Lafzullah

Tafsir Al-Razi — المزمل 73:1 – المدثر 74:56

المؤلف / المصدر: Tafsir Al-Razi

المحتويات
  1. المزمل 73:1
  2. المزمل 73:2
  3. المزمل 73:3
  4. المزمل 73:4
  5. المزمل 73:5
  6. المزمل 73:6
  7. المزمل 73:7
  8. المزمل 73:8
  9. المزمل 73:9
  10. المزمل 73:10
  11. المزمل 73:11
  12. المزمل 73:12
  13. المزمل 73:13
  14. المزمل 73:14
  15. المزمل 73:15
  16. المزمل 73:16
  17. المزمل 73:17
  18. المزمل 73:18
  19. المزمل 73:19
  20. المزمل 73:20
  21. المدثر 74:1
  22. المدثر 74:2
  23. المدثر 74:3
  24. المدثر 74:4
  25. المدثر 74:5
  26. المدثر 74:6
  27. المدثر 74:7
  28. المدثر 74:8
  29. المدثر 74:9
  30. المدثر 74:10
  31. المدثر 74:11
  32. المدثر 74:12
  33. المدثر 74:13
  34. المدثر 74:14
  35. المدثر 74:15
  36. المدثر 74:16
  37. المدثر 74:17
  38. المدثر 74:18
  39. المدثر 74:19
  40. المدثر 74:20
  41. المدثر 74:21
  42. المدثر 74:22
  43. المدثر 74:23
  44. المدثر 74:24
  45. المدثر 74:25
  46. المدثر 74:26
  47. المدثر 74:27
  48. المدثر 74:28
  49. المدثر 74:29
  50. المدثر 74:30
  51. المدثر 74:31
  52. المدثر 74:32
  53. المدثر 74:33
  54. المدثر 74:34
  55. المدثر 74:35
  56. المدثر 74:36
  57. المدثر 74:37
  58. المدثر 74:38
  59. المدثر 74:39
  60. المدثر 74:40
  61. المدثر 74:41
  62. المدثر 74:42
  63. المدثر 74:43
  64. المدثر 74:44
  65. المدثر 74:45
  66. المدثر 74:46
  67. المدثر 74:47
  68. المدثر 74:48
  69. المدثر 74:49
  70. المدثر 74:50
  71. المدثر 74:51
  72. المدثر 74:52
  73. المدثر 74:53
  74. المدثر 74:54
  75. المدثر 74:55
  76. المدثر 74:56

المزمل 73:1

صفحة ١٥١ (سُورَةُ المُزَّمِّلِ) وهِيَ عِشْرُونَ آيَةً مَكِّيَّةً ﷽ ﴿يا أيُّها المُزَّمِّلُ﴾ ﴿قُمِ اللَّيْلَ﴾ ﷽ ﴿ياأيُّها المُزَّمِّلُ﴾ فِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: أجْمَعُوا عَلى أنَّ المُرادَ بِالمُزَّمِّلِ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلامُ، وأصْلُهُ المُتَزَمِّلُ بِالتّاءِ وهو الَّذِي تَزَمَّلَ بِثِيابِهِ، أيْ تَلَفَّفَ بِها، فَأُدْغِمَ التّاءُ في الزّايِ، ونَحْوُهُ المُدَّثِّرُ في المُتَدَثِّرِ، واخْتَلَفُوا لِمَ تَزَمَّلَ بِثَوْبِهِ ؟ عَلى وُجُوهٍ: أحَدُها: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أوَّلُ ما جاءَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ خافَهُ وظَنَّ أنَّ بِهِ مَسًّا مِنَ الجِنِّ، فَرَجَعَ مِنَ الجَبَلِ مُرْتَعِدًا وقالَ: زَمِّلُونِي، فَبَيْنا هو كَذَلِكَ إذْ جاءَ جِبْرِيلُ وناداهُ، وقالَ: يا أيُّها المُزَّمِّلُ. وثانِيها: قالَ الكَلْبِيُّ: إنَّما تَزَمَّلَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلامُ بِثِيابِهِ لِلتَّهَيُّؤِ لِلصَّلاةِ وهو اخْتِيارُ الفَرّاءِ. وثالِثُها: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ نائِمًا بِاللَّيْلِ مُتَزَمِّلًا في قَطِيفَةٍ فَنُودِيَ بِما يُهْجِنُ تِلْكَ الحالَةَ، وقِيلَ: يا أيُّها النّائِمُ المُتَزَمِّلُ بِثَوْبِهِ قُمْ واشْتَغِلْ بِالعُبُودِيَّةِ. ورابِعُها: أنَّهُ كانَ مُتَزَمِّلًا في مِرْطٍ لِخَدِيجَةَ مُسْتَأْنِسًا بِها فَقِيلَ لَهُ: ﴿ياأيُّها المُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: اتْرُكْ نَصِيبَ النَّفْسِ واشْتَغِلْ بِالعُبُودِيَّةِ. وخامِسُها: قالَ عِكْرِمَةُ: يا أيُّها الَّذِي زُمِّلَ أمْرًا عَظِيمًا أيْ حَمَلَهُ، والزَّمْلُ الحَمْلُ، وازْدَمَلَهُ احْتَمَلَهُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ عِكْرِمَةُ (المُزَمِّلُ والمُدَثِّرُ) بِتَخْفِيفِ الزّايِ والدّالِ وتَشْدِيدِ المِيمِ والثّاءِ عَلى أنَّهُ اسْمُ فاعِلٍ أوْ مَفْعُولٍ، فَإنْ كانَ عَلى اسْمِ الفاعِلِ كانَ المَفْعُولُ مَحْذُوفًا، والتَّقْدِيرُ يا أيُّها المُزَمِّلُ نَفْسَهُ والمُدَثِّرُ نَفْسَهُ وحَذْفُ المَفْعُولِ في مِثْلِ هَذا المَقامِ فَصِيحٌ، قالَ تَعالى: ﴿وأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النَّمْلِ: ٢٣] أيْ أُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ شَيْئًا، وإنْ كانَ عَلى أنَّهُ اسْمُ المَفْعُولِ كانَ ذَلِكَ لِأنَّهُ زَمَّلَ نَفْسَهُ أوْ زَمَّلَهُ غَيْرُهُ، وقُرِئَ يا أيُّها المُتَزَمِّلُ عَلى الأصْلِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُمِ اللَّيْلَ﴾ فِيهِ مَسْألَتانِ: صفحة ١٥٢ المَسْألَةُ الأُولى: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّ قِيامَ اللَّيْلِ كانَ فَرِيضَةً عَلى رَسُولِ اللَّهِ، لِقَوْلِهِ: ﴿قُمِ اللَّيْلَ﴾ وظاهِرُ الأمْرِ لِلْوُجُوبِ ثُمَّ نُسِخَ، واخْتَلَفُوا في سَبَبِ النَّسْخِ عَلى وُجُوهٍ: أوَّلُها: أنَّهُ كانَ فَرْضًا قَبْلَ أنْ تُفْرَضَ الصَّلَواتُ الخَمْسُ ثُمَّ نُسِخَ بِها. وثانِيها: أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إلّا قَلِيلًا نِصْفَهُ أوِ انْقُصْ مِنهُ قَلِيلًا أوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ فَكانَ الرَّجُلُ لا يَدْرِي كَمْ صَلّى وكَمْ بَقِيَ مِنَ اللَّيْلِ فَكانَ يَقُومُ اللَّيْلَ كُلَّهُ مَخافَةَ أنْ لا يَحْفَظَ القَدْرَ الواجِبَ، وشَقَّ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ حَتّى ورِمَتْ أقْدامُهم وسُوقُهم، فَنَسَخَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ في آخِرِ هَذِهِ السُّورَةِ: ﴿فاقْرَءُوا ما تَيَسَّرَ مِنهُ﴾ [ المُزَّمِّلِ: ٢٠] وذَلِكَ في صَدْرِ الإسْلامِ، ثُمَّ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وكانَ بَيْنَ أوَّلِ هَذا الإيجابِ وبَيْنَ نَسْخِهِ سَنَةً، وقالَ في رِوايَةٍ أُخْرى: إنَّ إيجابَ هَذا كانَ بِمَكَّةَ ونَسْخَهُ كانَ بِالمَدِينَةِ، ثُمَّ نُسِخَ هَذا القَدْرُ أيْضًا بِالصَّلَواتِ الخَمْسِ، والفَرْقُ بَيْنَ هَذا القَوْلِ وبَيْنَ القَوْلِ الأوَّلِ أنَّ في هَذا القَوْلِ نُسِخَ وُجُوبُ التَّهَجُّدِ بِقَوْلِهِ: ﴿فاقْرَءُوا ما تَيَسَّرَ مِنَ القُرْآنِ﴾ ثُمَّ نُسِخَ هَذا بِإيجابِ الصَّلَواتِ، وفي القَوْلِ الأوَّلِ نُسِخَ إيجابُ التَّهَجُّدِ بِإيجابِ الصَّلَواتِ الخَمْسِ ابْتِداءً، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: التَّهَجُّدُ ما كانَ واجِبًا قَطُّ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ وُجُوهٌ: أوَّلُها: قَوْلُهُ: ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ﴾ [الإسْراءِ: ٧٩] فَبَيِّنَ أنَّ التَّهَجُّدَ نافِلَةٌ لَهُ لا فَرْضٌ، وأجابَ ابْنُ عَبّاسٍ عَنْهُ بِأنَّ المَعْنى زِيادَةُ وُجُوبٍ عَلَيْكَ. وثانِيها: أنَّ التَّهَجُّدَ لَوْ كانَ واجِبًا عَلى الرَّسُولِ لَوَجَبَ عَلى أُمَّتِهِ، لِقَوْلِهِ: (واتَّبِعُوهُ) [الأعْرافِ: ١٥٨] ووُرُودُ النَّسْخِ عَلى خِلافِ الأصْلِ. وثالِثُها: اسْتَدَلَّ بَعْضُهم عَلى عَدَمِ الوُجُوبِ بِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿نِصْفَهُ أوِ انْقُصْ مِنهُ قَلِيلًا أوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ فَفَوَّضَ ذَلِكَ إلى رَأْيِ المُكَلَّفِ، وما كانَ كَذَلِكَ لا يَكُونُ واجِبًا، وهَذا ضَعِيفٌ لِأنَّهُ لا يَبْعُدُ في العَقْلِ أنْ يَقُولَ: أوْجَبْتُ عَلَيْكَ قِيامَ اللَّيْلِ فَأمّا تَقْدِيرُهُ بِالقِلَّةِ والكَثْرَةِ فَذاكَ مُفَوَّضٌ إلى رَأْيِكَ، ثُمَّ إنَّ القائِلِينَ بِعَدَمِ الوُجُوبِ أجابُوا عَنِ التَّمَسُّكِ بِقَوْلِهِ: ﴿قُمِ اللَّيْلَ﴾ وقالُوا: ظاهِرُ الأمْرِ يُفِيدُ النَّدْبَ؛ لِأنّا رَأيْنا أوامِرَ اللَّهِ تَعالى تارَةً تُفِيدُ النَّدْبَ وتارَةً تُفِيدُ الإيجابَ، فَلا بُدَّ مِن جَعْلِها مُفِيدَةً لِلْقَدْرِ المُشْتَرَكِ بَيْنَ الصُّورَتَيْنِ دَفْعًا لِلِاشْتِراكِ والمَجازِ، وما ذاكَ إلّا تَرْجِيحُ جانِبِ الفِعْلِ عَلى جانِبِ التَّرْكِ، وأمّا جَوازُ التَّرْكِ فَإنَّهُ ثابِتٌ بِمُقْتَضى الأصْلِ، فَلَمّا حَصَلَ الرُّجْحانُ بِمُقْتَضى الأمْرِ وحَصَلَ جَوازُ التَّرْكِ بِمُقْتَضى الأصْلِ كانَ ذَلِكَ هو المَندُوبُ، واللَّهُ أعْلَمُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ أبُو السَّمّالِ ”قُمَ اللَّيْلَ“ بِفَتْحِ المِيمِ وغَيْرُهُ بِضَمِّ المِيمِ، قالَ أبُو الفَتْحِ بْنُ جِنِّيٍّ: الغَرَضُ مِن هَذِهِ الحَرَكَةِ الهَرَبُ مِنَ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ، فَأيُّ الحَرَكاتِ تُحَرِّكُ فَقَدْ حَصَلَ الغَرَضُ. وحَكى قُطْرُبٌ عَنْهم: قُمُ اللَّيْلَ، وقُلُ الحَقَّ بِرَفْعِ المِيمِ واللّامِ وبِعُ الثَّوْبَ ثُمَّ قالَ: مَن كَسَرَ فَعَلى أصْلِ البابِ، ومَن ضَمَّ أتْبَعَ، ومَن فَتَحَ فَقَدْ مالَ إلى خِفَّةِ الفَتْحِ.

المزمل 73:2

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلّا قَلِيلًا﴾ ﴿نِصْفَهُ أوِ انْقُصْ مِنهُ قَلِيلًا﴾ ﴿أوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ . اعْلَمْ أنَّ النّاسَ قَدْ أكْثَرُوا في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ وعِنْدِي فِيهِ وجْهانِ مُلَخَّصانِ: الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿إلّا قَلِيلًا﴾ الثُّلُثُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى في آخِرِ هَذِهِ السُّورَةِ: ﴿إنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أنَّكَ تَقُومُ أدْنى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ ونِصْفَهُ وثُلُثَهُ﴾ فَهَذِهِ الآيَةُ دَلَّتْ عَلى أنَّ أكْثَرَ المَقادِيرِ الواجِبَةِ الثُّلْثانِ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ نَوْمَ الثُّلُثِ جائِزٌ، وإذا كانَ كَذَلِكَ وجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ في قَوْلِهِ: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إلّا قَلِيلًا﴾ هو الثُّلُثُ، فَإذًا قَوْلُهُ: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إلّا قَلِيلًا﴾ صفحة ١٥٣ مَعْناهُ قُمْ ثُلْثَيِ اللَّيْلِ ثُمَّ قالَ: ﴿نِصْفَهُ﴾ والمَعْنى أوْ قُمْ نِصْفَهُ، كَما تَقُولُ: جالِسِ الحَسَنَ أوِ ابْنَ سِيرِينَ، أيْ جالِسْ ذا أوْ ذا أيُّهُما شِئْتَ، فَتَحْذِفُ واوَ العَطْفِ، فَتَقْدِيرُ الآيَةِ: قُمِ الثُّلُثَيْنِ أوْ قُمِ النِّصْفَ أوِ انْقُصْ مِنَ النِّصْفِ أوْ زِدْ عَلَيْهِ، فَعَلى هَذا يَكُونُ الثُّلُثانِ أقْصى الزِّيادَةِ، ويَكُونُ الثُّلُثُ أقْصى النُّقْصانِ، فَيَكُونُ الواجِبُ هو الثُّلُثُ، والزّائِدُ عَلَيْهِ يَكُونُ مَندُوبًا، فَإنْ قِيلَ: فَعَلى هَذا التَّأْوِيلِ يَلْزَمُكم أنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ قَدْ تَرَكَ الواجِبَ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿إنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أنَّكَ تَقُومُ أدْنى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ ونِصْفَهُ وثُلُثَهُ﴾ فَمَن قَرَأ (نِصْفِهِ وثُلُثِهِ) بِالخَفْضِ كانَ المَعْنى أنَّكَ تَقُومُ أقَلَّ مِنَ الثُّلُثَيْنِ، وأقَلَّ مِنَ النِّصْفِ، وأقَلَّ مِنَ الثُّلُثِ، فَإذا كانَ الثُّلُثُ واجِبًا كانَ عَلَيْهِ السَّلامُ تارِكًا لِلْواجِبِ، قُلْنا: إنَّهم كانُوا يُقَدِّرُونَ الثُّلُثَ بِالِاجْتِهادِ، فَرُبَّما أخْطَأُوا في ذَلِكَ الِاجْتِهادِ ونَقَصُوا مِنهُ شَيْئًا قَلِيلًا، فَيَكُونُ ذَلِكَ أدْنى مِن ثُلُثِ اللَّيْلِ المَعْلُومِ بِتَحْدِيدِ الأجْزاءِ عِنْدَ اللَّهِ، ولِذَلِكَ قالَ تَعالى لَهم: ﴿عَلِمَ أنْ لَنْ تُحْصُوهُ﴾ [ المُزَّمِّلِ: ٢٠] . الوَجْهُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: (نِصْفَهُ) تَفْسِيرًا لِقَوْلِهِ: (قَلِيلًا) وهَذا التَّفْسِيرُ جائِزٌ لِوَجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ نِصْفَ الشَّيْءِ قَلِيلٌ بِالنِّسْبَةِ إلى كُلِّهِ. والثّانِي: أنَّ الواجِبَ إذا كانَ هو النِّصْفَ لَمْ يَخْرُجْ صاحِبُهُ عَنْ عُهْدَةِ ذَلِكَ التَّكْلِيفِ بِيَقِينٍ إلّا بِزِيادَةِ شَيْءٍ قَلِيلٍ عَلَيْهِ فَيَصِيرُ في الحَقِيقَةِ نِصْفًا وشَيْئًا، فَيَكُونُ الباقِي بَعْدَ ذَلِكَ أقَلَّ مِنهُ، وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إلّا قَلِيلًا﴾ مَعْناهُ قُمِ اللَّيْلَ إلّا نَصِفَهُ، فَيَكُونُ الحاصِلُ: قُمْ نِصْفَ اللَّيْلِ، ثُمَّ قالَ: ﴿أوِ انْقُصْ مِنهُ قَلِيلًا﴾ يَعْنِي أوِ انْقُصْ مِن هَذا النِّصْفِ نِصْفَهُ حَتّى يَبْقى الرُّبُعُ، ثُمَّ قالَ: ﴿أوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ يَعْنِي أوْ زِدْ عَلى هَذا النِّصْفِ نِصْفَهُ حَتّى يَصِيرَ المَجْمُوعُ ثَلاثَةَ أرْباعٍ، وحِينَئِذٍ يَرْجِعُ حاصِلُ الآيَةِ إلى أنَّهُ تَعالى خَيَّرَهُ بَيْنَ أنْ يَقُومَ تَمامَ النِّصْفِ، وبَيْنَ أنْ يَقُومَ رُبُعَ اللَّيْلِ، وبَيْنَ أنْ يَقُومَ ثَلاثَةَ أرْباعِهِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ الواجِبُ الَّذِي لا بُدَّ مِنهُ هو قِيامُ الرُّبُعِ، والزّائِدُ عَلَيْهِ يَكُونُ مِنَ المَندُوباتِ والنَّوافِلِ، وعَلى هَذا التَّأْوِيلِ يَزُولُ الإشْكالُ الَّذِي ذَكَرْتُمْ بِالكُلِّيَّةِ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أنَّكَ تَقُومُ أدْنى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ ونِصْفَهُ وثُلُثَهُ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمْ يَقُمْ ثُلْثَيِ اللَّيْلِ، ولا نِصْفَهُ، ولا ثُلُثَهُ؛ لِأنَّ الواجِبَ لَمّا كانَ هو الرُّبُعُ فَقَطْ لَمْ يَلْزَمْ مِن تَرْكِ قِيامِ الثُّلُثِ تَرْكُ شَيْءٍ مِنَ الواجِباتِ، فَزالَ السُّؤالُ المَذْكُورُ، واللَّهُ أعْلَمُ.

المزمل 73:3

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلّا قَلِيلًا﴾ ﴿نِصْفَهُ أوِ انْقُصْ مِنهُ قَلِيلًا﴾ ﴿أوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ . اعْلَمْ أنَّ النّاسَ قَدْ أكْثَرُوا في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ وعِنْدِي فِيهِ وجْهانِ مُلَخَّصانِ: الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿إلّا قَلِيلًا﴾ الثُّلُثُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى في آخِرِ هَذِهِ السُّورَةِ: ﴿إنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أنَّكَ تَقُومُ أدْنى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ ونِصْفَهُ وثُلُثَهُ﴾ فَهَذِهِ الآيَةُ دَلَّتْ عَلى أنَّ أكْثَرَ المَقادِيرِ الواجِبَةِ الثُّلْثانِ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ نَوْمَ الثُّلُثِ جائِزٌ، وإذا كانَ كَذَلِكَ وجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ في قَوْلِهِ: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إلّا قَلِيلًا﴾ هو الثُّلُثُ، فَإذًا قَوْلُهُ: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إلّا قَلِيلًا﴾ صفحة ١٥٣ مَعْناهُ قُمْ ثُلْثَيِ اللَّيْلِ ثُمَّ قالَ: ﴿نِصْفَهُ﴾ والمَعْنى أوْ قُمْ نِصْفَهُ، كَما تَقُولُ: جالِسِ الحَسَنَ أوِ ابْنَ سِيرِينَ، أيْ جالِسْ ذا أوْ ذا أيُّهُما شِئْتَ، فَتَحْذِفُ واوَ العَطْفِ، فَتَقْدِيرُ الآيَةِ: قُمِ الثُّلُثَيْنِ أوْ قُمِ النِّصْفَ أوِ انْقُصْ مِنَ النِّصْفِ أوْ زِدْ عَلَيْهِ، فَعَلى هَذا يَكُونُ الثُّلُثانِ أقْصى الزِّيادَةِ، ويَكُونُ الثُّلُثُ أقْصى النُّقْصانِ، فَيَكُونُ الواجِبُ هو الثُّلُثُ، والزّائِدُ عَلَيْهِ يَكُونُ مَندُوبًا، فَإنْ قِيلَ: فَعَلى هَذا التَّأْوِيلِ يَلْزَمُكم أنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ قَدْ تَرَكَ الواجِبَ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿إنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أنَّكَ تَقُومُ أدْنى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ ونِصْفَهُ وثُلُثَهُ﴾ فَمَن قَرَأ (نِصْفِهِ وثُلُثِهِ) بِالخَفْضِ كانَ المَعْنى أنَّكَ تَقُومُ أقَلَّ مِنَ الثُّلُثَيْنِ، وأقَلَّ مِنَ النِّصْفِ، وأقَلَّ مِنَ الثُّلُثِ، فَإذا كانَ الثُّلُثُ واجِبًا كانَ عَلَيْهِ السَّلامُ تارِكًا لِلْواجِبِ، قُلْنا: إنَّهم كانُوا يُقَدِّرُونَ الثُّلُثَ بِالِاجْتِهادِ، فَرُبَّما أخْطَأُوا في ذَلِكَ الِاجْتِهادِ ونَقَصُوا مِنهُ شَيْئًا قَلِيلًا، فَيَكُونُ ذَلِكَ أدْنى مِن ثُلُثِ اللَّيْلِ المَعْلُومِ بِتَحْدِيدِ الأجْزاءِ عِنْدَ اللَّهِ، ولِذَلِكَ قالَ تَعالى لَهم: ﴿عَلِمَ أنْ لَنْ تُحْصُوهُ﴾ [ المُزَّمِّلِ: ٢٠] . الوَجْهُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: (نِصْفَهُ) تَفْسِيرًا لِقَوْلِهِ: (قَلِيلًا) وهَذا التَّفْسِيرُ جائِزٌ لِوَجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ نِصْفَ الشَّيْءِ قَلِيلٌ بِالنِّسْبَةِ إلى كُلِّهِ. والثّانِي: أنَّ الواجِبَ إذا كانَ هو النِّصْفَ لَمْ يَخْرُجْ صاحِبُهُ عَنْ عُهْدَةِ ذَلِكَ التَّكْلِيفِ بِيَقِينٍ إلّا بِزِيادَةِ شَيْءٍ قَلِيلٍ عَلَيْهِ فَيَصِيرُ في الحَقِيقَةِ نِصْفًا وشَيْئًا، فَيَكُونُ الباقِي بَعْدَ ذَلِكَ أقَلَّ مِنهُ، وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إلّا قَلِيلًا﴾ مَعْناهُ قُمِ اللَّيْلَ إلّا نَصِفَهُ، فَيَكُونُ الحاصِلُ: قُمْ نِصْفَ اللَّيْلِ، ثُمَّ قالَ: ﴿أوِ انْقُصْ مِنهُ قَلِيلًا﴾ يَعْنِي أوِ انْقُصْ مِن هَذا النِّصْفِ نِصْفَهُ حَتّى يَبْقى الرُّبُعُ، ثُمَّ قالَ: ﴿أوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ يَعْنِي أوْ زِدْ عَلى هَذا النِّصْفِ نِصْفَهُ حَتّى يَصِيرَ المَجْمُوعُ ثَلاثَةَ أرْباعٍ، وحِينَئِذٍ يَرْجِعُ حاصِلُ الآيَةِ إلى أنَّهُ تَعالى خَيَّرَهُ بَيْنَ أنْ يَقُومَ تَمامَ النِّصْفِ، وبَيْنَ أنْ يَقُومَ رُبُعَ اللَّيْلِ، وبَيْنَ أنْ يَقُومَ ثَلاثَةَ أرْباعِهِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ الواجِبُ الَّذِي لا بُدَّ مِنهُ هو قِيامُ الرُّبُعِ، والزّائِدُ عَلَيْهِ يَكُونُ مِنَ المَندُوباتِ والنَّوافِلِ، وعَلى هَذا التَّأْوِيلِ يَزُولُ الإشْكالُ الَّذِي ذَكَرْتُمْ بِالكُلِّيَّةِ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أنَّكَ تَقُومُ أدْنى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ ونِصْفَهُ وثُلُثَهُ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمْ يَقُمْ ثُلْثَيِ اللَّيْلِ، ولا نِصْفَهُ، ولا ثُلُثَهُ؛ لِأنَّ الواجِبَ لَمّا كانَ هو الرُّبُعُ فَقَطْ لَمْ يَلْزَمْ مِن تَرْكِ قِيامِ الثُّلُثِ تَرْكُ شَيْءٍ مِنَ الواجِباتِ، فَزالَ السُّؤالُ المَذْكُورُ، واللَّهُ أعْلَمُ.

المزمل 73:4

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ورَتِّلِ القُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ قالَ الزَّجّاجُ: رَتِّلِ القُرْآنَ تَرْتِيلًا، بَيِّنْهُ تَبْيِينًا، والتَّبْيِينُ لا يَتِمُّ بِأنْ يَعْجَلَ في القُرْآنِ، إنَّما يَتِمُّ بِأنْ يَتَبَيَّنَ جَمِيعَ الحُرُوفِ، ويُوَفِّيَ حَقَّها مِنَ الإشْباعِ، قالَ المُبَرِّدُ: أصْلُهُ مِن قَوْلِهِمْ: ثَغْرٌ رَتْلٌ إذا كانَ بَيْنَ الثَّنايا افْتِراقٌ لَيْسَ بِالكَثِيرِ، وقالَ اللَّيْثُ: التَّرْتِيلُ تَنْسِيقُ الشَّيْءِ، وثَغْرٌ رَتْلٌ: حَسَنُ التَّنْضِيدِ، ورَتَّلْتُ الكَلامَ تَرْتِيلًا: إذا تَمَهَّلْتُ فِيهِ وأحْسَنْتُ تَأْلِيفَهُ، وقَوْلَهُ تَعالى: ﴿تَرْتِيلًا﴾ تَأْكِيدٌ في إيجابِ الأمْرِ بِهِ، وأنَّهُ مِمّا لا بُدَّ مِنهُ لِلْقارِئِ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَهُ بِصَلاةِ اللَّيْلِ أمَرَهُ بِتَرْتِيلِ القُرْآنِ حَتّى يَتَمَكَّنَ الخاطِرُ مِنَ التَّأمُّلِ في حَقائِقِ تِلْكَ الآياتِ ودَقائِقِها، فَعِنْدَ الوُصُولِ إلى ذِكْرِ اللَّهِ يَسْتَشْعِرُ عَظْمَتَهُ وجَلالَتَهُ، وعِنْدَ الوُصُولِ إلى الوَعْدِ والوَعِيدِ يَحْصُلُ الرَّجاءُ والخَوْفُ، وحِينَئِذٍ يَسْتَنِيرُ القَلْبُ بِنُورِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ، والإسْراعُ في القِراءَةِ يَدُلُّ عَلى عَدَمِ الوُقُوفِ عَلى المَعانِي؛ لِأنَّ النَّفْسَ تَبْتَهِجُ بِذِكْرِ الأُمُورِ الإلَهِيَّةِ الرُّوحانِيَّةِ، ومَنِ ابْتَهَجَ بِشَيْءٍ أحَبَّ ذِكْرَهُ، ومَن أحَبَّ صفحة ١٥٤ شَيْئًا لَمْ يَمُرَّ عَلَيْهِ بِسُرْعَةٍ، فَظَهَرَ أنَّ المَقْصُودَ مِنَ التَّرْتِيلِ إنَّما هو حُضُورُ القَلْبِ وكَمالُ المَعْرِفَةِ.

المزمل 73:5

ذَكَرُوا في تَفْسِيرِ الثَّقِيلِ وُجُوهًا: أحَدُها: وهو المُخْتارُ عِنْدِي أنَّ المُرادَ مِن كَوْنِهِ ثَقِيلًا عِظَمُ قَدْرِهِ وجَلالَةُ خَطَرِهِ، وكُلُّ شَيْءٍ نَفَسَ وعَظُمَ خَطَرُهُ فَهو ثُقْلٌ وثَقِيلٌ وثاقِلٌ، وهَذا مَعْنى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ في رِوايَةِ عَطاءٍ: ﴿قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ يَعْنِي كَلامًا عَظِيمًا، ووَجْهُ النَّظْمِ أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَهُ بِصَلاةِ اللَّيْلِ، فَكَأنَّهُ قالَ: إنَّما أمَرْتُكَ بِصَلاةِ اللَّيْلِ؛ لِأنّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا عَظِيمًا، فَلا بُدَّ وأنْ تَسْعى في صَيْرُورَةِ نَفْسِكَ مُسْتَعِدَّةً لِذَلِكَ القَوْلِ العَظِيمِ، ولا يَحْصُلُ ذَلِكَ الِاسْتِعْدادُ إلّا بِصَلاةِ اللَّيْلِ، فَإنَّ الإنْسانَ في اللَّيْلَةِ الظَّلْماءِ إذا اشْتَغَلَ بِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى وأقْبَلَ عَلى ذِكْرِهِ، والثَّناءِ عَلَيْهِ، والتَّضَرُّعِ بَيْنَ يَدَيْهِ، ولَمْ يَكُنْ هُناكَ شَيْءٌ مِنَ الشَّواغِلِ الحِسِّيَّةِ، والعَوائِقِ الجُسْمانِيَّةِ اسْتَعَدَّتِ النَّفْسُ هُنالِكَ لِإشْراقِ جَلالِ اللَّهِ فِيها، وتَهَيَّأتْ لِلتَّجَرُّدِ التّامِّ، والِانْكِشافِ الأعْظَمِ بِحَسَبِ الطّاقَةِ البَشَرِيَّةِ، فَلَمّا كانَ لِصَلاةِ اللَّيْلِ أثَرٌ في صَيْرُورَةِ النَّفْسِ مُسْتَعِدَّةً لِهَذا المَعْنى، لا جَرَمَ قالَ: إنِّي إنَّما أمَرْتُكَ بِصَلاةِ اللَّيْلِ؛ لِأنّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا، فَصَيِّرْ نَفْسَكَ مُسْتَعِدَّةً لِقَبُولِ ذَلِكَ المَعْنى، وتَمامُ هَذا المَعْنى ما قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”إنَّ لِرَبِّكم في أيّامِ دَهْرِكم نَفَحاتٍ ألا فَتَعَرَّضُوا لَها“ . وثانِيها: قالُوا: المُرادُ بِالقَوْلِ الثَّقِيلِ، القُرْآنُ وما فِيهِ مِنَ الأوامِرِ والنَّواهِي الَّتِي هي تَكالِيفُ شاقَّةٌ ثَقِيلَةٌ عَلى المُكَلَّفِينَ عامَّةً، وعَلى رَسُولِ اللَّهِ خاصَّةً؛ لِأنَّهُ يَتَحَمَّلُها بِنَفْسِهِ ويُبَلِّغُها إلى أُمَّتِهِ، وحاصِلُهُ أنَّ ثِقَلَهُ راجِعٌ إلى ثِقَلِ العَمَلِ بِهِ، فَإنَّهُ لا مَعْنى لِلتَّكْلِيفِ إلّا إلْزامُ ما في فِعْلِهِ كُلْفَةٌ ومَشَقَّةٌ. وثالِثُها: رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ: أنَّهُ ثَقِيلٌ في المِيزانِ يَوْمَ القِيامَةِ، وهو إشارَةٌ إلى كَثْرَةِ مَنافِعِهِ، وكَثْرَةِ الثَّوابِ في العَمَلِ بِهِ. ورابِعُها: المُرادُ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ يَثْقُلُ عِنْدَ نُزُولِ الوَحْيِ إلَيْهِ، رُوِيَ أنَّ الوَحْيَ نَزَلَ عَلَيْهِ وهو عَلى ناقَتِهِ فَثَقُلَ عَلَيْها، حَتّى وضَعَتْ جِراءَها، فَلَمْ تَسْتَطِعْ أنْ تَتَحَرَّكَ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: كانَ إذا نَزَلَ عَلَيْهِ الوَحْيُ ثَقُلَ عَلَيْهِ وتَرَبَّدَ وجْهُهُ، وعَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: ”«رَأيْتُهُ يَنْزِلُ عَلَيْهِ الوَحْيُ، في اليَوْمِ الشَّدِيدِ البَرْدِ، فَيَفْصِمُ عَنْهُ، وإنَّ جَبِينَهُ لَيَرْفُضُ عَرَقًا» “ . وخامِسُها: قالَ الفَرّاءُ: قَوْلًا ثَقِيلًا، أيْ لَيْسَ بِالخَفِيفِ ولا بِالسَّفْسافِ؛ لِأنَّهُ كَلامُ رَبِّنا تَبارَكَ وتَعالى. وسادِسُها: قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ أنَّهُ قَوْلٌ مَتِينٌ في صِحَّتِهِ وبَيانِهِ ونَفْعِهِ، كَما تَقُولُ: هَذا كَلامٌ رَزِينٌ، وهَذا قَوْلٌ لَهُ وزْنٌ إذا كُنْتَ تَسْتَجِيدُهُ، وتَعْلَمُ أنَّهُ وقَعَ مَوْقِعَ الحِكْمَةِ والبَيانِ. وسابِعُها: قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: إنَّهُ ثَقِيلٌ عَلى المُنافِقِينَ، مِن حَيْثُ إنَّهُ يَهْتِكُ أسْرارَهم، ومِن حَيْثُ إنَّهُ يُبْطِلُ أدْيانَهم وأقْوالَهم. وثامِنُها: أنَّ الثَّقِيلَ مِن شَأْنِهِ أنْ يَبْقى في مَكانِهِ ولا يَزُولَ، فَجُعِلَ الثَّقِيلُ كِنايَةً عَنْ بَقاءِ القُرْآنِ، عَلى وجْهِ الدَّهْرِ، كَما قالَ: ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذِّكْرَ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ [الحِجْرِ: ٩] . وتاسِعُها: أنَّهُ ثَقِيلٌ، بِمَعْنى أنَّ العَقْلَ الواحِدَ لا يَفِي بِإدْراكِ فَوائِدِهِ ومَعانِيهِ بِالكُلِّيَّةِ، فالمُتَكَلِّمُونَ غاصُوا في بِحارِ مَعْقُولاتِهِ، والفُقَهاءُ أقْبَلُوا عَلى البَحْثِ عَنْ أحْكامِهِ، وكَذا أهْلُ اللُّغَةِ والنَّحْوِ وأرْبابُ المَعانِي، ثُمَّ لا يَزالُ كُلُّ مُتَأخِّرٍ يَفُوزُ مِنهُ فَوائِدَ ما وصَلَ إلَيْها المُتَقَدِّمُونَ، فَعَلِمْنا أنَّ الإنْسانَ الواحِدَ لا يَقْوى عَلى الِاسْتِقْلالِ بِحَمْلِهِ، فَصارَ كالحِمْلِ الثَّقِيلِ الَّذِي يَعْجَزُ الخَلْقُ عَنْ حَمْلِهِ. وعاشِرُها: أنَّهُ ثَقِيلٌ؛ لِكَوْنِهِ مُشْتَمِلًا عَلى المُحْكَمِ والمُتَشابَهِ، والنّاسِخِ والمَنسُوخِ، والفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ الأقْسامِ مِمّا لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إلّا العُلَماءُ الرّاسِخُونَ، المُحِيطُونَ بِجَمِيعِ العُلُومِ العَقْلِيَّةِ والحُكْمِيَّةِ، فَلَمّا كانَ كَذَلِكَ لا جَرَمَ كانَتِ الإحاطَةُ بِهِ ثَقِيلَةً عَلى أكْثَرِ الخَلْقِ.

المزمل 73:6

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ﴾ يُقالُ: نَشَأتْ تَنْشَأُ نَشْأً، فَهي: ناشِئَةٌ، والإنْشاءُ الإحْداثُ، فَكُلُّ ما حَدَثَ [فَهُوَ ناشِئٌ] فَإنَّهُ يُقالُ لِلذَّكَرِ ناشِئٌ، ولِلْمُؤَنَّثِ ناشِئَةٌ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ في النّاشِئَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها عِبارَةٌ عَنْ ساعاتِ اللَّيْلِ. والثّانِي: أنَّها عِبارَةٌ عَنِ الأُمُورِ الَّتِي تَحْدُثُ في ساعاتِ اللَّيْلِ. أمّا القَوْلُ الأوَّلُ، فَقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ناشِئَةُ اللَّيْلِ ساعاتُهُ وأجْزاؤُهُ المُتَتالِيَةُ المُتَعاقِبَةُ فَإنَّها تَحْدُثُ واحِدَةً بَعْدَ أُخْرى، فَهي ناشِئَةٌ بَعْدَ ناشِئَةٍ. ثُمَّ القائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ اخْتَلَفُوا، فَمِنهم مَن قالَ: اللَّيْلُ كُلُّهُ ناشِئَةٌ، رَوى ابْنُ أبِي مُلَيْكَةَ، قالَ سَألَتُ ابْنَ عَبّاسٍ وابْنَ الزُّبَيْرِ عَنْ ناشِئَةِ اللَّيْلِ، فَقالا: اللَّيْلُ كُلُّهُ ناشِئَةٌ. وقالَ زَيْنُ العابِدِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ناشِئَةُ اللَّيْلِ ما بَيْنَ المَغْرِبِ إلى العِشاءِ، وهو قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ والضَّحّاكِ والكِسائِيِّ، قالُوا: لِأنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هي السّاعَةُ الَّتِي مِنها يَبْتَدِئُ سَوادُ اللَّيْلِ. القَوْلُ الثّانِي: هو تَفْسِيرُ النّاشِئَةِ بِأُمُورٍ تَحْدُثُ في اللَّيْلِ، وذَكَرُوا عَلى هَذا القَوْلِ وُجُوهًا: أحَدُها: قالُوا: (ناشِئَةَ اللَّيْلِ) هي النَّفْسُ النّاشِئَةُ بِاللَّيْلِ الَّتِي تَنْشَأُ مِن مَضْجَعِها إلى العِبادَةِ أيْ تَنْهَضُ وتَرْتَفِعُ، مِن نَشَأتِ السَّحابَةُ إذا ارْتَفَعَتْ. وثانِيها: ناشِئَةُ اللَّيْلِ، عِبارَةٌ عَنْ قِيامِ اللَّيْلِ بَعْدَ النَّوْمِ، قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ إذا نِمْتَ مِن أوَّلِ اللَّيْلِ نَوْمَةً ثُمَّ قُمْتَ فَتِلْكَ النَّشْأةُ، ومِنهُ ناشِئَةُ اللَّيْلِ. وعِنْدِي فِيهِ وجْهٌ ثالِثٌ: وهو أنَّ الإنْسانَ إذا أقْبَلَ عَلى العِبادَةِ والذِّكْرِ في اللَّيْلِ المُظْلِمِ في البَيْتِ المُظْلِمِ في مَوْضِعٍ لا تَصِيرُ حَواسُّهُ مَشْغُولَةً بِشَيْءٍ مِنَ المَحْسُوساتِ ألْبَتَّةَ، فَحِينَئِذٍ يُقْبِلُ القَلْبُ عَلى الخَواطِرِ الرُّوحانِيَّةِ والأفْكارِ الإلَهِيَّةِ، وأمّا النَّهارُ فَإنَّ الحَواسَّ تَكُونُ مَشْغُولَةً بِالمَحْسُوساتِ، فَتَصِيرُ النَّفْسُ مَشْغُولَةً بِالمَحْسُوساتِ، فَلا تَتَفَرَّغُ لِلْأحْوالِ الرُّوحانِيَّةِ، فالمُرادُ مِن ناشِئَةِ اللَّيْلِ تِلْكَ الوارِداتُ الرُّوحانِيَّةُ والخَواطِرُ النُّورانِيَّةُ، الَّتِي تَنْكَشِفُ في ظُلْمَةِ اللَّيْلِ بِسَبَبِ فَراغِ الحَواسِّ، وسَمّاها ناشِئَةَ اللَّيْلِ؛ لِأنَّها لا تَحْدُثُ إلّا في اللَّيْلِ بِسَبَبِ أنَّ الحَواسَّ الشّاغِلَةَ لِلنَّفْسِ مُعَطَّلَةٌ في اللَّيْلِ ومَشْغُولَةٌ في النَّهارِ، ولَمْ يُذْكَرْ أنَّ تِلْكَ الأشْياءَ النّاشِئَةَ مِنها تارَةً أفْكارٌ وتَأمُّلاتٌ، وتارَةً أنْوارٌ ومُكاشَفاتٌ، وتارَةً انْفِعالاتٌ نَفْسانِيَّةٌ مِنَ الِابْتِهاجِ بِعالَمِ القُدُسِ أوِ الخَوْفِ مِنهُ، أوْ تَخَيُّلاتُ أحْوالٍ عَجِيبَةٍ، فَلَمّا كانَتْ تِلْكَ الأُمُورُ النّاشِئَةُ أجْناسًا كَثِيرَةً لا يَجْمَعُها جامِعٌ، إلّا أنَّها أُمُورٌ ناشِئَةٌ حادِثَةٌ لا جَرَمَ لَمْ يَصِفْها إلّا بِأنَّها ناشِئَةُ اللَّيْلِ. * * أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هِيَ أشَدُّ﴾ أيْ مُواطَأةً ومُلاءَمَةً ومُوافَقَةً، وهو مَصْدَرٌ يُقالُ: واطَأْتُ فُلانًا عَلى كَذا مُواطَأةً ووَطْأةً، ومِنهُ ﴿لِيُواطِئُوا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللَّهُ﴾ [التَّوْبَةِ: ٣٧] أيْ: لِيُوافِقُوا، فَإنْ فَسَّرْنا النّاشِئَةَ بِالسّاعاتِ كانَ المَعْنى أنَّها أشَدُّ مُوافَقَةً لِما يُرادُ مِنَ الخُشُوعِ والإخْلاصِ، وإنْ فَسَّرْناها بِالنَّفْسِ النّاشِئَةِ كانَ المَعْنى شِدَّةَ المُواطَأةِ بَيْنَ القَلْبِ واللِّسانِ، وإنْ فَسَّرْناها بِقِيامِ اللَّيْلِ كانَ المَعْنى ما يُرادُ مِنَ الخُشُوعِ والإخْلاصِ، وإنْ فَسَّرْناها بِما ذَكَرْتُ كانَ المَعْنى أنَّ إفْضاءَ تِلْكَ المُجاهَداتِ إلى حُصُولِ المُكاشَفاتِ في اللَّيْلِ أشَدُّ مِنهُ في النَّهارِ، وعَنِ الحَسَنِ أشَدُّ مُوافَقَةً بَيْنَ السِّرِّ والعَلانِيَةِ؛ لِانْقِطاعِ رُؤْيَةِ الخَلائِقِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قُرِئَ ”أشَدَّ وطْئًا“ بِالفَتْحِ والكَسْرِ وفِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: قالَ الفَرّاءُ: أشَدُّ ثَباتَ قَدَمٍ؛ لِأنَّ صفحة ١٥٦ النَّهارَ يَضْطَرِبُ فِيهِ النّاسُ ويَتَقَلَّبُونَ فِيهِ لِلْمَعاشِ. والثّانِي: أثْقَلُ وأغْلَظُ عَلى المُصَلِّي مِن صَلاةِ النَّهارِ، وهو مِن قَوْلِكَ: اشْتَدَّتْ عَلى القَوْمِ وطْأةُ سُلْطانِهِمْ إذا ثَقُلَ عَلَيْهِمْ مُعامَلَتُهم مَعَهُ، وفي الحَدِيثِ: ”«اللَّهُمَّ اشْدُدْ وطْأتَكَ عَلى مُضَرَ» “ فَأعْلَمَ اللَّهُ نَبِيَّهُ أنَّ الثَّوابَ في قِيامِ اللَّيْلِ عَلى قَدْرِ شِدَّةِ الوَطْأةِ وثِقَلِها، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«أفْضَلُ العِباداتِ أحْمَزُها» “ أيْ أشَقُّها. واخْتارَ أبُو عُبَيْدَةَ القِراءَةَ الأُولى، قالَ: لِأنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَهُ بِقِيامِ اللَّيْلِ ذَكَرَ هَذِهِ الآيَةَ، فَكَأنَّهُ قالَ: إنَّما أمَرْتُكَ بِصَلاةِ اللَّيْلِ؛ لِأنَّ مُوافَقَةَ القَلْبِ واللِّسانِ فِيهِ أكْمَلُ، وأيْضًا الخَواطِرُ اللَّيْلِيَّةُ إلى المُكاشَفاتِ الرُّوحانِيَّةِ أتَمُّ. * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأقْوَمُ قِيلًا﴾ فِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: ﴿وأقْوَمُ قِيلًا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أحْسَنُ لَفْظًا، قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: لِأنَّ اللَّيْلَ تَهْدَأُ فِيهِ الأصْواتُ وتَنْقَطِعُ فِيهِ الحَرَكاتُ ويَخْلُصُ القَوْلُ، ولا يَكُونُ دُونَ تَسَمُّعِهِ وتَفَهُّمِهِ حائِلٌ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ أنَسٌ ”وأصْوَبُ قِيلًا“، فَقِيلَ لَهُ: يا أبا حَمْزَةَ إنَّما هي: وأقْوَمُ قِيلًا، فَقالَ أنَسٌ: وأصْوَبُ وأهْيَأُ واحِدٌ، قالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ القَوْمَ كانُوا يَعْتَبِرُونَ المَعانِيَ، فَإذا وجَدُوها لَمْ يَلْتَفِتُوا إلى الألْفاظِ، ونَظِيرُهُ ما رُوِيَ أنَّ أبا سَوّارٍ الغَنَوِيَّ كانَ يَقْرَأُ: ”فَحاسُوا خِلالَ الدِّيارِ“ بِالحاءِ غَيْرِ المُعْجَمَةِ، فَقِيلَ لَهُ: إنَّما هو جاسُوا، فَقالَ: حاسُوا وجاسُوا واحِدٌ، أنا أقُولُ: يَجِبُ أنْ تَحْمِلَ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ إنَّما ذَكَرَ ذَلِكَ تَفْسِيرًا لِلَفْظِ القُرْآنِ، لا عَلى أنَّهُ جَعَلَهُ نَفْسَ القُرْآنِ؛ إذْ لَوْ ذَهَبْنا إلى ما قالَهُ ابْنُ جِنِّيٍّ لارْتَفَعَ الِاعْتِمادُ عَنْ ألْفاظِ القُرْآنِ، ولَجَوَّزْنا أنَّ كُلَّ أحَدٍ عَبَّرَ عَنِ المَعْنى بِلَفْظٍ رَآهُ مُطابِقًا لِذَلِكَ المَعْنى، ثُمَّ رُبَّما أصابَ في ذَلِكَ الِاعْتِقادِ، ورُبَّما أخْطَأ، وهَذا يَجُرُّ إلى الطَّعْنِ في القُرْآنِ، فَثَبَتَ أنَّهُ حَمَلَ ذَلِكَ عَلى ما ذَكَرْناهُ.

المزمل 73:7

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ لَكَ في اَلنَّهارِ سَبْحًا طَوِيلًا﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ المُبَرِّدُ: سَبْحًا أيْ تَقَلُّبًا فِيما يَجِبُ، ولِهَذا سُمِّي السّابِحُ سابِحًا لِتَقَلُّبِهِ بِيَدَيْهِ ورِجْلَيْهِ، ثُمَّ في كَيْفِيَّةِ المَعْنى وجْهانِ: الأوَّلُ: إنَّ لَكَ في النَّهارِ تَصَرُّفًا وتَقَلُّبًا في مُهِمّاتِكَ فَلا تَتَفَرَّغْ لِخِدْمَةِ اللَّهِ إلّا بِاللَّيْلِ، فَلِهَذا السَّبَبِ أمَرْتُكَ بِالصَّلاةِ في اللَّيْلِ. الثّانِي: قالَ الزَّجّاجُ: أيْ إنْ فاتَكَ مِنَ اللَّيْلِ شَيْءٌ مِنَ النَّوْمِ والرّاحَةِ فَلَكَ في النَّهارِ فَراغُهُ فاصْرِفْهُ إلَيْهِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قُرِئَ ”سَبْخًا“ بِالخاءِ المُنَقَّطَةِ مِن فَوْقُ، وهو اسْتِعارَةٌ مِن سَبَخِ الصُّوفِ وهو نَفْشُهُ ونَشْرُ أجْزائِهِ، فَإنَّ القَلْبَ في النَّهارِ يَتَفَرَّغُ بِسَبَبِ الشَّواغِلِ، وتَخْتَلِفُ هُمُومُهُ بِسَبَبِ المُوجِباتِ المُخْتَلِفَةِ، واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى أمَرَ رَسُولَهُ أوَّلًا بِقِيامِ اللَّيْلِ، ثُمَّ ذَكَرَ السَّبَبَ في أنَّهُ لِمَ خَصَّ اللَّيْلَ بِذَلِكَ دُونَ النَّهارِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ أشْرَفَ الأعْمالِ المَأْمُورِ بِها عِنْدَ قِيامِ اللَّيْلِ ما هو. وقَوْلُهُ تَعالى ﴿واذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وتَبَتَّلْ إلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ وهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى أمَرَ بِشَيْئَيْنِ: أحَدُهُما: الذِّكْرُ. والثّانِي: التَّبَتُّلُ، أمّا الذِّكْرُ فاعْلَمْ أنَّهُ إنَّما قالَ: ﴿واذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ هَهُنا وقالَ في آيَةٍ أُخْرى: ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ في نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وخِيفَةً﴾ [الأعْرافِ: ٢٠٥] لِأنَّهُ لا بُدَّ في أوَّلِ الأمْرِ مِن ذِكْرِ الِاسْمِ بِاللِّسانِ مُدَّةً ثُمَّ يَزُولُ الِاسْمُ صفحة ١٥٧ ويَبْقى المُسَمّى، فالدَّرَجَةُ الأُولى هي المُرادُ بِقَوْلِهِ هَهُنا: ﴿واذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ . والمَرْتَبَةُ الثّانِيَةُ هي المُرادُ بِقَوْلِهِ في السُّورَةِ الأُخْرى: ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ في نَفْسِكَ﴾ وإنَّما تَكُونُ مُشْتَغِلًا بِذِكْرِ الرَّبِّ إذا كُنْتَ في مَقامِ مُطالَعَةِ رُبُوبِيَّتِهِ، ورُبُوبِيَّتُهُ عِبارَةٌ عَنْ أنْواعِ تَرْبِيَتِهِ لَكَ وإحْسانِهِ إلَيْكَ، فَما دُمْتَ في هَذا المَقامِ تَكُونُ مَشْغُولَ القَلْبِ بِمُطالَعَةِ آلائِهِ ونَعْمائِهِ فَلا تَكُونُ مُسْتَغْرِقَ القَلْبِ بِهِ، وحِينَئِذٍ يَزْدادُ التَّرَقِّي فَتَصِيرُ مُشْتَغِلًا بِذِكْرِ إلَهِيَّتِهِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿فاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكم آباءَكُمْ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٠٠] وفي هَذا المَقامِ يَكُونُ الإنْسانُ في مَقامِ الهَيْبَةِ والخَشْيَةِ؛ لِأنَّ الإلَهِيَّةَ إشارَةٌ إلى القَهارِيَّةِ والعِزَّةِ والعُلُوِّ والصَّمَدِيَّةِ، ولا يَزالُ العَبْدُ يَرْقى في هَذا المَقامِ مُتَرَدِّدًا في مَقاماتِ الجَلالِ والتَّنْزِيهِ والتَّقْدِيسِ إلى أنْ يَنْتَقِلَ مِنها إلى مَقامِ الهَوِيَّةِ الأحَدِيَّةِ، الَّتِي كَلَّتِ العِباراتُ عَنْ شَرْحِها، وتَقاصَرَتِ الإشاراتُ عَنِ الِانْتِهاءِ إلَيْها، وهُناكَ الِانْتِهاءُ إلى الواحِدِ الحَقِّ، ثُمَّ يَقِفُ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ هُناكَ نَظِيرٌ في الصِّفاتِ، حَتّى يَحْصُلَ الِانْتِقالُ مِن صِفَةٍ إلى صِفَةٍ، ولا تَكُونُ الهَوِيَّةُ مُرَكَّبَةً حَتّى يَنْتَقِلَ نَظَرُ العَقْلِ مِن جُزْءٍ إلى جُزْءٍ، ولا مُناسِبَةً لِشَيْءٍ مِنَ الأحْوالِ المُدْرَكَةِ عَنِ النَّفْسِ حَتّى تُعْرَفَ عَلى سَبِيلِ المُقايَسَةِ، فَهي الظّاهِرَةُ لِأنَّها مَبْدَأُ ظُهُورِ كُلِّ ظاهِرٍ، وهي الباطِنَةُ؛ لِأنَّها فَوْقَ عُقُولِ كُلِّ المَخْلُوقاتِ، فَسُبْحانَ مَنِ احْتَجَبَ عَنِ العُقُولِ لِشِدَّةِ ظُهُورِهِ واخْتَفى عَنْها بِكَمالِ نُورِهِ، وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَبَتَّلْ إلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ جَمِيعَ المُفَسِّرِينَ فَسَّرُوا التَّبَتُّلَ بِالإخْلاصِ، وأصْلُ التَّبَتُّلِ في اللُّغَةِ القَطْعُ، وقِيلَلِمَرْيَمَ البَتُولُ لِأنَّها انْقَطَعَتْ إلى اللَّهِ تَعالى في العِبادَةِ، وصَدَقَةٌ بَتْلَةٌ مُنْقَطِعَةٌ مِن مالِ صاحِبِها. وقالَ اللَّيْثُ: التَّبْتِيلُ تَمْيِيزُ الشَّيْءِ عَنِ الشَّيْءِ، والبَتُولُ كُلُّ امْرَأةٍ تَنْقَبِضُ مِنَ الرِّجالِ، لا رَغْبَةَ لَها فِيهِمْ. إذا عَرَفْتَ ذَلِكَ فاعْلَمْ أنَّ لِلْمُفَسِّرِينَ عِباراتٌ: قالَ الفَرّاءُ: يُقالُ لِلْعابِدِ إذا تَرَكَ كُلَّ شَيْءٍ وأقْبَلَ عَلى العِبادَةِ قَدْ تَبَتَّلَ أيِ انْقَطَعَ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ إلى أمْرِ اللَّهِ وطاعَتِهِ، وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: التَّبَتُّلُ رَفْضُ الدُّنْيا مَعَ كُلِّ ما فِيها والتِماسُ ما عِنْدَ اللَّهِ، واعْلَمْ أنَّ مَعْنى الآيَةِ فَوْقَ ما قالَهُ هَؤُلاءِ الظّاهِرِيُّونَ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: (وتَبَتَّلْ) أيِ انْقَطِعْ عَنْ كُلِّ ما سِواهُ إلَيْهِ فالمَشْغُولُ بِطَلَبِ الآخِرَةِ غَيْرُ مُتَبَتِّلٍ إلى اللَّهِ تَعالى، بَلِ التَّبَتُّلُ إلى الآخِرَةِ، والمَشْغُولُ بِعِبادَةِ اللَّهِ مُتَبَتِّلٌ إلى العِبادَةِ لا إلى اللَّهِ، والطّالِبُ لِمَعْرِفَةِ اللَّهِ مُتَبَتِّلٌ إلى مَعْرِفَةِ اللَّهِ لا إلى اللَّهِ، فَمَن آثَرَ العِبادَةَ لِنَفْسِ العِبادَةِ أوْ لِطَلَبِ الثَّوابِ أوْ لِيَصِيرَ مُتَعَبِّدًا كامِلًا بِتِلْكَ العُبُودِيَّةِ لِلْعُبُودِيَّةِ فَهو مُتَبَتِّلٌ إلى غَيْرِ اللَّهِ، ومَن آثَرَ العِرْفانَ لِلْعِرْفانِ فَهو مُتَبَتِّلٌ إلى العِرْفانِ، ومَن آثَرَ العُبُودِيَّةَ لا لِلْعُبُودِيَّةِ بَلْ لِلْمَعْبُودِ وآثَرَ العِرْفانَ لا لِلْعِرْفانِ بَلْ لِلْمَعْرُوفِ، فَقَدْ خاضَ لُجَّةَ الوُصُولِ، وهَذا مَقامٌ لا يَشْرَحُهُ المَقالُ ولا يُعَبِّرُ عَنْهُ الخَيالُ، ومَن أرادَهُ فَلْيَكُنْ مِنَ الواصِلِينَ إلى العَيْنِ دُونَ السّامِعِينَ لِلْأثَرِ. ولا يَجِدُ الإنْسانُ لِهَذا مِثالًا إلّا عِنْدَ العِشْقِ الشَّدِيدِ إذا مَرِضَ البَدَنُ بِسَبَبِهِ وانْحَبَسَتِ القُوى وعَمِيَتِ العَيْنانِ، وزالَتِ الأغْراضُ بِالكُلِّيَّةِ وانْقَطَعَتِ النَّفْسُ عَمّا سِوى المَعْشُوقِ بِالكُلِّيَّةِ، فَهُناكَ يَظْهَرُ الفَرْقُ بَيْنَ التَّبَتُّلِ إلى المَعْشُوقِ وبَيْنَ التَّبَتُّلِ إلى رُؤْيَةِ المَعْشُوقِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الواجِبُ أنْ يُقالَ: وتَبَتَّلْ إلَيْهِ تَبَتُّلًا أوْ يُقالُ: بَتِّلْ نَفْسَكَ إلَيْهِ تَبْتِيلًا، لَكِنَّهُ تَعالى لَمْ يَذْكُرْهُما واخْتارَ هَذِهِ العِبارَةَ الدَّقِيقَةَ وهي أنَّ المَقْصُودَ بِالذّاتِ إنَّما هو التَّبَتُّلُ. فَأمّا التَّبْتِيلُ فَهو تَصَرُّفٌ صفحة ١٥٨ والمُشْتَغِلُ بِالتَّصَرُّفِ لا يَكُونُ مُتَبَتِّلًا إلى اللَّهِ؛ لِأنَّ المُشْتَغِلَ بِغَيْرِ اللَّهِ لا يَكُونُ مُنْقَطِعًا إلى اللَّهِ، إلّا أنَّهُ لا بُدَّ أوَّلًا مِنَ التَّبْتِيلِ حَتّى يَحْصُلَ التَّبَتُّلُ كَما قالَ تَعالى: ﴿والَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهم سُبُلَنا﴾ [العَنْكَبُوتِ: ٦٩] فَذَكَرَ التَّبَتُّلَ أوَّلًا إشْعارًا بِأنَّهُ المَقْصُودُ بِالذّاتِ، وذَكَرَ التَّبْتِيلَ ثانِيًا إشْعارًا بِأنَّهُ لا بُدَّ مِنهُ، ولَكِنَّهُ مَقْصُودٌ بِالغَرَضِ.

المزمل 73:8

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ لَكَ في اَلنَّهارِ سَبْحًا طَوِيلًا﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ المُبَرِّدُ: سَبْحًا أيْ تَقَلُّبًا فِيما يَجِبُ، ولِهَذا سُمِّي السّابِحُ سابِحًا لِتَقَلُّبِهِ بِيَدَيْهِ ورِجْلَيْهِ، ثُمَّ في كَيْفِيَّةِ المَعْنى وجْهانِ: الأوَّلُ: إنَّ لَكَ في النَّهارِ تَصَرُّفًا وتَقَلُّبًا في مُهِمّاتِكَ فَلا تَتَفَرَّغْ لِخِدْمَةِ اللَّهِ إلّا بِاللَّيْلِ، فَلِهَذا السَّبَبِ أمَرْتُكَ بِالصَّلاةِ في اللَّيْلِ. الثّانِي: قالَ الزَّجّاجُ: أيْ إنْ فاتَكَ مِنَ اللَّيْلِ شَيْءٌ مِنَ النَّوْمِ والرّاحَةِ فَلَكَ في النَّهارِ فَراغُهُ فاصْرِفْهُ إلَيْهِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قُرِئَ ”سَبْخًا“ بِالخاءِ المُنَقَّطَةِ مِن فَوْقُ، وهو اسْتِعارَةٌ مِن سَبَخِ الصُّوفِ وهو نَفْشُهُ ونَشْرُ أجْزائِهِ، فَإنَّ القَلْبَ في النَّهارِ يَتَفَرَّغُ بِسَبَبِ الشَّواغِلِ، وتَخْتَلِفُ هُمُومُهُ بِسَبَبِ المُوجِباتِ المُخْتَلِفَةِ، واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى أمَرَ رَسُولَهُ أوَّلًا بِقِيامِ اللَّيْلِ، ثُمَّ ذَكَرَ السَّبَبَ في أنَّهُ لِمَ خَصَّ اللَّيْلَ بِذَلِكَ دُونَ النَّهارِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ أشْرَفَ الأعْمالِ المَأْمُورِ بِها عِنْدَ قِيامِ اللَّيْلِ ما هو. وقَوْلُهُ تَعالى ﴿واذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وتَبَتَّلْ إلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ وهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى أمَرَ بِشَيْئَيْنِ: أحَدُهُما: الذِّكْرُ. والثّانِي: التَّبَتُّلُ، أمّا الذِّكْرُ فاعْلَمْ أنَّهُ إنَّما قالَ: ﴿واذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ هَهُنا وقالَ في آيَةٍ أُخْرى: ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ في نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وخِيفَةً﴾ [الأعْرافِ: ٢٠٥] لِأنَّهُ لا بُدَّ في أوَّلِ الأمْرِ مِن ذِكْرِ الِاسْمِ بِاللِّسانِ مُدَّةً ثُمَّ يَزُولُ الِاسْمُ صفحة ١٥٧ ويَبْقى المُسَمّى، فالدَّرَجَةُ الأُولى هي المُرادُ بِقَوْلِهِ هَهُنا: ﴿واذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ . والمَرْتَبَةُ الثّانِيَةُ هي المُرادُ بِقَوْلِهِ في السُّورَةِ الأُخْرى: ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ في نَفْسِكَ﴾ وإنَّما تَكُونُ مُشْتَغِلًا بِذِكْرِ الرَّبِّ إذا كُنْتَ في مَقامِ مُطالَعَةِ رُبُوبِيَّتِهِ، ورُبُوبِيَّتُهُ عِبارَةٌ عَنْ أنْواعِ تَرْبِيَتِهِ لَكَ وإحْسانِهِ إلَيْكَ، فَما دُمْتَ في هَذا المَقامِ تَكُونُ مَشْغُولَ القَلْبِ بِمُطالَعَةِ آلائِهِ ونَعْمائِهِ فَلا تَكُونُ مُسْتَغْرِقَ القَلْبِ بِهِ، وحِينَئِذٍ يَزْدادُ التَّرَقِّي فَتَصِيرُ مُشْتَغِلًا بِذِكْرِ إلَهِيَّتِهِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿فاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكم آباءَكُمْ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٠٠] وفي هَذا المَقامِ يَكُونُ الإنْسانُ في مَقامِ الهَيْبَةِ والخَشْيَةِ؛ لِأنَّ الإلَهِيَّةَ إشارَةٌ إلى القَهارِيَّةِ والعِزَّةِ والعُلُوِّ والصَّمَدِيَّةِ، ولا يَزالُ العَبْدُ يَرْقى في هَذا المَقامِ مُتَرَدِّدًا في مَقاماتِ الجَلالِ والتَّنْزِيهِ والتَّقْدِيسِ إلى أنْ يَنْتَقِلَ مِنها إلى مَقامِ الهَوِيَّةِ الأحَدِيَّةِ، الَّتِي كَلَّتِ العِباراتُ عَنْ شَرْحِها، وتَقاصَرَتِ الإشاراتُ عَنِ الِانْتِهاءِ إلَيْها، وهُناكَ الِانْتِهاءُ إلى الواحِدِ الحَقِّ، ثُمَّ يَقِفُ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ هُناكَ نَظِيرٌ في الصِّفاتِ، حَتّى يَحْصُلَ الِانْتِقالُ مِن صِفَةٍ إلى صِفَةٍ، ولا تَكُونُ الهَوِيَّةُ مُرَكَّبَةً حَتّى يَنْتَقِلَ نَظَرُ العَقْلِ مِن جُزْءٍ إلى جُزْءٍ، ولا مُناسِبَةً لِشَيْءٍ مِنَ الأحْوالِ المُدْرَكَةِ عَنِ النَّفْسِ حَتّى تُعْرَفَ عَلى سَبِيلِ المُقايَسَةِ، فَهي الظّاهِرَةُ لِأنَّها مَبْدَأُ ظُهُورِ كُلِّ ظاهِرٍ، وهي الباطِنَةُ؛ لِأنَّها فَوْقَ عُقُولِ كُلِّ المَخْلُوقاتِ، فَسُبْحانَ مَنِ احْتَجَبَ عَنِ العُقُولِ لِشِدَّةِ ظُهُورِهِ واخْتَفى عَنْها بِكَمالِ نُورِهِ، وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَبَتَّلْ إلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ جَمِيعَ المُفَسِّرِينَ فَسَّرُوا التَّبَتُّلَ بِالإخْلاصِ، وأصْلُ التَّبَتُّلِ في اللُّغَةِ القَطْعُ، وقِيلَلِمَرْيَمَ البَتُولُ لِأنَّها انْقَطَعَتْ إلى اللَّهِ تَعالى في العِبادَةِ، وصَدَقَةٌ بَتْلَةٌ مُنْقَطِعَةٌ مِن مالِ صاحِبِها. وقالَ اللَّيْثُ: التَّبْتِيلُ تَمْيِيزُ الشَّيْءِ عَنِ الشَّيْءِ، والبَتُولُ كُلُّ امْرَأةٍ تَنْقَبِضُ مِنَ الرِّجالِ، لا رَغْبَةَ لَها فِيهِمْ. إذا عَرَفْتَ ذَلِكَ فاعْلَمْ أنَّ لِلْمُفَسِّرِينَ عِباراتٌ: قالَ الفَرّاءُ: يُقالُ لِلْعابِدِ إذا تَرَكَ كُلَّ شَيْءٍ وأقْبَلَ عَلى العِبادَةِ قَدْ تَبَتَّلَ أيِ انْقَطَعَ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ إلى أمْرِ اللَّهِ وطاعَتِهِ، وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: التَّبَتُّلُ رَفْضُ الدُّنْيا مَعَ كُلِّ ما فِيها والتِماسُ ما عِنْدَ اللَّهِ، واعْلَمْ أنَّ مَعْنى الآيَةِ فَوْقَ ما قالَهُ هَؤُلاءِ الظّاهِرِيُّونَ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: (وتَبَتَّلْ) أيِ انْقَطِعْ عَنْ كُلِّ ما سِواهُ إلَيْهِ فالمَشْغُولُ بِطَلَبِ الآخِرَةِ غَيْرُ مُتَبَتِّلٍ إلى اللَّهِ تَعالى، بَلِ التَّبَتُّلُ إلى الآخِرَةِ، والمَشْغُولُ بِعِبادَةِ اللَّهِ مُتَبَتِّلٌ إلى العِبادَةِ لا إلى اللَّهِ، والطّالِبُ لِمَعْرِفَةِ اللَّهِ مُتَبَتِّلٌ إلى مَعْرِفَةِ اللَّهِ لا إلى اللَّهِ، فَمَن آثَرَ العِبادَةَ لِنَفْسِ العِبادَةِ أوْ لِطَلَبِ الثَّوابِ أوْ لِيَصِيرَ مُتَعَبِّدًا كامِلًا بِتِلْكَ العُبُودِيَّةِ لِلْعُبُودِيَّةِ فَهو مُتَبَتِّلٌ إلى غَيْرِ اللَّهِ، ومَن آثَرَ العِرْفانَ لِلْعِرْفانِ فَهو مُتَبَتِّلٌ إلى العِرْفانِ، ومَن آثَرَ العُبُودِيَّةَ لا لِلْعُبُودِيَّةِ بَلْ لِلْمَعْبُودِ وآثَرَ العِرْفانَ لا لِلْعِرْفانِ بَلْ لِلْمَعْرُوفِ، فَقَدْ خاضَ لُجَّةَ الوُصُولِ، وهَذا مَقامٌ لا يَشْرَحُهُ المَقالُ ولا يُعَبِّرُ عَنْهُ الخَيالُ، ومَن أرادَهُ فَلْيَكُنْ مِنَ الواصِلِينَ إلى العَيْنِ دُونَ السّامِعِينَ لِلْأثَرِ. ولا يَجِدُ الإنْسانُ لِهَذا مِثالًا إلّا عِنْدَ العِشْقِ الشَّدِيدِ إذا مَرِضَ البَدَنُ بِسَبَبِهِ وانْحَبَسَتِ القُوى وعَمِيَتِ العَيْنانِ، وزالَتِ الأغْراضُ بِالكُلِّيَّةِ وانْقَطَعَتِ النَّفْسُ عَمّا سِوى المَعْشُوقِ بِالكُلِّيَّةِ، فَهُناكَ يَظْهَرُ الفَرْقُ بَيْنَ التَّبَتُّلِ إلى المَعْشُوقِ وبَيْنَ التَّبَتُّلِ إلى رُؤْيَةِ المَعْشُوقِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الواجِبُ أنْ يُقالَ: وتَبَتَّلْ إلَيْهِ تَبَتُّلًا أوْ يُقالُ: بَتِّلْ نَفْسَكَ إلَيْهِ تَبْتِيلًا، لَكِنَّهُ تَعالى لَمْ يَذْكُرْهُما واخْتارَ هَذِهِ العِبارَةَ الدَّقِيقَةَ وهي أنَّ المَقْصُودَ بِالذّاتِ إنَّما هو التَّبَتُّلُ. فَأمّا التَّبْتِيلُ فَهو تَصَرُّفٌ صفحة ١٥٨ والمُشْتَغِلُ بِالتَّصَرُّفِ لا يَكُونُ مُتَبَتِّلًا إلى اللَّهِ؛ لِأنَّ المُشْتَغِلَ بِغَيْرِ اللَّهِ لا يَكُونُ مُنْقَطِعًا إلى اللَّهِ، إلّا أنَّهُ لا بُدَّ أوَّلًا مِنَ التَّبْتِيلِ حَتّى يَحْصُلَ التَّبَتُّلُ كَما قالَ تَعالى: ﴿والَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهم سُبُلَنا﴾ [العَنْكَبُوتِ: ٦٩] فَذَكَرَ التَّبَتُّلَ أوَّلًا إشْعارًا بِأنَّهُ المَقْصُودُ بِالذّاتِ، وذَكَرَ التَّبْتِيلَ ثانِيًا إشْعارًا بِأنَّهُ لا بُدَّ مِنهُ، ولَكِنَّهُ مَقْصُودٌ بِالغَرَضِ.

المزمل 73:9

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَهُ بِالذِّكْرِ أوَّلًا ثُمَّ بِالتَّبَتُّلِ ثانِيًا ذَكَرَ السَّبَبَ فِيهِ فَقالَ تَعالى: ﴿رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ لا إلَهَ إلّا هو فاتَّخِذْهُ وكِيلًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ التَّبَتُّلَ إلَيْهِ لا يَحْصُلُ إلّا بَعْدَ حُصُولِ المَحَبَّةِ، والمَحَبَّةُ لا تَلِيقُ إلّا بِاللَّهِ تَعالى، وذَلِكَ لِأنَّ سَبَبَ المَحَبَّةِ إمّا الكَمالُ وإمّا التَّكْمِيلُ، أمّا الكَمالُ فَلِأنَّ الكَمالَ مَحْبُوبٌ لِذاتِهِ؛ إذْ مِنَ المَعْلُومِ أنَّهُ يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ كُلُّ شَيْءٍ إنَّما كانَ مَحْبُوبًا لِأجْلِ شَيْءٍ آخَرَ، وإلّا لَزِمَ التَّسَلْسُلُ، فَإذًا لا بُدَّ مِنَ الِانْتِهاءِ إلى ما يَكُونُ مَحْبُوبًا لِذاتِهِ، والكَمالُ مَحْبُوبٌ لِذاتِهِ، فَإنَّ مَنِ اعْتَقَدَ أنَّ فُلانًا الَّذِي كانَ قَبْلَ هَذا بِألْفِ سَنَةٍ كانَ مَوْصُوفًا بِعِلْمٍ أزْيَدَ مِن عِلْمِ سائِرِ النّاسِ، مالَ طَبْعُهُ إلَيْهِ وأحَبَّهُ شاءَ أمْ أبى، ومَنِ اعْتَقَدَ في رُسْتُمَ أنَّهُ كانَ مَوْصُوفًا بِشَجاعَةٍ زائِدَةٍ عَلى شَجاعَةِ سائِرِ النّاسِ أحَبَّهُ شاءَ أمْ أبى، فَعَلِمْنا أنَّ الكَمالَ مَحْبُوبٌ لِذاتِهِ، وكَمالُ الكَمالِ لِلَّهِ تَعالى، فاللَّهُ تَعالى مَحْبُوبٌ لِذاتِهِ، فَمَن لَمْ يَحْصُلْ في قَلْبِهِ مَحَبَّتُهُ كانَ ذَلِكَ لِعَدَمِ عِلْمِهِ بِكَمالِهِ، وأمّا التَّكْمِيلُ فَهو أنَّ الجَوادَ مَحْبُوبٌ، والجَوادُ المُطْلَقُ هو اللَّهُ تَعالى، فالمَحْبُوبُ المُطْلَقُ هو اللَّهُ تَعالى، والتَّبَتُّلُ المُطْلَقُ لا يُمْكِنُ أنْ يَحْصُلَ إلّا إلى اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّ الكَمالَ المُطْلَقَ لَهُ والتَّكْمِيلَ المُطْلَقَ مِنهُ، فَوَجَبَ أنْ لا يَكُونَ التَّبَتُّلُ المُطْلَقُ إلّا إلَيْهِ، واعْلَمْ أنَّ التَّبَتُّلَ الحاصِلَ إلَيْهِ بِسَبَبِ كَوْنِهِ مَبْدَأً لِلتَّكْمِيلِ مُقَدَّمٌ عَلى التَّبَتُّلِ الحاصِلِ إلَيْهِ بِسَبَبِ كَوْنِهِ كامِلًا في ذاتِهِ؛ لِأنَّ الإنْسانَ في مَبْدَأِ السَّيْرِ يَكُونُ طالِبًا لِلْحِصَّةِ، فَيَكُونُ تَبَتُّلُهُ إلى اللَّهِ تَعالى بِسَبَبِ كَوْنِهِ مَبْدَأً لِلتَّكْمِيلِ والإحْسانِ، ثُمَّ في آخِرِ السَّيْرِ يَتَرَقّى عَنْ طَلَبِ الحِصَّةِ كَما بَيَّنّا مِن أنَّهُ يَصِيرُ طالِبًا لِلْمَعْرُوفِ لا لِلْعِرْفانِ، فَيَكُونُ تَبَتُّلُهُ في هَذِهِ الحالَةِ بِسَبَبِ كَوْنِهِ كامِلًا فَقَوْلُهُ: ﴿رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ﴾ إشارَةٌ إلى الحالَةِ الأُولى الَّتِي هي أوَّلُ دَرَجاتِ المُتَبَتِّلِينَ وقَوْلُهُ: ﴿لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ إشارَةٌ إلى الحالَةِ الثّانِيَةِ الَّتِي هي مُنْتَهى دَرَجاتِ المُتَبَتِّلِينَ ومُنْتَهى أقْدامِ الصِّدِّيقِينَ، فَسُبْحانَ مَن لَهُ تَحْتَ كُلِّ كَلِمَةٍ سِرٌّ مَخْفِيٌّ، ثُمَّ وراءَ هاتَيْنِ الحالَتَيْنِ مَقامٌ آخَرُ، وهو مَقامُ التَّفْوِيضِ، وهو أنْ يَرْفَعَ الِاخْتِيارَ مِنَ البَيْنِ، ويُفَوِّضَ الأمْرَ بِالكُلِّيَّةِ إلَيْهِ، فَإنْ أرادَ الحَقَّ بِهِ أنْ يَجْعَلَهُ مُتَبَتِّلًا رَضِيَ بِالتَّبَتُّلِ لا مِن حَيْثُ إنَّهُ هو، بَلْ مِن حَيْثُ إنَّهُ مُرادُ الحَقِّ، وإنْ أرادَ بِهِ عَدَمَ التَّبَتُّلِ رَضِيَ بِعَدَمِ التَّبَتُّلِ لا مِن حَيْثُ إنَّهُ عَدَمُ التَّبَتُّلِ، بَلْ مِن حَيْثُ إنَّهُ مُرادُ الحَقِّ، وهَهُنا آخِرُ الدَّرَجاتِ، وقَوْلُهُ: ﴿فاتَّخِذْهُ وكِيلًا﴾ إشارَةٌ إلى هَذِهِ الحالَةِ، فَهَذا ما جَرى بِهِ القَلَمُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ، وفي الزَّوايا خَبايا، ومِن أسْرارِ هَذِهِ الآيَةِ بَقايا ﴿ولَوْ أنَّما في الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ أقْلامٌ والبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ﴾ [لُقْمانَ: ٢٧] . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ”رَبُّ“ فِيهِ قِراءَتانِ: إحْداهُما: الرَّفْعُ، وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: عَلى المَدْحِ، والتَّقْدِيرُ هو رَبُّ المَشْرِقِ، فَيَكُونُ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، كَقَوْلِهِ: ﴿بِشَرٍّ مِن ذَلِكُمُ النّارُ﴾ [الحَجِّ: ٧٢] وقَوْلِهِ: ﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ﴾ صفحة ١٥٩ [ آلِ عِمْرانَ: ١٧٩] أيْ تَقَلُّبُهم مَتاعٌ قَلِيلٌ. والثّانِي: أنْ تَرْفَعَهُ بِالِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ الجُمْلَةُ الَّتِي هي ﴿لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾، والعائِدُ إلَيْهِ الضَّمِيرُ المُنْفَصِلُ. والقِراءَةُ الثّانِيَةُ: الخَفْضُ، وفِيها وجْهانِ: الأوَّلُ: عَلى البَدَلِ مِن ”رَبِّكَ“ . والثّانِي: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: عَلى القَسَمِ بِإضْمارِ حَرْفِ القَسَمِ كَقَوْلِكَ: اللَّهِ لَأفْعَلَنَّ وجَوابُهُ: ﴿لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ كَما تَقُولُ: واللَّهِ لا أحَدَ في الدّارِ إلّا زِيدٌ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: ”رَبُّ المَشارِقِ والمَغارِبِ.“ أمّا قَوْلُهُ: ﴿فاتَّخِذْهُ وكِيلًا﴾ فالمَعْنى أنَّهُ لَمّا ثَبَتَ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هو لَزِمَكَ أنْ تَتَّخِذَهُ وكِيلًا وأنْ تُفَوِّضَ كُلَّ أُمُورِكَ إلَيْهِ، وهَهُنا مَقامٌ عَظِيمٌ، فَإنَّهُ لَمّا كانَتْ مَعْرِفَةُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هو تُوجِبُ تَفْوِيضَ كُلِّ الأُمُورِ إلَيْهِ دَلَّ هَذا عَلى أنَّ مَن لا يُفَوِّضُ كُلَّ الأُمُورِ إلَيْهِ، فَإنَّهُ غَيْرُ عالِمٍ بِحَقِيقَةِ ”لا إلَهَ إلّا هو“، وتَقْرِيرُهُ: أنَّ كُلَّ ما سِواهُ مُمْكِنٌ ومُحْدَثٌ، وكُلُّ مُمْكِنٍ ومُحْدَثٍ فَإنَّهُ ما لَمْ يَنْتَهِ إلى الواجِبِ لِذاتِهِ لَمْ يَجِبْ، ولَمّا كانَ الواجِبُ لِذاتِهِ واحِدًا كانَ جَمِيعُ المُمْكِناتِ مُسْتَنِدَةً إلَيْهِ مُنْتَهِيَةً إلَيْهِ، وهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فاتَّخِذْهُ وكِيلًا﴾ . وقالَ بَعْضُهم: (وكِيلًا) أيْ: كَفِيلًا بِما وعَدَكَ مِنَ النَّصْرِ والإظْهارِ.

المزمل 73:10

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ واهْجُرْهم هَجْرًا جَمِيلًا﴾ المَعْنى: إنَّكَ لَمّا اتَّخَذْتَنِي وكِيلًا فاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وفَوِّضْ أمْرَهم إلَيَّ فَإنَّنِي لَمّا كُنْتُ وكِيلًا لَكَ أقُومُ بِإصْلاحِ أمْرِكَ أحْسَنَ مِن قِيامِكَ بِإصْلاحِ أُمُورِ نَفْسِكَ، واعْلَمْ أنَّ مُهِمّاتِ العِبادِ مَحْصُورَةٌ في أمْرَيْنِ: كَيْفِيَّةِ مُعامَلَتِهِمْ مَعَ اللَّهِ، وكَيْفِيَّةِ مُعامَلَتِهِمْ مَعَ الخَلْقِ. والأوَّلُ أهَمُّ مِنَ الثّانِي، فَلَمّا ذَكَرَ تَعالى في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ ما يَتَعَلَّقُ بِالقِسْمِ الأوَّلِ أتْبَعَهُ بِما يَتَعَلَّقُ بِالقِسْمِ الثّانِي، وهو سُبْحانَهُ جَمَعَ كَلَّ ما يُحْتاجُ إلَيْهِ مِن هَذا البابِ في هاتَيْنِ الكَلِمَتَيْنِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ الإنْسانَ إمّا أنْ يَكُونَ مُخالِطًا لِلنّاسِ أوْ مُجانِبًا عَنْهم. فَإنْ خالَطَهم فَلا بُدَّ لَهُ مِنَ المُصابَرَةِ عَلى إيذائِهِمْ وإيحاشِهِمْ، فَإنَّهُ إنْ كانَ يَطْمَعُ مِنهم في الخَيْرِ والرّاحَةِ لَمْ يَجِدْ فَيَقَعَ في الغُمُومِ والأحْزانِ، فَثَبَتَ أنَّ مَن أرادَ مُخالَطَةً مَعَ الخَلْقِ فَلا بُدَّ لَهُ مِنَ الصَّبْرِ الكَثِيرِ، فَأمّا إنْ تَرَكَ المُخالَطَةَ فَذاكَ هو الهَجْرُ الجَمِيلُ، فَثَبَتَ أنَّهُ لا بُدَّ لِكُلِّ إنْسانٍ مِن أحَدِ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ، والهَجْرُ الجَمِيلُ أنْ يُجانِبَهم بِقَلْبِهِ وهَواهُ ويُخالِفَهم في الأفْعالِ مَعَ المُداراةِ والإغْضاءِ وتَرْكِ المُكافَأةِ، ونَظِيرُهُ: ﴿فَأعْرِضْ عَنْهم وعِظْهُمْ﴾ [ النِّساءِ: ٦٣] ﴿وأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ﴾ [ الأعْرافِ: ١٩٩] ﴿فَأعْرِضْ عَمَّنْ تَوَلّى عَنْ ذِكْرِنا﴾ [ النَّجْمِ: ٢٩] قالَ المُفَسِّرُونَ: هَذِهِ الآيَةُ إنَّما نَزَلَتْ قَبْلَ آيَةِ القِتالِ ثُمَّ نُسِخَتْ بِالأمْرِ بِالقِتالِ، وقالَ آخَرُونَ: بَلْ ذَلِكَ هو الأخْذُ بِإذْنِ اللَّهِ فِيما يَكُونُ أدْعى إلى القَبُولِ فَلا يَرِدُ النَّسْخُ في مِثْلِهِ، وهَذا أصَحُّ. ﴿وذَرْنِي والمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ ومَهِّلْهم قَلِيلًا﴾ اعْلَمْ أنَّهُ إذا اهْتَمَّ إنْسانٌ بِمُهِمٍّ وكانَ غَيْرُهُ قادِرًا عَلى كِفايَةِ ذَلِكَ المُهِمِّ عَلى سَبِيلِ التَّمامِ والكَمالِ قالَ لَهُ: ذَرْنِي أنا وذاكَ، أيْ: لا حاجَةَ مَعَ اهْتِمامِي بِذاكَ إلى شَيْءٍ آخَرَ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿فَذَرْنِي ومَن يُكَذِّبُ﴾ [ القَلَمِ: ٤٤]، وقَوْلُهُ: ﴿أُولِي النَّعْمَةِ﴾ بِالفَتْحِ التَّنَعُّمُ، وبِالكَسْرِ الإنْعامُ، وبِالضَّمِّ المَسَرَّةُ، يُقالُ: أنْعَمَ بِكَ ونَعِمَكَ عَيْنًا، أيْ: أسَرَّ عَيْنَكَ، وهم صَنادِيدُ قُرَيْشٍ وكانُوا أهْلَ تَنَعُّمٍ وتَرَفُّهٍ. ﴿ومَهِّلْهم قَلِيلًا﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: المُرادُ مِنَ القَلِيلِ الحَياةُ الدُّنْيا. والثّانِي: المُرادُ مِنَ القَلِيلِ تِلْكَ المُدَّةُ القَلِيلَةُ الباقِيَةُ إلى يَوْمِ بَدْرٍ، فَإنَّ اللَّهَ أهْلَكَهم في ذَلِكَ اليَوْمِ. صفحة ١٦٠

المزمل 73:11

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ واهْجُرْهم هَجْرًا جَمِيلًا﴾ المَعْنى: إنَّكَ لَمّا اتَّخَذْتَنِي وكِيلًا فاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وفَوِّضْ أمْرَهم إلَيَّ فَإنَّنِي لَمّا كُنْتُ وكِيلًا لَكَ أقُومُ بِإصْلاحِ أمْرِكَ أحْسَنَ مِن قِيامِكَ بِإصْلاحِ أُمُورِ نَفْسِكَ، واعْلَمْ أنَّ مُهِمّاتِ العِبادِ مَحْصُورَةٌ في أمْرَيْنِ: كَيْفِيَّةِ مُعامَلَتِهِمْ مَعَ اللَّهِ، وكَيْفِيَّةِ مُعامَلَتِهِمْ مَعَ الخَلْقِ. والأوَّلُ أهَمُّ مِنَ الثّانِي، فَلَمّا ذَكَرَ تَعالى في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ ما يَتَعَلَّقُ بِالقِسْمِ الأوَّلِ أتْبَعَهُ بِما يَتَعَلَّقُ بِالقِسْمِ الثّانِي، وهو سُبْحانَهُ جَمَعَ كَلَّ ما يُحْتاجُ إلَيْهِ مِن هَذا البابِ في هاتَيْنِ الكَلِمَتَيْنِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ الإنْسانَ إمّا أنْ يَكُونَ مُخالِطًا لِلنّاسِ أوْ مُجانِبًا عَنْهم. فَإنْ خالَطَهم فَلا بُدَّ لَهُ مِنَ المُصابَرَةِ عَلى إيذائِهِمْ وإيحاشِهِمْ، فَإنَّهُ إنْ كانَ يَطْمَعُ مِنهم في الخَيْرِ والرّاحَةِ لَمْ يَجِدْ فَيَقَعَ في الغُمُومِ والأحْزانِ، فَثَبَتَ أنَّ مَن أرادَ مُخالَطَةً مَعَ الخَلْقِ فَلا بُدَّ لَهُ مِنَ الصَّبْرِ الكَثِيرِ، فَأمّا إنْ تَرَكَ المُخالَطَةَ فَذاكَ هو الهَجْرُ الجَمِيلُ، فَثَبَتَ أنَّهُ لا بُدَّ لِكُلِّ إنْسانٍ مِن أحَدِ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ، والهَجْرُ الجَمِيلُ أنْ يُجانِبَهم بِقَلْبِهِ وهَواهُ ويُخالِفَهم في الأفْعالِ مَعَ المُداراةِ والإغْضاءِ وتَرْكِ المُكافَأةِ، ونَظِيرُهُ: ﴿فَأعْرِضْ عَنْهم وعِظْهُمْ﴾ [ النِّساءِ: ٦٣] ﴿وأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ﴾ [ الأعْرافِ: ١٩٩] ﴿فَأعْرِضْ عَمَّنْ تَوَلّى عَنْ ذِكْرِنا﴾ [ النَّجْمِ: ٢٩] قالَ المُفَسِّرُونَ: هَذِهِ الآيَةُ إنَّما نَزَلَتْ قَبْلَ آيَةِ القِتالِ ثُمَّ نُسِخَتْ بِالأمْرِ بِالقِتالِ، وقالَ آخَرُونَ: بَلْ ذَلِكَ هو الأخْذُ بِإذْنِ اللَّهِ فِيما يَكُونُ أدْعى إلى القَبُولِ فَلا يَرِدُ النَّسْخُ في مِثْلِهِ، وهَذا أصَحُّ. ﴿وذَرْنِي والمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ ومَهِّلْهم قَلِيلًا﴾ اعْلَمْ أنَّهُ إذا اهْتَمَّ إنْسانٌ بِمُهِمٍّ وكانَ غَيْرُهُ قادِرًا عَلى كِفايَةِ ذَلِكَ المُهِمِّ عَلى سَبِيلِ التَّمامِ والكَمالِ قالَ لَهُ: ذَرْنِي أنا وذاكَ، أيْ: لا حاجَةَ مَعَ اهْتِمامِي بِذاكَ إلى شَيْءٍ آخَرَ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿فَذَرْنِي ومَن يُكَذِّبُ﴾ [ القَلَمِ: ٤٤]، وقَوْلُهُ: ﴿أُولِي النَّعْمَةِ﴾ بِالفَتْحِ التَّنَعُّمُ، وبِالكَسْرِ الإنْعامُ، وبِالضَّمِّ المَسَرَّةُ، يُقالُ: أنْعَمَ بِكَ ونَعِمَكَ عَيْنًا، أيْ: أسَرَّ عَيْنَكَ، وهم صَنادِيدُ قُرَيْشٍ وكانُوا أهْلَ تَنَعُّمٍ وتَرَفُّهٍ. ﴿ومَهِّلْهم قَلِيلًا﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: المُرادُ مِنَ القَلِيلِ الحَياةُ الدُّنْيا. والثّانِي: المُرادُ مِنَ القَلِيلِ تِلْكَ المُدَّةُ القَلِيلَةُ الباقِيَةُ إلى يَوْمِ بَدْرٍ، فَإنَّ اللَّهَ أهْلَكَهم في ذَلِكَ اليَوْمِ. صفحة ١٦٠

المزمل 73:12

ثُمَّ ذَكَرَ كَيْفِيَّةَ عَذابِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ فَقالَ: ﴿إنَّ لَدَيْنا أنْكالًا وجَحِيمًا وطَعامًا ذا غُصَّةٍ وعَذابًا ألِيمًا﴾ أيْ: إنَّ لَدَيْنا في الآخِرَةِ ما يُضادُّ تَنَعُّمَهم في الدُّنْيا، وذَكَرَ أُمُورًا أرْبَعَةً: أوَّلُها: قَوْلُهُ: (أنْكالًا) واحِدُها نِكْلٌ ونُكْلٌ، قالَ الواحِدِيُّ: النِّكْلُ القَيْدُ، وقالَ صاحِبُ الكَشّافِ: النِّكْلُ القَيْدُ الثَّقِيلُ. وثانِيها: قَوْلُهُ: (وجَحِيمًا) ولا حاجَةَ بِهِ إلى التَّفْسِيرِ. وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿وطَعامًا ذا غُصَّةٍ﴾ الغُصَّةُ ما يُغَصُّ بِهِ الإنْسانُ، وذَلِكَ الطَّعامُ هو الزَّقُّومُ والضَّرِيعُ كَما قالَ تَعالى: ﴿لَيْسَ لَهم طَعامٌ إلّا مِن ضَرِيعٍ﴾ [ الغاشِيَةِ: ٦] قالُوا: إنَّهُ شَوْكٌ كالعَوْسَجِ يَأْخُذُ بِالحَلْقِ يَدْخُلُ ولا يَخْرُجُ. ورابِعُها: قَوْلُهُ: ﴿وعَذابًا ألِيمًا﴾ والمُرادُ مِنهُ سائِرُ أنْواعِ العَذابِ. واعْلَمْ أنَّهُ يُمْكِنُ حَمْلُ هَذِهِ المَراتِبِ الأرْبَعَةِ عَلى العُقُوبَةِ الرُّوحانِيَّةِ، أمّا الأنْكالُ فَهي عِبارَةٌ عَنْ بَقاءِ النَّفْسِ في قَيْدِ التَّعَلُّقاتِ الجُسْمانِيَّةِ واللَّذّاتِ البَدَنِيَّةِ، فَإنَّها في الدُّنْيا لَمّا اكْتَسَبَتْ مَلَكَةَ تِلْكَ المَحَبَّةِ والرَّغْبَةِ، فَبَعْدَ البَدَنِ يَشْتَدُّ الحَنِينُ، مَعَ أنَّ آلاتِ الكَسْبِ قَدْ بَطَلَتْ فَصارَتْ تِلْكَ كالأنْكالِ والقُيُودِ المانِعَةِ لَهُ مِنَ التَّخَلُّصِ إلى عالَمِ الرُّوحِ والصَّفاءِ، ثُمَّ يَتَوَلَّدُ مِن تِلْكَ القُيُودِ الرُّوحانِيَّةِ نِيرانٌ رُوحانِيَّةٌ، فَإنَّ شَدَّةَ مَيْلِها إلى الأحْوالِ البَدَنِيَّةِ وعَدَمَ تَمَكُّنِها مِنَ الوُصُولِ إلَيْها - يُوجِبُ حُرْقَةً شَدِيدَةً رُوحانِيَّةً كَمَن تَشْتَدُّ رَغْبَتُهُ في وِجْدانِ شَيْءٍ، ثُمَّ إنَّهُ لا يَجِدُهُ فَإنَّهُ يَحْتَرِقُ قَلْبُهُ عَلَيْهِ، فَذاكَ هو الجَحِيمُ، ثُمَّ إنَّهُ يَتَجَرَّعُ غُصَّةَ الحِرْمانِ وألَمَ الفِراقِ، فَذاكَ هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وطَعامًا ذا غُصَّةٍ﴾، ثُمَّ إنَّهُ بِسَبَبِ هَذِهِ الأحْوالِ بَقِيَ مَحْرُومًا عَنْ تَجَلِّي نُورِ اللَّهِ والِانْخِراطِ في سِلْكِ المُقَدَّسِينَ، وذَلِكَ هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وعَذابًا ألِيمًا﴾، والتَّنْكِيرُ في قَوْلِهِ: (وعَذابًا) يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا العَذابَ أشَدُّ مِمّا تَقَدَّمَ وأكْمَلُ، واعْلَمْ أنِّي لا أقُولُ المُرادُ بِهَذِهِ الآياتِ هو ما ذَكَرْتُهُ فَقَطْ، بَلْ أقُولُ: إنَّها تُفِيدُ حُصُولَ المَراتِبِ الأرْبَعَةِ الجُسْمانِيَّةِ، وحُصُولَ المَراتِبِ الأرْبَعَةِ الرُّوحانِيَّةِ، ولا يَمْتَنِعُ حَمْلُهُ عَلَيْهِما، وإنْ كانَ اللَّفْظُ بِالنِّسْبَةِ إلى المَراتِبِ الجُسْمانِيَّةِ حَقِيقَةً، وبِالنِّسْبَةِ إلى المَراتِبِ الرُّوحانِيَّةِ مَجازًا مُتَعارَفًا مَشْهُورًا. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ العَذابَ، أخْبَرَ أنَّهُ مَتى يَكُونُ ذَلِكَ فَقالَ تَعالى: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الأرْضُ والجِبالُ وكانَتِ الجِبالُ كَثِيبًا مَهِيلًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الزَّجّاجُ: ”يَوْمَ“ مَنصُوبٌ بِقَوْلِ: ﴿إنَّ لَدَيْنا أنْكالًا وجَحِيمًا﴾ أيْ نُنَكِّلُ بِالكافِرِينَ ونُعَذِّبُهم يَوْمَ تَرْجُفُ الأرْضُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الرَّجْفَةُ الزَّلْزَلَةُ والزَّعْزَعَةُ الشَّدِيدَةُ، والكَثِيبُ القِطْعَةُ العَظِيمَةُ مِنَ الرَّمْلِ تَجْتَمِعُ مُحْدَوْدِبَةً، وجَمْعُهُ الكُثْبانُ، وفي كَيْفِيَّةِ الِاشْتِقاقِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مِن كَثَبَ الشَّيْءَ إذا جَمَعَهُ كَأنَّهُ فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ. والثّانِي: قالَ اللَّيْثُ: الكَثِيبُ نَثْرُ التُّرابِ أوِ الشَّيْءِ، يُرْمى بِهِ، والفِعْلُ اللّازِمُ انْكَثَبَ يَنْكَثِبُ انْكِثابًا، وسُمِّيَ الكَثِيبُ كَثِيبًا؛ لِأنَّ تُرابَهُ دِقاقٌ، كَأنَّهُ مَكْثُوبٌ مَنثُورٌ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ لِرَخاوَتِهِ، وقَوْلُهُ: (مَهِيلًا) أيْ سائِلًا قَدْ أُسِيلُ، يُقالُ: تُرابٌ مَهِيلٌ ومَهْيُولٌ أيْ مَصْبُوبٌ ومَسِيلٌ. الأكْثَرُ في اللُّغَةِ مَهِيلٌ، وهو مِثْلُ قَوْلِكَ مَكِيلٌ ومَكْيُولٌ، ومَدِينٌ ومَدْيُونٌ، وذَلِكَ أنَّ الياءَ تُحْذَفُ مِنهُ الضَّمَّةُ فَتَسْكُنُ، والواوُ أيْضًا ساكِنَةٌ، فَتُحْذَفُ الواوُ صفحة ١٦١ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، ذَكَرَهُ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ، وإذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّهُ تَعالى يُفَرِّقُ تَرْكِيبَ أجْزاءِ الجِبالِ ويَنْسِفُها نَسْفًا ويَجْعَلُها كالعِهْنِ المَنفُوشِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ تَصِيرُ كالكَثِيبِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى يُحَرِّكُها عَلى ما قالَ: ﴿ويَوْمَ نُسَيِّرُ الجِبالَ﴾ [ الكَهْفِ: ٤٧] وقالَ: ﴿وهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ﴾ [النمل: ٨٨] وقالَ: ﴿وسُيِّرَتِ الجِبالُ﴾ [ النَّبَأِ: ٢٠] فَعِنْدَ ذَلِكَ تَصِيرُ مَهِيلًا، فَإنْ قِيلَ: لِمَ لَمْ يَقُلْ: وكانَتِ الجِبالُ كُثْبانًا مَهِيلَةً ؟ قُلْنا: لِأنَّها بِأسْرِها تَجْتَمِعُ فَتَصِيرُ كَثِيبًا واحِدًا مَهِيلًا.

المزمل 73:13

ثُمَّ ذَكَرَ كَيْفِيَّةَ عَذابِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ فَقالَ: ﴿إنَّ لَدَيْنا أنْكالًا وجَحِيمًا وطَعامًا ذا غُصَّةٍ وعَذابًا ألِيمًا﴾ أيْ: إنَّ لَدَيْنا في الآخِرَةِ ما يُضادُّ تَنَعُّمَهم في الدُّنْيا، وذَكَرَ أُمُورًا أرْبَعَةً: أوَّلُها: قَوْلُهُ: (أنْكالًا) واحِدُها نِكْلٌ ونُكْلٌ، قالَ الواحِدِيُّ: النِّكْلُ القَيْدُ، وقالَ صاحِبُ الكَشّافِ: النِّكْلُ القَيْدُ الثَّقِيلُ. وثانِيها: قَوْلُهُ: (وجَحِيمًا) ولا حاجَةَ بِهِ إلى التَّفْسِيرِ. وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿وطَعامًا ذا غُصَّةٍ﴾ الغُصَّةُ ما يُغَصُّ بِهِ الإنْسانُ، وذَلِكَ الطَّعامُ هو الزَّقُّومُ والضَّرِيعُ كَما قالَ تَعالى: ﴿لَيْسَ لَهم طَعامٌ إلّا مِن ضَرِيعٍ﴾ [ الغاشِيَةِ: ٦] قالُوا: إنَّهُ شَوْكٌ كالعَوْسَجِ يَأْخُذُ بِالحَلْقِ يَدْخُلُ ولا يَخْرُجُ. ورابِعُها: قَوْلُهُ: ﴿وعَذابًا ألِيمًا﴾ والمُرادُ مِنهُ سائِرُ أنْواعِ العَذابِ. واعْلَمْ أنَّهُ يُمْكِنُ حَمْلُ هَذِهِ المَراتِبِ الأرْبَعَةِ عَلى العُقُوبَةِ الرُّوحانِيَّةِ، أمّا الأنْكالُ فَهي عِبارَةٌ عَنْ بَقاءِ النَّفْسِ في قَيْدِ التَّعَلُّقاتِ الجُسْمانِيَّةِ واللَّذّاتِ البَدَنِيَّةِ، فَإنَّها في الدُّنْيا لَمّا اكْتَسَبَتْ مَلَكَةَ تِلْكَ المَحَبَّةِ والرَّغْبَةِ، فَبَعْدَ البَدَنِ يَشْتَدُّ الحَنِينُ، مَعَ أنَّ آلاتِ الكَسْبِ قَدْ بَطَلَتْ فَصارَتْ تِلْكَ كالأنْكالِ والقُيُودِ المانِعَةِ لَهُ مِنَ التَّخَلُّصِ إلى عالَمِ الرُّوحِ والصَّفاءِ، ثُمَّ يَتَوَلَّدُ مِن تِلْكَ القُيُودِ الرُّوحانِيَّةِ نِيرانٌ رُوحانِيَّةٌ، فَإنَّ شَدَّةَ مَيْلِها إلى الأحْوالِ البَدَنِيَّةِ وعَدَمَ تَمَكُّنِها مِنَ الوُصُولِ إلَيْها - يُوجِبُ حُرْقَةً شَدِيدَةً رُوحانِيَّةً كَمَن تَشْتَدُّ رَغْبَتُهُ في وِجْدانِ شَيْءٍ، ثُمَّ إنَّهُ لا يَجِدُهُ فَإنَّهُ يَحْتَرِقُ قَلْبُهُ عَلَيْهِ، فَذاكَ هو الجَحِيمُ، ثُمَّ إنَّهُ يَتَجَرَّعُ غُصَّةَ الحِرْمانِ وألَمَ الفِراقِ، فَذاكَ هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وطَعامًا ذا غُصَّةٍ﴾، ثُمَّ إنَّهُ بِسَبَبِ هَذِهِ الأحْوالِ بَقِيَ مَحْرُومًا عَنْ تَجَلِّي نُورِ اللَّهِ والِانْخِراطِ في سِلْكِ المُقَدَّسِينَ، وذَلِكَ هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وعَذابًا ألِيمًا﴾، والتَّنْكِيرُ في قَوْلِهِ: (وعَذابًا) يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا العَذابَ أشَدُّ مِمّا تَقَدَّمَ وأكْمَلُ، واعْلَمْ أنِّي لا أقُولُ المُرادُ بِهَذِهِ الآياتِ هو ما ذَكَرْتُهُ فَقَطْ، بَلْ أقُولُ: إنَّها تُفِيدُ حُصُولَ المَراتِبِ الأرْبَعَةِ الجُسْمانِيَّةِ، وحُصُولَ المَراتِبِ الأرْبَعَةِ الرُّوحانِيَّةِ، ولا يَمْتَنِعُ حَمْلُهُ عَلَيْهِما، وإنْ كانَ اللَّفْظُ بِالنِّسْبَةِ إلى المَراتِبِ الجُسْمانِيَّةِ حَقِيقَةً، وبِالنِّسْبَةِ إلى المَراتِبِ الرُّوحانِيَّةِ مَجازًا مُتَعارَفًا مَشْهُورًا. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ العَذابَ، أخْبَرَ أنَّهُ مَتى يَكُونُ ذَلِكَ فَقالَ تَعالى: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الأرْضُ والجِبالُ وكانَتِ الجِبالُ كَثِيبًا مَهِيلًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الزَّجّاجُ: ”يَوْمَ“ مَنصُوبٌ بِقَوْلِ: ﴿إنَّ لَدَيْنا أنْكالًا وجَحِيمًا﴾ أيْ نُنَكِّلُ بِالكافِرِينَ ونُعَذِّبُهم يَوْمَ تَرْجُفُ الأرْضُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الرَّجْفَةُ الزَّلْزَلَةُ والزَّعْزَعَةُ الشَّدِيدَةُ، والكَثِيبُ القِطْعَةُ العَظِيمَةُ مِنَ الرَّمْلِ تَجْتَمِعُ مُحْدَوْدِبَةً، وجَمْعُهُ الكُثْبانُ، وفي كَيْفِيَّةِ الِاشْتِقاقِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مِن كَثَبَ الشَّيْءَ إذا جَمَعَهُ كَأنَّهُ فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ. والثّانِي: قالَ اللَّيْثُ: الكَثِيبُ نَثْرُ التُّرابِ أوِ الشَّيْءِ، يُرْمى بِهِ، والفِعْلُ اللّازِمُ انْكَثَبَ يَنْكَثِبُ انْكِثابًا، وسُمِّيَ الكَثِيبُ كَثِيبًا؛ لِأنَّ تُرابَهُ دِقاقٌ، كَأنَّهُ مَكْثُوبٌ مَنثُورٌ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ لِرَخاوَتِهِ، وقَوْلُهُ: (مَهِيلًا) أيْ سائِلًا قَدْ أُسِيلُ، يُقالُ: تُرابٌ مَهِيلٌ ومَهْيُولٌ أيْ مَصْبُوبٌ ومَسِيلٌ. الأكْثَرُ في اللُّغَةِ مَهِيلٌ، وهو مِثْلُ قَوْلِكَ مَكِيلٌ ومَكْيُولٌ، ومَدِينٌ ومَدْيُونٌ، وذَلِكَ أنَّ الياءَ تُحْذَفُ مِنهُ الضَّمَّةُ فَتَسْكُنُ، والواوُ أيْضًا ساكِنَةٌ، فَتُحْذَفُ الواوُ صفحة ١٦١ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، ذَكَرَهُ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ، وإذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّهُ تَعالى يُفَرِّقُ تَرْكِيبَ أجْزاءِ الجِبالِ ويَنْسِفُها نَسْفًا ويَجْعَلُها كالعِهْنِ المَنفُوشِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ تَصِيرُ كالكَثِيبِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى يُحَرِّكُها عَلى ما قالَ: ﴿ويَوْمَ نُسَيِّرُ الجِبالَ﴾ [ الكَهْفِ: ٤٧] وقالَ: ﴿وهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ﴾ [النمل: ٨٨] وقالَ: ﴿وسُيِّرَتِ الجِبالُ﴾ [ النَّبَأِ: ٢٠] فَعِنْدَ ذَلِكَ تَصِيرُ مَهِيلًا، فَإنْ قِيلَ: لِمَ لَمْ يَقُلْ: وكانَتِ الجِبالُ كُثْبانًا مَهِيلَةً ؟ قُلْنا: لِأنَّها بِأسْرِها تَجْتَمِعُ فَتَصِيرُ كَثِيبًا واحِدًا مَهِيلًا.

المزمل 73:14

ثُمَّ ذَكَرَ كَيْفِيَّةَ عَذابِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ فَقالَ: ﴿إنَّ لَدَيْنا أنْكالًا وجَحِيمًا وطَعامًا ذا غُصَّةٍ وعَذابًا ألِيمًا﴾ أيْ: إنَّ لَدَيْنا في الآخِرَةِ ما يُضادُّ تَنَعُّمَهم في الدُّنْيا، وذَكَرَ أُمُورًا أرْبَعَةً: أوَّلُها: قَوْلُهُ: (أنْكالًا) واحِدُها نِكْلٌ ونُكْلٌ، قالَ الواحِدِيُّ: النِّكْلُ القَيْدُ، وقالَ صاحِبُ الكَشّافِ: النِّكْلُ القَيْدُ الثَّقِيلُ. وثانِيها: قَوْلُهُ: (وجَحِيمًا) ولا حاجَةَ بِهِ إلى التَّفْسِيرِ. وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿وطَعامًا ذا غُصَّةٍ﴾ الغُصَّةُ ما يُغَصُّ بِهِ الإنْسانُ، وذَلِكَ الطَّعامُ هو الزَّقُّومُ والضَّرِيعُ كَما قالَ تَعالى: ﴿لَيْسَ لَهم طَعامٌ إلّا مِن ضَرِيعٍ﴾ [ الغاشِيَةِ: ٦] قالُوا: إنَّهُ شَوْكٌ كالعَوْسَجِ يَأْخُذُ بِالحَلْقِ يَدْخُلُ ولا يَخْرُجُ. ورابِعُها: قَوْلُهُ: ﴿وعَذابًا ألِيمًا﴾ والمُرادُ مِنهُ سائِرُ أنْواعِ العَذابِ. واعْلَمْ أنَّهُ يُمْكِنُ حَمْلُ هَذِهِ المَراتِبِ الأرْبَعَةِ عَلى العُقُوبَةِ الرُّوحانِيَّةِ، أمّا الأنْكالُ فَهي عِبارَةٌ عَنْ بَقاءِ النَّفْسِ في قَيْدِ التَّعَلُّقاتِ الجُسْمانِيَّةِ واللَّذّاتِ البَدَنِيَّةِ، فَإنَّها في الدُّنْيا لَمّا اكْتَسَبَتْ مَلَكَةَ تِلْكَ المَحَبَّةِ والرَّغْبَةِ، فَبَعْدَ البَدَنِ يَشْتَدُّ الحَنِينُ، مَعَ أنَّ آلاتِ الكَسْبِ قَدْ بَطَلَتْ فَصارَتْ تِلْكَ كالأنْكالِ والقُيُودِ المانِعَةِ لَهُ مِنَ التَّخَلُّصِ إلى عالَمِ الرُّوحِ والصَّفاءِ، ثُمَّ يَتَوَلَّدُ مِن تِلْكَ القُيُودِ الرُّوحانِيَّةِ نِيرانٌ رُوحانِيَّةٌ، فَإنَّ شَدَّةَ مَيْلِها إلى الأحْوالِ البَدَنِيَّةِ وعَدَمَ تَمَكُّنِها مِنَ الوُصُولِ إلَيْها - يُوجِبُ حُرْقَةً شَدِيدَةً رُوحانِيَّةً كَمَن تَشْتَدُّ رَغْبَتُهُ في وِجْدانِ شَيْءٍ، ثُمَّ إنَّهُ لا يَجِدُهُ فَإنَّهُ يَحْتَرِقُ قَلْبُهُ عَلَيْهِ، فَذاكَ هو الجَحِيمُ، ثُمَّ إنَّهُ يَتَجَرَّعُ غُصَّةَ الحِرْمانِ وألَمَ الفِراقِ، فَذاكَ هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وطَعامًا ذا غُصَّةٍ﴾، ثُمَّ إنَّهُ بِسَبَبِ هَذِهِ الأحْوالِ بَقِيَ مَحْرُومًا عَنْ تَجَلِّي نُورِ اللَّهِ والِانْخِراطِ في سِلْكِ المُقَدَّسِينَ، وذَلِكَ هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وعَذابًا ألِيمًا﴾، والتَّنْكِيرُ في قَوْلِهِ: (وعَذابًا) يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا العَذابَ أشَدُّ مِمّا تَقَدَّمَ وأكْمَلُ، واعْلَمْ أنِّي لا أقُولُ المُرادُ بِهَذِهِ الآياتِ هو ما ذَكَرْتُهُ فَقَطْ، بَلْ أقُولُ: إنَّها تُفِيدُ حُصُولَ المَراتِبِ الأرْبَعَةِ الجُسْمانِيَّةِ، وحُصُولَ المَراتِبِ الأرْبَعَةِ الرُّوحانِيَّةِ، ولا يَمْتَنِعُ حَمْلُهُ عَلَيْهِما، وإنْ كانَ اللَّفْظُ بِالنِّسْبَةِ إلى المَراتِبِ الجُسْمانِيَّةِ حَقِيقَةً، وبِالنِّسْبَةِ إلى المَراتِبِ الرُّوحانِيَّةِ مَجازًا مُتَعارَفًا مَشْهُورًا. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ العَذابَ، أخْبَرَ أنَّهُ مَتى يَكُونُ ذَلِكَ فَقالَ تَعالى: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الأرْضُ والجِبالُ وكانَتِ الجِبالُ كَثِيبًا مَهِيلًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الزَّجّاجُ: ”يَوْمَ“ مَنصُوبٌ بِقَوْلِ: ﴿إنَّ لَدَيْنا أنْكالًا وجَحِيمًا﴾ أيْ نُنَكِّلُ بِالكافِرِينَ ونُعَذِّبُهم يَوْمَ تَرْجُفُ الأرْضُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الرَّجْفَةُ الزَّلْزَلَةُ والزَّعْزَعَةُ الشَّدِيدَةُ، والكَثِيبُ القِطْعَةُ العَظِيمَةُ مِنَ الرَّمْلِ تَجْتَمِعُ مُحْدَوْدِبَةً، وجَمْعُهُ الكُثْبانُ، وفي كَيْفِيَّةِ الِاشْتِقاقِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مِن كَثَبَ الشَّيْءَ إذا جَمَعَهُ كَأنَّهُ فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ. والثّانِي: قالَ اللَّيْثُ: الكَثِيبُ نَثْرُ التُّرابِ أوِ الشَّيْءِ، يُرْمى بِهِ، والفِعْلُ اللّازِمُ انْكَثَبَ يَنْكَثِبُ انْكِثابًا، وسُمِّيَ الكَثِيبُ كَثِيبًا؛ لِأنَّ تُرابَهُ دِقاقٌ، كَأنَّهُ مَكْثُوبٌ مَنثُورٌ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ لِرَخاوَتِهِ، وقَوْلُهُ: (مَهِيلًا) أيْ سائِلًا قَدْ أُسِيلُ، يُقالُ: تُرابٌ مَهِيلٌ ومَهْيُولٌ أيْ مَصْبُوبٌ ومَسِيلٌ. الأكْثَرُ في اللُّغَةِ مَهِيلٌ، وهو مِثْلُ قَوْلِكَ مَكِيلٌ ومَكْيُولٌ، ومَدِينٌ ومَدْيُونٌ، وذَلِكَ أنَّ الياءَ تُحْذَفُ مِنهُ الضَّمَّةُ فَتَسْكُنُ، والواوُ أيْضًا ساكِنَةٌ، فَتُحْذَفُ الواوُ صفحة ١٦١ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، ذَكَرَهُ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ، وإذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّهُ تَعالى يُفَرِّقُ تَرْكِيبَ أجْزاءِ الجِبالِ ويَنْسِفُها نَسْفًا ويَجْعَلُها كالعِهْنِ المَنفُوشِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ تَصِيرُ كالكَثِيبِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى يُحَرِّكُها عَلى ما قالَ: ﴿ويَوْمَ نُسَيِّرُ الجِبالَ﴾ [ الكَهْفِ: ٤٧] وقالَ: ﴿وهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ﴾ [النمل: ٨٨] وقالَ: ﴿وسُيِّرَتِ الجِبالُ﴾ [ النَّبَأِ: ٢٠] فَعِنْدَ ذَلِكَ تَصِيرُ مَهِيلًا، فَإنْ قِيلَ: لِمَ لَمْ يَقُلْ: وكانَتِ الجِبالُ كُثْبانًا مَهِيلَةً ؟ قُلْنا: لِأنَّها بِأسْرِها تَجْتَمِعُ فَتَصِيرُ كَثِيبًا واحِدًا مَهِيلًا.

المزمل 73:15

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا خَوَّفَ المُكَذِّبِينَ ﴿أُولِي النَّعْمَةِ﴾ بِأهْوالِ القِيامَةِ خَوَّفَهم بَعْدَ ذَلِكَ بِأهْوالِ الدُّنْيا فَقالَ تَعالى: ﴿إنّا أرْسَلْنا إلَيْكم رَسُولًا شاهِدًا عَلَيْكم كَما أرْسَلْنا إلى فِرْعَوْنَ رَسُولًا﴾ ﴿فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأخَذْناهُ أخْذًا وبِيلًا﴾ واعْلَمْ أنَّ الخِطابَ لِأهْلِ مَكَّةَ، والمَقْصُودُ تَهْدِيدُهم بِالأخْذِ الوَبِيلِ، وهَهُنا سُؤالاتٌ: السُّؤالُ الأوَّلُ: لِمَ نُكِّرَ الرَّسُولُ ثُمَّ عُرِّفَ ؟ الجَوابُ: التَّقْدِيرُ: أرْسَلْنا إلى فِرْعَوْنَ رَسُولًا فَعَصاهُ فَأخَذْناهُ أخْذًا وبِيلًا، فَأرْسَلْنا إلَيْكم أيْضًا رَسُولًا فَعَصَيْتُمْ ذَلِكَ الرَّسُولَ، فَلا بُدَّ وأنْ نَأْخُذَكم أخْذًا وبِيلًا. السُّؤالُ الثّانِي: هَلْ يُمْكِنُ التَّمَسُّكُ بِهَذِهِ الآيَةِ في إثْباتِ أنَّ القِياسَ حُجَّةٌ ؟ والجَوابُ: نَعَمْ؛ لِأنَّ الكَلامَ إنَّما يَنْتَظِمُ لَوْ قِسْنا إحْدى الصُّورَتَيْنِ عَلى الأُخْرى، فَإنْ قِيلَ: هَبْ أنَّ القِياسَ في هَذِهِ الصُّورَةِ حُجَّةٌ، فَلِمَ قُلْتُمْ: إنَّهُ في سائِرِ الصُّوَرِ حُجَّةٌ، وحِينَئِذٍ يَحْتاجُ إلى قِياسِ سائِرِ القِياساتِ عَلى هَذا القِياسِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ إثْباتًا لِلْقِياسِ بِالقِياسِ، وإنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ ؟ قُلْنا: لا نُثْبِتُ سائِرَ القِياساتِ بِالقِياسِ عَلى هَذِهِ الصُّورَةِ، وإلّا لَزِمَ المَحْذُورُ الَّذِي ذَكَرْتُمْ، بَلْ وجْهُ التَمَسُّكِ هو أنْ نَقُولَ: لَوْلا أنَّهُ تَمَهَّدَ عِنْدَهم أنَّ الشَّيْئَيْنِ اللَّذَيْنِ يَشْتَرِكانِ في مَناطِ الحُكْمِ ظَنًّا يَجِبُ اشْتِراكُهُما في الحُكْمِ، وإلّا لَما أوْرَدَ هَذا الكَلامَ في هَذِهِ الصُّورَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ احْتِمالَ الفَرْقِ المَرْجُوحِ قائِمٌ هَهُنا، فَإنَّ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: لَعَلَّهم إنَّما اسْتَوْجَبُوا الأخْذَ الوَبِيلَ بِخُصُوصِيَّةِ حالَةِ العِصْيانِ في تِلْكَ الصُّورَةِ، وتِلْكَ الخُصُوصِيَّةِ غَيْرُ مَوْجُودَةٍ هَهُنا، فَلا يَلْزَمُ حُصُولُ الأخْذِ الوَبِيلِ هَهُنا، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى مَعَ قِيامِ هَذا الِاحْتِمالِ جَزَمَ بِالتَّسْوِيَةِ في الحُكْمِ فَهَذا الجَزْمُ لا بُدَّ وأنْ يُقالَ: إنَّهُ كانَ مَسْبُوقًا بِتَقْرِيرِ أنَّهُ مَتى وقَعَ الِاشْتِراكُ في المَناطِ الظّاهِرِ وجَبَ الجَزْمُ بِالِاشْتِراكِ في الحُكْمِ، وإنَّ مُجَرَّدَ احْتِمالِ الفَرْقِ بِالأشْياءِ الَّتِي لا يُعْلَمُ كَوْنُها مُناسِبَةً لِلْحُكْمِ لا يَكُونُ قادِحًا في تِلْكَ التَّسْوِيَةِ، فَلا مَعْنى لِقَوْلِنا: القِياسُ حُجَّةٌ - إلّا هَذا. السُّؤالُ الثّالِثُ: لِمَ ذَكَرَ في هَذا المَوْضِعِ قِصَّةَ مُوسى وفِرْعَوْنَ عَلى التَّعْيِينِ دُونَ سائِرِ الرُّسُلِ والأُمَمِ ؟ الجَوابُ: لِأنَّ أهْلَ مَكَّةَ ازْدَرَوْا مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، واسْتَخَفُّوا بِهِ لِأنَّهُ وُلِدَ فِيهِمْ، كَما أنَّ فِرْعَوْنَ ازْدَرى مُوسى لِأنَّهُ رَبّاهُ ووُلِدَ فِيما بَيْنَهم، وهو قَوْلُهُ: ﴿ألَمْ نُرَبِّكَ فِينا ولِيدًا﴾ [ الشُّعَراءِ: ١٨] . السُّؤالُ الرّابِعُ: ما مَعْنى كَوْنِ الرَّسُولِ شاهِدًا عَلَيْهِمْ ؟ الجَوابُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ شاهِدٌ عَلَيْهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ بِكُفْرِهِمْ وتَكْذِيبِهِمْ. الثّانِي: المُرادُ كَوْنُهُ مُبَيِّنًا لِلْحَقِّ في الدُّنْيا، ومُبَيِّنًا لِبُطْلانِ ما هم عَلَيْهِ مِنَ صفحة ١٦٢ الكُفْرِ؛ لِأنَّ الشّاهِدَ بِشَهادَتِهِ يُبَيِّنُ الحَقَّ، ولِذَلِكَ وُصِفَتْ بِأنَّها بَيِّنَةٌ، فَلا يَمْتَنِعُ أنْ يُوصَفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِذَلِكَ مِن حَيْثُ إنَّهُ بَيَّنَ الحَقَّ، وهَذا بَعِيدٌ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ [ البَقَرَةِ: ١٤٣] أيْ عُدُولًا خِيارًا ﴿لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ ويَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكم شَهِيدًا﴾ فَبَيَّنَ أنَّهُ يَكُونُ شاهِدًا عَلَيْهِمْ في المُسْتَقْبَلِ، ولِأنَّ حَمْلَهُ عَلى الشَّهادَةِ في الآخِرَةِ حَقِيقَةٌ، وحَمْلُهُ عَلى البَيانِ مَجازٌ، والحَقِيقَةُ أوْلى. السُّؤالُ الخامِسُ: ما مَعْنى الوَبِيلِ ؟ الجَوابُ: فِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: الوَبِيلُ: الثَّقِيلُ الغَلِيظُ، ومِنهُ قَوْلُهم: صارَ هَذا وبالًا عَلَيْهِمْ، أيْ أفْضى بِهِ إلى غايَةِ المَكْرُوهِ، ومِن هَذا قِيلَ لِلْمَطَرِ العَظِيمِ: وابِلٌ، والوَبِيلُ: العَصا الضَّخْمَةُ. الثّانِي: قالَ أبُو زَيْدٍ: الوَبِيلُ الَّذِي لا يُسْتَمْرَأُ، وماءٌ وبِيلٌ وخِيمٌ إذا كانَ غَيْرَ مَرِيءٍ، وكَلَأٌ مُسْتَوْبَلٌ، إذا أدَّتْ عاقِبَتُهُ إلى مَكْرُوهٍ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ ﴿فَأخَذْناهُ أخْذًا وبِيلًا﴾ يَعْنِي الغَرَقَ، قالَهُ الكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ وقَتادَةُ.

المزمل 73:16

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا خَوَّفَ المُكَذِّبِينَ ﴿أُولِي النَّعْمَةِ﴾ بِأهْوالِ القِيامَةِ خَوَّفَهم بَعْدَ ذَلِكَ بِأهْوالِ الدُّنْيا فَقالَ تَعالى: ﴿إنّا أرْسَلْنا إلَيْكم رَسُولًا شاهِدًا عَلَيْكم كَما أرْسَلْنا إلى فِرْعَوْنَ رَسُولًا﴾ ﴿فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأخَذْناهُ أخْذًا وبِيلًا﴾ واعْلَمْ أنَّ الخِطابَ لِأهْلِ مَكَّةَ، والمَقْصُودُ تَهْدِيدُهم بِالأخْذِ الوَبِيلِ، وهَهُنا سُؤالاتٌ: السُّؤالُ الأوَّلُ: لِمَ نُكِّرَ الرَّسُولُ ثُمَّ عُرِّفَ ؟ الجَوابُ: التَّقْدِيرُ: أرْسَلْنا إلى فِرْعَوْنَ رَسُولًا فَعَصاهُ فَأخَذْناهُ أخْذًا وبِيلًا، فَأرْسَلْنا إلَيْكم أيْضًا رَسُولًا فَعَصَيْتُمْ ذَلِكَ الرَّسُولَ، فَلا بُدَّ وأنْ نَأْخُذَكم أخْذًا وبِيلًا. السُّؤالُ الثّانِي: هَلْ يُمْكِنُ التَّمَسُّكُ بِهَذِهِ الآيَةِ في إثْباتِ أنَّ القِياسَ حُجَّةٌ ؟ والجَوابُ: نَعَمْ؛ لِأنَّ الكَلامَ إنَّما يَنْتَظِمُ لَوْ قِسْنا إحْدى الصُّورَتَيْنِ عَلى الأُخْرى، فَإنْ قِيلَ: هَبْ أنَّ القِياسَ في هَذِهِ الصُّورَةِ حُجَّةٌ، فَلِمَ قُلْتُمْ: إنَّهُ في سائِرِ الصُّوَرِ حُجَّةٌ، وحِينَئِذٍ يَحْتاجُ إلى قِياسِ سائِرِ القِياساتِ عَلى هَذا القِياسِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ إثْباتًا لِلْقِياسِ بِالقِياسِ، وإنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ ؟ قُلْنا: لا نُثْبِتُ سائِرَ القِياساتِ بِالقِياسِ عَلى هَذِهِ الصُّورَةِ، وإلّا لَزِمَ المَحْذُورُ الَّذِي ذَكَرْتُمْ، بَلْ وجْهُ التَمَسُّكِ هو أنْ نَقُولَ: لَوْلا أنَّهُ تَمَهَّدَ عِنْدَهم أنَّ الشَّيْئَيْنِ اللَّذَيْنِ يَشْتَرِكانِ في مَناطِ الحُكْمِ ظَنًّا يَجِبُ اشْتِراكُهُما في الحُكْمِ، وإلّا لَما أوْرَدَ هَذا الكَلامَ في هَذِهِ الصُّورَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ احْتِمالَ الفَرْقِ المَرْجُوحِ قائِمٌ هَهُنا، فَإنَّ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: لَعَلَّهم إنَّما اسْتَوْجَبُوا الأخْذَ الوَبِيلَ بِخُصُوصِيَّةِ حالَةِ العِصْيانِ في تِلْكَ الصُّورَةِ، وتِلْكَ الخُصُوصِيَّةِ غَيْرُ مَوْجُودَةٍ هَهُنا، فَلا يَلْزَمُ حُصُولُ الأخْذِ الوَبِيلِ هَهُنا، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى مَعَ قِيامِ هَذا الِاحْتِمالِ جَزَمَ بِالتَّسْوِيَةِ في الحُكْمِ فَهَذا الجَزْمُ لا بُدَّ وأنْ يُقالَ: إنَّهُ كانَ مَسْبُوقًا بِتَقْرِيرِ أنَّهُ مَتى وقَعَ الِاشْتِراكُ في المَناطِ الظّاهِرِ وجَبَ الجَزْمُ بِالِاشْتِراكِ في الحُكْمِ، وإنَّ مُجَرَّدَ احْتِمالِ الفَرْقِ بِالأشْياءِ الَّتِي لا يُعْلَمُ كَوْنُها مُناسِبَةً لِلْحُكْمِ لا يَكُونُ قادِحًا في تِلْكَ التَّسْوِيَةِ، فَلا مَعْنى لِقَوْلِنا: القِياسُ حُجَّةٌ - إلّا هَذا. السُّؤالُ الثّالِثُ: لِمَ ذَكَرَ في هَذا المَوْضِعِ قِصَّةَ مُوسى وفِرْعَوْنَ عَلى التَّعْيِينِ دُونَ سائِرِ الرُّسُلِ والأُمَمِ ؟ الجَوابُ: لِأنَّ أهْلَ مَكَّةَ ازْدَرَوْا مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، واسْتَخَفُّوا بِهِ لِأنَّهُ وُلِدَ فِيهِمْ، كَما أنَّ فِرْعَوْنَ ازْدَرى مُوسى لِأنَّهُ رَبّاهُ ووُلِدَ فِيما بَيْنَهم، وهو قَوْلُهُ: ﴿ألَمْ نُرَبِّكَ فِينا ولِيدًا﴾ [ الشُّعَراءِ: ١٨] . السُّؤالُ الرّابِعُ: ما مَعْنى كَوْنِ الرَّسُولِ شاهِدًا عَلَيْهِمْ ؟ الجَوابُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ شاهِدٌ عَلَيْهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ بِكُفْرِهِمْ وتَكْذِيبِهِمْ. الثّانِي: المُرادُ كَوْنُهُ مُبَيِّنًا لِلْحَقِّ في الدُّنْيا، ومُبَيِّنًا لِبُطْلانِ ما هم عَلَيْهِ مِنَ صفحة ١٦٢ الكُفْرِ؛ لِأنَّ الشّاهِدَ بِشَهادَتِهِ يُبَيِّنُ الحَقَّ، ولِذَلِكَ وُصِفَتْ بِأنَّها بَيِّنَةٌ، فَلا يَمْتَنِعُ أنْ يُوصَفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِذَلِكَ مِن حَيْثُ إنَّهُ بَيَّنَ الحَقَّ، وهَذا بَعِيدٌ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ [ البَقَرَةِ: ١٤٣] أيْ عُدُولًا خِيارًا ﴿لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ ويَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكم شَهِيدًا﴾ فَبَيَّنَ أنَّهُ يَكُونُ شاهِدًا عَلَيْهِمْ في المُسْتَقْبَلِ، ولِأنَّ حَمْلَهُ عَلى الشَّهادَةِ في الآخِرَةِ حَقِيقَةٌ، وحَمْلُهُ عَلى البَيانِ مَجازٌ، والحَقِيقَةُ أوْلى. السُّؤالُ الخامِسُ: ما مَعْنى الوَبِيلِ ؟ الجَوابُ: فِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: الوَبِيلُ: الثَّقِيلُ الغَلِيظُ، ومِنهُ قَوْلُهم: صارَ هَذا وبالًا عَلَيْهِمْ، أيْ أفْضى بِهِ إلى غايَةِ المَكْرُوهِ، ومِن هَذا قِيلَ لِلْمَطَرِ العَظِيمِ: وابِلٌ، والوَبِيلُ: العَصا الضَّخْمَةُ. الثّانِي: قالَ أبُو زَيْدٍ: الوَبِيلُ الَّذِي لا يُسْتَمْرَأُ، وماءٌ وبِيلٌ وخِيمٌ إذا كانَ غَيْرَ مَرِيءٍ، وكَلَأٌ مُسْتَوْبَلٌ، إذا أدَّتْ عاقِبَتُهُ إلى مَكْرُوهٍ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ ﴿فَأخَذْناهُ أخْذًا وبِيلًا﴾ يَعْنِي الغَرَقَ، قالَهُ الكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ وقَتادَةُ.

المزمل 73:17

ثُمَّ إنَّهُ تَعالى عادَ إلى تَخْوِيفِهِمْ بِالقِيامَةِ مَرَّةً أُخْرى، فَقالَ تَعالى: ﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الوِلْدانَ شِيبًا﴾ ﴿السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كانَ وعْدُهُ مَفْعُولًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الواحِدِيُّ: في الآيَةِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، أيْ فَكَيْفَ تَتَّقُونَ يَوْمًا يَجْعَلُ الوِلْدانَ شِيبًا إنْ كَفَرْتُمْ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ في قَوْلِهِ ”يَوْمًا“ وُجُوهًا: الأوَّلُ: أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ، أيْ: فَكَيْفَ تَتَّقُونَ أنْفُسَكم يَوْمَ القِيامَةِ وهَوْلَهُ إنْ بَقِيتُمْ عَلى الكُفْرِ. والثّانِي: أنْ يَكُونَ ظَرْفًا، أيْ: وكَيْفَ لَكم بِالتَّقْوى في يَوْمِ القِيامَةِ إنْ كَفَرْتُمْ في الدُّنْيا. والثّالِثُ: أنْ يَنْتَصِبَ بِـ ”كَفَرْتُمْ“ عَلى تَأْوِيلِ جَحَدْتُمْ، أيْ: فَكَيْفَ تَتَّقُونَ اللَّهَ وتَخْشَوْنَهُ إنْ جَحَدْتُمْ يَوْمَ القِيامَةِ والجَزاءَ؛ لِأنَّ تَقْوى اللَّهِ لا مَعْنى لَها إلّا خَوْفَ عِقابِهِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ مِن هَوْلِ ذَلِكَ اليَوْمِ أمْرَيْنِ: الأوَّلُ: قَوْلُهُ ﴿يَجْعَلُ الوِلْدانَ شِيبًا﴾ وفِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ مَثَلٌ في الشِّدَّةِ يُقالُ في اليَوْمِ الشَّدِيدِ، يَوْمَ يَشِيبُ نَواصِي الأطْفالِ، والأصْلُ فِيهِ أنَّ الهُمُومَ والأحْزانَ إذا تَفاقَمَتْ عَلى الإنْسانِ أسْرَعَ فِيهِ الشَّيْبُ، لِأنَّ كَثْرَةَ الهُمُومِ تُوجِبُ انْقِصارَ الرُّوحِ إلى داخِلِ القَلْبِ، وذَلِكَ الِانْقِصارُ يُوجِبُ انْطِفاءَ الحَرارَةِ الغَرِيزِيَّةِ، وانْطِفاءُ الحَرارَةِ الغَرِيزِيَّةِ وضَعْفُها يُوجِبُ بَقاءَ الأجْزاءِ الغِذائِيَّةِ غَيْرَ تامَّةِ النُّضْجِ، وذَلِكَ يُوجِبُ اسْتِيلاءَ البَلْغَمِ عَلى الأخْلاطِ، وذَلِكَ يُوجِبُ ابْيِضاضَ الشَّعَرِ، فَلَمّا رَأوْا أنَّ حُصُولَ الشَّيْبِ مِن لَوازِمِ كَثْرَةِ الهُمُومِ، جَعَلُوا الشَّيْبَ كِنايَةً عَنِ الشَّدَّةِ والمِحْنَةِ، ولَيْسَ المُرادُ أنَّ هَوْلَ ذَلِكَ اليَوْمِ يَجْعَلُ الوِلْدانَ شِيبًا حَقِيقَةً، لِأنَّ إيصالَ الألَمِ والخَوْفِ إلى الصِّبْيانِ غَيْرُ جائِزٍ يَوْمَ القِيامَةِ. الثّانِي: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ وصْفَ ذَلِكَ اليَوْمِ بِالطُّولِ، وأنَّ الأطْفالَ يَبْلُغُونَ فِيهِ أوانَ الشَّيْخُوخَةِ والشَّيْبِ، ولَقَدْ سَألَنِي بَعْضُ الأُدَباءِ عَنْ قَوْلِ المَعَرِّي: وظُلْمٌ يَمْلَأُ الفَوْدَيْنِ شِيبًا صفحة ١٦٣ وقالَ: كَيْفَ يُفَضَّلُ هَذا التَّشْبِيهُ الَّذِي في القُرْآنِ عَلى بَيْتِ المَعَرِّي ؟ فَقُلْتُ: مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ امْتِلاءَ الفَوْدَيْنِ مِنَ الشَّيْبِ لَيْسَ بِعَجَبٍ، أمّا صَيْرُورَةُ الوِلْدانِ شِيبًا فَهو عَجِيبٌ؛ كَأنَّ شِدَّةَ ذَلِكَ اليَوْمِ تَنْقُلُهم مِن سِنِّ الطُّفُولِيَّةِ إلى سِنِّ الشَّيْخُوخَةِ، مِن غَيْرِ أنْ يَمُرُّوا فِيما بَيْنَ الحالَتَيْنِ بِسَنِّ الشَّبابِ، وهَذا هو المُبالَغَةُ العَظِيمَةُ في وصْفِ اليَوْمِ بِالشِّدَّةِ. وثانِيها: أنَّ امْتِلاءَ الفَوْدَيْنِ مِنَ الشَّيْبِ مَعْناهُ ابْيِضاضُ الشَّعْرِ، وقَدْ يَبْيَضُّ الشَّعْرُ لِعِلَّةٍ مَعَ أنَّ قُوَّةَ الشَّبابِ تَكُونُ باقِيَةً، فَهَذا لَيْسَ فِيهِ مُبالَغَةٌ، وأمّا الآيَةُ فَإنَّها تَدُلُّ عَلى صَيْرُورَةِ الوِلْدانِ شُيُوخًا في الضَّعْفِ والنَّحافَةِ وعَدَمِ طَراوَةِ الوَجْهِ، وذَلِكَ نِهايَةٌ في شِدَّةِ ذَلِكَ اليَوْمِ. وثالِثُها: أنَّ امْتِلاءَ الفَوْدَيْنِ مِنَ الشَّيْبِ لَيْسَ فِيهِ مُبالَغَةٌ؛ لِأنَّ جانِبَيِ الرَّأْسِ مَوْضِعٌ لِلرُّطُوباتِ الكَثِيرَةِ البَلْغَمِيَّةِ؛ ولِهَذا السَّبَبِ فَإنَّ الشَّيْبَ إنَّما يَحْدُثُ أوَّلًا في الصُّدْغَيْنِ، وبَعْدَهُ في سائِرِ جَوانِبِ الرَّأْسِ، فَحُصُولُ الشَّيْبِ في الفَوْدَيْنِ لَيْسَ بِمُبالَغَةٍ، إنَّما المُبالَغَةُ هو اسْتِيلاءُ الشَّيْبِ عَلى جَمِيعِ أجْزاءِ الرَّأْسِ، بَلْ عَلى جَمِيعِ أجْزاءِ البَدَنِ كَما هو مَذْكُورٌ في الآيَةِ، واللَّهُ أعْلَمُ. النَّوْعُ الثّانِي: مِن أهْوالِ يَوْمِ القِيامَةِ قَوْلُهُ: ﴿السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ وهَذا وصْفٌ لِلْيَوْمِ بِالشِّدَّةِ أيْضًا، وأنَّ السَّماءَ عَلى عِظَمِها وقُوَّتِها تَنْفَطِرُ فِيهِ، فَما ظَنُّكَ بِغَيْرِها مِنَ الخَلائِقِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿إذا السَّماءُ انْفَطَرَتْ﴾ (الِانْفِطارِ: ١) وفِيهِ سُؤالانِ: السُّؤالُ الأوَّلُ: لِمَ لَمْ يَقُلْ: مُنْفَطِرَةٌ ؟ الجَوابُ مِن وُجُوهٍ: أوَّلُها: رَوى أبُو عُبَيْدَةَ عَنْ أبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ: إنَّما قالَ ﴿السَّماءُ مُنْفَطِرٌ﴾ ولَمْ يَقُلْ مُنْفَطِرَةٌ؛ لِأنَّ مَجازَها مَجازُ السَّقْفِ، تَقُولُ: هَذا سَماءُ البَيْتِ. وثانِيها: قالَ الفَرّاءُ: السَّماءُ تُؤَنَّثُ وتُذَكَّرُ، وهي هَهُنا في وُجُوهِ التَّذْكِيرِ، وأنْشَدَ شِعْرًا: فَلَوْ رَفَعَ السَّماءُ إلَيْهِ قَوْمًا ∗∗∗ لَحِقْنا بِالنُّجُومِ مَعَ السَّحابِ وثالِثُها: أنَّ تَأْنِيثَ السَّماءِ لَيْسَ بِحَقِيقِيٍّ، وما كانَ كَذَلِكَ جازَ تَذْكِيرُهُ. قالَ الشّاعِرُ: والعَيْنُ بِالإثْمِدِ ∗∗∗ الخَيْرِيِّ مَكْحُولُ وقالَ الأعْشى: فَلا مُزْنَةَ ودَقَتْ ودْقَها ∗∗∗ ولا أرْضَ أبْقَلَ إبْقالَها ورابِعُها: أنْ يَكُونَ السَّماءُ ذاتَ انْفِطارٍ، فَيَكُونَ مِن بابِ الجَرادِ المُنْتَشِرِ، والشَّجَرِ الأخْضَرِ، وأعْجازِ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ، وكَقَوْلِهِمُ: امْرَأةٌ مُرْضِعٌ، أيْ ذاتُ رَضاعٍ. السُّؤالُ الثّانِي: ما مَعْنى ﴿مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ ؟ الجَوابُ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: قالَ الفَرّاءُ: المَعْنى مُنْفَطِرٌ فِيهِ. وثانِيها: أنَّ الباءَ في ”بِهِ“ مِثْلُها في قَوْلِكَ: فَطَرْتُ العُودَ بِالقَدُومِ فانْفَطَرَ بِهِ، يَعْنِي أنَّها تَنْفَطِرُ لِشِدَّةِ ذَلِكَ اليَوْمِ وهَوْلِهِ، كَما يَنْفَطِرُ الشَّيْءُ بِما يَنْفَطِرُ بِهِ. وثالِثُها: يَجُوزُ أنْ يُرادَ: السَّماءُ مُثْقَلَةٌ بِهِ إثْقالًا يُؤَدِّي إلى انْفِطارِها لِعِظَمِ تِلْكَ الواقِعَةِ عَلَيْها وخَشْيَتِها مِنها، كَقَوْلِهِ: ﴿ثَقُلَتْ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [ الأعْرافِ: ١٨٧] . أمّا قَوْلُهُ: ﴿كانَ وعْدُهُ مَفْعُولًا﴾ فاعْلَمْ أنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ (وعْدُهُ) يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عائِدًا إلى المَفْعُولِ وأنْ يَكُونَ عائِدًا إلى الفاعِلِ. أمّا الأوَّلُ فَأنْ يَكُونَ المَعْنى: وعْدُ ذَلِكَ اليَوْمِ مَفْعُولٌ، أيِ: الوَعْدُ المُضافُ إلى ذَلِكَ اليَوْمِ واجِبُ الوُقُوعِ؛ لِأنَّ حِكْمَةَ اللَّهِ تَعالى وعِلْمَهُ يَقْتَضِيانِ إيقاعَهُ. وأمّا الثّانِي: فَأنْ يَكُونَ المَعْنى وعْدُ صفحة ١٦٤ اللَّهِ واقِعٌ لا مَحالَةَ؛ لِأنَّهُ تَعالى مُنَزَّهٌ عَنِ الكَذِبِ، وهَهُنا وإنْ لَمْ يَجْرِ ذِكْرُ اللَّهِ تَعالى ولَكِنَّهُ حَسُنَ عَوْدُ الضَّمِيرِ إلَيْهِ لِكَوْنِهِ مَعْلُومًا، واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى بَدَأ في أوَّلِ السُّورَةِ بِشَرْحِ أحْوالِ السُّعَداءِ، ومَعْلُومٌ أنَّ أحْوالَهم قِسْمانِ: أحَدُهُما: ما يَتَعَلَّقُ بِالدِّينِ والطّاعَةِ لِلْمَوْلى فَقَدَّمَ ذَلِكَ. والثّانِي: ما يَتَعَلَّقُ بِالمُعامَلَةِ مَعَ الخَلْقِ، وبَيَّنَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿واصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ واهْجُرْهم هَجْرًا جَمِيلًا﴾ . وأمّا الأشْقِياءُ فَقَدْ بَدَأ بِتَهْدِيدِهِمْ عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وذَرْنِي والمُكَذِّبِينَ﴾ ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَهُ أنْواعَ عَذابِ الآخِرَةِ ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَهُ عَذابَ الدُّنْيا، وهو الأخْذُ الوَبِيلُ في الدُّنْيا، ثُمَّ وصَفَ بَعْدَهُ شِدَّةَ يَوْمِ القِيامَةِ، فَعِنْدَ هَذا تَمَّ البَيانُ بِالكُلِّيَّةِ، فَلا جَرَمَ خَتَمَ ذَلِكَ الكَلامَ بِقَوْلِهِ:

المزمل 73:18

ثُمَّ إنَّهُ تَعالى عادَ إلى تَخْوِيفِهِمْ بِالقِيامَةِ مَرَّةً أُخْرى، فَقالَ تَعالى: ﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الوِلْدانَ شِيبًا﴾ ﴿السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كانَ وعْدُهُ مَفْعُولًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الواحِدِيُّ: في الآيَةِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، أيْ فَكَيْفَ تَتَّقُونَ يَوْمًا يَجْعَلُ الوِلْدانَ شِيبًا إنْ كَفَرْتُمْ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ في قَوْلِهِ ”يَوْمًا“ وُجُوهًا: الأوَّلُ: أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ، أيْ: فَكَيْفَ تَتَّقُونَ أنْفُسَكم يَوْمَ القِيامَةِ وهَوْلَهُ إنْ بَقِيتُمْ عَلى الكُفْرِ. والثّانِي: أنْ يَكُونَ ظَرْفًا، أيْ: وكَيْفَ لَكم بِالتَّقْوى في يَوْمِ القِيامَةِ إنْ كَفَرْتُمْ في الدُّنْيا. والثّالِثُ: أنْ يَنْتَصِبَ بِـ ”كَفَرْتُمْ“ عَلى تَأْوِيلِ جَحَدْتُمْ، أيْ: فَكَيْفَ تَتَّقُونَ اللَّهَ وتَخْشَوْنَهُ إنْ جَحَدْتُمْ يَوْمَ القِيامَةِ والجَزاءَ؛ لِأنَّ تَقْوى اللَّهِ لا مَعْنى لَها إلّا خَوْفَ عِقابِهِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ مِن هَوْلِ ذَلِكَ اليَوْمِ أمْرَيْنِ: الأوَّلُ: قَوْلُهُ ﴿يَجْعَلُ الوِلْدانَ شِيبًا﴾ وفِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ مَثَلٌ في الشِّدَّةِ يُقالُ في اليَوْمِ الشَّدِيدِ، يَوْمَ يَشِيبُ نَواصِي الأطْفالِ، والأصْلُ فِيهِ أنَّ الهُمُومَ والأحْزانَ إذا تَفاقَمَتْ عَلى الإنْسانِ أسْرَعَ فِيهِ الشَّيْبُ، لِأنَّ كَثْرَةَ الهُمُومِ تُوجِبُ انْقِصارَ الرُّوحِ إلى داخِلِ القَلْبِ، وذَلِكَ الِانْقِصارُ يُوجِبُ انْطِفاءَ الحَرارَةِ الغَرِيزِيَّةِ، وانْطِفاءُ الحَرارَةِ الغَرِيزِيَّةِ وضَعْفُها يُوجِبُ بَقاءَ الأجْزاءِ الغِذائِيَّةِ غَيْرَ تامَّةِ النُّضْجِ، وذَلِكَ يُوجِبُ اسْتِيلاءَ البَلْغَمِ عَلى الأخْلاطِ، وذَلِكَ يُوجِبُ ابْيِضاضَ الشَّعَرِ، فَلَمّا رَأوْا أنَّ حُصُولَ الشَّيْبِ مِن لَوازِمِ كَثْرَةِ الهُمُومِ، جَعَلُوا الشَّيْبَ كِنايَةً عَنِ الشَّدَّةِ والمِحْنَةِ، ولَيْسَ المُرادُ أنَّ هَوْلَ ذَلِكَ اليَوْمِ يَجْعَلُ الوِلْدانَ شِيبًا حَقِيقَةً، لِأنَّ إيصالَ الألَمِ والخَوْفِ إلى الصِّبْيانِ غَيْرُ جائِزٍ يَوْمَ القِيامَةِ. الثّانِي: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ وصْفَ ذَلِكَ اليَوْمِ بِالطُّولِ، وأنَّ الأطْفالَ يَبْلُغُونَ فِيهِ أوانَ الشَّيْخُوخَةِ والشَّيْبِ، ولَقَدْ سَألَنِي بَعْضُ الأُدَباءِ عَنْ قَوْلِ المَعَرِّي: وظُلْمٌ يَمْلَأُ الفَوْدَيْنِ شِيبًا صفحة ١٦٣ وقالَ: كَيْفَ يُفَضَّلُ هَذا التَّشْبِيهُ الَّذِي في القُرْآنِ عَلى بَيْتِ المَعَرِّي ؟ فَقُلْتُ: مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ امْتِلاءَ الفَوْدَيْنِ مِنَ الشَّيْبِ لَيْسَ بِعَجَبٍ، أمّا صَيْرُورَةُ الوِلْدانِ شِيبًا فَهو عَجِيبٌ؛ كَأنَّ شِدَّةَ ذَلِكَ اليَوْمِ تَنْقُلُهم مِن سِنِّ الطُّفُولِيَّةِ إلى سِنِّ الشَّيْخُوخَةِ، مِن غَيْرِ أنْ يَمُرُّوا فِيما بَيْنَ الحالَتَيْنِ بِسَنِّ الشَّبابِ، وهَذا هو المُبالَغَةُ العَظِيمَةُ في وصْفِ اليَوْمِ بِالشِّدَّةِ. وثانِيها: أنَّ امْتِلاءَ الفَوْدَيْنِ مِنَ الشَّيْبِ مَعْناهُ ابْيِضاضُ الشَّعْرِ، وقَدْ يَبْيَضُّ الشَّعْرُ لِعِلَّةٍ مَعَ أنَّ قُوَّةَ الشَّبابِ تَكُونُ باقِيَةً، فَهَذا لَيْسَ فِيهِ مُبالَغَةٌ، وأمّا الآيَةُ فَإنَّها تَدُلُّ عَلى صَيْرُورَةِ الوِلْدانِ شُيُوخًا في الضَّعْفِ والنَّحافَةِ وعَدَمِ طَراوَةِ الوَجْهِ، وذَلِكَ نِهايَةٌ في شِدَّةِ ذَلِكَ اليَوْمِ. وثالِثُها: أنَّ امْتِلاءَ الفَوْدَيْنِ مِنَ الشَّيْبِ لَيْسَ فِيهِ مُبالَغَةٌ؛ لِأنَّ جانِبَيِ الرَّأْسِ مَوْضِعٌ لِلرُّطُوباتِ الكَثِيرَةِ البَلْغَمِيَّةِ؛ ولِهَذا السَّبَبِ فَإنَّ الشَّيْبَ إنَّما يَحْدُثُ أوَّلًا في الصُّدْغَيْنِ، وبَعْدَهُ في سائِرِ جَوانِبِ الرَّأْسِ، فَحُصُولُ الشَّيْبِ في الفَوْدَيْنِ لَيْسَ بِمُبالَغَةٍ، إنَّما المُبالَغَةُ هو اسْتِيلاءُ الشَّيْبِ عَلى جَمِيعِ أجْزاءِ الرَّأْسِ، بَلْ عَلى جَمِيعِ أجْزاءِ البَدَنِ كَما هو مَذْكُورٌ في الآيَةِ، واللَّهُ أعْلَمُ. النَّوْعُ الثّانِي: مِن أهْوالِ يَوْمِ القِيامَةِ قَوْلُهُ: ﴿السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ وهَذا وصْفٌ لِلْيَوْمِ بِالشِّدَّةِ أيْضًا، وأنَّ السَّماءَ عَلى عِظَمِها وقُوَّتِها تَنْفَطِرُ فِيهِ، فَما ظَنُّكَ بِغَيْرِها مِنَ الخَلائِقِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿إذا السَّماءُ انْفَطَرَتْ﴾ (الِانْفِطارِ: ١) وفِيهِ سُؤالانِ: السُّؤالُ الأوَّلُ: لِمَ لَمْ يَقُلْ: مُنْفَطِرَةٌ ؟ الجَوابُ مِن وُجُوهٍ: أوَّلُها: رَوى أبُو عُبَيْدَةَ عَنْ أبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ: إنَّما قالَ ﴿السَّماءُ مُنْفَطِرٌ﴾ ولَمْ يَقُلْ مُنْفَطِرَةٌ؛ لِأنَّ مَجازَها مَجازُ السَّقْفِ، تَقُولُ: هَذا سَماءُ البَيْتِ. وثانِيها: قالَ الفَرّاءُ: السَّماءُ تُؤَنَّثُ وتُذَكَّرُ، وهي هَهُنا في وُجُوهِ التَّذْكِيرِ، وأنْشَدَ شِعْرًا: فَلَوْ رَفَعَ السَّماءُ إلَيْهِ قَوْمًا ∗∗∗ لَحِقْنا بِالنُّجُومِ مَعَ السَّحابِ وثالِثُها: أنَّ تَأْنِيثَ السَّماءِ لَيْسَ بِحَقِيقِيٍّ، وما كانَ كَذَلِكَ جازَ تَذْكِيرُهُ. قالَ الشّاعِرُ: والعَيْنُ بِالإثْمِدِ ∗∗∗ الخَيْرِيِّ مَكْحُولُ وقالَ الأعْشى: فَلا مُزْنَةَ ودَقَتْ ودْقَها ∗∗∗ ولا أرْضَ أبْقَلَ إبْقالَها ورابِعُها: أنْ يَكُونَ السَّماءُ ذاتَ انْفِطارٍ، فَيَكُونَ مِن بابِ الجَرادِ المُنْتَشِرِ، والشَّجَرِ الأخْضَرِ، وأعْجازِ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ، وكَقَوْلِهِمُ: امْرَأةٌ مُرْضِعٌ، أيْ ذاتُ رَضاعٍ. السُّؤالُ الثّانِي: ما مَعْنى ﴿مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ ؟ الجَوابُ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: قالَ الفَرّاءُ: المَعْنى مُنْفَطِرٌ فِيهِ. وثانِيها: أنَّ الباءَ في ”بِهِ“ مِثْلُها في قَوْلِكَ: فَطَرْتُ العُودَ بِالقَدُومِ فانْفَطَرَ بِهِ، يَعْنِي أنَّها تَنْفَطِرُ لِشِدَّةِ ذَلِكَ اليَوْمِ وهَوْلِهِ، كَما يَنْفَطِرُ الشَّيْءُ بِما يَنْفَطِرُ بِهِ. وثالِثُها: يَجُوزُ أنْ يُرادَ: السَّماءُ مُثْقَلَةٌ بِهِ إثْقالًا يُؤَدِّي إلى انْفِطارِها لِعِظَمِ تِلْكَ الواقِعَةِ عَلَيْها وخَشْيَتِها مِنها، كَقَوْلِهِ: ﴿ثَقُلَتْ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [ الأعْرافِ: ١٨٧] . أمّا قَوْلُهُ: ﴿كانَ وعْدُهُ مَفْعُولًا﴾ فاعْلَمْ أنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ (وعْدُهُ) يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عائِدًا إلى المَفْعُولِ وأنْ يَكُونَ عائِدًا إلى الفاعِلِ. أمّا الأوَّلُ فَأنْ يَكُونَ المَعْنى: وعْدُ ذَلِكَ اليَوْمِ مَفْعُولٌ، أيِ: الوَعْدُ المُضافُ إلى ذَلِكَ اليَوْمِ واجِبُ الوُقُوعِ؛ لِأنَّ حِكْمَةَ اللَّهِ تَعالى وعِلْمَهُ يَقْتَضِيانِ إيقاعَهُ. وأمّا الثّانِي: فَأنْ يَكُونَ المَعْنى وعْدُ صفحة ١٦٤ اللَّهِ واقِعٌ لا مَحالَةَ؛ لِأنَّهُ تَعالى مُنَزَّهٌ عَنِ الكَذِبِ، وهَهُنا وإنْ لَمْ يَجْرِ ذِكْرُ اللَّهِ تَعالى ولَكِنَّهُ حَسُنَ عَوْدُ الضَّمِيرِ إلَيْهِ لِكَوْنِهِ مَعْلُومًا، واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى بَدَأ في أوَّلِ السُّورَةِ بِشَرْحِ أحْوالِ السُّعَداءِ، ومَعْلُومٌ أنَّ أحْوالَهم قِسْمانِ: أحَدُهُما: ما يَتَعَلَّقُ بِالدِّينِ والطّاعَةِ لِلْمَوْلى فَقَدَّمَ ذَلِكَ. والثّانِي: ما يَتَعَلَّقُ بِالمُعامَلَةِ مَعَ الخَلْقِ، وبَيَّنَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿واصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ واهْجُرْهم هَجْرًا جَمِيلًا﴾ . وأمّا الأشْقِياءُ فَقَدْ بَدَأ بِتَهْدِيدِهِمْ عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وذَرْنِي والمُكَذِّبِينَ﴾ ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَهُ أنْواعَ عَذابِ الآخِرَةِ ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَهُ عَذابَ الدُّنْيا، وهو الأخْذُ الوَبِيلُ في الدُّنْيا، ثُمَّ وصَفَ بَعْدَهُ شِدَّةَ يَوْمِ القِيامَةِ، فَعِنْدَ هَذا تَمَّ البَيانُ بِالكُلِّيَّةِ، فَلا جَرَمَ خَتَمَ ذَلِكَ الكَلامَ بِقَوْلِهِ:

المزمل 73:19

﴿إنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ﴾ ﴿فَمَن شاءَ اتَّخَذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ أيْ: هَذِهِ الآياتُ تَذْكِراتٌ مُشْتَمِلَةٌ عَلى أنْواعِ الهِدايَةِ والإرْشادِ ﴿فَمَن شاءَ اتَّخَذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ واتِّخاذُ السَّبِيلِ عِبارَةٌ عَنْ الِاشْتِغالِ بِالطّاعَةِ والِاحْتِرازِ عَنِ المَعْصِيَةِ.

المزمل 73:20

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أنَّكَ تَقُومُ أدْنى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ ونِصْفَهُ وثُلُثَهُ وطائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ﴾ فِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أدْنى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ﴾ أقَلُّ مِنهُما، وإنَّما اسْتُعِيرَ الأدْنى وهو الأقْرَبُ لِلْأقَلِّ لِأنَّ المَسافَةَ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ إذا دَنَتْ قَلَّ ما بَيْنَهُما مِنَ الأحْيازِ وإذا بَعُدَتْ كَثُرَ ذَلِكَ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قُرِئَ ”ونِصْفَهُ وثُلُثَهُ“ بِالنَّصْبِ، والمَعْنى: أنَّكَ تَقُومُ أقَلَّ مِنَ الثُّلُثَيْنِ وتَقُومُ النِّصْفَ، وقُرِئَ ”ونِصْفِهِ وثُلُثِهِ“ بِالجَرِّ، أيْ: تَقُومُ أقَلَّ مِنَ الثُّلُثَيْنِ والنِّصْفِ والثُّلُثِ، لَكِنّا بَيَّنّا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ ﴿قُمِ اللَّيْلَ إلّا قَلِيلًا﴾ أنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن هَذا أنْ يُقالَ: إنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ تارِكًا لِلْواجِبِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وطائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ﴾ وهم أصْحابُكَ يَقُومُونَ مِنَ اللَّيْلِ هَذا المِقْدارَ المَذْكُورَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ والنَّهارَ﴾ يَعْنِي أنَّ العالِمَ بِمَقادِيرِ أجْزاءِ اللَّيْلِ والنَّهارِ لَيْسَ إلّا اللَّهَ تَعالى. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلِمَ أنْ لَنْ تُحْصُوهُ﴾ فِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: الضَّمِيرُ في ﴿أنْ لَنْ تُحْصُوهُ﴾ عائِدٌ إلى مَصْدَرٍ مُقَدَّرٍ، أيْ: عَلِمَ أنَّهُ لا يُمْكِنُكم إحْصاءُ مِقْدارِ كَلِّ واحِدٍ مِن أجْزاءِ اللَّيْلِ والنَّهارِ عَلى الحَقِيقَةِ، ولا يُمْكِنُكم أيْضًا تَحْصِيلُ تِلْكَ المَقادِيرِ عَلى سَبِيلِ الطَّعْنِ والِاحْتِياطِ إلّا مَعَ المَشَقَّةِ التّامَّةِ، قالَ مُقاتِلٌ: كانَ الرَّجُلُ يُصَلِّي اللَّيْلَ كُلَّهُ مَخافَةَ أنْ لا يُصِيبَ ما أُمِرَ بِهِ مِن قِيامِ ما فُرِضَ عَلَيْهِ. صفحة ١٦٥ المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ بَعْضُهم عَلى تَكْلِيفِ ما لا يُطاقُ بِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿لَنْ تُحْصُوهُ﴾ أيْ لَنْ تُطِيقُوهُ، ثُمَّ إنَّهُ كانَ قَدْ كَلَّفَهم بِهِ، ويُمْكِنُ أنْ يُجابَ عَنْهُ بِأنَّ المُرادَ صُعُوبَتُهُ، لا أنَّهم لا يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ؛ كَقَوْلِ القائِلِ: ما أُطِيقُ أنْ أنْظُرَ إلى فُلانٍ، إذا اسْتَثْقَلَ النَّظَرَ إلَيْهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتابَ عَلَيْكُمْ﴾ هو عِبارَةٌ عَنِ التَّرْخِيصِ في تَرْكِ القِيامِ المُقَدَّرِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَتابَ عَلَيْكم وعَفا عَنْكم فالآنَ باشِرُوهُنَّ﴾ [ البَقَرَةِ: ١٨٧] والمَعْنى أنَّهُ رَفَعَ التَّبِعَةَ عَنْكم في تَرْكِ هَذا العَمَلِ كَما رَفَعَ التَّبِعَةَ عَنِ التّائِبِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاقْرَءُوا ما تَيَسَّرَ مِنَ القُرْآنِ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِن هَذِهِ القِراءَةِ الصَّلاةُ؛ لِأنَّ القِراءَةَ أحَدُ أجْزاءِ الصَّلاةِ، فَأُطْلِقَ اسْمُ الجُزْءِ عَلى الكُلِّ، أيْ فَصَلُّوا ما تَيَسَّرَ عَلَيْكم، ثُمَّ هَهُنا قَوْلانِ: الأوَّلُ: قالَ الحَسَنُ: يَعْنِي في صَلاةِ المَغْرِبِ والعِشاءِ، وقالَ آخَرُونَ: بَلْ نَسَخَ وُجُوبَ ذَلِكَ التَّهَجُّدِ واكْتَفى بِما تَيَسَّرَ مِنهُ، ثُمَّ نَسَخَ ذَلِكَ أيْضًا بِالصَّلَواتِ الخَمْسِ. القَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ ﴿فاقْرَءُوا ما تَيَسَّرَ مِنَ القُرْآنِ﴾ قِراءَةُ القُرْآنِ بِعَيْنِها، والغَرَضُ مِنهُ دِراسَةُ القُرْآنِ لِيَحْصُلَ الأمْنُ مِنَ النِّسْيانِ، قِيلَ: يَقْرَأُ مِائَةَ آيَةٍ، وقِيلَ: مَن قَرَأ مِائَةَ آيَةٍ كُتِبَ مِنَ القانِتِينَ، وقِيلَ: خَمْسِينَ آيَةً، ومِنهم مَن قالَ: بَلِ السُّورَةُ القَصِيرَةُ كافِيَةٌ، لِأنَّ إسْقاطَ التَّهَجُّدِ إنَّما كانَ دَفْعًا لِلْحَرَجِ، وفي القِراءَةِ الكَثِيرَةِ حَرَجٌ فَلا يُمْكِنُ اعْتِبارُها. وهَهُنا بَحْثٌ آخَرُ وهو ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: سَقَطَ عَنْ أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قِيامُ اللَّيْلِ، وصارَتْ تَطَوُّعًا، وبَقِيَ ذَلِكَ فَرْضًا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . * ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ الحِكْمَةِ في هَذا النَّسْخِ فَقالَ تَعالى: ﴿عَلِمَ أنْ سَيَكُونُ مِنكم مَرْضى وآخَرُونَ يَضْرِبُونَ في الأرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ وآخَرُونَ يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ فاقْرَءُوا ما تَيَسَّرَ مِنهُ وأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ﴾ . واعْلَمْ أنَّ تَقْدِيرَ هَذِهِ الآيَةِ كَأنَّهُ قِيلَ: لِمَ نَسَخَ اللَّهُ ذَلِكَ ؟ فَقالَ: لِأنَّهُ عَلِمَ كَذا وكَذا، والمَعْنى لِتَعَذُّرِ القِيامِ عَلى المَرْضى والضّارِبِينَ في الأرْضِ لِلتِّجارَةِ والمُجاهِدِينَ في سَبِيلِ اللَّهِ، أمّا المَرْضى فَإنَّهم لا يُمْكِنُهم الِاشْتِغالَ بِالتَّهَجُّدِ لِمَرَضِهِمْ، وأمّا المُسافِرُونَ والمُجاهِدُونَ فَهم مُشْتَغِلُونَ في النَّهارِ بِالأعْمالِ الشّاقَّةِ، فَلَوْ لَمْ يَنامُوا في اللَّيْلِ لَتَوالَتْ أسْبابُ المَشَقَّةِ عَلَيْهِمْ، وهَذا السَّبَبُ ما كانَ مَوْجُودًا في حَقِّ النَّبِيِّ ﷺ، كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ لَكَ في اَلنَّهارِ سَبْحًا طَوِيلًا﴾ فَلا جَرَمَ ما صارَ وُجُوبُ التَّهَجُّدِ مَنسُوخًا في حَقِّهِ. ومِن لَطائِفِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ تَعالى سَوّى بَيْنَ المُجاهِدِينَ والمُسافِرِينَ لِلْكَسْبِ الحَلالِ، وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: ”أيُّما رَجُلٍ جَلَبَ شَيْئًا إلى مَدِينَةٍ مِن مَدائِنِ المُسْلِمِينَ صابِرًا مُحْتَسِبًا فَباعَهُ بِسِعْرِ يَوْمِهِ كانَ عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الشُّهَداءِ“، ثُمَّ أعادَ مَرَّةً أُخْرى قَوْلَهُ: ﴿فاقْرَءُوا ما تَيَسَّرَ مِنهُ﴾ وذَلِكَ لِلتَّأْكِيدِ ثُمَّ قالَ: ﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ يَعْنِي المَفْرُوضَةَ ﴿وآتُوا الزَّكاةَ﴾ أيِ الواجِبَةَ، وقِيلَ: زَكاةُ الفِطْرِ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِمَكَّةَ زَكاةٌ وإنَّما وجَبَتْ بَعْدَ ذَلِكَ، ومَن فَسَّرَها بِالزَّكاةِ الواجِبَةِ جَعَلَ آخِرَ السُّورَةِ مَدَنِيًّا. صفحة ١٦٦ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ يُرِيدُ سائِرَ الصَّدَقاتِ. وثانِيها: يُرِيدُ أداءَ الزَّكاةِ عَلى أحْسَنِ وجْهٍ، وهو إخْراجُها مِن أطْيَبِ الأمْوالِ وأكْثَرِها نَفْعًا لِلْفُقَراءِ، ومُراعاةُ النِّيَّةِ، وابْتِغاءُ وجْهِ اللَّهِ، والصَّرْفُ إلى المُسْتَحِقِّ. وثالِثُها: يُرِيدُ كُلَّ شَيْءٍ يُفْعَلُ مِنَ الخَيْرِ مِمّا يَتَعَلَّقُ بِالنَّفْسِ والمالِ. * * ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى الحِكْمَةَ في إعْطاءِ المالِ فَقالَ: ﴿وما تُقَدِّمُوا لِأنْفُسِكم مِن خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هو خَيْرًا وأعْظَمَ أجْرًا واسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرًا وأعْظَمَ أجْرًا مِنَ الَّذِي تُؤَخِّرُهُ إلى وصِيَّتِكَ عِنْدَ المَوْتِ، وقالَ الزَّجّاجُ: وما تُقَدِّمُوا لِأنْفُسِكم مِن خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هو خَيْرًا لَكم مِن مَتاعِ الدُّنْيا، والقَوْلُ ما قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: مَعْنى الآيَةِ: وما تُقَدِّمُوا لِأنْفُسِكم مِن خَيْرٍ فَإنَّكم تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرًا وأعْظَمَ أجْرًا إلّا أنَّهُ قالَ: ”هو خَيْرًا“ لِلتَّأْكِيدِ والمُبالَغَةِ، وقَرَأ أبُو السَّمّالِ: ”هو خَيْرٌ وأعْظَمُ أجْرًا“ بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرِ، ثُمَّ قالَ: ﴿واسْتَغْفِرُوا اللَّهَ﴾ لِذُنُوبِكم والتَّقْصِيراتِ الصّادِرَةِ مِنكم؛ خاصَّةً في قِيامِ اللَّيْلِ ﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ لِذُنُوبِ المُؤْمِنِينَ ﴿رَحِيمٌ﴾ بِهِمْ، وفي ”الغَفُورِ“ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ غَفُورٌ لِجَمِيعِ الذُّنُوبِ، وهو قَوْلُ مُقاتِلٍ. والثّانِي: أنَّهُ غَفُورٌ لِمَن يُصِرُّ عَلى الذَّنْبِ، احْتَجَّ مُقاتِلٌ عَلى قَوْلِهِ بِوَجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ يَتَناوَلُ التّائِبَ والمُصِرَّ، بِدَلِيلِ أنَّهُ يَصِحُّ اسْتِثْناءُ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما وحْدَهُ عَنْهُ، وحُكْمُ الِاسْتِثْناءِ إخْراجُ ما لَوْلاهُ لَدَخَلَ. والثّانِي: أنَّ غُفْرانَ التّائِبِ واجِبٌ عِنْدَ الخَصْمِ، ولا يَحْصُلُ المَدْحُ بِأداءِ الواجِبِ، والغَرَضُ مِنَ الآيَةِ تَقْرِيرُ المَدْحِ، فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلى الكُلِّ تَحْقِيقًا لِلْمَدْحِ، واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ، والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ، والصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى سَيِّدِ المُرْسَلِينَ مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ وآلِهِ وصَحْبِهِ أجْمَعِينَ.

المدثر 74:1

صفحة ١٦٧ (سُورَةُ المُدَّثِّرِ) خَمْسُونَ وسِتُّ آياتٍ، مَكِّيَّةٌ، وعِنْدَ بَعْضِهِمْ أنَّها أوَّلُ ما نَزَلَ ﷽ ﴿يا أيُّها المُدَّثِّرُ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: ﴿المُدَّثِّرُ﴾ أصْلُهُ المُتَدَثِّرُ، وهو الَّذِي يَتَدَثَّرُ بِثِيابِهِ لِيَنامَ، أوْ لِيَسْتَدْفِئَ، يُقالُ: تَدَثَّرَ بِثَوْبِهِ، والدِّثارُ اسْمٌ لِما يُتَدَثَّرُ بِهِ، ثُمَّ أُدْغِمَتِ التّاءُ في الدّالِ لِتَقارُبِ مَخْرَجِهِما. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أجْمَعُوا عَلى أنَّ المُدَّثِّرَ هو رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، واخْتَلَفُوا في أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِمَ سُمِّيَ مُدَّثِّرًا، فَمِنهم مَن أجْراهُ عَلى ظاهِرِهِ وهو أنَّهُ كانَ مُتَدَثِّرًا بِثَوْبِهِ، ومِنهم مَن تَرَكَ هَذا الظّاهِرَ. أمّا عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ فاخْتَلَفُوا في أنَّهُ لِأيِّ سَبَبٍ تَدَثَّرَ بِثَوْبِهِ عَلى وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ هَذا مِن أوائِلِ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ، رَوى جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: ”«كُنْتُ عَلى جَبَلِ حِراءٍ، فَنُودِيتُ يا مُحَمَّدُ إنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، فَنَظَرْتُ عَنْ يَمِينِي ويَسارِي، فَلَمْ أرَ شَيْئًا، فَنَظَرْتُ فَوْقِي، فَرَأيْتُ المَلَكَ قاعِدًا عَلى عَرْشٍ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، فَخِفْتُ ورَجَعْتُ إلى خَدِيجَةَ، فَقُلْتُ: دَثِّرُونِي دَثِّرُونِي، وصُبُّوا عَلَيَّ ماءً بارِدًا، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها المُدَّثِّرُ»﴾ “ . وثانِيها: «أنَّ النَّفَرَ الَّذِينَ آذَوْا رَسُولَ اللَّهِ، وهم أبُو جَهْلٍ وأبُو لَهَبٍ وأبُو سُفْيانَ والوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ والنَّضْرُ بْنُ الحارِثِ وأُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ والعاصُ بْنُ وائِلٍ اجْتَمَعُوا، وقالُوا: إنَّ وُفُودَ العَرَبِ يَجْتَمِعُونَ في أيّامِ الحَجِّ ويَسْألُونَنا عَنْ أمْرِ مُحَمَّدٍ، فَكُلُّ واحِدٍ مِنّا يُجِيبُ بِجَوابٍ آخَرَ، فَواحِدٌ يَقُولُ: مَجْنُونٌ، وآخَرُ يَقُولُ: كاهِنٌ، وآخَرُ يَقُولُ: شاعِرٌ، فالعَرَبُ يَسْتَدِلُّونَ بِاخْتِلافِ الأجْوِبَةِ عَلى كَوْنِ هَذِهِ الأجْوِبَةِ باطِلَةً، فَتَعالَوْا نَجْتَمِعُ عَلى تَسْمِيَةِ مُحَمَّدٍ باسِمٍ واحِدٍ، فَقالَ واحِدٌ: إنَّهُ شاعِرٌ. فَقالَ الوَلِيدُ: سَمِعْتُ كَلامَ عُبَيْدِ بْنِ الأبْرَصِ، وكَلامَ أُمَيَّةَ بْنِ أبِي الصَّلْتِ، وكَلامُهُ ما يَشْبِهُ كَلامَهُما، وقالَ آخَرُونَ: كاهِنٌ. قالَ الوَلِيدُ: ومَنِ الكاهِنُ ؟ قالُوا: الَّذِي يَصْدُقُ تارَةً ويَكْذِبُ أُخْرى. قالَ الوَلِيدُ: ما كَذَبَ مُحَمَّدٌ قَطُّ، فَقالَ آخَرُ: إنَّهُ مَجْنُونٌ. فَقالَ الوَلِيدُ: ومَن يَكُونُ المَجْنُونُ ؟ قالُوا: مُخِيفُ النّاسِ، فَقالَ الوَلِيدُ: ما أُخِيفَ بِمُحَمَّدٍ أحَدٌ قَطُّ، ثُمَّ قامَ الوَلِيدُ وانْصَرَفَ إلى صفحة ١٦٨ بَيْتِهِ، فَقالَ النّاسُ: صَبَأ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ أبُو جَهْلٍ، وقالَ مالِكٌ: يا أبا عَبْدِ شَمْسٍ ؟ هَذِهِ قُرَيْشٌ تَجْمَعُ لَكَ شَيْئًا، زَعَمُوا أنَّكَ احْتَجَجْتَ وصَبَأْتَ، فَقالَ الوَلِيدُ: ما لِي إلَيْهِ حاجَةٌ، ولَكِنِّي فَكَّرْتُ في مُحَمَّدٍ. فَقُلْتُ: إنَّهُ ساحِرٌ، لِأنَّ السّاحِرَ هو الَّذِي يُفَرِّقُ بَيْنَ الأبِ وابْنِهِ وبَيْنَ الأخَوَيْنِ، وبَيْنَ المَرْأةِ وزَوْجِها، ثُمَّ إنَّهم أجْمَعُوا عَلى تَلْقِيبِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِهَذا اللَّقَبِ، ثُمَّ إنَّهم خَرَجُوا فَصَرَخُوا بِمَكَّةَ والنّاسُ مُجْتَمِعُونَ، فَقالُوا: إنَّ مُحَمَّدًا لَساحِرٌ، فَوَقَعَتِ الضَّجَّةُ في النّاسِ أنَّ مُحَمَّدًا ساحِرٌ، فَلَمّا سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَلِكَ اشْتَدَّ عَلَيْهِ، ورَجَعَ إلى بَيْتِهِ مَحْزُونًا فَتَدَثَّرَ بِثَوْبِهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها المُدَّثِّرُ﴾ ﴿قُمْ فَأنْذِرْ»﴾ . وثالِثُها: «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ نائِمًا مُتَدَثِّرًا بِثِيابِهِ، فَجاءَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ وأيْقَظَهُ، وقالَ: ﴿ياأيُّها المُدَّثِّرُ﴾ ﴿قُمْ فَأنْذِرْ»﴾ كَأنَّهُ قالَ لَهُ: اتْرُكِ التَّدَثُّرَ بِالثِّيابِ والنَّوْمَ، واشْتَغِلْ بِهَذا المَنصِبِ الَّذِي نَصَّبَكَ اللَّهُ لَهُ. القَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ مِنَ ﴿المُدَّثِّرُ﴾ المُتَدَثِّرَ بِالثِّيابِ، وعَلى هَذا الِاحْتِمالِ فِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: أنَّ المُرادَ كَوْنُهُ مُتَدَثِّرًا بِدِثارِ النُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ، مِن قَوْلِهِمْ: ألْبَسَهُ اللَّهُ لِباسَ التَّقْوى وزَيَّنَهُ بِرِداءِ العِلْمِ، ويُقالُ: تَلَبَّسَ فُلانٌ بِأمْرِ كَذا، فالمُرادُ ﴿ياأيُّها المُدَّثِّرُ﴾ بِدِثارِ النُّبُوَّةِ ﴿قُمْ فَأنْذِرْ﴾ . وثانِيها: أنَّ المُتَدَثِّرَ بِالثَّوْبِ يَكُونُ كالمُخْتَفِي فِيهِ، وأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في جَبَلِ حِراءٍ كانَ كالمُخْتَفِي مِنَ النّاسِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: يا أيُّها المُتَدَثِّرُ بِدِثارِ الخُمُولِ والِاخْتِفاءِ، قُمْ بِهَذا الأمْرِ واخْرُجْ مِن زاوِيَةِ الخُمُولِ واشْتَغِلْ بِإنْذارِ الخَلْقِ والدَّعْوَةِ إلى مَعْرِفَةِ الحَقِّ. وثالِثُها: أنَّهُ تَعالى جَعَلَهُ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ، فَكَأنَّهُ قِيلَ لَهُ: يا أيُّها المُدَّثِّرُ بِأثْوابِ العِلْمِ العَظِيمِ، والخُلُقِ الكَرِيمِ، والرَّحْمَةِ الكامِلَةِ قُمْ فَأنْذِرْ عَذابَ رَبِّكَ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: عَنْ عِكْرِمَةَ أنَّهُ قَرَأ عَلى لَفْظِ اسْمِ المَفْعُولِ مِن دَثَّرَهُ، كَأنَّهُ قِيلَ لَهُ: دَثَّرْتُ هَذا الأمْرَ وعَصَيْتُ بِهِ، وقَدْ سَبَقَ نَظِيرُهُ في المُزَّمِّلِ.

المدثر 74:2

صفحة ١٦٧ (سُورَةُ المُدَّثِّرِ) خَمْسُونَ وسِتُّ آياتٍ، مَكِّيَّةٌ، وعِنْدَ بَعْضِهِمْ أنَّها أوَّلُ ما نَزَلَ ﷽ ﴿يا أيُّها المُدَّثِّرُ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: ﴿المُدَّثِّرُ﴾ أصْلُهُ المُتَدَثِّرُ، وهو الَّذِي يَتَدَثَّرُ بِثِيابِهِ لِيَنامَ، أوْ لِيَسْتَدْفِئَ، يُقالُ: تَدَثَّرَ بِثَوْبِهِ، والدِّثارُ اسْمٌ لِما يُتَدَثَّرُ بِهِ، ثُمَّ أُدْغِمَتِ التّاءُ في الدّالِ لِتَقارُبِ مَخْرَجِهِما. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أجْمَعُوا عَلى أنَّ المُدَّثِّرَ هو رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، واخْتَلَفُوا في أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِمَ سُمِّيَ مُدَّثِّرًا، فَمِنهم مَن أجْراهُ عَلى ظاهِرِهِ وهو أنَّهُ كانَ مُتَدَثِّرًا بِثَوْبِهِ، ومِنهم مَن تَرَكَ هَذا الظّاهِرَ. أمّا عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ فاخْتَلَفُوا في أنَّهُ لِأيِّ سَبَبٍ تَدَثَّرَ بِثَوْبِهِ عَلى وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ هَذا مِن أوائِلِ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ، رَوى جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: ”«كُنْتُ عَلى جَبَلِ حِراءٍ، فَنُودِيتُ يا مُحَمَّدُ إنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، فَنَظَرْتُ عَنْ يَمِينِي ويَسارِي، فَلَمْ أرَ شَيْئًا، فَنَظَرْتُ فَوْقِي، فَرَأيْتُ المَلَكَ قاعِدًا عَلى عَرْشٍ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، فَخِفْتُ ورَجَعْتُ إلى خَدِيجَةَ، فَقُلْتُ: دَثِّرُونِي دَثِّرُونِي، وصُبُّوا عَلَيَّ ماءً بارِدًا، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها المُدَّثِّرُ»﴾ “ . وثانِيها: «أنَّ النَّفَرَ الَّذِينَ آذَوْا رَسُولَ اللَّهِ، وهم أبُو جَهْلٍ وأبُو لَهَبٍ وأبُو سُفْيانَ والوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ والنَّضْرُ بْنُ الحارِثِ وأُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ والعاصُ بْنُ وائِلٍ اجْتَمَعُوا، وقالُوا: إنَّ وُفُودَ العَرَبِ يَجْتَمِعُونَ في أيّامِ الحَجِّ ويَسْألُونَنا عَنْ أمْرِ مُحَمَّدٍ، فَكُلُّ واحِدٍ مِنّا يُجِيبُ بِجَوابٍ آخَرَ، فَواحِدٌ يَقُولُ: مَجْنُونٌ، وآخَرُ يَقُولُ: كاهِنٌ، وآخَرُ يَقُولُ: شاعِرٌ، فالعَرَبُ يَسْتَدِلُّونَ بِاخْتِلافِ الأجْوِبَةِ عَلى كَوْنِ هَذِهِ الأجْوِبَةِ باطِلَةً، فَتَعالَوْا نَجْتَمِعُ عَلى تَسْمِيَةِ مُحَمَّدٍ باسِمٍ واحِدٍ، فَقالَ واحِدٌ: إنَّهُ شاعِرٌ. فَقالَ الوَلِيدُ: سَمِعْتُ كَلامَ عُبَيْدِ بْنِ الأبْرَصِ، وكَلامَ أُمَيَّةَ بْنِ أبِي الصَّلْتِ، وكَلامُهُ ما يَشْبِهُ كَلامَهُما، وقالَ آخَرُونَ: كاهِنٌ. قالَ الوَلِيدُ: ومَنِ الكاهِنُ ؟ قالُوا: الَّذِي يَصْدُقُ تارَةً ويَكْذِبُ أُخْرى. قالَ الوَلِيدُ: ما كَذَبَ مُحَمَّدٌ قَطُّ، فَقالَ آخَرُ: إنَّهُ مَجْنُونٌ. فَقالَ الوَلِيدُ: ومَن يَكُونُ المَجْنُونُ ؟ قالُوا: مُخِيفُ النّاسِ، فَقالَ الوَلِيدُ: ما أُخِيفَ بِمُحَمَّدٍ أحَدٌ قَطُّ، ثُمَّ قامَ الوَلِيدُ وانْصَرَفَ إلى صفحة ١٦٨ بَيْتِهِ، فَقالَ النّاسُ: صَبَأ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ أبُو جَهْلٍ، وقالَ مالِكٌ: يا أبا عَبْدِ شَمْسٍ ؟ هَذِهِ قُرَيْشٌ تَجْمَعُ لَكَ شَيْئًا، زَعَمُوا أنَّكَ احْتَجَجْتَ وصَبَأْتَ، فَقالَ الوَلِيدُ: ما لِي إلَيْهِ حاجَةٌ، ولَكِنِّي فَكَّرْتُ في مُحَمَّدٍ. فَقُلْتُ: إنَّهُ ساحِرٌ، لِأنَّ السّاحِرَ هو الَّذِي يُفَرِّقُ بَيْنَ الأبِ وابْنِهِ وبَيْنَ الأخَوَيْنِ، وبَيْنَ المَرْأةِ وزَوْجِها، ثُمَّ إنَّهم أجْمَعُوا عَلى تَلْقِيبِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِهَذا اللَّقَبِ، ثُمَّ إنَّهم خَرَجُوا فَصَرَخُوا بِمَكَّةَ والنّاسُ مُجْتَمِعُونَ، فَقالُوا: إنَّ مُحَمَّدًا لَساحِرٌ، فَوَقَعَتِ الضَّجَّةُ في النّاسِ أنَّ مُحَمَّدًا ساحِرٌ، فَلَمّا سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَلِكَ اشْتَدَّ عَلَيْهِ، ورَجَعَ إلى بَيْتِهِ مَحْزُونًا فَتَدَثَّرَ بِثَوْبِهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها المُدَّثِّرُ﴾ ﴿قُمْ فَأنْذِرْ»﴾ . وثالِثُها: «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ نائِمًا مُتَدَثِّرًا بِثِيابِهِ، فَجاءَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ وأيْقَظَهُ، وقالَ: ﴿ياأيُّها المُدَّثِّرُ﴾ ﴿قُمْ فَأنْذِرْ»﴾ كَأنَّهُ قالَ لَهُ: اتْرُكِ التَّدَثُّرَ بِالثِّيابِ والنَّوْمَ، واشْتَغِلْ بِهَذا المَنصِبِ الَّذِي نَصَّبَكَ اللَّهُ لَهُ. القَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ مِنَ ﴿المُدَّثِّرُ﴾ المُتَدَثِّرَ بِالثِّيابِ، وعَلى هَذا الِاحْتِمالِ فِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: أنَّ المُرادَ كَوْنُهُ مُتَدَثِّرًا بِدِثارِ النُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ، مِن قَوْلِهِمْ: ألْبَسَهُ اللَّهُ لِباسَ التَّقْوى وزَيَّنَهُ بِرِداءِ العِلْمِ، ويُقالُ: تَلَبَّسَ فُلانٌ بِأمْرِ كَذا، فالمُرادُ ﴿ياأيُّها المُدَّثِّرُ﴾ بِدِثارِ النُّبُوَّةِ ﴿قُمْ فَأنْذِرْ﴾ . وثانِيها: أنَّ المُتَدَثِّرَ بِالثَّوْبِ يَكُونُ كالمُخْتَفِي فِيهِ، وأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في جَبَلِ حِراءٍ كانَ كالمُخْتَفِي مِنَ النّاسِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: يا أيُّها المُتَدَثِّرُ بِدِثارِ الخُمُولِ والِاخْتِفاءِ، قُمْ بِهَذا الأمْرِ واخْرُجْ مِن زاوِيَةِ الخُمُولِ واشْتَغِلْ بِإنْذارِ الخَلْقِ والدَّعْوَةِ إلى مَعْرِفَةِ الحَقِّ. وثالِثُها: أنَّهُ تَعالى جَعَلَهُ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ، فَكَأنَّهُ قِيلَ لَهُ: يا أيُّها المُدَّثِّرُ بِأثْوابِ العِلْمِ العَظِيمِ، والخُلُقِ الكَرِيمِ، والرَّحْمَةِ الكامِلَةِ قُمْ فَأنْذِرْ عَذابَ رَبِّكَ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: عَنْ عِكْرِمَةَ أنَّهُ قَرَأ عَلى لَفْظِ اسْمِ المَفْعُولِ مِن دَثَّرَهُ، كَأنَّهُ قِيلَ لَهُ: دَثَّرْتُ هَذا الأمْرَ وعَصَيْتُ بِهِ، وقَدْ سَبَقَ نَظِيرُهُ في المُزَّمِّلِ.

المدثر 74:3

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُمْ فَأنْذِرْ﴾ . فِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُمِ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: قُمْ مِن مَضْجَعِكَ. والثّانِي: قُمْ قِيامَ عَزْمٍ وتَصْمِيمٍ. وفِي قَوْلِهِ: ﴿فَأنْذِرْ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: حَذِّرْ قَوْمَكَ مِن عَذابِ اللَّهِ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قُمْ نَذِيرًا لِلْبَشَرِ، احْتَجَّ القائِلُونَ بِالقَوْلِ الأوَّلِ بِقَوْلِهِ تَعالى: (وأنْذِرْ) واحْتَجَّ القائِلُونَ بِالقَوْلِ الثّانِي بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْناكَ إلّا كافَّةً لِلنّاسِ﴾ [ سَبَأٍ: ٢٨] وهَهُنا قَوْلٌ ثالِثٌ، وهو أنَّ المُرادَ: فاشْتَغِلْ بِفِعْلِ الإنْذارِ، كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ لَهُ تَهَيَّأْ لِهَذِهِ الحِرْفَةِ، فَإنَّهُ فَرْقٌ بَيْنَ أنْ يُقالَ تَعَلَّمْ صَنْعَةَ المُناظَرَةِ، وبَيْنَ أنْ يُقالَ: ناظِرْ زَيْدًا. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ورَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ فِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: ذَكَرُوا في تَفْسِيرِ التَّكْبِيرِ وُجُوهًا: أحَدُها: قالَ الكَلْبِيُّ: عَظِّمْ رَبَّكَ مِمّا يَقُولُهُ عَبَدَةُ الأوْثانِ. وثانِيها: قالَ مُقاتِلٌ: هو أنْ يَقُولَ: اللَّهُ أكْبَرُ، رُوِي: ”«أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قامَ النَّبِيُّ ﷺ وقالَ: اللَّهُ أكْبَرُ كَبِيرًا، فَكَبَّرَتْ خَدِيجَةُ وفَرِحَتْ، وعَلِمَتْ أنَّهُ أُوحِيَ إلَيْهِ» “ . وثالِثُها: المُرادُ مِنهُ التَّكْبِيرُ في الصَّلَواتِ، فَإنْ قِيلَ: هَذِهِ السُّورَةُ نَزَلَتْ في أوَّلِ البَعْثِ وما كانَتِ الصَّلاةُ واجِبَةً في ذَلِكَ الوَقْتِ ؟ قُلْنا: لا يَبْعُدُ أنَّهُ كانَتْ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ صَلَواتٌ تَطَوُّعِيَّةٌ، فَأُمِرَ أنْ يُكَبِّرَ رَبَّهُ فِيها. ورابِعُها: يُحْتَمَلُ عِنْدِي أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهُ لَمّا قِيلَ لَهُ: ﴿قُمْ فَأنْذِرْ﴾ قِيلَ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿ورَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ عَنِ اللَّغْوِ والعَبَثِ. صفحة ١٦٩ واعْلَمْ أنَّهُ ما أمَرَكَ بِهَذا الإنْذارِ إلّا لِحِكْمَةٍ بالِغَةٍ، ومُهِمّاتٍ عَظِيمَةٍ، لا يَجُوزُ لَكَ الإخْلالُ بِها، فَقَوْلُهُ: ﴿ورَبَّكَ﴾ كالتَّأْكِيدِ في تَقْرِيرِ قَوْلِهِ: ﴿قُمْ فَأنْذِرْ﴾ . وخامِسُها: عِنْدِي فِيهِ وجْهٌ آخَرُ وهو أنَّهُ لَمّا أمَرَهُ بِالإنْذارِ، فَكَأنَّ سائِلًا سَألَ، وقالَ: بِماذا يُنْذِرُ ؟ فَقالَ: أنْ يُكَبِّرَ رَبَّهُ عَنِ الشُّرَكاءِ والأضْدادِ والأنْدادِ ومُشابَهَةِ المُمْكِناتِ والمُحْدَثاتِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ في سُورَةِ النَّحْلِ: ﴿أنْ أنْذِرُوا أنَّهُ لا إلَهَ إلّا أنا فاتَّقُونِ﴾ [النَّحْلِ: ٢] وهَذا تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ الدَّعْوَةَ إلى مَعْرِفَةِ اللَّهِ ومَعْرِفَةِ تَنْزِيهِهِ مُقَدَّمَةٌ عَلى سائِرِ أنْواعِ الدَّعَواتِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فَكَبِّرْ﴾ ذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا: أحَدُها: قالَ أبُو الفَتْحِ المَوْصِلِيُّ: يُقالُ: زَيْدًا فاضْرِبْ، وعَمْرًا فاشْكُرْ، وتَقْدِيرُهُ زَيْدًا اضْرِبْ وعَمْرًا اشْكُرْ، فَعِنْدَهُ أنَّ الفاءَ زائِدَةٌ. وثانِيها: قالَ الزَّجّاجُ: دَخَلَتِ الفاءُ لِإفادَةِ مَعْنى الجَزائِيَّةِ، والمَعْنى: قُمْ فَكَبِّرْ رَبَّكَ وكَذَلِكَ ما بَعْدَهُ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ. وثالِثُها: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: الفاءُ لِإفادَةِ مَعْنى الشَّرْطِ، والتَّقْدِيرُ: وأيُّ شَيْءٍ كانَ فَلا تَدَعْ تَكْبِيرَهُ.

المدثر 74:4

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾ واعْلَمْ أنَّ تَفْسِيرَ هَذِهِ الآيَةِ يَقَعُ عَلى أرْبَعَةِ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنْ يُتْرَكَ لَفْظُ الثِّيابِ والتَّطْهِيرِ عَلى ظاهِرِهِ. والثّانِي: أنْ يُتْرَكَ لَفْظُ الثِّيابِ عَلى حَقِيقَتِهِ، ويُحْمَلُ لَفْظُ التَّطْهِيرِ عَلى مَجازِهِ. الثّالِثُ: أنْ يُحْمَلَ لَفْظُ الثِّيابِ عَلى مَجازِهِ، ويُتْرَكَ لَفْظُ التَّطْهِيرِ عَلى حَقِيقَتِهِ. والرّابِعُ: أنْ يُحْمَلَ اللَّفْظانِ عَلى المَجازِ. أمّا الِاحْتِمالُ الأوَّلُ: وهو أنْ يُتْرَكَ لَفْظُ الثِّيابِ، ولَفْظُ التَّطْهِيرِ عَلى حَقِيقَتِهِ، فَهو أنْ نَقُولَ: المُرادُ مِنهُ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أمَرَ بِتَطْهِيرِ ثِيابِهِ مِنَ الأنْجاسِ والأقْذارِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَظْهَرُ في الآيَةِ ثَلاثَةُ احْتِمالاتٍ: أحَدُها: قالَ الشّافِعِيُّ: المَقْصُودُ مِنهُ الإعْلامُ بِأنَّ الصَّلاةَ لا تَجُوزُ إلّا في ثِيابٍ طاهِرَةٍ مِنَ الأنْجاسِ. وثانِيها: قالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ: كانَ المُشْرِكُونَ ما كانُوا يَصُونُونَ ثِيابَهم عَنِ النَّجاساتِ، فَأمَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِأنْ يَصُونَ ثِيابَهُ عَنِ النَّجاساتِ. وثالِثُها: «رُوِيَ أنَّهم ألْقَوْا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَلى شاةٍ، فَشَقَّ عَلَيْهِ ورَجَعَ إلى بَيْتِهِ حَزِينًا وتَدَثَّرَ بِثِيابِهِ، فَقِيلَ: ﴿ياأيُّها المُدَّثِّرُ﴾ ﴿قُمْ فَأنْذِرْ﴾ ولا تَمْنَعْكَ تِلْكَ السَّفاهَةُ عَنِ الإنْذارِ. ﴿ورَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ عَنْ أنْ لا يَنْتَقِمَ مِنهم. ﴿وثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾ عَنْ تِلْكَ النَّجاساتِ والقاذُوراتِ» . الِاحْتِمالُ الثّانِي: أنْ يَبْقى لَفْظُ الثِّيابِ عَلى حَقِيقَتِهِ، ويُجْعَلُ لَفْظُ التَّطْهِيرِ عَلى مَجازِهِ، فَهَهُنا قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَطَهِّرْ﴾ أيْ فَقَصِّرْ، وذَلِكَ لِأنَّ العَرَبَ كانُوا يُطَوِّلُونَ ثِيابَهم ويَجُرُّونَ أذْيالَهم فَكانَتْ ثِيابُهم تَتَنَجَّسُ، ولِأنَّ تَطْوِيلَ الذَّيْلِ إنَّما يُفْعَلُ لِلْخُيَلاءِ والكِبْرِ، فَنَهى الرَّسُولُ ﷺ عَنْ ذَلِكَ. القَوْلُ الثّانِي: ﴿وثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾ أيْ يَنْبَغِي أنْ تَكُونَ الثِّيابُ الَّتِي تَلْبَسُها مُطَهَّرَةً عَنْ أنْ تَكُونَ مَغْصُوبَةً أوْ مُحَرَّمَةً، بَلْ تَكُونُ مُكْتَسَبَةً مِن وجْهٍ حَلالٍ. الِاحْتِمالُ الثّالِثُ: أنْ يَبْقى لَفْظُ التَّطْهِيرِ عَلى حَقِيقَتِهِ، ويُحْمَلُ لَفْظُ الثِّيابِ عَلى مَجازِهِ، وذَلِكَ أنْ يُحْمَلَ لَفْظُ الثِّيابِ عَلى الحَقِيقَةِ وذَلِكَ لِأنَّ العَرَبَ ما كانُوا يَتَنَظَّفُونَ وقْتَ الِاسْتِنْجاءِ، فَأمَرَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِذَلِكَ التَّنْظِيفِ، وقَدْ يُجْعَلُ لَفْظُ الثِّيابِ كِنايَةً عَنِ النَّفْسِ. قالَ عَنْتَرَةُ: فَشَكَكْتُ بِالرُّمْحِ الأصَمِّ ثِيابَهُ أيْ نَفْسَهُ. ولِهَذا قالَ: لَيْسَ الكَرِيمُ عَلى القَنا بِمُحَرَّمٍ صفحة ١٧٠ الِاحْتِمالُ الرّابِعُ: وهو أنْ يُحْمَلَ لَفْظُ الثِّيابِ ولَفْظُ التَّطْهِيرِ عَلى المَجازِ، وذَكَرُوا عَلى هَذا الِاحْتِمالِ وُجُوهًا: الأوَّلُ: وهو قَوْلُ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ: وقَلْبَكَ فَطَهِّرْ عَنِ الصِّفاتِ المَذْمُومَةِ، وعَنِ الحَسَنِ: ﴿وثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قالَ: وخُلُقَكَ فَحَسِّنْ، قالَ القَفّالُ: وهَذا يَحْتَمِلُ وُجُوهًا: أحَدُها: أنَّ الكُفّارَ لَمّا لَقَّبُوهُ بِالسّاحِرِ شَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ جِدًّا، حَتّى رَجَعَ إلى بَيْتِهِ وتَدَثَّرَ بِثِيابِهِ، وكانَ ذَلِكَ إظْهارَ جَزَعٍ وقِلَّةَ صَبْرٍ يَقْتَضِيهِ سُوءُ الخُلُقِ، فَقِيلَ لَهُ: ﴿قُمْ فَأنْذِرْ﴾ ولا تَحْمِلَنَّكَ سَفاهَتُهم عَلى تَرْكِ إنْذارِهِمْ، بَلْ حَسِّنْ خُلُقَكَ. والثّانِي: أنَّهُ زَجْرٌ عَنِ التَّخَلُّقِ بِأخْلاقِهِمْ، فَقِيلَ لَهُ: طَهِّرْ ثِيابَكَ أيْ قَلْبَكَ عَنْ أخْلاقِهِمْ، في الِافْتِراءِ والتَّقَوُّلِ والكَذِبِ وقَطْعِ الرَّحِمِ. والثّالِثُ: فَطَهِّرْ نَفْسَكَ وقَلْبَكَ عَنْ أنْ تَعْزِمَ عَلى الِانْتِقامِ مِنهم والإساءَةِ إلَيْهِمْ، ثُمَّ إذا فَسَّرْنا الآيَةَ بِهَذا الوَجْهِ، فَفي كَيْفِيَّةِ اتِّصالِها بِما قَبْلَها وجْهانِ: الأوَّلُ: أنْ يُقالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا ناداهُ في أوَّلِ السُّورَةِ، فَقالَ: ﴿ياأيُّها المُدَّثِّرُ﴾ وكانَ التَّدَثُّرُ لِباسًا، والدِّثارُ مِنَ الثِّيابِ، قِيلَ: طَهِّرْ ثِيابَكَ الَّتِي أنْتَ مُتَدَثِّرٌ بِها عَنْ أنْ تَلْبَسَها عَلى هَذا التَّفَكُّرِ والجَزَعِ والضَّجَرِ مِنِ افْتِراءِ المُشْرِكِينَ. الوَجْهُ الثّانِي: أنْ يُفَسَّرَ المُدَّثِّرُ بِكَوْنِهِ مُتَدَثِّرًا بِالنُّبُوَّةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: يا أيُّها المُتَدَثِّرُ بِالنُّبُوَّةِ طَهِّرْ ما تَدَثَّرْتَ بِهِ عَنِ الجَزَعِ وقِلَّةِ الصَّبْرِ، والغَضَبِ والحِقْدِ، فَإنَّ ذَلِكَ لا يَلِيقُ بِهَذا الدِّثارِ، ثُمَّ أوْضَحَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ولِرَبِّكَ فاصْبِرْ﴾ واعْلَمْ أنَّ حَمْلَ المُدَّثِّرِ عَلى المُتَّصِفِ بِبَعْضِ الصِّفاتِ جائِزٌ، يُقالُ: فُلانٌ طاهِرُ الجَيْبِ نَقِيُّ الذَّيْلِ، إذا وصَفُوهُ بِالنَّقاءِ مِنَ المَعايِبِ، ويُقالُ: فُلانٌ دَنِسُ الثِّيابِ إذا كانَ مَوْصُوفًا بِالأخْلاقِ الذَّمِيمَةِ، قالَ الشّاعِرُ: فَلا أبَ وابْنًا مِثْلُ مَرْوانَ وابْنِهِ ∗∗∗ إذا هو بِالمَجْدِ ارْتَدى وتَأزَّرا والسَّبَبُ في حُسْنِ هَذِهِ الكِنايَةِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّ الثَّوْبَ كالشَّيْءِ المُلازِمِ لِلْإنْسانِ، فَلِهَذا السَّبَبِ جَعَلُوا الثَّوْبَ كِنايَةً عَنِ الإنْسانِ، يُقالُ: المَجْدُ في ثَوْبِهِ والعِفَّةُ في إزارِهِ. والثّانِي: أنَّ الغالِبَ أنَّ مَن طَهُرَ باطِنُهُ، فَإنَّهُ يَطْهُرُ ظاهِرُهُ. الوَجْهُ الثّانِي: في تَأْوِيلِ الآيَةِ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾ أمْرٌ لَهُ بِالِاحْتِرازِ عَنِ الآثامِ والأوْزارِ الَّتِي كانَ يَقْدُمُ عَلَيْها قَبْلَ النُّبُوَّةِ، وهَذا عَلى تَأْوِيلِ مَن حَمَلَ قَوْلَهُ: (﴿ووَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ ﴿الَّذِي أنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾ [ الشَّرْحِ: ٣] الآيَةَ. قالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَرَفَةَ النَّحْوِيُّ: مَعْناهُ نِساءَكَ طَهِّرْهُنَّ، وقَدْ يُكَنّى عَنِ النِّساءِ بِالثِّيابِ، قالَ تَعالى: ﴿هُنَّ لِباسٌ لَكم وأنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ﴾ [ البَقَرَةِ: ١٨٧] وهَذا التَّأْوِيلُ بَعِيدٌ، لِأنَّ عَلى هَذا الوَجْهِ لا يَحْسُنُ اتِّصالُ الآيَةِ بِما قَبْلَها.

المدثر 74:5

﴿والرُّجْزَ فاهْجُرْ﴾ فِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: ذَكَرُوا في الرُّجْزِ وُجُوهًا: الأوَّلُ: قالَ العُتْبِيُّ: الرُّجْزُ العَذابُ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لَئِنْ كَشَفْتَ عَنّا الرِّجْزَ﴾ [ الأعْرافِ: ١٣٤] أيِ العَذابَ، ثُمَّ سُمِّيَ كَيْدُ الشَّيْطانِ رِجْزًا لِأنَّهُ سَبَبٌ لِلْعَذابِ، وسُمِّيَتِ الأصْنامُ رِجْزًا لِهَذا المَعْنى أيْضًا، فَعَلى هَذا القَوْلِ تَكُونُ الآيَةُ دالَّةً عَلى وُجُوبِ الِاحْتِرازِ عَنْ كُلِّ المَعاصِي، ثُمَّ عَلى هَذا القَوْلِ احْتِمالانِ: أحَدُهُما: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿والرُّجْزَ فاهْجُرْ﴾ يَعْنِي: كُلَّ ما يُؤَدِّي إلى الرُّجْزِ فاهْجُرْهُ، والتَّقْدِيرُ: وذا الرُّجْزِ فاهْجُرْ، أيْ ذا العَذابِ، فَيَكُونُ المُضافُ مَحْذُوفًا. والثّانِي: أنَّهُ سَمّى ما يُؤَدِّي إلى العَذابِ عَذابًا تَسْمِيَةً لِلشَّيْءِ بِاسْمِ ما يُجاوِرُهُ ويَتَّصِلُ بِهِ. القَوْلُ الثّانِي: أنَّ الرُّجْزَ اسْمٌ لِلْقَبِيحِ المُسْتَقْذَرِ وهو مَعْنى صفحة ١٧١ الرِّجْسِ، فَقَوْلُهُ: ﴿والرُّجْزَ فاهْجُرْ﴾ كَلامٌ جامِعٌ في مَكارِمِ الأخْلاقِ، كَأنَّهُ قِيلَ لَهُ: اهْجُرِ الجَفاءَ والسَّفَهَ وكُلَّ شَيْءٍ قَبِيحٍ، ولا تَتَخَلَّقْ بِأخْلاقِ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ المُسْتَعْمِلِينَ لِلرُّجْزِ، وهَذا يُشاكِلُ تَأْوِيلَ مَن فَسَّرَ قَوْلَهُ: ﴿وثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾ عَلى تَحْسِينِ الخُلُقِ وتَطْهِيرِ النَّفْسِ عَنِ المَعاصِي والقَبائِحِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ مَن جَوَّزَ المَعاصِيَ عَلى الأنْبِياءِ بِهَذِهِ الآيَةِ، قالَ: لَوْلا أنَّهُ كانَ مُشْتَغِلًا بِها وإلّا لَما زُجِرَ عَنْها بِقَوْلِهِ: ﴿والرُّجْزَ فاهْجُرْ﴾ والجَوابُ: المُرادُ مِنهُ الأمْرُ بِالمُداوَمَةِ عَلى ذَلِكَ الهُجْرانِ، كَما أنَّ المُسْلِمَ إذا قالَ: اهْدِنا، فَلَيْسَ مَعْناهُ أنّا لَسْنا عَلى الهِدايَةِ فاهْدِنا، بَلِ المُرادُ ثَبِّتْنا عَلى هَذِهِ الهِدايَةِ، فَكَذا هَهُنا. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ ”والرُّجْزَ“ بِضَمِّ الرّاءِ في هَذِهِ السُّورَةِ، وفي سائِرِ القُرْآنِ بِكَسْرِ الرّاءِ، وقَرَأ الباقُونَ وعاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ بِالكَسْرِ، وقَرَأ يَعْقُوبُ بِالضَّمِّ، ثُمَّ قالَ الفَرّاءُ: هُما لُغَتانِ، والمَعْنى واحِدٌ، وفي كِتابِ الخَلِيلِ: الرُّجْزُ بِضَمِّ الرّاءِ عِبادَةُ الأوْثانِ، وبِكَسْرِ الرّاءِ العَذابُ، ووَسْواسُ الشَّيْطانِ أيْضًا رِجْزٌ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أفْشى اللُّغَتَيْنِ وأكْثَرُهُما الكَسْرُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ فِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: القِراءَةُ المَشْهُورَةُ ”تَسْتَكْثِرُ“ بِرَفْعِ الرّاءِ، وفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: ولا تَمْنُنْ لِتَسْتَكْثِرَ، فَتُنْزَعُ اللّامُ فَيَرْتَفِعُ. وثانِيها: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: لا تَمْنُنْ أنْ تَسْتَكْثِرَ، ثُمَّ تُحْذَفُ ”أنِ“ النّاصِبَةُ، فَتَسْلَمُ الكَلِمَةُ مِنَ النّاصِبِ والجازِمِ فَتَرْتَفِعُ، ويَكُونُ مَجازُ الكَلامِ لا تُعْطِ لِأنْ تَسْتَكْثِرَ. وثالِثُها: أنَّهُ حالٌ مُتَوَقَّعَةٌ أيْ لا تَمْنُنْ مُقَدِّرًا أنْ تَسْتَكْثِرَ، قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: هو مِثْلُ قَوْلِكَ مَرَرْتُ بِرَجُلٍ مَعَهُ صَقْرٌ صائِدًا بِهِ غَدًا، أيْ: مُقَدِّرًا لِلصَّيْدِ، فَكَذا هَهُنا المَعْنى مُقَدِّرًا الِاسْتِكْثارَ، قالَ: ويَجُوزُ أنْ يُحْكى بِهِ حالًا آتِيَةً. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: ذَكَرُوا في تَفْسِيرِ الآيَةِ وُجُوهًا: أحَدُها: أنَّهُ تَعالى أمَرَهُ قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ بِأرْبَعَةِ أشْياءَ: إنْذارِ القَوْمِ، وتَكْبِيرِ الرَّبِّ، وتَطْهِيرِ الثِّيابِ، وهَجْرِ الرِّجْزِ، ثُمَّ قالَ: ﴿ولا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ أيْ: لا تَمْنُنْ عَلى رَبِّكَ بِهَذِهِ الأعْمالِ الشّاقَّةِ، كالمُسْتَكْثِرِ لِما تَفْعَلُهُ، بَلِ اصْبِرْ عَلى ذَلِكَ كُلِّهِ لِوَجْهِ رَبِّكَ مُتَقَرِّبًا بِذَلِكَ إلَيْهِ غَيْرَ مُمْتَنٍّ بِهِ عَلَيْهِ. قالَ الحَسَنُ: لا تَمْنُنْ عَلى رَبِّكَ بِحَسَناتِكَ فَتَسْتَكْثِرُها. وثانِيها: لا تَمْنُنْ عَلى النّاسِ بِما تُعَلِّمُهم مِن أمْرِ الدِّينِ والوَحْيِ كالمُسْتَكْثِرِ لِذَلِكَ الإنْعامِ، فَإنَّكَ إنَّما فَعَلْتَ ذَلِكَ بِأمْرِ اللَّهِ، فَلا مِنَّةَ لَكَ عَلَيْهِمْ، ولِهَذا قالَ: ﴿ولِرَبِّكَ فاصْبِرْ﴾ . وثالِثُها: لا تَمْنُنْ عَلَيْهِمْ بِنُبُوَّتِكَ لِتَسْتَكْثِرَ، أيْ لِتَأْخُذَ مِنهم عَلى ذَلِكَ أجْرًا تَسْتَكْثِرُ بِهِ مالَكَ. ورابِعُها: ”لا تَمْنُنْ“ أيْ: لا تَضْعُفْ؛ مِن قَوْلِهِمْ: حَبْلٌ مَنِينٌ، أيْ ضَعِيفٌ، يُقالُ: مَنَّهُ السَّيْرُ، أيْ أضْعَفَهُ. والتَّقْدِيرُ: فَلا تَضْعُفْ أنْ تَسْتَكْثِرَ مِن هَذِهِ الطّاعاتِ الأرْبَعَةِ الَّتِي أُمِرْتَ بِها قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ، ومَن ذَهَبَ إلى هَذا قالَ: هو مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿أفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أعْبُدُ﴾ [ الزُّمَرِ: ٦٤] أيْ: أنْ أعْبُدَ، فَحُذِفَتْ ”أنْ“، وذَكَرَ الفَرّاءُ أنَّ في قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ ”ولا تَمْتَنَّ تَسْتَكْثِرُ“ وهَذا يَشْهَدُ لِهَذا التَّأْوِيلِ، وهَذا القَوْلُ اخْتِيارُ مُجاهِدٍ. وخامِسُها: وهو قَوْلُ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ولا تَمْنُنْ﴾ أيْ لا تُعْطِ، يُقالُ: مَنَّنْتُ فُلانًا كَذا، أيْ أعْطَيْتُهُ، قالَ: ﴿هَذا عَطاؤُنا فامْنُنْ أوْ أمْسِكْ﴾ [ ص: ٣٩] أيْ فَأعْطِ، أوْ أمْسِكْ، وأصْلُهُ أنَّ مَن أعْطى فَقَدْ مَنَّ، فَسُمِّيَتِ العَطِيَّةُ بِالمَنِّ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ، فالمَعْنى: ولا تُعْطِ مالَكَ لِأجْلِ أنْ تَأْخُذَ أكْثَرَ مِنهُ، وعَلى هَذا التَّأْوِيلِ سُؤالاتٌ: السُّؤالُ الأوَّلُ: ما الحِكْمَةُ في أنَّ اللَّهَ تَعالى مَنَعَهُ مِن هَذا العَمَلِ ؟ الجَوابُ: الحِكْمَةُ فِيهِ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: لِأجْلِ أنْ تَكُونَ عَطاياهُ لِأجْلِ اللَّهِ لا لِأجْلِ طَلَبِ الدُّنْيا، فَإنَّهُ نُهِيَ عَنْ طَلَبِ الدُّنْيا في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾ صفحة ١٧٢ [ الحِجْرِ: ٨٨] وذَلِكَ لِأنَّ طَلَبَ الدُّنْيا لا بُدَّ وأنْ تَكُونَ الدُّنْيا عِنْدَهُ عَزِيزَةً، ومَن كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَصْلُحْ لِأداءِ الرِّسالَةِ. الثّانِي: أنَّ مَن أعْطى غَيْرَهُ القَلِيلَ مِنَ الدُّنْيا لِيَأْخُذَ الكَثِيرَ لا بُدَّ وأنْ يَتَواضَعَ لِذَلِكَ الغَيْرِ ويَتَضَرَّعَ لَهُ، وذَلِكَ لا يَلِيقُ بِمَنصِبِ النُّبُوَّةِ، لِأنَّهُ يُوجِبُ دَناءَةَ الآخِذِ، ولِهَذا السَّبَبِ حَرُمَتِ الصَّدَقاتُ عَلَيْهِ، وتَنْفِيرَ المَأْخُوذِ مِنهُ، ولِهَذا قالَ: ﴿أمْ تَسْألُهم أجْرًا فَهم مِن مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾ [ الطُّورِ: ٤٠] . السُّؤالُ الثّانِي: هَذا النَّهْيُ مُخْتَصٌّ بِالرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، أمْ يَتَناوَلُ الأُمَّةَ ؟ الجَوابُ: ظاهِرُ اللَّفْظِ لا يُفِيدُ العُمُومَ، وقَرِينَةُ الحالِ لا تَقْتَضِي العُمُومَ؛ لِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إنَّما نَهى عَنْ ذَلِكَ تَنْزِيهًا لِمَنصِبِ النُّبُوَّةِ، وهَذا المَعْنى غَيْرُ مَوْجُودٍ في الأُمَّةِ، ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: هَذا المَعْنى في حَقِّ الأُمَّةِ هو الرِّياءُ، واللَّهُ تَعالى مَنَعَ الكُلَّ مِن ذَلِكَ. السُّؤالُ الثّالِثُ: بِتَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ هَذا النَّهْيُ مُخْتَصًّا بِالنَّبِيِّ ﷺ فَهو نَهْيُ تَحْرِيمٍ أوْ نَهْيُ تَنْزِيهٍ ؟ والجَوابُ: ظاهِرُ النَّهْيِ لِلتَّحْرِيمِ. الوَجْهُ السّادِسُ في تَأْوِيلِ الآيَةِ: قالَ القَفّالُ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَقْصِدُ مِنَ الآيَةِ أنْ يُحَرِّمَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ أنْ يُعْطِيَ لِأحَدٍ شَيْئًا لِطَلَبِ عِوَضٍ، سَواءٌ كانَ ذَلِكَ العِوَضُ زائِدًا أوْ ناقِصًا أوْ مُساوِيًا، ويَكُونُ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿تَسْتَكْثِرُ﴾ أيْ طالِبًا لِلْكَثْرَةِ، كارِهًا أنْ يَنْقُصَ المالُ بِسَبَبِ العَطاءِ، فَيَكُونَ الِاسْتِكْثارُ هَهُنا عِبارَةً عَنْ طَلَبِ العِوَضِ كَيْفَ كانَ، وإنَّما حَسُنَتْ هَذِهِ الِاسْتِعارَةُ لِأنَّ الغالِبَ أنَّ الثَّوابَ يَكُونُ زائِدًا عَلى العَطاءِ، فَسُمِّيَ طَلَبُ الثَّوابِ اسْتِكْثارًا حَمْلًا لِلشَّيْءِ عَلى أغْلَبِ أحْوالِهِ، وهَذا كَما أنَّ الأغْلَبَ أنَّ المَرْأةَ إنَّما تَتَزَوَّجُ ولَها ولَدٌ لِلْحاجَةِ إلى مَن يُرَبِّي ولَدَها، فَسُمِّيَ الوَلَدُ رَبِيبًا، ثُمَّ اتَّسَعَ الأمْرُ فَسُمِّيَ رَبِيبًا، وإنْ كانَ حِينَ تَتَزَوَّجُ أُمُّهُ - كَبِيرًا، ومَن ذَهَبَ إلى هَذا القَوْلِ، قالَ: السَّبَبُ فِيهِ أنْ يَصِيرَ عَطاءُ النَّبِيِّ ﷺ خالِيًا عَنِ انْتِظارِ العِوَضِ والتِفاتِ النّاسِ إلَيْهِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ خالِصًا مُخْلَصًا لِوَجْهِ اللَّهِ تَعالى. الوَجْهُ السّابِعُ: أنْ يَكُونَ المَعْنى: ولا تَمْنُنْ عَلى النّاسِ بِما تُنْعِمُ عَلَيْهِمْ وتُعْطِيهِمُ اسْتِكْثارًا مِنكَ لِتِلْكَ العَطِيَّةِ، بَلْ يَنْبَغِي أنْ تَسْتَقِلَّها وتَسْتَحْقِرَها وتَكُونَ كالمُعْتَذِرِ مِن ذَلِكَ المُنْعَمِ عَلَيْهِ في ذَلِكَ الإنْعامِ، فَإنَّ الدُّنْيا بِأسْرِها قَلِيلَةٌ، فَكَيْفَ ذَلِكَ القَدْرُ الَّذِي هو قَلِيلٌ في غايَةِ القِلَّةِ بِالنِّسْبَةِ إلى الدُّنْيا. وهَذِهِ الوُجُوهُ الثَّلاثَةُ الأخِيرَةُ كالمُرَتَّبَةِ: فالوَجْهُ الأوَّلُ مَعْناهُ: كَوْنُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَمْنُوعًا مِن طَلَبِ الزِّيادَةِ في العِوَضِ. والوَجْهُ الثّانِي مَعْناهُ: كَوْنُهُ مَمْنُوعًا عَنْ طَلَبِ مُطْلَقِ العِوَضِ، زائِدًا كانَ أوْ مُساوِيًا أوْ ناقِصًا. والوَجْهُ الثّالِثُ مَعْناهُ: أنْ يُعْطِيَ ويَنْسِبَ نَفْسَهُ إلى التَّقْصِيرِ ويَجْعَلَ نَفْسَهُ تَحْتَ مِنَّةِ المُنْعَمِ عَلَيْهِ حَيْثُ قَبِلَ مِنهُ ذَلِكَ الإنْعامَ. الوَجْهُ الثّامِنُ: مَعْناهُ إذا أعْطَيْتَ شَيْئًا فَلا يَنْبَغِي أنْ تَمُنَّ عَلَيْهِ بِسَبَبِ أنَّكَ تَسْتَكْثِرُ تِلْكَ العَطِيَّةَ، فَإنَّ المَنَّ مُحْبِطٌ لِثَوابِ العَمَلِ، قالَ تَعالى: ﴿لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكم بِالمَنِّ والأذى كالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النّاسِ﴾ [ البَقَرَةِ: ٢٦٤] . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ الحَسَنُ: ”تَسْتَكْثِرْ“ بِالجَزْمِ، وأكْثَرُ المُحَقِّقِينَ أبَوْا هَذِهِ القِراءَةَ، ومِنهم مَن قَبِلَها، وذَكَرُوا في صِحَّتِها ثَلاثَةَ أوْجُهٍ: أحَدُها: كَأنَّهُ قِيلَ: لا تَمْنُنْ لا تَسْتَكْثِرْ. وثانِيها: أنْ يَكُونَ أرادَ ”تَسْتَكْثِرُ“ فَأسْكَنَ الرّاءَ لِثِقَلِ الضَّمَّةِ مَعَ كَثْرَةِ الحَرَكاتِ، كَما حَكاهُ أبُو زَيْدٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلى ورُسُلُنا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ بِإسْكانِ اللّامِ. وثالِثُها: أنْ يُعْتَبَرَ حالُ الوَقْفِ، وقَرَأ الأعْمَشُ: ”تَسْتَكْثِرَ“ بِالنَّصْبِ بِإضْمارِ ”أنْ“ كَقَوْلِهِ: ألا أيُّهَذا الزّاجِرِي أحْضُرَ الوَغى وأنْ أشْهَدَ اللَّذّاتِ هَلْ أنْتَ مُخْلِدِي ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ: ”ولا تَمْنُنْ أنْ تَسْتَكْثِرَ“ . صفحة ١٧٣

المدثر 74:6

﴿والرُّجْزَ فاهْجُرْ﴾ فِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: ذَكَرُوا في الرُّجْزِ وُجُوهًا: الأوَّلُ: قالَ العُتْبِيُّ: الرُّجْزُ العَذابُ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لَئِنْ كَشَفْتَ عَنّا الرِّجْزَ﴾ [ الأعْرافِ: ١٣٤] أيِ العَذابَ، ثُمَّ سُمِّيَ كَيْدُ الشَّيْطانِ رِجْزًا لِأنَّهُ سَبَبٌ لِلْعَذابِ، وسُمِّيَتِ الأصْنامُ رِجْزًا لِهَذا المَعْنى أيْضًا، فَعَلى هَذا القَوْلِ تَكُونُ الآيَةُ دالَّةً عَلى وُجُوبِ الِاحْتِرازِ عَنْ كُلِّ المَعاصِي، ثُمَّ عَلى هَذا القَوْلِ احْتِمالانِ: أحَدُهُما: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿والرُّجْزَ فاهْجُرْ﴾ يَعْنِي: كُلَّ ما يُؤَدِّي إلى الرُّجْزِ فاهْجُرْهُ، والتَّقْدِيرُ: وذا الرُّجْزِ فاهْجُرْ، أيْ ذا العَذابِ، فَيَكُونُ المُضافُ مَحْذُوفًا. والثّانِي: أنَّهُ سَمّى ما يُؤَدِّي إلى العَذابِ عَذابًا تَسْمِيَةً لِلشَّيْءِ بِاسْمِ ما يُجاوِرُهُ ويَتَّصِلُ بِهِ. القَوْلُ الثّانِي: أنَّ الرُّجْزَ اسْمٌ لِلْقَبِيحِ المُسْتَقْذَرِ وهو مَعْنى صفحة ١٧١ الرِّجْسِ، فَقَوْلُهُ: ﴿والرُّجْزَ فاهْجُرْ﴾ كَلامٌ جامِعٌ في مَكارِمِ الأخْلاقِ، كَأنَّهُ قِيلَ لَهُ: اهْجُرِ الجَفاءَ والسَّفَهَ وكُلَّ شَيْءٍ قَبِيحٍ، ولا تَتَخَلَّقْ بِأخْلاقِ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ المُسْتَعْمِلِينَ لِلرُّجْزِ، وهَذا يُشاكِلُ تَأْوِيلَ مَن فَسَّرَ قَوْلَهُ: ﴿وثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾ عَلى تَحْسِينِ الخُلُقِ وتَطْهِيرِ النَّفْسِ عَنِ المَعاصِي والقَبائِحِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ مَن جَوَّزَ المَعاصِيَ عَلى الأنْبِياءِ بِهَذِهِ الآيَةِ، قالَ: لَوْلا أنَّهُ كانَ مُشْتَغِلًا بِها وإلّا لَما زُجِرَ عَنْها بِقَوْلِهِ: ﴿والرُّجْزَ فاهْجُرْ﴾ والجَوابُ: المُرادُ مِنهُ الأمْرُ بِالمُداوَمَةِ عَلى ذَلِكَ الهُجْرانِ، كَما أنَّ المُسْلِمَ إذا قالَ: اهْدِنا، فَلَيْسَ مَعْناهُ أنّا لَسْنا عَلى الهِدايَةِ فاهْدِنا، بَلِ المُرادُ ثَبِّتْنا عَلى هَذِهِ الهِدايَةِ، فَكَذا هَهُنا. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ ”والرُّجْزَ“ بِضَمِّ الرّاءِ في هَذِهِ السُّورَةِ، وفي سائِرِ القُرْآنِ بِكَسْرِ الرّاءِ، وقَرَأ الباقُونَ وعاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ بِالكَسْرِ، وقَرَأ يَعْقُوبُ بِالضَّمِّ، ثُمَّ قالَ الفَرّاءُ: هُما لُغَتانِ، والمَعْنى واحِدٌ، وفي كِتابِ الخَلِيلِ: الرُّجْزُ بِضَمِّ الرّاءِ عِبادَةُ الأوْثانِ، وبِكَسْرِ الرّاءِ العَذابُ، ووَسْواسُ الشَّيْطانِ أيْضًا رِجْزٌ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أفْشى اللُّغَتَيْنِ وأكْثَرُهُما الكَسْرُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ فِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: القِراءَةُ المَشْهُورَةُ ”تَسْتَكْثِرُ“ بِرَفْعِ الرّاءِ، وفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: ولا تَمْنُنْ لِتَسْتَكْثِرَ، فَتُنْزَعُ اللّامُ فَيَرْتَفِعُ. وثانِيها: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: لا تَمْنُنْ أنْ تَسْتَكْثِرَ، ثُمَّ تُحْذَفُ ”أنِ“ النّاصِبَةُ، فَتَسْلَمُ الكَلِمَةُ مِنَ النّاصِبِ والجازِمِ فَتَرْتَفِعُ، ويَكُونُ مَجازُ الكَلامِ لا تُعْطِ لِأنْ تَسْتَكْثِرَ. وثالِثُها: أنَّهُ حالٌ مُتَوَقَّعَةٌ أيْ لا تَمْنُنْ مُقَدِّرًا أنْ تَسْتَكْثِرَ، قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: هو مِثْلُ قَوْلِكَ مَرَرْتُ بِرَجُلٍ مَعَهُ صَقْرٌ صائِدًا بِهِ غَدًا، أيْ: مُقَدِّرًا لِلصَّيْدِ، فَكَذا هَهُنا المَعْنى مُقَدِّرًا الِاسْتِكْثارَ، قالَ: ويَجُوزُ أنْ يُحْكى بِهِ حالًا آتِيَةً. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: ذَكَرُوا في تَفْسِيرِ الآيَةِ وُجُوهًا: أحَدُها: أنَّهُ تَعالى أمَرَهُ قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ بِأرْبَعَةِ أشْياءَ: إنْذارِ القَوْمِ، وتَكْبِيرِ الرَّبِّ، وتَطْهِيرِ الثِّيابِ، وهَجْرِ الرِّجْزِ، ثُمَّ قالَ: ﴿ولا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ أيْ: لا تَمْنُنْ عَلى رَبِّكَ بِهَذِهِ الأعْمالِ الشّاقَّةِ، كالمُسْتَكْثِرِ لِما تَفْعَلُهُ، بَلِ اصْبِرْ عَلى ذَلِكَ كُلِّهِ لِوَجْهِ رَبِّكَ مُتَقَرِّبًا بِذَلِكَ إلَيْهِ غَيْرَ مُمْتَنٍّ بِهِ عَلَيْهِ. قالَ الحَسَنُ: لا تَمْنُنْ عَلى رَبِّكَ بِحَسَناتِكَ فَتَسْتَكْثِرُها. وثانِيها: لا تَمْنُنْ عَلى النّاسِ بِما تُعَلِّمُهم مِن أمْرِ الدِّينِ والوَحْيِ كالمُسْتَكْثِرِ لِذَلِكَ الإنْعامِ، فَإنَّكَ إنَّما فَعَلْتَ ذَلِكَ بِأمْرِ اللَّهِ، فَلا مِنَّةَ لَكَ عَلَيْهِمْ، ولِهَذا قالَ: ﴿ولِرَبِّكَ فاصْبِرْ﴾ . وثالِثُها: لا تَمْنُنْ عَلَيْهِمْ بِنُبُوَّتِكَ لِتَسْتَكْثِرَ، أيْ لِتَأْخُذَ مِنهم عَلى ذَلِكَ أجْرًا تَسْتَكْثِرُ بِهِ مالَكَ. ورابِعُها: ”لا تَمْنُنْ“ أيْ: لا تَضْعُفْ؛ مِن قَوْلِهِمْ: حَبْلٌ مَنِينٌ، أيْ ضَعِيفٌ، يُقالُ: مَنَّهُ السَّيْرُ، أيْ أضْعَفَهُ. والتَّقْدِيرُ: فَلا تَضْعُفْ أنْ تَسْتَكْثِرَ مِن هَذِهِ الطّاعاتِ الأرْبَعَةِ الَّتِي أُمِرْتَ بِها قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ، ومَن ذَهَبَ إلى هَذا قالَ: هو مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿أفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أعْبُدُ﴾ [ الزُّمَرِ: ٦٤] أيْ: أنْ أعْبُدَ، فَحُذِفَتْ ”أنْ“، وذَكَرَ الفَرّاءُ أنَّ في قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ ”ولا تَمْتَنَّ تَسْتَكْثِرُ“ وهَذا يَشْهَدُ لِهَذا التَّأْوِيلِ، وهَذا القَوْلُ اخْتِيارُ مُجاهِدٍ. وخامِسُها: وهو قَوْلُ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ولا تَمْنُنْ﴾ أيْ لا تُعْطِ، يُقالُ: مَنَّنْتُ فُلانًا كَذا، أيْ أعْطَيْتُهُ، قالَ: ﴿هَذا عَطاؤُنا فامْنُنْ أوْ أمْسِكْ﴾ [ ص: ٣٩] أيْ فَأعْطِ، أوْ أمْسِكْ، وأصْلُهُ أنَّ مَن أعْطى فَقَدْ مَنَّ، فَسُمِّيَتِ العَطِيَّةُ بِالمَنِّ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ، فالمَعْنى: ولا تُعْطِ مالَكَ لِأجْلِ أنْ تَأْخُذَ أكْثَرَ مِنهُ، وعَلى هَذا التَّأْوِيلِ سُؤالاتٌ: السُّؤالُ الأوَّلُ: ما الحِكْمَةُ في أنَّ اللَّهَ تَعالى مَنَعَهُ مِن هَذا العَمَلِ ؟ الجَوابُ: الحِكْمَةُ فِيهِ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: لِأجْلِ أنْ تَكُونَ عَطاياهُ لِأجْلِ اللَّهِ لا لِأجْلِ طَلَبِ الدُّنْيا، فَإنَّهُ نُهِيَ عَنْ طَلَبِ الدُّنْيا في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾ صفحة ١٧٢ [ الحِجْرِ: ٨٨] وذَلِكَ لِأنَّ طَلَبَ الدُّنْيا لا بُدَّ وأنْ تَكُونَ الدُّنْيا عِنْدَهُ عَزِيزَةً، ومَن كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَصْلُحْ لِأداءِ الرِّسالَةِ. الثّانِي: أنَّ مَن أعْطى غَيْرَهُ القَلِيلَ مِنَ الدُّنْيا لِيَأْخُذَ الكَثِيرَ لا بُدَّ وأنْ يَتَواضَعَ لِذَلِكَ الغَيْرِ ويَتَضَرَّعَ لَهُ، وذَلِكَ لا يَلِيقُ بِمَنصِبِ النُّبُوَّةِ، لِأنَّهُ يُوجِبُ دَناءَةَ الآخِذِ، ولِهَذا السَّبَبِ حَرُمَتِ الصَّدَقاتُ عَلَيْهِ، وتَنْفِيرَ المَأْخُوذِ مِنهُ، ولِهَذا قالَ: ﴿أمْ تَسْألُهم أجْرًا فَهم مِن مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾ [ الطُّورِ: ٤٠] . السُّؤالُ الثّانِي: هَذا النَّهْيُ مُخْتَصٌّ بِالرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، أمْ يَتَناوَلُ الأُمَّةَ ؟ الجَوابُ: ظاهِرُ اللَّفْظِ لا يُفِيدُ العُمُومَ، وقَرِينَةُ الحالِ لا تَقْتَضِي العُمُومَ؛ لِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إنَّما نَهى عَنْ ذَلِكَ تَنْزِيهًا لِمَنصِبِ النُّبُوَّةِ، وهَذا المَعْنى غَيْرُ مَوْجُودٍ في الأُمَّةِ، ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: هَذا المَعْنى في حَقِّ الأُمَّةِ هو الرِّياءُ، واللَّهُ تَعالى مَنَعَ الكُلَّ مِن ذَلِكَ. السُّؤالُ الثّالِثُ: بِتَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ هَذا النَّهْيُ مُخْتَصًّا بِالنَّبِيِّ ﷺ فَهو نَهْيُ تَحْرِيمٍ أوْ نَهْيُ تَنْزِيهٍ ؟ والجَوابُ: ظاهِرُ النَّهْيِ لِلتَّحْرِيمِ. الوَجْهُ السّادِسُ في تَأْوِيلِ الآيَةِ: قالَ القَفّالُ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَقْصِدُ مِنَ الآيَةِ أنْ يُحَرِّمَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ أنْ يُعْطِيَ لِأحَدٍ شَيْئًا لِطَلَبِ عِوَضٍ، سَواءٌ كانَ ذَلِكَ العِوَضُ زائِدًا أوْ ناقِصًا أوْ مُساوِيًا، ويَكُونُ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿تَسْتَكْثِرُ﴾ أيْ طالِبًا لِلْكَثْرَةِ، كارِهًا أنْ يَنْقُصَ المالُ بِسَبَبِ العَطاءِ، فَيَكُونَ الِاسْتِكْثارُ هَهُنا عِبارَةً عَنْ طَلَبِ العِوَضِ كَيْفَ كانَ، وإنَّما حَسُنَتْ هَذِهِ الِاسْتِعارَةُ لِأنَّ الغالِبَ أنَّ الثَّوابَ يَكُونُ زائِدًا عَلى العَطاءِ، فَسُمِّيَ طَلَبُ الثَّوابِ اسْتِكْثارًا حَمْلًا لِلشَّيْءِ عَلى أغْلَبِ أحْوالِهِ، وهَذا كَما أنَّ الأغْلَبَ أنَّ المَرْأةَ إنَّما تَتَزَوَّجُ ولَها ولَدٌ لِلْحاجَةِ إلى مَن يُرَبِّي ولَدَها، فَسُمِّيَ الوَلَدُ رَبِيبًا، ثُمَّ اتَّسَعَ الأمْرُ فَسُمِّيَ رَبِيبًا، وإنْ كانَ حِينَ تَتَزَوَّجُ أُمُّهُ - كَبِيرًا، ومَن ذَهَبَ إلى هَذا القَوْلِ، قالَ: السَّبَبُ فِيهِ أنْ يَصِيرَ عَطاءُ النَّبِيِّ ﷺ خالِيًا عَنِ انْتِظارِ العِوَضِ والتِفاتِ النّاسِ إلَيْهِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ خالِصًا مُخْلَصًا لِوَجْهِ اللَّهِ تَعالى. الوَجْهُ السّابِعُ: أنْ يَكُونَ المَعْنى: ولا تَمْنُنْ عَلى النّاسِ بِما تُنْعِمُ عَلَيْهِمْ وتُعْطِيهِمُ اسْتِكْثارًا مِنكَ لِتِلْكَ العَطِيَّةِ، بَلْ يَنْبَغِي أنْ تَسْتَقِلَّها وتَسْتَحْقِرَها وتَكُونَ كالمُعْتَذِرِ مِن ذَلِكَ المُنْعَمِ عَلَيْهِ في ذَلِكَ الإنْعامِ، فَإنَّ الدُّنْيا بِأسْرِها قَلِيلَةٌ، فَكَيْفَ ذَلِكَ القَدْرُ الَّذِي هو قَلِيلٌ في غايَةِ القِلَّةِ بِالنِّسْبَةِ إلى الدُّنْيا. وهَذِهِ الوُجُوهُ الثَّلاثَةُ الأخِيرَةُ كالمُرَتَّبَةِ: فالوَجْهُ الأوَّلُ مَعْناهُ: كَوْنُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَمْنُوعًا مِن طَلَبِ الزِّيادَةِ في العِوَضِ. والوَجْهُ الثّانِي مَعْناهُ: كَوْنُهُ مَمْنُوعًا عَنْ طَلَبِ مُطْلَقِ العِوَضِ، زائِدًا كانَ أوْ مُساوِيًا أوْ ناقِصًا. والوَجْهُ الثّالِثُ مَعْناهُ: أنْ يُعْطِيَ ويَنْسِبَ نَفْسَهُ إلى التَّقْصِيرِ ويَجْعَلَ نَفْسَهُ تَحْتَ مِنَّةِ المُنْعَمِ عَلَيْهِ حَيْثُ قَبِلَ مِنهُ ذَلِكَ الإنْعامَ. الوَجْهُ الثّامِنُ: مَعْناهُ إذا أعْطَيْتَ شَيْئًا فَلا يَنْبَغِي أنْ تَمُنَّ عَلَيْهِ بِسَبَبِ أنَّكَ تَسْتَكْثِرُ تِلْكَ العَطِيَّةَ، فَإنَّ المَنَّ مُحْبِطٌ لِثَوابِ العَمَلِ، قالَ تَعالى: ﴿لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكم بِالمَنِّ والأذى كالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النّاسِ﴾ [ البَقَرَةِ: ٢٦٤] . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ الحَسَنُ: ”تَسْتَكْثِرْ“ بِالجَزْمِ، وأكْثَرُ المُحَقِّقِينَ أبَوْا هَذِهِ القِراءَةَ، ومِنهم مَن قَبِلَها، وذَكَرُوا في صِحَّتِها ثَلاثَةَ أوْجُهٍ: أحَدُها: كَأنَّهُ قِيلَ: لا تَمْنُنْ لا تَسْتَكْثِرْ. وثانِيها: أنْ يَكُونَ أرادَ ”تَسْتَكْثِرُ“ فَأسْكَنَ الرّاءَ لِثِقَلِ الضَّمَّةِ مَعَ كَثْرَةِ الحَرَكاتِ، كَما حَكاهُ أبُو زَيْدٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلى ورُسُلُنا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ بِإسْكانِ اللّامِ. وثالِثُها: أنْ يُعْتَبَرَ حالُ الوَقْفِ، وقَرَأ الأعْمَشُ: ”تَسْتَكْثِرَ“ بِالنَّصْبِ بِإضْمارِ ”أنْ“ كَقَوْلِهِ: ألا أيُّهَذا الزّاجِرِي أحْضُرَ الوَغى وأنْ أشْهَدَ اللَّذّاتِ هَلْ أنْتَ مُخْلِدِي ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ: ”ولا تَمْنُنْ أنْ تَسْتَكْثِرَ“ . صفحة ١٧٣

المدثر 74:7

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِرَبِّكَ فاصْبِرْ﴾ فِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: إذا أعْطَيْتَ المالَ فاصْبِرْ عَلى تَرْكِ المَنِّ والِاسْتِكْثارِ، أيِ: اتْرُكْ هَذا الأمْرَ لِأجْلِ مَرْضاةِ رَبِّكَ. وثانِيها: إذا أعْطَيْتَ المالَ فَلا تَطْلُبِ العِوَضَ، ولْيَكُنْ هَذا التَّرْكُ لِأجْلِ رَبِّكَ. وثالِثُها: أنّا أمَرْناكَ في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ بِأشْياءَ ونَهَيْناكَ عَنْ أشْياءَ فاشْتَغِلْ بِتِلْكَ الأفْعالِ والتُّرُوكِ لِأجْلِ أمْرِ رَبِّكَ، فَكَأنَّ ما قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ تَكالِيفُ بِالأفْعالِ والتُّرُوكِ، وفي هَذِهِ الآيَةِ بَيَّنَ ما لِأجْلِهِ يَجِبُ أنْ يُؤْتى بِتِلْكَ الأفْعالِ والتُّرُوكِ وهو طَلَبُ رِضا الرَّبِّ. ورابِعُها: أنّا ذَكَرْنا أنَّ الكُفّارَ لَمّا اجْتَمَعُوا وبَحَثُوا عَنْ حالِ مُحَمَّدٍ ﷺ قامَ الوَلِيدُ ودَخَلَ دارَهُ فَقالَ القَوْمُ: إنَّ الوَلِيدَ قَدْ صَبَأ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ أبُو جَهْلٍ، وقالَ: إنَّ قُرَيْشًا جَمَعُوا لَكَ مالًا حَتّى لا تَتْرُكَ دِينَ آبائِكَ، فَهو لِأجْلِ ذَلِكَ المالِ بَقِيَ عَلى كُفْرِهِ، فَقِيلَ لِمُحَمَّدٍ: إنَّهُ بَقِيَ عَلى دِينِهِ الباطِلِ لِأجْلِ المالِ، وأمّا أنْتَ فاصْبِرْ عَلى دِينِكَ الحَقِّ لِأجْلِ رِضا الحَقِّ لا لِشَيْءٍ غَيْرِهِ. وخامِسُها: أنَّ هَذا تَعْرِيضٌ بِالمُشْرِكِينَ، كَأنَّهُ قِيلَ لَهُ: ﴿ورَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ لا الأوْثانَ ﴿وثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾ ولا تَكُنْ كالمُشْرِكِينَ نَجِسَ البَدَنِ والثِّيابِ ﴿والرُّجْزَ فاهْجُرْ﴾ ولا تَقْرَبْهُ كَما تَقْرَبُهُ الكُفّارُ ﴿ولا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ كَما أرادَ الكُفّارُ أنْ يُعْطُوا الوَلِيدَ قَدْرًا مِنَ المالِ وكانُوا يَسْتَكْثِرُونَ ذَلِكَ القَلِيلَ ﴿ولِرَبِّكَ فاصْبِرْ﴾ عَلى هَذِهِ الطّاعاتِ لا لِلْأغْراضِ العاجِلَةِ مِنَ المالِ والجاهِ.

المدثر 74:8

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا نُقِرَ في النّاقُورِ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا تَمَّمَ ما يَتَعَلَّقُ بِإرْشادِ قُدْوَةِ الأنْبِياءِ وهو مُحَمَّدٌ ﷺ، عَدَلَ عَنْهُ إلى شَرْحِ وعِيدِ الأشْقِياءِ وهو هَذِهِ الآيَةُ، وهَهُنا مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: الفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فَإذا نُقِرَ﴾ لِلسَّبَبِ كَأنَّهُ قالَ: ﴿ودَعْ أذاهُمْ﴾ [ الأحْزابِ: ٤٨] فَبَيْنَ أيْدِيهِمْ يَوْمٌ عَسِيرٌ يَلْقَوْنَ فِيهِ عاقِبَةَ أذاهم، وتَلْقى أنْتَ عاقِبَةَ صَبْرِكَ عَلَيْهِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ الوَقْتَ الَّذِي يُنْقَرُ في النّاقُورِ، أهُوَ النَّفْخَةُ الأُولى أمِ النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ ؟ فالقَوْلُ الأوَّلُ: أنَّهُ هو النَّفْخَةُ الأُولى، قالَ الحَلِيمِيُّ في كِتابِ المِنهاجِ: أنَّهُ تَعالى سَمّى الصُّورَ بِاسْمَيْنِ؛ أحَدُهُما الصُّورُ، والآخَرُ النّاقُورُ، وقَوْلُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ النّاقُورَ هو الصُّورُ، ثُمَّ لا شَكَّ أنَّ الصُّورَ وإنْ كانَ هو الَّذِي يُنْفَخُ فِيهِ النَّفْخَتانِ مَعًا، فَإنَّ نَفْخَةَ الإصْعاقِ تُخالِفُ نَفْخَةَ الإحْياءِ، وجاءَ في الأخْبارِ: أنَّ في الصُّورِ ثُقُبًا بِعَدَدِ الأرْواحِ كُلِّها، وأنَّها تُجْمَعُ في تِلْكَ الثُّقُبِ في النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ، فَيَخْرُجُ عِنْدَ النَّفْخِ مِن كُلِّ ثُقْبَةٍ رُوحٌ إلى الجَسَدِ الَّذِي نُزِعَ مِنهُ فَيَعُودُ الجَسَدُ حَيًّا بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الصُّورُ مُحْتَوِيًا عَلى آلَتَيْنِ يُنْقَرُ في إحْداهُما ويُنْفَخُ في الأُخْرى، فَإذا نُفِخَ فِيهِ لِلْإصْعاقِ جُمِعَ بَيْنَ النَّقْرِ والنَّفْخِ، لِتَكُونَ الصَّيْحَةُ أهَدَّ وأعْظَمَ، وإذا نُفِخَ فِيهِ لِلْإحْياءِ لَمْ يُنْقَرْ فِيهِ، واقْتُصِرَ عَلى النَّفْخِ، لِأنَّ المُرادَ إرْسالُ الأرْواحِ مِن ثُقُبِ الصُّورِ إلى أجْسادِها، لا تَنْقِيرُها مِن أجْسادِها، والنَّفْخَةُ الأُولى لِلتَّنْقِيرِ، وهو نَظِيرُ صَوْتِ الرَّعْدِ، فَإنَّهُ إذا اشْتَدَّ فَرُبَّما ماتَ سامِعُهُ، والصَّيْحَةُ الشَّدِيدَةُ الَّتِي يَصِيحُها رَجُلٌ بِصَبِيٍّ فَيَفْزَعُ مِنهُ فَيَمُوتُ، هَذا آخَرُ كَلامِ الحَلِيمِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ، ولِي فِيهِ إشْكالٌ، وهو أنَّ هَذا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ النَّقْرُ إنَّما يَحْصُلُ عِنْدَ صَيْحَةِ الإصْعاقِ، وذَلِكَ اليَوْمُ غَيْرُ شَدِيدٍ صفحة ١٧٤ عَلى الكافِرِينَ، لِأنَّهم يَمُوتُونَ في تِلْكَ السّاعَةِ، إنَّما اليَوْمُ الشَّدِيدُ عَلى الكافِرِينَ عِنْدَ صَيْحَةِ الإحْياءِ، ولِذَلِكَ يَقُولُونَ: يا لَيْتَها كانَتِ القاضِيَةَ، أيْ: يا لَيْتَنا بَقِينا عَلى المَوْتَةِ الأُولى. والقَوْلُ الثّانِي: إنَّهُ النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ، وذَلِكَ لِأنَّ النّاقُورَ هو الَّذِي يُنْقَرُ فِيهِ، أيْ يُنْكَتُ، فَيَجُوزُ أنَّهُ إذا أُرِيدَ أنْ يُنْفَخَ في المَرَّةِ الثّانِيَةِ، نُقِرَ أوَّلًا، فَسُمِّيَ ناقُورًا لِهَذا المَعْنى، وأقُولُ: في هَذا اللَّفْظِ بَحْثٌ، وهو أنَّ النّاقُورَ فاعُولٌ مِنَ النَّقْرِ، كالهاضُومِ ما يُهْضَمُ بِهِ، والحاطُومُ ما يُحْطَمُ بِهِ، فَكانَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ النّاقُورُ ما يُنْقَرُ بِهِ لا ما يُنْقَرُ فِيهِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: العامِلُ في قَوْلِهِ: ﴿فَإذا نُقِرَ﴾ هو المَعْنى الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ والتَّقْدِيرُ: إذا نُقِرَ في النّاقُورِ عَسُرَ الأمْرُ وصَعُبَ.

المدثر 74:9

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ ﴿عَلى الكافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ فِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ ”فَذَلِكَ“ إشارَةٌ إلى اليَوْمِ الَّذِي يُنْقَرُ فِيهِ في النّاقُورِ، والتَّقْدِيرُ: فَذَلِكَ اليَوْمُ ﴿يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾، وأمّا ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ تَفْسِيرًا لِقَوْلِهِ ﴿فَذَلِكَ﴾؛ لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿فَذَلِكَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إشارَةً إلى النَّقْرِ، وأنْ يَكُونَ إشارَةً إلى اليَوْمِ المُضافِ إلى النَّقْرِ، فَكَأنَّهُ قالَ: ﴿فَذَلِكَ﴾ أعْنِي اليَوْمَ المُضافَ إلى النَّقْرِ ﴿يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ فَيَكُونُ ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ في مَحَلِّ النَّصْبِ. والثّانِي: أنْ يَكُونَ ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ مَرْفُوعَ المَحَلِّ بَدَلًا مِن ذَلِكَ، و﴿يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ خَبَرٌ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: فَيَوْمُ النَّقْرِ ﴿يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ فَعَلى هَذا ”يَوْمَئِذٍ“ في مَحَلِّ الرَّفْعِ؛ لِكَوْنِهِ بَدَلًا مِن ”ذَلِكَ“، إلّا أنَّهُ لَمّا أُضِيفَ اليَوْمُ إلى ”إذْ“ وهو غَيْرُ مُتَمَكِّنٍ - بُنِيَ عَلى الفَتْحِ. الثّالِثُ: أنَّ تَقْدِيرَ الآيَةِ: فَذَلِكَ النَّقْرُ يَوْمَئِذٍ نَقْرُ يَوْمٍ عَسِيرٍ؛ عَلى أنْ يَكُونَ العامِلُ في ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ هو النَّقْرُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: عَسُرَ ذَلِكَ اليَوْمُ عَلى الكافِرِينَ لِأنَّهم يُناقَشُونَ في الحِسابِ ويُعْطَوْنَ كُتُبَهم بِشَمائِلِهِمْ وتَسْوَدُّ وُجُوهُهم ويُحْشَرُونَ زُرْقًا وتَتَكَلَّمُ جَوارِحُهم فَيُفْتَضَحُونَ عَلى رُؤُوسِ الأشْهادِ، وأمّا المُؤْمِنُونَ فَإنَّهُ عَلَيْهِمْ يَسِيرٌ لِأنَّهم لا يُناقَشُونَ في الحِسابِ ويُحْشَرُونَ بِيضَ الوُجُوهِ ثِقالَ المَوازِينِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إنَّما وصَفَهُ اللَّهُ تَعالى بِالعُسْرِ لِأنَّهُ في نَفْسِهِ كَذَلِكَ لِلْجَمِيعِ مِنَ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ عَلى ما رُوِيَ أنَّ الأنْبِياءَ يَوْمَئِذٍ يَفْزَعُونَ، وأنَّ الوِلْدانَ يَشِيبُونَ إلّا أنَّهُ يَكُونُ هَوْلُ الكُفّارِ فِيهِ أشَدَّ، فَعَلى القَوْلِ الأوَّلِ لا يَحْسُنُ الوَقْفُ عَلى قَوْلِهِ: ﴿يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ فَإنَّ المَعْنى أنَّهُ عَلى الكافِرِينَ عَسِيرٌ، وغَيْرُ يَسِيرٍ، وعَلى القَوْلِ الثّانِي يَحْسُنُ الوَقْفُ؛ لِأنَّ المَعْنى أنَّهُ في نَفْسِهِ عَسِيرٌ عَلى الكُلِّ، ثُمَّ الكافِرُ مَخْصُوصٌ فِيهِ بِزِيادَةٍ خاصَّةٍ، وهو أنَّهُ عَلَيْهِ غَيْرُ يَسِيرٍ، فَإنْ قِيلَ: فَما فائِدَةُ قَوْلِهِ: ﴿غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ وعَسِيرٌ مُغْنٍ عَنْهُ ؟ الجَوابُ: أمّا عَلى القَوْلِ الأوَّلِ: فالتَّكْرِيرُ لِلتَّأْكِيدِ كَما تَقُولُ: أنا لَكَ مُحِبٌّ غَيْرُ مُبْغِضٍ ووَلِيٌّ غَيْرُ عَدُوٍّ. وأمّا عَلى القَوْلِ الثّانِي: فَقَوْلُهُ: ﴿عَسِيرٌ﴾ يُفِيدُ أصْلَ العُسْرِ الشّامِلِ لِلْمُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ، وقَوْلُهُ: ﴿غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ يُفِيدُ الزِّيادَةَ الَّتِي يَخْتَصُّ بِها الكافِرُ لِأنَّ العُسْرَ قَدْ يَكُونُ عُسْرًا قَلِيلًا يَسِيرًا، وقَدْ يَكُونُ عُسْرًا كَثِيرًا، فَأُثْبِتَ أصْلُ العُسْرِ لِلْكُلِّ، وأُثْبِتَ العُسْرُ بِصِفَةِ الكَثْرَةِ والقُوَّةِ لِلْكافِرِينَ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمّا قالَ إنَّهُ غَيْرُ يَسِيرٍ عَلى الكافِرِينَ، كانَ يَسِيرًا عَلى المُؤْمِنِينَ، فَبَعْضُ مَن قالَ بِدَلِيلِ الخِطابِ قالَ: لَوْلا أنَّ دَلِيلَ الخِطابِ حُجَّةٌ وإلّا لَما فَهِمَ ابْنُ عَبّاسٍ مِن كَوْنِهِ غَيْرَ يَسِيرٍ عَلى الكافِرِ كَوْنَهُ يَسِيرًا عَلى المُؤْمِنِ. صفحة ١٧٥

المدثر 74:10

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ ﴿عَلى الكافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ فِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ ”فَذَلِكَ“ إشارَةٌ إلى اليَوْمِ الَّذِي يُنْقَرُ فِيهِ في النّاقُورِ، والتَّقْدِيرُ: فَذَلِكَ اليَوْمُ ﴿يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾، وأمّا ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ تَفْسِيرًا لِقَوْلِهِ ﴿فَذَلِكَ﴾؛ لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿فَذَلِكَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إشارَةً إلى النَّقْرِ، وأنْ يَكُونَ إشارَةً إلى اليَوْمِ المُضافِ إلى النَّقْرِ، فَكَأنَّهُ قالَ: ﴿فَذَلِكَ﴾ أعْنِي اليَوْمَ المُضافَ إلى النَّقْرِ ﴿يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ فَيَكُونُ ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ في مَحَلِّ النَّصْبِ. والثّانِي: أنْ يَكُونَ ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ مَرْفُوعَ المَحَلِّ بَدَلًا مِن ذَلِكَ، و﴿يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ خَبَرٌ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: فَيَوْمُ النَّقْرِ ﴿يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ فَعَلى هَذا ”يَوْمَئِذٍ“ في مَحَلِّ الرَّفْعِ؛ لِكَوْنِهِ بَدَلًا مِن ”ذَلِكَ“، إلّا أنَّهُ لَمّا أُضِيفَ اليَوْمُ إلى ”إذْ“ وهو غَيْرُ مُتَمَكِّنٍ - بُنِيَ عَلى الفَتْحِ. الثّالِثُ: أنَّ تَقْدِيرَ الآيَةِ: فَذَلِكَ النَّقْرُ يَوْمَئِذٍ نَقْرُ يَوْمٍ عَسِيرٍ؛ عَلى أنْ يَكُونَ العامِلُ في ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ هو النَّقْرُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: عَسُرَ ذَلِكَ اليَوْمُ عَلى الكافِرِينَ لِأنَّهم يُناقَشُونَ في الحِسابِ ويُعْطَوْنَ كُتُبَهم بِشَمائِلِهِمْ وتَسْوَدُّ وُجُوهُهم ويُحْشَرُونَ زُرْقًا وتَتَكَلَّمُ جَوارِحُهم فَيُفْتَضَحُونَ عَلى رُؤُوسِ الأشْهادِ، وأمّا المُؤْمِنُونَ فَإنَّهُ عَلَيْهِمْ يَسِيرٌ لِأنَّهم لا يُناقَشُونَ في الحِسابِ ويُحْشَرُونَ بِيضَ الوُجُوهِ ثِقالَ المَوازِينِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إنَّما وصَفَهُ اللَّهُ تَعالى بِالعُسْرِ لِأنَّهُ في نَفْسِهِ كَذَلِكَ لِلْجَمِيعِ مِنَ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ عَلى ما رُوِيَ أنَّ الأنْبِياءَ يَوْمَئِذٍ يَفْزَعُونَ، وأنَّ الوِلْدانَ يَشِيبُونَ إلّا أنَّهُ يَكُونُ هَوْلُ الكُفّارِ فِيهِ أشَدَّ، فَعَلى القَوْلِ الأوَّلِ لا يَحْسُنُ الوَقْفُ عَلى قَوْلِهِ: ﴿يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ فَإنَّ المَعْنى أنَّهُ عَلى الكافِرِينَ عَسِيرٌ، وغَيْرُ يَسِيرٍ، وعَلى القَوْلِ الثّانِي يَحْسُنُ الوَقْفُ؛ لِأنَّ المَعْنى أنَّهُ في نَفْسِهِ عَسِيرٌ عَلى الكُلِّ، ثُمَّ الكافِرُ مَخْصُوصٌ فِيهِ بِزِيادَةٍ خاصَّةٍ، وهو أنَّهُ عَلَيْهِ غَيْرُ يَسِيرٍ، فَإنْ قِيلَ: فَما فائِدَةُ قَوْلِهِ: ﴿غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ وعَسِيرٌ مُغْنٍ عَنْهُ ؟ الجَوابُ: أمّا عَلى القَوْلِ الأوَّلِ: فالتَّكْرِيرُ لِلتَّأْكِيدِ كَما تَقُولُ: أنا لَكَ مُحِبٌّ غَيْرُ مُبْغِضٍ ووَلِيٌّ غَيْرُ عَدُوٍّ. وأمّا عَلى القَوْلِ الثّانِي: فَقَوْلُهُ: ﴿عَسِيرٌ﴾ يُفِيدُ أصْلَ العُسْرِ الشّامِلِ لِلْمُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ، وقَوْلُهُ: ﴿غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ يُفِيدُ الزِّيادَةَ الَّتِي يَخْتَصُّ بِها الكافِرُ لِأنَّ العُسْرَ قَدْ يَكُونُ عُسْرًا قَلِيلًا يَسِيرًا، وقَدْ يَكُونُ عُسْرًا كَثِيرًا، فَأُثْبِتَ أصْلُ العُسْرِ لِلْكُلِّ، وأُثْبِتَ العُسْرُ بِصِفَةِ الكَثْرَةِ والقُوَّةِ لِلْكافِرِينَ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمّا قالَ إنَّهُ غَيْرُ يَسِيرٍ عَلى الكافِرِينَ، كانَ يَسِيرًا عَلى المُؤْمِنِينَ، فَبَعْضُ مَن قالَ بِدَلِيلِ الخِطابِ قالَ: لَوْلا أنَّ دَلِيلَ الخِطابِ حُجَّةٌ وإلّا لَما فَهِمَ ابْنُ عَبّاسٍ مِن كَوْنِهِ غَيْرَ يَسِيرٍ عَلى الكافِرِ كَوْنَهُ يَسِيرًا عَلى المُؤْمِنِ. صفحة ١٧٥

المدثر 74:11

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ وحِيدًا﴾ أجْمَعُوا عَلى أنَّ المُرادَ هَهُنا الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، وفي نَصْبِ قَوْلِهِ ”وحِيدًا“ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّهُ نُصِبَ عَلى الحالِ، ثُمَّ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الخالِقِ وأنْ يَكُونَ حالًا مِنَ المَخْلُوقِ، وكَوْنُهُ حالًا مِنَ الخالِقِ عَلى وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: ذَرْنِي وحْدِي مَعَهُ فَإنِّي كافٍ في الِانْتِقامِ مِنهُ. والثّانِي: خَلَقْتُهُ وحْدِي لَمْ يُشْرِكْنِي في خَلْقِهِ أحَدٌ، وأمّا كَوْنُهُ حالًا مِنَ المَخْلُوقِ، فَعَلى مَعْنًى أنِّي خَلَقْتُهُ حالَ ما كانَ وحِيدًا فَرِيدًا لا مالَ لَهُ، ولا ولَدَ كَقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكم أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [ الأنْعامِ: ٩٤] . القَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ نُصِبَ عَلى الذَّمِّ، وذَلِكَ لِأنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في الوَلِيدِ وكانَ يُلَقَّبُ بِالوَحِيدِ، وكانَ يَقُولُ أنا الوَحِيدُ ابْنُ الوَحِيدِ لَيْسَ لِي في العَرَبِ نَظِيرٌ، ولا لِأبِي نَظِيرٌ. فالمُرادُ ﴿ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ﴾ أعْنِي وحِيدًا. وطَعَنَ كَثِيرٌ مِنَ المُتَأخِّرِينَ في هَذا الوَجْهِ، وقالُوا: لا يَجُوزُ أنْ يُصَدِّقَهُ اللَّهُ في دَعْواهُ أنَّهُ وحِيدٌ لا نَظِيرَ لَهُ، وهَذا السُّؤالُ ذَكَرَهُ الواحِدِيُّ وصاحِبُ الكَشّافِ، وهو ضَعِيفٌ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنّا لَمّا جَعَلْنا الوَحِيدَ اسْمَ عَلَمٍ فَقَدْ زالَ السُّؤالُ لِأنَّ اسْمَ العَلَمِ لا يُفِيدُ في المُسَمّى صِفَةً بَلْ هو قائِمٌ مَقامَ الإشارَةِ. الثّانِي: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُحْمَلَ عَلى كَوْنِهِ وحِيدًا في ظَنِّهِ واعْتِقادِهِ ؟ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ [ الدُّخانِ: ٤٩] . الثّالِثُ: أنَّ لَفْظَ الوَحِيدِ لَيْسَ فِيهِ أنَّهُ وحِيدٌ في العُلُوِّ والشَّرَفِ، بَلْ هو كانَ يَدَّعِي لِنَفْسِهِ أنَّهُ وحِيدٌ في هَذِهِ الأُمُورِ. فَيُمْكِنُ أنْ يُقالَ: أنْتَ وحِيدٌ لَكِنَّ في الكُفْرِ والخُبْثِ والدَّناءَةِ. القَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ وحِيدًا مَفْعُولٌ ثانٍ لِـ ”خَلَقَ“، قالَ أبُو سَعِيدٍ الضَّرِيرُ: الوَحِيدُ الَّذِي لا أبَ لَهُ، وهو إشارَةٌ إلى الطَّعْنِ في نَسَبِهِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ [ القَلَمِ: ١٣] . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلْتُ لَهُ مالًا مَمْدُودًا﴾ فِي تَفْسِيرِ المالِ المَمْدُودِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: المالُ الَّذِي يَكُونُ لَهُ مَدَدٌ يَأْتِي مِنَ الجُزْءِ بَعْدَ الجُزْءِ عَلى الدَّوامِ، فَلِذَلِكَ فَسَّرَهُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ بِغَلَّةِ شَهْرٍ شَهْرٍ. وثانِيها: أنَّهُ المالُ الَّذِي يُمَدُّ بِالزِّيادَةِ، كالضَّرْعِ والزَّرْعِ وأنْواعِ التِّجاراتِ. وثالِثُها: أنَّهُ المالُ الَّذِي امْتَدَّ مَكانُهُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ مالُهُ مَمْدُودًا ما بَيْنَ مَكَّةَ إلى الطّائِفِ [ مِنَ ] الإبِلِ والخَيْلِ والغَنَمِ والبَساتِينِ الكَثِيرَةِ بِالطّائِفِ والأشْجارِ والأنْهارِ والنَّقْدِ الكَثِيرِ، وقالَ مُقاتِلٌ: كانَ لَهُ بُسْتانٌ لا يَنْقَطِعُ نَفْعُهُ شِتاءً ولا صَيْفًا، فالمَمْدُودُ هُنا كَما في قَوْلِهِ: ﴿وظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ [ الواقِعَةِ: ٣٠] أيْ لا يَنْقَطِعُ. ورابِعُها: أنَّهُ المالُ الكَثِيرُ، وذَلِكَ لِأنَّ المالَ الكَثِيرَ إذا عُدِّدَ فَإنَّهُ يَمْتَدُّ تَعْدِيدُهُ، ومِنَ المُفَسِّرِينَ مِن قَدَّرَ المالَ المَمْدُودَ، فَقالَ بَعْضُهم: ألْفُ دِينارٍ، وقالَ آخَرُونَ: أرْبَعَةُ آلافٍ، وقالَ آخَرُونَ: ألْفُ ألْفٍ، وهَذِهِ التَّحَكُّماتُ مِمّا لا يَمِيلُ إلَيْها الطَّبْعُ السَّلِيمُ.

المدثر 74:12

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ وحِيدًا﴾ أجْمَعُوا عَلى أنَّ المُرادَ هَهُنا الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، وفي نَصْبِ قَوْلِهِ ”وحِيدًا“ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّهُ نُصِبَ عَلى الحالِ، ثُمَّ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الخالِقِ وأنْ يَكُونَ حالًا مِنَ المَخْلُوقِ، وكَوْنُهُ حالًا مِنَ الخالِقِ عَلى وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: ذَرْنِي وحْدِي مَعَهُ فَإنِّي كافٍ في الِانْتِقامِ مِنهُ. والثّانِي: خَلَقْتُهُ وحْدِي لَمْ يُشْرِكْنِي في خَلْقِهِ أحَدٌ، وأمّا كَوْنُهُ حالًا مِنَ المَخْلُوقِ، فَعَلى مَعْنًى أنِّي خَلَقْتُهُ حالَ ما كانَ وحِيدًا فَرِيدًا لا مالَ لَهُ، ولا ولَدَ كَقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكم أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [ الأنْعامِ: ٩٤] . القَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ نُصِبَ عَلى الذَّمِّ، وذَلِكَ لِأنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في الوَلِيدِ وكانَ يُلَقَّبُ بِالوَحِيدِ، وكانَ يَقُولُ أنا الوَحِيدُ ابْنُ الوَحِيدِ لَيْسَ لِي في العَرَبِ نَظِيرٌ، ولا لِأبِي نَظِيرٌ. فالمُرادُ ﴿ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ﴾ أعْنِي وحِيدًا. وطَعَنَ كَثِيرٌ مِنَ المُتَأخِّرِينَ في هَذا الوَجْهِ، وقالُوا: لا يَجُوزُ أنْ يُصَدِّقَهُ اللَّهُ في دَعْواهُ أنَّهُ وحِيدٌ لا نَظِيرَ لَهُ، وهَذا السُّؤالُ ذَكَرَهُ الواحِدِيُّ وصاحِبُ الكَشّافِ، وهو ضَعِيفٌ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنّا لَمّا جَعَلْنا الوَحِيدَ اسْمَ عَلَمٍ فَقَدْ زالَ السُّؤالُ لِأنَّ اسْمَ العَلَمِ لا يُفِيدُ في المُسَمّى صِفَةً بَلْ هو قائِمٌ مَقامَ الإشارَةِ. الثّانِي: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُحْمَلَ عَلى كَوْنِهِ وحِيدًا في ظَنِّهِ واعْتِقادِهِ ؟ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ [ الدُّخانِ: ٤٩] . الثّالِثُ: أنَّ لَفْظَ الوَحِيدِ لَيْسَ فِيهِ أنَّهُ وحِيدٌ في العُلُوِّ والشَّرَفِ، بَلْ هو كانَ يَدَّعِي لِنَفْسِهِ أنَّهُ وحِيدٌ في هَذِهِ الأُمُورِ. فَيُمْكِنُ أنْ يُقالَ: أنْتَ وحِيدٌ لَكِنَّ في الكُفْرِ والخُبْثِ والدَّناءَةِ. القَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ وحِيدًا مَفْعُولٌ ثانٍ لِـ ”خَلَقَ“، قالَ أبُو سَعِيدٍ الضَّرِيرُ: الوَحِيدُ الَّذِي لا أبَ لَهُ، وهو إشارَةٌ إلى الطَّعْنِ في نَسَبِهِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ [ القَلَمِ: ١٣] . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلْتُ لَهُ مالًا مَمْدُودًا﴾ فِي تَفْسِيرِ المالِ المَمْدُودِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: المالُ الَّذِي يَكُونُ لَهُ مَدَدٌ يَأْتِي مِنَ الجُزْءِ بَعْدَ الجُزْءِ عَلى الدَّوامِ، فَلِذَلِكَ فَسَّرَهُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ بِغَلَّةِ شَهْرٍ شَهْرٍ. وثانِيها: أنَّهُ المالُ الَّذِي يُمَدُّ بِالزِّيادَةِ، كالضَّرْعِ والزَّرْعِ وأنْواعِ التِّجاراتِ. وثالِثُها: أنَّهُ المالُ الَّذِي امْتَدَّ مَكانُهُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ مالُهُ مَمْدُودًا ما بَيْنَ مَكَّةَ إلى الطّائِفِ [ مِنَ ] الإبِلِ والخَيْلِ والغَنَمِ والبَساتِينِ الكَثِيرَةِ بِالطّائِفِ والأشْجارِ والأنْهارِ والنَّقْدِ الكَثِيرِ، وقالَ مُقاتِلٌ: كانَ لَهُ بُسْتانٌ لا يَنْقَطِعُ نَفْعُهُ شِتاءً ولا صَيْفًا، فالمَمْدُودُ هُنا كَما في قَوْلِهِ: ﴿وظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ [ الواقِعَةِ: ٣٠] أيْ لا يَنْقَطِعُ. ورابِعُها: أنَّهُ المالُ الكَثِيرُ، وذَلِكَ لِأنَّ المالَ الكَثِيرَ إذا عُدِّدَ فَإنَّهُ يَمْتَدُّ تَعْدِيدُهُ، ومِنَ المُفَسِّرِينَ مِن قَدَّرَ المالَ المَمْدُودَ، فَقالَ بَعْضُهم: ألْفُ دِينارٍ، وقالَ آخَرُونَ: أرْبَعَةُ آلافٍ، وقالَ آخَرُونَ: ألْفُ ألْفٍ، وهَذِهِ التَّحَكُّماتُ مِمّا لا يَمِيلُ إلَيْها الطَّبْعُ السَّلِيمُ.

المدثر 74:13

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وبَنِينَ شُهُودًا﴾ فِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: بَنِينَ حُضُورًا مَعَهُ بِمَكَّةَ لا يُفارِقُونَهُ البَتَّةَ؛ لِأنَّهم كانُوا أغْنِياءَ، فَما كانُوا مُحْتاجِينَ إلى مُفارَقَتِهِ لِطَلَبِ كَسْبٍ ومَعِيشَةٍ، وكانَ هو مُسْتَأْنِسًا بِهِمْ طَيِّبَ القَلْبِ بِسَبَبِ حُضُورِهِمْ. والثّانِي: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن كَوْنِهِمْ شُهُودًا أنَّهم رِجالٌ يَشْهَدُونَ مَعَهُ المَجامِعَ والمَحافِلَ، وعَنْ مُجاهِدٍ: كانُوا عَشَرَةً، وقِيلَ: سَبْعَةٌ كُلُّهم رِجالٌ: الوَلِيدُ بْنُ الوَلِيدِ، وخالِدٌ، وعِمارَةُ، وهِشامٌ، والعاصُ، وقَيْسٌ، وعَبْدُ صفحة ١٧٦ شَمْسٍ، أسْلَمَ مِنهم ثَلاثَةٌ: خالِدٌ، وعِمارَةُ، وهِشامٌ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا﴾ أيْ: وبَسَطْتُ لَهُ الجاهَ العَرِيضَ والرِّياسَةَ في قَوْمِهِ، فَأتْمَمْتُ عَلَيْهِ نِعْمَتَيِ المالِ والجاهِ، واجْتِماعُهُما هو الكَمالُ عِنْدَ أهْلِ الدُّنْيا، ولِهَذا المَعْنى يُدْعى بِهَذا، فَيُقالُ: أدامَ اللَّهُ تَمْهِيدَهُ، أيْ: بَسْطَتَهُ وتَصَرُّفَهُ في الأُمُورِ، ومِنَ المُفَسِّرِينَ مَن جَعَلَ هَذا التَّمْهِيدَ البَسْطَةَ في العَيْشِ وطُولَ العُمُرِ، وكانَ الوَلِيدُ مِن أكابِرِ قُرَيْشٍ، ولِذَلِكَ لُقِّبَ الوَحِيدَ ورَيْحانَةَ قُرَيْشٍ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ يَطْمَعُ أنْ أزِيدَ﴾ لَفْظُ ”ثُمَّ“ هَهُنا مَعْناهُ التَّعَجُّبُ كَما تَقُولُ لِصاحِبِكَ: أنْزَلْتُكَ دارِي وأطْعَمْتُكَ وأسْقَيْتُكَ ثُمَّ أنْتَ تَشْتُمُنِي، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [ الأنْعامِ: ١] فَمَعْنى ”ثُمَّ“ هَهُنا لِلْإنْكارِ والتَّعَجُّبِ، ثُمَّ تِلْكَ الزِّيادَةُ الَّتِي كانَ يَطْمَعُ فِيها هَلْ هي زِيادَةٌ في الدُّنْيا أوْ في الآخِرَةِ ؟ فِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: قالَ الكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ: ثُمَّ يَرْجُو أنْ أزِيدَ في مالِهِ ووَلَدِهِ وقَدْ كَفَرَ بِي. الثّانِي: أنَّ تِلْكَ الزِّيادَةَ في الآخِرَةِ، قِيلَ: إنَّهُ كانَ يَقُولُ: إنْ كانَ مُحَمَّدٌ صادِقًا فَما خُلِقَتِ الجَنَّةُ إلّا لِي، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَرَأيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وقالَ لَأُوتَيَنَّ مالًا ووَلَدًا﴾ [ مَرْيَمَ: ٧٧] * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿كَلّا﴾ وهو رَدْعٌ لَهُ عَنْ ذَلِكَ الطَّمَعِ الفاسِدِ، قالَ المُفَسِّرُونَ: ولَمْ يَزَلِ الوَلِيدُ في نُقْصانَ بَعْدَ قَوْلِهِ ﴿كَلّا﴾ حَتّى افْتَقَرَ وماتَ فَقِيرًا. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيدًا﴾ إنَّهُ تَعْلِيلٌ لِلرَّدْعِ عَلى وجْهِ الِاسْتِئْنافِ؛ كَأنَّ قائِلًا قالَ: لِمَ لا يُزادُ ؟ فَقِيلَ: لِأنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيدًا. والعَنِيدُ في مَعْنى المُعانِدِ كالجَلِيسِ والأكِيلِ والعَشِيرِ، وفي هَذِهِ الآيَةِ إشارَةٌ إلى أُمُورٍ كَثِيرَةٍ مِن صِفاتِهِ: أحَدُها: أنَّهُ كانَ مُعانِدًا في جَمِيعِ الدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى التَّوْحِيدِ والعَدْلِ والقُدْرَةِ وصِحَّةِ النُّبُوَّةِ وصِحَّةِ البَعْثِ، وكانَ هو مُنازِعًا في الكُلِّ مُنْكِرًا لِلْكُلِّ. وثانِيها: أنَّ كُفْرَهُ كانَ كُفْرَ عِنادٍ كانَ يَعْرِفُ هَذِهِ الأشْياءَ بِقَلْبِهِ إلّا أنَّهُ كانَ يُنْكِرُها بِلِسانِهِ، وكُفْرُ المُعانِدِ أفْحَشُ أنْواعِ الكُفْرِ. وثالِثُها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيدًا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ مِن قَدِيمِ الزَّمانِ كانَ عَلى هَذِهِ الحِرْفَةِ والصَّنْعَةِ. ورابِعُها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيدًا﴾ يُفِيدُ أنَّ تِلْكَ المُعانَدَةَ كانَتْ مِنهُ مُخْتَصَّةً بِآياتِ اللَّهِ تَعالى وبَيِّناتِهِ، فَإنَّ تَقْدِيرَهُ: إنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيدًا لا لِآياتِ غَيْرِنا، فَتَخْصِيصُهُ هَذا العِنادَ بِآياتِ اللَّهِ مَعَ كَوْنِهِ تارِكًا لِلْعِنادِ في سائِرِ الأشْياءِ يَدُلُّ عَلى غايَةِ الخُسْرانِ.

المدثر 74:14

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وبَنِينَ شُهُودًا﴾ فِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: بَنِينَ حُضُورًا مَعَهُ بِمَكَّةَ لا يُفارِقُونَهُ البَتَّةَ؛ لِأنَّهم كانُوا أغْنِياءَ، فَما كانُوا مُحْتاجِينَ إلى مُفارَقَتِهِ لِطَلَبِ كَسْبٍ ومَعِيشَةٍ، وكانَ هو مُسْتَأْنِسًا بِهِمْ طَيِّبَ القَلْبِ بِسَبَبِ حُضُورِهِمْ. والثّانِي: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن كَوْنِهِمْ شُهُودًا أنَّهم رِجالٌ يَشْهَدُونَ مَعَهُ المَجامِعَ والمَحافِلَ، وعَنْ مُجاهِدٍ: كانُوا عَشَرَةً، وقِيلَ: سَبْعَةٌ كُلُّهم رِجالٌ: الوَلِيدُ بْنُ الوَلِيدِ، وخالِدٌ، وعِمارَةُ، وهِشامٌ، والعاصُ، وقَيْسٌ، وعَبْدُ صفحة ١٧٦ شَمْسٍ، أسْلَمَ مِنهم ثَلاثَةٌ: خالِدٌ، وعِمارَةُ، وهِشامٌ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا﴾ أيْ: وبَسَطْتُ لَهُ الجاهَ العَرِيضَ والرِّياسَةَ في قَوْمِهِ، فَأتْمَمْتُ عَلَيْهِ نِعْمَتَيِ المالِ والجاهِ، واجْتِماعُهُما هو الكَمالُ عِنْدَ أهْلِ الدُّنْيا، ولِهَذا المَعْنى يُدْعى بِهَذا، فَيُقالُ: أدامَ اللَّهُ تَمْهِيدَهُ، أيْ: بَسْطَتَهُ وتَصَرُّفَهُ في الأُمُورِ، ومِنَ المُفَسِّرِينَ مَن جَعَلَ هَذا التَّمْهِيدَ البَسْطَةَ في العَيْشِ وطُولَ العُمُرِ، وكانَ الوَلِيدُ مِن أكابِرِ قُرَيْشٍ، ولِذَلِكَ لُقِّبَ الوَحِيدَ ورَيْحانَةَ قُرَيْشٍ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ يَطْمَعُ أنْ أزِيدَ﴾ لَفْظُ ”ثُمَّ“ هَهُنا مَعْناهُ التَّعَجُّبُ كَما تَقُولُ لِصاحِبِكَ: أنْزَلْتُكَ دارِي وأطْعَمْتُكَ وأسْقَيْتُكَ ثُمَّ أنْتَ تَشْتُمُنِي، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [ الأنْعامِ: ١] فَمَعْنى ”ثُمَّ“ هَهُنا لِلْإنْكارِ والتَّعَجُّبِ، ثُمَّ تِلْكَ الزِّيادَةُ الَّتِي كانَ يَطْمَعُ فِيها هَلْ هي زِيادَةٌ في الدُّنْيا أوْ في الآخِرَةِ ؟ فِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: قالَ الكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ: ثُمَّ يَرْجُو أنْ أزِيدَ في مالِهِ ووَلَدِهِ وقَدْ كَفَرَ بِي. الثّانِي: أنَّ تِلْكَ الزِّيادَةَ في الآخِرَةِ، قِيلَ: إنَّهُ كانَ يَقُولُ: إنْ كانَ مُحَمَّدٌ صادِقًا فَما خُلِقَتِ الجَنَّةُ إلّا لِي، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَرَأيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وقالَ لَأُوتَيَنَّ مالًا ووَلَدًا﴾ [ مَرْيَمَ: ٧٧] * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿كَلّا﴾ وهو رَدْعٌ لَهُ عَنْ ذَلِكَ الطَّمَعِ الفاسِدِ، قالَ المُفَسِّرُونَ: ولَمْ يَزَلِ الوَلِيدُ في نُقْصانَ بَعْدَ قَوْلِهِ ﴿كَلّا﴾ حَتّى افْتَقَرَ وماتَ فَقِيرًا. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيدًا﴾ إنَّهُ تَعْلِيلٌ لِلرَّدْعِ عَلى وجْهِ الِاسْتِئْنافِ؛ كَأنَّ قائِلًا قالَ: لِمَ لا يُزادُ ؟ فَقِيلَ: لِأنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيدًا. والعَنِيدُ في مَعْنى المُعانِدِ كالجَلِيسِ والأكِيلِ والعَشِيرِ، وفي هَذِهِ الآيَةِ إشارَةٌ إلى أُمُورٍ كَثِيرَةٍ مِن صِفاتِهِ: أحَدُها: أنَّهُ كانَ مُعانِدًا في جَمِيعِ الدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى التَّوْحِيدِ والعَدْلِ والقُدْرَةِ وصِحَّةِ النُّبُوَّةِ وصِحَّةِ البَعْثِ، وكانَ هو مُنازِعًا في الكُلِّ مُنْكِرًا لِلْكُلِّ. وثانِيها: أنَّ كُفْرَهُ كانَ كُفْرَ عِنادٍ كانَ يَعْرِفُ هَذِهِ الأشْياءَ بِقَلْبِهِ إلّا أنَّهُ كانَ يُنْكِرُها بِلِسانِهِ، وكُفْرُ المُعانِدِ أفْحَشُ أنْواعِ الكُفْرِ. وثالِثُها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيدًا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ مِن قَدِيمِ الزَّمانِ كانَ عَلى هَذِهِ الحِرْفَةِ والصَّنْعَةِ. ورابِعُها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيدًا﴾ يُفِيدُ أنَّ تِلْكَ المُعانَدَةَ كانَتْ مِنهُ مُخْتَصَّةً بِآياتِ اللَّهِ تَعالى وبَيِّناتِهِ، فَإنَّ تَقْدِيرَهُ: إنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيدًا لا لِآياتِ غَيْرِنا، فَتَخْصِيصُهُ هَذا العِنادَ بِآياتِ اللَّهِ مَعَ كَوْنِهِ تارِكًا لِلْعِنادِ في سائِرِ الأشْياءِ يَدُلُّ عَلى غايَةِ الخُسْرانِ.

المدثر 74:15

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وبَنِينَ شُهُودًا﴾ فِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: بَنِينَ حُضُورًا مَعَهُ بِمَكَّةَ لا يُفارِقُونَهُ البَتَّةَ؛ لِأنَّهم كانُوا أغْنِياءَ، فَما كانُوا مُحْتاجِينَ إلى مُفارَقَتِهِ لِطَلَبِ كَسْبٍ ومَعِيشَةٍ، وكانَ هو مُسْتَأْنِسًا بِهِمْ طَيِّبَ القَلْبِ بِسَبَبِ حُضُورِهِمْ. والثّانِي: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن كَوْنِهِمْ شُهُودًا أنَّهم رِجالٌ يَشْهَدُونَ مَعَهُ المَجامِعَ والمَحافِلَ، وعَنْ مُجاهِدٍ: كانُوا عَشَرَةً، وقِيلَ: سَبْعَةٌ كُلُّهم رِجالٌ: الوَلِيدُ بْنُ الوَلِيدِ، وخالِدٌ، وعِمارَةُ، وهِشامٌ، والعاصُ، وقَيْسٌ، وعَبْدُ صفحة ١٧٦ شَمْسٍ، أسْلَمَ مِنهم ثَلاثَةٌ: خالِدٌ، وعِمارَةُ، وهِشامٌ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا﴾ أيْ: وبَسَطْتُ لَهُ الجاهَ العَرِيضَ والرِّياسَةَ في قَوْمِهِ، فَأتْمَمْتُ عَلَيْهِ نِعْمَتَيِ المالِ والجاهِ، واجْتِماعُهُما هو الكَمالُ عِنْدَ أهْلِ الدُّنْيا، ولِهَذا المَعْنى يُدْعى بِهَذا، فَيُقالُ: أدامَ اللَّهُ تَمْهِيدَهُ، أيْ: بَسْطَتَهُ وتَصَرُّفَهُ في الأُمُورِ، ومِنَ المُفَسِّرِينَ مَن جَعَلَ هَذا التَّمْهِيدَ البَسْطَةَ في العَيْشِ وطُولَ العُمُرِ، وكانَ الوَلِيدُ مِن أكابِرِ قُرَيْشٍ، ولِذَلِكَ لُقِّبَ الوَحِيدَ ورَيْحانَةَ قُرَيْشٍ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ يَطْمَعُ أنْ أزِيدَ﴾ لَفْظُ ”ثُمَّ“ هَهُنا مَعْناهُ التَّعَجُّبُ كَما تَقُولُ لِصاحِبِكَ: أنْزَلْتُكَ دارِي وأطْعَمْتُكَ وأسْقَيْتُكَ ثُمَّ أنْتَ تَشْتُمُنِي، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [ الأنْعامِ: ١] فَمَعْنى ”ثُمَّ“ هَهُنا لِلْإنْكارِ والتَّعَجُّبِ، ثُمَّ تِلْكَ الزِّيادَةُ الَّتِي كانَ يَطْمَعُ فِيها هَلْ هي زِيادَةٌ في الدُّنْيا أوْ في الآخِرَةِ ؟ فِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: قالَ الكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ: ثُمَّ يَرْجُو أنْ أزِيدَ في مالِهِ ووَلَدِهِ وقَدْ كَفَرَ بِي. الثّانِي: أنَّ تِلْكَ الزِّيادَةَ في الآخِرَةِ، قِيلَ: إنَّهُ كانَ يَقُولُ: إنْ كانَ مُحَمَّدٌ صادِقًا فَما خُلِقَتِ الجَنَّةُ إلّا لِي، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَرَأيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وقالَ لَأُوتَيَنَّ مالًا ووَلَدًا﴾ [ مَرْيَمَ: ٧٧] * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿كَلّا﴾ وهو رَدْعٌ لَهُ عَنْ ذَلِكَ الطَّمَعِ الفاسِدِ، قالَ المُفَسِّرُونَ: ولَمْ يَزَلِ الوَلِيدُ في نُقْصانَ بَعْدَ قَوْلِهِ ﴿كَلّا﴾ حَتّى افْتَقَرَ وماتَ فَقِيرًا. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيدًا﴾ إنَّهُ تَعْلِيلٌ لِلرَّدْعِ عَلى وجْهِ الِاسْتِئْنافِ؛ كَأنَّ قائِلًا قالَ: لِمَ لا يُزادُ ؟ فَقِيلَ: لِأنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيدًا. والعَنِيدُ في مَعْنى المُعانِدِ كالجَلِيسِ والأكِيلِ والعَشِيرِ، وفي هَذِهِ الآيَةِ إشارَةٌ إلى أُمُورٍ كَثِيرَةٍ مِن صِفاتِهِ: أحَدُها: أنَّهُ كانَ مُعانِدًا في جَمِيعِ الدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى التَّوْحِيدِ والعَدْلِ والقُدْرَةِ وصِحَّةِ النُّبُوَّةِ وصِحَّةِ البَعْثِ، وكانَ هو مُنازِعًا في الكُلِّ مُنْكِرًا لِلْكُلِّ. وثانِيها: أنَّ كُفْرَهُ كانَ كُفْرَ عِنادٍ كانَ يَعْرِفُ هَذِهِ الأشْياءَ بِقَلْبِهِ إلّا أنَّهُ كانَ يُنْكِرُها بِلِسانِهِ، وكُفْرُ المُعانِدِ أفْحَشُ أنْواعِ الكُفْرِ. وثالِثُها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيدًا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ مِن قَدِيمِ الزَّمانِ كانَ عَلى هَذِهِ الحِرْفَةِ والصَّنْعَةِ. ورابِعُها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيدًا﴾ يُفِيدُ أنَّ تِلْكَ المُعانَدَةَ كانَتْ مِنهُ مُخْتَصَّةً بِآياتِ اللَّهِ تَعالى وبَيِّناتِهِ، فَإنَّ تَقْدِيرَهُ: إنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيدًا لا لِآياتِ غَيْرِنا، فَتَخْصِيصُهُ هَذا العِنادَ بِآياتِ اللَّهِ مَعَ كَوْنِهِ تارِكًا لِلْعِنادِ في سائِرِ الأشْياءِ يَدُلُّ عَلى غايَةِ الخُسْرانِ.

المدثر 74:16

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وبَنِينَ شُهُودًا﴾ فِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: بَنِينَ حُضُورًا مَعَهُ بِمَكَّةَ لا يُفارِقُونَهُ البَتَّةَ؛ لِأنَّهم كانُوا أغْنِياءَ، فَما كانُوا مُحْتاجِينَ إلى مُفارَقَتِهِ لِطَلَبِ كَسْبٍ ومَعِيشَةٍ، وكانَ هو مُسْتَأْنِسًا بِهِمْ طَيِّبَ القَلْبِ بِسَبَبِ حُضُورِهِمْ. والثّانِي: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن كَوْنِهِمْ شُهُودًا أنَّهم رِجالٌ يَشْهَدُونَ مَعَهُ المَجامِعَ والمَحافِلَ، وعَنْ مُجاهِدٍ: كانُوا عَشَرَةً، وقِيلَ: سَبْعَةٌ كُلُّهم رِجالٌ: الوَلِيدُ بْنُ الوَلِيدِ، وخالِدٌ، وعِمارَةُ، وهِشامٌ، والعاصُ، وقَيْسٌ، وعَبْدُ صفحة ١٧٦ شَمْسٍ، أسْلَمَ مِنهم ثَلاثَةٌ: خالِدٌ، وعِمارَةُ، وهِشامٌ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا﴾ أيْ: وبَسَطْتُ لَهُ الجاهَ العَرِيضَ والرِّياسَةَ في قَوْمِهِ، فَأتْمَمْتُ عَلَيْهِ نِعْمَتَيِ المالِ والجاهِ، واجْتِماعُهُما هو الكَمالُ عِنْدَ أهْلِ الدُّنْيا، ولِهَذا المَعْنى يُدْعى بِهَذا، فَيُقالُ: أدامَ اللَّهُ تَمْهِيدَهُ، أيْ: بَسْطَتَهُ وتَصَرُّفَهُ في الأُمُورِ، ومِنَ المُفَسِّرِينَ مَن جَعَلَ هَذا التَّمْهِيدَ البَسْطَةَ في العَيْشِ وطُولَ العُمُرِ، وكانَ الوَلِيدُ مِن أكابِرِ قُرَيْشٍ، ولِذَلِكَ لُقِّبَ الوَحِيدَ ورَيْحانَةَ قُرَيْشٍ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ يَطْمَعُ أنْ أزِيدَ﴾ لَفْظُ ”ثُمَّ“ هَهُنا مَعْناهُ التَّعَجُّبُ كَما تَقُولُ لِصاحِبِكَ: أنْزَلْتُكَ دارِي وأطْعَمْتُكَ وأسْقَيْتُكَ ثُمَّ أنْتَ تَشْتُمُنِي، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [ الأنْعامِ: ١] فَمَعْنى ”ثُمَّ“ هَهُنا لِلْإنْكارِ والتَّعَجُّبِ، ثُمَّ تِلْكَ الزِّيادَةُ الَّتِي كانَ يَطْمَعُ فِيها هَلْ هي زِيادَةٌ في الدُّنْيا أوْ في الآخِرَةِ ؟ فِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: قالَ الكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ: ثُمَّ يَرْجُو أنْ أزِيدَ في مالِهِ ووَلَدِهِ وقَدْ كَفَرَ بِي. الثّانِي: أنَّ تِلْكَ الزِّيادَةَ في الآخِرَةِ، قِيلَ: إنَّهُ كانَ يَقُولُ: إنْ كانَ مُحَمَّدٌ صادِقًا فَما خُلِقَتِ الجَنَّةُ إلّا لِي، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَرَأيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وقالَ لَأُوتَيَنَّ مالًا ووَلَدًا﴾ [ مَرْيَمَ: ٧٧] * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿كَلّا﴾ وهو رَدْعٌ لَهُ عَنْ ذَلِكَ الطَّمَعِ الفاسِدِ، قالَ المُفَسِّرُونَ: ولَمْ يَزَلِ الوَلِيدُ في نُقْصانَ بَعْدَ قَوْلِهِ ﴿كَلّا﴾ حَتّى افْتَقَرَ وماتَ فَقِيرًا. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيدًا﴾ إنَّهُ تَعْلِيلٌ لِلرَّدْعِ عَلى وجْهِ الِاسْتِئْنافِ؛ كَأنَّ قائِلًا قالَ: لِمَ لا يُزادُ ؟ فَقِيلَ: لِأنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيدًا. والعَنِيدُ في مَعْنى المُعانِدِ كالجَلِيسِ والأكِيلِ والعَشِيرِ، وفي هَذِهِ الآيَةِ إشارَةٌ إلى أُمُورٍ كَثِيرَةٍ مِن صِفاتِهِ: أحَدُها: أنَّهُ كانَ مُعانِدًا في جَمِيعِ الدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى التَّوْحِيدِ والعَدْلِ والقُدْرَةِ وصِحَّةِ النُّبُوَّةِ وصِحَّةِ البَعْثِ، وكانَ هو مُنازِعًا في الكُلِّ مُنْكِرًا لِلْكُلِّ. وثانِيها: أنَّ كُفْرَهُ كانَ كُفْرَ عِنادٍ كانَ يَعْرِفُ هَذِهِ الأشْياءَ بِقَلْبِهِ إلّا أنَّهُ كانَ يُنْكِرُها بِلِسانِهِ، وكُفْرُ المُعانِدِ أفْحَشُ أنْواعِ الكُفْرِ. وثالِثُها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيدًا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ مِن قَدِيمِ الزَّمانِ كانَ عَلى هَذِهِ الحِرْفَةِ والصَّنْعَةِ. ورابِعُها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيدًا﴾ يُفِيدُ أنَّ تِلْكَ المُعانَدَةَ كانَتْ مِنهُ مُخْتَصَّةً بِآياتِ اللَّهِ تَعالى وبَيِّناتِهِ، فَإنَّ تَقْدِيرَهُ: إنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيدًا لا لِآياتِ غَيْرِنا، فَتَخْصِيصُهُ هَذا العِنادَ بِآياتِ اللَّهِ مَعَ كَوْنِهِ تارِكًا لِلْعِنادِ في سائِرِ الأشْياءِ يَدُلُّ عَلى غايَةِ الخُسْرانِ.

المدثر 74:17

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ أيْ سَأُكَلِّفُهُ صَعُودًا، وفي الصَّعُودِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ مَثَلٌ لِما يَلْقى مِنَ العَذابِ الشّاقِّ الصَّعْبِ الَّذِي لا يُطاقُ مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿يَسْلُكْهُ عَذابًا صَعَدًا﴾ [ الجِنِّ: ١٧] وصَعُودٌ مِن قَوْلِهِمْ: عَقَبَةٌ صَعُودٌ وكَدُودٌ شاقَّةُ المَصْعَدِ. والثّانِي: أنَّ صَعُودًا اسْمٌ لِعَقَبَةٍ في النّارِ كُلَّما وضَعَ يَدَهُ عَلَيْها ذابَتْ فَإذا رَفَعَها عادَتْ وإذا وضَعَ رِجْلَهُ ذابَتْ وإذا رَفَعَها عادَتْ، وعَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«الصَّعُودُ جَبَلٌ مِن نارٍ يُصَّعَّدُ فِيهِ سَبْعِينَ خَرِيفًا ثُمَّ يَهْوِي كَذَلِكَ فِيهِ أبَدًا» “ . ثُمَّ إنَّهُ تَعالى حَكى كَيْفِيَّةَ عِنادِهِ فَقالَ: ﴿إنَّهُ فَكَّرَ وقَدَّرَ﴾ يُقالُ: فَكَّرَ في الأمْرِ وتَفَكَّرَ إذا نَظَرَ فِيهِ وتَدَبَّرَ، ثُمَّ لَمّا تَفَكَّرَ رَتَّبَ في قَلْبِهِ كَلامًا وهَيَّأهُ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وقَدَّرَ﴾ . صفحة ١٧٧ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ وهَذا إنَّما يُذْكَرُ عِنْدَ التَّعَجُّبِ والِاسْتِعْظامِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهم: قَتَلَهُ اللَّهُ ما أشْجَعَهُ، وأخْزاهُ اللَّهُ ما أشْعَرَهُ، ومَعْناهُ أنَّهُ قَدْ بَلَغَ المَبْلَغَ الَّذِي هو حَقِيقٌ بِأنْ يُحْسَدَ ويَدْعُوَ عَلَيْهِ حاسِدُهُ بِذَلِكَ، وإذا عَرَفْتَ ذَلِكَ فَنَقُولُ: إنَّهُ يَحْتَمِلُ هَهُنا وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ تَعْجِيبٌ مِن قُوَّةِ خاطِرِهِ، يَعْنِي أنَّهُ لا يُمْكِنُ القَدْحُ في أمْرِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ بِشُبْهَةٍ أعْظَمَ ولا أقْوى مِمّا ذَكَرَهُ هَذا القائِلُ. والثّانِي: الثَّناءُ عَلَيْهِ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِهْزاءِ، يَعْنِي أنَّ هَذا الَّذِي ذَكَرَهُ في غايَةِ الرَّكاكَةِ والسُّقُوطِ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ والمَقْصُودُ مِن كَلِمَةِ ”ثُمَّ“ هَهُنا الدَّلالَةُ عَلى أنَّ الدُّعاءَ عَلَيْهِ في الكَرَّةِ الثّانِيَةِ أبْلَغُ مِنَ الأُولى. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ والمَعْنى أنَّهُ أوَّلًا فَكَّرَ، وثانِيًا قَدَّرَ، وثالِثًا نَظَرَ في ذَلِكَ المُقَدَّرِ، فالنَّظَرُ السّابِقُ لِلِاسْتِخْراجِ، والنَّظَرُ اللّاحِقُ لِلتَّقْدِيرِ، وهَذا هو الِاحْتِياطُ. فَهَذِهِ المَراتِبُ الثَّلاثَةُ مُتَعَلِّقَةٌ بِأحْوالِ قَلْبِهِ.

المدثر 74:18

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ أيْ سَأُكَلِّفُهُ صَعُودًا، وفي الصَّعُودِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ مَثَلٌ لِما يَلْقى مِنَ العَذابِ الشّاقِّ الصَّعْبِ الَّذِي لا يُطاقُ مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿يَسْلُكْهُ عَذابًا صَعَدًا﴾ [ الجِنِّ: ١٧] وصَعُودٌ مِن قَوْلِهِمْ: عَقَبَةٌ صَعُودٌ وكَدُودٌ شاقَّةُ المَصْعَدِ. والثّانِي: أنَّ صَعُودًا اسْمٌ لِعَقَبَةٍ في النّارِ كُلَّما وضَعَ يَدَهُ عَلَيْها ذابَتْ فَإذا رَفَعَها عادَتْ وإذا وضَعَ رِجْلَهُ ذابَتْ وإذا رَفَعَها عادَتْ، وعَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«الصَّعُودُ جَبَلٌ مِن نارٍ يُصَّعَّدُ فِيهِ سَبْعِينَ خَرِيفًا ثُمَّ يَهْوِي كَذَلِكَ فِيهِ أبَدًا» “ . ثُمَّ إنَّهُ تَعالى حَكى كَيْفِيَّةَ عِنادِهِ فَقالَ: ﴿إنَّهُ فَكَّرَ وقَدَّرَ﴾ يُقالُ: فَكَّرَ في الأمْرِ وتَفَكَّرَ إذا نَظَرَ فِيهِ وتَدَبَّرَ، ثُمَّ لَمّا تَفَكَّرَ رَتَّبَ في قَلْبِهِ كَلامًا وهَيَّأهُ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وقَدَّرَ﴾ . صفحة ١٧٧ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ وهَذا إنَّما يُذْكَرُ عِنْدَ التَّعَجُّبِ والِاسْتِعْظامِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهم: قَتَلَهُ اللَّهُ ما أشْجَعَهُ، وأخْزاهُ اللَّهُ ما أشْعَرَهُ، ومَعْناهُ أنَّهُ قَدْ بَلَغَ المَبْلَغَ الَّذِي هو حَقِيقٌ بِأنْ يُحْسَدَ ويَدْعُوَ عَلَيْهِ حاسِدُهُ بِذَلِكَ، وإذا عَرَفْتَ ذَلِكَ فَنَقُولُ: إنَّهُ يَحْتَمِلُ هَهُنا وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ تَعْجِيبٌ مِن قُوَّةِ خاطِرِهِ، يَعْنِي أنَّهُ لا يُمْكِنُ القَدْحُ في أمْرِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ بِشُبْهَةٍ أعْظَمَ ولا أقْوى مِمّا ذَكَرَهُ هَذا القائِلُ. والثّانِي: الثَّناءُ عَلَيْهِ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِهْزاءِ، يَعْنِي أنَّ هَذا الَّذِي ذَكَرَهُ في غايَةِ الرَّكاكَةِ والسُّقُوطِ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ والمَقْصُودُ مِن كَلِمَةِ ”ثُمَّ“ هَهُنا الدَّلالَةُ عَلى أنَّ الدُّعاءَ عَلَيْهِ في الكَرَّةِ الثّانِيَةِ أبْلَغُ مِنَ الأُولى. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ والمَعْنى أنَّهُ أوَّلًا فَكَّرَ، وثانِيًا قَدَّرَ، وثالِثًا نَظَرَ في ذَلِكَ المُقَدَّرِ، فالنَّظَرُ السّابِقُ لِلِاسْتِخْراجِ، والنَّظَرُ اللّاحِقُ لِلتَّقْدِيرِ، وهَذا هو الِاحْتِياطُ. فَهَذِهِ المَراتِبُ الثَّلاثَةُ مُتَعَلِّقَةٌ بِأحْوالِ قَلْبِهِ.

المدثر 74:19

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ أيْ سَأُكَلِّفُهُ صَعُودًا، وفي الصَّعُودِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ مَثَلٌ لِما يَلْقى مِنَ العَذابِ الشّاقِّ الصَّعْبِ الَّذِي لا يُطاقُ مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿يَسْلُكْهُ عَذابًا صَعَدًا﴾ [ الجِنِّ: ١٧] وصَعُودٌ مِن قَوْلِهِمْ: عَقَبَةٌ صَعُودٌ وكَدُودٌ شاقَّةُ المَصْعَدِ. والثّانِي: أنَّ صَعُودًا اسْمٌ لِعَقَبَةٍ في النّارِ كُلَّما وضَعَ يَدَهُ عَلَيْها ذابَتْ فَإذا رَفَعَها عادَتْ وإذا وضَعَ رِجْلَهُ ذابَتْ وإذا رَفَعَها عادَتْ، وعَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«الصَّعُودُ جَبَلٌ مِن نارٍ يُصَّعَّدُ فِيهِ سَبْعِينَ خَرِيفًا ثُمَّ يَهْوِي كَذَلِكَ فِيهِ أبَدًا» “ . ثُمَّ إنَّهُ تَعالى حَكى كَيْفِيَّةَ عِنادِهِ فَقالَ: ﴿إنَّهُ فَكَّرَ وقَدَّرَ﴾ يُقالُ: فَكَّرَ في الأمْرِ وتَفَكَّرَ إذا نَظَرَ فِيهِ وتَدَبَّرَ، ثُمَّ لَمّا تَفَكَّرَ رَتَّبَ في قَلْبِهِ كَلامًا وهَيَّأهُ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وقَدَّرَ﴾ . صفحة ١٧٧ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ وهَذا إنَّما يُذْكَرُ عِنْدَ التَّعَجُّبِ والِاسْتِعْظامِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهم: قَتَلَهُ اللَّهُ ما أشْجَعَهُ، وأخْزاهُ اللَّهُ ما أشْعَرَهُ، ومَعْناهُ أنَّهُ قَدْ بَلَغَ المَبْلَغَ الَّذِي هو حَقِيقٌ بِأنْ يُحْسَدَ ويَدْعُوَ عَلَيْهِ حاسِدُهُ بِذَلِكَ، وإذا عَرَفْتَ ذَلِكَ فَنَقُولُ: إنَّهُ يَحْتَمِلُ هَهُنا وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ تَعْجِيبٌ مِن قُوَّةِ خاطِرِهِ، يَعْنِي أنَّهُ لا يُمْكِنُ القَدْحُ في أمْرِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ بِشُبْهَةٍ أعْظَمَ ولا أقْوى مِمّا ذَكَرَهُ هَذا القائِلُ. والثّانِي: الثَّناءُ عَلَيْهِ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِهْزاءِ، يَعْنِي أنَّ هَذا الَّذِي ذَكَرَهُ في غايَةِ الرَّكاكَةِ والسُّقُوطِ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ والمَقْصُودُ مِن كَلِمَةِ ”ثُمَّ“ هَهُنا الدَّلالَةُ عَلى أنَّ الدُّعاءَ عَلَيْهِ في الكَرَّةِ الثّانِيَةِ أبْلَغُ مِنَ الأُولى. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ والمَعْنى أنَّهُ أوَّلًا فَكَّرَ، وثانِيًا قَدَّرَ، وثالِثًا نَظَرَ في ذَلِكَ المُقَدَّرِ، فالنَّظَرُ السّابِقُ لِلِاسْتِخْراجِ، والنَّظَرُ اللّاحِقُ لِلتَّقْدِيرِ، وهَذا هو الِاحْتِياطُ. فَهَذِهِ المَراتِبُ الثَّلاثَةُ مُتَعَلِّقَةٌ بِأحْوالِ قَلْبِهِ.

المدثر 74:20

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ أيْ سَأُكَلِّفُهُ صَعُودًا، وفي الصَّعُودِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ مَثَلٌ لِما يَلْقى مِنَ العَذابِ الشّاقِّ الصَّعْبِ الَّذِي لا يُطاقُ مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿يَسْلُكْهُ عَذابًا صَعَدًا﴾ [ الجِنِّ: ١٧] وصَعُودٌ مِن قَوْلِهِمْ: عَقَبَةٌ صَعُودٌ وكَدُودٌ شاقَّةُ المَصْعَدِ. والثّانِي: أنَّ صَعُودًا اسْمٌ لِعَقَبَةٍ في النّارِ كُلَّما وضَعَ يَدَهُ عَلَيْها ذابَتْ فَإذا رَفَعَها عادَتْ وإذا وضَعَ رِجْلَهُ ذابَتْ وإذا رَفَعَها عادَتْ، وعَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«الصَّعُودُ جَبَلٌ مِن نارٍ يُصَّعَّدُ فِيهِ سَبْعِينَ خَرِيفًا ثُمَّ يَهْوِي كَذَلِكَ فِيهِ أبَدًا» “ . ثُمَّ إنَّهُ تَعالى حَكى كَيْفِيَّةَ عِنادِهِ فَقالَ: ﴿إنَّهُ فَكَّرَ وقَدَّرَ﴾ يُقالُ: فَكَّرَ في الأمْرِ وتَفَكَّرَ إذا نَظَرَ فِيهِ وتَدَبَّرَ، ثُمَّ لَمّا تَفَكَّرَ رَتَّبَ في قَلْبِهِ كَلامًا وهَيَّأهُ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وقَدَّرَ﴾ . صفحة ١٧٧ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ وهَذا إنَّما يُذْكَرُ عِنْدَ التَّعَجُّبِ والِاسْتِعْظامِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهم: قَتَلَهُ اللَّهُ ما أشْجَعَهُ، وأخْزاهُ اللَّهُ ما أشْعَرَهُ، ومَعْناهُ أنَّهُ قَدْ بَلَغَ المَبْلَغَ الَّذِي هو حَقِيقٌ بِأنْ يُحْسَدَ ويَدْعُوَ عَلَيْهِ حاسِدُهُ بِذَلِكَ، وإذا عَرَفْتَ ذَلِكَ فَنَقُولُ: إنَّهُ يَحْتَمِلُ هَهُنا وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ تَعْجِيبٌ مِن قُوَّةِ خاطِرِهِ، يَعْنِي أنَّهُ لا يُمْكِنُ القَدْحُ في أمْرِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ بِشُبْهَةٍ أعْظَمَ ولا أقْوى مِمّا ذَكَرَهُ هَذا القائِلُ. والثّانِي: الثَّناءُ عَلَيْهِ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِهْزاءِ، يَعْنِي أنَّ هَذا الَّذِي ذَكَرَهُ في غايَةِ الرَّكاكَةِ والسُّقُوطِ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ والمَقْصُودُ مِن كَلِمَةِ ”ثُمَّ“ هَهُنا الدَّلالَةُ عَلى أنَّ الدُّعاءَ عَلَيْهِ في الكَرَّةِ الثّانِيَةِ أبْلَغُ مِنَ الأُولى. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ والمَعْنى أنَّهُ أوَّلًا فَكَّرَ، وثانِيًا قَدَّرَ، وثالِثًا نَظَرَ في ذَلِكَ المُقَدَّرِ، فالنَّظَرُ السّابِقُ لِلِاسْتِخْراجِ، والنَّظَرُ اللّاحِقُ لِلتَّقْدِيرِ، وهَذا هو الِاحْتِياطُ. فَهَذِهِ المَراتِبُ الثَّلاثَةُ مُتَعَلِّقَةٌ بِأحْوالِ قَلْبِهِ.

المدثر 74:21

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ أيْ سَأُكَلِّفُهُ صَعُودًا، وفي الصَّعُودِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ مَثَلٌ لِما يَلْقى مِنَ العَذابِ الشّاقِّ الصَّعْبِ الَّذِي لا يُطاقُ مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿يَسْلُكْهُ عَذابًا صَعَدًا﴾ [ الجِنِّ: ١٧] وصَعُودٌ مِن قَوْلِهِمْ: عَقَبَةٌ صَعُودٌ وكَدُودٌ شاقَّةُ المَصْعَدِ. والثّانِي: أنَّ صَعُودًا اسْمٌ لِعَقَبَةٍ في النّارِ كُلَّما وضَعَ يَدَهُ عَلَيْها ذابَتْ فَإذا رَفَعَها عادَتْ وإذا وضَعَ رِجْلَهُ ذابَتْ وإذا رَفَعَها عادَتْ، وعَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«الصَّعُودُ جَبَلٌ مِن نارٍ يُصَّعَّدُ فِيهِ سَبْعِينَ خَرِيفًا ثُمَّ يَهْوِي كَذَلِكَ فِيهِ أبَدًا» “ . ثُمَّ إنَّهُ تَعالى حَكى كَيْفِيَّةَ عِنادِهِ فَقالَ: ﴿إنَّهُ فَكَّرَ وقَدَّرَ﴾ يُقالُ: فَكَّرَ في الأمْرِ وتَفَكَّرَ إذا نَظَرَ فِيهِ وتَدَبَّرَ، ثُمَّ لَمّا تَفَكَّرَ رَتَّبَ في قَلْبِهِ كَلامًا وهَيَّأهُ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وقَدَّرَ﴾ . صفحة ١٧٧ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ وهَذا إنَّما يُذْكَرُ عِنْدَ التَّعَجُّبِ والِاسْتِعْظامِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهم: قَتَلَهُ اللَّهُ ما أشْجَعَهُ، وأخْزاهُ اللَّهُ ما أشْعَرَهُ، ومَعْناهُ أنَّهُ قَدْ بَلَغَ المَبْلَغَ الَّذِي هو حَقِيقٌ بِأنْ يُحْسَدَ ويَدْعُوَ عَلَيْهِ حاسِدُهُ بِذَلِكَ، وإذا عَرَفْتَ ذَلِكَ فَنَقُولُ: إنَّهُ يَحْتَمِلُ هَهُنا وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ تَعْجِيبٌ مِن قُوَّةِ خاطِرِهِ، يَعْنِي أنَّهُ لا يُمْكِنُ القَدْحُ في أمْرِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ بِشُبْهَةٍ أعْظَمَ ولا أقْوى مِمّا ذَكَرَهُ هَذا القائِلُ. والثّانِي: الثَّناءُ عَلَيْهِ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِهْزاءِ، يَعْنِي أنَّ هَذا الَّذِي ذَكَرَهُ في غايَةِ الرَّكاكَةِ والسُّقُوطِ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ والمَقْصُودُ مِن كَلِمَةِ ”ثُمَّ“ هَهُنا الدَّلالَةُ عَلى أنَّ الدُّعاءَ عَلَيْهِ في الكَرَّةِ الثّانِيَةِ أبْلَغُ مِنَ الأُولى. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ والمَعْنى أنَّهُ أوَّلًا فَكَّرَ، وثانِيًا قَدَّرَ، وثالِثًا نَظَرَ في ذَلِكَ المُقَدَّرِ، فالنَّظَرُ السّابِقُ لِلِاسْتِخْراجِ، والنَّظَرُ اللّاحِقُ لِلتَّقْدِيرِ، وهَذا هو الِاحْتِياطُ. فَهَذِهِ المَراتِبُ الثَّلاثَةُ مُتَعَلِّقَةٌ بِأحْوالِ قَلْبِهِ.

المدثر 74:22

ثُمَّ إنَّهُ تَعالى وصَفَ بَعْدَ ذَلِكَ أحْوالَ وجْهِهِ، فَقالَ: ﴿ثُمَّ عَبَسَ وبَسَرَ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿عَبَسَ وبَسَرَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ عارِفًا في قَلْبِهِ صِدْقَ مُحَمَّدٍ ﷺ إلّا أنَّهُ كانَ يَكْفُرُ بِهِ عِنادًا، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّهُ بَعْدَ أنْ تَفَكَّرَ وتَأمَّلَ قَدَّرَ في نَفْسِهِ كَلامًا عَزَمَ عَلى أنَّهُ يُظْهِرُهُ فَظَهَرَتِ العَبُوسِيَّةُ في وجْهِهِ، ولَوْ كانَ مُعْتَقِدًا صِحَّةَ ذَلِكَ الكَلامِ لَفَرِحَ بِاسْتِنْباطِهِ وإدْراكِهِ، ولَكِنَّهُ لَمّا لَمْ يَفْرَحْ بِهِ عَلِمْنا أنَّهُ كانَ يَعْلَمُ ضَعْفَ تِلْكَ الشُّبْهَةِ، إلّا أنَّهُ لِشِدَّةِ عِنادِهِ ما كانَ يَجِدُ شُبْهَةً أجْوَدَ مِن تِلْكَ الشُّبْهَةِ، فَلِهَذا السَّبَبِ ظَهَرَتِ العُبُوسَةُ في وجْهِهِ. الثّانِي: ما «رُوِيَ أنَّ الوَلِيدَ مَرَّ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهو يَقْرَأُ حم السَّجْدَةَ فَلَمّا وصَلَ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ أعْرَضُوا فَقُلْ أنْذَرْتُكم صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وثَمُودَ﴾ [ فُصِّلَتْ: ١٣] أنْشَدَهُ الوَلِيدُ بِاللَّهِ وبِالرَّحِمِ أنْ يَسْكُتَ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ يَعْلَمُ أنَّهُ مَقْبُولُ الدُّعاءِ صادِقُ اللَّهْجَةِ، ولَمّا رَجَعَ الوَلِيدُ قالَ لَهم: واللَّهِ لَقَدْ سَمِعْتُ مِن مُحَمَّدٍ آنِفًا كَلامًا ما هو مِن كَلامِ الإنْسِ ولا مِن كَلامِ الجِنِّ، إنَّ لَهُ لَحَلاوَةً، وإنَّ عَلَيْهِ لَطَلاوَةً، وإنَّهُ لَيَعْلُو وما يُعْلى عَلَيْهِ، فَقالَتْ قُرَيْشٌ: صَبَأ الوَلِيدُ ولَوْ صَبَأ لَتَصْبَأنَّ قُرَيْشٌ كُلُّها. فَقالَ أبُو جَهْلٍ: أنا أكْفِيكُمُوهُ، ثُمَّ دَخَلَ عَلَيْهِ مَحْزُونًا فَقالَ: ما لَكَ يا ابْنَ الأخِ ؟ فَقالَ: إنَّكَ قَدْ صَبَوْتَ لِتُصِيبَ مِن طَعامِ مُحَمَّدٍ وأصْحابِهِ، وهَذِهِ قُرَيْشٌ تَجْمَعُ لَكَ مالًا لِيَكُونَ ذَلِكَ عِوَضًا مِمّا تَقْدِرُ أنْ تَأْخُذَ مِن أصْحابِ مُحَمَّدٍ، فَقالَ: واللَّهِ ما يَشْبَعُونَ فَكَيْفَ أقْدِرُ أنْ آخُذَ مِنهم مالًا، ولَكِنِّي تَفَكَّرْتُ في أمْرِهِ كَثِيرًا فَلَمْ أجِدْ شَيْئًا يَلِيقُ بِهِ إلّا أنَّهُ ساحِرٌ»، فَأقُولُ: اسْتِعْظامُهُ لِلْقُرْآنِ واعْتِرافُهُ بِأنَّهُ لَيْسَ مِن كَلامِ الجِنِّ والإنْسِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ في ادِّعاءِ السِّحْرِ مُعانِدًا؛ لِأنَّ السِّحْرَ يَتَعَلَّقُ بِالجِنِّ. والثّالِثُ: أنَّهُ كانَ يَعْلَمُ أنَّ أمْرَ السِّحْرِ مَبْنِيٌّ عَلى الكُفْرِ بِاللَّهِ والأفْعالِ المُنْكَرَةِ، وكانَ مِنَ الظّاهِرِ أنَّ مُحَمَّدًا لا يَدْعُو إلّا إلى اللَّهِ، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِهِ السِّحْرُ ؟ فَثَبَتَ بِمَجْمُوعِ هَذِهِ الوُجُوهِ أنَّهُ إنَّما ﴿عَبَسَ وبَسَرَ﴾ لِأنَّهُ كانَ يَعْلَمُ أنَّ الَّذِي يَقُولُهُ كَذِبٌ وبُهْتانٌ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ اللَّيْثُ: عَبَسَ يَعْبَسُ فَهو عابِسٌ إذا قَطَبَ ما بَيْنَ عَيْنَيْهِ، فَإنْ أبْدى عَنْ أسْنانِهِ في عُبُوسِهِ قِيلَ: كَلَحَ، فَإنِ اهْتَمَّ لِذَلِكَ وفَكَّرَ فِيهِ قِيلَ: بَسَرَ، فَإنْ غَضِبَ مَعَ ذَلِكَ قِيلَ: بَسَلَ. صفحة ١٧٨ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ أدْبَرَ واسْتَكْبَرَ﴾ ﴿فَقالَ إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ أدْبَرَ عَنْ سائِرِ النّاسِ إلى أهْلِهِ، واسْتَكْبَرَ أيْ تَعَظَّمَ عَنِ الإيمانِ فَقالَ: ﴿إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ وإنَّما ذَكَرَهُ بِفاءِ التَّعْقِيبِ؛ لِيُعْلَمَ أنَّهُ لَمّا ولّى واسْتَكْبَرَ ذَكَرَ هَذِهِ الشُّبْهَةَ، وفي قَوْلِهِ: ﴿يُؤْثَرُ﴾ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ مِن قَوْلِهِمْ أثَرْتُ الحَدِيثَ آثَرَهُ أثَرًا إذا حَدَّثْتَ بِهِ عَنْ قَوْمٍ في آثارِهِمْ، أيْ بَعْدَما ماتُوا، هَذا هو الأصْلُ، ثُمَّ صارَ بِمَعْنى الرِّوايَةِ عَمَّنْ كانَ. والثّانِي: يُؤْثَرُ عَلى جَمِيعِ السِّحْرِ، وعَلى هَذا يَكُونُ هو مِنَ الإيثارِ.

المدثر 74:23

ثُمَّ إنَّهُ تَعالى وصَفَ بَعْدَ ذَلِكَ أحْوالَ وجْهِهِ، فَقالَ: ﴿ثُمَّ عَبَسَ وبَسَرَ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿عَبَسَ وبَسَرَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ عارِفًا في قَلْبِهِ صِدْقَ مُحَمَّدٍ ﷺ إلّا أنَّهُ كانَ يَكْفُرُ بِهِ عِنادًا، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّهُ بَعْدَ أنْ تَفَكَّرَ وتَأمَّلَ قَدَّرَ في نَفْسِهِ كَلامًا عَزَمَ عَلى أنَّهُ يُظْهِرُهُ فَظَهَرَتِ العَبُوسِيَّةُ في وجْهِهِ، ولَوْ كانَ مُعْتَقِدًا صِحَّةَ ذَلِكَ الكَلامِ لَفَرِحَ بِاسْتِنْباطِهِ وإدْراكِهِ، ولَكِنَّهُ لَمّا لَمْ يَفْرَحْ بِهِ عَلِمْنا أنَّهُ كانَ يَعْلَمُ ضَعْفَ تِلْكَ الشُّبْهَةِ، إلّا أنَّهُ لِشِدَّةِ عِنادِهِ ما كانَ يَجِدُ شُبْهَةً أجْوَدَ مِن تِلْكَ الشُّبْهَةِ، فَلِهَذا السَّبَبِ ظَهَرَتِ العُبُوسَةُ في وجْهِهِ. الثّانِي: ما «رُوِيَ أنَّ الوَلِيدَ مَرَّ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهو يَقْرَأُ حم السَّجْدَةَ فَلَمّا وصَلَ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ أعْرَضُوا فَقُلْ أنْذَرْتُكم صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وثَمُودَ﴾ [ فُصِّلَتْ: ١٣] أنْشَدَهُ الوَلِيدُ بِاللَّهِ وبِالرَّحِمِ أنْ يَسْكُتَ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ يَعْلَمُ أنَّهُ مَقْبُولُ الدُّعاءِ صادِقُ اللَّهْجَةِ، ولَمّا رَجَعَ الوَلِيدُ قالَ لَهم: واللَّهِ لَقَدْ سَمِعْتُ مِن مُحَمَّدٍ آنِفًا كَلامًا ما هو مِن كَلامِ الإنْسِ ولا مِن كَلامِ الجِنِّ، إنَّ لَهُ لَحَلاوَةً، وإنَّ عَلَيْهِ لَطَلاوَةً، وإنَّهُ لَيَعْلُو وما يُعْلى عَلَيْهِ، فَقالَتْ قُرَيْشٌ: صَبَأ الوَلِيدُ ولَوْ صَبَأ لَتَصْبَأنَّ قُرَيْشٌ كُلُّها. فَقالَ أبُو جَهْلٍ: أنا أكْفِيكُمُوهُ، ثُمَّ دَخَلَ عَلَيْهِ مَحْزُونًا فَقالَ: ما لَكَ يا ابْنَ الأخِ ؟ فَقالَ: إنَّكَ قَدْ صَبَوْتَ لِتُصِيبَ مِن طَعامِ مُحَمَّدٍ وأصْحابِهِ، وهَذِهِ قُرَيْشٌ تَجْمَعُ لَكَ مالًا لِيَكُونَ ذَلِكَ عِوَضًا مِمّا تَقْدِرُ أنْ تَأْخُذَ مِن أصْحابِ مُحَمَّدٍ، فَقالَ: واللَّهِ ما يَشْبَعُونَ فَكَيْفَ أقْدِرُ أنْ آخُذَ مِنهم مالًا، ولَكِنِّي تَفَكَّرْتُ في أمْرِهِ كَثِيرًا فَلَمْ أجِدْ شَيْئًا يَلِيقُ بِهِ إلّا أنَّهُ ساحِرٌ»، فَأقُولُ: اسْتِعْظامُهُ لِلْقُرْآنِ واعْتِرافُهُ بِأنَّهُ لَيْسَ مِن كَلامِ الجِنِّ والإنْسِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ في ادِّعاءِ السِّحْرِ مُعانِدًا؛ لِأنَّ السِّحْرَ يَتَعَلَّقُ بِالجِنِّ. والثّالِثُ: أنَّهُ كانَ يَعْلَمُ أنَّ أمْرَ السِّحْرِ مَبْنِيٌّ عَلى الكُفْرِ بِاللَّهِ والأفْعالِ المُنْكَرَةِ، وكانَ مِنَ الظّاهِرِ أنَّ مُحَمَّدًا لا يَدْعُو إلّا إلى اللَّهِ، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِهِ السِّحْرُ ؟ فَثَبَتَ بِمَجْمُوعِ هَذِهِ الوُجُوهِ أنَّهُ إنَّما ﴿عَبَسَ وبَسَرَ﴾ لِأنَّهُ كانَ يَعْلَمُ أنَّ الَّذِي يَقُولُهُ كَذِبٌ وبُهْتانٌ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ اللَّيْثُ: عَبَسَ يَعْبَسُ فَهو عابِسٌ إذا قَطَبَ ما بَيْنَ عَيْنَيْهِ، فَإنْ أبْدى عَنْ أسْنانِهِ في عُبُوسِهِ قِيلَ: كَلَحَ، فَإنِ اهْتَمَّ لِذَلِكَ وفَكَّرَ فِيهِ قِيلَ: بَسَرَ، فَإنْ غَضِبَ مَعَ ذَلِكَ قِيلَ: بَسَلَ. صفحة ١٧٨ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ أدْبَرَ واسْتَكْبَرَ﴾ ﴿فَقالَ إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ أدْبَرَ عَنْ سائِرِ النّاسِ إلى أهْلِهِ، واسْتَكْبَرَ أيْ تَعَظَّمَ عَنِ الإيمانِ فَقالَ: ﴿إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ وإنَّما ذَكَرَهُ بِفاءِ التَّعْقِيبِ؛ لِيُعْلَمَ أنَّهُ لَمّا ولّى واسْتَكْبَرَ ذَكَرَ هَذِهِ الشُّبْهَةَ، وفي قَوْلِهِ: ﴿يُؤْثَرُ﴾ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ مِن قَوْلِهِمْ أثَرْتُ الحَدِيثَ آثَرَهُ أثَرًا إذا حَدَّثْتَ بِهِ عَنْ قَوْمٍ في آثارِهِمْ، أيْ بَعْدَما ماتُوا، هَذا هو الأصْلُ، ثُمَّ صارَ بِمَعْنى الرِّوايَةِ عَمَّنْ كانَ. والثّانِي: يُؤْثَرُ عَلى جَمِيعِ السِّحْرِ، وعَلى هَذا يَكُونُ هو مِنَ الإيثارِ.

المدثر 74:24

ثُمَّ إنَّهُ تَعالى وصَفَ بَعْدَ ذَلِكَ أحْوالَ وجْهِهِ، فَقالَ: ﴿ثُمَّ عَبَسَ وبَسَرَ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿عَبَسَ وبَسَرَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ عارِفًا في قَلْبِهِ صِدْقَ مُحَمَّدٍ ﷺ إلّا أنَّهُ كانَ يَكْفُرُ بِهِ عِنادًا، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّهُ بَعْدَ أنْ تَفَكَّرَ وتَأمَّلَ قَدَّرَ في نَفْسِهِ كَلامًا عَزَمَ عَلى أنَّهُ يُظْهِرُهُ فَظَهَرَتِ العَبُوسِيَّةُ في وجْهِهِ، ولَوْ كانَ مُعْتَقِدًا صِحَّةَ ذَلِكَ الكَلامِ لَفَرِحَ بِاسْتِنْباطِهِ وإدْراكِهِ، ولَكِنَّهُ لَمّا لَمْ يَفْرَحْ بِهِ عَلِمْنا أنَّهُ كانَ يَعْلَمُ ضَعْفَ تِلْكَ الشُّبْهَةِ، إلّا أنَّهُ لِشِدَّةِ عِنادِهِ ما كانَ يَجِدُ شُبْهَةً أجْوَدَ مِن تِلْكَ الشُّبْهَةِ، فَلِهَذا السَّبَبِ ظَهَرَتِ العُبُوسَةُ في وجْهِهِ. الثّانِي: ما «رُوِيَ أنَّ الوَلِيدَ مَرَّ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهو يَقْرَأُ حم السَّجْدَةَ فَلَمّا وصَلَ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ أعْرَضُوا فَقُلْ أنْذَرْتُكم صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وثَمُودَ﴾ [ فُصِّلَتْ: ١٣] أنْشَدَهُ الوَلِيدُ بِاللَّهِ وبِالرَّحِمِ أنْ يَسْكُتَ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ يَعْلَمُ أنَّهُ مَقْبُولُ الدُّعاءِ صادِقُ اللَّهْجَةِ، ولَمّا رَجَعَ الوَلِيدُ قالَ لَهم: واللَّهِ لَقَدْ سَمِعْتُ مِن مُحَمَّدٍ آنِفًا كَلامًا ما هو مِن كَلامِ الإنْسِ ولا مِن كَلامِ الجِنِّ، إنَّ لَهُ لَحَلاوَةً، وإنَّ عَلَيْهِ لَطَلاوَةً، وإنَّهُ لَيَعْلُو وما يُعْلى عَلَيْهِ، فَقالَتْ قُرَيْشٌ: صَبَأ الوَلِيدُ ولَوْ صَبَأ لَتَصْبَأنَّ قُرَيْشٌ كُلُّها. فَقالَ أبُو جَهْلٍ: أنا أكْفِيكُمُوهُ، ثُمَّ دَخَلَ عَلَيْهِ مَحْزُونًا فَقالَ: ما لَكَ يا ابْنَ الأخِ ؟ فَقالَ: إنَّكَ قَدْ صَبَوْتَ لِتُصِيبَ مِن طَعامِ مُحَمَّدٍ وأصْحابِهِ، وهَذِهِ قُرَيْشٌ تَجْمَعُ لَكَ مالًا لِيَكُونَ ذَلِكَ عِوَضًا مِمّا تَقْدِرُ أنْ تَأْخُذَ مِن أصْحابِ مُحَمَّدٍ، فَقالَ: واللَّهِ ما يَشْبَعُونَ فَكَيْفَ أقْدِرُ أنْ آخُذَ مِنهم مالًا، ولَكِنِّي تَفَكَّرْتُ في أمْرِهِ كَثِيرًا فَلَمْ أجِدْ شَيْئًا يَلِيقُ بِهِ إلّا أنَّهُ ساحِرٌ»، فَأقُولُ: اسْتِعْظامُهُ لِلْقُرْآنِ واعْتِرافُهُ بِأنَّهُ لَيْسَ مِن كَلامِ الجِنِّ والإنْسِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ في ادِّعاءِ السِّحْرِ مُعانِدًا؛ لِأنَّ السِّحْرَ يَتَعَلَّقُ بِالجِنِّ. والثّالِثُ: أنَّهُ كانَ يَعْلَمُ أنَّ أمْرَ السِّحْرِ مَبْنِيٌّ عَلى الكُفْرِ بِاللَّهِ والأفْعالِ المُنْكَرَةِ، وكانَ مِنَ الظّاهِرِ أنَّ مُحَمَّدًا لا يَدْعُو إلّا إلى اللَّهِ، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِهِ السِّحْرُ ؟ فَثَبَتَ بِمَجْمُوعِ هَذِهِ الوُجُوهِ أنَّهُ إنَّما ﴿عَبَسَ وبَسَرَ﴾ لِأنَّهُ كانَ يَعْلَمُ أنَّ الَّذِي يَقُولُهُ كَذِبٌ وبُهْتانٌ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ اللَّيْثُ: عَبَسَ يَعْبَسُ فَهو عابِسٌ إذا قَطَبَ ما بَيْنَ عَيْنَيْهِ، فَإنْ أبْدى عَنْ أسْنانِهِ في عُبُوسِهِ قِيلَ: كَلَحَ، فَإنِ اهْتَمَّ لِذَلِكَ وفَكَّرَ فِيهِ قِيلَ: بَسَرَ، فَإنْ غَضِبَ مَعَ ذَلِكَ قِيلَ: بَسَلَ. صفحة ١٧٨ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ أدْبَرَ واسْتَكْبَرَ﴾ ﴿فَقالَ إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ أدْبَرَ عَنْ سائِرِ النّاسِ إلى أهْلِهِ، واسْتَكْبَرَ أيْ تَعَظَّمَ عَنِ الإيمانِ فَقالَ: ﴿إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ وإنَّما ذَكَرَهُ بِفاءِ التَّعْقِيبِ؛ لِيُعْلَمَ أنَّهُ لَمّا ولّى واسْتَكْبَرَ ذَكَرَ هَذِهِ الشُّبْهَةَ، وفي قَوْلِهِ: ﴿يُؤْثَرُ﴾ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ مِن قَوْلِهِمْ أثَرْتُ الحَدِيثَ آثَرَهُ أثَرًا إذا حَدَّثْتَ بِهِ عَنْ قَوْمٍ في آثارِهِمْ، أيْ بَعْدَما ماتُوا، هَذا هو الأصْلُ، ثُمَّ صارَ بِمَعْنى الرِّوايَةِ عَمَّنْ كانَ. والثّانِي: يُؤْثَرُ عَلى جَمِيعِ السِّحْرِ، وعَلى هَذا يَكُونُ هو مِنَ الإيثارِ.

المدثر 74:25

ثُمَّ قالَ: ﴿إنْ هَذا إلّا قَوْلُ البَشَرِ﴾ والمَعْنى أنَّ هَذا قَوْلُ البَشَرِ، يُنْسَبُ ذَلِكَ إلى أنَّهُ مُلْتَقَطٌ مِن كَلامِ غَيْرِهِ، ولَوْ كانَ الأمْرُ كَما قالَ لَتَمَكَّنُوا مِن مُعارَضَتِهِ، إذْ طَرِيقَتُهم في مَعْرِفَةِ اللُّغَةِ مُتَقارِبَةٌ. واعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الوَلِيدَ إنَّما كانَ يَقُولُ هَذا الكَلامَ عِنادًا مِنهُ، لِأنَّهُ رُوِيَ عَنْهُ «أنَّهُ لَمّا سَمِعَ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ”حم السَّجْدَةَ“ وخَرَجَ مِن عِنْدِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ، قالَ: سَمِعْتُ مِن مُحَمَّدٍ كَلامًا لَيْسَ مِن كَلامِ الإنْسِ ولا مِن كَلامِ الجِنِّ، وإنَّ لَهُ لَحَلاوَةً وإنَّ عَلَيْهِ لَطَلاوَةً وأنَّهُ يَعْلُو ولا يُعْلى عَلَيْهِ»، فَلَمّا أقَرَّ بِذَلِكَ في أوَّلِ الأمْرِ عَلِمْنا أنَّ الَّذِي قالَهُ هَهُنا مِن أنَّهُ قَوْلُ البَشَرِ - إنَّما ذَكَرَهُ عَلى سَبِيلِ العِنادِ والتَّمَرُّدِ لا عَلى سَبِيلِ الِاعْتِقادِ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿سَقَرَ﴾ اسْمٌ لِلطَّبَقَةِ السّادِسَةِ مِن جَهَنَّمَ، ولِذَلِكَ لا يَنْصَرِفُ لِلتَّعْرِيفِ والتَّأْنِيثِ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿وما أدْراكَ ما سَقَرُ﴾ والغَرَضُ التَّهْوِيلُ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿لا تُبْقِي ولا تَذَرُ﴾ واخْتَلَفُوا فَمِنهم مَن قالَ: هُما لَفْظانِ مُتَرادِفانِ مَعْناهُما واحِدٌ، والغَرَضُ مِنَ التَّكْرِيرِ التَّأْكِيدُ والمُبالَغَةُ؛ كَما يُقالُ: صَدَّ عَنِّي وأعْرَضَ عَنِّي. ومِنهم مَن قالَ: لا بُدَّ مِنَ الفَرْقِ، ثُمَّ ذَكَرُوا وُجُوهًا: أحَدُها: أنَّها لا تُبْقِي مِنَ الدَّمِ واللَّحْمِ والعَظْمِ شَيْئًا، فَإذا أُعِيدُوا خَلْقًا جَدِيدًا ﴿ولا تَذَرُ﴾ أنْ تُعاوِدَ إحْراقَهم بِأشَدَّ مِمّا كانَتْ، وهَكَذا أبَدًا، وهَذا رِوايَةُ عَطاءٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وثانِيها: لا تُبْقِي أحَدًا مِنَ المُسْتَحِقِّينَ لِلْعَذابِ إلّا عَذَّبَتْهم، ثُمَّ لا تَذَرُ مِن أبْدانِ أُولَئِكَ المُعَذَّبِينَ شَيْئًا إلّا أحْرَقَتْهُ. وثالِثُها: لا تُبْقِي مِن أبْدانِ المُعَذَّبِينَ شَيْئًا، ثُمَّ إنَّ تِلْكَ النِّيرانَ لا تَذَرُ مِن قُوَّتِها وشِدَّتِها شَيْئًا إلّا وتَسْتَعْمِلُ تِلْكَ القُوَّةَ والشِّدَّةَ في تَعْذِيبِهِمْ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿لَوّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: في اللَّوّاحَةِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: قالَ اللَّيْثُ: لاحَهُ العَطَشُ ولَوَّحَهُ إذا غَيَّرَهُ، فاللَّوّاحَةُ هي المُغَيِّرَةُ. قالَ الفَرّاءُ: تُسَوِّدُ البَشَرَةَ بِإحْراقِها. والقَوْلُ الثّانِي: وهو قَوْلُ الحَسَنِ والأصَمِّ: أنَّ مَعْنى اللَّوّاحَةِ أنَّها تَلُوحُ لِلْبَشَرِ مِن مَسِيرَةِ خَمْسِمِائَةِ عامٍ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿وبُرِّزَتِ الجَحِيمُ لِمَن يَرى﴾ [ النّازِعاتِ: ٣٦] ولَوّاحَةٌ عَلى هَذا القَوْلِ: مِن لاحَ الشَّيْءُ يَلُوحُ إذا لَمَعَ نَحْوَ البَرْقِ، وطَعَنَ القائِلُونَ بِهَذا الوَجْهِ في الوَجْهِ الأوَّلِ، وقالُوا: إنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَصِفَها بِتَسْوِيدِ البَشَرَةِ مَعَ قَوْلِهِ إنَّها: ﴿لا تُبْقِي ولا تَذَرُ﴾ المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قُرِئَ: ”لَوّاحَةً“ نَصْبًا عَلى الِاخْتِصاصِ لِلتَّهْوِيلِ. صفحة ١٧٩

المدثر 74:26

ثُمَّ قالَ: ﴿إنْ هَذا إلّا قَوْلُ البَشَرِ﴾ والمَعْنى أنَّ هَذا قَوْلُ البَشَرِ، يُنْسَبُ ذَلِكَ إلى أنَّهُ مُلْتَقَطٌ مِن كَلامِ غَيْرِهِ، ولَوْ كانَ الأمْرُ كَما قالَ لَتَمَكَّنُوا مِن مُعارَضَتِهِ، إذْ طَرِيقَتُهم في مَعْرِفَةِ اللُّغَةِ مُتَقارِبَةٌ. واعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الوَلِيدَ إنَّما كانَ يَقُولُ هَذا الكَلامَ عِنادًا مِنهُ، لِأنَّهُ رُوِيَ عَنْهُ «أنَّهُ لَمّا سَمِعَ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ”حم السَّجْدَةَ“ وخَرَجَ مِن عِنْدِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ، قالَ: سَمِعْتُ مِن مُحَمَّدٍ كَلامًا لَيْسَ مِن كَلامِ الإنْسِ ولا مِن كَلامِ الجِنِّ، وإنَّ لَهُ لَحَلاوَةً وإنَّ عَلَيْهِ لَطَلاوَةً وأنَّهُ يَعْلُو ولا يُعْلى عَلَيْهِ»، فَلَمّا أقَرَّ بِذَلِكَ في أوَّلِ الأمْرِ عَلِمْنا أنَّ الَّذِي قالَهُ هَهُنا مِن أنَّهُ قَوْلُ البَشَرِ - إنَّما ذَكَرَهُ عَلى سَبِيلِ العِنادِ والتَّمَرُّدِ لا عَلى سَبِيلِ الِاعْتِقادِ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿سَقَرَ﴾ اسْمٌ لِلطَّبَقَةِ السّادِسَةِ مِن جَهَنَّمَ، ولِذَلِكَ لا يَنْصَرِفُ لِلتَّعْرِيفِ والتَّأْنِيثِ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿وما أدْراكَ ما سَقَرُ﴾ والغَرَضُ التَّهْوِيلُ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿لا تُبْقِي ولا تَذَرُ﴾ واخْتَلَفُوا فَمِنهم مَن قالَ: هُما لَفْظانِ مُتَرادِفانِ مَعْناهُما واحِدٌ، والغَرَضُ مِنَ التَّكْرِيرِ التَّأْكِيدُ والمُبالَغَةُ؛ كَما يُقالُ: صَدَّ عَنِّي وأعْرَضَ عَنِّي. ومِنهم مَن قالَ: لا بُدَّ مِنَ الفَرْقِ، ثُمَّ ذَكَرُوا وُجُوهًا: أحَدُها: أنَّها لا تُبْقِي مِنَ الدَّمِ واللَّحْمِ والعَظْمِ شَيْئًا، فَإذا أُعِيدُوا خَلْقًا جَدِيدًا ﴿ولا تَذَرُ﴾ أنْ تُعاوِدَ إحْراقَهم بِأشَدَّ مِمّا كانَتْ، وهَكَذا أبَدًا، وهَذا رِوايَةُ عَطاءٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وثانِيها: لا تُبْقِي أحَدًا مِنَ المُسْتَحِقِّينَ لِلْعَذابِ إلّا عَذَّبَتْهم، ثُمَّ لا تَذَرُ مِن أبْدانِ أُولَئِكَ المُعَذَّبِينَ شَيْئًا إلّا أحْرَقَتْهُ. وثالِثُها: لا تُبْقِي مِن أبْدانِ المُعَذَّبِينَ شَيْئًا، ثُمَّ إنَّ تِلْكَ النِّيرانَ لا تَذَرُ مِن قُوَّتِها وشِدَّتِها شَيْئًا إلّا وتَسْتَعْمِلُ تِلْكَ القُوَّةَ والشِّدَّةَ في تَعْذِيبِهِمْ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿لَوّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: في اللَّوّاحَةِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: قالَ اللَّيْثُ: لاحَهُ العَطَشُ ولَوَّحَهُ إذا غَيَّرَهُ، فاللَّوّاحَةُ هي المُغَيِّرَةُ. قالَ الفَرّاءُ: تُسَوِّدُ البَشَرَةَ بِإحْراقِها. والقَوْلُ الثّانِي: وهو قَوْلُ الحَسَنِ والأصَمِّ: أنَّ مَعْنى اللَّوّاحَةِ أنَّها تَلُوحُ لِلْبَشَرِ مِن مَسِيرَةِ خَمْسِمِائَةِ عامٍ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿وبُرِّزَتِ الجَحِيمُ لِمَن يَرى﴾ [ النّازِعاتِ: ٣٦] ولَوّاحَةٌ عَلى هَذا القَوْلِ: مِن لاحَ الشَّيْءُ يَلُوحُ إذا لَمَعَ نَحْوَ البَرْقِ، وطَعَنَ القائِلُونَ بِهَذا الوَجْهِ في الوَجْهِ الأوَّلِ، وقالُوا: إنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَصِفَها بِتَسْوِيدِ البَشَرَةِ مَعَ قَوْلِهِ إنَّها: ﴿لا تُبْقِي ولا تَذَرُ﴾ المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قُرِئَ: ”لَوّاحَةً“ نَصْبًا عَلى الِاخْتِصاصِ لِلتَّهْوِيلِ. صفحة ١٧٩

المدثر 74:27

ثُمَّ قالَ: ﴿إنْ هَذا إلّا قَوْلُ البَشَرِ﴾ والمَعْنى أنَّ هَذا قَوْلُ البَشَرِ، يُنْسَبُ ذَلِكَ إلى أنَّهُ مُلْتَقَطٌ مِن كَلامِ غَيْرِهِ، ولَوْ كانَ الأمْرُ كَما قالَ لَتَمَكَّنُوا مِن مُعارَضَتِهِ، إذْ طَرِيقَتُهم في مَعْرِفَةِ اللُّغَةِ مُتَقارِبَةٌ. واعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الوَلِيدَ إنَّما كانَ يَقُولُ هَذا الكَلامَ عِنادًا مِنهُ، لِأنَّهُ رُوِيَ عَنْهُ «أنَّهُ لَمّا سَمِعَ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ”حم السَّجْدَةَ“ وخَرَجَ مِن عِنْدِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ، قالَ: سَمِعْتُ مِن مُحَمَّدٍ كَلامًا لَيْسَ مِن كَلامِ الإنْسِ ولا مِن كَلامِ الجِنِّ، وإنَّ لَهُ لَحَلاوَةً وإنَّ عَلَيْهِ لَطَلاوَةً وأنَّهُ يَعْلُو ولا يُعْلى عَلَيْهِ»، فَلَمّا أقَرَّ بِذَلِكَ في أوَّلِ الأمْرِ عَلِمْنا أنَّ الَّذِي قالَهُ هَهُنا مِن أنَّهُ قَوْلُ البَشَرِ - إنَّما ذَكَرَهُ عَلى سَبِيلِ العِنادِ والتَّمَرُّدِ لا عَلى سَبِيلِ الِاعْتِقادِ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿سَقَرَ﴾ اسْمٌ لِلطَّبَقَةِ السّادِسَةِ مِن جَهَنَّمَ، ولِذَلِكَ لا يَنْصَرِفُ لِلتَّعْرِيفِ والتَّأْنِيثِ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿وما أدْراكَ ما سَقَرُ﴾ والغَرَضُ التَّهْوِيلُ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿لا تُبْقِي ولا تَذَرُ﴾ واخْتَلَفُوا فَمِنهم مَن قالَ: هُما لَفْظانِ مُتَرادِفانِ مَعْناهُما واحِدٌ، والغَرَضُ مِنَ التَّكْرِيرِ التَّأْكِيدُ والمُبالَغَةُ؛ كَما يُقالُ: صَدَّ عَنِّي وأعْرَضَ عَنِّي. ومِنهم مَن قالَ: لا بُدَّ مِنَ الفَرْقِ، ثُمَّ ذَكَرُوا وُجُوهًا: أحَدُها: أنَّها لا تُبْقِي مِنَ الدَّمِ واللَّحْمِ والعَظْمِ شَيْئًا، فَإذا أُعِيدُوا خَلْقًا جَدِيدًا ﴿ولا تَذَرُ﴾ أنْ تُعاوِدَ إحْراقَهم بِأشَدَّ مِمّا كانَتْ، وهَكَذا أبَدًا، وهَذا رِوايَةُ عَطاءٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وثانِيها: لا تُبْقِي أحَدًا مِنَ المُسْتَحِقِّينَ لِلْعَذابِ إلّا عَذَّبَتْهم، ثُمَّ لا تَذَرُ مِن أبْدانِ أُولَئِكَ المُعَذَّبِينَ شَيْئًا إلّا أحْرَقَتْهُ. وثالِثُها: لا تُبْقِي مِن أبْدانِ المُعَذَّبِينَ شَيْئًا، ثُمَّ إنَّ تِلْكَ النِّيرانَ لا تَذَرُ مِن قُوَّتِها وشِدَّتِها شَيْئًا إلّا وتَسْتَعْمِلُ تِلْكَ القُوَّةَ والشِّدَّةَ في تَعْذِيبِهِمْ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿لَوّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: في اللَّوّاحَةِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: قالَ اللَّيْثُ: لاحَهُ العَطَشُ ولَوَّحَهُ إذا غَيَّرَهُ، فاللَّوّاحَةُ هي المُغَيِّرَةُ. قالَ الفَرّاءُ: تُسَوِّدُ البَشَرَةَ بِإحْراقِها. والقَوْلُ الثّانِي: وهو قَوْلُ الحَسَنِ والأصَمِّ: أنَّ مَعْنى اللَّوّاحَةِ أنَّها تَلُوحُ لِلْبَشَرِ مِن مَسِيرَةِ خَمْسِمِائَةِ عامٍ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿وبُرِّزَتِ الجَحِيمُ لِمَن يَرى﴾ [ النّازِعاتِ: ٣٦] ولَوّاحَةٌ عَلى هَذا القَوْلِ: مِن لاحَ الشَّيْءُ يَلُوحُ إذا لَمَعَ نَحْوَ البَرْقِ، وطَعَنَ القائِلُونَ بِهَذا الوَجْهِ في الوَجْهِ الأوَّلِ، وقالُوا: إنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَصِفَها بِتَسْوِيدِ البَشَرَةِ مَعَ قَوْلِهِ إنَّها: ﴿لا تُبْقِي ولا تَذَرُ﴾ المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قُرِئَ: ”لَوّاحَةً“ نَصْبًا عَلى الِاخْتِصاصِ لِلتَّهْوِيلِ. صفحة ١٧٩

المدثر 74:28

ثُمَّ قالَ: ﴿إنْ هَذا إلّا قَوْلُ البَشَرِ﴾ والمَعْنى أنَّ هَذا قَوْلُ البَشَرِ، يُنْسَبُ ذَلِكَ إلى أنَّهُ مُلْتَقَطٌ مِن كَلامِ غَيْرِهِ، ولَوْ كانَ الأمْرُ كَما قالَ لَتَمَكَّنُوا مِن مُعارَضَتِهِ، إذْ طَرِيقَتُهم في مَعْرِفَةِ اللُّغَةِ مُتَقارِبَةٌ. واعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الوَلِيدَ إنَّما كانَ يَقُولُ هَذا الكَلامَ عِنادًا مِنهُ، لِأنَّهُ رُوِيَ عَنْهُ «أنَّهُ لَمّا سَمِعَ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ”حم السَّجْدَةَ“ وخَرَجَ مِن عِنْدِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ، قالَ: سَمِعْتُ مِن مُحَمَّدٍ كَلامًا لَيْسَ مِن كَلامِ الإنْسِ ولا مِن كَلامِ الجِنِّ، وإنَّ لَهُ لَحَلاوَةً وإنَّ عَلَيْهِ لَطَلاوَةً وأنَّهُ يَعْلُو ولا يُعْلى عَلَيْهِ»، فَلَمّا أقَرَّ بِذَلِكَ في أوَّلِ الأمْرِ عَلِمْنا أنَّ الَّذِي قالَهُ هَهُنا مِن أنَّهُ قَوْلُ البَشَرِ - إنَّما ذَكَرَهُ عَلى سَبِيلِ العِنادِ والتَّمَرُّدِ لا عَلى سَبِيلِ الِاعْتِقادِ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿سَقَرَ﴾ اسْمٌ لِلطَّبَقَةِ السّادِسَةِ مِن جَهَنَّمَ، ولِذَلِكَ لا يَنْصَرِفُ لِلتَّعْرِيفِ والتَّأْنِيثِ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿وما أدْراكَ ما سَقَرُ﴾ والغَرَضُ التَّهْوِيلُ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿لا تُبْقِي ولا تَذَرُ﴾ واخْتَلَفُوا فَمِنهم مَن قالَ: هُما لَفْظانِ مُتَرادِفانِ مَعْناهُما واحِدٌ، والغَرَضُ مِنَ التَّكْرِيرِ التَّأْكِيدُ والمُبالَغَةُ؛ كَما يُقالُ: صَدَّ عَنِّي وأعْرَضَ عَنِّي. ومِنهم مَن قالَ: لا بُدَّ مِنَ الفَرْقِ، ثُمَّ ذَكَرُوا وُجُوهًا: أحَدُها: أنَّها لا تُبْقِي مِنَ الدَّمِ واللَّحْمِ والعَظْمِ شَيْئًا، فَإذا أُعِيدُوا خَلْقًا جَدِيدًا ﴿ولا تَذَرُ﴾ أنْ تُعاوِدَ إحْراقَهم بِأشَدَّ مِمّا كانَتْ، وهَكَذا أبَدًا، وهَذا رِوايَةُ عَطاءٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وثانِيها: لا تُبْقِي أحَدًا مِنَ المُسْتَحِقِّينَ لِلْعَذابِ إلّا عَذَّبَتْهم، ثُمَّ لا تَذَرُ مِن أبْدانِ أُولَئِكَ المُعَذَّبِينَ شَيْئًا إلّا أحْرَقَتْهُ. وثالِثُها: لا تُبْقِي مِن أبْدانِ المُعَذَّبِينَ شَيْئًا، ثُمَّ إنَّ تِلْكَ النِّيرانَ لا تَذَرُ مِن قُوَّتِها وشِدَّتِها شَيْئًا إلّا وتَسْتَعْمِلُ تِلْكَ القُوَّةَ والشِّدَّةَ في تَعْذِيبِهِمْ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿لَوّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: في اللَّوّاحَةِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: قالَ اللَّيْثُ: لاحَهُ العَطَشُ ولَوَّحَهُ إذا غَيَّرَهُ، فاللَّوّاحَةُ هي المُغَيِّرَةُ. قالَ الفَرّاءُ: تُسَوِّدُ البَشَرَةَ بِإحْراقِها. والقَوْلُ الثّانِي: وهو قَوْلُ الحَسَنِ والأصَمِّ: أنَّ مَعْنى اللَّوّاحَةِ أنَّها تَلُوحُ لِلْبَشَرِ مِن مَسِيرَةِ خَمْسِمِائَةِ عامٍ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿وبُرِّزَتِ الجَحِيمُ لِمَن يَرى﴾ [ النّازِعاتِ: ٣٦] ولَوّاحَةٌ عَلى هَذا القَوْلِ: مِن لاحَ الشَّيْءُ يَلُوحُ إذا لَمَعَ نَحْوَ البَرْقِ، وطَعَنَ القائِلُونَ بِهَذا الوَجْهِ في الوَجْهِ الأوَّلِ، وقالُوا: إنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَصِفَها بِتَسْوِيدِ البَشَرَةِ مَعَ قَوْلِهِ إنَّها: ﴿لا تُبْقِي ولا تَذَرُ﴾ المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قُرِئَ: ”لَوّاحَةً“ نَصْبًا عَلى الِاخْتِصاصِ لِلتَّهْوِيلِ. صفحة ١٧٩

المدثر 74:29

ثُمَّ قالَ: ﴿إنْ هَذا إلّا قَوْلُ البَشَرِ﴾ والمَعْنى أنَّ هَذا قَوْلُ البَشَرِ، يُنْسَبُ ذَلِكَ إلى أنَّهُ مُلْتَقَطٌ مِن كَلامِ غَيْرِهِ، ولَوْ كانَ الأمْرُ كَما قالَ لَتَمَكَّنُوا مِن مُعارَضَتِهِ، إذْ طَرِيقَتُهم في مَعْرِفَةِ اللُّغَةِ مُتَقارِبَةٌ. واعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الوَلِيدَ إنَّما كانَ يَقُولُ هَذا الكَلامَ عِنادًا مِنهُ، لِأنَّهُ رُوِيَ عَنْهُ «أنَّهُ لَمّا سَمِعَ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ”حم السَّجْدَةَ“ وخَرَجَ مِن عِنْدِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ، قالَ: سَمِعْتُ مِن مُحَمَّدٍ كَلامًا لَيْسَ مِن كَلامِ الإنْسِ ولا مِن كَلامِ الجِنِّ، وإنَّ لَهُ لَحَلاوَةً وإنَّ عَلَيْهِ لَطَلاوَةً وأنَّهُ يَعْلُو ولا يُعْلى عَلَيْهِ»، فَلَمّا أقَرَّ بِذَلِكَ في أوَّلِ الأمْرِ عَلِمْنا أنَّ الَّذِي قالَهُ هَهُنا مِن أنَّهُ قَوْلُ البَشَرِ - إنَّما ذَكَرَهُ عَلى سَبِيلِ العِنادِ والتَّمَرُّدِ لا عَلى سَبِيلِ الِاعْتِقادِ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿سَقَرَ﴾ اسْمٌ لِلطَّبَقَةِ السّادِسَةِ مِن جَهَنَّمَ، ولِذَلِكَ لا يَنْصَرِفُ لِلتَّعْرِيفِ والتَّأْنِيثِ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿وما أدْراكَ ما سَقَرُ﴾ والغَرَضُ التَّهْوِيلُ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿لا تُبْقِي ولا تَذَرُ﴾ واخْتَلَفُوا فَمِنهم مَن قالَ: هُما لَفْظانِ مُتَرادِفانِ مَعْناهُما واحِدٌ، والغَرَضُ مِنَ التَّكْرِيرِ التَّأْكِيدُ والمُبالَغَةُ؛ كَما يُقالُ: صَدَّ عَنِّي وأعْرَضَ عَنِّي. ومِنهم مَن قالَ: لا بُدَّ مِنَ الفَرْقِ، ثُمَّ ذَكَرُوا وُجُوهًا: أحَدُها: أنَّها لا تُبْقِي مِنَ الدَّمِ واللَّحْمِ والعَظْمِ شَيْئًا، فَإذا أُعِيدُوا خَلْقًا جَدِيدًا ﴿ولا تَذَرُ﴾ أنْ تُعاوِدَ إحْراقَهم بِأشَدَّ مِمّا كانَتْ، وهَكَذا أبَدًا، وهَذا رِوايَةُ عَطاءٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وثانِيها: لا تُبْقِي أحَدًا مِنَ المُسْتَحِقِّينَ لِلْعَذابِ إلّا عَذَّبَتْهم، ثُمَّ لا تَذَرُ مِن أبْدانِ أُولَئِكَ المُعَذَّبِينَ شَيْئًا إلّا أحْرَقَتْهُ. وثالِثُها: لا تُبْقِي مِن أبْدانِ المُعَذَّبِينَ شَيْئًا، ثُمَّ إنَّ تِلْكَ النِّيرانَ لا تَذَرُ مِن قُوَّتِها وشِدَّتِها شَيْئًا إلّا وتَسْتَعْمِلُ تِلْكَ القُوَّةَ والشِّدَّةَ في تَعْذِيبِهِمْ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿لَوّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: في اللَّوّاحَةِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: قالَ اللَّيْثُ: لاحَهُ العَطَشُ ولَوَّحَهُ إذا غَيَّرَهُ، فاللَّوّاحَةُ هي المُغَيِّرَةُ. قالَ الفَرّاءُ: تُسَوِّدُ البَشَرَةَ بِإحْراقِها. والقَوْلُ الثّانِي: وهو قَوْلُ الحَسَنِ والأصَمِّ: أنَّ مَعْنى اللَّوّاحَةِ أنَّها تَلُوحُ لِلْبَشَرِ مِن مَسِيرَةِ خَمْسِمِائَةِ عامٍ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿وبُرِّزَتِ الجَحِيمُ لِمَن يَرى﴾ [ النّازِعاتِ: ٣٦] ولَوّاحَةٌ عَلى هَذا القَوْلِ: مِن لاحَ الشَّيْءُ يَلُوحُ إذا لَمَعَ نَحْوَ البَرْقِ، وطَعَنَ القائِلُونَ بِهَذا الوَجْهِ في الوَجْهِ الأوَّلِ، وقالُوا: إنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَصِفَها بِتَسْوِيدِ البَشَرَةِ مَعَ قَوْلِهِ إنَّها: ﴿لا تُبْقِي ولا تَذَرُ﴾ المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قُرِئَ: ”لَوّاحَةً“ نَصْبًا عَلى الِاخْتِصاصِ لِلتَّهْوِيلِ. صفحة ١٧٩

المدثر 74:30

ثُمَّ قالَ: ﴿عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: المَعْنى أنَّهُ يَلِي أمْرَ تِلْكَ النّارِ، ويَتَسَلَّطُ عَلى أهْلِها تِسْعَةَ عَشَرَ مَلَكًا، وقِيلَ: تِسْعَةَ عَشَرَ صِنْفًا، وقِيلَ: تِسْعَةَ عَشَرَ صَفًّا. وحَكى الواحِدِيُّ عَنِ المُفَسِّرِينَ: أنَّ خَزَنَةَ النّارِ تِسْعَةَ عَشَرَ: مالِكٌ، ومَعَهُ ثَمانِيَةَ عَشَرَ أعْيُنُهم كالبَرْقِ، وأنْيابُهم كالصَّياصِي، وأشْعارُهم تَمَسُّ أقْدامَهم، يَخْرُجُ لَهَبُ النّارِ مِن أفْواهِهِمْ، ما بَيْنَ مَنكِبَيْ أحَدِهِمْ مَسِيرَةُ سَنَةٍ، يَسَعُ كَفَّ أحَدِهِمْ مِثْلُ رَبِيعَةَ ومُضَرَ، نُزِعَتْ مِنهُمُ الرَّأْفَةُ والرَّحْمَةُ، يَأْخُذُ أحَدُهم سَبْعِينَ ألْفًا في كَفِّهِ ويَرْمِيهِمْ حَيْثُ أرادَ مِن جَهَنَّمَ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرَ أرْبابُ المَعانِي في تَقْدِيرِ هَذا العَدَدِ وُجُوهًا: أحَدُها: وهو الوَجْهُ الَّذِي تَقَوَّلَهُ أرْبابُ الحِكْمَةِ؛ أنَّ سَبَبَ فَسادِ النَّفْسِ الإنْسانِيَّةِ في قُوَّتِها النَّظَرِيَّةِ والعَمَلِيَّةِ هو القُوى الحَيَوانِيَّةُ والطَّبِيعِيَّةُ. أمّا القُوى الحَيَوانِيَّةُ فَهي: الخَمْسَةُ الظّاهِرَةُ، والخَمْسَةُ الباطِنَةُ، والشَّهْوَةُ والغَضَبُ، ومَجْمُوعُهُما اثْنَتا عَشْرَةَ. وأمّا القُوى الطَّبِيعِيَّةُ فَهي: الجاذِبَةُ والماسِكَةُ والهاضِمَةُ والدّافِعَةُ والغاذِيَةُ والنّامِيَةُ والمُوَلِّدَةُ، وهَذِهِ سَبْعَةٌ، فالمَجْمُوعُ تِسْعَةَ عَشَرَ، فَلَمّا كانَ مَنشَأُ الآفاتِ هو هَذِهِ التِّسْعَةَ عَشَرَ، لا جَرَمَ كانَ عَدَدُ الزَّبانِيَةِ هَكَذا. وثانِيها: أنَّ أبْوابَ جَهَنَّمَ سَبْعَةٌ، فَسِتَّةٌ مِنها لِلْكُفّارِ، وواحِدٌ لِلْفُسّاقِ، ثُمَّ إنَّ الكُفّارَ يَدْخُلُونَ النّارَ لِأُمُورٍ ثَلاثَةٍ: تَرْكِ الِاعْتِقادِ وتَرْكِ الإقْرارِ وتَرْكِ العَمَلِ، فَيَكُونُ لِكُلِّ بابٍ مِن تِلْكَ الأبْوابِ السِّتَّةِ ثَلاثَةٌ، والمَجْمُوعُ ثَمانِيَةَ عَشَرَ، وأمّا بابُ الفُسّاقِ فَلَيْسَ هُناكَ زَبانِيَةٌ بِسَبَبِ تَرْكِ الِاعْتِقادِ ولا بِسَبَبِ تَرْكِ القَوْلِ، بَلْ لَيْسَ إلّا بِسَبَبِ تَرْكِ العَمَلِ، فَلا يَكُونُ عَلى بابِهِمْ إلّا زَبانِيَةٌ واحِدَةٌ، فالمَجْمُوعُ تِسْعَةَ عَشَرَ. وثالِثُها: أنَّ السّاعاتِ أرْبَعَةٌ وعِشْرُونَ، خَمْسَةٌ مِنها مَشْغُولَةٌ بِالصَّلَواتِ الخَمْسِ فَيَبْقى مِنها تِسْعَةَ عَشَرَ مَشْغُولَةٌ بِغَيْرِ العِبادَةِ، فَلا جَرَمَ صارَ عَدَدُ الزَّبانِيَةِ تِسْعَةَ عَشَرَ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قِراءَةُ أبِي جَعْفَرٍ ويَزِيدَ وطَلْحَةَ بْنِ سُلَيْمانَ ”﴿عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ﴾“ عَلى تَقْطِيعِ فاعِلانِ، قالَ ابْنُ جِنِّي في المُحْتَسَبِ: والسَّبَبُ أنَّ الِاسْمَيْنِ كاسْمٍ واحِدٍ، فَكَثُرَتِ الحَرَكاتُ، فَأُسْكِنَ أوَّلُ الثّانِي لِلتَّخْفِيفِ، وجَعَلَ ذَلِكَ أمارَةَ القُوَّةِ اتِّصالَ أحَدِ الِاسْمَيْنِ بِصاحِبِهِ، وقَرَأ أنَسُ بْنُ مالِكٍ ”تِسْعَةَ أعْشُرٍ“ قالَ أبُو حاتِمٍ: هَذِهِ القِراءَةُ لا نَعْرِفُ لَها وجْهًا، إلّا أنْ يَعْنِيَ: تِسْعَةَ أعْشُرٍ؛ جَمْعَ عَشِيرٍ، مِثْلَ يَمِينٍ وأيْمُنٍ، وعَلى هَذا يَكُونُ المَجْمُوعُ تِسْعِينَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما جَعَلْنا أصْحابَ النّارِ إلّا مَلائِكَةً﴾ رُوِيَ أنَّهُ لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ قالَ أبُو جَهْلٍ لِقُرَيْشٍ ثَكِلَتْكم أُمَّهاتُكم، قالَ ابْنُ أبِي كَبْشَةَ: إنَّ خَزَنَةَ النّارِ تِسْعَةَ عَشَرَ وأنْتُمُ الجَمْعُ العَظِيمُ، أيَعْجَزُ كُلُّ عَشَرَةٍ مِنكم أنْ يَبْطِشُوا بِرَجُلٍ مِنهُما، فَقالَ أبُو الأشَدِّ بْنُ أُسَيْدِ بْنِ كَلَدَةَ الجُمَحِيُّ، وكانَ شَدِيدَ البَطْشِ: أنا أكْفِيكم سَبْعَةَ عَشَرَ واكْفُونِي أنْتُمُ اثْنَيْنَ ! فَلَمّا قالَ أبُو جَهْلٍ وأبُو الأشَدِّ ذَلِكَ، قالَ المُسْلِمُونَ: ويْحَكم لا تُقاسُ المَلائِكَةُ بِالحَدّادِينَ ! فَجَرى هَذا مَثَلًا في كُلِّ شَيْئَيْنِ لا يُسَوّى بَيْنَهُما، والمَعْنى لا تُقاسُ المَلائِكَةُ بِالسَّجّانِينَ صفحة ١٨٠ والحَدّادُ: السَّجّانُ الَّذِي يَحْبِسُ النّارَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وما جَعَلْنا أصْحابَ النّارِ إلّا مَلائِكَةً﴾ واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى إنَّما جَعَلَهم مَلائِكَةً لِوُجُوهٍ: أحَدُها: لِيَكُونُوا بِخِلافِ جِنْسِ المُعَذَّبِينَ، لِأنَّ الجِنْسِيَّةَ مَظَنَّةُ الرَّأْفَةِ والرَّحْمَةِ، ولِذَلِكَ بُعِثَ الرَّسُولُ المَبْعُوثُ إلَيْنا مِن جِنْسِنا لِيَكُونَ لَهُ رَأْفَةً ورَحْمَةً بِنا. وثانِيها: أنَّهم أبْعَدُ الخَلْقِ عَنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعالى وأقْواهم عَلى الطّاعاتِ الشّاقَّةِ. وثالِثُها: أنَّ قُوَّتَهم أعْظَمُ مِن قُوَّةِ الجِنِّ والإنْسِ، فَإنْ قِيلَ: ثَبَتَ في الأخْبارِ أنَّ المَلائِكَةَ مَخْلُوقُونَ مِنَ النُّورِ، والمَخْلُوقُ مِنَ النُّورِ كَيْفَ يُطِيقُ المُكْثَ في النّارِ ؟ قُلْنا: مَدارُ القَوْلِ في إثْباتِ القِيامَةِ عَلى كَوْنِهِ تَعالى قادِرًا عَلى كُلِّ المُمْكِناتِ، فَكَما أنَّهُ لا اسْتِبْعادَ في أنْ يَبْقى الحَيُّ في مِثْلِ ذَلِكَ العَذابِ الشَّدِيدِ أبَدَ الآبادِ ولا يَمُوتُ، فَكَذا لا اسْتِبْعادَ في بَقاءِ المَلائِكَةِ هُناكَ مِن غَيْرِ ألَمٍ.

المدثر 74:31

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما جَعَلْنا أصْحابَ النّارِ إلّا مَلائِكَةً وما جَعَلْنا عِدَّتَهم إلّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ ويَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إيمانًا ولا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ والمُؤْمِنُونَ ولِيَقُولَ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ والكافِرُونَ ماذا أرادَ اللَّهُ بِهَذا مَثَلًا﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: هَذا العَدَدُ إنَّما صارَ سَبَبًا لِفِتْنَةِ الكُفّارِ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ الكُفّارَ يَسْتَهْزِئُونَ، يَقُولُونَ: لِمَ لَمْ يَكُونُوا عِشْرِينَ، وما المُقْتَضى لِتَخْصِيصِ هَذا العَدَدِ بِالوُجُودِ ؟ الثّانِي: أنَّ الكُفّارَ يَقُولُونَ هَذا العَدَدُ القَلِيلُ كَيْفَ يَكُونُونَ وافِينَ بِتَعْذِيبِ أكْثَرِ خَلْقِ العالَمِ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ مِن أوَّلِ ما خَلَقَ اللَّهُ إلى قِيامِ القِيامَةِ ؟ وأمّا أهْلُ الإيمانِ فَلا يَلْتَفِتُونَ إلى هَذَيْنِ السُّؤالَيْنِ. أمّا السُّؤالُ الأوَّلُ: فَلِأنَّ جُمْلَةَ العالَمِ مُتَناهِيَةٌ، فَلا بُدَّ وأنْ يَكُونَ لِلْجَواهِرِ الفَرْدَةِ الَّتِي مِنها تَألَّفَتْ جُمْلَةُ هَذا العالَمِ - عَدَدٌ مُعَيَّنٌ، وعِنْدَ ذَلِكَ يَجِيءُ ذَلِكَ السُّؤالُ، وهو أنَّهُ لِمَ خَصَّصَ ذَلِكَ العَدَدَ بِالإيجادِ، ولَمْ يَزِدْ عَلى ذَلِكَ العَدَدِ جَوْهَرٌ آخَرُ ولَمْ يُنْقِصْ، وكَذا القَوْلُ في إيجادِ العالَمِ، فَإنَّهُ لَمّا كانَ العالَمُ مُحْدَثًا والإلَهُ قَدِيمًا، فَقَدْ تَأخَّرَ العالَمُ عَنِ الصّانِعِ بِتَقْدِيرِ مُدَّةٍ غَيْرِ مُتَناهِيَةٍ، فَلِمَ لَمْ يَحْدُثِ العالَمُ قَبْلَ أنْ حَدَثَ بِتَقْدِيرِ لَحْظَةٍ أوْ بَعْدَ أنْ وُجِدَ بِتَقْدِيرِ لَحْظَةٍ ؟ وكَذا القَوْلُ في تَقْدِيرِ كُلِّ واحِدٍ مِنَ المُحْدَثاتِ بِزَمانِهِ المُعَيَّنِ، وكُلُّ واحِدٍ مِنَ الأجْسامِ بِأجْزائِهِ المَحْدُودَةِ المَعْدُودَةِ، ولا جَوابَ عَنْ شَيْءٍ مِن ذَلِكَ إلّا بِأنَّهُ قادِرٌ مُخْتارٌ، والمُخْتارُ لَهُ أنْ يُرَجِّحَ الشَّيْءَ عَلى مِثْلِهِ مِن غَيْرِ عِلَّةٍ، وإذا كانَ هَذا الجَوابُ هو المُعْتَمَدُ في خَلْقِ جُمْلَةِ العالَمِ، فَكَذا في تَخْصِيصِ زَبانِيَةِ النّارِ بِهَذا العَدَدِ. وأمّا السُّؤالُ الثّانِي فَضَعِيفٌ أيْضًا؛ لِأنَّهُ لا يَبْعُدُ في قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى أنْ يُعْطِيَ هَذا العَدَدَ مِنَ القُدْرَةِ والقُوَّةِ ما يَصِيرُونَ بِهِ قادِرِينَ عَلى تَعْذِيبِ جُمْلَةِ الخَلْقِ، ومُتَمَكِّنِينَ مِن ذَلِكَ مِن غَيْرِ خَلَلٍ، وبِالجُمْلَةِ فَمَدارُ هَذَيْنِ السُّؤالَيْنِ عَلى القَدْحِ في كَمالِ قُدْرَةِ اللَّهِ، فَأمّا مَنِ اعْتَرَفَ بِكَوْنِهِ تَعالى قادِرًا عَلى ما لا نِهايَةَ لَهُ مِنَ المَقْدُوراتِ، وعَلِمَ أنَّ أحْوالَ القِيامَةِ عَلى خِلافِ أحْوالِ الدُّنْيا زالَ عَنْ قَلْبِهِ هَذِهِ الِاسْتِبْعاداتُ بِالكُلِّيَّةِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ مَن قالَ: إنَّهُ تَعالى قَدْ يُرِيدُ الإضْلالَ بِهَذِهِ الآيَةِ، قالَ: لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وما جَعَلْنا عِدَّتَهم إلّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ صفحة ١٨١ يَدُلُّ عَلى أنَّ المَقْصُودَ الأصْلِيَّ إنَّما هو فِتْنَةُ الكافِرِينَ، أجابَتِ المُعْتَزِلَةُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: قالَ الجُبّائِيُّ: المُرادُ مِنَ الفِتْنَةِ تَشْدِيدُ التَّعَبُّدِ لِيَسْتَدِلُّوا ويَعْرِفُوا أنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى أنْ يُقَوِّيَ هَؤُلاءِ التِّسْعَةَ عَشَرَ عَلى ما لا يَقْوى عَلَيْهِ مِائَةُ ألْفِ مَلَكٍ أقْوِياءَ. وثانِيها: قالَ الكَعْبِيُّ: المُرادُ مِنَ الفِتْنَةِ الِامْتِحانُ حَتّى يُفَوِّضَ المُؤْمِنُونَ حِكْمَةَ التَّخْصِيصِ بِالعَدَدِ المُعَيَّنِ إلى عِلْمِ الخالِقِ سُبْحانَهُ، وهَذا مِنَ المُتَشابِهِ الَّذِي أُمِرُوا بِالإيمانِ بِهِ. وثالِثُها: أنَّ المُرادَ مِنَ الفِتْنَةِ ما وقَعُوا فِيهِ مِنَ الكُفْرِ بِسَبَبِ تَكْذِيبِهِمْ بِعَدَدِ الخَزَنَةِ، والمَعْنى: إلّا فِتْنَةً عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُكَذِّبُوا بِهِ، ولِيَقُولُوا ما قالُوا، وذَلِكَ عُقُوبَةٌ لَهم عَلى كُفْرِهِمْ، وحاصِلُهُ راجِعٌ إلى تَرْكِ الألْطافِ، والجَوابُ: أنَّهُ لا نِزاعَ في شَيْءٍ مِمّا ذَكَرْتُمْ، إلّا أنّا نَقُولُ: هَلْ لِإنْزالِ هَذِهِ المُتَشابِهاتِ أثَرٌ في تَقْوِيَةِ داعِيَةِ الكُفْرِ، أمْ لا ؟ فَإذا لَمْ يَكُنْ لَهُ أثَرٌ في تَقْوِيَةِ داعِيَةِ الكُفْرِ، كانَ إنْزالُها كَسائِرِ الأُمُورِ الأجْنَبِيَّةِ، فَلَمْ يَكُنْ لِلْقَوْلِ بِأنَّ إنْزالَ هَذِهِ المُتَشابِهاتِ فِتْنَةٌ لِلَّذِينِ كَفَرُوا وجْهٌ البَتَّةَ، وإنْ كانَ لَهُ أثَرٌ في تَقْوِيَةِ داعِيَةِ الكُفْرِ، فَقَدْ حَصَلَ المَقْصُودُ، لِأنَّهُ إذا تَرَجَّحَتْ داعِيَةُ الفِعْلِ، صارَتْ داعِيَةُ التَّرْكِ مَرْجُوحَةً، والمَرْجُوحُ يَمْتَنِعُ أنْ يُؤَثِّرَ، فالتَّرْكُ يَكُونُ مُمْتَنِعَ الوُقُوعِ، فَيَصِيرُ الفِعْلُ واجِبَ الوُقُوعِ، واللَّهُ أعْلَمُ، واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ المَقْصُودَ مِن إنْزالِ هَذا المُتَشابِهِ أُمُورٌ أرْبَعَةٌ: أوَّلُها: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ . وثانِيها: ﴿ويَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إيمانًا﴾ . وثالِثُها: ﴿ولا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ والمُؤْمِنُونَ﴾ . ورابِعُها: ﴿ولِيَقُولَ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ والكافِرُونَ ماذا أرادَ اللَّهُ بِهَذا مَثَلًا﴾ واعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن تَفْسِيرِ هَذِهِ الآياتِ لا يَتَلَخَّصُ إلّا بِسُؤالاتٍ وجَواباتٍ: السُّؤالُ الأوَّلُ: لَفْظُ القُرْآنِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى جَعَلَ افْتِتانَ الكُفّارِ بِعَدَدِ الزَّبانِيَةِ سَبَبًا لِهَذِهِ الأُمُورِ الأرْبَعَةِ، فَما الوَجْهُ في ذَلِكَ ؟ والجَوابُ: أنَّهُ ما جَعَلَ افْتِتانَهم بِالعَدَدِ سَبَبًا لِهَذِهِ الأشْياءِ، وبَيانُهُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: التَّقْدِيرُ: وما جَعَلْنا عِدَّتَهم إلّا فِتْنَةً لِلَّذِينِ كَفَرُوا، وإلّا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ، كَما يُقالُ: فَعَلْتُ كَذا لِتَعْظِيمِكَ ولِتَحْقِيرِ عَدُوِّكَ، قالُوا: والعاطِفَةُ قَدْ تُذْكَرُ في هَذا المَوْضِعِ تارَةً وقَدْ تُحْذَفُ أُخْرى. الثّانِي: أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿وما جَعَلْنا عِدَّتَهم إلّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ هو أنَّهُ وما جَعَلْنا عِدَّتَهم إلّا تِسْعَةَ عَشَرَ؛ إلّا أنَّهُ وضَعَ فِتْنَةً لِلَّذِينِ كَفَرُوا مَوْضِعَ تِسْعَةَ عَشَرَ؛ كَأنَّهُ عَبَّرَ عَنِ المُؤَثِّرِ بِاللَّفْظِ الدّالِّ عَلى الأثَرِ، تَنْبِيهًا عَلى أنَّ هَذا الأثَرَ مِن لَوازِمِ ذَلِكَ المُؤَثِّرِ. السُّؤالُ الثّانِي: ما وجْهُ تَأْثِيرِ إنْزالِ هَذا المُتَشابِهِ في اسْتِيقانِ أهْلِ الكِتابِ ؟ الجَوابُ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ هَذا العَدَدَ لَمّا كانَ مَوْجُودًا في كِتابِهِمْ، ثُمَّ إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أخْبَرَ عَلى وفْقِ ذَلِكَ مِن غَيْرِ سابِقَةِ دِراسَةٍ وتَعَلُّمٍ، فَظَهَرَ أنَّ ذَلِكَ إنَّما حَصَلَ بِسَبَبِ الوَحْيِ مِنَ السَّماءِ، فالَّذِينَ آمَنُوا بِمُحَمَّدٍ ﷺ مِن أهْلِ الكِتابِ يَزْدادُونَ بِهِ إيمانًا. وثانِيها: أنَّ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ كانا مُحَرَّفَيْنِ، فَأهْلُ الكِتابِ كانُوا يَقْرَءُونَ فِيهِما أنَّ عَدَدَ الزَّبانِيَةِ هو هَذا القَدْرُ، ولَكِنَّهم ما كانُوا يُعَوِّلُونَ عَلى ذَلِكَ كُلَّ التَّعْوِيلِ لِعِلْمِهِمْ بِتَطَرُّقِ التَّحْرِيفِ إلى هَذَيْنِ الكِتابَيْنِ، فَلَمّا سَمِعُوا ذَلِكَ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَوِيَ إيمانُهم بِذَلِكَ واسْتَيْقَنُوا أنَّ ذَلِكَ العَدَدَ هو الحَقُّ والصِّدْقُ. وثالِثُها: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يَعْلَمُ مِن حالِ قُرَيْشٍ أنَّهُ مَتى أخْبَرَهم بِهَذا العَدَدِ العَجِيبِ، فَإنَّهم يَسْتَهْزِئُونَ بِهِ ويَضْحَكُونَ مِنهُ، لِأنَّهم كانُوا يَسْتَهْزِئُونَ بِهِ في إثْباتِ التَّوْحِيدِ والقُدْرَةِ والعِلْمِ، مَعَ أنَّ تِلْكَ المَسائِلَ أوْضَحُ وأظْهَرُ فَكَيْفَ في ذِكْرِ هَذا العَدَدِ العَجِيبِ ؟ ثُمَّ إنَّ اسْتِهْزاءَهم بِرَسُولِ اللَّهِ وشِدَّةَ سُخْرِيَتِهِمْ بِهِ ما مَنَعَهُ مِن إظْهارِ هَذا الحَقِّ، فَعِنْدَ هَذا يَعْلَمُ كُلُّ أحَدٍ أنَّهُ لَوْ كانَ غَرَضُ مُحَمَّدٍ ﷺ طَلَبَ الدُّنْيا والرِّياسَةَ لاحْتَرَزَ عَنْ ذِكْرِ هَذا صفحة ١٨٢ العَدَدِ العَجِيبِ، فَلَمّا ذَكَرَهُ مَعَ عِلْمِهِ بِأنَّهم لا بُدَّ وأنْ يَسْتَهْزِئُوا بِهِ عَلِمَ كُلُّ عاقِلٍ أنَّ مَقْصُودَهُ مِنهُ إنَّما هو تَبْلِيغُ الوَحْيِ، وأنَّهُ ما كانَ يُبالِي في ذَلِكَ لا بِتَصْدِيقِ المُصَدِّقِينَ ولا بِتَكْذِيبِ المُكَذِّبِينَ. السُّؤالُ الثّالِثُ: ما تَأْثِيرُ هَذِهِ الواقِعَةِ في ازْدِيادِ إيمانِ المُؤْمِنِينَ ؟ الجَوابُ: أنَّ المُكَلَّفَ ما لَمْ يَسْتَحْضِرْ كَوْنَهُ تَعالى عالِمًا بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ غَنِيًّا عَنْ جَمِيعِ الحادِثاتِ مُنَزَّهًا عَنِ الكَذِبِ والخُلْفِ لا يُمْكِنُهُ أنْ يَنْقادَ لِهَذِهِ العِدَّةِ ويَعْتَرِفَ بِحَقِيقَتِها، فَإذا اشْتَغَلَ بِاسْتِحْضارِ تِلْكَ الدَّلائِلِ ثُمَّ جَعَلَ العِلْمَ الإجْمالِيَّ بِأنَّهُ صادِقٌ لا يَكْذِبُ حَكِيمٌ لا يَجْهَلُ دافِعًا لِلتَّعَجُّبِ الحاصِلِ في الطَّبْعِ مِن هَذا العَدَدِ العَجِيبِ، فَحِينَئِذٍ يُمْكِنُهُ أنْ يُؤْمِنَ بِحَقِيقَةِ هَذا العَدَدِ، ولا شَكَّ أنَّ المُؤْمِنَ يَصِيرُ عِنْدَ اعْتِبارِ هَذِهِ المَقاماتِ أشَدَّ اسْتِحْضارًا لِلدَّلائِلِ وأكْثَرَ انْقِيادًا لِلدِّينِ، فالمُرادُ بِازْدِيادِ الإيمانِ هَذا. السُّؤالُ الرّابِعُ: حَقِيقَةُ الإيمانِ عِنْدَكم لا تَقْبَلُ الزِّيادَةَ والنُّقْصانَ فَما قَوْلُكم في هَذِهِ الآيَةِ ؟ الجَوابُ: نَحْمِلُهُ عَلى ثَمَراتِ الإيمانِ وعَلى آثارِهِ ولَوازِمِهِ. السُّؤالُ الخامِسُ: لَمّا أُثْبِتَ الِاسْتِيقانُ لِأهْلِ الكِتابِ وأُثْبِتَ زِيادَةُ الإيمانِ لِلْمُؤْمِنِينَ، فَما الفائِدَةُ في قَوْلِهِ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿ولا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ والمُؤْمِنُونَ﴾ ؟ الجَوابُ: أنَّ المَطْلُوبَ إذا كانَ غامِضًا دَقِيقَ الحُجَّةِ كَثِيرَ الشُّبْهَةِ، فَإذا اجْتَهَدَ الإنْسانُ فِيهِ وحَصَلَ لَهُ اليَقِينُ فَرُبَّما غَفَلَ عَنْ مُقَدِّمَةٍ مِن مُقَدِّماتِ ذَلِكَ الدَّلِيلِ الدَّقِيقِ، فَيَعُودُ الشَّكُّ والشُّبْهَةُ، فَإثْباتُ اليَقِينِ في بَعْضِ الأحْوالِ لا يُنافِي طَرَيانِ الِارْتِيابِ بَعْدَ ذَلِكَ، فالمَقْصُودُ مِن إعادَةِ هَذا الكَلامِ هو أنَّهُ حَصَلَ لَهم يَقِينٌ جازِمٌ، بِحَيْثُ لا يَحْصُلُ عَقِيبَهُ البَتَّةَ شَكٌّ ولا رَيْبٌ. السُّؤالُ السّادِسُ: جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ قالُوا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ ﴿الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾: إنَّهُمُ الكافِرُونَ، وذَكَرَ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ البَجَلِيُّ أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ ولَمْ يَكُنْ بِمَكَّةَ نِفاقٌ، فالمَرَضُ في هَذِهِ الآيَةِ لَيْسَ بِمَعْنى النِّفاقِ، والجَوابُ: قَوْلُ المُفَسِّرِينَ حَقٌّ، وذَلِكَ لِأنَّهُ كانَ في مَعْلُومِ اللَّهِ تَعالى أنَّ النِّفاقَ سَيَحْدُثُ فَأخْبَرَ عَمّا سَيَكُونُ، وعَلى هَذا تَصِيرُ هَذِهِ الآيَةُ مُعْجِزَةً، لِأنَّهُ إخْبارٌ عَنْ غَيْبٍ سَيَقَعُ، وقَدْ وقَعَ عَلى وفْقِ الخَبَرِ فَيَكُونُ مُعْجِزًا، ويَجُوزُ أيْضًا أنْ يُرادَ بِالمَرَضِ الشَّكُّ؛ لِأنَّ أهْلَ مَكَّةَ كانَ أكْثَرُهم شاكِّينَ، وبَعْضُهم كانُوا قاطِعِينَ بِالكَذِبِ. السُّؤالُ السّابِعُ: هَبْ أنَّ الِاسْتِيقانَ وانْتِفاءَ الِارْتِيابِ يَصِحُّ أنْ يَكُونا مَقْصُودَيْنِ مِن إنْزالِ هَذا المُتَشابِهِ، فَكَيْفَ صَحَّ أنْ يَكُونَ قَوْلُ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ مَقْصُودًا ؟ الجَوابُ: أمّا عَلى أصْلِنا فَلا إشْكالَ لِأنَّهُ تَعالى يَهْدِي مَن يَشاءُ ويُضِلُّ مَن يَشاءُ، وسَيَأْتِي مَزِيدُ تَقْرِيرٍ لِهَذا في الآيَةِ الآتِيَةِ، وأمّا عِنْدَ المُعْتَزِلَةِ فَإنَّ هَذِهِ الحالَةَ لَمّا وقَعَتْ أشْبَهَتِ الغَرَضَ في كَوْنِهِ واقِعًا، فَأُدْخِلَ عَلَيْهِ حَرْفُ اللّامِ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ﴾ [ الأعْرافِ: ١٧٩] . السُّؤالُ الثّامِنُ: لِمَ سَمَّوْهُ مَثَلًا ؟ الجَوابُ: أنَّهُ لَمّا كانَ هَذا العَدَدُ عَدَدًا عَجِيبًا ظَنَّ القَوْمُ أنَّهُ رُبَّما لَمْ يَكُنْ مُرادُ اللَّهِ مِنهُ ما أشْعَرَ بِهِ ظاهِرُهُ بَلْ جَعَلَهُ مَثَلًا لِشَيْءٍ آخَرَ وتَنْبِيهًا عَلى مَقْصُودٍ آخَرَ لا جَرَمَ سَمَّوْهُ مَثَلًا. السُّؤالُ التّاسِعُ: القَوْمُ كانُوا يُنْكِرُونَ كَوْنَ القُرْآنِ مِن عِنْدِ اللَّهِ، فَكَيْفَ قالُوا: ماذا أرادَ اللَّهُ بِهَذا مَثَلًا ؟ الجَوابُ: أمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ، وهُمُ المُنافِقُونَ فَكانُوا في الظّاهِرِ مُعْتَرِفِينَ بِأنَّ القُرْآنَ مِن عِنْدِ اللَّهِ فَلا جَرَمَ قالُوا ذَلِكَ بِاللِّسانِ، وأمّا الكُفّارُ فَقالُوهُ عَلى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ أوْ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِدْلالِ بِأنَّ القُرْآنَ لَوْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ لَما قالَ مِثْلَ هَذا الكَلامِ. صفحة ١٨٣ * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ وجْهُ الِاسْتِدْلالِ بِالآيَةِ لِلْأصْحابِ ظاهِرٌ لِأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في أوَّلِ الآيَةِ قَوْلَهُ: ﴿وما جَعَلْنا عِدَّتَهم إلّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ثُمَّ ذَكَرَ في آخِرِ الآيَةِ: ﴿ولِيَقُولَ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ والكافِرُونَ ماذا أرادَ اللَّهُ بِهَذا مَثَلًا﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ . أمّا المُعْتَزِلَةُ فَقَدْ ذَكَرُوا الوُجُوهَ المَشْهُورَةَ الَّتِي لَهم: أحَدُها: أنَّ المُرادَ مِنَ الإضْلالِ مَنعُ الألْطافِ. وثانِيها: أنَّهُ لَمّا اهْتَدى قَوْمٌ بِاخْتِيارِهِمْ عِنْدَ نُزُولِ هَذِهِ الآياتِ وضَلَّ قَوْمٌ بِاخْتِيارِهِمْ عِنْدَ نُزُولِها أشْبَهَ ذَلِكَ أنَّ المُؤَثِّرَ في ذَلِكَ الِاهْتِداءِ وذَلِكَ الإضْلالِ هو هَذِهِ الآياتُ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿فَزادَتْهم إيمانًا﴾ وكَقَوْلِهِ: ﴿فَزادَتْهم رِجْسًا﴾ . وثالِثُها: أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿يُضِلُّ﴾ ومِن قَوْلِهِ: ﴿ويَهْدِي﴾ - حُكْمُ اللَّهُ بِكَوْنِهِ ضالًّا وبِكَوْنِهِ مُهْتَدِيًا. ورابِعُها: أنَّهُ تَعالى يُضِلُّهم يَوْمَ القِيامَةِ عَنْ دارِ الثَّوابِ، وهَذِهِ الكَلِماتُ مَعَ أجْوِبَتِها تَقَدَّمَتْ في سُورَةِ البَقَرَةِ في قَوْلِهِ: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا ويَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ [ البَقَرَةِ: ٢٦] . * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إلّا هُوَ﴾ فِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: وهو الأوْلى أنَّ القَوْمَ اسْتَقْبَلُوا ذَلِكَ العَدَدَ، فَقالَ تَعالى: ﴿وما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إلّا هُوَ﴾ فَهَبْ أنَّ هَؤُلاءِ تِسْعَةَ عَشَرَ إلّا أنَّ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهم مِنَ الأعْوانِ والجُنُودِ ما لا يَعْلَمُ عَدَدَهم إلّا اللَّهُ. وثانِيها: وما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ لِفَرْطِ كَثْرَتِها إلّا هو، فَلا يَعِزُّ عَلَيْهِ تَتْمِيمُ الخَزَنَةِ عِشْرِينَ، ولَكِنَّ لَهُ في هَذا العَدَدِ حِكْمَةً لا يَعْلَمُها الخَلْقُ وهو جَلَّ جَلالُهُ يَعْلَمُها. وثالِثُها: أنَّهُ لا حاجَةَ بِاللَّهِ سُبْحانَهُ في تَعْذِيبِ الكُفّارِ والفُسّاقِ إلى هَؤُلاءِ الخَزَنَةِ، فَإنَّهُ هو الَّذِي يُعَذِّبُهم في الحَقِيقَةِ، وهو الَّذِي يَخْلُقُ الآلامَ فِيهِمْ، ولَوْ أنَّهُ تَعالى قَلَّبَ شَعْرَةً في عَيْنِ ابْنِ آدَمَ أوْ سَلَّطَ الألَمَ عَلى عِرْقٍ واحِدٍ مِن عُرُوقِ بَدَنِهِ لَكَفاهُ ذَلِكَ بَلاءً ومِحْنَةً، فَلا يَلْزَمُ مِن تَقْلِيلِ عَدَدِ الخَزَنَةِ قِلَّةُ العَذابِ، فَجُنُودُ اللَّهِ غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ لِأنَّ مَقْدُوراتِهِ غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما هي إلّا ذِكْرى لِلْبَشَرِ﴾ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ ﴿وما هِيَ﴾ إلى ماذا يَعُودُ ؟ فِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ عائِدٌ إلى ”سَقَرَ“، والمَعْنى: وما سَقَرُ وصِفَتُها إلّا تَذْكِرَةٌ لِلْبَشَرِ. والثّانِي: أنَّهُ عائِدٌ إلى هَذِهِ الآياتِ المُشْتَمِلَةِ عَلى هَذِهِ المُتَشابِهاتِ، وهي ذِكْرى لِجَمِيعِ العالَمِينَ، وإنْ كانَ المُنْتَفِعُ بِها لَيْسَ إلّا أهْلَ الإيمانِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿كَلّا﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: أنَّهُ إنْكارٌ بَعْدَ أنْ جَعَلَها ذِكْرًى، أنْ تَكُونَ لَهم ذِكْرًى لِأنَّهم لا يَتَذَكَّرُونَ. وثانِيها: أنَّهُ رَدْعٌ لِمَن يُنْكِرُ أنْ يَكُونَ إحْدى الكُبَرِ نَذِيرًا. وثالِثُها: أنَّهُ رَدْعٌ لِقَوْلِ أبِي جَهْلٍ وأصْحابِهِ: إنَّهم يَقْدِرُونَ عَلى مُقاوَمَةِ خَزَنَةِ النّارِ. ورابِعُها: أنَّهُ رَدْعٌ لَهم عَنِ الِاسْتِهْزاءِ بِالعُدَّةِ المَخْصُوصَةِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿والقَمَرِ﴾ ﴿واللَّيْلِ إذْ أدْبَرَ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: دَبَرَ وأدْبَرَ بِمَعْنًى واحِدٍ كَقَبَلَ وأقْبَلَ، ويَدُلُّ عَلى هَذا قِراءَةُ مَن قَرَأ ”إذا دَبَرَ“ ورُوِيَ أنَّ مُجاهِدًا سَألَ ابْنَ عَبّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ ”دَبَرَ“ فَسَكَتَ حَتّى إذا أدْبَرَ اللَّيْلُ قالَ: يا مُجاهِدُ هَذا حِينَ دَبَرَ اللَّيْلُ، ورَوى أبُو الضُّحى أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ كانَ يَعِيبُ هَذِهِ صفحة ١٨٤ القِراءَةَ، ويَقُولُ: إنَّما يَدْبُرُ ظَهْرُ البَعِيرِ، قالَ الواحِدِيُّ: والقِراءَتانِ عِنْدَ أهْلِ اللُّغَةِ سَواءٌ عَلى ما ذَكَرْنا، وأنْشَدَ أبُو عَلِيٍّ: وأبى الَّذِي تَرَكَ المُلُوكَ وجَمْعَهم بِصِهابِ هامِدَةٍ كَأمْسِ الدّابِرِ القَوْلُ الثّانِي: قالَ أبُو عُبَيْدَةَ وابْنُ قُتَيْبَةَ: دَبَرَ أيْ جاءَ بَعْدَ النَّهارِ، يُقالُ: دَبَرَنِي أيْ جاءَ خَلْفِي، ودَبَرَ اللَّيْلُ أيْ جاءَ بَعْدَ النَّهارِ، قالَ قُطْرُبٌ: فَعَلى هَذا مَعْنى إذا دَبَرَ إذا أقْبَلَ بَعْدَ مُضِيِّ النَّهارِ.

المدثر 74:32

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما جَعَلْنا أصْحابَ النّارِ إلّا مَلائِكَةً وما جَعَلْنا عِدَّتَهم إلّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ ويَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إيمانًا ولا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ والمُؤْمِنُونَ ولِيَقُولَ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ والكافِرُونَ ماذا أرادَ اللَّهُ بِهَذا مَثَلًا﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: هَذا العَدَدُ إنَّما صارَ سَبَبًا لِفِتْنَةِ الكُفّارِ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ الكُفّارَ يَسْتَهْزِئُونَ، يَقُولُونَ: لِمَ لَمْ يَكُونُوا عِشْرِينَ، وما المُقْتَضى لِتَخْصِيصِ هَذا العَدَدِ بِالوُجُودِ ؟ الثّانِي: أنَّ الكُفّارَ يَقُولُونَ هَذا العَدَدُ القَلِيلُ كَيْفَ يَكُونُونَ وافِينَ بِتَعْذِيبِ أكْثَرِ خَلْقِ العالَمِ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ مِن أوَّلِ ما خَلَقَ اللَّهُ إلى قِيامِ القِيامَةِ ؟ وأمّا أهْلُ الإيمانِ فَلا يَلْتَفِتُونَ إلى هَذَيْنِ السُّؤالَيْنِ. أمّا السُّؤالُ الأوَّلُ: فَلِأنَّ جُمْلَةَ العالَمِ مُتَناهِيَةٌ، فَلا بُدَّ وأنْ يَكُونَ لِلْجَواهِرِ الفَرْدَةِ الَّتِي مِنها تَألَّفَتْ جُمْلَةُ هَذا العالَمِ - عَدَدٌ مُعَيَّنٌ، وعِنْدَ ذَلِكَ يَجِيءُ ذَلِكَ السُّؤالُ، وهو أنَّهُ لِمَ خَصَّصَ ذَلِكَ العَدَدَ بِالإيجادِ، ولَمْ يَزِدْ عَلى ذَلِكَ العَدَدِ جَوْهَرٌ آخَرُ ولَمْ يُنْقِصْ، وكَذا القَوْلُ في إيجادِ العالَمِ، فَإنَّهُ لَمّا كانَ العالَمُ مُحْدَثًا والإلَهُ قَدِيمًا، فَقَدْ تَأخَّرَ العالَمُ عَنِ الصّانِعِ بِتَقْدِيرِ مُدَّةٍ غَيْرِ مُتَناهِيَةٍ، فَلِمَ لَمْ يَحْدُثِ العالَمُ قَبْلَ أنْ حَدَثَ بِتَقْدِيرِ لَحْظَةٍ أوْ بَعْدَ أنْ وُجِدَ بِتَقْدِيرِ لَحْظَةٍ ؟ وكَذا القَوْلُ في تَقْدِيرِ كُلِّ واحِدٍ مِنَ المُحْدَثاتِ بِزَمانِهِ المُعَيَّنِ، وكُلُّ واحِدٍ مِنَ الأجْسامِ بِأجْزائِهِ المَحْدُودَةِ المَعْدُودَةِ، ولا جَوابَ عَنْ شَيْءٍ مِن ذَلِكَ إلّا بِأنَّهُ قادِرٌ مُخْتارٌ، والمُخْتارُ لَهُ أنْ يُرَجِّحَ الشَّيْءَ عَلى مِثْلِهِ مِن غَيْرِ عِلَّةٍ، وإذا كانَ هَذا الجَوابُ هو المُعْتَمَدُ في خَلْقِ جُمْلَةِ العالَمِ، فَكَذا في تَخْصِيصِ زَبانِيَةِ النّارِ بِهَذا العَدَدِ. وأمّا السُّؤالُ الثّانِي فَضَعِيفٌ أيْضًا؛ لِأنَّهُ لا يَبْعُدُ في قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى أنْ يُعْطِيَ هَذا العَدَدَ مِنَ القُدْرَةِ والقُوَّةِ ما يَصِيرُونَ بِهِ قادِرِينَ عَلى تَعْذِيبِ جُمْلَةِ الخَلْقِ، ومُتَمَكِّنِينَ مِن ذَلِكَ مِن غَيْرِ خَلَلٍ، وبِالجُمْلَةِ فَمَدارُ هَذَيْنِ السُّؤالَيْنِ عَلى القَدْحِ في كَمالِ قُدْرَةِ اللَّهِ، فَأمّا مَنِ اعْتَرَفَ بِكَوْنِهِ تَعالى قادِرًا عَلى ما لا نِهايَةَ لَهُ مِنَ المَقْدُوراتِ، وعَلِمَ أنَّ أحْوالَ القِيامَةِ عَلى خِلافِ أحْوالِ الدُّنْيا زالَ عَنْ قَلْبِهِ هَذِهِ الِاسْتِبْعاداتُ بِالكُلِّيَّةِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ مَن قالَ: إنَّهُ تَعالى قَدْ يُرِيدُ الإضْلالَ بِهَذِهِ الآيَةِ، قالَ: لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وما جَعَلْنا عِدَّتَهم إلّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ صفحة ١٨١ يَدُلُّ عَلى أنَّ المَقْصُودَ الأصْلِيَّ إنَّما هو فِتْنَةُ الكافِرِينَ، أجابَتِ المُعْتَزِلَةُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: قالَ الجُبّائِيُّ: المُرادُ مِنَ الفِتْنَةِ تَشْدِيدُ التَّعَبُّدِ لِيَسْتَدِلُّوا ويَعْرِفُوا أنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى أنْ يُقَوِّيَ هَؤُلاءِ التِّسْعَةَ عَشَرَ عَلى ما لا يَقْوى عَلَيْهِ مِائَةُ ألْفِ مَلَكٍ أقْوِياءَ. وثانِيها: قالَ الكَعْبِيُّ: المُرادُ مِنَ الفِتْنَةِ الِامْتِحانُ حَتّى يُفَوِّضَ المُؤْمِنُونَ حِكْمَةَ التَّخْصِيصِ بِالعَدَدِ المُعَيَّنِ إلى عِلْمِ الخالِقِ سُبْحانَهُ، وهَذا مِنَ المُتَشابِهِ الَّذِي أُمِرُوا بِالإيمانِ بِهِ. وثالِثُها: أنَّ المُرادَ مِنَ الفِتْنَةِ ما وقَعُوا فِيهِ مِنَ الكُفْرِ بِسَبَبِ تَكْذِيبِهِمْ بِعَدَدِ الخَزَنَةِ، والمَعْنى: إلّا فِتْنَةً عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُكَذِّبُوا بِهِ، ولِيَقُولُوا ما قالُوا، وذَلِكَ عُقُوبَةٌ لَهم عَلى كُفْرِهِمْ، وحاصِلُهُ راجِعٌ إلى تَرْكِ الألْطافِ، والجَوابُ: أنَّهُ لا نِزاعَ في شَيْءٍ مِمّا ذَكَرْتُمْ، إلّا أنّا نَقُولُ: هَلْ لِإنْزالِ هَذِهِ المُتَشابِهاتِ أثَرٌ في تَقْوِيَةِ داعِيَةِ الكُفْرِ، أمْ لا ؟ فَإذا لَمْ يَكُنْ لَهُ أثَرٌ في تَقْوِيَةِ داعِيَةِ الكُفْرِ، كانَ إنْزالُها كَسائِرِ الأُمُورِ الأجْنَبِيَّةِ، فَلَمْ يَكُنْ لِلْقَوْلِ بِأنَّ إنْزالَ هَذِهِ المُتَشابِهاتِ فِتْنَةٌ لِلَّذِينِ كَفَرُوا وجْهٌ البَتَّةَ، وإنْ كانَ لَهُ أثَرٌ في تَقْوِيَةِ داعِيَةِ الكُفْرِ، فَقَدْ حَصَلَ المَقْصُودُ، لِأنَّهُ إذا تَرَجَّحَتْ داعِيَةُ الفِعْلِ، صارَتْ داعِيَةُ التَّرْكِ مَرْجُوحَةً، والمَرْجُوحُ يَمْتَنِعُ أنْ يُؤَثِّرَ، فالتَّرْكُ يَكُونُ مُمْتَنِعَ الوُقُوعِ، فَيَصِيرُ الفِعْلُ واجِبَ الوُقُوعِ، واللَّهُ أعْلَمُ، واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ المَقْصُودَ مِن إنْزالِ هَذا المُتَشابِهِ أُمُورٌ أرْبَعَةٌ: أوَّلُها: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ . وثانِيها: ﴿ويَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إيمانًا﴾ . وثالِثُها: ﴿ولا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ والمُؤْمِنُونَ﴾ . ورابِعُها: ﴿ولِيَقُولَ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ والكافِرُونَ ماذا أرادَ اللَّهُ بِهَذا مَثَلًا﴾ واعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن تَفْسِيرِ هَذِهِ الآياتِ لا يَتَلَخَّصُ إلّا بِسُؤالاتٍ وجَواباتٍ: السُّؤالُ الأوَّلُ: لَفْظُ القُرْآنِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى جَعَلَ افْتِتانَ الكُفّارِ بِعَدَدِ الزَّبانِيَةِ سَبَبًا لِهَذِهِ الأُمُورِ الأرْبَعَةِ، فَما الوَجْهُ في ذَلِكَ ؟ والجَوابُ: أنَّهُ ما جَعَلَ افْتِتانَهم بِالعَدَدِ سَبَبًا لِهَذِهِ الأشْياءِ، وبَيانُهُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: التَّقْدِيرُ: وما جَعَلْنا عِدَّتَهم إلّا فِتْنَةً لِلَّذِينِ كَفَرُوا، وإلّا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ، كَما يُقالُ: فَعَلْتُ كَذا لِتَعْظِيمِكَ ولِتَحْقِيرِ عَدُوِّكَ، قالُوا: والعاطِفَةُ قَدْ تُذْكَرُ في هَذا المَوْضِعِ تارَةً وقَدْ تُحْذَفُ أُخْرى. الثّانِي: أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿وما جَعَلْنا عِدَّتَهم إلّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ هو أنَّهُ وما جَعَلْنا عِدَّتَهم إلّا تِسْعَةَ عَشَرَ؛ إلّا أنَّهُ وضَعَ فِتْنَةً لِلَّذِينِ كَفَرُوا مَوْضِعَ تِسْعَةَ عَشَرَ؛ كَأنَّهُ عَبَّرَ عَنِ المُؤَثِّرِ بِاللَّفْظِ الدّالِّ عَلى الأثَرِ، تَنْبِيهًا عَلى أنَّ هَذا الأثَرَ مِن لَوازِمِ ذَلِكَ المُؤَثِّرِ. السُّؤالُ الثّانِي: ما وجْهُ تَأْثِيرِ إنْزالِ هَذا المُتَشابِهِ في اسْتِيقانِ أهْلِ الكِتابِ ؟ الجَوابُ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ هَذا العَدَدَ لَمّا كانَ مَوْجُودًا في كِتابِهِمْ، ثُمَّ إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أخْبَرَ عَلى وفْقِ ذَلِكَ مِن غَيْرِ سابِقَةِ دِراسَةٍ وتَعَلُّمٍ، فَظَهَرَ أنَّ ذَلِكَ إنَّما حَصَلَ بِسَبَبِ الوَحْيِ مِنَ السَّماءِ، فالَّذِينَ آمَنُوا بِمُحَمَّدٍ ﷺ مِن أهْلِ الكِتابِ يَزْدادُونَ بِهِ إيمانًا. وثانِيها: أنَّ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ كانا مُحَرَّفَيْنِ، فَأهْلُ الكِتابِ كانُوا يَقْرَءُونَ فِيهِما أنَّ عَدَدَ الزَّبانِيَةِ هو هَذا القَدْرُ، ولَكِنَّهم ما كانُوا يُعَوِّلُونَ عَلى ذَلِكَ كُلَّ التَّعْوِيلِ لِعِلْمِهِمْ بِتَطَرُّقِ التَّحْرِيفِ إلى هَذَيْنِ الكِتابَيْنِ، فَلَمّا سَمِعُوا ذَلِكَ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَوِيَ إيمانُهم بِذَلِكَ واسْتَيْقَنُوا أنَّ ذَلِكَ العَدَدَ هو الحَقُّ والصِّدْقُ. وثالِثُها: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يَعْلَمُ مِن حالِ قُرَيْشٍ أنَّهُ مَتى أخْبَرَهم بِهَذا العَدَدِ العَجِيبِ، فَإنَّهم يَسْتَهْزِئُونَ بِهِ ويَضْحَكُونَ مِنهُ، لِأنَّهم كانُوا يَسْتَهْزِئُونَ بِهِ في إثْباتِ التَّوْحِيدِ والقُدْرَةِ والعِلْمِ، مَعَ أنَّ تِلْكَ المَسائِلَ أوْضَحُ وأظْهَرُ فَكَيْفَ في ذِكْرِ هَذا العَدَدِ العَجِيبِ ؟ ثُمَّ إنَّ اسْتِهْزاءَهم بِرَسُولِ اللَّهِ وشِدَّةَ سُخْرِيَتِهِمْ بِهِ ما مَنَعَهُ مِن إظْهارِ هَذا الحَقِّ، فَعِنْدَ هَذا يَعْلَمُ كُلُّ أحَدٍ أنَّهُ لَوْ كانَ غَرَضُ مُحَمَّدٍ ﷺ طَلَبَ الدُّنْيا والرِّياسَةَ لاحْتَرَزَ عَنْ ذِكْرِ هَذا صفحة ١٨٢ العَدَدِ العَجِيبِ، فَلَمّا ذَكَرَهُ مَعَ عِلْمِهِ بِأنَّهم لا بُدَّ وأنْ يَسْتَهْزِئُوا بِهِ عَلِمَ كُلُّ عاقِلٍ أنَّ مَقْصُودَهُ مِنهُ إنَّما هو تَبْلِيغُ الوَحْيِ، وأنَّهُ ما كانَ يُبالِي في ذَلِكَ لا بِتَصْدِيقِ المُصَدِّقِينَ ولا بِتَكْذِيبِ المُكَذِّبِينَ. السُّؤالُ الثّالِثُ: ما تَأْثِيرُ هَذِهِ الواقِعَةِ في ازْدِيادِ إيمانِ المُؤْمِنِينَ ؟ الجَوابُ: أنَّ المُكَلَّفَ ما لَمْ يَسْتَحْضِرْ كَوْنَهُ تَعالى عالِمًا بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ غَنِيًّا عَنْ جَمِيعِ الحادِثاتِ مُنَزَّهًا عَنِ الكَذِبِ والخُلْفِ لا يُمْكِنُهُ أنْ يَنْقادَ لِهَذِهِ العِدَّةِ ويَعْتَرِفَ بِحَقِيقَتِها، فَإذا اشْتَغَلَ بِاسْتِحْضارِ تِلْكَ الدَّلائِلِ ثُمَّ جَعَلَ العِلْمَ الإجْمالِيَّ بِأنَّهُ صادِقٌ لا يَكْذِبُ حَكِيمٌ لا يَجْهَلُ دافِعًا لِلتَّعَجُّبِ الحاصِلِ في الطَّبْعِ مِن هَذا العَدَدِ العَجِيبِ، فَحِينَئِذٍ يُمْكِنُهُ أنْ يُؤْمِنَ بِحَقِيقَةِ هَذا العَدَدِ، ولا شَكَّ أنَّ المُؤْمِنَ يَصِيرُ عِنْدَ اعْتِبارِ هَذِهِ المَقاماتِ أشَدَّ اسْتِحْضارًا لِلدَّلائِلِ وأكْثَرَ انْقِيادًا لِلدِّينِ، فالمُرادُ بِازْدِيادِ الإيمانِ هَذا. السُّؤالُ الرّابِعُ: حَقِيقَةُ الإيمانِ عِنْدَكم لا تَقْبَلُ الزِّيادَةَ والنُّقْصانَ فَما قَوْلُكم في هَذِهِ الآيَةِ ؟ الجَوابُ: نَحْمِلُهُ عَلى ثَمَراتِ الإيمانِ وعَلى آثارِهِ ولَوازِمِهِ. السُّؤالُ الخامِسُ: لَمّا أُثْبِتَ الِاسْتِيقانُ لِأهْلِ الكِتابِ وأُثْبِتَ زِيادَةُ الإيمانِ لِلْمُؤْمِنِينَ، فَما الفائِدَةُ في قَوْلِهِ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿ولا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ والمُؤْمِنُونَ﴾ ؟ الجَوابُ: أنَّ المَطْلُوبَ إذا كانَ غامِضًا دَقِيقَ الحُجَّةِ كَثِيرَ الشُّبْهَةِ، فَإذا اجْتَهَدَ الإنْسانُ فِيهِ وحَصَلَ لَهُ اليَقِينُ فَرُبَّما غَفَلَ عَنْ مُقَدِّمَةٍ مِن مُقَدِّماتِ ذَلِكَ الدَّلِيلِ الدَّقِيقِ، فَيَعُودُ الشَّكُّ والشُّبْهَةُ، فَإثْباتُ اليَقِينِ في بَعْضِ الأحْوالِ لا يُنافِي طَرَيانِ الِارْتِيابِ بَعْدَ ذَلِكَ، فالمَقْصُودُ مِن إعادَةِ هَذا الكَلامِ هو أنَّهُ حَصَلَ لَهم يَقِينٌ جازِمٌ، بِحَيْثُ لا يَحْصُلُ عَقِيبَهُ البَتَّةَ شَكٌّ ولا رَيْبٌ. السُّؤالُ السّادِسُ: جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ قالُوا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ ﴿الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾: إنَّهُمُ الكافِرُونَ، وذَكَرَ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ البَجَلِيُّ أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ ولَمْ يَكُنْ بِمَكَّةَ نِفاقٌ، فالمَرَضُ في هَذِهِ الآيَةِ لَيْسَ بِمَعْنى النِّفاقِ، والجَوابُ: قَوْلُ المُفَسِّرِينَ حَقٌّ، وذَلِكَ لِأنَّهُ كانَ في مَعْلُومِ اللَّهِ تَعالى أنَّ النِّفاقَ سَيَحْدُثُ فَأخْبَرَ عَمّا سَيَكُونُ، وعَلى هَذا تَصِيرُ هَذِهِ الآيَةُ مُعْجِزَةً، لِأنَّهُ إخْبارٌ عَنْ غَيْبٍ سَيَقَعُ، وقَدْ وقَعَ عَلى وفْقِ الخَبَرِ فَيَكُونُ مُعْجِزًا، ويَجُوزُ أيْضًا أنْ يُرادَ بِالمَرَضِ الشَّكُّ؛ لِأنَّ أهْلَ مَكَّةَ كانَ أكْثَرُهم شاكِّينَ، وبَعْضُهم كانُوا قاطِعِينَ بِالكَذِبِ. السُّؤالُ السّابِعُ: هَبْ أنَّ الِاسْتِيقانَ وانْتِفاءَ الِارْتِيابِ يَصِحُّ أنْ يَكُونا مَقْصُودَيْنِ مِن إنْزالِ هَذا المُتَشابِهِ، فَكَيْفَ صَحَّ أنْ يَكُونَ قَوْلُ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ مَقْصُودًا ؟ الجَوابُ: أمّا عَلى أصْلِنا فَلا إشْكالَ لِأنَّهُ تَعالى يَهْدِي مَن يَشاءُ ويُضِلُّ مَن يَشاءُ، وسَيَأْتِي مَزِيدُ تَقْرِيرٍ لِهَذا في الآيَةِ الآتِيَةِ، وأمّا عِنْدَ المُعْتَزِلَةِ فَإنَّ هَذِهِ الحالَةَ لَمّا وقَعَتْ أشْبَهَتِ الغَرَضَ في كَوْنِهِ واقِعًا، فَأُدْخِلَ عَلَيْهِ حَرْفُ اللّامِ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ﴾ [ الأعْرافِ: ١٧٩] . السُّؤالُ الثّامِنُ: لِمَ سَمَّوْهُ مَثَلًا ؟ الجَوابُ: أنَّهُ لَمّا كانَ هَذا العَدَدُ عَدَدًا عَجِيبًا ظَنَّ القَوْمُ أنَّهُ رُبَّما لَمْ يَكُنْ مُرادُ اللَّهِ مِنهُ ما أشْعَرَ بِهِ ظاهِرُهُ بَلْ جَعَلَهُ مَثَلًا لِشَيْءٍ آخَرَ وتَنْبِيهًا عَلى مَقْصُودٍ آخَرَ لا جَرَمَ سَمَّوْهُ مَثَلًا. السُّؤالُ التّاسِعُ: القَوْمُ كانُوا يُنْكِرُونَ كَوْنَ القُرْآنِ مِن عِنْدِ اللَّهِ، فَكَيْفَ قالُوا: ماذا أرادَ اللَّهُ بِهَذا مَثَلًا ؟ الجَوابُ: أمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ، وهُمُ المُنافِقُونَ فَكانُوا في الظّاهِرِ مُعْتَرِفِينَ بِأنَّ القُرْآنَ مِن عِنْدِ اللَّهِ فَلا جَرَمَ قالُوا ذَلِكَ بِاللِّسانِ، وأمّا الكُفّارُ فَقالُوهُ عَلى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ أوْ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِدْلالِ بِأنَّ القُرْآنَ لَوْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ لَما قالَ مِثْلَ هَذا الكَلامِ. صفحة ١٨٣ * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ وجْهُ الِاسْتِدْلالِ بِالآيَةِ لِلْأصْحابِ ظاهِرٌ لِأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في أوَّلِ الآيَةِ قَوْلَهُ: ﴿وما جَعَلْنا عِدَّتَهم إلّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ثُمَّ ذَكَرَ في آخِرِ الآيَةِ: ﴿ولِيَقُولَ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ والكافِرُونَ ماذا أرادَ اللَّهُ بِهَذا مَثَلًا﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ . أمّا المُعْتَزِلَةُ فَقَدْ ذَكَرُوا الوُجُوهَ المَشْهُورَةَ الَّتِي لَهم: أحَدُها: أنَّ المُرادَ مِنَ الإضْلالِ مَنعُ الألْطافِ. وثانِيها: أنَّهُ لَمّا اهْتَدى قَوْمٌ بِاخْتِيارِهِمْ عِنْدَ نُزُولِ هَذِهِ الآياتِ وضَلَّ قَوْمٌ بِاخْتِيارِهِمْ عِنْدَ نُزُولِها أشْبَهَ ذَلِكَ أنَّ المُؤَثِّرَ في ذَلِكَ الِاهْتِداءِ وذَلِكَ الإضْلالِ هو هَذِهِ الآياتُ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿فَزادَتْهم إيمانًا﴾ وكَقَوْلِهِ: ﴿فَزادَتْهم رِجْسًا﴾ . وثالِثُها: أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿يُضِلُّ﴾ ومِن قَوْلِهِ: ﴿ويَهْدِي﴾ - حُكْمُ اللَّهُ بِكَوْنِهِ ضالًّا وبِكَوْنِهِ مُهْتَدِيًا. ورابِعُها: أنَّهُ تَعالى يُضِلُّهم يَوْمَ القِيامَةِ عَنْ دارِ الثَّوابِ، وهَذِهِ الكَلِماتُ مَعَ أجْوِبَتِها تَقَدَّمَتْ في سُورَةِ البَقَرَةِ في قَوْلِهِ: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا ويَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ [ البَقَرَةِ: ٢٦] . * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إلّا هُوَ﴾ فِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: وهو الأوْلى أنَّ القَوْمَ اسْتَقْبَلُوا ذَلِكَ العَدَدَ، فَقالَ تَعالى: ﴿وما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إلّا هُوَ﴾ فَهَبْ أنَّ هَؤُلاءِ تِسْعَةَ عَشَرَ إلّا أنَّ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهم مِنَ الأعْوانِ والجُنُودِ ما لا يَعْلَمُ عَدَدَهم إلّا اللَّهُ. وثانِيها: وما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ لِفَرْطِ كَثْرَتِها إلّا هو، فَلا يَعِزُّ عَلَيْهِ تَتْمِيمُ الخَزَنَةِ عِشْرِينَ، ولَكِنَّ لَهُ في هَذا العَدَدِ حِكْمَةً لا يَعْلَمُها الخَلْقُ وهو جَلَّ جَلالُهُ يَعْلَمُها. وثالِثُها: أنَّهُ لا حاجَةَ بِاللَّهِ سُبْحانَهُ في تَعْذِيبِ الكُفّارِ والفُسّاقِ إلى هَؤُلاءِ الخَزَنَةِ، فَإنَّهُ هو الَّذِي يُعَذِّبُهم في الحَقِيقَةِ، وهو الَّذِي يَخْلُقُ الآلامَ فِيهِمْ، ولَوْ أنَّهُ تَعالى قَلَّبَ شَعْرَةً في عَيْنِ ابْنِ آدَمَ أوْ سَلَّطَ الألَمَ عَلى عِرْقٍ واحِدٍ مِن عُرُوقِ بَدَنِهِ لَكَفاهُ ذَلِكَ بَلاءً ومِحْنَةً، فَلا يَلْزَمُ مِن تَقْلِيلِ عَدَدِ الخَزَنَةِ قِلَّةُ العَذابِ، فَجُنُودُ اللَّهِ غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ لِأنَّ مَقْدُوراتِهِ غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما هي إلّا ذِكْرى لِلْبَشَرِ﴾ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ ﴿وما هِيَ﴾ إلى ماذا يَعُودُ ؟ فِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ عائِدٌ إلى ”سَقَرَ“، والمَعْنى: وما سَقَرُ وصِفَتُها إلّا تَذْكِرَةٌ لِلْبَشَرِ. والثّانِي: أنَّهُ عائِدٌ إلى هَذِهِ الآياتِ المُشْتَمِلَةِ عَلى هَذِهِ المُتَشابِهاتِ، وهي ذِكْرى لِجَمِيعِ العالَمِينَ، وإنْ كانَ المُنْتَفِعُ بِها لَيْسَ إلّا أهْلَ الإيمانِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿كَلّا﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: أنَّهُ إنْكارٌ بَعْدَ أنْ جَعَلَها ذِكْرًى، أنْ تَكُونَ لَهم ذِكْرًى لِأنَّهم لا يَتَذَكَّرُونَ. وثانِيها: أنَّهُ رَدْعٌ لِمَن يُنْكِرُ أنْ يَكُونَ إحْدى الكُبَرِ نَذِيرًا. وثالِثُها: أنَّهُ رَدْعٌ لِقَوْلِ أبِي جَهْلٍ وأصْحابِهِ: إنَّهم يَقْدِرُونَ عَلى مُقاوَمَةِ خَزَنَةِ النّارِ. ورابِعُها: أنَّهُ رَدْعٌ لَهم عَنِ الِاسْتِهْزاءِ بِالعُدَّةِ المَخْصُوصَةِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿والقَمَرِ﴾ ﴿واللَّيْلِ إذْ أدْبَرَ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: دَبَرَ وأدْبَرَ بِمَعْنًى واحِدٍ كَقَبَلَ وأقْبَلَ، ويَدُلُّ عَلى هَذا قِراءَةُ مَن قَرَأ ”إذا دَبَرَ“ ورُوِيَ أنَّ مُجاهِدًا سَألَ ابْنَ عَبّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ ”دَبَرَ“ فَسَكَتَ حَتّى إذا أدْبَرَ اللَّيْلُ قالَ: يا مُجاهِدُ هَذا حِينَ دَبَرَ اللَّيْلُ، ورَوى أبُو الضُّحى أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ كانَ يَعِيبُ هَذِهِ صفحة ١٨٤ القِراءَةَ، ويَقُولُ: إنَّما يَدْبُرُ ظَهْرُ البَعِيرِ، قالَ الواحِدِيُّ: والقِراءَتانِ عِنْدَ أهْلِ اللُّغَةِ سَواءٌ عَلى ما ذَكَرْنا، وأنْشَدَ أبُو عَلِيٍّ: وأبى الَّذِي تَرَكَ المُلُوكَ وجَمْعَهم بِصِهابِ هامِدَةٍ كَأمْسِ الدّابِرِ القَوْلُ الثّانِي: قالَ أبُو عُبَيْدَةَ وابْنُ قُتَيْبَةَ: دَبَرَ أيْ جاءَ بَعْدَ النَّهارِ، يُقالُ: دَبَرَنِي أيْ جاءَ خَلْفِي، ودَبَرَ اللَّيْلُ أيْ جاءَ بَعْدَ النَّهارِ، قالَ قُطْرُبٌ: فَعَلى هَذا مَعْنى إذا دَبَرَ إذا أقْبَلَ بَعْدَ مُضِيِّ النَّهارِ.

المدثر 74:33

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما جَعَلْنا أصْحابَ النّارِ إلّا مَلائِكَةً وما جَعَلْنا عِدَّتَهم إلّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ ويَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إيمانًا ولا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ والمُؤْمِنُونَ ولِيَقُولَ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ والكافِرُونَ ماذا أرادَ اللَّهُ بِهَذا مَثَلًا﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: هَذا العَدَدُ إنَّما صارَ سَبَبًا لِفِتْنَةِ الكُفّارِ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ الكُفّارَ يَسْتَهْزِئُونَ، يَقُولُونَ: لِمَ لَمْ يَكُونُوا عِشْرِينَ، وما المُقْتَضى لِتَخْصِيصِ هَذا العَدَدِ بِالوُجُودِ ؟ الثّانِي: أنَّ الكُفّارَ يَقُولُونَ هَذا العَدَدُ القَلِيلُ كَيْفَ يَكُونُونَ وافِينَ بِتَعْذِيبِ أكْثَرِ خَلْقِ العالَمِ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ مِن أوَّلِ ما خَلَقَ اللَّهُ إلى قِيامِ القِيامَةِ ؟ وأمّا أهْلُ الإيمانِ فَلا يَلْتَفِتُونَ إلى هَذَيْنِ السُّؤالَيْنِ. أمّا السُّؤالُ الأوَّلُ: فَلِأنَّ جُمْلَةَ العالَمِ مُتَناهِيَةٌ، فَلا بُدَّ وأنْ يَكُونَ لِلْجَواهِرِ الفَرْدَةِ الَّتِي مِنها تَألَّفَتْ جُمْلَةُ هَذا العالَمِ - عَدَدٌ مُعَيَّنٌ، وعِنْدَ ذَلِكَ يَجِيءُ ذَلِكَ السُّؤالُ، وهو أنَّهُ لِمَ خَصَّصَ ذَلِكَ العَدَدَ بِالإيجادِ، ولَمْ يَزِدْ عَلى ذَلِكَ العَدَدِ جَوْهَرٌ آخَرُ ولَمْ يُنْقِصْ، وكَذا القَوْلُ في إيجادِ العالَمِ، فَإنَّهُ لَمّا كانَ العالَمُ مُحْدَثًا والإلَهُ قَدِيمًا، فَقَدْ تَأخَّرَ العالَمُ عَنِ الصّانِعِ بِتَقْدِيرِ مُدَّةٍ غَيْرِ مُتَناهِيَةٍ، فَلِمَ لَمْ يَحْدُثِ العالَمُ قَبْلَ أنْ حَدَثَ بِتَقْدِيرِ لَحْظَةٍ أوْ بَعْدَ أنْ وُجِدَ بِتَقْدِيرِ لَحْظَةٍ ؟ وكَذا القَوْلُ في تَقْدِيرِ كُلِّ واحِدٍ مِنَ المُحْدَثاتِ بِزَمانِهِ المُعَيَّنِ، وكُلُّ واحِدٍ مِنَ الأجْسامِ بِأجْزائِهِ المَحْدُودَةِ المَعْدُودَةِ، ولا جَوابَ عَنْ شَيْءٍ مِن ذَلِكَ إلّا بِأنَّهُ قادِرٌ مُخْتارٌ، والمُخْتارُ لَهُ أنْ يُرَجِّحَ الشَّيْءَ عَلى مِثْلِهِ مِن غَيْرِ عِلَّةٍ، وإذا كانَ هَذا الجَوابُ هو المُعْتَمَدُ في خَلْقِ جُمْلَةِ العالَمِ، فَكَذا في تَخْصِيصِ زَبانِيَةِ النّارِ بِهَذا العَدَدِ. وأمّا السُّؤالُ الثّانِي فَضَعِيفٌ أيْضًا؛ لِأنَّهُ لا يَبْعُدُ في قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى أنْ يُعْطِيَ هَذا العَدَدَ مِنَ القُدْرَةِ والقُوَّةِ ما يَصِيرُونَ بِهِ قادِرِينَ عَلى تَعْذِيبِ جُمْلَةِ الخَلْقِ، ومُتَمَكِّنِينَ مِن ذَلِكَ مِن غَيْرِ خَلَلٍ، وبِالجُمْلَةِ فَمَدارُ هَذَيْنِ السُّؤالَيْنِ عَلى القَدْحِ في كَمالِ قُدْرَةِ اللَّهِ، فَأمّا مَنِ اعْتَرَفَ بِكَوْنِهِ تَعالى قادِرًا عَلى ما لا نِهايَةَ لَهُ مِنَ المَقْدُوراتِ، وعَلِمَ أنَّ أحْوالَ القِيامَةِ عَلى خِلافِ أحْوالِ الدُّنْيا زالَ عَنْ قَلْبِهِ هَذِهِ الِاسْتِبْعاداتُ بِالكُلِّيَّةِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ مَن قالَ: إنَّهُ تَعالى قَدْ يُرِيدُ الإضْلالَ بِهَذِهِ الآيَةِ، قالَ: لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وما جَعَلْنا عِدَّتَهم إلّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ صفحة ١٨١ يَدُلُّ عَلى أنَّ المَقْصُودَ الأصْلِيَّ إنَّما هو فِتْنَةُ الكافِرِينَ، أجابَتِ المُعْتَزِلَةُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: قالَ الجُبّائِيُّ: المُرادُ مِنَ الفِتْنَةِ تَشْدِيدُ التَّعَبُّدِ لِيَسْتَدِلُّوا ويَعْرِفُوا أنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى أنْ يُقَوِّيَ هَؤُلاءِ التِّسْعَةَ عَشَرَ عَلى ما لا يَقْوى عَلَيْهِ مِائَةُ ألْفِ مَلَكٍ أقْوِياءَ. وثانِيها: قالَ الكَعْبِيُّ: المُرادُ مِنَ الفِتْنَةِ الِامْتِحانُ حَتّى يُفَوِّضَ المُؤْمِنُونَ حِكْمَةَ التَّخْصِيصِ بِالعَدَدِ المُعَيَّنِ إلى عِلْمِ الخالِقِ سُبْحانَهُ، وهَذا مِنَ المُتَشابِهِ الَّذِي أُمِرُوا بِالإيمانِ بِهِ. وثالِثُها: أنَّ المُرادَ مِنَ الفِتْنَةِ ما وقَعُوا فِيهِ مِنَ الكُفْرِ بِسَبَبِ تَكْذِيبِهِمْ بِعَدَدِ الخَزَنَةِ، والمَعْنى: إلّا فِتْنَةً عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُكَذِّبُوا بِهِ، ولِيَقُولُوا ما قالُوا، وذَلِكَ عُقُوبَةٌ لَهم عَلى كُفْرِهِمْ، وحاصِلُهُ راجِعٌ إلى تَرْكِ الألْطافِ، والجَوابُ: أنَّهُ لا نِزاعَ في شَيْءٍ مِمّا ذَكَرْتُمْ، إلّا أنّا نَقُولُ: هَلْ لِإنْزالِ هَذِهِ المُتَشابِهاتِ أثَرٌ في تَقْوِيَةِ داعِيَةِ الكُفْرِ، أمْ لا ؟ فَإذا لَمْ يَكُنْ لَهُ أثَرٌ في تَقْوِيَةِ داعِيَةِ الكُفْرِ، كانَ إنْزالُها كَسائِرِ الأُمُورِ الأجْنَبِيَّةِ، فَلَمْ يَكُنْ لِلْقَوْلِ بِأنَّ إنْزالَ هَذِهِ المُتَشابِهاتِ فِتْنَةٌ لِلَّذِينِ كَفَرُوا وجْهٌ البَتَّةَ، وإنْ كانَ لَهُ أثَرٌ في تَقْوِيَةِ داعِيَةِ الكُفْرِ، فَقَدْ حَصَلَ المَقْصُودُ، لِأنَّهُ إذا تَرَجَّحَتْ داعِيَةُ الفِعْلِ، صارَتْ داعِيَةُ التَّرْكِ مَرْجُوحَةً، والمَرْجُوحُ يَمْتَنِعُ أنْ يُؤَثِّرَ، فالتَّرْكُ يَكُونُ مُمْتَنِعَ الوُقُوعِ، فَيَصِيرُ الفِعْلُ واجِبَ الوُقُوعِ، واللَّهُ أعْلَمُ، واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ المَقْصُودَ مِن إنْزالِ هَذا المُتَشابِهِ أُمُورٌ أرْبَعَةٌ: أوَّلُها: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ . وثانِيها: ﴿ويَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إيمانًا﴾ . وثالِثُها: ﴿ولا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ والمُؤْمِنُونَ﴾ . ورابِعُها: ﴿ولِيَقُولَ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ والكافِرُونَ ماذا أرادَ اللَّهُ بِهَذا مَثَلًا﴾ واعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن تَفْسِيرِ هَذِهِ الآياتِ لا يَتَلَخَّصُ إلّا بِسُؤالاتٍ وجَواباتٍ: السُّؤالُ الأوَّلُ: لَفْظُ القُرْآنِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى جَعَلَ افْتِتانَ الكُفّارِ بِعَدَدِ الزَّبانِيَةِ سَبَبًا لِهَذِهِ الأُمُورِ الأرْبَعَةِ، فَما الوَجْهُ في ذَلِكَ ؟ والجَوابُ: أنَّهُ ما جَعَلَ افْتِتانَهم بِالعَدَدِ سَبَبًا لِهَذِهِ الأشْياءِ، وبَيانُهُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: التَّقْدِيرُ: وما جَعَلْنا عِدَّتَهم إلّا فِتْنَةً لِلَّذِينِ كَفَرُوا، وإلّا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ، كَما يُقالُ: فَعَلْتُ كَذا لِتَعْظِيمِكَ ولِتَحْقِيرِ عَدُوِّكَ، قالُوا: والعاطِفَةُ قَدْ تُذْكَرُ في هَذا المَوْضِعِ تارَةً وقَدْ تُحْذَفُ أُخْرى. الثّانِي: أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿وما جَعَلْنا عِدَّتَهم إلّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ هو أنَّهُ وما جَعَلْنا عِدَّتَهم إلّا تِسْعَةَ عَشَرَ؛ إلّا أنَّهُ وضَعَ فِتْنَةً لِلَّذِينِ كَفَرُوا مَوْضِعَ تِسْعَةَ عَشَرَ؛ كَأنَّهُ عَبَّرَ عَنِ المُؤَثِّرِ بِاللَّفْظِ الدّالِّ عَلى الأثَرِ، تَنْبِيهًا عَلى أنَّ هَذا الأثَرَ مِن لَوازِمِ ذَلِكَ المُؤَثِّرِ. السُّؤالُ الثّانِي: ما وجْهُ تَأْثِيرِ إنْزالِ هَذا المُتَشابِهِ في اسْتِيقانِ أهْلِ الكِتابِ ؟ الجَوابُ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ هَذا العَدَدَ لَمّا كانَ مَوْجُودًا في كِتابِهِمْ، ثُمَّ إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أخْبَرَ عَلى وفْقِ ذَلِكَ مِن غَيْرِ سابِقَةِ دِراسَةٍ وتَعَلُّمٍ، فَظَهَرَ أنَّ ذَلِكَ إنَّما حَصَلَ بِسَبَبِ الوَحْيِ مِنَ السَّماءِ، فالَّذِينَ آمَنُوا بِمُحَمَّدٍ ﷺ مِن أهْلِ الكِتابِ يَزْدادُونَ بِهِ إيمانًا. وثانِيها: أنَّ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ كانا مُحَرَّفَيْنِ، فَأهْلُ الكِتابِ كانُوا يَقْرَءُونَ فِيهِما أنَّ عَدَدَ الزَّبانِيَةِ هو هَذا القَدْرُ، ولَكِنَّهم ما كانُوا يُعَوِّلُونَ عَلى ذَلِكَ كُلَّ التَّعْوِيلِ لِعِلْمِهِمْ بِتَطَرُّقِ التَّحْرِيفِ إلى هَذَيْنِ الكِتابَيْنِ، فَلَمّا سَمِعُوا ذَلِكَ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَوِيَ إيمانُهم بِذَلِكَ واسْتَيْقَنُوا أنَّ ذَلِكَ العَدَدَ هو الحَقُّ والصِّدْقُ. وثالِثُها: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يَعْلَمُ مِن حالِ قُرَيْشٍ أنَّهُ مَتى أخْبَرَهم بِهَذا العَدَدِ العَجِيبِ، فَإنَّهم يَسْتَهْزِئُونَ بِهِ ويَضْحَكُونَ مِنهُ، لِأنَّهم كانُوا يَسْتَهْزِئُونَ بِهِ في إثْباتِ التَّوْحِيدِ والقُدْرَةِ والعِلْمِ، مَعَ أنَّ تِلْكَ المَسائِلَ أوْضَحُ وأظْهَرُ فَكَيْفَ في ذِكْرِ هَذا العَدَدِ العَجِيبِ ؟ ثُمَّ إنَّ اسْتِهْزاءَهم بِرَسُولِ اللَّهِ وشِدَّةَ سُخْرِيَتِهِمْ بِهِ ما مَنَعَهُ مِن إظْهارِ هَذا الحَقِّ، فَعِنْدَ هَذا يَعْلَمُ كُلُّ أحَدٍ أنَّهُ لَوْ كانَ غَرَضُ مُحَمَّدٍ ﷺ طَلَبَ الدُّنْيا والرِّياسَةَ لاحْتَرَزَ عَنْ ذِكْرِ هَذا صفحة ١٨٢ العَدَدِ العَجِيبِ، فَلَمّا ذَكَرَهُ مَعَ عِلْمِهِ بِأنَّهم لا بُدَّ وأنْ يَسْتَهْزِئُوا بِهِ عَلِمَ كُلُّ عاقِلٍ أنَّ مَقْصُودَهُ مِنهُ إنَّما هو تَبْلِيغُ الوَحْيِ، وأنَّهُ ما كانَ يُبالِي في ذَلِكَ لا بِتَصْدِيقِ المُصَدِّقِينَ ولا بِتَكْذِيبِ المُكَذِّبِينَ. السُّؤالُ الثّالِثُ: ما تَأْثِيرُ هَذِهِ الواقِعَةِ في ازْدِيادِ إيمانِ المُؤْمِنِينَ ؟ الجَوابُ: أنَّ المُكَلَّفَ ما لَمْ يَسْتَحْضِرْ كَوْنَهُ تَعالى عالِمًا بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ غَنِيًّا عَنْ جَمِيعِ الحادِثاتِ مُنَزَّهًا عَنِ الكَذِبِ والخُلْفِ لا يُمْكِنُهُ أنْ يَنْقادَ لِهَذِهِ العِدَّةِ ويَعْتَرِفَ بِحَقِيقَتِها، فَإذا اشْتَغَلَ بِاسْتِحْضارِ تِلْكَ الدَّلائِلِ ثُمَّ جَعَلَ العِلْمَ الإجْمالِيَّ بِأنَّهُ صادِقٌ لا يَكْذِبُ حَكِيمٌ لا يَجْهَلُ دافِعًا لِلتَّعَجُّبِ الحاصِلِ في الطَّبْعِ مِن هَذا العَدَدِ العَجِيبِ، فَحِينَئِذٍ يُمْكِنُهُ أنْ يُؤْمِنَ بِحَقِيقَةِ هَذا العَدَدِ، ولا شَكَّ أنَّ المُؤْمِنَ يَصِيرُ عِنْدَ اعْتِبارِ هَذِهِ المَقاماتِ أشَدَّ اسْتِحْضارًا لِلدَّلائِلِ وأكْثَرَ انْقِيادًا لِلدِّينِ، فالمُرادُ بِازْدِيادِ الإيمانِ هَذا. السُّؤالُ الرّابِعُ: حَقِيقَةُ الإيمانِ عِنْدَكم لا تَقْبَلُ الزِّيادَةَ والنُّقْصانَ فَما قَوْلُكم في هَذِهِ الآيَةِ ؟ الجَوابُ: نَحْمِلُهُ عَلى ثَمَراتِ الإيمانِ وعَلى آثارِهِ ولَوازِمِهِ. السُّؤالُ الخامِسُ: لَمّا أُثْبِتَ الِاسْتِيقانُ لِأهْلِ الكِتابِ وأُثْبِتَ زِيادَةُ الإيمانِ لِلْمُؤْمِنِينَ، فَما الفائِدَةُ في قَوْلِهِ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿ولا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ والمُؤْمِنُونَ﴾ ؟ الجَوابُ: أنَّ المَطْلُوبَ إذا كانَ غامِضًا دَقِيقَ الحُجَّةِ كَثِيرَ الشُّبْهَةِ، فَإذا اجْتَهَدَ الإنْسانُ فِيهِ وحَصَلَ لَهُ اليَقِينُ فَرُبَّما غَفَلَ عَنْ مُقَدِّمَةٍ مِن مُقَدِّماتِ ذَلِكَ الدَّلِيلِ الدَّقِيقِ، فَيَعُودُ الشَّكُّ والشُّبْهَةُ، فَإثْباتُ اليَقِينِ في بَعْضِ الأحْوالِ لا يُنافِي طَرَيانِ الِارْتِيابِ بَعْدَ ذَلِكَ، فالمَقْصُودُ مِن إعادَةِ هَذا الكَلامِ هو أنَّهُ حَصَلَ لَهم يَقِينٌ جازِمٌ، بِحَيْثُ لا يَحْصُلُ عَقِيبَهُ البَتَّةَ شَكٌّ ولا رَيْبٌ. السُّؤالُ السّادِسُ: جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ قالُوا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ ﴿الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾: إنَّهُمُ الكافِرُونَ، وذَكَرَ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ البَجَلِيُّ أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ ولَمْ يَكُنْ بِمَكَّةَ نِفاقٌ، فالمَرَضُ في هَذِهِ الآيَةِ لَيْسَ بِمَعْنى النِّفاقِ، والجَوابُ: قَوْلُ المُفَسِّرِينَ حَقٌّ، وذَلِكَ لِأنَّهُ كانَ في مَعْلُومِ اللَّهِ تَعالى أنَّ النِّفاقَ سَيَحْدُثُ فَأخْبَرَ عَمّا سَيَكُونُ، وعَلى هَذا تَصِيرُ هَذِهِ الآيَةُ مُعْجِزَةً، لِأنَّهُ إخْبارٌ عَنْ غَيْبٍ سَيَقَعُ، وقَدْ وقَعَ عَلى وفْقِ الخَبَرِ فَيَكُونُ مُعْجِزًا، ويَجُوزُ أيْضًا أنْ يُرادَ بِالمَرَضِ الشَّكُّ؛ لِأنَّ أهْلَ مَكَّةَ كانَ أكْثَرُهم شاكِّينَ، وبَعْضُهم كانُوا قاطِعِينَ بِالكَذِبِ. السُّؤالُ السّابِعُ: هَبْ أنَّ الِاسْتِيقانَ وانْتِفاءَ الِارْتِيابِ يَصِحُّ أنْ يَكُونا مَقْصُودَيْنِ مِن إنْزالِ هَذا المُتَشابِهِ، فَكَيْفَ صَحَّ أنْ يَكُونَ قَوْلُ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ مَقْصُودًا ؟ الجَوابُ: أمّا عَلى أصْلِنا فَلا إشْكالَ لِأنَّهُ تَعالى يَهْدِي مَن يَشاءُ ويُضِلُّ مَن يَشاءُ، وسَيَأْتِي مَزِيدُ تَقْرِيرٍ لِهَذا في الآيَةِ الآتِيَةِ، وأمّا عِنْدَ المُعْتَزِلَةِ فَإنَّ هَذِهِ الحالَةَ لَمّا وقَعَتْ أشْبَهَتِ الغَرَضَ في كَوْنِهِ واقِعًا، فَأُدْخِلَ عَلَيْهِ حَرْفُ اللّامِ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ﴾ [ الأعْرافِ: ١٧٩] . السُّؤالُ الثّامِنُ: لِمَ سَمَّوْهُ مَثَلًا ؟ الجَوابُ: أنَّهُ لَمّا كانَ هَذا العَدَدُ عَدَدًا عَجِيبًا ظَنَّ القَوْمُ أنَّهُ رُبَّما لَمْ يَكُنْ مُرادُ اللَّهِ مِنهُ ما أشْعَرَ بِهِ ظاهِرُهُ بَلْ جَعَلَهُ مَثَلًا لِشَيْءٍ آخَرَ وتَنْبِيهًا عَلى مَقْصُودٍ آخَرَ لا جَرَمَ سَمَّوْهُ مَثَلًا. السُّؤالُ التّاسِعُ: القَوْمُ كانُوا يُنْكِرُونَ كَوْنَ القُرْآنِ مِن عِنْدِ اللَّهِ، فَكَيْفَ قالُوا: ماذا أرادَ اللَّهُ بِهَذا مَثَلًا ؟ الجَوابُ: أمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ، وهُمُ المُنافِقُونَ فَكانُوا في الظّاهِرِ مُعْتَرِفِينَ بِأنَّ القُرْآنَ مِن عِنْدِ اللَّهِ فَلا جَرَمَ قالُوا ذَلِكَ بِاللِّسانِ، وأمّا الكُفّارُ فَقالُوهُ عَلى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ أوْ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِدْلالِ بِأنَّ القُرْآنَ لَوْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ لَما قالَ مِثْلَ هَذا الكَلامِ. صفحة ١٨٣ * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ وجْهُ الِاسْتِدْلالِ بِالآيَةِ لِلْأصْحابِ ظاهِرٌ لِأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في أوَّلِ الآيَةِ قَوْلَهُ: ﴿وما جَعَلْنا عِدَّتَهم إلّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ثُمَّ ذَكَرَ في آخِرِ الآيَةِ: ﴿ولِيَقُولَ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ والكافِرُونَ ماذا أرادَ اللَّهُ بِهَذا مَثَلًا﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ . أمّا المُعْتَزِلَةُ فَقَدْ ذَكَرُوا الوُجُوهَ المَشْهُورَةَ الَّتِي لَهم: أحَدُها: أنَّ المُرادَ مِنَ الإضْلالِ مَنعُ الألْطافِ. وثانِيها: أنَّهُ لَمّا اهْتَدى قَوْمٌ بِاخْتِيارِهِمْ عِنْدَ نُزُولِ هَذِهِ الآياتِ وضَلَّ قَوْمٌ بِاخْتِيارِهِمْ عِنْدَ نُزُولِها أشْبَهَ ذَلِكَ أنَّ المُؤَثِّرَ في ذَلِكَ الِاهْتِداءِ وذَلِكَ الإضْلالِ هو هَذِهِ الآياتُ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿فَزادَتْهم إيمانًا﴾ وكَقَوْلِهِ: ﴿فَزادَتْهم رِجْسًا﴾ . وثالِثُها: أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿يُضِلُّ﴾ ومِن قَوْلِهِ: ﴿ويَهْدِي﴾ - حُكْمُ اللَّهُ بِكَوْنِهِ ضالًّا وبِكَوْنِهِ مُهْتَدِيًا. ورابِعُها: أنَّهُ تَعالى يُضِلُّهم يَوْمَ القِيامَةِ عَنْ دارِ الثَّوابِ، وهَذِهِ الكَلِماتُ مَعَ أجْوِبَتِها تَقَدَّمَتْ في سُورَةِ البَقَرَةِ في قَوْلِهِ: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا ويَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ [ البَقَرَةِ: ٢٦] . * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إلّا هُوَ﴾ فِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: وهو الأوْلى أنَّ القَوْمَ اسْتَقْبَلُوا ذَلِكَ العَدَدَ، فَقالَ تَعالى: ﴿وما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إلّا هُوَ﴾ فَهَبْ أنَّ هَؤُلاءِ تِسْعَةَ عَشَرَ إلّا أنَّ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهم مِنَ الأعْوانِ والجُنُودِ ما لا يَعْلَمُ عَدَدَهم إلّا اللَّهُ. وثانِيها: وما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ لِفَرْطِ كَثْرَتِها إلّا هو، فَلا يَعِزُّ عَلَيْهِ تَتْمِيمُ الخَزَنَةِ عِشْرِينَ، ولَكِنَّ لَهُ في هَذا العَدَدِ حِكْمَةً لا يَعْلَمُها الخَلْقُ وهو جَلَّ جَلالُهُ يَعْلَمُها. وثالِثُها: أنَّهُ لا حاجَةَ بِاللَّهِ سُبْحانَهُ في تَعْذِيبِ الكُفّارِ والفُسّاقِ إلى هَؤُلاءِ الخَزَنَةِ، فَإنَّهُ هو الَّذِي يُعَذِّبُهم في الحَقِيقَةِ، وهو الَّذِي يَخْلُقُ الآلامَ فِيهِمْ، ولَوْ أنَّهُ تَعالى قَلَّبَ شَعْرَةً في عَيْنِ ابْنِ آدَمَ أوْ سَلَّطَ الألَمَ عَلى عِرْقٍ واحِدٍ مِن عُرُوقِ بَدَنِهِ لَكَفاهُ ذَلِكَ بَلاءً ومِحْنَةً، فَلا يَلْزَمُ مِن تَقْلِيلِ عَدَدِ الخَزَنَةِ قِلَّةُ العَذابِ، فَجُنُودُ اللَّهِ غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ لِأنَّ مَقْدُوراتِهِ غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما هي إلّا ذِكْرى لِلْبَشَرِ﴾ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ ﴿وما هِيَ﴾ إلى ماذا يَعُودُ ؟ فِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ عائِدٌ إلى ”سَقَرَ“، والمَعْنى: وما سَقَرُ وصِفَتُها إلّا تَذْكِرَةٌ لِلْبَشَرِ. والثّانِي: أنَّهُ عائِدٌ إلى هَذِهِ الآياتِ المُشْتَمِلَةِ عَلى هَذِهِ المُتَشابِهاتِ، وهي ذِكْرى لِجَمِيعِ العالَمِينَ، وإنْ كانَ المُنْتَفِعُ بِها لَيْسَ إلّا أهْلَ الإيمانِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿كَلّا﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: أنَّهُ إنْكارٌ بَعْدَ أنْ جَعَلَها ذِكْرًى، أنْ تَكُونَ لَهم ذِكْرًى لِأنَّهم لا يَتَذَكَّرُونَ. وثانِيها: أنَّهُ رَدْعٌ لِمَن يُنْكِرُ أنْ يَكُونَ إحْدى الكُبَرِ نَذِيرًا. وثالِثُها: أنَّهُ رَدْعٌ لِقَوْلِ أبِي جَهْلٍ وأصْحابِهِ: إنَّهم يَقْدِرُونَ عَلى مُقاوَمَةِ خَزَنَةِ النّارِ. ورابِعُها: أنَّهُ رَدْعٌ لَهم عَنِ الِاسْتِهْزاءِ بِالعُدَّةِ المَخْصُوصَةِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿والقَمَرِ﴾ ﴿واللَّيْلِ إذْ أدْبَرَ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: دَبَرَ وأدْبَرَ بِمَعْنًى واحِدٍ كَقَبَلَ وأقْبَلَ، ويَدُلُّ عَلى هَذا قِراءَةُ مَن قَرَأ ”إذا دَبَرَ“ ورُوِيَ أنَّ مُجاهِدًا سَألَ ابْنَ عَبّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ ”دَبَرَ“ فَسَكَتَ حَتّى إذا أدْبَرَ اللَّيْلُ قالَ: يا مُجاهِدُ هَذا حِينَ دَبَرَ اللَّيْلُ، ورَوى أبُو الضُّحى أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ كانَ يَعِيبُ هَذِهِ صفحة ١٨٤ القِراءَةَ، ويَقُولُ: إنَّما يَدْبُرُ ظَهْرُ البَعِيرِ، قالَ الواحِدِيُّ: والقِراءَتانِ عِنْدَ أهْلِ اللُّغَةِ سَواءٌ عَلى ما ذَكَرْنا، وأنْشَدَ أبُو عَلِيٍّ: وأبى الَّذِي تَرَكَ المُلُوكَ وجَمْعَهم بِصِهابِ هامِدَةٍ كَأمْسِ الدّابِرِ القَوْلُ الثّانِي: قالَ أبُو عُبَيْدَةَ وابْنُ قُتَيْبَةَ: دَبَرَ أيْ جاءَ بَعْدَ النَّهارِ، يُقالُ: دَبَرَنِي أيْ جاءَ خَلْفِي، ودَبَرَ اللَّيْلُ أيْ جاءَ بَعْدَ النَّهارِ، قالَ قُطْرُبٌ: فَعَلى هَذا مَعْنى إذا دَبَرَ إذا أقْبَلَ بَعْدَ مُضِيِّ النَّهارِ.

المدثر 74:34

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والصُّبْحِ إذا أسْفَرَ﴾ أيْ أضاءَ، وفي الحَدِيثِ: ”«أسْفِرُوا بِالفَجْرِ» “ ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ﴾ [ عَبَسَ: ٣٨] أيْ مُضِيئَةٌ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّها لَإحْدى الكُبَرِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: هَذا الكَلامُ هو جَوابُ القَسَمِ أوْ تَعْلِيلٌ لِكَلامٍ، والقَسَمُ مُعْتَرَضٌ لِلتَّوْكِيدِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الواحِدِيُّ: ألِفُ إحْدى مَقْطُوعٌ ولا تَذْهَبُ في الوَصْلِ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ أنَّهُ قَرَأ إنَّها ”لَحْدى الكُبَرِ“ بِحَذْفِ الهَمْزَةِ كَما يُقالُ: ويْلُمِّهِ، ولَيْسَ هَذا الحَذْفُ بِقِياسٍ، والقِياسُ التَّخْفِيفُ، وهو أنْ يُجْعَلَ بَيْنَ بَيْنَ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: الكُبَرُ جَمْعُ الكُبْرى، جُعِلَتْ ألِفُ التَّأْنِيثِ كَتاءِ التَّأْنِيثِ، فَكَما جُمِعَتْ فُعْلَةٌ عَلى فُعَلٍ جُمِعَتْ فُعْلى عَلَيْها، ونَظِيرُ ذَلِكَ السَّوافِي جَمْعُ السّافِياءِ وهو التُّرابُ الَّذِي سَفَتْهُ الرِّيحُ، والقَواصِعُ في جَمْعِ القاصِعاءِ كَأنَّهُما جَمْعُ فاعِلَةٍ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: ﴿إنَّها لَإحْدى الكُبَرِ﴾ يَعْنِي أنَّ سَقَرَ الَّتِي جَرى ذِكْرُها لَإحْدى الكُبَرِ، والمُرادُ مِنَ الكُبَرِ دَرَكاتُ جَهَنَّمَ، وهي سَبْعَةٌ: جَهَنَّمُ، ولَظى، والحُطَمَةُ، والسَّعِيرُ، وسَقَرُ، والجَحِيمُ، والهاوِيَةُ، أعاذَنا اللَّهُ مِنها. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿نَذِيرًا لِلْبَشَرِ﴾ ”نَذِيرًا“ تَمْيِيزٌ مِن ”إحْدى“ عَلى مَعْنى أنَّها لَإحْدى الدَّواهِي إنْذارًا كَما تَقُولُ: هي إحْدى النِّساءِ عَفافًا، وقِيلَ: هو حالٌ، وفي قِراءَةِ أُبَيٍّ ”نَذِيرٌ“ بِالرَّفْعِ خَبَرٌ، أوْ بِحَذْفِ المُبْتَدَأِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَتَقَدَّمَ أوْ يَتَأخَّرَ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: في تَفْسِيرِ الآيَةِ وجْهانِ: الأوَّلُ: ﴿أنْ يَتَقَدَّمَ﴾ في مَوْضِعِ الرَّفْعِ بِالِابْتِداءِ، و﴿لِمَن شاءَ﴾ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ كَقَوْلِكَ لِمَن تَوَضَّأ أنْ يُصَلِّيَ، ومَعْناهُ التَّقَدُّمُ والتَّأخُّرُ مُطْلَقانِ لِمَن شاءَهُما مِنكم، والمُرادُ بِالتَّقَدُّمِ والتَّأخُّرِ السَّبْقُ إلى الخَيْرِ والتَّخَلُّفُ عَنْهُ، وهو في مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [ الكَهْفِ: ٢٩] . الثّانِي: ﴿لِمَن شاءَ﴾ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ ﴿لِلْبَشَرِ﴾، والتَّقْدِيرُ: إنَّها نَذِيرٌ لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَتَقَدَّمَ أوْ يَتَأخَّرَ، نَظِيرُهُ ﴿ولِلَّهِ عَلى النّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٩٧] . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المُعْتَزِلَةُ احْتَجُّوا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى كَوْنِ العَبْدِ مُتَمَكِّنًا مِنَ الفِعْلِ غَيْرَ مَجْبُورٍ عَلَيْهِ. وجَوابُهُ: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ دَلَّتْ عَلى أنَّ فِعْلَ العَبْدِ مُعَلَّقٌ عَلى مَشِيئَتِهِ، لَكِنَّ مَشِيئَةَ العَبْدِ مُعَلَّقَةٌ عَلى مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى لِقَوْلِهِ: صفحة ١٨٥ ﴿وما تَشاءُونَ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ [ الإنْسانِ: ٣٠] وحِينَئِذٍ تَصِيرُ هَذِهِ الآيَةُ حُجَّةً لَنا عَلَيْهِمْ، وذَكَرَ الأصْحابُ عَنْ وجْهِ الِاسْتِدْلالِ بِهَذِهِ الآيَةِ جَوابَيْنِ آخَرَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ مَعْنى إضافَةِ المَشِيئَةِ إلى المُخاطَبِينَ التَّهْدِيدُ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ . الثّانِي: أنَّ هَذِهِ المَشِيئَةَ لِلَّهِ تَعالى عَلى مَعْنى لِمَن شاءَ اللَّهُ مِنكم أنْ يَتَقَدَّمَ أوْ يَتَأخَّرَ.

المدثر 74:35

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والصُّبْحِ إذا أسْفَرَ﴾ أيْ أضاءَ، وفي الحَدِيثِ: ”«أسْفِرُوا بِالفَجْرِ» “ ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ﴾ [ عَبَسَ: ٣٨] أيْ مُضِيئَةٌ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّها لَإحْدى الكُبَرِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: هَذا الكَلامُ هو جَوابُ القَسَمِ أوْ تَعْلِيلٌ لِكَلامٍ، والقَسَمُ مُعْتَرَضٌ لِلتَّوْكِيدِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الواحِدِيُّ: ألِفُ إحْدى مَقْطُوعٌ ولا تَذْهَبُ في الوَصْلِ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ أنَّهُ قَرَأ إنَّها ”لَحْدى الكُبَرِ“ بِحَذْفِ الهَمْزَةِ كَما يُقالُ: ويْلُمِّهِ، ولَيْسَ هَذا الحَذْفُ بِقِياسٍ، والقِياسُ التَّخْفِيفُ، وهو أنْ يُجْعَلَ بَيْنَ بَيْنَ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: الكُبَرُ جَمْعُ الكُبْرى، جُعِلَتْ ألِفُ التَّأْنِيثِ كَتاءِ التَّأْنِيثِ، فَكَما جُمِعَتْ فُعْلَةٌ عَلى فُعَلٍ جُمِعَتْ فُعْلى عَلَيْها، ونَظِيرُ ذَلِكَ السَّوافِي جَمْعُ السّافِياءِ وهو التُّرابُ الَّذِي سَفَتْهُ الرِّيحُ، والقَواصِعُ في جَمْعِ القاصِعاءِ كَأنَّهُما جَمْعُ فاعِلَةٍ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: ﴿إنَّها لَإحْدى الكُبَرِ﴾ يَعْنِي أنَّ سَقَرَ الَّتِي جَرى ذِكْرُها لَإحْدى الكُبَرِ، والمُرادُ مِنَ الكُبَرِ دَرَكاتُ جَهَنَّمَ، وهي سَبْعَةٌ: جَهَنَّمُ، ولَظى، والحُطَمَةُ، والسَّعِيرُ، وسَقَرُ، والجَحِيمُ، والهاوِيَةُ، أعاذَنا اللَّهُ مِنها. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿نَذِيرًا لِلْبَشَرِ﴾ ”نَذِيرًا“ تَمْيِيزٌ مِن ”إحْدى“ عَلى مَعْنى أنَّها لَإحْدى الدَّواهِي إنْذارًا كَما تَقُولُ: هي إحْدى النِّساءِ عَفافًا، وقِيلَ: هو حالٌ، وفي قِراءَةِ أُبَيٍّ ”نَذِيرٌ“ بِالرَّفْعِ خَبَرٌ، أوْ بِحَذْفِ المُبْتَدَأِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَتَقَدَّمَ أوْ يَتَأخَّرَ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: في تَفْسِيرِ الآيَةِ وجْهانِ: الأوَّلُ: ﴿أنْ يَتَقَدَّمَ﴾ في مَوْضِعِ الرَّفْعِ بِالِابْتِداءِ، و﴿لِمَن شاءَ﴾ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ كَقَوْلِكَ لِمَن تَوَضَّأ أنْ يُصَلِّيَ، ومَعْناهُ التَّقَدُّمُ والتَّأخُّرُ مُطْلَقانِ لِمَن شاءَهُما مِنكم، والمُرادُ بِالتَّقَدُّمِ والتَّأخُّرِ السَّبْقُ إلى الخَيْرِ والتَّخَلُّفُ عَنْهُ، وهو في مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [ الكَهْفِ: ٢٩] . الثّانِي: ﴿لِمَن شاءَ﴾ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ ﴿لِلْبَشَرِ﴾، والتَّقْدِيرُ: إنَّها نَذِيرٌ لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَتَقَدَّمَ أوْ يَتَأخَّرَ، نَظِيرُهُ ﴿ولِلَّهِ عَلى النّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٩٧] . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المُعْتَزِلَةُ احْتَجُّوا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى كَوْنِ العَبْدِ مُتَمَكِّنًا مِنَ الفِعْلِ غَيْرَ مَجْبُورٍ عَلَيْهِ. وجَوابُهُ: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ دَلَّتْ عَلى أنَّ فِعْلَ العَبْدِ مُعَلَّقٌ عَلى مَشِيئَتِهِ، لَكِنَّ مَشِيئَةَ العَبْدِ مُعَلَّقَةٌ عَلى مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى لِقَوْلِهِ: صفحة ١٨٥ ﴿وما تَشاءُونَ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ [ الإنْسانِ: ٣٠] وحِينَئِذٍ تَصِيرُ هَذِهِ الآيَةُ حُجَّةً لَنا عَلَيْهِمْ، وذَكَرَ الأصْحابُ عَنْ وجْهِ الِاسْتِدْلالِ بِهَذِهِ الآيَةِ جَوابَيْنِ آخَرَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ مَعْنى إضافَةِ المَشِيئَةِ إلى المُخاطَبِينَ التَّهْدِيدُ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ . الثّانِي: أنَّ هَذِهِ المَشِيئَةَ لِلَّهِ تَعالى عَلى مَعْنى لِمَن شاءَ اللَّهُ مِنكم أنْ يَتَقَدَّمَ أوْ يَتَأخَّرَ.

المدثر 74:36

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والصُّبْحِ إذا أسْفَرَ﴾ أيْ أضاءَ، وفي الحَدِيثِ: ”«أسْفِرُوا بِالفَجْرِ» “ ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ﴾ [ عَبَسَ: ٣٨] أيْ مُضِيئَةٌ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّها لَإحْدى الكُبَرِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: هَذا الكَلامُ هو جَوابُ القَسَمِ أوْ تَعْلِيلٌ لِكَلامٍ، والقَسَمُ مُعْتَرَضٌ لِلتَّوْكِيدِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الواحِدِيُّ: ألِفُ إحْدى مَقْطُوعٌ ولا تَذْهَبُ في الوَصْلِ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ أنَّهُ قَرَأ إنَّها ”لَحْدى الكُبَرِ“ بِحَذْفِ الهَمْزَةِ كَما يُقالُ: ويْلُمِّهِ، ولَيْسَ هَذا الحَذْفُ بِقِياسٍ، والقِياسُ التَّخْفِيفُ، وهو أنْ يُجْعَلَ بَيْنَ بَيْنَ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: الكُبَرُ جَمْعُ الكُبْرى، جُعِلَتْ ألِفُ التَّأْنِيثِ كَتاءِ التَّأْنِيثِ، فَكَما جُمِعَتْ فُعْلَةٌ عَلى فُعَلٍ جُمِعَتْ فُعْلى عَلَيْها، ونَظِيرُ ذَلِكَ السَّوافِي جَمْعُ السّافِياءِ وهو التُّرابُ الَّذِي سَفَتْهُ الرِّيحُ، والقَواصِعُ في جَمْعِ القاصِعاءِ كَأنَّهُما جَمْعُ فاعِلَةٍ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: ﴿إنَّها لَإحْدى الكُبَرِ﴾ يَعْنِي أنَّ سَقَرَ الَّتِي جَرى ذِكْرُها لَإحْدى الكُبَرِ، والمُرادُ مِنَ الكُبَرِ دَرَكاتُ جَهَنَّمَ، وهي سَبْعَةٌ: جَهَنَّمُ، ولَظى، والحُطَمَةُ، والسَّعِيرُ، وسَقَرُ، والجَحِيمُ، والهاوِيَةُ، أعاذَنا اللَّهُ مِنها. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿نَذِيرًا لِلْبَشَرِ﴾ ”نَذِيرًا“ تَمْيِيزٌ مِن ”إحْدى“ عَلى مَعْنى أنَّها لَإحْدى الدَّواهِي إنْذارًا كَما تَقُولُ: هي إحْدى النِّساءِ عَفافًا، وقِيلَ: هو حالٌ، وفي قِراءَةِ أُبَيٍّ ”نَذِيرٌ“ بِالرَّفْعِ خَبَرٌ، أوْ بِحَذْفِ المُبْتَدَأِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَتَقَدَّمَ أوْ يَتَأخَّرَ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: في تَفْسِيرِ الآيَةِ وجْهانِ: الأوَّلُ: ﴿أنْ يَتَقَدَّمَ﴾ في مَوْضِعِ الرَّفْعِ بِالِابْتِداءِ، و﴿لِمَن شاءَ﴾ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ كَقَوْلِكَ لِمَن تَوَضَّأ أنْ يُصَلِّيَ، ومَعْناهُ التَّقَدُّمُ والتَّأخُّرُ مُطْلَقانِ لِمَن شاءَهُما مِنكم، والمُرادُ بِالتَّقَدُّمِ والتَّأخُّرِ السَّبْقُ إلى الخَيْرِ والتَّخَلُّفُ عَنْهُ، وهو في مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [ الكَهْفِ: ٢٩] . الثّانِي: ﴿لِمَن شاءَ﴾ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ ﴿لِلْبَشَرِ﴾، والتَّقْدِيرُ: إنَّها نَذِيرٌ لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَتَقَدَّمَ أوْ يَتَأخَّرَ، نَظِيرُهُ ﴿ولِلَّهِ عَلى النّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٩٧] . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المُعْتَزِلَةُ احْتَجُّوا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى كَوْنِ العَبْدِ مُتَمَكِّنًا مِنَ الفِعْلِ غَيْرَ مَجْبُورٍ عَلَيْهِ. وجَوابُهُ: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ دَلَّتْ عَلى أنَّ فِعْلَ العَبْدِ مُعَلَّقٌ عَلى مَشِيئَتِهِ، لَكِنَّ مَشِيئَةَ العَبْدِ مُعَلَّقَةٌ عَلى مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى لِقَوْلِهِ: صفحة ١٨٥ ﴿وما تَشاءُونَ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ [ الإنْسانِ: ٣٠] وحِينَئِذٍ تَصِيرُ هَذِهِ الآيَةُ حُجَّةً لَنا عَلَيْهِمْ، وذَكَرَ الأصْحابُ عَنْ وجْهِ الِاسْتِدْلالِ بِهَذِهِ الآيَةِ جَوابَيْنِ آخَرَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ مَعْنى إضافَةِ المَشِيئَةِ إلى المُخاطَبِينَ التَّهْدِيدُ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ . الثّانِي: أنَّ هَذِهِ المَشِيئَةَ لِلَّهِ تَعالى عَلى مَعْنى لِمَن شاءَ اللَّهُ مِنكم أنْ يَتَقَدَّمَ أوْ يَتَأخَّرَ.

المدثر 74:37

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والصُّبْحِ إذا أسْفَرَ﴾ أيْ أضاءَ، وفي الحَدِيثِ: ”«أسْفِرُوا بِالفَجْرِ» “ ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ﴾ [ عَبَسَ: ٣٨] أيْ مُضِيئَةٌ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّها لَإحْدى الكُبَرِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: هَذا الكَلامُ هو جَوابُ القَسَمِ أوْ تَعْلِيلٌ لِكَلامٍ، والقَسَمُ مُعْتَرَضٌ لِلتَّوْكِيدِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الواحِدِيُّ: ألِفُ إحْدى مَقْطُوعٌ ولا تَذْهَبُ في الوَصْلِ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ أنَّهُ قَرَأ إنَّها ”لَحْدى الكُبَرِ“ بِحَذْفِ الهَمْزَةِ كَما يُقالُ: ويْلُمِّهِ، ولَيْسَ هَذا الحَذْفُ بِقِياسٍ، والقِياسُ التَّخْفِيفُ، وهو أنْ يُجْعَلَ بَيْنَ بَيْنَ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: الكُبَرُ جَمْعُ الكُبْرى، جُعِلَتْ ألِفُ التَّأْنِيثِ كَتاءِ التَّأْنِيثِ، فَكَما جُمِعَتْ فُعْلَةٌ عَلى فُعَلٍ جُمِعَتْ فُعْلى عَلَيْها، ونَظِيرُ ذَلِكَ السَّوافِي جَمْعُ السّافِياءِ وهو التُّرابُ الَّذِي سَفَتْهُ الرِّيحُ، والقَواصِعُ في جَمْعِ القاصِعاءِ كَأنَّهُما جَمْعُ فاعِلَةٍ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: ﴿إنَّها لَإحْدى الكُبَرِ﴾ يَعْنِي أنَّ سَقَرَ الَّتِي جَرى ذِكْرُها لَإحْدى الكُبَرِ، والمُرادُ مِنَ الكُبَرِ دَرَكاتُ جَهَنَّمَ، وهي سَبْعَةٌ: جَهَنَّمُ، ولَظى، والحُطَمَةُ، والسَّعِيرُ، وسَقَرُ، والجَحِيمُ، والهاوِيَةُ، أعاذَنا اللَّهُ مِنها. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿نَذِيرًا لِلْبَشَرِ﴾ ”نَذِيرًا“ تَمْيِيزٌ مِن ”إحْدى“ عَلى مَعْنى أنَّها لَإحْدى الدَّواهِي إنْذارًا كَما تَقُولُ: هي إحْدى النِّساءِ عَفافًا، وقِيلَ: هو حالٌ، وفي قِراءَةِ أُبَيٍّ ”نَذِيرٌ“ بِالرَّفْعِ خَبَرٌ، أوْ بِحَذْفِ المُبْتَدَأِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَتَقَدَّمَ أوْ يَتَأخَّرَ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: في تَفْسِيرِ الآيَةِ وجْهانِ: الأوَّلُ: ﴿أنْ يَتَقَدَّمَ﴾ في مَوْضِعِ الرَّفْعِ بِالِابْتِداءِ، و﴿لِمَن شاءَ﴾ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ كَقَوْلِكَ لِمَن تَوَضَّأ أنْ يُصَلِّيَ، ومَعْناهُ التَّقَدُّمُ والتَّأخُّرُ مُطْلَقانِ لِمَن شاءَهُما مِنكم، والمُرادُ بِالتَّقَدُّمِ والتَّأخُّرِ السَّبْقُ إلى الخَيْرِ والتَّخَلُّفُ عَنْهُ، وهو في مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [ الكَهْفِ: ٢٩] . الثّانِي: ﴿لِمَن شاءَ﴾ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ ﴿لِلْبَشَرِ﴾، والتَّقْدِيرُ: إنَّها نَذِيرٌ لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَتَقَدَّمَ أوْ يَتَأخَّرَ، نَظِيرُهُ ﴿ولِلَّهِ عَلى النّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٩٧] . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المُعْتَزِلَةُ احْتَجُّوا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى كَوْنِ العَبْدِ مُتَمَكِّنًا مِنَ الفِعْلِ غَيْرَ مَجْبُورٍ عَلَيْهِ. وجَوابُهُ: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ دَلَّتْ عَلى أنَّ فِعْلَ العَبْدِ مُعَلَّقٌ عَلى مَشِيئَتِهِ، لَكِنَّ مَشِيئَةَ العَبْدِ مُعَلَّقَةٌ عَلى مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى لِقَوْلِهِ: صفحة ١٨٥ ﴿وما تَشاءُونَ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ [ الإنْسانِ: ٣٠] وحِينَئِذٍ تَصِيرُ هَذِهِ الآيَةُ حُجَّةً لَنا عَلَيْهِمْ، وذَكَرَ الأصْحابُ عَنْ وجْهِ الِاسْتِدْلالِ بِهَذِهِ الآيَةِ جَوابَيْنِ آخَرَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ مَعْنى إضافَةِ المَشِيئَةِ إلى المُخاطَبِينَ التَّهْدِيدُ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ . الثّانِي: أنَّ هَذِهِ المَشِيئَةَ لِلَّهِ تَعالى عَلى مَعْنى لِمَن شاءَ اللَّهُ مِنكم أنْ يَتَقَدَّمَ أوْ يَتَأخَّرَ.

المدثر 74:38

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ ﴿إلّا أصْحابَ اليَمِينِ﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: رَهِينَةٌ لَيْسَتْ بِتَأْنِيثِ رَهِينٍ في قَوْلِهِ: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [ الطُّورِ: ٢١] لِتَأْنِيثِ النَّفْسِ؛ لِأنَّهُ لَوْ قُصِدَتِ الصِّيغَةُ لَقِيلَ: رَهِينٌ، لِأنَّ فَعِيلًا بِمَعْنى مَفْعُولٍ يَسْتَوِي فِيهِ المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ، وإنَّما هي اسْمٌ بِمَعْنى الرَّهْنِ كالشَّتِيمَةِ بِمَعْنى الشَّتْمِ، كَأنَّهُ قِيلَ: كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهْنٌ، ومِنهُ بَيْتُ الحَماسَةِ: أبَعْدَ الَّذِي بِالنَّعْفِ نَعْفِ كَواكِبِ رَهِينَةَ رَمْسٍ ذِي تُرابٍ وجَنْدَلِ كَأنَّهُ قالَ: رَهْنٌ رَمْسٌ، والمَعْنى: كُلُّ نَفْسٍ رَهْنٌ بِكَسْبِها عِنْدَ اللَّهِ، غَيْرُ مَفْكُوكٍ إلّا أصْحابَ اليَمِينِ، فَإنَّهم فَكُّوا عَنْ رِقابِ أنْفُسِهِمْ بِسَبَبِ أعْمالِهِمُ الحَسَنَةِ، كَما يُخَلِّصُ الرّاهِنُ رَهْنَهُ بِأداءِ الحَقِّ، ثُمَّ ذَكَرُوا وُجُوهًا في أنَّ أصْحابَ اليَمِينِ مَن هم ؟: أحَدُها: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هُمُ المُؤْمِنُونَ. وثانِيها: قالَ الكَلْبِيُّ: هُمُ الَّذِينَ قالَ فِيهِمُ اللَّهُ تَعالى: ”هَؤُلاءِ في الجَنَّةِ ولا أُبالِي“ وهُمُ الَّذِينَ كانُوا عَلى يَمِينِ آدَمَ. وثالِثُها: قالَ مُقاتِلٌ: هُمُ الَّذِينَ أُعْطُوا كُتُبَهم بِأيْمانِهِمْ لا يُرْتَهَنُونَ بِذُنُوبِهِمْ في النّارِ. ورابِعُها: قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وابْنُ عُمَرَ: هم أطْفالُ المُسْلِمِينَ، قالَ الفَرّاءُ: وهو أشْبَهُ بِالصَّوابِ لِوَجْهَيْنِ: الأوَّلُ: لِأنَّ الوِلْدانَ لَمْ يَكْتَسِبُوا إثْمًا يَرْتَهِنُونَ بِهِ. والثّانِي: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في وصْفِهِمْ، فَقالَ: ﴿فِي جَنّاتٍ يَتَساءَلُونَ﴾ ﴿عَنِ المُجْرِمِينَ﴾ ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ وهَذا إنَّما يَلِيقُ بِالوِلْدانِ، لِأنَّهم لَمْ يَعْرِفُوا الذُّنُوبَ، فَسَألُوا ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ . وخامِسُها: عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: هُمُ المَلائِكَةُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي جَنّاتٍ﴾ أيْ هم في جَنّاتٍ لا يُكْتَنَهُ وصْفُها. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿يَتَساءَلُونَ عَنِ المُجْرِمِينَ﴾ وفِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنْ تَكُونَ كَلِمَةُ ”عَنْ“ صِلَةً زائِدَةً، والتَّقْدِيرُ: يَتَساءَلُونَ المُجْرِمِينَ فَيَقُولُونَ لَهم: ما سَلَكَكم في سَقَرَ ؟ فَإنَّهُ يُقالُ سَألْتُهُ كَذا، ويُقالُ: سَألْتُهُ عَنْ كَذا. الثّانِي: أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّ أصْحابَ اليَمِينِ يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا عَنْ أحْوالِ المُجْرِمِينَ، فَإنْ قِيلَ: فَعَلى هَذا الوَجْهِ كانَ يَجِبُ أنْ يَقُولُوا: ما سَلَكَهم في سَقَرَ ؟ قُلْنا: أجابَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ عَنْهُ، فَقالَ: المُرادُ مِن هَذا أنَّ المَسْؤُولِينَ يُلْقُونَ إلى السّائِلِينَ ما جَرى بَيْنَهم وبَيْنَ المُجْرِمِينَ، فَيَقُولُونَ: قُلْنا لَهم: ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ وفِيهِ وجْهٌ آخَرُ، وهو أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّ أصْحابَ اليَمِينِ كانُوا يَتَساءَلُونَ عَنِ المُجْرِمِينَ أيْنَ هم ؟ فَلَمّا رَأوْهم قالُوا لَهم: ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ والإضْماراتُ كَثِيرَةٌ في القُرْآنِ.

المدثر 74:39

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ ﴿إلّا أصْحابَ اليَمِينِ﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: رَهِينَةٌ لَيْسَتْ بِتَأْنِيثِ رَهِينٍ في قَوْلِهِ: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [ الطُّورِ: ٢١] لِتَأْنِيثِ النَّفْسِ؛ لِأنَّهُ لَوْ قُصِدَتِ الصِّيغَةُ لَقِيلَ: رَهِينٌ، لِأنَّ فَعِيلًا بِمَعْنى مَفْعُولٍ يَسْتَوِي فِيهِ المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ، وإنَّما هي اسْمٌ بِمَعْنى الرَّهْنِ كالشَّتِيمَةِ بِمَعْنى الشَّتْمِ، كَأنَّهُ قِيلَ: كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهْنٌ، ومِنهُ بَيْتُ الحَماسَةِ: أبَعْدَ الَّذِي بِالنَّعْفِ نَعْفِ كَواكِبِ رَهِينَةَ رَمْسٍ ذِي تُرابٍ وجَنْدَلِ كَأنَّهُ قالَ: رَهْنٌ رَمْسٌ، والمَعْنى: كُلُّ نَفْسٍ رَهْنٌ بِكَسْبِها عِنْدَ اللَّهِ، غَيْرُ مَفْكُوكٍ إلّا أصْحابَ اليَمِينِ، فَإنَّهم فَكُّوا عَنْ رِقابِ أنْفُسِهِمْ بِسَبَبِ أعْمالِهِمُ الحَسَنَةِ، كَما يُخَلِّصُ الرّاهِنُ رَهْنَهُ بِأداءِ الحَقِّ، ثُمَّ ذَكَرُوا وُجُوهًا في أنَّ أصْحابَ اليَمِينِ مَن هم ؟: أحَدُها: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هُمُ المُؤْمِنُونَ. وثانِيها: قالَ الكَلْبِيُّ: هُمُ الَّذِينَ قالَ فِيهِمُ اللَّهُ تَعالى: ”هَؤُلاءِ في الجَنَّةِ ولا أُبالِي“ وهُمُ الَّذِينَ كانُوا عَلى يَمِينِ آدَمَ. وثالِثُها: قالَ مُقاتِلٌ: هُمُ الَّذِينَ أُعْطُوا كُتُبَهم بِأيْمانِهِمْ لا يُرْتَهَنُونَ بِذُنُوبِهِمْ في النّارِ. ورابِعُها: قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وابْنُ عُمَرَ: هم أطْفالُ المُسْلِمِينَ، قالَ الفَرّاءُ: وهو أشْبَهُ بِالصَّوابِ لِوَجْهَيْنِ: الأوَّلُ: لِأنَّ الوِلْدانَ لَمْ يَكْتَسِبُوا إثْمًا يَرْتَهِنُونَ بِهِ. والثّانِي: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في وصْفِهِمْ، فَقالَ: ﴿فِي جَنّاتٍ يَتَساءَلُونَ﴾ ﴿عَنِ المُجْرِمِينَ﴾ ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ وهَذا إنَّما يَلِيقُ بِالوِلْدانِ، لِأنَّهم لَمْ يَعْرِفُوا الذُّنُوبَ، فَسَألُوا ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ . وخامِسُها: عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: هُمُ المَلائِكَةُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي جَنّاتٍ﴾ أيْ هم في جَنّاتٍ لا يُكْتَنَهُ وصْفُها. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿يَتَساءَلُونَ عَنِ المُجْرِمِينَ﴾ وفِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنْ تَكُونَ كَلِمَةُ ”عَنْ“ صِلَةً زائِدَةً، والتَّقْدِيرُ: يَتَساءَلُونَ المُجْرِمِينَ فَيَقُولُونَ لَهم: ما سَلَكَكم في سَقَرَ ؟ فَإنَّهُ يُقالُ سَألْتُهُ كَذا، ويُقالُ: سَألْتُهُ عَنْ كَذا. الثّانِي: أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّ أصْحابَ اليَمِينِ يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا عَنْ أحْوالِ المُجْرِمِينَ، فَإنْ قِيلَ: فَعَلى هَذا الوَجْهِ كانَ يَجِبُ أنْ يَقُولُوا: ما سَلَكَهم في سَقَرَ ؟ قُلْنا: أجابَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ عَنْهُ، فَقالَ: المُرادُ مِن هَذا أنَّ المَسْؤُولِينَ يُلْقُونَ إلى السّائِلِينَ ما جَرى بَيْنَهم وبَيْنَ المُجْرِمِينَ، فَيَقُولُونَ: قُلْنا لَهم: ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ وفِيهِ وجْهٌ آخَرُ، وهو أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّ أصْحابَ اليَمِينِ كانُوا يَتَساءَلُونَ عَنِ المُجْرِمِينَ أيْنَ هم ؟ فَلَمّا رَأوْهم قالُوا لَهم: ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ والإضْماراتُ كَثِيرَةٌ في القُرْآنِ.

المدثر 74:40

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ ﴿إلّا أصْحابَ اليَمِينِ﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: رَهِينَةٌ لَيْسَتْ بِتَأْنِيثِ رَهِينٍ في قَوْلِهِ: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [ الطُّورِ: ٢١] لِتَأْنِيثِ النَّفْسِ؛ لِأنَّهُ لَوْ قُصِدَتِ الصِّيغَةُ لَقِيلَ: رَهِينٌ، لِأنَّ فَعِيلًا بِمَعْنى مَفْعُولٍ يَسْتَوِي فِيهِ المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ، وإنَّما هي اسْمٌ بِمَعْنى الرَّهْنِ كالشَّتِيمَةِ بِمَعْنى الشَّتْمِ، كَأنَّهُ قِيلَ: كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهْنٌ، ومِنهُ بَيْتُ الحَماسَةِ: أبَعْدَ الَّذِي بِالنَّعْفِ نَعْفِ كَواكِبِ رَهِينَةَ رَمْسٍ ذِي تُرابٍ وجَنْدَلِ كَأنَّهُ قالَ: رَهْنٌ رَمْسٌ، والمَعْنى: كُلُّ نَفْسٍ رَهْنٌ بِكَسْبِها عِنْدَ اللَّهِ، غَيْرُ مَفْكُوكٍ إلّا أصْحابَ اليَمِينِ، فَإنَّهم فَكُّوا عَنْ رِقابِ أنْفُسِهِمْ بِسَبَبِ أعْمالِهِمُ الحَسَنَةِ، كَما يُخَلِّصُ الرّاهِنُ رَهْنَهُ بِأداءِ الحَقِّ، ثُمَّ ذَكَرُوا وُجُوهًا في أنَّ أصْحابَ اليَمِينِ مَن هم ؟: أحَدُها: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هُمُ المُؤْمِنُونَ. وثانِيها: قالَ الكَلْبِيُّ: هُمُ الَّذِينَ قالَ فِيهِمُ اللَّهُ تَعالى: ”هَؤُلاءِ في الجَنَّةِ ولا أُبالِي“ وهُمُ الَّذِينَ كانُوا عَلى يَمِينِ آدَمَ. وثالِثُها: قالَ مُقاتِلٌ: هُمُ الَّذِينَ أُعْطُوا كُتُبَهم بِأيْمانِهِمْ لا يُرْتَهَنُونَ بِذُنُوبِهِمْ في النّارِ. ورابِعُها: قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وابْنُ عُمَرَ: هم أطْفالُ المُسْلِمِينَ، قالَ الفَرّاءُ: وهو أشْبَهُ بِالصَّوابِ لِوَجْهَيْنِ: الأوَّلُ: لِأنَّ الوِلْدانَ لَمْ يَكْتَسِبُوا إثْمًا يَرْتَهِنُونَ بِهِ. والثّانِي: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في وصْفِهِمْ، فَقالَ: ﴿فِي جَنّاتٍ يَتَساءَلُونَ﴾ ﴿عَنِ المُجْرِمِينَ﴾ ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ وهَذا إنَّما يَلِيقُ بِالوِلْدانِ، لِأنَّهم لَمْ يَعْرِفُوا الذُّنُوبَ، فَسَألُوا ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ . وخامِسُها: عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: هُمُ المَلائِكَةُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي جَنّاتٍ﴾ أيْ هم في جَنّاتٍ لا يُكْتَنَهُ وصْفُها. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿يَتَساءَلُونَ عَنِ المُجْرِمِينَ﴾ وفِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنْ تَكُونَ كَلِمَةُ ”عَنْ“ صِلَةً زائِدَةً، والتَّقْدِيرُ: يَتَساءَلُونَ المُجْرِمِينَ فَيَقُولُونَ لَهم: ما سَلَكَكم في سَقَرَ ؟ فَإنَّهُ يُقالُ سَألْتُهُ كَذا، ويُقالُ: سَألْتُهُ عَنْ كَذا. الثّانِي: أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّ أصْحابَ اليَمِينِ يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا عَنْ أحْوالِ المُجْرِمِينَ، فَإنْ قِيلَ: فَعَلى هَذا الوَجْهِ كانَ يَجِبُ أنْ يَقُولُوا: ما سَلَكَهم في سَقَرَ ؟ قُلْنا: أجابَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ عَنْهُ، فَقالَ: المُرادُ مِن هَذا أنَّ المَسْؤُولِينَ يُلْقُونَ إلى السّائِلِينَ ما جَرى بَيْنَهم وبَيْنَ المُجْرِمِينَ، فَيَقُولُونَ: قُلْنا لَهم: ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ وفِيهِ وجْهٌ آخَرُ، وهو أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّ أصْحابَ اليَمِينِ كانُوا يَتَساءَلُونَ عَنِ المُجْرِمِينَ أيْنَ هم ؟ فَلَمّا رَأوْهم قالُوا لَهم: ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ والإضْماراتُ كَثِيرَةٌ في القُرْآنِ.

المدثر 74:41

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ ﴿إلّا أصْحابَ اليَمِينِ﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: رَهِينَةٌ لَيْسَتْ بِتَأْنِيثِ رَهِينٍ في قَوْلِهِ: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [ الطُّورِ: ٢١] لِتَأْنِيثِ النَّفْسِ؛ لِأنَّهُ لَوْ قُصِدَتِ الصِّيغَةُ لَقِيلَ: رَهِينٌ، لِأنَّ فَعِيلًا بِمَعْنى مَفْعُولٍ يَسْتَوِي فِيهِ المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ، وإنَّما هي اسْمٌ بِمَعْنى الرَّهْنِ كالشَّتِيمَةِ بِمَعْنى الشَّتْمِ، كَأنَّهُ قِيلَ: كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهْنٌ، ومِنهُ بَيْتُ الحَماسَةِ: أبَعْدَ الَّذِي بِالنَّعْفِ نَعْفِ كَواكِبِ رَهِينَةَ رَمْسٍ ذِي تُرابٍ وجَنْدَلِ كَأنَّهُ قالَ: رَهْنٌ رَمْسٌ، والمَعْنى: كُلُّ نَفْسٍ رَهْنٌ بِكَسْبِها عِنْدَ اللَّهِ، غَيْرُ مَفْكُوكٍ إلّا أصْحابَ اليَمِينِ، فَإنَّهم فَكُّوا عَنْ رِقابِ أنْفُسِهِمْ بِسَبَبِ أعْمالِهِمُ الحَسَنَةِ، كَما يُخَلِّصُ الرّاهِنُ رَهْنَهُ بِأداءِ الحَقِّ، ثُمَّ ذَكَرُوا وُجُوهًا في أنَّ أصْحابَ اليَمِينِ مَن هم ؟: أحَدُها: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هُمُ المُؤْمِنُونَ. وثانِيها: قالَ الكَلْبِيُّ: هُمُ الَّذِينَ قالَ فِيهِمُ اللَّهُ تَعالى: ”هَؤُلاءِ في الجَنَّةِ ولا أُبالِي“ وهُمُ الَّذِينَ كانُوا عَلى يَمِينِ آدَمَ. وثالِثُها: قالَ مُقاتِلٌ: هُمُ الَّذِينَ أُعْطُوا كُتُبَهم بِأيْمانِهِمْ لا يُرْتَهَنُونَ بِذُنُوبِهِمْ في النّارِ. ورابِعُها: قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وابْنُ عُمَرَ: هم أطْفالُ المُسْلِمِينَ، قالَ الفَرّاءُ: وهو أشْبَهُ بِالصَّوابِ لِوَجْهَيْنِ: الأوَّلُ: لِأنَّ الوِلْدانَ لَمْ يَكْتَسِبُوا إثْمًا يَرْتَهِنُونَ بِهِ. والثّانِي: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في وصْفِهِمْ، فَقالَ: ﴿فِي جَنّاتٍ يَتَساءَلُونَ﴾ ﴿عَنِ المُجْرِمِينَ﴾ ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ وهَذا إنَّما يَلِيقُ بِالوِلْدانِ، لِأنَّهم لَمْ يَعْرِفُوا الذُّنُوبَ، فَسَألُوا ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ . وخامِسُها: عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: هُمُ المَلائِكَةُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي جَنّاتٍ﴾ أيْ هم في جَنّاتٍ لا يُكْتَنَهُ وصْفُها. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿يَتَساءَلُونَ عَنِ المُجْرِمِينَ﴾ وفِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنْ تَكُونَ كَلِمَةُ ”عَنْ“ صِلَةً زائِدَةً، والتَّقْدِيرُ: يَتَساءَلُونَ المُجْرِمِينَ فَيَقُولُونَ لَهم: ما سَلَكَكم في سَقَرَ ؟ فَإنَّهُ يُقالُ سَألْتُهُ كَذا، ويُقالُ: سَألْتُهُ عَنْ كَذا. الثّانِي: أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّ أصْحابَ اليَمِينِ يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا عَنْ أحْوالِ المُجْرِمِينَ، فَإنْ قِيلَ: فَعَلى هَذا الوَجْهِ كانَ يَجِبُ أنْ يَقُولُوا: ما سَلَكَهم في سَقَرَ ؟ قُلْنا: أجابَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ عَنْهُ، فَقالَ: المُرادُ مِن هَذا أنَّ المَسْؤُولِينَ يُلْقُونَ إلى السّائِلِينَ ما جَرى بَيْنَهم وبَيْنَ المُجْرِمِينَ، فَيَقُولُونَ: قُلْنا لَهم: ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ وفِيهِ وجْهٌ آخَرُ، وهو أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّ أصْحابَ اليَمِينِ كانُوا يَتَساءَلُونَ عَنِ المُجْرِمِينَ أيْنَ هم ؟ فَلَمّا رَأوْهم قالُوا لَهم: ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ والإضْماراتُ كَثِيرَةٌ في القُرْآنِ.

المدثر 74:42

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ ﴿قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ﴾ ﴿ولَمْ نَكُ نُطْعِمُ المِسْكِينَ﴾ ﴿وكُنّا نَخُوضُ مَعَ الخائِضِينَ﴾ ﴿وكُنّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ ﴿حَتّى أتانا اليَقِينُ﴾ المَقْصُودُ مِنَ السُّؤالِ زِيادَةُ التَّوْبِيخِ والتَّخْجِيلِ، والمَعْنى: ما حَبَسَكم في هَذِهِ الدَّرَكَةِ مِنَ النّارِ ؟ فَأجابُوا بِأنَّ هَذا العَذابَ لِأُمُورٍ أرْبَعَةٍ: أوَّلُها: ﴿قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ﴾ . وثانِيها: ﴿ولَمْ نَكُ نُطْعِمُ المِسْكِينَ﴾ وهَذانَ يَجِبُ أنْ يَكُونا مَحْمُولَيْنِ عَلى الصَّلاةِ الواجِبَةِ والزَّكاةِ الواجِبَةِ؛ لِأنَّ ما لَيْسَ بِواجِبٍ لا يَجُوزُ أنْ يُعَذَّبُوا عَلى تَرْكِهِ. وثالِثُها: ﴿وكُنّا نَخُوضُ مَعَ الخائِضِينَ﴾ والمُرادُ مِنهُ الأباطِيلُ. ورابِعُها: ﴿وكُنّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ أيْ بِيَوْمِ القِيامَةِ حَتّى أتانا اليَقِينُ، أيِ المَوْتُ، قالَ تَعالى: ﴿حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ﴾ والمَعْنى: أنّا بَقِينا عَلى إنْكارِ القِيامَةِ إلى وقْتِ المَوْتِ، وظاهِرُ اللَّفْظِ يَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ أحَدٍ مِن أُولَئِكَ الأقْوامِ كانَ مَوْصُوفًا بِهَذِهِ الخِصالِ الأرْبَعَةِ، واحْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ الكُفّارَ يُعَذَّبُونَ بِتَرْكِ فُرُوعِ الشَّرائِعِ، والِاسْتِقْصاءُ فِيهِ قَدْ ذَكَرْناهُ في المَحْصُولِ مِن أُصُولِ الفِقْهِ، فَإنْ قِيلَ: لِمَ أخَّرَ التَّكْذِيبَ، وهو أفْحَشُ تِلْكَ الخِصالِ الأرْبَعَةِ ؟ قُلْنا: أُرِيدَ أنَّهم بَعْدَ اتِّصافِهِمْ بِتِلْكَ الأُمُورِ الثَّلاثَةِ كانُوا مُكَذِّبِينَ بِيَوْمِ الدِّينِ، والغَرَضُ تَعْظِيمُ هَذا الذَّنْبِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [ البَلَدِ: ١٧] . * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَما تَنْفَعُهم شَفاعَةُ الشّافِعِينَ﴾ واحْتَجَّ أصْحابُنا عَلى ثُبُوتِ الشَّفاعَةِ لِلْفُسّاقِ بِمَفْهُومِ هَذِهِ الآيَةِ، وقالُوا: إنَّ تَخْصِيصَ هَؤُلاءِ بِأنَّهم لا تَنْفَعُهم شَفاعَةُ الشّافِعِينَ يَدُلُّ عَلى أنَّ غَيْرَهم تَنْفَعُهم شَفاعَةُ الشّافِعِينَ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَما لَهم عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ أيْ عَنِ الذِّكْرِ وهو العِظَةُ يُرِيدُ القُرْآنَ أوْ غَيْرَهُ مِنَ المَواعِظِ، و”مُعْرِضِينَ“ نُصِبَ عَلى الحالِ؛ كَقَوْلِهِمْ: مالَكَ قائِمًا.

المدثر 74:43

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ ﴿قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ﴾ ﴿ولَمْ نَكُ نُطْعِمُ المِسْكِينَ﴾ ﴿وكُنّا نَخُوضُ مَعَ الخائِضِينَ﴾ ﴿وكُنّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ ﴿حَتّى أتانا اليَقِينُ﴾ المَقْصُودُ مِنَ السُّؤالِ زِيادَةُ التَّوْبِيخِ والتَّخْجِيلِ، والمَعْنى: ما حَبَسَكم في هَذِهِ الدَّرَكَةِ مِنَ النّارِ ؟ فَأجابُوا بِأنَّ هَذا العَذابَ لِأُمُورٍ أرْبَعَةٍ: أوَّلُها: ﴿قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ﴾ . وثانِيها: ﴿ولَمْ نَكُ نُطْعِمُ المِسْكِينَ﴾ وهَذانَ يَجِبُ أنْ يَكُونا مَحْمُولَيْنِ عَلى الصَّلاةِ الواجِبَةِ والزَّكاةِ الواجِبَةِ؛ لِأنَّ ما لَيْسَ بِواجِبٍ لا يَجُوزُ أنْ يُعَذَّبُوا عَلى تَرْكِهِ. وثالِثُها: ﴿وكُنّا نَخُوضُ مَعَ الخائِضِينَ﴾ والمُرادُ مِنهُ الأباطِيلُ. ورابِعُها: ﴿وكُنّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ أيْ بِيَوْمِ القِيامَةِ حَتّى أتانا اليَقِينُ، أيِ المَوْتُ، قالَ تَعالى: ﴿حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ﴾ والمَعْنى: أنّا بَقِينا عَلى إنْكارِ القِيامَةِ إلى وقْتِ المَوْتِ، وظاهِرُ اللَّفْظِ يَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ أحَدٍ مِن أُولَئِكَ الأقْوامِ كانَ مَوْصُوفًا بِهَذِهِ الخِصالِ الأرْبَعَةِ، واحْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ الكُفّارَ يُعَذَّبُونَ بِتَرْكِ فُرُوعِ الشَّرائِعِ، والِاسْتِقْصاءُ فِيهِ قَدْ ذَكَرْناهُ في المَحْصُولِ مِن أُصُولِ الفِقْهِ، فَإنْ قِيلَ: لِمَ أخَّرَ التَّكْذِيبَ، وهو أفْحَشُ تِلْكَ الخِصالِ الأرْبَعَةِ ؟ قُلْنا: أُرِيدَ أنَّهم بَعْدَ اتِّصافِهِمْ بِتِلْكَ الأُمُورِ الثَّلاثَةِ كانُوا مُكَذِّبِينَ بِيَوْمِ الدِّينِ، والغَرَضُ تَعْظِيمُ هَذا الذَّنْبِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [ البَلَدِ: ١٧] . * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَما تَنْفَعُهم شَفاعَةُ الشّافِعِينَ﴾ واحْتَجَّ أصْحابُنا عَلى ثُبُوتِ الشَّفاعَةِ لِلْفُسّاقِ بِمَفْهُومِ هَذِهِ الآيَةِ، وقالُوا: إنَّ تَخْصِيصَ هَؤُلاءِ بِأنَّهم لا تَنْفَعُهم شَفاعَةُ الشّافِعِينَ يَدُلُّ عَلى أنَّ غَيْرَهم تَنْفَعُهم شَفاعَةُ الشّافِعِينَ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَما لَهم عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ أيْ عَنِ الذِّكْرِ وهو العِظَةُ يُرِيدُ القُرْآنَ أوْ غَيْرَهُ مِنَ المَواعِظِ، و”مُعْرِضِينَ“ نُصِبَ عَلى الحالِ؛ كَقَوْلِهِمْ: مالَكَ قائِمًا.

المدثر 74:44

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ ﴿قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ﴾ ﴿ولَمْ نَكُ نُطْعِمُ المِسْكِينَ﴾ ﴿وكُنّا نَخُوضُ مَعَ الخائِضِينَ﴾ ﴿وكُنّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ ﴿حَتّى أتانا اليَقِينُ﴾ المَقْصُودُ مِنَ السُّؤالِ زِيادَةُ التَّوْبِيخِ والتَّخْجِيلِ، والمَعْنى: ما حَبَسَكم في هَذِهِ الدَّرَكَةِ مِنَ النّارِ ؟ فَأجابُوا بِأنَّ هَذا العَذابَ لِأُمُورٍ أرْبَعَةٍ: أوَّلُها: ﴿قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ﴾ . وثانِيها: ﴿ولَمْ نَكُ نُطْعِمُ المِسْكِينَ﴾ وهَذانَ يَجِبُ أنْ يَكُونا مَحْمُولَيْنِ عَلى الصَّلاةِ الواجِبَةِ والزَّكاةِ الواجِبَةِ؛ لِأنَّ ما لَيْسَ بِواجِبٍ لا يَجُوزُ أنْ يُعَذَّبُوا عَلى تَرْكِهِ. وثالِثُها: ﴿وكُنّا نَخُوضُ مَعَ الخائِضِينَ﴾ والمُرادُ مِنهُ الأباطِيلُ. ورابِعُها: ﴿وكُنّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ أيْ بِيَوْمِ القِيامَةِ حَتّى أتانا اليَقِينُ، أيِ المَوْتُ، قالَ تَعالى: ﴿حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ﴾ والمَعْنى: أنّا بَقِينا عَلى إنْكارِ القِيامَةِ إلى وقْتِ المَوْتِ، وظاهِرُ اللَّفْظِ يَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ أحَدٍ مِن أُولَئِكَ الأقْوامِ كانَ مَوْصُوفًا بِهَذِهِ الخِصالِ الأرْبَعَةِ، واحْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ الكُفّارَ يُعَذَّبُونَ بِتَرْكِ فُرُوعِ الشَّرائِعِ، والِاسْتِقْصاءُ فِيهِ قَدْ ذَكَرْناهُ في المَحْصُولِ مِن أُصُولِ الفِقْهِ، فَإنْ قِيلَ: لِمَ أخَّرَ التَّكْذِيبَ، وهو أفْحَشُ تِلْكَ الخِصالِ الأرْبَعَةِ ؟ قُلْنا: أُرِيدَ أنَّهم بَعْدَ اتِّصافِهِمْ بِتِلْكَ الأُمُورِ الثَّلاثَةِ كانُوا مُكَذِّبِينَ بِيَوْمِ الدِّينِ، والغَرَضُ تَعْظِيمُ هَذا الذَّنْبِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [ البَلَدِ: ١٧] . * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَما تَنْفَعُهم شَفاعَةُ الشّافِعِينَ﴾ واحْتَجَّ أصْحابُنا عَلى ثُبُوتِ الشَّفاعَةِ لِلْفُسّاقِ بِمَفْهُومِ هَذِهِ الآيَةِ، وقالُوا: إنَّ تَخْصِيصَ هَؤُلاءِ بِأنَّهم لا تَنْفَعُهم شَفاعَةُ الشّافِعِينَ يَدُلُّ عَلى أنَّ غَيْرَهم تَنْفَعُهم شَفاعَةُ الشّافِعِينَ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَما لَهم عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ أيْ عَنِ الذِّكْرِ وهو العِظَةُ يُرِيدُ القُرْآنَ أوْ غَيْرَهُ مِنَ المَواعِظِ، و”مُعْرِضِينَ“ نُصِبَ عَلى الحالِ؛ كَقَوْلِهِمْ: مالَكَ قائِمًا.

المدثر 74:45

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ ﴿قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ﴾ ﴿ولَمْ نَكُ نُطْعِمُ المِسْكِينَ﴾ ﴿وكُنّا نَخُوضُ مَعَ الخائِضِينَ﴾ ﴿وكُنّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ ﴿حَتّى أتانا اليَقِينُ﴾ المَقْصُودُ مِنَ السُّؤالِ زِيادَةُ التَّوْبِيخِ والتَّخْجِيلِ، والمَعْنى: ما حَبَسَكم في هَذِهِ الدَّرَكَةِ مِنَ النّارِ ؟ فَأجابُوا بِأنَّ هَذا العَذابَ لِأُمُورٍ أرْبَعَةٍ: أوَّلُها: ﴿قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ﴾ . وثانِيها: ﴿ولَمْ نَكُ نُطْعِمُ المِسْكِينَ﴾ وهَذانَ يَجِبُ أنْ يَكُونا مَحْمُولَيْنِ عَلى الصَّلاةِ الواجِبَةِ والزَّكاةِ الواجِبَةِ؛ لِأنَّ ما لَيْسَ بِواجِبٍ لا يَجُوزُ أنْ يُعَذَّبُوا عَلى تَرْكِهِ. وثالِثُها: ﴿وكُنّا نَخُوضُ مَعَ الخائِضِينَ﴾ والمُرادُ مِنهُ الأباطِيلُ. ورابِعُها: ﴿وكُنّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ أيْ بِيَوْمِ القِيامَةِ حَتّى أتانا اليَقِينُ، أيِ المَوْتُ، قالَ تَعالى: ﴿حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ﴾ والمَعْنى: أنّا بَقِينا عَلى إنْكارِ القِيامَةِ إلى وقْتِ المَوْتِ، وظاهِرُ اللَّفْظِ يَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ أحَدٍ مِن أُولَئِكَ الأقْوامِ كانَ مَوْصُوفًا بِهَذِهِ الخِصالِ الأرْبَعَةِ، واحْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ الكُفّارَ يُعَذَّبُونَ بِتَرْكِ فُرُوعِ الشَّرائِعِ، والِاسْتِقْصاءُ فِيهِ قَدْ ذَكَرْناهُ في المَحْصُولِ مِن أُصُولِ الفِقْهِ، فَإنْ قِيلَ: لِمَ أخَّرَ التَّكْذِيبَ، وهو أفْحَشُ تِلْكَ الخِصالِ الأرْبَعَةِ ؟ قُلْنا: أُرِيدَ أنَّهم بَعْدَ اتِّصافِهِمْ بِتِلْكَ الأُمُورِ الثَّلاثَةِ كانُوا مُكَذِّبِينَ بِيَوْمِ الدِّينِ، والغَرَضُ تَعْظِيمُ هَذا الذَّنْبِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [ البَلَدِ: ١٧] . * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَما تَنْفَعُهم شَفاعَةُ الشّافِعِينَ﴾ واحْتَجَّ أصْحابُنا عَلى ثُبُوتِ الشَّفاعَةِ لِلْفُسّاقِ بِمَفْهُومِ هَذِهِ الآيَةِ، وقالُوا: إنَّ تَخْصِيصَ هَؤُلاءِ بِأنَّهم لا تَنْفَعُهم شَفاعَةُ الشّافِعِينَ يَدُلُّ عَلى أنَّ غَيْرَهم تَنْفَعُهم شَفاعَةُ الشّافِعِينَ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَما لَهم عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ أيْ عَنِ الذِّكْرِ وهو العِظَةُ يُرِيدُ القُرْآنَ أوْ غَيْرَهُ مِنَ المَواعِظِ، و”مُعْرِضِينَ“ نُصِبَ عَلى الحالِ؛ كَقَوْلِهِمْ: مالَكَ قائِمًا.

المدثر 74:46

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ ﴿قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ﴾ ﴿ولَمْ نَكُ نُطْعِمُ المِسْكِينَ﴾ ﴿وكُنّا نَخُوضُ مَعَ الخائِضِينَ﴾ ﴿وكُنّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ ﴿حَتّى أتانا اليَقِينُ﴾ المَقْصُودُ مِنَ السُّؤالِ زِيادَةُ التَّوْبِيخِ والتَّخْجِيلِ، والمَعْنى: ما حَبَسَكم في هَذِهِ الدَّرَكَةِ مِنَ النّارِ ؟ فَأجابُوا بِأنَّ هَذا العَذابَ لِأُمُورٍ أرْبَعَةٍ: أوَّلُها: ﴿قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ﴾ . وثانِيها: ﴿ولَمْ نَكُ نُطْعِمُ المِسْكِينَ﴾ وهَذانَ يَجِبُ أنْ يَكُونا مَحْمُولَيْنِ عَلى الصَّلاةِ الواجِبَةِ والزَّكاةِ الواجِبَةِ؛ لِأنَّ ما لَيْسَ بِواجِبٍ لا يَجُوزُ أنْ يُعَذَّبُوا عَلى تَرْكِهِ. وثالِثُها: ﴿وكُنّا نَخُوضُ مَعَ الخائِضِينَ﴾ والمُرادُ مِنهُ الأباطِيلُ. ورابِعُها: ﴿وكُنّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ أيْ بِيَوْمِ القِيامَةِ حَتّى أتانا اليَقِينُ، أيِ المَوْتُ، قالَ تَعالى: ﴿حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ﴾ والمَعْنى: أنّا بَقِينا عَلى إنْكارِ القِيامَةِ إلى وقْتِ المَوْتِ، وظاهِرُ اللَّفْظِ يَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ أحَدٍ مِن أُولَئِكَ الأقْوامِ كانَ مَوْصُوفًا بِهَذِهِ الخِصالِ الأرْبَعَةِ، واحْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ الكُفّارَ يُعَذَّبُونَ بِتَرْكِ فُرُوعِ الشَّرائِعِ، والِاسْتِقْصاءُ فِيهِ قَدْ ذَكَرْناهُ في المَحْصُولِ مِن أُصُولِ الفِقْهِ، فَإنْ قِيلَ: لِمَ أخَّرَ التَّكْذِيبَ، وهو أفْحَشُ تِلْكَ الخِصالِ الأرْبَعَةِ ؟ قُلْنا: أُرِيدَ أنَّهم بَعْدَ اتِّصافِهِمْ بِتِلْكَ الأُمُورِ الثَّلاثَةِ كانُوا مُكَذِّبِينَ بِيَوْمِ الدِّينِ، والغَرَضُ تَعْظِيمُ هَذا الذَّنْبِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [ البَلَدِ: ١٧] . * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَما تَنْفَعُهم شَفاعَةُ الشّافِعِينَ﴾ واحْتَجَّ أصْحابُنا عَلى ثُبُوتِ الشَّفاعَةِ لِلْفُسّاقِ بِمَفْهُومِ هَذِهِ الآيَةِ، وقالُوا: إنَّ تَخْصِيصَ هَؤُلاءِ بِأنَّهم لا تَنْفَعُهم شَفاعَةُ الشّافِعِينَ يَدُلُّ عَلى أنَّ غَيْرَهم تَنْفَعُهم شَفاعَةُ الشّافِعِينَ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَما لَهم عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ أيْ عَنِ الذِّكْرِ وهو العِظَةُ يُرِيدُ القُرْآنَ أوْ غَيْرَهُ مِنَ المَواعِظِ، و”مُعْرِضِينَ“ نُصِبَ عَلى الحالِ؛ كَقَوْلِهِمْ: مالَكَ قائِمًا.

المدثر 74:47

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ ﴿قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ﴾ ﴿ولَمْ نَكُ نُطْعِمُ المِسْكِينَ﴾ ﴿وكُنّا نَخُوضُ مَعَ الخائِضِينَ﴾ ﴿وكُنّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ ﴿حَتّى أتانا اليَقِينُ﴾ المَقْصُودُ مِنَ السُّؤالِ زِيادَةُ التَّوْبِيخِ والتَّخْجِيلِ، والمَعْنى: ما حَبَسَكم في هَذِهِ الدَّرَكَةِ مِنَ النّارِ ؟ فَأجابُوا بِأنَّ هَذا العَذابَ لِأُمُورٍ أرْبَعَةٍ: أوَّلُها: ﴿قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ﴾ . وثانِيها: ﴿ولَمْ نَكُ نُطْعِمُ المِسْكِينَ﴾ وهَذانَ يَجِبُ أنْ يَكُونا مَحْمُولَيْنِ عَلى الصَّلاةِ الواجِبَةِ والزَّكاةِ الواجِبَةِ؛ لِأنَّ ما لَيْسَ بِواجِبٍ لا يَجُوزُ أنْ يُعَذَّبُوا عَلى تَرْكِهِ. وثالِثُها: ﴿وكُنّا نَخُوضُ مَعَ الخائِضِينَ﴾ والمُرادُ مِنهُ الأباطِيلُ. ورابِعُها: ﴿وكُنّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ أيْ بِيَوْمِ القِيامَةِ حَتّى أتانا اليَقِينُ، أيِ المَوْتُ، قالَ تَعالى: ﴿حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ﴾ والمَعْنى: أنّا بَقِينا عَلى إنْكارِ القِيامَةِ إلى وقْتِ المَوْتِ، وظاهِرُ اللَّفْظِ يَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ أحَدٍ مِن أُولَئِكَ الأقْوامِ كانَ مَوْصُوفًا بِهَذِهِ الخِصالِ الأرْبَعَةِ، واحْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ الكُفّارَ يُعَذَّبُونَ بِتَرْكِ فُرُوعِ الشَّرائِعِ، والِاسْتِقْصاءُ فِيهِ قَدْ ذَكَرْناهُ في المَحْصُولِ مِن أُصُولِ الفِقْهِ، فَإنْ قِيلَ: لِمَ أخَّرَ التَّكْذِيبَ، وهو أفْحَشُ تِلْكَ الخِصالِ الأرْبَعَةِ ؟ قُلْنا: أُرِيدَ أنَّهم بَعْدَ اتِّصافِهِمْ بِتِلْكَ الأُمُورِ الثَّلاثَةِ كانُوا مُكَذِّبِينَ بِيَوْمِ الدِّينِ، والغَرَضُ تَعْظِيمُ هَذا الذَّنْبِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [ البَلَدِ: ١٧] . * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَما تَنْفَعُهم شَفاعَةُ الشّافِعِينَ﴾ واحْتَجَّ أصْحابُنا عَلى ثُبُوتِ الشَّفاعَةِ لِلْفُسّاقِ بِمَفْهُومِ هَذِهِ الآيَةِ، وقالُوا: إنَّ تَخْصِيصَ هَؤُلاءِ بِأنَّهم لا تَنْفَعُهم شَفاعَةُ الشّافِعِينَ يَدُلُّ عَلى أنَّ غَيْرَهم تَنْفَعُهم شَفاعَةُ الشّافِعِينَ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَما لَهم عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ أيْ عَنِ الذِّكْرِ وهو العِظَةُ يُرِيدُ القُرْآنَ أوْ غَيْرَهُ مِنَ المَواعِظِ، و”مُعْرِضِينَ“ نُصِبَ عَلى الحالِ؛ كَقَوْلِهِمْ: مالَكَ قائِمًا.

المدثر 74:48

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ ﴿قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ﴾ ﴿ولَمْ نَكُ نُطْعِمُ المِسْكِينَ﴾ ﴿وكُنّا نَخُوضُ مَعَ الخائِضِينَ﴾ ﴿وكُنّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ ﴿حَتّى أتانا اليَقِينُ﴾ المَقْصُودُ مِنَ السُّؤالِ زِيادَةُ التَّوْبِيخِ والتَّخْجِيلِ، والمَعْنى: ما حَبَسَكم في هَذِهِ الدَّرَكَةِ مِنَ النّارِ ؟ فَأجابُوا بِأنَّ هَذا العَذابَ لِأُمُورٍ أرْبَعَةٍ: أوَّلُها: ﴿قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ﴾ . وثانِيها: ﴿ولَمْ نَكُ نُطْعِمُ المِسْكِينَ﴾ وهَذانَ يَجِبُ أنْ يَكُونا مَحْمُولَيْنِ عَلى الصَّلاةِ الواجِبَةِ والزَّكاةِ الواجِبَةِ؛ لِأنَّ ما لَيْسَ بِواجِبٍ لا يَجُوزُ أنْ يُعَذَّبُوا عَلى تَرْكِهِ. وثالِثُها: ﴿وكُنّا نَخُوضُ مَعَ الخائِضِينَ﴾ والمُرادُ مِنهُ الأباطِيلُ. ورابِعُها: ﴿وكُنّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ أيْ بِيَوْمِ القِيامَةِ حَتّى أتانا اليَقِينُ، أيِ المَوْتُ، قالَ تَعالى: ﴿حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ﴾ والمَعْنى: أنّا بَقِينا عَلى إنْكارِ القِيامَةِ إلى وقْتِ المَوْتِ، وظاهِرُ اللَّفْظِ يَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ أحَدٍ مِن أُولَئِكَ الأقْوامِ كانَ مَوْصُوفًا بِهَذِهِ الخِصالِ الأرْبَعَةِ، واحْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ الكُفّارَ يُعَذَّبُونَ بِتَرْكِ فُرُوعِ الشَّرائِعِ، والِاسْتِقْصاءُ فِيهِ قَدْ ذَكَرْناهُ في المَحْصُولِ مِن أُصُولِ الفِقْهِ، فَإنْ قِيلَ: لِمَ أخَّرَ التَّكْذِيبَ، وهو أفْحَشُ تِلْكَ الخِصالِ الأرْبَعَةِ ؟ قُلْنا: أُرِيدَ أنَّهم بَعْدَ اتِّصافِهِمْ بِتِلْكَ الأُمُورِ الثَّلاثَةِ كانُوا مُكَذِّبِينَ بِيَوْمِ الدِّينِ، والغَرَضُ تَعْظِيمُ هَذا الذَّنْبِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [ البَلَدِ: ١٧] . * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَما تَنْفَعُهم شَفاعَةُ الشّافِعِينَ﴾ واحْتَجَّ أصْحابُنا عَلى ثُبُوتِ الشَّفاعَةِ لِلْفُسّاقِ بِمَفْهُومِ هَذِهِ الآيَةِ، وقالُوا: إنَّ تَخْصِيصَ هَؤُلاءِ بِأنَّهم لا تَنْفَعُهم شَفاعَةُ الشّافِعِينَ يَدُلُّ عَلى أنَّ غَيْرَهم تَنْفَعُهم شَفاعَةُ الشّافِعِينَ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَما لَهم عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ أيْ عَنِ الذِّكْرِ وهو العِظَةُ يُرِيدُ القُرْآنَ أوْ غَيْرَهُ مِنَ المَواعِظِ، و”مُعْرِضِينَ“ نُصِبَ عَلى الحالِ؛ كَقَوْلِهِمْ: مالَكَ قائِمًا.

المدثر 74:49

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ ﴿قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ﴾ ﴿ولَمْ نَكُ نُطْعِمُ المِسْكِينَ﴾ ﴿وكُنّا نَخُوضُ مَعَ الخائِضِينَ﴾ ﴿وكُنّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ ﴿حَتّى أتانا اليَقِينُ﴾ المَقْصُودُ مِنَ السُّؤالِ زِيادَةُ التَّوْبِيخِ والتَّخْجِيلِ، والمَعْنى: ما حَبَسَكم في هَذِهِ الدَّرَكَةِ مِنَ النّارِ ؟ فَأجابُوا بِأنَّ هَذا العَذابَ لِأُمُورٍ أرْبَعَةٍ: أوَّلُها: ﴿قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ﴾ . وثانِيها: ﴿ولَمْ نَكُ نُطْعِمُ المِسْكِينَ﴾ وهَذانَ يَجِبُ أنْ يَكُونا مَحْمُولَيْنِ عَلى الصَّلاةِ الواجِبَةِ والزَّكاةِ الواجِبَةِ؛ لِأنَّ ما لَيْسَ بِواجِبٍ لا يَجُوزُ أنْ يُعَذَّبُوا عَلى تَرْكِهِ. وثالِثُها: ﴿وكُنّا نَخُوضُ مَعَ الخائِضِينَ﴾ والمُرادُ مِنهُ الأباطِيلُ. ورابِعُها: ﴿وكُنّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ أيْ بِيَوْمِ القِيامَةِ حَتّى أتانا اليَقِينُ، أيِ المَوْتُ، قالَ تَعالى: ﴿حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ﴾ والمَعْنى: أنّا بَقِينا عَلى إنْكارِ القِيامَةِ إلى وقْتِ المَوْتِ، وظاهِرُ اللَّفْظِ يَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ أحَدٍ مِن أُولَئِكَ الأقْوامِ كانَ مَوْصُوفًا بِهَذِهِ الخِصالِ الأرْبَعَةِ، واحْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ الكُفّارَ يُعَذَّبُونَ بِتَرْكِ فُرُوعِ الشَّرائِعِ، والِاسْتِقْصاءُ فِيهِ قَدْ ذَكَرْناهُ في المَحْصُولِ مِن أُصُولِ الفِقْهِ، فَإنْ قِيلَ: لِمَ أخَّرَ التَّكْذِيبَ، وهو أفْحَشُ تِلْكَ الخِصالِ الأرْبَعَةِ ؟ قُلْنا: أُرِيدَ أنَّهم بَعْدَ اتِّصافِهِمْ بِتِلْكَ الأُمُورِ الثَّلاثَةِ كانُوا مُكَذِّبِينَ بِيَوْمِ الدِّينِ، والغَرَضُ تَعْظِيمُ هَذا الذَّنْبِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [ البَلَدِ: ١٧] . * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَما تَنْفَعُهم شَفاعَةُ الشّافِعِينَ﴾ واحْتَجَّ أصْحابُنا عَلى ثُبُوتِ الشَّفاعَةِ لِلْفُسّاقِ بِمَفْهُومِ هَذِهِ الآيَةِ، وقالُوا: إنَّ تَخْصِيصَ هَؤُلاءِ بِأنَّهم لا تَنْفَعُهم شَفاعَةُ الشّافِعِينَ يَدُلُّ عَلى أنَّ غَيْرَهم تَنْفَعُهم شَفاعَةُ الشّافِعِينَ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَما لَهم عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ أيْ عَنِ الذِّكْرِ وهو العِظَةُ يُرِيدُ القُرْآنَ أوْ غَيْرَهُ مِنَ المَواعِظِ، و”مُعْرِضِينَ“ نُصِبَ عَلى الحالِ؛ كَقَوْلِهِمْ: مالَكَ قائِمًا.

المدثر 74:50

ثُمَّ شَبَّهَهم في نُفُورِهِمْ عَنِ القُرْآنِ بِحُمُرٍ نافِرَةٍ فَقالَ: ﴿كَأنَّهم حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ الحُمُرَ الوَحْشِيَّةَ، ومُسْتَنْفِرَةٌ أيْ نافِرَةٌ. يُقالُ: نَفَرَ واسْتَنْفَرَ مِثْلُ سَخِرَ، واسْتَسْخَرَ، وعَجِبَ واسْتَعْجَبَ، وقُرِئَ بِالفَتْحِ، وهي المُنَفَّرَةُ المَحْمُولَةُ عَلى النِّفارِ، قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: الكَسْرُ في مُسْتَنْفِرَةٍ أوْلى، ألا تَرى أنَّهُ قالَ: ﴿فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّها هي اسْتَنْفَرَتْ، ويَدُلُّ عَلى صِحَّةِ ما قالَ أبُو عَلِيٍّ أنَّ مُحَمَّدَ بْنَ سَلامٍ قالَ: سَألْتُ أبا سَوّارٍ الغَنَوِيَّ، وكانَ أعْرابِيًّا فَصِيحًا، فَقُلْتُ: كَأنَّهم حُمُرٌ ماذا ؟ فَقالَ: مُسْتَنْفِرَةٌ طَرَدَها قَسْوَرَةٌ، قُلْتُ: إنَّما هو صفحة ١٨٧ ”﴿فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ﴾“، قالَ: أفَرَّتْ ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قالَ: فَمُسْتَنْفِرَةٌ إذًا. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَرَّتْ﴾ يَعْنِي الحُمُرَ ﴿مِن قَسْوَرَةٍ﴾ . وذَكَرُوا في القَسْوَرَةِ وُجُوهًا: أحَدُها: أنَّها الأسَدُ، يُقالُ: لُيُوثٌ قَساوِرُ، وهي فَعُولَةٌ مِنَ القَسْرِ وهو القَهْرُ والغَلَبَةُ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ يَقْهَرُ السِّباعَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الحُمُرُ الوَحْشِيَّةُ إذا عايَنَتِ الأسَدَ هَرَبَتْ، كَذَلِكَ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ إذا رَأوْا مُحَمَّدًا ﷺ هَرَبُوا مِنهُ، كَما يَهْرُبُ الحِمارُ مِنَ الأسَدِ، ثُمَّ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: القَسْوَرَةُ هي الأسَدُ بِلِسانِ الحَبَشَةِ، وخالَفَ عِكْرِمَةُ فَقالَ: الأسَدُ بِلِسانِ الحَبَشَةِ عَنْبَسَةُ. وثانِيها: القَسْوَرَةُ جَماعَةُ الرُّماةِ الَّذِينَ يَتَصَيَّدُونَها، قالَ الأزْهَرِيُّ: هو اسْمُ جَمْعٍ لِلرُّماةِ لا واحِدَ لَهُ مِن جِنْسِهِ. وثالِثُها: القَسْوَرَةُ رِكْزُ النّاسِ وأصْواتُهم. ورابِعُها: أنَّها ظُلْمَةُ اللَّيْلِ. قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: وفي تَشْبِيهِهِمْ بِالحُمُرِ شَهادَةٌ عَلَيْهِمْ بِالبَلَهِ، ولا تَرى مِثْلَ نِفارِ حَمِيرِ الوَحْشِ وإطْرادِها في العَدْوِ إذا خافَتْ مِن شَيْءٍ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنهم أنْ يُؤْتى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ أنَّهم قالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: لا نُؤْمِنُ بِكَ حَتّى تَأْتِيَ كُلَّ واحِدٍ مِنّا بِكِتابٍ مِنَ السَّماءِ عُنْوانُهُ مِن رَبِّ العالَمِينَ إلى فُلانِ بْنِ فُلانٍ، ونُؤْمَرَ فِيهِ بِاتِّباعِكَ، ونَظِيرُهُ ﴿ولَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتابًا نَقْرَؤُهُ﴾ [ الإسْراءِ: ٩٣] وقالَ: ﴿ولَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتابًا في قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأيْدِيهِمْ﴾ [ الأنْعامِ: ٧] وقِيلَ: إنْ كانَ مُحَمَّدٌ صادِقًا فَلْيُصْبِحْ عِنْدَ رَأْسِ كُلِّ رَجُلٍ مِنّا صَحِيفَةٌ فِيها بَراءَةٌ مِنَ النّارِ، وقِيلَ: كانُوا يَقُولُونَ: بَلَغَنا أنَّ الرَّجُلَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ كانَ يُصْبِحُ مَكْتُوبًا عَلى رَأْسِهِ ذَنْبُهُ وكَفّارَتُهُ، فَأْتِنا بِمِثْلِ ذَلِكَ، وهَذا مِنَ الصُّحُفِ المُنَشَّرَةِ بِمَعْزِلٍ، إلّا أنْ يُرادَ بِالصُّحُفِ المُنَشَّرَةِ الكِتاباتِ الظّاهِرَةِ المَكْشُوفَةِ، وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: ”صُحُفًا مُنَشَّرَةً“ بِتَخْفِيفِهِما عَلى أنَّ أنْشَرَ الصُّحُفَ ونَشَّرَها واحِدٌ، كَأنْزَلَهُ ونَزَّلَهُ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿كَلّا﴾ وهو رَدْعٌ لَهم عَنْ تِلْكَ الإرادَةِ، وزَجْرٌ عَنِ اقْتِراحِ الآياتِ.

المدثر 74:51

ثُمَّ شَبَّهَهم في نُفُورِهِمْ عَنِ القُرْآنِ بِحُمُرٍ نافِرَةٍ فَقالَ: ﴿كَأنَّهم حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ الحُمُرَ الوَحْشِيَّةَ، ومُسْتَنْفِرَةٌ أيْ نافِرَةٌ. يُقالُ: نَفَرَ واسْتَنْفَرَ مِثْلُ سَخِرَ، واسْتَسْخَرَ، وعَجِبَ واسْتَعْجَبَ، وقُرِئَ بِالفَتْحِ، وهي المُنَفَّرَةُ المَحْمُولَةُ عَلى النِّفارِ، قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: الكَسْرُ في مُسْتَنْفِرَةٍ أوْلى، ألا تَرى أنَّهُ قالَ: ﴿فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّها هي اسْتَنْفَرَتْ، ويَدُلُّ عَلى صِحَّةِ ما قالَ أبُو عَلِيٍّ أنَّ مُحَمَّدَ بْنَ سَلامٍ قالَ: سَألْتُ أبا سَوّارٍ الغَنَوِيَّ، وكانَ أعْرابِيًّا فَصِيحًا، فَقُلْتُ: كَأنَّهم حُمُرٌ ماذا ؟ فَقالَ: مُسْتَنْفِرَةٌ طَرَدَها قَسْوَرَةٌ، قُلْتُ: إنَّما هو صفحة ١٨٧ ”﴿فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ﴾“، قالَ: أفَرَّتْ ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قالَ: فَمُسْتَنْفِرَةٌ إذًا. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَرَّتْ﴾ يَعْنِي الحُمُرَ ﴿مِن قَسْوَرَةٍ﴾ . وذَكَرُوا في القَسْوَرَةِ وُجُوهًا: أحَدُها: أنَّها الأسَدُ، يُقالُ: لُيُوثٌ قَساوِرُ، وهي فَعُولَةٌ مِنَ القَسْرِ وهو القَهْرُ والغَلَبَةُ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ يَقْهَرُ السِّباعَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الحُمُرُ الوَحْشِيَّةُ إذا عايَنَتِ الأسَدَ هَرَبَتْ، كَذَلِكَ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ إذا رَأوْا مُحَمَّدًا ﷺ هَرَبُوا مِنهُ، كَما يَهْرُبُ الحِمارُ مِنَ الأسَدِ، ثُمَّ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: القَسْوَرَةُ هي الأسَدُ بِلِسانِ الحَبَشَةِ، وخالَفَ عِكْرِمَةُ فَقالَ: الأسَدُ بِلِسانِ الحَبَشَةِ عَنْبَسَةُ. وثانِيها: القَسْوَرَةُ جَماعَةُ الرُّماةِ الَّذِينَ يَتَصَيَّدُونَها، قالَ الأزْهَرِيُّ: هو اسْمُ جَمْعٍ لِلرُّماةِ لا واحِدَ لَهُ مِن جِنْسِهِ. وثالِثُها: القَسْوَرَةُ رِكْزُ النّاسِ وأصْواتُهم. ورابِعُها: أنَّها ظُلْمَةُ اللَّيْلِ. قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: وفي تَشْبِيهِهِمْ بِالحُمُرِ شَهادَةٌ عَلَيْهِمْ بِالبَلَهِ، ولا تَرى مِثْلَ نِفارِ حَمِيرِ الوَحْشِ وإطْرادِها في العَدْوِ إذا خافَتْ مِن شَيْءٍ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنهم أنْ يُؤْتى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ أنَّهم قالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: لا نُؤْمِنُ بِكَ حَتّى تَأْتِيَ كُلَّ واحِدٍ مِنّا بِكِتابٍ مِنَ السَّماءِ عُنْوانُهُ مِن رَبِّ العالَمِينَ إلى فُلانِ بْنِ فُلانٍ، ونُؤْمَرَ فِيهِ بِاتِّباعِكَ، ونَظِيرُهُ ﴿ولَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتابًا نَقْرَؤُهُ﴾ [ الإسْراءِ: ٩٣] وقالَ: ﴿ولَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتابًا في قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأيْدِيهِمْ﴾ [ الأنْعامِ: ٧] وقِيلَ: إنْ كانَ مُحَمَّدٌ صادِقًا فَلْيُصْبِحْ عِنْدَ رَأْسِ كُلِّ رَجُلٍ مِنّا صَحِيفَةٌ فِيها بَراءَةٌ مِنَ النّارِ، وقِيلَ: كانُوا يَقُولُونَ: بَلَغَنا أنَّ الرَّجُلَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ كانَ يُصْبِحُ مَكْتُوبًا عَلى رَأْسِهِ ذَنْبُهُ وكَفّارَتُهُ، فَأْتِنا بِمِثْلِ ذَلِكَ، وهَذا مِنَ الصُّحُفِ المُنَشَّرَةِ بِمَعْزِلٍ، إلّا أنْ يُرادَ بِالصُّحُفِ المُنَشَّرَةِ الكِتاباتِ الظّاهِرَةِ المَكْشُوفَةِ، وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: ”صُحُفًا مُنَشَّرَةً“ بِتَخْفِيفِهِما عَلى أنَّ أنْشَرَ الصُّحُفَ ونَشَّرَها واحِدٌ، كَأنْزَلَهُ ونَزَّلَهُ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿كَلّا﴾ وهو رَدْعٌ لَهم عَنْ تِلْكَ الإرادَةِ، وزَجْرٌ عَنِ اقْتِراحِ الآياتِ.

المدثر 74:52

ثُمَّ شَبَّهَهم في نُفُورِهِمْ عَنِ القُرْآنِ بِحُمُرٍ نافِرَةٍ فَقالَ: ﴿كَأنَّهم حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ الحُمُرَ الوَحْشِيَّةَ، ومُسْتَنْفِرَةٌ أيْ نافِرَةٌ. يُقالُ: نَفَرَ واسْتَنْفَرَ مِثْلُ سَخِرَ، واسْتَسْخَرَ، وعَجِبَ واسْتَعْجَبَ، وقُرِئَ بِالفَتْحِ، وهي المُنَفَّرَةُ المَحْمُولَةُ عَلى النِّفارِ، قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: الكَسْرُ في مُسْتَنْفِرَةٍ أوْلى، ألا تَرى أنَّهُ قالَ: ﴿فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّها هي اسْتَنْفَرَتْ، ويَدُلُّ عَلى صِحَّةِ ما قالَ أبُو عَلِيٍّ أنَّ مُحَمَّدَ بْنَ سَلامٍ قالَ: سَألْتُ أبا سَوّارٍ الغَنَوِيَّ، وكانَ أعْرابِيًّا فَصِيحًا، فَقُلْتُ: كَأنَّهم حُمُرٌ ماذا ؟ فَقالَ: مُسْتَنْفِرَةٌ طَرَدَها قَسْوَرَةٌ، قُلْتُ: إنَّما هو صفحة ١٨٧ ”﴿فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ﴾“، قالَ: أفَرَّتْ ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قالَ: فَمُسْتَنْفِرَةٌ إذًا. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَرَّتْ﴾ يَعْنِي الحُمُرَ ﴿مِن قَسْوَرَةٍ﴾ . وذَكَرُوا في القَسْوَرَةِ وُجُوهًا: أحَدُها: أنَّها الأسَدُ، يُقالُ: لُيُوثٌ قَساوِرُ، وهي فَعُولَةٌ مِنَ القَسْرِ وهو القَهْرُ والغَلَبَةُ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ يَقْهَرُ السِّباعَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الحُمُرُ الوَحْشِيَّةُ إذا عايَنَتِ الأسَدَ هَرَبَتْ، كَذَلِكَ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ إذا رَأوْا مُحَمَّدًا ﷺ هَرَبُوا مِنهُ، كَما يَهْرُبُ الحِمارُ مِنَ الأسَدِ، ثُمَّ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: القَسْوَرَةُ هي الأسَدُ بِلِسانِ الحَبَشَةِ، وخالَفَ عِكْرِمَةُ فَقالَ: الأسَدُ بِلِسانِ الحَبَشَةِ عَنْبَسَةُ. وثانِيها: القَسْوَرَةُ جَماعَةُ الرُّماةِ الَّذِينَ يَتَصَيَّدُونَها، قالَ الأزْهَرِيُّ: هو اسْمُ جَمْعٍ لِلرُّماةِ لا واحِدَ لَهُ مِن جِنْسِهِ. وثالِثُها: القَسْوَرَةُ رِكْزُ النّاسِ وأصْواتُهم. ورابِعُها: أنَّها ظُلْمَةُ اللَّيْلِ. قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: وفي تَشْبِيهِهِمْ بِالحُمُرِ شَهادَةٌ عَلَيْهِمْ بِالبَلَهِ، ولا تَرى مِثْلَ نِفارِ حَمِيرِ الوَحْشِ وإطْرادِها في العَدْوِ إذا خافَتْ مِن شَيْءٍ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنهم أنْ يُؤْتى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ أنَّهم قالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: لا نُؤْمِنُ بِكَ حَتّى تَأْتِيَ كُلَّ واحِدٍ مِنّا بِكِتابٍ مِنَ السَّماءِ عُنْوانُهُ مِن رَبِّ العالَمِينَ إلى فُلانِ بْنِ فُلانٍ، ونُؤْمَرَ فِيهِ بِاتِّباعِكَ، ونَظِيرُهُ ﴿ولَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتابًا نَقْرَؤُهُ﴾ [ الإسْراءِ: ٩٣] وقالَ: ﴿ولَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتابًا في قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأيْدِيهِمْ﴾ [ الأنْعامِ: ٧] وقِيلَ: إنْ كانَ مُحَمَّدٌ صادِقًا فَلْيُصْبِحْ عِنْدَ رَأْسِ كُلِّ رَجُلٍ مِنّا صَحِيفَةٌ فِيها بَراءَةٌ مِنَ النّارِ، وقِيلَ: كانُوا يَقُولُونَ: بَلَغَنا أنَّ الرَّجُلَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ كانَ يُصْبِحُ مَكْتُوبًا عَلى رَأْسِهِ ذَنْبُهُ وكَفّارَتُهُ، فَأْتِنا بِمِثْلِ ذَلِكَ، وهَذا مِنَ الصُّحُفِ المُنَشَّرَةِ بِمَعْزِلٍ، إلّا أنْ يُرادَ بِالصُّحُفِ المُنَشَّرَةِ الكِتاباتِ الظّاهِرَةِ المَكْشُوفَةِ، وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: ”صُحُفًا مُنَشَّرَةً“ بِتَخْفِيفِهِما عَلى أنَّ أنْشَرَ الصُّحُفَ ونَشَّرَها واحِدٌ، كَأنْزَلَهُ ونَزَّلَهُ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿كَلّا﴾ وهو رَدْعٌ لَهم عَنْ تِلْكَ الإرادَةِ، وزَجْرٌ عَنِ اقْتِراحِ الآياتِ.

المدثر 74:53

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿بَلْ لا يَخافُونَ الآخِرَةَ﴾ فَلِذَلِكَ أعْرَضُوا عَنِ التَّأمُّلِ، فَإنَّهُ لَمّا حَصَلَتِ المُعْجِزاتُ الكَثِيرَةُ، كَفَتْ في الدَّلالَةِ عَلى صِحَّةِ النُّبُوَّةِ، فَطَلَبُ الزِّيادَةِ يَكُونُ مِن بابِ التَّعَنُّتِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿كَلّا﴾ وهو رَدْعٌ لَهم عَنْ إعْراضِهِمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّهُ تَذْكِرَةٌ﴾ يَعْنِي تَذْكِرَةٌ بَلِيغَةٌ كافِيَةٌ ﴿فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ﴾ أيْ جَعَلَهُ نُصْبَ عَيْنِهِ، فَإنَّ نَفْعَ ذَلِكَ راجِعٌ إلَيْهِ، والضَّمِيرُ في ”أنَّهُ“ و”ذَكَرَهُ“ لِلتَّذْكِرَةِ في قَوْلِهِ: ﴿فَما لَهم عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ [ المُدَّثِّرِ: ٤٩] وإنَّما ذُكِّرَتْ لِأنَّها في مَعْنى الذِّكْرِ أوِ القُرْآنِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما يَذْكُرُونَ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: يَعْنِي إلّا أنْ يَقْسِرَهم عَلى الذِّكْرِ ويُلْجِئَهم إلَيْهِ. والجَوابُ: أنَّهُ تَعالى نَفى الذِّكْرَ صفحة ١٨٨ مُطْلَقًا، واسْتَثْنى عَنْهُ حالَ المَشِيئَةِ المُطْلَقَةِ، فَيَلْزَمُ أنَّهُ مَتى حَصَلَتِ المَشِيئَةُ أنْ يَحْصُلَ الذِّكْرُ فَحَيْثُ لَمْ يَحْصُلِ الذِّكْرُ عَلِمْنا أنَّهُ لَمْ تَحْصُلِ المَشِيئَةُ، وتَخْصِيصُ المَشِيئَةِ بِالمَشِيئَةِ القَهْرِيَّةِ تَرْكٌ لِلظّاهِرِ، وقُرِئَ ”يَذْكُرُونَ“ [ و”تَذْكُرُونَ“ ] بِالياءِ والتّاءِ مُخَفَّفًا ومُشَدَّدًا. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿هُوَ أهْلُ التَّقْوى وأهْلُ المَغْفِرَةِ﴾ أيْ: هو حَقِيقٌ بِأنْ يَتَّقِيَهُ عِبادُهُ ويَخافُوا عِقابَهُ فَيُؤْمِنُوا ويُطِيعُوا، وحَقِيقٌ بِأنْ يَغْفِرَ لَهم ما سَلَفَ مِن كُفْرِهِمْ إذا آمَنُوا وأطاعُوا، واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ. والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ وصَلاتُهُ وسَلامُهُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ وآلِهِ وصَحْبِهِ أجْمَعِينَ.

المدثر 74:54

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿بَلْ لا يَخافُونَ الآخِرَةَ﴾ فَلِذَلِكَ أعْرَضُوا عَنِ التَّأمُّلِ، فَإنَّهُ لَمّا حَصَلَتِ المُعْجِزاتُ الكَثِيرَةُ، كَفَتْ في الدَّلالَةِ عَلى صِحَّةِ النُّبُوَّةِ، فَطَلَبُ الزِّيادَةِ يَكُونُ مِن بابِ التَّعَنُّتِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿كَلّا﴾ وهو رَدْعٌ لَهم عَنْ إعْراضِهِمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّهُ تَذْكِرَةٌ﴾ يَعْنِي تَذْكِرَةٌ بَلِيغَةٌ كافِيَةٌ ﴿فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ﴾ أيْ جَعَلَهُ نُصْبَ عَيْنِهِ، فَإنَّ نَفْعَ ذَلِكَ راجِعٌ إلَيْهِ، والضَّمِيرُ في ”أنَّهُ“ و”ذَكَرَهُ“ لِلتَّذْكِرَةِ في قَوْلِهِ: ﴿فَما لَهم عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ [ المُدَّثِّرِ: ٤٩] وإنَّما ذُكِّرَتْ لِأنَّها في مَعْنى الذِّكْرِ أوِ القُرْآنِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما يَذْكُرُونَ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: يَعْنِي إلّا أنْ يَقْسِرَهم عَلى الذِّكْرِ ويُلْجِئَهم إلَيْهِ. والجَوابُ: أنَّهُ تَعالى نَفى الذِّكْرَ صفحة ١٨٨ مُطْلَقًا، واسْتَثْنى عَنْهُ حالَ المَشِيئَةِ المُطْلَقَةِ، فَيَلْزَمُ أنَّهُ مَتى حَصَلَتِ المَشِيئَةُ أنْ يَحْصُلَ الذِّكْرُ فَحَيْثُ لَمْ يَحْصُلِ الذِّكْرُ عَلِمْنا أنَّهُ لَمْ تَحْصُلِ المَشِيئَةُ، وتَخْصِيصُ المَشِيئَةِ بِالمَشِيئَةِ القَهْرِيَّةِ تَرْكٌ لِلظّاهِرِ، وقُرِئَ ”يَذْكُرُونَ“ [ و”تَذْكُرُونَ“ ] بِالياءِ والتّاءِ مُخَفَّفًا ومُشَدَّدًا. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿هُوَ أهْلُ التَّقْوى وأهْلُ المَغْفِرَةِ﴾ أيْ: هو حَقِيقٌ بِأنْ يَتَّقِيَهُ عِبادُهُ ويَخافُوا عِقابَهُ فَيُؤْمِنُوا ويُطِيعُوا، وحَقِيقٌ بِأنْ يَغْفِرَ لَهم ما سَلَفَ مِن كُفْرِهِمْ إذا آمَنُوا وأطاعُوا، واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ. والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ وصَلاتُهُ وسَلامُهُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ وآلِهِ وصَحْبِهِ أجْمَعِينَ.

المدثر 74:55

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿بَلْ لا يَخافُونَ الآخِرَةَ﴾ فَلِذَلِكَ أعْرَضُوا عَنِ التَّأمُّلِ، فَإنَّهُ لَمّا حَصَلَتِ المُعْجِزاتُ الكَثِيرَةُ، كَفَتْ في الدَّلالَةِ عَلى صِحَّةِ النُّبُوَّةِ، فَطَلَبُ الزِّيادَةِ يَكُونُ مِن بابِ التَّعَنُّتِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿كَلّا﴾ وهو رَدْعٌ لَهم عَنْ إعْراضِهِمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّهُ تَذْكِرَةٌ﴾ يَعْنِي تَذْكِرَةٌ بَلِيغَةٌ كافِيَةٌ ﴿فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ﴾ أيْ جَعَلَهُ نُصْبَ عَيْنِهِ، فَإنَّ نَفْعَ ذَلِكَ راجِعٌ إلَيْهِ، والضَّمِيرُ في ”أنَّهُ“ و”ذَكَرَهُ“ لِلتَّذْكِرَةِ في قَوْلِهِ: ﴿فَما لَهم عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ [ المُدَّثِّرِ: ٤٩] وإنَّما ذُكِّرَتْ لِأنَّها في مَعْنى الذِّكْرِ أوِ القُرْآنِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما يَذْكُرُونَ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: يَعْنِي إلّا أنْ يَقْسِرَهم عَلى الذِّكْرِ ويُلْجِئَهم إلَيْهِ. والجَوابُ: أنَّهُ تَعالى نَفى الذِّكْرَ صفحة ١٨٨ مُطْلَقًا، واسْتَثْنى عَنْهُ حالَ المَشِيئَةِ المُطْلَقَةِ، فَيَلْزَمُ أنَّهُ مَتى حَصَلَتِ المَشِيئَةُ أنْ يَحْصُلَ الذِّكْرُ فَحَيْثُ لَمْ يَحْصُلِ الذِّكْرُ عَلِمْنا أنَّهُ لَمْ تَحْصُلِ المَشِيئَةُ، وتَخْصِيصُ المَشِيئَةِ بِالمَشِيئَةِ القَهْرِيَّةِ تَرْكٌ لِلظّاهِرِ، وقُرِئَ ”يَذْكُرُونَ“ [ و”تَذْكُرُونَ“ ] بِالياءِ والتّاءِ مُخَفَّفًا ومُشَدَّدًا. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿هُوَ أهْلُ التَّقْوى وأهْلُ المَغْفِرَةِ﴾ أيْ: هو حَقِيقٌ بِأنْ يَتَّقِيَهُ عِبادُهُ ويَخافُوا عِقابَهُ فَيُؤْمِنُوا ويُطِيعُوا، وحَقِيقٌ بِأنْ يَغْفِرَ لَهم ما سَلَفَ مِن كُفْرِهِمْ إذا آمَنُوا وأطاعُوا، واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ. والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ وصَلاتُهُ وسَلامُهُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ وآلِهِ وصَحْبِهِ أجْمَعِينَ.

المدثر 74:56

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿بَلْ لا يَخافُونَ الآخِرَةَ﴾ فَلِذَلِكَ أعْرَضُوا عَنِ التَّأمُّلِ، فَإنَّهُ لَمّا حَصَلَتِ المُعْجِزاتُ الكَثِيرَةُ، كَفَتْ في الدَّلالَةِ عَلى صِحَّةِ النُّبُوَّةِ، فَطَلَبُ الزِّيادَةِ يَكُونُ مِن بابِ التَّعَنُّتِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿كَلّا﴾ وهو رَدْعٌ لَهم عَنْ إعْراضِهِمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّهُ تَذْكِرَةٌ﴾ يَعْنِي تَذْكِرَةٌ بَلِيغَةٌ كافِيَةٌ ﴿فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ﴾ أيْ جَعَلَهُ نُصْبَ عَيْنِهِ، فَإنَّ نَفْعَ ذَلِكَ راجِعٌ إلَيْهِ، والضَّمِيرُ في ”أنَّهُ“ و”ذَكَرَهُ“ لِلتَّذْكِرَةِ في قَوْلِهِ: ﴿فَما لَهم عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ [ المُدَّثِّرِ: ٤٩] وإنَّما ذُكِّرَتْ لِأنَّها في مَعْنى الذِّكْرِ أوِ القُرْآنِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما يَذْكُرُونَ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: يَعْنِي إلّا أنْ يَقْسِرَهم عَلى الذِّكْرِ ويُلْجِئَهم إلَيْهِ. والجَوابُ: أنَّهُ تَعالى نَفى الذِّكْرَ صفحة ١٨٨ مُطْلَقًا، واسْتَثْنى عَنْهُ حالَ المَشِيئَةِ المُطْلَقَةِ، فَيَلْزَمُ أنَّهُ مَتى حَصَلَتِ المَشِيئَةُ أنْ يَحْصُلَ الذِّكْرُ فَحَيْثُ لَمْ يَحْصُلِ الذِّكْرُ عَلِمْنا أنَّهُ لَمْ تَحْصُلِ المَشِيئَةُ، وتَخْصِيصُ المَشِيئَةِ بِالمَشِيئَةِ القَهْرِيَّةِ تَرْكٌ لِلظّاهِرِ، وقُرِئَ ”يَذْكُرُونَ“ [ و”تَذْكُرُونَ“ ] بِالياءِ والتّاءِ مُخَفَّفًا ومُشَدَّدًا. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿هُوَ أهْلُ التَّقْوى وأهْلُ المَغْفِرَةِ﴾ أيْ: هو حَقِيقٌ بِأنْ يَتَّقِيَهُ عِبادُهُ ويَخافُوا عِقابَهُ فَيُؤْمِنُوا ويُطِيعُوا، وحَقِيقٌ بِأنْ يَغْفِرَ لَهم ما سَلَفَ مِن كُفْرِهِمْ إذا آمَنُوا وأطاعُوا، واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ. والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ وصَلاتُهُ وسَلامُهُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ وآلِهِ وصَحْبِهِ أجْمَعِينَ.