَبَ المَصِيرُ إلى التَّأْوِيلِ، ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: فَهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ أيْضًا عَلى أنَّ النَّظَرَ لَيْسَ عِبارَةً عَنْ تَقْلِيبِ الحَدَقَةِ، لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿لا يَنْظُرُ إلَيْهِمْ﴾، ولَيْسَ المُرادُ أنَّهُ تَعالى يُقَلِّبُ الحَدَقَةَ إلى جَهَنَّمَ، فَإنْ قُلْتُمْ: المُرادُ أنَّهُ لا يَنْظُرُ إلَيْهِمْ نَظَرَ الرَّحْمَةِ كانَ ذَلِكَ جَوابَنا عَمّا قالُوهُ. التَّأْوِيلُ الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ مَعْنى ﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ أنَّها لا تَسْألُ ولا تَرْغَبُ إلّا إلى اللَّهِ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«اعْبُدِ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ» “ فَأهْلُ القِيامَةِ لِشِدَّةِ تَضَرُّعِهِمْ إلَيْهِ وانْقِطاعِ أطْماعِهِمْ عَنْ غَيْرِهِ صارُوا كَأنَّهم يَنْظُرُونَ إلَيْهِ. الجَوابُ: قَوْلُهُ: لَيْسَ النَّظَرُ عِبارَةٌ عَنِ الرُّؤْيَةِ، قُلْنا: هَهُنا مَقامانِ: الأوَّلُ: أنْ تُقِيمَ الدَّلالَةَ عَلى أنَّ النَّظَرَ هو الرُّؤْيَةُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: ما حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وهو قَوْلُهُ: ﴿أنْظُرْ إلَيْكَ﴾ [ الأعْرافِ: ١٤٣] فَلَوْ كانَ النَّظَرُ عِبارَةً عَنْ تَقْلِيبِ الحَدَقَةِ إلى جانِبِ صفحة ٢٠٢ المَرْئِيِّ، لاقْتَضَتِ الآيَةُ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أثْبَتَ لِلَّهِ تَعالى وِجْهَةً ومَكانًا، وذَلِكَ مُحالٌ. الثّانِي: أنَّهُ جَعَلَ النَّظَرَ أمْرًا مُرَتَّبًا عَلى الإرادَةِ فَيَكُونُ النَّظَرُ مُتَأخِّرًا عَنِ الإرادَةِ، وتَقْلِيبُ الحَدَقَةِ غَيْرَ مُتَأخِّرٍ عَنِ الإرادَةِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ النَّظَرُ عِبارَةً عَنْ تَقْلِيبِ الحَدَقَةِ إلى جانِبِ المَرْئِيِّ. * * * المَقامُ الثّانِي: وهو الأقْرَبُ إلى الصَّوابِ، سَلَّمْنا أنَّ النَّظَرَ عِبارَةٌ عَنْ تَقْلِيبِ الحَدَقَةِ نَحْوَ المَرْئِيِّ التِماسًا لِرُؤْيَتِهِ، لَكِنّا نَقُولُ: لَمّا تَعَذَّرَ حَمْلُهُ عَلى حَقِيقَتِهِ وجَبَ حَمْلُهُ عَلى مُسَبِّبِهِ وهو الرُّؤْيَةُ، إطْلاقًا لِاسْمِ السَّبَبِ عَلى المُسَبِّبِ، وحَمْلُهُ عَلى الرُّؤْيَةِ أوْلى مِن حَمْلِهِ عَلى الِانْتِظارِ، لِأنَّ تَقْلِيبَ الحَدَقَةِ كالسَّبَبِ لِلرُّؤْيَةِ ولا تَعَلُّقَ بَيْنَهُ وبَيْنَ الِانْتِظارِ، فَكانَ حَمْلُهُ عَلى الرُّؤْيَةِ أوْلى مِن حَمْلِهِ عَلى الِانْتِظارِ. أمّا قَوْلُهُ: النَّظَرُ جاءَ بِمَعْنى الِانْتِظارِ، قُلْنا: لَنا في الجَوابِ مَقامانِ: الأوَّلُ: أنَّ النَّظَرَ الوارِدَ بِمَعْنى الِانْتِظارِ كَثِيرٌ في القُرْآنِ، ولَكِنَّهُ لَمْ يُقْرَنِ البَتَّةَ بِحَرْفِ ”إلى“ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِن نُورِكُمْ﴾ [ الحَدِيدِ: ١٣] وقَوْلِهِ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا تَأْوِيلَهُ﴾ [ الأعْرافِ: ٥٣] ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا أنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ﴾ [ البَقَرَةِ: ٢١٠] والَّذِي نَدَّعِيهِ أنَّ النَّظَرَ المَقْرُونَ بِحَرْفِ ”إلى“ المُعَدّى إلى الوُجُوهِ لَيْسَ إلّا بِمَعْنى الرُّؤْيَةِ أوْ بِالمَعْنى الَّذِي يَسْتَعْقِبُ الرُّؤْيَةَ - ظاهِرٌ، فَوَجَبَ أنْ لا يَرِدَ بِمَعْنى الِانْتِظارِ دَفْعًا لِلِاشْتِراكِ. وأمّا قَوْلُ الشّاعِرِ: وُجُوهٌ ناظِراتٌ يَوْمَ بَدْرٍ إلى الرَّحْمَنِ تَنْتَظِرُ الخَلاصا قُلْنا: هَذا الشِّعْرُ مَوْضُوعٌ، والرِّوايَةُ الصَّحِيحَةُ: وُجُوهٌ ناظِراتٌ يَوْمَ بَكْرٍ ∗∗∗ إلى الرَّحْمَنِ تَنْتَظِرُ الخَلاصا والمُرادُ مِن هَذا الرَّحْمَنِ مُسَيْلِمَةُ الكَذّابُ، لِأنَّهم كانُوا يُسَمُّونَهُ رَحْمَنَ اليَمامَةِ، فَأصْحابُهُ كانُوا يَنْظُرُونَ إلَيْهِ ويَتَوَقَّعُونَ مِنهُ التَّخَلُّصَ مِنَ الأعْداءِ، وأمّا قَوْلُ الشّاعِرِ: وإذا نَظَرْتُ إلَيْكَ مِن مَلِكٍ فالجَوابُ: أنَّ قَوْلَهُ: وإذا نَظَرْتُ إلَيْكَ، لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ الِانْتِظارَ، لِأنَّ مُجَرَّدَ الِانْتِظارِ لا يَسْتَعْقِبُ العَطِيَّةَ، بَلِ المُرادُ مِن قَوْلِهِ ”وإذا نَظَرْتُ إلَيْكَ“ وإذا سَألَتُكَ؛ لِأنَّ النَّظَرَ إلى الإنْسانِ مُقَدِّمَةُ المُكالَمَةِ، فَجازَ التَّعْبِيرُ عَنْهُ بِهِ، وقَوْلُهُ: كَلِمَةُ ”إلى“ هَهُنا لَيْسَ المُرادُ مِنهُ حَرْفَ التَّعَدِّي، بَلْ واحِدُ الآلاءِ، قُلْنا: إنَّ ”إلى“ عَلى هَذا القَوْلِ تَكُونُ اسْمًا لِلْماهِيَّةِ الَّتِي يَصْدُقُ عَلَيْهِ أنَّها نِعْمَةٌ، فَعَلى هَذا يَكْفِي في تَحَقُّقِ مُسَمّى هَذِهِ اللَّفْظَةِ أيُّ جُزْءٍ فُرِضَ مِن أجْزاءِ النِّعْمَةِ، وإنْ كانَ في غايَةِ القِلَّةِ والحَقارَةِ، وأهْلُ الثَّوابِ يَكُونُونَ في جَمِيعِ مَواقِفِ القِيامَةِ في النِّعَمِ العَظِيمَةِ المُتَكامِلَةِ، ومَن كانَ حالُهُ كَذَلِكَ كَيْفَ يُمْكِنُ أنْ يُبَشَّرَ بِأنَّهُ يَكُونُ في تَوَقُّعِ الشَّيْءِ الَّذِي يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ اسْمُ النِّعْمَةِ، ومِثالُ هَذا أنْ يُبَشِّرَ سُلْطانُ الأرْضِ بِأنَّهُ سَيَصِيرُ حالُكَ في العَظَمَةِ والقُوَّةِ بَعْدَ سَنَةٍ، بِحَيْثُ تَكُونُ مُتَوَقِّعًا لِحُصُولِ اللُّقْمَةِ الواحِدَةِ مِنَ الخُبْزِ والقَطْرَةِ الواحِدَةِ مِنَ الماءِ، وكَما أنَّ ذَلِكَ فاسِدٌ مِنَ القَوْلِ، فَكَذا هَذا. المَقامُ الثّانِي: هَبْ أنَّ النَّظَرَ المُعَدّى بِحَرْفِ ”إلى“ المَقْرُونَ بِالوُجُوهِ - جاءَ في اللُّغَةِ بِمَعْنى الِانْتِظارِ، لَكِنْ لا يُمْكِنُ حَمْلُ هَذِهِ الآيَةِ عَلَيْهِ، لِأنَّ لَذَّةَ الِانْتِظارِ مَعَ يَقِينِ الوُقُوعِ كانَتْ حاصِلَةً في الدُّنْيا، فَلا بُدَّ وأنْ يَحْصُلَ في صفحة ٢٠٣ الآخِرَةِ شَيْءٌ أزْيَدُ مِنهُ حَتّى يَحْسُنَ ذِكْرُهُ في مَعْرِضِ التَّرْغِيبِ في الآخِرَةِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ هو قُرْبَ الحُصُولِ، لِأنَّ ذَلِكَ مَعْلُومٌ بِالعَقْلِ، فَبَطَلَ ما ذَكَرُوهُ مِنَ التَّأْوِيلِ. وأمّا التَّأْوِيلُ الثّانِي: وهو أنَّ المُرادَ: إلى ثَوابِ رَبِّها ناظِرَةٌ، فَهَذا تَرْكٌ لِلظّاهِرِ، وقَوْلُهُ: إنَّما صِرْنا إلَيْهِ لِقِيامِ الدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ والنَّقْلِيَّةِ عَلى أنَّ اللَّهَ لا يَرى، قُلْنا: بَيَّنّا في الكُتُبِ العَقْلِيَّةِ ضَعْفَ تِلْكَ الوُجُوهِ، فَلا حاجَةَ هَهُنا إلى ذِكْرِها. واللَّهُ أعْلَمُ.

القيامة 75:24

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ووُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ﴾ ﴿تَظُنُّ أنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ﴾ الباسِرُ: الشَّدِيدُ العَبُوسِ، والباسِلُ أشَدُّ مِنهُ، ولَكِنَّهُ غَلَبَ في الشُّجاعِ إذا اشْتَدَّ كُلُوحُهُ، والمَعْنى: أنَّها عابِسَةٌ كالِحَةٌ قَدْ أظْلَمَتْ ألْوانُها وعَدِمَتْ آثارُ السُّرُورِ والنِّعْمَةِ مِنها؛ لِما أدْرَكَها مِنَ الشَّقاءِ واليَأْسِ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ، ولِما سَوَّدَها اللَّهُ حِينَ مَيَّزَ اللَّهُ أهْلَ الجَنَّةِ والنّارِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ البُسُورِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿عَبَسَ وبَسَرَ﴾ وإنَّما كانَتْ بِهَذِهِ الصِّفَةِ؛ لِأنَّها قَدْ أيْقَنَتْ أنَّ العَذابَ نازِلٌ، وهو قَوْلُهُ: ﴿تَظُنُّ أنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ﴾ والظَّنُّ هَهُنا بِمَعْنى اليَقِينِ، هَكَذا قالَهُ المُفَسِّرُونَ، وعِنْدِي أنَّ الظَّنَّ إنَّما ذُكِرَ هَهُنا عَلى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: إذا شاهَدُوا تِلْكَ الأحْوالَ حَصَلَ فِيهِمْ ظَنٌّ أنَّ القِيامَةَ حَقٌّ، وأمّا الفاقِرَةُ فَقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الفاقِرَةُ الدّاهِيَةُ، وهو اسْمٌ لِلْوَسْمِ الَّذِي يُفْقَرُ بِهِ عَلى الأنْفِ، قالَ الأصْمَعِيُّ: الفَقْرُ أنْ يُحَزَّ أنْفُ البَعِيرِ حَتّى يَخْلُصَ إلى العَظْمِ، أوْ قَرِيبٍ مِنهُ، ثُمَّ يُجْعَلَ فِيهِ خَشَبَةٌ يُجَرُّ البَعِيرُ بِها، ومِنهُ قِيلَ: عَمِلَتْ بِهِ الفاقِرَةُ، قالَ المُبَرِّدُ: الفاقِرَةُ داهِيَةٌ تَكْسِرُ الظَّهْرَ، وأصْلُها مِنَ الفَقْرَةِ والفَقارَةِ كَأنَّ الفاقِرَةَ داهِيَةٌ تَكْسِرُ فَقارَ الظَّهْرِ، وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ فَقَرْتُ الرَّجُلَ، كَما يُقالُ رَأسْتُهُ وبَطَنْتُهُ فَهو مَفْقُورٌ، واعْلَمْ أنَّ مِنَ المُفَسِّرِينَ مَن فَسَّرَ الفاقِرَةَ بِأنْواعِ العَذابِ في النّارِ، وفَسَّرَها الكَلْبِيُّ فَقالَ: الفاقِرَةُ هي أنْ تُحْجَبَ عَنْ رُؤْيَةِ رَبِّها ولا تَنْظُرُ إلَيْهِ.

القيامة 75:25

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ووُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ﴾ ﴿تَظُنُّ أنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ﴾ الباسِرُ: الشَّدِيدُ العَبُوسِ، والباسِلُ أشَدُّ مِنهُ، ولَكِنَّهُ غَلَبَ في الشُّجاعِ إذا اشْتَدَّ كُلُوحُهُ، والمَعْنى: أنَّها عابِسَةٌ كالِحَةٌ قَدْ أظْلَمَتْ ألْوانُها وعَدِمَتْ آثارُ السُّرُورِ والنِّعْمَةِ مِنها؛ لِما أدْرَكَها مِنَ الشَّقاءِ واليَأْسِ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ، ولِما سَوَّدَها اللَّهُ حِينَ مَيَّزَ اللَّهُ أهْلَ الجَنَّةِ والنّارِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ البُسُورِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿عَبَسَ وبَسَرَ﴾ وإنَّما كانَتْ بِهَذِهِ الصِّفَةِ؛ لِأنَّها قَدْ أيْقَنَتْ أنَّ العَذابَ نازِلٌ، وهو قَوْلُهُ: ﴿تَظُنُّ أنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ﴾ والظَّنُّ هَهُنا بِمَعْنى اليَقِينِ، هَكَذا قالَهُ المُفَسِّرُونَ، وعِنْدِي أنَّ الظَّنَّ إنَّما ذُكِرَ هَهُنا عَلى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: إذا شاهَدُوا تِلْكَ الأحْوالَ حَصَلَ فِيهِمْ ظَنٌّ أنَّ القِيامَةَ حَقٌّ، وأمّا الفاقِرَةُ فَقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الفاقِرَةُ الدّاهِيَةُ، وهو اسْمٌ لِلْوَسْمِ الَّذِي يُفْقَرُ بِهِ عَلى الأنْفِ، قالَ الأصْمَعِيُّ: الفَقْرُ أنْ يُحَزَّ أنْفُ البَعِيرِ حَتّى يَخْلُصَ إلى العَظْمِ، أوْ قَرِيبٍ مِنهُ، ثُمَّ يُجْعَلَ فِيهِ خَشَبَةٌ يُجَرُّ البَعِيرُ بِها، ومِنهُ قِيلَ: عَمِلَتْ بِهِ الفاقِرَةُ، قالَ المُبَرِّدُ: الفاقِرَةُ داهِيَةٌ تَكْسِرُ الظَّهْرَ، وأصْلُها مِنَ الفَقْرَةِ والفَقارَةِ كَأنَّ الفاقِرَةَ داهِيَةٌ تَكْسِرُ فَقارَ الظَّهْرِ، وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ فَقَرْتُ الرَّجُلَ، كَما يُقالُ رَأسْتُهُ وبَطَنْتُهُ فَهو مَفْقُورٌ، واعْلَمْ أنَّ مِنَ المُفَسِّرِينَ مَن فَسَّرَ الفاقِرَةَ بِأنْواعِ العَذابِ في النّارِ، وفَسَّرَها الكَلْبِيُّ فَقالَ: الفاقِرَةُ هي أنْ تُحْجَبَ عَنْ رُؤْيَةِ رَبِّها ولا تَنْظُرُ إلَيْهِ.

القيامة 75:26

قَوْلُهُ تَعالى ﴿كَلّا﴾ قالَ الزَّجّاجُ: ”كَلّا“ رَدْعٌ عَنْ إيثارِ الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: لَمّا عَرَفْتُمْ صِفَةَ سَعادَةِ السُّعَداءِ وشَقاوَةِ الأشْقِياءِ في الآخِرَةِ، وعَلِمْتُمْ أنَّهُ لا نِسْبَةَ لَها إلى الدُّنْيا، فارْتَدِعُوا عَنْ إيثارِ الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ، وتَنَبَّهُوا عَلى ما بَيْنَ أيْدِيكم مِنَ المَوْتِ الَّذِي عِنْدَهُ تَنْقَطِعُ العاجِلَةُ عَنْكم، وتَنْتَقِلُونَ إلى الآجِلَةِ الَّتِي تَبْقُونَ فِيها مُخَلَّدِينَ، وقالَ آخَرُونَ: ﴿كَلّا﴾ أيْ: حَقًّا إذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ كانَ كَذا وكَذا، والمَقْصُودُ أنَّهُ لَمّا بَيَّنَ تَعْظِيمَ أحْوالِ الآخِرَةِ بَيَّنَ أنَّ الدُّنْيا لا بُدَّ فِيها مِن الِانْتِهاءِ والنَّفادِ والوُصُولِ إلى تَجَرُّعِ مَرارَةِ المَوْتِ. وقالَ مُقاتِلٌ: ﴿كَلّا﴾ أيْ: لا يُؤْمِنُ الكافِرُ بِما ذُكِّرَ مِن أمْرِ القِيامَةِ، ولَكِنَّهُ لا يُمْكِنُهُ أنْ يَدْفَعَ أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ المَوْتِ، ومِن تَجَرُّعِ آلامِها، وتَحَمُّلِ آفاتِها. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى وصَفَ تِلْكَ الحالَةِ الَّتِي تُفارِقُ الرُّوحُ فِيها الجَسَدَ فَقالَ: ﴿إذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: صفحة ٢٠٤ المَسْألَةُ الأُولى: المُرادُ إذا بَلَغَتِ النَّفْسُ أوِ الرُّوحُ، أخْبَرَ عَمّا لَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْرٌ لِعِلْمِ المُخاطَبِ بِذَلِكَ، كَقَوْلِهِ: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ﴾ [ القَدْرِ: ١] والتَّراقِي جَمْعُ تَرْقُوَةٍ، وهي عَظْمٌ وصَلَ بَيْنَ ثُغْرَةِ النَّحْرِ، والعاتِقِ مِنَ الجانِبَيْنِ. واعْلَمْ أنَّهُ يُكَنّى بِبُلُوغِ النَّفْسِ التَّراقِيَ عَنِ القُرْبِ مِنَ المَوْتِ، ومِنهُ قَوْلُ دُرَيْدِ بْنِ الصِّمَّةِ: ورُبَّ عَظِيمَةٍ دافَعْتُ عَنْها وقَدْ بَلَغَتْ نُفُوسُهُمُ التَّراقِي ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ﴾ [ الواقِعَةِ: ٨٣] . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ بَعْضُ الطّاعِنِينَ: إنَّ النَّفْسَ إنَّما تَصِلُ إلى التَّراقِي بَعْدَ مُفارَقَتِها عَنِ القَلْبِ، ومَتى فارَقَتِ النَّفْسُ القَلْبَ حَصَلَ المَوْتُ لا مَحالَةَ، والآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ عِنْدَ بُلُوغِها التَّراقِيَ تَبْقى الحَياةُ حَتّى يُقالَ فِيهِ: مَن راقٍ، وحَتّى تَلْتَفَّ السّاقُ بِالسّاقِ، والجَوابُ: المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿كَلّا إذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ﴾ أيْ: إذا حَصَلَ القُرْبُ مِن تِلْكَ الحالَةِ.

القيامة 75:27

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقِيلَ مَن راقٍ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: في ”راقٍ“ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ مِنَ الرُّقْيَةِ، يُقالُ: رَقاهُ يَرْقِيهِ رُقْيَةً، إذا عَوَّذَهُ بِما يَشْفِيهِ، كَما يُقالُ: بِسْمِ اللَّهِ أرْقِيكَ، وقائِلُ هَذا القَوْلِ عَلى هَذا الوَجْهِ، هُمُ الَّذِينَ يَكُونُونَ حَوْلَ الإنْسانِ المُشْرِفِ عَلى المَوْتِ، ثُمَّ هَذا الِاسْتِفْهامُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى الطَّلَبِ كَأنَّهم طَلَبُوا لَهُ طَبِيبًا يَشْفِيهِ، وراقِيًا يَرْقِيهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اسْتِفْهامًا بِمَعْنى الإنْكارِ، كَما يَقُولُ القائِلُ عِنْدَ اليَأْسِ: مَنِ الَّذِي يَقْدِرُ أنْ يَرْقِيَ هَذا الإنْسانَ المُشْرِفَ عَلى المَوْتِ. الوَجْهُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿مَن راقٍ﴾ مِن رَقِيَ يَرْقِي رُقِيًّا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ﴾ [ الإسْراءِ: ٩٣] وعَلى هَذا الوَجْهِ يَكُونُ قائِلُ هَذا القَوْلِ هُمُ المَلائِكَةَ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّ المَلائِكَةَ يَكْرَهُونَ القُرْبَ مِنَ الكافِرِ، فَيَقُولُ مَلَكُ المَوْتِ: مَن يَرْقى بِهَذا الكافِرِ، وقالَ الكَلْبِيُّ: يَحْضُرُ العَبْدَ عِنْدَ المَوْتِ سَبْعَةُ أمْلاكٍ مِن مَلائِكَةِ الرَّحْمَةِ، وسَبْعَةٌ مِن مَلائِكَةِ العَذابِ مَعَ مَلَكِ المَوْتِ، فَإذا بَلَغَتْ نَفْسُ العَبْدِ التَّراقِيَ نَظَرَ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ، أيُّهم يَرْقى بِرُوحِهِ إلى السَّماءِ، فَهو ﴿مَن راقٍ﴾ . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الواحِدِيُّ: إنَّ إظْهارَ النُّونِ عِنْدَ حُرُوفِ الفَمِ لَحَسَنٌ، فَلا يَجُوزُ إظْهارُ نُونِ ”مَن“ في قَوْلِهِ ﴿مَن راقٍ﴾، ورَوى حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ إظْهارَ النُّونِ في قَوْلِهِ: ﴿مَن راقٍ﴾ و﴿بَلْ رانَ﴾ قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: ولا أعْرِفُ وجْهَ ذَلِكَ، قالَ الواحِدِيُّ: والوَجْهُ أنْ يُقالَ: قُصِدَ الوَقْفُ عَلى ”مَن“ و”بَلْ“، فَأظْهَرَها ثُمَّ ابْتَدَأ بِما بَعْدَهُما، وهَذا غَيْرُ مَرْضِيٍّ مِنَ القِراءَةِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وظَنَّ أنَّهُ الفِراقُ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: المُرادُ أنَّهُ أيْقَنَ بِمُفارَقَتِهِ الدُّنْيا، ولَعَلَّهُ إنَّما سُمِّيَ اليَقِينُ هَهُنا بِالظَّنِّ لِأنَّ الإنْسانَ ما دامَ يَبْقى رُوحُهُ مُتَعَلِّقًا بِبَدَنِهِ، فَإنَّهُ يَطْمَعُ في الحَياةِ لِشِدَّةِ حُبِّهِ لِهَذِهِ الحَياةِ العاجِلَةِ عَلى ما قالَ: ﴿كَلّا بَلْ تُحِبُّونَ العاجِلَةَ﴾ ولا يَنْقَطِعُ رَجاؤُهُ عَنْها فَلا يَحْصُلُ لَهُ يَقِينُ المَوْتِ، بَلِ الظَّنُّ صفحة ٢٠٥ الغالِبُ مَعَ رَجاءِ الحَياةِ، أوْ لَعَلَّهُ سَمّاهُ بِالظَّنِّ عَلى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ. واعْلَمْ أنَّ الآيَةَ دالَّةٌ عَلى أنَّ الرُّوحَ جَوْهَرٌ قائِمٌ بِنَفْسِهِ باقٍ بَعْدِ مَوْتِ البَدَنِ، لِأنَّهُ تَعالى سَمّى المَوْتَ فِراقًا، والفِراقُ إنَّما يَكُونُ لَوْ كانَتِ الرُّوحُ باقِيَةً، فَإنَّ الفِراقَ والوِصالَ صِفَةٌ، والصِّفَةُ تَسْتَدْعِي وُجُودَ المَوْصُوفِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿والتَفَّتِ السّاقُ بِالسّاقِ﴾ الِالتِفافُ هو الِاجْتِماعُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿جِئْنا بِكم لَفِيفًا﴾ [ الإسْراءِ: ١٠٤] وفي السّاقِ قَوْلانِ: القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّهُ الأمْرُ الشَّدِيدُ، قالَ أهْلُ المَعانِي: لِأنَّ الإنْسانَ إذا دَهَمَتْهُ شِدَّةٌ شَمَّرَ لَها عَنْ ساقِهِ، فَقِيلَ لِلْأمْرِ الشَّدِيدِ: ساقٌ، وتَقُولُ العَرَبُ: قامَتِ الحَرْبُ عَلى ساقٍ، أيِ اشْتَدَّتْ، قالَ الجَعْدِيُّ: أخُو الحَرْبِ إنْ عَضَّتْ بِهِ الحَرْبُ عَضَّها وإنْ شَمَّرَتْ عَنْ ساقِها الحَرْبُ شَمَّرا ثُمَّ قالَ: والمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿والتَفَّتِ السّاقُ بِالسّاقِ﴾ أيِ التَفَّتْ شِدَّةُ مُفارَقَةِ الدُّنْيا ولَذّاتِها وشِدَّةُ الذَّهابِ، أوِ التَفَّتْ شِدَّةُ تَرْكِ الأهْلِ، وتَرْكِ الوَلَدِ، وتَرْكِ المالِ، وتَرْكِ الجاهِ، وشِدَّةُ شَماتَةِ الأعْداءِ، وغَمِّ الأوْلِياءِ، وبِالجُمْلَةِ فالشَّدائِدُ هُناكَ كَثِيرَةٌ، كَشِدَّةِ الذَّهابِ إلى الآخِرَةِ، والقُدُومِ عَلى اللَّهِ، أوِ التَفَّتْ شِدَّةُ تَرْكِ الأحْبابِ والأوْلِياءِ، وشِدَّةُ الذَّهابِ إلى دارِ الغُرْبَةِ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ مِنَ السّاقِ هَذا العُضْوُ المَخْصُوصُ، ثُمَّ ذَكَرُوا عَلى هَذا القَوْلِ وُجُوهًا: أحَدُها: قالَ الشَّعْبِيُّ وقَتادَةُ: هُما ساقاهُ عِنْدَ المَوْتِ، أما رَأيْتَهُ في النَّزْعِ كَيْفَ يَضْرِبُ بِإحْدى رِجْلَيْهِ عَلى الأُخْرى. والثّانِي: قالَ الحَسَنُ وسَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ: هُما ساقاهُ إذا التَفَّتا في الكَفَنِ. والثّالِثُ: أنَّهُ إذا ماتَ يَبِسَتْ ساقاهُ، والتَصَقَتْ إحْداهُما بِالأُخْرى.

القيامة 75:28

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقِيلَ مَن راقٍ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: في ”راقٍ“ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ مِنَ الرُّقْيَةِ، يُقالُ: رَقاهُ يَرْقِيهِ رُقْيَةً، إذا عَوَّذَهُ بِما يَشْفِيهِ، كَما يُقالُ: بِسْمِ اللَّهِ أرْقِيكَ، وقائِلُ هَذا القَوْلِ عَلى هَذا الوَجْهِ، هُمُ الَّذِينَ يَكُونُونَ حَوْلَ الإنْسانِ المُشْرِفِ عَلى المَوْتِ، ثُمَّ هَذا الِاسْتِفْهامُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى الطَّلَبِ كَأنَّهم طَلَبُوا لَهُ طَبِيبًا يَشْفِيهِ، وراقِيًا يَرْقِيهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اسْتِفْهامًا بِمَعْنى الإنْكارِ، كَما يَقُولُ القائِلُ عِنْدَ اليَأْسِ: مَنِ الَّذِي يَقْدِرُ أنْ يَرْقِيَ هَذا الإنْسانَ المُشْرِفَ عَلى المَوْتِ. الوَجْهُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿مَن راقٍ﴾ مِن رَقِيَ يَرْقِي رُقِيًّا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ﴾ [ الإسْراءِ: ٩٣] وعَلى هَذا الوَجْهِ يَكُونُ قائِلُ هَذا القَوْلِ هُمُ المَلائِكَةَ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّ المَلائِكَةَ يَكْرَهُونَ القُرْبَ مِنَ الكافِرِ، فَيَقُولُ مَلَكُ المَوْتِ: مَن يَرْقى بِهَذا الكافِرِ، وقالَ الكَلْبِيُّ: يَحْضُرُ العَبْدَ عِنْدَ المَوْتِ سَبْعَةُ أمْلاكٍ مِن مَلائِكَةِ الرَّحْمَةِ، وسَبْعَةٌ مِن مَلائِكَةِ العَذابِ مَعَ مَلَكِ المَوْتِ، فَإذا بَلَغَتْ نَفْسُ العَبْدِ التَّراقِيَ نَظَرَ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ، أيُّهم يَرْقى بِرُوحِهِ إلى السَّماءِ، فَهو ﴿مَن راقٍ﴾ . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الواحِدِيُّ: إنَّ إظْهارَ النُّونِ عِنْدَ حُرُوفِ الفَمِ لَحَسَنٌ، فَلا يَجُوزُ إظْهارُ نُونِ ”مَن“ في قَوْلِهِ ﴿مَن راقٍ﴾، ورَوى حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ إظْهارَ النُّونِ في قَوْلِهِ: ﴿مَن راقٍ﴾ و﴿بَلْ رانَ﴾ قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: ولا أعْرِفُ وجْهَ ذَلِكَ، قالَ الواحِدِيُّ: والوَجْهُ أنْ يُقالَ: قُصِدَ الوَقْفُ عَلى ”مَن“ و”بَلْ“، فَأظْهَرَها ثُمَّ ابْتَدَأ بِما بَعْدَهُما، وهَذا غَيْرُ مَرْضِيٍّ مِنَ القِراءَةِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وظَنَّ أنَّهُ الفِراقُ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: المُرادُ أنَّهُ أيْقَنَ بِمُفارَقَتِهِ الدُّنْيا، ولَعَلَّهُ إنَّما سُمِّيَ اليَقِينُ هَهُنا بِالظَّنِّ لِأنَّ الإنْسانَ ما دامَ يَبْقى رُوحُهُ مُتَعَلِّقًا بِبَدَنِهِ، فَإنَّهُ يَطْمَعُ في الحَياةِ لِشِدَّةِ حُبِّهِ لِهَذِهِ الحَياةِ العاجِلَةِ عَلى ما قالَ: ﴿كَلّا بَلْ تُحِبُّونَ العاجِلَةَ﴾ ولا يَنْقَطِعُ رَجاؤُهُ عَنْها فَلا يَحْصُلُ لَهُ يَقِينُ المَوْتِ، بَلِ الظَّنُّ صفحة ٢٠٥ الغالِبُ مَعَ رَجاءِ الحَياةِ، أوْ لَعَلَّهُ سَمّاهُ بِالظَّنِّ عَلى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ. واعْلَمْ أنَّ الآيَةَ دالَّةٌ عَلى أنَّ الرُّوحَ جَوْهَرٌ قائِمٌ بِنَفْسِهِ باقٍ بَعْدِ مَوْتِ البَدَنِ، لِأنَّهُ تَعالى سَمّى المَوْتَ فِراقًا، والفِراقُ إنَّما يَكُونُ لَوْ كانَتِ الرُّوحُ باقِيَةً، فَإنَّ الفِراقَ والوِصالَ صِفَةٌ، والصِّفَةُ تَسْتَدْعِي وُجُودَ المَوْصُوفِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿والتَفَّتِ السّاقُ بِالسّاقِ﴾ الِالتِفافُ هو الِاجْتِماعُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿جِئْنا بِكم لَفِيفًا﴾ [ الإسْراءِ: ١٠٤] وفي السّاقِ قَوْلانِ: القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّهُ الأمْرُ الشَّدِيدُ، قالَ أهْلُ المَعانِي: لِأنَّ الإنْسانَ إذا دَهَمَتْهُ شِدَّةٌ شَمَّرَ لَها عَنْ ساقِهِ، فَقِيلَ لِلْأمْرِ الشَّدِيدِ: ساقٌ، وتَقُولُ العَرَبُ: قامَتِ الحَرْبُ عَلى ساقٍ، أيِ اشْتَدَّتْ، قالَ الجَعْدِيُّ: أخُو الحَرْبِ إنْ عَضَّتْ بِهِ الحَرْبُ عَضَّها وإنْ شَمَّرَتْ عَنْ ساقِها الحَرْبُ شَمَّرا ثُمَّ قالَ: والمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿والتَفَّتِ السّاقُ بِالسّاقِ﴾ أيِ التَفَّتْ شِدَّةُ مُفارَقَةِ الدُّنْيا ولَذّاتِها وشِدَّةُ الذَّهابِ، أوِ التَفَّتْ شِدَّةُ تَرْكِ الأهْلِ، وتَرْكِ الوَلَدِ، وتَرْكِ المالِ، وتَرْكِ الجاهِ، وشِدَّةُ شَماتَةِ الأعْداءِ، وغَمِّ الأوْلِياءِ، وبِالجُمْلَةِ فالشَّدائِدُ هُناكَ كَثِيرَةٌ، كَشِدَّةِ الذَّهابِ إلى الآخِرَةِ، والقُدُومِ عَلى اللَّهِ، أوِ التَفَّتْ شِدَّةُ تَرْكِ الأحْبابِ والأوْلِياءِ، وشِدَّةُ الذَّهابِ إلى دارِ الغُرْبَةِ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ مِنَ السّاقِ هَذا العُضْوُ المَخْصُوصُ، ثُمَّ ذَكَرُوا عَلى هَذا القَوْلِ وُجُوهًا: أحَدُها: قالَ الشَّعْبِيُّ وقَتادَةُ: هُما ساقاهُ عِنْدَ المَوْتِ، أما رَأيْتَهُ في النَّزْعِ كَيْفَ يَضْرِبُ بِإحْدى رِجْلَيْهِ عَلى الأُخْرى. والثّانِي: قالَ الحَسَنُ وسَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ: هُما ساقاهُ إذا التَفَّتا في الكَفَنِ. والثّالِثُ: أنَّهُ إذا ماتَ يَبِسَتْ ساقاهُ، والتَصَقَتْ إحْداهُما بِالأُخْرى.

القيامة 75:29

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقِيلَ مَن راقٍ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: في ”راقٍ“ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ مِنَ الرُّقْيَةِ، يُقالُ: رَقاهُ يَرْقِيهِ رُقْيَةً، إذا عَوَّذَهُ بِما يَشْفِيهِ، كَما يُقالُ: بِسْمِ اللَّهِ أرْقِيكَ، وقائِلُ هَذا القَوْلِ عَلى هَذا الوَجْهِ، هُمُ الَّذِينَ يَكُونُونَ حَوْلَ الإنْسانِ المُشْرِفِ عَلى المَوْتِ، ثُمَّ هَذا الِاسْتِفْهامُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى الطَّلَبِ كَأنَّهم طَلَبُوا لَهُ طَبِيبًا يَشْفِيهِ، وراقِيًا يَرْقِيهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اسْتِفْهامًا بِمَعْنى الإنْكارِ، كَما يَقُولُ القائِلُ عِنْدَ اليَأْسِ: مَنِ الَّذِي يَقْدِرُ أنْ يَرْقِيَ هَذا الإنْسانَ المُشْرِفَ عَلى المَوْتِ. الوَجْهُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿مَن راقٍ﴾ مِن رَقِيَ يَرْقِي رُقِيًّا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ﴾ [ الإسْراءِ: ٩٣] وعَلى هَذا الوَجْهِ يَكُونُ قائِلُ هَذا القَوْلِ هُمُ المَلائِكَةَ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّ المَلائِكَةَ يَكْرَهُونَ القُرْبَ مِنَ الكافِرِ، فَيَقُولُ مَلَكُ المَوْتِ: مَن يَرْقى بِهَذا الكافِرِ، وقالَ الكَلْبِيُّ: يَحْضُرُ العَبْدَ عِنْدَ المَوْتِ سَبْعَةُ أمْلاكٍ مِن مَلائِكَةِ الرَّحْمَةِ، وسَبْعَةٌ مِن مَلائِكَةِ العَذابِ مَعَ مَلَكِ المَوْتِ، فَإذا بَلَغَتْ نَفْسُ العَبْدِ التَّراقِيَ نَظَرَ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ، أيُّهم يَرْقى بِرُوحِهِ إلى السَّماءِ، فَهو ﴿مَن راقٍ﴾ . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الواحِدِيُّ: إنَّ إظْهارَ النُّونِ عِنْدَ حُرُوفِ الفَمِ لَحَسَنٌ، فَلا يَجُوزُ إظْهارُ نُونِ ”مَن“ في قَوْلِهِ ﴿مَن راقٍ﴾، ورَوى حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ إظْهارَ النُّونِ في قَوْلِهِ: ﴿مَن راقٍ﴾ و﴿بَلْ رانَ﴾ قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: ولا أعْرِفُ وجْهَ ذَلِكَ، قالَ الواحِدِيُّ: والوَجْهُ أنْ يُقالَ: قُصِدَ الوَقْفُ عَلى ”مَن“ و”بَلْ“، فَأظْهَرَها ثُمَّ ابْتَدَأ بِما بَعْدَهُما، وهَذا غَيْرُ مَرْضِيٍّ مِنَ القِراءَةِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وظَنَّ أنَّهُ الفِراقُ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: المُرادُ أنَّهُ أيْقَنَ بِمُفارَقَتِهِ الدُّنْيا، ولَعَلَّهُ إنَّما سُمِّيَ اليَقِينُ هَهُنا بِالظَّنِّ لِأنَّ الإنْسانَ ما دامَ يَبْقى رُوحُهُ مُتَعَلِّقًا بِبَدَنِهِ، فَإنَّهُ يَطْمَعُ في الحَياةِ لِشِدَّةِ حُبِّهِ لِهَذِهِ الحَياةِ العاجِلَةِ عَلى ما قالَ: ﴿كَلّا بَلْ تُحِبُّونَ العاجِلَةَ﴾ ولا يَنْقَطِعُ رَجاؤُهُ عَنْها فَلا يَحْصُلُ لَهُ يَقِينُ المَوْتِ، بَلِ الظَّنُّ صفحة ٢٠٥ الغالِبُ مَعَ رَجاءِ الحَياةِ، أوْ لَعَلَّهُ سَمّاهُ بِالظَّنِّ عَلى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ. واعْلَمْ أنَّ الآيَةَ دالَّةٌ عَلى أنَّ الرُّوحَ جَوْهَرٌ قائِمٌ بِنَفْسِهِ باقٍ بَعْدِ مَوْتِ البَدَنِ، لِأنَّهُ تَعالى سَمّى المَوْتَ فِراقًا، والفِراقُ إنَّما يَكُونُ لَوْ كانَتِ الرُّوحُ باقِيَةً، فَإنَّ الفِراقَ والوِصالَ صِفَةٌ، والصِّفَةُ تَسْتَدْعِي وُجُودَ المَوْصُوفِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿والتَفَّتِ السّاقُ بِالسّاقِ﴾ الِالتِفافُ هو الِاجْتِماعُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿جِئْنا بِكم لَفِيفًا﴾ [ الإسْراءِ: ١٠٤] وفي السّاقِ قَوْلانِ: القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّهُ الأمْرُ الشَّدِيدُ، قالَ أهْلُ المَعانِي: لِأنَّ الإنْسانَ إذا دَهَمَتْهُ شِدَّةٌ شَمَّرَ لَها عَنْ ساقِهِ، فَقِيلَ لِلْأمْرِ الشَّدِيدِ: ساقٌ، وتَقُولُ العَرَبُ: قامَتِ الحَرْبُ عَلى ساقٍ، أيِ اشْتَدَّتْ، قالَ الجَعْدِيُّ: أخُو الحَرْبِ إنْ عَضَّتْ بِهِ الحَرْبُ عَضَّها وإنْ شَمَّرَتْ عَنْ ساقِها الحَرْبُ شَمَّرا ثُمَّ قالَ: والمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿والتَفَّتِ السّاقُ بِالسّاقِ﴾ أيِ التَفَّتْ شِدَّةُ مُفارَقَةِ الدُّنْيا ولَذّاتِها وشِدَّةُ الذَّهابِ، أوِ التَفَّتْ شِدَّةُ تَرْكِ الأهْلِ، وتَرْكِ الوَلَدِ، وتَرْكِ المالِ، وتَرْكِ الجاهِ، وشِدَّةُ شَماتَةِ الأعْداءِ، وغَمِّ الأوْلِياءِ، وبِالجُمْلَةِ فالشَّدائِدُ هُناكَ كَثِيرَةٌ، كَشِدَّةِ الذَّهابِ إلى الآخِرَةِ، والقُدُومِ عَلى اللَّهِ، أوِ التَفَّتْ شِدَّةُ تَرْكِ الأحْبابِ والأوْلِياءِ، وشِدَّةُ الذَّهابِ إلى دارِ الغُرْبَةِ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ مِنَ السّاقِ هَذا العُضْوُ المَخْصُوصُ، ثُمَّ ذَكَرُوا عَلى هَذا القَوْلِ وُجُوهًا: أحَدُها: قالَ الشَّعْبِيُّ وقَتادَةُ: هُما ساقاهُ عِنْدَ المَوْتِ، أما رَأيْتَهُ في النَّزْعِ كَيْفَ يَضْرِبُ بِإحْدى رِجْلَيْهِ عَلى الأُخْرى. والثّانِي: قالَ الحَسَنُ وسَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ: هُما ساقاهُ إذا التَفَّتا في الكَفَنِ. والثّالِثُ: أنَّهُ إذا ماتَ يَبِسَتْ ساقاهُ، والتَصَقَتْ إحْداهُما بِالأُخْرى.

القيامة 75:30

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المَساقُ﴾ المَساقُ مَصْدَرٌ مِن ساقَ يَسُوقُ، كالمَقالِ مِن قالَ يَقُولُ، ثُمَّ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّ المَسُوقَ إلَيْهِ هو الرَّبُّ. والثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّ السّائِقَ في ذَلِكَ اليَوْمِ هو الرَّبُّ، أيْ سَوْقُ هَؤُلاءِ مُفَوَّضٌ إلَيْهِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى﴾ ﴿ولَكِنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ ﴿ثُمَّ ذَهَبَ إلى أهْلِهِ يَتَمَطّى﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: أنَّهُ تَعالى شَرَحَ كَيْفِيَّةَ عَمَلِهِ فِيما يَتَعَلَّقُ بِأُصُولِ الدِّينِ وبِفُرُوعِهِ، وفِيما يَتَعَلَّقُ بِدُنْياهُ. أمّا ما يَتَعَلَّقُ بِأُصُولِ الدِّينِ فَهو أنَّهُ ما صَدَّقَ بِالدِّينِ، ولَكِنَّهُ كَذَّبَ بِهِ، وأمّا ما يَتَعَلَّقُ بِفُرُوعِ الدِّينِ، فَهو أنَّهُ ما صَلّى ولَكِنَّهُ تَوَلّى وأعْرَضَ، وأمّا ما يَتَعَلَّقُ بِدُنْياهُ، فَهو أنَّهُ ذَهَبَ إلى أهْلِهِ يَتَمَطّى، ويَتَبَخْتَرُ، ويَخْتالُ في مِشْيَتِهِ، واعْلَمْ أنَّ الآيَةَ دالَّةٌ عَلى أنَّ الكافِرَ يَسْتَحِقُّ الذَّمَّ والعِقابَ بِتَرْكِ الصَّلاةِ كَما يَسْتَحِقُّهُما بِتَرْكِ الإيمانِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿فَلا صَدَّقَ﴾ حِكايَةٌ عَمَّنْ ؟ فِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ كِنايَةٌ عَنِ الإنْسانِ في قَوْلِهِ: ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ ألَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ﴾ [ القِيامَةِ: ٣] ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ [ القِيامَةِ: ٣٦] وهو مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿يَسْألُ أيّانَ يَوْمُ القِيامَةِ﴾ . والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في أبِي جَهْلٍ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في ”﴿يَتَمَطّى﴾“ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ أصْلَهُ يَتَمَطَّطُ، أيْ: يَتَمَدَّدُ؛ لِأنَّ المُتَبَخْتِرَ يَمُدُّ خُطاهُ، صفحة ٢٠٦ فَقُلِبَتِ الطّاءُ فِيهِ ياءً، كَما قِيلَ في تَقَصّى أصْلُهُ تَقَصَّصَ. والثّانِي: مِنَ المَطى وهو الظَّهْرُ؛ لِأنَّهُ يَلْوِيهِ، وفي الحَدِيثِ: ”«إذا مَشَتْ أُمَّتِي المُطَيْطى» “ أيْ: مِشْيَةَ المُتَبَخْتِرِ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ أهْلُ العَرَبِيَّةِ: ”لا“ هَهُنا في مَوْضِعِ ”لَمْ“، فَقَوْلُهُ: ﴿فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى﴾ أيْ: لَمْ يُصَدِّقْ ولَمْ يُصَلِّ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾ أيْ: لَمْ يَقْتَحِمْ، وكَذَلِكَ ما رُوِيَ في الحَدِيثِ: ”«أرَأيْتَ مَن لا أكَلَ ولا شَرَبَ، ولا اسْتَهَلَّ» “ قالَ الكِسائِيُّ: لَمْ أرَ العَرَبَ قالَتْ في مِثْلِ هَذا كَلِمَةً وحْدَها حَتّى تُتْبِعَها بِأُخْرى، إمّا مُصَرَّحًا أوْ مُقَدَّرًا، أمّا المُصَرَّحُ، فَلا يَقُولُونَ: لا عَبْدُ اللَّهِ خارِجٌ؛ حَتّى يَقُولُوا: ولا فُلانٌ، ولا يَقُولُونَ: مَرَرْتُ بِرَجُلٍ لا يُحْسِنُ؛ حَتّى يَقُولُوا: ولا يُجْمِلُ، وأمّا المُقَدَّرُ فَهو كَقَوْلِهِ: ﴿فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾ [ البَلَدِ: ١١] ثُمَّ اعْتُرِضَ الكَلامُ، فَقالَ: ﴿وما أدْراكَ ما العَقَبَةُ﴾ ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ ﴿أوْ إطْعامٌ﴾ [ البَلَدِ: ١٢] وكانَ التَّقْدِيرُ: لا فَكَّ رَقَبَةً، ولا أطْعَمَ مِسْكِينًا، فاكْتَفى بِهِ مَرَّةً واحِدَةً، ومِنهم مَن قالَ: التَّقْدِيرُ في قَوْلِهِ ﴿فَلا اقْتَحَمَ﴾ أيْ: أفَلا اقْتَحَمَ، وهَلّا اقْتَحَمَ.

القيامة 75:31

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المَساقُ﴾ المَساقُ مَصْدَرٌ مِن ساقَ يَسُوقُ، كالمَقالِ مِن قالَ يَقُولُ، ثُمَّ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّ المَسُوقَ إلَيْهِ هو الرَّبُّ. والثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّ السّائِقَ في ذَلِكَ اليَوْمِ هو الرَّبُّ، أيْ سَوْقُ هَؤُلاءِ مُفَوَّضٌ إلَيْهِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى﴾ ﴿ولَكِنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ ﴿ثُمَّ ذَهَبَ إلى أهْلِهِ يَتَمَطّى﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: أنَّهُ تَعالى شَرَحَ كَيْفِيَّةَ عَمَلِهِ فِيما يَتَعَلَّقُ بِأُصُولِ الدِّينِ وبِفُرُوعِهِ، وفِيما يَتَعَلَّقُ بِدُنْياهُ. أمّا ما يَتَعَلَّقُ بِأُصُولِ الدِّينِ فَهو أنَّهُ ما صَدَّقَ بِالدِّينِ، ولَكِنَّهُ كَذَّبَ بِهِ، وأمّا ما يَتَعَلَّقُ بِفُرُوعِ الدِّينِ، فَهو أنَّهُ ما صَلّى ولَكِنَّهُ تَوَلّى وأعْرَضَ، وأمّا ما يَتَعَلَّقُ بِدُنْياهُ، فَهو أنَّهُ ذَهَبَ إلى أهْلِهِ يَتَمَطّى، ويَتَبَخْتَرُ، ويَخْتالُ في مِشْيَتِهِ، واعْلَمْ أنَّ الآيَةَ دالَّةٌ عَلى أنَّ الكافِرَ يَسْتَحِقُّ الذَّمَّ والعِقابَ بِتَرْكِ الصَّلاةِ كَما يَسْتَحِقُّهُما بِتَرْكِ الإيمانِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿فَلا صَدَّقَ﴾ حِكايَةٌ عَمَّنْ ؟ فِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ كِنايَةٌ عَنِ الإنْسانِ في قَوْلِهِ: ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ ألَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ﴾ [ القِيامَةِ: ٣] ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ [ القِيامَةِ: ٣٦] وهو مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿يَسْألُ أيّانَ يَوْمُ القِيامَةِ﴾ . والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في أبِي جَهْلٍ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في ”﴿يَتَمَطّى﴾“ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ أصْلَهُ يَتَمَطَّطُ، أيْ: يَتَمَدَّدُ؛ لِأنَّ المُتَبَخْتِرَ يَمُدُّ خُطاهُ، صفحة ٢٠٦ فَقُلِبَتِ الطّاءُ فِيهِ ياءً، كَما قِيلَ في تَقَصّى أصْلُهُ تَقَصَّصَ. والثّانِي: مِنَ المَطى وهو الظَّهْرُ؛ لِأنَّهُ يَلْوِيهِ، وفي الحَدِيثِ: ”«إذا مَشَتْ أُمَّتِي المُطَيْطى» “ أيْ: مِشْيَةَ المُتَبَخْتِرِ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ أهْلُ العَرَبِيَّةِ: ”لا“ هَهُنا في مَوْضِعِ ”لَمْ“، فَقَوْلُهُ: ﴿فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى﴾ أيْ: لَمْ يُصَدِّقْ ولَمْ يُصَلِّ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾ أيْ: لَمْ يَقْتَحِمْ، وكَذَلِكَ ما رُوِيَ في الحَدِيثِ: ”«أرَأيْتَ مَن لا أكَلَ ولا شَرَبَ، ولا اسْتَهَلَّ» “ قالَ الكِسائِيُّ: لَمْ أرَ العَرَبَ قالَتْ في مِثْلِ هَذا كَلِمَةً وحْدَها حَتّى تُتْبِعَها بِأُخْرى، إمّا مُصَرَّحًا أوْ مُقَدَّرًا، أمّا المُصَرَّحُ، فَلا يَقُولُونَ: لا عَبْدُ اللَّهِ خارِجٌ؛ حَتّى يَقُولُوا: ولا فُلانٌ، ولا يَقُولُونَ: مَرَرْتُ بِرَجُلٍ لا يُحْسِنُ؛ حَتّى يَقُولُوا: ولا يُجْمِلُ، وأمّا المُقَدَّرُ فَهو كَقَوْلِهِ: ﴿فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾ [ البَلَدِ: ١١] ثُمَّ اعْتُرِضَ الكَلامُ، فَقالَ: ﴿وما أدْراكَ ما العَقَبَةُ﴾ ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ ﴿أوْ إطْعامٌ﴾ [ البَلَدِ: ١٢] وكانَ التَّقْدِيرُ: لا فَكَّ رَقَبَةً، ولا أطْعَمَ مِسْكِينًا، فاكْتَفى بِهِ مَرَّةً واحِدَةً، ومِنهم مَن قالَ: التَّقْدِيرُ في قَوْلِهِ ﴿فَلا اقْتَحَمَ﴾ أيْ: أفَلا اقْتَحَمَ، وهَلّا اقْتَحَمَ.

القيامة 75:32

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المَساقُ﴾ المَساقُ مَصْدَرٌ مِن ساقَ يَسُوقُ، كالمَقالِ مِن قالَ يَقُولُ، ثُمَّ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّ المَسُوقَ إلَيْهِ هو الرَّبُّ. والثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّ السّائِقَ في ذَلِكَ اليَوْمِ هو الرَّبُّ، أيْ سَوْقُ هَؤُلاءِ مُفَوَّضٌ إلَيْهِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى﴾ ﴿ولَكِنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ ﴿ثُمَّ ذَهَبَ إلى أهْلِهِ يَتَمَطّى﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: أنَّهُ تَعالى شَرَحَ كَيْفِيَّةَ عَمَلِهِ فِيما يَتَعَلَّقُ بِأُصُولِ الدِّينِ وبِفُرُوعِهِ، وفِيما يَتَعَلَّقُ بِدُنْياهُ. أمّا ما يَتَعَلَّقُ بِأُصُولِ الدِّينِ فَهو أنَّهُ ما صَدَّقَ بِالدِّينِ، ولَكِنَّهُ كَذَّبَ بِهِ، وأمّا ما يَتَعَلَّقُ بِفُرُوعِ الدِّينِ، فَهو أنَّهُ ما صَلّى ولَكِنَّهُ تَوَلّى وأعْرَضَ، وأمّا ما يَتَعَلَّقُ بِدُنْياهُ، فَهو أنَّهُ ذَهَبَ إلى أهْلِهِ يَتَمَطّى، ويَتَبَخْتَرُ، ويَخْتالُ في مِشْيَتِهِ، واعْلَمْ أنَّ الآيَةَ دالَّةٌ عَلى أنَّ الكافِرَ يَسْتَحِقُّ الذَّمَّ والعِقابَ بِتَرْكِ الصَّلاةِ كَما يَسْتَحِقُّهُما بِتَرْكِ الإيمانِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿فَلا صَدَّقَ﴾ حِكايَةٌ عَمَّنْ ؟ فِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ كِنايَةٌ عَنِ الإنْسانِ في قَوْلِهِ: ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ ألَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ﴾ [ القِيامَةِ: ٣] ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ [ القِيامَةِ: ٣٦] وهو مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿يَسْألُ أيّانَ يَوْمُ القِيامَةِ﴾ . والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في أبِي جَهْلٍ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في ”﴿يَتَمَطّى﴾“ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ أصْلَهُ يَتَمَطَّطُ، أيْ: يَتَمَدَّدُ؛ لِأنَّ المُتَبَخْتِرَ يَمُدُّ خُطاهُ، صفحة ٢٠٦ فَقُلِبَتِ الطّاءُ فِيهِ ياءً، كَما قِيلَ في تَقَصّى أصْلُهُ تَقَصَّصَ. والثّانِي: مِنَ المَطى وهو الظَّهْرُ؛ لِأنَّهُ يَلْوِيهِ، وفي الحَدِيثِ: ”«إذا مَشَتْ أُمَّتِي المُطَيْطى» “ أيْ: مِشْيَةَ المُتَبَخْتِرِ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ أهْلُ العَرَبِيَّةِ: ”لا“ هَهُنا في مَوْضِعِ ”لَمْ“، فَقَوْلُهُ: ﴿فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى﴾ أيْ: لَمْ يُصَدِّقْ ولَمْ يُصَلِّ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾ أيْ: لَمْ يَقْتَحِمْ، وكَذَلِكَ ما رُوِيَ في الحَدِيثِ: ”«أرَأيْتَ مَن لا أكَلَ ولا شَرَبَ، ولا اسْتَهَلَّ» “ قالَ الكِسائِيُّ: لَمْ أرَ العَرَبَ قالَتْ في مِثْلِ هَذا كَلِمَةً وحْدَها حَتّى تُتْبِعَها بِأُخْرى، إمّا مُصَرَّحًا أوْ مُقَدَّرًا، أمّا المُصَرَّحُ، فَلا يَقُولُونَ: لا عَبْدُ اللَّهِ خارِجٌ؛ حَتّى يَقُولُوا: ولا فُلانٌ، ولا يَقُولُونَ: مَرَرْتُ بِرَجُلٍ لا يُحْسِنُ؛ حَتّى يَقُولُوا: ولا يُجْمِلُ، وأمّا المُقَدَّرُ فَهو كَقَوْلِهِ: ﴿فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾ [ البَلَدِ: ١١] ثُمَّ اعْتُرِضَ الكَلامُ، فَقالَ: ﴿وما أدْراكَ ما العَقَبَةُ﴾ ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ ﴿أوْ إطْعامٌ﴾ [ البَلَدِ: ١٢] وكانَ التَّقْدِيرُ: لا فَكَّ رَقَبَةً، ولا أطْعَمَ مِسْكِينًا، فاكْتَفى بِهِ مَرَّةً واحِدَةً، ومِنهم مَن قالَ: التَّقْدِيرُ في قَوْلِهِ ﴿فَلا اقْتَحَمَ﴾ أيْ: أفَلا اقْتَحَمَ، وهَلّا اقْتَحَمَ.

القيامة 75:33

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المَساقُ﴾ المَساقُ مَصْدَرٌ مِن ساقَ يَسُوقُ، كالمَقالِ مِن قالَ يَقُولُ، ثُمَّ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّ المَسُوقَ إلَيْهِ هو الرَّبُّ. والثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّ السّائِقَ في ذَلِكَ اليَوْمِ هو الرَّبُّ، أيْ سَوْقُ هَؤُلاءِ مُفَوَّضٌ إلَيْهِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى﴾ ﴿ولَكِنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ ﴿ثُمَّ ذَهَبَ إلى أهْلِهِ يَتَمَطّى﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: أنَّهُ تَعالى شَرَحَ كَيْفِيَّةَ عَمَلِهِ فِيما يَتَعَلَّقُ بِأُصُولِ الدِّينِ وبِفُرُوعِهِ، وفِيما يَتَعَلَّقُ بِدُنْياهُ. أمّا ما يَتَعَلَّقُ بِأُصُولِ الدِّينِ فَهو أنَّهُ ما صَدَّقَ بِالدِّينِ، ولَكِنَّهُ كَذَّبَ بِهِ، وأمّا ما يَتَعَلَّقُ بِفُرُوعِ الدِّينِ، فَهو أنَّهُ ما صَلّى ولَكِنَّهُ تَوَلّى وأعْرَضَ، وأمّا ما يَتَعَلَّقُ بِدُنْياهُ، فَهو أنَّهُ ذَهَبَ إلى أهْلِهِ يَتَمَطّى، ويَتَبَخْتَرُ، ويَخْتالُ في مِشْيَتِهِ، واعْلَمْ أنَّ الآيَةَ دالَّةٌ عَلى أنَّ الكافِرَ يَسْتَحِقُّ الذَّمَّ والعِقابَ بِتَرْكِ الصَّلاةِ كَما يَسْتَحِقُّهُما بِتَرْكِ الإيمانِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿فَلا صَدَّقَ﴾ حِكايَةٌ عَمَّنْ ؟ فِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ كِنايَةٌ عَنِ الإنْسانِ في قَوْلِهِ: ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ ألَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ﴾ [ القِيامَةِ: ٣] ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ [ القِيامَةِ: ٣٦] وهو مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿يَسْألُ أيّانَ يَوْمُ القِيامَةِ﴾ . والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في أبِي جَهْلٍ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في ”﴿يَتَمَطّى﴾“ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ أصْلَهُ يَتَمَطَّطُ، أيْ: يَتَمَدَّدُ؛ لِأنَّ المُتَبَخْتِرَ يَمُدُّ خُطاهُ، صفحة ٢٠٦ فَقُلِبَتِ الطّاءُ فِيهِ ياءً، كَما قِيلَ في تَقَصّى أصْلُهُ تَقَصَّصَ. والثّانِي: مِنَ المَطى وهو الظَّهْرُ؛ لِأنَّهُ يَلْوِيهِ، وفي الحَدِيثِ: ”«إذا مَشَتْ أُمَّتِي المُطَيْطى» “ أيْ: مِشْيَةَ المُتَبَخْتِرِ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ أهْلُ العَرَبِيَّةِ: ”لا“ هَهُنا في مَوْضِعِ ”لَمْ“، فَقَوْلُهُ: ﴿فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى﴾ أيْ: لَمْ يُصَدِّقْ ولَمْ يُصَلِّ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾ أيْ: لَمْ يَقْتَحِمْ، وكَذَلِكَ ما رُوِيَ في الحَدِيثِ: ”«أرَأيْتَ مَن لا أكَلَ ولا شَرَبَ، ولا اسْتَهَلَّ» “ قالَ الكِسائِيُّ: لَمْ أرَ العَرَبَ قالَتْ في مِثْلِ هَذا كَلِمَةً وحْدَها حَتّى تُتْبِعَها بِأُخْرى، إمّا مُصَرَّحًا أوْ مُقَدَّرًا، أمّا المُصَرَّحُ، فَلا يَقُولُونَ: لا عَبْدُ اللَّهِ خارِجٌ؛ حَتّى يَقُولُوا: ولا فُلانٌ، ولا يَقُولُونَ: مَرَرْتُ بِرَجُلٍ لا يُحْسِنُ؛ حَتّى يَقُولُوا: ولا يُجْمِلُ، وأمّا المُقَدَّرُ فَهو كَقَوْلِهِ: ﴿فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾ [ البَلَدِ: ١١] ثُمَّ اعْتُرِضَ الكَلامُ، فَقالَ: ﴿وما أدْراكَ ما العَقَبَةُ﴾ ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ ﴿أوْ إطْعامٌ﴾ [ البَلَدِ: ١٢] وكانَ التَّقْدِيرُ: لا فَكَّ رَقَبَةً، ولا أطْعَمَ مِسْكِينًا، فاكْتَفى بِهِ مَرَّةً واحِدَةً، ومِنهم مَن قالَ: التَّقْدِيرُ في قَوْلِهِ ﴿فَلا اقْتَحَمَ﴾ أيْ: أفَلا اقْتَحَمَ، وهَلّا اقْتَحَمَ.

القيامة 75:34

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ ﴿ثُمَّ أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ قالَ قَتادَةُ، والكَلْبِيُّ، ومُقاتِلٌ: «أخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِ أبِي جَهْلٍ ثُمَّ قالَ: ﴿أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ تَوَعَّدَهُ، فَقالَ أبُو جَهْلٍ»: بِأيِّ شَيْءٍ تُهَدِّدُنِي ؟ لا تَسْتَطِيعُ أنْتَ ولا رَبُّكَ أنْ تَفْعَلا بِي شَيْئًا، وإنِّي لَأعَزُّ أهْلِ هَذا الوادِي، ثُمَّ انْسَلَّ ذاهِبًا، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى كَما قالَ لَهُ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ومَعْنى قَوْلِهِ ﴿أوْلى لَكَ﴾ بِمَعْنى ويْلٌ لَكَ، وهو دُعاءٌ عَلَيْهِ بِأنْ يَلِيَهُ ما يَكْرَهُهُ، قالَ القاضِي: المَعْنى بَعْدَ ذَلِكَ، فَبُعْدًا [ لَكَ ] في أمْرِ دُنْياكَ، وبُعْدًا لَكَ في أمْرِ أُخْراكَ، وقالَ آخَرُونَ: المَعْنى: الوَيْلُ لَكَ مَرَّةً بَعْدَ ذَلِكَ، وقالَ القَفّالُ: هَذا يَحْتَمِلُ وُجُوهًا: أحَدُها: أنَّهُ وعِيدٌ مُبْتَدَأٌ مِنَ اللَّهِ لِلْكافِرِينَ. والثّانِي: أنَّهُ شَيْءٌ قالَهُ النَّبِيُّ ﷺ لِعَدُوِّهِ، فاسْتَنْكَرَهُ عَدُوُّ اللَّهِ لِعِزَّتِهِ عِنْدَ نَفْسِهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى مِثْلَ ذَلِكَ. والثّالِثُ: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ أمْرًا مِنَ اللَّهِ لِنَبِيِّهِ، بِأنْ يَقُولَها لِعَدُوِّ اللَّهِ، فَيَكُونَ المَعْنى: ﴿ثُمَّ ذَهَبَ إلى أهْلِهِ يَتَمَطّى﴾ [ القِيامَةِ: ٣٣] فَقُلْ لَهُ: يا مُحَمَّدُ: ﴿أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ أيِ احْذَرْ، فَقَدْ قَرُبَ مِنكَ ما لا قِبَلَ لَكَ بِهِ مِنَ المَكْرُوهِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ أيْ: مُهْمَلًا، لا يُؤْمَرُ ولا يُنْهى، ولا يُكَلَّفُ في الدُّنْيا ولا يُحاسَبُ بِعَمَلِهِ في الآخِرَةِ، والسُّدى في اللُّغَةِ المُهْمَلُ، يُقالُ: أسْدَيْتُ إبِلِي إسْداءً أهْمَلْتُها. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ في أوَّلِ السُّورَةِ - قَوْلَهُ ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ ألَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ﴾ أعادَ في آخِرِ السُّورَةِ ذَلِكَ، وذَكَرَ في صِحَّةِ البَعْثِ والقِيامَةِ دَلِيلَيْنِ: الأوَّلُ: قَوْلُهُ ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ ﴿إنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ أكادُ أُخْفِيها لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى﴾ [ طه: ١٥]، وقَوْلُهُ: ﴿أمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ كالمُفْسِدِينَ في الأرْضِ أمْ نَجْعَلُ المُتَّقِينَ كالفُجّارِ﴾ وتَقْرِيرُهُ: أنَّ إعْطاءَ القُدْرَةِ والآلَةِ والعَقْلِ بِدُونِ التَّكْلِيفِ والأمْرِ بِالطّاعَةِ والنَّهْيِ عَنِ المَفاسِدِ يَقْتَضِي كَوْنَهُ تَعالى راضِيًا بِقَبائِحِ الأفْعالِ، وذَلِكَ لا يَلِيقُ بِحِكْمَتِهِ، فَإذًا لا بُدَّ مِنَ التَّكْلِيفِ، والتَّكْلِيفُ لا يَحْسُنُ ولا يَلِيقُ بِالكَرِيمِ الرَّحِيمِ إلّا إذا كانَ هُناكَ دارُ الثَّوابِ والبَعْثِ والقِيامَةِ. صفحة ٢٠٧

القيامة 75:35

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ ﴿ثُمَّ أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ قالَ قَتادَةُ، والكَلْبِيُّ، ومُقاتِلٌ: «أخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِ أبِي جَهْلٍ ثُمَّ قالَ: ﴿أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ تَوَعَّدَهُ، فَقالَ أبُو جَهْلٍ»: بِأيِّ شَيْءٍ تُهَدِّدُنِي ؟ لا تَسْتَطِيعُ أنْتَ ولا رَبُّكَ أنْ تَفْعَلا بِي شَيْئًا، وإنِّي لَأعَزُّ أهْلِ هَذا الوادِي، ثُمَّ انْسَلَّ ذاهِبًا، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى كَما قالَ لَهُ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ومَعْنى قَوْلِهِ ﴿أوْلى لَكَ﴾ بِمَعْنى ويْلٌ لَكَ، وهو دُعاءٌ عَلَيْهِ بِأنْ يَلِيَهُ ما يَكْرَهُهُ، قالَ القاضِي: المَعْنى بَعْدَ ذَلِكَ، فَبُعْدًا [ لَكَ ] في أمْرِ دُنْياكَ، وبُعْدًا لَكَ في أمْرِ أُخْراكَ، وقالَ آخَرُونَ: المَعْنى: الوَيْلُ لَكَ مَرَّةً بَعْدَ ذَلِكَ، وقالَ القَفّالُ: هَذا يَحْتَمِلُ وُجُوهًا: أحَدُها: أنَّهُ وعِيدٌ مُبْتَدَأٌ مِنَ اللَّهِ لِلْكافِرِينَ. والثّانِي: أنَّهُ شَيْءٌ قالَهُ النَّبِيُّ ﷺ لِعَدُوِّهِ، فاسْتَنْكَرَهُ عَدُوُّ اللَّهِ لِعِزَّتِهِ عِنْدَ نَفْسِهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى مِثْلَ ذَلِكَ. والثّالِثُ: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ أمْرًا مِنَ اللَّهِ لِنَبِيِّهِ، بِأنْ يَقُولَها لِعَدُوِّ اللَّهِ، فَيَكُونَ المَعْنى: ﴿ثُمَّ ذَهَبَ إلى أهْلِهِ يَتَمَطّى﴾ [ القِيامَةِ: ٣٣] فَقُلْ لَهُ: يا مُحَمَّدُ: ﴿أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ أيِ احْذَرْ، فَقَدْ قَرُبَ مِنكَ ما لا قِبَلَ لَكَ بِهِ مِنَ المَكْرُوهِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ أيْ: مُهْمَلًا، لا يُؤْمَرُ ولا يُنْهى، ولا يُكَلَّفُ في الدُّنْيا ولا يُحاسَبُ بِعَمَلِهِ في الآخِرَةِ، والسُّدى في اللُّغَةِ المُهْمَلُ، يُقالُ: أسْدَيْتُ إبِلِي إسْداءً أهْمَلْتُها. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ في أوَّلِ السُّورَةِ - قَوْلَهُ ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ ألَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ﴾ أعادَ في آخِرِ السُّورَةِ ذَلِكَ، وذَكَرَ في صِحَّةِ البَعْثِ والقِيامَةِ دَلِيلَيْنِ: الأوَّلُ: قَوْلُهُ ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ ﴿إنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ أكادُ أُخْفِيها لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى﴾ [ طه: ١٥]، وقَوْلُهُ: ﴿أمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ كالمُفْسِدِينَ في الأرْضِ أمْ نَجْعَلُ المُتَّقِينَ كالفُجّارِ﴾ وتَقْرِيرُهُ: أنَّ إعْطاءَ القُدْرَةِ والآلَةِ والعَقْلِ بِدُونِ التَّكْلِيفِ والأمْرِ بِالطّاعَةِ والنَّهْيِ عَنِ المَفاسِدِ يَقْتَضِي كَوْنَهُ تَعالى راضِيًا بِقَبائِحِ الأفْعالِ، وذَلِكَ لا يَلِيقُ بِحِكْمَتِهِ، فَإذًا لا بُدَّ مِنَ التَّكْلِيفِ، والتَّكْلِيفُ لا يَحْسُنُ ولا يَلِيقُ بِالكَرِيمِ الرَّحِيمِ إلّا إذا كانَ هُناكَ دارُ الثَّوابِ والبَعْثِ والقِيامَةِ. صفحة ٢٠٧

القيامة 75:36

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ ﴿ثُمَّ أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ قالَ قَتادَةُ، والكَلْبِيُّ، ومُقاتِلٌ: «أخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِ أبِي جَهْلٍ ثُمَّ قالَ: ﴿أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ تَوَعَّدَهُ، فَقالَ أبُو جَهْلٍ»: بِأيِّ شَيْءٍ تُهَدِّدُنِي ؟ لا تَسْتَطِيعُ أنْتَ ولا رَبُّكَ أنْ تَفْعَلا بِي شَيْئًا، وإنِّي لَأعَزُّ أهْلِ هَذا الوادِي، ثُمَّ انْسَلَّ ذاهِبًا، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى كَما قالَ لَهُ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ومَعْنى قَوْلِهِ ﴿أوْلى لَكَ﴾ بِمَعْنى ويْلٌ لَكَ، وهو دُعاءٌ عَلَيْهِ بِأنْ يَلِيَهُ ما يَكْرَهُهُ، قالَ القاضِي: المَعْنى بَعْدَ ذَلِكَ، فَبُعْدًا [ لَكَ ] في أمْرِ دُنْياكَ، وبُعْدًا لَكَ في أمْرِ أُخْراكَ، وقالَ آخَرُونَ: المَعْنى: الوَيْلُ لَكَ مَرَّةً بَعْدَ ذَلِكَ، وقالَ القَفّالُ: هَذا يَحْتَمِلُ وُجُوهًا: أحَدُها: أنَّهُ وعِيدٌ مُبْتَدَأٌ مِنَ اللَّهِ لِلْكافِرِينَ. والثّانِي: أنَّهُ شَيْءٌ قالَهُ النَّبِيُّ ﷺ لِعَدُوِّهِ، فاسْتَنْكَرَهُ عَدُوُّ اللَّهِ لِعِزَّتِهِ عِنْدَ نَفْسِهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى مِثْلَ ذَلِكَ. والثّالِثُ: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ أمْرًا مِنَ اللَّهِ لِنَبِيِّهِ، بِأنْ يَقُولَها لِعَدُوِّ اللَّهِ، فَيَكُونَ المَعْنى: ﴿ثُمَّ ذَهَبَ إلى أهْلِهِ يَتَمَطّى﴾ [ القِيامَةِ: ٣٣] فَقُلْ لَهُ: يا مُحَمَّدُ: ﴿أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ أيِ احْذَرْ، فَقَدْ قَرُبَ مِنكَ ما لا قِبَلَ لَكَ بِهِ مِنَ المَكْرُوهِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ أيْ: مُهْمَلًا، لا يُؤْمَرُ ولا يُنْهى، ولا يُكَلَّفُ في الدُّنْيا ولا يُحاسَبُ بِعَمَلِهِ في الآخِرَةِ، والسُّدى في اللُّغَةِ المُهْمَلُ، يُقالُ: أسْدَيْتُ إبِلِي إسْداءً أهْمَلْتُها. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ في أوَّلِ السُّورَةِ - قَوْلَهُ ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ ألَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ﴾ أعادَ في آخِرِ السُّورَةِ ذَلِكَ، وذَكَرَ في صِحَّةِ البَعْثِ والقِيامَةِ دَلِيلَيْنِ: الأوَّلُ: قَوْلُهُ ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ ﴿إنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ أكادُ أُخْفِيها لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى﴾ [ طه: ١٥]، وقَوْلُهُ: ﴿أمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ كالمُفْسِدِينَ في الأرْضِ أمْ نَجْعَلُ المُتَّقِينَ كالفُجّارِ﴾ وتَقْرِيرُهُ: أنَّ إعْطاءَ القُدْرَةِ والآلَةِ والعَقْلِ بِدُونِ التَّكْلِيفِ والأمْرِ بِالطّاعَةِ والنَّهْيِ عَنِ المَفاسِدِ يَقْتَضِي كَوْنَهُ تَعالى راضِيًا بِقَبائِحِ الأفْعالِ، وذَلِكَ لا يَلِيقُ بِحِكْمَتِهِ، فَإذًا لا بُدَّ مِنَ التَّكْلِيفِ، والتَّكْلِيفُ لا يَحْسُنُ ولا يَلِيقُ بِالكَرِيمِ الرَّحِيمِ إلّا إذا كانَ هُناكَ دارُ الثَّوابِ والبَعْثِ والقِيامَةِ. صفحة ٢٠٧

القيامة 75:37

الدَّلِيلُ الثّانِي عَلى صِحَّةِ القَوْلِ بِالحَشْرِ: الِاسْتِدْلالُ بِالخِلْقَةِ الأُولى عَلى الإعادَةِ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ يَكُ نُطْفَةً مِن مَنِيٍّ يُمْنى﴾، وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: النُّطْفَةُ هي الماءُ القَلِيلُ، وجَمْعُها نِطافٌ ونُطَفٌ، يَقُولُ: ألَمْ يَكُ ماءً قَلِيلًا في صُلْبِ الرَّجُلِ وتَرائِبِ المَرْأةِ ؟ وقَوْلُهُ: ﴿مِن مَنِيٍّ يُمْنى﴾ أيْ: يُصَبُّ في الرَّحِمِ، وذَكَرْنا الكَلامَ في ”يُمْنى“ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿مِن نُطْفَةٍ إذا تُمْنى﴾ وقَوْلِهِ: ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تُمْنُونَ﴾ [ الواقِعَةِ: ٥٨] فَإنْ قِيلَ: ما الفائِدَةُ في ”يُمْنى“ في قَوْلِهِ: ﴿مِن مَنِيٍّ يُمْنى﴾ ؟ قُلْنا: فِيهِ إشارَةٌ إلى حَقارَةِ حالِهِ، كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّهُ مَخْلُوقٌ مِنَ المَنِيِّ الَّذِي جَرى عَلى مَخْرَجِ النَّجاسَةِ، فَلا يَلِيقُ بِمِثْلِ هَذا الشَّيْءِ أنْ يَتَمَرَّدَ عَنْ طاعَةِ اللَّهِ تَعالى؛ إلّا أنَّهُ عَبَّرَ عَنْ هَذا المَعْنى عَلى سَبِيلِ الرَّمْزِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى في عِيسى ومَرْيَمَ: ﴿كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ﴾ [ المائِدَةِ: ٧٥] والمُرادُ مِنهُ قَضاءُ الحاجَةِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في ”يُمْنى“ في هَذِهِ السُّورَةِ قِراءَتانِ التّاءُ والياءُ، فالتّاءُ لِلنُّطْفَةِ، عَلى تَقْدِيرِ: ألَمْ يَكُ نُطْفَةً تُمْنى مِنَ المَنِيِّ، والياءُ لِلْمَنِيِّ مِن ”مَنِيٍّ يُمْنى“، أيْ: يُقَدَّرُ خَلْقُ الإنْسانِ مِنهُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَخَلَقَ فَسَوّى﴾ فَفِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: فَخَلَقَ فَقَدَّرَ فَسَوّى فَعَدَلَ. الثّانِي: فَخَلَقَ، أيْ: فَنَفَخَ فِيهِ الرُّوحَ، فَسَوّى فَكَمَّلَ أعْضاءَهُ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ ومُقاتِلٍ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَجَعَلَ مِنهُ﴾ أيْ مِنَ الإنْسانِ ﴿الزَّوْجَيْنِ﴾ يَعْنِي الصِّنْفَيْنِ. ثُمَّ فَسَّرَهُما فَقالَ: ﴿الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ ﴿ألَيْسَ ذَلِكَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾ والمَعْنى: ألَيْسَ ذَلِكَ الَّذِي أنْشَأ هَذِهِ الأشْياءَ بِقادِرٍ عَلى الإعادَةِ، رُوِيَ أنَّهُ ﷺ كانَ إذا قَرَأها قالَ: سُبْحانَكَ بَلى والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ. وصَلاتُهُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ سَيِّدِ المُرْسَلِينَ وآلِهِ وصَحْبِهِ وسَلَّمَ.

القيامة 75:38

الدَّلِيلُ الثّانِي عَلى صِحَّةِ القَوْلِ بِالحَشْرِ: الِاسْتِدْلالُ بِالخِلْقَةِ الأُولى عَلى الإعادَةِ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ يَكُ نُطْفَةً مِن مَنِيٍّ يُمْنى﴾، وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: النُّطْفَةُ هي الماءُ القَلِيلُ، وجَمْعُها نِطافٌ ونُطَفٌ، يَقُولُ: ألَمْ يَكُ ماءً قَلِيلًا في صُلْبِ الرَّجُلِ وتَرائِبِ المَرْأةِ ؟ وقَوْلُهُ: ﴿مِن مَنِيٍّ يُمْنى﴾ أيْ: يُصَبُّ في الرَّحِمِ، وذَكَرْنا الكَلامَ في ”يُمْنى“ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿مِن نُطْفَةٍ إذا تُمْنى﴾ وقَوْلِهِ: ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تُمْنُونَ﴾ [ الواقِعَةِ: ٥٨] فَإنْ قِيلَ: ما الفائِدَةُ في ”يُمْنى“ في قَوْلِهِ: ﴿مِن مَنِيٍّ يُمْنى﴾ ؟ قُلْنا: فِيهِ إشارَةٌ إلى حَقارَةِ حالِهِ، كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّهُ مَخْلُوقٌ مِنَ المَنِيِّ الَّذِي جَرى عَلى مَخْرَجِ النَّجاسَةِ، فَلا يَلِيقُ بِمِثْلِ هَذا الشَّيْءِ أنْ يَتَمَرَّدَ عَنْ طاعَةِ اللَّهِ تَعالى؛ إلّا أنَّهُ عَبَّرَ عَنْ هَذا المَعْنى عَلى سَبِيلِ الرَّمْزِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى في عِيسى ومَرْيَمَ: ﴿كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ﴾ [ المائِدَةِ: ٧٥] والمُرادُ مِنهُ قَضاءُ الحاجَةِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في ”يُمْنى“ في هَذِهِ السُّورَةِ قِراءَتانِ التّاءُ والياءُ، فالتّاءُ لِلنُّطْفَةِ، عَلى تَقْدِيرِ: ألَمْ يَكُ نُطْفَةً تُمْنى مِنَ المَنِيِّ، والياءُ لِلْمَنِيِّ مِن ”مَنِيٍّ يُمْنى“، أيْ: يُقَدَّرُ خَلْقُ الإنْسانِ مِنهُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَخَلَقَ فَسَوّى﴾ فَفِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: فَخَلَقَ فَقَدَّرَ فَسَوّى فَعَدَلَ. الثّانِي: فَخَلَقَ، أيْ: فَنَفَخَ فِيهِ الرُّوحَ، فَسَوّى فَكَمَّلَ أعْضاءَهُ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ ومُقاتِلٍ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَجَعَلَ مِنهُ﴾ أيْ مِنَ الإنْسانِ ﴿الزَّوْجَيْنِ﴾ يَعْنِي الصِّنْفَيْنِ. ثُمَّ فَسَّرَهُما فَقالَ: ﴿الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ ﴿ألَيْسَ ذَلِكَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾ والمَعْنى: ألَيْسَ ذَلِكَ الَّذِي أنْشَأ هَذِهِ الأشْياءَ بِقادِرٍ عَلى الإعادَةِ، رُوِيَ أنَّهُ ﷺ كانَ إذا قَرَأها قالَ: سُبْحانَكَ بَلى والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ. وصَلاتُهُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ سَيِّدِ المُرْسَلِينَ وآلِهِ وصَحْبِهِ وسَلَّمَ.

القيامة 75:39

الدَّلِيلُ الثّانِي عَلى صِحَّةِ القَوْلِ بِالحَشْرِ: الِاسْتِدْلالُ بِالخِلْقَةِ الأُولى عَلى الإعادَةِ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ يَكُ نُطْفَةً مِن مَنِيٍّ يُمْنى﴾، وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: النُّطْفَةُ هي الماءُ القَلِيلُ، وجَمْعُها نِطافٌ ونُطَفٌ، يَقُولُ: ألَمْ يَكُ ماءً قَلِيلًا في صُلْبِ الرَّجُلِ وتَرائِبِ المَرْأةِ ؟ وقَوْلُهُ: ﴿مِن مَنِيٍّ يُمْنى﴾ أيْ: يُصَبُّ في الرَّحِمِ، وذَكَرْنا الكَلامَ في ”يُمْنى“ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿مِن نُطْفَةٍ إذا تُمْنى﴾ وقَوْلِهِ: ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تُمْنُونَ﴾ [ الواقِعَةِ: ٥٨] فَإنْ قِيلَ: ما الفائِدَةُ في ”يُمْنى“ في قَوْلِهِ: ﴿مِن مَنِيٍّ يُمْنى﴾ ؟ قُلْنا: فِيهِ إشارَةٌ إلى حَقارَةِ حالِهِ، كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّهُ مَخْلُوقٌ مِنَ المَنِيِّ الَّذِي جَرى عَلى مَخْرَجِ النَّجاسَةِ، فَلا يَلِيقُ بِمِثْلِ هَذا الشَّيْءِ أنْ يَتَمَرَّدَ عَنْ طاعَةِ اللَّهِ تَعالى؛ إلّا أنَّهُ عَبَّرَ عَنْ هَذا المَعْنى عَلى سَبِيلِ الرَّمْزِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى في عِيسى ومَرْيَمَ: ﴿كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ﴾ [ المائِدَةِ: ٧٥] والمُرادُ مِنهُ قَضاءُ الحاجَةِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في ”يُمْنى“ في هَذِهِ السُّورَةِ قِراءَتانِ التّاءُ والياءُ، فالتّاءُ لِلنُّطْفَةِ، عَلى تَقْدِيرِ: ألَمْ يَكُ نُطْفَةً تُمْنى مِنَ المَنِيِّ، والياءُ لِلْمَنِيِّ مِن ”مَنِيٍّ يُمْنى“، أيْ: يُقَدَّرُ خَلْقُ الإنْسانِ مِنهُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَخَلَقَ فَسَوّى﴾ فَفِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: فَخَلَقَ فَقَدَّرَ فَسَوّى فَعَدَلَ. الثّانِي: فَخَلَقَ، أيْ: فَنَفَخَ فِيهِ الرُّوحَ، فَسَوّى فَكَمَّلَ أعْضاءَهُ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ ومُقاتِلٍ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَجَعَلَ مِنهُ﴾ أيْ مِنَ الإنْسانِ ﴿الزَّوْجَيْنِ﴾ يَعْنِي الصِّنْفَيْنِ. ثُمَّ فَسَّرَهُما فَقالَ: ﴿الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ ﴿ألَيْسَ ذَلِكَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾ والمَعْنى: ألَيْسَ ذَلِكَ الَّذِي أنْشَأ هَذِهِ الأشْياءَ بِقادِرٍ عَلى الإعادَةِ، رُوِيَ أنَّهُ ﷺ كانَ إذا قَرَأها قالَ: سُبْحانَكَ بَلى والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ. وصَلاتُهُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ سَيِّدِ المُرْسَلِينَ وآلِهِ وصَحْبِهِ وسَلَّمَ.

القيامة 75:40

الدَّلِيلُ الثّانِي عَلى صِحَّةِ القَوْلِ بِالحَشْرِ: الِاسْتِدْلالُ بِالخِلْقَةِ الأُولى عَلى الإعادَةِ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ يَكُ نُطْفَةً مِن مَنِيٍّ يُمْنى﴾، وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: النُّطْفَةُ هي الماءُ القَلِيلُ، وجَمْعُها نِطافٌ ونُطَفٌ، يَقُولُ: ألَمْ يَكُ ماءً قَلِيلًا في صُلْبِ الرَّجُلِ وتَرائِبِ المَرْأةِ ؟ وقَوْلُهُ: ﴿مِن مَنِيٍّ يُمْنى﴾ أيْ: يُصَبُّ في الرَّحِمِ، وذَكَرْنا الكَلامَ في ”يُمْنى“ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿مِن نُطْفَةٍ إذا تُمْنى﴾ وقَوْلِهِ: ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تُمْنُونَ﴾ [ الواقِعَةِ: ٥٨] فَإنْ قِيلَ: ما الفائِدَةُ في ”يُمْنى“ في قَوْلِهِ: ﴿مِن مَنِيٍّ يُمْنى﴾ ؟ قُلْنا: فِيهِ إشارَةٌ إلى حَقارَةِ حالِهِ، كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّهُ مَخْلُوقٌ مِنَ المَنِيِّ الَّذِي جَرى عَلى مَخْرَجِ النَّجاسَةِ، فَلا يَلِيقُ بِمِثْلِ هَذا الشَّيْءِ أنْ يَتَمَرَّدَ عَنْ طاعَةِ اللَّهِ تَعالى؛ إلّا أنَّهُ عَبَّرَ عَنْ هَذا المَعْنى عَلى سَبِيلِ الرَّمْزِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى في عِيسى ومَرْيَمَ: ﴿كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ﴾ [ المائِدَةِ: ٧٥] والمُرادُ مِنهُ قَضاءُ الحاجَةِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في ”يُمْنى“ في هَذِهِ السُّورَةِ قِراءَتانِ التّاءُ والياءُ، فالتّاءُ لِلنُّطْفَةِ، عَلى تَقْدِيرِ: ألَمْ يَكُ نُطْفَةً تُمْنى مِنَ المَنِيِّ، والياءُ لِلْمَنِيِّ مِن ”مَنِيٍّ يُمْنى“، أيْ: يُقَدَّرُ خَلْقُ الإنْسانِ مِنهُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَخَلَقَ فَسَوّى﴾ فَفِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: فَخَلَقَ فَقَدَّرَ فَسَوّى فَعَدَلَ. الثّانِي: فَخَلَقَ، أيْ: فَنَفَخَ فِيهِ الرُّوحَ، فَسَوّى فَكَمَّلَ أعْضاءَهُ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ ومُقاتِلٍ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَجَعَلَ مِنهُ﴾ أيْ مِنَ الإنْسانِ ﴿الزَّوْجَيْنِ﴾ يَعْنِي الصِّنْفَيْنِ. ثُمَّ فَسَّرَهُما فَقالَ: ﴿الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ ﴿ألَيْسَ ذَلِكَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾ والمَعْنى: ألَيْسَ ذَلِكَ الَّذِي أنْشَأ هَذِهِ الأشْياءَ بِقادِرٍ عَلى الإعادَةِ، رُوِيَ أنَّهُ ﷺ كانَ إذا قَرَأها قالَ: سُبْحانَكَ بَلى والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ. وصَلاتُهُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ سَيِّدِ المُرْسَلِينَ وآلِهِ وصَحْبِهِ وسَلَّمَ.

الإنسان 76:1

صفحة ٢٠٨ سُورَةُ الإنْسانِ إحْدى وثَلاثُونَ آيَةً مَكِّيَّةً ﷽ ﴿هَلْ أتى عَلى الإنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ ﷽ ﴿هَلْ أتى عَلى الإنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ ”هَلْ“ هَهُنا وفي قَوْلِهِ تَعالى ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الغاشِيَةِ﴾ [ الغاشِيَةِ: ١] - بِمَعْنى قَدْ، كَما تَقُولُ: هَلْ رَأيْتَ صَنِيعَ فُلانٍ، وقَدْ عَلِمْتَ أنَّهُ قَدْ رَآهُ، وتَقُولُ: هَلْ وعَظْتُكَ ؟ هَلْ أعْطَيْتُكَ ؟ ومَقْصُودُكَ: أنْ تُقَرِّرَهُ بِأنَّكَ قَدْ أعْطَيْتَهُ ووَعَظْتَهُ، وقَدْ تَجِيءُ بِمَعْنى الجَحْدِ، تَقُولُ: وهَلْ يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى مِثْلِ هَذا، وأمّا أنَّها تَجِيءُ بِمَعْنى الِاسْتِفْهامِ فَظاهِرٌ، والدَّلِيلُ عَلى أنَّها هَهُنا لَيْسَتْ بِمَعْنى الِاسْتِفْهامِ وجْهانِ: الأوَّلُ: ما رُوِيَ أنَّ الصِّدِّيقَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمّا سَمِعَ هَذِهِ الآيَةَ قالَ: يا لَيْتَها كانَتْ تَمَّتْ فَلا نُبْتَلى، ولَوْ كانَ ذَلِكَ اسْتِفْهامًا لَما قالَ: لَيْتَها تَمَّتْ، لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ، إنَّما يُجابُ بِـ ”لا“ أوْ بِـ ”نَعَمْ“، فَإذا كانَ المُرادُ هو الخَبَرَ، فَحِينَئِذٍ يَحْسُنُ ذَلِكَ الجَوابُ. الثّانِي: أنَّ الِاسْتِفْهامَ عَلى اللَّهِ تَعالى مُحالٌ، فَلا بُدَّ مِن حَمْلِهِ عَلى الخَبَرِ. المَسْألَةُ الأُولى: اخْتَلَفُوا في الإنْسانِ المَذْكُورِ هَهُنا، فَقالَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: يُرِيدُ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ومَن ذَهَبَ إلى هَذا قالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ خَلْقَ آدَمَ في هَذِهِ الآيَةِ ثُمَّ عَقَّبَ بِذِكْرِ ولَدِهِ في قَوْلِهِ: ﴿إنّا خَلَقْنا الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ أمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ﴾ . والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِالإنْسانِ بَنُو آدَمَ؛ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿إنّا خَلَقْنا الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ﴾ فالإنْسانُ في المَوْضِعَيْنِ واحِدٌ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ نَظْمُ الآيَةِ أحْسَنَ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ”حِينٌ“ فِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ طائِفَةٌ مِنَ الزَّمَنِ الطَّوِيلِ المُمْتَدِّ وغَيْرُ مُقَدَّرٍ في نَفْسِهِ. والثّانِي: أنَّهُ مُقَدَّرٌ بِالأرْبَعِينَ، فَمَن قالَ: المُرادُ بِالإنْسانِ هو آدَمُ - قالَ: المَعْنى أنَّهُ مَكَثَ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ أرْبَعِينَ سَنَةً طِينًا إلى أنْ نُفِخَ فِيهِ الرُّوحُ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّهُ بَقِيَ طِينًا أرْبَعِينَ سَنَةً، وأرْبَعِينَ مِن صَلْصالٍ، وأرْبَعِينَ مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ، فَتَمَّ خَلْقُهُ بَعْدَ مِائَةٍ وعِشْرِينَ سَنَةٍ، فَهو في هَذِهِ المُدَّةِ ما كانَ شَيْئًا مَذْكُورًا، وقالَ الحَسَنُ: خَلَقَ اللَّهُ تَعالى كُلَّ الأشْياءِ ما يُرى وما لا يُرى مِن دَوابِّ البَرِّ والبَحْرِ في الأيّامِ السِّتَّةِ الَّتِي خَلَقَ فِيها السَّماواتِ صفحة ٢٠٩ والأرْضَ، وآخِرُ ما خَلَقَ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وهو قَوْلُهُ: ﴿لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ فَإنْ قِيلَ: إنَّ الطِّينَ والصَّلْصالَ والحَمَأ المَسْنُونَ قَبْلَ نَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ ما كانَ إنْسانًا، والآيَةُ تَقْتَضِي أنَّهُ قَدْ مَضى عَلى الإنْسانِ حالَ كَوْنِهِ إنْسانًا حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ مَعَ أنَّهُ في ذَلِكَ الحِينِ ما كانَ شَيْئًا مَذْكُورًا، قُلْنا: إنَّ الطِّينَ والصَّلْصالَ إذا كانَ مُصَوَّرًا بِصُورَةِ الإنْسانِ ويَكُونُ مَحْكُومًا عَلَيْهِ بِأنَّهُ سَيُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ وسَيَصِيرُ إنْسانًا صَحَّ تَسْمِيَتُهُ بِأنَّهُ إنْسانٌ، والَّذِينَ يَقُولُونَ الإنْسانُ هو النَّفْسُ النّاطِقَةُ، وإنَّها مَوْجُودَةٌ قَبْلَ وُجُودِ الأبْدانِ، فالإشْكالُ عَنْهم زائِلٌ، واعْلَمْ أنَّ الغَرَضَ مِن هَذا التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ الإنْسانَ مُحْدَثٌ، ومَتى كانَ كَذَلِكَ فَلا بُدَّ مِن مُحْدِثٍ قادِرٍ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: (لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا) مَحَلُّهُ النَّصْبُ عَلى الحالِ مِنَ الإنْسانِ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: هَلْ أتى عَلَيْهِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ غَيْرَ مَذْكُورٍ، أوِ الرَّفْعُ عَلى الوَصْفِ لِـ ”حِينٌ“، تَقْدِيرُهُ: هَلْ أتى عَلى الإنْسانِ حِينٌ لَمْ يَكُنْ فِيهِ شَيْئًا.

الإنسان 76:2

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا خَلَقْنا الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ أمْشاجٍ﴾ فِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: المَشْجُ في اللُّغَةِ الخَلْطُ، يُقالُ: مَشَجَ يَمْشُجُ مَشْجًا إذا خَلَطَ، والأمْشاجُ الأخْلاطُ، قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: واحِدُها مَشِجٍ ومَشِيجٍ، ويُقالُ لِلشَّيْءِ إذا خُلِطَ مَشِيجٌ؛ كَقَوْلِكَ خَلِيطٌ، ومَمْشُوجٌ كَقَوْلِكَ مَخْلُوطٌ. قالَ الهُذَلِيُّ: كَأنَّ الرِّيشَ والفُوقَيْنِ مِنهُ خِلافُ النَّصْلِ شَطَّ بِهِ مَشِيجُ يَصِفُ السَّهْمَ بِأنَّهُ قَدْ بَعُدَ في الرَّمْيَةِ فالتَطَخَ رِيشُهُ وفُوقاهُ بِدَمٍ يَسِيرٍ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: الأمْشاجُ لَفْظٌ مُفْرَدٌ، ولَيْسَ يُجْمَعُ؛ بِدَلِيلِ أنَّهُ صِفَةٌ لِلْمُفْرَدِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿نُطْفَةٍ أمْشاجٍ﴾ ويُقالُ أيْضًا: نُطْفَةٌ مَشِيجٌ، ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ ”أمْشاجٍ“ جَمْعًا لِلْمَشْجِ، بَلْ هُما مِثْلانِ في الإفْرادِ، ونَظِيرُهُ بُرْمَةٌ أعْشارٌ، أيْ: قِطَعٌ مُكَسَّرَةٌ، وثَوْبٌ أخْلاقٌ، وأرْضٌ سَباسِبُ، واخْتَلَفُوا في مَعْنى كَوْنِ النُّطْفَةِ مُخْتَلِطَةً، فالأكْثَرُونَ عَلى أنَّهُ اخْتِلاطُ نُطْفَةِ الرَّجُلِ بِنُطْفَةِ المَرْأةِ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ والتَّرائِبِ﴾ [ الطّارِقِ: ٧] قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو اخْتِلاطُ ماءِ الرَّجُلِ وهو أبْيَضُ غَلِيظٌ، وماءِ المَرْأةِ وهو أصْفَرُ رَقِيقٌ، فَيَخْتَلِطانِ، ويُخْلَقُ الوَلَدُ مِنهُما، فَما كانَ مِن عَصَبٍ وعَظْمٍ وقُوَّةٍ فَمِن نُطْفَةِ الرَّجُلِ، وما كانَ مِن لَحْمٍ ودَمٍ فَمِن ماءِ المَرْأةِ، قالَ مُجاهِدٌ: هي ألْوانُ النُّطْفَةِ، فَنُطْفَةُ الرَّجُلِ بَيْضاءُ، ونُطْفَةُ المَرْأةِ صَفْراءُ، وقالَ عَبْدُ اللَّهِ: أمْشاجُها عُرُوقُها، وقالَ الحَسَنُ: يَعْنِي مِن نُطْفَةٍ مُشِجَتْ بِدَمٍ وهو دَمُ الحَيْضَةِ، وذَلِكَ أنَّ المَرْأةَ إذا تَلَقَّتْ ماءَ الرَّجُلِ وحَبَلَتْ أُمْسِكَ حَيْضُها فاخْتَلَطَتِ النُّطْفَةُ بِالدَّمِ، وقالَ قَتادَةُ: الأمْشاجُ هو أنَّهُ يَخْتَلِطُ الماءُ والدَّمُ أوَّلًا ثُمَّ يَصِيرُ عَلَقَةً ثُمَّ يَصِيرُ مُضْغَةً، وبِالجُمْلَةِ فَهو عِبارَةٌ عَنِ انْتِقالِ ذَلِكَ الجِسْمِ مِن صِفَةٍ إلى صِفَةٍ، ومِن حالٍ إلى حالٍ. وقالَ قَوْمٌ: إنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ في النُّطْفَةِ أخْلاطًا مِنَ الطَّبائِعِ الَّتِي تَكُونُ في الإنْسانِ مِنَ الحَرارَةِ والبُرُودَةِ والرُّطُوبَةِ واليُبُوسَةِ، والتَّقْدِيرُ: مِن نُطْفَةٍ ذاتِ أمْشاجٍ، فَحُذِفَ المُضافُ وتَمَّ الكَلامُ، قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: الأوْلى هو أنَّ المُرادَ اخْتِلاطُ نُطْفَةِ الرَّجُلِ والمَرْأةِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى وصَفَ النُّطْفَةَ بِأنَّها أمْشاجٌ، وهي إذا صارَتْ عَلَقَةً فَلَمْ يَبْقَ فِيها وصْفٌ أنَّها نُطْفَةٌ، ولَكِنَّ هَذا الدَّلِيلَ لا يَقْدَحُ في أنَّ المُرادَ كَوْنُها أمْشاجًا مِنَ الأرْضِ والماءِ والهَواءِ والحارِّ. صفحة ٢١٠ * * أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿نَبْتَلِيهِ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: نَبْتَلِيهِ مَعْناهُ لِنَبْتَلِيَهُ، وهو كَقَوْلِ الرَّجُلِ: جِئْتُكَ أقْضِي حَقَّكَ، أيْ لِأقْضِيَ حَقَّكَ، وأتَيْتُكَ أسْتَمْنِحُكَ، أيْ لِأسْتَمْنِحَكَ، كَذا قَوْلُهُ: ﴿نَبْتَلِيهِ﴾ أيْ لِنَبْتَلِيَهُ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿ولا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ [المُدَّثِّرِ: ٦] أيْ لِتَسْتَكْثِرَ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ”نَبْتَلِيهِ“ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ: خَلَقْناهُ مُبْتَلِينَ لَهُ، يَعْنِي مُرِيدِينَ ابْتِلاءَهُ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في الآيَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ فِيهِ تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا، والمَعْنى ﴿فَجَعَلْناهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ لِنَبْتَلِيَهُ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ لا حاجَةَ إلى هَذا التَّغْيِيرِ، والمَعْنى: إنّا خَلَقْناهُ مِن هَذِهِ الأمْشاجِ لا لِلْبَعْثِ، بَلْ لِلِابْتِلاءِ والِامْتِحانِ. ثُمَّ ذَكَرَ أنَّهُ أعْطاهُ ما يَصِحُّ مَعَهُ الِابْتِلاءُ، وهو السَّمْعُ والبَصَرُ، فَقالَ: ﴿فَجَعَلْناهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾، والسَّمْعُ والبَصَرُ كِنايَتانِ عَنِ الفَهْمِ والتَّمْيِيزِ، كَما قالَ تَعالى حاكِيًا عَنْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ﴾ [ مَرْيَمَ: ٤٢] وأيْضًا قَدْ يُرادُ بِالسَّمِيعِ المُطِيعُ، كَقَوْلِهِ ”سَمْعًا وطاعَةً“، وبِالبَصِيرِ العالِمُ، يُقالُ: فُلانٌ بَصِيرٌ في هَذا الأمْرِ، ومِنهم مَن قالَ: بَلِ المُرادُ بِالسَّمْعِ والبَصَرِ الحاسَّتانِ المَعْرُوفَتانِ. واللَّهُ تَعالى خَصَّهُما بِالذِّكْرِ لِأنَّهُما أعْظَمُ الحَواسِّ وأشْرَفُها. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ﴾ أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ بَعْدَ أنْ رَكَّبَهُ وأعْطاهُ الحَواسَّ الظّاهِرَةَ والباطِنَةَ بَيَّنَ لَهُ سَبِيلَ الهُدى والضَّلالِ، وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: الآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّ إعْطاءَ الحَواسِّ كالمُقَدَّمِ عَلى إعْطاءِ العَقْلِ، والأمْرُ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ الإنْسانَ خُلِقَ في مَبْدَأِ الفِطْرَةِ خالِيًا عَنْ مَعْرِفَةِ الأشْياءِ، إلّا أنَّهُ أعْطاهُ آلاتٍ تُعِينُهُ عَلى تَحْصِيلِ تِلْكَ المَعارِفِ، وهي الحَواسُّ الظّاهِرَةُ والباطِنَةُ، فَإذا أحَسَّ بِالمَحْسُوساتِ تَنَبَّهَ لِمُشارَكاتٍ بَيْنَها ومُبايَناتٍ، يُنْتَزَعُ مِنها عَقائِدُ صادِقَةٌ أوَّلِيَّةٌ، كَعِلْمِنا بِأنَّ النَّفْيَ والإثْباتَ لا يَجْتَمِعانِ ولا يَرْتَفِعانِ، وأنَّ الكُلَّ أعْظَمُ مِنَ الجُزْءِ، وهَذِهِ العُلُومُ الأوَّلِيَّةُ هي آلَةُ العَقْلِ؛ لِأنَّ بِتَرْكِيباتِها يُمْكِنُ التَّوَصُّلُ إلى اسْتِعْلامِ المَجْهُولاتِ النَّظَرِيَّةِ، فَثَبَتَ أنَّ الحِسَّ مُقَدَّمٌ في الوُجُودِ عَلى العَقْلِ، ولِذَلِكَ قِيلَ: مَن فَقَدَ حِسًّا فَقَدَ عِلْمًا، ومَن قالَ: المُرادُ مِن كَوْنِهِ سَمِيعًا بَصِيرًا هو العَقْلُ - قالَ: إنَّهُ لَمّا بَيَّنَ في الآيَةِ الأُولى أنَّهُ أعْطاهُ العَقْلَ بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ إنَّما أعْطاهُ العَقْلَ لِيُبَيِّنَ لَهُ السَّبِيلَ ويُظْهِرَ لَهُ أنَّ الَّذِي يَجِبُ فِعْلُهُ ما هو، والَّذِي لا يَجُوزُ ما هو. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: السَّبِيلُ هو الَّذِي يُسْلَكُ مِنَ الطَّرِيقِ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالسَّبِيلِ هَهُنا سَبِيلَ الخَيْرِ والشَّرِّ والنَّجاةِ والهَلاكِ، ويَكُونُ مَعْنى ”هَدَيْناهُ“ أيْ: عَرَّفْناهُ وبَيَّنّا كَيْفِيَّةَ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما لَهُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [ البَلَدِ: ١٠] ويَكُونُ السَّبِيلُ اسْمًا لِلْجِنْسِ، فَلِهَذا أُفْرِدَ لَفْظُهُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الإنْسانَ لَفي خُسْرٍ﴾ [ العَصْرِ: ٢] ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالسَّبِيلِ هو سَبِيلَ الهُدى؛ لِأنَّها هي الطَّرِيقَةُ المَعْرُوفَةُ المُسْتَحِقَّةُ لِهَذا الِاسْمِ عَلى الإطْلاقِ، فَأمّا سَبِيلُ الضَّلالَةِ فَإنَّما هي سَبِيلٌ بِالإضافَةِ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: صفحة ٢١١ ﴿إنّا أطَعْنا سادَتَنا وكُبَراءَنا فَأضَلُّونا السَّبِيلَ﴾ [ الأحْزابِ: ٦٧] وإنَّما أضَلُّوهم سَبِيلَ الهُدى، ومَن ذَهَبَ إلى هَذا جَعَلَ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿هَدَيْناهُ﴾ أيْ أرْشَدْناهُ، وإذا أُرْشِدَ لِسَبِيلِ الحَقِّ، فَقَدْ نُبِّهَ عَلى تَجَنُّبِ ما سِواها، فَكانَ اللَّفْظُ دَلِيلًا عَلى الطَّرِيقَيْنِ مِن هَذا الوَجْهِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: المُرادُ مِن هِدايَةِ السَّبِيلِ خَلْقُ الدَّلائِلِ، وخَلْقُ العَقْلِ الهادِي، وبَعْثَةُ الأنْبِياءِ، وإنْزالُ الكُتُبِ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: خَلَقْتُكَ لِلِابْتِلاءِ ثُمَّ أعْطَيْتُكَ كُلَّ ما تَحْتاجُ إلَيْهِ: ﴿لِيَهْلِكَ مَن هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ [ الأنْفالِ: ٤٢] ولَيْسَ مَعْناهُ خَلَقْنا الهِدايَةَ، ألا تَرى أنَّهُ ذَكَرَ السَّبِيلَ، فَقالَ: ﴿هَدَيْناهُ السَّبِيلَ﴾ أيْ أرَيْناهُ ذَلِكَ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ الفَرّاءُ: هَدَيْناهُ السَّبِيلَ، وإلى السَّبِيلِ، ولِلسَّبِيلِ، كُلُّ ذَلِكَ جائِزٌ في اللُّغَةِ.

الإنسان 76:3

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إمّا شاكِرًا وإمّا كَفُورًا﴾ فِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: في الآيَةِ أقْوالٌ: الأوَّلُ: أنَّ ”شاكِرًا“ أوْ ”كَفُورًا“ حالانِ مِنَ الهاءِ في ”هَدَيْناهُ السَّبِيلَ“، أيْ: هَدَيْناهُ السَّبِيلَ كَوْنَهُ شاكِرًا وكَفُورًا، والمَعْنى أنَّ كُلَّ ما يَتَعَلَّقُ بِهِدايَةِ اللَّهِ وإرْشادِهِ فَقَدْ تَمَّ حالَتَيِ الكُفْرِ والإيمانِ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ انْتُصِبَ قَوْلُهُ شاكِرًا وكَفُورًا بِإضْمارِ كانَ، والتَّقْدِيرُ: سَواءٌ كانَ شاكِرًا أوْ كانَ كَفُورًا. والقَوْلُ الثّالِثُ: مَعْناهُ إنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ، لِيَكُونَ إمّا شاكِرًا وإمّا كَفُورًا، أيْ: لِيَتَمَيَّزَ شُكْرُهُ مِن كُفْرِهِ، وطاعَتُهُ مِن مَعْصِيَتِهِ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا﴾ [ هُودٍ: ٧]، وقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ فَتَنّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ [ العَنْكَبُوتِ: ٣]، وقَوْلِهِ: ﴿ولَنَبْلُوَنَّكم حَتّى نَعْلَمَ المُجاهِدِينَ مِنكم والصّابِرِينَ ونَبْلُوَ أخْبارَكُمْ﴾ [ مُحَمَّدٍ: ٣١] قالَ القَفّالُ: ومَجازُ هَذِهِ الكَلِمَةِ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ قَوْلُ القائِلِ: قَدْ نَصَحْتُ لَكَ، إنْ شِئْتَ فاقْبَلْ، وإنْ شِئْتَ فاتْرُكْ، أيْ: فَإنْ شِئْتَ، فَتُحْذَفُ الفاءُ، فَكَذا المَعْنى: إنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ فَإمّا شاكِرًا وإمّا كَفُورًا، فَتُحْذَفُ الفاءُ، وقَدْ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلى جِهَةِ الوَعِيدِ، أيْ: إنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ، فَإنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ وإنْ شاءَ فَلْيَشْكُرْ، فَإنّا قَدْ أعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ كَذا ولِلشّاكِرِينَ كَذا، كَقَوْلِهِ: ﴿وقُلِ الحَقُّ مِن رَبِّكم فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [ الكَهْفِ: ٢٩] . القَوْلُ الرّابِعُ: أنْ يَكُونا حالَيْنِ مِنَ السَّبِيلِ، أيْ: عَرَّفْناهُ السَّبِيلَ، أيْ: إمّا سَبِيلًا شاكِرًا، وإمّا سَبِيلًا كَفُورًا، ووَصْفُ السَّبِيلِ بِالشُّكْرِ والكُفْرِ مَجازٌ. واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الأقْوالَ كُلَّها لائِقَةٌ بِمَذْهَبِ المُعْتَزِلَةِ. والقَوْلُ الخامِسُ: وهو المُطابِقُ لِمَذْهَبِ أهْلِ السُّنَّةِ، واخْتِيارُ الفَرّاءِ: أنْ تَكُونَ ”إمّا“ في هَذِهِ الآيَةِ كَـ ”إمّا“ في قَوْلِهِ: ﴿إمّا يُعَذِّبُهم وإمّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ [ التَّوْبَةِ: ١٠٦]، والتَّقْدِيرُ: ﴿إنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ﴾ ثُمَّ جَعَلْناهُ تارَةً ﴿شاكِرًا﴾ أوْ تارَةً ﴿كَفُورًا﴾ ويَتَأكَّدُ هَذا التَّأْوِيلُ بِما رُوِيَ أنَّهُ قَرَأ أبُو السَّمّالِ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ في ”أمّا“، والمَعْنى: أمّا شاكِرًا فَبِتَوْفِيقِنا وأمّا كَفُورًا فَبِخِذْلانِنا، قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: هَذا التَّأْوِيلُ باطِلٌ؛ لِأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ تَهْدِيدَ الكُفّارِ فَقالَ: ﴿إنّا أعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَلاسِلَ وأغْلالًا وسَعِيرًا﴾ ولَوْ كانَ كُفْرُ الكافِرِ مِنَ اللَّهِ وبِخَلْقِهِ لَما جازَ مِنهُ أنْ يُهَدِّدَهُ صفحة ٢١٢ عَلَيْهِ، ولَمّا بَطَلَ هَذا التَّأْوِيلُ ثَبَتَ أنَّ الحَقَّ هو التَّأْوِيلُ الأوَّلُ، وهو أنَّهُ تَعالى هَدى جَمِيعَ المُكَلَّفِينَ، سَواءٌ آمَنَ أوْ كَفَرَ، وبَطَلَ بِهَذا قَوْلُ المُجْبِرَةِ: أنَّهُ تَعالى لَمْ يَهْدِ الكافِرَ إلى الإيمانِ، أجابَ أصْحابُنا: بِأنَّهُ تَعالى لَمّا عَلِمَ مِنَ الكافِرِ أنَّهُ لا يُؤْمِنُ ثُمَّ كَلَّفَهُ بِأنْ يُؤْمِنَ فَقَدْ كَلَّفَهُ بِأنْ يَجْمَعَ بَيْنَ العِلْمِ بِعَدَمِ الإيمانِ ووُجُودِ الإيمانِ، وهَذا تَكْلِيفٌ بِالجَمْعِ بَيْنَ المُتَنافِيَيْنِ، فَإنْ لَمْ يَصِرْ هَذا عُذْرًا في سُقُوطِ التَّهْدِيدِ والوَعِيدِ جازَ أيْضًا أنْ يَخْلُقَ الكُفْرَ فِيهِ، ولا يَصِيرُ ذَلِكَ عُذْرًا في سُقُوطِ الوَعِيدِ، وإذا ثَبَتَ هَذا ظَهَرَ أنَّ هَذا التَّأْوِيلَ هو الحَقُّ، وأنَّ التَّأْوِيلَ اللّائِقَ بِقَوْلِ المُعْتَزِلَةِ لَيْسَ بِحَقٍّ، وبَطَلَ بِهِ قَوْلُ المُعْتَزِلَةِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ نِعَمَهُ عَلى الإنْسانِ فابْتَدَأ بِذِكْرِ النِّعَمِ الدُّنْيَوِيَّةِ، ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَهُ النِّعَمَ الدِّينِيَّةَ، ثُمَّ ذَكَرَ هَذِهِ القِسْمَةَ. واعْلَمْ أنَّهُ لا يُمْكِنُ تَفْسِيرُ الشّاكِرِ والكَفُورِ بِمَن يَكُونُ مُشْتَغِلًا بِفِعْلِ الشُّكْرِ وفِعْلِ الكُفْرانِ وإلّا لَمْ يَتَحَقَّقِ الحَصْرُ، بَلِ المُرادُ مِنَ الشّاكِرِ الَّذِي يَكُونُ مُقِرًّا مُعْتَرِفًا بِوُجُوبِ شُكْرِ خالِقِهِ عَلَيْهِ، والمُرادُ مِنَ الكُفُورِ الَّذِي لا يُقِرُّ بِوُجُوبِ الشُّكْرِ عَلَيْهِ، إمّا لِأنَّهُ يُنْكِرُ الخالِقَ أوْ لِأنَّهُ وإنْ كانَ يُثْبِتُهُ لَكِنَّهُ يُنْكِرُ وُجُوبَ الشُّكْرِ عَلَيْهِ، وحِينَئِذٍ يَتَحَقَّقُ الحَصْرُ وهو أنَّ المُكَلَّفَ إمّا أنْ يَكُونَ شاكِرًا وإمّا أنْ يَكُونَ كَفُورًا، واعْلَمْ أنَّ الخَوارِجَ احْتَجُّوا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّهُ لا واسِطَةَ بَيْنَ المُطِيعِ والكافِرِ، قالُوا: لِأنَّ الشّاكِرَ هو المُطِيعُ، والكَفُورَ هو الكافِرُ، واللَّهُ تَعالى نَفى الواسِطَةَ، وذَلِكَ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ كُلُّ ذَنْبٍ كُفْرًا، وأنْ يَكُونَ كُلُّ مُذْنِبٍ كافِرًا، واعْلَمْ أنَّ البَيانَ الَّذِي لَخَّصْناهُ يَدْفَعُ هَذا الإشْكالَ، فَإنَّهُ لَيْسَ المُرادُ مِنَ الشّاكِرِ الَّذِي يَكُونُ مُشْتَغِلًا بِفِعْلِ الشُّكْرِ، فَإنَّ ذَلِكَ باطِلٌ طَرْدًا وعَكْسًا. أمّا الطَّرْدُ فَلِأنَّ اليَهُودِيَّ قَدْ يَكُونُ شاكِرًا لِرَبِّهِ مَعَ أنَّهُ لا يَكُونُ مُطِيعًا لِرَبِّهِ، والفاسِقَ قَدْ يَكُونُ شاكِرًا لِرَبِّهِ، مَعَ أنَّهُ لا يَكُونُ مُطِيعًا لِرَبِّهِ، وأمّا العَكْسُ فَلِأنَّ المُؤْمِنَ قَدْ لا يَكُونُ مُشْتَغِلًا بِالشُّكْرِ ولا بِالكُفْرانِ، بَلْ يَكُونُ ساكِنًا غافِلًا عَنْهُما، فَثَبَتَ أنَّهُ لا يُمْكِنُ تَفْسِيرُ الشّاكِرِ بِذَلِكَ، بَلْ لا بُدَّ وأنْ يُفَسَّرَ الشّاكِرُ بِمَن يُقِرُّ بِوُجُوبِ الشُّكْرِ، والكَفُورُ بِمَن لا يُقِرُّ بِذَلِكَ، وحِينَئِذٍ يَثْبُتُ الحَصْرُ، ويَسْقُطُ سُؤالُهم بِالكُلِّيَّةِ. واللَّهُ أعْلَمُ.

الإنسان 76:4

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا أعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَلاسِلَ وأغْلالًا وسَعِيرًا﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ الفَرِيقَيْنِ أتْبَعَهُما بِالوَعِيدِ والوَعْدِ، وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: الِاعْتِدادُ هو إعْدادُ الشَّيْءِ حَتّى يَكُونَ عَتِيدًا حاضِرًا مَتى احْتِيجَ إلَيْهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ [ ق: ٢٣] وأمّا السَّلاسِلُ فَتُشَدُّ بِها أرْجُلُهم، وأمّا الأغْلالُ فَتُشَدُّ بِها أيْدِيهِمْ إلى رِقابِهِمْ، وأمّا السَّعِيرُ فَهو النّارُ الَّتِي تُسَعَّرُ عَلَيْهِمْ فَتُوقَدُ فَيَكُونُونَ حَطَبًا لَها، وهَذا مِن أغْلَظِ أنْواعِ التَّرْهِيبِ والتَّخْوِيفِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ الجَحِيمَ بِسَلاسِلِها وأغْلالِها مَخْلُوقَةٌ، لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿أعْتَدْنا﴾ إخْبارٌ عَنِ الماضِي، قالَ القاضِي: إنَّهُ لَمّا تَوَعَّدَ بِذَلِكَ عَلى التَّحْقِيقِ صارَ كَأنَّهُ مَوْجُودٌ، قُلْنا: هَذا الَّذِي ذَكَرْتُمْ تَرْكٌ لِلظّاهِرِ فَلا يُصارُ إلَيْهِ إلّا لِضَرُورَةٍ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قُرِئَ ”سَلاسِلًا“ بِالتَّنْوِينِ، وكَذَلِكَ ”قَوارِيرًا قَوارِيرًا“ ومِنهم مَن يَصِلُ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ، ويَقِفُ صفحة ٢١٣ بِالألِفِ. فَلِمَن نَوَّنَ وصَرَفَ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ الأخْفَشَ قالَ: قَدْ سَمِعْنا مِنَ العَرَبِ صَرْفَ جَمِيعِ ما لا يَنْصَرِفُ، قالَ: وهَذا لُغَةُ الشُّعَراءِ لِأنَّهُمُ اضْطُرُّوا إلَيْهِ في الشِّعْرِ فَصَرَفُوهُ، فَجَرَتْ ألْسِنَتُهم عَلى ذَلِكَ. الثّانِي: أنَّ هَذِهِ الجُمُوعَ أشْبَهَتِ الآحادَ، لِأنَّهم قالُوا صَواحِباتُ يُوسُفَ، فَلَمّا جَمَعُوهُ جَمْعَ الآحادِ المُنْصَرِفَةِ جَعَلُوها في حُكْمِها فَصَرَفُوها، وأمّا مَن تَرَكَ الصَّرْفَ فَإنَّهُ جَعَلَهُ كَقَوْلِهِ: ﴿لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وبِيَعٌ وصَلَواتٌ ومَساجِدُ﴾ [ الحَجِّ: ٤٠] وأمّا إلْحاقُ الألْفِ في الوَقْفِ فَهو كَإلْحاقِها في قَوْلِهِ: ”الظُّنُونا“ فَيُشَبَّهُ ذَلِكَ بِالإطْلاقِ في القَوافِي.

الإنسان 76:5

ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ ما أعَدَّ لِلشّاكِرِينَ المُوَحِّدِينَ فَقالَ: ﴿إنَّ الأبْرارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كانَ مِزاجُها كافُورًا﴾ الأبْرارُ جَمْعُ بَرٍّ، كالأرْبابِ جَمْعُ رَبٍّ، والقَوْلُ في حَقِيقَةِ البَرِّ قَدْ تَقَدَّمَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَكِنَّ البِرَّ مَن آمَنَ بِاللَّهِ﴾ [ البَقَرَةِ: ١٧٧] ثُمَّ ذَكَرَ مِن أنْواعِ نَعِيمِهِمْ صِفَةَ مَشْرُوبِهِمْ، فَقالَ: ﴿يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ﴾ يَعْنِي مِن إناءٍ فِيهِ الشَّرابُ، ولِهَذا قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُقاتِلٌ: يُرِيدُ الخَمْرَ، وفي الآيَةِ سُؤالانِ: السُّؤالُ الأوَّلُ: أنَّ مَزْجَ الكافُورِ بِالمَشْرُوبِ لا يَكُونُ لَذِيذًا، فَما السَّبَبُ في ذِكْرِهِ هَهُنا ؟ الجَوابُ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ الكافُورَ اسْمُ عَيْنٍ في الجَنَّةِ ماؤُها في بَياضِ الكافُورِ ورائِحَتِهِ وبَرْدِهِ، ولَكِنْ لا يَكُونُ فِيهِ طَعْمُهُ ولا مَضَرَّتُهُ، فالمَعْنى: أنَّ ذَلِكَ الشَّرابَ يَكُونُ مَمْزُوجًا بِماءِ هَذِهِ العَيْنِ. وثانِيها: أنَّ رائِحَةَ الكافُورِ عَرَضٌ فَلا يَكُونُ إلّا في جِسْمٍ، فَإذا خَلَقَ اللَّهُ تِلْكَ الرّائِحَةَ في جِرْمِ ذَلِكَ الشَّرابِ سُمِّيَ ذَلِكَ الجِسْمُ كافُورًا، وإنْ كانَ طَعْمُهُ طَيِّبًا. وثالِثُها: أيُّ بَأْسٍ في أنْ يَخْلُقَ اللَّهُ تَعالى الكافُورَ في الجَنَّةِ لَكِنْ مِن طَعْمٍ طَيِّبٍ لَذِيذٍ، ويَسْلُبُ عَنْهُ ما فِيهِ مِنَ المَضَرَّةِ ؟ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى يَمْزُجُهُ بِذَلِكَ المَشْرُوبِ، كَما أنَّهُ تَعالى سَلَبَ عَنْ جَمِيعِ المَأْكُولاتِ والمَشْرُوباتِ ما مَعَها في الدُّنْيا مِنَ المَضارِّ. السُّؤالُ الثّانِي: ما فائِدَةُ ”كانَ“ في قَوْلِهِ: ﴿كانَ مِزاجُها كافُورًا﴾ ؟ الجَوابُ: مِنهم مَن قالَ: إنَّها زائِدَةٌ، والتَّقْدِيرُ: مِن كَأْسٍ مِزاجُها كافُورًا، وقِيلَ: بَلِ المَعْنى كانَ مِزاجُها في عِلْمِ اللَّهِ وحُكْمِهِ كافُورًا.

الإنسان 76:6

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ﴾ فِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: إنْ قُلْنا: الكافُورُ اسْمُ النَّهْرِ - كانَ ”عَيْنًا“ بَدَلًا مِنهُ، وإنْ شِئْتَ نَصَبْتَ عَلى المَدْحِ، والتَّقْدِيرُ: أعْنِي عَيْنًا. أمّا إنْ قُلْنا: إنَّ الكافُورَ اسْمٌ لِهَذا الشَّيْءِ المُسَمّى بِالكافُورِ -كانَ ”عَيْنًا“ بَدَلًا مِن مَحَلِّ ”مِن كَأْسٍ“ عَلى تَقْدِيرِ حَذْفِ مُضافٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: يَشْرَبُونَ خَمْرًا خَمْرَ عَيْنٍ، ثُمَّ حُذِفَ المُضافُ، وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ في الآيَةِ الأُولى: ﴿يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ﴾ وقالَ هَهُنا: ﴿يَشْرَبُ بِها﴾ فَذَكَرَ هُناكَ ”مِن“ وهَهُنا الباءَ، والفَرْقُ أنَّ الكَأْسَ مَبْدَأُ شُرْبِهِمْ وأوَّلُ غايَتِهِ. وأمّا العَيْنُ فَبِها يَمْزُجُونَ شَرابَهم، فَكَأنَّ المَعْنى: يَشْرَبُ عِبادُ اللَّهِ بِها الخَمْرَ، كَما تَقُولُ: شَرِبْتُ الماءَ بِالعَسَلِ. صفحة ٢١٤ المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ﴾ عامٌّ، فَيُفِيدُ أنَّ كُلَّ عِبادِ اللَّهِ يَشْرَبُونَ مِنها، والكُفّارُ بِالِاتِّفاقِ لا يَشْرَبُونَ مِنها، فَدَلَّ عَلى أنَّ لَفْظَ عِبادِ اللَّهِ مُخْتَصٌّ بِأهْلِ الإيمانِ، إذا ثَبَتَ هَذا فَقَوْلُهُ: ﴿ولا يَرْضى لِعِبادِهِ الكُفْرَ﴾ [ الزُّمَرِ: ٧] لا يَتَناوَلُ الكُفّارَ بَلْ يَكُونُ مُخْتَصًّا بِالمُؤْمِنِينَ، فَيَصِيرُ تَقْدِيرُ الآيَةِ: ولا يَرْضى لِعِبادِهِ المُؤْمِنِينَ الكُفْرَ، فَلا تَدُلُّ الآيَةُ عَلى أنَّهُ تَعالى لا يُرِيدُ كُفْرَ الكافِرِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُفَجِّرُونَها تَفْجِيرًا﴾ مَعْناهُ يُفَجِّرُونَها حَيْثُ شاءُوا مِن مَنازِلِهِمْ تَفْجِيرًا سَهْلًا لا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِمْ، واعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا وصَفَ ثَوابَ الأبْرارِ في الآخِرَةِ شَرَحَ أعْمالَهُمُ الَّتِي بِها اسْتَوْجَبُوا ذَلِكَ الثَّوابَ: فالأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: الإيفاءُ بِالشَّيْءِ هو الإتْيانُ بِهِ وافِيًا، أمّا النَّذْرُ فَقالَ أبُو مُسْلِمٍ: النَّذْرُ كالوَعْدِ، إلّا أنَّهُ إذا كانَ مِنَ العِبادِ فَهو نَذْرٌ، وإنْ كانَ مِنَ اللَّهِ تَعالى فَهو وعْدٌ، واخْتُصَّ هَذا اللَّفْظُ في عُرْفِ الشَّرْعِ بِأنْ يَقُولَ: لِلَّهِ عَلَيَّ كَذا وكَذا مِنَ الصَّدَقَةِ، أوْ يُعَلِّقَ ذَلِكَ بِأمْرٍ يَلْتَمِسُهُ مِنَ اللَّهِ تَعالى، مِثْلَ أنْ يَقُولَ: إنْ شَفى اللَّهُ مَرِيضِي، أوْ رَدَّ غائِبِي فَعَلَيَّ كَذا كَذا، واخْتَلَفُوا فِيما إذا عُلِّقَ ذَلِكَ بِما لَيْسَ مِن وُجُوهِ البِرِّ، كَما إذا قالَ: إنْ دَخَلَ فُلانٌ الدّارَ فَعَلَيَّ كَذا، فَمِنَ النّاسِ مَن جَعَلَهُ كاليَمِينِ، ومِنهم مَن جَعَلَهُ مِن بابِ النَّذْرِ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: لِلْمُفَسِّرِينَ في تَفْسِيرِ الآيَةِ أقْوالٌ: أوَّلُها: أنَّ المُرادَ مِنَ النَّذْرِ هو النَّذْرُ فَقَطْ، ثُمَّ قالَ الأصَمُّ: هَذا مُبالَغَةٌ في وصْفِهِمْ بِالتَّوَفُّرِ عَلى أداءِ الواجِباتِ. لِأنَّ مَن وفّى بِما أوْجَبَهُ هو عَلى نَفْسِهِ كانَ بِما أوْجَبَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ أوْفى، وهَذا التَّفْسِيرُ في غايَةِ الحُسْنِ. وثانِيها: المُرادُ بِالنَّذْرِ هَهُنا كُلُّ ما وجَبَ عَلَيْهِ، سَواءٌ وجَبَ بِإيجابِ اللَّهِ تَعالى ابْتِداءً أوْ بِأنْ أوْجَبَهُ المُكَلَّفُ عَلى نَفْسِهِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ الإيمانُ وجَمِيعُ الطّاعاتِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ النَّذْرَ مَعْناهُ الإيجابُ. وثالِثُها: قالَ الكَلْبِيُّ: المُرادُ مِنَ النَّذْرِ العَهْدُ والعَقْدُ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [ البَقَرَةِ: ٤٠] فَسَمّى فَرائِضَهُ عَهْدًا، وقالَ: ﴿أوْفُوا بِالعُقُودِ﴾ [ المائِدَةِ: ١] سَمّاها عُقُودًا لِأنَّهم عَقَدُوها عَلى أنْفُسِهِمْ بِاعْتِقادِهِمُ الإيمانَ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: هَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى وُجُوبِ الوَفاءِ بِالنَّذْرِ؛ لِأنَّهُ تَعالى عَقَّبَهُ بِـ ﴿يَخافُونَ يَوْمًا﴾ وهَذا يَقْتَضِي أنَّهم إنَّما وفَّوْا بِالنَّذْرِ خَوْفًا مِن شَرِّ ذَلِكَ اليَوْمِ، والخَوْفُ مِن شَرِّ ذَلِكَ اليَوْمِ لا يَتَحَقَّقُ إلّا إذا كانَ الوَفاءُ بِهِ واجِبًا، وتَأكَّدَ هَذا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَنْقُضُوا الأيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها﴾ [ النَّحْلِ: ٩١]، وبِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهم ولْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [ الحَجِّ: ٢٩] فَيُحْتَمَلُ: لِيُوَفُّوا أعْمالَ نُسُكِهِمُ الَّتِي ألْزَمُوها أنْفُسَهم. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ الفَرّاءُ وجَماعَةٌ مِن أرْبابِ المَعانِي: ”كانَ“ في قَوْلِهِ ﴿كانَ مِزاجُها كافُورًا﴾ زائِدَةٌ. وأمّا هَهُنا فَـ ”كانَ“ مَحْذُوفَةٌ، والتَّقْدِيرُ: كانُوا يُوفُونَ بِالنَّذْرِ. ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنّا بَيَّنّا أنَّ ”كانَ“ في قَوْلِهِ: ﴿كانَ مِزاجُها﴾ لَيْسَتْ بِزائِدَةٍ، وأمّا في هَذِهِ الآيَةِ فَلا حاجَةَ إلى إضْمارِها، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في الدُّنْيا أنَّ الأبْرارَ يَشْرَبُونَ أيْ سَيَشْرَبُونَ، فَإنَّ لَفْظَ المُضارِعِ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الحالِ والِاسْتِقْبالِ، ثُمَّ قالَ: السَّبَبُ في ذَلِكَ الثَّوابِ الَّذِي سَيَجِدُونَهُ أنَّهُمُ الآنَ ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ .

الإنسان 76:7

النَّوْعُ الثّانِي مِن أعْمالِ الأبْرارِ الَّتِي حَكاها اللَّهُ تَعالى عَنْهم: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَخافُونَ يَوْمًا كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ . صفحة ٢١٥ واعْلَمْ أنَّ تَمامَ الطّاعَةِ لا يَحْصُلُ إلّا إذا كانَتِ النِّيَّةُ مَقْرُونَةً بِالعَمَلِ، فَلَمّا حَكى عَنْهُمُ العَمَلَ، وهو قَوْلُهُ: ﴿يُوفُونَ﴾ حَكى عَنْهُمُ النِّيَّةَ، وهو قَوْلُهُ: ﴿ويَخافُونَ يَوْمًا﴾ وتَحْقِيقُهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: «إنَّما الأعْمالُ بِالنِّيّاتِ»، وبِمَجْمُوعِ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ سَمّاهُمُ اللَّهُ تَعالى بِالأبْرارِ، وفي الآيَةِ سُؤالاتٌ: السُّؤالُ الأوَّلُ: أحْوالُ القِيامَةِ وأهْوالُها كُلُّها فِعْلُ اللَّهِ، وكُلُّ ما كانَ فِعْلًا لِلَّهِ فَهو يَكُونُ حِكْمَةً وصَوابًا، وما كانَ كَذَلِكَ لا يَكُونُ شَرًّا، فَكَيْفَ وصَفَها اللَّهُ تَعالى بِأنَّها شَرٌّ ؟ (الجَوابُ): أنَّها إنَّما سُمِّيَتْ شَرًّا لِكَوْنِها مُضِرَّةً بِمَن تَنْزِلُ عَلَيْهِ وصَعْبَةً عَلَيْهِ، كَما تُسَمّى الأمْراضُ وسائِرُ الأُمُورِ المَكْرُوهَةِ شُرُورًا. السُّؤالُ الثّانِي: ما مَعْنى المُسْتَطِيرِ ؟ (الجَوابُ): فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: الَّذِي يَكُونُ فاشِيًا مُنْتَشِرًا بالِغًا أقْصى المَبالِغِ، وهو مِن قَوْلِهِمْ: اسْتَطارَ الحَرِيقُ، واسْتَطارَ الفَجْرُ، وهو مِن ”طارَ“ بِمَنزِلَةِ اسْتَنْفَرَ مِن نَفَرَ، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: شَرُّ ذَلِكَ اليَوْمِ مُسْتَطِيرٌ مُنْتَشِرٌ، مَعَ أنَّهُ تَعالى قالَ في صِفَةِ أوْلِيائِهِ: ﴿لا يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ الأكْبَرُ﴾ [الأنبياء: ١٠٣] ؟ قُلْنا: الجَوابُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ هَوْلَ القِيامَةِ شَدِيدٌ، ألا تَرى أنَّ السَّماواتِ تَنْشَقُّ وتَنْفَطِرُ وتَصِيرُ كالمُهْلِ، وتَتَناثَرُ الكَواكِبُ، وتَتَكَوَّرُ الشَّمْسُ والقَمَرُ، وتَفْزَعُ المَلائِكَةُ، وتُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ، وتُنْسَفُ الجِبالُ، وتُسْجَرُ البِحارُ، وهَذا الهَوْلُ عامٌّ يَصِلُ إلى كُلِّ المُكَلَّفِينَ عَلى ما قالَ تَعالى: ﴿يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمّا أرْضَعَتْ﴾ [الحج: ٢]، وقالَ: ﴿يَوْمًا يَجْعَلُ الوِلْدانَ شِيبًا﴾ إلّا أنَّهُ تَعالى بِفَضْلِهِ يُؤَمِّنُ أوْلِياءَهُ مِن ذَلِكَ الفَزَعِ. والجَوابُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّ شَرَّ ذَلِكَ اليَوْمِ يَكُونُ مُسْتَطِيرًا في العُصاةِ والفُجّارِ، وأمّا المُؤْمِنُونَ فَهم آمِنُونَ، كَما قالَ: ﴿لا يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ الأكْبَرُ﴾ [الأنبياء: ١٠٣]، ﴿لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ [الزخرف: ٦٨]، ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أذْهَبَ عَنّا الحَزَنَ﴾ [فاطر: ٣٤] إلّا أنَّ أهْلَ العِقابِ في غايَةِ الكَثْرَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى أهْلِ الثَّوابِ، فَأُجْرِيَ الغالِبُ مَجْرى الكُلِّ عَلى سَبِيلِ المَجازِ. القَوْلُ الثّانِي: في تَفْسِيرِ المُسْتَطِيرِ؛ أنَّهُ الَّذِي يَكُونُ سَرِيعَ الوُصُولِ إلى أهْلِهِ، وكَأنَّ هَذا القائِلَ ذَهَبَ إلى أنَّ الطَّيَرانَ إسْراعٌ. السُّؤالُ الثّالِثُ: لِمَ قالَ: ”كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا“، ولَمْ يَقُلْ: وسَيَكُونُ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا ؟ (الجَوابُ): اللَّفْظُ وإنْ كانَ لِلْماضِي، إلّا أنَّهُ بِمَعْنى المُسْتَقْبَلِ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿وكانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا﴾ [الأحزاب: ١٥]، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهُ كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا في عِلْمِ اللَّهِ وفي حِكْمَتِهِ، كَأنَّهُ تَعالى يَعْتَذِرُ ويَقُولُ: إيصالُ هَذا الضَّرَرِ إنَّما كانَ لِأنَّ الحِكْمَةَ تَقْتَضِيهِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ نِظامَ العالَمِ لا يَحْصُلُ إلّا بِالوَعْدِ والوَعِيدِ، وهُما يُوجِبانِ الوَفاءَ بِهِ، لِاسْتِحالَةِ الكَذِبِ في كَلامِي، فَكَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: كانَ ذَلِكَ في الحِكْمَةِ لازِمًا، فَلِهَذا السَّبَبِ فَعَلْتُهُ.

الإنسان 76:8

النَّوْعُ الثّالِثُ مِن أعْمالِ الأبْرارِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِينًا ويَتِيمًا وأسِيرًا﴾ ﴿إنَّما نُطْعِمُكم لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنكم جَزاءً ولا شُكُورًا﴾ ﴿إنّا نَخافُ مِن رَبِّنا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا﴾ اعْلَمْ أنَّ مَجامِعَ الطّاعاتِ مَحْصُورَةٌ في أمْرَيْنِ: التَّعْظِيمُ لِأمْرِ اللَّهِ تَعالى، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ . صفحة ٢١٦ والشَّفَقَةُ عَلى خَلْقِ اللَّهِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿ويُطْعِمُونَ الطَّعامَ﴾ . وهَهُنا مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: لَمْ يَذْكُرْ أحَدٌ مِن أكابِرِ المُعْتَزِلَةِ، كَأبِي بَكْرٍ الأصَمِّ وأبِي عَلِيٍّ الجُبّائِيِّ وأبِي القاسِمِ الكَعْبِيِّ، وأبِي مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيِّ، والقاضِي عَبْدِ الجَبّارِ بْنِ أحْمَدَ في تَفْسِيرِهِمْ أنَّ هَذِهِ الآياتِ نَزَلَتْ في حَقِّ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، والواحِدِيُّ مِن أصْحابِنا ذَكَرَ في كِتابِ ”البَسِيطِ“ أنَّها نَزَلَتْ في حَقِّ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ، وصاحِبُ ”الكَشّافِ“ مِنَ المُعْتَزِلَةِ ذَكَرَ هَذِهِ القِصَّةَ، فَرَوى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: «أنَّ الحَسَنَ والحُسَيْنَ عَلَيْهِما السَّلامُ مَرِضا، فَعادَهُما رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في أُناسٍ مَعَهُ، فَقالُوا: يا أبا الحَسَنِ، لَوْ نَذَرْتَ عَلى ولَدِكَ، فَنَذَرَ عَلِيٌّ وفاطِمَةُ وفِضَّةُ - جارِيَةٌ لَهُما - إنْ شَفاهُما اللَّهُ تَعالى أنْ يَصُومُوا ثَلاثَةَ أيّامٍ، فَشُفِيا وما مَعَهم شَيْءٌ، فاسْتَقْرَضَ عَلِيٌّ مِن شَمْعُونَ الخَيْبَرِيِّ اليَهُودِيِّ ثَلاثَةَ أصْوُعٍ مِن شَعِيرٍ، فَطَحَنَتْ فاطِمَةُ صاعًا واخْتَبَزَتْ خَمْسَةَ أقْراصٍ عَلى عَدَدِهِمْ، ووَضَعُوها بَيْنَ أيْدِيهِمْ لِيُفْطِرُوا، فَوَقَفَ عَلَيْهِمْ سائِلٌ فَقالَ: السَّلامُ عَلَيْكم أهْلَ بَيْتِ مُحَمَّدٍ، مِسْكِينٌ مِن مَساكِينِ المُسْلِمِينَ، أطْعِمُونِي أطْعَمَكُمُ اللَّهُ مِن مَوائِدِ الجَنَّةِ، فَآثَرُوهُ وباتُوا ولَمْ يَذُوقُوا إلّا الماءَ وأصْبَحُوا صائِمِينَ، فَلَمّا أمْسَوْا ووَضَعُوا الطَّعامَ بَيْنَ أيْدِيهِمْ وقَفَ عَلَيْهِمْ يَتِيمٌ فَآثَرُوهُ، وجاءَهم أسِيرٌ في الثّالِثَةِ، فَفَعَلُوا مِثْلَ ذَلِكَ، فَلَمّا أصْبَحُوا أخَذَ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ بِيَدِ الحَسَنِ والحُسَيْنِ ودَخَلُوا عَلى الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَلَمّا أبْصَرَهم وهم يَرْتَعِشُونَ كالفِراخِ مِن شِدَّةِ الجُوعِ، قالَ: ما أشَدَّ ما يَسُوءُنِي ما أرى بِكم. وقامَ فانْطَلَقَ مَعَهم فَرَأى فاطِمَةَ في مِحْرابِها قَدِ التَصَقَ بَطْنُها بِظَهْرِها وغارَتْ عَيْناها، فَساءَهُ ذَلِكَ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ وقالَ: خُذْها يا مُحَمَّدُ هَنّاكَ اللَّهُ في أهْلِ بَيْتِكَ. فَأقْرَأها السُّورَةَ» . والأوَّلُونَ يَقُولُونَ: إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في أوَّلِ السُّورَةِ أنَّهُ إنَّما خَلَقَ الخَلْقَ لِلِابْتِلاءِ والِامْتِحانِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ هَدى الكُلَّ، وأزاحَ عِلَلَهم، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُمُ انْقَسَمُوا إلى شاكِرٍ وإلى كافِرٍ، ثُمَّ ذَكَرَ وعِيدَ الكافِرِ، ثُمَّ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ وعْدِ الشّاكِرِ، فَقالَ: ﴿إنَّ الأبْرارَ يَشْرَبُونَ﴾ [الإنسان: ٥]، وهَذِهِ صِيغَةُ جَمْعٍ، فَتَتَناوَلُ جَمِيعَ الشّاكِرِينَ والأبْرارِ، ومِثْلُ هَذا لا يُمْكِنُ تَخْصِيصُهُ بِالشَّخْصِ الواحِدِ؛ لِأنَّ نَظْمَ السُّورَةِ مِن أوَّلِها إلى هَذا المَوْضِعِ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ هَذا بَيانًا لِحالِ كُلِّ مَن كانَ مِنَ الأبْرارِ والمُطِيعِينَ، فَلَوْ جَعَلْناهُ مُخْتَصًّا بِشَخْصٍ واحِدٍ لَفَسَدَ نَظْمُ السُّورَةِ. والثّانِي: أنَّ المَوْصُوفِينَ بِهَذِهِ الصِّفاتِ مَذْكُورُونَ بِصِيغَةِ الجَمْعِ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الأبْرارَ يَشْرَبُونَ﴾، و﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ ﴿ويَخافُونَ﴾ ﴿ويُطْعِمُونَ﴾ وهَكَذا إلى آخِرِ الآياتِ، فَتَخْصِيصُهُ بِجَمْعٍ مُعَيَّنِينَ خِلافُ الظّاهِرِ، ولا يُنْكَرُ دُخُولُ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ فِيهِ، ولَكِنَّهُ أيْضًا داخِلٌ في جَمِيعِ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى شَرْحِ أحْوالِ المُطِيعِينَ، فَكَما أنَّهُ داخِلٌ فِيها فَكَذا غَيْرُهُ مِن أتْقِياءِ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ داخِلٌ فِيها، فَحِينَئِذٍ لا يَبْقى لِلتَّخْصِيصِ مَعْنًى ألْبَتَّةَ، اللَّهُمَّ إلّا أنْ يُقالَ: السُّورَةُ نَزَلَتْ عِنْدَ صُدُورِ طاعَةٍ مَخْصُوصَةٍ عَنْهُ، ولَكِنَّهُ قَدْ ثَبَتَ في أُصُولِ الفِقْهِ أنَّ العِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الَّذِينَ يَقُولُونَ: هَذِهِ الآيَةُ مُخْتَصَّةٌ بِعَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ قالُوا: المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ويُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِينًا ويَتِيمًا وأسِيرًا﴾ هو ما رُوِّيناهُ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أطْعَمَ المِسْكِينَ واليَتِيمَ والأسِيرَ، وأمّا الَّذِينَ يَقُولُونَ: الآيَةُ عامَّةٌ في حَقِّ جَمِيعِ الأبْرارِ [ فَإنَّهم ] قالُوا: إطْعامُ الطَّعامِ كِنايَةٌ عَنِ الإحْسانِ إلى المُحْتاجِينَ والمُواساةِ مَعَهم بِأيِّ وجْهٍ كانَ، وإنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بِالطَّعامِ بِعَيْنِهِ، ووَجْهُ ذَلِكَ أنَّ أشْرَفَ أنْواعِ الإحْسانِ هو الإحْسانُ بِالطَّعامِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ قِوامَ الأبْدانِ بِالطَّعامِ، ولا حَياةَ إلّا بِهِ، وقَدْ يُتَوَهَّمُ إمْكانُ الحَياةِ مَعَ فَقْدِ ما سِواهُ، فَلَمّا كانَ الإحْسانُ لا جَرَمَ عَبَّرَ بِهِ عَنْ جَمِيعِ وُجُوهِ المَنافِعِ، والَّذِي يُقَوِّي ذَلِكَ أنَّهُ يُعَبَّرُ بِالأكْلِ عَنْ صفحة ٢١٧ جَمِيعِ وُجُوهِ المَنافِعِ، فَيُقالُ: أكَلَ فُلانٌ مالَهُ إذا أتْلَفَهُ في سائِرِ وُجُوهِ الإتْلافِ، وقالَ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أمْوالَ اليَتامى ظُلْمًا إنَّما يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ نارًا﴾ [النساء: ١٠]، وقالَ: ﴿ولا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨] إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى وصَفَ هَؤُلاءِ الأبْرارَ بِأنَّهم يُواسُونَ بِأمْوالِهِمْ أهْلَ الضَّعْفِ والحاجَةِ، وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلى حُبِّهِ﴾ فَفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لِلطَّعامِ، أيْ مَعَ اشْتِهائِهِ والحاجَةِ إلَيْهِ، ونَظِيرُهُ ﴿وآتى المالَ عَلى حُبِّهِ﴾ [البقرة: ١٧٧]، ﴿لَنْ تَنالُوا البِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] . والثّانِي: قالَ الفُضَيْلُ بْنُ عِياضٍ: عَلى حُبِّ اللَّهِ أيْ لِحُبِّهِمْ لِلَّهِ؛ واللّامُ قَدْ تُقامُ مَقامَ ”عَلى“، وكَذَلِكَ تُقامُ عَلى مَقامِ اللّامِ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أصْنافَ مَن تَجِبُ مُواساتُهم، وهم ثَلاثَةٌ: أحَدُهُمُ: المِسْكِينُ، وهو العاجِزُ عَنِ الِاكْتِسابِ بِنَفْسِهِ. والثّانِي: اليَتِيمُ، وهو الَّذِي ماتَ كاسِبُهُ، فَيَبْقى عاجِزًا عَنِ الكَسْبِ لِصِغَرِهِ، مَعَ أنَّهُ ماتَ كاسِبُهُ. والثّالِثُ: الأسِيرُ، وهو المَأْخُوذُ مِن قَوْمِهِ، المَمْلُوكَـ[ ـةُ ] رَقَبَتُهُ، الَّذِي لا يَمْلِكُ لِنَفْسِهِ نَصْرًا ولا حِيلَةً، وهَؤُلاءِ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى هَهُنا هُمُ الَّذِينَ ذَكَرَهم في قَوْلِهِ: ﴿فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما العَقَبَةُ﴾ ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ ﴿أوْ إطْعامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ ﴿يَتِيمًا ذا مَقْرَبَةٍ﴾ ﴿أوْ مِسْكِينًا ذا مَتْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٦] وقَدْ ذَكَرْنا اخْتِلافَ النّاسِ في المِسْكِينِ قَبْلَ هَذا، أمّا الأسِيرُ فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِيهِ عَلى أقْوالٍ: أحَدُها: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وقَتادَةُ: إنَّهُ الأسِيرُ مِنَ المُشْرِكِينَ، رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ يَبْعَثُ الأسارى مِنَ المُشْرِكِينَ لِيُحْفَظُوا ولِيُقامَ بِحَقِّهِمْ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ يَجِبُ إطْعامُهم إلى أنْ يَرى الإمامُ رَأْيَهُ فِيهِمْ مِن قَتْلٍ أوْ مِن أوْ فِداءٍ أوِ اسْتِرْقاقٍ، ولا يَمْتَنِعُ أيْضًا أنْ يَكُونَ المُرادُ هو الأسِيرَ؛ كافِرًا كانَ أوْ مُسْلِمًا؛ لِأنَّهُ إذا كانَ مَعَ الكُفْرِ يَجِبُ إطْعامُهُ، فَمَعَ الإسْلامِ أوْلى، فَإنْ قِيلَ: لَمّا وجَبَ قَتْلُهُ، فَكَيْفَ يَجِبُ إطْعامُهُ ؟ قُلْنا: القَتْلُ في حالٍ لا يَمْنَعُ مِنَ الإطْعامِ في حالٍ أُخْرى، ولا يَجِبُ إذا عُوقِبَ بِوَجْهٍ أنْ يُعاقَبَ بِوَجْهٍ آخَرَ، ولِذَلِكَ لا يَحْسُنُ فِيمَن يَلْزَمُهُ القِصاصُ أنْ يُفْعَلَ بِهِ ما هو دُونَ القَتْلِ. ثُمَّ هَذا الإطْعامُ عَلى مَن يَجِبُ ؟ فَنَقُولُ: الإمامُ يُطْعِمُهُ، فَإنْ لَمْ يَفْعَلْهُ الإمامُ وجَبَ عَلى المُسْلِمِينَ. وثانِيها: قالَ السُّدِّيُّ: الأسِيرُ هو المَمْلُوكُ. وثالِثُها: الأسِيرُ هو الغَرِيمُ، قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «غَرِيمُكَ أسِيرُكَ، فَأحْسِنْ إلى أسِيرِكَ» . ورابِعُها: الأسِيرُ هو المَسْجُونُ مِن أهْلِ القِبْلَةِ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ وعَطاءٍ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، ورُوِيَ ذَلِكَ مَرْفُوعًا مِن طَرِيقِ الخِدْرِيِّ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: «﴿مِسْكِينًا﴾ فَقِيرًا، ﴿ويَتِيمًا﴾ لا أبَ لَهُ، ﴿وأسِيرًا﴾ قالَ: المَمْلُوكُ المَسْجُونُ» . وخامِسُها: الأسِيرُ هو الزَّوْجَةُ؛ لِأنَّهُنَّ أُسَراءُ عِنْدَ الأزْواجِ، قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «اتَّقُوا اللَّهَ في النِّساءِ؛ فَإنَّهُنَّ عِنْدَكم عَوانٌ» قالَ القَفّالُ: واللَّفْظُ يَحْتَمِلُ كُلَّ ذَلِكَ؛ لِأنَّ الأصْلَ في الأسْرِ هو الشَّدُّ بِالقَيْدِ، وكانَ الأسِيرُ يُفْعَلُ بِهِ ذَلِكَ حَبْسًا لَهُ، ثُمَّ سُمِّيَ بِالأسِيرِ مَن شُدَّ ومَن لَمْ يُشَدَّ، فَعادَ المَعْنى إلى الحَبْسِ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أنَّ الأبْرارَ يُحْسِنُونَ إلى هَؤُلاءِ المُحْتاجِينَ بَيَّنَ أنَّ لَهم فِيهِ غَرَضَيْنِ: أحَدُهُما: تَحْصِيلُ رِضا اللَّهِ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنَّما نُطْعِمُكم لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ . والثّانِي: الِاحْتِرازُ مِن خَوْفِ يَوْمِ القِيامَةِ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنّا نَخافُ مِن رَبِّنا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا﴾، وهَهُنا مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿إنَّما نُطْعِمُكم لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿قَمْطَرِيرًا﴾ يَحْتَمِلُ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنْ يَكُونَ هَؤُلاءِ الأبْرارُ قَدْ قالُوا: هَذِهِ الأشْياءُ بِاللِّسانِ، إمّا لِأجْلِ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ القَوْلُ مَنعًا لِأُولَئِكَ المُحْتاجِينَ عَنِ المُجازاةِ بِمِثْلِهِ أوْ بِالشُّكْرِ؛ لِأنَّ إحْسانَهم مَفْعُولٌ لِأجْلِ اللَّهِ تَعالى، فَلا مَعْنى لِمُكافَأةِ الخَلْقِ، وإمّا أنْ يَكُونَ صفحة ٢١٨ لِأجْلِ أنْ يَصِيرَ ذَلِكَ القَوْلُ تَفْقِيهًا وتَنْبِيهًا عَلى ما يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ عَلَيْهِ مَن أخْلَصَ لِلَّهِ حَتّى يَقْتَدِيَ غَيْرُهم بِهِمْ في تِلْكَ الطَّرِيقَةِ. وثانِيها: أنْ يَكُونُوا أرادُوا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ. وثالِثُها: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ بَيانًا وكَشْفًا عَنِ اعْتِقادِهِمْ وصِحَّةِ نِيَّتِهِمْ، وإنْ لَمْ يَقُولُوا شَيْئًا. وعَنْ مُجاهِدٍ: أنَّهم ما تَكَلَّمُوا بِهِ ولَكِنْ عَلِمَهُ اللَّهُ تَعالى مِنهم، فَأثْنى عَلَيْهِمْ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ الإحْسانَ مِنَ الغَيْرِ تارَةً يَكُونُ لِأجْلِ اللَّهِ تَعالى، وتارَةً يَكُونُ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى؛ إمّا طَلَبًا لِمُكافَأةٍ أوْ طَلَبًا لِحَمْدٍ وثَناءٍ، وتارَةً يَكُونُ لَهُما، وهَذا هو الشِّرْكُ، والأوَّلُ هو المَقْبُولُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، وأمّا القِسْمانِ الباقِيانِ فَمَرْدُودانِ، قالَ تَعالى: ﴿لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكم بِالمَنِّ والأذى كالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النّاسِ﴾ [البقرة: ٢٦٤] وقالَ: ﴿وما آتَيْتُمْ مِن رِبًا لِيَرْبُوَ في أمْوالِ النّاسِ فَلا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وما آتَيْتُمْ مِن زَكاةٍ تُرِيدُونَ وجْهَ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٩] ولا شَكَّ أنَّ التِماسَ الشُّكْرِ مِن جِنْسِ المَنِّ والأذى. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: القَوْمُ لَمّا قالُوا: ﴿إنَّما نُطْعِمُكم لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ بَقِيَ فِيهِ احْتِمالُ أنَّهُ أطْعَمَهُ لِوَجْهِ اللَّهِ ولِسائِرِ الأغْراضِ عَلى سَبِيلِ التَّشْرِيكِ، فَلا جَرَمَ نَفى هَذا الِاحْتِمالَ بِقَوْلِهِ: ﴿لا نُرِيدُ مِنكم جَزاءً ولا شُكُورًا﴾ . المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الشُّكُورُ والكُفُورُ مَصْدَرانِ كالشُّكْرِ والكُفْرِ، وهو عَلى وزْنِ الدُّخُولِ والخُرُوجِ، هَذا قَوْلُ جَماعَةِ أهْلِ اللُّغَةِ، وقالَ الأخْفَشُ: إنْ شِئْتَ جَعَلْتَ الشُّكُورَ جَماعَةَ الشُّكْرِ وجَعَلْتَ الكُفُورَ جَماعَةَ الكُفْرِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿فَأبى الظّالِمُونَ إلّا كُفُورًا﴾ [الإسراء: ٩٩] مِثْلَ بُرْدٍ وبُرُودٍ، وإنْ شِئْتَ مَصْدَرًا واحِدًا في مَعْنى جَمْعٍ، مِثْلُ قَعَدَ قُعُودًا، وخَرَجَ خُرُوجًا. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿إنّا نَخافُ مِن رَبِّنا﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ إحْسانَنا إلَيْكم لِلْخَوْفِ مِن شِدَّةِ ذَلِكَ اليَوْمِ لا لِإرادَةِ مُكافَأتِكم. والثّانِي: أنّا لا نُرِيدُ مِنكُمُ المُكافَأةَ لِخَوْفِ عِقابِ اللَّهِ عَلى طَلَبِ المُكافَأةِ بِالصَّدَقَةِ، فَإنْ قِيلَ: إنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهُمُ الإيفاءَ بِالنَّذْرِ، وعَلَّلَ ذَلِكَ بِخَوْفِ القِيامَةِ فَقَطْ، ولَمّا حَكى عَنْهُمُ الإطْعامَ عَلَّلَ ذَلِكَ بِأمْرَيْنِ: بِطَلَبِ رِضاءِ اللَّهِ، وبِالخَوْفِ عَنِ القِيامَةِ، فَما السَّبَبُ فِيهِ ؟ قُلْنا: الإيفاءُ بِالنَّذْرِ دَخَلَ في حَقِيقَةِ طَلَبِ رِضاءِ اللَّهِ تَعالى؛ وذَلِكَ لِأنَّ النَّذْرَ هو الَّذِي أوْجَبَهُ الإنْسانُ عَلى نَفْسِهِ لِأجْلِ اللَّهِ، فَلَمّا كانَ كَذَلِكَ لا جَرَمَ ضَمَّ إلَيْهِ خَوْفَ القِيامَةِ فَقَطْ، أمّا الإطْعامُ فَإنَّهُ لا يَدْخُلُ في حَقِيقَةِ طَلَبِ رِضا اللَّهِ، فَلا جَرَمَ ضَمَّ إلَيْهِ طَلَبَ رِضا اللَّهِ وطَلَبَ الحَذَرِ مِن خَوْفِ القِيامَةِ. المَسْألَةُ الخامِسَةُ: وصَفَ اليَوْمَ بِالعُبُوسِ مَجازًا عَلى طَرِيقَتَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يُوصَفَ بِصِفَةِ أهْلِهِ مِنَ الأشْقِياءِ، كَقَوْلِهِمْ: نَهارُكَ صائِمٌ، رُوِيَ أنَّ الكافِرَ يُحْبَسُ حَتّى يَسِيلَ مِن بَيْنِ عَيْنَيْهِ عَرَقٌ مِثْلُ القَطِرانِ. والثّانِي: أنْ يُشَبَّهَ في شِدَّتِهِ وضَراوَتِهِ بِالأسَدِ العَبُوسِ أوْ بِالشُّجاعِ الباسِلِ. المَسْألَةُ السّادِسَةُ: قالَ الزَّجّاجَ: جاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّ قَمْطَرِيرًا مَعْناهُ تَعْبِيسُ الوَجْهِ، فَيَجْتَمِعُ ما بَيْنَ العَيْنَيْنِ، قالَ: وهَذا سائِغٌ في اللُّغَةِ، يُقالُ: اقْمَطَرَّتِ النّاقَةُ إذا رَفَعَتْ ذَنَبَها وجَمَعَتْ قُطْرَيْها ورَمَتْ بِأنْفِها، يَعْنِي أنَّ مَعْنى اقْمَطَرَّ في اللُّغَةِ جَمَعَ، وقالَ الكَلْبِيُّ: قَمْطَرِيرًا يَعْنِي شَدِيدًا، وهو قَوْلُ الفَرّاءِ وأبِي عُبَيْدَةَ والمُبَرِّدِ وابْنِ قُتَيْبَةَ، قالُوا: يَوْمٌ قَمْطَرِيرٌ وقُماطِرٌ؛ إذا كانَ صَعْبًا شَدِيدًا أشَدَّ ما يَكُونُ مِنَ الأيّامِ وأطْوَلَهُ في البَلاءِ، قالَ الواحِدِيُّ: هَذا مَعْنًى، والتَّفْسِيرُ هو الأوَّلُ.

الإنسان 76:9

النَّوْعُ الثّالِثُ مِن أعْمالِ الأبْرارِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِينًا ويَتِيمًا وأسِيرًا﴾ ﴿إنَّما نُطْعِمُكم لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنكم جَزاءً ولا شُكُورًا﴾ ﴿إنّا نَخافُ مِن رَبِّنا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا﴾ اعْلَمْ أنَّ مَجامِعَ الطّاعاتِ مَحْصُورَةٌ في أمْرَيْنِ: التَّعْظِيمُ لِأمْرِ اللَّهِ تَعالى، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ . صفحة ٢١٦ والشَّفَقَةُ عَلى خَلْقِ اللَّهِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿ويُطْعِمُونَ الطَّعامَ﴾ . وهَهُنا مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: لَمْ يَذْكُرْ أحَدٌ مِن أكابِرِ المُعْتَزِلَةِ، كَأبِي بَكْرٍ الأصَمِّ وأبِي عَلِيٍّ الجُبّائِيِّ وأبِي القاسِمِ الكَعْبِيِّ، وأبِي مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيِّ، والقاضِي عَبْدِ الجَبّارِ بْنِ أحْمَدَ في تَفْسِيرِهِمْ أنَّ هَذِهِ الآياتِ نَزَلَتْ في حَقِّ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، والواحِدِيُّ مِن أصْحابِنا ذَكَرَ في كِتابِ ”البَسِيطِ“ أنَّها نَزَلَتْ في حَقِّ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ، وصاحِبُ ”الكَشّافِ“ مِنَ المُعْتَزِلَةِ ذَكَرَ هَذِهِ القِصَّةَ، فَرَوى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: «أنَّ الحَسَنَ والحُسَيْنَ عَلَيْهِما السَّلامُ مَرِضا، فَعادَهُما رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في أُناسٍ مَعَهُ، فَقالُوا: يا أبا الحَسَنِ، لَوْ نَذَرْتَ عَلى ولَدِكَ، فَنَذَرَ عَلِيٌّ وفاطِمَةُ وفِضَّةُ - جارِيَةٌ لَهُما - إنْ شَفاهُما اللَّهُ تَعالى أنْ يَصُومُوا ثَلاثَةَ أيّامٍ، فَشُفِيا وما مَعَهم شَيْءٌ، فاسْتَقْرَضَ عَلِيٌّ مِن شَمْعُونَ الخَيْبَرِيِّ اليَهُودِيِّ ثَلاثَةَ أصْوُعٍ مِن شَعِيرٍ، فَطَحَنَتْ فاطِمَةُ صاعًا واخْتَبَزَتْ خَمْسَةَ أقْراصٍ عَلى عَدَدِهِمْ، ووَضَعُوها بَيْنَ أيْدِيهِمْ لِيُفْطِرُوا، فَوَقَفَ عَلَيْهِمْ سائِلٌ فَقالَ: السَّلامُ عَلَيْكم أهْلَ بَيْتِ مُحَمَّدٍ، مِسْكِينٌ مِن مَساكِينِ المُسْلِمِينَ، أطْعِمُونِي أطْعَمَكُمُ اللَّهُ مِن مَوائِدِ الجَنَّةِ، فَآثَرُوهُ وباتُوا ولَمْ يَذُوقُوا إلّا الماءَ وأصْبَحُوا صائِمِينَ، فَلَمّا أمْسَوْا ووَضَعُوا الطَّعامَ بَيْنَ أيْدِيهِمْ وقَفَ عَلَيْهِمْ يَتِيمٌ فَآثَرُوهُ، وجاءَهم أسِيرٌ في الثّالِثَةِ، فَفَعَلُوا مِثْلَ ذَلِكَ، فَلَمّا أصْبَحُوا أخَذَ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ بِيَدِ الحَسَنِ والحُسَيْنِ ودَخَلُوا عَلى الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَلَمّا أبْصَرَهم وهم يَرْتَعِشُونَ كالفِراخِ مِن شِدَّةِ الجُوعِ، قالَ: ما أشَدَّ ما يَسُوءُنِي ما أرى بِكم. وقامَ فانْطَلَقَ مَعَهم فَرَأى فاطِمَةَ في مِحْرابِها قَدِ التَصَقَ بَطْنُها بِظَهْرِها وغارَتْ عَيْناها، فَساءَهُ ذَلِكَ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ وقالَ: خُذْها يا مُحَمَّدُ هَنّاكَ اللَّهُ في أهْلِ بَيْتِكَ. فَأقْرَأها السُّورَةَ» . والأوَّلُونَ يَقُولُونَ: إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في أوَّلِ السُّورَةِ أنَّهُ إنَّما خَلَقَ الخَلْقَ لِلِابْتِلاءِ والِامْتِحانِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ هَدى الكُلَّ، وأزاحَ عِلَلَهم، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُمُ انْقَسَمُوا إلى شاكِرٍ وإلى كافِرٍ، ثُمَّ ذَكَرَ وعِيدَ الكافِرِ، ثُمَّ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ وعْدِ الشّاكِرِ، فَقالَ: ﴿إنَّ الأبْرارَ يَشْرَبُونَ﴾ [الإنسان: ٥]، وهَذِهِ صِيغَةُ جَمْعٍ، فَتَتَناوَلُ جَمِيعَ الشّاكِرِينَ والأبْرارِ، ومِثْلُ هَذا لا يُمْكِنُ تَخْصِيصُهُ بِالشَّخْصِ الواحِدِ؛ لِأنَّ نَظْمَ السُّورَةِ مِن أوَّلِها إلى هَذا المَوْضِعِ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ هَذا بَيانًا لِحالِ كُلِّ مَن كانَ مِنَ الأبْرارِ والمُطِيعِينَ، فَلَوْ جَعَلْناهُ مُخْتَصًّا بِشَخْصٍ واحِدٍ لَفَسَدَ نَظْمُ السُّورَةِ. والثّانِي: أنَّ المَوْصُوفِينَ بِهَذِهِ الصِّفاتِ مَذْكُورُونَ بِصِيغَةِ الجَمْعِ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الأبْرارَ يَشْرَبُونَ﴾، و﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ ﴿ويَخافُونَ﴾ ﴿ويُطْعِمُونَ﴾ وهَكَذا إلى آخِرِ الآياتِ، فَتَخْصِيصُهُ بِجَمْعٍ مُعَيَّنِينَ خِلافُ الظّاهِرِ، ولا يُنْكَرُ دُخُولُ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ فِيهِ، ولَكِنَّهُ أيْضًا داخِلٌ في جَمِيعِ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى شَرْحِ أحْوالِ المُطِيعِينَ، فَكَما أنَّهُ داخِلٌ فِيها فَكَذا غَيْرُهُ مِن أتْقِياءِ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ داخِلٌ فِيها، فَحِينَئِذٍ لا يَبْقى لِلتَّخْصِيصِ مَعْنًى ألْبَتَّةَ، اللَّهُمَّ إلّا أنْ يُقالَ: السُّورَةُ نَزَلَتْ عِنْدَ صُدُورِ طاعَةٍ مَخْصُوصَةٍ عَنْهُ، ولَكِنَّهُ قَدْ ثَبَتَ في أُصُولِ الفِقْهِ أنَّ العِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الَّذِينَ يَقُولُونَ: هَذِهِ الآيَةُ مُخْتَصَّةٌ بِعَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ قالُوا: المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ويُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِينًا ويَتِيمًا وأسِيرًا﴾ هو ما رُوِّيناهُ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أطْعَمَ المِسْكِينَ واليَتِيمَ والأسِيرَ، وأمّا الَّذِينَ يَقُولُونَ: الآيَةُ عامَّةٌ في حَقِّ جَمِيعِ الأبْرارِ [ فَإنَّهم ] قالُوا: إطْعامُ الطَّعامِ كِنايَةٌ عَنِ الإحْسانِ إلى المُحْتاجِينَ والمُواساةِ مَعَهم بِأيِّ وجْهٍ كانَ، وإنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بِالطَّعامِ بِعَيْنِهِ، ووَجْهُ ذَلِكَ أنَّ أشْرَفَ أنْواعِ الإحْسانِ هو الإحْسانُ بِالطَّعامِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ قِوامَ الأبْدانِ بِالطَّعامِ، ولا حَياةَ إلّا بِهِ، وقَدْ يُتَوَهَّمُ إمْكانُ الحَياةِ مَعَ فَقْدِ ما سِواهُ، فَلَمّا كانَ الإحْسانُ لا جَرَمَ عَبَّرَ بِهِ عَنْ جَمِيعِ وُجُوهِ المَنافِعِ، والَّذِي يُقَوِّي ذَلِكَ أنَّهُ يُعَبَّرُ بِالأكْلِ عَنْ صفحة ٢١٧ جَمِيعِ وُجُوهِ المَنافِعِ، فَيُقالُ: أكَلَ فُلانٌ مالَهُ إذا أتْلَفَهُ في سائِرِ وُجُوهِ الإتْلافِ، وقالَ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أمْوالَ اليَتامى ظُلْمًا إنَّما يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ نارًا﴾ [النساء: ١٠]، وقالَ: ﴿ولا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨] إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى وصَفَ هَؤُلاءِ الأبْرارَ بِأنَّهم يُواسُونَ بِأمْوالِهِمْ أهْلَ الضَّعْفِ والحاجَةِ، وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلى حُبِّهِ﴾ فَفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لِلطَّعامِ، أيْ مَعَ اشْتِهائِهِ والحاجَةِ إلَيْهِ، ونَظِيرُهُ ﴿وآتى المالَ عَلى حُبِّهِ﴾ [البقرة: ١٧٧]، ﴿لَنْ تَنالُوا البِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] . والثّانِي: قالَ الفُضَيْلُ بْنُ عِياضٍ: عَلى حُبِّ اللَّهِ أيْ لِحُبِّهِمْ لِلَّهِ؛ واللّامُ قَدْ تُقامُ مَقامَ ”عَلى“، وكَذَلِكَ تُقامُ عَلى مَقامِ اللّامِ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أصْنافَ مَن تَجِبُ مُواساتُهم، وهم ثَلاثَةٌ: أحَدُهُمُ: المِسْكِينُ، وهو العاجِزُ عَنِ الِاكْتِسابِ بِنَفْسِهِ. والثّانِي: اليَتِيمُ، وهو الَّذِي ماتَ كاسِبُهُ، فَيَبْقى عاجِزًا عَنِ الكَسْبِ لِصِغَرِهِ، مَعَ أنَّهُ ماتَ كاسِبُهُ. والثّالِثُ: الأسِيرُ، وهو المَأْخُوذُ مِن قَوْمِهِ، المَمْلُوكَـ[ ـةُ ] رَقَبَتُهُ، الَّذِي لا يَمْلِكُ لِنَفْسِهِ نَصْرًا ولا حِيلَةً، وهَؤُلاءِ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى هَهُنا هُمُ الَّذِينَ ذَكَرَهم في قَوْلِهِ: ﴿فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما العَقَبَةُ﴾ ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ ﴿أوْ إطْعامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ ﴿يَتِيمًا ذا مَقْرَبَةٍ﴾ ﴿أوْ مِسْكِينًا ذا مَتْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٦] وقَدْ ذَكَرْنا اخْتِلافَ النّاسِ في المِسْكِينِ قَبْلَ هَذا، أمّا الأسِيرُ فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِيهِ عَلى أقْوالٍ: أحَدُها: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وقَتادَةُ: إنَّهُ الأسِيرُ مِنَ المُشْرِكِينَ، رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ يَبْعَثُ الأسارى مِنَ المُشْرِكِينَ لِيُحْفَظُوا ولِيُقامَ بِحَقِّهِمْ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ يَجِبُ إطْعامُهم إلى أنْ يَرى الإمامُ رَأْيَهُ فِيهِمْ مِن قَتْلٍ أوْ مِن أوْ فِداءٍ أوِ اسْتِرْقاقٍ، ولا يَمْتَنِعُ أيْضًا أنْ يَكُونَ المُرادُ هو الأسِيرَ؛ كافِرًا كانَ أوْ مُسْلِمًا؛ لِأنَّهُ إذا كانَ مَعَ الكُفْرِ يَجِبُ إطْعامُهُ، فَمَعَ الإسْلامِ أوْلى، فَإنْ قِيلَ: لَمّا وجَبَ قَتْلُهُ، فَكَيْفَ يَجِبُ إطْعامُهُ ؟ قُلْنا: القَتْلُ في حالٍ لا يَمْنَعُ مِنَ الإطْعامِ في حالٍ أُخْرى، ولا يَجِبُ إذا عُوقِبَ بِوَجْهٍ أنْ يُعاقَبَ بِوَجْهٍ آخَرَ، ولِذَلِكَ لا يَحْسُنُ فِيمَن يَلْزَمُهُ القِصاصُ أنْ يُفْعَلَ بِهِ ما هو دُونَ القَتْلِ. ثُمَّ هَذا الإطْعامُ عَلى مَن يَجِبُ ؟ فَنَقُولُ: الإمامُ يُطْعِمُهُ، فَإنْ لَمْ يَفْعَلْهُ الإمامُ وجَبَ عَلى المُسْلِمِينَ. وثانِيها: قالَ السُّدِّيُّ: الأسِيرُ هو المَمْلُوكُ. وثالِثُها: الأسِيرُ هو الغَرِيمُ، قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «غَرِيمُكَ أسِيرُكَ، فَأحْسِنْ إلى أسِيرِكَ» . ورابِعُها: الأسِيرُ هو المَسْجُونُ مِن أهْلِ القِبْلَةِ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ وعَطاءٍ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، ورُوِيَ ذَلِكَ مَرْفُوعًا مِن طَرِيقِ الخِدْرِيِّ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: «﴿مِسْكِينًا﴾ فَقِيرًا، ﴿ويَتِيمًا﴾ لا أبَ لَهُ، ﴿وأسِيرًا﴾ قالَ: المَمْلُوكُ المَسْجُونُ» . وخامِسُها: الأسِيرُ هو الزَّوْجَةُ؛ لِأنَّهُنَّ أُسَراءُ عِنْدَ الأزْواجِ، قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «اتَّقُوا اللَّهَ في النِّساءِ؛ فَإنَّهُنَّ عِنْدَكم عَوانٌ» قالَ القَفّالُ: واللَّفْظُ يَحْتَمِلُ كُلَّ ذَلِكَ؛ لِأنَّ الأصْلَ في الأسْرِ هو الشَّدُّ بِالقَيْدِ، وكانَ الأسِيرُ يُفْعَلُ بِهِ ذَلِكَ حَبْسًا لَهُ، ثُمَّ سُمِّيَ بِالأسِيرِ مَن شُدَّ ومَن لَمْ يُشَدَّ، فَعادَ المَعْنى إلى الحَبْسِ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أنَّ الأبْرارَ يُحْسِنُونَ إلى هَؤُلاءِ المُحْتاجِينَ بَيَّنَ أنَّ لَهم فِيهِ غَرَضَيْنِ: أحَدُهُما: تَحْصِيلُ رِضا اللَّهِ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنَّما نُطْعِمُكم لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ . والثّانِي: الِاحْتِرازُ مِن خَوْفِ يَوْمِ القِيامَةِ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنّا نَخافُ مِن رَبِّنا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا﴾، وهَهُنا مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿إنَّما نُطْعِمُكم لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿قَمْطَرِيرًا﴾ يَحْتَمِلُ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنْ يَكُونَ هَؤُلاءِ الأبْرارُ قَدْ قالُوا: هَذِهِ الأشْياءُ بِاللِّسانِ، إمّا لِأجْلِ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ القَوْلُ مَنعًا لِأُولَئِكَ المُحْتاجِينَ عَنِ المُجازاةِ بِمِثْلِهِ أوْ بِالشُّكْرِ؛ لِأنَّ إحْسانَهم مَفْعُولٌ لِأجْلِ اللَّهِ تَعالى، فَلا مَعْنى لِمُكافَأةِ الخَلْقِ، وإمّا أنْ يَكُونَ صفحة ٢١٨ لِأجْلِ أنْ يَصِيرَ ذَلِكَ القَوْلُ تَفْقِيهًا وتَنْبِيهًا عَلى ما يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ عَلَيْهِ مَن أخْلَصَ لِلَّهِ حَتّى يَقْتَدِيَ غَيْرُهم بِهِمْ في تِلْكَ الطَّرِيقَةِ. وثانِيها: أنْ يَكُونُوا أرادُوا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ. وثالِثُها: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ بَيانًا وكَشْفًا عَنِ اعْتِقادِهِمْ وصِحَّةِ نِيَّتِهِمْ، وإنْ لَمْ يَقُولُوا شَيْئًا. وعَنْ مُجاهِدٍ: أنَّهم ما تَكَلَّمُوا بِهِ ولَكِنْ عَلِمَهُ اللَّهُ تَعالى مِنهم، فَأثْنى عَلَيْهِمْ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ الإحْسانَ مِنَ الغَيْرِ تارَةً يَكُونُ لِأجْلِ اللَّهِ تَعالى، وتارَةً يَكُونُ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى؛ إمّا طَلَبًا لِمُكافَأةٍ أوْ طَلَبًا لِحَمْدٍ وثَناءٍ، وتارَةً يَكُونُ لَهُما، وهَذا هو الشِّرْكُ، والأوَّلُ هو المَقْبُولُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، وأمّا القِسْمانِ الباقِيانِ فَمَرْدُودانِ، قالَ تَعالى: ﴿لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكم بِالمَنِّ والأذى كالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النّاسِ﴾ [البقرة: ٢٦٤] وقالَ: ﴿وما آتَيْتُمْ مِن رِبًا لِيَرْبُوَ في أمْوالِ النّاسِ فَلا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وما آتَيْتُمْ مِن زَكاةٍ تُرِيدُونَ وجْهَ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٩] ولا شَكَّ أنَّ التِماسَ الشُّكْرِ مِن جِنْسِ المَنِّ والأذى. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: القَوْمُ لَمّا قالُوا: ﴿إنَّما نُطْعِمُكم لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ بَقِيَ فِيهِ احْتِمالُ أنَّهُ أطْعَمَهُ لِوَجْهِ اللَّهِ ولِسائِرِ الأغْراضِ عَلى سَبِيلِ التَّشْرِيكِ، فَلا جَرَمَ نَفى هَذا الِاحْتِمالَ بِقَوْلِهِ: ﴿لا نُرِيدُ مِنكم جَزاءً ولا شُكُورًا﴾ . المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الشُّكُورُ والكُفُورُ مَصْدَرانِ كالشُّكْرِ والكُفْرِ، وهو عَلى وزْنِ الدُّخُولِ والخُرُوجِ، هَذا قَوْلُ جَماعَةِ أهْلِ اللُّغَةِ، وقالَ الأخْفَشُ: إنْ شِئْتَ جَعَلْتَ الشُّكُورَ جَماعَةَ الشُّكْرِ وجَعَلْتَ الكُفُورَ جَماعَةَ الكُفْرِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿فَأبى الظّالِمُونَ إلّا كُفُورًا﴾ [الإسراء: ٩٩] مِثْلَ بُرْدٍ وبُرُودٍ، وإنْ شِئْتَ مَصْدَرًا واحِدًا في مَعْنى جَمْعٍ، مِثْلُ قَعَدَ قُعُودًا، وخَرَجَ خُرُوجًا. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿إنّا نَخافُ مِن رَبِّنا﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ إحْسانَنا إلَيْكم لِلْخَوْفِ مِن شِدَّةِ ذَلِكَ اليَوْمِ لا لِإرادَةِ مُكافَأتِكم. والثّانِي: أنّا لا نُرِيدُ مِنكُمُ المُكافَأةَ لِخَوْفِ عِقابِ اللَّهِ عَلى طَلَبِ المُكافَأةِ بِالصَّدَقَةِ، فَإنْ قِيلَ: إنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهُمُ الإيفاءَ بِالنَّذْرِ، وعَلَّلَ ذَلِكَ بِخَوْفِ القِيامَةِ فَقَطْ، ولَمّا حَكى عَنْهُمُ الإطْعامَ عَلَّلَ ذَلِكَ بِأمْرَيْنِ: بِطَلَبِ رِضاءِ اللَّهِ، وبِالخَوْفِ عَنِ القِيامَةِ، فَما السَّبَبُ فِيهِ ؟ قُلْنا: الإيفاءُ بِالنَّذْرِ دَخَلَ في حَقِيقَةِ طَلَبِ رِضاءِ اللَّهِ تَعالى؛ وذَلِكَ لِأنَّ النَّذْرَ هو الَّذِي أوْجَبَهُ الإنْسانُ عَلى نَفْسِهِ لِأجْلِ اللَّهِ، فَلَمّا كانَ كَذَلِكَ لا جَرَمَ ضَمَّ إلَيْهِ خَوْفَ القِيامَةِ فَقَطْ، أمّا الإطْعامُ فَإنَّهُ لا يَدْخُلُ في حَقِيقَةِ طَلَبِ رِضا اللَّهِ، فَلا جَرَمَ ضَمَّ إلَيْهِ طَلَبَ رِضا اللَّهِ وطَلَبَ الحَذَرِ مِن خَوْفِ القِيامَةِ. المَسْألَةُ الخامِسَةُ: وصَفَ اليَوْمَ بِالعُبُوسِ مَجازًا عَلى طَرِيقَتَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يُوصَفَ بِصِفَةِ أهْلِهِ مِنَ الأشْقِياءِ، كَقَوْلِهِمْ: نَهارُكَ صائِمٌ، رُوِيَ أنَّ الكافِرَ يُحْبَسُ حَتّى يَسِيلَ مِن بَيْنِ عَيْنَيْهِ عَرَقٌ مِثْلُ القَطِرانِ. والثّانِي: أنْ يُشَبَّهَ في شِدَّتِهِ وضَراوَتِهِ بِالأسَدِ العَبُوسِ أوْ بِالشُّجاعِ الباسِلِ. المَسْألَةُ السّادِسَةُ: قالَ الزَّجّاجَ: جاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّ قَمْطَرِيرًا مَعْناهُ تَعْبِيسُ الوَجْهِ، فَيَجْتَمِعُ ما بَيْنَ العَيْنَيْنِ، قالَ: وهَذا سائِغٌ في اللُّغَةِ، يُقالُ: اقْمَطَرَّتِ النّاقَةُ إذا رَفَعَتْ ذَنَبَها وجَمَعَتْ قُطْرَيْها ورَمَتْ بِأنْفِها، يَعْنِي أنَّ مَعْنى اقْمَطَرَّ في اللُّغَةِ جَمَعَ، وقالَ الكَلْبِيُّ: قَمْطَرِيرًا يَعْنِي شَدِيدًا، وهو قَوْلُ الفَرّاءِ وأبِي عُبَيْدَةَ والمُبَرِّدِ وابْنِ قُتَيْبَةَ، قالُوا: يَوْمٌ قَمْطَرِيرٌ وقُماطِرٌ؛ إذا كانَ صَعْبًا شَدِيدًا أشَدَّ ما يَكُونُ مِنَ الأيّامِ وأطْوَلَهُ في البَلاءِ، قالَ الواحِدِيُّ: هَذا مَعْنًى، والتَّفْسِيرُ هو الأوَّلُ.

الإنسان 76:10

النَّوْعُ الثّالِثُ مِن أعْمالِ الأبْرارِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِينًا ويَتِيمًا وأسِيرًا﴾ ﴿إنَّما نُطْعِمُكم لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنكم جَزاءً ولا شُكُورًا﴾ ﴿إنّا نَخافُ مِن رَبِّنا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا﴾ اعْلَمْ أنَّ مَجامِعَ الطّاعاتِ مَحْصُورَةٌ في أمْرَيْنِ: التَّعْظِيمُ لِأمْرِ اللَّهِ تَعالى، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ . صفحة ٢١٦ والشَّفَقَةُ عَلى خَلْقِ اللَّهِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿ويُطْعِمُونَ الطَّعامَ﴾ . وهَهُنا مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: لَمْ يَذْكُرْ أحَدٌ مِن أكابِرِ المُعْتَزِلَةِ، كَأبِي بَكْرٍ الأصَمِّ وأبِي عَلِيٍّ الجُبّائِيِّ وأبِي القاسِمِ الكَعْبِيِّ، وأبِي مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيِّ، والقاضِي عَبْدِ الجَبّارِ بْنِ أحْمَدَ في تَفْسِيرِهِمْ أنَّ هَذِهِ الآياتِ نَزَلَتْ في حَقِّ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، والواحِدِيُّ مِن أصْحابِنا ذَكَرَ في كِتابِ ”البَسِيطِ“ أنَّها نَزَلَتْ في حَقِّ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ، وصاحِبُ ”الكَشّافِ“ مِنَ المُعْتَزِلَةِ ذَكَرَ هَذِهِ القِصَّةَ، فَرَوى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: «أنَّ الحَسَنَ والحُسَيْنَ عَلَيْهِما السَّلامُ مَرِضا، فَعادَهُما رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في أُناسٍ مَعَهُ، فَقالُوا: يا أبا الحَسَنِ، لَوْ نَذَرْتَ عَلى ولَدِكَ، فَنَذَرَ عَلِيٌّ وفاطِمَةُ وفِضَّةُ - جارِيَةٌ لَهُما - إنْ شَفاهُما اللَّهُ تَعالى أنْ يَصُومُوا ثَلاثَةَ أيّامٍ، فَشُفِيا وما مَعَهم شَيْءٌ، فاسْتَقْرَضَ عَلِيٌّ مِن شَمْعُونَ الخَيْبَرِيِّ اليَهُودِيِّ ثَلاثَةَ أصْوُعٍ مِن شَعِيرٍ، فَطَحَنَتْ فاطِمَةُ صاعًا واخْتَبَزَتْ خَمْسَةَ أقْراصٍ عَلى عَدَدِهِمْ، ووَضَعُوها بَيْنَ أيْدِيهِمْ لِيُفْطِرُوا، فَوَقَفَ عَلَيْهِمْ سائِلٌ فَقالَ: السَّلامُ عَلَيْكم أهْلَ بَيْتِ مُحَمَّدٍ، مِسْكِينٌ مِن مَساكِينِ المُسْلِمِينَ، أطْعِمُونِي أطْعَمَكُمُ اللَّهُ مِن مَوائِدِ الجَنَّةِ، فَآثَرُوهُ وباتُوا ولَمْ يَذُوقُوا إلّا الماءَ وأصْبَحُوا صائِمِينَ، فَلَمّا أمْسَوْا ووَضَعُوا الطَّعامَ بَيْنَ أيْدِيهِمْ وقَفَ عَلَيْهِمْ يَتِيمٌ فَآثَرُوهُ، وجاءَهم أسِيرٌ في الثّالِثَةِ، فَفَعَلُوا مِثْلَ ذَلِكَ، فَلَمّا أصْبَحُوا أخَذَ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ بِيَدِ الحَسَنِ والحُسَيْنِ ودَخَلُوا عَلى الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَلَمّا أبْصَرَهم وهم يَرْتَعِشُونَ كالفِراخِ مِن شِدَّةِ الجُوعِ، قالَ: ما أشَدَّ ما يَسُوءُنِي ما أرى بِكم. وقامَ فانْطَلَقَ مَعَهم فَرَأى فاطِمَةَ في مِحْرابِها قَدِ التَصَقَ بَطْنُها بِظَهْرِها وغارَتْ عَيْناها، فَساءَهُ ذَلِكَ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ وقالَ: خُذْها يا مُحَمَّدُ هَنّاكَ اللَّهُ في أهْلِ بَيْتِكَ. فَأقْرَأها السُّورَةَ» . والأوَّلُونَ يَقُولُونَ: إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في أوَّلِ السُّورَةِ أنَّهُ إنَّما خَلَقَ الخَلْقَ لِلِابْتِلاءِ والِامْتِحانِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ هَدى الكُلَّ، وأزاحَ عِلَلَهم، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُمُ انْقَسَمُوا إلى شاكِرٍ وإلى كافِرٍ، ثُمَّ ذَكَرَ وعِيدَ الكافِرِ، ثُمَّ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ وعْدِ الشّاكِرِ، فَقالَ: ﴿إنَّ الأبْرارَ يَشْرَبُونَ﴾ [الإنسان: ٥]، وهَذِهِ صِيغَةُ جَمْعٍ، فَتَتَناوَلُ جَمِيعَ الشّاكِرِينَ والأبْرارِ، ومِثْلُ هَذا لا يُمْكِنُ تَخْصِيصُهُ بِالشَّخْصِ الواحِدِ؛ لِأنَّ نَظْمَ السُّورَةِ مِن أوَّلِها إلى هَذا المَوْضِعِ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ هَذا بَيانًا لِحالِ كُلِّ مَن كانَ مِنَ الأبْرارِ والمُطِيعِينَ، فَلَوْ جَعَلْناهُ مُخْتَصًّا بِشَخْصٍ واحِدٍ لَفَسَدَ نَظْمُ السُّورَةِ. والثّانِي: أنَّ المَوْصُوفِينَ بِهَذِهِ الصِّفاتِ مَذْكُورُونَ بِصِيغَةِ الجَمْعِ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الأبْرارَ يَشْرَبُونَ﴾، و﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ ﴿ويَخافُونَ﴾ ﴿ويُطْعِمُونَ﴾ وهَكَذا إلى آخِرِ الآياتِ، فَتَخْصِيصُهُ بِجَمْعٍ مُعَيَّنِينَ خِلافُ الظّاهِرِ، ولا يُنْكَرُ دُخُولُ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ فِيهِ، ولَكِنَّهُ أيْضًا داخِلٌ في جَمِيعِ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى شَرْحِ أحْوالِ المُطِيعِينَ، فَكَما أنَّهُ داخِلٌ فِيها فَكَذا غَيْرُهُ مِن أتْقِياءِ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ داخِلٌ فِيها، فَحِينَئِذٍ لا يَبْقى لِلتَّخْصِيصِ مَعْنًى ألْبَتَّةَ، اللَّهُمَّ إلّا أنْ يُقالَ: السُّورَةُ نَزَلَتْ عِنْدَ صُدُورِ طاعَةٍ مَخْصُوصَةٍ عَنْهُ، ولَكِنَّهُ قَدْ ثَبَتَ في أُصُولِ الفِقْهِ أنَّ العِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الَّذِينَ يَقُولُونَ: هَذِهِ الآيَةُ مُخْتَصَّةٌ بِعَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ قالُوا: المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ويُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِينًا ويَتِيمًا وأسِيرًا﴾ هو ما رُوِّيناهُ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أطْعَمَ المِسْكِينَ واليَتِيمَ والأسِيرَ، وأمّا الَّذِينَ يَقُولُونَ: الآيَةُ عامَّةٌ في حَقِّ جَمِيعِ الأبْرارِ [ فَإنَّهم ] قالُوا: إطْعامُ الطَّعامِ كِنايَةٌ عَنِ الإحْسانِ إلى المُحْتاجِينَ والمُواساةِ مَعَهم بِأيِّ وجْهٍ كانَ، وإنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بِالطَّعامِ بِعَيْنِهِ، ووَجْهُ ذَلِكَ أنَّ أشْرَفَ أنْواعِ الإحْسانِ هو الإحْسانُ بِالطَّعامِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ قِوامَ الأبْدانِ بِالطَّعامِ، ولا حَياةَ إلّا بِهِ، وقَدْ يُتَوَهَّمُ إمْكانُ الحَياةِ مَعَ فَقْدِ ما سِواهُ، فَلَمّا كانَ الإحْسانُ لا جَرَمَ عَبَّرَ بِهِ عَنْ جَمِيعِ وُجُوهِ المَنافِعِ، والَّذِي يُقَوِّي ذَلِكَ أنَّهُ يُعَبَّرُ بِالأكْلِ عَنْ صفحة ٢١٧ جَمِيعِ وُجُوهِ المَنافِعِ، فَيُقالُ: أكَلَ فُلانٌ مالَهُ إذا أتْلَفَهُ في سائِرِ وُجُوهِ الإتْلافِ، وقالَ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أمْوالَ اليَتامى ظُلْمًا إنَّما يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ نارًا﴾ [النساء: ١٠]، وقالَ: ﴿ولا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨] إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى وصَفَ هَؤُلاءِ الأبْرارَ بِأنَّهم يُواسُونَ بِأمْوالِهِمْ أهْلَ الضَّعْفِ والحاجَةِ، وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلى حُبِّهِ﴾ فَفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لِلطَّعامِ، أيْ مَعَ اشْتِهائِهِ والحاجَةِ إلَيْهِ، ونَظِيرُهُ ﴿وآتى المالَ عَلى حُبِّهِ﴾ [البقرة: ١٧٧]، ﴿لَنْ تَنالُوا البِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] . والثّانِي: قالَ الفُضَيْلُ بْنُ عِياضٍ: عَلى حُبِّ اللَّهِ أيْ لِحُبِّهِمْ لِلَّهِ؛ واللّامُ قَدْ تُقامُ مَقامَ ”عَلى“، وكَذَلِكَ تُقامُ عَلى مَقامِ اللّامِ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أصْنافَ مَن تَجِبُ مُواساتُهم، وهم ثَلاثَةٌ: أحَدُهُمُ: المِسْكِينُ، وهو العاجِزُ عَنِ الِاكْتِسابِ بِنَفْسِهِ. والثّانِي: اليَتِيمُ، وهو الَّذِي ماتَ كاسِبُهُ، فَيَبْقى عاجِزًا عَنِ الكَسْبِ لِصِغَرِهِ، مَعَ أنَّهُ ماتَ كاسِبُهُ. والثّالِثُ: الأسِيرُ، وهو المَأْخُوذُ مِن قَوْمِهِ، المَمْلُوكَـ[ ـةُ ] رَقَبَتُهُ، الَّذِي لا يَمْلِكُ لِنَفْسِهِ نَصْرًا ولا حِيلَةً، وهَؤُلاءِ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى هَهُنا هُمُ الَّذِينَ ذَكَرَهم في قَوْلِهِ: ﴿فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما العَقَبَةُ﴾ ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ ﴿أوْ إطْعامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ ﴿يَتِيمًا ذا مَقْرَبَةٍ﴾ ﴿أوْ مِسْكِينًا ذا مَتْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٦] وقَدْ ذَكَرْنا اخْتِلافَ النّاسِ في المِسْكِينِ قَبْلَ هَذا، أمّا الأسِيرُ فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِيهِ عَلى أقْوالٍ: أحَدُها: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وقَتادَةُ: إنَّهُ الأسِيرُ مِنَ المُشْرِكِينَ، رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ يَبْعَثُ الأسارى مِنَ المُشْرِكِينَ لِيُحْفَظُوا ولِيُقامَ بِحَقِّهِمْ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ يَجِبُ إطْعامُهم إلى أنْ يَرى الإمامُ رَأْيَهُ فِيهِمْ مِن قَتْلٍ أوْ مِن أوْ فِداءٍ أوِ اسْتِرْقاقٍ، ولا يَمْتَنِعُ أيْضًا أنْ يَكُونَ المُرادُ هو الأسِيرَ؛ كافِرًا كانَ أوْ مُسْلِمًا؛ لِأنَّهُ إذا كانَ مَعَ الكُفْرِ يَجِبُ إطْعامُهُ، فَمَعَ الإسْلامِ أوْلى، فَإنْ قِيلَ: لَمّا وجَبَ قَتْلُهُ، فَكَيْفَ يَجِبُ إطْعامُهُ ؟ قُلْنا: القَتْلُ في حالٍ لا يَمْنَعُ مِنَ الإطْعامِ في حالٍ أُخْرى، ولا يَجِبُ إذا عُوقِبَ بِوَجْهٍ أنْ يُعاقَبَ بِوَجْهٍ آخَرَ، ولِذَلِكَ لا يَحْسُنُ فِيمَن يَلْزَمُهُ القِصاصُ أنْ يُفْعَلَ بِهِ ما هو دُونَ القَتْلِ. ثُمَّ هَذا الإطْعامُ عَلى مَن يَجِبُ ؟ فَنَقُولُ: الإمامُ يُطْعِمُهُ، فَإنْ لَمْ يَفْعَلْهُ الإمامُ وجَبَ عَلى المُسْلِمِينَ. وثانِيها: قالَ السُّدِّيُّ: الأسِيرُ هو المَمْلُوكُ. وثالِثُها: الأسِيرُ هو الغَرِيمُ، قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «غَرِيمُكَ أسِيرُكَ، فَأحْسِنْ إلى أسِيرِكَ» . ورابِعُها: الأسِيرُ هو المَسْجُونُ مِن أهْلِ القِبْلَةِ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ وعَطاءٍ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، ورُوِيَ ذَلِكَ مَرْفُوعًا مِن طَرِيقِ الخِدْرِيِّ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: «﴿مِسْكِينًا﴾ فَقِيرًا، ﴿ويَتِيمًا﴾ لا أبَ لَهُ، ﴿وأسِيرًا﴾ قالَ: المَمْلُوكُ المَسْجُونُ» . وخامِسُها: الأسِيرُ هو الزَّوْجَةُ؛ لِأنَّهُنَّ أُسَراءُ عِنْدَ الأزْواجِ، قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «اتَّقُوا اللَّهَ في النِّساءِ؛ فَإنَّهُنَّ عِنْدَكم عَوانٌ» قالَ القَفّالُ: واللَّفْظُ يَحْتَمِلُ كُلَّ ذَلِكَ؛ لِأنَّ الأصْلَ في الأسْرِ هو الشَّدُّ بِالقَيْدِ، وكانَ الأسِيرُ يُفْعَلُ بِهِ ذَلِكَ حَبْسًا لَهُ، ثُمَّ سُمِّيَ بِالأسِيرِ مَن شُدَّ ومَن لَمْ يُشَدَّ، فَعادَ المَعْنى إلى الحَبْسِ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أنَّ الأبْرارَ يُحْسِنُونَ إلى هَؤُلاءِ المُحْتاجِينَ بَيَّنَ أنَّ لَهم فِيهِ غَرَضَيْنِ: أحَدُهُما: تَحْصِيلُ رِضا اللَّهِ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنَّما نُطْعِمُكم لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ . والثّانِي: الِاحْتِرازُ مِن خَوْفِ يَوْمِ القِيامَةِ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنّا نَخافُ مِن رَبِّنا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا﴾، وهَهُنا مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿إنَّما نُطْعِمُكم لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿قَمْطَرِيرًا﴾ يَحْتَمِلُ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنْ يَكُونَ هَؤُلاءِ الأبْرارُ قَدْ قالُوا: هَذِهِ الأشْياءُ بِاللِّسانِ، إمّا لِأجْلِ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ القَوْلُ مَنعًا لِأُولَئِكَ المُحْتاجِينَ عَنِ المُجازاةِ بِمِثْلِهِ أوْ بِالشُّكْرِ؛ لِأنَّ إحْسانَهم مَفْعُولٌ لِأجْلِ اللَّهِ تَعالى، فَلا مَعْنى لِمُكافَأةِ الخَلْقِ، وإمّا أنْ يَكُونَ صفحة ٢١٨ لِأجْلِ أنْ يَصِيرَ ذَلِكَ القَوْلُ تَفْقِيهًا وتَنْبِيهًا عَلى ما يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ عَلَيْهِ مَن أخْلَصَ لِلَّهِ حَتّى يَقْتَدِيَ غَيْرُهم بِهِمْ في تِلْكَ الطَّرِيقَةِ. وثانِيها: أنْ يَكُونُوا أرادُوا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ. وثالِثُها: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ بَيانًا وكَشْفًا عَنِ اعْتِقادِهِمْ وصِحَّةِ نِيَّتِهِمْ، وإنْ لَمْ يَقُولُوا شَيْئًا. وعَنْ مُجاهِدٍ: أنَّهم ما تَكَلَّمُوا بِهِ ولَكِنْ عَلِمَهُ اللَّهُ تَعالى مِنهم، فَأثْنى عَلَيْهِمْ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ الإحْسانَ مِنَ الغَيْرِ تارَةً يَكُونُ لِأجْلِ اللَّهِ تَعالى، وتارَةً يَكُونُ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى؛ إمّا طَلَبًا لِمُكافَأةٍ أوْ طَلَبًا لِحَمْدٍ وثَناءٍ، وتارَةً يَكُونُ لَهُما، وهَذا هو الشِّرْكُ، والأوَّلُ هو المَقْبُولُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، وأمّا القِسْمانِ الباقِيانِ فَمَرْدُودانِ، قالَ تَعالى: ﴿لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكم بِالمَنِّ والأذى كالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النّاسِ﴾ [البقرة: ٢٦٤] وقالَ: ﴿وما آتَيْتُمْ مِن رِبًا لِيَرْبُوَ في أمْوالِ النّاسِ فَلا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وما آتَيْتُمْ مِن زَكاةٍ تُرِيدُونَ وجْهَ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٩] ولا شَكَّ أنَّ التِماسَ الشُّكْرِ مِن جِنْسِ المَنِّ والأذى. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: القَوْمُ لَمّا قالُوا: ﴿إنَّما نُطْعِمُكم لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ بَقِيَ فِيهِ احْتِمالُ أنَّهُ أطْعَمَهُ لِوَجْهِ اللَّهِ ولِسائِرِ الأغْراضِ عَلى سَبِيلِ التَّشْرِيكِ، فَلا جَرَمَ نَفى هَذا الِاحْتِمالَ بِقَوْلِهِ: ﴿لا نُرِيدُ مِنكم جَزاءً ولا شُكُورًا﴾ . المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الشُّكُورُ والكُفُورُ مَصْدَرانِ كالشُّكْرِ والكُفْرِ، وهو عَلى وزْنِ الدُّخُولِ والخُرُوجِ، هَذا قَوْلُ جَماعَةِ أهْلِ اللُّغَةِ، وقالَ الأخْفَشُ: إنْ شِئْتَ جَعَلْتَ الشُّكُورَ جَماعَةَ الشُّكْرِ وجَعَلْتَ الكُفُورَ جَماعَةَ الكُفْرِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿فَأبى الظّالِمُونَ إلّا كُفُورًا﴾ [الإسراء: ٩٩] مِثْلَ بُرْدٍ وبُرُودٍ، وإنْ شِئْتَ مَصْدَرًا واحِدًا في مَعْنى جَمْعٍ، مِثْلُ قَعَدَ قُعُودًا، وخَرَجَ خُرُوجًا. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿إنّا نَخافُ مِن رَبِّنا﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ إحْسانَنا إلَيْكم لِلْخَوْفِ مِن شِدَّةِ ذَلِكَ اليَوْمِ لا لِإرادَةِ مُكافَأتِكم. والثّانِي: أنّا لا نُرِيدُ مِنكُمُ المُكافَأةَ لِخَوْفِ عِقابِ اللَّهِ عَلى طَلَبِ المُكافَأةِ بِالصَّدَقَةِ، فَإنْ قِيلَ: إنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهُمُ الإيفاءَ بِالنَّذْرِ، وعَلَّلَ ذَلِكَ بِخَوْفِ القِيامَةِ فَقَطْ، ولَمّا حَكى عَنْهُمُ الإطْعامَ عَلَّلَ ذَلِكَ بِأمْرَيْنِ: بِطَلَبِ رِضاءِ اللَّهِ، وبِالخَوْفِ عَنِ القِيامَةِ، فَما السَّبَبُ فِيهِ ؟ قُلْنا: الإيفاءُ بِالنَّذْرِ دَخَلَ في حَقِيقَةِ طَلَبِ رِضاءِ اللَّهِ تَعالى؛ وذَلِكَ لِأنَّ النَّذْرَ هو الَّذِي أوْجَبَهُ الإنْسانُ عَلى نَفْسِهِ لِأجْلِ اللَّهِ، فَلَمّا كانَ كَذَلِكَ لا جَرَمَ ضَمَّ إلَيْهِ خَوْفَ القِيامَةِ فَقَطْ، أمّا الإطْعامُ فَإنَّهُ لا يَدْخُلُ في حَقِيقَةِ طَلَبِ رِضا اللَّهِ، فَلا جَرَمَ ضَمَّ إلَيْهِ طَلَبَ رِضا اللَّهِ وطَلَبَ الحَذَرِ مِن خَوْفِ القِيامَةِ. المَسْألَةُ الخامِسَةُ: وصَفَ اليَوْمَ بِالعُبُوسِ مَجازًا عَلى طَرِيقَتَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يُوصَفَ بِصِفَةِ أهْلِهِ مِنَ الأشْقِياءِ، كَقَوْلِهِمْ: نَهارُكَ صائِمٌ، رُوِيَ أنَّ الكافِرَ يُحْبَسُ حَتّى يَسِيلَ مِن بَيْنِ عَيْنَيْهِ عَرَقٌ مِثْلُ القَطِرانِ. والثّانِي: أنْ يُشَبَّهَ في شِدَّتِهِ وضَراوَتِهِ بِالأسَدِ العَبُوسِ أوْ بِالشُّجاعِ الباسِلِ. المَسْألَةُ السّادِسَةُ: قالَ الزَّجّاجَ: جاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّ قَمْطَرِيرًا مَعْناهُ تَعْبِيسُ الوَجْهِ، فَيَجْتَمِعُ ما بَيْنَ العَيْنَيْنِ، قالَ: وهَذا سائِغٌ في اللُّغَةِ، يُقالُ: اقْمَطَرَّتِ النّاقَةُ إذا رَفَعَتْ ذَنَبَها وجَمَعَتْ قُطْرَيْها ورَمَتْ بِأنْفِها، يَعْنِي أنَّ مَعْنى اقْمَطَرَّ في اللُّغَةِ جَمَعَ، وقالَ الكَلْبِيُّ: قَمْطَرِيرًا يَعْنِي شَدِيدًا، وهو قَوْلُ الفَرّاءِ وأبِي عُبَيْدَةَ والمُبَرِّدِ وابْنِ قُتَيْبَةَ، قالُوا: يَوْمٌ قَمْطَرِيرٌ وقُماطِرٌ؛ إذا كانَ صَعْبًا شَدِيدًا أشَدَّ ما يَكُونُ مِنَ الأيّامِ وأطْوَلَهُ في البَلاءِ، قالَ الواحِدِيُّ: هَذا مَعْنًى، والتَّفْسِيرُ هو الأوَّلُ.

الإنسان 76:11

النَّوْعُ الثّالِثُ مِن أعْمالِ الأبْرارِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِينًا ويَتِيمًا وأسِيرًا﴾ ﴿إنَّما نُطْعِمُكم لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنكم جَزاءً ولا شُكُورًا﴾ ﴿إنّا نَخافُ مِن رَبِّنا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا﴾ اعْلَمْ أنَّ مَجامِعَ الطّاعاتِ مَحْصُورَةٌ في أمْرَيْنِ: التَّعْظِيمُ لِأمْرِ اللَّهِ تَعالى، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ . صفحة ٢١٦ والشَّفَقَةُ عَلى خَلْقِ اللَّهِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿ويُطْعِمُونَ الطَّعامَ﴾ . وهَهُنا مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: لَمْ يَذْكُرْ أحَدٌ مِن أكابِرِ المُعْتَزِلَةِ، كَأبِي بَكْرٍ الأصَمِّ وأبِي عَلِيٍّ الجُبّائِيِّ وأبِي القاسِمِ الكَعْبِيِّ، وأبِي مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيِّ، والقاضِي عَبْدِ الجَبّارِ بْنِ أحْمَدَ في تَفْسِيرِهِمْ أنَّ هَذِهِ الآياتِ نَزَلَتْ في حَقِّ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، والواحِدِيُّ مِن أصْحابِنا ذَكَرَ في كِتابِ ”البَسِيطِ“ أنَّها نَزَلَتْ في حَقِّ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ، وصاحِبُ ”الكَشّافِ“ مِنَ المُعْتَزِلَةِ ذَكَرَ هَذِهِ القِصَّةَ، فَرَوى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: «أنَّ الحَسَنَ والحُسَيْنَ عَلَيْهِما السَّلامُ مَرِضا، فَعادَهُما رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في أُناسٍ مَعَهُ، فَقالُوا: يا أبا الحَسَنِ، لَوْ نَذَرْتَ عَلى ولَدِكَ، فَنَذَرَ عَلِيٌّ وفاطِمَةُ وفِضَّةُ - جارِيَةٌ لَهُما - إنْ شَفاهُما اللَّهُ تَعالى أنْ يَصُومُوا ثَلاثَةَ أيّامٍ، فَشُفِيا وما مَعَهم شَيْءٌ، فاسْتَقْرَضَ عَلِيٌّ مِن شَمْعُونَ الخَيْبَرِيِّ اليَهُودِيِّ ثَلاثَةَ أصْوُعٍ مِن شَعِيرٍ، فَطَحَنَتْ فاطِمَةُ صاعًا واخْتَبَزَتْ خَمْسَةَ أقْراصٍ عَلى عَدَدِهِمْ، ووَضَعُوها بَيْنَ أيْدِيهِمْ لِيُفْطِرُوا، فَوَقَفَ عَلَيْهِمْ سائِلٌ فَقالَ: السَّلامُ عَلَيْكم أهْلَ بَيْتِ مُحَمَّدٍ، مِسْكِينٌ مِن مَساكِينِ المُسْلِمِينَ، أطْعِمُونِي أطْعَمَكُمُ اللَّهُ مِن مَوائِدِ الجَنَّةِ، فَآثَرُوهُ وباتُوا ولَمْ يَذُوقُوا إلّا الماءَ وأصْبَحُوا صائِمِينَ، فَلَمّا أمْسَوْا ووَضَعُوا الطَّعامَ بَيْنَ أيْدِيهِمْ وقَفَ عَلَيْهِمْ يَتِيمٌ فَآثَرُوهُ، وجاءَهم أسِيرٌ في الثّالِثَةِ، فَفَعَلُوا مِثْلَ ذَلِكَ، فَلَمّا أصْبَحُوا أخَذَ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ بِيَدِ الحَسَنِ والحُسَيْنِ ودَخَلُوا عَلى الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَلَمّا أبْصَرَهم وهم يَرْتَعِشُونَ كالفِراخِ مِن شِدَّةِ الجُوعِ، قالَ: ما أشَدَّ ما يَسُوءُنِي ما أرى بِكم. وقامَ فانْطَلَقَ مَعَهم فَرَأى فاطِمَةَ في مِحْرابِها قَدِ التَصَقَ بَطْنُها بِظَهْرِها وغارَتْ عَيْناها، فَساءَهُ ذَلِكَ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ وقالَ: خُذْها يا مُحَمَّدُ هَنّاكَ اللَّهُ في أهْلِ بَيْتِكَ. فَأقْرَأها السُّورَةَ» . والأوَّلُونَ يَقُولُونَ: إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في أوَّلِ السُّورَةِ أنَّهُ إنَّما خَلَقَ الخَلْقَ لِلِابْتِلاءِ والِامْتِحانِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ هَدى الكُلَّ، وأزاحَ عِلَلَهم، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُمُ انْقَسَمُوا إلى شاكِرٍ وإلى كافِرٍ، ثُمَّ ذَكَرَ وعِيدَ الكافِرِ، ثُمَّ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ وعْدِ الشّاكِرِ، فَقالَ: ﴿إنَّ الأبْرارَ يَشْرَبُونَ﴾ [الإنسان: ٥]، وهَذِهِ صِيغَةُ جَمْعٍ، فَتَتَناوَلُ جَمِيعَ الشّاكِرِينَ والأبْرارِ، ومِثْلُ هَذا لا يُمْكِنُ تَخْصِيصُهُ بِالشَّخْصِ الواحِدِ؛ لِأنَّ نَظْمَ السُّورَةِ مِن أوَّلِها إلى هَذا المَوْضِعِ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ هَذا بَيانًا لِحالِ كُلِّ مَن كانَ مِنَ الأبْرارِ والمُطِيعِينَ، فَلَوْ جَعَلْناهُ مُخْتَصًّا بِشَخْصٍ واحِدٍ لَفَسَدَ نَظْمُ السُّورَةِ. والثّانِي: أنَّ المَوْصُوفِينَ بِهَذِهِ الصِّفاتِ مَذْكُورُونَ بِصِيغَةِ الجَمْعِ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الأبْرارَ يَشْرَبُونَ﴾، و﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ ﴿ويَخافُونَ﴾ ﴿ويُطْعِمُونَ﴾ وهَكَذا إلى آخِرِ الآياتِ، فَتَخْصِيصُهُ بِجَمْعٍ مُعَيَّنِينَ خِلافُ الظّاهِرِ، ولا يُنْكَرُ دُخُولُ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ فِيهِ، ولَكِنَّهُ أيْضًا داخِلٌ في جَمِيعِ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى شَرْحِ أحْوالِ المُطِيعِينَ، فَكَما أنَّهُ داخِلٌ فِيها فَكَذا غَيْرُهُ مِن أتْقِياءِ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ داخِلٌ فِيها، فَحِينَئِذٍ لا يَبْقى لِلتَّخْصِيصِ مَعْنًى ألْبَتَّةَ، اللَّهُمَّ إلّا أنْ يُقالَ: السُّورَةُ نَزَلَتْ عِنْدَ صُدُورِ طاعَةٍ مَخْصُوصَةٍ عَنْهُ، ولَكِنَّهُ قَدْ ثَبَتَ في أُصُولِ الفِقْهِ أنَّ العِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الَّذِينَ يَقُولُونَ: هَذِهِ الآيَةُ مُخْتَصَّةٌ بِعَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ قالُوا: المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ويُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِينًا ويَتِيمًا وأسِيرًا﴾ هو ما رُوِّيناهُ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أطْعَمَ المِسْكِينَ واليَتِيمَ والأسِيرَ، وأمّا الَّذِينَ يَقُولُونَ: الآيَةُ عامَّةٌ في حَقِّ جَمِيعِ الأبْرارِ [ فَإنَّهم ] قالُوا: إطْعامُ الطَّعامِ كِنايَةٌ عَنِ الإحْسانِ إلى المُحْتاجِينَ والمُواساةِ مَعَهم بِأيِّ وجْهٍ كانَ، وإنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بِالطَّعامِ بِعَيْنِهِ، ووَجْهُ ذَلِكَ أنَّ أشْرَفَ أنْواعِ الإحْسانِ هو الإحْسانُ بِالطَّعامِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ قِوامَ الأبْدانِ بِالطَّعامِ، ولا حَياةَ إلّا بِهِ، وقَدْ يُتَوَهَّمُ إمْكانُ الحَياةِ مَعَ فَقْدِ ما سِواهُ، فَلَمّا كانَ الإحْسانُ لا جَرَمَ عَبَّرَ بِهِ عَنْ جَمِيعِ وُجُوهِ المَنافِعِ، والَّذِي يُقَوِّي ذَلِكَ أنَّهُ يُعَبَّرُ بِالأكْلِ عَنْ صفحة ٢١٧ جَمِيعِ وُجُوهِ المَنافِعِ، فَيُقالُ: أكَلَ فُلانٌ مالَهُ إذا أتْلَفَهُ في سائِرِ وُجُوهِ الإتْلافِ، وقالَ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أمْوالَ اليَتامى ظُلْمًا إنَّما يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ نارًا﴾ [النساء: ١٠]، وقالَ: ﴿ولا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨] إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى وصَفَ هَؤُلاءِ الأبْرارَ بِأنَّهم يُواسُونَ بِأمْوالِهِمْ أهْلَ الضَّعْفِ والحاجَةِ، وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلى حُبِّهِ﴾ فَفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لِلطَّعامِ، أيْ مَعَ اشْتِهائِهِ والحاجَةِ إلَيْهِ، ونَظِيرُهُ ﴿وآتى المالَ عَلى حُبِّهِ﴾ [البقرة: ١٧٧]، ﴿لَنْ تَنالُوا البِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] . والثّانِي: قالَ الفُضَيْلُ بْنُ عِياضٍ: عَلى حُبِّ اللَّهِ أيْ لِحُبِّهِمْ لِلَّهِ؛ واللّامُ قَدْ تُقامُ مَقامَ ”عَلى“، وكَذَلِكَ تُقامُ عَلى مَقامِ اللّامِ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أصْنافَ مَن تَجِبُ مُواساتُهم، وهم ثَلاثَةٌ: أحَدُهُمُ: المِسْكِينُ، وهو العاجِزُ عَنِ الِاكْتِسابِ بِنَفْسِهِ. والثّانِي: اليَتِيمُ، وهو الَّذِي ماتَ كاسِبُهُ، فَيَبْقى عاجِزًا عَنِ الكَسْبِ لِصِغَرِهِ، مَعَ أنَّهُ ماتَ كاسِبُهُ. والثّالِثُ: الأسِيرُ، وهو المَأْخُوذُ مِن قَوْمِهِ، المَمْلُوكَـ[ ـةُ ] رَقَبَتُهُ، الَّذِي لا يَمْلِكُ لِنَفْسِهِ نَصْرًا ولا حِيلَةً، وهَؤُلاءِ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى هَهُنا هُمُ الَّذِينَ ذَكَرَهم في قَوْلِهِ: ﴿فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما العَقَبَةُ﴾ ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ ﴿أوْ إطْعامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ ﴿يَتِيمًا ذا مَقْرَبَةٍ﴾ ﴿أوْ مِسْكِينًا ذا مَتْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٦] وقَدْ ذَكَرْنا اخْتِلافَ النّاسِ في المِسْكِينِ قَبْلَ هَذا، أمّا الأسِيرُ فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِيهِ عَلى أقْوالٍ: أحَدُها: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وقَتادَةُ: إنَّهُ الأسِيرُ مِنَ المُشْرِكِينَ، رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ يَبْعَثُ الأسارى مِنَ المُشْرِكِينَ لِيُحْفَظُوا ولِيُقامَ بِحَقِّهِمْ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ يَجِبُ إطْعامُهم إلى أنْ يَرى الإمامُ رَأْيَهُ فِيهِمْ مِن قَتْلٍ أوْ مِن أوْ فِداءٍ أوِ اسْتِرْقاقٍ، ولا يَمْتَنِعُ أيْضًا أنْ يَكُونَ المُرادُ هو الأسِيرَ؛ كافِرًا كانَ أوْ مُسْلِمًا؛ لِأنَّهُ إذا كانَ مَعَ الكُفْرِ يَجِبُ إطْعامُهُ، فَمَعَ الإسْلامِ أوْلى، فَإنْ قِيلَ: لَمّا وجَبَ قَتْلُهُ، فَكَيْفَ يَجِبُ إطْعامُهُ ؟ قُلْنا: القَتْلُ في حالٍ لا يَمْنَعُ مِنَ الإطْعامِ في حالٍ أُخْرى، ولا يَجِبُ إذا عُوقِبَ بِوَجْهٍ أنْ يُعاقَبَ بِوَجْهٍ آخَرَ، ولِذَلِكَ لا يَحْسُنُ فِيمَن يَلْزَمُهُ القِصاصُ أنْ يُفْعَلَ بِهِ ما هو دُونَ القَتْلِ. ثُمَّ هَذا الإطْعامُ عَلى مَن يَجِبُ ؟ فَنَقُولُ: الإمامُ يُطْعِمُهُ، فَإنْ لَمْ يَفْعَلْهُ الإمامُ وجَبَ عَلى المُسْلِمِينَ. وثانِيها: قالَ السُّدِّيُّ: الأسِيرُ هو المَمْلُوكُ. وثالِثُها: الأسِيرُ هو الغَرِيمُ، قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «غَرِيمُكَ أسِيرُكَ، فَأحْسِنْ إلى أسِيرِكَ» . ورابِعُها: الأسِيرُ هو المَسْجُونُ مِن أهْلِ القِبْلَةِ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ وعَطاءٍ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، ورُوِيَ ذَلِكَ مَرْفُوعًا مِن طَرِيقِ الخِدْرِيِّ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: «﴿مِسْكِينًا﴾ فَقِيرًا، ﴿ويَتِيمًا﴾ لا أبَ لَهُ، ﴿وأسِيرًا﴾ قالَ: المَمْلُوكُ المَسْجُونُ» . وخامِسُها: الأسِيرُ هو الزَّوْجَةُ؛ لِأنَّهُنَّ أُسَراءُ عِنْدَ الأزْواجِ، قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «اتَّقُوا اللَّهَ في النِّساءِ؛ فَإنَّهُنَّ عِنْدَكم عَوانٌ» قالَ القَفّالُ: واللَّفْظُ يَحْتَمِلُ كُلَّ ذَلِكَ؛ لِأنَّ الأصْلَ في الأسْرِ هو الشَّدُّ بِالقَيْدِ، وكانَ الأسِيرُ يُفْعَلُ بِهِ ذَلِكَ حَبْسًا لَهُ، ثُمَّ سُمِّيَ بِالأسِيرِ مَن شُدَّ ومَن لَمْ يُشَدَّ، فَعادَ المَعْنى إلى الحَبْسِ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أنَّ الأبْرارَ يُحْسِنُونَ إلى هَؤُلاءِ المُحْتاجِينَ بَيَّنَ أنَّ لَهم فِيهِ غَرَضَيْنِ: أحَدُهُما: تَحْصِيلُ رِضا اللَّهِ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنَّما نُطْعِمُكم لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ . والثّانِي: الِاحْتِرازُ مِن خَوْفِ يَوْمِ القِيامَةِ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنّا نَخافُ مِن رَبِّنا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا﴾، وهَهُنا مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿إنَّما نُطْعِمُكم لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿قَمْطَرِيرًا﴾ يَحْتَمِلُ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنْ يَكُونَ هَؤُلاءِ الأبْرارُ قَدْ قالُوا: هَذِهِ الأشْياءُ بِاللِّسانِ، إمّا لِأجْلِ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ القَوْلُ مَنعًا لِأُولَئِكَ المُحْتاجِينَ عَنِ المُجازاةِ بِمِثْلِهِ أوْ بِالشُّكْرِ؛ لِأنَّ إحْسانَهم مَفْعُولٌ لِأجْلِ اللَّهِ تَعالى، فَلا مَعْنى لِمُكافَأةِ الخَلْقِ، وإمّا أنْ يَكُونَ صفحة ٢١٨ لِأجْلِ أنْ يَصِيرَ ذَلِكَ القَوْلُ تَفْقِيهًا وتَنْبِيهًا عَلى ما يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ عَلَيْهِ مَن أخْلَصَ لِلَّهِ حَتّى يَقْتَدِيَ غَيْرُهم بِهِمْ في تِلْكَ الطَّرِيقَةِ. وثانِيها: أنْ يَكُونُوا أرادُوا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ. وثالِثُها: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ بَيانًا وكَشْفًا عَنِ اعْتِقادِهِمْ وصِحَّةِ نِيَّتِهِمْ، وإنْ لَمْ يَقُولُوا شَيْئًا. وعَنْ مُجاهِدٍ: أنَّهم ما تَكَلَّمُوا بِهِ ولَكِنْ عَلِمَهُ اللَّهُ تَعالى مِنهم، فَأثْنى عَلَيْهِمْ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ الإحْسانَ مِنَ الغَيْرِ تارَةً يَكُونُ لِأجْلِ اللَّهِ تَعالى، وتارَةً يَكُونُ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى؛ إمّا طَلَبًا لِمُكافَأةٍ أوْ طَلَبًا لِحَمْدٍ وثَناءٍ، وتارَةً يَكُونُ لَهُما، وهَذا هو الشِّرْكُ، والأوَّلُ هو المَقْبُولُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، وأمّا القِسْمانِ الباقِيانِ فَمَرْدُودانِ، قالَ تَعالى: ﴿لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكم بِالمَنِّ والأذى كالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النّاسِ﴾ [البقرة: ٢٦٤] وقالَ: ﴿وما آتَيْتُمْ مِن رِبًا لِيَرْبُوَ في أمْوالِ النّاسِ فَلا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وما آتَيْتُمْ مِن زَكاةٍ تُرِيدُونَ وجْهَ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٩] ولا شَكَّ أنَّ التِماسَ الشُّكْرِ مِن جِنْسِ المَنِّ والأذى. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: القَوْمُ لَمّا قالُوا: ﴿إنَّما نُطْعِمُكم لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ بَقِيَ فِيهِ احْتِمالُ أنَّهُ أطْعَمَهُ لِوَجْهِ اللَّهِ ولِسائِرِ الأغْراضِ عَلى سَبِيلِ التَّشْرِيكِ، فَلا جَرَمَ نَفى هَذا الِاحْتِمالَ بِقَوْلِهِ: ﴿لا نُرِيدُ مِنكم جَزاءً ولا شُكُورًا﴾ . المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الشُّكُورُ والكُفُورُ مَصْدَرانِ كالشُّكْرِ والكُفْرِ، وهو عَلى وزْنِ الدُّخُولِ والخُرُوجِ، هَذا قَوْلُ جَماعَةِ أهْلِ اللُّغَةِ، وقالَ الأخْفَشُ: إنْ شِئْتَ جَعَلْتَ الشُّكُورَ جَماعَةَ الشُّكْرِ وجَعَلْتَ الكُفُورَ جَماعَةَ الكُفْرِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿فَأبى الظّالِمُونَ إلّا كُفُورًا﴾ [الإسراء: ٩٩] مِثْلَ بُرْدٍ وبُرُودٍ، وإنْ شِئْتَ مَصْدَرًا واحِدًا في مَعْنى جَمْعٍ، مِثْلُ قَعَدَ قُعُودًا، وخَرَجَ خُرُوجًا. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿إنّا نَخافُ مِن رَبِّنا﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ إحْسانَنا إلَيْكم لِلْخَوْفِ مِن شِدَّةِ ذَلِكَ اليَوْمِ لا لِإرادَةِ مُكافَأتِكم. والثّانِي: أنّا لا نُرِيدُ مِنكُمُ المُكافَأةَ لِخَوْفِ عِقابِ اللَّهِ عَلى طَلَبِ المُكافَأةِ بِالصَّدَقَةِ، فَإنْ قِيلَ: إنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهُمُ الإيفاءَ بِالنَّذْرِ، وعَلَّلَ ذَلِكَ بِخَوْفِ القِيامَةِ فَقَطْ، ولَمّا حَكى عَنْهُمُ الإطْعامَ عَلَّلَ ذَلِكَ بِأمْرَيْنِ: بِطَلَبِ رِضاءِ اللَّهِ، وبِالخَوْفِ عَنِ القِيامَةِ، فَما السَّبَبُ فِيهِ ؟ قُلْنا: الإيفاءُ بِالنَّذْرِ دَخَلَ في حَقِيقَةِ طَلَبِ رِضاءِ اللَّهِ تَعالى؛ وذَلِكَ لِأنَّ النَّذْرَ هو الَّذِي أوْجَبَهُ الإنْسانُ عَلى نَفْسِهِ لِأجْلِ اللَّهِ، فَلَمّا كانَ كَذَلِكَ لا جَرَمَ ضَمَّ إلَيْهِ خَوْفَ القِيامَةِ فَقَطْ، أمّا الإطْعامُ فَإنَّهُ لا يَدْخُلُ في حَقِيقَةِ طَلَبِ رِضا اللَّهِ، فَلا جَرَمَ ضَمَّ إلَيْهِ طَلَبَ رِضا اللَّهِ وطَلَبَ الحَذَرِ مِن خَوْفِ القِيامَةِ. المَسْألَةُ الخامِسَةُ: وصَفَ اليَوْمَ بِالعُبُوسِ مَجازًا عَلى طَرِيقَتَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يُوصَفَ بِصِفَةِ أهْلِهِ مِنَ الأشْقِياءِ، كَقَوْلِهِمْ: نَهارُكَ صائِمٌ، رُوِيَ أنَّ الكافِرَ يُحْبَسُ حَتّى يَسِيلَ مِن بَيْنِ عَيْنَيْهِ عَرَقٌ مِثْلُ القَطِرانِ. والثّانِي: أنْ يُشَبَّهَ في شِدَّتِهِ وضَراوَتِهِ بِالأسَدِ العَبُوسِ أوْ بِالشُّجاعِ الباسِلِ. المَسْألَةُ السّادِسَةُ: قالَ الزَّجّاجَ: جاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّ قَمْطَرِيرًا مَعْناهُ تَعْبِيسُ الوَجْهِ، فَيَجْتَمِعُ ما بَيْنَ العَيْنَيْنِ، قالَ: وهَذا سائِغٌ في اللُّغَةِ، يُقالُ: اقْمَطَرَّتِ النّاقَةُ إذا رَفَعَتْ ذَنَبَها وجَمَعَتْ قُطْرَيْها ورَمَتْ بِأنْفِها، يَعْنِي أنَّ مَعْنى اقْمَطَرَّ في اللُّغَةِ جَمَعَ، وقالَ الكَلْبِيُّ: قَمْطَرِيرًا يَعْنِي شَدِيدًا، وهو قَوْلُ الفَرّاءِ وأبِي عُبَيْدَةَ والمُبَرِّدِ وابْنِ قُتَيْبَةَ، قالُوا: يَوْمٌ قَمْطَرِيرٌ وقُماطِرٌ؛ إذا كانَ صَعْبًا شَدِيدًا أشَدَّ ما يَكُونُ مِنَ الأيّامِ وأطْوَلَهُ في البَلاءِ، قالَ الواحِدِيُّ: هَذا مَعْنًى، والتَّفْسِيرُ هو الأوَّلُ.

الإنسان 76:12

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَوَقاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ اليَوْمِ ولَقّاهم نَضْرَةً وسُرُورًا﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْهم أنَّهم أتَوْا بِالطّاعاتِ لِغَرَضَيْنِ: طَلَبِ رِضا اللَّهِ، والخَوْفِ مِنَ القِيامَةِ - بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ أعْطاهم هَذَيْنِ الغَرَضَيْنِ، أمّا الحِفْظُ مِن هَوْلِ القِيامَةِ فَهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَوَقاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ اليَوْمِ﴾، وسَمّى شَدائِدَها شَرًّا تَوَسُّعًا عَلى ما عَلِمْتَ. واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ أحَدُ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ شَدائِدَ الآخِرَةِ لا تَصِلُ إلّا إلى أهْلِ العَذابِ، وأمّا طَلَبُ رِضاءِ اللَّهِ تَعالى فَأعْطاهم بِسَبَبِهِ نَضْرَةً في الوَجْهِ، وسُرُورًا في القَلْبِ، وقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُ ﴿ولَقّاهُمْ﴾ في قَوْلِهِ: ﴿ويُلَقَّوْنَ فِيها تَحِيَّةً﴾ [الفرقان: ٧٥]، وتَفْسِيرُ النَّضْرَةِ في قَوْلِهِ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ﴾، والتَّنْكِيرُ في ﴿وسُرُورًا﴾ لِلتَّعْظِيمِ والتَّفْخِيمِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَزاهم بِما صَبَرُوا جَنَّةً وحَرِيرًا﴾ والمَعْنى: وجَزاهم بِصَبْرِهِمْ عَلى الإيثارِ وما يُؤَدِّي إلَيْهِ مِنَ الجُوعِ والعُرْيِ بُسْتانًا فِيهِ مَأْكَلٌ هَنِيءٌ، وحَرِيرًا فِيهِ مَلْبَسٌ بَهِيٌّ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِباسُهم فِيها حَرِيرٌ﴾ . أقُولُ: وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنَّما نُطْعِمُكُمْ﴾ لَيْسَ هو الإطْعامَ فَقَطْ، بَلْ جَمِيعَ أنْواعِ المُواساةِ مِنَ الطَّعامِ والكُسْوَةِ، ولَمّا ذَكَرَ تَعالى طَعامَهم ولِباسَهم، وصَفَ مَساكِنَهم، ثُمَّ إنَّ المُعْتَبَرَ في المَساكِنِ أُمُورٌ: أحَدُها: المَوْضِعُ الَّذِي يُجْلَسُ فِيهِ، فَوَصَفَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيها عَلى الأرائِكِ﴾ وهي السُّرُرُ في الحِجالِ، ولا تَكُونُ أرِيكَةً إلّا إذا اجْتَمَعَتْ، وفي نَصْبِ ”مُتَّكِئِينَ“ وجْهانِ: الأوَّلُ: قالَ الأخْفَشُ: إنَّهُ نُصِبَ عَلى الحالِ، والمَعْنى: وجَزاهم جَنَّةً في حالِ اتِّكائِهِمْ؛ كَما تَقُولُ: جَزاهم ذَلِكَ قِيامًا. والثّانِي: قالَ الأخْفَشُ: وقَدْ يَكُونُ عَلى المَدْحِ.

الإنسان 76:13

والثّانِي: هو المَسْكَنُ، فَوَصَفَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لا يَرَوْنَ فِيها شَمْسًا ولا زَمْهَرِيرًا﴾ وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ هَواءَها مُعْتَدِلٌ في الحَرِّ والبَرْدِ. والثّانِي: أنَّ الزَّمْهَرِيرَ هو القَمَرُ في لُغَةِ طَيِّئٍ؛ هَكَذا رَواهُ ثَعْلَبٌ، وأنْشَدَ: ولَيْلَةٍ ظَلامُها قَدِ اعْتَكَرْ قَطَعْتُها والزَّمْهَرِيرُ ما زَهَرْ والمَعْنى: أنَّ الجَنَّةَ ضِياءٌ، فَلا يُحْتاجُ فِيها إلى شَمْسٍ وقَمَرٍ. والثّالِثُ: كَوْنُهُ بُسْتانًا نَزِهًا، فَوَصَفَهُ اللَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿ودانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها﴾ وفي الآيَةِ سُؤالانِ: الأوَّلُ: ما السَّبَبُ في نَصْبِ ”ودانِيَةً“ ؟ (الجَوابُ): ذَكَرَ الأخْفَشُ والكِسائِيُّ والفَرّاءُ والزَّجّاجُ فِيهِ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: الحالُ بِالعَطْفِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿مُتَّكِئِينَ﴾ كَما تَقُولُ: في الدّارِ عَبْدُ اللَّهِ مُتَّكِئًا ومُرْسَلَةً عَلَيْهِ الحِجالُ؛ لِأنَّهُ حَيْثُ قالَ: (عَلَيْهِمْ) رَجَعَ إلى ذِكْرِهِمْ. والثّانِي: الحالُ بِالعَطْفِ عَلى مَحَلِّ: ﴿لا يَرَوْنَ فِيها شَمْسًا ولا زَمْهَرِيرًا﴾، والتَّقْدِيرُ: غَيْرَ رائِينَ فِيها شَمْسًا ولا زَمْهَرِيرًا ﴿ودانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها﴾، ودَخَلَتِ الواوُ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ الأمْرَيْنِ يَجْتَمِعانِ لَهم، كَأنَّهُ قِيلَ: وجَزاهم جَنَّةً جامِعِينَ فِيها بَيْنَ البُعْدِ عَنِ الحَرِّ والبَرْدِ، ودُنُوِّ الظِّلالِ عَلَيْهِمْ. والثّالِثُ: أنْ يَكُونَ ”دانِيَةً“ نَعْتًا لِلْجَنَّةِ، والمَعْنى: وجَزاهم جَنَّةً دانِيَةً، وعَلى هَذا الجَوابِ تَكُونُ ”دانِيَةً“ صِفَةً صفحة ٢٢٠ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: وجَزاهم بِما صَبَرُوا جَنَّةً وحَرِيرًا، وجَنَّةً أُخْرى دانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها؛ وذَلِكَ لِأنَّهم وُعِدُوا جَنَّتَيْنِ، وذَلِكَ لِأنَّهم خافُوا، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿إنّا نَخافُ مِن رَبِّنا﴾ وكُلُّ مَن خافَ فَلَهُ جَنَّتانِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ [الرحمن: ٤٦]، وقُرِئَ: ”ودانِيَةٌ“ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّ ﴿ظِلالُها﴾ مُبْتَدَأٌ، و”دانِيَةٌ“ خَبَرٌ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ، والمَعْنى: ﴿لا يَرَوْنَ فِيها شَمْسًا ولا زَمْهَرِيرًا﴾، والحالُ أنَّ ظِلالَها دانِيَةٌ عَلَيْهِمْ. السُّؤالُ الثّانِي: الظِّلُّ إنَّما يُوجَدُ حَيْثُ تُوجَدُ الشَّمْسُ، فَإنْ كانَ لا شَمْسَ في الجَنَّةِ فَكَيْفَ يَحْصُلُ الظِّلُّ هُناكَ ؟ (والجَوابُ): أنَّ المُرادَ أنَّ أشْجارَ الجَنَّةِ تَكُونُ بِحَيْثُ لَوْ كانَ هُناكَ شَمْسٌ لَكانَتْ تِلْكَ الأشْجارُ مُظَلِّلَةً مِنها. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلًا﴾ ذَكَرُوا في ”ذُلِّلَتْ“ وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ”ذُلِّلَتْ“ أُدْنِيَتْ مِنهم، مِن قَوْلِهِمْ: حائِطٌ ذَلِيلٌ إذا كانَ قَصِيرَ السَّمْكِ. والثّانِي: ”ذُلِّلَتْ“ أيْ جُعِلَتْ مُنْقادَةً، ولا تَمْتَنِعُ عَلى قُطّافِها كَيْفَ شاءُوا. قالَ البَراءُ بْنُ عازِبٍ: ذُلِّلَتْ لَهم، فَهم يَتَناوَلُونَ مِنها كَيْفَ شاءُوا، فَمَن أكَلَ قائِمًا لَمْ يُؤْذِهِ، ومَن أكَلَ جالِسًا لَمْ يُؤْذِهِ، ومَن أكَلَ مُضْطَجِعًا لَمْ يُؤْذِهِ.

الإنسان 76:14

والثّانِي: هو المَسْكَنُ، فَوَصَفَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لا يَرَوْنَ فِيها شَمْسًا ولا زَمْهَرِيرًا﴾ وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ هَواءَها مُعْتَدِلٌ في الحَرِّ والبَرْدِ. والثّانِي: أنَّ الزَّمْهَرِيرَ هو القَمَرُ في لُغَةِ طَيِّئٍ؛ هَكَذا رَواهُ ثَعْلَبٌ، وأنْشَدَ: ولَيْلَةٍ ظَلامُها قَدِ اعْتَكَرْ قَطَعْتُها والزَّمْهَرِيرُ ما زَهَرْ والمَعْنى: أنَّ الجَنَّةَ ضِياءٌ، فَلا يُحْتاجُ فِيها إلى شَمْسٍ وقَمَرٍ. والثّالِثُ: كَوْنُهُ بُسْتانًا نَزِهًا، فَوَصَفَهُ اللَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿ودانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها﴾ وفي الآيَةِ سُؤالانِ: الأوَّلُ: ما السَّبَبُ في نَصْبِ ”ودانِيَةً“ ؟ (الجَوابُ): ذَكَرَ الأخْفَشُ والكِسائِيُّ والفَرّاءُ والزَّجّاجُ فِيهِ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: الحالُ بِالعَطْفِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿مُتَّكِئِينَ﴾ كَما تَقُولُ: في الدّارِ عَبْدُ اللَّهِ مُتَّكِئًا ومُرْسَلَةً عَلَيْهِ الحِجالُ؛ لِأنَّهُ حَيْثُ قالَ: (عَلَيْهِمْ) رَجَعَ إلى ذِكْرِهِمْ. والثّانِي: الحالُ بِالعَطْفِ عَلى مَحَلِّ: ﴿لا يَرَوْنَ فِيها شَمْسًا ولا زَمْهَرِيرًا﴾، والتَّقْدِيرُ: غَيْرَ رائِينَ فِيها شَمْسًا ولا زَمْهَرِيرًا ﴿ودانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها﴾، ودَخَلَتِ الواوُ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ الأمْرَيْنِ يَجْتَمِعانِ لَهم، كَأنَّهُ قِيلَ: وجَزاهم جَنَّةً جامِعِينَ فِيها بَيْنَ البُعْدِ عَنِ الحَرِّ والبَرْدِ، ودُنُوِّ الظِّلالِ عَلَيْهِمْ. والثّالِثُ: أنْ يَكُونَ ”دانِيَةً“ نَعْتًا لِلْجَنَّةِ، والمَعْنى: وجَزاهم جَنَّةً دانِيَةً، وعَلى هَذا الجَوابِ تَكُونُ ”دانِيَةً“ صِفَةً صفحة ٢٢٠ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: وجَزاهم بِما صَبَرُوا جَنَّةً وحَرِيرًا، وجَنَّةً أُخْرى دانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها؛ وذَلِكَ لِأنَّهم وُعِدُوا جَنَّتَيْنِ، وذَلِكَ لِأنَّهم خافُوا، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿إنّا نَخافُ مِن رَبِّنا﴾ وكُلُّ مَن خافَ فَلَهُ جَنَّتانِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ [الرحمن: ٤٦]، وقُرِئَ: ”ودانِيَةٌ“ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّ ﴿ظِلالُها﴾ مُبْتَدَأٌ، و”دانِيَةٌ“ خَبَرٌ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ، والمَعْنى: ﴿لا يَرَوْنَ فِيها شَمْسًا ولا زَمْهَرِيرًا﴾، والحالُ أنَّ ظِلالَها دانِيَةٌ عَلَيْهِمْ. السُّؤالُ الثّانِي: الظِّلُّ إنَّما يُوجَدُ حَيْثُ تُوجَدُ الشَّمْسُ، فَإنْ كانَ لا شَمْسَ في الجَنَّةِ فَكَيْفَ يَحْصُلُ الظِّلُّ هُناكَ ؟ (والجَوابُ): أنَّ المُرادَ أنَّ أشْجارَ الجَنَّةِ تَكُونُ بِحَيْثُ لَوْ كانَ هُناكَ شَمْسٌ لَكانَتْ تِلْكَ الأشْجارُ مُظَلِّلَةً مِنها. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلًا﴾ ذَكَرُوا في ”ذُلِّلَتْ“ وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ”ذُلِّلَتْ“ أُدْنِيَتْ مِنهم، مِن قَوْلِهِمْ: حائِطٌ ذَلِيلٌ إذا كانَ قَصِيرَ السَّمْكِ. والثّانِي: ”ذُلِّلَتْ“ أيْ جُعِلَتْ مُنْقادَةً، ولا تَمْتَنِعُ عَلى قُطّافِها كَيْفَ شاءُوا. قالَ البَراءُ بْنُ عازِبٍ: ذُلِّلَتْ لَهم، فَهم يَتَناوَلُونَ مِنها كَيْفَ شاءُوا، فَمَن أكَلَ قائِمًا لَمْ يُؤْذِهِ، ومَن أكَلَ جالِسًا لَمْ يُؤْذِهِ، ومَن أكَلَ مُضْطَجِعًا لَمْ يُؤْذِهِ.

الإنسان 76:15

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ طَعامَهم ولِباسَهم ومَسْكَنَهم وصَفَ بَعْدَ ذَلِكَ شَرابَهم، وقَدَّمَ عَلَيْهِ وصْفَ تِلْكَ الأوانِي الَّتِي فِيها يَشْرَبُونَ، فَقالَ: ﴿ويُطافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِن فِضَّةٍ وأكْوابٍ كانَتْ قَوارِيرَ﴾ ﴿قَوارِيرَ مِن فِضَّةٍ قَدَّرُوها تَقْدِيرًا﴾ في الآيَةِ سُؤالاتٌ: السُّؤالُ الأوَّلُ: قالَ تَعالى: ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ مِن ذَهَبٍ وأكْوابٍ﴾ [الزخرف: ٧١]، والصِّحافُ هي القِصاعُ، والغالِبُ فِيها الأكْلُ، فَإذا كانَ ما يَأْكُلُونَ فِيهِ ذَهَبًا، فَما يَشْرَبُونَ فِيهِ أوْلى أنْ يَكُونَ ذَهَبًا؛ لِأنَّ العادَةَ أنْ يُتَنَوَّقَ في إناءِ الشُّرْبِ ما لا يُتَنَوَّقُ في إناءِ الأكْلِ، وإذا دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ إناءَ شُرْبِهِمْ يَكُونُ مِنَ الذَّهَبِ، فَكَيْفَ ذُكِرَ هَهُنا أنَّهُ مِنَ الفِضَّةِ، (والجَوابُ): أنَّهُ لا مُنافاةَ بَيْنَ الأمْرَيْنِ، فَتارَةً يُسْقَوْنَ بِهَذا، وتارَةً بِذاكَ. السُّؤالُ الثّانِي: ما الفَرْقُ بَيْنَ الآنِيَةِ والأكْوابِ ؟ (الجَوابُ): قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: الأكْوابُ: الكِيزانُ الَّتِي لا عُرى لَها، فَيَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ عَلى مَعْنى أنَّ الإناءَ يَقَعُ فِيهِ الشُّرْبُ كالقَدَحِ، والكُوبُ ما صُبَّ مِنهُ في الإناءِ كالإبْرِيقِ. السُّؤالُ الثّالِثُ: ما مَعْنى ”كانَتْ“ ؟ (الجَوابُ): هو مِن ”يَكُونُ“ في قَوْلِهِ: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠] أيْ تَكَوَّنَتْ قَوارِيرَ بِتَكْوِينِ اللَّهِ؛ تَفْخِيمًا لِتِلْكَ الخِلْقَةِ العَجِيبَةِ الشَّأْنِ، الجامِعَةِ بَيْنَ صِفَتَيِ الجَوْهَرَيْنِ المُتَبايِنَيْنِ. السُّؤالُ الرّابِعُ: كَيْفَ تَكُونُ هَذِهِ الأكْوابُ مِن فِضَّةٍ ومِن قَوارِيرَ ؟ (الجَوابُ) عَنْهُ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ أصْلَ القَوارِيرِ في الدُّنْيا الرَّمْلُ، وأصْلُ قَوارِيرِ الجَنَّةِ هو فِضَّةُ الجَنَّةِ، فَكَما أنَّ اللَّهَ تَعالى قادِرٌ عَلى أنْ يَقْلِبَ الرَّمْلَ الكَثِيفَ زُجاجَةً صافِيَةً، فَكَذَلِكَ هو قادِرٌ عَلى أنْ يَقْلِبَ فِضَّةَ الجَنَّةِ قارُورَةً لَطِيفَةً، فالغَرَضُ مِن ذِكْرِ هَذِهِ الآيَةِ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ نِسْبَةَ قارُورَةِ الجَنَّةِ إلى قارُورَةِ الدُّنْيا كَنِسْبَةِ فِضَّةِ الجَنَّةِ إلى رَمْلِ الدُّنْيا، فَكَما أنَّهُ لا نِسْبَةَ بَيْنَ صفحة ٢٢١ هَذَيْنِ الأصْلَيْنِ، فَكَذا بَيْنَ القارُورَتَيْنِ في الصَّفاءِ واللَّطافَةِ. وثانِيها: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَيْسَ في الدُّنْيا شَيْءٌ مِمّا في الجَنَّةِ إلّا الأسْماءُ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَكَمالُ الفِضَّةِ في بَقائِها ونَقائِها وشَرَفِها إلّا أنَّهُ كَثِيفُ الجَوْهَرِ، وكَمالُ القارُورَةِ في شَفافِيَّتِها وصَفائِها إلّا أنَّهُ سَرِيعُ الِانْكِسارِ، فَآنِيَةُ الجَنَّةِ آنِيَةٌ يَحْصُلُ فِيها مِنَ الفِضَّةِ بَقاؤُها ونَقاؤُها وشَرَفُ جَوْهَرِها، ومِنَ القارُورَةِ صَفاؤُها وشَفافِيَّتُها. وثالِثُها: أنَّها تَكُونُ فِضَّةً ولَكِنْ لَها صَفاءُ القارُورَةِ، ولا يُسْتَبْعَدُ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى الجَمْعُ بَيْنَ هَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ. ورابِعُها: أنَّ المُرادَ بِالقَوارِيرِ في الآيَةِ لَيْسَ هو الزُّجاجَ؛ فَإنَّ العَرَبَ تُسَمِّيَ ما اسْتَدارَ مِنَ الأوانِي الَّتِي تُجْعَلُ فِيها الأشْرِبَةُ ورَقَّ وصَفا قارُورَةً، فَمَعْنى الآيَةِ: وأكْوابٍ مِن فِضَّةٍ مُسْتَدِيرَةٍ صافِيَةٍ رَقِيقَةٍ. السُّؤالُ الخامِسُ: كَيْفَ القِراءَةُ في (قَوارِيرًا قَوارِيرَ) ؟ (الجَوابُ) قُرِئا غَيْرَ مُنَوَّنَيْنِ، وبِتَنْوِينِ الأوَّلِ، وبِتَنْوِينِهِما، وهَذا التَّنْوِينُ بَدَلٌ عَنْ ألْفِ الإطْلاقِ؛ لِأنَّهُ فاصِلَةٌ، وفي الثّانِي لِإتْباعِهِ الأوَّلَ؛ لِأنَّ الثّانِيَ بَدَلٌ مِنَ الأوَّلِ، فَيَتْبَعُ البَدَلُ المُبْدَلَ، وقُرِئَ: ”قَوارِيرُ مِن فِضَّةٍ“ بِالرَّفْعِ عَلى: هي قَوارِيرُ. و”قَدَّرُوها“ صِفَةٌ لِـ ”قَوارِيرَ مِن فِضَّةٍ“ . أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدَّرُوها تَقْدِيرًا﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ المُفَسِّرُونَ: مَعْناهُ ﴿قَدَّرُوها تَقْدِيرًا﴾ عَلى قَدْرِ رِيِّهِمْ، لا يَزِيدُ ولا يَنْقُصُ مِنَ الرِّيِّ؛ لِيَكُونَ ألَذَّ لِشُرْبِهِمْ، وقالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: إنَّ تِلْكَ الأوانِيَ تَكُونُ بِمِقْدارِ مِلْءِ الكَفِّ، لَمْ تَعْظُمْ فَيَثْقُلَ حِمْلُها. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّ مُنْتَهى مُرادِ الرَّجُلِ في الآنِيَةِ الَّتِي يَشْرَبُ مِنها الصَّفاءُ والنَّقاءُ والشَّكْلُ، أمّا الصَّفاءُ فَقَدْ ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿كانَتْ قَوارِيرَ﴾ وأمّا النَّقاءُ فَقَدْ ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن فِضَّةٍ﴾، وأمّا الشَّكْلُ فَقَدْ ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿قَدَّرُوها تَقْدِيرًا﴾ . المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: المُقَدِّرُ لِهَذا التَّقْدِيرِ مَن هو ؟ فِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّهم هُمُ الطّائِفُونَ الَّذِينَ دَلَّ عَلَيْهِمْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويُطافُ عَلَيْهِمْ﴾، وذَلِكَ أنَّهم قَدَّرُوا شَرابَها عَلى قَدْرِ رِيِّ الشّارِبِ. والثّانِي: أنَّهم هُمُ الشّارِبُونَ، وذَلِكَ لِأنَّهم إذا اشْتَهَوْا مِقْدارًا مِنَ المَشْرُوبِ جاءَهم عَلى ذَلِكَ القَدْرِ.

الإنسان 76:16

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ طَعامَهم ولِباسَهم ومَسْكَنَهم وصَفَ بَعْدَ ذَلِكَ شَرابَهم، وقَدَّمَ عَلَيْهِ وصْفَ تِلْكَ الأوانِي الَّتِي فِيها يَشْرَبُونَ، فَقالَ: ﴿ويُطافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِن فِضَّةٍ وأكْوابٍ كانَتْ قَوارِيرَ﴾ ﴿قَوارِيرَ مِن فِضَّةٍ قَدَّرُوها تَقْدِيرًا﴾ في الآيَةِ سُؤالاتٌ: السُّؤالُ الأوَّلُ: قالَ تَعالى: ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ مِن ذَهَبٍ وأكْوابٍ﴾ [الزخرف: ٧١]، والصِّحافُ هي القِصاعُ، والغالِبُ فِيها الأكْلُ، فَإذا كانَ ما يَأْكُلُونَ فِيهِ ذَهَبًا، فَما يَشْرَبُونَ فِيهِ أوْلى أنْ يَكُونَ ذَهَبًا؛ لِأنَّ العادَةَ أنْ يُتَنَوَّقَ في إناءِ الشُّرْبِ ما لا يُتَنَوَّقُ في إناءِ الأكْلِ، وإذا دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ إناءَ شُرْبِهِمْ يَكُونُ مِنَ الذَّهَبِ، فَكَيْفَ ذُكِرَ هَهُنا أنَّهُ مِنَ الفِضَّةِ، (والجَوابُ): أنَّهُ لا مُنافاةَ بَيْنَ الأمْرَيْنِ، فَتارَةً يُسْقَوْنَ بِهَذا، وتارَةً بِذاكَ. السُّؤالُ الثّانِي: ما الفَرْقُ بَيْنَ الآنِيَةِ والأكْوابِ ؟ (الجَوابُ): قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: الأكْوابُ: الكِيزانُ الَّتِي لا عُرى لَها، فَيَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ عَلى مَعْنى أنَّ الإناءَ يَقَعُ فِيهِ الشُّرْبُ كالقَدَحِ، والكُوبُ ما صُبَّ مِنهُ في الإناءِ كالإبْرِيقِ. السُّؤالُ الثّالِثُ: ما مَعْنى ”كانَتْ“ ؟ (الجَوابُ): هو مِن ”يَكُونُ“ في قَوْلِهِ: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠] أيْ تَكَوَّنَتْ قَوارِيرَ بِتَكْوِينِ اللَّهِ؛ تَفْخِيمًا لِتِلْكَ الخِلْقَةِ العَجِيبَةِ الشَّأْنِ، الجامِعَةِ بَيْنَ صِفَتَيِ الجَوْهَرَيْنِ المُتَبايِنَيْنِ. السُّؤالُ الرّابِعُ: كَيْفَ تَكُونُ هَذِهِ الأكْوابُ مِن فِضَّةٍ ومِن قَوارِيرَ ؟ (الجَوابُ) عَنْهُ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ أصْلَ القَوارِيرِ في الدُّنْيا الرَّمْلُ، وأصْلُ قَوارِيرِ الجَنَّةِ هو فِضَّةُ الجَنَّةِ، فَكَما أنَّ اللَّهَ تَعالى قادِرٌ عَلى أنْ يَقْلِبَ الرَّمْلَ الكَثِيفَ زُجاجَةً صافِيَةً، فَكَذَلِكَ هو قادِرٌ عَلى أنْ يَقْلِبَ فِضَّةَ الجَنَّةِ قارُورَةً لَطِيفَةً، فالغَرَضُ مِن ذِكْرِ هَذِهِ الآيَةِ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ نِسْبَةَ قارُورَةِ الجَنَّةِ إلى قارُورَةِ الدُّنْيا كَنِسْبَةِ فِضَّةِ الجَنَّةِ إلى رَمْلِ الدُّنْيا، فَكَما أنَّهُ لا نِسْبَةَ بَيْنَ صفحة ٢٢١ هَذَيْنِ الأصْلَيْنِ، فَكَذا بَيْنَ القارُورَتَيْنِ في الصَّفاءِ واللَّطافَةِ. وثانِيها: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَيْسَ في الدُّنْيا شَيْءٌ مِمّا في الجَنَّةِ إلّا الأسْماءُ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَكَمالُ الفِضَّةِ في بَقائِها ونَقائِها وشَرَفِها إلّا أنَّهُ كَثِيفُ الجَوْهَرِ، وكَمالُ القارُورَةِ في شَفافِيَّتِها وصَفائِها إلّا أنَّهُ سَرِيعُ الِانْكِسارِ، فَآنِيَةُ الجَنَّةِ آنِيَةٌ يَحْصُلُ فِيها مِنَ الفِضَّةِ بَقاؤُها ونَقاؤُها وشَرَفُ جَوْهَرِها، ومِنَ القارُورَةِ صَفاؤُها وشَفافِيَّتُها. وثالِثُها: أنَّها تَكُونُ فِضَّةً ولَكِنْ لَها صَفاءُ القارُورَةِ، ولا يُسْتَبْعَدُ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى الجَمْعُ بَيْنَ هَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ. ورابِعُها: أنَّ المُرادَ بِالقَوارِيرِ في الآيَةِ لَيْسَ هو الزُّجاجَ؛ فَإنَّ العَرَبَ تُسَمِّيَ ما اسْتَدارَ مِنَ الأوانِي الَّتِي تُجْعَلُ فِيها الأشْرِبَةُ ورَقَّ وصَفا قارُورَةً، فَمَعْنى الآيَةِ: وأكْوابٍ مِن فِضَّةٍ مُسْتَدِيرَةٍ صافِيَةٍ رَقِيقَةٍ. السُّؤالُ الخامِسُ: كَيْفَ القِراءَةُ في (قَوارِيرًا قَوارِيرَ) ؟ (الجَوابُ) قُرِئا غَيْرَ مُنَوَّنَيْنِ، وبِتَنْوِينِ الأوَّلِ، وبِتَنْوِينِهِما، وهَذا التَّنْوِينُ بَدَلٌ عَنْ ألْفِ الإطْلاقِ؛ لِأنَّهُ فاصِلَةٌ، وفي الثّانِي لِإتْباعِهِ الأوَّلَ؛ لِأنَّ الثّانِيَ بَدَلٌ مِنَ الأوَّلِ، فَيَتْبَعُ البَدَلُ المُبْدَلَ، وقُرِئَ: ”قَوارِيرُ مِن فِضَّةٍ“ بِالرَّفْعِ عَلى: هي قَوارِيرُ. و”قَدَّرُوها“ صِفَةٌ لِـ ”قَوارِيرَ مِن فِضَّةٍ“ . أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدَّرُوها تَقْدِيرًا﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ المُفَسِّرُونَ: مَعْناهُ ﴿قَدَّرُوها تَقْدِيرًا﴾ عَلى قَدْرِ رِيِّهِمْ، لا يَزِيدُ ولا يَنْقُصُ مِنَ الرِّيِّ؛ لِيَكُونَ ألَذَّ لِشُرْبِهِمْ، وقالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: إنَّ تِلْكَ الأوانِيَ تَكُونُ بِمِقْدارِ مِلْءِ الكَفِّ، لَمْ تَعْظُمْ فَيَثْقُلَ حِمْلُها. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّ مُنْتَهى مُرادِ الرَّجُلِ في الآنِيَةِ الَّتِي يَشْرَبُ مِنها الصَّفاءُ والنَّقاءُ والشَّكْلُ، أمّا الصَّفاءُ فَقَدْ ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿كانَتْ قَوارِيرَ﴾ وأمّا النَّقاءُ فَقَدْ ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن فِضَّةٍ﴾، وأمّا الشَّكْلُ فَقَدْ ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿قَدَّرُوها تَقْدِيرًا﴾ . المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: المُقَدِّرُ لِهَذا التَّقْدِيرِ مَن هو ؟ فِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّهم هُمُ الطّائِفُونَ الَّذِينَ دَلَّ عَلَيْهِمْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويُطافُ عَلَيْهِمْ﴾، وذَلِكَ أنَّهم قَدَّرُوا شَرابَها عَلى قَدْرِ رِيِّ الشّارِبِ. والثّانِي: أنَّهم هُمُ الشّارِبُونَ، وذَلِكَ لِأنَّهم إذا اشْتَهَوْا مِقْدارًا مِنَ المَشْرُوبِ جاءَهم عَلى ذَلِكَ القَدْرِ.

الإنسان 76:17

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ أوانِيَ مَشْرُوبِهِمْ ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ وصْفَ مَشْرُوبِهِمْ، فَقالَ: ﴿ويُسْقَوْنَ فِيها كَأْسًا كانَ مِزاجُها زَنْجَبِيلًا﴾، العَرَبُ كانُوا يُحِبُّونَ جَعْلَ الزَّنْجَبِيلِ في المَشْرُوبِ؛ لِأنَّهُ يُحْدِثُ فِيهِ ضَرْبًا مِنَ اللَّذْعِ، فَلَمّا كانَ كَذَلِكَ وصَفَ اللَّهُ شَرابَ أهْلِ الجَنَّةِ بِذَلِكَ، ولا بُدَّ وأنْ تَكُونَ في الطِّيبِ عَلى أقْصى الوُجُوهِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وكُلُّ ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في القُرْآنِ مِمّا في الجَنَّةِ، فَلَيْسَ مِنهُ في الدُّنْيا إلّا الِاسْمُ. وتَمامُ القَوْلِ هَهُنا مِثْلُ ما ذَكَرْناهُ في قَوْلِهِ: ﴿كانَ مِزاجُها كافُورًا﴾ . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَيْنًا فِيها تُسَمّى سَلْسَبِيلًا﴾ فِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: لَمْ أسْمَعِ السَّلْسَبِيلَ إلّا في القُرْآنِ، فَعَلى هَذا لا يُعْرَفُ لَهُ اشْتِقاقٌ، وقالَ الأكْثَرُونَ: يُقالُ: شَرابٌ سَلْسَلٌ وسَلْسالٌ وسَلْسَبِيلٌ، أيْ: عَذْبٌ سَهْلُ المَساغِ، وقَدْ زِيدَتِ الباءُ في التَّرْكِيبِ صفحة ٢٢٢ حَتّى صارَتِ الكَلِمَةُ خُماسِيَّةً، ودَلَّتْ عَلى غايَةِ السَّلاسَةِ، قالَ الزَّجّاجُ: السَّلْسَبِيلُ في اللُّغَةِ صِفَةٌ لِما كانَ في غايَةِ السَّلاسَةِ، والفائِدَةُ في ذِكْرِ السَّلْسَبِيلِ هو أنَّ ذَلِكَ الشَّرابَ يَكُونُ في طَعْمِ الزَّنْجَبِيلِ، ولَيْسَ فِيهِ لَذْعَةٌ؛ لِأنَّ نَقِيضَ اللَّذْعِ هو السَّلاسَةُ، وقَدْ عَزَوْا إلى عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّ مَعْناهُ: سَلْ سَبِيلًا إلَيْها. وهو بَعِيدٌ، إلّا أنْ يُرادَ أنَّ جُمْلَةَ قَوْلِ القائِلِ: (سَلْ سَبِيلًا) جُعِلَتْ عَلَمًا لِلْعَيْنِ، كَما قِيلَ: تَأبَّطَ شَرًّا، وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّهُ لا يَشْرَبُ مِنها إلّا مَن سَألَ إلَيْها سَبِيلًا بِالعَمَلِ الصّالِحِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في نَصْبِ ”عَيْنًا“ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ بَدَلٌ مِن ”زَنْجَبِيلًا“ . وثانِيهِما: أنَّهُ نُصِبَ عَلى الِاخْتِصاصِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ”سَلْسَبِيلًا“ صُرِفَ لِأنَّهُ رَأْسُ آيَةٍ، فَصارَ كَقَوْلِهِ: ”الظُّنُونا“ و”السَّبِيلا“، وقَدْ تَقَدَّمَ في هَذِهِ السُّورَةِ بَيانُ ذَلِكَ.

الإنسان 76:18

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ أوانِيَ مَشْرُوبِهِمْ ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ وصْفَ مَشْرُوبِهِمْ، فَقالَ: ﴿ويُسْقَوْنَ فِيها كَأْسًا كانَ مِزاجُها زَنْجَبِيلًا﴾، العَرَبُ كانُوا يُحِبُّونَ جَعْلَ الزَّنْجَبِيلِ في المَشْرُوبِ؛ لِأنَّهُ يُحْدِثُ فِيهِ ضَرْبًا مِنَ اللَّذْعِ، فَلَمّا كانَ كَذَلِكَ وصَفَ اللَّهُ شَرابَ أهْلِ الجَنَّةِ بِذَلِكَ، ولا بُدَّ وأنْ تَكُونَ في الطِّيبِ عَلى أقْصى الوُجُوهِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وكُلُّ ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في القُرْآنِ مِمّا في الجَنَّةِ، فَلَيْسَ مِنهُ في الدُّنْيا إلّا الِاسْمُ. وتَمامُ القَوْلِ هَهُنا مِثْلُ ما ذَكَرْناهُ في قَوْلِهِ: ﴿كانَ مِزاجُها كافُورًا﴾ . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَيْنًا فِيها تُسَمّى سَلْسَبِيلًا﴾ فِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: لَمْ أسْمَعِ السَّلْسَبِيلَ إلّا في القُرْآنِ، فَعَلى هَذا لا يُعْرَفُ لَهُ اشْتِقاقٌ، وقالَ الأكْثَرُونَ: يُقالُ: شَرابٌ سَلْسَلٌ وسَلْسالٌ وسَلْسَبِيلٌ، أيْ: عَذْبٌ سَهْلُ المَساغِ، وقَدْ زِيدَتِ الباءُ في التَّرْكِيبِ صفحة ٢٢٢ حَتّى صارَتِ الكَلِمَةُ خُماسِيَّةً، ودَلَّتْ عَلى غايَةِ السَّلاسَةِ، قالَ الزَّجّاجُ: السَّلْسَبِيلُ في اللُّغَةِ صِفَةٌ لِما كانَ في غايَةِ السَّلاسَةِ، والفائِدَةُ في ذِكْرِ السَّلْسَبِيلِ هو أنَّ ذَلِكَ الشَّرابَ يَكُونُ في طَعْمِ الزَّنْجَبِيلِ، ولَيْسَ فِيهِ لَذْعَةٌ؛ لِأنَّ نَقِيضَ اللَّذْعِ هو السَّلاسَةُ، وقَدْ عَزَوْا إلى عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّ مَعْناهُ: سَلْ سَبِيلًا إلَيْها. وهو بَعِيدٌ، إلّا أنْ يُرادَ أنَّ جُمْلَةَ قَوْلِ القائِلِ: (سَلْ سَبِيلًا) جُعِلَتْ عَلَمًا لِلْعَيْنِ، كَما قِيلَ: تَأبَّطَ شَرًّا، وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّهُ لا يَشْرَبُ مِنها إلّا مَن سَألَ إلَيْها سَبِيلًا بِالعَمَلِ الصّالِحِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في نَصْبِ ”عَيْنًا“ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ بَدَلٌ مِن ”زَنْجَبِيلًا“ . وثانِيهِما: أنَّهُ نُصِبَ عَلى الِاخْتِصاصِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ”سَلْسَبِيلًا“ صُرِفَ لِأنَّهُ رَأْسُ آيَةٍ، فَصارَ كَقَوْلِهِ: ”الظُّنُونا“ و”السَّبِيلا“، وقَدْ تَقَدَّمَ في هَذِهِ السُّورَةِ بَيانُ ذَلِكَ.

الإنسان 76:19

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مَن يَكُونُ خادِمًا في تِلْكَ المَجالِسِ فَقالَ: ﴿ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ في سُورَةِ الواقِعَةِ، والأقْرَبُ أنَّ المُرادَ بِهِ دَوامُ كَوْنِهِمْ عَلى تِلْكَ الصُّورَةِ الَّتِي لا يُرادُ في الخَدَمِ أبْلَغُ مِنها، وذَلِكَ يَتَضَمَّنُ دَوامَ حَياتِهِمْ وحُسْنِهِمْ ومُواظَبَتِهِمْ عَلى الخِدْمَةِ الحَسَنَةِ المُوافِقَةِ، قالَ الفَرّاءُ: يُقالُ: مُخَلَّدُونَ مُسَوَّرُونَ، ويُقالُ: مُقَرَّطُونَ. ورَوى نَفْطَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الأعْرابِيِّ: مُخَلَّدُونَ مُحَلَّوْنَ. والصِّفَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذا رَأيْتَهم حَسِبْتَهم لُؤْلُؤًا مَنثُورًا﴾ وفي كَيْفِيَّةِ التَّشْبِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: شُبِّهُوا في حُسْنِهِمْ وصَفاءِ ألْوانِهِمْ وانْتِشارِهِمْ في مَجالِسِهِمْ ومَنازِلِهِمْ عِنْدَ اشْتِغالِهِمْ بِأنْواعِ الخِدْمَةِ بِاللُّؤْلُؤِ المَنثُورِ، ولَوْ كانَ صَفًّا لَشُبِّهُوا بِاللُّؤْلُؤِ المَنظُومِ، ألا تَرى أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ﴾ فَإذا كانُوا يَطُوفُونَ كانُوا مُتَناثِرِينَ. وثانِيها: أنَّهم شُبِّهُوا بِاللُّؤْلُؤِ الرَّطْبِ إذا انْتَثَرَ مِن صَدَفِهِ؛ لِأنَّهُ أحْسَنُ وأكْثَرُ ماءً. وثالِثُها: قالَ القاضِي: هَذا مِنَ التَّشْبِيهِ العَجِيبِ؛ لِأنَّ اللُّؤْلُؤَ إذا كانَ مُتَفَرِّقًا يَكُونُ أحْسَنَ في المَنظَرِ لِوُقُوعِ شُعاعِ بَعْضِهِ عَلى البَعْضِ، فَيَكُونُ مُخالِفًا لِلْمُجْتَمِعِ مِنهُ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ تَفْصِيلَ أحْوالِ أهْلِ الجَنَّةِ، أتْبَعَهُ بِما يَدُلُّ عَلى أنَّ هُناكَ أُمُورًا أعْلى وأعْظَمَ مِن هَذا القَدْرِ المَذْكُورِ فَقالَ: ﴿وإذا رَأيْتَ ثَمَّ رَأيْتَ نَعِيمًا ومُلْكًا كَبِيرًا﴾؛ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: ”رَأيْتَ“ هَلْ لَهُ مَفْعُولٌ ؟ فِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: قالَ الفَرّاءُ: المَعْنى وإذا رَأيْتَ ما ثَمَّ، وصَلُحَ إضْمارُ ”ما“ كَما قالَ: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: ٩٤] يُرِيدُ ما بَيْنَكم، قالَ الزَّجّاجُ: لا يَجُوزُ إضْمارُ ”ما“؛ لِأنَّ ”ثَمَّ“ صِلَةٌ، و”ما“ مَوْصُولُها، ولا يَجُوزُ إسْقاطُ المَوْصُولِ وتَرْكُ الصِّلَةِ. الثّانِي: أنَّهُ لَيْسَ لَهُ مَفْعُولٌ ظاهِرٌ ولا مُقَدَّرٌ، والغَرَضُ مِنهُ أنْ يَشِيعَ ويَعُمَّ، كَأنَّهُ قِيلَ: وإذا وجَدْتَ الرُّؤْيَةَ ثَمَّ، ومَعْناهُ أنَّ بَصَرَ الرّائِي أيْنَما وقَعَ لَمْ يَتَعَلَّقْ إدْراكُهُ إلّا بِنَعِيمٍ كَثِيرٍ ومُلْكٍ كَبِيرٍ. و”ثَمَّ“ في مَوْضِعِ النَّصْبِ عَلى الظَّرْفِ، يَعْنِي في الجَنَّةِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ اللَّذّاتِ الدُّنْيَوِيَّةَ مَحْصُورَةٌ في أُمُورٍ ثَلاثَةٍ: قَضاءِ الشَّهْوَةِ، وإمْضاءِ الغَضَبِ، صفحة ٢٢٣ واللَّذَّةِ الخَيالِيَّةِ الَّتِي يُعَبَّرُ عَنْها بِحُبِّ المالِ والجاهِ، وكُلُّ ذَلِكَ مُسْتَحْقَرٌ، فَإنَّ الحَيَواناتِ الخَسِيسَةَ قَدْ تُشارِكُ الإنْسانَ في واحِدٍ مِنها، فالمُلْكُ الكَبِيرُ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ هَهُنا لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مُغايِرًا لِتِلْكَ اللَّذّاتِ الحَقِيرَةِ، وما هو إلّا أنْ تَصِيرَ نَفْسُهُ مُنْتَقَشَةً بِقُدْسِ المَلَكُوتِ، مُتَحَلِّيَةً بِجَلالِ حَضْرَةِ اللّاهُوتِ، وأمّا ما هو عَلى أُصُولِ المُتَكَلِّمِينَ فالوَجْهُ فِيهِ أيْضًا أنَّهُ الثَّوابُ والمَنفَعَةُ المَقْرُونَةُ بِالتَّعْظِيمِ، فَبَيَّنَ تَعالى في الآياتِ المُتَقَدِّمَةِ تَفْصِيلَ تِلْكَ المَنافِعِ، وبَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ حُصُولَ التَّعْظِيمِ، وهو أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهم يَكُونُ كالمَلِكِ العَظِيمِ، وأمّا المُفَسِّرُونَ فَمِنهم مَن حَمَلَ هَذا المُلْكَ الكَبِيرَ عَلى أنَّ هُناكَ مَنافِعَ أزْيَدَ مِمّا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لا يَقْدِرُ واصِفٌ يَصِفُ حُسْنَهُ ولا طِيبَهُ. ويُقالُ: إنَّ أدْنى أهْلِ الجَنَّةِ مَنزِلَةً يَنْظُرُ في مُلْكِهِ مَسِيرَةَ ألْفِ عامٍ، ويَرى أقْصاهُ كَما يَرى أدْناهُ، وقِيلَ: لا زَوالَ لَهُ، وقِيلَ: إذا أرادُوا شَيْئًا حَصَلَ، ومِنهم مَن حَمَلَهُ عَلى التَّعْظِيمِ، فَقالَ الكَلْبِيُّ: هو أنْ يَأْتِيَ الرَّسُولُ مِن عِنْدِ اللَّهِ بِكَرامَةٍ مِنَ الكُسْوَةِ والطَّعامِ والشَّرابِ والتُحَفِ إلى ولِيِّ اللَّهِ وهو في مَنزِلِهِ فَيَسْتَأْذِنَ عَلَيْهِ، ولا يَدْخُلُ عَلَيْهِ رَسُولُ رَبِّ العِزَّةِ مِنَ المَلائِكَةِ المُقَرَّبِينَ المُطَهَّرِينَ إلّا بَعْدَ الِاسْتِئْذانِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ بَعْضُهم: قَوْلُهُ: ﴿وإذا رَأيْتَ﴾ خِطابٌ لِمُحَمَّدٍ خاصَّةً، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ رَجُلًا قالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: «أرَأيْتَ إنْ دَخَلْتُ الجَنَّةَ أتَرى عَيْنايَ ما تَرى عَيْناكَ ؟ فَقالَ: نَعَمْ. فَبَكى حَتّى ماتَ»، وقالَ آخَرُونَ: بَلْ هو خِطابٌ لِكُلِّ أحَدٍ.

الإنسان 76:20

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مَن يَكُونُ خادِمًا في تِلْكَ المَجالِسِ فَقالَ: ﴿ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ في سُورَةِ الواقِعَةِ، والأقْرَبُ أنَّ المُرادَ بِهِ دَوامُ كَوْنِهِمْ عَلى تِلْكَ الصُّورَةِ الَّتِي لا يُرادُ في الخَدَمِ أبْلَغُ مِنها، وذَلِكَ يَتَضَمَّنُ دَوامَ حَياتِهِمْ وحُسْنِهِمْ ومُواظَبَتِهِمْ عَلى الخِدْمَةِ الحَسَنَةِ المُوافِقَةِ، قالَ الفَرّاءُ: يُقالُ: مُخَلَّدُونَ مُسَوَّرُونَ، ويُقالُ: مُقَرَّطُونَ. ورَوى نَفْطَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الأعْرابِيِّ: مُخَلَّدُونَ مُحَلَّوْنَ. والصِّفَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذا رَأيْتَهم حَسِبْتَهم لُؤْلُؤًا مَنثُورًا﴾ وفي كَيْفِيَّةِ التَّشْبِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: شُبِّهُوا في حُسْنِهِمْ وصَفاءِ ألْوانِهِمْ وانْتِشارِهِمْ في مَجالِسِهِمْ ومَنازِلِهِمْ عِنْدَ اشْتِغالِهِمْ بِأنْواعِ الخِدْمَةِ بِاللُّؤْلُؤِ المَنثُورِ، ولَوْ كانَ صَفًّا لَشُبِّهُوا بِاللُّؤْلُؤِ المَنظُومِ، ألا تَرى أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ﴾ فَإذا كانُوا يَطُوفُونَ كانُوا مُتَناثِرِينَ. وثانِيها: أنَّهم شُبِّهُوا بِاللُّؤْلُؤِ الرَّطْبِ إذا انْتَثَرَ مِن صَدَفِهِ؛ لِأنَّهُ أحْسَنُ وأكْثَرُ ماءً. وثالِثُها: قالَ القاضِي: هَذا مِنَ التَّشْبِيهِ العَجِيبِ؛ لِأنَّ اللُّؤْلُؤَ إذا كانَ مُتَفَرِّقًا يَكُونُ أحْسَنَ في المَنظَرِ لِوُقُوعِ شُعاعِ بَعْضِهِ عَلى البَعْضِ، فَيَكُونُ مُخالِفًا لِلْمُجْتَمِعِ مِنهُ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ تَفْصِيلَ أحْوالِ أهْلِ الجَنَّةِ، أتْبَعَهُ بِما يَدُلُّ عَلى أنَّ هُناكَ أُمُورًا أعْلى وأعْظَمَ مِن هَذا القَدْرِ المَذْكُورِ فَقالَ: ﴿وإذا رَأيْتَ ثَمَّ رَأيْتَ نَعِيمًا ومُلْكًا كَبِيرًا﴾؛ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: ”رَأيْتَ“ هَلْ لَهُ مَفْعُولٌ ؟ فِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: قالَ الفَرّاءُ: المَعْنى وإذا رَأيْتَ ما ثَمَّ، وصَلُحَ إضْمارُ ”ما“ كَما قالَ: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: ٩٤] يُرِيدُ ما بَيْنَكم، قالَ الزَّجّاجُ: لا يَجُوزُ إضْمارُ ”ما“؛ لِأنَّ ”ثَمَّ“ صِلَةٌ، و”ما“ مَوْصُولُها، ولا يَجُوزُ إسْقاطُ المَوْصُولِ وتَرْكُ الصِّلَةِ. الثّانِي: أنَّهُ لَيْسَ لَهُ مَفْعُولٌ ظاهِرٌ ولا مُقَدَّرٌ، والغَرَضُ مِنهُ أنْ يَشِيعَ ويَعُمَّ، كَأنَّهُ قِيلَ: وإذا وجَدْتَ الرُّؤْيَةَ ثَمَّ، ومَعْناهُ أنَّ بَصَرَ الرّائِي أيْنَما وقَعَ لَمْ يَتَعَلَّقْ إدْراكُهُ إلّا بِنَعِيمٍ كَثِيرٍ ومُلْكٍ كَبِيرٍ. و”ثَمَّ“ في مَوْضِعِ النَّصْبِ عَلى الظَّرْفِ، يَعْنِي في الجَنَّةِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ اللَّذّاتِ الدُّنْيَوِيَّةَ مَحْصُورَةٌ في أُمُورٍ ثَلاثَةٍ: قَضاءِ الشَّهْوَةِ، وإمْضاءِ الغَضَبِ، صفحة ٢٢٣ واللَّذَّةِ الخَيالِيَّةِ الَّتِي يُعَبَّرُ عَنْها بِحُبِّ المالِ والجاهِ، وكُلُّ ذَلِكَ مُسْتَحْقَرٌ، فَإنَّ الحَيَواناتِ الخَسِيسَةَ قَدْ تُشارِكُ الإنْسانَ في واحِدٍ مِنها، فالمُلْكُ الكَبِيرُ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ هَهُنا لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مُغايِرًا لِتِلْكَ اللَّذّاتِ الحَقِيرَةِ، وما هو إلّا أنْ تَصِيرَ نَفْسُهُ مُنْتَقَشَةً بِقُدْسِ المَلَكُوتِ، مُتَحَلِّيَةً بِجَلالِ حَضْرَةِ اللّاهُوتِ، وأمّا ما هو عَلى أُصُولِ المُتَكَلِّمِينَ فالوَجْهُ فِيهِ أيْضًا أنَّهُ الثَّوابُ والمَنفَعَةُ المَقْرُونَةُ بِالتَّعْظِيمِ، فَبَيَّنَ تَعالى في الآياتِ المُتَقَدِّمَةِ تَفْصِيلَ تِلْكَ المَنافِعِ، وبَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ حُصُولَ التَّعْظِيمِ، وهو أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهم يَكُونُ كالمَلِكِ العَظِيمِ، وأمّا المُفَسِّرُونَ فَمِنهم مَن حَمَلَ هَذا المُلْكَ الكَبِيرَ عَلى أنَّ هُناكَ مَنافِعَ أزْيَدَ مِمّا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لا يَقْدِرُ واصِفٌ يَصِفُ حُسْنَهُ ولا طِيبَهُ. ويُقالُ: إنَّ أدْنى أهْلِ الجَنَّةِ مَنزِلَةً يَنْظُرُ في مُلْكِهِ مَسِيرَةَ ألْفِ عامٍ، ويَرى أقْصاهُ كَما يَرى أدْناهُ، وقِيلَ: لا زَوالَ لَهُ، وقِيلَ: إذا أرادُوا شَيْئًا حَصَلَ، ومِنهم مَن حَمَلَهُ عَلى التَّعْظِيمِ، فَقالَ الكَلْبِيُّ: هو أنْ يَأْتِيَ الرَّسُولُ مِن عِنْدِ اللَّهِ بِكَرامَةٍ مِنَ الكُسْوَةِ والطَّعامِ والشَّرابِ والتُحَفِ إلى ولِيِّ اللَّهِ وهو في مَنزِلِهِ فَيَسْتَأْذِنَ عَلَيْهِ، ولا يَدْخُلُ عَلَيْهِ رَسُولُ رَبِّ العِزَّةِ مِنَ المَلائِكَةِ المُقَرَّبِينَ المُطَهَّرِينَ إلّا بَعْدَ الِاسْتِئْذانِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ بَعْضُهم: قَوْلُهُ: ﴿وإذا رَأيْتَ﴾ خِطابٌ لِمُحَمَّدٍ خاصَّةً، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ رَجُلًا قالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: «أرَأيْتَ إنْ دَخَلْتُ الجَنَّةَ أتَرى عَيْنايَ ما تَرى عَيْناكَ ؟ فَقالَ: نَعَمْ. فَبَكى حَتّى ماتَ»، وقالَ آخَرُونَ: بَلْ هو خِطابٌ لِكُلِّ أحَدٍ.

الإنسان 76:21

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عالِيَهم ثِيابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وإسْتَبْرَقٌ﴾ فِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ نافِعٌ وحَمْزَةُ ”عالِيهِمْ“ بِإسْكانِ الياءِ، والباقُونَ بِفَتْحِ الياءِ، أمّا القِراءَةُ الأُولى فالوَجْهُ فِيها أنْ يَكُونَ ”عالِيهِمْ“ مُبْتَدَأً، و”ثِيابُ سُنْدُسٍ“ خَبَرَهُ، والمَعْنى: ما يَعْلُوهم مِن لِباسِهِمْ ثِيابُ سُنْدُسٍ، فَإنْ قِيلَ: ”عالِيهِمْ“ مُفْرَدٌ، و”ثِيابُ سُنْدُسٍ“ جَماعَةٌ، والمُبْتَدَأُ إذا كانَ مُفْرَدًا لا يَكُونُ خَبَرُهُ جَمْعًا، قُلْنا: المُبْتَدَأُ، وهو قَوْلُهُ: (عالِيهِمْ) وإنْ كانَ مُفْرَدًا في اللَّفْظِ، فَهو جَمْعٌ في المَعْنى، نَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٧]، ﴿فَقُطِعَ دابِرُ القَوْمِ﴾ كَأنَّهُ أُفْرِدَ مِن حَيْثُ جُعِلَ بِمَنزِلَةِ المَصْدَرِ. أمّا القِراءَةُ الثّانِيَةُ، وهي فَتْحُ الياءِ، فَذَكَرُوا في هَذا النَّصْبِ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ: الأوَّلُ: أنَّهُ نُصِبَ عَلى الظَّرْفِ؛ لِأنَّهُ لَمّا كانَ ”عالِي“ بِمَعْنى فَوْقُ أُجْرِيَ مَجْراهُ في هَذا الإعْرابِ، كَما كانَ قَوْلُهُ: ﴿والرَّكْبُ أسْفَلَ مِنكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٢] كَذَلِكَ، وهو قَوْلُ أبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ. والثّانِي: أنَّهُ نُصِبَ عَلى الحالِ، ثُمَّ هَذا أيْضًا يَحْتَمِلُ وُجُوهًا: أحَدُها: قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: التَّقْدِيرُ: ولَقّاهم نَضْرَةً وسُرُورًا حالَ ما يَكُونُ عالِيهِمْ ثِيابُ سُنْدُسٍ. وثانِيها: التَّقْدِيرُ: وجَزاهم بِما صَبَرُوا جَنَّةً وحَرِيرًا حالَ ما يَكُونُ عالِيهِمْ ثِيابُ سُنْدُسٍ. وثالِثُها: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: ويَطُوفُ عَلى الأبْرارِ وِلْدانٌ حالَ ما يَكُونُ الأبْرارُ عالِيهِمْ ثِيابُ سُنْدُسٍ. ورابِعُها: حَسِبْتَهم لُؤْلُؤًا مَنثُورًا حالَ ما يَكُونُ عالِيهِمْ ثِيابُ سُنْدُسٍ، فَعَلى الِاحْتِمالاتِ الثَّلاثَةِ الأُوَلِ تَكُونُ الثِّيابُ ثِيابَ الأبْرارِ، وعَلى الِاحْتِمالِ الرّابِعِ تَكُونُ الثِّيابُ ثِيابَ الوِلْدانِ. الوَجْهُ الثّالِثُ في سَبَبِ هَذا النَّصْبِ: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: رَأيْتَ أهْلَ نَعِيمٍ ومُلْكٍ عالِيَهم ثِيابُ سُنْدُسٍ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ نافِعٌ وعاصِمٌ: ”خُضْرٌ وإسْتَبْرَقٌ“ كِلاهُما بِالرَّفْعِ، وقَرَأ الكِسائِيُّ وحَمْزَةُ كِلاهُما بِالخَفْضِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: ”خُضْرٍ“ بِالخَفْضِ، و”إسْتَبْرَقٌ“ بِالرَّفْعِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عامِرٍ: ”خُضْرٌ“ بِالرَّفْعِ، صفحة ٢٢٤ و”إسْتَبْرَقٍ“ بِالخَفْضِ، وحاصِلُ الكَلامِ فِيهِ أنَّ خُضْرًا يَجُوزُ فِيهِ الخَفْضُ والرَّفْعُ، أمّا الرَّفْعُ فَإذا جَعَلْتَها صِفَةً لِثِيابٍ، وذَلِكَ ظاهِرٌ؛ لِأنَّها صِفَةُ مَجْمُوعَةٌ لِمَوْصُوفٍ مَجْمُوعَةٍ، وأمّا الخَفْضُ فَإذا جَعَلْتَها صِفَةَ سُنْدُسٍ؛ لِأنَّ ”سُنْدُسٍ“ أُرِيدَ بِهِ الجِنْسُ، فَكانَ في مَعْنى الجَمْعِ، وأجازَ الأخْفَشُ وصْفَ اللَّفْظِ الَّذِي يُرادُ بِهِ الجِنْسُ بِالجَمْعِ، كَما يُقالُ: أهْلَكَ النّاسَ الدِّينارُ الصُّفْرُ، والدِّرْهَمُ البِيضُ، إلّا أنَّهُ قالَ: إنَّهُ قَبِيحٌ، والدَّلِيلُ عَلى قُبْحِهِ أنَّ العَرَبَ تَجِيءُ بِالجَمْعِ الَّذِي هو في لَفْظِ الواحِدِ فَيُجْرُونَهُ مُجْرى الواحِدِ، وذَلِكَ قَوْلُهم: حَصًى أبْيَضُ، وفي التَّنْزِيلِ ﴿مِنَ الشَّجَرِ الأخْضَرِ﴾ [يس: ٨٠] و﴿أعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ [القمر: ٢٠] إذْ كانُوا قَدْ أفْرَدُوا صِفاتِ هَذا الضَّرْبِ مِنَ الجَمْعِ، فالواحِدُ الَّذِي في مَعْنى الجَمْعِ أوْلى أنْ تُفْرَدَ صِفَتُهُ. وأمّا ”إسْتَبْرَقٌ“ فَيَجُوزُ فِيهِ الرَّفْعُ والخَفْضُ أيْضًا مَعًا، أمّا الرَّفْعُ فَإذا أُرِيدَ بِهِ العَطْفُ عَلى الثِّيابِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ”ثِيابُ سُنْدُسٍ وإسْتَبْرَقٌ“ وأمّا الخَفْضُ فَإذا أُرِيدَ إضافَةُ الثِّيابِ إلَيْهِ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: ”ثِيابُ سُنْدُسٍ وإسْتَبْرَقٍ“ والمَعْنى ثِيابُهُما، فَأضافَ الثِّيابَ إلى الجِنْسَيْنِ، كَما يُقالُ: ثِيابُ خَزٍّ وكَتّانٍ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَلْبَسُونَ ثِيابًا خُضْرًا مِن سُنْدُسٍ وإسْتَبْرَقٍ﴾ واعْلَمْ أنَّ حَقائِقَ هَذِهِ الآيَةِ قَدْ تَقَدَّمَتْ في سُورَةِ الكَهْفِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: السُّنْدُسُ ما رَقَّ مِنَ الدِّيباجِ، والإسْتَبْرَقُ ما غَلُظَ مِنهُ، وكُلُّ ذَلِكَ داخِلٌ في اسْمِ الحَرِيرِ، قالَ تَعالى: ﴿ولِباسُهم فِيها حَرِيرٌ﴾ ثُمَّ قِيلَ: إنَّ الَّذِينَ هَذا لِباسُهم هُمُ الوِلْدانُ المُخَلَّدُونَ، وقِيلَ: هَذا لِباسُ الأبْرارِ، وكَأنَّهم يَلْبَسُونَ عِدَّةً مِنَ الثِّيابِ، فَيَكُونُ الَّذِي يَعْلُوها أفْضَلَها، ولِهَذا قالَ: ﴿عالِيَهُمْ﴾ وقِيلَ: هَذا مِن تَمامِ قَوْلِهِ: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيها عَلى الأرائِكِ﴾، ومَعْنى ﴿عالِيَهُمْ﴾ أيْ: فَوْقَ حِجالِهِمُ المَضْرُوبَةِ عَلَيْهِمْ ثِيابُ سُنْدُسٍ، والمَعْنى أنَّ حِجالَهم مِنَ الحَرِيرِ والدِّيباجِ. * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وحُلُّوا أساوِرَ مِن فِضَّةٍ﴾، وفِيهِ سُؤالاتٌ: السُّؤالُ الأوَّلُ: قالَ تَعالى في سُورَةِ الكَهْفِ: ﴿أُولَئِكَ لَهم جَنّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنْهارُ يُحَلَّوْنَ فِيها مِن أساوِرَ مِن ذَهَبٍ﴾ [الكهف: ٣١] فَكَيْفَ جَعَلَ تِلْكَ الأساوِرَ هَهُنا مِن فِضَّةٍ ؟ (والجَوابُ) مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ لا مُنافاةَ بَيْنَ الأمْرَيْنِ، فَلَعَلَّهم يُسَوَّرُونَ بِالجِنْسَيْنِ؛ إمّا عَلى المُعاقَبَةِ أوْ عَلى الجَمْعِ كَما تَفْعَلُ النِّساءُ في الدُّنْيا. وثانِيها: أنَّ الطِّباعَ مُخْتَلِفَةٌ، فَرُبَّ إنْسانٍ يَكُونُ اسْتِحْسانُهُ لِبَياضِ الفِضَّةِ فَوْقَ اسْتِحْسانِهِ لِصُفْرَةِ الذَّهَبِ، فاللَّهُ تَعالى يُعْطِي كُلَّ أحَدٍ ما تَكُونُ رَغْبَتُهُ فِيهِ أتَمَّ، ومَيْلُهُ إلَيْهِ أشَدَّ. وثالِثُها: أنَّ هَذِهِ الأسْوِرَةَ مِنَ الفِضَّةِ إنَّما تَكُونُ لَلْوِلْدانِ، الَّذِينَ هُمُ الخَدَمُ، وأسْوِرَةُ الذَّهَبِ لِلنّاسِ. السُّؤالُ الثّانِي: السُّوارُ إنَّما يَلِيقُ بِالنِّساءِ، وهو عَيْبٌ لِلرِّجالِ، فَكَيْفَ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ في مَعْرِضِ التَّرْغِيبِ ؟ (الجَوابُ): أهْلُ الجَنَّةِ جُرْدٌ مُرْدٌ شَبابٌ، فَلا يَبْعُدُ أنْ يُحَلَّوْا ذَهَبًا وفِضَّةً، وإنْ كانُوا رِجالًا، وقِيلَ: هَذِهِ الأسْوِرَةُ مِنَ الفِضَّةِ والذَّهَبِ إنَّما تَكُونُ لِنِساءِ أهْلِ الجَنَّةِ ولِلصِّبْيانِ فَقَطْ، ثُمَّ غَلَبَ في اللَّفْظِ جانِبُ التَّذْكِيرِ. وفي الآيَةِ وجْهٌ آخَرُ، وهو أنَّ آلَةَ أكْثَرِ الأعْمالِ هي اليَدُ، وتِلْكَ الأعْمالُ والمُجاهَداتُ هي الَّتِي يُتَوَسَّلُ بِها إلى تَحْصِيلِ المَعارِفِ الإلَهِيَّةِ والأنْوارِ الصَّمَدِيَّةِ، فَتَكُونُ تِلْكَ الأعْمالُ جارِيَةً مَجْرى الذَّهَبِ والفِضَّةِ الَّتِي يُتَوَسَّلُ بِهِما إلى تَحْصِيلِ المَطالِبِ، فَلَمّا كانَتْ تِلْكَ الأعْمالُ صادِرَةً مِنَ اليَدِ كانَتْ تِلْكَ الأعْمالُ جارِيَةً مَجْرى سِوارِ صفحة ٢٢٥ الذَّهَبِ والفِضَّةِ، فَسُمِّيَتِ الأعْمالُ والمُجاهَداتُ بِسِوارِ الذَّهَبِ والفِضَّةِ، وعَبَّرَ عَنْ تِلْكَ الأنْوارِ الفائِضَةِ عَنِ الحَضْرَةِ الصَّمَدِيَّةِ بِقَوْلِهِ: ﴿وسَقاهم رَبُّهم شَرابًا طَهُورًا﴾، وبِالجُمْلَةِ فَقَوْلُهُ: ﴿وحُلُّوا أساوِرَ مِن فِضَّةٍ﴾ إشارَةٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ جاهَدُوا فِينا﴾ [العنكبوت: ٦٩]، وقَوْلُهُ: ﴿وسَقاهم رَبُّهم شَرابًا طَهُورًا﴾ إشارَةٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿لَنَهْدِيَنَّهم سُبُلَنا﴾ [العنكبوت: ٦٩] فَهَذا احْتِمالٌ خَطَرَ بِالبالِ، واللَّهُ أعْلَمُ بِمُرادِهِ. * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وسَقاهم رَبُّهم شَرابًا طَهُورًا﴾ الطَّهُورُ فِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: المُبالَغَةُ في كَوْنِهِ طاهِرًا، ثُمَّ فِيهِ عَلى هَذا التَّفْسِيرِ احْتِمالاتٌ: أحَدُها: أنَّهُ لا يَكُونُ نَجِسًا كَخَمْرِ الدُّنْيا. وثانِيها: المُبالَغَةُ في البُعْدِ عَنِ الأُمُورِ المُسْتَقْذَرَةِ، يَعْنِي ما مَسَّتْهُ الأيْدِي الوَضِرَةُ، وما داسَتْهُ الأقْدامُ الدَّنِسَةُ. وثالِثُها: أنَّها لا تَئُولُ إلى النَّجاسَةِ؛ لِأنَّها تَرْشَحُ عَرَقًا مِن أبْدانِهِمْ لَهُ رِيحٌ كَرِيحِ المِسْكِ. القَوْلُ الثّانِي في الطَّهُورِ: أنَّهُ المُطَهِّرُ، وعَلى هَذا التَّفْسِيرِ أيْضًا في الآيَةِ احْتِمالانِ: أحَدُهُما: قالَ مُقاتِلٌ: هو عَيْنُ ماءٍ عَلى بابِ الجَنَّةِ تَنْبُعُ مِن ساقِ شَجَرَةٍ مَن شَرِبَ مِنها نَزَعَ اللَّهُ ما كانَ في قَلْبِهِ مِن غِلٍّ وغِشٍّ وحَسَدٍ، وما كانَ في جَوْفِهِ مِن قَذَرٍ وأذًى. وثانِيهِما: قالَ أبُو قِلابَةَ: يُؤْتَوْنَ الطَّعامَ والشَّرابَ، فَإذا كانَ في آخِرِ ذَلِكَ أُتُوا بِالشَّرابِ الطَّهُورِ فَيَشْرَبُونَ فَتَطْهُرُ بِذَلِكَ بُطُونُهم، ويَفِيضُ عَرَقٌ مِن جُلُودِهِمْ مِثْلُ رِيحِ المِسْكِ، وعَلى هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ يَكُونُ الطَّهُورُ مُطَهِّرًا؛ لِأنَّهُ يُطَهِّرُ باطِنَهم عَنِ الأخْلاقِ الذَّمِيمَةِ، والأشْياءِ المُؤْذِيَةِ، فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وسَقاهم رَبُّهُمْ﴾ هو عَيْنُ ما ذَكَرَ تَعالى قَبْلَ ذَلِكَ مِن أنَّهم يَشْرَبُونَ مِن عَيْنِ الكافُورِ والزَّنْجَبِيلِ والسَّلْسَبِيلِ، أوْ هَذا نَوْعٌ آخَرُ ؟ قُلْنا: بَلْ هَذا نَوْعٌ آخَرُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: دَفْعُ التَّكْرارِ. وثانِيها: أنَّهُ تَعالى أضافَ هَذا الشَّرابَ إلى نَفْسِهِ، فَقالَ: ﴿وسَقاهم رَبُّهُمْ﴾ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى فَضْلٍ في هَذا دُونَ غَيْرِهِ. وثالِثُها: ما رُوِّينا أنَّهُ تُقَدَّمُ إلَيْهِمُ الأطْعِمَةُ والأشْرِبَةُ، فَإذا فَرَغُوا مِنها أُتُوا بِالشَّرابِ الطَّهُورِ فَيَشْرَبُونَ، فَيُطَهِّرُ ذَلِكَ بُطُونَهم، ويَفِيضُ عَرَقٌ مِن جُلُودِهِمْ مِثْلُ رِيحِ المِسْكِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا الشَّرابَ مُغايِرٌ لِتِلْكَ الأشْرِبَةِ، ولِأنَّ هَذا الشَّرابَ يَهْضِمُ سائِرَ الأشْرِبَةِ، ثُمَّ لَهُ مَعَ هَذا الهَضْمِ تَأْثِيرٌ عَجِيبٌ، وهو أنَّهُ يَجْعَلُ سائِرَ الأطْعِمَةِ والأشْرِبَةِ عَرَقًا يَفُوحُ مِنهُ رِيحٌ كَرِيحِ المِسْكِ، وكُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى المُغايَرَةِ. ورابِعُها: وهو أنَّ الرُّوحَ مِن عالَمِ المَلائِكَةِ، والأنْوارُ الفائِضَةُ مِن جَواهِرِ أكابِرِ المَلائِكَةِ وعُظَمائِهِمْ عَلى هَذِهِ الأرْواحِ مُشَبَّهَةٌ بِالماءِ العَذْبِ الَّذِي يُزِيلُ العَطَشَ ويُقَوِّي البَدَنَ، وكَما أنَّ العُيُونَ مُتَفاوِتَةٌ في الصَّفاءِ والكَثْرَةِ والقُوَّةِ، فَكَذا يَنابِيعُ الأنْوارِ العُلْوِيَّةِ مُخْتَلِفَةٌ، فَبَعْضُها تَكُونُ كافُورِيَّةً عَلى طَبْعِ البَرْدِ واليُبْسِ، ويَكُونُ صاحِبُها في الدُّنْيا في مَقامِ الخَوْفِ والبُكاءِ والِانْقِباضِ، وبَعْضُها تَكُونُ زَنْجَبِيلِيَّةً عَلى طَبْعِ الحَرِّ واليُبْسِ، فَيَكُونُ صاحِبُ هَذِهِ الحالَةِ قَلِيلَ الِالتِفاتِ إلى ما سِوى اللَّهِ تَعالى، قَلِيلَ المُبالاةِ بِالأجْسامِ والجُسْمانِيّاتِ، ثُمَّ لا تَزالُ الرُّوحُ البَشَرِيَّةُ مُنْتَقِلَةً مِن يَنْبُوعٍ إلى يَنْبُوعٍ، ومِن نُورٍ إلى نُورٍ، ولا شَكَّ أنَّ الأسْبابَ والمُسَبَّباتِ مُتَناهِيَةٌ في ارْتِقائِها إلى واجِبِ الوُجُودِ الَّذِي هو النُّورُ المُطْلَقُ جَلَّ جَلالُهُ، وعَزَّ كَمالُهُ، فَإذا وصَلَ إلى ذَلِكَ المَقامِ وشَرِبَ مِن ذَلِكَ الشَّرابِ انْهَضَمَتْ تِلْكَ الأشْرِبَةُ المُتَقَدِّمَةُ، بَلْ فَنِيَتْ؛ لِأنَّ نُورَ ما سِوى اللَّهِ تَعالى يَضْمَحِلُّ في مُقابَلَةِ نُورِ اللَّهِ وكِبْرِيائِهِ وعَظَمَتِهِ، وذَلِكَ هو آخِرُ سَيْرِ الصِّدِّيقِينَ، ومُنْتَهى دَرَجاتِهِمْ في الِارْتِقاءِ والكَمالِ، فَلِهَذا السَّبَبِ خَتَمَ اللَّهُ تَعالى ذِكْرَ ثَوابِ الأبْرارِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وسَقاهم رَبُّهم شَرابًا طَهُورًا﴾ . صفحة ٢٢٦

الإنسان 76:22

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا تَمَّمَ شَرْحَ أحْوالِ السُّعَداءِ، قالَ تَعالى: ﴿إنَّ هَذا كانَ لَكم جَزاءً وكانَ سَعْيُكم مَشْكُورًا﴾ اعْلَمْ أنَّ في الآيَةِ وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المَعْنى أنَّهُ يُقالُ لِأهْلِ الجَنَّةِ بَعْدَ دُخُولِهِمْ فِيها، ومُشاهَدَتِهِمْ لِنَعِيمِها: إنَّ هَذا كانَ لَكم جَزاءً قَدْ أعَدَّهُ اللَّهُ تَعالى لَكم إلى هَذا الوَقْتِ، فَهو كُلُّهُ لَكم بِأعْمالِكم عَلى قِلَّةِ أعْمالِكم، كَما قالَ حاكِيًا عَنِ المَلائِكَةِ: إنَّهم يَقُولُونَ لِأهْلِ الجَنَّةِ: ﴿سَلامٌ عَلَيْكم بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبى الدّارِ﴾ [الرعد: ٢٤]، وقالَ: ﴿كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما أسْلَفْتُمْ في الأيّامِ الخالِيَةِ﴾ [الحاقة: ٢٤]، والغَرَضُ مِن ذِكْرِ هَذا الكَلامِ أنْ يَزْدادَ سُرُورُهم، فَإنَّهُ يُقالُ لِلْمُعاقَبِ: هَذا بِعَمَلِكَ الرَّدِيءِ، فَيَزْدادُ غَمُّهُ وألَمُ قَلْبِهِ، ويُقالُ لِلْمُثابِ: هَذا بِطاعَتِكَ، فَيَكُونُ ذَلِكَ تَهْنِئَةً لَهُ وزِيادَةً في سُرُورِهِ، والقائِلُ بِهَذا التَّفْسِيرِ جَعَلَ القَوْلَ مُضْمَرًا، أيْ: ويُقالُ لَهم هَذا الكَلامُ. الوَجْهُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ إخْبارًا مِنَ اللَّهِ تَعالى لِعِبادِهِ في الدُّنْيا، فَكَأنَّهُ تَعالى شَرَحَ جَوابَ أهْلِ الجَنَّةِ، أنَّ هَذا كانَ في عِلْمِي وحُكْمِي جَزاءً لَكم يا مَعاشِرَ عِبادِي، لَكم خَلَقْتُها، ولِأجْلِكم أعْدَدْتُها. وبَقِيَ في الآيَةِ سُؤالانِ: السُّؤالُ الأوَّلُ: إذا كانَ فِعْلُ العَبْدِ خَلْقًا لِلَّهِ، فَكَيْفَ يُعْقَلُ أنْ يَكُونَ فِعْلُ اللَّهِ جَزاءً عَلى فِعْلِ اللَّهِ ؟ (الجَوابُ): الجُزْءُ هو الكافِي، وذَلِكَ لا يُنافِي كَوْنَهُ فِعْلًا لِلَّهِ تَعالى. السُّؤالُ الثّانِي: كَوْنُ سَعْيِ العَبْدِ مَشْكُورًا لِلَّهِ يَقْتَضِي كَوْنَ اللَّهِ شاكِرًا لَهُ. (والجَوابُ): كَوْنُ اللَّهِ تَعالى شاكِرًا لِلْعَبْدِ مُحالٌ إلّا عَلى وجْهِ المَجازِ، وهو مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: الأوَّلُ: قالَ القاضِي: إنَّ الثَّوابَ مُقابِلٌ لِعِلْمِهِمْ، كَما أنَّ الشُّكْرَ مُقابِلٌ لِلنِّعَمِ. الثّانِي: قالَ القَفّالُ: إنَّهُ مَشْهُورٌ في كَلامِ النّاسِ أنْ يَقُولُوا لِلرّاضِي بِالقَلِيلِ والمُثْنِي بِهِ: إنَّهُ شَكُورٌ، فَيُحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ شُكْرُ اللَّهِ لِعِبادِهِ هو رِضاهُ عَنْهم بِالقَلِيلِ مِنَ الطّاعاتِ، وإعْطاءَهُ إيّاهم عَلَيْهِ ثَوابًا كَثِيرًا. الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّ مُنْتَهى دَرَجَةِ العَبْدِ أنْ يَكُونَ راضِيًا مِن رَبِّهِ مَرْضِيًّا لِرَبِّهِ عَلى ما قالَ: ﴿ياأيَّتُها النَّفْسُ المُطْمَئِنَّةُ﴾ ﴿ارْجِعِي إلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ [الفجر: ٢٨] وكَوْنُها راضِيَةً مِن رَبِّهِ أقَلُّ دَرَجَةً مِن كَوْنِها مَرْضِيَّةً لِرَبِّهِ، فَقَوْلُهُ: ﴿إنَّ هَذا كانَ لَكم جَزاءً﴾ إشارَةٌ إلى الأمْرِ الَّذِي بِهِ تَصِيرُ النَّفْسُ راضِيَةً مِن رَبِّهِ. وقَوْلُهُ: ﴿وكانَ سَعْيُكم مَشْكُورًا﴾ إشارَةٌ إلى كَوْنِها مَرْضِيَّةً لِرَبِّهِ، ولَمّا كانَتْ هَذِهِ الحالُ أعْلى المَقاماتِ وآخِرَ الدَّرَجاتِ، لا جَرَمَ وقَعَ الخَتْمُ عَلَيْها في ذِكْرِ مَراتِبِ أحْوالِ الأبْرارِ والصِّدِّيقِينَ.

الإنسان 76:23

قَوْلُهُ: ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ تَنْزِيلًا﴾ اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ بَيَّنَ في أوَّلِ السُّورَةِ أنَّ الإنْسانَ وُجِدَ بَعْدَ العَدَمِ بِقَوْلِهِ: ﴿هَلْ أتى عَلى الإنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ [الإنسان: ١] ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ سُبْحانَهُ خَلَقَهُ مِن أمْشاجٍ، والمُرادُ مِنهُ إمّا كَوْنُهُ مَخْلُوقًا مِنَ العَناصِرِ الأرْبَعَةِ، أوْ مِنَ الأخْلاطِ الأرْبَعَةِ، أوْ مِن ماءِ الرَّجُلِ والمَرْأةِ، أوْ مِنَ الأعْضاءِ والأرْواحِ، أوْ مِنَ البَدَنِ صفحة ٢٢٧ والنَّفْسِ، أوْ مِن أحْوالٍ مُتَعاقِبَةٍ عَلى ذَلِكَ الجِسْمِ، مِثْلُ كَوْنِهِ نُطْفَةً ثُمَّ عَلَقَةً ثُمَّ مُضْغَةً ثُمَّ عِظامًا، وعَلى أيِّ هَذِهِ الوُجُوهِ تُحْمَلُ هَذِهِ الآيَةُ، فَلِذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الصّانِعِ المُخْتارِ جَلَّ جَلالُهُ وعَظُمَ كِبْرِياؤُهُ. ثُمَّ بَيَّنَ بَعْدَ ذَلِكَ أنِّي ما خَلَقْتُهُ ضائِعًا عاطِلًا باطِلًا، بَلْ خَلَقْتُهُ لِأجْلِ الِابْتِلاءِ والِامْتِحانِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿نَبْتَلِيهِ﴾ [الإنسان: ٢] وهَهُنا مَوْضِعُ الخُصُومَةِ العَظِيمَةِ القائِمَةِ بَيْنَ أهْلِ الجَبْرِ والقَدَرِ، ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى أنِّي أعْطَيْتُهُ جَمِيعَ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ عِنْدَ الِابْتِلاءِ والِامْتِحانِ، وهو السَّمْعُ والبَصَرُ والعَقْلُ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَجَعَلْناهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [الإنسان: ٢] ولَمّا كانَ العَقْلُ أشْرَفَ الأُمُورِ المُحْتاجِ إلَيْها في هَذا البابِ أفْرَدَهُ عَنِ السَّمْعِ والبَصَرِ، فَقالَ: ﴿إنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ﴾ [الإنسان: ٣] ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ الخَلْقَ بَعْدَ هَذِهِ الأحْوالِ صارُوا قِسْمَيْنِ؛ مِنهم شاكِرٌ، ومِنهم كُفُورٌ، وهَذا الِانْقِسامُ بِاخْتِيارِهِمْ كَما هو تَأْوِيلُ القَدَرِيَّةِ، أوْ مِنَ اللَّهِ عَلى ما هو تَأْوِيلُ الجَبْرِيَّةِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ عَذابَ الكُفّارِ عَلى الِاخْتِصارِ، ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ ثَوابَ المُطِيعِينَ عَلى الِاسْتِقْصاءِ، وهو إلى قَوْلِهِ: ﴿وكانَ سَعْيُكم مَشْكُورًا﴾ . واعْلَمْ أنَّ الِاخْتِصارَ في ذِكْرِ العِقابِ مَعَ الإطْنابِ في شَرْحِ الثَّوابِ يَدُلُّ عَلى أنَّ جانِبَ الرَّحْمَةِ أغْلَبُ وأقْوى، فَظَهَرَ مِمّا بَيَّنّا أنَّ السُّورَةَ مِن أوَّلِها إلى هَذا المَوْضِعِ في بَيانِ أحْوالِ الآخِرَةِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى شَرَعَ بَعْدَ ذَلِكَ في أحْوالِ الدُّنْيا، وقَدَّمَ شَرْحَ أحْوالِ المُطِيعِينَ عَلى شَرْحِ أحْوالِ المُتَمَرِّدِينَ، أمّا المُطِيعُونَ فَهُمُ الرَّسُولُ وأُمَّتُهُ، والرَّسُولُ هو الرَّأْسُ والرَّئِيسُ، فَلِهَذا خُصَّ الرَّسُولُ بِالخِطابِ. واعْلَمْ أنَّ الخِطابَ إمّا النَّهْيُ وإمّا الأمْرُ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى قَبْلَ الخَوْضِ فِيما يَتَعَلَّقُ بِالرَّسُولِ مِنَ النَّهْيِ والأمْرِ، قَدَّمَ مُقَدِّمَةً في تَقْوِيَةِ قَلْبِ الرَّسُولِ ﷺ وإزالَةِ الغَمِّ والوَحْشَةِ عَنْ خاطِرِهِ، وإنَّما فَعَلَ ذَلِكَ لِأنَّ الِاشْتِغالَ بِالطّاعَةِ والقِيامَ بِعُهْدَةِ التَّكْلِيفِ لا يَتِمُّ إلّا مَعَ فَراغِ القَلْبِ، ثُمَّ بَعْدَ هَذِهِ المُقَدِّمَةِ ذَكَرَ نَهْيَهُ عَنْ بَعْضِ الأشْياءِ، ثُمَّ بَعْدَ الفَراغِ عَنِ النَّهْيِ ذَكَرَ أمْرَهُ بِبَعْضِ الأشْياءِ، وإنَّما قَدَّمَ النَّهْيَ عَلى الأمْرِ لِأنَّ دَفْعَ الضَّرَرِ أهَمُّ مِن جَلْبِ النَّفْعِ، وإزالَةَ ما لا يَنْبَغِي مُقَدَّمٌ عَلى تَحْصِيلِ ما يَنْبَغِي، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ أحْوالَ المُتَمَرِّدِينَ والكُفّارِ عَلى ما سَيَأْتِي تَفْصِيلُ بَيانِهِ، ومَن تَأمَّلَ فِيما ذَكَرْناهُ عَلِمَ أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ وقَعَتْ عَلى أحْسَنِ وُجُوهِ التَّرْتِيبِ والنِّظامِ، فالحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَوَّرَ عَقْلَ هَذا المِسْكِينِ الضَّعِيفِ بِهَذِهِ الأنْوارِ، ولَهُ الشُّكْرُ عَلَيْهِ أبَدَ الآبادِ. ولِنَرْجِعْ إلى التَّفْسِيرِ فَنَقُولُ: أمّا تِلْكَ المُقَدِّمَةُ فَهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ تَنْزِيلًا﴾ واعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذِهِ الآيَةِ تَثْبِيتُ الرَّسُولِ وشَرْحُ صَدْرِهِ فِيما نَسَبُوهُ إلَيْهِ مِن كِهانَةٍ وسِحْرٍ، فَذَكَرَ اللَّهُ تَعالى أنَّ ذَلِكَ وحْيٌ مِنَ اللَّهِ، فَلا جَرَمَ بالَغَ وكَرَّرَ الضَّمِيرَ بَعْدَ إيقاعِهِ اسْمًا؛ لِأنَّ تَأْكِيدًا عَلى تَأْكِيدٍ أبْلَغُ، كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: إنْ كانَ هَؤُلاءِ الكُفّارُ يَقُولُونَ: إنَّ ذَلِكَ كِهانَةٌ، فَأنا اللَّهُ المَلِكُ الحَقُّ أقُولُ عَلى سَبِيلِ التَّأْكِيدِ والمُبالَغَةِ: إنَّ ذَلِكَ وحْيٌ حَقٌّ، وتَنْزِيلٌ صِدْقٌ مِن عِنْدِي. وهَذا فِيهِ فائِدَتانِ: إحْداهُما: إزالَةُ الوَحْشَةِ المُتَقَدِّمَةِ الحاصِلَةِ بِسَبَبِ طَعْنِ أُولَئِكَ الكُفّارِ؛ فَإنَّ بَعْضَ الجُهّالِ وإنْ طَعَنُوا فِيهِ إلّا أنَّ جَبّارَ السَّماواتِ عَظَّمَهُ وصَدَّقَهُ. والثّانِيَةُ: تَقْوِيَتُهُ عَلى تَحَمُّلِ التَّكْلِيفِ المُسْتَقْبَلِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ الكُفّارَ كانُوا يُبالِغُونَ في إيذائِهِ، وهو كانَ يُرِيدُ مُقاتَلَتَهم، فَلَمّا أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِالصَّبْرِ عَلى ذَلِكَ الإيذاءِ وتَرْكِ المُقاتَلَةِ، وكانَ ذَلِكَ شاقًّا عَلَيْهِ، فَقالَ لَهُ: ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ تَنْزِيلًا﴾ فَكَأنَّهُ قالَ لَهُ: إنِّي ما نَزَّلْتُ عَلَيْكَ هَذا القُرْآنَ مُفَرَّقًا مُنَجَّمًا إلّا لِحِكْمَةٍ بالِغَةٍ تَقْتَضِي تَخْصِيصَ كُلِّ شَيْءٍ بِوَقْتٍ مُعَيَّنٍ، ولَقَدِ اقْتَضَتْ تِلْكَ الحِكْمَةُ تَأْخِيرَ الإذْنِ في القِتالِ، فاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ صفحة ٢٢٨ الصّادِرِ عَنِ الحِكْمَةِ المَحْضَةِ المُبَرَّأِ عَنِ العَيْبِ والعَبَثِ والباطِلِ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا قَدَّمَ هَذِهِ المُقَدِّمَةَ ذَكَرَ النَّهْيَ فَقالَ تَعالى: ﴿فاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ ولا تُطِعْ مِنهم آثِمًا أوْ كَفُورًا﴾

الإنسان 76:24

فَإمّا أنْ يَكُونَ المَعْنى: ﴿فاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ في تَأْخِيرِ الإذْنِ في القِتالِ، ونَظِيرُهُ ﴿فاصْبِرُوا حَتّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنا وهو خَيْرُ الحاكِمِينَ﴾ [الأعراف: ٨٧] أوْ يَكُونَ المَعْنى عامًّا في جَمِيعِ التَّكالِيفِ، أيْ فاصْبِرْ في كُلِّ ما حَكَمَ بِهِ رَبُّكَ، سَواءٌ كانَ ذَلِكَ تَكْلِيفًا خاصًّا بِكَ مِنَ العِباداتِ والطّاعاتِ أوْ مُتَعَلِّقًا بِالغَيْرِ، وهو التَّبْلِيغُ وأداءُ الرِّسالَةِ وتَحَمُّلُ المَشاقِّ النّاشِئَةِ مِن ذَلِكَ. ثُمَّ في الآيَةِ سُؤالاتٌ: السُّؤالُ الأوَّلُ: قَوْلُهُ ﴿فاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ دَخَلَ فِيهِ أنْ ﴿ولا تُطِعْ مِنهم آثِمًا أوْ كَفُورًا﴾ فَكانَ ذِكْرُهُ بَعْدَ هَذا تَكْرِيرًا. (الجَوابُ) الأوَّلُ أمْرٌ بِالمَأْمُوراتِ، والثّانِي نَهْيٌ عَنِ المَنهِيّاتِ، ودَلالَةُ أحَدِهِما عَلى الآخَرِ بِالِالتِزامِ لا بِالتَّصْرِيحِ، فَيَكُونُ التَّصْرِيحُ بِهِ مُفِيدًا. السُّؤالُ الثّانِي: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ما كانَ يُطِيعُ أحَدًا مِنهم، فَما الفائِدَةُ في هَذا النَّهْيِ ؟ (الجَوابُ): المَقْصُودُ بَيانُ أنَّ النّاسَ مُحْتاجُونَ إلى مُواصَلَةِ التَّنْبِيهِ والإرْشادِ، لِأجْلِ ما تَرَكَّبَ فِيهِمْ مِنَ الشَّهَواتِ الدّاعِيَةِ إلى الفَسادِ، وأنَّ أحَدًا لَوِ اسْتَغْنى عَنْ تَوْفِيقِ اللَّهِ وإمْدادِهِ وإرْشادِهِ، لَكانَ أحَقُّ النّاسِ بِهِ هو الرَّسُولَ المَعْصُومَ، ومَتى ظَهَرَ ذَلِكَ عَرَفَ كُلُّ مُسْلِمٍ أنَّهُ لا بُدَّ لَهُ مِنَ الرَّغْبَةِ إلى اللَّهِ والتَّضَرُّعِ إلَيْهِ في أنْ يَصُونَهُ عَنِ الشُّبُهاتِ والشَّهَواتِ. السُّؤالُ الثّالِثُ: ما الفَرْقُ بَيْنَ الآثِمِ والكَفُورِ ؟ (الجَوابُ): الآثِمُ هو المُقْدِمُ عَلى المَعاصِي، أيَّ مَعْصِيَةٍ كانَتْ، والكَفُورُ هو الجاحِدُ لِلنِّعْمَةِ، فَكُلُّ كَفُورٍ آثِمٌ، ولَيْسَ كُلُّ آثِمٍ كَفُورًا، وإنَّما قُلْنا: إنَّ الآثِمَ عامٌّ في المَعاصِي كُلِّها؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿ومَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرى إثْمًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٨] فَسَمّى الشِّرْكَ إثْمًا، وقالَ: ﴿ولا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ ومَن يَكْتُمْها فَإنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣]، وقالَ: ﴿وذَرُوا ظاهِرَ الإثْمِ وباطِنَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٠]، وقالَ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إثْمٌ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢١٩] فَدَلَّتْ هَذِهِ الآياتُ عَلى أنَّ هَذا الإثْمَ شامِلٌ لِكُلِّ المَعاصِي. واعْلَمْ أنَّ كُلَّ مَن عَبَدَ غَيْرَ اللَّهِ فَقَدِ اجْتَمَعَ في حَقِّهِ هَذانِ الوَصْفانِ؛ لِأنَّهُ لَمّا عَبَدَ غَيْرَهُ، فَقَدْ عَصاهُ وجَحَدَ إنْعامَهُ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: في الآيَةِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ شَخْصٌ مُعَيَّنٌ، ثُمَّ مِنهم مَن قالَ: الآثِمُ والكَفُورُ هو شَخْصٌ واحِدٌ، وهو أبُو جَهْلٍ، ومِنهم مَن قالَ: الآثِمُ هو الوَلِيدُ، والكَفُورُ هو عُتْبَةُ، قالَ القَفّالُ: ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّهُ تَعالى سَمّى الوَلِيدَ أثِيمًا في قَوْلِهِ: ﴿ولا تُطِعْ كُلَّ حَلّافٍ مَهِينٍ﴾ [القلم: ١٠] إلى قَوْلِهِ: ﴿مَنّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أثِيمٍ﴾ [القلم: ١٢] ورَوى صاحِبُ الكَشّافِ أنَّ الآثِمَ هو عُتْبَةُ، والكَفُورَ هو الوَلِيدُ؛ لِأنَّ عُتْبَةَ كانَ رَكّابًا لِلْمَآثِمِ، مُتَعاطِيًا لِأنْواعِ الفُسُوقِ، والوَلِيدَ كانَ غالِيًا في الكُفْرِ. والقَوْلُ الأوَّلُ أوْلى؛ لِأنَّهُ مُتَأيِّدٌ بِالقُرْآنِ، يُرْوى أنَّ عُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ قالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: ارْجِعْ عَنْ هَذا الأمْرِ حَتّى أُزَوِّجَكَ ولَدِي، فَإنِّي مِن أجْمَلِ قُرَيْشٍ ولَدًا، وقالَ الوَلِيدُ: أنا أُعْطِيكَ مِنَ المالِ حَتّى تَرْضى، فَإنِّي مِن أكْثَرِهِمْ مالًا. فَقَرَأ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَشْرَ آياتٍ مِن أوَّلِ حم السَّجْدَةِ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ أعْرَضُوا فَقُلْ أنْذَرْتُكم صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وثَمُودَ﴾ [فصلت: ١٣] فانْصَرَفا عَنْهُ، وقالَ أحَدُهُما: ظَنَنْتُ أنَّ الكَعْبَةَ سَتَقَعُ عَلَيَّ. القَوْلُ الثّانِي: أنَّ الآثِمَ صفحة ٢٢٩ والكَفُورَ مُطْلَقانِ غَيْرُ مُخْتَصَّيْنِ بِشَخْصٍ مُعَيَّنٍ، وهَذا هو الأقْرَبُ إلى الظّاهِرِ، ثُمَّ قالَ الحَسَنُ: الآثِمُ هو المُنافِقُ، والكَفُورُ مُشْرِكُو العَرَبِ، وهَذا ضَعِيفٌ، بَلِ الحَقُّ ما ذَكَرْناهُ مِن أنَّ الآثِمَ عامٌّ، والكُفُورَ خاصٌّ. السُّؤالُ الرّابِعُ: كانُوا كُلُّهم كَفَرَةً، فَما مَعْنى القِسْمَةِ في قَوْلِهِ: ﴿آثِمًا أوْ كَفُورًا﴾ ؟ ( الجَوابُ: ( الكَفُورُ أخْبَثُ أنْواعِ الآثِمِ، فَخَصَّهُ بِالذِّكْرِ تَنْبِيهًا عَلى غايَةِ خُبْثِهِ ونِهايَةِ بُعْدِهِ عَنِ اللَّهِ. السُّؤالُ الخامِسُ: كَلِمَةُ ”أوْ“ تَقْتَضِي النَّهْيَ عَنْ طاعَةِ أحَدِهِما فَلِمَ لَمْ يَذْكُرِ الواوَ حَتّى يَكُونَ نَهْيًا عَنْ طاعَتِهِما جَمِيعًا ؟ (الجَوابُ): ذَكَرُوا فِيهِ وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: وهو الَّذِي ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ واخْتارَهُ أكْثَرُ المُحَقِّقِينَ أنَّهُ لَوْ قِيلَ: ولا تُطِعْهُما لَجازَ أنْ يُطِيعَ أحَدَهُما؛ لِأنَّ النَّهْيَ عَنْ طاعَةِ مَجْمُوعِ شَخْصَيْنِ لا يَقْتَضِي النَّهْيَ عَنْ طاعَةِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما وحْدَهُ، أمّا النَّهْيُ عَنْ طاعَةِ أحَدِهِما فَيَكُونُ نَهْيًا عَنْ طاعَةِ مَجْمُوعِهِما؛ لِأنَّ الواحِدَ داخِلٌ في المَجْمُوعِ، ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: هَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ”لا تُطِعْ هَذا وهَذا“ مَعْناهُ: كُنْ مُخالِفًا لِأحَدِهِما، ولا يَلْزَمُ مِن إيجابِ مُخالَفَةِ أحَدِهِما إيجابُ مُخالَفَتِهِما مَعًا، فَإنَّهُ لا يَبْعُدُ أنْ يَقُولَ السَّيِّدُ لِعَبْدِهِ: إذا أمَرَكَ أحَدُ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ فَخالِفْهُ، أمّا إذا تَوافَقا فَلا تُخالِفْهُما. والثّانِي: قالَ الفَرّاءُ: تَقْدِيرُ الآيَةِ لا تُطِعْ مِنهم أحَدًا، سَواءٌ كانَ آثِمًا أوْ كَفُورًا؛ كَقَوْلِ الرَّجُلِ لِمَن يَسْألُهُ شَيْئًا: لا أُعْطِيكَ، سَواءٌ سَألْتَ أوْ سَكَتَّ.

الإنسان 76:25

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ هَذا النَّهْيَ عَقَّبَهُ بِالأمْرِ، فَقالَ: ﴿واذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وأصِيلًا﴾ ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فاسْجُدْ لَهُ وسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا﴾، وفي هَذِهِ الآيَةِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ هو الصَّلاةُ، قالُوا: لِأنَّ التَّقْيِيدَ بِالبُكْرَةِ والأصِيلِ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿واذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ الصَّلَواتُ. ثُمَّ قالُوا: البُكْرَةُ هي صَلاةُ الصُّبْحِ، والأصِيلُ صَلاةُ الظُّهْرِ والعَصْرِ، ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فاسْجُدْ لَهُ﴾ المَغْرِبُ والعِشاءُ، فَتَكُونُ هَذِهِ الكَلِماتُ جامِعَةً الصَّلَواتِ الخَمْسَ، وقَوْلُهُ: ﴿وسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا﴾ المُرادُ مِنهُ التَّهَجُّدُ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِيهِ فَقالَ بَعْضُهم: كانَ ذَلِكَ مِنَ الواجِباتِ عَلى الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ، ثُمَّ نُسِخَ كَما ذَكَرْنا في سُورَةِ المُزَّمِّلِ، واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فاسْجُدْ لَهُ وسَبِّحْهُ﴾ أمْرٌ، وهو لِلْوُجُوبِ، لا سِيَّما إذا تَكَرَّرَ عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ، وقالَ آخَرُونَ: بَلِ المُرادُ التَّطَوُّعُ، وحُكْمُهُ ثابِتٌ. القَوْلُ الثّانِي: إنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿واذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ لَيْسَ هو الصَّلاةَ، بَلِ المُرادُ التَّسْبِيحُ الَّذِي هو القَوْلُ والِاعْتِقادُ، والمَقْصُودُ أنْ يَكُونَ ذاكِرًا لِلَّهِ في جَمِيعِ الأوْقاتِ لَيْلًا ونَهارًا بِقَلْبِهِ ولِسانِهِ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ ﴿وسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وأصِيلًا﴾ [الأحزاب: ٤٢] . واعْلَمْ أنَّ في الآيَةِ لَطِيفَةً أُخْرى، وهي أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ تَنْزِيلًا﴾ أيْ: هَدَيْناكَ إلى هَذِهِ الأسْرارِ، وشَرَحْنا صَدْرَكَ بِهَذِهِ الأنْوارِ، وإذْ قَدْ فَعَلْنا بِكَ ذَلِكَ فَكُنْ مُنْقادًا مُطِيعًا لِأمْرِنا، وإيّاكَ وأنْ تَكُونَ مُنْقادًا مُطِيعًا لِغَيْرِنا. ثُمَّ لَمّا أمَرَهُ بِطاعَتِهِ ونَهاهُ عَنْ طاعَةِ غَيْرِهِ قالَ: ﴿واذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ وهَذا إشارَةٌ إلى أنَّ العُقُولَ البَشَرِيَّةَ لَيْسَ عِنْدَها إلّا مَعْرِفَةُ الأسْماءِ والصِّفاتِ، أمّا مَعْرِفَةُ الحَقِيقَةِ فَلا، فَتارَةً يُقالُ لَهُ: ﴿واذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ وهو إشارَةٌ إلى مَعْرِفَةِ الأسْماءِ، وتارَةً يُقالُ لَهُ: ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ في نَفْسِكَ﴾ [الأعراف: ٢٠٥] وهو صفحة ٢٣٠ إشارَةٌ إلى مَقامِ الصِّفاتِ، وأمّا مَعْرِفَةُ الحَقِيقَةِ المَخْصُوصَةِ الَّتِي هي المُسْتَلْزِمَةُ لِسائِرِ اللَّوازِمِ السَّلْبِيَّةِ والإضافِيَّةِ، فَلا سَبِيلَ لِشَيْءٍ مِنَ المُمْكِناتِ والمُحْدَثاتِ إلى الوُصُولِ إلَيْها والِاطِّلاعِ عَلَيْها، فَسُبْحانَ مَنِ اخْتَفى عَنِ العُقُولِ لِشِدَّةِ ظُهُورِهِ، واحْتَجَبَ عَنْها بِكَمالِ نُورِهِ.

الإنسان 76:26

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ هَذا النَّهْيَ عَقَّبَهُ بِالأمْرِ، فَقالَ: ﴿واذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وأصِيلًا﴾ ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فاسْجُدْ لَهُ وسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا﴾، وفي هَذِهِ الآيَةِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ هو الصَّلاةُ، قالُوا: لِأنَّ التَّقْيِيدَ بِالبُكْرَةِ والأصِيلِ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿واذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ الصَّلَواتُ. ثُمَّ قالُوا: البُكْرَةُ هي صَلاةُ الصُّبْحِ، والأصِيلُ صَلاةُ الظُّهْرِ والعَصْرِ، ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فاسْجُدْ لَهُ﴾ المَغْرِبُ والعِشاءُ، فَتَكُونُ هَذِهِ الكَلِماتُ جامِعَةً الصَّلَواتِ الخَمْسَ، وقَوْلُهُ: ﴿وسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا﴾ المُرادُ مِنهُ التَّهَجُّدُ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِيهِ فَقالَ بَعْضُهم: كانَ ذَلِكَ مِنَ الواجِباتِ عَلى الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ، ثُمَّ نُسِخَ كَما ذَكَرْنا في سُورَةِ المُزَّمِّلِ، واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فاسْجُدْ لَهُ وسَبِّحْهُ﴾ أمْرٌ، وهو لِلْوُجُوبِ، لا سِيَّما إذا تَكَرَّرَ عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ، وقالَ آخَرُونَ: بَلِ المُرادُ التَّطَوُّعُ، وحُكْمُهُ ثابِتٌ. القَوْلُ الثّانِي: إنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿واذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ لَيْسَ هو الصَّلاةَ، بَلِ المُرادُ التَّسْبِيحُ الَّذِي هو القَوْلُ والِاعْتِقادُ، والمَقْصُودُ أنْ يَكُونَ ذاكِرًا لِلَّهِ في جَمِيعِ الأوْقاتِ لَيْلًا ونَهارًا بِقَلْبِهِ ولِسانِهِ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ ﴿وسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وأصِيلًا﴾ [الأحزاب: ٤٢] . واعْلَمْ أنَّ في الآيَةِ لَطِيفَةً أُخْرى، وهي أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ تَنْزِيلًا﴾ أيْ: هَدَيْناكَ إلى هَذِهِ الأسْرارِ، وشَرَحْنا صَدْرَكَ بِهَذِهِ الأنْوارِ، وإذْ قَدْ فَعَلْنا بِكَ ذَلِكَ فَكُنْ مُنْقادًا مُطِيعًا لِأمْرِنا، وإيّاكَ وأنْ تَكُونَ مُنْقادًا مُطِيعًا لِغَيْرِنا. ثُمَّ لَمّا أمَرَهُ بِطاعَتِهِ ونَهاهُ عَنْ طاعَةِ غَيْرِهِ قالَ: ﴿واذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ وهَذا إشارَةٌ إلى أنَّ العُقُولَ البَشَرِيَّةَ لَيْسَ عِنْدَها إلّا مَعْرِفَةُ الأسْماءِ والصِّفاتِ، أمّا مَعْرِفَةُ الحَقِيقَةِ فَلا، فَتارَةً يُقالُ لَهُ: ﴿واذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ وهو إشارَةٌ إلى مَعْرِفَةِ الأسْماءِ، وتارَةً يُقالُ لَهُ: ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ في نَفْسِكَ﴾ [الأعراف: ٢٠٥] وهو صفحة ٢٣٠ إشارَةٌ إلى مَقامِ الصِّفاتِ، وأمّا مَعْرِفَةُ الحَقِيقَةِ المَخْصُوصَةِ الَّتِي هي المُسْتَلْزِمَةُ لِسائِرِ اللَّوازِمِ السَّلْبِيَّةِ والإضافِيَّةِ، فَلا سَبِيلَ لِشَيْءٍ مِنَ المُمْكِناتِ والمُحْدَثاتِ إلى الوُصُولِ إلَيْها والِاطِّلاعِ عَلَيْها، فَسُبْحانَ مَنِ اخْتَفى عَنِ العُقُولِ لِشِدَّةِ ظُهُورِهِ، واحْتَجَبَ عَنْها بِكَمالِ نُورِهِ.

الإنسان 76:27

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا خاطَبَ رَسُولَهُ بِالتَّعْظِيمِ والنَّهْيِ والأمْرِ عَدَلَ إلى شَرْحِ أحْوالِ الكُفّارِ والمُتَمَرِّدِينَ، فَقالَ تَعالى: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ يُحِبُّونَ العاجِلَةَ ويَذَرُونَ وراءَهم يَوْمًا ثَقِيلًا﴾، والمُرادُ أنَّ الَّذِي حَمَلَ هَؤُلاءِ الكُفّارَ عَلى الكُفْرِ وتَرْكِ الِالتِفاتِ والإعْراضِ عَمّا يَنْفَعُهم في الآخِرَةِ لَيْسَ هو الشُّبْهَةَ؛ حَتّى يَنْتَفِعُوا بِالدَّلائِلِ المَذْكُورَةِ في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ، بَلِ الشَّهْوَةُ والمَحَبَّةُ لِهَذِهِ اللَّذّاتِ العاجِلَةِ والرّاحاتِ الدِّينِيَّةِ. وفي الآيَةِ سُؤالانِ: السُّؤالُ الأوَّلُ: لِمَ قالَ: وراءَهم، ولَمْ يَقُلْ: قُدّامَهم ؟ (الجَوابُ) مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: لَمّا لَمْ يَلْتَفِتُوا إلَيْهِ وأعْرَضُوا عَنْهُ، فَكَأنَّهم جَعَلُوهُ وراءَ ظُهُورِهِمْ. وثانِيها: المُرادُ ويَذَرُونَ وراءَهم مَصالِحَ يَوْمٍ ثَقِيلٍ، فَأسْقَطَ المُضافَ. وثالِثُها: أنَّ ”وراءً“ تُسْتَعْمَلُ بِمَعْنى قُدّامٍ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿مِن ورائِهِ جَهَنَّمُ﴾ [إبراهيم: ١٦]، ﴿وكانَ وراءَهم مَلِكٌ﴾ [الكهف: ٧٩] . السُّؤالُ الثّانِي: ما السَّبَبُ في وصْفِ يَوْمِ القِيامَةِ بِأنَّهُ يَوْمٌ ثَقِيلٌ ؟ (الجَوابُ) اسْتُعِيرَ الثِّقَلُ لِشِدَّتِهِ وهَوْلِهِ مِنَ الشَّيْءِ الثَّقِيلِ الَّذِي يَتْعَبُ حامِلُهُ، ونَحْوُهُ ﴿ثَقُلَتْ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الأعراف: ١٨٧] . ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أنَّ الدّاعِيَ لَهم إلى هَذا الكُفْرِ حُبُّ العاجِلِ، قالَ: ﴿نَحْنُ خَلَقْناهم وشَدَدْنا أسْرَهم وإذا شِئْنا بَدَّلْنا أمْثالَهم تَبْدِيلًا﴾ والمُرادُ أنَّ حُبَّهم لِلْعاجِلَةِ يُوجِبُ عَلَيْهِمْ طاعَةَ اللَّهِ مِن حَيْثُ الرَّغْبَةُ ومِن حَيْثُ الرَّهْبَةُ، أمّا مِن حَيْثُ الرَّغْبَةُ فَلِأنَّهُ هو الَّذِي خَلَقَهم وأعْطاهُمُ الأعْضاءَ السَّلِيمَةَ الَّتِي بِها يُمْكِنُ الِانْتِفاعُ بِاللَّذّاتِ العاجِلَةِ، وخَلَقَ جَمِيعَ ما يُمْكِنُ الِانْتِفاعُ بِهِ، فَإذا أحَبُّوا اللَّذّاتِ العاجِلَةَ، وتِلْكَ اللَّذّاتُ لا تَحْصُلُ إلّا عِنْدَ حُصُولِ المُنْتَفِعِ وحُصُولِ المُنْتَفَعِ بِهِ، وهَذانَ لا يَحْصُلانِ إلّا بِتَكْوِينِ اللَّهِ وإيجادِهِ، فَهَذا مِمّا يُوجِبُ عَلَيْهِمُ الِانْقِيادَ لِلَّهِ ولِتَكالِيفِهِ، وتَرْكَ التَّمَرُّدِ والإعْراضِ، وأمّا مِن حَيْثُ الرَّهْبَةُ فَلِأنَّهُ قادِرٌ عَلى أنْ يُمِيتَهم، وعَلى أنْ يَسْلُبَ النِّعْمَةَ عَنْهم، وعَلى أنْ يُلْقِيَهم في كُلِّ مِحْنَةٍ وبَلِيَّةٍ، فَلِأجْلِ مِن فَوْتِ هَذِهِ اللَّذّاتِ العاجِلَةِ يَجِبُ عَلَيْهِمْ أنْ يَنْقادُوا لِلَّهِ، وأنْ يَتْرُكُوا هَذا التَّمَرُّدَ. وحاصِلُ الكَلامِ: كَأنَّهُ قِيلَ لَهم: هَبْ أنَّ حُبَّكم لِهَذِهِ اللَّذّاتِ العاجِلَةِ طَرِيقَةٌ مُسْتَحْسَنَةٌ، إلّا أنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ عَلَيْكُمُ الإيمانَ بِاللَّهِ والِانْقِيادَ لَهُ، فَلَوْ أنَّكم تَوَسَّلْتُمْ بِهِ إلى الكُفْرِ بِاللَّهِ، والإعْراضِ عَنْ حُكْمِهِ، لَكُنْتُمْ قَدْ تَمَرَّدْتُمْ، وهَذا تَرْتِيبٌ حَسَنٌ في السُّؤالِ والجَوابِ، وطَرِيقَةٌ لَطِيفَةٌ. وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: الأسْرُ الرَّبْطُ والتَّوْثِيقُ، ومِنهُ أُسِرَ الرَّجُلُ إذا وُثِّقَ بِالقَدِّ، وفَرَسٌ مَأْسُورُ الخَلْقِ وفَرَسٌ مَأْسُورٌ بِالعَقِبِ، والمَعْنى شَدَدْنا تَوْصِيلَ أعْضائِهِمْ بَعْضًا بِبَعْضٍ، وتَوْثِيقَ مَفاصِلِهِمْ بِالأعْصابِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ﴿وإذا شِئْنا بَدَّلْنا أمْثالَهُمْ﴾ أيْ إذا شِئْنا أهْلَكْناهم وأتَيْنا بِأشْباهِهِمْ فَجَعَلْناهم بَدَلًا مِنهم، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكُمْ﴾، والغَرَضُ مِنهُ بَيانُ الِاسْتِغْناءِ التّامِّ عَنْهم، كَأنَّهُ قِيلَ: لا حاجَةَ بِنا إلى صفحة ٢٣١ أحَدٍ مِنَ المَخْلُوقِينَ ألْبَتَّةَ، وبِتَقْدِيرِ أنْ تَثْبُتَ الحاجَةُ فَلا حاجَةَ إلى هَؤُلاءِ الأقْوامِ؛ فَإنّا قادِرُونَ عَلى إفْنائِهِمْ، وعَلى إيجادِ أمْثالِهِمْ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم أيُّها النّاسُ ويَأْتِ بِآخَرِينَ وكانَ اللَّهُ عَلى ذَلِكَ قَدِيرًا﴾ [النساء: ١٣٣]، وقالَ: ﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم ويَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ ﴿وما ذَلِكَ عَلى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ [إبراهيم: ٢٠] ثُمَّ قِيلَ: ”بَدَّلْنا أمْثالَهم“ أيْ في الخِلْقَةِ، وإنْ كانُوا أضْدادَهم في العَمَلِ، وقِيلَ: أمْثالُهم في الكُفْرِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ صاحِبُ الكَشّافِ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا شِئْنا﴾ إنَّ حَقَّهُ أنْ يَجِيءَ بِـ”أنْ“ لا بِـ”إذا“ كَقَوْلِهِ: ﴿وإنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨]، ﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾، واعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ كَأنَّهُ طَعْنٌ في لَفْظِ القُرْآنِ، وهو ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِن ”إنْ“ و”إذا“ حَرْفٌ لِلشَّرْطِ، إلّا أنَّ حَرْفَ ”إنْ“ لا يُسْتَعْمَلُ فِيما يَكُونُ مَعْلُومَ الوُقُوعِ، فَلا يُقالُ: إنْ طَلَعَتِ الشَّمْسُ أكْرَمْتُكَ، أمّا حَرْفُ ”إذا“ فَإنَّهُ يُسْتَعْمَلُ فِيما كانَ مَعْلُومَ الوُقُوعِ، تَقُولُ: آتِيكَ إذا طَلَعَتِ الشَّمْسُ، فَهَهُنا لَمّا كانَ اللَّهُ تَعالى عالِمًا بِأنَّهُ سَيَجِيءُ وقْتٌ يُبَدِّلُ اللَّهُ فِيهِ أُولَئِكَ الكَفَرَةَ بِأمْثالِهِمْ في الخِلْقَةِ وأضْدادِهِمْ في الطّاعَةِ، لا جَرَمَ حَسُنَ اسْتِعْمالُ حَرْفِ ”إذا“ .

الإنسان 76:28

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا خاطَبَ رَسُولَهُ بِالتَّعْظِيمِ والنَّهْيِ والأمْرِ عَدَلَ إلى شَرْحِ أحْوالِ الكُفّارِ والمُتَمَرِّدِينَ، فَقالَ تَعالى: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ يُحِبُّونَ العاجِلَةَ ويَذَرُونَ وراءَهم يَوْمًا ثَقِيلًا﴾، والمُرادُ أنَّ الَّذِي حَمَلَ هَؤُلاءِ الكُفّارَ عَلى الكُفْرِ وتَرْكِ الِالتِفاتِ والإعْراضِ عَمّا يَنْفَعُهم في الآخِرَةِ لَيْسَ هو الشُّبْهَةَ؛ حَتّى يَنْتَفِعُوا بِالدَّلائِلِ المَذْكُورَةِ في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ، بَلِ الشَّهْوَةُ والمَحَبَّةُ لِهَذِهِ اللَّذّاتِ العاجِلَةِ والرّاحاتِ الدِّينِيَّةِ. وفي الآيَةِ سُؤالانِ: السُّؤالُ الأوَّلُ: لِمَ قالَ: وراءَهم، ولَمْ يَقُلْ: قُدّامَهم ؟ (الجَوابُ) مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: لَمّا لَمْ يَلْتَفِتُوا إلَيْهِ وأعْرَضُوا عَنْهُ، فَكَأنَّهم جَعَلُوهُ وراءَ ظُهُورِهِمْ. وثانِيها: المُرادُ ويَذَرُونَ وراءَهم مَصالِحَ يَوْمٍ ثَقِيلٍ، فَأسْقَطَ المُضافَ. وثالِثُها: أنَّ ”وراءً“ تُسْتَعْمَلُ بِمَعْنى قُدّامٍ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿مِن ورائِهِ جَهَنَّمُ﴾ [إبراهيم: ١٦]، ﴿وكانَ وراءَهم مَلِكٌ﴾ [الكهف: ٧٩] . السُّؤالُ الثّانِي: ما السَّبَبُ في وصْفِ يَوْمِ القِيامَةِ بِأنَّهُ يَوْمٌ ثَقِيلٌ ؟ (الجَوابُ) اسْتُعِيرَ الثِّقَلُ لِشِدَّتِهِ وهَوْلِهِ مِنَ الشَّيْءِ الثَّقِيلِ الَّذِي يَتْعَبُ حامِلُهُ، ونَحْوُهُ ﴿ثَقُلَتْ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الأعراف: ١٨٧] . ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أنَّ الدّاعِيَ لَهم إلى هَذا الكُفْرِ حُبُّ العاجِلِ، قالَ: ﴿نَحْنُ خَلَقْناهم وشَدَدْنا أسْرَهم وإذا شِئْنا بَدَّلْنا أمْثالَهم تَبْدِيلًا﴾ والمُرادُ أنَّ حُبَّهم لِلْعاجِلَةِ يُوجِبُ عَلَيْهِمْ طاعَةَ اللَّهِ مِن حَيْثُ الرَّغْبَةُ ومِن حَيْثُ الرَّهْبَةُ، أمّا مِن حَيْثُ الرَّغْبَةُ فَلِأنَّهُ هو الَّذِي خَلَقَهم وأعْطاهُمُ الأعْضاءَ السَّلِيمَةَ الَّتِي بِها يُمْكِنُ الِانْتِفاعُ بِاللَّذّاتِ العاجِلَةِ، وخَلَقَ جَمِيعَ ما يُمْكِنُ الِانْتِفاعُ بِهِ، فَإذا أحَبُّوا اللَّذّاتِ العاجِلَةَ، وتِلْكَ اللَّذّاتُ لا تَحْصُلُ إلّا عِنْدَ حُصُولِ المُنْتَفِعِ وحُصُولِ المُنْتَفَعِ بِهِ، وهَذانَ لا يَحْصُلانِ إلّا بِتَكْوِينِ اللَّهِ وإيجادِهِ، فَهَذا مِمّا يُوجِبُ عَلَيْهِمُ الِانْقِيادَ لِلَّهِ ولِتَكالِيفِهِ، وتَرْكَ التَّمَرُّدِ والإعْراضِ، وأمّا مِن حَيْثُ الرَّهْبَةُ فَلِأنَّهُ قادِرٌ عَلى أنْ يُمِيتَهم، وعَلى أنْ يَسْلُبَ النِّعْمَةَ عَنْهم، وعَلى أنْ يُلْقِيَهم في كُلِّ مِحْنَةٍ وبَلِيَّةٍ، فَلِأجْلِ مِن فَوْتِ هَذِهِ اللَّذّاتِ العاجِلَةِ يَجِبُ عَلَيْهِمْ أنْ يَنْقادُوا لِلَّهِ، وأنْ يَتْرُكُوا هَذا التَّمَرُّدَ. وحاصِلُ الكَلامِ: كَأنَّهُ قِيلَ لَهم: هَبْ أنَّ حُبَّكم لِهَذِهِ اللَّذّاتِ العاجِلَةِ طَرِيقَةٌ مُسْتَحْسَنَةٌ، إلّا أنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ عَلَيْكُمُ الإيمانَ بِاللَّهِ والِانْقِيادَ لَهُ، فَلَوْ أنَّكم تَوَسَّلْتُمْ بِهِ إلى الكُفْرِ بِاللَّهِ، والإعْراضِ عَنْ حُكْمِهِ، لَكُنْتُمْ قَدْ تَمَرَّدْتُمْ، وهَذا تَرْتِيبٌ حَسَنٌ في السُّؤالِ والجَوابِ، وطَرِيقَةٌ لَطِيفَةٌ. وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: الأسْرُ الرَّبْطُ والتَّوْثِيقُ، ومِنهُ أُسِرَ الرَّجُلُ إذا وُثِّقَ بِالقَدِّ، وفَرَسٌ مَأْسُورُ الخَلْقِ وفَرَسٌ مَأْسُورٌ بِالعَقِبِ، والمَعْنى شَدَدْنا تَوْصِيلَ أعْضائِهِمْ بَعْضًا بِبَعْضٍ، وتَوْثِيقَ مَفاصِلِهِمْ بِالأعْصابِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ﴿وإذا شِئْنا بَدَّلْنا أمْثالَهُمْ﴾ أيْ إذا شِئْنا أهْلَكْناهم وأتَيْنا بِأشْباهِهِمْ فَجَعَلْناهم بَدَلًا مِنهم، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكُمْ﴾، والغَرَضُ مِنهُ بَيانُ الِاسْتِغْناءِ التّامِّ عَنْهم، كَأنَّهُ قِيلَ: لا حاجَةَ بِنا إلى صفحة ٢٣١ أحَدٍ مِنَ المَخْلُوقِينَ ألْبَتَّةَ، وبِتَقْدِيرِ أنْ تَثْبُتَ الحاجَةُ فَلا حاجَةَ إلى هَؤُلاءِ الأقْوامِ؛ فَإنّا قادِرُونَ عَلى إفْنائِهِمْ، وعَلى إيجادِ أمْثالِهِمْ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم أيُّها النّاسُ ويَأْتِ بِآخَرِينَ وكانَ اللَّهُ عَلى ذَلِكَ قَدِيرًا﴾ [النساء: ١٣٣]، وقالَ: ﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم ويَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ ﴿وما ذَلِكَ عَلى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ [إبراهيم: ٢٠] ثُمَّ قِيلَ: ”بَدَّلْنا أمْثالَهم“ أيْ في الخِلْقَةِ، وإنْ كانُوا أضْدادَهم في العَمَلِ، وقِيلَ: أمْثالُهم في الكُفْرِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ صاحِبُ الكَشّافِ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا شِئْنا﴾ إنَّ حَقَّهُ أنْ يَجِيءَ بِـ”أنْ“ لا بِـ”إذا“ كَقَوْلِهِ: ﴿وإنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨]، ﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾، واعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ كَأنَّهُ طَعْنٌ في لَفْظِ القُرْآنِ، وهو ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِن ”إنْ“ و”إذا“ حَرْفٌ لِلشَّرْطِ، إلّا أنَّ حَرْفَ ”إنْ“ لا يُسْتَعْمَلُ فِيما يَكُونُ مَعْلُومَ الوُقُوعِ، فَلا يُقالُ: إنْ طَلَعَتِ الشَّمْسُ أكْرَمْتُكَ، أمّا حَرْفُ ”إذا“ فَإنَّهُ يُسْتَعْمَلُ فِيما كانَ مَعْلُومَ الوُقُوعِ، تَقُولُ: آتِيكَ إذا طَلَعَتِ الشَّمْسُ، فَهَهُنا لَمّا كانَ اللَّهُ تَعالى عالِمًا بِأنَّهُ سَيَجِيءُ وقْتٌ يُبَدِّلُ اللَّهُ فِيهِ أُولَئِكَ الكَفَرَةَ بِأمْثالِهِمْ في الخِلْقَةِ وأضْدادِهِمْ في الطّاعَةِ، لا جَرَمَ حَسُنَ اسْتِعْمالُ حَرْفِ ”إذا“ .

الإنسان 76:29

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا شَرَحَ أحْوالَ السُّعَداءِ وأحْوالَ الأشْقِياءِ قالَ بَعْدَهُ: ﴿إنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَن شاءَ اتَّخَذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ ﴿وما تَشاءُونَ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ والمَعْنى أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ بِما فِيها مِنَ التَّرْتِيبِ العَجِيبِ والنَّسَقِ البَعِيدِ والوَعْدِ والوَعِيدِ، والتَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ، تَذْكِرَةٌ لِلْمُتَأمِّلِينَ، وتَبْصِرَةٌ لِلْمُسْتَبْصِرِينَ، فَمَن شاءَ الخِيرَةَ لِنَفْسِهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ اتَّخَذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلًا، واتِّخاذُ السَّبِيلِ إلى اللَّهِ عِبارَةٌ عَنِ التَّقَرُّبِ إلَيْهِ، واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مِن جُمْلَةِ الآياتِ الَّتِي تَلاطَمَتْ فِيها أمْواجُ الجَبْرِ والقَدَرِ، فالقَدَرِيُّ يَتَمَسَّكُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن شاءَ اتَّخَذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ ويَقُولُ: إنَّهُ صَرِيحُ مَذْهَبِي، ونَظِيرُهُ: ﴿فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩] والجَبْرِيُّ يَقُولُ: مَتى ضُمَّتْ هَذِهِ الآيَةُ إلى الآيَةِ الَّتِي بَعْدَها خَرَجَ مِنهُ صَرِيحُ مَذْهَبِ الجَبْرِ، وذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَمَن شاءَ اتَّخَذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ يَقْتَضِي أنْ تَكُونَ مَشِيئَةُ العَبْدِ مَتى كانَتْ خالِصَةً، فَإنَّها تَكُونُ مُسْتَلْزِمَةً لِلْفِعْلِ، وقَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿وما تَشاءُونَ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ يَقْتَضِي أنَّ مَشِيئَةَ اللَّهِ تَعالى مُسْتَلْزِمَةٌ لِمَشِيئَةِ العَبْدِ، ومُسْتَلْزِمُ المُسْتَلْزِمِ مُسْتَلْزِمٌ، فَإذًا مَشِيئَةُ اللَّهِ مُسْتَلْزِمَةٌ لِفِعْلِ العَبْدِ، وذَلِكَ هو الجَبْرُ، وهَكَذا الِاسْتِدْلالُ عَلى الجَبْرِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ لِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ أيْضًا تَقْتَضِي كَوْنَ المَشِيئَةِ مُسْتَلْزِمَةً لِلْفِعْلِ، ثُمَّ التَّقْرِيرُ ما تَقَدَّمَ. واعْلَمْ أنَّ الِاسْتِدْلالَ عَلى هَذا الوَجْهِ الَّذِي لَخَّصْناهُ لا يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ كَلامُ القاضِي، إلّا أنّا نَذْكُرُهُ ونُنَبِّهُ عَلى ما فِيهِ مِنَ الضَّعْفِ، قالَ القاضِي: المَذْكُورُ في هَذِهِ الآيَةِ اتِّخاذُ السَّبِيلِ إلى اللَّهِ، ونَحْنُ نُسَلِّمُ أنَّ اللَّهَ قَدْ شاءَهُ؛ لِأنَّهُ تَعالى قَدْ أمَرَ بِهِ، فَلا بُدَّ وأنْ يَكُونَ قَدْ شاءَهُ. وهَذا لا يَقْتَضِي أنْ يُقالَ: العَبْدُ لا يَشاءُ إلّا ما قَدْ شاءَهُ اللَّهُ عَلى الإطْلاقِ؛ إذِ المُرادُ بِذَلِكَ الأمْرُ المَخْصُوصُ الَّذِي قَدْ ثَبَتَ أنَّهُ تَعالى قَدْ أرادَهُ وشاءَهُ. واعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ الَّذِي ذَكَرَهُ القاضِي لا تَعَلُّقَ لَهُ بِالِاسْتِدْلالِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْناهُ، وأيْضًا فَحاصِلُ ما ذَكَرَهُ القاضِي تَخْصِيصُ هَذا العامِّ بِالصُّورَةِ الَّتِي مَرَّ ذِكْرُها فِيما قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ، وذَلِكَ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ خُصُوصَ ما قَبْلَ الآيَةِ لا يَقْتَضِي تَخْصِيصَ هَذا العامِّ بِهِ؛ لِاحْتِمالِ أنْ يَكُونَ الحُكْمُ في هَذِهِ الآيَةِ وارِدًا بِحَيْثُ يَعُمُّ تِلْكَ الصُّورَةَ وسائِرَ الصُّوَرِ، بَقِيَ في الآيَةِ سُؤالٌ يَتَعَلَّقُ بِالإعْرابِ، وهو أنْ يُقالَ: ما مَحَلُّ ”أنْ صفحة ٢٣٢ يَشاءَ اللَّهُ“ ؟ وجَوابُهُ: النَّصْبُ عَلى الظَّرْفِ، وأصْلُهُ: إلّا وقْتَ مَشِيئَةِ اللَّهِ، وكَذَلِكَ قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ: ”إلّا ما شاءَ اللَّهُ“؛ لِأنَّ ”ما“ مَعَ الفِعْلِ كِـ”أنْ“ مَعَهُ، وقُرِئَ أيْضًا: ”يَشاءُونَ“ بِالياءِ.

الإنسان 76:30

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ أيْ: عَلِيمًا بِأحْوالِهِمْ وما يَكُونُ مِنهم؛ حَيْثُ خَلَقَهم مَعَ عِلْمِهِ بِهِمْ. ثُمَّ خَتَمَ السُّورَةَ فَقالَ: ﴿يُدْخِلُ مَن يَشاءُ في رَحْمَتِهِ والظّالِمِينَ أعَدَّ لَهم عَذابًا ألِيمًا﴾ اعْلَمْ أنَّ خاتِمَةَ هَذِهِ السُّورَةِ عَجِيبَةٌ؛ وذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وما تَشاءُونَ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ جَمِيعَ ما يَصْدُرُ عَنِ العَبْدِ فَبِمَشِيئَةِ اللَّهِ، وقَوْلُهُ: ﴿يُدْخِلُ مَن يَشاءُ في رَحْمَتِهِ والظّالِمِينَ أعَدَّ لَهم عَذابًا ألِيمًا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ دُخُولَ الجَنَّةِ والنّارِ لَيْسَ إلّا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ، فَخَرَجَ مِن آخِرِ هَذِهِ السُّورَةِ إلّا اللَّهَ، وما هو مِنَ اللَّهِ، وذَلِكَ هو التَّوْحِيدُ المُطْلَقُ الَّذِي هو آخِرُ سَيْرِ الصِّدِّيقِينَ ومُنْتَهى مَعارِجِهِمْ في أفْلاكِ المَعارِفِ الإلَهِيَّةِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿يُدْخِلُ مَن يَشاءُ في رَحْمَتِهِ﴾ إنْ فَسَّرْنا الرَّحْمَةَ بِالإيمانِ، فالآيَةُ صَرِيحَةٌ في أنَّ الإيمانَ مِنَ اللَّهِ، وإنْ فَسَّرْناها بِالجَنَّةِ كانَ دُخُولُ الجَنَّةِ بِسَبَبِ مَشِيئَةِ اللَّهِ وفَضْلِهِ وإحْسانِهِ، لا بِسَبَبِ الِاسْتِحْقاقِ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ لَوْ ثَبَتَ الِاسْتِحْقاقُ لَكانَ تَرْكُهُ يُفْضِي إلى الجَهْلِ والحاجَةِ المُحالَيْنِ عَلى اللَّهِ، والمُفْضِي إلى المَحالِ مُحالٌ، فَتَرْكُهُ مُحالٌ، فَوُجُودُهُ واجِبٌ عَقْلًا، وعَدَمُهُ مُمْتَنِعٌ عَقْلًا، وما كانَ كَذَلِكَ لا يَكُونُ مُعَلَّقًا عَلى المَشِيئَةِ ألْبَتَّةَ، وأيْضًا فَلِأنَّ مَن كانَ مَدْيُونًا مِن إنْسانٍ فَأدّى ذَلِكَ الدَّيْنَ إلى مُسْتَحِقِّهِ، لا يُقالُ بِأنَّهُ إنَّما دَفَعَ ذَلِكَ القَدْرَ إلَيْهِ عَلى سَبِيلِ الرَّحْمَةِ والتَّفَضُّلِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿والظّالِمِينَ أعَدَّ لَهم عَذابًا ألِيمًا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ جَفَّ القَلَمُ بِما هو كائِنٌ؛ لِأنَّ مَعْنى ”أعَدَّ“ أنَّهُ عَلِمَ ذَلِكَ وقَضى بِهِ وأخْبَرَ عَنْهُ وكَتَبَهُ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، ومَعْلُومٌ أنَّ التَّغْيِيرَ عَلى هَذِهِ الأشْياءِ مُحالٌ، فَكانَ الأمْرُ عَلى ما بَيَّنّاهُ وقُلْناهُ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ الزَّجّاجُ: نَصْبُ ”الظّالِمِينَ“ لِأنَّ قَبْلَهُ مَنصُوبًا، والمَعْنى: يُدْخِلُ مَن يَشاءُ في رَحْمَتِهِ، ويُعَذِّبُ الظّالِمِينَ. وقَوْلُهُ: ﴿أعَدَّ لَهم عَذابًا ألِيمًا﴾ كالتَّفْسِيرِ لِذَلِكَ المُضْمَرِ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ: ”والظّالِمُونَ“، وهَذا لَيْسَ بِاخْتِيارٍ؛ لِأنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى ”يُدْخِلُ مَن يَشاءُ“، وعَطْفُ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ عَلى الجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ غَيْرُ حَسَنٍ، وأمّا قَوْلُهُ في ”حم عسق“ ﴿يُدْخِلُ مَن يَشاءُ في رَحْمَتِهِ والظّالِمُونَ﴾ فَإنَّما ارْتَفَعَ لِأنَّهُ لَمْ يُذْكَرْ بَعْدَهُ فِعْلٌ يَقَعُ عَلَيْهِ فَيَنْصِبَهُ في المَعْنى، فَلَمْ يَجُزْ أنْ يُعْطَفَ عَلى المَنصُوبِ قَبْلَهُ، فارْتَفَعَ بِالِابْتِداءِ، وهَهُنا قَوْلُهُ: ﴿أعَدَّ لَهم عَذابًا ألِيمًا﴾ يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ النّاصِبِ المُضْمَرِ، فَظَهَرَ الفَرْقُ، واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ بِالصَّوابِ، وصَلّى اللَّهُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ وعَلى آلِهِ وصَحْبِهِ وسَلَّمَ.

الإنسان 76:31

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ أيْ: عَلِيمًا بِأحْوالِهِمْ وما يَكُونُ مِنهم؛ حَيْثُ خَلَقَهم مَعَ عِلْمِهِ بِهِمْ. ثُمَّ خَتَمَ السُّورَةَ فَقالَ: ﴿يُدْخِلُ مَن يَشاءُ في رَحْمَتِهِ والظّالِمِينَ أعَدَّ لَهم عَذابًا ألِيمًا﴾ اعْلَمْ أنَّ خاتِمَةَ هَذِهِ السُّورَةِ عَجِيبَةٌ؛ وذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وما تَشاءُونَ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ جَمِيعَ ما يَصْدُرُ عَنِ العَبْدِ فَبِمَشِيئَةِ اللَّهِ، وقَوْلُهُ: ﴿يُدْخِلُ مَن يَشاءُ في رَحْمَتِهِ والظّالِمِينَ أعَدَّ لَهم عَذابًا ألِيمًا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ دُخُولَ الجَنَّةِ والنّارِ لَيْسَ إلّا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ، فَخَرَجَ مِن آخِرِ هَذِهِ السُّورَةِ إلّا اللَّهَ، وما هو مِنَ اللَّهِ، وذَلِكَ هو التَّوْحِيدُ المُطْلَقُ الَّذِي هو آخِرُ سَيْرِ الصِّدِّيقِينَ ومُنْتَهى مَعارِجِهِمْ في أفْلاكِ المَعارِفِ الإلَهِيَّةِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿يُدْخِلُ مَن يَشاءُ في رَحْمَتِهِ﴾ إنْ فَسَّرْنا الرَّحْمَةَ بِالإيمانِ، فالآيَةُ صَرِيحَةٌ في أنَّ الإيمانَ مِنَ اللَّهِ، وإنْ فَسَّرْناها بِالجَنَّةِ كانَ دُخُولُ الجَنَّةِ بِسَبَبِ مَشِيئَةِ اللَّهِ وفَضْلِهِ وإحْسانِهِ، لا بِسَبَبِ الِاسْتِحْقاقِ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ لَوْ ثَبَتَ الِاسْتِحْقاقُ لَكانَ تَرْكُهُ يُفْضِي إلى الجَهْلِ والحاجَةِ المُحالَيْنِ عَلى اللَّهِ، والمُفْضِي إلى المَحالِ مُحالٌ، فَتَرْكُهُ مُحالٌ، فَوُجُودُهُ واجِبٌ عَقْلًا، وعَدَمُهُ مُمْتَنِعٌ عَقْلًا، وما كانَ كَذَلِكَ لا يَكُونُ مُعَلَّقًا عَلى المَشِيئَةِ ألْبَتَّةَ، وأيْضًا فَلِأنَّ مَن كانَ مَدْيُونًا مِن إنْسانٍ فَأدّى ذَلِكَ الدَّيْنَ إلى مُسْتَحِقِّهِ، لا يُقالُ بِأنَّهُ إنَّما دَفَعَ ذَلِكَ القَدْرَ إلَيْهِ عَلى سَبِيلِ الرَّحْمَةِ والتَّفَضُّلِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿والظّالِمِينَ أعَدَّ لَهم عَذابًا ألِيمًا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ جَفَّ القَلَمُ بِما هو كائِنٌ؛ لِأنَّ مَعْنى ”أعَدَّ“ أنَّهُ عَلِمَ ذَلِكَ وقَضى بِهِ وأخْبَرَ عَنْهُ وكَتَبَهُ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، ومَعْلُومٌ أنَّ التَّغْيِيرَ عَلى هَذِهِ الأشْياءِ مُحالٌ، فَكانَ الأمْرُ عَلى ما بَيَّنّاهُ وقُلْناهُ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ الزَّجّاجُ: نَصْبُ ”الظّالِمِينَ“ لِأنَّ قَبْلَهُ مَنصُوبًا، والمَعْنى: يُدْخِلُ مَن يَشاءُ في رَحْمَتِهِ، ويُعَذِّبُ الظّالِمِينَ. وقَوْلُهُ: ﴿أعَدَّ لَهم عَذابًا ألِيمًا﴾ كالتَّفْسِيرِ لِذَلِكَ المُضْمَرِ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ: ”والظّالِمُونَ“، وهَذا لَيْسَ بِاخْتِيارٍ؛ لِأنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى ”يُدْخِلُ مَن يَشاءُ“، وعَطْفُ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ عَلى الجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ غَيْرُ حَسَنٍ، وأمّا قَوْلُهُ في ”حم عسق“ ﴿يُدْخِلُ مَن يَشاءُ في رَحْمَتِهِ والظّالِمُونَ﴾ فَإنَّما ارْتَفَعَ لِأنَّهُ لَمْ يُذْكَرْ بَعْدَهُ فِعْلٌ يَقَعُ عَلَيْهِ فَيَنْصِبَهُ في المَعْنى، فَلَمْ يَجُزْ أنْ يُعْطَفَ عَلى المَنصُوبِ قَبْلَهُ، فارْتَفَعَ بِالِابْتِداءِ، وهَهُنا قَوْلُهُ: ﴿أعَدَّ لَهم عَذابًا ألِيمًا﴾ يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ النّاصِبِ المُضْمَرِ، فَظَهَرَ الفَرْقُ، واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ بِالصَّوابِ، وصَلّى اللَّهُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ وعَلى آلِهِ وصَحْبِهِ وسَلَّمَ.