Tafsir Al-Razi — النازعات 79:29 – التكوير 81:29
المحتويات
- النازعات 79:29
- النازعات 79:30
- النازعات 79:31
- النازعات 79:32
- النازعات 79:33
- النازعات 79:34
- النازعات 79:35
- النازعات 79:36
- النازعات 79:37
- النازعات 79:38
- النازعات 79:39
- النازعات 79:40
- النازعات 79:41
- النازعات 79:42
- النازعات 79:43
- النازعات 79:44
- النازعات 79:45
- النازعات 79:46
- عبس 80:1
- عبس 80:2
- عبس 80:3
- عبس 80:4
- عبس 80:5
- عبس 80:6
- عبس 80:7
- عبس 80:8
- عبس 80:9
- عبس 80:10
- عبس 80:11
- عبس 80:12
- عبس 80:13
- عبس 80:14
- عبس 80:15
- عبس 80:16
- عبس 80:17
- عبس 80:18
- عبس 80:19
- عبس 80:20
- عبس 80:21
- عبس 80:22
- عبس 80:23
- عبس 80:24
- عبس 80:25
- عبس 80:26
- عبس 80:27
- عبس 80:28
- عبس 80:29
- عبس 80:30
- عبس 80:31
- عبس 80:32
- عبس 80:33
- عبس 80:34
- عبس 80:35
- عبس 80:36
- عبس 80:37
- عبس 80:38
- عبس 80:39
- عبس 80:40
- عبس 80:41
- عبس 80:42
- التكوير 81:1
- التكوير 81:2
- التكوير 81:3
- التكوير 81:4
- التكوير 81:5
- التكوير 81:6
- التكوير 81:7
- التكوير 81:8
- التكوير 81:9
- التكوير 81:10
- التكوير 81:11
- التكوير 81:12
- التكوير 81:13
- التكوير 81:14
- التكوير 81:15
- التكوير 81:16
- التكوير 81:17
- التكوير 81:18
- التكوير 81:19
- التكوير 81:20
- التكوير 81:21
- التكوير 81:22
- التكوير 81:23
- التكوير 81:24
- التكوير 81:25
- التكوير 81:26
- التكوير 81:27
- التكوير 81:28
- التكوير 81:29
النازعات 79:29
الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأغْطَشَ لَيْلَها وأخْرَجَ ضُحاها﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: أغْطَشَ قَدْ يَجِيءُ لازِمًا، يُقالُ: أغْطَشَ اللَّيْلُ إذا صارَ مُظْلِمًا، ويَجِيءُ مُتَعَدِّيًا يُقالُ: أغَطَشَهُ اللَّهُ إذا جَعَلَهُ مُظْلِمًا، والغَطَشُ الظُّلْمَةُ، والأغْطَشُ شِبْهُ الأعْمَشِ، ثُمَّ هاهُنا سُؤالٌ، وهو أنَّ اللَّيْلَ اسْمٌ لِزَمانِ الظُّلْمَةِ الحاصِلَةِ بِسَبَبِ غُرُوبِ الشَّمْسِ، فَقَوْلُهُ: ﴿وأغْطَشَ لَيْلَها﴾ يَرْجِعُ مَعْناهُ إلى أنَّهُ جَعَلَ المُظْلِمَ مُظْلِمًا وهو بَعِيدٌ؟ والجَوابُ: مَعْناهُ أنَّ الظُّلْمَةَ الحاصِلَةَ في ذَلِكَ الزَّمانِ إنَّما حَصَلَتْ بِتَدْبِيرِ اللَّهِ وتَقْدِيرِهِ، وحِينَئِذٍ لا يَبْقى الإشْكالُ.
صفحة ٤٤
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وأخْرَجَ ضُحاها﴾ أيْ أخْرَجَ نَهارَها، وإنَّما عَبَّرَ عَنِ النَّهارِ بِالضُّحى؛ لِأنَّ الضُّحى أكْمَلُ أجْزاءِ النَّهارِ في النُّورِ والضَّوْءِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: إنَّما أضافَ اللَّيْلَ والنَّهارَ إلى السَّماءِ لِأنَّ اللَّيْلَ والنَّهارَ إنَّما يَحْدُثانِ بِسَبَبِ غُرُوبِ الشَّمْسِ وطُلُوعِها، ثُمَّ غُرُوبُها وطُلُوعُها إنَّما يَحْصُلانِ بِسَبَبِ حَرَكَةِ الفَلَكِ، فَلِهَذا السَّبَبِ أضافَ اللَّيْلَ والنَّهارَ إلى السَّماءِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ كَيْفِيَّةَ خَلْقِ السَّماءِ أتْبَعَهُ بِكَيْفِيَّةِ خَلْقِ الأرْضِ وذَلِكَ مِن وُجُوهٍ:
الصِّفَةُ الأُولى: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحاها﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: دَحاها بَسَطَها، قالَ زَيْدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ:
دَحاها فَلَمّا رَآها اسْتَوَتْ عَلى الماءِ أرْسى عَلَيْها الجِبالا
وقالَ أُمَيَّةُ بْنُ أبِي الصَّلْتِ:
دَحَوْتَ البِلادَ فَسَوَّيْتَها ∗∗∗ وأنْتَ عَلى طَيِّها قادِرٌ
قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: في هَذِهِ اللَّفْظَةِ لُغَتانِ: دَحَوْتُ أدْحُو، ودَحَيْتُ أدْحى، ومِثْلُهُ صَفَوْتُ وصَفَيْتُ، ولَحَوْتُ العُودَ ولَحَيْتُهُ، وسَأوْتُ الرَّجُلَ وسَأيْتُهُ، وبَأوْتُ عَلَيْهِ وبَأيْتُ، وفي حَدِيثِ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ: «”اللَّهُمَّ داحِيَ المَدْحِيّاتِ“» أيْ باسِطَ الأرَضِينَ السَّبْعِ، وهو المَدْحُوّاتُ أيْضًا، وقِيلَ: أصْلُ الدَّحْوِ الإزالَةُ لِلشَّيْءِ مِن مَكانٍ إلى مَكانٍ، ومِنهُ يُقالُ: إنَّ الصَّبِيَّ يَدْحُو بِالكُرَةِ أيْ يَقْذِفُها عَلى وجْهِ الأرْضِ، وأدْحى النَّعامَةُ مَوْضِعَهُ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ أيْ بَسَطَتْهُ وأزالَتْ ما فِيهِ مِن حَصى، حَتّى يَتَمَهَّدَ لَهُ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ مَعْنى الدَّحْوِ يَرْجِعُ إلى الإزالَةِ والتَّمْهِيدِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ظاهِرُ الآيَةِ يَقْتَضِي كَوْنَ الأرْضِ بَعْدَ السَّماءِ، وقَوْلُهُ: في حم السَّجْدَةِ: ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ﴾ [فُصِّلَتْ: ١١] يَقْتَضِي كَوْنَ السَّماءِ بَعْدَ الأرْضِ، وقَدْ ذَكَرْنا هَذِهِ المَسْألَةَ في سُورَةِ البَقَرَةِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ﴾، ولا بَأْسَ بِأنْ نُعِيدَ بَعْضَ تِلْكَ الوُجُوهِ:
أحَدُها: أنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ الأرْضَ أوَّلًا، ثُمَّ خَلَقَ السَّماءَ ثانِيًا، ثُمَّ دَحى الأرْضَ أيْ بَسَطَها ثالِثًا، وذَلِكَ لِأنَّها كانَتْ أوَّلًا كالكُرَةِ المُجْتَمِعَةِ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى مَدَّها وبَسَطَها، فَإنْ قِيلَ: الدَّلائِلُ الِاعْتِبارِيَّةُ دَلَّتْ عَلى أنَّ الأرْضَ الآنَ كُرَةٌ أيْضًا، وإشْكالٌ آخَرُ وهو أنَّ الجِسْمَ العَظِيمَ يَكُونُ ظاهِرُهُ كالسَّطْحِ المُسْتَوِي، فَيَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ هَذا الجِسْمُ مَخْلُوقًا ولا يَكُونُ ظاهِرُهُ مَدْحُوًّا مَبْسُوطًا.
وثانِيها: أنْ لا يَكُونَ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿دَحاها﴾ مُجَرَّدَ البَسْطِ، بَلْ يَكُونُ المُرادُ أنَّهُ بَسَطَها بَسْطًا مُهَيَّأً لِنَباتِ الأقْواتِ وهَذا هو الَّذِي بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أخْرَجَ مِنها ماءَها ومَرْعاها﴾ وذَلِكَ لِأنَّ هَذا الِاسْتِعْدادَ لا يَحْصُلُ لِلْأرْضِ إلّا بَعْدَ وُجُودِ السَّماءِ، فَإنَّ الأرْضَ كالأُمِّ والسَّماءَ كالأبِ، وما لَمْ يَحْصُلا لَمْ تَتَوَلَّدْ أوَّلًا المَعادِنُ والنَّباتاتُ والحَيَواناتُ.
وثالِثُها: أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿والأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ﴾ أيْ مَعَ ذَلِكَ كَقَوْلِهِ: ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ [القَلَمِ: ١٣] أيْ مَعَ ذَلِكَ، وقَوْلُكَ لِلرَّجُلِ: أنْتَ كَذا وكَذا ثُمَّ أنْتَ بَعْدَها كَذا، لا تُرِيدُ بِهِ التَّرْتِيبَ، وقالَ تَعالى: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ ﴿أوْ إطْعامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ [البَلَدِ: ١٤،١٣] إلى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البَلَدِ: ١٧] والمَعْنى: وكانَ مَعَ هَذا مِن أهْلِ الإيمانِ بِاللَّهِ، فَهَذا تَقْرِيرُ ما نُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ والسُّدِّيِّ وابْنِ جُرَيْجٍ أنَّهم قالُوا في قَوْلِهِ: ﴿والأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحاها﴾ أيْ مَعَ ذَلِكَ دَحاها.
صفحة ٤٥
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: لَمّا ثَبَتَ أنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ الأرْضَ أوَّلًا ثُمَّ خَلَقَ السَّماءَ ثانِيًا، ثُمَّ دَحى الأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ ثالِثًا، ذَكَرُوا في تَقْدِيرِ تِلْكَ الأزْمِنَةِ وُجُوهًا، رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: «”خَلَقَ اللَّهُ البَيْتَ قَبْلَ الأرْضِ بِألْفَيْ سَنَةٍ، ومِنهُ دُحِيَتِ الأرْضُ“» واعْلَمْ أنَّ الرُّجُوعَ في أمْثالِ هَذِهِ الأشْياءِ إلى كُتُبِ الحَدِيثِ أوْلى.
النازعات 79:30
الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأغْطَشَ لَيْلَها وأخْرَجَ ضُحاها﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: أغْطَشَ قَدْ يَجِيءُ لازِمًا، يُقالُ: أغْطَشَ اللَّيْلُ إذا صارَ مُظْلِمًا، ويَجِيءُ مُتَعَدِّيًا يُقالُ: أغَطَشَهُ اللَّهُ إذا جَعَلَهُ مُظْلِمًا، والغَطَشُ الظُّلْمَةُ، والأغْطَشُ شِبْهُ الأعْمَشِ، ثُمَّ هاهُنا سُؤالٌ، وهو أنَّ اللَّيْلَ اسْمٌ لِزَمانِ الظُّلْمَةِ الحاصِلَةِ بِسَبَبِ غُرُوبِ الشَّمْسِ، فَقَوْلُهُ: ﴿وأغْطَشَ لَيْلَها﴾ يَرْجِعُ مَعْناهُ إلى أنَّهُ جَعَلَ المُظْلِمَ مُظْلِمًا وهو بَعِيدٌ؟ والجَوابُ: مَعْناهُ أنَّ الظُّلْمَةَ الحاصِلَةَ في ذَلِكَ الزَّمانِ إنَّما حَصَلَتْ بِتَدْبِيرِ اللَّهِ وتَقْدِيرِهِ، وحِينَئِذٍ لا يَبْقى الإشْكالُ.
صفحة ٤٤
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وأخْرَجَ ضُحاها﴾ أيْ أخْرَجَ نَهارَها، وإنَّما عَبَّرَ عَنِ النَّهارِ بِالضُّحى؛ لِأنَّ الضُّحى أكْمَلُ أجْزاءِ النَّهارِ في النُّورِ والضَّوْءِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: إنَّما أضافَ اللَّيْلَ والنَّهارَ إلى السَّماءِ لِأنَّ اللَّيْلَ والنَّهارَ إنَّما يَحْدُثانِ بِسَبَبِ غُرُوبِ الشَّمْسِ وطُلُوعِها، ثُمَّ غُرُوبُها وطُلُوعُها إنَّما يَحْصُلانِ بِسَبَبِ حَرَكَةِ الفَلَكِ، فَلِهَذا السَّبَبِ أضافَ اللَّيْلَ والنَّهارَ إلى السَّماءِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ كَيْفِيَّةَ خَلْقِ السَّماءِ أتْبَعَهُ بِكَيْفِيَّةِ خَلْقِ الأرْضِ وذَلِكَ مِن وُجُوهٍ:
الصِّفَةُ الأُولى: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحاها﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: دَحاها بَسَطَها، قالَ زَيْدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ:
دَحاها فَلَمّا رَآها اسْتَوَتْ عَلى الماءِ أرْسى عَلَيْها الجِبالا
وقالَ أُمَيَّةُ بْنُ أبِي الصَّلْتِ:
دَحَوْتَ البِلادَ فَسَوَّيْتَها ∗∗∗ وأنْتَ عَلى طَيِّها قادِرٌ
قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: في هَذِهِ اللَّفْظَةِ لُغَتانِ: دَحَوْتُ أدْحُو، ودَحَيْتُ أدْحى، ومِثْلُهُ صَفَوْتُ وصَفَيْتُ، ولَحَوْتُ العُودَ ولَحَيْتُهُ، وسَأوْتُ الرَّجُلَ وسَأيْتُهُ، وبَأوْتُ عَلَيْهِ وبَأيْتُ، وفي حَدِيثِ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ: «”اللَّهُمَّ داحِيَ المَدْحِيّاتِ“» أيْ باسِطَ الأرَضِينَ السَّبْعِ، وهو المَدْحُوّاتُ أيْضًا، وقِيلَ: أصْلُ الدَّحْوِ الإزالَةُ لِلشَّيْءِ مِن مَكانٍ إلى مَكانٍ، ومِنهُ يُقالُ: إنَّ الصَّبِيَّ يَدْحُو بِالكُرَةِ أيْ يَقْذِفُها عَلى وجْهِ الأرْضِ، وأدْحى النَّعامَةُ مَوْضِعَهُ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ أيْ بَسَطَتْهُ وأزالَتْ ما فِيهِ مِن حَصى، حَتّى يَتَمَهَّدَ لَهُ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ مَعْنى الدَّحْوِ يَرْجِعُ إلى الإزالَةِ والتَّمْهِيدِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ظاهِرُ الآيَةِ يَقْتَضِي كَوْنَ الأرْضِ بَعْدَ السَّماءِ، وقَوْلُهُ: في حم السَّجْدَةِ: ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ﴾ [فُصِّلَتْ: ١١] يَقْتَضِي كَوْنَ السَّماءِ بَعْدَ الأرْضِ، وقَدْ ذَكَرْنا هَذِهِ المَسْألَةَ في سُورَةِ البَقَرَةِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ﴾، ولا بَأْسَ بِأنْ نُعِيدَ بَعْضَ تِلْكَ الوُجُوهِ:
أحَدُها: أنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ الأرْضَ أوَّلًا، ثُمَّ خَلَقَ السَّماءَ ثانِيًا، ثُمَّ دَحى الأرْضَ أيْ بَسَطَها ثالِثًا، وذَلِكَ لِأنَّها كانَتْ أوَّلًا كالكُرَةِ المُجْتَمِعَةِ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى مَدَّها وبَسَطَها، فَإنْ قِيلَ: الدَّلائِلُ الِاعْتِبارِيَّةُ دَلَّتْ عَلى أنَّ الأرْضَ الآنَ كُرَةٌ أيْضًا، وإشْكالٌ آخَرُ وهو أنَّ الجِسْمَ العَظِيمَ يَكُونُ ظاهِرُهُ كالسَّطْحِ المُسْتَوِي، فَيَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ هَذا الجِسْمُ مَخْلُوقًا ولا يَكُونُ ظاهِرُهُ مَدْحُوًّا مَبْسُوطًا.
وثانِيها: أنْ لا يَكُونَ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿دَحاها﴾ مُجَرَّدَ البَسْطِ، بَلْ يَكُونُ المُرادُ أنَّهُ بَسَطَها بَسْطًا مُهَيَّأً لِنَباتِ الأقْواتِ وهَذا هو الَّذِي بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أخْرَجَ مِنها ماءَها ومَرْعاها﴾ وذَلِكَ لِأنَّ هَذا الِاسْتِعْدادَ لا يَحْصُلُ لِلْأرْضِ إلّا بَعْدَ وُجُودِ السَّماءِ، فَإنَّ الأرْضَ كالأُمِّ والسَّماءَ كالأبِ، وما لَمْ يَحْصُلا لَمْ تَتَوَلَّدْ أوَّلًا المَعادِنُ والنَّباتاتُ والحَيَواناتُ.
وثالِثُها: أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿والأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ﴾ أيْ مَعَ ذَلِكَ كَقَوْلِهِ: ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ [القَلَمِ: ١٣] أيْ مَعَ ذَلِكَ، وقَوْلُكَ لِلرَّجُلِ: أنْتَ كَذا وكَذا ثُمَّ أنْتَ بَعْدَها كَذا، لا تُرِيدُ بِهِ التَّرْتِيبَ، وقالَ تَعالى: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ ﴿أوْ إطْعامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ [البَلَدِ: ١٤،١٣] إلى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البَلَدِ: ١٧] والمَعْنى: وكانَ مَعَ هَذا مِن أهْلِ الإيمانِ بِاللَّهِ، فَهَذا تَقْرِيرُ ما نُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ والسُّدِّيِّ وابْنِ جُرَيْجٍ أنَّهم قالُوا في قَوْلِهِ: ﴿والأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحاها﴾ أيْ مَعَ ذَلِكَ دَحاها.
صفحة ٤٥
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: لَمّا ثَبَتَ أنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ الأرْضَ أوَّلًا ثُمَّ خَلَقَ السَّماءَ ثانِيًا، ثُمَّ دَحى الأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ ثالِثًا، ذَكَرُوا في تَقْدِيرِ تِلْكَ الأزْمِنَةِ وُجُوهًا، رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: «”خَلَقَ اللَّهُ البَيْتَ قَبْلَ الأرْضِ بِألْفَيْ سَنَةٍ، ومِنهُ دُحِيَتِ الأرْضُ“» واعْلَمْ أنَّ الرُّجُوعَ في أمْثالِ هَذِهِ الأشْياءِ إلى كُتُبِ الحَدِيثِ أوْلى.
النازعات 79:31
الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أخْرَجَ مِنها ماءَها ومَرْعاها﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: ماؤُها عُيُونُها المُتَفَجِّرَةُ بِالماءِ ومَرْعاها رَعْيُها، وهو في الأصْلِ مَوْضِعُ الرَّعْيِ، ونَصْبُ الأرْضِ والجِبالِ بِإضْمارِ دَحا وأرْسى عَلى شَرِيطَةِ التَّفْسِيرِ، وقَرَأهُما الحَسَنُ مَرْفُوعَيْنِ عَلى الِابْتِداءِ، فَإنْ قِيلَ: هَلّا أدْخَلَ حَرْفَ العَطْفِ عَلى أخْرَجَ! قُلْنا: لِوَجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ مَعْنى دَحاها بَسَطَها ومَهَّدَها لِلسُّكْنى، ثُمَّ فَسَّرَ التَّمْهِيدَ بِما لا بُدَّ مِنهُ في تَأتِّي سُكْناها مِن تَسْوِيَةِ أمْرِ المَشارِبِ والمَآكِلِ وإمْكانِ القَرارِ عَلَيْها بِإخْراجِ الماءِ والمَرْعى وإرْساءِ الجِبالِ وإثْباتِها أوْتادًا لَها حَتّى تَسْتَقِرَّ ويُسْتَقَرَّ عَلَيْها. والثّانِي: أنْ يَكُونَ (أخْرَجَ) حالًا، والتَّقْدِيرُ: والأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحاها حالَ ما أخْرَجَ مِنها ماءَها ومَرْعاها.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أرادَ بِمَرْعاها ما يَأْكُلُ النّاسُ والأنْعامُ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ في النَّحْلِ: ﴿أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً لَكم مِنهُ شَرابٌ ومِنهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ [النَّحْلِ: ١٠] وقالَ في سُورَةٍ أُخْرى: ﴿أنّا صَبَبْنا الماءَ صَبًّا﴾ ﴿ثُمَّ شَقَقْنا الأرْضَ شَقًّا﴾ [عَبَسَ: ٢٥] إلى قَوْلِهِ: ﴿مَتاعًا لَكم ولِأنْعامِكُمْ﴾ فَكَذا في هَذِهِ الآيَةِ، واسْتُعِيرَ الرَّعْيُ لِلْإنْسانِ كَما اسْتُعِيرَ الرَّتْعُ في قَوْلِهِ: ﴿يَرْتَعْ ويَلْعَبْ﴾ [يُوسُفَ: ١٢] وقُرِئَ نَرْتَعْ مِنَ الرَّعْيِ، ثُمَّ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: قالَ تَعالى: ﴿وجَعَلْنا مِنَ الماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنْبِياءِ: ٣٠] فانْظُرْ كَيْفَ دَلَّ بِقَوْلِهِ: ﴿ماءَها ومَرْعاها﴾ عَلى جَمِيعِ ما أخْرَجَهُ مِنَ الأرْضِ قُوتًا ومَتاعًا لِلْأنامِ مِنَ العُشْبِ والشَّجَرِ، والحَبِّ والثَّمَرِ والعَصْفِ والحَطَبِ، واللِّباسِ والدَّواءِ حَتّى النّارِ والمِلْحِ، أمّا النّارُ فَلا شَكَّ أنَّها مِنَ العِيدانِ، قالَ تَعالى: ﴿أفَرَأيْتُمُ النّارَ الَّتِي تُورُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ أنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أمْ نَحْنُ المُنْشِئُونَ﴾ [الواقِعَةِ: ٧٢] وأمّا المِلْحُ فَلا شَكَّ أنَّهُ مُتَوَلِّدٌ مِنَ الماءِ، وأنْتَ إذا تَأمَّلْتَ عَلِمْتَ أنَّ جَمِيعَ ما يَتَنَزَّهُ بِهِ النّاسُ في الدُّنْيا ويَتَلَذَّذُونَ بِهِ، فَأصْلُهُ الماءُ والنَّباتُ، ولِهَذا السَّبَبِ تَرَدَّدَ في وصْفِ الجَنَّةِ ذِكْرُهُما، فَقالَ: ﴿جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ [البُرُوجِ: ١١]، ثُمَّ الَّذِي يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى أرادَ بِالمَرْعى كُلَّ ما يَأْكُلُهُ النّاسُ والأنْعامُ قَوْلُهُ في آخِرِ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿مَتاعًا لَكم ولِأنْعامِكُمْ﴾ .
النازعات 79:32
الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والجِبالَ أرْساها﴾ والكَلامُ في شَرْحِ مَنافِعِ الجِبالِ قَدْ تَقَدَّمَ.
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ كَيْفِيَّةَ خَلْقِهِ الأرْضَ وكَمِّيَّةَ مَنافِعِها قالَ: ﴿مَتاعًا لَكم ولِأنْعامِكُمْ﴾ والمَعْنى: أنّا إنَّما خَلَقْنا هَذِهِ الأشْياءَ مُتْعَةً ومَنفَعَةً لَكم ولِأنْعامِكُمْ، واحْتَجَّ بِهِ مَن قالَ: إنَّ أفْعالَ اللَّهِ وأحْكامَهُ مُعَلَّلَةٌ بِالأغْراضِ والمَصالِحِ، والكَلامُ فِيهِ قَدْ مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ، واعْلَمْ أنّا بَيَّنّا أنَّهُ تَعالى إنَّما ذَكَرَ كَيْفِيَّةَ خَلْقِهِ السَّماءَ والأرْضَ لِيُسْتَدَلَّ بِها عَلى كَوْنِهِ قادِرًا عَلى الحَشْرِ والنَّشْرِ، فَلَمّا قَرَّرَ ذَلِكَ وبَيَّنَ إمْكانَ الحَشْرِ عَقْلًا أخْبَرَ بَعْدَ ذَلِكَ عَنْ وُقُوعِهِ.
صفحة ٤٦
فَقالَ تَعالى: ﴿فَإذا جاءَتِ الطّامَّةُ الكُبْرى﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: الطّامَّةُ عِنْدَ العَرَبِ الدّاهِيَةُ الَّتِي لا تُسْتَطاعُ، وفي اشْتِقاقِها وُجُوهٌ، قالَ المُبَرِّدُ: أُخِذَتْ فِيما أحْسَبُ مِن قَوْلِهِمْ: طَمَّ الفَرَسُ طَمِيمًا، إذا اسْتَفْرَغَ جُهْدَهُ في الجَرْيِ، وطَمَّ الماءُ إذا مَلَأ النَّهْرَ كُلَّهُ، وقالَ اللَّيْثُ: الطَّمُ طَمُّ البِئْرِ بِالتُّرابِ، وهو الكَبْسُ، ويُقالُ: طَمَّ السَّيْلُ الرَّكِيَّةَ إذا دَفَنَها حَتّى يُسَوِّيَها، ويُقالُ لِلشَّيْءِ الَّذِي يَكْبُرُ حَتّى يَعْلُوَ: قَدْ طَمَّ، والطّامَّةُ الحادِثَةُ الَّتِي تَطِمُّ عَلى ما سِواها، ومِن ثَمَّ قِيلَ: فَوْقَ كُلِّ طامَّةٍ طامَّةٌ، قالَ القَفّالُ: أصْلُ الطَّمِّ الدَّفْنُ والعُلُوُّ، وكُلُّ ما غَلَبَ شَيْئًا وقَهَرَهُ وأخْفاهُ فَقَدْ طَمَّهُ، ومِنهُ الماءُ الطّامِي وهو الكَثِيرُ الزّائِدُ، والطّاغِي والعاتِي والعادِيُّ سَواءٌ وهو الخارِجُ عَنْ أمْرِ اللَّهِ تَعالى المُتَكَبِّرُ، فالطّامَّةُ اسْمٌ لِكُلِّ داهِيَةٍ عَظِيمَةٍ يُنْسى ما قَبْلَها في جَنْبِها.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَدْ ظَهَرَ بِما ذَكَرْنا أنَّ مَعْنى الطّامَّةِ الكُبْرى الدّاهِيَةُ الكُبْرى، ثُمَّ اخْتَلَفُوا في أنَّها أيُّ شَيْءٍ هِيَ، فَقالَ قَوْمٌ: إنَّها يَوْمُ القِيامَةِ؛ لِأنَّهُ يُشاهَدُ فِيهِ مِنَ النّارِ، ومِنَ المَوْقِفِ الهائِلِ، ومِنَ الآياتِ الباهِرَةِ الخارِجَةِ عَنِ العادَةِ ما يُنْسى مَعَهُ كُلُّ هائِلٍ، وقالَ الحَسَنُ: إنَّها هي النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ الَّتِي عِنْدَها تُحْشَرُ الخَلائِقُ إلى مَوْقِفِ القِيامَةِ، وقالَ آخَرُونَ: إنَّهُ تَعالى فَسَّرَ الطّامَّةَ الكُبْرى بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الإنْسانُ ما سَعى﴾ ﴿وبُرِّزَتِ الجَحِيمُ لِمَن يَرى﴾ فالطّامَّةُ تَكُونُ اسْمًا لِذَلِكَ الوَقْتِ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الوَقْتُ وقْتَ قِراءَةِ الكِتابِ عَلى ما قالَهُ تَعالى: ﴿ونُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ كِتابًا يَلْقاهُ مَنشُورًا﴾ [الإسْراءِ: ١٣] ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ تِلْكَ السّاعَةُ هي السّاعَةَ الَّتِي يُساقُ فِيها أهْلُ الجَنَّةِ إلى الجَنَّةِ وأهْلُ النّارِ إلى النّارِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى وصَفَ ذَلِكَ اليَوْمَ بِوَصْفَيْنِ:
النازعات 79:33
الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والجِبالَ أرْساها﴾ والكَلامُ في شَرْحِ مَنافِعِ الجِبالِ قَدْ تَقَدَّمَ.
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ كَيْفِيَّةَ خَلْقِهِ الأرْضَ وكَمِّيَّةَ مَنافِعِها قالَ: ﴿مَتاعًا لَكم ولِأنْعامِكُمْ﴾ والمَعْنى: أنّا إنَّما خَلَقْنا هَذِهِ الأشْياءَ مُتْعَةً ومَنفَعَةً لَكم ولِأنْعامِكُمْ، واحْتَجَّ بِهِ مَن قالَ: إنَّ أفْعالَ اللَّهِ وأحْكامَهُ مُعَلَّلَةٌ بِالأغْراضِ والمَصالِحِ، والكَلامُ فِيهِ قَدْ مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ، واعْلَمْ أنّا بَيَّنّا أنَّهُ تَعالى إنَّما ذَكَرَ كَيْفِيَّةَ خَلْقِهِ السَّماءَ والأرْضَ لِيُسْتَدَلَّ بِها عَلى كَوْنِهِ قادِرًا عَلى الحَشْرِ والنَّشْرِ، فَلَمّا قَرَّرَ ذَلِكَ وبَيَّنَ إمْكانَ الحَشْرِ عَقْلًا أخْبَرَ بَعْدَ ذَلِكَ عَنْ وُقُوعِهِ.
صفحة ٤٦
فَقالَ تَعالى: ﴿فَإذا جاءَتِ الطّامَّةُ الكُبْرى﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: الطّامَّةُ عِنْدَ العَرَبِ الدّاهِيَةُ الَّتِي لا تُسْتَطاعُ، وفي اشْتِقاقِها وُجُوهٌ، قالَ المُبَرِّدُ: أُخِذَتْ فِيما أحْسَبُ مِن قَوْلِهِمْ: طَمَّ الفَرَسُ طَمِيمًا، إذا اسْتَفْرَغَ جُهْدَهُ في الجَرْيِ، وطَمَّ الماءُ إذا مَلَأ النَّهْرَ كُلَّهُ، وقالَ اللَّيْثُ: الطَّمُ طَمُّ البِئْرِ بِالتُّرابِ، وهو الكَبْسُ، ويُقالُ: طَمَّ السَّيْلُ الرَّكِيَّةَ إذا دَفَنَها حَتّى يُسَوِّيَها، ويُقالُ لِلشَّيْءِ الَّذِي يَكْبُرُ حَتّى يَعْلُوَ: قَدْ طَمَّ، والطّامَّةُ الحادِثَةُ الَّتِي تَطِمُّ عَلى ما سِواها، ومِن ثَمَّ قِيلَ: فَوْقَ كُلِّ طامَّةٍ طامَّةٌ، قالَ القَفّالُ: أصْلُ الطَّمِّ الدَّفْنُ والعُلُوُّ، وكُلُّ ما غَلَبَ شَيْئًا وقَهَرَهُ وأخْفاهُ فَقَدْ طَمَّهُ، ومِنهُ الماءُ الطّامِي وهو الكَثِيرُ الزّائِدُ، والطّاغِي والعاتِي والعادِيُّ سَواءٌ وهو الخارِجُ عَنْ أمْرِ اللَّهِ تَعالى المُتَكَبِّرُ، فالطّامَّةُ اسْمٌ لِكُلِّ داهِيَةٍ عَظِيمَةٍ يُنْسى ما قَبْلَها في جَنْبِها.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَدْ ظَهَرَ بِما ذَكَرْنا أنَّ مَعْنى الطّامَّةِ الكُبْرى الدّاهِيَةُ الكُبْرى، ثُمَّ اخْتَلَفُوا في أنَّها أيُّ شَيْءٍ هِيَ، فَقالَ قَوْمٌ: إنَّها يَوْمُ القِيامَةِ؛ لِأنَّهُ يُشاهَدُ فِيهِ مِنَ النّارِ، ومِنَ المَوْقِفِ الهائِلِ، ومِنَ الآياتِ الباهِرَةِ الخارِجَةِ عَنِ العادَةِ ما يُنْسى مَعَهُ كُلُّ هائِلٍ، وقالَ الحَسَنُ: إنَّها هي النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ الَّتِي عِنْدَها تُحْشَرُ الخَلائِقُ إلى مَوْقِفِ القِيامَةِ، وقالَ آخَرُونَ: إنَّهُ تَعالى فَسَّرَ الطّامَّةَ الكُبْرى بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الإنْسانُ ما سَعى﴾ ﴿وبُرِّزَتِ الجَحِيمُ لِمَن يَرى﴾ فالطّامَّةُ تَكُونُ اسْمًا لِذَلِكَ الوَقْتِ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الوَقْتُ وقْتَ قِراءَةِ الكِتابِ عَلى ما قالَهُ تَعالى: ﴿ونُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ كِتابًا يَلْقاهُ مَنشُورًا﴾ [الإسْراءِ: ١٣] ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ تِلْكَ السّاعَةُ هي السّاعَةَ الَّتِي يُساقُ فِيها أهْلُ الجَنَّةِ إلى الجَنَّةِ وأهْلُ النّارِ إلى النّارِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى وصَفَ ذَلِكَ اليَوْمَ بِوَصْفَيْنِ:
النازعات 79:34
الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والجِبالَ أرْساها﴾ والكَلامُ في شَرْحِ مَنافِعِ الجِبالِ قَدْ تَقَدَّمَ.
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ كَيْفِيَّةَ خَلْقِهِ الأرْضَ وكَمِّيَّةَ مَنافِعِها قالَ: ﴿مَتاعًا لَكم ولِأنْعامِكُمْ﴾ والمَعْنى: أنّا إنَّما خَلَقْنا هَذِهِ الأشْياءَ مُتْعَةً ومَنفَعَةً لَكم ولِأنْعامِكُمْ، واحْتَجَّ بِهِ مَن قالَ: إنَّ أفْعالَ اللَّهِ وأحْكامَهُ مُعَلَّلَةٌ بِالأغْراضِ والمَصالِحِ، والكَلامُ فِيهِ قَدْ مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ، واعْلَمْ أنّا بَيَّنّا أنَّهُ تَعالى إنَّما ذَكَرَ كَيْفِيَّةَ خَلْقِهِ السَّماءَ والأرْضَ لِيُسْتَدَلَّ بِها عَلى كَوْنِهِ قادِرًا عَلى الحَشْرِ والنَّشْرِ، فَلَمّا قَرَّرَ ذَلِكَ وبَيَّنَ إمْكانَ الحَشْرِ عَقْلًا أخْبَرَ بَعْدَ ذَلِكَ عَنْ وُقُوعِهِ.
صفحة ٤٦
فَقالَ تَعالى: ﴿فَإذا جاءَتِ الطّامَّةُ الكُبْرى﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: الطّامَّةُ عِنْدَ العَرَبِ الدّاهِيَةُ الَّتِي لا تُسْتَطاعُ، وفي اشْتِقاقِها وُجُوهٌ، قالَ المُبَرِّدُ: أُخِذَتْ فِيما أحْسَبُ مِن قَوْلِهِمْ: طَمَّ الفَرَسُ طَمِيمًا، إذا اسْتَفْرَغَ جُهْدَهُ في الجَرْيِ، وطَمَّ الماءُ إذا مَلَأ النَّهْرَ كُلَّهُ، وقالَ اللَّيْثُ: الطَّمُ طَمُّ البِئْرِ بِالتُّرابِ، وهو الكَبْسُ، ويُقالُ: طَمَّ السَّيْلُ الرَّكِيَّةَ إذا دَفَنَها حَتّى يُسَوِّيَها، ويُقالُ لِلشَّيْءِ الَّذِي يَكْبُرُ حَتّى يَعْلُوَ: قَدْ طَمَّ، والطّامَّةُ الحادِثَةُ الَّتِي تَطِمُّ عَلى ما سِواها، ومِن ثَمَّ قِيلَ: فَوْقَ كُلِّ طامَّةٍ طامَّةٌ، قالَ القَفّالُ: أصْلُ الطَّمِّ الدَّفْنُ والعُلُوُّ، وكُلُّ ما غَلَبَ شَيْئًا وقَهَرَهُ وأخْفاهُ فَقَدْ طَمَّهُ، ومِنهُ الماءُ الطّامِي وهو الكَثِيرُ الزّائِدُ، والطّاغِي والعاتِي والعادِيُّ سَواءٌ وهو الخارِجُ عَنْ أمْرِ اللَّهِ تَعالى المُتَكَبِّرُ، فالطّامَّةُ اسْمٌ لِكُلِّ داهِيَةٍ عَظِيمَةٍ يُنْسى ما قَبْلَها في جَنْبِها.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَدْ ظَهَرَ بِما ذَكَرْنا أنَّ مَعْنى الطّامَّةِ الكُبْرى الدّاهِيَةُ الكُبْرى، ثُمَّ اخْتَلَفُوا في أنَّها أيُّ شَيْءٍ هِيَ، فَقالَ قَوْمٌ: إنَّها يَوْمُ القِيامَةِ؛ لِأنَّهُ يُشاهَدُ فِيهِ مِنَ النّارِ، ومِنَ المَوْقِفِ الهائِلِ، ومِنَ الآياتِ الباهِرَةِ الخارِجَةِ عَنِ العادَةِ ما يُنْسى مَعَهُ كُلُّ هائِلٍ، وقالَ الحَسَنُ: إنَّها هي النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ الَّتِي عِنْدَها تُحْشَرُ الخَلائِقُ إلى مَوْقِفِ القِيامَةِ، وقالَ آخَرُونَ: إنَّهُ تَعالى فَسَّرَ الطّامَّةَ الكُبْرى بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الإنْسانُ ما سَعى﴾ ﴿وبُرِّزَتِ الجَحِيمُ لِمَن يَرى﴾ فالطّامَّةُ تَكُونُ اسْمًا لِذَلِكَ الوَقْتِ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الوَقْتُ وقْتَ قِراءَةِ الكِتابِ عَلى ما قالَهُ تَعالى: ﴿ونُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ كِتابًا يَلْقاهُ مَنشُورًا﴾ [الإسْراءِ: ١٣] ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ تِلْكَ السّاعَةُ هي السّاعَةَ الَّتِي يُساقُ فِيها أهْلُ الجَنَّةِ إلى الجَنَّةِ وأهْلُ النّارِ إلى النّارِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى وصَفَ ذَلِكَ اليَوْمَ بِوَصْفَيْنِ:
النازعات 79:35
الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والجِبالَ أرْساها﴾ والكَلامُ في شَرْحِ مَنافِعِ الجِبالِ قَدْ تَقَدَّمَ.
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ كَيْفِيَّةَ خَلْقِهِ الأرْضَ وكَمِّيَّةَ مَنافِعِها قالَ: ﴿مَتاعًا لَكم ولِأنْعامِكُمْ﴾ والمَعْنى: أنّا إنَّما خَلَقْنا هَذِهِ الأشْياءَ مُتْعَةً ومَنفَعَةً لَكم ولِأنْعامِكُمْ، واحْتَجَّ بِهِ مَن قالَ: إنَّ أفْعالَ اللَّهِ وأحْكامَهُ مُعَلَّلَةٌ بِالأغْراضِ والمَصالِحِ، والكَلامُ فِيهِ قَدْ مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ، واعْلَمْ أنّا بَيَّنّا أنَّهُ تَعالى إنَّما ذَكَرَ كَيْفِيَّةَ خَلْقِهِ السَّماءَ والأرْضَ لِيُسْتَدَلَّ بِها عَلى كَوْنِهِ قادِرًا عَلى الحَشْرِ والنَّشْرِ، فَلَمّا قَرَّرَ ذَلِكَ وبَيَّنَ إمْكانَ الحَشْرِ عَقْلًا أخْبَرَ بَعْدَ ذَلِكَ عَنْ وُقُوعِهِ.
صفحة ٤٦
فَقالَ تَعالى: ﴿فَإذا جاءَتِ الطّامَّةُ الكُبْرى﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: الطّامَّةُ عِنْدَ العَرَبِ الدّاهِيَةُ الَّتِي لا تُسْتَطاعُ، وفي اشْتِقاقِها وُجُوهٌ، قالَ المُبَرِّدُ: أُخِذَتْ فِيما أحْسَبُ مِن قَوْلِهِمْ: طَمَّ الفَرَسُ طَمِيمًا، إذا اسْتَفْرَغَ جُهْدَهُ في الجَرْيِ، وطَمَّ الماءُ إذا مَلَأ النَّهْرَ كُلَّهُ، وقالَ اللَّيْثُ: الطَّمُ طَمُّ البِئْرِ بِالتُّرابِ، وهو الكَبْسُ، ويُقالُ: طَمَّ السَّيْلُ الرَّكِيَّةَ إذا دَفَنَها حَتّى يُسَوِّيَها، ويُقالُ لِلشَّيْءِ الَّذِي يَكْبُرُ حَتّى يَعْلُوَ: قَدْ طَمَّ، والطّامَّةُ الحادِثَةُ الَّتِي تَطِمُّ عَلى ما سِواها، ومِن ثَمَّ قِيلَ: فَوْقَ كُلِّ طامَّةٍ طامَّةٌ، قالَ القَفّالُ: أصْلُ الطَّمِّ الدَّفْنُ والعُلُوُّ، وكُلُّ ما غَلَبَ شَيْئًا وقَهَرَهُ وأخْفاهُ فَقَدْ طَمَّهُ، ومِنهُ الماءُ الطّامِي وهو الكَثِيرُ الزّائِدُ، والطّاغِي والعاتِي والعادِيُّ سَواءٌ وهو الخارِجُ عَنْ أمْرِ اللَّهِ تَعالى المُتَكَبِّرُ، فالطّامَّةُ اسْمٌ لِكُلِّ داهِيَةٍ عَظِيمَةٍ يُنْسى ما قَبْلَها في جَنْبِها.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَدْ ظَهَرَ بِما ذَكَرْنا أنَّ مَعْنى الطّامَّةِ الكُبْرى الدّاهِيَةُ الكُبْرى، ثُمَّ اخْتَلَفُوا في أنَّها أيُّ شَيْءٍ هِيَ، فَقالَ قَوْمٌ: إنَّها يَوْمُ القِيامَةِ؛ لِأنَّهُ يُشاهَدُ فِيهِ مِنَ النّارِ، ومِنَ المَوْقِفِ الهائِلِ، ومِنَ الآياتِ الباهِرَةِ الخارِجَةِ عَنِ العادَةِ ما يُنْسى مَعَهُ كُلُّ هائِلٍ، وقالَ الحَسَنُ: إنَّها هي النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ الَّتِي عِنْدَها تُحْشَرُ الخَلائِقُ إلى مَوْقِفِ القِيامَةِ، وقالَ آخَرُونَ: إنَّهُ تَعالى فَسَّرَ الطّامَّةَ الكُبْرى بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الإنْسانُ ما سَعى﴾ ﴿وبُرِّزَتِ الجَحِيمُ لِمَن يَرى﴾ فالطّامَّةُ تَكُونُ اسْمًا لِذَلِكَ الوَقْتِ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الوَقْتُ وقْتَ قِراءَةِ الكِتابِ عَلى ما قالَهُ تَعالى: ﴿ونُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ كِتابًا يَلْقاهُ مَنشُورًا﴾ [الإسْراءِ: ١٣] ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ تِلْكَ السّاعَةُ هي السّاعَةَ الَّتِي يُساقُ فِيها أهْلُ الجَنَّةِ إلى الجَنَّةِ وأهْلُ النّارِ إلى النّارِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى وصَفَ ذَلِكَ اليَوْمَ بِوَصْفَيْنِ:
النازعات 79:36
الأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الإنْسانُ ما سَعى﴾ يَعْنِي إذا رَأى أعْمالَهُ مُدَوَّنَةً في كِتابِهِ تَذَكَّرَها، وكانَ قَدْ نَسِيَها، كَقَوْلِهِ: ﴿أحْصاهُ اللَّهُ ونَسُوهُ﴾ [المُجادَلَةِ: ٦] .
الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وبُرِّزَتِ الجَحِيمُ لِمَن يَرى﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِمَن يَرى﴾ أيْ أنَّها تَظْهَرُ إظْهارًا مَكْشُوفًا لِكُلِّ ناظِرٍ ذِي بَصَرٍ ثُمَّ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ اسْتِعارَةٌ في كَوْنِهِ مُنْكَشِفًا ظاهِرًا كَقَوْلِهِمْ: تَبَيَّنَ الصُّبْحُ لِذِي عَيْنَيْنِ. وعَلى هَذا التَّأْوِيلِ لا يَجِبُ أنْ يَراهُ كُلُّ أحَدٍ.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّها بُرِّزَتْ لِيَراها كُلُّ مَن لَهُ عَيْنٌ وبَصَرٌ، وهَذا يُفِيدُ أنَّ كُلَّ النّاسِ يَرَوْنَها مِنَ المُؤْمِنِينَ والكُفّارِ، إلّا أنَّها مَكانُ الكُفّارِ ومَأْواهُمْ، والمُؤْمِنُونَ يَمُرُّونَ عَلَيْها، وهَذا التَّأْوِيلُ مُتَأكِّدٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ مِنكم إلّا وارِدُها﴾ [مَرْيَمَ: ٧١] إلى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ [مَرْيَمَ: ٧٢] فَإنْ قِيلَ: إنَّهُ تَعالى قالَ في سُورَةِ الشُّعَراءِ: ﴿وأُزْلِفَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ﴿وبُرِّزَتِ الجَحِيمُ لِلْغاوِينَ﴾ [الشُّعَراءِ: ٩١،٩٠]
صفحة ٤٧
فَخَصَّ الغاوِينَ بِتَبْرِيزِها لَهُمْ، قُلْنا: إنَّها بُرِّزَتْ لِلْغاوِينَ، والمُؤْمِنُونَ يَرَوْنَها أيْضًا في المَمَرِّ، ولا مُنافاةَ بَيْنَ الأمْرَيْنِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ أبُو نَهِيكٍ: ”وبَرَزَتْ“ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: ”لِمَن رَأى“، وقَرَأ عِكْرِمَةُ: ”لِمَن تَرى“، والضَّمِيرُ لِلْجَحِيمِ، كَقَوْلِهِ: ﴿إذا رَأتْهم مِن مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ [الفُرْقانِ: ١٢] وقِيلَ: لِمَن تَرى يا مُحَمَّدُ مِنَ الكُفّارِ الَّذِينَ يُؤْذُونَكَ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ حالَ القِيامَةِ في الجُمْلَةِ قَسَّمَ المُكَلَّفِينَ قِسْمَيْنِ: الأشْقِياءُ والسُّعَداءُ، فَذَكَرَ حالَ الأشْقِياءِ.
﴿فَأمّا مَن طَغى﴾ ﴿وآثَرَ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ ﴿فَإنَّ الجَحِيمَ هي المَأْوى﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في جَوابِ قَوْلِهِ: ﴿فَإذا جاءَتِ الطّامَّةُ الكُبْرى﴾ وجْهانِ:
الأوَّلُ: قالَ الواحِدِيُّ: إنَّهُ مَحْذُوفٌ عَلى تَقْدِيرِ: إذا جاءَتِ الطّامَّةُ دَخَلَ أهْلُ النّارِ النّارَ، وأهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ، ودَلَّ عَلى هَذا المَحْذُوفِ ما ذُكِرَ في بَيانِ مَأْوى الفَرِيقَيْنِ، ولِهَذا كانَ يَقُولُ مالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ في تَفْسِيرِ الطّامَّةِ الكُبْرى، قالَ: إنَّها إذا سَبَقَ أهْلُ الجَنَّةِ إلى الجَنَّةِ، وأهْلُ النّارِ إلى النّارِ.
والثّانِي: أنَّ جَوابَهُ قَوْلُهُ: ﴿فَإنَّ الجَحِيمَ هي المَأْوى﴾ وكَأنَّهُ جَزاءٌ مُرَكَّبٌ عَلى شَرْطَيْنِ نَظِيرُهُ: إذا جاءَ الغَدُ فَمَن جاءَنِي سائِلًا أعْطَيْتُهُ، كَذا هاهُنا أيْ إذا جاءَتِ الطّامَّةُ الكُبْرى فَمَن جاءَ طاغِيًا فَإنَّ الجَحِيمَ مَأْواهُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: مِنهم مَن قالَ: المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿طَغى﴾ ﴿وآثَرَ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ النَّضْرُ وأبُوهُ الحارِثُ، فَإنْ كانَ المُرادُ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ عِنْدَ صُدُورِ بَعْضِ المُنْكِراتِ مِنهُ فَجَيِّدٌ، وإنْ كانَ المُرادُ تَخْصِيصُها بِهِ فَبَعِيدٌ؛ لِأنَّ العِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ، لا سِيَّما إذا عُرِفَ بِضَرُورَةِ العَقْلِ أنَّ المُوجِبَ لِذَلِكَ الحُكْمِ هو الوَصْفُ المَذْكُورُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: (طَغى)، إشارَةٌ إلى فَسادِ حالِ القُوَّةِ النَّظَرِيَّةِ؛ لِأنَّ كُلَّ مَن عَرَفَ اللَّهَ عَرَفَ حَقارَةَ نَفْسِهِ، وعَرَفَ اسْتِيلاءَ قُدْرَةِ اللَّهِ عَلَيْهِ، فَلا يَكُونُ لَهُ طُغْيانٌ وتَكَبُّرٌ، وقَوْلُهُ: ﴿وآثَرَ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ إشارَةٌ إلى فَسادِ حالِ القُوَّةِ العَمَلِيَّةِ، وإنَّما ذُكِرَ ذَلِكَ لِما رُوِيَ عَنْهُ -عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- أنَّهُ قالَ: ”«حُبُّ الدُّنْيا رَأْسُ كُلِّ خَطِيئَةٍ» “ ومَتى كانَ الإنْسانُ والعِياذُ بِاللَّهِ مَوْصُوفًا بِهَذَيْنِ الأمْرَيْنِ، كانَ بالِغًا في الفَسادِ إلى أقْصى الغاياتِ، وهو الكافِرُ الَّذِي يَكُونُ عِقابُهُ مُخَلَّدًا، وتَخْصِيصُهُ بِهَذِهِ الحالَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الفاسِقَ الَّذِي لا يَكُونُ كَذَلِكَ لا تَكُونُ الجَحِيمُ مَأْوًى لَهُ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: تَقْدِيرُ الآيَةِ: فَإنَّ الجَحِيمَ هي المَأْوى لَهُ، ثُمَّ حُذِفَتِ الصِّلَةُ لِوُضُوحِ المَعْنى كَقَوْلِكَ لِلرَّجُلِ: غُضَّ الطَّرْفَ، أيْ غُضَّ طَرْفَكَ، وعِنْدِي فِيهِ وجْهٌ آخَرُ، وهو أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: فَإنَّ الجَحِيمَ هي المَأْوى اللّائِقُ بِمَن كانَ مَوْصُوفًا بِهَذِهِ الصِّفاتِ والأخْلاقِ.
النازعات 79:37
الأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الإنْسانُ ما سَعى﴾ يَعْنِي إذا رَأى أعْمالَهُ مُدَوَّنَةً في كِتابِهِ تَذَكَّرَها، وكانَ قَدْ نَسِيَها، كَقَوْلِهِ: ﴿أحْصاهُ اللَّهُ ونَسُوهُ﴾ [المُجادَلَةِ: ٦] .
الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وبُرِّزَتِ الجَحِيمُ لِمَن يَرى﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِمَن يَرى﴾ أيْ أنَّها تَظْهَرُ إظْهارًا مَكْشُوفًا لِكُلِّ ناظِرٍ ذِي بَصَرٍ ثُمَّ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ اسْتِعارَةٌ في كَوْنِهِ مُنْكَشِفًا ظاهِرًا كَقَوْلِهِمْ: تَبَيَّنَ الصُّبْحُ لِذِي عَيْنَيْنِ. وعَلى هَذا التَّأْوِيلِ لا يَجِبُ أنْ يَراهُ كُلُّ أحَدٍ.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّها بُرِّزَتْ لِيَراها كُلُّ مَن لَهُ عَيْنٌ وبَصَرٌ، وهَذا يُفِيدُ أنَّ كُلَّ النّاسِ يَرَوْنَها مِنَ المُؤْمِنِينَ والكُفّارِ، إلّا أنَّها مَكانُ الكُفّارِ ومَأْواهُمْ، والمُؤْمِنُونَ يَمُرُّونَ عَلَيْها، وهَذا التَّأْوِيلُ مُتَأكِّدٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ مِنكم إلّا وارِدُها﴾ [مَرْيَمَ: ٧١] إلى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ [مَرْيَمَ: ٧٢] فَإنْ قِيلَ: إنَّهُ تَعالى قالَ في سُورَةِ الشُّعَراءِ: ﴿وأُزْلِفَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ﴿وبُرِّزَتِ الجَحِيمُ لِلْغاوِينَ﴾ [الشُّعَراءِ: ٩١،٩٠]
صفحة ٤٧
فَخَصَّ الغاوِينَ بِتَبْرِيزِها لَهُمْ، قُلْنا: إنَّها بُرِّزَتْ لِلْغاوِينَ، والمُؤْمِنُونَ يَرَوْنَها أيْضًا في المَمَرِّ، ولا مُنافاةَ بَيْنَ الأمْرَيْنِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ أبُو نَهِيكٍ: ”وبَرَزَتْ“ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: ”لِمَن رَأى“، وقَرَأ عِكْرِمَةُ: ”لِمَن تَرى“، والضَّمِيرُ لِلْجَحِيمِ، كَقَوْلِهِ: ﴿إذا رَأتْهم مِن مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ [الفُرْقانِ: ١٢] وقِيلَ: لِمَن تَرى يا مُحَمَّدُ مِنَ الكُفّارِ الَّذِينَ يُؤْذُونَكَ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ حالَ القِيامَةِ في الجُمْلَةِ قَسَّمَ المُكَلَّفِينَ قِسْمَيْنِ: الأشْقِياءُ والسُّعَداءُ، فَذَكَرَ حالَ الأشْقِياءِ.
﴿فَأمّا مَن طَغى﴾ ﴿وآثَرَ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ ﴿فَإنَّ الجَحِيمَ هي المَأْوى﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في جَوابِ قَوْلِهِ: ﴿فَإذا جاءَتِ الطّامَّةُ الكُبْرى﴾ وجْهانِ:
الأوَّلُ: قالَ الواحِدِيُّ: إنَّهُ مَحْذُوفٌ عَلى تَقْدِيرِ: إذا جاءَتِ الطّامَّةُ دَخَلَ أهْلُ النّارِ النّارَ، وأهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ، ودَلَّ عَلى هَذا المَحْذُوفِ ما ذُكِرَ في بَيانِ مَأْوى الفَرِيقَيْنِ، ولِهَذا كانَ يَقُولُ مالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ في تَفْسِيرِ الطّامَّةِ الكُبْرى، قالَ: إنَّها إذا سَبَقَ أهْلُ الجَنَّةِ إلى الجَنَّةِ، وأهْلُ النّارِ إلى النّارِ.
والثّانِي: أنَّ جَوابَهُ قَوْلُهُ: ﴿فَإنَّ الجَحِيمَ هي المَأْوى﴾ وكَأنَّهُ جَزاءٌ مُرَكَّبٌ عَلى شَرْطَيْنِ نَظِيرُهُ: إذا جاءَ الغَدُ فَمَن جاءَنِي سائِلًا أعْطَيْتُهُ، كَذا هاهُنا أيْ إذا جاءَتِ الطّامَّةُ الكُبْرى فَمَن جاءَ طاغِيًا فَإنَّ الجَحِيمَ مَأْواهُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: مِنهم مَن قالَ: المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿طَغى﴾ ﴿وآثَرَ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ النَّضْرُ وأبُوهُ الحارِثُ، فَإنْ كانَ المُرادُ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ عِنْدَ صُدُورِ بَعْضِ المُنْكِراتِ مِنهُ فَجَيِّدٌ، وإنْ كانَ المُرادُ تَخْصِيصُها بِهِ فَبَعِيدٌ؛ لِأنَّ العِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ، لا سِيَّما إذا عُرِفَ بِضَرُورَةِ العَقْلِ أنَّ المُوجِبَ لِذَلِكَ الحُكْمِ هو الوَصْفُ المَذْكُورُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: (طَغى)، إشارَةٌ إلى فَسادِ حالِ القُوَّةِ النَّظَرِيَّةِ؛ لِأنَّ كُلَّ مَن عَرَفَ اللَّهَ عَرَفَ حَقارَةَ نَفْسِهِ، وعَرَفَ اسْتِيلاءَ قُدْرَةِ اللَّهِ عَلَيْهِ، فَلا يَكُونُ لَهُ طُغْيانٌ وتَكَبُّرٌ، وقَوْلُهُ: ﴿وآثَرَ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ إشارَةٌ إلى فَسادِ حالِ القُوَّةِ العَمَلِيَّةِ، وإنَّما ذُكِرَ ذَلِكَ لِما رُوِيَ عَنْهُ -عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- أنَّهُ قالَ: ”«حُبُّ الدُّنْيا رَأْسُ كُلِّ خَطِيئَةٍ» “ ومَتى كانَ الإنْسانُ والعِياذُ بِاللَّهِ مَوْصُوفًا بِهَذَيْنِ الأمْرَيْنِ، كانَ بالِغًا في الفَسادِ إلى أقْصى الغاياتِ، وهو الكافِرُ الَّذِي يَكُونُ عِقابُهُ مُخَلَّدًا، وتَخْصِيصُهُ بِهَذِهِ الحالَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الفاسِقَ الَّذِي لا يَكُونُ كَذَلِكَ لا تَكُونُ الجَحِيمُ مَأْوًى لَهُ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: تَقْدِيرُ الآيَةِ: فَإنَّ الجَحِيمَ هي المَأْوى لَهُ، ثُمَّ حُذِفَتِ الصِّلَةُ لِوُضُوحِ المَعْنى كَقَوْلِكَ لِلرَّجُلِ: غُضَّ الطَّرْفَ، أيْ غُضَّ طَرْفَكَ، وعِنْدِي فِيهِ وجْهٌ آخَرُ، وهو أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: فَإنَّ الجَحِيمَ هي المَأْوى اللّائِقُ بِمَن كانَ مَوْصُوفًا بِهَذِهِ الصِّفاتِ والأخْلاقِ.
النازعات 79:38
الأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الإنْسانُ ما سَعى﴾ يَعْنِي إذا رَأى أعْمالَهُ مُدَوَّنَةً في كِتابِهِ تَذَكَّرَها، وكانَ قَدْ نَسِيَها، كَقَوْلِهِ: ﴿أحْصاهُ اللَّهُ ونَسُوهُ﴾ [المُجادَلَةِ: ٦] .
الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وبُرِّزَتِ الجَحِيمُ لِمَن يَرى﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِمَن يَرى﴾ أيْ أنَّها تَظْهَرُ إظْهارًا مَكْشُوفًا لِكُلِّ ناظِرٍ ذِي بَصَرٍ ثُمَّ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ اسْتِعارَةٌ في كَوْنِهِ مُنْكَشِفًا ظاهِرًا كَقَوْلِهِمْ: تَبَيَّنَ الصُّبْحُ لِذِي عَيْنَيْنِ. وعَلى هَذا التَّأْوِيلِ لا يَجِبُ أنْ يَراهُ كُلُّ أحَدٍ.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّها بُرِّزَتْ لِيَراها كُلُّ مَن لَهُ عَيْنٌ وبَصَرٌ، وهَذا يُفِيدُ أنَّ كُلَّ النّاسِ يَرَوْنَها مِنَ المُؤْمِنِينَ والكُفّارِ، إلّا أنَّها مَكانُ الكُفّارِ ومَأْواهُمْ، والمُؤْمِنُونَ يَمُرُّونَ عَلَيْها، وهَذا التَّأْوِيلُ مُتَأكِّدٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ مِنكم إلّا وارِدُها﴾ [مَرْيَمَ: ٧١] إلى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ [مَرْيَمَ: ٧٢] فَإنْ قِيلَ: إنَّهُ تَعالى قالَ في سُورَةِ الشُّعَراءِ: ﴿وأُزْلِفَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ﴿وبُرِّزَتِ الجَحِيمُ لِلْغاوِينَ﴾ [الشُّعَراءِ: ٩١،٩٠]
صفحة ٤٧
فَخَصَّ الغاوِينَ بِتَبْرِيزِها لَهُمْ، قُلْنا: إنَّها بُرِّزَتْ لِلْغاوِينَ، والمُؤْمِنُونَ يَرَوْنَها أيْضًا في المَمَرِّ، ولا مُنافاةَ بَيْنَ الأمْرَيْنِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ أبُو نَهِيكٍ: ”وبَرَزَتْ“ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: ”لِمَن رَأى“، وقَرَأ عِكْرِمَةُ: ”لِمَن تَرى“، والضَّمِيرُ لِلْجَحِيمِ، كَقَوْلِهِ: ﴿إذا رَأتْهم مِن مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ [الفُرْقانِ: ١٢] وقِيلَ: لِمَن تَرى يا مُحَمَّدُ مِنَ الكُفّارِ الَّذِينَ يُؤْذُونَكَ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ حالَ القِيامَةِ في الجُمْلَةِ قَسَّمَ المُكَلَّفِينَ قِسْمَيْنِ: الأشْقِياءُ والسُّعَداءُ، فَذَكَرَ حالَ الأشْقِياءِ.
﴿فَأمّا مَن طَغى﴾ ﴿وآثَرَ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ ﴿فَإنَّ الجَحِيمَ هي المَأْوى﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في جَوابِ قَوْلِهِ: ﴿فَإذا جاءَتِ الطّامَّةُ الكُبْرى﴾ وجْهانِ:
الأوَّلُ: قالَ الواحِدِيُّ: إنَّهُ مَحْذُوفٌ عَلى تَقْدِيرِ: إذا جاءَتِ الطّامَّةُ دَخَلَ أهْلُ النّارِ النّارَ، وأهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ، ودَلَّ عَلى هَذا المَحْذُوفِ ما ذُكِرَ في بَيانِ مَأْوى الفَرِيقَيْنِ، ولِهَذا كانَ يَقُولُ مالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ في تَفْسِيرِ الطّامَّةِ الكُبْرى، قالَ: إنَّها إذا سَبَقَ أهْلُ الجَنَّةِ إلى الجَنَّةِ، وأهْلُ النّارِ إلى النّارِ.
والثّانِي: أنَّ جَوابَهُ قَوْلُهُ: ﴿فَإنَّ الجَحِيمَ هي المَأْوى﴾ وكَأنَّهُ جَزاءٌ مُرَكَّبٌ عَلى شَرْطَيْنِ نَظِيرُهُ: إذا جاءَ الغَدُ فَمَن جاءَنِي سائِلًا أعْطَيْتُهُ، كَذا هاهُنا أيْ إذا جاءَتِ الطّامَّةُ الكُبْرى فَمَن جاءَ طاغِيًا فَإنَّ الجَحِيمَ مَأْواهُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: مِنهم مَن قالَ: المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿طَغى﴾ ﴿وآثَرَ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ النَّضْرُ وأبُوهُ الحارِثُ، فَإنْ كانَ المُرادُ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ عِنْدَ صُدُورِ بَعْضِ المُنْكِراتِ مِنهُ فَجَيِّدٌ، وإنْ كانَ المُرادُ تَخْصِيصُها بِهِ فَبَعِيدٌ؛ لِأنَّ العِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ، لا سِيَّما إذا عُرِفَ بِضَرُورَةِ العَقْلِ أنَّ المُوجِبَ لِذَلِكَ الحُكْمِ هو الوَصْفُ المَذْكُورُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: (طَغى)، إشارَةٌ إلى فَسادِ حالِ القُوَّةِ النَّظَرِيَّةِ؛ لِأنَّ كُلَّ مَن عَرَفَ اللَّهَ عَرَفَ حَقارَةَ نَفْسِهِ، وعَرَفَ اسْتِيلاءَ قُدْرَةِ اللَّهِ عَلَيْهِ، فَلا يَكُونُ لَهُ طُغْيانٌ وتَكَبُّرٌ، وقَوْلُهُ: ﴿وآثَرَ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ إشارَةٌ إلى فَسادِ حالِ القُوَّةِ العَمَلِيَّةِ، وإنَّما ذُكِرَ ذَلِكَ لِما رُوِيَ عَنْهُ -عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- أنَّهُ قالَ: ”«حُبُّ الدُّنْيا رَأْسُ كُلِّ خَطِيئَةٍ» “ ومَتى كانَ الإنْسانُ والعِياذُ بِاللَّهِ مَوْصُوفًا بِهَذَيْنِ الأمْرَيْنِ، كانَ بالِغًا في الفَسادِ إلى أقْصى الغاياتِ، وهو الكافِرُ الَّذِي يَكُونُ عِقابُهُ مُخَلَّدًا، وتَخْصِيصُهُ بِهَذِهِ الحالَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الفاسِقَ الَّذِي لا يَكُونُ كَذَلِكَ لا تَكُونُ الجَحِيمُ مَأْوًى لَهُ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: تَقْدِيرُ الآيَةِ: فَإنَّ الجَحِيمَ هي المَأْوى لَهُ، ثُمَّ حُذِفَتِ الصِّلَةُ لِوُضُوحِ المَعْنى كَقَوْلِكَ لِلرَّجُلِ: غُضَّ الطَّرْفَ، أيْ غُضَّ طَرْفَكَ، وعِنْدِي فِيهِ وجْهٌ آخَرُ، وهو أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: فَإنَّ الجَحِيمَ هي المَأْوى اللّائِقُ بِمَن كانَ مَوْصُوفًا بِهَذِهِ الصِّفاتِ والأخْلاقِ.
النازعات 79:39
الأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الإنْسانُ ما سَعى﴾ يَعْنِي إذا رَأى أعْمالَهُ مُدَوَّنَةً في كِتابِهِ تَذَكَّرَها، وكانَ قَدْ نَسِيَها، كَقَوْلِهِ: ﴿أحْصاهُ اللَّهُ ونَسُوهُ﴾ [المُجادَلَةِ: ٦] .
الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وبُرِّزَتِ الجَحِيمُ لِمَن يَرى﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِمَن يَرى﴾ أيْ أنَّها تَظْهَرُ إظْهارًا مَكْشُوفًا لِكُلِّ ناظِرٍ ذِي بَصَرٍ ثُمَّ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ اسْتِعارَةٌ في كَوْنِهِ مُنْكَشِفًا ظاهِرًا كَقَوْلِهِمْ: تَبَيَّنَ الصُّبْحُ لِذِي عَيْنَيْنِ. وعَلى هَذا التَّأْوِيلِ لا يَجِبُ أنْ يَراهُ كُلُّ أحَدٍ.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّها بُرِّزَتْ لِيَراها كُلُّ مَن لَهُ عَيْنٌ وبَصَرٌ، وهَذا يُفِيدُ أنَّ كُلَّ النّاسِ يَرَوْنَها مِنَ المُؤْمِنِينَ والكُفّارِ، إلّا أنَّها مَكانُ الكُفّارِ ومَأْواهُمْ، والمُؤْمِنُونَ يَمُرُّونَ عَلَيْها، وهَذا التَّأْوِيلُ مُتَأكِّدٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ مِنكم إلّا وارِدُها﴾ [مَرْيَمَ: ٧١] إلى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ [مَرْيَمَ: ٧٢] فَإنْ قِيلَ: إنَّهُ تَعالى قالَ في سُورَةِ الشُّعَراءِ: ﴿وأُزْلِفَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ﴿وبُرِّزَتِ الجَحِيمُ لِلْغاوِينَ﴾ [الشُّعَراءِ: ٩١،٩٠]
صفحة ٤٧
فَخَصَّ الغاوِينَ بِتَبْرِيزِها لَهُمْ، قُلْنا: إنَّها بُرِّزَتْ لِلْغاوِينَ، والمُؤْمِنُونَ يَرَوْنَها أيْضًا في المَمَرِّ، ولا مُنافاةَ بَيْنَ الأمْرَيْنِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ أبُو نَهِيكٍ: ”وبَرَزَتْ“ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: ”لِمَن رَأى“، وقَرَأ عِكْرِمَةُ: ”لِمَن تَرى“، والضَّمِيرُ لِلْجَحِيمِ، كَقَوْلِهِ: ﴿إذا رَأتْهم مِن مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ [الفُرْقانِ: ١٢] وقِيلَ: لِمَن تَرى يا مُحَمَّدُ مِنَ الكُفّارِ الَّذِينَ يُؤْذُونَكَ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ حالَ القِيامَةِ في الجُمْلَةِ قَسَّمَ المُكَلَّفِينَ قِسْمَيْنِ: الأشْقِياءُ والسُّعَداءُ، فَذَكَرَ حالَ الأشْقِياءِ.
﴿فَأمّا مَن طَغى﴾ ﴿وآثَرَ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ ﴿فَإنَّ الجَحِيمَ هي المَأْوى﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في جَوابِ قَوْلِهِ: ﴿فَإذا جاءَتِ الطّامَّةُ الكُبْرى﴾ وجْهانِ:
الأوَّلُ: قالَ الواحِدِيُّ: إنَّهُ مَحْذُوفٌ عَلى تَقْدِيرِ: إذا جاءَتِ الطّامَّةُ دَخَلَ أهْلُ النّارِ النّارَ، وأهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ، ودَلَّ عَلى هَذا المَحْذُوفِ ما ذُكِرَ في بَيانِ مَأْوى الفَرِيقَيْنِ، ولِهَذا كانَ يَقُولُ مالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ في تَفْسِيرِ الطّامَّةِ الكُبْرى، قالَ: إنَّها إذا سَبَقَ أهْلُ الجَنَّةِ إلى الجَنَّةِ، وأهْلُ النّارِ إلى النّارِ.
والثّانِي: أنَّ جَوابَهُ قَوْلُهُ: ﴿فَإنَّ الجَحِيمَ هي المَأْوى﴾ وكَأنَّهُ جَزاءٌ مُرَكَّبٌ عَلى شَرْطَيْنِ نَظِيرُهُ: إذا جاءَ الغَدُ فَمَن جاءَنِي سائِلًا أعْطَيْتُهُ، كَذا هاهُنا أيْ إذا جاءَتِ الطّامَّةُ الكُبْرى فَمَن جاءَ طاغِيًا فَإنَّ الجَحِيمَ مَأْواهُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: مِنهم مَن قالَ: المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿طَغى﴾ ﴿وآثَرَ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ النَّضْرُ وأبُوهُ الحارِثُ، فَإنْ كانَ المُرادُ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ عِنْدَ صُدُورِ بَعْضِ المُنْكِراتِ مِنهُ فَجَيِّدٌ، وإنْ كانَ المُرادُ تَخْصِيصُها بِهِ فَبَعِيدٌ؛ لِأنَّ العِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ، لا سِيَّما إذا عُرِفَ بِضَرُورَةِ العَقْلِ أنَّ المُوجِبَ لِذَلِكَ الحُكْمِ هو الوَصْفُ المَذْكُورُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: (طَغى)، إشارَةٌ إلى فَسادِ حالِ القُوَّةِ النَّظَرِيَّةِ؛ لِأنَّ كُلَّ مَن عَرَفَ اللَّهَ عَرَفَ حَقارَةَ نَفْسِهِ، وعَرَفَ اسْتِيلاءَ قُدْرَةِ اللَّهِ عَلَيْهِ، فَلا يَكُونُ لَهُ طُغْيانٌ وتَكَبُّرٌ، وقَوْلُهُ: ﴿وآثَرَ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ إشارَةٌ إلى فَسادِ حالِ القُوَّةِ العَمَلِيَّةِ، وإنَّما ذُكِرَ ذَلِكَ لِما رُوِيَ عَنْهُ -عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- أنَّهُ قالَ: ”«حُبُّ الدُّنْيا رَأْسُ كُلِّ خَطِيئَةٍ» “ ومَتى كانَ الإنْسانُ والعِياذُ بِاللَّهِ مَوْصُوفًا بِهَذَيْنِ الأمْرَيْنِ، كانَ بالِغًا في الفَسادِ إلى أقْصى الغاياتِ، وهو الكافِرُ الَّذِي يَكُونُ عِقابُهُ مُخَلَّدًا، وتَخْصِيصُهُ بِهَذِهِ الحالَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الفاسِقَ الَّذِي لا يَكُونُ كَذَلِكَ لا تَكُونُ الجَحِيمُ مَأْوًى لَهُ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: تَقْدِيرُ الآيَةِ: فَإنَّ الجَحِيمَ هي المَأْوى لَهُ، ثُمَّ حُذِفَتِ الصِّلَةُ لِوُضُوحِ المَعْنى كَقَوْلِكَ لِلرَّجُلِ: غُضَّ الطَّرْفَ، أيْ غُضَّ طَرْفَكَ، وعِنْدِي فِيهِ وجْهٌ آخَرُ، وهو أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: فَإنَّ الجَحِيمَ هي المَأْوى اللّائِقُ بِمَن كانَ مَوْصُوفًا بِهَذِهِ الصِّفاتِ والأخْلاقِ.
النازعات 79:40
ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى حالَ السُّعَداءِ، فَقالَ تَعالى: ﴿وأمّا مَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ﴾ ﴿ونَهى النَّفْسَ عَنِ الهَوى﴾ ﴿فَإنَّ الجَنَّةَ هي المَأْوى﴾
صفحة ٤٨
واعْلَمْ أنَّ هَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ مُضادّانِ لِلْوَصْفَيْنِ اللَّذَيْنِ وصَفَ اللَّهُ أهْلَ النّارِ بِهِما، فَقَوْلُهُ: ﴿وأمّا مَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ﴾ ضِدُّ قَوْلِهِ: ﴿فَأمّا مَن طَغى﴾ وقَوْلُهُ: ﴿ونَهى النَّفْسَ عَنِ الهَوى﴾ ضِدُّ قَوْلِهِ: ﴿وآثَرَ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ واعْلَمْ أنَّ الخَوْفَ مِنَ اللَّهِ، لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مَسْبُوقًا بِالعِلْمِ بِاللَّهِ عَلى ما قالَ: ﴿إنَّما يَخْشى اللَّهَ مِن عِبادِهِ العُلَماءُ﴾ [فاطِرٍ: ٢٨] ولَمّا كانَ الخَوْفُ مِنَ اللَّهِ هو السَّبَبَ المُعِينَ لِدَفْعِ الهَوى، لا جَرَمَ قَدَّمَ العِلَّةَ عَلى العُلُوِّ، وكَما دَخَلَ في ذَيْنِكَ الصِّفَتَيْنِ جَمِيعُ القَبائِحِ دَخَلَ في هَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ جَمِيعُ الطّاعاتِ والحَسَناتِ، وقِيلَ: الآيَتانِ نَزَلَتا في أبِي عَزِيزِ بْنِ عُمَيْرٍ ومُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ، وقَدْ قَتَلَ مُصْعَبٌ أخاهُ أبا عَزِيزٍ يَوْمَ أُحُدٍ، ووَقى رَسُولَ اللَّهِ بِنَفْسِهِ حَتّى نَفَذَتِ المَشاقِصُ في جَوْفِهِ.
النازعات 79:41
ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى حالَ السُّعَداءِ، فَقالَ تَعالى: ﴿وأمّا مَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ﴾ ﴿ونَهى النَّفْسَ عَنِ الهَوى﴾ ﴿فَإنَّ الجَنَّةَ هي المَأْوى﴾
صفحة ٤٨
واعْلَمْ أنَّ هَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ مُضادّانِ لِلْوَصْفَيْنِ اللَّذَيْنِ وصَفَ اللَّهُ أهْلَ النّارِ بِهِما، فَقَوْلُهُ: ﴿وأمّا مَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ﴾ ضِدُّ قَوْلِهِ: ﴿فَأمّا مَن طَغى﴾ وقَوْلُهُ: ﴿ونَهى النَّفْسَ عَنِ الهَوى﴾ ضِدُّ قَوْلِهِ: ﴿وآثَرَ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ واعْلَمْ أنَّ الخَوْفَ مِنَ اللَّهِ، لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مَسْبُوقًا بِالعِلْمِ بِاللَّهِ عَلى ما قالَ: ﴿إنَّما يَخْشى اللَّهَ مِن عِبادِهِ العُلَماءُ﴾ [فاطِرٍ: ٢٨] ولَمّا كانَ الخَوْفُ مِنَ اللَّهِ هو السَّبَبَ المُعِينَ لِدَفْعِ الهَوى، لا جَرَمَ قَدَّمَ العِلَّةَ عَلى العُلُوِّ، وكَما دَخَلَ في ذَيْنِكَ الصِّفَتَيْنِ جَمِيعُ القَبائِحِ دَخَلَ في هَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ جَمِيعُ الطّاعاتِ والحَسَناتِ، وقِيلَ: الآيَتانِ نَزَلَتا في أبِي عَزِيزِ بْنِ عُمَيْرٍ ومُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ، وقَدْ قَتَلَ مُصْعَبٌ أخاهُ أبا عَزِيزٍ يَوْمَ أُحُدٍ، ووَقى رَسُولَ اللَّهِ بِنَفْسِهِ حَتّى نَفَذَتِ المَشاقِصُ في جَوْفِهِ.
النازعات 79:42
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ بِالبُرْهانِ العَقْلِيِّ إمْكانَ القِيامَةِ، ثُمَّ أخْبَرَ عَنْ وُقُوعِها، ثُمَّ ذَكَرَ أحْوالَها العامَّةَ، ثُمَّ ذَكَرَ أحْوالَ الأشْقِياءِ والسُّعَداءِ فِيها، قالَ تَعالى: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ السّاعَةِ أيّانَ مُرْساها﴾ .
واعْلَمْ أنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا يَسْمَعُونَ إثْباتَ القِيامَةِ، ووَصْفَها بِالأوْصافِ الهائِلَةِ، مِثْلُ أنَّها طامَّةٌ وصاخَّةٌ وقارِعَةٌ، فَقالُوا عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ: ﴿أيّانَ مُرْساها﴾ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الإيهامِ لِأتْباعِهِمْ أنَّهُ لا أصْلَ لِذَلِكَ، ويُحْتَمَلُ أنَّهم كانُوا يَسْألُونَ الرَّسُولَ عَنْ وقْتِ القِيامَةِ اسْتِعْجالًا، كَقَوْلِهِ: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِها الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها﴾ [الشُّورى: ١٨] ثُمَّ في قَوْلِهِ: (مُرْساها) قَوْلانِ: أحَدُهُما: مَتى إرْساؤُها، أيْ إقامَتُها، أرادُوا مَتى يُقِيمُها اللَّهُ ويُوجِدُها ويُكَوِّنُها. والثّانِي: (أيّانَ) مُنْتَهاها ومُسْتَقَرُّها، كَما أنَّ مَرْسى السَّفِينَةِ مُسْتَقَرُّها حَيْثُ تَنْتَهِي إلَيْهِ.
ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى أجابَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِيمَ أنْتَ مِن ذِكْراها﴾ وفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: مَعْناهُ في أيِّ شَيْءٍ أنْتَ عَنْ تَذَكُّرِ وقْتِها لَهُمْ، وتَبَيُّنِ ذَلِكَ الزَّمانِ المُعَيَّنِ لَهُمْ، ونَظِيرُهُ قَوْلُ القائِلِ إذا سَألَهُ رَجُلٌ عَنْ شَيْءٍ لا يَلِيقُ بِهِ: ما أنْتَ وهَذا؟ وأيُّ شَيْءٍ لَكَ في هَذا؟ وعَنْ عائِشَةَ: ”«لَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَذْكُرُ السّاعَةَ ويَسْألُ عَنْها حَتّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ» “ فَهو عَلى هَذا تَعْجِيبٌ مِن كَثْرَةِ ذِكْرِهِ لَها، كَأنَّهُ قِيلَ: في أيِّ شُغُلٍ واهْتِمامٍ أنْتَ مِن ذِكْرِها والسُّؤالِ عَنْها، والمَعْنى أنَّهم يَسْألُونَكَ عَنْها، فَلِحِرْصِكَ عَلى جَوابِهِمْ لا تَزالُ تَذْكُرُها وتَسْألُ عَنْها.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إلى رَبِّكَ مُنْتَهاها﴾ أيْ مُنْتَهى عِلْمِها لَمْ يُؤْتِهِ أحَدًا مِن خَلْقِهِ. الوَجْهُ الثّانِي: قالَ بَعْضُهم: (فِيمَ) إنْكارٌ لِسُؤالِهِمْ، أيْ فِيمَ هَذا السُّؤالُ، ثُمَّ قِيلَ: ﴿أنْتَ مِن ذِكْراها﴾ أيْ أرْسَلَكَ وأنْتَ خاتَمُ الأنْبِياءِ وآخِرُ الرُّسُلِ ذِكْرًا مِن أنْواعِ عَلاماتِها، وواحِدًا مِن أقْسامِ أشْراطِها، فَكَفاهم بِذَلِكَ دَلِيلًا عَلى دُنُوِّها ووُجُوبِ الِاسْتِعْدادِ لَها، ولا فائِدَةَ في سُؤالِهِمْ عَنْها.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّما أنْتَ مُنْذِرُ مَن يَخْشاها﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
صفحة ٤٩
المَسْألَةُ الأُولى: مَعْنى الآيَةِ أنَّكَ إنَّما بُعِثْتَ لِلْإنْذارِ، وهَذا المَعْنى لا يَتَوَقَّفُ عَلى عِلْمِكَ بِوَقْتِ قِيامِ القِيامَةِ، بَلْ لَوْ أنْصَفْنا لَقُلْنا بِأنَّ الإنْذارَ والتَّخْوِيفَ إنَّما يَتِمّانِ إذا لَمْ يَكُنِ العِلْمُ بِوَقْتِ قِيامِ القِيامَةِ حاصِلًا.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ -عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- مُنْذِرٌ لِلْكُلِّ إلّا أنَّهُ خُصَّ بِمَن يَخْشى، لِأنَّهُ الَّذِي يَنْتَفِعُ بِذَلِكَ الإنْذارِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قُرِئَ مُنْذِرٌ بِالتَّنْوِينِ وهو الأصْلُ، قالَ الزَّجّاجُ: مُفْعِلٌ وفاعِلٌ إذا كانَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما لِما يُسْتَقْبَلُ أوْ لِلْحالِ يُنَوَّنُ، لِأنَّهُ يَكُونُ بَدَلًا مِنَ الفِعْلِ، والفِعْلُ لا يَكُونُ إلّا نَكِرَةً ويَجُوزُ حَذْفُ التَّنْوِينِ لِأجْلِ التَّخْفِيفِ، وكِلاهُما يَصْلُحُ لِلْحالِ والِاسْتِقْبالِ، فَإذا أُرِيدَ الماضِي فَلا يَجُوزُ إلّا الإضافَةُ كَقَوْلِهِ هو مُنْذِرُ زَيْدٍ أمْسِ.
النازعات 79:43
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ بِالبُرْهانِ العَقْلِيِّ إمْكانَ القِيامَةِ، ثُمَّ أخْبَرَ عَنْ وُقُوعِها، ثُمَّ ذَكَرَ أحْوالَها العامَّةَ، ثُمَّ ذَكَرَ أحْوالَ الأشْقِياءِ والسُّعَداءِ فِيها، قالَ تَعالى: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ السّاعَةِ أيّانَ مُرْساها﴾ .
واعْلَمْ أنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا يَسْمَعُونَ إثْباتَ القِيامَةِ، ووَصْفَها بِالأوْصافِ الهائِلَةِ، مِثْلُ أنَّها طامَّةٌ وصاخَّةٌ وقارِعَةٌ، فَقالُوا عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ: ﴿أيّانَ مُرْساها﴾ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الإيهامِ لِأتْباعِهِمْ أنَّهُ لا أصْلَ لِذَلِكَ، ويُحْتَمَلُ أنَّهم كانُوا يَسْألُونَ الرَّسُولَ عَنْ وقْتِ القِيامَةِ اسْتِعْجالًا، كَقَوْلِهِ: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِها الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها﴾ [الشُّورى: ١٨] ثُمَّ في قَوْلِهِ: (مُرْساها) قَوْلانِ: أحَدُهُما: مَتى إرْساؤُها، أيْ إقامَتُها، أرادُوا مَتى يُقِيمُها اللَّهُ ويُوجِدُها ويُكَوِّنُها. والثّانِي: (أيّانَ) مُنْتَهاها ومُسْتَقَرُّها، كَما أنَّ مَرْسى السَّفِينَةِ مُسْتَقَرُّها حَيْثُ تَنْتَهِي إلَيْهِ.
ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى أجابَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِيمَ أنْتَ مِن ذِكْراها﴾ وفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: مَعْناهُ في أيِّ شَيْءٍ أنْتَ عَنْ تَذَكُّرِ وقْتِها لَهُمْ، وتَبَيُّنِ ذَلِكَ الزَّمانِ المُعَيَّنِ لَهُمْ، ونَظِيرُهُ قَوْلُ القائِلِ إذا سَألَهُ رَجُلٌ عَنْ شَيْءٍ لا يَلِيقُ بِهِ: ما أنْتَ وهَذا؟ وأيُّ شَيْءٍ لَكَ في هَذا؟ وعَنْ عائِشَةَ: ”«لَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَذْكُرُ السّاعَةَ ويَسْألُ عَنْها حَتّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ» “ فَهو عَلى هَذا تَعْجِيبٌ مِن كَثْرَةِ ذِكْرِهِ لَها، كَأنَّهُ قِيلَ: في أيِّ شُغُلٍ واهْتِمامٍ أنْتَ مِن ذِكْرِها والسُّؤالِ عَنْها، والمَعْنى أنَّهم يَسْألُونَكَ عَنْها، فَلِحِرْصِكَ عَلى جَوابِهِمْ لا تَزالُ تَذْكُرُها وتَسْألُ عَنْها.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إلى رَبِّكَ مُنْتَهاها﴾ أيْ مُنْتَهى عِلْمِها لَمْ يُؤْتِهِ أحَدًا مِن خَلْقِهِ. الوَجْهُ الثّانِي: قالَ بَعْضُهم: (فِيمَ) إنْكارٌ لِسُؤالِهِمْ، أيْ فِيمَ هَذا السُّؤالُ، ثُمَّ قِيلَ: ﴿أنْتَ مِن ذِكْراها﴾ أيْ أرْسَلَكَ وأنْتَ خاتَمُ الأنْبِياءِ وآخِرُ الرُّسُلِ ذِكْرًا مِن أنْواعِ عَلاماتِها، وواحِدًا مِن أقْسامِ أشْراطِها، فَكَفاهم بِذَلِكَ دَلِيلًا عَلى دُنُوِّها ووُجُوبِ الِاسْتِعْدادِ لَها، ولا فائِدَةَ في سُؤالِهِمْ عَنْها.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّما أنْتَ مُنْذِرُ مَن يَخْشاها﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
صفحة ٤٩
المَسْألَةُ الأُولى: مَعْنى الآيَةِ أنَّكَ إنَّما بُعِثْتَ لِلْإنْذارِ، وهَذا المَعْنى لا يَتَوَقَّفُ عَلى عِلْمِكَ بِوَقْتِ قِيامِ القِيامَةِ، بَلْ لَوْ أنْصَفْنا لَقُلْنا بِأنَّ الإنْذارَ والتَّخْوِيفَ إنَّما يَتِمّانِ إذا لَمْ يَكُنِ العِلْمُ بِوَقْتِ قِيامِ القِيامَةِ حاصِلًا.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ -عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- مُنْذِرٌ لِلْكُلِّ إلّا أنَّهُ خُصَّ بِمَن يَخْشى، لِأنَّهُ الَّذِي يَنْتَفِعُ بِذَلِكَ الإنْذارِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قُرِئَ مُنْذِرٌ بِالتَّنْوِينِ وهو الأصْلُ، قالَ الزَّجّاجُ: مُفْعِلٌ وفاعِلٌ إذا كانَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما لِما يُسْتَقْبَلُ أوْ لِلْحالِ يُنَوَّنُ، لِأنَّهُ يَكُونُ بَدَلًا مِنَ الفِعْلِ، والفِعْلُ لا يَكُونُ إلّا نَكِرَةً ويَجُوزُ حَذْفُ التَّنْوِينِ لِأجْلِ التَّخْفِيفِ، وكِلاهُما يَصْلُحُ لِلْحالِ والِاسْتِقْبالِ، فَإذا أُرِيدَ الماضِي فَلا يَجُوزُ إلّا الإضافَةُ كَقَوْلِهِ هو مُنْذِرُ زَيْدٍ أمْسِ.
النازعات 79:44
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ بِالبُرْهانِ العَقْلِيِّ إمْكانَ القِيامَةِ، ثُمَّ أخْبَرَ عَنْ وُقُوعِها، ثُمَّ ذَكَرَ أحْوالَها العامَّةَ، ثُمَّ ذَكَرَ أحْوالَ الأشْقِياءِ والسُّعَداءِ فِيها، قالَ تَعالى: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ السّاعَةِ أيّانَ مُرْساها﴾ .
واعْلَمْ أنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا يَسْمَعُونَ إثْباتَ القِيامَةِ، ووَصْفَها بِالأوْصافِ الهائِلَةِ، مِثْلُ أنَّها طامَّةٌ وصاخَّةٌ وقارِعَةٌ، فَقالُوا عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ: ﴿أيّانَ مُرْساها﴾ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الإيهامِ لِأتْباعِهِمْ أنَّهُ لا أصْلَ لِذَلِكَ، ويُحْتَمَلُ أنَّهم كانُوا يَسْألُونَ الرَّسُولَ عَنْ وقْتِ القِيامَةِ اسْتِعْجالًا، كَقَوْلِهِ: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِها الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها﴾ [الشُّورى: ١٨] ثُمَّ في قَوْلِهِ: (مُرْساها) قَوْلانِ: أحَدُهُما: مَتى إرْساؤُها، أيْ إقامَتُها، أرادُوا مَتى يُقِيمُها اللَّهُ ويُوجِدُها ويُكَوِّنُها. والثّانِي: (أيّانَ) مُنْتَهاها ومُسْتَقَرُّها، كَما أنَّ مَرْسى السَّفِينَةِ مُسْتَقَرُّها حَيْثُ تَنْتَهِي إلَيْهِ.
ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى أجابَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِيمَ أنْتَ مِن ذِكْراها﴾ وفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: مَعْناهُ في أيِّ شَيْءٍ أنْتَ عَنْ تَذَكُّرِ وقْتِها لَهُمْ، وتَبَيُّنِ ذَلِكَ الزَّمانِ المُعَيَّنِ لَهُمْ، ونَظِيرُهُ قَوْلُ القائِلِ إذا سَألَهُ رَجُلٌ عَنْ شَيْءٍ لا يَلِيقُ بِهِ: ما أنْتَ وهَذا؟ وأيُّ شَيْءٍ لَكَ في هَذا؟ وعَنْ عائِشَةَ: ”«لَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَذْكُرُ السّاعَةَ ويَسْألُ عَنْها حَتّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ» “ فَهو عَلى هَذا تَعْجِيبٌ مِن كَثْرَةِ ذِكْرِهِ لَها، كَأنَّهُ قِيلَ: في أيِّ شُغُلٍ واهْتِمامٍ أنْتَ مِن ذِكْرِها والسُّؤالِ عَنْها، والمَعْنى أنَّهم يَسْألُونَكَ عَنْها، فَلِحِرْصِكَ عَلى جَوابِهِمْ لا تَزالُ تَذْكُرُها وتَسْألُ عَنْها.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إلى رَبِّكَ مُنْتَهاها﴾ أيْ مُنْتَهى عِلْمِها لَمْ يُؤْتِهِ أحَدًا مِن خَلْقِهِ. الوَجْهُ الثّانِي: قالَ بَعْضُهم: (فِيمَ) إنْكارٌ لِسُؤالِهِمْ، أيْ فِيمَ هَذا السُّؤالُ، ثُمَّ قِيلَ: ﴿أنْتَ مِن ذِكْراها﴾ أيْ أرْسَلَكَ وأنْتَ خاتَمُ الأنْبِياءِ وآخِرُ الرُّسُلِ ذِكْرًا مِن أنْواعِ عَلاماتِها، وواحِدًا مِن أقْسامِ أشْراطِها، فَكَفاهم بِذَلِكَ دَلِيلًا عَلى دُنُوِّها ووُجُوبِ الِاسْتِعْدادِ لَها، ولا فائِدَةَ في سُؤالِهِمْ عَنْها.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّما أنْتَ مُنْذِرُ مَن يَخْشاها﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
صفحة ٤٩
المَسْألَةُ الأُولى: مَعْنى الآيَةِ أنَّكَ إنَّما بُعِثْتَ لِلْإنْذارِ، وهَذا المَعْنى لا يَتَوَقَّفُ عَلى عِلْمِكَ بِوَقْتِ قِيامِ القِيامَةِ، بَلْ لَوْ أنْصَفْنا لَقُلْنا بِأنَّ الإنْذارَ والتَّخْوِيفَ إنَّما يَتِمّانِ إذا لَمْ يَكُنِ العِلْمُ بِوَقْتِ قِيامِ القِيامَةِ حاصِلًا.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ -عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- مُنْذِرٌ لِلْكُلِّ إلّا أنَّهُ خُصَّ بِمَن يَخْشى، لِأنَّهُ الَّذِي يَنْتَفِعُ بِذَلِكَ الإنْذارِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قُرِئَ مُنْذِرٌ بِالتَّنْوِينِ وهو الأصْلُ، قالَ الزَّجّاجُ: مُفْعِلٌ وفاعِلٌ إذا كانَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما لِما يُسْتَقْبَلُ أوْ لِلْحالِ يُنَوَّنُ، لِأنَّهُ يَكُونُ بَدَلًا مِنَ الفِعْلِ، والفِعْلُ لا يَكُونُ إلّا نَكِرَةً ويَجُوزُ حَذْفُ التَّنْوِينِ لِأجْلِ التَّخْفِيفِ، وكِلاهُما يَصْلُحُ لِلْحالِ والِاسْتِقْبالِ، فَإذا أُرِيدَ الماضِي فَلا يَجُوزُ إلّا الإضافَةُ كَقَوْلِهِ هو مُنْذِرُ زَيْدٍ أمْسِ.
النازعات 79:45
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ بِالبُرْهانِ العَقْلِيِّ إمْكانَ القِيامَةِ، ثُمَّ أخْبَرَ عَنْ وُقُوعِها، ثُمَّ ذَكَرَ أحْوالَها العامَّةَ، ثُمَّ ذَكَرَ أحْوالَ الأشْقِياءِ والسُّعَداءِ فِيها، قالَ تَعالى: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ السّاعَةِ أيّانَ مُرْساها﴾ .
واعْلَمْ أنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا يَسْمَعُونَ إثْباتَ القِيامَةِ، ووَصْفَها بِالأوْصافِ الهائِلَةِ، مِثْلُ أنَّها طامَّةٌ وصاخَّةٌ وقارِعَةٌ، فَقالُوا عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ: ﴿أيّانَ مُرْساها﴾ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الإيهامِ لِأتْباعِهِمْ أنَّهُ لا أصْلَ لِذَلِكَ، ويُحْتَمَلُ أنَّهم كانُوا يَسْألُونَ الرَّسُولَ عَنْ وقْتِ القِيامَةِ اسْتِعْجالًا، كَقَوْلِهِ: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِها الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها﴾ [الشُّورى: ١٨] ثُمَّ في قَوْلِهِ: (مُرْساها) قَوْلانِ: أحَدُهُما: مَتى إرْساؤُها، أيْ إقامَتُها، أرادُوا مَتى يُقِيمُها اللَّهُ ويُوجِدُها ويُكَوِّنُها. والثّانِي: (أيّانَ) مُنْتَهاها ومُسْتَقَرُّها، كَما أنَّ مَرْسى السَّفِينَةِ مُسْتَقَرُّها حَيْثُ تَنْتَهِي إلَيْهِ.
ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى أجابَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِيمَ أنْتَ مِن ذِكْراها﴾ وفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: مَعْناهُ في أيِّ شَيْءٍ أنْتَ عَنْ تَذَكُّرِ وقْتِها لَهُمْ، وتَبَيُّنِ ذَلِكَ الزَّمانِ المُعَيَّنِ لَهُمْ، ونَظِيرُهُ قَوْلُ القائِلِ إذا سَألَهُ رَجُلٌ عَنْ شَيْءٍ لا يَلِيقُ بِهِ: ما أنْتَ وهَذا؟ وأيُّ شَيْءٍ لَكَ في هَذا؟ وعَنْ عائِشَةَ: ”«لَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَذْكُرُ السّاعَةَ ويَسْألُ عَنْها حَتّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ» “ فَهو عَلى هَذا تَعْجِيبٌ مِن كَثْرَةِ ذِكْرِهِ لَها، كَأنَّهُ قِيلَ: في أيِّ شُغُلٍ واهْتِمامٍ أنْتَ مِن ذِكْرِها والسُّؤالِ عَنْها، والمَعْنى أنَّهم يَسْألُونَكَ عَنْها، فَلِحِرْصِكَ عَلى جَوابِهِمْ لا تَزالُ تَذْكُرُها وتَسْألُ عَنْها.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إلى رَبِّكَ مُنْتَهاها﴾ أيْ مُنْتَهى عِلْمِها لَمْ يُؤْتِهِ أحَدًا مِن خَلْقِهِ. الوَجْهُ الثّانِي: قالَ بَعْضُهم: (فِيمَ) إنْكارٌ لِسُؤالِهِمْ، أيْ فِيمَ هَذا السُّؤالُ، ثُمَّ قِيلَ: ﴿أنْتَ مِن ذِكْراها﴾ أيْ أرْسَلَكَ وأنْتَ خاتَمُ الأنْبِياءِ وآخِرُ الرُّسُلِ ذِكْرًا مِن أنْواعِ عَلاماتِها، وواحِدًا مِن أقْسامِ أشْراطِها، فَكَفاهم بِذَلِكَ دَلِيلًا عَلى دُنُوِّها ووُجُوبِ الِاسْتِعْدادِ لَها، ولا فائِدَةَ في سُؤالِهِمْ عَنْها.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّما أنْتَ مُنْذِرُ مَن يَخْشاها﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
صفحة ٤٩
المَسْألَةُ الأُولى: مَعْنى الآيَةِ أنَّكَ إنَّما بُعِثْتَ لِلْإنْذارِ، وهَذا المَعْنى لا يَتَوَقَّفُ عَلى عِلْمِكَ بِوَقْتِ قِيامِ القِيامَةِ، بَلْ لَوْ أنْصَفْنا لَقُلْنا بِأنَّ الإنْذارَ والتَّخْوِيفَ إنَّما يَتِمّانِ إذا لَمْ يَكُنِ العِلْمُ بِوَقْتِ قِيامِ القِيامَةِ حاصِلًا.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ -عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- مُنْذِرٌ لِلْكُلِّ إلّا أنَّهُ خُصَّ بِمَن يَخْشى، لِأنَّهُ الَّذِي يَنْتَفِعُ بِذَلِكَ الإنْذارِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قُرِئَ مُنْذِرٌ بِالتَّنْوِينِ وهو الأصْلُ، قالَ الزَّجّاجُ: مُفْعِلٌ وفاعِلٌ إذا كانَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما لِما يُسْتَقْبَلُ أوْ لِلْحالِ يُنَوَّنُ، لِأنَّهُ يَكُونُ بَدَلًا مِنَ الفِعْلِ، والفِعْلُ لا يَكُونُ إلّا نَكِرَةً ويَجُوزُ حَذْفُ التَّنْوِينِ لِأجْلِ التَّخْفِيفِ، وكِلاهُما يَصْلُحُ لِلْحالِ والِاسْتِقْبالِ، فَإذا أُرِيدَ الماضِي فَلا يَجُوزُ إلّا الإضافَةُ كَقَوْلِهِ هو مُنْذِرُ زَيْدٍ أمْسِ.
النازعات 79:46
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿كَأنَّهم يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إلّا عَشِيَّةً أوْ ضُحاها﴾ وتَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَدْ مَضى ذِكْرُهُ في قَوْلِهِ: ﴿كَأنَّهم يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إلّا ساعَةً مِن نَهارٍ﴾ [الأحْقافِ: ٣٥] والمَعْنى أنَّ ما أنْكَرُوهُ سَيَرَوْنَهُ حَتّى كَأنَّهم أبَدًا فِيهِ وكَأنَّهم لَمْ يَلْبَثُوا في الدُّنْيا إلّا ساعَةً مِن نَهارٍ ثُمَّ مَضَتْ. (فَإنْ قِيلَ): قَوْلُهُ: (أوْ ضُحاها) مَعْناهُ ضُحى العَشِيَّةِ وهَذا غَيْرُ مَعْقُولٍ لِأنَّهُ لَيْسَ لِلْعَشِيَّةِ ضُحًى. (قُلْنا): الجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: قالَ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: الهاءُ والألِفُ صِلَةٌ لِلْكَلامِ، يُرِيدُ لَمْ يَلْبَثُوا إلّا عَشِيَّةً أوْ ضُحًى.
وثانِيها: قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: المُرادُ بِإضافَةِ الضُّحى إلى العَشِيَّةِ إضافَتُها إلى يَوْمِ العَشِيَّةِ كَأنَّهُ قِيلَ: إلّا عَشِيَّةَ أوْ ضُحى يَوْمِها، والعَرَبُ تَقُولُ: آتِيكَ العَشِيَّةَ أوْ غَداتَها عَلى ما ذَكَرْنا.
وثالِثُها: أنَّ النَّحْوِيِّينَ قالُوا: يَكْفِي في حُسْنِ الإضافَةِ أدْنى سَبَبٍ، فالضُّحى المُتَقَدِّمُ عَلى عَشِيَّةٍ يَصِحُّ أنْ يُقالَ إنَّهُ ضُحى تِلْكَ العَشِيَّةِ، وزَمانُ المِحْنَةِ قَدْ يُعَبَّرُ عَنْهُ بِالعَشِيَّةِ وزَمانُ الرّاحَةِ قَدْ يُعَبَّرُ عَنْهُ بِالضُّحى، فالَّذِينَ يُحْضَرُونَ في مَوْقِفِ القِيامَةِ يُعَبِّرُونَ عَنْ زَمانِ مِحْنَتِهِمْ بِالعَشِيَّةِ وعَنْ زَمانِ راحَتِهِمْ بِضُحى تِلْكَ العَشِيَّةِ فَيَقُولُونَ: كَأنَّ عُمْرَنا في الدُّنْيا ما كانَ إلّا هاتَيْنِ السّاعَتَيْنِ، واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ، وصَلّى اللَّهُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ وعَلى آلِهِ وصَحْبِهِ وسَلَّمَ.
عبس 80:1
صفحة ٥٠
(سُورَةُ عَبَسَ)
وهِيَ أرْبَعُونَ وآيَتانِ مَكِّيَّةٌ
﷽
﴿عَبَسَ وتَوَلّى﴾ ﴿أنْ جاءَهُ الأعْمى﴾
﷽
﴿عَبَسَ وتَوَلّى﴾ ﴿أنْ جاءَهُ الأعْمى﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: «أتى رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ - وأُمُّ مَكْتُومٍ أُمُّ أبِيهِ واسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شُرَيْحِ بْنِ مالِكِ بْنِ رَبِيعَةَ الفِهْرِيُّ مِن بَنِي عامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ - وعِنْدَهُ صَنادِيدُ قُرَيْشٍ: عُتْبَةُ وشَيْبَةُ ابْنا رَبِيعَةَ وأبُو جَهْلِ بْنُ هِشامٍ، والعَبّاسُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وأُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، والوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ يَدْعُوهم إلى الإسْلامِ، رَجاءَ أنْ يُسْلِمَ بِإسْلامِهِمْ غَيْرُهُمْ، فَقالَ لِلنَّبِيِّ -ﷺ-: أقْرِئْنِي وعَلِّمْنِي مِمّا عَلَّمَكَ اللَّهُ، وكَرَّرَ ذَلِكَ، فَكَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- قَطْعَهُ لِكَلامِهِ، وعَبَسَ وأعْرَضَ عَنْهُ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُكْرِمُهُ، ويَقُولُ إذا رَآهُ: ”مَرْحَبًا بِمَن عاتَبَنِي فِيهِ رَبِّي“ ويَقُولُ: هَلْ لَكَ مِن حاجَةٍ، واسْتَخْلَفَهُ عَلى المَدِينَةِ مَرَّتَيْنِ»، وفي المَوْضِعِ سُؤالاتٌ:
الأوَّلُ: أنَّ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ كانَ يَسْتَحِقُّ التَّأْدِيبَ والزَّجْرَ، فَكَيْفَ عاتَبَ اللَّهُ رَسُولَهُ عَلى أنْ أدَّبَ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ وزَجَرَهُ؟ وإنَّما قُلْنا: إنَّهُ كانَ يَسْتَحِقُّ التَّأْدِيبَ لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ وإنْ كانَ لِفَقْدِ بَصَرِهِ لا يَرى القَوْمَ، لَكِنَّهُ لِصِحَّةِ سَمْعِهِ كانَ يَسْمَعُ مُخاطَبَةَ الرَّسُولِ -ﷺ- أُولَئِكَ الكُفّارَ، وكانَ يَسْمَعُ أصْواتَهم أيْضًا، وكانَ يَعْرِفُ بِواسِطَةِ اسْتِماعِ تِلْكَ الكَلِماتِ شِدَّةَ اهْتِمامِ النَّبِيِّ -ﷺ- بِشَأْنِهِمْ، فَكانَ إقْدامُهُ عَلى قَطْعِ كَلامِ النَّبِيِّ -ﷺ- وإلْقاءِ غَرَضِ نَفْسِهِ في البَيْنِ قَبْلَ تَمامِ غَرَضِ النَّبِيِّ إيذاءً لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وذَلِكَ مَعْصِيَةٌ عَظِيمَةٌ.
وثانِيها: أنَّ الأهَمَّ مُقَدَّمٌ عَلى المُهِمِّ، وهو كانَ قَدْ أسْلَمَ وتَعَلَّمَ ما كانَ يَحْتاجُ إلَيْهِ مِن أمْرِ الدِّينِ، أمّا أُولَئِكَ الكُفّارُ فَما كانُوا قَدْ أسْلَمُوا، وهو إسْلامُهم سَبَبًا لِإسْلامِ جَمْعٍ عَظِيمٍ، فَإلْقاءُ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ ذَلِكَ الكَلامَ في البَيْنِ كالسَّبَبِ في قَطْعِ ذَلِكَ الخَيْرِ العَظِيمِ، لِغَرَضٍ قَلِيلٍ وذَلِكَ مُحَرَّمٌ.
وثالِثُها: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِن وراءِ الحُجُراتِ أكْثَرُهم لا يَعْقِلُونَ﴾ [الحُجُراتِ: ٤] فَنَهاهم عَنْ مُجَرَّدِ النِّداءِ إلّا في الوَقْتِ، فَهاهُنا هَذا
صفحة ٥١
النِّداءُ الَّذِي صارَ كالصّارِفِ لِلْكُفّارِ عَنْ قَبُولِ الإيمانِ وكالقاطِعِ عَلى الرَّسُولِ أعْظَمَ مُهِمّاتِهِ، أوْلى أنْ يَكُونَ ذَنْبًا ومَعْصِيَةً، فَثَبَتَ بِهَذا أنَّ الَّذِي فَعَلَهُ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ كانَ ذَنْبًا ومَعْصِيَةً، وأنَّ الَّذِي فَعَلَهُ الرَّسُولُ كانَ هو الواجِبُ، وعِنْدَ هَذا يَتَوَجَّهُ السُّؤالُ في أنَّهُ كَيْفَ عاتَبَهُ اللَّهُ تَعالى عَلى ذَلِكَ الفِعْلِ؟
السُّؤالُ الثّانِي: أنَّهُ تَعالى لَمّا عاتَبَهُ عَلى مُجَرَّدِ أنَّهُ عَبَسَ في وجْهِهِ، كانَ تَعْظِيمًا عَظِيمًا مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَكَيْفَ يَلِيقُ بِمِثْلِ هَذا التَّعْظِيمِ أنْ يَذْكُرَهُ بِاسْمِ الأعْمى مَعَ أنَّ ذِكْرَ الإنْسانِ بِهَذا الوَصْفِ يَقْتَضِي تَحْقِيرَ شَأْنِهِ جِدًّا؟
السُّؤالُ الثّالِثُ: الظّاهِرُ أنَّهُ -عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- كانَ مَأْذُونًا في أنْ يُعامِلَ أصْحابَهُ عَلى حَسَبِ ما يَراهُ مَصْلَحَةً، وأنَّهُ -عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- كَثِيرًا ما كانَ يُؤَدِّبُ أصْحابَهُ ويَزْجُرُهم عَنْ أشْياءَ، وكَيْفَ لا يَكُونُ كَذَلِكَ وهو -عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- إنَّما بُعِثَ لِيُؤَدِّبَهم ولِيُعَلِّمَهم مَحاسِنَ الآدابِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ ذَلِكَ التَّعْبِيسُ داخِلًا في إذْنِ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ في تَأْدِيبِ أصْحابِهِ، وإذا كانَ ذَلِكَ مَأْذُونًا فِيهِ، فَكَيْفَ وقَعَتِ المُعاتَبَةُ عَلَيْهِ؟ فَهَذا جُمْلَةُ ما يَتَعَلَّقُ بِهَذا المَوْضِعِ مِنَ الإشْكالاتِ.
والجَوابُ عَنِ السُّؤالِ الأوَّلِ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ الأمْرَ وإنْ كانَ عَلى ما ذَكَرْتُمْ إلّا أنَّ ظاهِرَ الواقِعَةِ يُوهِمُ تَقْدِيمَ الأغْنِياءِ عَلى الفُقَراءِ وانْكِسارَ قُلُوبِ الفُقَراءِ؛ فَلِهَذا السَّبَبِ حَصَلَتِ المُعاتَبَةُ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: (﴿ولا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ﴾ [الأنْعامِ: ٥٢] . الوَجْهُ الثّانِي: لَعَلَّ هَذا العِتابَ لَمْ يَقَعْ عَلى ما صَدَرَ مِنَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ الفِعْلِ الظّاهِرِ، بَلْ عَلى ما كانَ مِنهُ في قَلْبِهِ، وهو أنَّ قَلْبَهُ -عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- كانَ قَدْ مالَ إلَيْهِمْ بِسَبَبِ قَرابَتِهِمْ وشَرَفِهِمْ وعُلُوِّ مَنصِبِهِمْ، وكانَ يَنْفِرُ طَبْعُهُ عَنِ الأعْمى بِسَبَبِ عَماهُ وعَدَمِ قَرابَتِهِ وقِلَّةِ شَرَفِهِ، فَلَمّا وقَعَ التَّعْبِيسُ والتَّوَلِّي لِهَذِهِ الدّاعِيَةِ وقَعَتِ المُعاتَبَةُ، لا عَلى التَّأْدِيبِ بَلْ عَلى التَّأْدِيبِ لِأجْلِ هَذِهِ الدّاعِيَةِ. والجَوابُ عَنِ السُّؤالِ الثّانِي أنَّ ذِكْرَهُ بِلَفْظِ الأعْمى لَيْسَ لِتَحْقِيرِ شَأْنِهِ، بَلْ كَأنَّهُ قِيلَ إنَّهُ بِسَبَبِ عَماهُ اسْتَحَقَّ مَزِيدَ الرِّفْقِ والرَّأْفَةِ، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِكَ يا مُحَمَّدُ أنْ تَخُصَّهُ بِالغِلْظَةِ. والجَوابُ عَنِ السُّؤالِ الثّالِثِ أنَّهُ كانَ مَأْذُونًا في تَأْدِيبِ أصْحابِهِ لَكِنْ هاهُنا لَمّا أُوهِمَ تَقْدِيمُ الأغْنِياءِ عَلى الفُقَراءِ، وكانَ ذَلِكَ مِمّا يُوهِمُ تَرْجِيحَ الدُّنْيا عَلى الدِّينِ، فَلِهَذا السَّبَبِ جاءَتْ هَذِهِ المُعاتَبَةُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: القائِلُونَ بِصُدُورِ الذَّنْبِ عَنِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ تَمَسَّكُوا بِهَذِهِ الآيَةِ وقالُوا لَمّا عاتَبَهُ اللَّهُ في ذَلِكَ الفِعْلِ، دَلَّ عَلى أنَّ ذَلِكَ الفِعْلَ كانَ مَعْصِيَةً، وهَذا بَعِيدٌ فَإنّا قَدْ بَيَّنّا أنَّ ذَلِكَ كانَ هو الواجِبُ المُتَعَيَّنُ لا بِحَسَبِ هَذا الِاعْتِبارِ الواحِدِ، وهو أنَّهُ يُوهِمُ تَقْدِيمَ الأغْنِياءِ عَلى الفُقَراءِ، وذَلِكَ غَيْرُ لائِقٍ بِصَلابَةِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وإذا كانَ كَذَلِكَ، كانَ ذَلِكَ جارِيًا مَجْرى تَرْكِ الِاحْتِياطِ، وتَرْكِ الأفْضَلِ، فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ ذَنْبًا البَتَّةَ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أجْمَعَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ الَّذِي عَبَسَ وتَوَلّى، هو الرَّسُولُ -عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ-، وأجْمَعُوا [ عَلى ] أنَّ الأعْمى هو ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ، وقُرِئَ عَبَّسَ بِالتَّشْدِيدِ لِلْمُبالَغَةِ ونَحْوُهُ كَلَّحَ في كَلَحَ، أنْ جاءَهُ مَنصُوبٌ بِتَوَلّى أوْ بِعَبَسَ عَلى اخْتِلافِ المَذْهَبَيْنِ في إعْمالِ الأقْرَبِ أوِ الأبْعَدِ ومَعْناهُ: عَبَسَ لِأنْ جاءَهُ الأعْمى، وأعْرَضَ لِذَلِكَ، وقُرِئَ أنْ جاءَهُ بِهَمْزَتَيْنِ وبِألِفٍ بَيْنَهُما، وُقِفَ عَلى ﴿عَبَسَ وتَوَلّى﴾ ثُمَّ ابْتُدِأ عَلى مَعْنى ألِأنْ جاءَهُ الأعْمى، والمُرادُ مِنهُ الإنْكارُ عَلَيْهِ. واعْلَمْ أنَّ في الإخْبارِ عَمّا فَرَطَ مِن رَسُولِ اللَّهِ ثُمَّ الإقْبالِ عَلَيْهِ
صفحة ٥٢
بِالخِطابِ دَلِيلٌ عَلى زِيادَةِ الإنْكارِ، كَمَن يَشْكُو إلى النّاسِ جانِيًا جَنى عَلَيْهِ، ثُمَّ يُقْبِلُ عَلى الجانِي إذا حَمِيَ في الشِّكايَةِ مُواجِهًا بِالتَّوْبِيخِ وإلْزامِ الحُجَّةِ.
عبس 80:2
صفحة ٥٠
(سُورَةُ عَبَسَ)
وهِيَ أرْبَعُونَ وآيَتانِ مَكِّيَّةٌ
﷽
﴿عَبَسَ وتَوَلّى﴾ ﴿أنْ جاءَهُ الأعْمى﴾
﷽
﴿عَبَسَ وتَوَلّى﴾ ﴿أنْ جاءَهُ الأعْمى﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: «أتى رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ - وأُمُّ مَكْتُومٍ أُمُّ أبِيهِ واسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شُرَيْحِ بْنِ مالِكِ بْنِ رَبِيعَةَ الفِهْرِيُّ مِن بَنِي عامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ - وعِنْدَهُ صَنادِيدُ قُرَيْشٍ: عُتْبَةُ وشَيْبَةُ ابْنا رَبِيعَةَ وأبُو جَهْلِ بْنُ هِشامٍ، والعَبّاسُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وأُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، والوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ يَدْعُوهم إلى الإسْلامِ، رَجاءَ أنْ يُسْلِمَ بِإسْلامِهِمْ غَيْرُهُمْ، فَقالَ لِلنَّبِيِّ -ﷺ-: أقْرِئْنِي وعَلِّمْنِي مِمّا عَلَّمَكَ اللَّهُ، وكَرَّرَ ذَلِكَ، فَكَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- قَطْعَهُ لِكَلامِهِ، وعَبَسَ وأعْرَضَ عَنْهُ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُكْرِمُهُ، ويَقُولُ إذا رَآهُ: ”مَرْحَبًا بِمَن عاتَبَنِي فِيهِ رَبِّي“ ويَقُولُ: هَلْ لَكَ مِن حاجَةٍ، واسْتَخْلَفَهُ عَلى المَدِينَةِ مَرَّتَيْنِ»، وفي المَوْضِعِ سُؤالاتٌ:
الأوَّلُ: أنَّ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ كانَ يَسْتَحِقُّ التَّأْدِيبَ والزَّجْرَ، فَكَيْفَ عاتَبَ اللَّهُ رَسُولَهُ عَلى أنْ أدَّبَ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ وزَجَرَهُ؟ وإنَّما قُلْنا: إنَّهُ كانَ يَسْتَحِقُّ التَّأْدِيبَ لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ وإنْ كانَ لِفَقْدِ بَصَرِهِ لا يَرى القَوْمَ، لَكِنَّهُ لِصِحَّةِ سَمْعِهِ كانَ يَسْمَعُ مُخاطَبَةَ الرَّسُولِ -ﷺ- أُولَئِكَ الكُفّارَ، وكانَ يَسْمَعُ أصْواتَهم أيْضًا، وكانَ يَعْرِفُ بِواسِطَةِ اسْتِماعِ تِلْكَ الكَلِماتِ شِدَّةَ اهْتِمامِ النَّبِيِّ -ﷺ- بِشَأْنِهِمْ، فَكانَ إقْدامُهُ عَلى قَطْعِ كَلامِ النَّبِيِّ -ﷺ- وإلْقاءِ غَرَضِ نَفْسِهِ في البَيْنِ قَبْلَ تَمامِ غَرَضِ النَّبِيِّ إيذاءً لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وذَلِكَ مَعْصِيَةٌ عَظِيمَةٌ.
وثانِيها: أنَّ الأهَمَّ مُقَدَّمٌ عَلى المُهِمِّ، وهو كانَ قَدْ أسْلَمَ وتَعَلَّمَ ما كانَ يَحْتاجُ إلَيْهِ مِن أمْرِ الدِّينِ، أمّا أُولَئِكَ الكُفّارُ فَما كانُوا قَدْ أسْلَمُوا، وهو إسْلامُهم سَبَبًا لِإسْلامِ جَمْعٍ عَظِيمٍ، فَإلْقاءُ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ ذَلِكَ الكَلامَ في البَيْنِ كالسَّبَبِ في قَطْعِ ذَلِكَ الخَيْرِ العَظِيمِ، لِغَرَضٍ قَلِيلٍ وذَلِكَ مُحَرَّمٌ.
وثالِثُها: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِن وراءِ الحُجُراتِ أكْثَرُهم لا يَعْقِلُونَ﴾ [الحُجُراتِ: ٤] فَنَهاهم عَنْ مُجَرَّدِ النِّداءِ إلّا في الوَقْتِ، فَهاهُنا هَذا
صفحة ٥١
النِّداءُ الَّذِي صارَ كالصّارِفِ لِلْكُفّارِ عَنْ قَبُولِ الإيمانِ وكالقاطِعِ عَلى الرَّسُولِ أعْظَمَ مُهِمّاتِهِ، أوْلى أنْ يَكُونَ ذَنْبًا ومَعْصِيَةً، فَثَبَتَ بِهَذا أنَّ الَّذِي فَعَلَهُ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ كانَ ذَنْبًا ومَعْصِيَةً، وأنَّ الَّذِي فَعَلَهُ الرَّسُولُ كانَ هو الواجِبُ، وعِنْدَ هَذا يَتَوَجَّهُ السُّؤالُ في أنَّهُ كَيْفَ عاتَبَهُ اللَّهُ تَعالى عَلى ذَلِكَ الفِعْلِ؟
السُّؤالُ الثّانِي: أنَّهُ تَعالى لَمّا عاتَبَهُ عَلى مُجَرَّدِ أنَّهُ عَبَسَ في وجْهِهِ، كانَ تَعْظِيمًا عَظِيمًا مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَكَيْفَ يَلِيقُ بِمِثْلِ هَذا التَّعْظِيمِ أنْ يَذْكُرَهُ بِاسْمِ الأعْمى مَعَ أنَّ ذِكْرَ الإنْسانِ بِهَذا الوَصْفِ يَقْتَضِي تَحْقِيرَ شَأْنِهِ جِدًّا؟
السُّؤالُ الثّالِثُ: الظّاهِرُ أنَّهُ -عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- كانَ مَأْذُونًا في أنْ يُعامِلَ أصْحابَهُ عَلى حَسَبِ ما يَراهُ مَصْلَحَةً، وأنَّهُ -عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- كَثِيرًا ما كانَ يُؤَدِّبُ أصْحابَهُ ويَزْجُرُهم عَنْ أشْياءَ، وكَيْفَ لا يَكُونُ كَذَلِكَ وهو -عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- إنَّما بُعِثَ لِيُؤَدِّبَهم ولِيُعَلِّمَهم مَحاسِنَ الآدابِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ ذَلِكَ التَّعْبِيسُ داخِلًا في إذْنِ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ في تَأْدِيبِ أصْحابِهِ، وإذا كانَ ذَلِكَ مَأْذُونًا فِيهِ، فَكَيْفَ وقَعَتِ المُعاتَبَةُ عَلَيْهِ؟ فَهَذا جُمْلَةُ ما يَتَعَلَّقُ بِهَذا المَوْضِعِ مِنَ الإشْكالاتِ.
والجَوابُ عَنِ السُّؤالِ الأوَّلِ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ الأمْرَ وإنْ كانَ عَلى ما ذَكَرْتُمْ إلّا أنَّ ظاهِرَ الواقِعَةِ يُوهِمُ تَقْدِيمَ الأغْنِياءِ عَلى الفُقَراءِ وانْكِسارَ قُلُوبِ الفُقَراءِ؛ فَلِهَذا السَّبَبِ حَصَلَتِ المُعاتَبَةُ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: (﴿ولا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ﴾ [الأنْعامِ: ٥٢] . الوَجْهُ الثّانِي: لَعَلَّ هَذا العِتابَ لَمْ يَقَعْ عَلى ما صَدَرَ مِنَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ الفِعْلِ الظّاهِرِ، بَلْ عَلى ما كانَ مِنهُ في قَلْبِهِ، وهو أنَّ قَلْبَهُ -عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- كانَ قَدْ مالَ إلَيْهِمْ بِسَبَبِ قَرابَتِهِمْ وشَرَفِهِمْ وعُلُوِّ مَنصِبِهِمْ، وكانَ يَنْفِرُ طَبْعُهُ عَنِ الأعْمى بِسَبَبِ عَماهُ وعَدَمِ قَرابَتِهِ وقِلَّةِ شَرَفِهِ، فَلَمّا وقَعَ التَّعْبِيسُ والتَّوَلِّي لِهَذِهِ الدّاعِيَةِ وقَعَتِ المُعاتَبَةُ، لا عَلى التَّأْدِيبِ بَلْ عَلى التَّأْدِيبِ لِأجْلِ هَذِهِ الدّاعِيَةِ. والجَوابُ عَنِ السُّؤالِ الثّانِي أنَّ ذِكْرَهُ بِلَفْظِ الأعْمى لَيْسَ لِتَحْقِيرِ شَأْنِهِ، بَلْ كَأنَّهُ قِيلَ إنَّهُ بِسَبَبِ عَماهُ اسْتَحَقَّ مَزِيدَ الرِّفْقِ والرَّأْفَةِ، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِكَ يا مُحَمَّدُ أنْ تَخُصَّهُ بِالغِلْظَةِ. والجَوابُ عَنِ السُّؤالِ الثّالِثِ أنَّهُ كانَ مَأْذُونًا في تَأْدِيبِ أصْحابِهِ لَكِنْ هاهُنا لَمّا أُوهِمَ تَقْدِيمُ الأغْنِياءِ عَلى الفُقَراءِ، وكانَ ذَلِكَ مِمّا يُوهِمُ تَرْجِيحَ الدُّنْيا عَلى الدِّينِ، فَلِهَذا السَّبَبِ جاءَتْ هَذِهِ المُعاتَبَةُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: القائِلُونَ بِصُدُورِ الذَّنْبِ عَنِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ تَمَسَّكُوا بِهَذِهِ الآيَةِ وقالُوا لَمّا عاتَبَهُ اللَّهُ في ذَلِكَ الفِعْلِ، دَلَّ عَلى أنَّ ذَلِكَ الفِعْلَ كانَ مَعْصِيَةً، وهَذا بَعِيدٌ فَإنّا قَدْ بَيَّنّا أنَّ ذَلِكَ كانَ هو الواجِبُ المُتَعَيَّنُ لا بِحَسَبِ هَذا الِاعْتِبارِ الواحِدِ، وهو أنَّهُ يُوهِمُ تَقْدِيمَ الأغْنِياءِ عَلى الفُقَراءِ، وذَلِكَ غَيْرُ لائِقٍ بِصَلابَةِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وإذا كانَ كَذَلِكَ، كانَ ذَلِكَ جارِيًا مَجْرى تَرْكِ الِاحْتِياطِ، وتَرْكِ الأفْضَلِ، فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ ذَنْبًا البَتَّةَ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أجْمَعَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ الَّذِي عَبَسَ وتَوَلّى، هو الرَّسُولُ -عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ-، وأجْمَعُوا [ عَلى ] أنَّ الأعْمى هو ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ، وقُرِئَ عَبَّسَ بِالتَّشْدِيدِ لِلْمُبالَغَةِ ونَحْوُهُ كَلَّحَ في كَلَحَ، أنْ جاءَهُ مَنصُوبٌ بِتَوَلّى أوْ بِعَبَسَ عَلى اخْتِلافِ المَذْهَبَيْنِ في إعْمالِ الأقْرَبِ أوِ الأبْعَدِ ومَعْناهُ: عَبَسَ لِأنْ جاءَهُ الأعْمى، وأعْرَضَ لِذَلِكَ، وقُرِئَ أنْ جاءَهُ بِهَمْزَتَيْنِ وبِألِفٍ بَيْنَهُما، وُقِفَ عَلى ﴿عَبَسَ وتَوَلّى﴾ ثُمَّ ابْتُدِأ عَلى مَعْنى ألِأنْ جاءَهُ الأعْمى، والمُرادُ مِنهُ الإنْكارُ عَلَيْهِ. واعْلَمْ أنَّ في الإخْبارِ عَمّا فَرَطَ مِن رَسُولِ اللَّهِ ثُمَّ الإقْبالِ عَلَيْهِ
صفحة ٥٢
بِالخِطابِ دَلِيلٌ عَلى زِيادَةِ الإنْكارِ، كَمَن يَشْكُو إلى النّاسِ جانِيًا جَنى عَلَيْهِ، ثُمَّ يُقْبِلُ عَلى الجانِي إذا حَمِيَ في الشِّكايَةِ مُواجِهًا بِالتَّوْبِيخِ وإلْزامِ الحُجَّةِ.
عبس 80:3
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكّى﴾ ﴿أوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى﴾ فِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أيُّ شَيْءٍ يَجْعَلُكَ دارِيًا بِحالِ هَذا الأعْمى لَعَلَّهُ يَتَطَهَّرُ بِما يَتَلَقَّنُ مِنكَ، مِنَ الجَهْلِ أوِ الإثْمِ، أوْ يَتَّعِظُ فَتَنْفَعَهُ ذِكْراكَ أيْ مَوْعِظَتُكَ، فَتَكُونَ لَهُ لُطْفًا في بَعْضِ الطّاعاتِ، وبِالجُمْلَةِ فَلَعَلَّ ذَلِكَ العِلْمَ الَّذِي يَتَلَقَّفُهُ عَنْكَ يُطَهِّرُهُ عَنْ بَعْضِ ما لا يَنْبَغِي، وهو الجَهْلُ والمَعْصِيَةُ، أوْ يَشْغَلُهُ بِبَعْضِ ما يَنْبَغِي وهو الطّاعَةُ. الثّانِي: أنَّ الضَّمِيرَ في لَعَلَّهُ لِلْكافِرِ، بِمَعْنى أنْتَ طَمِعْتَ في أنْ يَزَّكّى الكافِرُ بِالإسْلامِ أوْ يَذَّكَّرَ فَتُقَرِّبَهُ الذِّكْرى إلى قَبُولِ الحَقِّ ﴿وما يُدْرِيكَ﴾ أنَّ ما طَمِعْتَ فِيهِ كائِنٌ، وقُرِئَ ”فَتَنْفَعُهُ“ بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلى ”يَذَّكَّرُ“، وبِالنَّصْبِ جَوابًا لِلَعَلَّ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَأطَّلِعَ إلى إلَهِ مُوسى﴾ [غافِرٍ: ٣٧] وقَدْ مَرَّ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿أمّا مَنِ اسْتَغْنى﴾ قالَ عَطاءٌ: يُرِيدُ عَنِ الإيمانِ، وقالَ الكَلْبِيُّ: اسْتَغْنى عَنِ اللَّهِ، وقالَ بَعْضُهم: اسْتَغْنى أثْرى؛ وهو فاسِدٌ هاهُنا، لِأنَّ إقْبالَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمْ يَكُنْ لِثَرْوَتِهِمْ ومالِهِمْ حَتّى يُقالَ لَهُ أمّا مَن أثْرى، فَأنْتَ تُقْبِلُ عَلَيْهِ، ولِأنَّهُ قالَ: ﴿وأمّا مَن جاءَكَ يَسْعى﴾ ﴿وهُوَ يَخْشى﴾ ولَمْ يَقُلْ وهو فَقِيرٌ عَدِمٌ، ومَن قالَ: أمّا مَنِ اسْتَغْنى بِمالِهِ فَهو صَحِيحٌ، لِأنَّ المَعْنى أنَّهُ اسْتَغْنى عَنِ الإيمانِ والقُرْآنِ بِما لَهُ مِنَ المالِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأنْتَ لَهُ تَصَدّى﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ أنْتَ تُقْبِلُ عَلَيْهِ وتَتَعَرَّضُ لَهُ وتَمِيلُ إلَيْهِ، يُقالُ تَصَدّى فُلانٌ لِفُلانٍ، يَتَصَدّى إذا تَعَرَّضَ لَهُ، والأصْلُ فِيهِ تَصَدَّدَ يَتَصَدّى مِنَ الصَّدَدِ، وهو ما اسْتَقْبَلَكَ وصارَ قُبالَتَكَ، وقَدْ ذَكَرْنا مِثْلَ هَذا في قَوْلِهِ: ﴿إلّا مُكاءً وتَصْدِيَةً﴾ [الأنْفالِ: ٣٥] وقُرِئَ (تَصَّدّى) بِالتَّشْدِيدِ بِإدْغامِ التّاءِ في الصّادِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: تُصْدِي، بِضَمِّ التّاءِ، أيْ تُعْرِضُ، ومَعْناهُ يَدْعُوكَ داعٍ إلى التَّصَدِّي لَهُ مِنَ الحِرْصِ، والتَّهالُكِ عَلى إسْلامِهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما عَلَيْكَ ألّا يَزَّكّى﴾ المَعْنى لا شَيْءَ عَلَيْكَ في أنْ لا يُسْلِمَ مَن تَدْعُوهُ إلى الإسْلامِ، فَإنَّهُ لَيْسَ عَلَيْكَ إلّا البَلاغُ، أيْ لا يَبْلُغَنَّ بِكَ الحِرْصُ عَلى إسْلامِهِمْ إلى أنْ تُعْرِضَ عَمَّنْ أسْلَمَ لِلِاشْتِغالِ بِدَعْوَتِهِمْ.
عبس 80:4
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكّى﴾ ﴿أوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى﴾ فِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أيُّ شَيْءٍ يَجْعَلُكَ دارِيًا بِحالِ هَذا الأعْمى لَعَلَّهُ يَتَطَهَّرُ بِما يَتَلَقَّنُ مِنكَ، مِنَ الجَهْلِ أوِ الإثْمِ، أوْ يَتَّعِظُ فَتَنْفَعَهُ ذِكْراكَ أيْ مَوْعِظَتُكَ، فَتَكُونَ لَهُ لُطْفًا في بَعْضِ الطّاعاتِ، وبِالجُمْلَةِ فَلَعَلَّ ذَلِكَ العِلْمَ الَّذِي يَتَلَقَّفُهُ عَنْكَ يُطَهِّرُهُ عَنْ بَعْضِ ما لا يَنْبَغِي، وهو الجَهْلُ والمَعْصِيَةُ، أوْ يَشْغَلُهُ بِبَعْضِ ما يَنْبَغِي وهو الطّاعَةُ. الثّانِي: أنَّ الضَّمِيرَ في لَعَلَّهُ لِلْكافِرِ، بِمَعْنى أنْتَ طَمِعْتَ في أنْ يَزَّكّى الكافِرُ بِالإسْلامِ أوْ يَذَّكَّرَ فَتُقَرِّبَهُ الذِّكْرى إلى قَبُولِ الحَقِّ ﴿وما يُدْرِيكَ﴾ أنَّ ما طَمِعْتَ فِيهِ كائِنٌ، وقُرِئَ ”فَتَنْفَعُهُ“ بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلى ”يَذَّكَّرُ“، وبِالنَّصْبِ جَوابًا لِلَعَلَّ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَأطَّلِعَ إلى إلَهِ مُوسى﴾ [غافِرٍ: ٣٧] وقَدْ مَرَّ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿أمّا مَنِ اسْتَغْنى﴾ قالَ عَطاءٌ: يُرِيدُ عَنِ الإيمانِ، وقالَ الكَلْبِيُّ: اسْتَغْنى عَنِ اللَّهِ، وقالَ بَعْضُهم: اسْتَغْنى أثْرى؛ وهو فاسِدٌ هاهُنا، لِأنَّ إقْبالَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمْ يَكُنْ لِثَرْوَتِهِمْ ومالِهِمْ حَتّى يُقالَ لَهُ أمّا مَن أثْرى، فَأنْتَ تُقْبِلُ عَلَيْهِ، ولِأنَّهُ قالَ: ﴿وأمّا مَن جاءَكَ يَسْعى﴾ ﴿وهُوَ يَخْشى﴾ ولَمْ يَقُلْ وهو فَقِيرٌ عَدِمٌ، ومَن قالَ: أمّا مَنِ اسْتَغْنى بِمالِهِ فَهو صَحِيحٌ، لِأنَّ المَعْنى أنَّهُ اسْتَغْنى عَنِ الإيمانِ والقُرْآنِ بِما لَهُ مِنَ المالِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأنْتَ لَهُ تَصَدّى﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ أنْتَ تُقْبِلُ عَلَيْهِ وتَتَعَرَّضُ لَهُ وتَمِيلُ إلَيْهِ، يُقالُ تَصَدّى فُلانٌ لِفُلانٍ، يَتَصَدّى إذا تَعَرَّضَ لَهُ، والأصْلُ فِيهِ تَصَدَّدَ يَتَصَدّى مِنَ الصَّدَدِ، وهو ما اسْتَقْبَلَكَ وصارَ قُبالَتَكَ، وقَدْ ذَكَرْنا مِثْلَ هَذا في قَوْلِهِ: ﴿إلّا مُكاءً وتَصْدِيَةً﴾ [الأنْفالِ: ٣٥] وقُرِئَ (تَصَّدّى) بِالتَّشْدِيدِ بِإدْغامِ التّاءِ في الصّادِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: تُصْدِي، بِضَمِّ التّاءِ، أيْ تُعْرِضُ، ومَعْناهُ يَدْعُوكَ داعٍ إلى التَّصَدِّي لَهُ مِنَ الحِرْصِ، والتَّهالُكِ عَلى إسْلامِهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما عَلَيْكَ ألّا يَزَّكّى﴾ المَعْنى لا شَيْءَ عَلَيْكَ في أنْ لا يُسْلِمَ مَن تَدْعُوهُ إلى الإسْلامِ، فَإنَّهُ لَيْسَ عَلَيْكَ إلّا البَلاغُ، أيْ لا يَبْلُغَنَّ بِكَ الحِرْصُ عَلى إسْلامِهِمْ إلى أنْ تُعْرِضَ عَمَّنْ أسْلَمَ لِلِاشْتِغالِ بِدَعْوَتِهِمْ.
عبس 80:5
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكّى﴾ ﴿أوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى﴾ فِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أيُّ شَيْءٍ يَجْعَلُكَ دارِيًا بِحالِ هَذا الأعْمى لَعَلَّهُ يَتَطَهَّرُ بِما يَتَلَقَّنُ مِنكَ، مِنَ الجَهْلِ أوِ الإثْمِ، أوْ يَتَّعِظُ فَتَنْفَعَهُ ذِكْراكَ أيْ مَوْعِظَتُكَ، فَتَكُونَ لَهُ لُطْفًا في بَعْضِ الطّاعاتِ، وبِالجُمْلَةِ فَلَعَلَّ ذَلِكَ العِلْمَ الَّذِي يَتَلَقَّفُهُ عَنْكَ يُطَهِّرُهُ عَنْ بَعْضِ ما لا يَنْبَغِي، وهو الجَهْلُ والمَعْصِيَةُ، أوْ يَشْغَلُهُ بِبَعْضِ ما يَنْبَغِي وهو الطّاعَةُ. الثّانِي: أنَّ الضَّمِيرَ في لَعَلَّهُ لِلْكافِرِ، بِمَعْنى أنْتَ طَمِعْتَ في أنْ يَزَّكّى الكافِرُ بِالإسْلامِ أوْ يَذَّكَّرَ فَتُقَرِّبَهُ الذِّكْرى إلى قَبُولِ الحَقِّ ﴿وما يُدْرِيكَ﴾ أنَّ ما طَمِعْتَ فِيهِ كائِنٌ، وقُرِئَ ”فَتَنْفَعُهُ“ بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلى ”يَذَّكَّرُ“، وبِالنَّصْبِ جَوابًا لِلَعَلَّ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَأطَّلِعَ إلى إلَهِ مُوسى﴾ [غافِرٍ: ٣٧] وقَدْ مَرَّ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿أمّا مَنِ اسْتَغْنى﴾ قالَ عَطاءٌ: يُرِيدُ عَنِ الإيمانِ، وقالَ الكَلْبِيُّ: اسْتَغْنى عَنِ اللَّهِ، وقالَ بَعْضُهم: اسْتَغْنى أثْرى؛ وهو فاسِدٌ هاهُنا، لِأنَّ إقْبالَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمْ يَكُنْ لِثَرْوَتِهِمْ ومالِهِمْ حَتّى يُقالَ لَهُ أمّا مَن أثْرى، فَأنْتَ تُقْبِلُ عَلَيْهِ، ولِأنَّهُ قالَ: ﴿وأمّا مَن جاءَكَ يَسْعى﴾ ﴿وهُوَ يَخْشى﴾ ولَمْ يَقُلْ وهو فَقِيرٌ عَدِمٌ، ومَن قالَ: أمّا مَنِ اسْتَغْنى بِمالِهِ فَهو صَحِيحٌ، لِأنَّ المَعْنى أنَّهُ اسْتَغْنى عَنِ الإيمانِ والقُرْآنِ بِما لَهُ مِنَ المالِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأنْتَ لَهُ تَصَدّى﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ أنْتَ تُقْبِلُ عَلَيْهِ وتَتَعَرَّضُ لَهُ وتَمِيلُ إلَيْهِ، يُقالُ تَصَدّى فُلانٌ لِفُلانٍ، يَتَصَدّى إذا تَعَرَّضَ لَهُ، والأصْلُ فِيهِ تَصَدَّدَ يَتَصَدّى مِنَ الصَّدَدِ، وهو ما اسْتَقْبَلَكَ وصارَ قُبالَتَكَ، وقَدْ ذَكَرْنا مِثْلَ هَذا في قَوْلِهِ: ﴿إلّا مُكاءً وتَصْدِيَةً﴾ [الأنْفالِ: ٣٥] وقُرِئَ (تَصَّدّى) بِالتَّشْدِيدِ بِإدْغامِ التّاءِ في الصّادِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: تُصْدِي، بِضَمِّ التّاءِ، أيْ تُعْرِضُ، ومَعْناهُ يَدْعُوكَ داعٍ إلى التَّصَدِّي لَهُ مِنَ الحِرْصِ، والتَّهالُكِ عَلى إسْلامِهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما عَلَيْكَ ألّا يَزَّكّى﴾ المَعْنى لا شَيْءَ عَلَيْكَ في أنْ لا يُسْلِمَ مَن تَدْعُوهُ إلى الإسْلامِ، فَإنَّهُ لَيْسَ عَلَيْكَ إلّا البَلاغُ، أيْ لا يَبْلُغَنَّ بِكَ الحِرْصُ عَلى إسْلامِهِمْ إلى أنْ تُعْرِضَ عَمَّنْ أسْلَمَ لِلِاشْتِغالِ بِدَعْوَتِهِمْ.
عبس 80:6
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكّى﴾ ﴿أوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى﴾ فِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أيُّ شَيْءٍ يَجْعَلُكَ دارِيًا بِحالِ هَذا الأعْمى لَعَلَّهُ يَتَطَهَّرُ بِما يَتَلَقَّنُ مِنكَ، مِنَ الجَهْلِ أوِ الإثْمِ، أوْ يَتَّعِظُ فَتَنْفَعَهُ ذِكْراكَ أيْ مَوْعِظَتُكَ، فَتَكُونَ لَهُ لُطْفًا في بَعْضِ الطّاعاتِ، وبِالجُمْلَةِ فَلَعَلَّ ذَلِكَ العِلْمَ الَّذِي يَتَلَقَّفُهُ عَنْكَ يُطَهِّرُهُ عَنْ بَعْضِ ما لا يَنْبَغِي، وهو الجَهْلُ والمَعْصِيَةُ، أوْ يَشْغَلُهُ بِبَعْضِ ما يَنْبَغِي وهو الطّاعَةُ. الثّانِي: أنَّ الضَّمِيرَ في لَعَلَّهُ لِلْكافِرِ، بِمَعْنى أنْتَ طَمِعْتَ في أنْ يَزَّكّى الكافِرُ بِالإسْلامِ أوْ يَذَّكَّرَ فَتُقَرِّبَهُ الذِّكْرى إلى قَبُولِ الحَقِّ ﴿وما يُدْرِيكَ﴾ أنَّ ما طَمِعْتَ فِيهِ كائِنٌ، وقُرِئَ ”فَتَنْفَعُهُ“ بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلى ”يَذَّكَّرُ“، وبِالنَّصْبِ جَوابًا لِلَعَلَّ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَأطَّلِعَ إلى إلَهِ مُوسى﴾ [غافِرٍ: ٣٧] وقَدْ مَرَّ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿أمّا مَنِ اسْتَغْنى﴾ قالَ عَطاءٌ: يُرِيدُ عَنِ الإيمانِ، وقالَ الكَلْبِيُّ: اسْتَغْنى عَنِ اللَّهِ، وقالَ بَعْضُهم: اسْتَغْنى أثْرى؛ وهو فاسِدٌ هاهُنا، لِأنَّ إقْبالَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمْ يَكُنْ لِثَرْوَتِهِمْ ومالِهِمْ حَتّى يُقالَ لَهُ أمّا مَن أثْرى، فَأنْتَ تُقْبِلُ عَلَيْهِ، ولِأنَّهُ قالَ: ﴿وأمّا مَن جاءَكَ يَسْعى﴾ ﴿وهُوَ يَخْشى﴾ ولَمْ يَقُلْ وهو فَقِيرٌ عَدِمٌ، ومَن قالَ: أمّا مَنِ اسْتَغْنى بِمالِهِ فَهو صَحِيحٌ، لِأنَّ المَعْنى أنَّهُ اسْتَغْنى عَنِ الإيمانِ والقُرْآنِ بِما لَهُ مِنَ المالِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأنْتَ لَهُ تَصَدّى﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ أنْتَ تُقْبِلُ عَلَيْهِ وتَتَعَرَّضُ لَهُ وتَمِيلُ إلَيْهِ، يُقالُ تَصَدّى فُلانٌ لِفُلانٍ، يَتَصَدّى إذا تَعَرَّضَ لَهُ، والأصْلُ فِيهِ تَصَدَّدَ يَتَصَدّى مِنَ الصَّدَدِ، وهو ما اسْتَقْبَلَكَ وصارَ قُبالَتَكَ، وقَدْ ذَكَرْنا مِثْلَ هَذا في قَوْلِهِ: ﴿إلّا مُكاءً وتَصْدِيَةً﴾ [الأنْفالِ: ٣٥] وقُرِئَ (تَصَّدّى) بِالتَّشْدِيدِ بِإدْغامِ التّاءِ في الصّادِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: تُصْدِي، بِضَمِّ التّاءِ، أيْ تُعْرِضُ، ومَعْناهُ يَدْعُوكَ داعٍ إلى التَّصَدِّي لَهُ مِنَ الحِرْصِ، والتَّهالُكِ عَلى إسْلامِهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما عَلَيْكَ ألّا يَزَّكّى﴾ المَعْنى لا شَيْءَ عَلَيْكَ في أنْ لا يُسْلِمَ مَن تَدْعُوهُ إلى الإسْلامِ، فَإنَّهُ لَيْسَ عَلَيْكَ إلّا البَلاغُ، أيْ لا يَبْلُغَنَّ بِكَ الحِرْصُ عَلى إسْلامِهِمْ إلى أنْ تُعْرِضَ عَمَّنْ أسْلَمَ لِلِاشْتِغالِ بِدَعْوَتِهِمْ.
عبس 80:7
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكّى﴾ ﴿أوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى﴾ فِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أيُّ شَيْءٍ يَجْعَلُكَ دارِيًا بِحالِ هَذا الأعْمى لَعَلَّهُ يَتَطَهَّرُ بِما يَتَلَقَّنُ مِنكَ، مِنَ الجَهْلِ أوِ الإثْمِ، أوْ يَتَّعِظُ فَتَنْفَعَهُ ذِكْراكَ أيْ مَوْعِظَتُكَ، فَتَكُونَ لَهُ لُطْفًا في بَعْضِ الطّاعاتِ، وبِالجُمْلَةِ فَلَعَلَّ ذَلِكَ العِلْمَ الَّذِي يَتَلَقَّفُهُ عَنْكَ يُطَهِّرُهُ عَنْ بَعْضِ ما لا يَنْبَغِي، وهو الجَهْلُ والمَعْصِيَةُ، أوْ يَشْغَلُهُ بِبَعْضِ ما يَنْبَغِي وهو الطّاعَةُ. الثّانِي: أنَّ الضَّمِيرَ في لَعَلَّهُ لِلْكافِرِ، بِمَعْنى أنْتَ طَمِعْتَ في أنْ يَزَّكّى الكافِرُ بِالإسْلامِ أوْ يَذَّكَّرَ فَتُقَرِّبَهُ الذِّكْرى إلى قَبُولِ الحَقِّ ﴿وما يُدْرِيكَ﴾ أنَّ ما طَمِعْتَ فِيهِ كائِنٌ، وقُرِئَ ”فَتَنْفَعُهُ“ بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلى ”يَذَّكَّرُ“، وبِالنَّصْبِ جَوابًا لِلَعَلَّ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَأطَّلِعَ إلى إلَهِ مُوسى﴾ [غافِرٍ: ٣٧] وقَدْ مَرَّ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿أمّا مَنِ اسْتَغْنى﴾ قالَ عَطاءٌ: يُرِيدُ عَنِ الإيمانِ، وقالَ الكَلْبِيُّ: اسْتَغْنى عَنِ اللَّهِ، وقالَ بَعْضُهم: اسْتَغْنى أثْرى؛ وهو فاسِدٌ هاهُنا، لِأنَّ إقْبالَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمْ يَكُنْ لِثَرْوَتِهِمْ ومالِهِمْ حَتّى يُقالَ لَهُ أمّا مَن أثْرى، فَأنْتَ تُقْبِلُ عَلَيْهِ، ولِأنَّهُ قالَ: ﴿وأمّا مَن جاءَكَ يَسْعى﴾ ﴿وهُوَ يَخْشى﴾ ولَمْ يَقُلْ وهو فَقِيرٌ عَدِمٌ، ومَن قالَ: أمّا مَنِ اسْتَغْنى بِمالِهِ فَهو صَحِيحٌ، لِأنَّ المَعْنى أنَّهُ اسْتَغْنى عَنِ الإيمانِ والقُرْآنِ بِما لَهُ مِنَ المالِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأنْتَ لَهُ تَصَدّى﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ أنْتَ تُقْبِلُ عَلَيْهِ وتَتَعَرَّضُ لَهُ وتَمِيلُ إلَيْهِ، يُقالُ تَصَدّى فُلانٌ لِفُلانٍ، يَتَصَدّى إذا تَعَرَّضَ لَهُ، والأصْلُ فِيهِ تَصَدَّدَ يَتَصَدّى مِنَ الصَّدَدِ، وهو ما اسْتَقْبَلَكَ وصارَ قُبالَتَكَ، وقَدْ ذَكَرْنا مِثْلَ هَذا في قَوْلِهِ: ﴿إلّا مُكاءً وتَصْدِيَةً﴾ [الأنْفالِ: ٣٥] وقُرِئَ (تَصَّدّى) بِالتَّشْدِيدِ بِإدْغامِ التّاءِ في الصّادِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: تُصْدِي، بِضَمِّ التّاءِ، أيْ تُعْرِضُ، ومَعْناهُ يَدْعُوكَ داعٍ إلى التَّصَدِّي لَهُ مِنَ الحِرْصِ، والتَّهالُكِ عَلى إسْلامِهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما عَلَيْكَ ألّا يَزَّكّى﴾ المَعْنى لا شَيْءَ عَلَيْكَ في أنْ لا يُسْلِمَ مَن تَدْعُوهُ إلى الإسْلامِ، فَإنَّهُ لَيْسَ عَلَيْكَ إلّا البَلاغُ، أيْ لا يَبْلُغَنَّ بِكَ الحِرْصُ عَلى إسْلامِهِمْ إلى أنْ تُعْرِضَ عَمَّنْ أسْلَمَ لِلِاشْتِغالِ بِدَعْوَتِهِمْ.
عبس 80:8
ثُمَّ قالَ: ﴿وأمّا مَن جاءَكَ يَسْعى﴾ أنْ يُسْرِعَ في طَلَبِ الخَيْرِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجُمُعَةِ: ٩] .
وقَوْلُهُ: ﴿وهُوَ يَخْشى﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: يَخْشى اللَّهَ ويَخافُهُ في أنْ لا يَهْتَمَّ بِأداءِ تَكالِيفِهِ، أوْ يَخْشى
صفحة ٥٣
الكُفّارَ وأذاهم في إتْيانِكَ، أوْ يَخْشى الكَبْوَةَ فَإنَّهُ كانَ أعْمى، وما كانَ لَهُ قائِدٌ. [ ثُمَّ قالَ ]: ﴿فَأنْتَ عَنْهُ تَلَهّى﴾ أيْ تَتَشاغَلُ مِن لَهي عَنِ الشَّيْءِ والتَهى وتَلَهّى، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: تَتَلَهّى، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: (تُلْهى) أيْ يُلْهِيكَ شَأْنُ الصَّنادِيدِ، فَإنْ قِيلَ قَوْلُهُ: ﴿فَأنْتَ لَهُ تَصَدّى﴾ . . . ﴿فَأنْتَ عَنْهُ تَلَهّى﴾ كانَ فِيهِ اخْتِصاصًا، قُلْنا نَعَمْ، ومَعْناهُ إنْكارُ التَّصَدِّي والتَّلَهِّي عَنْهُ، أيْ مِثْلُكَ خُصُوصًا لا يَنْبَغِي أنْ يَتَصَدّى لِلْغَنِيِّ، ويَتَلَهّى عَنِ الفَقِيرِ.
ثُمَّ قالَ: (كَلّا) وهو رَدْعٌ عَنِ المُعاتَبِ عَلَيْهِ وعَنْ مُعاوَدَةِ مِثْلِهِ. قالَ الحَسَنُ: لَمّا تَلا جِبْرِيلُ عَلى النَّبِيِّ -ﷺ- هَذِهِ الآياتِ عادَ وجْهُهُ كَأنَّما أُسِفَّ الرَّمادَ فِيهِ يَنْتَظِرُ ماذا يَحْكُمُ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَلَمّا قالَ: (كَلّا) سُرِّيَ مِنهُ، أيْ لا تَفْعَلْ مِثْلَ ذَلِكَ، وقَدْ بَيَّنّا نَحْنُ أنَّ ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلى تَرْكِ الأوْلى.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّها تَذْكِرَةٌ﴾ وفِيهِ سُؤالانِ:
الأوَّلُ: قَوْلُهُ: (إنَّها) ضَمِيرُ المُؤَنَّثِ، وقَوْلُهُ: ﴿فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ﴾ ضَمِيرُ المُذَكَّرِ، والضَّمِيرانِ عائِدانِ إلى شَيْءٍ واحِدٍ، فَكَيْفَ القَوْلُ فِيهِ؟ . الجَوابُ: وفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: (إنَّها) ضَمِيرُ المُؤَنَّثِ، قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي آياتِ القُرْآنِ، وقالَ الكَلْبِيُّ: يَعْنِي هَذِهِ السُّورَةَ وهو قَوْلُ الأخْفَشِ، والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ﴾ عائِدٌ إلى التَّذْكِرَةِ أيْضًا، لِأنَّ التَّذْكِرَةَ في مَعْنى الذِّكْرِ والوَعْظِ.
الثّانِي: قالَ صاحِبُ النَّظْمِ: إنَّها تَذْكِرَةٌ يَعْنِي بِها القُرْآنَ، والقُرْآنُ مُذَكَّرٌ، إلّا أنَّهُ لَمّا جَعَلَ القُرْآنَ تَذْكِرَةً أخْرَجَهُ عَلى لَفْظِ التَّذْكِرَةِ، ولَوْ ذَكَرَهُ لَجازَ كَما قالَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿كَلّا إنَّهُ تَذْكِرَةٌ﴾ والدَّلِيلُ عَلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنَّها تَذْكِرَةٌ﴾ المُرادُ بِهِ القُرْآنُ قَوْلُهُ ﴿فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ﴾ .
السُّؤالُ الثّانِي: كَيْفَ اتِّصالُ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها؟ الجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: كَأنَّهُ قِيلَ: هَذا التَّأْدِيبُ الَّذِي أوْحَيْتُهُ إلَيْكَ وعَرَّفْتُهُ لَكَ في إجْلالِ الفُقَراءِ وعَدَمِ الِالتِفاتِ إلى أهْلِ الدُّنْيا أُثْبِتَ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ الَّذِي قَدْ وُكِّلَ بِحِفْظِهِ أكابِرُ المَلائِكَةِ.
الثّانِي: كَأنَّهُ قِيلَ: هَذا القُرْآنُ قَدْ بَلَغَ في العَظَمَةِ إلى هَذا الحَدِّ العَظِيمِ، فَأيُّ حاجَةٍ بِهِ إلى أنْ يَقْبَلَهُ هَؤُلاءِ الكُفّارُ، فَسَواءٌ قَبِلُوهُ أوْ لَمْ يَقْبَلُوهُ فَلا تَلْتَفِتْ إلَيْهِمْ ولا تَشْغَلْ قَلْبَكَ بِهِمْ، وإيّاكَ وأنْ تُعْرِضَ عَمَّنْ آمَنَ بِهِ تَطْيِيبًا لِقَلْبِ أرْبابِ الدُّنْيا.
عبس 80:9
ثُمَّ قالَ: ﴿وأمّا مَن جاءَكَ يَسْعى﴾ أنْ يُسْرِعَ في طَلَبِ الخَيْرِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجُمُعَةِ: ٩] .
وقَوْلُهُ: ﴿وهُوَ يَخْشى﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: يَخْشى اللَّهَ ويَخافُهُ في أنْ لا يَهْتَمَّ بِأداءِ تَكالِيفِهِ، أوْ يَخْشى
صفحة ٥٣
الكُفّارَ وأذاهم في إتْيانِكَ، أوْ يَخْشى الكَبْوَةَ فَإنَّهُ كانَ أعْمى، وما كانَ لَهُ قائِدٌ. [ ثُمَّ قالَ ]: ﴿فَأنْتَ عَنْهُ تَلَهّى﴾ أيْ تَتَشاغَلُ مِن لَهي عَنِ الشَّيْءِ والتَهى وتَلَهّى، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: تَتَلَهّى، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: (تُلْهى) أيْ يُلْهِيكَ شَأْنُ الصَّنادِيدِ، فَإنْ قِيلَ قَوْلُهُ: ﴿فَأنْتَ لَهُ تَصَدّى﴾ . . . ﴿فَأنْتَ عَنْهُ تَلَهّى﴾ كانَ فِيهِ اخْتِصاصًا، قُلْنا نَعَمْ، ومَعْناهُ إنْكارُ التَّصَدِّي والتَّلَهِّي عَنْهُ، أيْ مِثْلُكَ خُصُوصًا لا يَنْبَغِي أنْ يَتَصَدّى لِلْغَنِيِّ، ويَتَلَهّى عَنِ الفَقِيرِ.
ثُمَّ قالَ: (كَلّا) وهو رَدْعٌ عَنِ المُعاتَبِ عَلَيْهِ وعَنْ مُعاوَدَةِ مِثْلِهِ. قالَ الحَسَنُ: لَمّا تَلا جِبْرِيلُ عَلى النَّبِيِّ -ﷺ- هَذِهِ الآياتِ عادَ وجْهُهُ كَأنَّما أُسِفَّ الرَّمادَ فِيهِ يَنْتَظِرُ ماذا يَحْكُمُ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَلَمّا قالَ: (كَلّا) سُرِّيَ مِنهُ، أيْ لا تَفْعَلْ مِثْلَ ذَلِكَ، وقَدْ بَيَّنّا نَحْنُ أنَّ ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلى تَرْكِ الأوْلى.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّها تَذْكِرَةٌ﴾ وفِيهِ سُؤالانِ:
الأوَّلُ: قَوْلُهُ: (إنَّها) ضَمِيرُ المُؤَنَّثِ، وقَوْلُهُ: ﴿فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ﴾ ضَمِيرُ المُذَكَّرِ، والضَّمِيرانِ عائِدانِ إلى شَيْءٍ واحِدٍ، فَكَيْفَ القَوْلُ فِيهِ؟ . الجَوابُ: وفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: (إنَّها) ضَمِيرُ المُؤَنَّثِ، قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي آياتِ القُرْآنِ، وقالَ الكَلْبِيُّ: يَعْنِي هَذِهِ السُّورَةَ وهو قَوْلُ الأخْفَشِ، والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ﴾ عائِدٌ إلى التَّذْكِرَةِ أيْضًا، لِأنَّ التَّذْكِرَةَ في مَعْنى الذِّكْرِ والوَعْظِ.
الثّانِي: قالَ صاحِبُ النَّظْمِ: إنَّها تَذْكِرَةٌ يَعْنِي بِها القُرْآنَ، والقُرْآنُ مُذَكَّرٌ، إلّا أنَّهُ لَمّا جَعَلَ القُرْآنَ تَذْكِرَةً أخْرَجَهُ عَلى لَفْظِ التَّذْكِرَةِ، ولَوْ ذَكَرَهُ لَجازَ كَما قالَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿كَلّا إنَّهُ تَذْكِرَةٌ﴾ والدَّلِيلُ عَلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنَّها تَذْكِرَةٌ﴾ المُرادُ بِهِ القُرْآنُ قَوْلُهُ ﴿فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ﴾ .
السُّؤالُ الثّانِي: كَيْفَ اتِّصالُ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها؟ الجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: كَأنَّهُ قِيلَ: هَذا التَّأْدِيبُ الَّذِي أوْحَيْتُهُ إلَيْكَ وعَرَّفْتُهُ لَكَ في إجْلالِ الفُقَراءِ وعَدَمِ الِالتِفاتِ إلى أهْلِ الدُّنْيا أُثْبِتَ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ الَّذِي قَدْ وُكِّلَ بِحِفْظِهِ أكابِرُ المَلائِكَةِ.
الثّانِي: كَأنَّهُ قِيلَ: هَذا القُرْآنُ قَدْ بَلَغَ في العَظَمَةِ إلى هَذا الحَدِّ العَظِيمِ، فَأيُّ حاجَةٍ بِهِ إلى أنْ يَقْبَلَهُ هَؤُلاءِ الكُفّارُ، فَسَواءٌ قَبِلُوهُ أوْ لَمْ يَقْبَلُوهُ فَلا تَلْتَفِتْ إلَيْهِمْ ولا تَشْغَلْ قَلْبَكَ بِهِمْ، وإيّاكَ وأنْ تُعْرِضَ عَمَّنْ آمَنَ بِهِ تَطْيِيبًا لِقَلْبِ أرْبابِ الدُّنْيا.
عبس 80:10
ثُمَّ قالَ: ﴿وأمّا مَن جاءَكَ يَسْعى﴾ أنْ يُسْرِعَ في طَلَبِ الخَيْرِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجُمُعَةِ: ٩] .
وقَوْلُهُ: ﴿وهُوَ يَخْشى﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: يَخْشى اللَّهَ ويَخافُهُ في أنْ لا يَهْتَمَّ بِأداءِ تَكالِيفِهِ، أوْ يَخْشى
صفحة ٥٣
الكُفّارَ وأذاهم في إتْيانِكَ، أوْ يَخْشى الكَبْوَةَ فَإنَّهُ كانَ أعْمى، وما كانَ لَهُ قائِدٌ. [ ثُمَّ قالَ ]: ﴿فَأنْتَ عَنْهُ تَلَهّى﴾ أيْ تَتَشاغَلُ مِن لَهي عَنِ الشَّيْءِ والتَهى وتَلَهّى، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: تَتَلَهّى، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: (تُلْهى) أيْ يُلْهِيكَ شَأْنُ الصَّنادِيدِ، فَإنْ قِيلَ قَوْلُهُ: ﴿فَأنْتَ لَهُ تَصَدّى﴾ . . . ﴿فَأنْتَ عَنْهُ تَلَهّى﴾ كانَ فِيهِ اخْتِصاصًا، قُلْنا نَعَمْ، ومَعْناهُ إنْكارُ التَّصَدِّي والتَّلَهِّي عَنْهُ، أيْ مِثْلُكَ خُصُوصًا لا يَنْبَغِي أنْ يَتَصَدّى لِلْغَنِيِّ، ويَتَلَهّى عَنِ الفَقِيرِ.
ثُمَّ قالَ: (كَلّا) وهو رَدْعٌ عَنِ المُعاتَبِ عَلَيْهِ وعَنْ مُعاوَدَةِ مِثْلِهِ. قالَ الحَسَنُ: لَمّا تَلا جِبْرِيلُ عَلى النَّبِيِّ -ﷺ- هَذِهِ الآياتِ عادَ وجْهُهُ كَأنَّما أُسِفَّ الرَّمادَ فِيهِ يَنْتَظِرُ ماذا يَحْكُمُ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَلَمّا قالَ: (كَلّا) سُرِّيَ مِنهُ، أيْ لا تَفْعَلْ مِثْلَ ذَلِكَ، وقَدْ بَيَّنّا نَحْنُ أنَّ ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلى تَرْكِ الأوْلى.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّها تَذْكِرَةٌ﴾ وفِيهِ سُؤالانِ:
الأوَّلُ: قَوْلُهُ: (إنَّها) ضَمِيرُ المُؤَنَّثِ، وقَوْلُهُ: ﴿فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ﴾ ضَمِيرُ المُذَكَّرِ، والضَّمِيرانِ عائِدانِ إلى شَيْءٍ واحِدٍ، فَكَيْفَ القَوْلُ فِيهِ؟ . الجَوابُ: وفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: (إنَّها) ضَمِيرُ المُؤَنَّثِ، قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي آياتِ القُرْآنِ، وقالَ الكَلْبِيُّ: يَعْنِي هَذِهِ السُّورَةَ وهو قَوْلُ الأخْفَشِ، والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ﴾ عائِدٌ إلى التَّذْكِرَةِ أيْضًا، لِأنَّ التَّذْكِرَةَ في مَعْنى الذِّكْرِ والوَعْظِ.
الثّانِي: قالَ صاحِبُ النَّظْمِ: إنَّها تَذْكِرَةٌ يَعْنِي بِها القُرْآنَ، والقُرْآنُ مُذَكَّرٌ، إلّا أنَّهُ لَمّا جَعَلَ القُرْآنَ تَذْكِرَةً أخْرَجَهُ عَلى لَفْظِ التَّذْكِرَةِ، ولَوْ ذَكَرَهُ لَجازَ كَما قالَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿كَلّا إنَّهُ تَذْكِرَةٌ﴾ والدَّلِيلُ عَلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنَّها تَذْكِرَةٌ﴾ المُرادُ بِهِ القُرْآنُ قَوْلُهُ ﴿فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ﴾ .
السُّؤالُ الثّانِي: كَيْفَ اتِّصالُ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها؟ الجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: كَأنَّهُ قِيلَ: هَذا التَّأْدِيبُ الَّذِي أوْحَيْتُهُ إلَيْكَ وعَرَّفْتُهُ لَكَ في إجْلالِ الفُقَراءِ وعَدَمِ الِالتِفاتِ إلى أهْلِ الدُّنْيا أُثْبِتَ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ الَّذِي قَدْ وُكِّلَ بِحِفْظِهِ أكابِرُ المَلائِكَةِ.
الثّانِي: كَأنَّهُ قِيلَ: هَذا القُرْآنُ قَدْ بَلَغَ في العَظَمَةِ إلى هَذا الحَدِّ العَظِيمِ، فَأيُّ حاجَةٍ بِهِ إلى أنْ يَقْبَلَهُ هَؤُلاءِ الكُفّارُ، فَسَواءٌ قَبِلُوهُ أوْ لَمْ يَقْبَلُوهُ فَلا تَلْتَفِتْ إلَيْهِمْ ولا تَشْغَلْ قَلْبَكَ بِهِمْ، وإيّاكَ وأنْ تُعْرِضَ عَمَّنْ آمَنَ بِهِ تَطْيِيبًا لِقَلْبِ أرْبابِ الدُّنْيا.
عبس 80:11
ثُمَّ قالَ: ﴿وأمّا مَن جاءَكَ يَسْعى﴾ أنْ يُسْرِعَ في طَلَبِ الخَيْرِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجُمُعَةِ: ٩] .
وقَوْلُهُ: ﴿وهُوَ يَخْشى﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: يَخْشى اللَّهَ ويَخافُهُ في أنْ لا يَهْتَمَّ بِأداءِ تَكالِيفِهِ، أوْ يَخْشى
صفحة ٥٣
الكُفّارَ وأذاهم في إتْيانِكَ، أوْ يَخْشى الكَبْوَةَ فَإنَّهُ كانَ أعْمى، وما كانَ لَهُ قائِدٌ. [ ثُمَّ قالَ ]: ﴿فَأنْتَ عَنْهُ تَلَهّى﴾ أيْ تَتَشاغَلُ مِن لَهي عَنِ الشَّيْءِ والتَهى وتَلَهّى، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: تَتَلَهّى، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: (تُلْهى) أيْ يُلْهِيكَ شَأْنُ الصَّنادِيدِ، فَإنْ قِيلَ قَوْلُهُ: ﴿فَأنْتَ لَهُ تَصَدّى﴾ . . . ﴿فَأنْتَ عَنْهُ تَلَهّى﴾ كانَ فِيهِ اخْتِصاصًا، قُلْنا نَعَمْ، ومَعْناهُ إنْكارُ التَّصَدِّي والتَّلَهِّي عَنْهُ، أيْ مِثْلُكَ خُصُوصًا لا يَنْبَغِي أنْ يَتَصَدّى لِلْغَنِيِّ، ويَتَلَهّى عَنِ الفَقِيرِ.
ثُمَّ قالَ: (كَلّا) وهو رَدْعٌ عَنِ المُعاتَبِ عَلَيْهِ وعَنْ مُعاوَدَةِ مِثْلِهِ. قالَ الحَسَنُ: لَمّا تَلا جِبْرِيلُ عَلى النَّبِيِّ -ﷺ- هَذِهِ الآياتِ عادَ وجْهُهُ كَأنَّما أُسِفَّ الرَّمادَ فِيهِ يَنْتَظِرُ ماذا يَحْكُمُ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَلَمّا قالَ: (كَلّا) سُرِّيَ مِنهُ، أيْ لا تَفْعَلْ مِثْلَ ذَلِكَ، وقَدْ بَيَّنّا نَحْنُ أنَّ ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلى تَرْكِ الأوْلى.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّها تَذْكِرَةٌ﴾ وفِيهِ سُؤالانِ:
الأوَّلُ: قَوْلُهُ: (إنَّها) ضَمِيرُ المُؤَنَّثِ، وقَوْلُهُ: ﴿فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ﴾ ضَمِيرُ المُذَكَّرِ، والضَّمِيرانِ عائِدانِ إلى شَيْءٍ واحِدٍ، فَكَيْفَ القَوْلُ فِيهِ؟ . الجَوابُ: وفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: (إنَّها) ضَمِيرُ المُؤَنَّثِ، قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي آياتِ القُرْآنِ، وقالَ الكَلْبِيُّ: يَعْنِي هَذِهِ السُّورَةَ وهو قَوْلُ الأخْفَشِ، والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ﴾ عائِدٌ إلى التَّذْكِرَةِ أيْضًا، لِأنَّ التَّذْكِرَةَ في مَعْنى الذِّكْرِ والوَعْظِ.
الثّانِي: قالَ صاحِبُ النَّظْمِ: إنَّها تَذْكِرَةٌ يَعْنِي بِها القُرْآنَ، والقُرْآنُ مُذَكَّرٌ، إلّا أنَّهُ لَمّا جَعَلَ القُرْآنَ تَذْكِرَةً أخْرَجَهُ عَلى لَفْظِ التَّذْكِرَةِ، ولَوْ ذَكَرَهُ لَجازَ كَما قالَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿كَلّا إنَّهُ تَذْكِرَةٌ﴾ والدَّلِيلُ عَلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنَّها تَذْكِرَةٌ﴾ المُرادُ بِهِ القُرْآنُ قَوْلُهُ ﴿فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ﴾ .
السُّؤالُ الثّانِي: كَيْفَ اتِّصالُ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها؟ الجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: كَأنَّهُ قِيلَ: هَذا التَّأْدِيبُ الَّذِي أوْحَيْتُهُ إلَيْكَ وعَرَّفْتُهُ لَكَ في إجْلالِ الفُقَراءِ وعَدَمِ الِالتِفاتِ إلى أهْلِ الدُّنْيا أُثْبِتَ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ الَّذِي قَدْ وُكِّلَ بِحِفْظِهِ أكابِرُ المَلائِكَةِ.
الثّانِي: كَأنَّهُ قِيلَ: هَذا القُرْآنُ قَدْ بَلَغَ في العَظَمَةِ إلى هَذا الحَدِّ العَظِيمِ، فَأيُّ حاجَةٍ بِهِ إلى أنْ يَقْبَلَهُ هَؤُلاءِ الكُفّارُ، فَسَواءٌ قَبِلُوهُ أوْ لَمْ يَقْبَلُوهُ فَلا تَلْتَفِتْ إلَيْهِمْ ولا تَشْغَلْ قَلْبَكَ بِهِمْ، وإيّاكَ وأنْ تُعْرِضَ عَمَّنْ آمَنَ بِهِ تَطْيِيبًا لِقَلْبِ أرْبابِ الدُّنْيا.
عبس 80:12
ثُمَّ قالَ: ﴿وأمّا مَن جاءَكَ يَسْعى﴾ أنْ يُسْرِعَ في طَلَبِ الخَيْرِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجُمُعَةِ: ٩] .
وقَوْلُهُ: ﴿وهُوَ يَخْشى﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: يَخْشى اللَّهَ ويَخافُهُ في أنْ لا يَهْتَمَّ بِأداءِ تَكالِيفِهِ، أوْ يَخْشى
صفحة ٥٣
الكُفّارَ وأذاهم في إتْيانِكَ، أوْ يَخْشى الكَبْوَةَ فَإنَّهُ كانَ أعْمى، وما كانَ لَهُ قائِدٌ. [ ثُمَّ قالَ ]: ﴿فَأنْتَ عَنْهُ تَلَهّى﴾ أيْ تَتَشاغَلُ مِن لَهي عَنِ الشَّيْءِ والتَهى وتَلَهّى، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: تَتَلَهّى، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: (تُلْهى) أيْ يُلْهِيكَ شَأْنُ الصَّنادِيدِ، فَإنْ قِيلَ قَوْلُهُ: ﴿فَأنْتَ لَهُ تَصَدّى﴾ . . . ﴿فَأنْتَ عَنْهُ تَلَهّى﴾ كانَ فِيهِ اخْتِصاصًا، قُلْنا نَعَمْ، ومَعْناهُ إنْكارُ التَّصَدِّي والتَّلَهِّي عَنْهُ، أيْ مِثْلُكَ خُصُوصًا لا يَنْبَغِي أنْ يَتَصَدّى لِلْغَنِيِّ، ويَتَلَهّى عَنِ الفَقِيرِ.
ثُمَّ قالَ: (كَلّا) وهو رَدْعٌ عَنِ المُعاتَبِ عَلَيْهِ وعَنْ مُعاوَدَةِ مِثْلِهِ. قالَ الحَسَنُ: لَمّا تَلا جِبْرِيلُ عَلى النَّبِيِّ -ﷺ- هَذِهِ الآياتِ عادَ وجْهُهُ كَأنَّما أُسِفَّ الرَّمادَ فِيهِ يَنْتَظِرُ ماذا يَحْكُمُ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَلَمّا قالَ: (كَلّا) سُرِّيَ مِنهُ، أيْ لا تَفْعَلْ مِثْلَ ذَلِكَ، وقَدْ بَيَّنّا نَحْنُ أنَّ ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلى تَرْكِ الأوْلى.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّها تَذْكِرَةٌ﴾ وفِيهِ سُؤالانِ:
الأوَّلُ: قَوْلُهُ: (إنَّها) ضَمِيرُ المُؤَنَّثِ، وقَوْلُهُ: ﴿فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ﴾ ضَمِيرُ المُذَكَّرِ، والضَّمِيرانِ عائِدانِ إلى شَيْءٍ واحِدٍ، فَكَيْفَ القَوْلُ فِيهِ؟ . الجَوابُ: وفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: (إنَّها) ضَمِيرُ المُؤَنَّثِ، قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي آياتِ القُرْآنِ، وقالَ الكَلْبِيُّ: يَعْنِي هَذِهِ السُّورَةَ وهو قَوْلُ الأخْفَشِ، والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ﴾ عائِدٌ إلى التَّذْكِرَةِ أيْضًا، لِأنَّ التَّذْكِرَةَ في مَعْنى الذِّكْرِ والوَعْظِ.
الثّانِي: قالَ صاحِبُ النَّظْمِ: إنَّها تَذْكِرَةٌ يَعْنِي بِها القُرْآنَ، والقُرْآنُ مُذَكَّرٌ، إلّا أنَّهُ لَمّا جَعَلَ القُرْآنَ تَذْكِرَةً أخْرَجَهُ عَلى لَفْظِ التَّذْكِرَةِ، ولَوْ ذَكَرَهُ لَجازَ كَما قالَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿كَلّا إنَّهُ تَذْكِرَةٌ﴾ والدَّلِيلُ عَلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنَّها تَذْكِرَةٌ﴾ المُرادُ بِهِ القُرْآنُ قَوْلُهُ ﴿فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ﴾ .
السُّؤالُ الثّانِي: كَيْفَ اتِّصالُ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها؟ الجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: كَأنَّهُ قِيلَ: هَذا التَّأْدِيبُ الَّذِي أوْحَيْتُهُ إلَيْكَ وعَرَّفْتُهُ لَكَ في إجْلالِ الفُقَراءِ وعَدَمِ الِالتِفاتِ إلى أهْلِ الدُّنْيا أُثْبِتَ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ الَّذِي قَدْ وُكِّلَ بِحِفْظِهِ أكابِرُ المَلائِكَةِ.
الثّانِي: كَأنَّهُ قِيلَ: هَذا القُرْآنُ قَدْ بَلَغَ في العَظَمَةِ إلى هَذا الحَدِّ العَظِيمِ، فَأيُّ حاجَةٍ بِهِ إلى أنْ يَقْبَلَهُ هَؤُلاءِ الكُفّارُ، فَسَواءٌ قَبِلُوهُ أوْ لَمْ يَقْبَلُوهُ فَلا تَلْتَفِتْ إلَيْهِمْ ولا تَشْغَلْ قَلْبَكَ بِهِمْ، وإيّاكَ وأنْ تُعْرِضَ عَمَّنْ آمَنَ بِهِ تَطْيِيبًا لِقَلْبِ أرْبابِ الدُّنْيا.
عبس 80:13
ثُمَّ قالَ: ﴿وأمّا مَن جاءَكَ يَسْعى﴾ أنْ يُسْرِعَ في طَلَبِ الخَيْرِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجُمُعَةِ: ٩] .
وقَوْلُهُ: ﴿وهُوَ يَخْشى﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: يَخْشى اللَّهَ ويَخافُهُ في أنْ لا يَهْتَمَّ بِأداءِ تَكالِيفِهِ، أوْ يَخْشى
صفحة ٥٣
الكُفّارَ وأذاهم في إتْيانِكَ، أوْ يَخْشى الكَبْوَةَ فَإنَّهُ كانَ أعْمى، وما كانَ لَهُ قائِدٌ. [ ثُمَّ قالَ ]: ﴿فَأنْتَ عَنْهُ تَلَهّى﴾ أيْ تَتَشاغَلُ مِن لَهي عَنِ الشَّيْءِ والتَهى وتَلَهّى، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: تَتَلَهّى، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: (تُلْهى) أيْ يُلْهِيكَ شَأْنُ الصَّنادِيدِ، فَإنْ قِيلَ قَوْلُهُ: ﴿فَأنْتَ لَهُ تَصَدّى﴾ . . . ﴿فَأنْتَ عَنْهُ تَلَهّى﴾ كانَ فِيهِ اخْتِصاصًا، قُلْنا نَعَمْ، ومَعْناهُ إنْكارُ التَّصَدِّي والتَّلَهِّي عَنْهُ، أيْ مِثْلُكَ خُصُوصًا لا يَنْبَغِي أنْ يَتَصَدّى لِلْغَنِيِّ، ويَتَلَهّى عَنِ الفَقِيرِ.
ثُمَّ قالَ: (كَلّا) وهو رَدْعٌ عَنِ المُعاتَبِ عَلَيْهِ وعَنْ مُعاوَدَةِ مِثْلِهِ. قالَ الحَسَنُ: لَمّا تَلا جِبْرِيلُ عَلى النَّبِيِّ -ﷺ- هَذِهِ الآياتِ عادَ وجْهُهُ كَأنَّما أُسِفَّ الرَّمادَ فِيهِ يَنْتَظِرُ ماذا يَحْكُمُ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَلَمّا قالَ: (كَلّا) سُرِّيَ مِنهُ، أيْ لا تَفْعَلْ مِثْلَ ذَلِكَ، وقَدْ بَيَّنّا نَحْنُ أنَّ ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلى تَرْكِ الأوْلى.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّها تَذْكِرَةٌ﴾ وفِيهِ سُؤالانِ:
الأوَّلُ: قَوْلُهُ: (إنَّها) ضَمِيرُ المُؤَنَّثِ، وقَوْلُهُ: ﴿فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ﴾ ضَمِيرُ المُذَكَّرِ، والضَّمِيرانِ عائِدانِ إلى شَيْءٍ واحِدٍ، فَكَيْفَ القَوْلُ فِيهِ؟ . الجَوابُ: وفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: (إنَّها) ضَمِيرُ المُؤَنَّثِ، قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي آياتِ القُرْآنِ، وقالَ الكَلْبِيُّ: يَعْنِي هَذِهِ السُّورَةَ وهو قَوْلُ الأخْفَشِ، والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ﴾ عائِدٌ إلى التَّذْكِرَةِ أيْضًا، لِأنَّ التَّذْكِرَةَ في مَعْنى الذِّكْرِ والوَعْظِ.
الثّانِي: قالَ صاحِبُ النَّظْمِ: إنَّها تَذْكِرَةٌ يَعْنِي بِها القُرْآنَ، والقُرْآنُ مُذَكَّرٌ، إلّا أنَّهُ لَمّا جَعَلَ القُرْآنَ تَذْكِرَةً أخْرَجَهُ عَلى لَفْظِ التَّذْكِرَةِ، ولَوْ ذَكَرَهُ لَجازَ كَما قالَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿كَلّا إنَّهُ تَذْكِرَةٌ﴾ والدَّلِيلُ عَلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنَّها تَذْكِرَةٌ﴾ المُرادُ بِهِ القُرْآنُ قَوْلُهُ ﴿فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ﴾ .
السُّؤالُ الثّانِي: كَيْفَ اتِّصالُ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها؟ الجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: كَأنَّهُ قِيلَ: هَذا التَّأْدِيبُ الَّذِي أوْحَيْتُهُ إلَيْكَ وعَرَّفْتُهُ لَكَ في إجْلالِ الفُقَراءِ وعَدَمِ الِالتِفاتِ إلى أهْلِ الدُّنْيا أُثْبِتَ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ الَّذِي قَدْ وُكِّلَ بِحِفْظِهِ أكابِرُ المَلائِكَةِ.
الثّانِي: كَأنَّهُ قِيلَ: هَذا القُرْآنُ قَدْ بَلَغَ في العَظَمَةِ إلى هَذا الحَدِّ العَظِيمِ، فَأيُّ حاجَةٍ بِهِ إلى أنْ يَقْبَلَهُ هَؤُلاءِ الكُفّارُ، فَسَواءٌ قَبِلُوهُ أوْ لَمْ يَقْبَلُوهُ فَلا تَلْتَفِتْ إلَيْهِمْ ولا تَشْغَلْ قَلْبَكَ بِهِمْ، وإيّاكَ وأنْ تُعْرِضَ عَمَّنْ آمَنَ بِهِ تَطْيِيبًا لِقَلْبِ أرْبابِ الدُّنْيا.
عبس 80:14
ثُمَّ قالَ: ﴿وأمّا مَن جاءَكَ يَسْعى﴾ أنْ يُسْرِعَ في طَلَبِ الخَيْرِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجُمُعَةِ: ٩] .
وقَوْلُهُ: ﴿وهُوَ يَخْشى﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: يَخْشى اللَّهَ ويَخافُهُ في أنْ لا يَهْتَمَّ بِأداءِ تَكالِيفِهِ، أوْ يَخْشى
صفحة ٥٣
الكُفّارَ وأذاهم في إتْيانِكَ، أوْ يَخْشى الكَبْوَةَ فَإنَّهُ كانَ أعْمى، وما كانَ لَهُ قائِدٌ. [ ثُمَّ قالَ ]: ﴿فَأنْتَ عَنْهُ تَلَهّى﴾ أيْ تَتَشاغَلُ مِن لَهي عَنِ الشَّيْءِ والتَهى وتَلَهّى، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: تَتَلَهّى، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: (تُلْهى) أيْ يُلْهِيكَ شَأْنُ الصَّنادِيدِ، فَإنْ قِيلَ قَوْلُهُ: ﴿فَأنْتَ لَهُ تَصَدّى﴾ . . . ﴿فَأنْتَ عَنْهُ تَلَهّى﴾ كانَ فِيهِ اخْتِصاصًا، قُلْنا نَعَمْ، ومَعْناهُ إنْكارُ التَّصَدِّي والتَّلَهِّي عَنْهُ، أيْ مِثْلُكَ خُصُوصًا لا يَنْبَغِي أنْ يَتَصَدّى لِلْغَنِيِّ، ويَتَلَهّى عَنِ الفَقِيرِ.
ثُمَّ قالَ: (كَلّا) وهو رَدْعٌ عَنِ المُعاتَبِ عَلَيْهِ وعَنْ مُعاوَدَةِ مِثْلِهِ. قالَ الحَسَنُ: لَمّا تَلا جِبْرِيلُ عَلى النَّبِيِّ -ﷺ- هَذِهِ الآياتِ عادَ وجْهُهُ كَأنَّما أُسِفَّ الرَّمادَ فِيهِ يَنْتَظِرُ ماذا يَحْكُمُ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَلَمّا قالَ: (كَلّا) سُرِّيَ مِنهُ، أيْ لا تَفْعَلْ مِثْلَ ذَلِكَ، وقَدْ بَيَّنّا نَحْنُ أنَّ ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلى تَرْكِ الأوْلى.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّها تَذْكِرَةٌ﴾ وفِيهِ سُؤالانِ:
الأوَّلُ: قَوْلُهُ: (إنَّها) ضَمِيرُ المُؤَنَّثِ، وقَوْلُهُ: ﴿فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ﴾ ضَمِيرُ المُذَكَّرِ، والضَّمِيرانِ عائِدانِ إلى شَيْءٍ واحِدٍ، فَكَيْفَ القَوْلُ فِيهِ؟ . الجَوابُ: وفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: (إنَّها) ضَمِيرُ المُؤَنَّثِ، قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي آياتِ القُرْآنِ، وقالَ الكَلْبِيُّ: يَعْنِي هَذِهِ السُّورَةَ وهو قَوْلُ الأخْفَشِ، والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ﴾ عائِدٌ إلى التَّذْكِرَةِ أيْضًا، لِأنَّ التَّذْكِرَةَ في مَعْنى الذِّكْرِ والوَعْظِ.
الثّانِي: قالَ صاحِبُ النَّظْمِ: إنَّها تَذْكِرَةٌ يَعْنِي بِها القُرْآنَ، والقُرْآنُ مُذَكَّرٌ، إلّا أنَّهُ لَمّا جَعَلَ القُرْآنَ تَذْكِرَةً أخْرَجَهُ عَلى لَفْظِ التَّذْكِرَةِ، ولَوْ ذَكَرَهُ لَجازَ كَما قالَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿كَلّا إنَّهُ تَذْكِرَةٌ﴾ والدَّلِيلُ عَلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنَّها تَذْكِرَةٌ﴾ المُرادُ بِهِ القُرْآنُ قَوْلُهُ ﴿فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ﴾ .
السُّؤالُ الثّانِي: كَيْفَ اتِّصالُ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها؟ الجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: كَأنَّهُ قِيلَ: هَذا التَّأْدِيبُ الَّذِي أوْحَيْتُهُ إلَيْكَ وعَرَّفْتُهُ لَكَ في إجْلالِ الفُقَراءِ وعَدَمِ الِالتِفاتِ إلى أهْلِ الدُّنْيا أُثْبِتَ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ الَّذِي قَدْ وُكِّلَ بِحِفْظِهِ أكابِرُ المَلائِكَةِ.
الثّانِي: كَأنَّهُ قِيلَ: هَذا القُرْآنُ قَدْ بَلَغَ في العَظَمَةِ إلى هَذا الحَدِّ العَظِيمِ، فَأيُّ حاجَةٍ بِهِ إلى أنْ يَقْبَلَهُ هَؤُلاءِ الكُفّارُ، فَسَواءٌ قَبِلُوهُ أوْ لَمْ يَقْبَلُوهُ فَلا تَلْتَفِتْ إلَيْهِمْ ولا تَشْغَلْ قَلْبَكَ بِهِمْ، وإيّاكَ وأنْ تُعْرِضَ عَمَّنْ آمَنَ بِهِ تَطْيِيبًا لِقَلْبِ أرْبابِ الدُّنْيا.
عبس 80:15
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ﴾ ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ﴾ ﴿مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى وصَفَ تِلْكَ التَّذْكِرَةَ بِأمْرَيْنِ:
الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ﴾ أيْ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ بَيِّنَةٌ ظاهِرَةٌ بِحَيْثُ لَوْ أرادُوا فَهْمَها والِاتِّعاظَ بِها والعَمَلَ بِمُوجِبِها لَقَدَرُوا عَلَيْهِ.
والثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ﴾ أيْ تِلْكَ التَّذْكِرَةُ مُعَدَّةٌ في هَذِهِ الصُّحُفِ المُكَرَّمَةِ، والمُرادُ مِن ذَلِكَ تَعْظِيمُ حالِ القُرْآنِ والتَّنْوِيهُ بِذِكْرِهِ، والمَعْنى أنَّ هَذِهِ التَّذْكِرَةَ مُثْبَتَةٌ في صُحُفٍ، والمُرادُ مِنَ الصُّحُفِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنَّها صُحُفٌ مُنْتَسَخَةٌ
صفحة ٥٤
مِنَ اللَّوْحِ مُكَرَّمَةٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى مَرْفُوعَةٌ في السَّماءِ السّابِعَةِ أوْ مَرْفُوعَةُ المِقْدارِ مُطَهَّرَةٌ عَنْ أيْدِي الشَّياطِينِ، أوِ المُرادُ مُطَهَّرَةٌ بِسَبَبِ أنَّها لا يَمَسُّها إلّا المُطَهَّرُونَ وهُمُ المَلائِكَةُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿بِأيْدِي سَفَرَةٍ﴾ ﴿كِرامٍ بَرَرَةٍ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: أنَّ اللَّهَ تَعالى وصَفَ المَلائِكَةَ بِثَلاثَةِ أنْواعٍ مِنَ الصِّفاتِ:
أوَّلُها: أنَّهم سَفَرَةٌ، وفِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ ومُقاتِلٌ وقَتادَةُ: هُمُ الكَتَبَةُ مِنَ المَلائِكَةِ، قالَ الزَّجّاجُ: السَّفَرَةُ الكَتَبَةُ واحِدُها سافِرٌ مِثْلُ: كَتَبَةٌ وكاتِبٌ، وإنَّما قِيلَ لِلْكَتَبَةِ سَفَرَةٌ ولِلْكاتِبِ سافِرٌ، لِأنَّ مَعْناهُ أنَّهُ الَّذِي يُبَيِّنُ الشَّيْءَ ويُوَضِّحُهُ، يُقالُ: سَفَرَتِ المَرْأةُ إذا كَشَفَتْ عَنْ وجْهِها.
القَوْلُ الثّانِي: وهو اخْتِيارُ الفَرّاءِ أنَّ السَّفَرَةَ هاهُنا هُمُ المَلائِكَةُ الَّذِينَ يَسْفَرُونَ بِالوَحْيِ بَيْنَ اللَّهِ وبَيْنَ رُسُلِهِ، واحِدُها سافِرٌ، والعَرَبُ تَقُولُ: سَفَرْتُ بَيْنَ القَوْمِ إذا أصْلَحْتُ بَيْنَهُمْ، فَجُعِلَتِ المَلائِكَةُ إذا نَزَلَتْ بِوَحْيِ اللَّهِ وتَأْدِيَتِهِ، كالسَّفِيرِ الَّذِي يُصْلَحُ بِهِ بَيْنَ القَوْمِ، وأنْشَدُوا:
وما أدَعُ السِّفارَةَ بَيْنَ قَوْمِي وما أمْشِي بِغِشٍّ إنْ مَشَيْتُ
واعْلَمْ أنَّ أصْلَ السِّفارَةِ مِنَ الكَشْفِ، والكاتِبُ إنَّما يُسَمّى سافِرًا لِأنَّهُ يَكْشِفُ، والسَّفِيرُ إنَّما سُمِّيَ سَفِيرًا أيْضًا لِأنَّهُ يَكْشِفُ، وهَؤُلاءِ المَلائِكَةُ لَمّا كانُوا وسائِطَ بَيْنَ اللَّهِ وبَيْنَ البَشَرِ في البَيانِ والهِدايَةِ والعِلْمِ، لا جَرَمَ سُمُّوا سَفَرَةً.
الصِّفَةُ الثّانِيَةُ لِهَؤُلاءِ المَلائِكَةِ أنَّهم كِرامٌ. قالَ مُقاتِلٌ: كِرامٌ عَلى رَبِّهِمْ، وقالَ عَطاءٌ: يُرِيدُ أنَّهم يَتَكَرَّمُونَ أنْ يَكُونُوا مَعَ ابْنِ آدَمَ إذا خَلا مَعَ زَوْجَتِهِ لِلْجِماعِ وعِنْدَ قَضاءِ الحاجَةِ.
الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهم: ﴿بَرَرَةٍ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: مُطِيعِينَ، وبَرَرَةٌ جَمْعُ بارٍّ، وقالَ الفَرّاءُ: لا يَقُولُونَ فَعَلَةٌ لِلْجَمْعِ إلّا والواحِدُ مِنهُ فاعِلٌ مِثْلُ: كافِرٌ وكَفَرَةٌ، وفاجِرٌ وفَجَرَةٌ. القَوْلُ الثّانِي في تَفْسِيرِ الصُّحُفِ: أنَّها هي صُحُفُ الأنْبِياءِ لِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَذا لَفي الصُّحُفِ الأُولى﴾ [الأعْلى: ١٨] يَعْنِي أنَّ هَذِهِ التَّذْكِرَةَ مُثْبَتَةٌ في صُحُفِ الأنْبِياءِ المُتَقَدِّمِينَ، والسَّفَرَةُ الكِرامُ البَرَرَةُ هم أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وقِيلَ هُمُ القُرّاءُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُطَهَّرَةٍ﴾ ﴿بِأيْدِي سَفَرَةٍ﴾ يَقْتَضِي أنَّ طَهارَةَ تِلْكَ الصُّحُفِ إنَّما حَصَلَتْ بِأيْدِي هَؤُلاءِ السَّفَرَةِ، فَقالَ القَفّالُ في تَقْرِيرِهِ: لَمّا كانَ لا يَمَسُّها إلّا المَلائِكَةُ المُطَهَّرُونَ أُضِيفَ التَّطْهِيرُ إلَيْها لِطَهارَةِ مَن يَمَسُّها.
عبس 80:16
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ﴾ ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ﴾ ﴿مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى وصَفَ تِلْكَ التَّذْكِرَةَ بِأمْرَيْنِ:
الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ﴾ أيْ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ بَيِّنَةٌ ظاهِرَةٌ بِحَيْثُ لَوْ أرادُوا فَهْمَها والِاتِّعاظَ بِها والعَمَلَ بِمُوجِبِها لَقَدَرُوا عَلَيْهِ.
والثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ﴾ أيْ تِلْكَ التَّذْكِرَةُ مُعَدَّةٌ في هَذِهِ الصُّحُفِ المُكَرَّمَةِ، والمُرادُ مِن ذَلِكَ تَعْظِيمُ حالِ القُرْآنِ والتَّنْوِيهُ بِذِكْرِهِ، والمَعْنى أنَّ هَذِهِ التَّذْكِرَةَ مُثْبَتَةٌ في صُحُفٍ، والمُرادُ مِنَ الصُّحُفِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنَّها صُحُفٌ مُنْتَسَخَةٌ
صفحة ٥٤
مِنَ اللَّوْحِ مُكَرَّمَةٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى مَرْفُوعَةٌ في السَّماءِ السّابِعَةِ أوْ مَرْفُوعَةُ المِقْدارِ مُطَهَّرَةٌ عَنْ أيْدِي الشَّياطِينِ، أوِ المُرادُ مُطَهَّرَةٌ بِسَبَبِ أنَّها لا يَمَسُّها إلّا المُطَهَّرُونَ وهُمُ المَلائِكَةُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿بِأيْدِي سَفَرَةٍ﴾ ﴿كِرامٍ بَرَرَةٍ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: أنَّ اللَّهَ تَعالى وصَفَ المَلائِكَةَ بِثَلاثَةِ أنْواعٍ مِنَ الصِّفاتِ:
أوَّلُها: أنَّهم سَفَرَةٌ، وفِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ ومُقاتِلٌ وقَتادَةُ: هُمُ الكَتَبَةُ مِنَ المَلائِكَةِ، قالَ الزَّجّاجُ: السَّفَرَةُ الكَتَبَةُ واحِدُها سافِرٌ مِثْلُ: كَتَبَةٌ وكاتِبٌ، وإنَّما قِيلَ لِلْكَتَبَةِ سَفَرَةٌ ولِلْكاتِبِ سافِرٌ، لِأنَّ مَعْناهُ أنَّهُ الَّذِي يُبَيِّنُ الشَّيْءَ ويُوَضِّحُهُ، يُقالُ: سَفَرَتِ المَرْأةُ إذا كَشَفَتْ عَنْ وجْهِها.
القَوْلُ الثّانِي: وهو اخْتِيارُ الفَرّاءِ أنَّ السَّفَرَةَ هاهُنا هُمُ المَلائِكَةُ الَّذِينَ يَسْفَرُونَ بِالوَحْيِ بَيْنَ اللَّهِ وبَيْنَ رُسُلِهِ، واحِدُها سافِرٌ، والعَرَبُ تَقُولُ: سَفَرْتُ بَيْنَ القَوْمِ إذا أصْلَحْتُ بَيْنَهُمْ، فَجُعِلَتِ المَلائِكَةُ إذا نَزَلَتْ بِوَحْيِ اللَّهِ وتَأْدِيَتِهِ، كالسَّفِيرِ الَّذِي يُصْلَحُ بِهِ بَيْنَ القَوْمِ، وأنْشَدُوا:
وما أدَعُ السِّفارَةَ بَيْنَ قَوْمِي وما أمْشِي بِغِشٍّ إنْ مَشَيْتُ
واعْلَمْ أنَّ أصْلَ السِّفارَةِ مِنَ الكَشْفِ، والكاتِبُ إنَّما يُسَمّى سافِرًا لِأنَّهُ يَكْشِفُ، والسَّفِيرُ إنَّما سُمِّيَ سَفِيرًا أيْضًا لِأنَّهُ يَكْشِفُ، وهَؤُلاءِ المَلائِكَةُ لَمّا كانُوا وسائِطَ بَيْنَ اللَّهِ وبَيْنَ البَشَرِ في البَيانِ والهِدايَةِ والعِلْمِ، لا جَرَمَ سُمُّوا سَفَرَةً.
الصِّفَةُ الثّانِيَةُ لِهَؤُلاءِ المَلائِكَةِ أنَّهم كِرامٌ. قالَ مُقاتِلٌ: كِرامٌ عَلى رَبِّهِمْ، وقالَ عَطاءٌ: يُرِيدُ أنَّهم يَتَكَرَّمُونَ أنْ يَكُونُوا مَعَ ابْنِ آدَمَ إذا خَلا مَعَ زَوْجَتِهِ لِلْجِماعِ وعِنْدَ قَضاءِ الحاجَةِ.
الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهم: ﴿بَرَرَةٍ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: مُطِيعِينَ، وبَرَرَةٌ جَمْعُ بارٍّ، وقالَ الفَرّاءُ: لا يَقُولُونَ فَعَلَةٌ لِلْجَمْعِ إلّا والواحِدُ مِنهُ فاعِلٌ مِثْلُ: كافِرٌ وكَفَرَةٌ، وفاجِرٌ وفَجَرَةٌ. القَوْلُ الثّانِي في تَفْسِيرِ الصُّحُفِ: أنَّها هي صُحُفُ الأنْبِياءِ لِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَذا لَفي الصُّحُفِ الأُولى﴾ [الأعْلى: ١٨] يَعْنِي أنَّ هَذِهِ التَّذْكِرَةَ مُثْبَتَةٌ في صُحُفِ الأنْبِياءِ المُتَقَدِّمِينَ، والسَّفَرَةُ الكِرامُ البَرَرَةُ هم أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وقِيلَ هُمُ القُرّاءُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُطَهَّرَةٍ﴾ ﴿بِأيْدِي سَفَرَةٍ﴾ يَقْتَضِي أنَّ طَهارَةَ تِلْكَ الصُّحُفِ إنَّما حَصَلَتْ بِأيْدِي هَؤُلاءِ السَّفَرَةِ، فَقالَ القَفّالُ في تَقْرِيرِهِ: لَمّا كانَ لا يَمَسُّها إلّا المَلائِكَةُ المُطَهَّرُونَ أُضِيفَ التَّطْهِيرُ إلَيْها لِطَهارَةِ مَن يَمَسُّها.
عبس 80:17
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُتِلَ الإنْسانُ ما أكْفَرَهُ﴾ فِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَدَأ بِذِكْرِ القِصَّةِ المُشْتَمِلَةِ عَلى تَرَفُّعِ صَنادِيدِ قُرَيْشٍ عَلى فُقَراءِ المُسْلِمِينَ، عَجِبَ عِبادُهُ المُؤْمِنُونَ مِن ذَلِكَ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: وأيُّ سَبَبٍ في هَذا العَجَبِ والتَّرَفُّعِ مَعَ أنَّ أوَّلَهُ نُطْفَةٌ
صفحة ٥٥
قَذِرَةٌ وآخِرَهُ جِيفَةٌ مَذِرَةٌ، وفِيها بَيْنَ الوَقْتَيْنِ حَمّالُ عَذِرَةٍ، فَلا جَرَمَ ذَكَرَ تَعالى ما يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ عِلاجًا لِعَجَبِهِمْ، وما يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ عِلاجًا لِكُفْرِهِمْ، فَإنَّ خِلْقَةَ الإنْسانِ تَصْلُحُ لِأنْ يُسْتَدُلَّ بِها عَلى وُجُودِ الصّانِعِ، ولِأنْ يُسْتَدَلَّ بِها عَلى القَوْلِ بِالبَعْثِ والحَشْرِ والنَّشْرِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ المُفَسِّرُونَ: نَزَلَتِ الآيَةُ في عُتْبَةَ بْنِ أبِي لَهَبٍ، وقالَ آخَرُونَ: المُرادُ بِالإنْسانِ الَّذِينَ أقْبَلَ الرَّسُولُ عَلَيْهِمْ وتَرَكَ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ بِسَبَبِهِمْ، وقالَ آخَرُونَ: بَلِ المُرادُ ذَمُّ كُلِّ غَنِيٍّ تَرَفَّعَ عَلى فَقِيرٍ بِسَبَبِ الغِنى والفَقْرِ، والَّذِي يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّهُ تَعالى ذَمَّهم لِتَرَفُّعِهم فَوَجَبَ أنْ يَعُمَّ الحُكْمُ بِسَبَبِ عُمُومِ العِلَّةِ.
وثانِيها: أنَّهُ تَعالى زَيَّفَ طَرِيقَتَهم بِسَبَبِ حَقارَةِ حالِ الإنْسانِ في الِابْتِداءِ والِانْتِهاءِ عَلى ما قالَ: ﴿مِن نُطْفَةٍ خَلَقَهُ﴾ ﴿ثُمَّ أماتَهُ فَأقْبَرَهُ﴾ وعُمُومُ هَذا الزَّجْرِ يَقْتَضِي عُمُومَ الحُكْمِ.
وثالِثُها: وهو أنَّ حَمْلَ اللَّفْظِ عَلى هَذا الوَجْهِ أكْثَرُ فائِدَةً، واللَّفْظُ مُحْتَمِلٌ لَهُ فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلَيْهِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُتِلَ الإنْسانُ﴾ دُعاءٌ عَلَيْهِ وهي مِن أشْنَعِ دَعَواتِهِمْ، لِأنَّ القَتْلَ غايَةُ شَدائِدِ الدُّنْيا، وما أكْفَرَهُ تَعَجُّبٌ مِن إفْراطِهِ في كُفْرانِ نِعْمَةِ اللَّهِ، فَقَوْلُهُ: ﴿قُتِلَ الإنْسانُ﴾ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُمُ اسْتَحَقُّوا أعْظَمَ أنْواعِ العِقابِ، وقَوْلُهُ: ﴿ما أكْفَرَهُ﴾ تَنْبِيهٌ عَلى أنْواعِ القَبائِحِ والمُنْكَراتِ، فَإنْ قِيلَ: الدُّعاءُ عَلى الإنْسانِ إنَّما يَلِيقُ بِالعاجِزِ، والقادِرُ عَلى الكُلِّ كَيْفَ يَلِيقُ بِهِ ذاكَ؟ والتَّعَجُّبُ أيْضًا إنَّما يَلِيقُ بِالجاهِلِ بِسَبَبِ الشَّيْءِ، فالعالِمُ بِالكُلِّ كَيْفَ يَلِيقُ بِهِ ذاكَ؟ . الجَوابُ: أنَّ ذَلِكَ ورَدَ عَلى أُسْلُوبِ كَلامِ العَرَبِ وتَحْقِيقُهُ ما ذَكَرْنا أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُمُ اسْتَحَقُّوا أعْظَمَ أنْواعِ العِقابِ لِأجْلِ أنَّهم أتَوْا بِأعْظَمِ أنْواعِ القَبائِحِ، واعْلَمْ أنَّ لِكُلِّ مُحْدَثٍ ثَلاثَ مَراتِبَ أوَّلَهُ ووَسَطَهُ وآخِرَهُ، وأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ هَذِهِ المَراتِبَ الثَّلاثَةَ لِلْإنْسانِ.
أمّا المَرْتَبَةُ الأُولى: فَهي قَوْلُهُ: ﴿مِن أيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ وهو اسْتِفْهامٌ وغَرَضُهُ زِيادَةُ التَّقْرِيرِ في التَّحْقِيرِ.
ثُمَّ أجابَ عَنْ ذَلِكَ الِاسْتِفْهامِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن نُطْفَةٍ خَلَقَهُ﴾ ولا شَكَّ أنَّ النُّطْفَةَ شَيْءٌ حَقِيرٌ مَهِينٌ والغَرَضُ مِنهُ أنَّ مَن كانَ أصْلُهُ [ مِن ] مِثْلِ هَذا الشَّيْءِ الحَقِيرِ، فالنَّكِيرُ والتَّجَبُّرُ لا يَكُونُ لائِقًا بِهِ.
ثُمَّ قالَ: (فَقَدَّرَهُ) وفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: قالَ الفَرّاءُ: قَدَّرَهُ أطْوارًا نُطْفَةً ثُمَّ عَلَقَةً إلى آخِرِ خَلْقِهِ وذَكَرًا أوْ أُنْثى وسَعِيدًا أوْ شَقِيًّا.
وثانِيها: قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى قَدَّرَهُ عَلى الِاسْتِواءِ كَما قالَ: ﴿أكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوّاكَ رَجُلًا﴾ [الكَهْفِ: ٣٧] .
وثالِثُها: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ وقَدَّرَ كُلَّ عُضْوٍ في الكَمِّيَّةِ والكَيْفِيَّةِ بِالقَدْرِ اللّائِقِ بِمَصْلَحَتِهِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفُرْقانِ: ٢] .
وأمّا المَرْتَبَةُ الثّانِيَةُ: وهي المَرْتَبَةُ المُتَوَسِّطَةُ فَهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: نُصِبَ (السَّبِيلَ) بِإضْمارِ يَسَّرَهُ، وفَسَّرَهُ بِيَسَّرَهُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرُوا في تَفْسِيرِهِ أقْوالًا:
أحَدُها: قالَ بَعْضُهم: المُرادُ تَسْهِيلُ خُرُوجِهِ مِن بَطْنِ أُمِّهِ، قالُوا: إنَّهُ كانَ رَأْسُ المَوْلُودِ في بَطْنِ أُمِّهِ مِن فَوْقُ ورِجْلاهُ مِن تَحْتُ، فَإذا جاءَ وقْتُ الخُرُوجِ انْقَلَبَ، فَمَنِ الَّذِي أعْطاهُ ذَلِكَ الإلْهامَ إلّا اللَّهُ؟ ومِمّا يُؤَكِّدُ هَذا التَّأْوِيلَ أنَّ خُرُوجَهُ حَيًّا مِن ذَلِكَ المَنفَذِ الضَّيِّقِ مِن أعْجَبِ العَجائِبِ.
وثانِيها: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: المُرادُ مِن هَذِهِ الآيَةِ، هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البَلَدِ: ١٠] فَهو يَتَناوَلُ التَّمْيِيزَ بَيْنَ كُلِّ خَيْرٍ وشَرٍّ يَتَعَلَّقُ بِالدُّنْيا، وبَيْنَ كُلِّ خَيْرٍ وشَرٍّ يَتَعَلَّقُ بِالدِّينِ، أيْ جَعَلْناهُ مُتَمَكِّنًا مِن سُلُوكِ سَبِيلِ الخَيْرِ والشَّرِّ، والتَّيْسِيرُ يَدْخُلُ فِيهِ الإقْدارُ والتَّعْرِيفُ والعَقْلُ وبَعْثَةُ الأنْبِياءِ، وإنْزالُ
صفحة ٥٦
الكُتُبِ.
وثالِثُها: أنَّ هَذا مَخْصُوصٌ بِأمْرِ الدِّينِ، لِأنَّ لَفْظَ السَّبِيلِ مُشْعِرٌ بِأنَّ المَقْصُودَ أحْوالُ الدُّنْيا [ لا ] أُمُورٌ تَحْصُلُ في الآخِرَةِ.
وأمّا المَرْتَبَةُ الثّانِيَةُ: وهي المَرْتَبَةُ الأخِيرَةُ، فَهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ أماتَهُ فَأقْبَرَهُ﴾ ﴿ثُمَّ إذا شاءَ أنْشَرَهُ﴾ .
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ المَرْتَبَةَ الثّالِثَةَ مُشْتَمِلَةٌ أيْضًا عَلى ثَلاثِ مَراتِبَ: الإماتَةُ، والإقْبارُ، والإنْشارُ، أمّا الإماتَةُ فَقَدْ ذَكَرْنا مَنافِعَها في هَذا الكِتابِ، ولا شَكَّ أنَّها هي الواسِطَةُ بَيْنَ حالِ التَّكْلِيفِ والمُجازاةِ، وأمّا الإقْبارُ فَقالَ الفَرّاءُ: جَعَلَهُ اللَّهُ مَقْبُورًا ولَمْ يَجْعَلْهُ مِمَّنْ يُلْقى لِلطَّيْرِ والسِّباعِ، لِأنَّ القَبْرَ مِمّا أُكْرِمَ بِهِ المُسْلِمَ، قالَ: ولَمْ يَقُلْ فَقَبَرَهُ، لِأنَّ القابِرَ هو الدّافِنُ بِيَدِهِ، والمُقْبِرُ هو اللَّهُ تَعالى، يُقالُ: قَبَرَ المَيِّتَ إذا دَفَنَهُ، وأقْبَرَ المَيِّتَ إذا أمَرَ غَيْرَهُ بِأنْ يَجْعَلَهُ في القَبْرِ، والعَرَبُ تَقُولُ: بَتَرْتُ ذَنَبَ البَعِيرِ واللَّهُ أبْتَرَهُ، وعَضَبْتُ قَرْنَ الثَّوْرِ واللَّهُ أعْضَبَهُ، وطَرَدْتُ فُلانًا عَنِّي، واللَّهُ أطْرَدَهُ، أيْ صَيَّرَهُ طَرِيدًا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ إذا شاءَ أنْشَرَهُ﴾ المُرادُ مِنهُ الإحْياءُ [ و] البَعْثُ، وإنَّما قالَ إذا شاءَ إشْعارًا بِأنَّ وقْتَهُ غَيْرُ مَعْلُومٍ لَنا، فَتَقْدِيمُهُ وتَأْخِيرُهُ مَوْكُولٌ إلى مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى، وأمّا سائِرُ الأحْوالِ المَذْكُورَةِ قَبْلَ ذَلِكَ فَإنَّهُ يُعْلَمُ أوْقاتُها مِن بَعْضِ الوُجُوهِ، إذِ المَوْتُ وإنْ لَمْ يَعْلَمِ الإنْسانُ وقْتَهُ فَفي الجُمْلَةِ يَعْلَمُ أنَّهُ لا يَتَجاوَزُ فِيهِ إلّا حَدًّا مَعْلُومًا.
عبس 80:18
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُتِلَ الإنْسانُ ما أكْفَرَهُ﴾ فِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَدَأ بِذِكْرِ القِصَّةِ المُشْتَمِلَةِ عَلى تَرَفُّعِ صَنادِيدِ قُرَيْشٍ عَلى فُقَراءِ المُسْلِمِينَ، عَجِبَ عِبادُهُ المُؤْمِنُونَ مِن ذَلِكَ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: وأيُّ سَبَبٍ في هَذا العَجَبِ والتَّرَفُّعِ مَعَ أنَّ أوَّلَهُ نُطْفَةٌ
صفحة ٥٥
قَذِرَةٌ وآخِرَهُ جِيفَةٌ مَذِرَةٌ، وفِيها بَيْنَ الوَقْتَيْنِ حَمّالُ عَذِرَةٍ، فَلا جَرَمَ ذَكَرَ تَعالى ما يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ عِلاجًا لِعَجَبِهِمْ، وما يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ عِلاجًا لِكُفْرِهِمْ، فَإنَّ خِلْقَةَ الإنْسانِ تَصْلُحُ لِأنْ يُسْتَدُلَّ بِها عَلى وُجُودِ الصّانِعِ، ولِأنْ يُسْتَدَلَّ بِها عَلى القَوْلِ بِالبَعْثِ والحَشْرِ والنَّشْرِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ المُفَسِّرُونَ: نَزَلَتِ الآيَةُ في عُتْبَةَ بْنِ أبِي لَهَبٍ، وقالَ آخَرُونَ: المُرادُ بِالإنْسانِ الَّذِينَ أقْبَلَ الرَّسُولُ عَلَيْهِمْ وتَرَكَ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ بِسَبَبِهِمْ، وقالَ آخَرُونَ: بَلِ المُرادُ ذَمُّ كُلِّ غَنِيٍّ تَرَفَّعَ عَلى فَقِيرٍ بِسَبَبِ الغِنى والفَقْرِ، والَّذِي يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّهُ تَعالى ذَمَّهم لِتَرَفُّعِهم فَوَجَبَ أنْ يَعُمَّ الحُكْمُ بِسَبَبِ عُمُومِ العِلَّةِ.
وثانِيها: أنَّهُ تَعالى زَيَّفَ طَرِيقَتَهم بِسَبَبِ حَقارَةِ حالِ الإنْسانِ في الِابْتِداءِ والِانْتِهاءِ عَلى ما قالَ: ﴿مِن نُطْفَةٍ خَلَقَهُ﴾ ﴿ثُمَّ أماتَهُ فَأقْبَرَهُ﴾ وعُمُومُ هَذا الزَّجْرِ يَقْتَضِي عُمُومَ الحُكْمِ.
وثالِثُها: وهو أنَّ حَمْلَ اللَّفْظِ عَلى هَذا الوَجْهِ أكْثَرُ فائِدَةً، واللَّفْظُ مُحْتَمِلٌ لَهُ فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلَيْهِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُتِلَ الإنْسانُ﴾ دُعاءٌ عَلَيْهِ وهي مِن أشْنَعِ دَعَواتِهِمْ، لِأنَّ القَتْلَ غايَةُ شَدائِدِ الدُّنْيا، وما أكْفَرَهُ تَعَجُّبٌ مِن إفْراطِهِ في كُفْرانِ نِعْمَةِ اللَّهِ، فَقَوْلُهُ: ﴿قُتِلَ الإنْسانُ﴾ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُمُ اسْتَحَقُّوا أعْظَمَ أنْواعِ العِقابِ، وقَوْلُهُ: ﴿ما أكْفَرَهُ﴾ تَنْبِيهٌ عَلى أنْواعِ القَبائِحِ والمُنْكَراتِ، فَإنْ قِيلَ: الدُّعاءُ عَلى الإنْسانِ إنَّما يَلِيقُ بِالعاجِزِ، والقادِرُ عَلى الكُلِّ كَيْفَ يَلِيقُ بِهِ ذاكَ؟ والتَّعَجُّبُ أيْضًا إنَّما يَلِيقُ بِالجاهِلِ بِسَبَبِ الشَّيْءِ، فالعالِمُ بِالكُلِّ كَيْفَ يَلِيقُ بِهِ ذاكَ؟ . الجَوابُ: أنَّ ذَلِكَ ورَدَ عَلى أُسْلُوبِ كَلامِ العَرَبِ وتَحْقِيقُهُ ما ذَكَرْنا أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُمُ اسْتَحَقُّوا أعْظَمَ أنْواعِ العِقابِ لِأجْلِ أنَّهم أتَوْا بِأعْظَمِ أنْواعِ القَبائِحِ، واعْلَمْ أنَّ لِكُلِّ مُحْدَثٍ ثَلاثَ مَراتِبَ أوَّلَهُ ووَسَطَهُ وآخِرَهُ، وأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ هَذِهِ المَراتِبَ الثَّلاثَةَ لِلْإنْسانِ.
أمّا المَرْتَبَةُ الأُولى: فَهي قَوْلُهُ: ﴿مِن أيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ وهو اسْتِفْهامٌ وغَرَضُهُ زِيادَةُ التَّقْرِيرِ في التَّحْقِيرِ.
ثُمَّ أجابَ عَنْ ذَلِكَ الِاسْتِفْهامِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن نُطْفَةٍ خَلَقَهُ﴾ ولا شَكَّ أنَّ النُّطْفَةَ شَيْءٌ حَقِيرٌ مَهِينٌ والغَرَضُ مِنهُ أنَّ مَن كانَ أصْلُهُ [ مِن ] مِثْلِ هَذا الشَّيْءِ الحَقِيرِ، فالنَّكِيرُ والتَّجَبُّرُ لا يَكُونُ لائِقًا بِهِ.
ثُمَّ قالَ: (فَقَدَّرَهُ) وفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: قالَ الفَرّاءُ: قَدَّرَهُ أطْوارًا نُطْفَةً ثُمَّ عَلَقَةً إلى آخِرِ خَلْقِهِ وذَكَرًا أوْ أُنْثى وسَعِيدًا أوْ شَقِيًّا.
وثانِيها: قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى قَدَّرَهُ عَلى الِاسْتِواءِ كَما قالَ: ﴿أكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوّاكَ رَجُلًا﴾ [الكَهْفِ: ٣٧] .
وثالِثُها: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ وقَدَّرَ كُلَّ عُضْوٍ في الكَمِّيَّةِ والكَيْفِيَّةِ بِالقَدْرِ اللّائِقِ بِمَصْلَحَتِهِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفُرْقانِ: ٢] .
وأمّا المَرْتَبَةُ الثّانِيَةُ: وهي المَرْتَبَةُ المُتَوَسِّطَةُ فَهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: نُصِبَ (السَّبِيلَ) بِإضْمارِ يَسَّرَهُ، وفَسَّرَهُ بِيَسَّرَهُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرُوا في تَفْسِيرِهِ أقْوالًا:
أحَدُها: قالَ بَعْضُهم: المُرادُ تَسْهِيلُ خُرُوجِهِ مِن بَطْنِ أُمِّهِ، قالُوا: إنَّهُ كانَ رَأْسُ المَوْلُودِ في بَطْنِ أُمِّهِ مِن فَوْقُ ورِجْلاهُ مِن تَحْتُ، فَإذا جاءَ وقْتُ الخُرُوجِ انْقَلَبَ، فَمَنِ الَّذِي أعْطاهُ ذَلِكَ الإلْهامَ إلّا اللَّهُ؟ ومِمّا يُؤَكِّدُ هَذا التَّأْوِيلَ أنَّ خُرُوجَهُ حَيًّا مِن ذَلِكَ المَنفَذِ الضَّيِّقِ مِن أعْجَبِ العَجائِبِ.
وثانِيها: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: المُرادُ مِن هَذِهِ الآيَةِ، هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البَلَدِ: ١٠] فَهو يَتَناوَلُ التَّمْيِيزَ بَيْنَ كُلِّ خَيْرٍ وشَرٍّ يَتَعَلَّقُ بِالدُّنْيا، وبَيْنَ كُلِّ خَيْرٍ وشَرٍّ يَتَعَلَّقُ بِالدِّينِ، أيْ جَعَلْناهُ مُتَمَكِّنًا مِن سُلُوكِ سَبِيلِ الخَيْرِ والشَّرِّ، والتَّيْسِيرُ يَدْخُلُ فِيهِ الإقْدارُ والتَّعْرِيفُ والعَقْلُ وبَعْثَةُ الأنْبِياءِ، وإنْزالُ
صفحة ٥٦
الكُتُبِ.
وثالِثُها: أنَّ هَذا مَخْصُوصٌ بِأمْرِ الدِّينِ، لِأنَّ لَفْظَ السَّبِيلِ مُشْعِرٌ بِأنَّ المَقْصُودَ أحْوالُ الدُّنْيا [ لا ] أُمُورٌ تَحْصُلُ في الآخِرَةِ.
وأمّا المَرْتَبَةُ الثّانِيَةُ: وهي المَرْتَبَةُ الأخِيرَةُ، فَهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ أماتَهُ فَأقْبَرَهُ﴾ ﴿ثُمَّ إذا شاءَ أنْشَرَهُ﴾ .
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ المَرْتَبَةَ الثّالِثَةَ مُشْتَمِلَةٌ أيْضًا عَلى ثَلاثِ مَراتِبَ: الإماتَةُ، والإقْبارُ، والإنْشارُ، أمّا الإماتَةُ فَقَدْ ذَكَرْنا مَنافِعَها في هَذا الكِتابِ، ولا شَكَّ أنَّها هي الواسِطَةُ بَيْنَ حالِ التَّكْلِيفِ والمُجازاةِ، وأمّا الإقْبارُ فَقالَ الفَرّاءُ: جَعَلَهُ اللَّهُ مَقْبُورًا ولَمْ يَجْعَلْهُ مِمَّنْ يُلْقى لِلطَّيْرِ والسِّباعِ، لِأنَّ القَبْرَ مِمّا أُكْرِمَ بِهِ المُسْلِمَ، قالَ: ولَمْ يَقُلْ فَقَبَرَهُ، لِأنَّ القابِرَ هو الدّافِنُ بِيَدِهِ، والمُقْبِرُ هو اللَّهُ تَعالى، يُقالُ: قَبَرَ المَيِّتَ إذا دَفَنَهُ، وأقْبَرَ المَيِّتَ إذا أمَرَ غَيْرَهُ بِأنْ يَجْعَلَهُ في القَبْرِ، والعَرَبُ تَقُولُ: بَتَرْتُ ذَنَبَ البَعِيرِ واللَّهُ أبْتَرَهُ، وعَضَبْتُ قَرْنَ الثَّوْرِ واللَّهُ أعْضَبَهُ، وطَرَدْتُ فُلانًا عَنِّي، واللَّهُ أطْرَدَهُ، أيْ صَيَّرَهُ طَرِيدًا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ إذا شاءَ أنْشَرَهُ﴾ المُرادُ مِنهُ الإحْياءُ [ و] البَعْثُ، وإنَّما قالَ إذا شاءَ إشْعارًا بِأنَّ وقْتَهُ غَيْرُ مَعْلُومٍ لَنا، فَتَقْدِيمُهُ وتَأْخِيرُهُ مَوْكُولٌ إلى مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى، وأمّا سائِرُ الأحْوالِ المَذْكُورَةِ قَبْلَ ذَلِكَ فَإنَّهُ يُعْلَمُ أوْقاتُها مِن بَعْضِ الوُجُوهِ، إذِ المَوْتُ وإنْ لَمْ يَعْلَمِ الإنْسانُ وقْتَهُ فَفي الجُمْلَةِ يَعْلَمُ أنَّهُ لا يَتَجاوَزُ فِيهِ إلّا حَدًّا مَعْلُومًا.
عبس 80:19
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُتِلَ الإنْسانُ ما أكْفَرَهُ﴾ فِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَدَأ بِذِكْرِ القِصَّةِ المُشْتَمِلَةِ عَلى تَرَفُّعِ صَنادِيدِ قُرَيْشٍ عَلى فُقَراءِ المُسْلِمِينَ، عَجِبَ عِبادُهُ المُؤْمِنُونَ مِن ذَلِكَ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: وأيُّ سَبَبٍ في هَذا العَجَبِ والتَّرَفُّعِ مَعَ أنَّ أوَّلَهُ نُطْفَةٌ
صفحة ٥٥
قَذِرَةٌ وآخِرَهُ جِيفَةٌ مَذِرَةٌ، وفِيها بَيْنَ الوَقْتَيْنِ حَمّالُ عَذِرَةٍ، فَلا جَرَمَ ذَكَرَ تَعالى ما يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ عِلاجًا لِعَجَبِهِمْ، وما يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ عِلاجًا لِكُفْرِهِمْ، فَإنَّ خِلْقَةَ الإنْسانِ تَصْلُحُ لِأنْ يُسْتَدُلَّ بِها عَلى وُجُودِ الصّانِعِ، ولِأنْ يُسْتَدَلَّ بِها عَلى القَوْلِ بِالبَعْثِ والحَشْرِ والنَّشْرِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ المُفَسِّرُونَ: نَزَلَتِ الآيَةُ في عُتْبَةَ بْنِ أبِي لَهَبٍ، وقالَ آخَرُونَ: المُرادُ بِالإنْسانِ الَّذِينَ أقْبَلَ الرَّسُولُ عَلَيْهِمْ وتَرَكَ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ بِسَبَبِهِمْ، وقالَ آخَرُونَ: بَلِ المُرادُ ذَمُّ كُلِّ غَنِيٍّ تَرَفَّعَ عَلى فَقِيرٍ بِسَبَبِ الغِنى والفَقْرِ، والَّذِي يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّهُ تَعالى ذَمَّهم لِتَرَفُّعِهم فَوَجَبَ أنْ يَعُمَّ الحُكْمُ بِسَبَبِ عُمُومِ العِلَّةِ.
وثانِيها: أنَّهُ تَعالى زَيَّفَ طَرِيقَتَهم بِسَبَبِ حَقارَةِ حالِ الإنْسانِ في الِابْتِداءِ والِانْتِهاءِ عَلى ما قالَ: ﴿مِن نُطْفَةٍ خَلَقَهُ﴾ ﴿ثُمَّ أماتَهُ فَأقْبَرَهُ﴾ وعُمُومُ هَذا الزَّجْرِ يَقْتَضِي عُمُومَ الحُكْمِ.
وثالِثُها: وهو أنَّ حَمْلَ اللَّفْظِ عَلى هَذا الوَجْهِ أكْثَرُ فائِدَةً، واللَّفْظُ مُحْتَمِلٌ لَهُ فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلَيْهِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُتِلَ الإنْسانُ﴾ دُعاءٌ عَلَيْهِ وهي مِن أشْنَعِ دَعَواتِهِمْ، لِأنَّ القَتْلَ غايَةُ شَدائِدِ الدُّنْيا، وما أكْفَرَهُ تَعَجُّبٌ مِن إفْراطِهِ في كُفْرانِ نِعْمَةِ اللَّهِ، فَقَوْلُهُ: ﴿قُتِلَ الإنْسانُ﴾ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُمُ اسْتَحَقُّوا أعْظَمَ أنْواعِ العِقابِ، وقَوْلُهُ: ﴿ما أكْفَرَهُ﴾ تَنْبِيهٌ عَلى أنْواعِ القَبائِحِ والمُنْكَراتِ، فَإنْ قِيلَ: الدُّعاءُ عَلى الإنْسانِ إنَّما يَلِيقُ بِالعاجِزِ، والقادِرُ عَلى الكُلِّ كَيْفَ يَلِيقُ بِهِ ذاكَ؟ والتَّعَجُّبُ أيْضًا إنَّما يَلِيقُ بِالجاهِلِ بِسَبَبِ الشَّيْءِ، فالعالِمُ بِالكُلِّ كَيْفَ يَلِيقُ بِهِ ذاكَ؟ . الجَوابُ: أنَّ ذَلِكَ ورَدَ عَلى أُسْلُوبِ كَلامِ العَرَبِ وتَحْقِيقُهُ ما ذَكَرْنا أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُمُ اسْتَحَقُّوا أعْظَمَ أنْواعِ العِقابِ لِأجْلِ أنَّهم أتَوْا بِأعْظَمِ أنْواعِ القَبائِحِ، واعْلَمْ أنَّ لِكُلِّ مُحْدَثٍ ثَلاثَ مَراتِبَ أوَّلَهُ ووَسَطَهُ وآخِرَهُ، وأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ هَذِهِ المَراتِبَ الثَّلاثَةَ لِلْإنْسانِ.
أمّا المَرْتَبَةُ الأُولى: فَهي قَوْلُهُ: ﴿مِن أيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ وهو اسْتِفْهامٌ وغَرَضُهُ زِيادَةُ التَّقْرِيرِ في التَّحْقِيرِ.
ثُمَّ أجابَ عَنْ ذَلِكَ الِاسْتِفْهامِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن نُطْفَةٍ خَلَقَهُ﴾ ولا شَكَّ أنَّ النُّطْفَةَ شَيْءٌ حَقِيرٌ مَهِينٌ والغَرَضُ مِنهُ أنَّ مَن كانَ أصْلُهُ [ مِن ] مِثْلِ هَذا الشَّيْءِ الحَقِيرِ، فالنَّكِيرُ والتَّجَبُّرُ لا يَكُونُ لائِقًا بِهِ.
ثُمَّ قالَ: (فَقَدَّرَهُ) وفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: قالَ الفَرّاءُ: قَدَّرَهُ أطْوارًا نُطْفَةً ثُمَّ عَلَقَةً إلى آخِرِ خَلْقِهِ وذَكَرًا أوْ أُنْثى وسَعِيدًا أوْ شَقِيًّا.
وثانِيها: قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى قَدَّرَهُ عَلى الِاسْتِواءِ كَما قالَ: ﴿أكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوّاكَ رَجُلًا﴾ [الكَهْفِ: ٣٧] .
وثالِثُها: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ وقَدَّرَ كُلَّ عُضْوٍ في الكَمِّيَّةِ والكَيْفِيَّةِ بِالقَدْرِ اللّائِقِ بِمَصْلَحَتِهِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفُرْقانِ: ٢] .
وأمّا المَرْتَبَةُ الثّانِيَةُ: وهي المَرْتَبَةُ المُتَوَسِّطَةُ فَهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: نُصِبَ (السَّبِيلَ) بِإضْمارِ يَسَّرَهُ، وفَسَّرَهُ بِيَسَّرَهُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرُوا في تَفْسِيرِهِ أقْوالًا:
أحَدُها: قالَ بَعْضُهم: المُرادُ تَسْهِيلُ خُرُوجِهِ مِن بَطْنِ أُمِّهِ، قالُوا: إنَّهُ كانَ رَأْسُ المَوْلُودِ في بَطْنِ أُمِّهِ مِن فَوْقُ ورِجْلاهُ مِن تَحْتُ، فَإذا جاءَ وقْتُ الخُرُوجِ انْقَلَبَ، فَمَنِ الَّذِي أعْطاهُ ذَلِكَ الإلْهامَ إلّا اللَّهُ؟ ومِمّا يُؤَكِّدُ هَذا التَّأْوِيلَ أنَّ خُرُوجَهُ حَيًّا مِن ذَلِكَ المَنفَذِ الضَّيِّقِ مِن أعْجَبِ العَجائِبِ.
وثانِيها: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: المُرادُ مِن هَذِهِ الآيَةِ، هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البَلَدِ: ١٠] فَهو يَتَناوَلُ التَّمْيِيزَ بَيْنَ كُلِّ خَيْرٍ وشَرٍّ يَتَعَلَّقُ بِالدُّنْيا، وبَيْنَ كُلِّ خَيْرٍ وشَرٍّ يَتَعَلَّقُ بِالدِّينِ، أيْ جَعَلْناهُ مُتَمَكِّنًا مِن سُلُوكِ سَبِيلِ الخَيْرِ والشَّرِّ، والتَّيْسِيرُ يَدْخُلُ فِيهِ الإقْدارُ والتَّعْرِيفُ والعَقْلُ وبَعْثَةُ الأنْبِياءِ، وإنْزالُ
صفحة ٥٦
الكُتُبِ.
وثالِثُها: أنَّ هَذا مَخْصُوصٌ بِأمْرِ الدِّينِ، لِأنَّ لَفْظَ السَّبِيلِ مُشْعِرٌ بِأنَّ المَقْصُودَ أحْوالُ الدُّنْيا [ لا ] أُمُورٌ تَحْصُلُ في الآخِرَةِ.
وأمّا المَرْتَبَةُ الثّانِيَةُ: وهي المَرْتَبَةُ الأخِيرَةُ، فَهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ أماتَهُ فَأقْبَرَهُ﴾ ﴿ثُمَّ إذا شاءَ أنْشَرَهُ﴾ .
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ المَرْتَبَةَ الثّالِثَةَ مُشْتَمِلَةٌ أيْضًا عَلى ثَلاثِ مَراتِبَ: الإماتَةُ، والإقْبارُ، والإنْشارُ، أمّا الإماتَةُ فَقَدْ ذَكَرْنا مَنافِعَها في هَذا الكِتابِ، ولا شَكَّ أنَّها هي الواسِطَةُ بَيْنَ حالِ التَّكْلِيفِ والمُجازاةِ، وأمّا الإقْبارُ فَقالَ الفَرّاءُ: جَعَلَهُ اللَّهُ مَقْبُورًا ولَمْ يَجْعَلْهُ مِمَّنْ يُلْقى لِلطَّيْرِ والسِّباعِ، لِأنَّ القَبْرَ مِمّا أُكْرِمَ بِهِ المُسْلِمَ، قالَ: ولَمْ يَقُلْ فَقَبَرَهُ، لِأنَّ القابِرَ هو الدّافِنُ بِيَدِهِ، والمُقْبِرُ هو اللَّهُ تَعالى، يُقالُ: قَبَرَ المَيِّتَ إذا دَفَنَهُ، وأقْبَرَ المَيِّتَ إذا أمَرَ غَيْرَهُ بِأنْ يَجْعَلَهُ في القَبْرِ، والعَرَبُ تَقُولُ: بَتَرْتُ ذَنَبَ البَعِيرِ واللَّهُ أبْتَرَهُ، وعَضَبْتُ قَرْنَ الثَّوْرِ واللَّهُ أعْضَبَهُ، وطَرَدْتُ فُلانًا عَنِّي، واللَّهُ أطْرَدَهُ، أيْ صَيَّرَهُ طَرِيدًا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ إذا شاءَ أنْشَرَهُ﴾ المُرادُ مِنهُ الإحْياءُ [ و] البَعْثُ، وإنَّما قالَ إذا شاءَ إشْعارًا بِأنَّ وقْتَهُ غَيْرُ مَعْلُومٍ لَنا، فَتَقْدِيمُهُ وتَأْخِيرُهُ مَوْكُولٌ إلى مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى، وأمّا سائِرُ الأحْوالِ المَذْكُورَةِ قَبْلَ ذَلِكَ فَإنَّهُ يُعْلَمُ أوْقاتُها مِن بَعْضِ الوُجُوهِ، إذِ المَوْتُ وإنْ لَمْ يَعْلَمِ الإنْسانُ وقْتَهُ فَفي الجُمْلَةِ يَعْلَمُ أنَّهُ لا يَتَجاوَزُ فِيهِ إلّا حَدًّا مَعْلُومًا.
عبس 80:20
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُتِلَ الإنْسانُ ما أكْفَرَهُ﴾ فِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَدَأ بِذِكْرِ القِصَّةِ المُشْتَمِلَةِ عَلى تَرَفُّعِ صَنادِيدِ قُرَيْشٍ عَلى فُقَراءِ المُسْلِمِينَ، عَجِبَ عِبادُهُ المُؤْمِنُونَ مِن ذَلِكَ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: وأيُّ سَبَبٍ في هَذا العَجَبِ والتَّرَفُّعِ مَعَ أنَّ أوَّلَهُ نُطْفَةٌ
صفحة ٥٥
قَذِرَةٌ وآخِرَهُ جِيفَةٌ مَذِرَةٌ، وفِيها بَيْنَ الوَقْتَيْنِ حَمّالُ عَذِرَةٍ، فَلا جَرَمَ ذَكَرَ تَعالى ما يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ عِلاجًا لِعَجَبِهِمْ، وما يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ عِلاجًا لِكُفْرِهِمْ، فَإنَّ خِلْقَةَ الإنْسانِ تَصْلُحُ لِأنْ يُسْتَدُلَّ بِها عَلى وُجُودِ الصّانِعِ، ولِأنْ يُسْتَدَلَّ بِها عَلى القَوْلِ بِالبَعْثِ والحَشْرِ والنَّشْرِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ المُفَسِّرُونَ: نَزَلَتِ الآيَةُ في عُتْبَةَ بْنِ أبِي لَهَبٍ، وقالَ آخَرُونَ: المُرادُ بِالإنْسانِ الَّذِينَ أقْبَلَ الرَّسُولُ عَلَيْهِمْ وتَرَكَ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ بِسَبَبِهِمْ، وقالَ آخَرُونَ: بَلِ المُرادُ ذَمُّ كُلِّ غَنِيٍّ تَرَفَّعَ عَلى فَقِيرٍ بِسَبَبِ الغِنى والفَقْرِ، والَّذِي يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّهُ تَعالى ذَمَّهم لِتَرَفُّعِهم فَوَجَبَ أنْ يَعُمَّ الحُكْمُ بِسَبَبِ عُمُومِ العِلَّةِ.
وثانِيها: أنَّهُ تَعالى زَيَّفَ طَرِيقَتَهم بِسَبَبِ حَقارَةِ حالِ الإنْسانِ في الِابْتِداءِ والِانْتِهاءِ عَلى ما قالَ: ﴿مِن نُطْفَةٍ خَلَقَهُ﴾ ﴿ثُمَّ أماتَهُ فَأقْبَرَهُ﴾ وعُمُومُ هَذا الزَّجْرِ يَقْتَضِي عُمُومَ الحُكْمِ.
وثالِثُها: وهو أنَّ حَمْلَ اللَّفْظِ عَلى هَذا الوَجْهِ أكْثَرُ فائِدَةً، واللَّفْظُ مُحْتَمِلٌ لَهُ فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلَيْهِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُتِلَ الإنْسانُ﴾ دُعاءٌ عَلَيْهِ وهي مِن أشْنَعِ دَعَواتِهِمْ، لِأنَّ القَتْلَ غايَةُ شَدائِدِ الدُّنْيا، وما أكْفَرَهُ تَعَجُّبٌ مِن إفْراطِهِ في كُفْرانِ نِعْمَةِ اللَّهِ، فَقَوْلُهُ: ﴿قُتِلَ الإنْسانُ﴾ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُمُ اسْتَحَقُّوا أعْظَمَ أنْواعِ العِقابِ، وقَوْلُهُ: ﴿ما أكْفَرَهُ﴾ تَنْبِيهٌ عَلى أنْواعِ القَبائِحِ والمُنْكَراتِ، فَإنْ قِيلَ: الدُّعاءُ عَلى الإنْسانِ إنَّما يَلِيقُ بِالعاجِزِ، والقادِرُ عَلى الكُلِّ كَيْفَ يَلِيقُ بِهِ ذاكَ؟ والتَّعَجُّبُ أيْضًا إنَّما يَلِيقُ بِالجاهِلِ بِسَبَبِ الشَّيْءِ، فالعالِمُ بِالكُلِّ كَيْفَ يَلِيقُ بِهِ ذاكَ؟ . الجَوابُ: أنَّ ذَلِكَ ورَدَ عَلى أُسْلُوبِ كَلامِ العَرَبِ وتَحْقِيقُهُ ما ذَكَرْنا أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُمُ اسْتَحَقُّوا أعْظَمَ أنْواعِ العِقابِ لِأجْلِ أنَّهم أتَوْا بِأعْظَمِ أنْواعِ القَبائِحِ، واعْلَمْ أنَّ لِكُلِّ مُحْدَثٍ ثَلاثَ مَراتِبَ أوَّلَهُ ووَسَطَهُ وآخِرَهُ، وأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ هَذِهِ المَراتِبَ الثَّلاثَةَ لِلْإنْسانِ.
أمّا المَرْتَبَةُ الأُولى: فَهي قَوْلُهُ: ﴿مِن أيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ وهو اسْتِفْهامٌ وغَرَضُهُ زِيادَةُ التَّقْرِيرِ في التَّحْقِيرِ.
ثُمَّ أجابَ عَنْ ذَلِكَ الِاسْتِفْهامِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن نُطْفَةٍ خَلَقَهُ﴾ ولا شَكَّ أنَّ النُّطْفَةَ شَيْءٌ حَقِيرٌ مَهِينٌ والغَرَضُ مِنهُ أنَّ مَن كانَ أصْلُهُ [ مِن ] مِثْلِ هَذا الشَّيْءِ الحَقِيرِ، فالنَّكِيرُ والتَّجَبُّرُ لا يَكُونُ لائِقًا بِهِ.
ثُمَّ قالَ: (فَقَدَّرَهُ) وفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: قالَ الفَرّاءُ: قَدَّرَهُ أطْوارًا نُطْفَةً ثُمَّ عَلَقَةً إلى آخِرِ خَلْقِهِ وذَكَرًا أوْ أُنْثى وسَعِيدًا أوْ شَقِيًّا.
وثانِيها: قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى قَدَّرَهُ عَلى الِاسْتِواءِ كَما قالَ: ﴿أكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوّاكَ رَجُلًا﴾ [الكَهْفِ: ٣٧] .
وثالِثُها: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ وقَدَّرَ كُلَّ عُضْوٍ في الكَمِّيَّةِ والكَيْفِيَّةِ بِالقَدْرِ اللّائِقِ بِمَصْلَحَتِهِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفُرْقانِ: ٢] .
وأمّا المَرْتَبَةُ الثّانِيَةُ: وهي المَرْتَبَةُ المُتَوَسِّطَةُ فَهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: نُصِبَ (السَّبِيلَ) بِإضْمارِ يَسَّرَهُ، وفَسَّرَهُ بِيَسَّرَهُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرُوا في تَفْسِيرِهِ أقْوالًا:
أحَدُها: قالَ بَعْضُهم: المُرادُ تَسْهِيلُ خُرُوجِهِ مِن بَطْنِ أُمِّهِ، قالُوا: إنَّهُ كانَ رَأْسُ المَوْلُودِ في بَطْنِ أُمِّهِ مِن فَوْقُ ورِجْلاهُ مِن تَحْتُ، فَإذا جاءَ وقْتُ الخُرُوجِ انْقَلَبَ، فَمَنِ الَّذِي أعْطاهُ ذَلِكَ الإلْهامَ إلّا اللَّهُ؟ ومِمّا يُؤَكِّدُ هَذا التَّأْوِيلَ أنَّ خُرُوجَهُ حَيًّا مِن ذَلِكَ المَنفَذِ الضَّيِّقِ مِن أعْجَبِ العَجائِبِ.
وثانِيها: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: المُرادُ مِن هَذِهِ الآيَةِ، هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البَلَدِ: ١٠] فَهو يَتَناوَلُ التَّمْيِيزَ بَيْنَ كُلِّ خَيْرٍ وشَرٍّ يَتَعَلَّقُ بِالدُّنْيا، وبَيْنَ كُلِّ خَيْرٍ وشَرٍّ يَتَعَلَّقُ بِالدِّينِ، أيْ جَعَلْناهُ مُتَمَكِّنًا مِن سُلُوكِ سَبِيلِ الخَيْرِ والشَّرِّ، والتَّيْسِيرُ يَدْخُلُ فِيهِ الإقْدارُ والتَّعْرِيفُ والعَقْلُ وبَعْثَةُ الأنْبِياءِ، وإنْزالُ
صفحة ٥٦
الكُتُبِ.
وثالِثُها: أنَّ هَذا مَخْصُوصٌ بِأمْرِ الدِّينِ، لِأنَّ لَفْظَ السَّبِيلِ مُشْعِرٌ بِأنَّ المَقْصُودَ أحْوالُ الدُّنْيا [ لا ] أُمُورٌ تَحْصُلُ في الآخِرَةِ.
وأمّا المَرْتَبَةُ الثّانِيَةُ: وهي المَرْتَبَةُ الأخِيرَةُ، فَهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ أماتَهُ فَأقْبَرَهُ﴾ ﴿ثُمَّ إذا شاءَ أنْشَرَهُ﴾ .
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ المَرْتَبَةَ الثّالِثَةَ مُشْتَمِلَةٌ أيْضًا عَلى ثَلاثِ مَراتِبَ: الإماتَةُ، والإقْبارُ، والإنْشارُ، أمّا الإماتَةُ فَقَدْ ذَكَرْنا مَنافِعَها في هَذا الكِتابِ، ولا شَكَّ أنَّها هي الواسِطَةُ بَيْنَ حالِ التَّكْلِيفِ والمُجازاةِ، وأمّا الإقْبارُ فَقالَ الفَرّاءُ: جَعَلَهُ اللَّهُ مَقْبُورًا ولَمْ يَجْعَلْهُ مِمَّنْ يُلْقى لِلطَّيْرِ والسِّباعِ، لِأنَّ القَبْرَ مِمّا أُكْرِمَ بِهِ المُسْلِمَ، قالَ: ولَمْ يَقُلْ فَقَبَرَهُ، لِأنَّ القابِرَ هو الدّافِنُ بِيَدِهِ، والمُقْبِرُ هو اللَّهُ تَعالى، يُقالُ: قَبَرَ المَيِّتَ إذا دَفَنَهُ، وأقْبَرَ المَيِّتَ إذا أمَرَ غَيْرَهُ بِأنْ يَجْعَلَهُ في القَبْرِ، والعَرَبُ تَقُولُ: بَتَرْتُ ذَنَبَ البَعِيرِ واللَّهُ أبْتَرَهُ، وعَضَبْتُ قَرْنَ الثَّوْرِ واللَّهُ أعْضَبَهُ، وطَرَدْتُ فُلانًا عَنِّي، واللَّهُ أطْرَدَهُ، أيْ صَيَّرَهُ طَرِيدًا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ إذا شاءَ أنْشَرَهُ﴾ المُرادُ مِنهُ الإحْياءُ [ و] البَعْثُ، وإنَّما قالَ إذا شاءَ إشْعارًا بِأنَّ وقْتَهُ غَيْرُ مَعْلُومٍ لَنا، فَتَقْدِيمُهُ وتَأْخِيرُهُ مَوْكُولٌ إلى مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى، وأمّا سائِرُ الأحْوالِ المَذْكُورَةِ قَبْلَ ذَلِكَ فَإنَّهُ يُعْلَمُ أوْقاتُها مِن بَعْضِ الوُجُوهِ، إذِ المَوْتُ وإنْ لَمْ يَعْلَمِ الإنْسانُ وقْتَهُ فَفي الجُمْلَةِ يَعْلَمُ أنَّهُ لا يَتَجاوَزُ فِيهِ إلّا حَدًّا مَعْلُومًا.
عبس 80:21
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُتِلَ الإنْسانُ ما أكْفَرَهُ﴾ فِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَدَأ بِذِكْرِ القِصَّةِ المُشْتَمِلَةِ عَلى تَرَفُّعِ صَنادِيدِ قُرَيْشٍ عَلى فُقَراءِ المُسْلِمِينَ، عَجِبَ عِبادُهُ المُؤْمِنُونَ مِن ذَلِكَ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: وأيُّ سَبَبٍ في هَذا العَجَبِ والتَّرَفُّعِ مَعَ أنَّ أوَّلَهُ نُطْفَةٌ
صفحة ٥٥
قَذِرَةٌ وآخِرَهُ جِيفَةٌ مَذِرَةٌ، وفِيها بَيْنَ الوَقْتَيْنِ حَمّالُ عَذِرَةٍ، فَلا جَرَمَ ذَكَرَ تَعالى ما يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ عِلاجًا لِعَجَبِهِمْ، وما يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ عِلاجًا لِكُفْرِهِمْ، فَإنَّ خِلْقَةَ الإنْسانِ تَصْلُحُ لِأنْ يُسْتَدُلَّ بِها عَلى وُجُودِ الصّانِعِ، ولِأنْ يُسْتَدَلَّ بِها عَلى القَوْلِ بِالبَعْثِ والحَشْرِ والنَّشْرِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ المُفَسِّرُونَ: نَزَلَتِ الآيَةُ في عُتْبَةَ بْنِ أبِي لَهَبٍ، وقالَ آخَرُونَ: المُرادُ بِالإنْسانِ الَّذِينَ أقْبَلَ الرَّسُولُ عَلَيْهِمْ وتَرَكَ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ بِسَبَبِهِمْ، وقالَ آخَرُونَ: بَلِ المُرادُ ذَمُّ كُلِّ غَنِيٍّ تَرَفَّعَ عَلى فَقِيرٍ بِسَبَبِ الغِنى والفَقْرِ، والَّذِي يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّهُ تَعالى ذَمَّهم لِتَرَفُّعِهم فَوَجَبَ أنْ يَعُمَّ الحُكْمُ بِسَبَبِ عُمُومِ العِلَّةِ.
وثانِيها: أنَّهُ تَعالى زَيَّفَ طَرِيقَتَهم بِسَبَبِ حَقارَةِ حالِ الإنْسانِ في الِابْتِداءِ والِانْتِهاءِ عَلى ما قالَ: ﴿مِن نُطْفَةٍ خَلَقَهُ﴾ ﴿ثُمَّ أماتَهُ فَأقْبَرَهُ﴾ وعُمُومُ هَذا الزَّجْرِ يَقْتَضِي عُمُومَ الحُكْمِ.
وثالِثُها: وهو أنَّ حَمْلَ اللَّفْظِ عَلى هَذا الوَجْهِ أكْثَرُ فائِدَةً، واللَّفْظُ مُحْتَمِلٌ لَهُ فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلَيْهِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُتِلَ الإنْسانُ﴾ دُعاءٌ عَلَيْهِ وهي مِن أشْنَعِ دَعَواتِهِمْ، لِأنَّ القَتْلَ غايَةُ شَدائِدِ الدُّنْيا، وما أكْفَرَهُ تَعَجُّبٌ مِن إفْراطِهِ في كُفْرانِ نِعْمَةِ اللَّهِ، فَقَوْلُهُ: ﴿قُتِلَ الإنْسانُ﴾ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُمُ اسْتَحَقُّوا أعْظَمَ أنْواعِ العِقابِ، وقَوْلُهُ: ﴿ما أكْفَرَهُ﴾ تَنْبِيهٌ عَلى أنْواعِ القَبائِحِ والمُنْكَراتِ، فَإنْ قِيلَ: الدُّعاءُ عَلى الإنْسانِ إنَّما يَلِيقُ بِالعاجِزِ، والقادِرُ عَلى الكُلِّ كَيْفَ يَلِيقُ بِهِ ذاكَ؟ والتَّعَجُّبُ أيْضًا إنَّما يَلِيقُ بِالجاهِلِ بِسَبَبِ الشَّيْءِ، فالعالِمُ بِالكُلِّ كَيْفَ يَلِيقُ بِهِ ذاكَ؟ . الجَوابُ: أنَّ ذَلِكَ ورَدَ عَلى أُسْلُوبِ كَلامِ العَرَبِ وتَحْقِيقُهُ ما ذَكَرْنا أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُمُ اسْتَحَقُّوا أعْظَمَ أنْواعِ العِقابِ لِأجْلِ أنَّهم أتَوْا بِأعْظَمِ أنْواعِ القَبائِحِ، واعْلَمْ أنَّ لِكُلِّ مُحْدَثٍ ثَلاثَ مَراتِبَ أوَّلَهُ ووَسَطَهُ وآخِرَهُ، وأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ هَذِهِ المَراتِبَ الثَّلاثَةَ لِلْإنْسانِ.
أمّا المَرْتَبَةُ الأُولى: فَهي قَوْلُهُ: ﴿مِن أيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ وهو اسْتِفْهامٌ وغَرَضُهُ زِيادَةُ التَّقْرِيرِ في التَّحْقِيرِ.
ثُمَّ أجابَ عَنْ ذَلِكَ الِاسْتِفْهامِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن نُطْفَةٍ خَلَقَهُ﴾ ولا شَكَّ أنَّ النُّطْفَةَ شَيْءٌ حَقِيرٌ مَهِينٌ والغَرَضُ مِنهُ أنَّ مَن كانَ أصْلُهُ [ مِن ] مِثْلِ هَذا الشَّيْءِ الحَقِيرِ، فالنَّكِيرُ والتَّجَبُّرُ لا يَكُونُ لائِقًا بِهِ.
ثُمَّ قالَ: (فَقَدَّرَهُ) وفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: قالَ الفَرّاءُ: قَدَّرَهُ أطْوارًا نُطْفَةً ثُمَّ عَلَقَةً إلى آخِرِ خَلْقِهِ وذَكَرًا أوْ أُنْثى وسَعِيدًا أوْ شَقِيًّا.
وثانِيها: قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى قَدَّرَهُ عَلى الِاسْتِواءِ كَما قالَ: ﴿أكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوّاكَ رَجُلًا﴾ [الكَهْفِ: ٣٧] .
وثالِثُها: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ وقَدَّرَ كُلَّ عُضْوٍ في الكَمِّيَّةِ والكَيْفِيَّةِ بِالقَدْرِ اللّائِقِ بِمَصْلَحَتِهِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفُرْقانِ: ٢] .
وأمّا المَرْتَبَةُ الثّانِيَةُ: وهي المَرْتَبَةُ المُتَوَسِّطَةُ فَهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: نُصِبَ (السَّبِيلَ) بِإضْمارِ يَسَّرَهُ، وفَسَّرَهُ بِيَسَّرَهُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرُوا في تَفْسِيرِهِ أقْوالًا:
أحَدُها: قالَ بَعْضُهم: المُرادُ تَسْهِيلُ خُرُوجِهِ مِن بَطْنِ أُمِّهِ، قالُوا: إنَّهُ كانَ رَأْسُ المَوْلُودِ في بَطْنِ أُمِّهِ مِن فَوْقُ ورِجْلاهُ مِن تَحْتُ، فَإذا جاءَ وقْتُ الخُرُوجِ انْقَلَبَ، فَمَنِ الَّذِي أعْطاهُ ذَلِكَ الإلْهامَ إلّا اللَّهُ؟ ومِمّا يُؤَكِّدُ هَذا التَّأْوِيلَ أنَّ خُرُوجَهُ حَيًّا مِن ذَلِكَ المَنفَذِ الضَّيِّقِ مِن أعْجَبِ العَجائِبِ.
وثانِيها: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: المُرادُ مِن هَذِهِ الآيَةِ، هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البَلَدِ: ١٠] فَهو يَتَناوَلُ التَّمْيِيزَ بَيْنَ كُلِّ خَيْرٍ وشَرٍّ يَتَعَلَّقُ بِالدُّنْيا، وبَيْنَ كُلِّ خَيْرٍ وشَرٍّ يَتَعَلَّقُ بِالدِّينِ، أيْ جَعَلْناهُ مُتَمَكِّنًا مِن سُلُوكِ سَبِيلِ الخَيْرِ والشَّرِّ، والتَّيْسِيرُ يَدْخُلُ فِيهِ الإقْدارُ والتَّعْرِيفُ والعَقْلُ وبَعْثَةُ الأنْبِياءِ، وإنْزالُ
صفحة ٥٦
الكُتُبِ.
وثالِثُها: أنَّ هَذا مَخْصُوصٌ بِأمْرِ الدِّينِ، لِأنَّ لَفْظَ السَّبِيلِ مُشْعِرٌ بِأنَّ المَقْصُودَ أحْوالُ الدُّنْيا [ لا ] أُمُورٌ تَحْصُلُ في الآخِرَةِ.
وأمّا المَرْتَبَةُ الثّانِيَةُ: وهي المَرْتَبَةُ الأخِيرَةُ، فَهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ أماتَهُ فَأقْبَرَهُ﴾ ﴿ثُمَّ إذا شاءَ أنْشَرَهُ﴾ .
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ المَرْتَبَةَ الثّالِثَةَ مُشْتَمِلَةٌ أيْضًا عَلى ثَلاثِ مَراتِبَ: الإماتَةُ، والإقْبارُ، والإنْشارُ، أمّا الإماتَةُ فَقَدْ ذَكَرْنا مَنافِعَها في هَذا الكِتابِ، ولا شَكَّ أنَّها هي الواسِطَةُ بَيْنَ حالِ التَّكْلِيفِ والمُجازاةِ، وأمّا الإقْبارُ فَقالَ الفَرّاءُ: جَعَلَهُ اللَّهُ مَقْبُورًا ولَمْ يَجْعَلْهُ مِمَّنْ يُلْقى لِلطَّيْرِ والسِّباعِ، لِأنَّ القَبْرَ مِمّا أُكْرِمَ بِهِ المُسْلِمَ، قالَ: ولَمْ يَقُلْ فَقَبَرَهُ، لِأنَّ القابِرَ هو الدّافِنُ بِيَدِهِ، والمُقْبِرُ هو اللَّهُ تَعالى، يُقالُ: قَبَرَ المَيِّتَ إذا دَفَنَهُ، وأقْبَرَ المَيِّتَ إذا أمَرَ غَيْرَهُ بِأنْ يَجْعَلَهُ في القَبْرِ، والعَرَبُ تَقُولُ: بَتَرْتُ ذَنَبَ البَعِيرِ واللَّهُ أبْتَرَهُ، وعَضَبْتُ قَرْنَ الثَّوْرِ واللَّهُ أعْضَبَهُ، وطَرَدْتُ فُلانًا عَنِّي، واللَّهُ أطْرَدَهُ، أيْ صَيَّرَهُ طَرِيدًا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ إذا شاءَ أنْشَرَهُ﴾ المُرادُ مِنهُ الإحْياءُ [ و] البَعْثُ، وإنَّما قالَ إذا شاءَ إشْعارًا بِأنَّ وقْتَهُ غَيْرُ مَعْلُومٍ لَنا، فَتَقْدِيمُهُ وتَأْخِيرُهُ مَوْكُولٌ إلى مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى، وأمّا سائِرُ الأحْوالِ المَذْكُورَةِ قَبْلَ ذَلِكَ فَإنَّهُ يُعْلَمُ أوْقاتُها مِن بَعْضِ الوُجُوهِ، إذِ المَوْتُ وإنْ لَمْ يَعْلَمِ الإنْسانُ وقْتَهُ فَفي الجُمْلَةِ يَعْلَمُ أنَّهُ لا يَتَجاوَزُ فِيهِ إلّا حَدًّا مَعْلُومًا.
عبس 80:22
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُتِلَ الإنْسانُ ما أكْفَرَهُ﴾ فِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَدَأ بِذِكْرِ القِصَّةِ المُشْتَمِلَةِ عَلى تَرَفُّعِ صَنادِيدِ قُرَيْشٍ عَلى فُقَراءِ المُسْلِمِينَ، عَجِبَ عِبادُهُ المُؤْمِنُونَ مِن ذَلِكَ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: وأيُّ سَبَبٍ في هَذا العَجَبِ والتَّرَفُّعِ مَعَ أنَّ أوَّلَهُ نُطْفَةٌ
صفحة ٥٥
قَذِرَةٌ وآخِرَهُ جِيفَةٌ مَذِرَةٌ، وفِيها بَيْنَ الوَقْتَيْنِ حَمّالُ عَذِرَةٍ، فَلا جَرَمَ ذَكَرَ تَعالى ما يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ عِلاجًا لِعَجَبِهِمْ، وما يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ عِلاجًا لِكُفْرِهِمْ، فَإنَّ خِلْقَةَ الإنْسانِ تَصْلُحُ لِأنْ يُسْتَدُلَّ بِها عَلى وُجُودِ الصّانِعِ، ولِأنْ يُسْتَدَلَّ بِها عَلى القَوْلِ بِالبَعْثِ والحَشْرِ والنَّشْرِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ المُفَسِّرُونَ: نَزَلَتِ الآيَةُ في عُتْبَةَ بْنِ أبِي لَهَبٍ، وقالَ آخَرُونَ: المُرادُ بِالإنْسانِ الَّذِينَ أقْبَلَ الرَّسُولُ عَلَيْهِمْ وتَرَكَ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ بِسَبَبِهِمْ، وقالَ آخَرُونَ: بَلِ المُرادُ ذَمُّ كُلِّ غَنِيٍّ تَرَفَّعَ عَلى فَقِيرٍ بِسَبَبِ الغِنى والفَقْرِ، والَّذِي يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّهُ تَعالى ذَمَّهم لِتَرَفُّعِهم فَوَجَبَ أنْ يَعُمَّ الحُكْمُ بِسَبَبِ عُمُومِ العِلَّةِ.
وثانِيها: أنَّهُ تَعالى زَيَّفَ طَرِيقَتَهم بِسَبَبِ حَقارَةِ حالِ الإنْسانِ في الِابْتِداءِ والِانْتِهاءِ عَلى ما قالَ: ﴿مِن نُطْفَةٍ خَلَقَهُ﴾ ﴿ثُمَّ أماتَهُ فَأقْبَرَهُ﴾ وعُمُومُ هَذا الزَّجْرِ يَقْتَضِي عُمُومَ الحُكْمِ.
وثالِثُها: وهو أنَّ حَمْلَ اللَّفْظِ عَلى هَذا الوَجْهِ أكْثَرُ فائِدَةً، واللَّفْظُ مُحْتَمِلٌ لَهُ فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلَيْهِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُتِلَ الإنْسانُ﴾ دُعاءٌ عَلَيْهِ وهي مِن أشْنَعِ دَعَواتِهِمْ، لِأنَّ القَتْلَ غايَةُ شَدائِدِ الدُّنْيا، وما أكْفَرَهُ تَعَجُّبٌ مِن إفْراطِهِ في كُفْرانِ نِعْمَةِ اللَّهِ، فَقَوْلُهُ: ﴿قُتِلَ الإنْسانُ﴾ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُمُ اسْتَحَقُّوا أعْظَمَ أنْواعِ العِقابِ، وقَوْلُهُ: ﴿ما أكْفَرَهُ﴾ تَنْبِيهٌ عَلى أنْواعِ القَبائِحِ والمُنْكَراتِ، فَإنْ قِيلَ: الدُّعاءُ عَلى الإنْسانِ إنَّما يَلِيقُ بِالعاجِزِ، والقادِرُ عَلى الكُلِّ كَيْفَ يَلِيقُ بِهِ ذاكَ؟ والتَّعَجُّبُ أيْضًا إنَّما يَلِيقُ بِالجاهِلِ بِسَبَبِ الشَّيْءِ، فالعالِمُ بِالكُلِّ كَيْفَ يَلِيقُ بِهِ ذاكَ؟ . الجَوابُ: أنَّ ذَلِكَ ورَدَ عَلى أُسْلُوبِ كَلامِ العَرَبِ وتَحْقِيقُهُ ما ذَكَرْنا أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُمُ اسْتَحَقُّوا أعْظَمَ أنْواعِ العِقابِ لِأجْلِ أنَّهم أتَوْا بِأعْظَمِ أنْواعِ القَبائِحِ، واعْلَمْ أنَّ لِكُلِّ مُحْدَثٍ ثَلاثَ مَراتِبَ أوَّلَهُ ووَسَطَهُ وآخِرَهُ، وأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ هَذِهِ المَراتِبَ الثَّلاثَةَ لِلْإنْسانِ.
أمّا المَرْتَبَةُ الأُولى: فَهي قَوْلُهُ: ﴿مِن أيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ وهو اسْتِفْهامٌ وغَرَضُهُ زِيادَةُ التَّقْرِيرِ في التَّحْقِيرِ.
ثُمَّ أجابَ عَنْ ذَلِكَ الِاسْتِفْهامِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن نُطْفَةٍ خَلَقَهُ﴾ ولا شَكَّ أنَّ النُّطْفَةَ شَيْءٌ حَقِيرٌ مَهِينٌ والغَرَضُ مِنهُ أنَّ مَن كانَ أصْلُهُ [ مِن ] مِثْلِ هَذا الشَّيْءِ الحَقِيرِ، فالنَّكِيرُ والتَّجَبُّرُ لا يَكُونُ لائِقًا بِهِ.
ثُمَّ قالَ: (فَقَدَّرَهُ) وفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: قالَ الفَرّاءُ: قَدَّرَهُ أطْوارًا نُطْفَةً ثُمَّ عَلَقَةً إلى آخِرِ خَلْقِهِ وذَكَرًا أوْ أُنْثى وسَعِيدًا أوْ شَقِيًّا.
وثانِيها: قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى قَدَّرَهُ عَلى الِاسْتِواءِ كَما قالَ: ﴿أكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوّاكَ رَجُلًا﴾ [الكَهْفِ: ٣٧] .
وثالِثُها: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ وقَدَّرَ كُلَّ عُضْوٍ في الكَمِّيَّةِ والكَيْفِيَّةِ بِالقَدْرِ اللّائِقِ بِمَصْلَحَتِهِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفُرْقانِ: ٢] .
وأمّا المَرْتَبَةُ الثّانِيَةُ: وهي المَرْتَبَةُ المُتَوَسِّطَةُ فَهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: نُصِبَ (السَّبِيلَ) بِإضْمارِ يَسَّرَهُ، وفَسَّرَهُ بِيَسَّرَهُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرُوا في تَفْسِيرِهِ أقْوالًا:
أحَدُها: قالَ بَعْضُهم: المُرادُ تَسْهِيلُ خُرُوجِهِ مِن بَطْنِ أُمِّهِ، قالُوا: إنَّهُ كانَ رَأْسُ المَوْلُودِ في بَطْنِ أُمِّهِ مِن فَوْقُ ورِجْلاهُ مِن تَحْتُ، فَإذا جاءَ وقْتُ الخُرُوجِ انْقَلَبَ، فَمَنِ الَّذِي أعْطاهُ ذَلِكَ الإلْهامَ إلّا اللَّهُ؟ ومِمّا يُؤَكِّدُ هَذا التَّأْوِيلَ أنَّ خُرُوجَهُ حَيًّا مِن ذَلِكَ المَنفَذِ الضَّيِّقِ مِن أعْجَبِ العَجائِبِ.
وثانِيها: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: المُرادُ مِن هَذِهِ الآيَةِ، هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البَلَدِ: ١٠] فَهو يَتَناوَلُ التَّمْيِيزَ بَيْنَ كُلِّ خَيْرٍ وشَرٍّ يَتَعَلَّقُ بِالدُّنْيا، وبَيْنَ كُلِّ خَيْرٍ وشَرٍّ يَتَعَلَّقُ بِالدِّينِ، أيْ جَعَلْناهُ مُتَمَكِّنًا مِن سُلُوكِ سَبِيلِ الخَيْرِ والشَّرِّ، والتَّيْسِيرُ يَدْخُلُ فِيهِ الإقْدارُ والتَّعْرِيفُ والعَقْلُ وبَعْثَةُ الأنْبِياءِ، وإنْزالُ
صفحة ٥٦
الكُتُبِ.
وثالِثُها: أنَّ هَذا مَخْصُوصٌ بِأمْرِ الدِّينِ، لِأنَّ لَفْظَ السَّبِيلِ مُشْعِرٌ بِأنَّ المَقْصُودَ أحْوالُ الدُّنْيا [ لا ] أُمُورٌ تَحْصُلُ في الآخِرَةِ.
وأمّا المَرْتَبَةُ الثّانِيَةُ: وهي المَرْتَبَةُ الأخِيرَةُ، فَهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ أماتَهُ فَأقْبَرَهُ﴾ ﴿ثُمَّ إذا شاءَ أنْشَرَهُ﴾ .
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ المَرْتَبَةَ الثّالِثَةَ مُشْتَمِلَةٌ أيْضًا عَلى ثَلاثِ مَراتِبَ: الإماتَةُ، والإقْبارُ، والإنْشارُ، أمّا الإماتَةُ فَقَدْ ذَكَرْنا مَنافِعَها في هَذا الكِتابِ، ولا شَكَّ أنَّها هي الواسِطَةُ بَيْنَ حالِ التَّكْلِيفِ والمُجازاةِ، وأمّا الإقْبارُ فَقالَ الفَرّاءُ: جَعَلَهُ اللَّهُ مَقْبُورًا ولَمْ يَجْعَلْهُ مِمَّنْ يُلْقى لِلطَّيْرِ والسِّباعِ، لِأنَّ القَبْرَ مِمّا أُكْرِمَ بِهِ المُسْلِمَ، قالَ: ولَمْ يَقُلْ فَقَبَرَهُ، لِأنَّ القابِرَ هو الدّافِنُ بِيَدِهِ، والمُقْبِرُ هو اللَّهُ تَعالى، يُقالُ: قَبَرَ المَيِّتَ إذا دَفَنَهُ، وأقْبَرَ المَيِّتَ إذا أمَرَ غَيْرَهُ بِأنْ يَجْعَلَهُ في القَبْرِ، والعَرَبُ تَقُولُ: بَتَرْتُ ذَنَبَ البَعِيرِ واللَّهُ أبْتَرَهُ، وعَضَبْتُ قَرْنَ الثَّوْرِ واللَّهُ أعْضَبَهُ، وطَرَدْتُ فُلانًا عَنِّي، واللَّهُ أطْرَدَهُ، أيْ صَيَّرَهُ طَرِيدًا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ إذا شاءَ أنْشَرَهُ﴾ المُرادُ مِنهُ الإحْياءُ [ و] البَعْثُ، وإنَّما قالَ إذا شاءَ إشْعارًا بِأنَّ وقْتَهُ غَيْرُ مَعْلُومٍ لَنا، فَتَقْدِيمُهُ وتَأْخِيرُهُ مَوْكُولٌ إلى مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى، وأمّا سائِرُ الأحْوالِ المَذْكُورَةِ قَبْلَ ذَلِكَ فَإنَّهُ يُعْلَمُ أوْقاتُها مِن بَعْضِ الوُجُوهِ، إذِ المَوْتُ وإنْ لَمْ يَعْلَمِ الإنْسانُ وقْتَهُ فَفي الجُمْلَةِ يَعْلَمُ أنَّهُ لا يَتَجاوَزُ فِيهِ إلّا حَدًّا مَعْلُومًا.
عبس 80:23
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُتِلَ الإنْسانُ ما أكْفَرَهُ﴾ فِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَدَأ بِذِكْرِ القِصَّةِ المُشْتَمِلَةِ عَلى تَرَفُّعِ صَنادِيدِ قُرَيْشٍ عَلى فُقَراءِ المُسْلِمِينَ، عَجِبَ عِبادُهُ المُؤْمِنُونَ مِن ذَلِكَ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: وأيُّ سَبَبٍ في هَذا العَجَبِ والتَّرَفُّعِ مَعَ أنَّ أوَّلَهُ نُطْفَةٌ
صفحة ٥٥
قَذِرَةٌ وآخِرَهُ جِيفَةٌ مَذِرَةٌ، وفِيها بَيْنَ الوَقْتَيْنِ حَمّالُ عَذِرَةٍ، فَلا جَرَمَ ذَكَرَ تَعالى ما يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ عِلاجًا لِعَجَبِهِمْ، وما يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ عِلاجًا لِكُفْرِهِمْ، فَإنَّ خِلْقَةَ الإنْسانِ تَصْلُحُ لِأنْ يُسْتَدُلَّ بِها عَلى وُجُودِ الصّانِعِ، ولِأنْ يُسْتَدَلَّ بِها عَلى القَوْلِ بِالبَعْثِ والحَشْرِ والنَّشْرِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ المُفَسِّرُونَ: نَزَلَتِ الآيَةُ في عُتْبَةَ بْنِ أبِي لَهَبٍ، وقالَ آخَرُونَ: المُرادُ بِالإنْسانِ الَّذِينَ أقْبَلَ الرَّسُولُ عَلَيْهِمْ وتَرَكَ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ بِسَبَبِهِمْ، وقالَ آخَرُونَ: بَلِ المُرادُ ذَمُّ كُلِّ غَنِيٍّ تَرَفَّعَ عَلى فَقِيرٍ بِسَبَبِ الغِنى والفَقْرِ، والَّذِي يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّهُ تَعالى ذَمَّهم لِتَرَفُّعِهم فَوَجَبَ أنْ يَعُمَّ الحُكْمُ بِسَبَبِ عُمُومِ العِلَّةِ.
وثانِيها: أنَّهُ تَعالى زَيَّفَ طَرِيقَتَهم بِسَبَبِ حَقارَةِ حالِ الإنْسانِ في الِابْتِداءِ والِانْتِهاءِ عَلى ما قالَ: ﴿مِن نُطْفَةٍ خَلَقَهُ﴾ ﴿ثُمَّ أماتَهُ فَأقْبَرَهُ﴾ وعُمُومُ هَذا الزَّجْرِ يَقْتَضِي عُمُومَ الحُكْمِ.
وثالِثُها: وهو أنَّ حَمْلَ اللَّفْظِ عَلى هَذا الوَجْهِ أكْثَرُ فائِدَةً، واللَّفْظُ مُحْتَمِلٌ لَهُ فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلَيْهِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُتِلَ الإنْسانُ﴾ دُعاءٌ عَلَيْهِ وهي مِن أشْنَعِ دَعَواتِهِمْ، لِأنَّ القَتْلَ غايَةُ شَدائِدِ الدُّنْيا، وما أكْفَرَهُ تَعَجُّبٌ مِن إفْراطِهِ في كُفْرانِ نِعْمَةِ اللَّهِ، فَقَوْلُهُ: ﴿قُتِلَ الإنْسانُ﴾ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُمُ اسْتَحَقُّوا أعْظَمَ أنْواعِ العِقابِ، وقَوْلُهُ: ﴿ما أكْفَرَهُ﴾ تَنْبِيهٌ عَلى أنْواعِ القَبائِحِ والمُنْكَراتِ، فَإنْ قِيلَ: الدُّعاءُ عَلى الإنْسانِ إنَّما يَلِيقُ بِالعاجِزِ، والقادِرُ عَلى الكُلِّ كَيْفَ يَلِيقُ بِهِ ذاكَ؟ والتَّعَجُّبُ أيْضًا إنَّما يَلِيقُ بِالجاهِلِ بِسَبَبِ الشَّيْءِ، فالعالِمُ بِالكُلِّ كَيْفَ يَلِيقُ بِهِ ذاكَ؟ . الجَوابُ: أنَّ ذَلِكَ ورَدَ عَلى أُسْلُوبِ كَلامِ العَرَبِ وتَحْقِيقُهُ ما ذَكَرْنا أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُمُ اسْتَحَقُّوا أعْظَمَ أنْواعِ العِقابِ لِأجْلِ أنَّهم أتَوْا بِأعْظَمِ أنْواعِ القَبائِحِ، واعْلَمْ أنَّ لِكُلِّ مُحْدَثٍ ثَلاثَ مَراتِبَ أوَّلَهُ ووَسَطَهُ وآخِرَهُ، وأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ هَذِهِ المَراتِبَ الثَّلاثَةَ لِلْإنْسانِ.
أمّا المَرْتَبَةُ الأُولى: فَهي قَوْلُهُ: ﴿مِن أيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ وهو اسْتِفْهامٌ وغَرَضُهُ زِيادَةُ التَّقْرِيرِ في التَّحْقِيرِ.
ثُمَّ أجابَ عَنْ ذَلِكَ الِاسْتِفْهامِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن نُطْفَةٍ خَلَقَهُ﴾ ولا شَكَّ أنَّ النُّطْفَةَ شَيْءٌ حَقِيرٌ مَهِينٌ والغَرَضُ مِنهُ أنَّ مَن كانَ أصْلُهُ [ مِن ] مِثْلِ هَذا الشَّيْءِ الحَقِيرِ، فالنَّكِيرُ والتَّجَبُّرُ لا يَكُونُ لائِقًا بِهِ.
ثُمَّ قالَ: (فَقَدَّرَهُ) وفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: قالَ الفَرّاءُ: قَدَّرَهُ أطْوارًا نُطْفَةً ثُمَّ عَلَقَةً إلى آخِرِ خَلْقِهِ وذَكَرًا أوْ أُنْثى وسَعِيدًا أوْ شَقِيًّا.
وثانِيها: قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى قَدَّرَهُ عَلى الِاسْتِواءِ كَما قالَ: ﴿أكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوّاكَ رَجُلًا﴾ [الكَهْفِ: ٣٧] .
وثالِثُها: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ وقَدَّرَ كُلَّ عُضْوٍ في الكَمِّيَّةِ والكَيْفِيَّةِ بِالقَدْرِ اللّائِقِ بِمَصْلَحَتِهِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفُرْقانِ: ٢] .
وأمّا المَرْتَبَةُ الثّانِيَةُ: وهي المَرْتَبَةُ المُتَوَسِّطَةُ فَهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: نُصِبَ (السَّبِيلَ) بِإضْمارِ يَسَّرَهُ، وفَسَّرَهُ بِيَسَّرَهُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرُوا في تَفْسِيرِهِ أقْوالًا:
أحَدُها: قالَ بَعْضُهم: المُرادُ تَسْهِيلُ خُرُوجِهِ مِن بَطْنِ أُمِّهِ، قالُوا: إنَّهُ كانَ رَأْسُ المَوْلُودِ في بَطْنِ أُمِّهِ مِن فَوْقُ ورِجْلاهُ مِن تَحْتُ، فَإذا جاءَ وقْتُ الخُرُوجِ انْقَلَبَ، فَمَنِ الَّذِي أعْطاهُ ذَلِكَ الإلْهامَ إلّا اللَّهُ؟ ومِمّا يُؤَكِّدُ هَذا التَّأْوِيلَ أنَّ خُرُوجَهُ حَيًّا مِن ذَلِكَ المَنفَذِ الضَّيِّقِ مِن أعْجَبِ العَجائِبِ.
وثانِيها: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: المُرادُ مِن هَذِهِ الآيَةِ، هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البَلَدِ: ١٠] فَهو يَتَناوَلُ التَّمْيِيزَ بَيْنَ كُلِّ خَيْرٍ وشَرٍّ يَتَعَلَّقُ بِالدُّنْيا، وبَيْنَ كُلِّ خَيْرٍ وشَرٍّ يَتَعَلَّقُ بِالدِّينِ، أيْ جَعَلْناهُ مُتَمَكِّنًا مِن سُلُوكِ سَبِيلِ الخَيْرِ والشَّرِّ، والتَّيْسِيرُ يَدْخُلُ فِيهِ الإقْدارُ والتَّعْرِيفُ والعَقْلُ وبَعْثَةُ الأنْبِياءِ، وإنْزالُ
صفحة ٥٦
الكُتُبِ.
وثالِثُها: أنَّ هَذا مَخْصُوصٌ بِأمْرِ الدِّينِ، لِأنَّ لَفْظَ السَّبِيلِ مُشْعِرٌ بِأنَّ المَقْصُودَ أحْوالُ الدُّنْيا [ لا ] أُمُورٌ تَحْصُلُ في الآخِرَةِ.
وأمّا المَرْتَبَةُ الثّانِيَةُ: وهي المَرْتَبَةُ الأخِيرَةُ، فَهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ أماتَهُ فَأقْبَرَهُ﴾ ﴿ثُمَّ إذا شاءَ أنْشَرَهُ﴾ .
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ المَرْتَبَةَ الثّالِثَةَ مُشْتَمِلَةٌ أيْضًا عَلى ثَلاثِ مَراتِبَ: الإماتَةُ، والإقْبارُ، والإنْشارُ، أمّا الإماتَةُ فَقَدْ ذَكَرْنا مَنافِعَها في هَذا الكِتابِ، ولا شَكَّ أنَّها هي الواسِطَةُ بَيْنَ حالِ التَّكْلِيفِ والمُجازاةِ، وأمّا الإقْبارُ فَقالَ الفَرّاءُ: جَعَلَهُ اللَّهُ مَقْبُورًا ولَمْ يَجْعَلْهُ مِمَّنْ يُلْقى لِلطَّيْرِ والسِّباعِ، لِأنَّ القَبْرَ مِمّا أُكْرِمَ بِهِ المُسْلِمَ، قالَ: ولَمْ يَقُلْ فَقَبَرَهُ، لِأنَّ القابِرَ هو الدّافِنُ بِيَدِهِ، والمُقْبِرُ هو اللَّهُ تَعالى، يُقالُ: قَبَرَ المَيِّتَ إذا دَفَنَهُ، وأقْبَرَ المَيِّتَ إذا أمَرَ غَيْرَهُ بِأنْ يَجْعَلَهُ في القَبْرِ، والعَرَبُ تَقُولُ: بَتَرْتُ ذَنَبَ البَعِيرِ واللَّهُ أبْتَرَهُ، وعَضَبْتُ قَرْنَ الثَّوْرِ واللَّهُ أعْضَبَهُ، وطَرَدْتُ فُلانًا عَنِّي، واللَّهُ أطْرَدَهُ، أيْ صَيَّرَهُ طَرِيدًا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ إذا شاءَ أنْشَرَهُ﴾ المُرادُ مِنهُ الإحْياءُ [ و] البَعْثُ، وإنَّما قالَ إذا شاءَ إشْعارًا بِأنَّ وقْتَهُ غَيْرُ مَعْلُومٍ لَنا، فَتَقْدِيمُهُ وتَأْخِيرُهُ مَوْكُولٌ إلى مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى، وأمّا سائِرُ الأحْوالِ المَذْكُورَةِ قَبْلَ ذَلِكَ فَإنَّهُ يُعْلَمُ أوْقاتُها مِن بَعْضِ الوُجُوهِ، إذِ المَوْتُ وإنْ لَمْ يَعْلَمِ الإنْسانُ وقْتَهُ فَفي الجُمْلَةِ يَعْلَمُ أنَّهُ لا يَتَجاوَزُ فِيهِ إلّا حَدًّا مَعْلُومًا.
عبس 80:24
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلّا لَمّا يَقْضِ ما أمَرَهُ﴾ .
واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ (كَلّا) رَدْعٌ لِلْإنْسانِ عَنْ تَكَبُّرِهِ وتَرَفُّعِهِ، أوْ عَنْ كُفْرِهِ وإصْرارِهِ عَلى إنْكارِ التَّوْحِيدِ، وعَلى إنْكارِهِ البَعْثَ والحَشْرَ والنَّشْرَ، وفي قَوْلِهِ: ﴿لَمّا يَقْضِ ما أمَرَهُ﴾ وُجُوهٌ:
أحَدُها: قالَ مُجاهِدٌ: لا يَقْضِي أحَدٌ جَمِيعَ ما كانَ مَفْرُوضًا عَلَيْهِ أبَدًا، وهو إشارَةٌ إلى أنَّ الإنْسانَ لا يَنْفَكُّ عَنْ تَقْصِيرٍ البَتَّةَ، وهَذا التَّفْسِيرُ عِنْدِي فِيهِ نَظَرٌ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿لَمّا يَقْضِ﴾ الضَّمِيرُ فِيهِ عائِدٌ إلى المَذْكُورِ السّابِقِ، وهو الإنْسانُ في قَوْلِهِ: ﴿قُتِلَ الإنْسانُ ما أكْفَرَهُ﴾ ولَيْسَ المُرادُ مِنَ الإنْسانِ هاهُنا جَمِيعَ النّاسِ بَلِ الإنْسانُ الكافِرُ، فَقَوْلُهُ: ﴿لَمّا يَقْضِ﴾ كَيْفَ يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى جَمِيعِ النّاسِ؟ .
وثانِيها: أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّ الإنْسانَ المُتَرَفِّعَ المُتَكَبِّرَ لَمْ يَقْضِ ما أُمِرَ بِهِ مِن تَرْكِ التَّكَبُّرِ، إذِ المَعْنى أنَّ ذَلِكَ الإنْسانَ الكافِرَ لَمْ يَقْضِ ما أُمِرَ بِهِ مِنَ التَّأمُّلِ في دَلائِلِ اللَّهِ، والتَّدَبُّرِ في عَجائِبِ خَلْقِهِ وبَيِّناتِ حِكْمَتِهِ.
وثالِثُها: قالَ الأُسْتاذُ أبُو بَكْرِ بْنُ فُورَكٍ: كَلّا لَمْ يَقْضِ اللَّهُ لِهَذا الكافِرِ ما أمَرَهُ مِنَ الإيمانِ وتَرْكِ التَّكَبُّرِ، بَلْ أمَرَهُ بِما لَمْ يَقْضِ لَهُ بِهِ.
واعْلَمْ أنَّ عادَةَ اللَّهِ تَعالى جارِيَةٌ في القُرْآنِ بِأنَّهُ كُلَّما ذَكَرَ الدَّلائِلَ المَوْجُودَةَ في الأنْفُسِ، فَإنَّهُ يَذْكُرُ عَقِيبَها الدَّلائِلَ المَوْجُودَةَ في الآفاقِ فَجَرى هاهُنا عَلى تِلْكَ العادَةِ وذَكَرَ دَلائِلَ الآفاقِ وبَدَأ بِما يَحْتاجُ الإنْسانُ إلَيْهِ.
فَقالَ: ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ إلى طَعامِهِ﴾ الَّذِي يَعِيشُ بِهِ كَيْفَ دَبَّرْنا أمْرَهُ، ولا شَكَّ أنَّهُ مَوْضِعُ الِاعْتِبارِ،
صفحة ٥٧
فَإنَّ الطَّعامَ الَّذِي يَتَناوَلُهُ الإنْسانُ لَهُ حالَتانِ: إحْداهُما: مُتَقَدِّمَةٌ وهي الأُمُورُ الَّتِي لا بُدَّ مِن وُجُودِها حَتّى يَدْخُلَ ذَلِكَ الطَّعامُ في الوُجُودِ. والثّانِيَةُ: مُتَأخِّرَةٌ، وهي الأُمُورُ الَّتِي لا بُدَّ مِنها في بَدَنِ الإنْسانِ حَتّى يَحْصُلَ لَهُ الِانْتِفاعُ بِذَلِكَ الطَّعامِ المَأْكُولِ، ولَمّا كانَ النَّوْعُ الأوَّلُ أظْهَرَ لِلْحُسْنِ وأبْعَدَ عَنِ الشُّبْهَةِ، لا جَرَمَ اكْتَفى اللَّهُ تَعالى بِذِكْرِهِ، لِأنَّ دَلائِلَ القُرْآنِ لا بُدَّ وأنْ تَكُونَ بِحَيْثُ يَنْتَفِعُ بِها كُلُّ الخَلْقِ، فَلا بُدَّ وأنْ تَكُونَ أبْعَدَ عَنِ اللَّبْسِ والشُّبْهَةِ، وهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ إلى طَعامِهِ﴾ واعْلَمْ أنَّ النَّبْتَ إنَّما يَحْصُلُ مِنَ القَطْرِ النّازِلِ مِنَ السَّماءِ الواقِعِ في الأرْضِ، فالسَّماءُ كالذَّكَرِ، والأرْضُ كالأُنْثى فَذُكِرَ في بَيانِ نُزُولِ القَطْرِ.
قَوْلُهُ: ﴿أنّا صَبَبْنا الماءَ صَبًّا﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: (صَبَبْنا) المُرادُ مِنهُ الغَيْثُ، ثُمَّ انْظُرْ في أنَّهُ كَيْفَ حَدَثَ الغَيْثُ المُشْتَمِلُ عَلى هَذِهِ المِياهِ العَظِيمَةِ، وكَيْفَ بَقِيَ مُعَلَّقًا في جَوِّ السَّماءِ مَعَ غايَةِ ثِقَلِهِ، وتَأمَّلْ في أسْبابِهِ القَرِيبَةِ والبَعِيدَةِ، حَتّى يَلُوحَ لَكَ شَيْءٌ مِن آثارِ نُورِ اللَّهِ وعَدْلِهِ وحِكْمَتِهِ، وفي تَدْبِيرِ خِلْقَةِ هَذا العالَمِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قُرِئَ إنّا بِالكَسْرِ، وهو عَلى الِاسْتِئْنافِ، وأنّا بِالفَتْحِ عَلى البَدَلِ مِنَ الطَّعامِ والتَّقْدِيرُ: ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ﴾ إلى أنّا كَيْفَ ﴿صَبَبْنا الماءَ﴾ قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: مَن قَرَأ بِكَسْرِ إنّا كانَ ذَلِكَ تَفْسِيرًا لِلنَّظَرِ إلى طَعامِهِ، كَما أنَّ قَوْلَهُ (لَهم مَغْفِرَةٌ) [النُّورِ: ٢٦] تَفْسِيرٌ لِلْوَعْدِ، ومَن فَتَحَ فَعَلى مَعْنى البَدَلِ بَدَلِ الِاشْتِمالِ، لِأنَّ هَذِهِ الأشْياءَ تَشْتَمِلُ عَلى كَوْنِ الطَّعامِ وحُدُوثِهِ، فَهو كَقَوْلِهِ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرامِ قِتالٍ فِيهِ﴾ [البَقَرَةِ: ٢١٧] وقَوْلُهُ: ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ ﴿النّارِ﴾ [البُرُوجِ: ٤،٥] .
عبس 80:25
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلّا لَمّا يَقْضِ ما أمَرَهُ﴾ .
واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ (كَلّا) رَدْعٌ لِلْإنْسانِ عَنْ تَكَبُّرِهِ وتَرَفُّعِهِ، أوْ عَنْ كُفْرِهِ وإصْرارِهِ عَلى إنْكارِ التَّوْحِيدِ، وعَلى إنْكارِهِ البَعْثَ والحَشْرَ والنَّشْرَ، وفي قَوْلِهِ: ﴿لَمّا يَقْضِ ما أمَرَهُ﴾ وُجُوهٌ:
أحَدُها: قالَ مُجاهِدٌ: لا يَقْضِي أحَدٌ جَمِيعَ ما كانَ مَفْرُوضًا عَلَيْهِ أبَدًا، وهو إشارَةٌ إلى أنَّ الإنْسانَ لا يَنْفَكُّ عَنْ تَقْصِيرٍ البَتَّةَ، وهَذا التَّفْسِيرُ عِنْدِي فِيهِ نَظَرٌ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿لَمّا يَقْضِ﴾ الضَّمِيرُ فِيهِ عائِدٌ إلى المَذْكُورِ السّابِقِ، وهو الإنْسانُ في قَوْلِهِ: ﴿قُتِلَ الإنْسانُ ما أكْفَرَهُ﴾ ولَيْسَ المُرادُ مِنَ الإنْسانِ هاهُنا جَمِيعَ النّاسِ بَلِ الإنْسانُ الكافِرُ، فَقَوْلُهُ: ﴿لَمّا يَقْضِ﴾ كَيْفَ يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى جَمِيعِ النّاسِ؟ .
وثانِيها: أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّ الإنْسانَ المُتَرَفِّعَ المُتَكَبِّرَ لَمْ يَقْضِ ما أُمِرَ بِهِ مِن تَرْكِ التَّكَبُّرِ، إذِ المَعْنى أنَّ ذَلِكَ الإنْسانَ الكافِرَ لَمْ يَقْضِ ما أُمِرَ بِهِ مِنَ التَّأمُّلِ في دَلائِلِ اللَّهِ، والتَّدَبُّرِ في عَجائِبِ خَلْقِهِ وبَيِّناتِ حِكْمَتِهِ.
وثالِثُها: قالَ الأُسْتاذُ أبُو بَكْرِ بْنُ فُورَكٍ: كَلّا لَمْ يَقْضِ اللَّهُ لِهَذا الكافِرِ ما أمَرَهُ مِنَ الإيمانِ وتَرْكِ التَّكَبُّرِ، بَلْ أمَرَهُ بِما لَمْ يَقْضِ لَهُ بِهِ.
واعْلَمْ أنَّ عادَةَ اللَّهِ تَعالى جارِيَةٌ في القُرْآنِ بِأنَّهُ كُلَّما ذَكَرَ الدَّلائِلَ المَوْجُودَةَ في الأنْفُسِ، فَإنَّهُ يَذْكُرُ عَقِيبَها الدَّلائِلَ المَوْجُودَةَ في الآفاقِ فَجَرى هاهُنا عَلى تِلْكَ العادَةِ وذَكَرَ دَلائِلَ الآفاقِ وبَدَأ بِما يَحْتاجُ الإنْسانُ إلَيْهِ.
فَقالَ: ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ إلى طَعامِهِ﴾ الَّذِي يَعِيشُ بِهِ كَيْفَ دَبَّرْنا أمْرَهُ، ولا شَكَّ أنَّهُ مَوْضِعُ الِاعْتِبارِ،
صفحة ٥٧
فَإنَّ الطَّعامَ الَّذِي يَتَناوَلُهُ الإنْسانُ لَهُ حالَتانِ: إحْداهُما: مُتَقَدِّمَةٌ وهي الأُمُورُ الَّتِي لا بُدَّ مِن وُجُودِها حَتّى يَدْخُلَ ذَلِكَ الطَّعامُ في الوُجُودِ. والثّانِيَةُ: مُتَأخِّرَةٌ، وهي الأُمُورُ الَّتِي لا بُدَّ مِنها في بَدَنِ الإنْسانِ حَتّى يَحْصُلَ لَهُ الِانْتِفاعُ بِذَلِكَ الطَّعامِ المَأْكُولِ، ولَمّا كانَ النَّوْعُ الأوَّلُ أظْهَرَ لِلْحُسْنِ وأبْعَدَ عَنِ الشُّبْهَةِ، لا جَرَمَ اكْتَفى اللَّهُ تَعالى بِذِكْرِهِ، لِأنَّ دَلائِلَ القُرْآنِ لا بُدَّ وأنْ تَكُونَ بِحَيْثُ يَنْتَفِعُ بِها كُلُّ الخَلْقِ، فَلا بُدَّ وأنْ تَكُونَ أبْعَدَ عَنِ اللَّبْسِ والشُّبْهَةِ، وهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ إلى طَعامِهِ﴾ واعْلَمْ أنَّ النَّبْتَ إنَّما يَحْصُلُ مِنَ القَطْرِ النّازِلِ مِنَ السَّماءِ الواقِعِ في الأرْضِ، فالسَّماءُ كالذَّكَرِ، والأرْضُ كالأُنْثى فَذُكِرَ في بَيانِ نُزُولِ القَطْرِ.
قَوْلُهُ: ﴿أنّا صَبَبْنا الماءَ صَبًّا﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: (صَبَبْنا) المُرادُ مِنهُ الغَيْثُ، ثُمَّ انْظُرْ في أنَّهُ كَيْفَ حَدَثَ الغَيْثُ المُشْتَمِلُ عَلى هَذِهِ المِياهِ العَظِيمَةِ، وكَيْفَ بَقِيَ مُعَلَّقًا في جَوِّ السَّماءِ مَعَ غايَةِ ثِقَلِهِ، وتَأمَّلْ في أسْبابِهِ القَرِيبَةِ والبَعِيدَةِ، حَتّى يَلُوحَ لَكَ شَيْءٌ مِن آثارِ نُورِ اللَّهِ وعَدْلِهِ وحِكْمَتِهِ، وفي تَدْبِيرِ خِلْقَةِ هَذا العالَمِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قُرِئَ إنّا بِالكَسْرِ، وهو عَلى الِاسْتِئْنافِ، وأنّا بِالفَتْحِ عَلى البَدَلِ مِنَ الطَّعامِ والتَّقْدِيرُ: ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ﴾ إلى أنّا كَيْفَ ﴿صَبَبْنا الماءَ﴾ قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: مَن قَرَأ بِكَسْرِ إنّا كانَ ذَلِكَ تَفْسِيرًا لِلنَّظَرِ إلى طَعامِهِ، كَما أنَّ قَوْلَهُ (لَهم مَغْفِرَةٌ) [النُّورِ: ٢٦] تَفْسِيرٌ لِلْوَعْدِ، ومَن فَتَحَ فَعَلى مَعْنى البَدَلِ بَدَلِ الِاشْتِمالِ، لِأنَّ هَذِهِ الأشْياءَ تَشْتَمِلُ عَلى كَوْنِ الطَّعامِ وحُدُوثِهِ، فَهو كَقَوْلِهِ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرامِ قِتالٍ فِيهِ﴾ [البَقَرَةِ: ٢١٧] وقَوْلُهُ: ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ ﴿النّارِ﴾ [البُرُوجِ: ٤،٥] .
عبس 80:26
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ شَقَقْنا الأرْضَ شَقًّا﴾ والمُرادُ شَقُّ الأرْضِ بِالنَّباتِ، ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى ثَمانِيَةَ أنْواعٍ مِنَ النَّباتِ:
أوَّلُها: الحَبُّ: وهو المُشارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَأنْبَتْنا فِيها حَبًّا﴾ وهو كُلُّ ما حُصِدَ مِن نَحْوِ الحِنْطَةِ والشَّعِيرِ وغَيْرِهِما، وإنَّما قَدَّمَ ذَلِكَ لِأنَّهُ كالأصْلِ في الأغْذِيَةِ.
وثانِيها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وعِنَبًا﴾ وإنَّما ذَكَرَهُ بَعْدَ الحَبِّ لِأنَّهُ غِذاءٌ مِن وجْهٍ وفاكِهَةٌ مِن وجْهٍ.
وثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقَضْبًا﴾ وفِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ الرُّطَبَةُ وهي الَّتِي إذا يَبِسَتْ سُمِّيَتْ بِالقَتِّ، وأهْلُ مَكَّةَ يُسَمُّونَها بِالقَضْبِ وأصْلُهُ مِنَ القَطْعِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ يُقْضَبُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى، وكَذَلِكَ القَضِيبُ لِأنَّهُ يُقْضَبُ أيْ يُقْطَعُ. وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ والضِّحاكِ ومُقاتِلٍ واخْتِيارُ الفَرّاءِ وأبِي عُبَيْدَةَ والأصْمَعِيِّ.
والثّانِي: قالَ المُبَرِّدُ: القَضْبُ هو العَلَفُ بِعَيْنِهِ، وأصْلُهُ مِن أنَّهُ يُقْضَبُ أيْ يُقْطَعُ وهو قَوْلُ الحَسَنِ.
والرّابِعُ والخامِسُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وزَيْتُونًا ونَخْلًا﴾ ومَنافِعُهُما قَدْ تَقَدَّمَتْ في هَذا الكِتابِ.
صفحة ٥٨
وسادِسُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وحَدائِقَ غُلْبًا﴾ الأصْلُ في الوَصْفِ بِالغُلْبِ الرِّقابُ، فالغُلْبُ الغِلاظُ الأعْناقُ، الواحِدُ أغْلَبُ يُقالُ أسَدٌ أغْلَبُ. ثُمَّ هاهُنا قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ المُرادُ وصْفَ كُلِّ حَدِيقَةٍ بِأنَّ أشْجارَها مُتَكاثِفَةٌ مُتَقارِبَةٌ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ ومُقاتِلٍ قالا: الغُلْبُ المُلْتَفَّةُ الشَّجَرِ بَعْضُهُ مِن بَعْضٍ، يُقالُ: اغْلَوْلَبَ العُشْبُ واغْلَوْلَبَتِ الأرْضُ إذا التَفَّ عُشْبُها.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ وصْفَ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الأشْجارِ بِالغِلَظِ والعِظَمِ، قالَ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: يُرِيدُ الشَّجَرَ العِظامَ، وقالَ الفَرّاءُ: الغُلْبُ ما غَلُظَ مِنَ النَّخْلِ.
عبس 80:27
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ شَقَقْنا الأرْضَ شَقًّا﴾ والمُرادُ شَقُّ الأرْضِ بِالنَّباتِ، ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى ثَمانِيَةَ أنْواعٍ مِنَ النَّباتِ:
أوَّلُها: الحَبُّ: وهو المُشارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَأنْبَتْنا فِيها حَبًّا﴾ وهو كُلُّ ما حُصِدَ مِن نَحْوِ الحِنْطَةِ والشَّعِيرِ وغَيْرِهِما، وإنَّما قَدَّمَ ذَلِكَ لِأنَّهُ كالأصْلِ في الأغْذِيَةِ.
وثانِيها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وعِنَبًا﴾ وإنَّما ذَكَرَهُ بَعْدَ الحَبِّ لِأنَّهُ غِذاءٌ مِن وجْهٍ وفاكِهَةٌ مِن وجْهٍ.
وثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقَضْبًا﴾ وفِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ الرُّطَبَةُ وهي الَّتِي إذا يَبِسَتْ سُمِّيَتْ بِالقَتِّ، وأهْلُ مَكَّةَ يُسَمُّونَها بِالقَضْبِ وأصْلُهُ مِنَ القَطْعِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ يُقْضَبُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى، وكَذَلِكَ القَضِيبُ لِأنَّهُ يُقْضَبُ أيْ يُقْطَعُ. وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ والضِّحاكِ ومُقاتِلٍ واخْتِيارُ الفَرّاءِ وأبِي عُبَيْدَةَ والأصْمَعِيِّ.
والثّانِي: قالَ المُبَرِّدُ: القَضْبُ هو العَلَفُ بِعَيْنِهِ، وأصْلُهُ مِن أنَّهُ يُقْضَبُ أيْ يُقْطَعُ وهو قَوْلُ الحَسَنِ.
والرّابِعُ والخامِسُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وزَيْتُونًا ونَخْلًا﴾ ومَنافِعُهُما قَدْ تَقَدَّمَتْ في هَذا الكِتابِ.
صفحة ٥٨
وسادِسُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وحَدائِقَ غُلْبًا﴾ الأصْلُ في الوَصْفِ بِالغُلْبِ الرِّقابُ، فالغُلْبُ الغِلاظُ الأعْناقُ، الواحِدُ أغْلَبُ يُقالُ أسَدٌ أغْلَبُ. ثُمَّ هاهُنا قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ المُرادُ وصْفَ كُلِّ حَدِيقَةٍ بِأنَّ أشْجارَها مُتَكاثِفَةٌ مُتَقارِبَةٌ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ ومُقاتِلٍ قالا: الغُلْبُ المُلْتَفَّةُ الشَّجَرِ بَعْضُهُ مِن بَعْضٍ، يُقالُ: اغْلَوْلَبَ العُشْبُ واغْلَوْلَبَتِ الأرْضُ إذا التَفَّ عُشْبُها.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ وصْفَ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الأشْجارِ بِالغِلَظِ والعِظَمِ، قالَ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: يُرِيدُ الشَّجَرَ العِظامَ، وقالَ الفَرّاءُ: الغُلْبُ ما غَلُظَ مِنَ النَّخْلِ.
عبس 80:28
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ شَقَقْنا الأرْضَ شَقًّا﴾ والمُرادُ شَقُّ الأرْضِ بِالنَّباتِ، ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى ثَمانِيَةَ أنْواعٍ مِنَ النَّباتِ:
أوَّلُها: الحَبُّ: وهو المُشارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَأنْبَتْنا فِيها حَبًّا﴾ وهو كُلُّ ما حُصِدَ مِن نَحْوِ الحِنْطَةِ والشَّعِيرِ وغَيْرِهِما، وإنَّما قَدَّمَ ذَلِكَ لِأنَّهُ كالأصْلِ في الأغْذِيَةِ.
وثانِيها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وعِنَبًا﴾ وإنَّما ذَكَرَهُ بَعْدَ الحَبِّ لِأنَّهُ غِذاءٌ مِن وجْهٍ وفاكِهَةٌ مِن وجْهٍ.
وثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقَضْبًا﴾ وفِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ الرُّطَبَةُ وهي الَّتِي إذا يَبِسَتْ سُمِّيَتْ بِالقَتِّ، وأهْلُ مَكَّةَ يُسَمُّونَها بِالقَضْبِ وأصْلُهُ مِنَ القَطْعِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ يُقْضَبُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى، وكَذَلِكَ القَضِيبُ لِأنَّهُ يُقْضَبُ أيْ يُقْطَعُ. وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ والضِّحاكِ ومُقاتِلٍ واخْتِيارُ الفَرّاءِ وأبِي عُبَيْدَةَ والأصْمَعِيِّ.
والثّانِي: قالَ المُبَرِّدُ: القَضْبُ هو العَلَفُ بِعَيْنِهِ، وأصْلُهُ مِن أنَّهُ يُقْضَبُ أيْ يُقْطَعُ وهو قَوْلُ الحَسَنِ.
والرّابِعُ والخامِسُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وزَيْتُونًا ونَخْلًا﴾ ومَنافِعُهُما قَدْ تَقَدَّمَتْ في هَذا الكِتابِ.
صفحة ٥٨
وسادِسُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وحَدائِقَ غُلْبًا﴾ الأصْلُ في الوَصْفِ بِالغُلْبِ الرِّقابُ، فالغُلْبُ الغِلاظُ الأعْناقُ، الواحِدُ أغْلَبُ يُقالُ أسَدٌ أغْلَبُ. ثُمَّ هاهُنا قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ المُرادُ وصْفَ كُلِّ حَدِيقَةٍ بِأنَّ أشْجارَها مُتَكاثِفَةٌ مُتَقارِبَةٌ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ ومُقاتِلٍ قالا: الغُلْبُ المُلْتَفَّةُ الشَّجَرِ بَعْضُهُ مِن بَعْضٍ، يُقالُ: اغْلَوْلَبَ العُشْبُ واغْلَوْلَبَتِ الأرْضُ إذا التَفَّ عُشْبُها.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ وصْفَ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الأشْجارِ بِالغِلَظِ والعِظَمِ، قالَ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: يُرِيدُ الشَّجَرَ العِظامَ، وقالَ الفَرّاءُ: الغُلْبُ ما غَلُظَ مِنَ النَّخْلِ.
عبس 80:29
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ شَقَقْنا الأرْضَ شَقًّا﴾ والمُرادُ شَقُّ الأرْضِ بِالنَّباتِ، ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى ثَمانِيَةَ أنْواعٍ مِنَ النَّباتِ:
أوَّلُها: الحَبُّ: وهو المُشارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَأنْبَتْنا فِيها حَبًّا﴾ وهو كُلُّ ما حُصِدَ مِن نَحْوِ الحِنْطَةِ والشَّعِيرِ وغَيْرِهِما، وإنَّما قَدَّمَ ذَلِكَ لِأنَّهُ كالأصْلِ في الأغْذِيَةِ.
وثانِيها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وعِنَبًا﴾ وإنَّما ذَكَرَهُ بَعْدَ الحَبِّ لِأنَّهُ غِذاءٌ مِن وجْهٍ وفاكِهَةٌ مِن وجْهٍ.
وثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقَضْبًا﴾ وفِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ الرُّطَبَةُ وهي الَّتِي إذا يَبِسَتْ سُمِّيَتْ بِالقَتِّ، وأهْلُ مَكَّةَ يُسَمُّونَها بِالقَضْبِ وأصْلُهُ مِنَ القَطْعِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ يُقْضَبُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى، وكَذَلِكَ القَضِيبُ لِأنَّهُ يُقْضَبُ أيْ يُقْطَعُ. وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ والضِّحاكِ ومُقاتِلٍ واخْتِيارُ الفَرّاءِ وأبِي عُبَيْدَةَ والأصْمَعِيِّ.
والثّانِي: قالَ المُبَرِّدُ: القَضْبُ هو العَلَفُ بِعَيْنِهِ، وأصْلُهُ مِن أنَّهُ يُقْضَبُ أيْ يُقْطَعُ وهو قَوْلُ الحَسَنِ.
والرّابِعُ والخامِسُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وزَيْتُونًا ونَخْلًا﴾ ومَنافِعُهُما قَدْ تَقَدَّمَتْ في هَذا الكِتابِ.
صفحة ٥٨
وسادِسُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وحَدائِقَ غُلْبًا﴾ الأصْلُ في الوَصْفِ بِالغُلْبِ الرِّقابُ، فالغُلْبُ الغِلاظُ الأعْناقُ، الواحِدُ أغْلَبُ يُقالُ أسَدٌ أغْلَبُ. ثُمَّ هاهُنا قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ المُرادُ وصْفَ كُلِّ حَدِيقَةٍ بِأنَّ أشْجارَها مُتَكاثِفَةٌ مُتَقارِبَةٌ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ ومُقاتِلٍ قالا: الغُلْبُ المُلْتَفَّةُ الشَّجَرِ بَعْضُهُ مِن بَعْضٍ، يُقالُ: اغْلَوْلَبَ العُشْبُ واغْلَوْلَبَتِ الأرْضُ إذا التَفَّ عُشْبُها.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ وصْفَ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الأشْجارِ بِالغِلَظِ والعِظَمِ، قالَ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: يُرِيدُ الشَّجَرَ العِظامَ، وقالَ الفَرّاءُ: الغُلْبُ ما غَلُظَ مِنَ النَّخْلِ.
عبس 80:30
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ شَقَقْنا الأرْضَ شَقًّا﴾ والمُرادُ شَقُّ الأرْضِ بِالنَّباتِ، ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى ثَمانِيَةَ أنْواعٍ مِنَ النَّباتِ:
أوَّلُها: الحَبُّ: وهو المُشارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَأنْبَتْنا فِيها حَبًّا﴾ وهو كُلُّ ما حُصِدَ مِن نَحْوِ الحِنْطَةِ والشَّعِيرِ وغَيْرِهِما، وإنَّما قَدَّمَ ذَلِكَ لِأنَّهُ كالأصْلِ في الأغْذِيَةِ.
وثانِيها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وعِنَبًا﴾ وإنَّما ذَكَرَهُ بَعْدَ الحَبِّ لِأنَّهُ غِذاءٌ مِن وجْهٍ وفاكِهَةٌ مِن وجْهٍ.
وثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقَضْبًا﴾ وفِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ الرُّطَبَةُ وهي الَّتِي إذا يَبِسَتْ سُمِّيَتْ بِالقَتِّ، وأهْلُ مَكَّةَ يُسَمُّونَها بِالقَضْبِ وأصْلُهُ مِنَ القَطْعِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ يُقْضَبُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى، وكَذَلِكَ القَضِيبُ لِأنَّهُ يُقْضَبُ أيْ يُقْطَعُ. وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ والضِّحاكِ ومُقاتِلٍ واخْتِيارُ الفَرّاءِ وأبِي عُبَيْدَةَ والأصْمَعِيِّ.
والثّانِي: قالَ المُبَرِّدُ: القَضْبُ هو العَلَفُ بِعَيْنِهِ، وأصْلُهُ مِن أنَّهُ يُقْضَبُ أيْ يُقْطَعُ وهو قَوْلُ الحَسَنِ.
والرّابِعُ والخامِسُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وزَيْتُونًا ونَخْلًا﴾ ومَنافِعُهُما قَدْ تَقَدَّمَتْ في هَذا الكِتابِ.
صفحة ٥٨
وسادِسُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وحَدائِقَ غُلْبًا﴾ الأصْلُ في الوَصْفِ بِالغُلْبِ الرِّقابُ، فالغُلْبُ الغِلاظُ الأعْناقُ، الواحِدُ أغْلَبُ يُقالُ أسَدٌ أغْلَبُ. ثُمَّ هاهُنا قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ المُرادُ وصْفَ كُلِّ حَدِيقَةٍ بِأنَّ أشْجارَها مُتَكاثِفَةٌ مُتَقارِبَةٌ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ ومُقاتِلٍ قالا: الغُلْبُ المُلْتَفَّةُ الشَّجَرِ بَعْضُهُ مِن بَعْضٍ، يُقالُ: اغْلَوْلَبَ العُشْبُ واغْلَوْلَبَتِ الأرْضُ إذا التَفَّ عُشْبُها.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ وصْفَ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الأشْجارِ بِالغِلَظِ والعِظَمِ، قالَ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: يُرِيدُ الشَّجَرَ العِظامَ، وقالَ الفَرّاءُ: الغُلْبُ ما غَلُظَ مِنَ النَّخْلِ.
عبس 80:31
وسابِعُها: قَوْلُهُ: (وفاكِهَةً) وقَدِ اسْتَدَلَّ بَعْضُهم بِأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا ذَكَرَ الفاكِهَةَ مَعْطُوفَةً عَلى العِنَبِ والزَّيْتُونِ والنَّخْلِ وجَبَ أنْ لا تَدْخُلَ هَذِهِ الأشْياءُ في الفاكِهَةِ، وهَذا قَرِيبٌ مِن جِهَةِ الظّاهِرِ، لِأنَّ المَعْطُوفَ مُغايِرٌ لِلْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ.
وثامِنُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأبًّا﴾ والأبُّ هو المَرْعى، قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: لِأنَّهُ يُؤَبُّ أيْ يُؤَمُّ ويُنْتَجَعُ، والأبُّ والأمُّ أخَوانِ، قالَ الشّاعِرُ:
جِذْمُنا قَيْسٌ ونَجْدٌ دارُنا لَنا الأبُّ بِهِ والمَكْرَعُ
وقِيلَ: الأبُّ الفاكِهَةُ اليابِسَةُ لِأنَّها تُؤَبُّ لِلشِّتاءِ أيْ تُعَدُّ، ولَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى ما يَغْتَذِي بِهِ النّاسُ والحَيَوانُ قالَ: ﴿مَتاعًا لَكم ولِأنْعامِكُمْ﴾ .
قالَ الفَرّاءُ: خَلَقْناهُ مَنفَعَةً ومُتْعَةً لَكم ولِأنْعامِكُمْ، وقالَ الزَّجّاجُ: هو مَنصُوبٌ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِقَوْلِهِ: ﴿فَأنْبَتْنا﴾ لِأنَّ إنْباتَهُ هَذِهِ الأشْياءَ إمْتاعٌ لِجَمِيعِ الحَيَوانِ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ هَذِهِ الأشْياءَ وكانَ المَقْصُودُ مِنها أُمُورًا ثَلاثَةً: أوَّلُها: الدَّلائِلُ الدّالَّةُ عَلى التَّوْحِيدِ.
وثانِيها: الدَّلائِلُ الدّالَّةُ عَلى القُدْرَةِ عَلى المَعادِ.
وثالِثُها: أنَّ هَذا الإلَهَ الَّذِي أحْسَنَ إلى عَبِيدِهِ بِهَذِهِ الأنْواعِ العَظِيمَةِ مِنَ الإحْسانِ، لا يَلِيقُ بِالعاقِلِ أنْ يَتَمَرَّدَ عَنْ طاعَتِهِ وأنْ يَتَكَبَّرَ عَلى عَبِيدِهِ؛ أتْبَعَ هَذِهِ الجُمْلَةَ بِما يَكُونُ مُؤَكِّدًا لِهَذِهِ الأغْراضِ وهو شَرْحُ أهْوالِ القِيامَةِ، فَإنَّ الإنْسانَ إذا سَمِعَها خافَ فَيَدْعُوهُ ذَلِكَ الخَوْفُ إلى التَّأمُّلِ في الدَّلائِلِ والإيمانِ بِها والإعْراضِ عَنِ الكُفْرِ، ويَدْعُوهُ ذَلِكَ أيْضًا إلى تَرْكِ التَّكَبُّرِ عَلى النّاسِ، وإلى إظْهارِ التَّواضُعِ إلى كُلِّ أحَدٍ فَلا جَرَمَ ذَكَرَ القِيامَةَ فَقالَ: ﴿فَإذا جاءَتِ الصّاخَّةُ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: يَعْنِي صَيْحَةَ القِيامَةِ وهي النَّفْخَةُ الأخِيرَةُ، قالَ الزَّجّاجُ: أصْلُ الصَّخِّ في اللُّغَةِ الطَّعْنُ والصَّكُّ، يُقالُ صَخَّ رَأْسَهُ بِحَجَرٍ أيْ شَدَخَهُ، والغُرابُ يَصُخُّ بِمِنقارِهِ في دُبُرِ البَعِيرِ أيْ يَطْعَنُ، فَمَعْنى الصّاخَّةِ الصّاكَّةِ بِشِدَّةِ صَوْتِها لِلْآذانِ. وذَكَرَ صاحِبُ الكَشّافِ وجْهًا آخَرَ فَقالَ: يُقالُ صَخَّ لِحَدِيثِهِ مِثْلُ أصاخَ لَهُ، فَوُصِفَتِ النَّفْخَةُ بِالصّاخَّةِ مَجازًا لِأنَّ النّاسَ يَصِخُّونَ لَها أيْ يَسْتَمِعُونَ.
صفحة ٥٩
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى وصَفَ هَوْلَ ذَلِكَ اليَوْمِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ مِن أخِيهِ﴾ ﴿وأُمِّهِ وأبِيهِ﴾ ﴿وصاحِبَتِهِ وبَنِيهِ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الفِرارِ ما يُشْعِرُ بِهِ ظاهَرُهُ وهو التَّباعُدُ والِاحْتِرازُ والسَّبَبُ في ذَلِكَ الفِرارِ الِاحْتِرازُ عَنِ المُطالَبَةِ بِالتَّبِعاتِ، يَقُولُ الأخُ: ما واسَيْتَنِي بِمالِكَ، والأبَوانِ يَقُولانِ: قَصَّرْتَ في بِرِّنا، والصّاحِبَةُ تَقُولُ: أطْعَمْتَنِي الحَرامَ، وفَعَلْتَ وصَنَعْتَ، والبَنُونَ يَقُولُونَ: ما عَلَّمْتَنا وما أرْشَدْتَنا، وقِيلَ: أوَّلُ مَن يَفِرُّ مِن أخِيهِ هابِيلُ، ومِن أبَوَيْهِ إبْراهِيمُ، ومِن صاحَبَتِهِ نُوحٌ ولُوطٌ، ومِنِ ابْنِهِ نُوحٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الفِرارِ لَيْسَ هو التَّباعُدُ، بَلِ المَعْنى أنَّهُ يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ مِن مُوالاةِ أخِيهِ لِاهْتِمامِهِ بِشَأْنِهِ، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذْ تَبَرَّأ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ [البَقَرَةِ: ١٦٦] وأمّا الفِرارُ مِن نُصْرَتِهِ، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا﴾ [الدُّخانِ: ٤١] وأمّا تَرْكُ السُّؤالِ وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يَسْألُ حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾ [المَعارِجِ: ١٠] .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المُرادُ أنَّ الَّذِينَ كانَ المَرْءُ في دارِ الدُّنْيا يَفِرُّ إلَيْهِمْ ويَسْتَجِيرُ بِهِمْ، فَإنَّهُ يَفِرُّ مِنهم في دارِ الآخِرَةِ، ذَكَرُوا في فائِدَةِ التَّرْتِيبِ كَأنَّهُ قِيلَ: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ مِن أخِيهِ﴾ بَلْ مِن أبَوَيْهِ فَإنَّهُما أقْرَبُ مِنَ الأخَوَيْنِ بَلْ مِنَ الصّاحِبَةِ والوَلَدِ، لِأنَّ تَعَلُّقَ القَلْبِ بِهِما أشَدُّ مِن تَعَلُّقِهِ بِالأبَوَيْنِ.
عبس 80:32
وسابِعُها: قَوْلُهُ: (وفاكِهَةً) وقَدِ اسْتَدَلَّ بَعْضُهم بِأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا ذَكَرَ الفاكِهَةَ مَعْطُوفَةً عَلى العِنَبِ والزَّيْتُونِ والنَّخْلِ وجَبَ أنْ لا تَدْخُلَ هَذِهِ الأشْياءُ في الفاكِهَةِ، وهَذا قَرِيبٌ مِن جِهَةِ الظّاهِرِ، لِأنَّ المَعْطُوفَ مُغايِرٌ لِلْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ.
وثامِنُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأبًّا﴾ والأبُّ هو المَرْعى، قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: لِأنَّهُ يُؤَبُّ أيْ يُؤَمُّ ويُنْتَجَعُ، والأبُّ والأمُّ أخَوانِ، قالَ الشّاعِرُ:
جِذْمُنا قَيْسٌ ونَجْدٌ دارُنا لَنا الأبُّ بِهِ والمَكْرَعُ
وقِيلَ: الأبُّ الفاكِهَةُ اليابِسَةُ لِأنَّها تُؤَبُّ لِلشِّتاءِ أيْ تُعَدُّ، ولَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى ما يَغْتَذِي بِهِ النّاسُ والحَيَوانُ قالَ: ﴿مَتاعًا لَكم ولِأنْعامِكُمْ﴾ .
قالَ الفَرّاءُ: خَلَقْناهُ مَنفَعَةً ومُتْعَةً لَكم ولِأنْعامِكُمْ، وقالَ الزَّجّاجُ: هو مَنصُوبٌ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِقَوْلِهِ: ﴿فَأنْبَتْنا﴾ لِأنَّ إنْباتَهُ هَذِهِ الأشْياءَ إمْتاعٌ لِجَمِيعِ الحَيَوانِ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ هَذِهِ الأشْياءَ وكانَ المَقْصُودُ مِنها أُمُورًا ثَلاثَةً: أوَّلُها: الدَّلائِلُ الدّالَّةُ عَلى التَّوْحِيدِ.
وثانِيها: الدَّلائِلُ الدّالَّةُ عَلى القُدْرَةِ عَلى المَعادِ.
وثالِثُها: أنَّ هَذا الإلَهَ الَّذِي أحْسَنَ إلى عَبِيدِهِ بِهَذِهِ الأنْواعِ العَظِيمَةِ مِنَ الإحْسانِ، لا يَلِيقُ بِالعاقِلِ أنْ يَتَمَرَّدَ عَنْ طاعَتِهِ وأنْ يَتَكَبَّرَ عَلى عَبِيدِهِ؛ أتْبَعَ هَذِهِ الجُمْلَةَ بِما يَكُونُ مُؤَكِّدًا لِهَذِهِ الأغْراضِ وهو شَرْحُ أهْوالِ القِيامَةِ، فَإنَّ الإنْسانَ إذا سَمِعَها خافَ فَيَدْعُوهُ ذَلِكَ الخَوْفُ إلى التَّأمُّلِ في الدَّلائِلِ والإيمانِ بِها والإعْراضِ عَنِ الكُفْرِ، ويَدْعُوهُ ذَلِكَ أيْضًا إلى تَرْكِ التَّكَبُّرِ عَلى النّاسِ، وإلى إظْهارِ التَّواضُعِ إلى كُلِّ أحَدٍ فَلا جَرَمَ ذَكَرَ القِيامَةَ فَقالَ: ﴿فَإذا جاءَتِ الصّاخَّةُ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: يَعْنِي صَيْحَةَ القِيامَةِ وهي النَّفْخَةُ الأخِيرَةُ، قالَ الزَّجّاجُ: أصْلُ الصَّخِّ في اللُّغَةِ الطَّعْنُ والصَّكُّ، يُقالُ صَخَّ رَأْسَهُ بِحَجَرٍ أيْ شَدَخَهُ، والغُرابُ يَصُخُّ بِمِنقارِهِ في دُبُرِ البَعِيرِ أيْ يَطْعَنُ، فَمَعْنى الصّاخَّةِ الصّاكَّةِ بِشِدَّةِ صَوْتِها لِلْآذانِ. وذَكَرَ صاحِبُ الكَشّافِ وجْهًا آخَرَ فَقالَ: يُقالُ صَخَّ لِحَدِيثِهِ مِثْلُ أصاخَ لَهُ، فَوُصِفَتِ النَّفْخَةُ بِالصّاخَّةِ مَجازًا لِأنَّ النّاسَ يَصِخُّونَ لَها أيْ يَسْتَمِعُونَ.
صفحة ٥٩
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى وصَفَ هَوْلَ ذَلِكَ اليَوْمِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ مِن أخِيهِ﴾ ﴿وأُمِّهِ وأبِيهِ﴾ ﴿وصاحِبَتِهِ وبَنِيهِ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الفِرارِ ما يُشْعِرُ بِهِ ظاهَرُهُ وهو التَّباعُدُ والِاحْتِرازُ والسَّبَبُ في ذَلِكَ الفِرارِ الِاحْتِرازُ عَنِ المُطالَبَةِ بِالتَّبِعاتِ، يَقُولُ الأخُ: ما واسَيْتَنِي بِمالِكَ، والأبَوانِ يَقُولانِ: قَصَّرْتَ في بِرِّنا، والصّاحِبَةُ تَقُولُ: أطْعَمْتَنِي الحَرامَ، وفَعَلْتَ وصَنَعْتَ، والبَنُونَ يَقُولُونَ: ما عَلَّمْتَنا وما أرْشَدْتَنا، وقِيلَ: أوَّلُ مَن يَفِرُّ مِن أخِيهِ هابِيلُ، ومِن أبَوَيْهِ إبْراهِيمُ، ومِن صاحَبَتِهِ نُوحٌ ولُوطٌ، ومِنِ ابْنِهِ نُوحٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الفِرارِ لَيْسَ هو التَّباعُدُ، بَلِ المَعْنى أنَّهُ يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ مِن مُوالاةِ أخِيهِ لِاهْتِمامِهِ بِشَأْنِهِ، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذْ تَبَرَّأ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ [البَقَرَةِ: ١٦٦] وأمّا الفِرارُ مِن نُصْرَتِهِ، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا﴾ [الدُّخانِ: ٤١] وأمّا تَرْكُ السُّؤالِ وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يَسْألُ حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾ [المَعارِجِ: ١٠] .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المُرادُ أنَّ الَّذِينَ كانَ المَرْءُ في دارِ الدُّنْيا يَفِرُّ إلَيْهِمْ ويَسْتَجِيرُ بِهِمْ، فَإنَّهُ يَفِرُّ مِنهم في دارِ الآخِرَةِ، ذَكَرُوا في فائِدَةِ التَّرْتِيبِ كَأنَّهُ قِيلَ: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ مِن أخِيهِ﴾ بَلْ مِن أبَوَيْهِ فَإنَّهُما أقْرَبُ مِنَ الأخَوَيْنِ بَلْ مِنَ الصّاحِبَةِ والوَلَدِ، لِأنَّ تَعَلُّقَ القَلْبِ بِهِما أشَدُّ مِن تَعَلُّقِهِ بِالأبَوَيْنِ.
عبس 80:33
وسابِعُها: قَوْلُهُ: (وفاكِهَةً) وقَدِ اسْتَدَلَّ بَعْضُهم بِأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا ذَكَرَ الفاكِهَةَ مَعْطُوفَةً عَلى العِنَبِ والزَّيْتُونِ والنَّخْلِ وجَبَ أنْ لا تَدْخُلَ هَذِهِ الأشْياءُ في الفاكِهَةِ، وهَذا قَرِيبٌ مِن جِهَةِ الظّاهِرِ، لِأنَّ المَعْطُوفَ مُغايِرٌ لِلْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ.
وثامِنُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأبًّا﴾ والأبُّ هو المَرْعى، قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: لِأنَّهُ يُؤَبُّ أيْ يُؤَمُّ ويُنْتَجَعُ، والأبُّ والأمُّ أخَوانِ، قالَ الشّاعِرُ:
جِذْمُنا قَيْسٌ ونَجْدٌ دارُنا لَنا الأبُّ بِهِ والمَكْرَعُ
وقِيلَ: الأبُّ الفاكِهَةُ اليابِسَةُ لِأنَّها تُؤَبُّ لِلشِّتاءِ أيْ تُعَدُّ، ولَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى ما يَغْتَذِي بِهِ النّاسُ والحَيَوانُ قالَ: ﴿مَتاعًا لَكم ولِأنْعامِكُمْ﴾ .
قالَ الفَرّاءُ: خَلَقْناهُ مَنفَعَةً ومُتْعَةً لَكم ولِأنْعامِكُمْ، وقالَ الزَّجّاجُ: هو مَنصُوبٌ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِقَوْلِهِ: ﴿فَأنْبَتْنا﴾ لِأنَّ إنْباتَهُ هَذِهِ الأشْياءَ إمْتاعٌ لِجَمِيعِ الحَيَوانِ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ هَذِهِ الأشْياءَ وكانَ المَقْصُودُ مِنها أُمُورًا ثَلاثَةً: أوَّلُها: الدَّلائِلُ الدّالَّةُ عَلى التَّوْحِيدِ.
وثانِيها: الدَّلائِلُ الدّالَّةُ عَلى القُدْرَةِ عَلى المَعادِ.
وثالِثُها: أنَّ هَذا الإلَهَ الَّذِي أحْسَنَ إلى عَبِيدِهِ بِهَذِهِ الأنْواعِ العَظِيمَةِ مِنَ الإحْسانِ، لا يَلِيقُ بِالعاقِلِ أنْ يَتَمَرَّدَ عَنْ طاعَتِهِ وأنْ يَتَكَبَّرَ عَلى عَبِيدِهِ؛ أتْبَعَ هَذِهِ الجُمْلَةَ بِما يَكُونُ مُؤَكِّدًا لِهَذِهِ الأغْراضِ وهو شَرْحُ أهْوالِ القِيامَةِ، فَإنَّ الإنْسانَ إذا سَمِعَها خافَ فَيَدْعُوهُ ذَلِكَ الخَوْفُ إلى التَّأمُّلِ في الدَّلائِلِ والإيمانِ بِها والإعْراضِ عَنِ الكُفْرِ، ويَدْعُوهُ ذَلِكَ أيْضًا إلى تَرْكِ التَّكَبُّرِ عَلى النّاسِ، وإلى إظْهارِ التَّواضُعِ إلى كُلِّ أحَدٍ فَلا جَرَمَ ذَكَرَ القِيامَةَ فَقالَ: ﴿فَإذا جاءَتِ الصّاخَّةُ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: يَعْنِي صَيْحَةَ القِيامَةِ وهي النَّفْخَةُ الأخِيرَةُ، قالَ الزَّجّاجُ: أصْلُ الصَّخِّ في اللُّغَةِ الطَّعْنُ والصَّكُّ، يُقالُ صَخَّ رَأْسَهُ بِحَجَرٍ أيْ شَدَخَهُ، والغُرابُ يَصُخُّ بِمِنقارِهِ في دُبُرِ البَعِيرِ أيْ يَطْعَنُ، فَمَعْنى الصّاخَّةِ الصّاكَّةِ بِشِدَّةِ صَوْتِها لِلْآذانِ. وذَكَرَ صاحِبُ الكَشّافِ وجْهًا آخَرَ فَقالَ: يُقالُ صَخَّ لِحَدِيثِهِ مِثْلُ أصاخَ لَهُ، فَوُصِفَتِ النَّفْخَةُ بِالصّاخَّةِ مَجازًا لِأنَّ النّاسَ يَصِخُّونَ لَها أيْ يَسْتَمِعُونَ.
صفحة ٥٩
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى وصَفَ هَوْلَ ذَلِكَ اليَوْمِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ مِن أخِيهِ﴾ ﴿وأُمِّهِ وأبِيهِ﴾ ﴿وصاحِبَتِهِ وبَنِيهِ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الفِرارِ ما يُشْعِرُ بِهِ ظاهَرُهُ وهو التَّباعُدُ والِاحْتِرازُ والسَّبَبُ في ذَلِكَ الفِرارِ الِاحْتِرازُ عَنِ المُطالَبَةِ بِالتَّبِعاتِ، يَقُولُ الأخُ: ما واسَيْتَنِي بِمالِكَ، والأبَوانِ يَقُولانِ: قَصَّرْتَ في بِرِّنا، والصّاحِبَةُ تَقُولُ: أطْعَمْتَنِي الحَرامَ، وفَعَلْتَ وصَنَعْتَ، والبَنُونَ يَقُولُونَ: ما عَلَّمْتَنا وما أرْشَدْتَنا، وقِيلَ: أوَّلُ مَن يَفِرُّ مِن أخِيهِ هابِيلُ، ومِن أبَوَيْهِ إبْراهِيمُ، ومِن صاحَبَتِهِ نُوحٌ ولُوطٌ، ومِنِ ابْنِهِ نُوحٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الفِرارِ لَيْسَ هو التَّباعُدُ، بَلِ المَعْنى أنَّهُ يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ مِن مُوالاةِ أخِيهِ لِاهْتِمامِهِ بِشَأْنِهِ، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذْ تَبَرَّأ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ [البَقَرَةِ: ١٦٦] وأمّا الفِرارُ مِن نُصْرَتِهِ، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا﴾ [الدُّخانِ: ٤١] وأمّا تَرْكُ السُّؤالِ وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يَسْألُ حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾ [المَعارِجِ: ١٠] .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المُرادُ أنَّ الَّذِينَ كانَ المَرْءُ في دارِ الدُّنْيا يَفِرُّ إلَيْهِمْ ويَسْتَجِيرُ بِهِمْ، فَإنَّهُ يَفِرُّ مِنهم في دارِ الآخِرَةِ، ذَكَرُوا في فائِدَةِ التَّرْتِيبِ كَأنَّهُ قِيلَ: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ مِن أخِيهِ﴾ بَلْ مِن أبَوَيْهِ فَإنَّهُما أقْرَبُ مِنَ الأخَوَيْنِ بَلْ مِنَ الصّاحِبَةِ والوَلَدِ، لِأنَّ تَعَلُّقَ القَلْبِ بِهِما أشَدُّ مِن تَعَلُّقِهِ بِالأبَوَيْنِ.
عبس 80:34
وسابِعُها: قَوْلُهُ: (وفاكِهَةً) وقَدِ اسْتَدَلَّ بَعْضُهم بِأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا ذَكَرَ الفاكِهَةَ مَعْطُوفَةً عَلى العِنَبِ والزَّيْتُونِ والنَّخْلِ وجَبَ أنْ لا تَدْخُلَ هَذِهِ الأشْياءُ في الفاكِهَةِ، وهَذا قَرِيبٌ مِن جِهَةِ الظّاهِرِ، لِأنَّ المَعْطُوفَ مُغايِرٌ لِلْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ.
وثامِنُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأبًّا﴾ والأبُّ هو المَرْعى، قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: لِأنَّهُ يُؤَبُّ أيْ يُؤَمُّ ويُنْتَجَعُ، والأبُّ والأمُّ أخَوانِ، قالَ الشّاعِرُ:
جِذْمُنا قَيْسٌ ونَجْدٌ دارُنا لَنا الأبُّ بِهِ والمَكْرَعُ
وقِيلَ: الأبُّ الفاكِهَةُ اليابِسَةُ لِأنَّها تُؤَبُّ لِلشِّتاءِ أيْ تُعَدُّ، ولَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى ما يَغْتَذِي بِهِ النّاسُ والحَيَوانُ قالَ: ﴿مَتاعًا لَكم ولِأنْعامِكُمْ﴾ .
قالَ الفَرّاءُ: خَلَقْناهُ مَنفَعَةً ومُتْعَةً لَكم ولِأنْعامِكُمْ، وقالَ الزَّجّاجُ: هو مَنصُوبٌ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِقَوْلِهِ: ﴿فَأنْبَتْنا﴾ لِأنَّ إنْباتَهُ هَذِهِ الأشْياءَ إمْتاعٌ لِجَمِيعِ الحَيَوانِ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ هَذِهِ الأشْياءَ وكانَ المَقْصُودُ مِنها أُمُورًا ثَلاثَةً: أوَّلُها: الدَّلائِلُ الدّالَّةُ عَلى التَّوْحِيدِ.
وثانِيها: الدَّلائِلُ الدّالَّةُ عَلى القُدْرَةِ عَلى المَعادِ.
وثالِثُها: أنَّ هَذا الإلَهَ الَّذِي أحْسَنَ إلى عَبِيدِهِ بِهَذِهِ الأنْواعِ العَظِيمَةِ مِنَ الإحْسانِ، لا يَلِيقُ بِالعاقِلِ أنْ يَتَمَرَّدَ عَنْ طاعَتِهِ وأنْ يَتَكَبَّرَ عَلى عَبِيدِهِ؛ أتْبَعَ هَذِهِ الجُمْلَةَ بِما يَكُونُ مُؤَكِّدًا لِهَذِهِ الأغْراضِ وهو شَرْحُ أهْوالِ القِيامَةِ، فَإنَّ الإنْسانَ إذا سَمِعَها خافَ فَيَدْعُوهُ ذَلِكَ الخَوْفُ إلى التَّأمُّلِ في الدَّلائِلِ والإيمانِ بِها والإعْراضِ عَنِ الكُفْرِ، ويَدْعُوهُ ذَلِكَ أيْضًا إلى تَرْكِ التَّكَبُّرِ عَلى النّاسِ، وإلى إظْهارِ التَّواضُعِ إلى كُلِّ أحَدٍ فَلا جَرَمَ ذَكَرَ القِيامَةَ فَقالَ: ﴿فَإذا جاءَتِ الصّاخَّةُ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: يَعْنِي صَيْحَةَ القِيامَةِ وهي النَّفْخَةُ الأخِيرَةُ، قالَ الزَّجّاجُ: أصْلُ الصَّخِّ في اللُّغَةِ الطَّعْنُ والصَّكُّ، يُقالُ صَخَّ رَأْسَهُ بِحَجَرٍ أيْ شَدَخَهُ، والغُرابُ يَصُخُّ بِمِنقارِهِ في دُبُرِ البَعِيرِ أيْ يَطْعَنُ، فَمَعْنى الصّاخَّةِ الصّاكَّةِ بِشِدَّةِ صَوْتِها لِلْآذانِ. وذَكَرَ صاحِبُ الكَشّافِ وجْهًا آخَرَ فَقالَ: يُقالُ صَخَّ لِحَدِيثِهِ مِثْلُ أصاخَ لَهُ، فَوُصِفَتِ النَّفْخَةُ بِالصّاخَّةِ مَجازًا لِأنَّ النّاسَ يَصِخُّونَ لَها أيْ يَسْتَمِعُونَ.
صفحة ٥٩
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى وصَفَ هَوْلَ ذَلِكَ اليَوْمِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ مِن أخِيهِ﴾ ﴿وأُمِّهِ وأبِيهِ﴾ ﴿وصاحِبَتِهِ وبَنِيهِ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الفِرارِ ما يُشْعِرُ بِهِ ظاهَرُهُ وهو التَّباعُدُ والِاحْتِرازُ والسَّبَبُ في ذَلِكَ الفِرارِ الِاحْتِرازُ عَنِ المُطالَبَةِ بِالتَّبِعاتِ، يَقُولُ الأخُ: ما واسَيْتَنِي بِمالِكَ، والأبَوانِ يَقُولانِ: قَصَّرْتَ في بِرِّنا، والصّاحِبَةُ تَقُولُ: أطْعَمْتَنِي الحَرامَ، وفَعَلْتَ وصَنَعْتَ، والبَنُونَ يَقُولُونَ: ما عَلَّمْتَنا وما أرْشَدْتَنا، وقِيلَ: أوَّلُ مَن يَفِرُّ مِن أخِيهِ هابِيلُ، ومِن أبَوَيْهِ إبْراهِيمُ، ومِن صاحَبَتِهِ نُوحٌ ولُوطٌ، ومِنِ ابْنِهِ نُوحٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الفِرارِ لَيْسَ هو التَّباعُدُ، بَلِ المَعْنى أنَّهُ يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ مِن مُوالاةِ أخِيهِ لِاهْتِمامِهِ بِشَأْنِهِ، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذْ تَبَرَّأ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ [البَقَرَةِ: ١٦٦] وأمّا الفِرارُ مِن نُصْرَتِهِ، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا﴾ [الدُّخانِ: ٤١] وأمّا تَرْكُ السُّؤالِ وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يَسْألُ حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾ [المَعارِجِ: ١٠] .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المُرادُ أنَّ الَّذِينَ كانَ المَرْءُ في دارِ الدُّنْيا يَفِرُّ إلَيْهِمْ ويَسْتَجِيرُ بِهِمْ، فَإنَّهُ يَفِرُّ مِنهم في دارِ الآخِرَةِ، ذَكَرُوا في فائِدَةِ التَّرْتِيبِ كَأنَّهُ قِيلَ: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ مِن أخِيهِ﴾ بَلْ مِن أبَوَيْهِ فَإنَّهُما أقْرَبُ مِنَ الأخَوَيْنِ بَلْ مِنَ الصّاحِبَةِ والوَلَدِ، لِأنَّ تَعَلُّقَ القَلْبِ بِهِما أشَدُّ مِن تَعَلُّقِهِ بِالأبَوَيْنِ.
عبس 80:35
وسابِعُها: قَوْلُهُ: (وفاكِهَةً) وقَدِ اسْتَدَلَّ بَعْضُهم بِأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا ذَكَرَ الفاكِهَةَ مَعْطُوفَةً عَلى العِنَبِ والزَّيْتُونِ والنَّخْلِ وجَبَ أنْ لا تَدْخُلَ هَذِهِ الأشْياءُ في الفاكِهَةِ، وهَذا قَرِيبٌ مِن جِهَةِ الظّاهِرِ، لِأنَّ المَعْطُوفَ مُغايِرٌ لِلْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ.
وثامِنُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأبًّا﴾ والأبُّ هو المَرْعى، قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: لِأنَّهُ يُؤَبُّ أيْ يُؤَمُّ ويُنْتَجَعُ، والأبُّ والأمُّ أخَوانِ، قالَ الشّاعِرُ:
جِذْمُنا قَيْسٌ ونَجْدٌ دارُنا لَنا الأبُّ بِهِ والمَكْرَعُ
وقِيلَ: الأبُّ الفاكِهَةُ اليابِسَةُ لِأنَّها تُؤَبُّ لِلشِّتاءِ أيْ تُعَدُّ، ولَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى ما يَغْتَذِي بِهِ النّاسُ والحَيَوانُ قالَ: ﴿مَتاعًا لَكم ولِأنْعامِكُمْ﴾ .
قالَ الفَرّاءُ: خَلَقْناهُ مَنفَعَةً ومُتْعَةً لَكم ولِأنْعامِكُمْ، وقالَ الزَّجّاجُ: هو مَنصُوبٌ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِقَوْلِهِ: ﴿فَأنْبَتْنا﴾ لِأنَّ إنْباتَهُ هَذِهِ الأشْياءَ إمْتاعٌ لِجَمِيعِ الحَيَوانِ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ هَذِهِ الأشْياءَ وكانَ المَقْصُودُ مِنها أُمُورًا ثَلاثَةً: أوَّلُها: الدَّلائِلُ الدّالَّةُ عَلى التَّوْحِيدِ.
وثانِيها: الدَّلائِلُ الدّالَّةُ عَلى القُدْرَةِ عَلى المَعادِ.
وثالِثُها: أنَّ هَذا الإلَهَ الَّذِي أحْسَنَ إلى عَبِيدِهِ بِهَذِهِ الأنْواعِ العَظِيمَةِ مِنَ الإحْسانِ، لا يَلِيقُ بِالعاقِلِ أنْ يَتَمَرَّدَ عَنْ طاعَتِهِ وأنْ يَتَكَبَّرَ عَلى عَبِيدِهِ؛ أتْبَعَ هَذِهِ الجُمْلَةَ بِما يَكُونُ مُؤَكِّدًا لِهَذِهِ الأغْراضِ وهو شَرْحُ أهْوالِ القِيامَةِ، فَإنَّ الإنْسانَ إذا سَمِعَها خافَ فَيَدْعُوهُ ذَلِكَ الخَوْفُ إلى التَّأمُّلِ في الدَّلائِلِ والإيمانِ بِها والإعْراضِ عَنِ الكُفْرِ، ويَدْعُوهُ ذَلِكَ أيْضًا إلى تَرْكِ التَّكَبُّرِ عَلى النّاسِ، وإلى إظْهارِ التَّواضُعِ إلى كُلِّ أحَدٍ فَلا جَرَمَ ذَكَرَ القِيامَةَ فَقالَ: ﴿فَإذا جاءَتِ الصّاخَّةُ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: يَعْنِي صَيْحَةَ القِيامَةِ وهي النَّفْخَةُ الأخِيرَةُ، قالَ الزَّجّاجُ: أصْلُ الصَّخِّ في اللُّغَةِ الطَّعْنُ والصَّكُّ، يُقالُ صَخَّ رَأْسَهُ بِحَجَرٍ أيْ شَدَخَهُ، والغُرابُ يَصُخُّ بِمِنقارِهِ في دُبُرِ البَعِيرِ أيْ يَطْعَنُ، فَمَعْنى الصّاخَّةِ الصّاكَّةِ بِشِدَّةِ صَوْتِها لِلْآذانِ. وذَكَرَ صاحِبُ الكَشّافِ وجْهًا آخَرَ فَقالَ: يُقالُ صَخَّ لِحَدِيثِهِ مِثْلُ أصاخَ لَهُ، فَوُصِفَتِ النَّفْخَةُ بِالصّاخَّةِ مَجازًا لِأنَّ النّاسَ يَصِخُّونَ لَها أيْ يَسْتَمِعُونَ.
صفحة ٥٩
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى وصَفَ هَوْلَ ذَلِكَ اليَوْمِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ مِن أخِيهِ﴾ ﴿وأُمِّهِ وأبِيهِ﴾ ﴿وصاحِبَتِهِ وبَنِيهِ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الفِرارِ ما يُشْعِرُ بِهِ ظاهَرُهُ وهو التَّباعُدُ والِاحْتِرازُ والسَّبَبُ في ذَلِكَ الفِرارِ الِاحْتِرازُ عَنِ المُطالَبَةِ بِالتَّبِعاتِ، يَقُولُ الأخُ: ما واسَيْتَنِي بِمالِكَ، والأبَوانِ يَقُولانِ: قَصَّرْتَ في بِرِّنا، والصّاحِبَةُ تَقُولُ: أطْعَمْتَنِي الحَرامَ، وفَعَلْتَ وصَنَعْتَ، والبَنُونَ يَقُولُونَ: ما عَلَّمْتَنا وما أرْشَدْتَنا، وقِيلَ: أوَّلُ مَن يَفِرُّ مِن أخِيهِ هابِيلُ، ومِن أبَوَيْهِ إبْراهِيمُ، ومِن صاحَبَتِهِ نُوحٌ ولُوطٌ، ومِنِ ابْنِهِ نُوحٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الفِرارِ لَيْسَ هو التَّباعُدُ، بَلِ المَعْنى أنَّهُ يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ مِن مُوالاةِ أخِيهِ لِاهْتِمامِهِ بِشَأْنِهِ، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذْ تَبَرَّأ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ [البَقَرَةِ: ١٦٦] وأمّا الفِرارُ مِن نُصْرَتِهِ، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا﴾ [الدُّخانِ: ٤١] وأمّا تَرْكُ السُّؤالِ وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يَسْألُ حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾ [المَعارِجِ: ١٠] .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المُرادُ أنَّ الَّذِينَ كانَ المَرْءُ في دارِ الدُّنْيا يَفِرُّ إلَيْهِمْ ويَسْتَجِيرُ بِهِمْ، فَإنَّهُ يَفِرُّ مِنهم في دارِ الآخِرَةِ، ذَكَرُوا في فائِدَةِ التَّرْتِيبِ كَأنَّهُ قِيلَ: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ مِن أخِيهِ﴾ بَلْ مِن أبَوَيْهِ فَإنَّهُما أقْرَبُ مِنَ الأخَوَيْنِ بَلْ مِنَ الصّاحِبَةِ والوَلَدِ، لِأنَّ تَعَلُّقَ القَلْبِ بِهِما أشَدُّ مِن تَعَلُّقِهِ بِالأبَوَيْنِ.
عبس 80:36
وسابِعُها: قَوْلُهُ: (وفاكِهَةً) وقَدِ اسْتَدَلَّ بَعْضُهم بِأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا ذَكَرَ الفاكِهَةَ مَعْطُوفَةً عَلى العِنَبِ والزَّيْتُونِ والنَّخْلِ وجَبَ أنْ لا تَدْخُلَ هَذِهِ الأشْياءُ في الفاكِهَةِ، وهَذا قَرِيبٌ مِن جِهَةِ الظّاهِرِ، لِأنَّ المَعْطُوفَ مُغايِرٌ لِلْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ.
وثامِنُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأبًّا﴾ والأبُّ هو المَرْعى، قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: لِأنَّهُ يُؤَبُّ أيْ يُؤَمُّ ويُنْتَجَعُ، والأبُّ والأمُّ أخَوانِ، قالَ الشّاعِرُ:
جِذْمُنا قَيْسٌ ونَجْدٌ دارُنا لَنا الأبُّ بِهِ والمَكْرَعُ
وقِيلَ: الأبُّ الفاكِهَةُ اليابِسَةُ لِأنَّها تُؤَبُّ لِلشِّتاءِ أيْ تُعَدُّ، ولَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى ما يَغْتَذِي بِهِ النّاسُ والحَيَوانُ قالَ: ﴿مَتاعًا لَكم ولِأنْعامِكُمْ﴾ .
قالَ الفَرّاءُ: خَلَقْناهُ مَنفَعَةً ومُتْعَةً لَكم ولِأنْعامِكُمْ، وقالَ الزَّجّاجُ: هو مَنصُوبٌ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِقَوْلِهِ: ﴿فَأنْبَتْنا﴾ لِأنَّ إنْباتَهُ هَذِهِ الأشْياءَ إمْتاعٌ لِجَمِيعِ الحَيَوانِ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ هَذِهِ الأشْياءَ وكانَ المَقْصُودُ مِنها أُمُورًا ثَلاثَةً: أوَّلُها: الدَّلائِلُ الدّالَّةُ عَلى التَّوْحِيدِ.
وثانِيها: الدَّلائِلُ الدّالَّةُ عَلى القُدْرَةِ عَلى المَعادِ.
وثالِثُها: أنَّ هَذا الإلَهَ الَّذِي أحْسَنَ إلى عَبِيدِهِ بِهَذِهِ الأنْواعِ العَظِيمَةِ مِنَ الإحْسانِ، لا يَلِيقُ بِالعاقِلِ أنْ يَتَمَرَّدَ عَنْ طاعَتِهِ وأنْ يَتَكَبَّرَ عَلى عَبِيدِهِ؛ أتْبَعَ هَذِهِ الجُمْلَةَ بِما يَكُونُ مُؤَكِّدًا لِهَذِهِ الأغْراضِ وهو شَرْحُ أهْوالِ القِيامَةِ، فَإنَّ الإنْسانَ إذا سَمِعَها خافَ فَيَدْعُوهُ ذَلِكَ الخَوْفُ إلى التَّأمُّلِ في الدَّلائِلِ والإيمانِ بِها والإعْراضِ عَنِ الكُفْرِ، ويَدْعُوهُ ذَلِكَ أيْضًا إلى تَرْكِ التَّكَبُّرِ عَلى النّاسِ، وإلى إظْهارِ التَّواضُعِ إلى كُلِّ أحَدٍ فَلا جَرَمَ ذَكَرَ القِيامَةَ فَقالَ: ﴿فَإذا جاءَتِ الصّاخَّةُ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: يَعْنِي صَيْحَةَ القِيامَةِ وهي النَّفْخَةُ الأخِيرَةُ، قالَ الزَّجّاجُ: أصْلُ الصَّخِّ في اللُّغَةِ الطَّعْنُ والصَّكُّ، يُقالُ صَخَّ رَأْسَهُ بِحَجَرٍ أيْ شَدَخَهُ، والغُرابُ يَصُخُّ بِمِنقارِهِ في دُبُرِ البَعِيرِ أيْ يَطْعَنُ، فَمَعْنى الصّاخَّةِ الصّاكَّةِ بِشِدَّةِ صَوْتِها لِلْآذانِ. وذَكَرَ صاحِبُ الكَشّافِ وجْهًا آخَرَ فَقالَ: يُقالُ صَخَّ لِحَدِيثِهِ مِثْلُ أصاخَ لَهُ، فَوُصِفَتِ النَّفْخَةُ بِالصّاخَّةِ مَجازًا لِأنَّ النّاسَ يَصِخُّونَ لَها أيْ يَسْتَمِعُونَ.
صفحة ٥٩
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى وصَفَ هَوْلَ ذَلِكَ اليَوْمِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ مِن أخِيهِ﴾ ﴿وأُمِّهِ وأبِيهِ﴾ ﴿وصاحِبَتِهِ وبَنِيهِ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الفِرارِ ما يُشْعِرُ بِهِ ظاهَرُهُ وهو التَّباعُدُ والِاحْتِرازُ والسَّبَبُ في ذَلِكَ الفِرارِ الِاحْتِرازُ عَنِ المُطالَبَةِ بِالتَّبِعاتِ، يَقُولُ الأخُ: ما واسَيْتَنِي بِمالِكَ، والأبَوانِ يَقُولانِ: قَصَّرْتَ في بِرِّنا، والصّاحِبَةُ تَقُولُ: أطْعَمْتَنِي الحَرامَ، وفَعَلْتَ وصَنَعْتَ، والبَنُونَ يَقُولُونَ: ما عَلَّمْتَنا وما أرْشَدْتَنا، وقِيلَ: أوَّلُ مَن يَفِرُّ مِن أخِيهِ هابِيلُ، ومِن أبَوَيْهِ إبْراهِيمُ، ومِن صاحَبَتِهِ نُوحٌ ولُوطٌ، ومِنِ ابْنِهِ نُوحٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الفِرارِ لَيْسَ هو التَّباعُدُ، بَلِ المَعْنى أنَّهُ يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ مِن مُوالاةِ أخِيهِ لِاهْتِمامِهِ بِشَأْنِهِ، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذْ تَبَرَّأ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ [البَقَرَةِ: ١٦٦] وأمّا الفِرارُ مِن نُصْرَتِهِ، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا﴾ [الدُّخانِ: ٤١] وأمّا تَرْكُ السُّؤالِ وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يَسْألُ حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾ [المَعارِجِ: ١٠] .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المُرادُ أنَّ الَّذِينَ كانَ المَرْءُ في دارِ الدُّنْيا يَفِرُّ إلَيْهِمْ ويَسْتَجِيرُ بِهِمْ، فَإنَّهُ يَفِرُّ مِنهم في دارِ الآخِرَةِ، ذَكَرُوا في فائِدَةِ التَّرْتِيبِ كَأنَّهُ قِيلَ: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ مِن أخِيهِ﴾ بَلْ مِن أبَوَيْهِ فَإنَّهُما أقْرَبُ مِنَ الأخَوَيْنِ بَلْ مِنَ الصّاحِبَةِ والوَلَدِ، لِأنَّ تَعَلُّقَ القَلْبِ بِهِما أشَدُّ مِن تَعَلُّقِهِ بِالأبَوَيْنِ.
عبس 80:37
وسابِعُها: قَوْلُهُ: (وفاكِهَةً) وقَدِ اسْتَدَلَّ بَعْضُهم بِأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا ذَكَرَ الفاكِهَةَ مَعْطُوفَةً عَلى العِنَبِ والزَّيْتُونِ والنَّخْلِ وجَبَ أنْ لا تَدْخُلَ هَذِهِ الأشْياءُ في الفاكِهَةِ، وهَذا قَرِيبٌ مِن جِهَةِ الظّاهِرِ، لِأنَّ المَعْطُوفَ مُغايِرٌ لِلْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ.
وثامِنُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأبًّا﴾ والأبُّ هو المَرْعى، قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: لِأنَّهُ يُؤَبُّ أيْ يُؤَمُّ ويُنْتَجَعُ، والأبُّ والأمُّ أخَوانِ، قالَ الشّاعِرُ:
جِذْمُنا قَيْسٌ ونَجْدٌ دارُنا لَنا الأبُّ بِهِ والمَكْرَعُ
وقِيلَ: الأبُّ الفاكِهَةُ اليابِسَةُ لِأنَّها تُؤَبُّ لِلشِّتاءِ أيْ تُعَدُّ، ولَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى ما يَغْتَذِي بِهِ النّاسُ والحَيَوانُ قالَ: ﴿مَتاعًا لَكم ولِأنْعامِكُمْ﴾ .
قالَ الفَرّاءُ: خَلَقْناهُ مَنفَعَةً ومُتْعَةً لَكم ولِأنْعامِكُمْ، وقالَ الزَّجّاجُ: هو مَنصُوبٌ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِقَوْلِهِ: ﴿فَأنْبَتْنا﴾ لِأنَّ إنْباتَهُ هَذِهِ الأشْياءَ إمْتاعٌ لِجَمِيعِ الحَيَوانِ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ هَذِهِ الأشْياءَ وكانَ المَقْصُودُ مِنها أُمُورًا ثَلاثَةً: أوَّلُها: الدَّلائِلُ الدّالَّةُ عَلى التَّوْحِيدِ.
وثانِيها: الدَّلائِلُ الدّالَّةُ عَلى القُدْرَةِ عَلى المَعادِ.
وثالِثُها: أنَّ هَذا الإلَهَ الَّذِي أحْسَنَ إلى عَبِيدِهِ بِهَذِهِ الأنْواعِ العَظِيمَةِ مِنَ الإحْسانِ، لا يَلِيقُ بِالعاقِلِ أنْ يَتَمَرَّدَ عَنْ طاعَتِهِ وأنْ يَتَكَبَّرَ عَلى عَبِيدِهِ؛ أتْبَعَ هَذِهِ الجُمْلَةَ بِما يَكُونُ مُؤَكِّدًا لِهَذِهِ الأغْراضِ وهو شَرْحُ أهْوالِ القِيامَةِ، فَإنَّ الإنْسانَ إذا سَمِعَها خافَ فَيَدْعُوهُ ذَلِكَ الخَوْفُ إلى التَّأمُّلِ في الدَّلائِلِ والإيمانِ بِها والإعْراضِ عَنِ الكُفْرِ، ويَدْعُوهُ ذَلِكَ أيْضًا إلى تَرْكِ التَّكَبُّرِ عَلى النّاسِ، وإلى إظْهارِ التَّواضُعِ إلى كُلِّ أحَدٍ فَلا جَرَمَ ذَكَرَ القِيامَةَ فَقالَ: ﴿فَإذا جاءَتِ الصّاخَّةُ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: يَعْنِي صَيْحَةَ القِيامَةِ وهي النَّفْخَةُ الأخِيرَةُ، قالَ الزَّجّاجُ: أصْلُ الصَّخِّ في اللُّغَةِ الطَّعْنُ والصَّكُّ، يُقالُ صَخَّ رَأْسَهُ بِحَجَرٍ أيْ شَدَخَهُ، والغُرابُ يَصُخُّ بِمِنقارِهِ في دُبُرِ البَعِيرِ أيْ يَطْعَنُ، فَمَعْنى الصّاخَّةِ الصّاكَّةِ بِشِدَّةِ صَوْتِها لِلْآذانِ. وذَكَرَ صاحِبُ الكَشّافِ وجْهًا آخَرَ فَقالَ: يُقالُ صَخَّ لِحَدِيثِهِ مِثْلُ أصاخَ لَهُ، فَوُصِفَتِ النَّفْخَةُ بِالصّاخَّةِ مَجازًا لِأنَّ النّاسَ يَصِخُّونَ لَها أيْ يَسْتَمِعُونَ.
صفحة ٥٩
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى وصَفَ هَوْلَ ذَلِكَ اليَوْمِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ مِن أخِيهِ﴾ ﴿وأُمِّهِ وأبِيهِ﴾ ﴿وصاحِبَتِهِ وبَنِيهِ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الفِرارِ ما يُشْعِرُ بِهِ ظاهَرُهُ وهو التَّباعُدُ والِاحْتِرازُ والسَّبَبُ في ذَلِكَ الفِرارِ الِاحْتِرازُ عَنِ المُطالَبَةِ بِالتَّبِعاتِ، يَقُولُ الأخُ: ما واسَيْتَنِي بِمالِكَ، والأبَوانِ يَقُولانِ: قَصَّرْتَ في بِرِّنا، والصّاحِبَةُ تَقُولُ: أطْعَمْتَنِي الحَرامَ، وفَعَلْتَ وصَنَعْتَ، والبَنُونَ يَقُولُونَ: ما عَلَّمْتَنا وما أرْشَدْتَنا، وقِيلَ: أوَّلُ مَن يَفِرُّ مِن أخِيهِ هابِيلُ، ومِن أبَوَيْهِ إبْراهِيمُ، ومِن صاحَبَتِهِ نُوحٌ ولُوطٌ، ومِنِ ابْنِهِ نُوحٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الفِرارِ لَيْسَ هو التَّباعُدُ، بَلِ المَعْنى أنَّهُ يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ مِن مُوالاةِ أخِيهِ لِاهْتِمامِهِ بِشَأْنِهِ، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذْ تَبَرَّأ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ [البَقَرَةِ: ١٦٦] وأمّا الفِرارُ مِن نُصْرَتِهِ، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا﴾ [الدُّخانِ: ٤١] وأمّا تَرْكُ السُّؤالِ وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يَسْألُ حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾ [المَعارِجِ: ١٠] .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المُرادُ أنَّ الَّذِينَ كانَ المَرْءُ في دارِ الدُّنْيا يَفِرُّ إلَيْهِمْ ويَسْتَجِيرُ بِهِمْ، فَإنَّهُ يَفِرُّ مِنهم في دارِ الآخِرَةِ، ذَكَرُوا في فائِدَةِ التَّرْتِيبِ كَأنَّهُ قِيلَ: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ مِن أخِيهِ﴾ بَلْ مِن أبَوَيْهِ فَإنَّهُما أقْرَبُ مِنَ الأخَوَيْنِ بَلْ مِنَ الصّاحِبَةِ والوَلَدِ، لِأنَّ تَعَلُّقَ القَلْبِ بِهِما أشَدُّ مِن تَعَلُّقِهِ بِالأبَوَيْنِ.
عبس 80:38
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ هَذا الفِرارَ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ سَبَبِهِ فَقالَ تَعالى: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنهم يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ وفي قَوْلِهِ: ﴿يُغْنِيهِ﴾ وجْهانِ:
الأوَّلُ: قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُغْنِيهِ أيْ يَصْرِفُهُ ويَصُدُّهُ عَنْ قَرابَتِهِ وأنْشَدَ:
سَيُغْنِيكَ حَرْبُ بَنِي مالِكٍ عَنِ الفُحْشِ والجَهْلِ في المَحْفِلِ
أيْ سَيَشْغَلُكَ، ويُقالُ: أغْنِ عَنِّي وجْهَكَ أيِ اصْرِفْهُ.
الثّانِي: قالَ أهْلُ المَعانِي: يُغْنِيهِ أيْ ذَلِكَ الهَمُّ الَّذِي بِسَبَبِ خاصَّةِ نَفْسِهِ قَدْ مَلَأ صَدْرَهُ، فَلَمْ يَبْقَ فِيهِ مُتَّسَعٌ لِهَمٍّ آخَرَ، فَصارَ شَبِيهًا بِالغَنِيِّ في أنَّهُ حَصَلَ عِنْدَهُ مِن ذَلِكَ المَمْلُوكِ شَيْءٌ كَثِيرٌ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ حالَ يَوْمِ القِيامَةِ في الهَوْلِ، بَيَّنَ أنَّ المُكَلَّفِينَ فِيهِ عَلى قِسْمَيْنِ مِنهُمُ السُّعَداءُ، ومِنهُمُ الأشْقِياءُ فَوَصَفَ السُّعَداءَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ﴾ ﴿ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ مُسْفِرَةٌ مُضِيئَةٌ مُتَهَلِّلَةٌ، مِن أسْفَرَ الصُّبْحُ إذا أضاءَ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: مِن قِيامِ اللَّيْلِ لِما رُوِيَ: «مَن كَثُرَتْ صَلاتُهُ بِاللَّيْلِ، حَسُنَ وجْهُهُ بِالنَّهارِ»، وعَنِ الضَّحّاكِ: مِن آثارِ الوُضُوءِ، وقِيلَ مِن طُولِ ما اغْبَرَّتْ في سَبِيلِ اللَّهِ، وعِنْدِي أنَّهُ بِسَبَبِ الخَلاصِ مِن عَلائِقِ الدُّنْيا والِاتِّصالِ بِعالَمِ القُدْسِ ومَنازِلِ الرِّضْوانِ والرَّحْمَةِ، ضاحِكَةٌ: قالَ الكَلْبِيُّ: يَعْنِي بِالفَراغِ مِنَ الحِسابِ مُسْتَبْشِرَةٌ فَرِحَةٌ بِما نالَتْ مِن كَرامَةِ اللَّهِ ورِضاهُ، واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ مُسْفِرَةٌ إشارَةٌ إلى الخَلاصِ عَنْ هَذا العالَمِ وتَبِعاتِهِ، وأمّا الضّاحِكَةُ والمُسْتَبْشِرَةُ، فَهُما مَحْمُولَتانِ عَلى القُوَّةِ النَّظَرِيَّةِ والعَمَلِيَّةِ، أوْ عَلى وِجْدانِ المَنفَعَةِ ووِجْدانِ التَّعْظِيمِ.
عبس 80:39
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ هَذا الفِرارَ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ سَبَبِهِ فَقالَ تَعالى: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنهم يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ وفي قَوْلِهِ: ﴿يُغْنِيهِ﴾ وجْهانِ:
الأوَّلُ: قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُغْنِيهِ أيْ يَصْرِفُهُ ويَصُدُّهُ عَنْ قَرابَتِهِ وأنْشَدَ:
سَيُغْنِيكَ حَرْبُ بَنِي مالِكٍ عَنِ الفُحْشِ والجَهْلِ في المَحْفِلِ
أيْ سَيَشْغَلُكَ، ويُقالُ: أغْنِ عَنِّي وجْهَكَ أيِ اصْرِفْهُ.
الثّانِي: قالَ أهْلُ المَعانِي: يُغْنِيهِ أيْ ذَلِكَ الهَمُّ الَّذِي بِسَبَبِ خاصَّةِ نَفْسِهِ قَدْ مَلَأ صَدْرَهُ، فَلَمْ يَبْقَ فِيهِ مُتَّسَعٌ لِهَمٍّ آخَرَ، فَصارَ شَبِيهًا بِالغَنِيِّ في أنَّهُ حَصَلَ عِنْدَهُ مِن ذَلِكَ المَمْلُوكِ شَيْءٌ كَثِيرٌ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ حالَ يَوْمِ القِيامَةِ في الهَوْلِ، بَيَّنَ أنَّ المُكَلَّفِينَ فِيهِ عَلى قِسْمَيْنِ مِنهُمُ السُّعَداءُ، ومِنهُمُ الأشْقِياءُ فَوَصَفَ السُّعَداءَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ﴾ ﴿ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ مُسْفِرَةٌ مُضِيئَةٌ مُتَهَلِّلَةٌ، مِن أسْفَرَ الصُّبْحُ إذا أضاءَ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: مِن قِيامِ اللَّيْلِ لِما رُوِيَ: «مَن كَثُرَتْ صَلاتُهُ بِاللَّيْلِ، حَسُنَ وجْهُهُ بِالنَّهارِ»، وعَنِ الضَّحّاكِ: مِن آثارِ الوُضُوءِ، وقِيلَ مِن طُولِ ما اغْبَرَّتْ في سَبِيلِ اللَّهِ، وعِنْدِي أنَّهُ بِسَبَبِ الخَلاصِ مِن عَلائِقِ الدُّنْيا والِاتِّصالِ بِعالَمِ القُدْسِ ومَنازِلِ الرِّضْوانِ والرَّحْمَةِ، ضاحِكَةٌ: قالَ الكَلْبِيُّ: يَعْنِي بِالفَراغِ مِنَ الحِسابِ مُسْتَبْشِرَةٌ فَرِحَةٌ بِما نالَتْ مِن كَرامَةِ اللَّهِ ورِضاهُ، واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ مُسْفِرَةٌ إشارَةٌ إلى الخَلاصِ عَنْ هَذا العالَمِ وتَبِعاتِهِ، وأمّا الضّاحِكَةُ والمُسْتَبْشِرَةُ، فَهُما مَحْمُولَتانِ عَلى القُوَّةِ النَّظَرِيَّةِ والعَمَلِيَّةِ، أوْ عَلى وِجْدانِ المَنفَعَةِ ووِجْدانِ التَّعْظِيمِ.
عبس 80:40
﴿ووُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ﴾ ﴿تَرْهَقُها قَتَرَةٌ﴾ ﴿أُولَئِكَ هُمُ الكَفَرَةُ الفَجَرَةُ﴾ قالَ المُبَرِّدُ: الغَبَرَةُ ما يُصِيبُ الإنْسانَ مِنَ الغُبارِ، وقَوْلُهُ: ﴿تَرْهَقُها﴾ أيْ تُدْرِكُها عَنْ قُرْبٍ، كَقَوْلِكَ: رَهِقْتُ الجَبَلَ إذا لَحِقْتُهُ بِسُرْعَةٍ، والرَّهَقُ عَجَلَةُ الهَلاكِ، والقَتَرَةُ سَوادٌ كالدُّخانِ، ولا يُرى أوْحَشُ مِنَ اجْتِماعِ الغَبَرَةِ والسَّوادِ في الوَجْهِ، كَما تَرى وُجُوهَ الزُّنُوجِ إذا اغْبَرَّتْ، وكَأنَّ اللَّهَ تَعالى جَمَعَ في وُجُوهِهِمْ بَيْنَ السَّوادِ والغَبَرَةِ، كَما جَمَعُوا بَيْنَ الكُفْرِ والفُجُورِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
واعْلَمْ أنَّ المُرْجِئَةَ والخَوارِجَ تَمَسَّكُوا بِهَذِهِ الآيَةِ، أمّا المُرْجِئَةُ فَقالُوا: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ دَلَّتْ عَلى أنَّ أهْلَ القِيامَةِ قِسْمانِ: أهْلُ الثَّوابِ، وأهْلُ العِقابِ. ودَلَّتْ عَلى أنَّ أهِلَ العِقابِ هُمُ الكَفَرَةُ، وثَبَتَ بِالدَّلِيلِ أنَّ الفُسّاقَ مِن أهْلِ الصَّلاةِ لَيْسُوا بِكَفَرَةٍ، وإذا لَمْ يَكُونُوا مِنَ الكَفَرَةِ كانُوا مِن أهْلِ الثَّوابِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ صاحِبَ الكَبِيرَةِ مِن أهْلِ الصَّلاةِ لَيْسَ لَهُ عِقابٌ، وأمّا الخَوارِجُ فَإنَّهم قالُوا: دَلَّتْ سائِرُ الدَّلائِلِ عَلى أنَّ صاحِبَ الكَبِيرَةِ يُعاقَبُ، ودَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ كُلَّ مَن يُعاقَبُ فَإنَّهُ كافِرٌ، فَيَلْزَمُ أنَّ كُلَّ مُذْنِبٍ فَإنَّهُ كافِرٌ. والجَوابُ: أكْثَرُ ما في البابِ أنَّ المَذْكُورَ هاهُنا هو هَذا الفَرِيقانِ، وذَلِكَ لا يَقْتَضِي نَفْيَ الفَرِيقِ الثّالِثِ، واللَّهُ أعْلَمُ؛ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ وصَلاتُهُ عَلى سَيِّدِ المُرْسَلِينَ مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ وآلِهِ وصَحْبِهِ أجْمَعِينَ.
عبس 80:41
﴿ووُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ﴾ ﴿تَرْهَقُها قَتَرَةٌ﴾ ﴿أُولَئِكَ هُمُ الكَفَرَةُ الفَجَرَةُ﴾ قالَ المُبَرِّدُ: الغَبَرَةُ ما يُصِيبُ الإنْسانَ مِنَ الغُبارِ، وقَوْلُهُ: ﴿تَرْهَقُها﴾ أيْ تُدْرِكُها عَنْ قُرْبٍ، كَقَوْلِكَ: رَهِقْتُ الجَبَلَ إذا لَحِقْتُهُ بِسُرْعَةٍ، والرَّهَقُ عَجَلَةُ الهَلاكِ، والقَتَرَةُ سَوادٌ كالدُّخانِ، ولا يُرى أوْحَشُ مِنَ اجْتِماعِ الغَبَرَةِ والسَّوادِ في الوَجْهِ، كَما تَرى وُجُوهَ الزُّنُوجِ إذا اغْبَرَّتْ، وكَأنَّ اللَّهَ تَعالى جَمَعَ في وُجُوهِهِمْ بَيْنَ السَّوادِ والغَبَرَةِ، كَما جَمَعُوا بَيْنَ الكُفْرِ والفُجُورِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
واعْلَمْ أنَّ المُرْجِئَةَ والخَوارِجَ تَمَسَّكُوا بِهَذِهِ الآيَةِ، أمّا المُرْجِئَةُ فَقالُوا: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ دَلَّتْ عَلى أنَّ أهْلَ القِيامَةِ قِسْمانِ: أهْلُ الثَّوابِ، وأهْلُ العِقابِ. ودَلَّتْ عَلى أنَّ أهِلَ العِقابِ هُمُ الكَفَرَةُ، وثَبَتَ بِالدَّلِيلِ أنَّ الفُسّاقَ مِن أهْلِ الصَّلاةِ لَيْسُوا بِكَفَرَةٍ، وإذا لَمْ يَكُونُوا مِنَ الكَفَرَةِ كانُوا مِن أهْلِ الثَّوابِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ صاحِبَ الكَبِيرَةِ مِن أهْلِ الصَّلاةِ لَيْسَ لَهُ عِقابٌ، وأمّا الخَوارِجُ فَإنَّهم قالُوا: دَلَّتْ سائِرُ الدَّلائِلِ عَلى أنَّ صاحِبَ الكَبِيرَةِ يُعاقَبُ، ودَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ كُلَّ مَن يُعاقَبُ فَإنَّهُ كافِرٌ، فَيَلْزَمُ أنَّ كُلَّ مُذْنِبٍ فَإنَّهُ كافِرٌ. والجَوابُ: أكْثَرُ ما في البابِ أنَّ المَذْكُورَ هاهُنا هو هَذا الفَرِيقانِ، وذَلِكَ لا يَقْتَضِي نَفْيَ الفَرِيقِ الثّالِثِ، واللَّهُ أعْلَمُ؛ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ وصَلاتُهُ عَلى سَيِّدِ المُرْسَلِينَ مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ وآلِهِ وصَحْبِهِ أجْمَعِينَ.
عبس 80:42
﴿ووُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ﴾ ﴿تَرْهَقُها قَتَرَةٌ﴾ ﴿أُولَئِكَ هُمُ الكَفَرَةُ الفَجَرَةُ﴾ قالَ المُبَرِّدُ: الغَبَرَةُ ما يُصِيبُ الإنْسانَ مِنَ الغُبارِ، وقَوْلُهُ: ﴿تَرْهَقُها﴾ أيْ تُدْرِكُها عَنْ قُرْبٍ، كَقَوْلِكَ: رَهِقْتُ الجَبَلَ إذا لَحِقْتُهُ بِسُرْعَةٍ، والرَّهَقُ عَجَلَةُ الهَلاكِ، والقَتَرَةُ سَوادٌ كالدُّخانِ، ولا يُرى أوْحَشُ مِنَ اجْتِماعِ الغَبَرَةِ والسَّوادِ في الوَجْهِ، كَما تَرى وُجُوهَ الزُّنُوجِ إذا اغْبَرَّتْ، وكَأنَّ اللَّهَ تَعالى جَمَعَ في وُجُوهِهِمْ بَيْنَ السَّوادِ والغَبَرَةِ، كَما جَمَعُوا بَيْنَ الكُفْرِ والفُجُورِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
واعْلَمْ أنَّ المُرْجِئَةَ والخَوارِجَ تَمَسَّكُوا بِهَذِهِ الآيَةِ، أمّا المُرْجِئَةُ فَقالُوا: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ دَلَّتْ عَلى أنَّ أهْلَ القِيامَةِ قِسْمانِ: أهْلُ الثَّوابِ، وأهْلُ العِقابِ. ودَلَّتْ عَلى أنَّ أهِلَ العِقابِ هُمُ الكَفَرَةُ، وثَبَتَ بِالدَّلِيلِ أنَّ الفُسّاقَ مِن أهْلِ الصَّلاةِ لَيْسُوا بِكَفَرَةٍ، وإذا لَمْ يَكُونُوا مِنَ الكَفَرَةِ كانُوا مِن أهْلِ الثَّوابِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ صاحِبَ الكَبِيرَةِ مِن أهْلِ الصَّلاةِ لَيْسَ لَهُ عِقابٌ، وأمّا الخَوارِجُ فَإنَّهم قالُوا: دَلَّتْ سائِرُ الدَّلائِلِ عَلى أنَّ صاحِبَ الكَبِيرَةِ يُعاقَبُ، ودَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ كُلَّ مَن يُعاقَبُ فَإنَّهُ كافِرٌ، فَيَلْزَمُ أنَّ كُلَّ مُذْنِبٍ فَإنَّهُ كافِرٌ. والجَوابُ: أكْثَرُ ما في البابِ أنَّ المَذْكُورَ هاهُنا هو هَذا الفَرِيقانِ، وذَلِكَ لا يَقْتَضِي نَفْيَ الفَرِيقِ الثّالِثِ، واللَّهُ أعْلَمُ؛ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ وصَلاتُهُ عَلى سَيِّدِ المُرْسَلِينَ مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ وآلِهِ وصَحْبِهِ أجْمَعِينَ.
التكوير 81:1
صفحة ٦١
(سُورَةُ التَّكْوِيرِ)
عِشْرُونَ وتِسْعُ آياتٍ مَكِّيَّةٌ
﷽
﴿إذا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾
﷽
﴿إذا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ اثْنَيْ عَشَرَ شَيْئًا، وقالَ: إذا وقَعَتْ هَذِهِ الأشْياءُ فَهُنالِكَ ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أحْضَرَتْ﴾ [التَّكْوِيرِ: ١٤] . فالأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ وفي التَّكْوِيرِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: التَّلْفِيفُ عَلى جِهَةِ الِاسْتِدارَةِ كَتَكْوِيرِ العِمامَةِ، وفي الحَدِيثِ: ”«نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الحَوْرِ بَعْدَ الكَوْرِ» “ أيْ مِنَ التَّشَتُّتِ بَعْدَ الأُلْفَةِ. والطَّيُّ واللَّفُّ والكَوْرُ والتَّكْوِيرُ واحِدٌ، وسُمِّيَتْ كارَةُ القَصّارِ كارَةً لِأنَّهُ يَجْمَعُ ثِيابَهُ في ثَوْبٍ واحِدٍ، ثُمَّ إنَّ الشَّيْءَ الَّذِي يُلَفُّ لا شَكَّ أنَّهُ يَصِيرُ مُخْتَفِيًا عَنِ الأعْيُنِ، فَعَبَّرَ عَنْ إزالَةِ النُّورِ عَنْ جِرْمِ الشَّمْسِ وتَصْيِيرها غائِبَةً عَنِ الأعْيُنِ بِالتَّكْوِيرِ، فَلِهَذا قالَ بَعْضُهم: كُوِّرَتْ أيْ طُمِسَتْ، وقالَ آخَرُونَ: انْكَسَفَتْ، وقالَ الحَسَنُ: مُحِيَ ضَوْؤُها، وقالَ المُفَضَّلُ بْنُ سَلَمَةَ: كُوِّرَتْ أيْ ذَهَبَ ضَوْؤُها، كَأنَّها اسْتَتَرَتْ في كارَةٍ. الوَجْهُ الثّانِي: في التَّكْوِيرِ يُقالُ: كَوَّرْتُ الحائِطَ ودَهْوَرْتُهُ إذا طَرَحْتَهُ حَتّى يَسْقُطَ، قالَ الأصْمَعِيُّ: يُقالُ طَعَنَهُ فَكَوَّرَهُ إذا صَرَعَهُ، فَقَوْلُهُ: ﴿إذا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾، أيْ أُلْقِيَتْ ورُمِيَتْ عَنِ الفَلَكِ، وفِيهِ قَوْلٌ ثالِثٌ: يُرْوى عَنْ عُمَرَ أنَّهُ لَفْظَةٌ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الفارِسِيَّةِ، فَإنَّهُ يُقالُ لِلْأعْمى كُورٌ، وهاهُنا سُؤالانِ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: ارْتِفاعُ الشَّمْسِ عَلى الِابْتِداءِ أوِ الفاعِلِيَّةِ؟ الجَوابُ: بَلْ عَلى الفاعِلِيَّةِ رافِعُها فِعْلٌ مُضْمَرٌ، يُفَسِّرُهُ كُوِّرَتْ لِأنَّ (إذا) يُطْلَبُ الفِعْلُ لِما فِيهِ مِن مَعْنى الشَّرْطِ.
السُّؤالُ الثّانِي: رُوِيَ «أنَّ الحَسَنَ جَلَسَ بِالبَصْرَةِ إلى أبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَحَدَّثَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ”إنَّ الشَّمْسَ والقَمَرَ ثَوْرانِ مُكَوَّرانِ في النّارِ يَوْمَ القِيامَةِ“ قالَ الحَسَنُ: وما ذَنْبُهُما؟ قالَ: إنِّي أُحَدِّثُكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ. فَسَكَتَ الحَسَنُ» . والجَوابُ: أنَّ سُؤالَ الحَسَنِ ساقِطٌ، لِأنَّ الشَّمْسَ والقَمَرَ
صفحة ٦٢
جَمادانِ فَإلْقاؤُهُما في النّارِ لا يَكُونُ سَبَبًا لِمَضَرَّتِهِما، ولَعَلَّ ذَلِكَ يَصِيرُ سَبَبًا لِازْدِيادِ الحَرِّ في جَهَنَّمَ، فَلا يَكُونُ هَذا الخَبَرُ عَلى خِلافِ العَقْلِ.
التكوير 81:2
الثّانِي: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ﴾ أيْ تَناثَرَتْ وتَساقَطَتْ كَما قالَ تَعالى: ﴿وإذا الكَواكِبُ انْتَثَرَتْ﴾ [الِانْفِطارِ: ٢] والأصْلُ في الِانْكِدارِ الِانْصِبابُ، قالَ الخَلِيلُ: يُقالُ انْكَدَرَ عَلَيْهِمُ القَوْمُ إذا جاءُوا أرْسالًا فانْصَبُّوا عَلَيْهِمْ، قالَ الكَلْبِيُّ: تُمْطِرُ السَّماءُ يَوْمَئِذٍ نُجُومًا فَلا يَبْقى نَجْمٌ في السَّماءِ إلّا وقَعَ عَلى وجْهِ الأرْضِ، قالَ عَطاءٌ: وذَلِكَ أنَّها في قَنادِيلَ مُعَلَّقَةٍ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ بِسَلاسِلَ مِنَ النُّورِ، وتِلْكَ السَّلاسِلُ في أيْدِي المَلائِكَةِ، فَإذا ماتَ مَن في السَّماءِ والأرْضِ تَساقَطَتْ تِلْكَ السَّلاسِلُ مِن أيْدِي المَلائِكَةِ.
الثّالِثُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا الجِبالُ سُيِّرَتْ﴾ أيْ عَنْ وجْهِ الأرْضِ كَقَوْلِهِ: ﴿وسُيِّرَتِ الجِبالُ فَكانَتْ سَرابًا﴾ [النَّبَإ: ٢٠] أوْ في الهَواءِ كَقَوْلِهِ: ﴿تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ﴾ [النَّمْلِ: ٨٨] .
الرّابِعُ: قَوْلُهُ: ﴿وإذا العِشارُ عُطِّلَتْ﴾ فِيهِ قَوْلانِ:
القَوْلُ الأوَّلُ: المَشْهُورُ أنَّ (العِشارَ) جَمْعُ عُشَراءَ كالنِّفاسِ في جَمْعِ نُفَساءَ، وهي الَّتِي أتى عَلى حَمْلِها عَشْرَةُ أشْهُرٍ، ثُمَّ هو اسْمُها إلى أنْ تَضَعَ لِتَمامِ السَّنَّةِ، وهي أنْفَسُ ما يَكُونُ عِنْدَ أهْلِها وأعَزُّها عَلَيْهِمْ، و﴿عُطِّلَتْ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أهْمَلَها أهْلُها لِما جاءَهم مِن أهْوالِ يَوْمِ القِيامَةِ، ولَيْسَ شَيْءٌ أحَبَّ إلى العَرَبِ مِنَ النُّوقِ الحَوامِلِ، وخُوطِبَ العَرَبُ بِأمْرِ العِشارِ لِأنَّ أكْثَرَ مالِها وعَيْشِها مِنَ الإبِلِ. والغَرَضُ مِن ذَلِكَ ذَهابُ الأمْوالِ وبُطْلانُ الأمْلاكِ، واشْتِغالُ النّاسِ بِأنْفُسِهِمْ كَما قالَ: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ ولا بَنُونَ﴾ ﴿إلّا مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشُّعَراءِ: ٨٨،٨٩] وقالَ: ﴿ولَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكم أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنْعامِ: ٩٤] .
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ العِشارَ كِنايَةٌ عَنِ السَّحابِ تَعَطَّلَتْ عَمّا فِيها مِنَ الماءِ، وهَذا وإنْ كانَ مَجازًا إلّا أنَّهُ أشْبَهُ بِسائِرِ ما قَبْلَهُ، وأيْضًا فالعَرَبُ تُشَبِّهُ السَّحابَ بِالحامِلِ، قالَ تَعالى: ﴿فالحامِلاتِ وِقْرًا﴾ [الذّارِياتِ: ٢] .
الخامِسُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا الوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾ كُلُّ شَيْءٍ مِن دَوابِّ البَرِّ مِمّا لا يُسْتَأْنَسُ فَهو وحْشٌ، والجَمْعُ الوُحُوشُ، و(حُشِرَتْ) جُمِعَتْ مِن كُلِّ ناحِيَةٍ، قالَ قَتادَةُ: يُحْشَرُ كُلُّ شَيْءٍ حَتّى الذُّبابُ لِلْقَصّاصِ، قالَ المُعْتَزِلَةُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى يَحْشُرُ الحَيَواناتِ كُلَّها في ذَلِكَ اليَوْمِ لِيُعَوِّضَها عَلى آلامِها الَّتِي وصَلَتْ إلَيْها في الدُّنْيا بِالمَوْتِ والقَتْلِ وغَيْرِ ذَلِكَ، فَإذا عُوِّضَتْ عَلى تِلْكَ الآلامِ، فَإنْ شاءَ اللَّهُ أنْ يُبْقِيَ بَعْضَها في الجَنَّةِ إذا كانَ مُسْتَحْسَنًا فَعَلَ، وإنْ شاءَ أنْ يُفْنِيَهُ أفْناهُ عَلى ما جاءَ بِهِ الخَبَرُ، وأمّا أصْحابُنا فَعِنْدَهم أنَّهُ لا يَجِبُ عَلى اللَّهِ شَيْءٌ بِحُكْمِ الِاسْتِحْقاقِ، ولَكِنَّهُ تَعالى يَحْشُرُ الوُحُوشَ كُلَّها فَيَقْتَصُّ لِلْجَمّاءِ مِنَ القَرْناءِ، ثُمَّ
صفحة ٦٣
يُقالُ لَها مُوتِي فَتَمُوتُ، والغَرَضُ مِن ذِكْرِ هَذِهِ القِصَّةِ هاهُنا وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّهُ تَعالى إذا كانَ [ يَوْمُ القِيامَةِ ] يَحْشُرُ كُلَّ الحَيَواناتِ إظْهارًا لِلْعَدْلِ، فَكَيْفَ يَجُوزُ مَعَ هَذا أنْ لا يَحْشُرَ المُكَلَّفِينَ مِنَ الإنْسِ والجِنِّ؟ .
الثّانِي: أنَّها تَجْتَمِعُ في مَوْقِفِ القِيامَةِ مَعَ شِدَّةِ نَفْرَتِها عَنِ النّاسِ في الدُّنْيا وتَبَدُّدِها في الصَّحارِي، فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّ اجْتِماعَها إلى النّاسِ لَيْسَ إلّا مِن هَوْلِ ذَلِكَ اليَوْمِ.
والثّالِثُ: أنَّ هَذِهِ الحَيَواناتِ بَعْضُها غِذاءٌ لِلْبَعْضِ، ثُمَّ إنَّها في ذَلِكَ اليَوْمِ تَجْتَمِعُ ولا يَتَعَرَّضُ بَعْضُها لِبَعْضٍ، وما ذاكَ إلّا لِشِدَّةِ هَوْلِ ذَلِكَ اليَوْمِ، وفي الآيَةِ قَوْلٌ آخَرُ لِابْنِ عَبّاسٍ وهو أنَّ حَشْرَ الوُحُوشِ عِبارَةٌ عَنْ مَوْتِها، يُقالُ - إذا أجْحَفَتِ السَّنَةُ بِالنّاسِ وأمْوالِهِمْ – حَشَرَتْهُمُ السَّنَةُ، وقُرِئَ (حُشِّرَتْ) بِالتَّشْدِيدِ.
التكوير 81:3
الثّانِي: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ﴾ أيْ تَناثَرَتْ وتَساقَطَتْ كَما قالَ تَعالى: ﴿وإذا الكَواكِبُ انْتَثَرَتْ﴾ [الِانْفِطارِ: ٢] والأصْلُ في الِانْكِدارِ الِانْصِبابُ، قالَ الخَلِيلُ: يُقالُ انْكَدَرَ عَلَيْهِمُ القَوْمُ إذا جاءُوا أرْسالًا فانْصَبُّوا عَلَيْهِمْ، قالَ الكَلْبِيُّ: تُمْطِرُ السَّماءُ يَوْمَئِذٍ نُجُومًا فَلا يَبْقى نَجْمٌ في السَّماءِ إلّا وقَعَ عَلى وجْهِ الأرْضِ، قالَ عَطاءٌ: وذَلِكَ أنَّها في قَنادِيلَ مُعَلَّقَةٍ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ بِسَلاسِلَ مِنَ النُّورِ، وتِلْكَ السَّلاسِلُ في أيْدِي المَلائِكَةِ، فَإذا ماتَ مَن في السَّماءِ والأرْضِ تَساقَطَتْ تِلْكَ السَّلاسِلُ مِن أيْدِي المَلائِكَةِ.
الثّالِثُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا الجِبالُ سُيِّرَتْ﴾ أيْ عَنْ وجْهِ الأرْضِ كَقَوْلِهِ: ﴿وسُيِّرَتِ الجِبالُ فَكانَتْ سَرابًا﴾ [النَّبَإ: ٢٠] أوْ في الهَواءِ كَقَوْلِهِ: ﴿تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ﴾ [النَّمْلِ: ٨٨] .
الرّابِعُ: قَوْلُهُ: ﴿وإذا العِشارُ عُطِّلَتْ﴾ فِيهِ قَوْلانِ:
القَوْلُ الأوَّلُ: المَشْهُورُ أنَّ (العِشارَ) جَمْعُ عُشَراءَ كالنِّفاسِ في جَمْعِ نُفَساءَ، وهي الَّتِي أتى عَلى حَمْلِها عَشْرَةُ أشْهُرٍ، ثُمَّ هو اسْمُها إلى أنْ تَضَعَ لِتَمامِ السَّنَّةِ، وهي أنْفَسُ ما يَكُونُ عِنْدَ أهْلِها وأعَزُّها عَلَيْهِمْ، و﴿عُطِّلَتْ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أهْمَلَها أهْلُها لِما جاءَهم مِن أهْوالِ يَوْمِ القِيامَةِ، ولَيْسَ شَيْءٌ أحَبَّ إلى العَرَبِ مِنَ النُّوقِ الحَوامِلِ، وخُوطِبَ العَرَبُ بِأمْرِ العِشارِ لِأنَّ أكْثَرَ مالِها وعَيْشِها مِنَ الإبِلِ. والغَرَضُ مِن ذَلِكَ ذَهابُ الأمْوالِ وبُطْلانُ الأمْلاكِ، واشْتِغالُ النّاسِ بِأنْفُسِهِمْ كَما قالَ: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ ولا بَنُونَ﴾ ﴿إلّا مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشُّعَراءِ: ٨٨،٨٩] وقالَ: ﴿ولَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكم أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنْعامِ: ٩٤] .
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ العِشارَ كِنايَةٌ عَنِ السَّحابِ تَعَطَّلَتْ عَمّا فِيها مِنَ الماءِ، وهَذا وإنْ كانَ مَجازًا إلّا أنَّهُ أشْبَهُ بِسائِرِ ما قَبْلَهُ، وأيْضًا فالعَرَبُ تُشَبِّهُ السَّحابَ بِالحامِلِ، قالَ تَعالى: ﴿فالحامِلاتِ وِقْرًا﴾ [الذّارِياتِ: ٢] .
الخامِسُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا الوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾ كُلُّ شَيْءٍ مِن دَوابِّ البَرِّ مِمّا لا يُسْتَأْنَسُ فَهو وحْشٌ، والجَمْعُ الوُحُوشُ، و(حُشِرَتْ) جُمِعَتْ مِن كُلِّ ناحِيَةٍ، قالَ قَتادَةُ: يُحْشَرُ كُلُّ شَيْءٍ حَتّى الذُّبابُ لِلْقَصّاصِ، قالَ المُعْتَزِلَةُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى يَحْشُرُ الحَيَواناتِ كُلَّها في ذَلِكَ اليَوْمِ لِيُعَوِّضَها عَلى آلامِها الَّتِي وصَلَتْ إلَيْها في الدُّنْيا بِالمَوْتِ والقَتْلِ وغَيْرِ ذَلِكَ، فَإذا عُوِّضَتْ عَلى تِلْكَ الآلامِ، فَإنْ شاءَ اللَّهُ أنْ يُبْقِيَ بَعْضَها في الجَنَّةِ إذا كانَ مُسْتَحْسَنًا فَعَلَ، وإنْ شاءَ أنْ يُفْنِيَهُ أفْناهُ عَلى ما جاءَ بِهِ الخَبَرُ، وأمّا أصْحابُنا فَعِنْدَهم أنَّهُ لا يَجِبُ عَلى اللَّهِ شَيْءٌ بِحُكْمِ الِاسْتِحْقاقِ، ولَكِنَّهُ تَعالى يَحْشُرُ الوُحُوشَ كُلَّها فَيَقْتَصُّ لِلْجَمّاءِ مِنَ القَرْناءِ، ثُمَّ
صفحة ٦٣
يُقالُ لَها مُوتِي فَتَمُوتُ، والغَرَضُ مِن ذِكْرِ هَذِهِ القِصَّةِ هاهُنا وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّهُ تَعالى إذا كانَ [ يَوْمُ القِيامَةِ ] يَحْشُرُ كُلَّ الحَيَواناتِ إظْهارًا لِلْعَدْلِ، فَكَيْفَ يَجُوزُ مَعَ هَذا أنْ لا يَحْشُرَ المُكَلَّفِينَ مِنَ الإنْسِ والجِنِّ؟ .
الثّانِي: أنَّها تَجْتَمِعُ في مَوْقِفِ القِيامَةِ مَعَ شِدَّةِ نَفْرَتِها عَنِ النّاسِ في الدُّنْيا وتَبَدُّدِها في الصَّحارِي، فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّ اجْتِماعَها إلى النّاسِ لَيْسَ إلّا مِن هَوْلِ ذَلِكَ اليَوْمِ.
والثّالِثُ: أنَّ هَذِهِ الحَيَواناتِ بَعْضُها غِذاءٌ لِلْبَعْضِ، ثُمَّ إنَّها في ذَلِكَ اليَوْمِ تَجْتَمِعُ ولا يَتَعَرَّضُ بَعْضُها لِبَعْضٍ، وما ذاكَ إلّا لِشِدَّةِ هَوْلِ ذَلِكَ اليَوْمِ، وفي الآيَةِ قَوْلٌ آخَرُ لِابْنِ عَبّاسٍ وهو أنَّ حَشْرَ الوُحُوشِ عِبارَةٌ عَنْ مَوْتِها، يُقالُ - إذا أجْحَفَتِ السَّنَةُ بِالنّاسِ وأمْوالِهِمْ – حَشَرَتْهُمُ السَّنَةُ، وقُرِئَ (حُشِّرَتْ) بِالتَّشْدِيدِ.
التكوير 81:4
الثّانِي: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ﴾ أيْ تَناثَرَتْ وتَساقَطَتْ كَما قالَ تَعالى: ﴿وإذا الكَواكِبُ انْتَثَرَتْ﴾ [الِانْفِطارِ: ٢] والأصْلُ في الِانْكِدارِ الِانْصِبابُ، قالَ الخَلِيلُ: يُقالُ انْكَدَرَ عَلَيْهِمُ القَوْمُ إذا جاءُوا أرْسالًا فانْصَبُّوا عَلَيْهِمْ، قالَ الكَلْبِيُّ: تُمْطِرُ السَّماءُ يَوْمَئِذٍ نُجُومًا فَلا يَبْقى نَجْمٌ في السَّماءِ إلّا وقَعَ عَلى وجْهِ الأرْضِ، قالَ عَطاءٌ: وذَلِكَ أنَّها في قَنادِيلَ مُعَلَّقَةٍ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ بِسَلاسِلَ مِنَ النُّورِ، وتِلْكَ السَّلاسِلُ في أيْدِي المَلائِكَةِ، فَإذا ماتَ مَن في السَّماءِ والأرْضِ تَساقَطَتْ تِلْكَ السَّلاسِلُ مِن أيْدِي المَلائِكَةِ.
الثّالِثُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا الجِبالُ سُيِّرَتْ﴾ أيْ عَنْ وجْهِ الأرْضِ كَقَوْلِهِ: ﴿وسُيِّرَتِ الجِبالُ فَكانَتْ سَرابًا﴾ [النَّبَإ: ٢٠] أوْ في الهَواءِ كَقَوْلِهِ: ﴿تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ﴾ [النَّمْلِ: ٨٨] .
الرّابِعُ: قَوْلُهُ: ﴿وإذا العِشارُ عُطِّلَتْ﴾ فِيهِ قَوْلانِ:
القَوْلُ الأوَّلُ: المَشْهُورُ أنَّ (العِشارَ) جَمْعُ عُشَراءَ كالنِّفاسِ في جَمْعِ نُفَساءَ، وهي الَّتِي أتى عَلى حَمْلِها عَشْرَةُ أشْهُرٍ، ثُمَّ هو اسْمُها إلى أنْ تَضَعَ لِتَمامِ السَّنَّةِ، وهي أنْفَسُ ما يَكُونُ عِنْدَ أهْلِها وأعَزُّها عَلَيْهِمْ، و﴿عُطِّلَتْ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أهْمَلَها أهْلُها لِما جاءَهم مِن أهْوالِ يَوْمِ القِيامَةِ، ولَيْسَ شَيْءٌ أحَبَّ إلى العَرَبِ مِنَ النُّوقِ الحَوامِلِ، وخُوطِبَ العَرَبُ بِأمْرِ العِشارِ لِأنَّ أكْثَرَ مالِها وعَيْشِها مِنَ الإبِلِ. والغَرَضُ مِن ذَلِكَ ذَهابُ الأمْوالِ وبُطْلانُ الأمْلاكِ، واشْتِغالُ النّاسِ بِأنْفُسِهِمْ كَما قالَ: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ ولا بَنُونَ﴾ ﴿إلّا مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشُّعَراءِ: ٨٨،٨٩] وقالَ: ﴿ولَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكم أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنْعامِ: ٩٤] .
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ العِشارَ كِنايَةٌ عَنِ السَّحابِ تَعَطَّلَتْ عَمّا فِيها مِنَ الماءِ، وهَذا وإنْ كانَ مَجازًا إلّا أنَّهُ أشْبَهُ بِسائِرِ ما قَبْلَهُ، وأيْضًا فالعَرَبُ تُشَبِّهُ السَّحابَ بِالحامِلِ، قالَ تَعالى: ﴿فالحامِلاتِ وِقْرًا﴾ [الذّارِياتِ: ٢] .
الخامِسُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا الوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾ كُلُّ شَيْءٍ مِن دَوابِّ البَرِّ مِمّا لا يُسْتَأْنَسُ فَهو وحْشٌ، والجَمْعُ الوُحُوشُ، و(حُشِرَتْ) جُمِعَتْ مِن كُلِّ ناحِيَةٍ، قالَ قَتادَةُ: يُحْشَرُ كُلُّ شَيْءٍ حَتّى الذُّبابُ لِلْقَصّاصِ، قالَ المُعْتَزِلَةُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى يَحْشُرُ الحَيَواناتِ كُلَّها في ذَلِكَ اليَوْمِ لِيُعَوِّضَها عَلى آلامِها الَّتِي وصَلَتْ إلَيْها في الدُّنْيا بِالمَوْتِ والقَتْلِ وغَيْرِ ذَلِكَ، فَإذا عُوِّضَتْ عَلى تِلْكَ الآلامِ، فَإنْ شاءَ اللَّهُ أنْ يُبْقِيَ بَعْضَها في الجَنَّةِ إذا كانَ مُسْتَحْسَنًا فَعَلَ، وإنْ شاءَ أنْ يُفْنِيَهُ أفْناهُ عَلى ما جاءَ بِهِ الخَبَرُ، وأمّا أصْحابُنا فَعِنْدَهم أنَّهُ لا يَجِبُ عَلى اللَّهِ شَيْءٌ بِحُكْمِ الِاسْتِحْقاقِ، ولَكِنَّهُ تَعالى يَحْشُرُ الوُحُوشَ كُلَّها فَيَقْتَصُّ لِلْجَمّاءِ مِنَ القَرْناءِ، ثُمَّ
صفحة ٦٣
يُقالُ لَها مُوتِي فَتَمُوتُ، والغَرَضُ مِن ذِكْرِ هَذِهِ القِصَّةِ هاهُنا وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّهُ تَعالى إذا كانَ [ يَوْمُ القِيامَةِ ] يَحْشُرُ كُلَّ الحَيَواناتِ إظْهارًا لِلْعَدْلِ، فَكَيْفَ يَجُوزُ مَعَ هَذا أنْ لا يَحْشُرَ المُكَلَّفِينَ مِنَ الإنْسِ والجِنِّ؟ .
الثّانِي: أنَّها تَجْتَمِعُ في مَوْقِفِ القِيامَةِ مَعَ شِدَّةِ نَفْرَتِها عَنِ النّاسِ في الدُّنْيا وتَبَدُّدِها في الصَّحارِي، فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّ اجْتِماعَها إلى النّاسِ لَيْسَ إلّا مِن هَوْلِ ذَلِكَ اليَوْمِ.
والثّالِثُ: أنَّ هَذِهِ الحَيَواناتِ بَعْضُها غِذاءٌ لِلْبَعْضِ، ثُمَّ إنَّها في ذَلِكَ اليَوْمِ تَجْتَمِعُ ولا يَتَعَرَّضُ بَعْضُها لِبَعْضٍ، وما ذاكَ إلّا لِشِدَّةِ هَوْلِ ذَلِكَ اليَوْمِ، وفي الآيَةِ قَوْلٌ آخَرُ لِابْنِ عَبّاسٍ وهو أنَّ حَشْرَ الوُحُوشِ عِبارَةٌ عَنْ مَوْتِها، يُقالُ - إذا أجْحَفَتِ السَّنَةُ بِالنّاسِ وأمْوالِهِمْ – حَشَرَتْهُمُ السَّنَةُ، وقُرِئَ (حُشِّرَتْ) بِالتَّشْدِيدِ.
التكوير 81:5
الثّانِي: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ﴾ أيْ تَناثَرَتْ وتَساقَطَتْ كَما قالَ تَعالى: ﴿وإذا الكَواكِبُ انْتَثَرَتْ﴾ [الِانْفِطارِ: ٢] والأصْلُ في الِانْكِدارِ الِانْصِبابُ، قالَ الخَلِيلُ: يُقالُ انْكَدَرَ عَلَيْهِمُ القَوْمُ إذا جاءُوا أرْسالًا فانْصَبُّوا عَلَيْهِمْ، قالَ الكَلْبِيُّ: تُمْطِرُ السَّماءُ يَوْمَئِذٍ نُجُومًا فَلا يَبْقى نَجْمٌ في السَّماءِ إلّا وقَعَ عَلى وجْهِ الأرْضِ، قالَ عَطاءٌ: وذَلِكَ أنَّها في قَنادِيلَ مُعَلَّقَةٍ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ بِسَلاسِلَ مِنَ النُّورِ، وتِلْكَ السَّلاسِلُ في أيْدِي المَلائِكَةِ، فَإذا ماتَ مَن في السَّماءِ والأرْضِ تَساقَطَتْ تِلْكَ السَّلاسِلُ مِن أيْدِي المَلائِكَةِ.
الثّالِثُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا الجِبالُ سُيِّرَتْ﴾ أيْ عَنْ وجْهِ الأرْضِ كَقَوْلِهِ: ﴿وسُيِّرَتِ الجِبالُ فَكانَتْ سَرابًا﴾ [النَّبَإ: ٢٠] أوْ في الهَواءِ كَقَوْلِهِ: ﴿تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ﴾ [النَّمْلِ: ٨٨] .
الرّابِعُ: قَوْلُهُ: ﴿وإذا العِشارُ عُطِّلَتْ﴾ فِيهِ قَوْلانِ:
القَوْلُ الأوَّلُ: المَشْهُورُ أنَّ (العِشارَ) جَمْعُ عُشَراءَ كالنِّفاسِ في جَمْعِ نُفَساءَ، وهي الَّتِي أتى عَلى حَمْلِها عَشْرَةُ أشْهُرٍ، ثُمَّ هو اسْمُها إلى أنْ تَضَعَ لِتَمامِ السَّنَّةِ، وهي أنْفَسُ ما يَكُونُ عِنْدَ أهْلِها وأعَزُّها عَلَيْهِمْ، و﴿عُطِّلَتْ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أهْمَلَها أهْلُها لِما جاءَهم مِن أهْوالِ يَوْمِ القِيامَةِ، ولَيْسَ شَيْءٌ أحَبَّ إلى العَرَبِ مِنَ النُّوقِ الحَوامِلِ، وخُوطِبَ العَرَبُ بِأمْرِ العِشارِ لِأنَّ أكْثَرَ مالِها وعَيْشِها مِنَ الإبِلِ. والغَرَضُ مِن ذَلِكَ ذَهابُ الأمْوالِ وبُطْلانُ الأمْلاكِ، واشْتِغالُ النّاسِ بِأنْفُسِهِمْ كَما قالَ: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ ولا بَنُونَ﴾ ﴿إلّا مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشُّعَراءِ: ٨٨،٨٩] وقالَ: ﴿ولَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكم أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنْعامِ: ٩٤] .
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ العِشارَ كِنايَةٌ عَنِ السَّحابِ تَعَطَّلَتْ عَمّا فِيها مِنَ الماءِ، وهَذا وإنْ كانَ مَجازًا إلّا أنَّهُ أشْبَهُ بِسائِرِ ما قَبْلَهُ، وأيْضًا فالعَرَبُ تُشَبِّهُ السَّحابَ بِالحامِلِ، قالَ تَعالى: ﴿فالحامِلاتِ وِقْرًا﴾ [الذّارِياتِ: ٢] .
الخامِسُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا الوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾ كُلُّ شَيْءٍ مِن دَوابِّ البَرِّ مِمّا لا يُسْتَأْنَسُ فَهو وحْشٌ، والجَمْعُ الوُحُوشُ، و(حُشِرَتْ) جُمِعَتْ مِن كُلِّ ناحِيَةٍ، قالَ قَتادَةُ: يُحْشَرُ كُلُّ شَيْءٍ حَتّى الذُّبابُ لِلْقَصّاصِ، قالَ المُعْتَزِلَةُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى يَحْشُرُ الحَيَواناتِ كُلَّها في ذَلِكَ اليَوْمِ لِيُعَوِّضَها عَلى آلامِها الَّتِي وصَلَتْ إلَيْها في الدُّنْيا بِالمَوْتِ والقَتْلِ وغَيْرِ ذَلِكَ، فَإذا عُوِّضَتْ عَلى تِلْكَ الآلامِ، فَإنْ شاءَ اللَّهُ أنْ يُبْقِيَ بَعْضَها في الجَنَّةِ إذا كانَ مُسْتَحْسَنًا فَعَلَ، وإنْ شاءَ أنْ يُفْنِيَهُ أفْناهُ عَلى ما جاءَ بِهِ الخَبَرُ، وأمّا أصْحابُنا فَعِنْدَهم أنَّهُ لا يَجِبُ عَلى اللَّهِ شَيْءٌ بِحُكْمِ الِاسْتِحْقاقِ، ولَكِنَّهُ تَعالى يَحْشُرُ الوُحُوشَ كُلَّها فَيَقْتَصُّ لِلْجَمّاءِ مِنَ القَرْناءِ، ثُمَّ
صفحة ٦٣
يُقالُ لَها مُوتِي فَتَمُوتُ، والغَرَضُ مِن ذِكْرِ هَذِهِ القِصَّةِ هاهُنا وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّهُ تَعالى إذا كانَ [ يَوْمُ القِيامَةِ ] يَحْشُرُ كُلَّ الحَيَواناتِ إظْهارًا لِلْعَدْلِ، فَكَيْفَ يَجُوزُ مَعَ هَذا أنْ لا يَحْشُرَ المُكَلَّفِينَ مِنَ الإنْسِ والجِنِّ؟ .
الثّانِي: أنَّها تَجْتَمِعُ في مَوْقِفِ القِيامَةِ مَعَ شِدَّةِ نَفْرَتِها عَنِ النّاسِ في الدُّنْيا وتَبَدُّدِها في الصَّحارِي، فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّ اجْتِماعَها إلى النّاسِ لَيْسَ إلّا مِن هَوْلِ ذَلِكَ اليَوْمِ.
والثّالِثُ: أنَّ هَذِهِ الحَيَواناتِ بَعْضُها غِذاءٌ لِلْبَعْضِ، ثُمَّ إنَّها في ذَلِكَ اليَوْمِ تَجْتَمِعُ ولا يَتَعَرَّضُ بَعْضُها لِبَعْضٍ، وما ذاكَ إلّا لِشِدَّةِ هَوْلِ ذَلِكَ اليَوْمِ، وفي الآيَةِ قَوْلٌ آخَرُ لِابْنِ عَبّاسٍ وهو أنَّ حَشْرَ الوُحُوشِ عِبارَةٌ عَنْ مَوْتِها، يُقالُ - إذا أجْحَفَتِ السَّنَةُ بِالنّاسِ وأمْوالِهِمْ – حَشَرَتْهُمُ السَّنَةُ، وقُرِئَ (حُشِّرَتْ) بِالتَّشْدِيدِ.
التكوير 81:6
السّادِسُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا البِحارُ سُجِّرَتْ﴾ قُرِئَ بِالتَّخْفِيفِ والتَّشْدِيدِ، وفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّ أصْلَ الكَلِمَةِ مِن سَجَرْتُ التَّنُّورَ إذا أوْقَدْتَها، والشَّيْءُ إذا وُقِدَ فِيهِ نَشَفَ ما فِيهِ مِنَ الرُّطُوبَةِ، فَحِينَئِذٍ لا يَبْقى في البِحارِ شَيْءٌ مِنَ المِياهِ البَتَّةَ، ثُمَّ إنَّ الجِبالَ قَدْ سُيِّرَتْ عَلى ما قالَ: ﴿وسُيِّرَتِ الجِبالُ﴾ وحِينَئِذٍ تَصِيرُ البِحارُ والأرْضُ شَيْئًا واحِدًا في غايَةِ الحَرارَةِ والإحْراقِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الأرْضُ لَمّا نَشَفَتْ مِياهُ البِحارِ رَبَتْ فارْتَفَعَتْ فاسْتَوَتْ بِرُءُوسِ الجِبالِ، ويُحْتَمَلُ أنَّ الجِبالَ لَمّا انْدَكَّتْ وتَفَرَّقَتْ أجْزاؤُها وصارَتْ كالتُّرابِ وقَعَ ذَلِكَ التُّرابُ في أسْفَلِ الجِبالِ، فَصارَ وجْهُ الأرْضِ مُسْتَوِيًا مَعَ البِحارِ، ويَصِيرُ الكُلُّ بَحْرًا مَسْجُورًا.
وثانِيها: أنْ يَكُونَ (سُجِّرَتْ) بِمَعْنى ”فُجِّرَتْ“ وذَلِكَ لِأنَّ بَيْنَ البِحارِ حاجِزًا عَلى ما قالَ: ﴿مَرَجَ البَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ﴾ ﴿بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ﴾ [الرَّحْمَنِ: ١٩،٢٠] فَإذا رَفَعَ اللَّهُ ذَلِكَ الحاجِزَ فاضَ البَعْضُ في البَعْضِ، وصارَتِ البِحارُ بَحْرًا واحِدًا، وهو قَوْلُ الكَلْبِيِّ.
وثالِثُها: (سُجِّرَتْ) أُوقِدَتْ، قالَ القَفّالُ: وهَذا التَّأْوِيلُ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا:
الأوَّلُ: أنْ تَكُونَ جَهَنَّمُ في قُعُورِ البِحارِ، فَهي الآنَ غَيْرُ مَسْجُورَةٍ لِقِيامِ الدُّنْيا، فَإذا انْتَهَتْ مُدَّةُ الدُّنْيا أوْصَلَ اللَّهُ تَأْثِيرَ تِلْكَ النِّيرانِ إلى البِحارِ، فَصارَتْ بِالكُلِّيَّةِ مَسْجُورَةً بِسَبَبِ ذَلِكَ.
والثّانِي: أنَّ اللَّهَ تَعالى يُلْقِي الشَّمْسَ والقَمَرَ والكَواكِبَ في البِحارِ، فَتَصِيرُ البِحارُ مَسْجُورَةً بِسَبَبِ ذَلِكَ.
والثّالِثُ: أنْ يَخْلُقَ اللَّهُ تَعالى بِالبِحارِ نِيرانًا عَظِيمَةً حَتّى تَتَسَخَّنَ تِلْكَ المِياهُ.
وأقُولُ هَذِهِ الوُجُوهُ مُتَكَلَّفَةٌ لا حاجَةَ إلى شَيْءٍ مِنها، لِأنَّ القادِرَ عَلى تَخْرِيبِ الدُّنْيا وإقامَةِ القِيامَةِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ قادِرًا عَلى أنْ يَفْعَلَ بِالبِحارِ ما شاءَ مِن تَسْخِينٍ، ومِن قَلْبِ مِياهِها نِيرانًا مِن غَيْرِ حاجَةٍ مِنهُ إلى أنْ يُلْقِيَ فِيها الشَّمْسَ والقَمَرَ، وأنْ يَكُونَ تَحْتَها نارُ جَهَنَّمَ.
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ العَلاماتِ السِّتَّ يُمْكِنُ وُقُوعُها في أوَّلِ زَمانِ تَخْرِيبِ الدُّنْيا، ويُمْكِنُ وُقُوعُها أيْضًا بَعْدَ قِيامِ القِيامَةِ، ولَيْسَ في اللَّفْظِ ما يَدُلُّ عَلى أحَدِ الِاحْتِمالَيْنِ. أمّا السِّتَّةُ الباقِيَةُ فَإنَّها مُخْتَصَّةٌ بِالقِيامَةِ.
التكوير 81:7
السّابِعُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: قُرِنَتِ الأرْواحُ بِالأجْسادِ.
وثانِيها: قالَ الحَسَنُ: يَصِيرُونَ فِيها ثَلاثَةَ أزْواجٍ كَما قالَ: ﴿وكُنْتُمْ أزْواجًا ثَلاثَةً﴾ ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ ﴿وأصْحابُ المَشْأمَةِ ما أصْحابُ المَشْأمَةِ﴾ ﴿والسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾ [الواقِعَةِ: ٨] .
وثالِثُها: أنَّهُ
صفحة ٦٤
يُضَمُّ إلى كُلِّ صِنْفٍ مَن كانَ في طَبَقَتِهِ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ، فَيُضَمُّ المُبْرَزُ في الطّاعاتِ إلى مِثْلِهِ، والمُتَوَسِّطُ إلى مِثْلِهِ وأهْلُ المَعْصِيَةِ إلى مِثْلِهِ، فالتَّزْوِيجُ أنْ يُقْرَنَ الشَّيْءُ بِمِثْلِهِ، والمَعْنى أنْ يُضَمَّ كُلُّ واحِدٍ إلى طَبَقَتِهِ في الخَيْرِ والشَّرِّ.
ورابِعُها: يُضَمُّ كُلُّ رَجُلٍ إلى مَن كانَ يَلْزَمُهُ مِن مَلِكٍ وسُلْطانٍ كَما قالَ: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وأزْواجَهُمْ﴾ [الصّافّاتِ: ٢٢] قِيلَ: فَزِدْناهم مِنَ الشَّياطِينِ.
وخامِسُها: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: زُوِّجَتْ نُفُوسُ المُؤْمِنِينَ بِالحُورِ العِينِ وقُرِنَتْ نُفُوسُ الكافِرِينَ بِالشَّياطِينِ.
وسادِسُها: قُرِنَ كُلُّ امْرِئٍ بِشِيعَتِهِ اليَهُودِيُّ بِاليَهُودِيِّ والنَّصْرانِيُّ بِالنَّصْرانِيِّ، وقَدْ ورَدَ فِيهِ خَبَرٌ مَرْفُوعٌ.
وسابِعُها: قالَ الزَّجّاجُ: قُرِنَتِ النُّفُوسُ بِأعْمالِها. واعْلَمْ أنَّكَ إذا تَأمَّلْتَ في الأقْوالِ الَّتِي ذَكَرْناها أمْكَنَكَ أنْ تَزِيدَ عَلَيْها ما شِئْتَ.
الثّامِنُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا المَوْءُودَةُ سُئِلَتْ﴾ ﴿بِأيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ فِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: وأدَ يَئِدُ مَقْلُوبٌ مِن آدَ يَئُودُ أوْدًا ثَقُلَ قالَ تَعالى: ﴿ولا يَئُودُهُ حِفْظُهُما﴾ [البَقَرَةِ: ٢٥٥] أيْ يُثْقِلُهُ؛ لِأنَّهُ إثْقالٌ بِالتُّرابِ، كانَ الرَّجُلُ إذا وُلِدَتْ لَهُ بِنْتٌ فَأرادَ بَقاءَ حَياتِها ألْبَسَها جُبَّةً مِن صُوفٍ أوْ شَعْرٍ لِتَرْعى لَهُ الإبِلَ والغَنَمَ في البادِيَةِ، وإنْ أرادَ قَتْلَها تَرَكَها حَتّى إذا بَلَغَتْ قامَتُها سِتَّةَ أشْبارٍ فَيَقُولُ لِأُمِّها: طَيِّبِيها وزَيِّنِيها حَتّى أذْهَبَ بِها إلى أقارِبِها، وقَدْ حَفَرَ لَها بِئْرًا في الصَّحْراءِ فَيَبْلُغُ بِها إلى البِئْرِ فَيَقُولُ لَها انْظُرِي فِيها ثُمَّ يَدْفَعُها مِن خَلْفِها ويُهِيلُ عَلَيْها التُّرابَ حَتّى يَسْتَوِيَ البِئْرُ بِالأرْضِ، وقِيلَ: كانَتِ الحامِلُ إذا قَرَّبَتْ حَفَرَتْ حُفْرَةً فَتَمَخَّضَتْ عَلى رَأْسِ الحُفْرَةِ فَإذا ولَدَتْ بِنْتًا رَمَتْها في الحُفْرَةِ، وإذا ولَدَتِ ابْنًا أمْسَكَتْهُ، وهاهُنا سُؤالانِ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: ما الَّذِي حَمَلَهم عَلى وأْدِ البَناتِ؟ الجَوابُ: الخَوْفُ مِن لُحُوقِ العارِ بِهِمْ مِن أجْلِهِمْ أوِ الخَوْفُ مِنَ الإمْلاقِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ولا تَقْتُلُوا أوْلادَكم خَشْيَةَ إمْلاقٍ﴾ [الإسْراءِ: ٣١] وكانُوا يَقُولُونَ: إنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ فَألْحَقُوا البَناتَ بِالمَلائِكَةِ، وكانَ صَعْصَعَةُ بْنُ ناجِيَةَ مِمَّنْ مَنَعَ الوَأْدَ فافْتَخَرَ الفَرَزْدَقُ بِهِ في قَوْلِهِ:
ومِنّا الَّذِي مَنَعَ الوائِداتِ فَأحْيا الوَئِيدَ فَلَمْ تُوأدِ
السُّؤالُ الثّانِي: فَما مَعْنى سُؤالِ المَوْءُودَةِ عَنْ ذَنْبِها الَّذِي قُتِلَتْ بِهِ، وهَلّا سُئِلَ الوائِدُ عَنْ مُوجِبِ قَتْلِهِ لَها؟ الجَوابُ: سُؤالُها وجَوابُها تَبْكِيتٌ لِقاتِلِها، وهو كَتَبْكِيتِ النَّصارى في قَوْلِهِ لِعِيسى: ﴿أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ قالَ سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِي أنْ أقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ [المائِدَةِ: ١١٦] .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قُرِئَ (سَألَتْ)، أيْ خاصَمَتْ عَنْ نَفْسِها، وسَألَتِ اللَّهَ أوْ قاتِلَها، وقُرِئَ (قُتِّلَتْ) بِالتَّشْدِيدِ، فَإنْ قِيلَ اللَّفْظُ المُطابِقُ أنْ يُقالَ: ﴿سُئِلَتْ﴾ ﴿بِأيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ ومَن قَرَأ سَألَتْ فالمُطابِقُ أنْ يَقْرَأ (بِأيِّ ذَنْبٍ قُتِلْتُ) فَما الوَجْهُ في القِراءَةِ المَشْهُورَةِ؟ قُلْنا: الجَوابُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: تَقْدِيرُ الآيَةِ: وإذا المَوْءُودَةُ سُئِلَتْ [ أيْ سُئِلَ ] الوائِدُونَ عَنْ أحْوالِها بِأيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ. والثّانِي: أنَّ الإنْسانَ قَدْ يُسْألُ عَنْ حالِ نَفْسِهِ عِنْدَ المُعايَنَةِ بِلَفْظِ المُغايَبَةِ؛ كَما إذا أرَدْتَ أنْ تَسْألَ زَيْدًا عَنْ حالٍ مِن أحْوالِهِ، فَتَقُولُ: ماذا فَعَلَ زَيْدٌ في ذَلِكَ المَعْنى؟ ويَكُونُ زَيْدٌ هو المَسْؤُولَ، وهو المَسْؤُولَ عَنْهُ، فَكَذا هاهُنا.
صفحة ٦٥
التكوير 81:8
السّابِعُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: قُرِنَتِ الأرْواحُ بِالأجْسادِ.
وثانِيها: قالَ الحَسَنُ: يَصِيرُونَ فِيها ثَلاثَةَ أزْواجٍ كَما قالَ: ﴿وكُنْتُمْ أزْواجًا ثَلاثَةً﴾ ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ ﴿وأصْحابُ المَشْأمَةِ ما أصْحابُ المَشْأمَةِ﴾ ﴿والسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾ [الواقِعَةِ: ٨] .
وثالِثُها: أنَّهُ
صفحة ٦٤
يُضَمُّ إلى كُلِّ صِنْفٍ مَن كانَ في طَبَقَتِهِ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ، فَيُضَمُّ المُبْرَزُ في الطّاعاتِ إلى مِثْلِهِ، والمُتَوَسِّطُ إلى مِثْلِهِ وأهْلُ المَعْصِيَةِ إلى مِثْلِهِ، فالتَّزْوِيجُ أنْ يُقْرَنَ الشَّيْءُ بِمِثْلِهِ، والمَعْنى أنْ يُضَمَّ كُلُّ واحِدٍ إلى طَبَقَتِهِ في الخَيْرِ والشَّرِّ.
ورابِعُها: يُضَمُّ كُلُّ رَجُلٍ إلى مَن كانَ يَلْزَمُهُ مِن مَلِكٍ وسُلْطانٍ كَما قالَ: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وأزْواجَهُمْ﴾ [الصّافّاتِ: ٢٢] قِيلَ: فَزِدْناهم مِنَ الشَّياطِينِ.
وخامِسُها: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: زُوِّجَتْ نُفُوسُ المُؤْمِنِينَ بِالحُورِ العِينِ وقُرِنَتْ نُفُوسُ الكافِرِينَ بِالشَّياطِينِ.
وسادِسُها: قُرِنَ كُلُّ امْرِئٍ بِشِيعَتِهِ اليَهُودِيُّ بِاليَهُودِيِّ والنَّصْرانِيُّ بِالنَّصْرانِيِّ، وقَدْ ورَدَ فِيهِ خَبَرٌ مَرْفُوعٌ.
وسابِعُها: قالَ الزَّجّاجُ: قُرِنَتِ النُّفُوسُ بِأعْمالِها. واعْلَمْ أنَّكَ إذا تَأمَّلْتَ في الأقْوالِ الَّتِي ذَكَرْناها أمْكَنَكَ أنْ تَزِيدَ عَلَيْها ما شِئْتَ.
الثّامِنُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا المَوْءُودَةُ سُئِلَتْ﴾ ﴿بِأيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ فِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: وأدَ يَئِدُ مَقْلُوبٌ مِن آدَ يَئُودُ أوْدًا ثَقُلَ قالَ تَعالى: ﴿ولا يَئُودُهُ حِفْظُهُما﴾ [البَقَرَةِ: ٢٥٥] أيْ يُثْقِلُهُ؛ لِأنَّهُ إثْقالٌ بِالتُّرابِ، كانَ الرَّجُلُ إذا وُلِدَتْ لَهُ بِنْتٌ فَأرادَ بَقاءَ حَياتِها ألْبَسَها جُبَّةً مِن صُوفٍ أوْ شَعْرٍ لِتَرْعى لَهُ الإبِلَ والغَنَمَ في البادِيَةِ، وإنْ أرادَ قَتْلَها تَرَكَها حَتّى إذا بَلَغَتْ قامَتُها سِتَّةَ أشْبارٍ فَيَقُولُ لِأُمِّها: طَيِّبِيها وزَيِّنِيها حَتّى أذْهَبَ بِها إلى أقارِبِها، وقَدْ حَفَرَ لَها بِئْرًا في الصَّحْراءِ فَيَبْلُغُ بِها إلى البِئْرِ فَيَقُولُ لَها انْظُرِي فِيها ثُمَّ يَدْفَعُها مِن خَلْفِها ويُهِيلُ عَلَيْها التُّرابَ حَتّى يَسْتَوِيَ البِئْرُ بِالأرْضِ، وقِيلَ: كانَتِ الحامِلُ إذا قَرَّبَتْ حَفَرَتْ حُفْرَةً فَتَمَخَّضَتْ عَلى رَأْسِ الحُفْرَةِ فَإذا ولَدَتْ بِنْتًا رَمَتْها في الحُفْرَةِ، وإذا ولَدَتِ ابْنًا أمْسَكَتْهُ، وهاهُنا سُؤالانِ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: ما الَّذِي حَمَلَهم عَلى وأْدِ البَناتِ؟ الجَوابُ: الخَوْفُ مِن لُحُوقِ العارِ بِهِمْ مِن أجْلِهِمْ أوِ الخَوْفُ مِنَ الإمْلاقِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ولا تَقْتُلُوا أوْلادَكم خَشْيَةَ إمْلاقٍ﴾ [الإسْراءِ: ٣١] وكانُوا يَقُولُونَ: إنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ فَألْحَقُوا البَناتَ بِالمَلائِكَةِ، وكانَ صَعْصَعَةُ بْنُ ناجِيَةَ مِمَّنْ مَنَعَ الوَأْدَ فافْتَخَرَ الفَرَزْدَقُ بِهِ في قَوْلِهِ:
ومِنّا الَّذِي مَنَعَ الوائِداتِ فَأحْيا الوَئِيدَ فَلَمْ تُوأدِ
السُّؤالُ الثّانِي: فَما مَعْنى سُؤالِ المَوْءُودَةِ عَنْ ذَنْبِها الَّذِي قُتِلَتْ بِهِ، وهَلّا سُئِلَ الوائِدُ عَنْ مُوجِبِ قَتْلِهِ لَها؟ الجَوابُ: سُؤالُها وجَوابُها تَبْكِيتٌ لِقاتِلِها، وهو كَتَبْكِيتِ النَّصارى في قَوْلِهِ لِعِيسى: ﴿أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ قالَ سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِي أنْ أقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ [المائِدَةِ: ١١٦] .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قُرِئَ (سَألَتْ)، أيْ خاصَمَتْ عَنْ نَفْسِها، وسَألَتِ اللَّهَ أوْ قاتِلَها، وقُرِئَ (قُتِّلَتْ) بِالتَّشْدِيدِ، فَإنْ قِيلَ اللَّفْظُ المُطابِقُ أنْ يُقالَ: ﴿سُئِلَتْ﴾ ﴿بِأيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ ومَن قَرَأ سَألَتْ فالمُطابِقُ أنْ يَقْرَأ (بِأيِّ ذَنْبٍ قُتِلْتُ) فَما الوَجْهُ في القِراءَةِ المَشْهُورَةِ؟ قُلْنا: الجَوابُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: تَقْدِيرُ الآيَةِ: وإذا المَوْءُودَةُ سُئِلَتْ [ أيْ سُئِلَ ] الوائِدُونَ عَنْ أحْوالِها بِأيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ. والثّانِي: أنَّ الإنْسانَ قَدْ يُسْألُ عَنْ حالِ نَفْسِهِ عِنْدَ المُعايَنَةِ بِلَفْظِ المُغايَبَةِ؛ كَما إذا أرَدْتَ أنْ تَسْألَ زَيْدًا عَنْ حالٍ مِن أحْوالِهِ، فَتَقُولُ: ماذا فَعَلَ زَيْدٌ في ذَلِكَ المَعْنى؟ ويَكُونُ زَيْدٌ هو المَسْؤُولَ، وهو المَسْؤُولَ عَنْهُ، فَكَذا هاهُنا.
صفحة ٦٥
التكوير 81:9
السّابِعُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: قُرِنَتِ الأرْواحُ بِالأجْسادِ.
وثانِيها: قالَ الحَسَنُ: يَصِيرُونَ فِيها ثَلاثَةَ أزْواجٍ كَما قالَ: ﴿وكُنْتُمْ أزْواجًا ثَلاثَةً﴾ ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ ﴿وأصْحابُ المَشْأمَةِ ما أصْحابُ المَشْأمَةِ﴾ ﴿والسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾ [الواقِعَةِ: ٨] .
وثالِثُها: أنَّهُ
صفحة ٦٤
يُضَمُّ إلى كُلِّ صِنْفٍ مَن كانَ في طَبَقَتِهِ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ، فَيُضَمُّ المُبْرَزُ في الطّاعاتِ إلى مِثْلِهِ، والمُتَوَسِّطُ إلى مِثْلِهِ وأهْلُ المَعْصِيَةِ إلى مِثْلِهِ، فالتَّزْوِيجُ أنْ يُقْرَنَ الشَّيْءُ بِمِثْلِهِ، والمَعْنى أنْ يُضَمَّ كُلُّ واحِدٍ إلى طَبَقَتِهِ في الخَيْرِ والشَّرِّ.
ورابِعُها: يُضَمُّ كُلُّ رَجُلٍ إلى مَن كانَ يَلْزَمُهُ مِن مَلِكٍ وسُلْطانٍ كَما قالَ: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وأزْواجَهُمْ﴾ [الصّافّاتِ: ٢٢] قِيلَ: فَزِدْناهم مِنَ الشَّياطِينِ.
وخامِسُها: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: زُوِّجَتْ نُفُوسُ المُؤْمِنِينَ بِالحُورِ العِينِ وقُرِنَتْ نُفُوسُ الكافِرِينَ بِالشَّياطِينِ.
وسادِسُها: قُرِنَ كُلُّ امْرِئٍ بِشِيعَتِهِ اليَهُودِيُّ بِاليَهُودِيِّ والنَّصْرانِيُّ بِالنَّصْرانِيِّ، وقَدْ ورَدَ فِيهِ خَبَرٌ مَرْفُوعٌ.
وسابِعُها: قالَ الزَّجّاجُ: قُرِنَتِ النُّفُوسُ بِأعْمالِها. واعْلَمْ أنَّكَ إذا تَأمَّلْتَ في الأقْوالِ الَّتِي ذَكَرْناها أمْكَنَكَ أنْ تَزِيدَ عَلَيْها ما شِئْتَ.
الثّامِنُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا المَوْءُودَةُ سُئِلَتْ﴾ ﴿بِأيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ فِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: وأدَ يَئِدُ مَقْلُوبٌ مِن آدَ يَئُودُ أوْدًا ثَقُلَ قالَ تَعالى: ﴿ولا يَئُودُهُ حِفْظُهُما﴾ [البَقَرَةِ: ٢٥٥] أيْ يُثْقِلُهُ؛ لِأنَّهُ إثْقالٌ بِالتُّرابِ، كانَ الرَّجُلُ إذا وُلِدَتْ لَهُ بِنْتٌ فَأرادَ بَقاءَ حَياتِها ألْبَسَها جُبَّةً مِن صُوفٍ أوْ شَعْرٍ لِتَرْعى لَهُ الإبِلَ والغَنَمَ في البادِيَةِ، وإنْ أرادَ قَتْلَها تَرَكَها حَتّى إذا بَلَغَتْ قامَتُها سِتَّةَ أشْبارٍ فَيَقُولُ لِأُمِّها: طَيِّبِيها وزَيِّنِيها حَتّى أذْهَبَ بِها إلى أقارِبِها، وقَدْ حَفَرَ لَها بِئْرًا في الصَّحْراءِ فَيَبْلُغُ بِها إلى البِئْرِ فَيَقُولُ لَها انْظُرِي فِيها ثُمَّ يَدْفَعُها مِن خَلْفِها ويُهِيلُ عَلَيْها التُّرابَ حَتّى يَسْتَوِيَ البِئْرُ بِالأرْضِ، وقِيلَ: كانَتِ الحامِلُ إذا قَرَّبَتْ حَفَرَتْ حُفْرَةً فَتَمَخَّضَتْ عَلى رَأْسِ الحُفْرَةِ فَإذا ولَدَتْ بِنْتًا رَمَتْها في الحُفْرَةِ، وإذا ولَدَتِ ابْنًا أمْسَكَتْهُ، وهاهُنا سُؤالانِ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: ما الَّذِي حَمَلَهم عَلى وأْدِ البَناتِ؟ الجَوابُ: الخَوْفُ مِن لُحُوقِ العارِ بِهِمْ مِن أجْلِهِمْ أوِ الخَوْفُ مِنَ الإمْلاقِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ولا تَقْتُلُوا أوْلادَكم خَشْيَةَ إمْلاقٍ﴾ [الإسْراءِ: ٣١] وكانُوا يَقُولُونَ: إنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ فَألْحَقُوا البَناتَ بِالمَلائِكَةِ، وكانَ صَعْصَعَةُ بْنُ ناجِيَةَ مِمَّنْ مَنَعَ الوَأْدَ فافْتَخَرَ الفَرَزْدَقُ بِهِ في قَوْلِهِ:
ومِنّا الَّذِي مَنَعَ الوائِداتِ فَأحْيا الوَئِيدَ فَلَمْ تُوأدِ
السُّؤالُ الثّانِي: فَما مَعْنى سُؤالِ المَوْءُودَةِ عَنْ ذَنْبِها الَّذِي قُتِلَتْ بِهِ، وهَلّا سُئِلَ الوائِدُ عَنْ مُوجِبِ قَتْلِهِ لَها؟ الجَوابُ: سُؤالُها وجَوابُها تَبْكِيتٌ لِقاتِلِها، وهو كَتَبْكِيتِ النَّصارى في قَوْلِهِ لِعِيسى: ﴿أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ قالَ سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِي أنْ أقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ [المائِدَةِ: ١١٦] .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قُرِئَ (سَألَتْ)، أيْ خاصَمَتْ عَنْ نَفْسِها، وسَألَتِ اللَّهَ أوْ قاتِلَها، وقُرِئَ (قُتِّلَتْ) بِالتَّشْدِيدِ، فَإنْ قِيلَ اللَّفْظُ المُطابِقُ أنْ يُقالَ: ﴿سُئِلَتْ﴾ ﴿بِأيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ ومَن قَرَأ سَألَتْ فالمُطابِقُ أنْ يَقْرَأ (بِأيِّ ذَنْبٍ قُتِلْتُ) فَما الوَجْهُ في القِراءَةِ المَشْهُورَةِ؟ قُلْنا: الجَوابُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: تَقْدِيرُ الآيَةِ: وإذا المَوْءُودَةُ سُئِلَتْ [ أيْ سُئِلَ ] الوائِدُونَ عَنْ أحْوالِها بِأيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ. والثّانِي: أنَّ الإنْسانَ قَدْ يُسْألُ عَنْ حالِ نَفْسِهِ عِنْدَ المُعايَنَةِ بِلَفْظِ المُغايَبَةِ؛ كَما إذا أرَدْتَ أنْ تَسْألَ زَيْدًا عَنْ حالٍ مِن أحْوالِهِ، فَتَقُولُ: ماذا فَعَلَ زَيْدٌ في ذَلِكَ المَعْنى؟ ويَكُونُ زَيْدٌ هو المَسْؤُولَ، وهو المَسْؤُولَ عَنْهُ، فَكَذا هاهُنا.
صفحة ٦٥
التكوير 81:10
التّاسِعُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا الصُّحُفُ نُشِرَتْ﴾ قُرِئَ بِالتَّخْفِيفِ والتَّشْدِيدِ يُرِيدُ صُحُفَ الأعْمالِ تَطْوِي صَحِيفَةَ الإنْسانِ عِنْدَ مَوْتِهِ، ثُمَّ تُنْشَرُ إذا حُوسِبَ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ نُشِرَتْ بَيْنَ أصْحابِها، أيْ فُرِّقَتْ بَيْنَهم.
العاشِرُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا السَّماءُ كُشِطَتْ﴾ أيْ كُشِفَتْ وأُزِيلَتْ عَمّا فَوْقَها، وهو الجَنَّةُ وعَرْشُ اللَّهِ، كَما يُكْشَطُ الإهابُ عَنِ الذَّبِيحَةِ، والغِطاءُ عَنِ الشَّيْءِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: قُشِطَتْ، واعْتِقابُ القافِ والكافِ كَثِيرٌ، يُقالُ لَبَّكْتُ الثَّرِيدَ ولَبَّقْتُهُ، والكافُورُ والقافُورُ، قالَ الفَرّاءُ: نُزِعَتْ فَطُوِيَتْ.
الحادِي عَشَرَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا الجَحِيمُ سُعِّرَتْ﴾ أُوقِدَتْ إيقادًا شَدِيدًا، وقُرِئَ سُعِّرَتْ بِالتَّشْدِيدِ لِلْمُبالَغَةِ، قِيلَ سَعَّرَها غَضَبُ اللَّهِ، وخَطايا بَنِي آدَمَ، واحْتَجَّ بِهَذِهِ الآيَةِ مَن قالَ: النّارُ غَيْرُ مَخْلُوقَةٍ الآنَ، قالُوا: لِأنَّها تَدُلُّ عَلى أنَّ تَسْعِيرَها مُعَلَّقٌ بِيَوْمِ القِيامَةِ.
الثّانِي عَشَرَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا الجَنَّةُ أُزْلِفَتْ﴾ أيْ أُدْنِيَتْ مِنَ المُتَّقِينَ، كَقَوْلِهِ: ﴿وأُزْلِفَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الشعراء: ٩٠] .
ولَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الأُمُورَ الِاثْنَيْ عَشَرَ ذَكَرَ الجَزاءَ المُرَتَّبَ عَلى الشُّرُوطِ الَّذِي هو مَجْمُوعُ هَذِهِ الأشْياءِ فَقالَ: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أحْضَرَتْ﴾ ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ العَمَلَ لا يُمْكِنُ إحْضارُهُ، فالمُرادُ إذَنْ ما أحْضَرَتْهُ في صَحائِفِها، وما أحْضَرَتْهُ عِنْدَ المُحاسَبَةِ وعِنْدَ المِيزانِ مِن آثارِ تِلْكَ الأعْمالِ، والمُرادُ: ما أحْضَرَتْ مِنَ اسْتِحْقاقِ الجَنَّةِ والنّارِ. (فَإنْ قِيلَ): كُلُّ نَفْسٍ تَعْلَمُ ما أحْضَرَتْ، لِقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِن خَيْرٍ مُحْضَرًا﴾ [آل عمران: ٣٠] فَما مَعْنى قَوْلِهِ ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ﴾ ؟ قُلْنا: الجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ هَذا هو مِن عَكْسِ كَلامِهِمُ الَّذِي يَقْصِدُونَ بِهِ الإفْراطَ، وإنْ كانَ اللَّفْظُ مَوْضُوعًا لِلْقَلِيلِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الحجر: ٢] كَمَن يَسْألُ فاضِلًا مَسْألَةً ظاهِرَةً ويَقُولُ هَلْ عِنْدَكَ فِيها شَيْءٌ ؟ فَيَقُولُ: رُبَّما حَضَرَ شَيْءٌ؛ وغَرَضُهُ الإشارَةُ إلى أنَّ عِنْدَهُ في تِلْكَ المَسْألَةِ ما لا يَقُولُ بِهِ غَيْرُهُ. فَكَذا هاهُنا.
الثّانِي: لَعَلَّ الكُفّارَ كانُوا يُتْعِبُونَ أنْفُسَهم في الأشْياءِ الَّتِي يَعْتَقِدُونَها طاعاتٍ ثُمَّ بَدا لَهم يَوْمَ القِيامَةِ خِلافُ ذَلِكَ فَهو المُرادُ مِن هَذِهِ الآيَةِ.
التكوير 81:11
التّاسِعُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا الصُّحُفُ نُشِرَتْ﴾ قُرِئَ بِالتَّخْفِيفِ والتَّشْدِيدِ يُرِيدُ صُحُفَ الأعْمالِ تَطْوِي صَحِيفَةَ الإنْسانِ عِنْدَ مَوْتِهِ، ثُمَّ تُنْشَرُ إذا حُوسِبَ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ نُشِرَتْ بَيْنَ أصْحابِها، أيْ فُرِّقَتْ بَيْنَهم.
العاشِرُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا السَّماءُ كُشِطَتْ﴾ أيْ كُشِفَتْ وأُزِيلَتْ عَمّا فَوْقَها، وهو الجَنَّةُ وعَرْشُ اللَّهِ، كَما يُكْشَطُ الإهابُ عَنِ الذَّبِيحَةِ، والغِطاءُ عَنِ الشَّيْءِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: قُشِطَتْ، واعْتِقابُ القافِ والكافِ كَثِيرٌ، يُقالُ لَبَّكْتُ الثَّرِيدَ ولَبَّقْتُهُ، والكافُورُ والقافُورُ، قالَ الفَرّاءُ: نُزِعَتْ فَطُوِيَتْ.
الحادِي عَشَرَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا الجَحِيمُ سُعِّرَتْ﴾ أُوقِدَتْ إيقادًا شَدِيدًا، وقُرِئَ سُعِّرَتْ بِالتَّشْدِيدِ لِلْمُبالَغَةِ، قِيلَ سَعَّرَها غَضَبُ اللَّهِ، وخَطايا بَنِي آدَمَ، واحْتَجَّ بِهَذِهِ الآيَةِ مَن قالَ: النّارُ غَيْرُ مَخْلُوقَةٍ الآنَ، قالُوا: لِأنَّها تَدُلُّ عَلى أنَّ تَسْعِيرَها مُعَلَّقٌ بِيَوْمِ القِيامَةِ.
الثّانِي عَشَرَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا الجَنَّةُ أُزْلِفَتْ﴾ أيْ أُدْنِيَتْ مِنَ المُتَّقِينَ، كَقَوْلِهِ: ﴿وأُزْلِفَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الشعراء: ٩٠] .
ولَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الأُمُورَ الِاثْنَيْ عَشَرَ ذَكَرَ الجَزاءَ المُرَتَّبَ عَلى الشُّرُوطِ الَّذِي هو مَجْمُوعُ هَذِهِ الأشْياءِ فَقالَ: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أحْضَرَتْ﴾ ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ العَمَلَ لا يُمْكِنُ إحْضارُهُ، فالمُرادُ إذَنْ ما أحْضَرَتْهُ في صَحائِفِها، وما أحْضَرَتْهُ عِنْدَ المُحاسَبَةِ وعِنْدَ المِيزانِ مِن آثارِ تِلْكَ الأعْمالِ، والمُرادُ: ما أحْضَرَتْ مِنَ اسْتِحْقاقِ الجَنَّةِ والنّارِ. (فَإنْ قِيلَ): كُلُّ نَفْسٍ تَعْلَمُ ما أحْضَرَتْ، لِقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِن خَيْرٍ مُحْضَرًا﴾ [آل عمران: ٣٠] فَما مَعْنى قَوْلِهِ ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ﴾ ؟ قُلْنا: الجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ هَذا هو مِن عَكْسِ كَلامِهِمُ الَّذِي يَقْصِدُونَ بِهِ الإفْراطَ، وإنْ كانَ اللَّفْظُ مَوْضُوعًا لِلْقَلِيلِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الحجر: ٢] كَمَن يَسْألُ فاضِلًا مَسْألَةً ظاهِرَةً ويَقُولُ هَلْ عِنْدَكَ فِيها شَيْءٌ ؟ فَيَقُولُ: رُبَّما حَضَرَ شَيْءٌ؛ وغَرَضُهُ الإشارَةُ إلى أنَّ عِنْدَهُ في تِلْكَ المَسْألَةِ ما لا يَقُولُ بِهِ غَيْرُهُ. فَكَذا هاهُنا.
الثّانِي: لَعَلَّ الكُفّارَ كانُوا يُتْعِبُونَ أنْفُسَهم في الأشْياءِ الَّتِي يَعْتَقِدُونَها طاعاتٍ ثُمَّ بَدا لَهم يَوْمَ القِيامَةِ خِلافُ ذَلِكَ فَهو المُرادُ مِن هَذِهِ الآيَةِ.
التكوير 81:12
التّاسِعُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا الصُّحُفُ نُشِرَتْ﴾ قُرِئَ بِالتَّخْفِيفِ والتَّشْدِيدِ يُرِيدُ صُحُفَ الأعْمالِ تَطْوِي صَحِيفَةَ الإنْسانِ عِنْدَ مَوْتِهِ، ثُمَّ تُنْشَرُ إذا حُوسِبَ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ نُشِرَتْ بَيْنَ أصْحابِها، أيْ فُرِّقَتْ بَيْنَهم.
العاشِرُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا السَّماءُ كُشِطَتْ﴾ أيْ كُشِفَتْ وأُزِيلَتْ عَمّا فَوْقَها، وهو الجَنَّةُ وعَرْشُ اللَّهِ، كَما يُكْشَطُ الإهابُ عَنِ الذَّبِيحَةِ، والغِطاءُ عَنِ الشَّيْءِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: قُشِطَتْ، واعْتِقابُ القافِ والكافِ كَثِيرٌ، يُقالُ لَبَّكْتُ الثَّرِيدَ ولَبَّقْتُهُ، والكافُورُ والقافُورُ، قالَ الفَرّاءُ: نُزِعَتْ فَطُوِيَتْ.
الحادِي عَشَرَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا الجَحِيمُ سُعِّرَتْ﴾ أُوقِدَتْ إيقادًا شَدِيدًا، وقُرِئَ سُعِّرَتْ بِالتَّشْدِيدِ لِلْمُبالَغَةِ، قِيلَ سَعَّرَها غَضَبُ اللَّهِ، وخَطايا بَنِي آدَمَ، واحْتَجَّ بِهَذِهِ الآيَةِ مَن قالَ: النّارُ غَيْرُ مَخْلُوقَةٍ الآنَ، قالُوا: لِأنَّها تَدُلُّ عَلى أنَّ تَسْعِيرَها مُعَلَّقٌ بِيَوْمِ القِيامَةِ.
الثّانِي عَشَرَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا الجَنَّةُ أُزْلِفَتْ﴾ أيْ أُدْنِيَتْ مِنَ المُتَّقِينَ، كَقَوْلِهِ: ﴿وأُزْلِفَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الشعراء: ٩٠] .
ولَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الأُمُورَ الِاثْنَيْ عَشَرَ ذَكَرَ الجَزاءَ المُرَتَّبَ عَلى الشُّرُوطِ الَّذِي هو مَجْمُوعُ هَذِهِ الأشْياءِ فَقالَ: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أحْضَرَتْ﴾ ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ العَمَلَ لا يُمْكِنُ إحْضارُهُ، فالمُرادُ إذَنْ ما أحْضَرَتْهُ في صَحائِفِها، وما أحْضَرَتْهُ عِنْدَ المُحاسَبَةِ وعِنْدَ المِيزانِ مِن آثارِ تِلْكَ الأعْمالِ، والمُرادُ: ما أحْضَرَتْ مِنَ اسْتِحْقاقِ الجَنَّةِ والنّارِ. (فَإنْ قِيلَ): كُلُّ نَفْسٍ تَعْلَمُ ما أحْضَرَتْ، لِقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِن خَيْرٍ مُحْضَرًا﴾ [آل عمران: ٣٠] فَما مَعْنى قَوْلِهِ ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ﴾ ؟ قُلْنا: الجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ هَذا هو مِن عَكْسِ كَلامِهِمُ الَّذِي يَقْصِدُونَ بِهِ الإفْراطَ، وإنْ كانَ اللَّفْظُ مَوْضُوعًا لِلْقَلِيلِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الحجر: ٢] كَمَن يَسْألُ فاضِلًا مَسْألَةً ظاهِرَةً ويَقُولُ هَلْ عِنْدَكَ فِيها شَيْءٌ ؟ فَيَقُولُ: رُبَّما حَضَرَ شَيْءٌ؛ وغَرَضُهُ الإشارَةُ إلى أنَّ عِنْدَهُ في تِلْكَ المَسْألَةِ ما لا يَقُولُ بِهِ غَيْرُهُ. فَكَذا هاهُنا.
الثّانِي: لَعَلَّ الكُفّارَ كانُوا يُتْعِبُونَ أنْفُسَهم في الأشْياءِ الَّتِي يَعْتَقِدُونَها طاعاتٍ ثُمَّ بَدا لَهم يَوْمَ القِيامَةِ خِلافُ ذَلِكَ فَهو المُرادُ مِن هَذِهِ الآيَةِ.
التكوير 81:13
التّاسِعُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا الصُّحُفُ نُشِرَتْ﴾ قُرِئَ بِالتَّخْفِيفِ والتَّشْدِيدِ يُرِيدُ صُحُفَ الأعْمالِ تَطْوِي صَحِيفَةَ الإنْسانِ عِنْدَ مَوْتِهِ، ثُمَّ تُنْشَرُ إذا حُوسِبَ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ نُشِرَتْ بَيْنَ أصْحابِها، أيْ فُرِّقَتْ بَيْنَهم.
العاشِرُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا السَّماءُ كُشِطَتْ﴾ أيْ كُشِفَتْ وأُزِيلَتْ عَمّا فَوْقَها، وهو الجَنَّةُ وعَرْشُ اللَّهِ، كَما يُكْشَطُ الإهابُ عَنِ الذَّبِيحَةِ، والغِطاءُ عَنِ الشَّيْءِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: قُشِطَتْ، واعْتِقابُ القافِ والكافِ كَثِيرٌ، يُقالُ لَبَّكْتُ الثَّرِيدَ ولَبَّقْتُهُ، والكافُورُ والقافُورُ، قالَ الفَرّاءُ: نُزِعَتْ فَطُوِيَتْ.
الحادِي عَشَرَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا الجَحِيمُ سُعِّرَتْ﴾ أُوقِدَتْ إيقادًا شَدِيدًا، وقُرِئَ سُعِّرَتْ بِالتَّشْدِيدِ لِلْمُبالَغَةِ، قِيلَ سَعَّرَها غَضَبُ اللَّهِ، وخَطايا بَنِي آدَمَ، واحْتَجَّ بِهَذِهِ الآيَةِ مَن قالَ: النّارُ غَيْرُ مَخْلُوقَةٍ الآنَ، قالُوا: لِأنَّها تَدُلُّ عَلى أنَّ تَسْعِيرَها مُعَلَّقٌ بِيَوْمِ القِيامَةِ.
الثّانِي عَشَرَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا الجَنَّةُ أُزْلِفَتْ﴾ أيْ أُدْنِيَتْ مِنَ المُتَّقِينَ، كَقَوْلِهِ: ﴿وأُزْلِفَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الشعراء: ٩٠] .
ولَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الأُمُورَ الِاثْنَيْ عَشَرَ ذَكَرَ الجَزاءَ المُرَتَّبَ عَلى الشُّرُوطِ الَّذِي هو مَجْمُوعُ هَذِهِ الأشْياءِ فَقالَ: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أحْضَرَتْ﴾ ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ العَمَلَ لا يُمْكِنُ إحْضارُهُ، فالمُرادُ إذَنْ ما أحْضَرَتْهُ في صَحائِفِها، وما أحْضَرَتْهُ عِنْدَ المُحاسَبَةِ وعِنْدَ المِيزانِ مِن آثارِ تِلْكَ الأعْمالِ، والمُرادُ: ما أحْضَرَتْ مِنَ اسْتِحْقاقِ الجَنَّةِ والنّارِ. (فَإنْ قِيلَ): كُلُّ نَفْسٍ تَعْلَمُ ما أحْضَرَتْ، لِقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِن خَيْرٍ مُحْضَرًا﴾ [آل عمران: ٣٠] فَما مَعْنى قَوْلِهِ ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ﴾ ؟ قُلْنا: الجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ هَذا هو مِن عَكْسِ كَلامِهِمُ الَّذِي يَقْصِدُونَ بِهِ الإفْراطَ، وإنْ كانَ اللَّفْظُ مَوْضُوعًا لِلْقَلِيلِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الحجر: ٢] كَمَن يَسْألُ فاضِلًا مَسْألَةً ظاهِرَةً ويَقُولُ هَلْ عِنْدَكَ فِيها شَيْءٌ ؟ فَيَقُولُ: رُبَّما حَضَرَ شَيْءٌ؛ وغَرَضُهُ الإشارَةُ إلى أنَّ عِنْدَهُ في تِلْكَ المَسْألَةِ ما لا يَقُولُ بِهِ غَيْرُهُ. فَكَذا هاهُنا.
الثّانِي: لَعَلَّ الكُفّارَ كانُوا يُتْعِبُونَ أنْفُسَهم في الأشْياءِ الَّتِي يَعْتَقِدُونَها طاعاتٍ ثُمَّ بَدا لَهم يَوْمَ القِيامَةِ خِلافُ ذَلِكَ فَهو المُرادُ مِن هَذِهِ الآيَةِ.
التكوير 81:14
التّاسِعُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا الصُّحُفُ نُشِرَتْ﴾ قُرِئَ بِالتَّخْفِيفِ والتَّشْدِيدِ يُرِيدُ صُحُفَ الأعْمالِ تَطْوِي صَحِيفَةَ الإنْسانِ عِنْدَ مَوْتِهِ، ثُمَّ تُنْشَرُ إذا حُوسِبَ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ نُشِرَتْ بَيْنَ أصْحابِها، أيْ فُرِّقَتْ بَيْنَهم.
العاشِرُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا السَّماءُ كُشِطَتْ﴾ أيْ كُشِفَتْ وأُزِيلَتْ عَمّا فَوْقَها، وهو الجَنَّةُ وعَرْشُ اللَّهِ، كَما يُكْشَطُ الإهابُ عَنِ الذَّبِيحَةِ، والغِطاءُ عَنِ الشَّيْءِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: قُشِطَتْ، واعْتِقابُ القافِ والكافِ كَثِيرٌ، يُقالُ لَبَّكْتُ الثَّرِيدَ ولَبَّقْتُهُ، والكافُورُ والقافُورُ، قالَ الفَرّاءُ: نُزِعَتْ فَطُوِيَتْ.
الحادِي عَشَرَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا الجَحِيمُ سُعِّرَتْ﴾ أُوقِدَتْ إيقادًا شَدِيدًا، وقُرِئَ سُعِّرَتْ بِالتَّشْدِيدِ لِلْمُبالَغَةِ، قِيلَ سَعَّرَها غَضَبُ اللَّهِ، وخَطايا بَنِي آدَمَ، واحْتَجَّ بِهَذِهِ الآيَةِ مَن قالَ: النّارُ غَيْرُ مَخْلُوقَةٍ الآنَ، قالُوا: لِأنَّها تَدُلُّ عَلى أنَّ تَسْعِيرَها مُعَلَّقٌ بِيَوْمِ القِيامَةِ.
الثّانِي عَشَرَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا الجَنَّةُ أُزْلِفَتْ﴾ أيْ أُدْنِيَتْ مِنَ المُتَّقِينَ، كَقَوْلِهِ: ﴿وأُزْلِفَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الشعراء: ٩٠] .
ولَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الأُمُورَ الِاثْنَيْ عَشَرَ ذَكَرَ الجَزاءَ المُرَتَّبَ عَلى الشُّرُوطِ الَّذِي هو مَجْمُوعُ هَذِهِ الأشْياءِ فَقالَ: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أحْضَرَتْ﴾ ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ العَمَلَ لا يُمْكِنُ إحْضارُهُ، فالمُرادُ إذَنْ ما أحْضَرَتْهُ في صَحائِفِها، وما أحْضَرَتْهُ عِنْدَ المُحاسَبَةِ وعِنْدَ المِيزانِ مِن آثارِ تِلْكَ الأعْمالِ، والمُرادُ: ما أحْضَرَتْ مِنَ اسْتِحْقاقِ الجَنَّةِ والنّارِ. (فَإنْ قِيلَ): كُلُّ نَفْسٍ تَعْلَمُ ما أحْضَرَتْ، لِقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِن خَيْرٍ مُحْضَرًا﴾ [آل عمران: ٣٠] فَما مَعْنى قَوْلِهِ ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ﴾ ؟ قُلْنا: الجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ هَذا هو مِن عَكْسِ كَلامِهِمُ الَّذِي يَقْصِدُونَ بِهِ الإفْراطَ، وإنْ كانَ اللَّفْظُ مَوْضُوعًا لِلْقَلِيلِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الحجر: ٢] كَمَن يَسْألُ فاضِلًا مَسْألَةً ظاهِرَةً ويَقُولُ هَلْ عِنْدَكَ فِيها شَيْءٌ ؟ فَيَقُولُ: رُبَّما حَضَرَ شَيْءٌ؛ وغَرَضُهُ الإشارَةُ إلى أنَّ عِنْدَهُ في تِلْكَ المَسْألَةِ ما لا يَقُولُ بِهِ غَيْرُهُ. فَكَذا هاهُنا.
الثّانِي: لَعَلَّ الكُفّارَ كانُوا يُتْعِبُونَ أنْفُسَهم في الأشْياءِ الَّتِي يَعْتَقِدُونَها طاعاتٍ ثُمَّ بَدا لَهم يَوْمَ القِيامَةِ خِلافُ ذَلِكَ فَهو المُرادُ مِن هَذِهِ الآيَةِ.
التكوير 81:15
صفحة ٦٦
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالخُنَّسِ﴾ ﴿الجَوارِي الكُنَّسِ﴾ الكَلامُ في قَوْلِهِ: (لا أُقْسِمُ) قَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ [القيامة: ١]، ﴿بِالخُنَّسِ﴾ ﴿الجَوارِي الكُنَّسِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: وهو المَشْهُورُ، الظّاهِرَةُ أنَّها النُّجُومُ الخُنَّسُ جَمْعُ خانِسٍ، والخُنُوسُ والِانْقِباضُ والِاسْتِخْفاءُ، تَقُولُ: خَنَسَ مِن بَيْنِ القَوْمِ وانْخَنَسَ، وفي الحَدِيثِ «”الشَّيْطانُ يُوَسْوِسُ إلى العَبْدِ فَإذا ذَكَرَ اللَّهَ خَنَسَ“» أيِ انْقَبَضَ ولِذَلِكَ سُمِّيَ الخَنّاسَ و(الكُنَّسِ) جَمْعُ كانِسٍ وكانِسَةٍ، يُقالُ: كَنَسَ إذا دَخَلَ الكِناسَ وهو مَقَرُّ الوَحْشِ يُقالُ كَنَسَ الظِّباءُ في كُنُسِها، وتَكَنَّسَتِ المَرْأةُ إذا دَخَلَتْ هَوْدَجَها تَشَبَّهُ بِالظَّبْيِ إذا دَخَلَ الكِناسُ.
ثُمَّ اخْتَلَفُوا في خُنُوسِ النُّجُومِ وكُنُوسِها عَلى ثَلاثَةِ أوْجُهٍ.
فالقَوْلُ الأظْهَرُ: أنَّ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى رُجُوعِ الكَواكِبِ الخَمْسَةِ السَّيّارَةِ واسْتِقامَتِها، فَرُجُوعُها هو الخُنُوسُ، وكُنُوسُها اخْتِفاؤُها تَحْتَ ضَوْءِ الشَّمْسِ، ولا شَكَّ أنَّ هَذِهِ حالَةٌ عَجِيبَةٌ وفِيها أسْرارٌ عَظِيمَةٌ باهِرَةٌ.
القَوْلُ الثّانِي: ما رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ وعَطاءٍ ومُقاتِلٍ وقَتادَةَ أنَّها هي جَمِيعُ الكَواكِبِ، وخُنُوسُها عِبارَةٌ عَنْ غَيْبُوبَتِها عَنِ البَصَرِ في النَّهارِ، وكُنُوسُها عِبارَةٌ عَنْ ظُهُورِها لِلْبَصَرِ في اللَّيْلِ أيْ تَظْهَرُ في أماكِنِها كالوَحْشِ في كُنُسِها.
والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ السَّبْعَةَ السَّيّارَةَ تَخْتَلِفُ مَطالِعُها ومَغارِبُها عَلى ما قالَ تَعالى: ﴿بِرَبِّ المَشارِقِ والمَغارِبِ﴾ [المعارج: ٤٠] ولا شَكَّ أنَّ فِيها مَطْلَعًا واحِدًا ومَغْرِبًا واحِدًا هُما أقْرَبُ المَطالِعِ والمَغارِبِ إلى سَمْتِ رُءُوسِنا، ثُمَّ إنَّها تَأْخُذُ في التَّباعُدِ مِن ذَلِكَ المَطْلَعِ إلى سائِرِ المَطالِعِ طُولَ السَّنَةِ، ثُمَّ تَرْجِعُ إلَيْهِ فَخُنُوسُها عِبارَةٌ عَنْ تَباعُدِها عَنْ ذَلِكَ المَطْلَعِ، وكُنُوسُها عِبارَةٌ عَنْ عَوْدِها إلَيْهِ، فَهَذا مُحْتَمَلٌ فَعَلى القَوْلِ الأوَّلِ يَكُونُ القَسَمُ واقِعًا بِالخَمْسَةِ المُتَحَيِّرَةِ، وعَلى القَوْلِ الثّانِي يَكُونُ القَسَمُ واقِعًا بِجَمِيعِ الكَواكِبِ وعَلى هَذا الِاحْتِمالِ الَّذِي ذَكَرْتُهُ يَكُونُ القَسَمُ واقِعًا بِالسَّبْعَةِ السَّيّارَةِ، واللَّهُ أعْلَمُ بِمُرادِهِ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ ﴿بِالخُنَّسِ﴾ ﴿الجَوارِي الكُنَّسِ﴾ وهو قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ والنَّخَعِيِّ أنَّها بَقَرُ الوَحْشِ، وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هي الظِّباءُ، وعَلى هَذا الخَنَسُ مِنَ الخَنَسِ في الأنْفِ وهو تَقْعِيرٌ في الأنْفِ فَإنَّ البَقَرَ والظِّباءَ أُنُوفُها عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ (الكُنَّسِ) جَمْعُ كانِسٍ وهي الَّتِي تَدْخُلُ الكِناسَ والقَوْلُ هو الأوَّلُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أمْرانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ قالَ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿واللَّيْلِ إذا عَسْعَسَ﴾ وهَذا بِالنُّجُومِ ألْيَقُ مِنهُ بِبَقَرِ الوَحْشِ.
الثّانِي: أنَّ مَحَلَّ قَسَمِ اللَّهِ كُلَّما كانَ أعْظَمَ وأعْلى رُتْبَةً كانَ أوْلى، ولا شَكَّ أنَّ الكَواكِبَ أعْلى رُتْبَةً مِن بَقَرِ الوَحْشِ.
الثّالِثُ: أنْ (الخُنَّسِ) جَمْعُ خانِسٍ مِنَ الخُنُوسِ، وأمّا جَمْعُ خَنْساءَ وأخْنَسَ مِنَ الخَنَسِ خُنْسَ بِالسُّكُونِ والتَّخْفِيفِ، ولا يُقالُ: الخُنَّسُ فِيهِ بِالتَّشْدِيدِ إلّا أنْ يَجْعَلَ الخُنَّسَ في الوَحْشِيَّةِ أيْضًا مِنَ الخُنُوسِ وهو اخْتِفاؤُها في الكِناسِ إذا غابَتْ عَنِ الأعْيُنِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّيْلِ إذا عَسْعَسَ﴾ ذَكَرَ أهْلُ اللُّغَةِ أنَّ عَسْعَسَ مِنَ الأضْدادِ، يُقالُ: عَسْعَسَ اللَّيْلُ إذا أقْبَلَ، وعَسْعَسَ إذا أدْبَرَ، وأنْشَدُوا في وُرُودِها بِمَعْنى أدْبَرَ قَوْلَ العَجّاجِ:
حَتّى إذا الصُّبْحُ لَها تَنَفَّسا وانْجابَ عَنْها لَيْلُها وعَسْعَسا
وأنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ في مَعْنى أقْبَلَ:
صفحة ٦٧
مُدَرَّجاتُ اللَّيْلِ لَمّا عَسْعَسا
ثُمَّ مِنهم مَن قالَ: المُرادُ هاهُنا أقْبَلَ اللَّيْلُ، لِأنَّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ القَسَمُ واقِعًا بِإقْبالِ اللَّيْلِ وهو قَوْلُهُ: (إذا عَسْعَسَ) وبِإدْبارِهِ أيْضًا وهو قَوْلُهُ: ﴿والصُّبْحِ إذا تَنَفَّسَ﴾ ومِنهم مَن قالَ: بَلِ المُرادُ ”أدْبَرَ“ وقَوْلُهُ: ﴿والصُّبْحِ إذا تَنَفَّسَ﴾ أيِ امْتَدَّ ضَوْءُهُ وتَكامَلَ فَقَوْلُهُ: ﴿واللَّيْلِ إذا عَسْعَسَ﴾ إشارَةٌ إلى أوَّلِ طُلُوعِ الصُّبْحِ، وهو مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿واللَّيْلِ إذْ أدْبَرَ﴾ ﴿والصُّبْحِ إذا أسْفَرَ﴾، وقَوْلُهُ: ﴿والصُّبْحِ إذا تَنَفَّسَ﴾ إشارَةٌ إلى تَكامُلِ طُلُوعِ الصُّبْحِ فَلا يَكُونُ فِيهِ تَكْرارٌ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والصُّبْحِ إذا تَنَفَّسَ﴾ أيْ إذا أسْفَرَ كَقَوْلِهِ: ﴿والصُّبْحِ إذا أسْفَرَ﴾ ثُمَّ في كَيْفِيَّةِ المَجازِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ إذا أقْبَلَ الصُّبْحُ أقْبَلَ بِإقْبالِهِ رَوْحٌ ونَسِيمٌ، فَجَعَلَ ذَلِكَ نَفَسًا لَهُ عَلى المَجازِ، وقِيلَ تَنَفَّسَ الصُّبْحُ.
والثّانِي: أنَّهُ شَبَّهَ اللَّيْلَ المُظْلِمَ بِالمَكْرُوبِ المَحْزُونِ الَّذِي جَلَسَ بِحَيْثُ لا يَتَحَرَّكُ، واجْتَمَعَ الحُزْنُ في قَلْبِهِ، فَإذا تَنَفَّسَ وجَدَ راحَةً. فَهاهُنا لَمّا طَلَعَ الصُّبْحُ فَكَأنَّهُ تَخَلَّصَ مِن ذَلِكَ الحُزْنِ فَعَبَّرَ عَنْهُ بِالتَّنَفُّسِ وهو اسْتِعارَةٌ لَطِيفَةٌ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ المُقْسَمَ بِهِ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ المُقْسَمِ عَلَيْهِ فَقالَ: ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: وهو المَشْهُورُ أنَّ المُرادَ أنَّ القُرْآنَ نَزَلَ بِهِ جِبْرِيلُ.
فَإنْ قِيلَ: هاهُنا إشْكالٌ قَوِيٌّ وهو أنَّهُ حَلَفَ أنَّهُ قَوْلُ جِبْرِيلَ، فَوَجَبَ عَلَيْنا أنْ نُصَدِّقَهُ في ذَلِكَ، فَإنْ لَمْ نَقْطَعْ بِوُجُوبِ حَمْلِ اللَّفْظِ عَلى الظّاهِرِ، فَلا أقَلَّ مِنَ الِاحْتِمالِ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ ثَبَتَ أنَّ هَذا القُرْآنَ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ كَلامَ جِبْرِيلَ لا كَلامَ اللَّهِ، وبِتَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ كَلامَ جِبْرِيلَ يَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ مُعْجِزًا، لِاحْتِمالِ أنَّ جِبْرِيلَ ألْقاهُ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ عَلى سَبِيلِ الإضْلالِ، ولا يُمْكِنُ أنْ يُجابَ عَنْهُ بِأنَّ جِبْرِيلَ مَعْصُومٌ لا يَفْعَلُ الإضْلالَ، لِأنَّ العِلْمَ بِعِصْمَةِ جِبْرِيلَ مُسْتَفادٌ مِن صِدْقِ النَّبِيِّ، وصِدْقَ النَّبِيِّ مُفَرَّعٌ عَلى كَوْنِ القُرْآنِ مُعْجِزًا، وكَوْنَ القُرْآنِ مُعْجِزًا يَتَفَرَّعُ عَلى عِصْمَةِجِبْرِيلَ، فَيَلْزَمُ الدَّوْرُ وهو مُحالٌ. والجَوابُ: الَّذِينَ قالُوا: بِأنَّ القُرْآنَ إنَّما كانَ مُعْجِزًا لِلصِّرْفَةِ، إنَّما ذَهَبُوا إلى ذَلِكَ المَذْهَبِ فِرارًا مِن هَذا السُّؤالِ؛ لِأنَّ الإعْجازَ عَلى ذَلِكَ القَوْلِ لَيْسَ في الفَصاحَةِ، بَلْ في سَلْبِ تِلْكَ العُلُومِ والدَّواعِي عَنِ القُلُوبِ، وذَلِكَ مِمّا لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ أحَدٌ إلّا اللَّهَ تَعالى.
القَوْلُ الثّانِي: أنَّ هَذا الَّذِي أخْبَرَكم بِهِ مُحَمَّدٌ مِن أمْرِ السّاعَةِ عَلى ما ذُكِرَ في هَذِهِ السُّورَةِ لَيْسَ بِكَهانَةٍ ولا ظَنٍّ ولا افْتِعالٍ، إنَّما هو قَوْلُ جِبْرِيلَ أتاهُ بِهِ وحْيًا مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى وصَفَ جِبْرِيلَ هاهُنا بِصِفاتٍ سِتٍّ.
أوَّلُها: أنَّهُ رَسُولٌ ولا شَكَّ أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ إلى الأنْبِياءِ فَهو رَسُولٌ وجَمِيعُ الأنْبِياءِ أُمَّتُهُ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿يُنَزِّلُ المَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِن أمْرِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ [النحل: ٢] وقالَ: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ ﴿عَلى قَلْبِكَ﴾ [الشعراء: ١٩٣] .
وثانِيها: أنَّهُ كَرِيمٌ، ومِن كَرَمِهِ أنَّهُ يُعْطِي أفْضَلَ العَطايا، وهو المَعْرِفَةُ والهِدايَةُ والإرْشادُ.
صفحة ٦٨
وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿ذِي قُوَّةٍ﴾ ثُمَّ مِنهم مَن حَمَلَهُ عَلى الشِّدَّةِ، رُوِيَ «أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - قالَ لِجِبْرِيلَ: ”ذَكَرَ اللَّهُ قُوَّتَكَ، فَماذا بَلَغْتَ ؟ قالَ رَفَعْتُ قُرَيّاتِ قَوْمِ لُوطٍ الأرْبَعَ عَلى قَوادِمِ جَناحِي حَتّى إذا سَمِعَ أهْلُ السَّماءِ نُباحَ الكِلابِ وأصْواتَ الدَّجاجِ قَلَبْتُها“» وذَكَرَ مُقاتِلٌ أنَّ شَيْطانًا يُقالُ لَهُ الأبْيَضُ صاحِبُ الأنْبِياءِ قَصَدَ أنْ يَفْتِنَ النَّبِيَّ ﷺ فَدَفَعَهُ جِبْرِيلُ دَفْعَةً رَقِيقَةً وقَعَ بِها مِن مَكَّةَ إلى أقْصى الهِنْدِ، ومِنهم مَن حَمَلَهُ عَلى القُوَّةِ في أداءِ طاعَةِ اللَّهِ وتَرْكِ الإخْلالِ بِها مِن أوَّلِ الخَلْقِ إلى آخِرِ زَمانِ التَّكْلِيفِ، وعَلى القُوَّةِ في مَعْرِفَةِ اللَّهِ وفي مُطالَعَةِ جَلالِ اللَّهِ.
ورابِعُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عِنْدَ ذِي العَرْشِ مَكِينٍ﴾ وهَذِهِ العِنْدِيَّةُ لَيْسَتْ عِنْدِيَّةَ المَكانِ، مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿ومَن عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأنبياء: ١٩] ولَيْسَتْ عِنْدِيَّةُ الجِهَةِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ «”أنا عِنْدَ المُنْكَسِرَةِ قُلُوبُهم“» بَلْ عِنْدِيَّةُ الإكْرامِ والتَّشْرِيفِ والتَّعْظِيمِ. وأمّا (مَكِينٌ) فَقالَ الكِسائِيُّ: يُقالُ قَدْ مَكُنَ فُلانٌ عِنْدَ فُلانٍ بِضَمِّ الكافِ مَكْنًا ومَكانَةً، فَعَلى هَذا المَكِينُ هو ذُو الجاهِ الَّذِي يُعْطِي ما يُسْألُ.
وخامِسُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُطاعٍ ثَمَّ﴾ اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: (ثَّمَ) إشارَةٌ إلى الظَّرْفِ المَذْكُورِ، أعْنِي ﴿عِنْدَ ذِي العَرْشِ﴾ والمَعْنى أنَّهُ عِنْدَ اللَّهِ مُطاعٌ في مَلائِكَتِهِ المُقَرَّبِينَ يُصْدِرُونَ عَنْ أمْرِهِ ويَرْجِعُونَ إلى رَأْيِهِ، وقُرِئَ ”ثُمَّ“ تَعْظِيمًا لِلْأمانَةِ وبَيانًا لِأنَّها أفْضَلُ صِفاتِهِ المَعْدُودَةِ.
وسادِسُها: قَوْلُهُ: ﴿أمِينٍ﴾ أيْ هو أمِينٌ عَلى وحْيِ اللَّهِ ورِسالاتِهِ، قَدْ عَصَمَهُ اللَّهُ مِنَ الخِيانَةِ والزَّلَلِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما صاحِبُكم بِمَجْنُونٍ﴾ واحْتَجَّ بِهَذِهِ الآيَةِ مَن فَضَّلَ جِبْرِيلَ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ فَقالَ: إنَّكَ إذا وازَنْتَ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي العَرْشِ مَكِينٍ﴾ ﴿مُطاعٍ ثَمَّ أمِينٍ﴾ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿وما صاحِبُكم بِمَجْنُونٍ﴾ ظَهَرَ التَّفاوُتُ العَظِيمُ: ﴿ولَقَدْ رَآهُ بِالأُفُقِ المُبِينِ﴾ يَعْنِي حَيْثُ تَطْلُعُ الشَّمْسُ في قَوْلِ الجَمِيعِ، وهَذا مُفَسَّرٌ في سُورَةِ النَّجْمِ ﴿وما هو عَلى الغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ أيْ وما مُحَمَّدٌ عَلى الغَيْبِ بِظَنِينٍ والغَيْبُ هاهُنا القُرْآنُ وما فِيهِ مِنَ الأنْباءِ والقَصَصِ والظَّنِينُ المُتَّهَمُ يُقالُ: ظَنَنْتُ زَيْدًا في مَعْنى اتَّهَمْتُهُ، ولَيْسَ مِنَ الظَّنِّ الَّذِي يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، والمَعْنى ما مُحَمَّدٌ عَلى القُرْآنِ بِمُتَّهَمٍ أيْ هو ثِقَةٌ فِيما يُؤَدِّي عَنِ اللَّهِ، ومَن قَرَأ بِالضّادِ فَهو مِنَ البُخْلِ يُقالُ ضَنَنْتُ بِهِ أضِنُّ أيْ بَخِلْتُ، والمَعْنى لَيْسَ بِبَخِيلٍ فِيما أنْزَلَ اللَّهُ، قالَ الفَرّاءُ: يَأْتِيهِ غَيْبُ السَّماءِ، وهو شَيْءٌ نَفِيسٌ فَلا يَبْخَلُ بِهِ عَلَيْكم، وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: المَعْنى أنَّهُ يُخْبَرُ بِالغَيْبِ فَيُبَيِّنُهُ ولا يَكْتُمُهُ كَما يَكْتُمُ الكاهِنُ ذَلِكَ ويَمْتَنِعُ مِن إعْلامِهِ حَتّى يَأْخُذَ عَلَيْهِ حُلْوانًا، واخْتارَ أبُو عُبَيْدَةَ القِراءَةَ الأُولى لِوَجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ الكُفّارَ لَمْ يُبَخِّلُوهُ، وإنَّما اتَّهَمُوهُ فَنَفْيُ التُّهْمَةِ أوْلى مِن نَفْيِ البُخْلِ.
وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿عَلى الغَيْبِ﴾ ولَوْ كانَ المُرادُ البُخْلَ لَقالَ بِالغَيْبِ لِأنَّهُ يُقالُ: فُلانٌ ضَنِينٌ بِكَذا وقَلَّما يُقالُ عَلى كَذا.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما هو بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ﴾ كانَ أهْلُ مَكَّةَ يَقُولُونَ: إنَّ هَذا القُرْآنَ يَجِيءُ بِهِ شَيْطانٌ فَيُلْقِيهِ عَلى لِسانِهِ، فَنَفى اللَّهُ ذَلِكَ، فَإنْ قِيلَ القَوْلُ بِصِحَّةِ النُّبُوَّةِ مَوْقُوفٌ عَلى نَفْيِ هَذا الِاحْتِمالِ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ نَفْيُ هَذا الِاحْتِمالِ بِالدَّلِيلِ السَّمْعِيِّ ؟ قُلْنا: بَيَّنّا أنَّ عَلى القَوْلِ بِالصِّرْفَةِ لا تَتَوَقَّفُ صِحَّةُ النُّبُوَّةِ عَلى نَفْيِ هَذا الِاحْتِمالِ، فَلا جَرَمَ يُمْكِنُ نَفْيُ هَذا الِاحْتِمالِ بِالدَّلِيلِ السَّمْعِيِّ.
صفحة ٦٩
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَأيْنَ تَذْهَبُونَ﴾ وهَذا اسْتِضْلالٌ لَهم يُقالُ لِتارِكِ الجادَّةِ اعْتِسافًا: أيْنَ تَذْهَبُ ؟ مُثِّلَتْ حالُهم بِحالِهِ في تَرْكِهِمُ الحَقَّ وعُدُولِهِمْ عَنْهُ إلى الباطِلِ، والمَعْنى أيُّ طَرِيقٍ تَسْلُكُونَ أبَيْنُ مِن هَذِهِ الطَّرِيقَةِ الَّتِي قَدْ بَيَّنْتُ لَكم، قالَ الفَرّاءُ: العَرَبُ تَقُولُ إلى أيْنَ تَذْهَبُ وأيْنَ تَذْهَبُ، وتَقُولُ ذَهَبْتُ الشّامَ وانْطَلَقْتُ السُّوقَ، واحْتَجَّ أهْلُ الِاعْتِزالِ بِهَذِهِ الآيَةِ ووَجْهُهُ ظاهِرٌ.
ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ القُرْآنَ ما هو، فَقالَ: ﴿إنْ هو إلّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ أيْ هو بَيانٌ وهِدايَةٌ لِلْخَلْقِ أجْمَعِينَ.
التكوير 81:16
صفحة ٦٦
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالخُنَّسِ﴾ ﴿الجَوارِي الكُنَّسِ﴾ الكَلامُ في قَوْلِهِ: (لا أُقْسِمُ) قَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ [القيامة: ١]، ﴿بِالخُنَّسِ﴾ ﴿الجَوارِي الكُنَّسِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: وهو المَشْهُورُ، الظّاهِرَةُ أنَّها النُّجُومُ الخُنَّسُ جَمْعُ خانِسٍ، والخُنُوسُ والِانْقِباضُ والِاسْتِخْفاءُ، تَقُولُ: خَنَسَ مِن بَيْنِ القَوْمِ وانْخَنَسَ، وفي الحَدِيثِ «”الشَّيْطانُ يُوَسْوِسُ إلى العَبْدِ فَإذا ذَكَرَ اللَّهَ خَنَسَ“» أيِ انْقَبَضَ ولِذَلِكَ سُمِّيَ الخَنّاسَ و(الكُنَّسِ) جَمْعُ كانِسٍ وكانِسَةٍ، يُقالُ: كَنَسَ إذا دَخَلَ الكِناسَ وهو مَقَرُّ الوَحْشِ يُقالُ كَنَسَ الظِّباءُ في كُنُسِها، وتَكَنَّسَتِ المَرْأةُ إذا دَخَلَتْ هَوْدَجَها تَشَبَّهُ بِالظَّبْيِ إذا دَخَلَ الكِناسُ.
ثُمَّ اخْتَلَفُوا في خُنُوسِ النُّجُومِ وكُنُوسِها عَلى ثَلاثَةِ أوْجُهٍ.
فالقَوْلُ الأظْهَرُ: أنَّ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى رُجُوعِ الكَواكِبِ الخَمْسَةِ السَّيّارَةِ واسْتِقامَتِها، فَرُجُوعُها هو الخُنُوسُ، وكُنُوسُها اخْتِفاؤُها تَحْتَ ضَوْءِ الشَّمْسِ، ولا شَكَّ أنَّ هَذِهِ حالَةٌ عَجِيبَةٌ وفِيها أسْرارٌ عَظِيمَةٌ باهِرَةٌ.
القَوْلُ الثّانِي: ما رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ وعَطاءٍ ومُقاتِلٍ وقَتادَةَ أنَّها هي جَمِيعُ الكَواكِبِ، وخُنُوسُها عِبارَةٌ عَنْ غَيْبُوبَتِها عَنِ البَصَرِ في النَّهارِ، وكُنُوسُها عِبارَةٌ عَنْ ظُهُورِها لِلْبَصَرِ في اللَّيْلِ أيْ تَظْهَرُ في أماكِنِها كالوَحْشِ في كُنُسِها.
والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ السَّبْعَةَ السَّيّارَةَ تَخْتَلِفُ مَطالِعُها ومَغارِبُها عَلى ما قالَ تَعالى: ﴿بِرَبِّ المَشارِقِ والمَغارِبِ﴾ [المعارج: ٤٠] ولا شَكَّ أنَّ فِيها مَطْلَعًا واحِدًا ومَغْرِبًا واحِدًا هُما أقْرَبُ المَطالِعِ والمَغارِبِ إلى سَمْتِ رُءُوسِنا، ثُمَّ إنَّها تَأْخُذُ في التَّباعُدِ مِن ذَلِكَ المَطْلَعِ إلى سائِرِ المَطالِعِ طُولَ السَّنَةِ، ثُمَّ تَرْجِعُ إلَيْهِ فَخُنُوسُها عِبارَةٌ عَنْ تَباعُدِها عَنْ ذَلِكَ المَطْلَعِ، وكُنُوسُها عِبارَةٌ عَنْ عَوْدِها إلَيْهِ، فَهَذا مُحْتَمَلٌ فَعَلى القَوْلِ الأوَّلِ يَكُونُ القَسَمُ واقِعًا بِالخَمْسَةِ المُتَحَيِّرَةِ، وعَلى القَوْلِ الثّانِي يَكُونُ القَسَمُ واقِعًا بِجَمِيعِ الكَواكِبِ وعَلى هَذا الِاحْتِمالِ الَّذِي ذَكَرْتُهُ يَكُونُ القَسَمُ واقِعًا بِالسَّبْعَةِ السَّيّارَةِ، واللَّهُ أعْلَمُ بِمُرادِهِ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ ﴿بِالخُنَّسِ﴾ ﴿الجَوارِي الكُنَّسِ﴾ وهو قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ والنَّخَعِيِّ أنَّها بَقَرُ الوَحْشِ، وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هي الظِّباءُ، وعَلى هَذا الخَنَسُ مِنَ الخَنَسِ في الأنْفِ وهو تَقْعِيرٌ في الأنْفِ فَإنَّ البَقَرَ والظِّباءَ أُنُوفُها عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ (الكُنَّسِ) جَمْعُ كانِسٍ وهي الَّتِي تَدْخُلُ الكِناسَ والقَوْلُ هو الأوَّلُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أمْرانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ قالَ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿واللَّيْلِ إذا عَسْعَسَ﴾ وهَذا بِالنُّجُومِ ألْيَقُ مِنهُ بِبَقَرِ الوَحْشِ.
الثّانِي: أنَّ مَحَلَّ قَسَمِ اللَّهِ كُلَّما كانَ أعْظَمَ وأعْلى رُتْبَةً كانَ أوْلى، ولا شَكَّ أنَّ الكَواكِبَ أعْلى رُتْبَةً مِن بَقَرِ الوَحْشِ.
الثّالِثُ: أنْ (الخُنَّسِ) جَمْعُ خانِسٍ مِنَ الخُنُوسِ، وأمّا جَمْعُ خَنْساءَ وأخْنَسَ مِنَ الخَنَسِ خُنْسَ بِالسُّكُونِ والتَّخْفِيفِ، ولا يُقالُ: الخُنَّسُ فِيهِ بِالتَّشْدِيدِ إلّا أنْ يَجْعَلَ الخُنَّسَ في الوَحْشِيَّةِ أيْضًا مِنَ الخُنُوسِ وهو اخْتِفاؤُها في الكِناسِ إذا غابَتْ عَنِ الأعْيُنِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّيْلِ إذا عَسْعَسَ﴾ ذَكَرَ أهْلُ اللُّغَةِ أنَّ عَسْعَسَ مِنَ الأضْدادِ، يُقالُ: عَسْعَسَ اللَّيْلُ إذا أقْبَلَ، وعَسْعَسَ إذا أدْبَرَ، وأنْشَدُوا في وُرُودِها بِمَعْنى أدْبَرَ قَوْلَ العَجّاجِ:
حَتّى إذا الصُّبْحُ لَها تَنَفَّسا وانْجابَ عَنْها لَيْلُها وعَسْعَسا
وأنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ في مَعْنى أقْبَلَ:
صفحة ٦٧
مُدَرَّجاتُ اللَّيْلِ لَمّا عَسْعَسا
ثُمَّ مِنهم مَن قالَ: المُرادُ هاهُنا أقْبَلَ اللَّيْلُ، لِأنَّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ القَسَمُ واقِعًا بِإقْبالِ اللَّيْلِ وهو قَوْلُهُ: (إذا عَسْعَسَ) وبِإدْبارِهِ أيْضًا وهو قَوْلُهُ: ﴿والصُّبْحِ إذا تَنَفَّسَ﴾ ومِنهم مَن قالَ: بَلِ المُرادُ ”أدْبَرَ“ وقَوْلُهُ: ﴿والصُّبْحِ إذا تَنَفَّسَ﴾ أيِ امْتَدَّ ضَوْءُهُ وتَكامَلَ فَقَوْلُهُ: ﴿واللَّيْلِ إذا عَسْعَسَ﴾ إشارَةٌ إلى أوَّلِ طُلُوعِ الصُّبْحِ، وهو مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿واللَّيْلِ إذْ أدْبَرَ﴾ ﴿والصُّبْحِ إذا أسْفَرَ﴾، وقَوْلُهُ: ﴿والصُّبْحِ إذا تَنَفَّسَ﴾ إشارَةٌ إلى تَكامُلِ طُلُوعِ الصُّبْحِ فَلا يَكُونُ فِيهِ تَكْرارٌ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والصُّبْحِ إذا تَنَفَّسَ﴾ أيْ إذا أسْفَرَ كَقَوْلِهِ: ﴿والصُّبْحِ إذا أسْفَرَ﴾ ثُمَّ في كَيْفِيَّةِ المَجازِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ إذا أقْبَلَ الصُّبْحُ أقْبَلَ بِإقْبالِهِ رَوْحٌ ونَسِيمٌ، فَجَعَلَ ذَلِكَ نَفَسًا لَهُ عَلى المَجازِ، وقِيلَ تَنَفَّسَ الصُّبْحُ.
والثّانِي: أنَّهُ شَبَّهَ اللَّيْلَ المُظْلِمَ بِالمَكْرُوبِ المَحْزُونِ الَّذِي جَلَسَ بِحَيْثُ لا يَتَحَرَّكُ، واجْتَمَعَ الحُزْنُ في قَلْبِهِ، فَإذا تَنَفَّسَ وجَدَ راحَةً. فَهاهُنا لَمّا طَلَعَ الصُّبْحُ فَكَأنَّهُ تَخَلَّصَ مِن ذَلِكَ الحُزْنِ فَعَبَّرَ عَنْهُ بِالتَّنَفُّسِ وهو اسْتِعارَةٌ لَطِيفَةٌ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ المُقْسَمَ بِهِ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ المُقْسَمِ عَلَيْهِ فَقالَ: ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: وهو المَشْهُورُ أنَّ المُرادَ أنَّ القُرْآنَ نَزَلَ بِهِ جِبْرِيلُ.
فَإنْ قِيلَ: هاهُنا إشْكالٌ قَوِيٌّ وهو أنَّهُ حَلَفَ أنَّهُ قَوْلُ جِبْرِيلَ، فَوَجَبَ عَلَيْنا أنْ نُصَدِّقَهُ في ذَلِكَ، فَإنْ لَمْ نَقْطَعْ بِوُجُوبِ حَمْلِ اللَّفْظِ عَلى الظّاهِرِ، فَلا أقَلَّ مِنَ الِاحْتِمالِ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ ثَبَتَ أنَّ هَذا القُرْآنَ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ كَلامَ جِبْرِيلَ لا كَلامَ اللَّهِ، وبِتَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ كَلامَ جِبْرِيلَ يَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ مُعْجِزًا، لِاحْتِمالِ أنَّ جِبْرِيلَ ألْقاهُ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ عَلى سَبِيلِ الإضْلالِ، ولا يُمْكِنُ أنْ يُجابَ عَنْهُ بِأنَّ جِبْرِيلَ مَعْصُومٌ لا يَفْعَلُ الإضْلالَ، لِأنَّ العِلْمَ بِعِصْمَةِ جِبْرِيلَ مُسْتَفادٌ مِن صِدْقِ النَّبِيِّ، وصِدْقَ النَّبِيِّ مُفَرَّعٌ عَلى كَوْنِ القُرْآنِ مُعْجِزًا، وكَوْنَ القُرْآنِ مُعْجِزًا يَتَفَرَّعُ عَلى عِصْمَةِجِبْرِيلَ، فَيَلْزَمُ الدَّوْرُ وهو مُحالٌ. والجَوابُ: الَّذِينَ قالُوا: بِأنَّ القُرْآنَ إنَّما كانَ مُعْجِزًا لِلصِّرْفَةِ، إنَّما ذَهَبُوا إلى ذَلِكَ المَذْهَبِ فِرارًا مِن هَذا السُّؤالِ؛ لِأنَّ الإعْجازَ عَلى ذَلِكَ القَوْلِ لَيْسَ في الفَصاحَةِ، بَلْ في سَلْبِ تِلْكَ العُلُومِ والدَّواعِي عَنِ القُلُوبِ، وذَلِكَ مِمّا لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ أحَدٌ إلّا اللَّهَ تَعالى.
القَوْلُ الثّانِي: أنَّ هَذا الَّذِي أخْبَرَكم بِهِ مُحَمَّدٌ مِن أمْرِ السّاعَةِ عَلى ما ذُكِرَ في هَذِهِ السُّورَةِ لَيْسَ بِكَهانَةٍ ولا ظَنٍّ ولا افْتِعالٍ، إنَّما هو قَوْلُ جِبْرِيلَ أتاهُ بِهِ وحْيًا مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى وصَفَ جِبْرِيلَ هاهُنا بِصِفاتٍ سِتٍّ.
أوَّلُها: أنَّهُ رَسُولٌ ولا شَكَّ أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ إلى الأنْبِياءِ فَهو رَسُولٌ وجَمِيعُ الأنْبِياءِ أُمَّتُهُ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿يُنَزِّلُ المَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِن أمْرِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ [النحل: ٢] وقالَ: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ ﴿عَلى قَلْبِكَ﴾ [الشعراء: ١٩٣] .
وثانِيها: أنَّهُ كَرِيمٌ، ومِن كَرَمِهِ أنَّهُ يُعْطِي أفْضَلَ العَطايا، وهو المَعْرِفَةُ والهِدايَةُ والإرْشادُ.
صفحة ٦٨
وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿ذِي قُوَّةٍ﴾ ثُمَّ مِنهم مَن حَمَلَهُ عَلى الشِّدَّةِ، رُوِيَ «أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - قالَ لِجِبْرِيلَ: ”ذَكَرَ اللَّهُ قُوَّتَكَ، فَماذا بَلَغْتَ ؟ قالَ رَفَعْتُ قُرَيّاتِ قَوْمِ لُوطٍ الأرْبَعَ عَلى قَوادِمِ جَناحِي حَتّى إذا سَمِعَ أهْلُ السَّماءِ نُباحَ الكِلابِ وأصْواتَ الدَّجاجِ قَلَبْتُها“» وذَكَرَ مُقاتِلٌ أنَّ شَيْطانًا يُقالُ لَهُ الأبْيَضُ صاحِبُ الأنْبِياءِ قَصَدَ أنْ يَفْتِنَ النَّبِيَّ ﷺ فَدَفَعَهُ جِبْرِيلُ دَفْعَةً رَقِيقَةً وقَعَ بِها مِن مَكَّةَ إلى أقْصى الهِنْدِ، ومِنهم مَن حَمَلَهُ عَلى القُوَّةِ في أداءِ طاعَةِ اللَّهِ وتَرْكِ الإخْلالِ بِها مِن أوَّلِ الخَلْقِ إلى آخِرِ زَمانِ التَّكْلِيفِ، وعَلى القُوَّةِ في مَعْرِفَةِ اللَّهِ وفي مُطالَعَةِ جَلالِ اللَّهِ.
ورابِعُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عِنْدَ ذِي العَرْشِ مَكِينٍ﴾ وهَذِهِ العِنْدِيَّةُ لَيْسَتْ عِنْدِيَّةَ المَكانِ، مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿ومَن عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأنبياء: ١٩] ولَيْسَتْ عِنْدِيَّةُ الجِهَةِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ «”أنا عِنْدَ المُنْكَسِرَةِ قُلُوبُهم“» بَلْ عِنْدِيَّةُ الإكْرامِ والتَّشْرِيفِ والتَّعْظِيمِ. وأمّا (مَكِينٌ) فَقالَ الكِسائِيُّ: يُقالُ قَدْ مَكُنَ فُلانٌ عِنْدَ فُلانٍ بِضَمِّ الكافِ مَكْنًا ومَكانَةً، فَعَلى هَذا المَكِينُ هو ذُو الجاهِ الَّذِي يُعْطِي ما يُسْألُ.
وخامِسُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُطاعٍ ثَمَّ﴾ اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: (ثَّمَ) إشارَةٌ إلى الظَّرْفِ المَذْكُورِ، أعْنِي ﴿عِنْدَ ذِي العَرْشِ﴾ والمَعْنى أنَّهُ عِنْدَ اللَّهِ مُطاعٌ في مَلائِكَتِهِ المُقَرَّبِينَ يُصْدِرُونَ عَنْ أمْرِهِ ويَرْجِعُونَ إلى رَأْيِهِ، وقُرِئَ ”ثُمَّ“ تَعْظِيمًا لِلْأمانَةِ وبَيانًا لِأنَّها أفْضَلُ صِفاتِهِ المَعْدُودَةِ.
وسادِسُها: قَوْلُهُ: ﴿أمِينٍ﴾ أيْ هو أمِينٌ عَلى وحْيِ اللَّهِ ورِسالاتِهِ، قَدْ عَصَمَهُ اللَّهُ مِنَ الخِيانَةِ والزَّلَلِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما صاحِبُكم بِمَجْنُونٍ﴾ واحْتَجَّ بِهَذِهِ الآيَةِ مَن فَضَّلَ جِبْرِيلَ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ فَقالَ: إنَّكَ إذا وازَنْتَ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي العَرْشِ مَكِينٍ﴾ ﴿مُطاعٍ ثَمَّ أمِينٍ﴾ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿وما صاحِبُكم بِمَجْنُونٍ﴾ ظَهَرَ التَّفاوُتُ العَظِيمُ: ﴿ولَقَدْ رَآهُ بِالأُفُقِ المُبِينِ﴾ يَعْنِي حَيْثُ تَطْلُعُ الشَّمْسُ في قَوْلِ الجَمِيعِ، وهَذا مُفَسَّرٌ في سُورَةِ النَّجْمِ ﴿وما هو عَلى الغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ أيْ وما مُحَمَّدٌ عَلى الغَيْبِ بِظَنِينٍ والغَيْبُ هاهُنا القُرْآنُ وما فِيهِ مِنَ الأنْباءِ والقَصَصِ والظَّنِينُ المُتَّهَمُ يُقالُ: ظَنَنْتُ زَيْدًا في مَعْنى اتَّهَمْتُهُ، ولَيْسَ مِنَ الظَّنِّ الَّذِي يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، والمَعْنى ما مُحَمَّدٌ عَلى القُرْآنِ بِمُتَّهَمٍ أيْ هو ثِقَةٌ فِيما يُؤَدِّي عَنِ اللَّهِ، ومَن قَرَأ بِالضّادِ فَهو مِنَ البُخْلِ يُقالُ ضَنَنْتُ بِهِ أضِنُّ أيْ بَخِلْتُ، والمَعْنى لَيْسَ بِبَخِيلٍ فِيما أنْزَلَ اللَّهُ، قالَ الفَرّاءُ: يَأْتِيهِ غَيْبُ السَّماءِ، وهو شَيْءٌ نَفِيسٌ فَلا يَبْخَلُ بِهِ عَلَيْكم، وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: المَعْنى أنَّهُ يُخْبَرُ بِالغَيْبِ فَيُبَيِّنُهُ ولا يَكْتُمُهُ كَما يَكْتُمُ الكاهِنُ ذَلِكَ ويَمْتَنِعُ مِن إعْلامِهِ حَتّى يَأْخُذَ عَلَيْهِ حُلْوانًا، واخْتارَ أبُو عُبَيْدَةَ القِراءَةَ الأُولى لِوَجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ الكُفّارَ لَمْ يُبَخِّلُوهُ، وإنَّما اتَّهَمُوهُ فَنَفْيُ التُّهْمَةِ أوْلى مِن نَفْيِ البُخْلِ.
وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿عَلى الغَيْبِ﴾ ولَوْ كانَ المُرادُ البُخْلَ لَقالَ بِالغَيْبِ لِأنَّهُ يُقالُ: فُلانٌ ضَنِينٌ بِكَذا وقَلَّما يُقالُ عَلى كَذا.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما هو بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ﴾ كانَ أهْلُ مَكَّةَ يَقُولُونَ: إنَّ هَذا القُرْآنَ يَجِيءُ بِهِ شَيْطانٌ فَيُلْقِيهِ عَلى لِسانِهِ، فَنَفى اللَّهُ ذَلِكَ، فَإنْ قِيلَ القَوْلُ بِصِحَّةِ النُّبُوَّةِ مَوْقُوفٌ عَلى نَفْيِ هَذا الِاحْتِمالِ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ نَفْيُ هَذا الِاحْتِمالِ بِالدَّلِيلِ السَّمْعِيِّ ؟ قُلْنا: بَيَّنّا أنَّ عَلى القَوْلِ بِالصِّرْفَةِ لا تَتَوَقَّفُ صِحَّةُ النُّبُوَّةِ عَلى نَفْيِ هَذا الِاحْتِمالِ، فَلا جَرَمَ يُمْكِنُ نَفْيُ هَذا الِاحْتِمالِ بِالدَّلِيلِ السَّمْعِيِّ.
صفحة ٦٩
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَأيْنَ تَذْهَبُونَ﴾ وهَذا اسْتِضْلالٌ لَهم يُقالُ لِتارِكِ الجادَّةِ اعْتِسافًا: أيْنَ تَذْهَبُ ؟ مُثِّلَتْ حالُهم بِحالِهِ في تَرْكِهِمُ الحَقَّ وعُدُولِهِمْ عَنْهُ إلى الباطِلِ، والمَعْنى أيُّ طَرِيقٍ تَسْلُكُونَ أبَيْنُ مِن هَذِهِ الطَّرِيقَةِ الَّتِي قَدْ بَيَّنْتُ لَكم، قالَ الفَرّاءُ: العَرَبُ تَقُولُ إلى أيْنَ تَذْهَبُ وأيْنَ تَذْهَبُ، وتَقُولُ ذَهَبْتُ الشّامَ وانْطَلَقْتُ السُّوقَ، واحْتَجَّ أهْلُ الِاعْتِزالِ بِهَذِهِ الآيَةِ ووَجْهُهُ ظاهِرٌ.
ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ القُرْآنَ ما هو، فَقالَ: ﴿إنْ هو إلّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ أيْ هو بَيانٌ وهِدايَةٌ لِلْخَلْقِ أجْمَعِينَ.
التكوير 81:17
صفحة ٦٦
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالخُنَّسِ﴾ ﴿الجَوارِي الكُنَّسِ﴾ الكَلامُ في قَوْلِهِ: (لا أُقْسِمُ) قَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ [القيامة: ١]، ﴿بِالخُنَّسِ﴾ ﴿الجَوارِي الكُنَّسِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: وهو المَشْهُورُ، الظّاهِرَةُ أنَّها النُّجُومُ الخُنَّسُ جَمْعُ خانِسٍ، والخُنُوسُ والِانْقِباضُ والِاسْتِخْفاءُ، تَقُولُ: خَنَسَ مِن بَيْنِ القَوْمِ وانْخَنَسَ، وفي الحَدِيثِ «”الشَّيْطانُ يُوَسْوِسُ إلى العَبْدِ فَإذا ذَكَرَ اللَّهَ خَنَسَ“» أيِ انْقَبَضَ ولِذَلِكَ سُمِّيَ الخَنّاسَ و(الكُنَّسِ) جَمْعُ كانِسٍ وكانِسَةٍ، يُقالُ: كَنَسَ إذا دَخَلَ الكِناسَ وهو مَقَرُّ الوَحْشِ يُقالُ كَنَسَ الظِّباءُ في كُنُسِها، وتَكَنَّسَتِ المَرْأةُ إذا دَخَلَتْ هَوْدَجَها تَشَبَّهُ بِالظَّبْيِ إذا دَخَلَ الكِناسُ.
ثُمَّ اخْتَلَفُوا في خُنُوسِ النُّجُومِ وكُنُوسِها عَلى ثَلاثَةِ أوْجُهٍ.
فالقَوْلُ الأظْهَرُ: أنَّ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى رُجُوعِ الكَواكِبِ الخَمْسَةِ السَّيّارَةِ واسْتِقامَتِها، فَرُجُوعُها هو الخُنُوسُ، وكُنُوسُها اخْتِفاؤُها تَحْتَ ضَوْءِ الشَّمْسِ، ولا شَكَّ أنَّ هَذِهِ حالَةٌ عَجِيبَةٌ وفِيها أسْرارٌ عَظِيمَةٌ باهِرَةٌ.
القَوْلُ الثّانِي: ما رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ وعَطاءٍ ومُقاتِلٍ وقَتادَةَ أنَّها هي جَمِيعُ الكَواكِبِ، وخُنُوسُها عِبارَةٌ عَنْ غَيْبُوبَتِها عَنِ البَصَرِ في النَّهارِ، وكُنُوسُها عِبارَةٌ عَنْ ظُهُورِها لِلْبَصَرِ في اللَّيْلِ أيْ تَظْهَرُ في أماكِنِها كالوَحْشِ في كُنُسِها.
والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ السَّبْعَةَ السَّيّارَةَ تَخْتَلِفُ مَطالِعُها ومَغارِبُها عَلى ما قالَ تَعالى: ﴿بِرَبِّ المَشارِقِ والمَغارِبِ﴾ [المعارج: ٤٠] ولا شَكَّ أنَّ فِيها مَطْلَعًا واحِدًا ومَغْرِبًا واحِدًا هُما أقْرَبُ المَطالِعِ والمَغارِبِ إلى سَمْتِ رُءُوسِنا، ثُمَّ إنَّها تَأْخُذُ في التَّباعُدِ مِن ذَلِكَ المَطْلَعِ إلى سائِرِ المَطالِعِ طُولَ السَّنَةِ، ثُمَّ تَرْجِعُ إلَيْهِ فَخُنُوسُها عِبارَةٌ عَنْ تَباعُدِها عَنْ ذَلِكَ المَطْلَعِ، وكُنُوسُها عِبارَةٌ عَنْ عَوْدِها إلَيْهِ، فَهَذا مُحْتَمَلٌ فَعَلى القَوْلِ الأوَّلِ يَكُونُ القَسَمُ واقِعًا بِالخَمْسَةِ المُتَحَيِّرَةِ، وعَلى القَوْلِ الثّانِي يَكُونُ القَسَمُ واقِعًا بِجَمِيعِ الكَواكِبِ وعَلى هَذا الِاحْتِمالِ الَّذِي ذَكَرْتُهُ يَكُونُ القَسَمُ واقِعًا بِالسَّبْعَةِ السَّيّارَةِ، واللَّهُ أعْلَمُ بِمُرادِهِ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ ﴿بِالخُنَّسِ﴾ ﴿الجَوارِي الكُنَّسِ﴾ وهو قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ والنَّخَعِيِّ أنَّها بَقَرُ الوَحْشِ، وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هي الظِّباءُ، وعَلى هَذا الخَنَسُ مِنَ الخَنَسِ في الأنْفِ وهو تَقْعِيرٌ في الأنْفِ فَإنَّ البَقَرَ والظِّباءَ أُنُوفُها عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ (الكُنَّسِ) جَمْعُ كانِسٍ وهي الَّتِي تَدْخُلُ الكِناسَ والقَوْلُ هو الأوَّلُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أمْرانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ قالَ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿واللَّيْلِ إذا عَسْعَسَ﴾ وهَذا بِالنُّجُومِ ألْيَقُ مِنهُ بِبَقَرِ الوَحْشِ.
الثّانِي: أنَّ مَحَلَّ قَسَمِ اللَّهِ كُلَّما كانَ أعْظَمَ وأعْلى رُتْبَةً كانَ أوْلى، ولا شَكَّ أنَّ الكَواكِبَ أعْلى رُتْبَةً مِن بَقَرِ الوَحْشِ.
الثّالِثُ: أنْ (الخُنَّسِ) جَمْعُ خانِسٍ مِنَ الخُنُوسِ، وأمّا جَمْعُ خَنْساءَ وأخْنَسَ مِنَ الخَنَسِ خُنْسَ بِالسُّكُونِ والتَّخْفِيفِ، ولا يُقالُ: الخُنَّسُ فِيهِ بِالتَّشْدِيدِ إلّا أنْ يَجْعَلَ الخُنَّسَ في الوَحْشِيَّةِ أيْضًا مِنَ الخُنُوسِ وهو اخْتِفاؤُها في الكِناسِ إذا غابَتْ عَنِ الأعْيُنِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّيْلِ إذا عَسْعَسَ﴾ ذَكَرَ أهْلُ اللُّغَةِ أنَّ عَسْعَسَ مِنَ الأضْدادِ، يُقالُ: عَسْعَسَ اللَّيْلُ إذا أقْبَلَ، وعَسْعَسَ إذا أدْبَرَ، وأنْشَدُوا في وُرُودِها بِمَعْنى أدْبَرَ قَوْلَ العَجّاجِ:
حَتّى إذا الصُّبْحُ لَها تَنَفَّسا وانْجابَ عَنْها لَيْلُها وعَسْعَسا
وأنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ في مَعْنى أقْبَلَ:
صفحة ٦٧
مُدَرَّجاتُ اللَّيْلِ لَمّا عَسْعَسا
ثُمَّ مِنهم مَن قالَ: المُرادُ هاهُنا أقْبَلَ اللَّيْلُ، لِأنَّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ القَسَمُ واقِعًا بِإقْبالِ اللَّيْلِ وهو قَوْلُهُ: (إذا عَسْعَسَ) وبِإدْبارِهِ أيْضًا وهو قَوْلُهُ: ﴿والصُّبْحِ إذا تَنَفَّسَ﴾ ومِنهم مَن قالَ: بَلِ المُرادُ ”أدْبَرَ“ وقَوْلُهُ: ﴿والصُّبْحِ إذا تَنَفَّسَ﴾ أيِ امْتَدَّ ضَوْءُهُ وتَكامَلَ فَقَوْلُهُ: ﴿واللَّيْلِ إذا عَسْعَسَ﴾ إشارَةٌ إلى أوَّلِ طُلُوعِ الصُّبْحِ، وهو مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿واللَّيْلِ إذْ أدْبَرَ﴾ ﴿والصُّبْحِ إذا أسْفَرَ﴾، وقَوْلُهُ: ﴿والصُّبْحِ إذا تَنَفَّسَ﴾ إشارَةٌ إلى تَكامُلِ طُلُوعِ الصُّبْحِ فَلا يَكُونُ فِيهِ تَكْرارٌ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والصُّبْحِ إذا تَنَفَّسَ﴾ أيْ إذا أسْفَرَ كَقَوْلِهِ: ﴿والصُّبْحِ إذا أسْفَرَ﴾ ثُمَّ في كَيْفِيَّةِ المَجازِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ إذا أقْبَلَ الصُّبْحُ أقْبَلَ بِإقْبالِهِ رَوْحٌ ونَسِيمٌ، فَجَعَلَ ذَلِكَ نَفَسًا لَهُ عَلى المَجازِ، وقِيلَ تَنَفَّسَ الصُّبْحُ.
والثّانِي: أنَّهُ شَبَّهَ اللَّيْلَ المُظْلِمَ بِالمَكْرُوبِ المَحْزُونِ الَّذِي جَلَسَ بِحَيْثُ لا يَتَحَرَّكُ، واجْتَمَعَ الحُزْنُ في قَلْبِهِ، فَإذا تَنَفَّسَ وجَدَ راحَةً. فَهاهُنا لَمّا طَلَعَ الصُّبْحُ فَكَأنَّهُ تَخَلَّصَ مِن ذَلِكَ الحُزْنِ فَعَبَّرَ عَنْهُ بِالتَّنَفُّسِ وهو اسْتِعارَةٌ لَطِيفَةٌ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ المُقْسَمَ بِهِ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ المُقْسَمِ عَلَيْهِ فَقالَ: ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: وهو المَشْهُورُ أنَّ المُرادَ أنَّ القُرْآنَ نَزَلَ بِهِ جِبْرِيلُ.
فَإنْ قِيلَ: هاهُنا إشْكالٌ قَوِيٌّ وهو أنَّهُ حَلَفَ أنَّهُ قَوْلُ جِبْرِيلَ، فَوَجَبَ عَلَيْنا أنْ نُصَدِّقَهُ في ذَلِكَ، فَإنْ لَمْ نَقْطَعْ بِوُجُوبِ حَمْلِ اللَّفْظِ عَلى الظّاهِرِ، فَلا أقَلَّ مِنَ الِاحْتِمالِ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ ثَبَتَ أنَّ هَذا القُرْآنَ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ كَلامَ جِبْرِيلَ لا كَلامَ اللَّهِ، وبِتَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ كَلامَ جِبْرِيلَ يَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ مُعْجِزًا، لِاحْتِمالِ أنَّ جِبْرِيلَ ألْقاهُ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ عَلى سَبِيلِ الإضْلالِ، ولا يُمْكِنُ أنْ يُجابَ عَنْهُ بِأنَّ جِبْرِيلَ مَعْصُومٌ لا يَفْعَلُ الإضْلالَ، لِأنَّ العِلْمَ بِعِصْمَةِ جِبْرِيلَ مُسْتَفادٌ مِن صِدْقِ النَّبِيِّ، وصِدْقَ النَّبِيِّ مُفَرَّعٌ عَلى كَوْنِ القُرْآنِ مُعْجِزًا، وكَوْنَ القُرْآنِ مُعْجِزًا يَتَفَرَّعُ عَلى عِصْمَةِجِبْرِيلَ، فَيَلْزَمُ الدَّوْرُ وهو مُحالٌ. والجَوابُ: الَّذِينَ قالُوا: بِأنَّ القُرْآنَ إنَّما كانَ مُعْجِزًا لِلصِّرْفَةِ، إنَّما ذَهَبُوا إلى ذَلِكَ المَذْهَبِ فِرارًا مِن هَذا السُّؤالِ؛ لِأنَّ الإعْجازَ عَلى ذَلِكَ القَوْلِ لَيْسَ في الفَصاحَةِ، بَلْ في سَلْبِ تِلْكَ العُلُومِ والدَّواعِي عَنِ القُلُوبِ، وذَلِكَ مِمّا لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ أحَدٌ إلّا اللَّهَ تَعالى.
القَوْلُ الثّانِي: أنَّ هَذا الَّذِي أخْبَرَكم بِهِ مُحَمَّدٌ مِن أمْرِ السّاعَةِ عَلى ما ذُكِرَ في هَذِهِ السُّورَةِ لَيْسَ بِكَهانَةٍ ولا ظَنٍّ ولا افْتِعالٍ، إنَّما هو قَوْلُ جِبْرِيلَ أتاهُ بِهِ وحْيًا مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى وصَفَ جِبْرِيلَ هاهُنا بِصِفاتٍ سِتٍّ.
أوَّلُها: أنَّهُ رَسُولٌ ولا شَكَّ أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ إلى الأنْبِياءِ فَهو رَسُولٌ وجَمِيعُ الأنْبِياءِ أُمَّتُهُ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿يُنَزِّلُ المَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِن أمْرِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ [النحل: ٢] وقالَ: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ ﴿عَلى قَلْبِكَ﴾ [الشعراء: ١٩٣] .
وثانِيها: أنَّهُ كَرِيمٌ، ومِن كَرَمِهِ أنَّهُ يُعْطِي أفْضَلَ العَطايا، وهو المَعْرِفَةُ والهِدايَةُ والإرْشادُ.
صفحة ٦٨
وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿ذِي قُوَّةٍ﴾ ثُمَّ مِنهم مَن حَمَلَهُ عَلى الشِّدَّةِ، رُوِيَ «أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - قالَ لِجِبْرِيلَ: ”ذَكَرَ اللَّهُ قُوَّتَكَ، فَماذا بَلَغْتَ ؟ قالَ رَفَعْتُ قُرَيّاتِ قَوْمِ لُوطٍ الأرْبَعَ عَلى قَوادِمِ جَناحِي حَتّى إذا سَمِعَ أهْلُ السَّماءِ نُباحَ الكِلابِ وأصْواتَ الدَّجاجِ قَلَبْتُها“» وذَكَرَ مُقاتِلٌ أنَّ شَيْطانًا يُقالُ لَهُ الأبْيَضُ صاحِبُ الأنْبِياءِ قَصَدَ أنْ يَفْتِنَ النَّبِيَّ ﷺ فَدَفَعَهُ جِبْرِيلُ دَفْعَةً رَقِيقَةً وقَعَ بِها مِن مَكَّةَ إلى أقْصى الهِنْدِ، ومِنهم مَن حَمَلَهُ عَلى القُوَّةِ في أداءِ طاعَةِ اللَّهِ وتَرْكِ الإخْلالِ بِها مِن أوَّلِ الخَلْقِ إلى آخِرِ زَمانِ التَّكْلِيفِ، وعَلى القُوَّةِ في مَعْرِفَةِ اللَّهِ وفي مُطالَعَةِ جَلالِ اللَّهِ.
ورابِعُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عِنْدَ ذِي العَرْشِ مَكِينٍ﴾ وهَذِهِ العِنْدِيَّةُ لَيْسَتْ عِنْدِيَّةَ المَكانِ، مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿ومَن عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأنبياء: ١٩] ولَيْسَتْ عِنْدِيَّةُ الجِهَةِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ «”أنا عِنْدَ المُنْكَسِرَةِ قُلُوبُهم“» بَلْ عِنْدِيَّةُ الإكْرامِ والتَّشْرِيفِ والتَّعْظِيمِ. وأمّا (مَكِينٌ) فَقالَ الكِسائِيُّ: يُقالُ قَدْ مَكُنَ فُلانٌ عِنْدَ فُلانٍ بِضَمِّ الكافِ مَكْنًا ومَكانَةً، فَعَلى هَذا المَكِينُ هو ذُو الجاهِ الَّذِي يُعْطِي ما يُسْألُ.
وخامِسُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُطاعٍ ثَمَّ﴾ اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: (ثَّمَ) إشارَةٌ إلى الظَّرْفِ المَذْكُورِ، أعْنِي ﴿عِنْدَ ذِي العَرْشِ﴾ والمَعْنى أنَّهُ عِنْدَ اللَّهِ مُطاعٌ في مَلائِكَتِهِ المُقَرَّبِينَ يُصْدِرُونَ عَنْ أمْرِهِ ويَرْجِعُونَ إلى رَأْيِهِ، وقُرِئَ ”ثُمَّ“ تَعْظِيمًا لِلْأمانَةِ وبَيانًا لِأنَّها أفْضَلُ صِفاتِهِ المَعْدُودَةِ.
وسادِسُها: قَوْلُهُ: ﴿أمِينٍ﴾ أيْ هو أمِينٌ عَلى وحْيِ اللَّهِ ورِسالاتِهِ، قَدْ عَصَمَهُ اللَّهُ مِنَ الخِيانَةِ والزَّلَلِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما صاحِبُكم بِمَجْنُونٍ﴾ واحْتَجَّ بِهَذِهِ الآيَةِ مَن فَضَّلَ جِبْرِيلَ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ فَقالَ: إنَّكَ إذا وازَنْتَ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي العَرْشِ مَكِينٍ﴾ ﴿مُطاعٍ ثَمَّ أمِينٍ﴾ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿وما صاحِبُكم بِمَجْنُونٍ﴾ ظَهَرَ التَّفاوُتُ العَظِيمُ: ﴿ولَقَدْ رَآهُ بِالأُفُقِ المُبِينِ﴾ يَعْنِي حَيْثُ تَطْلُعُ الشَّمْسُ في قَوْلِ الجَمِيعِ، وهَذا مُفَسَّرٌ في سُورَةِ النَّجْمِ ﴿وما هو عَلى الغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ أيْ وما مُحَمَّدٌ عَلى الغَيْبِ بِظَنِينٍ والغَيْبُ هاهُنا القُرْآنُ وما فِيهِ مِنَ الأنْباءِ والقَصَصِ والظَّنِينُ المُتَّهَمُ يُقالُ: ظَنَنْتُ زَيْدًا في مَعْنى اتَّهَمْتُهُ، ولَيْسَ مِنَ الظَّنِّ الَّذِي يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، والمَعْنى ما مُحَمَّدٌ عَلى القُرْآنِ بِمُتَّهَمٍ أيْ هو ثِقَةٌ فِيما يُؤَدِّي عَنِ اللَّهِ، ومَن قَرَأ بِالضّادِ فَهو مِنَ البُخْلِ يُقالُ ضَنَنْتُ بِهِ أضِنُّ أيْ بَخِلْتُ، والمَعْنى لَيْسَ بِبَخِيلٍ فِيما أنْزَلَ اللَّهُ، قالَ الفَرّاءُ: يَأْتِيهِ غَيْبُ السَّماءِ، وهو شَيْءٌ نَفِيسٌ فَلا يَبْخَلُ بِهِ عَلَيْكم، وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: المَعْنى أنَّهُ يُخْبَرُ بِالغَيْبِ فَيُبَيِّنُهُ ولا يَكْتُمُهُ كَما يَكْتُمُ الكاهِنُ ذَلِكَ ويَمْتَنِعُ مِن إعْلامِهِ حَتّى يَأْخُذَ عَلَيْهِ حُلْوانًا، واخْتارَ أبُو عُبَيْدَةَ القِراءَةَ الأُولى لِوَجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ الكُفّارَ لَمْ يُبَخِّلُوهُ، وإنَّما اتَّهَمُوهُ فَنَفْيُ التُّهْمَةِ أوْلى مِن نَفْيِ البُخْلِ.
وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿عَلى الغَيْبِ﴾ ولَوْ كانَ المُرادُ البُخْلَ لَقالَ بِالغَيْبِ لِأنَّهُ يُقالُ: فُلانٌ ضَنِينٌ بِكَذا وقَلَّما يُقالُ عَلى كَذا.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما هو بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ﴾ كانَ أهْلُ مَكَّةَ يَقُولُونَ: إنَّ هَذا القُرْآنَ يَجِيءُ بِهِ شَيْطانٌ فَيُلْقِيهِ عَلى لِسانِهِ، فَنَفى اللَّهُ ذَلِكَ، فَإنْ قِيلَ القَوْلُ بِصِحَّةِ النُّبُوَّةِ مَوْقُوفٌ عَلى نَفْيِ هَذا الِاحْتِمالِ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ نَفْيُ هَذا الِاحْتِمالِ بِالدَّلِيلِ السَّمْعِيِّ ؟ قُلْنا: بَيَّنّا أنَّ عَلى القَوْلِ بِالصِّرْفَةِ لا تَتَوَقَّفُ صِحَّةُ النُّبُوَّةِ عَلى نَفْيِ هَذا الِاحْتِمالِ، فَلا جَرَمَ يُمْكِنُ نَفْيُ هَذا الِاحْتِمالِ بِالدَّلِيلِ السَّمْعِيِّ.
صفحة ٦٩
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَأيْنَ تَذْهَبُونَ﴾ وهَذا اسْتِضْلالٌ لَهم يُقالُ لِتارِكِ الجادَّةِ اعْتِسافًا: أيْنَ تَذْهَبُ ؟ مُثِّلَتْ حالُهم بِحالِهِ في تَرْكِهِمُ الحَقَّ وعُدُولِهِمْ عَنْهُ إلى الباطِلِ، والمَعْنى أيُّ طَرِيقٍ تَسْلُكُونَ أبَيْنُ مِن هَذِهِ الطَّرِيقَةِ الَّتِي قَدْ بَيَّنْتُ لَكم، قالَ الفَرّاءُ: العَرَبُ تَقُولُ إلى أيْنَ تَذْهَبُ وأيْنَ تَذْهَبُ، وتَقُولُ ذَهَبْتُ الشّامَ وانْطَلَقْتُ السُّوقَ، واحْتَجَّ أهْلُ الِاعْتِزالِ بِهَذِهِ الآيَةِ ووَجْهُهُ ظاهِرٌ.
ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ القُرْآنَ ما هو، فَقالَ: ﴿إنْ هو إلّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ أيْ هو بَيانٌ وهِدايَةٌ لِلْخَلْقِ أجْمَعِينَ.
التكوير 81:18
صفحة ٦٦
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالخُنَّسِ﴾ ﴿الجَوارِي الكُنَّسِ﴾ الكَلامُ في قَوْلِهِ: (لا أُقْسِمُ) قَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ [القيامة: ١]، ﴿بِالخُنَّسِ﴾ ﴿الجَوارِي الكُنَّسِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: وهو المَشْهُورُ، الظّاهِرَةُ أنَّها النُّجُومُ الخُنَّسُ جَمْعُ خانِسٍ، والخُنُوسُ والِانْقِباضُ والِاسْتِخْفاءُ، تَقُولُ: خَنَسَ مِن بَيْنِ القَوْمِ وانْخَنَسَ، وفي الحَدِيثِ «”الشَّيْطانُ يُوَسْوِسُ إلى العَبْدِ فَإذا ذَكَرَ اللَّهَ خَنَسَ“» أيِ انْقَبَضَ ولِذَلِكَ سُمِّيَ الخَنّاسَ و(الكُنَّسِ) جَمْعُ كانِسٍ وكانِسَةٍ، يُقالُ: كَنَسَ إذا دَخَلَ الكِناسَ وهو مَقَرُّ الوَحْشِ يُقالُ كَنَسَ الظِّباءُ في كُنُسِها، وتَكَنَّسَتِ المَرْأةُ إذا دَخَلَتْ هَوْدَجَها تَشَبَّهُ بِالظَّبْيِ إذا دَخَلَ الكِناسُ.
ثُمَّ اخْتَلَفُوا في خُنُوسِ النُّجُومِ وكُنُوسِها عَلى ثَلاثَةِ أوْجُهٍ.
فالقَوْلُ الأظْهَرُ: أنَّ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى رُجُوعِ الكَواكِبِ الخَمْسَةِ السَّيّارَةِ واسْتِقامَتِها، فَرُجُوعُها هو الخُنُوسُ، وكُنُوسُها اخْتِفاؤُها تَحْتَ ضَوْءِ الشَّمْسِ، ولا شَكَّ أنَّ هَذِهِ حالَةٌ عَجِيبَةٌ وفِيها أسْرارٌ عَظِيمَةٌ باهِرَةٌ.
القَوْلُ الثّانِي: ما رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ وعَطاءٍ ومُقاتِلٍ وقَتادَةَ أنَّها هي جَمِيعُ الكَواكِبِ، وخُنُوسُها عِبارَةٌ عَنْ غَيْبُوبَتِها عَنِ البَصَرِ في النَّهارِ، وكُنُوسُها عِبارَةٌ عَنْ ظُهُورِها لِلْبَصَرِ في اللَّيْلِ أيْ تَظْهَرُ في أماكِنِها كالوَحْشِ في كُنُسِها.
والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ السَّبْعَةَ السَّيّارَةَ تَخْتَلِفُ مَطالِعُها ومَغارِبُها عَلى ما قالَ تَعالى: ﴿بِرَبِّ المَشارِقِ والمَغارِبِ﴾ [المعارج: ٤٠] ولا شَكَّ أنَّ فِيها مَطْلَعًا واحِدًا ومَغْرِبًا واحِدًا هُما أقْرَبُ المَطالِعِ والمَغارِبِ إلى سَمْتِ رُءُوسِنا، ثُمَّ إنَّها تَأْخُذُ في التَّباعُدِ مِن ذَلِكَ المَطْلَعِ إلى سائِرِ المَطالِعِ طُولَ السَّنَةِ، ثُمَّ تَرْجِعُ إلَيْهِ فَخُنُوسُها عِبارَةٌ عَنْ تَباعُدِها عَنْ ذَلِكَ المَطْلَعِ، وكُنُوسُها عِبارَةٌ عَنْ عَوْدِها إلَيْهِ، فَهَذا مُحْتَمَلٌ فَعَلى القَوْلِ الأوَّلِ يَكُونُ القَسَمُ واقِعًا بِالخَمْسَةِ المُتَحَيِّرَةِ، وعَلى القَوْلِ الثّانِي يَكُونُ القَسَمُ واقِعًا بِجَمِيعِ الكَواكِبِ وعَلى هَذا الِاحْتِمالِ الَّذِي ذَكَرْتُهُ يَكُونُ القَسَمُ واقِعًا بِالسَّبْعَةِ السَّيّارَةِ، واللَّهُ أعْلَمُ بِمُرادِهِ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ ﴿بِالخُنَّسِ﴾ ﴿الجَوارِي الكُنَّسِ﴾ وهو قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ والنَّخَعِيِّ أنَّها بَقَرُ الوَحْشِ، وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هي الظِّباءُ، وعَلى هَذا الخَنَسُ مِنَ الخَنَسِ في الأنْفِ وهو تَقْعِيرٌ في الأنْفِ فَإنَّ البَقَرَ والظِّباءَ أُنُوفُها عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ (الكُنَّسِ) جَمْعُ كانِسٍ وهي الَّتِي تَدْخُلُ الكِناسَ والقَوْلُ هو الأوَّلُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أمْرانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ قالَ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿واللَّيْلِ إذا عَسْعَسَ﴾ وهَذا بِالنُّجُومِ ألْيَقُ مِنهُ بِبَقَرِ الوَحْشِ.
الثّانِي: أنَّ مَحَلَّ قَسَمِ اللَّهِ كُلَّما كانَ أعْظَمَ وأعْلى رُتْبَةً كانَ أوْلى، ولا شَكَّ أنَّ الكَواكِبَ أعْلى رُتْبَةً مِن بَقَرِ الوَحْشِ.
الثّالِثُ: أنْ (الخُنَّسِ) جَمْعُ خانِسٍ مِنَ الخُنُوسِ، وأمّا جَمْعُ خَنْساءَ وأخْنَسَ مِنَ الخَنَسِ خُنْسَ بِالسُّكُونِ والتَّخْفِيفِ، ولا يُقالُ: الخُنَّسُ فِيهِ بِالتَّشْدِيدِ إلّا أنْ يَجْعَلَ الخُنَّسَ في الوَحْشِيَّةِ أيْضًا مِنَ الخُنُوسِ وهو اخْتِفاؤُها في الكِناسِ إذا غابَتْ عَنِ الأعْيُنِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّيْلِ إذا عَسْعَسَ﴾ ذَكَرَ أهْلُ اللُّغَةِ أنَّ عَسْعَسَ مِنَ الأضْدادِ، يُقالُ: عَسْعَسَ اللَّيْلُ إذا أقْبَلَ، وعَسْعَسَ إذا أدْبَرَ، وأنْشَدُوا في وُرُودِها بِمَعْنى أدْبَرَ قَوْلَ العَجّاجِ:
حَتّى إذا الصُّبْحُ لَها تَنَفَّسا وانْجابَ عَنْها لَيْلُها وعَسْعَسا
وأنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ في مَعْنى أقْبَلَ:
صفحة ٦٧
مُدَرَّجاتُ اللَّيْلِ لَمّا عَسْعَسا
ثُمَّ مِنهم مَن قالَ: المُرادُ هاهُنا أقْبَلَ اللَّيْلُ، لِأنَّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ القَسَمُ واقِعًا بِإقْبالِ اللَّيْلِ وهو قَوْلُهُ: (إذا عَسْعَسَ) وبِإدْبارِهِ أيْضًا وهو قَوْلُهُ: ﴿والصُّبْحِ إذا تَنَفَّسَ﴾ ومِنهم مَن قالَ: بَلِ المُرادُ ”أدْبَرَ“ وقَوْلُهُ: ﴿والصُّبْحِ إذا تَنَفَّسَ﴾ أيِ امْتَدَّ ضَوْءُهُ وتَكامَلَ فَقَوْلُهُ: ﴿واللَّيْلِ إذا عَسْعَسَ﴾ إشارَةٌ إلى أوَّلِ طُلُوعِ الصُّبْحِ، وهو مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿واللَّيْلِ إذْ أدْبَرَ﴾ ﴿والصُّبْحِ إذا أسْفَرَ﴾، وقَوْلُهُ: ﴿والصُّبْحِ إذا تَنَفَّسَ﴾ إشارَةٌ إلى تَكامُلِ طُلُوعِ الصُّبْحِ فَلا يَكُونُ فِيهِ تَكْرارٌ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والصُّبْحِ إذا تَنَفَّسَ﴾ أيْ إذا أسْفَرَ كَقَوْلِهِ: ﴿والصُّبْحِ إذا أسْفَرَ﴾ ثُمَّ في كَيْفِيَّةِ المَجازِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ إذا أقْبَلَ الصُّبْحُ أقْبَلَ بِإقْبالِهِ رَوْحٌ ونَسِيمٌ، فَجَعَلَ ذَلِكَ نَفَسًا لَهُ عَلى المَجازِ، وقِيلَ تَنَفَّسَ الصُّبْحُ.
والثّانِي: أنَّهُ شَبَّهَ اللَّيْلَ المُظْلِمَ بِالمَكْرُوبِ المَحْزُونِ الَّذِي جَلَسَ بِحَيْثُ لا يَتَحَرَّكُ، واجْتَمَعَ الحُزْنُ في قَلْبِهِ، فَإذا تَنَفَّسَ وجَدَ راحَةً. فَهاهُنا لَمّا طَلَعَ الصُّبْحُ فَكَأنَّهُ تَخَلَّصَ مِن ذَلِكَ الحُزْنِ فَعَبَّرَ عَنْهُ بِالتَّنَفُّسِ وهو اسْتِعارَةٌ لَطِيفَةٌ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ المُقْسَمَ بِهِ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ المُقْسَمِ عَلَيْهِ فَقالَ: ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: وهو المَشْهُورُ أنَّ المُرادَ أنَّ القُرْآنَ نَزَلَ بِهِ جِبْرِيلُ.
فَإنْ قِيلَ: هاهُنا إشْكالٌ قَوِيٌّ وهو أنَّهُ حَلَفَ أنَّهُ قَوْلُ جِبْرِيلَ، فَوَجَبَ عَلَيْنا أنْ نُصَدِّقَهُ في ذَلِكَ، فَإنْ لَمْ نَقْطَعْ بِوُجُوبِ حَمْلِ اللَّفْظِ عَلى الظّاهِرِ، فَلا أقَلَّ مِنَ الِاحْتِمالِ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ ثَبَتَ أنَّ هَذا القُرْآنَ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ كَلامَ جِبْرِيلَ لا كَلامَ اللَّهِ، وبِتَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ كَلامَ جِبْرِيلَ يَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ مُعْجِزًا، لِاحْتِمالِ أنَّ جِبْرِيلَ ألْقاهُ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ عَلى سَبِيلِ الإضْلالِ، ولا يُمْكِنُ أنْ يُجابَ عَنْهُ بِأنَّ جِبْرِيلَ مَعْصُومٌ لا يَفْعَلُ الإضْلالَ، لِأنَّ العِلْمَ بِعِصْمَةِ جِبْرِيلَ مُسْتَفادٌ مِن صِدْقِ النَّبِيِّ، وصِدْقَ النَّبِيِّ مُفَرَّعٌ عَلى كَوْنِ القُرْآنِ مُعْجِزًا، وكَوْنَ القُرْآنِ مُعْجِزًا يَتَفَرَّعُ عَلى عِصْمَةِجِبْرِيلَ، فَيَلْزَمُ الدَّوْرُ وهو مُحالٌ. والجَوابُ: الَّذِينَ قالُوا: بِأنَّ القُرْآنَ إنَّما كانَ مُعْجِزًا لِلصِّرْفَةِ، إنَّما ذَهَبُوا إلى ذَلِكَ المَذْهَبِ فِرارًا مِن هَذا السُّؤالِ؛ لِأنَّ الإعْجازَ عَلى ذَلِكَ القَوْلِ لَيْسَ في الفَصاحَةِ، بَلْ في سَلْبِ تِلْكَ العُلُومِ والدَّواعِي عَنِ القُلُوبِ، وذَلِكَ مِمّا لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ أحَدٌ إلّا اللَّهَ تَعالى.
القَوْلُ الثّانِي: أنَّ هَذا الَّذِي أخْبَرَكم بِهِ مُحَمَّدٌ مِن أمْرِ السّاعَةِ عَلى ما ذُكِرَ في هَذِهِ السُّورَةِ لَيْسَ بِكَهانَةٍ ولا ظَنٍّ ولا افْتِعالٍ، إنَّما هو قَوْلُ جِبْرِيلَ أتاهُ بِهِ وحْيًا مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى وصَفَ جِبْرِيلَ هاهُنا بِصِفاتٍ سِتٍّ.
أوَّلُها: أنَّهُ رَسُولٌ ولا شَكَّ أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ إلى الأنْبِياءِ فَهو رَسُولٌ وجَمِيعُ الأنْبِياءِ أُمَّتُهُ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿يُنَزِّلُ المَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِن أمْرِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ [النحل: ٢] وقالَ: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ ﴿عَلى قَلْبِكَ﴾ [الشعراء: ١٩٣] .
وثانِيها: أنَّهُ كَرِيمٌ، ومِن كَرَمِهِ أنَّهُ يُعْطِي أفْضَلَ العَطايا، وهو المَعْرِفَةُ والهِدايَةُ والإرْشادُ.
صفحة ٦٨
وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿ذِي قُوَّةٍ﴾ ثُمَّ مِنهم مَن حَمَلَهُ عَلى الشِّدَّةِ، رُوِيَ «أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - قالَ لِجِبْرِيلَ: ”ذَكَرَ اللَّهُ قُوَّتَكَ، فَماذا بَلَغْتَ ؟ قالَ رَفَعْتُ قُرَيّاتِ قَوْمِ لُوطٍ الأرْبَعَ عَلى قَوادِمِ جَناحِي حَتّى إذا سَمِعَ أهْلُ السَّماءِ نُباحَ الكِلابِ وأصْواتَ الدَّجاجِ قَلَبْتُها“» وذَكَرَ مُقاتِلٌ أنَّ شَيْطانًا يُقالُ لَهُ الأبْيَضُ صاحِبُ الأنْبِياءِ قَصَدَ أنْ يَفْتِنَ النَّبِيَّ ﷺ فَدَفَعَهُ جِبْرِيلُ دَفْعَةً رَقِيقَةً وقَعَ بِها مِن مَكَّةَ إلى أقْصى الهِنْدِ، ومِنهم مَن حَمَلَهُ عَلى القُوَّةِ في أداءِ طاعَةِ اللَّهِ وتَرْكِ الإخْلالِ بِها مِن أوَّلِ الخَلْقِ إلى آخِرِ زَمانِ التَّكْلِيفِ، وعَلى القُوَّةِ في مَعْرِفَةِ اللَّهِ وفي مُطالَعَةِ جَلالِ اللَّهِ.
ورابِعُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عِنْدَ ذِي العَرْشِ مَكِينٍ﴾ وهَذِهِ العِنْدِيَّةُ لَيْسَتْ عِنْدِيَّةَ المَكانِ، مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿ومَن عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأنبياء: ١٩] ولَيْسَتْ عِنْدِيَّةُ الجِهَةِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ «”أنا عِنْدَ المُنْكَسِرَةِ قُلُوبُهم“» بَلْ عِنْدِيَّةُ الإكْرامِ والتَّشْرِيفِ والتَّعْظِيمِ. وأمّا (مَكِينٌ) فَقالَ الكِسائِيُّ: يُقالُ قَدْ مَكُنَ فُلانٌ عِنْدَ فُلانٍ بِضَمِّ الكافِ مَكْنًا ومَكانَةً، فَعَلى هَذا المَكِينُ هو ذُو الجاهِ الَّذِي يُعْطِي ما يُسْألُ.
وخامِسُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُطاعٍ ثَمَّ﴾ اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: (ثَّمَ) إشارَةٌ إلى الظَّرْفِ المَذْكُورِ، أعْنِي ﴿عِنْدَ ذِي العَرْشِ﴾ والمَعْنى أنَّهُ عِنْدَ اللَّهِ مُطاعٌ في مَلائِكَتِهِ المُقَرَّبِينَ يُصْدِرُونَ عَنْ أمْرِهِ ويَرْجِعُونَ إلى رَأْيِهِ، وقُرِئَ ”ثُمَّ“ تَعْظِيمًا لِلْأمانَةِ وبَيانًا لِأنَّها أفْضَلُ صِفاتِهِ المَعْدُودَةِ.
وسادِسُها: قَوْلُهُ: ﴿أمِينٍ﴾ أيْ هو أمِينٌ عَلى وحْيِ اللَّهِ ورِسالاتِهِ، قَدْ عَصَمَهُ اللَّهُ مِنَ الخِيانَةِ والزَّلَلِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما صاحِبُكم بِمَجْنُونٍ﴾ واحْتَجَّ بِهَذِهِ الآيَةِ مَن فَضَّلَ جِبْرِيلَ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ فَقالَ: إنَّكَ إذا وازَنْتَ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي العَرْشِ مَكِينٍ﴾ ﴿مُطاعٍ ثَمَّ أمِينٍ﴾ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿وما صاحِبُكم بِمَجْنُونٍ﴾ ظَهَرَ التَّفاوُتُ العَظِيمُ: ﴿ولَقَدْ رَآهُ بِالأُفُقِ المُبِينِ﴾ يَعْنِي حَيْثُ تَطْلُعُ الشَّمْسُ في قَوْلِ الجَمِيعِ، وهَذا مُفَسَّرٌ في سُورَةِ النَّجْمِ ﴿وما هو عَلى الغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ أيْ وما مُحَمَّدٌ عَلى الغَيْبِ بِظَنِينٍ والغَيْبُ هاهُنا القُرْآنُ وما فِيهِ مِنَ الأنْباءِ والقَصَصِ والظَّنِينُ المُتَّهَمُ يُقالُ: ظَنَنْتُ زَيْدًا في مَعْنى اتَّهَمْتُهُ، ولَيْسَ مِنَ الظَّنِّ الَّذِي يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، والمَعْنى ما مُحَمَّدٌ عَلى القُرْآنِ بِمُتَّهَمٍ أيْ هو ثِقَةٌ فِيما يُؤَدِّي عَنِ اللَّهِ، ومَن قَرَأ بِالضّادِ فَهو مِنَ البُخْلِ يُقالُ ضَنَنْتُ بِهِ أضِنُّ أيْ بَخِلْتُ، والمَعْنى لَيْسَ بِبَخِيلٍ فِيما أنْزَلَ اللَّهُ، قالَ الفَرّاءُ: يَأْتِيهِ غَيْبُ السَّماءِ، وهو شَيْءٌ نَفِيسٌ فَلا يَبْخَلُ بِهِ عَلَيْكم، وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: المَعْنى أنَّهُ يُخْبَرُ بِالغَيْبِ فَيُبَيِّنُهُ ولا يَكْتُمُهُ كَما يَكْتُمُ الكاهِنُ ذَلِكَ ويَمْتَنِعُ مِن إعْلامِهِ حَتّى يَأْخُذَ عَلَيْهِ حُلْوانًا، واخْتارَ أبُو عُبَيْدَةَ القِراءَةَ الأُولى لِوَجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ الكُفّارَ لَمْ يُبَخِّلُوهُ، وإنَّما اتَّهَمُوهُ فَنَفْيُ التُّهْمَةِ أوْلى مِن نَفْيِ البُخْلِ.
وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿عَلى الغَيْبِ﴾ ولَوْ كانَ المُرادُ البُخْلَ لَقالَ بِالغَيْبِ لِأنَّهُ يُقالُ: فُلانٌ ضَنِينٌ بِكَذا وقَلَّما يُقالُ عَلى كَذا.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما هو بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ﴾ كانَ أهْلُ مَكَّةَ يَقُولُونَ: إنَّ هَذا القُرْآنَ يَجِيءُ بِهِ شَيْطانٌ فَيُلْقِيهِ عَلى لِسانِهِ، فَنَفى اللَّهُ ذَلِكَ، فَإنْ قِيلَ القَوْلُ بِصِحَّةِ النُّبُوَّةِ مَوْقُوفٌ عَلى نَفْيِ هَذا الِاحْتِمالِ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ نَفْيُ هَذا الِاحْتِمالِ بِالدَّلِيلِ السَّمْعِيِّ ؟ قُلْنا: بَيَّنّا أنَّ عَلى القَوْلِ بِالصِّرْفَةِ لا تَتَوَقَّفُ صِحَّةُ النُّبُوَّةِ عَلى نَفْيِ هَذا الِاحْتِمالِ، فَلا جَرَمَ يُمْكِنُ نَفْيُ هَذا الِاحْتِمالِ بِالدَّلِيلِ السَّمْعِيِّ.
صفحة ٦٩
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَأيْنَ تَذْهَبُونَ﴾ وهَذا اسْتِضْلالٌ لَهم يُقالُ لِتارِكِ الجادَّةِ اعْتِسافًا: أيْنَ تَذْهَبُ ؟ مُثِّلَتْ حالُهم بِحالِهِ في تَرْكِهِمُ الحَقَّ وعُدُولِهِمْ عَنْهُ إلى الباطِلِ، والمَعْنى أيُّ طَرِيقٍ تَسْلُكُونَ أبَيْنُ مِن هَذِهِ الطَّرِيقَةِ الَّتِي قَدْ بَيَّنْتُ لَكم، قالَ الفَرّاءُ: العَرَبُ تَقُولُ إلى أيْنَ تَذْهَبُ وأيْنَ تَذْهَبُ، وتَقُولُ ذَهَبْتُ الشّامَ وانْطَلَقْتُ السُّوقَ، واحْتَجَّ أهْلُ الِاعْتِزالِ بِهَذِهِ الآيَةِ ووَجْهُهُ ظاهِرٌ.
ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ القُرْآنَ ما هو، فَقالَ: ﴿إنْ هو إلّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ أيْ هو بَيانٌ وهِدايَةٌ لِلْخَلْقِ أجْمَعِينَ.
التكوير 81:19
صفحة ٦٦
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالخُنَّسِ﴾ ﴿الجَوارِي الكُنَّسِ﴾ الكَلامُ في قَوْلِهِ: (لا أُقْسِمُ) قَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ [القيامة: ١]، ﴿بِالخُنَّسِ﴾ ﴿الجَوارِي الكُنَّسِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: وهو المَشْهُورُ، الظّاهِرَةُ أنَّها النُّجُومُ الخُنَّسُ جَمْعُ خانِسٍ، والخُنُوسُ والِانْقِباضُ والِاسْتِخْفاءُ، تَقُولُ: خَنَسَ مِن بَيْنِ القَوْمِ وانْخَنَسَ، وفي الحَدِيثِ «”الشَّيْطانُ يُوَسْوِسُ إلى العَبْدِ فَإذا ذَكَرَ اللَّهَ خَنَسَ“» أيِ انْقَبَضَ ولِذَلِكَ سُمِّيَ الخَنّاسَ و(الكُنَّسِ) جَمْعُ كانِسٍ وكانِسَةٍ، يُقالُ: كَنَسَ إذا دَخَلَ الكِناسَ وهو مَقَرُّ الوَحْشِ يُقالُ كَنَسَ الظِّباءُ في كُنُسِها، وتَكَنَّسَتِ المَرْأةُ إذا دَخَلَتْ هَوْدَجَها تَشَبَّهُ بِالظَّبْيِ إذا دَخَلَ الكِناسُ.
ثُمَّ اخْتَلَفُوا في خُنُوسِ النُّجُومِ وكُنُوسِها عَلى ثَلاثَةِ أوْجُهٍ.
فالقَوْلُ الأظْهَرُ: أنَّ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى رُجُوعِ الكَواكِبِ الخَمْسَةِ السَّيّارَةِ واسْتِقامَتِها، فَرُجُوعُها هو الخُنُوسُ، وكُنُوسُها اخْتِفاؤُها تَحْتَ ضَوْءِ الشَّمْسِ، ولا شَكَّ أنَّ هَذِهِ حالَةٌ عَجِيبَةٌ وفِيها أسْرارٌ عَظِيمَةٌ باهِرَةٌ.
القَوْلُ الثّانِي: ما رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ وعَطاءٍ ومُقاتِلٍ وقَتادَةَ أنَّها هي جَمِيعُ الكَواكِبِ، وخُنُوسُها عِبارَةٌ عَنْ غَيْبُوبَتِها عَنِ البَصَرِ في النَّهارِ، وكُنُوسُها عِبارَةٌ عَنْ ظُهُورِها لِلْبَصَرِ في اللَّيْلِ أيْ تَظْهَرُ في أماكِنِها كالوَحْشِ في كُنُسِها.
والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ السَّبْعَةَ السَّيّارَةَ تَخْتَلِفُ مَطالِعُها ومَغارِبُها عَلى ما قالَ تَعالى: ﴿بِرَبِّ المَشارِقِ والمَغارِبِ﴾ [المعارج: ٤٠] ولا شَكَّ أنَّ فِيها مَطْلَعًا واحِدًا ومَغْرِبًا واحِدًا هُما أقْرَبُ المَطالِعِ والمَغارِبِ إلى سَمْتِ رُءُوسِنا، ثُمَّ إنَّها تَأْخُذُ في التَّباعُدِ مِن ذَلِكَ المَطْلَعِ إلى سائِرِ المَطالِعِ طُولَ السَّنَةِ، ثُمَّ تَرْجِعُ إلَيْهِ فَخُنُوسُها عِبارَةٌ عَنْ تَباعُدِها عَنْ ذَلِكَ المَطْلَعِ، وكُنُوسُها عِبارَةٌ عَنْ عَوْدِها إلَيْهِ، فَهَذا مُحْتَمَلٌ فَعَلى القَوْلِ الأوَّلِ يَكُونُ القَسَمُ واقِعًا بِالخَمْسَةِ المُتَحَيِّرَةِ، وعَلى القَوْلِ الثّانِي يَكُونُ القَسَمُ واقِعًا بِجَمِيعِ الكَواكِبِ وعَلى هَذا الِاحْتِمالِ الَّذِي ذَكَرْتُهُ يَكُونُ القَسَمُ واقِعًا بِالسَّبْعَةِ السَّيّارَةِ، واللَّهُ أعْلَمُ بِمُرادِهِ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ ﴿بِالخُنَّسِ﴾ ﴿الجَوارِي الكُنَّسِ﴾ وهو قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ والنَّخَعِيِّ أنَّها بَقَرُ الوَحْشِ، وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هي الظِّباءُ، وعَلى هَذا الخَنَسُ مِنَ الخَنَسِ في الأنْفِ وهو تَقْعِيرٌ في الأنْفِ فَإنَّ البَقَرَ والظِّباءَ أُنُوفُها عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ (الكُنَّسِ) جَمْعُ كانِسٍ وهي الَّتِي تَدْخُلُ الكِناسَ والقَوْلُ هو الأوَّلُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أمْرانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ قالَ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿واللَّيْلِ إذا عَسْعَسَ﴾ وهَذا بِالنُّجُومِ ألْيَقُ مِنهُ بِبَقَرِ الوَحْشِ.
الثّانِي: أنَّ مَحَلَّ قَسَمِ اللَّهِ كُلَّما كانَ أعْظَمَ وأعْلى رُتْبَةً كانَ أوْلى، ولا شَكَّ أنَّ الكَواكِبَ أعْلى رُتْبَةً مِن بَقَرِ الوَحْشِ.
الثّالِثُ: أنْ (الخُنَّسِ) جَمْعُ خانِسٍ مِنَ الخُنُوسِ، وأمّا جَمْعُ خَنْساءَ وأخْنَسَ مِنَ الخَنَسِ خُنْسَ بِالسُّكُونِ والتَّخْفِيفِ، ولا يُقالُ: الخُنَّسُ فِيهِ بِالتَّشْدِيدِ إلّا أنْ يَجْعَلَ الخُنَّسَ في الوَحْشِيَّةِ أيْضًا مِنَ الخُنُوسِ وهو اخْتِفاؤُها في الكِناسِ إذا غابَتْ عَنِ الأعْيُنِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّيْلِ إذا عَسْعَسَ﴾ ذَكَرَ أهْلُ اللُّغَةِ أنَّ عَسْعَسَ مِنَ الأضْدادِ، يُقالُ: عَسْعَسَ اللَّيْلُ إذا أقْبَلَ، وعَسْعَسَ إذا أدْبَرَ، وأنْشَدُوا في وُرُودِها بِمَعْنى أدْبَرَ قَوْلَ العَجّاجِ:
حَتّى إذا الصُّبْحُ لَها تَنَفَّسا وانْجابَ عَنْها لَيْلُها وعَسْعَسا
وأنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ في مَعْنى أقْبَلَ:
صفحة ٦٧
مُدَرَّجاتُ اللَّيْلِ لَمّا عَسْعَسا
ثُمَّ مِنهم مَن قالَ: المُرادُ هاهُنا أقْبَلَ اللَّيْلُ، لِأنَّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ القَسَمُ واقِعًا بِإقْبالِ اللَّيْلِ وهو قَوْلُهُ: (إذا عَسْعَسَ) وبِإدْبارِهِ أيْضًا وهو قَوْلُهُ: ﴿والصُّبْحِ إذا تَنَفَّسَ﴾ ومِنهم مَن قالَ: بَلِ المُرادُ ”أدْبَرَ“ وقَوْلُهُ: ﴿والصُّبْحِ إذا تَنَفَّسَ﴾ أيِ امْتَدَّ ضَوْءُهُ وتَكامَلَ فَقَوْلُهُ: ﴿واللَّيْلِ إذا عَسْعَسَ﴾ إشارَةٌ إلى أوَّلِ طُلُوعِ الصُّبْحِ، وهو مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿واللَّيْلِ إذْ أدْبَرَ﴾ ﴿والصُّبْحِ إذا أسْفَرَ﴾، وقَوْلُهُ: ﴿والصُّبْحِ إذا تَنَفَّسَ﴾ إشارَةٌ إلى تَكامُلِ طُلُوعِ الصُّبْحِ فَلا يَكُونُ فِيهِ تَكْرارٌ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والصُّبْحِ إذا تَنَفَّسَ﴾ أيْ إذا أسْفَرَ كَقَوْلِهِ: ﴿والصُّبْحِ إذا أسْفَرَ﴾ ثُمَّ في كَيْفِيَّةِ المَجازِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ إذا أقْبَلَ الصُّبْحُ أقْبَلَ بِإقْبالِهِ رَوْحٌ ونَسِيمٌ، فَجَعَلَ ذَلِكَ نَفَسًا لَهُ عَلى المَجازِ، وقِيلَ تَنَفَّسَ الصُّبْحُ.
والثّانِي: أنَّهُ شَبَّهَ اللَّيْلَ المُظْلِمَ بِالمَكْرُوبِ المَحْزُونِ الَّذِي جَلَسَ بِحَيْثُ لا يَتَحَرَّكُ، واجْتَمَعَ الحُزْنُ في قَلْبِهِ، فَإذا تَنَفَّسَ وجَدَ راحَةً. فَهاهُنا لَمّا طَلَعَ الصُّبْحُ فَكَأنَّهُ تَخَلَّصَ مِن ذَلِكَ الحُزْنِ فَعَبَّرَ عَنْهُ بِالتَّنَفُّسِ وهو اسْتِعارَةٌ لَطِيفَةٌ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ المُقْسَمَ بِهِ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ المُقْسَمِ عَلَيْهِ فَقالَ: ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: وهو المَشْهُورُ أنَّ المُرادَ أنَّ القُرْآنَ نَزَلَ بِهِ جِبْرِيلُ.
فَإنْ قِيلَ: هاهُنا إشْكالٌ قَوِيٌّ وهو أنَّهُ حَلَفَ أنَّهُ قَوْلُ جِبْرِيلَ، فَوَجَبَ عَلَيْنا أنْ نُصَدِّقَهُ في ذَلِكَ، فَإنْ لَمْ نَقْطَعْ بِوُجُوبِ حَمْلِ اللَّفْظِ عَلى الظّاهِرِ، فَلا أقَلَّ مِنَ الِاحْتِمالِ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ ثَبَتَ أنَّ هَذا القُرْآنَ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ كَلامَ جِبْرِيلَ لا كَلامَ اللَّهِ، وبِتَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ كَلامَ جِبْرِيلَ يَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ مُعْجِزًا، لِاحْتِمالِ أنَّ جِبْرِيلَ ألْقاهُ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ عَلى سَبِيلِ الإضْلالِ، ولا يُمْكِنُ أنْ يُجابَ عَنْهُ بِأنَّ جِبْرِيلَ مَعْصُومٌ لا يَفْعَلُ الإضْلالَ، لِأنَّ العِلْمَ بِعِصْمَةِ جِبْرِيلَ مُسْتَفادٌ مِن صِدْقِ النَّبِيِّ، وصِدْقَ النَّبِيِّ مُفَرَّعٌ عَلى كَوْنِ القُرْآنِ مُعْجِزًا، وكَوْنَ القُرْآنِ مُعْجِزًا يَتَفَرَّعُ عَلى عِصْمَةِجِبْرِيلَ، فَيَلْزَمُ الدَّوْرُ وهو مُحالٌ. والجَوابُ: الَّذِينَ قالُوا: بِأنَّ القُرْآنَ إنَّما كانَ مُعْجِزًا لِلصِّرْفَةِ، إنَّما ذَهَبُوا إلى ذَلِكَ المَذْهَبِ فِرارًا مِن هَذا السُّؤالِ؛ لِأنَّ الإعْجازَ عَلى ذَلِكَ القَوْلِ لَيْسَ في الفَصاحَةِ، بَلْ في سَلْبِ تِلْكَ العُلُومِ والدَّواعِي عَنِ القُلُوبِ، وذَلِكَ مِمّا لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ أحَدٌ إلّا اللَّهَ تَعالى.
القَوْلُ الثّانِي: أنَّ هَذا الَّذِي أخْبَرَكم بِهِ مُحَمَّدٌ مِن أمْرِ السّاعَةِ عَلى ما ذُكِرَ في هَذِهِ السُّورَةِ لَيْسَ بِكَهانَةٍ ولا ظَنٍّ ولا افْتِعالٍ، إنَّما هو قَوْلُ جِبْرِيلَ أتاهُ بِهِ وحْيًا مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى وصَفَ جِبْرِيلَ هاهُنا بِصِفاتٍ سِتٍّ.
أوَّلُها: أنَّهُ رَسُولٌ ولا شَكَّ أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ إلى الأنْبِياءِ فَهو رَسُولٌ وجَمِيعُ الأنْبِياءِ أُمَّتُهُ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿يُنَزِّلُ المَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِن أمْرِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ [النحل: ٢] وقالَ: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ ﴿عَلى قَلْبِكَ﴾ [الشعراء: ١٩٣] .
وثانِيها: أنَّهُ كَرِيمٌ، ومِن كَرَمِهِ أنَّهُ يُعْطِي أفْضَلَ العَطايا، وهو المَعْرِفَةُ والهِدايَةُ والإرْشادُ.
صفحة ٦٨
وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿ذِي قُوَّةٍ﴾ ثُمَّ مِنهم مَن حَمَلَهُ عَلى الشِّدَّةِ، رُوِيَ «أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - قالَ لِجِبْرِيلَ: ”ذَكَرَ اللَّهُ قُوَّتَكَ، فَماذا بَلَغْتَ ؟ قالَ رَفَعْتُ قُرَيّاتِ قَوْمِ لُوطٍ الأرْبَعَ عَلى قَوادِمِ جَناحِي حَتّى إذا سَمِعَ أهْلُ السَّماءِ نُباحَ الكِلابِ وأصْواتَ الدَّجاجِ قَلَبْتُها“» وذَكَرَ مُقاتِلٌ أنَّ شَيْطانًا يُقالُ لَهُ الأبْيَضُ صاحِبُ الأنْبِياءِ قَصَدَ أنْ يَفْتِنَ النَّبِيَّ ﷺ فَدَفَعَهُ جِبْرِيلُ دَفْعَةً رَقِيقَةً وقَعَ بِها مِن مَكَّةَ إلى أقْصى الهِنْدِ، ومِنهم مَن حَمَلَهُ عَلى القُوَّةِ في أداءِ طاعَةِ اللَّهِ وتَرْكِ الإخْلالِ بِها مِن أوَّلِ الخَلْقِ إلى آخِرِ زَمانِ التَّكْلِيفِ، وعَلى القُوَّةِ في مَعْرِفَةِ اللَّهِ وفي مُطالَعَةِ جَلالِ اللَّهِ.
ورابِعُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عِنْدَ ذِي العَرْشِ مَكِينٍ﴾ وهَذِهِ العِنْدِيَّةُ لَيْسَتْ عِنْدِيَّةَ المَكانِ، مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿ومَن عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأنبياء: ١٩] ولَيْسَتْ عِنْدِيَّةُ الجِهَةِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ «”أنا عِنْدَ المُنْكَسِرَةِ قُلُوبُهم“» بَلْ عِنْدِيَّةُ الإكْرامِ والتَّشْرِيفِ والتَّعْظِيمِ. وأمّا (مَكِينٌ) فَقالَ الكِسائِيُّ: يُقالُ قَدْ مَكُنَ فُلانٌ عِنْدَ فُلانٍ بِضَمِّ الكافِ مَكْنًا ومَكانَةً، فَعَلى هَذا المَكِينُ هو ذُو الجاهِ الَّذِي يُعْطِي ما يُسْألُ.
وخامِسُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُطاعٍ ثَمَّ﴾ اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: (ثَّمَ) إشارَةٌ إلى الظَّرْفِ المَذْكُورِ، أعْنِي ﴿عِنْدَ ذِي العَرْشِ﴾ والمَعْنى أنَّهُ عِنْدَ اللَّهِ مُطاعٌ في مَلائِكَتِهِ المُقَرَّبِينَ يُصْدِرُونَ عَنْ أمْرِهِ ويَرْجِعُونَ إلى رَأْيِهِ، وقُرِئَ ”ثُمَّ“ تَعْظِيمًا لِلْأمانَةِ وبَيانًا لِأنَّها أفْضَلُ صِفاتِهِ المَعْدُودَةِ.
وسادِسُها: قَوْلُهُ: ﴿أمِينٍ﴾ أيْ هو أمِينٌ عَلى وحْيِ اللَّهِ ورِسالاتِهِ، قَدْ عَصَمَهُ اللَّهُ مِنَ الخِيانَةِ والزَّلَلِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما صاحِبُكم بِمَجْنُونٍ﴾ واحْتَجَّ بِهَذِهِ الآيَةِ مَن فَضَّلَ جِبْرِيلَ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ فَقالَ: إنَّكَ إذا وازَنْتَ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي العَرْشِ مَكِينٍ﴾ ﴿مُطاعٍ ثَمَّ أمِينٍ﴾ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿وما صاحِبُكم بِمَجْنُونٍ﴾ ظَهَرَ التَّفاوُتُ العَظِيمُ: ﴿ولَقَدْ رَآهُ بِالأُفُقِ المُبِينِ﴾ يَعْنِي حَيْثُ تَطْلُعُ الشَّمْسُ في قَوْلِ الجَمِيعِ، وهَذا مُفَسَّرٌ في سُورَةِ النَّجْمِ ﴿وما هو عَلى الغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ أيْ وما مُحَمَّدٌ عَلى الغَيْبِ بِظَنِينٍ والغَيْبُ هاهُنا القُرْآنُ وما فِيهِ مِنَ الأنْباءِ والقَصَصِ والظَّنِينُ المُتَّهَمُ يُقالُ: ظَنَنْتُ زَيْدًا في مَعْنى اتَّهَمْتُهُ، ولَيْسَ مِنَ الظَّنِّ الَّذِي يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، والمَعْنى ما مُحَمَّدٌ عَلى القُرْآنِ بِمُتَّهَمٍ أيْ هو ثِقَةٌ فِيما يُؤَدِّي عَنِ اللَّهِ، ومَن قَرَأ بِالضّادِ فَهو مِنَ البُخْلِ يُقالُ ضَنَنْتُ بِهِ أضِنُّ أيْ بَخِلْتُ، والمَعْنى لَيْسَ بِبَخِيلٍ فِيما أنْزَلَ اللَّهُ، قالَ الفَرّاءُ: يَأْتِيهِ غَيْبُ السَّماءِ، وهو شَيْءٌ نَفِيسٌ فَلا يَبْخَلُ بِهِ عَلَيْكم، وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: المَعْنى أنَّهُ يُخْبَرُ بِالغَيْبِ فَيُبَيِّنُهُ ولا يَكْتُمُهُ كَما يَكْتُمُ الكاهِنُ ذَلِكَ ويَمْتَنِعُ مِن إعْلامِهِ حَتّى يَأْخُذَ عَلَيْهِ حُلْوانًا، واخْتارَ أبُو عُبَيْدَةَ القِراءَةَ الأُولى لِوَجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ الكُفّارَ لَمْ يُبَخِّلُوهُ، وإنَّما اتَّهَمُوهُ فَنَفْيُ التُّهْمَةِ أوْلى مِن نَفْيِ البُخْلِ.
وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿عَلى الغَيْبِ﴾ ولَوْ كانَ المُرادُ البُخْلَ لَقالَ بِالغَيْبِ لِأنَّهُ يُقالُ: فُلانٌ ضَنِينٌ بِكَذا وقَلَّما يُقالُ عَلى كَذا.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما هو بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ﴾ كانَ أهْلُ مَكَّةَ يَقُولُونَ: إنَّ هَذا القُرْآنَ يَجِيءُ بِهِ شَيْطانٌ فَيُلْقِيهِ عَلى لِسانِهِ، فَنَفى اللَّهُ ذَلِكَ، فَإنْ قِيلَ القَوْلُ بِصِحَّةِ النُّبُوَّةِ مَوْقُوفٌ عَلى نَفْيِ هَذا الِاحْتِمالِ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ نَفْيُ هَذا الِاحْتِمالِ بِالدَّلِيلِ السَّمْعِيِّ ؟ قُلْنا: بَيَّنّا أنَّ عَلى القَوْلِ بِالصِّرْفَةِ لا تَتَوَقَّفُ صِحَّةُ النُّبُوَّةِ عَلى نَفْيِ هَذا الِاحْتِمالِ، فَلا جَرَمَ يُمْكِنُ نَفْيُ هَذا الِاحْتِمالِ بِالدَّلِيلِ السَّمْعِيِّ.
صفحة ٦٩
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَأيْنَ تَذْهَبُونَ﴾ وهَذا اسْتِضْلالٌ لَهم يُقالُ لِتارِكِ الجادَّةِ اعْتِسافًا: أيْنَ تَذْهَبُ ؟ مُثِّلَتْ حالُهم بِحالِهِ في تَرْكِهِمُ الحَقَّ وعُدُولِهِمْ عَنْهُ إلى الباطِلِ، والمَعْنى أيُّ طَرِيقٍ تَسْلُكُونَ أبَيْنُ مِن هَذِهِ الطَّرِيقَةِ الَّتِي قَدْ بَيَّنْتُ لَكم، قالَ الفَرّاءُ: العَرَبُ تَقُولُ إلى أيْنَ تَذْهَبُ وأيْنَ تَذْهَبُ، وتَقُولُ ذَهَبْتُ الشّامَ وانْطَلَقْتُ السُّوقَ، واحْتَجَّ أهْلُ الِاعْتِزالِ بِهَذِهِ الآيَةِ ووَجْهُهُ ظاهِرٌ.
ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ القُرْآنَ ما هو، فَقالَ: ﴿إنْ هو إلّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ أيْ هو بَيانٌ وهِدايَةٌ لِلْخَلْقِ أجْمَعِينَ.
التكوير 81:20
صفحة ٦٦
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالخُنَّسِ﴾ ﴿الجَوارِي الكُنَّسِ﴾ الكَلامُ في قَوْلِهِ: (لا أُقْسِمُ) قَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ [القيامة: ١]، ﴿بِالخُنَّسِ﴾ ﴿الجَوارِي الكُنَّسِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: وهو المَشْهُورُ، الظّاهِرَةُ أنَّها النُّجُومُ الخُنَّسُ جَمْعُ خانِسٍ، والخُنُوسُ والِانْقِباضُ والِاسْتِخْفاءُ، تَقُولُ: خَنَسَ مِن بَيْنِ القَوْمِ وانْخَنَسَ، وفي الحَدِيثِ «”الشَّيْطانُ يُوَسْوِسُ إلى العَبْدِ فَإذا ذَكَرَ اللَّهَ خَنَسَ“» أيِ انْقَبَضَ ولِذَلِكَ سُمِّيَ الخَنّاسَ و(الكُنَّسِ) جَمْعُ كانِسٍ وكانِسَةٍ، يُقالُ: كَنَسَ إذا دَخَلَ الكِناسَ وهو مَقَرُّ الوَحْشِ يُقالُ كَنَسَ الظِّباءُ في كُنُسِها، وتَكَنَّسَتِ المَرْأةُ إذا دَخَلَتْ هَوْدَجَها تَشَبَّهُ بِالظَّبْيِ إذا دَخَلَ الكِناسُ.
ثُمَّ اخْتَلَفُوا في خُنُوسِ النُّجُومِ وكُنُوسِها عَلى ثَلاثَةِ أوْجُهٍ.
فالقَوْلُ الأظْهَرُ: أنَّ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى رُجُوعِ الكَواكِبِ الخَمْسَةِ السَّيّارَةِ واسْتِقامَتِها، فَرُجُوعُها هو الخُنُوسُ، وكُنُوسُها اخْتِفاؤُها تَحْتَ ضَوْءِ الشَّمْسِ، ولا شَكَّ أنَّ هَذِهِ حالَةٌ عَجِيبَةٌ وفِيها أسْرارٌ عَظِيمَةٌ باهِرَةٌ.
القَوْلُ الثّانِي: ما رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ وعَطاءٍ ومُقاتِلٍ وقَتادَةَ أنَّها هي جَمِيعُ الكَواكِبِ، وخُنُوسُها عِبارَةٌ عَنْ غَيْبُوبَتِها عَنِ البَصَرِ في النَّهارِ، وكُنُوسُها عِبارَةٌ عَنْ ظُهُورِها لِلْبَصَرِ في اللَّيْلِ أيْ تَظْهَرُ في أماكِنِها كالوَحْشِ في كُنُسِها.
والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ السَّبْعَةَ السَّيّارَةَ تَخْتَلِفُ مَطالِعُها ومَغارِبُها عَلى ما قالَ تَعالى: ﴿بِرَبِّ المَشارِقِ والمَغارِبِ﴾ [المعارج: ٤٠] ولا شَكَّ أنَّ فِيها مَطْلَعًا واحِدًا ومَغْرِبًا واحِدًا هُما أقْرَبُ المَطالِعِ والمَغارِبِ إلى سَمْتِ رُءُوسِنا، ثُمَّ إنَّها تَأْخُذُ في التَّباعُدِ مِن ذَلِكَ المَطْلَعِ إلى سائِرِ المَطالِعِ طُولَ السَّنَةِ، ثُمَّ تَرْجِعُ إلَيْهِ فَخُنُوسُها عِبارَةٌ عَنْ تَباعُدِها عَنْ ذَلِكَ المَطْلَعِ، وكُنُوسُها عِبارَةٌ عَنْ عَوْدِها إلَيْهِ، فَهَذا مُحْتَمَلٌ فَعَلى القَوْلِ الأوَّلِ يَكُونُ القَسَمُ واقِعًا بِالخَمْسَةِ المُتَحَيِّرَةِ، وعَلى القَوْلِ الثّانِي يَكُونُ القَسَمُ واقِعًا بِجَمِيعِ الكَواكِبِ وعَلى هَذا الِاحْتِمالِ الَّذِي ذَكَرْتُهُ يَكُونُ القَسَمُ واقِعًا بِالسَّبْعَةِ السَّيّارَةِ، واللَّهُ أعْلَمُ بِمُرادِهِ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ ﴿بِالخُنَّسِ﴾ ﴿الجَوارِي الكُنَّسِ﴾ وهو قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ والنَّخَعِيِّ أنَّها بَقَرُ الوَحْشِ، وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هي الظِّباءُ، وعَلى هَذا الخَنَسُ مِنَ الخَنَسِ في الأنْفِ وهو تَقْعِيرٌ في الأنْفِ فَإنَّ البَقَرَ والظِّباءَ أُنُوفُها عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ (الكُنَّسِ) جَمْعُ كانِسٍ وهي الَّتِي تَدْخُلُ الكِناسَ والقَوْلُ هو الأوَّلُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أمْرانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ قالَ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿واللَّيْلِ إذا عَسْعَسَ﴾ وهَذا بِالنُّجُومِ ألْيَقُ مِنهُ بِبَقَرِ الوَحْشِ.
الثّانِي: أنَّ مَحَلَّ قَسَمِ اللَّهِ كُلَّما كانَ أعْظَمَ وأعْلى رُتْبَةً كانَ أوْلى، ولا شَكَّ أنَّ الكَواكِبَ أعْلى رُتْبَةً مِن بَقَرِ الوَحْشِ.
الثّالِثُ: أنْ (الخُنَّسِ) جَمْعُ خانِسٍ مِنَ الخُنُوسِ، وأمّا جَمْعُ خَنْساءَ وأخْنَسَ مِنَ الخَنَسِ خُنْسَ بِالسُّكُونِ والتَّخْفِيفِ، ولا يُقالُ: الخُنَّسُ فِيهِ بِالتَّشْدِيدِ إلّا أنْ يَجْعَلَ الخُنَّسَ في الوَحْشِيَّةِ أيْضًا مِنَ الخُنُوسِ وهو اخْتِفاؤُها في الكِناسِ إذا غابَتْ عَنِ الأعْيُنِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّيْلِ إذا عَسْعَسَ﴾ ذَكَرَ أهْلُ اللُّغَةِ أنَّ عَسْعَسَ مِنَ الأضْدادِ، يُقالُ: عَسْعَسَ اللَّيْلُ إذا أقْبَلَ، وعَسْعَسَ إذا أدْبَرَ، وأنْشَدُوا في وُرُودِها بِمَعْنى أدْبَرَ قَوْلَ العَجّاجِ:
حَتّى إذا الصُّبْحُ لَها تَنَفَّسا وانْجابَ عَنْها لَيْلُها وعَسْعَسا
وأنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ في مَعْنى أقْبَلَ:
صفحة ٦٧
مُدَرَّجاتُ اللَّيْلِ لَمّا عَسْعَسا
ثُمَّ مِنهم مَن قالَ: المُرادُ هاهُنا أقْبَلَ اللَّيْلُ، لِأنَّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ القَسَمُ واقِعًا بِإقْبالِ اللَّيْلِ وهو قَوْلُهُ: (إذا عَسْعَسَ) وبِإدْبارِهِ أيْضًا وهو قَوْلُهُ: ﴿والصُّبْحِ إذا تَنَفَّسَ﴾ ومِنهم مَن قالَ: بَلِ المُرادُ ”أدْبَرَ“ وقَوْلُهُ: ﴿والصُّبْحِ إذا تَنَفَّسَ﴾ أيِ امْتَدَّ ضَوْءُهُ وتَكامَلَ فَقَوْلُهُ: ﴿واللَّيْلِ إذا عَسْعَسَ﴾ إشارَةٌ إلى أوَّلِ طُلُوعِ الصُّبْحِ، وهو مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿واللَّيْلِ إذْ أدْبَرَ﴾ ﴿والصُّبْحِ إذا أسْفَرَ﴾، وقَوْلُهُ: ﴿والصُّبْحِ إذا تَنَفَّسَ﴾ إشارَةٌ إلى تَكامُلِ طُلُوعِ الصُّبْحِ فَلا يَكُونُ فِيهِ تَكْرارٌ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والصُّبْحِ إذا تَنَفَّسَ﴾ أيْ إذا أسْفَرَ كَقَوْلِهِ: ﴿والصُّبْحِ إذا أسْفَرَ﴾ ثُمَّ في كَيْفِيَّةِ المَجازِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ إذا أقْبَلَ الصُّبْحُ أقْبَلَ بِإقْبالِهِ رَوْحٌ ونَسِيمٌ، فَجَعَلَ ذَلِكَ نَفَسًا لَهُ عَلى المَجازِ، وقِيلَ تَنَفَّسَ الصُّبْحُ.
والثّانِي: أنَّهُ شَبَّهَ اللَّيْلَ المُظْلِمَ بِالمَكْرُوبِ المَحْزُونِ الَّذِي جَلَسَ بِحَيْثُ لا يَتَحَرَّكُ، واجْتَمَعَ الحُزْنُ في قَلْبِهِ، فَإذا تَنَفَّسَ وجَدَ راحَةً. فَهاهُنا لَمّا طَلَعَ الصُّبْحُ فَكَأنَّهُ تَخَلَّصَ مِن ذَلِكَ الحُزْنِ فَعَبَّرَ عَنْهُ بِالتَّنَفُّسِ وهو اسْتِعارَةٌ لَطِيفَةٌ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ المُقْسَمَ بِهِ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ المُقْسَمِ عَلَيْهِ فَقالَ: ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: وهو المَشْهُورُ أنَّ المُرادَ أنَّ القُرْآنَ نَزَلَ بِهِ جِبْرِيلُ.
فَإنْ قِيلَ: هاهُنا إشْكالٌ قَوِيٌّ وهو أنَّهُ حَلَفَ أنَّهُ قَوْلُ جِبْرِيلَ، فَوَجَبَ عَلَيْنا أنْ نُصَدِّقَهُ في ذَلِكَ، فَإنْ لَمْ نَقْطَعْ بِوُجُوبِ حَمْلِ اللَّفْظِ عَلى الظّاهِرِ، فَلا أقَلَّ مِنَ الِاحْتِمالِ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ ثَبَتَ أنَّ هَذا القُرْآنَ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ كَلامَ جِبْرِيلَ لا كَلامَ اللَّهِ، وبِتَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ كَلامَ جِبْرِيلَ يَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ مُعْجِزًا، لِاحْتِمالِ أنَّ جِبْرِيلَ ألْقاهُ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ عَلى سَبِيلِ الإضْلالِ، ولا يُمْكِنُ أنْ يُجابَ عَنْهُ بِأنَّ جِبْرِيلَ مَعْصُومٌ لا يَفْعَلُ الإضْلالَ، لِأنَّ العِلْمَ بِعِصْمَةِ جِبْرِيلَ مُسْتَفادٌ مِن صِدْقِ النَّبِيِّ، وصِدْقَ النَّبِيِّ مُفَرَّعٌ عَلى كَوْنِ القُرْآنِ مُعْجِزًا، وكَوْنَ القُرْآنِ مُعْجِزًا يَتَفَرَّعُ عَلى عِصْمَةِجِبْرِيلَ، فَيَلْزَمُ الدَّوْرُ وهو مُحالٌ. والجَوابُ: الَّذِينَ قالُوا: بِأنَّ القُرْآنَ إنَّما كانَ مُعْجِزًا لِلصِّرْفَةِ، إنَّما ذَهَبُوا إلى ذَلِكَ المَذْهَبِ فِرارًا مِن هَذا السُّؤالِ؛ لِأنَّ الإعْجازَ عَلى ذَلِكَ القَوْلِ لَيْسَ في الفَصاحَةِ، بَلْ في سَلْبِ تِلْكَ العُلُومِ والدَّواعِي عَنِ القُلُوبِ، وذَلِكَ مِمّا لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ أحَدٌ إلّا اللَّهَ تَعالى.
القَوْلُ الثّانِي: أنَّ هَذا الَّذِي أخْبَرَكم بِهِ مُحَمَّدٌ مِن أمْرِ السّاعَةِ عَلى ما ذُكِرَ في هَذِهِ السُّورَةِ لَيْسَ بِكَهانَةٍ ولا ظَنٍّ ولا افْتِعالٍ، إنَّما هو قَوْلُ جِبْرِيلَ أتاهُ بِهِ وحْيًا مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى وصَفَ جِبْرِيلَ هاهُنا بِصِفاتٍ سِتٍّ.
أوَّلُها: أنَّهُ رَسُولٌ ولا شَكَّ أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ إلى الأنْبِياءِ فَهو رَسُولٌ وجَمِيعُ الأنْبِياءِ أُمَّتُهُ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿يُنَزِّلُ المَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِن أمْرِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ [النحل: ٢] وقالَ: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ ﴿عَلى قَلْبِكَ﴾ [الشعراء: ١٩٣] .
وثانِيها: أنَّهُ كَرِيمٌ، ومِن كَرَمِهِ أنَّهُ يُعْطِي أفْضَلَ العَطايا، وهو المَعْرِفَةُ والهِدايَةُ والإرْشادُ.
صفحة ٦٨
وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿ذِي قُوَّةٍ﴾ ثُمَّ مِنهم مَن حَمَلَهُ عَلى الشِّدَّةِ، رُوِيَ «أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - قالَ لِجِبْرِيلَ: ”ذَكَرَ اللَّهُ قُوَّتَكَ، فَماذا بَلَغْتَ ؟ قالَ رَفَعْتُ قُرَيّاتِ قَوْمِ لُوطٍ الأرْبَعَ عَلى قَوادِمِ جَناحِي حَتّى إذا سَمِعَ أهْلُ السَّماءِ نُباحَ الكِلابِ وأصْواتَ الدَّجاجِ قَلَبْتُها“» وذَكَرَ مُقاتِلٌ أنَّ شَيْطانًا يُقالُ لَهُ الأبْيَضُ صاحِبُ الأنْبِياءِ قَصَدَ أنْ يَفْتِنَ النَّبِيَّ ﷺ فَدَفَعَهُ جِبْرِيلُ دَفْعَةً رَقِيقَةً وقَعَ بِها مِن مَكَّةَ إلى أقْصى الهِنْدِ، ومِنهم مَن حَمَلَهُ عَلى القُوَّةِ في أداءِ طاعَةِ اللَّهِ وتَرْكِ الإخْلالِ بِها مِن أوَّلِ الخَلْقِ إلى آخِرِ زَمانِ التَّكْلِيفِ، وعَلى القُوَّةِ في مَعْرِفَةِ اللَّهِ وفي مُطالَعَةِ جَلالِ اللَّهِ.
ورابِعُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عِنْدَ ذِي العَرْشِ مَكِينٍ﴾ وهَذِهِ العِنْدِيَّةُ لَيْسَتْ عِنْدِيَّةَ المَكانِ، مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿ومَن عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأنبياء: ١٩] ولَيْسَتْ عِنْدِيَّةُ الجِهَةِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ «”أنا عِنْدَ المُنْكَسِرَةِ قُلُوبُهم“» بَلْ عِنْدِيَّةُ الإكْرامِ والتَّشْرِيفِ والتَّعْظِيمِ. وأمّا (مَكِينٌ) فَقالَ الكِسائِيُّ: يُقالُ قَدْ مَكُنَ فُلانٌ عِنْدَ فُلانٍ بِضَمِّ الكافِ مَكْنًا ومَكانَةً، فَعَلى هَذا المَكِينُ هو ذُو الجاهِ الَّذِي يُعْطِي ما يُسْألُ.
وخامِسُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُطاعٍ ثَمَّ﴾ اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: (ثَّمَ) إشارَةٌ إلى الظَّرْفِ المَذْكُورِ، أعْنِي ﴿عِنْدَ ذِي العَرْشِ﴾ والمَعْنى أنَّهُ عِنْدَ اللَّهِ مُطاعٌ في مَلائِكَتِهِ المُقَرَّبِينَ يُصْدِرُونَ عَنْ أمْرِهِ ويَرْجِعُونَ إلى رَأْيِهِ، وقُرِئَ ”ثُمَّ“ تَعْظِيمًا لِلْأمانَةِ وبَيانًا لِأنَّها أفْضَلُ صِفاتِهِ المَعْدُودَةِ.
وسادِسُها: قَوْلُهُ: ﴿أمِينٍ﴾ أيْ هو أمِينٌ عَلى وحْيِ اللَّهِ ورِسالاتِهِ، قَدْ عَصَمَهُ اللَّهُ مِنَ الخِيانَةِ والزَّلَلِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما صاحِبُكم بِمَجْنُونٍ﴾ واحْتَجَّ بِهَذِهِ الآيَةِ مَن فَضَّلَ جِبْرِيلَ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ فَقالَ: إنَّكَ إذا وازَنْتَ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي العَرْشِ مَكِينٍ﴾ ﴿مُطاعٍ ثَمَّ أمِينٍ﴾ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿وما صاحِبُكم بِمَجْنُونٍ﴾ ظَهَرَ التَّفاوُتُ العَظِيمُ: ﴿ولَقَدْ رَآهُ بِالأُفُقِ المُبِينِ﴾ يَعْنِي حَيْثُ تَطْلُعُ الشَّمْسُ في قَوْلِ الجَمِيعِ، وهَذا مُفَسَّرٌ في سُورَةِ النَّجْمِ ﴿وما هو عَلى الغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ أيْ وما مُحَمَّدٌ عَلى الغَيْبِ بِظَنِينٍ والغَيْبُ هاهُنا القُرْآنُ وما فِيهِ مِنَ الأنْباءِ والقَصَصِ والظَّنِينُ المُتَّهَمُ يُقالُ: ظَنَنْتُ زَيْدًا في مَعْنى اتَّهَمْتُهُ، ولَيْسَ مِنَ الظَّنِّ الَّذِي يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، والمَعْنى ما مُحَمَّدٌ عَلى القُرْآنِ بِمُتَّهَمٍ أيْ هو ثِقَةٌ فِيما يُؤَدِّي عَنِ اللَّهِ، ومَن قَرَأ بِالضّادِ فَهو مِنَ البُخْلِ يُقالُ ضَنَنْتُ بِهِ أضِنُّ أيْ بَخِلْتُ، والمَعْنى لَيْسَ بِبَخِيلٍ فِيما أنْزَلَ اللَّهُ، قالَ الفَرّاءُ: يَأْتِيهِ غَيْبُ السَّماءِ، وهو شَيْءٌ نَفِيسٌ فَلا يَبْخَلُ بِهِ عَلَيْكم، وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: المَعْنى أنَّهُ يُخْبَرُ بِالغَيْبِ فَيُبَيِّنُهُ ولا يَكْتُمُهُ كَما يَكْتُمُ الكاهِنُ ذَلِكَ ويَمْتَنِعُ مِن إعْلامِهِ حَتّى يَأْخُذَ عَلَيْهِ حُلْوانًا، واخْتارَ أبُو عُبَيْدَةَ القِراءَةَ الأُولى لِوَجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ الكُفّارَ لَمْ يُبَخِّلُوهُ، وإنَّما اتَّهَمُوهُ فَنَفْيُ التُّهْمَةِ أوْلى مِن نَفْيِ البُخْلِ.
وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿عَلى الغَيْبِ﴾ ولَوْ كانَ المُرادُ البُخْلَ لَقالَ بِالغَيْبِ لِأنَّهُ يُقالُ: فُلانٌ ضَنِينٌ بِكَذا وقَلَّما يُقالُ عَلى كَذا.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما هو بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ﴾ كانَ أهْلُ مَكَّةَ يَقُولُونَ: إنَّ هَذا القُرْآنَ يَجِيءُ بِهِ شَيْطانٌ فَيُلْقِيهِ عَلى لِسانِهِ، فَنَفى اللَّهُ ذَلِكَ، فَإنْ قِيلَ القَوْلُ بِصِحَّةِ النُّبُوَّةِ مَوْقُوفٌ عَلى نَفْيِ هَذا الِاحْتِمالِ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ نَفْيُ هَذا الِاحْتِمالِ بِالدَّلِيلِ السَّمْعِيِّ ؟ قُلْنا: بَيَّنّا أنَّ عَلى القَوْلِ بِالصِّرْفَةِ لا تَتَوَقَّفُ صِحَّةُ النُّبُوَّةِ عَلى نَفْيِ هَذا الِاحْتِمالِ، فَلا جَرَمَ يُمْكِنُ نَفْيُ هَذا الِاحْتِمالِ بِالدَّلِيلِ السَّمْعِيِّ.
صفحة ٦٩
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَأيْنَ تَذْهَبُونَ﴾ وهَذا اسْتِضْلالٌ لَهم يُقالُ لِتارِكِ الجادَّةِ اعْتِسافًا: أيْنَ تَذْهَبُ ؟ مُثِّلَتْ حالُهم بِحالِهِ في تَرْكِهِمُ الحَقَّ وعُدُولِهِمْ عَنْهُ إلى الباطِلِ، والمَعْنى أيُّ طَرِيقٍ تَسْلُكُونَ أبَيْنُ مِن هَذِهِ الطَّرِيقَةِ الَّتِي قَدْ بَيَّنْتُ لَكم، قالَ الفَرّاءُ: العَرَبُ تَقُولُ إلى أيْنَ تَذْهَبُ وأيْنَ تَذْهَبُ، وتَقُولُ ذَهَبْتُ الشّامَ وانْطَلَقْتُ السُّوقَ، واحْتَجَّ أهْلُ الِاعْتِزالِ بِهَذِهِ الآيَةِ ووَجْهُهُ ظاهِرٌ.
ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ القُرْآنَ ما هو، فَقالَ: ﴿إنْ هو إلّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ أيْ هو بَيانٌ وهِدايَةٌ لِلْخَلْقِ أجْمَعِينَ.
التكوير 81:21
صفحة ٦٦
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالخُنَّسِ﴾ ﴿الجَوارِي الكُنَّسِ﴾ الكَلامُ في قَوْلِهِ: (لا أُقْسِمُ) قَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ [القيامة: ١]، ﴿بِالخُنَّسِ﴾ ﴿الجَوارِي الكُنَّسِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: وهو المَشْهُورُ، الظّاهِرَةُ أنَّها النُّجُومُ الخُنَّسُ جَمْعُ خانِسٍ، والخُنُوسُ والِانْقِباضُ والِاسْتِخْفاءُ، تَقُولُ: خَنَسَ مِن بَيْنِ القَوْمِ وانْخَنَسَ، وفي الحَدِيثِ «”الشَّيْطانُ يُوَسْوِسُ إلى العَبْدِ فَإذا ذَكَرَ اللَّهَ خَنَسَ“» أيِ انْقَبَضَ ولِذَلِكَ سُمِّيَ الخَنّاسَ و(الكُنَّسِ) جَمْعُ كانِسٍ وكانِسَةٍ، يُقالُ: كَنَسَ إذا دَخَلَ الكِناسَ وهو مَقَرُّ الوَحْشِ يُقالُ كَنَسَ الظِّباءُ في كُنُسِها، وتَكَنَّسَتِ المَرْأةُ إذا دَخَلَتْ هَوْدَجَها تَشَبَّهُ بِالظَّبْيِ إذا دَخَلَ الكِناسُ.
ثُمَّ اخْتَلَفُوا في خُنُوسِ النُّجُومِ وكُنُوسِها عَلى ثَلاثَةِ أوْجُهٍ.
فالقَوْلُ الأظْهَرُ: أنَّ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى رُجُوعِ الكَواكِبِ الخَمْسَةِ السَّيّارَةِ واسْتِقامَتِها، فَرُجُوعُها هو الخُنُوسُ، وكُنُوسُها اخْتِفاؤُها تَحْتَ ضَوْءِ الشَّمْسِ، ولا شَكَّ أنَّ هَذِهِ حالَةٌ عَجِيبَةٌ وفِيها أسْرارٌ عَظِيمَةٌ باهِرَةٌ.
القَوْلُ الثّانِي: ما رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ وعَطاءٍ ومُقاتِلٍ وقَتادَةَ أنَّها هي جَمِيعُ الكَواكِبِ، وخُنُوسُها عِبارَةٌ عَنْ غَيْبُوبَتِها عَنِ البَصَرِ في النَّهارِ، وكُنُوسُها عِبارَةٌ عَنْ ظُهُورِها لِلْبَصَرِ في اللَّيْلِ أيْ تَظْهَرُ في أماكِنِها كالوَحْشِ في كُنُسِها.
والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ السَّبْعَةَ السَّيّارَةَ تَخْتَلِفُ مَطالِعُها ومَغارِبُها عَلى ما قالَ تَعالى: ﴿بِرَبِّ المَشارِقِ والمَغارِبِ﴾ [المعارج: ٤٠] ولا شَكَّ أنَّ فِيها مَطْلَعًا واحِدًا ومَغْرِبًا واحِدًا هُما أقْرَبُ المَطالِعِ والمَغارِبِ إلى سَمْتِ رُءُوسِنا، ثُمَّ إنَّها تَأْخُذُ في التَّباعُدِ مِن ذَلِكَ المَطْلَعِ إلى سائِرِ المَطالِعِ طُولَ السَّنَةِ، ثُمَّ تَرْجِعُ إلَيْهِ فَخُنُوسُها عِبارَةٌ عَنْ تَباعُدِها عَنْ ذَلِكَ المَطْلَعِ، وكُنُوسُها عِبارَةٌ عَنْ عَوْدِها إلَيْهِ، فَهَذا مُحْتَمَلٌ فَعَلى القَوْلِ الأوَّلِ يَكُونُ القَسَمُ واقِعًا بِالخَمْسَةِ المُتَحَيِّرَةِ، وعَلى القَوْلِ الثّانِي يَكُونُ القَسَمُ واقِعًا بِجَمِيعِ الكَواكِبِ وعَلى هَذا الِاحْتِمالِ الَّذِي ذَكَرْتُهُ يَكُونُ القَسَمُ واقِعًا بِالسَّبْعَةِ السَّيّارَةِ، واللَّهُ أعْلَمُ بِمُرادِهِ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ ﴿بِالخُنَّسِ﴾ ﴿الجَوارِي الكُنَّسِ﴾ وهو قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ والنَّخَعِيِّ أنَّها بَقَرُ الوَحْشِ، وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هي الظِّباءُ، وعَلى هَذا الخَنَسُ مِنَ الخَنَسِ في الأنْفِ وهو تَقْعِيرٌ في الأنْفِ فَإنَّ البَقَرَ والظِّباءَ أُنُوفُها عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ (الكُنَّسِ) جَمْعُ كانِسٍ وهي الَّتِي تَدْخُلُ الكِناسَ والقَوْلُ هو الأوَّلُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أمْرانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ قالَ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿واللَّيْلِ إذا عَسْعَسَ﴾ وهَذا بِالنُّجُومِ ألْيَقُ مِنهُ بِبَقَرِ الوَحْشِ.
الثّانِي: أنَّ مَحَلَّ قَسَمِ اللَّهِ كُلَّما كانَ أعْظَمَ وأعْلى رُتْبَةً كانَ أوْلى، ولا شَكَّ أنَّ الكَواكِبَ أعْلى رُتْبَةً مِن بَقَرِ الوَحْشِ.
الثّالِثُ: أنْ (الخُنَّسِ) جَمْعُ خانِسٍ مِنَ الخُنُوسِ، وأمّا جَمْعُ خَنْساءَ وأخْنَسَ مِنَ الخَنَسِ خُنْسَ بِالسُّكُونِ والتَّخْفِيفِ، ولا يُقالُ: الخُنَّسُ فِيهِ بِالتَّشْدِيدِ إلّا أنْ يَجْعَلَ الخُنَّسَ في الوَحْشِيَّةِ أيْضًا مِنَ الخُنُوسِ وهو اخْتِفاؤُها في الكِناسِ إذا غابَتْ عَنِ الأعْيُنِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّيْلِ إذا عَسْعَسَ﴾ ذَكَرَ أهْلُ اللُّغَةِ أنَّ عَسْعَسَ مِنَ الأضْدادِ، يُقالُ: عَسْعَسَ اللَّيْلُ إذا أقْبَلَ، وعَسْعَسَ إذا أدْبَرَ، وأنْشَدُوا في وُرُودِها بِمَعْنى أدْبَرَ قَوْلَ العَجّاجِ:
حَتّى إذا الصُّبْحُ لَها تَنَفَّسا وانْجابَ عَنْها لَيْلُها وعَسْعَسا
وأنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ في مَعْنى أقْبَلَ:
صفحة ٦٧
مُدَرَّجاتُ اللَّيْلِ لَمّا عَسْعَسا
ثُمَّ مِنهم مَن قالَ: المُرادُ هاهُنا أقْبَلَ اللَّيْلُ، لِأنَّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ القَسَمُ واقِعًا بِإقْبالِ اللَّيْلِ وهو قَوْلُهُ: (إذا عَسْعَسَ) وبِإدْبارِهِ أيْضًا وهو قَوْلُهُ: ﴿والصُّبْحِ إذا تَنَفَّسَ﴾ ومِنهم مَن قالَ: بَلِ المُرادُ ”أدْبَرَ“ وقَوْلُهُ: ﴿والصُّبْحِ إذا تَنَفَّسَ﴾ أيِ امْتَدَّ ضَوْءُهُ وتَكامَلَ فَقَوْلُهُ: ﴿واللَّيْلِ إذا عَسْعَسَ﴾ إشارَةٌ إلى أوَّلِ طُلُوعِ الصُّبْحِ، وهو مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿واللَّيْلِ إذْ أدْبَرَ﴾ ﴿والصُّبْحِ إذا أسْفَرَ﴾، وقَوْلُهُ: ﴿والصُّبْحِ إذا تَنَفَّسَ﴾ إشارَةٌ إلى تَكامُلِ طُلُوعِ الصُّبْحِ فَلا يَكُونُ فِيهِ تَكْرارٌ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والصُّبْحِ إذا تَنَفَّسَ﴾ أيْ إذا أسْفَرَ كَقَوْلِهِ: ﴿والصُّبْحِ إذا أسْفَرَ﴾ ثُمَّ في كَيْفِيَّةِ المَجازِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ إذا أقْبَلَ الصُّبْحُ أقْبَلَ بِإقْبالِهِ رَوْحٌ ونَسِيمٌ، فَجَعَلَ ذَلِكَ نَفَسًا لَهُ عَلى المَجازِ، وقِيلَ تَنَفَّسَ الصُّبْحُ.
والثّانِي: أنَّهُ شَبَّهَ اللَّيْلَ المُظْلِمَ بِالمَكْرُوبِ المَحْزُونِ الَّذِي جَلَسَ بِحَيْثُ لا يَتَحَرَّكُ، واجْتَمَعَ الحُزْنُ في قَلْبِهِ، فَإذا تَنَفَّسَ وجَدَ راحَةً. فَهاهُنا لَمّا طَلَعَ الصُّبْحُ فَكَأنَّهُ تَخَلَّصَ مِن ذَلِكَ الحُزْنِ فَعَبَّرَ عَنْهُ بِالتَّنَفُّسِ وهو اسْتِعارَةٌ لَطِيفَةٌ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ المُقْسَمَ بِهِ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ المُقْسَمِ عَلَيْهِ فَقالَ: ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: وهو المَشْهُورُ أنَّ المُرادَ أنَّ القُرْآنَ نَزَلَ بِهِ جِبْرِيلُ.
فَإنْ قِيلَ: هاهُنا إشْكالٌ قَوِيٌّ وهو أنَّهُ حَلَفَ أنَّهُ قَوْلُ جِبْرِيلَ، فَوَجَبَ عَلَيْنا أنْ نُصَدِّقَهُ في ذَلِكَ، فَإنْ لَمْ نَقْطَعْ بِوُجُوبِ حَمْلِ اللَّفْظِ عَلى الظّاهِرِ، فَلا أقَلَّ مِنَ الِاحْتِمالِ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ ثَبَتَ أنَّ هَذا القُرْآنَ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ كَلامَ جِبْرِيلَ لا كَلامَ اللَّهِ، وبِتَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ كَلامَ جِبْرِيلَ يَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ مُعْجِزًا، لِاحْتِمالِ أنَّ جِبْرِيلَ ألْقاهُ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ عَلى سَبِيلِ الإضْلالِ، ولا يُمْكِنُ أنْ يُجابَ عَنْهُ بِأنَّ جِبْرِيلَ مَعْصُومٌ لا يَفْعَلُ الإضْلالَ، لِأنَّ العِلْمَ بِعِصْمَةِ جِبْرِيلَ مُسْتَفادٌ مِن صِدْقِ النَّبِيِّ، وصِدْقَ النَّبِيِّ مُفَرَّعٌ عَلى كَوْنِ القُرْآنِ مُعْجِزًا، وكَوْنَ القُرْآنِ مُعْجِزًا يَتَفَرَّعُ عَلى عِصْمَةِجِبْرِيلَ، فَيَلْزَمُ الدَّوْرُ وهو مُحالٌ. والجَوابُ: الَّذِينَ قالُوا: بِأنَّ القُرْآنَ إنَّما كانَ مُعْجِزًا لِلصِّرْفَةِ، إنَّما ذَهَبُوا إلى ذَلِكَ المَذْهَبِ فِرارًا مِن هَذا السُّؤالِ؛ لِأنَّ الإعْجازَ عَلى ذَلِكَ القَوْلِ لَيْسَ في الفَصاحَةِ، بَلْ في سَلْبِ تِلْكَ العُلُومِ والدَّواعِي عَنِ القُلُوبِ، وذَلِكَ مِمّا لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ أحَدٌ إلّا اللَّهَ تَعالى.
القَوْلُ الثّانِي: أنَّ هَذا الَّذِي أخْبَرَكم بِهِ مُحَمَّدٌ مِن أمْرِ السّاعَةِ عَلى ما ذُكِرَ في هَذِهِ السُّورَةِ لَيْسَ بِكَهانَةٍ ولا ظَنٍّ ولا افْتِعالٍ، إنَّما هو قَوْلُ جِبْرِيلَ أتاهُ بِهِ وحْيًا مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى وصَفَ جِبْرِيلَ هاهُنا بِصِفاتٍ سِتٍّ.
أوَّلُها: أنَّهُ رَسُولٌ ولا شَكَّ أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ إلى الأنْبِياءِ فَهو رَسُولٌ وجَمِيعُ الأنْبِياءِ أُمَّتُهُ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿يُنَزِّلُ المَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِن أمْرِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ [النحل: ٢] وقالَ: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ ﴿عَلى قَلْبِكَ﴾ [الشعراء: ١٩٣] .
وثانِيها: أنَّهُ كَرِيمٌ، ومِن كَرَمِهِ أنَّهُ يُعْطِي أفْضَلَ العَطايا، وهو المَعْرِفَةُ والهِدايَةُ والإرْشادُ.
صفحة ٦٨
وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿ذِي قُوَّةٍ﴾ ثُمَّ مِنهم مَن حَمَلَهُ عَلى الشِّدَّةِ، رُوِيَ «أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - قالَ لِجِبْرِيلَ: ”ذَكَرَ اللَّهُ قُوَّتَكَ، فَماذا بَلَغْتَ ؟ قالَ رَفَعْتُ قُرَيّاتِ قَوْمِ لُوطٍ الأرْبَعَ عَلى قَوادِمِ جَناحِي حَتّى إذا سَمِعَ أهْلُ السَّماءِ نُباحَ الكِلابِ وأصْواتَ الدَّجاجِ قَلَبْتُها“» وذَكَرَ مُقاتِلٌ أنَّ شَيْطانًا يُقالُ لَهُ الأبْيَضُ صاحِبُ الأنْبِياءِ قَصَدَ أنْ يَفْتِنَ النَّبِيَّ ﷺ فَدَفَعَهُ جِبْرِيلُ دَفْعَةً رَقِيقَةً وقَعَ بِها مِن مَكَّةَ إلى أقْصى الهِنْدِ، ومِنهم مَن حَمَلَهُ عَلى القُوَّةِ في أداءِ طاعَةِ اللَّهِ وتَرْكِ الإخْلالِ بِها مِن أوَّلِ الخَلْقِ إلى آخِرِ زَمانِ التَّكْلِيفِ، وعَلى القُوَّةِ في مَعْرِفَةِ اللَّهِ وفي مُطالَعَةِ جَلالِ اللَّهِ.
ورابِعُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عِنْدَ ذِي العَرْشِ مَكِينٍ﴾ وهَذِهِ العِنْدِيَّةُ لَيْسَتْ عِنْدِيَّةَ المَكانِ، مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿ومَن عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأنبياء: ١٩] ولَيْسَتْ عِنْدِيَّةُ الجِهَةِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ «”أنا عِنْدَ المُنْكَسِرَةِ قُلُوبُهم“» بَلْ عِنْدِيَّةُ الإكْرامِ والتَّشْرِيفِ والتَّعْظِيمِ. وأمّا (مَكِينٌ) فَقالَ الكِسائِيُّ: يُقالُ قَدْ مَكُنَ فُلانٌ عِنْدَ فُلانٍ بِضَمِّ الكافِ مَكْنًا ومَكانَةً، فَعَلى هَذا المَكِينُ هو ذُو الجاهِ الَّذِي يُعْطِي ما يُسْألُ.
وخامِسُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُطاعٍ ثَمَّ﴾ اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: (ثَّمَ) إشارَةٌ إلى الظَّرْفِ المَذْكُورِ، أعْنِي ﴿عِنْدَ ذِي العَرْشِ﴾ والمَعْنى أنَّهُ عِنْدَ اللَّهِ مُطاعٌ في مَلائِكَتِهِ المُقَرَّبِينَ يُصْدِرُونَ عَنْ أمْرِهِ ويَرْجِعُونَ إلى رَأْيِهِ، وقُرِئَ ”ثُمَّ“ تَعْظِيمًا لِلْأمانَةِ وبَيانًا لِأنَّها أفْضَلُ صِفاتِهِ المَعْدُودَةِ.
وسادِسُها: قَوْلُهُ: ﴿أمِينٍ﴾ أيْ هو أمِينٌ عَلى وحْيِ اللَّهِ ورِسالاتِهِ، قَدْ عَصَمَهُ اللَّهُ مِنَ الخِيانَةِ والزَّلَلِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما صاحِبُكم بِمَجْنُونٍ﴾ واحْتَجَّ بِهَذِهِ الآيَةِ مَن فَضَّلَ جِبْرِيلَ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ فَقالَ: إنَّكَ إذا وازَنْتَ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي العَرْشِ مَكِينٍ﴾ ﴿مُطاعٍ ثَمَّ أمِينٍ﴾ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿وما صاحِبُكم بِمَجْنُونٍ﴾ ظَهَرَ التَّفاوُتُ العَظِيمُ: ﴿ولَقَدْ رَآهُ بِالأُفُقِ المُبِينِ﴾ يَعْنِي حَيْثُ تَطْلُعُ الشَّمْسُ في قَوْلِ الجَمِيعِ، وهَذا مُفَسَّرٌ في سُورَةِ النَّجْمِ ﴿وما هو عَلى الغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ أيْ وما مُحَمَّدٌ عَلى الغَيْبِ بِظَنِينٍ والغَيْبُ هاهُنا القُرْآنُ وما فِيهِ مِنَ الأنْباءِ والقَصَصِ والظَّنِينُ المُتَّهَمُ يُقالُ: ظَنَنْتُ زَيْدًا في مَعْنى اتَّهَمْتُهُ، ولَيْسَ مِنَ الظَّنِّ الَّذِي يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، والمَعْنى ما مُحَمَّدٌ عَلى القُرْآنِ بِمُتَّهَمٍ أيْ هو ثِقَةٌ فِيما يُؤَدِّي عَنِ اللَّهِ، ومَن قَرَأ بِالضّادِ فَهو مِنَ البُخْلِ يُقالُ ضَنَنْتُ بِهِ أضِنُّ أيْ بَخِلْتُ، والمَعْنى لَيْسَ بِبَخِيلٍ فِيما أنْزَلَ اللَّهُ، قالَ الفَرّاءُ: يَأْتِيهِ غَيْبُ السَّماءِ، وهو شَيْءٌ نَفِيسٌ فَلا يَبْخَلُ بِهِ عَلَيْكم، وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: المَعْنى أنَّهُ يُخْبَرُ بِالغَيْبِ فَيُبَيِّنُهُ ولا يَكْتُمُهُ كَما يَكْتُمُ الكاهِنُ ذَلِكَ ويَمْتَنِعُ مِن إعْلامِهِ حَتّى يَأْخُذَ عَلَيْهِ حُلْوانًا، واخْتارَ أبُو عُبَيْدَةَ القِراءَةَ الأُولى لِوَجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ الكُفّارَ لَمْ يُبَخِّلُوهُ، وإنَّما اتَّهَمُوهُ فَنَفْيُ التُّهْمَةِ أوْلى مِن نَفْيِ البُخْلِ.
وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿عَلى الغَيْبِ﴾ ولَوْ كانَ المُرادُ البُخْلَ لَقالَ بِالغَيْبِ لِأنَّهُ يُقالُ: فُلانٌ ضَنِينٌ بِكَذا وقَلَّما يُقالُ عَلى كَذا.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما هو بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ﴾ كانَ أهْلُ مَكَّةَ يَقُولُونَ: إنَّ هَذا القُرْآنَ يَجِيءُ بِهِ شَيْطانٌ فَيُلْقِيهِ عَلى لِسانِهِ، فَنَفى اللَّهُ ذَلِكَ، فَإنْ قِيلَ القَوْلُ بِصِحَّةِ النُّبُوَّةِ مَوْقُوفٌ عَلى نَفْيِ هَذا الِاحْتِمالِ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ نَفْيُ هَذا الِاحْتِمالِ بِالدَّلِيلِ السَّمْعِيِّ ؟ قُلْنا: بَيَّنّا أنَّ عَلى القَوْلِ بِالصِّرْفَةِ لا تَتَوَقَّفُ صِحَّةُ النُّبُوَّةِ عَلى نَفْيِ هَذا الِاحْتِمالِ، فَلا جَرَمَ يُمْكِنُ نَفْيُ هَذا الِاحْتِمالِ بِالدَّلِيلِ السَّمْعِيِّ.
صفحة ٦٩
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَأيْنَ تَذْهَبُونَ﴾ وهَذا اسْتِضْلالٌ لَهم يُقالُ لِتارِكِ الجادَّةِ اعْتِسافًا: أيْنَ تَذْهَبُ ؟ مُثِّلَتْ حالُهم بِحالِهِ في تَرْكِهِمُ الحَقَّ وعُدُولِهِمْ عَنْهُ إلى الباطِلِ، والمَعْنى أيُّ طَرِيقٍ تَسْلُكُونَ أبَيْنُ مِن هَذِهِ الطَّرِيقَةِ الَّتِي قَدْ بَيَّنْتُ لَكم، قالَ الفَرّاءُ: العَرَبُ تَقُولُ إلى أيْنَ تَذْهَبُ وأيْنَ تَذْهَبُ، وتَقُولُ ذَهَبْتُ الشّامَ وانْطَلَقْتُ السُّوقَ، واحْتَجَّ أهْلُ الِاعْتِزالِ بِهَذِهِ الآيَةِ ووَجْهُهُ ظاهِرٌ.
ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ القُرْآنَ ما هو، فَقالَ: ﴿إنْ هو إلّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ أيْ هو بَيانٌ وهِدايَةٌ لِلْخَلْقِ أجْمَعِينَ.
التكوير 81:22
صفحة ٦٦
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالخُنَّسِ﴾ ﴿الجَوارِي الكُنَّسِ﴾ الكَلامُ في قَوْلِهِ: (لا أُقْسِمُ) قَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ [القيامة: ١]، ﴿بِالخُنَّسِ﴾ ﴿الجَوارِي الكُنَّسِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: وهو المَشْهُورُ، الظّاهِرَةُ أنَّها النُّجُومُ الخُنَّسُ جَمْعُ خانِسٍ، والخُنُوسُ والِانْقِباضُ والِاسْتِخْفاءُ، تَقُولُ: خَنَسَ مِن بَيْنِ القَوْمِ وانْخَنَسَ، وفي الحَدِيثِ «”الشَّيْطانُ يُوَسْوِسُ إلى العَبْدِ فَإذا ذَكَرَ اللَّهَ خَنَسَ“» أيِ انْقَبَضَ ولِذَلِكَ سُمِّيَ الخَنّاسَ و(الكُنَّسِ) جَمْعُ كانِسٍ وكانِسَةٍ، يُقالُ: كَنَسَ إذا دَخَلَ الكِناسَ وهو مَقَرُّ الوَحْشِ يُقالُ كَنَسَ الظِّباءُ في كُنُسِها، وتَكَنَّسَتِ المَرْأةُ إذا دَخَلَتْ هَوْدَجَها تَشَبَّهُ بِالظَّبْيِ إذا دَخَلَ الكِناسُ.
ثُمَّ اخْتَلَفُوا في خُنُوسِ النُّجُومِ وكُنُوسِها عَلى ثَلاثَةِ أوْجُهٍ.
فالقَوْلُ الأظْهَرُ: أنَّ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى رُجُوعِ الكَواكِبِ الخَمْسَةِ السَّيّارَةِ واسْتِقامَتِها، فَرُجُوعُها هو الخُنُوسُ، وكُنُوسُها اخْتِفاؤُها تَحْتَ ضَوْءِ الشَّمْسِ، ولا شَكَّ أنَّ هَذِهِ حالَةٌ عَجِيبَةٌ وفِيها أسْرارٌ عَظِيمَةٌ باهِرَةٌ.
القَوْلُ الثّانِي: ما رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ وعَطاءٍ ومُقاتِلٍ وقَتادَةَ أنَّها هي جَمِيعُ الكَواكِبِ، وخُنُوسُها عِبارَةٌ عَنْ غَيْبُوبَتِها عَنِ البَصَرِ في النَّهارِ، وكُنُوسُها عِبارَةٌ عَنْ ظُهُورِها لِلْبَصَرِ في اللَّيْلِ أيْ تَظْهَرُ في أماكِنِها كالوَحْشِ في كُنُسِها.
والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ السَّبْعَةَ السَّيّارَةَ تَخْتَلِفُ مَطالِعُها ومَغارِبُها عَلى ما قالَ تَعالى: ﴿بِرَبِّ المَشارِقِ والمَغارِبِ﴾ [المعارج: ٤٠] ولا شَكَّ أنَّ فِيها مَطْلَعًا واحِدًا ومَغْرِبًا واحِدًا هُما أقْرَبُ المَطالِعِ والمَغارِبِ إلى سَمْتِ رُءُوسِنا، ثُمَّ إنَّها تَأْخُذُ في التَّباعُدِ مِن ذَلِكَ المَطْلَعِ إلى سائِرِ المَطالِعِ طُولَ السَّنَةِ، ثُمَّ تَرْجِعُ إلَيْهِ فَخُنُوسُها عِبارَةٌ عَنْ تَباعُدِها عَنْ ذَلِكَ المَطْلَعِ، وكُنُوسُها عِبارَةٌ عَنْ عَوْدِها إلَيْهِ، فَهَذا مُحْتَمَلٌ فَعَلى القَوْلِ الأوَّلِ يَكُونُ القَسَمُ واقِعًا بِالخَمْسَةِ المُتَحَيِّرَةِ، وعَلى القَوْلِ الثّانِي يَكُونُ القَسَمُ واقِعًا بِجَمِيعِ الكَواكِبِ وعَلى هَذا الِاحْتِمالِ الَّذِي ذَكَرْتُهُ يَكُونُ القَسَمُ واقِعًا بِالسَّبْعَةِ السَّيّارَةِ، واللَّهُ أعْلَمُ بِمُرادِهِ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ ﴿بِالخُنَّسِ﴾ ﴿الجَوارِي الكُنَّسِ﴾ وهو قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ والنَّخَعِيِّ أنَّها بَقَرُ الوَحْشِ، وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هي الظِّباءُ، وعَلى هَذا الخَنَسُ مِنَ الخَنَسِ في الأنْفِ وهو تَقْعِيرٌ في الأنْفِ فَإنَّ البَقَرَ والظِّباءَ أُنُوفُها عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ (الكُنَّسِ) جَمْعُ كانِسٍ وهي الَّتِي تَدْخُلُ الكِناسَ والقَوْلُ هو الأوَّلُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أمْرانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ قالَ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿واللَّيْلِ إذا عَسْعَسَ﴾ وهَذا بِالنُّجُومِ ألْيَقُ مِنهُ بِبَقَرِ الوَحْشِ.
الثّانِي: أنَّ مَحَلَّ قَسَمِ اللَّهِ كُلَّما كانَ أعْظَمَ وأعْلى رُتْبَةً كانَ أوْلى، ولا شَكَّ أنَّ الكَواكِبَ أعْلى رُتْبَةً مِن بَقَرِ الوَحْشِ.
الثّالِثُ: أنْ (الخُنَّسِ) جَمْعُ خانِسٍ مِنَ الخُنُوسِ، وأمّا جَمْعُ خَنْساءَ وأخْنَسَ مِنَ الخَنَسِ خُنْسَ بِالسُّكُونِ والتَّخْفِيفِ، ولا يُقالُ: الخُنَّسُ فِيهِ بِالتَّشْدِيدِ إلّا أنْ يَجْعَلَ الخُنَّسَ في الوَحْشِيَّةِ أيْضًا مِنَ الخُنُوسِ وهو اخْتِفاؤُها في الكِناسِ إذا غابَتْ عَنِ الأعْيُنِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّيْلِ إذا عَسْعَسَ﴾ ذَكَرَ أهْلُ اللُّغَةِ أنَّ عَسْعَسَ مِنَ الأضْدادِ، يُقالُ: عَسْعَسَ اللَّيْلُ إذا أقْبَلَ، وعَسْعَسَ إذا أدْبَرَ، وأنْشَدُوا في وُرُودِها بِمَعْنى أدْبَرَ قَوْلَ العَجّاجِ:
حَتّى إذا الصُّبْحُ لَها تَنَفَّسا وانْجابَ عَنْها لَيْلُها وعَسْعَسا
وأنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ في مَعْنى أقْبَلَ:
صفحة ٦٧
مُدَرَّجاتُ اللَّيْلِ لَمّا عَسْعَسا
ثُمَّ مِنهم مَن قالَ: المُرادُ هاهُنا أقْبَلَ اللَّيْلُ، لِأنَّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ القَسَمُ واقِعًا بِإقْبالِ اللَّيْلِ وهو قَوْلُهُ: (إذا عَسْعَسَ) وبِإدْبارِهِ أيْضًا وهو قَوْلُهُ: ﴿والصُّبْحِ إذا تَنَفَّسَ﴾ ومِنهم مَن قالَ: بَلِ المُرادُ ”أدْبَرَ“ وقَوْلُهُ: ﴿والصُّبْحِ إذا تَنَفَّسَ﴾ أيِ امْتَدَّ ضَوْءُهُ وتَكامَلَ فَقَوْلُهُ: ﴿واللَّيْلِ إذا عَسْعَسَ﴾ إشارَةٌ إلى أوَّلِ طُلُوعِ الصُّبْحِ، وهو مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿واللَّيْلِ إذْ أدْبَرَ﴾ ﴿والصُّبْحِ إذا أسْفَرَ﴾، وقَوْلُهُ: ﴿والصُّبْحِ إذا تَنَفَّسَ﴾ إشارَةٌ إلى تَكامُلِ طُلُوعِ الصُّبْحِ فَلا يَكُونُ فِيهِ تَكْرارٌ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والصُّبْحِ إذا تَنَفَّسَ﴾ أيْ إذا أسْفَرَ كَقَوْلِهِ: ﴿والصُّبْحِ إذا أسْفَرَ﴾ ثُمَّ في كَيْفِيَّةِ المَجازِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ إذا أقْبَلَ الصُّبْحُ أقْبَلَ بِإقْبالِهِ رَوْحٌ ونَسِيمٌ، فَجَعَلَ ذَلِكَ نَفَسًا لَهُ عَلى المَجازِ، وقِيلَ تَنَفَّسَ الصُّبْحُ.
والثّانِي: أنَّهُ شَبَّهَ اللَّيْلَ المُظْلِمَ بِالمَكْرُوبِ المَحْزُونِ الَّذِي جَلَسَ بِحَيْثُ لا يَتَحَرَّكُ، واجْتَمَعَ الحُزْنُ في قَلْبِهِ، فَإذا تَنَفَّسَ وجَدَ راحَةً. فَهاهُنا لَمّا طَلَعَ الصُّبْحُ فَكَأنَّهُ تَخَلَّصَ مِن ذَلِكَ الحُزْنِ فَعَبَّرَ عَنْهُ بِالتَّنَفُّسِ وهو اسْتِعارَةٌ لَطِيفَةٌ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ المُقْسَمَ بِهِ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ المُقْسَمِ عَلَيْهِ فَقالَ: ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: وهو المَشْهُورُ أنَّ المُرادَ أنَّ القُرْآنَ نَزَلَ بِهِ جِبْرِيلُ.
فَإنْ قِيلَ: هاهُنا إشْكالٌ قَوِيٌّ وهو أنَّهُ حَلَفَ أنَّهُ قَوْلُ جِبْرِيلَ، فَوَجَبَ عَلَيْنا أنْ نُصَدِّقَهُ في ذَلِكَ، فَإنْ لَمْ نَقْطَعْ بِوُجُوبِ حَمْلِ اللَّفْظِ عَلى الظّاهِرِ، فَلا أقَلَّ مِنَ الِاحْتِمالِ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ ثَبَتَ أنَّ هَذا القُرْآنَ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ كَلامَ جِبْرِيلَ لا كَلامَ اللَّهِ، وبِتَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ كَلامَ جِبْرِيلَ يَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ مُعْجِزًا، لِاحْتِمالِ أنَّ جِبْرِيلَ ألْقاهُ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ عَلى سَبِيلِ الإضْلالِ، ولا يُمْكِنُ أنْ يُجابَ عَنْهُ بِأنَّ جِبْرِيلَ مَعْصُومٌ لا يَفْعَلُ الإضْلالَ، لِأنَّ العِلْمَ بِعِصْمَةِ جِبْرِيلَ مُسْتَفادٌ مِن صِدْقِ النَّبِيِّ، وصِدْقَ النَّبِيِّ مُفَرَّعٌ عَلى كَوْنِ القُرْآنِ مُعْجِزًا، وكَوْنَ القُرْآنِ مُعْجِزًا يَتَفَرَّعُ عَلى عِصْمَةِجِبْرِيلَ، فَيَلْزَمُ الدَّوْرُ وهو مُحالٌ. والجَوابُ: الَّذِينَ قالُوا: بِأنَّ القُرْآنَ إنَّما كانَ مُعْجِزًا لِلصِّرْفَةِ، إنَّما ذَهَبُوا إلى ذَلِكَ المَذْهَبِ فِرارًا مِن هَذا السُّؤالِ؛ لِأنَّ الإعْجازَ عَلى ذَلِكَ القَوْلِ لَيْسَ في الفَصاحَةِ، بَلْ في سَلْبِ تِلْكَ العُلُومِ والدَّواعِي عَنِ القُلُوبِ، وذَلِكَ مِمّا لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ أحَدٌ إلّا اللَّهَ تَعالى.
القَوْلُ الثّانِي: أنَّ هَذا الَّذِي أخْبَرَكم بِهِ مُحَمَّدٌ مِن أمْرِ السّاعَةِ عَلى ما ذُكِرَ في هَذِهِ السُّورَةِ لَيْسَ بِكَهانَةٍ ولا ظَنٍّ ولا افْتِعالٍ، إنَّما هو قَوْلُ جِبْرِيلَ أتاهُ بِهِ وحْيًا مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى وصَفَ جِبْرِيلَ هاهُنا بِصِفاتٍ سِتٍّ.
أوَّلُها: أنَّهُ رَسُولٌ ولا شَكَّ أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ إلى الأنْبِياءِ فَهو رَسُولٌ وجَمِيعُ الأنْبِياءِ أُمَّتُهُ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿يُنَزِّلُ المَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِن أمْرِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ [النحل: ٢] وقالَ: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ ﴿عَلى قَلْبِكَ﴾ [الشعراء: ١٩٣] .
وثانِيها: أنَّهُ كَرِيمٌ، ومِن كَرَمِهِ أنَّهُ يُعْطِي أفْضَلَ العَطايا، وهو المَعْرِفَةُ والهِدايَةُ والإرْشادُ.
صفحة ٦٨
وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿ذِي قُوَّةٍ﴾ ثُمَّ مِنهم مَن حَمَلَهُ عَلى الشِّدَّةِ، رُوِيَ «أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - قالَ لِجِبْرِيلَ: ”ذَكَرَ اللَّهُ قُوَّتَكَ، فَماذا بَلَغْتَ ؟ قالَ رَفَعْتُ قُرَيّاتِ قَوْمِ لُوطٍ الأرْبَعَ عَلى قَوادِمِ جَناحِي حَتّى إذا سَمِعَ أهْلُ السَّماءِ نُباحَ الكِلابِ وأصْواتَ الدَّجاجِ قَلَبْتُها“» وذَكَرَ مُقاتِلٌ أنَّ شَيْطانًا يُقالُ لَهُ الأبْيَضُ صاحِبُ الأنْبِياءِ قَصَدَ أنْ يَفْتِنَ النَّبِيَّ ﷺ فَدَفَعَهُ جِبْرِيلُ دَفْعَةً رَقِيقَةً وقَعَ بِها مِن مَكَّةَ إلى أقْصى الهِنْدِ، ومِنهم مَن حَمَلَهُ عَلى القُوَّةِ في أداءِ طاعَةِ اللَّهِ وتَرْكِ الإخْلالِ بِها مِن أوَّلِ الخَلْقِ إلى آخِرِ زَمانِ التَّكْلِيفِ، وعَلى القُوَّةِ في مَعْرِفَةِ اللَّهِ وفي مُطالَعَةِ جَلالِ اللَّهِ.
ورابِعُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عِنْدَ ذِي العَرْشِ مَكِينٍ﴾ وهَذِهِ العِنْدِيَّةُ لَيْسَتْ عِنْدِيَّةَ المَكانِ، مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿ومَن عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأنبياء: ١٩] ولَيْسَتْ عِنْدِيَّةُ الجِهَةِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ «”أنا عِنْدَ المُنْكَسِرَةِ قُلُوبُهم“» بَلْ عِنْدِيَّةُ الإكْرامِ والتَّشْرِيفِ والتَّعْظِيمِ. وأمّا (مَكِينٌ) فَقالَ الكِسائِيُّ: يُقالُ قَدْ مَكُنَ فُلانٌ عِنْدَ فُلانٍ بِضَمِّ الكافِ مَكْنًا ومَكانَةً، فَعَلى هَذا المَكِينُ هو ذُو الجاهِ الَّذِي يُعْطِي ما يُسْألُ.
وخامِسُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُطاعٍ ثَمَّ﴾ اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: (ثَّمَ) إشارَةٌ إلى الظَّرْفِ المَذْكُورِ، أعْنِي ﴿عِنْدَ ذِي العَرْشِ﴾ والمَعْنى أنَّهُ عِنْدَ اللَّهِ مُطاعٌ في مَلائِكَتِهِ المُقَرَّبِينَ يُصْدِرُونَ عَنْ أمْرِهِ ويَرْجِعُونَ إلى رَأْيِهِ، وقُرِئَ ”ثُمَّ“ تَعْظِيمًا لِلْأمانَةِ وبَيانًا لِأنَّها أفْضَلُ صِفاتِهِ المَعْدُودَةِ.
وسادِسُها: قَوْلُهُ: ﴿أمِينٍ﴾ أيْ هو أمِينٌ عَلى وحْيِ اللَّهِ ورِسالاتِهِ، قَدْ عَصَمَهُ اللَّهُ مِنَ الخِيانَةِ والزَّلَلِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما صاحِبُكم بِمَجْنُونٍ﴾ واحْتَجَّ بِهَذِهِ الآيَةِ مَن فَضَّلَ جِبْرِيلَ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ فَقالَ: إنَّكَ إذا وازَنْتَ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي العَرْشِ مَكِينٍ﴾ ﴿مُطاعٍ ثَمَّ أمِينٍ﴾ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿وما صاحِبُكم بِمَجْنُونٍ﴾ ظَهَرَ التَّفاوُتُ العَظِيمُ: ﴿ولَقَدْ رَآهُ بِالأُفُقِ المُبِينِ﴾ يَعْنِي حَيْثُ تَطْلُعُ الشَّمْسُ في قَوْلِ الجَمِيعِ، وهَذا مُفَسَّرٌ في سُورَةِ النَّجْمِ ﴿وما هو عَلى الغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ أيْ وما مُحَمَّدٌ عَلى الغَيْبِ بِظَنِينٍ والغَيْبُ هاهُنا القُرْآنُ وما فِيهِ مِنَ الأنْباءِ والقَصَصِ والظَّنِينُ المُتَّهَمُ يُقالُ: ظَنَنْتُ زَيْدًا في مَعْنى اتَّهَمْتُهُ، ولَيْسَ مِنَ الظَّنِّ الَّذِي يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، والمَعْنى ما مُحَمَّدٌ عَلى القُرْآنِ بِمُتَّهَمٍ أيْ هو ثِقَةٌ فِيما يُؤَدِّي عَنِ اللَّهِ، ومَن قَرَأ بِالضّادِ فَهو مِنَ البُخْلِ يُقالُ ضَنَنْتُ بِهِ أضِنُّ أيْ بَخِلْتُ، والمَعْنى لَيْسَ بِبَخِيلٍ فِيما أنْزَلَ اللَّهُ، قالَ الفَرّاءُ: يَأْتِيهِ غَيْبُ السَّماءِ، وهو شَيْءٌ نَفِيسٌ فَلا يَبْخَلُ بِهِ عَلَيْكم، وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: المَعْنى أنَّهُ يُخْبَرُ بِالغَيْبِ فَيُبَيِّنُهُ ولا يَكْتُمُهُ كَما يَكْتُمُ الكاهِنُ ذَلِكَ ويَمْتَنِعُ مِن إعْلامِهِ حَتّى يَأْخُذَ عَلَيْهِ حُلْوانًا، واخْتارَ أبُو عُبَيْدَةَ القِراءَةَ الأُولى لِوَجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ الكُفّارَ لَمْ يُبَخِّلُوهُ، وإنَّما اتَّهَمُوهُ فَنَفْيُ التُّهْمَةِ أوْلى مِن نَفْيِ البُخْلِ.
وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿عَلى الغَيْبِ﴾ ولَوْ كانَ المُرادُ البُخْلَ لَقالَ بِالغَيْبِ لِأنَّهُ يُقالُ: فُلانٌ ضَنِينٌ بِكَذا وقَلَّما يُقالُ عَلى كَذا.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما هو بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ﴾ كانَ أهْلُ مَكَّةَ يَقُولُونَ: إنَّ هَذا القُرْآنَ يَجِيءُ بِهِ شَيْطانٌ فَيُلْقِيهِ عَلى لِسانِهِ، فَنَفى اللَّهُ ذَلِكَ، فَإنْ قِيلَ القَوْلُ بِصِحَّةِ النُّبُوَّةِ مَوْقُوفٌ عَلى نَفْيِ هَذا الِاحْتِمالِ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ نَفْيُ هَذا الِاحْتِمالِ بِالدَّلِيلِ السَّمْعِيِّ ؟ قُلْنا: بَيَّنّا أنَّ عَلى القَوْلِ بِالصِّرْفَةِ لا تَتَوَقَّفُ صِحَّةُ النُّبُوَّةِ عَلى نَفْيِ هَذا الِاحْتِمالِ، فَلا جَرَمَ يُمْكِنُ نَفْيُ هَذا الِاحْتِمالِ بِالدَّلِيلِ السَّمْعِيِّ.
صفحة ٦٩
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَأيْنَ تَذْهَبُونَ﴾ وهَذا اسْتِضْلالٌ لَهم يُقالُ لِتارِكِ الجادَّةِ اعْتِسافًا: أيْنَ تَذْهَبُ ؟ مُثِّلَتْ حالُهم بِحالِهِ في تَرْكِهِمُ الحَقَّ وعُدُولِهِمْ عَنْهُ إلى الباطِلِ، والمَعْنى أيُّ طَرِيقٍ تَسْلُكُونَ أبَيْنُ مِن هَذِهِ الطَّرِيقَةِ الَّتِي قَدْ بَيَّنْتُ لَكم، قالَ الفَرّاءُ: العَرَبُ تَقُولُ إلى أيْنَ تَذْهَبُ وأيْنَ تَذْهَبُ، وتَقُولُ ذَهَبْتُ الشّامَ وانْطَلَقْتُ السُّوقَ، واحْتَجَّ أهْلُ الِاعْتِزالِ بِهَذِهِ الآيَةِ ووَجْهُهُ ظاهِرٌ.
ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ القُرْآنَ ما هو، فَقالَ: ﴿إنْ هو إلّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ أيْ هو بَيانٌ وهِدايَةٌ لِلْخَلْقِ أجْمَعِينَ.
التكوير 81:23
صفحة ٦٦
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالخُنَّسِ﴾ ﴿الجَوارِي الكُنَّسِ﴾ الكَلامُ في قَوْلِهِ: (لا أُقْسِمُ) قَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ [القيامة: ١]، ﴿بِالخُنَّسِ﴾ ﴿الجَوارِي الكُنَّسِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: وهو المَشْهُورُ، الظّاهِرَةُ أنَّها النُّجُومُ الخُنَّسُ جَمْعُ خانِسٍ، والخُنُوسُ والِانْقِباضُ والِاسْتِخْفاءُ، تَقُولُ: خَنَسَ مِن بَيْنِ القَوْمِ وانْخَنَسَ، وفي الحَدِيثِ «”الشَّيْطانُ يُوَسْوِسُ إلى العَبْدِ فَإذا ذَكَرَ اللَّهَ خَنَسَ“» أيِ انْقَبَضَ ولِذَلِكَ سُمِّيَ الخَنّاسَ و(الكُنَّسِ) جَمْعُ كانِسٍ وكانِسَةٍ، يُقالُ: كَنَسَ إذا دَخَلَ الكِناسَ وهو مَقَرُّ الوَحْشِ يُقالُ كَنَسَ الظِّباءُ في كُنُسِها، وتَكَنَّسَتِ المَرْأةُ إذا دَخَلَتْ هَوْدَجَها تَشَبَّهُ بِالظَّبْيِ إذا دَخَلَ الكِناسُ.
ثُمَّ اخْتَلَفُوا في خُنُوسِ النُّجُومِ وكُنُوسِها عَلى ثَلاثَةِ أوْجُهٍ.
فالقَوْلُ الأظْهَرُ: أنَّ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى رُجُوعِ الكَواكِبِ الخَمْسَةِ السَّيّارَةِ واسْتِقامَتِها، فَرُجُوعُها هو الخُنُوسُ، وكُنُوسُها اخْتِفاؤُها تَحْتَ ضَوْءِ الشَّمْسِ، ولا شَكَّ أنَّ هَذِهِ حالَةٌ عَجِيبَةٌ وفِيها أسْرارٌ عَظِيمَةٌ باهِرَةٌ.
القَوْلُ الثّانِي: ما رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ وعَطاءٍ ومُقاتِلٍ وقَتادَةَ أنَّها هي جَمِيعُ الكَواكِبِ، وخُنُوسُها عِبارَةٌ عَنْ غَيْبُوبَتِها عَنِ البَصَرِ في النَّهارِ، وكُنُوسُها عِبارَةٌ عَنْ ظُهُورِها لِلْبَصَرِ في اللَّيْلِ أيْ تَظْهَرُ في أماكِنِها كالوَحْشِ في كُنُسِها.
والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ السَّبْعَةَ السَّيّارَةَ تَخْتَلِفُ مَطالِعُها ومَغارِبُها عَلى ما قالَ تَعالى: ﴿بِرَبِّ المَشارِقِ والمَغارِبِ﴾ [المعارج: ٤٠] ولا شَكَّ أنَّ فِيها مَطْلَعًا واحِدًا ومَغْرِبًا واحِدًا هُما أقْرَبُ المَطالِعِ والمَغارِبِ إلى سَمْتِ رُءُوسِنا، ثُمَّ إنَّها تَأْخُذُ في التَّباعُدِ مِن ذَلِكَ المَطْلَعِ إلى سائِرِ المَطالِعِ طُولَ السَّنَةِ، ثُمَّ تَرْجِعُ إلَيْهِ فَخُنُوسُها عِبارَةٌ عَنْ تَباعُدِها عَنْ ذَلِكَ المَطْلَعِ، وكُنُوسُها عِبارَةٌ عَنْ عَوْدِها إلَيْهِ، فَهَذا مُحْتَمَلٌ فَعَلى القَوْلِ الأوَّلِ يَكُونُ القَسَمُ واقِعًا بِالخَمْسَةِ المُتَحَيِّرَةِ، وعَلى القَوْلِ الثّانِي يَكُونُ القَسَمُ واقِعًا بِجَمِيعِ الكَواكِبِ وعَلى هَذا الِاحْتِمالِ الَّذِي ذَكَرْتُهُ يَكُونُ القَسَمُ واقِعًا بِالسَّبْعَةِ السَّيّارَةِ، واللَّهُ أعْلَمُ بِمُرادِهِ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ ﴿بِالخُنَّسِ﴾ ﴿الجَوارِي الكُنَّسِ﴾ وهو قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ والنَّخَعِيِّ أنَّها بَقَرُ الوَحْشِ، وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هي الظِّباءُ، وعَلى هَذا الخَنَسُ مِنَ الخَنَسِ في الأنْفِ وهو تَقْعِيرٌ في الأنْفِ فَإنَّ البَقَرَ والظِّباءَ أُنُوفُها عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ (الكُنَّسِ) جَمْعُ كانِسٍ وهي الَّتِي تَدْخُلُ الكِناسَ والقَوْلُ هو الأوَّلُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أمْرانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ قالَ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿واللَّيْلِ إذا عَسْعَسَ﴾ وهَذا بِالنُّجُومِ ألْيَقُ مِنهُ بِبَقَرِ الوَحْشِ.
الثّانِي: أنَّ مَحَلَّ قَسَمِ اللَّهِ كُلَّما كانَ أعْظَمَ وأعْلى رُتْبَةً كانَ أوْلى، ولا شَكَّ أنَّ الكَواكِبَ أعْلى رُتْبَةً مِن بَقَرِ الوَحْشِ.
الثّالِثُ: أنْ (الخُنَّسِ) جَمْعُ خانِسٍ مِنَ الخُنُوسِ، وأمّا جَمْعُ خَنْساءَ وأخْنَسَ مِنَ الخَنَسِ خُنْسَ بِالسُّكُونِ والتَّخْفِيفِ، ولا يُقالُ: الخُنَّسُ فِيهِ بِالتَّشْدِيدِ إلّا أنْ يَجْعَلَ الخُنَّسَ في الوَحْشِيَّةِ أيْضًا مِنَ الخُنُوسِ وهو اخْتِفاؤُها في الكِناسِ إذا غابَتْ عَنِ الأعْيُنِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّيْلِ إذا عَسْعَسَ﴾ ذَكَرَ أهْلُ اللُّغَةِ أنَّ عَسْعَسَ مِنَ الأضْدادِ، يُقالُ: عَسْعَسَ اللَّيْلُ إذا أقْبَلَ، وعَسْعَسَ إذا أدْبَرَ، وأنْشَدُوا في وُرُودِها بِمَعْنى أدْبَرَ قَوْلَ العَجّاجِ:
حَتّى إذا الصُّبْحُ لَها تَنَفَّسا وانْجابَ عَنْها لَيْلُها وعَسْعَسا
وأنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ في مَعْنى أقْبَلَ:
صفحة ٦٧
مُدَرَّجاتُ اللَّيْلِ لَمّا عَسْعَسا
ثُمَّ مِنهم مَن قالَ: المُرادُ هاهُنا أقْبَلَ اللَّيْلُ، لِأنَّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ القَسَمُ واقِعًا بِإقْبالِ اللَّيْلِ وهو قَوْلُهُ: (إذا عَسْعَسَ) وبِإدْبارِهِ أيْضًا وهو قَوْلُهُ: ﴿والصُّبْحِ إذا تَنَفَّسَ﴾ ومِنهم مَن قالَ: بَلِ المُرادُ ”أدْبَرَ“ وقَوْلُهُ: ﴿والصُّبْحِ إذا تَنَفَّسَ﴾ أيِ امْتَدَّ ضَوْءُهُ وتَكامَلَ فَقَوْلُهُ: ﴿واللَّيْلِ إذا عَسْعَسَ﴾ إشارَةٌ إلى أوَّلِ طُلُوعِ الصُّبْحِ، وهو مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿واللَّيْلِ إذْ أدْبَرَ﴾ ﴿والصُّبْحِ إذا أسْفَرَ﴾، وقَوْلُهُ: ﴿والصُّبْحِ إذا تَنَفَّسَ﴾ إشارَةٌ إلى تَكامُلِ طُلُوعِ الصُّبْحِ فَلا يَكُونُ فِيهِ تَكْرارٌ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والصُّبْحِ إذا تَنَفَّسَ﴾ أيْ إذا أسْفَرَ كَقَوْلِهِ: ﴿والصُّبْحِ إذا أسْفَرَ﴾ ثُمَّ في كَيْفِيَّةِ المَجازِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ إذا أقْبَلَ الصُّبْحُ أقْبَلَ بِإقْبالِهِ رَوْحٌ ونَسِيمٌ، فَجَعَلَ ذَلِكَ نَفَسًا لَهُ عَلى المَجازِ، وقِيلَ تَنَفَّسَ الصُّبْحُ.
والثّانِي: أنَّهُ شَبَّهَ اللَّيْلَ المُظْلِمَ بِالمَكْرُوبِ المَحْزُونِ الَّذِي جَلَسَ بِحَيْثُ لا يَتَحَرَّكُ، واجْتَمَعَ الحُزْنُ في قَلْبِهِ، فَإذا تَنَفَّسَ وجَدَ راحَةً. فَهاهُنا لَمّا طَلَعَ الصُّبْحُ فَكَأنَّهُ تَخَلَّصَ مِن ذَلِكَ الحُزْنِ فَعَبَّرَ عَنْهُ بِالتَّنَفُّسِ وهو اسْتِعارَةٌ لَطِيفَةٌ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ المُقْسَمَ بِهِ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ المُقْسَمِ عَلَيْهِ فَقالَ: ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: وهو المَشْهُورُ أنَّ المُرادَ أنَّ القُرْآنَ نَزَلَ بِهِ جِبْرِيلُ.
فَإنْ قِيلَ: هاهُنا إشْكالٌ قَوِيٌّ وهو أنَّهُ حَلَفَ أنَّهُ قَوْلُ جِبْرِيلَ، فَوَجَبَ عَلَيْنا أنْ نُصَدِّقَهُ في ذَلِكَ، فَإنْ لَمْ نَقْطَعْ بِوُجُوبِ حَمْلِ اللَّفْظِ عَلى الظّاهِرِ، فَلا أقَلَّ مِنَ الِاحْتِمالِ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ ثَبَتَ أنَّ هَذا القُرْآنَ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ كَلامَ جِبْرِيلَ لا كَلامَ اللَّهِ، وبِتَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ كَلامَ جِبْرِيلَ يَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ مُعْجِزًا، لِاحْتِمالِ أنَّ جِبْرِيلَ ألْقاهُ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ عَلى سَبِيلِ الإضْلالِ، ولا يُمْكِنُ أنْ يُجابَ عَنْهُ بِأنَّ جِبْرِيلَ مَعْصُومٌ لا يَفْعَلُ الإضْلالَ، لِأنَّ العِلْمَ بِعِصْمَةِ جِبْرِيلَ مُسْتَفادٌ مِن صِدْقِ النَّبِيِّ، وصِدْقَ النَّبِيِّ مُفَرَّعٌ عَلى كَوْنِ القُرْآنِ مُعْجِزًا، وكَوْنَ القُرْآنِ مُعْجِزًا يَتَفَرَّعُ عَلى عِصْمَةِجِبْرِيلَ، فَيَلْزَمُ الدَّوْرُ وهو مُحالٌ. والجَوابُ: الَّذِينَ قالُوا: بِأنَّ القُرْآنَ إنَّما كانَ مُعْجِزًا لِلصِّرْفَةِ، إنَّما ذَهَبُوا إلى ذَلِكَ المَذْهَبِ فِرارًا مِن هَذا السُّؤالِ؛ لِأنَّ الإعْجازَ عَلى ذَلِكَ القَوْلِ لَيْسَ في الفَصاحَةِ، بَلْ في سَلْبِ تِلْكَ العُلُومِ والدَّواعِي عَنِ القُلُوبِ، وذَلِكَ مِمّا لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ أحَدٌ إلّا اللَّهَ تَعالى.
القَوْلُ الثّانِي: أنَّ هَذا الَّذِي أخْبَرَكم بِهِ مُحَمَّدٌ مِن أمْرِ السّاعَةِ عَلى ما ذُكِرَ في هَذِهِ السُّورَةِ لَيْسَ بِكَهانَةٍ ولا ظَنٍّ ولا افْتِعالٍ، إنَّما هو قَوْلُ جِبْرِيلَ أتاهُ بِهِ وحْيًا مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى وصَفَ جِبْرِيلَ هاهُنا بِصِفاتٍ سِتٍّ.
أوَّلُها: أنَّهُ رَسُولٌ ولا شَكَّ أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ إلى الأنْبِياءِ فَهو رَسُولٌ وجَمِيعُ الأنْبِياءِ أُمَّتُهُ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿يُنَزِّلُ المَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِن أمْرِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ [النحل: ٢] وقالَ: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ ﴿عَلى قَلْبِكَ﴾ [الشعراء: ١٩٣] .
وثانِيها: أنَّهُ كَرِيمٌ، ومِن كَرَمِهِ أنَّهُ يُعْطِي أفْضَلَ العَطايا، وهو المَعْرِفَةُ والهِدايَةُ والإرْشادُ.
صفحة ٦٨
وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿ذِي قُوَّةٍ﴾ ثُمَّ مِنهم مَن حَمَلَهُ عَلى الشِّدَّةِ، رُوِيَ «أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - قالَ لِجِبْرِيلَ: ”ذَكَرَ اللَّهُ قُوَّتَكَ، فَماذا بَلَغْتَ ؟ قالَ رَفَعْتُ قُرَيّاتِ قَوْمِ لُوطٍ الأرْبَعَ عَلى قَوادِمِ جَناحِي حَتّى إذا سَمِعَ أهْلُ السَّماءِ نُباحَ الكِلابِ وأصْواتَ الدَّجاجِ قَلَبْتُها“» وذَكَرَ مُقاتِلٌ أنَّ شَيْطانًا يُقالُ لَهُ الأبْيَضُ صاحِبُ الأنْبِياءِ قَصَدَ أنْ يَفْتِنَ النَّبِيَّ ﷺ فَدَفَعَهُ جِبْرِيلُ دَفْعَةً رَقِيقَةً وقَعَ بِها مِن مَكَّةَ إلى أقْصى الهِنْدِ، ومِنهم مَن حَمَلَهُ عَلى القُوَّةِ في أداءِ طاعَةِ اللَّهِ وتَرْكِ الإخْلالِ بِها مِن أوَّلِ الخَلْقِ إلى آخِرِ زَمانِ التَّكْلِيفِ، وعَلى القُوَّةِ في مَعْرِفَةِ اللَّهِ وفي مُطالَعَةِ جَلالِ اللَّهِ.
ورابِعُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عِنْدَ ذِي العَرْشِ مَكِينٍ﴾ وهَذِهِ العِنْدِيَّةُ لَيْسَتْ عِنْدِيَّةَ المَكانِ، مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿ومَن عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأنبياء: ١٩] ولَيْسَتْ عِنْدِيَّةُ الجِهَةِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ «”أنا عِنْدَ المُنْكَسِرَةِ قُلُوبُهم“» بَلْ عِنْدِيَّةُ الإكْرامِ والتَّشْرِيفِ والتَّعْظِيمِ. وأمّا (مَكِينٌ) فَقالَ الكِسائِيُّ: يُقالُ قَدْ مَكُنَ فُلانٌ عِنْدَ فُلانٍ بِضَمِّ الكافِ مَكْنًا ومَكانَةً، فَعَلى هَذا المَكِينُ هو ذُو الجاهِ الَّذِي يُعْطِي ما يُسْألُ.
وخامِسُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُطاعٍ ثَمَّ﴾ اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: (ثَّمَ) إشارَةٌ إلى الظَّرْفِ المَذْكُورِ، أعْنِي ﴿عِنْدَ ذِي العَرْشِ﴾ والمَعْنى أنَّهُ عِنْدَ اللَّهِ مُطاعٌ في مَلائِكَتِهِ المُقَرَّبِينَ يُصْدِرُونَ عَنْ أمْرِهِ ويَرْجِعُونَ إلى رَأْيِهِ، وقُرِئَ ”ثُمَّ“ تَعْظِيمًا لِلْأمانَةِ وبَيانًا لِأنَّها أفْضَلُ صِفاتِهِ المَعْدُودَةِ.
وسادِسُها: قَوْلُهُ: ﴿أمِينٍ﴾ أيْ هو أمِينٌ عَلى وحْيِ اللَّهِ ورِسالاتِهِ، قَدْ عَصَمَهُ اللَّهُ مِنَ الخِيانَةِ والزَّلَلِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما صاحِبُكم بِمَجْنُونٍ﴾ واحْتَجَّ بِهَذِهِ الآيَةِ مَن فَضَّلَ جِبْرِيلَ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ فَقالَ: إنَّكَ إذا وازَنْتَ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي العَرْشِ مَكِينٍ﴾ ﴿مُطاعٍ ثَمَّ أمِينٍ﴾ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿وما صاحِبُكم بِمَجْنُونٍ﴾ ظَهَرَ التَّفاوُتُ العَظِيمُ: ﴿ولَقَدْ رَآهُ بِالأُفُقِ المُبِينِ﴾ يَعْنِي حَيْثُ تَطْلُعُ الشَّمْسُ في قَوْلِ الجَمِيعِ، وهَذا مُفَسَّرٌ في سُورَةِ النَّجْمِ ﴿وما هو عَلى الغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ أيْ وما مُحَمَّدٌ عَلى الغَيْبِ بِظَنِينٍ والغَيْبُ هاهُنا القُرْآنُ وما فِيهِ مِنَ الأنْباءِ والقَصَصِ والظَّنِينُ المُتَّهَمُ يُقالُ: ظَنَنْتُ زَيْدًا في مَعْنى اتَّهَمْتُهُ، ولَيْسَ مِنَ الظَّنِّ الَّذِي يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، والمَعْنى ما مُحَمَّدٌ عَلى القُرْآنِ بِمُتَّهَمٍ أيْ هو ثِقَةٌ فِيما يُؤَدِّي عَنِ اللَّهِ، ومَن قَرَأ بِالضّادِ فَهو مِنَ البُخْلِ يُقالُ ضَنَنْتُ بِهِ أضِنُّ أيْ بَخِلْتُ، والمَعْنى لَيْسَ بِبَخِيلٍ فِيما أنْزَلَ اللَّهُ، قالَ الفَرّاءُ: يَأْتِيهِ غَيْبُ السَّماءِ، وهو شَيْءٌ نَفِيسٌ فَلا يَبْخَلُ بِهِ عَلَيْكم، وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: المَعْنى أنَّهُ يُخْبَرُ بِالغَيْبِ فَيُبَيِّنُهُ ولا يَكْتُمُهُ كَما يَكْتُمُ الكاهِنُ ذَلِكَ ويَمْتَنِعُ مِن إعْلامِهِ حَتّى يَأْخُذَ عَلَيْهِ حُلْوانًا، واخْتارَ أبُو عُبَيْدَةَ القِراءَةَ الأُولى لِوَجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ الكُفّارَ لَمْ يُبَخِّلُوهُ، وإنَّما اتَّهَمُوهُ فَنَفْيُ التُّهْمَةِ أوْلى مِن نَفْيِ البُخْلِ.
وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿عَلى الغَيْبِ﴾ ولَوْ كانَ المُرادُ البُخْلَ لَقالَ بِالغَيْبِ لِأنَّهُ يُقالُ: فُلانٌ ضَنِينٌ بِكَذا وقَلَّما يُقالُ عَلى كَذا.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما هو بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ﴾ كانَ أهْلُ مَكَّةَ يَقُولُونَ: إنَّ هَذا القُرْآنَ يَجِيءُ بِهِ شَيْطانٌ فَيُلْقِيهِ عَلى لِسانِهِ، فَنَفى اللَّهُ ذَلِكَ، فَإنْ قِيلَ القَوْلُ بِصِحَّةِ النُّبُوَّةِ مَوْقُوفٌ عَلى نَفْيِ هَذا الِاحْتِمالِ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ نَفْيُ هَذا الِاحْتِمالِ بِالدَّلِيلِ السَّمْعِيِّ ؟ قُلْنا: بَيَّنّا أنَّ عَلى القَوْلِ بِالصِّرْفَةِ لا تَتَوَقَّفُ صِحَّةُ النُّبُوَّةِ عَلى نَفْيِ هَذا الِاحْتِمالِ، فَلا جَرَمَ يُمْكِنُ نَفْيُ هَذا الِاحْتِمالِ بِالدَّلِيلِ السَّمْعِيِّ.
صفحة ٦٩
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَأيْنَ تَذْهَبُونَ﴾ وهَذا اسْتِضْلالٌ لَهم يُقالُ لِتارِكِ الجادَّةِ اعْتِسافًا: أيْنَ تَذْهَبُ ؟ مُثِّلَتْ حالُهم بِحالِهِ في تَرْكِهِمُ الحَقَّ وعُدُولِهِمْ عَنْهُ إلى الباطِلِ، والمَعْنى أيُّ طَرِيقٍ تَسْلُكُونَ أبَيْنُ مِن هَذِهِ الطَّرِيقَةِ الَّتِي قَدْ بَيَّنْتُ لَكم، قالَ الفَرّاءُ: العَرَبُ تَقُولُ إلى أيْنَ تَذْهَبُ وأيْنَ تَذْهَبُ، وتَقُولُ ذَهَبْتُ الشّامَ وانْطَلَقْتُ السُّوقَ، واحْتَجَّ أهْلُ الِاعْتِزالِ بِهَذِهِ الآيَةِ ووَجْهُهُ ظاهِرٌ.
ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ القُرْآنَ ما هو، فَقالَ: ﴿إنْ هو إلّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ أيْ هو بَيانٌ وهِدايَةٌ لِلْخَلْقِ أجْمَعِينَ.
التكوير 81:24
صفحة ٦٦
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالخُنَّسِ﴾ ﴿الجَوارِي الكُنَّسِ﴾ الكَلامُ في قَوْلِهِ: (لا أُقْسِمُ) قَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ [القيامة: ١]، ﴿بِالخُنَّسِ﴾ ﴿الجَوارِي الكُنَّسِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: وهو المَشْهُورُ، الظّاهِرَةُ أنَّها النُّجُومُ الخُنَّسُ جَمْعُ خانِسٍ، والخُنُوسُ والِانْقِباضُ والِاسْتِخْفاءُ، تَقُولُ: خَنَسَ مِن بَيْنِ القَوْمِ وانْخَنَسَ، وفي الحَدِيثِ «”الشَّيْطانُ يُوَسْوِسُ إلى العَبْدِ فَإذا ذَكَرَ اللَّهَ خَنَسَ“» أيِ انْقَبَضَ ولِذَلِكَ سُمِّيَ الخَنّاسَ و(الكُنَّسِ) جَمْعُ كانِسٍ وكانِسَةٍ، يُقالُ: كَنَسَ إذا دَخَلَ الكِناسَ وهو مَقَرُّ الوَحْشِ يُقالُ كَنَسَ الظِّباءُ في كُنُسِها، وتَكَنَّسَتِ المَرْأةُ إذا دَخَلَتْ هَوْدَجَها تَشَبَّهُ بِالظَّبْيِ إذا دَخَلَ الكِناسُ.
ثُمَّ اخْتَلَفُوا في خُنُوسِ النُّجُومِ وكُنُوسِها عَلى ثَلاثَةِ أوْجُهٍ.
فالقَوْلُ الأظْهَرُ: أنَّ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى رُجُوعِ الكَواكِبِ الخَمْسَةِ السَّيّارَةِ واسْتِقامَتِها، فَرُجُوعُها هو الخُنُوسُ، وكُنُوسُها اخْتِفاؤُها تَحْتَ ضَوْءِ الشَّمْسِ، ولا شَكَّ أنَّ هَذِهِ حالَةٌ عَجِيبَةٌ وفِيها أسْرارٌ عَظِيمَةٌ باهِرَةٌ.
القَوْلُ الثّانِي: ما رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ وعَطاءٍ ومُقاتِلٍ وقَتادَةَ أنَّها هي جَمِيعُ الكَواكِبِ، وخُنُوسُها عِبارَةٌ عَنْ غَيْبُوبَتِها عَنِ البَصَرِ في النَّهارِ، وكُنُوسُها عِبارَةٌ عَنْ ظُهُورِها لِلْبَصَرِ في اللَّيْلِ أيْ تَظْهَرُ في أماكِنِها كالوَحْشِ في كُنُسِها.
والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ السَّبْعَةَ السَّيّارَةَ تَخْتَلِفُ مَطالِعُها ومَغارِبُها عَلى ما قالَ تَعالى: ﴿بِرَبِّ المَشارِقِ والمَغارِبِ﴾ [المعارج: ٤٠] ولا شَكَّ أنَّ فِيها مَطْلَعًا واحِدًا ومَغْرِبًا واحِدًا هُما أقْرَبُ المَطالِعِ والمَغارِبِ إلى سَمْتِ رُءُوسِنا، ثُمَّ إنَّها تَأْخُذُ في التَّباعُدِ مِن ذَلِكَ المَطْلَعِ إلى سائِرِ المَطالِعِ طُولَ السَّنَةِ، ثُمَّ تَرْجِعُ إلَيْهِ فَخُنُوسُها عِبارَةٌ عَنْ تَباعُدِها عَنْ ذَلِكَ المَطْلَعِ، وكُنُوسُها عِبارَةٌ عَنْ عَوْدِها إلَيْهِ، فَهَذا مُحْتَمَلٌ فَعَلى القَوْلِ الأوَّلِ يَكُونُ القَسَمُ واقِعًا بِالخَمْسَةِ المُتَحَيِّرَةِ، وعَلى القَوْلِ الثّانِي يَكُونُ القَسَمُ واقِعًا بِجَمِيعِ الكَواكِبِ وعَلى هَذا الِاحْتِمالِ الَّذِي ذَكَرْتُهُ يَكُونُ القَسَمُ واقِعًا بِالسَّبْعَةِ السَّيّارَةِ، واللَّهُ أعْلَمُ بِمُرادِهِ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ ﴿بِالخُنَّسِ﴾ ﴿الجَوارِي الكُنَّسِ﴾ وهو قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ والنَّخَعِيِّ أنَّها بَقَرُ الوَحْشِ، وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هي الظِّباءُ، وعَلى هَذا الخَنَسُ مِنَ الخَنَسِ في الأنْفِ وهو تَقْعِيرٌ في الأنْفِ فَإنَّ البَقَرَ والظِّباءَ أُنُوفُها عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ (الكُنَّسِ) جَمْعُ كانِسٍ وهي الَّتِي تَدْخُلُ الكِناسَ والقَوْلُ هو الأوَّلُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أمْرانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ قالَ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿واللَّيْلِ إذا عَسْعَسَ﴾ وهَذا بِالنُّجُومِ ألْيَقُ مِنهُ بِبَقَرِ الوَحْشِ.
الثّانِي: أنَّ مَحَلَّ قَسَمِ اللَّهِ كُلَّما كانَ أعْظَمَ وأعْلى رُتْبَةً كانَ أوْلى، ولا شَكَّ أنَّ الكَواكِبَ أعْلى رُتْبَةً مِن بَقَرِ الوَحْشِ.
الثّالِثُ: أنْ (الخُنَّسِ) جَمْعُ خانِسٍ مِنَ الخُنُوسِ، وأمّا جَمْعُ خَنْساءَ وأخْنَسَ مِنَ الخَنَسِ خُنْسَ بِالسُّكُونِ والتَّخْفِيفِ، ولا يُقالُ: الخُنَّسُ فِيهِ بِالتَّشْدِيدِ إلّا أنْ يَجْعَلَ الخُنَّسَ في الوَحْشِيَّةِ أيْضًا مِنَ الخُنُوسِ وهو اخْتِفاؤُها في الكِناسِ إذا غابَتْ عَنِ الأعْيُنِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّيْلِ إذا عَسْعَسَ﴾ ذَكَرَ أهْلُ اللُّغَةِ أنَّ عَسْعَسَ مِنَ الأضْدادِ، يُقالُ: عَسْعَسَ اللَّيْلُ إذا أقْبَلَ، وعَسْعَسَ إذا أدْبَرَ، وأنْشَدُوا في وُرُودِها بِمَعْنى أدْبَرَ قَوْلَ العَجّاجِ:
حَتّى إذا الصُّبْحُ لَها تَنَفَّسا وانْجابَ عَنْها لَيْلُها وعَسْعَسا
وأنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ في مَعْنى أقْبَلَ:
صفحة ٦٧
مُدَرَّجاتُ اللَّيْلِ لَمّا عَسْعَسا
ثُمَّ مِنهم مَن قالَ: المُرادُ هاهُنا أقْبَلَ اللَّيْلُ، لِأنَّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ القَسَمُ واقِعًا بِإقْبالِ اللَّيْلِ وهو قَوْلُهُ: (إذا عَسْعَسَ) وبِإدْبارِهِ أيْضًا وهو قَوْلُهُ: ﴿والصُّبْحِ إذا تَنَفَّسَ﴾ ومِنهم مَن قالَ: بَلِ المُرادُ ”أدْبَرَ“ وقَوْلُهُ: ﴿والصُّبْحِ إذا تَنَفَّسَ﴾ أيِ امْتَدَّ ضَوْءُهُ وتَكامَلَ فَقَوْلُهُ: ﴿واللَّيْلِ إذا عَسْعَسَ﴾ إشارَةٌ إلى أوَّلِ طُلُوعِ الصُّبْحِ، وهو مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿واللَّيْلِ إذْ أدْبَرَ﴾ ﴿والصُّبْحِ إذا أسْفَرَ﴾، وقَوْلُهُ: ﴿والصُّبْحِ إذا تَنَفَّسَ﴾ إشارَةٌ إلى تَكامُلِ طُلُوعِ الصُّبْحِ فَلا يَكُونُ فِيهِ تَكْرارٌ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والصُّبْحِ إذا تَنَفَّسَ﴾ أيْ إذا أسْفَرَ كَقَوْلِهِ: ﴿والصُّبْحِ إذا أسْفَرَ﴾ ثُمَّ في كَيْفِيَّةِ المَجازِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ إذا أقْبَلَ الصُّبْحُ أقْبَلَ بِإقْبالِهِ رَوْحٌ ونَسِيمٌ، فَجَعَلَ ذَلِكَ نَفَسًا لَهُ عَلى المَجازِ، وقِيلَ تَنَفَّسَ الصُّبْحُ.
والثّانِي: أنَّهُ شَبَّهَ اللَّيْلَ المُظْلِمَ بِالمَكْرُوبِ المَحْزُونِ الَّذِي جَلَسَ بِحَيْثُ لا يَتَحَرَّكُ، واجْتَمَعَ الحُزْنُ في قَلْبِهِ، فَإذا تَنَفَّسَ وجَدَ راحَةً. فَهاهُنا لَمّا طَلَعَ الصُّبْحُ فَكَأنَّهُ تَخَلَّصَ مِن ذَلِكَ الحُزْنِ فَعَبَّرَ عَنْهُ بِالتَّنَفُّسِ وهو اسْتِعارَةٌ لَطِيفَةٌ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ المُقْسَمَ بِهِ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ المُقْسَمِ عَلَيْهِ فَقالَ: ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: وهو المَشْهُورُ أنَّ المُرادَ أنَّ القُرْآنَ نَزَلَ بِهِ جِبْرِيلُ.
فَإنْ قِيلَ: هاهُنا إشْكالٌ قَوِيٌّ وهو أنَّهُ حَلَفَ أنَّهُ قَوْلُ جِبْرِيلَ، فَوَجَبَ عَلَيْنا أنْ نُصَدِّقَهُ في ذَلِكَ، فَإنْ لَمْ نَقْطَعْ بِوُجُوبِ حَمْلِ اللَّفْظِ عَلى الظّاهِرِ، فَلا أقَلَّ مِنَ الِاحْتِمالِ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ ثَبَتَ أنَّ هَذا القُرْآنَ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ كَلامَ جِبْرِيلَ لا كَلامَ اللَّهِ، وبِتَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ كَلامَ جِبْرِيلَ يَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ مُعْجِزًا، لِاحْتِمالِ أنَّ جِبْرِيلَ ألْقاهُ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ عَلى سَبِيلِ الإضْلالِ، ولا يُمْكِنُ أنْ يُجابَ عَنْهُ بِأنَّ جِبْرِيلَ مَعْصُومٌ لا يَفْعَلُ الإضْلالَ، لِأنَّ العِلْمَ بِعِصْمَةِ جِبْرِيلَ مُسْتَفادٌ مِن صِدْقِ النَّبِيِّ، وصِدْقَ النَّبِيِّ مُفَرَّعٌ عَلى كَوْنِ القُرْآنِ مُعْجِزًا، وكَوْنَ القُرْآنِ مُعْجِزًا يَتَفَرَّعُ عَلى عِصْمَةِجِبْرِيلَ، فَيَلْزَمُ الدَّوْرُ وهو مُحالٌ. والجَوابُ: الَّذِينَ قالُوا: بِأنَّ القُرْآنَ إنَّما كانَ مُعْجِزًا لِلصِّرْفَةِ، إنَّما ذَهَبُوا إلى ذَلِكَ المَذْهَبِ فِرارًا مِن هَذا السُّؤالِ؛ لِأنَّ الإعْجازَ عَلى ذَلِكَ القَوْلِ لَيْسَ في الفَصاحَةِ، بَلْ في سَلْبِ تِلْكَ العُلُومِ والدَّواعِي عَنِ القُلُوبِ، وذَلِكَ مِمّا لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ أحَدٌ إلّا اللَّهَ تَعالى.
القَوْلُ الثّانِي: أنَّ هَذا الَّذِي أخْبَرَكم بِهِ مُحَمَّدٌ مِن أمْرِ السّاعَةِ عَلى ما ذُكِرَ في هَذِهِ السُّورَةِ لَيْسَ بِكَهانَةٍ ولا ظَنٍّ ولا افْتِعالٍ، إنَّما هو قَوْلُ جِبْرِيلَ أتاهُ بِهِ وحْيًا مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى وصَفَ جِبْرِيلَ هاهُنا بِصِفاتٍ سِتٍّ.
أوَّلُها: أنَّهُ رَسُولٌ ولا شَكَّ أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ إلى الأنْبِياءِ فَهو رَسُولٌ وجَمِيعُ الأنْبِياءِ أُمَّتُهُ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿يُنَزِّلُ المَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِن أمْرِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ [النحل: ٢] وقالَ: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ ﴿عَلى قَلْبِكَ﴾ [الشعراء: ١٩٣] .
وثانِيها: أنَّهُ كَرِيمٌ، ومِن كَرَمِهِ أنَّهُ يُعْطِي أفْضَلَ العَطايا، وهو المَعْرِفَةُ والهِدايَةُ والإرْشادُ.
صفحة ٦٨
وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿ذِي قُوَّةٍ﴾ ثُمَّ مِنهم مَن حَمَلَهُ عَلى الشِّدَّةِ، رُوِيَ «أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - قالَ لِجِبْرِيلَ: ”ذَكَرَ اللَّهُ قُوَّتَكَ، فَماذا بَلَغْتَ ؟ قالَ رَفَعْتُ قُرَيّاتِ قَوْمِ لُوطٍ الأرْبَعَ عَلى قَوادِمِ جَناحِي حَتّى إذا سَمِعَ أهْلُ السَّماءِ نُباحَ الكِلابِ وأصْواتَ الدَّجاجِ قَلَبْتُها“» وذَكَرَ مُقاتِلٌ أنَّ شَيْطانًا يُقالُ لَهُ الأبْيَضُ صاحِبُ الأنْبِياءِ قَصَدَ أنْ يَفْتِنَ النَّبِيَّ ﷺ فَدَفَعَهُ جِبْرِيلُ دَفْعَةً رَقِيقَةً وقَعَ بِها مِن مَكَّةَ إلى أقْصى الهِنْدِ، ومِنهم مَن حَمَلَهُ عَلى القُوَّةِ في أداءِ طاعَةِ اللَّهِ وتَرْكِ الإخْلالِ بِها مِن أوَّلِ الخَلْقِ إلى آخِرِ زَمانِ التَّكْلِيفِ، وعَلى القُوَّةِ في مَعْرِفَةِ اللَّهِ وفي مُطالَعَةِ جَلالِ اللَّهِ.
ورابِعُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عِنْدَ ذِي العَرْشِ مَكِينٍ﴾ وهَذِهِ العِنْدِيَّةُ لَيْسَتْ عِنْدِيَّةَ المَكانِ، مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿ومَن عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأنبياء: ١٩] ولَيْسَتْ عِنْدِيَّةُ الجِهَةِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ «”أنا عِنْدَ المُنْكَسِرَةِ قُلُوبُهم“» بَلْ عِنْدِيَّةُ الإكْرامِ والتَّشْرِيفِ والتَّعْظِيمِ. وأمّا (مَكِينٌ) فَقالَ الكِسائِيُّ: يُقالُ قَدْ مَكُنَ فُلانٌ عِنْدَ فُلانٍ بِضَمِّ الكافِ مَكْنًا ومَكانَةً، فَعَلى هَذا المَكِينُ هو ذُو الجاهِ الَّذِي يُعْطِي ما يُسْألُ.
وخامِسُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُطاعٍ ثَمَّ﴾ اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: (ثَّمَ) إشارَةٌ إلى الظَّرْفِ المَذْكُورِ، أعْنِي ﴿عِنْدَ ذِي العَرْشِ﴾ والمَعْنى أنَّهُ عِنْدَ اللَّهِ مُطاعٌ في مَلائِكَتِهِ المُقَرَّبِينَ يُصْدِرُونَ عَنْ أمْرِهِ ويَرْجِعُونَ إلى رَأْيِهِ، وقُرِئَ ”ثُمَّ“ تَعْظِيمًا لِلْأمانَةِ وبَيانًا لِأنَّها أفْضَلُ صِفاتِهِ المَعْدُودَةِ.
وسادِسُها: قَوْلُهُ: ﴿أمِينٍ﴾ أيْ هو أمِينٌ عَلى وحْيِ اللَّهِ ورِسالاتِهِ، قَدْ عَصَمَهُ اللَّهُ مِنَ الخِيانَةِ والزَّلَلِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما صاحِبُكم بِمَجْنُونٍ﴾ واحْتَجَّ بِهَذِهِ الآيَةِ مَن فَضَّلَ جِبْرِيلَ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ فَقالَ: إنَّكَ إذا وازَنْتَ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي العَرْشِ مَكِينٍ﴾ ﴿مُطاعٍ ثَمَّ أمِينٍ﴾ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿وما صاحِبُكم بِمَجْنُونٍ﴾ ظَهَرَ التَّفاوُتُ العَظِيمُ: ﴿ولَقَدْ رَآهُ بِالأُفُقِ المُبِينِ﴾ يَعْنِي حَيْثُ تَطْلُعُ الشَّمْسُ في قَوْلِ الجَمِيعِ، وهَذا مُفَسَّرٌ في سُورَةِ النَّجْمِ ﴿وما هو عَلى الغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ أيْ وما مُحَمَّدٌ عَلى الغَيْبِ بِظَنِينٍ والغَيْبُ هاهُنا القُرْآنُ وما فِيهِ مِنَ الأنْباءِ والقَصَصِ والظَّنِينُ المُتَّهَمُ يُقالُ: ظَنَنْتُ زَيْدًا في مَعْنى اتَّهَمْتُهُ، ولَيْسَ مِنَ الظَّنِّ الَّذِي يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، والمَعْنى ما مُحَمَّدٌ عَلى القُرْآنِ بِمُتَّهَمٍ أيْ هو ثِقَةٌ فِيما يُؤَدِّي عَنِ اللَّهِ، ومَن قَرَأ بِالضّادِ فَهو مِنَ البُخْلِ يُقالُ ضَنَنْتُ بِهِ أضِنُّ أيْ بَخِلْتُ، والمَعْنى لَيْسَ بِبَخِيلٍ فِيما أنْزَلَ اللَّهُ، قالَ الفَرّاءُ: يَأْتِيهِ غَيْبُ السَّماءِ، وهو شَيْءٌ نَفِيسٌ فَلا يَبْخَلُ بِهِ عَلَيْكم، وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: المَعْنى أنَّهُ يُخْبَرُ بِالغَيْبِ فَيُبَيِّنُهُ ولا يَكْتُمُهُ كَما يَكْتُمُ الكاهِنُ ذَلِكَ ويَمْتَنِعُ مِن إعْلامِهِ حَتّى يَأْخُذَ عَلَيْهِ حُلْوانًا، واخْتارَ أبُو عُبَيْدَةَ القِراءَةَ الأُولى لِوَجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ الكُفّارَ لَمْ يُبَخِّلُوهُ، وإنَّما اتَّهَمُوهُ فَنَفْيُ التُّهْمَةِ أوْلى مِن نَفْيِ البُخْلِ.
وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿عَلى الغَيْبِ﴾ ولَوْ كانَ المُرادُ البُخْلَ لَقالَ بِالغَيْبِ لِأنَّهُ يُقالُ: فُلانٌ ضَنِينٌ بِكَذا وقَلَّما يُقالُ عَلى كَذا.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما هو بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ﴾ كانَ أهْلُ مَكَّةَ يَقُولُونَ: إنَّ هَذا القُرْآنَ يَجِيءُ بِهِ شَيْطانٌ فَيُلْقِيهِ عَلى لِسانِهِ، فَنَفى اللَّهُ ذَلِكَ، فَإنْ قِيلَ القَوْلُ بِصِحَّةِ النُّبُوَّةِ مَوْقُوفٌ عَلى نَفْيِ هَذا الِاحْتِمالِ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ نَفْيُ هَذا الِاحْتِمالِ بِالدَّلِيلِ السَّمْعِيِّ ؟ قُلْنا: بَيَّنّا أنَّ عَلى القَوْلِ بِالصِّرْفَةِ لا تَتَوَقَّفُ صِحَّةُ النُّبُوَّةِ عَلى نَفْيِ هَذا الِاحْتِمالِ، فَلا جَرَمَ يُمْكِنُ نَفْيُ هَذا الِاحْتِمالِ بِالدَّلِيلِ السَّمْعِيِّ.
صفحة ٦٩
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَأيْنَ تَذْهَبُونَ﴾ وهَذا اسْتِضْلالٌ لَهم يُقالُ لِتارِكِ الجادَّةِ اعْتِسافًا: أيْنَ تَذْهَبُ ؟ مُثِّلَتْ حالُهم بِحالِهِ في تَرْكِهِمُ الحَقَّ وعُدُولِهِمْ عَنْهُ إلى الباطِلِ، والمَعْنى أيُّ طَرِيقٍ تَسْلُكُونَ أبَيْنُ مِن هَذِهِ الطَّرِيقَةِ الَّتِي قَدْ بَيَّنْتُ لَكم، قالَ الفَرّاءُ: العَرَبُ تَقُولُ إلى أيْنَ تَذْهَبُ وأيْنَ تَذْهَبُ، وتَقُولُ ذَهَبْتُ الشّامَ وانْطَلَقْتُ السُّوقَ، واحْتَجَّ أهْلُ الِاعْتِزالِ بِهَذِهِ الآيَةِ ووَجْهُهُ ظاهِرٌ.
ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ القُرْآنَ ما هو، فَقالَ: ﴿إنْ هو إلّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ أيْ هو بَيانٌ وهِدايَةٌ لِلْخَلْقِ أجْمَعِينَ.
التكوير 81:25
صفحة ٦٦
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالخُنَّسِ﴾ ﴿الجَوارِي الكُنَّسِ﴾ الكَلامُ في قَوْلِهِ: (لا أُقْسِمُ) قَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ [القيامة: ١]، ﴿بِالخُنَّسِ﴾ ﴿الجَوارِي الكُنَّسِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: وهو المَشْهُورُ، الظّاهِرَةُ أنَّها النُّجُومُ الخُنَّسُ جَمْعُ خانِسٍ، والخُنُوسُ والِانْقِباضُ والِاسْتِخْفاءُ، تَقُولُ: خَنَسَ مِن بَيْنِ القَوْمِ وانْخَنَسَ، وفي الحَدِيثِ «”الشَّيْطانُ يُوَسْوِسُ إلى العَبْدِ فَإذا ذَكَرَ اللَّهَ خَنَسَ“» أيِ انْقَبَضَ ولِذَلِكَ سُمِّيَ الخَنّاسَ و(الكُنَّسِ) جَمْعُ كانِسٍ وكانِسَةٍ، يُقالُ: كَنَسَ إذا دَخَلَ الكِناسَ وهو مَقَرُّ الوَحْشِ يُقالُ كَنَسَ الظِّباءُ في كُنُسِها، وتَكَنَّسَتِ المَرْأةُ إذا دَخَلَتْ هَوْدَجَها تَشَبَّهُ بِالظَّبْيِ إذا دَخَلَ الكِناسُ.
ثُمَّ اخْتَلَفُوا في خُنُوسِ النُّجُومِ وكُنُوسِها عَلى ثَلاثَةِ أوْجُهٍ.
فالقَوْلُ الأظْهَرُ: أنَّ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى رُجُوعِ الكَواكِبِ الخَمْسَةِ السَّيّارَةِ واسْتِقامَتِها، فَرُجُوعُها هو الخُنُوسُ، وكُنُوسُها اخْتِفاؤُها تَحْتَ ضَوْءِ الشَّمْسِ، ولا شَكَّ أنَّ هَذِهِ حالَةٌ عَجِيبَةٌ وفِيها أسْرارٌ عَظِيمَةٌ باهِرَةٌ.
القَوْلُ الثّانِي: ما رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ وعَطاءٍ ومُقاتِلٍ وقَتادَةَ أنَّها هي جَمِيعُ الكَواكِبِ، وخُنُوسُها عِبارَةٌ عَنْ غَيْبُوبَتِها عَنِ البَصَرِ في النَّهارِ، وكُنُوسُها عِبارَةٌ عَنْ ظُهُورِها لِلْبَصَرِ في اللَّيْلِ أيْ تَظْهَرُ في أماكِنِها كالوَحْشِ في كُنُسِها.
والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ السَّبْعَةَ السَّيّارَةَ تَخْتَلِفُ مَطالِعُها ومَغارِبُها عَلى ما قالَ تَعالى: ﴿بِرَبِّ المَشارِقِ والمَغارِبِ﴾ [المعارج: ٤٠] ولا شَكَّ أنَّ فِيها مَطْلَعًا واحِدًا ومَغْرِبًا واحِدًا هُما أقْرَبُ المَطالِعِ والمَغارِبِ إلى سَمْتِ رُءُوسِنا، ثُمَّ إنَّها تَأْخُذُ في التَّباعُدِ مِن ذَلِكَ المَطْلَعِ إلى سائِرِ المَطالِعِ طُولَ السَّنَةِ، ثُمَّ تَرْجِعُ إلَيْهِ فَخُنُوسُها عِبارَةٌ عَنْ تَباعُدِها عَنْ ذَلِكَ المَطْلَعِ، وكُنُوسُها عِبارَةٌ عَنْ عَوْدِها إلَيْهِ، فَهَذا مُحْتَمَلٌ فَعَلى القَوْلِ الأوَّلِ يَكُونُ القَسَمُ واقِعًا بِالخَمْسَةِ المُتَحَيِّرَةِ، وعَلى القَوْلِ الثّانِي يَكُونُ القَسَمُ واقِعًا بِجَمِيعِ الكَواكِبِ وعَلى هَذا الِاحْتِمالِ الَّذِي ذَكَرْتُهُ يَكُونُ القَسَمُ واقِعًا بِالسَّبْعَةِ السَّيّارَةِ، واللَّهُ أعْلَمُ بِمُرادِهِ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ ﴿بِالخُنَّسِ﴾ ﴿الجَوارِي الكُنَّسِ﴾ وهو قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ والنَّخَعِيِّ أنَّها بَقَرُ الوَحْشِ، وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هي الظِّباءُ، وعَلى هَذا الخَنَسُ مِنَ الخَنَسِ في الأنْفِ وهو تَقْعِيرٌ في الأنْفِ فَإنَّ البَقَرَ والظِّباءَ أُنُوفُها عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ (الكُنَّسِ) جَمْعُ كانِسٍ وهي الَّتِي تَدْخُلُ الكِناسَ والقَوْلُ هو الأوَّلُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أمْرانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ قالَ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿واللَّيْلِ إذا عَسْعَسَ﴾ وهَذا بِالنُّجُومِ ألْيَقُ مِنهُ بِبَقَرِ الوَحْشِ.
الثّانِي: أنَّ مَحَلَّ قَسَمِ اللَّهِ كُلَّما كانَ أعْظَمَ وأعْلى رُتْبَةً كانَ أوْلى، ولا شَكَّ أنَّ الكَواكِبَ أعْلى رُتْبَةً مِن بَقَرِ الوَحْشِ.
الثّالِثُ: أنْ (الخُنَّسِ) جَمْعُ خانِسٍ مِنَ الخُنُوسِ، وأمّا جَمْعُ خَنْساءَ وأخْنَسَ مِنَ الخَنَسِ خُنْسَ بِالسُّكُونِ والتَّخْفِيفِ، ولا يُقالُ: الخُنَّسُ فِيهِ بِالتَّشْدِيدِ إلّا أنْ يَجْعَلَ الخُنَّسَ في الوَحْشِيَّةِ أيْضًا مِنَ الخُنُوسِ وهو اخْتِفاؤُها في الكِناسِ إذا غابَتْ عَنِ الأعْيُنِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّيْلِ إذا عَسْعَسَ﴾ ذَكَرَ أهْلُ اللُّغَةِ أنَّ عَسْعَسَ مِنَ الأضْدادِ، يُقالُ: عَسْعَسَ اللَّيْلُ إذا أقْبَلَ، وعَسْعَسَ إذا أدْبَرَ، وأنْشَدُوا في وُرُودِها بِمَعْنى أدْبَرَ قَوْلَ العَجّاجِ:
حَتّى إذا الصُّبْحُ لَها تَنَفَّسا وانْجابَ عَنْها لَيْلُها وعَسْعَسا
وأنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ في مَعْنى أقْبَلَ:
صفحة ٦٧
مُدَرَّجاتُ اللَّيْلِ لَمّا عَسْعَسا
ثُمَّ مِنهم مَن قالَ: المُرادُ هاهُنا أقْبَلَ اللَّيْلُ، لِأنَّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ القَسَمُ واقِعًا بِإقْبالِ اللَّيْلِ وهو قَوْلُهُ: (إذا عَسْعَسَ) وبِإدْبارِهِ أيْضًا وهو قَوْلُهُ: ﴿والصُّبْحِ إذا تَنَفَّسَ﴾ ومِنهم مَن قالَ: بَلِ المُرادُ ”أدْبَرَ“ وقَوْلُهُ: ﴿والصُّبْحِ إذا تَنَفَّسَ﴾ أيِ امْتَدَّ ضَوْءُهُ وتَكامَلَ فَقَوْلُهُ: ﴿واللَّيْلِ إذا عَسْعَسَ﴾ إشارَةٌ إلى أوَّلِ طُلُوعِ الصُّبْحِ، وهو مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿واللَّيْلِ إذْ أدْبَرَ﴾ ﴿والصُّبْحِ إذا أسْفَرَ﴾، وقَوْلُهُ: ﴿والصُّبْحِ إذا تَنَفَّسَ﴾ إشارَةٌ إلى تَكامُلِ طُلُوعِ الصُّبْحِ فَلا يَكُونُ فِيهِ تَكْرارٌ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والصُّبْحِ إذا تَنَفَّسَ﴾ أيْ إذا أسْفَرَ كَقَوْلِهِ: ﴿والصُّبْحِ إذا أسْفَرَ﴾ ثُمَّ في كَيْفِيَّةِ المَجازِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ إذا أقْبَلَ الصُّبْحُ أقْبَلَ بِإقْبالِهِ رَوْحٌ ونَسِيمٌ، فَجَعَلَ ذَلِكَ نَفَسًا لَهُ عَلى المَجازِ، وقِيلَ تَنَفَّسَ الصُّبْحُ.
والثّانِي: أنَّهُ شَبَّهَ اللَّيْلَ المُظْلِمَ بِالمَكْرُوبِ المَحْزُونِ الَّذِي جَلَسَ بِحَيْثُ لا يَتَحَرَّكُ، واجْتَمَعَ الحُزْنُ في قَلْبِهِ، فَإذا تَنَفَّسَ وجَدَ راحَةً. فَهاهُنا لَمّا طَلَعَ الصُّبْحُ فَكَأنَّهُ تَخَلَّصَ مِن ذَلِكَ الحُزْنِ فَعَبَّرَ عَنْهُ بِالتَّنَفُّسِ وهو اسْتِعارَةٌ لَطِيفَةٌ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ المُقْسَمَ بِهِ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ المُقْسَمِ عَلَيْهِ فَقالَ: ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: وهو المَشْهُورُ أنَّ المُرادَ أنَّ القُرْآنَ نَزَلَ بِهِ جِبْرِيلُ.
فَإنْ قِيلَ: هاهُنا إشْكالٌ قَوِيٌّ وهو أنَّهُ حَلَفَ أنَّهُ قَوْلُ جِبْرِيلَ، فَوَجَبَ عَلَيْنا أنْ نُصَدِّقَهُ في ذَلِكَ، فَإنْ لَمْ نَقْطَعْ بِوُجُوبِ حَمْلِ اللَّفْظِ عَلى الظّاهِرِ، فَلا أقَلَّ مِنَ الِاحْتِمالِ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ ثَبَتَ أنَّ هَذا القُرْآنَ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ كَلامَ جِبْرِيلَ لا كَلامَ اللَّهِ، وبِتَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ كَلامَ جِبْرِيلَ يَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ مُعْجِزًا، لِاحْتِمالِ أنَّ جِبْرِيلَ ألْقاهُ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ عَلى سَبِيلِ الإضْلالِ، ولا يُمْكِنُ أنْ يُجابَ عَنْهُ بِأنَّ جِبْرِيلَ مَعْصُومٌ لا يَفْعَلُ الإضْلالَ، لِأنَّ العِلْمَ بِعِصْمَةِ جِبْرِيلَ مُسْتَفادٌ مِن صِدْقِ النَّبِيِّ، وصِدْقَ النَّبِيِّ مُفَرَّعٌ عَلى كَوْنِ القُرْآنِ مُعْجِزًا، وكَوْنَ القُرْآنِ مُعْجِزًا يَتَفَرَّعُ عَلى عِصْمَةِجِبْرِيلَ، فَيَلْزَمُ الدَّوْرُ وهو مُحالٌ. والجَوابُ: الَّذِينَ قالُوا: بِأنَّ القُرْآنَ إنَّما كانَ مُعْجِزًا لِلصِّرْفَةِ، إنَّما ذَهَبُوا إلى ذَلِكَ المَذْهَبِ فِرارًا مِن هَذا السُّؤالِ؛ لِأنَّ الإعْجازَ عَلى ذَلِكَ القَوْلِ لَيْسَ في الفَصاحَةِ، بَلْ في سَلْبِ تِلْكَ العُلُومِ والدَّواعِي عَنِ القُلُوبِ، وذَلِكَ مِمّا لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ أحَدٌ إلّا اللَّهَ تَعالى.
القَوْلُ الثّانِي: أنَّ هَذا الَّذِي أخْبَرَكم بِهِ مُحَمَّدٌ مِن أمْرِ السّاعَةِ عَلى ما ذُكِرَ في هَذِهِ السُّورَةِ لَيْسَ بِكَهانَةٍ ولا ظَنٍّ ولا افْتِعالٍ، إنَّما هو قَوْلُ جِبْرِيلَ أتاهُ بِهِ وحْيًا مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى وصَفَ جِبْرِيلَ هاهُنا بِصِفاتٍ سِتٍّ.
أوَّلُها: أنَّهُ رَسُولٌ ولا شَكَّ أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ إلى الأنْبِياءِ فَهو رَسُولٌ وجَمِيعُ الأنْبِياءِ أُمَّتُهُ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿يُنَزِّلُ المَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِن أمْرِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ [النحل: ٢] وقالَ: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ ﴿عَلى قَلْبِكَ﴾ [الشعراء: ١٩٣] .
وثانِيها: أنَّهُ كَرِيمٌ، ومِن كَرَمِهِ أنَّهُ يُعْطِي أفْضَلَ العَطايا، وهو المَعْرِفَةُ والهِدايَةُ والإرْشادُ.
صفحة ٦٨
وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿ذِي قُوَّةٍ﴾ ثُمَّ مِنهم مَن حَمَلَهُ عَلى الشِّدَّةِ، رُوِيَ «أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - قالَ لِجِبْرِيلَ: ”ذَكَرَ اللَّهُ قُوَّتَكَ، فَماذا بَلَغْتَ ؟ قالَ رَفَعْتُ قُرَيّاتِ قَوْمِ لُوطٍ الأرْبَعَ عَلى قَوادِمِ جَناحِي حَتّى إذا سَمِعَ أهْلُ السَّماءِ نُباحَ الكِلابِ وأصْواتَ الدَّجاجِ قَلَبْتُها“» وذَكَرَ مُقاتِلٌ أنَّ شَيْطانًا يُقالُ لَهُ الأبْيَضُ صاحِبُ الأنْبِياءِ قَصَدَ أنْ يَفْتِنَ النَّبِيَّ ﷺ فَدَفَعَهُ جِبْرِيلُ دَفْعَةً رَقِيقَةً وقَعَ بِها مِن مَكَّةَ إلى أقْصى الهِنْدِ، ومِنهم مَن حَمَلَهُ عَلى القُوَّةِ في أداءِ طاعَةِ اللَّهِ وتَرْكِ الإخْلالِ بِها مِن أوَّلِ الخَلْقِ إلى آخِرِ زَمانِ التَّكْلِيفِ، وعَلى القُوَّةِ في مَعْرِفَةِ اللَّهِ وفي مُطالَعَةِ جَلالِ اللَّهِ.
ورابِعُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عِنْدَ ذِي العَرْشِ مَكِينٍ﴾ وهَذِهِ العِنْدِيَّةُ لَيْسَتْ عِنْدِيَّةَ المَكانِ، مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿ومَن عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأنبياء: ١٩] ولَيْسَتْ عِنْدِيَّةُ الجِهَةِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ «”أنا عِنْدَ المُنْكَسِرَةِ قُلُوبُهم“» بَلْ عِنْدِيَّةُ الإكْرامِ والتَّشْرِيفِ والتَّعْظِيمِ. وأمّا (مَكِينٌ) فَقالَ الكِسائِيُّ: يُقالُ قَدْ مَكُنَ فُلانٌ عِنْدَ فُلانٍ بِضَمِّ الكافِ مَكْنًا ومَكانَةً، فَعَلى هَذا المَكِينُ هو ذُو الجاهِ الَّذِي يُعْطِي ما يُسْألُ.
وخامِسُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُطاعٍ ثَمَّ﴾ اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: (ثَّمَ) إشارَةٌ إلى الظَّرْفِ المَذْكُورِ، أعْنِي ﴿عِنْدَ ذِي العَرْشِ﴾ والمَعْنى أنَّهُ عِنْدَ اللَّهِ مُطاعٌ في مَلائِكَتِهِ المُقَرَّبِينَ يُصْدِرُونَ عَنْ أمْرِهِ ويَرْجِعُونَ إلى رَأْيِهِ، وقُرِئَ ”ثُمَّ“ تَعْظِيمًا لِلْأمانَةِ وبَيانًا لِأنَّها أفْضَلُ صِفاتِهِ المَعْدُودَةِ.
وسادِسُها: قَوْلُهُ: ﴿أمِينٍ﴾ أيْ هو أمِينٌ عَلى وحْيِ اللَّهِ ورِسالاتِهِ، قَدْ عَصَمَهُ اللَّهُ مِنَ الخِيانَةِ والزَّلَلِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما صاحِبُكم بِمَجْنُونٍ﴾ واحْتَجَّ بِهَذِهِ الآيَةِ مَن فَضَّلَ جِبْرِيلَ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ فَقالَ: إنَّكَ إذا وازَنْتَ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي العَرْشِ مَكِينٍ﴾ ﴿مُطاعٍ ثَمَّ أمِينٍ﴾ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿وما صاحِبُكم بِمَجْنُونٍ﴾ ظَهَرَ التَّفاوُتُ العَظِيمُ: ﴿ولَقَدْ رَآهُ بِالأُفُقِ المُبِينِ﴾ يَعْنِي حَيْثُ تَطْلُعُ الشَّمْسُ في قَوْلِ الجَمِيعِ، وهَذا مُفَسَّرٌ في سُورَةِ النَّجْمِ ﴿وما هو عَلى الغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ أيْ وما مُحَمَّدٌ عَلى الغَيْبِ بِظَنِينٍ والغَيْبُ هاهُنا القُرْآنُ وما فِيهِ مِنَ الأنْباءِ والقَصَصِ والظَّنِينُ المُتَّهَمُ يُقالُ: ظَنَنْتُ زَيْدًا في مَعْنى اتَّهَمْتُهُ، ولَيْسَ مِنَ الظَّنِّ الَّذِي يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، والمَعْنى ما مُحَمَّدٌ عَلى القُرْآنِ بِمُتَّهَمٍ أيْ هو ثِقَةٌ فِيما يُؤَدِّي عَنِ اللَّهِ، ومَن قَرَأ بِالضّادِ فَهو مِنَ البُخْلِ يُقالُ ضَنَنْتُ بِهِ أضِنُّ أيْ بَخِلْتُ، والمَعْنى لَيْسَ بِبَخِيلٍ فِيما أنْزَلَ اللَّهُ، قالَ الفَرّاءُ: يَأْتِيهِ غَيْبُ السَّماءِ، وهو شَيْءٌ نَفِيسٌ فَلا يَبْخَلُ بِهِ عَلَيْكم، وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: المَعْنى أنَّهُ يُخْبَرُ بِالغَيْبِ فَيُبَيِّنُهُ ولا يَكْتُمُهُ كَما يَكْتُمُ الكاهِنُ ذَلِكَ ويَمْتَنِعُ مِن إعْلامِهِ حَتّى يَأْخُذَ عَلَيْهِ حُلْوانًا، واخْتارَ أبُو عُبَيْدَةَ القِراءَةَ الأُولى لِوَجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ الكُفّارَ لَمْ يُبَخِّلُوهُ، وإنَّما اتَّهَمُوهُ فَنَفْيُ التُّهْمَةِ أوْلى مِن نَفْيِ البُخْلِ.
وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿عَلى الغَيْبِ﴾ ولَوْ كانَ المُرادُ البُخْلَ لَقالَ بِالغَيْبِ لِأنَّهُ يُقالُ: فُلانٌ ضَنِينٌ بِكَذا وقَلَّما يُقالُ عَلى كَذا.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما هو بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ﴾ كانَ أهْلُ مَكَّةَ يَقُولُونَ: إنَّ هَذا القُرْآنَ يَجِيءُ بِهِ شَيْطانٌ فَيُلْقِيهِ عَلى لِسانِهِ، فَنَفى اللَّهُ ذَلِكَ، فَإنْ قِيلَ القَوْلُ بِصِحَّةِ النُّبُوَّةِ مَوْقُوفٌ عَلى نَفْيِ هَذا الِاحْتِمالِ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ نَفْيُ هَذا الِاحْتِمالِ بِالدَّلِيلِ السَّمْعِيِّ ؟ قُلْنا: بَيَّنّا أنَّ عَلى القَوْلِ بِالصِّرْفَةِ لا تَتَوَقَّفُ صِحَّةُ النُّبُوَّةِ عَلى نَفْيِ هَذا الِاحْتِمالِ، فَلا جَرَمَ يُمْكِنُ نَفْيُ هَذا الِاحْتِمالِ بِالدَّلِيلِ السَّمْعِيِّ.
صفحة ٦٩
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَأيْنَ تَذْهَبُونَ﴾ وهَذا اسْتِضْلالٌ لَهم يُقالُ لِتارِكِ الجادَّةِ اعْتِسافًا: أيْنَ تَذْهَبُ ؟ مُثِّلَتْ حالُهم بِحالِهِ في تَرْكِهِمُ الحَقَّ وعُدُولِهِمْ عَنْهُ إلى الباطِلِ، والمَعْنى أيُّ طَرِيقٍ تَسْلُكُونَ أبَيْنُ مِن هَذِهِ الطَّرِيقَةِ الَّتِي قَدْ بَيَّنْتُ لَكم، قالَ الفَرّاءُ: العَرَبُ تَقُولُ إلى أيْنَ تَذْهَبُ وأيْنَ تَذْهَبُ، وتَقُولُ ذَهَبْتُ الشّامَ وانْطَلَقْتُ السُّوقَ، واحْتَجَّ أهْلُ الِاعْتِزالِ بِهَذِهِ الآيَةِ ووَجْهُهُ ظاهِرٌ.
ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ القُرْآنَ ما هو، فَقالَ: ﴿إنْ هو إلّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ أيْ هو بَيانٌ وهِدايَةٌ لِلْخَلْقِ أجْمَعِينَ.
التكوير 81:26
صفحة ٦٦
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالخُنَّسِ﴾ ﴿الجَوارِي الكُنَّسِ﴾ الكَلامُ في قَوْلِهِ: (لا أُقْسِمُ) قَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ [القيامة: ١]، ﴿بِالخُنَّسِ﴾ ﴿الجَوارِي الكُنَّسِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: وهو المَشْهُورُ، الظّاهِرَةُ أنَّها النُّجُومُ الخُنَّسُ جَمْعُ خانِسٍ، والخُنُوسُ والِانْقِباضُ والِاسْتِخْفاءُ، تَقُولُ: خَنَسَ مِن بَيْنِ القَوْمِ وانْخَنَسَ، وفي الحَدِيثِ «”الشَّيْطانُ يُوَسْوِسُ إلى العَبْدِ فَإذا ذَكَرَ اللَّهَ خَنَسَ“» أيِ انْقَبَضَ ولِذَلِكَ سُمِّيَ الخَنّاسَ و(الكُنَّسِ) جَمْعُ كانِسٍ وكانِسَةٍ، يُقالُ: كَنَسَ إذا دَخَلَ الكِناسَ وهو مَقَرُّ الوَحْشِ يُقالُ كَنَسَ الظِّباءُ في كُنُسِها، وتَكَنَّسَتِ المَرْأةُ إذا دَخَلَتْ هَوْدَجَها تَشَبَّهُ بِالظَّبْيِ إذا دَخَلَ الكِناسُ.
ثُمَّ اخْتَلَفُوا في خُنُوسِ النُّجُومِ وكُنُوسِها عَلى ثَلاثَةِ أوْجُهٍ.
فالقَوْلُ الأظْهَرُ: أنَّ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى رُجُوعِ الكَواكِبِ الخَمْسَةِ السَّيّارَةِ واسْتِقامَتِها، فَرُجُوعُها هو الخُنُوسُ، وكُنُوسُها اخْتِفاؤُها تَحْتَ ضَوْءِ الشَّمْسِ، ولا شَكَّ أنَّ هَذِهِ حالَةٌ عَجِيبَةٌ وفِيها أسْرارٌ عَظِيمَةٌ باهِرَةٌ.
القَوْلُ الثّانِي: ما رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ وعَطاءٍ ومُقاتِلٍ وقَتادَةَ أنَّها هي جَمِيعُ الكَواكِبِ، وخُنُوسُها عِبارَةٌ عَنْ غَيْبُوبَتِها عَنِ البَصَرِ في النَّهارِ، وكُنُوسُها عِبارَةٌ عَنْ ظُهُورِها لِلْبَصَرِ في اللَّيْلِ أيْ تَظْهَرُ في أماكِنِها كالوَحْشِ في كُنُسِها.
والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ السَّبْعَةَ السَّيّارَةَ تَخْتَلِفُ مَطالِعُها ومَغارِبُها عَلى ما قالَ تَعالى: ﴿بِرَبِّ المَشارِقِ والمَغارِبِ﴾ [المعارج: ٤٠] ولا شَكَّ أنَّ فِيها مَطْلَعًا واحِدًا ومَغْرِبًا واحِدًا هُما أقْرَبُ المَطالِعِ والمَغارِبِ إلى سَمْتِ رُءُوسِنا، ثُمَّ إنَّها تَأْخُذُ في التَّباعُدِ مِن ذَلِكَ المَطْلَعِ إلى سائِرِ المَطالِعِ طُولَ السَّنَةِ، ثُمَّ تَرْجِعُ إلَيْهِ فَخُنُوسُها عِبارَةٌ عَنْ تَباعُدِها عَنْ ذَلِكَ المَطْلَعِ، وكُنُوسُها عِبارَةٌ عَنْ عَوْدِها إلَيْهِ، فَهَذا مُحْتَمَلٌ فَعَلى القَوْلِ الأوَّلِ يَكُونُ القَسَمُ واقِعًا بِالخَمْسَةِ المُتَحَيِّرَةِ، وعَلى القَوْلِ الثّانِي يَكُونُ القَسَمُ واقِعًا بِجَمِيعِ الكَواكِبِ وعَلى هَذا الِاحْتِمالِ الَّذِي ذَكَرْتُهُ يَكُونُ القَسَمُ واقِعًا بِالسَّبْعَةِ السَّيّارَةِ، واللَّهُ أعْلَمُ بِمُرادِهِ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ ﴿بِالخُنَّسِ﴾ ﴿الجَوارِي الكُنَّسِ﴾ وهو قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ والنَّخَعِيِّ أنَّها بَقَرُ الوَحْشِ، وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هي الظِّباءُ، وعَلى هَذا الخَنَسُ مِنَ الخَنَسِ في الأنْفِ وهو تَقْعِيرٌ في الأنْفِ فَإنَّ البَقَرَ والظِّباءَ أُنُوفُها عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ (الكُنَّسِ) جَمْعُ كانِسٍ وهي الَّتِي تَدْخُلُ الكِناسَ والقَوْلُ هو الأوَّلُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أمْرانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ قالَ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿واللَّيْلِ إذا عَسْعَسَ﴾ وهَذا بِالنُّجُومِ ألْيَقُ مِنهُ بِبَقَرِ الوَحْشِ.
الثّانِي: أنَّ مَحَلَّ قَسَمِ اللَّهِ كُلَّما كانَ أعْظَمَ وأعْلى رُتْبَةً كانَ أوْلى، ولا شَكَّ أنَّ الكَواكِبَ أعْلى رُتْبَةً مِن بَقَرِ الوَحْشِ.
الثّالِثُ: أنْ (الخُنَّسِ) جَمْعُ خانِسٍ مِنَ الخُنُوسِ، وأمّا جَمْعُ خَنْساءَ وأخْنَسَ مِنَ الخَنَسِ خُنْسَ بِالسُّكُونِ والتَّخْفِيفِ، ولا يُقالُ: الخُنَّسُ فِيهِ بِالتَّشْدِيدِ إلّا أنْ يَجْعَلَ الخُنَّسَ في الوَحْشِيَّةِ أيْضًا مِنَ الخُنُوسِ وهو اخْتِفاؤُها في الكِناسِ إذا غابَتْ عَنِ الأعْيُنِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّيْلِ إذا عَسْعَسَ﴾ ذَكَرَ أهْلُ اللُّغَةِ أنَّ عَسْعَسَ مِنَ الأضْدادِ، يُقالُ: عَسْعَسَ اللَّيْلُ إذا أقْبَلَ، وعَسْعَسَ إذا أدْبَرَ، وأنْشَدُوا في وُرُودِها بِمَعْنى أدْبَرَ قَوْلَ العَجّاجِ:
حَتّى إذا الصُّبْحُ لَها تَنَفَّسا وانْجابَ عَنْها لَيْلُها وعَسْعَسا
وأنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ في مَعْنى أقْبَلَ:
صفحة ٦٧
مُدَرَّجاتُ اللَّيْلِ لَمّا عَسْعَسا
ثُمَّ مِنهم مَن قالَ: المُرادُ هاهُنا أقْبَلَ اللَّيْلُ، لِأنَّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ القَسَمُ واقِعًا بِإقْبالِ اللَّيْلِ وهو قَوْلُهُ: (إذا عَسْعَسَ) وبِإدْبارِهِ أيْضًا وهو قَوْلُهُ: ﴿والصُّبْحِ إذا تَنَفَّسَ﴾ ومِنهم مَن قالَ: بَلِ المُرادُ ”أدْبَرَ“ وقَوْلُهُ: ﴿والصُّبْحِ إذا تَنَفَّسَ﴾ أيِ امْتَدَّ ضَوْءُهُ وتَكامَلَ فَقَوْلُهُ: ﴿واللَّيْلِ إذا عَسْعَسَ﴾ إشارَةٌ إلى أوَّلِ طُلُوعِ الصُّبْحِ، وهو مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿واللَّيْلِ إذْ أدْبَرَ﴾ ﴿والصُّبْحِ إذا أسْفَرَ﴾، وقَوْلُهُ: ﴿والصُّبْحِ إذا تَنَفَّسَ﴾ إشارَةٌ إلى تَكامُلِ طُلُوعِ الصُّبْحِ فَلا يَكُونُ فِيهِ تَكْرارٌ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والصُّبْحِ إذا تَنَفَّسَ﴾ أيْ إذا أسْفَرَ كَقَوْلِهِ: ﴿والصُّبْحِ إذا أسْفَرَ﴾ ثُمَّ في كَيْفِيَّةِ المَجازِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ إذا أقْبَلَ الصُّبْحُ أقْبَلَ بِإقْبالِهِ رَوْحٌ ونَسِيمٌ، فَجَعَلَ ذَلِكَ نَفَسًا لَهُ عَلى المَجازِ، وقِيلَ تَنَفَّسَ الصُّبْحُ.
والثّانِي: أنَّهُ شَبَّهَ اللَّيْلَ المُظْلِمَ بِالمَكْرُوبِ المَحْزُونِ الَّذِي جَلَسَ بِحَيْثُ لا يَتَحَرَّكُ، واجْتَمَعَ الحُزْنُ في قَلْبِهِ، فَإذا تَنَفَّسَ وجَدَ راحَةً. فَهاهُنا لَمّا طَلَعَ الصُّبْحُ فَكَأنَّهُ تَخَلَّصَ مِن ذَلِكَ الحُزْنِ فَعَبَّرَ عَنْهُ بِالتَّنَفُّسِ وهو اسْتِعارَةٌ لَطِيفَةٌ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ المُقْسَمَ بِهِ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ المُقْسَمِ عَلَيْهِ فَقالَ: ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: وهو المَشْهُورُ أنَّ المُرادَ أنَّ القُرْآنَ نَزَلَ بِهِ جِبْرِيلُ.
فَإنْ قِيلَ: هاهُنا إشْكالٌ قَوِيٌّ وهو أنَّهُ حَلَفَ أنَّهُ قَوْلُ جِبْرِيلَ، فَوَجَبَ عَلَيْنا أنْ نُصَدِّقَهُ في ذَلِكَ، فَإنْ لَمْ نَقْطَعْ بِوُجُوبِ حَمْلِ اللَّفْظِ عَلى الظّاهِرِ، فَلا أقَلَّ مِنَ الِاحْتِمالِ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ ثَبَتَ أنَّ هَذا القُرْآنَ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ كَلامَ جِبْرِيلَ لا كَلامَ اللَّهِ، وبِتَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ كَلامَ جِبْرِيلَ يَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ مُعْجِزًا، لِاحْتِمالِ أنَّ جِبْرِيلَ ألْقاهُ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ عَلى سَبِيلِ الإضْلالِ، ولا يُمْكِنُ أنْ يُجابَ عَنْهُ بِأنَّ جِبْرِيلَ مَعْصُومٌ لا يَفْعَلُ الإضْلالَ، لِأنَّ العِلْمَ بِعِصْمَةِ جِبْرِيلَ مُسْتَفادٌ مِن صِدْقِ النَّبِيِّ، وصِدْقَ النَّبِيِّ مُفَرَّعٌ عَلى كَوْنِ القُرْآنِ مُعْجِزًا، وكَوْنَ القُرْآنِ مُعْجِزًا يَتَفَرَّعُ عَلى عِصْمَةِجِبْرِيلَ، فَيَلْزَمُ الدَّوْرُ وهو مُحالٌ. والجَوابُ: الَّذِينَ قالُوا: بِأنَّ القُرْآنَ إنَّما كانَ مُعْجِزًا لِلصِّرْفَةِ، إنَّما ذَهَبُوا إلى ذَلِكَ المَذْهَبِ فِرارًا مِن هَذا السُّؤالِ؛ لِأنَّ الإعْجازَ عَلى ذَلِكَ القَوْلِ لَيْسَ في الفَصاحَةِ، بَلْ في سَلْبِ تِلْكَ العُلُومِ والدَّواعِي عَنِ القُلُوبِ، وذَلِكَ مِمّا لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ أحَدٌ إلّا اللَّهَ تَعالى.
القَوْلُ الثّانِي: أنَّ هَذا الَّذِي أخْبَرَكم بِهِ مُحَمَّدٌ مِن أمْرِ السّاعَةِ عَلى ما ذُكِرَ في هَذِهِ السُّورَةِ لَيْسَ بِكَهانَةٍ ولا ظَنٍّ ولا افْتِعالٍ، إنَّما هو قَوْلُ جِبْرِيلَ أتاهُ بِهِ وحْيًا مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى وصَفَ جِبْرِيلَ هاهُنا بِصِفاتٍ سِتٍّ.
أوَّلُها: أنَّهُ رَسُولٌ ولا شَكَّ أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ إلى الأنْبِياءِ فَهو رَسُولٌ وجَمِيعُ الأنْبِياءِ أُمَّتُهُ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿يُنَزِّلُ المَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِن أمْرِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ [النحل: ٢] وقالَ: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ ﴿عَلى قَلْبِكَ﴾ [الشعراء: ١٩٣] .
وثانِيها: أنَّهُ كَرِيمٌ، ومِن كَرَمِهِ أنَّهُ يُعْطِي أفْضَلَ العَطايا، وهو المَعْرِفَةُ والهِدايَةُ والإرْشادُ.
صفحة ٦٨
وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿ذِي قُوَّةٍ﴾ ثُمَّ مِنهم مَن حَمَلَهُ عَلى الشِّدَّةِ، رُوِيَ «أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - قالَ لِجِبْرِيلَ: ”ذَكَرَ اللَّهُ قُوَّتَكَ، فَماذا بَلَغْتَ ؟ قالَ رَفَعْتُ قُرَيّاتِ قَوْمِ لُوطٍ الأرْبَعَ عَلى قَوادِمِ جَناحِي حَتّى إذا سَمِعَ أهْلُ السَّماءِ نُباحَ الكِلابِ وأصْواتَ الدَّجاجِ قَلَبْتُها“» وذَكَرَ مُقاتِلٌ أنَّ شَيْطانًا يُقالُ لَهُ الأبْيَضُ صاحِبُ الأنْبِياءِ قَصَدَ أنْ يَفْتِنَ النَّبِيَّ ﷺ فَدَفَعَهُ جِبْرِيلُ دَفْعَةً رَقِيقَةً وقَعَ بِها مِن مَكَّةَ إلى أقْصى الهِنْدِ، ومِنهم مَن حَمَلَهُ عَلى القُوَّةِ في أداءِ طاعَةِ اللَّهِ وتَرْكِ الإخْلالِ بِها مِن أوَّلِ الخَلْقِ إلى آخِرِ زَمانِ التَّكْلِيفِ، وعَلى القُوَّةِ في مَعْرِفَةِ اللَّهِ وفي مُطالَعَةِ جَلالِ اللَّهِ.
ورابِعُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عِنْدَ ذِي العَرْشِ مَكِينٍ﴾ وهَذِهِ العِنْدِيَّةُ لَيْسَتْ عِنْدِيَّةَ المَكانِ، مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿ومَن عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأنبياء: ١٩] ولَيْسَتْ عِنْدِيَّةُ الجِهَةِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ «”أنا عِنْدَ المُنْكَسِرَةِ قُلُوبُهم“» بَلْ عِنْدِيَّةُ الإكْرامِ والتَّشْرِيفِ والتَّعْظِيمِ. وأمّا (مَكِينٌ) فَقالَ الكِسائِيُّ: يُقالُ قَدْ مَكُنَ فُلانٌ عِنْدَ فُلانٍ بِضَمِّ الكافِ مَكْنًا ومَكانَةً، فَعَلى هَذا المَكِينُ هو ذُو الجاهِ الَّذِي يُعْطِي ما يُسْألُ.
وخامِسُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُطاعٍ ثَمَّ﴾ اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: (ثَّمَ) إشارَةٌ إلى الظَّرْفِ المَذْكُورِ، أعْنِي ﴿عِنْدَ ذِي العَرْشِ﴾ والمَعْنى أنَّهُ عِنْدَ اللَّهِ مُطاعٌ في مَلائِكَتِهِ المُقَرَّبِينَ يُصْدِرُونَ عَنْ أمْرِهِ ويَرْجِعُونَ إلى رَأْيِهِ، وقُرِئَ ”ثُمَّ“ تَعْظِيمًا لِلْأمانَةِ وبَيانًا لِأنَّها أفْضَلُ صِفاتِهِ المَعْدُودَةِ.
وسادِسُها: قَوْلُهُ: ﴿أمِينٍ﴾ أيْ هو أمِينٌ عَلى وحْيِ اللَّهِ ورِسالاتِهِ، قَدْ عَصَمَهُ اللَّهُ مِنَ الخِيانَةِ والزَّلَلِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما صاحِبُكم بِمَجْنُونٍ﴾ واحْتَجَّ بِهَذِهِ الآيَةِ مَن فَضَّلَ جِبْرِيلَ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ فَقالَ: إنَّكَ إذا وازَنْتَ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي العَرْشِ مَكِينٍ﴾ ﴿مُطاعٍ ثَمَّ أمِينٍ﴾ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿وما صاحِبُكم بِمَجْنُونٍ﴾ ظَهَرَ التَّفاوُتُ العَظِيمُ: ﴿ولَقَدْ رَآهُ بِالأُفُقِ المُبِينِ﴾ يَعْنِي حَيْثُ تَطْلُعُ الشَّمْسُ في قَوْلِ الجَمِيعِ، وهَذا مُفَسَّرٌ في سُورَةِ النَّجْمِ ﴿وما هو عَلى الغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ أيْ وما مُحَمَّدٌ عَلى الغَيْبِ بِظَنِينٍ والغَيْبُ هاهُنا القُرْآنُ وما فِيهِ مِنَ الأنْباءِ والقَصَصِ والظَّنِينُ المُتَّهَمُ يُقالُ: ظَنَنْتُ زَيْدًا في مَعْنى اتَّهَمْتُهُ، ولَيْسَ مِنَ الظَّنِّ الَّذِي يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، والمَعْنى ما مُحَمَّدٌ عَلى القُرْآنِ بِمُتَّهَمٍ أيْ هو ثِقَةٌ فِيما يُؤَدِّي عَنِ اللَّهِ، ومَن قَرَأ بِالضّادِ فَهو مِنَ البُخْلِ يُقالُ ضَنَنْتُ بِهِ أضِنُّ أيْ بَخِلْتُ، والمَعْنى لَيْسَ بِبَخِيلٍ فِيما أنْزَلَ اللَّهُ، قالَ الفَرّاءُ: يَأْتِيهِ غَيْبُ السَّماءِ، وهو شَيْءٌ نَفِيسٌ فَلا يَبْخَلُ بِهِ عَلَيْكم، وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: المَعْنى أنَّهُ يُخْبَرُ بِالغَيْبِ فَيُبَيِّنُهُ ولا يَكْتُمُهُ كَما يَكْتُمُ الكاهِنُ ذَلِكَ ويَمْتَنِعُ مِن إعْلامِهِ حَتّى يَأْخُذَ عَلَيْهِ حُلْوانًا، واخْتارَ أبُو عُبَيْدَةَ القِراءَةَ الأُولى لِوَجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ الكُفّارَ لَمْ يُبَخِّلُوهُ، وإنَّما اتَّهَمُوهُ فَنَفْيُ التُّهْمَةِ أوْلى مِن نَفْيِ البُخْلِ.
وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿عَلى الغَيْبِ﴾ ولَوْ كانَ المُرادُ البُخْلَ لَقالَ بِالغَيْبِ لِأنَّهُ يُقالُ: فُلانٌ ضَنِينٌ بِكَذا وقَلَّما يُقالُ عَلى كَذا.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما هو بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ﴾ كانَ أهْلُ مَكَّةَ يَقُولُونَ: إنَّ هَذا القُرْآنَ يَجِيءُ بِهِ شَيْطانٌ فَيُلْقِيهِ عَلى لِسانِهِ، فَنَفى اللَّهُ ذَلِكَ، فَإنْ قِيلَ القَوْلُ بِصِحَّةِ النُّبُوَّةِ مَوْقُوفٌ عَلى نَفْيِ هَذا الِاحْتِمالِ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ نَفْيُ هَذا الِاحْتِمالِ بِالدَّلِيلِ السَّمْعِيِّ ؟ قُلْنا: بَيَّنّا أنَّ عَلى القَوْلِ بِالصِّرْفَةِ لا تَتَوَقَّفُ صِحَّةُ النُّبُوَّةِ عَلى نَفْيِ هَذا الِاحْتِمالِ، فَلا جَرَمَ يُمْكِنُ نَفْيُ هَذا الِاحْتِمالِ بِالدَّلِيلِ السَّمْعِيِّ.
صفحة ٦٩
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَأيْنَ تَذْهَبُونَ﴾ وهَذا اسْتِضْلالٌ لَهم يُقالُ لِتارِكِ الجادَّةِ اعْتِسافًا: أيْنَ تَذْهَبُ ؟ مُثِّلَتْ حالُهم بِحالِهِ في تَرْكِهِمُ الحَقَّ وعُدُولِهِمْ عَنْهُ إلى الباطِلِ، والمَعْنى أيُّ طَرِيقٍ تَسْلُكُونَ أبَيْنُ مِن هَذِهِ الطَّرِيقَةِ الَّتِي قَدْ بَيَّنْتُ لَكم، قالَ الفَرّاءُ: العَرَبُ تَقُولُ إلى أيْنَ تَذْهَبُ وأيْنَ تَذْهَبُ، وتَقُولُ ذَهَبْتُ الشّامَ وانْطَلَقْتُ السُّوقَ، واحْتَجَّ أهْلُ الِاعْتِزالِ بِهَذِهِ الآيَةِ ووَجْهُهُ ظاهِرٌ.
ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ القُرْآنَ ما هو، فَقالَ: ﴿إنْ هو إلّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ أيْ هو بَيانٌ وهِدايَةٌ لِلْخَلْقِ أجْمَعِينَ.
التكوير 81:27
صفحة ٦٦
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالخُنَّسِ﴾ ﴿الجَوارِي الكُنَّسِ﴾ الكَلامُ في قَوْلِهِ: (لا أُقْسِمُ) قَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ [القيامة: ١]، ﴿بِالخُنَّسِ﴾ ﴿الجَوارِي الكُنَّسِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: وهو المَشْهُورُ، الظّاهِرَةُ أنَّها النُّجُومُ الخُنَّسُ جَمْعُ خانِسٍ، والخُنُوسُ والِانْقِباضُ والِاسْتِخْفاءُ، تَقُولُ: خَنَسَ مِن بَيْنِ القَوْمِ وانْخَنَسَ، وفي الحَدِيثِ «”الشَّيْطانُ يُوَسْوِسُ إلى العَبْدِ فَإذا ذَكَرَ اللَّهَ خَنَسَ“» أيِ انْقَبَضَ ولِذَلِكَ سُمِّيَ الخَنّاسَ و(الكُنَّسِ) جَمْعُ كانِسٍ وكانِسَةٍ، يُقالُ: كَنَسَ إذا دَخَلَ الكِناسَ وهو مَقَرُّ الوَحْشِ يُقالُ كَنَسَ الظِّباءُ في كُنُسِها، وتَكَنَّسَتِ المَرْأةُ إذا دَخَلَتْ هَوْدَجَها تَشَبَّهُ بِالظَّبْيِ إذا دَخَلَ الكِناسُ.
ثُمَّ اخْتَلَفُوا في خُنُوسِ النُّجُومِ وكُنُوسِها عَلى ثَلاثَةِ أوْجُهٍ.
فالقَوْلُ الأظْهَرُ: أنَّ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى رُجُوعِ الكَواكِبِ الخَمْسَةِ السَّيّارَةِ واسْتِقامَتِها، فَرُجُوعُها هو الخُنُوسُ، وكُنُوسُها اخْتِفاؤُها تَحْتَ ضَوْءِ الشَّمْسِ، ولا شَكَّ أنَّ هَذِهِ حالَةٌ عَجِيبَةٌ وفِيها أسْرارٌ عَظِيمَةٌ باهِرَةٌ.
القَوْلُ الثّانِي: ما رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ وعَطاءٍ ومُقاتِلٍ وقَتادَةَ أنَّها هي جَمِيعُ الكَواكِبِ، وخُنُوسُها عِبارَةٌ عَنْ غَيْبُوبَتِها عَنِ البَصَرِ في النَّهارِ، وكُنُوسُها عِبارَةٌ عَنْ ظُهُورِها لِلْبَصَرِ في اللَّيْلِ أيْ تَظْهَرُ في أماكِنِها كالوَحْشِ في كُنُسِها.
والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ السَّبْعَةَ السَّيّارَةَ تَخْتَلِفُ مَطالِعُها ومَغارِبُها عَلى ما قالَ تَعالى: ﴿بِرَبِّ المَشارِقِ والمَغارِبِ﴾ [المعارج: ٤٠] ولا شَكَّ أنَّ فِيها مَطْلَعًا واحِدًا ومَغْرِبًا واحِدًا هُما أقْرَبُ المَطالِعِ والمَغارِبِ إلى سَمْتِ رُءُوسِنا، ثُمَّ إنَّها تَأْخُذُ في التَّباعُدِ مِن ذَلِكَ المَطْلَعِ إلى سائِرِ المَطالِعِ طُولَ السَّنَةِ، ثُمَّ تَرْجِعُ إلَيْهِ فَخُنُوسُها عِبارَةٌ عَنْ تَباعُدِها عَنْ ذَلِكَ المَطْلَعِ، وكُنُوسُها عِبارَةٌ عَنْ عَوْدِها إلَيْهِ، فَهَذا مُحْتَمَلٌ فَعَلى القَوْلِ الأوَّلِ يَكُونُ القَسَمُ واقِعًا بِالخَمْسَةِ المُتَحَيِّرَةِ، وعَلى القَوْلِ الثّانِي يَكُونُ القَسَمُ واقِعًا بِجَمِيعِ الكَواكِبِ وعَلى هَذا الِاحْتِمالِ الَّذِي ذَكَرْتُهُ يَكُونُ القَسَمُ واقِعًا بِالسَّبْعَةِ السَّيّارَةِ، واللَّهُ أعْلَمُ بِمُرادِهِ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ ﴿بِالخُنَّسِ﴾ ﴿الجَوارِي الكُنَّسِ﴾ وهو قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ والنَّخَعِيِّ أنَّها بَقَرُ الوَحْشِ، وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هي الظِّباءُ، وعَلى هَذا الخَنَسُ مِنَ الخَنَسِ في الأنْفِ وهو تَقْعِيرٌ في الأنْفِ فَإنَّ البَقَرَ والظِّباءَ أُنُوفُها عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ (الكُنَّسِ) جَمْعُ كانِسٍ وهي الَّتِي تَدْخُلُ الكِناسَ والقَوْلُ هو الأوَّلُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أمْرانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ قالَ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿واللَّيْلِ إذا عَسْعَسَ﴾ وهَذا بِالنُّجُومِ ألْيَقُ مِنهُ بِبَقَرِ الوَحْشِ.
الثّانِي: أنَّ مَحَلَّ قَسَمِ اللَّهِ كُلَّما كانَ أعْظَمَ وأعْلى رُتْبَةً كانَ أوْلى، ولا شَكَّ أنَّ الكَواكِبَ أعْلى رُتْبَةً مِن بَقَرِ الوَحْشِ.
الثّالِثُ: أنْ (الخُنَّسِ) جَمْعُ خانِسٍ مِنَ الخُنُوسِ، وأمّا جَمْعُ خَنْساءَ وأخْنَسَ مِنَ الخَنَسِ خُنْسَ بِالسُّكُونِ والتَّخْفِيفِ، ولا يُقالُ: الخُنَّسُ فِيهِ بِالتَّشْدِيدِ إلّا أنْ يَجْعَلَ الخُنَّسَ في الوَحْشِيَّةِ أيْضًا مِنَ الخُنُوسِ وهو اخْتِفاؤُها في الكِناسِ إذا غابَتْ عَنِ الأعْيُنِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّيْلِ إذا عَسْعَسَ﴾ ذَكَرَ أهْلُ اللُّغَةِ أنَّ عَسْعَسَ مِنَ الأضْدادِ، يُقالُ: عَسْعَسَ اللَّيْلُ إذا أقْبَلَ، وعَسْعَسَ إذا أدْبَرَ، وأنْشَدُوا في وُرُودِها بِمَعْنى أدْبَرَ قَوْلَ العَجّاجِ:
حَتّى إذا الصُّبْحُ لَها تَنَفَّسا وانْجابَ عَنْها لَيْلُها وعَسْعَسا
وأنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ في مَعْنى أقْبَلَ:
صفحة ٦٧
مُدَرَّجاتُ اللَّيْلِ لَمّا عَسْعَسا
ثُمَّ مِنهم مَن قالَ: المُرادُ هاهُنا أقْبَلَ اللَّيْلُ، لِأنَّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ القَسَمُ واقِعًا بِإقْبالِ اللَّيْلِ وهو قَوْلُهُ: (إذا عَسْعَسَ) وبِإدْبارِهِ أيْضًا وهو قَوْلُهُ: ﴿والصُّبْحِ إذا تَنَفَّسَ﴾ ومِنهم مَن قالَ: بَلِ المُرادُ ”أدْبَرَ“ وقَوْلُهُ: ﴿والصُّبْحِ إذا تَنَفَّسَ﴾ أيِ امْتَدَّ ضَوْءُهُ وتَكامَلَ فَقَوْلُهُ: ﴿واللَّيْلِ إذا عَسْعَسَ﴾ إشارَةٌ إلى أوَّلِ طُلُوعِ الصُّبْحِ، وهو مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿واللَّيْلِ إذْ أدْبَرَ﴾ ﴿والصُّبْحِ إذا أسْفَرَ﴾، وقَوْلُهُ: ﴿والصُّبْحِ إذا تَنَفَّسَ﴾ إشارَةٌ إلى تَكامُلِ طُلُوعِ الصُّبْحِ فَلا يَكُونُ فِيهِ تَكْرارٌ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والصُّبْحِ إذا تَنَفَّسَ﴾ أيْ إذا أسْفَرَ كَقَوْلِهِ: ﴿والصُّبْحِ إذا أسْفَرَ﴾ ثُمَّ في كَيْفِيَّةِ المَجازِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ إذا أقْبَلَ الصُّبْحُ أقْبَلَ بِإقْبالِهِ رَوْحٌ ونَسِيمٌ، فَجَعَلَ ذَلِكَ نَفَسًا لَهُ عَلى المَجازِ، وقِيلَ تَنَفَّسَ الصُّبْحُ.
والثّانِي: أنَّهُ شَبَّهَ اللَّيْلَ المُظْلِمَ بِالمَكْرُوبِ المَحْزُونِ الَّذِي جَلَسَ بِحَيْثُ لا يَتَحَرَّكُ، واجْتَمَعَ الحُزْنُ في قَلْبِهِ، فَإذا تَنَفَّسَ وجَدَ راحَةً. فَهاهُنا لَمّا طَلَعَ الصُّبْحُ فَكَأنَّهُ تَخَلَّصَ مِن ذَلِكَ الحُزْنِ فَعَبَّرَ عَنْهُ بِالتَّنَفُّسِ وهو اسْتِعارَةٌ لَطِيفَةٌ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ المُقْسَمَ بِهِ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ المُقْسَمِ عَلَيْهِ فَقالَ: ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: وهو المَشْهُورُ أنَّ المُرادَ أنَّ القُرْآنَ نَزَلَ بِهِ جِبْرِيلُ.
فَإنْ قِيلَ: هاهُنا إشْكالٌ قَوِيٌّ وهو أنَّهُ حَلَفَ أنَّهُ قَوْلُ جِبْرِيلَ، فَوَجَبَ عَلَيْنا أنْ نُصَدِّقَهُ في ذَلِكَ، فَإنْ لَمْ نَقْطَعْ بِوُجُوبِ حَمْلِ اللَّفْظِ عَلى الظّاهِرِ، فَلا أقَلَّ مِنَ الِاحْتِمالِ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ ثَبَتَ أنَّ هَذا القُرْآنَ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ كَلامَ جِبْرِيلَ لا كَلامَ اللَّهِ، وبِتَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ كَلامَ جِبْرِيلَ يَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ مُعْجِزًا، لِاحْتِمالِ أنَّ جِبْرِيلَ ألْقاهُ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ عَلى سَبِيلِ الإضْلالِ، ولا يُمْكِنُ أنْ يُجابَ عَنْهُ بِأنَّ جِبْرِيلَ مَعْصُومٌ لا يَفْعَلُ الإضْلالَ، لِأنَّ العِلْمَ بِعِصْمَةِ جِبْرِيلَ مُسْتَفادٌ مِن صِدْقِ النَّبِيِّ، وصِدْقَ النَّبِيِّ مُفَرَّعٌ عَلى كَوْنِ القُرْآنِ مُعْجِزًا، وكَوْنَ القُرْآنِ مُعْجِزًا يَتَفَرَّعُ عَلى عِصْمَةِجِبْرِيلَ، فَيَلْزَمُ الدَّوْرُ وهو مُحالٌ. والجَوابُ: الَّذِينَ قالُوا: بِأنَّ القُرْآنَ إنَّما كانَ مُعْجِزًا لِلصِّرْفَةِ، إنَّما ذَهَبُوا إلى ذَلِكَ المَذْهَبِ فِرارًا مِن هَذا السُّؤالِ؛ لِأنَّ الإعْجازَ عَلى ذَلِكَ القَوْلِ لَيْسَ في الفَصاحَةِ، بَلْ في سَلْبِ تِلْكَ العُلُومِ والدَّواعِي عَنِ القُلُوبِ، وذَلِكَ مِمّا لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ أحَدٌ إلّا اللَّهَ تَعالى.
القَوْلُ الثّانِي: أنَّ هَذا الَّذِي أخْبَرَكم بِهِ مُحَمَّدٌ مِن أمْرِ السّاعَةِ عَلى ما ذُكِرَ في هَذِهِ السُّورَةِ لَيْسَ بِكَهانَةٍ ولا ظَنٍّ ولا افْتِعالٍ، إنَّما هو قَوْلُ جِبْرِيلَ أتاهُ بِهِ وحْيًا مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى وصَفَ جِبْرِيلَ هاهُنا بِصِفاتٍ سِتٍّ.
أوَّلُها: أنَّهُ رَسُولٌ ولا شَكَّ أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ إلى الأنْبِياءِ فَهو رَسُولٌ وجَمِيعُ الأنْبِياءِ أُمَّتُهُ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿يُنَزِّلُ المَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِن أمْرِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ [النحل: ٢] وقالَ: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ ﴿عَلى قَلْبِكَ﴾ [الشعراء: ١٩٣] .
وثانِيها: أنَّهُ كَرِيمٌ، ومِن كَرَمِهِ أنَّهُ يُعْطِي أفْضَلَ العَطايا، وهو المَعْرِفَةُ والهِدايَةُ والإرْشادُ.
صفحة ٦٨
وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿ذِي قُوَّةٍ﴾ ثُمَّ مِنهم مَن حَمَلَهُ عَلى الشِّدَّةِ، رُوِيَ «أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - قالَ لِجِبْرِيلَ: ”ذَكَرَ اللَّهُ قُوَّتَكَ، فَماذا بَلَغْتَ ؟ قالَ رَفَعْتُ قُرَيّاتِ قَوْمِ لُوطٍ الأرْبَعَ عَلى قَوادِمِ جَناحِي حَتّى إذا سَمِعَ أهْلُ السَّماءِ نُباحَ الكِلابِ وأصْواتَ الدَّجاجِ قَلَبْتُها“» وذَكَرَ مُقاتِلٌ أنَّ شَيْطانًا يُقالُ لَهُ الأبْيَضُ صاحِبُ الأنْبِياءِ قَصَدَ أنْ يَفْتِنَ النَّبِيَّ ﷺ فَدَفَعَهُ جِبْرِيلُ دَفْعَةً رَقِيقَةً وقَعَ بِها مِن مَكَّةَ إلى أقْصى الهِنْدِ، ومِنهم مَن حَمَلَهُ عَلى القُوَّةِ في أداءِ طاعَةِ اللَّهِ وتَرْكِ الإخْلالِ بِها مِن أوَّلِ الخَلْقِ إلى آخِرِ زَمانِ التَّكْلِيفِ، وعَلى القُوَّةِ في مَعْرِفَةِ اللَّهِ وفي مُطالَعَةِ جَلالِ اللَّهِ.
ورابِعُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عِنْدَ ذِي العَرْشِ مَكِينٍ﴾ وهَذِهِ العِنْدِيَّةُ لَيْسَتْ عِنْدِيَّةَ المَكانِ، مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿ومَن عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأنبياء: ١٩] ولَيْسَتْ عِنْدِيَّةُ الجِهَةِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ «”أنا عِنْدَ المُنْكَسِرَةِ قُلُوبُهم“» بَلْ عِنْدِيَّةُ الإكْرامِ والتَّشْرِيفِ والتَّعْظِيمِ. وأمّا (مَكِينٌ) فَقالَ الكِسائِيُّ: يُقالُ قَدْ مَكُنَ فُلانٌ عِنْدَ فُلانٍ بِضَمِّ الكافِ مَكْنًا ومَكانَةً، فَعَلى هَذا المَكِينُ هو ذُو الجاهِ الَّذِي يُعْطِي ما يُسْألُ.
وخامِسُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُطاعٍ ثَمَّ﴾ اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: (ثَّمَ) إشارَةٌ إلى الظَّرْفِ المَذْكُورِ، أعْنِي ﴿عِنْدَ ذِي العَرْشِ﴾ والمَعْنى أنَّهُ عِنْدَ اللَّهِ مُطاعٌ في مَلائِكَتِهِ المُقَرَّبِينَ يُصْدِرُونَ عَنْ أمْرِهِ ويَرْجِعُونَ إلى رَأْيِهِ، وقُرِئَ ”ثُمَّ“ تَعْظِيمًا لِلْأمانَةِ وبَيانًا لِأنَّها أفْضَلُ صِفاتِهِ المَعْدُودَةِ.
وسادِسُها: قَوْلُهُ: ﴿أمِينٍ﴾ أيْ هو أمِينٌ عَلى وحْيِ اللَّهِ ورِسالاتِهِ، قَدْ عَصَمَهُ اللَّهُ مِنَ الخِيانَةِ والزَّلَلِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما صاحِبُكم بِمَجْنُونٍ﴾ واحْتَجَّ بِهَذِهِ الآيَةِ مَن فَضَّلَ جِبْرِيلَ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ فَقالَ: إنَّكَ إذا وازَنْتَ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي العَرْشِ مَكِينٍ﴾ ﴿مُطاعٍ ثَمَّ أمِينٍ﴾ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿وما صاحِبُكم بِمَجْنُونٍ﴾ ظَهَرَ التَّفاوُتُ العَظِيمُ: ﴿ولَقَدْ رَآهُ بِالأُفُقِ المُبِينِ﴾ يَعْنِي حَيْثُ تَطْلُعُ الشَّمْسُ في قَوْلِ الجَمِيعِ، وهَذا مُفَسَّرٌ في سُورَةِ النَّجْمِ ﴿وما هو عَلى الغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ أيْ وما مُحَمَّدٌ عَلى الغَيْبِ بِظَنِينٍ والغَيْبُ هاهُنا القُرْآنُ وما فِيهِ مِنَ الأنْباءِ والقَصَصِ والظَّنِينُ المُتَّهَمُ يُقالُ: ظَنَنْتُ زَيْدًا في مَعْنى اتَّهَمْتُهُ، ولَيْسَ مِنَ الظَّنِّ الَّذِي يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، والمَعْنى ما مُحَمَّدٌ عَلى القُرْآنِ بِمُتَّهَمٍ أيْ هو ثِقَةٌ فِيما يُؤَدِّي عَنِ اللَّهِ، ومَن قَرَأ بِالضّادِ فَهو مِنَ البُخْلِ يُقالُ ضَنَنْتُ بِهِ أضِنُّ أيْ بَخِلْتُ، والمَعْنى لَيْسَ بِبَخِيلٍ فِيما أنْزَلَ اللَّهُ، قالَ الفَرّاءُ: يَأْتِيهِ غَيْبُ السَّماءِ، وهو شَيْءٌ نَفِيسٌ فَلا يَبْخَلُ بِهِ عَلَيْكم، وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: المَعْنى أنَّهُ يُخْبَرُ بِالغَيْبِ فَيُبَيِّنُهُ ولا يَكْتُمُهُ كَما يَكْتُمُ الكاهِنُ ذَلِكَ ويَمْتَنِعُ مِن إعْلامِهِ حَتّى يَأْخُذَ عَلَيْهِ حُلْوانًا، واخْتارَ أبُو عُبَيْدَةَ القِراءَةَ الأُولى لِوَجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ الكُفّارَ لَمْ يُبَخِّلُوهُ، وإنَّما اتَّهَمُوهُ فَنَفْيُ التُّهْمَةِ أوْلى مِن نَفْيِ البُخْلِ.
وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿عَلى الغَيْبِ﴾ ولَوْ كانَ المُرادُ البُخْلَ لَقالَ بِالغَيْبِ لِأنَّهُ يُقالُ: فُلانٌ ضَنِينٌ بِكَذا وقَلَّما يُقالُ عَلى كَذا.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما هو بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ﴾ كانَ أهْلُ مَكَّةَ يَقُولُونَ: إنَّ هَذا القُرْآنَ يَجِيءُ بِهِ شَيْطانٌ فَيُلْقِيهِ عَلى لِسانِهِ، فَنَفى اللَّهُ ذَلِكَ، فَإنْ قِيلَ القَوْلُ بِصِحَّةِ النُّبُوَّةِ مَوْقُوفٌ عَلى نَفْيِ هَذا الِاحْتِمالِ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ نَفْيُ هَذا الِاحْتِمالِ بِالدَّلِيلِ السَّمْعِيِّ ؟ قُلْنا: بَيَّنّا أنَّ عَلى القَوْلِ بِالصِّرْفَةِ لا تَتَوَقَّفُ صِحَّةُ النُّبُوَّةِ عَلى نَفْيِ هَذا الِاحْتِمالِ، فَلا جَرَمَ يُمْكِنُ نَفْيُ هَذا الِاحْتِمالِ بِالدَّلِيلِ السَّمْعِيِّ.
صفحة ٦٩
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَأيْنَ تَذْهَبُونَ﴾ وهَذا اسْتِضْلالٌ لَهم يُقالُ لِتارِكِ الجادَّةِ اعْتِسافًا: أيْنَ تَذْهَبُ ؟ مُثِّلَتْ حالُهم بِحالِهِ في تَرْكِهِمُ الحَقَّ وعُدُولِهِمْ عَنْهُ إلى الباطِلِ، والمَعْنى أيُّ طَرِيقٍ تَسْلُكُونَ أبَيْنُ مِن هَذِهِ الطَّرِيقَةِ الَّتِي قَدْ بَيَّنْتُ لَكم، قالَ الفَرّاءُ: العَرَبُ تَقُولُ إلى أيْنَ تَذْهَبُ وأيْنَ تَذْهَبُ، وتَقُولُ ذَهَبْتُ الشّامَ وانْطَلَقْتُ السُّوقَ، واحْتَجَّ أهْلُ الِاعْتِزالِ بِهَذِهِ الآيَةِ ووَجْهُهُ ظاهِرٌ.
ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ القُرْآنَ ما هو، فَقالَ: ﴿إنْ هو إلّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ أيْ هو بَيانٌ وهِدايَةٌ لِلْخَلْقِ أجْمَعِينَ.
التكوير 81:28
ثُمَّ قالَ: ﴿لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَسْتَقِيمَ﴾ وهو بَدَلٌ مِنَ العالَمِينَ، والتَّقْدِيرُ: إنْ هو إلّا ذِكْرٌ لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَسْتَقِيمَ، وفائِدَةُ هَذا الإبْدالِ أنَّ الَّذِينَ شاءُوا الِاسْتِقامَةَ بِالدُّخُولِ في الإسْلامِ هُمُ المُنْتَفِعُونَ بِالذِّكْرِ، فَكَأنَّهُ لَمْ يُوعَظْ بِهِ غَيْرُهم، والمَعْنى أنَّ القُرْآنَ إنَّما يَنْتَفِعُ بِهِ مَن شاءَ أنْ يَسْتَقِيمَ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ مَشِيئَةَ الِاسْتِقامَةِ مَوْقُوفَةٌ عَلى مَشِيئَةِ اللَّهِ.
﴿وما تَشاءُونَ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّ العالَمِينَ﴾ أيْ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ تَعالى أنْ يُعْطِيَهُ تِلْكَ المَشِيئَةَ، لِأنَّ فِعْلَ تِلْكَ المَشِيئَةِ صِفَةٌ مُحْدَثَةٌ فَلا بُدَّ في حُدُوثِها مِن مَشِيئَةٍ أُخْرى فَيَظْهَرُ مِن مَجْمُوعِ هَذِهِ الآياتِ أنَّ فِعْلَ الِاسْتِقامَةِ مَوْقُوفٌ عَلى إرادَةِ الِاسْتِقامَةِ. وهَذِهِ الإرادَةُ مَوْقُوفَةُ الحُصُولِ عَلى أنْ يُرِيدَ اللَّهُ أنْ يُعْطِيَهُ تِلْكَ الإرادَةَ، والمَوْقُوفُ عَلى المَوْقُوفِ عَلى الشَّيْءِ مَوْقُوفٌ عَلى ذَلِكَ الشَّيْءِ، فَأفْعالُ العِبادِ في طَرَفَيْ ثُبُوتِها وانْتِفائِها، مَوْقُوفَةٌ عَلى مَشِيئَةِ اللَّهِ وهَذا هو قَوْلُ أصْحابِنا، وقَوْلُ بَعْضِ المُعْتَزِلَةِ إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَخْصُوصَةٌ بِمَشِيئَةِ القَهْرِ والإلْجاءِ ضَعِيفٌ؛ لِأنّا بَيَّنّا أنَّ المَشِيئَةَ الِاخْتِيارِيَّةَ شَيْءٌ حادِثٌ، فَلا بُدَّ لَهُ مِن مُحْدِثٍ فَيَتَوَقَّفُ حُدُوثُها عَلى أنْ يَشاءَ مُحْدِثُها إيجادَها، وحِينَئِذٍ يَعُودُ الإلْزامُ، واللَّهُ أعْلَمُ بِالصَّوابِ.
التكوير 81:29
ثُمَّ قالَ: ﴿لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَسْتَقِيمَ﴾ وهو بَدَلٌ مِنَ العالَمِينَ، والتَّقْدِيرُ: إنْ هو إلّا ذِكْرٌ لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَسْتَقِيمَ، وفائِدَةُ هَذا الإبْدالِ أنَّ الَّذِينَ شاءُوا الِاسْتِقامَةَ بِالدُّخُولِ في الإسْلامِ هُمُ المُنْتَفِعُونَ بِالذِّكْرِ، فَكَأنَّهُ لَمْ يُوعَظْ بِهِ غَيْرُهم، والمَعْنى أنَّ القُرْآنَ إنَّما يَنْتَفِعُ بِهِ مَن شاءَ أنْ يَسْتَقِيمَ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ مَشِيئَةَ الِاسْتِقامَةِ مَوْقُوفَةٌ عَلى مَشِيئَةِ اللَّهِ.
﴿وما تَشاءُونَ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّ العالَمِينَ﴾ أيْ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ تَعالى أنْ يُعْطِيَهُ تِلْكَ المَشِيئَةَ، لِأنَّ فِعْلَ تِلْكَ المَشِيئَةِ صِفَةٌ مُحْدَثَةٌ فَلا بُدَّ في حُدُوثِها مِن مَشِيئَةٍ أُخْرى فَيَظْهَرُ مِن مَجْمُوعِ هَذِهِ الآياتِ أنَّ فِعْلَ الِاسْتِقامَةِ مَوْقُوفٌ عَلى إرادَةِ الِاسْتِقامَةِ. وهَذِهِ الإرادَةُ مَوْقُوفَةُ الحُصُولِ عَلى أنْ يُرِيدَ اللَّهُ أنْ يُعْطِيَهُ تِلْكَ الإرادَةَ، والمَوْقُوفُ عَلى المَوْقُوفِ عَلى الشَّيْءِ مَوْقُوفٌ عَلى ذَلِكَ الشَّيْءِ، فَأفْعالُ العِبادِ في طَرَفَيْ ثُبُوتِها وانْتِفائِها، مَوْقُوفَةٌ عَلى مَشِيئَةِ اللَّهِ وهَذا هو قَوْلُ أصْحابِنا، وقَوْلُ بَعْضِ المُعْتَزِلَةِ إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَخْصُوصَةٌ بِمَشِيئَةِ القَهْرِ والإلْجاءِ ضَعِيفٌ؛ لِأنّا بَيَّنّا أنَّ المَشِيئَةَ الِاخْتِيارِيَّةَ شَيْءٌ حادِثٌ، فَلا بُدَّ لَهُ مِن مُحْدِثٍ فَيَتَوَقَّفُ حُدُوثُها عَلى أنْ يَشاءَ مُحْدِثُها إيجادَها، وحِينَئِذٍ يَعُودُ الإلْزامُ، واللَّهُ أعْلَمُ بِالصَّوابِ.