Tafsir Al-Razi — النبأ 78:1 – النازعات 79:28
المحتويات
- النبأ 78:1
- النبأ 78:2
- النبأ 78:3
- النبأ 78:4
- النبأ 78:5
- النبأ 78:6
- النبأ 78:7
- النبأ 78:8
- النبأ 78:9
- النبأ 78:10
- النبأ 78:11
- النبأ 78:12
- النبأ 78:13
- النبأ 78:14
- النبأ 78:15
- النبأ 78:16
- النبأ 78:17
- النبأ 78:18
- النبأ 78:19
- النبأ 78:20
- النبأ 78:21
- النبأ 78:22
- النبأ 78:23
- النبأ 78:24
- النبأ 78:25
- النبأ 78:26
- النبأ 78:27
- النبأ 78:28
- النبأ 78:29
- النبأ 78:30
- النبأ 78:31
- النبأ 78:32
- النبأ 78:33
- النبأ 78:34
- النبأ 78:35
- النبأ 78:36
- النبأ 78:37
- النبأ 78:38
- النبأ 78:39
- النبأ 78:40
- النازعات 79:1
- النازعات 79:2
- النازعات 79:3
- النازعات 79:4
- النازعات 79:5
- النازعات 79:6
- النازعات 79:7
- النازعات 79:8
- النازعات 79:9
- النازعات 79:10
- النازعات 79:11
- النازعات 79:12
- النازعات 79:13
- النازعات 79:14
- النازعات 79:15
- النازعات 79:16
- النازعات 79:17
- النازعات 79:18
- النازعات 79:19
- النازعات 79:20
- النازعات 79:21
- النازعات 79:22
- النازعات 79:23
- النازعات 79:24
- النازعات 79:25
- النازعات 79:26
- النازعات 79:27
- النازعات 79:28
النبأ 78:1
صفحة ٣
(سُورَةُ النَّبَأِ)
أرْبَعُونَ آيَةً مَكِّيَّةٌ
﷽
﴿عَمَّ يَتَساءَلُونَ﴾ ﴿عَنِ النَّبَإ العَظِيمِ﴾ ﴿الَّذِي هم فِيهِ مُخْتَلِفُونَ﴾
﷽
﴿عَمَّ يَتَساءَلُونَ﴾ ﴿عَنِ النَّبَإ العَظِيمِ﴾ ﴿الَّذِي هم فِيهِ مُخْتَلِفُونَ﴾ فِيهِ مَسائِلٌ:
المَسْألَةُ الأُولى: عَمَّ: أصْلُهُ حَرْفُ جَرٍّ دَخَلَ ”ما“ الِاسْتِفْهامِيَّةَ، قالَ حَسّانُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى -:
عَلى ما قامَ يَشْتُمُنِي لَئِيمٌ كَخِنْزِيرٍ تَمَرَّغَ في رَمادِ
والِاسْتِعْمالُ الكَثِيرُ عَلى الحَذْفِ والأصْلُ قَلِيلٌ، ذَكَرُوا في سَبَبِ الحَذْفِ وُجُوهًا:
أحَدُها: قالَ الزَّجّاجُ: لِأنَّ المِيمَ تَشْرَكُ الغُنَّةَ في الألِفِ فَصارا كالحَرْفَيْنِ المُتَماثِلَيْنِ.
وثانِيها: قالَ الجُرْجانِيُّ: إنَّهم إذا وصَفُوا ”ما“ في اسْتِفْهامٍ حَذَفُوا ألِفَها تَفْرِقَةً بَيْنِها وبَيْنَ أنْ تَكُونَ اسْمًا كَقَوْلِهِمْ: فِيمَ وبِمَ ولِمَ وعَلامَ وحَتّامَ.
وثالِثُها: قالُوا: حُذِفَتِ الألِفُ لِاتِّصالِ ما بِحَرْفِ الجَرِّ حَتّى صارَتْ كَجُزْءٍ مِنهُ لِتُنْبِئَ عَنْ شِدَّةِ الِاتِّصالِ.
ورابِعُها: السَّبَبُ في هَذا الحَذْفِ التَّخْفِيفُ في الكَلامِ فَإنَّهُ لَفْظٌ كَثِيرُ التَّداوُلِ عَلى اللِّسانِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿عَمَّ يَتَساءَلُونَ﴾ أنَّهُ سُؤالٌ، وقَوْلُهُ: ﴿عَنِ النَّبَإ العَظِيمِ﴾ جَوابُ السّائِلِ، والمُجِيبُ هو اللَّهُ تَعالى، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى عِلْمِهِ بِالغَيْبِ، بَلْ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ. فَإنْ قِيلَ: ما الفائِدَةُ في أنْ يَذْكُرَ الجَوابَ مَعَهُ؟ قُلْنا: لِأنَّ إيرادَ الكَلامِ في مَعْرِضِ السُّؤالِ والجَوابِ أقْرَبُ إلى التَّفْهِيمِ والإيضاحِ، ونَظِيرُهُ: ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ [غافِرٍ: ١٦] .
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَرَأ عِكْرِمَةُ وعِيسى بْنُ عُمَرَ (عَمّا) وهو الأصْلُ، وعَنِ ابْنِ كَثِيرٍ أنَّهُ قَرَأ (عَمَّهْ) بِهاءِ السَّكْتِ، ولا يَخْلُو إمّا أنْ يُجْرِيَ الوَصْلَ مَجْرى الوَقْفِ، وإمّا أنْ يَقِفَ ويَبْتَدِئَ بِـ ﴿يَتَساءَلُونَ﴾ ﴿عَنِ النَّبَإ العَظِيمِ﴾ عَلى أنْ يُضْمِرَ (يَتَساءَلُونَ) لِأنَّ ما بَعْدَهُ يُفَسِّرُهُ، كَشَيْءٍ مُبْهَمٍ ثُمَّ يُفَسِّرُهُ.
صفحة ٤
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: (ما) لَفْظَةٌ وُضِعَتْ لِطَلَبِ ماهِيّاتِ الأشْياءِ وحَقائِقِها، تَقُولُ: ما المُلْكُ ؟ وما الرُّوحُ؟ وما الجِنُّ؟ والمُرادُ طَلَبُ ماهِيّاتِها وشَرْحُ حَقائِقِها، وذَلِكَ يَقْتَضِي كَوْنَ ذَلِكَ المَطْلُوبِ مَجْهُولًا. ثُمَّ إنَّ الشَّيْءَ العَظِيمَ الَّذِي يَكُونُ لِعِظَمِهِ وتَفاقُمِ مَرْتَبَتِهِ ويُعْجِزُ العَقْلَ عَنْ أنْ يُحِيطَ بِكُنْهِهِ يَبْقى مَجْهُولًا، فَحَصَلَ بَيْنَ الشَّيْءِ المَطْلُوبِ بِلَفْظِ ما وبَيْنَ الشَّيْءِ العَظِيمِ مُشابَهَةٌ مِن هَذا الوَجْهِ، والمُشابَهَةُ إحْدى أسْبابِ المَجازِ، فَبِهَذا الطَّرِيقِ جَعَلَ (ما) دَلِيلًا عَلى عَظَمَةِ حالِ ذَلِكَ المَطْلُوبِ وعُلُوِّ رُتْبَتِهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أدْراكَ ما سِجِّينٌ﴾ [المُطَفِّفِينَ: ٨]، ﴿وما أدْراكَ ما العَقَبَةُ﴾ [البَلَدِ: ١٢] وتَقُولُ: زَيْدٌ وما زَيْدٌ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: التَّساؤُلُ هو أنْ يَسْألَ بَعْضُهم بَعْضًا كالتَّقابُلِ، وقَدْ يُسْتَعْمَلُ أيْضًا في أنْ يَتَحَدَّثُوا بِهِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ مِن بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ سُؤالٌ، قالَ تَعالى: ﴿فَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ ﴿قالَ قائِلٌ مِنهم إنِّي كانَ لِي قَرِينٌ﴾ ﴿يَقُولُ أئِنَّكَ لَمِنَ المُصَدِّقِينَ﴾ فَهَذا يَدُلُّ عَلى مَعْنى التَّحَدُّثِ فَيَكُونُ مَعْنى الكَلامِ عَمَّ يَتَحَدَّثُونَ، وهَذا قَوْلُ الفَرّاءِ.
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: أُولَئِكَ الَّذِينَ كانُوا يَتَساءَلُونَ مَن هُمْ، فِيهِ احْتِمالاتٌ: أحَدُها: أنَّهم هُمُ الكُفّارُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلّا سَيَعْلَمُونَ﴾ ﴿ثُمَّ كَلّا سَيَعْلَمُونَ﴾ الضَّمِيرُ في (يَتَساءَلُونَ)، و(هم فِيهِ مُخْتَلِفُونَ)، و(سَيَعْلَمُونَ)، راجِعٌ إلى شَيْءٍ واحِدٍ، وقَوْلُهُ: ﴿كَلّا سَيَعْلَمُونَ﴾ تَهْدِيدٌ والتَّهْدِيدُ لا يَلِيقُ إلّا بِالكُفّارِ، فَثَبَتَ أنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: ﴿يَتَساءَلُونَ﴾ عائِدٌ إلى الكُفّارِ، فَإنْ قِيلَ: فَما تَصْنَعُ بِقَوْلِهِ: ﴿هم فِيهِ مُخْتَلِفُونَ﴾ مَعَ أنَّ الكُفّارَ كانُوا مُتَّفِقِينَ في إنْكارِ الحَشْرِ؟ قُلْنا: لا نُسَلِّمُ أنَّهم كانُوا مُتَّفِقِينَ في إنْكارِ الحَشْرِ، وذَلِكَ لِأنَّ مِنهم مَن كانَ يُثْبِتُ المَعادَ الرُّوحانِيَّ، وهم جُمْهُورُ النَّصارى، وأمّا المَعادُ الجُسْمانِيُّ فَمِنهم مَن كانَ شاكًّا فِيهِ كَقَوْلِهِ: ﴿وما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً ولَئِنْ رُجِعْتُ إلى رَبِّي إنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى﴾ [فُصِّلَتْ: ٥٠] ومِنهم مَن أصَرَّ عَلى الإنْكارِ، ويَقُولُ: ﴿إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا نَمُوتُ ونَحْيا وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ [المُؤْمِنُونَ: ٣٧] ومِنهم مَن كانَ مُقِرًّا بِهِ، لَكِنَّهُ كانَ مُنْكِرًا لِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ -ﷺ-، فَقَدْ حَصَلَ اخْتِلافُهم فِيهِ، وأيْضًا هَبْ أنَّهم كانُوا مُنْكِرِينَ لَهُ لَكِنْ لَعَلَّهُمُ اخْتَلَفُوا في كَيْفِيَّةِ إنْكارِهِ، فَمِنهم مَن كانَ يُنْكِرُهُ لِأنَّهُ كانَ يُنْكِرُ الصّانِعَ المُخْتارَ، ومِنهم مَن كانَ يُنْكِرُهُ لِاعْتِقادِهِ أنَّ إعادَةَ المَعْدُومِ مُمْتَنِعَةٌ لِذاتِها، والقادِرُ المُخْتارُ إنَّما يَكُونُ قادِرًا عَلى ما يَكُونُ مُمْكِنًا في نَفْسِهِ، وهَذا هو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿هم فِيهِ مُخْتَلِفُونَ﴾ .
والِاحْتِمالُ الثّانِي: أنَّ الَّذِينَ كانُوا يَتَساءَلُونَ هُمُ الكُفّارُ والمُؤْمِنُونَ، وكانُوا جَمِيعًا يَتَساءَلُونَ عَنْهُ، أمّا المُسْلِمُ فَلِيَزْدادَ بَصِيرَةً ويَقِينًا في دِينِهِ، وأمّا الكافِرُ فَعَلى سَبِيلِ السُّخْرِيَةِ، أوْ عَلى سَبِيلِ إيرادِ الشُّكُوكِ والشُّبُهاتِ.
والِاحْتِمالُ الثّالِثُ: أنَّهم كانُوا يَسْألُونَ الرَّسُولَ، ويَقُولُونَ: ما هَذا الَّذِي تَعِدُنا بِهِ مِن أمْرِ الآخِرَةِ؟
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَنِ النَّبَإ العَظِيمِ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ في تَفْسِيرِ النَّبَإ العَظِيمِ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ هو القِيامَةُ وهَذا هو الأقْرَبُ ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: قَوْلُهُ: (سَيَعْلَمُونَ) والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ مِنهُ أنَّهم سَيَعْلَمُونَ هَذا الَّذِي يَتَساءَلُونَ عَنْهُ حِينَ لا تَنْفَعُهم تِلْكَ المَعْرِفَةُ، ومَعْلُومٌ أنَّ ذَلِكَ هو القِيامَةُ.
وثانِيها: أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ كَوْنَهُ قادِرًا عَلى جَمِيعِ المُمْكِناتِ بِقَوْلِهِ: ﴿ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ مِهادًا﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ﴾ [النَّبَإ: ١٨]
صفحة ٥
وذَلِكَ يَقْتَضِي أنَّهُ تَعالى إنَّما قَدَّمَ هَذِهِ المُقَدِّمَةَ لِبَيانِ كَوْنِهِ تَعالى قادِرًا عَلى إقامَةِ القِيامَةِ، ولَمّا كانَ الَّذِي أثْبَتَهُ اللَّهُ تَعالى بِالدَّلِيلِ العَقْلِيِّ في هَذِهِ السُّورَةِ هو هَذِهِ المَسْألَةُ ثَبَتَ أنَّ النَّبَأ العَظِيمَ الَّذِي كانُوا يَتَساءَلُونَ عَنْهُ هو يَوْمُ القِيامَةِ.
وثالِثُها: أنَّ العَظِيمَ اسْمٌ لِهَذا اليَوْمِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿ألا يَظُنُّ أُولَئِكَ أنَّهم مَبْعُوثُونَ﴾ ﴿لِيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [المُطَفِّفِينَ: ٤-٦] وقَوْلِهِ: ﴿قُلْ هو نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿أنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ [ص: ٦٨،٦٧] ولِأنَّ هَذا اليَوْمَ أعْظَمُ الأشْياءِ لِأنَّ ذَلِكَ مُنْتَهى فَزَعِ الخَلْقِ وخَوْفِهِمْ مِنهُ، فَكانَ تَخْصِيصُ اسْمِ العَظِيمِ بِهِ لائِقًا.
والقَوْلُ الثّانِي: إنَّهُ القُرْآنُ، واحْتَجَّ القائِلُونَ بِهَذا الوَجْهِ بِأمْرَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ النَّبَأ العَظِيمَ هو الَّذِي كانُوا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وذَلِكَ هو القُرْآنُ؛ لِأنَّ بَعْضَهم جَعَلَهُ سِحْرًا وبَعْضَهم شِعْرًا، وبَعْضَهم قالَ: إنَّهُ أساطِيرُ الأوَّلِينَ، فَأمّا البَعْثُ ونُبُوَّةُ مُحَمَّدٍ -ﷺ - فَقَدْ كانُوا مُتَّفِقِينَ عَلى إنْكارِهِما، وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنّا بَيَّنّا أنَّ الِاخْتِلافَ كانَ حاصِلًا في البَعْثِ.
الثّانِي: أنَّ النَّبَأ اسْمُ الخَبَرِ لا اسْمَ المُخْبَرِ عَنْهُ، فَتَفْسِيرُ النَّبَإ بِالقُرْآنِ أوْلى مِن تَفْسِيرِهِ بِالبَعْثِ أوِ النُّبُوَّةِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ في نَفْسِهِ لَيْسَ بِنَبَأٍ بَلْ مُنْبَأٍ عَنْهُ، ويُقَوِّي ذَلِكَ أنَّ القُرْآنَ سُمِّيَ ذِكْرًا وتَذْكِرَةً وذِكْرى وهِدايَةً وحَدِيثًا، فَكانَ اسْمُ النَّبَأِ بِهِ ألْيَقَ مِنهُ بِالبَعْثِ والنُّبُوَّةِ. والجَوابُ عَنْهُ: أنَّهُ إذا كانَ اسْمُ النَّبَأِ ألْيَقَ بِهَذِهِ الألْفاظِ فاسْمُ العَظِيمِ ألْيَقُ بِالقِيامَةِ وبِالنُّبُوَّةِ؛ لِأنَّهُ لا عَظَمَةَ في ألْفاظٍ، إنَّما العَظَمَةُ في المَعانِي، ولِلْأوَّلِينَ أنْ يَقُولُوا إنَّها عَظِيمَةٌ أيْضًا في الفَصاحَةِ والِاحْتِواءِ عَلى العُلُومِ الكَثِيرَةِ، ويُمْكِنُ أنْ يُجابَ أنَّ العَظِيمَ حَقِيقَةٌ في الأجْسامِ مَجازٌ في غَيْرِها، وإذا ثَبَتَ التَّعارُضُ بَقِيَ ما ذَكَرْنا مِنَ الدَّلائِلِ سَلِيمًا.
القَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ النَّبَأ العَظِيمَ هو نُبُوَّةُ مُحَمَّدٍ -ﷺ -، قالُوا: وذَلِكَ لِأنَّهُ لَمّا بُعِثَ الرَّسُولُ -عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- جَعَلُوا يَتَساءَلُونَ بَيْنَهم: ماذا الَّذِي حَدَثَ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿عَمَّ يَتَساءَلُونَ﴾ وذَلِكَ لِأنَّهم عَجِبُوا مِن إرْسالِ اللَّهِ مُحَمَّدًا -عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- إلَيْهِمْ كَما قالَ تَعالى: ﴿بَلْ عَجِبُوا أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهم فَقالَ الكافِرُونَ هَذا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ [ق: ٢]، وعَجِبُوا أيْضًا أنْ جاءَهم بِالتَّوْحِيدِ كَما قالَ: ﴿أجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عُجابٌ﴾ [ص: ٥]، فَحَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهم مُساءَلَةَ بَعْضِهِمْ بَعْضًا عَلى سَبِيلِ التَّعَجُّبِ بِقَوْلِهِ: ﴿عَمَّ يَتَساءَلُونَ﴾ .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في كَيْفِيَّةِ اتِّصالِ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها وُجُوهٌ:
أحَدُها: وهو قَوْلُ البَصْرِيِّينَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿عَمَّ يَتَساءَلُونَ﴾ كَلامٌ تامٌّ، ثُمَّ قالَ: ﴿عَنِ النَّبَإ العَظِيمِ﴾ والتَّقْدِيرُ: ﴿يَتَساءَلُونَ﴾ ﴿عَنِ النَّبَإ العَظِيمِ﴾ إلّا أنَّهُ حَذَفَ يَتَساءَلُونَ في الآيَةِ الثّانِيَةِ؛ لِأنَّ حُصُولَهُ في الآيَةِ الأُولى يَدُلُّ عَلَيْهِ.
وثانِيها: أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿عَنِ النَّبَإ العَظِيمِ﴾ اسْتِفْهامًا مُتَّصِلًا بِما قَبْلَهُ، والتَّقْدِيرُ: عَمَّ يَتَساءَلُونَ عَنِ النَّبَإ العَظِيمِ الَّذِي هم فِيهِ مُخْتَلِفُونَ، إلّا أنَّهُ اقْتَصَرَ عَلى ما قَبْلَهُ مِنَ الِاسْتِفْهامِ إذْ هو مُتَّصِلٌ بِهِ، وكالتَّرْجَمَةِ والبَيانِ لَهُ كَما قُرِئَ في قَوْلِهِ: (أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا إنّا لَمَبْعُوثُونَ) [الصّافّاتِ: ١٦] بِكَسْرِ الألِفِ مِن غَيْرِ اسْتِفْهامٍ؛ لِأنَّ إنْكارَهم إنَّما كانَ لِلْبَعْثِ، ولَكِنَّهُ لَمّا ظَهَرَ الِاسْتِفْهامُ في أوَّلِ الكَلامِ اقْتُصِرَ عَلَيْهِ، فَكَذا هاهُنا.
وثالِثُها: وهو اخْتِيارُ الكُوفِيِّينَ أنَّ الآيَةَ الثّانِيَةَ مُتَّصِلَةٌ بِالأُولى عَلى تَقْدِيرِ ”لِأيِّ شَيْءٍ يَتَساءَلُونَ عَنِ النَّبَإ العَظِيمِ“ وعَمَّ كَأنَّها في المَعْنى لِأيِّ شَيْءٍ، وهَذا قَوْلُ الفَرّاءِ.
النبأ 78:2
صفحة ٣
(سُورَةُ النَّبَأِ)
أرْبَعُونَ آيَةً مَكِّيَّةٌ
﷽
﴿عَمَّ يَتَساءَلُونَ﴾ ﴿عَنِ النَّبَإ العَظِيمِ﴾ ﴿الَّذِي هم فِيهِ مُخْتَلِفُونَ﴾
﷽
﴿عَمَّ يَتَساءَلُونَ﴾ ﴿عَنِ النَّبَإ العَظِيمِ﴾ ﴿الَّذِي هم فِيهِ مُخْتَلِفُونَ﴾ فِيهِ مَسائِلٌ:
المَسْألَةُ الأُولى: عَمَّ: أصْلُهُ حَرْفُ جَرٍّ دَخَلَ ”ما“ الِاسْتِفْهامِيَّةَ، قالَ حَسّانُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى -:
عَلى ما قامَ يَشْتُمُنِي لَئِيمٌ كَخِنْزِيرٍ تَمَرَّغَ في رَمادِ
والِاسْتِعْمالُ الكَثِيرُ عَلى الحَذْفِ والأصْلُ قَلِيلٌ، ذَكَرُوا في سَبَبِ الحَذْفِ وُجُوهًا:
أحَدُها: قالَ الزَّجّاجُ: لِأنَّ المِيمَ تَشْرَكُ الغُنَّةَ في الألِفِ فَصارا كالحَرْفَيْنِ المُتَماثِلَيْنِ.
وثانِيها: قالَ الجُرْجانِيُّ: إنَّهم إذا وصَفُوا ”ما“ في اسْتِفْهامٍ حَذَفُوا ألِفَها تَفْرِقَةً بَيْنِها وبَيْنَ أنْ تَكُونَ اسْمًا كَقَوْلِهِمْ: فِيمَ وبِمَ ولِمَ وعَلامَ وحَتّامَ.
وثالِثُها: قالُوا: حُذِفَتِ الألِفُ لِاتِّصالِ ما بِحَرْفِ الجَرِّ حَتّى صارَتْ كَجُزْءٍ مِنهُ لِتُنْبِئَ عَنْ شِدَّةِ الِاتِّصالِ.
ورابِعُها: السَّبَبُ في هَذا الحَذْفِ التَّخْفِيفُ في الكَلامِ فَإنَّهُ لَفْظٌ كَثِيرُ التَّداوُلِ عَلى اللِّسانِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿عَمَّ يَتَساءَلُونَ﴾ أنَّهُ سُؤالٌ، وقَوْلُهُ: ﴿عَنِ النَّبَإ العَظِيمِ﴾ جَوابُ السّائِلِ، والمُجِيبُ هو اللَّهُ تَعالى، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى عِلْمِهِ بِالغَيْبِ، بَلْ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ. فَإنْ قِيلَ: ما الفائِدَةُ في أنْ يَذْكُرَ الجَوابَ مَعَهُ؟ قُلْنا: لِأنَّ إيرادَ الكَلامِ في مَعْرِضِ السُّؤالِ والجَوابِ أقْرَبُ إلى التَّفْهِيمِ والإيضاحِ، ونَظِيرُهُ: ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ [غافِرٍ: ١٦] .
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَرَأ عِكْرِمَةُ وعِيسى بْنُ عُمَرَ (عَمّا) وهو الأصْلُ، وعَنِ ابْنِ كَثِيرٍ أنَّهُ قَرَأ (عَمَّهْ) بِهاءِ السَّكْتِ، ولا يَخْلُو إمّا أنْ يُجْرِيَ الوَصْلَ مَجْرى الوَقْفِ، وإمّا أنْ يَقِفَ ويَبْتَدِئَ بِـ ﴿يَتَساءَلُونَ﴾ ﴿عَنِ النَّبَإ العَظِيمِ﴾ عَلى أنْ يُضْمِرَ (يَتَساءَلُونَ) لِأنَّ ما بَعْدَهُ يُفَسِّرُهُ، كَشَيْءٍ مُبْهَمٍ ثُمَّ يُفَسِّرُهُ.
صفحة ٤
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: (ما) لَفْظَةٌ وُضِعَتْ لِطَلَبِ ماهِيّاتِ الأشْياءِ وحَقائِقِها، تَقُولُ: ما المُلْكُ ؟ وما الرُّوحُ؟ وما الجِنُّ؟ والمُرادُ طَلَبُ ماهِيّاتِها وشَرْحُ حَقائِقِها، وذَلِكَ يَقْتَضِي كَوْنَ ذَلِكَ المَطْلُوبِ مَجْهُولًا. ثُمَّ إنَّ الشَّيْءَ العَظِيمَ الَّذِي يَكُونُ لِعِظَمِهِ وتَفاقُمِ مَرْتَبَتِهِ ويُعْجِزُ العَقْلَ عَنْ أنْ يُحِيطَ بِكُنْهِهِ يَبْقى مَجْهُولًا، فَحَصَلَ بَيْنَ الشَّيْءِ المَطْلُوبِ بِلَفْظِ ما وبَيْنَ الشَّيْءِ العَظِيمِ مُشابَهَةٌ مِن هَذا الوَجْهِ، والمُشابَهَةُ إحْدى أسْبابِ المَجازِ، فَبِهَذا الطَّرِيقِ جَعَلَ (ما) دَلِيلًا عَلى عَظَمَةِ حالِ ذَلِكَ المَطْلُوبِ وعُلُوِّ رُتْبَتِهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أدْراكَ ما سِجِّينٌ﴾ [المُطَفِّفِينَ: ٨]، ﴿وما أدْراكَ ما العَقَبَةُ﴾ [البَلَدِ: ١٢] وتَقُولُ: زَيْدٌ وما زَيْدٌ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: التَّساؤُلُ هو أنْ يَسْألَ بَعْضُهم بَعْضًا كالتَّقابُلِ، وقَدْ يُسْتَعْمَلُ أيْضًا في أنْ يَتَحَدَّثُوا بِهِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ مِن بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ سُؤالٌ، قالَ تَعالى: ﴿فَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ ﴿قالَ قائِلٌ مِنهم إنِّي كانَ لِي قَرِينٌ﴾ ﴿يَقُولُ أئِنَّكَ لَمِنَ المُصَدِّقِينَ﴾ فَهَذا يَدُلُّ عَلى مَعْنى التَّحَدُّثِ فَيَكُونُ مَعْنى الكَلامِ عَمَّ يَتَحَدَّثُونَ، وهَذا قَوْلُ الفَرّاءِ.
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: أُولَئِكَ الَّذِينَ كانُوا يَتَساءَلُونَ مَن هُمْ، فِيهِ احْتِمالاتٌ: أحَدُها: أنَّهم هُمُ الكُفّارُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلّا سَيَعْلَمُونَ﴾ ﴿ثُمَّ كَلّا سَيَعْلَمُونَ﴾ الضَّمِيرُ في (يَتَساءَلُونَ)، و(هم فِيهِ مُخْتَلِفُونَ)، و(سَيَعْلَمُونَ)، راجِعٌ إلى شَيْءٍ واحِدٍ، وقَوْلُهُ: ﴿كَلّا سَيَعْلَمُونَ﴾ تَهْدِيدٌ والتَّهْدِيدُ لا يَلِيقُ إلّا بِالكُفّارِ، فَثَبَتَ أنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: ﴿يَتَساءَلُونَ﴾ عائِدٌ إلى الكُفّارِ، فَإنْ قِيلَ: فَما تَصْنَعُ بِقَوْلِهِ: ﴿هم فِيهِ مُخْتَلِفُونَ﴾ مَعَ أنَّ الكُفّارَ كانُوا مُتَّفِقِينَ في إنْكارِ الحَشْرِ؟ قُلْنا: لا نُسَلِّمُ أنَّهم كانُوا مُتَّفِقِينَ في إنْكارِ الحَشْرِ، وذَلِكَ لِأنَّ مِنهم مَن كانَ يُثْبِتُ المَعادَ الرُّوحانِيَّ، وهم جُمْهُورُ النَّصارى، وأمّا المَعادُ الجُسْمانِيُّ فَمِنهم مَن كانَ شاكًّا فِيهِ كَقَوْلِهِ: ﴿وما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً ولَئِنْ رُجِعْتُ إلى رَبِّي إنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى﴾ [فُصِّلَتْ: ٥٠] ومِنهم مَن أصَرَّ عَلى الإنْكارِ، ويَقُولُ: ﴿إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا نَمُوتُ ونَحْيا وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ [المُؤْمِنُونَ: ٣٧] ومِنهم مَن كانَ مُقِرًّا بِهِ، لَكِنَّهُ كانَ مُنْكِرًا لِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ -ﷺ-، فَقَدْ حَصَلَ اخْتِلافُهم فِيهِ، وأيْضًا هَبْ أنَّهم كانُوا مُنْكِرِينَ لَهُ لَكِنْ لَعَلَّهُمُ اخْتَلَفُوا في كَيْفِيَّةِ إنْكارِهِ، فَمِنهم مَن كانَ يُنْكِرُهُ لِأنَّهُ كانَ يُنْكِرُ الصّانِعَ المُخْتارَ، ومِنهم مَن كانَ يُنْكِرُهُ لِاعْتِقادِهِ أنَّ إعادَةَ المَعْدُومِ مُمْتَنِعَةٌ لِذاتِها، والقادِرُ المُخْتارُ إنَّما يَكُونُ قادِرًا عَلى ما يَكُونُ مُمْكِنًا في نَفْسِهِ، وهَذا هو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿هم فِيهِ مُخْتَلِفُونَ﴾ .
والِاحْتِمالُ الثّانِي: أنَّ الَّذِينَ كانُوا يَتَساءَلُونَ هُمُ الكُفّارُ والمُؤْمِنُونَ، وكانُوا جَمِيعًا يَتَساءَلُونَ عَنْهُ، أمّا المُسْلِمُ فَلِيَزْدادَ بَصِيرَةً ويَقِينًا في دِينِهِ، وأمّا الكافِرُ فَعَلى سَبِيلِ السُّخْرِيَةِ، أوْ عَلى سَبِيلِ إيرادِ الشُّكُوكِ والشُّبُهاتِ.
والِاحْتِمالُ الثّالِثُ: أنَّهم كانُوا يَسْألُونَ الرَّسُولَ، ويَقُولُونَ: ما هَذا الَّذِي تَعِدُنا بِهِ مِن أمْرِ الآخِرَةِ؟
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَنِ النَّبَإ العَظِيمِ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ في تَفْسِيرِ النَّبَإ العَظِيمِ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ هو القِيامَةُ وهَذا هو الأقْرَبُ ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: قَوْلُهُ: (سَيَعْلَمُونَ) والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ مِنهُ أنَّهم سَيَعْلَمُونَ هَذا الَّذِي يَتَساءَلُونَ عَنْهُ حِينَ لا تَنْفَعُهم تِلْكَ المَعْرِفَةُ، ومَعْلُومٌ أنَّ ذَلِكَ هو القِيامَةُ.
وثانِيها: أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ كَوْنَهُ قادِرًا عَلى جَمِيعِ المُمْكِناتِ بِقَوْلِهِ: ﴿ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ مِهادًا﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ﴾ [النَّبَإ: ١٨]
صفحة ٥
وذَلِكَ يَقْتَضِي أنَّهُ تَعالى إنَّما قَدَّمَ هَذِهِ المُقَدِّمَةَ لِبَيانِ كَوْنِهِ تَعالى قادِرًا عَلى إقامَةِ القِيامَةِ، ولَمّا كانَ الَّذِي أثْبَتَهُ اللَّهُ تَعالى بِالدَّلِيلِ العَقْلِيِّ في هَذِهِ السُّورَةِ هو هَذِهِ المَسْألَةُ ثَبَتَ أنَّ النَّبَأ العَظِيمَ الَّذِي كانُوا يَتَساءَلُونَ عَنْهُ هو يَوْمُ القِيامَةِ.
وثالِثُها: أنَّ العَظِيمَ اسْمٌ لِهَذا اليَوْمِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿ألا يَظُنُّ أُولَئِكَ أنَّهم مَبْعُوثُونَ﴾ ﴿لِيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [المُطَفِّفِينَ: ٤-٦] وقَوْلِهِ: ﴿قُلْ هو نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿أنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ [ص: ٦٨،٦٧] ولِأنَّ هَذا اليَوْمَ أعْظَمُ الأشْياءِ لِأنَّ ذَلِكَ مُنْتَهى فَزَعِ الخَلْقِ وخَوْفِهِمْ مِنهُ، فَكانَ تَخْصِيصُ اسْمِ العَظِيمِ بِهِ لائِقًا.
والقَوْلُ الثّانِي: إنَّهُ القُرْآنُ، واحْتَجَّ القائِلُونَ بِهَذا الوَجْهِ بِأمْرَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ النَّبَأ العَظِيمَ هو الَّذِي كانُوا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وذَلِكَ هو القُرْآنُ؛ لِأنَّ بَعْضَهم جَعَلَهُ سِحْرًا وبَعْضَهم شِعْرًا، وبَعْضَهم قالَ: إنَّهُ أساطِيرُ الأوَّلِينَ، فَأمّا البَعْثُ ونُبُوَّةُ مُحَمَّدٍ -ﷺ - فَقَدْ كانُوا مُتَّفِقِينَ عَلى إنْكارِهِما، وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنّا بَيَّنّا أنَّ الِاخْتِلافَ كانَ حاصِلًا في البَعْثِ.
الثّانِي: أنَّ النَّبَأ اسْمُ الخَبَرِ لا اسْمَ المُخْبَرِ عَنْهُ، فَتَفْسِيرُ النَّبَإ بِالقُرْآنِ أوْلى مِن تَفْسِيرِهِ بِالبَعْثِ أوِ النُّبُوَّةِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ في نَفْسِهِ لَيْسَ بِنَبَأٍ بَلْ مُنْبَأٍ عَنْهُ، ويُقَوِّي ذَلِكَ أنَّ القُرْآنَ سُمِّيَ ذِكْرًا وتَذْكِرَةً وذِكْرى وهِدايَةً وحَدِيثًا، فَكانَ اسْمُ النَّبَأِ بِهِ ألْيَقَ مِنهُ بِالبَعْثِ والنُّبُوَّةِ. والجَوابُ عَنْهُ: أنَّهُ إذا كانَ اسْمُ النَّبَأِ ألْيَقَ بِهَذِهِ الألْفاظِ فاسْمُ العَظِيمِ ألْيَقُ بِالقِيامَةِ وبِالنُّبُوَّةِ؛ لِأنَّهُ لا عَظَمَةَ في ألْفاظٍ، إنَّما العَظَمَةُ في المَعانِي، ولِلْأوَّلِينَ أنْ يَقُولُوا إنَّها عَظِيمَةٌ أيْضًا في الفَصاحَةِ والِاحْتِواءِ عَلى العُلُومِ الكَثِيرَةِ، ويُمْكِنُ أنْ يُجابَ أنَّ العَظِيمَ حَقِيقَةٌ في الأجْسامِ مَجازٌ في غَيْرِها، وإذا ثَبَتَ التَّعارُضُ بَقِيَ ما ذَكَرْنا مِنَ الدَّلائِلِ سَلِيمًا.
القَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ النَّبَأ العَظِيمَ هو نُبُوَّةُ مُحَمَّدٍ -ﷺ -، قالُوا: وذَلِكَ لِأنَّهُ لَمّا بُعِثَ الرَّسُولُ -عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- جَعَلُوا يَتَساءَلُونَ بَيْنَهم: ماذا الَّذِي حَدَثَ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿عَمَّ يَتَساءَلُونَ﴾ وذَلِكَ لِأنَّهم عَجِبُوا مِن إرْسالِ اللَّهِ مُحَمَّدًا -عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- إلَيْهِمْ كَما قالَ تَعالى: ﴿بَلْ عَجِبُوا أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهم فَقالَ الكافِرُونَ هَذا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ [ق: ٢]، وعَجِبُوا أيْضًا أنْ جاءَهم بِالتَّوْحِيدِ كَما قالَ: ﴿أجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عُجابٌ﴾ [ص: ٥]، فَحَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهم مُساءَلَةَ بَعْضِهِمْ بَعْضًا عَلى سَبِيلِ التَّعَجُّبِ بِقَوْلِهِ: ﴿عَمَّ يَتَساءَلُونَ﴾ .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في كَيْفِيَّةِ اتِّصالِ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها وُجُوهٌ:
أحَدُها: وهو قَوْلُ البَصْرِيِّينَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿عَمَّ يَتَساءَلُونَ﴾ كَلامٌ تامٌّ، ثُمَّ قالَ: ﴿عَنِ النَّبَإ العَظِيمِ﴾ والتَّقْدِيرُ: ﴿يَتَساءَلُونَ﴾ ﴿عَنِ النَّبَإ العَظِيمِ﴾ إلّا أنَّهُ حَذَفَ يَتَساءَلُونَ في الآيَةِ الثّانِيَةِ؛ لِأنَّ حُصُولَهُ في الآيَةِ الأُولى يَدُلُّ عَلَيْهِ.
وثانِيها: أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿عَنِ النَّبَإ العَظِيمِ﴾ اسْتِفْهامًا مُتَّصِلًا بِما قَبْلَهُ، والتَّقْدِيرُ: عَمَّ يَتَساءَلُونَ عَنِ النَّبَإ العَظِيمِ الَّذِي هم فِيهِ مُخْتَلِفُونَ، إلّا أنَّهُ اقْتَصَرَ عَلى ما قَبْلَهُ مِنَ الِاسْتِفْهامِ إذْ هو مُتَّصِلٌ بِهِ، وكالتَّرْجَمَةِ والبَيانِ لَهُ كَما قُرِئَ في قَوْلِهِ: (أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا إنّا لَمَبْعُوثُونَ) [الصّافّاتِ: ١٦] بِكَسْرِ الألِفِ مِن غَيْرِ اسْتِفْهامٍ؛ لِأنَّ إنْكارَهم إنَّما كانَ لِلْبَعْثِ، ولَكِنَّهُ لَمّا ظَهَرَ الِاسْتِفْهامُ في أوَّلِ الكَلامِ اقْتُصِرَ عَلَيْهِ، فَكَذا هاهُنا.
وثالِثُها: وهو اخْتِيارُ الكُوفِيِّينَ أنَّ الآيَةَ الثّانِيَةَ مُتَّصِلَةٌ بِالأُولى عَلى تَقْدِيرِ ”لِأيِّ شَيْءٍ يَتَساءَلُونَ عَنِ النَّبَإ العَظِيمِ“ وعَمَّ كَأنَّها في المَعْنى لِأيِّ شَيْءٍ، وهَذا قَوْلُ الفَرّاءِ.
النبأ 78:3
صفحة ٣
(سُورَةُ النَّبَأِ)
أرْبَعُونَ آيَةً مَكِّيَّةٌ
﷽
﴿عَمَّ يَتَساءَلُونَ﴾ ﴿عَنِ النَّبَإ العَظِيمِ﴾ ﴿الَّذِي هم فِيهِ مُخْتَلِفُونَ﴾
﷽
﴿عَمَّ يَتَساءَلُونَ﴾ ﴿عَنِ النَّبَإ العَظِيمِ﴾ ﴿الَّذِي هم فِيهِ مُخْتَلِفُونَ﴾ فِيهِ مَسائِلٌ:
المَسْألَةُ الأُولى: عَمَّ: أصْلُهُ حَرْفُ جَرٍّ دَخَلَ ”ما“ الِاسْتِفْهامِيَّةَ، قالَ حَسّانُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى -:
عَلى ما قامَ يَشْتُمُنِي لَئِيمٌ كَخِنْزِيرٍ تَمَرَّغَ في رَمادِ
والِاسْتِعْمالُ الكَثِيرُ عَلى الحَذْفِ والأصْلُ قَلِيلٌ، ذَكَرُوا في سَبَبِ الحَذْفِ وُجُوهًا:
أحَدُها: قالَ الزَّجّاجُ: لِأنَّ المِيمَ تَشْرَكُ الغُنَّةَ في الألِفِ فَصارا كالحَرْفَيْنِ المُتَماثِلَيْنِ.
وثانِيها: قالَ الجُرْجانِيُّ: إنَّهم إذا وصَفُوا ”ما“ في اسْتِفْهامٍ حَذَفُوا ألِفَها تَفْرِقَةً بَيْنِها وبَيْنَ أنْ تَكُونَ اسْمًا كَقَوْلِهِمْ: فِيمَ وبِمَ ولِمَ وعَلامَ وحَتّامَ.
وثالِثُها: قالُوا: حُذِفَتِ الألِفُ لِاتِّصالِ ما بِحَرْفِ الجَرِّ حَتّى صارَتْ كَجُزْءٍ مِنهُ لِتُنْبِئَ عَنْ شِدَّةِ الِاتِّصالِ.
ورابِعُها: السَّبَبُ في هَذا الحَذْفِ التَّخْفِيفُ في الكَلامِ فَإنَّهُ لَفْظٌ كَثِيرُ التَّداوُلِ عَلى اللِّسانِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿عَمَّ يَتَساءَلُونَ﴾ أنَّهُ سُؤالٌ، وقَوْلُهُ: ﴿عَنِ النَّبَإ العَظِيمِ﴾ جَوابُ السّائِلِ، والمُجِيبُ هو اللَّهُ تَعالى، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى عِلْمِهِ بِالغَيْبِ، بَلْ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ. فَإنْ قِيلَ: ما الفائِدَةُ في أنْ يَذْكُرَ الجَوابَ مَعَهُ؟ قُلْنا: لِأنَّ إيرادَ الكَلامِ في مَعْرِضِ السُّؤالِ والجَوابِ أقْرَبُ إلى التَّفْهِيمِ والإيضاحِ، ونَظِيرُهُ: ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ [غافِرٍ: ١٦] .
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَرَأ عِكْرِمَةُ وعِيسى بْنُ عُمَرَ (عَمّا) وهو الأصْلُ، وعَنِ ابْنِ كَثِيرٍ أنَّهُ قَرَأ (عَمَّهْ) بِهاءِ السَّكْتِ، ولا يَخْلُو إمّا أنْ يُجْرِيَ الوَصْلَ مَجْرى الوَقْفِ، وإمّا أنْ يَقِفَ ويَبْتَدِئَ بِـ ﴿يَتَساءَلُونَ﴾ ﴿عَنِ النَّبَإ العَظِيمِ﴾ عَلى أنْ يُضْمِرَ (يَتَساءَلُونَ) لِأنَّ ما بَعْدَهُ يُفَسِّرُهُ، كَشَيْءٍ مُبْهَمٍ ثُمَّ يُفَسِّرُهُ.
صفحة ٤
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: (ما) لَفْظَةٌ وُضِعَتْ لِطَلَبِ ماهِيّاتِ الأشْياءِ وحَقائِقِها، تَقُولُ: ما المُلْكُ ؟ وما الرُّوحُ؟ وما الجِنُّ؟ والمُرادُ طَلَبُ ماهِيّاتِها وشَرْحُ حَقائِقِها، وذَلِكَ يَقْتَضِي كَوْنَ ذَلِكَ المَطْلُوبِ مَجْهُولًا. ثُمَّ إنَّ الشَّيْءَ العَظِيمَ الَّذِي يَكُونُ لِعِظَمِهِ وتَفاقُمِ مَرْتَبَتِهِ ويُعْجِزُ العَقْلَ عَنْ أنْ يُحِيطَ بِكُنْهِهِ يَبْقى مَجْهُولًا، فَحَصَلَ بَيْنَ الشَّيْءِ المَطْلُوبِ بِلَفْظِ ما وبَيْنَ الشَّيْءِ العَظِيمِ مُشابَهَةٌ مِن هَذا الوَجْهِ، والمُشابَهَةُ إحْدى أسْبابِ المَجازِ، فَبِهَذا الطَّرِيقِ جَعَلَ (ما) دَلِيلًا عَلى عَظَمَةِ حالِ ذَلِكَ المَطْلُوبِ وعُلُوِّ رُتْبَتِهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أدْراكَ ما سِجِّينٌ﴾ [المُطَفِّفِينَ: ٨]، ﴿وما أدْراكَ ما العَقَبَةُ﴾ [البَلَدِ: ١٢] وتَقُولُ: زَيْدٌ وما زَيْدٌ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: التَّساؤُلُ هو أنْ يَسْألَ بَعْضُهم بَعْضًا كالتَّقابُلِ، وقَدْ يُسْتَعْمَلُ أيْضًا في أنْ يَتَحَدَّثُوا بِهِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ مِن بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ سُؤالٌ، قالَ تَعالى: ﴿فَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ ﴿قالَ قائِلٌ مِنهم إنِّي كانَ لِي قَرِينٌ﴾ ﴿يَقُولُ أئِنَّكَ لَمِنَ المُصَدِّقِينَ﴾ فَهَذا يَدُلُّ عَلى مَعْنى التَّحَدُّثِ فَيَكُونُ مَعْنى الكَلامِ عَمَّ يَتَحَدَّثُونَ، وهَذا قَوْلُ الفَرّاءِ.
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: أُولَئِكَ الَّذِينَ كانُوا يَتَساءَلُونَ مَن هُمْ، فِيهِ احْتِمالاتٌ: أحَدُها: أنَّهم هُمُ الكُفّارُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلّا سَيَعْلَمُونَ﴾ ﴿ثُمَّ كَلّا سَيَعْلَمُونَ﴾ الضَّمِيرُ في (يَتَساءَلُونَ)، و(هم فِيهِ مُخْتَلِفُونَ)، و(سَيَعْلَمُونَ)، راجِعٌ إلى شَيْءٍ واحِدٍ، وقَوْلُهُ: ﴿كَلّا سَيَعْلَمُونَ﴾ تَهْدِيدٌ والتَّهْدِيدُ لا يَلِيقُ إلّا بِالكُفّارِ، فَثَبَتَ أنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: ﴿يَتَساءَلُونَ﴾ عائِدٌ إلى الكُفّارِ، فَإنْ قِيلَ: فَما تَصْنَعُ بِقَوْلِهِ: ﴿هم فِيهِ مُخْتَلِفُونَ﴾ مَعَ أنَّ الكُفّارَ كانُوا مُتَّفِقِينَ في إنْكارِ الحَشْرِ؟ قُلْنا: لا نُسَلِّمُ أنَّهم كانُوا مُتَّفِقِينَ في إنْكارِ الحَشْرِ، وذَلِكَ لِأنَّ مِنهم مَن كانَ يُثْبِتُ المَعادَ الرُّوحانِيَّ، وهم جُمْهُورُ النَّصارى، وأمّا المَعادُ الجُسْمانِيُّ فَمِنهم مَن كانَ شاكًّا فِيهِ كَقَوْلِهِ: ﴿وما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً ولَئِنْ رُجِعْتُ إلى رَبِّي إنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى﴾ [فُصِّلَتْ: ٥٠] ومِنهم مَن أصَرَّ عَلى الإنْكارِ، ويَقُولُ: ﴿إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا نَمُوتُ ونَحْيا وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ [المُؤْمِنُونَ: ٣٧] ومِنهم مَن كانَ مُقِرًّا بِهِ، لَكِنَّهُ كانَ مُنْكِرًا لِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ -ﷺ-، فَقَدْ حَصَلَ اخْتِلافُهم فِيهِ، وأيْضًا هَبْ أنَّهم كانُوا مُنْكِرِينَ لَهُ لَكِنْ لَعَلَّهُمُ اخْتَلَفُوا في كَيْفِيَّةِ إنْكارِهِ، فَمِنهم مَن كانَ يُنْكِرُهُ لِأنَّهُ كانَ يُنْكِرُ الصّانِعَ المُخْتارَ، ومِنهم مَن كانَ يُنْكِرُهُ لِاعْتِقادِهِ أنَّ إعادَةَ المَعْدُومِ مُمْتَنِعَةٌ لِذاتِها، والقادِرُ المُخْتارُ إنَّما يَكُونُ قادِرًا عَلى ما يَكُونُ مُمْكِنًا في نَفْسِهِ، وهَذا هو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿هم فِيهِ مُخْتَلِفُونَ﴾ .
والِاحْتِمالُ الثّانِي: أنَّ الَّذِينَ كانُوا يَتَساءَلُونَ هُمُ الكُفّارُ والمُؤْمِنُونَ، وكانُوا جَمِيعًا يَتَساءَلُونَ عَنْهُ، أمّا المُسْلِمُ فَلِيَزْدادَ بَصِيرَةً ويَقِينًا في دِينِهِ، وأمّا الكافِرُ فَعَلى سَبِيلِ السُّخْرِيَةِ، أوْ عَلى سَبِيلِ إيرادِ الشُّكُوكِ والشُّبُهاتِ.
والِاحْتِمالُ الثّالِثُ: أنَّهم كانُوا يَسْألُونَ الرَّسُولَ، ويَقُولُونَ: ما هَذا الَّذِي تَعِدُنا بِهِ مِن أمْرِ الآخِرَةِ؟
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَنِ النَّبَإ العَظِيمِ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ في تَفْسِيرِ النَّبَإ العَظِيمِ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ هو القِيامَةُ وهَذا هو الأقْرَبُ ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: قَوْلُهُ: (سَيَعْلَمُونَ) والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ مِنهُ أنَّهم سَيَعْلَمُونَ هَذا الَّذِي يَتَساءَلُونَ عَنْهُ حِينَ لا تَنْفَعُهم تِلْكَ المَعْرِفَةُ، ومَعْلُومٌ أنَّ ذَلِكَ هو القِيامَةُ.
وثانِيها: أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ كَوْنَهُ قادِرًا عَلى جَمِيعِ المُمْكِناتِ بِقَوْلِهِ: ﴿ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ مِهادًا﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ﴾ [النَّبَإ: ١٨]
صفحة ٥
وذَلِكَ يَقْتَضِي أنَّهُ تَعالى إنَّما قَدَّمَ هَذِهِ المُقَدِّمَةَ لِبَيانِ كَوْنِهِ تَعالى قادِرًا عَلى إقامَةِ القِيامَةِ، ولَمّا كانَ الَّذِي أثْبَتَهُ اللَّهُ تَعالى بِالدَّلِيلِ العَقْلِيِّ في هَذِهِ السُّورَةِ هو هَذِهِ المَسْألَةُ ثَبَتَ أنَّ النَّبَأ العَظِيمَ الَّذِي كانُوا يَتَساءَلُونَ عَنْهُ هو يَوْمُ القِيامَةِ.
وثالِثُها: أنَّ العَظِيمَ اسْمٌ لِهَذا اليَوْمِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿ألا يَظُنُّ أُولَئِكَ أنَّهم مَبْعُوثُونَ﴾ ﴿لِيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [المُطَفِّفِينَ: ٤-٦] وقَوْلِهِ: ﴿قُلْ هو نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿أنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ [ص: ٦٨،٦٧] ولِأنَّ هَذا اليَوْمَ أعْظَمُ الأشْياءِ لِأنَّ ذَلِكَ مُنْتَهى فَزَعِ الخَلْقِ وخَوْفِهِمْ مِنهُ، فَكانَ تَخْصِيصُ اسْمِ العَظِيمِ بِهِ لائِقًا.
والقَوْلُ الثّانِي: إنَّهُ القُرْآنُ، واحْتَجَّ القائِلُونَ بِهَذا الوَجْهِ بِأمْرَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ النَّبَأ العَظِيمَ هو الَّذِي كانُوا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وذَلِكَ هو القُرْآنُ؛ لِأنَّ بَعْضَهم جَعَلَهُ سِحْرًا وبَعْضَهم شِعْرًا، وبَعْضَهم قالَ: إنَّهُ أساطِيرُ الأوَّلِينَ، فَأمّا البَعْثُ ونُبُوَّةُ مُحَمَّدٍ -ﷺ - فَقَدْ كانُوا مُتَّفِقِينَ عَلى إنْكارِهِما، وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنّا بَيَّنّا أنَّ الِاخْتِلافَ كانَ حاصِلًا في البَعْثِ.
الثّانِي: أنَّ النَّبَأ اسْمُ الخَبَرِ لا اسْمَ المُخْبَرِ عَنْهُ، فَتَفْسِيرُ النَّبَإ بِالقُرْآنِ أوْلى مِن تَفْسِيرِهِ بِالبَعْثِ أوِ النُّبُوَّةِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ في نَفْسِهِ لَيْسَ بِنَبَأٍ بَلْ مُنْبَأٍ عَنْهُ، ويُقَوِّي ذَلِكَ أنَّ القُرْآنَ سُمِّيَ ذِكْرًا وتَذْكِرَةً وذِكْرى وهِدايَةً وحَدِيثًا، فَكانَ اسْمُ النَّبَأِ بِهِ ألْيَقَ مِنهُ بِالبَعْثِ والنُّبُوَّةِ. والجَوابُ عَنْهُ: أنَّهُ إذا كانَ اسْمُ النَّبَأِ ألْيَقَ بِهَذِهِ الألْفاظِ فاسْمُ العَظِيمِ ألْيَقُ بِالقِيامَةِ وبِالنُّبُوَّةِ؛ لِأنَّهُ لا عَظَمَةَ في ألْفاظٍ، إنَّما العَظَمَةُ في المَعانِي، ولِلْأوَّلِينَ أنْ يَقُولُوا إنَّها عَظِيمَةٌ أيْضًا في الفَصاحَةِ والِاحْتِواءِ عَلى العُلُومِ الكَثِيرَةِ، ويُمْكِنُ أنْ يُجابَ أنَّ العَظِيمَ حَقِيقَةٌ في الأجْسامِ مَجازٌ في غَيْرِها، وإذا ثَبَتَ التَّعارُضُ بَقِيَ ما ذَكَرْنا مِنَ الدَّلائِلِ سَلِيمًا.
القَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ النَّبَأ العَظِيمَ هو نُبُوَّةُ مُحَمَّدٍ -ﷺ -، قالُوا: وذَلِكَ لِأنَّهُ لَمّا بُعِثَ الرَّسُولُ -عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- جَعَلُوا يَتَساءَلُونَ بَيْنَهم: ماذا الَّذِي حَدَثَ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿عَمَّ يَتَساءَلُونَ﴾ وذَلِكَ لِأنَّهم عَجِبُوا مِن إرْسالِ اللَّهِ مُحَمَّدًا -عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- إلَيْهِمْ كَما قالَ تَعالى: ﴿بَلْ عَجِبُوا أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهم فَقالَ الكافِرُونَ هَذا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ [ق: ٢]، وعَجِبُوا أيْضًا أنْ جاءَهم بِالتَّوْحِيدِ كَما قالَ: ﴿أجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عُجابٌ﴾ [ص: ٥]، فَحَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهم مُساءَلَةَ بَعْضِهِمْ بَعْضًا عَلى سَبِيلِ التَّعَجُّبِ بِقَوْلِهِ: ﴿عَمَّ يَتَساءَلُونَ﴾ .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في كَيْفِيَّةِ اتِّصالِ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها وُجُوهٌ:
أحَدُها: وهو قَوْلُ البَصْرِيِّينَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿عَمَّ يَتَساءَلُونَ﴾ كَلامٌ تامٌّ، ثُمَّ قالَ: ﴿عَنِ النَّبَإ العَظِيمِ﴾ والتَّقْدِيرُ: ﴿يَتَساءَلُونَ﴾ ﴿عَنِ النَّبَإ العَظِيمِ﴾ إلّا أنَّهُ حَذَفَ يَتَساءَلُونَ في الآيَةِ الثّانِيَةِ؛ لِأنَّ حُصُولَهُ في الآيَةِ الأُولى يَدُلُّ عَلَيْهِ.
وثانِيها: أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿عَنِ النَّبَإ العَظِيمِ﴾ اسْتِفْهامًا مُتَّصِلًا بِما قَبْلَهُ، والتَّقْدِيرُ: عَمَّ يَتَساءَلُونَ عَنِ النَّبَإ العَظِيمِ الَّذِي هم فِيهِ مُخْتَلِفُونَ، إلّا أنَّهُ اقْتَصَرَ عَلى ما قَبْلَهُ مِنَ الِاسْتِفْهامِ إذْ هو مُتَّصِلٌ بِهِ، وكالتَّرْجَمَةِ والبَيانِ لَهُ كَما قُرِئَ في قَوْلِهِ: (أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا إنّا لَمَبْعُوثُونَ) [الصّافّاتِ: ١٦] بِكَسْرِ الألِفِ مِن غَيْرِ اسْتِفْهامٍ؛ لِأنَّ إنْكارَهم إنَّما كانَ لِلْبَعْثِ، ولَكِنَّهُ لَمّا ظَهَرَ الِاسْتِفْهامُ في أوَّلِ الكَلامِ اقْتُصِرَ عَلَيْهِ، فَكَذا هاهُنا.
وثالِثُها: وهو اخْتِيارُ الكُوفِيِّينَ أنَّ الآيَةَ الثّانِيَةَ مُتَّصِلَةٌ بِالأُولى عَلى تَقْدِيرِ ”لِأيِّ شَيْءٍ يَتَساءَلُونَ عَنِ النَّبَإ العَظِيمِ“ وعَمَّ كَأنَّها في المَعْنى لِأيِّ شَيْءٍ، وهَذا قَوْلُ الفَرّاءِ.
النبأ 78:4
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلّا سَيَعْلَمُونَ﴾ ﴿ثُمَّ كَلّا سَيَعْلَمُونَ﴾ ﴿ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ مِهادًا﴾ . قالَ القَفّالُ: كَلّا لَفْظَةٌ وُضِعَتْ لِرَدِّ شَيْءٍ قَدْ تَقَدَّمَ، هَذا هو الأظْهَرُ مِنها في الكَلامِ، والمَعْنى لَيْسَ الأمْرُ كَما يَقُولُهُ هَؤُلاءِ في النَّبَإ العَظِيمِ إنَّهُ باطِلٌ أوْ إنَّهُ لا يَكُونُ،
صفحة ٦
وقالَ قائِلُونَ: كَلّا مَعْناهُ حَقًّا، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى قَرَّرَ ذَلِكَ الرَّدْعَ والتَّهْدِيدَ، فَقالَ: ﴿كَلّا سَيَعْلَمُونَ﴾ وهو وعِيدٌ لَهم بِأنَّهم سَوْفَ يَعْلَمُونَ أنَّ ما يَتَساءَلُونَ عَنْهُ ويَضْحَكُونَ مِنهُ حَقٌّ لا دافِعَ لَهُ، واقِعٌ لا رَيْبَ فِيهِ، وأمّا تَكْرِيرُ الرَّدْعِ، فَفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّ الغَرَضَ مِنَ التَّكْرِيرِ التَّأْكِيدُ والتَّشْدِيدُ، ومَعْنى ثُمَّ الإشْعارُ بِأنَّ الوَعِيدَ الثّانِيَ أبْلَغُ مِنَ الوَعِيدِ الأوَّلِ وأشَدُّ.
والثّانِي: أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِتَكْرِيرٍ، ثُمَّ ذَكَرُوا وُجُوهًا:
أحَدُها: قالَ الضَّحّاكُ: الآيَةُ الأُولى لِلْكُفّارِ والثّانِيَةُ لِلْمُؤْمِنِينَ، أيْ سَيَعْلَمُ الكُفّارُ عاقِبَةَ تَكْذِيبِهِمْ وسَيَعْلَمُ المُؤْمِنُونَ عاقِبَةَ تَصْدِيقِهِمْ.
وثانِيها: قالَ القاضِي: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِالأوَّلِ سَيَعْلَمُونَ نَفْسَ الحَشْرِ والمُحاسَبَةِ، ويُرِيدُ بِالثّانِي سَيَعْلَمُونَ نَفْسَ العَذابِ إذا شاهَدُوهُ.
وثالِثُها: ﴿كَلّا سَيَعْلَمُونَ﴾ ما اللَّهُ فاعِلٌ بِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿ثُمَّ كَلّا سَيَعْلَمُونَ﴾ أنَّ الأمْرَ لَيْسَ كَما كانُوا يَتَوَهَّمُونَ مِن أنَّ اللَّهَ غَيْرُ باعِثٍ لَهم.
ورابِعُها: ﴿كَلّا سَيَعْلَمُونَ﴾ ما يَصِلُ إلَيْهِمْ مِنَ العَذابِ في الدُّنْيا وكَما جَرى عَلى كَفّارِ قُرَيْشٍ يَوْمَ بَدْرٍ ﴿ثُمَّ كَلّا سَيَعْلَمُونَ﴾ بِما يَنالُهم في الآخِرَةِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: جُمْهُورُ القُرّاءِ قَرَءُوا بِالياءِ المُنَقَّطَةِ مِن تَحْتُ في (سَيَعْلَمُونَ) ورُوِيَ بِالتّاءِ المُنَقَّطَةِ مِن فَوْقُ عَنِ ابْنِ عامِرٍ. قالَ الواحِدِيُّ: والأوَّلُ أوْلى؛ لِأنَّ ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿هم فِيهِ مُخْتَلِفُونَ﴾ عَلى لَفْظِ الغِيبَةِ، والتّاءُ عَلى ”قُلْ لَهم: سَتَعْلَمُونَ“، وأقُولُ: يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الِالتِفاتِ، وهو هاهُنا مُتَمَكِّنٌ حَسَنٌ، كَمَن يَقُولُ: إنَّ عَبْدِي يَقُولُ كَذا وكَذا، ثُمَّ يَقُولُ لِعَبْدِهِ: إنَّكَ سَتَعْرِفُ وبالَ هَذا الكَلامِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ مِهادًا﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْهم إنْكارَ البَعْثِ والحَشْرِ، وأرادَ إقامَةَ الدَّلالَةِ عَلى صِحَّةِ الحَشْرِ قَدَّمَ لِذَلِكَ مُقَدِّمَةً في بَيانِ كَوْنِهِ تَعالى قادِرًا عَلى جَمِيعِ المُمْكِناتِ عالِمًا بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ مَهْما ثَبَتَ هَذانِ الأصْلانِ ثَبَتَ القَوْلُ بِصِحَّةِ البَعْثِ، وإنَّما أثْبَتَ هَذَيْنِ الأصْلَيْنِ بِأنْ عَدَّدَ أنْواعًا مِن مَخْلُوقاتِهِ الواقِعَةِ عَلى وجْهِ الإحْكامِ والإتْقانِ، فَإنَّ تِلْكَ الأشْياءَ مِن جِهَةِ حُدُوثِها تَدُلُّ عَلى القُدْرَةِ، ومِن جِهَةِ إحْكامِها وإتْقانِها تَدُلُّ عَلى العِلْمِ، ومَتى ثَبَتَ هَذانِ الأصْلانِ وثَبَتَ أنَّ الأجْسامَ مُتَساوِيَةٌ في قَبُولِ الصِّفاتِ والأعْراضِ، ثَبَتَ لا مَحالَةَ كَوْنُهُ تَعالى قادِرًا عَلى تَخْرِيبِ الدُّنْيا بِسَماواتِها وكَواكِبِها وأرْضِها، وعَلى إيجادِ عالَمِ الآخِرَةِ، فَهَذا هو الإشارَةُ إلى كَيْفِيَّةِ النَّظْمِ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ هاهُنا مِن عَجائِبِ مَخْلُوقاتِهِ أُمُورًا. فَأوَّلُها: قَوْلُهُ: ﴿ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ مِهادًا﴾ والمِهادُ مَصْدَرٌ، ثُمَّ هاهُنا احْتِمالاتٌ: أحَدُها: المُرادُ مِنهُ هاهُنا المَمْهُودُ، أيْ ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ مَمْهُودَةً، وهَذا مِن بابِ تَسْمِيَةِ المَفْعُولِ بِالمَصْدَرِ، كَقَوْلِكَ: هَذا ضَرْبُ الأمِيرِ.
وثانِيها: أنْ تَكُونَ الأرْضُ وُصِفَتْ بِهَذا المَصْدَرِ، كَما تَقُولُ: زَيْدٌ جُودٌ وكَرَمٌ وفَضْلٌ، كَأنَّهُ لِكَمالِهِ في تِلْكَ الصِّفَةِ صارَ عَيْنَ تِلْكَ الصِّفَةِ. وثالِثُها: أنْ تَكُونَ بِمَعْنى ذاتِ مِهادٍ، وقُرِئَ (مَهْدًا)، ومَعْناهُ أنَّ الأرْضَ لِلْخَلْقِ كالمَهْدِ لِلصَّبِيِّ، وهو الَّذِي مُهِّدَ لَهُ فَيُنَوَّمُ عَلَيْهِ.
واعْلَمْ أنّا ذَكَرْنا في تَفْسِيرِ سُورَةِ البَقَرَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ فِراشًا﴾ [البَقَرَةِ: ٢٢] كُلَّ ما يَتَعَلَّقُ مِنَ الحَقائِقِ بِهَذِهِ الآيَةِ.
النبأ 78:5
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلّا سَيَعْلَمُونَ﴾ ﴿ثُمَّ كَلّا سَيَعْلَمُونَ﴾ ﴿ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ مِهادًا﴾ . قالَ القَفّالُ: كَلّا لَفْظَةٌ وُضِعَتْ لِرَدِّ شَيْءٍ قَدْ تَقَدَّمَ، هَذا هو الأظْهَرُ مِنها في الكَلامِ، والمَعْنى لَيْسَ الأمْرُ كَما يَقُولُهُ هَؤُلاءِ في النَّبَإ العَظِيمِ إنَّهُ باطِلٌ أوْ إنَّهُ لا يَكُونُ،
صفحة ٦
وقالَ قائِلُونَ: كَلّا مَعْناهُ حَقًّا، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى قَرَّرَ ذَلِكَ الرَّدْعَ والتَّهْدِيدَ، فَقالَ: ﴿كَلّا سَيَعْلَمُونَ﴾ وهو وعِيدٌ لَهم بِأنَّهم سَوْفَ يَعْلَمُونَ أنَّ ما يَتَساءَلُونَ عَنْهُ ويَضْحَكُونَ مِنهُ حَقٌّ لا دافِعَ لَهُ، واقِعٌ لا رَيْبَ فِيهِ، وأمّا تَكْرِيرُ الرَّدْعِ، فَفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّ الغَرَضَ مِنَ التَّكْرِيرِ التَّأْكِيدُ والتَّشْدِيدُ، ومَعْنى ثُمَّ الإشْعارُ بِأنَّ الوَعِيدَ الثّانِيَ أبْلَغُ مِنَ الوَعِيدِ الأوَّلِ وأشَدُّ.
والثّانِي: أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِتَكْرِيرٍ، ثُمَّ ذَكَرُوا وُجُوهًا:
أحَدُها: قالَ الضَّحّاكُ: الآيَةُ الأُولى لِلْكُفّارِ والثّانِيَةُ لِلْمُؤْمِنِينَ، أيْ سَيَعْلَمُ الكُفّارُ عاقِبَةَ تَكْذِيبِهِمْ وسَيَعْلَمُ المُؤْمِنُونَ عاقِبَةَ تَصْدِيقِهِمْ.
وثانِيها: قالَ القاضِي: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِالأوَّلِ سَيَعْلَمُونَ نَفْسَ الحَشْرِ والمُحاسَبَةِ، ويُرِيدُ بِالثّانِي سَيَعْلَمُونَ نَفْسَ العَذابِ إذا شاهَدُوهُ.
وثالِثُها: ﴿كَلّا سَيَعْلَمُونَ﴾ ما اللَّهُ فاعِلٌ بِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿ثُمَّ كَلّا سَيَعْلَمُونَ﴾ أنَّ الأمْرَ لَيْسَ كَما كانُوا يَتَوَهَّمُونَ مِن أنَّ اللَّهَ غَيْرُ باعِثٍ لَهم.
ورابِعُها: ﴿كَلّا سَيَعْلَمُونَ﴾ ما يَصِلُ إلَيْهِمْ مِنَ العَذابِ في الدُّنْيا وكَما جَرى عَلى كَفّارِ قُرَيْشٍ يَوْمَ بَدْرٍ ﴿ثُمَّ كَلّا سَيَعْلَمُونَ﴾ بِما يَنالُهم في الآخِرَةِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: جُمْهُورُ القُرّاءِ قَرَءُوا بِالياءِ المُنَقَّطَةِ مِن تَحْتُ في (سَيَعْلَمُونَ) ورُوِيَ بِالتّاءِ المُنَقَّطَةِ مِن فَوْقُ عَنِ ابْنِ عامِرٍ. قالَ الواحِدِيُّ: والأوَّلُ أوْلى؛ لِأنَّ ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿هم فِيهِ مُخْتَلِفُونَ﴾ عَلى لَفْظِ الغِيبَةِ، والتّاءُ عَلى ”قُلْ لَهم: سَتَعْلَمُونَ“، وأقُولُ: يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الِالتِفاتِ، وهو هاهُنا مُتَمَكِّنٌ حَسَنٌ، كَمَن يَقُولُ: إنَّ عَبْدِي يَقُولُ كَذا وكَذا، ثُمَّ يَقُولُ لِعَبْدِهِ: إنَّكَ سَتَعْرِفُ وبالَ هَذا الكَلامِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ مِهادًا﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْهم إنْكارَ البَعْثِ والحَشْرِ، وأرادَ إقامَةَ الدَّلالَةِ عَلى صِحَّةِ الحَشْرِ قَدَّمَ لِذَلِكَ مُقَدِّمَةً في بَيانِ كَوْنِهِ تَعالى قادِرًا عَلى جَمِيعِ المُمْكِناتِ عالِمًا بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ مَهْما ثَبَتَ هَذانِ الأصْلانِ ثَبَتَ القَوْلُ بِصِحَّةِ البَعْثِ، وإنَّما أثْبَتَ هَذَيْنِ الأصْلَيْنِ بِأنْ عَدَّدَ أنْواعًا مِن مَخْلُوقاتِهِ الواقِعَةِ عَلى وجْهِ الإحْكامِ والإتْقانِ، فَإنَّ تِلْكَ الأشْياءَ مِن جِهَةِ حُدُوثِها تَدُلُّ عَلى القُدْرَةِ، ومِن جِهَةِ إحْكامِها وإتْقانِها تَدُلُّ عَلى العِلْمِ، ومَتى ثَبَتَ هَذانِ الأصْلانِ وثَبَتَ أنَّ الأجْسامَ مُتَساوِيَةٌ في قَبُولِ الصِّفاتِ والأعْراضِ، ثَبَتَ لا مَحالَةَ كَوْنُهُ تَعالى قادِرًا عَلى تَخْرِيبِ الدُّنْيا بِسَماواتِها وكَواكِبِها وأرْضِها، وعَلى إيجادِ عالَمِ الآخِرَةِ، فَهَذا هو الإشارَةُ إلى كَيْفِيَّةِ النَّظْمِ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ هاهُنا مِن عَجائِبِ مَخْلُوقاتِهِ أُمُورًا. فَأوَّلُها: قَوْلُهُ: ﴿ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ مِهادًا﴾ والمِهادُ مَصْدَرٌ، ثُمَّ هاهُنا احْتِمالاتٌ: أحَدُها: المُرادُ مِنهُ هاهُنا المَمْهُودُ، أيْ ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ مَمْهُودَةً، وهَذا مِن بابِ تَسْمِيَةِ المَفْعُولِ بِالمَصْدَرِ، كَقَوْلِكَ: هَذا ضَرْبُ الأمِيرِ.
وثانِيها: أنْ تَكُونَ الأرْضُ وُصِفَتْ بِهَذا المَصْدَرِ، كَما تَقُولُ: زَيْدٌ جُودٌ وكَرَمٌ وفَضْلٌ، كَأنَّهُ لِكَمالِهِ في تِلْكَ الصِّفَةِ صارَ عَيْنَ تِلْكَ الصِّفَةِ. وثالِثُها: أنْ تَكُونَ بِمَعْنى ذاتِ مِهادٍ، وقُرِئَ (مَهْدًا)، ومَعْناهُ أنَّ الأرْضَ لِلْخَلْقِ كالمَهْدِ لِلصَّبِيِّ، وهو الَّذِي مُهِّدَ لَهُ فَيُنَوَّمُ عَلَيْهِ.
واعْلَمْ أنّا ذَكَرْنا في تَفْسِيرِ سُورَةِ البَقَرَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ فِراشًا﴾ [البَقَرَةِ: ٢٢] كُلَّ ما يَتَعَلَّقُ مِنَ الحَقائِقِ بِهَذِهِ الآيَةِ.
النبأ 78:6
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلّا سَيَعْلَمُونَ﴾ ﴿ثُمَّ كَلّا سَيَعْلَمُونَ﴾ ﴿ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ مِهادًا﴾ . قالَ القَفّالُ: كَلّا لَفْظَةٌ وُضِعَتْ لِرَدِّ شَيْءٍ قَدْ تَقَدَّمَ، هَذا هو الأظْهَرُ مِنها في الكَلامِ، والمَعْنى لَيْسَ الأمْرُ كَما يَقُولُهُ هَؤُلاءِ في النَّبَإ العَظِيمِ إنَّهُ باطِلٌ أوْ إنَّهُ لا يَكُونُ،
صفحة ٦
وقالَ قائِلُونَ: كَلّا مَعْناهُ حَقًّا، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى قَرَّرَ ذَلِكَ الرَّدْعَ والتَّهْدِيدَ، فَقالَ: ﴿كَلّا سَيَعْلَمُونَ﴾ وهو وعِيدٌ لَهم بِأنَّهم سَوْفَ يَعْلَمُونَ أنَّ ما يَتَساءَلُونَ عَنْهُ ويَضْحَكُونَ مِنهُ حَقٌّ لا دافِعَ لَهُ، واقِعٌ لا رَيْبَ فِيهِ، وأمّا تَكْرِيرُ الرَّدْعِ، فَفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّ الغَرَضَ مِنَ التَّكْرِيرِ التَّأْكِيدُ والتَّشْدِيدُ، ومَعْنى ثُمَّ الإشْعارُ بِأنَّ الوَعِيدَ الثّانِيَ أبْلَغُ مِنَ الوَعِيدِ الأوَّلِ وأشَدُّ.
والثّانِي: أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِتَكْرِيرٍ، ثُمَّ ذَكَرُوا وُجُوهًا:
أحَدُها: قالَ الضَّحّاكُ: الآيَةُ الأُولى لِلْكُفّارِ والثّانِيَةُ لِلْمُؤْمِنِينَ، أيْ سَيَعْلَمُ الكُفّارُ عاقِبَةَ تَكْذِيبِهِمْ وسَيَعْلَمُ المُؤْمِنُونَ عاقِبَةَ تَصْدِيقِهِمْ.
وثانِيها: قالَ القاضِي: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِالأوَّلِ سَيَعْلَمُونَ نَفْسَ الحَشْرِ والمُحاسَبَةِ، ويُرِيدُ بِالثّانِي سَيَعْلَمُونَ نَفْسَ العَذابِ إذا شاهَدُوهُ.
وثالِثُها: ﴿كَلّا سَيَعْلَمُونَ﴾ ما اللَّهُ فاعِلٌ بِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿ثُمَّ كَلّا سَيَعْلَمُونَ﴾ أنَّ الأمْرَ لَيْسَ كَما كانُوا يَتَوَهَّمُونَ مِن أنَّ اللَّهَ غَيْرُ باعِثٍ لَهم.
ورابِعُها: ﴿كَلّا سَيَعْلَمُونَ﴾ ما يَصِلُ إلَيْهِمْ مِنَ العَذابِ في الدُّنْيا وكَما جَرى عَلى كَفّارِ قُرَيْشٍ يَوْمَ بَدْرٍ ﴿ثُمَّ كَلّا سَيَعْلَمُونَ﴾ بِما يَنالُهم في الآخِرَةِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: جُمْهُورُ القُرّاءِ قَرَءُوا بِالياءِ المُنَقَّطَةِ مِن تَحْتُ في (سَيَعْلَمُونَ) ورُوِيَ بِالتّاءِ المُنَقَّطَةِ مِن فَوْقُ عَنِ ابْنِ عامِرٍ. قالَ الواحِدِيُّ: والأوَّلُ أوْلى؛ لِأنَّ ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿هم فِيهِ مُخْتَلِفُونَ﴾ عَلى لَفْظِ الغِيبَةِ، والتّاءُ عَلى ”قُلْ لَهم: سَتَعْلَمُونَ“، وأقُولُ: يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الِالتِفاتِ، وهو هاهُنا مُتَمَكِّنٌ حَسَنٌ، كَمَن يَقُولُ: إنَّ عَبْدِي يَقُولُ كَذا وكَذا، ثُمَّ يَقُولُ لِعَبْدِهِ: إنَّكَ سَتَعْرِفُ وبالَ هَذا الكَلامِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ مِهادًا﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْهم إنْكارَ البَعْثِ والحَشْرِ، وأرادَ إقامَةَ الدَّلالَةِ عَلى صِحَّةِ الحَشْرِ قَدَّمَ لِذَلِكَ مُقَدِّمَةً في بَيانِ كَوْنِهِ تَعالى قادِرًا عَلى جَمِيعِ المُمْكِناتِ عالِمًا بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ مَهْما ثَبَتَ هَذانِ الأصْلانِ ثَبَتَ القَوْلُ بِصِحَّةِ البَعْثِ، وإنَّما أثْبَتَ هَذَيْنِ الأصْلَيْنِ بِأنْ عَدَّدَ أنْواعًا مِن مَخْلُوقاتِهِ الواقِعَةِ عَلى وجْهِ الإحْكامِ والإتْقانِ، فَإنَّ تِلْكَ الأشْياءَ مِن جِهَةِ حُدُوثِها تَدُلُّ عَلى القُدْرَةِ، ومِن جِهَةِ إحْكامِها وإتْقانِها تَدُلُّ عَلى العِلْمِ، ومَتى ثَبَتَ هَذانِ الأصْلانِ وثَبَتَ أنَّ الأجْسامَ مُتَساوِيَةٌ في قَبُولِ الصِّفاتِ والأعْراضِ، ثَبَتَ لا مَحالَةَ كَوْنُهُ تَعالى قادِرًا عَلى تَخْرِيبِ الدُّنْيا بِسَماواتِها وكَواكِبِها وأرْضِها، وعَلى إيجادِ عالَمِ الآخِرَةِ، فَهَذا هو الإشارَةُ إلى كَيْفِيَّةِ النَّظْمِ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ هاهُنا مِن عَجائِبِ مَخْلُوقاتِهِ أُمُورًا. فَأوَّلُها: قَوْلُهُ: ﴿ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ مِهادًا﴾ والمِهادُ مَصْدَرٌ، ثُمَّ هاهُنا احْتِمالاتٌ: أحَدُها: المُرادُ مِنهُ هاهُنا المَمْهُودُ، أيْ ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ مَمْهُودَةً، وهَذا مِن بابِ تَسْمِيَةِ المَفْعُولِ بِالمَصْدَرِ، كَقَوْلِكَ: هَذا ضَرْبُ الأمِيرِ.
وثانِيها: أنْ تَكُونَ الأرْضُ وُصِفَتْ بِهَذا المَصْدَرِ، كَما تَقُولُ: زَيْدٌ جُودٌ وكَرَمٌ وفَضْلٌ، كَأنَّهُ لِكَمالِهِ في تِلْكَ الصِّفَةِ صارَ عَيْنَ تِلْكَ الصِّفَةِ. وثالِثُها: أنْ تَكُونَ بِمَعْنى ذاتِ مِهادٍ، وقُرِئَ (مَهْدًا)، ومَعْناهُ أنَّ الأرْضَ لِلْخَلْقِ كالمَهْدِ لِلصَّبِيِّ، وهو الَّذِي مُهِّدَ لَهُ فَيُنَوَّمُ عَلَيْهِ.
واعْلَمْ أنّا ذَكَرْنا في تَفْسِيرِ سُورَةِ البَقَرَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ فِراشًا﴾ [البَقَرَةِ: ٢٢] كُلَّ ما يَتَعَلَّقُ مِنَ الحَقائِقِ بِهَذِهِ الآيَةِ.
النبأ 78:7
وثانِيها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والجِبالَ أوْتادًا﴾ أيْ لِلْأرْضِ [ كَيْ ] لا تَمِيدَ بِأهْلِها، فَيَكْمُلُ كَوْنُ الأرْضِ مِهادًا
صفحة ٧
بِسَبَبِ ذَلِكَ، وقَدْ تَقَدَّمَ أيْضًا.
وثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وخَلَقْناكم أزْواجًا﴾ وفِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: المُرادُ الذَّكَرُ والأُنْثى كَما قالَ: ﴿وأنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ [النَّجْمِ: ٤٥]، والثّانِي: أنَّ المُرادَ مِنهُ كُلُّ زَوْجَيْنِ و[ كُلُّ ] مُتَقابِلَيْنِ مِنَ القَبِيحِ والحَسَنِ والطَّوِيلِ والقَصِيرِ وجَمِيعُ المُتَقابِلاتِ والأضْدادِ، كَما قالَ: ﴿ومِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ﴾ [الذّارِياتِ: ٤٩] وهَذا دَلِيلٌ ظاهِرٌ عَلى كَمالِ القُدْرَةِ ونِهايَةِ الحِكْمَةِ حَتّى يَصِحَّ الِابْتِلاءُ والِامْتِحانُ، فَيَتَعَبَّدَ الفاضِلُ بِالشُّكْرِ والمَفْضُولُ بِالصَّبْرِ، ويُتَعَرَّفَ حَقِيقَةُ كُلِّ شَيْءٍ بِضِدِّهِ، فالإنْسانُ إنَّما يَعْرِفُ قَدْرَ الشَّبابِ عِنْدَ الشَّيْبِ، وإنَّما يَعْرِفُ قَدْرَ الأمْنِ عِنْدَ الخَوْفِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ أبْلَغَ في تَعْرِيفِ النِّعَمِ.
ورابِعُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلْنا نَوْمَكم سُباتًا﴾ طَعَنَ بَعْضُ المَلاحِدَةِ في هَذِهِ الآيَةِ فَقالُوا: السُّباتُ هو النَّوْمُ، والمَعْنى: وجَعَلْنا نَوْمَكم نَوْمًا، واعْلَمْ أنَّ العُلَماءَ ذَكَرُوا في التَّأْوِيلِ وُجُوهًا:
أوَّلُها: قالَ الزَّجّاجُ: (سُباتًا) مَوْتًا والمَسْبُوتُ المَيِّتُ مِنَ السَّبْتِ وهو القَطْعُ؛ لِأنَّهُ مَقْطُوعٌ عَنِ الحَرَكَةِ، ودَلِيلُهُ أمْرانِ: أحَدُهُما: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي يَتَوَفّاكم بِاللَّيْلِ﴾ [الأنْعامِ: ٦٠] إلى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ﴾ [الأنْعامِ: ٦٠] .
والثّانِي: أنَّهُ لَمّا جَعَلَ النَّوْمَ مَوْتًا جَعَلَ اليَقَظَةَ مَعاشًا، أيْ حَياةً في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْنا النَّهارَ مَعاشًا﴾ وهَذا القَوْلُ عِنْدِي ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ الأشْياءَ المَذْكُورَةَ في هَذِهِ الآيَةِ جَلائِلُ النِّعَمِ، فَلا يَلِيقُ المَوْتُ بِهَذا المَكانِ، وأيْضًا لَيْسَ المُرادُ بِكَوْنِهِ مَوْتًا أنَّ الرُّوحَ انْقَطَعَ عَنِ البَدَنِ، بَلِ المُرادُ مِنهُ انْقِطاعُ أثَرِ الحَواسِّ الظّاهِرَةِ، وهَذا هو النَّوْمُ، ويَصِيرُ حاصِلُ الكَلامِ إلى: إنّا جَعَلْنا نَوْمَكم نَوْمًا.
وثانِيها: قالَ اللَّيْثُ: السُّباتُ النَّوْمُ شِبْهُ الغَشْيِ، يُقالُ: سُبِتَ المَرِيضُ فَهو مَسْبُوتٌ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: السُّباتُ الغَشْيَةُ الَّتِي تَغْشى الإنْسانَ شِبْهَ المَوْتِ، وهَذا القَوْلُ أيْضًا ضَعِيفٌ، لِأنَّ الغَشْيَ هاهُنا إنْ كانَ النَّوْمَ فَيَعُودُ الإشْكالُ، وإنْ كانَ المُرادُ بِالسُّباتِ شِدَّةَ ذَلِكَ الغَشْيِ فَهو باطِلٌ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ كُلُّ نَوْمٍ كَذَلِكَ، ولِأنَّهُ مَرَضٌ فَلا يُمْكِنُ ذِكْرُهُ في أثْناءِ تَعْدِيدِ النِّعَمِ.
وثالِثُها: أنَّ السَّبْتَ في أصْلِ اللُّغَةِ هو القَطْعُ، يُقالُ: سَبَتَ الرَّجُلُ رَأْسَهُ يَسْبُتُهُ سَبْتًا إذا حَلَقَ شَعْرَهُ، وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ في قَوْلِهِ: (سُباتًا) أيْ قَطْعًا، ثُمَّ عِنْدَ هَذا يَحْتَمِلُ وُجُوهًا:
الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ المَعْنى: وجَعَلْنا نَوْمَكم نَوْمًا مُتَقَطِّعًا لا دائِمًا، فَإنَّ النَّوْمَ بِمِقْدارِ الحاجَةِ مِن أنْفَعِ الأشْياءِ. أمّا دَوامُهُ فَمِن أضَرِّ الأشْياءِ، فَلَمّا كانَ انْقِطاعُهُ نِعْمَةً عَظِيمَةً لا جَرَمَ ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في مَعْرِضِ الإنْعامِ.
الثّانِي: أنَّ الإنْسانَ إذا تَعِبَ ثُمَّ نامَ، فَذَلِكَ النَّوْمُ يُزِيلُ عَنْهُ ذَلِكَ التَّعَبَ، فَسُمِّيَتْ تِلْكَ الإزالَةُ سَبْتًا وقَطْعًا، وهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِ ابْنِ قُتَيْبَةَ: ﴿وجَعَلْنا نَوْمَكم سُباتًا﴾ أيْ راحَةً، ولَيْسَ غَرَضُهُ مِنهُ أنَّ السُّباتَ اسْمٌ لِلرّاحَةِ، بَلِ المَقْصُودُ أنَّ النَّوْمَ يَقْطَعُ التَّعَبَ ويُزِيلُهُ، فَحِينَئِذٍ تَحْصُلُ الرّاحَةُ.
الثّالِثُ: قالَ المُبَرِّدُ: ﴿وجَعَلْنا نَوْمَكم سُباتًا﴾ أيْ جَعَلْناهُ نَوْمًا خَفِيفًا يُمْكِنُكم دَفْعُهُ وقَطْعُهُ، تَقُولُ العَرَبُ: رَجُلٌ مَسْبُوتٌ إذا كانَ النَّوْمُ يُغالِبُهُ وهو يُدافِعُهُ، كَأنَّهُ قِيلَ: وجَعَلْنا نَوْمَكم نَوْمًا لَطِيفًا يُمْكِنُكم دَفْعُهُ، وما جَعَلْناهُ غَشْيًا مُسْتَوْلِيًا عَلَيْكُمْ، فَإنَّ ذَلِكَ مِنَ الأمْراضِ الشَّدِيدَةِ، وهَذِهِ الوُجُوهُ كُلُّها صَحِيحَةٌ.
النبأ 78:8
وثانِيها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والجِبالَ أوْتادًا﴾ أيْ لِلْأرْضِ [ كَيْ ] لا تَمِيدَ بِأهْلِها، فَيَكْمُلُ كَوْنُ الأرْضِ مِهادًا
صفحة ٧
بِسَبَبِ ذَلِكَ، وقَدْ تَقَدَّمَ أيْضًا.
وثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وخَلَقْناكم أزْواجًا﴾ وفِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: المُرادُ الذَّكَرُ والأُنْثى كَما قالَ: ﴿وأنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ [النَّجْمِ: ٤٥]، والثّانِي: أنَّ المُرادَ مِنهُ كُلُّ زَوْجَيْنِ و[ كُلُّ ] مُتَقابِلَيْنِ مِنَ القَبِيحِ والحَسَنِ والطَّوِيلِ والقَصِيرِ وجَمِيعُ المُتَقابِلاتِ والأضْدادِ، كَما قالَ: ﴿ومِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ﴾ [الذّارِياتِ: ٤٩] وهَذا دَلِيلٌ ظاهِرٌ عَلى كَمالِ القُدْرَةِ ونِهايَةِ الحِكْمَةِ حَتّى يَصِحَّ الِابْتِلاءُ والِامْتِحانُ، فَيَتَعَبَّدَ الفاضِلُ بِالشُّكْرِ والمَفْضُولُ بِالصَّبْرِ، ويُتَعَرَّفَ حَقِيقَةُ كُلِّ شَيْءٍ بِضِدِّهِ، فالإنْسانُ إنَّما يَعْرِفُ قَدْرَ الشَّبابِ عِنْدَ الشَّيْبِ، وإنَّما يَعْرِفُ قَدْرَ الأمْنِ عِنْدَ الخَوْفِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ أبْلَغَ في تَعْرِيفِ النِّعَمِ.
ورابِعُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلْنا نَوْمَكم سُباتًا﴾ طَعَنَ بَعْضُ المَلاحِدَةِ في هَذِهِ الآيَةِ فَقالُوا: السُّباتُ هو النَّوْمُ، والمَعْنى: وجَعَلْنا نَوْمَكم نَوْمًا، واعْلَمْ أنَّ العُلَماءَ ذَكَرُوا في التَّأْوِيلِ وُجُوهًا:
أوَّلُها: قالَ الزَّجّاجُ: (سُباتًا) مَوْتًا والمَسْبُوتُ المَيِّتُ مِنَ السَّبْتِ وهو القَطْعُ؛ لِأنَّهُ مَقْطُوعٌ عَنِ الحَرَكَةِ، ودَلِيلُهُ أمْرانِ: أحَدُهُما: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي يَتَوَفّاكم بِاللَّيْلِ﴾ [الأنْعامِ: ٦٠] إلى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ﴾ [الأنْعامِ: ٦٠] .
والثّانِي: أنَّهُ لَمّا جَعَلَ النَّوْمَ مَوْتًا جَعَلَ اليَقَظَةَ مَعاشًا، أيْ حَياةً في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْنا النَّهارَ مَعاشًا﴾ وهَذا القَوْلُ عِنْدِي ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ الأشْياءَ المَذْكُورَةَ في هَذِهِ الآيَةِ جَلائِلُ النِّعَمِ، فَلا يَلِيقُ المَوْتُ بِهَذا المَكانِ، وأيْضًا لَيْسَ المُرادُ بِكَوْنِهِ مَوْتًا أنَّ الرُّوحَ انْقَطَعَ عَنِ البَدَنِ، بَلِ المُرادُ مِنهُ انْقِطاعُ أثَرِ الحَواسِّ الظّاهِرَةِ، وهَذا هو النَّوْمُ، ويَصِيرُ حاصِلُ الكَلامِ إلى: إنّا جَعَلْنا نَوْمَكم نَوْمًا.
وثانِيها: قالَ اللَّيْثُ: السُّباتُ النَّوْمُ شِبْهُ الغَشْيِ، يُقالُ: سُبِتَ المَرِيضُ فَهو مَسْبُوتٌ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: السُّباتُ الغَشْيَةُ الَّتِي تَغْشى الإنْسانَ شِبْهَ المَوْتِ، وهَذا القَوْلُ أيْضًا ضَعِيفٌ، لِأنَّ الغَشْيَ هاهُنا إنْ كانَ النَّوْمَ فَيَعُودُ الإشْكالُ، وإنْ كانَ المُرادُ بِالسُّباتِ شِدَّةَ ذَلِكَ الغَشْيِ فَهو باطِلٌ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ كُلُّ نَوْمٍ كَذَلِكَ، ولِأنَّهُ مَرَضٌ فَلا يُمْكِنُ ذِكْرُهُ في أثْناءِ تَعْدِيدِ النِّعَمِ.
وثالِثُها: أنَّ السَّبْتَ في أصْلِ اللُّغَةِ هو القَطْعُ، يُقالُ: سَبَتَ الرَّجُلُ رَأْسَهُ يَسْبُتُهُ سَبْتًا إذا حَلَقَ شَعْرَهُ، وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ في قَوْلِهِ: (سُباتًا) أيْ قَطْعًا، ثُمَّ عِنْدَ هَذا يَحْتَمِلُ وُجُوهًا:
الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ المَعْنى: وجَعَلْنا نَوْمَكم نَوْمًا مُتَقَطِّعًا لا دائِمًا، فَإنَّ النَّوْمَ بِمِقْدارِ الحاجَةِ مِن أنْفَعِ الأشْياءِ. أمّا دَوامُهُ فَمِن أضَرِّ الأشْياءِ، فَلَمّا كانَ انْقِطاعُهُ نِعْمَةً عَظِيمَةً لا جَرَمَ ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في مَعْرِضِ الإنْعامِ.
الثّانِي: أنَّ الإنْسانَ إذا تَعِبَ ثُمَّ نامَ، فَذَلِكَ النَّوْمُ يُزِيلُ عَنْهُ ذَلِكَ التَّعَبَ، فَسُمِّيَتْ تِلْكَ الإزالَةُ سَبْتًا وقَطْعًا، وهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِ ابْنِ قُتَيْبَةَ: ﴿وجَعَلْنا نَوْمَكم سُباتًا﴾ أيْ راحَةً، ولَيْسَ غَرَضُهُ مِنهُ أنَّ السُّباتَ اسْمٌ لِلرّاحَةِ، بَلِ المَقْصُودُ أنَّ النَّوْمَ يَقْطَعُ التَّعَبَ ويُزِيلُهُ، فَحِينَئِذٍ تَحْصُلُ الرّاحَةُ.
الثّالِثُ: قالَ المُبَرِّدُ: ﴿وجَعَلْنا نَوْمَكم سُباتًا﴾ أيْ جَعَلْناهُ نَوْمًا خَفِيفًا يُمْكِنُكم دَفْعُهُ وقَطْعُهُ، تَقُولُ العَرَبُ: رَجُلٌ مَسْبُوتٌ إذا كانَ النَّوْمُ يُغالِبُهُ وهو يُدافِعُهُ، كَأنَّهُ قِيلَ: وجَعَلْنا نَوْمَكم نَوْمًا لَطِيفًا يُمْكِنُكم دَفْعُهُ، وما جَعَلْناهُ غَشْيًا مُسْتَوْلِيًا عَلَيْكُمْ، فَإنَّ ذَلِكَ مِنَ الأمْراضِ الشَّدِيدَةِ، وهَذِهِ الوُجُوهُ كُلُّها صَحِيحَةٌ.
النبأ 78:9
وثانِيها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والجِبالَ أوْتادًا﴾ أيْ لِلْأرْضِ [ كَيْ ] لا تَمِيدَ بِأهْلِها، فَيَكْمُلُ كَوْنُ الأرْضِ مِهادًا
صفحة ٧
بِسَبَبِ ذَلِكَ، وقَدْ تَقَدَّمَ أيْضًا.
وثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وخَلَقْناكم أزْواجًا﴾ وفِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: المُرادُ الذَّكَرُ والأُنْثى كَما قالَ: ﴿وأنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ [النَّجْمِ: ٤٥]، والثّانِي: أنَّ المُرادَ مِنهُ كُلُّ زَوْجَيْنِ و[ كُلُّ ] مُتَقابِلَيْنِ مِنَ القَبِيحِ والحَسَنِ والطَّوِيلِ والقَصِيرِ وجَمِيعُ المُتَقابِلاتِ والأضْدادِ، كَما قالَ: ﴿ومِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ﴾ [الذّارِياتِ: ٤٩] وهَذا دَلِيلٌ ظاهِرٌ عَلى كَمالِ القُدْرَةِ ونِهايَةِ الحِكْمَةِ حَتّى يَصِحَّ الِابْتِلاءُ والِامْتِحانُ، فَيَتَعَبَّدَ الفاضِلُ بِالشُّكْرِ والمَفْضُولُ بِالصَّبْرِ، ويُتَعَرَّفَ حَقِيقَةُ كُلِّ شَيْءٍ بِضِدِّهِ، فالإنْسانُ إنَّما يَعْرِفُ قَدْرَ الشَّبابِ عِنْدَ الشَّيْبِ، وإنَّما يَعْرِفُ قَدْرَ الأمْنِ عِنْدَ الخَوْفِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ أبْلَغَ في تَعْرِيفِ النِّعَمِ.
ورابِعُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلْنا نَوْمَكم سُباتًا﴾ طَعَنَ بَعْضُ المَلاحِدَةِ في هَذِهِ الآيَةِ فَقالُوا: السُّباتُ هو النَّوْمُ، والمَعْنى: وجَعَلْنا نَوْمَكم نَوْمًا، واعْلَمْ أنَّ العُلَماءَ ذَكَرُوا في التَّأْوِيلِ وُجُوهًا:
أوَّلُها: قالَ الزَّجّاجُ: (سُباتًا) مَوْتًا والمَسْبُوتُ المَيِّتُ مِنَ السَّبْتِ وهو القَطْعُ؛ لِأنَّهُ مَقْطُوعٌ عَنِ الحَرَكَةِ، ودَلِيلُهُ أمْرانِ: أحَدُهُما: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي يَتَوَفّاكم بِاللَّيْلِ﴾ [الأنْعامِ: ٦٠] إلى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ﴾ [الأنْعامِ: ٦٠] .
والثّانِي: أنَّهُ لَمّا جَعَلَ النَّوْمَ مَوْتًا جَعَلَ اليَقَظَةَ مَعاشًا، أيْ حَياةً في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْنا النَّهارَ مَعاشًا﴾ وهَذا القَوْلُ عِنْدِي ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ الأشْياءَ المَذْكُورَةَ في هَذِهِ الآيَةِ جَلائِلُ النِّعَمِ، فَلا يَلِيقُ المَوْتُ بِهَذا المَكانِ، وأيْضًا لَيْسَ المُرادُ بِكَوْنِهِ مَوْتًا أنَّ الرُّوحَ انْقَطَعَ عَنِ البَدَنِ، بَلِ المُرادُ مِنهُ انْقِطاعُ أثَرِ الحَواسِّ الظّاهِرَةِ، وهَذا هو النَّوْمُ، ويَصِيرُ حاصِلُ الكَلامِ إلى: إنّا جَعَلْنا نَوْمَكم نَوْمًا.
وثانِيها: قالَ اللَّيْثُ: السُّباتُ النَّوْمُ شِبْهُ الغَشْيِ، يُقالُ: سُبِتَ المَرِيضُ فَهو مَسْبُوتٌ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: السُّباتُ الغَشْيَةُ الَّتِي تَغْشى الإنْسانَ شِبْهَ المَوْتِ، وهَذا القَوْلُ أيْضًا ضَعِيفٌ، لِأنَّ الغَشْيَ هاهُنا إنْ كانَ النَّوْمَ فَيَعُودُ الإشْكالُ، وإنْ كانَ المُرادُ بِالسُّباتِ شِدَّةَ ذَلِكَ الغَشْيِ فَهو باطِلٌ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ كُلُّ نَوْمٍ كَذَلِكَ، ولِأنَّهُ مَرَضٌ فَلا يُمْكِنُ ذِكْرُهُ في أثْناءِ تَعْدِيدِ النِّعَمِ.
وثالِثُها: أنَّ السَّبْتَ في أصْلِ اللُّغَةِ هو القَطْعُ، يُقالُ: سَبَتَ الرَّجُلُ رَأْسَهُ يَسْبُتُهُ سَبْتًا إذا حَلَقَ شَعْرَهُ، وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ في قَوْلِهِ: (سُباتًا) أيْ قَطْعًا، ثُمَّ عِنْدَ هَذا يَحْتَمِلُ وُجُوهًا:
الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ المَعْنى: وجَعَلْنا نَوْمَكم نَوْمًا مُتَقَطِّعًا لا دائِمًا، فَإنَّ النَّوْمَ بِمِقْدارِ الحاجَةِ مِن أنْفَعِ الأشْياءِ. أمّا دَوامُهُ فَمِن أضَرِّ الأشْياءِ، فَلَمّا كانَ انْقِطاعُهُ نِعْمَةً عَظِيمَةً لا جَرَمَ ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في مَعْرِضِ الإنْعامِ.
الثّانِي: أنَّ الإنْسانَ إذا تَعِبَ ثُمَّ نامَ، فَذَلِكَ النَّوْمُ يُزِيلُ عَنْهُ ذَلِكَ التَّعَبَ، فَسُمِّيَتْ تِلْكَ الإزالَةُ سَبْتًا وقَطْعًا، وهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِ ابْنِ قُتَيْبَةَ: ﴿وجَعَلْنا نَوْمَكم سُباتًا﴾ أيْ راحَةً، ولَيْسَ غَرَضُهُ مِنهُ أنَّ السُّباتَ اسْمٌ لِلرّاحَةِ، بَلِ المَقْصُودُ أنَّ النَّوْمَ يَقْطَعُ التَّعَبَ ويُزِيلُهُ، فَحِينَئِذٍ تَحْصُلُ الرّاحَةُ.
الثّالِثُ: قالَ المُبَرِّدُ: ﴿وجَعَلْنا نَوْمَكم سُباتًا﴾ أيْ جَعَلْناهُ نَوْمًا خَفِيفًا يُمْكِنُكم دَفْعُهُ وقَطْعُهُ، تَقُولُ العَرَبُ: رَجُلٌ مَسْبُوتٌ إذا كانَ النَّوْمُ يُغالِبُهُ وهو يُدافِعُهُ، كَأنَّهُ قِيلَ: وجَعَلْنا نَوْمَكم نَوْمًا لَطِيفًا يُمْكِنُكم دَفْعُهُ، وما جَعَلْناهُ غَشْيًا مُسْتَوْلِيًا عَلَيْكُمْ، فَإنَّ ذَلِكَ مِنَ الأمْراضِ الشَّدِيدَةِ، وهَذِهِ الوُجُوهُ كُلُّها صَحِيحَةٌ.
النبأ 78:10
وخامِسُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلْنا اللَّيْلَ لِباسًا﴾ قالَ القَفّالُ: أصْلُ اللِّباسِ هو الشَّيْءُ الَّذِي يَلْبَسُهُ الإنْسانُ ويَتَغَطّى بِهِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ مُغَطِّيًا لَهُ، فَلَمّا كانَ اللَّيْلُ يَغْشى النّاسَ بِظُلْمَتِهِ فَيُغَطِّيهِمْ جُعِلَ لِباسًا لَهُمْ،
صفحة ٨
وهَذا السَّبْتُ، سُمِّيَ اللَّيْلُ لِباسًا عَلى وجْهِ المَجازِ، والمُرادُ كَوْنُ اللَّيْلِ ساتِرًا لَهم. وأمّا وجْهُ النِّعْمَةِ في ذَلِكَ، فَهو أنَّ ظُلْمَةَ اللَّيْلِ تَسْتُرُ الإنْسانَ عَنِ العُيُونِ إذا أرادَ هَرَبًا مِن عَدُوٍّ، أوْ بَياتًا لَهُ، أوْ إخْفاءَ ما لا يُحِبُّ الإنْسانُ إطْلاعَ غَيْرِهِ عَلَيْهِ، قالَ المُتَنَبِّي:
وكَمْ لِظَلامِ اللَّيْلِ عِنْدِي مِن يَدٍ تُخَبِّرُ أنَّ المانَوِيَّةَ تَكْذِبُ
وأيْضًا فَكَما أنَّ الإنْسانَ بِسَبَبِ اللِّباسِ يَزْدادُ جَمالُهُ وتَتَكامَلُ قُوَّتُهُ ويَنْدَفِعُ عَنْهُ أذى الحَرِّ والبَرْدِ، فَكَذا لِباسُ اللَّيْلِ بِسَبَبِ ما يَحْصُلُ فِيهِ مِنَ النَّوْمِ يَزِيدُ في جَمالِ الإنْسانِ، وفي طَراوَةِ أعْضائِهِ، وفي تَكامُلِ قُواهُ الحِسِّيَّةِ والحَرَكِيَّةِ، ويَنْدَفِعُ عَنْهُ أذى التَّعَبِ الجُسْمانِيِّ، وأذى الأفْكارِ المُوحِشَةِ النَّفْسانِيَّةِ، فَإنَّ المَرِيضَ إذا نامَ بِاللَّيْلِ وجَدَ الخِفَّةَ العَظِيمَةَ.
وسادِسُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلْنا النَّهارَ مَعاشًا﴾ في المَعاشِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ مَصْدَرٌ، يُقالُ: عاشَ يَعِيشُ عَيْشًا ومَعاشًا ومَعِيشَةً وعِيشَةً، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَلا بُدَّ فِيهِ مِن إضْمارٍ، والمَعْنى: وجَعْلِنا النَّهارَ وقْتَ المَعاشِ.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ مَعاشًا مَفْعَلًا وظَرْفًا لِلتَّعَيُّشِ، وعَلى هَذا لا حاجَةَ إلى الإضْمارِ، ومَعْنى كَوْنِ النَّهارِ مَعاشًا أنَّ الخَلْقَ إنَّما يُمْكِنُهُمُ التَّقَلُّبُ في حَوائِجِهِمْ ومَكاسِبِهِمْ في النَّهارِ لا في اللَّيْلِ.
وسابِعُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وبَنَيْنا فَوْقَكم سَبْعًا شِدادًا﴾ أيْ سَبْعَ سَماواتٍ (شِدادًا) جَمْعُ شَدِيدَةٍ يَعْنِي مُحْكَمَةً قَوِيَّةَ الخَلْقِ لا يُؤَثِّرُ فِيها مُرُورُ الزَّمانِ، لا فُطُورَ فِيها ولا فُرُوجَ، ونَظِيرُهُ ﴿وجَعَلْنا السَّماءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا﴾ [الأنْبِياءِ: ٣٢] فَإنْ قِيلَ: لَفْظُ البِناءِ يُسْتَعْمَلُ في أسافِلِ البَيْتِ والسَّقْفِ في أعْلاهُ فَكَيْفَ قالَ: ﴿وبَنَيْنا فَوْقَكم سَبْعًا﴾ ؟ قُلْنا: البِناءُ يَكُونُ أبْعَدَ مِنَ الآفَةِ والِانْحِلالِ مِنَ السَّقْفِ، فَذِكْرُ قَوْلِهِ: (وبَنَيْنا) إشارَةٌ إلى أنَّهُ وإنْ كانَ سَقْفًا لَكِنَّهُ في البُعْدِ عَنِ الِانْحِلالِ كالبِناءِ، فالغَرَضُ مِنَ اخْتِيارِ هَذا اللَّفْظِ هَذِهِ الدَّقِيقَةُ.
النبأ 78:11
وخامِسُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلْنا اللَّيْلَ لِباسًا﴾ قالَ القَفّالُ: أصْلُ اللِّباسِ هو الشَّيْءُ الَّذِي يَلْبَسُهُ الإنْسانُ ويَتَغَطّى بِهِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ مُغَطِّيًا لَهُ، فَلَمّا كانَ اللَّيْلُ يَغْشى النّاسَ بِظُلْمَتِهِ فَيُغَطِّيهِمْ جُعِلَ لِباسًا لَهُمْ،
صفحة ٨
وهَذا السَّبْتُ، سُمِّيَ اللَّيْلُ لِباسًا عَلى وجْهِ المَجازِ، والمُرادُ كَوْنُ اللَّيْلِ ساتِرًا لَهم. وأمّا وجْهُ النِّعْمَةِ في ذَلِكَ، فَهو أنَّ ظُلْمَةَ اللَّيْلِ تَسْتُرُ الإنْسانَ عَنِ العُيُونِ إذا أرادَ هَرَبًا مِن عَدُوٍّ، أوْ بَياتًا لَهُ، أوْ إخْفاءَ ما لا يُحِبُّ الإنْسانُ إطْلاعَ غَيْرِهِ عَلَيْهِ، قالَ المُتَنَبِّي:
وكَمْ لِظَلامِ اللَّيْلِ عِنْدِي مِن يَدٍ تُخَبِّرُ أنَّ المانَوِيَّةَ تَكْذِبُ
وأيْضًا فَكَما أنَّ الإنْسانَ بِسَبَبِ اللِّباسِ يَزْدادُ جَمالُهُ وتَتَكامَلُ قُوَّتُهُ ويَنْدَفِعُ عَنْهُ أذى الحَرِّ والبَرْدِ، فَكَذا لِباسُ اللَّيْلِ بِسَبَبِ ما يَحْصُلُ فِيهِ مِنَ النَّوْمِ يَزِيدُ في جَمالِ الإنْسانِ، وفي طَراوَةِ أعْضائِهِ، وفي تَكامُلِ قُواهُ الحِسِّيَّةِ والحَرَكِيَّةِ، ويَنْدَفِعُ عَنْهُ أذى التَّعَبِ الجُسْمانِيِّ، وأذى الأفْكارِ المُوحِشَةِ النَّفْسانِيَّةِ، فَإنَّ المَرِيضَ إذا نامَ بِاللَّيْلِ وجَدَ الخِفَّةَ العَظِيمَةَ.
وسادِسُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلْنا النَّهارَ مَعاشًا﴾ في المَعاشِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ مَصْدَرٌ، يُقالُ: عاشَ يَعِيشُ عَيْشًا ومَعاشًا ومَعِيشَةً وعِيشَةً، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَلا بُدَّ فِيهِ مِن إضْمارٍ، والمَعْنى: وجَعْلِنا النَّهارَ وقْتَ المَعاشِ.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ مَعاشًا مَفْعَلًا وظَرْفًا لِلتَّعَيُّشِ، وعَلى هَذا لا حاجَةَ إلى الإضْمارِ، ومَعْنى كَوْنِ النَّهارِ مَعاشًا أنَّ الخَلْقَ إنَّما يُمْكِنُهُمُ التَّقَلُّبُ في حَوائِجِهِمْ ومَكاسِبِهِمْ في النَّهارِ لا في اللَّيْلِ.
وسابِعُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وبَنَيْنا فَوْقَكم سَبْعًا شِدادًا﴾ أيْ سَبْعَ سَماواتٍ (شِدادًا) جَمْعُ شَدِيدَةٍ يَعْنِي مُحْكَمَةً قَوِيَّةَ الخَلْقِ لا يُؤَثِّرُ فِيها مُرُورُ الزَّمانِ، لا فُطُورَ فِيها ولا فُرُوجَ، ونَظِيرُهُ ﴿وجَعَلْنا السَّماءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا﴾ [الأنْبِياءِ: ٣٢] فَإنْ قِيلَ: لَفْظُ البِناءِ يُسْتَعْمَلُ في أسافِلِ البَيْتِ والسَّقْفِ في أعْلاهُ فَكَيْفَ قالَ: ﴿وبَنَيْنا فَوْقَكم سَبْعًا﴾ ؟ قُلْنا: البِناءُ يَكُونُ أبْعَدَ مِنَ الآفَةِ والِانْحِلالِ مِنَ السَّقْفِ، فَذِكْرُ قَوْلِهِ: (وبَنَيْنا) إشارَةٌ إلى أنَّهُ وإنْ كانَ سَقْفًا لَكِنَّهُ في البُعْدِ عَنِ الِانْحِلالِ كالبِناءِ، فالغَرَضُ مِنَ اخْتِيارِ هَذا اللَّفْظِ هَذِهِ الدَّقِيقَةُ.
النبأ 78:12
وخامِسُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلْنا اللَّيْلَ لِباسًا﴾ قالَ القَفّالُ: أصْلُ اللِّباسِ هو الشَّيْءُ الَّذِي يَلْبَسُهُ الإنْسانُ ويَتَغَطّى بِهِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ مُغَطِّيًا لَهُ، فَلَمّا كانَ اللَّيْلُ يَغْشى النّاسَ بِظُلْمَتِهِ فَيُغَطِّيهِمْ جُعِلَ لِباسًا لَهُمْ،
صفحة ٨
وهَذا السَّبْتُ، سُمِّيَ اللَّيْلُ لِباسًا عَلى وجْهِ المَجازِ، والمُرادُ كَوْنُ اللَّيْلِ ساتِرًا لَهم. وأمّا وجْهُ النِّعْمَةِ في ذَلِكَ، فَهو أنَّ ظُلْمَةَ اللَّيْلِ تَسْتُرُ الإنْسانَ عَنِ العُيُونِ إذا أرادَ هَرَبًا مِن عَدُوٍّ، أوْ بَياتًا لَهُ، أوْ إخْفاءَ ما لا يُحِبُّ الإنْسانُ إطْلاعَ غَيْرِهِ عَلَيْهِ، قالَ المُتَنَبِّي:
وكَمْ لِظَلامِ اللَّيْلِ عِنْدِي مِن يَدٍ تُخَبِّرُ أنَّ المانَوِيَّةَ تَكْذِبُ
وأيْضًا فَكَما أنَّ الإنْسانَ بِسَبَبِ اللِّباسِ يَزْدادُ جَمالُهُ وتَتَكامَلُ قُوَّتُهُ ويَنْدَفِعُ عَنْهُ أذى الحَرِّ والبَرْدِ، فَكَذا لِباسُ اللَّيْلِ بِسَبَبِ ما يَحْصُلُ فِيهِ مِنَ النَّوْمِ يَزِيدُ في جَمالِ الإنْسانِ، وفي طَراوَةِ أعْضائِهِ، وفي تَكامُلِ قُواهُ الحِسِّيَّةِ والحَرَكِيَّةِ، ويَنْدَفِعُ عَنْهُ أذى التَّعَبِ الجُسْمانِيِّ، وأذى الأفْكارِ المُوحِشَةِ النَّفْسانِيَّةِ، فَإنَّ المَرِيضَ إذا نامَ بِاللَّيْلِ وجَدَ الخِفَّةَ العَظِيمَةَ.
وسادِسُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلْنا النَّهارَ مَعاشًا﴾ في المَعاشِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ مَصْدَرٌ، يُقالُ: عاشَ يَعِيشُ عَيْشًا ومَعاشًا ومَعِيشَةً وعِيشَةً، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَلا بُدَّ فِيهِ مِن إضْمارٍ، والمَعْنى: وجَعْلِنا النَّهارَ وقْتَ المَعاشِ.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ مَعاشًا مَفْعَلًا وظَرْفًا لِلتَّعَيُّشِ، وعَلى هَذا لا حاجَةَ إلى الإضْمارِ، ومَعْنى كَوْنِ النَّهارِ مَعاشًا أنَّ الخَلْقَ إنَّما يُمْكِنُهُمُ التَّقَلُّبُ في حَوائِجِهِمْ ومَكاسِبِهِمْ في النَّهارِ لا في اللَّيْلِ.
وسابِعُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وبَنَيْنا فَوْقَكم سَبْعًا شِدادًا﴾ أيْ سَبْعَ سَماواتٍ (شِدادًا) جَمْعُ شَدِيدَةٍ يَعْنِي مُحْكَمَةً قَوِيَّةَ الخَلْقِ لا يُؤَثِّرُ فِيها مُرُورُ الزَّمانِ، لا فُطُورَ فِيها ولا فُرُوجَ، ونَظِيرُهُ ﴿وجَعَلْنا السَّماءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا﴾ [الأنْبِياءِ: ٣٢] فَإنْ قِيلَ: لَفْظُ البِناءِ يُسْتَعْمَلُ في أسافِلِ البَيْتِ والسَّقْفِ في أعْلاهُ فَكَيْفَ قالَ: ﴿وبَنَيْنا فَوْقَكم سَبْعًا﴾ ؟ قُلْنا: البِناءُ يَكُونُ أبْعَدَ مِنَ الآفَةِ والِانْحِلالِ مِنَ السَّقْفِ، فَذِكْرُ قَوْلِهِ: (وبَنَيْنا) إشارَةٌ إلى أنَّهُ وإنْ كانَ سَقْفًا لَكِنَّهُ في البُعْدِ عَنِ الِانْحِلالِ كالبِناءِ، فالغَرَضُ مِنَ اخْتِيارِ هَذا اللَّفْظِ هَذِهِ الدَّقِيقَةُ.
النبأ 78:13
وثامِنُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلْنا سِراجًا وهّاجًا﴾ كَلامُ أهْلِ اللُّغَةِ مُضْطَرِبٌ في تَفْسِيرِ الوَهّاجِ، فَمِنهم مَن قالَ: الوَهَجُ مَجْمَعُ النُّورِ والحَرارَةِ، فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّ الشَّمْسَ بالِغَةٌ إلى أقْصى الغاياتِ في هَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ، وهو المُرادُ بِكَوْنِها وهّاجًا، ورَوى الكَلْبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الوَهّاجَ مُبالَغَةٌ في النُّورِ فَقَطْ، يُقالُ لِلْجَوْهَرِ إذا تَلَأْلَأ: تَوَهَّجَ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الوَهّاجَ يُفِيدُ الكَمالَ في النُّورِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ يَصِفُ النُّورَ:
نُوّارُها مُتَباهِجٌ يَتَوَهَّجُ
وفِي كِتابِ الخَلِيلِ: الوَهَجُ حَرُّ النّارِ والشَّمْسِ، وهَذا يَقْتَضِي أنَّ الوَهّاجَ هو البالِغُ في الحَرِّ، واعْلَمْ أنَّ أيَّ هَذِهِ الوُجُوهِ إذا ثَبَتَ فالمَقْصُودُ حاصِلٌ.
وتاسِعُها: قَوْلُهُ: ﴿وأنْزَلْنا مِنَ المُعْصِراتِ ماءً ثَجّاجًا﴾ أمّا المُعْصِراتُ فَفِيها قَوْلانِ: الأوَّلُ: وهو إحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَوْلُ مُجاهِدٍ، ومُقاتِلٍ والكَلْبِيِّ وقَتادَةَ: إنَّها الرِّياحُ الَّتِي تُثِيرُ السَّحابَ، ودَلِيلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحابًا﴾ [الرُّومِ: ٤٨] فَإنْ قِيلَ: عَلى هَذا التَّأْوِيلِ كانَ يَنْبَغِي أنْ يُقالَ: وأنْزَلْنا بِالمُعْصِراتِ، قُلْنا: الجَوابُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ المَطَرَ إنَّما يَنْزِلُ مِنَ السَّحابِ، والسَّحابُ إنَّما
صفحة ٩
يُثِيرُهُ الرِّياحُ، فَصَحَّ أنْ يُقالَ: هَذا المَطَرُ إنَّما حَصَلَ مِن تِلْكَ الرِّياحِ، كَما يُقالُ: هَذا مِن فُلانٍ، أيْ مِن جِهَتِهِ وبِسَبَبِهِ. الثّانِي: أنَّ ”مِن“ هاهُنا بِمَعْنى الباءِ، والتَّقْدِيرُ: وأنْزَلْنا بِالمُعْصِراتِ أيْ بِالرِّياحِ المُثِيرَةِ لِلسَّحابِ. ويُرْوى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبّاسٍ وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ وعِكْرِمَةَ أنَّهم قَرَءُوا: ”وأنْزَلْنا بِالمُعْصِراتِ“ . وطَعَنَ الأزْهَرِيُّ في هَذا القَوْلِ، وقالَ: الأعاصِيرُ مِنَ الرِّياحِ لَيْسَتْ مِن رِياحِ المَطَرِ، وقَدْ وصَفَ اللَّهُ تَعالى المُعْصِراتِ بِالماءِ الثَّجّاجِ. وجَوابُهُ: أنَّ الإعْصارَ لَيْسَتْ مِن رِياحِ المَطَرِ، فَلِمَ لا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ المُعْصِراتُ مِن رِياحِ المَطَرِ؟ القَوْلُ الثّانِي: وهو الرِّوايَةُ الثّانِيَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ واخْتِيارُ أبِي العالِيَةِ والرَّبِيعِ والضَّحّاكِ أنَّها السَّحابُ، وذَكَرُوا في تَسْمِيَةِ السَّحابِ بِالمُعْصِراتِ وُجُوهًا:
أحَدُها: قالَ المُؤَرِّجُ: المُعْصِراتُ السَّحائِبُ بِلُغَةِ قُرَيْشٍ.
وثانِيها: قالَ المازِنِيُّ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ المُعْصِراتُ هي السَّحائِبَ ذَواتِ الأعاصِيرِ، فَإنَّ السَّحائِبَ إذا عَصَرَتْها الأعاصِيرُ لا بُدَّ وأنْ يَنْزِلَ المَطَرُ مِنها.
وثالِثُها: أنَّ المُعْصِراتِ هي السَّحائِبُ الَّتِي شارَفَتْ أنْ تَعْصِرَها الرِّياحُ، فَتُمْطِرُ كَقَوْلِكَ: أجُزُّ الزَّرْعَ إذا حانَ لَهُ أنْ يُجَزَّ، ومِنهُ أعْصَرَتِ الجارِيَةُ إذا دَنَتْ أنْ تَحِيضَ، وأمّا الثَّجّاجُ فاعْلَمْ أنَّ الثَّجَّ شِدَّةُ الِانْصِبابِ، يُقالُ: مَطَرٌ ثَجّاجٌ ودَمٌ ثَجّاجٌ، أيْ شَدِيدُ الِانْصِبابِ.
واعْلَمْ أنَّ الثَّجَّ قَدْ يَكُونُ لازِمًا، وهو بِمَعْنى الِانْصِبابِ كَما ذَكَرْنا، وقَدْ يَكُونُ مُتَعَدِّيًا بِمَعْنى الصَّبِّ. وفي الحَدِيثِ: ”«أفْضَلُ الحَجِّ العَجُّ والثَّجُّ» “ أيْ رَفْعُ الصَّوْتِ بِالتَّلْبِيَةِ وصَبُّ دِماءِ الهَدْيِ، وكانَ ابْنُ عَبّاسٍ مِثَجًّا أيْ يَثُجُّ الكَلامَ ثَجًّا في خُطْبَتِهِ. وقَدْ فَسَّرُوا الثَّجّاجَ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى الوَجْهَيْنِ، وقالَ الكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ وقَتادَةُ: الثَّجّاجُ هاهُنا المُتَدَفِّقُ المُنْصَبُّ، وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ الصَّبّابُ كَأنَّهُ يَثُجُّ نَفْسَهُ أيْ يَصُبُّ. وبِالجُمْلَةِ فالمُرادُ تَتابُعُ القَطْرِ حَتّى يَكْثُرَ الماءُ فَيَعْظُمُ النَّفْعُ بِهِ.
النبأ 78:14
وثامِنُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلْنا سِراجًا وهّاجًا﴾ كَلامُ أهْلِ اللُّغَةِ مُضْطَرِبٌ في تَفْسِيرِ الوَهّاجِ، فَمِنهم مَن قالَ: الوَهَجُ مَجْمَعُ النُّورِ والحَرارَةِ، فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّ الشَّمْسَ بالِغَةٌ إلى أقْصى الغاياتِ في هَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ، وهو المُرادُ بِكَوْنِها وهّاجًا، ورَوى الكَلْبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الوَهّاجَ مُبالَغَةٌ في النُّورِ فَقَطْ، يُقالُ لِلْجَوْهَرِ إذا تَلَأْلَأ: تَوَهَّجَ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الوَهّاجَ يُفِيدُ الكَمالَ في النُّورِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ يَصِفُ النُّورَ:
نُوّارُها مُتَباهِجٌ يَتَوَهَّجُ
وفِي كِتابِ الخَلِيلِ: الوَهَجُ حَرُّ النّارِ والشَّمْسِ، وهَذا يَقْتَضِي أنَّ الوَهّاجَ هو البالِغُ في الحَرِّ، واعْلَمْ أنَّ أيَّ هَذِهِ الوُجُوهِ إذا ثَبَتَ فالمَقْصُودُ حاصِلٌ.
وتاسِعُها: قَوْلُهُ: ﴿وأنْزَلْنا مِنَ المُعْصِراتِ ماءً ثَجّاجًا﴾ أمّا المُعْصِراتُ فَفِيها قَوْلانِ: الأوَّلُ: وهو إحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَوْلُ مُجاهِدٍ، ومُقاتِلٍ والكَلْبِيِّ وقَتادَةَ: إنَّها الرِّياحُ الَّتِي تُثِيرُ السَّحابَ، ودَلِيلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحابًا﴾ [الرُّومِ: ٤٨] فَإنْ قِيلَ: عَلى هَذا التَّأْوِيلِ كانَ يَنْبَغِي أنْ يُقالَ: وأنْزَلْنا بِالمُعْصِراتِ، قُلْنا: الجَوابُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ المَطَرَ إنَّما يَنْزِلُ مِنَ السَّحابِ، والسَّحابُ إنَّما
صفحة ٩
يُثِيرُهُ الرِّياحُ، فَصَحَّ أنْ يُقالَ: هَذا المَطَرُ إنَّما حَصَلَ مِن تِلْكَ الرِّياحِ، كَما يُقالُ: هَذا مِن فُلانٍ، أيْ مِن جِهَتِهِ وبِسَبَبِهِ. الثّانِي: أنَّ ”مِن“ هاهُنا بِمَعْنى الباءِ، والتَّقْدِيرُ: وأنْزَلْنا بِالمُعْصِراتِ أيْ بِالرِّياحِ المُثِيرَةِ لِلسَّحابِ. ويُرْوى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبّاسٍ وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ وعِكْرِمَةَ أنَّهم قَرَءُوا: ”وأنْزَلْنا بِالمُعْصِراتِ“ . وطَعَنَ الأزْهَرِيُّ في هَذا القَوْلِ، وقالَ: الأعاصِيرُ مِنَ الرِّياحِ لَيْسَتْ مِن رِياحِ المَطَرِ، وقَدْ وصَفَ اللَّهُ تَعالى المُعْصِراتِ بِالماءِ الثَّجّاجِ. وجَوابُهُ: أنَّ الإعْصارَ لَيْسَتْ مِن رِياحِ المَطَرِ، فَلِمَ لا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ المُعْصِراتُ مِن رِياحِ المَطَرِ؟ القَوْلُ الثّانِي: وهو الرِّوايَةُ الثّانِيَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ واخْتِيارُ أبِي العالِيَةِ والرَّبِيعِ والضَّحّاكِ أنَّها السَّحابُ، وذَكَرُوا في تَسْمِيَةِ السَّحابِ بِالمُعْصِراتِ وُجُوهًا:
أحَدُها: قالَ المُؤَرِّجُ: المُعْصِراتُ السَّحائِبُ بِلُغَةِ قُرَيْشٍ.
وثانِيها: قالَ المازِنِيُّ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ المُعْصِراتُ هي السَّحائِبَ ذَواتِ الأعاصِيرِ، فَإنَّ السَّحائِبَ إذا عَصَرَتْها الأعاصِيرُ لا بُدَّ وأنْ يَنْزِلَ المَطَرُ مِنها.
وثالِثُها: أنَّ المُعْصِراتِ هي السَّحائِبُ الَّتِي شارَفَتْ أنْ تَعْصِرَها الرِّياحُ، فَتُمْطِرُ كَقَوْلِكَ: أجُزُّ الزَّرْعَ إذا حانَ لَهُ أنْ يُجَزَّ، ومِنهُ أعْصَرَتِ الجارِيَةُ إذا دَنَتْ أنْ تَحِيضَ، وأمّا الثَّجّاجُ فاعْلَمْ أنَّ الثَّجَّ شِدَّةُ الِانْصِبابِ، يُقالُ: مَطَرٌ ثَجّاجٌ ودَمٌ ثَجّاجٌ، أيْ شَدِيدُ الِانْصِبابِ.
واعْلَمْ أنَّ الثَّجَّ قَدْ يَكُونُ لازِمًا، وهو بِمَعْنى الِانْصِبابِ كَما ذَكَرْنا، وقَدْ يَكُونُ مُتَعَدِّيًا بِمَعْنى الصَّبِّ. وفي الحَدِيثِ: ”«أفْضَلُ الحَجِّ العَجُّ والثَّجُّ» “ أيْ رَفْعُ الصَّوْتِ بِالتَّلْبِيَةِ وصَبُّ دِماءِ الهَدْيِ، وكانَ ابْنُ عَبّاسٍ مِثَجًّا أيْ يَثُجُّ الكَلامَ ثَجًّا في خُطْبَتِهِ. وقَدْ فَسَّرُوا الثَّجّاجَ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى الوَجْهَيْنِ، وقالَ الكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ وقَتادَةُ: الثَّجّاجُ هاهُنا المُتَدَفِّقُ المُنْصَبُّ، وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ الصَّبّابُ كَأنَّهُ يَثُجُّ نَفْسَهُ أيْ يَصُبُّ. وبِالجُمْلَةِ فالمُرادُ تَتابُعُ القَطْرِ حَتّى يَكْثُرَ الماءُ فَيَعْظُمُ النَّفْعُ بِهِ.
النبأ 78:15
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا ونَباتًا﴾ ﴿وجَنّاتٍ ألْفافًا﴾ في الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: كُلُّ شَيْءٍ نَبَتَ مِنَ الأرْضِ فَإمّا أنْ لا يَكُونَ لَهُ ساقٌ وإمّا أنْ يَكُونَ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ ساقٌ فَإمّا أنْ يَكُونَ لَهُ أكْمامٌ وهو الحَبُّ وإمّا أنْ لا يَكُونَ لَهُ أكْمامٌ وهو الحَشِيشُ، وهو المُرادُ هاهُنا بِقَوْلِهِ: (نَباتًا) وإلى هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُلُوا وارْعَوْا أنْعامَكُمْ﴾ [طه: ٥٤] وأمّا الَّذِي لَهُ ساقٌ فَهو الشَّجَرُ، فَإذا اجْتَمَعَ مِنها شَيْءٌ كَثِيرٌ سُمِّيَتْ جَنَّةً، فَثَبَتَ بِالدَّلِيلِ العَقْلِيِّ انْحِصارُ ما يَنْبُتُ في الأرْضِ في هَذِهِ الأقْسامِ الثَّلاثَةِ، وإنَّما قَدَّمَ اللَّهُ تَعالى الحَبَّ لِأنَّهُ هو الأصْلُ في الغِذاءِ، وإنَّما ثَنّى بِالنَّباتِ لِاحْتِياجِ سائِرِ الحَيَواناتِ إلَيْهِ، وإنَّما أخَّرَ الجَنّاتِ في الذِّكْرِ لِأنَّ الحاجَةَ إلى الفَواكِهِ لَيْسَتْ ضَرُورِيَّةً.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في ألْفافًا، فَذَكَرَ صاحِبُ الكَشّافِ أنَّهُ لا واحِدَ لَهُ كالأوْزاعِ والأخْيافِ، والأوْزاعُ الجَماعاتُ المُتَفَرِّقَةُ، والأخْيافُ الجَماعاتُ المُخْتَلَطَةُ، وكَثِيرٌ مِنَ اللُّغَوِيِّينَ أثْبَتُوا لَهُ واحِدًا، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَقالَ الأخْفَشُ والكِسائِيُّ: واحِدُها لِفٌّ بِالكَسْرِ، وزادَ الكِسائِيُّ لُفٌّ بِالضَّمِّ، وأنْكَرَ المُبَرِّدُ الضَّمَّ، وقالَ: بَلْ واحِدُها لَفّاءُ وجَمْعُها لُفٌّ، وجَمْعُ لِفٍّ ألْفافٌ، وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ لَفِيفٍ كَشَرِيفٍ وأشْرافٍ نَقَلَهُ القَفّالُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿وجَنّاتٍ ألْفافًا﴾ أيْ مُلْتَفَّةً، والمَعْنى أنَّ كُلَّ جَنَّةٍ فَإنَّ ما فِيها مِنَ الشَّجَرِ تَكُونُ مُجْتَمِعَةً مُتَقارِبَةً، ألا تَراهم يَقُولُونَ: امْرَأةٌ لَفّاءُ إذا كانَتْ غَلِيظَةَ السّاقِ مُجْتَمِعَةَ اللَّحْمِ يَبْلُغُ مِن
صفحة ١٠
تَقارُبِهِ أنْ يَتَلاصَقَ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: كانَ الكَعْبِيُّ مِنَ القائِلِينَ بِالطَّبائِعِ، فاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا ونَباتًا﴾ وقالَ: إنَّهُ يَدُلُّ عَلى بُطْلانِ قَوْلِ مَن قالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَفْعَلُ شَيْئًا بِواسِطَةِ شَيْءٍ آخَرَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ يَوْمَ الفَصْلِ كانَ مِيقاتًا﴾ .
اعْلَمْ أنَّ التِّسْعَةَ الَّتِي عَدَّدَها اللَّهُ تَعالى نَظَرًا إلى حُدُوثِها في ذَواتِها وصِفاتِها، ونَظَرًا إلى إمْكانِها في ذَواتِها وصِفاتِها تَدُلُّ عَلى القادِرِ المُخْتارِ، ونَظَرًا إلى ما فِيها مِنَ الإحْكامِ والإتْقانِ تَدُلُّ عَلى أنَّ فاعِلَها عالِمٌ، ثُمَّ إنَّ ذَلِكَ الفاعِلَ القَدِيمَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ عِلْمُهُ وقُدْرَتُهُ واجِبَيْنِ، إذْ لَوْ كانا جائِزَيْنِ لافْتَقَرَ إلى فاعِلٍ آخَرَ، ويَلْزَمُ التَّسَلْسُلُ وهو مُحالٌ، وإذا كانَ العِلْمُ والقُدْرَةُ واجِبَيْنِ وجَبَ تَعَلُّقُهُما بِكُلِّ ما صَحَّ أنْ يَكُونَ مَقْدُورًا ومَعْلُومًا وإلّا لافْتَقَرَ إلى المُخَصَّصِ وهو مُحالٌ، وإذا كانَ كَذَلِكَ وجَبَ أنْ يَكُونَ قادِرًا عَلى جَمِيعِ المُمْكِناتِ عالِمًا بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ، وقَدْ ثَبَتَ الإمْكانُ وثَبَتَ عُمُومُ القُدْرَةِ في الجِسْمِيَّةِ، فَكُلُّ ما صَحَّ عَلى واحِدٍ مِنها صَحَّ عَلى الآخَرِ، فَكَما يَصِحُّ عَلى الأجْسامِ السَّلَفِيَّةِ الِانْشِقاقُ والِانْفِطارُ والظُّلْمَةُ وجَبَ أنْ يَصِحَّ ذَلِكَ عَلى الأجْسامِ، وإذا ثَبَتَ الإمْكانُ وثَبَتَ عُمُومُ القُدْرَةِ والعِلْمِ، ثَبَتَ أنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى تَخْرِيبِ الدُّنْيا، وقادِرٌ عَلى إيجادِ عالَمٍ آخَرَ، وعِنْدَ ذَلِكَ ثَبَتَ أنَّ القَوْلَ بِقِيامِ القِيامَةِ مُمْكِنٌ عَقْلًا، وإلى هاهُنا يُمْكِنُ إثْباتُهُ بِالعَقْلِ، فَأمّا ما وراءَ ذَلِكَ مِن وقْتِ حُدُوثِها وكَيْفِيَّةِ حُدُوثِها فَلا سَبِيلَ إلَيْهِ إلّا بِالسَّمْعِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى تَكَلَّمَ في هَذِهِ الأشْياءِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ يَوْمَ الفَصْلِ كانَ مِيقاتًا﴾ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ بَعْضَ أحْوالِ القِيامَةِ. فَأوَّلُها: قَوْلُهُ: ﴿إنَّ يَوْمَ الفَصْلِ كانَ مِيقاتًا﴾ والمَعْنى أنَّ هَذا اليَوْمَ كانَ في تَقْدِيرِ اللَّهِ وحُكْمِهِ حَدًّا تُؤَقَّتُ بِهِ الدُّنْيا، أوْ حَدًّا لِلْخَلائِقِ يَنْتَهُونَ إلَيْهِ، أوْ كانَ مِيقاتًا لِما وعَدَ اللَّهُ مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ، أوْ كانَ مِيقاتًا لِاجْتِماعِ كُلِّ الخَلائِقِ في فَصْلِ الحُكُوماتِ وقَطْعِ الخُصُوماتِ.
النبأ 78:16
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا ونَباتًا﴾ ﴿وجَنّاتٍ ألْفافًا﴾ في الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: كُلُّ شَيْءٍ نَبَتَ مِنَ الأرْضِ فَإمّا أنْ لا يَكُونَ لَهُ ساقٌ وإمّا أنْ يَكُونَ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ ساقٌ فَإمّا أنْ يَكُونَ لَهُ أكْمامٌ وهو الحَبُّ وإمّا أنْ لا يَكُونَ لَهُ أكْمامٌ وهو الحَشِيشُ، وهو المُرادُ هاهُنا بِقَوْلِهِ: (نَباتًا) وإلى هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُلُوا وارْعَوْا أنْعامَكُمْ﴾ [طه: ٥٤] وأمّا الَّذِي لَهُ ساقٌ فَهو الشَّجَرُ، فَإذا اجْتَمَعَ مِنها شَيْءٌ كَثِيرٌ سُمِّيَتْ جَنَّةً، فَثَبَتَ بِالدَّلِيلِ العَقْلِيِّ انْحِصارُ ما يَنْبُتُ في الأرْضِ في هَذِهِ الأقْسامِ الثَّلاثَةِ، وإنَّما قَدَّمَ اللَّهُ تَعالى الحَبَّ لِأنَّهُ هو الأصْلُ في الغِذاءِ، وإنَّما ثَنّى بِالنَّباتِ لِاحْتِياجِ سائِرِ الحَيَواناتِ إلَيْهِ، وإنَّما أخَّرَ الجَنّاتِ في الذِّكْرِ لِأنَّ الحاجَةَ إلى الفَواكِهِ لَيْسَتْ ضَرُورِيَّةً.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في ألْفافًا، فَذَكَرَ صاحِبُ الكَشّافِ أنَّهُ لا واحِدَ لَهُ كالأوْزاعِ والأخْيافِ، والأوْزاعُ الجَماعاتُ المُتَفَرِّقَةُ، والأخْيافُ الجَماعاتُ المُخْتَلَطَةُ، وكَثِيرٌ مِنَ اللُّغَوِيِّينَ أثْبَتُوا لَهُ واحِدًا، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَقالَ الأخْفَشُ والكِسائِيُّ: واحِدُها لِفٌّ بِالكَسْرِ، وزادَ الكِسائِيُّ لُفٌّ بِالضَّمِّ، وأنْكَرَ المُبَرِّدُ الضَّمَّ، وقالَ: بَلْ واحِدُها لَفّاءُ وجَمْعُها لُفٌّ، وجَمْعُ لِفٍّ ألْفافٌ، وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ لَفِيفٍ كَشَرِيفٍ وأشْرافٍ نَقَلَهُ القَفّالُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿وجَنّاتٍ ألْفافًا﴾ أيْ مُلْتَفَّةً، والمَعْنى أنَّ كُلَّ جَنَّةٍ فَإنَّ ما فِيها مِنَ الشَّجَرِ تَكُونُ مُجْتَمِعَةً مُتَقارِبَةً، ألا تَراهم يَقُولُونَ: امْرَأةٌ لَفّاءُ إذا كانَتْ غَلِيظَةَ السّاقِ مُجْتَمِعَةَ اللَّحْمِ يَبْلُغُ مِن
صفحة ١٠
تَقارُبِهِ أنْ يَتَلاصَقَ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: كانَ الكَعْبِيُّ مِنَ القائِلِينَ بِالطَّبائِعِ، فاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا ونَباتًا﴾ وقالَ: إنَّهُ يَدُلُّ عَلى بُطْلانِ قَوْلِ مَن قالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَفْعَلُ شَيْئًا بِواسِطَةِ شَيْءٍ آخَرَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ يَوْمَ الفَصْلِ كانَ مِيقاتًا﴾ .
اعْلَمْ أنَّ التِّسْعَةَ الَّتِي عَدَّدَها اللَّهُ تَعالى نَظَرًا إلى حُدُوثِها في ذَواتِها وصِفاتِها، ونَظَرًا إلى إمْكانِها في ذَواتِها وصِفاتِها تَدُلُّ عَلى القادِرِ المُخْتارِ، ونَظَرًا إلى ما فِيها مِنَ الإحْكامِ والإتْقانِ تَدُلُّ عَلى أنَّ فاعِلَها عالِمٌ، ثُمَّ إنَّ ذَلِكَ الفاعِلَ القَدِيمَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ عِلْمُهُ وقُدْرَتُهُ واجِبَيْنِ، إذْ لَوْ كانا جائِزَيْنِ لافْتَقَرَ إلى فاعِلٍ آخَرَ، ويَلْزَمُ التَّسَلْسُلُ وهو مُحالٌ، وإذا كانَ العِلْمُ والقُدْرَةُ واجِبَيْنِ وجَبَ تَعَلُّقُهُما بِكُلِّ ما صَحَّ أنْ يَكُونَ مَقْدُورًا ومَعْلُومًا وإلّا لافْتَقَرَ إلى المُخَصَّصِ وهو مُحالٌ، وإذا كانَ كَذَلِكَ وجَبَ أنْ يَكُونَ قادِرًا عَلى جَمِيعِ المُمْكِناتِ عالِمًا بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ، وقَدْ ثَبَتَ الإمْكانُ وثَبَتَ عُمُومُ القُدْرَةِ في الجِسْمِيَّةِ، فَكُلُّ ما صَحَّ عَلى واحِدٍ مِنها صَحَّ عَلى الآخَرِ، فَكَما يَصِحُّ عَلى الأجْسامِ السَّلَفِيَّةِ الِانْشِقاقُ والِانْفِطارُ والظُّلْمَةُ وجَبَ أنْ يَصِحَّ ذَلِكَ عَلى الأجْسامِ، وإذا ثَبَتَ الإمْكانُ وثَبَتَ عُمُومُ القُدْرَةِ والعِلْمِ، ثَبَتَ أنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى تَخْرِيبِ الدُّنْيا، وقادِرٌ عَلى إيجادِ عالَمٍ آخَرَ، وعِنْدَ ذَلِكَ ثَبَتَ أنَّ القَوْلَ بِقِيامِ القِيامَةِ مُمْكِنٌ عَقْلًا، وإلى هاهُنا يُمْكِنُ إثْباتُهُ بِالعَقْلِ، فَأمّا ما وراءَ ذَلِكَ مِن وقْتِ حُدُوثِها وكَيْفِيَّةِ حُدُوثِها فَلا سَبِيلَ إلَيْهِ إلّا بِالسَّمْعِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى تَكَلَّمَ في هَذِهِ الأشْياءِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ يَوْمَ الفَصْلِ كانَ مِيقاتًا﴾ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ بَعْضَ أحْوالِ القِيامَةِ. فَأوَّلُها: قَوْلُهُ: ﴿إنَّ يَوْمَ الفَصْلِ كانَ مِيقاتًا﴾ والمَعْنى أنَّ هَذا اليَوْمَ كانَ في تَقْدِيرِ اللَّهِ وحُكْمِهِ حَدًّا تُؤَقَّتُ بِهِ الدُّنْيا، أوْ حَدًّا لِلْخَلائِقِ يَنْتَهُونَ إلَيْهِ، أوْ كانَ مِيقاتًا لِما وعَدَ اللَّهُ مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ، أوْ كانَ مِيقاتًا لِاجْتِماعِ كُلِّ الخَلائِقِ في فَصْلِ الحُكُوماتِ وقَطْعِ الخُصُوماتِ.
النبأ 78:17
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا ونَباتًا﴾ ﴿وجَنّاتٍ ألْفافًا﴾ في الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: كُلُّ شَيْءٍ نَبَتَ مِنَ الأرْضِ فَإمّا أنْ لا يَكُونَ لَهُ ساقٌ وإمّا أنْ يَكُونَ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ ساقٌ فَإمّا أنْ يَكُونَ لَهُ أكْمامٌ وهو الحَبُّ وإمّا أنْ لا يَكُونَ لَهُ أكْمامٌ وهو الحَشِيشُ، وهو المُرادُ هاهُنا بِقَوْلِهِ: (نَباتًا) وإلى هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُلُوا وارْعَوْا أنْعامَكُمْ﴾ [طه: ٥٤] وأمّا الَّذِي لَهُ ساقٌ فَهو الشَّجَرُ، فَإذا اجْتَمَعَ مِنها شَيْءٌ كَثِيرٌ سُمِّيَتْ جَنَّةً، فَثَبَتَ بِالدَّلِيلِ العَقْلِيِّ انْحِصارُ ما يَنْبُتُ في الأرْضِ في هَذِهِ الأقْسامِ الثَّلاثَةِ، وإنَّما قَدَّمَ اللَّهُ تَعالى الحَبَّ لِأنَّهُ هو الأصْلُ في الغِذاءِ، وإنَّما ثَنّى بِالنَّباتِ لِاحْتِياجِ سائِرِ الحَيَواناتِ إلَيْهِ، وإنَّما أخَّرَ الجَنّاتِ في الذِّكْرِ لِأنَّ الحاجَةَ إلى الفَواكِهِ لَيْسَتْ ضَرُورِيَّةً.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في ألْفافًا، فَذَكَرَ صاحِبُ الكَشّافِ أنَّهُ لا واحِدَ لَهُ كالأوْزاعِ والأخْيافِ، والأوْزاعُ الجَماعاتُ المُتَفَرِّقَةُ، والأخْيافُ الجَماعاتُ المُخْتَلَطَةُ، وكَثِيرٌ مِنَ اللُّغَوِيِّينَ أثْبَتُوا لَهُ واحِدًا، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَقالَ الأخْفَشُ والكِسائِيُّ: واحِدُها لِفٌّ بِالكَسْرِ، وزادَ الكِسائِيُّ لُفٌّ بِالضَّمِّ، وأنْكَرَ المُبَرِّدُ الضَّمَّ، وقالَ: بَلْ واحِدُها لَفّاءُ وجَمْعُها لُفٌّ، وجَمْعُ لِفٍّ ألْفافٌ، وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ لَفِيفٍ كَشَرِيفٍ وأشْرافٍ نَقَلَهُ القَفّالُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿وجَنّاتٍ ألْفافًا﴾ أيْ مُلْتَفَّةً، والمَعْنى أنَّ كُلَّ جَنَّةٍ فَإنَّ ما فِيها مِنَ الشَّجَرِ تَكُونُ مُجْتَمِعَةً مُتَقارِبَةً، ألا تَراهم يَقُولُونَ: امْرَأةٌ لَفّاءُ إذا كانَتْ غَلِيظَةَ السّاقِ مُجْتَمِعَةَ اللَّحْمِ يَبْلُغُ مِن
صفحة ١٠
تَقارُبِهِ أنْ يَتَلاصَقَ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: كانَ الكَعْبِيُّ مِنَ القائِلِينَ بِالطَّبائِعِ، فاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا ونَباتًا﴾ وقالَ: إنَّهُ يَدُلُّ عَلى بُطْلانِ قَوْلِ مَن قالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَفْعَلُ شَيْئًا بِواسِطَةِ شَيْءٍ آخَرَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ يَوْمَ الفَصْلِ كانَ مِيقاتًا﴾ .
اعْلَمْ أنَّ التِّسْعَةَ الَّتِي عَدَّدَها اللَّهُ تَعالى نَظَرًا إلى حُدُوثِها في ذَواتِها وصِفاتِها، ونَظَرًا إلى إمْكانِها في ذَواتِها وصِفاتِها تَدُلُّ عَلى القادِرِ المُخْتارِ، ونَظَرًا إلى ما فِيها مِنَ الإحْكامِ والإتْقانِ تَدُلُّ عَلى أنَّ فاعِلَها عالِمٌ، ثُمَّ إنَّ ذَلِكَ الفاعِلَ القَدِيمَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ عِلْمُهُ وقُدْرَتُهُ واجِبَيْنِ، إذْ لَوْ كانا جائِزَيْنِ لافْتَقَرَ إلى فاعِلٍ آخَرَ، ويَلْزَمُ التَّسَلْسُلُ وهو مُحالٌ، وإذا كانَ العِلْمُ والقُدْرَةُ واجِبَيْنِ وجَبَ تَعَلُّقُهُما بِكُلِّ ما صَحَّ أنْ يَكُونَ مَقْدُورًا ومَعْلُومًا وإلّا لافْتَقَرَ إلى المُخَصَّصِ وهو مُحالٌ، وإذا كانَ كَذَلِكَ وجَبَ أنْ يَكُونَ قادِرًا عَلى جَمِيعِ المُمْكِناتِ عالِمًا بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ، وقَدْ ثَبَتَ الإمْكانُ وثَبَتَ عُمُومُ القُدْرَةِ في الجِسْمِيَّةِ، فَكُلُّ ما صَحَّ عَلى واحِدٍ مِنها صَحَّ عَلى الآخَرِ، فَكَما يَصِحُّ عَلى الأجْسامِ السَّلَفِيَّةِ الِانْشِقاقُ والِانْفِطارُ والظُّلْمَةُ وجَبَ أنْ يَصِحَّ ذَلِكَ عَلى الأجْسامِ، وإذا ثَبَتَ الإمْكانُ وثَبَتَ عُمُومُ القُدْرَةِ والعِلْمِ، ثَبَتَ أنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى تَخْرِيبِ الدُّنْيا، وقادِرٌ عَلى إيجادِ عالَمٍ آخَرَ، وعِنْدَ ذَلِكَ ثَبَتَ أنَّ القَوْلَ بِقِيامِ القِيامَةِ مُمْكِنٌ عَقْلًا، وإلى هاهُنا يُمْكِنُ إثْباتُهُ بِالعَقْلِ، فَأمّا ما وراءَ ذَلِكَ مِن وقْتِ حُدُوثِها وكَيْفِيَّةِ حُدُوثِها فَلا سَبِيلَ إلَيْهِ إلّا بِالسَّمْعِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى تَكَلَّمَ في هَذِهِ الأشْياءِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ يَوْمَ الفَصْلِ كانَ مِيقاتًا﴾ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ بَعْضَ أحْوالِ القِيامَةِ. فَأوَّلُها: قَوْلُهُ: ﴿إنَّ يَوْمَ الفَصْلِ كانَ مِيقاتًا﴾ والمَعْنى أنَّ هَذا اليَوْمَ كانَ في تَقْدِيرِ اللَّهِ وحُكْمِهِ حَدًّا تُؤَقَّتُ بِهِ الدُّنْيا، أوْ حَدًّا لِلْخَلائِقِ يَنْتَهُونَ إلَيْهِ، أوْ كانَ مِيقاتًا لِما وعَدَ اللَّهُ مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ، أوْ كانَ مِيقاتًا لِاجْتِماعِ كُلِّ الخَلائِقِ في فَصْلِ الحُكُوماتِ وقَطْعِ الخُصُوماتِ.
النبأ 78:18
وثانِيها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ فَتَأْتُونَ أفْواجًا﴾ .
اعْلَمْ أنَّ ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ﴾ بَدَلٌ مِن يَوْمِ الفَصْلِ، أوْ عَطْفُ بَيانٍ، وهَذا النَّفْخُ هو النَّفْخَةُ الأخِيرَةُ الَّتِي عِنْدَها يَكُونُ الحَشْرُ، والنَّفْخُ في الصُّورِ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ الصُّورَ جَمْعُ الصُّورَةِ، فالنَّفْخُ في الصُّورَةِ عِبارَةٌ عَنْ نَفْخِ الأرْواحِ في الأجْسادِ. والثّانِي: أنَّ الصُّورَةَ عِبارَةٌ عَنْ قَرْنٍ يُنْفَخُ فِيهِ. وتَمامُ الكَلامِ في الصُّورِ وما قِيلَ فِيهِ قَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ الزُّمَرِ، وقَوْلُهُ: ﴿فَتَأْتُونَ أفْواجًا﴾ مَعْناهُ أنَّهم يَأْتُونَ ذَلِكَ المَقامَ فَوْجًا فَوْجًا حَتّى يَتَكامَلَ اجْتِماعُهم. قالَ عَطاءٌ: كُلُّ نَبِيٍّ يَأْتِي مَعَ أُمَّتِهِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإمامِهِمْ﴾ [الإسْراءِ: ٧١] وقِيلَ: جَماعاتٍ مُخْتَلِفَةٍ. ورَوى صاحِبُ الكَشّافِ «عَنْ مُعاذٍ أنَّهُ سَألَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- عَنْهُ، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”يا مُعاذُ سَألْتَ عَنْ أمْرٍ عَظِيمٍ مِنَ الأُمُورِ، ثُمَّ أرْسَلَ عَيْنَيْهِ وقالَ: يُحْشَرُ عَشَرَةُ أصْنافٍ مِن أُمَّتِي بَعْضُهم عَلى صُورَةِ القِرَدَةِ، وبَعْضُهم عَلى صُورَةِ الخَنازِيرِ، وبَعْضُهم مُنَكِّسُونَ، أرْجُلُهم فَوْقَ وُجُوهِهِمْ يُسْحَبُونَ عَلَيْها، وبَعْضُهم عُمْيٌ، وبَعْضُهم صُمٌّ بُكْمٌ، وبَعْضُهم يَمْضُغُونَ ألْسِنَتَهم وهي مُدَلّاةٌ عَلى صُدُورِهِمْ يَسِيلُ القِيحُ مِن أفْواهِهِمْ يَتَقَذَّرُهم أهْلُ الجَمْعِ، وبَعْضُهم مُقَطَّعَةٌ أيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم، وبَعْضُهم مُصَلَّبُونَ عَلى
صفحة ١١
جُذُوعٍ مِن نارٍ، وبَعْضُهم أشَدُّ نَتْنًا مِنَ الجِيَفِ، وبَعْضُهم مُلْبَسُونَ جِبابًا سابِغَةً مِن قَطْرانٍ لازِقَةٍ بِجُلُودِهِمْ. فَأمّا الَّذِينَ عَلى صُورَةِ القِرَدَةِ فالقَتّاتُ مِنَ النّاسِ، وأمّا الَّذِينَ عَلى صُورَةِ الخَنازِيرِ فَأهَّلُ السُّحْتِ، وأمّا المُنَكَّسُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ فَأكَلَةُ الرِّبا، وأمّا العُمْيُ فالَّذِينَ يَجُورُونَ في الحُكْمِ، وأمّا الصُّمُّ والبُكْمُ فالمُعْجَبُونَ بِأعْمالِهِمْ، وأمّا الَّذِينَ يَمْضُغُونَ ألْسِنَتَهم فالعُلَماءُ والقُصّاصُ الَّذِينَ يُخالِفُ قَوْلُهم أعْمالَهُمْ، وأمّا الَّذِينَ قُطِعَتْ أيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم فَهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ الجِيرانَ، وأمّا المُصَلَّبُونَ عَلى جُذُوعٍ مِنَ النّارِ فالسُّعاةُ بِالنّاسِ إلى السُّلْطانِ، وأمّا الَّذِينَ هم أشَدُّ نَتْنًا مِنَ الجِيَفِ فالَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ واللَّذّاتِ ومَنَعُوا حَقَّ اللَّهِ تَعالى مِن أمْوالِهِمْ، وأمّا الَّذِينَ يَلْبَسُونَ الجِبابَ فَأهْلُ الكِبْرِ والفَخْرِ والخُيَلاءِ“» .
النبأ 78:19
وثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وفُتِحَتِ السَّماءُ فَكانَتْ أبْوابًا﴾ .
قَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ: (فُتِحَتِ) خَفِيفَةً والباقُونَ بِالتَّثْقِيلِ والمَعْنى: كَثُرَتْ أبْوابُها المُفَتَّحَةُ لِنُزُولِ المَلائِكَةِ، قالَ القاضِي: وهَذا الفَتْحُ هو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ [الِانْشِقاقِ: ١]، ﴿إذا السَّماءُ انْفَطَرَتْ﴾ [الِانْفِطارِ: ١] إذِ الفَتْحُ والتَّشَقُّقُ والتَّفَطُّرُ تَتَقارَبُ، وأقُولُ: هَذا لَيْسَ بِقَوِيٍّ لِأنَّ المَفْهُومَ مِن فَتْحِ البابِ غَيْرُ المَفْهُومِ مِنَ التَّشَقُّقِ والتَّفَطُّرِ، فَرُبَّما كانَتِ السَّماءُ أبْوابًا، ثُمَّ تُفَتَّحُ تِلْكَ الأبْوابُ مَعَ أنَّهُ لا يَحْصُلُ في جِرْمِ السَّماءِ تَشَقُّقٌ ولا تَفَطُّرٌ، بَلِ الدَّلائِلُ السَّمْعِيَّةُ دَلَّتْ عَلى أنَّ عِنْدَ حُصُولِ فَتْحِ هَذِهِ الأبْوابِ يَحْصُلُ التَّشَقُّقُ والتَّفَطُّرُ والفَناءُ بِالكُلِّيَّةِ، فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ: ﴿وفُتِحَتِ السَّماءُ فَكانَتْ أبْوابًا﴾ يُفِيدُ أنَّ السَّماءَ بِكُلِّيَّتِها تَصِيرُ أبْوابًا، فَكَيْفَ يُعْقَلُ ذَلِكَ؟ قُلْنا: فِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّ تِلْكَ الأبْوابَ لَمّا كَثُرَتْ جِدًّا صارَتْ كَأنَّها لَيْسَتْ إلّا أبْوابًا مُفَتَّحَةً كَقَوْلِهِ: ﴿وفَجَّرْنا الأرْضَ عُيُونًا﴾ [القَمَرِ: ١٢] أيْ كَأنَّ كُلَّها صارَتْ عُيُونًا تَتَفَجَّرُ.
وثانِيها: قالَ الواحِدِيُّ: هَذا مِن بابِ تَقْدِيرِ حَذْفِ المُضافِ، والتَّقْدِيرُ: فَكانَتْ ذاتَ أبْوابٍ.
وثالِثُها: أنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: ﴿فَكانَتْ أبْوابًا﴾ عائِدٌ إلى مُضْمَرٍ، والتَّقْدِيرُ: فَكانَتْ تِلْكَ المَواضِعُ المَفْتُوحَةُ أبْوابًا لِنُزُولِ المَلائِكَةِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وجاءَ رَبُّكَ والمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفَجْرِ: ٢٢] .
ورابِعُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وسُيِّرَتِ الجِبالُ فَكانَتْ سَرابًا﴾ .
اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ في مَواضِعَ مِن كِتابِهِ أحْوالَ هَذِهِ الجِبالِ عَلى وُجُوهٍ مُخْتَلِفَةٍ، ويُمْكِنُ الجَمْعُ بَيْنَها عَلى الوَجْهِ الَّذِي نَقُولُهُ، وهو أنَّ أوَّلَ أحْوالِها الِانْدِكاكُ وهو قَوْلُهُ: ﴿وحُمِلَتِ الأرْضُ والجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً﴾ [الحاقَّةِ: ١٤] .
والحالَةُ الثّانِيَةُ لَها: أنْ تَصِيرَ ﴿كالعِهْنِ المَنفُوشِ﴾ [القارِعَةِ: ٥]، وذَكَرَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ كالفَراشِ المَبْثُوثِ﴾ ﴿وتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ المَنفُوشِ﴾ [القارِعَةِ: ٤، ٥] وقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كالمُهْلِ﴾ ﴿وتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ﴾ [المَعارِجِ: ٨، ٩] .
الحالَةُ الثّالِثَةُ: أنْ تَصِيرَ كالهَباءِ وذَلِكَ أنْ تَتَقَطَّعَ وتَتَبَدَّدَ بَعْدَ أنْ كانَتْ كالعِهْنِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿إذا رُجَّتِ الأرْضُ رَجًّا﴾ ﴿وبُسَّتِ الجِبالُ بَسًّا﴾ ﴿فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا﴾ [الواقِعَةِ: ٤-٦] .
صفحة ١٢
والحالَةُ الرّابِعَةُ: أنْ تُنْسَفَ لِأنَّها مَعَ الأحْوالِ المُتَقَدِّمَةِ قارَّةٌ في مَواضِعِها، والأرْضُ تَحْتَها غَيْرُ بارِزَةٍ، فَتُنْسَفُ عَنْها بِإرْسالِ الرِّياحِ عَلَيْها، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفًا﴾ [طه: ١٥] .
والحالَةُ الخامِسَةُ: أنَّ الرِّياحَ تَرْفَعُها عَنْ وجْهِ الأرْضِ فَتُطَيِّرُها شُعاعًا في الهَواءِ كَأنَّها غُبارٌ، فَمَن نَظَرَ إلَيْها مِن بُعْدٍ حَسِبَها لِتَكاثُفِها أجْسامًا جامِدَةً، وهي في الحَقِيقَةِ مارَّةٌ إلّا أنَّ مُرُورَها بِسَبَبِ مُرُورِ الرِّياحِ بِها [ صَيَّرَها ] مُنْكَدَّةً مُتَفَتِّتَةً، وهي قَوْلُهُ: ﴿تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ﴾ [النَّمْلِ: ٨٨] ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ تِلْكَ الحَرَكَةَ حَصَلَتْ بِقَهْرِهِ وتَسْخِيرِهِ، فَقالَ: ﴿ويَوْمَ نُسَيِّرُ الجِبالَ وتَرى الأرْضَ بارِزَةً﴾ [الكَهْفِ: ٤٧] .
الحالَةُ السّادِسَةُ: أنْ تَصِيرَ سَرابًا، بِمَعْنى لا شَيْءَ، فَمَن نَظَرَ إلى مَواضِعِها لَمْ يَجِدْ فِيها شَيْئًا، كَما أنَّ مَن يَرى السَّرابَ مِن بُعْدٍ إذا جاءَ المَوْضِعَ الَّذِي كانَ يَراهُ فِيهِ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا، واللَّهُ أعْلَمُ.
واعْلَمْ أنَّ الأحْوالَ المَذْكُورَةَ إلى هاهُنا هي أحْوالٌ عامَّةٌ، ومِن هاهُنا يَصِفُ أهْوالَ جَهَنَّمَ وأحْوالَها.
النبأ 78:20
وثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وفُتِحَتِ السَّماءُ فَكانَتْ أبْوابًا﴾ .
قَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ: (فُتِحَتِ) خَفِيفَةً والباقُونَ بِالتَّثْقِيلِ والمَعْنى: كَثُرَتْ أبْوابُها المُفَتَّحَةُ لِنُزُولِ المَلائِكَةِ، قالَ القاضِي: وهَذا الفَتْحُ هو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ [الِانْشِقاقِ: ١]، ﴿إذا السَّماءُ انْفَطَرَتْ﴾ [الِانْفِطارِ: ١] إذِ الفَتْحُ والتَّشَقُّقُ والتَّفَطُّرُ تَتَقارَبُ، وأقُولُ: هَذا لَيْسَ بِقَوِيٍّ لِأنَّ المَفْهُومَ مِن فَتْحِ البابِ غَيْرُ المَفْهُومِ مِنَ التَّشَقُّقِ والتَّفَطُّرِ، فَرُبَّما كانَتِ السَّماءُ أبْوابًا، ثُمَّ تُفَتَّحُ تِلْكَ الأبْوابُ مَعَ أنَّهُ لا يَحْصُلُ في جِرْمِ السَّماءِ تَشَقُّقٌ ولا تَفَطُّرٌ، بَلِ الدَّلائِلُ السَّمْعِيَّةُ دَلَّتْ عَلى أنَّ عِنْدَ حُصُولِ فَتْحِ هَذِهِ الأبْوابِ يَحْصُلُ التَّشَقُّقُ والتَّفَطُّرُ والفَناءُ بِالكُلِّيَّةِ، فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ: ﴿وفُتِحَتِ السَّماءُ فَكانَتْ أبْوابًا﴾ يُفِيدُ أنَّ السَّماءَ بِكُلِّيَّتِها تَصِيرُ أبْوابًا، فَكَيْفَ يُعْقَلُ ذَلِكَ؟ قُلْنا: فِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّ تِلْكَ الأبْوابَ لَمّا كَثُرَتْ جِدًّا صارَتْ كَأنَّها لَيْسَتْ إلّا أبْوابًا مُفَتَّحَةً كَقَوْلِهِ: ﴿وفَجَّرْنا الأرْضَ عُيُونًا﴾ [القَمَرِ: ١٢] أيْ كَأنَّ كُلَّها صارَتْ عُيُونًا تَتَفَجَّرُ.
وثانِيها: قالَ الواحِدِيُّ: هَذا مِن بابِ تَقْدِيرِ حَذْفِ المُضافِ، والتَّقْدِيرُ: فَكانَتْ ذاتَ أبْوابٍ.
وثالِثُها: أنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: ﴿فَكانَتْ أبْوابًا﴾ عائِدٌ إلى مُضْمَرٍ، والتَّقْدِيرُ: فَكانَتْ تِلْكَ المَواضِعُ المَفْتُوحَةُ أبْوابًا لِنُزُولِ المَلائِكَةِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وجاءَ رَبُّكَ والمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفَجْرِ: ٢٢] .
ورابِعُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وسُيِّرَتِ الجِبالُ فَكانَتْ سَرابًا﴾ .
اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ في مَواضِعَ مِن كِتابِهِ أحْوالَ هَذِهِ الجِبالِ عَلى وُجُوهٍ مُخْتَلِفَةٍ، ويُمْكِنُ الجَمْعُ بَيْنَها عَلى الوَجْهِ الَّذِي نَقُولُهُ، وهو أنَّ أوَّلَ أحْوالِها الِانْدِكاكُ وهو قَوْلُهُ: ﴿وحُمِلَتِ الأرْضُ والجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً﴾ [الحاقَّةِ: ١٤] .
والحالَةُ الثّانِيَةُ لَها: أنْ تَصِيرَ ﴿كالعِهْنِ المَنفُوشِ﴾ [القارِعَةِ: ٥]، وذَكَرَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ كالفَراشِ المَبْثُوثِ﴾ ﴿وتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ المَنفُوشِ﴾ [القارِعَةِ: ٤، ٥] وقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كالمُهْلِ﴾ ﴿وتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ﴾ [المَعارِجِ: ٨، ٩] .
الحالَةُ الثّالِثَةُ: أنْ تَصِيرَ كالهَباءِ وذَلِكَ أنْ تَتَقَطَّعَ وتَتَبَدَّدَ بَعْدَ أنْ كانَتْ كالعِهْنِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿إذا رُجَّتِ الأرْضُ رَجًّا﴾ ﴿وبُسَّتِ الجِبالُ بَسًّا﴾ ﴿فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا﴾ [الواقِعَةِ: ٤-٦] .
صفحة ١٢
والحالَةُ الرّابِعَةُ: أنْ تُنْسَفَ لِأنَّها مَعَ الأحْوالِ المُتَقَدِّمَةِ قارَّةٌ في مَواضِعِها، والأرْضُ تَحْتَها غَيْرُ بارِزَةٍ، فَتُنْسَفُ عَنْها بِإرْسالِ الرِّياحِ عَلَيْها، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفًا﴾ [طه: ١٥] .
والحالَةُ الخامِسَةُ: أنَّ الرِّياحَ تَرْفَعُها عَنْ وجْهِ الأرْضِ فَتُطَيِّرُها شُعاعًا في الهَواءِ كَأنَّها غُبارٌ، فَمَن نَظَرَ إلَيْها مِن بُعْدٍ حَسِبَها لِتَكاثُفِها أجْسامًا جامِدَةً، وهي في الحَقِيقَةِ مارَّةٌ إلّا أنَّ مُرُورَها بِسَبَبِ مُرُورِ الرِّياحِ بِها [ صَيَّرَها ] مُنْكَدَّةً مُتَفَتِّتَةً، وهي قَوْلُهُ: ﴿تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ﴾ [النَّمْلِ: ٨٨] ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ تِلْكَ الحَرَكَةَ حَصَلَتْ بِقَهْرِهِ وتَسْخِيرِهِ، فَقالَ: ﴿ويَوْمَ نُسَيِّرُ الجِبالَ وتَرى الأرْضَ بارِزَةً﴾ [الكَهْفِ: ٤٧] .
الحالَةُ السّادِسَةُ: أنْ تَصِيرَ سَرابًا، بِمَعْنى لا شَيْءَ، فَمَن نَظَرَ إلى مَواضِعِها لَمْ يَجِدْ فِيها شَيْئًا، كَما أنَّ مَن يَرى السَّرابَ مِن بُعْدٍ إذا جاءَ المَوْضِعَ الَّذِي كانَ يَراهُ فِيهِ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا، واللَّهُ أعْلَمُ.
واعْلَمْ أنَّ الأحْوالَ المَذْكُورَةَ إلى هاهُنا هي أحْوالٌ عامَّةٌ، ومِن هاهُنا يَصِفُ أهْوالَ جَهَنَّمَ وأحْوالَها.
النبأ 78:21
فَأوَّلُها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصادًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ ابْنُ يَعْمُرَ: (أنَّ جَهَنَّمَ) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ عَلى تَعْلِيلِ قِيامِ السّاعَةِ بِأنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصادًا لِلطّاغِينَ، كَأنَّهُ قِيلَ: كانَ كَذَلِكَ لِإقامَةِ الجَزاءِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: كانَتْ مِرْصادًا، أيْ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى، وقِيلَ: صارَتْ، وهَذانَ القَوْلانِ نَقَلَهُما القَفّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى، وفِيهِ وجْهٌ ثالِثٌ ذَكَرَهُ القاضِي، فَإنّا إذا فَسَّرْنا المِرْصادَ بِالمُرْتَقِبِ، أفادَ ذَلِكَ أنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ كالمُنْتَظِرَةِ لِقُدُومِهِمْ مِن قَدِيمِ الزَّمانِ، وكالمُسْتَدْعِيَةِ والطّالِبَةِ لَهم.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في المِرْصادِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ المِرْصادَ اسْمٌ لِلْمَكانِ الَّذِي يُرْصَدُ فِيهِ، كالمِضْمارِ اسْمٌ لِلْمَكانِ الَّذِي يُضْمَرُ فِيهِ الخَيْلُ، والمِنهاجُ اسْمٌ لِلْمَكانِ الَّذِي يُنْهَجُ فِيهِ، وعَلى هَذا الوَجْهِ فِيهِ احْتِمالانِ، أحَدُهُما: أنَّ خَزَنَةَ جَهَنَّمَ يَرْصُدُونَ الكُفّارَ. والثّانِي: أنَّ مَجازَ المُؤْمِنِينَ ومَمَرَّهم كانَ عَلى جَهَنَّمَ، لِقَوْلِهِ: ﴿وإنْ مِنكم إلّا وارِدُها﴾ [مَرْيَمَ: ٧١]، فَخَزَنَةُ الجَنَّةِ يَسْتَقْبِلُونَ المُؤْمِنِينَ عِنْدَ جَهَنَّمَ، ويَرْصُدُونَهم عِنْدَها.
القَوْلُ الثّانِي: أنَّ المِرْصادَ مِفْعالٌ مِنَ الرَّصْدِ، وهو التَّرَقُّبُ، بِمَعْنى أنَّ ذَلِكَ يَكْثُرُ مِنهُ، والمِفْعالُ مِن أبْنِيَةِ المُبالَغَةِ كالمِنظارِ والمِعْمارِ والمِطْعانِ، قِيلَ: إنَّها تَرْصُدُ أعْداءَ اللَّهِ وتَشُقُّ عَلَيْهِمْ، كَما قالَ تَعالى: ﴿تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ﴾ [المُلْكِ: ٨] قِيلَ: تَرْصُدُ كُلَّ كافِرٍ ومُنافِقٍ، والقائِلُونَ بِالقَوْلِ الأوَّلِ اسْتَدَلُّوا عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ رَبَّكَ لَبِالمِرْصادِ﴾ [الفَجْرِ: ١٤] ولَوْ كانَ المِرْصادُ نَعْتًا لَوَجَبَ أنْ يُقالَ: إنَّ رَبَّكَ لَمِرْصادٌ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مَخْلُوقَةً لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصادًا﴾ أيْ مُعَدَّةً، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَتِ الجَنَّةُ أيْضًا كَذَلِكَ، لِأنَّهُ لا قائِلَ بِالفَرْقِ.
النبأ 78:22
وثانِيها: قَوْلُهُ ﴿لِلطّاغِينَ مَآبًا﴾ وفِيهِ وجْهانِ: إنْ قُلْنا إنَّهُ مِرْصادٌ لِلْكُفّارِ فَقَطْ كانَ قَوْلُهُ: (لِلطّاغِينَ) مِن تَمامِ ما قَبْلَهُ، والتَّقْدِيرُ إنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصادًا لِلطّاغِينَ، ثُمَّ قَوْلُهُ: (مَآبًا) بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: (مِرْصادًا) وإنْ قُلْنا: بِأنَّها كانَتْ مِرْصادًا مُطْلَقًا لِلْكُفّارِ ولِلْمُؤْمِنِينَ، كانَ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصادًا﴾ كَلامًا تامًّا، وقَوْلُهُ: ﴿لِلطّاغِينَ مَآبًا﴾ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ جَهَنَّمَ مِرْصادٌ لِلْكُلِّ، ومَآبٌ لِلطّاغِينَ خاصَّةً، ومَن ذَهَبَ إلى القَوْلِ الأوَّلِ لَمْ يَقِفْ عَلى قَوْلِهِ: (مِرْصادًا) أمّا مَن ذَهَبَ إلى القَوْلِ الثّانِي وقَفَ عَلَيْهِ، ثُمَّ يَقُولُ: المُرادُ بِالطّاغِينَ مَن تَكَبَّرَ عَلى رَبِّهِ وطَغى في مُخالَفَتِهِ ومُعارَضَتِهِ، وقَوْلُهُ: (مَآبًا) أيْ مَصِيرًا ومَقَرًّا.
وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿لابِثِينَ فِيها أحْقابًا﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنْ جَهَنَّمَ مَآبٌ لِلطّاغِينَ، وبَيَّنَ كَمِّيَّةَ اسْتِقْرارِهِمْ هُناكَ، فَقالَ: ﴿لابِثِينَ فِيها أحْقابًا﴾ وهاهُنا مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ الجُمْهُورُ (لابِثِينَ) وقَرَأ حَمْزَةُ (لَبِثِينَ) وفِيهِ وجْهانِ. قالَ الفَرّاءُ: هُما بِمَعْنًى واحِدٍ يُقالُ: لابِثٌ ولَبِثٌ، مِثْلُ: طامِعٌ وطَمِعٌ، وفارِهٌ وفَرِهٌ، وهو كَثِيرٌ، وقالَ صاحِبُ الكَشّافِ: واللَّبِثُ أقْوى لِأنَّ اللّابِثَ مَن وُجِدَ مِنهُ اللَّبْثُ، ولا يُقالُ: لَبِثٌ إلّا لِمَن شَأْنُهُ اللَّبْثُ، وهو أنْ يَسْتَقِرَّ في المَكانِ، ولا يَكادُ يَنْفَكُّ عَنْهُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الفَرّاءُ: أصْلُ الحِقَبِ مِنَ التَّرادُفِ والتَّتابُعِ، يُقالُ: أحْقَبَ إذا أرْدَفَ ومِنهُ الحَقِيبَةُ ومِنهُ كُلُّ مَن حَمَلَ وِزْرًا فَقَدِ احْتَقَبَ، فَيَجُوزُ عَلى هَذا المَعْنى ﴿لابِثِينَ فِيها أحْقابًا﴾ أيْ دُهُورًا مُتَتابِعَةً يَتْبَعُ بَعْضُها بَعْضًا، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا أبْرَحُ حَتّى أبْلُغَ مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ أوْ أمْضِيَ حُقُبًا﴾ [الكَهْفِ: ٦٠] يَحْتَمِلُ سِنِينَ مُتَتابِعَةً إلى أنْ أبْلُغَ أوْ آنَسَ، واعْلَمْ أنَّ الأحْقابَ واحِدُها حُقْبٌ وهو ثَمانُونَ سَنَةً عِنْدَ أهْلِ اللُّغَةِ، والحِقَبُ السُّنُونَ واحِدَتُها حِقْبَةٌ، وهي زَمانٌ مِنَ الدَّهْرِ لا وقْتَ لَهُ، ثُمَّ نُقِلَ عَنِ المُفَسِّرِينَ فِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: قالَ عَطاءٌ والكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: (أحْقابًا) الحُقْبُ الواحِدُ بِضْعٌ وثَمانُونَ سَنَةً، والسَّنَةُ ثَلاثُمِائَةٍ وسِتُّونَ يَوْمًا، واليَوْمُ ألْفُ سَنَةٍ مِن أيّامِ الدُّنْيا، ونَحْوَ هَذا رَوى ابْنُ عُمَرَ مَرْفُوعًا.
وثانِيها: سَألَ هِلالٌ الهَجَرِيُّ عَلِيًّا عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ: الحُقْبُ مِائَةُ سَنَةٍ، والسَّنَةُ اثْنا عَشَرَ شَهْرًا، والشَّهْرُ ثَلاثُونَ يَوْمًا، واليَوْمُ ألْفُ سَنَةٍ.
وثالِثُها: قالَ الحَسَنُ: الأحْقابُ لا يَدْرِي أحَدٌ ما هِيَ، ولَكِنَّ الحُقْبَ الواحِدَ سَبْعُونَ ألْفَ سَنَةٍ، اليَوْمُ مِنها كَألْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ.
(فَإنْ قِيلَ) قَوْلُهُ: أحْقابًا وإنْ طالَتْ إلّا أنَّها مُتَناهِيَةٌ، وعَذابُ أهْلِ النّارِ غَيْرُ مُتَناهٍ، بَلْ لَوْ قالَ: لابِثِينَ فِيها الأحْقابَ لَمْ يَكُنْ هَذا السُّؤالُ وارِدًا، ونَظِيرُ هَذا السُّؤالِ قَوْلُهُ في أهْلِ القِبْلَةِ: ﴿إلّا ما شاءَ رَبُّكَ﴾ [ هُودٍ: ١٠٧] قُلْنا: الجَوابُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ لَفْظَ الأحْقابِ لا يَدُلُّ عَلى مُضِيِّ حُقْبٍ لَهُ نِهايَةٌ، وإنَّما الحُقْبُ الواحِدُ مُتَناهٍ، والمَعْنى أنَّهم يَلْبَثُونَ فِيها أحْقابًا كُلَّما مَضى حُقْبٌ تَبِعَهُ حُقْبٌ آخَرُ، وهَكَذا إلى الأبَدِ.
والثّانِي: قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى أنَّهم يَلْبَثُونَ فِيها أحْقابًا لا يَذُوقُونَ في الأحْقابِ بَرْدًا ولا شَرابًا، فَهَذِهِ الأحْقابُ تَوْقِيتٌ لِنَوْعٍ مِنَ العَذابِ، وهو أنْ لا يَذُوقُوا بَرْدًا ولا شَرابًا إلّا حَمِيمًا وغَسّاقًا، ثُمَّ يُبَدَّلُونَ بَعْدَ الأحْقابِ عَنِ الحَمِيمِ والغَسّاقِ مِن جِنْسٍ آخَرَ مِنَ العَذابِ.
وثالِثُها: هَبْ أنَّ قَوْلَهُ: (أحْقابًا) يُفِيدُ التَّناهِيَ، لَكِنَّ دَلالَةَ هَذا عَلى الخُرُوجِ دَلالَةُ المَفْهُومِ، والمَنطُوقُ دَلَّ عَلى أنَّهم لا يَخْرُجُونَ، قالَ تَعالى: ﴿يُرِيدُونَ أنْ يَخْرُجُوا مِنَ النّارِ وما هم بِخارِجِينَ مِنها ولَهم عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ [المائِدَةِ: ٣٧]
صفحة ١٤
ولا شَكَّ أنَّ المَنطُوقَ راجِحٌ، وذَكَرَ صاحِبُ الكَشّافِ في الآيَةِ وجْهًا آخَرَ، وهو أنْ يَكُونَ أحْقابًا مِن حَقِبَ عامُنا إذا قَلَّ مَطَرُهُ وخَيْرُهُ، وحَقِبَ فُلانٌ إذا أخْطَأهُ الرِّزْقُ فَهو حَقِبٌ وجَمْعُهُ أحْقابٌ. فَيَنْتَصِبُ حالًا عَنْهم بِمَعْنى لابِثِينَ فِيها حَقِبِينَ مُجْدِبِينَ، وقَوْلُهُ: ﴿لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْدًا ولا شَرابًا﴾ تَفْسِيرٌ لَهُ.
النبأ 78:23
وثانِيها: قَوْلُهُ ﴿لِلطّاغِينَ مَآبًا﴾ وفِيهِ وجْهانِ: إنْ قُلْنا إنَّهُ مِرْصادٌ لِلْكُفّارِ فَقَطْ كانَ قَوْلُهُ: (لِلطّاغِينَ) مِن تَمامِ ما قَبْلَهُ، والتَّقْدِيرُ إنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصادًا لِلطّاغِينَ، ثُمَّ قَوْلُهُ: (مَآبًا) بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: (مِرْصادًا) وإنْ قُلْنا: بِأنَّها كانَتْ مِرْصادًا مُطْلَقًا لِلْكُفّارِ ولِلْمُؤْمِنِينَ، كانَ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصادًا﴾ كَلامًا تامًّا، وقَوْلُهُ: ﴿لِلطّاغِينَ مَآبًا﴾ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ جَهَنَّمَ مِرْصادٌ لِلْكُلِّ، ومَآبٌ لِلطّاغِينَ خاصَّةً، ومَن ذَهَبَ إلى القَوْلِ الأوَّلِ لَمْ يَقِفْ عَلى قَوْلِهِ: (مِرْصادًا) أمّا مَن ذَهَبَ إلى القَوْلِ الثّانِي وقَفَ عَلَيْهِ، ثُمَّ يَقُولُ: المُرادُ بِالطّاغِينَ مَن تَكَبَّرَ عَلى رَبِّهِ وطَغى في مُخالَفَتِهِ ومُعارَضَتِهِ، وقَوْلُهُ: (مَآبًا) أيْ مَصِيرًا ومَقَرًّا.
وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿لابِثِينَ فِيها أحْقابًا﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنْ جَهَنَّمَ مَآبٌ لِلطّاغِينَ، وبَيَّنَ كَمِّيَّةَ اسْتِقْرارِهِمْ هُناكَ، فَقالَ: ﴿لابِثِينَ فِيها أحْقابًا﴾ وهاهُنا مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ الجُمْهُورُ (لابِثِينَ) وقَرَأ حَمْزَةُ (لَبِثِينَ) وفِيهِ وجْهانِ. قالَ الفَرّاءُ: هُما بِمَعْنًى واحِدٍ يُقالُ: لابِثٌ ولَبِثٌ، مِثْلُ: طامِعٌ وطَمِعٌ، وفارِهٌ وفَرِهٌ، وهو كَثِيرٌ، وقالَ صاحِبُ الكَشّافِ: واللَّبِثُ أقْوى لِأنَّ اللّابِثَ مَن وُجِدَ مِنهُ اللَّبْثُ، ولا يُقالُ: لَبِثٌ إلّا لِمَن شَأْنُهُ اللَّبْثُ، وهو أنْ يَسْتَقِرَّ في المَكانِ، ولا يَكادُ يَنْفَكُّ عَنْهُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الفَرّاءُ: أصْلُ الحِقَبِ مِنَ التَّرادُفِ والتَّتابُعِ، يُقالُ: أحْقَبَ إذا أرْدَفَ ومِنهُ الحَقِيبَةُ ومِنهُ كُلُّ مَن حَمَلَ وِزْرًا فَقَدِ احْتَقَبَ، فَيَجُوزُ عَلى هَذا المَعْنى ﴿لابِثِينَ فِيها أحْقابًا﴾ أيْ دُهُورًا مُتَتابِعَةً يَتْبَعُ بَعْضُها بَعْضًا، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا أبْرَحُ حَتّى أبْلُغَ مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ أوْ أمْضِيَ حُقُبًا﴾ [الكَهْفِ: ٦٠] يَحْتَمِلُ سِنِينَ مُتَتابِعَةً إلى أنْ أبْلُغَ أوْ آنَسَ، واعْلَمْ أنَّ الأحْقابَ واحِدُها حُقْبٌ وهو ثَمانُونَ سَنَةً عِنْدَ أهْلِ اللُّغَةِ، والحِقَبُ السُّنُونَ واحِدَتُها حِقْبَةٌ، وهي زَمانٌ مِنَ الدَّهْرِ لا وقْتَ لَهُ، ثُمَّ نُقِلَ عَنِ المُفَسِّرِينَ فِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: قالَ عَطاءٌ والكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: (أحْقابًا) الحُقْبُ الواحِدُ بِضْعٌ وثَمانُونَ سَنَةً، والسَّنَةُ ثَلاثُمِائَةٍ وسِتُّونَ يَوْمًا، واليَوْمُ ألْفُ سَنَةٍ مِن أيّامِ الدُّنْيا، ونَحْوَ هَذا رَوى ابْنُ عُمَرَ مَرْفُوعًا.
وثانِيها: سَألَ هِلالٌ الهَجَرِيُّ عَلِيًّا عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ: الحُقْبُ مِائَةُ سَنَةٍ، والسَّنَةُ اثْنا عَشَرَ شَهْرًا، والشَّهْرُ ثَلاثُونَ يَوْمًا، واليَوْمُ ألْفُ سَنَةٍ.
وثالِثُها: قالَ الحَسَنُ: الأحْقابُ لا يَدْرِي أحَدٌ ما هِيَ، ولَكِنَّ الحُقْبَ الواحِدَ سَبْعُونَ ألْفَ سَنَةٍ، اليَوْمُ مِنها كَألْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ.
(فَإنْ قِيلَ) قَوْلُهُ: أحْقابًا وإنْ طالَتْ إلّا أنَّها مُتَناهِيَةٌ، وعَذابُ أهْلِ النّارِ غَيْرُ مُتَناهٍ، بَلْ لَوْ قالَ: لابِثِينَ فِيها الأحْقابَ لَمْ يَكُنْ هَذا السُّؤالُ وارِدًا، ونَظِيرُ هَذا السُّؤالِ قَوْلُهُ في أهْلِ القِبْلَةِ: ﴿إلّا ما شاءَ رَبُّكَ﴾ [ هُودٍ: ١٠٧] قُلْنا: الجَوابُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ لَفْظَ الأحْقابِ لا يَدُلُّ عَلى مُضِيِّ حُقْبٍ لَهُ نِهايَةٌ، وإنَّما الحُقْبُ الواحِدُ مُتَناهٍ، والمَعْنى أنَّهم يَلْبَثُونَ فِيها أحْقابًا كُلَّما مَضى حُقْبٌ تَبِعَهُ حُقْبٌ آخَرُ، وهَكَذا إلى الأبَدِ.
والثّانِي: قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى أنَّهم يَلْبَثُونَ فِيها أحْقابًا لا يَذُوقُونَ في الأحْقابِ بَرْدًا ولا شَرابًا، فَهَذِهِ الأحْقابُ تَوْقِيتٌ لِنَوْعٍ مِنَ العَذابِ، وهو أنْ لا يَذُوقُوا بَرْدًا ولا شَرابًا إلّا حَمِيمًا وغَسّاقًا، ثُمَّ يُبَدَّلُونَ بَعْدَ الأحْقابِ عَنِ الحَمِيمِ والغَسّاقِ مِن جِنْسٍ آخَرَ مِنَ العَذابِ.
وثالِثُها: هَبْ أنَّ قَوْلَهُ: (أحْقابًا) يُفِيدُ التَّناهِيَ، لَكِنَّ دَلالَةَ هَذا عَلى الخُرُوجِ دَلالَةُ المَفْهُومِ، والمَنطُوقُ دَلَّ عَلى أنَّهم لا يَخْرُجُونَ، قالَ تَعالى: ﴿يُرِيدُونَ أنْ يَخْرُجُوا مِنَ النّارِ وما هم بِخارِجِينَ مِنها ولَهم عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ [المائِدَةِ: ٣٧]
صفحة ١٤
ولا شَكَّ أنَّ المَنطُوقَ راجِحٌ، وذَكَرَ صاحِبُ الكَشّافِ في الآيَةِ وجْهًا آخَرَ، وهو أنْ يَكُونَ أحْقابًا مِن حَقِبَ عامُنا إذا قَلَّ مَطَرُهُ وخَيْرُهُ، وحَقِبَ فُلانٌ إذا أخْطَأهُ الرِّزْقُ فَهو حَقِبٌ وجَمْعُهُ أحْقابٌ. فَيَنْتَصِبُ حالًا عَنْهم بِمَعْنى لابِثِينَ فِيها حَقِبِينَ مُجْدِبِينَ، وقَوْلُهُ: ﴿لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْدًا ولا شَرابًا﴾ تَفْسِيرٌ لَهُ.
النبأ 78:24
ورابِعُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْدًا ولا شَرابًا﴾ ﴿إلّا حَمِيمًا وغَسّاقًا﴾ ﴿جَزاءً وِفاقًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: إنِ اخْتَرْنا قَوْلَ الزَّجّاجِ كانَ قَوْلُهُ: ﴿لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْدًا ولا شَرابًا﴾ مُتَّصِلًا بِما قَبْلَهُ، والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: (فِيها) عائِدًا إلى الأحْقابِ، وإنْ لَمْ نَقُلْ بِهِ كانَ هَذا كَلامًا مُسْتَأْنَفًا مُبْتَدَأً، والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ عائِدًا إلى جَهَنَّمَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في قَوْلِهِ: (بَرْدًا) وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ البَرْدُ المَعْرُوفُ، والمُرادُ أنَّهم لا يَذُوقُونَ مَعَ شِدَّةِ الحَرِّ ما يَكُونُ فِيهِ راحَةٌ مِن رِيحٍ بارِدَةٍ، أوْ ظِلٌّ يَمْنَعُ مِن نارٍ، ولا يَجِدُونَ شَرابًا يُسْكِنُ عَطَشَهُمْ، ويُزِيلُ الحُرْقَةَ عَنْ بَواطِنِهِمْ، والحاصِلُ أنَّهم لا يَجِدُونَ هَواءً بارِدًا، ولا ماءً بارِدًا.
والثّانِي: البَرْدُ هاهُنا النَّوْمُ، وهو قَوْلُ الأخْفَشِ والكِسائِيِّ والفَرّاءِ وقُطْرُبٍ والعُتْبِيِّ، قالَ الفَرّاءُ: وإنَّما سُمِّيَ النَّوْمُ بَرْدًا لِأنَّهُ يُبَرِّدُ صاحِبَهُ، فَإنَّ العَطْشانَ يَنامُ فَيَبْرُدُ بِالنَّوْمِ، وأنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ والمُبَرِّدُ في بَيانِ أنَّ المُرادَ النَّوْمُ قَوْلَ الشّاعِرِ:
بَرُدَتْ مَراشِفُها عَلَيَّ فَصَدَّنِي عَنْها وعَنْ رَشَفاتِها البَرْدُ
يَعْنِي النَّوْمَ، قالَ المُبَرِّدُ: ومِن أمْثالِ العَرَبِ: مَنَعَ البَرْدُ البَرْدَ أيْ أصابَنِي مِنَ البَرْدِ ما مَنَعَنِي مِنَ النَّوْمِ، واعْلَمْ أنَّ القَوْلَ الأوَّلَ أوْلى لِأنَّهُ إذا أمْكَنَ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلى الحَقِيقَةِ المَشْهُورَةِ، فَلا مَعْنى لِحَمْلِهِ عَلى المَجازِ النّادِرِ الغَرِيبِ، والقائِلُونَ بِالقَوْلِ الثّانِي تَمَسَّكُوا في إثْباتِهِ بِوَجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ لا يُقالُ: ذُقْتُ البَرْدَ ويُقالُ: ذُقْتُ النَّوْمَ. الثّانِي: أنَّهم يَذُوقُونَ بَرْدَ الزَّمْهَرِيرِ، فَلا يَصِحُّ أنْ يُقالَ إنَّهم ما ذاقُوا بَرْدًا، وهَبْ أنَّ ذَلِكَ البَرْدَ بَرْدٌ تَأذَّوْا بِهِ، ولَكِنْ كَيْفَ كانَ، فَقَدْ ذاقُوا البَرْدَ. والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: كَما أنَّ ذَوْقَ البَرْدِ مَجازٌ فَكَذا ذَوْقُ النَّوْمِ أيْضًا مَجازٌ، ولِأنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْدًا﴾ أيْ لا يَسْتَنْشِقُونَ فِيها نَفَسًا بارِدًا، ولا هَواءً بارِدًا، والهَواءُ المُسْتَنْشَقُ مَمَرُّهُ الفَمُ والأنْفُ، فَجازَ إطْلاقُ لَفْظِ الذَّوْقِ عَلَيْهِ. والجَوابُ عَنِ الثّانِي: أنَّهُ لَمْ يَقُلْ: لا يَذُوقُونَ فِيها البَرْدَ، بَلْ قالَ: لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْدًا واحِدًا، وهو البَرْدُ الَّذِي يَنْتَفِعُونَ بِهِ ويَسْتَرِيحُونَ إلَيْهِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ذَكَرُوا في الحَمِيمِ أنَّهُ الصُّفْرُ المُذابُ، وهو باطِلٌ، بَلِ الحَمِيمُ الماءُ الحارُّ المَغْلِيُّ جِدًّا.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: ذَكَرُوا في الغَسّاقِ وُجُوهًا:
أحَدُها: قالَ أبُو مُعاذٍ: كُنْتُ أسْمَعُ مَشايِخَنا يَقُولُونَ: الغَسّاقُ فارِسِيَّةٌ مُعَرَّبَةٌ يَقُولُونَ لِلشَّيْءِ الَّذِي يَتَقَذَّرُونَهُ:
صفحة ١٥
خاشاك.
وثانِيها: أنَّ الغَسّاقُ هو الشَّيْءُ البارِدُ الَّذِي لا يُطاقُ، وهو الَّذِي يُسَمّى بِالزَّمْهَرِيرِ.
وثالِثُها: الغَسّاقُ ما يَسِيلُ مِن أعْيُنِ أهْلِ النّارِ وجُلُودِهِمْ مِنَ الصَّدِيدِ والقَيْحِ والعَرَقِ وسائِرِ الرُّطُوباتِ المُسْتَقْذَرَةِ، وفي كِتابِ الخَلِيلِ: غَسَقَتْ عَيْنُهُ، تَغْسِقُ غَسْقًا وغَسَقاقًا.
ورابِعُها: الغَسّاقُ هو المُنْتِنُ، ودَلِيلُهُ ما رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ”«لَوْ أنَّ دَلْوًا مِنَ الغَسّاقِ يُهْراقُ عَلى الدُّنْيا لَأنْتَنَ أهْلُ الدُّنْيا» “ .
وخامِسُها: أنَّ الغاسِقَ هو المُظْلِمُ، قالَ تَعالى: ﴿ومِن شَرِّ غاسِقٍ إذا وقَبَ﴾ [الفَلَقِ: ٣] فَيَكُونُ الغَسّاقُ شَرابًا أسْوَدَ مَكْرُوهًا يُسْتَوْحَشُ كَما يُسْتَوْحَشُ الشَّيْءُ المُظْلِمُ. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنْ فَسَّرْنا الغَسّاقَ بِالبارِدِ كانَ التَّقْدِيرُ: لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْدًا إلّا غَسّاقًا ولا شَرابًا إلّا حَمِيمًا، إلّا أنَّهُما جُمِعا لِأجْلِ انْتِظامِ الآيِ، ومِثْلُهُ مِنَ الشِّعْرِ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
كَأنَّ قُلُوبَ الطَّيْرِ رَطْبًا ويابِسًا ∗∗∗ لَدى وكْرِها العُنّابُ والحَشَفُ البالِي
والمَعْنى كَأنَّ قُلُوبَ الطَّيْرِ رَطْبًا العُنّابُ ويابِسًا الحَشَفُ البالِي. أمّا إنْ فَسَّرْنا الغَسّاقَ بِالصَّدِيدِ أوْ بِالنَّتْنِ احْتَمَلَ أنْ يَكُونَ الِاسْتِثْناءُ بِالحَمِيمِ والغَسّاقِ راجِعًا إلى البَرْدِ والشَّرابِ مَعًا، وأنْ يَكُونَ مُخْتَصًّا بِالشَّرابِ فَقَطْ.
أمّا الِاحْتِمالُ الأوَّلُ: فَهو أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: لا يَذُوقُونَ فِيها شَرابًا إلّا الحَمِيمَ البالِغَ في الحَمِيمِ والصَّدِيدَ المُنْتِنَ.
وأمّا الِاحْتِمالُ الثّانِي: فَهو أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: لا يَذُوقُونَ فِيها شَرابًا إلّا الحَمِيمَ البالِغَ في السُّخُونَةِ أوِ الصَّدِيدَ المُنْتِنَ، واللَّهُ أعْلَمُ بِمُرادِهِ، فَإنْ قِيلَ: الصَّدِيدُ لا يُشْرَبُ فَكَيْفَ اسْتُثْنِيَ مِنَ الشَّرابِ؟ قُلْنا: إنَّهُ مائِعٌ فَأُمْكِنَ أنْ يُشْرَبَ في الجُمْلَةِ، فَإنْ ثَبَتَ أنَّهُ غَيْرُ مُمْكِنٍ كانَ ذَلِكَ اسْتِثْناءً مِن غَيْرِ الجِنْسِ، ووَجْهُهُ مَعْلُومٌ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وعاصِمٌ مِن رِوايَةِ حَفْصٍ عَنْهُ: (غَسّاقًا) بِالتَّشْدِيدِ، فَكَأنَّهُ فَعّالٌ بِمَعْنى مَيّالٍ، وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّخْفِيفِ، مِثْلُ شَرابٍ، والأوَّلُ نَعْتٌ والثّانِي اسْمٌ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا شَرَحَ أنْواعَ عُقُوبَةِ الكُفّارِ بَيَّنَ فِيما بَعْدَهُ أنَّهُ: ﴿جَزاءً وِفاقًا﴾ وفي المَعْنى وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى أنْزَلَ بِهِمْ عُقُوبَةً شَدِيدَةً بِسَبَبِ أنَّهم أتَوْا بِمَعْصِيَةٍ شَدِيدَةٍ فَيَكُونُ العِقابُ (وِفاقًا) لِلذَّنْبِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشُّورى: ٤٠] .
والثّانِي: أنَّهُ (وِفاقًا) مِن حَيْثُ لَمْ يَزِدْ عَلى قَدْرِ الِاسْتِحْقاقِ ولَمْ يَنْقُصْ عَنْهُ، وذَكَرَ النَّحْوِيُّونَ فِيهِ وُجُوهًا:
أحَدُها: أنْ يَكُونَ الوِفاقُ والمُوافِقُ واحِدًا في اللُّغَةِ والتَّقْدِيرُ جَزاءً مُوافِقًا.
وثانِيها: أنْ يَكُونَ نَصْبًا عَلى المَصْدَرِ والتَّقْدِيرُ جَزاءً وافَقَ أعْمالَهم (وِفاقًا) .
وثالِثُها: أنْ يَكُونَ وُصِفَ بِالمَصْدَرِ كَما يُقالُ: فُلانٌ فَضْلٌ وكَرَمٌ؛ لِكَوْنِهِ كامِلًا في ذَلِكَ المَعْنى، كَذَلِكَ هاهُنا لَمّا كانَ ذَلِكَ الجَزاءُ كامِلًا في كَوْنِهِ عَلى وفْقِ الِاسْتِحْقاقِ وصَفَ الجَزاءَ بِكَوْنِهِ (وِفاقًا) .
ورابِعُها: أنْ يَكُونَ بِحَذْفِ المُضافِ والتَّقْدِيرُ جَزاءً ذا وِفاقٍ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: ”وفّاقًا“ فَعّالًا مِنَ الوَفْقِ، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَكُونُ هَذا العَذابُ البالِغُ في الشِّدَّةِ الغَيْرُ المُتَناهِي بِحَسَبِ المُدَّةِ (وِفاقًا) لِلْإتْيانِ بِالكُفْرِ لَحْظَةً واحِدَةً، وأيْضًا فَعَلى قَوْلِ أهْلِ السُّنَّةِ إذا كانَ الكُفْرُ واقِعًا بِخَلْقِ اللَّهِ وإيجادِهِ فَكَيْفَ يَكُونُ هَذا وِفاقًا لَهُ؟ وأمّا عَلى مَذْهَبِ المُعْتَزِلَةِ فَكانَ عِلْمُ اللَّهِ بِعَدَمِ إيمانِهِمْ حاصِلًا ووُجُودُ إيمانِهِمْ مُنافٍ بِالذّاتِ لِذَلِكَ العِلْمِ، فَمَعَ قِيامِ أحَدِ المُتَنافِيَيْنِ كانَ التَّكْلِيفُ بِإدْخالِ المُنافِي الثّانِي في الوُجُودِ مُمْتَنِعًا لِذاتِهِ وعَيْنِهِ، ويَكُونُ تَكْلِيفًا بِالجَمْعِ بَيْنَ المُتَنافِيَيْنِ، فَكَيْفَ
صفحة ١٦
يَكُونُ مِثْلُ هَذا العَذابِ الشَّدِيدِ الدّائِمِ وِفاقًا لِمِثْلِ هَذا الجُرْمِ؟ قُلْنا: يَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ ويَحْكُمُ ما يُرِيدُ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ عَلى الإجْمالِ أنَّ ذَلِكَ الجَزاءَ كانَ عَلى وفْقِ جُرْمِهِمْ شَرَحَ أنْواعَ جَرائِمِهِمْ، وهي بَعْدَ ذَلِكَ نَوْعانِ:
النبأ 78:25
ورابِعُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْدًا ولا شَرابًا﴾ ﴿إلّا حَمِيمًا وغَسّاقًا﴾ ﴿جَزاءً وِفاقًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: إنِ اخْتَرْنا قَوْلَ الزَّجّاجِ كانَ قَوْلُهُ: ﴿لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْدًا ولا شَرابًا﴾ مُتَّصِلًا بِما قَبْلَهُ، والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: (فِيها) عائِدًا إلى الأحْقابِ، وإنْ لَمْ نَقُلْ بِهِ كانَ هَذا كَلامًا مُسْتَأْنَفًا مُبْتَدَأً، والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ عائِدًا إلى جَهَنَّمَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في قَوْلِهِ: (بَرْدًا) وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ البَرْدُ المَعْرُوفُ، والمُرادُ أنَّهم لا يَذُوقُونَ مَعَ شِدَّةِ الحَرِّ ما يَكُونُ فِيهِ راحَةٌ مِن رِيحٍ بارِدَةٍ، أوْ ظِلٌّ يَمْنَعُ مِن نارٍ، ولا يَجِدُونَ شَرابًا يُسْكِنُ عَطَشَهُمْ، ويُزِيلُ الحُرْقَةَ عَنْ بَواطِنِهِمْ، والحاصِلُ أنَّهم لا يَجِدُونَ هَواءً بارِدًا، ولا ماءً بارِدًا.
والثّانِي: البَرْدُ هاهُنا النَّوْمُ، وهو قَوْلُ الأخْفَشِ والكِسائِيِّ والفَرّاءِ وقُطْرُبٍ والعُتْبِيِّ، قالَ الفَرّاءُ: وإنَّما سُمِّيَ النَّوْمُ بَرْدًا لِأنَّهُ يُبَرِّدُ صاحِبَهُ، فَإنَّ العَطْشانَ يَنامُ فَيَبْرُدُ بِالنَّوْمِ، وأنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ والمُبَرِّدُ في بَيانِ أنَّ المُرادَ النَّوْمُ قَوْلَ الشّاعِرِ:
بَرُدَتْ مَراشِفُها عَلَيَّ فَصَدَّنِي عَنْها وعَنْ رَشَفاتِها البَرْدُ
يَعْنِي النَّوْمَ، قالَ المُبَرِّدُ: ومِن أمْثالِ العَرَبِ: مَنَعَ البَرْدُ البَرْدَ أيْ أصابَنِي مِنَ البَرْدِ ما مَنَعَنِي مِنَ النَّوْمِ، واعْلَمْ أنَّ القَوْلَ الأوَّلَ أوْلى لِأنَّهُ إذا أمْكَنَ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلى الحَقِيقَةِ المَشْهُورَةِ، فَلا مَعْنى لِحَمْلِهِ عَلى المَجازِ النّادِرِ الغَرِيبِ، والقائِلُونَ بِالقَوْلِ الثّانِي تَمَسَّكُوا في إثْباتِهِ بِوَجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ لا يُقالُ: ذُقْتُ البَرْدَ ويُقالُ: ذُقْتُ النَّوْمَ. الثّانِي: أنَّهم يَذُوقُونَ بَرْدَ الزَّمْهَرِيرِ، فَلا يَصِحُّ أنْ يُقالَ إنَّهم ما ذاقُوا بَرْدًا، وهَبْ أنَّ ذَلِكَ البَرْدَ بَرْدٌ تَأذَّوْا بِهِ، ولَكِنْ كَيْفَ كانَ، فَقَدْ ذاقُوا البَرْدَ. والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: كَما أنَّ ذَوْقَ البَرْدِ مَجازٌ فَكَذا ذَوْقُ النَّوْمِ أيْضًا مَجازٌ، ولِأنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْدًا﴾ أيْ لا يَسْتَنْشِقُونَ فِيها نَفَسًا بارِدًا، ولا هَواءً بارِدًا، والهَواءُ المُسْتَنْشَقُ مَمَرُّهُ الفَمُ والأنْفُ، فَجازَ إطْلاقُ لَفْظِ الذَّوْقِ عَلَيْهِ. والجَوابُ عَنِ الثّانِي: أنَّهُ لَمْ يَقُلْ: لا يَذُوقُونَ فِيها البَرْدَ، بَلْ قالَ: لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْدًا واحِدًا، وهو البَرْدُ الَّذِي يَنْتَفِعُونَ بِهِ ويَسْتَرِيحُونَ إلَيْهِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ذَكَرُوا في الحَمِيمِ أنَّهُ الصُّفْرُ المُذابُ، وهو باطِلٌ، بَلِ الحَمِيمُ الماءُ الحارُّ المَغْلِيُّ جِدًّا.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: ذَكَرُوا في الغَسّاقِ وُجُوهًا:
أحَدُها: قالَ أبُو مُعاذٍ: كُنْتُ أسْمَعُ مَشايِخَنا يَقُولُونَ: الغَسّاقُ فارِسِيَّةٌ مُعَرَّبَةٌ يَقُولُونَ لِلشَّيْءِ الَّذِي يَتَقَذَّرُونَهُ:
صفحة ١٥
خاشاك.
وثانِيها: أنَّ الغَسّاقُ هو الشَّيْءُ البارِدُ الَّذِي لا يُطاقُ، وهو الَّذِي يُسَمّى بِالزَّمْهَرِيرِ.
وثالِثُها: الغَسّاقُ ما يَسِيلُ مِن أعْيُنِ أهْلِ النّارِ وجُلُودِهِمْ مِنَ الصَّدِيدِ والقَيْحِ والعَرَقِ وسائِرِ الرُّطُوباتِ المُسْتَقْذَرَةِ، وفي كِتابِ الخَلِيلِ: غَسَقَتْ عَيْنُهُ، تَغْسِقُ غَسْقًا وغَسَقاقًا.
ورابِعُها: الغَسّاقُ هو المُنْتِنُ، ودَلِيلُهُ ما رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ”«لَوْ أنَّ دَلْوًا مِنَ الغَسّاقِ يُهْراقُ عَلى الدُّنْيا لَأنْتَنَ أهْلُ الدُّنْيا» “ .
وخامِسُها: أنَّ الغاسِقَ هو المُظْلِمُ، قالَ تَعالى: ﴿ومِن شَرِّ غاسِقٍ إذا وقَبَ﴾ [الفَلَقِ: ٣] فَيَكُونُ الغَسّاقُ شَرابًا أسْوَدَ مَكْرُوهًا يُسْتَوْحَشُ كَما يُسْتَوْحَشُ الشَّيْءُ المُظْلِمُ. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنْ فَسَّرْنا الغَسّاقَ بِالبارِدِ كانَ التَّقْدِيرُ: لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْدًا إلّا غَسّاقًا ولا شَرابًا إلّا حَمِيمًا، إلّا أنَّهُما جُمِعا لِأجْلِ انْتِظامِ الآيِ، ومِثْلُهُ مِنَ الشِّعْرِ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
كَأنَّ قُلُوبَ الطَّيْرِ رَطْبًا ويابِسًا ∗∗∗ لَدى وكْرِها العُنّابُ والحَشَفُ البالِي
والمَعْنى كَأنَّ قُلُوبَ الطَّيْرِ رَطْبًا العُنّابُ ويابِسًا الحَشَفُ البالِي. أمّا إنْ فَسَّرْنا الغَسّاقَ بِالصَّدِيدِ أوْ بِالنَّتْنِ احْتَمَلَ أنْ يَكُونَ الِاسْتِثْناءُ بِالحَمِيمِ والغَسّاقِ راجِعًا إلى البَرْدِ والشَّرابِ مَعًا، وأنْ يَكُونَ مُخْتَصًّا بِالشَّرابِ فَقَطْ.
أمّا الِاحْتِمالُ الأوَّلُ: فَهو أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: لا يَذُوقُونَ فِيها شَرابًا إلّا الحَمِيمَ البالِغَ في الحَمِيمِ والصَّدِيدَ المُنْتِنَ.
وأمّا الِاحْتِمالُ الثّانِي: فَهو أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: لا يَذُوقُونَ فِيها شَرابًا إلّا الحَمِيمَ البالِغَ في السُّخُونَةِ أوِ الصَّدِيدَ المُنْتِنَ، واللَّهُ أعْلَمُ بِمُرادِهِ، فَإنْ قِيلَ: الصَّدِيدُ لا يُشْرَبُ فَكَيْفَ اسْتُثْنِيَ مِنَ الشَّرابِ؟ قُلْنا: إنَّهُ مائِعٌ فَأُمْكِنَ أنْ يُشْرَبَ في الجُمْلَةِ، فَإنْ ثَبَتَ أنَّهُ غَيْرُ مُمْكِنٍ كانَ ذَلِكَ اسْتِثْناءً مِن غَيْرِ الجِنْسِ، ووَجْهُهُ مَعْلُومٌ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وعاصِمٌ مِن رِوايَةِ حَفْصٍ عَنْهُ: (غَسّاقًا) بِالتَّشْدِيدِ، فَكَأنَّهُ فَعّالٌ بِمَعْنى مَيّالٍ، وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّخْفِيفِ، مِثْلُ شَرابٍ، والأوَّلُ نَعْتٌ والثّانِي اسْمٌ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا شَرَحَ أنْواعَ عُقُوبَةِ الكُفّارِ بَيَّنَ فِيما بَعْدَهُ أنَّهُ: ﴿جَزاءً وِفاقًا﴾ وفي المَعْنى وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى أنْزَلَ بِهِمْ عُقُوبَةً شَدِيدَةً بِسَبَبِ أنَّهم أتَوْا بِمَعْصِيَةٍ شَدِيدَةٍ فَيَكُونُ العِقابُ (وِفاقًا) لِلذَّنْبِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشُّورى: ٤٠] .
والثّانِي: أنَّهُ (وِفاقًا) مِن حَيْثُ لَمْ يَزِدْ عَلى قَدْرِ الِاسْتِحْقاقِ ولَمْ يَنْقُصْ عَنْهُ، وذَكَرَ النَّحْوِيُّونَ فِيهِ وُجُوهًا:
أحَدُها: أنْ يَكُونَ الوِفاقُ والمُوافِقُ واحِدًا في اللُّغَةِ والتَّقْدِيرُ جَزاءً مُوافِقًا.
وثانِيها: أنْ يَكُونَ نَصْبًا عَلى المَصْدَرِ والتَّقْدِيرُ جَزاءً وافَقَ أعْمالَهم (وِفاقًا) .
وثالِثُها: أنْ يَكُونَ وُصِفَ بِالمَصْدَرِ كَما يُقالُ: فُلانٌ فَضْلٌ وكَرَمٌ؛ لِكَوْنِهِ كامِلًا في ذَلِكَ المَعْنى، كَذَلِكَ هاهُنا لَمّا كانَ ذَلِكَ الجَزاءُ كامِلًا في كَوْنِهِ عَلى وفْقِ الِاسْتِحْقاقِ وصَفَ الجَزاءَ بِكَوْنِهِ (وِفاقًا) .
ورابِعُها: أنْ يَكُونَ بِحَذْفِ المُضافِ والتَّقْدِيرُ جَزاءً ذا وِفاقٍ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: ”وفّاقًا“ فَعّالًا مِنَ الوَفْقِ، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَكُونُ هَذا العَذابُ البالِغُ في الشِّدَّةِ الغَيْرُ المُتَناهِي بِحَسَبِ المُدَّةِ (وِفاقًا) لِلْإتْيانِ بِالكُفْرِ لَحْظَةً واحِدَةً، وأيْضًا فَعَلى قَوْلِ أهْلِ السُّنَّةِ إذا كانَ الكُفْرُ واقِعًا بِخَلْقِ اللَّهِ وإيجادِهِ فَكَيْفَ يَكُونُ هَذا وِفاقًا لَهُ؟ وأمّا عَلى مَذْهَبِ المُعْتَزِلَةِ فَكانَ عِلْمُ اللَّهِ بِعَدَمِ إيمانِهِمْ حاصِلًا ووُجُودُ إيمانِهِمْ مُنافٍ بِالذّاتِ لِذَلِكَ العِلْمِ، فَمَعَ قِيامِ أحَدِ المُتَنافِيَيْنِ كانَ التَّكْلِيفُ بِإدْخالِ المُنافِي الثّانِي في الوُجُودِ مُمْتَنِعًا لِذاتِهِ وعَيْنِهِ، ويَكُونُ تَكْلِيفًا بِالجَمْعِ بَيْنَ المُتَنافِيَيْنِ، فَكَيْفَ
صفحة ١٦
يَكُونُ مِثْلُ هَذا العَذابِ الشَّدِيدِ الدّائِمِ وِفاقًا لِمِثْلِ هَذا الجُرْمِ؟ قُلْنا: يَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ ويَحْكُمُ ما يُرِيدُ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ عَلى الإجْمالِ أنَّ ذَلِكَ الجَزاءَ كانَ عَلى وفْقِ جُرْمِهِمْ شَرَحَ أنْواعَ جَرائِمِهِمْ، وهي بَعْدَ ذَلِكَ نَوْعانِ:
النبأ 78:26
ورابِعُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْدًا ولا شَرابًا﴾ ﴿إلّا حَمِيمًا وغَسّاقًا﴾ ﴿جَزاءً وِفاقًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: إنِ اخْتَرْنا قَوْلَ الزَّجّاجِ كانَ قَوْلُهُ: ﴿لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْدًا ولا شَرابًا﴾ مُتَّصِلًا بِما قَبْلَهُ، والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: (فِيها) عائِدًا إلى الأحْقابِ، وإنْ لَمْ نَقُلْ بِهِ كانَ هَذا كَلامًا مُسْتَأْنَفًا مُبْتَدَأً، والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ عائِدًا إلى جَهَنَّمَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في قَوْلِهِ: (بَرْدًا) وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ البَرْدُ المَعْرُوفُ، والمُرادُ أنَّهم لا يَذُوقُونَ مَعَ شِدَّةِ الحَرِّ ما يَكُونُ فِيهِ راحَةٌ مِن رِيحٍ بارِدَةٍ، أوْ ظِلٌّ يَمْنَعُ مِن نارٍ، ولا يَجِدُونَ شَرابًا يُسْكِنُ عَطَشَهُمْ، ويُزِيلُ الحُرْقَةَ عَنْ بَواطِنِهِمْ، والحاصِلُ أنَّهم لا يَجِدُونَ هَواءً بارِدًا، ولا ماءً بارِدًا.
والثّانِي: البَرْدُ هاهُنا النَّوْمُ، وهو قَوْلُ الأخْفَشِ والكِسائِيِّ والفَرّاءِ وقُطْرُبٍ والعُتْبِيِّ، قالَ الفَرّاءُ: وإنَّما سُمِّيَ النَّوْمُ بَرْدًا لِأنَّهُ يُبَرِّدُ صاحِبَهُ، فَإنَّ العَطْشانَ يَنامُ فَيَبْرُدُ بِالنَّوْمِ، وأنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ والمُبَرِّدُ في بَيانِ أنَّ المُرادَ النَّوْمُ قَوْلَ الشّاعِرِ:
بَرُدَتْ مَراشِفُها عَلَيَّ فَصَدَّنِي عَنْها وعَنْ رَشَفاتِها البَرْدُ
يَعْنِي النَّوْمَ، قالَ المُبَرِّدُ: ومِن أمْثالِ العَرَبِ: مَنَعَ البَرْدُ البَرْدَ أيْ أصابَنِي مِنَ البَرْدِ ما مَنَعَنِي مِنَ النَّوْمِ، واعْلَمْ أنَّ القَوْلَ الأوَّلَ أوْلى لِأنَّهُ إذا أمْكَنَ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلى الحَقِيقَةِ المَشْهُورَةِ، فَلا مَعْنى لِحَمْلِهِ عَلى المَجازِ النّادِرِ الغَرِيبِ، والقائِلُونَ بِالقَوْلِ الثّانِي تَمَسَّكُوا في إثْباتِهِ بِوَجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ لا يُقالُ: ذُقْتُ البَرْدَ ويُقالُ: ذُقْتُ النَّوْمَ. الثّانِي: أنَّهم يَذُوقُونَ بَرْدَ الزَّمْهَرِيرِ، فَلا يَصِحُّ أنْ يُقالَ إنَّهم ما ذاقُوا بَرْدًا، وهَبْ أنَّ ذَلِكَ البَرْدَ بَرْدٌ تَأذَّوْا بِهِ، ولَكِنْ كَيْفَ كانَ، فَقَدْ ذاقُوا البَرْدَ. والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: كَما أنَّ ذَوْقَ البَرْدِ مَجازٌ فَكَذا ذَوْقُ النَّوْمِ أيْضًا مَجازٌ، ولِأنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْدًا﴾ أيْ لا يَسْتَنْشِقُونَ فِيها نَفَسًا بارِدًا، ولا هَواءً بارِدًا، والهَواءُ المُسْتَنْشَقُ مَمَرُّهُ الفَمُ والأنْفُ، فَجازَ إطْلاقُ لَفْظِ الذَّوْقِ عَلَيْهِ. والجَوابُ عَنِ الثّانِي: أنَّهُ لَمْ يَقُلْ: لا يَذُوقُونَ فِيها البَرْدَ، بَلْ قالَ: لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْدًا واحِدًا، وهو البَرْدُ الَّذِي يَنْتَفِعُونَ بِهِ ويَسْتَرِيحُونَ إلَيْهِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ذَكَرُوا في الحَمِيمِ أنَّهُ الصُّفْرُ المُذابُ، وهو باطِلٌ، بَلِ الحَمِيمُ الماءُ الحارُّ المَغْلِيُّ جِدًّا.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: ذَكَرُوا في الغَسّاقِ وُجُوهًا:
أحَدُها: قالَ أبُو مُعاذٍ: كُنْتُ أسْمَعُ مَشايِخَنا يَقُولُونَ: الغَسّاقُ فارِسِيَّةٌ مُعَرَّبَةٌ يَقُولُونَ لِلشَّيْءِ الَّذِي يَتَقَذَّرُونَهُ:
صفحة ١٥
خاشاك.
وثانِيها: أنَّ الغَسّاقُ هو الشَّيْءُ البارِدُ الَّذِي لا يُطاقُ، وهو الَّذِي يُسَمّى بِالزَّمْهَرِيرِ.
وثالِثُها: الغَسّاقُ ما يَسِيلُ مِن أعْيُنِ أهْلِ النّارِ وجُلُودِهِمْ مِنَ الصَّدِيدِ والقَيْحِ والعَرَقِ وسائِرِ الرُّطُوباتِ المُسْتَقْذَرَةِ، وفي كِتابِ الخَلِيلِ: غَسَقَتْ عَيْنُهُ، تَغْسِقُ غَسْقًا وغَسَقاقًا.
ورابِعُها: الغَسّاقُ هو المُنْتِنُ، ودَلِيلُهُ ما رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ”«لَوْ أنَّ دَلْوًا مِنَ الغَسّاقِ يُهْراقُ عَلى الدُّنْيا لَأنْتَنَ أهْلُ الدُّنْيا» “ .
وخامِسُها: أنَّ الغاسِقَ هو المُظْلِمُ، قالَ تَعالى: ﴿ومِن شَرِّ غاسِقٍ إذا وقَبَ﴾ [الفَلَقِ: ٣] فَيَكُونُ الغَسّاقُ شَرابًا أسْوَدَ مَكْرُوهًا يُسْتَوْحَشُ كَما يُسْتَوْحَشُ الشَّيْءُ المُظْلِمُ. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنْ فَسَّرْنا الغَسّاقَ بِالبارِدِ كانَ التَّقْدِيرُ: لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْدًا إلّا غَسّاقًا ولا شَرابًا إلّا حَمِيمًا، إلّا أنَّهُما جُمِعا لِأجْلِ انْتِظامِ الآيِ، ومِثْلُهُ مِنَ الشِّعْرِ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
كَأنَّ قُلُوبَ الطَّيْرِ رَطْبًا ويابِسًا ∗∗∗ لَدى وكْرِها العُنّابُ والحَشَفُ البالِي
والمَعْنى كَأنَّ قُلُوبَ الطَّيْرِ رَطْبًا العُنّابُ ويابِسًا الحَشَفُ البالِي. أمّا إنْ فَسَّرْنا الغَسّاقَ بِالصَّدِيدِ أوْ بِالنَّتْنِ احْتَمَلَ أنْ يَكُونَ الِاسْتِثْناءُ بِالحَمِيمِ والغَسّاقِ راجِعًا إلى البَرْدِ والشَّرابِ مَعًا، وأنْ يَكُونَ مُخْتَصًّا بِالشَّرابِ فَقَطْ.
أمّا الِاحْتِمالُ الأوَّلُ: فَهو أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: لا يَذُوقُونَ فِيها شَرابًا إلّا الحَمِيمَ البالِغَ في الحَمِيمِ والصَّدِيدَ المُنْتِنَ.
وأمّا الِاحْتِمالُ الثّانِي: فَهو أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: لا يَذُوقُونَ فِيها شَرابًا إلّا الحَمِيمَ البالِغَ في السُّخُونَةِ أوِ الصَّدِيدَ المُنْتِنَ، واللَّهُ أعْلَمُ بِمُرادِهِ، فَإنْ قِيلَ: الصَّدِيدُ لا يُشْرَبُ فَكَيْفَ اسْتُثْنِيَ مِنَ الشَّرابِ؟ قُلْنا: إنَّهُ مائِعٌ فَأُمْكِنَ أنْ يُشْرَبَ في الجُمْلَةِ، فَإنْ ثَبَتَ أنَّهُ غَيْرُ مُمْكِنٍ كانَ ذَلِكَ اسْتِثْناءً مِن غَيْرِ الجِنْسِ، ووَجْهُهُ مَعْلُومٌ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وعاصِمٌ مِن رِوايَةِ حَفْصٍ عَنْهُ: (غَسّاقًا) بِالتَّشْدِيدِ، فَكَأنَّهُ فَعّالٌ بِمَعْنى مَيّالٍ، وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّخْفِيفِ، مِثْلُ شَرابٍ، والأوَّلُ نَعْتٌ والثّانِي اسْمٌ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا شَرَحَ أنْواعَ عُقُوبَةِ الكُفّارِ بَيَّنَ فِيما بَعْدَهُ أنَّهُ: ﴿جَزاءً وِفاقًا﴾ وفي المَعْنى وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى أنْزَلَ بِهِمْ عُقُوبَةً شَدِيدَةً بِسَبَبِ أنَّهم أتَوْا بِمَعْصِيَةٍ شَدِيدَةٍ فَيَكُونُ العِقابُ (وِفاقًا) لِلذَّنْبِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشُّورى: ٤٠] .
والثّانِي: أنَّهُ (وِفاقًا) مِن حَيْثُ لَمْ يَزِدْ عَلى قَدْرِ الِاسْتِحْقاقِ ولَمْ يَنْقُصْ عَنْهُ، وذَكَرَ النَّحْوِيُّونَ فِيهِ وُجُوهًا:
أحَدُها: أنْ يَكُونَ الوِفاقُ والمُوافِقُ واحِدًا في اللُّغَةِ والتَّقْدِيرُ جَزاءً مُوافِقًا.
وثانِيها: أنْ يَكُونَ نَصْبًا عَلى المَصْدَرِ والتَّقْدِيرُ جَزاءً وافَقَ أعْمالَهم (وِفاقًا) .
وثالِثُها: أنْ يَكُونَ وُصِفَ بِالمَصْدَرِ كَما يُقالُ: فُلانٌ فَضْلٌ وكَرَمٌ؛ لِكَوْنِهِ كامِلًا في ذَلِكَ المَعْنى، كَذَلِكَ هاهُنا لَمّا كانَ ذَلِكَ الجَزاءُ كامِلًا في كَوْنِهِ عَلى وفْقِ الِاسْتِحْقاقِ وصَفَ الجَزاءَ بِكَوْنِهِ (وِفاقًا) .
ورابِعُها: أنْ يَكُونَ بِحَذْفِ المُضافِ والتَّقْدِيرُ جَزاءً ذا وِفاقٍ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: ”وفّاقًا“ فَعّالًا مِنَ الوَفْقِ، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَكُونُ هَذا العَذابُ البالِغُ في الشِّدَّةِ الغَيْرُ المُتَناهِي بِحَسَبِ المُدَّةِ (وِفاقًا) لِلْإتْيانِ بِالكُفْرِ لَحْظَةً واحِدَةً، وأيْضًا فَعَلى قَوْلِ أهْلِ السُّنَّةِ إذا كانَ الكُفْرُ واقِعًا بِخَلْقِ اللَّهِ وإيجادِهِ فَكَيْفَ يَكُونُ هَذا وِفاقًا لَهُ؟ وأمّا عَلى مَذْهَبِ المُعْتَزِلَةِ فَكانَ عِلْمُ اللَّهِ بِعَدَمِ إيمانِهِمْ حاصِلًا ووُجُودُ إيمانِهِمْ مُنافٍ بِالذّاتِ لِذَلِكَ العِلْمِ، فَمَعَ قِيامِ أحَدِ المُتَنافِيَيْنِ كانَ التَّكْلِيفُ بِإدْخالِ المُنافِي الثّانِي في الوُجُودِ مُمْتَنِعًا لِذاتِهِ وعَيْنِهِ، ويَكُونُ تَكْلِيفًا بِالجَمْعِ بَيْنَ المُتَنافِيَيْنِ، فَكَيْفَ
صفحة ١٦
يَكُونُ مِثْلُ هَذا العَذابِ الشَّدِيدِ الدّائِمِ وِفاقًا لِمِثْلِ هَذا الجُرْمِ؟ قُلْنا: يَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ ويَحْكُمُ ما يُرِيدُ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ عَلى الإجْمالِ أنَّ ذَلِكَ الجَزاءَ كانَ عَلى وفْقِ جُرْمِهِمْ شَرَحَ أنْواعَ جَرائِمِهِمْ، وهي بَعْدَ ذَلِكَ نَوْعانِ:
النبأ 78:27
أوَّلُهُما: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهم كانُوا لا يَرْجُونَ حِسابًا﴾ وفِيهِ سُؤالانِ:
الأوَّلُ: وهو أنَّ الحِسابَ شَيْءٌ شاقٌّ عَلى الإنْسانِ، والشَّيْءُ الشّاقُّ لا يُقالُ فِيهِ إنَّهُ يُرْجى، بَلْ يَجِبُ أنْ يُقالَ: إنَّهم كانُوا لا يَخْشَوْنَ حِسابًا؟ والجَوابُ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: قالَ مُقاتِلٌ وكَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: قَوْلُهُ (لا يَرْجُونَ) مَعْناهُ لا يَخافُونَ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهم في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما لَكم لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وقارًا﴾ [نُوحٍ: ١٣] .
وثانِيها: أنَّ المُؤْمِنَ لا بُدَّ وأنْ يَرْجُوَ رَحْمَةَ اللَّهِ لِأنَّهُ قاطِعٌ بِأنَّ ثَوابَ إيمانِهِ زائِدٌ عَلى عِقابِ جَمِيعِ المَعاصِي سِوى الكُفْرِ، فَقَوْلُهُ: ﴿إنَّهم كانُوا لا يَرْجُونَ حِسابًا﴾ إشارَةٌ إلى أنَّهم ما كانُوا مُؤْمِنِينَ.
وثالِثُها: أنَّ الرَّجاءَ هاهُنا بِمَعْنى التَّوَقُّعِ لِأنَّ الرّاجِيَ لِلشَّيْءِ مُتَوَقِّعٌ لَهُ إلّا أنَّ أشْرَفَ أقْسامِ التَّوَقُّعِ هو الرَّجاءُ فَسُمِّيَ الجِنْسُ بِاسْمِ أشْرَفِ أنْواعِهِ.
ورابِعُها: أنَّ في هَذِهِ الآيَةِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الحِسابَ مَعَ اللَّهِ جانِبُ الرَّجاءِ فِيهِ أغْلَبُ مِن جانِبِ الخَوْفِ، وذَلِكَ لِأنَّ لِلْعَبْدِ حَقًّا عَلى اللَّهِ تَعالى بِحُكْمِ الوَعْدِ في جانِبِ الثَّوابِ ولِلَّهِ تَعالى حَقٌّ عَلى العَبْدِ في جانِبِ العِقابِ، والكَرِيمُ قَدْ يُسْقِطُ حَقَّ نَفْسِهِ، ولا يُسْقِطُ ما كانَ حَقًّا لِغَيْرِهِ عَلَيْهِ، فَلا جَرَمَ كانَ جانِبُ الرَّجاءِ أقْوى في الحِسابِ، فَلِهَذا السَّبَبِ ذُكِرَ الرَّجاءُ، ولَمْ يُذْكَرِ الخَوْفُ.
السُّؤالُ الثّانِي: أنَّ الكُفّارَ كانُوا قَدْ أتَوْا بِأنْواعٍ مِنَ القَبائِحِ والكَبائِرِ، فَما السَّبَبُ في أنْ خَصَّ اللَّهُ تَعالى هَذا النَّوْعَ مِنَ الكُفْرِ بِالذِّكْرِ في أوَّلِ الأمْرِ؟ الجَوابُ: لِأنَّ رَغْبَةَ الإنْسانِ في فِعْلِ الخَيْراتِ وفي تَرْكِ المَحْظُوراتِ إنَّما تَكُونُ بِسَبَبِ أنْ يَنْتَفِعَ بِهِ في الآخِرَةِ، فَمَن أنْكَرَ الآخِرَةَ، لَمْ يُقْدِمْ عَلى شَيْءٍ مِنَ المُسْتَحْسَناتِ، ولَمْ يُحْجِمْ عَنْ شَيْءٍ مِنَ المُنْكَراتِ، فَقَوْلُهُ: ﴿إنَّهم كانُوا لا يَرْجُونَ حِسابًا﴾ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهم فَعَلُوا كُلَّ شَرٍّ وتَرَكُوا كُلَّ خَيْرٍ.
النبأ 78:28
والنَّوْعُ الثّانِي مِن قَبائِحِ أفْعالِهِمْ: قَوْلُهُ: ﴿وكَذَّبُوا بِآياتِنا كِذّابًا﴾ اعْلَمْ أنَّ لِلنَّفْسِ النّاطِقَةِ الإنْسانِيَّةِ قُوَّتَيْنِ: نَظَرِيَّةً وعَمَلِيَّةً، وكَمالُ الإنْسانِ في أنْ يَعْرِفَ الحَقَّ لِذاتِهِ والخَيْرَ لِأجْلِ العَمَلِ بِهِ، ولِذَلِكَ قالَ إبْراهِيمُ: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ [الشُّعَراءِ: ٨٣] ﴿هَبْ لِي حُكْمًا﴾ إشارَةٌ إلى كَمالِ القُوَّةِ النَّظَرِيَّةِ، ﴿وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ إشارَةٌ إلى كَمالِ القُوَّةِ العَمَلِيَّةِ، فَهاهُنا بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى رَداءَةَ حالِهِمْ في الأمْرَيْنِ، أمّا في القُوَّةِ العَمَلِيَّةِ فَنَبَّهَ عَلى فَسادِها بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهم كانُوا لا يَرْجُونَ حِسابًا﴾ أيْ كانُوا مُقْدِمِينَ عَلى جَمِيعِ القَبائِحِ والمُنْكَراتِ، وغَيْرَ راغِبِينَ في شَيْءٍ مِنَ الطّاعاتِ والخَيْراتِ.
وأمّا في القُوَّةِ النَّظَرِيَّةِ فَنَبَّهَ عَلى فَسادِها بِقَوْلِهِ: ﴿وكَذَّبُوا بِآياتِنا كِذّابًا﴾ أيْ كانُوا مُنْكِرِينَ بِقُلُوبِهِمْ لِلْحَقِّ
صفحة ١٧
ومُصِرِّينَ عَلى الباطِلِ، وإذا عَرَفْتَ ما ذَكَرْناهُ مِنَ التَّفْسِيرِ ظَهَرَ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهم كانُوا قَدْ بَلَغُوا في الرَّداءَةِ والفَسادِ إلى حَيْثُ يَسْتَحِيلُ عَقْلًا وُجُودُ ما هو أزْيَدُ مِنهُ، فَلَمّا كانَتْ أفْعالُهم كَذَلِكَ كانَ اللّائِقُ بِها هو العُقُوبَةَ العَظِيمَةَ، فَثَبَتَ بِهَذا صِحَّةُ ما قَدَّمَهُ في قَوْلِهِ: ﴿جَزاءً وِفاقًا﴾ فَما أعْظَمَ لَطائِفَ القُرْآنِ مَعَ أنَّ الأدْوارَ العَظِيمَةَ قَدِ اسْتَمَرَّتْ، ولَمْ يَنْتَبِهْ لَها أحَدٌ، فالحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا يَلِيقُ بِعُلُوِّ شَأْنِهِ وبُرْهانِهِ عَلى ما خَصَّ هَذا الضَّعِيفَ بِمَعْرِفَةِ هَذِهِ الأسْرارِ.
واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وكَذَّبُوا بِآياتِنا كِذّابًا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهم كَذَّبُوا بِجَمِيعِ دَلائِلِ اللَّهِ تَعالى في التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ والمَعادِ والشَّرائِعِ والقُرْآنِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى كَمالِ حالِ القُوَّةِ النَّظَرِيَّةِ في الرَّداءَةِ والفَسادِ والبُعْدِ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ، وقَوْلُهُ: (كِذّابًا) أيْ تَكْذِيبًا، وفِعّالٌ مِن مَصادِرِ التَّفَعُّلِ، وأنْشَدَ الزَّجّاجُ:
لَقَدْ طالَ ما رَيَّثْتَنِي عَنْ صَحابَتِي وعَنْ حِوَجٍ قِضّاؤُها مِن شِفائِنا
مِن قَضَّيْتُ قِضّاءً، قالَ الفَرّاءُ: وهي لُغَةٌ فَصِيحَةٌ يَمانِيَّةٌ، ونَظِيرُهُ خَرَّقْتُ القَمِيصَ خِرّاقًا، وقالَ لِي أعْرابِيٌّ مِنهم عَلى المَرْوَةِ يَسْتَفْتِينِي: الحَلْقُ أحَبُّ إلَيْكَ أمِ القِصّارُ؟ وقالَ صاحِبُ الكَشّافِ: كُنْتُ أُفَسِّرُ آيَةً فَقالَ بَعْضُهم: لَقَدْ فَسَّرْتَها فِسّارًا ما سُمِعَ بِهِ، وقُرِئَ بِالتَّخْفِيفِ وفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّهُ مَصْدَرُ كَذَّبَ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ:
فَصَدَقْتُها أوْ كَذَبْتُها ∗∗∗ والمَرْءُ يَنْفَعُهُ كِذّابُهُ
وهُوَ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْبَتَكم مِنَ الأرْضِ نَباتًا﴾ [نُوحٍ: ١٧] يَعْنِي وكَذَّبُوا بِآياتِنا فَكَذَّبُوا كِذّابًا.
وثانِيها: أنْ يَنْصِبَهُ بِـ: كَذَّبُوا؛ لِأنَّهُ يَتَضَمَّنُ مَعْنى كَذَّبُوا لِأنَّ كُلَّ مُكَذِّبٍ بِالحَقِّ كاذِبٌ.
وثالِثُها: أنْ يَجْعَلَ الكِذّابَ بِمَعْنى المُكاذَبَةِ، فَمَعْناهُ وكَذَّبُوا بِآياتِنا فَكاذَبُوا مُكاذَبَةً، أوْ كَذَّبُوا بِها مُكاذِبِينَ، لِأنَّهم إذا كانُوا عِنْدَ المُسْلِمِينَ كاذِبِينَ، وكانَ المُسْلِمُونَ عِنْدَهم كاذِبِينَ فَبَيْنَهم مُكاذَبَةٌ، وقُرِئَ أيْضًا كَذَلِكَ وهو جَمْعُ كاذِبٍ، أيْ كَذَّبُوا بِآياتِنا كاذِبِينَ، وقَدْ يَكُونُ الكَذّابُ بِمَعْنى الواحِدِ البَلِيغِ في الكَذِبِ، يُقالُ: رَجُلٌ كَذّابٌ كَقَوْلِكَ حَسّانٌ وبَخّالٌ، فَيُجْعَلُ صِفَةً لِمَصْدَرِ كَذَّبُوا أيْ تَكْذِيبًا كِذّابًا مُفْرِطًا كَذِبُهُ.
النبأ 78:29
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ فَسادَ حالِهِمْ في القُوَّةِ العَمَلِيَّةِ وفي القُوَّةِ النَّظَرِيَّةِ بَلَغَ إلى أقْصى الغاياتِ وأعْظَمِ النِّهاياتِ بَيَّنَ أنَّ تَفاصِيلَ تِلْكَ الأحْوالِ في كَمِّيَّتِها وكَيْفِيَّتِها مَعْلُومَةٌ لَهُ، وقَدْرَ ما يُسْتَحَقُّ عَلَيْهِ مِنَ العِقابِ مَعْلُومٌ لَهُ، فَقالَ: ﴿وكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْناهُ كِتابًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الزَّجّاجُ: (كُلَّ) مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ (أحْصَيْناهُ) والمَعْنى: وأحْصَيْنا كُلَّ شَيْءٍ، وقَرَأ أبُو السَّمّالِ: (وكُلُّ) بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْناهُ﴾ أيْ عَلِمْنا كُلَّ شَيْءٍ كَما هو عِلْمًا لا يَزُولُ ولا يَتَبَدَّلُ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أحْصاهُ اللَّهُ ونَسُوهُ﴾ [المُجادَلَةِ: ٦] واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ تَعالى عالِمًا بِالجُزْئِيّاتِ، واعْلَمْ أنَّ مِثْلَ هَذِهِ الآيَةِ لا تَقْبَلُ التَّأْوِيلَ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ هَذا تَقْرِيرًا لِما ادَّعاهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿جَزاءً وِفاقًا﴾ كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: أنا عالِمٌ بِجَمِيعِ ما فَعَلُوهُ، وعالِمٌ بِجِهاتِ تِلْكَ الأفْعالِ وأحْوالِها واعْتِباراتِها
صفحة ١٨
الَّتِي لِأجْلِها يَحْصُلُ اسْتِحْقاقُ الثَّوابِ والعِقابِ، فَلا جَرَمَ لا أُوصِلُ إلَيْهِمْ مِنَ العَذابِ إلّا قَدْرَ ما يَكُونُ وِفاقًا لِأعْمالِهِمْ، ومَعْلُومٌ أنَّ هَذا القَدْرَ إنَّما يَتِمُّ لَوْ ثَبَتَ كَوْنُهُ تَعالى عالِمًا بِالجُزْئِيّاتِ، وإذا ثَبَتَ هَذا ظَهَرَ أنَّ كُلَّ مَن أنْكَرَهُ كانَ كافِرًا قَطْعًا.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿أحْصَيْناهُ كِتابًا﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: تَقْدِيرُهُ أحْصَيْناهُ إحْصاءً، وإنَّما عَدَلَ عَنْ تِلْكَ اللَّفْظَةِ إلى هَذِهِ اللَّفْظَةِ لِأنَّ الكِتابَةَ هي النِّهايَةُ في قُوَّةِ العِلْمِ، ولِهَذا قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«قَيِّدُوا العِلْمَ بِالكِتابَةِ» “، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: وكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْناهُ إحْصاءً مُساوِيًا في القُوَّةِ والثَّباتِ والتَّأْكِيدِ لِلْمَكْتُوبِ، فالمُرادُ مِن قَوْلِهِ: (كِتابًا) تَأْكِيدُ ذَلِكَ الإحْصاءِ والعِلْمِ، واعْلَمْ أنَّ هَذا التَّأْكِيدَ إنَّما ورَدَ عَلى حَسَبِ ما يَلِيقُ بِأفْهامِ أهْلِ الظّاهِرِ، فَإنَّ المَكْتُوبَ يَقْبَلُ الزَّوالَ، وعِلْمُ اللَّهِ بِالأشْياءِ لا يَقْبَلُ الزَّوالَ لِأنَّهُ واجِبٌ لِذاتِهِ.
القَوْلُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: (كِتابًا) حالًا في مَعْنى مَكْتُوبًا، والمَعْنى وكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْناهُ حالَ كَوْنِهِ مَكْتُوبًا في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْناهُ في إمامٍ مُبِينٍ﴾ [يس: ١٢] أوْ في صُحُفِ الحَفَظَةِ.
النبأ 78:30
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكم إلّا عَذابًا﴾ .
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا شَرَحَ أحْوالَ العِقابِ أوَّلًا، ثُمَّ ادَّعى كَوْنَهُ ﴿جَزاءً وِفاقًا﴾ ثُمَّ بَيَّنَ تَفاصِيلَ أفْعالِهِمُ القَبِيحَةِ، وظَهَرَ صِحَّةُ ما ادَّعاهُ أوَّلًا مِن أنَّ ذَلِكَ العِقابَ كانَ ﴿جَزاءً وِفاقًا﴾ لا جَرَمَ أعادَ ذِكْرَ العِقابِ، وقَوْلُهُ: (فَذُوقُوا) والفاءُ لِلْجَزاءِ، فَنَبَّهَ عَلى أنَّ الأمْرَ بِالذَّوْقِ مُعَلَّلٌ بِما تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مِن قَبائِحِ أفْعالِهِمْ، فَهَذا الفاءُ أفادَ عَيْنَ فائِدَةِ قَوْلِهِ: ﴿جَزاءً وِفاقًا﴾ .
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: هَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى المُبالَغَةِ في التَّعْذِيبِ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: قَوْلُهُ: ﴿فَلَنْ نَزِيدَكُمْ﴾ وكَلِمَةُ لَنْ لِلتَّأْكِيدِ في النَّفْيِ.
وثانِيها: أنَّهُ في قَوْلِهِ: ﴿كانُوا لا يَرْجُونَ حِسابًا﴾ ذَكَرَهم بِالمُغايَبَةِ، وفي قَوْلِهِ: (فَذُوقُوا) ذَكَرَهم عَلى سَبِيلِ المُشافَهَةِ وهَذا يَدُلُّ عَلى كَمالِ الغَضَبِ. وثالِثُها: أنَّهُ تَعالى عَدَّدَ وُجُوهَ العِقابِ، ثُمَّ حَكَمَ بِأنَّهُ جَزاءٌ مُوافِقٌ لِأعْمالِهِمْ، ثُمَّ عَدَّدَ فَضائِحَهُمْ، ثُمَّ قالَ: (فَذُوقُوا)، فَكَأنَّهُ تَعالى أفْتى وأقامَ الدَّلائِلَ، ثُمَّ أعادَ تِلْكَ الفَتْوى بِعَيْنِها، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى المُبالَغَةِ في التَّعْذِيبِ، قالَ -عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ-: ”«هَذِهِ الآيَةُ أشَدُّ ما في القُرْآنِ عَلى أهْلِ النّارِ، كُلَّما اسْتَغاثُوا مِن نَوْعٍ مِنَ العَذابِ أُغِيثُوا بِأشَدَّ مِنهُ» “ بَقِيَ في الآيَةِ سُؤالانِ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: ألَيْسَ أنَّهُ تَعالى قالَ في صِفَةِ الكُفّارِ: ﴿ولا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ ولا يَنْظُرُ إلَيْهِمْ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٧٧] فَهُنا لَمّا قالَ لَهم: (فَذُوقُوا) فَقَدْ كَلَّمَهُمْ؟ الجَوابُ: قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: تَقْدِيرُ الآيَةِ فَيُقالُ لَهم فَذُوقُوا، ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: عَلى هَذا الوَجْهِ لا يَلِيقُ بِذَلِكَ القائِلِ أنْ يَقُولَ: ﴿فَلَنْ نَزِيدَكم إلّا عَذابًا﴾ بَلْ هَذا الكَلامُ لا يَلِيقُ إلّا بِاللَّهِ، والأقْرَبُ في الجَوابِ أنْ يُقالَ: قَوْلُهُ: ﴿ولا يُكَلِّمُهُمُ﴾ أيْ ولا يُكَلِّمُهم بِالكَلامِ الطَّيِّبِ النّافِعِ، فَإنَّ تَخْصِيصَ العُمُومِ غَيْرُ بَعِيدٍ لا سِيَّما عِنْدَ حُصُولِ القَرِينَةِ، فَإنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولا يُكَلِّمُهُمُ﴾ إنَّما ذَكَرَهُ لِبَيانِ أنَّهُ تَعالى لا يَنْفَعُهم ولا يُقِيمُ لَهم وزْنًا، وذَلِكَ لا يَحْصُلُ إلّا مِنَ الكَلامِ الطَّيِّبِ.
صفحة ١٩
السُّؤالُ الثّانِي: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ تَعالى يَزِيدُ في عَذابِ الكافِرِ أبَدًا، فَتِلْكَ الزِّيادَةُ إمّا أنْ يُقالَ إنَّها كانَتْ مُسْتَحَقَّةً لَهم أوْ غَيْرَ مُسْتَحَقَّةٍ، فَإنْ كانَتْ مُسْتَحَقَّةً لَهم كانَ تَرْكُها في أوَّلِ الأمْرِ إحْسانًا، والكَرِيمُ إذا أسْقَطَ حَقَّ نَفْسِهِ، فَإنَّهُ لا يَلِيقُ بِهِ أنْ يَسْتَرْجِعَهُ بَعْدَ ذَلِكَ، وأمّا إذا كانَتْ تِلْكَ الزِّيادَةُ غَيْرَ مُسْتَحَقَّةٍ كانَ إيصالُها إلَيْهِمْ ظُلْمًا وأنَّهُ لا يَجُوزُ عَلى اللَّهِ. الجَوابُ: كَما أنَّ الشَّيْءَ يُؤَثِّرُ بِحَسَبِ خاصِّيَّةِ ذاتِهِ، فَكَذا إذا دامَ ازْدادَ تَأْثِيرُهُ بِحَسَبِ ذَلِكَ الدَّوامِ، فَلا جَرَمَ كُلَّما كانَ الدَّوامُ أكْثَرَ كانَ الإيلامُ أكْثَرَ، وأيْضًا فَتِلْكَ الزِّيادَةُ مُسْتَحَقَّةٌ، وتَرْكُها في بَعْضِ الأوْقاتِ لا يُوجِبُ الإبْراءَ والإسْقاطَ، واللَّهُ أعْلَمُ بِما أرادَ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ وعِيدَ الكُفّارِ أتْبَعَهُ بِوَعْدِ الأخْيارِ وهو أُمُورٌ:
النبأ 78:31
أوَّلُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازًا﴾ أمّا المُتَّقِي فَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ، و(مَفازًا) يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا بِمَعْنى فَوْزًا وظَفَرًا بِالبُغْيَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَوْضِعَ فَوْزٍ، والفَوْزُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ فَوْزًا بِالمَطْلُوبِ، وأنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ فَوْزًا بِالنَّجاةِ مِنَ العَذابِ، وأنْ يَكُونَ المُرادُ مَجْمُوعَ الأمْرَيْنِ، وعِنْدِي أنَّ تَفْسِيرَهُ بِالفَوْزِ بِالمَطْلُوبِ أوْلى مِن تَفْسِيرِهِ بِالفَوْزِ بِالنَّجاةِ مِنَ العَذابِ، ومِن تَفْسِيرِهِ بِالفَوْزِ بِمَجْمُوعِ الأمْرَيْنِ أعْنِي النَّجاةَ مِنَ الهَلاكِ والوُصُولَ إلى المَطْلُوبِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى فَسَّرَ المَفازَ بِما بَعْدَهُ وهو قَوْلُهُ: ﴿حَدائِقَ وأعْنابًا﴾ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ المَفازِ هَذا القَدْرُ، فَإنْ قِيلَ: الخَلاصُ مِنَ الهَلاكِ أهَمُّ مِن حُصُولِ اللَّذَّةِ، فَلِمَ أُهْمِلَ الأهَمُّ وذُكِرَ غَيْرُ الأهَمِّ؟ قُلْنا: لِأنَّ الخَلاصَ مِنَ الهَلاكِ لا يَسْتَلْزِمُ الفَوْزَ بِاللَّذَّةِ والخَيْرِ، أمّا الفَوْزُ بِاللَّذَّةِ والخَيْرِ فَيَسْتَلْزِمُ الخَلاصَ مِنَ الهَلاكِ، فَكانَ ذِكْرُ هَذا أوْلى.
وثانِيها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَدائِقَ وأعْنابًا﴾ والحَدائِقُ جَمْعُ حَدِيقَةٍ، وهي بُسْتانٌ مَحُوطٌ عَلَيْهِ، مِن قَوْلِهِمْ: أحْدَقُوا بِهِ أيْ أحاطُوا بِهِ، والتَّنْكِيرُ في قَوْلِهِ: (وأعْنابًا) يَدُلُّ عَلى تَعْظِيمِ حالِ تِلْكَ الأعْنابِ.
وثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَواعِبَ أتْرابًا﴾ كَواعِبُ جَمْعُ كاعِبٍ وهي النَّواهِدُ الَّتِي تَكَعَّبَتْ ثُدِيُّهُنَّ وتَفَلَّكَتْ، أيْ يَكُونُ الثَّدْيُ في النُّتُوءِ كالكَعْبِ والفَلْكَةِ.
ورابِعُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَأْسًا دِهاقًا﴾ وفي الدِّهاقِ أقْوالٌ: الأوَّلُ: وهو قَوْلُ أكْثَرِ أهْلِ اللُّغَةِ كَأبِي عُبَيْدَةَ والزَّجّاجِ والكِسائِيِّ والمُبَرِّدِ، و(دِهاقًا) أيْ مُمْتَلِئَةً، دَعا ابْنُ عَبّاسٍ غُلامًا لَهُ فَقالَ: اسْقِنا دِهاقًا، فَجاءَ الغُلامُ بِها مَلْأى، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هَذا هو الدِّهاقُ، قالَ عِكْرِمَةُ: رُبَّما سَمِعْتُ ابْنَ عَبّاسٍ يَقُولُ: اسْقِنا وأدْهِقْ لَنا. القَوْلُ الثّانِي: دِهاقًا أيْ مُتَتابِعَةً وهو قَوْلُ أبِي هُرَيْرَةَ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٍ، قالَ الواحِدِيُّ: وأصْلُ هَذا القَوْلِ مِن قَوْلِ العَرَبِ: ادَّهَقَتِ الحِجارَةُ ادِّهاقًا، وهو شِدَّةُ تَلازُمِها ودُخُولُ بَعْضِها في بَعْضٍ، ذَكَرَها اللَّيْثُ، والمُتَتابِعُ كالمُتَداخِلِ. القَوْلُ الثّالِثُ: يُرْوى عَنْ عِكْرِمَةَ أنَّهُ قالَ: (دِهاقًا) أيْ صافِيَةً، والدِّهاقُ عَلى هَذا القَوْلِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ داهِقٍ، وهو خَشَبَتانِ يُعْصَرُ بِهِما، والمُرادُ بِالكَأْسِ الخَمْرُ، قالَ الضَّحّاكُ: كُلُّ كَأْسٍ في القُرْآنِ فَهو خَمْرٌ، التَّقْدِيرُ: وخَمْرًا ذاتَ دِهاقٍ، أيْ عُصِرَتْ وصُفِّيَتْ بِالدِّهاقِ.
صفحة ٢٠
وخامِسُها: قَوْلُهُ: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ولا كِذّابًا﴾ في الآيَةِ سُؤالانِ:
الأوَّلُ: الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: (فِيها) إلى ماذا يَعُودُ؟ الجَوابُ: فِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّها تَرْجِعُ إلى الكَأْسِ، أيْ لا يَجْرِي بَيْنَهم لَغْوٌ في الكَأْسِ الَّتِي يَشْرَبُونَها، وذَلِكَ لِأنَّ أهْلَ الشَّرابِ في الدُّنْيا يَتَكَلَّمُونَ بِالباطِلِ، وأهْلُ الجَنَّةِ إذا شَرِبُوا لَمْ يَتَغَيَّرْ عَقْلُهُمْ، ولَمْ يَتَكَلَّمُوا بِلَغْوٍ. والثّانِي: أنَّ الكِنايَةَ تَرْجِعُ إلى الجَنَّةِ، أيْ لا يَسْمَعُونَ في الجَنَّةِ شَيْئًا يَكْرَهُونَهُ.
السُّؤالُ الثّانِي: الكَذّابُ بِالتَّشْدِيدِ يُفِيدُ المُبالَغَةَ، فَوُرُودُهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَذَّبُوا بِآياتِنا كِذّابًا﴾ مُناسِبٌ؛ لِأنَّهُ يُفِيدُ المُبالَغَةَ في وصْفِهِمْ بِالكَذِبِ، أمّا وُرُودُهُ هاهُنا فَغَيْرُ لائِقٍ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ولا كِذّابًا﴾ يُفِيدُ أنَّهم لا يَسْمَعُونَ الكَذِبَ العَظِيمَ، وهَذا لا يَنْفِي أنَّهم يَسْمَعُونَ الكَذِبَ القَلِيلَ، ولَيْسَ مَقْصُودُ الآيَةِ ذَلِكَ بَلِ المَقْصُودُ المُبالَغَةُ في أنَّهم لا يَسْمَعُونَ الكَذِبَ البَتَّةَ، والحاصِلُ أنَّ هَذا اللَّفْظَ يُفِيدُ نَفْيَ المُبالَغَةِ واللّائِقُ بِالآيَةِ المُبالَغَةُ في النَّفْيِ. والجَوابُ: أنَّ الكِسائِيَّ قَرَأ الأوَّلَ بِالتَّشْدِيدِ والثّانِيَ بِالتَّخْفِيفِ، ولَعَلَّ غَرَضَهُ ما قَرَّرْناهُ في هَذا السُّؤالِ؛ لِأنَّ قِراءَةَ التَّخْفِيفِ هاهُنا تُفِيدُ أنَّهم لا يَسْمَعُونَ الكَذِبَ أصْلًا، لِأنَّ الكِذابَ بِالتَّخْفِيفِ والكَذِبَ واحِدٌ لِأنَّ أبا عَلِيٍّ الفارِسِيَّ قالَ: كِذابٌ مَصْدَرُ كَذَبَ كَكِتابٍ مَصْدَرُ كَتَبَ، فَإذا كانَ كَذَلِكَ كانَتِ القِراءَةُ بِالتَّخْفِيفِ تُفِيدُ المُبالَغَةَ في النَّفْيِ، وقِراءَةُ التَّشْدِيدِ في الأوَّلِ تُفِيدُ المُبالَغَةَ في الثُّبُوتِ، فَيَحْصُلُ المَقْصُودُ مِن هَذِهِ القِراءَةِ في المَوْضِعَيْنِ عَلى أكْمَلِ الوُجُوهِ، فَإنْ أخَذْنا بِقِراءَةِ الكِسائِيِّ فَقَدْ زالَ السُّؤالُ، وإنْ أخَذْنا بِقِراءَةِ التَّشْدِيدِ في المَوْضِعَيْنِ وهي قِراءَةُ الباقِينَ، فالعُذْرُ عَنْهُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ولا كِذّابًا﴾ إشارَةٌ إلى ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿وكَذَّبُوا بِآياتِنا كِذّابًا﴾، والمَعْنى أنَّ هَؤُلاءِ السُّعَداءَ لا يَسْمَعُونَ كَلامَهُمُ المُشَوَّشَ الباطِلَ الفاسِدَ، والحاصِلُ أنَّ النِّعَمَ الواصِلَةَ إلَيْهِمْ تَكُونُ خالِيَةً عَنْ زَحْمَةِ أعْدائِهِمْ وعَنْ سَماعِ كَلامِهِمُ الفاسِدِ وأقْوالِهِمُ الكاذِبَةِ الباطِلَةِ.
النبأ 78:32
أوَّلُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازًا﴾ أمّا المُتَّقِي فَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ، و(مَفازًا) يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا بِمَعْنى فَوْزًا وظَفَرًا بِالبُغْيَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَوْضِعَ فَوْزٍ، والفَوْزُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ فَوْزًا بِالمَطْلُوبِ، وأنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ فَوْزًا بِالنَّجاةِ مِنَ العَذابِ، وأنْ يَكُونَ المُرادُ مَجْمُوعَ الأمْرَيْنِ، وعِنْدِي أنَّ تَفْسِيرَهُ بِالفَوْزِ بِالمَطْلُوبِ أوْلى مِن تَفْسِيرِهِ بِالفَوْزِ بِالنَّجاةِ مِنَ العَذابِ، ومِن تَفْسِيرِهِ بِالفَوْزِ بِمَجْمُوعِ الأمْرَيْنِ أعْنِي النَّجاةَ مِنَ الهَلاكِ والوُصُولَ إلى المَطْلُوبِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى فَسَّرَ المَفازَ بِما بَعْدَهُ وهو قَوْلُهُ: ﴿حَدائِقَ وأعْنابًا﴾ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ المَفازِ هَذا القَدْرُ، فَإنْ قِيلَ: الخَلاصُ مِنَ الهَلاكِ أهَمُّ مِن حُصُولِ اللَّذَّةِ، فَلِمَ أُهْمِلَ الأهَمُّ وذُكِرَ غَيْرُ الأهَمِّ؟ قُلْنا: لِأنَّ الخَلاصَ مِنَ الهَلاكِ لا يَسْتَلْزِمُ الفَوْزَ بِاللَّذَّةِ والخَيْرِ، أمّا الفَوْزُ بِاللَّذَّةِ والخَيْرِ فَيَسْتَلْزِمُ الخَلاصَ مِنَ الهَلاكِ، فَكانَ ذِكْرُ هَذا أوْلى.
وثانِيها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَدائِقَ وأعْنابًا﴾ والحَدائِقُ جَمْعُ حَدِيقَةٍ، وهي بُسْتانٌ مَحُوطٌ عَلَيْهِ، مِن قَوْلِهِمْ: أحْدَقُوا بِهِ أيْ أحاطُوا بِهِ، والتَّنْكِيرُ في قَوْلِهِ: (وأعْنابًا) يَدُلُّ عَلى تَعْظِيمِ حالِ تِلْكَ الأعْنابِ.
وثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَواعِبَ أتْرابًا﴾ كَواعِبُ جَمْعُ كاعِبٍ وهي النَّواهِدُ الَّتِي تَكَعَّبَتْ ثُدِيُّهُنَّ وتَفَلَّكَتْ، أيْ يَكُونُ الثَّدْيُ في النُّتُوءِ كالكَعْبِ والفَلْكَةِ.
ورابِعُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَأْسًا دِهاقًا﴾ وفي الدِّهاقِ أقْوالٌ: الأوَّلُ: وهو قَوْلُ أكْثَرِ أهْلِ اللُّغَةِ كَأبِي عُبَيْدَةَ والزَّجّاجِ والكِسائِيِّ والمُبَرِّدِ، و(دِهاقًا) أيْ مُمْتَلِئَةً، دَعا ابْنُ عَبّاسٍ غُلامًا لَهُ فَقالَ: اسْقِنا دِهاقًا، فَجاءَ الغُلامُ بِها مَلْأى، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هَذا هو الدِّهاقُ، قالَ عِكْرِمَةُ: رُبَّما سَمِعْتُ ابْنَ عَبّاسٍ يَقُولُ: اسْقِنا وأدْهِقْ لَنا. القَوْلُ الثّانِي: دِهاقًا أيْ مُتَتابِعَةً وهو قَوْلُ أبِي هُرَيْرَةَ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٍ، قالَ الواحِدِيُّ: وأصْلُ هَذا القَوْلِ مِن قَوْلِ العَرَبِ: ادَّهَقَتِ الحِجارَةُ ادِّهاقًا، وهو شِدَّةُ تَلازُمِها ودُخُولُ بَعْضِها في بَعْضٍ، ذَكَرَها اللَّيْثُ، والمُتَتابِعُ كالمُتَداخِلِ. القَوْلُ الثّالِثُ: يُرْوى عَنْ عِكْرِمَةَ أنَّهُ قالَ: (دِهاقًا) أيْ صافِيَةً، والدِّهاقُ عَلى هَذا القَوْلِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ داهِقٍ، وهو خَشَبَتانِ يُعْصَرُ بِهِما، والمُرادُ بِالكَأْسِ الخَمْرُ، قالَ الضَّحّاكُ: كُلُّ كَأْسٍ في القُرْآنِ فَهو خَمْرٌ، التَّقْدِيرُ: وخَمْرًا ذاتَ دِهاقٍ، أيْ عُصِرَتْ وصُفِّيَتْ بِالدِّهاقِ.
صفحة ٢٠
وخامِسُها: قَوْلُهُ: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ولا كِذّابًا﴾ في الآيَةِ سُؤالانِ:
الأوَّلُ: الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: (فِيها) إلى ماذا يَعُودُ؟ الجَوابُ: فِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّها تَرْجِعُ إلى الكَأْسِ، أيْ لا يَجْرِي بَيْنَهم لَغْوٌ في الكَأْسِ الَّتِي يَشْرَبُونَها، وذَلِكَ لِأنَّ أهْلَ الشَّرابِ في الدُّنْيا يَتَكَلَّمُونَ بِالباطِلِ، وأهْلُ الجَنَّةِ إذا شَرِبُوا لَمْ يَتَغَيَّرْ عَقْلُهُمْ، ولَمْ يَتَكَلَّمُوا بِلَغْوٍ. والثّانِي: أنَّ الكِنايَةَ تَرْجِعُ إلى الجَنَّةِ، أيْ لا يَسْمَعُونَ في الجَنَّةِ شَيْئًا يَكْرَهُونَهُ.
السُّؤالُ الثّانِي: الكَذّابُ بِالتَّشْدِيدِ يُفِيدُ المُبالَغَةَ، فَوُرُودُهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَذَّبُوا بِآياتِنا كِذّابًا﴾ مُناسِبٌ؛ لِأنَّهُ يُفِيدُ المُبالَغَةَ في وصْفِهِمْ بِالكَذِبِ، أمّا وُرُودُهُ هاهُنا فَغَيْرُ لائِقٍ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ولا كِذّابًا﴾ يُفِيدُ أنَّهم لا يَسْمَعُونَ الكَذِبَ العَظِيمَ، وهَذا لا يَنْفِي أنَّهم يَسْمَعُونَ الكَذِبَ القَلِيلَ، ولَيْسَ مَقْصُودُ الآيَةِ ذَلِكَ بَلِ المَقْصُودُ المُبالَغَةُ في أنَّهم لا يَسْمَعُونَ الكَذِبَ البَتَّةَ، والحاصِلُ أنَّ هَذا اللَّفْظَ يُفِيدُ نَفْيَ المُبالَغَةِ واللّائِقُ بِالآيَةِ المُبالَغَةُ في النَّفْيِ. والجَوابُ: أنَّ الكِسائِيَّ قَرَأ الأوَّلَ بِالتَّشْدِيدِ والثّانِيَ بِالتَّخْفِيفِ، ولَعَلَّ غَرَضَهُ ما قَرَّرْناهُ في هَذا السُّؤالِ؛ لِأنَّ قِراءَةَ التَّخْفِيفِ هاهُنا تُفِيدُ أنَّهم لا يَسْمَعُونَ الكَذِبَ أصْلًا، لِأنَّ الكِذابَ بِالتَّخْفِيفِ والكَذِبَ واحِدٌ لِأنَّ أبا عَلِيٍّ الفارِسِيَّ قالَ: كِذابٌ مَصْدَرُ كَذَبَ كَكِتابٍ مَصْدَرُ كَتَبَ، فَإذا كانَ كَذَلِكَ كانَتِ القِراءَةُ بِالتَّخْفِيفِ تُفِيدُ المُبالَغَةَ في النَّفْيِ، وقِراءَةُ التَّشْدِيدِ في الأوَّلِ تُفِيدُ المُبالَغَةَ في الثُّبُوتِ، فَيَحْصُلُ المَقْصُودُ مِن هَذِهِ القِراءَةِ في المَوْضِعَيْنِ عَلى أكْمَلِ الوُجُوهِ، فَإنْ أخَذْنا بِقِراءَةِ الكِسائِيِّ فَقَدْ زالَ السُّؤالُ، وإنْ أخَذْنا بِقِراءَةِ التَّشْدِيدِ في المَوْضِعَيْنِ وهي قِراءَةُ الباقِينَ، فالعُذْرُ عَنْهُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ولا كِذّابًا﴾ إشارَةٌ إلى ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿وكَذَّبُوا بِآياتِنا كِذّابًا﴾، والمَعْنى أنَّ هَؤُلاءِ السُّعَداءَ لا يَسْمَعُونَ كَلامَهُمُ المُشَوَّشَ الباطِلَ الفاسِدَ، والحاصِلُ أنَّ النِّعَمَ الواصِلَةَ إلَيْهِمْ تَكُونُ خالِيَةً عَنْ زَحْمَةِ أعْدائِهِمْ وعَنْ سَماعِ كَلامِهِمُ الفاسِدِ وأقْوالِهِمُ الكاذِبَةِ الباطِلَةِ.
النبأ 78:33
أوَّلُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازًا﴾ أمّا المُتَّقِي فَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ، و(مَفازًا) يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا بِمَعْنى فَوْزًا وظَفَرًا بِالبُغْيَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَوْضِعَ فَوْزٍ، والفَوْزُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ فَوْزًا بِالمَطْلُوبِ، وأنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ فَوْزًا بِالنَّجاةِ مِنَ العَذابِ، وأنْ يَكُونَ المُرادُ مَجْمُوعَ الأمْرَيْنِ، وعِنْدِي أنَّ تَفْسِيرَهُ بِالفَوْزِ بِالمَطْلُوبِ أوْلى مِن تَفْسِيرِهِ بِالفَوْزِ بِالنَّجاةِ مِنَ العَذابِ، ومِن تَفْسِيرِهِ بِالفَوْزِ بِمَجْمُوعِ الأمْرَيْنِ أعْنِي النَّجاةَ مِنَ الهَلاكِ والوُصُولَ إلى المَطْلُوبِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى فَسَّرَ المَفازَ بِما بَعْدَهُ وهو قَوْلُهُ: ﴿حَدائِقَ وأعْنابًا﴾ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ المَفازِ هَذا القَدْرُ، فَإنْ قِيلَ: الخَلاصُ مِنَ الهَلاكِ أهَمُّ مِن حُصُولِ اللَّذَّةِ، فَلِمَ أُهْمِلَ الأهَمُّ وذُكِرَ غَيْرُ الأهَمِّ؟ قُلْنا: لِأنَّ الخَلاصَ مِنَ الهَلاكِ لا يَسْتَلْزِمُ الفَوْزَ بِاللَّذَّةِ والخَيْرِ، أمّا الفَوْزُ بِاللَّذَّةِ والخَيْرِ فَيَسْتَلْزِمُ الخَلاصَ مِنَ الهَلاكِ، فَكانَ ذِكْرُ هَذا أوْلى.
وثانِيها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَدائِقَ وأعْنابًا﴾ والحَدائِقُ جَمْعُ حَدِيقَةٍ، وهي بُسْتانٌ مَحُوطٌ عَلَيْهِ، مِن قَوْلِهِمْ: أحْدَقُوا بِهِ أيْ أحاطُوا بِهِ، والتَّنْكِيرُ في قَوْلِهِ: (وأعْنابًا) يَدُلُّ عَلى تَعْظِيمِ حالِ تِلْكَ الأعْنابِ.
وثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَواعِبَ أتْرابًا﴾ كَواعِبُ جَمْعُ كاعِبٍ وهي النَّواهِدُ الَّتِي تَكَعَّبَتْ ثُدِيُّهُنَّ وتَفَلَّكَتْ، أيْ يَكُونُ الثَّدْيُ في النُّتُوءِ كالكَعْبِ والفَلْكَةِ.
ورابِعُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَأْسًا دِهاقًا﴾ وفي الدِّهاقِ أقْوالٌ: الأوَّلُ: وهو قَوْلُ أكْثَرِ أهْلِ اللُّغَةِ كَأبِي عُبَيْدَةَ والزَّجّاجِ والكِسائِيِّ والمُبَرِّدِ، و(دِهاقًا) أيْ مُمْتَلِئَةً، دَعا ابْنُ عَبّاسٍ غُلامًا لَهُ فَقالَ: اسْقِنا دِهاقًا، فَجاءَ الغُلامُ بِها مَلْأى، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هَذا هو الدِّهاقُ، قالَ عِكْرِمَةُ: رُبَّما سَمِعْتُ ابْنَ عَبّاسٍ يَقُولُ: اسْقِنا وأدْهِقْ لَنا. القَوْلُ الثّانِي: دِهاقًا أيْ مُتَتابِعَةً وهو قَوْلُ أبِي هُرَيْرَةَ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٍ، قالَ الواحِدِيُّ: وأصْلُ هَذا القَوْلِ مِن قَوْلِ العَرَبِ: ادَّهَقَتِ الحِجارَةُ ادِّهاقًا، وهو شِدَّةُ تَلازُمِها ودُخُولُ بَعْضِها في بَعْضٍ، ذَكَرَها اللَّيْثُ، والمُتَتابِعُ كالمُتَداخِلِ. القَوْلُ الثّالِثُ: يُرْوى عَنْ عِكْرِمَةَ أنَّهُ قالَ: (دِهاقًا) أيْ صافِيَةً، والدِّهاقُ عَلى هَذا القَوْلِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ داهِقٍ، وهو خَشَبَتانِ يُعْصَرُ بِهِما، والمُرادُ بِالكَأْسِ الخَمْرُ، قالَ الضَّحّاكُ: كُلُّ كَأْسٍ في القُرْآنِ فَهو خَمْرٌ، التَّقْدِيرُ: وخَمْرًا ذاتَ دِهاقٍ، أيْ عُصِرَتْ وصُفِّيَتْ بِالدِّهاقِ.
صفحة ٢٠
وخامِسُها: قَوْلُهُ: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ولا كِذّابًا﴾ في الآيَةِ سُؤالانِ:
الأوَّلُ: الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: (فِيها) إلى ماذا يَعُودُ؟ الجَوابُ: فِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّها تَرْجِعُ إلى الكَأْسِ، أيْ لا يَجْرِي بَيْنَهم لَغْوٌ في الكَأْسِ الَّتِي يَشْرَبُونَها، وذَلِكَ لِأنَّ أهْلَ الشَّرابِ في الدُّنْيا يَتَكَلَّمُونَ بِالباطِلِ، وأهْلُ الجَنَّةِ إذا شَرِبُوا لَمْ يَتَغَيَّرْ عَقْلُهُمْ، ولَمْ يَتَكَلَّمُوا بِلَغْوٍ. والثّانِي: أنَّ الكِنايَةَ تَرْجِعُ إلى الجَنَّةِ، أيْ لا يَسْمَعُونَ في الجَنَّةِ شَيْئًا يَكْرَهُونَهُ.
السُّؤالُ الثّانِي: الكَذّابُ بِالتَّشْدِيدِ يُفِيدُ المُبالَغَةَ، فَوُرُودُهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَذَّبُوا بِآياتِنا كِذّابًا﴾ مُناسِبٌ؛ لِأنَّهُ يُفِيدُ المُبالَغَةَ في وصْفِهِمْ بِالكَذِبِ، أمّا وُرُودُهُ هاهُنا فَغَيْرُ لائِقٍ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ولا كِذّابًا﴾ يُفِيدُ أنَّهم لا يَسْمَعُونَ الكَذِبَ العَظِيمَ، وهَذا لا يَنْفِي أنَّهم يَسْمَعُونَ الكَذِبَ القَلِيلَ، ولَيْسَ مَقْصُودُ الآيَةِ ذَلِكَ بَلِ المَقْصُودُ المُبالَغَةُ في أنَّهم لا يَسْمَعُونَ الكَذِبَ البَتَّةَ، والحاصِلُ أنَّ هَذا اللَّفْظَ يُفِيدُ نَفْيَ المُبالَغَةِ واللّائِقُ بِالآيَةِ المُبالَغَةُ في النَّفْيِ. والجَوابُ: أنَّ الكِسائِيَّ قَرَأ الأوَّلَ بِالتَّشْدِيدِ والثّانِيَ بِالتَّخْفِيفِ، ولَعَلَّ غَرَضَهُ ما قَرَّرْناهُ في هَذا السُّؤالِ؛ لِأنَّ قِراءَةَ التَّخْفِيفِ هاهُنا تُفِيدُ أنَّهم لا يَسْمَعُونَ الكَذِبَ أصْلًا، لِأنَّ الكِذابَ بِالتَّخْفِيفِ والكَذِبَ واحِدٌ لِأنَّ أبا عَلِيٍّ الفارِسِيَّ قالَ: كِذابٌ مَصْدَرُ كَذَبَ كَكِتابٍ مَصْدَرُ كَتَبَ، فَإذا كانَ كَذَلِكَ كانَتِ القِراءَةُ بِالتَّخْفِيفِ تُفِيدُ المُبالَغَةَ في النَّفْيِ، وقِراءَةُ التَّشْدِيدِ في الأوَّلِ تُفِيدُ المُبالَغَةَ في الثُّبُوتِ، فَيَحْصُلُ المَقْصُودُ مِن هَذِهِ القِراءَةِ في المَوْضِعَيْنِ عَلى أكْمَلِ الوُجُوهِ، فَإنْ أخَذْنا بِقِراءَةِ الكِسائِيِّ فَقَدْ زالَ السُّؤالُ، وإنْ أخَذْنا بِقِراءَةِ التَّشْدِيدِ في المَوْضِعَيْنِ وهي قِراءَةُ الباقِينَ، فالعُذْرُ عَنْهُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ولا كِذّابًا﴾ إشارَةٌ إلى ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿وكَذَّبُوا بِآياتِنا كِذّابًا﴾، والمَعْنى أنَّ هَؤُلاءِ السُّعَداءَ لا يَسْمَعُونَ كَلامَهُمُ المُشَوَّشَ الباطِلَ الفاسِدَ، والحاصِلُ أنَّ النِّعَمَ الواصِلَةَ إلَيْهِمْ تَكُونُ خالِيَةً عَنْ زَحْمَةِ أعْدائِهِمْ وعَنْ سَماعِ كَلامِهِمُ الفاسِدِ وأقْوالِهِمُ الكاذِبَةِ الباطِلَةِ.
النبأ 78:34
أوَّلُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازًا﴾ أمّا المُتَّقِي فَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ، و(مَفازًا) يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا بِمَعْنى فَوْزًا وظَفَرًا بِالبُغْيَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَوْضِعَ فَوْزٍ، والفَوْزُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ فَوْزًا بِالمَطْلُوبِ، وأنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ فَوْزًا بِالنَّجاةِ مِنَ العَذابِ، وأنْ يَكُونَ المُرادُ مَجْمُوعَ الأمْرَيْنِ، وعِنْدِي أنَّ تَفْسِيرَهُ بِالفَوْزِ بِالمَطْلُوبِ أوْلى مِن تَفْسِيرِهِ بِالفَوْزِ بِالنَّجاةِ مِنَ العَذابِ، ومِن تَفْسِيرِهِ بِالفَوْزِ بِمَجْمُوعِ الأمْرَيْنِ أعْنِي النَّجاةَ مِنَ الهَلاكِ والوُصُولَ إلى المَطْلُوبِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى فَسَّرَ المَفازَ بِما بَعْدَهُ وهو قَوْلُهُ: ﴿حَدائِقَ وأعْنابًا﴾ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ المَفازِ هَذا القَدْرُ، فَإنْ قِيلَ: الخَلاصُ مِنَ الهَلاكِ أهَمُّ مِن حُصُولِ اللَّذَّةِ، فَلِمَ أُهْمِلَ الأهَمُّ وذُكِرَ غَيْرُ الأهَمِّ؟ قُلْنا: لِأنَّ الخَلاصَ مِنَ الهَلاكِ لا يَسْتَلْزِمُ الفَوْزَ بِاللَّذَّةِ والخَيْرِ، أمّا الفَوْزُ بِاللَّذَّةِ والخَيْرِ فَيَسْتَلْزِمُ الخَلاصَ مِنَ الهَلاكِ، فَكانَ ذِكْرُ هَذا أوْلى.
وثانِيها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَدائِقَ وأعْنابًا﴾ والحَدائِقُ جَمْعُ حَدِيقَةٍ، وهي بُسْتانٌ مَحُوطٌ عَلَيْهِ، مِن قَوْلِهِمْ: أحْدَقُوا بِهِ أيْ أحاطُوا بِهِ، والتَّنْكِيرُ في قَوْلِهِ: (وأعْنابًا) يَدُلُّ عَلى تَعْظِيمِ حالِ تِلْكَ الأعْنابِ.
وثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَواعِبَ أتْرابًا﴾ كَواعِبُ جَمْعُ كاعِبٍ وهي النَّواهِدُ الَّتِي تَكَعَّبَتْ ثُدِيُّهُنَّ وتَفَلَّكَتْ، أيْ يَكُونُ الثَّدْيُ في النُّتُوءِ كالكَعْبِ والفَلْكَةِ.
ورابِعُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَأْسًا دِهاقًا﴾ وفي الدِّهاقِ أقْوالٌ: الأوَّلُ: وهو قَوْلُ أكْثَرِ أهْلِ اللُّغَةِ كَأبِي عُبَيْدَةَ والزَّجّاجِ والكِسائِيِّ والمُبَرِّدِ، و(دِهاقًا) أيْ مُمْتَلِئَةً، دَعا ابْنُ عَبّاسٍ غُلامًا لَهُ فَقالَ: اسْقِنا دِهاقًا، فَجاءَ الغُلامُ بِها مَلْأى، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هَذا هو الدِّهاقُ، قالَ عِكْرِمَةُ: رُبَّما سَمِعْتُ ابْنَ عَبّاسٍ يَقُولُ: اسْقِنا وأدْهِقْ لَنا. القَوْلُ الثّانِي: دِهاقًا أيْ مُتَتابِعَةً وهو قَوْلُ أبِي هُرَيْرَةَ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٍ، قالَ الواحِدِيُّ: وأصْلُ هَذا القَوْلِ مِن قَوْلِ العَرَبِ: ادَّهَقَتِ الحِجارَةُ ادِّهاقًا، وهو شِدَّةُ تَلازُمِها ودُخُولُ بَعْضِها في بَعْضٍ، ذَكَرَها اللَّيْثُ، والمُتَتابِعُ كالمُتَداخِلِ. القَوْلُ الثّالِثُ: يُرْوى عَنْ عِكْرِمَةَ أنَّهُ قالَ: (دِهاقًا) أيْ صافِيَةً، والدِّهاقُ عَلى هَذا القَوْلِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ داهِقٍ، وهو خَشَبَتانِ يُعْصَرُ بِهِما، والمُرادُ بِالكَأْسِ الخَمْرُ، قالَ الضَّحّاكُ: كُلُّ كَأْسٍ في القُرْآنِ فَهو خَمْرٌ، التَّقْدِيرُ: وخَمْرًا ذاتَ دِهاقٍ، أيْ عُصِرَتْ وصُفِّيَتْ بِالدِّهاقِ.
صفحة ٢٠
وخامِسُها: قَوْلُهُ: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ولا كِذّابًا﴾ في الآيَةِ سُؤالانِ:
الأوَّلُ: الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: (فِيها) إلى ماذا يَعُودُ؟ الجَوابُ: فِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّها تَرْجِعُ إلى الكَأْسِ، أيْ لا يَجْرِي بَيْنَهم لَغْوٌ في الكَأْسِ الَّتِي يَشْرَبُونَها، وذَلِكَ لِأنَّ أهْلَ الشَّرابِ في الدُّنْيا يَتَكَلَّمُونَ بِالباطِلِ، وأهْلُ الجَنَّةِ إذا شَرِبُوا لَمْ يَتَغَيَّرْ عَقْلُهُمْ، ولَمْ يَتَكَلَّمُوا بِلَغْوٍ. والثّانِي: أنَّ الكِنايَةَ تَرْجِعُ إلى الجَنَّةِ، أيْ لا يَسْمَعُونَ في الجَنَّةِ شَيْئًا يَكْرَهُونَهُ.
السُّؤالُ الثّانِي: الكَذّابُ بِالتَّشْدِيدِ يُفِيدُ المُبالَغَةَ، فَوُرُودُهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَذَّبُوا بِآياتِنا كِذّابًا﴾ مُناسِبٌ؛ لِأنَّهُ يُفِيدُ المُبالَغَةَ في وصْفِهِمْ بِالكَذِبِ، أمّا وُرُودُهُ هاهُنا فَغَيْرُ لائِقٍ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ولا كِذّابًا﴾ يُفِيدُ أنَّهم لا يَسْمَعُونَ الكَذِبَ العَظِيمَ، وهَذا لا يَنْفِي أنَّهم يَسْمَعُونَ الكَذِبَ القَلِيلَ، ولَيْسَ مَقْصُودُ الآيَةِ ذَلِكَ بَلِ المَقْصُودُ المُبالَغَةُ في أنَّهم لا يَسْمَعُونَ الكَذِبَ البَتَّةَ، والحاصِلُ أنَّ هَذا اللَّفْظَ يُفِيدُ نَفْيَ المُبالَغَةِ واللّائِقُ بِالآيَةِ المُبالَغَةُ في النَّفْيِ. والجَوابُ: أنَّ الكِسائِيَّ قَرَأ الأوَّلَ بِالتَّشْدِيدِ والثّانِيَ بِالتَّخْفِيفِ، ولَعَلَّ غَرَضَهُ ما قَرَّرْناهُ في هَذا السُّؤالِ؛ لِأنَّ قِراءَةَ التَّخْفِيفِ هاهُنا تُفِيدُ أنَّهم لا يَسْمَعُونَ الكَذِبَ أصْلًا، لِأنَّ الكِذابَ بِالتَّخْفِيفِ والكَذِبَ واحِدٌ لِأنَّ أبا عَلِيٍّ الفارِسِيَّ قالَ: كِذابٌ مَصْدَرُ كَذَبَ كَكِتابٍ مَصْدَرُ كَتَبَ، فَإذا كانَ كَذَلِكَ كانَتِ القِراءَةُ بِالتَّخْفِيفِ تُفِيدُ المُبالَغَةَ في النَّفْيِ، وقِراءَةُ التَّشْدِيدِ في الأوَّلِ تُفِيدُ المُبالَغَةَ في الثُّبُوتِ، فَيَحْصُلُ المَقْصُودُ مِن هَذِهِ القِراءَةِ في المَوْضِعَيْنِ عَلى أكْمَلِ الوُجُوهِ، فَإنْ أخَذْنا بِقِراءَةِ الكِسائِيِّ فَقَدْ زالَ السُّؤالُ، وإنْ أخَذْنا بِقِراءَةِ التَّشْدِيدِ في المَوْضِعَيْنِ وهي قِراءَةُ الباقِينَ، فالعُذْرُ عَنْهُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ولا كِذّابًا﴾ إشارَةٌ إلى ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿وكَذَّبُوا بِآياتِنا كِذّابًا﴾، والمَعْنى أنَّ هَؤُلاءِ السُّعَداءَ لا يَسْمَعُونَ كَلامَهُمُ المُشَوَّشَ الباطِلَ الفاسِدَ، والحاصِلُ أنَّ النِّعَمَ الواصِلَةَ إلَيْهِمْ تَكُونُ خالِيَةً عَنْ زَحْمَةِ أعْدائِهِمْ وعَنْ سَماعِ كَلامِهِمُ الفاسِدِ وأقْوالِهِمُ الكاذِبَةِ الباطِلَةِ.
النبأ 78:35
أوَّلُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازًا﴾ أمّا المُتَّقِي فَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ، و(مَفازًا) يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا بِمَعْنى فَوْزًا وظَفَرًا بِالبُغْيَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَوْضِعَ فَوْزٍ، والفَوْزُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ فَوْزًا بِالمَطْلُوبِ، وأنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ فَوْزًا بِالنَّجاةِ مِنَ العَذابِ، وأنْ يَكُونَ المُرادُ مَجْمُوعَ الأمْرَيْنِ، وعِنْدِي أنَّ تَفْسِيرَهُ بِالفَوْزِ بِالمَطْلُوبِ أوْلى مِن تَفْسِيرِهِ بِالفَوْزِ بِالنَّجاةِ مِنَ العَذابِ، ومِن تَفْسِيرِهِ بِالفَوْزِ بِمَجْمُوعِ الأمْرَيْنِ أعْنِي النَّجاةَ مِنَ الهَلاكِ والوُصُولَ إلى المَطْلُوبِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى فَسَّرَ المَفازَ بِما بَعْدَهُ وهو قَوْلُهُ: ﴿حَدائِقَ وأعْنابًا﴾ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ المَفازِ هَذا القَدْرُ، فَإنْ قِيلَ: الخَلاصُ مِنَ الهَلاكِ أهَمُّ مِن حُصُولِ اللَّذَّةِ، فَلِمَ أُهْمِلَ الأهَمُّ وذُكِرَ غَيْرُ الأهَمِّ؟ قُلْنا: لِأنَّ الخَلاصَ مِنَ الهَلاكِ لا يَسْتَلْزِمُ الفَوْزَ بِاللَّذَّةِ والخَيْرِ، أمّا الفَوْزُ بِاللَّذَّةِ والخَيْرِ فَيَسْتَلْزِمُ الخَلاصَ مِنَ الهَلاكِ، فَكانَ ذِكْرُ هَذا أوْلى.
وثانِيها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَدائِقَ وأعْنابًا﴾ والحَدائِقُ جَمْعُ حَدِيقَةٍ، وهي بُسْتانٌ مَحُوطٌ عَلَيْهِ، مِن قَوْلِهِمْ: أحْدَقُوا بِهِ أيْ أحاطُوا بِهِ، والتَّنْكِيرُ في قَوْلِهِ: (وأعْنابًا) يَدُلُّ عَلى تَعْظِيمِ حالِ تِلْكَ الأعْنابِ.
وثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَواعِبَ أتْرابًا﴾ كَواعِبُ جَمْعُ كاعِبٍ وهي النَّواهِدُ الَّتِي تَكَعَّبَتْ ثُدِيُّهُنَّ وتَفَلَّكَتْ، أيْ يَكُونُ الثَّدْيُ في النُّتُوءِ كالكَعْبِ والفَلْكَةِ.
ورابِعُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَأْسًا دِهاقًا﴾ وفي الدِّهاقِ أقْوالٌ: الأوَّلُ: وهو قَوْلُ أكْثَرِ أهْلِ اللُّغَةِ كَأبِي عُبَيْدَةَ والزَّجّاجِ والكِسائِيِّ والمُبَرِّدِ، و(دِهاقًا) أيْ مُمْتَلِئَةً، دَعا ابْنُ عَبّاسٍ غُلامًا لَهُ فَقالَ: اسْقِنا دِهاقًا، فَجاءَ الغُلامُ بِها مَلْأى، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هَذا هو الدِّهاقُ، قالَ عِكْرِمَةُ: رُبَّما سَمِعْتُ ابْنَ عَبّاسٍ يَقُولُ: اسْقِنا وأدْهِقْ لَنا. القَوْلُ الثّانِي: دِهاقًا أيْ مُتَتابِعَةً وهو قَوْلُ أبِي هُرَيْرَةَ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٍ، قالَ الواحِدِيُّ: وأصْلُ هَذا القَوْلِ مِن قَوْلِ العَرَبِ: ادَّهَقَتِ الحِجارَةُ ادِّهاقًا، وهو شِدَّةُ تَلازُمِها ودُخُولُ بَعْضِها في بَعْضٍ، ذَكَرَها اللَّيْثُ، والمُتَتابِعُ كالمُتَداخِلِ. القَوْلُ الثّالِثُ: يُرْوى عَنْ عِكْرِمَةَ أنَّهُ قالَ: (دِهاقًا) أيْ صافِيَةً، والدِّهاقُ عَلى هَذا القَوْلِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ داهِقٍ، وهو خَشَبَتانِ يُعْصَرُ بِهِما، والمُرادُ بِالكَأْسِ الخَمْرُ، قالَ الضَّحّاكُ: كُلُّ كَأْسٍ في القُرْآنِ فَهو خَمْرٌ، التَّقْدِيرُ: وخَمْرًا ذاتَ دِهاقٍ، أيْ عُصِرَتْ وصُفِّيَتْ بِالدِّهاقِ.
صفحة ٢٠
وخامِسُها: قَوْلُهُ: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ولا كِذّابًا﴾ في الآيَةِ سُؤالانِ:
الأوَّلُ: الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: (فِيها) إلى ماذا يَعُودُ؟ الجَوابُ: فِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّها تَرْجِعُ إلى الكَأْسِ، أيْ لا يَجْرِي بَيْنَهم لَغْوٌ في الكَأْسِ الَّتِي يَشْرَبُونَها، وذَلِكَ لِأنَّ أهْلَ الشَّرابِ في الدُّنْيا يَتَكَلَّمُونَ بِالباطِلِ، وأهْلُ الجَنَّةِ إذا شَرِبُوا لَمْ يَتَغَيَّرْ عَقْلُهُمْ، ولَمْ يَتَكَلَّمُوا بِلَغْوٍ. والثّانِي: أنَّ الكِنايَةَ تَرْجِعُ إلى الجَنَّةِ، أيْ لا يَسْمَعُونَ في الجَنَّةِ شَيْئًا يَكْرَهُونَهُ.
السُّؤالُ الثّانِي: الكَذّابُ بِالتَّشْدِيدِ يُفِيدُ المُبالَغَةَ، فَوُرُودُهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَذَّبُوا بِآياتِنا كِذّابًا﴾ مُناسِبٌ؛ لِأنَّهُ يُفِيدُ المُبالَغَةَ في وصْفِهِمْ بِالكَذِبِ، أمّا وُرُودُهُ هاهُنا فَغَيْرُ لائِقٍ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ولا كِذّابًا﴾ يُفِيدُ أنَّهم لا يَسْمَعُونَ الكَذِبَ العَظِيمَ، وهَذا لا يَنْفِي أنَّهم يَسْمَعُونَ الكَذِبَ القَلِيلَ، ولَيْسَ مَقْصُودُ الآيَةِ ذَلِكَ بَلِ المَقْصُودُ المُبالَغَةُ في أنَّهم لا يَسْمَعُونَ الكَذِبَ البَتَّةَ، والحاصِلُ أنَّ هَذا اللَّفْظَ يُفِيدُ نَفْيَ المُبالَغَةِ واللّائِقُ بِالآيَةِ المُبالَغَةُ في النَّفْيِ. والجَوابُ: أنَّ الكِسائِيَّ قَرَأ الأوَّلَ بِالتَّشْدِيدِ والثّانِيَ بِالتَّخْفِيفِ، ولَعَلَّ غَرَضَهُ ما قَرَّرْناهُ في هَذا السُّؤالِ؛ لِأنَّ قِراءَةَ التَّخْفِيفِ هاهُنا تُفِيدُ أنَّهم لا يَسْمَعُونَ الكَذِبَ أصْلًا، لِأنَّ الكِذابَ بِالتَّخْفِيفِ والكَذِبَ واحِدٌ لِأنَّ أبا عَلِيٍّ الفارِسِيَّ قالَ: كِذابٌ مَصْدَرُ كَذَبَ كَكِتابٍ مَصْدَرُ كَتَبَ، فَإذا كانَ كَذَلِكَ كانَتِ القِراءَةُ بِالتَّخْفِيفِ تُفِيدُ المُبالَغَةَ في النَّفْيِ، وقِراءَةُ التَّشْدِيدِ في الأوَّلِ تُفِيدُ المُبالَغَةَ في الثُّبُوتِ، فَيَحْصُلُ المَقْصُودُ مِن هَذِهِ القِراءَةِ في المَوْضِعَيْنِ عَلى أكْمَلِ الوُجُوهِ، فَإنْ أخَذْنا بِقِراءَةِ الكِسائِيِّ فَقَدْ زالَ السُّؤالُ، وإنْ أخَذْنا بِقِراءَةِ التَّشْدِيدِ في المَوْضِعَيْنِ وهي قِراءَةُ الباقِينَ، فالعُذْرُ عَنْهُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ولا كِذّابًا﴾ إشارَةٌ إلى ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿وكَذَّبُوا بِآياتِنا كِذّابًا﴾، والمَعْنى أنَّ هَؤُلاءِ السُّعَداءَ لا يَسْمَعُونَ كَلامَهُمُ المُشَوَّشَ الباطِلَ الفاسِدَ، والحاصِلُ أنَّ النِّعَمَ الواصِلَةَ إلَيْهِمْ تَكُونُ خالِيَةً عَنْ زَحْمَةِ أعْدائِهِمْ وعَنْ سَماعِ كَلامِهِمُ الفاسِدِ وأقْوالِهِمُ الكاذِبَةِ الباطِلَةِ.
النبأ 78:36
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا عَدَّدَ أقْسامَ نَعِيمِ أهْلِ الجَنَّةِ قالَ: ﴿جَزاءً مِن رَبِّكَ عَطاءً حِسابًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى جازاهم بِذَلِكَ جَزاءً، وكَذَلِكَ عَطاءً؛ لِأنَّ مَعْنى جازاهم وأعْطاهم واحِدٌ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في الآيَةِ سُؤالٌ وهو أنَّهُ تَعالى جَعَلَ الشَّيْءَ الواحِدَ جَزاءً وعَطاءً، وذَلِكَ مُحالٌ؛ لِأنَّ كَوْنَهُ جَزاءً يَسْتَدْعِي ثُبُوتَ الِاسْتِحْقاقِ، وكَوْنَهُ عَطاءً يَسْتَدْعِي عَدَمَ الِاسْتِحْقاقِ، والجَمْعُ بَيْنَهُما مُتَنافٍ. والجَوابُ عَنْهُ لا يَصِحُّ إلّا عَلى قَوْلِنا وهو أنَّ ذَلِكَ الِاسْتِحْقاقَ إنَّما ثَبَتَ بِحُكْمِ الوَعْدِ، لا مِن حَيْثُ إنَّ الفِعْلَ يُوجِبُ الثَّوابَ عَلى اللَّهِ، فَذَلِكَ الثَّوابُ نَظَرًا إلى الوَعْدِ المُتَرَتِّبِ عَلى ذَلِكَ الفِعْلِ يَكُونُ جَزاءً، ونَظَرًا إلى أنَّهُ لا يَجِبُ عَلى اللَّهِ لِأحَدٍ شَيْءٌ يَكُونُ عَطاءً.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: (حِسابًا) فِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ بِمَعْنى كافِيًا مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ: أعْطانِي ما أحْسَبَنِي أيْ ما كَفانِي، ومِنهُ قَوْلُهُ: حَسْبِي مِن سُؤالِي عِلْمُهُ بِحالِي، أيْ كَفانِي مِن سُؤالِي، ومِنهُ قَوْلُهُ:
صفحة ٢١
فَلَمّا حَلَلْتُ بِهِ ضَمَّنِي فَأوْلى جَمِيلًا وأعْطى حِسابًا
أيْ أعْطى ما كَفى. والوَجْهُ الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: (حِسابًا) مَأْخُوذٌ مِن حَسَبْتُ الشَّيْءَ إذا أعْدَدْتَهُ وقَدَّرْتَهُ، فَقَوْلُهُ: ﴿عَطاءً حِسابًا﴾ أيْ بِقَدْرِ ما وجَبَ لَهُ فِيما وعَدَهُ مِنَ الإضْعافِ؛ لِأنَّهُ تَعالى قَدَّرَ الجَزاءَ عَلى ثَلاثَةِ أوْجُهٍ، وجْهٌ مِنها عَلى عَشَرَةِ أضْعافٍ، ووَجْهٌ عَلى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، ووَجْهٌ عَلى ما لا نِهايَةَ لَهُ، كَما قالَ: ﴿إنَّما يُوَفّى الصّابِرُونَ أجْرَهم بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ [الزُّمَرِ: ١٠] . الوَجْهُ الثّالِثُ: وهو قَوْلُ ابْنِ قُتَيْبَةَ: ﴿عَطاءً حِسابًا﴾ أيْ كَثِيرًا، وأحْسَبْتَ فُلانًا أيْ أكْثَرْتَ لَهُ، قالَ الشّاعِرُ:
ونُقْفِي ولِيدَ الحَيِّ إنْ كانَ جائِعًا ∗∗∗ ونُحْسِبُهُ إنْ كانَ لَيْسَ بِجائِعِ
الوَجْهُ الرّابِعُ: أنَّهُ سُبْحانَهُ يُوصِلُ الثَّوابَ الَّذِي هو الجَزاءُ إلَيْهِمْ، ويُوصِلُ التَّفَضُّلَ الَّذِي يَكُونُ زائِدًا عَلى الجَزاءِ إلَيْهِمْ، ثُمَّ قالَ: (حِسابًا) ثُمَّ يَتَمَيَّزُ الجَزاءُ عَنِ العَطاءِ حالَ الحِسابِ. الوَجْهُ الخامِسُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ في وعِيدِ أهْلِ النّارِ: ﴿جَزاءً وِفاقًا﴾ [النَّبَإ: ٢٦] ذَكَرَ في وعْدِ أهْلِ الجَنَّةِ جَزاءً (عَطاءً حِسابًا) أيْ راعَيْتُ في ثَوابِ أعْمالِكُمُ الحِسابَ، لِئَلّا يَقَعَ في ثَوابِ أعْمالِكم بَخْسٌ ونُقْصانٌ وتَقْصِيرٌ، واللَّهُ أعْلَمُ بِمُرادِهِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَرَأ ابْنُ قُطَيْبٍ: ”حَسّابًا“ بِالتَّشْدِيدِ عَلى أنَّ الحَسّابَ بِمَعْنى المُحْسِبِ كالدَّرّاكِ بِمَعْنى المُدْرِكِ، هَكَذا ذَكَرَهُ صاحِبُ الكَشّافِ.
النبأ 78:37
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بالَغَ في وصْفِ وعِيدِ الكُفّارِ ووَعْدِ المُتَّقِينَ، خَتَمَ الكَلامَ في ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما الرَّحْمَنِ لا يَمْلِكُونَ مِنهُ خِطابًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: ”رَبِّ السَّماواتِ والرَّحْمَنِ“، فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجَهٍ مِنَ القِراءَةِ: الرَّفْعُ فِيهِما وهو قِراءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ ونافِعٍ وأبِي عَمْرٍو، والجَرُّ فِيهِما وهو قِراءَةُ عاصِمٍ وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عامِرٍ، والجَرُّ في الأوَّلِ مَعَ الرَّفْعِ في الثّانِي، وهو قِراءَةُ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ، وفي الرَّفْعِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنْ يَكُونَ (رَبُّ السَّماواتِ) مُبْتَدَأً، و(الرَّحْمَنُ ) خَبَرَهُ، ثُمَّ اسْتُؤْنِفَ: (لا يَمْلِكُونَ مِنهُ خِطابًا) .
وثانِيها: (رَبُّ السَّماواتِ) مُبْتَدَأً، و(الرَّحْمَنُ) صِفَةً و(لا يَمْلِكُونَ) خَبَرَهُ.
وثالِثُها: أنْ يُضْمَرَ المُبْتَدَأُ، والتَّقْدِيرُ ”هو رَبُّ السَّماواتِ هو الرَّحْمَنُ“ ثُمَّ اسْتُؤْنِفَ (لا يَمْلِكُونَ) .
ورابِعُها: أنْ يَكُونَ (الرَّحْمَنُ) و(لا يَمْلِكُونَ) خَبَرَيْنِ، وأمّا وجْهُ الجَرِّ فَعَلى البَدَلِ مِن (رَبِّكَ)، وأمّا وجْهُ جَرِّ الأوَّلِ ورَفْعِ الثّانِي فَجَرُّ الأوَّلِ بِالبَدَلِ مِن (رَبِّكَ)، والثّانِي مَرْفُوعٌ بِكَوْنِهِ مُبْتَدَأً وخَبَرُهُ (لا يَمْلِكُونَ) .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: (يَمْلِكُونَ) إلى مَن يَرْجِعُ؟ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: الأوَّلُ: نَقَلَ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ راجِعٌ إلى المُشْرِكِينَ، يُرِيدُ لا يُخاطَبُ المُشْرِكُونَ، أمّا المُؤْمِنُونَ فَيَشْفَعُونَ يَقْبَلُ اللَّهُ ذَلِكَ مِنهم. والثّانِي: قالَ القاضِي: إنَّهُ راجِعٌ إلى المُؤْمِنِينَ، والمَعْنى أنَّ المُؤْمِنِينَ لا يَمْلِكُونَ أنْ يُخاطِبُوا اللَّهَ في أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ؛ لِأنَّهُ لَمّا ثَبَتَ أنَّهُ عَدْلٌ لا يَجُورُ ثَبَتَ أنَّ العِقابَ الَّذِي أوْصَلَهُ إلى الكُفّارِ عَدْلٌ، وأنَّ الثَّوابَ الَّذِي أوْصَلَهُ إلى المُؤْمِنِينَ عَدْلٌ، وأنَّهُ ما يُخْسِرُ حَقَّهُمْ، فَبِأيِّ سَبَبٍ يُخاطِبُونَهُ، وهَذا القَوْلُ أقْرَبُ مِنَ الأوَّلِ؛ لِأنَّ الَّذِي جَرى قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ ذِكْرُ المُؤْمِنِينَ لا ذِكْرُ الكُفّارِ. والثّالِثُ: أنَّهُ ضَمِيرٌ لِأهْلِ السَّماواتِ والأرْضِ، وهَذا هو الصَّوابُ، فَإنَّ أحَدًا مِنَ المَخْلُوقِينَ لا يَمْلِكُ مُخاطَبَةَ اللَّهِ ومُكالَمَتَهُ. وأمّا الشَّفاعاتُ الواقِعَةُ بِإذْنِهِ فَغَيْرُ وارِدَةٍ
صفحة ٢٢
عَلى هَذا الكَلامِ؛ لِأنَّهُ نَفى المِلْكَ والَّذِي يَحْصُلُ بِفَضْلِهِ وإحْسانِهِ، فَهو غَيْرُ مَمْلُوكٍ، فَثَبَتَ أنَّ هَذا السُّؤالَ غَيْرُ لازِمٍ، والَّذِي يَدُلُّ مِن جِهَةِ العَقْلِ عَلى أنَّ أحَدًا مِنَ المَخْلُوقِينَ لا يَمْلِكُ خِطابَ اللَّهُ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: وهو أنَّ كُلَّ ما سِواهُ فَهو مَمْلُوكُهُ، والمَمْلُوكُ لا يَسْتَحِقُّ عَلى مالِكِهِ شَيْئًا.
وثانِيها: أنَّ مَعْنى الِاسْتِحْقاقِ عَلَيْهِ، هو أنَّهُ لَوْ لَمْ يَفْعَلْ لاسْتَحَقَّ الذَّمَّ، ولَوْ فَعَلَهُ لاسْتَحَقَّ المَدْحَ، وكُلُّ مَن كانَ كَذَلِكَ كانَ ناقِصًا في ذاتِهِ، مُسْتَكْمَلًا بِغَيْرِهِ وتَعالى اللَّهُ عَنْهُ.
وثالِثُها: أنَّهُ عالِمٌ بِقُبْحِ القَبِيحِ، عالَمٌ بِكَوْنِهِ غَنِيًّا عَنْهُ، وكُلُّ مَن كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَفْعَلِ القَبِيحَ، وكُلُّ مَنِ امْتَنَعَ كَوْنُهُ فاعِلًا لِلْقَبِيحِ، فَلَيْسَ لِأحَدٍ أنْ يُطالِبَهُ بِشَيْءٍ، وأنْ يَقُولَ لَهُ: لِمَ فَعَلْتَ؟ والوَجْهانِ الأوَّلانِ مُفَرَّعانِ عَلى قَوْلِ أهْلِ السُّنَّةِ، والوَجْهُ الثّالِثُ يَتَفَرَّعُ عَلى قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ، فَثَبَتَ أنَّ أحَدًا مِنَ المَخْلُوقاتِ لا يَمْلِكُ أنْ يُخاطِبَ رَبَّهُ ويُطالِبَ إلَهَهُ.
النبأ 78:38
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أنَّ أحَدًا مِنَ الخَلْقِ لا يُمْكِنُهُ أنْ يُخاطِبَ اللَّهَ في شَيْءٍ أوْ يُطالِبَهُ بِشَيْءٍ قَرَّرَ هَذا المَعْنى وأكَّدَهُ، فَقالَ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ والمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إلّا مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وقالَ صَوابًا﴾ .
وذَلِكَ لِأنَّ المَلائِكَةَ أعْظَمُ المَخْلُوقاتِ قَدْرًا ورُتْبَةً، وأكْثَرُ قُدْرَةً ومَكانَةً، فَبَيَّنَ أنَّهم لا يَتَكَلَّمُونَ في مَوْقِفِ القِيامَةِ إجْلالًا لِرَبِّهِمْ وخَوْفًا مِنهُ وخُضُوعًا لَهُ، فَكَيْفَ يَكُونُ حالُ غَيْرِهِمْ؟ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: لِمَن يَقُولُ بِتَفْضِيلِ المَلَكِ عَلى البَشَرِ أنْ يَتَمَسَّكَ بِهَذِهِ الآيَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ المَقْصُودَ مِنَ الآيَةِ أنَّ المَلائِكَةَ لَمّا بَقُوا خائِفِينَ خاضِعِينَ وجِلِينَ مُتَحَيِّرِينَ في مَوْقِفِ جَلالِ اللَّهِ وظُهُورِ عِزَّتِهِ وكِبْرِيائِهِ، فَكَيْفَ يَكُونُ حالُ غَيْرِهِمْ؟ ومَعْلُومٌ أنَّ هَذا الِاسْتِدْلالَ لا يَتِمُّ إلّا إذا كانُوا أشْرَفَ المَخْلُوقاتِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في الرُّوحِ في هَذِهِ الآيَةِ، فَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ مَلَكٌ أعْظَمُ مِنَ السَّماواتِ والجِبالِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ هو مَلَكٌ مِن أعْظَمِ المَلائِكَةِ خَلْقًا، وعَنْ مُجاهِدٍ: خَلْقٌ عَلى صُورَةِ بَنِي آدَمَ يَأْكُلُونَ ويَشْرَبُونَ، ولَيْسُوا بِناسٍ، وعَنِ الحَسَنِ وقَتادَةَ هم بَنُو آدَمَ، وعَلى هَذا مَعْناهُ ذُو الرُّوحِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أرْواحُ النّاسِ، وعَنِ الضَّحّاكِ والشَّعْبِيِّ هو جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وهَذا القَوْلُ هو المُخْتارُ عِنْدَ القاضِي، قالَ: لِأنَّ القُرْآنَ دَلَّ عَلى أنَّ هَذا الِاسْمَ اسْمُ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وثَبَتَ أنَّ القِيامَ صَحِيحٌ مِن جِبْرِيلَ والكَلامَ صَحِيحٌ مِنهُ، ويَصِحُّ أنْ يُؤْذَنَ لَهُ، فَكَيْفَ يُصْرَفُ هَذا الِاسْمُ عَنْهُ إلى خَلْقٍ لا نَعْرِفُهُ، أوْ إلى القُرْآنِ الَّذِي لا يَصِحُّ وصْفُهُ بِالقِيامِ. أمّا قَوْلُهُ: (صَّفًا) فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّ الرُّوحَ عَلى الِاخْتِلافِ الَّذِي ذَكَرْنا، وجَمِيعُ المَلائِكَةِ يَقُومُونَ صَفًّا واحِدًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى يَقُومُونَ صَفَّيْنِ، ويَجُوزُ صُفُوفًا، والصَّفُّ في الأصْلِ مَصْدَرٌ فَيُنْبِئُ عَنِ الواحِدِ والجَمْعِ، وظاهِرُ قَوْلِ المُفَسِّرِينَ أنَّهم يَقُومُونَ صَفَّيْنِ، فَيَقُومُ الرُّوحُ وحْدَهُ صَفًّا، وتَقُومُ المَلائِكَةُ كُلُّهم صَفًّا واحِدًا، فَيَكُونُ عِظَمُ خَلْقِهِ مِثْلَ صُفُوفِهِمْ، وقالَ بَعْضُهم: بَلْ يَقُومُونَ صُفُوفًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجاءَ رَبُّكَ والمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفَجْرِ: ٢٢] .
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الِاسْتِثْناءُ إلى مَن يَعُودُ؟ فِيهِ قَوْلانِ:
صفحة ٢٣
أحَدُهُما: إلى الرُّوحِ والمَلائِكَةِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ: الآيَةُ دَلَّتْ عَلى أنَّ الرُّوحَ والمَلائِكَةَ لا يَتَكَلَّمُونَ إلّا عِنْدَ حُصُولِ شَرْطَيْنِ: أحَدُهُما: حُصُولُ الإذْنِ مِنَ اللَّهِ تَعالى، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن ذا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلّا بِإذْنِهِ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٥٥] والمَعْنى أنَّهم لا يَتَكَلَّمُونَ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ.
والشَّرْطُ الثّانِي: أنْ يَقُولَ صَوابًا، فَإنْ قِيلَ: لَمّا أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ في ذَلِكَ القَوْلِ عَلِمَ أنَّ ذَلِكَ القَوْلَ صَوابٌ لا مَحالَةَ، فَما الفائِدَةُ في قَوْلِهِ: ﴿وقالَ صَوابًا﴾ ؟ والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ الرَّحْمَنَ أذِنَ لَهُ في مُطْلَقِ القَوْلِ، ثُمَّ إنَّهم عِنْدَ حُصُولِ ذَلِكَ الإذْنِ لا يَتَكَلَّمُونَ إلّا بِالصَّوابِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ إنَّهم لا يَنْطِقُونَ إلّا بَعْدَ وُرُودِ الإذْنِ في الكَلامِ، ثُمَّ بَعْدَ وُرُودِ ذَلِكَ الإذْنِ يَجْتَهِدُونَ، ولا يَتَكَلَّمُونَ إلّا بِالكَلامِ الَّذِي يَعْلَمُونَ أنَّهُ صِدْقٌ وصَوابٌ، وهَذا مُبالَغَةٌ في وصْفِهِمْ بِالطّاعَةِ والعُبُودِيَّةِ. الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ تَقْدِيرَهُ: لا يَتَكَلَّمُونَ إلّا في حَقِّ ﴿مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وقالَ صَوابًا﴾ والمَعْنى لا يَشْفَعُونَ إلّا في حَقِّ شَخْصٍ أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ في شَفاعَتِهِ، وذَلِكَ الشَّخْصُ كانَ مِمَّنْ قالَ صَوابًا، واحْتَجَّ صاحِبُ هَذا التَّأْوِيلِ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّهم يَشْفَعُونَ لِلْمُذْنِبِينَ؛ لِأنَّهم قالُوا صَوابًا، وهو شَهادَةُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وقالَ صَوابًا﴾ يَكْفِي في صِدْقِهِ أنْ يَكُونَ قَدْ قالَ صَوابًا واحِدًا، فَكَيْفَ بِالشَّخْصِ الَّذِي قالَ القَوْلَ الَّذِي هو أصْوَبُ الأقْوالِ وتَكَلَّمَ بِالكَلامِ الَّذِي هو أشْرَفُ الكَلِماتِ؟ القَوْلُ الثّانِي: أنَّ الِاسْتِثْناءَ غَيْرُ عائِدٍ إلى المَلائِكَةِ فَقَطْ بَلْ إلى جَمِيعِ أهْلِ السَّماواتِ والأرْضِ، والمَقُولُ الأوَّلُ أوْلى لِأنَّ عَوْدَ الضَّمِيرِ إلى الأقْرَبِ أوْلى.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قَرَّرَ أحْوالَ المُكَلَّفِينَ في دَرَجاتِ الثَّوابِ والعِقابِ، وقَرَّرَ عَظَمَةَ يَوْمِ القِيامَةِ قالَ بَعْدَهُ:
النبأ 78:39
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ اليَوْمُ الحَقُّ﴾ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى تَقَدُّمِ ذِكْرِهِ، وفي وصْفِ اليَوْمِ بِأنَّهُ حَقٌّ وُجُوهٌ:
(أحَدُها) أنَّهُ يَحْصُلُ فِيهِ كُلُّ الحَقِّ، ويَنْدَمِغُ كُلُّ باطِلٍ، فَلَمّا كانَ كامِلًا في هَذا المَعْنى قِيلَ إنَّهُ حَقٌّ، كَما يُقالُ: فُلانٌ خَيْرٌ كُلُّهُ إذا وُصِفَ بِأنَّ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا، وقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ اليَوْمُ الحَقُّ﴾ يُفِيدُ أنَّهُ هو اليَوْمُ الحَقُّ وما عَداهُ باطِلٌ؛ لِأنَّ أيّامَ الدُّنْيا باطِلُها أكْثَرُ مِن حَقِّها.
(وثانِيها): أنَّ الحَقَّ هو الثّابِتُ الكائِنُ، وبِهَذا المَعْنى يُقالُ إنَّ اللَّهَ حَقٌّ، أيْ هو ثابِتٌ لا يَجُوزُ عَلَيْهِ الفَناءُ، ويَوْمُ القِيامَةِ كَذَلِكَ فَيَكُونُ حَقًّا.
(وثالِثُها): أنَّ ذَلِكَ اليَوْمَ هو اليَوْمُ الَّذِي يَسْتَحِقُّ أنْ يُقالَ لَهُ: يَوْمٌ؛ لِأنَّ فِيهِ تُبْلى السَّرائِرُ وتَنْكَشِفُ الضَّمائِرُ، وأمّا أيّامُ الدُّنْيا فَأحْوالُ الخَلْقِ فِيها مَكْتُومَةٌ، والأحْوالُ فِيها غَيْرُ مَعْلُومَةٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن شاءَ اتَّخَذَ إلى رَبِّهِ مَآبًا﴾ أيْ: مَرْجِعًا، والمُعْتَزِلَةُ احْتَجُّوا بِهِ عَلى الِاخْتِيارِ والمَشِيئَةِ، وأصْحابُنا رَوَوْا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: المُرادُ فَمَن شاءَ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا هَداهُ حَتّى يَتَّخِذَ إلى رَبِّهِ مَآبًا.
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى زادَ في تَخْوِيفِ الكُفّارِ فَقالَ: ﴿إنّا أنْذَرْناكم عَذابًا قَرِيبًا﴾ يَعْنِي العَذابَ في الآخِرَةِ، وكُلُّ ما هو آتٍ قَرِيبٌ، و[ هو ] كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَأنَّهم يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إلّا عَشِيَّةً أوْ ضُحاها﴾ وإنَّما سَمّاهُ
صفحة ٢٤
إنْذارًا؛ لِأنَّهُ تَعالى بِهَذا الوَصْفِ قَدْ خَوَّفَ مِنهُ نِهايَةَ التَّخْوِيفِ، وهو مَعْنى الإنْذارِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَنْظُرُ المَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: (ما) في قَوْلِهِ: ﴿ما قَدَّمَتْ يَداهُ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
(الأوَّلُ) أنَّها اسْتِفْهامِيَّةٌ مَنصُوبَةٌ بِـ: (قَدَّمَتْ)، أيْ يَنْظُرُ أيَّ شَيْءٍ قَدَّمَتْ يَداهُ.
(الثّانِي) أنْ تَكُونَ بِمَعْنى الَّذِي وتَكُونَ مَنصُوبَةً بِـ ”يَنْظُرُ“ والتَّقْدِيرُ: يَنْظُرُ إلى الَّذِي قَدَّمَتْ يَداهُ، إلّا أنَّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ حَصَلَ فِيهِ حَذْفانِ:
(أحَدُهُما) أنَّهُ لَمْ يَقُلْ قَدَّمَتْهُ، بَلْ قالَ: (قَدَّمَتْ) فَحَذَفَ الضَّمِيرَ الرّاجِعَ.
(الثّانِي) أنَّهُ لَمْ يَقُلْ: يَنْظُرُ إلى ما قَدَّمَتْ، بَلْ قالَ: يَنْظُرُ ما قَدَّمَتْ، يُقالُ: نَظَرْتُهُ بِمَعْنى نَظَرْتُ إلَيْهِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في الآيَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:
(الأوَّلُ) وهو الأظْهَرُ أنَّ المَرْءَ عامٌّ في كُلِّ أحَدٍ؛ لِأنَّ المُكَلَّفَ إنْ كانَ قَدَّمَ عَمَلَ المُتَّقِينَ، فَلَيْسَ لَهُ إلّا الثَّوابُ العَظِيمُ، وإنْ كانَ قَدَّمَ عَمَلَ الكافِرِينَ، فَلَيْسَ لَهُ إلّا العِقابُ الَّذِي وصَفَهُ اللَّهُ تَعالى، فَلا رَجاءَ لِمَن ورَدَ القِيامَةَ مِنَ المُكَلَّفِينَ في أمْرٍ سِوى هَذَيْنِ، فَهَذا هو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَنْظُرُ المَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ﴾ فَطُوبى لَهُ إنْ قَدَّمَ عَمَلَ الأبْرارِ، ووَيْلٌ لَهُ إنْ قَدَّمَ عَمَلَ الفُجّارِ.
(والقَوْلُ الثّانِي) وهو قَوْلُ عَطاءٍ: أنَّ المَرْءَ هاهُنا هو الكافِرُ؛ لِأنَّ المُؤْمِنَ كَما يَنْظُرُ إلى ما قَدَّمَتْ يَداهُ، فَكَذَلِكَ يَنْظُرُ إلى عَفْوِ اللَّهِ ورَحْمَتِهِ، وأمّا الكافِرُ الَّذِي لا يَرى إلّا العَذابَ، فَهو لا يَرى إلّا ما قَدَّمَتْ يَداهُ؛ لِأنَّ ما وصَلَ إلَيْهِ مِنَ العِقابِ لَيْسَ إلّا مِن شُؤْمِ مُعامَلَتِهِ.
(والقَوْلُ الثّالِثُ) وهو قَوْلُ الحَسَنِ وقَتادَةَ: أنَّ المَرْءَ هاهُنا هو المُؤْمِنُ، واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِوَجْهَيْنِ:
(الأوَّلُ) أنَّهُ تَعالى قالَ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿ويَقُولُ الكافِرُ يالَيْتَنِي كُنْتُ تُرابًا﴾ فَلَمّا كانَ هَذا بَيانًا لِحالِ الكافِرِ، وجَبَ أنْ يَكُونَ الأوَّلُ بَيانًا لِحالِ المُؤْمِنِ.
(والثّانِي) وهو أنَّ المُؤْمِنَ لَمّا قَدَّمَ الخَيْرَ والشَّرَّ فَهو مِنَ اللَّهِ تَعالى عَلى خَوْفٍ ورَجاءٍ، فَيَنْتَظِرُ كَيْفَ يَحْدُثُ الحالُ، أمّا الكافِرُ فَإنَّهُ قاطِعٌ بِالعِقابِ، فَلا يَكُونُ لَهُ انْتِظارٌ أنَّهُ كَيْفَ يَحْدُثُ الأمْرُ، فَإنَّ مَعَ القَطْعِ لا يَحْصُلُ الِانْتِظارُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: القائِلُونَ بِأنَّ الخَيْرَ يُوجِبُ الثَّوابَ والشَّرَّ يُوجِبُ العِقابَ تَمَسَّكُوا بِهَذِهِ الآيَةِ، فَقالُوا: لَوْلا أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ، وإلّا لَمْ يَكُنْ نَظَرُ الرَّجُلِ في الثَّوابِ والعِقابِ عَلى عَمَلِهِ بَلْ عَلى شَيْءٍ آخَرَ. (والجَوابُ عَنْهُ) أنَّ العَمَلَ يُوجِبُ الثَّوابَ والعِقابَ، لَكِنْ بِحُكْمِ الوَعْدِ والجَعْلِ لا بِحُكْمِ الذّاتِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَقُولُ الكافِرُ يالَيْتَنِي كُنْتُ تُرابًا﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ:
(أحَدُها) أنْ يَوْمَ القِيامَةِ يَنْظُرُ المَرْءُ أيَّ شَيْءٍ قَدَّمَتْ يَداهُ، أمّا المُؤْمِنُ فَإنَّهُ يَجِدُ الإيمانَ والعَفْوَ عَنْ سائِرِ المَعاصِي عَلى ما قالَ: ﴿ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النِّساءِ: ٤٨] وأمّا الكافِرُ فَلا يَتَوَقَّعُ العَفْوَ عَلى ما قالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ فَعِنْدَ ذَلِكَ يَقُولُ الكافِرُ: ﴿يالَيْتَنِي كُنْتُ تُرابًا﴾ أيْ لَمْ يَكُنْ حَيًّا مُكَلَّفًا.
(وثانِيها) أنَّهُ كانَ قَبْلَ البَعْثِ تُرابًا، فالمَعْنى عَلى هَذا: يا لَيْتَنِي لَمْ أُبْعَثْ لِلْحِسابِ، وبَقِيتُ كَما كُنْتُ تُرابًا، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يالَيْتَها كانَتِ القاضِيَةَ﴾ [الحاقَّةِ: ٢٧] وقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوّى بِهِمُ الأرْضُ﴾ [النِّساءِ: ٤٢] .
(وثالِثُها) أنَّ البَهائِمَ تُحْشَرُ فَيُقْتَصُّ لِلْجَمّاءِ مِنَ القَرْناءِ ثُمَّ يُقالُ لَها بَعْدَ المُحاسَبَةِ: ”كُونِي تُرابًا“ فَيَتَمَنّى الكافِرُ عِنْدَ ذَلِكَ أنْ يَكُونَ هو مِثْلَ تِلْكَ البَهائِمِ في أنْ يَصِيرَ تُرابًا ويَتَخَلَّصَ مِن عَذابِ اللَّهِ، وأنْكَرَ بَعْضُ المُعْتَزِلَةِ ذَلِكَ وقالَ: إنَّهُ تَعالى إذا أعادَها فَهي بَيْنَ مُعَوَّضٍ وبَيْنَ مُتَفَضَّلٍ عَلَيْهِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَجُزْ أنْ يَقْطَعَها عَنِ المَنافِعِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ كالإضْرارِ بِها، ولا يَجُوزُ ذَلِكَ في الآخِرَةِ، ثُمَّ إنَّ هَؤُلاءِ قالُوا: إنَّ هَذِهِ الحَيَواناتِ إذا انْتَهَتْ مُدَّةُ
صفحة ٢٥
أعْواضِها جَعَلَ اللَّهُ كُلَّ ما كانَ مِنها حَسَنَ الصُّورَةِ ثَوابًا لِأهْلِ الجَنَّةِ، وما كانَ قَبِيحَ الصُّورَةِ عِقابًا لِأهْلِ النّارِ، قالَ القاضِي: ولا يَمْتَنِعُ أيْضًا إذا وفَّرَ اللَّهُ أعْواضَها وهي غَيْرُ كامِلَةِ العَقْلِ أنْ يُزِيلَ اللَّهُ حَياتَها عَلى وجْهٍ لا يَحْصُلُ لَها شُعُورٌ بِالألَمِ، فَلا يَكُونُ ذَلِكَ ضَرَرًا. (ورابِعُها) ما ذَكَرَهُ بَعْضُ الصُّوفِيَّةِ، فَقالَ: قَوْلُهُ: ﴿يالَيْتَنِي كُنْتُ تُرابًا﴾ مَعْناهُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ مُتَواضِعًا في طاعَةِ اللَّهِ ولَمْ أكُنْ مُتَكَبِّرًا مُتَمَرِّدًا. (وخامِسُها) الكافِرُ إبْلِيسُ يَرى آدَمَ ووَلَدَهُ وثَوابَهُمْ، فَيَتَمَنّى أنْ يَكُونَ الشَّيْءَ الَّذِي احْتَقَرَهُ حِينَ قالَ: ﴿خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ [ص: ٧٦] . واللَّهُ أعْلَمُ بِمُرادِهِ وأسْرارِ كِتابِهِ، وصَلّى اللَّهُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ وعَلى آلِهِ وصَحْبِهِ.
النبأ 78:40
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ اليَوْمُ الحَقُّ﴾ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى تَقَدُّمِ ذِكْرِهِ، وفي وصْفِ اليَوْمِ بِأنَّهُ حَقٌّ وُجُوهٌ:
(أحَدُها) أنَّهُ يَحْصُلُ فِيهِ كُلُّ الحَقِّ، ويَنْدَمِغُ كُلُّ باطِلٍ، فَلَمّا كانَ كامِلًا في هَذا المَعْنى قِيلَ إنَّهُ حَقٌّ، كَما يُقالُ: فُلانٌ خَيْرٌ كُلُّهُ إذا وُصِفَ بِأنَّ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا، وقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ اليَوْمُ الحَقُّ﴾ يُفِيدُ أنَّهُ هو اليَوْمُ الحَقُّ وما عَداهُ باطِلٌ؛ لِأنَّ أيّامَ الدُّنْيا باطِلُها أكْثَرُ مِن حَقِّها.
(وثانِيها): أنَّ الحَقَّ هو الثّابِتُ الكائِنُ، وبِهَذا المَعْنى يُقالُ إنَّ اللَّهَ حَقٌّ، أيْ هو ثابِتٌ لا يَجُوزُ عَلَيْهِ الفَناءُ، ويَوْمُ القِيامَةِ كَذَلِكَ فَيَكُونُ حَقًّا.
(وثالِثُها): أنَّ ذَلِكَ اليَوْمَ هو اليَوْمُ الَّذِي يَسْتَحِقُّ أنْ يُقالَ لَهُ: يَوْمٌ؛ لِأنَّ فِيهِ تُبْلى السَّرائِرُ وتَنْكَشِفُ الضَّمائِرُ، وأمّا أيّامُ الدُّنْيا فَأحْوالُ الخَلْقِ فِيها مَكْتُومَةٌ، والأحْوالُ فِيها غَيْرُ مَعْلُومَةٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن شاءَ اتَّخَذَ إلى رَبِّهِ مَآبًا﴾ أيْ: مَرْجِعًا، والمُعْتَزِلَةُ احْتَجُّوا بِهِ عَلى الِاخْتِيارِ والمَشِيئَةِ، وأصْحابُنا رَوَوْا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: المُرادُ فَمَن شاءَ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا هَداهُ حَتّى يَتَّخِذَ إلى رَبِّهِ مَآبًا.
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى زادَ في تَخْوِيفِ الكُفّارِ فَقالَ: ﴿إنّا أنْذَرْناكم عَذابًا قَرِيبًا﴾ يَعْنِي العَذابَ في الآخِرَةِ، وكُلُّ ما هو آتٍ قَرِيبٌ، و[ هو ] كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَأنَّهم يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إلّا عَشِيَّةً أوْ ضُحاها﴾ وإنَّما سَمّاهُ
صفحة ٢٤
إنْذارًا؛ لِأنَّهُ تَعالى بِهَذا الوَصْفِ قَدْ خَوَّفَ مِنهُ نِهايَةَ التَّخْوِيفِ، وهو مَعْنى الإنْذارِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَنْظُرُ المَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: (ما) في قَوْلِهِ: ﴿ما قَدَّمَتْ يَداهُ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
(الأوَّلُ) أنَّها اسْتِفْهامِيَّةٌ مَنصُوبَةٌ بِـ: (قَدَّمَتْ)، أيْ يَنْظُرُ أيَّ شَيْءٍ قَدَّمَتْ يَداهُ.
(الثّانِي) أنْ تَكُونَ بِمَعْنى الَّذِي وتَكُونَ مَنصُوبَةً بِـ ”يَنْظُرُ“ والتَّقْدِيرُ: يَنْظُرُ إلى الَّذِي قَدَّمَتْ يَداهُ، إلّا أنَّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ حَصَلَ فِيهِ حَذْفانِ:
(أحَدُهُما) أنَّهُ لَمْ يَقُلْ قَدَّمَتْهُ، بَلْ قالَ: (قَدَّمَتْ) فَحَذَفَ الضَّمِيرَ الرّاجِعَ.
(الثّانِي) أنَّهُ لَمْ يَقُلْ: يَنْظُرُ إلى ما قَدَّمَتْ، بَلْ قالَ: يَنْظُرُ ما قَدَّمَتْ، يُقالُ: نَظَرْتُهُ بِمَعْنى نَظَرْتُ إلَيْهِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في الآيَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:
(الأوَّلُ) وهو الأظْهَرُ أنَّ المَرْءَ عامٌّ في كُلِّ أحَدٍ؛ لِأنَّ المُكَلَّفَ إنْ كانَ قَدَّمَ عَمَلَ المُتَّقِينَ، فَلَيْسَ لَهُ إلّا الثَّوابُ العَظِيمُ، وإنْ كانَ قَدَّمَ عَمَلَ الكافِرِينَ، فَلَيْسَ لَهُ إلّا العِقابُ الَّذِي وصَفَهُ اللَّهُ تَعالى، فَلا رَجاءَ لِمَن ورَدَ القِيامَةَ مِنَ المُكَلَّفِينَ في أمْرٍ سِوى هَذَيْنِ، فَهَذا هو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَنْظُرُ المَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ﴾ فَطُوبى لَهُ إنْ قَدَّمَ عَمَلَ الأبْرارِ، ووَيْلٌ لَهُ إنْ قَدَّمَ عَمَلَ الفُجّارِ.
(والقَوْلُ الثّانِي) وهو قَوْلُ عَطاءٍ: أنَّ المَرْءَ هاهُنا هو الكافِرُ؛ لِأنَّ المُؤْمِنَ كَما يَنْظُرُ إلى ما قَدَّمَتْ يَداهُ، فَكَذَلِكَ يَنْظُرُ إلى عَفْوِ اللَّهِ ورَحْمَتِهِ، وأمّا الكافِرُ الَّذِي لا يَرى إلّا العَذابَ، فَهو لا يَرى إلّا ما قَدَّمَتْ يَداهُ؛ لِأنَّ ما وصَلَ إلَيْهِ مِنَ العِقابِ لَيْسَ إلّا مِن شُؤْمِ مُعامَلَتِهِ.
(والقَوْلُ الثّالِثُ) وهو قَوْلُ الحَسَنِ وقَتادَةَ: أنَّ المَرْءَ هاهُنا هو المُؤْمِنُ، واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِوَجْهَيْنِ:
(الأوَّلُ) أنَّهُ تَعالى قالَ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿ويَقُولُ الكافِرُ يالَيْتَنِي كُنْتُ تُرابًا﴾ فَلَمّا كانَ هَذا بَيانًا لِحالِ الكافِرِ، وجَبَ أنْ يَكُونَ الأوَّلُ بَيانًا لِحالِ المُؤْمِنِ.
(والثّانِي) وهو أنَّ المُؤْمِنَ لَمّا قَدَّمَ الخَيْرَ والشَّرَّ فَهو مِنَ اللَّهِ تَعالى عَلى خَوْفٍ ورَجاءٍ، فَيَنْتَظِرُ كَيْفَ يَحْدُثُ الحالُ، أمّا الكافِرُ فَإنَّهُ قاطِعٌ بِالعِقابِ، فَلا يَكُونُ لَهُ انْتِظارٌ أنَّهُ كَيْفَ يَحْدُثُ الأمْرُ، فَإنَّ مَعَ القَطْعِ لا يَحْصُلُ الِانْتِظارُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: القائِلُونَ بِأنَّ الخَيْرَ يُوجِبُ الثَّوابَ والشَّرَّ يُوجِبُ العِقابَ تَمَسَّكُوا بِهَذِهِ الآيَةِ، فَقالُوا: لَوْلا أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ، وإلّا لَمْ يَكُنْ نَظَرُ الرَّجُلِ في الثَّوابِ والعِقابِ عَلى عَمَلِهِ بَلْ عَلى شَيْءٍ آخَرَ. (والجَوابُ عَنْهُ) أنَّ العَمَلَ يُوجِبُ الثَّوابَ والعِقابَ، لَكِنْ بِحُكْمِ الوَعْدِ والجَعْلِ لا بِحُكْمِ الذّاتِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَقُولُ الكافِرُ يالَيْتَنِي كُنْتُ تُرابًا﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ:
(أحَدُها) أنْ يَوْمَ القِيامَةِ يَنْظُرُ المَرْءُ أيَّ شَيْءٍ قَدَّمَتْ يَداهُ، أمّا المُؤْمِنُ فَإنَّهُ يَجِدُ الإيمانَ والعَفْوَ عَنْ سائِرِ المَعاصِي عَلى ما قالَ: ﴿ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النِّساءِ: ٤٨] وأمّا الكافِرُ فَلا يَتَوَقَّعُ العَفْوَ عَلى ما قالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ فَعِنْدَ ذَلِكَ يَقُولُ الكافِرُ: ﴿يالَيْتَنِي كُنْتُ تُرابًا﴾ أيْ لَمْ يَكُنْ حَيًّا مُكَلَّفًا.
(وثانِيها) أنَّهُ كانَ قَبْلَ البَعْثِ تُرابًا، فالمَعْنى عَلى هَذا: يا لَيْتَنِي لَمْ أُبْعَثْ لِلْحِسابِ، وبَقِيتُ كَما كُنْتُ تُرابًا، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يالَيْتَها كانَتِ القاضِيَةَ﴾ [الحاقَّةِ: ٢٧] وقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوّى بِهِمُ الأرْضُ﴾ [النِّساءِ: ٤٢] .
(وثالِثُها) أنَّ البَهائِمَ تُحْشَرُ فَيُقْتَصُّ لِلْجَمّاءِ مِنَ القَرْناءِ ثُمَّ يُقالُ لَها بَعْدَ المُحاسَبَةِ: ”كُونِي تُرابًا“ فَيَتَمَنّى الكافِرُ عِنْدَ ذَلِكَ أنْ يَكُونَ هو مِثْلَ تِلْكَ البَهائِمِ في أنْ يَصِيرَ تُرابًا ويَتَخَلَّصَ مِن عَذابِ اللَّهِ، وأنْكَرَ بَعْضُ المُعْتَزِلَةِ ذَلِكَ وقالَ: إنَّهُ تَعالى إذا أعادَها فَهي بَيْنَ مُعَوَّضٍ وبَيْنَ مُتَفَضَّلٍ عَلَيْهِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَجُزْ أنْ يَقْطَعَها عَنِ المَنافِعِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ كالإضْرارِ بِها، ولا يَجُوزُ ذَلِكَ في الآخِرَةِ، ثُمَّ إنَّ هَؤُلاءِ قالُوا: إنَّ هَذِهِ الحَيَواناتِ إذا انْتَهَتْ مُدَّةُ
صفحة ٢٥
أعْواضِها جَعَلَ اللَّهُ كُلَّ ما كانَ مِنها حَسَنَ الصُّورَةِ ثَوابًا لِأهْلِ الجَنَّةِ، وما كانَ قَبِيحَ الصُّورَةِ عِقابًا لِأهْلِ النّارِ، قالَ القاضِي: ولا يَمْتَنِعُ أيْضًا إذا وفَّرَ اللَّهُ أعْواضَها وهي غَيْرُ كامِلَةِ العَقْلِ أنْ يُزِيلَ اللَّهُ حَياتَها عَلى وجْهٍ لا يَحْصُلُ لَها شُعُورٌ بِالألَمِ، فَلا يَكُونُ ذَلِكَ ضَرَرًا. (ورابِعُها) ما ذَكَرَهُ بَعْضُ الصُّوفِيَّةِ، فَقالَ: قَوْلُهُ: ﴿يالَيْتَنِي كُنْتُ تُرابًا﴾ مَعْناهُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ مُتَواضِعًا في طاعَةِ اللَّهِ ولَمْ أكُنْ مُتَكَبِّرًا مُتَمَرِّدًا. (وخامِسُها) الكافِرُ إبْلِيسُ يَرى آدَمَ ووَلَدَهُ وثَوابَهُمْ، فَيَتَمَنّى أنْ يَكُونَ الشَّيْءَ الَّذِي احْتَقَرَهُ حِينَ قالَ: ﴿خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ [ص: ٧٦] . واللَّهُ أعْلَمُ بِمُرادِهِ وأسْرارِ كِتابِهِ، وصَلّى اللَّهُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ وعَلى آلِهِ وصَحْبِهِ.
النازعات 79:1
صفحة ٢٦
(سُورَةُ النّازِعاتِ)
(وهي أرْبَعُونَ وسِتُّ آياتٍ مَكِّيَّةٌ)
﷽
﴿والنّازِعاتِ غَرْقًا﴾ ﴿والنّاشِطاتِ نَشْطًا﴾ ﴿والسّابِحاتِ سَبْحًا﴾ ﴿فالسّابِقاتِ سَبْقًا﴾ ﴿فالمُدَبِّراتِ أمْرًا﴾
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)
﴿والنّازِعاتِ غَرْقًا﴾ ﴿والنّاشِطاتِ نَشْطًا﴾ ﴿والسّابِحاتِ سَبْحًا﴾ ﴿فالسّابِقاتِ سَبْقًا﴾ ﴿فالمُدَبِّراتِ أمْرًا﴾ فِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الكَلِماتِ الخَمْسَ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ صِفاتٍ لِشَيْءٍ واحِدٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ لا تَكُونَ كَذَلِكَ، أمّا عَلى الِاحْتِمالِ الأوَّلِ فَقَدْ ذَكَرُوا في الآيَةِ وُجُوهًا:
(أحَدُها) أنَّها بِأسْرِها صِفاتُ المَلائِكَةِ، فَقَوْلُهُ: ﴿والنّازِعاتِ غَرْقًا﴾ هي المَلائِكَةُ الَّذِينَ يَنْزِعُونَ نُفُوسَ بَنِي آدَمَ فَإذا نَزَعُوا نَفْسَ الكُفّارِ نَزَعُوها بِشِدَّةٍ، وهو مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ: نَزَعَ في القَوْسِ فَأغْرَقَ، يُقالُ: أغْرَقَ النّازِعُ في القَوْسِ إذا بَلَغَ غايَةَ المَدى حَتّى يَنْتَهِيَ إلى النَّصْلِ، فَتَقْدِيرُ الآيَةِ: والنّازِعاتِ إغْراقًا، والغَرْقُ والإغْراقُ في اللُّغَةِ بِمَعْنًى واحِدٍ، وقَوْلُهُ: ﴿والنّاشِطاتِ نَشْطًا﴾ النَّشْطُ هو الجَذْبُ، يُقالُ: نَشَطْتُ الدَّلْوَ أنْشِطُها وأنْشَطْتُها نَشْطًا نَزَعْتُها بِرِفْقٍ، والمُرادُ هي المَلائِكَةُ الَّتِي تَنْشِطُ رُوحَ المُؤْمِنِ فَتَقْبِضُها، وإنَّما خَصَصْنا هَذا بِالمُؤْمِنِ والأوَّلَ بِالكافِرِ لِما بَيْنَ النَّزْعِ والنَّشْطِ مِنَ الفَرْقِ، فالنَّزْعُ جَذْبٌ بِشِدَّةٍ، والنَّشْطُ جَذْبٌ بِرِفْقٍ ولِينٍ، فالمَلائِكَةُ تَنْشِطُ أرْواحَ المُؤْمِنِينَ كَما تُنْشَطُ الدَّلْوُ مِنَ البِئْرِ. فالحاصِلُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿والنّازِعاتِ غَرْقًا﴾ ﴿والنّاشِطاتِ نَشْطًا﴾ قَسَمٌ بِمَلَكِ المَوْتِ وأعْوانِهِ إلّا أنَّ الأوَّلَ إشارَةٌ إلى كَيْفِيَّةِ قَبْضِ أرْواحِ الكُفّارِ.
والثّانِيَ إشارَةٌ إلى كَيْفِيَّةِ قَبْضِ أرْواحِ المُؤْمِنِينَ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿والسّابِحاتِ سَبْحًا﴾ فَمِنهم مَن خَصَّصَهُ أيْضًا بِمَلائِكَةِ قَبْضِ الأرْواحِ، ومِنهم مَن حَمَلَهُ عَلى سائِرِ طَوائِفِ المَلائِكَةِ.
أمّا (الوَجْهُ الأوَّلُ) فَنُقِلَ عَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ، وابْنِ عَبّاسٍ، ومَسْرُوقٍ، أنَّ المَلائِكَةَ يَسُلُّونَ أرْواحَ المُؤْمِنِينَ سَلًّا رَفِيقًا، فَهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿والنّاشِطاتِ نَشْطًا﴾ ثُمَّ يَتْرُكُونَها حَتّى تَسْتَرِيحَ رُوَيْدًا، ثُمَّ يَسْتَخْرِجُونَها بَعْدَ ذَلِكَ بِرِفْقٍ ولَطافَةٍ كالَّذِي يَسْبَحُ في الماءِ فَإنَّهُ يَتَحَرَّكُ بِرِفْقٍ ولَطافَةٍ لِئَلّا يَغْرَقَ، فَكَذا هاهُنا يَرْفُقُونَ في ذَلِكَ
صفحة ٢٧
الِاسْتِخْراجِ، لِئَلّا يَصِلَ إلَيْهِ ألَمٌ وشِدَّةٌ فَذاكَ هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿والسّابِحاتِ سَبْحًا﴾، وأمّا الَّذِينَ حَمَلُوهُ عَلى سائِرِ طَوائِفِ المَلائِكَةِ فَقالُوا: إنَّ المَلائِكَةَ يَنْزِلُونَ مِنَ السَّماءِ مُسْرِعِينَ، فَجَعَلَ نُزُولَهم مِنَ السَّماءِ كالسِّباحَةِ، والعَرَبُ تَقُولُ لِلْفَرَسِ الجَوادِ إنَّهُ السّابِحُ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿فالسّابِقاتِ سَبْقًا﴾ فَمِنهم مَن فَسَّرَهُ بِمَلائِكَةِ قَبْضِ الأرْواحِ يَسْبِقُونَ بِأرْواحِ الكُفّارِ إلى النّارِ، وبِأرْواحِ المُؤْمِنِينَ إلى الجَنَّةِ، ومِنهم مَن فَسَّرَهُ بِسائِرِ طَوائِفِ المَلائِكَةِ، ثُمَّ ذَكَرُوا في هَذا السَّبْقِ وُجُوهًا:
(أحَدُها) قالَ مُجاهِدٌ وأبُو رَوْقٍ: إنَّ المَلائِكَةَ سَبَقَتِ ابْنَ آدَمَ بِالإيمانِ والطّاعَةِ، ولا شَكَّ أنَّ المُسابَقَةَ في الخَيْراتِ دَرَجَةٌ عَظِيمَةٌ، قالَ تَعالى: ﴿والسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾ [الواقِعَةِ: ١٠،١١] .
(وثانِيها) قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: إنَّ المَلائِكَةَ تَسْبِقُ الشَّياطِينَ بِالوَحْيِ إلى الأنْبِياءِ؛ لِأنَّ الشَّياطِينَ كانَتْ تَسْتَرِقُ السَّمْعَ.
(وثالِثُها) ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهُ تَعالى وصَفَهم فَقالَ: ﴿لا يَسْبِقُونَهُ بِالقَوْلِ﴾ [الأنْبِياءِ: ٢٧] يَعْنِي قَبْلَ الإذْنِ لا يَتَحَرَّكُونَ ولا يَنْطِقُونَ تَعْظِيمًا لِجَلالِ اللَّهِ تَعالى وخَوْفًا مِن هَيْبَتِهِ، وهاهُنا وصَفَهم بِالسَّبْقِ يَعْنِي إذا جاءَهُمُ الأمْرُ، فَإنَّهم يَتَسارَعُونَ إلى امْتِثالِهِ ويَتَبادَرُونَ إلى إظْهارِ طاعَتِهِ، فَهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فالسّابِقاتِ سَبْقًا﴾، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿فالمُدَبِّراتِ أمْرًا﴾ فَأجْمَعُوا عَلى أنَّهم هُمُ المَلائِكَةُ: قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي جِبْرِيلَ ومِيكائِيلَ وإسْرافِيلَ وعِزْرائِيلَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ يُدَبِّرُونَ أمْرَ اللَّهِ تَعالى في أهْلِ الأرْضِ، وهُمُ المُقَسِّماتُ أمْرًا، أمّا جِبْرِيلُ فَوُكِّلَ بِالرِّياحِ والجُنُودِ، وأمّا مِيكائِيلُ فَوُكِّلَ بِالقَطْرِ والنَّباتِ، وأمّا مَلَكُ المَوْتِ فَوُكِّلَ بِقَبْضِ الأنْفُسِ، وأمّا إسْرافِيلُ فَهو يَنْزِلُ بِالأمْرِ عَلَيْهِمْ، وقَوْمٌ مِنهم مُوَكَّلُونَ بِحِفْظِ بَنِي آدَمَ، وقَوْمٌ آخَرُونَ بِكِتابَةِ أعْمالِهِمْ، وقَوْمٌ آخَرُونَ بِالخَسْفِ والمَسْخِ والرِّياحِ والسَّحابِ والأمْطارِ. بَقِيَ عَلى الآيَةِ سُؤالانِ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: لِمَ قالَ: (فالمُدَبِّراتِ أمْرًا)، ولَمْ يَقُلْ: أُمُورًا، فَإنَّهم يُدَبِّرُونَ أُمُورًا كَثِيرَةً لا أمْرًا واحِدًا؟ (والجَوابُ) أنَّ المُرادَ بِهِ الجِنْسُ، وإذا كانَ كَذَلِكَ قامَ مَقامَ الجَمْعِ.
السُّؤالُ الثّانِي: قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الأمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾، فَكَيْفَ أثْبَتَ لَهم هاهُنا تَدْبِيرَ الأمْرِ؟ (والجَوابُ) لَمّا كانَ ذَلِكَ الإتْيانُ بِهِ كانَ الأمْرُ كَأنَّهُ لَهُ، فَهَذا تَلْخِيصُ ما قالَهُ المُفَسِّرُونَ في هَذا البابِ، وعِنْدِي فِيهِ (وجْهٌ آخَرُ) وهو أنَّ المَلائِكَةَ لَها صِفاتٌ سَلْبِيَّةٌ وصِفاتٌ إضافِيَّةٌ، أمّا الصِّفاتُ السَّلْبِيَّةُ فَهي أنَّها مُبَرَّأةٌ عَنِ الشَّهْوَةِ والغَضَبِ والأخْلاقِ الذَّمِيمَةِ والمَوْتِ والهِرَمِ والسَّقَمِ والتَّرْكِيبِ مِنَ الأعْضاءِ والأخْلاطِ والأرْكانِ، بَلْ هي جَواهِرُ رُوحانِيَّةٌ مُبَرَّأةٌ عَنْ هَذِهِ الأحْوالِ، فَقَوْلُهُ: ﴿والنّازِعاتِ غَرْقًا﴾ إشارَةٌ إلى كَوْنِها مَنزُوعَةً عَنْ هَذِهِ الأحْوالِ نَزْعًا كُلِّيًّا مِن جَمِيعِ الوُجُوهِ، وعَلى هَذا التَّفْسِيرِ (النّازِعاتِ) هي ذَواتُ النَّزْعِ كاللّابِنِ والتّامِرِ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿والنّاشِطاتِ نَشْطًا﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ خُرُوجَها عَنْ هَذِهِ الأحْوالِ لَيْسَ عَلى سَبِيلِ التَّكْلِيفِ والمَشَقَّةِ كَما في حَقِّ البَشَرِ، بَلْ هم بِمُقْتَضى ماهِيّاتِهِمْ خَرَجُوا عَنْ هَذِهِ الأحْوالِ وتَنَزَّهُوا عَنْ هَذِهِ الصِّفاتِ، فَهاتانِ الكَلِمَتانِ إشارَتانِ إلى تَعْرِيفِ أحْوالِهِمُ السَّلْبِيَّةِ، وأمّا صِفاتُهُمُ الإضافِيَّةُ فَهي قِسْمانِ: (أحَدُهُما) شَرْحُ قُوَّتِهِمُ العاقِلَةِ أيْ كَيْفَ حالُهم في مَعْرِفَةِ مُلْكِ اللَّهِ ومَلَكُوتِهِ والِاطِّلاعِ عَلى نُورِ جَلالِهِ، فَوَصَفَهم في هَذا المَقامِ بِوَصْفَيْنِ: (أحَدُهُما) قَوْلُهُ: ﴿والسّابِحاتِ سَبْحًا﴾ فَهم يَسْبَحُونَ مِن أوَّلِ فِطْرَتِهِمْ في بِحارِ جَلالِ اللَّهِ، ثُمَّ لا مُنْتَهى لِسِباحَتِهِمْ؛ لِأنَّهُ لا مُنْتَهى لِعَظَمَةِ اللَّهِ وعُلُوِّ صَمَدِيَّتِهِ ونُورِ جَلالِهِ وكِبْرِيائِهِ، فَهم أبَدًا في تِلْكَ السِّباحَةِ. (وثانِيهُما) قَوْلُهُ:
صفحة ٢٨
﴿فالسّابِقاتِ سَبْقًا﴾ وهو إشارَةٌ إلى مَراتِبِ المَلائِكَةِ في تِلْكَ السِّباحَةِ، فَإنَّهُ كَما أنَّ مَراتِبَ مَعارِفِ البَهائِمِ بِالنِّسْبَةِ إلى مَراتِبِ مَعارِفِ البَشَرِ ناقِصَةٌ، ومَراتِبَ مَعارِفِ البَشَرِ بِالنِّسْبَةِ إلى مَراتِبِ مَعارِفِ المَلائِكَةِ ناقِصَةٌ، فَكَذَلِكَ مَعارِفُ بَعْضِ تِلْكَ المَلائِكَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى مَراتِبِ مَعارِفِ الباقِينَ مُتَفاوِتَةٌ، وكَما أنَّ المُخالَفَةَ بَيْنَ نَوْعِ الفَرَسِ ونَوْعِ الإنْسانِ بِالماهِيَّةِ لا بِالعَوارِضِ، فَكَذا المُخالَفَةُ بَيْنَ شَخْصِ كُلِّ واحِدٍ مِنَ المَلائِكَةِ وبَيْنَ شَخْصِ الآخَرِ بِالماهِيَّةِ، فَإذا كانَتْ أشْخاصُها مُتَفاوِتَةً بِالماهِيَّةِ لا بِالعَوارِضِ كانَتْ لا مَحالَةَ مُتَفاوِتَةً في دَرَجاتِ المَعْرِفَةِ وفي مَراتِبِ التَّجَلِّي، فَهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فالسّابِقاتِ سَبْقًا﴾، فَهاتانِ الكَلِمَتانِ المُرادُ مِنهُما شَرْحُ أحْوالِ قُوَّتِهِمُ العاقِلَةِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿فالمُدَبِّراتِ أمْرًا﴾ فَهو إشارَةٌ إلى شَرْحِ حالِ قُوَّتِهِمُ العامِلَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ كُلَّ حالٍ مِن أحْوالِ العالَمِ السُّفْلِيِّ مُفَوَّضٌ إلى تَدْبِيرِ واحِدٍ مِنَ المَلائِكَةِ الَّذِينَ هم عُمّارُ العالَمِ العُلْوِيِّ وسُكّانُ بِقاعِ السَّماواتِ، ولَمّا كانَ التَّدْبِيرُ لا يَتِمُّ إلّا بَعْدَ العِلْمِ، لا جَرَمَ قَدَّمَ شَرْحَ القُوَّةِ العاقِلَةِ الَّتِي لَهم عَلى شَرْحِ القُوَّةِ العامِلَةِ الَّتِي لَهُمْ، فَهَذا الَّذِي ذَكَرْتُهُ احْتِمالٌ ظاهِرٌ واللَّهُ أعْلَمُ بِمُرادِهِ مِن كَلامِهِ.
واعْلَمْ أنَّ أبا مُسْلِمٍ بْنَ بَحْرٍ الأصْفَهانِيَّ طَعَنَ في حَمْلِ هَذِهِ الكَلِماتِ عَلى المَلائِكَةِ، وقالَ: واحِدُ النّازِعاتِ نازِعَةٌ وهو مِن لَفْظِ الإناثِ، وقَدْ نَزَّهَ اللَّهُ تَعالى المَلائِكَةَ عَنِ التَّأْنِيثِ، وعابَ قَوْلَ الكُفّارِ حَيْثُ قالَ: ﴿وجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا﴾ [الزُّخْرُفِ: ١٩] .
واعْلَمْ أنَّ هَذا طَعْنٌ لا يَتَوَجَّهُ عَلى تَفْسِيرِنا؛ لِأنَّ المُرادَ الأشْياءُ ذَواتُ النَّزْعِ، وهَذا القَدْرُ لا يَقْتَضِي ما ذُكِرَ مِنَ التَّأْنِيثِ.
الوَجْهُ الثّانِي في تَأْوِيلِ هَذِهِ الكَلِماتِ: أنَّها هي النُّجُومُ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ البَصْرِيِّ، ووَصْفُ النُّجُومِ بِالنّازِعاتِ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا:
(أحَدُها) كَأنَّها تُنْزَعُ مِن تَحْتِ الأرْضِ فَتَنْجَذِبُ إلى ما فَوْقَ الأرْضِ، فَإذا كانَتْ مَنزُوعَةً كانَتْ ذَواتِ نَزْعٍ، فَيَصِحُّ أنْ يُقالَ إنَّها نازِعَةٌ عَلى قِياسِ اللّابِنِ والتّامِرِ.
(وثانِيها) أنَّ النّازِعاتِ مِن قَوْلِهِمْ نَزَعَ إلَيْهِ أيْ ذَهَبَ نُزُوعًا، هَكَذا قالَهُ الواحِدِيُّ، فَكَأنَّها تَطْلُعُ وتَغْرُبُ بِالنَّزْعِ والسَّوْقِ.
(والثّالِثُ) أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِن قَوْلِهِمْ: نَزَعَتِ الخَيْلُ إذا جَرَتْ، فَمَعْنى: (والنّازِعاتِ) أيْ والجارِياتِ عَلى السَّيْرِ المُقَدَّرِ والحَدِّ المُعَيَّنِ، وقَوْلُهُ: (غَرْقًا) يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:
(أحَدُهُما) أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ النّازِعاتِ أيْ هَذِهِ الكَواكِبُ كالغَرْقى في ذَلِكَ النَّزْعِ والإرادَةِ، وهو إشارَةٌ إلى كَمالِ حالِها في تِلْكَ الإرادَةِ، فَإنْ قِيلَ: إذا لَمْ تَكُنِ الأفْلاكُ والكَواكِبُ أحْياءً ناطِقَةً، فَما مَعْنى وصْفِها بِذَلِكَ؟ قُلْنا: هَذا يَكُونُ عَلى سَبِيلِ التَّشْبِيهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٤٠] فَإنَّ الجَمْعَ بِالواوِ والنُّونِ يَكُونُ لِلْعُقَلاءِ، ثُمَّ إنَّهُ ذُكِرَ في الكَواكِبِ عَلى سَبِيلِ التَّشْبِيهِ.
(والثّانِي) أنْ يَكُونَ مَعْنى غَرْقِها غَيْبُوبَتَها في أُفُقِ الغَرْبِ، فالنّازِعاتُ إشارَةٌ إلى طُلُوعِها، و(غَرْقًا) إشارَةٌ إلى غُرُوبِها، أيْ تَنْزِعُ ثُمَّ تُغْرَقُ إغْراقًا، وهَذا الوَجْهُ ذَكَرَهُ قَوْمٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿والنّاشِطاتِ نَشْطًا﴾ فَقالَ صاحِبُ الكَشّافِ: مَعْناهُ أنَّها تَخْرُجُ مِن بُرْجٍ إلى بُرْجٍ مِن قَوْلِكَ: ثَوْرٌ ناشِطٌ إذا خَرَجَ مِن بَلَدٍ إلى بَلَدٍ. وأقُولُ: يَرْجِعُ حاصِلُ هَذا الكَلامِ إلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿والنّازِعاتِ غَرْقًا﴾ إشارَةٌ إلى حَرَكَتِها اليَوْمِيَّةِ، ﴿والنّاشِطاتِ نَشْطًا﴾ إشارَةٌ إلى انْتِقالِها مِن بُرْجٍ إلى بُرْجٍ، وهو حَرَكَتُها المَخْصُوصَةُ بِها في أفْلاكِها الخاصَّةِ، والعَجَبُ أنَّ حَرَكاتِها اليَوْمِيَّةَ قَسْرِيَّةٌ، وحَرَكَتَها مِن بُرْجٍ إلى بُرْجٍ لَيْسَتْ قَسْرِيَّةً، بَلْ
صفحة ٢٩
مُلائِمَةً لِذَواتِها، فَلا جَرَمَ عَبَّرَ عَنِ الأوَّلِ بِالنَّزْعِ وعَنِ الثّانِي بِالنَّشْطِ، فَتَأمَّلْ أيُّها المِسْكِينُ في هَذِهِ الأسْرارِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿والسّابِحاتِ سَبْحًا﴾ فَقالَ الحَسَنُ وأبُو عُبَيْدَةَ - رَحِمَهُما اللَّهُ -: هي النُّجُومُ تَسْبَحُ في الفَلَكِ؛ لِأنَّ مُرُورَها في الجَوِّ كالسَّبْحِ، ولِهَذا قالَ: ﴿وكُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٤٠] .
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿فالسّابِقاتِ سَبْقًا﴾ فَقالَ الحَسَنُ وأبُو عُبَيْدَةَ: هي النُّجُومُ يَسْبِقُ بَعْضُها بَعْضًا في السَّيْرِ بِسَبَبِ كَوْنِ بَعْضِها أسْرَعَ حَرَكَةً مِنَ البَعْضِ، أوْ بِسَبَبِ رُجُوعِها أوِ اسْتِقامَتِها.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فالمُدَبِّراتِ أمْرًا﴾ فَفِيهِ وجْهانِ:
(أحَدُهُما) أنَّ بِسَبَبِ سَيْرِها وحَرَكَتِها يَتَمَيَّزُ بَعْضُ الأوْقاتِ عَنْ بَعْضٍ، فَتَظْهَرُ أوْقاتُ العِباداتِ عَلى ما قالَ تَعالى: (﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ ﴿ولَهُ الحَمْدُ﴾ [الرُّومِ: ١٨،١٧] وقالَ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هي مَواقِيتُ لِلنّاسِ والحَجِّ﴾ [البَقَرَةِ: ١٨٩] وقالَ: ﴿لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ والحِسابَ﴾ [يُونُسَ: ٥] ولِأنَّ بِسَبَبِ حَرَكَةِ الشَّمْسِ تَخْتَلِفُ الفُصُولُ الأرْبَعَةُ، ويَخْتَلِفُ بِسَبَبِ اخْتِلافِها أحْوالُ النّاسِ في المَعاشِ، فَلا جَرَمَ أُضِيفَتْ إلَيْها هَذِهِ التَّدْبِيراتُ.
(والثّانِي) أنَّهُ لَمّا ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ أنَّ كُلَّ جِسْمٍ مُحْدَثٌ ثَبَتَ أنَّ الكَواكِبَ مُحْدَثَةٌ مُفْتَقِرَةٌ إلى مُوجِدٍ يُوجِدُها، وإلى صانِعٍ يَخْلُقُها، ثُمَّ بَعْدَ هَذا لَوْ قَدَّرْنا أنَّ صانِعَها أوْدَعَ فِيها قُوًى مُؤَثِّرَةً في أحْوالِ هَذا العالَمِ، فَهَذا يَطْعَنُ في الدِّينِ البَتَّةَ، وإنْ لَمْ نَقُلْ بِثُبُوتِ هَذِهِ القُوى أيْضًا، لَكِنّا نَقُولُ: إنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى أجْرى عادَتَهُ بِأنْ جَعَلَ كُلَّ واحِدٍ مِن أحْوالِها المَخْصُوصَةِ سَبَبًا لِحُدُوثِ حادِثٍ مَخْصُوصٍ في هَذا العالَمِ، كَما جَعَلَ الأكْلَ سَبَبًا لِلشِّبَعِ، والشُّرْبَ سَبَبًا لِلرِّيِّ، ومُماسَّةَ النّارِ سَبَبًا لِلِاحْتِراقِ، فالقَوْلُ بِهَذا المَذْهَبِ لا يَضُرُّ الإسْلامَ البَتَّةَ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، واللَّهُ أعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الحالِ.
الوَجْهُ الثّالِثُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الكَلِماتِ الخَمْسَةِ أنَّها هي الأرْواحُ، وذَلِكَ لِأنَّ نَفْسَ المَيِّتِ تَنْزِعُ، يُقالُ: فُلانٌ في النَّزْعِ، وفُلانٌ يَنْزِعُ إذا كانَ في سِياقِ المَوْتِ، والأنْفُسُ نازِعاتٌ عِنْدَ السِّياقِ، ومَعْنى (غَرْقًا) أيْ نَزْعًا شَدِيدًا أبْلَغَ ما يَكُونُ وأشَدَّ مِن إغْراقِ النّازِعِ في القَوْسِ، وكَذَلِكَ تَنْشِطُ لِأنَّ النَّشْطَ مَعْناهُ الخُرُوجُ، ثُمَّ الأرْواحُ البَشَرِيَّةُ الخالِيَةُ عَنِ العَلائِقِ الجُسْمانِيَّةِ المُشْتاقَةُ إلى الِاتِّصالِ العُلْوِيِّ بَعْدَ خُرُوجِها مِن ظُلْمَةِ الأجْسادِ تَذْهَبُ إلى عالَمِ المَلائِكَةِ، ومَنازِلِ القُدْسِ عَلى أسْرَعِ الوُجُوهِ في رَوْحٍ ورَيْحانٍ، فَعَبَّرَ عَنْ ذَهابِها عَلى هَذِهِ الحالَةِ بِالسِّباحَةِ، ثُمَّ لا شَكَّ أنَّ مَراتِبَ الأرْواحِ في النَّفْرَةِ عَنِ الدُّنْيا ومَحَبَّةِ الِاتِّصالِ بِالعالَمِ العُلْوِيِّ مُخْتَلِفَةٌ، فَكُلَّما كانَتْ أتَمَّ في هَذِهِ الأحْوالِ كانَ سَيْرُها إلى هُناكَ أسْبَقَ، وكُلَّما كانَتْ أضْعَفَ كانَ سَيْرُها إلى هُناكَ أثْقَلَ، ولا شَكَّ أنَّ الأرْواحَ السّابِقَةَ إلى هَذِهِ الأحْوالِ أشْرَفُ، فَلا جَرَمَ وقَعَ القَسَمُ بِها، ثُمَّ إنَّ هَذِهِ الأرْواحَ الشَّرِيفَةَ العالِيَةَ لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ فِيها ما يَكُونُ لِقُوَّتِها وشَرَفِها يَظْهَرُ مِنها آثارٌ في أحْوالِ هَذا العالَمِ، فَهي ﴿فالمُدَبِّراتِ أمْرًا﴾ ألَيْسَ أنَّ الإنْسانَ قَدْ يَرى أُسْتاذَهُ في المَنامِ ويَسْألُهُ عَنْ مُشْكِلَةٍ فَيُرْشِدُهُ إلَيْها؟ ألَيْسَ أنَّ الِابْنَ قَدْ يَرى أباهُ في المَنامِ فَيَهْدِيهِ إلى كَنْزٍ مَدْفُونٍ؟ ألَيْسَ أنَّ جالِينُوسَ قالَ: كُنْتُ مَرِيضًا فَعَجَزْتُ عَنْ عِلاجِ نَفْسِي، فَرَأيْتُ في المَنامِ واحِدًا أرْشَدَنِي إلى كَيْفِيَّةِ العِلاجِ؟ ألَيْسَ أنَّ الغَزالِيَّ قالَ: إنَّ الأرْواحَ الشَّرِيفَةَ إذا فارَقَتْ أبْدانَها، ثُمَّ اتَّفَقَ إنْسانٌ مُشابِهٌ لِلْإنْسانِ الأوَّلِ في الرُّوحِ والبَدَنِ، فَإنَّهُ لا يَبْعُدُ أنْ يَحْصُلَ لِلنَّفْسِ المُفارِقَةِ تَعَلُّقٌ بِهَذا البَدَنِ حَتّى تَصِيرَ كالمُعاوِنَةِ لِلنَّفْسِ المُتَعَلِّقَةِ بِذَلِكَ البَدَنِ عَلى أعْمالِ الخَيْرِ فَتُسَمّى تِلْكَ المُعاوَنَةُ إلْهامًا؟ ونَظِيرُهُ في جانِبِ النُّفُوسِ الشِّرِّيرَةِ وسْوَسَةٌ، وهَذِهِ المَعانِي وإنْ لَمْ تَكُنْ مَنقُولَةً عَنِ المُفَسِّرِينَ إلّا أنَّ اللَّفْظَ
صفحة ٣٠
مُحْتَمِلٌ لَها جِدًّا.
الوَجْهُ الرّابِعُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الكَلِماتِ الخَمْسِ: أنَّها صِفاتُ خَيْلِ الغُزاةِ، فَهي نازِعاتٌ لِأنَّها تَنْزِعُ في أعِنَّتِها نَزْعًا تَغْرَقُ فِيهِ الأعِنَّةُ لِطُولِ أعْناقِها لِأنَّها عِرابٌ، وهي ناشِطاتٌ لِأنَّها تَخْرُجُ مِن دارِ الإسْلامِ إلى دارِ الحَرْبِ، مِن قَوْلِهِمْ: ثَوْرٌ ناشِطٌ إذا خَرَجَ مِن بَلَدٍ إلى بَلَدٍ، وهي سابِحاتٌ لِأنَّها تَسْبَحُ في جَرْيِها، وهي سابِقاتٌ لِأنَّها تَسْبِقُ إلى الغايَةِ، وهي مُدَبِّراتٌ لِأمْرِ الغَلَبَةِ والظَّفَرِ، وإسْنادُ التَّدْبِيرِ إلَيْها مَجازٌ؛ لِأنَّها مِن أسْبابِهِ.
* * *
الوَجْهُ الخامِسُ: وهو اخْتِيارُ أبِي مُسْلِمٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أنَّ هَذِهِ صِفاتُ الغُزاةِ، فالنّازِعاتُ أيْدِي الغُزاةِ، يُقالُ لِلرّامِي: نَزَعَ في قَوْسِهِ، ويُقالُ: أغْرَقَ في النَّزْعِ إذا اسْتَوْفى مَدَّ القَوْسِ، والنّاشِطاتُ السِّهامُ وهي خُرُوجُها عَنْ أيْدِي الرُّماةِ ونُفُوذُها، وكُلُّ شَيْءٍ حَلَلْتَهُ فَقَدْ نَشَّطْتَهُ، ومِنهُ نَشاطُ الرَّجُلِ وهو انْبِساطُهُ وخِفَّتُهُ، والسّابِحاتُ في هَذا المَوْضِعِ الخَيْلُ وسَبْحُها العَدْوُ، ويَجُوزُ أنْ يَعْنِيَ بِهِ الإبِلَ أيْضًا، والمُدَبِّراتُ مِثْلُ المُعَقِّباتِ، والمُرادُ أنَّهُ يَأْتِي في أدْبارِ هَذا الفِعْلِ الَّذِي هو نَزْعُ السِّهامِ وسَبْحُ الخَيْلِ وسَبْقُها الأمْرُ الَّذِي هو النَّصْرُ، ولَفْظُ التَّأْنِيثِ إنَّما كانَ لِأنَّ هَؤُلاءِ جَماعاتٌ، كَما قِيلَ: المُدَبِّراتُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ الآلَةَ مِنَ القَوْسِ والأوْهاقِ، عَلى مَعْنى المَنزُوعِ فِيها والمَنشُوطِ بِها.
الوَجْهُ السّادِسُ: أنَّهُ يُمْكِنُ تَفْسِيرُ هَذِهِ الكَلِماتِ بِالمَراتِبِ الواقِعَةِ في رُجُوعِ القَلْبِ مِن غَيْرِ اللَّهِ تَعالى إلى اللَّهِ ﴿والنّازِعاتِ غَرْقًا﴾ هي الأرْواحُ الَّتِي تَنْزِعُ إلى اعْتِلاقِ العُرْوَةِ الوُثْقى، أوِ المَنزُوعَةُ عَنْ مَحَبَّةِ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى، ﴿والنّاشِطاتِ نَشْطًا﴾ هي أنَّها بَعْدَ الرُّجُوعِ عَنِ الجُسْمانِيّاتِ تَأْخُذُ في المُجاهَدَةِ، والتَّخَلُّقِ بِأخْلاقِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى بِنَشاطٍ تامٍّ وقُوَّةٍ قَوِيَّةٍ. ﴿والسّابِحاتِ سَبْحًا﴾ ثُمَّ إنَّها بَعْدَ المُجاهَدَةِ تَسْرَحُ في أمْرِ المَلَكُوتِ فَتَقْطَعُ في تِلْكَ البِحارِ فَتَسْبَحُ فِيها. ﴿فالسّابِقاتِ سَبْقًا﴾ إشارَةٌ إلى تَفاوُتِ الأرْواحِ في دَرَجاتِ سَيْرِها إلى اللَّهِ تَعالى. ﴿فالمُدَبِّراتِ أمْرًا﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ آخِرَ مَراتِبِ البَشَرِيَّةِ مُتَّصِلَةٌ بِأوَّلِ دَرَجاتِ المَلَكِيَّةِ، فَلَمّا انْتَهَتِ الأرْواحُ البَشَرِيَّةُ إلى أقْصى غاياتِها وهي مَرْتَبَةُ السَّبْقِ اتَّصَلَتْ بِعالَمِ المَلائِكَةِ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فالمُدَبِّراتِ أمْرًا﴾، فالأرْبَعَةُ الأُوَلُ هي المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ﴾ [النُّورِ: ٣٥] . و(الخامِسَةُ) هي النّارُ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ﴾ [النُّورِ: ٣٥] .
واعْلَمْ أنَّ الوُجُوهَ المَنقُولَةَ عَنِ المُفَسِّرِينَ غَيْرُ مَنقُولَةٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- نَصًّا، حَتّى لا يُمْكِنَ الزِّيادَةُ عَلَيْها، بَلْ إنَّما ذَكَرُوها لِكَوْنِ اللَّفْظِ مُحْتَمِلًا لَها، فَإذا كانَ احْتِمالُ اللَّفْظِ لِما ذَكَرْناهُ لَيْسَ دُونَ احْتِمالِهِ لِلْوُجُوهِ الَّتِي ذَكَرُوها لَمْ يَكُنْ ما ذَكَرُوهُ أوْلى مِمّا ذَكَرْناهُ إلّا أنَّهُ لا بُدَّ هاهُنا مِن دَقِيقَةٍ، وهو أنَّ اللَّفْظَ مُحْتَمَلٌ لِلْكُلِّ، فَإنْ وجَدْنا بَيْنَ هَذِهِ المَعانِي مَفْهُومًا واحِدًا مُشْتَرَكًا حَمَلْنا اللَّفْظَ عَلى ذَلِكَ المُشْتَرَكِ؛ وحِينَئِذٍ يَنْدَرِجُ تَحْتَهُ جَمِيعُ هَذِهِ الوُجُوهِ. أمّا إذا لَمْ يَكُنْ بَيْنَ هَذِهِ المَفْهُوماتِ قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ تَعَذَّرَ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلى الكُلِّ؛ لِأنَّ اللَّفْظَ المُشْتَرَكَ لا يَجُوزُ اسْتِعْمالُهُ لِإفادَةِ مَفْهُومَيْهِ مَعًا، فَحِينَئِذٍ لا نَقُولُ: مُرادُ اللَّهِ تَعالى هَذا، بَلْ نَقُولُ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا هو المُرادَ، أمّا الجَزْمُ فَلا سَبِيلَ إلَيْهِ هاهُنا.
الِاحْتِمالُ الثّانِي: وهو أنْ [ لا ] تَكُونَ [ هَذِهِ ] الألْفاظُ الخَمْسَةُ صِفاتٍ لِشَيْءٍ واحِدٍ، بَلْ لِأشْياءَ مُخْتَلِفَةٍ، فَفِيهِ أيْضًا وُجُوهٌ:
(الأوَّلُ) النّازِعاتُ غَرْقًا، هي القِسِيُّ، والنّاشِطاتُ نَشْطًا هي الأوْهاقُ، والسّابِحاتُ السُّفُنُ، والسّابِقاتُ الخَيْلُ، والمُدَبِّراتُ المَلائِكَةُ، رَواهُ واصِلُ بْنُ السّائِبِ عَنْ عَطاءٍ.
(الثّانِي) نُقِلَ عَنْ مُجاهِدٍ في
صفحة ٣١
النّازِعاتِ والنّاشِطاتِ والسّابِحاتِ أنَّها المَوْتُ، وفي السّابِقاتِ والمُدَبِّراتِ أنَّها المَلائِكَةُ، وإضافَةُ النَّزْعِ والنَّشْطِ والسَّبْحِ إلى المَوْتِ مَجازٌ بِمَعْنى أنَّها حَصَلَتْ عِنْدَ حُصُولِهِ.
* * *
(الثّالِثُ) قالَ قَتادَةُ: الجَمِيعُ هي النُّجُومُ إلّا المُدَبِّراتِ، فَإنَّها هي المَلائِكَةُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرَ ﴿فالسّابِقاتِ﴾ بِالفاءِ، والَّتِي قَبْلَها بِالواوِ، وفي عِلَّتِهِ وجْهانِ:
(الأوَّلُ) قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: إنَّ هَذِهِ مُسَبَّبَةٌ عَنِ الَّتِي قَبْلَها، كَأنَّهُ قِيلَ: واللّاتِي سَبَحْنَ فَسَبَقْنَ كَما تَقُولُ: قامَ فَذَهَبَ، أوْجَبَ الفاءُ أنَّ القِيامَ كانَ سَبَبًا لِلذَّهابِ، ولَوْ قُلْتَ: قامَ وذَهَبَ لَمْ تَجْعَلِ القِيامَ سَبَبًا لِلذَّهابِ، قالَ الواحِدِيُّ: قَوْلُ صاحِبِ النَّظْمِ غَيْرُ مُطَّرِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فالمُدَبِّراتِ أمْرًا﴾؛ لِأنَّهُ يَبْعُدُ أنْ يَجْعَلَ السَّبْقَ سَبَبًا لِلتَّدْبِيرِ، وأقُولُ: يُمْكِنُ الجَوابُ عَنِ اعْتِراضِ الواحِدِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مِن وجْهَيْنِ:
(الأوَّلُ) لا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: إنَّها لَمّا أُمِرَتْ سَبَحَتْ فَسَبَقَتْ فَدَبَّرَتْ ما أُمِرَتْ بِتَدْبِيرِها وإصْلاحِها، فَتَكُونُ هَذِهِ أفْعالًا يَتَّصِلُ بَعْضُها بِبَعْضٍ، كَقَوْلِكَ: قامَ زَيْدٌ، فَذَهَبَ، فَضَرَبَ عَمْرًا.
(الثّانِي) لا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: إنَّهم لَمّا كانُوا سابِقِينَ في أداءِ الطّاعاتِ مُتَسارِعِينَ إلَيْها ظَهَرَتْ أمانَتُهُمْ، فَلِهَذا السَّبَبِ فَوَّضَ اللَّهُ إلَيْهِمْ تَدْبِيرَ بَعْضِ العالَمِ.
(الوَجْهُ الثّانِي) أنَّ المَلائِكَةَ قِسْمانِ: الرُّؤَساءُ والتَّلامِذَةُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى قالَ: ﴿قُلْ يَتَوَفّاكم مَلَكُ المَوْتِ﴾ [السَّجْدَةِ: ١١] ثُمَّ قالَ: ﴿حَتّى إذا جاءَ أحَدَكُمُ المَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا﴾ [الأنْعامِ: ٦١] فَقُلْنا في التَّوْفِيقِ بَيْنَ الآيَتَيْنِ: إنَّ مَلَكَ المَوْتِ هو الرَّأْسُ، والرَّئِيسُ وسائِرُ المَلائِكَةِ هُمُ التَّلامِذَةُ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: النّازِعاتُ والنّاشِطاتُ والسّابِحاتُ مَحْمُولَةٌ عَلى التَّلامِذَةِ الَّذِينَ هم يُباشِرُونَ العَمَلَ بِأنْفُسِهِمْ، ثُمَّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فالسّابِقاتِ﴾ . . ﴿فالمُدَبِّراتِ﴾ إشارَةٌ إلى الرُّؤَساءِ الَّذِينَ هُمُ السّابِقُونَ في الدَّرَجَةِ والشَّرَفِ، وهُمُ المُدَبِّرُونَ لِتِلْكَ الأحْوالِ والأعْمالِ.
النازعات 79:2
صفحة ٢٦
(سُورَةُ النّازِعاتِ)
(وهي أرْبَعُونَ وسِتُّ آياتٍ مَكِّيَّةٌ)
﷽
﴿والنّازِعاتِ غَرْقًا﴾ ﴿والنّاشِطاتِ نَشْطًا﴾ ﴿والسّابِحاتِ سَبْحًا﴾ ﴿فالسّابِقاتِ سَبْقًا﴾ ﴿فالمُدَبِّراتِ أمْرًا﴾
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)
﴿والنّازِعاتِ غَرْقًا﴾ ﴿والنّاشِطاتِ نَشْطًا﴾ ﴿والسّابِحاتِ سَبْحًا﴾ ﴿فالسّابِقاتِ سَبْقًا﴾ ﴿فالمُدَبِّراتِ أمْرًا﴾ فِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الكَلِماتِ الخَمْسَ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ صِفاتٍ لِشَيْءٍ واحِدٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ لا تَكُونَ كَذَلِكَ، أمّا عَلى الِاحْتِمالِ الأوَّلِ فَقَدْ ذَكَرُوا في الآيَةِ وُجُوهًا:
(أحَدُها) أنَّها بِأسْرِها صِفاتُ المَلائِكَةِ، فَقَوْلُهُ: ﴿والنّازِعاتِ غَرْقًا﴾ هي المَلائِكَةُ الَّذِينَ يَنْزِعُونَ نُفُوسَ بَنِي آدَمَ فَإذا نَزَعُوا نَفْسَ الكُفّارِ نَزَعُوها بِشِدَّةٍ، وهو مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ: نَزَعَ في القَوْسِ فَأغْرَقَ، يُقالُ: أغْرَقَ النّازِعُ في القَوْسِ إذا بَلَغَ غايَةَ المَدى حَتّى يَنْتَهِيَ إلى النَّصْلِ، فَتَقْدِيرُ الآيَةِ: والنّازِعاتِ إغْراقًا، والغَرْقُ والإغْراقُ في اللُّغَةِ بِمَعْنًى واحِدٍ، وقَوْلُهُ: ﴿والنّاشِطاتِ نَشْطًا﴾ النَّشْطُ هو الجَذْبُ، يُقالُ: نَشَطْتُ الدَّلْوَ أنْشِطُها وأنْشَطْتُها نَشْطًا نَزَعْتُها بِرِفْقٍ، والمُرادُ هي المَلائِكَةُ الَّتِي تَنْشِطُ رُوحَ المُؤْمِنِ فَتَقْبِضُها، وإنَّما خَصَصْنا هَذا بِالمُؤْمِنِ والأوَّلَ بِالكافِرِ لِما بَيْنَ النَّزْعِ والنَّشْطِ مِنَ الفَرْقِ، فالنَّزْعُ جَذْبٌ بِشِدَّةٍ، والنَّشْطُ جَذْبٌ بِرِفْقٍ ولِينٍ، فالمَلائِكَةُ تَنْشِطُ أرْواحَ المُؤْمِنِينَ كَما تُنْشَطُ الدَّلْوُ مِنَ البِئْرِ. فالحاصِلُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿والنّازِعاتِ غَرْقًا﴾ ﴿والنّاشِطاتِ نَشْطًا﴾ قَسَمٌ بِمَلَكِ المَوْتِ وأعْوانِهِ إلّا أنَّ الأوَّلَ إشارَةٌ إلى كَيْفِيَّةِ قَبْضِ أرْواحِ الكُفّارِ.
والثّانِيَ إشارَةٌ إلى كَيْفِيَّةِ قَبْضِ أرْواحِ المُؤْمِنِينَ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿والسّابِحاتِ سَبْحًا﴾ فَمِنهم مَن خَصَّصَهُ أيْضًا بِمَلائِكَةِ قَبْضِ الأرْواحِ، ومِنهم مَن حَمَلَهُ عَلى سائِرِ طَوائِفِ المَلائِكَةِ.
أمّا (الوَجْهُ الأوَّلُ) فَنُقِلَ عَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ، وابْنِ عَبّاسٍ، ومَسْرُوقٍ، أنَّ المَلائِكَةَ يَسُلُّونَ أرْواحَ المُؤْمِنِينَ سَلًّا رَفِيقًا، فَهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿والنّاشِطاتِ نَشْطًا﴾ ثُمَّ يَتْرُكُونَها حَتّى تَسْتَرِيحَ رُوَيْدًا، ثُمَّ يَسْتَخْرِجُونَها بَعْدَ ذَلِكَ بِرِفْقٍ ولَطافَةٍ كالَّذِي يَسْبَحُ في الماءِ فَإنَّهُ يَتَحَرَّكُ بِرِفْقٍ ولَطافَةٍ لِئَلّا يَغْرَقَ، فَكَذا هاهُنا يَرْفُقُونَ في ذَلِكَ
صفحة ٢٧
الِاسْتِخْراجِ، لِئَلّا يَصِلَ إلَيْهِ ألَمٌ وشِدَّةٌ فَذاكَ هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿والسّابِحاتِ سَبْحًا﴾، وأمّا الَّذِينَ حَمَلُوهُ عَلى سائِرِ طَوائِفِ المَلائِكَةِ فَقالُوا: إنَّ المَلائِكَةَ يَنْزِلُونَ مِنَ السَّماءِ مُسْرِعِينَ، فَجَعَلَ نُزُولَهم مِنَ السَّماءِ كالسِّباحَةِ، والعَرَبُ تَقُولُ لِلْفَرَسِ الجَوادِ إنَّهُ السّابِحُ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿فالسّابِقاتِ سَبْقًا﴾ فَمِنهم مَن فَسَّرَهُ بِمَلائِكَةِ قَبْضِ الأرْواحِ يَسْبِقُونَ بِأرْواحِ الكُفّارِ إلى النّارِ، وبِأرْواحِ المُؤْمِنِينَ إلى الجَنَّةِ، ومِنهم مَن فَسَّرَهُ بِسائِرِ طَوائِفِ المَلائِكَةِ، ثُمَّ ذَكَرُوا في هَذا السَّبْقِ وُجُوهًا:
(أحَدُها) قالَ مُجاهِدٌ وأبُو رَوْقٍ: إنَّ المَلائِكَةَ سَبَقَتِ ابْنَ آدَمَ بِالإيمانِ والطّاعَةِ، ولا شَكَّ أنَّ المُسابَقَةَ في الخَيْراتِ دَرَجَةٌ عَظِيمَةٌ، قالَ تَعالى: ﴿والسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾ [الواقِعَةِ: ١٠،١١] .
(وثانِيها) قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: إنَّ المَلائِكَةَ تَسْبِقُ الشَّياطِينَ بِالوَحْيِ إلى الأنْبِياءِ؛ لِأنَّ الشَّياطِينَ كانَتْ تَسْتَرِقُ السَّمْعَ.
(وثالِثُها) ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهُ تَعالى وصَفَهم فَقالَ: ﴿لا يَسْبِقُونَهُ بِالقَوْلِ﴾ [الأنْبِياءِ: ٢٧] يَعْنِي قَبْلَ الإذْنِ لا يَتَحَرَّكُونَ ولا يَنْطِقُونَ تَعْظِيمًا لِجَلالِ اللَّهِ تَعالى وخَوْفًا مِن هَيْبَتِهِ، وهاهُنا وصَفَهم بِالسَّبْقِ يَعْنِي إذا جاءَهُمُ الأمْرُ، فَإنَّهم يَتَسارَعُونَ إلى امْتِثالِهِ ويَتَبادَرُونَ إلى إظْهارِ طاعَتِهِ، فَهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فالسّابِقاتِ سَبْقًا﴾، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿فالمُدَبِّراتِ أمْرًا﴾ فَأجْمَعُوا عَلى أنَّهم هُمُ المَلائِكَةُ: قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي جِبْرِيلَ ومِيكائِيلَ وإسْرافِيلَ وعِزْرائِيلَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ يُدَبِّرُونَ أمْرَ اللَّهِ تَعالى في أهْلِ الأرْضِ، وهُمُ المُقَسِّماتُ أمْرًا، أمّا جِبْرِيلُ فَوُكِّلَ بِالرِّياحِ والجُنُودِ، وأمّا مِيكائِيلُ فَوُكِّلَ بِالقَطْرِ والنَّباتِ، وأمّا مَلَكُ المَوْتِ فَوُكِّلَ بِقَبْضِ الأنْفُسِ، وأمّا إسْرافِيلُ فَهو يَنْزِلُ بِالأمْرِ عَلَيْهِمْ، وقَوْمٌ مِنهم مُوَكَّلُونَ بِحِفْظِ بَنِي آدَمَ، وقَوْمٌ آخَرُونَ بِكِتابَةِ أعْمالِهِمْ، وقَوْمٌ آخَرُونَ بِالخَسْفِ والمَسْخِ والرِّياحِ والسَّحابِ والأمْطارِ. بَقِيَ عَلى الآيَةِ سُؤالانِ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: لِمَ قالَ: (فالمُدَبِّراتِ أمْرًا)، ولَمْ يَقُلْ: أُمُورًا، فَإنَّهم يُدَبِّرُونَ أُمُورًا كَثِيرَةً لا أمْرًا واحِدًا؟ (والجَوابُ) أنَّ المُرادَ بِهِ الجِنْسُ، وإذا كانَ كَذَلِكَ قامَ مَقامَ الجَمْعِ.
السُّؤالُ الثّانِي: قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الأمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾، فَكَيْفَ أثْبَتَ لَهم هاهُنا تَدْبِيرَ الأمْرِ؟ (والجَوابُ) لَمّا كانَ ذَلِكَ الإتْيانُ بِهِ كانَ الأمْرُ كَأنَّهُ لَهُ، فَهَذا تَلْخِيصُ ما قالَهُ المُفَسِّرُونَ في هَذا البابِ، وعِنْدِي فِيهِ (وجْهٌ آخَرُ) وهو أنَّ المَلائِكَةَ لَها صِفاتٌ سَلْبِيَّةٌ وصِفاتٌ إضافِيَّةٌ، أمّا الصِّفاتُ السَّلْبِيَّةُ فَهي أنَّها مُبَرَّأةٌ عَنِ الشَّهْوَةِ والغَضَبِ والأخْلاقِ الذَّمِيمَةِ والمَوْتِ والهِرَمِ والسَّقَمِ والتَّرْكِيبِ مِنَ الأعْضاءِ والأخْلاطِ والأرْكانِ، بَلْ هي جَواهِرُ رُوحانِيَّةٌ مُبَرَّأةٌ عَنْ هَذِهِ الأحْوالِ، فَقَوْلُهُ: ﴿والنّازِعاتِ غَرْقًا﴾ إشارَةٌ إلى كَوْنِها مَنزُوعَةً عَنْ هَذِهِ الأحْوالِ نَزْعًا كُلِّيًّا مِن جَمِيعِ الوُجُوهِ، وعَلى هَذا التَّفْسِيرِ (النّازِعاتِ) هي ذَواتُ النَّزْعِ كاللّابِنِ والتّامِرِ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿والنّاشِطاتِ نَشْطًا﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ خُرُوجَها عَنْ هَذِهِ الأحْوالِ لَيْسَ عَلى سَبِيلِ التَّكْلِيفِ والمَشَقَّةِ كَما في حَقِّ البَشَرِ، بَلْ هم بِمُقْتَضى ماهِيّاتِهِمْ خَرَجُوا عَنْ هَذِهِ الأحْوالِ وتَنَزَّهُوا عَنْ هَذِهِ الصِّفاتِ، فَهاتانِ الكَلِمَتانِ إشارَتانِ إلى تَعْرِيفِ أحْوالِهِمُ السَّلْبِيَّةِ، وأمّا صِفاتُهُمُ الإضافِيَّةُ فَهي قِسْمانِ: (أحَدُهُما) شَرْحُ قُوَّتِهِمُ العاقِلَةِ أيْ كَيْفَ حالُهم في مَعْرِفَةِ مُلْكِ اللَّهِ ومَلَكُوتِهِ والِاطِّلاعِ عَلى نُورِ جَلالِهِ، فَوَصَفَهم في هَذا المَقامِ بِوَصْفَيْنِ: (أحَدُهُما) قَوْلُهُ: ﴿والسّابِحاتِ سَبْحًا﴾ فَهم يَسْبَحُونَ مِن أوَّلِ فِطْرَتِهِمْ في بِحارِ جَلالِ اللَّهِ، ثُمَّ لا مُنْتَهى لِسِباحَتِهِمْ؛ لِأنَّهُ لا مُنْتَهى لِعَظَمَةِ اللَّهِ وعُلُوِّ صَمَدِيَّتِهِ ونُورِ جَلالِهِ وكِبْرِيائِهِ، فَهم أبَدًا في تِلْكَ السِّباحَةِ. (وثانِيهُما) قَوْلُهُ:
صفحة ٢٨
﴿فالسّابِقاتِ سَبْقًا﴾ وهو إشارَةٌ إلى مَراتِبِ المَلائِكَةِ في تِلْكَ السِّباحَةِ، فَإنَّهُ كَما أنَّ مَراتِبَ مَعارِفِ البَهائِمِ بِالنِّسْبَةِ إلى مَراتِبِ مَعارِفِ البَشَرِ ناقِصَةٌ، ومَراتِبَ مَعارِفِ البَشَرِ بِالنِّسْبَةِ إلى مَراتِبِ مَعارِفِ المَلائِكَةِ ناقِصَةٌ، فَكَذَلِكَ مَعارِفُ بَعْضِ تِلْكَ المَلائِكَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى مَراتِبِ مَعارِفِ الباقِينَ مُتَفاوِتَةٌ، وكَما أنَّ المُخالَفَةَ بَيْنَ نَوْعِ الفَرَسِ ونَوْعِ الإنْسانِ بِالماهِيَّةِ لا بِالعَوارِضِ، فَكَذا المُخالَفَةُ بَيْنَ شَخْصِ كُلِّ واحِدٍ مِنَ المَلائِكَةِ وبَيْنَ شَخْصِ الآخَرِ بِالماهِيَّةِ، فَإذا كانَتْ أشْخاصُها مُتَفاوِتَةً بِالماهِيَّةِ لا بِالعَوارِضِ كانَتْ لا مَحالَةَ مُتَفاوِتَةً في دَرَجاتِ المَعْرِفَةِ وفي مَراتِبِ التَّجَلِّي، فَهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فالسّابِقاتِ سَبْقًا﴾، فَهاتانِ الكَلِمَتانِ المُرادُ مِنهُما شَرْحُ أحْوالِ قُوَّتِهِمُ العاقِلَةِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿فالمُدَبِّراتِ أمْرًا﴾ فَهو إشارَةٌ إلى شَرْحِ حالِ قُوَّتِهِمُ العامِلَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ كُلَّ حالٍ مِن أحْوالِ العالَمِ السُّفْلِيِّ مُفَوَّضٌ إلى تَدْبِيرِ واحِدٍ مِنَ المَلائِكَةِ الَّذِينَ هم عُمّارُ العالَمِ العُلْوِيِّ وسُكّانُ بِقاعِ السَّماواتِ، ولَمّا كانَ التَّدْبِيرُ لا يَتِمُّ إلّا بَعْدَ العِلْمِ، لا جَرَمَ قَدَّمَ شَرْحَ القُوَّةِ العاقِلَةِ الَّتِي لَهم عَلى شَرْحِ القُوَّةِ العامِلَةِ الَّتِي لَهُمْ، فَهَذا الَّذِي ذَكَرْتُهُ احْتِمالٌ ظاهِرٌ واللَّهُ أعْلَمُ بِمُرادِهِ مِن كَلامِهِ.
واعْلَمْ أنَّ أبا مُسْلِمٍ بْنَ بَحْرٍ الأصْفَهانِيَّ طَعَنَ في حَمْلِ هَذِهِ الكَلِماتِ عَلى المَلائِكَةِ، وقالَ: واحِدُ النّازِعاتِ نازِعَةٌ وهو مِن لَفْظِ الإناثِ، وقَدْ نَزَّهَ اللَّهُ تَعالى المَلائِكَةَ عَنِ التَّأْنِيثِ، وعابَ قَوْلَ الكُفّارِ حَيْثُ قالَ: ﴿وجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا﴾ [الزُّخْرُفِ: ١٩] .
واعْلَمْ أنَّ هَذا طَعْنٌ لا يَتَوَجَّهُ عَلى تَفْسِيرِنا؛ لِأنَّ المُرادَ الأشْياءُ ذَواتُ النَّزْعِ، وهَذا القَدْرُ لا يَقْتَضِي ما ذُكِرَ مِنَ التَّأْنِيثِ.
الوَجْهُ الثّانِي في تَأْوِيلِ هَذِهِ الكَلِماتِ: أنَّها هي النُّجُومُ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ البَصْرِيِّ، ووَصْفُ النُّجُومِ بِالنّازِعاتِ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا:
(أحَدُها) كَأنَّها تُنْزَعُ مِن تَحْتِ الأرْضِ فَتَنْجَذِبُ إلى ما فَوْقَ الأرْضِ، فَإذا كانَتْ مَنزُوعَةً كانَتْ ذَواتِ نَزْعٍ، فَيَصِحُّ أنْ يُقالَ إنَّها نازِعَةٌ عَلى قِياسِ اللّابِنِ والتّامِرِ.
(وثانِيها) أنَّ النّازِعاتِ مِن قَوْلِهِمْ نَزَعَ إلَيْهِ أيْ ذَهَبَ نُزُوعًا، هَكَذا قالَهُ الواحِدِيُّ، فَكَأنَّها تَطْلُعُ وتَغْرُبُ بِالنَّزْعِ والسَّوْقِ.
(والثّالِثُ) أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِن قَوْلِهِمْ: نَزَعَتِ الخَيْلُ إذا جَرَتْ، فَمَعْنى: (والنّازِعاتِ) أيْ والجارِياتِ عَلى السَّيْرِ المُقَدَّرِ والحَدِّ المُعَيَّنِ، وقَوْلُهُ: (غَرْقًا) يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:
(أحَدُهُما) أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ النّازِعاتِ أيْ هَذِهِ الكَواكِبُ كالغَرْقى في ذَلِكَ النَّزْعِ والإرادَةِ، وهو إشارَةٌ إلى كَمالِ حالِها في تِلْكَ الإرادَةِ، فَإنْ قِيلَ: إذا لَمْ تَكُنِ الأفْلاكُ والكَواكِبُ أحْياءً ناطِقَةً، فَما مَعْنى وصْفِها بِذَلِكَ؟ قُلْنا: هَذا يَكُونُ عَلى سَبِيلِ التَّشْبِيهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٤٠] فَإنَّ الجَمْعَ بِالواوِ والنُّونِ يَكُونُ لِلْعُقَلاءِ، ثُمَّ إنَّهُ ذُكِرَ في الكَواكِبِ عَلى سَبِيلِ التَّشْبِيهِ.
(والثّانِي) أنْ يَكُونَ مَعْنى غَرْقِها غَيْبُوبَتَها في أُفُقِ الغَرْبِ، فالنّازِعاتُ إشارَةٌ إلى طُلُوعِها، و(غَرْقًا) إشارَةٌ إلى غُرُوبِها، أيْ تَنْزِعُ ثُمَّ تُغْرَقُ إغْراقًا، وهَذا الوَجْهُ ذَكَرَهُ قَوْمٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿والنّاشِطاتِ نَشْطًا﴾ فَقالَ صاحِبُ الكَشّافِ: مَعْناهُ أنَّها تَخْرُجُ مِن بُرْجٍ إلى بُرْجٍ مِن قَوْلِكَ: ثَوْرٌ ناشِطٌ إذا خَرَجَ مِن بَلَدٍ إلى بَلَدٍ. وأقُولُ: يَرْجِعُ حاصِلُ هَذا الكَلامِ إلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿والنّازِعاتِ غَرْقًا﴾ إشارَةٌ إلى حَرَكَتِها اليَوْمِيَّةِ، ﴿والنّاشِطاتِ نَشْطًا﴾ إشارَةٌ إلى انْتِقالِها مِن بُرْجٍ إلى بُرْجٍ، وهو حَرَكَتُها المَخْصُوصَةُ بِها في أفْلاكِها الخاصَّةِ، والعَجَبُ أنَّ حَرَكاتِها اليَوْمِيَّةَ قَسْرِيَّةٌ، وحَرَكَتَها مِن بُرْجٍ إلى بُرْجٍ لَيْسَتْ قَسْرِيَّةً، بَلْ
صفحة ٢٩
مُلائِمَةً لِذَواتِها، فَلا جَرَمَ عَبَّرَ عَنِ الأوَّلِ بِالنَّزْعِ وعَنِ الثّانِي بِالنَّشْطِ، فَتَأمَّلْ أيُّها المِسْكِينُ في هَذِهِ الأسْرارِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿والسّابِحاتِ سَبْحًا﴾ فَقالَ الحَسَنُ وأبُو عُبَيْدَةَ - رَحِمَهُما اللَّهُ -: هي النُّجُومُ تَسْبَحُ في الفَلَكِ؛ لِأنَّ مُرُورَها في الجَوِّ كالسَّبْحِ، ولِهَذا قالَ: ﴿وكُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٤٠] .
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿فالسّابِقاتِ سَبْقًا﴾ فَقالَ الحَسَنُ وأبُو عُبَيْدَةَ: هي النُّجُومُ يَسْبِقُ بَعْضُها بَعْضًا في السَّيْرِ بِسَبَبِ كَوْنِ بَعْضِها أسْرَعَ حَرَكَةً مِنَ البَعْضِ، أوْ بِسَبَبِ رُجُوعِها أوِ اسْتِقامَتِها.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فالمُدَبِّراتِ أمْرًا﴾ فَفِيهِ وجْهانِ:
(أحَدُهُما) أنَّ بِسَبَبِ سَيْرِها وحَرَكَتِها يَتَمَيَّزُ بَعْضُ الأوْقاتِ عَنْ بَعْضٍ، فَتَظْهَرُ أوْقاتُ العِباداتِ عَلى ما قالَ تَعالى: (﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ ﴿ولَهُ الحَمْدُ﴾ [الرُّومِ: ١٨،١٧] وقالَ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هي مَواقِيتُ لِلنّاسِ والحَجِّ﴾ [البَقَرَةِ: ١٨٩] وقالَ: ﴿لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ والحِسابَ﴾ [يُونُسَ: ٥] ولِأنَّ بِسَبَبِ حَرَكَةِ الشَّمْسِ تَخْتَلِفُ الفُصُولُ الأرْبَعَةُ، ويَخْتَلِفُ بِسَبَبِ اخْتِلافِها أحْوالُ النّاسِ في المَعاشِ، فَلا جَرَمَ أُضِيفَتْ إلَيْها هَذِهِ التَّدْبِيراتُ.
(والثّانِي) أنَّهُ لَمّا ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ أنَّ كُلَّ جِسْمٍ مُحْدَثٌ ثَبَتَ أنَّ الكَواكِبَ مُحْدَثَةٌ مُفْتَقِرَةٌ إلى مُوجِدٍ يُوجِدُها، وإلى صانِعٍ يَخْلُقُها، ثُمَّ بَعْدَ هَذا لَوْ قَدَّرْنا أنَّ صانِعَها أوْدَعَ فِيها قُوًى مُؤَثِّرَةً في أحْوالِ هَذا العالَمِ، فَهَذا يَطْعَنُ في الدِّينِ البَتَّةَ، وإنْ لَمْ نَقُلْ بِثُبُوتِ هَذِهِ القُوى أيْضًا، لَكِنّا نَقُولُ: إنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى أجْرى عادَتَهُ بِأنْ جَعَلَ كُلَّ واحِدٍ مِن أحْوالِها المَخْصُوصَةِ سَبَبًا لِحُدُوثِ حادِثٍ مَخْصُوصٍ في هَذا العالَمِ، كَما جَعَلَ الأكْلَ سَبَبًا لِلشِّبَعِ، والشُّرْبَ سَبَبًا لِلرِّيِّ، ومُماسَّةَ النّارِ سَبَبًا لِلِاحْتِراقِ، فالقَوْلُ بِهَذا المَذْهَبِ لا يَضُرُّ الإسْلامَ البَتَّةَ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، واللَّهُ أعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الحالِ.
الوَجْهُ الثّالِثُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الكَلِماتِ الخَمْسَةِ أنَّها هي الأرْواحُ، وذَلِكَ لِأنَّ نَفْسَ المَيِّتِ تَنْزِعُ، يُقالُ: فُلانٌ في النَّزْعِ، وفُلانٌ يَنْزِعُ إذا كانَ في سِياقِ المَوْتِ، والأنْفُسُ نازِعاتٌ عِنْدَ السِّياقِ، ومَعْنى (غَرْقًا) أيْ نَزْعًا شَدِيدًا أبْلَغَ ما يَكُونُ وأشَدَّ مِن إغْراقِ النّازِعِ في القَوْسِ، وكَذَلِكَ تَنْشِطُ لِأنَّ النَّشْطَ مَعْناهُ الخُرُوجُ، ثُمَّ الأرْواحُ البَشَرِيَّةُ الخالِيَةُ عَنِ العَلائِقِ الجُسْمانِيَّةِ المُشْتاقَةُ إلى الِاتِّصالِ العُلْوِيِّ بَعْدَ خُرُوجِها مِن ظُلْمَةِ الأجْسادِ تَذْهَبُ إلى عالَمِ المَلائِكَةِ، ومَنازِلِ القُدْسِ عَلى أسْرَعِ الوُجُوهِ في رَوْحٍ ورَيْحانٍ، فَعَبَّرَ عَنْ ذَهابِها عَلى هَذِهِ الحالَةِ بِالسِّباحَةِ، ثُمَّ لا شَكَّ أنَّ مَراتِبَ الأرْواحِ في النَّفْرَةِ عَنِ الدُّنْيا ومَحَبَّةِ الِاتِّصالِ بِالعالَمِ العُلْوِيِّ مُخْتَلِفَةٌ، فَكُلَّما كانَتْ أتَمَّ في هَذِهِ الأحْوالِ كانَ سَيْرُها إلى هُناكَ أسْبَقَ، وكُلَّما كانَتْ أضْعَفَ كانَ سَيْرُها إلى هُناكَ أثْقَلَ، ولا شَكَّ أنَّ الأرْواحَ السّابِقَةَ إلى هَذِهِ الأحْوالِ أشْرَفُ، فَلا جَرَمَ وقَعَ القَسَمُ بِها، ثُمَّ إنَّ هَذِهِ الأرْواحَ الشَّرِيفَةَ العالِيَةَ لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ فِيها ما يَكُونُ لِقُوَّتِها وشَرَفِها يَظْهَرُ مِنها آثارٌ في أحْوالِ هَذا العالَمِ، فَهي ﴿فالمُدَبِّراتِ أمْرًا﴾ ألَيْسَ أنَّ الإنْسانَ قَدْ يَرى أُسْتاذَهُ في المَنامِ ويَسْألُهُ عَنْ مُشْكِلَةٍ فَيُرْشِدُهُ إلَيْها؟ ألَيْسَ أنَّ الِابْنَ قَدْ يَرى أباهُ في المَنامِ فَيَهْدِيهِ إلى كَنْزٍ مَدْفُونٍ؟ ألَيْسَ أنَّ جالِينُوسَ قالَ: كُنْتُ مَرِيضًا فَعَجَزْتُ عَنْ عِلاجِ نَفْسِي، فَرَأيْتُ في المَنامِ واحِدًا أرْشَدَنِي إلى كَيْفِيَّةِ العِلاجِ؟ ألَيْسَ أنَّ الغَزالِيَّ قالَ: إنَّ الأرْواحَ الشَّرِيفَةَ إذا فارَقَتْ أبْدانَها، ثُمَّ اتَّفَقَ إنْسانٌ مُشابِهٌ لِلْإنْسانِ الأوَّلِ في الرُّوحِ والبَدَنِ، فَإنَّهُ لا يَبْعُدُ أنْ يَحْصُلَ لِلنَّفْسِ المُفارِقَةِ تَعَلُّقٌ بِهَذا البَدَنِ حَتّى تَصِيرَ كالمُعاوِنَةِ لِلنَّفْسِ المُتَعَلِّقَةِ بِذَلِكَ البَدَنِ عَلى أعْمالِ الخَيْرِ فَتُسَمّى تِلْكَ المُعاوَنَةُ إلْهامًا؟ ونَظِيرُهُ في جانِبِ النُّفُوسِ الشِّرِّيرَةِ وسْوَسَةٌ، وهَذِهِ المَعانِي وإنْ لَمْ تَكُنْ مَنقُولَةً عَنِ المُفَسِّرِينَ إلّا أنَّ اللَّفْظَ
صفحة ٣٠
مُحْتَمِلٌ لَها جِدًّا.
الوَجْهُ الرّابِعُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الكَلِماتِ الخَمْسِ: أنَّها صِفاتُ خَيْلِ الغُزاةِ، فَهي نازِعاتٌ لِأنَّها تَنْزِعُ في أعِنَّتِها نَزْعًا تَغْرَقُ فِيهِ الأعِنَّةُ لِطُولِ أعْناقِها لِأنَّها عِرابٌ، وهي ناشِطاتٌ لِأنَّها تَخْرُجُ مِن دارِ الإسْلامِ إلى دارِ الحَرْبِ، مِن قَوْلِهِمْ: ثَوْرٌ ناشِطٌ إذا خَرَجَ مِن بَلَدٍ إلى بَلَدٍ، وهي سابِحاتٌ لِأنَّها تَسْبَحُ في جَرْيِها، وهي سابِقاتٌ لِأنَّها تَسْبِقُ إلى الغايَةِ، وهي مُدَبِّراتٌ لِأمْرِ الغَلَبَةِ والظَّفَرِ، وإسْنادُ التَّدْبِيرِ إلَيْها مَجازٌ؛ لِأنَّها مِن أسْبابِهِ.
* * *
الوَجْهُ الخامِسُ: وهو اخْتِيارُ أبِي مُسْلِمٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أنَّ هَذِهِ صِفاتُ الغُزاةِ، فالنّازِعاتُ أيْدِي الغُزاةِ، يُقالُ لِلرّامِي: نَزَعَ في قَوْسِهِ، ويُقالُ: أغْرَقَ في النَّزْعِ إذا اسْتَوْفى مَدَّ القَوْسِ، والنّاشِطاتُ السِّهامُ وهي خُرُوجُها عَنْ أيْدِي الرُّماةِ ونُفُوذُها، وكُلُّ شَيْءٍ حَلَلْتَهُ فَقَدْ نَشَّطْتَهُ، ومِنهُ نَشاطُ الرَّجُلِ وهو انْبِساطُهُ وخِفَّتُهُ، والسّابِحاتُ في هَذا المَوْضِعِ الخَيْلُ وسَبْحُها العَدْوُ، ويَجُوزُ أنْ يَعْنِيَ بِهِ الإبِلَ أيْضًا، والمُدَبِّراتُ مِثْلُ المُعَقِّباتِ، والمُرادُ أنَّهُ يَأْتِي في أدْبارِ هَذا الفِعْلِ الَّذِي هو نَزْعُ السِّهامِ وسَبْحُ الخَيْلِ وسَبْقُها الأمْرُ الَّذِي هو النَّصْرُ، ولَفْظُ التَّأْنِيثِ إنَّما كانَ لِأنَّ هَؤُلاءِ جَماعاتٌ، كَما قِيلَ: المُدَبِّراتُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ الآلَةَ مِنَ القَوْسِ والأوْهاقِ، عَلى مَعْنى المَنزُوعِ فِيها والمَنشُوطِ بِها.
الوَجْهُ السّادِسُ: أنَّهُ يُمْكِنُ تَفْسِيرُ هَذِهِ الكَلِماتِ بِالمَراتِبِ الواقِعَةِ في رُجُوعِ القَلْبِ مِن غَيْرِ اللَّهِ تَعالى إلى اللَّهِ ﴿والنّازِعاتِ غَرْقًا﴾ هي الأرْواحُ الَّتِي تَنْزِعُ إلى اعْتِلاقِ العُرْوَةِ الوُثْقى، أوِ المَنزُوعَةُ عَنْ مَحَبَّةِ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى، ﴿والنّاشِطاتِ نَشْطًا﴾ هي أنَّها بَعْدَ الرُّجُوعِ عَنِ الجُسْمانِيّاتِ تَأْخُذُ في المُجاهَدَةِ، والتَّخَلُّقِ بِأخْلاقِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى بِنَشاطٍ تامٍّ وقُوَّةٍ قَوِيَّةٍ. ﴿والسّابِحاتِ سَبْحًا﴾ ثُمَّ إنَّها بَعْدَ المُجاهَدَةِ تَسْرَحُ في أمْرِ المَلَكُوتِ فَتَقْطَعُ في تِلْكَ البِحارِ فَتَسْبَحُ فِيها. ﴿فالسّابِقاتِ سَبْقًا﴾ إشارَةٌ إلى تَفاوُتِ الأرْواحِ في دَرَجاتِ سَيْرِها إلى اللَّهِ تَعالى. ﴿فالمُدَبِّراتِ أمْرًا﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ آخِرَ مَراتِبِ البَشَرِيَّةِ مُتَّصِلَةٌ بِأوَّلِ دَرَجاتِ المَلَكِيَّةِ، فَلَمّا انْتَهَتِ الأرْواحُ البَشَرِيَّةُ إلى أقْصى غاياتِها وهي مَرْتَبَةُ السَّبْقِ اتَّصَلَتْ بِعالَمِ المَلائِكَةِ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فالمُدَبِّراتِ أمْرًا﴾، فالأرْبَعَةُ الأُوَلُ هي المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ﴾ [النُّورِ: ٣٥] . و(الخامِسَةُ) هي النّارُ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ﴾ [النُّورِ: ٣٥] .
واعْلَمْ أنَّ الوُجُوهَ المَنقُولَةَ عَنِ المُفَسِّرِينَ غَيْرُ مَنقُولَةٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- نَصًّا، حَتّى لا يُمْكِنَ الزِّيادَةُ عَلَيْها، بَلْ إنَّما ذَكَرُوها لِكَوْنِ اللَّفْظِ مُحْتَمِلًا لَها، فَإذا كانَ احْتِمالُ اللَّفْظِ لِما ذَكَرْناهُ لَيْسَ دُونَ احْتِمالِهِ لِلْوُجُوهِ الَّتِي ذَكَرُوها لَمْ يَكُنْ ما ذَكَرُوهُ أوْلى مِمّا ذَكَرْناهُ إلّا أنَّهُ لا بُدَّ هاهُنا مِن دَقِيقَةٍ، وهو أنَّ اللَّفْظَ مُحْتَمَلٌ لِلْكُلِّ، فَإنْ وجَدْنا بَيْنَ هَذِهِ المَعانِي مَفْهُومًا واحِدًا مُشْتَرَكًا حَمَلْنا اللَّفْظَ عَلى ذَلِكَ المُشْتَرَكِ؛ وحِينَئِذٍ يَنْدَرِجُ تَحْتَهُ جَمِيعُ هَذِهِ الوُجُوهِ. أمّا إذا لَمْ يَكُنْ بَيْنَ هَذِهِ المَفْهُوماتِ قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ تَعَذَّرَ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلى الكُلِّ؛ لِأنَّ اللَّفْظَ المُشْتَرَكَ لا يَجُوزُ اسْتِعْمالُهُ لِإفادَةِ مَفْهُومَيْهِ مَعًا، فَحِينَئِذٍ لا نَقُولُ: مُرادُ اللَّهِ تَعالى هَذا، بَلْ نَقُولُ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا هو المُرادَ، أمّا الجَزْمُ فَلا سَبِيلَ إلَيْهِ هاهُنا.
الِاحْتِمالُ الثّانِي: وهو أنْ [ لا ] تَكُونَ [ هَذِهِ ] الألْفاظُ الخَمْسَةُ صِفاتٍ لِشَيْءٍ واحِدٍ، بَلْ لِأشْياءَ مُخْتَلِفَةٍ، فَفِيهِ أيْضًا وُجُوهٌ:
(الأوَّلُ) النّازِعاتُ غَرْقًا، هي القِسِيُّ، والنّاشِطاتُ نَشْطًا هي الأوْهاقُ، والسّابِحاتُ السُّفُنُ، والسّابِقاتُ الخَيْلُ، والمُدَبِّراتُ المَلائِكَةُ، رَواهُ واصِلُ بْنُ السّائِبِ عَنْ عَطاءٍ.
(الثّانِي) نُقِلَ عَنْ مُجاهِدٍ في
صفحة ٣١
النّازِعاتِ والنّاشِطاتِ والسّابِحاتِ أنَّها المَوْتُ، وفي السّابِقاتِ والمُدَبِّراتِ أنَّها المَلائِكَةُ، وإضافَةُ النَّزْعِ والنَّشْطِ والسَّبْحِ إلى المَوْتِ مَجازٌ بِمَعْنى أنَّها حَصَلَتْ عِنْدَ حُصُولِهِ.
* * *
(الثّالِثُ) قالَ قَتادَةُ: الجَمِيعُ هي النُّجُومُ إلّا المُدَبِّراتِ، فَإنَّها هي المَلائِكَةُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرَ ﴿فالسّابِقاتِ﴾ بِالفاءِ، والَّتِي قَبْلَها بِالواوِ، وفي عِلَّتِهِ وجْهانِ:
(الأوَّلُ) قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: إنَّ هَذِهِ مُسَبَّبَةٌ عَنِ الَّتِي قَبْلَها، كَأنَّهُ قِيلَ: واللّاتِي سَبَحْنَ فَسَبَقْنَ كَما تَقُولُ: قامَ فَذَهَبَ، أوْجَبَ الفاءُ أنَّ القِيامَ كانَ سَبَبًا لِلذَّهابِ، ولَوْ قُلْتَ: قامَ وذَهَبَ لَمْ تَجْعَلِ القِيامَ سَبَبًا لِلذَّهابِ، قالَ الواحِدِيُّ: قَوْلُ صاحِبِ النَّظْمِ غَيْرُ مُطَّرِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فالمُدَبِّراتِ أمْرًا﴾؛ لِأنَّهُ يَبْعُدُ أنْ يَجْعَلَ السَّبْقَ سَبَبًا لِلتَّدْبِيرِ، وأقُولُ: يُمْكِنُ الجَوابُ عَنِ اعْتِراضِ الواحِدِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مِن وجْهَيْنِ:
(الأوَّلُ) لا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: إنَّها لَمّا أُمِرَتْ سَبَحَتْ فَسَبَقَتْ فَدَبَّرَتْ ما أُمِرَتْ بِتَدْبِيرِها وإصْلاحِها، فَتَكُونُ هَذِهِ أفْعالًا يَتَّصِلُ بَعْضُها بِبَعْضٍ، كَقَوْلِكَ: قامَ زَيْدٌ، فَذَهَبَ، فَضَرَبَ عَمْرًا.
(الثّانِي) لا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: إنَّهم لَمّا كانُوا سابِقِينَ في أداءِ الطّاعاتِ مُتَسارِعِينَ إلَيْها ظَهَرَتْ أمانَتُهُمْ، فَلِهَذا السَّبَبِ فَوَّضَ اللَّهُ إلَيْهِمْ تَدْبِيرَ بَعْضِ العالَمِ.
(الوَجْهُ الثّانِي) أنَّ المَلائِكَةَ قِسْمانِ: الرُّؤَساءُ والتَّلامِذَةُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى قالَ: ﴿قُلْ يَتَوَفّاكم مَلَكُ المَوْتِ﴾ [السَّجْدَةِ: ١١] ثُمَّ قالَ: ﴿حَتّى إذا جاءَ أحَدَكُمُ المَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا﴾ [الأنْعامِ: ٦١] فَقُلْنا في التَّوْفِيقِ بَيْنَ الآيَتَيْنِ: إنَّ مَلَكَ المَوْتِ هو الرَّأْسُ، والرَّئِيسُ وسائِرُ المَلائِكَةِ هُمُ التَّلامِذَةُ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: النّازِعاتُ والنّاشِطاتُ والسّابِحاتُ مَحْمُولَةٌ عَلى التَّلامِذَةِ الَّذِينَ هم يُباشِرُونَ العَمَلَ بِأنْفُسِهِمْ، ثُمَّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فالسّابِقاتِ﴾ . . ﴿فالمُدَبِّراتِ﴾ إشارَةٌ إلى الرُّؤَساءِ الَّذِينَ هُمُ السّابِقُونَ في الدَّرَجَةِ والشَّرَفِ، وهُمُ المُدَبِّرُونَ لِتِلْكَ الأحْوالِ والأعْمالِ.
النازعات 79:3
صفحة ٢٦
(سُورَةُ النّازِعاتِ)
(وهي أرْبَعُونَ وسِتُّ آياتٍ مَكِّيَّةٌ)
﷽
﴿والنّازِعاتِ غَرْقًا﴾ ﴿والنّاشِطاتِ نَشْطًا﴾ ﴿والسّابِحاتِ سَبْحًا﴾ ﴿فالسّابِقاتِ سَبْقًا﴾ ﴿فالمُدَبِّراتِ أمْرًا﴾
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)
﴿والنّازِعاتِ غَرْقًا﴾ ﴿والنّاشِطاتِ نَشْطًا﴾ ﴿والسّابِحاتِ سَبْحًا﴾ ﴿فالسّابِقاتِ سَبْقًا﴾ ﴿فالمُدَبِّراتِ أمْرًا﴾ فِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الكَلِماتِ الخَمْسَ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ صِفاتٍ لِشَيْءٍ واحِدٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ لا تَكُونَ كَذَلِكَ، أمّا عَلى الِاحْتِمالِ الأوَّلِ فَقَدْ ذَكَرُوا في الآيَةِ وُجُوهًا:
(أحَدُها) أنَّها بِأسْرِها صِفاتُ المَلائِكَةِ، فَقَوْلُهُ: ﴿والنّازِعاتِ غَرْقًا﴾ هي المَلائِكَةُ الَّذِينَ يَنْزِعُونَ نُفُوسَ بَنِي آدَمَ فَإذا نَزَعُوا نَفْسَ الكُفّارِ نَزَعُوها بِشِدَّةٍ، وهو مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ: نَزَعَ في القَوْسِ فَأغْرَقَ، يُقالُ: أغْرَقَ النّازِعُ في القَوْسِ إذا بَلَغَ غايَةَ المَدى حَتّى يَنْتَهِيَ إلى النَّصْلِ، فَتَقْدِيرُ الآيَةِ: والنّازِعاتِ إغْراقًا، والغَرْقُ والإغْراقُ في اللُّغَةِ بِمَعْنًى واحِدٍ، وقَوْلُهُ: ﴿والنّاشِطاتِ نَشْطًا﴾ النَّشْطُ هو الجَذْبُ، يُقالُ: نَشَطْتُ الدَّلْوَ أنْشِطُها وأنْشَطْتُها نَشْطًا نَزَعْتُها بِرِفْقٍ، والمُرادُ هي المَلائِكَةُ الَّتِي تَنْشِطُ رُوحَ المُؤْمِنِ فَتَقْبِضُها، وإنَّما خَصَصْنا هَذا بِالمُؤْمِنِ والأوَّلَ بِالكافِرِ لِما بَيْنَ النَّزْعِ والنَّشْطِ مِنَ الفَرْقِ، فالنَّزْعُ جَذْبٌ بِشِدَّةٍ، والنَّشْطُ جَذْبٌ بِرِفْقٍ ولِينٍ، فالمَلائِكَةُ تَنْشِطُ أرْواحَ المُؤْمِنِينَ كَما تُنْشَطُ الدَّلْوُ مِنَ البِئْرِ. فالحاصِلُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿والنّازِعاتِ غَرْقًا﴾ ﴿والنّاشِطاتِ نَشْطًا﴾ قَسَمٌ بِمَلَكِ المَوْتِ وأعْوانِهِ إلّا أنَّ الأوَّلَ إشارَةٌ إلى كَيْفِيَّةِ قَبْضِ أرْواحِ الكُفّارِ.
والثّانِيَ إشارَةٌ إلى كَيْفِيَّةِ قَبْضِ أرْواحِ المُؤْمِنِينَ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿والسّابِحاتِ سَبْحًا﴾ فَمِنهم مَن خَصَّصَهُ أيْضًا بِمَلائِكَةِ قَبْضِ الأرْواحِ، ومِنهم مَن حَمَلَهُ عَلى سائِرِ طَوائِفِ المَلائِكَةِ.
أمّا (الوَجْهُ الأوَّلُ) فَنُقِلَ عَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ، وابْنِ عَبّاسٍ، ومَسْرُوقٍ، أنَّ المَلائِكَةَ يَسُلُّونَ أرْواحَ المُؤْمِنِينَ سَلًّا رَفِيقًا، فَهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿والنّاشِطاتِ نَشْطًا﴾ ثُمَّ يَتْرُكُونَها حَتّى تَسْتَرِيحَ رُوَيْدًا، ثُمَّ يَسْتَخْرِجُونَها بَعْدَ ذَلِكَ بِرِفْقٍ ولَطافَةٍ كالَّذِي يَسْبَحُ في الماءِ فَإنَّهُ يَتَحَرَّكُ بِرِفْقٍ ولَطافَةٍ لِئَلّا يَغْرَقَ، فَكَذا هاهُنا يَرْفُقُونَ في ذَلِكَ
صفحة ٢٧
الِاسْتِخْراجِ، لِئَلّا يَصِلَ إلَيْهِ ألَمٌ وشِدَّةٌ فَذاكَ هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿والسّابِحاتِ سَبْحًا﴾، وأمّا الَّذِينَ حَمَلُوهُ عَلى سائِرِ طَوائِفِ المَلائِكَةِ فَقالُوا: إنَّ المَلائِكَةَ يَنْزِلُونَ مِنَ السَّماءِ مُسْرِعِينَ، فَجَعَلَ نُزُولَهم مِنَ السَّماءِ كالسِّباحَةِ، والعَرَبُ تَقُولُ لِلْفَرَسِ الجَوادِ إنَّهُ السّابِحُ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿فالسّابِقاتِ سَبْقًا﴾ فَمِنهم مَن فَسَّرَهُ بِمَلائِكَةِ قَبْضِ الأرْواحِ يَسْبِقُونَ بِأرْواحِ الكُفّارِ إلى النّارِ، وبِأرْواحِ المُؤْمِنِينَ إلى الجَنَّةِ، ومِنهم مَن فَسَّرَهُ بِسائِرِ طَوائِفِ المَلائِكَةِ، ثُمَّ ذَكَرُوا في هَذا السَّبْقِ وُجُوهًا:
(أحَدُها) قالَ مُجاهِدٌ وأبُو رَوْقٍ: إنَّ المَلائِكَةَ سَبَقَتِ ابْنَ آدَمَ بِالإيمانِ والطّاعَةِ، ولا شَكَّ أنَّ المُسابَقَةَ في الخَيْراتِ دَرَجَةٌ عَظِيمَةٌ، قالَ تَعالى: ﴿والسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾ [الواقِعَةِ: ١٠،١١] .
(وثانِيها) قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: إنَّ المَلائِكَةَ تَسْبِقُ الشَّياطِينَ بِالوَحْيِ إلى الأنْبِياءِ؛ لِأنَّ الشَّياطِينَ كانَتْ تَسْتَرِقُ السَّمْعَ.
(وثالِثُها) ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهُ تَعالى وصَفَهم فَقالَ: ﴿لا يَسْبِقُونَهُ بِالقَوْلِ﴾ [الأنْبِياءِ: ٢٧] يَعْنِي قَبْلَ الإذْنِ لا يَتَحَرَّكُونَ ولا يَنْطِقُونَ تَعْظِيمًا لِجَلالِ اللَّهِ تَعالى وخَوْفًا مِن هَيْبَتِهِ، وهاهُنا وصَفَهم بِالسَّبْقِ يَعْنِي إذا جاءَهُمُ الأمْرُ، فَإنَّهم يَتَسارَعُونَ إلى امْتِثالِهِ ويَتَبادَرُونَ إلى إظْهارِ طاعَتِهِ، فَهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فالسّابِقاتِ سَبْقًا﴾، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿فالمُدَبِّراتِ أمْرًا﴾ فَأجْمَعُوا عَلى أنَّهم هُمُ المَلائِكَةُ: قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي جِبْرِيلَ ومِيكائِيلَ وإسْرافِيلَ وعِزْرائِيلَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ يُدَبِّرُونَ أمْرَ اللَّهِ تَعالى في أهْلِ الأرْضِ، وهُمُ المُقَسِّماتُ أمْرًا، أمّا جِبْرِيلُ فَوُكِّلَ بِالرِّياحِ والجُنُودِ، وأمّا مِيكائِيلُ فَوُكِّلَ بِالقَطْرِ والنَّباتِ، وأمّا مَلَكُ المَوْتِ فَوُكِّلَ بِقَبْضِ الأنْفُسِ، وأمّا إسْرافِيلُ فَهو يَنْزِلُ بِالأمْرِ عَلَيْهِمْ، وقَوْمٌ مِنهم مُوَكَّلُونَ بِحِفْظِ بَنِي آدَمَ، وقَوْمٌ آخَرُونَ بِكِتابَةِ أعْمالِهِمْ، وقَوْمٌ آخَرُونَ بِالخَسْفِ والمَسْخِ والرِّياحِ والسَّحابِ والأمْطارِ. بَقِيَ عَلى الآيَةِ سُؤالانِ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: لِمَ قالَ: (فالمُدَبِّراتِ أمْرًا)، ولَمْ يَقُلْ: أُمُورًا، فَإنَّهم يُدَبِّرُونَ أُمُورًا كَثِيرَةً لا أمْرًا واحِدًا؟ (والجَوابُ) أنَّ المُرادَ بِهِ الجِنْسُ، وإذا كانَ كَذَلِكَ قامَ مَقامَ الجَمْعِ.
السُّؤالُ الثّانِي: قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الأمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾، فَكَيْفَ أثْبَتَ لَهم هاهُنا تَدْبِيرَ الأمْرِ؟ (والجَوابُ) لَمّا كانَ ذَلِكَ الإتْيانُ بِهِ كانَ الأمْرُ كَأنَّهُ لَهُ، فَهَذا تَلْخِيصُ ما قالَهُ المُفَسِّرُونَ في هَذا البابِ، وعِنْدِي فِيهِ (وجْهٌ آخَرُ) وهو أنَّ المَلائِكَةَ لَها صِفاتٌ سَلْبِيَّةٌ وصِفاتٌ إضافِيَّةٌ، أمّا الصِّفاتُ السَّلْبِيَّةُ فَهي أنَّها مُبَرَّأةٌ عَنِ الشَّهْوَةِ والغَضَبِ والأخْلاقِ الذَّمِيمَةِ والمَوْتِ والهِرَمِ والسَّقَمِ والتَّرْكِيبِ مِنَ الأعْضاءِ والأخْلاطِ والأرْكانِ، بَلْ هي جَواهِرُ رُوحانِيَّةٌ مُبَرَّأةٌ عَنْ هَذِهِ الأحْوالِ، فَقَوْلُهُ: ﴿والنّازِعاتِ غَرْقًا﴾ إشارَةٌ إلى كَوْنِها مَنزُوعَةً عَنْ هَذِهِ الأحْوالِ نَزْعًا كُلِّيًّا مِن جَمِيعِ الوُجُوهِ، وعَلى هَذا التَّفْسِيرِ (النّازِعاتِ) هي ذَواتُ النَّزْعِ كاللّابِنِ والتّامِرِ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿والنّاشِطاتِ نَشْطًا﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ خُرُوجَها عَنْ هَذِهِ الأحْوالِ لَيْسَ عَلى سَبِيلِ التَّكْلِيفِ والمَشَقَّةِ كَما في حَقِّ البَشَرِ، بَلْ هم بِمُقْتَضى ماهِيّاتِهِمْ خَرَجُوا عَنْ هَذِهِ الأحْوالِ وتَنَزَّهُوا عَنْ هَذِهِ الصِّفاتِ، فَهاتانِ الكَلِمَتانِ إشارَتانِ إلى تَعْرِيفِ أحْوالِهِمُ السَّلْبِيَّةِ، وأمّا صِفاتُهُمُ الإضافِيَّةُ فَهي قِسْمانِ: (أحَدُهُما) شَرْحُ قُوَّتِهِمُ العاقِلَةِ أيْ كَيْفَ حالُهم في مَعْرِفَةِ مُلْكِ اللَّهِ ومَلَكُوتِهِ والِاطِّلاعِ عَلى نُورِ جَلالِهِ، فَوَصَفَهم في هَذا المَقامِ بِوَصْفَيْنِ: (أحَدُهُما) قَوْلُهُ: ﴿والسّابِحاتِ سَبْحًا﴾ فَهم يَسْبَحُونَ مِن أوَّلِ فِطْرَتِهِمْ في بِحارِ جَلالِ اللَّهِ، ثُمَّ لا مُنْتَهى لِسِباحَتِهِمْ؛ لِأنَّهُ لا مُنْتَهى لِعَظَمَةِ اللَّهِ وعُلُوِّ صَمَدِيَّتِهِ ونُورِ جَلالِهِ وكِبْرِيائِهِ، فَهم أبَدًا في تِلْكَ السِّباحَةِ. (وثانِيهُما) قَوْلُهُ:
صفحة ٢٨
﴿فالسّابِقاتِ سَبْقًا﴾ وهو إشارَةٌ إلى مَراتِبِ المَلائِكَةِ في تِلْكَ السِّباحَةِ، فَإنَّهُ كَما أنَّ مَراتِبَ مَعارِفِ البَهائِمِ بِالنِّسْبَةِ إلى مَراتِبِ مَعارِفِ البَشَرِ ناقِصَةٌ، ومَراتِبَ مَعارِفِ البَشَرِ بِالنِّسْبَةِ إلى مَراتِبِ مَعارِفِ المَلائِكَةِ ناقِصَةٌ، فَكَذَلِكَ مَعارِفُ بَعْضِ تِلْكَ المَلائِكَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى مَراتِبِ مَعارِفِ الباقِينَ مُتَفاوِتَةٌ، وكَما أنَّ المُخالَفَةَ بَيْنَ نَوْعِ الفَرَسِ ونَوْعِ الإنْسانِ بِالماهِيَّةِ لا بِالعَوارِضِ، فَكَذا المُخالَفَةُ بَيْنَ شَخْصِ كُلِّ واحِدٍ مِنَ المَلائِكَةِ وبَيْنَ شَخْصِ الآخَرِ بِالماهِيَّةِ، فَإذا كانَتْ أشْخاصُها مُتَفاوِتَةً بِالماهِيَّةِ لا بِالعَوارِضِ كانَتْ لا مَحالَةَ مُتَفاوِتَةً في دَرَجاتِ المَعْرِفَةِ وفي مَراتِبِ التَّجَلِّي، فَهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فالسّابِقاتِ سَبْقًا﴾، فَهاتانِ الكَلِمَتانِ المُرادُ مِنهُما شَرْحُ أحْوالِ قُوَّتِهِمُ العاقِلَةِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿فالمُدَبِّراتِ أمْرًا﴾ فَهو إشارَةٌ إلى شَرْحِ حالِ قُوَّتِهِمُ العامِلَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ كُلَّ حالٍ مِن أحْوالِ العالَمِ السُّفْلِيِّ مُفَوَّضٌ إلى تَدْبِيرِ واحِدٍ مِنَ المَلائِكَةِ الَّذِينَ هم عُمّارُ العالَمِ العُلْوِيِّ وسُكّانُ بِقاعِ السَّماواتِ، ولَمّا كانَ التَّدْبِيرُ لا يَتِمُّ إلّا بَعْدَ العِلْمِ، لا جَرَمَ قَدَّمَ شَرْحَ القُوَّةِ العاقِلَةِ الَّتِي لَهم عَلى شَرْحِ القُوَّةِ العامِلَةِ الَّتِي لَهُمْ، فَهَذا الَّذِي ذَكَرْتُهُ احْتِمالٌ ظاهِرٌ واللَّهُ أعْلَمُ بِمُرادِهِ مِن كَلامِهِ.
واعْلَمْ أنَّ أبا مُسْلِمٍ بْنَ بَحْرٍ الأصْفَهانِيَّ طَعَنَ في حَمْلِ هَذِهِ الكَلِماتِ عَلى المَلائِكَةِ، وقالَ: واحِدُ النّازِعاتِ نازِعَةٌ وهو مِن لَفْظِ الإناثِ، وقَدْ نَزَّهَ اللَّهُ تَعالى المَلائِكَةَ عَنِ التَّأْنِيثِ، وعابَ قَوْلَ الكُفّارِ حَيْثُ قالَ: ﴿وجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا﴾ [الزُّخْرُفِ: ١٩] .
واعْلَمْ أنَّ هَذا طَعْنٌ لا يَتَوَجَّهُ عَلى تَفْسِيرِنا؛ لِأنَّ المُرادَ الأشْياءُ ذَواتُ النَّزْعِ، وهَذا القَدْرُ لا يَقْتَضِي ما ذُكِرَ مِنَ التَّأْنِيثِ.
الوَجْهُ الثّانِي في تَأْوِيلِ هَذِهِ الكَلِماتِ: أنَّها هي النُّجُومُ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ البَصْرِيِّ، ووَصْفُ النُّجُومِ بِالنّازِعاتِ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا:
(أحَدُها) كَأنَّها تُنْزَعُ مِن تَحْتِ الأرْضِ فَتَنْجَذِبُ إلى ما فَوْقَ الأرْضِ، فَإذا كانَتْ مَنزُوعَةً كانَتْ ذَواتِ نَزْعٍ، فَيَصِحُّ أنْ يُقالَ إنَّها نازِعَةٌ عَلى قِياسِ اللّابِنِ والتّامِرِ.
(وثانِيها) أنَّ النّازِعاتِ مِن قَوْلِهِمْ نَزَعَ إلَيْهِ أيْ ذَهَبَ نُزُوعًا، هَكَذا قالَهُ الواحِدِيُّ، فَكَأنَّها تَطْلُعُ وتَغْرُبُ بِالنَّزْعِ والسَّوْقِ.
(والثّالِثُ) أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِن قَوْلِهِمْ: نَزَعَتِ الخَيْلُ إذا جَرَتْ، فَمَعْنى: (والنّازِعاتِ) أيْ والجارِياتِ عَلى السَّيْرِ المُقَدَّرِ والحَدِّ المُعَيَّنِ، وقَوْلُهُ: (غَرْقًا) يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:
(أحَدُهُما) أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ النّازِعاتِ أيْ هَذِهِ الكَواكِبُ كالغَرْقى في ذَلِكَ النَّزْعِ والإرادَةِ، وهو إشارَةٌ إلى كَمالِ حالِها في تِلْكَ الإرادَةِ، فَإنْ قِيلَ: إذا لَمْ تَكُنِ الأفْلاكُ والكَواكِبُ أحْياءً ناطِقَةً، فَما مَعْنى وصْفِها بِذَلِكَ؟ قُلْنا: هَذا يَكُونُ عَلى سَبِيلِ التَّشْبِيهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٤٠] فَإنَّ الجَمْعَ بِالواوِ والنُّونِ يَكُونُ لِلْعُقَلاءِ، ثُمَّ إنَّهُ ذُكِرَ في الكَواكِبِ عَلى سَبِيلِ التَّشْبِيهِ.
(والثّانِي) أنْ يَكُونَ مَعْنى غَرْقِها غَيْبُوبَتَها في أُفُقِ الغَرْبِ، فالنّازِعاتُ إشارَةٌ إلى طُلُوعِها، و(غَرْقًا) إشارَةٌ إلى غُرُوبِها، أيْ تَنْزِعُ ثُمَّ تُغْرَقُ إغْراقًا، وهَذا الوَجْهُ ذَكَرَهُ قَوْمٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿والنّاشِطاتِ نَشْطًا﴾ فَقالَ صاحِبُ الكَشّافِ: مَعْناهُ أنَّها تَخْرُجُ مِن بُرْجٍ إلى بُرْجٍ مِن قَوْلِكَ: ثَوْرٌ ناشِطٌ إذا خَرَجَ مِن بَلَدٍ إلى بَلَدٍ. وأقُولُ: يَرْجِعُ حاصِلُ هَذا الكَلامِ إلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿والنّازِعاتِ غَرْقًا﴾ إشارَةٌ إلى حَرَكَتِها اليَوْمِيَّةِ، ﴿والنّاشِطاتِ نَشْطًا﴾ إشارَةٌ إلى انْتِقالِها مِن بُرْجٍ إلى بُرْجٍ، وهو حَرَكَتُها المَخْصُوصَةُ بِها في أفْلاكِها الخاصَّةِ، والعَجَبُ أنَّ حَرَكاتِها اليَوْمِيَّةَ قَسْرِيَّةٌ، وحَرَكَتَها مِن بُرْجٍ إلى بُرْجٍ لَيْسَتْ قَسْرِيَّةً، بَلْ
صفحة ٢٩
مُلائِمَةً لِذَواتِها، فَلا جَرَمَ عَبَّرَ عَنِ الأوَّلِ بِالنَّزْعِ وعَنِ الثّانِي بِالنَّشْطِ، فَتَأمَّلْ أيُّها المِسْكِينُ في هَذِهِ الأسْرارِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿والسّابِحاتِ سَبْحًا﴾ فَقالَ الحَسَنُ وأبُو عُبَيْدَةَ - رَحِمَهُما اللَّهُ -: هي النُّجُومُ تَسْبَحُ في الفَلَكِ؛ لِأنَّ مُرُورَها في الجَوِّ كالسَّبْحِ، ولِهَذا قالَ: ﴿وكُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٤٠] .
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿فالسّابِقاتِ سَبْقًا﴾ فَقالَ الحَسَنُ وأبُو عُبَيْدَةَ: هي النُّجُومُ يَسْبِقُ بَعْضُها بَعْضًا في السَّيْرِ بِسَبَبِ كَوْنِ بَعْضِها أسْرَعَ حَرَكَةً مِنَ البَعْضِ، أوْ بِسَبَبِ رُجُوعِها أوِ اسْتِقامَتِها.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فالمُدَبِّراتِ أمْرًا﴾ فَفِيهِ وجْهانِ:
(أحَدُهُما) أنَّ بِسَبَبِ سَيْرِها وحَرَكَتِها يَتَمَيَّزُ بَعْضُ الأوْقاتِ عَنْ بَعْضٍ، فَتَظْهَرُ أوْقاتُ العِباداتِ عَلى ما قالَ تَعالى: (﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ ﴿ولَهُ الحَمْدُ﴾ [الرُّومِ: ١٨،١٧] وقالَ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هي مَواقِيتُ لِلنّاسِ والحَجِّ﴾ [البَقَرَةِ: ١٨٩] وقالَ: ﴿لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ والحِسابَ﴾ [يُونُسَ: ٥] ولِأنَّ بِسَبَبِ حَرَكَةِ الشَّمْسِ تَخْتَلِفُ الفُصُولُ الأرْبَعَةُ، ويَخْتَلِفُ بِسَبَبِ اخْتِلافِها أحْوالُ النّاسِ في المَعاشِ، فَلا جَرَمَ أُضِيفَتْ إلَيْها هَذِهِ التَّدْبِيراتُ.
(والثّانِي) أنَّهُ لَمّا ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ أنَّ كُلَّ جِسْمٍ مُحْدَثٌ ثَبَتَ أنَّ الكَواكِبَ مُحْدَثَةٌ مُفْتَقِرَةٌ إلى مُوجِدٍ يُوجِدُها، وإلى صانِعٍ يَخْلُقُها، ثُمَّ بَعْدَ هَذا لَوْ قَدَّرْنا أنَّ صانِعَها أوْدَعَ فِيها قُوًى مُؤَثِّرَةً في أحْوالِ هَذا العالَمِ، فَهَذا يَطْعَنُ في الدِّينِ البَتَّةَ، وإنْ لَمْ نَقُلْ بِثُبُوتِ هَذِهِ القُوى أيْضًا، لَكِنّا نَقُولُ: إنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى أجْرى عادَتَهُ بِأنْ جَعَلَ كُلَّ واحِدٍ مِن أحْوالِها المَخْصُوصَةِ سَبَبًا لِحُدُوثِ حادِثٍ مَخْصُوصٍ في هَذا العالَمِ، كَما جَعَلَ الأكْلَ سَبَبًا لِلشِّبَعِ، والشُّرْبَ سَبَبًا لِلرِّيِّ، ومُماسَّةَ النّارِ سَبَبًا لِلِاحْتِراقِ، فالقَوْلُ بِهَذا المَذْهَبِ لا يَضُرُّ الإسْلامَ البَتَّةَ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، واللَّهُ أعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الحالِ.
الوَجْهُ الثّالِثُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الكَلِماتِ الخَمْسَةِ أنَّها هي الأرْواحُ، وذَلِكَ لِأنَّ نَفْسَ المَيِّتِ تَنْزِعُ، يُقالُ: فُلانٌ في النَّزْعِ، وفُلانٌ يَنْزِعُ إذا كانَ في سِياقِ المَوْتِ، والأنْفُسُ نازِعاتٌ عِنْدَ السِّياقِ، ومَعْنى (غَرْقًا) أيْ نَزْعًا شَدِيدًا أبْلَغَ ما يَكُونُ وأشَدَّ مِن إغْراقِ النّازِعِ في القَوْسِ، وكَذَلِكَ تَنْشِطُ لِأنَّ النَّشْطَ مَعْناهُ الخُرُوجُ، ثُمَّ الأرْواحُ البَشَرِيَّةُ الخالِيَةُ عَنِ العَلائِقِ الجُسْمانِيَّةِ المُشْتاقَةُ إلى الِاتِّصالِ العُلْوِيِّ بَعْدَ خُرُوجِها مِن ظُلْمَةِ الأجْسادِ تَذْهَبُ إلى عالَمِ المَلائِكَةِ، ومَنازِلِ القُدْسِ عَلى أسْرَعِ الوُجُوهِ في رَوْحٍ ورَيْحانٍ، فَعَبَّرَ عَنْ ذَهابِها عَلى هَذِهِ الحالَةِ بِالسِّباحَةِ، ثُمَّ لا شَكَّ أنَّ مَراتِبَ الأرْواحِ في النَّفْرَةِ عَنِ الدُّنْيا ومَحَبَّةِ الِاتِّصالِ بِالعالَمِ العُلْوِيِّ مُخْتَلِفَةٌ، فَكُلَّما كانَتْ أتَمَّ في هَذِهِ الأحْوالِ كانَ سَيْرُها إلى هُناكَ أسْبَقَ، وكُلَّما كانَتْ أضْعَفَ كانَ سَيْرُها إلى هُناكَ أثْقَلَ، ولا شَكَّ أنَّ الأرْواحَ السّابِقَةَ إلى هَذِهِ الأحْوالِ أشْرَفُ، فَلا جَرَمَ وقَعَ القَسَمُ بِها، ثُمَّ إنَّ هَذِهِ الأرْواحَ الشَّرِيفَةَ العالِيَةَ لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ فِيها ما يَكُونُ لِقُوَّتِها وشَرَفِها يَظْهَرُ مِنها آثارٌ في أحْوالِ هَذا العالَمِ، فَهي ﴿فالمُدَبِّراتِ أمْرًا﴾ ألَيْسَ أنَّ الإنْسانَ قَدْ يَرى أُسْتاذَهُ في المَنامِ ويَسْألُهُ عَنْ مُشْكِلَةٍ فَيُرْشِدُهُ إلَيْها؟ ألَيْسَ أنَّ الِابْنَ قَدْ يَرى أباهُ في المَنامِ فَيَهْدِيهِ إلى كَنْزٍ مَدْفُونٍ؟ ألَيْسَ أنَّ جالِينُوسَ قالَ: كُنْتُ مَرِيضًا فَعَجَزْتُ عَنْ عِلاجِ نَفْسِي، فَرَأيْتُ في المَنامِ واحِدًا أرْشَدَنِي إلى كَيْفِيَّةِ العِلاجِ؟ ألَيْسَ أنَّ الغَزالِيَّ قالَ: إنَّ الأرْواحَ الشَّرِيفَةَ إذا فارَقَتْ أبْدانَها، ثُمَّ اتَّفَقَ إنْسانٌ مُشابِهٌ لِلْإنْسانِ الأوَّلِ في الرُّوحِ والبَدَنِ، فَإنَّهُ لا يَبْعُدُ أنْ يَحْصُلَ لِلنَّفْسِ المُفارِقَةِ تَعَلُّقٌ بِهَذا البَدَنِ حَتّى تَصِيرَ كالمُعاوِنَةِ لِلنَّفْسِ المُتَعَلِّقَةِ بِذَلِكَ البَدَنِ عَلى أعْمالِ الخَيْرِ فَتُسَمّى تِلْكَ المُعاوَنَةُ إلْهامًا؟ ونَظِيرُهُ في جانِبِ النُّفُوسِ الشِّرِّيرَةِ وسْوَسَةٌ، وهَذِهِ المَعانِي وإنْ لَمْ تَكُنْ مَنقُولَةً عَنِ المُفَسِّرِينَ إلّا أنَّ اللَّفْظَ
صفحة ٣٠
مُحْتَمِلٌ لَها جِدًّا.
الوَجْهُ الرّابِعُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الكَلِماتِ الخَمْسِ: أنَّها صِفاتُ خَيْلِ الغُزاةِ، فَهي نازِعاتٌ لِأنَّها تَنْزِعُ في أعِنَّتِها نَزْعًا تَغْرَقُ فِيهِ الأعِنَّةُ لِطُولِ أعْناقِها لِأنَّها عِرابٌ، وهي ناشِطاتٌ لِأنَّها تَخْرُجُ مِن دارِ الإسْلامِ إلى دارِ الحَرْبِ، مِن قَوْلِهِمْ: ثَوْرٌ ناشِطٌ إذا خَرَجَ مِن بَلَدٍ إلى بَلَدٍ، وهي سابِحاتٌ لِأنَّها تَسْبَحُ في جَرْيِها، وهي سابِقاتٌ لِأنَّها تَسْبِقُ إلى الغايَةِ، وهي مُدَبِّراتٌ لِأمْرِ الغَلَبَةِ والظَّفَرِ، وإسْنادُ التَّدْبِيرِ إلَيْها مَجازٌ؛ لِأنَّها مِن أسْبابِهِ.
* * *
الوَجْهُ الخامِسُ: وهو اخْتِيارُ أبِي مُسْلِمٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أنَّ هَذِهِ صِفاتُ الغُزاةِ، فالنّازِعاتُ أيْدِي الغُزاةِ، يُقالُ لِلرّامِي: نَزَعَ في قَوْسِهِ، ويُقالُ: أغْرَقَ في النَّزْعِ إذا اسْتَوْفى مَدَّ القَوْسِ، والنّاشِطاتُ السِّهامُ وهي خُرُوجُها عَنْ أيْدِي الرُّماةِ ونُفُوذُها، وكُلُّ شَيْءٍ حَلَلْتَهُ فَقَدْ نَشَّطْتَهُ، ومِنهُ نَشاطُ الرَّجُلِ وهو انْبِساطُهُ وخِفَّتُهُ، والسّابِحاتُ في هَذا المَوْضِعِ الخَيْلُ وسَبْحُها العَدْوُ، ويَجُوزُ أنْ يَعْنِيَ بِهِ الإبِلَ أيْضًا، والمُدَبِّراتُ مِثْلُ المُعَقِّباتِ، والمُرادُ أنَّهُ يَأْتِي في أدْبارِ هَذا الفِعْلِ الَّذِي هو نَزْعُ السِّهامِ وسَبْحُ الخَيْلِ وسَبْقُها الأمْرُ الَّذِي هو النَّصْرُ، ولَفْظُ التَّأْنِيثِ إنَّما كانَ لِأنَّ هَؤُلاءِ جَماعاتٌ، كَما قِيلَ: المُدَبِّراتُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ الآلَةَ مِنَ القَوْسِ والأوْهاقِ، عَلى مَعْنى المَنزُوعِ فِيها والمَنشُوطِ بِها.
الوَجْهُ السّادِسُ: أنَّهُ يُمْكِنُ تَفْسِيرُ هَذِهِ الكَلِماتِ بِالمَراتِبِ الواقِعَةِ في رُجُوعِ القَلْبِ مِن غَيْرِ اللَّهِ تَعالى إلى اللَّهِ ﴿والنّازِعاتِ غَرْقًا﴾ هي الأرْواحُ الَّتِي تَنْزِعُ إلى اعْتِلاقِ العُرْوَةِ الوُثْقى، أوِ المَنزُوعَةُ عَنْ مَحَبَّةِ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى، ﴿والنّاشِطاتِ نَشْطًا﴾ هي أنَّها بَعْدَ الرُّجُوعِ عَنِ الجُسْمانِيّاتِ تَأْخُذُ في المُجاهَدَةِ، والتَّخَلُّقِ بِأخْلاقِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى بِنَشاطٍ تامٍّ وقُوَّةٍ قَوِيَّةٍ. ﴿والسّابِحاتِ سَبْحًا﴾ ثُمَّ إنَّها بَعْدَ المُجاهَدَةِ تَسْرَحُ في أمْرِ المَلَكُوتِ فَتَقْطَعُ في تِلْكَ البِحارِ فَتَسْبَحُ فِيها. ﴿فالسّابِقاتِ سَبْقًا﴾ إشارَةٌ إلى تَفاوُتِ الأرْواحِ في دَرَجاتِ سَيْرِها إلى اللَّهِ تَعالى. ﴿فالمُدَبِّراتِ أمْرًا﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ آخِرَ مَراتِبِ البَشَرِيَّةِ مُتَّصِلَةٌ بِأوَّلِ دَرَجاتِ المَلَكِيَّةِ، فَلَمّا انْتَهَتِ الأرْواحُ البَشَرِيَّةُ إلى أقْصى غاياتِها وهي مَرْتَبَةُ السَّبْقِ اتَّصَلَتْ بِعالَمِ المَلائِكَةِ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فالمُدَبِّراتِ أمْرًا﴾، فالأرْبَعَةُ الأُوَلُ هي المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ﴾ [النُّورِ: ٣٥] . و(الخامِسَةُ) هي النّارُ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ﴾ [النُّورِ: ٣٥] .
واعْلَمْ أنَّ الوُجُوهَ المَنقُولَةَ عَنِ المُفَسِّرِينَ غَيْرُ مَنقُولَةٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- نَصًّا، حَتّى لا يُمْكِنَ الزِّيادَةُ عَلَيْها، بَلْ إنَّما ذَكَرُوها لِكَوْنِ اللَّفْظِ مُحْتَمِلًا لَها، فَإذا كانَ احْتِمالُ اللَّفْظِ لِما ذَكَرْناهُ لَيْسَ دُونَ احْتِمالِهِ لِلْوُجُوهِ الَّتِي ذَكَرُوها لَمْ يَكُنْ ما ذَكَرُوهُ أوْلى مِمّا ذَكَرْناهُ إلّا أنَّهُ لا بُدَّ هاهُنا مِن دَقِيقَةٍ، وهو أنَّ اللَّفْظَ مُحْتَمَلٌ لِلْكُلِّ، فَإنْ وجَدْنا بَيْنَ هَذِهِ المَعانِي مَفْهُومًا واحِدًا مُشْتَرَكًا حَمَلْنا اللَّفْظَ عَلى ذَلِكَ المُشْتَرَكِ؛ وحِينَئِذٍ يَنْدَرِجُ تَحْتَهُ جَمِيعُ هَذِهِ الوُجُوهِ. أمّا إذا لَمْ يَكُنْ بَيْنَ هَذِهِ المَفْهُوماتِ قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ تَعَذَّرَ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلى الكُلِّ؛ لِأنَّ اللَّفْظَ المُشْتَرَكَ لا يَجُوزُ اسْتِعْمالُهُ لِإفادَةِ مَفْهُومَيْهِ مَعًا، فَحِينَئِذٍ لا نَقُولُ: مُرادُ اللَّهِ تَعالى هَذا، بَلْ نَقُولُ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا هو المُرادَ، أمّا الجَزْمُ فَلا سَبِيلَ إلَيْهِ هاهُنا.
الِاحْتِمالُ الثّانِي: وهو أنْ [ لا ] تَكُونَ [ هَذِهِ ] الألْفاظُ الخَمْسَةُ صِفاتٍ لِشَيْءٍ واحِدٍ، بَلْ لِأشْياءَ مُخْتَلِفَةٍ، فَفِيهِ أيْضًا وُجُوهٌ:
(الأوَّلُ) النّازِعاتُ غَرْقًا، هي القِسِيُّ، والنّاشِطاتُ نَشْطًا هي الأوْهاقُ، والسّابِحاتُ السُّفُنُ، والسّابِقاتُ الخَيْلُ، والمُدَبِّراتُ المَلائِكَةُ، رَواهُ واصِلُ بْنُ السّائِبِ عَنْ عَطاءٍ.
(الثّانِي) نُقِلَ عَنْ مُجاهِدٍ في
صفحة ٣١
النّازِعاتِ والنّاشِطاتِ والسّابِحاتِ أنَّها المَوْتُ، وفي السّابِقاتِ والمُدَبِّراتِ أنَّها المَلائِكَةُ، وإضافَةُ النَّزْعِ والنَّشْطِ والسَّبْحِ إلى المَوْتِ مَجازٌ بِمَعْنى أنَّها حَصَلَتْ عِنْدَ حُصُولِهِ.
* * *
(الثّالِثُ) قالَ قَتادَةُ: الجَمِيعُ هي النُّجُومُ إلّا المُدَبِّراتِ، فَإنَّها هي المَلائِكَةُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرَ ﴿فالسّابِقاتِ﴾ بِالفاءِ، والَّتِي قَبْلَها بِالواوِ، وفي عِلَّتِهِ وجْهانِ:
(الأوَّلُ) قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: إنَّ هَذِهِ مُسَبَّبَةٌ عَنِ الَّتِي قَبْلَها، كَأنَّهُ قِيلَ: واللّاتِي سَبَحْنَ فَسَبَقْنَ كَما تَقُولُ: قامَ فَذَهَبَ، أوْجَبَ الفاءُ أنَّ القِيامَ كانَ سَبَبًا لِلذَّهابِ، ولَوْ قُلْتَ: قامَ وذَهَبَ لَمْ تَجْعَلِ القِيامَ سَبَبًا لِلذَّهابِ، قالَ الواحِدِيُّ: قَوْلُ صاحِبِ النَّظْمِ غَيْرُ مُطَّرِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فالمُدَبِّراتِ أمْرًا﴾؛ لِأنَّهُ يَبْعُدُ أنْ يَجْعَلَ السَّبْقَ سَبَبًا لِلتَّدْبِيرِ، وأقُولُ: يُمْكِنُ الجَوابُ عَنِ اعْتِراضِ الواحِدِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مِن وجْهَيْنِ:
(الأوَّلُ) لا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: إنَّها لَمّا أُمِرَتْ سَبَحَتْ فَسَبَقَتْ فَدَبَّرَتْ ما أُمِرَتْ بِتَدْبِيرِها وإصْلاحِها، فَتَكُونُ هَذِهِ أفْعالًا يَتَّصِلُ بَعْضُها بِبَعْضٍ، كَقَوْلِكَ: قامَ زَيْدٌ، فَذَهَبَ، فَضَرَبَ عَمْرًا.
(الثّانِي) لا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: إنَّهم لَمّا كانُوا سابِقِينَ في أداءِ الطّاعاتِ مُتَسارِعِينَ إلَيْها ظَهَرَتْ أمانَتُهُمْ، فَلِهَذا السَّبَبِ فَوَّضَ اللَّهُ إلَيْهِمْ تَدْبِيرَ بَعْضِ العالَمِ.
(الوَجْهُ الثّانِي) أنَّ المَلائِكَةَ قِسْمانِ: الرُّؤَساءُ والتَّلامِذَةُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى قالَ: ﴿قُلْ يَتَوَفّاكم مَلَكُ المَوْتِ﴾ [السَّجْدَةِ: ١١] ثُمَّ قالَ: ﴿حَتّى إذا جاءَ أحَدَكُمُ المَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا﴾ [الأنْعامِ: ٦١] فَقُلْنا في التَّوْفِيقِ بَيْنَ الآيَتَيْنِ: إنَّ مَلَكَ المَوْتِ هو الرَّأْسُ، والرَّئِيسُ وسائِرُ المَلائِكَةِ هُمُ التَّلامِذَةُ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: النّازِعاتُ والنّاشِطاتُ والسّابِحاتُ مَحْمُولَةٌ عَلى التَّلامِذَةِ الَّذِينَ هم يُباشِرُونَ العَمَلَ بِأنْفُسِهِمْ، ثُمَّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فالسّابِقاتِ﴾ . . ﴿فالمُدَبِّراتِ﴾ إشارَةٌ إلى الرُّؤَساءِ الَّذِينَ هُمُ السّابِقُونَ في الدَّرَجَةِ والشَّرَفِ، وهُمُ المُدَبِّرُونَ لِتِلْكَ الأحْوالِ والأعْمالِ.
النازعات 79:4
صفحة ٢٦
(سُورَةُ النّازِعاتِ)
(وهي أرْبَعُونَ وسِتُّ آياتٍ مَكِّيَّةٌ)
﷽
﴿والنّازِعاتِ غَرْقًا﴾ ﴿والنّاشِطاتِ نَشْطًا﴾ ﴿والسّابِحاتِ سَبْحًا﴾ ﴿فالسّابِقاتِ سَبْقًا﴾ ﴿فالمُدَبِّراتِ أمْرًا﴾
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)
﴿والنّازِعاتِ غَرْقًا﴾ ﴿والنّاشِطاتِ نَشْطًا﴾ ﴿والسّابِحاتِ سَبْحًا﴾ ﴿فالسّابِقاتِ سَبْقًا﴾ ﴿فالمُدَبِّراتِ أمْرًا﴾ فِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الكَلِماتِ الخَمْسَ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ صِفاتٍ لِشَيْءٍ واحِدٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ لا تَكُونَ كَذَلِكَ، أمّا عَلى الِاحْتِمالِ الأوَّلِ فَقَدْ ذَكَرُوا في الآيَةِ وُجُوهًا:
(أحَدُها) أنَّها بِأسْرِها صِفاتُ المَلائِكَةِ، فَقَوْلُهُ: ﴿والنّازِعاتِ غَرْقًا﴾ هي المَلائِكَةُ الَّذِينَ يَنْزِعُونَ نُفُوسَ بَنِي آدَمَ فَإذا نَزَعُوا نَفْسَ الكُفّارِ نَزَعُوها بِشِدَّةٍ، وهو مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ: نَزَعَ في القَوْسِ فَأغْرَقَ، يُقالُ: أغْرَقَ النّازِعُ في القَوْسِ إذا بَلَغَ غايَةَ المَدى حَتّى يَنْتَهِيَ إلى النَّصْلِ، فَتَقْدِيرُ الآيَةِ: والنّازِعاتِ إغْراقًا، والغَرْقُ والإغْراقُ في اللُّغَةِ بِمَعْنًى واحِدٍ، وقَوْلُهُ: ﴿والنّاشِطاتِ نَشْطًا﴾ النَّشْطُ هو الجَذْبُ، يُقالُ: نَشَطْتُ الدَّلْوَ أنْشِطُها وأنْشَطْتُها نَشْطًا نَزَعْتُها بِرِفْقٍ، والمُرادُ هي المَلائِكَةُ الَّتِي تَنْشِطُ رُوحَ المُؤْمِنِ فَتَقْبِضُها، وإنَّما خَصَصْنا هَذا بِالمُؤْمِنِ والأوَّلَ بِالكافِرِ لِما بَيْنَ النَّزْعِ والنَّشْطِ مِنَ الفَرْقِ، فالنَّزْعُ جَذْبٌ بِشِدَّةٍ، والنَّشْطُ جَذْبٌ بِرِفْقٍ ولِينٍ، فالمَلائِكَةُ تَنْشِطُ أرْواحَ المُؤْمِنِينَ كَما تُنْشَطُ الدَّلْوُ مِنَ البِئْرِ. فالحاصِلُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿والنّازِعاتِ غَرْقًا﴾ ﴿والنّاشِطاتِ نَشْطًا﴾ قَسَمٌ بِمَلَكِ المَوْتِ وأعْوانِهِ إلّا أنَّ الأوَّلَ إشارَةٌ إلى كَيْفِيَّةِ قَبْضِ أرْواحِ الكُفّارِ.
والثّانِيَ إشارَةٌ إلى كَيْفِيَّةِ قَبْضِ أرْواحِ المُؤْمِنِينَ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿والسّابِحاتِ سَبْحًا﴾ فَمِنهم مَن خَصَّصَهُ أيْضًا بِمَلائِكَةِ قَبْضِ الأرْواحِ، ومِنهم مَن حَمَلَهُ عَلى سائِرِ طَوائِفِ المَلائِكَةِ.
أمّا (الوَجْهُ الأوَّلُ) فَنُقِلَ عَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ، وابْنِ عَبّاسٍ، ومَسْرُوقٍ، أنَّ المَلائِكَةَ يَسُلُّونَ أرْواحَ المُؤْمِنِينَ سَلًّا رَفِيقًا، فَهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿والنّاشِطاتِ نَشْطًا﴾ ثُمَّ يَتْرُكُونَها حَتّى تَسْتَرِيحَ رُوَيْدًا، ثُمَّ يَسْتَخْرِجُونَها بَعْدَ ذَلِكَ بِرِفْقٍ ولَطافَةٍ كالَّذِي يَسْبَحُ في الماءِ فَإنَّهُ يَتَحَرَّكُ بِرِفْقٍ ولَطافَةٍ لِئَلّا يَغْرَقَ، فَكَذا هاهُنا يَرْفُقُونَ في ذَلِكَ
صفحة ٢٧
الِاسْتِخْراجِ، لِئَلّا يَصِلَ إلَيْهِ ألَمٌ وشِدَّةٌ فَذاكَ هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿والسّابِحاتِ سَبْحًا﴾، وأمّا الَّذِينَ حَمَلُوهُ عَلى سائِرِ طَوائِفِ المَلائِكَةِ فَقالُوا: إنَّ المَلائِكَةَ يَنْزِلُونَ مِنَ السَّماءِ مُسْرِعِينَ، فَجَعَلَ نُزُولَهم مِنَ السَّماءِ كالسِّباحَةِ، والعَرَبُ تَقُولُ لِلْفَرَسِ الجَوادِ إنَّهُ السّابِحُ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿فالسّابِقاتِ سَبْقًا﴾ فَمِنهم مَن فَسَّرَهُ بِمَلائِكَةِ قَبْضِ الأرْواحِ يَسْبِقُونَ بِأرْواحِ الكُفّارِ إلى النّارِ، وبِأرْواحِ المُؤْمِنِينَ إلى الجَنَّةِ، ومِنهم مَن فَسَّرَهُ بِسائِرِ طَوائِفِ المَلائِكَةِ، ثُمَّ ذَكَرُوا في هَذا السَّبْقِ وُجُوهًا:
(أحَدُها) قالَ مُجاهِدٌ وأبُو رَوْقٍ: إنَّ المَلائِكَةَ سَبَقَتِ ابْنَ آدَمَ بِالإيمانِ والطّاعَةِ، ولا شَكَّ أنَّ المُسابَقَةَ في الخَيْراتِ دَرَجَةٌ عَظِيمَةٌ، قالَ تَعالى: ﴿والسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾ [الواقِعَةِ: ١٠،١١] .
(وثانِيها) قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: إنَّ المَلائِكَةَ تَسْبِقُ الشَّياطِينَ بِالوَحْيِ إلى الأنْبِياءِ؛ لِأنَّ الشَّياطِينَ كانَتْ تَسْتَرِقُ السَّمْعَ.
(وثالِثُها) ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهُ تَعالى وصَفَهم فَقالَ: ﴿لا يَسْبِقُونَهُ بِالقَوْلِ﴾ [الأنْبِياءِ: ٢٧] يَعْنِي قَبْلَ الإذْنِ لا يَتَحَرَّكُونَ ولا يَنْطِقُونَ تَعْظِيمًا لِجَلالِ اللَّهِ تَعالى وخَوْفًا مِن هَيْبَتِهِ، وهاهُنا وصَفَهم بِالسَّبْقِ يَعْنِي إذا جاءَهُمُ الأمْرُ، فَإنَّهم يَتَسارَعُونَ إلى امْتِثالِهِ ويَتَبادَرُونَ إلى إظْهارِ طاعَتِهِ، فَهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فالسّابِقاتِ سَبْقًا﴾، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿فالمُدَبِّراتِ أمْرًا﴾ فَأجْمَعُوا عَلى أنَّهم هُمُ المَلائِكَةُ: قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي جِبْرِيلَ ومِيكائِيلَ وإسْرافِيلَ وعِزْرائِيلَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ يُدَبِّرُونَ أمْرَ اللَّهِ تَعالى في أهْلِ الأرْضِ، وهُمُ المُقَسِّماتُ أمْرًا، أمّا جِبْرِيلُ فَوُكِّلَ بِالرِّياحِ والجُنُودِ، وأمّا مِيكائِيلُ فَوُكِّلَ بِالقَطْرِ والنَّباتِ، وأمّا مَلَكُ المَوْتِ فَوُكِّلَ بِقَبْضِ الأنْفُسِ، وأمّا إسْرافِيلُ فَهو يَنْزِلُ بِالأمْرِ عَلَيْهِمْ، وقَوْمٌ مِنهم مُوَكَّلُونَ بِحِفْظِ بَنِي آدَمَ، وقَوْمٌ آخَرُونَ بِكِتابَةِ أعْمالِهِمْ، وقَوْمٌ آخَرُونَ بِالخَسْفِ والمَسْخِ والرِّياحِ والسَّحابِ والأمْطارِ. بَقِيَ عَلى الآيَةِ سُؤالانِ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: لِمَ قالَ: (فالمُدَبِّراتِ أمْرًا)، ولَمْ يَقُلْ: أُمُورًا، فَإنَّهم يُدَبِّرُونَ أُمُورًا كَثِيرَةً لا أمْرًا واحِدًا؟ (والجَوابُ) أنَّ المُرادَ بِهِ الجِنْسُ، وإذا كانَ كَذَلِكَ قامَ مَقامَ الجَمْعِ.
السُّؤالُ الثّانِي: قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الأمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾، فَكَيْفَ أثْبَتَ لَهم هاهُنا تَدْبِيرَ الأمْرِ؟ (والجَوابُ) لَمّا كانَ ذَلِكَ الإتْيانُ بِهِ كانَ الأمْرُ كَأنَّهُ لَهُ، فَهَذا تَلْخِيصُ ما قالَهُ المُفَسِّرُونَ في هَذا البابِ، وعِنْدِي فِيهِ (وجْهٌ آخَرُ) وهو أنَّ المَلائِكَةَ لَها صِفاتٌ سَلْبِيَّةٌ وصِفاتٌ إضافِيَّةٌ، أمّا الصِّفاتُ السَّلْبِيَّةُ فَهي أنَّها مُبَرَّأةٌ عَنِ الشَّهْوَةِ والغَضَبِ والأخْلاقِ الذَّمِيمَةِ والمَوْتِ والهِرَمِ والسَّقَمِ والتَّرْكِيبِ مِنَ الأعْضاءِ والأخْلاطِ والأرْكانِ، بَلْ هي جَواهِرُ رُوحانِيَّةٌ مُبَرَّأةٌ عَنْ هَذِهِ الأحْوالِ، فَقَوْلُهُ: ﴿والنّازِعاتِ غَرْقًا﴾ إشارَةٌ إلى كَوْنِها مَنزُوعَةً عَنْ هَذِهِ الأحْوالِ نَزْعًا كُلِّيًّا مِن جَمِيعِ الوُجُوهِ، وعَلى هَذا التَّفْسِيرِ (النّازِعاتِ) هي ذَواتُ النَّزْعِ كاللّابِنِ والتّامِرِ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿والنّاشِطاتِ نَشْطًا﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ خُرُوجَها عَنْ هَذِهِ الأحْوالِ لَيْسَ عَلى سَبِيلِ التَّكْلِيفِ والمَشَقَّةِ كَما في حَقِّ البَشَرِ، بَلْ هم بِمُقْتَضى ماهِيّاتِهِمْ خَرَجُوا عَنْ هَذِهِ الأحْوالِ وتَنَزَّهُوا عَنْ هَذِهِ الصِّفاتِ، فَهاتانِ الكَلِمَتانِ إشارَتانِ إلى تَعْرِيفِ أحْوالِهِمُ السَّلْبِيَّةِ، وأمّا صِفاتُهُمُ الإضافِيَّةُ فَهي قِسْمانِ: (أحَدُهُما) شَرْحُ قُوَّتِهِمُ العاقِلَةِ أيْ كَيْفَ حالُهم في مَعْرِفَةِ مُلْكِ اللَّهِ ومَلَكُوتِهِ والِاطِّلاعِ عَلى نُورِ جَلالِهِ، فَوَصَفَهم في هَذا المَقامِ بِوَصْفَيْنِ: (أحَدُهُما) قَوْلُهُ: ﴿والسّابِحاتِ سَبْحًا﴾ فَهم يَسْبَحُونَ مِن أوَّلِ فِطْرَتِهِمْ في بِحارِ جَلالِ اللَّهِ، ثُمَّ لا مُنْتَهى لِسِباحَتِهِمْ؛ لِأنَّهُ لا مُنْتَهى لِعَظَمَةِ اللَّهِ وعُلُوِّ صَمَدِيَّتِهِ ونُورِ جَلالِهِ وكِبْرِيائِهِ، فَهم أبَدًا في تِلْكَ السِّباحَةِ. (وثانِيهُما) قَوْلُهُ:
صفحة ٢٨
﴿فالسّابِقاتِ سَبْقًا﴾ وهو إشارَةٌ إلى مَراتِبِ المَلائِكَةِ في تِلْكَ السِّباحَةِ، فَإنَّهُ كَما أنَّ مَراتِبَ مَعارِفِ البَهائِمِ بِالنِّسْبَةِ إلى مَراتِبِ مَعارِفِ البَشَرِ ناقِصَةٌ، ومَراتِبَ مَعارِفِ البَشَرِ بِالنِّسْبَةِ إلى مَراتِبِ مَعارِفِ المَلائِكَةِ ناقِصَةٌ، فَكَذَلِكَ مَعارِفُ بَعْضِ تِلْكَ المَلائِكَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى مَراتِبِ مَعارِفِ الباقِينَ مُتَفاوِتَةٌ، وكَما أنَّ المُخالَفَةَ بَيْنَ نَوْعِ الفَرَسِ ونَوْعِ الإنْسانِ بِالماهِيَّةِ لا بِالعَوارِضِ، فَكَذا المُخالَفَةُ بَيْنَ شَخْصِ كُلِّ واحِدٍ مِنَ المَلائِكَةِ وبَيْنَ شَخْصِ الآخَرِ بِالماهِيَّةِ، فَإذا كانَتْ أشْخاصُها مُتَفاوِتَةً بِالماهِيَّةِ لا بِالعَوارِضِ كانَتْ لا مَحالَةَ مُتَفاوِتَةً في دَرَجاتِ المَعْرِفَةِ وفي مَراتِبِ التَّجَلِّي، فَهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فالسّابِقاتِ سَبْقًا﴾، فَهاتانِ الكَلِمَتانِ المُرادُ مِنهُما شَرْحُ أحْوالِ قُوَّتِهِمُ العاقِلَةِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿فالمُدَبِّراتِ أمْرًا﴾ فَهو إشارَةٌ إلى شَرْحِ حالِ قُوَّتِهِمُ العامِلَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ كُلَّ حالٍ مِن أحْوالِ العالَمِ السُّفْلِيِّ مُفَوَّضٌ إلى تَدْبِيرِ واحِدٍ مِنَ المَلائِكَةِ الَّذِينَ هم عُمّارُ العالَمِ العُلْوِيِّ وسُكّانُ بِقاعِ السَّماواتِ، ولَمّا كانَ التَّدْبِيرُ لا يَتِمُّ إلّا بَعْدَ العِلْمِ، لا جَرَمَ قَدَّمَ شَرْحَ القُوَّةِ العاقِلَةِ الَّتِي لَهم عَلى شَرْحِ القُوَّةِ العامِلَةِ الَّتِي لَهُمْ، فَهَذا الَّذِي ذَكَرْتُهُ احْتِمالٌ ظاهِرٌ واللَّهُ أعْلَمُ بِمُرادِهِ مِن كَلامِهِ.
واعْلَمْ أنَّ أبا مُسْلِمٍ بْنَ بَحْرٍ الأصْفَهانِيَّ طَعَنَ في حَمْلِ هَذِهِ الكَلِماتِ عَلى المَلائِكَةِ، وقالَ: واحِدُ النّازِعاتِ نازِعَةٌ وهو مِن لَفْظِ الإناثِ، وقَدْ نَزَّهَ اللَّهُ تَعالى المَلائِكَةَ عَنِ التَّأْنِيثِ، وعابَ قَوْلَ الكُفّارِ حَيْثُ قالَ: ﴿وجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا﴾ [الزُّخْرُفِ: ١٩] .
واعْلَمْ أنَّ هَذا طَعْنٌ لا يَتَوَجَّهُ عَلى تَفْسِيرِنا؛ لِأنَّ المُرادَ الأشْياءُ ذَواتُ النَّزْعِ، وهَذا القَدْرُ لا يَقْتَضِي ما ذُكِرَ مِنَ التَّأْنِيثِ.
الوَجْهُ الثّانِي في تَأْوِيلِ هَذِهِ الكَلِماتِ: أنَّها هي النُّجُومُ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ البَصْرِيِّ، ووَصْفُ النُّجُومِ بِالنّازِعاتِ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا:
(أحَدُها) كَأنَّها تُنْزَعُ مِن تَحْتِ الأرْضِ فَتَنْجَذِبُ إلى ما فَوْقَ الأرْضِ، فَإذا كانَتْ مَنزُوعَةً كانَتْ ذَواتِ نَزْعٍ، فَيَصِحُّ أنْ يُقالَ إنَّها نازِعَةٌ عَلى قِياسِ اللّابِنِ والتّامِرِ.
(وثانِيها) أنَّ النّازِعاتِ مِن قَوْلِهِمْ نَزَعَ إلَيْهِ أيْ ذَهَبَ نُزُوعًا، هَكَذا قالَهُ الواحِدِيُّ، فَكَأنَّها تَطْلُعُ وتَغْرُبُ بِالنَّزْعِ والسَّوْقِ.
(والثّالِثُ) أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِن قَوْلِهِمْ: نَزَعَتِ الخَيْلُ إذا جَرَتْ، فَمَعْنى: (والنّازِعاتِ) أيْ والجارِياتِ عَلى السَّيْرِ المُقَدَّرِ والحَدِّ المُعَيَّنِ، وقَوْلُهُ: (غَرْقًا) يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:
(أحَدُهُما) أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ النّازِعاتِ أيْ هَذِهِ الكَواكِبُ كالغَرْقى في ذَلِكَ النَّزْعِ والإرادَةِ، وهو إشارَةٌ إلى كَمالِ حالِها في تِلْكَ الإرادَةِ، فَإنْ قِيلَ: إذا لَمْ تَكُنِ الأفْلاكُ والكَواكِبُ أحْياءً ناطِقَةً، فَما مَعْنى وصْفِها بِذَلِكَ؟ قُلْنا: هَذا يَكُونُ عَلى سَبِيلِ التَّشْبِيهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٤٠] فَإنَّ الجَمْعَ بِالواوِ والنُّونِ يَكُونُ لِلْعُقَلاءِ، ثُمَّ إنَّهُ ذُكِرَ في الكَواكِبِ عَلى سَبِيلِ التَّشْبِيهِ.
(والثّانِي) أنْ يَكُونَ مَعْنى غَرْقِها غَيْبُوبَتَها في أُفُقِ الغَرْبِ، فالنّازِعاتُ إشارَةٌ إلى طُلُوعِها، و(غَرْقًا) إشارَةٌ إلى غُرُوبِها، أيْ تَنْزِعُ ثُمَّ تُغْرَقُ إغْراقًا، وهَذا الوَجْهُ ذَكَرَهُ قَوْمٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿والنّاشِطاتِ نَشْطًا﴾ فَقالَ صاحِبُ الكَشّافِ: مَعْناهُ أنَّها تَخْرُجُ مِن بُرْجٍ إلى بُرْجٍ مِن قَوْلِكَ: ثَوْرٌ ناشِطٌ إذا خَرَجَ مِن بَلَدٍ إلى بَلَدٍ. وأقُولُ: يَرْجِعُ حاصِلُ هَذا الكَلامِ إلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿والنّازِعاتِ غَرْقًا﴾ إشارَةٌ إلى حَرَكَتِها اليَوْمِيَّةِ، ﴿والنّاشِطاتِ نَشْطًا﴾ إشارَةٌ إلى انْتِقالِها مِن بُرْجٍ إلى بُرْجٍ، وهو حَرَكَتُها المَخْصُوصَةُ بِها في أفْلاكِها الخاصَّةِ، والعَجَبُ أنَّ حَرَكاتِها اليَوْمِيَّةَ قَسْرِيَّةٌ، وحَرَكَتَها مِن بُرْجٍ إلى بُرْجٍ لَيْسَتْ قَسْرِيَّةً، بَلْ
صفحة ٢٩
مُلائِمَةً لِذَواتِها، فَلا جَرَمَ عَبَّرَ عَنِ الأوَّلِ بِالنَّزْعِ وعَنِ الثّانِي بِالنَّشْطِ، فَتَأمَّلْ أيُّها المِسْكِينُ في هَذِهِ الأسْرارِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿والسّابِحاتِ سَبْحًا﴾ فَقالَ الحَسَنُ وأبُو عُبَيْدَةَ - رَحِمَهُما اللَّهُ -: هي النُّجُومُ تَسْبَحُ في الفَلَكِ؛ لِأنَّ مُرُورَها في الجَوِّ كالسَّبْحِ، ولِهَذا قالَ: ﴿وكُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٤٠] .
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿فالسّابِقاتِ سَبْقًا﴾ فَقالَ الحَسَنُ وأبُو عُبَيْدَةَ: هي النُّجُومُ يَسْبِقُ بَعْضُها بَعْضًا في السَّيْرِ بِسَبَبِ كَوْنِ بَعْضِها أسْرَعَ حَرَكَةً مِنَ البَعْضِ، أوْ بِسَبَبِ رُجُوعِها أوِ اسْتِقامَتِها.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فالمُدَبِّراتِ أمْرًا﴾ فَفِيهِ وجْهانِ:
(أحَدُهُما) أنَّ بِسَبَبِ سَيْرِها وحَرَكَتِها يَتَمَيَّزُ بَعْضُ الأوْقاتِ عَنْ بَعْضٍ، فَتَظْهَرُ أوْقاتُ العِباداتِ عَلى ما قالَ تَعالى: (﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ ﴿ولَهُ الحَمْدُ﴾ [الرُّومِ: ١٨،١٧] وقالَ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هي مَواقِيتُ لِلنّاسِ والحَجِّ﴾ [البَقَرَةِ: ١٨٩] وقالَ: ﴿لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ والحِسابَ﴾ [يُونُسَ: ٥] ولِأنَّ بِسَبَبِ حَرَكَةِ الشَّمْسِ تَخْتَلِفُ الفُصُولُ الأرْبَعَةُ، ويَخْتَلِفُ بِسَبَبِ اخْتِلافِها أحْوالُ النّاسِ في المَعاشِ، فَلا جَرَمَ أُضِيفَتْ إلَيْها هَذِهِ التَّدْبِيراتُ.
(والثّانِي) أنَّهُ لَمّا ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ أنَّ كُلَّ جِسْمٍ مُحْدَثٌ ثَبَتَ أنَّ الكَواكِبَ مُحْدَثَةٌ مُفْتَقِرَةٌ إلى مُوجِدٍ يُوجِدُها، وإلى صانِعٍ يَخْلُقُها، ثُمَّ بَعْدَ هَذا لَوْ قَدَّرْنا أنَّ صانِعَها أوْدَعَ فِيها قُوًى مُؤَثِّرَةً في أحْوالِ هَذا العالَمِ، فَهَذا يَطْعَنُ في الدِّينِ البَتَّةَ، وإنْ لَمْ نَقُلْ بِثُبُوتِ هَذِهِ القُوى أيْضًا، لَكِنّا نَقُولُ: إنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى أجْرى عادَتَهُ بِأنْ جَعَلَ كُلَّ واحِدٍ مِن أحْوالِها المَخْصُوصَةِ سَبَبًا لِحُدُوثِ حادِثٍ مَخْصُوصٍ في هَذا العالَمِ، كَما جَعَلَ الأكْلَ سَبَبًا لِلشِّبَعِ، والشُّرْبَ سَبَبًا لِلرِّيِّ، ومُماسَّةَ النّارِ سَبَبًا لِلِاحْتِراقِ، فالقَوْلُ بِهَذا المَذْهَبِ لا يَضُرُّ الإسْلامَ البَتَّةَ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، واللَّهُ أعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الحالِ.
الوَجْهُ الثّالِثُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الكَلِماتِ الخَمْسَةِ أنَّها هي الأرْواحُ، وذَلِكَ لِأنَّ نَفْسَ المَيِّتِ تَنْزِعُ، يُقالُ: فُلانٌ في النَّزْعِ، وفُلانٌ يَنْزِعُ إذا كانَ في سِياقِ المَوْتِ، والأنْفُسُ نازِعاتٌ عِنْدَ السِّياقِ، ومَعْنى (غَرْقًا) أيْ نَزْعًا شَدِيدًا أبْلَغَ ما يَكُونُ وأشَدَّ مِن إغْراقِ النّازِعِ في القَوْسِ، وكَذَلِكَ تَنْشِطُ لِأنَّ النَّشْطَ مَعْناهُ الخُرُوجُ، ثُمَّ الأرْواحُ البَشَرِيَّةُ الخالِيَةُ عَنِ العَلائِقِ الجُسْمانِيَّةِ المُشْتاقَةُ إلى الِاتِّصالِ العُلْوِيِّ بَعْدَ خُرُوجِها مِن ظُلْمَةِ الأجْسادِ تَذْهَبُ إلى عالَمِ المَلائِكَةِ، ومَنازِلِ القُدْسِ عَلى أسْرَعِ الوُجُوهِ في رَوْحٍ ورَيْحانٍ، فَعَبَّرَ عَنْ ذَهابِها عَلى هَذِهِ الحالَةِ بِالسِّباحَةِ، ثُمَّ لا شَكَّ أنَّ مَراتِبَ الأرْواحِ في النَّفْرَةِ عَنِ الدُّنْيا ومَحَبَّةِ الِاتِّصالِ بِالعالَمِ العُلْوِيِّ مُخْتَلِفَةٌ، فَكُلَّما كانَتْ أتَمَّ في هَذِهِ الأحْوالِ كانَ سَيْرُها إلى هُناكَ أسْبَقَ، وكُلَّما كانَتْ أضْعَفَ كانَ سَيْرُها إلى هُناكَ أثْقَلَ، ولا شَكَّ أنَّ الأرْواحَ السّابِقَةَ إلى هَذِهِ الأحْوالِ أشْرَفُ، فَلا جَرَمَ وقَعَ القَسَمُ بِها، ثُمَّ إنَّ هَذِهِ الأرْواحَ الشَّرِيفَةَ العالِيَةَ لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ فِيها ما يَكُونُ لِقُوَّتِها وشَرَفِها يَظْهَرُ مِنها آثارٌ في أحْوالِ هَذا العالَمِ، فَهي ﴿فالمُدَبِّراتِ أمْرًا﴾ ألَيْسَ أنَّ الإنْسانَ قَدْ يَرى أُسْتاذَهُ في المَنامِ ويَسْألُهُ عَنْ مُشْكِلَةٍ فَيُرْشِدُهُ إلَيْها؟ ألَيْسَ أنَّ الِابْنَ قَدْ يَرى أباهُ في المَنامِ فَيَهْدِيهِ إلى كَنْزٍ مَدْفُونٍ؟ ألَيْسَ أنَّ جالِينُوسَ قالَ: كُنْتُ مَرِيضًا فَعَجَزْتُ عَنْ عِلاجِ نَفْسِي، فَرَأيْتُ في المَنامِ واحِدًا أرْشَدَنِي إلى كَيْفِيَّةِ العِلاجِ؟ ألَيْسَ أنَّ الغَزالِيَّ قالَ: إنَّ الأرْواحَ الشَّرِيفَةَ إذا فارَقَتْ أبْدانَها، ثُمَّ اتَّفَقَ إنْسانٌ مُشابِهٌ لِلْإنْسانِ الأوَّلِ في الرُّوحِ والبَدَنِ، فَإنَّهُ لا يَبْعُدُ أنْ يَحْصُلَ لِلنَّفْسِ المُفارِقَةِ تَعَلُّقٌ بِهَذا البَدَنِ حَتّى تَصِيرَ كالمُعاوِنَةِ لِلنَّفْسِ المُتَعَلِّقَةِ بِذَلِكَ البَدَنِ عَلى أعْمالِ الخَيْرِ فَتُسَمّى تِلْكَ المُعاوَنَةُ إلْهامًا؟ ونَظِيرُهُ في جانِبِ النُّفُوسِ الشِّرِّيرَةِ وسْوَسَةٌ، وهَذِهِ المَعانِي وإنْ لَمْ تَكُنْ مَنقُولَةً عَنِ المُفَسِّرِينَ إلّا أنَّ اللَّفْظَ
صفحة ٣٠
مُحْتَمِلٌ لَها جِدًّا.
الوَجْهُ الرّابِعُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الكَلِماتِ الخَمْسِ: أنَّها صِفاتُ خَيْلِ الغُزاةِ، فَهي نازِعاتٌ لِأنَّها تَنْزِعُ في أعِنَّتِها نَزْعًا تَغْرَقُ فِيهِ الأعِنَّةُ لِطُولِ أعْناقِها لِأنَّها عِرابٌ، وهي ناشِطاتٌ لِأنَّها تَخْرُجُ مِن دارِ الإسْلامِ إلى دارِ الحَرْبِ، مِن قَوْلِهِمْ: ثَوْرٌ ناشِطٌ إذا خَرَجَ مِن بَلَدٍ إلى بَلَدٍ، وهي سابِحاتٌ لِأنَّها تَسْبَحُ في جَرْيِها، وهي سابِقاتٌ لِأنَّها تَسْبِقُ إلى الغايَةِ، وهي مُدَبِّراتٌ لِأمْرِ الغَلَبَةِ والظَّفَرِ، وإسْنادُ التَّدْبِيرِ إلَيْها مَجازٌ؛ لِأنَّها مِن أسْبابِهِ.
* * *
الوَجْهُ الخامِسُ: وهو اخْتِيارُ أبِي مُسْلِمٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أنَّ هَذِهِ صِفاتُ الغُزاةِ، فالنّازِعاتُ أيْدِي الغُزاةِ، يُقالُ لِلرّامِي: نَزَعَ في قَوْسِهِ، ويُقالُ: أغْرَقَ في النَّزْعِ إذا اسْتَوْفى مَدَّ القَوْسِ، والنّاشِطاتُ السِّهامُ وهي خُرُوجُها عَنْ أيْدِي الرُّماةِ ونُفُوذُها، وكُلُّ شَيْءٍ حَلَلْتَهُ فَقَدْ نَشَّطْتَهُ، ومِنهُ نَشاطُ الرَّجُلِ وهو انْبِساطُهُ وخِفَّتُهُ، والسّابِحاتُ في هَذا المَوْضِعِ الخَيْلُ وسَبْحُها العَدْوُ، ويَجُوزُ أنْ يَعْنِيَ بِهِ الإبِلَ أيْضًا، والمُدَبِّراتُ مِثْلُ المُعَقِّباتِ، والمُرادُ أنَّهُ يَأْتِي في أدْبارِ هَذا الفِعْلِ الَّذِي هو نَزْعُ السِّهامِ وسَبْحُ الخَيْلِ وسَبْقُها الأمْرُ الَّذِي هو النَّصْرُ، ولَفْظُ التَّأْنِيثِ إنَّما كانَ لِأنَّ هَؤُلاءِ جَماعاتٌ، كَما قِيلَ: المُدَبِّراتُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ الآلَةَ مِنَ القَوْسِ والأوْهاقِ، عَلى مَعْنى المَنزُوعِ فِيها والمَنشُوطِ بِها.
الوَجْهُ السّادِسُ: أنَّهُ يُمْكِنُ تَفْسِيرُ هَذِهِ الكَلِماتِ بِالمَراتِبِ الواقِعَةِ في رُجُوعِ القَلْبِ مِن غَيْرِ اللَّهِ تَعالى إلى اللَّهِ ﴿والنّازِعاتِ غَرْقًا﴾ هي الأرْواحُ الَّتِي تَنْزِعُ إلى اعْتِلاقِ العُرْوَةِ الوُثْقى، أوِ المَنزُوعَةُ عَنْ مَحَبَّةِ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى، ﴿والنّاشِطاتِ نَشْطًا﴾ هي أنَّها بَعْدَ الرُّجُوعِ عَنِ الجُسْمانِيّاتِ تَأْخُذُ في المُجاهَدَةِ، والتَّخَلُّقِ بِأخْلاقِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى بِنَشاطٍ تامٍّ وقُوَّةٍ قَوِيَّةٍ. ﴿والسّابِحاتِ سَبْحًا﴾ ثُمَّ إنَّها بَعْدَ المُجاهَدَةِ تَسْرَحُ في أمْرِ المَلَكُوتِ فَتَقْطَعُ في تِلْكَ البِحارِ فَتَسْبَحُ فِيها. ﴿فالسّابِقاتِ سَبْقًا﴾ إشارَةٌ إلى تَفاوُتِ الأرْواحِ في دَرَجاتِ سَيْرِها إلى اللَّهِ تَعالى. ﴿فالمُدَبِّراتِ أمْرًا﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ آخِرَ مَراتِبِ البَشَرِيَّةِ مُتَّصِلَةٌ بِأوَّلِ دَرَجاتِ المَلَكِيَّةِ، فَلَمّا انْتَهَتِ الأرْواحُ البَشَرِيَّةُ إلى أقْصى غاياتِها وهي مَرْتَبَةُ السَّبْقِ اتَّصَلَتْ بِعالَمِ المَلائِكَةِ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فالمُدَبِّراتِ أمْرًا﴾، فالأرْبَعَةُ الأُوَلُ هي المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ﴾ [النُّورِ: ٣٥] . و(الخامِسَةُ) هي النّارُ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ﴾ [النُّورِ: ٣٥] .
واعْلَمْ أنَّ الوُجُوهَ المَنقُولَةَ عَنِ المُفَسِّرِينَ غَيْرُ مَنقُولَةٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- نَصًّا، حَتّى لا يُمْكِنَ الزِّيادَةُ عَلَيْها، بَلْ إنَّما ذَكَرُوها لِكَوْنِ اللَّفْظِ مُحْتَمِلًا لَها، فَإذا كانَ احْتِمالُ اللَّفْظِ لِما ذَكَرْناهُ لَيْسَ دُونَ احْتِمالِهِ لِلْوُجُوهِ الَّتِي ذَكَرُوها لَمْ يَكُنْ ما ذَكَرُوهُ أوْلى مِمّا ذَكَرْناهُ إلّا أنَّهُ لا بُدَّ هاهُنا مِن دَقِيقَةٍ، وهو أنَّ اللَّفْظَ مُحْتَمَلٌ لِلْكُلِّ، فَإنْ وجَدْنا بَيْنَ هَذِهِ المَعانِي مَفْهُومًا واحِدًا مُشْتَرَكًا حَمَلْنا اللَّفْظَ عَلى ذَلِكَ المُشْتَرَكِ؛ وحِينَئِذٍ يَنْدَرِجُ تَحْتَهُ جَمِيعُ هَذِهِ الوُجُوهِ. أمّا إذا لَمْ يَكُنْ بَيْنَ هَذِهِ المَفْهُوماتِ قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ تَعَذَّرَ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلى الكُلِّ؛ لِأنَّ اللَّفْظَ المُشْتَرَكَ لا يَجُوزُ اسْتِعْمالُهُ لِإفادَةِ مَفْهُومَيْهِ مَعًا، فَحِينَئِذٍ لا نَقُولُ: مُرادُ اللَّهِ تَعالى هَذا، بَلْ نَقُولُ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا هو المُرادَ، أمّا الجَزْمُ فَلا سَبِيلَ إلَيْهِ هاهُنا.
الِاحْتِمالُ الثّانِي: وهو أنْ [ لا ] تَكُونَ [ هَذِهِ ] الألْفاظُ الخَمْسَةُ صِفاتٍ لِشَيْءٍ واحِدٍ، بَلْ لِأشْياءَ مُخْتَلِفَةٍ، فَفِيهِ أيْضًا وُجُوهٌ:
(الأوَّلُ) النّازِعاتُ غَرْقًا، هي القِسِيُّ، والنّاشِطاتُ نَشْطًا هي الأوْهاقُ، والسّابِحاتُ السُّفُنُ، والسّابِقاتُ الخَيْلُ، والمُدَبِّراتُ المَلائِكَةُ، رَواهُ واصِلُ بْنُ السّائِبِ عَنْ عَطاءٍ.
(الثّانِي) نُقِلَ عَنْ مُجاهِدٍ في
صفحة ٣١
النّازِعاتِ والنّاشِطاتِ والسّابِحاتِ أنَّها المَوْتُ، وفي السّابِقاتِ والمُدَبِّراتِ أنَّها المَلائِكَةُ، وإضافَةُ النَّزْعِ والنَّشْطِ والسَّبْحِ إلى المَوْتِ مَجازٌ بِمَعْنى أنَّها حَصَلَتْ عِنْدَ حُصُولِهِ.
* * *
(الثّالِثُ) قالَ قَتادَةُ: الجَمِيعُ هي النُّجُومُ إلّا المُدَبِّراتِ، فَإنَّها هي المَلائِكَةُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرَ ﴿فالسّابِقاتِ﴾ بِالفاءِ، والَّتِي قَبْلَها بِالواوِ، وفي عِلَّتِهِ وجْهانِ:
(الأوَّلُ) قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: إنَّ هَذِهِ مُسَبَّبَةٌ عَنِ الَّتِي قَبْلَها، كَأنَّهُ قِيلَ: واللّاتِي سَبَحْنَ فَسَبَقْنَ كَما تَقُولُ: قامَ فَذَهَبَ، أوْجَبَ الفاءُ أنَّ القِيامَ كانَ سَبَبًا لِلذَّهابِ، ولَوْ قُلْتَ: قامَ وذَهَبَ لَمْ تَجْعَلِ القِيامَ سَبَبًا لِلذَّهابِ، قالَ الواحِدِيُّ: قَوْلُ صاحِبِ النَّظْمِ غَيْرُ مُطَّرِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فالمُدَبِّراتِ أمْرًا﴾؛ لِأنَّهُ يَبْعُدُ أنْ يَجْعَلَ السَّبْقَ سَبَبًا لِلتَّدْبِيرِ، وأقُولُ: يُمْكِنُ الجَوابُ عَنِ اعْتِراضِ الواحِدِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مِن وجْهَيْنِ:
(الأوَّلُ) لا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: إنَّها لَمّا أُمِرَتْ سَبَحَتْ فَسَبَقَتْ فَدَبَّرَتْ ما أُمِرَتْ بِتَدْبِيرِها وإصْلاحِها، فَتَكُونُ هَذِهِ أفْعالًا يَتَّصِلُ بَعْضُها بِبَعْضٍ، كَقَوْلِكَ: قامَ زَيْدٌ، فَذَهَبَ، فَضَرَبَ عَمْرًا.
(الثّانِي) لا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: إنَّهم لَمّا كانُوا سابِقِينَ في أداءِ الطّاعاتِ مُتَسارِعِينَ إلَيْها ظَهَرَتْ أمانَتُهُمْ، فَلِهَذا السَّبَبِ فَوَّضَ اللَّهُ إلَيْهِمْ تَدْبِيرَ بَعْضِ العالَمِ.
(الوَجْهُ الثّانِي) أنَّ المَلائِكَةَ قِسْمانِ: الرُّؤَساءُ والتَّلامِذَةُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى قالَ: ﴿قُلْ يَتَوَفّاكم مَلَكُ المَوْتِ﴾ [السَّجْدَةِ: ١١] ثُمَّ قالَ: ﴿حَتّى إذا جاءَ أحَدَكُمُ المَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا﴾ [الأنْعامِ: ٦١] فَقُلْنا في التَّوْفِيقِ بَيْنَ الآيَتَيْنِ: إنَّ مَلَكَ المَوْتِ هو الرَّأْسُ، والرَّئِيسُ وسائِرُ المَلائِكَةِ هُمُ التَّلامِذَةُ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: النّازِعاتُ والنّاشِطاتُ والسّابِحاتُ مَحْمُولَةٌ عَلى التَّلامِذَةِ الَّذِينَ هم يُباشِرُونَ العَمَلَ بِأنْفُسِهِمْ، ثُمَّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فالسّابِقاتِ﴾ . . ﴿فالمُدَبِّراتِ﴾ إشارَةٌ إلى الرُّؤَساءِ الَّذِينَ هُمُ السّابِقُونَ في الدَّرَجَةِ والشَّرَفِ، وهُمُ المُدَبِّرُونَ لِتِلْكَ الأحْوالِ والأعْمالِ.
النازعات 79:5
صفحة ٢٦
(سُورَةُ النّازِعاتِ)
(وهي أرْبَعُونَ وسِتُّ آياتٍ مَكِّيَّةٌ)
﷽
﴿والنّازِعاتِ غَرْقًا﴾ ﴿والنّاشِطاتِ نَشْطًا﴾ ﴿والسّابِحاتِ سَبْحًا﴾ ﴿فالسّابِقاتِ سَبْقًا﴾ ﴿فالمُدَبِّراتِ أمْرًا﴾
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)
﴿والنّازِعاتِ غَرْقًا﴾ ﴿والنّاشِطاتِ نَشْطًا﴾ ﴿والسّابِحاتِ سَبْحًا﴾ ﴿فالسّابِقاتِ سَبْقًا﴾ ﴿فالمُدَبِّراتِ أمْرًا﴾ فِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الكَلِماتِ الخَمْسَ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ صِفاتٍ لِشَيْءٍ واحِدٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ لا تَكُونَ كَذَلِكَ، أمّا عَلى الِاحْتِمالِ الأوَّلِ فَقَدْ ذَكَرُوا في الآيَةِ وُجُوهًا:
(أحَدُها) أنَّها بِأسْرِها صِفاتُ المَلائِكَةِ، فَقَوْلُهُ: ﴿والنّازِعاتِ غَرْقًا﴾ هي المَلائِكَةُ الَّذِينَ يَنْزِعُونَ نُفُوسَ بَنِي آدَمَ فَإذا نَزَعُوا نَفْسَ الكُفّارِ نَزَعُوها بِشِدَّةٍ، وهو مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ: نَزَعَ في القَوْسِ فَأغْرَقَ، يُقالُ: أغْرَقَ النّازِعُ في القَوْسِ إذا بَلَغَ غايَةَ المَدى حَتّى يَنْتَهِيَ إلى النَّصْلِ، فَتَقْدِيرُ الآيَةِ: والنّازِعاتِ إغْراقًا، والغَرْقُ والإغْراقُ في اللُّغَةِ بِمَعْنًى واحِدٍ، وقَوْلُهُ: ﴿والنّاشِطاتِ نَشْطًا﴾ النَّشْطُ هو الجَذْبُ، يُقالُ: نَشَطْتُ الدَّلْوَ أنْشِطُها وأنْشَطْتُها نَشْطًا نَزَعْتُها بِرِفْقٍ، والمُرادُ هي المَلائِكَةُ الَّتِي تَنْشِطُ رُوحَ المُؤْمِنِ فَتَقْبِضُها، وإنَّما خَصَصْنا هَذا بِالمُؤْمِنِ والأوَّلَ بِالكافِرِ لِما بَيْنَ النَّزْعِ والنَّشْطِ مِنَ الفَرْقِ، فالنَّزْعُ جَذْبٌ بِشِدَّةٍ، والنَّشْطُ جَذْبٌ بِرِفْقٍ ولِينٍ، فالمَلائِكَةُ تَنْشِطُ أرْواحَ المُؤْمِنِينَ كَما تُنْشَطُ الدَّلْوُ مِنَ البِئْرِ. فالحاصِلُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿والنّازِعاتِ غَرْقًا﴾ ﴿والنّاشِطاتِ نَشْطًا﴾ قَسَمٌ بِمَلَكِ المَوْتِ وأعْوانِهِ إلّا أنَّ الأوَّلَ إشارَةٌ إلى كَيْفِيَّةِ قَبْضِ أرْواحِ الكُفّارِ.
والثّانِيَ إشارَةٌ إلى كَيْفِيَّةِ قَبْضِ أرْواحِ المُؤْمِنِينَ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿والسّابِحاتِ سَبْحًا﴾ فَمِنهم مَن خَصَّصَهُ أيْضًا بِمَلائِكَةِ قَبْضِ الأرْواحِ، ومِنهم مَن حَمَلَهُ عَلى سائِرِ طَوائِفِ المَلائِكَةِ.
أمّا (الوَجْهُ الأوَّلُ) فَنُقِلَ عَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ، وابْنِ عَبّاسٍ، ومَسْرُوقٍ، أنَّ المَلائِكَةَ يَسُلُّونَ أرْواحَ المُؤْمِنِينَ سَلًّا رَفِيقًا، فَهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿والنّاشِطاتِ نَشْطًا﴾ ثُمَّ يَتْرُكُونَها حَتّى تَسْتَرِيحَ رُوَيْدًا، ثُمَّ يَسْتَخْرِجُونَها بَعْدَ ذَلِكَ بِرِفْقٍ ولَطافَةٍ كالَّذِي يَسْبَحُ في الماءِ فَإنَّهُ يَتَحَرَّكُ بِرِفْقٍ ولَطافَةٍ لِئَلّا يَغْرَقَ، فَكَذا هاهُنا يَرْفُقُونَ في ذَلِكَ
صفحة ٢٧
الِاسْتِخْراجِ، لِئَلّا يَصِلَ إلَيْهِ ألَمٌ وشِدَّةٌ فَذاكَ هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿والسّابِحاتِ سَبْحًا﴾، وأمّا الَّذِينَ حَمَلُوهُ عَلى سائِرِ طَوائِفِ المَلائِكَةِ فَقالُوا: إنَّ المَلائِكَةَ يَنْزِلُونَ مِنَ السَّماءِ مُسْرِعِينَ، فَجَعَلَ نُزُولَهم مِنَ السَّماءِ كالسِّباحَةِ، والعَرَبُ تَقُولُ لِلْفَرَسِ الجَوادِ إنَّهُ السّابِحُ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿فالسّابِقاتِ سَبْقًا﴾ فَمِنهم مَن فَسَّرَهُ بِمَلائِكَةِ قَبْضِ الأرْواحِ يَسْبِقُونَ بِأرْواحِ الكُفّارِ إلى النّارِ، وبِأرْواحِ المُؤْمِنِينَ إلى الجَنَّةِ، ومِنهم مَن فَسَّرَهُ بِسائِرِ طَوائِفِ المَلائِكَةِ، ثُمَّ ذَكَرُوا في هَذا السَّبْقِ وُجُوهًا:
(أحَدُها) قالَ مُجاهِدٌ وأبُو رَوْقٍ: إنَّ المَلائِكَةَ سَبَقَتِ ابْنَ آدَمَ بِالإيمانِ والطّاعَةِ، ولا شَكَّ أنَّ المُسابَقَةَ في الخَيْراتِ دَرَجَةٌ عَظِيمَةٌ، قالَ تَعالى: ﴿والسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾ [الواقِعَةِ: ١٠،١١] .
(وثانِيها) قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: إنَّ المَلائِكَةَ تَسْبِقُ الشَّياطِينَ بِالوَحْيِ إلى الأنْبِياءِ؛ لِأنَّ الشَّياطِينَ كانَتْ تَسْتَرِقُ السَّمْعَ.
(وثالِثُها) ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهُ تَعالى وصَفَهم فَقالَ: ﴿لا يَسْبِقُونَهُ بِالقَوْلِ﴾ [الأنْبِياءِ: ٢٧] يَعْنِي قَبْلَ الإذْنِ لا يَتَحَرَّكُونَ ولا يَنْطِقُونَ تَعْظِيمًا لِجَلالِ اللَّهِ تَعالى وخَوْفًا مِن هَيْبَتِهِ، وهاهُنا وصَفَهم بِالسَّبْقِ يَعْنِي إذا جاءَهُمُ الأمْرُ، فَإنَّهم يَتَسارَعُونَ إلى امْتِثالِهِ ويَتَبادَرُونَ إلى إظْهارِ طاعَتِهِ، فَهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فالسّابِقاتِ سَبْقًا﴾، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿فالمُدَبِّراتِ أمْرًا﴾ فَأجْمَعُوا عَلى أنَّهم هُمُ المَلائِكَةُ: قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي جِبْرِيلَ ومِيكائِيلَ وإسْرافِيلَ وعِزْرائِيلَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ يُدَبِّرُونَ أمْرَ اللَّهِ تَعالى في أهْلِ الأرْضِ، وهُمُ المُقَسِّماتُ أمْرًا، أمّا جِبْرِيلُ فَوُكِّلَ بِالرِّياحِ والجُنُودِ، وأمّا مِيكائِيلُ فَوُكِّلَ بِالقَطْرِ والنَّباتِ، وأمّا مَلَكُ المَوْتِ فَوُكِّلَ بِقَبْضِ الأنْفُسِ، وأمّا إسْرافِيلُ فَهو يَنْزِلُ بِالأمْرِ عَلَيْهِمْ، وقَوْمٌ مِنهم مُوَكَّلُونَ بِحِفْظِ بَنِي آدَمَ، وقَوْمٌ آخَرُونَ بِكِتابَةِ أعْمالِهِمْ، وقَوْمٌ آخَرُونَ بِالخَسْفِ والمَسْخِ والرِّياحِ والسَّحابِ والأمْطارِ. بَقِيَ عَلى الآيَةِ سُؤالانِ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: لِمَ قالَ: (فالمُدَبِّراتِ أمْرًا)، ولَمْ يَقُلْ: أُمُورًا، فَإنَّهم يُدَبِّرُونَ أُمُورًا كَثِيرَةً لا أمْرًا واحِدًا؟ (والجَوابُ) أنَّ المُرادَ بِهِ الجِنْسُ، وإذا كانَ كَذَلِكَ قامَ مَقامَ الجَمْعِ.
السُّؤالُ الثّانِي: قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الأمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾، فَكَيْفَ أثْبَتَ لَهم هاهُنا تَدْبِيرَ الأمْرِ؟ (والجَوابُ) لَمّا كانَ ذَلِكَ الإتْيانُ بِهِ كانَ الأمْرُ كَأنَّهُ لَهُ، فَهَذا تَلْخِيصُ ما قالَهُ المُفَسِّرُونَ في هَذا البابِ، وعِنْدِي فِيهِ (وجْهٌ آخَرُ) وهو أنَّ المَلائِكَةَ لَها صِفاتٌ سَلْبِيَّةٌ وصِفاتٌ إضافِيَّةٌ، أمّا الصِّفاتُ السَّلْبِيَّةُ فَهي أنَّها مُبَرَّأةٌ عَنِ الشَّهْوَةِ والغَضَبِ والأخْلاقِ الذَّمِيمَةِ والمَوْتِ والهِرَمِ والسَّقَمِ والتَّرْكِيبِ مِنَ الأعْضاءِ والأخْلاطِ والأرْكانِ، بَلْ هي جَواهِرُ رُوحانِيَّةٌ مُبَرَّأةٌ عَنْ هَذِهِ الأحْوالِ، فَقَوْلُهُ: ﴿والنّازِعاتِ غَرْقًا﴾ إشارَةٌ إلى كَوْنِها مَنزُوعَةً عَنْ هَذِهِ الأحْوالِ نَزْعًا كُلِّيًّا مِن جَمِيعِ الوُجُوهِ، وعَلى هَذا التَّفْسِيرِ (النّازِعاتِ) هي ذَواتُ النَّزْعِ كاللّابِنِ والتّامِرِ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿والنّاشِطاتِ نَشْطًا﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ خُرُوجَها عَنْ هَذِهِ الأحْوالِ لَيْسَ عَلى سَبِيلِ التَّكْلِيفِ والمَشَقَّةِ كَما في حَقِّ البَشَرِ، بَلْ هم بِمُقْتَضى ماهِيّاتِهِمْ خَرَجُوا عَنْ هَذِهِ الأحْوالِ وتَنَزَّهُوا عَنْ هَذِهِ الصِّفاتِ، فَهاتانِ الكَلِمَتانِ إشارَتانِ إلى تَعْرِيفِ أحْوالِهِمُ السَّلْبِيَّةِ، وأمّا صِفاتُهُمُ الإضافِيَّةُ فَهي قِسْمانِ: (أحَدُهُما) شَرْحُ قُوَّتِهِمُ العاقِلَةِ أيْ كَيْفَ حالُهم في مَعْرِفَةِ مُلْكِ اللَّهِ ومَلَكُوتِهِ والِاطِّلاعِ عَلى نُورِ جَلالِهِ، فَوَصَفَهم في هَذا المَقامِ بِوَصْفَيْنِ: (أحَدُهُما) قَوْلُهُ: ﴿والسّابِحاتِ سَبْحًا﴾ فَهم يَسْبَحُونَ مِن أوَّلِ فِطْرَتِهِمْ في بِحارِ جَلالِ اللَّهِ، ثُمَّ لا مُنْتَهى لِسِباحَتِهِمْ؛ لِأنَّهُ لا مُنْتَهى لِعَظَمَةِ اللَّهِ وعُلُوِّ صَمَدِيَّتِهِ ونُورِ جَلالِهِ وكِبْرِيائِهِ، فَهم أبَدًا في تِلْكَ السِّباحَةِ. (وثانِيهُما) قَوْلُهُ:
صفحة ٢٨
﴿فالسّابِقاتِ سَبْقًا﴾ وهو إشارَةٌ إلى مَراتِبِ المَلائِكَةِ في تِلْكَ السِّباحَةِ، فَإنَّهُ كَما أنَّ مَراتِبَ مَعارِفِ البَهائِمِ بِالنِّسْبَةِ إلى مَراتِبِ مَعارِفِ البَشَرِ ناقِصَةٌ، ومَراتِبَ مَعارِفِ البَشَرِ بِالنِّسْبَةِ إلى مَراتِبِ مَعارِفِ المَلائِكَةِ ناقِصَةٌ، فَكَذَلِكَ مَعارِفُ بَعْضِ تِلْكَ المَلائِكَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى مَراتِبِ مَعارِفِ الباقِينَ مُتَفاوِتَةٌ، وكَما أنَّ المُخالَفَةَ بَيْنَ نَوْعِ الفَرَسِ ونَوْعِ الإنْسانِ بِالماهِيَّةِ لا بِالعَوارِضِ، فَكَذا المُخالَفَةُ بَيْنَ شَخْصِ كُلِّ واحِدٍ مِنَ المَلائِكَةِ وبَيْنَ شَخْصِ الآخَرِ بِالماهِيَّةِ، فَإذا كانَتْ أشْخاصُها مُتَفاوِتَةً بِالماهِيَّةِ لا بِالعَوارِضِ كانَتْ لا مَحالَةَ مُتَفاوِتَةً في دَرَجاتِ المَعْرِفَةِ وفي مَراتِبِ التَّجَلِّي، فَهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فالسّابِقاتِ سَبْقًا﴾، فَهاتانِ الكَلِمَتانِ المُرادُ مِنهُما شَرْحُ أحْوالِ قُوَّتِهِمُ العاقِلَةِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿فالمُدَبِّراتِ أمْرًا﴾ فَهو إشارَةٌ إلى شَرْحِ حالِ قُوَّتِهِمُ العامِلَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ كُلَّ حالٍ مِن أحْوالِ العالَمِ السُّفْلِيِّ مُفَوَّضٌ إلى تَدْبِيرِ واحِدٍ مِنَ المَلائِكَةِ الَّذِينَ هم عُمّارُ العالَمِ العُلْوِيِّ وسُكّانُ بِقاعِ السَّماواتِ، ولَمّا كانَ التَّدْبِيرُ لا يَتِمُّ إلّا بَعْدَ العِلْمِ، لا جَرَمَ قَدَّمَ شَرْحَ القُوَّةِ العاقِلَةِ الَّتِي لَهم عَلى شَرْحِ القُوَّةِ العامِلَةِ الَّتِي لَهُمْ، فَهَذا الَّذِي ذَكَرْتُهُ احْتِمالٌ ظاهِرٌ واللَّهُ أعْلَمُ بِمُرادِهِ مِن كَلامِهِ.
واعْلَمْ أنَّ أبا مُسْلِمٍ بْنَ بَحْرٍ الأصْفَهانِيَّ طَعَنَ في حَمْلِ هَذِهِ الكَلِماتِ عَلى المَلائِكَةِ، وقالَ: واحِدُ النّازِعاتِ نازِعَةٌ وهو مِن لَفْظِ الإناثِ، وقَدْ نَزَّهَ اللَّهُ تَعالى المَلائِكَةَ عَنِ التَّأْنِيثِ، وعابَ قَوْلَ الكُفّارِ حَيْثُ قالَ: ﴿وجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا﴾ [الزُّخْرُفِ: ١٩] .
واعْلَمْ أنَّ هَذا طَعْنٌ لا يَتَوَجَّهُ عَلى تَفْسِيرِنا؛ لِأنَّ المُرادَ الأشْياءُ ذَواتُ النَّزْعِ، وهَذا القَدْرُ لا يَقْتَضِي ما ذُكِرَ مِنَ التَّأْنِيثِ.
الوَجْهُ الثّانِي في تَأْوِيلِ هَذِهِ الكَلِماتِ: أنَّها هي النُّجُومُ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ البَصْرِيِّ، ووَصْفُ النُّجُومِ بِالنّازِعاتِ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا:
(أحَدُها) كَأنَّها تُنْزَعُ مِن تَحْتِ الأرْضِ فَتَنْجَذِبُ إلى ما فَوْقَ الأرْضِ، فَإذا كانَتْ مَنزُوعَةً كانَتْ ذَواتِ نَزْعٍ، فَيَصِحُّ أنْ يُقالَ إنَّها نازِعَةٌ عَلى قِياسِ اللّابِنِ والتّامِرِ.
(وثانِيها) أنَّ النّازِعاتِ مِن قَوْلِهِمْ نَزَعَ إلَيْهِ أيْ ذَهَبَ نُزُوعًا، هَكَذا قالَهُ الواحِدِيُّ، فَكَأنَّها تَطْلُعُ وتَغْرُبُ بِالنَّزْعِ والسَّوْقِ.
(والثّالِثُ) أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِن قَوْلِهِمْ: نَزَعَتِ الخَيْلُ إذا جَرَتْ، فَمَعْنى: (والنّازِعاتِ) أيْ والجارِياتِ عَلى السَّيْرِ المُقَدَّرِ والحَدِّ المُعَيَّنِ، وقَوْلُهُ: (غَرْقًا) يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:
(أحَدُهُما) أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ النّازِعاتِ أيْ هَذِهِ الكَواكِبُ كالغَرْقى في ذَلِكَ النَّزْعِ والإرادَةِ، وهو إشارَةٌ إلى كَمالِ حالِها في تِلْكَ الإرادَةِ، فَإنْ قِيلَ: إذا لَمْ تَكُنِ الأفْلاكُ والكَواكِبُ أحْياءً ناطِقَةً، فَما مَعْنى وصْفِها بِذَلِكَ؟ قُلْنا: هَذا يَكُونُ عَلى سَبِيلِ التَّشْبِيهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٤٠] فَإنَّ الجَمْعَ بِالواوِ والنُّونِ يَكُونُ لِلْعُقَلاءِ، ثُمَّ إنَّهُ ذُكِرَ في الكَواكِبِ عَلى سَبِيلِ التَّشْبِيهِ.
(والثّانِي) أنْ يَكُونَ مَعْنى غَرْقِها غَيْبُوبَتَها في أُفُقِ الغَرْبِ، فالنّازِعاتُ إشارَةٌ إلى طُلُوعِها، و(غَرْقًا) إشارَةٌ إلى غُرُوبِها، أيْ تَنْزِعُ ثُمَّ تُغْرَقُ إغْراقًا، وهَذا الوَجْهُ ذَكَرَهُ قَوْمٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿والنّاشِطاتِ نَشْطًا﴾ فَقالَ صاحِبُ الكَشّافِ: مَعْناهُ أنَّها تَخْرُجُ مِن بُرْجٍ إلى بُرْجٍ مِن قَوْلِكَ: ثَوْرٌ ناشِطٌ إذا خَرَجَ مِن بَلَدٍ إلى بَلَدٍ. وأقُولُ: يَرْجِعُ حاصِلُ هَذا الكَلامِ إلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿والنّازِعاتِ غَرْقًا﴾ إشارَةٌ إلى حَرَكَتِها اليَوْمِيَّةِ، ﴿والنّاشِطاتِ نَشْطًا﴾ إشارَةٌ إلى انْتِقالِها مِن بُرْجٍ إلى بُرْجٍ، وهو حَرَكَتُها المَخْصُوصَةُ بِها في أفْلاكِها الخاصَّةِ، والعَجَبُ أنَّ حَرَكاتِها اليَوْمِيَّةَ قَسْرِيَّةٌ، وحَرَكَتَها مِن بُرْجٍ إلى بُرْجٍ لَيْسَتْ قَسْرِيَّةً، بَلْ
صفحة ٢٩
مُلائِمَةً لِذَواتِها، فَلا جَرَمَ عَبَّرَ عَنِ الأوَّلِ بِالنَّزْعِ وعَنِ الثّانِي بِالنَّشْطِ، فَتَأمَّلْ أيُّها المِسْكِينُ في هَذِهِ الأسْرارِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿والسّابِحاتِ سَبْحًا﴾ فَقالَ الحَسَنُ وأبُو عُبَيْدَةَ - رَحِمَهُما اللَّهُ -: هي النُّجُومُ تَسْبَحُ في الفَلَكِ؛ لِأنَّ مُرُورَها في الجَوِّ كالسَّبْحِ، ولِهَذا قالَ: ﴿وكُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٤٠] .
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿فالسّابِقاتِ سَبْقًا﴾ فَقالَ الحَسَنُ وأبُو عُبَيْدَةَ: هي النُّجُومُ يَسْبِقُ بَعْضُها بَعْضًا في السَّيْرِ بِسَبَبِ كَوْنِ بَعْضِها أسْرَعَ حَرَكَةً مِنَ البَعْضِ، أوْ بِسَبَبِ رُجُوعِها أوِ اسْتِقامَتِها.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فالمُدَبِّراتِ أمْرًا﴾ فَفِيهِ وجْهانِ:
(أحَدُهُما) أنَّ بِسَبَبِ سَيْرِها وحَرَكَتِها يَتَمَيَّزُ بَعْضُ الأوْقاتِ عَنْ بَعْضٍ، فَتَظْهَرُ أوْقاتُ العِباداتِ عَلى ما قالَ تَعالى: (﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ ﴿ولَهُ الحَمْدُ﴾ [الرُّومِ: ١٨،١٧] وقالَ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هي مَواقِيتُ لِلنّاسِ والحَجِّ﴾ [البَقَرَةِ: ١٨٩] وقالَ: ﴿لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ والحِسابَ﴾ [يُونُسَ: ٥] ولِأنَّ بِسَبَبِ حَرَكَةِ الشَّمْسِ تَخْتَلِفُ الفُصُولُ الأرْبَعَةُ، ويَخْتَلِفُ بِسَبَبِ اخْتِلافِها أحْوالُ النّاسِ في المَعاشِ، فَلا جَرَمَ أُضِيفَتْ إلَيْها هَذِهِ التَّدْبِيراتُ.
(والثّانِي) أنَّهُ لَمّا ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ أنَّ كُلَّ جِسْمٍ مُحْدَثٌ ثَبَتَ أنَّ الكَواكِبَ مُحْدَثَةٌ مُفْتَقِرَةٌ إلى مُوجِدٍ يُوجِدُها، وإلى صانِعٍ يَخْلُقُها، ثُمَّ بَعْدَ هَذا لَوْ قَدَّرْنا أنَّ صانِعَها أوْدَعَ فِيها قُوًى مُؤَثِّرَةً في أحْوالِ هَذا العالَمِ، فَهَذا يَطْعَنُ في الدِّينِ البَتَّةَ، وإنْ لَمْ نَقُلْ بِثُبُوتِ هَذِهِ القُوى أيْضًا، لَكِنّا نَقُولُ: إنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى أجْرى عادَتَهُ بِأنْ جَعَلَ كُلَّ واحِدٍ مِن أحْوالِها المَخْصُوصَةِ سَبَبًا لِحُدُوثِ حادِثٍ مَخْصُوصٍ في هَذا العالَمِ، كَما جَعَلَ الأكْلَ سَبَبًا لِلشِّبَعِ، والشُّرْبَ سَبَبًا لِلرِّيِّ، ومُماسَّةَ النّارِ سَبَبًا لِلِاحْتِراقِ، فالقَوْلُ بِهَذا المَذْهَبِ لا يَضُرُّ الإسْلامَ البَتَّةَ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، واللَّهُ أعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الحالِ.
الوَجْهُ الثّالِثُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الكَلِماتِ الخَمْسَةِ أنَّها هي الأرْواحُ، وذَلِكَ لِأنَّ نَفْسَ المَيِّتِ تَنْزِعُ، يُقالُ: فُلانٌ في النَّزْعِ، وفُلانٌ يَنْزِعُ إذا كانَ في سِياقِ المَوْتِ، والأنْفُسُ نازِعاتٌ عِنْدَ السِّياقِ، ومَعْنى (غَرْقًا) أيْ نَزْعًا شَدِيدًا أبْلَغَ ما يَكُونُ وأشَدَّ مِن إغْراقِ النّازِعِ في القَوْسِ، وكَذَلِكَ تَنْشِطُ لِأنَّ النَّشْطَ مَعْناهُ الخُرُوجُ، ثُمَّ الأرْواحُ البَشَرِيَّةُ الخالِيَةُ عَنِ العَلائِقِ الجُسْمانِيَّةِ المُشْتاقَةُ إلى الِاتِّصالِ العُلْوِيِّ بَعْدَ خُرُوجِها مِن ظُلْمَةِ الأجْسادِ تَذْهَبُ إلى عالَمِ المَلائِكَةِ، ومَنازِلِ القُدْسِ عَلى أسْرَعِ الوُجُوهِ في رَوْحٍ ورَيْحانٍ، فَعَبَّرَ عَنْ ذَهابِها عَلى هَذِهِ الحالَةِ بِالسِّباحَةِ، ثُمَّ لا شَكَّ أنَّ مَراتِبَ الأرْواحِ في النَّفْرَةِ عَنِ الدُّنْيا ومَحَبَّةِ الِاتِّصالِ بِالعالَمِ العُلْوِيِّ مُخْتَلِفَةٌ، فَكُلَّما كانَتْ أتَمَّ في هَذِهِ الأحْوالِ كانَ سَيْرُها إلى هُناكَ أسْبَقَ، وكُلَّما كانَتْ أضْعَفَ كانَ سَيْرُها إلى هُناكَ أثْقَلَ، ولا شَكَّ أنَّ الأرْواحَ السّابِقَةَ إلى هَذِهِ الأحْوالِ أشْرَفُ، فَلا جَرَمَ وقَعَ القَسَمُ بِها، ثُمَّ إنَّ هَذِهِ الأرْواحَ الشَّرِيفَةَ العالِيَةَ لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ فِيها ما يَكُونُ لِقُوَّتِها وشَرَفِها يَظْهَرُ مِنها آثارٌ في أحْوالِ هَذا العالَمِ، فَهي ﴿فالمُدَبِّراتِ أمْرًا﴾ ألَيْسَ أنَّ الإنْسانَ قَدْ يَرى أُسْتاذَهُ في المَنامِ ويَسْألُهُ عَنْ مُشْكِلَةٍ فَيُرْشِدُهُ إلَيْها؟ ألَيْسَ أنَّ الِابْنَ قَدْ يَرى أباهُ في المَنامِ فَيَهْدِيهِ إلى كَنْزٍ مَدْفُونٍ؟ ألَيْسَ أنَّ جالِينُوسَ قالَ: كُنْتُ مَرِيضًا فَعَجَزْتُ عَنْ عِلاجِ نَفْسِي، فَرَأيْتُ في المَنامِ واحِدًا أرْشَدَنِي إلى كَيْفِيَّةِ العِلاجِ؟ ألَيْسَ أنَّ الغَزالِيَّ قالَ: إنَّ الأرْواحَ الشَّرِيفَةَ إذا فارَقَتْ أبْدانَها، ثُمَّ اتَّفَقَ إنْسانٌ مُشابِهٌ لِلْإنْسانِ الأوَّلِ في الرُّوحِ والبَدَنِ، فَإنَّهُ لا يَبْعُدُ أنْ يَحْصُلَ لِلنَّفْسِ المُفارِقَةِ تَعَلُّقٌ بِهَذا البَدَنِ حَتّى تَصِيرَ كالمُعاوِنَةِ لِلنَّفْسِ المُتَعَلِّقَةِ بِذَلِكَ البَدَنِ عَلى أعْمالِ الخَيْرِ فَتُسَمّى تِلْكَ المُعاوَنَةُ إلْهامًا؟ ونَظِيرُهُ في جانِبِ النُّفُوسِ الشِّرِّيرَةِ وسْوَسَةٌ، وهَذِهِ المَعانِي وإنْ لَمْ تَكُنْ مَنقُولَةً عَنِ المُفَسِّرِينَ إلّا أنَّ اللَّفْظَ
صفحة ٣٠
مُحْتَمِلٌ لَها جِدًّا.
الوَجْهُ الرّابِعُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الكَلِماتِ الخَمْسِ: أنَّها صِفاتُ خَيْلِ الغُزاةِ، فَهي نازِعاتٌ لِأنَّها تَنْزِعُ في أعِنَّتِها نَزْعًا تَغْرَقُ فِيهِ الأعِنَّةُ لِطُولِ أعْناقِها لِأنَّها عِرابٌ، وهي ناشِطاتٌ لِأنَّها تَخْرُجُ مِن دارِ الإسْلامِ إلى دارِ الحَرْبِ، مِن قَوْلِهِمْ: ثَوْرٌ ناشِطٌ إذا خَرَجَ مِن بَلَدٍ إلى بَلَدٍ، وهي سابِحاتٌ لِأنَّها تَسْبَحُ في جَرْيِها، وهي سابِقاتٌ لِأنَّها تَسْبِقُ إلى الغايَةِ، وهي مُدَبِّراتٌ لِأمْرِ الغَلَبَةِ والظَّفَرِ، وإسْنادُ التَّدْبِيرِ إلَيْها مَجازٌ؛ لِأنَّها مِن أسْبابِهِ.
* * *
الوَجْهُ الخامِسُ: وهو اخْتِيارُ أبِي مُسْلِمٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أنَّ هَذِهِ صِفاتُ الغُزاةِ، فالنّازِعاتُ أيْدِي الغُزاةِ، يُقالُ لِلرّامِي: نَزَعَ في قَوْسِهِ، ويُقالُ: أغْرَقَ في النَّزْعِ إذا اسْتَوْفى مَدَّ القَوْسِ، والنّاشِطاتُ السِّهامُ وهي خُرُوجُها عَنْ أيْدِي الرُّماةِ ونُفُوذُها، وكُلُّ شَيْءٍ حَلَلْتَهُ فَقَدْ نَشَّطْتَهُ، ومِنهُ نَشاطُ الرَّجُلِ وهو انْبِساطُهُ وخِفَّتُهُ، والسّابِحاتُ في هَذا المَوْضِعِ الخَيْلُ وسَبْحُها العَدْوُ، ويَجُوزُ أنْ يَعْنِيَ بِهِ الإبِلَ أيْضًا، والمُدَبِّراتُ مِثْلُ المُعَقِّباتِ، والمُرادُ أنَّهُ يَأْتِي في أدْبارِ هَذا الفِعْلِ الَّذِي هو نَزْعُ السِّهامِ وسَبْحُ الخَيْلِ وسَبْقُها الأمْرُ الَّذِي هو النَّصْرُ، ولَفْظُ التَّأْنِيثِ إنَّما كانَ لِأنَّ هَؤُلاءِ جَماعاتٌ، كَما قِيلَ: المُدَبِّراتُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ الآلَةَ مِنَ القَوْسِ والأوْهاقِ، عَلى مَعْنى المَنزُوعِ فِيها والمَنشُوطِ بِها.
الوَجْهُ السّادِسُ: أنَّهُ يُمْكِنُ تَفْسِيرُ هَذِهِ الكَلِماتِ بِالمَراتِبِ الواقِعَةِ في رُجُوعِ القَلْبِ مِن غَيْرِ اللَّهِ تَعالى إلى اللَّهِ ﴿والنّازِعاتِ غَرْقًا﴾ هي الأرْواحُ الَّتِي تَنْزِعُ إلى اعْتِلاقِ العُرْوَةِ الوُثْقى، أوِ المَنزُوعَةُ عَنْ مَحَبَّةِ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى، ﴿والنّاشِطاتِ نَشْطًا﴾ هي أنَّها بَعْدَ الرُّجُوعِ عَنِ الجُسْمانِيّاتِ تَأْخُذُ في المُجاهَدَةِ، والتَّخَلُّقِ بِأخْلاقِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى بِنَشاطٍ تامٍّ وقُوَّةٍ قَوِيَّةٍ. ﴿والسّابِحاتِ سَبْحًا﴾ ثُمَّ إنَّها بَعْدَ المُجاهَدَةِ تَسْرَحُ في أمْرِ المَلَكُوتِ فَتَقْطَعُ في تِلْكَ البِحارِ فَتَسْبَحُ فِيها. ﴿فالسّابِقاتِ سَبْقًا﴾ إشارَةٌ إلى تَفاوُتِ الأرْواحِ في دَرَجاتِ سَيْرِها إلى اللَّهِ تَعالى. ﴿فالمُدَبِّراتِ أمْرًا﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ آخِرَ مَراتِبِ البَشَرِيَّةِ مُتَّصِلَةٌ بِأوَّلِ دَرَجاتِ المَلَكِيَّةِ، فَلَمّا انْتَهَتِ الأرْواحُ البَشَرِيَّةُ إلى أقْصى غاياتِها وهي مَرْتَبَةُ السَّبْقِ اتَّصَلَتْ بِعالَمِ المَلائِكَةِ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فالمُدَبِّراتِ أمْرًا﴾، فالأرْبَعَةُ الأُوَلُ هي المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ﴾ [النُّورِ: ٣٥] . و(الخامِسَةُ) هي النّارُ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ﴾ [النُّورِ: ٣٥] .
واعْلَمْ أنَّ الوُجُوهَ المَنقُولَةَ عَنِ المُفَسِّرِينَ غَيْرُ مَنقُولَةٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- نَصًّا، حَتّى لا يُمْكِنَ الزِّيادَةُ عَلَيْها، بَلْ إنَّما ذَكَرُوها لِكَوْنِ اللَّفْظِ مُحْتَمِلًا لَها، فَإذا كانَ احْتِمالُ اللَّفْظِ لِما ذَكَرْناهُ لَيْسَ دُونَ احْتِمالِهِ لِلْوُجُوهِ الَّتِي ذَكَرُوها لَمْ يَكُنْ ما ذَكَرُوهُ أوْلى مِمّا ذَكَرْناهُ إلّا أنَّهُ لا بُدَّ هاهُنا مِن دَقِيقَةٍ، وهو أنَّ اللَّفْظَ مُحْتَمَلٌ لِلْكُلِّ، فَإنْ وجَدْنا بَيْنَ هَذِهِ المَعانِي مَفْهُومًا واحِدًا مُشْتَرَكًا حَمَلْنا اللَّفْظَ عَلى ذَلِكَ المُشْتَرَكِ؛ وحِينَئِذٍ يَنْدَرِجُ تَحْتَهُ جَمِيعُ هَذِهِ الوُجُوهِ. أمّا إذا لَمْ يَكُنْ بَيْنَ هَذِهِ المَفْهُوماتِ قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ تَعَذَّرَ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلى الكُلِّ؛ لِأنَّ اللَّفْظَ المُشْتَرَكَ لا يَجُوزُ اسْتِعْمالُهُ لِإفادَةِ مَفْهُومَيْهِ مَعًا، فَحِينَئِذٍ لا نَقُولُ: مُرادُ اللَّهِ تَعالى هَذا، بَلْ نَقُولُ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا هو المُرادَ، أمّا الجَزْمُ فَلا سَبِيلَ إلَيْهِ هاهُنا.
الِاحْتِمالُ الثّانِي: وهو أنْ [ لا ] تَكُونَ [ هَذِهِ ] الألْفاظُ الخَمْسَةُ صِفاتٍ لِشَيْءٍ واحِدٍ، بَلْ لِأشْياءَ مُخْتَلِفَةٍ، فَفِيهِ أيْضًا وُجُوهٌ:
(الأوَّلُ) النّازِعاتُ غَرْقًا، هي القِسِيُّ، والنّاشِطاتُ نَشْطًا هي الأوْهاقُ، والسّابِحاتُ السُّفُنُ، والسّابِقاتُ الخَيْلُ، والمُدَبِّراتُ المَلائِكَةُ، رَواهُ واصِلُ بْنُ السّائِبِ عَنْ عَطاءٍ.
(الثّانِي) نُقِلَ عَنْ مُجاهِدٍ في
صفحة ٣١
النّازِعاتِ والنّاشِطاتِ والسّابِحاتِ أنَّها المَوْتُ، وفي السّابِقاتِ والمُدَبِّراتِ أنَّها المَلائِكَةُ، وإضافَةُ النَّزْعِ والنَّشْطِ والسَّبْحِ إلى المَوْتِ مَجازٌ بِمَعْنى أنَّها حَصَلَتْ عِنْدَ حُصُولِهِ.
* * *
(الثّالِثُ) قالَ قَتادَةُ: الجَمِيعُ هي النُّجُومُ إلّا المُدَبِّراتِ، فَإنَّها هي المَلائِكَةُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرَ ﴿فالسّابِقاتِ﴾ بِالفاءِ، والَّتِي قَبْلَها بِالواوِ، وفي عِلَّتِهِ وجْهانِ:
(الأوَّلُ) قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: إنَّ هَذِهِ مُسَبَّبَةٌ عَنِ الَّتِي قَبْلَها، كَأنَّهُ قِيلَ: واللّاتِي سَبَحْنَ فَسَبَقْنَ كَما تَقُولُ: قامَ فَذَهَبَ، أوْجَبَ الفاءُ أنَّ القِيامَ كانَ سَبَبًا لِلذَّهابِ، ولَوْ قُلْتَ: قامَ وذَهَبَ لَمْ تَجْعَلِ القِيامَ سَبَبًا لِلذَّهابِ، قالَ الواحِدِيُّ: قَوْلُ صاحِبِ النَّظْمِ غَيْرُ مُطَّرِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فالمُدَبِّراتِ أمْرًا﴾؛ لِأنَّهُ يَبْعُدُ أنْ يَجْعَلَ السَّبْقَ سَبَبًا لِلتَّدْبِيرِ، وأقُولُ: يُمْكِنُ الجَوابُ عَنِ اعْتِراضِ الواحِدِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مِن وجْهَيْنِ:
(الأوَّلُ) لا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: إنَّها لَمّا أُمِرَتْ سَبَحَتْ فَسَبَقَتْ فَدَبَّرَتْ ما أُمِرَتْ بِتَدْبِيرِها وإصْلاحِها، فَتَكُونُ هَذِهِ أفْعالًا يَتَّصِلُ بَعْضُها بِبَعْضٍ، كَقَوْلِكَ: قامَ زَيْدٌ، فَذَهَبَ، فَضَرَبَ عَمْرًا.
(الثّانِي) لا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: إنَّهم لَمّا كانُوا سابِقِينَ في أداءِ الطّاعاتِ مُتَسارِعِينَ إلَيْها ظَهَرَتْ أمانَتُهُمْ، فَلِهَذا السَّبَبِ فَوَّضَ اللَّهُ إلَيْهِمْ تَدْبِيرَ بَعْضِ العالَمِ.
(الوَجْهُ الثّانِي) أنَّ المَلائِكَةَ قِسْمانِ: الرُّؤَساءُ والتَّلامِذَةُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى قالَ: ﴿قُلْ يَتَوَفّاكم مَلَكُ المَوْتِ﴾ [السَّجْدَةِ: ١١] ثُمَّ قالَ: ﴿حَتّى إذا جاءَ أحَدَكُمُ المَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا﴾ [الأنْعامِ: ٦١] فَقُلْنا في التَّوْفِيقِ بَيْنَ الآيَتَيْنِ: إنَّ مَلَكَ المَوْتِ هو الرَّأْسُ، والرَّئِيسُ وسائِرُ المَلائِكَةِ هُمُ التَّلامِذَةُ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: النّازِعاتُ والنّاشِطاتُ والسّابِحاتُ مَحْمُولَةٌ عَلى التَّلامِذَةِ الَّذِينَ هم يُباشِرُونَ العَمَلَ بِأنْفُسِهِمْ، ثُمَّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فالسّابِقاتِ﴾ . . ﴿فالمُدَبِّراتِ﴾ إشارَةٌ إلى الرُّؤَساءِ الَّذِينَ هُمُ السّابِقُونَ في الدَّرَجَةِ والشَّرَفِ، وهُمُ المُدَبِّرُونَ لِتِلْكَ الأحْوالِ والأعْمالِ.
النازعات 79:6
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرّاجِفَةُ﴾ ﴿تَتْبَعُها الرّادِفَةُ﴾ ﴿قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ﴾ ﴿أبْصارُها خاشِعَةٌ﴾ فِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: جَوابُ القَسَمِ المُتَقَدِّمِ مَحْذُوفٌ أوْ مَذْكُورٌ؟ فِيهِ وجْهانِ:
(الأوَّلُ) أنَّهُ مَحْذُوفٌ، ثُمَّ عَلى هَذا الوَجْهِ في الآيَةِ احْتِمالاتٌ:
الأوَّلُ: قالَ الفَرّاءُ التَّقْدِيرُ: لَتُبْعَثُنَّ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ ما حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ، أنَّهم قالُوا: ﴿أئِذا كُنّا عِظامًا نَخِرَةً﴾ أيْ: أنُبْعَثُ إذا صِرْنا عِظامًا نَخِرَةً.
(الثّانِي) قالَ الأخْفَشُ والزَّجّاجُ: لَنَنْفُخَنَّ في الصُّورِ نَفْخَتَيْنِ، ودَلَّ عَلى هَذا المَحْذُوفِ ذِكْرُ الرّاجِفَةِ والرّادِفَةِ وهُما النَّفْخَتانِ.
(الثّالِثُ) قالَ الكِسائِيُّ: الجَوابُ المُضْمَرُ هو أنَّ القِيامَةَ واقِعَةٌ، وذَلِكَ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى قالَ: ﴿والذّارِياتِ ذَرْوًا﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّما تُوعَدُونَ لَصادِقٌ﴾ [الذّارِياتِ: ٥] وقالَ: ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ . .﴿إنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ﴾ [المُرْسَلاتِ: ٧،١] فَكَذَلِكَ هاهُنا، فَإنَّ القُرْآنَ كالسُّورَةِ الواحِدَةِ. (القَوْلُ الثّانِي) أنَّ الجَوابَ مَذْكُورٌ، وعَلى هَذا القَوْلِ احْتِمالاتٌ:
(الأوَّلُ) المُقْسَمُ عَلَيْهِ هو قَوْلُهُ: ﴿قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ﴾ ﴿أبْصارُها خاشِعَةٌ﴾ والتَّقْدِيرُ: والنّازِعاتِ غَرْقًا إنَّ يَوْمَ تَرْجُفُ الرّاجِفَةُ تَحْصُلُ قُلُوبٌ واجِفَةٌ وأبْصارُها خاشِعَةٌ.
(الثّانِي) جَوابُ القَسَمِ هو قَوْلُهُ: ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ مُوسى﴾ [النّازِعاتِ: ١٥] فَإنَّ هَلْ
صفحة ٣٢
هاهُنا بِمَعْنى قَدْ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الغاشِيَةِ﴾ [الغاشِيَةِ: ١] أيْ قَدْ أتاكَ حَدِيثُ الغاشِيَةِ.
(الثّالِثُ) جَوابُ القَسَمِ هو قَوْلُهُ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَن يَخْشى﴾ [النّازِعاتِ: ٢٦] .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرُوا في ناصِبِ (يَوْمَ) بِوَجْهَيْنِ:
(أحَدُهُما) أنَّهُ مَنصُوبٌ بِالجَوابِ المُضْمَرِ والتَّقْدِيرُ: لَتُبْعَثُنَّ يَوْمَ تَرْجُفُ الرّاجِفَةُ، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَصِحُّ هَذا مَعَ أنَّهم لا يُبْعَثُونَ عِنْدَ النَّفْخَةِ الأُولى والرّاجِفَةُ هي النَّفْخَةُ الأُولى؟ قُلْنا: المَعْنى لَتُبْعَثُنَّ في الوَقْتِ الواسِعِ الَّذِي يَحْصُلُ فِيهِ النَّفْخَتانِ، ولا شَكَّ أنَّهم يُبْعَثُونَ في بَعْضِ ذَلِكَ الوَقْتِ الواسِعِ وهو وقْتُ النَّفْخَةِ الأُخْرى، ويَدُلُّ عَلى ما قُلْناهُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿تَتْبَعُها الرّادِفَةُ﴾ جُعِلَ حالًا عَنِ الرّاجِفَةِ.
(والثّانِي): أنْ يُنْصَبَ (يَوْمَ تَرْجُفُ) بِما دَلَّ عَلَيْهِ ﴿قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ﴾ أيْ: يَوْمَ تَرْجُفُ وجَفَتِ القُلُوبُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الرَّجْفَةُ في اللُّغَةِ تَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:
(أحَدُهُما) الحَرَكَةُ لِقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الأرْضُ والجِبالُ﴾ [ المُزَّمِّلِ: ١٤] .
(الثّانِي) الهَدَّةُ المُنْكَرَةُ والصَّوْتُ الهائِلُ مِن قَوْلِهِمْ: رَجَفَ الرَّعْدُ يَرْجُفُ رَجْفًا ورَجِيفًا، وذَلِكَ تَرَدُّدُ أصْواتِهِ المُنْكَرَةِ وهَدْهَدَتُهُ في السَّحابِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ فَعَلى هَذا الوَجْهِ الرّاجِفَةُ صَيْحَةٌ عَظِيمَةٌ فِيها هَوْلٌ وشِدَّةٌ كالرَّعْدِ، وأمّا الرّادِفَةُ فَكُلُّ شَيْءٍ جاءَ بَعْدَ شَيْءٍ آخَرَ يُقالُ: رَدِفَهُ، أيْ: جاءَ بَعْدَهُ، وأمّا القُلُوبُ الواجِفَةُ فَهي المُضْطَرِبَةُ الخائِفَةُ، يُقالُ: وجَفَ قَلْبُهُ يَجِفُ وِجافًا إذا اضْطَرَبَ، ومِنهُ إيجافُ الدّابَّةِ، وحَمْلُها عَلى السَّيْرِ الشَّدِيدِ، ولِلْمُفَسِّرِينَ عِباراتٌ كَثِيرَةٌ في تَفْسِيرِ الواجِفَةِ ومَعْناها واحِدٌ، قالُوا: خائِفَةٌ وجِلَةٌ زائِدَةٌ عَنْ أماكِنِها قَلِقَةٌ مُسْتَوْفِزَةٌ مُرْتَكِضَةٌ شَدِيدَةُ الِاضْطِرابِ غَيْرُ ساكِنَةٍ، أبْصارُ أهْلِها خاشِعَةٌ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ [الشُّورى: ٤٥] إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: اتَّفَقَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ هَذِهِ الأُمُورَ أحْوالُ يَوْمِ القِيامَةِ، وزَعَمَ أبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ أنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ، ونَحْنُ نَذْكُرُ تَفاسِيرَ المُفَسِّرِينَ ثُمَّ نَشْرَحُ قَوْلَ أبِي مُسْلِمٍ.
أمّا القَوْلُ الأوَّلُ: وهو المَشْهُورُ بَيْنَ الجُمْهُورِ، أنَّ هَذِهِ الأحْوالَ أحْوالُ يَوْمِ القِيامَةِ فَهَؤُلاءِ ذَكَرُوا وُجُوهًا:
(أحَدُها) أنَّ الرّاجِفَةَ هي النَّفْخَةُ الأُولى، وسُمِّيَتْ بِهِ إمّا لِأنَّ الدُّنْيا تَتَزَلْزَلُ وتَضْطَرِبُ عِنْدَها، وإمّا لِأنَّ صَوْتَ تِلْكَ النَّفْخَةِ هي الرّاجِفَةُ، كَما بَيَّنّا القَوْلَ فِيهِ، والرّاجِفَةُ رَجْفَةٌ أُخْرى تَتْبَعُ الأُولى، فَتَضْطَرِبُ الأرْضُ لِإحْياءِ المَوْتى كَما اضْطَرَبَتْ في الأُولى لِمَوْتِ الأحْياءِ عَلى ما ذَكَرَهُ تَعالى في سُورَةِ الزُّمَرِ، ثُمَّ يُرْوى عَنِ الرَّسُولِ -ﷺ- أنَّ بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ أرْبَعِينَ عامًا، ويُرْوى في هَذِهِ الأرْبَعِينَ يُمْطِرُ اللَّهُ الأرْضَ ويَصِيرُ ذَلِكَ الماءُ عَلَيْها كالنُّطَفِ، وأنَّ ذَلِكَ كالسَّبَبِ لِلْأحْياءِ، وهَذا مِمّا لا حاجَةَ إلَيْهِ في الإعادَةِ، ولِلَّهِ أنْ يَفْعَلَ ما يَشاءُ ويَحْكُمَ ما يُرِيدُ.
(وثانِيها) الرّاجِفَةُ هي النَّفْخَةُ الأُولى والرّادِفَةُ هي قِيامُ السّاعَةِ مِن قَوْلِهِ: ﴿عَسى أنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكم بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ [النَّمْلِ: ٧٢]، أيِ القِيامَةُ الَّتِي يَسْتَعْجِلُها الكَفَرَةُ اسْتِبْعادًا لَها، فَهي رادِفَةٌ لَهم لِاقْتِرابِها.
(وثالِثُها) الرّاجِفَةُ الأرْضُ والجِبالُ مِن قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الأرْضُ والجِبالُ﴾ والرّادِفَةُ السَّماءُ والكَواكِبُ لِأنَّها تَنْشَقُّ وتَنْتَثِرُ كَواكِبُها عَلى أثَرِ ذَلِكَ.
(ورابِعُها) الرّاجِفَةُ هي الأرْضُ تَتَحَرَّكُ وتَتَزَلْزَلُ، والرّادِفَةُ زَلْزَلَةٌ ثانِيَةٌ تَتْبَعُ الأُولى حَتّى تَنْقَطِعَ الأرْضُ وتَفْنى.
(القَوْلُ الثّانِي) وهو قَوْلُ أبِي مُسْلِمٍ أنَّ هَذِهِ الأحْوالَ لَيْسَتْ أحْوالَ يَوْمِ القِيامَةِ، وذَلِكَ لِأنّا نَقَلْنا عَنْهُ أنَّهُ فَسَّرَ النّازِعاتِ بِنَزْعِ القَوْسِ، والنّاشِطاتِ بِخُرُوجِ السَّهْمِ، والسّابِحاتِ بِعَدْوِ الفَرَسِ، والسّابِقاتِ بِسَبْقِها، والمُدَبِّراتِ بِالأُمُورِ الَّتِي تَحْصُلُ أدْبارَ ذَلِكَ الرَّمْيِ والعَدْوِ، ثُمَّ بَنى عَلى ذَلِكَ فَقالَ: الرّاجِفَةُ هي خَيْلُ المُشْرِكِينَ وكَذَلِكَ الرّادِفَةُ، ويُرادُ بِذَلِكَ طائِفَتانِ مِنَ المُشْرِكِينَ غَزَوْا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-
صفحة ٣٣
فَسَبَقَتْ إحْداهُما الأُخْرى، والقُلُوبُ الواجِفَةُ هي القَلِقَةُ، والأبْصارُ الخاشِعَةُ هي أبْصارُ المُنافِقِينَ كَقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إلَيْكَ نَظَرَ المَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ المَوْتِ﴾ [مُحَمَّدٍ: ٢٠] كَأنَّهُ قِيلَ: لَمّا جاءَ خَيْلُ العَدُوِّ تَرْجُفُ ورَدَفَتْها أُخْتُها اضْطَرَبَ قُلُوبُ المُنافِقِينَ خَوْفًا، وخَشَعَتْ أبْصارُهم جُبْنًا وضَعْفًا، ثُمَّ قالُوا: ﴿أئِنّا لَمَرْدُودُونَ في الحافِرَةِ﴾ أيْ نَرْجِعُ إلى الدُّنْيا حَتّى نَتَحَمَّلَ هَذا الخَوْفَ لِأجْلِها. وقالُوا أيْضًا: ﴿تِلْكَ إذًا كَرَّةٌ خاسِرَةٌ﴾ [النّازِعاتِ: ١٢] فَأوَّلُ هَذا الكَلامِ حِكايَةٌ لِحالِ مَن غَزا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- مِنَ المُشْرِكِينَ، وأوْسَطُهُ حِكايَةٌ لِحالِ المُنافِقِينَ، وآخِرُهُ حِكايَةٌ لِكَلامِ المُنافِقِينَ في إنْكارِ الحَشْرِ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أجابَ عَنْ كَلامِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإنَّما هي زَجْرَةٌ واحِدَةٌ﴾ ﴿فَإذا هم بِالسّاهِرَةِ﴾ وهَذا كَلامُ أبِي مُسْلِمٍ، واللَّفْظُ مُحْتَمِلٌ لَهُ، وإنْ كانَ عَلى خِلافِ قَوْلِ الجُمْهُورِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ﴾ ﴿أبْصارُها خاشِعَةٌ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمْ يَقُلِ: القُلُوبُ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ، فَإنَّهُ ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ أنَّ أهْلَ الإيمانِ لا يَخافُونَ، بَلِ المُرادُ مِنهُ قُلُوبُ الكُفّارِ، ومِمّا يُؤَكِّدُ ذَلِكَ أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهم أنَّهم يَقُولُونَ: ﴿أئِنّا لَمَرْدُودُونَ في الحافِرَةِ﴾ وهَذا كَلامُ الكُفّارِ لا كَلامُ المُؤْمِنِينَ، وقَوْلُهُ: ﴿أبْصارُها خاشِعَةٌ﴾ لِأنَّ المَعْلُومَ مِن حالِ المُضْطَرِبِ الخائِفِ أنْ يَكُونَ نَظَرُهُ نَظَرَ خاشِعٍ ذَلِيلٍ خاضِعٍ يَتَرَقَّبُ ما يَنْزِلُ بِهِ مِنَ الأمْرِ العَظِيمِ، وفي الآيَةِ سُؤالانِ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: كَيْفَ جازَ الِابْتِداءُ بِالنَّكِرَةِ؟ (الجَوابُ) (قُلُوبٌ) مَرْفُوعَةٌ بِالِابْتِداءِ و(واجِفَةٌ) صِفَتُها و(أبْصارُها خاشِعَةٌ) خَبَرُها، فَهو كَقَوْلِهِ: ﴿ولَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِن مُشْرِكٍ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٢١] .
السُّؤالُ الثّانِي: كَيْفَ صَحَّتْ إضافَةُ الأبْصارِ إلى القُلُوبِ؟ (الجَوابُ) مَعْناهُ أبْصارُ أصْحابِها بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: (يَقُولُونَ)، ثُمَّ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى حَكى هاهُنا عَنْ مُنْكِرِي البَعْثِ أقْوالًا ثَلاثَةً:
النازعات 79:7
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرّاجِفَةُ﴾ ﴿تَتْبَعُها الرّادِفَةُ﴾ ﴿قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ﴾ ﴿أبْصارُها خاشِعَةٌ﴾ فِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: جَوابُ القَسَمِ المُتَقَدِّمِ مَحْذُوفٌ أوْ مَذْكُورٌ؟ فِيهِ وجْهانِ:
(الأوَّلُ) أنَّهُ مَحْذُوفٌ، ثُمَّ عَلى هَذا الوَجْهِ في الآيَةِ احْتِمالاتٌ:
الأوَّلُ: قالَ الفَرّاءُ التَّقْدِيرُ: لَتُبْعَثُنَّ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ ما حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ، أنَّهم قالُوا: ﴿أئِذا كُنّا عِظامًا نَخِرَةً﴾ أيْ: أنُبْعَثُ إذا صِرْنا عِظامًا نَخِرَةً.
(الثّانِي) قالَ الأخْفَشُ والزَّجّاجُ: لَنَنْفُخَنَّ في الصُّورِ نَفْخَتَيْنِ، ودَلَّ عَلى هَذا المَحْذُوفِ ذِكْرُ الرّاجِفَةِ والرّادِفَةِ وهُما النَّفْخَتانِ.
(الثّالِثُ) قالَ الكِسائِيُّ: الجَوابُ المُضْمَرُ هو أنَّ القِيامَةَ واقِعَةٌ، وذَلِكَ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى قالَ: ﴿والذّارِياتِ ذَرْوًا﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّما تُوعَدُونَ لَصادِقٌ﴾ [الذّارِياتِ: ٥] وقالَ: ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ . .﴿إنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ﴾ [المُرْسَلاتِ: ٧،١] فَكَذَلِكَ هاهُنا، فَإنَّ القُرْآنَ كالسُّورَةِ الواحِدَةِ. (القَوْلُ الثّانِي) أنَّ الجَوابَ مَذْكُورٌ، وعَلى هَذا القَوْلِ احْتِمالاتٌ:
(الأوَّلُ) المُقْسَمُ عَلَيْهِ هو قَوْلُهُ: ﴿قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ﴾ ﴿أبْصارُها خاشِعَةٌ﴾ والتَّقْدِيرُ: والنّازِعاتِ غَرْقًا إنَّ يَوْمَ تَرْجُفُ الرّاجِفَةُ تَحْصُلُ قُلُوبٌ واجِفَةٌ وأبْصارُها خاشِعَةٌ.
(الثّانِي) جَوابُ القَسَمِ هو قَوْلُهُ: ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ مُوسى﴾ [النّازِعاتِ: ١٥] فَإنَّ هَلْ
صفحة ٣٢
هاهُنا بِمَعْنى قَدْ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الغاشِيَةِ﴾ [الغاشِيَةِ: ١] أيْ قَدْ أتاكَ حَدِيثُ الغاشِيَةِ.
(الثّالِثُ) جَوابُ القَسَمِ هو قَوْلُهُ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَن يَخْشى﴾ [النّازِعاتِ: ٢٦] .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرُوا في ناصِبِ (يَوْمَ) بِوَجْهَيْنِ:
(أحَدُهُما) أنَّهُ مَنصُوبٌ بِالجَوابِ المُضْمَرِ والتَّقْدِيرُ: لَتُبْعَثُنَّ يَوْمَ تَرْجُفُ الرّاجِفَةُ، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَصِحُّ هَذا مَعَ أنَّهم لا يُبْعَثُونَ عِنْدَ النَّفْخَةِ الأُولى والرّاجِفَةُ هي النَّفْخَةُ الأُولى؟ قُلْنا: المَعْنى لَتُبْعَثُنَّ في الوَقْتِ الواسِعِ الَّذِي يَحْصُلُ فِيهِ النَّفْخَتانِ، ولا شَكَّ أنَّهم يُبْعَثُونَ في بَعْضِ ذَلِكَ الوَقْتِ الواسِعِ وهو وقْتُ النَّفْخَةِ الأُخْرى، ويَدُلُّ عَلى ما قُلْناهُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿تَتْبَعُها الرّادِفَةُ﴾ جُعِلَ حالًا عَنِ الرّاجِفَةِ.
(والثّانِي): أنْ يُنْصَبَ (يَوْمَ تَرْجُفُ) بِما دَلَّ عَلَيْهِ ﴿قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ﴾ أيْ: يَوْمَ تَرْجُفُ وجَفَتِ القُلُوبُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الرَّجْفَةُ في اللُّغَةِ تَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:
(أحَدُهُما) الحَرَكَةُ لِقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الأرْضُ والجِبالُ﴾ [ المُزَّمِّلِ: ١٤] .
(الثّانِي) الهَدَّةُ المُنْكَرَةُ والصَّوْتُ الهائِلُ مِن قَوْلِهِمْ: رَجَفَ الرَّعْدُ يَرْجُفُ رَجْفًا ورَجِيفًا، وذَلِكَ تَرَدُّدُ أصْواتِهِ المُنْكَرَةِ وهَدْهَدَتُهُ في السَّحابِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ فَعَلى هَذا الوَجْهِ الرّاجِفَةُ صَيْحَةٌ عَظِيمَةٌ فِيها هَوْلٌ وشِدَّةٌ كالرَّعْدِ، وأمّا الرّادِفَةُ فَكُلُّ شَيْءٍ جاءَ بَعْدَ شَيْءٍ آخَرَ يُقالُ: رَدِفَهُ، أيْ: جاءَ بَعْدَهُ، وأمّا القُلُوبُ الواجِفَةُ فَهي المُضْطَرِبَةُ الخائِفَةُ، يُقالُ: وجَفَ قَلْبُهُ يَجِفُ وِجافًا إذا اضْطَرَبَ، ومِنهُ إيجافُ الدّابَّةِ، وحَمْلُها عَلى السَّيْرِ الشَّدِيدِ، ولِلْمُفَسِّرِينَ عِباراتٌ كَثِيرَةٌ في تَفْسِيرِ الواجِفَةِ ومَعْناها واحِدٌ، قالُوا: خائِفَةٌ وجِلَةٌ زائِدَةٌ عَنْ أماكِنِها قَلِقَةٌ مُسْتَوْفِزَةٌ مُرْتَكِضَةٌ شَدِيدَةُ الِاضْطِرابِ غَيْرُ ساكِنَةٍ، أبْصارُ أهْلِها خاشِعَةٌ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ [الشُّورى: ٤٥] إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: اتَّفَقَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ هَذِهِ الأُمُورَ أحْوالُ يَوْمِ القِيامَةِ، وزَعَمَ أبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ أنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ، ونَحْنُ نَذْكُرُ تَفاسِيرَ المُفَسِّرِينَ ثُمَّ نَشْرَحُ قَوْلَ أبِي مُسْلِمٍ.
أمّا القَوْلُ الأوَّلُ: وهو المَشْهُورُ بَيْنَ الجُمْهُورِ، أنَّ هَذِهِ الأحْوالَ أحْوالُ يَوْمِ القِيامَةِ فَهَؤُلاءِ ذَكَرُوا وُجُوهًا:
(أحَدُها) أنَّ الرّاجِفَةَ هي النَّفْخَةُ الأُولى، وسُمِّيَتْ بِهِ إمّا لِأنَّ الدُّنْيا تَتَزَلْزَلُ وتَضْطَرِبُ عِنْدَها، وإمّا لِأنَّ صَوْتَ تِلْكَ النَّفْخَةِ هي الرّاجِفَةُ، كَما بَيَّنّا القَوْلَ فِيهِ، والرّاجِفَةُ رَجْفَةٌ أُخْرى تَتْبَعُ الأُولى، فَتَضْطَرِبُ الأرْضُ لِإحْياءِ المَوْتى كَما اضْطَرَبَتْ في الأُولى لِمَوْتِ الأحْياءِ عَلى ما ذَكَرَهُ تَعالى في سُورَةِ الزُّمَرِ، ثُمَّ يُرْوى عَنِ الرَّسُولِ -ﷺ- أنَّ بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ أرْبَعِينَ عامًا، ويُرْوى في هَذِهِ الأرْبَعِينَ يُمْطِرُ اللَّهُ الأرْضَ ويَصِيرُ ذَلِكَ الماءُ عَلَيْها كالنُّطَفِ، وأنَّ ذَلِكَ كالسَّبَبِ لِلْأحْياءِ، وهَذا مِمّا لا حاجَةَ إلَيْهِ في الإعادَةِ، ولِلَّهِ أنْ يَفْعَلَ ما يَشاءُ ويَحْكُمَ ما يُرِيدُ.
(وثانِيها) الرّاجِفَةُ هي النَّفْخَةُ الأُولى والرّادِفَةُ هي قِيامُ السّاعَةِ مِن قَوْلِهِ: ﴿عَسى أنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكم بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ [النَّمْلِ: ٧٢]، أيِ القِيامَةُ الَّتِي يَسْتَعْجِلُها الكَفَرَةُ اسْتِبْعادًا لَها، فَهي رادِفَةٌ لَهم لِاقْتِرابِها.
(وثالِثُها) الرّاجِفَةُ الأرْضُ والجِبالُ مِن قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الأرْضُ والجِبالُ﴾ والرّادِفَةُ السَّماءُ والكَواكِبُ لِأنَّها تَنْشَقُّ وتَنْتَثِرُ كَواكِبُها عَلى أثَرِ ذَلِكَ.
(ورابِعُها) الرّاجِفَةُ هي الأرْضُ تَتَحَرَّكُ وتَتَزَلْزَلُ، والرّادِفَةُ زَلْزَلَةٌ ثانِيَةٌ تَتْبَعُ الأُولى حَتّى تَنْقَطِعَ الأرْضُ وتَفْنى.
(القَوْلُ الثّانِي) وهو قَوْلُ أبِي مُسْلِمٍ أنَّ هَذِهِ الأحْوالَ لَيْسَتْ أحْوالَ يَوْمِ القِيامَةِ، وذَلِكَ لِأنّا نَقَلْنا عَنْهُ أنَّهُ فَسَّرَ النّازِعاتِ بِنَزْعِ القَوْسِ، والنّاشِطاتِ بِخُرُوجِ السَّهْمِ، والسّابِحاتِ بِعَدْوِ الفَرَسِ، والسّابِقاتِ بِسَبْقِها، والمُدَبِّراتِ بِالأُمُورِ الَّتِي تَحْصُلُ أدْبارَ ذَلِكَ الرَّمْيِ والعَدْوِ، ثُمَّ بَنى عَلى ذَلِكَ فَقالَ: الرّاجِفَةُ هي خَيْلُ المُشْرِكِينَ وكَذَلِكَ الرّادِفَةُ، ويُرادُ بِذَلِكَ طائِفَتانِ مِنَ المُشْرِكِينَ غَزَوْا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-
صفحة ٣٣
فَسَبَقَتْ إحْداهُما الأُخْرى، والقُلُوبُ الواجِفَةُ هي القَلِقَةُ، والأبْصارُ الخاشِعَةُ هي أبْصارُ المُنافِقِينَ كَقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إلَيْكَ نَظَرَ المَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ المَوْتِ﴾ [مُحَمَّدٍ: ٢٠] كَأنَّهُ قِيلَ: لَمّا جاءَ خَيْلُ العَدُوِّ تَرْجُفُ ورَدَفَتْها أُخْتُها اضْطَرَبَ قُلُوبُ المُنافِقِينَ خَوْفًا، وخَشَعَتْ أبْصارُهم جُبْنًا وضَعْفًا، ثُمَّ قالُوا: ﴿أئِنّا لَمَرْدُودُونَ في الحافِرَةِ﴾ أيْ نَرْجِعُ إلى الدُّنْيا حَتّى نَتَحَمَّلَ هَذا الخَوْفَ لِأجْلِها. وقالُوا أيْضًا: ﴿تِلْكَ إذًا كَرَّةٌ خاسِرَةٌ﴾ [النّازِعاتِ: ١٢] فَأوَّلُ هَذا الكَلامِ حِكايَةٌ لِحالِ مَن غَزا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- مِنَ المُشْرِكِينَ، وأوْسَطُهُ حِكايَةٌ لِحالِ المُنافِقِينَ، وآخِرُهُ حِكايَةٌ لِكَلامِ المُنافِقِينَ في إنْكارِ الحَشْرِ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أجابَ عَنْ كَلامِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإنَّما هي زَجْرَةٌ واحِدَةٌ﴾ ﴿فَإذا هم بِالسّاهِرَةِ﴾ وهَذا كَلامُ أبِي مُسْلِمٍ، واللَّفْظُ مُحْتَمِلٌ لَهُ، وإنْ كانَ عَلى خِلافِ قَوْلِ الجُمْهُورِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ﴾ ﴿أبْصارُها خاشِعَةٌ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمْ يَقُلِ: القُلُوبُ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ، فَإنَّهُ ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ أنَّ أهْلَ الإيمانِ لا يَخافُونَ، بَلِ المُرادُ مِنهُ قُلُوبُ الكُفّارِ، ومِمّا يُؤَكِّدُ ذَلِكَ أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهم أنَّهم يَقُولُونَ: ﴿أئِنّا لَمَرْدُودُونَ في الحافِرَةِ﴾ وهَذا كَلامُ الكُفّارِ لا كَلامُ المُؤْمِنِينَ، وقَوْلُهُ: ﴿أبْصارُها خاشِعَةٌ﴾ لِأنَّ المَعْلُومَ مِن حالِ المُضْطَرِبِ الخائِفِ أنْ يَكُونَ نَظَرُهُ نَظَرَ خاشِعٍ ذَلِيلٍ خاضِعٍ يَتَرَقَّبُ ما يَنْزِلُ بِهِ مِنَ الأمْرِ العَظِيمِ، وفي الآيَةِ سُؤالانِ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: كَيْفَ جازَ الِابْتِداءُ بِالنَّكِرَةِ؟ (الجَوابُ) (قُلُوبٌ) مَرْفُوعَةٌ بِالِابْتِداءِ و(واجِفَةٌ) صِفَتُها و(أبْصارُها خاشِعَةٌ) خَبَرُها، فَهو كَقَوْلِهِ: ﴿ولَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِن مُشْرِكٍ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٢١] .
السُّؤالُ الثّانِي: كَيْفَ صَحَّتْ إضافَةُ الأبْصارِ إلى القُلُوبِ؟ (الجَوابُ) مَعْناهُ أبْصارُ أصْحابِها بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: (يَقُولُونَ)، ثُمَّ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى حَكى هاهُنا عَنْ مُنْكِرِي البَعْثِ أقْوالًا ثَلاثَةً:
النازعات 79:8
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرّاجِفَةُ﴾ ﴿تَتْبَعُها الرّادِفَةُ﴾ ﴿قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ﴾ ﴿أبْصارُها خاشِعَةٌ﴾ فِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: جَوابُ القَسَمِ المُتَقَدِّمِ مَحْذُوفٌ أوْ مَذْكُورٌ؟ فِيهِ وجْهانِ:
(الأوَّلُ) أنَّهُ مَحْذُوفٌ، ثُمَّ عَلى هَذا الوَجْهِ في الآيَةِ احْتِمالاتٌ:
الأوَّلُ: قالَ الفَرّاءُ التَّقْدِيرُ: لَتُبْعَثُنَّ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ ما حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ، أنَّهم قالُوا: ﴿أئِذا كُنّا عِظامًا نَخِرَةً﴾ أيْ: أنُبْعَثُ إذا صِرْنا عِظامًا نَخِرَةً.
(الثّانِي) قالَ الأخْفَشُ والزَّجّاجُ: لَنَنْفُخَنَّ في الصُّورِ نَفْخَتَيْنِ، ودَلَّ عَلى هَذا المَحْذُوفِ ذِكْرُ الرّاجِفَةِ والرّادِفَةِ وهُما النَّفْخَتانِ.
(الثّالِثُ) قالَ الكِسائِيُّ: الجَوابُ المُضْمَرُ هو أنَّ القِيامَةَ واقِعَةٌ، وذَلِكَ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى قالَ: ﴿والذّارِياتِ ذَرْوًا﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّما تُوعَدُونَ لَصادِقٌ﴾ [الذّارِياتِ: ٥] وقالَ: ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ . .﴿إنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ﴾ [المُرْسَلاتِ: ٧،١] فَكَذَلِكَ هاهُنا، فَإنَّ القُرْآنَ كالسُّورَةِ الواحِدَةِ. (القَوْلُ الثّانِي) أنَّ الجَوابَ مَذْكُورٌ، وعَلى هَذا القَوْلِ احْتِمالاتٌ:
(الأوَّلُ) المُقْسَمُ عَلَيْهِ هو قَوْلُهُ: ﴿قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ﴾ ﴿أبْصارُها خاشِعَةٌ﴾ والتَّقْدِيرُ: والنّازِعاتِ غَرْقًا إنَّ يَوْمَ تَرْجُفُ الرّاجِفَةُ تَحْصُلُ قُلُوبٌ واجِفَةٌ وأبْصارُها خاشِعَةٌ.
(الثّانِي) جَوابُ القَسَمِ هو قَوْلُهُ: ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ مُوسى﴾ [النّازِعاتِ: ١٥] فَإنَّ هَلْ
صفحة ٣٢
هاهُنا بِمَعْنى قَدْ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الغاشِيَةِ﴾ [الغاشِيَةِ: ١] أيْ قَدْ أتاكَ حَدِيثُ الغاشِيَةِ.
(الثّالِثُ) جَوابُ القَسَمِ هو قَوْلُهُ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَن يَخْشى﴾ [النّازِعاتِ: ٢٦] .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرُوا في ناصِبِ (يَوْمَ) بِوَجْهَيْنِ:
(أحَدُهُما) أنَّهُ مَنصُوبٌ بِالجَوابِ المُضْمَرِ والتَّقْدِيرُ: لَتُبْعَثُنَّ يَوْمَ تَرْجُفُ الرّاجِفَةُ، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَصِحُّ هَذا مَعَ أنَّهم لا يُبْعَثُونَ عِنْدَ النَّفْخَةِ الأُولى والرّاجِفَةُ هي النَّفْخَةُ الأُولى؟ قُلْنا: المَعْنى لَتُبْعَثُنَّ في الوَقْتِ الواسِعِ الَّذِي يَحْصُلُ فِيهِ النَّفْخَتانِ، ولا شَكَّ أنَّهم يُبْعَثُونَ في بَعْضِ ذَلِكَ الوَقْتِ الواسِعِ وهو وقْتُ النَّفْخَةِ الأُخْرى، ويَدُلُّ عَلى ما قُلْناهُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿تَتْبَعُها الرّادِفَةُ﴾ جُعِلَ حالًا عَنِ الرّاجِفَةِ.
(والثّانِي): أنْ يُنْصَبَ (يَوْمَ تَرْجُفُ) بِما دَلَّ عَلَيْهِ ﴿قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ﴾ أيْ: يَوْمَ تَرْجُفُ وجَفَتِ القُلُوبُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الرَّجْفَةُ في اللُّغَةِ تَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:
(أحَدُهُما) الحَرَكَةُ لِقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الأرْضُ والجِبالُ﴾ [ المُزَّمِّلِ: ١٤] .
(الثّانِي) الهَدَّةُ المُنْكَرَةُ والصَّوْتُ الهائِلُ مِن قَوْلِهِمْ: رَجَفَ الرَّعْدُ يَرْجُفُ رَجْفًا ورَجِيفًا، وذَلِكَ تَرَدُّدُ أصْواتِهِ المُنْكَرَةِ وهَدْهَدَتُهُ في السَّحابِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ فَعَلى هَذا الوَجْهِ الرّاجِفَةُ صَيْحَةٌ عَظِيمَةٌ فِيها هَوْلٌ وشِدَّةٌ كالرَّعْدِ، وأمّا الرّادِفَةُ فَكُلُّ شَيْءٍ جاءَ بَعْدَ شَيْءٍ آخَرَ يُقالُ: رَدِفَهُ، أيْ: جاءَ بَعْدَهُ، وأمّا القُلُوبُ الواجِفَةُ فَهي المُضْطَرِبَةُ الخائِفَةُ، يُقالُ: وجَفَ قَلْبُهُ يَجِفُ وِجافًا إذا اضْطَرَبَ، ومِنهُ إيجافُ الدّابَّةِ، وحَمْلُها عَلى السَّيْرِ الشَّدِيدِ، ولِلْمُفَسِّرِينَ عِباراتٌ كَثِيرَةٌ في تَفْسِيرِ الواجِفَةِ ومَعْناها واحِدٌ، قالُوا: خائِفَةٌ وجِلَةٌ زائِدَةٌ عَنْ أماكِنِها قَلِقَةٌ مُسْتَوْفِزَةٌ مُرْتَكِضَةٌ شَدِيدَةُ الِاضْطِرابِ غَيْرُ ساكِنَةٍ، أبْصارُ أهْلِها خاشِعَةٌ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ [الشُّورى: ٤٥] إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: اتَّفَقَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ هَذِهِ الأُمُورَ أحْوالُ يَوْمِ القِيامَةِ، وزَعَمَ أبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ أنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ، ونَحْنُ نَذْكُرُ تَفاسِيرَ المُفَسِّرِينَ ثُمَّ نَشْرَحُ قَوْلَ أبِي مُسْلِمٍ.
أمّا القَوْلُ الأوَّلُ: وهو المَشْهُورُ بَيْنَ الجُمْهُورِ، أنَّ هَذِهِ الأحْوالَ أحْوالُ يَوْمِ القِيامَةِ فَهَؤُلاءِ ذَكَرُوا وُجُوهًا:
(أحَدُها) أنَّ الرّاجِفَةَ هي النَّفْخَةُ الأُولى، وسُمِّيَتْ بِهِ إمّا لِأنَّ الدُّنْيا تَتَزَلْزَلُ وتَضْطَرِبُ عِنْدَها، وإمّا لِأنَّ صَوْتَ تِلْكَ النَّفْخَةِ هي الرّاجِفَةُ، كَما بَيَّنّا القَوْلَ فِيهِ، والرّاجِفَةُ رَجْفَةٌ أُخْرى تَتْبَعُ الأُولى، فَتَضْطَرِبُ الأرْضُ لِإحْياءِ المَوْتى كَما اضْطَرَبَتْ في الأُولى لِمَوْتِ الأحْياءِ عَلى ما ذَكَرَهُ تَعالى في سُورَةِ الزُّمَرِ، ثُمَّ يُرْوى عَنِ الرَّسُولِ -ﷺ- أنَّ بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ أرْبَعِينَ عامًا، ويُرْوى في هَذِهِ الأرْبَعِينَ يُمْطِرُ اللَّهُ الأرْضَ ويَصِيرُ ذَلِكَ الماءُ عَلَيْها كالنُّطَفِ، وأنَّ ذَلِكَ كالسَّبَبِ لِلْأحْياءِ، وهَذا مِمّا لا حاجَةَ إلَيْهِ في الإعادَةِ، ولِلَّهِ أنْ يَفْعَلَ ما يَشاءُ ويَحْكُمَ ما يُرِيدُ.
(وثانِيها) الرّاجِفَةُ هي النَّفْخَةُ الأُولى والرّادِفَةُ هي قِيامُ السّاعَةِ مِن قَوْلِهِ: ﴿عَسى أنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكم بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ [النَّمْلِ: ٧٢]، أيِ القِيامَةُ الَّتِي يَسْتَعْجِلُها الكَفَرَةُ اسْتِبْعادًا لَها، فَهي رادِفَةٌ لَهم لِاقْتِرابِها.
(وثالِثُها) الرّاجِفَةُ الأرْضُ والجِبالُ مِن قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الأرْضُ والجِبالُ﴾ والرّادِفَةُ السَّماءُ والكَواكِبُ لِأنَّها تَنْشَقُّ وتَنْتَثِرُ كَواكِبُها عَلى أثَرِ ذَلِكَ.
(ورابِعُها) الرّاجِفَةُ هي الأرْضُ تَتَحَرَّكُ وتَتَزَلْزَلُ، والرّادِفَةُ زَلْزَلَةٌ ثانِيَةٌ تَتْبَعُ الأُولى حَتّى تَنْقَطِعَ الأرْضُ وتَفْنى.
(القَوْلُ الثّانِي) وهو قَوْلُ أبِي مُسْلِمٍ أنَّ هَذِهِ الأحْوالَ لَيْسَتْ أحْوالَ يَوْمِ القِيامَةِ، وذَلِكَ لِأنّا نَقَلْنا عَنْهُ أنَّهُ فَسَّرَ النّازِعاتِ بِنَزْعِ القَوْسِ، والنّاشِطاتِ بِخُرُوجِ السَّهْمِ، والسّابِحاتِ بِعَدْوِ الفَرَسِ، والسّابِقاتِ بِسَبْقِها، والمُدَبِّراتِ بِالأُمُورِ الَّتِي تَحْصُلُ أدْبارَ ذَلِكَ الرَّمْيِ والعَدْوِ، ثُمَّ بَنى عَلى ذَلِكَ فَقالَ: الرّاجِفَةُ هي خَيْلُ المُشْرِكِينَ وكَذَلِكَ الرّادِفَةُ، ويُرادُ بِذَلِكَ طائِفَتانِ مِنَ المُشْرِكِينَ غَزَوْا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-
صفحة ٣٣
فَسَبَقَتْ إحْداهُما الأُخْرى، والقُلُوبُ الواجِفَةُ هي القَلِقَةُ، والأبْصارُ الخاشِعَةُ هي أبْصارُ المُنافِقِينَ كَقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إلَيْكَ نَظَرَ المَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ المَوْتِ﴾ [مُحَمَّدٍ: ٢٠] كَأنَّهُ قِيلَ: لَمّا جاءَ خَيْلُ العَدُوِّ تَرْجُفُ ورَدَفَتْها أُخْتُها اضْطَرَبَ قُلُوبُ المُنافِقِينَ خَوْفًا، وخَشَعَتْ أبْصارُهم جُبْنًا وضَعْفًا، ثُمَّ قالُوا: ﴿أئِنّا لَمَرْدُودُونَ في الحافِرَةِ﴾ أيْ نَرْجِعُ إلى الدُّنْيا حَتّى نَتَحَمَّلَ هَذا الخَوْفَ لِأجْلِها. وقالُوا أيْضًا: ﴿تِلْكَ إذًا كَرَّةٌ خاسِرَةٌ﴾ [النّازِعاتِ: ١٢] فَأوَّلُ هَذا الكَلامِ حِكايَةٌ لِحالِ مَن غَزا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- مِنَ المُشْرِكِينَ، وأوْسَطُهُ حِكايَةٌ لِحالِ المُنافِقِينَ، وآخِرُهُ حِكايَةٌ لِكَلامِ المُنافِقِينَ في إنْكارِ الحَشْرِ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أجابَ عَنْ كَلامِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإنَّما هي زَجْرَةٌ واحِدَةٌ﴾ ﴿فَإذا هم بِالسّاهِرَةِ﴾ وهَذا كَلامُ أبِي مُسْلِمٍ، واللَّفْظُ مُحْتَمِلٌ لَهُ، وإنْ كانَ عَلى خِلافِ قَوْلِ الجُمْهُورِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ﴾ ﴿أبْصارُها خاشِعَةٌ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمْ يَقُلِ: القُلُوبُ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ، فَإنَّهُ ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ أنَّ أهْلَ الإيمانِ لا يَخافُونَ، بَلِ المُرادُ مِنهُ قُلُوبُ الكُفّارِ، ومِمّا يُؤَكِّدُ ذَلِكَ أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهم أنَّهم يَقُولُونَ: ﴿أئِنّا لَمَرْدُودُونَ في الحافِرَةِ﴾ وهَذا كَلامُ الكُفّارِ لا كَلامُ المُؤْمِنِينَ، وقَوْلُهُ: ﴿أبْصارُها خاشِعَةٌ﴾ لِأنَّ المَعْلُومَ مِن حالِ المُضْطَرِبِ الخائِفِ أنْ يَكُونَ نَظَرُهُ نَظَرَ خاشِعٍ ذَلِيلٍ خاضِعٍ يَتَرَقَّبُ ما يَنْزِلُ بِهِ مِنَ الأمْرِ العَظِيمِ، وفي الآيَةِ سُؤالانِ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: كَيْفَ جازَ الِابْتِداءُ بِالنَّكِرَةِ؟ (الجَوابُ) (قُلُوبٌ) مَرْفُوعَةٌ بِالِابْتِداءِ و(واجِفَةٌ) صِفَتُها و(أبْصارُها خاشِعَةٌ) خَبَرُها، فَهو كَقَوْلِهِ: ﴿ولَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِن مُشْرِكٍ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٢١] .
السُّؤالُ الثّانِي: كَيْفَ صَحَّتْ إضافَةُ الأبْصارِ إلى القُلُوبِ؟ (الجَوابُ) مَعْناهُ أبْصارُ أصْحابِها بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: (يَقُولُونَ)، ثُمَّ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى حَكى هاهُنا عَنْ مُنْكِرِي البَعْثِ أقْوالًا ثَلاثَةً:
النازعات 79:9
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرّاجِفَةُ﴾ ﴿تَتْبَعُها الرّادِفَةُ﴾ ﴿قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ﴾ ﴿أبْصارُها خاشِعَةٌ﴾ فِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: جَوابُ القَسَمِ المُتَقَدِّمِ مَحْذُوفٌ أوْ مَذْكُورٌ؟ فِيهِ وجْهانِ:
(الأوَّلُ) أنَّهُ مَحْذُوفٌ، ثُمَّ عَلى هَذا الوَجْهِ في الآيَةِ احْتِمالاتٌ:
الأوَّلُ: قالَ الفَرّاءُ التَّقْدِيرُ: لَتُبْعَثُنَّ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ ما حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ، أنَّهم قالُوا: ﴿أئِذا كُنّا عِظامًا نَخِرَةً﴾ أيْ: أنُبْعَثُ إذا صِرْنا عِظامًا نَخِرَةً.
(الثّانِي) قالَ الأخْفَشُ والزَّجّاجُ: لَنَنْفُخَنَّ في الصُّورِ نَفْخَتَيْنِ، ودَلَّ عَلى هَذا المَحْذُوفِ ذِكْرُ الرّاجِفَةِ والرّادِفَةِ وهُما النَّفْخَتانِ.
(الثّالِثُ) قالَ الكِسائِيُّ: الجَوابُ المُضْمَرُ هو أنَّ القِيامَةَ واقِعَةٌ، وذَلِكَ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى قالَ: ﴿والذّارِياتِ ذَرْوًا﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّما تُوعَدُونَ لَصادِقٌ﴾ [الذّارِياتِ: ٥] وقالَ: ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ . .﴿إنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ﴾ [المُرْسَلاتِ: ٧،١] فَكَذَلِكَ هاهُنا، فَإنَّ القُرْآنَ كالسُّورَةِ الواحِدَةِ. (القَوْلُ الثّانِي) أنَّ الجَوابَ مَذْكُورٌ، وعَلى هَذا القَوْلِ احْتِمالاتٌ:
(الأوَّلُ) المُقْسَمُ عَلَيْهِ هو قَوْلُهُ: ﴿قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ﴾ ﴿أبْصارُها خاشِعَةٌ﴾ والتَّقْدِيرُ: والنّازِعاتِ غَرْقًا إنَّ يَوْمَ تَرْجُفُ الرّاجِفَةُ تَحْصُلُ قُلُوبٌ واجِفَةٌ وأبْصارُها خاشِعَةٌ.
(الثّانِي) جَوابُ القَسَمِ هو قَوْلُهُ: ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ مُوسى﴾ [النّازِعاتِ: ١٥] فَإنَّ هَلْ
صفحة ٣٢
هاهُنا بِمَعْنى قَدْ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الغاشِيَةِ﴾ [الغاشِيَةِ: ١] أيْ قَدْ أتاكَ حَدِيثُ الغاشِيَةِ.
(الثّالِثُ) جَوابُ القَسَمِ هو قَوْلُهُ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَن يَخْشى﴾ [النّازِعاتِ: ٢٦] .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرُوا في ناصِبِ (يَوْمَ) بِوَجْهَيْنِ:
(أحَدُهُما) أنَّهُ مَنصُوبٌ بِالجَوابِ المُضْمَرِ والتَّقْدِيرُ: لَتُبْعَثُنَّ يَوْمَ تَرْجُفُ الرّاجِفَةُ، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَصِحُّ هَذا مَعَ أنَّهم لا يُبْعَثُونَ عِنْدَ النَّفْخَةِ الأُولى والرّاجِفَةُ هي النَّفْخَةُ الأُولى؟ قُلْنا: المَعْنى لَتُبْعَثُنَّ في الوَقْتِ الواسِعِ الَّذِي يَحْصُلُ فِيهِ النَّفْخَتانِ، ولا شَكَّ أنَّهم يُبْعَثُونَ في بَعْضِ ذَلِكَ الوَقْتِ الواسِعِ وهو وقْتُ النَّفْخَةِ الأُخْرى، ويَدُلُّ عَلى ما قُلْناهُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿تَتْبَعُها الرّادِفَةُ﴾ جُعِلَ حالًا عَنِ الرّاجِفَةِ.
(والثّانِي): أنْ يُنْصَبَ (يَوْمَ تَرْجُفُ) بِما دَلَّ عَلَيْهِ ﴿قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ﴾ أيْ: يَوْمَ تَرْجُفُ وجَفَتِ القُلُوبُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الرَّجْفَةُ في اللُّغَةِ تَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:
(أحَدُهُما) الحَرَكَةُ لِقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الأرْضُ والجِبالُ﴾ [ المُزَّمِّلِ: ١٤] .
(الثّانِي) الهَدَّةُ المُنْكَرَةُ والصَّوْتُ الهائِلُ مِن قَوْلِهِمْ: رَجَفَ الرَّعْدُ يَرْجُفُ رَجْفًا ورَجِيفًا، وذَلِكَ تَرَدُّدُ أصْواتِهِ المُنْكَرَةِ وهَدْهَدَتُهُ في السَّحابِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ فَعَلى هَذا الوَجْهِ الرّاجِفَةُ صَيْحَةٌ عَظِيمَةٌ فِيها هَوْلٌ وشِدَّةٌ كالرَّعْدِ، وأمّا الرّادِفَةُ فَكُلُّ شَيْءٍ جاءَ بَعْدَ شَيْءٍ آخَرَ يُقالُ: رَدِفَهُ، أيْ: جاءَ بَعْدَهُ، وأمّا القُلُوبُ الواجِفَةُ فَهي المُضْطَرِبَةُ الخائِفَةُ، يُقالُ: وجَفَ قَلْبُهُ يَجِفُ وِجافًا إذا اضْطَرَبَ، ومِنهُ إيجافُ الدّابَّةِ، وحَمْلُها عَلى السَّيْرِ الشَّدِيدِ، ولِلْمُفَسِّرِينَ عِباراتٌ كَثِيرَةٌ في تَفْسِيرِ الواجِفَةِ ومَعْناها واحِدٌ، قالُوا: خائِفَةٌ وجِلَةٌ زائِدَةٌ عَنْ أماكِنِها قَلِقَةٌ مُسْتَوْفِزَةٌ مُرْتَكِضَةٌ شَدِيدَةُ الِاضْطِرابِ غَيْرُ ساكِنَةٍ، أبْصارُ أهْلِها خاشِعَةٌ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ [الشُّورى: ٤٥] إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: اتَّفَقَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ هَذِهِ الأُمُورَ أحْوالُ يَوْمِ القِيامَةِ، وزَعَمَ أبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ أنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ، ونَحْنُ نَذْكُرُ تَفاسِيرَ المُفَسِّرِينَ ثُمَّ نَشْرَحُ قَوْلَ أبِي مُسْلِمٍ.
أمّا القَوْلُ الأوَّلُ: وهو المَشْهُورُ بَيْنَ الجُمْهُورِ، أنَّ هَذِهِ الأحْوالَ أحْوالُ يَوْمِ القِيامَةِ فَهَؤُلاءِ ذَكَرُوا وُجُوهًا:
(أحَدُها) أنَّ الرّاجِفَةَ هي النَّفْخَةُ الأُولى، وسُمِّيَتْ بِهِ إمّا لِأنَّ الدُّنْيا تَتَزَلْزَلُ وتَضْطَرِبُ عِنْدَها، وإمّا لِأنَّ صَوْتَ تِلْكَ النَّفْخَةِ هي الرّاجِفَةُ، كَما بَيَّنّا القَوْلَ فِيهِ، والرّاجِفَةُ رَجْفَةٌ أُخْرى تَتْبَعُ الأُولى، فَتَضْطَرِبُ الأرْضُ لِإحْياءِ المَوْتى كَما اضْطَرَبَتْ في الأُولى لِمَوْتِ الأحْياءِ عَلى ما ذَكَرَهُ تَعالى في سُورَةِ الزُّمَرِ، ثُمَّ يُرْوى عَنِ الرَّسُولِ -ﷺ- أنَّ بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ أرْبَعِينَ عامًا، ويُرْوى في هَذِهِ الأرْبَعِينَ يُمْطِرُ اللَّهُ الأرْضَ ويَصِيرُ ذَلِكَ الماءُ عَلَيْها كالنُّطَفِ، وأنَّ ذَلِكَ كالسَّبَبِ لِلْأحْياءِ، وهَذا مِمّا لا حاجَةَ إلَيْهِ في الإعادَةِ، ولِلَّهِ أنْ يَفْعَلَ ما يَشاءُ ويَحْكُمَ ما يُرِيدُ.
(وثانِيها) الرّاجِفَةُ هي النَّفْخَةُ الأُولى والرّادِفَةُ هي قِيامُ السّاعَةِ مِن قَوْلِهِ: ﴿عَسى أنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكم بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ [النَّمْلِ: ٧٢]، أيِ القِيامَةُ الَّتِي يَسْتَعْجِلُها الكَفَرَةُ اسْتِبْعادًا لَها، فَهي رادِفَةٌ لَهم لِاقْتِرابِها.
(وثالِثُها) الرّاجِفَةُ الأرْضُ والجِبالُ مِن قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الأرْضُ والجِبالُ﴾ والرّادِفَةُ السَّماءُ والكَواكِبُ لِأنَّها تَنْشَقُّ وتَنْتَثِرُ كَواكِبُها عَلى أثَرِ ذَلِكَ.
(ورابِعُها) الرّاجِفَةُ هي الأرْضُ تَتَحَرَّكُ وتَتَزَلْزَلُ، والرّادِفَةُ زَلْزَلَةٌ ثانِيَةٌ تَتْبَعُ الأُولى حَتّى تَنْقَطِعَ الأرْضُ وتَفْنى.
(القَوْلُ الثّانِي) وهو قَوْلُ أبِي مُسْلِمٍ أنَّ هَذِهِ الأحْوالَ لَيْسَتْ أحْوالَ يَوْمِ القِيامَةِ، وذَلِكَ لِأنّا نَقَلْنا عَنْهُ أنَّهُ فَسَّرَ النّازِعاتِ بِنَزْعِ القَوْسِ، والنّاشِطاتِ بِخُرُوجِ السَّهْمِ، والسّابِحاتِ بِعَدْوِ الفَرَسِ، والسّابِقاتِ بِسَبْقِها، والمُدَبِّراتِ بِالأُمُورِ الَّتِي تَحْصُلُ أدْبارَ ذَلِكَ الرَّمْيِ والعَدْوِ، ثُمَّ بَنى عَلى ذَلِكَ فَقالَ: الرّاجِفَةُ هي خَيْلُ المُشْرِكِينَ وكَذَلِكَ الرّادِفَةُ، ويُرادُ بِذَلِكَ طائِفَتانِ مِنَ المُشْرِكِينَ غَزَوْا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-
صفحة ٣٣
فَسَبَقَتْ إحْداهُما الأُخْرى، والقُلُوبُ الواجِفَةُ هي القَلِقَةُ، والأبْصارُ الخاشِعَةُ هي أبْصارُ المُنافِقِينَ كَقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إلَيْكَ نَظَرَ المَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ المَوْتِ﴾ [مُحَمَّدٍ: ٢٠] كَأنَّهُ قِيلَ: لَمّا جاءَ خَيْلُ العَدُوِّ تَرْجُفُ ورَدَفَتْها أُخْتُها اضْطَرَبَ قُلُوبُ المُنافِقِينَ خَوْفًا، وخَشَعَتْ أبْصارُهم جُبْنًا وضَعْفًا، ثُمَّ قالُوا: ﴿أئِنّا لَمَرْدُودُونَ في الحافِرَةِ﴾ أيْ نَرْجِعُ إلى الدُّنْيا حَتّى نَتَحَمَّلَ هَذا الخَوْفَ لِأجْلِها. وقالُوا أيْضًا: ﴿تِلْكَ إذًا كَرَّةٌ خاسِرَةٌ﴾ [النّازِعاتِ: ١٢] فَأوَّلُ هَذا الكَلامِ حِكايَةٌ لِحالِ مَن غَزا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- مِنَ المُشْرِكِينَ، وأوْسَطُهُ حِكايَةٌ لِحالِ المُنافِقِينَ، وآخِرُهُ حِكايَةٌ لِكَلامِ المُنافِقِينَ في إنْكارِ الحَشْرِ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أجابَ عَنْ كَلامِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإنَّما هي زَجْرَةٌ واحِدَةٌ﴾ ﴿فَإذا هم بِالسّاهِرَةِ﴾ وهَذا كَلامُ أبِي مُسْلِمٍ، واللَّفْظُ مُحْتَمِلٌ لَهُ، وإنْ كانَ عَلى خِلافِ قَوْلِ الجُمْهُورِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ﴾ ﴿أبْصارُها خاشِعَةٌ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمْ يَقُلِ: القُلُوبُ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ، فَإنَّهُ ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ أنَّ أهْلَ الإيمانِ لا يَخافُونَ، بَلِ المُرادُ مِنهُ قُلُوبُ الكُفّارِ، ومِمّا يُؤَكِّدُ ذَلِكَ أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهم أنَّهم يَقُولُونَ: ﴿أئِنّا لَمَرْدُودُونَ في الحافِرَةِ﴾ وهَذا كَلامُ الكُفّارِ لا كَلامُ المُؤْمِنِينَ، وقَوْلُهُ: ﴿أبْصارُها خاشِعَةٌ﴾ لِأنَّ المَعْلُومَ مِن حالِ المُضْطَرِبِ الخائِفِ أنْ يَكُونَ نَظَرُهُ نَظَرَ خاشِعٍ ذَلِيلٍ خاضِعٍ يَتَرَقَّبُ ما يَنْزِلُ بِهِ مِنَ الأمْرِ العَظِيمِ، وفي الآيَةِ سُؤالانِ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: كَيْفَ جازَ الِابْتِداءُ بِالنَّكِرَةِ؟ (الجَوابُ) (قُلُوبٌ) مَرْفُوعَةٌ بِالِابْتِداءِ و(واجِفَةٌ) صِفَتُها و(أبْصارُها خاشِعَةٌ) خَبَرُها، فَهو كَقَوْلِهِ: ﴿ولَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِن مُشْرِكٍ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٢١] .
السُّؤالُ الثّانِي: كَيْفَ صَحَّتْ إضافَةُ الأبْصارِ إلى القُلُوبِ؟ (الجَوابُ) مَعْناهُ أبْصارُ أصْحابِها بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: (يَقُولُونَ)، ثُمَّ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى حَكى هاهُنا عَنْ مُنْكِرِي البَعْثِ أقْوالًا ثَلاثَةً:
النازعات 79:10
(أوَّلُها): قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَقُولُونَ أئِنّا لَمَرْدُودُونَ في الحافِرَةِ﴾ يُقالُ: رَجَعَ فُلانٌ في حافِرَتِهِ أيْ في طَرِيقِهِ الَّتِي جاءَ فِيها فَحَفَرَها، أيْ أثَّرَ فِيها بِمَشْيِهِ فِيها، جَعَلَ أثَرَ قَدَمَيْهِ حَفْرًا، فَهي في الحَقِيقَةِ مَحْفُورَةٌ إلّا أنَّها سُمِّيَتْ حافِرَةٌ، كَما قِيلَ: ﴿فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ [الحاقَّةِ: ٢١] و﴿ماءٍ دافِقٍ﴾ [الطّارِقِ: ٦] أيْ مَنسُوبَةٍ إلى الحَفْرِ والرِّضا والدَّفْقِ، أوْ كَقَوْلِهِمْ: نَهارُكَ صائِمٌ، ثُمَّ قِيلَ لِمَن كانَ في أمْرٍ فَخَرَجَ مِنهُ ثُمَّ عادَ إلَيْهِ: رَجَعَ إلى حافِرَتِهِ، أيْ إلى طَرِيقَتِهِ، وفي الحَدِيثِ: ”«إنَّ هَذا الأمْرَ لا يُتْرَكُ عَلى حالِهِ حَتّى يُرَدَّ عَلى حافِرَتِهِ» “ أيْ عَلى أوَّلِ تَأْسِيسِهِ وحالَتِهِ الأُولى. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: في الحُفْرَةِ، والحُفْرَةُ بِمَعْنى المَحْفُورَةِ، يُقالُ: حَفَرَتْ أسْنانُهُ، فَحَفَرَتْ حَفْرًا، وهي حُفْرَةٌ، هَذِهِ القِراءَةُ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الحافِرَةَ في أصْلِ الكَلِمَةِ بِمَعْنى المَحْفُورِ، إذا عَرَفْتَ هَذا ظَهَرَ أنَّ مَعْنى الآيَةِ: أنُرَدُّ إلى أوَّلِ حالِنا وابْتِداءِ أمْرِنا فَنَصِيرُ أحْياءً كَما كُنّا؟
(وثانِيها) قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أئِذا كُنّا عِظامًا نَخِرَةً﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَمْزَةُ وعاصِمٌ (ناخِرَةً) بِألِفٍ، وقَرَأ الباقُونَ (نَخِرَةً) بِغَيْرِ ألِفٍ، واخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ عَنِ الكِسائِيِّ فَقِيلَ: إنَّهُ كانَ لا يُبالِي كَيْفَ قَرَأها، وقِيلَ: إنَّهُ كانَ يَقْرَؤُها بِغَيْرِ ألِفٍ، ثُمَّ رَجَعَ إلى الألِفِ، واعْلَمْ أنَّ
صفحة ٣٤
أبا عُبَيْدَةَ اخْتارَ نَخِرَةً، وقالَ: نَظَرْنا في الآثارِ الَّتِي فِيها ذِكْرُ العِظامِ الَّتِي قَدْ نَخِرَتْ، فَوَجَدْناها كُلَّها العِظامَ النَّخِرَةَ، ولَمْ نَسْمَعْ في شَيْءٍ مِنها النّاخِرَةَ، وأمّا مَن سِواهُ، فَقَدِ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ النّاخِرَةَ لُغَةٌ صَحِيحَةٌ، ثُمَّ اخْتَلَفَ هَؤُلاءِ عَلى قَوْلَيْنِ: (الأوَّلُ) أنِ النّاخِرَةَ والنَّخِرَةَ بِمَعْنًى واحِدٍ، قالَ الأخْفَشُ: هُما جَمِيعًا لُغَتانِ أيَّهُما قَرَأْتَ فَحَسَنٌ، وقالَ الفَرّاءُ: النّاخِرُ والنَّخِرُ سَواءٌ في المَعْنى بِمَنزِلَةِ الطّامِعِ والطَّمِعِ، والباخِلِ والبَخِلِ، وفي كِتابِ الخَلِيلِ: نَخِرَتِ الخَشَبَةُ إذا بَلِيَتْ فاسْتَرْخَتْ حَتّى تَتَفَتَّتَ إذا مُسَّتْ، وكَذَلِكَ العَظْمُ النّاخِرُ، ثُمَّ هَؤُلاءِ الَّذِينَ قالُوا: هُما لُغَتانِ والمَعْنى واحِدٌ اخْتَلَفُوا، فَقالَ الزَّجّاجُ والفَرّاءُ: النّاخِرَةُ أشْبَهُ الوَجْهَيْنِ بِالآيَةِ لِأنَّها تُشْبِهُ أواخِرَ سائِرِ الآيِ نَحْوَ الحافِرَةِ والسّاهِرَةِ، وقالَ آخَرُونَ: النّاخِرَةُ والنَّخِرُ كالطّامِعِ والطَّمِعِ، واللّابِثِ واللَّبِثِ، وفَعِلٌ أبْلَغُ مِن فاعِلٍ. (القَوْلُ الثّانِي): أنَّ النَّخِرَةَ غَيْرٌ والنّاخِرَةَ غَيْرٌ، أمّا النَّخِرَةُ فَهو مِن نَخِرَ العَظْمُ يَنْخَرُ فَهو نَخِرٌ مِثْلُ عَفِنَ يَعْفَنُ فَهو عَفِنٌ، وذَلِكَ إذا بَلِيَ وصارَ بِحَيْثُ لَوْ لَمَسْتَهُ لَتَفَتَّتَ، وأمّا النّاخِرَةُ فَهي العِظامُ الفارِغَةُ الَّتِي يَحْصُلُ مِن هُبُوبِ الرِّيحِ فِيها صَوْتٌ كالنَّخِيرِ، وعَلى هَذا النّاخِرَةُ مِنَ النَّخِيرِ بِمَعْنى الصَّوْتِ كَنَخِيرِ النّائِمِ والمَخْنُوقِ لا مِنَ النَّخَرِ الَّذِي هو البِلى.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: إذا مَنصُوبٌ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ إذا كُنّا عِظامًا نُرَدُّ ونُبْعَثُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اعْلَمْ أنَّ حاصِلَ هَذِهِ الشُّبْهَةِ أنَّ الَّذِي يُشِيرُ إلَيْهِ كُلُّ أحَدٍ إلى نَفْسِهِ بِقَوْلِهِ: أنا هو هَذا الجِسْمُ المَبْنِيُّ بِهَذِهِ البِنْيَةِ المَخْصُوصَةِ، فَإذا ماتَ الإنْسانُ فَقَدْ بَطَلَ مِزاجُهُ وفَسَدَ تَرْكِيبُهُ فَتَمْتَنِعُ إعادَتُهُ لِوُجُوهٍ:
(أحَدُها): أنَّهُ لا يَكُونُ الإنْسانُ العائِدُ هو الإنْسانُ الأوَّلُ إلّا إذا دَخَلَ التَّرْكِيبُ الأوَّلُ في الوُجُودِ مَرَّةً أُخْرى، وذَلِكَ قَوْلٌ بِإعادَةِ عَيْنِ ما عُدِمَ أوَّلًا، وهَذا مُحالٌ لِأنَّ الَّذِي عُدِمَ لَمْ يَبْقَ لَهُ عَيْنٌ ولا ذاتٌ ولا خُصُوصِيَّةٌ، فَإذا دَخَلَ شَيْءٌ آخَرُ في الوُجُودِ اسْتَحالَ أنْ يُقالَ بِأنَّ العائِدَ هو عَيْنُ ما فَنِيَ أوَّلًا.
وثانِيها: أنَّ تِلْكَ الأجْزاءَ تَصِيرُ تُرابًا وتَتَفَرَّقُ وتَخْتَلِطُ بِأجْزاءِ كُلِّ الأرْضِ وكُلِّ المِياهِ وكُلِّ الهَواءِ، فَتَمَيُّزُ تِلْكَ الأجْزاءِ بِأعْيانِها عَنْ كُلِّ هَذِهِ الأشْياءِ مُحالٌ.
وثالِثُها: أنَّ الأجْزاءَ التُّرابِيَّةَ بارِدَةٌ يابِسَةٌ قَشِفَةٌ، فَتَوَلُّدُ الإنْسانِ الَّذِي لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ حارًّا رَطْبًا في مِزاجِهِ عَنْها مُحالٌ، هَذا تَمامُ تَقْرِيرِ كَلامِ هَؤُلاءِ الَّذِينَ احْتَجُّوا عَلى إنْكارِ البَعْثِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿أئِذا كُنّا عِظامًا نَخِرَةً﴾ والجَوابُ عَنْ هَذِهِ الشُّبْهَةِ مِن وُجُوهٍ: أوَّلُها وهو الأقْوى: لا نُسَلِّمُ أنَّ المُشارَ إلَيْهِ لِكُلِّ أحَدٍ بِقَوْلِهِ: أنا هو هَذا الهَيْكَلُ، ثُمَّ إنَّ الَّذِي يَدُلُّ عَلى فَسادِهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّ أجْزاءَ هَذا الهَيْكَلِ في الذَّوَبانِ والتَّبَدُّلِ، والَّذِي يُشِيرُ إلَيْهِ كُلُّ أحَدٍ إلى نَفْسِهِ بِقَوْلِهِ: أنا لَيْسَ في التَّبَدُّلِ، والمُتَبَدِّلُ مُغايِرٌ لِما هو غَيْرُ مُتَبَدِّلٍ.
والثّانِي: أنَّ الإنْسانَ قَدْ يَعْرِفُ أنَّهُ هو حالَ كَوْنِهِ غافِلًا عَنْ أعْضائِهِ الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ، والمَشْعُورُ بِهِ مُغايِرٌ لِما هو غَيْرُ مَشْعُورٍ بِهِ، وإلّا لاجْتَمَعَ النَّفْيُ والإثْباتُ عَلى الشَّيْءِ الواحِدِ وهو مُحالٌ، فَثَبَتَ أنَّ المُشارَ إلَيْهِ لِكُلِّ أحَدٍ بِقَوْلِهِ: أنا لَيْسَ هو هَذا الهَيْكَلَ.
ثُمَّ هاهُنا ثَلاثَةُ احْتِمالاتٍ:
أحَدُها: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الشَّيْءُ مَوْجُودًا قائِمًا بِنَفْسِهِ لَيْسَ بِجِسْمٍ ولا بِجُسْمانِيٍّ عَلى ما هو مَذْهَبُ طائِفَةٍ عَظِيمَةٍ مِنَ الفَلاسِفَةِ ومِنَ المُسْلِمِينَ.
وثانِيها: أنْ يَكُونَ جِسْمًا مُخالِفًا بِالماهِيَّةِ لِهَذِهِ الأجْسامِ القابِلَةِ لِلِانْحِلالِ والفَسادِ سارِيَةً فِيها سَرَيانَ النّارِ في الفَحْمِ وسَرَيانَ الدُّهْنِ في السِّمْسِمِ وسَرَيانَ ماءِ الوَرْدِ في جِرْمِ الوَرْدِ، فَإذا فَسَدَ هَذا الهَيْكَلُ تَقَلَّصَتْ تِلْكَ الأجْزاءُ وبَقِيَتْ حَيَّةً مُدْرِكَةً عاقِلَةً، إمّا في الشَّقاوَةِ أوْ في السَّعادَةِ.
وثالِثُها: أنْ يُقالَ إنَّهُ جِسْمٌ مُساوٍ لِهَذِهِ الأجْسامِ في الماهِيَّةِ إلّا أنَّ اللَّهَ تَعالى خَصَّها بِالبَقاءِ والِاسْتِمْرارِ مِن أوَّلِ حالِ تَكَوُّنِ شَخْصٍ في الوُجُودِ إلى آخِرِ عُمْرِهِ، وأمّا سائِرُ الأجْزاءِ المُتَبَدِّلَةِ تارَةً
صفحة ٣٥
بِالزِّيادَةِ وأُخْرى بِالنُّقْصانِ فَهي غَيْرُ داخِلَةٍ في المُشارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: أنا، فَعِنْدَ المَوْتِ تَنْفَصِلُ تِلْكَ الأجْزاءُ وتَبْقى حَيَّةً، إمّا في السَّعادَةِ أوْ في الشَّقاوَةِ، وإذا ظَهَرَتْ هَذِهِ الِاحْتِمالاتُ ثَبَتَ أنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن فَسادِ البَدَنِ وتَفَرُّقِ أجْزائِهِ فَسادُ ما هو الإنْسانُ حَقِيقَةً، وهَذا مَقامٌ حَسَنٌ مَتِينٌ تَنْقَطِعُ بِهِ جَمِيعُ شُبُهاتِ مُنْكِرِي البَعْثِ. وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ لا يَكُونُ لِصَيْرُورَةِ العِظامِ نَخِرَةً بالِيَةً مُتَفَرِّقَةً تَأْثِيرٌ في دَفْعِ الحَشْرِ والنَّشْرِ البَتَّةَ. سَلَّمْنا عَلى سَبِيلِ المُسامَحَةِ أنَّ الإنْسانَ هو مَجْمُوعُ هَذا الهَيْكَلِ، فَلِمَ قُلْتُمْ: إنَّ الإعادَةَ مُمْتَنِعَةٌ؟ قَوْلُهُ: [ أوَّلًا ] المَعْدُومُ لا يُعادُ، قُلْنا: ألَيْسَ أنَّ حالَ عَدَمِهِ لَمْ يَمْتَنِعْ عِنْدَكم صِحَّةُ الحُكْمِ عَلَيْهِ بِأنَّهُ يَمْتَنِعُ عَوْدُهُ، فَلِمَ لا يَجُوزُ أنْ لا يَمْتَنِعَ عَلى قَوْلِنا أيْضًا صِحَّةُ الحُكْمِ عَلَيْهِ بِالعَوْدِ.
قَوْلُهُ: ثانِيًا: الأجْزاءُ القَلِيلَةُ مُخْتَلِطَةٌ بِأجْزاءِ العَناصِرِ الأرْبَعَةِ، قُلْنا: لَكِنْ ثَبَتَ أنَّ خالِقَ العالَمِ عالِمٌ بِجَمِيعِ الجُزْئِيّاتِ، وقادِرٌ عَلى كُلِّ المُمْكِناتِ فَيَصِحُّ مِنهُ جَمْعُها بِأعْيانِها وإعادَةُ الحَياةِ إلَيْها.
قَوْلُهُ: ثالِثًا: الأجْسامُ القَشِفَةُ اليابِسَةُ لا تَقْبَلُ الحَياةَ. قُلْنا: نَرى السَّمَندَلَ يَعِيشُ في النّارِ، والنَّعامَةَ تَبْتَلِعُ الحَدِيدَةَ المُحْماةَ، والحَيّاتِ الكِبارَ العِظامَ مُتَوَلِّدَةً في الثُّلُوجِ، فَبَطَلَ الِاعْتِمادُ عَلى الِاسْتِقْراءِ، واللَّهُ الهادِي إلى الصِّدْقِ والصَّوابِ.
النازعات 79:11
(أوَّلُها): قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَقُولُونَ أئِنّا لَمَرْدُودُونَ في الحافِرَةِ﴾ يُقالُ: رَجَعَ فُلانٌ في حافِرَتِهِ أيْ في طَرِيقِهِ الَّتِي جاءَ فِيها فَحَفَرَها، أيْ أثَّرَ فِيها بِمَشْيِهِ فِيها، جَعَلَ أثَرَ قَدَمَيْهِ حَفْرًا، فَهي في الحَقِيقَةِ مَحْفُورَةٌ إلّا أنَّها سُمِّيَتْ حافِرَةٌ، كَما قِيلَ: ﴿فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ [الحاقَّةِ: ٢١] و﴿ماءٍ دافِقٍ﴾ [الطّارِقِ: ٦] أيْ مَنسُوبَةٍ إلى الحَفْرِ والرِّضا والدَّفْقِ، أوْ كَقَوْلِهِمْ: نَهارُكَ صائِمٌ، ثُمَّ قِيلَ لِمَن كانَ في أمْرٍ فَخَرَجَ مِنهُ ثُمَّ عادَ إلَيْهِ: رَجَعَ إلى حافِرَتِهِ، أيْ إلى طَرِيقَتِهِ، وفي الحَدِيثِ: ”«إنَّ هَذا الأمْرَ لا يُتْرَكُ عَلى حالِهِ حَتّى يُرَدَّ عَلى حافِرَتِهِ» “ أيْ عَلى أوَّلِ تَأْسِيسِهِ وحالَتِهِ الأُولى. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: في الحُفْرَةِ، والحُفْرَةُ بِمَعْنى المَحْفُورَةِ، يُقالُ: حَفَرَتْ أسْنانُهُ، فَحَفَرَتْ حَفْرًا، وهي حُفْرَةٌ، هَذِهِ القِراءَةُ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الحافِرَةَ في أصْلِ الكَلِمَةِ بِمَعْنى المَحْفُورِ، إذا عَرَفْتَ هَذا ظَهَرَ أنَّ مَعْنى الآيَةِ: أنُرَدُّ إلى أوَّلِ حالِنا وابْتِداءِ أمْرِنا فَنَصِيرُ أحْياءً كَما كُنّا؟
(وثانِيها) قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أئِذا كُنّا عِظامًا نَخِرَةً﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَمْزَةُ وعاصِمٌ (ناخِرَةً) بِألِفٍ، وقَرَأ الباقُونَ (نَخِرَةً) بِغَيْرِ ألِفٍ، واخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ عَنِ الكِسائِيِّ فَقِيلَ: إنَّهُ كانَ لا يُبالِي كَيْفَ قَرَأها، وقِيلَ: إنَّهُ كانَ يَقْرَؤُها بِغَيْرِ ألِفٍ، ثُمَّ رَجَعَ إلى الألِفِ، واعْلَمْ أنَّ
صفحة ٣٤
أبا عُبَيْدَةَ اخْتارَ نَخِرَةً، وقالَ: نَظَرْنا في الآثارِ الَّتِي فِيها ذِكْرُ العِظامِ الَّتِي قَدْ نَخِرَتْ، فَوَجَدْناها كُلَّها العِظامَ النَّخِرَةَ، ولَمْ نَسْمَعْ في شَيْءٍ مِنها النّاخِرَةَ، وأمّا مَن سِواهُ، فَقَدِ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ النّاخِرَةَ لُغَةٌ صَحِيحَةٌ، ثُمَّ اخْتَلَفَ هَؤُلاءِ عَلى قَوْلَيْنِ: (الأوَّلُ) أنِ النّاخِرَةَ والنَّخِرَةَ بِمَعْنًى واحِدٍ، قالَ الأخْفَشُ: هُما جَمِيعًا لُغَتانِ أيَّهُما قَرَأْتَ فَحَسَنٌ، وقالَ الفَرّاءُ: النّاخِرُ والنَّخِرُ سَواءٌ في المَعْنى بِمَنزِلَةِ الطّامِعِ والطَّمِعِ، والباخِلِ والبَخِلِ، وفي كِتابِ الخَلِيلِ: نَخِرَتِ الخَشَبَةُ إذا بَلِيَتْ فاسْتَرْخَتْ حَتّى تَتَفَتَّتَ إذا مُسَّتْ، وكَذَلِكَ العَظْمُ النّاخِرُ، ثُمَّ هَؤُلاءِ الَّذِينَ قالُوا: هُما لُغَتانِ والمَعْنى واحِدٌ اخْتَلَفُوا، فَقالَ الزَّجّاجُ والفَرّاءُ: النّاخِرَةُ أشْبَهُ الوَجْهَيْنِ بِالآيَةِ لِأنَّها تُشْبِهُ أواخِرَ سائِرِ الآيِ نَحْوَ الحافِرَةِ والسّاهِرَةِ، وقالَ آخَرُونَ: النّاخِرَةُ والنَّخِرُ كالطّامِعِ والطَّمِعِ، واللّابِثِ واللَّبِثِ، وفَعِلٌ أبْلَغُ مِن فاعِلٍ. (القَوْلُ الثّانِي): أنَّ النَّخِرَةَ غَيْرٌ والنّاخِرَةَ غَيْرٌ، أمّا النَّخِرَةُ فَهو مِن نَخِرَ العَظْمُ يَنْخَرُ فَهو نَخِرٌ مِثْلُ عَفِنَ يَعْفَنُ فَهو عَفِنٌ، وذَلِكَ إذا بَلِيَ وصارَ بِحَيْثُ لَوْ لَمَسْتَهُ لَتَفَتَّتَ، وأمّا النّاخِرَةُ فَهي العِظامُ الفارِغَةُ الَّتِي يَحْصُلُ مِن هُبُوبِ الرِّيحِ فِيها صَوْتٌ كالنَّخِيرِ، وعَلى هَذا النّاخِرَةُ مِنَ النَّخِيرِ بِمَعْنى الصَّوْتِ كَنَخِيرِ النّائِمِ والمَخْنُوقِ لا مِنَ النَّخَرِ الَّذِي هو البِلى.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: إذا مَنصُوبٌ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ إذا كُنّا عِظامًا نُرَدُّ ونُبْعَثُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اعْلَمْ أنَّ حاصِلَ هَذِهِ الشُّبْهَةِ أنَّ الَّذِي يُشِيرُ إلَيْهِ كُلُّ أحَدٍ إلى نَفْسِهِ بِقَوْلِهِ: أنا هو هَذا الجِسْمُ المَبْنِيُّ بِهَذِهِ البِنْيَةِ المَخْصُوصَةِ، فَإذا ماتَ الإنْسانُ فَقَدْ بَطَلَ مِزاجُهُ وفَسَدَ تَرْكِيبُهُ فَتَمْتَنِعُ إعادَتُهُ لِوُجُوهٍ:
(أحَدُها): أنَّهُ لا يَكُونُ الإنْسانُ العائِدُ هو الإنْسانُ الأوَّلُ إلّا إذا دَخَلَ التَّرْكِيبُ الأوَّلُ في الوُجُودِ مَرَّةً أُخْرى، وذَلِكَ قَوْلٌ بِإعادَةِ عَيْنِ ما عُدِمَ أوَّلًا، وهَذا مُحالٌ لِأنَّ الَّذِي عُدِمَ لَمْ يَبْقَ لَهُ عَيْنٌ ولا ذاتٌ ولا خُصُوصِيَّةٌ، فَإذا دَخَلَ شَيْءٌ آخَرُ في الوُجُودِ اسْتَحالَ أنْ يُقالَ بِأنَّ العائِدَ هو عَيْنُ ما فَنِيَ أوَّلًا.
وثانِيها: أنَّ تِلْكَ الأجْزاءَ تَصِيرُ تُرابًا وتَتَفَرَّقُ وتَخْتَلِطُ بِأجْزاءِ كُلِّ الأرْضِ وكُلِّ المِياهِ وكُلِّ الهَواءِ، فَتَمَيُّزُ تِلْكَ الأجْزاءِ بِأعْيانِها عَنْ كُلِّ هَذِهِ الأشْياءِ مُحالٌ.
وثالِثُها: أنَّ الأجْزاءَ التُّرابِيَّةَ بارِدَةٌ يابِسَةٌ قَشِفَةٌ، فَتَوَلُّدُ الإنْسانِ الَّذِي لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ حارًّا رَطْبًا في مِزاجِهِ عَنْها مُحالٌ، هَذا تَمامُ تَقْرِيرِ كَلامِ هَؤُلاءِ الَّذِينَ احْتَجُّوا عَلى إنْكارِ البَعْثِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿أئِذا كُنّا عِظامًا نَخِرَةً﴾ والجَوابُ عَنْ هَذِهِ الشُّبْهَةِ مِن وُجُوهٍ: أوَّلُها وهو الأقْوى: لا نُسَلِّمُ أنَّ المُشارَ إلَيْهِ لِكُلِّ أحَدٍ بِقَوْلِهِ: أنا هو هَذا الهَيْكَلُ، ثُمَّ إنَّ الَّذِي يَدُلُّ عَلى فَسادِهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّ أجْزاءَ هَذا الهَيْكَلِ في الذَّوَبانِ والتَّبَدُّلِ، والَّذِي يُشِيرُ إلَيْهِ كُلُّ أحَدٍ إلى نَفْسِهِ بِقَوْلِهِ: أنا لَيْسَ في التَّبَدُّلِ، والمُتَبَدِّلُ مُغايِرٌ لِما هو غَيْرُ مُتَبَدِّلٍ.
والثّانِي: أنَّ الإنْسانَ قَدْ يَعْرِفُ أنَّهُ هو حالَ كَوْنِهِ غافِلًا عَنْ أعْضائِهِ الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ، والمَشْعُورُ بِهِ مُغايِرٌ لِما هو غَيْرُ مَشْعُورٍ بِهِ، وإلّا لاجْتَمَعَ النَّفْيُ والإثْباتُ عَلى الشَّيْءِ الواحِدِ وهو مُحالٌ، فَثَبَتَ أنَّ المُشارَ إلَيْهِ لِكُلِّ أحَدٍ بِقَوْلِهِ: أنا لَيْسَ هو هَذا الهَيْكَلَ.
ثُمَّ هاهُنا ثَلاثَةُ احْتِمالاتٍ:
أحَدُها: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الشَّيْءُ مَوْجُودًا قائِمًا بِنَفْسِهِ لَيْسَ بِجِسْمٍ ولا بِجُسْمانِيٍّ عَلى ما هو مَذْهَبُ طائِفَةٍ عَظِيمَةٍ مِنَ الفَلاسِفَةِ ومِنَ المُسْلِمِينَ.
وثانِيها: أنْ يَكُونَ جِسْمًا مُخالِفًا بِالماهِيَّةِ لِهَذِهِ الأجْسامِ القابِلَةِ لِلِانْحِلالِ والفَسادِ سارِيَةً فِيها سَرَيانَ النّارِ في الفَحْمِ وسَرَيانَ الدُّهْنِ في السِّمْسِمِ وسَرَيانَ ماءِ الوَرْدِ في جِرْمِ الوَرْدِ، فَإذا فَسَدَ هَذا الهَيْكَلُ تَقَلَّصَتْ تِلْكَ الأجْزاءُ وبَقِيَتْ حَيَّةً مُدْرِكَةً عاقِلَةً، إمّا في الشَّقاوَةِ أوْ في السَّعادَةِ.
وثالِثُها: أنْ يُقالَ إنَّهُ جِسْمٌ مُساوٍ لِهَذِهِ الأجْسامِ في الماهِيَّةِ إلّا أنَّ اللَّهَ تَعالى خَصَّها بِالبَقاءِ والِاسْتِمْرارِ مِن أوَّلِ حالِ تَكَوُّنِ شَخْصٍ في الوُجُودِ إلى آخِرِ عُمْرِهِ، وأمّا سائِرُ الأجْزاءِ المُتَبَدِّلَةِ تارَةً
صفحة ٣٥
بِالزِّيادَةِ وأُخْرى بِالنُّقْصانِ فَهي غَيْرُ داخِلَةٍ في المُشارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: أنا، فَعِنْدَ المَوْتِ تَنْفَصِلُ تِلْكَ الأجْزاءُ وتَبْقى حَيَّةً، إمّا في السَّعادَةِ أوْ في الشَّقاوَةِ، وإذا ظَهَرَتْ هَذِهِ الِاحْتِمالاتُ ثَبَتَ أنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن فَسادِ البَدَنِ وتَفَرُّقِ أجْزائِهِ فَسادُ ما هو الإنْسانُ حَقِيقَةً، وهَذا مَقامٌ حَسَنٌ مَتِينٌ تَنْقَطِعُ بِهِ جَمِيعُ شُبُهاتِ مُنْكِرِي البَعْثِ. وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ لا يَكُونُ لِصَيْرُورَةِ العِظامِ نَخِرَةً بالِيَةً مُتَفَرِّقَةً تَأْثِيرٌ في دَفْعِ الحَشْرِ والنَّشْرِ البَتَّةَ. سَلَّمْنا عَلى سَبِيلِ المُسامَحَةِ أنَّ الإنْسانَ هو مَجْمُوعُ هَذا الهَيْكَلِ، فَلِمَ قُلْتُمْ: إنَّ الإعادَةَ مُمْتَنِعَةٌ؟ قَوْلُهُ: [ أوَّلًا ] المَعْدُومُ لا يُعادُ، قُلْنا: ألَيْسَ أنَّ حالَ عَدَمِهِ لَمْ يَمْتَنِعْ عِنْدَكم صِحَّةُ الحُكْمِ عَلَيْهِ بِأنَّهُ يَمْتَنِعُ عَوْدُهُ، فَلِمَ لا يَجُوزُ أنْ لا يَمْتَنِعَ عَلى قَوْلِنا أيْضًا صِحَّةُ الحُكْمِ عَلَيْهِ بِالعَوْدِ.
قَوْلُهُ: ثانِيًا: الأجْزاءُ القَلِيلَةُ مُخْتَلِطَةٌ بِأجْزاءِ العَناصِرِ الأرْبَعَةِ، قُلْنا: لَكِنْ ثَبَتَ أنَّ خالِقَ العالَمِ عالِمٌ بِجَمِيعِ الجُزْئِيّاتِ، وقادِرٌ عَلى كُلِّ المُمْكِناتِ فَيَصِحُّ مِنهُ جَمْعُها بِأعْيانِها وإعادَةُ الحَياةِ إلَيْها.
قَوْلُهُ: ثالِثًا: الأجْسامُ القَشِفَةُ اليابِسَةُ لا تَقْبَلُ الحَياةَ. قُلْنا: نَرى السَّمَندَلَ يَعِيشُ في النّارِ، والنَّعامَةَ تَبْتَلِعُ الحَدِيدَةَ المُحْماةَ، والحَيّاتِ الكِبارَ العِظامَ مُتَوَلِّدَةً في الثُّلُوجِ، فَبَطَلَ الِاعْتِمادُ عَلى الِاسْتِقْراءِ، واللَّهُ الهادِي إلى الصِّدْقِ والصَّوابِ.
النازعات 79:12
النَّوْعُ الثّالِثُ مِنَ الكَلِماتِ الَّتِي حَكاها اللَّهُ تَعالى عَنْ مُنْكِرِي البَعْثِ ﴿قالُوا تِلْكَ إذًا كَرَّةٌ خاسِرَةٌ﴾ والمَعْنى كَرَّةٌ مَنسُوبَةٌ إلى الخُسْرانِ، كَقَوْلِكَ: تِجارَةٌ رابِحَةٌ، أوْ خاسِرٌ أصْحابُها، والمَعْنى أنَّها إنْ صَحَّتْ فَنَحْنُ إذًا خاسِرُونَ لِتَكْذِيبِنا، وهَذا مِنهُمُ اسْتِهْزاءٌ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْهم هَذِهِ الكَلِماتِ قالَ: ﴿فَإنَّما هي زَجْرَةٌ واحِدَةٌ﴾ ﴿فَإذا هم بِالسّاهِرَةِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: الفاءُ في قَوْلِهِ: (فَإذا هم) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ مَعْناهُ لا تَسْتَصْعِبُوها فَإنَّما هي زَجْرَةٌ واحِدَةٌ، يَعْنِي لا تَحْسَبُوا تِلْكَ الكَرَّةَ صَعْبَةً عَلى اللَّهِ، فَإنَّها سَهْلَةٌ هَيِّنَةٌ في قُدْرَتِهِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: يُقالُ: زَجَرَ البَعِيرَ إذا صاحَ عَلَيْهِ، والمُرادُ مِن هَذِهِ الصَّيْحَةِ النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ، وهي صَيْحَةُ إسْرافِيلَ، قالَ المُفَسِّرُونَ: يُحْيِيهِمُ اللَّهُ في بُطُونِ الأرْضِ، فَيَسْمَعُونَها فَيَقُومُونَ، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما يَنْظُرُ هَؤُلاءِ إلّا صَيْحَةً واحِدَةً ما لَها مِن فَواقٍ﴾ [ص: ١٥] .
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: السّاهِرَةُ الأرْضُ البَيْضاءُ المُسْتَوِيَةُ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِوَجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ سالِكَها لا يَنامُ خَوْفًا مِنها. الثّانِي: أنَّ السَّرابَ يَجْرِي فِيها مِن قَوْلِهِمْ: عَيْنٌ ساهِرَةٌ جارِيَةُ الماءِ، وعِنْدِي فِيهِ وجْهٌ ثالِثٌ: وهي أنَّ الأرْضَ إنَّما تُسَمّى ساهِرَةً لِأنَّ مِن شِدَّةِ الخَوْفِ فِيها يَطِيرُ النَّوْمُ مِنَ الإنْسانِ، فَتِلْكَ الأرْضُ الَّتِي يَجْتَمِعُ الكُفّارُ فِيها في مَوْقِفِ القِيامَةِ يَكُونُونَ فِيها في أشَدِّ الخَوْفِ، فَسُمِّيَتْ تِلْكَ الأرْضُ ساهِرَةً لِهَذا السَّبَبِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا مِن وجْهٍ آخَرَ، فَقالَ بَعْضُهم: هي أرْضُ الدُّنْيا، وقالَ آخَرُونَ: هي أرْضُ الآخِرَةِ لِأنَّهم عِنْدَ الزَّجْرَةِ والصَّيْحَةِ يُنْقَلُونَ أفْواجًا إلى أرْضِ الآخِرَةِ، ولَعَلَّ هَذا الوَجْهَ أقْرَبُ.
النازعات 79:13
النَّوْعُ الثّالِثُ مِنَ الكَلِماتِ الَّتِي حَكاها اللَّهُ تَعالى عَنْ مُنْكِرِي البَعْثِ ﴿قالُوا تِلْكَ إذًا كَرَّةٌ خاسِرَةٌ﴾ والمَعْنى كَرَّةٌ مَنسُوبَةٌ إلى الخُسْرانِ، كَقَوْلِكَ: تِجارَةٌ رابِحَةٌ، أوْ خاسِرٌ أصْحابُها، والمَعْنى أنَّها إنْ صَحَّتْ فَنَحْنُ إذًا خاسِرُونَ لِتَكْذِيبِنا، وهَذا مِنهُمُ اسْتِهْزاءٌ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْهم هَذِهِ الكَلِماتِ قالَ: ﴿فَإنَّما هي زَجْرَةٌ واحِدَةٌ﴾ ﴿فَإذا هم بِالسّاهِرَةِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: الفاءُ في قَوْلِهِ: (فَإذا هم) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ مَعْناهُ لا تَسْتَصْعِبُوها فَإنَّما هي زَجْرَةٌ واحِدَةٌ، يَعْنِي لا تَحْسَبُوا تِلْكَ الكَرَّةَ صَعْبَةً عَلى اللَّهِ، فَإنَّها سَهْلَةٌ هَيِّنَةٌ في قُدْرَتِهِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: يُقالُ: زَجَرَ البَعِيرَ إذا صاحَ عَلَيْهِ، والمُرادُ مِن هَذِهِ الصَّيْحَةِ النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ، وهي صَيْحَةُ إسْرافِيلَ، قالَ المُفَسِّرُونَ: يُحْيِيهِمُ اللَّهُ في بُطُونِ الأرْضِ، فَيَسْمَعُونَها فَيَقُومُونَ، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما يَنْظُرُ هَؤُلاءِ إلّا صَيْحَةً واحِدَةً ما لَها مِن فَواقٍ﴾ [ص: ١٥] .
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: السّاهِرَةُ الأرْضُ البَيْضاءُ المُسْتَوِيَةُ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِوَجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ سالِكَها لا يَنامُ خَوْفًا مِنها. الثّانِي: أنَّ السَّرابَ يَجْرِي فِيها مِن قَوْلِهِمْ: عَيْنٌ ساهِرَةٌ جارِيَةُ الماءِ، وعِنْدِي فِيهِ وجْهٌ ثالِثٌ: وهي أنَّ الأرْضَ إنَّما تُسَمّى ساهِرَةً لِأنَّ مِن شِدَّةِ الخَوْفِ فِيها يَطِيرُ النَّوْمُ مِنَ الإنْسانِ، فَتِلْكَ الأرْضُ الَّتِي يَجْتَمِعُ الكُفّارُ فِيها في مَوْقِفِ القِيامَةِ يَكُونُونَ فِيها في أشَدِّ الخَوْفِ، فَسُمِّيَتْ تِلْكَ الأرْضُ ساهِرَةً لِهَذا السَّبَبِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا مِن وجْهٍ آخَرَ، فَقالَ بَعْضُهم: هي أرْضُ الدُّنْيا، وقالَ آخَرُونَ: هي أرْضُ الآخِرَةِ لِأنَّهم عِنْدَ الزَّجْرَةِ والصَّيْحَةِ يُنْقَلُونَ أفْواجًا إلى أرْضِ الآخِرَةِ، ولَعَلَّ هَذا الوَجْهَ أقْرَبُ.
النازعات 79:14
النَّوْعُ الثّالِثُ مِنَ الكَلِماتِ الَّتِي حَكاها اللَّهُ تَعالى عَنْ مُنْكِرِي البَعْثِ ﴿قالُوا تِلْكَ إذًا كَرَّةٌ خاسِرَةٌ﴾ والمَعْنى كَرَّةٌ مَنسُوبَةٌ إلى الخُسْرانِ، كَقَوْلِكَ: تِجارَةٌ رابِحَةٌ، أوْ خاسِرٌ أصْحابُها، والمَعْنى أنَّها إنْ صَحَّتْ فَنَحْنُ إذًا خاسِرُونَ لِتَكْذِيبِنا، وهَذا مِنهُمُ اسْتِهْزاءٌ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْهم هَذِهِ الكَلِماتِ قالَ: ﴿فَإنَّما هي زَجْرَةٌ واحِدَةٌ﴾ ﴿فَإذا هم بِالسّاهِرَةِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: الفاءُ في قَوْلِهِ: (فَإذا هم) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ مَعْناهُ لا تَسْتَصْعِبُوها فَإنَّما هي زَجْرَةٌ واحِدَةٌ، يَعْنِي لا تَحْسَبُوا تِلْكَ الكَرَّةَ صَعْبَةً عَلى اللَّهِ، فَإنَّها سَهْلَةٌ هَيِّنَةٌ في قُدْرَتِهِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: يُقالُ: زَجَرَ البَعِيرَ إذا صاحَ عَلَيْهِ، والمُرادُ مِن هَذِهِ الصَّيْحَةِ النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ، وهي صَيْحَةُ إسْرافِيلَ، قالَ المُفَسِّرُونَ: يُحْيِيهِمُ اللَّهُ في بُطُونِ الأرْضِ، فَيَسْمَعُونَها فَيَقُومُونَ، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما يَنْظُرُ هَؤُلاءِ إلّا صَيْحَةً واحِدَةً ما لَها مِن فَواقٍ﴾ [ص: ١٥] .
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: السّاهِرَةُ الأرْضُ البَيْضاءُ المُسْتَوِيَةُ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِوَجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ سالِكَها لا يَنامُ خَوْفًا مِنها. الثّانِي: أنَّ السَّرابَ يَجْرِي فِيها مِن قَوْلِهِمْ: عَيْنٌ ساهِرَةٌ جارِيَةُ الماءِ، وعِنْدِي فِيهِ وجْهٌ ثالِثٌ: وهي أنَّ الأرْضَ إنَّما تُسَمّى ساهِرَةً لِأنَّ مِن شِدَّةِ الخَوْفِ فِيها يَطِيرُ النَّوْمُ مِنَ الإنْسانِ، فَتِلْكَ الأرْضُ الَّتِي يَجْتَمِعُ الكُفّارُ فِيها في مَوْقِفِ القِيامَةِ يَكُونُونَ فِيها في أشَدِّ الخَوْفِ، فَسُمِّيَتْ تِلْكَ الأرْضُ ساهِرَةً لِهَذا السَّبَبِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا مِن وجْهٍ آخَرَ، فَقالَ بَعْضُهم: هي أرْضُ الدُّنْيا، وقالَ آخَرُونَ: هي أرْضُ الآخِرَةِ لِأنَّهم عِنْدَ الزَّجْرَةِ والصَّيْحَةِ يُنْقَلُونَ أفْواجًا إلى أرْضِ الآخِرَةِ، ولَعَلَّ هَذا الوَجْهَ أقْرَبُ.
النازعات 79:15
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ مُوسى﴾ ﴿إذْ ناداهُ رَبُّهُ بِالوادِي المُقَدَّسِ طُوًى﴾ ﴿اذْهَبْ إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى﴾ فِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ وجْهَ المُناسَبَةِ بَيْنَ هَذِهِ القِصَّةِ وبَيْنَ ما قَبْلَها مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى حَكى عَنِ الكُفّارِ إصْرارَهم عَلى إنْكارِ البَعْثِ حَتّى انْتَهَوْا في ذَلِكَ الإنْكارِ إلى حَدِّ الِاسْتِهْزاءِ في قَوْلِهِمْ: ﴿تِلْكَ إذًا كَرَّةٌ خاسِرَةٌ﴾ وكانَ ذَلِكَ يَشُقُّ عَلى مُحَمَّدٍ -ﷺ- فَذَكَرَ قِصَّةَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وبَيَّنَ أنَّهُ تَحَمَّلَ المَشَقَّةَ الكَثِيرَةَ في دَعْوَةِ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ ذَلِكَ كالتَّسْلِيَةِ لِلرَّسُولِ -ﷺ- . الثّانِي: أنَّ فِرْعَوْنَ كانَ أقْوى مِن كُفّارِ قُرَيْشٍ وأكْثَرَ جَمْعًا وأشَدَّ شَوْكَةً، فَلَمّا تَمَرَّدَ عَلى مُوسى أخَذَهُ اللَّهُ نَكالَ الآخِرَةِ والأُولى، فَكَذَلِكَ هَؤُلاءِ المُشْرِكُونَ في تَمَرُّدِهِمْ عَلَيْكَ إنْ أصَرُّوا أخَذَهُمُ اللَّهُ وجَعَلَهم نَكالًا.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿هَلْ أتاكَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ ألَيْسَ قَدْ ﴿أتاكَ حَدِيثُ مُوسى﴾، هَذا إنْ كانَ قَدْ أتاهُ ذَلِكَ قَبْلَ هَذا الكَلامِ، أمّا إنْ لَمْ يَكُنْ قَدْ أتاهُ فَقَدْ يَجُوزُ أنْ يُقالَ: ﴿هَلْ أتاكَ﴾ كَذا أمْ أنا أُخْبِرُكَ بِهِ فَإنَّ فِيهِ عِبْرَةً لِمَن يَخْشى؟
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الوادِي المُقَدَّسُ المُبارَكُ المُطَهَّرُ، وفي قَوْلِهِ: (طُوًى) وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّهُ اسْمُ وادٍ بِالشّامِ وهو عِنْدَ الطُّورِ الَّذِي أقْسَمَ اللَّهُ بِهِ في قَوْلِهِ: ( والطُّورِ ﴿وكِتابٍ مَسْطُورٍ﴾ [الطُّورِ: ٢،١] وقَوْلِهِ: ﴿ونادَيْناهُ مِن جانِبِ الطُّورِ الأيْمَنِ﴾ [مَرْيَمَ: ٥٢] .
والثّانِي: أنَّهُ بِمَعْنى: يا رَجُلُ بِالعِبْرانِيَّةِ، فَكَأنَّهُ قالَ: يا رَجُلُ، ﴿اذْهَبْ إلى فِرْعَوْنَ﴾، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: (طُوًى) أيْ ناداهُ (طُوًى) مِنَ اللَّيْلَةِ ﴿اذْهَبْ إلى فِرْعَوْنَ﴾ لِأنَّكَ تَقُولُ: جِئْتُكَ بَعْدَ (طُوًى) أيْ بَعْدَ ساعَةٍ مِنَ اللَّيْلِ.
والرّابِعُ: أنْ يَكُونَ المَعْنى بِالوادِي المُقَدَّسِ الَّذِي طُوِيَ أيْ بُورِكَ فِيهِ مَرَّتَيْنِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو: ”طُوى“ بِضَمِّ الطّاءِ غَيْرَ مُنَوَّنٍ، وقَرَأ الباقُونَ بِضَمِّ الطّاءِ مُنَوَّنًا، ورُوِيَ عَنْ أبِي عَمْرٍو: طِوى بِكَسْرِ الطّاءِ وطَوى مِثْلُ ثَنى، وهُما اسْمانِ لِلشَّيْءِ المَثْنِيِّ، والطَّيُّ بِمَعْنى الثَّنْيِ، أيْ ثَنَّيْتُ في البَرَكَةِ والتَّقْدِيسِ، قالَ الفَرّاءُ: ”طُوى“ وادٍ بَيْنَ المَدِينَةِ ومِصْرَ، فَمَن صَرَفَهُ قالَ: هو ذَكَرٌ سَمَّيْنا بِهِ ذَكَرًا، ومَن لَمْ يَصْرِفْهُ جَعَلَهُ مَعْدُولًا عَنْ جِهَتِهِ كَعُمَرَ وزُفَرَ، ثُمَّ قالَ: والصَّرْفُ أحَبُّ إلَيَّ إذْ لَمْ أجِدْ في المَعْدُولِ نَظِيرًا، أيْ لَمْ أجِدِ اسْمًا مِنَ الواوِ والياءِ عُدِلَ عَنْ فاعِلِهِ إلى فِعْلٍ غَيْرَ (طُوًى) .
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: تَقْدِيرُ الآيَةِ: إذْ ناداهُ رَبُّهُ وقالَ: اذْهَبْ إلى فِرْعَوْنَ، وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ: أنِ اذْهَبْ؛ لِأنَّ في النِّداءِ مَعْنى القَوْلِ. وأمّا أنَّ ذَلِكَ النِّداءَ كانَ بِإسْماعِ الكَلامِ القَدِيمِ، أوْ بِإسْماعِ الحَرْفِ والصَّوْتِ، وإنْ كانَ عَلى هَذا الوَجْهِ فَكَيْفَ عَرَفَ مُوسى أنَّهُ كَلامُ اللَّهِ؟ فَكُلُّ ذَلِكَ قَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ (طه) .
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: أنَّ سائِرَ الآياتِ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى في أوَّلِ ما نادى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ذَكَرَ لَهُ أشْياءَ كَثِيرَةً، كَقَوْلِهِ في سُورَةِ (طه): ﴿نُودِيَ يامُوسى﴾ ﴿إنِّي أنا رَبُّكَ﴾ [طه: ١٢،١١] إلى قَوْلِهِ: ﴿لِنُرِيَكَ مِن آياتِنا الكُبْرى﴾ ﴿اذْهَبْ إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى﴾ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ قَوْلَهُ هاهُنا: ﴿اذْهَبْ إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى﴾ مِن جُمْلَةِ ما ناداهُ
صفحة ٣٧
بِهِ رَبُّهُ، لا أنَّهُ كُلُّ ما ناداهُ بِهِ، وأيْضًا لَيْسَ الغَرَضُ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مَبْعُوثًا إلى فِرْعَوْنَ فَقَطْ، بَلْ إلى كُلِّ مَن كانَ في ذَلِكَ الطَّرَفِ، إلّا أنَّهُ خَصَّهُ بِالذِّكْرِ لِأنَّ دَعْوَتَهُ جارِيَةٌ مَجْرى دَعْوَةِ كُلِّ ذَلِكَ القَوْمِ.
المَسْألَةُ السّابِعَةُ: الطُّغْيانُ مُجاوَزَةُ الحَدِّ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمْ يُبَيِّنْ أنَّهُ تَعَدّى في أيِّ شَيْءٍ، فَلِهَذا قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: مَعْناهُ أنَّهُ تَكَبَّرَ عَلى اللَّهِ وكَفَرَ بِهِ، وقالَ آخَرُونَ: إنَّهُ طَغى عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، والأوْلى عِنْدِي الجَمْعُ بَيْنَ الأمْرَيْنِ، فالمَعْنى أنَّهُ طَغى عَلى الخالِقِ بِأنْ كَفَرَ بِهِ، وطَغى عَلى الخَلْقِ بِأنْ تَكَبَّرَ عَلَيْهِمْ واسْتَعْبَدَهُمْ، وكَما أنَّ كَمالَ العُبُودِيَّةِ لَيْسَ إلّا صِدْقَ المُعامَلَةِ مَعَ الخالِقِ ومَعَ الخَلْقِ، فَكَذا كَمالُ الطُّغْيانِ لَيْسَ إلّا الجَمْعُ بَيْنَ سُوءِ المُعامَلَةِ مَعَ الخالِقِ ومَعَ الخَلْقِ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَعَثَهُ إلى فِرْعَوْنَ لَقَّنَهُ كَلامَيْنِ لِيُخاطِبَهُ بِهِما:
النازعات 79:16
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ مُوسى﴾ ﴿إذْ ناداهُ رَبُّهُ بِالوادِي المُقَدَّسِ طُوًى﴾ ﴿اذْهَبْ إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى﴾ فِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ وجْهَ المُناسَبَةِ بَيْنَ هَذِهِ القِصَّةِ وبَيْنَ ما قَبْلَها مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى حَكى عَنِ الكُفّارِ إصْرارَهم عَلى إنْكارِ البَعْثِ حَتّى انْتَهَوْا في ذَلِكَ الإنْكارِ إلى حَدِّ الِاسْتِهْزاءِ في قَوْلِهِمْ: ﴿تِلْكَ إذًا كَرَّةٌ خاسِرَةٌ﴾ وكانَ ذَلِكَ يَشُقُّ عَلى مُحَمَّدٍ -ﷺ- فَذَكَرَ قِصَّةَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وبَيَّنَ أنَّهُ تَحَمَّلَ المَشَقَّةَ الكَثِيرَةَ في دَعْوَةِ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ ذَلِكَ كالتَّسْلِيَةِ لِلرَّسُولِ -ﷺ- . الثّانِي: أنَّ فِرْعَوْنَ كانَ أقْوى مِن كُفّارِ قُرَيْشٍ وأكْثَرَ جَمْعًا وأشَدَّ شَوْكَةً، فَلَمّا تَمَرَّدَ عَلى مُوسى أخَذَهُ اللَّهُ نَكالَ الآخِرَةِ والأُولى، فَكَذَلِكَ هَؤُلاءِ المُشْرِكُونَ في تَمَرُّدِهِمْ عَلَيْكَ إنْ أصَرُّوا أخَذَهُمُ اللَّهُ وجَعَلَهم نَكالًا.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿هَلْ أتاكَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ ألَيْسَ قَدْ ﴿أتاكَ حَدِيثُ مُوسى﴾، هَذا إنْ كانَ قَدْ أتاهُ ذَلِكَ قَبْلَ هَذا الكَلامِ، أمّا إنْ لَمْ يَكُنْ قَدْ أتاهُ فَقَدْ يَجُوزُ أنْ يُقالَ: ﴿هَلْ أتاكَ﴾ كَذا أمْ أنا أُخْبِرُكَ بِهِ فَإنَّ فِيهِ عِبْرَةً لِمَن يَخْشى؟
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الوادِي المُقَدَّسُ المُبارَكُ المُطَهَّرُ، وفي قَوْلِهِ: (طُوًى) وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّهُ اسْمُ وادٍ بِالشّامِ وهو عِنْدَ الطُّورِ الَّذِي أقْسَمَ اللَّهُ بِهِ في قَوْلِهِ: ( والطُّورِ ﴿وكِتابٍ مَسْطُورٍ﴾ [الطُّورِ: ٢،١] وقَوْلِهِ: ﴿ونادَيْناهُ مِن جانِبِ الطُّورِ الأيْمَنِ﴾ [مَرْيَمَ: ٥٢] .
والثّانِي: أنَّهُ بِمَعْنى: يا رَجُلُ بِالعِبْرانِيَّةِ، فَكَأنَّهُ قالَ: يا رَجُلُ، ﴿اذْهَبْ إلى فِرْعَوْنَ﴾، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: (طُوًى) أيْ ناداهُ (طُوًى) مِنَ اللَّيْلَةِ ﴿اذْهَبْ إلى فِرْعَوْنَ﴾ لِأنَّكَ تَقُولُ: جِئْتُكَ بَعْدَ (طُوًى) أيْ بَعْدَ ساعَةٍ مِنَ اللَّيْلِ.
والرّابِعُ: أنْ يَكُونَ المَعْنى بِالوادِي المُقَدَّسِ الَّذِي طُوِيَ أيْ بُورِكَ فِيهِ مَرَّتَيْنِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو: ”طُوى“ بِضَمِّ الطّاءِ غَيْرَ مُنَوَّنٍ، وقَرَأ الباقُونَ بِضَمِّ الطّاءِ مُنَوَّنًا، ورُوِيَ عَنْ أبِي عَمْرٍو: طِوى بِكَسْرِ الطّاءِ وطَوى مِثْلُ ثَنى، وهُما اسْمانِ لِلشَّيْءِ المَثْنِيِّ، والطَّيُّ بِمَعْنى الثَّنْيِ، أيْ ثَنَّيْتُ في البَرَكَةِ والتَّقْدِيسِ، قالَ الفَرّاءُ: ”طُوى“ وادٍ بَيْنَ المَدِينَةِ ومِصْرَ، فَمَن صَرَفَهُ قالَ: هو ذَكَرٌ سَمَّيْنا بِهِ ذَكَرًا، ومَن لَمْ يَصْرِفْهُ جَعَلَهُ مَعْدُولًا عَنْ جِهَتِهِ كَعُمَرَ وزُفَرَ، ثُمَّ قالَ: والصَّرْفُ أحَبُّ إلَيَّ إذْ لَمْ أجِدْ في المَعْدُولِ نَظِيرًا، أيْ لَمْ أجِدِ اسْمًا مِنَ الواوِ والياءِ عُدِلَ عَنْ فاعِلِهِ إلى فِعْلٍ غَيْرَ (طُوًى) .
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: تَقْدِيرُ الآيَةِ: إذْ ناداهُ رَبُّهُ وقالَ: اذْهَبْ إلى فِرْعَوْنَ، وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ: أنِ اذْهَبْ؛ لِأنَّ في النِّداءِ مَعْنى القَوْلِ. وأمّا أنَّ ذَلِكَ النِّداءَ كانَ بِإسْماعِ الكَلامِ القَدِيمِ، أوْ بِإسْماعِ الحَرْفِ والصَّوْتِ، وإنْ كانَ عَلى هَذا الوَجْهِ فَكَيْفَ عَرَفَ مُوسى أنَّهُ كَلامُ اللَّهِ؟ فَكُلُّ ذَلِكَ قَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ (طه) .
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: أنَّ سائِرَ الآياتِ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى في أوَّلِ ما نادى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ذَكَرَ لَهُ أشْياءَ كَثِيرَةً، كَقَوْلِهِ في سُورَةِ (طه): ﴿نُودِيَ يامُوسى﴾ ﴿إنِّي أنا رَبُّكَ﴾ [طه: ١٢،١١] إلى قَوْلِهِ: ﴿لِنُرِيَكَ مِن آياتِنا الكُبْرى﴾ ﴿اذْهَبْ إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى﴾ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ قَوْلَهُ هاهُنا: ﴿اذْهَبْ إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى﴾ مِن جُمْلَةِ ما ناداهُ
صفحة ٣٧
بِهِ رَبُّهُ، لا أنَّهُ كُلُّ ما ناداهُ بِهِ، وأيْضًا لَيْسَ الغَرَضُ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مَبْعُوثًا إلى فِرْعَوْنَ فَقَطْ، بَلْ إلى كُلِّ مَن كانَ في ذَلِكَ الطَّرَفِ، إلّا أنَّهُ خَصَّهُ بِالذِّكْرِ لِأنَّ دَعْوَتَهُ جارِيَةٌ مَجْرى دَعْوَةِ كُلِّ ذَلِكَ القَوْمِ.
المَسْألَةُ السّابِعَةُ: الطُّغْيانُ مُجاوَزَةُ الحَدِّ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمْ يُبَيِّنْ أنَّهُ تَعَدّى في أيِّ شَيْءٍ، فَلِهَذا قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: مَعْناهُ أنَّهُ تَكَبَّرَ عَلى اللَّهِ وكَفَرَ بِهِ، وقالَ آخَرُونَ: إنَّهُ طَغى عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، والأوْلى عِنْدِي الجَمْعُ بَيْنَ الأمْرَيْنِ، فالمَعْنى أنَّهُ طَغى عَلى الخالِقِ بِأنْ كَفَرَ بِهِ، وطَغى عَلى الخَلْقِ بِأنْ تَكَبَّرَ عَلَيْهِمْ واسْتَعْبَدَهُمْ، وكَما أنَّ كَمالَ العُبُودِيَّةِ لَيْسَ إلّا صِدْقَ المُعامَلَةِ مَعَ الخالِقِ ومَعَ الخَلْقِ، فَكَذا كَمالُ الطُّغْيانِ لَيْسَ إلّا الجَمْعُ بَيْنَ سُوءِ المُعامَلَةِ مَعَ الخالِقِ ومَعَ الخَلْقِ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَعَثَهُ إلى فِرْعَوْنَ لَقَّنَهُ كَلامَيْنِ لِيُخاطِبَهُ بِهِما:
النازعات 79:17
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ مُوسى﴾ ﴿إذْ ناداهُ رَبُّهُ بِالوادِي المُقَدَّسِ طُوًى﴾ ﴿اذْهَبْ إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى﴾ فِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ وجْهَ المُناسَبَةِ بَيْنَ هَذِهِ القِصَّةِ وبَيْنَ ما قَبْلَها مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى حَكى عَنِ الكُفّارِ إصْرارَهم عَلى إنْكارِ البَعْثِ حَتّى انْتَهَوْا في ذَلِكَ الإنْكارِ إلى حَدِّ الِاسْتِهْزاءِ في قَوْلِهِمْ: ﴿تِلْكَ إذًا كَرَّةٌ خاسِرَةٌ﴾ وكانَ ذَلِكَ يَشُقُّ عَلى مُحَمَّدٍ -ﷺ- فَذَكَرَ قِصَّةَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وبَيَّنَ أنَّهُ تَحَمَّلَ المَشَقَّةَ الكَثِيرَةَ في دَعْوَةِ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ ذَلِكَ كالتَّسْلِيَةِ لِلرَّسُولِ -ﷺ- . الثّانِي: أنَّ فِرْعَوْنَ كانَ أقْوى مِن كُفّارِ قُرَيْشٍ وأكْثَرَ جَمْعًا وأشَدَّ شَوْكَةً، فَلَمّا تَمَرَّدَ عَلى مُوسى أخَذَهُ اللَّهُ نَكالَ الآخِرَةِ والأُولى، فَكَذَلِكَ هَؤُلاءِ المُشْرِكُونَ في تَمَرُّدِهِمْ عَلَيْكَ إنْ أصَرُّوا أخَذَهُمُ اللَّهُ وجَعَلَهم نَكالًا.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿هَلْ أتاكَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ ألَيْسَ قَدْ ﴿أتاكَ حَدِيثُ مُوسى﴾، هَذا إنْ كانَ قَدْ أتاهُ ذَلِكَ قَبْلَ هَذا الكَلامِ، أمّا إنْ لَمْ يَكُنْ قَدْ أتاهُ فَقَدْ يَجُوزُ أنْ يُقالَ: ﴿هَلْ أتاكَ﴾ كَذا أمْ أنا أُخْبِرُكَ بِهِ فَإنَّ فِيهِ عِبْرَةً لِمَن يَخْشى؟
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الوادِي المُقَدَّسُ المُبارَكُ المُطَهَّرُ، وفي قَوْلِهِ: (طُوًى) وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّهُ اسْمُ وادٍ بِالشّامِ وهو عِنْدَ الطُّورِ الَّذِي أقْسَمَ اللَّهُ بِهِ في قَوْلِهِ: ( والطُّورِ ﴿وكِتابٍ مَسْطُورٍ﴾ [الطُّورِ: ٢،١] وقَوْلِهِ: ﴿ونادَيْناهُ مِن جانِبِ الطُّورِ الأيْمَنِ﴾ [مَرْيَمَ: ٥٢] .
والثّانِي: أنَّهُ بِمَعْنى: يا رَجُلُ بِالعِبْرانِيَّةِ، فَكَأنَّهُ قالَ: يا رَجُلُ، ﴿اذْهَبْ إلى فِرْعَوْنَ﴾، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: (طُوًى) أيْ ناداهُ (طُوًى) مِنَ اللَّيْلَةِ ﴿اذْهَبْ إلى فِرْعَوْنَ﴾ لِأنَّكَ تَقُولُ: جِئْتُكَ بَعْدَ (طُوًى) أيْ بَعْدَ ساعَةٍ مِنَ اللَّيْلِ.
والرّابِعُ: أنْ يَكُونَ المَعْنى بِالوادِي المُقَدَّسِ الَّذِي طُوِيَ أيْ بُورِكَ فِيهِ مَرَّتَيْنِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو: ”طُوى“ بِضَمِّ الطّاءِ غَيْرَ مُنَوَّنٍ، وقَرَأ الباقُونَ بِضَمِّ الطّاءِ مُنَوَّنًا، ورُوِيَ عَنْ أبِي عَمْرٍو: طِوى بِكَسْرِ الطّاءِ وطَوى مِثْلُ ثَنى، وهُما اسْمانِ لِلشَّيْءِ المَثْنِيِّ، والطَّيُّ بِمَعْنى الثَّنْيِ، أيْ ثَنَّيْتُ في البَرَكَةِ والتَّقْدِيسِ، قالَ الفَرّاءُ: ”طُوى“ وادٍ بَيْنَ المَدِينَةِ ومِصْرَ، فَمَن صَرَفَهُ قالَ: هو ذَكَرٌ سَمَّيْنا بِهِ ذَكَرًا، ومَن لَمْ يَصْرِفْهُ جَعَلَهُ مَعْدُولًا عَنْ جِهَتِهِ كَعُمَرَ وزُفَرَ، ثُمَّ قالَ: والصَّرْفُ أحَبُّ إلَيَّ إذْ لَمْ أجِدْ في المَعْدُولِ نَظِيرًا، أيْ لَمْ أجِدِ اسْمًا مِنَ الواوِ والياءِ عُدِلَ عَنْ فاعِلِهِ إلى فِعْلٍ غَيْرَ (طُوًى) .
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: تَقْدِيرُ الآيَةِ: إذْ ناداهُ رَبُّهُ وقالَ: اذْهَبْ إلى فِرْعَوْنَ، وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ: أنِ اذْهَبْ؛ لِأنَّ في النِّداءِ مَعْنى القَوْلِ. وأمّا أنَّ ذَلِكَ النِّداءَ كانَ بِإسْماعِ الكَلامِ القَدِيمِ، أوْ بِإسْماعِ الحَرْفِ والصَّوْتِ، وإنْ كانَ عَلى هَذا الوَجْهِ فَكَيْفَ عَرَفَ مُوسى أنَّهُ كَلامُ اللَّهِ؟ فَكُلُّ ذَلِكَ قَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ (طه) .
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: أنَّ سائِرَ الآياتِ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى في أوَّلِ ما نادى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ذَكَرَ لَهُ أشْياءَ كَثِيرَةً، كَقَوْلِهِ في سُورَةِ (طه): ﴿نُودِيَ يامُوسى﴾ ﴿إنِّي أنا رَبُّكَ﴾ [طه: ١٢،١١] إلى قَوْلِهِ: ﴿لِنُرِيَكَ مِن آياتِنا الكُبْرى﴾ ﴿اذْهَبْ إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى﴾ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ قَوْلَهُ هاهُنا: ﴿اذْهَبْ إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى﴾ مِن جُمْلَةِ ما ناداهُ
صفحة ٣٧
بِهِ رَبُّهُ، لا أنَّهُ كُلُّ ما ناداهُ بِهِ، وأيْضًا لَيْسَ الغَرَضُ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مَبْعُوثًا إلى فِرْعَوْنَ فَقَطْ، بَلْ إلى كُلِّ مَن كانَ في ذَلِكَ الطَّرَفِ، إلّا أنَّهُ خَصَّهُ بِالذِّكْرِ لِأنَّ دَعْوَتَهُ جارِيَةٌ مَجْرى دَعْوَةِ كُلِّ ذَلِكَ القَوْمِ.
المَسْألَةُ السّابِعَةُ: الطُّغْيانُ مُجاوَزَةُ الحَدِّ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمْ يُبَيِّنْ أنَّهُ تَعَدّى في أيِّ شَيْءٍ، فَلِهَذا قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: مَعْناهُ أنَّهُ تَكَبَّرَ عَلى اللَّهِ وكَفَرَ بِهِ، وقالَ آخَرُونَ: إنَّهُ طَغى عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، والأوْلى عِنْدِي الجَمْعُ بَيْنَ الأمْرَيْنِ، فالمَعْنى أنَّهُ طَغى عَلى الخالِقِ بِأنْ كَفَرَ بِهِ، وطَغى عَلى الخَلْقِ بِأنْ تَكَبَّرَ عَلَيْهِمْ واسْتَعْبَدَهُمْ، وكَما أنَّ كَمالَ العُبُودِيَّةِ لَيْسَ إلّا صِدْقَ المُعامَلَةِ مَعَ الخالِقِ ومَعَ الخَلْقِ، فَكَذا كَمالُ الطُّغْيانِ لَيْسَ إلّا الجَمْعُ بَيْنَ سُوءِ المُعامَلَةِ مَعَ الخالِقِ ومَعَ الخَلْقِ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَعَثَهُ إلى فِرْعَوْنَ لَقَّنَهُ كَلامَيْنِ لِيُخاطِبَهُ بِهِما:
النازعات 79:18
فالأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقُلْ هَلْ لَكَ إلى أنْ تَزَكّى﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: يُقالُ: هَلْ لَكَ في كَذا، وهَلْ لَكَ إلى كَذا، كَما تَقُولُ: هَلْ تَرْغَبُ فِيهِ؟ وهَلْ تَرْغَبُ إلَيْهِ؟ قالَ الواحِدِيُّ: المُبْتَدَأُ مَحْذُوفٌ في اللَّفْظِ مُرادٌ في المَعْنى، والتَّقْدِيرُ: هَلْ لَكَ إلى أنْ تَزَكّى حاجَةٌ أوْ إرْبَةٌ؟ قالَ الشّاعِرُ:
فَهَلْ لَكم فِيها إلَيَّ فَإنَّنِي بَصِيرٌ بِما أعْيا النِّطاسِيَّ حِذْيَما
ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: هَلْ لَكَ سَبِيلٌ إلى أنْ تَزَكّى.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الزَّكِيُّ الطّاهِرُ مِنَ العُيُوبِ كُلِّها، قالَ: ﴿أقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً﴾ [الكَهْفِ: ٧٤] وقالَ: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾ [الشَّمْسِ: ٩] وهَذِهِ الكَلِمَةُ جامِعَةٌ لِكُلِّ ما يَدْعُوهُ إلَيْهِ؛ لِأنَّ المُرادَ هَلْ لَكَ إلى أنْ تَفْعَلَ ما تَصِيرُ بِهِ زاكِيًا عَنْ كُلِّ ما لا يَنْبَغِي، وذَلِكَ بِجَمْعِ كَلِّ ما يَتَّصِلُ بِالتَّوْحِيدِ والشَّرائِعِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: فِيهِ قِراءَتانِ: التَّشْدِيدُ عَلى إدْغامِ تاءِ التَّفَعُّلِ في الزّايِ لِتَقارُبِهِما، والتَّخْفِيفُ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: المُعْتَزِلَةُ تَمَسَّكُوا بِهِ في إبْطالِ كَوْنِ اللَّهِ تَعالى خالِقًا لِفِعْلِ العَبْدِ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَإنَّ هَذا اسْتِفْهامٌ عَلى سَبِيلِ التَّقْرِيرِ، أيْ لَكَ سَبِيلٌ إلى أنْ تَزَكّى، ولَوْ كانَ ذَلِكَ بِفِعْلِ اللَّهِ تَعالى لانْقَلَبَ الكَلامُ عَلى مُوسى، والجَوابُ عَنْ أمْثالِهِ تَقَدَّمَ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: أنَّهُ لَمّا قالَ لَهُما: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾ [طه: ٤٤] فَكَأنَّهُ تَعالى رَتَّبَ لَهُما ذَلِكَ الكَلامَ اللَّيِّنَ الرَّقِيقَ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا بُدَّ في الدَّعْوَةِ إلى اللَّهِ مِنَ اللِّينِ والرِّفْقِ وتَرْكِ الغِلْظَةِ، ولِهَذا قالَ لِمُحَمَّدٍ -ﷺ-: ﴿ولَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ القَلْبِ لانْفَضُّوا مِن حَوْلِكَ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٥٩] ويَدُلُّ عَلى أنَّ الَّذِينَ يُخاشِنُونَ النّاسَ ويُبالِغُونَ في التَّعَصُّبِ، كَأنَّهم عَلى ضِدِّ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْبِياءَهُ ورُسُلَهُ.
النازعات 79:19
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وأهْدِيَكَ إلى رَبِّكَ فَتَخْشى﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
صفحة ٣٨
المَسْألَةُ الأُولى: القائِلُونَ بِأنَّ مَعْرِفَةَ اللَّهِ لا تُسْتَفادُ إلّا مِنَ الهادِي تَمَسَّكُوا بِهَذِهِ الآيَةِ، وقالُوا: إنَّها صَرِيحَةٌ في أنَّهُ يَهْدِيهِ إلى مَعْرِفَةِ اللَّهِ، ثُمَّ قالُوا: ومِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا هو المَقْصُودُ الأعْظَمُ مِن بِعْثَةِ الرُّسُلِ أمْرانِ: الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿هَلْ لَكَ إلى أنْ تَزَكّى﴾ يَتَناوَلُ جَمِيعَ الأُمُورِ الَّتِي لا بُدَّ لِلْمَبْعُوثِ إلَيْهِ مِنها، فَيَدْخُلُ فِيهِ هَذِهِ الهِدايَةُ، فَلَمّا أعادَهُ بَعْدَ ذَلِكَ عَلِمَ أنَّهُ هو المَقْصُودُ الأعْظَمُ مِنَ البَعْثَةِ. والثّانِي: أنَّ مُوسى خَتَمَ كَلامَهُ عَلَيْهِ، وذَلِكَ يُنَبِّهُ أيْضًا عَلى أنَّهُ أشْرَفُ المَقاصِدِ مِنَ البَعْثَةِ. والجَوابُ: أنّا لا نَمْنَعُ أنْ يَكُونَ لِلتَّنْبِيهِ والإشارَةِ مَعُونَةً في الكَشْفِ عَنِ الحَقِّ، إنَّما النِّزاعُ في أنَّكم تَقُولُونَ: يَسْتَحِيلُ حُصُولُهُ إلّا مِنَ المُعْلِمِ، ونَحْنُ لا نُحِلُّ ذَلِكَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ مَعْرِفَةَ اللَّهِ مُقَدَّمَةٌ عَلى طاعَتِهِ؛ لِأنَّهُ ذَكَرَ الهِدايَةَ وجَعَلَ الخَشْيَةَ مُؤَخَّرَةً عَنْها ومُفَرَّعَةً عَلَيْها، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى في أوَّلِ النَّحْلِ: ﴿أنْ أنْذِرُوا أنَّهُ لا إلَهَ إلّا أنا فاتَّقُونِ﴾ [النَّحْلِ: ٢] وفي طه: ﴿إنَّنِي أنا اللَّهُ لا إلَهَ إلّا أنا فاعْبُدْنِي﴾ [طه: ١٤] .
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ الخَشْيَةَ لا تَكُونُ إلّا بِالمَعْرِفَةِ. قالَ تَعالى: ﴿إنَّما يَخْشى اللَّهَ مِن عِبادِهِ العُلَماءُ﴾ [فاطِرٍ: ٢٨] أيِ العُلَماءُ بِهِ، ودَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ الخَشْيَةَ مِلاكُ الخَيْراتِ؛ لِأنَّ مَن خَشِيَ اللَّهَ أتى مِنهُ كُلُّ خَيْرٍ، ومَن أمِنَ اجْتَرَأ عَلى كُلِّ شَرٍّ، ومِنهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«مَن خافَ أدْلَجَ، ومَن أدْلَجَ بَلَغَ المَنزِلَ» “ .
النازعات 79:20
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأراهُ الآيَةَ الكُبْرى﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: الفاءُ في (فَأراهُ) مَعْطُوفٌ عَلى مَحْذُوفٍ مَعْلُومٍ، يَعْنِي فَذَهَبَ فَأراهُ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَقُلْنا اضْرِبْ بِعَصاكَ الحَجَرَ فانْفَجَرَتْ﴾ أيْ فَضَرَبَ فانْفَجَرَتْ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في الآيَةِ الكُبْرى عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ:
الأوَّلُ: قالَ مُقاتِلٌ والكَلْبِيُّ: هي اليَدُ، لِقَوْلِهِ في النمل: ﴿وأدْخِلْ يَدَكَ في جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ﴾ آيَةٌ أُخْرى: ﴿لِنُرِيَكَ مِن آياتِنا الكُبْرى﴾ [طه: ٢٣] .
القَوْلُ الثّانِي: قالَ عَطاءٌ: هي العَصا؛ لِأنَّهُ لَيْسَ في اليَدِ إلّا انْقِلابُ لَوْنِهِ إلى لَوْنٍ آخَرَ، وهَذا المَعْنى كانَ حاصِلًا في العَصا؛ لِأنَّها لَمّا انْقَلَبَتْ حَيَّةً فَلا بُدَّ وأنْ يَكُونَ قَدْ تَغَيَّرَ اللَّوْنُ الأوَّلُ، فَإذًا كَلُّ ما في اليَدِ فَهو حاصِلٌ في العَصا، ثُمَّ حَصَلَ في العَصا أُمُورٌ أُخْرى أزْيَدُ مِن ذَلِكَ، مِنها حُصُولُ الحَياةِ في الجِرْمِ الجَمادِيِّ، ومِنها تَزايُدُ أجْزائِهِ وأجْسامِهِ، ومِنها حُصُولُ القُدْرَةِ الكَبِيرَةِ والقُوَّةِ الشَّدِيدَةِ، ومِنها أنَّها كانَتِ ابْتَلَعَتْ أشْياءَ كَثِيرَةً وكَأنَّها فَنِيَتْ، ومِنها زَوالُ الحَياةِ والقُدْرَةِ عَنْها، وفَناءُ تِلْكَ الأجْزاءِ الَّتِي حَصَلَ عِظَمُها، وزَوالُ ذَلِكَ اللَّوْنِ والشَّكْلِ اللَّذَيْنِ بِهِما صارَتِ العَصا حَيَّةً، وكُلُّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الوُجُوهِ كانَ مُعْجِزًا مُسْتَقِلًّا في نَفْسِهِ، فَعَلِمْنا أنَّ الآيَةَ الكُبْرى هي العَصا. والقَوْلُ الثّالِثُ في هَذِهِ المَسْألَةِ قَوْلُ مُجاهِدٍ، وهو أنَّ المُرادَ مِنَ الآيَةِ الكُبْرى مَجْمُوعُ اليَدِ والعَصا، وذَلِكَ لِأنَّ سائِرَ الآياتِ دَلَّتْ عَلى أنَّ أوَّلَ ما أظْهَرَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِفِرْعَوْنَ هو العَصا، ثُمَّ أتْبَعَهُ بِاليَدِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الآيَةِ الكُبْرى مَجْمُوعَهُما.
النازعات 79:21
وفِيهِ مَسائِلُ:
أحَدُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكَذَّبَ وعَصى﴾ المَسْألَةُ الأُولى: مَعْنى قَوْلِهِ: (فَكَذَّبُ) أنَّهُ كَذَّبَ بِدَلالَةِ ذَلِكَ المُعْجِزِ عَلى صِدْقِهِ. واعْلَمْ أنَّ القَدْحَ في دَلالَةِ المُعْجِزَةِ عَلى الصِّدْقِ إمّا لِاعْتِقادِ أنَّهُ يُمْكِنُ مُعارَضَتُهُ، أوْ لِأنَّهُ وإنِ امْتَنَعَتْ مُعارَضَتُهُ لَكِنَّهُ لَيْسَ فِعْلًا لِلَّهِ بَلْ لِغَيْرِهِ، إمّا فِعْلُ جِنِّيٍّ أوْ فِعْلُ مَلَكٍ، أوْ إنْ كانَ فِعْلًا لِلَّهِ تَعالى لَكِنَّهُ ما فَعَلَهُ لِغَرَضِ التَّصْدِيقِ، أوْ إنْ كانَ فَعَلَهُ لِغَرَضِ التَّصْدِيقِ لَكِنَّهُ لا يَلْزَمُ صِدْقُ المُدَّعِي، فَإنَّهُ لا يَقْبُحُ مِنَ اللَّهِ شَيْءٌ البَتَّةَ، فَهَذِهِ مَجامِعُ الطَّعْنِ في دَلالَةِ المُعْجِزِ عَلى الصِّدْقِ، وما بَعْدَ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ فِرْعَوْنَ إنَّما مُنِعَ مِن دَلالَتِهِ عَنِ الصِّدْقِ لِاعْتِقادِهِ أنَّهُ يُمْكِنُ مُعارَضَتُهُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿فَحَشَرَ فَنادى﴾ وهو كَقَوْلِهِ: ﴿فَأرْسَلَ فِرْعَوْنُ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ [الشُّعَراءِ: ٥٣] .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في الآيَةِ سُؤالٌ وهو أنَّ كُلَّ أحَدٍ يَعْلَمُ أنَّ كُلَّ مَن كَذَّبَ اللَّهَ فَقَدْ عَصى، فَما الفائِدَةُ في قَوْلِهِ: ﴿فَكَذَّبَ وعَصى﴾ ؟ والجَوابُ: كَذَّبَ بِالقَلْبِ واللِّسانِ، وعَصى بِأنْ أظْهَرَ التَّمَرُّدَ والتَّجَبُّرَ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: هَذا الَّذِي وصَفَهُ اللَّهُ تَعالى بِهِ مِنَ التَّكْذِيبِ والمَعْصِيَةِ مُغايِرٌ لِما كانَ حاصِلًا قَبْلَ ذَلِكَ؛ لِأنَّ تَكْذِيبَهُ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وقَدْ دَعاهُ وأظْهَرَ هَذِهِ المُعْجِزَةَ، يُوفِي عَلى ما تَقَدَّمَ مِنَ التَّكْذِيبِ، ومَعْصِيَتُهُ بِتَرْكِ القَبُولِ مِنهُ والحالُ هَذِهِ مُخالِفَةٌ لِمَعْصِيَتِهِ مِن قَبْلِ ذَلِكَ.
وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ أدْبَرَ يَسْعى﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّهُ لَمّا رَأى الثُّعْبانَ أدْبَرَ مَرْعُوبًا يَسْعى يُسْرِعُ في مَشْيِهِ، قالَ الحَسَنُ: كانَ رَجُلًا طَيّاشًا خَفِيفًا.
وثانِيها: تَوَلّى عَنْ مُوسى يَسْعى ويَجْتَهِدُ في مُكايَدَتِهِ.
وثالِثُها: أنْ يَكُونَ المَعْنى: ثُمَّ أقْبَلَ يَسْعى، كَما يُقالُ: فُلانٌ أقْبَلَ يَفْعَلُ كَذا، بِمَعْنى أنْشَأ يَفْعَلُ، فَوُضِعَ أدْبَرَ وضْعَ أقْبَلَ لِئَلّا يُوصَفَ بِالإقْبالِ.
وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿فَحَشَرَ فَنادى﴾ ﴿فَقالَ أنا رَبُّكُمُ الأعْلى﴾ فَحَشَرَ فَجَمَعَ السَّحَرَةَ كَقَوْلِهِ: ﴿فَأرْسَلَ فِرْعَوْنُ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ فَنادى في المَقامِ الَّذِي اجْتَمَعُوا فِيهِ مَعَهُ، أوْ أمَرَ مُنادِيًا فَنادى في النّاسِ بِذَلِكَ، وقِيلَ: قامَ فِيهِمْ خَطِيبًا فَقالَ تِلْكَ الكَلِمَةَ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: كَلِمَتُهُ الأُولى: ﴿ما عَلِمْتُ لَكم مِن إلَهٍ غَيْرِي﴾ [القَصَصِ: ٣٨] والآخِرَةُ: ﴿أنا رَبُّكُمُ الأعْلى﴾ .
واعْلَمْ أنّا بَيَّنّا في سُورَةِ (طه) أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَعْتَقِدَ الإنْسانُ في نَفْسِهِ كَوْنَهُ خالِقًا لِلسَّماواتِ والأرْضِ والجِبالِ والنَّباتِ والحَيَوانِ والإنْسانِ، فَإنَّ العِلْمَ بِفَسادِ ذَلِكَ ضَرُورِيٌّ، فَمَن تَشَكَّكَ فِيهِ كانَ مَجْنُونًا، ولَوْ كانَ مَجْنُونًا لَما جازَ مِنَ اللَّهِ بَعْثَةُ الأنْبِياءِ والرُّسُلِ إلَيْهِ، بَلِ الرَّجُلُ كانَ دَهْرِيًّا مُنْكِرًا لِلصّانِعِ والحَشْرِ والنَّشْرِ، وكانَ يَقُولُ: لَيْسَ لِأحَدٍ عَلَيْكم أمْرٌ ولا نَهْيٌ إلّا لِي، فَأنا رَبُّكم بِمَعْنى مُرَبِّيكم والمُحْسِنِ إلَيْكُمْ، ولَيْسَ لِلْعالَمِ إلَهٌ حَتّى يَكُونَ لَهُ عَلَيْكم أمْرٌ ونَهْيٌ، أوْ يَبْعَثَ إلَيْكم رَسُولًا، قالَ القاضِي: وقَدْ كانَ الألْيَقُ بِهِ بَعْدَ ظُهُورِ خِزْيِهِ عِنْدَ انْقِلابِ العَصا حَيَّةً أنْ لا يَقُولَ هَذا القَوْلَ؛ لِأنَّ عِنْدَ ظُهُورِ الذِّلَّةِ والعَجْزِ كَيْفَ يَلِيقُ أنْ يَقُولَ: ﴿أنا رَبُّكُمُ الأعْلى﴾ ؟ فَدَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ في ذَلِكَ الوَقْتِ صارَ كالمَعْتُوهِ الَّذِي لا يَدْرِي ما يَقُولُ.
صفحة ٤٠
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْهُ أفْعالَهُ وأقْوالَهُ أتْبَعَهُ بِما عامَلَهُ بِهِ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأخَذَهُ اللَّهُ نَكالَ الآخِرَةِ والأُولى﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: ذَكَرُوا في نَصْبِ (نَكالَ) وجْهَيْنِ، الأوَّلُ: قالَ الزَّجّاجُ: إنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكَّدٌ لِأنَّ مَعْنى أخَذَهُ اللَّهُ، نَكَلَ بِهِ اللَّهُ نَكالَ الآخِرَةِ والأُولى؛ لِأنَّ أخَذَهُ ونَكَلَهُ مُتَقارِبانِ، وهو كَما يُقالُ: أدَعُهُ تَرْكًا شَدِيدًا؛ لِأنَّ أدَعُهُ وأتْرُكُهُ سَواءٌ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ أخْذَهُ ألِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [ هُودٍ: ١٠٢] . الثّانِي: قالَ الفَرّاءُ: يُرِيدُ أخَذَهُ اللَّهُ أخْذًا نَكالًا لِلْآخِرَةِ والأُولى، والنَّكالُ بِمَعْنى التَّنْكِيلِ كالسَّلامِ بِمَعْنى التَّسْلِيمِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ في هَذِهِ الآيَةِ وُجُوهًا:
أحَدُها: أنَّ الآخِرَةَ والأُولى صِفَةٌ لِكَلِمَتَيْ فِرْعَوْنَ، إحْداهُما قَوْلُهُ: ﴿ما عَلِمْتُ لَكم مِن إلَهٍ غَيْرِي﴾ والأُخْرى قَوْلُهُ: ﴿أنا رَبُّكُمُ الأعْلى﴾ قالُوا: وكانَ بَيْنَهُما أرْبَعُونَ سَنَةً، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ والشَّعْبِيِّ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ومُقاتِلٍ، ورِوايَةُ عَطاءٍ والكَلْبِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والمَقْصُودُ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّهُ ما أخَذَهُ بِكَلِمَتِهِ الأُولى في الحالِ، بَلْ أمْهَلَهُ أرْبَعِينَ سَنَةً، فَلَمّا ذَكَرَ الثّانِيَةَ أُخِذَ بِهِما، وهَذا تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ تَعالى يُمْهِلُ ولا يُهْمِلُ.
الثّانِي: وهو قَوْلُ الحَسَنِ وقَتادَةَ: ﴿نَكالَ الآخِرَةِ والأُولى﴾ أيْ عَذَّبَهُ في الآخِرَةِ، وأغْرَقَهُ في الدُّنْيا.
الثّالِثُ: الآخِرَةُ هي قَوْلُهُ: ﴿أنا رَبُّكُمُ الأعْلى﴾ والأُولى هي تَكْذِيبُهُ مُوسى حِينَ أراهُ الآيَةَ، قالَ القَفّالُ: وهَذا كَأنَّهُ هو الأظْهَرُ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿فَأراهُ الآيَةَ الكُبْرى﴾ ﴿فَكَذَّبَ وعَصى﴾ ﴿ثُمَّ أدْبَرَ يَسْعى﴾ ﴿فَحَشَرَ فَنادى﴾ ﴿فَقالَ أنا رَبُّكُمُ الأعْلى﴾ فَذَكَرَ المَعْصِيَتَيْنِ، ثُمَّ قالَ: ﴿فَأخَذَهُ اللَّهُ نَكالَ الآخِرَةِ والأُولى﴾ فَظَهَرَ أنَّ المُرادَ أنَّهُ عاتَبَهُ عَلى هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ اللَّيْثُ: ”النَّكالُ“ اسْمٌ لِمَن جُعِلَ نَكالًا لِغَيْرِهِ، وهو الَّذِي إذا رَآهُ أوْ بَلَغَهُ خافَ أنْ يَعْمَلَ عَمَلَهُ، وأصْلُ الكَلِمَةِ مِنَ الِامْتِناعِ، ومِنهُ النُّكُولُ عَنِ اليَمِينِ، وقِيلَ لِلْقَيْدِ: نِكْلٌ لِأنَّهُ يَمْنَعُ، فالنَّكالُ مِنَ العُقُوبَةِ هو أعْظَمُ حَتّى يَمْتَنِعَ مَن سَمِعَ بِهِ عَنِ ارْتِكابِ مِثْلِ ذَلِكَ الذَّنْبِ الَّذِي وقَعَ التَّنْكِيلُ بِهِ، وهو في العُرْفِ يَقَعُ عَلى ما يَفْتَضِحُ بِهِ صاحِبُهُ ويَعْتَبِرُ بِهِ غَيْرُهُ، واللَّهُ أعْلَمُ.
النازعات 79:22
وفِيهِ مَسائِلُ:
أحَدُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكَذَّبَ وعَصى﴾ المَسْألَةُ الأُولى: مَعْنى قَوْلِهِ: (فَكَذَّبُ) أنَّهُ كَذَّبَ بِدَلالَةِ ذَلِكَ المُعْجِزِ عَلى صِدْقِهِ. واعْلَمْ أنَّ القَدْحَ في دَلالَةِ المُعْجِزَةِ عَلى الصِّدْقِ إمّا لِاعْتِقادِ أنَّهُ يُمْكِنُ مُعارَضَتُهُ، أوْ لِأنَّهُ وإنِ امْتَنَعَتْ مُعارَضَتُهُ لَكِنَّهُ لَيْسَ فِعْلًا لِلَّهِ بَلْ لِغَيْرِهِ، إمّا فِعْلُ جِنِّيٍّ أوْ فِعْلُ مَلَكٍ، أوْ إنْ كانَ فِعْلًا لِلَّهِ تَعالى لَكِنَّهُ ما فَعَلَهُ لِغَرَضِ التَّصْدِيقِ، أوْ إنْ كانَ فَعَلَهُ لِغَرَضِ التَّصْدِيقِ لَكِنَّهُ لا يَلْزَمُ صِدْقُ المُدَّعِي، فَإنَّهُ لا يَقْبُحُ مِنَ اللَّهِ شَيْءٌ البَتَّةَ، فَهَذِهِ مَجامِعُ الطَّعْنِ في دَلالَةِ المُعْجِزِ عَلى الصِّدْقِ، وما بَعْدَ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ فِرْعَوْنَ إنَّما مُنِعَ مِن دَلالَتِهِ عَنِ الصِّدْقِ لِاعْتِقادِهِ أنَّهُ يُمْكِنُ مُعارَضَتُهُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿فَحَشَرَ فَنادى﴾ وهو كَقَوْلِهِ: ﴿فَأرْسَلَ فِرْعَوْنُ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ [الشُّعَراءِ: ٥٣] .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في الآيَةِ سُؤالٌ وهو أنَّ كُلَّ أحَدٍ يَعْلَمُ أنَّ كُلَّ مَن كَذَّبَ اللَّهَ فَقَدْ عَصى، فَما الفائِدَةُ في قَوْلِهِ: ﴿فَكَذَّبَ وعَصى﴾ ؟ والجَوابُ: كَذَّبَ بِالقَلْبِ واللِّسانِ، وعَصى بِأنْ أظْهَرَ التَّمَرُّدَ والتَّجَبُّرَ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: هَذا الَّذِي وصَفَهُ اللَّهُ تَعالى بِهِ مِنَ التَّكْذِيبِ والمَعْصِيَةِ مُغايِرٌ لِما كانَ حاصِلًا قَبْلَ ذَلِكَ؛ لِأنَّ تَكْذِيبَهُ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وقَدْ دَعاهُ وأظْهَرَ هَذِهِ المُعْجِزَةَ، يُوفِي عَلى ما تَقَدَّمَ مِنَ التَّكْذِيبِ، ومَعْصِيَتُهُ بِتَرْكِ القَبُولِ مِنهُ والحالُ هَذِهِ مُخالِفَةٌ لِمَعْصِيَتِهِ مِن قَبْلِ ذَلِكَ.
وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ أدْبَرَ يَسْعى﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّهُ لَمّا رَأى الثُّعْبانَ أدْبَرَ مَرْعُوبًا يَسْعى يُسْرِعُ في مَشْيِهِ، قالَ الحَسَنُ: كانَ رَجُلًا طَيّاشًا خَفِيفًا.
وثانِيها: تَوَلّى عَنْ مُوسى يَسْعى ويَجْتَهِدُ في مُكايَدَتِهِ.
وثالِثُها: أنْ يَكُونَ المَعْنى: ثُمَّ أقْبَلَ يَسْعى، كَما يُقالُ: فُلانٌ أقْبَلَ يَفْعَلُ كَذا، بِمَعْنى أنْشَأ يَفْعَلُ، فَوُضِعَ أدْبَرَ وضْعَ أقْبَلَ لِئَلّا يُوصَفَ بِالإقْبالِ.
وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿فَحَشَرَ فَنادى﴾ ﴿فَقالَ أنا رَبُّكُمُ الأعْلى﴾ فَحَشَرَ فَجَمَعَ السَّحَرَةَ كَقَوْلِهِ: ﴿فَأرْسَلَ فِرْعَوْنُ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ فَنادى في المَقامِ الَّذِي اجْتَمَعُوا فِيهِ مَعَهُ، أوْ أمَرَ مُنادِيًا فَنادى في النّاسِ بِذَلِكَ، وقِيلَ: قامَ فِيهِمْ خَطِيبًا فَقالَ تِلْكَ الكَلِمَةَ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: كَلِمَتُهُ الأُولى: ﴿ما عَلِمْتُ لَكم مِن إلَهٍ غَيْرِي﴾ [القَصَصِ: ٣٨] والآخِرَةُ: ﴿أنا رَبُّكُمُ الأعْلى﴾ .
واعْلَمْ أنّا بَيَّنّا في سُورَةِ (طه) أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَعْتَقِدَ الإنْسانُ في نَفْسِهِ كَوْنَهُ خالِقًا لِلسَّماواتِ والأرْضِ والجِبالِ والنَّباتِ والحَيَوانِ والإنْسانِ، فَإنَّ العِلْمَ بِفَسادِ ذَلِكَ ضَرُورِيٌّ، فَمَن تَشَكَّكَ فِيهِ كانَ مَجْنُونًا، ولَوْ كانَ مَجْنُونًا لَما جازَ مِنَ اللَّهِ بَعْثَةُ الأنْبِياءِ والرُّسُلِ إلَيْهِ، بَلِ الرَّجُلُ كانَ دَهْرِيًّا مُنْكِرًا لِلصّانِعِ والحَشْرِ والنَّشْرِ، وكانَ يَقُولُ: لَيْسَ لِأحَدٍ عَلَيْكم أمْرٌ ولا نَهْيٌ إلّا لِي، فَأنا رَبُّكم بِمَعْنى مُرَبِّيكم والمُحْسِنِ إلَيْكُمْ، ولَيْسَ لِلْعالَمِ إلَهٌ حَتّى يَكُونَ لَهُ عَلَيْكم أمْرٌ ونَهْيٌ، أوْ يَبْعَثَ إلَيْكم رَسُولًا، قالَ القاضِي: وقَدْ كانَ الألْيَقُ بِهِ بَعْدَ ظُهُورِ خِزْيِهِ عِنْدَ انْقِلابِ العَصا حَيَّةً أنْ لا يَقُولَ هَذا القَوْلَ؛ لِأنَّ عِنْدَ ظُهُورِ الذِّلَّةِ والعَجْزِ كَيْفَ يَلِيقُ أنْ يَقُولَ: ﴿أنا رَبُّكُمُ الأعْلى﴾ ؟ فَدَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ في ذَلِكَ الوَقْتِ صارَ كالمَعْتُوهِ الَّذِي لا يَدْرِي ما يَقُولُ.
صفحة ٤٠
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْهُ أفْعالَهُ وأقْوالَهُ أتْبَعَهُ بِما عامَلَهُ بِهِ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأخَذَهُ اللَّهُ نَكالَ الآخِرَةِ والأُولى﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: ذَكَرُوا في نَصْبِ (نَكالَ) وجْهَيْنِ، الأوَّلُ: قالَ الزَّجّاجُ: إنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكَّدٌ لِأنَّ مَعْنى أخَذَهُ اللَّهُ، نَكَلَ بِهِ اللَّهُ نَكالَ الآخِرَةِ والأُولى؛ لِأنَّ أخَذَهُ ونَكَلَهُ مُتَقارِبانِ، وهو كَما يُقالُ: أدَعُهُ تَرْكًا شَدِيدًا؛ لِأنَّ أدَعُهُ وأتْرُكُهُ سَواءٌ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ أخْذَهُ ألِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [ هُودٍ: ١٠٢] . الثّانِي: قالَ الفَرّاءُ: يُرِيدُ أخَذَهُ اللَّهُ أخْذًا نَكالًا لِلْآخِرَةِ والأُولى، والنَّكالُ بِمَعْنى التَّنْكِيلِ كالسَّلامِ بِمَعْنى التَّسْلِيمِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ في هَذِهِ الآيَةِ وُجُوهًا:
أحَدُها: أنَّ الآخِرَةَ والأُولى صِفَةٌ لِكَلِمَتَيْ فِرْعَوْنَ، إحْداهُما قَوْلُهُ: ﴿ما عَلِمْتُ لَكم مِن إلَهٍ غَيْرِي﴾ والأُخْرى قَوْلُهُ: ﴿أنا رَبُّكُمُ الأعْلى﴾ قالُوا: وكانَ بَيْنَهُما أرْبَعُونَ سَنَةً، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ والشَّعْبِيِّ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ومُقاتِلٍ، ورِوايَةُ عَطاءٍ والكَلْبِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والمَقْصُودُ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّهُ ما أخَذَهُ بِكَلِمَتِهِ الأُولى في الحالِ، بَلْ أمْهَلَهُ أرْبَعِينَ سَنَةً، فَلَمّا ذَكَرَ الثّانِيَةَ أُخِذَ بِهِما، وهَذا تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ تَعالى يُمْهِلُ ولا يُهْمِلُ.
الثّانِي: وهو قَوْلُ الحَسَنِ وقَتادَةَ: ﴿نَكالَ الآخِرَةِ والأُولى﴾ أيْ عَذَّبَهُ في الآخِرَةِ، وأغْرَقَهُ في الدُّنْيا.
الثّالِثُ: الآخِرَةُ هي قَوْلُهُ: ﴿أنا رَبُّكُمُ الأعْلى﴾ والأُولى هي تَكْذِيبُهُ مُوسى حِينَ أراهُ الآيَةَ، قالَ القَفّالُ: وهَذا كَأنَّهُ هو الأظْهَرُ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿فَأراهُ الآيَةَ الكُبْرى﴾ ﴿فَكَذَّبَ وعَصى﴾ ﴿ثُمَّ أدْبَرَ يَسْعى﴾ ﴿فَحَشَرَ فَنادى﴾ ﴿فَقالَ أنا رَبُّكُمُ الأعْلى﴾ فَذَكَرَ المَعْصِيَتَيْنِ، ثُمَّ قالَ: ﴿فَأخَذَهُ اللَّهُ نَكالَ الآخِرَةِ والأُولى﴾ فَظَهَرَ أنَّ المُرادَ أنَّهُ عاتَبَهُ عَلى هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ اللَّيْثُ: ”النَّكالُ“ اسْمٌ لِمَن جُعِلَ نَكالًا لِغَيْرِهِ، وهو الَّذِي إذا رَآهُ أوْ بَلَغَهُ خافَ أنْ يَعْمَلَ عَمَلَهُ، وأصْلُ الكَلِمَةِ مِنَ الِامْتِناعِ، ومِنهُ النُّكُولُ عَنِ اليَمِينِ، وقِيلَ لِلْقَيْدِ: نِكْلٌ لِأنَّهُ يَمْنَعُ، فالنَّكالُ مِنَ العُقُوبَةِ هو أعْظَمُ حَتّى يَمْتَنِعَ مَن سَمِعَ بِهِ عَنِ ارْتِكابِ مِثْلِ ذَلِكَ الذَّنْبِ الَّذِي وقَعَ التَّنْكِيلُ بِهِ، وهو في العُرْفِ يَقَعُ عَلى ما يَفْتَضِحُ بِهِ صاحِبُهُ ويَعْتَبِرُ بِهِ غَيْرُهُ، واللَّهُ أعْلَمُ.
النازعات 79:23
وفِيهِ مَسائِلُ:
أحَدُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكَذَّبَ وعَصى﴾ المَسْألَةُ الأُولى: مَعْنى قَوْلِهِ: (فَكَذَّبُ) أنَّهُ كَذَّبَ بِدَلالَةِ ذَلِكَ المُعْجِزِ عَلى صِدْقِهِ. واعْلَمْ أنَّ القَدْحَ في دَلالَةِ المُعْجِزَةِ عَلى الصِّدْقِ إمّا لِاعْتِقادِ أنَّهُ يُمْكِنُ مُعارَضَتُهُ، أوْ لِأنَّهُ وإنِ امْتَنَعَتْ مُعارَضَتُهُ لَكِنَّهُ لَيْسَ فِعْلًا لِلَّهِ بَلْ لِغَيْرِهِ، إمّا فِعْلُ جِنِّيٍّ أوْ فِعْلُ مَلَكٍ، أوْ إنْ كانَ فِعْلًا لِلَّهِ تَعالى لَكِنَّهُ ما فَعَلَهُ لِغَرَضِ التَّصْدِيقِ، أوْ إنْ كانَ فَعَلَهُ لِغَرَضِ التَّصْدِيقِ لَكِنَّهُ لا يَلْزَمُ صِدْقُ المُدَّعِي، فَإنَّهُ لا يَقْبُحُ مِنَ اللَّهِ شَيْءٌ البَتَّةَ، فَهَذِهِ مَجامِعُ الطَّعْنِ في دَلالَةِ المُعْجِزِ عَلى الصِّدْقِ، وما بَعْدَ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ فِرْعَوْنَ إنَّما مُنِعَ مِن دَلالَتِهِ عَنِ الصِّدْقِ لِاعْتِقادِهِ أنَّهُ يُمْكِنُ مُعارَضَتُهُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿فَحَشَرَ فَنادى﴾ وهو كَقَوْلِهِ: ﴿فَأرْسَلَ فِرْعَوْنُ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ [الشُّعَراءِ: ٥٣] .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في الآيَةِ سُؤالٌ وهو أنَّ كُلَّ أحَدٍ يَعْلَمُ أنَّ كُلَّ مَن كَذَّبَ اللَّهَ فَقَدْ عَصى، فَما الفائِدَةُ في قَوْلِهِ: ﴿فَكَذَّبَ وعَصى﴾ ؟ والجَوابُ: كَذَّبَ بِالقَلْبِ واللِّسانِ، وعَصى بِأنْ أظْهَرَ التَّمَرُّدَ والتَّجَبُّرَ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: هَذا الَّذِي وصَفَهُ اللَّهُ تَعالى بِهِ مِنَ التَّكْذِيبِ والمَعْصِيَةِ مُغايِرٌ لِما كانَ حاصِلًا قَبْلَ ذَلِكَ؛ لِأنَّ تَكْذِيبَهُ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وقَدْ دَعاهُ وأظْهَرَ هَذِهِ المُعْجِزَةَ، يُوفِي عَلى ما تَقَدَّمَ مِنَ التَّكْذِيبِ، ومَعْصِيَتُهُ بِتَرْكِ القَبُولِ مِنهُ والحالُ هَذِهِ مُخالِفَةٌ لِمَعْصِيَتِهِ مِن قَبْلِ ذَلِكَ.
وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ أدْبَرَ يَسْعى﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّهُ لَمّا رَأى الثُّعْبانَ أدْبَرَ مَرْعُوبًا يَسْعى يُسْرِعُ في مَشْيِهِ، قالَ الحَسَنُ: كانَ رَجُلًا طَيّاشًا خَفِيفًا.
وثانِيها: تَوَلّى عَنْ مُوسى يَسْعى ويَجْتَهِدُ في مُكايَدَتِهِ.
وثالِثُها: أنْ يَكُونَ المَعْنى: ثُمَّ أقْبَلَ يَسْعى، كَما يُقالُ: فُلانٌ أقْبَلَ يَفْعَلُ كَذا، بِمَعْنى أنْشَأ يَفْعَلُ، فَوُضِعَ أدْبَرَ وضْعَ أقْبَلَ لِئَلّا يُوصَفَ بِالإقْبالِ.
وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿فَحَشَرَ فَنادى﴾ ﴿فَقالَ أنا رَبُّكُمُ الأعْلى﴾ فَحَشَرَ فَجَمَعَ السَّحَرَةَ كَقَوْلِهِ: ﴿فَأرْسَلَ فِرْعَوْنُ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ فَنادى في المَقامِ الَّذِي اجْتَمَعُوا فِيهِ مَعَهُ، أوْ أمَرَ مُنادِيًا فَنادى في النّاسِ بِذَلِكَ، وقِيلَ: قامَ فِيهِمْ خَطِيبًا فَقالَ تِلْكَ الكَلِمَةَ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: كَلِمَتُهُ الأُولى: ﴿ما عَلِمْتُ لَكم مِن إلَهٍ غَيْرِي﴾ [القَصَصِ: ٣٨] والآخِرَةُ: ﴿أنا رَبُّكُمُ الأعْلى﴾ .
واعْلَمْ أنّا بَيَّنّا في سُورَةِ (طه) أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَعْتَقِدَ الإنْسانُ في نَفْسِهِ كَوْنَهُ خالِقًا لِلسَّماواتِ والأرْضِ والجِبالِ والنَّباتِ والحَيَوانِ والإنْسانِ، فَإنَّ العِلْمَ بِفَسادِ ذَلِكَ ضَرُورِيٌّ، فَمَن تَشَكَّكَ فِيهِ كانَ مَجْنُونًا، ولَوْ كانَ مَجْنُونًا لَما جازَ مِنَ اللَّهِ بَعْثَةُ الأنْبِياءِ والرُّسُلِ إلَيْهِ، بَلِ الرَّجُلُ كانَ دَهْرِيًّا مُنْكِرًا لِلصّانِعِ والحَشْرِ والنَّشْرِ، وكانَ يَقُولُ: لَيْسَ لِأحَدٍ عَلَيْكم أمْرٌ ولا نَهْيٌ إلّا لِي، فَأنا رَبُّكم بِمَعْنى مُرَبِّيكم والمُحْسِنِ إلَيْكُمْ، ولَيْسَ لِلْعالَمِ إلَهٌ حَتّى يَكُونَ لَهُ عَلَيْكم أمْرٌ ونَهْيٌ، أوْ يَبْعَثَ إلَيْكم رَسُولًا، قالَ القاضِي: وقَدْ كانَ الألْيَقُ بِهِ بَعْدَ ظُهُورِ خِزْيِهِ عِنْدَ انْقِلابِ العَصا حَيَّةً أنْ لا يَقُولَ هَذا القَوْلَ؛ لِأنَّ عِنْدَ ظُهُورِ الذِّلَّةِ والعَجْزِ كَيْفَ يَلِيقُ أنْ يَقُولَ: ﴿أنا رَبُّكُمُ الأعْلى﴾ ؟ فَدَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ في ذَلِكَ الوَقْتِ صارَ كالمَعْتُوهِ الَّذِي لا يَدْرِي ما يَقُولُ.
صفحة ٤٠
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْهُ أفْعالَهُ وأقْوالَهُ أتْبَعَهُ بِما عامَلَهُ بِهِ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأخَذَهُ اللَّهُ نَكالَ الآخِرَةِ والأُولى﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: ذَكَرُوا في نَصْبِ (نَكالَ) وجْهَيْنِ، الأوَّلُ: قالَ الزَّجّاجُ: إنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكَّدٌ لِأنَّ مَعْنى أخَذَهُ اللَّهُ، نَكَلَ بِهِ اللَّهُ نَكالَ الآخِرَةِ والأُولى؛ لِأنَّ أخَذَهُ ونَكَلَهُ مُتَقارِبانِ، وهو كَما يُقالُ: أدَعُهُ تَرْكًا شَدِيدًا؛ لِأنَّ أدَعُهُ وأتْرُكُهُ سَواءٌ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ أخْذَهُ ألِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [ هُودٍ: ١٠٢] . الثّانِي: قالَ الفَرّاءُ: يُرِيدُ أخَذَهُ اللَّهُ أخْذًا نَكالًا لِلْآخِرَةِ والأُولى، والنَّكالُ بِمَعْنى التَّنْكِيلِ كالسَّلامِ بِمَعْنى التَّسْلِيمِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ في هَذِهِ الآيَةِ وُجُوهًا:
أحَدُها: أنَّ الآخِرَةَ والأُولى صِفَةٌ لِكَلِمَتَيْ فِرْعَوْنَ، إحْداهُما قَوْلُهُ: ﴿ما عَلِمْتُ لَكم مِن إلَهٍ غَيْرِي﴾ والأُخْرى قَوْلُهُ: ﴿أنا رَبُّكُمُ الأعْلى﴾ قالُوا: وكانَ بَيْنَهُما أرْبَعُونَ سَنَةً، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ والشَّعْبِيِّ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ومُقاتِلٍ، ورِوايَةُ عَطاءٍ والكَلْبِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والمَقْصُودُ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّهُ ما أخَذَهُ بِكَلِمَتِهِ الأُولى في الحالِ، بَلْ أمْهَلَهُ أرْبَعِينَ سَنَةً، فَلَمّا ذَكَرَ الثّانِيَةَ أُخِذَ بِهِما، وهَذا تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ تَعالى يُمْهِلُ ولا يُهْمِلُ.
الثّانِي: وهو قَوْلُ الحَسَنِ وقَتادَةَ: ﴿نَكالَ الآخِرَةِ والأُولى﴾ أيْ عَذَّبَهُ في الآخِرَةِ، وأغْرَقَهُ في الدُّنْيا.
الثّالِثُ: الآخِرَةُ هي قَوْلُهُ: ﴿أنا رَبُّكُمُ الأعْلى﴾ والأُولى هي تَكْذِيبُهُ مُوسى حِينَ أراهُ الآيَةَ، قالَ القَفّالُ: وهَذا كَأنَّهُ هو الأظْهَرُ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿فَأراهُ الآيَةَ الكُبْرى﴾ ﴿فَكَذَّبَ وعَصى﴾ ﴿ثُمَّ أدْبَرَ يَسْعى﴾ ﴿فَحَشَرَ فَنادى﴾ ﴿فَقالَ أنا رَبُّكُمُ الأعْلى﴾ فَذَكَرَ المَعْصِيَتَيْنِ، ثُمَّ قالَ: ﴿فَأخَذَهُ اللَّهُ نَكالَ الآخِرَةِ والأُولى﴾ فَظَهَرَ أنَّ المُرادَ أنَّهُ عاتَبَهُ عَلى هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ اللَّيْثُ: ”النَّكالُ“ اسْمٌ لِمَن جُعِلَ نَكالًا لِغَيْرِهِ، وهو الَّذِي إذا رَآهُ أوْ بَلَغَهُ خافَ أنْ يَعْمَلَ عَمَلَهُ، وأصْلُ الكَلِمَةِ مِنَ الِامْتِناعِ، ومِنهُ النُّكُولُ عَنِ اليَمِينِ، وقِيلَ لِلْقَيْدِ: نِكْلٌ لِأنَّهُ يَمْنَعُ، فالنَّكالُ مِنَ العُقُوبَةِ هو أعْظَمُ حَتّى يَمْتَنِعَ مَن سَمِعَ بِهِ عَنِ ارْتِكابِ مِثْلِ ذَلِكَ الذَّنْبِ الَّذِي وقَعَ التَّنْكِيلُ بِهِ، وهو في العُرْفِ يَقَعُ عَلى ما يَفْتَضِحُ بِهِ صاحِبُهُ ويَعْتَبِرُ بِهِ غَيْرُهُ، واللَّهُ أعْلَمُ.
النازعات 79:24
وفِيهِ مَسائِلُ:
أحَدُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكَذَّبَ وعَصى﴾ المَسْألَةُ الأُولى: مَعْنى قَوْلِهِ: (فَكَذَّبُ) أنَّهُ كَذَّبَ بِدَلالَةِ ذَلِكَ المُعْجِزِ عَلى صِدْقِهِ. واعْلَمْ أنَّ القَدْحَ في دَلالَةِ المُعْجِزَةِ عَلى الصِّدْقِ إمّا لِاعْتِقادِ أنَّهُ يُمْكِنُ مُعارَضَتُهُ، أوْ لِأنَّهُ وإنِ امْتَنَعَتْ مُعارَضَتُهُ لَكِنَّهُ لَيْسَ فِعْلًا لِلَّهِ بَلْ لِغَيْرِهِ، إمّا فِعْلُ جِنِّيٍّ أوْ فِعْلُ مَلَكٍ، أوْ إنْ كانَ فِعْلًا لِلَّهِ تَعالى لَكِنَّهُ ما فَعَلَهُ لِغَرَضِ التَّصْدِيقِ، أوْ إنْ كانَ فَعَلَهُ لِغَرَضِ التَّصْدِيقِ لَكِنَّهُ لا يَلْزَمُ صِدْقُ المُدَّعِي، فَإنَّهُ لا يَقْبُحُ مِنَ اللَّهِ شَيْءٌ البَتَّةَ، فَهَذِهِ مَجامِعُ الطَّعْنِ في دَلالَةِ المُعْجِزِ عَلى الصِّدْقِ، وما بَعْدَ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ فِرْعَوْنَ إنَّما مُنِعَ مِن دَلالَتِهِ عَنِ الصِّدْقِ لِاعْتِقادِهِ أنَّهُ يُمْكِنُ مُعارَضَتُهُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿فَحَشَرَ فَنادى﴾ وهو كَقَوْلِهِ: ﴿فَأرْسَلَ فِرْعَوْنُ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ [الشُّعَراءِ: ٥٣] .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في الآيَةِ سُؤالٌ وهو أنَّ كُلَّ أحَدٍ يَعْلَمُ أنَّ كُلَّ مَن كَذَّبَ اللَّهَ فَقَدْ عَصى، فَما الفائِدَةُ في قَوْلِهِ: ﴿فَكَذَّبَ وعَصى﴾ ؟ والجَوابُ: كَذَّبَ بِالقَلْبِ واللِّسانِ، وعَصى بِأنْ أظْهَرَ التَّمَرُّدَ والتَّجَبُّرَ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: هَذا الَّذِي وصَفَهُ اللَّهُ تَعالى بِهِ مِنَ التَّكْذِيبِ والمَعْصِيَةِ مُغايِرٌ لِما كانَ حاصِلًا قَبْلَ ذَلِكَ؛ لِأنَّ تَكْذِيبَهُ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وقَدْ دَعاهُ وأظْهَرَ هَذِهِ المُعْجِزَةَ، يُوفِي عَلى ما تَقَدَّمَ مِنَ التَّكْذِيبِ، ومَعْصِيَتُهُ بِتَرْكِ القَبُولِ مِنهُ والحالُ هَذِهِ مُخالِفَةٌ لِمَعْصِيَتِهِ مِن قَبْلِ ذَلِكَ.
وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ أدْبَرَ يَسْعى﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّهُ لَمّا رَأى الثُّعْبانَ أدْبَرَ مَرْعُوبًا يَسْعى يُسْرِعُ في مَشْيِهِ، قالَ الحَسَنُ: كانَ رَجُلًا طَيّاشًا خَفِيفًا.
وثانِيها: تَوَلّى عَنْ مُوسى يَسْعى ويَجْتَهِدُ في مُكايَدَتِهِ.
وثالِثُها: أنْ يَكُونَ المَعْنى: ثُمَّ أقْبَلَ يَسْعى، كَما يُقالُ: فُلانٌ أقْبَلَ يَفْعَلُ كَذا، بِمَعْنى أنْشَأ يَفْعَلُ، فَوُضِعَ أدْبَرَ وضْعَ أقْبَلَ لِئَلّا يُوصَفَ بِالإقْبالِ.
وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿فَحَشَرَ فَنادى﴾ ﴿فَقالَ أنا رَبُّكُمُ الأعْلى﴾ فَحَشَرَ فَجَمَعَ السَّحَرَةَ كَقَوْلِهِ: ﴿فَأرْسَلَ فِرْعَوْنُ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ فَنادى في المَقامِ الَّذِي اجْتَمَعُوا فِيهِ مَعَهُ، أوْ أمَرَ مُنادِيًا فَنادى في النّاسِ بِذَلِكَ، وقِيلَ: قامَ فِيهِمْ خَطِيبًا فَقالَ تِلْكَ الكَلِمَةَ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: كَلِمَتُهُ الأُولى: ﴿ما عَلِمْتُ لَكم مِن إلَهٍ غَيْرِي﴾ [القَصَصِ: ٣٨] والآخِرَةُ: ﴿أنا رَبُّكُمُ الأعْلى﴾ .
واعْلَمْ أنّا بَيَّنّا في سُورَةِ (طه) أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَعْتَقِدَ الإنْسانُ في نَفْسِهِ كَوْنَهُ خالِقًا لِلسَّماواتِ والأرْضِ والجِبالِ والنَّباتِ والحَيَوانِ والإنْسانِ، فَإنَّ العِلْمَ بِفَسادِ ذَلِكَ ضَرُورِيٌّ، فَمَن تَشَكَّكَ فِيهِ كانَ مَجْنُونًا، ولَوْ كانَ مَجْنُونًا لَما جازَ مِنَ اللَّهِ بَعْثَةُ الأنْبِياءِ والرُّسُلِ إلَيْهِ، بَلِ الرَّجُلُ كانَ دَهْرِيًّا مُنْكِرًا لِلصّانِعِ والحَشْرِ والنَّشْرِ، وكانَ يَقُولُ: لَيْسَ لِأحَدٍ عَلَيْكم أمْرٌ ولا نَهْيٌ إلّا لِي، فَأنا رَبُّكم بِمَعْنى مُرَبِّيكم والمُحْسِنِ إلَيْكُمْ، ولَيْسَ لِلْعالَمِ إلَهٌ حَتّى يَكُونَ لَهُ عَلَيْكم أمْرٌ ونَهْيٌ، أوْ يَبْعَثَ إلَيْكم رَسُولًا، قالَ القاضِي: وقَدْ كانَ الألْيَقُ بِهِ بَعْدَ ظُهُورِ خِزْيِهِ عِنْدَ انْقِلابِ العَصا حَيَّةً أنْ لا يَقُولَ هَذا القَوْلَ؛ لِأنَّ عِنْدَ ظُهُورِ الذِّلَّةِ والعَجْزِ كَيْفَ يَلِيقُ أنْ يَقُولَ: ﴿أنا رَبُّكُمُ الأعْلى﴾ ؟ فَدَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ في ذَلِكَ الوَقْتِ صارَ كالمَعْتُوهِ الَّذِي لا يَدْرِي ما يَقُولُ.
صفحة ٤٠
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْهُ أفْعالَهُ وأقْوالَهُ أتْبَعَهُ بِما عامَلَهُ بِهِ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأخَذَهُ اللَّهُ نَكالَ الآخِرَةِ والأُولى﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: ذَكَرُوا في نَصْبِ (نَكالَ) وجْهَيْنِ، الأوَّلُ: قالَ الزَّجّاجُ: إنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكَّدٌ لِأنَّ مَعْنى أخَذَهُ اللَّهُ، نَكَلَ بِهِ اللَّهُ نَكالَ الآخِرَةِ والأُولى؛ لِأنَّ أخَذَهُ ونَكَلَهُ مُتَقارِبانِ، وهو كَما يُقالُ: أدَعُهُ تَرْكًا شَدِيدًا؛ لِأنَّ أدَعُهُ وأتْرُكُهُ سَواءٌ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ أخْذَهُ ألِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [ هُودٍ: ١٠٢] . الثّانِي: قالَ الفَرّاءُ: يُرِيدُ أخَذَهُ اللَّهُ أخْذًا نَكالًا لِلْآخِرَةِ والأُولى، والنَّكالُ بِمَعْنى التَّنْكِيلِ كالسَّلامِ بِمَعْنى التَّسْلِيمِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ في هَذِهِ الآيَةِ وُجُوهًا:
أحَدُها: أنَّ الآخِرَةَ والأُولى صِفَةٌ لِكَلِمَتَيْ فِرْعَوْنَ، إحْداهُما قَوْلُهُ: ﴿ما عَلِمْتُ لَكم مِن إلَهٍ غَيْرِي﴾ والأُخْرى قَوْلُهُ: ﴿أنا رَبُّكُمُ الأعْلى﴾ قالُوا: وكانَ بَيْنَهُما أرْبَعُونَ سَنَةً، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ والشَّعْبِيِّ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ومُقاتِلٍ، ورِوايَةُ عَطاءٍ والكَلْبِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والمَقْصُودُ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّهُ ما أخَذَهُ بِكَلِمَتِهِ الأُولى في الحالِ، بَلْ أمْهَلَهُ أرْبَعِينَ سَنَةً، فَلَمّا ذَكَرَ الثّانِيَةَ أُخِذَ بِهِما، وهَذا تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ تَعالى يُمْهِلُ ولا يُهْمِلُ.
الثّانِي: وهو قَوْلُ الحَسَنِ وقَتادَةَ: ﴿نَكالَ الآخِرَةِ والأُولى﴾ أيْ عَذَّبَهُ في الآخِرَةِ، وأغْرَقَهُ في الدُّنْيا.
الثّالِثُ: الآخِرَةُ هي قَوْلُهُ: ﴿أنا رَبُّكُمُ الأعْلى﴾ والأُولى هي تَكْذِيبُهُ مُوسى حِينَ أراهُ الآيَةَ، قالَ القَفّالُ: وهَذا كَأنَّهُ هو الأظْهَرُ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿فَأراهُ الآيَةَ الكُبْرى﴾ ﴿فَكَذَّبَ وعَصى﴾ ﴿ثُمَّ أدْبَرَ يَسْعى﴾ ﴿فَحَشَرَ فَنادى﴾ ﴿فَقالَ أنا رَبُّكُمُ الأعْلى﴾ فَذَكَرَ المَعْصِيَتَيْنِ، ثُمَّ قالَ: ﴿فَأخَذَهُ اللَّهُ نَكالَ الآخِرَةِ والأُولى﴾ فَظَهَرَ أنَّ المُرادَ أنَّهُ عاتَبَهُ عَلى هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ اللَّيْثُ: ”النَّكالُ“ اسْمٌ لِمَن جُعِلَ نَكالًا لِغَيْرِهِ، وهو الَّذِي إذا رَآهُ أوْ بَلَغَهُ خافَ أنْ يَعْمَلَ عَمَلَهُ، وأصْلُ الكَلِمَةِ مِنَ الِامْتِناعِ، ومِنهُ النُّكُولُ عَنِ اليَمِينِ، وقِيلَ لِلْقَيْدِ: نِكْلٌ لِأنَّهُ يَمْنَعُ، فالنَّكالُ مِنَ العُقُوبَةِ هو أعْظَمُ حَتّى يَمْتَنِعَ مَن سَمِعَ بِهِ عَنِ ارْتِكابِ مِثْلِ ذَلِكَ الذَّنْبِ الَّذِي وقَعَ التَّنْكِيلُ بِهِ، وهو في العُرْفِ يَقَعُ عَلى ما يَفْتَضِحُ بِهِ صاحِبُهُ ويَعْتَبِرُ بِهِ غَيْرُهُ، واللَّهُ أعْلَمُ.
النازعات 79:25
وفِيهِ مَسائِلُ:
أحَدُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكَذَّبَ وعَصى﴾ المَسْألَةُ الأُولى: مَعْنى قَوْلِهِ: (فَكَذَّبُ) أنَّهُ كَذَّبَ بِدَلالَةِ ذَلِكَ المُعْجِزِ عَلى صِدْقِهِ. واعْلَمْ أنَّ القَدْحَ في دَلالَةِ المُعْجِزَةِ عَلى الصِّدْقِ إمّا لِاعْتِقادِ أنَّهُ يُمْكِنُ مُعارَضَتُهُ، أوْ لِأنَّهُ وإنِ امْتَنَعَتْ مُعارَضَتُهُ لَكِنَّهُ لَيْسَ فِعْلًا لِلَّهِ بَلْ لِغَيْرِهِ، إمّا فِعْلُ جِنِّيٍّ أوْ فِعْلُ مَلَكٍ، أوْ إنْ كانَ فِعْلًا لِلَّهِ تَعالى لَكِنَّهُ ما فَعَلَهُ لِغَرَضِ التَّصْدِيقِ، أوْ إنْ كانَ فَعَلَهُ لِغَرَضِ التَّصْدِيقِ لَكِنَّهُ لا يَلْزَمُ صِدْقُ المُدَّعِي، فَإنَّهُ لا يَقْبُحُ مِنَ اللَّهِ شَيْءٌ البَتَّةَ، فَهَذِهِ مَجامِعُ الطَّعْنِ في دَلالَةِ المُعْجِزِ عَلى الصِّدْقِ، وما بَعْدَ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ فِرْعَوْنَ إنَّما مُنِعَ مِن دَلالَتِهِ عَنِ الصِّدْقِ لِاعْتِقادِهِ أنَّهُ يُمْكِنُ مُعارَضَتُهُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿فَحَشَرَ فَنادى﴾ وهو كَقَوْلِهِ: ﴿فَأرْسَلَ فِرْعَوْنُ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ [الشُّعَراءِ: ٥٣] .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في الآيَةِ سُؤالٌ وهو أنَّ كُلَّ أحَدٍ يَعْلَمُ أنَّ كُلَّ مَن كَذَّبَ اللَّهَ فَقَدْ عَصى، فَما الفائِدَةُ في قَوْلِهِ: ﴿فَكَذَّبَ وعَصى﴾ ؟ والجَوابُ: كَذَّبَ بِالقَلْبِ واللِّسانِ، وعَصى بِأنْ أظْهَرَ التَّمَرُّدَ والتَّجَبُّرَ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: هَذا الَّذِي وصَفَهُ اللَّهُ تَعالى بِهِ مِنَ التَّكْذِيبِ والمَعْصِيَةِ مُغايِرٌ لِما كانَ حاصِلًا قَبْلَ ذَلِكَ؛ لِأنَّ تَكْذِيبَهُ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وقَدْ دَعاهُ وأظْهَرَ هَذِهِ المُعْجِزَةَ، يُوفِي عَلى ما تَقَدَّمَ مِنَ التَّكْذِيبِ، ومَعْصِيَتُهُ بِتَرْكِ القَبُولِ مِنهُ والحالُ هَذِهِ مُخالِفَةٌ لِمَعْصِيَتِهِ مِن قَبْلِ ذَلِكَ.
وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ أدْبَرَ يَسْعى﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّهُ لَمّا رَأى الثُّعْبانَ أدْبَرَ مَرْعُوبًا يَسْعى يُسْرِعُ في مَشْيِهِ، قالَ الحَسَنُ: كانَ رَجُلًا طَيّاشًا خَفِيفًا.
وثانِيها: تَوَلّى عَنْ مُوسى يَسْعى ويَجْتَهِدُ في مُكايَدَتِهِ.
وثالِثُها: أنْ يَكُونَ المَعْنى: ثُمَّ أقْبَلَ يَسْعى، كَما يُقالُ: فُلانٌ أقْبَلَ يَفْعَلُ كَذا، بِمَعْنى أنْشَأ يَفْعَلُ، فَوُضِعَ أدْبَرَ وضْعَ أقْبَلَ لِئَلّا يُوصَفَ بِالإقْبالِ.
وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿فَحَشَرَ فَنادى﴾ ﴿فَقالَ أنا رَبُّكُمُ الأعْلى﴾ فَحَشَرَ فَجَمَعَ السَّحَرَةَ كَقَوْلِهِ: ﴿فَأرْسَلَ فِرْعَوْنُ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ فَنادى في المَقامِ الَّذِي اجْتَمَعُوا فِيهِ مَعَهُ، أوْ أمَرَ مُنادِيًا فَنادى في النّاسِ بِذَلِكَ، وقِيلَ: قامَ فِيهِمْ خَطِيبًا فَقالَ تِلْكَ الكَلِمَةَ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: كَلِمَتُهُ الأُولى: ﴿ما عَلِمْتُ لَكم مِن إلَهٍ غَيْرِي﴾ [القَصَصِ: ٣٨] والآخِرَةُ: ﴿أنا رَبُّكُمُ الأعْلى﴾ .
واعْلَمْ أنّا بَيَّنّا في سُورَةِ (طه) أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَعْتَقِدَ الإنْسانُ في نَفْسِهِ كَوْنَهُ خالِقًا لِلسَّماواتِ والأرْضِ والجِبالِ والنَّباتِ والحَيَوانِ والإنْسانِ، فَإنَّ العِلْمَ بِفَسادِ ذَلِكَ ضَرُورِيٌّ، فَمَن تَشَكَّكَ فِيهِ كانَ مَجْنُونًا، ولَوْ كانَ مَجْنُونًا لَما جازَ مِنَ اللَّهِ بَعْثَةُ الأنْبِياءِ والرُّسُلِ إلَيْهِ، بَلِ الرَّجُلُ كانَ دَهْرِيًّا مُنْكِرًا لِلصّانِعِ والحَشْرِ والنَّشْرِ، وكانَ يَقُولُ: لَيْسَ لِأحَدٍ عَلَيْكم أمْرٌ ولا نَهْيٌ إلّا لِي، فَأنا رَبُّكم بِمَعْنى مُرَبِّيكم والمُحْسِنِ إلَيْكُمْ، ولَيْسَ لِلْعالَمِ إلَهٌ حَتّى يَكُونَ لَهُ عَلَيْكم أمْرٌ ونَهْيٌ، أوْ يَبْعَثَ إلَيْكم رَسُولًا، قالَ القاضِي: وقَدْ كانَ الألْيَقُ بِهِ بَعْدَ ظُهُورِ خِزْيِهِ عِنْدَ انْقِلابِ العَصا حَيَّةً أنْ لا يَقُولَ هَذا القَوْلَ؛ لِأنَّ عِنْدَ ظُهُورِ الذِّلَّةِ والعَجْزِ كَيْفَ يَلِيقُ أنْ يَقُولَ: ﴿أنا رَبُّكُمُ الأعْلى﴾ ؟ فَدَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ في ذَلِكَ الوَقْتِ صارَ كالمَعْتُوهِ الَّذِي لا يَدْرِي ما يَقُولُ.
صفحة ٤٠
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْهُ أفْعالَهُ وأقْوالَهُ أتْبَعَهُ بِما عامَلَهُ بِهِ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأخَذَهُ اللَّهُ نَكالَ الآخِرَةِ والأُولى﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: ذَكَرُوا في نَصْبِ (نَكالَ) وجْهَيْنِ، الأوَّلُ: قالَ الزَّجّاجُ: إنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكَّدٌ لِأنَّ مَعْنى أخَذَهُ اللَّهُ، نَكَلَ بِهِ اللَّهُ نَكالَ الآخِرَةِ والأُولى؛ لِأنَّ أخَذَهُ ونَكَلَهُ مُتَقارِبانِ، وهو كَما يُقالُ: أدَعُهُ تَرْكًا شَدِيدًا؛ لِأنَّ أدَعُهُ وأتْرُكُهُ سَواءٌ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ أخْذَهُ ألِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [ هُودٍ: ١٠٢] . الثّانِي: قالَ الفَرّاءُ: يُرِيدُ أخَذَهُ اللَّهُ أخْذًا نَكالًا لِلْآخِرَةِ والأُولى، والنَّكالُ بِمَعْنى التَّنْكِيلِ كالسَّلامِ بِمَعْنى التَّسْلِيمِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ في هَذِهِ الآيَةِ وُجُوهًا:
أحَدُها: أنَّ الآخِرَةَ والأُولى صِفَةٌ لِكَلِمَتَيْ فِرْعَوْنَ، إحْداهُما قَوْلُهُ: ﴿ما عَلِمْتُ لَكم مِن إلَهٍ غَيْرِي﴾ والأُخْرى قَوْلُهُ: ﴿أنا رَبُّكُمُ الأعْلى﴾ قالُوا: وكانَ بَيْنَهُما أرْبَعُونَ سَنَةً، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ والشَّعْبِيِّ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ومُقاتِلٍ، ورِوايَةُ عَطاءٍ والكَلْبِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والمَقْصُودُ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّهُ ما أخَذَهُ بِكَلِمَتِهِ الأُولى في الحالِ، بَلْ أمْهَلَهُ أرْبَعِينَ سَنَةً، فَلَمّا ذَكَرَ الثّانِيَةَ أُخِذَ بِهِما، وهَذا تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ تَعالى يُمْهِلُ ولا يُهْمِلُ.
الثّانِي: وهو قَوْلُ الحَسَنِ وقَتادَةَ: ﴿نَكالَ الآخِرَةِ والأُولى﴾ أيْ عَذَّبَهُ في الآخِرَةِ، وأغْرَقَهُ في الدُّنْيا.
الثّالِثُ: الآخِرَةُ هي قَوْلُهُ: ﴿أنا رَبُّكُمُ الأعْلى﴾ والأُولى هي تَكْذِيبُهُ مُوسى حِينَ أراهُ الآيَةَ، قالَ القَفّالُ: وهَذا كَأنَّهُ هو الأظْهَرُ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿فَأراهُ الآيَةَ الكُبْرى﴾ ﴿فَكَذَّبَ وعَصى﴾ ﴿ثُمَّ أدْبَرَ يَسْعى﴾ ﴿فَحَشَرَ فَنادى﴾ ﴿فَقالَ أنا رَبُّكُمُ الأعْلى﴾ فَذَكَرَ المَعْصِيَتَيْنِ، ثُمَّ قالَ: ﴿فَأخَذَهُ اللَّهُ نَكالَ الآخِرَةِ والأُولى﴾ فَظَهَرَ أنَّ المُرادَ أنَّهُ عاتَبَهُ عَلى هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ اللَّيْثُ: ”النَّكالُ“ اسْمٌ لِمَن جُعِلَ نَكالًا لِغَيْرِهِ، وهو الَّذِي إذا رَآهُ أوْ بَلَغَهُ خافَ أنْ يَعْمَلَ عَمَلَهُ، وأصْلُ الكَلِمَةِ مِنَ الِامْتِناعِ، ومِنهُ النُّكُولُ عَنِ اليَمِينِ، وقِيلَ لِلْقَيْدِ: نِكْلٌ لِأنَّهُ يَمْنَعُ، فالنَّكالُ مِنَ العُقُوبَةِ هو أعْظَمُ حَتّى يَمْتَنِعَ مَن سَمِعَ بِهِ عَنِ ارْتِكابِ مِثْلِ ذَلِكَ الذَّنْبِ الَّذِي وقَعَ التَّنْكِيلُ بِهِ، وهو في العُرْفِ يَقَعُ عَلى ما يَفْتَضِحُ بِهِ صاحِبُهُ ويَعْتَبِرُ بِهِ غَيْرُهُ، واللَّهُ أعْلَمُ.
النازعات 79:26
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى خَتَمَ هَذِهِ القِصَّةِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَن يَخْشى﴾ والمَعْنى أنَّ فِيما اقْتَصَصْناهُ مِن أمْرِ مُوسى وفِرْعَوْنَ، وما أحَلَّهُ اللَّهُ بِفِرْعَوْنَ مِنَ الخِزْيِ، ورَزَقَ مُوسى مِنَ العُلُوِّ والنَّصْرِ، عِبْرَةً لِمَن يَخْشى، وذَلِكَ أنْ يَدَعَ التَّمَرُّدَ عَلى اللَّهِ تَعالى، والتَّكْذِيبَ لِأنْبِيائِهِ خَوْفًا مِن أنْ يَنْزِلَ بِهِ ما نَزَلَ بِفِرْعَوْنَ، وعِلْمًا بِأنَّ اللَّهَ تَعالى يَنْصُرُ أنْبِياءَهُ ورُسُلَهُ، فاعْتَبِرُوا مَعاشِرَ المُكَذِّبِينَ لِمُحَمَّدٍ بِما ذَكَرْناهُ، أيِ اعْلَمُوا أنَّكم إنْ شارَكْتُمُوهم في المَعْنى الجالِبِ لِلْعِقابِ، شارَكْتُمُوهم في حُلُولِ العِقابِ بِكم.
ثُمَّ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا خَتَمَ هَذِهِ القِصَّةَ رَجَعَ إلى مُخاطَبَةِ مُنْكِرِي البَعْثِ، فَقالَ: ﴿أأنْتُمْ أشَدُّ خَلْقًا أمِ السَّماءُ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: في المَقْصُودِ مِن هَذا الِاسْتِدْلالِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ اسْتِدْلالٌ عَلى مُنْكِرِي البَعْثِ، فَقالَ: ﴿أأنْتُمْ أشَدُّ خَلْقًا أمِ السَّماءُ﴾، فَنَبَّهَهم عَلى أمْرٍ يُعْلَمُ بِالمُشاهَدَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ خِلْقَةَ الإنْسانِ عَلى صِغَرِهِ
صفحة ٤١
وضَعْفِهِ، إذا أُضِيفَ إلى خَلْقِ السَّماءِ عَلى عِظَمِها وعِظَمِ أحْوالِها يَسِيرٌ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ خَلْقَ السَّماءِ أعْظَمُ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَخَلْقُهم عَلى وجْهِ الإعادَةِ أوْلى أنْ يَكُونَ مَقْدُورًا لِلَّهِ تَعالى فَكَيْفَ يُنْكِرُونَ ذَلِكَ؟ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿أوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ [يس: ٨١] وقَوْلُهُ: ﴿لَخَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ أكْبَرُ مِن خَلْقِ النّاسِ﴾ [غافِرٍ: ٥٧] والمَعْنى أخَلْقُكم بَعْدَ المَوْتِ أشَدُّ أمْ خَلْقُ السَّماءِ أيْ عِنْدَكُمْ، وفي تَقْدِيرِكُمْ، فَإنَّ كِلا الأمْرَيْنِ بِالنِّسْبَةِ إلى قُدْرَةِ اللَّهِ واحِدٌ. والثّانِي: أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذا الِاسْتِدْلالِ بَيانُ كَوْنِهِمْ مَخْلُوقِينَ، وهَذا القَوْلُ ضَعِيفٌ لِوَجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ مَن أنْكَرَ كَوْنَ الإنْسانِ مَخْلُوقًا فَبِأنْ يُنْكِرَهُ في السَّماءِ كانَ أوْلى.
وثانِيهِما: أنَّ أوَّلَ السُّورَةِ كانَ في بَيانِ مَسْألَةِ الحَشْرِ والنَّشْرِ، فَحَمْلُ هَذا الكَلامِ عَلَيْهِ أوْلى.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ والزَّجّاجُ: هَذا الكَلامُ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿أمِ السَّماءُ﴾، ثُمَّ قَوْلُهُ تَعالى: (بَناها) ابْتِداءُ كَلامٍ آخَرَ، وعِنْدَ أبِي حاتِمٍ الوَقْفُ عَلى قَوْلِهِ: (بَناها) قالَ: لِأنَّهُ مِن صِلَةِ السَّماءِ، والتَّقْدِيرُ: أمِ السَّماءُ الَّتِي بَناها، فَحَذَفَ الَّتِي، ومِثْلُ هَذا الحَذْفِ جائِزٌ، قالَ القَفّالُ: يُقالُ: الرَّجُلُ جاءَكَ عاقِلٌ، أيِ الرَّجُلُ الَّذِي جاءَكَ عاقِلٌ، إذا ثَبَتَ أنَّ هَذا جائِزٌ في اللُّغَةِ فَنَقُولُ: الدَّلِيلُ عَلى أنَّ قَوْلَهُ: (بَناها) صِلَةٌ لِما قَبْلَهُ أنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ صِلَةً لَكانَ صِفَةً، فَقَوْلُهُ: (بَناها) صِفَةٌ، ثُمَّ قَوْلُهُ: ﴿رَفَعَ سَمْكَها﴾ صِفَةٌ، فَقَدْ تَوالَتْ صِفَتانِ لا تَعَلُّقَ لِإحْداهُما بِالأُخْرى، فَكانَ يَجِبُ إدْخالُ العاطِفِ فِيما بَيْنَهُما، كَما في قَوْلِهِ: ﴿وأغْطَشَ لَيْلَها﴾ فَلَمّا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ عَلِمْنا أنَّ قَوْلَهُ: (بَناها) صِلَةٌ لِلسَّماءِ، ثُمَّ قالَ: ﴿رَفَعَ سَمْكَها﴾ ابْتِداءٌ بِذِكْرِ صِفَتِهِ، ولِلْفَرّاءِ أنْ يَحْتَجَّ عَلى قَوْلِهِ بِأنَّهُ لَوْ كانَ قَوْلُهُ: (بَناها) صِلَةً لِلسَّماءِ لَكانَ التَّقْدِيرُ: أمِ السَّماءُ [ الَّتِي ] بَناها، وهَذا يَقْتَضِي وُجُودَ سَماءٍ ما بَناها اللَّهُ، وذَلِكَ باطِلٌ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الَّذِي يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى هو الَّذِي بَنى السَّماءَ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّ السَّماءَ جِسْمٌ، وكُلُّ جِسْمٍ مُحْدَثٌ؛ لِأنَّ الجِسْمَ لَوْ كانَ أزَلِيًّا لَكانَ في الأزَلِ إمّا أنْ يَكُونَ مُتَحَرِّكًا أوْ ساكِنًا، والقِسْمانِ باطِلانِ، فالقَوْلُ بِكَوْنِ الجِسْمِ أزَلِيًّا باطِلٌ. أمّا الحَصْرُ فَلِأنَّهُ إمّا أنْ يَكُونَ مُسْتَقِرًّا حَيْثُ هو فَيَكُونَ ساكِنًا، أوْ لا يَكُونَ مُسْتَقِرًّا حَيْثُ هو فَيَكُونَ مُتَحَرِّكًا، وإنَّما قُلْنا إنَّهُ يَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ مُتَحَرِّكًا، لِأنَّ ماهِيَّةَ الحَرَكَةِ تَقْتَضِي المَسْبُوقِيَّةَ بِالغَيْرِ، وماهِيَّةَ الأزَلِ تُنافِي المَسْبُوقِيَّةَ بِالغَيْرِ، والجَمْعُ بَيْنَهُما مُحالٌ، وإنَّما قُلْنا إنَّهُ يَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ ساكِنًا؛ لِأنَّ السُّكُونَ وصْفٌ ثُبُوتِيٌّ، وهو مُمْكِنُ الزَّوالِ، وكُلُّ مُمْكِنِ الزَّوالِ مُفْتَقِرٌ إلى الفاعِلِ المُخْتارِ، وكُلُّ ما كانَ كَذَلِكَ فَهو مُحْدَثٌ، فَكُلُّ سُكُونٍ مُحْدَثٌ؛ فَيَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ أزَلِيًّا، وإنَّما قُلْنا إنَّ السُّكُونَ وصْفٌ ثُبُوتِيٌّ، لِأنَّهُ يَتَبَدَّلُ كَوْنُ الجِسْمِ مُتَحَرِّكًا بِكَوْنِهِ ساكِنًا مَعَ بَقاءِ ذاتِهِ، فَأحَدُهُما لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ أمْرًا ثُبُوتِيًّا، فَإنْ كانَ الثُّبُوتِيُّ هو السُّكُونَ فَقَدْ حَصَلَ المَقْصُودُ، وإنْ كانَ الثُّبُوتِيُّ هو الحَرَكَةَ وجَبَ أيْضًا أنْ يَكُونَ السُّكُونُ ثُبُوتِيًّا؛ لِأنَّ الحَرَكَةَ عِبارَةٌ عَنِ الحُصُولِ في المَكانِ بَعْدَ أنْ كانَ في غَيْرِهِ، والسُّكُونُ عِبارَةٌ عَنِ الحُصُولِ في المَكانِ بَعْدَ أنْ كانَ فِيهِ بِعَيْنِهِ، فالتَّفاوُتُ بَيْنَ الحَرَكَةِ والسُّكُونِ لَيْسَ في الماهِيَّةِ، بَلْ في المَسْبُوقِيَّةِ بِالغَيْرِ وعَدَمِ المَسْبُوقِيَّةِ بِالغَيْرِ، وذَلِكَ وصْفٌ عارِضِيٌّ خارِجِيٌّ عَنِ الماهِيَّةِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَإذا ثَبَتَ أنَّ تِلْكَ الماهِيَّةَ أمْرٌ وُجُودِيٌّ في إحْدى الصُّورَتَيْنِ وجَبَ أنْ تَكُونَ كَذَلِكَ في صُورَةٍ أُخْرى، وإنَّما قُلْنا إنَّ سُكُونَ السَّماءِ جائِزُ الزَّوالِ، لِأنَّهُ لَوْ
صفحة ٤٢
كانَ واجِبًا لِذاتِهِ لامْتَنَعَ زَوالُهُ، فَكانَ يَجِبُ أنْ لا تَتَحَرَّكَ السَّماءُ لَكِنّا نَراها الآنَ مُتَحَرِّكَةً، فَعَلِمْنا أنَّها لَوْ كانَتْ ساكِنَةً في الأزَلِ، لَكانَ ذَلِكَ السُّكُونُ جائِزَ الزَّوالِ، وإنَّما قُلْنا إنَّ ذَلِكَ السُّكُونَ لَمّا كانَ مُمْكِنًا لِذاتِهِ، افْتَقَرَ إلى الفاعِلِ المُخْتارِ لِأنَّهُ لَمّا كانَ مُمْكِنًا لِذاتِهِ، فَلا بُدَّ لَهُ مِن مُؤَثِّرٍ، وذَلِكَ المُؤَثِّرُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُوجِبًا؛ لِأنَّ ذَلِكَ المُوجِبَ إنْ كانَ واجِبًا، وكانَ غَنِيًّا في إيجابِهِ لِذَلِكَ المَعْلُولِ عَنْ شَرْطٍ لَزِمَ مِن دَوامِهِ دَوامُ ذَلِكَ الأثَرِ، فَكانَ يَجِبُ أنْ لا يَزُولَ لِلسُّكُونِ وإنْ كانَ واجِبًا ومُفْتَقِرًا في إيجابِهِ لِذَلِكَ المَعْلُولِ إلى شَرْطٍ واجِبٍ لِذاتِهِ، لَزِمَ مِن دَوامِ العِلَّةِ ودَوامِ الشَّرْطِ دَوامُ المَعْلُولِ، أمّا إنْ كانَ المُوجِبُ غَيْرَ واجِبٍ لِذاتِهِ، أوْ كانَ شَرْطُ إيجابِهِ غَيْرَ واجِبٍ لِذاتِهِ كانَ الكَلامُ فِيهِ كالكَلامِ في الأوَّلِ، فَيَلْزَمُ التَّسَلْسُلُ، وهو مُحالٌ أوِ الِانْتِهاءُ إلى مُوجِبٍ واجِبٍ لِذاتِهِ، وإلى شَرْطٍ واجِبٍ لِذاتِهِ، وحِينَئِذٍ يَعُودُ الإلْزامُ الأوَّلُ، فَثَبَتَ أنَّ ذَلِكَ المُؤَثِّرَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ فاعِلًا مُخْتارًا، فَإذًا كَلُّ سُكُونٍ فَهو فِعْلُ فاعِلٍ مُخْتارٍ، وكُلُّ ما كانَ كَذَلِكَ فَهو مُحْدَثٌ؛ لِأنَّ المُخْتارَ إنَّما يَفْعَلُ بِواسِطَةِ القَصْدِ، والقَصْدُ إلى تَكْوِينِ الكائِنِ وتَحْصِيلِ الحاصِلِ مُحالٌ، فَثَبَتَ أنَّ كُلَّ سُكُونٍ فَهو مُحْدَثٌ، فَثَبَتَ أنَّهُ يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ الجِسْمُ في الأزَلِ لا مُتَحَرِّكًا ولا ساكِنًا، فَهو إذًا غَيْرُ مَوْجُودٍ في الأزَلِ، فَهو مُحْدَثٌ، وإذا كانَ مُحْدَثًا افْتَقَرَ في ذاتِهِ وفي تَرْكِيبِ أجْزائِهِ إلى مُوجِدٍ، وذَلِكَ هو اللَّهُ تَعالى، فَثَبَتَ بِالعَقْلِ أنَّ بانِيَ السَّماءِ هو اللَّهُ تَعالى.
الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: كُلُّ ما سِوى الواجِبِ فَهو مُمْكِنٌ، وكُلُّ مُمْكِنٍ مُحْدَثٌ، وكُلُّ مُحْدَثٍ فَلَهُ صانِعٌ، إنَّما قُلْنا: كُلُّ ما سِوى الواجِبِ مُمْكِنٌ، لِأنّا لَوْ فَرَضْنا مَوْجُودَيْنِ واجِبَيْنِ لِذاتَيْهِما لاشْتَرَكا في الوُجُودِ ولَتَبايَنا بِالتَّعْيِينِ، فَيَكُونُ كُلٌّ مِنهُما مُرَكَّبًا مِمّا بِهِ المُشارَكَةُ، ومِمّا بِهِ المُمايَزَةُ، وكُلُّ مُرَكَّبٍ مُفْتَقِرٌ إلى جُزْئِهِ، وجُزْؤُهُ غَيْرُهُ، فَكُلُّ مُرَكَّبٍ فَهو مُفْتَقِرٌ إلى غَيْرِهِ، وكُلُّ مُفْتَقِرٍ إلى غَيْرِهِ مُمْكِنٌ لِذاتِهِ، فَكُلُّ واحِدٍ مِنَ الواجِبَيْنِ بِالذّاتِ مُمْكِنٌ بِالذّاتِ، هَذا خَلْفٌ، ثُمَّ يَنْقُلُ الكَلامَ إلى ذَيْنِكَ الجُزْأيْنِ، فَإنْ كانا واجِبَيْنِ، كانَ كُلُّ واحِدٍ مِن تِلْكَ الأجْزاءِ مُرَكَّبًا ويَلْزَمُ التَّسَلْسُلُ، وإنْ لَمْ يَكُونا واجِبَيْنِ كانَ المُفْتَقِرُ إلَيْهِما أوْلى بِعَدَمِ الوُجُودِ، فَثَبَتَ أنَّ ما عَدا الواجِبَ مُمْكِنٌ، وكُلُّ مُمْكِنٍ فَلَهُ مُؤَثِّرٌ، وكُلُّ ما افْتَقَرَ إلى المُؤَثِّرِ مُحْدَثٌ؛ لِأنَّ الِافْتِقارَ إلى المُؤَثِّرِ لا يُمْكِنُ أنْ يَتَحَقَّقَ حالَ البَقاءِ لِاسْتِحالَةِ إيجادِ المُوجِدِ، فَلا بُدَّ وأنْ يَكُونَ إمّا حالَ الحُدُوثِ أوْ حالَ العَدَمِ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فالحُدُوثُ لازِمٌ، فَثَبَتَ أنَّ ما سِوى الواجِبِ مُحْدَثٌ، وكُلُّ مُحْدَثٍ فَلا بُدَّ لَهُ مِن مُحْدِثٍ، فَلا بُدَّ لِلسَّماءِ مِن بانٍ.
الحُجَّةُ الثّالِثَةُ: صَرِيحُ العَقْلِ يَشْهَدُ بِأنَّ جِرْمَ السَّماءِ لا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ أكْبَرَ مِمّا هو الآنَ بِمِقْدارِ خَرْدَلَةٍ، ولا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ أصْغَرَ بِمِقْدارِ خَرْدَلَةٍ، فاخْتِصاصُ هَذا المِقْدارِ بِالوُقُوعِ دُونَ الأزْيَدِ والأنْقَصِ، لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ بِمُخَصِّصٍ، فَثَبَتَ أنَّهُ لا بُدَّ لِلسَّماءِ مِن بانٍ، (فَإنْ قِيلَ): لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ إنَّهُ تَعالى خَلَقَ شَيْئًا وأعْطاهُ قُدْرَةً يَتَمَكَّنُ ذَلِكَ المَخْلُوقُ بِتِلْكَ القُدْرَةِ مِن خَلْقِ الأجْسامِ، فَيَكُونُ خالِقُ السَّماءِ وبانِيها هو ذَلِكَ الشَّيْءَ ؟
الجَوابُ: مِنَ العُلَماءِ مَن قالَ: المَعْلُومُ بِالعَقْلِ أنَّهُ لا بُدَّ لِلسَّماءِ مِن مُحْدِثٍ، وأنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الِانْتِهاءِ آخِرِ الأمْرِ إلى قَدِيمٍ، والإلَهُ قَدِيمٌ واجِبُ الوُجُودِ لِذاتِهِ واحِدٌ وهو اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى، فَأمّا نَفْيُ الواسِطَةِ فَإنَّما يُعْلَمُ بِالسَّمْعِ، فَقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ: (بَناها) يَدُلُّ عَلى أنَّ بانِيَ السَّماءِ هو اللَّهُ لا غَيْرُهُ، ومِنهم مَن قالَ: بَلِ العَقْلُ يَدُلُّ عَلى بُطْلانِهِ؛ لِأنَّهُ لَمّا ثَبَتَ أنَّ كُلَّ ما عَداهُ مُحْدَثٌ ثَبَتَ أنَّهُ قادِرٌ لا مُوجَبٌ، والَّذِي كانَ مَقْدُورًا لَهُ إنَّما صَحَّ كَوْنُهُ مَقْدُورًا لَهُ بِكَوْنِهِ مُمْكِنًا، فَإنَّكَ لَوْ رَفَعْتَ الإمْكانَ بَقِيَ الوُجُوبُ أوِ الِامْتِناعُ، وهُما يُحِيلانِ المَقْدُورِيَّةَ، وإذا كانَ
صفحة ٤٣
ما لِأجْلِهِ صَحَّ في البَعْضِ أنْ يَكُونَ مَقْدُورًا لِلَّهِ وهو الإمْكانُ، والإمْكانُ عامٌّ في المُمْكِناتِ، وجَبَ أنْ يَحْصُلَ في كُلِّ المُمْكِناتِ صِحَّةُ أنْ تَكُونَ مَقْدُورَةً لِلَّهِ تَعالى، وإذا ثَبَتَ ذَلِكَ ونِسْبَةُ قُدْرَتِهِ إلى الكُلِّ عَلى السَّوِيَّةِ وجَبَ أنْ يَكُونَ قادِرًا عَلى الكُلِّ، وإذا ثَبَتَ أنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى المُمْكِناتِ، فَلَوْ قَدَّرْنا قادِرًا آخَرَ قَدَرَ عَلى بَعْضِ المُمْكِناتِ، لَزِمَ وُقُوعُ مَقْدُورٍ واحِدٍ بَيْنَ قادِرَيْنِ مِن جِهَةٍ واحِدَةٍ، وذَلِكَ مُحالٌ؛ لِأنَّهُ إمّا أنْ يَقَعَ بِأحَدِهِما دُونَ الآخَرِ وهو مُحالٌ، لِأنَّهُما لَمّا كانا مُسْتَقِلَّيْنِ بِالِاقْتِضاءِ فَلَيْسَ وُقُوعُهُ بِهَذا أوْلى مِن وُقُوعِهِ بِذاكَ أوْ بِهِما مَعًا، وهو أيْضًا مُحالٌ لِأنَّهُ يَسْتَغْنِي بِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما عَنْ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما، فَيَكُونُ مُحْتاجًا إلَيْهِما مَعًا وغَنِيًّا عَنْهُما مَعًا وهو مُحالٌ، فَثَبَتَ بِهَذا أنَّهُ لا يُمْكِنُ وُقُوعُ مُمْكِنٍ آخَرَ بِسَبَبٍ آخَرَ سِوى قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى، وهَذا الكَلامُ جَيِّدٌ، لَكِنْ عَلى قَوْلِ مَن لا يُثْبِتُ في الوُجُودِ مُؤَثِّرًا سِوى الواحِدِ، فَهَذا جُمْلَةُ ما في هَذا البابِ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ في السَّماءِ أنَّهُ بَناها، بَيَّنَ بَعْدَ ذَلِكَ أنَّهُ كَيْفَ بَناها، وشَرَحَ تِلْكَ الكَيْفِيَّةَ مِن وُجُوهٍ:
أوَّلُها: ما يَتَعَلَّقُ بِالمَكانِ، فَقالَ تَعالى: ﴿رَفَعَ سَمْكَها﴾ .
واعْلَمْ أنَّ امْتِدادَ الشَّيْءِ إذا أُخِذَ مِن أعْلاهُ إلى أسْفَلِهِ سُمِّيَ عُمْقًا، وإذا أُخِذَ مِن أسْفَلِهِ إلى أعْلاهُ سُمِّيَ سَمْكًا، فالمُرادُ بِرَفْعِ سَمْكِها شِدَّةُ عُلُوِّها حَتّى ذَكَرُوا أنَّ ما بَيْنَ الأرْضِ وبَيْنَها مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عامٍ، و[ قَدْ ] بَيَّنَ أصْحابُ الهَيْئَةِ مَقادِيرَ الأجْرامِ الفَلَكِيَّةِ وأبْعادَ ما بَيْنَ كُلِّ واحِدٍ مِنها وبَيْنَ الأرْضِ. وقالَ آخَرُونَ: بَلِ المُرادُ: رَفْعُ سَمْكِها مِن غَيْرِ عَمَدٍ، وذَلِكَ مِمّا لا يَصِحُّ إلّا مِنَ اللَّهِ تَعالى.
الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: (فَسَوّاها) وفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: المُرادُ تَسْوِيَةُ تَأْلِيفِها، وقِيلَ: بَلِ المُرادُ نَفْيُ الشُّقُوقِ عَنْها، كَقَوْلِهِ: ﴿ما تَرى في خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفاوُتٍ﴾ [المُلْكِ: ٣] والقائِلُونَ بِالقَوْلِ الأوَّلِ قالُوا: (فَسَوّاها) عامٌّ، فَلا يَجُوزُ تَخْصِيصُهُ بِالتَّسْوِيَةِ في بَعْضِ الأشْياءِ، ثُمَّ قالُوا: هَذا يَدُلُّ عَلى كَوْنِ السَّماءِ كُرَةً؛ لِأنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ كُرَةً لَكانَ بَعْضُ جَوانِبِهِ سَطْحًا، والبَعْضُ زاوِيَةً، والبَعْضُ خَطًّا، ولَكانَ بَعْضُ أجْزائِهِ أقْرَبَ إلَيْنا، والبَعْضُ أبْعَدَ، فَلا تَكُونُ التَّسْوِيَةُ الحَقِيقَةُ حاصِلَةً، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ كُرَةً حَتّى تَكُونَ التَّسْوِيَةُ الحَقِيقَةُ حاصِلَةً، ثُمَّ قالُوا: لَمّا ثَبَتَ أنَّها مُحْدَثَةٌ مُفْتَقِرَةٌ إلى فاعِلٍ مُخْتارٍ، فَأيُّ ضَرَرٍ في الدِّينِ يَنْشَأُ مِن كَوْنِها كُرَةً؟ .
النازعات 79:27
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى خَتَمَ هَذِهِ القِصَّةِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَن يَخْشى﴾ والمَعْنى أنَّ فِيما اقْتَصَصْناهُ مِن أمْرِ مُوسى وفِرْعَوْنَ، وما أحَلَّهُ اللَّهُ بِفِرْعَوْنَ مِنَ الخِزْيِ، ورَزَقَ مُوسى مِنَ العُلُوِّ والنَّصْرِ، عِبْرَةً لِمَن يَخْشى، وذَلِكَ أنْ يَدَعَ التَّمَرُّدَ عَلى اللَّهِ تَعالى، والتَّكْذِيبَ لِأنْبِيائِهِ خَوْفًا مِن أنْ يَنْزِلَ بِهِ ما نَزَلَ بِفِرْعَوْنَ، وعِلْمًا بِأنَّ اللَّهَ تَعالى يَنْصُرُ أنْبِياءَهُ ورُسُلَهُ، فاعْتَبِرُوا مَعاشِرَ المُكَذِّبِينَ لِمُحَمَّدٍ بِما ذَكَرْناهُ، أيِ اعْلَمُوا أنَّكم إنْ شارَكْتُمُوهم في المَعْنى الجالِبِ لِلْعِقابِ، شارَكْتُمُوهم في حُلُولِ العِقابِ بِكم.
ثُمَّ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا خَتَمَ هَذِهِ القِصَّةَ رَجَعَ إلى مُخاطَبَةِ مُنْكِرِي البَعْثِ، فَقالَ: ﴿أأنْتُمْ أشَدُّ خَلْقًا أمِ السَّماءُ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: في المَقْصُودِ مِن هَذا الِاسْتِدْلالِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ اسْتِدْلالٌ عَلى مُنْكِرِي البَعْثِ، فَقالَ: ﴿أأنْتُمْ أشَدُّ خَلْقًا أمِ السَّماءُ﴾، فَنَبَّهَهم عَلى أمْرٍ يُعْلَمُ بِالمُشاهَدَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ خِلْقَةَ الإنْسانِ عَلى صِغَرِهِ
صفحة ٤١
وضَعْفِهِ، إذا أُضِيفَ إلى خَلْقِ السَّماءِ عَلى عِظَمِها وعِظَمِ أحْوالِها يَسِيرٌ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ خَلْقَ السَّماءِ أعْظَمُ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَخَلْقُهم عَلى وجْهِ الإعادَةِ أوْلى أنْ يَكُونَ مَقْدُورًا لِلَّهِ تَعالى فَكَيْفَ يُنْكِرُونَ ذَلِكَ؟ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿أوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ [يس: ٨١] وقَوْلُهُ: ﴿لَخَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ أكْبَرُ مِن خَلْقِ النّاسِ﴾ [غافِرٍ: ٥٧] والمَعْنى أخَلْقُكم بَعْدَ المَوْتِ أشَدُّ أمْ خَلْقُ السَّماءِ أيْ عِنْدَكُمْ، وفي تَقْدِيرِكُمْ، فَإنَّ كِلا الأمْرَيْنِ بِالنِّسْبَةِ إلى قُدْرَةِ اللَّهِ واحِدٌ. والثّانِي: أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذا الِاسْتِدْلالِ بَيانُ كَوْنِهِمْ مَخْلُوقِينَ، وهَذا القَوْلُ ضَعِيفٌ لِوَجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ مَن أنْكَرَ كَوْنَ الإنْسانِ مَخْلُوقًا فَبِأنْ يُنْكِرَهُ في السَّماءِ كانَ أوْلى.
وثانِيهِما: أنَّ أوَّلَ السُّورَةِ كانَ في بَيانِ مَسْألَةِ الحَشْرِ والنَّشْرِ، فَحَمْلُ هَذا الكَلامِ عَلَيْهِ أوْلى.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ والزَّجّاجُ: هَذا الكَلامُ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿أمِ السَّماءُ﴾، ثُمَّ قَوْلُهُ تَعالى: (بَناها) ابْتِداءُ كَلامٍ آخَرَ، وعِنْدَ أبِي حاتِمٍ الوَقْفُ عَلى قَوْلِهِ: (بَناها) قالَ: لِأنَّهُ مِن صِلَةِ السَّماءِ، والتَّقْدِيرُ: أمِ السَّماءُ الَّتِي بَناها، فَحَذَفَ الَّتِي، ومِثْلُ هَذا الحَذْفِ جائِزٌ، قالَ القَفّالُ: يُقالُ: الرَّجُلُ جاءَكَ عاقِلٌ، أيِ الرَّجُلُ الَّذِي جاءَكَ عاقِلٌ، إذا ثَبَتَ أنَّ هَذا جائِزٌ في اللُّغَةِ فَنَقُولُ: الدَّلِيلُ عَلى أنَّ قَوْلَهُ: (بَناها) صِلَةٌ لِما قَبْلَهُ أنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ صِلَةً لَكانَ صِفَةً، فَقَوْلُهُ: (بَناها) صِفَةٌ، ثُمَّ قَوْلُهُ: ﴿رَفَعَ سَمْكَها﴾ صِفَةٌ، فَقَدْ تَوالَتْ صِفَتانِ لا تَعَلُّقَ لِإحْداهُما بِالأُخْرى، فَكانَ يَجِبُ إدْخالُ العاطِفِ فِيما بَيْنَهُما، كَما في قَوْلِهِ: ﴿وأغْطَشَ لَيْلَها﴾ فَلَمّا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ عَلِمْنا أنَّ قَوْلَهُ: (بَناها) صِلَةٌ لِلسَّماءِ، ثُمَّ قالَ: ﴿رَفَعَ سَمْكَها﴾ ابْتِداءٌ بِذِكْرِ صِفَتِهِ، ولِلْفَرّاءِ أنْ يَحْتَجَّ عَلى قَوْلِهِ بِأنَّهُ لَوْ كانَ قَوْلُهُ: (بَناها) صِلَةً لِلسَّماءِ لَكانَ التَّقْدِيرُ: أمِ السَّماءُ [ الَّتِي ] بَناها، وهَذا يَقْتَضِي وُجُودَ سَماءٍ ما بَناها اللَّهُ، وذَلِكَ باطِلٌ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الَّذِي يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى هو الَّذِي بَنى السَّماءَ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّ السَّماءَ جِسْمٌ، وكُلُّ جِسْمٍ مُحْدَثٌ؛ لِأنَّ الجِسْمَ لَوْ كانَ أزَلِيًّا لَكانَ في الأزَلِ إمّا أنْ يَكُونَ مُتَحَرِّكًا أوْ ساكِنًا، والقِسْمانِ باطِلانِ، فالقَوْلُ بِكَوْنِ الجِسْمِ أزَلِيًّا باطِلٌ. أمّا الحَصْرُ فَلِأنَّهُ إمّا أنْ يَكُونَ مُسْتَقِرًّا حَيْثُ هو فَيَكُونَ ساكِنًا، أوْ لا يَكُونَ مُسْتَقِرًّا حَيْثُ هو فَيَكُونَ مُتَحَرِّكًا، وإنَّما قُلْنا إنَّهُ يَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ مُتَحَرِّكًا، لِأنَّ ماهِيَّةَ الحَرَكَةِ تَقْتَضِي المَسْبُوقِيَّةَ بِالغَيْرِ، وماهِيَّةَ الأزَلِ تُنافِي المَسْبُوقِيَّةَ بِالغَيْرِ، والجَمْعُ بَيْنَهُما مُحالٌ، وإنَّما قُلْنا إنَّهُ يَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ ساكِنًا؛ لِأنَّ السُّكُونَ وصْفٌ ثُبُوتِيٌّ، وهو مُمْكِنُ الزَّوالِ، وكُلُّ مُمْكِنِ الزَّوالِ مُفْتَقِرٌ إلى الفاعِلِ المُخْتارِ، وكُلُّ ما كانَ كَذَلِكَ فَهو مُحْدَثٌ، فَكُلُّ سُكُونٍ مُحْدَثٌ؛ فَيَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ أزَلِيًّا، وإنَّما قُلْنا إنَّ السُّكُونَ وصْفٌ ثُبُوتِيٌّ، لِأنَّهُ يَتَبَدَّلُ كَوْنُ الجِسْمِ مُتَحَرِّكًا بِكَوْنِهِ ساكِنًا مَعَ بَقاءِ ذاتِهِ، فَأحَدُهُما لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ أمْرًا ثُبُوتِيًّا، فَإنْ كانَ الثُّبُوتِيُّ هو السُّكُونَ فَقَدْ حَصَلَ المَقْصُودُ، وإنْ كانَ الثُّبُوتِيُّ هو الحَرَكَةَ وجَبَ أيْضًا أنْ يَكُونَ السُّكُونُ ثُبُوتِيًّا؛ لِأنَّ الحَرَكَةَ عِبارَةٌ عَنِ الحُصُولِ في المَكانِ بَعْدَ أنْ كانَ في غَيْرِهِ، والسُّكُونُ عِبارَةٌ عَنِ الحُصُولِ في المَكانِ بَعْدَ أنْ كانَ فِيهِ بِعَيْنِهِ، فالتَّفاوُتُ بَيْنَ الحَرَكَةِ والسُّكُونِ لَيْسَ في الماهِيَّةِ، بَلْ في المَسْبُوقِيَّةِ بِالغَيْرِ وعَدَمِ المَسْبُوقِيَّةِ بِالغَيْرِ، وذَلِكَ وصْفٌ عارِضِيٌّ خارِجِيٌّ عَنِ الماهِيَّةِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَإذا ثَبَتَ أنَّ تِلْكَ الماهِيَّةَ أمْرٌ وُجُودِيٌّ في إحْدى الصُّورَتَيْنِ وجَبَ أنْ تَكُونَ كَذَلِكَ في صُورَةٍ أُخْرى، وإنَّما قُلْنا إنَّ سُكُونَ السَّماءِ جائِزُ الزَّوالِ، لِأنَّهُ لَوْ
صفحة ٤٢
كانَ واجِبًا لِذاتِهِ لامْتَنَعَ زَوالُهُ، فَكانَ يَجِبُ أنْ لا تَتَحَرَّكَ السَّماءُ لَكِنّا نَراها الآنَ مُتَحَرِّكَةً، فَعَلِمْنا أنَّها لَوْ كانَتْ ساكِنَةً في الأزَلِ، لَكانَ ذَلِكَ السُّكُونُ جائِزَ الزَّوالِ، وإنَّما قُلْنا إنَّ ذَلِكَ السُّكُونَ لَمّا كانَ مُمْكِنًا لِذاتِهِ، افْتَقَرَ إلى الفاعِلِ المُخْتارِ لِأنَّهُ لَمّا كانَ مُمْكِنًا لِذاتِهِ، فَلا بُدَّ لَهُ مِن مُؤَثِّرٍ، وذَلِكَ المُؤَثِّرُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُوجِبًا؛ لِأنَّ ذَلِكَ المُوجِبَ إنْ كانَ واجِبًا، وكانَ غَنِيًّا في إيجابِهِ لِذَلِكَ المَعْلُولِ عَنْ شَرْطٍ لَزِمَ مِن دَوامِهِ دَوامُ ذَلِكَ الأثَرِ، فَكانَ يَجِبُ أنْ لا يَزُولَ لِلسُّكُونِ وإنْ كانَ واجِبًا ومُفْتَقِرًا في إيجابِهِ لِذَلِكَ المَعْلُولِ إلى شَرْطٍ واجِبٍ لِذاتِهِ، لَزِمَ مِن دَوامِ العِلَّةِ ودَوامِ الشَّرْطِ دَوامُ المَعْلُولِ، أمّا إنْ كانَ المُوجِبُ غَيْرَ واجِبٍ لِذاتِهِ، أوْ كانَ شَرْطُ إيجابِهِ غَيْرَ واجِبٍ لِذاتِهِ كانَ الكَلامُ فِيهِ كالكَلامِ في الأوَّلِ، فَيَلْزَمُ التَّسَلْسُلُ، وهو مُحالٌ أوِ الِانْتِهاءُ إلى مُوجِبٍ واجِبٍ لِذاتِهِ، وإلى شَرْطٍ واجِبٍ لِذاتِهِ، وحِينَئِذٍ يَعُودُ الإلْزامُ الأوَّلُ، فَثَبَتَ أنَّ ذَلِكَ المُؤَثِّرَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ فاعِلًا مُخْتارًا، فَإذًا كَلُّ سُكُونٍ فَهو فِعْلُ فاعِلٍ مُخْتارٍ، وكُلُّ ما كانَ كَذَلِكَ فَهو مُحْدَثٌ؛ لِأنَّ المُخْتارَ إنَّما يَفْعَلُ بِواسِطَةِ القَصْدِ، والقَصْدُ إلى تَكْوِينِ الكائِنِ وتَحْصِيلِ الحاصِلِ مُحالٌ، فَثَبَتَ أنَّ كُلَّ سُكُونٍ فَهو مُحْدَثٌ، فَثَبَتَ أنَّهُ يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ الجِسْمُ في الأزَلِ لا مُتَحَرِّكًا ولا ساكِنًا، فَهو إذًا غَيْرُ مَوْجُودٍ في الأزَلِ، فَهو مُحْدَثٌ، وإذا كانَ مُحْدَثًا افْتَقَرَ في ذاتِهِ وفي تَرْكِيبِ أجْزائِهِ إلى مُوجِدٍ، وذَلِكَ هو اللَّهُ تَعالى، فَثَبَتَ بِالعَقْلِ أنَّ بانِيَ السَّماءِ هو اللَّهُ تَعالى.
الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: كُلُّ ما سِوى الواجِبِ فَهو مُمْكِنٌ، وكُلُّ مُمْكِنٍ مُحْدَثٌ، وكُلُّ مُحْدَثٍ فَلَهُ صانِعٌ، إنَّما قُلْنا: كُلُّ ما سِوى الواجِبِ مُمْكِنٌ، لِأنّا لَوْ فَرَضْنا مَوْجُودَيْنِ واجِبَيْنِ لِذاتَيْهِما لاشْتَرَكا في الوُجُودِ ولَتَبايَنا بِالتَّعْيِينِ، فَيَكُونُ كُلٌّ مِنهُما مُرَكَّبًا مِمّا بِهِ المُشارَكَةُ، ومِمّا بِهِ المُمايَزَةُ، وكُلُّ مُرَكَّبٍ مُفْتَقِرٌ إلى جُزْئِهِ، وجُزْؤُهُ غَيْرُهُ، فَكُلُّ مُرَكَّبٍ فَهو مُفْتَقِرٌ إلى غَيْرِهِ، وكُلُّ مُفْتَقِرٍ إلى غَيْرِهِ مُمْكِنٌ لِذاتِهِ، فَكُلُّ واحِدٍ مِنَ الواجِبَيْنِ بِالذّاتِ مُمْكِنٌ بِالذّاتِ، هَذا خَلْفٌ، ثُمَّ يَنْقُلُ الكَلامَ إلى ذَيْنِكَ الجُزْأيْنِ، فَإنْ كانا واجِبَيْنِ، كانَ كُلُّ واحِدٍ مِن تِلْكَ الأجْزاءِ مُرَكَّبًا ويَلْزَمُ التَّسَلْسُلُ، وإنْ لَمْ يَكُونا واجِبَيْنِ كانَ المُفْتَقِرُ إلَيْهِما أوْلى بِعَدَمِ الوُجُودِ، فَثَبَتَ أنَّ ما عَدا الواجِبَ مُمْكِنٌ، وكُلُّ مُمْكِنٍ فَلَهُ مُؤَثِّرٌ، وكُلُّ ما افْتَقَرَ إلى المُؤَثِّرِ مُحْدَثٌ؛ لِأنَّ الِافْتِقارَ إلى المُؤَثِّرِ لا يُمْكِنُ أنْ يَتَحَقَّقَ حالَ البَقاءِ لِاسْتِحالَةِ إيجادِ المُوجِدِ، فَلا بُدَّ وأنْ يَكُونَ إمّا حالَ الحُدُوثِ أوْ حالَ العَدَمِ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فالحُدُوثُ لازِمٌ، فَثَبَتَ أنَّ ما سِوى الواجِبِ مُحْدَثٌ، وكُلُّ مُحْدَثٍ فَلا بُدَّ لَهُ مِن مُحْدِثٍ، فَلا بُدَّ لِلسَّماءِ مِن بانٍ.
الحُجَّةُ الثّالِثَةُ: صَرِيحُ العَقْلِ يَشْهَدُ بِأنَّ جِرْمَ السَّماءِ لا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ أكْبَرَ مِمّا هو الآنَ بِمِقْدارِ خَرْدَلَةٍ، ولا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ أصْغَرَ بِمِقْدارِ خَرْدَلَةٍ، فاخْتِصاصُ هَذا المِقْدارِ بِالوُقُوعِ دُونَ الأزْيَدِ والأنْقَصِ، لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ بِمُخَصِّصٍ، فَثَبَتَ أنَّهُ لا بُدَّ لِلسَّماءِ مِن بانٍ، (فَإنْ قِيلَ): لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ إنَّهُ تَعالى خَلَقَ شَيْئًا وأعْطاهُ قُدْرَةً يَتَمَكَّنُ ذَلِكَ المَخْلُوقُ بِتِلْكَ القُدْرَةِ مِن خَلْقِ الأجْسامِ، فَيَكُونُ خالِقُ السَّماءِ وبانِيها هو ذَلِكَ الشَّيْءَ ؟
الجَوابُ: مِنَ العُلَماءِ مَن قالَ: المَعْلُومُ بِالعَقْلِ أنَّهُ لا بُدَّ لِلسَّماءِ مِن مُحْدِثٍ، وأنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الِانْتِهاءِ آخِرِ الأمْرِ إلى قَدِيمٍ، والإلَهُ قَدِيمٌ واجِبُ الوُجُودِ لِذاتِهِ واحِدٌ وهو اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى، فَأمّا نَفْيُ الواسِطَةِ فَإنَّما يُعْلَمُ بِالسَّمْعِ، فَقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ: (بَناها) يَدُلُّ عَلى أنَّ بانِيَ السَّماءِ هو اللَّهُ لا غَيْرُهُ، ومِنهم مَن قالَ: بَلِ العَقْلُ يَدُلُّ عَلى بُطْلانِهِ؛ لِأنَّهُ لَمّا ثَبَتَ أنَّ كُلَّ ما عَداهُ مُحْدَثٌ ثَبَتَ أنَّهُ قادِرٌ لا مُوجَبٌ، والَّذِي كانَ مَقْدُورًا لَهُ إنَّما صَحَّ كَوْنُهُ مَقْدُورًا لَهُ بِكَوْنِهِ مُمْكِنًا، فَإنَّكَ لَوْ رَفَعْتَ الإمْكانَ بَقِيَ الوُجُوبُ أوِ الِامْتِناعُ، وهُما يُحِيلانِ المَقْدُورِيَّةَ، وإذا كانَ
صفحة ٤٣
ما لِأجْلِهِ صَحَّ في البَعْضِ أنْ يَكُونَ مَقْدُورًا لِلَّهِ وهو الإمْكانُ، والإمْكانُ عامٌّ في المُمْكِناتِ، وجَبَ أنْ يَحْصُلَ في كُلِّ المُمْكِناتِ صِحَّةُ أنْ تَكُونَ مَقْدُورَةً لِلَّهِ تَعالى، وإذا ثَبَتَ ذَلِكَ ونِسْبَةُ قُدْرَتِهِ إلى الكُلِّ عَلى السَّوِيَّةِ وجَبَ أنْ يَكُونَ قادِرًا عَلى الكُلِّ، وإذا ثَبَتَ أنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى المُمْكِناتِ، فَلَوْ قَدَّرْنا قادِرًا آخَرَ قَدَرَ عَلى بَعْضِ المُمْكِناتِ، لَزِمَ وُقُوعُ مَقْدُورٍ واحِدٍ بَيْنَ قادِرَيْنِ مِن جِهَةٍ واحِدَةٍ، وذَلِكَ مُحالٌ؛ لِأنَّهُ إمّا أنْ يَقَعَ بِأحَدِهِما دُونَ الآخَرِ وهو مُحالٌ، لِأنَّهُما لَمّا كانا مُسْتَقِلَّيْنِ بِالِاقْتِضاءِ فَلَيْسَ وُقُوعُهُ بِهَذا أوْلى مِن وُقُوعِهِ بِذاكَ أوْ بِهِما مَعًا، وهو أيْضًا مُحالٌ لِأنَّهُ يَسْتَغْنِي بِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما عَنْ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما، فَيَكُونُ مُحْتاجًا إلَيْهِما مَعًا وغَنِيًّا عَنْهُما مَعًا وهو مُحالٌ، فَثَبَتَ بِهَذا أنَّهُ لا يُمْكِنُ وُقُوعُ مُمْكِنٍ آخَرَ بِسَبَبٍ آخَرَ سِوى قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى، وهَذا الكَلامُ جَيِّدٌ، لَكِنْ عَلى قَوْلِ مَن لا يُثْبِتُ في الوُجُودِ مُؤَثِّرًا سِوى الواحِدِ، فَهَذا جُمْلَةُ ما في هَذا البابِ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ في السَّماءِ أنَّهُ بَناها، بَيَّنَ بَعْدَ ذَلِكَ أنَّهُ كَيْفَ بَناها، وشَرَحَ تِلْكَ الكَيْفِيَّةَ مِن وُجُوهٍ:
أوَّلُها: ما يَتَعَلَّقُ بِالمَكانِ، فَقالَ تَعالى: ﴿رَفَعَ سَمْكَها﴾ .
واعْلَمْ أنَّ امْتِدادَ الشَّيْءِ إذا أُخِذَ مِن أعْلاهُ إلى أسْفَلِهِ سُمِّيَ عُمْقًا، وإذا أُخِذَ مِن أسْفَلِهِ إلى أعْلاهُ سُمِّيَ سَمْكًا، فالمُرادُ بِرَفْعِ سَمْكِها شِدَّةُ عُلُوِّها حَتّى ذَكَرُوا أنَّ ما بَيْنَ الأرْضِ وبَيْنَها مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عامٍ، و[ قَدْ ] بَيَّنَ أصْحابُ الهَيْئَةِ مَقادِيرَ الأجْرامِ الفَلَكِيَّةِ وأبْعادَ ما بَيْنَ كُلِّ واحِدٍ مِنها وبَيْنَ الأرْضِ. وقالَ آخَرُونَ: بَلِ المُرادُ: رَفْعُ سَمْكِها مِن غَيْرِ عَمَدٍ، وذَلِكَ مِمّا لا يَصِحُّ إلّا مِنَ اللَّهِ تَعالى.
الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: (فَسَوّاها) وفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: المُرادُ تَسْوِيَةُ تَأْلِيفِها، وقِيلَ: بَلِ المُرادُ نَفْيُ الشُّقُوقِ عَنْها، كَقَوْلِهِ: ﴿ما تَرى في خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفاوُتٍ﴾ [المُلْكِ: ٣] والقائِلُونَ بِالقَوْلِ الأوَّلِ قالُوا: (فَسَوّاها) عامٌّ، فَلا يَجُوزُ تَخْصِيصُهُ بِالتَّسْوِيَةِ في بَعْضِ الأشْياءِ، ثُمَّ قالُوا: هَذا يَدُلُّ عَلى كَوْنِ السَّماءِ كُرَةً؛ لِأنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ كُرَةً لَكانَ بَعْضُ جَوانِبِهِ سَطْحًا، والبَعْضُ زاوِيَةً، والبَعْضُ خَطًّا، ولَكانَ بَعْضُ أجْزائِهِ أقْرَبَ إلَيْنا، والبَعْضُ أبْعَدَ، فَلا تَكُونُ التَّسْوِيَةُ الحَقِيقَةُ حاصِلَةً، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ كُرَةً حَتّى تَكُونَ التَّسْوِيَةُ الحَقِيقَةُ حاصِلَةً، ثُمَّ قالُوا: لَمّا ثَبَتَ أنَّها مُحْدَثَةٌ مُفْتَقِرَةٌ إلى فاعِلٍ مُخْتارٍ، فَأيُّ ضَرَرٍ في الدِّينِ يَنْشَأُ مِن كَوْنِها كُرَةً؟ .
النازعات 79:28
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى خَتَمَ هَذِهِ القِصَّةِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَن يَخْشى﴾ والمَعْنى أنَّ فِيما اقْتَصَصْناهُ مِن أمْرِ مُوسى وفِرْعَوْنَ، وما أحَلَّهُ اللَّهُ بِفِرْعَوْنَ مِنَ الخِزْيِ، ورَزَقَ مُوسى مِنَ العُلُوِّ والنَّصْرِ، عِبْرَةً لِمَن يَخْشى، وذَلِكَ أنْ يَدَعَ التَّمَرُّدَ عَلى اللَّهِ تَعالى، والتَّكْذِيبَ لِأنْبِيائِهِ خَوْفًا مِن أنْ يَنْزِلَ بِهِ ما نَزَلَ بِفِرْعَوْنَ، وعِلْمًا بِأنَّ اللَّهَ تَعالى يَنْصُرُ أنْبِياءَهُ ورُسُلَهُ، فاعْتَبِرُوا مَعاشِرَ المُكَذِّبِينَ لِمُحَمَّدٍ بِما ذَكَرْناهُ، أيِ اعْلَمُوا أنَّكم إنْ شارَكْتُمُوهم في المَعْنى الجالِبِ لِلْعِقابِ، شارَكْتُمُوهم في حُلُولِ العِقابِ بِكم.
ثُمَّ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا خَتَمَ هَذِهِ القِصَّةَ رَجَعَ إلى مُخاطَبَةِ مُنْكِرِي البَعْثِ، فَقالَ: ﴿أأنْتُمْ أشَدُّ خَلْقًا أمِ السَّماءُ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: في المَقْصُودِ مِن هَذا الِاسْتِدْلالِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ اسْتِدْلالٌ عَلى مُنْكِرِي البَعْثِ، فَقالَ: ﴿أأنْتُمْ أشَدُّ خَلْقًا أمِ السَّماءُ﴾، فَنَبَّهَهم عَلى أمْرٍ يُعْلَمُ بِالمُشاهَدَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ خِلْقَةَ الإنْسانِ عَلى صِغَرِهِ
صفحة ٤١
وضَعْفِهِ، إذا أُضِيفَ إلى خَلْقِ السَّماءِ عَلى عِظَمِها وعِظَمِ أحْوالِها يَسِيرٌ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ خَلْقَ السَّماءِ أعْظَمُ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَخَلْقُهم عَلى وجْهِ الإعادَةِ أوْلى أنْ يَكُونَ مَقْدُورًا لِلَّهِ تَعالى فَكَيْفَ يُنْكِرُونَ ذَلِكَ؟ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿أوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ [يس: ٨١] وقَوْلُهُ: ﴿لَخَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ أكْبَرُ مِن خَلْقِ النّاسِ﴾ [غافِرٍ: ٥٧] والمَعْنى أخَلْقُكم بَعْدَ المَوْتِ أشَدُّ أمْ خَلْقُ السَّماءِ أيْ عِنْدَكُمْ، وفي تَقْدِيرِكُمْ، فَإنَّ كِلا الأمْرَيْنِ بِالنِّسْبَةِ إلى قُدْرَةِ اللَّهِ واحِدٌ. والثّانِي: أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذا الِاسْتِدْلالِ بَيانُ كَوْنِهِمْ مَخْلُوقِينَ، وهَذا القَوْلُ ضَعِيفٌ لِوَجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ مَن أنْكَرَ كَوْنَ الإنْسانِ مَخْلُوقًا فَبِأنْ يُنْكِرَهُ في السَّماءِ كانَ أوْلى.
وثانِيهِما: أنَّ أوَّلَ السُّورَةِ كانَ في بَيانِ مَسْألَةِ الحَشْرِ والنَّشْرِ، فَحَمْلُ هَذا الكَلامِ عَلَيْهِ أوْلى.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ والزَّجّاجُ: هَذا الكَلامُ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿أمِ السَّماءُ﴾، ثُمَّ قَوْلُهُ تَعالى: (بَناها) ابْتِداءُ كَلامٍ آخَرَ، وعِنْدَ أبِي حاتِمٍ الوَقْفُ عَلى قَوْلِهِ: (بَناها) قالَ: لِأنَّهُ مِن صِلَةِ السَّماءِ، والتَّقْدِيرُ: أمِ السَّماءُ الَّتِي بَناها، فَحَذَفَ الَّتِي، ومِثْلُ هَذا الحَذْفِ جائِزٌ، قالَ القَفّالُ: يُقالُ: الرَّجُلُ جاءَكَ عاقِلٌ، أيِ الرَّجُلُ الَّذِي جاءَكَ عاقِلٌ، إذا ثَبَتَ أنَّ هَذا جائِزٌ في اللُّغَةِ فَنَقُولُ: الدَّلِيلُ عَلى أنَّ قَوْلَهُ: (بَناها) صِلَةٌ لِما قَبْلَهُ أنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ صِلَةً لَكانَ صِفَةً، فَقَوْلُهُ: (بَناها) صِفَةٌ، ثُمَّ قَوْلُهُ: ﴿رَفَعَ سَمْكَها﴾ صِفَةٌ، فَقَدْ تَوالَتْ صِفَتانِ لا تَعَلُّقَ لِإحْداهُما بِالأُخْرى، فَكانَ يَجِبُ إدْخالُ العاطِفِ فِيما بَيْنَهُما، كَما في قَوْلِهِ: ﴿وأغْطَشَ لَيْلَها﴾ فَلَمّا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ عَلِمْنا أنَّ قَوْلَهُ: (بَناها) صِلَةٌ لِلسَّماءِ، ثُمَّ قالَ: ﴿رَفَعَ سَمْكَها﴾ ابْتِداءٌ بِذِكْرِ صِفَتِهِ، ولِلْفَرّاءِ أنْ يَحْتَجَّ عَلى قَوْلِهِ بِأنَّهُ لَوْ كانَ قَوْلُهُ: (بَناها) صِلَةً لِلسَّماءِ لَكانَ التَّقْدِيرُ: أمِ السَّماءُ [ الَّتِي ] بَناها، وهَذا يَقْتَضِي وُجُودَ سَماءٍ ما بَناها اللَّهُ، وذَلِكَ باطِلٌ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الَّذِي يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى هو الَّذِي بَنى السَّماءَ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّ السَّماءَ جِسْمٌ، وكُلُّ جِسْمٍ مُحْدَثٌ؛ لِأنَّ الجِسْمَ لَوْ كانَ أزَلِيًّا لَكانَ في الأزَلِ إمّا أنْ يَكُونَ مُتَحَرِّكًا أوْ ساكِنًا، والقِسْمانِ باطِلانِ، فالقَوْلُ بِكَوْنِ الجِسْمِ أزَلِيًّا باطِلٌ. أمّا الحَصْرُ فَلِأنَّهُ إمّا أنْ يَكُونَ مُسْتَقِرًّا حَيْثُ هو فَيَكُونَ ساكِنًا، أوْ لا يَكُونَ مُسْتَقِرًّا حَيْثُ هو فَيَكُونَ مُتَحَرِّكًا، وإنَّما قُلْنا إنَّهُ يَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ مُتَحَرِّكًا، لِأنَّ ماهِيَّةَ الحَرَكَةِ تَقْتَضِي المَسْبُوقِيَّةَ بِالغَيْرِ، وماهِيَّةَ الأزَلِ تُنافِي المَسْبُوقِيَّةَ بِالغَيْرِ، والجَمْعُ بَيْنَهُما مُحالٌ، وإنَّما قُلْنا إنَّهُ يَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ ساكِنًا؛ لِأنَّ السُّكُونَ وصْفٌ ثُبُوتِيٌّ، وهو مُمْكِنُ الزَّوالِ، وكُلُّ مُمْكِنِ الزَّوالِ مُفْتَقِرٌ إلى الفاعِلِ المُخْتارِ، وكُلُّ ما كانَ كَذَلِكَ فَهو مُحْدَثٌ، فَكُلُّ سُكُونٍ مُحْدَثٌ؛ فَيَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ أزَلِيًّا، وإنَّما قُلْنا إنَّ السُّكُونَ وصْفٌ ثُبُوتِيٌّ، لِأنَّهُ يَتَبَدَّلُ كَوْنُ الجِسْمِ مُتَحَرِّكًا بِكَوْنِهِ ساكِنًا مَعَ بَقاءِ ذاتِهِ، فَأحَدُهُما لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ أمْرًا ثُبُوتِيًّا، فَإنْ كانَ الثُّبُوتِيُّ هو السُّكُونَ فَقَدْ حَصَلَ المَقْصُودُ، وإنْ كانَ الثُّبُوتِيُّ هو الحَرَكَةَ وجَبَ أيْضًا أنْ يَكُونَ السُّكُونُ ثُبُوتِيًّا؛ لِأنَّ الحَرَكَةَ عِبارَةٌ عَنِ الحُصُولِ في المَكانِ بَعْدَ أنْ كانَ في غَيْرِهِ، والسُّكُونُ عِبارَةٌ عَنِ الحُصُولِ في المَكانِ بَعْدَ أنْ كانَ فِيهِ بِعَيْنِهِ، فالتَّفاوُتُ بَيْنَ الحَرَكَةِ والسُّكُونِ لَيْسَ في الماهِيَّةِ، بَلْ في المَسْبُوقِيَّةِ بِالغَيْرِ وعَدَمِ المَسْبُوقِيَّةِ بِالغَيْرِ، وذَلِكَ وصْفٌ عارِضِيٌّ خارِجِيٌّ عَنِ الماهِيَّةِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَإذا ثَبَتَ أنَّ تِلْكَ الماهِيَّةَ أمْرٌ وُجُودِيٌّ في إحْدى الصُّورَتَيْنِ وجَبَ أنْ تَكُونَ كَذَلِكَ في صُورَةٍ أُخْرى، وإنَّما قُلْنا إنَّ سُكُونَ السَّماءِ جائِزُ الزَّوالِ، لِأنَّهُ لَوْ
صفحة ٤٢
كانَ واجِبًا لِذاتِهِ لامْتَنَعَ زَوالُهُ، فَكانَ يَجِبُ أنْ لا تَتَحَرَّكَ السَّماءُ لَكِنّا نَراها الآنَ مُتَحَرِّكَةً، فَعَلِمْنا أنَّها لَوْ كانَتْ ساكِنَةً في الأزَلِ، لَكانَ ذَلِكَ السُّكُونُ جائِزَ الزَّوالِ، وإنَّما قُلْنا إنَّ ذَلِكَ السُّكُونَ لَمّا كانَ مُمْكِنًا لِذاتِهِ، افْتَقَرَ إلى الفاعِلِ المُخْتارِ لِأنَّهُ لَمّا كانَ مُمْكِنًا لِذاتِهِ، فَلا بُدَّ لَهُ مِن مُؤَثِّرٍ، وذَلِكَ المُؤَثِّرُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُوجِبًا؛ لِأنَّ ذَلِكَ المُوجِبَ إنْ كانَ واجِبًا، وكانَ غَنِيًّا في إيجابِهِ لِذَلِكَ المَعْلُولِ عَنْ شَرْطٍ لَزِمَ مِن دَوامِهِ دَوامُ ذَلِكَ الأثَرِ، فَكانَ يَجِبُ أنْ لا يَزُولَ لِلسُّكُونِ وإنْ كانَ واجِبًا ومُفْتَقِرًا في إيجابِهِ لِذَلِكَ المَعْلُولِ إلى شَرْطٍ واجِبٍ لِذاتِهِ، لَزِمَ مِن دَوامِ العِلَّةِ ودَوامِ الشَّرْطِ دَوامُ المَعْلُولِ، أمّا إنْ كانَ المُوجِبُ غَيْرَ واجِبٍ لِذاتِهِ، أوْ كانَ شَرْطُ إيجابِهِ غَيْرَ واجِبٍ لِذاتِهِ كانَ الكَلامُ فِيهِ كالكَلامِ في الأوَّلِ، فَيَلْزَمُ التَّسَلْسُلُ، وهو مُحالٌ أوِ الِانْتِهاءُ إلى مُوجِبٍ واجِبٍ لِذاتِهِ، وإلى شَرْطٍ واجِبٍ لِذاتِهِ، وحِينَئِذٍ يَعُودُ الإلْزامُ الأوَّلُ، فَثَبَتَ أنَّ ذَلِكَ المُؤَثِّرَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ فاعِلًا مُخْتارًا، فَإذًا كَلُّ سُكُونٍ فَهو فِعْلُ فاعِلٍ مُخْتارٍ، وكُلُّ ما كانَ كَذَلِكَ فَهو مُحْدَثٌ؛ لِأنَّ المُخْتارَ إنَّما يَفْعَلُ بِواسِطَةِ القَصْدِ، والقَصْدُ إلى تَكْوِينِ الكائِنِ وتَحْصِيلِ الحاصِلِ مُحالٌ، فَثَبَتَ أنَّ كُلَّ سُكُونٍ فَهو مُحْدَثٌ، فَثَبَتَ أنَّهُ يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ الجِسْمُ في الأزَلِ لا مُتَحَرِّكًا ولا ساكِنًا، فَهو إذًا غَيْرُ مَوْجُودٍ في الأزَلِ، فَهو مُحْدَثٌ، وإذا كانَ مُحْدَثًا افْتَقَرَ في ذاتِهِ وفي تَرْكِيبِ أجْزائِهِ إلى مُوجِدٍ، وذَلِكَ هو اللَّهُ تَعالى، فَثَبَتَ بِالعَقْلِ أنَّ بانِيَ السَّماءِ هو اللَّهُ تَعالى.
الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: كُلُّ ما سِوى الواجِبِ فَهو مُمْكِنٌ، وكُلُّ مُمْكِنٍ مُحْدَثٌ، وكُلُّ مُحْدَثٍ فَلَهُ صانِعٌ، إنَّما قُلْنا: كُلُّ ما سِوى الواجِبِ مُمْكِنٌ، لِأنّا لَوْ فَرَضْنا مَوْجُودَيْنِ واجِبَيْنِ لِذاتَيْهِما لاشْتَرَكا في الوُجُودِ ولَتَبايَنا بِالتَّعْيِينِ، فَيَكُونُ كُلٌّ مِنهُما مُرَكَّبًا مِمّا بِهِ المُشارَكَةُ، ومِمّا بِهِ المُمايَزَةُ، وكُلُّ مُرَكَّبٍ مُفْتَقِرٌ إلى جُزْئِهِ، وجُزْؤُهُ غَيْرُهُ، فَكُلُّ مُرَكَّبٍ فَهو مُفْتَقِرٌ إلى غَيْرِهِ، وكُلُّ مُفْتَقِرٍ إلى غَيْرِهِ مُمْكِنٌ لِذاتِهِ، فَكُلُّ واحِدٍ مِنَ الواجِبَيْنِ بِالذّاتِ مُمْكِنٌ بِالذّاتِ، هَذا خَلْفٌ، ثُمَّ يَنْقُلُ الكَلامَ إلى ذَيْنِكَ الجُزْأيْنِ، فَإنْ كانا واجِبَيْنِ، كانَ كُلُّ واحِدٍ مِن تِلْكَ الأجْزاءِ مُرَكَّبًا ويَلْزَمُ التَّسَلْسُلُ، وإنْ لَمْ يَكُونا واجِبَيْنِ كانَ المُفْتَقِرُ إلَيْهِما أوْلى بِعَدَمِ الوُجُودِ، فَثَبَتَ أنَّ ما عَدا الواجِبَ مُمْكِنٌ، وكُلُّ مُمْكِنٍ فَلَهُ مُؤَثِّرٌ، وكُلُّ ما افْتَقَرَ إلى المُؤَثِّرِ مُحْدَثٌ؛ لِأنَّ الِافْتِقارَ إلى المُؤَثِّرِ لا يُمْكِنُ أنْ يَتَحَقَّقَ حالَ البَقاءِ لِاسْتِحالَةِ إيجادِ المُوجِدِ، فَلا بُدَّ وأنْ يَكُونَ إمّا حالَ الحُدُوثِ أوْ حالَ العَدَمِ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فالحُدُوثُ لازِمٌ، فَثَبَتَ أنَّ ما سِوى الواجِبِ مُحْدَثٌ، وكُلُّ مُحْدَثٍ فَلا بُدَّ لَهُ مِن مُحْدِثٍ، فَلا بُدَّ لِلسَّماءِ مِن بانٍ.
الحُجَّةُ الثّالِثَةُ: صَرِيحُ العَقْلِ يَشْهَدُ بِأنَّ جِرْمَ السَّماءِ لا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ أكْبَرَ مِمّا هو الآنَ بِمِقْدارِ خَرْدَلَةٍ، ولا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ أصْغَرَ بِمِقْدارِ خَرْدَلَةٍ، فاخْتِصاصُ هَذا المِقْدارِ بِالوُقُوعِ دُونَ الأزْيَدِ والأنْقَصِ، لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ بِمُخَصِّصٍ، فَثَبَتَ أنَّهُ لا بُدَّ لِلسَّماءِ مِن بانٍ، (فَإنْ قِيلَ): لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ إنَّهُ تَعالى خَلَقَ شَيْئًا وأعْطاهُ قُدْرَةً يَتَمَكَّنُ ذَلِكَ المَخْلُوقُ بِتِلْكَ القُدْرَةِ مِن خَلْقِ الأجْسامِ، فَيَكُونُ خالِقُ السَّماءِ وبانِيها هو ذَلِكَ الشَّيْءَ ؟
الجَوابُ: مِنَ العُلَماءِ مَن قالَ: المَعْلُومُ بِالعَقْلِ أنَّهُ لا بُدَّ لِلسَّماءِ مِن مُحْدِثٍ، وأنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الِانْتِهاءِ آخِرِ الأمْرِ إلى قَدِيمٍ، والإلَهُ قَدِيمٌ واجِبُ الوُجُودِ لِذاتِهِ واحِدٌ وهو اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى، فَأمّا نَفْيُ الواسِطَةِ فَإنَّما يُعْلَمُ بِالسَّمْعِ، فَقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ: (بَناها) يَدُلُّ عَلى أنَّ بانِيَ السَّماءِ هو اللَّهُ لا غَيْرُهُ، ومِنهم مَن قالَ: بَلِ العَقْلُ يَدُلُّ عَلى بُطْلانِهِ؛ لِأنَّهُ لَمّا ثَبَتَ أنَّ كُلَّ ما عَداهُ مُحْدَثٌ ثَبَتَ أنَّهُ قادِرٌ لا مُوجَبٌ، والَّذِي كانَ مَقْدُورًا لَهُ إنَّما صَحَّ كَوْنُهُ مَقْدُورًا لَهُ بِكَوْنِهِ مُمْكِنًا، فَإنَّكَ لَوْ رَفَعْتَ الإمْكانَ بَقِيَ الوُجُوبُ أوِ الِامْتِناعُ، وهُما يُحِيلانِ المَقْدُورِيَّةَ، وإذا كانَ
صفحة ٤٣
ما لِأجْلِهِ صَحَّ في البَعْضِ أنْ يَكُونَ مَقْدُورًا لِلَّهِ وهو الإمْكانُ، والإمْكانُ عامٌّ في المُمْكِناتِ، وجَبَ أنْ يَحْصُلَ في كُلِّ المُمْكِناتِ صِحَّةُ أنْ تَكُونَ مَقْدُورَةً لِلَّهِ تَعالى، وإذا ثَبَتَ ذَلِكَ ونِسْبَةُ قُدْرَتِهِ إلى الكُلِّ عَلى السَّوِيَّةِ وجَبَ أنْ يَكُونَ قادِرًا عَلى الكُلِّ، وإذا ثَبَتَ أنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى المُمْكِناتِ، فَلَوْ قَدَّرْنا قادِرًا آخَرَ قَدَرَ عَلى بَعْضِ المُمْكِناتِ، لَزِمَ وُقُوعُ مَقْدُورٍ واحِدٍ بَيْنَ قادِرَيْنِ مِن جِهَةٍ واحِدَةٍ، وذَلِكَ مُحالٌ؛ لِأنَّهُ إمّا أنْ يَقَعَ بِأحَدِهِما دُونَ الآخَرِ وهو مُحالٌ، لِأنَّهُما لَمّا كانا مُسْتَقِلَّيْنِ بِالِاقْتِضاءِ فَلَيْسَ وُقُوعُهُ بِهَذا أوْلى مِن وُقُوعِهِ بِذاكَ أوْ بِهِما مَعًا، وهو أيْضًا مُحالٌ لِأنَّهُ يَسْتَغْنِي بِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما عَنْ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما، فَيَكُونُ مُحْتاجًا إلَيْهِما مَعًا وغَنِيًّا عَنْهُما مَعًا وهو مُحالٌ، فَثَبَتَ بِهَذا أنَّهُ لا يُمْكِنُ وُقُوعُ مُمْكِنٍ آخَرَ بِسَبَبٍ آخَرَ سِوى قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى، وهَذا الكَلامُ جَيِّدٌ، لَكِنْ عَلى قَوْلِ مَن لا يُثْبِتُ في الوُجُودِ مُؤَثِّرًا سِوى الواحِدِ، فَهَذا جُمْلَةُ ما في هَذا البابِ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ في السَّماءِ أنَّهُ بَناها، بَيَّنَ بَعْدَ ذَلِكَ أنَّهُ كَيْفَ بَناها، وشَرَحَ تِلْكَ الكَيْفِيَّةَ مِن وُجُوهٍ:
أوَّلُها: ما يَتَعَلَّقُ بِالمَكانِ، فَقالَ تَعالى: ﴿رَفَعَ سَمْكَها﴾ .
واعْلَمْ أنَّ امْتِدادَ الشَّيْءِ إذا أُخِذَ مِن أعْلاهُ إلى أسْفَلِهِ سُمِّيَ عُمْقًا، وإذا أُخِذَ مِن أسْفَلِهِ إلى أعْلاهُ سُمِّيَ سَمْكًا، فالمُرادُ بِرَفْعِ سَمْكِها شِدَّةُ عُلُوِّها حَتّى ذَكَرُوا أنَّ ما بَيْنَ الأرْضِ وبَيْنَها مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عامٍ، و[ قَدْ ] بَيَّنَ أصْحابُ الهَيْئَةِ مَقادِيرَ الأجْرامِ الفَلَكِيَّةِ وأبْعادَ ما بَيْنَ كُلِّ واحِدٍ مِنها وبَيْنَ الأرْضِ. وقالَ آخَرُونَ: بَلِ المُرادُ: رَفْعُ سَمْكِها مِن غَيْرِ عَمَدٍ، وذَلِكَ مِمّا لا يَصِحُّ إلّا مِنَ اللَّهِ تَعالى.
الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: (فَسَوّاها) وفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: المُرادُ تَسْوِيَةُ تَأْلِيفِها، وقِيلَ: بَلِ المُرادُ نَفْيُ الشُّقُوقِ عَنْها، كَقَوْلِهِ: ﴿ما تَرى في خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفاوُتٍ﴾ [المُلْكِ: ٣] والقائِلُونَ بِالقَوْلِ الأوَّلِ قالُوا: (فَسَوّاها) عامٌّ، فَلا يَجُوزُ تَخْصِيصُهُ بِالتَّسْوِيَةِ في بَعْضِ الأشْياءِ، ثُمَّ قالُوا: هَذا يَدُلُّ عَلى كَوْنِ السَّماءِ كُرَةً؛ لِأنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ كُرَةً لَكانَ بَعْضُ جَوانِبِهِ سَطْحًا، والبَعْضُ زاوِيَةً، والبَعْضُ خَطًّا، ولَكانَ بَعْضُ أجْزائِهِ أقْرَبَ إلَيْنا، والبَعْضُ أبْعَدَ، فَلا تَكُونُ التَّسْوِيَةُ الحَقِيقَةُ حاصِلَةً، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ كُرَةً حَتّى تَكُونَ التَّسْوِيَةُ الحَقِيقَةُ حاصِلَةً، ثُمَّ قالُوا: لَمّا ثَبَتَ أنَّها مُحْدَثَةٌ مُفْتَقِرَةٌ إلى فاعِلٍ مُخْتارٍ، فَأيُّ ضَرَرٍ في الدِّينِ يَنْشَأُ مِن كَوْنِها كُرَةً؟ .